ghaemiyeh.com
بطاقة تعريف:الموسوي آل طيب، السيد محمدكاظم، 1331-
عنوان العقد:نهج البلاغة. وصف
Nhjol-Balaghah. Commantries
عنوان واسم المؤلف: مصباح السعادة في شرح النهج البلاغة المجلد 15 [علي بن أبي طالب (علیه السلام)]/ مولف السيد محمدكاظم الموسوي آل طيب.
تفاصيل المنشور: قم: دارالتفسیر، 1440ق.= 1397.
مواصفات المظهر:8ج
ISBN:ج.6 978-964-535-716-8 :
حالة القائمة: الفيفا
ملاحظة: عربي.
ملاحظة:ج.6 (چاپ اول: 1442 ق = 1399) (فیپا).
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق -- خطب
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- *Public speaking
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق. -- کلمات قصار
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- Quotations
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل از هجرت - 40ق . نهج البلاغة -- النقد والتعليق
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I. Nahjol - Balaghah -- Criticism and interpretation
المعرف المضاف: علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق . نهج البلاغة. وصف
المعرف المضاف:Ali ibn Abi-talib, Imam I Commantries.. Nahjol - Balaghah
ترتيب الكونجرس: BP38/02/م83 1397
تصنيف ديوي: 297/9515
رقم الببليوغرافيا الوطنية:5402095
معلومات التسجيلة الببليوغرافية: FIPA
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
شناسنامه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدللّه ربّ العالمين وصلّى اللّه على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين سيّما بقيّة اللّه في الارضين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين
إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلاَ خِذْلاَنُهُ بِكَثْرَةٍ وَلاَ قِلَّةٍ وَهُوَ دِينُ اللّهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ وَجُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَأَمَدَّهُ حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ وَطَلَعَ حَيْثُمَا طَلَعَ وَنَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللّهِ وَاللّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ وَنَاصِرٌ جُنْدَهُ وَمَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُهُ وَيَضُمُّهُ فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ وَذَهَبَ ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَداً وَالْعَرَبُ الْيَوْمَ وَإِنْ كَانُوا قَلِيلاً فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالاْءِسْلاَمِ عَزِيزُونَ بِالاجْتِمَاعِ فَكُنْ قُطْباً وَاسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ وَأَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ إِنَّ الْأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا هَذَا أَصْلُ الْعَرَبِ فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ وَطَمَعِهِمْ فِيكَ فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ وَهُوَ
أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ وَإِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَة.
قال ابن أبي الحديد: اختلف الحال التي قال عليهالسلام هذا الكلام لعمر، فقيل في غزاة القادسية ذهب إليه المدائني في فتوحه فقال: استشار عمر في أمر القادسية، فأشار عليه علي عليهالسلام ان لا يخرج بنفسه، وقال «انك ان تخرج لا تكون للعجم همّة إلا استيصالك، لعلمهم انك قطب رحى العرب فلا تكون للإسلام بعدها دولة»، وأشار عليه غيره أن يخرج بنفسه فأخذ برأي علي عليهالسلام(1).
وقيل في غزاة نهاوند ذهب إليه الطبري فقال: ان عمر لما أراد أن يغزو العجم وجيوش كسرى وهي مجتمعة بنهاوند استشار أصحابه، فقام عثمان، فقال: أرى أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم، وتكتب إلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم، ثم تسير أنت بأهل هذين الحرمين إلى مصرين البصرة والكوفة، فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين ـ إلى أن قال ـ فقال علي بن أبي طالب: «أما بعد فان هذا الأمر لم يكن نصره بكثرة ولا قلّة، انما هو دين اللّه الذي أظهره وجنده الذي أعزّه وأمدّه بالملائكة حتى بلغ ما بلغ، فنحن على موعود من اللّه واللّه منجز وعده وناصر جنده، وان مكانك منهم مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه، فان انحل تفرّق ما فيه وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا، والعرب اليوم وان كانوا قليلا
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 96/9 ـ 97.
فانهم كثير عزيز بالاسلام، أقم مكانك واكتب إلى أهل الكوفة فانهم أعلام العرب ورؤاؤم، وليشخص منهم الثلثان وليقم الثلث، واكتب إلى أهل البصرة أن يمدّوهم ببعض من عندهم، ولا تشخص الشام ولا اليمن فانك ان أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم، وان أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم، ومتى شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أقطارها وأطرافها حتى يكون ما تدع وراءك أهم اليك مما بين يديك من العورات والعيالات، إنّ الأعاجم إن ينظروا اليك غدا قالوا هذا أمير العرب وأصلهم، فكان ذلك أشد لكلبهم عليك. وأما ما ذكرت من مسير القوم فان اللّه هو أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما ما ذكرت من عددهم فانا لم نكن نقاتل في ما مضى بالكثرة وانما كنّا نقاتل بالصبر والنصر»، قال عمر: أجل هذا الرأي وقد كنت أحب أن أتابع عليه(1).
بل لا خلاف ان هذا الكلام قال عليهالسلام نهاوند، وصرح به غير الطبري المفيد(2)، وأبو حنيفة الدينوري(3)، وأعثم الكوفي(4)، وأما المدائني فلم يقل انّه عليهالسلام قال هذا الكلام في القادسية، وانما قال: أشار عليهالسلام على عمر بعدم خروجه في القادسية، فعمر استشار المسلمين في كلّ منهما، وهو عليهالسلام أشار عليه في كليهما، كما صرح به أعثم الكوفي، وزاد انّه أشار على عمر في القادسية بتولية سعد، وفي نهاوند بتولية النعمان.
وبالجملة العنوان كلامه عليهالسلام في نهاوند ردّا لرأي عثمان، ولم يقل أحد في القادسية ان عثمان أو غيره أشار على أشخاص أهل الشام واليمن، أو البصرة والكوفة.
لكن الغريب ان البلاذري نقل انّه عليهالسلام أشار في القادسية بالشخوص فأبى، كما نقل ان عمر طلب منه عليهالسلام الشخوص فأبى، فقال: كتب المسلمون إلى عمر يعلمونه كثرة من تجمع لهم من أهل فارس ويسألونه المدد، فأراد أن يغزو بنفسه وعسكر لذلك، فأشار عليه العباس وجماعة من مشايخ الصحابة بالمقام، وتوجيه الجيوش والبعوث، ففعل ذلك، وأشار عليه علي عليهالسلام بالمسير، فقال له: اني قد عزمت على المقام، وعرض على علي الشخوص فأباه(1).
و كيف كان فقال الدينوري: كانت وقعة نهاوند في سنة (21)، وذلك أن العجم لما قتلوا بجلولاء، وهرب يزدجرد الملك فصار بقم، ووجه رسله في البلدان يستجيش، فغضب له أهل مملكته، فانحلت إليه الأعاجم من أقطار البلاد، فأتاه أهل قومس وطبرستان وجرجان ودنباوند والري واصبهان وهمذان والماهين، واجتمعت عنده جموع عظيمة، فولى أمرهم مردانشاه ابن هرمزد، وجههم إلى نهاوند، وكتب عمار بذلك إلى عمر ـ إلى أن قال ـ ثم تكلم عثمان، فقال: اكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم، وإلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم، و إلى أهل البصرة فيسيروا من بصرتهم، وسر أنت بأهل هذا الحرم حتى توافي الكوفة، وقد وافاك المسلمون من أقطار أرضهم وآفاق بلادهم، فانك إذا فعلت ذلك كنت أكثر منهم جمعا وأعز نفرا. فقال المسلمون من كل ناحية: صدق عثمان. فقال عمر
1) .فتوح البلدان: 313/2/ ش 632.
لعلي عليهالسلام: ما تقول أنت يا أبا الحسن فقال: انك ان أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم، وان سيرت أهل اليمن من يمنهم خلفت الحبشة على أرضهم، وان شخصت أنت من هذا الحرم انتقضت عليك الأرض من أقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العيالات أهم اليك مما قدامك، وان العجم إذا رأوك عيانا قالوا: هذا ملك العرب كلّها، فكان أشدّ لقتالهم، و انا لم نقاتل الناس على عهد نبيّنا صلىاللهعليهوآله ولا بعده بالكثرة، بل اكتب إلى أهل الشام أن يقيم منهم بشامهم الثلثان ويشخص الثلث، وكذلك إلى عمان، وكذلك سائر الأمصار والكور» فقال عمر: وهو الرأي كنت رأيته، ولكني أحببت ان تتابعوني عليه. فكتب بذلك إلى الأمصار.
ثم قال: لأولين الحرب رجلا يكون غدا لأسنة القوم جرزا(1)، فولّى الأمر النعمان بن مقرن المزني ـ وكان من خيار الصحابة ـ وكان على خراج كسكر، فدعا عمر السائب بن الأقرع، فدفع إليه عهد النعمان بن مقرن وقال له: ان قتل النعمان فولّي الأمر حذيفة. وان قتل حذيفة فولّي الأمر جرير البجلي، وان قتل جرير فالأمير المغيرة، وان قتل المغيرة فالأمير الأشعث(2).
و كتب إلى النعمان: ان قبلك رجلين هما فارسا العرب عمرو بن معد يكرب وطليحة بن خويلد، فشاورهما في الحرب ولا تولهما شيئا من الأمر.
ثم قال للسائب: ان أظفر اللّه المسلمين فتول أمر المغنم، ولا ترفع إلي باطلا، وان يهلك ذلك الجيش فاذهب فلا أرينك.
فسار السائب حتى ورد الكوفة، ودفع إلى النعمان عهده، ووافت الأمداد، وخلف أبو موسى بالبصرة ثلثي الناس، وسار بالثلث الآخر حتى وافى الكوفة،
فتجهز الناس، وساروا إلى نهاوند، فنزلوا بمكان يسمى الاسفيذهان(1)ـ من مدينة نهاوند على ثلاثة فراسخ قرب قرية يقال لها قديس جان ـ وأقبلت الأعاجم يقودها مردانشاه بن هرمزد، حتى عسكروا قريبا من عسكر المسلمين، و خندقوا على أنفسهم، وأقام الفريقان بمكانيهما، فقال النعمان لعمرو وطليحة: ما تريان، فان هؤاء القوم قد أقاموا بمكانهم لا يخرجون منه، وامدادهم تترى عليهم كلّ يوم. فقال عمرو: الرأي ان تشيع ان عمر توفي ثم ترتحل بجميع من معك، فان القوم إذا بلغهم ذلك طلبونا، فتقف لهم عند ذلك. ففعل النعمان ذلك، وتباشرت الأعاجم، وخرجوا في آثار المسلمين، حتى إذا قاربوهم وقفوا لهم، ثم تزاحفوا فاقتتلوا، فلم يسمع إلا وقع الحديد على الحديد، وكثرت القتلى من الفريقين، وحال بينهما الليل، فانصرف كلّ فريق إلى معسكره، وبات المسلمون ولهم أنين من الجراح، ثم أصبحوا وذلك يوم الأربعاء، فتزاحفوا واقتتلوا يومهم كلّه وصبر الفريقان، ثم كان ذلك دأبهم يوم الخميس، وتزاحفوا يوم الجمعة وتوافقوا، وركب النعمان برذونا أشهب ولبس ثيابا بيضا وسار بين الصفوف يذمر المسلمين ويحضهم، وجعل ينتظر الساعة التي كان النبي صلىاللهعليهوآله يقاتل فيها ويستنزل النصر، وهي زوال النهار ومهب الرياح، وسار في الرايات يقول لهم اني هازّ لكم الراية ثلاثا، فاذا هززتها أوّل مرة فليشد كلّ رجل منكم حزام فرسه، وليستلم شكته، فاذا هززتها الثانية فصوبوا رماحكم، وهزوا سيوفكم، فاذا هززتها الثالثة فكبروا واحملوا فاني حامل(2)، فلما زالت الشمس بأدنى صلّوا ركعتين ركعتين ووقف ونظر الناس إلى
الراية، فلما هزها الثالثة كبروا وحملوا وانتقضت صفوف الأعاجم، وكان النعمان أول قتيل، فحمله أخوه سويد بن مقرن إلى فسطاطه، فخلع ثيابه، فلبسها وتقلّد سيفه، وركب فرسه، فلم يشك أكثر الناس أنّه النعمان وثبتوا يقاتلون عدوهم، ثم أنزل اللّه نصره وانهزمت الأعاجم، فذهبت على وجوهها حتى صاروا إلى قرية من نهاوند على فرسخين، فنزلوها لأن حصن نهاوند لم يسعهم، وأقبل حذيفة ـ وقد كان تولى الأمر بعد النعمان ـ حتى أناخ عليهم فحاصرهم بها، فخرجوا ذات يوم مستعدين للحرب، فقاتلهم المسلمون، فانهزمت الأعاجم وانقطع عظيم من عظمائهم يسمى دينار، فحال المسلمون بينه وبين الدخول إلى الحصن، واتبعه رجل من عبس يقال له سماك بن عبيد، فقتل قوما كانوا معه واستسلم له الفارسي، فاستأسره سماك، فقال لسماك: انطلق بي إلى أميركم، فاني صاحب هذه الكورة لأصالحه على هذه الأرض، وافتح له باب الحصن، فانطلق به إلى حذيفة، فصالحه عليها وكتب له بذلك كتابا، فأقبل دينار حتى وقف على باب حصن نهاوند ونادى: افتحوا باب الحصن وانزلوا فقد أمنكم الأمير وصالحني على أرضكم، فنزلوا إليه، فعند ذلك سميت (ماه دينار)(1).
و أقبل رجل من أشراف تلك البلاد إلى السائب بن الأقرع ـ وكان على المغانم ـ فقال له: أ تصالحني على ضياعي وتؤنني على أموالي حتى أدلكم على كنز لا يدرى ما قدره، فيكون خالصا لأميركم الأعظم، لأنّه شيء لم يؤذ في الغنيمة ـ وكان سبب هذا الكنز ان النخارجان الذي كان يوم القادسية أقبل بالمدد، فألفى العجم قد انهزموا، فوقف فقاتل حتى قتل ـ كان من عظماء الأعاجم وكان كريما
1) .الأخبار الطوال: 136.
على كسرى ابرويز، وكانت له امرأة من أكثر النساء جمالا، وكانت تختلف إلى كسرى، فبلغ ذلك النخارجان، فرفضها فلم يقربها، وبلغ ذلك كسرى فقال يوما للنخارجان ـ وقد دخل عليه مع العظماء والاشراف ـ بلغني ان لك عينا عذبة الماء، وانك لا تشرب منها. فقال النخارجان: أيها الملك، بلغني ان الأسد ينتاب تلك العين، فاجتنبتها مخافة الأسد. فاستحلى كسرى جواب النخارجان وعجب من فطنته، فدخل دار نسائه ـ وكانت له ثلاثة آلاف امرأة لفراشه ـ فجمعهن وأخذ ما كان عليهم من حلي، فجمعه ودفعه إلى امرأة النخارجان، ودعا بالصاغة فاتخذوا للنخارجان تاجا من ذهب مكللا بالجوهر الثمين، فتوجه به، فبقي ذلك التاج وتلك الحلي عند ولد بني تلك المرأة، فلما وقعت الحروب بناحيتهم ساروا به إلى قرية لابيهم سميت باسمه يقال لها الخوارجان وفيها بيت نار، فاقتلعوا الكانون(1)ودفنوا الحلي تحته وأعادوا الكانون كهيئته، فقال له السائب: ان كنت صادقا فأنت آمن على أموالك وضياعك وأهلك وولدك، فانطلق به حتى استخرجه في سفطين أحدهما التاج والآخر الحلي، فلما قسم السائب الغنائم بين من حضر القتال وفرغ، حمل السفطين في خرجين على ناقة وقدم بهما على عمر، فكان من أمرهما الخبر المشهور، اشتراهما عمرو بن الحارث بعطاء المقاتلة والذرية جميعا، ثم حملهما إلى الحيرة، فباعهما بفضل كثير واعتقد بذلك أموالا بالعراق ـ وكان أول قرشي اعتقد بالعراق ـ فقال عروة بن زيد الخيل يذكر أيامهم:
ألا طرقت رحلي وقد نام صحبتي *** بايوان سيرين المزخرف حلتي
و لو شهدت يومي جلولاء حربنا *** ويوم نهاوند المهول استهلت
1) . الكانون: الموقد.
اذن لرأت ضرب امرئ غير خامل *** مجيد بطعن الرمح أروع مصلت(1)
وروى قريبا من ذلك من كلامه عليهالسلام، وكون السبب تكاتب أهل همدان والري واصبهان وقومس ونهاوند، المفيد في قضاياه عليهالسلام في أيام عمر عن شبابة بن سوار عن أبي بكر الهذلي(2).
ظن صاحب عمر ان نصر المسلمين انما كان بالكثرة، كما في يوم حنين قال تعالى: «وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤمِنِينَ»(3).
قالوا: خرج النبي صلىاللهعليهوآله متوجها إلى حنين في عشرة آلاف من المسلمين، فظن أكثرهم انهم لن يغلبوا لما شاهدوه من جمعهم وكثرة عدتهم وسلاحهم، وأعجب أبا بكر الكثرة يومئذ فقال: لن نغلب اليوم من قلة. فلما التقوا لم يلبثوا حتى انهزموا، ولم يبق مع النبي صلىاللهعليهوآله إلا تسعة من بني هاشم، و أيمن بن أم أيمن(4).
قال ابن قتيبة: كان الذين ثبتوا يوم حنين بعد هزيمة الناس علي والعباس، والفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث، وابنه، وربيعة بن الحارث، واسامة بن زيد، وأيمن بن ام أيمن، وقتل يومئذ، قال العباس:
نصرنا رسول اللّه في الحرب سبعة *** وقد فرّ من قد فرّ منهم فأقشعوا
و ثامننا لقي الحمام بسيفه *** بما مسه في اللّه لا يتوجع
يعني أيمن(1).
قال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ»(2).
قال تعالى: «وَإِذْ
يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ * إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَما جَعَلَهُ اللّهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ»(3).
وقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً»(4).
وقال تعالى: «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ» ـ إلى ـ «وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ(1).
الإسلام.
قال تعالى: «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً»(2).
وقال تعالى: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْواجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً»(3).
قال تعالى: «وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم»(4).
وقال تعالى: «إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهاد»(5).
عن عمرو بن عوف المزني قال: خط النبي صلىاللهعليهوآله الخندق عام الأحزاب من أجم الشيخين طرف بني حارثة حتى بلغ المذاد، ثم قطعه أربعين ذراعا بين كلّ عشرة، فاحتق المهاجرون والأنصار في سلمان ـ وكان رجلا قويا ـ فقالت الأنصار
سلمان منّا وقالت المهاجرون سلمان منّا، فقال النبي صلىاللهعليهوآله: سلمان منّا أهل البيت، فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المازني و ستة من الأنصار في أربعين ذراعا، فحفرنا تحت ذناب (ذو باب) حتى بلغنا الندى، فأخرج اللّه تعالى من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة، فكسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا يا سلمان أرق إلى النبي صلىاللهعليهوآله فأخبره خبر هذه الصخرة، فاما ان نعدل عنها فان المعدل قريب، واما أن يأمرنا فيها بأمره، فانا لا نحب أن نجاوز خطه، فرقى سلمان حتى أتى النبي صلىاللهعليهوآله وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال له: بأبينا أنت وامنا خرجت صخرة بيضاء من الخندق مروة، فكسرت حديدنا وشقت حتى ما نحك فيها قليلا ولا كثيرا، فمرنا فيها بأمرك، فهبط النبي صلىاللهعليهوآله مع سلمان في الخندق ورقينا نحن التسعة على شقة الخندق، فأخذ النبي صلىاللهعليهوآله المعول من سلمان، فضرب الصخرة ضربة صدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابيتها ـ إلى المدينة ـ حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبّر النبي تكبير فتح وكبّر المسلمون، ثم ضربها النبي الثانية، فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لا بيتها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبّر النبي تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها النبي الثالثة، فكسرها وبرق منها برقة اضاء ما بين لا بيتها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر النبي تكبير فتح وكبر المسلمون.
ثم أخذ بيده سلمان فرقا، فقال سلمان له صلىاللهعليهوآله بأبي أنت وامي لقد رأيت شيئا ما رأيته قط، فالتفت النبي إلى القوم فقال: هل رأيتم ما يقول سلمان فقالوا: نعم بأبينا
أنت وامنا قد رأيناك تضرب، فيخرج برق كالموج، فرأيناك تكبر و نكبر ولا نرى شيئا غير ذلك. قال: صدقتم ضربت ضربتي الاولى، فبرق الذي رأيتم أضاءت لي
منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل ان امتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل ان امتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة، فبرق منها الذي رأيتم أضاءت لى منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل ان امتي ظاهرة عليها، فابشروا يبلغهم النصر، وابشروا يبلغهم النصر، وابشروا يبلغهم النصر.
فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد للّه، موعد صادق بار، وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب، فقال المؤنون: هذا ما وعدنا اللّه ورسوله، وصدق اللّه ورسوله، وما زادهم إلا ايمانا وتسليما، وقال المنافقون: ألا تعجبون يحدثكم ويمنّيكم ويعدكم الباطل، يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وانها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا، فأنزل القرآن «وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً»(1)،(2).
الخيط الذي ينظم به اللؤؤ
بالتحريك، وخرزات الملك جواهر تاجه.
عن كعب: مثل الإسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والأطناب والأوتاد، فالفسطاط الإسلام والعمود السلطان والاطناب والأوتاد الناس، لا يصلح بعضه إلا ببعض(1).
أي: بأسره وكماله ونواحيه.
بالعدد
قال تعالى: «وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً»(2)وحّد عليهالسلام القليل كالآية، وقالوا: ويجوز فيه الجمع.
تحت لواء الإسلام، مثلوا الجمع المجتمع باخشاب مجتمعة لم يقدر أحد كسرها، والجمع المتفرق بأخشاب متفرقة يكسرها كلّ أحد.
قال الجوهري: صليت الرجل نارا، إذا أدخلته النار، فان ألقيته فيها القاء كأنك تريد الإحراق قلت: أصليته(1).
أي تحركت.
مِنَالْعَوْرَاتِ
قال الجوهري: العورة كل خلل يتخوّف منه في ثغر أو حرب(2).
من الأعداء.
و المراد به هنا من لسانه غير عربي، قال تعالى: «وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ»(3).
أي: قلعتموه.
بالتحريك أي: شدتهم واذاهم.
قال تعالى: «يُرِيدُونَ
لِيُطْفِؤا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ»(1).
وقال تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ»(2).
قال تعالى: «فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ
فَلَيْسَ»... «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِين»(3).
وقال تعالى: «وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم»(4).
قال أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري لما بدا لعمر في المقام بعد أن كان عزم على الشخوص بنفسه أمر سعد بن أبي وقاص على المسلمين وبعث يزدجرد رستم
الأرمني أميرا على الفرس فأرسل سعد النعمان بن مقرن رسولا إلى يزدجرد فدخل عليه وكلمه بكلام غليظ فقال يزدجرد لو لا أن الرسل لا تقتل لقتلتك ثم حمله وقرا من تراب على رأسه وساقه حتى أخرجه من باب من أبواب المدائن وقال ارجع إلى صاحبك فقد كتبت إلى رستم أن يدفنه وجنده من العرب في خندق القادسية ثم لأشغلن العرب بعدها بأنفسهم ولأصيبنهم بأشد مما أصابهم به سابور ذو الأكتاف فرجع النعمان إلى سعد فأخبره فقال لا تخف فإن اللّه قد ملكنا أرضهم تفاؤا بالتراب.
قال أبو جعفر وتثبط رستم عن القتال وكرهه وآثر المسالمة واستعجله يزدجرد مرارا واستحثه على الحرب وهو يدافع بها ويرى المطاولة وكان عسكره مائة وعشرين ألفا وكان عسكر سعد بضعا وثلاثين ألفا وأقام رستم بريدا من الرجال الواحد منهم إلى جانب الآخر من القادسية إلى المدائن كلما تكلم رستم كلمة أداها بعضهم إلى بعض حتى تصل إلى سمع يزدجرد في وقتها وشهد وقعة القادسية مع المسلمين طليحة بن خويلد وعمرو بن معديكرب والشماخ بن ضرار وعبدة بن الطبيب الشاعر وأوس بن معن الشاعر وقاموا في الناس ينشدونهم الشعر ويحرضونهم وقرن أهل فارس أنفسهم بالسلاسل لئلا يهربوا فكان المقرنون منهم نحو ثلاثين ألفا والتحم الفريقان في اليوم الأول فحملت الفيلة التي مع رستم على الخيل فطحنتها وثبت لها جمع من الرجالة وكانت ثلاثة وثلاثين فيلا منها فيل الملك وكان أبيض عظيما فضربت الرجال خراطيم الفيلة بالسيوف فقطعتها وارتفع عواؤا وأصيب في هذا اليوم وهو اليوم الأول خمسمائة من المسلمين وألفان من الفرس ووصل في الثاني أبو عبيدة بن الجراح من الشام في عساكر من المسلمين
فكان مددا لسعد وكان هذا اليوم على الفرس أشد من اليوم الأول قتل من المسلمين ألفان ومن المشركين عشرة آلاف وأصبحوا في اليوم الثالث على القتال وكان عظيما على العرب والعجم معا وصبر الفريقان وقامت الحرب ذلك اليوم وتلك الليلة جمعاء لا ينطقون كلامهم الهرير وانقطعت الأخبار والأصوات عن سعد ورستم وأصبح الناس حسرى لم يغمضوا ليلتهم كلها والحرب قائمة بعد إلى وقت الظهر فأرسل اللّه تعالى ريحا عاصفا في اليوم الرابع أمالت الغبار والنقع على العجم فانكسروا ووصلت العرب إلى سرير رستم وقد قام عنه ليركب جملا فضرب هلال بن علقمة الجمل الذي رستم فوقه فقطع حباله ووقع على هلال أحد العدلين فأزال فقار ظهره ومضى رستم نحو العتيق فرمى نفسه فيه واقتحم هلال عليه فأخذ برجله وخرج به يجره حتى ألقاه تحت أرجل الخيل وقد قتله وصعد السرير فنادى أنا هلال أنا قاتل رستم فانهزمت الفرس وتهافتوا(1)في العقيق فقتل منهم نحو ثلاثين ألفا ونهبت أموالهم وأسلابهم وكانت عظيمة جدا وأخذت العرب منهم كافورا كثيرا فلم يعبئوا به لأنهم لم يعرفوه وباعوه من قوم بملح كيلا بكيل وسروا بذلك وقالوا أخذنا منهم ملحا طيبا ودفعنا إليهم ملحا غير طيب وأصابوا من الجامات من الذهب والفضة ما لا يقع عليه العد لكثرته فكان الرجل منهم يعرض جامين من ذهب على صاحبه ليأخذ منه جاما واحدا من فضة يعجبه بياضها ويقول من يأخذ صفراوين ببيضاء. وبعث سعد بالأنفال والغنائم إلى عمر فكتب إلى سعد لا تتبع الفرس وقف مكانك واتخذه منزلا فنزل موضع الكوفة اليوم واختط مسجدها وبنى فيها الخطط للعرب(2).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَبَعَثَ اللّهُ مُحَمَّداً صلّى اللّه عليه وآله بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ وَمِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ وَلِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ وَلِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ وَكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلاَتِ وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ وَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ وَلاَ أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ وَلاَ أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ وَلاَ أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَلاَ فِي الْبِلاَدِ شَيْءٌ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَلاَ أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَتَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَأَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ وَصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لاَ يُؤوِيهِمَا مُؤوٍ فَالْكِتَابُ وَأَهْلُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَلَيْسَا فِيهِمْ وَمَعَهُمْ وَلَيْسَا مَعَهُمْ لِأَنَّ الضَّلاَلَةَ لاَ تُوَافِقُ الْهُدَى وَإِنِ اجْتَمَعَا فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ وَافْتَرَقُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ كَأَنَّهُمْ
أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلاّ اسْمُهُ وَلاَ يَعْرِفُونَ إِلاّ خَطَّهُ وَزَبْرَهُ وَمِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ وَسَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللّهِ فِرْيَةً وَجَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيِّئَةِ وَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَتَغَيُّبِ آجَالِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ وَتُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ وَتَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ وَالنِّقْمَةُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللّهَ وُفِّقَ وَمَنِ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلاً هُدِيَ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ فَإِنَّ جَارَ اللّهِ آمِنٌ وَعَدُوَّهُ خَائِفٌ وَإِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ وَسَلاَمَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ فَلاَ تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ وَالْبَارِئِ مِنْ ذِي السَّقَم.
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ وَلَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ وَلَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ فَإِنَّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَمَوْتُ الْجَهْلِ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وَصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ لاَ يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَلاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَصَامِتٌ نَاطِق.
رواه الكلينى عن أحمد بن محمّد، عن سعد بن المنذر بن محمّد، عن أبيه عن جدّه، عن محمّد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جدّه، قال: خطب أمير المؤنين عليهالسلام ـ ورواها غيره، وذكر انّه خطب بذي قار(1)ـ إلخ ـ (2)و منه يظهر
انّه عليهالسلام خطب به في خروجه إلى الجمل.
فَبَعَثَ اللّهُ مُحَمَّداً صلىاللهعليهوآله بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ جمع الوثن، قال الجزري: الوثن كلّ ما له جثة معمولة من جواهر الأرض، أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي يعمل وينصب فيعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرّق بينهما، وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عدي بن حاتم، قدمت على النبي صلىاللهعليهوآله وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي الق هذا الوثن عنك قال تعالى: «وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت»(1).
قال تعالى: «أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ»(2).
قال تعالى: «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ»(3).
وقال تعالى: «إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللّه»(4).
وقال تعالى: «إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤمِنُون»(5).
أي: جعله محكما. قال تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَت(1)
وقال تعالى: «هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِين»(2).
وقال تعالى: «يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ * قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ»(3).
وقال تعالى: «وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً»(4).
أَنْكَرُوهُ
قال تعالى: «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ»(5).
وقال تعالى: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»(6).
في (تفسير القمّي) في قوله تعالى: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً»(7)كان الوليد
بن المغيرة شيخا كبيرا من دهاة العرب وكان من المستهزئين بالنبي صلىاللهعليهوآله وكان صلىاللهعليهوآله يقعد في الحجرة ويقرأ القرآن، فاجتمعت قريش إلى الوليد وقالوا يا أبا عبد شمس ما هذا الذي يقول محمّد، أشعر هو أم كهانة أم خطب ؟ فقال: دعوني اسمع كلامه فدنا من النبي صلىاللهعليهوآله وقال له: انشدني من شعرك قال: ما هو بشعر ولكن كلام اللّه الذي ارتضاه ملائكته وأنبياؤ ورسله وقال: اتل علي منه شيئا فقرأ النبي صلىاللهعليهوآله «حم السجدة» فلمّا بلغ إلى قوله: «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ»(1)فاقشعر الوليد، وقامت كلّ شعرة في رأسه ولحيته، ومر إلى بيته ولم يرجع إلى قريش فمشوا إلى أبي جهل فقالوا يا أبا الحكم ان أبا عبد شمس صبا إلى دين محمّد أما تراه لا يرجع إلينا فغدا أبو جهل إلى الوليد فقال: يا عم نكست رؤسنا، وأشمت بنا عدوّنا، وصبوت إلى دين محمّد قال: ما صبوت إلى دينه ولكني سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود فقال له أبو جهل اخطب هو ؟ قال: لا، ان الخطب كلام متصل وهذا كلام منثور لا يشبه بعضه بعضا. قال أ فشعر ؟ قال: لا، أما اني لقد سمعت أشعار العرب بسيطها ومديدها ورملها ورجزها وما هو بشعر قال فما هو قال دعني افكر فيه فلمّا كان من الغد قالوا يا أبا عبد شمس ما تقول فيه؟ قال: قولوا هو سحر فانّه آخذ بقلوب الناس فانزل تعالى: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً»(2)إلخ (3).
قال تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ
الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لآَياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»(1).
وقال تعالى: «وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآَياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»(2).
وقال تعالى: «وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لآَياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون»(3).
وقال تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للّهِِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون»(4).
وقال تعالى: «هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاء»(5).
وقال تعالى: «بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون»(6).
وقال تعالى: «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرا»(7).
وقال تعالى: «ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُم لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ»(8).
وحذرهم من نقمته كما قال عز وجلّ: «ثُمَّ دَمَّرْنَا الآْخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ»(1).
وقال تعالى: «إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُون»(2).
وقال تعالى: «لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُون»(3).
وقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون»(4).
أي: ابطل ومحا.
أي: العقوبات.
قال تعالى: «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ...»(5).
وقال تعلى: «فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ»(6).
قال تعالى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤمِنِينَ»(1).
وقال تعالى: «وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ * قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ * فَما زاَلَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ»(2).
وقال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ» ـ إلى ـ «فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ»(3).
في (تفسير القمّي) في قوله تعالى: «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها...»(4)عن ابن عباس، قال: حججنا مع النبي صلىاللهعليهوآله حجّة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة ثم أقبل علينا بوجهه، فقال ألا أخبركم باشراط الساعة ـ وكان أدنى الناس منه يومئذ سلمان ـ فقال بلى فقال: ان من أشراطها إضاعة الصلوات، واتباع الشهوات، والميل مع الأهواء، وتعظيم أصحاب المال، وبيع الدين بالدنيا، فعندها يذاب قلب المؤن في جوفه كما يذاب الملح في الماء ممّا يرى من
المنكر، ولا يستطيع أن يغيّر. قال: وان هذا لكائن قال: بلى ان عندها يليهم امراء جورة ووزراء فسقة، وعرفاء ظلمة، وامناء خونة ـ قال ان هذا لكائن قال بلى، ان عندها يكون المنكر معروفا، والمعروف منكرا، ويؤمن الخائن، ويخون الأمين، ويصدق الكاذب، ويكذب الصادق. قال وان هذا لكائن قال أي: والذي نفسي بيده فعندها امارة النساء، ومشاورة الإماء، وقعود الصبيان على المنابر، ويكون الكذب ظرفا والزكاة مغرما، والفيء مغنماً، ويجفو الرجل والديه، ويبرّ صديقه، ويطلع الكوكب المذنب.
قال وان هذا لكائن قال: بلى وعندها تشارك المرأة زوجها في التجارة، ويكون المطر قيظا (و يفيض ط اللئام فيضا) ويغيض الكرام غيظا، ويحتقر الرجل المعسر، وعندها تقارب الأسواق، إذ قال هذا لم أبع شيئا، وقال هذا لم أربح شيئا فلا ترى إلاّ ذاما للّه ـ وعندها يليهم أقوام ان تكلموا قتلوهم، وان سكتوا استباحوهم ـ وعندها يؤى بشيء من المشرق، وشيء من المغرب، وجثثهم جثث الآدميين، قلوبهم قلوب الشياطين ـ وعندها يكتفي الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، ويغار على الغلمان كما على الجارية ـ ويشبّه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، وعندها تزخرف المساجد، كما تزخرف البيع والكنائس، ويحلّى المصاحف، ويطول المنارات وتكثر الصفوف بقلوب متباغضة ـ إلى أن قال ـ وعندها تتكلم الرويبضة ـ قال سلمان وما الرويبضة قال يتكلم في أمر العامة من لم يكن يتكلم(1).
وقال ابن أبي الحديد قال شعبة امام المحدثين عند العامة: تسعة أعشار
1) .تفسير القمّي: 303/2 ـ 307.
الحديث كذب ـ وقال الدار قطني: ما الحديث الصحيح في الكذب إلاّ كالشعرة البيضاء في الثور الأسود(1).
أي: متاع.
أي: أكسد.
وكما ينبغي.
أي: أروج.
أي: غيّر.
والأصل في كلامه عليهالسلام قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ...(2).
وقوله تعالى: «وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ...»(1).
روى سليم بن قيس ان معاوية قدم المدينة في خلافته ثُمَّ مَرَّ بِحَلْقَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامُوا غَيْرَ عَبْدِاللّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا مَنَعَكَ مِنَ الْقِيَامِ كَمَا قَامَ أَصْحَابُكَ إِلاّ لِمَوْجِدَةِ أَنِّي قَاتَلْتُكُمْ بِصِفِّينَ فَلاَ تَجِدْ مِنْ ذَلِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَإِنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُوماً ـ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ قُتِلَ مَظْلُوماً قَالَ عُمَرُ قَتَلَهُ كَافِرٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَمَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ قَالَ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ قَالَ فَذَاكَ أَدْحَضُ لِحُجَّتِكَ قَالَ فَإِنَّا قَدْ كَتَبْنَا فِي الآْفَاقِ نَنْهَى عَنْ ذِكْرِ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ عليهمالسلام فَكُفَّ لِسَانَك، فقال: يا معاوية أ تنهانا عن قراءة القرآن؟ قال: لا. قال أ فتنهانا عن تأويله ؟ قال نعم. قال فنقرأه، ولا نسأل عمّا عنى اللّه به ؟ قال: سل عن ذلك من يتأوله غير ما يتأوله أنت وأهل بيتك قال: انما أنزل القرآن على أهل بيتي فاسأل عنه آل أبي سفيان أ تنهانا يا معاوية أن نعبد اللّه بالقرآن بما فيه من حلال وحرام فلا تسأل الأمة عن ذلك حتى تعلم فتهلك، قال: أقرءوا القرآن ولا تؤّوه ولا ترووا شيئا ممّا أنزل اللّه فيكم وارووا ما سوى ذلك، قال ابن عباس ان اللّه تعالى يقول: «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ»(2)قال: يا ابن عباس أربع على نفسك، وكف لسانك وان كنت لا بد فاعلا وليكن ذلك سرّا لا تسمعه أحدا علانية(3).
عن الصادق عليهالسلام قال: قال النبي صلىاللهعليهوآله كيف بكم إذا فسدت نساؤم، وفسق شبّانكم ولم تأمروا بمعروف، ولم تنهوا عن المنكر ـ فقيل له ويكون ذلك قال: نعم وشرّ من ذلك كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف، فقيل له ويكون ذلك قال نعم وشرّ من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفا والمعروف منكرا(1).
أي: القى.
قال تعالى: «وَلَمَّا
جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ»(2).
أمر المتوكل في سنة (236) بهدم قبر الحسين عليهالسلام وإزالة أثره، وان يعاقب من وجد به، ومنع الناس من زيارته وزيارة أبيه(3).
قال النبي صلىاللهعليهوآله اني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي، وانهما لا يفترقان
حتى يردا على الحوض(1).
من آويته إذا أنزلته بك وأما (أويت) فبمعنى نزلت قال تعالى:... «سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ...»(2)ووهم الجوهري فنسب إلى أبي زيدان اوى وآوى بمعنى(3).
وعدم أيواء مؤ لهما لانهما لا يراعيان غير الحق والناس فارون من الحق فرار المعز من الذئب.
بالجسم.
المعنى (فالكتاب وأهله في الناس وليسا فيهم والكتاب وأهله مع الناس وليسا معهم).
علّة لعدم كون الكتاب في الناس ومعهم.
صورة لاستحالة اجتماع الضدين حقيقة.
أي: ناس ليسوا أهله.
عن الهدى والحق الذي في الكتاب.
مع أهله.
قال تعالى: «وَقالَ
الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً»(1).
دون معناه.
بالفتح أي: كتابته والمزبر القلم قال: «قد قضى الأمر وجف المزبر»(2).
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله سيأتي على
الناس زمان لا يبقى من القرآن إلاّ رسمه، ومن الإسلام إلاّ اسمه، يسمّون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شرّ فقهاء تحت ظلّ السماء، منهم خرجت الفتنة، وإليهم تعود(1).
إشارة إلى زمن عثمان وعمله مع أبي ذر وعمّار والأشتر وغيرهم كلّ شرّ من الضرب والنفي وغيرهما، وفي الخلفاء في ما كتب عليهالسلام لأهل العراق لمّا سألوه عن الثلاثة مشيرا إلى عثمان وخواصه ـ وهؤاء الذين لو ولّوا عليكم لأظهروا فيكم الغضب والفخر والتسلّط بالجبروت، وحكموا بالرشا (وما حكموا بالرشاد)(2)، ولعلّه اشارة إلى ما صدر من بني اميّة في أوائل سلطنتهم، فقد روى العلاّمة الحلّي قدّس اللّه روحه عن صاحب كتاب الهاوية أنّ معاوية قتل من المهاجرين والأنصار وأولادهم أربعين ألفا(3)، وفعل ابنه يزيد اللّعين بالحسين عليهالسلام وأصحابه في الطّف غني عن البيان، وكذلك ما فعله عبد الملك بن مروان وعامله الحجّاج عليهما لعائن اللّه سبحانه بالعراق والحجاز وغيرهما مشهور ومأثور، هذا.
و يحتمل أن يكون الاشارة بالكلام السّابق أعنى قوله: وإنّه سيأتي عليكم من بعدي زمان، إلى قوله: ومن قبل إلى ملك فراعنة الأمّة أعني بني العبّاس خذلهم اللّه، ويكون المراد بقوله: ومن قبل الاشارة إلى زمن بني اميّة الكائن قبل زمن بني العبّاس، فانّ اتّصاف كلا الزّمانين بالأوصاف المذكورة لا غبار عليه.
في حديثهم عن رسوله صلىاللهعليهوآله.
أي: افتراء.
وفي رواية الجاحظ والواقدي وغيرهما ان أبا ذر لمّا أرجع به معاوية من الشام إلى المدينة قال له عثمان: يا جنيدب لا أنعم اللّه بك عينا، فقال أبو ذر: أنا جندب وسمّاني النبي صلىاللهعليهوآله عبداللّه فاخترت اسم النبي صلىاللهعليهوآله على اسمي(1)، فقال له عثمان أنت الذي تزعم انّا نقول يد اللّه مغلولة وان اللّه فقير ونحن أغنياء فقال أبو ذر لو كنتم لا تقولون هذا لأنفقتم مال اللّه على عباده ولكنّي اشهد سمعت النبي صلىاللهعليهوآله يقول:
إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال اللّه دولا وعباده خولا(2)، فقال عثمان لمن حضرا سمعتموها من النبي قالوا لا. قال عثمان: ويلك يا أبا ذر أتكذب على رسول اللّه ـ فقال أبو ذر لمن حضر: أما تدرون اني صدقت قالوا لا واللّه ما ندري، فقال عثمان ادعوا لي عليّا فلمّا جاء قال عثمان لأبي ذر أقصص عليه حديثك في بني العاص فأعاده ـ فقال عثمان لعلي عليهالسلامسمعت هذا من النبي قال لا وصدق أبو ذر فقال كيف عرفت صدقه قال لأني سمعت النبي صلىاللهعليهوآلهيقول: (ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر). فقال من حضر أما هذا فسمعناه كلّنا من النبي صلىاللهعليهوآله فقال: أبو ذرّ أحدثكم اني سمعت هذا من النبي صلىاللهعليهوآله
كما قال تعالى في أصحاب الاخدود: «وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤمِنُوا بِاللّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ...»(3)وما نقموا من هؤاء الذين مثلوا بهم إلاّ انّهم تولوا أهل بيت نبيهم عليهالسلام الذي هو أصل الحسنات قال تعالى:... «وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً...»(4)ففي خطبة الحسن عليهالسلام بعد أبيه ـ إنّا من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا والذين افترض اللّه مودتهم في كتابه إذ يقول:... «وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً...»(5)فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت)(6).
قال تعالى: «يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ»(7).
وقال تعالى: «وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الآْن...»(8)
قال تعالى: «يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ»(1).
قال تعالى: «وَلَيْسَتِ
التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الآْنَ...»(2).
أي: الداهية المهلكة والأصل فيها مقارعة الكتائب بأسلحتهم قال (بهن فلول من قراع الكتائب)(3).
أي: الانتقام قال تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ»(4).
بقبول مواعظ رسله وحكم كتبه.
قال تعالى: «أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِين»(1).
وقال تعالى: «وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ...»(2).
أي: للطريقة التي.
والأصل فيه قوله تعالى: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ...»(4).
قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ»(5).
قال تعالى: «وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ»(6)ـ الآية ـ .
قال تعالى: «فقال أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيز»(1).
وقال تعالى: «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ»(2).
وقال تعالى: «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً»(3).
فانّه ابن آدم المسكين مكتوم الأجل، مكنون العلل، محفوظ العمل، تولمه البقة، وتقتله الشرقة، وتنتنه العرقة»(4).
يعني أنّ تواضعهم سبب لرفعة درجاتهم وعلوّ مقامهم عند الخالق والخلايق في الدّنيا والآخرة أمّا في الدّنيا فمعلوم بالبديهة والعيان غنيّ عن البيان، وأمّا في العقبى فلدلالة الأخبار الكثيرة عليه.
عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول: إنّ موسى بن عمران حبس عنه
الوحى ثلاثين صباحا، فصعد على جبل بالشّام يقال له اريحا، فقال: يا ربّ لم حبست عنّى وحيك وكلامك الذنب أذنبته فها أنا بين يديك فاقتص لنفسك رضاها، وإن كنت إنما حبست عنّى وحيك وكلامك لذنوب بني اسرائيل فعفوك القديم، فأوحى اللّه إليه يا موسى تدرى لم خصصتك بوحيى وكلامى من بين خلقى؟ فقال: لا أعلمه يا ربّ، قال: يا موسى إنّي اطلعت على خلقي اطلاعة فلم أر في خلقي أشد تواضعا منك، فمن ثمّ خصصتك بوحيى وكلامي من بين خلقي، قال عليهالسلام: فكان موسى إذا صلّى لم ينفتل حتّى يلصق خدّه الأيمن بالأرض وخدّه الأيسر بالأرض(1).
وعن الباقر عليهالسلام قال: أوحى اللّه تعالى إلى موسى أ تدرى لم اصطفيتك بكلامى من دون خلقى؟ قال: لا يا ربّ قال: يا موسى إني قلّبت عبادى ظهرا لبطن فلم أرأذلّ نفسا منك، إنك إذا صلّيت وضعت خدّيك على التراب(2).
وفي رواية اخرى قلّبت عبادى ظهرا لبطن فلم أر أذلّ لي نفسا منك فأحببت أن أرفعك من بين خلقى(3).
وعن النبيّ صلىاللهعليهوآله ثلاثة لا يزيد اللّه بهنّ إلاّ خيرا: التواضع لا يزيد اللّه به إلاّ ارتفاعا، وذلّ النّفس لا يزيد اللّه به إلاّ عزّا، والتعفّف لا يزيد اللّه به إلاّ غني(4).
وقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ما زاد اللّه عبدا بعفو إلاّ عزّا وما تواضع أحد للّه إلاّ رفعه اللّه(5).
وَقَالَ عِيسَى عليهالسلام: طُوبَى لِلْمُتَوَاضِعِينَ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَنَابِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طُوبَى لِلْمُصْلِحِينَ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا هُمُ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طُوبَى لِلْمُطَهَّرَةِ قُلُوبُهُمْ فِي الدُّنْيَا هُمُ الَّذِينَ يُنَعَّمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَة(1)
وقال ابن عباس قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله إذا تواضع العبد رفعه اللّه إلى السّماء السّابعة(2).
وقال صلىاللهعليهوآله: التواضع لا يزيد العبد إلاّ رفعة فتواضعوا يرحمكم اللّه(3)
وعن الفضيل وقد سئل عن التواضع ما هو، فقال: أن تخضع للحقّ وتنقاد له ولو سمعته من صبىّ قبلته ولو سمعته من أجهل النّاس قبلته(4)، هذا.
والتّواضع من جنود العقل ويقابله التكبّر وهو من جنود الجهل، والأوّل من منجيات الأخلاق وفضائل الأحوال، والثاني من موبقات الصفات ورذائل الخصال، ولا يحصل التواضع إلاّ بمعرفة النفس ومعرفة الرّب تعالى، فمهما عرف نفسه حقّ المعرفة علم أنّه أذلّ من كلّ ذليل وأقلّ من كلّ قليل، وأنّه لا يليق به إلاّ التواضع والذلّة والمهانة، وإذا عرف ربّه علم أنّه لا يليق العظمة والكبرياء إلاّ به.
قال ابن أبي الحديد قال النبي صلىاللهعليهوآله: ان اللّه قد أذهب عنكم حمية الجاهلية، وفخرا بالآباء، الناس بنو آدم، وآدم من تراب، مؤن تقي، وفاجر شقي، لينتهين
أقوام يفخرون برجال انما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على اللّه من
جعلات تدفع النتن بأنفها(1).
قال بعض شرّاح الكافي: الاستسلام هو الطاعة والانقياد لكلّ ما هو حقّ(2)، وهو من صفات المؤن، وعن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: المؤنون هيّنون ليّنون(3)إن قيدوا انقادوا وان انيخوا استناخوا(4)،(5).
عن الزهري قال: دخلت مع السجّاد عليهالسلام على عبد الملك فلمّا رأى أثر السجود بين عينيه، قال: لقد بين عليك الاجتهاد ولقد سبق لك من اللّه الحسنى، وأنت بضعة من النبي، قريب النسب وكيد السبب، وانك لذو فضل عظيم على أهل بيتك، وذوي عصرك، ولقد أوتيت من الفضل والعلم والورع والدين ما لم يؤه أحد إلاّ من مضى من سلفك ـ وأقبل يطريه ـ فقال عليهالسلام: كلّ ما وصفته من فضل اللّه وتأييده وتوفيقه فأين شكره على ما أنعم، واللّه لو تقطّعت أعضائي وسالت مقلتاي على صدري لم أشكر عشر العشير من نعمة واحدة من نعمه التي لا تحصى لا واللّه، لا يراني اللّه
1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 107/9.
2) . الوافي: 67/1.
3) . في النهاية «المسلمون هينون لينون» هما بالتخفيف والتشديد معا قال ابن الاعرابي: العرب تمدح بالهين اللين مخففين وتذم بهما مثقلين وهين فيعل من الهون وهو السكينة والوقار والسهولة فعينه واو وشيء هين وهين اي سهل. وفيه: المؤنون هينون لينون كالجمل الانف اي المانوف وهو الذي عقر الخشاش انفه فهو لا يمتنع على قائده للوجع الذي به. وقيل: الانف الذلول.
4) . كناية عن نهاية انقياده في الأمور المشروعة وعدم استصعابه فيها وقال الجوهريّ أنخت الجمل فاستناخ: ابركته فبرك.
5) .الكافي: 234/2/ ح 14.
يشغلني شيء عن شكره وذكره في ليل ولانهار، ولا سرّ ولا علانية، ولو لا ان لأهلي عليّ حقا وان لساير الناس من خاصّهم وعامهم عليّ حقوقا لا يسعني إلاّ القيام بها حسب الوسع حتى أؤيها إليهم، لرميت بطرفي إلى السماء، وبقلبي إلى اللّه ثم لم أرددهما حتى يقضي اللّه على نفسي(1).
قال عليهالسلام: سبحانك اللّهمّ وبحمدك من ذا يعلم قدرتك فلا يخافك ومن ذا يعلم ما انت فلا يهابك(2).
لئلا يسري الجرب إليه، وفي الاساس: الأجربان عبس وذبيان تحوموا لقوتهم كما تتحامى الجرب(3).
أي: السالم من الداء.
عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله: فرّ من المجذوم فرارك من الأسد(4).
رواه الكليني إلى قوله «نبذه»، وزاد بعده: «و لن تتلوا الكتاب حقّ تلاوته حتّى تعرفوا الّذي حرّفه، ولن تعرفوا الضّلالة حتّى تعرفوا الهدى، ولن تعرفوا التّقوى حتّى تعرفوا الّذي تعدّي، فإذا عرفتم ذلك، عرفتم البدع والتكلّف، ورأيتهم الفرية على اللّه وعلى رسوله، والتّحريف لكتابه، ورأيتم كيف هدى اللّه من هدى، فلا يجهلنّكم(1)الّذين لا يعلمون، إنّ علم القرآن ليس يعلم ما هو إلاّ من ذاق طعمه، فعلّم بالعلم جهله، وبصّر به عماه(2)، وسمّع به صممه، وأدرك به ما قد فات، وحيي به بعد إذ مات، وأثبت عند اللّه عزّ ذكره الحسنات ومحا به السيّئات، وأدرك به رضوانا من اللّه تبارك وتعالى فاطلبوا ذلك من عند أهله وخاصّته، فإنّهم خاصّة نور يستضاء به، وأئمّة يقتدى بهم، وهم عيش العلم»(3)، إلى آخر ما في المتن، وزاد بعده: «فهم من شأنهم شهداء بالحقّ، ومخبر صادق لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، قد خلت لهم من اللّه سابقة، ومضى فيهم من اللّه عزّ وجلّ حكم
1) . من التجهيل أي لا ينسبوكم إلى الجهل.
2) . فعلم بالعلم جهله «أي ما جهل ممّا يحتاج إليه في جميع الأمور، أو كونه جاهلا قبل ذلك او كمل علمه حتّى أقر بأنّه جاهل فان غاية كل كمال في المخلوق الإقرار بالعجز عن استكماله والاعتراف بثبوته كما ينبغي للرب تعالى أو يقال: إن الجاهل لتساوى نسبة الأشياء إليه لجهله بجميعها يدعى علم كل شيء واما العالم فهو يميز بين ما يعلمه وما لا يعلمه فبالعلم عرف جهله ولا يخفى جريان الاحتمالات في الفقرتين التاليتين وأن الأول أظهر في الجميع بان يكون المراد بقوله:» وبصر به عماه» أي أبصر به ما عمى عنه أو تبدلت عماه بصيرة. «وسمع به» ويمكن أن يقرأ بالتخفيف أي سمع ما كان صم عنه أو بالتشديد أي بدل بالعلم صممه بكونه سميعا. مرآة العقول: 599/26
3) . الكافي: 390/8/ ح 586.
صادق وفي ذلك ذكرى للذّاكرين، فاعقلوا الحقّ إذا سمعتموه عقل رعاية، ولا تعقلوه عقل رواية، فإنّ رواة الكتاب كثير، ورعاته قليل و اللّه المستعان»(1).
غرضه عليهالسلام بالفقرات الثّلاث أنّ المتقدّمين عليه كانوا تاركي الرّشد وناقضي الميثاق، ونابذي الكتاب، وحيث لم يعرفوهم بذلك لم يعرفوا الرّشد، ولم يأخذوا بالميثاق، ولم يمسكوا به، وما داموا كذلك لا ينتظر منهم عرفان الرّشد، والأخذ بالميثاق والتّمسّك بالكتاب.
عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو جعفر عليهالسلام يا أبا حمزة انّما يعبد اللّه من عرف اللّه، وأمّا من لا يعرف اللّه كأنّما يعبد غيره هكذا(2)ضالاّ، قلت: أصلحك اللّه وما معرفة اللّه؟ قال: يصدّق اللّه ويصدّق محمّدا رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في موالاة عليّ والائتمام به وبأئمّة الهدى من بعده، والبراءة إلى اللّه من عدوّهم، وكذلك عرفان اللّه، قال قلت: أصلحك اللّه أىّ شيء اذا علمته أنا استكملت حقيقة الايمان؟ قال: توالى أولياء اللّه وتعادى أعداء اللّه وتكون مع الصّادقين كما أمرك اللّه، قال: قلت: ومن أولياء اللّه ومن أعداء اللّه؟ فقال: أولياء اللّه محمّد رسول اللّه وعليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين، ثمّ انتهى الأمر الينا ثمّ ابنى جعفر وأومأه إلى
جعفر عليهالسلام وهو جالس، فمن وإلى هؤاء فقد وإلى أولياء اللّه وكان مع الصّادقين كما أمره اللّه قلت ومن أعداء اللّه أصلحك اللّه؟ قال: الأوثان الأربعة قال: قلت: من هم؟ قال: ابو الفصيل(1)، ورمع، ونعثل، و معاوية ومن دان دينهم، فمن عادى هؤاء فقد عادى أعداء اللّه(2).
وقال الشيخ رحمهالله: اعتقادنا في الظّالمين أنّهم ملعونون والبراءة منهم واجبة، قال اللّه عزّ وجلّ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالآْخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ»(3).
وقال ابن عبّاس في تفسير هذه الآية: إنّ سبيل اللّه عزّ وجلّ في هذا الموضع هو عليّ بن أبي طالب.
والأئمة في كتاب اللّه عزّ وجلّ إمامان: إمام هدى وإمام ضلالة، قال جلّ ثناؤ:
«وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا»(4)وقال عزّ وجلّ في أئمة الضلالة: «وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ»(5).
ولمّا نزلت هذه الآية: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً»(6)
قال النّبي صلىاللهعليهوآله من ظلم عليا مقعدى هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوّتي ونبوّة
الأنبياء من قبلي، ومن تولّى ظالما فهو ظالم.
قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا
الْكُفْرَ عَلَى الاْءِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»(1).
وقال عزّ وجلّ: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ»(2).
وقال عزّ وجلّ «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤمِنُونَ
بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ»(3).
وقال عزّ وجلّ: «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ»(4)والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فمن ادّعى الإمامة وليس بامام فهو ظالم ملعون.
وقال النبيّ صلىاللهعليهوآله من جحد عليا إمامته من بعدى فانّما جحد نبوّتى، ومن جحد نبوّتي فقد جحد اللّه ربوبيّته.
وقال النّبي صلىاللهعليهوآله لعليّ عليهالسلام: يا عليّ أنت المظلوم بعدي من ظلمك فقد ظلمني ومن أنصفك فقد أنصفني ومن جحدك فقد جحدني ومن والاك فقد والاني ومن عاداك فقد عاداني ومن أطاعك فقد أ طاعتي ومن عصاك فقد عصاني(5)
ومن كتاب انس العالم للصفوانى قال: إنّ رجلا قدم على أمير المؤنين عليهالسلام فقال: يا أمير المؤنين إنّي احبّك واحبّ فلانا وسمّى بعض أعدائه فقال: أمّا الآن فأنت أعور فإمّا أن تعمى وإمّا أن تبصر.
وقيل للصّادق عليهالسلام: إنّ فلانا يواليكم إلاّ أنّه يضعف من البراءة من عدوّكم فقال
هيهات كذب من ادّعى محبّتنا ولم يتبرّء من عدوّنا.
وروى عن الرّضا عليهالسلام أنه قال: كمال الدّين ولايتنا والبراءة من عدوّنا.
ثمّ قال الصفواني: واعلم أنّه لا يتمّ الولاية ولا تخلص المحبّة ولا تثبت الموده لآل محمّد عليهمالسلام إلاّ بالبرائة من أعدائهم قريبا كان أو بعيدا، فلا تأخذك به رأفة فانّ اللّه عزّ وجلّ يقول: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ»(1)الآية(2).
ذلك: إشارة إلى حصر ما هو علم القرآن في من ذاق طعمه، مع ما عطف عليه في خبر الكليني الّذي اسقطه المصنّف، والمراد: أنّهم عليهمالسلام أهل خبرة هذه الامور بما ذكر لهم بعد من كونهم «عيش العلم» إلى آخر الكلام.
قال ابن قتيبة: إنّ هشام بن عبد الملك قال لزيد بن عليّ بن الحسين: ما فعل أخوك البقرة فقال له: سمّاه رسول اللّه صلىاللهعليهوآله باقرا، وأنت تسميّه بقرة لقد اختلفتما إذن(3).
وقال الجاحظ: جمع محمّد بن عليّ بن الحسين (الباقر عليهالسلام) صلاح شأن الدّنيا بحذافيرها في كلمتين، فقال: «إصلاح شأن جميع التعايش والتّعاشر ملء مكيال،
ثلثاه فطنة وثلثه تغافل»(1).
روى محمّد بن يعقوب عن خلف بن حمّاد: أنّ رجلا منهم تزوّج جارية لم تطمث، فلمّا افتضها سال الدّم لا ينقطع نحوا من عشرة، فأروها القوابل، فقال بعض: هذا من دم الحيض. وقال بعض: من دم العذرة. فسألوا أبا حنيفة وغيره، فقالوا: هذا شيء قد اشكل والصّلاة فريضة واجبة، فلتتوضأ ولتصلّ، وليمسك عنها زوجها حتّى ترى البياض، فإن كان دم الحيض لم تضرّها الصّلاة، وإن كان دم العذرة قد أدّت الفريضة ـ إلى أن قال ـ : قال له موسى بن جعفر عليهالسلام: تستدخل القطنة، ثمّ تدعها مليّا ثمّ تخرجها إخراجا رفيقا، فان كان الدّم مطوّقا في القطنة فهو من العذرة، وإن كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض. قال خلف: فاستخفّني الفرح فبكيت، وقلت: جعلت فداك من يحسن هذا غيرك فرفع يده إلى السّماء، وقال: إنّي واللّه ما اخبرك إلاّ عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله عن جبرئيل عليهالسلامعن اللّه عزّ وجلّ(2).
أتى قوم الباقر عليهالسلام، فوافقوا صبيّا له مريضا فرأوا منه اهتماما وغما، وجعل لا يقرّ، فقالوا: واللّه لئن أصابه شيء إنّا لنتخوّف أن نرى منه ما نكره، فما لبثوا أن سمعوا الصّياح عليه، فإذا هو قد خرج عليهم منبسط الوجه في غير الحالة الّتي كان
عليها، فقالوا له: جعلنا اللّه فداك لقد كنّا نخاف ممّا نرى منك أن لو وقع أن نرى منك ما يغمّنا. فقال عليهالسلام لهم: إنّا لنحبّ أن نعافى في من نحبّ، فإذا جاء أمر اللّه سلّمنا في ما أحبّ(1).
ونظيره ورد من الصّادق في موت إسماعيل(2).
وحيث إنّهم عليهمالسلام لم يكونوا متصنّعين، ولا مستعملين للسّياسة الدّنيويّة يفهم كلّ عاقل أنّ باطنهم موافق لظاهرهم، وقد أخبر عزّ وجلّ عن بواطنهم في قوله جلّ ثناؤ: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً»(3).
فقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله في المتواتر عنه فيهم عليهمالسلام: إنّهم لن يفترقوا عن كتابه تعالى حتّى يردا عليه الحوض(4).
وقال في أمير المؤنين عليهالسلام في المتواتر أيضا: إنّه مع الحقّ، والحقّ معه يدور حيثما دار(5).
أي لا يختلف أحدهم لآخر فيما يؤّونه من أحكام اللّه ويبلّغونه من أوامره، لأنّ علومهم كلّها من نبع واحد ملقاة عن مهبط الوحى ومعدن الرّسالة، وبعد اتّحاد المنبع لا يتصوّر الاختلاف لمكان العصمة المانعة عن تعمد الكذب والغلط والسّهو والخطاء النّاشي منها الاختلاف.
روى عن أبي جعفر عليهالسلام قال: قال اللّه عزّ وجلّ في ليلة القدر: «فيها يفرق كلّ أمرحكيم»(1)، يقول: ينزل فيها كلّ أمر حكيم، والمحكم ليس بشيئين، فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم اللّه عزّ وجلّ، ومن حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنّه مصيب فقد حكم بحكم الطّاغوت(2)، الحديث.
وعن الحسين الأشقر قال: قلت لهشام بن الحكم ما معنى قولكم: إنّ الإمام لا يكون إلاّ معصوما؟ قال: سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن ذلك فقال: المعصوم هو الممتنع باللّه من جميع محارم اللّه، وقال اللّه تبارك وتعالى: «وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»(3)،(4).
قال الصّدوق في معاني الأخبار بعد خبر هشام: الدّليل على عصمة الإمام أنّه لما كان كلّ كلام ينقل عن قائله يحتمل وجوها من التأويل وكان أكثر القرآن والسنّة مما اجتمعت الفرقة على أنّه صحيح لم يغيّر ولم يبدّل ولم يزد فيه ولم
ينقص منه محتملا لوجوه كثيرة من التّأويل، وجب أن يكون مع ذلك مخبر صادق معصوم من تعمّد الكذب والغلط منبىء عمّا عنى اللّه عزّ وجلّ في الكتاب والسّنّة على حقّ ذلك وصدقه، لأنّ الخلق مختلفون في التّأويل، كلّ فرقة تميل مع القرآن والسّنة إلى مذهبها، فلو كان اللّه تبارك وتعالى تركهم بهذه الصّفة من غير مخبر عن كتابه صادق فيه لكان قد سوّغهم الاختلاف في الدّين ودعاهم اليه إذ أنزل كتابا يحتمل التأويل وسنّ نبيّه صلىاللهعليهوآله سنّة تحتمل التأويل وأمرهم بالعمل بهما، فكأنّه قال: تأوّلوا واعملوا، وفي ذلك إباحة العمل بالمتناقضات والاعتماد للحقّ وخلافه، فلمّا استحال ذلك على اللّه عزّ وجلّ وجب أن يكون مع القرآن والسّنّة في كلّ عصر من يبيّن عن المعاني الّتي عناها اللّه عزّ وجلّ في القرآن بكلامه دون ما يحتمل ألفاظ القرآن من التأويل، ويبيّن عن المعاني الّتي عناها رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في سنّته وأخباره دون التأويل الّذي يحتمله الأخبار المرويّة عنه المجمع على صحّة نقلها، وإذا وجب أنّه لا بدّ من مخبر صادق وجب أن لا يجوز عليه الكذب تعمّدا، ولا الغلط فيما يخبر به عن مراد اللّه عزّ وجلّ وعن مراد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في اخباره وسنّته، وإذا وجب ذلك وجب أنّه معصوم(1)، انتهى كلامه رفع مقامه.
فقد ظهر بذلك أنّه لا يتصوّر منهم الاختلاف في شرائع الدّين لا من أحدهم لآخر ولا من كلّ منهم فيما يصدر عنه من الأحكام المتعدّدة كما ظهر به وجوب الرجوع في فهم مرادات الكتاب والسّنّة إليهم حسب ما نبّه عليه أمير المؤنين عليهالسلام بقوله آنفا: فالتمسوا ذلك من عند أهله، فافهم واغتنم.
حيث إنّهم عليهمالسلام يقولون ما يقولون عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله عن جبرئيل عليهالسلام عن اللّه عزّ
1) . معاني الأخبار: 133 ـ 134.
وجلّ، فكيف يحصل بينهم اختلاف وإنّما يحصل الإختلاف بين الّذين يقولون بآرائهم، ولقد أجاد من قال:
إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا *** وتعلم أنّ النّاس في نقل أخبار
فدع عنك قول الشّافعيّ وأحمد *** ومالك والمروي عن كعب أحبار
ووال اناسا قولهم وحديثهم *** روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري(1)
وأمّا اختلاف الأخبار المرويّة عنهم ـ حتّى صنّف محمّد بن الحسن الطّوسي فيها كتابا سمّاه الاستبصار في ما اختلف من الأخبار(2)ـ فمن قبل الرّواة أو لصدورها تقيّة، أو للافتراء عليهم عليهمالسلام ونحوها.
فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَصَامِتٌ نَاطِق
ظاهر السّياق رجوع الضمير في الكلام إلى الدّين، ويمكن رجوعه إلى القرآن لاتّحادهما في الخارج، قال السّروي: إنّهم عليهمالسلام خصّوا بالعلوم، لأنّهم لم يدخلوا مكتبا ولا تعلّموا من معلّم، ولا تلمّذوا لفقيه ولا تلقّنوا من راو، وقد ظهرت في فرق العالمين منهم العلوم، ولم يعرف إلاّ منهم لأنّهم أخذوا عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله، وكذلك كان حال جدّهم عليهمالسلام ـ حين علم منشأه بين قريش ـ لم يدخل مكتبا ولا قرأ على معلّم، ولا استفاد من حبر، وأتى النّاس بالقرآن العظيم بما فيه من أسرار الأنبياء وأخبار المتقدّمين، فعلم العقلاء أنّ ذلك من عند اللّه تعالى، وليس من تلقاء نفسه،
فأولاده قوم بنور الخلافة يشرقون، وبلسان النّبوّة ينطقون، وقد جمعوا ما رووا عنهم، وسمّوا ذلك بالاصول سبعمائة أصل ويزيد على ذلك ويتضمّن علوم الدّين، والآداب والحكم والمواعظ وغير ذلك ـ إلى أن قال ـ فإذا ثبت علوم هؤاء الّتي لم يأخذوها عن رجال العامّة، ولا رئي أحد منهم يختلف إلى متقدّم من أهل العلم، وأنّ كثيرا من فتاويهم يخالف ما عليه العامّة، ولم يدّع مدّع قطّ أنّهم اختلفوا إلى أحد من مخالفيهم ليتعلّموا منه، والموافق لهم معلوم حاجته إليهم، دلّ ذلك على أنّ اللّه تعالى أفردهم ليكشف عن استحقاقهم الإمامة، وأنّهم أحقّ بالتّقدّم لحاجة النّاس إليهم، وغنائهم عنهم، وجروا في ذلك مجرى الرّسول صلىاللهعليهوآله حين أغناه اللّه بما علموا عنه من أخبار سوالف الامم، قال الصّوري:
آل النّبيّ هم النّبيّ وإنّما *** بالوحي فرّق بينهم فتفرّقوا
أبت الإمامة أن تليق بغيرهم *** إنّ الرّسالة بالإمامة أليق(1)
لمّا كانت هذه الخطبة الشريفة متضمنة للأمر بالتواضع والنّهى عن التكبّر واشرنا إلى فضل التّواضع وحسنه أحببنا أن نشرح صفة الكبر ونبيّن ما ورد فيه من الأدلّة الدّالة على قبحه وخسّته وكونه من الموبقات، والكلام فيه في مقامات:
والمتضمّنة لقبحها وذمّها وما يترتّب عليه من الخزى والعقاب.
قال اللّه تعالى: «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ
1) . مناقب آل أبي طالب عليهمالسلام: 254/1.
لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ»(1).
وقال تعالى: «الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ»(2).
وقال تعالى: «وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ»(3)أي صاغرين ذليلين.
وقال تعالى: «وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً»(4)قال الطبرسي: معناه لا تمش على وجه الأشر والبطر والخيلاء والتكبّر وقوله: إنّك لن تخرق الأرض، هذا مثل ضربه اللّه تعالى، قال: إنّك أيّها الإنسان لن تشقّ الأرض من تحت قدمك بكبرك، ولن تبلغ الجبال بتطاولك، والمعنى أنّك لن تبلغ ممّا تريد كثير مبلغ كما لا يمكنك أن تبلغ هذا فما وجه المنابذة على ما هذا سبيله مع أنّ الحكمة زاجرة عنه، وانّما قال ذلك، لأنّ من النّاس من يمشى في الأرض بطرا يدقّ قدميه عليها ليرى بذلك قدرته وقوّته ويرفع رأسه وعنقه، فبيّن سبحانه أنه ضعيف مهين لا يقدر أن يخرق الأرض بدقّ قدميه عليها حتّى ينتهى إلى آخرها، وأنّ طوله لا تبلغ طول الجبال وإن كان طويلا(5)، هذا.
والآيات الناهية في الكتاب العزيز كثيرة لا حاجة إلى ايرادها.
واما الأخبار: عن أبي حمزة الثمالي قال. قال عليّ بن الحسين صلوات اللّه
عليهما: عجبا للمتكبّر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثمّ هو غدا جيفة(1).
وعن عيسى بن ضحاك قال: قال أبو جعفر عليهالسلام: عجبا للمختال الفخور و إنّما خلق من نطفة ثمّ يعود جيفة وهو فيما بين ذلك لا يدرى ما يصنع به(2).
وعن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النّوفليّ عن السّكوني عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: أتى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله رجل فقال: يا رسول اللّه أنا فلان بن فلان حتى عدّ تسعة، فقال له رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: أما أنّك عاشرهم في النّار(3).
وعن حكيم قال: سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن أدنى الالحاد، قال عليهالسلام: إنّ الكبر أدناه(4).
وعن العلاء بن الفضيل عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: قال أبو جعفر عليهالسلام: العزّ رداء اللّه، والكبر ازاره، فمن تناول منه شيئا أكبّه اللّه في جهنّم(5).
وعن عبد الأعلى بن أعين قال: قال أبو عبداللّه عليهالسلام: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: إنّ أعظم الكبر غمس الخلق وسفه الحقّ، قلت: وما غمس الخلق وسفه الحقّ؟ قال: يجهل الحقّ ويطعن على أهله، فمن فعل ذلك فقد نازع اللّه ردائه(6).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: إنّ في جهنّم لواديا للمتكبّرين يقال له سقر شكى إلى
1) . الكافي: 328/2/ ح 1؛ وسائل الشيعة 42/16/ ح 20924 ـ 1.
2) .الكافي: 329/2/ ح 4؛ بحار الأنوار: 229/70/ ح 22.
3) . الكافي: 329/2/ ح 5؛ بحار الأنوار: 226/70/ ح 19.
4) .الكافي: 309/2/ ح 1؛ بحار الأنوار: 190/70/ ح 1.
5) . الكافي: 309/2/ ح 3؛ بحار الأنوار: 213/70/ ح 3.
6) .الكافي: 310/2/ ح 9؛ بحار الأنوار: 218/70/ ح 9.
اللّه شدّة حرّة وسأله أن يأذن له أن يتنفّس فتنفّس فأحرق جهنّم(1).
وعن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: ما من عبد إلاّ وفي رأسه حكمة وملك يمسكها فاذا تكبّر قال له: اتّضع وضعك اللّه، فلا يزال أعظم النّاس في نفسه وأصغر النّاس في أعين الناس، وإذا تواضع رفعها اللّه عزّ وجلّ ثمّ قال له: انتعش نعشك اللّه فلا يزال أصغر الناس في نفسه وأعظم النّاس في أعين النّاس(2).
و في إحياء العلوم قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبر، ولا يدخل النّار من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من ايمان(3).
وقال أبو هريرة: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: يقول اللّه تعالى: الكبرياء ردائى والعظمة ازاري فمن نازعنى واحدا منهما ألقيته في جهنّم ولا ابالي(4).
وقال صلىاللهعليهوآله: بئس العبد عبد تجبّر واعتدى ونسى الجبّار الأعلى، بئس العبد عبد تجبّر واختال ونسي الكبير المتعال، بئس العبد عبد غفل وسهى ونسى المقابر والبلى، بئس العبد عبد عتا وبغى ونسى المبدأ والمنتهى(5).
وقال أبو هريرة قال النّبي صلىاللهعليهوآله: يحشر الجبّارون والمتكبّرون يوم القيامة في
صور الذّر تطؤم النّاس لهوانهم على اللّه تعالى(1).
وعن محمّد بن واسع قال: دخلت على بلال بن أبي بردة فقلت له: يا بلال إنّ أباك حدّثني عن أبيه عن النّبي صلىاللهعليهوآله أنّه قال: إنّ في جهنّم واديا يقال له هبهب حقّ على اللّه أن يسكنه كلّ جبار فايّاك يا بلال أن تكون ممّن يسكنه(2).
وهو الانتفاخ والتعزّز الحاصل من استعظام النّفس واستحقار الغير، وبعبارة اخرى هو أن يرى نفسه فوق غيره في صفات الكمال فيحصل من ذلك فيه نفخة واهتزاز وتلك النفخة هي الكبر، ولذلك قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: أعوذ بك من نفخة الكبرياء، وهذه الحالة إذا حصلت في النفس اقتضت أعمالا في الظاهر تصدر عن الجوارح هي ثمرات تلك الخصلة الرّذيلة، فالكبر هي الحالة النّفسانيّة والخلق الباطني، وثمرات تلك الخصلة وآثارها في الظّاهر تسمّى تكبّرا كالترفّع في المجالس والتقدّم على الغير وتوقع السّلام والنظر بعين التحقير، فان حاجّ أو ناظر أنف أن يردّ عليه، وإن وعظ استنكف من قبول الحقّ، وإن وعظ أعنف في النّصح، وإن ردّ عليه شيء من قوله غضب، وإن علّم لم يرفق بالمتعلّمين و استذلّهم وامتنّ عليهم، وإن نظر إلى العامّة نظر إليهم بعين الاحتقار كأنه ينظر إلى الحمير استجهالا لهم واستحقارا(3).
والفرق بين الكبر والعجب بذلك، فانّ العجب لا يستدعى غير المعجب بل لو لم يخلق الإنسان إلاّ وحده يمكن أن يكون معجبا، بخلاف الكبر فانّه يتوقّف على أن يكون هنا غير فيرى نفسه فوق هذا الغير في صفات الكمال، وذلك الغير هو المتكبّر عليه، وينقسم الكبر باعتبار المتكبّر عليه إلى ثلاثة أقسام:
وهو من أفحش أنواع الكبر وأقبحها وأوبقها، ولا منشأ له إلاّ محض الجهل والحمق والطّغيان، وذلك مثل ما كان في نمرود حيث كان يحدّث نفسه بأنّه يقاتل ربّ السّماء، وفي فرعون حيث قال «أنا ربّكم الأعلى»(1)وفي شدّاد حيث بنى إرم ذات العماد، ونحو ذلك ممّا صدر عن المدّعين للرّبوبيّة والمترفّعين عن درجة العبودية، «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً»(2)،(3).
من حيث تعزّز النفس وترفّعها عن الانقياد لبشر مثل سائر النّاس، وذلك تارة يصرف عن الفكر والاستبصار فيبقى في ظلمة الجهل بكبره فيمتنع عن الانقياد وهو ظانّ أنّه محقّ فيه، وتارة يمنع مع المعرفة ولكن نفسه لا تطاوع الانقياد للحقّ والتّواضع للرّسل كما حكى اللّه عن قولهم: «ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ
مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ»(1)وقولهم: «إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا»(2)وقولهم: «وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ»(3).
وقال سبحانه فيما اخبر عن كفّار قريش في رسول اللّه: «وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها»(4)استبعدوا أن يكون من يأكل الطعام ويطلب المعاش في الأسواق رسولا مطاعا واستحقروه لفقره حتّى تمنّوا له الكنز لينفق منه ويستغني به عن النّاس وتمنّوا له البستان ليأكل من ثمارها.
وأخبر عنهم أيضا بقوله: «وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ»(5)يعنون بالقريتين مكّة والطّائف وبالرّجل العظيم الوليد بن المغيرة من مكة وأبا مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف، وانما قالوا ذلك لأنّ الرجلين كانا عظيمي قومهما ذوى الأموال الجسيمة فزعموا أنّ من كان كذلك أولى بالنّبوّة من غلام يتيم لا مال له فردّ اللّه عليهم بقوله: «أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ»(6)أي النّبوة بين الخلق(7)يعني أ بأيديهم مفاتيح الرسالة يضعونها حيث شاءوا، بل هى بيد اللّه سبحانه يعطيها من يشاء.
ومن هذا القسم تكبّر المتخلّفين على أمير المؤنين عليهالسلام وتكبّر امراء بنى امية وبني مروان وبني العبّاس لعنهم اللّه أجمعين على أئمّة الدّين.
وذلك بأن يستعظم نفسه ويستحقر غيره، فيدعوه ذلك إلى التّرفع عليه ويأباه عن الانقياد إليه وهذا أيضا قبيح من وجهين:
أحدهما أنّ الكبر والعزّ والعظمة والجلال لا يليق إلاّ بالملك القادر المتعال فمن أين يليق هذا الوصف بالعبد الضّعيف الذّليل المهين، فمتى تكبّر فقد نازع اللّه في جلاله وانتحل وصف كماله، وما أشدّ جرئته على مولاه، وما أقبح ما ادّعاه وتعاطاه، ولذلك قال عزّ من قائل: العظمة ازاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته(1)، أراد أنّهما مختصّان بي اختصاص الازار والرّداء والمنازع فيهما منازع في الصفّة المخصوصة بي.
و ثانيهما أنّه ربما يدعو إلى مخالفة أمر اللّه ونهيه، لأنّ المتكبّر إذا سمع الحقّ من أحد استنكف من قبوله، ولذلك ترى اكثر المناظرين في المسائل العلمية يزعمون أنّهم يتباحثون للافادة والاستفادة فمهما اتّضح الحقّ على لسان واحد منهم أنف الآخر من قبوله وركب مركب العصبية والعناد، ويتجاحد تجاحد المنكر، ويحتال لدفعه بما يقدر عليه من التلبيس، لئلاّ يظهر للنّاس مغلوبيّته(2)، ومن ذلك كان علماء الآخرة يتجنّبون عن المناظرة في المجالس.
وقد روى السيّد المحدّث الجزائري أنّ المولى الصّالح العالم عبداللّه التستري كان إذا سأل مولانا المقدّس الأردبيلي عطّر اللّه مرقده عن مسألة وتكلّما فيها سكت الأردبيلي في أثناء الكلام، وقال حتّى اراجعها في الكتب، ثمّ أخذ بيد التّسترى ويخرجان من النّجف الأشرف إلى خارج البلد فاذا انفردوا قال المولى
الأردبيلي: هات يا أخي تلك المسألة فيتكلّم فيها ويحقّقها الأردبيلي على ما يريد المولى التسترى، فسأله وقال يا أخي هذا التحقيق هلاّ تكلّمت به هناك حيث ما سألتك؟ فقال: إنّ كلامنا كان بين النّاس وعسى أن يكون فيه تنافس وطلب الظفر منك أو منّى والآن لا أحد معنا سوى اللّه سبحانه(1).
وكيف كان فهذا الخلق من أخلاق الكافرين والمنافقين الّذين حكى اللّه عنهم بقوله: «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ»(2)فكلّ من يناظر للافحام والغلبة لا ليغتنم الحقّ إذا ظفر به فقد شاركهم في هذا الخلق وتبعهم عليه.
وأوّل من صدر عنه التّكبر على أمر اللّه تعالى هو ابليس اللّعين حيث إنّه لما دعى إلى السّجود لآدم عليهالسلام قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فحمله الكبر على الاباء من السّجود الّذي أمره اللّه به، وكان مبدؤ الكبر على آدم والحسد له فجرّه ذلك إلى التكبّر على أمر اللّه فكان ذلك سبب الطّرد والابعاد، واهلاكه أبد الآباد(3).
فاعلم أنّ أسباب الكبر سبعة:
وما أسرع الكبر إلى العلماء(4)ولذلك قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله آفة العلم الخيلاء فلا
يلبث العالم أن يتعزّز بعزّ العلم ويستشعر في نفسه جمال العلم و كماله ويستعظم نفسه ويستحقر النّاس ويستجهل ويتوقّع أن يبدءوه بالسّلام، فان بدء واحدا منهم بالسّلام أو ردّ عليه ببشر أو قام له أو أجاب له دعوة يمتنّ به عليه ورأى ذلك صنيعة عنده واعتقد أنّه أكرمه وفعل به ما لا يستحقّه(1).
والسّبب لكبره هو خوضه في تحصيل العلوم وهو ردىّ النّفس خبيث الدّخلة سيّء الأخلاق فانّه لم يشتغل أوّلا بتهذيب نفسه وتزكية قلبه بالمجاهدات والرياضات فبقى خبث الجوهر فاذا خاض في العلم أىّ علم كان صادف العلم من قبله منزلا خبيثا فلم يطب ثمره ولم يظهر في الخير أثره(2).
ولذلك قال عيسى بن مريم عليهالسلام: بالتّواضع تعمر الحكمة لا بالتكبّر وكذلك في السّهل ينبت الزرع لا في الجبل(3).
وقال وهب: العلم كالغيث ينزل من السّماء حلوا صافيا فتشربه الأشجار بعروقها فتحوله على قدر طعومها فيزداد المرّ مرارة والحلو حلاوة، فكذلك العلم يحفظه الرّجال فتحوله على قدر هممهم وأهوائهم فيزيد المتكبّر كبرا والمتواضع تواضعا، لأنّ من كان همّته الكبر وهو جاهل إذا حفظ العلم وجد ما يتكبّر به فازداد كبرا، وإذا كان الرّجل خائفا مع جهله وازداد علما علم أنّ الحجّة قد تأكّدت في حقّه فيزداد خوفا وإشفاقا وذلاّ وتواضعا(4).
وكثيرا ما ترى العبّاد والزّهاد يترشّح الكبر منهم على غيرهم بسبب زعمهم أنّهم ناجون والنّاس هالكون فيرى نفسه ناجيا وهو الهالك حقيقة، ولذلك قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: «إذا سمعتم الرّجل يقول هلك النّاس فهو أهلكهم(1)»(2).
فترى من له نسب شريف يتكبّر على من ليس له ذلك النّسب.
وذلك أكثر ما يجرى بين النّسوان.
وذلك يجرى بين الملوك في خزائنهم وبين التجار في بضايعهم وبين الدّهاقين في أراضيهم وبين المتجمّلين في لباسهم وخيولهم ومراكبهم فيستحقر الغنى الفقير ويتكبّر عليه.
فيتكبّر بها على أهل الضّعف.
وذلك يجري بين الملوك في الافتخار بكثرة العساكر والرعيّة والخدم،
وبالجملة فكلّ ما هو نعمة وأمكن أن يعتقد كمالا وإن لم يكن كمالا في نفسه أمكن أن يتكبّر به حتّى أنّ المخنّث ليتكبّر على أقرانه بزيادة معرفته وقدرته في صنعة المخنّثين، لأنّه يرى ذلك كمالا يفتخر به، وإن لم يكن فعله إلاّ نكالا، وكذلك الفاسق قد يفتخر بكثرة الشّرب والفجور ويتكبّر به لزعمه أنّ ذلك كمال وإن كان خزيا ووبالا ونكالا(1).
فاعلم وفّقك اللّه تعالى وألهمك الخير أنّ الكبر من أعظم المهلكات، وقلّما ينفكّ عن شيء منه أحد وإزالته فرض عين ولا يزول بمجرّد التمنّى بل بالمعالجة و استعمال الأدوية القامعة له، وعلاجه انّما يحصل بامور أربعة:
الاول: معرفة الرّب تعالى الثاني معرفة النّفس الثالث معرفة الغرض الدّاعى إلى خلقته الرابع معرفة المفاسد المترتّبة على الكبر.
أما الاول:
فانّ من عرف ربّه وأنّه القادر الّذي لا يعجزه شيء، والقوىّ الّذي لا يضعفه شيء، والأزليّ الّذي ليس له بداء، والدّائم القيّوم بأمر الأشياء، والفّعال لما يريد أو يشاء، والممسك للسّموات والأرض من الزّوال، والمستولى على الخلايق في كلّ حال، إلى غير ذلك من صفاته الحسنى وأمثاله العليا عرف أنّ العزّ والعظمة والجلال والجمال والجبروت والكبرياء لا تليق إلاّ بجنابه، وأنّها إزاره ورداءه، وأنّ غيره مقهور تحت قدرته، ضعيف تحت قوّته، مسخّر تحت ارادته، منقاد
1) . إحياء العلوم: 31/11 ـ 33.
لمشيّته ذليل مهين مستكين لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا ولا موتا ولا حياتا ولا نشورا.
واما الثاني:
فقد أشار إليه أمير المؤنين عليهالسلام بقوله: ابن آدم أنّى لك والفخر فان أوّلك جيفة وآخرك جيفة وفي الدّنيا حامل الجيف، ونشرح حال هذه الجيف فانها ليست كجيف الحيوانات.
اما الجيفة الاولى وهى المني فقد أوجب الشّارع الغسل بخروجها من الإنسان وأغلظ نجاسته حتّى فهم بعض الأصحاب من تغليظه وجوب تطهير الثياب والبدن منه مرّتين كما في البول.
واما الجيفة الاخيرة فانّه بعذر هوق روحه يكون ميتة أخبث وأنجس وأوحش من ميتة الكلب والخنزير، وذلك لأنّ مسّ ميتة الكلب بالرّطوبة لا يوجب إلاّ غسل اليد وتطهيرها بخلاف مسّ ميتة الإنسان فقد أوجب الشارع فيه مضافا إلى تطهير الملاقي غسل المسّ مبالغة في خبث جيفته وقذارته، وترى الأحياء أوحشوا جانب الميّت وتجنّبوا عنه وخافوا منه ولا يخافون من ميتة سائر الحيوانات ولا يستوحشون منها واما كونه حامل الجيف فهو أظهر من أن يذكر لأنّه أخسّ من حمار يحمل العذرة، لأنّ الحمار يحملها اضطرارا وبالاجبار والإنسان يحملها بالرّضا، والاختيار وهو يحملها على الظّهر وهذا على البطن، وإلى هذه الحالات الثلاث وما بعدها اشير في قوله سبحانه: «قُتِلَ الاْءِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذا شاءَ
أَنْشَرَهُ»(1)فقد أشارت الآية إلى أوّل خلق الإنسان وإلى آخر أمره وإلى وسطه، فليفهم معناها وليتفكّر في مغزاها.
فقد أتى عليه حين من الدّهر لم يكن شيئا مذكورا، وقد كان في حيّز العدم وأيّ شيء أخسّ وأقلّ من المحو والعدم، فبدء اللّه بخلقه من أرذل الأشياء ثمّ من أقذرها إذ خلقه من سلالة من طين ثمّ من ماء مهين ثمّ من علقة ثمّ من مضغة ثمّ جعله عظاما فكسى العظام لحما، فهذا بداية وجوده.
و ما صار شيئا مذكورا إلاّ وهو على أخسّ الأوصاف وأرذلها إذ لم يخلق كاملا بل خلقه جمادا ميّتا لا يسمع ولا يبصر ولا يحسّ ولا يشعر ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ولا يفهم ولا يميّز ولا يعلم فبدء بموته قبل حياته، وبضعفه قبل قوّته، وبعجزه قبل قدرته، وبجهله قبل علمه، وبعماه قبل بصره، وبصممه قبل سمعه، وببكمه قبل نطقه، وبضلاله قبل هداه، وفقره قبل غناه.
فهذا معنى قوله: «مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ»(2)ثمّ امتنّ عليه فقال: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(3)أي يسّر له سبيل الخير والشرّ وأرشده إلى طريق الضّلال والهدى يسلك الأوّل ويترك الثّاني كما قال: «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً»(4)وقال: «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ»(5).
فانظر إلى عظم ما أنعم اللّه سبحانه به عليه حيث نقله من حالة الذّلة والقلّة
والخسّة والقذارة إلى رتبة العزّ والشّرف والرّحمة والكرامة، فصار موجودا بعد
العدم، وحيّا بعد الموت، وناطقا بعد البكم، وبصيرا بعد العمى، وقويّا بعد الضّعف وعالما بعد الجهل، ومهديّا بعد الضّلال، فكان في ذاته لا شيء وأيّ شيء أخسّ وأحقر من لا شيء، وأىّ قلّة أقلّ من العدم المحض، ثمّ صار باللّه شيئا وإنّما خلقه من التراب الذّليل الّذي يوطأ بالأقدام، والنطفة القذرة ليعرّفه خسّة نفسه ومهانة ذاته، وأكمل النعمة عليه ليعرف بها ربّه، ويعلم عظمة بارئه وجلالة مبدئه وأنّه لا يليق الكبرياء والجلال إلاّ بحضرة ربوبيّته(1).
فمن كان هذا بدؤ وهذا حاله كيف يسوغ له البطر والكبر والخيلاء والفخر نعم هذه عادة الخسيس إذا رفع من خسّته شمخ بأنفه وتعظّم.
و لو أكمله وفوّض إليه اموره وأدام له الوجود باختياره لكان أكثر من ذلك يطغى ونسى المبدأ والمنتهى، ولكنّه سلّط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة والأسقام العظيمة، والآلام المختلفة، والطّبائع المتضادّة من الصّفراء والسّوداء والبلغم والدّم يهدم بعضها بعضا شاء أم أبى، رضى أم سخط، فيجوع كرها، ويعطش كرها، ويمرض كرها، ويموت كرها، لا يملك لنفسه خيرا ولا شرّا ولا نفعا ولا ضرّا، يريد أن يعلم الشيء فيجهله، ويريد أن يذكر الشيء فينساه، ويريد أن ينسى الشيء ويغفل عنه فلا يغفل عنه، ويريد أن يصرف قلبه إلى ما يهمّه فيجول في أودية الوساوس والأفكار بالاضطرار فلا تملك قلبه قلبه ولا نفسه نفسه، ويشتهى الشيء فربما يكون هلاكه فيه، ويكره الشيء وربّما يكون حياته فيه، يستلذّ الأطعمة وهى تهلكه وترديه، ويستبشع الأدوية وهى تنفعه وتحييه، ولا يأمن في لحظة من ليله ولا نهاره أن يسلب سمعه وبصره وتفلج أعضائه ويختلس عقله
1) .إحياء العلوم: 11 / 41 ـ 43.
ويختطف ويسلب جميع ما يهواه في دنياه، فهو مضطّر ذليل إن ترك بقي وإن اختطف فنى، عبد مملوك لا يقدر على شيء من نفسه ولا على شيء من غيره، فأىّ شيء أذلّ منه لو عرف نفسه وانّي يليق الكبر لو لا جهله، فهذا أوسط أحواله وأمّا آخره فهو الموت المشار إليه بقوله: «ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ»(1)ومعناه انّه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسّه وإدراكه وحركته فيعود جمادا كما كان أوّل مرّة، لا يبقى إلاّ شكل أعضائه وصورته، لا حسّ فيه ولا حركة، ثمّ يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في الأوّل نطفة مذرة(2).
ثمّ تبلى أعضاؤ، وتتفتت أجزاؤ، وتنخرّ عظامه، وتصير رميما رفاتا، ويأكل الدّود أجزائه فيبتدىء بحدقتيه فيقلعهما، وبخديّة فيقطعهما، وبسائر أجزائه فيصير روثا في أجواف الدّيدان، ويكون جيفة يهرب منه الحيوان، ويتنفّر منه كلّ انسان، و يكرهه لشدّة الانتان، وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان، فيصير ترابا يعمل منه الكيزان، ويعمر منه البنيان، فيصير مفقودا بعد ما كان موجودا وصار كأن لم يغن بالأمس حصيدا، كما كان في أوّل أمره أمدا مديدا.
و ليته بقى كذلك، ويأمن ممّا يتلوه من المعاطب والمهالك، فما أحسنه لو ترك ترابا لابل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شدّة البلاء، وإليه أشار بقوله: «ثمّ إذا شاء أنشره»(3)فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرّقة، وأعضائه المتفتّتة، ويسرع إلى أهوال القيامة، فينظر إلى قيامة قائمة وسماء مشقّقة، وأرض مبدّلة وجبال مسيّرة، ونجوم منكدرة، وشمس منكسفة. وأحوال مظلمة وكثرة عرق ملجمة،
وملائكة غلاظ شداد، وأهوال تتفتّت منها الأكباد.
ويرى الصّحائف منشورة فيقال له: «اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً»(1)فيقرأ فيه مساويه الّتى كان افتخاره بها، واستكباره بأسبابها، فعند ذلك يقول: «يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها»(2)فيقال له: هلّم إلى الحساب واستعدّ للجواب أو تصير إلى أليم العذاب فينقطع قلبه من قول ذلك الخطاب.
فما لمن هذا حاله والتكبّر والتعزز والكبرياء والخيلاء، بل ماله وللفرح في لحظة واحدة فضلا عن البطر والأشر مدّة متمادية، ولو ظهر آخره والعياذ باللّه أحبّ أن يكون ترابا، ولا يكون إنسانا يسمع خطابا، ولا يشاهد الجحيم له مآبا ولو رأى أهل الدّنيا العبد المذنب في النّار لصعقوا من وحشة خلقته وقبح صورته، و لو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه، ولو وقعت قطرة من شرابه في بحار الدّنيا لصارت أشدّ عفونة من الجيفة.
فمن هذا حاله في العاقبة كيف يفرح ويبطر، وكيف يتجبّر ويتكبّر، وكيف يرى نفسه شيئا، ويعتقد له فضلا، وأىّ عبد لم يذنب ذنبا استحقّ به العقوبة إلاّ أن يعفو له الكريم بفضله، ويغفره باحسانه ومنّه.
أ رأيت من جنى على ملك قاهر قادر، واستحقّ بجنايته القتل أو السيّاسة فحبس في السّجن وهو ينتظر أن يخرج إلى العرض ويقام عليه العقوبة على ملاء من الخلق، وليس يدرى أ يعفى عنه أم يعاقب، كيف يكون ذلّه، أفترى أنه يتكبّر على من في السّجن، وما من عبد مذنب إلاّ والدّنيا سجنه، وقد استحقّ العقوبة من
اللّه ولا يدرى كيف يكون آخر أمره فيكفيه لو تفكّر ذلك حزنا وخوفا وإشفاقا ومهانة وذلاّ(1).
وأما الثالث:
فاعلم أنّ الغرض من خلقة الإنسان هو العبوديّة والاطاعة، قال تعالى: «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاْءِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ»(2)فاذا لا فضل لأحد أفراد هذا النّوع على الآخر إلاّ بحصول ذلك الغرض منه أعنى القيام بوظائف العبوديّة، وبه يترقّي إلى درجات الكمال، ويتقرّب إلى الربّ المتعال، ويكرم عنده كما قال عزّ من قائل:
«يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ»(3).
يعني إنّ أكثركم عند اللّه ثوابا وأرفعكم عند اللّه منزلة أتقيكم لمعاصيه وأعملكم بطاعته.
روى الطبرسي في وجه نزول الآية أنّ ثابت بن قيس بن شماس كان في اذنه وقر، وكان إذا دخل تفسّحوا له حتّى يقعد عند النّبيّ صلىاللهعليهوآله فيسمع ما يقول، فدخل المسجد يوما والنّاس قد فرغوا من الصّلاة وأخذوا مكانهم، فجعل يتخطّى رقاب النّاس ويقول: تفسّحوا، حتّى انتهى إلى رجل، فقال له: اصبت مجلسا فاجلس، فجلس خلفه مغضبا، فلمّا انجلت الظّلمة قال: من هذا؟ قال الرّجل: أنا فلان، فقال ثابت: ابن فلانة؟ ذكر أمّا له كان يعيّر بها في الجاهليّة فنكس الرّجل رأسه حياء(4)
فقال صلوات اللّه وسلامه عليه وآله: من الذّاكر فلانة؟ فقام ثابت فقال: أنا يا رسول
اللّه، فقال: انظر في وجوه القوم، فنظر إليهم، فقال: ما رأيت يا ثابت؟ قال: رأيت أبيض وأحمر وأسود، قال فانّك لا تفضّلهم إلاّ بالتقوى و الدّين فنزلت هذه الآية(1).
وقيل لمّا كان يوم فتح مكّة أمر رسول اللّه صلىاللهعليهوآله بلالا حتّى علا ظهر الكعبة وأذّن، فقال عتاب بن اسيد: الحمد للّه الذي قبض أبي حتّى لم ير هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمّد غير هذا الغراب الأسود مؤّنا، وقال سهيل بن عمر: ان يرد اللّه شيئا لغيّره، وقال أبو سفيان: إنّى لا أقول شيئا أخاف أن يخبره به ربّ السّماوات، فأتى جبرئيل رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فأخبره بما قالوا فدعاهم رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وسألهم عمّا قالوا فأقرّوا به، ونزلت الآية وزجرهم عن التّفاخر بالأنساب والازراء بالفقر والتكاثر بالأموال(2).
فقد ظهر بذلك أنّ جهة الفضل في أفراد النّوع الانساني منحصرة في الورع والتقوى فقط.
و يدلّ عليه أيضا ما روى أنّ رجلا سأل عيسى بن مريم أىّ النّاس أفضل فأخذ قبضتين من التّراب فقال: أىّ هاتين أفضل، النّاس خلقوا من تراب، فأكرمهم أتقاهم(3).
و كان أمير المؤنين عليهالسلام لمّا عوتب على التّسوية في العطاء وعدم التفضيل لاولى السابقات والشّرف من المهاجرين والأنصار على غيرهم، واعترض عليه بعدم ترجيح المولى على العبيد وعدم التّفرقة بين الأبيض والأسود أجاب عليهالسلام
بقوله: إنّى نظرت في كتاب اللّه فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلا(1).
وكان رسول اللّه صلىاللهعليهوآله صعد المنبر يوما وذكر ما كانوا يتفاخرون ويتكبّرون به في الجاهليّة، فقال: إنّه موضوع تحت قدمى إلى يوم القيامة ولم ينزل من المنبر حتى زوّج بنت عمّته صفيّة ابنة عبد المطلب من المقداد(2)مع كونه من أفقر النّاس حالا وأقلّهم مالا.
و قد سوّى بينهم أيضا في أعظم الأمور وأهمّها وهو أمر الدّماء فقال صلىاللهعليهوآله: المسلمون اخوة تتكافا دماؤم ويسعى بذمّتهم أدناهم(3).
فاذا كان دم السّلطان مساويا لدم الكنّاس فأىّ مزيّة له عليه.
فقد علم بذلك أن لا تفضيل في غير الورع والتّقوى والدّين وأنّه لا يجوز الافتخار والتفاخر به بل لا يجوز التفاخر بالتقوى أيضا ولا ينبغي المباهاة به.
و يؤى إليه ما رواه الطبرسي عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: إنّ اللّه عزّ وجلّ جعل الخلق قسمين: فجعلني في خيرهم قسما وذلك قوله: «وَأصحاب اليمين»(4)«وَأصحاب الشّمال»(5)فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين، ثمّ جعل القسمين أثلاثا فجعلنى في خيرها ثلثا وذلك قوله: «وأصحاب الميمنة»(6)«وأصحاب المشئمة»(7)«والسابقون السّابقون»(8)، فأنا من
السابقين وأنا خير السابقين، ثمّ جعل الأثلاث قبائل فجعلنى في خيرها قبيلة وذلك قوله: «وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ»(1)الآية، فأنا أتقى ولد آدم ولا فخر وأكرمهم على اللّه ولا فخر ثمّ جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا وذلك قوله عزّ وجلّ: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(2)فأنا وأهل بيتى مطهّرون من الذّنوب(3)فانّ غرضه بذلك بيان شأنه للناس لا التفاخر، ولهذا قال صلىاللهعليهوآله في المقامين: ولا فخر، فبالغ في نفيه بلاء النافية للجنس.
و إلى هذا المعنى ينظر ما جاء في الحديث من أنّ اللّه سبحانه أوحى إلى موسى اذا جئت للمناجاة فاصحب معك من تكون خيرا منه، فجعل موسى عليهالسلام لا يعترض أحدا الاّ وهو لا يجسر أن يقول إنّى خير منه، فنزل عن الناس وشرع في أصناف الحيوانات حتى مرّ بكلب أجرب فقال: أصحب هذا، فجعل في عنقه حبلا ثمّ مرّ به، فلما كان به في بعض الطريق شمر الحبل وأرسله، فلما جاء إلى مناجاة الرّبّ سبحانه قال تعالى: يا موسى أين ما أمرتك به؟ قال: يا ربّ لم أجده، فقال تعالى: وعزّتي وجلالي لو أتيتني بأحد لمحوتك من ديوان النّبوة(4).
فاذا كان مثل موسى مع كونه نبيّا أولى العزم وأفضل أهل زمانه كما هو اعتقادنا في الأنبياء والرّسل لم يجسر أن يقول لأحد من آحاد النّاس ولفرد من أفراد الحيوان حتّى الكلب الأجرب أنا خير منه فكيف لغيره.
وأىّ معنى للتعزّز والتكبّر والتّفاخر على عباد اللّه وقد قال اللّه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى
أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ»(1)مع أنّ الامور التي يتكبّر المتكبّر بها على غيره ويزعمها كمالا لنفسه ليست كمالا ذاتيا في الحقيقة، ولا تليق أن يتعزّز بها.
لان المتكبر به ان كان النسب ففيه أنّ التكبّر إن كان بالنسب البعيد «ففيه أن النّسب البعيد ظ» لكلّ إنسان هو الماء والطّين لا تفاوت بين أفراده من هذه الجهة كما لا تفاوت بينهم في الجدّ والجدّة قال أمير المؤنين عليهالسلام في الديوان المنسوب إليه:
النّاس من جهة التّمثال أكفاء *** أبوهم آدم والامّ حوّاء
و إن يكن لهم في أصلهم شرف *** يفاخرون به فالطين والماء(2)
و إن كان بالنّسب القريب ففيه انّه إذا كان خسيسا في ذاته ذميما في صفاته فلا يجبر نقصانه كمال آبائه وأسلافه قال الشاعر:
لئن فخرت بآباء ذوي شرف *** لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا (3)
وقال عليهالسلام:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا *** يغنيك محموده من النسب
إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا *** ليس الفتى من يقول كان أبي(4)
على أنّ التعزّز بالنسب تعزّز بكمال غيره ولا ينفعه ذلك في الدّنيا ولا في العقبى، ولذلك كان أمير المؤنين عليهالسلام يقول بعد تلاوة: «أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ»(5)
التكاثر: 1 ـ 2.
: أ فبمصارع آبائهم يفخرون، أم بعديد الهلكى يتكاثرون، إلىآخر ما يأتي في الكلام المأتين والتاسع عشر، وقال سلمان رضىاللهعنه:
أبي الإسلام لا أب لي سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم(1)
وقال صاحب بن عبّاد:
لعمرك ما الإنسان إلاّ بدينه *** فلا تترك التّقوى اتّكالاّ على نسب
لقد رفع الإسلام سلمان فارس *** وقد وضع الشرك الشريف أبا لهب(2)
ألا ترى إلى ابن نوح فانّه مع كونه ابن نبيّ مرسل من اولى العزم ما نجاه ذلك النّسب الشريف ولا نفعه، بل كان من المغرقين، وفي جهنّم من الخالدين، «وَنادى
نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ * قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ»(3)فلم يستجب فيه دعوته ونفى عنه بنوّته لمخالفته لأبيه وعصيانه له.
وروى عن سيّد السّاجدين عليهالسلام أنّه قال: إنّما خلقت النّار لمن عصى اللّه ولو كان سيّدا قرشيّا، والجنّة لمن أطاع اللّه ولو كان عبدا حبشيّا(4).
و ناهيك في المنع من التكبّر بالنّسب قوله عزّ من قائل: «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ»(5).
وليعلم انه إذا كان البناء على افتخاره بأصله ونسبه القريب فليفتخر بأقرب اصوله وأنسابه وهو النّطفة القذرة والدّودة الّتي خرجت من مبال أبيه، فأين الافتخار بالدّودة وأنّى التعزّز بالعلقة والمضغة. قال سبحانه: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاْءِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً»(1)فالأصل تراب يوطأ بالأقدام، والفصل نجس تغسل منه الأبدان(2)فمن كان هذا أصله وفصله كيف يسوغ له التكبّر بالأنام، ولنعم ما قيل:
يا ابن التراب وماكول التّراب غدا *** أقصر فإنّك مأكول ومشروب(3)
وأما العلم فهو إنّما يكون كمالا إذا أوجب ارتفاع درجة العالم وقربه من اللّه سبحانه، وإلاّ فالجهل منه أفضل البتّة، وانّ العالم مهما خطر بخاطره عظم قدره بالاضافة إلى الجاهل فليتفكّر في الخطر العظيم الذي هو بصدده، فانّ خطره أعظم من خطر غيره كما أنّ قدره أعظم من قدر غيره، فقد يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد(4)، وذلك لمكان علمه.
وقد ضرب اللّه مثلا للعالم العامل بغيره تارة بالحمار فقال: «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً»(5)وأخرى بالكلب فقال: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ
الْغاوِينَ»إلى قوله «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ»(1)نزلت في بلعم بن باعور فقد اوتى اسم الأعظم وقال ابن عبّاس اوتى كتابا فأخلد إلى شهوات الأرض أي سكن حبّه اليها فمثّله بالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث أي سواء أتيته الحكمة أو لم اوته لا يدع شهوته(2).
و يكفى العالم هذا الخطر فبعد معرفته بأنّ الكبر لا يليق إلاّ بذات اللّه سبحانه وأنّه مختصّ به وعلمه بانّه إذا تكبّر يصير ممقوتا عنده تعالى بغيضا اليه محروما من قربه، وبأنّ المطلوب منه الذّل والتّواضع وهو موجب لمحبّته تعالى، فلا بدّ أن يكلّف نفسه ما يحبّه مولاه وما فيه رضاه، فهذا يزيل التكبّر عن قلبه(3).
و يمكن ازالته أيضا بالتفكّر في امور ثلاثة.
أحدها أن يلتفت إلى ما سبق من ذنوبه وخطاياه حتّى يصغر قدره في عينيه.
الثّاني أن يلاحظ لما هو فيه من وصف العلم من حيث انه نعمة من اللّه سبحانه في حقّه فيرى ذلك منه تعالى حتّى لا يعجب بنفسه، وإذا لم يعجب لم يتكبّر.
الثالث ملاحظة سوء الخاتمة فربما يمكن أن يختم عاقبته بالسّوء وعاقبة المتكبّر عليه بالحسنى حتّى يشغله الخوف عن التكبّر عليه.
و أما الحسن والجمال فما أعجب التكبّر به مع كونه سريع الزّوال، واللاّزم على المتعزّز بجماله أن ينظر إلى قبح باطنه لا إلى حسن ظاهره، فلو لاحظ باطنه رأى فيه من القبائح والخبائث ما يكدّر تعزّزه، فانه وكّل به الأقذار في جميع أجزائه الرّجيع في امعائه، والبول في مثانته، والمخاط في أنفه، والبزاق في فيه، والوسخ
في اذنيه، والدّم في عروقه، والصّديد تحت بشرته، ويخرج منه في كلّ يوم من الأقذار ما يتأذّى بنفسه من رؤته ومن فضول ريحه إلى شامته فضلا عن غيره فانّما مثله كالقبور المجصّصة يرى ظاهرها مليحا وباطنها قبيحا، ولو ترك نفسه في حياته يوما لم يتعهّدها بالتنظيف والتّطهير لثارت منه الأنتان والأقذار وصار أنتن من الدّواب المهملة التي لا تتعهّد نفسها قطّ فحسنه كخضراء الدّمن وكالأزهار في الرّبيع بينما تعجبها إذ صارت هشيما تذروه الرّياح(1).
و اما الغنى وكثرة المال وفي معناه الملك والسلطنة فلأنّه أيضا سريع الزوال وفي معرض الانتقال، بينا تراه غنيا إذ صار فقيرا، أو فقيرا إذ صار غنيّا، وترى المغبوط مرحوما والمرحوم مغبوطا، فما أقبح التكبّر بشيء ليس اختياره بيده، وما أذلّ الغنى إذ انتزع ماله أو اختلسه سارق، وما أذلّ السّلطان إذ انتزع من ملكه و غلب عليه في سلطنته، مع أنّ ما بيد الغنى ليس إلاّ أقلّ قليل من مال الدّنيا قد كان قبله في يد غيره وسيصير في يد آخر، والدّنيا كلّها عند اللّه سبحانه لا تزن جناح بعوضة والاّ لما سقى الكافر شربة ماء، وعند نظر أولياء اللّه أزهد من عرق خنزير في يد المجذوم.
فما هذا شأنه لا يليق التعزّز به، وناهيك في ذلك الأخبار الواردة في ذمّ الدّنيا و أكثر خطب أمير المؤنين عليهالسلام في هذا الكتاب مسوق لهذا الغرض على أنّ الغنى لو تأمل لوجد في اليهود والنّصارى من يزيد عليه في الغنى والثروة والتجمّل، فافّ لشرف يسبقك به الكافر وافّ لشرف يأخذه السارق في لحظة واحدة فيعود صاحبه ذليلا مفلسا(2).
واما القوة وشدة البطش فيكفى في المنع من التكبّر به أن يعلم ما سلّط عليه من العلل والأمراض، وأنّه لو توجع عرق واحد في يده لصار أعجز من كلّ عاجز وأذلّ من كلّ ذليل، وأنّه لو سلبه الذّباب شيئا لم يستنقذه منه، وأنّ بقّة لو دخلت في أنفه أو نملة دخلت في أذنه لقتلته، وأنّ شوكة لو دخلت في رجله لأعجزته، وأنّ حمى يوم تحلّل من قوّته ما لا ينجبر في مدّة، فمن لا يطيق شوكة ولا يقاوم بقّة ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه ذبابة فلا ينبغي أن يفتخر بقوّته.
ثمّ إن قوى الإنسان فلا يكون أقوى من حمار أو بقرة أو فيل أو جمل، وأىّ افتخار في صفة يسبقه فيها البهائم(1).
و أمّا الزهد والعبادة فيزول التكبّر بهما على الفاسق بالتفكّر في سوء الخاتمة وحسنها، فربّما يموت الفاسق ويختم له بالخير، ويزلّ العابد فيختم له بالشرّ(2).
ألا ترى إلى برصيصاء عابد بني إسرائيل كيف سائت خاتمته على ما عرفت في شرح الفصل السّادس من الخطبة الثانية والثمانين.
و إلى خليع بنى إسرائيل كيف حسنت عاقبته وكان من قصّته أنّه لكثرة فساده يسمّى خليع بني إسرائيل، فمرّ يوما برجل يقال له عابد بني إسرائيل، وكان على رأس العابد غمامة تظلّله فلمّا مرّ الخليع به قال الخليع في نفسه: أنا خليع بني إسرائيل وهذا عابد بني إسرائيل، فلو جلست إليه لعلّ اللّه يرحمني، فجلس إليه فقال العابد: أنا عابد بني إسرائيل وهذا خليع بني إسرائيل فكيف يجلس إلىّ، فأنف منه وقال له: قم عنّي، فأوحى اللّه إلى نبيّ ذلك الزّمان مرهما فليستأنفا العمل فقد
غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد، وفي رواية اخرى فتحوّلت الغمامة إلى رأس الخليع(1).
و كيف كان فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الأمور الّتي يزعمها المتكبّر كمالا له ويتعزّز بها على غيره ليست كمالا في الحقيقة، بل هى منقصة ووبال.
و يرشد إلى ما ذكرته ما روى عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله إنّ اللّه سبحانه أوحى إليه أن يقول لمن يتعزّز بالحسن والجمال: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ، ولمن يتعزّز بالفصاحة:الْيَوْمَ
نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ، ولمن يتعزّز بالنّسب: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ، ولمن يتعزّز بالمال والولد: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ، ولمن يتعزّز بالقوّة: عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ، ولمن يتعزّز بالملك: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للّهِِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ(2).
واما الامر الرابع:
أعني معرفة معايب الكبر ومفاسده فنقول: إنّ هذه الصّفة الخبيثة لا منفعة فيها للمتكبّر البتة بل هي مضرّة له في الدّنيا والآخرة.
أما في الدنيا فلايجابها انحطاط درجته عند الخلايق وكراهتهم له وبعدهم عنه فهو لا يحبّهم وهم لا يحبّونه كما هو مشاهد بالعيان معلوم بالتجربة والوجدان، ويبتليه اللّه سبحانه في أغلب الأوقات بالذّل والهوان.
و يدلّ عليه ما عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: ما من عبد إلاّ وفي رأسه حكمة وملك يمسكها فاذا تكبّر
قال له: اتّضع وضعك اللّه فلا يزال أعظم النّاس في نفسه وأصغر النّاس في أعين النّاس(1)الحديث.
وقد مثّل الصادقان عليهماالسلام الدّنيا ببيت سقفه مخفوض، فالدّاخل إليه لا بدّ من أن يطأطأ رأسه عند الدّخول ومن رفع رأسه تلك الحالة شجّه السّقف وأخرج دمه ورمى بعمامته من فوق رأسه وفضحه بين الاقران الّذين كان يريد الترفّع عليهم(2).
و ناهيك في التنبيه على عظم ضرره ما عن أحمد بن محمّد عن مدرك بن عبيد عمّن حدّثه عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: إنّ يوسف لما قدم عليه الشّيخ يعقوب عليهالسلام
دخله عزّ الملك فلم ينزل إليه فهبط عليه جبرئيل فقال: يا يوسف ابسط راحتك، فخرج منها نور ساطع فصار في جوّ السّماء، فقال يوسف: يا جبرئيل ما هذا النّور الذي خرج من راحتي؟ فقال: نزعت النبوّة من عقبك عقوبة لما لم تنزل إلى الشّيخ يعقوب فلا يكون من عقبك نبيّ(3)
النزول إمّا عن الدابّة أو عن السرير وكلاهما مرويّان وينبغي حمله على أن ما دخله لم يكن تكبرا وتحقيرا لوالده لكون الأنبياء منزهين عن امثال ذلك بل راعى فيه المصلحة لحفظ عزته عند عامة الناس لتمكنه من سياسة الخلق وترويج الدين إذ كان نزول الملك عندهم لغيره موجبا لذله وكان رعاية الأدب للاب مع نبوّته ومقاساة الشدائد لحبه أهم وأولى من رعاية تلك المصلحة فكان هذا منه عليهالسلام تركا للاولى فلذا عوتب عليه وخرج نور النبوّة من صلبه، لانهم لرفعة شأنهم وعلو درجتهم يعاتبون بأدنى شيء فهذا كان شبيها بالتكبر ولم يكن تكبرا قوله: «فصار في جو السماء» أي استقر هناك أو ارتفع إلى السماء مرآة العقول: 250/10.
،(4).وأمّا في الآخرة فلا يجابها دخول النّار وسخط الجبّار جلّ جلاله كما يشهد به ما قدّمنا في المقام الأوّل من الآيات والأخبار، وناهيك في ذلك التذكر بحال ابليس اللّعين فانّه مع كونه خطيب الملائكة وقد عبداللّه في السّماء ستّة آلاف سنة كيف حبط أجره وانحط قدره وحرم الحضرة الرّبوبيّة والألطاف الآلهيّة واستحقّ مقت الجبّار والخلود في النّار بمحض الانائيّة والاستكبار على ما يأتي مشروحا في الخطبة القاصعة، وما التوفيق إلاّ باللّه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو الْأَمْرَ لَهُ وَيَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ لاَ يَمُتَّانِ إِلَى اللّهِ بِحَبْلٍ وَلاَ يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبٍّ لِصَاحِبِهِ وَعَمَّا قَلِيلٍ يُكْشَفُ قِنَاعُهُ بِهِ وَاللّهِ لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا وَلَيَأْتِيَنَّ هَذَا عَلَى هَذَا قَدْ قَامَتِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فَأَيْنَ الْمُحْتَسِبُونَ فَقَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ وَقُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ وَلِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ وَلِكُلِّ نَاكِثٍ شُبْهَةٌ وَاللّهِ لاَ أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ يَسْمَعُ النَّاعِيَ وَيَحْضُرُ الْبَاكِيَ ثُمَّ لاَ يَعْتَبِر.
نقل ابن أبي الحديد رواية أبي مخنف وهي: أيّها النّاس إنّ عايشة سارت إلى البصرة معها طلحة والزبير وكلّ منهما يرى الأمر له دون صاحبه. أمّا طلحة فابن عمّها، وأمّا الزبير فختنها واللّه لو ظفروا بما أرادوا ـ ولن ينالوا ذلك أبدا ـ ليضربنّ أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد، واللّه إنّ راكبة الجمل الأحمر ما تقطع عقبة ولا تحل عقدة إلاّ في معصية اللّه وسخطه، حتى تورد نفسها ومن معها موارد الهلكة، أي واللّه ليقتلن ثلثهم وليهربن ثلثهم وليتوبن ثلثهم، وإنّها التي تنبحها كلاب
الحوأب، وإنّهما ليعلمان أنّهما مخطئان، وربّ عالم قتله جهله ومعه علمه لا ينفعه، حسبنا اللّه ونعم الوكيل، فقد قامت الفتنة، فيها الفئة الباغية، أين المحتسبون أين المؤنون، مالي ولقريش أما واللّه لقد قتلتهم كافرين ولأقتلنهم مفتونين، وما لنا إلى عايشة من ذنب إلاّ أنّا أدخلناها في حيزنا، واللّه لأبقرن الباطل حتّى يظهر الحقّ من خاصرته، فقل لقريش فلتضجّ ضجيجها(1).
وفي الإرشاد لما اتّصل بأمير المؤنين صلوات اللّه عليه مسير عايشة وطلحة والزّبير من مكّة إلى البصرة حمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: قد سارت عائشة و طلحة والزّبير كلّ منهما يدّعى الخلافة دون صاحبه، ولا يدّعى طلحة الخلافة إلاّ أنّه ابن عمّ عايشة، ولا يدّعيها الزبير إلاّ أنّه صهر أبيها، واللّه لئن ظفروا بما يريدان ليضربنّ الزبير عنق طلحة، وليضربنّ طلحة عنق الزّبير ينازع هذا على الملك هذا، و لقد علمت واللّه أنّ الراكبة الجمل لا تحلّ عقدة ولا تسير عقبة ولا تنزل منزلة إلاّ إلى معصية اللّه حتّى تورد نفسها ومن معها موردا يقتل ثلثهم، ويهرب ثلثهم، ويرجع ثلثهم، واللّه إنّ طلحة والزّبير ليعلمان أنّهما مخطئان وما يجهلان، ولربّ عالم قتله جهله وعلمه معه لا ينفعه، واللّه لتنبحنّها كلاب الحوأب، فهل يعتبر معتبر و يتفكّر متفكّر لقد قامت الفئة الباغية فأين المحسنون(2).
في ذكر أهل البصرة
كان عليه أن يقول (في طلحة والزبير لمّا سارا إلى البصرة) فإنّ المنصرف من أهل البصرة أهلها الأصليون وليس الكلام فيهم بل فيهما.
أذن مروان حين فصل من مكّة، ثمّ جاء حتى وقف على طلحة والزبير فقال: أيّكما أسلّم عليه بالامرة وأؤنه بالصلاة، فقال عبداللّه بن الزبير على أبي عبداللّه، وقال محمّد بن طلحة على أبي محمّد، فأرسلت عايشة إلى مروان: مالك تريد أن تفرّق أمرنا ليصلّ ابن اختي، فكان يصلّي بهم ابن الزبير حتّى قدموا البصرة، فكان معاذ بن عبيد اللّه يقول: واللّه لو ظفرنا لافتتنا ما خلى الزبير بين طلحة والأمر ولا خلّى طلحة بين الزبير والأمر(1).
و تشاحّ طلحة والزبير في الصلاة بالناس في البصرة، ثمّ اتّفقوا على أن يصلّي ابن الزبير يوما وابن طلحة يوما في خطب طويل كان بين طلحة والزبير، وجذب صاحبه حتّى فات وقت الصلاة، وصاح النّاس: الصلاة الصلاة يا أصحاب محمّد(2).
و لمّا صفت البصرة لطلحة والزبير بعد قتل حكيم بن جبلة وأصحابه، وطرد عثمان بن حنيف عنها، اختلفا في الصلاة وأراد كل منهما أن يؤّ بالنّاس وخاف أن تكون صلاته خلف صاحبه تسليما ورضى بتقدمه، فأصلحت عايشة بينهما(3).
و نقلا عن ابن دأب وأبي مخنف والواقدي والمدائني: أنّ طلحة والزبير لمّا ظفرا في البصرة بعثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة، نزلا دار الإمارة فقدمت عايشة وحملت مالا من بيت المال لتفرّقه على أنصارها، فدخل عليها طلحة والزبير في
طائفة معهما واحتملا منه شيئا كثيرا، فلمّا خرجا نصبا على أبوابه الأقفال ووكلا به من قبلهما قوما، فأمرت عايشة بختمه فبدر طلحة ليختمه فمنعه الزبير، وأراد الزبير أن يختمه فتدافعا، فبلغ ذلك عايشة فقالت: يختمها عنّي ابن اختي عبداللّه فنختم يومئذ بثلاثة ختوم(1).
أي لا يتوسّلان. قال الطبرسي قيل في معنى حبل اللّه أقوال: أحدها: أنه القرآن. وثانيها: أنه دين الإسلام. وثالثها: مَا رَوَاهُ أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليهالسلام قَالَ: نَحْنُ حَبْلُ اللّهِ الَّذِي قَالَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً. والأولى حمله على الجميع. وَالَّذِي يُؤيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ حَبْلَيْنِ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآْخَرِ كِتَابُ اللّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي أَلاَ وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ(2).
أي: توصل.
عن عوف الأعرابي قال: جاء رجل إلى طلحة والزبير وهما في المسجد بالبصرة فقال: نشدتكما باللّه في مسيركما أ عهد النبيّ صلىاللهعليهوآله إليكما فيه شيئا فقام طلحة ولم يجبه، فناشد الزبير فقال: لا، ولكن بلغنا أنّ عندكم دراهم فجئنا
نشارككم فيها(1).
وعن الزهري: أنّ طلحة والزبير قاما خطيبين فقالا: يا أهل البصرة توبة بحوبة إنّما أردنا أن نستعتب عثمان ولم نرد قتله، فغلب سفهاء النّاس الحلماء حتّى قتلوه. فقال النّاس لطلحة: قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا. فقال لهم الزبير: فهل جاءكم منّي كتاب في شأنه ثمّ ذكر قتل عثمان وما أتى إليه وأظهر عيب عليّ عليهالسلام، فقام إليه رجل من عبد القيس فقال: أيّها الرجل انصت حتّى نتكلّم، فقال له ابن الزبير: مالك وللكلام. فقال الرجل: يا معشر المهاجرين أنتم أوّل من أجاب النبيّ صلىاللهعليهوآله فكان لكم بذلك فضل، ثم دخل النّاس في الإسلام كما دخلتم، فلمّا توفي النبيّ صلىاللهعليهوآله بايعتم رجلا منكم واللّه ما استأمرتمونا في شيء من ذلك فرضينا، ثم أنكرتم من عثمان فقتلتموه عن غير مشورة منّا، ثمّ بايعتم عليّا عن غير مشورة، فما الذي نقمتم عليه فنقاتله، هل استأثر بفيء، أو عمل بغير الحق، أو عمل شيئا تنكرونه فنكون معكم عليه وإلاّ فما هذا ـ فهمّوا بقتل ذلك الرجل، فقام من دونه عشيرته ـ فلمّا كان الغد وثبوا عليه وعلى من كان معه فقتلوا سبعين رجلا(2).
في (الأساس): (في قلبه ضبّ) أي: غل داخل كالضب الممعن في جحره.
قال سابق البربريّ:
ولا تك ذا وجهين يبدي بشاشة *** وفي صدره ضبّ من الغلّ كامن(3)
ويشهد به اختلافهما قبل وقوع الحرب في الأحقّ بالتّقديم في الصّلاة، فأقامت عائشة محمّد بن طلحة وعبداللّه بن الزّبير يصلّي هذا يوما وهذا يوما إلى أن تنقضى الحرب.
ثمّ إنّ عبداللّه بن الزّبير ادّعى أنّ عثمان نصّ عليه بالخلافة يوم الدّار، واحتجّ في ذلك بأنّه استخلفه على الصّلاة، واحتجّ تارة اخرى بنصّ صريح زعمه وادّعاه، وطلب طلحة من عائشة أن يسلّم النّاس عليه بالامارة وأدلى إليها بالسّمية وأدلي الزّبير بأسماء اختها فأمرت النّاس أن يسلّموا عليهما معا بالامارة، واختلفا أيضا في تولّى القتال فطلبه كلّ منهما اوّلا ثم نكل عنه(1).
أي: عنه، وأهل الدّنيا كلّهم كذلك، واصطلاحهم في الظاهر إنّما هو من حيث انّ الدّنيا محبوبة جميعهم، في قبال مبغضيها. وأمّا هم في أنفسهم وتزاحمهم عليها فيتهارشون كل مع الآخر حال الكلاب والجيفة.
أي: من نيل الإمارة، وقد عرفت من رواية أبي مخنف أنّه عليهالسلام أخبر بعدم نيلهما ذلك، كما أخبر عليهالسلام بقتل ثلث أهل الجمل وهرب ثلثهم وتوبة ثلثهم(2).
قد عرفت أنّ رواية أبي مخنف بدله بقوله: (ليضربن أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد).
و كذلك أهل الدّنيا في كل عصر، فانتزع عبد الملك بن مروان لمّا نال الأمر نفس عمرو بن سعيد الأشدق وذبحه بيده، وانتزع منصور الدوانيقي نفس أبي مسلم الخراساني، وقتل المأمون الأمين. قال هارون لرجل: ما عندك في ما كان من العهد الذي عهدت إلى ولاة العهد فاستعفاه فلم يعفه. فقال: رأيتك قد أخذت ثلاثة أسياف مشحوذة فجعلتها في غمد واحد(1).
وعن الصادق عليهالسلام: أنّ إيتلاف قلوب الأبرار إذا التقوا وإن لم يظهروا التودّد بألسنتهم كسرعة اختلاط قطر السماء على مياه الأنهار، وإنّ بعد إيتلاف قلوب الفجّار إذا التقوا وإن أظهروا التودّد بألسنتهم، كبعد البهائم من التعاطف وإن طال اعتلافها على مذود(2)واحد(3).
التي أخبر بها النبيّ صلىاللهعليهوآله.
في جهادهم.
في حرب الناكثين.
عن أبي عمرة مولى الزبير قال: لمّا بايعهما أهل البصرة قال الزبير: ألا ألف فارس أسير بهم إلى عليّ، فأمّا بيّته وأما صبّحته لعليّ أقتله قبل أن يصل إلينا. فلم
يجبه أحد فقال: إنّ هذه لهي الفتنة التي كنّا نحدّث عنها، فقال له مولاه: أ تسميها فتنة وتقاتل فيها قال: ويحك إنّا نبصر ولا نصبر(1).
وروى عبداللّه بن رباح مولى الأنصار عن عبداللّه بن زياد مولى عثمان قال: خرج عمّار يوم الجمل إلينا فقال: يا هؤاء على أي شيء تقاتلونا فقلنا: على أنّ عثمان قتل مؤنا، فقال: نحن نقاتلكم على أنّه قتل كافرا. وقال: واللّه لو ضربتمونا حتّى نبلغ سعفات هجر، إنّا على الحقّ وإنّكم على الباطل. وقال: ما نزل تأويل هذه الآية «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ...»(2)إلاّ اليوم(3).
عن أخي دعبل عن الرّضا عن آبائه عليهمالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهلأمّ سلمة: اشهدى على أنّ عليّا يقاتل النّاكثين والقاسطين والمارقين(4).
وعن الباقر عليهالسلام عن جابر الأنصاري قال: إنّي لأدناهم من رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في حجّة الوداع بمنى فقال صلىاللهعليهوآله: لاعرفنّكم ترجعون بعدي كفارا ليضرب بعضكم
رقاب بعض، وأيم اللّه لئن فعلتموها لتعرفنّني في الكتيبة التي تضاربكم، ثمّ التفت صلىاللهعليهوآله إلى خلفه ثمّ قال: أو عليّ أو عليّ أو عليّ، فرأينا أنّ جبرئيل غمزه وأنزل اللّه عزّ وجلّ «فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ»(1)بعليّ «أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ»(2)ثمّ نزلت: «قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ * ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»(3)ثمّ نزلت: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ـ من أمر عليّ بن أبي طالب ـ «إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»(4)وانّ عليّا علم للسّاعة لك ولقومك ولسوف تسئلون عن محبّة عليّ بن أبي طالب(5).
وعن الفضيل بن غياض عن أبي عبداللّه عليهالسلام عن أبيه قال: قال: بعث اللّه محمّدا صلىاللهعليهوآله بخمسة أسياف ثلاثة منها شاهرة، وسيف منها مكفوف، وسيف منها سلّه إلى غيرنا وحكمه إليه، ثمّ قال: وأما السّيف المكفوف فسيف عليّ على أهل البغى والتأويل، قال اللّه تعالى: «وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ»(6)فلمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: إنّ منكم من يقاتل بعدى على التأويل(7)كما
1) . الزخرف: 41.
2) . الزخرف: 42.
3) . المؤنون: 93 ـ 96.
4) . الزخرف: 43.
5) . الأمالي للطوسي: 363/ م 13/ ح 760 ـ 11؛ بحار الأنوار: 424/29/ ح 8.
6) . الحجرات: 9. وهذه الآية أصل في قتال أهل البغى من المسلمين ودليل على وجوب قتالهم وعليها بنى أمير المؤنين قتال الناكثين والقاسطين والمارقين و اياها عنى رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهحين قال لعمار بن ياسر: يا عمّار تقتلك الفئة الباغية.
7) . لعل كون القتال بالتأويل لكون الآية غير نص في خصوص طائفة، إذا الباغى يدعى انّه على الحق وخصمه باغ أو المراد به ان آيات قتال المشركين والكافرين يشملهم في تأويل القرآن.
قاتلت على التنزيل، فسئل النّبي صلىاللهعليهوآله من هو؟ فقال: خاصف النّعل، يعني أمير المؤنين عليهالسلام فقال عمّار بن ياسر: قاتلت بهذه الرّواية مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله ثلاثا وهذه الرّابعة، واللّه لو ضربونا حتّى بلغوا بنا السّعفات من هجر(1)
السعفات جمع سعفة وهي أغصان النخل. والهجر ـ بالتحريك ـ: بلدة باليمن واسم لجميع أرض البحرين. القاموس وقال البكري في المعجم: هجر ـ بفتح اوله وثانيه ـ: مدينة البحرين معروفة وهي معرفة لا تدخلها الالف واللام. انتهى. وإنّما خص هجر لبعد المسافة أو لكثرة النخل بها.
لعلمنا أنا على الحقّ وأنّهم على الباطل(2).وعن أبي يعلى الموصلي والخطيب التّاريخي وأبي بكر بن مردويه بطرق كثيرة عن عليّ عليهالسلام قال: امرت بقتال النّاكثين والقاسطين والمارقين(3).
وقال ابن طلحة: قال البغوي في شرح السّنة عن ابن مسعود قال: خرج رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فأتى منزل امّ سلمة فجاء عليّ عليهالسلام فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يا امّ سلمة هذا واللّه قاتل النّاكثين والقاسطين و المارقين(4)
وعن أبي رافع أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: يا أبا رافع كيف انت وقوم يقاتلون عليّا وهو على الحقّ وهم على الباطل؟ يكون حقّا في اللّه جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فيجاهدهم بلسانه، فمن لم يستطع بلسانه فيجاهدهم بقلبه، وليس وراء ذلك شيء، قال: قلت: ادع اللّه لي إن أدركتهم أن يعينني ويقوّينى على قتالهم فلمّا بايع
النّاس عليّ بن ابي طالب عليهالسلام وخالفه معاوية وسار طلحة والزّبير إلى البصرة قلت: هؤاء القوم الّذين قال فيهم رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ما قال، فباع أرضه بخيبر وداره بالمدينة وتقوى بها هو وولده ثمّ خرج مع عليّ عليهالسلام بجميع أهله وولده، وكان معه حتّى استشهد عليّ عليهالسلام، فرجع إلى المدينة مع الحسن عليهالسلام ولا أرض له بالمدينة ولا دار فأقطعه الحسن عليهالسلام ارضا بينبع من صدقة علىّ وأعطاه دارا(1).
يعني وأمّا طلحة والزبير فلا علّة لضلّتهم بقتالهم معه عليهالسلام، ولا شبهة لهما في نكث بيعته عليهالسلام، فعلّة ضلّتهم كانت طلب دم عثمان وهم كانوا قاتليه، وقد عرفت أنّ الرجل العبدي قال لطلحة: جاءت كتبك بقتل عثمان(2)، وسبب نكثهم كان عدم توليتهم الولايات، وليس هو شبهة وإنّما تكون شبهة لو كان أمكنهم ادّعاء وقوع خلاف شرع منه عليهالسلام.
وعن أبي عثمان مؤن بني افصى أنّه سمع عليّا عليهالسلام حين خرج طلحة والزبير لقتاله تلا هذه الآية: «وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ»(3)،(4).
لدمت المرأة وجهها أي: ضربته، والتدام النساء: ضربهن صدورهن في النياحة(1).
وهو الذي يأتي بخبر الميّت.
والمراد أنّي لا اساهل في أمر طلحة والزبير، اخليهما وإفساد البلاد.
وقال الشاعر:
ولست كمن يرضى بما غيره الرضا *** ويمسح رأس الذئب والذئب آكله(2)
وذكروا أن طلحة والزبير لما نزلا البصرة، قال عثمان بن حنيف: نعذر إليهما برجلين(3)، فدعا عمران بن الحصين صاحب رسول اللّه، وأبا الأسود الدؤي، فأرسلهما إلى طلحة والزبير، فذهبا إليهما فناديا: يا طلحة فأجابهما، فتكلم أبو الأسود الدؤي، فقال: يا أبا محمّد، إنكم قتلتم عثمان غير مؤمرين لنا في قتله، وبايعتم عليا غير مؤمرين في بيعته، فلم نغضب لعثمان إذ قتل، ولم نغضب لعلي إذ بويع، ثم بدا لكم، فأردتم خلع علي، ونحن على الأمر الأول، فعليكم المخرج مما دخلتم فيه. ثم تكلم عمران، فقال: يا طلحة، إنكم قتلتم عثمان ولم نغضب له إذ لم تغضبوا، ثم بايعتم عليا وبايعنا من بايعتم، فإن كان قتل عثمان صوابا فمسيركم لماذا ؟ وإن كان خطأ فحظكم منه الأوفر، ونصيبكم منه الأوفى. فقال طلحة: يا
هذان إن صاحبكما لا يرى أن معه في هذا الأمر غيره، وليس على هذا بايعناه، وأيم اللّه ليسفكن دمه. فقال أبو الأسود: يا عمران، أما هذا فقد صرح أنه إنما غضب للملك. ثم أتيا الزبير فقالا: يا أبا عبداللّه، إنا أتينا طلحة، قال الزبير: إن طلحة
وإياي كروح في جسدين، وإنه واللّه يا هذان، قد كانت منا في عثمان فلتات ، احتجنا فيها إلى المعاذير، ولو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا نصرناه، ثم أتيا فدخلا على عائشة، فقالا: يا أم المؤنين، ما هذا المسير ؟ أمعك من رسول اللّه به عهد ؟ قالت: قتل عثمان مظلوما، غضبنا لكم من السوط والعصا، ولا نغضب لعثمان من القتل، فقال أبو الأسود: ما أنت والعصا والسيف والسّوط ؟ فقالت: يا أبا الأسود ، بلغني أن عثمان بن حنيف يريد قتالي. فقال أبو الأسود، نعم واللّه قتالا أهونه تندر منه الرؤس(1). فقال أبو الأسود:
أتينا الزبير فدانى الكلام *** وطلحة كالنجم أو أبعد
و أحسن قوليهما فادح *** يضيق به الخطب مستنكد
و قد أوعدونا بجهد الوعيد *** فأهون علينا بما أوعدوا
فقلنا ركضتم ولم ترملوا *** وأصدرتم قبل أن توردوا
فإن تلقحوا الحرب بين الرجال *** فملقحها حده الأنكد
و إن عليا لكم مصحر *** ألا إنه الأسد الأسود
أما إنه ثالث العابدين *** بمكة واللّه لا يعبد
فرخوا الخناق ولا تعجلوا *** فإن غدا لكم موعد(2)
وملخّص الكلام انّ اصحاب الجمل بعد دخولهم البصرة واستيلائهم عليها قتلوا كثيراً من المسلمين الذين لم يجيبوهم على الفساد ونكث البيعة واخذوا اموالهم وخرّبوا دورهم وفعلوا بعثمان بن حنيف ما فعلوا وارتكبوا من قبائح الافعال وشنائع الاعمال ما ارتكبوا على ما هو مسطور في التواريخ ومعلوم انّ أمير المؤنين عليهالسلام بعد إرتكابهم هذه الاعمال اخذهم باعمالهم اخذ عزيز مقتدر وهذا معنى قوله عليهالسلام: وَاللّهِ لاَ أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْم إلى آخر ما قال عليهالسلام فقتل من قتل فيها كما قال تعالى: «فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا»(1)والحمد للّه ربّ العالمين.
أما طلحة فإن أهل الجمل لما تضعضعوا قال مروان لا أطلب ثار عثمان من طلحة بعد اليوم فانتحى له بسهم فأصاب ساقه فقطع أكحله(2)
الأكحل: عرق في الذراع.
فجعل الدم يبض(3)فاستدعى من مولى له بغلة فركبها وأدبر وقال لمولاه ويحك أ ما من مكان أقدر فيه على النزول فقد قتلني الدم فيقول له مولاه انج وإلا لحقك القوم فقال باللّه ما رأيت مصرع شيخ أضيع من مصرعي هذا حتى انتهى إلى دار من دور البصرة فنزلها ومات بها.و قد روي أنه رمي قبل أن يرميه مروان وجرح في غير موضع من جسده.
وروى أبو الحسن المدائني أن عليا عليهالسلام مر بطلحة وهو يكيد(4)بنفسه فوقف
عليه وقال أما واللّه إن كنت لأبغض أن أراكم مصرعين في البلاد ولكن ما حتم واقع ثم تمثل:
وما تدري إذا أزمعت أمرا *** بأي الأرض يدركك المقيل
وما يدري الفقير متى غناه *** ولا يدري الغني متى يعيل(1)،(2)
قال أبو مخنف وحدثنا عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب بن عبداللّه قال مررت بطلحة وإن معه عصابة يقاتل بهم وقد فشت فيهم الجراح وكثرهم الناس فرأيته جريحا والسيف في يده وأصحابه يتصدعون(3)عنه رجلا فرجلا واثنين فاثنين وأنا أسمعه وهو يقول عباد اللّه الصبر الصبر فإن بعد الصبر النصر والأجر فقلت له النجاء النجاء ثكلتك أمك فو اللّه ما أجرت ولا نصرت ولكنك وزرت وخسرت ثم صحت بأصحابه فانذعروا عنه ولو شئت أن أطعنه لطعنته فقلت له أما واللّه لو شئت لجدلتك في هذا الصعيد(4)
الصعيد: التراب.
فقال واللّه لهلكت هلاك الدنيا والآخرة إذن فقلت له واللّه لقد أمسيت وإن دمك لحلال وإنك لمن النادمين فانصرف ومعه ثلاثة نفر وما أدري كيف كان أمره إلا أني أعلم أنه قد هلك(5).و أما الزبير فقتله ابن جرموز غيلة بوادي السباع وهو منصرف عن الحرب وتقدم ذكر كيفية قتله في شرح الخطبة الثامنة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّ امْرِئٍ لاَقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ وَالْأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ وَالْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ كَمْ أَطْرَدْتُ الْأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الْأَمْرِ فَأَبَى اللّهُ إِلاّ إِخْفَاءَهُ هَيْهَاتَ عِلْمٌ مَخْزُونٌ أَمَّا وَصِيَّتِي فَاللّهَ لاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَمُحَمَّداً صلّى اللّه عليه وآله فَلاَ تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ وَأَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ وَخَلاَكُمْ ذَمٌّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا حُمِّلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ وَخُفِّفَ عَنِ الْجَهَلَةِ رَبٌّ رَحِيمٌ وَدِينٌ قَوِيمٌ وَإِمَامٌ عَلِيمٌ أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ وَأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وَغَداً مُفَارِقُكُمْ غَفَرَ اللّهُ لِي وَلَكُمْ إِنْ تَثْبُتِ الْوَطْأَةُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ فَذَاكَ وَإِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ فَإِنَّا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ أَغْصَانٍ وَمَهَبِّ رِيَاحٍ وَتَحْتَ ظِلِّ غَمَامٍ اضْمَحَلَّ فِي الْجَوِّ مُتَلَفَّقُهَا وَعَفَا فِي الْأَرْضِ مَخَطُّهَا وَإِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً وَسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلاَءً سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاكٍ وَصَامِتَةً بَعْدَ نُطْقٍ لِيَعِظَكُمْ هُدُوِّي وَخُفُوتُ إِطْرَاقِي وَسُكُونُ أَطْرَافِي فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِيغِ وَالْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ وَدَاعِيْكُمْ وَدَاعُ امْرِئٍ مُرْصِدٍ لِلتَّلاَقِي غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي وَيُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي وَتَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي وَقِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي.
رواه الكلينى عن إبراهيم الأحمريّ مرفوعا وعن الحسين الحسنيّ مرفوعا: لمّا ضرب أمير المؤنين عليهالسلام حف به العوّاد وقيل له: أوص. فقال: اثنوا لي الوسادة. ثم قال: الحمد للّه حقّ قدره، متّبعين أمره، وأحمده كما أحب، ولا إله إلاّ اللّه الواحد الأحد الصمد كما انتسب(1)، أيّها النّاس كلّ امرئ لاق في فراره ما منه يفر، والأجل مساق النفس إليه، والهرب منه موافاته، كم أطردت الأيّام أبحثها عن مكنون هذا الأمر، فأبى اللّه تعالى إلاّ إخفاءه، هيهات علم مكنون مخزون، أمّا وصيّتي: فلا تشركوا باللّه شيئا، ومحمّدا فلا تضيّعوا سنّته أقيموا هذين العمودين،وأوقدوا هذين المصباحين، وخلاكم ذمّ(2)ما لم تشردوا، حمل كلّ امرئ منكم مجهوده، وخفف عن الجهلة ربّ رحيم، وإمام عليم، ودين قويم، أنا بالأمس صاحبكم، وانا اليوم عبرة لكم، وغدا مفارقكم، إن تثبت الوطأة في هذه المزلة(3)
فذاك المراد، وإن تدحض القدم فإنّا كنّا في أفياء أغصان، وذرى رياح، وتحت ظلّ غمامة اضمحل في الجو ملتفّقها(4)، وعفا في الأرض محطّها، وإنّما كنت جارا جاوركم بدني أياما، وستعقبون منّي جثّة خلاء ساكنة بعد حركة، وكاظمة بعد نطق، ليعظكم هدوّي وخفوت إطراقي وسكون أطرافي، فإنّه أوعظ لكم من الناطق البليغ، ودّعتكم وداع امرئ مرصد للتلاقي، غدا ترون أيامي ويكشف اللّه تعالى
عن سرائري، وتعرفوني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي، إن أبق فأنا وليّ دمي، وإن افن فالفناء ميعادي، العفو لي قربة ولكم حسنة، فاعفوا واصفحوا، ألا تحبون أن يغفر اللّه تعالى لكم فيا لها حسرة على كلّ ذي غفلة، أن يكون عمره عليه حجّة، أو تؤّيه أيامه إلى شقوة جعلنا اللّه وإيّاكم ممّن لا يقصر به عن طاعة اللّه تعالى رغبة، أو يحل به بعد الموت نقمة، فإنّا نحن له و به. ثم أقبل على الحسن عليهالسلام فقال: يا بني ضربة مكان ضربة، ولا تأثم(1).
ورواه المسعودي فقال: ذكر جماعة من أهل النقل عن أبي عبداللّه جعفر بن محمّد عن أبيه أنّ عليّا عليهالسلام قال في صبيحة الليلة التي ضربه فيها عبد الرحمن بن ملجم ـ بعد حمد اللّه والثناء عليه والصلاة على رسوله عليهالسلام ـ : كلّ امرئ ملاقيه ما يفرّ منه، والأجل تستاق النفس إليه، والهرب منه موافاته، كم أطردت الأيّام أتحينها عن مكنون هذا الأمر، فأبى اللّه عزّ وجلّ إلاّ اخفاءه، هيهات علم مكنون، أمّا وصيّتي: فاللّه لا تشركوا به شيئا، ومحمّد فلا تضيّعوا سنّته، أقيموا هذين العمودين، حمل كلّ امرئ منكم مجهوده، وخفف عن الجهلة ربّ رحيم، ودين قويم وإمام عليم، كنّا في اعصار وذرى رياح، تحت ظلّ غمامة اضمحل راكدها فخطها من الأرض ـ إلى أن قال ـ ليعظكم هدوّي وخفوت أطرافي، إنّه أوعظ لكم من نطق البليغ، ودّعتكم وداع امرئ مرصد للتلاق، وغدا ترون ويكشف عن ساق، عليكم السلام إلى يوم المرام، كنت بالأمس صاحبكم، واليوم عظة لكم، وغدا افارقكم، إن أفق فأنا وليّ دمي، وان أمت فالقيامة ميعادي، والعفو أقرب للتقوى «أَ
1) . الكافي: 299/1/ ح 7؛ بحار الأنوار: 206/42/ ح 11.
لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(1)،(2)و نقل عن (اثباته)(3)أيضا.
لمّا حف به العواد وقيل له عليهالسلام: أوص ـ كما عرفته من خبر الكافي ـ فقال عليهالسلام:
اثنوا لي وسادة ففعلوا. وفي صبيحة ليلة ضربه، كما عرفته من المسعودي.
قال تعالى: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ...»(4).
وقال تعالى: «قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ...»(5).
فكلّ نفس نتنفّس خطوة إلى الموت.
عن الصادق عليهالسلام في قوله تعالى: «وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا»(6): كان لملك منزلة أهبطه اللّه فأتى إدريس فشفع له، فصلّى ثلاث ليال لا يفتر وصام ثلاثة أيام لا يفطر، ثم طلب إلى اللّه في السحر له فأذن له في الصعود، فقال الملك: أحبّ أن اكافيك بحاجة لك. قال: احب أن تريني ملك الموت لعلّي آنس به، فليس يهنأني مع ذكره شيء. فبسط جناحيه وصعده فاستقبل ملك الموت بين السماء الرابعة والخامسة، فقال لملك الموت: أراك قاطبا قال: أتعجب، كنت تحت ظل العرش حتى امرت أن أقبض روح إدريس بين السماء الرابعة
والخامسة فسمع إدريس بذلك فانتقض، وقبض روحه مكانه(1).
وفي السير: كان أبو مسلم يتجنّب الروم لأنّه سمع أنّ قتله في الروم، فذهب إلى رومية المدائن فقتله المنصور ثمة(2).
وكان المأمون سمع أنّ موته في الرقة، فكان يتجنّب المقام برقّة العراق، ولمّا غزا الروم ووصل إلى موضع مرض، فسأل عن اسمه فقالوا: الرقة. فتيقّن أنّه موضع موته(3).
قال ابن أبي الحديد(4): مراده عليهالسلام أنّ تفصيل موته كان عنده غير معلوم. واعترض عليه الخوئي بما رواه هو عنه عليهالسلام: «سلوني قبل أن تفقدوني، فو الذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء في ما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة وتضلّ مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها، وقائدها وسائقها ومناخ ركابها و حط رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلا ومن يموت منهم موتا»(5).
وبما رواه الكلينى عن الحسن ابن جهم قال: قلت للرضا عليهالسلام: إنّ أمير المؤنين عليهالسلام عرف قاتله والليلة التي يقتل فيها، وقوله عليهالسلام لمّا سمع صياح الأوز(6)
في الدار: «صوائح تتبعها نوائح» وقول امّ كلثوم: «لو صلّيت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلّي بالناس» فأبى عليها، وكثر دخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح وقد عرف أنّ ابن ملجم قاتله بالسيف، كان هذا ممّا لا يحسن تعرّضه. فقال عليهالسلام: ذلك كان ولكنه عليهالسلام خيّر ـ (حيّر خ ل) ـ في تلك الليلة لتمضي مقادير اللّه عز وجل(1).
و لكن يقال: الخبر لا ينافي الكلام، فإنّ المراد من الخبر أنّ اللّه تعالى أخفى تفصيل الأمر عليه عليهالسلام لتمضي مقاديره، ويعقوب وجد ريح يوسف من مسافة بعيدة لمّا أراد اللّه تعالى وصله به، ولم يره في بئر خارج بلده لمّا أراد اللّه تعالى فصله عنه.
و يشهد أيضا له ما رواه الصفار عن إبراهيم بن أبي محمود، قال قلت للرضا عليهالسلام:
الإمام يعلم متى يموت قال: نعم. قلت: أبوك حيثما بعث إليه يحيى بن خالد برطب وريحان مسمومين علم به قال: نعم. قلت: فأكله وهو يعلم فيكون معينا على نفسه. فقال: لا، يعلم قبل ذلك ليتقدّم في ما يحتاج إليه، فاذا جاء الوقت ألقى اللّه على قلبه النسيان ليقضي فيه الحكم(2).
و رواه في خبر آخر وفيه: أنساه لينفذ فيه الحكم(3).
وروى الكشي في عبداللّه بن طاوس عنه عن الرضا عليهالسلام في خبر، قال: قلت له: إنّ يحيى بن خالد سمّ أباك. قال: نعم، سمّه في ثلاثين رطبة. قلت: فما كان يعلم
أنّها مسمومة قال: غاب عنه المحدّث قلت: ومن المحدّث قال: ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع النبيّ وهو مع الأئمة، وليس كلّما طلب وجد(1).
وقال المفيد: والقول بأن أمير المؤنين عليهالسلام يعلم قاتله والوقت الذي كان يقتل فيه، فقد جاء الخبر متظاهرا أنّه كان يعلم في الجملة أنّه مقتول، وجاء أيضا بأنّه يعلم قاتله على التفصيل، فأمّا علمه بوقت قتله فلم يأت أثر على التحصيل، ولو جاء به أثر لم يلزم فيه ما يظنّه المعترضون، إذ كان لا يمتنع أن يتعبّده اللّه تعالى
بالصبر على الشهادة والاستسلام للقتل، ليبلغه بذلك علوّ الدرجات ما لا يبلغه إلاّ به، ولعلمه تعالى بأنّه يطيعه في ذلك طاعة لو كلّفها سواه لم يردها، ولا يكون عليهالسلامبذلك ملقيا بيده إلى التهلكة، ولا معينا على نفسه معونة تستقبح في العقول(2).
وقال التسترى: بعد ذكر رواية أنّه عليهالسلام كان ليلة عند الحسن عليهالسلاموليلة عند الحسين وليلة عند عبداللّه بن جعفر لإفطاره، ولا يزيد على ثلاث لقم ويقول: «إنّما هي ليلة أو ليلتان يأتي أمر اللّه وأنا خميص»(3).
و رواية صيحة الأوز وطردهم لهن في تلك الليلة، وقوله عليهالسلام: «دعوهن فانهنّ نوائح» ـ (4): وهذا يدلّ على أنّه عليهالسلام علم السنة والشهر والليلة التي يقتل فيها.
وعن العباس بن ميمون عن سليمان ابن داود عن حماد بن زيد عن هشام بن
حسان، قال: قال ابن سيرين: ان كان يعلم أحد متى أجله فإنّ عليّ بن أبي طالب كان يعلم متى أجله. وقال العباس: فحدّثت به ابن عايشة فقال: أنت تعلم يا بن أخي أنّه قاتل يوم الجمل فلم يتكلّم، ويوم صفين فلم يتكلّم، ولقد لقى ليلة الهرير ما لقى فلم يتخوّف ولم ينطق بشيء، فلمّا رجع إلى الكوفة ـ بعد قتله الخوارج ـ قال: ألا ينبعث أشقاها ليخضبن هذه من هذه(1).
وبالجملة إخباره عليهالسلام بكون ابن ملجم قاتله متواتر، كاخبار النبيّ صلىاللهعليهوآله له بذلك،
ومن إخباره صلىاللهعليهوآله له بذلك في غزوة العشيرة، عن عمار في خبر قال: نمنا في تلك الغزوة تحت صور من النخل في دقعاء من التراب، فما أيقظنا إلاّ النبيّ صلىاللهعليهوآله أتانا وقد تتربنا في ذلك التراب، فحرّك عليّا عليهالسلام برجله وقال له: قم أبا تراب ألا اخبرك بأشقى النّاس أحمر ثمود عاقر الناقة والذي يضربك على هذا ـ يعني قرنه ـ فتخضب هذه ـ وأخذ بلحيته ـ منها(2).
و مقتضى الجمع بين الأخبار ما في خبر الصفار
الظاهر كونه إشارة إلى قوله تعالى: «... وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ...»(3).
قال تعالى: «إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ...»(1).
سئل الباقر عليهالسلام عن أدنى ما يكون به العبد مشركا به، فقال: من قال للنواة: إنّها حصاة وللحصاة هي نواة ثم دان به(2).
وقَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام: لَوْ أَنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللّهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَحَجُّوا الْبَيْتَ وَصَامُوا شَهْرَ رَمَضَانَ ثُمَّ قَالُوا لِشَيْءٍ صَنَعَهُ اللّهُ أَوْ صَنَعَهُ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله أَلاّ صَنَعَ خِلاَفَ الَّذِي صَنَعَ أَوْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ لَكَانُوا بِذَلِكَ مُشْرِكِينَ ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآْيَةَ: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما»(3)،(4).
قال النبيّ صلىاللهعليهوآله: ليختلجنّ قوم من أصحابي دوني وأنا على الحوض، فيؤذ بهم ذات الشمال، فانادي: يا رب أصحابي أصحابي فيقال لى: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك(5).
وعن الصادق عليهالسلام: ما نعلم حجّا للّه غير المتعة، إنّا إذا لقينا ربّنا قلنا: ربّنا عملنا
بكتابك وسنّة نبيّك. ويقول القوم: عملنا برأينا فيجعلنا اللّه وإيّاهم حيث يشاء(1).
للدين.
للإسلام، إشارة إلى أنّ الملّة الإسلامية منحصرة في التزام كتاب اللّه تعالى وسنّة نبيّه فقط، دون سنّة الشيخين كما يقول المخالفون. وكان عليهالسلام يقول ذلك أيّام حياته حتى ترك حقّه عليهالسلام إتماما للحجّة على بطلان سنتهما وعدم كونهما على الحقّ.
قال الطبري: ـ في الشورى ـ : قال ابن عوف لعليّ عليهالسلام: عليك عهد اللّه وميثاقه لتعملن بكتاب اللّه وسنّة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده فقال عليهالسلام: أرجو أن أعمل بمبلغ علمي. ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعليّ عليهالسلام، قال: نعم. فبايعه، فقال عليّ عليهالسلام: حبوته حبوته، ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم علينا، فصبر جميل(2).
وقال الطبري أيضا ـ في قصّة الخوارج ـ : ولمّا خرجوا من الكوفة أتى عليّا عليهالسلام أصحابه وشيعته فبايعوه وقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت. فشرط لهم فيه سنّة النبيّ صلىاللهعليهوآله فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعميّ ـ وكان شهد معه الجمل وصفّين ومعه راية خثعم ـ فقال عليهالسلام: بايع على كتاب اللّه وسنّة رسوله. فقال ربيعة: على سنّة أبي بكر وعمر. فقال له عليّ: ويلك لو أنّ ابا بكر وعمر عملا بغير كتاب اللّه وسنّة رسوله لم يكونا على شيء من الحق. فبايعه فنظر إليه عليّ عليهالسلام وقال له:
أما واللّه لكأني بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت، وكأنّي بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها. فقتل يوم النهروان مع خوارج البصرة(1).
و كذلك عترته: أنّ معاوية أمر الحسن عليهالسلام لمّا سلم الأمر إليه أن يخطب وظنّ أنّه سيحصر، فقال عليهالسلام في خطبته: إنّما الخليفة من سار بكتاب اللّه وسنّة نبيّه، وليس الخليفة من سار بالجور، ذلك ملك ملكا يتمتع فيه قليلا ثم تنقطع لذّته وتبقى تبعته «وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ»(2)،(3).
وفي سنة (40) بويع للحسن بالخلافة وقيل: إنّ أوّل من بايعه قيس بن سعد بن عبادة وقال له: ابسط يدك ابايعك على كتاب اللّه وقتال المحلين. فقال له الحسن عليهالسلام: على كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلىاللهعليهوآله فإنّ ذلك يأتي من وراء كلّ شرط. فبايعه وسكت وبايعه الحسن عليهالسلام(4).
هذا، وأمّا ولايته عليهالسلام وامامته فمن أعظم أركان كتاب اللّه وسنّة نبيّه، قال تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ»(5)
المائدة: 55.
وقد اجمع أنّه عليهالسلام هو الذي أقام الصلاة وآتى الزكاة راكعا.وقال النبيّ صلىاللهعليهوآله ـ في المتواتر بعد أن قرر النّاس على أنّه أولى بهم من أنفسهم ـ : من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه.
وعن إسحاق بن راهويه وهو من علماء العامة، روى عنه مسلم والبخاري وروي عنه من أقرانه أحمد بن حنبل، قال: لمّا وافي أبو الحسن الرضا عليهالسلامنيسابور،
وأراد أن يخرج منها إلى المأمون اجتمع عليه أصحاب الحديث فقالوا له: يابن رسول اللّه، ترحل عنّا ولا تحدّثنا بحديث نستفيده منك وكان قعد في العمارية فأطلع رأسه وقال: سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمّد يقول: سمعت أبي محمّد بن عليّ يقول: سمعت أبي عليّ بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين بن عليّ يقول: سمعت أبي أمير المؤنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام يقول:
سمعت النبيّ صلىاللهعليهوآله يقول: سمعت اللّه عز وجل يقول: «لا إله إلاّ اللّه حصني ومن دخل حصني أمن من عذابى». قال: فلمّا مرت الراحلة نادانا: بشروطها وأنا من شروطها(1).
مثل. أول من قاله قصير حين أراد الاحتيال على الزباء لطلب ثأر جذيمة الأبرش منها، فقال لابن اخته عمرو بن عدي: اجدع أنفي واضرب ظهري ودعني و إيّاها. فقال له عمرو وما أنا بفاعل ذلك، ولست أنت مستحقا لذلك: فقال له قصير: (خلّ عنّي إذن وخلاك ذم. ذكر ذلك الطبري، وذهبت مثلا(2).
يقال: شرد البعير، إذا نفر. والمراد لا يحلّ بساحتكم ذم ما لم تتفرّقوا عن أهل بيت نبيّكم.
روى أبو الفرج بأسانيد عن سفيان بن الليل قال: أتيت الحسن عليهالسلام حين بايع
معاوية وقلت له: بأبي أنت وأمّي، أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلّمت الأمر إلى اللعين ابن اللعين ابن آكلة الأكباد ومعك مائة ألف كلّهم يموت دونك، وقد جمع اللّه لك أمر النّاس. فقال: يا سفيان إنّا أهل البيت إذا علمنا الحق تمسكنا به، وإنّي سمعت أبي يقول: سمعت النبيّ يقول: لا تذهب الليالي والأيّام حتى تجتمع أمر هذه الامّة على رجل، واسع السرم، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع، ولا ينظر اللّه إليه ولا يموت حتى لا يكون له في السماء ناصر وفي الأرض عاذر. وإنّه لمعاوية وإنّي عرفت ان اللّه بالغ امره ثم قال: ما جاء بك يا سفيان قلت: حبّكم والذي بعث محمّدا بالهدى ودين الحق. قال: فأبشر يا سفيان، فإنّي سمعت عليّا عليهالسلام يقول: سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يقول: «يرد عليّ الحوض أهل بيتي ومن أحبّهم من امتي كهاتين ـ يعني: السبابة والوسطى ـ أحدهما تفضل على الاخرى» أبشر يا سفيان فإنّ الدنيا تسع البرّ والفاجر، حتى يبعث اللّه إمام الحق من آل محمّد(1).
قال تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها...»(2).
وقال تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها»(3).
فعنهم عليهمالسلام يغفر للجاهل سبعين زلّة قبل أن يغفر للعالم زلّة(4). و يحتمل أن
يكون المراد بالجهلة في كلامه ضعفة العقول، وفي الخبر: أنّ اللّه تعالى إنّما يداق العباد على قدر ما آتاهم من العقول(1).
قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ... إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً»(2).
وقال تعالى: «يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ...»(3).
قُدِّمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَسْعَى إِذَا وَجَدَتْ صَبِيّاً فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله أَ تَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لاَ وَاللّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ اللّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِوَلَدِهَا(4).
قال تعالى: «قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً...»(5).
وقال تعالى: «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ...»(6).
استأذن صعصعة عليه عليهالسلام عائدا، فقال للآذن قل له عليهالسلام: لقد كان اللّه في صدرك عظيما، ولقد كنت بذات اللّه عليما. فأبلغه عليهالسلام الآذن مقالته، فقال عليهالسلام قل له: وأنت كنت خفيف المؤة، كثير المعونة(1).
وقال النبيّ صلىاللهعليهوآله ـ كما روى الخطيب وغيره ـ : أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها(2)ـ وكما روى ابن عساكر وغيره ـ: عليّ عيبة علمي(3). وقال سلمان الفارسي له صلىاللهعليهوآله ـ كما روى الطبراني ـ: يا رسول اللّه، لكلّ نبي وصي فمن وصيّك فسكت عنه فلمّا كان بعد رآه قال: يا سلمان. فأسرع إليه فقال: لبيك. قال له: تعلم من وصيّ موسى قال: نعم، يوشع. قال له: لم؟ قال: لأنّه كان أعلمهم يومئذ. فقال له: فإنّ وصيي وموضع سرّي وخير من أترك بعدي، ينجز عدّتي ويقضي ديني: عليّ بن أبي طالب(4).
وقال النبيّ صلىاللهعليهوآله له: ليهنك العلم يا أبا الحسن لقد شربت العلم شربا ونهلته نهلا(5).
وقال ابن مسعود: انزل القرآن على سبعة أحرف، ما منها حرف إلاّ وله ظهر وبطن، وإنّ عليّا عليهالسلام عنده علم الظاهر منه والباطن(6).
وروى عن أبي الطفيل قال: قال عليّ بن أبي طالب عليهالسلام: سلوني عن كتاب اللّه،
فإنّه ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم جبل(1).
و كان عليهالسلام يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فأنا أعلم بطرق السماء من طرق الأرض، ولو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، حتى ينطق كلّ منها ويقول: حكم عليّ عليهالسلام فيّ كما أنزل اللّه تعالى(2).
ثم العجب من إخواننا كيف رجّحوا الإمام الجهول ـ الذي لمّا أفحمته امرأة في أنفها فطس في صف النساء، لمّا أوعد على الزيادة على مهر السنة بقوله تعالى: «...وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً...»(3)قال: ألا تعجبون من امرأة أصابت وإمام أخطأ»(4)ـ على ذلك الإمام العليم كيف خالفوا فطرة العقول «...أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(5)، «أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الآْخِرَةَ وَيَرْجُوا»(6).
كما أنّ العجب منهم كيف تولوا تلك المرأة التي شمتت بموت هذا الإمام وسجدت شكرا لقتله(7)، ومدحت قاتله أشقى الآخرين روى أبو الفرج عن إسماعيل بن راشد في اسناده قال: لمّا أتى عايشة نعي أمير المؤنين عليهالسلام تمثّلت:
فألقت عصاها واستقرّت بها النوى *** كما قرّ عينا بالإياب المسافر
ثم قالت: من قتله فقيل: رجل من بني مراد. فقالت:
فإن يك نائيا فلقد بغاه *** غلام ليس في فيه التراب
فقالت لها زينب بنت ام سلمة: ألعليّ عليهالسلام تقولين هذا فقالت: إذا نسيت فذكروني. ثم تمثّلت:
ما زال إهداء القصائد بيننا *** شتم الصديق وكثرة الألقاب
حتى تركت كأنّ قولك فيهم *** في كلّ مجتمع طنين ذباب(1)
ويقال لها: إذا نسيت جميع أقوال النبيّ صلىاللهعليهوآله له عليهالسلام في ليله ونهاره إلى احتضاره، كيف نسيت قوله صلىاللهعليهوآله فيه: «اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه» فإن كان أنساها ضغن غلا في صدرها، كيف نسيه إخواننا، و أنّه لا يمكن تولّي من عاداه اللّه بمقتضى معاداتها له، ودعائه صلىاللهعليهوآله على معاديه عليهالسلام
وسلطانكم.
بما نزل بى. إنما كان عبرة لهم لأنهم يرونه بين أيديهم ملقى صريعا بعد أن صرع الأبطال وقتل الكفار فهو كما قال الشاعر
أكال أشلاء الفوارس بالقنا *** أضحى بهن وشلوه مأكول(2)
بالموت، وقال أبو حاتم السجستاني: وأخبرونا لمّا غيّب الحسن أباه عليهالسلامصعد
المنبر يريد الكلام فخنقته العبرة، قال رجل: فرأيته كذلك وأنا في أصل المنبر أنظر إليه، وكنت أنزر النّاس دمعة ما أقدر أن أبكي من شيء، فلمّا رأيت الحسن عليهالسلام يريد الكلام تخنقه العبرة صرت بعد من أغزر النّاس دمعة، ما أشاء أن أبكي من شيء إلاّ بكيت. قال: ثم إنّ الحسن عليهالسلام انطلق ـ قلت: أي لسانه ـ فقال: الحمد للّه ربّ العالمين وإنّا للّه وإنّا إليه راجعون، نحتسب عند اللّه مصابنا بأبينا رسول اللّه فإنّا لن نصاب مثله أبدا، ونحتسب عند اللّه مصابنا بخير الآباء بعد رسول اللّه، ألا إنّي لا
أقول فيه الغداة إلاّ حقّا، لقد اصيبت به البلاد والعباد و الشجر والدواب، فرحم اللّه
وجهه وعذّب قاتله(1).
هذا،: ولمّا احتضر الواثق جعل يردد هذين البيتين:
الموت فيه جميع الخلق مشترك *** لا سوقة يبقى بينهم ولا ملك
ما ضر أهل قليل في تفاقرهم *** وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا
ثم أمر بالبسط فطويت، وألصق خدّه بالأرض وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه(2).
وقال محمّد الواثقي: كنت أحد من مرّض الواثق في علّته إذ لحقته غشية فما شككنا أنّه قد مات، فقال بعضنا لبعض: تقدّموا فاعرفوا خبره. فما جسر أحد منهم يتقدّم فتقدّمت، فلمّا صرت عند رأسه وأردت أن أضع يدي على أنفه اعتبر نفسه لحقته إفاقة ففتح عينيه، فكدت أموت فزعا من أن يراني قد مشيت في مجلسه إلى
غير رتبتي، فراجعت إلى خلف وتعلّقت قبيعة سيفي بعتبة المجلس وعثرت به، فاتكأت عليه فاندق وكاد أن يدخل في لحمي ويجرحني، ثم خرجت فلبست منطقة اخرى وسيفا، وجئت حتى وقفت في مرتبتي ساعة، فتلف الواثق تلفا لم نشك فيه، فتقدمت فشددت لحيه وغمضته وسجيته ووجهته إلى القبلة، وجاء الفراشون فأخذوا ما تحته ليردّوه إلى الخزائن، لأنّ جميعه مثبت عليهم، وترك وحده في البيت، وقال لي ابن أبي داود القاضي: إنّا نريد أن نتشاعل بعقد البيعة، ولا بد أن يكون أحدنا يحفظ الميت إلى أن يدفن، فاحبّ أن تكون ذلك الرجل. وكنت من أخصهم به في حياته، وذلك أنّه اصطنعني واختصني حتى لقبني الواثقي باسمه، فقلت: دعوني وامضوا. فرددت باب المجلس وجلست في الصحن عند الباب احفظه، وكان المجلس في بستان عظيم أجربة وهو بين بساتين، فحسست بعد ساعة في البيت بحركة أفزعتني، فدخلت أنظر ما هي فإذا بجرذون من دوابّ البستان قد جاء حتى استلّ عين الواثق فأكلها، فقلت: لا إله إلاّ اللّه، العين التي فتحها منذ ساعة فاندق سيفي هيبة لها صارت طعمة لدابة ضعيفة(1).
و في وقايع سنة (465): في أوّل هذه السنة قصد ألب أرسلان ما وراء النهر، فعقد على جيحون جسرا وعبر عليه في نيف وعشرين يوما، وعسكره يزيد على مائتي ألف فارس، فأتاه أصحابه بمستحفظ قلعة يعرف بيوسف الخوارزمي وحمل إلى قرب سريره مع غلامين، فتقدّم أن تضرب له أربعة أوتاد وشدّ أطرافه إليها، فقال يوسف، يا مخنث، مثلي يقتل هذه القتلة فغضب ألب أرسلان وأخذ القوس والنشّاب وقال للغلامين: خلّياه. ورماه بسهم فأخطأه ـ وكان لا يخطي سهمه ـ
1) . تاريخ بغداد: 14/ 19 ـ 20.
فوثب يوسف يريده والسلطان على سدّة، فلمّا رأى يوسف يقصده قام عن السدّة ونزل عنها، فعثر فوقع على وجهه فبرك عليه يوسف وضربه بسكين كانت معه في خاصرته، وكان سعد الدولة واقفا فجرحه يوسف أيضا جراحات، فقال السلطان لمّا جرح: ما من وجه قصدته وعدوّ أردته إلاّ استعنت باللّه عليه، ولمّا كان أمس صعدت على تلّ فارتجت الأرض تحتي من عظم الجيش وكثرة العسكر فقلت في نفسي: «أنا ملك الدنيا وما يقدر أحد علىّ» فعجزني اللّه بأضعف خلقه. مات في العاشر من ربيع الأول في تلك السنة، وكان اتّسع ملكه جدّا ودان له العالم، وبحق قيل له: سلطان العالم(1).
قدّم نفسه الشريفة على غيره في الدّعاء وقال (لى ولكم) ولم يقل (لكم ولى) للدلالة على انّه عليهالسلام كان واسطة بين الخالق والمخلوق من جهة الافاضات الرّبانيّة لكونه عليهالسلام اماما لهم بعد الرسول صلىاللهعليهوآله وعليه فوصول العنايات وشمول الافاضات بسببه لكونه اقرب الناس إلى الرّب قربا معنويا ولأجل هذه الدّقيقة كان الرسول ص اذا دعا بدء بنفسه الشّريفة وقد ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة المروية عن المعصوم عليهالسلام ما يدل عليه.
قال عليهالسلام: مَنْ أَرَادَ اللّهَ بَدَأَ بِكُمْ وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُمْ(2)
1) . الكامل لابن الاثير: 73/10 ـ 74.
2) . أي كلّ من يقول بتوحيد اللّه على وجهه يقبل قولكم، فانّ البرهان كما يدلّ على التوحيد يدلّ على وجوب نصب الإمام من عند اللّه الحكيم. أو المعنى على ما قاله بعض الشرّاح أنّ من قال أو اعتقد بالتوحيد الصحيح أخذ عنكم لأن كثيراً ممّن يدّعي العلم في الصدر الأوّل كان يقول بالتشبيه والتجسيم دون أن يعلم فساد اعتقاده حتّى أنّ جماعة كثيرة منهم يقولون بامكان الرؤة في الدنيا وما كانوا يفهمون وجود موجود غير جسماني ولا يتعقلون روحانيّاً مجرّدا أصلاً فبتعليمهم عليهمالسلام إيّاهم يعرفون التوحيد.
مَوَالِيَّ لاَ أُحْصِي ثَنَاءَكُمْ وَلاَ أَبْلُغُ مِنَ الْمَدْحِ كُنْهَكُمْ وَمِنَ الْوَصْفِ قَدْرَكُمْ وَأَنْتُمْ نُورُ الْأَخْيَارِ وَهُدَاةُ الْأَبْرَارِ وَحُجَجُ الْجَبَّارِ بِكُمْ فَتَحَ اللّهُ وَبِكُمْ يَخْتِمُ وَبِكُمْ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَبِكُمْ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ وَبِكُمْ يُنَفِّسُ الْهَمَّ وَيَكْشِفُ الضُّرَّ وَعِنْدَكُمْ مَا نَزَلَتْ بِهِ رُسُلُهُ وَهَبَطَتْ بِهِ مَلاَئِكَتُه...(1)
أي موضع القدم.
ـ بفتح الزاي وكسرها ـ : موضع الزلل. جعل عليهالسلام الدنيا مزلّة حيث لا ثبات لقدم الإنسان فيها، وهو فيها في كلّ ساعة مظنّة للوقوع والسقوط فيها من آفاتها ومصيباتها، وأتى عليهالسلام للثبوت فيها ب (إن) الموضوعة للشك، حيث إنّ ثبوت القدم في المزلّة أمر مشكوك.
أي تزلق.
1) . من لايحضره الفقيه: 615/2؛ بحار الأنوار: 131/99 ـ 132.
من موضع الحياة إلى محلّ الممات فلا بعد.
جمع فيء، وعن روبة: كلّما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظلّ، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظلّ. والأصل في الفيء: الرجوع، فالظلّ يرجع من جانب إلى جانب(1).
مثل لعدم ثبات الدنيا، فإذا استظلّ الإنسان بغصن لم يطل الزمان حتى ينسخه الشمس بحركتها.
مثل آخر لعدم الاعتبار بالحياة الدنيا، فكما أنّ نارا أو شمعة كانت في محلّ هبوب الرياح تذهب بها، كذلك حياة الإنسان في مقابل رياح حوادث الدهر، ولنعم ما قيل بالفارسية:
اين سيل متفق بكند روزى اين درخت *** واين باد مختلف بكشد روزى اين چراغ
أي: سحاب.
1) . المصباح المنير: 386/2؛ مجمع البحرين: 334/1 ـ 333.
والجو: ما بين السماء والأرض.
الشقق المنضمّة من الغمام بعضها إلى بعض.
أي اندرس.
موضع خطها. وقوله عليهالسلام: وتحت ظلّ غمام...
قال:
أراها وإن كانت تحب فإنّها *** سحابة صيف عن قليل تقشّع(1)
وقال ابن الدهان:
وما الإنسان في دنياه إلا *** كبارقة تروق إذا تلوح
نفيسة نفسه نفس توالى *** ومدته مدى والروح ريح(2)
وقال بعضهم: إقبال الدنيا كإلمامة ضيف، أو سحابة صيف، أو زيارة طيف(3).
ومات أخ لصلة بن أشيم وهو في بيته يطعم، فجاء إليه رجل ونعاه، فقال له: إنّه كان نعي إلينا. فقال: ما سبقني إليك أحد، فمن نعاه ؟ فقال: نعاه اللّه تعالى، يقول:
«... إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ»(1)،(2).
واعلم أنّ مرمى كلامه عليهالسلام ـ مع كونه ضرب ضربة كما قال ضاربه اللعين: لو قسمت بين أهل الأرض لأهلكتهم ـ : هو تنبيه الغافلين وهداية الضالين و ردعهم عن محبّة الدنيا المهلكة، كما كان عليهالسلام في جميع أيام حياته في ليله ونهاره كذلك، فيقول لهم تارة: «أنا بالأمس صاحبكم وسلطانكم، واليوم عبرة لكم ـ بكونه ملقى على الأرض ـ وغدا مفارقكم بالرحلة عن الدنيا». واخرى يقول لهم: «ان تثبت الوطأة ـ إلى ـ وعفا في الأرض مخطها» فيخبرهم عن الإنسان والموت، وأنّه لابدّ لكلّ إنسان أن يموت، وأنّه لذاك السبع كالقوت، دون أن يريد شخصه عليهالسلام فهو عليهالسلامذكر حكم الكلي وذكر نفسه فردا له، بأنّه ان تثبت الوطأة للإنسان في مزلّة الدنيا من آفة أصابته فهو شيء يريده الإنسان، حيث يحبّ الحياة طبعا، وان دحضت قدم الإنسان ومات فلا عجب ولا غرو ولا بدع، حيث إنّ الإنسان وما يريده من الحياة كرجل استظلّ بفيء غصن أو ظلّ غمام، ليس ظلّهما إلاّ آنات، وكسراج في مهب رياح لم يعلم بقاؤ ساعات.
و لم يتفطن ابن أبي الحديد لمغزى مرامه عليهالسلام فخبط وخلط وقال: كلامه عليهالسلام:
«تثبت الوطأة...» يدلّ على أنّه عليهالسلام بعد ضرب ابن ملجم له لا يقطع على أنّه يموت من ضربته.
و معنى قوله: «فذاك» أي: إن سلمت فذاك الذي تطلبونه، يخاطب أهله وأولاده، ولا ينبغي أن يقال: فذاك ما أطلبه، لأنّه عليهالسلام كان يطلب الآخرة أكثر من الدنيا.
و قوله عليهالسلام: «و غدا مفارقكم» لا يعني غدا بعينه، وقوله عليهالسلام لابن ملجم:
اريد حباءه ويريد قتلي *** عذيرك من خليلك من مراد
وقوله عليهالسلام لشيعته لمّا قالوا له: فهلاّ تقتله: «كيف أقتل قاتلي(1)»، وقوله عليهالسلام في البطّ الصائح خلفه في المسجد ليلة ضرب ابن ملجم له: «دعوهن فإنّهنّ نوائح»، وقوله عليهالسلام تلك الليلة: «رأيت النبيّ صلىاللهعليهوآله فشكوت إليه ما لقيت من امته، فقال: ادع عليهم»(2)وقوله عليهالسلام: «لا اقتل محاربا وإنّما اقتل فتكا وغيلة، يقتلني رجل خامل الذكر»(3)وما جاء منه من هذا الباب من آثار كثيرة كلّها لا يدلّ على أنّه يعلم الأمر مفصّلا.
ومن الجائز أن يكون علم أنّ ابن ملجم هو الذي يقتله، ولم يعلم محققا أنّ هذه الضربة تزهق نفسه، بل كان يجوز أن يفيق ثم يكون قتله بعد على يده وإن طال الزمان.
وقوله في البطّ، لعلّه علم أنّ تلك الليلة يخرج وإن لم يعلم أنّه يموت منه، والنوائح قد ينحن على المجروح... فموته عليهالسلام من تلك الضربة كان أمرا معلوما لكلّ أحد، فإنّه ليس في العادة أن يضرب أحد ضربة مثل ضربته ويعيش، كما ليس في العادة أن يعيش من قطع رأسه. ولو كان قال بدل خبطاته تلك: إنّه لم يكن علم أولا إلاّ أنّه علم بعد ـ بإخبار أثير بن عمرو المتطبب أنّ الضربة وصلت إلى امّ رأسه،
كما رواه أبو الفرج(1)، وبوصف ابن ملجم لضربته، فروى أبو الفرج عن عبداللّه بن محمّد الأزدي قال: ادخل ابن ملجم على عليّ عليهالسلام ودخلت في من دخل، فسمعته يقول: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن سلمت رأيت فيه رأيى».
فقال ابن ملجم: واللّه لقد ابتعته بألف وسممته بألف فإن خانني فأبعده اللّه. وقالت له امّ كلثوم: يا عدوّ اللّه إنّي لأرجو ألا يكون على أبي بأس. فقال لها: فأراك إنّما
تبكين عليّ إذن واللّه لقد ضربته ضربة لو قسّمت بين أهل الأرض لأهلكتهم(2)ـ كان له وجه ظاهري، وإلاّ فتعبيره عليهالسلام بقوله: «إن أنا متّ» «و إن سلمت» لبيان آداب الشرع وتعليم النّاس تكاليفهم، بأنّه بمجرّد ضربة يحتمل اداؤا إلى الموت لا يجوز قتل الضارب، وكيف وتواتر عنه عليهالسلام وعن النبيّ صلىاللهعليهوآلهقتله من ضربة على رأسه تخضب منها لحيته وروى عن عمرو ذي مر قال: لمّا اصيب عليّ عليهالسلام بالضربة
دخلت عليه وقد عصب رأسه فقلت: يا أمير المؤنين أرني ضربتك، فحلّها فقلت: خدش وليس بشيء. قال: إنّي مفارقكم. فبكت امّ كلثوم من وراء الحجاب، فقال لها: اسكتي فلو ترين ما أرى لما بكيت. فقلت: يا أمير المؤنين ما ذا ترى قال: هذه الملائكة وفود والنبيّون، وهذا محمّد صلىاللهعليهوآلهيقول: يا عليّ أبشر، فما تصير إليه خير ممّا أنت فيه(3).
وقيل: إنّ عليّا عليهالسلام لم ينم تلك الليلة، وإنّه لم يزل يمشي بين الباب والحجرة وهو يقول: ما كذبت ولا كذبت، وإنّها الليلة التي وعدت. فلمّا صرخ بطّ كان للصبيان صاح بهن بعض من في الدار، فقال عليّ عليهالسلام: ويحك دعهنّ فانّهن نوائح(4)
ـ إلى أن قال ـ وخرج إلى المسجد وقد عسر عليه فتح باب داره ـ وكان من جذوع النخل ـ فاقتلعه وجعله ناحية وانحل إزاره فشدّه وجعل ينشد:
اشدد حيازيمك للموت *** فإن الموت لاقيكا
و لا تجزع من الموت *** إذا حلّ بواديكا(1)
وكيف لم يكن علم عليهالسلام ذلك وقد كان عليهالسلام أخبر به كرارا، حتى إنّ شيعته كانوا يخبرونه بذلك من وصفه، روى العلماء أنّ جويرية بن مسهر وقف على باب القصر فقال: يا أمير المؤنين. قيل له: نائم. فنادى: أيّها النائم، استيقظ فو الذي نفسي بيده ليضربن ضربة على رأسك يخضب منها لحيتك، كما أخبرتنا بذلك من قبل. فسمعه أمير المؤنين عليهالسلام فنادى: أقبل يا جويرية حتى احدثك بحديثك. فأقبل فقال: وأنت ـ والذي نفسي بيده ـ لتعتلن بك إلى العتل الزنيم، وليقطعنّ يدك ورجلك ثم لتصلبنّ تحت جذع كافر. فقطع زياد يده ورجله وصلبه تحت جذع ابن مكعبر، وكان جذعا طويلا(2).
وبالجملة غاية ما يمكن أن يقال: إنّه تعالى أخفى عليه عليهالسلام وقوع الضربة عليه ساعة خروجه، لجري مقاديره عليه كما على غيره من عباده.
في الخبر: إنّ الإنسان في أهله كضيف نزل بقوم ليلا، وارتحل عنهم صباحا(3).
قال ابن أبي الحديد في قوله عليهالسلام: «جاوركم بدني أياما»: إشعار بما ذهب إليه
الأكثر في النفس، وأنّ هوية الإنسان شيء غير هذا البدن(1).
يقال له: بل فيه إشعار بأنّ روحه عليهالسلام غير أرواحهم، لم يجاورهم بروحه بل جاورهم ببدنه.
عن جابر قال: سألت أبا جعفر عن علم العالم، فقال لي: إنّ في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح: روح القدس، وروح الإيمان، وَرُوحَ الْحَيَاة، وروح القوة وروح الشهوة، فبروح القدس عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى، وهذه الأرواح يصيبها الحدثان إلاّ روح القدس فانّه لا تلهو ولا تلعب(2).
أي: خالية من الروح.
أي: حركة.
والمراد شجاعته وقوّته، وشجاعته كانت كما قال: لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها(3)، وقوّته كانت كما قلع باب خيبر(4).
نطق نطقا ومنطقا ونطوقا: تكلّم بصوت وحروف تعرف بها المعاني(1).
وقد قال معاوية في نطقه عليهالسلام: ما سنّ الفصاحة لقريش إلاّ عليّ(2). وقال عمر بن سعد يوم الطفّ لمّا خطبهم الحسين عليهالسلام: لو تكلّم يوما و ليلة ما يعيى، إنّه ابن عليّ بن أبي طالب(3).
أي: سكوني وعدم قدرتي على الشخوص.
من: خفت الصوت: سكن، ومنه قيل للميت: خفت، إذا انقطع كلامه(4).
من (أطرق): أرخى عينيه ينظر إلى الأرض(5).
وبعث الأشعث بن قيس صبيحة ضرب عليّ عليهالسلام ابنه قيس بن الأشعث لينظر كيف هو فرجع وقال له: رأيت عينيه داخلتين في رأسه(6).
أي: الأعضاء الواقعة في الطرف، كاليدين والرجلين والرأس.
لأنّه وعظ عملا لا يحتمل كذبه.
وفي المثل الفارسي: شنيدن كى بود مانند ديدن.
نقل اليعقوبي ـ بعد ذكر أنّ الإسكندر غلب على دار ملك فارس وعلى فور ملك الهند وقتله لهما ـ : ثم رجع إلى أرض بابل بعد أن دوّخ الأرض، فلمّا صار في أداني العراق ممّا يلي الجزيرة اعتل ومات، فصيروه في تابوت ثم وقف عليه عظيم من الفلاسفة فقال: هذا يوم عظيم كشف الملك عنه، أقبل من شرّه ما كان مدبرا، وأدبر من خيره ما كان مقبلا، فمن كان باكيا على ملك فعلى هذا الملك فليبك، ومن كان متعجبا من حادث فمن هذا الحادث فليتعجّب.
ثم أقبل ذاك العظيم على من حضره من الفلاسفة، فقال: يا معشر الحكماء، ليقل كلّ امرئ منكم قولا يكون للخاصة معزيا وللعامة واعظا.
فقام كلّ واحد من تلامذة ارسطاطاليس فضرب بيده على التابوت، ثم قال أحدهم: أيّها المنطيق ما أخرسك أيها العزيز ما أذلّك أيّها القانص أنّى وقعت موضع الصيد في الشرك من هذا الذي قنصك ثم قام آخر، فقال: هذا القوي الذي أصبح ضعيفا وقام آخر فقال: قد كانت سيوفك لا تجفّ ونقماتك لا تؤن، وكانت مدائنك لا ترام، وكانت عطاياك لا تبرح، وكان ضياؤ لا يكسف (لا يكفّ)
فأصبح صوتك قد خمد، ونقماتك لا تخشى وأصبحت عطاياك لا ترجى، وأصبحت سيوفك لا تنتضى وأصبحت مدائنك لا تمنع. ثم قام آخر فقال: هذا الذي كان للملوك قاهرا فقد أصبح اليوم للسوقة مقهورا. وقام آخر فقال: قد كان صوتك مرهوبا وكان ملكك غالبا، فأصبح الصوت قد انقطع والملك قد اتضع. وقام آخر فقال: ألا امتنعت من الموت إذ كنت من الملوك ممتنعا وهلاّ ملكت عليه إذ كنت عليهم مملكا وقام آخر فقال: حرّكنا الإسكندر بسكونه وأنطقنا بصمته.
كان ملك الإسكندر اثنتي عشرة سنة، ولمّا علم أنّ الموت نزل به كتب إلى امّه يعزيّها عن نفسه، وكتب في آخره: اصنعي طعاما واجمعي من قدرت عليه من نساء أهل المملكة، ولا يأكل من طعامك من اصيب بمصيبة قط.
فعملت طعاما وجمعت النّاس، ثم أمرتهم ألا يأكل من اصيب بمصيبة قط فلم يأكل أحد، فعلمت ما أراد، وحمل تابوته من العراق إلى الإسكندرية فتلقته امّه بعظماء أهل المملكة، فلمّا رأته قالت: يا ذا الذي بلغت السماء حكمته، وحاز أقطار الأرض ملكه، ودانت الملوك عنوة له، مالك اليوم نائما لا تستيقظ، وساكتا لا تتكلّم من يبلّغك عنّي بأنّك وعظتني فاتعظت، وعزيتني فتعزيت فعليك السلام حيّا هالكا. وكان عظم سلطانه واعانته الحكمة والعقل والمعرفة وكان ارسطاطاليس معلّمه(1).
و لمّا مات عضد الدولة ـ وكان عاقلا فاضلا حسن السياسة، كثير الإصابة، شديد الهيبة، بعيد الهمّة، ثاقب الرأي، محبّا للفضائل وأهلها، باذلا في مواضع العطاء، مانعا في أماكن الحزم، ناظرا في عواقب الامور، فقصده العلماء من كلّ بلد
1) . تاريخ اليعقوبي: 143/1 ـ 145.
و صنّفوا له الكتب، ومنها الايضاح في النحو، والحجّة في القراءات، والملكي في الطب، والتاجي في التاريخ وغيرها، وعمل المصالح كالبيمارستانات والقناطر، وبنى سورا على المدينة ـ بلغ خبره بعض العلماء وعنده جماعة من أعيان الفضلاء، فتذاكروا الكلمات التي قالها الحكماء عند موت الاسكندر، فقال بعضهم: لو قلتم أنتم مثلها لكان ذلك يؤر عليكم ـ . فقال أحدهم: قد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها، وأعطاها فوق قيمتها، وطلب الربح فيها، فخسر روحه فيها.
وقال الثاني: من استيقظ للدنيا فهذا نومه، ومن حلم فيها فهذا انتباهه.
وقال الثالث: ما رأيت عاقلا في عقله، ولا غافلا في غفلته مثله، لقد كان ينقض جانبا وهو يظن أنّه مبرم، ويغرم وهو يظن أنّه غانم.
وقال الرابع: من جدّ للدنيا هزلت به، ومن هزل راغبا عنها جدت له.
وقال الخامس: ترك هذه الدنيا شاغرة، ورحل عنها بلا زاد ولا راحلة.
وقال السادس: إنّ ماء اطفأ هذه النار لعظيم، وإنّ ريحا زعرت هذا الركن لعصوف.
وقال السابع: إنّما سلبك من قدر عليك.
وقال الثامن: أما لو كان معتبرا في حياته لمّا صار عبرة في مماته.
وقال التاسع: الصاعد في درجات الدنيا إلى استفال، والنازل في دركاتها إلى تعال.
وقال العاشر: كيف غفلت عن كيد هذا الأمر حتى نفذ فيك وهلاّ اتخذت دونه جنّة تقيك إنّ في ذلك لعبرة للمعتبرين(1).
1) .الكامل لابن الاثير: 19/9 ـ 20.
قال عليهالسلام هذا لشيعته فهو ساقيهم من الكوثر، كما أنّه ذائد عنه مخالفيه.
روى المدائني: أنّ الحسن عليهالسلام قال لمولى له: أتعرف معاوية بن حديج قال: نعم. قال: إذا رأيته فاعلمني. فرآه خارجا من دار عمرو بن حريث فقال له عليهالسلام: هو هذا.
فدعاه فقال له: أنت الشاتم عليّا عليهالسلام عند ابن آكلة الأكباد أما واللّه لئن وردت الحوض ـ ولن ترده ـ لترينّ عليّا عليهالسلام مشمّرا عن ساقيه حاسرا عن ذراعيه يذود عنه المنافقين(1)ـ وفي خبر ـ يضرب وجوه أمثالك عن الحوض ضرب غرائب الإبل(2).
وعن الأصبغ قال: دخل الحارث الهمداني على أمير المؤنين عليهالسلامفي نفر من الشيعة ـ وكنت فيهم ـ فجعل الحارث يتأوّد في مشيته، ويخبط الأرض بمحجنه(3)
قوله «يتأود» أي كان يتعطف في مشيته، يستقيم صلبه مرة ويعوج أخرى، و في بعض نسخ البحار: «يتئد» أي يتثبت ويتأنى. والمحجن وهكذا المحجنة كمنبر ومكنسة: العصا المعوجة رأسها. والخبط: الضرب الشديد، يقال: خبط البعير بيده الأرض: وطأها شديدا.
ـ وكان مريضا ـ فأقبل عليهالسلام عليه ـ وكانت له منزلة عنده ـ فقال: كيف تجدك يا حارث فقال: نال الدهر مني ـ إلى قال عليهالسلام له _: ابشرّك يا حارث تعرفني عند الممات وعند الصراط وعند الحوض وعند المقاسمة. قال الحارث وما المقاسمة قال عليهالسلام: مقاسمة النار، اقاسمها قسمة صحيحة، أقول: هذا وليي فاتركيه، وهذا عدوّي فخذيه.رواه عن جميل بن صالح عن الكابلي عن الأصبغ ثم قال: قال جميل:
وأنشدني السيد الحميري في ما تضمنه هذا الخبر:
قول عليّ لحارث عجبا *** كم اعجوبة له حملا
يا حار همدان من يمت يرني *** من مؤن أو منافق قبلا
يعرفني طرفه وأعرفه *** بنعته واسمه وما عملا
و أنت عند الصراط تعرفني *** فلا تخف عثرة ولا زللا
أسقيك من بارد على ظمأ *** تخاله في الحلاوة العسلا
أقول للنار حين توقف للعر *** ض دعيه لا تقربي الرجلا
دعيه لا تقربيه أن له *** حبلا بحبل الوصي متصلا(1)
الظاهر أنّ الحميريّ استند في أشعاره إلى هذا الخبر وخبر الشعبي الآتي، فلا يخفى أن شعريه الأولين مضمون ذاك الخبر، فإنّ هذا الخبر وان تضمّن أنّه عليهالسلام قال: «تعرفني عند الممات» لكن اقتصر فيه على محبّيه، مثل الحارث دون مخالفيه، وإنما ذاك الخبر تضمّنهما.
وعن الشعبي: قال: قال الحارث الأعور: أتيت عليّا عليهالسلام ذات ليلة فقال: يا أعور ما جاء بك فقلت جاء بي واللّه حبّك. فقال: أما إنّي ساحدّثك لتشكرها، أما إنّه لا يموت عبد يحبّني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يحبّ، ولا يموت عبد يبغضني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يكره.
روى الشعبي عن الحارث هذا لأبي عمر البزاز، ثم لكونه ناصبيا قال له: أما إنّ حبّه لا ينفعك وبغضه لا يضرّك(2).
و قد ودّعه جمع من شيعته، روى (أماليا الشيخين) عن الأصبغ قال: لمّا ضربه اللعين غدونا نفر من أصحابنا، أنا والحرث وسويد بن غفلة وجماعة معنا فقعدنا على الباب فسمعنا البكاء فبكينا، فخرج إلينا الحسن عليهالسلام فقال: يقول لكم أبي: انصرفوا. فانصرفوا غيري، فاشتدّ البكاء في منزله فبكيت، وخرج الحسن عليهالسلام وقال: ألم أقل انصرفوا فقلت: لا واللّه لا يحملني رجلي حتى أراه عليهالسلام. وبكيت فدخل وخرج فقال: ادخل. فدخلت فاذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء ودمه نزف(1)واصفر وجهه، ما أدري أوجهه اصفر أم العمامة فأكببت عليه فقبلته وبكيت فقال لي: لا تبك يا أصبغ فإنّها واللّه الجنّة. فقلت: جعلت فداك إنّي أعلم واللّه أنّك لتصير إلى الجنّة، وإنّي أبكي لفقداني إيّاك...(2)
عن الشعبي، قال: استأذنت سودة بنت عمارة بن الاسك الهمدانية على معاوية، فأذن لها فدخلت فقال لها: يا بنت الاسك، أ لست القائلة يوم صفّين:
شمر كفعل أبيك يا بن عمارة *** يوم الطعان وملتقى الأقران(3)
وانصر عليّا والحسين ورهطه***واقصد بهند وابنها بهوان(4)
إنّ الإمام أخو النبيّ محمّد***علم الهدى ومنارة الإيمان(5)
فقه الحتوف وسر أمام لوائه***قدما بأبيض صارم وسنان(1)
قالت: إي واللّه ما مثلي من رغب عن الحقّ أو اعتذر بالكذب. قال لها: فما حملك على ذلك ؟ قالت حبّ عليّ واتباع الحق. قال: فو اللّه ما أرى عليك من أثر عليّ شيئا. قالت: أنشدك اللّه واعادة ما مضى وتذكار ما قد نسي. قال: هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك. قالت: صدق فوك، لم يكن أخي ذميم المقام ولا خفي المكان، كان واللّه كقول الخنساء:
وإن صخرا لتأتمّ الهداة به *** كأنّه علم في رأسه نار
قال: صدقت لقد كان كذلك. فقالت: مات الرأس وبتر(2)الذنب، وباللّه أسأل إعفائي ممّا استعفيت منه(3). قال: قد فعلت، فما حاجتك ؟ قالت: إنّك أصبحت للناس سيّدا ولأمرهم متقلّدا، واللّه سائلك عن أمرنا وما افترض عليك من حقّنا، ولا يزال يقدم علينا من ينوء(4)بعزّك ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد السنبل ويدوسنا دوس البقر(5)ويسومنا(6)الخسيسة ويسلبنا الجليلة، هذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي وأخذ مالي، يقول لي فوهي بما استعصم اللّه منه وألجأ إليه فيه(7)، ولو لا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة، فإمّا عزلته عنّا فشكرناك وإمّا
1) . الحتوف المنايا ويروى فقد الجيوش وقدما أي متقدما والصارم القاطع والسنان سنان الرمح.
2) . قطع.
3) . أي ما طلبت الاعفاء منه وهو إعادة ما مضى.
4) . ينهض.
5) . أي كما تدوس البقر السنبل لفصل الحب منه.
6) . يكلفنا.
7) . لعلها تشير إلى ما يروى في بعض الأخبار على ان عمال معاوية كانوا يكلفون الناس سب علي للحط من شأن أولاده وشيعته.
لا فعرفناك. فقال لها معاوية: أ تهدديني بقومك لقد هممت أن أحملك على قتب(1)أشرس فأردّك إليه، ينفذ فيك حكمه. فأطرقت تبكي ثم أنشأت تقول:
صلّى الإله على جسم تضمّنه *** قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحقّ لا يبغي به بدلا *** فصار بالحق والإيمان مقرونا
قال: ومن ذلك ؟ قالت: عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه. قال: وما صنع بك حتى صار عندك كذلك قالت قدمت عليه في رجل ولاّه صدقاتنا فكان بيني و بينه ما بين الغث والسمين، فأتيت عليّا عليهالسلام لأشكو إليه ما صنع بنا، فوجدته قائما يصلّي فلمّا نظر إليّ انفتل(2)من صلاته ثم قال لي برأفة وتعطف: ألك حاجة فأخبرته الخبر فبكى ثم قال: اللّهم إنّك أنت الشاهد عليّ وعليهم، إنّي لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقّك. ثم أخرج من جيبه قطعة جلد فكتب فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم «قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ»(3)«... وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ»(4)«إِلاّ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ»(5). إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام. فأخذته منه ما ختمه بطين ولا خزمه بخزام فقرأته. فقال لها معاوية لقد لمظكم(6)ابن أبي طالب الجرأة على
السلطان: فبطيئا ما تفطمون(1).
ورواه ابن عبد ربه وفيه: لمظكم ابن أبي طالب الجرأة وغرّكم قوله:
فلو كنت بوّابا على باب جنة *** لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وغرّكم قوله:
ناديت همدان والأبواب مغلقة *** ومثل همدان سنّى(2)فتحة الباب
كالهندواني لم تفلل مضاربه***وجه جميل وقلب غير وجّاب(3)،(4)
وعن سعيد بن حذافة: حبس مروان غلاما من بني ليث في جناية فأتته جدّته امّ أبيه ـ امّ سنان بنت خيثمة المذحجية ـ فكلّمته في الغلام فأغلظ لها فخرجت إلى معاوية، فدخلت عليه فانتسبت له، فقال لها: مرحبا بك يا بنت خيثمة، ما أقدمك أرضي وقد عهدتك تشنئين(5)قربي وتحضين(6)عليّ عدوي قالت إنّ لبني عبد مناف أخلاقا طاهرة وأعلاما ظاهرة، لا يجهلون بعد علم ولا يسفهون بعد حلم ولا يعاقبون بعد عفو، فأولى النّاس باتباع سنن آبائه لأنت. قال: صدقت نحن كذلك، فكيف قولك:
عزب الرقاد فمقلتي ما ترقد *** والليل يصدر بالهموم ويورد
يا آل مذحج لا مقام فشمّروا *** إنّ العدوّ لآل أحمد يقصد
هذا عليّ كالهلال يحفّه *** وسط السماء في الكواكب أسعد
خير الخلائق وابن عمّ محمّد *** وكفى بذلك لمن شناه تهدّد
ما زال مذ عرف الحروب مظفّرا *** والنصر فوق لوائه ما يفقد
قالت: كان كذلك، وإنّا لنطمع بك خلفا. فقال رجل من جلسائه: كيف وهي القائلة:
إمّا هلكت أبا الحسين فلم تزل *** بالحق تعرف هاديا مهديا
فاذهب عليك صلاة ربّك ما دعت *** فوق الغصون حمامة قمريا
قد كنت بعد محمّد خلفا لنا *** أوصى إليك بنا فكنت وفيا
فاليوم لا خلف تأمل بعده *** هيهات نمدح بعده إنسيّا(1)
وعن عكرمة قال: دخلت عكرشة بنت الأطرش على معاوية متوكّئة على عكاز، فسلّمت عليه بالخلافة ثم جلست فقال لها معاوية: الآن صرت عندك خليفة قالت: نعم، إذ لا عليّ حي. قال: أ لست المتقلّدة حمائل السيوف بصفّين ـ إلى أن قال ـ فكأنّي أراك على عصاك هذه وقد انكفأ عليك العسكر أن يقولوا: هذه عكرشة بنت الأطرش بن رواحة. فإن كدت لتقتلين أهل الشام لولا قدر اللّه ـ إلى أن قال ـ قالت: إنّه كانت صدقاتنا تؤذ من أغنيائنا فتردّ على فقرائنا، وإنّا قد فقدنا ذلك فما يجبر لنا كسير ولا ينعش لنا فقير، فإن كان ذلك على رأيك فمثلك ينبه عن الغفلة، وإن كان عن غير رأيك فما مثلك استعان بالخؤة ولا استعمل الظلمة. قال معاوية: يا هذه، إنّه ينوبنا عن امور رعيتنا، امور تنبثق وبحور تنفهق(2)قالت: يا سبحان اللّه واللّه ما فرض اللّه لنا حقّا فجعل فيه ضررا على
غيرنا، وهو علاّم الغيوب. قال معاوية: يا أهل العراق نبّهكم عليّ بن أبي طالب فلم تطاقوا...(1)
وروى عن أبي سهل التميمي قال: حجّ معاوية فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجون، يقال لها: دارمة الحجونية، فاحضرت إليه، فقال:
تدرين لم بعثت إليك قالت: لا. قال: لأسألك لم أحببت عليّا وأبغضتني، وواليته وعاديتني قالت: أو تعفيني قال: لا قالت: إذ أبيت فإنّي أحببت عليّا على عدله في الرعية وقسمه بالسوية، وأبغضتك على قتال من هو أولى بالأمر منك وطلبك ما ليس لك بحق، وواليت عليّا على ما عقد له النبيّ صلىاللهعليهوآله من الولاء في الدين، وحبه المساكين، وإعظامه لأهل الدين، وعاديتك على سفكك الدماء وجورك في القضاء وحكمك بالهوى. فقال لها معاوية: يا هذه، هل رأيت عليّا قالت: إي واللّه. قال: كيف رأيته قالت: رأيته ـ واللّه ـ لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم تشغله النعمة التي شغلتك. قال: فهل سمعت كلامه قالت: نعم واللّه، فكان يجلو القلب من العمى، كما يجلو الزيت الطست من الصدى. قال: صدقت، فهل من حاجة قالت: أو تفعل قال: نعم. قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها. فأمر لها بذلك، وقال لها: أما واللّه لو كان عليّ حيّا ما أعطاك منها شيئا. قالت: لا واللّه ولا وبرة من مال المسلمين(2).
الصَّفْوَانِيُّ فِي الاْءِحَنِ وَالْمِحَنِ وَالْكُلَيْنِيُّ فِي الْكَافِي أَنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام جَاءَ شَيْخٌ يَبْكِي وَهُوَ يَقُولُ الْيَوْمَ انْقَطَعَتْ عِلاَقَةُ النُّبُوَّةِ حَتَّى وَقَفَ بِبَابِ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيِ الْبَابِ فَقَالَ رَحِمَكَ اللّهُ فَلَقَدْ كُنْتَ
أَوَّلَ النَّاسِ إِسْلاَماً وَأَخْلَصَهُمْ إِيمَاناً وَأَشَدَّهُمْ يَقِيناً وَأَخْوَفَهُمْ مِنَ اللّهِ وَأَطْوَعَهُمْ لِنَبِيِ اللّهِ وَآمَنَهُمْ عَلَى أَصْحَابِهِ أَفْضَلَهُمْ مَنَاقِباً وَأَكْثَرَهُمْ سَوَابِقاً وَأَشْبَهَهُمْ بِهِ خَلْقاً وَخُلُقاً وَسِيمَاءً وَفَضْلاً وَكُنْتَ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً وَأَعْلاَهُمْ طَوْداً وَأَقَلَّهُمْ كَلاَماً وَأَصْوَبَهُمْ مَنْطِقاً وَأَشْجَعَهُمْ قَلْباً وَأَحْسَنَهُمْ عَمَلاً وَأَقْوَاهُمْ يَقِيناً حَفِظْتَ مَا ضَيَّعُوا وَرَعَيْتَ مَا أَهْمَلُوا وَشَمَّرْتَ إِذْ اجْتَمَعُوا وَعَلَوْتَ إِذْ هَلِعُوا وَوَقَفْتَ إِذْ شَرَعُوا وَأَدْرَكْتَ أَوْتَارَ مَا ظَلَمُوا كُنْتَ عَلَى الْكَافِرِينَ عَذَاباً وَاصِباً وَلِلْمُؤمِنِينَ كَهْفاً وَحِصْناً كُنْتَ كَالْجَبَلِ الرَّاسِخِ لاَ تُحَرِّكُكَ الْعَوَاصِفُ وَلاَ تُزِيلُكَ الْقَوَاصِفُ كُنْتَ لِلطِّفْلِ كَالْأَبِ الشَّفِيقِ وَلِلْأَرَامِلِ كَالْبَعْلِ الْعَطُوفِ قَسَمْتَ بِالسَّوِيَّةِ وَعَدَلْتَ فِي الرَّعِيَّةِ وَأَطْفَأْتَ النِّيرَانَ وَكَسَرْتَ الْأَصْنَامَ وَأَذْلَلْتَ الْأَوْثَانَ وَعَبَدْتَ الرَّحْمَنَ فِي كَلاَمٍ لَهُ كَثِيرٍ فَالْتَفَتُوا فَلَمْ يَرَوْا أَحَداً فَسُئِلَ الْحَسَنُ عليهالسلام مَنْ كَانَ الرَّجُلُ قَالَ الْخَضِرُ عليهالسلام(1).
قال أبو تمام:
راحت وفود الأرض عن قبره *** فارغة الأيدي ملاء القلوب
قد علمت ما رزئت إنما *** يعرف قدر الشمس بعد الغروب(2)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَأَخَذُوا يَمِيناً وَشِمَالاً ظَعْناً فِي مَسَالِكِ الْغَيِّ وَتَرْكاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ وَلاَ تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ وَمَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ يَا قَوْمِ هَذَا إِبَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ وَدُنُوٌّ مِنْ طَلْعَةِ مَا لاَ تَعْرِفُونَ أَلاَ وَمَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ وَيَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً وَيُعْتِقَ رِقّاً وَيَصْدَعَ شَعْباً وَيَشْعَبَ صَدْعاً فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ لاَ يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ وَلَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ وَيُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ وَيُغْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوحِ.
منها: وَطَالَ الْأَمَدُ بِهِمْ لِيَسْتَكْمِلُوا الْخِزْيَ وَيَسْتَوْجِبُوا الْغِيَرَ حَتَّى إِذَا اخْلَوْلَقَ الْأَجَلُ وَاسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ وَاشْتَالُوا عَنْ لَقَاحِ حَرْبِهِمْ لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللّهِ بِالصَّبْرِ وَلَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ الْبَلاَءِ حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ وَدَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِم
حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللّهُ رَسُولَهُ عليه السلام رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الْأَعْقَابِ وَغَالَتْهُمُ السُّبُلُ وَاتَّكَلُوا عَلَى الْوَلاَئِجِ وَوَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ وَهَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ وَنَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَصِّ أَسَاسِهِ فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَأَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ قَدْ مَارُوا فِي الْحَيْرَةِ وَذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ مِنْ مُنْقَطِعٍ إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنٍ أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِن.
وَأَخَذُوا يَمِيناً وَشِمَالاً
قوله عليهالسلام «وأخذوا يمينا وشمالا» الأصل فيه قوله تعالى: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ»(1).
وروى الكلينى أنّ سعيد بن يسار، والحرث بن مغيرة، ومنصور الصيقل وردوا على الصادق عليهالسلام. فقال لهم: الحمد للّه الّذي ذهب الناس يمينا وشمالا فرقة مرجئة، وفرقة خوارج، وفرقة قدرية، وسميتم أنتم الترابية، اما واللّه ما هو إلاّ اللّه، وحده لا شريك له، ورسوله، وآل رسوله، وشيعتهم، وما كان سوى ذلك فلا. كان عليّ عليهالسلام واللّه أولى الناس بالناس بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله(2).
الأصل فيه قوله تعالى: «سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ
الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يتّخذوه سبيلاً»(1).
الظاهر أنّ مراده عليهالسلام استعجال الشيعة لقيام القائم عليهالسلام.
فروى النعماني: أنّ مهزم الأسدي قال للصادق عليهالسلام جعلت فداك متى هذا الأمر الذي ننتظره، متى هو فقال عليهالسلام: يا مهزم كذب الوقّاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلّمون(2).
وروى: أنّ الصادق عليهالسلام قال في قوله تعالى «أَتى أَمْرُ اللّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ»(3): هو أمرنا أمر اللّه تعالى لا نستعجل به. يؤّده ثلاثة أجناد: الملائكة، والمؤنون(4)والرعب.
وعن الباقر عليهالسلام: «اسكنوا ما سكنت السماوات والأرض»(5).
وعن الصادق عليهالسلام: «هلكت المحاضير. قيل: وما المحاضير قال: المستعجلون، ونجا المقرّبون(6)، وثبت الحصن على أوتادها. كونوا أحلاس بيوتكم. فإنّ الغبرة
1) . الأعراف: 146.
2) . الغيبة للنعماني: 294/ ح 11؛ بحار الأنوار: 103/52/ ح 7.
3) . النحل: 1.
4) . تاويل الآيات الظاهرة: 256.
5) . الغيبة للنعماني: 200/ ح 17؛ بحار الأنوار: 139/52/ ح 49.
6) . المحاضير: جمع المحضير وهو الفرس الكثير العدو، والمقربون ـ بكسر الراء مشددة ـ أي الذين يقولون الفرج قريب ويرجون قربه أو يدعون لقربه. أو بفتح الراء أي الصابرون الذين فازوا بالصبر بقربه تعالى. بحار الأنوار: 138/52.
(الفتنة خ ل) على من أثارها(1). وإنّهم لا يريدونكم بجائحة(2)إلاّ أتاهم اللّه بشاغل لأمر يعرض لهم»(3).
وعن الصادق عليهالسلام: لمّا التقى أمير المؤنين عليهالسلام وأهل البصرة نشر راية النبيّ صلىاللهعليهوآله فتزلزلت أقدامهم. فما اصفرّت الشمس حتّى قالوا: آمنّا يا ابن أبي طالب. فعند ذلك قال: لا تقتلوا الأسرى، ولا تجهزوا على جريح، ولا تتبعوا موليّا، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. و لمّا كان يوم صفين سألوه نشر الراية. فأبى عليهم. فتحمّلوا عليه بالحسن والحسين عليهماالسلام وعمّار، فقال: للحسن يا بني إنّ للقوم مدّة يبلغونها، وانّ هذه راية لا ينشرها بعدي إلاّ القائم عليهالسلام. وفي خبر أنّ تلك الراية كانت من ورق الجنّة نزل بها جبرئيل يوم بدر(4).
وروى أنّ إبراهيم بن هليل قال لأبي الحسن عليهالسلام: مات أبي على هذا الأمر وقد بلغت من السنين ما قد ترى، أموت ولا تخبرني بشيء فقال له: أنت تعجل. فقال أي: واللّه أعجل، ومالي لا أعجل، وقد بلغت من السن ما قد ترى. فقال: أما واللّه يا أبا إسحاق ما يكون ذلك حتّى تميّزوا...(5).
1) . في بعض النسخ»الفتنة على من أثارها«أي يعود ضررها إلى من أثارها أكثر من ضرره إلى غيره كما أن بالغبار يتضرر مثيرها أكثر من غيره.
2) . الجائحة: النازلة.
3) . الغيبة للنعماني: 197/ ح 5؛ بحار الأنوار: 138/52/ ح 43.
4) .الغيبة للنعماني: 307/ ح 1 و2؛ بحار الأنوار: 367/52/ ح 151.
5) . الغيبة للنعماني: 208/ ح14؛ بحار الأنوار: 113/52/ ح 29.
روى النعماني: أنّ الباقر عليهالسلام قال: لو يعلم الناس ما يصنع القائم عليهالسلامإذا خرج، لأحبّ أكثرهم ألاّ يروه ممّا يقتل من الناس. أما إنّه لا يبدأ إلاّ بقريش. فلا يأخذ
منها إلاّ السيف، ولا يعطيها إلاّ السيف حتّى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمّد لو كان من آل محمّد لرحم(1).
قال الشاعر:
فلا تتمنين الدهر شيئا *** فكم أمنية جلبت منية(2)
أي: أوائله، قال الزمخشري: «كأنها جمع تبشير وهو مصدر بشر»(3)إلاّ أنّهم قالوا إنّ المصدر لا يثنّى ولا يجمع، وإنّما قال عليهالسلام «ما أقرب اليوم من تباشير غد» حيث إنّ اليوم متّصل بآخره إلى أوائل الغد، وهو نظير قوله تعالى «أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ»(4).
وقال الشاعر:
غد ما غد ما أقرب اليوم من غد(5)
بالكسر والتشديد الوقت.
قال ابن أبي الحديد: أي: دنا وقت القيامة، وظهور الفتن التي تظهر أمامها، وإبّان الشيء بالكسر والتشديد وقته وزمانه، وكنّى عن تلك الأهوال بقوله: ودنوّ من طلعة ما لا تعرفون، لأن تلك الملاحم والآثار الهائلة غير معهود مثلها نحو دابّة الأرض، والدجّال وفتنته وما يظهر على يده من المخاريق والامور الموهمة، وواقعة السفياني(1).
بل مراده عليهالسلام فتن تأتي بعده من بني اميّة، وبني العباس إلى علامات القائم عليهالسلاملأنّ قوله عليهالسلام: «هذا إبّان...» يدلّ على أنّ حين خاطبهم بهذا الكلام صار زمان ما وعدهم، وقرب ما أخبرهم.
روى النعماني: أنّ أمير المؤنين عليهالسلام قال على منبر الكوفة: «إنّ من ورائكم فتنا مظلمة عمياء منكسفة لا ينجو منها إلاّ النؤة(2)
في النهاية في مادة «نوم» وفي حديث عليّ عليهالسلام «انه ذكر آخر الزمان والفتن ـ ثم قال: «خير أهل ذلك الزمان كل مؤن نومة» ـ بوزن الهمزة ـ: الخامل ـ الذكر الذي لا يؤه له، وقيل: الغامض في الناس الذي لا يعرف الشرّ وأهله، وقيل: النومة ـ بالتحريك ـ: الكثير النوم واما الخامل الذي لا يؤه له فهو بالتسكين، ومن الأول حديث ابن عبّاس انه قال لعلىّ: ما النومة؟ قال: الذي يسكت في الفتنة فلا يبدو منه شيء النهاية: 131/5.
»(3).وروى أنّ امير المؤنين عليهالسلام قال: لا يقوم القائم عليهالسلام حتّى تفقأ عين الدنيا، وتظهر
الحمرة في السماء، وتلك دموع حملة العرش على أهل الأرض، حتّى يظهر فيهم أقوام لا خلاق لهم يدعون لولدي، وهم برآء من ولدي تلك عصابة رديّة لا خلاق لهم. على الأشرار مسلّطة، وللجبابرة مفتّنة، وللملوك مبيرة(1)، تظهر في سواد الكوفة يقدمهم رجل أسود اللون والقلب، رثّ الدين، لا خلاق له(2)
متاع رثّ ـ بشد المثلثة ـ أي خلق بال، يعنى ساقط الدين، ولا خلاق له اي لا نصيب له، والمهجن: غير الاصيل في النسب، والزنيم: اللئيم. والعتل ـ بشد اللام ـ الجافى الغليظ.
، مهجن زنيم عتل تداولته أيدي العواهر من الامّهات(3)من شر نسل، لا سقاها اللّه المطر(4)في سنة اظهار غيب المتغيب من ولدي صاحب الراية الحمراء، والعلم الأخضر، أيّ يوم للمجنبين بين الأنبار وهيت ذلك يوم فيه صيلم الأكراد والشراة(5)، وخراب دار الفراعنة، ومسكن الجبابرة، ومأوى الولاة الظلمة، وامّ البلاء، واخت العار تلك وربّ عليّ، بغداد.ألا لعنة اللّه على العصابة من بني اميّة، وبني فلان الخؤة الّذين يقتلون الطيّبين من ولدي لا يراقبون فيهم ذمّتي، ولا يخافون اللّه في ما يفعلونه بحرمتي. إنّ لبني العباس يوم الطموح(6)، ولهم فيه صرخة كصرخة الحبلى، والويل لشيعة ولد العباس من الحرب الّتي يفتح من نهاوند، والدينور، تلك حرب صعاليك شيعة عليّ
1) . المبيرة: المهلكة من أبار يبير، والبوار الهلاك.
2) .
3) . العواهر جمع عاهر وهي الفاجرة الزانية.
4) . هذه الجملة دعاء عليهم.
5) . الصيلم ـ بفتح الصاد المهملة واللام ـ : الداهية. والشراة جمع الشارى والمراد الخوارج الذين زعموا أنّهم يشرون أنفسهم ابتغاء مرضات اللّه.
6) . أي يوم شديد تشخص فيه الابصار، والعرب ربما يعبر عن الشدة باليوم.
يقدّمهم رجل من همدان اسمه على اسم النبيّ صلىاللهعليهوآلهمنعوت موصوف باعتدال الخلق، وحسن الخلق، ونضارة اللون، له في صوته ضحك، وفي اشفاره وطف وفي عنقه سطح، فرق الشعر مفلّج الثنايا(1)، على فرسه كبدر التمام تجلّى عنه الغمام يسير بعصابة خير عصابة، آوت وتقرّبت ودانت للّه بدين تلك الأبطال من العرب الّذين يلحقون حرب الكريهة والدبرة(2)يومئذ على الأعداء. انّ للعدوّ يوم ذلك، الصيلم والاستيصال(3).
وروى أنّه عليهالسلام قال: لا تنفك هذه الشيعة حتّى تكون بمنزلة المعز لا يدري الخابس(4)(الجاس خ ل) على أيّها يضع يده(5). فليس لهم شرف يشرّفونه، ولاسناد يستندون إليه في امورهم(6)،(7).
1) . فى أشفاره وطف «أي طول شعر واسترخاء، وفي» عنقه سطع أي طول، و الاسطع الطويل العنق. ومفلج الثنايا أي بين أسنانه تباعد.
2) . أي الهزيمة.
3) . الغيبة للنعماني: 147/ ح 5؛ بحار الأنوار: 226/52/ ح 90.
4) . في القاموس: خبس الشيء بكفه: أخذه، وفلانا حقه: ظلمه وغشمه، والخبوس: الظلوم، واختبسه: أخذه مغالبة، وماله: ذهب به، والمختبس: الأسد كالخابس. وفي بعض النسخ هنا وفيما يأتي «الجاس» وهو من جسّه بيده أي مسه.
5) . يعني حتّى يكونوا في الذلة والصغار كالمعز، لا يدرى الظالم أيهم يظلم، كقصاب يتعرض لقطيع غنم لا يدرى أيها يأخذ للذبح، أو كالذئب يتعرض لقطيع المعز لا يدرى أيها يفترس.
6) . الشرف المكان العالى أي ليس لهم مأوى ومعقل يشرفونه ويلتجئون إليه للاحتراز عن سيول الفتن والحوادث، أو الشرف بمعنى العلو بين الناس فالمعنى ليس لهم شرف يتشرفون بسببه فيدفع عنهم الاذى والقتل. والسناد ـ بالكسر ـ: ما يستند إليه في الأمور، والجملتان الأخيرتان كالتفسير لوجه التشبيه.
7) .الغيبة للنعماني: 191/ ح 1؛ بحار الأنوار: 114/51/ ح 12.
وروى انّه عليهالسلام قال: يأتيكم بعد الخمسين والمئة امراء كفرة، وامناء خونة وعرفاء فسقة. فتكثر التجار، وتقلّ الأرباح، ويفشو الربا، ويكثر أولاد الزنا، و تتناكر المعارف، وتعمر السباخ، وتعظم الأهلّة(1)، وتستكفي النساء بالنساء، والرجال بالرجال. قال: فقام إليه رجل. فقال: يا أمير المؤنين وكيف نصنع في ذلك الزمان فقال: الهرب الهرب. فإنّه لا يزال عدل اللّه مبسوطا على هذه الامّة ما لم يمل قرّاؤم إلى امرائهم، وما لم يزل أبرارهم ينهى فجّارهم. فإن لم يفعلوا ثم استنفروا. فقالوا: لا إله إلاّ اللّه، قال اللّه في عرشه: كذبتم لستم بها صادقين(2).
وروى أنّ ابن الكوّا سأل امير المؤنين عليهالسلام عن الغضب. فقال عليهالسلام: هيهات الغضب هيهات، موتات فيهن موتات، وراكب الذعلبة، وما راكب الذعلبة مختلط جوفها بوضينها يخبرهم بخبر فيقتلونه ثمّ الغضب عند ذلك(3).
وروى انّ امير المؤنين عليهالسلام حدّث عن أشياء تكون بعده إلى قيام القائم. فقال الحسين عليهالسلام يا أمير المؤنين: متى يطهّر اللّه الأرض من الظالمين فقال أمير المؤنين عليهالسلام ـ في حديث طويل بعد ذكر بني اميّة وبني العباس ـ إذا قام القائم بخراسان، وغلب على أرض كرمان، وملتان، وحاز جزيرة بني كاوان(4)، وقام
1) . لعلّه جمع هلال بمعنى الغلام الجميل، ويمكن أن يكون الأصل «تغطى الأهلة» أي يستر عن الناس هلال كل شهر. والأوّل بالسياق أنسب.
2) . الغيبة للنعماني: 248/ ح 3؛ بحار الأنوار: 228/52/ ح 92.
3) .الغيبة للنعماني: 268/ ح 38؛ بحار الأنوار: 240/52/ ح 108.
4) . كوفان اسم للكوفة، وفي بعض النسخ»كرمان«. وملتان ـ بضم الميم ـ : مدينة من الهند قرب غزنة، قال في المراصد: أهلها مسلمون منذ قديم. وفي المراصد أيضا: جزيرة كاوان ويقال: جزيرة بنى كاوان، جزيرة عظيمة يقال لها: جزيرة لافت في بحر فارس بين عمان والبحرين، كان بها قرى ومزارع، وهي الآن خراب ـ اه.
منّا قائم بجيلان، واجابته الأبر والديلم، وظهرت لولدي رايات الترك متفرّقات في الأقطار والجنبات وكانوا بين هنات وهنات(1)إذا خربت البصرة، وقام أمير الأمراء ـ إلى أن قال ـ إذا جهّزت الألوف وصفّت الصفوف، وقتل الكبش الخروف(2)هناك يقوم الآخر ويثور الثائر، ويهلك الكافر، ثمّ يقوم القائم المأمول والإمام المجهول. له الشرف و الفضل هو من ولدك يا حسين، لا ابن مثله يظهر بين الركبتين في دريسين باليين(3)، يظهر على الثقلين، ولا يترك في الأرض دمين(4)...(5).
و يمكن أن يريد عليهالسلام بقوله «هذا إبّان ورود كلّ موعود» الفتن الّتي حدثت بعده عليهالسلام من بني اميّة، وبني العباس، وغيرهما، وبقوله: «و دنو من طلعة ما لا
1) . هنات وهنوات جمع هنيئة بمعنى ساعة يسيرة، أو من قولهم «في فلان هنات» أي خصلات شر.
2) . الخروف ـ كصبور ـ: الذكر من أولاد الضأن.
3) . الدريس: البالى من الثياب. والبالى: الخلقان من الثياب.
4) . كذا في جل النسخ وفي بعضها «الادنين» كما في البحار، وفي نسخة «لا يترك في الأرض شرا» وكأنّ الكلمة في الأصل غير مقروءة فكتبها كل على حسب اجتهاده، مع تصرف، ويحتمل كونه «و لا يترك في الأرض دينين» أو «ولا يترك في الأرض المين» بفتح الميم بمعنى الكذب. والاصوب عندي أن الجملة في الأصل كانت «ولا يترك الأرض بلامين» فصحفت؛ يعنى لا يترك الأرض بلا حرث ولا زراعة، ففي اللغة: مان الأرض مينا: شقها وحرثها للزراعة. وهذا مؤد بروايات أخر لا مجال لنا هنا لذكرها الغيبة للنعماني: 275 ـ 276.
5) . الغيبة للنعماني: 274/ ح 55؛ بحار الأنوار: 236/52/ ح 104.
تعرفون» الخوارق الّتي قبل قيام القائم.
فروى النعماني: أنّ أمير المؤنين عليهالسلام سئل عن قوله تعالى: «فَاخْتُلِفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ»(1)فقال: انتظروا الفرج من ثلاث. قيل: وما هنّ قال: اختلاف أهل الشام بينهم، والرايات السود من خراسان، والفزعة في شهر رمضان. قيل: وما الفزعة فقال: أو ما سمعتم قوله تعالى: «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ»(2)هي آية تخرج الفتاة من خدرها(3)، و توقظ النائم، وتفزع اليقظان(4).
وروى عن الصادق عليهالسلام قال: العام الّذي فيه الصيحة قبله الآية في رجب. قيل: وما هي قال: وجه يطلع في القمر، ويد بارزة(5).
وروى أنّ أبا بصير سأل الصادق عليهالسلام عن قوله تعالى: عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا(6)ما هو عذاب خزي الدنيا. فقال: وأيّ خزي أخزى من أن يكون الرجل في بيته وحجاله، ومع إخوانه، وسط عياله إذ شقّ أهله الجيوب عليه، و صرخوا. فيقول الناس: ما هذا فيقال: مسخ فلان الساعة فقلت: قبل قيام القائم أو بعده قال: بل قبله(7).
1) . الزخرف: 65.
2) . الشعراء: 4.
3) . الخدر ـ بكسر الخاء المعجمة ـ: ستر يمد للجارية، وما يفرد لها من السكن، وكل ما تتوارى به.
4) .الغيبة للنعماني: 251/ ح 8؛ بحار الأنوار: 229/52/ ح 95.
5) . الغيبة للنعماني: 252/ ح 10؛ بحار الأنوار: 233/52/ ح 97.
6) . يونس: 98.
7) . الغيبة للنعماني: 269/ ح 41؛ بحار الأنوار: 241/52/ ح 111.
وعن الباقر عليهالسلام: شيئان يكونان قبل القائم عليهالسلام لم يكونا منذ أهبط اللّه آدم عليهالسلام أبدا، وذلك أنّ الشمس تنكسف في النصف من شهر رمضان، والقمر آخره(1)
الغيبة للنعماني: 271/ ح 45؛ بحار الأنوار: 213/52/ ح 67.
ـ وزاد في خبر آخر ـ وعنده يسقط حساب المنجّمين(2).وعن الباقر عليهالسلام إذا رأيتم نارا من المشرق شبه الهردى العظيم(3)تطلع ثلاثة أيّام أو سبعة. فتوقعوا فرج آل محمّد صلىاللهعليهوآله إن شاء اللّه، ثمّ قال: الصيحة لا تكون إلاّ في شهر رمضان، لأنّ شهر رمضان شهر اللّه، وهي صيحة جبرئيل عليهالسلام إلى هذا الخلق، ثمّ قال: ينادي مناد من السماء باسم القائم عليهالسلام. فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب...(4).
أَلاَ وَمَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ وَيَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً
الربق بالكسر حبل فيه عدّة عرى تشدّ به البهم، الواحدة من العرى: ربقة، وفي الحديث: خلع ربقة الإسلام من عنقه(5).
1) .
2) . الغيبة للنعماني: 272/ ح 46.
3) . الهردى ـ بضم الهاء ككرسى ـ المصبوغ بالهرد ـ بالضم ـ وهو الكركم الأصفر، وطين أحمر، وعروق يصبغ بها، ونقل عن التكملة أن الهرد بالضم عروق وللعروق صبغ أصفر يصبغ به، يعنى نارا يشبه الهردى من حيث اللون تكون أصفر أو أحمر، وقرءها في البحار «الهروى» وقال: لعل المراد الثياب الهروية شبهت بها في عظمها وبياضها.
4) . الغيبة للنعماني: 253/ ح 13؛ بحار الأنوار: 230/52/ ح 96.
5) . الصحاح: 1480/4، مادة ربق.
بالكسر أي: مملوكا.
الصدع: الشق، وصدعت الشيء: أظهرته(1)
الشعب الصدع في الشيء وإصلاحه، وشعبته فرّقته، وجمعته تقول التأم شعبهم: إذا اجتمعوا بعد التفرّق، وتفرّق شعبهم إذا تفرّقوا بعد الاجتماع قال الطرماح: «شتّ
شعب الحي بعد التيام»(2).
قال ابن أبي الحديد: أراد عليهالسلام بقوله: «من أدركها منّا» يسري في ظلمات هذه الفتن بسراج منير وهو المهدي واتّباع الكتاب والسنّة، ويحذو فيها يقتفي، ويتّبع مثال الصالحين ليحلّ في هذه الفتن وربقا: أي: حبلا معقودا، ويعتق رقّا: أي: يستفك أسرى، وينقذ مظلومين من أيدي ظالمين، ويصدع شعبا: أي: يفرّق جماعة من جماعات الضلال، ويشعب صدعا يجمع ما تفرّق من كلمة أهل الهدى(3).
لم يعلم أنّه عليهالسلام أراد بقوله، المهدي عليهالسلام بالخصوص بل الظاهر أنّه عليهالسلامأراد جميع عترته المعصومين. وانّه عليهالسلام أخبر بجملة ما يحدث بعد عصره من فتن بني اميّة، وبني العباس، وغيرهما إلى ظهور المهدي عليهالسلام وهو الظاهر من قوله «منّا» بلفظ
العموم، فهو نظير قوله عليهالسلام في موضع آخر «نحن أهل البيت منها بمنجاة»(1).
و صدق عليهالسلام. فجميع المعصومين من عترته عليهالسلام كانوا كما وصف عليهالسلاممثله في أيّام الثلاثة يسيرون في الفتن بسراج منير، ويحذون على مثال الصالحين فيحلّون في تلك الفتن ربقا، ويعتقون رقا، ويصدعون شعبا ويشعبون صدعا.
روى الكلينى: أنّ الربيع حاجب المنصور قال له وهو في الطواف: إنّ فلانا مولاك مات البارحة. فقطع فلان مولاك رأسه بعد موته. فاستشاط(2)وغضب. فقال لابن شبرمة وابن أبي ليلى، وعدّة معه من القضاة والفقهاء: ما تقولون في هذا فكلّ منهم قال: ما عندي في هذا شيء. فجعل يقول أقتله أم لا فقيل له: قد قدم الساعة جعفر بن محمّد عليهالسلام وقد دخل المسعى. فإن كان عند أحد شيء فعنده. فقال للربيع: اذهب إليه. فقل له: أجبنا في كذا وكذا.
فقال عليهالسلام له: قد ترى شغل ما أنا فيه، وقبلك الفقهاء. فسلهم. فقال: قد سألهم، ولم يكن عندهم فيه شيء. فقال عليهالسلام: قل: له عليه مئة دينار. فابلغه فقالوا له: فسله كيف صار عليه مئة دينار. فقال عليهالسلام في النطفة عشرون، وفي العلقة عشرون، وفي المضعفة عشرون، وفي العظم عشرون، وفي اللحم عشرون. ثمّ أنشأناه خلقا آخر، وهذا هو ميّت بمنزلته قبل أن ينفخ فيه الروح في بطن امّه جنينا فاخبر المنصور بالجواب فأعجب الفقهاء ذلك. فقالوا: إرجع إليه. فسله الدنانير لمن هي لورثته أم لا فقال عليهالسلام: ليس لورثته شيء إنّما هذا شيء أتى إليه في بدنه بعد موته يحجّ بها عنه
أو يتصدّق بها عنه أو تصير في سبيل من سبل الخير(1)ـ وفي خبر آخر ـ قال عليهالسلام ديّة الجنين لورثته دون هذا لأنّ الجنين أمر مستقبل مرجو نفعه وهذا قد مضى وذهبت منفعته(2).
وروى عن عمر بن أبي المقدام قال: كنت شاهدا عند البيت الحرام، ورجل ينادي بأبي جعفر المنصور ـ وهو يطوف ـ إنّ هذين الرجلين طرقا أخي ليلا فأخرجاه من منزله. فلم يرجع إليّ، واللّه ما أدري ما صنعوا به. فقال لهما: وافياني غدا صلاة العصر في هذا المكان. فوافوه من الغد، وحضر ذاك الوقت أبو عبداللّه عليهالسلام. فقال المنصور له عليهالسلام وهو قابض على يده: اقض بينهم. فقال: أنت اقض بينهم. فقال: بحقّي إلاّ قضيت. فخرج عليهالسلام فطرح له مصلّى قصب. فجلس عليه. ثمّ جاء الخصماء. فجلسوا قدامه. فقال: ما تقول فقال: يا ابن رسول اللّه إنّ هذين طرقا أخي ليلا. فأخرجاه من منزله. فو اللّه ما رجع إليّ، وو اللّه ما أدري ما صنعا به. فقال: ما تقولان قال: كلّمناه ثمّ رجع إلى منزله. فقال أبو عبداللّه عليهالسلام: يا غلام اكتب: «بسم اللّه الرحمن الرحيم قال النبيّ صلىاللهعليهوآله: كلّ من طرق رجلا بالليل. فأخرجه من منزله. فهو له ضامن إلاّ أن يقيم البيّنة أنّه قد ردّه إلى منزله» يا غلام نحّ هذا الواحد منهما. فاضرب عنقه. فقال: يا ابن رسول اللّه ما أنا قتلته، ولكنّي أمسكته ثمّ جاء هذا فوجأه فقتله. فقال عليهالسلام أنا ابن رسول اللّه يا غلام نحّ هذا، واضرب عنق الآخر. فقال: يا ابن رسول اللّه، واللّه ما عذّبته، ولكنّي قتلته بضربة واحدة. فأمر أخاه فضرب عنقه ثمّ أمر بالآخر فضرب جنبيه، وحبسه في السجن،
ووقّع على رأسه يحبس عمره، ويضرب كلّ سنة خمسين جلدة(1).
وروى الصدوق عن وصي علي بن السري قال: قلت للكاظم عليهالسلام: إنّه أوصى إليّ، وإنّ ابنه جعفرا وقع على امّ ولد له. فأمرني أن أخرجه من الميراث. فقال لي: أخرجه إن كان صادقا. فسيصيبه خبل. فقدّمني ابنه إلى أبي يوسف القاضي. فقال له: أنا جعفر بن علي السري، وهذا وصيّ أبي فمره أن يدفع إليّ ميراثي من أبي. فقال: ما تقول قلت: نعم هذا ابن علي بن السري، وأنا وصيّ أبيه، قال: فادفع إليه ماله. فقلت له: إنّي اريد أن اكلمك. قال: فادن. فدنوت حيث لا يسمع أحد كلامي. فقلت له: هذا وقع على ام ولد أبيه فأمرني أن لا اورّثه شيئا. فأتيت موسى بن جعفر عليهالسلام بالمدينة. فأخبرته، وسألته. فأمرني أن أخرجه. فقال: اللّه إنّ أبا الحسن أمرك؟ فقلت: نعم، فاستحلفني ثلاثا ثمّ قال لي: «انفذ ما أمرك فالقول قوله». قال الوصيّ فأصابه الخبل بعد ذلك(2).
و جعفر الوارد في الخبر هو جعيفران الموسوس المعروف، وأبوه علي بن أصفر بن السري، روى (الأغانى): في جعيفران أنّ أباه كان دهقان الكرخ ببغداد وكان يتشيّع. فظهر على ابنه أنّه أتى سرية له. فحجّ وشكا ذلك إلى موسى بن جعفر عليهالسلام. فقال له: إن كنت صادقا فليس يموت حتّى يفقد عقله، ولا تطعمه شيئا من مالك في حياتك، وأخرجه عن ميراثك بعد وفاتك. فقدم فطرده، وسأل الفقهاء عن حيلة حتّى يخرجه عن ميراثه، فدلّوه على سبيل فأشهد به، وأوصى إلى رجل. فلمّا مات حاز الوصيّ ميراثه. فاستعدى جعيفران عليه أبا يوسف القاضي. فسأل جعيفران
البيّنة على نسبه، وعلى تركة أبيه. فأقام، وأحضر الوصي بيّنة يشهدون على أبيه بما كان احتال به عليه. فلم ير أبو يوسف ذلك شيئا، وعزم على أن يورّثه. فكتب الوصي رقعة بما أفتى به موسى بن جعفر عليهالسلام فلمّا قرأها أبو يوسف دعا الوصي، واستحلفه أنّه قد صدق في ذلك فحلف باليمين الغموس. فقال له: اغد عليّ مع صاحبك. فلمّا حضرا حكم أبو يوسف للوصي على جعيفران. فلمّا أمضى الحكم عليه، وسوس جعيفران، واختلط منذ يومئذ(1).
و الظاهر أنّه عليهالسلام أمر عليّا بقطع جعفر من ميراثه لعلمه بكونه من الزنا لا لمجرد زناه بسرية أبيه.
فروى (الأغانى): أنّ جعيفران اطلّع يوما في الحبّ. فرأى وجهه. فقال:
ما جعفر لأبيه *** ولا له بشبيه
أضحى لقوم كثير*** فكلّهم يدّعيه
هذا يقول بنيّ *** وذا يخاصم فيه
والامّ تضحك منهم*** لعلمها بأبيه(2)
فالقول بعدم إرث كلّ من زنا بامّ ولد أبيه كما مال إليه ابن بابويه مشكل، ولم يكن عترته عليهمالسلام يدخلون في أمر من امور خلفاء الجور حتّى أنّ المأمون مع كونه أعلمهم، وأعدلهم، وجعله الرضا عليهالسلام ولي عهده شرط عليهالسلام في قبول الولاية ألاّ يتصرّف في شيء من أموره.
قال المسعودي: أنّ المأمون أمر في سنة مئتين بإحصاء ولد العباس من رجالهم، ونسائهم، وصغيرهم، وكبيرهم. فكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفا، وأمر
بجمع خواص الأولياء، وأخبرهم أنّه نظر في ولد العباس، وولد علي. فلم يجد في وقته أحدا أفضل، ولا أحقّ بالأمر من علي بن موسى فبايع له بولاية العهد، وضرب اسمه على الدنانير والدراهم...(1).
وعن ياسر الخادم، والريّان بن الصلت، وصالح بن سعيد الكاتب الراشدي قالوا: لمّا انقضى أمر المخلوع(2)، واستوى أمر المأمون كتب إلى الرضا عليهالسلام يستقدمه إلى خراسان فاعتلّ عليه الرضا عليهالسلام بعلل كثيرة. فما زال المأمون يكاتبه ويسأله حتّى علم الرضا عليهالسلام أنّه لا يكفّ عنه. فخرج حتّى وافى مرو. فعرض عليه أن يتقلّد الإمرة والخلافة، فأبى الرضا عليهالسلام وجرت في هذه مخاطبات كثيرة، وبقوا في ذلك نحوا من شهرين كلّ ذلك يأبى الرضا عليهالسلام فلمّا كثر الخطاب في هذا. قال المأمون: فولاية العهد قال: على أن لا آمر، ولا أنهي، ولا أقضي، ولا اغيّر شيئا...(3).
وقال أبو الفرج الاصفهانى: بعد ذكر حمل الرضا عليهالسلام إلى خراسان وجّه المأمون إلى الفضل بن سهل. فأعلمه أنّه يريد العقد، وأمره بالاجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك. فجعل الحسن يعظّم ذلك عليه ويعرّفه ما في إخراج الأمر من أهله عليه. فقال له: إنّي عاهدت اللّه أن اخرجها إلى أفضل آل أبي طالب إن ظفرت بالمخلوع، وما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل. فأرسلهما إليه.
فعرضا ذلك عليه فأبى ـ إلى أن قال ـ : قال له أحدهما: واللّه أمرني بضرب
عنقك إن خالفت. ثمّ دعا به المأمون.
فخاطبه في ذلك. فامتنع. فقال له: ان عمر جعل الشورى في ستّة أحدهم جدّك وقال: من خالف فاضربوا عنقه، ولا بدّ من قبول ذلك فأجابه ـ إلى أن قال ـ وأمر المأمون ابنه العباس. فبايع له أوّل الناس. فرفع الرضا عليهالسلام يده فتلقى بظهرها وجه نفسه وبطنها وجوههم. فقال له المأمون: ابسط يدك للبيعة. فقال له: إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله هكذا كان يبايع فبايعه الناس ـ إلى أن قال ـ : قال المأمون للرضا عليهالسلام: قم فاخطب الناس. فقام: وقال ـ بعد حمد اللّه تعالى ـ «إنّ لنا عليكم حقّا برسول اللّه صلىاللهعليهوآلهولكم علينا حقّ به. فإذا أدّيتم إلينا ذلك وجب علينا الحق لكم» ـ ولم يذكر عنه غير هذا في ذلك المجلس. ـ إلى أن قال ـ: سمع عبد الجبار بن سعيد يخطب تلك السنة على منبر المدينة ويقول: «اللّهمّ واصلح ولي عهد المسلمين عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
ستّة آباؤم ما هم هم *** خير من يشرب من صوب الغمام
ـ إلى أن قال ـ ومات الرضا عليهالسلام فحضره المأمون قبل أن يحفر قبره وأمر أن يحفر إلى جانب أبيه. قال أبو الصلت: ثمّ أقبل المأمون علينا. فقال: حدّثني صاحب هذا النعش أنّه يحفر له قبر فيظهر فيه ماء وسمك. احفروا فحفروا. فلمّا انتهوا إلى اللحد نبع ماء، وظهر فيه سمك ثمّ غاض الماء. فدفن فيه الرضا عليهالسلام(1).
قال ابن أبي الحديد: يدلّ على استتار المهدي عليهالسلام وليس تصريحا بقول الإمامية
1) . مقاتل الطالبيين: 375 ـ 380.
لأنّه يمكن أن يخلق في آخر الزمان، ويكون مستترا مدّة ثمّ يظهر(1).
لم يعلم إرادة المهدي عليهالسلام به بالخصوص وإلاّ فالإماميّة يكفيهم في مذهبهم قوله عليهالسلام المتواتر: «لا تخلو الأرض للّه من قائم بحجّة إمّا ظاهرا مشهورا وإمّا خائفا مغمورا».(2). فيمكن أن يريد به كون مقام الإمام مستورا عن الناس لعجزهم عن إدراكه.
قال الرضا عليهالسلام: إنّ الإمامة أجل قدرا، وأعظم شأنا، وأعلى مكانا وأمنع جانبا، وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماما باختيارهم. إنّ الإمامة خصّ اللّه تعالى بها إبراهيم الخليل عليهالسلام بعد النبوّة والخلة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها، وأشاد بها(3)ذكره. فقال تعالى إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً(4)فقال الخليل عليهالسلام مسرورا بها وَمِنْ ذُرِّيَّتِي(5)قال اللّه تعالى لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(6)فأبطلت هذه الآية امامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة...(7).
القائف الّذي يعرف الآثار يقال قفت أثره إذا اتّبعته مثل قفوت أثره، قال القطامي:
كذبت عليك لا تزال تقوفني*** كما قاف آثار الوسيقة قائف(1)
أي: كرّره كقوله تعالى: «فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ»(2).
بلفظ المجهول من شحذت السكين أي: حددته.
أي: الحدّاد.
أي: حديد السيف والسكّين.
أنّ الباقر عليهالسلام قال لأصحابه: إِنَّ حَدِيثَكُمْ هَذَا لَتَشْمَئِزُّ مِنْهُ قُلُوبُ الرِّجَالِ فَانْبِذُوهُ إِلَيْهِمْ نَبْذاً فَمَنْ أَقَرَّ بِهِ فَزِيدُوهُ وَمَنْ أَنْكَرَ فَذَرُوهُ إِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِتْنَةٌ يَسْقُطُ فِيهَا كُلُّ بِطَانَةٍ وَوَلِيجَةٍ حَتَّى يَسْقُطَ فِيهَا مَنْ يَشُقُّ الشَّعْرَةَ بِشَعْرَتَيْنِ(3)حَتَّى لاَ يَبْقَى إِلاّ نَحْنُ وَشِيعَتُنَا(4).
قال تعالى: «وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»(1).
بلفظ المجهول، والغبوق الشرب بالعشي تقول غبقته فاغتبق.
قال ابن الأعرابي: لا تسمّى الكأس كأسا إلاّ وفيها الشراب(2).
أي: اتقان الامور، والأصل فيها حكمة اللّجام، وهي ما أحاط بالحنك.
الشرب في الصباح، والغبوق، والصبوح بكأس الحكمة استعارة كقول زرقاء اليمامة لمّا سئلت عن سبب قوّة عينيها «كنت أكحلهما بصبوح من صبر، وغبوق من أثمد»(3).
عن الصادق عليهالسلام شيعتنا من لا يهرّ هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب و لا يسأل الناس بكفّه، وإن مات جوعا. قيل له: أين نطلبهم قال: اطلبهم في أطراف الأرض، اولئك الخشن عيشهم، المنتقلة ديارهم الّذين إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن خطبوا لم يزوّجوا، وإن ماتوا لم
يشهدوا. اولئك الّذين في أموالهم يتواسون، وفي قبورهم يتزاورون، ولا تختلف أهواؤم، وإن اختلفت بهم البلدان(1).
قال تعالى: «فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ»(2).
وقال تعالى: «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ»(3).
وقال تعالى: «فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ»(4).
وقال تعالى: «فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذاقَهَا اللّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ»(5).
أي: قرب كثيرا. قال الجزري: هذا البناء للمبالغة وهو افعوعل كاغدودق، واعشوشب، وفي خطبة ابن الزبير «إنّ الموت قد تغشّاكم سحابه، وأحدق بكم
ربابه، واخلولق بعد تفرّق»(6)و«اخلولق السحاب أي: استوى، ويقال صار خليقا للمطر. واخلولق الرسم أي: استوى بالأرض»(7)وفي (القاموس): «اخلولق
السحاب استوى وصار خليقا للمطر، والرسم استوى بالأرض ومتن الفرس أملس»(1).
ولا يبعد أن يكون «إلى الفتن» محرّف «في الفتن».
عن أبي بكر الحضرمي قال: دخلت أنا وأبان على أبي عبداللّه عليهالسلامحين ظهرت الرايات السود بخراسان. فقلنا: ما ترى فقال اجلسوا في بيوتكم. فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجل فانهدوا(2)إلينا بالسلاح(3).
قال ابن أبي الحديد: «يقال شال فلان كذا أي: رفعه، واشتال افتعل هو في نفسه»(4)
بل شال لازم قال ابن دريد «شال هو إذا ارتفع، واشلته أنا إذا رفعته»(5)
عَنْ لَقَاحِ حَرْبِهِمْ
ألقح الفحل الناقة (أي: أحبلها) ولقحت الناقة بالكسر لقحا، ولقاحا بالفتح، و اللقاح بالكسر الابل بأعيانها الواحدة لقوح وهي الحلوب(6).
قال ابن أبي الحديد: معنى قوله عليهالسلام «و اشتالوا عن لقاح حربهم» رفعوا أيديهم
وسيوفهم عن أن يشبّوا الحرب بينهم وبين هذه الفئة مهادنة(1).
ومن المحتمل أن يكون المعنى أن تولّد حربهم صار قريبا كناقة صار وضعها قريبا. قال الجوهري: الشول النوق الّتي خفّ لبنها، وارتفع ضرعها، وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية...(2)، وقال الشاعر: «حتّى إذا ما العشر عنها شوّلا»(3)
لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللّهِ بِالصَّبْرِ وَلَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ
قال ابن أبي الحديد: لم يمنّوا هذا جواب قوله حتى إذا اخلولق الأجل، والضمير في يمنّوا راجع إلى العارفين الذين تقدم ذكرهم(4).
بل حال من قوله «و استراح قوم» ولا يصحّ أن يكون جوابا، لأنّ عدم منّتهم على اللّه بصبرهم، وعدم عدّ بذل أنفسهم في الحق عظيما كانا من الابتداء لا بعد اخليلاق الأجل، وإنّما الجواب «حملوا» كما يأتي.
حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ الْبَلاَءِ
لا يبعد أن يكون (حتّى) مصحف (و حتّى) حتّى يكون عطفا على «حتّى» الاولى.
والمراد صيرورة وقت ظهور المهدي عليهالسلام. عن الصادق عليهالسلام أنّ قوله تعالى: «وَعَدَ
اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْناً»(1)، نزلت في القائم عليهالسلام وأصحابه(2).
وعن الصادق عليهالسلام في قوله تعالى: «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً»(3)نزلت في القائم عليهالسلام وأصحابه يجتمعون على غير ميعاد(4).
عن الصادق عليهالسلام في قوله تعالى: «يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ»(5)قال: اللّه يعرفهم ولكن نزلت في القائم عليهالسلام يعرفهم بسيماهم فيخبطهم بالسيف هو وأصحابه خبطا(6).
وعن أبان بن تغلب قال: كنت مع جعفر بن محمّد عليهالسلام في مسجد مكّة وهو آخذ بيدي. فقال: يا أبان سيأتي اللّه بثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا في مسجدكم هذا. يعلم أهل مكّة أنّه لم يخلق آباؤم، ولا أجدادهم بعد، عليهم السيوف، مكتوب على كلّ سيف اسم الرجل، واسم أبيه، وحليته، ونسبه، ثم يأمر مناديا فينادي، هذا المهدي يقضي بقضاء داود وسليمان لا يسأل على ذلك بيّنة(7).
هذا، وفي (الصحاح): قال أبو زيد: البصيرة من الدم ما كان على الأرض
والجدية ما لزق بالجسد، وقال الأصمعي: البصيرة: شيء من الدم يستدلّ به على الرمية(1).
وفي (الجمهرة): البصيرة: القطعة من الدم تستدير على الأرض أو على الثوب كالترس الصغير، وأنشد بيت الاسعر:
جاءوا بصائرهم على أكتافهم *** وبصيرتي يعدو بها عتد وأي
ويروى: راحوا(2).
عن الباقر عليهالسلام: كأنّي بدينكم هذا لا يزال مولّيا يفحص بدمه ثمّ لا يردّه عليكم إلاّ رجل منّا أهل البيت. فيعطيكم في السنة عطاءين، ويرزقكم في الشهر رزقين، وتؤون الحكمة في زمانه حتّى أنّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب اللّه تعالى و سنّة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله(3).
فيه تصريح بما تقوله الإمامية، من ارتداد الناس بعد وفاة النّبيّ صلىاللهعليهوآله ارتدادا معنويا، إلاّ من عصم اللّه من شيعته المخلصين.
قال تعالى: «أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ...»(4).
قال أبو المقدام للباقر عليهالسلام: إنّ العامّة يزعمون أنّ بيعة أبي بكر حيث اجتمع النّاس كانت رضى للّه، وإنّ اللّه ما كان ليضلّ امّة محمّد من بعده.
فقال عليهالسلام: أو ما تقرءون كتاب أللّه أو ليس اللّه يقول: «وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ»(1)فقلت له: إنّهم يفسّرونه على وجه آخر، ويقولون: كيف يمكن كفرهم بعد ايمانهم فقال: أو ليس اللّه عزّ وجلّ قد أخبر عن الّذين من قبلهم من الامم: أنّهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البيّنات، حيث قال: «... وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ»(2)وفي هذا ما يستدلّ به على أنّ أصحاب محمّد صلىاللهعليهوآله قد اختلفوا من بعده: فمنهم من آمن، ومنهم من كفر(3).
وروى شعبة وسفيان الثوري عن المغيرة بن النّعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله: إنّكم محشورون إلى اللّه عزّ وجلّ عراة عزّلا ـ فذكر الحديث وفيه ـ : فأقول: يا رب أصحابي فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنّ هؤاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم(4).
وعن أبي حازم عن سهل بن سعد، قال: قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله: إنّي فرطكم على
الحوض، من مرّ عليّ يشرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، وليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم. قال أبو حازم: فسمعني النّعمان بن أبي عيّاش، فقال: هكذا سمعت من سهل قلت: نعم. قال: فإنّي أشهد على أبي سعيد الخدري، سمعته وهو يزيد فيها: فأقول: إنّهم منّي. فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقا سحقا لمن غيّر بعدي(1).
يقال: غاله: إذا أخذه من حيث لم يدر(2)، قال حارثة في ابنه زيد بن حارثة لمّا ذهبت به بنو القين:
فو اللّه ما أدري وإن كنت سائلا *** أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل(3)
وكلامه عليهالسلام إشارة إلى قوله تعالى: «... وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ...»(4).
وقد فسّر السبيل في هذه الآية وفي غير واحد من الآيات بالأئمة وولايتهم، وفسّر السبل بأئمة الضلال وولايتهم.
عن جعفر بن محمّد الفزارى معنعنا عن حمران، قال سمعت أبا جعفر يقول في قول اللّه: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ»(5)قال: عليّ بن
أبي طالب والأئمة من ولد فاطمة عليهمالسلام هم صراط اللّه، فمن أتاهم سلك السبيل(1).
وعن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النضر عن يحيى الحلبي عن أبي بصير عن أبي جعفر في قوله: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ». قال: طريق الإمامة «فاتّبعوه وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ»(2)أي طرقا غيرها(3).
وعن محمّد بن القاسم عن السيارى عن محمّد بن خالد عن حماد عن حريز عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنه قال قوله عزّ وجلّ:
«يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً»(4)يعني عليّ بن أبي طالب عليهالسلام(5).
ومن تفسير الإمام قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: ما من عبد ولا أمة اعطى بيعة أمير المؤنين عليهالسلام في الظاهر ونكثها في الباطن وأقام على نفاقه إلاّ وإذا جاءه ملك الموت لقبض روحه تمثّل له إبليس وأعوانه، وتمثّلت النيران وأصناف عفاريتها لعينيه وقلبه ومقاعده مقاعد الناكث من مضايقها، وتمثّل له أيضا الجنان ومنازله فيها لو كان بقى على ايمانه ووفي بيعته فيقول له ملك الموت: انظر إلى تلك الجنان التي لا يقادر قدر سرّائها وبهجتها وسرورها إلاّ اللّه ربّ العالمين كانت معدّة لك، فلو كنت بقيت على ولايتك لأخى محمّد رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهكان يكون إليها مصيرك يوم فصل القضاء، ولكن نكثت و خالفت فتلك النيران وأصناف عذابها وزبانيتها وأفاعيها الفاغرة أفواهها وعقاربها الناصبة أذنابها وسباعها الشائلة مخالبها وساير
أصناف عذابها هو لك وإليها مصيرك فعند ذلك يقول: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً. وقبلت ما أمرني به والتزمت من موالاة عليّ عليهالسلام ما ألزمنى(1).
أي: اعتمدوا.
عَلَى الْوَلاَئِجِ
هكذا في النسخ، والظاهر وقوع سقط، وأنّ الأصل: «على غير الولائج». فوليجة الرّجل خاصته وبطانته، فيكون إشارة إلى قوله تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ»(2).
ويحتمل أن يكون الأصل: «واتّكلوا على الولائج من دون اللّه».
أي: غير رحم النّبيّ صلىاللهعليهوآله، حيث تركوا أهل بيته وقطعوا رحمه التي امروا بوصلها، وقد قال تعالى: «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ»(3).
يعني أنّهم قطعوا رحم الرّسول صلىاللهعليهوآله بحسبانهم أنّها لا تنفع، ووصلوا غيرها لانتفاعهم في دنياهم بها.
عن حمزة بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يقول على المنبر: ما بال أقوام يقولون إنّ رحم رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لا ينفع يوم القيامة، بلى واللّه إنّ رحمي لموصولة في الدّنيا والآخرة، وإنّي أيّها النّاس فرطكم يوم القيامة على الحوض، فاذا جئتم قال الرّجل يا رسول اللّه أنا فلان بن فلان فأقول: أمّا النّسب فقد عرفته ولكنّكم أخذتم بعدى ذات الشّمال وارتددتم على أعقابكم القهقرى(1).
وعن حمزة بن أبي سعيد الخدرى أيضا عن أبيه عن النبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه قال: أ تزعمون أنّ رحم نبيّ اللّه لا ينفع قومه يوم القيامة؟ بلى واللّه إنّ رحمي لموصولة في الدّنيا
والآخرة، ثمّ قال: يا أيّها النّاس أنا فرطكم على الحوض فاذا جئت وقام رجال يقولون يا نبيّ اللّه أنا فلان بن فلان، وقال آخر يا نبيّ اللّه أنا فلان بن فلان، وقال آخر يا نبيّ اللّه أنا فلان بن فلان، فأقول: أمّا النّسب فقد عرفت ولكنّكم أحدثتم بعدى وارتددتم القهقرى(2).
قال العلاّمة المجلسيّ بعد رواية هذا الحديث: الظّاهر أنّ المراد بالثلاثة الثّلاثة(3).
أي: تركوا.
أراد بهم آل محمّد عليهمالسلام أيضا لكونهم سببا لمن اهتدى بهم في الوصول إلى اللّه سبحانه.
ويدلّ عليه ما عن محمّد بن المثنى الأزدي أنّه سمع أبا عبداللّه عليهالسلاميقول. نحن السّبب بينكم وبين اللّه عزّ وجلّ(1)وقد أمرنا اللّه بمودّتهم في قوله: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى»(2).
وقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: لمّا خلق اللّه الخلق اختار العرب فاختار قريشا واختار بني هاشم فأنا خيرة من خيرة، ألا فأحبّوا قريشا ولا تبغضوها فتهلكوا، ألا كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ سببى ونسبي، ألا وإنّ عليّ بن أبي طالب عليهالسلام من نسبى وحسبي فمن أحبّه فقد أحبّني ومن أبغضه فقد أبغضني(3).
و لا يبعد أن يكون (السّبب) محرّف (النّسب) بشهادة قوله: «الّذي امروا بمودّته» قال تعالى: «... قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى...»(4).
وقال ابن أبي الحديد: قوله عليهالسلام: «و هجروا السّبب...»، إشارة إلى قول النّبيّ صلىاللهعليهوآله: «خلّفت فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي، حبلان ممدودان من السماء إلى الأرض، لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض». فعبّر أمير المؤنين عن أهل البيت بلفظ السّبب، لمّا كان النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: «حبلان». والسّبب في اللغة: الحبل...(5)و قد استعير لهم عليهمالسلام لفظ الحبل في غير واحد من الآيات.
قال شيخنا أبو عليّ الطبرسي في تفسير قوله تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا»(1)قيل في معنى حبل اللّه أقوال: أحدها أنّه القرآن ثانيها أنّه دين الإسلام وثالثها ما رواه أبان بن تغلب عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام قال: نحن حبل اللّه الذي قال: واعتصموا بحبل اللّه جميعا، والأولى حمله على الجميع.و الّذي يؤّده ما رواه أبو سعيد الخدرى عن النّبيّ أنّه قال: يا أيّها النّاس إنّي قد تركت فيكم حبلين إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي أحدهما اكبر من الآخر كتاب اللّه حبل ممدود من السّماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض(2).
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم في هذه الآية قال: التّوحيد والولاية(3)
وفي رواية أبي الجارود في قوله تعالى: «وَلا تَفَرَّقُوا»، قال: إنّ اللّه تبارك وتعالى علم أنّهم سيفترقون بعد نبيّهم ويختلفون، فنهاهم اللّه عن التفرّق كما نهى من كان قبلهم، فأمرهم أن يجتمعوا على ولاية آل محمّد صلىاللهعليهوآله ولا يتفرّقوا(4).
وعن الحسين بن جبير باسناده إلى أبي جعفر الباقر عليهالسلام في قوله تعالى: «إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ»(5)، قال: حبل من اللّه كتاب اللّه، وحبل من النّاس عليّ بن أبي طالب عليهالسلام(6).
وعن حصين بن مخارق عن أبي الحسن موسى عن آبائه عليهمالسلام في
قوله عزّ وجلّ: «فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى»(1). قال: مودّتنا أهل البيت(2).
وعن النّبيّ صلىاللهعليهوآله من أحبّ أن يستمسك بالعروة الوثقى الّتي لا انفصام لها فليستمسك بولاية أخي ووصيّي عليّ بن أبي طالب فانّه لا يهلك من أحبّه وتولاه، ولا ينجو من أبغضه وعاداه(3).
من إضافة الصفة مع كون المصدر بمعنى المفعول، أي: أساسه المرصوص، كما قال تعالى: «... بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ»(4)أي: ملصق بعضه ببعض.
وقال تعالى: «ذُرِّيَّةً
بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ...»(5).
وقد سأل السّلطان سنجر بن ملكشاه السلجوقي الحكيم سنائي ـ الشاعر ـ عن مذهبه، فأجابه بقصيدة، وهي بالفارسية، ومنها هذه الأبيات:
از پى سلطان مَلِكْ شَهْ چون نمىدارى روا تخت وتاج سلطنت جز آنكه سنجر داشتن
از پى سلطان دين از چه همى دارى روا *** جز عليّ وعترتش محراب ومنبر داشتن(1)
وعن عليّ بن الحسين عليهالسلام في صلح عمّه عليهالسلام قال: قال الحسن عليهالسلام: إنّ معاوية بن صخر زعم أنّي رأيته للخلافة أهلا، ولم أر نفسي لها أهلا، كذب معاوية ايم اللّه، لأنّا أولى النّاس بالنّاس، في كتاب اللّه وعلى لسان رسوله، غير أنّا أهل البيت لم نزل مخوّفين، مظلومين، مضطهدين منذ قبض اللّه النّبيّ صلىاللهعليهوآله، فاللّه بيننا وبين من ظلمنا حقّنا ونزل على رقابنا، وحمل النّاس على أكتافنا، ومنعنا سهمنا في كتاب اللّه، ومنع امّنا فاطمة إرثها. إنّا لا نسمّي أحدا، ولكن أقسم باللّه، لو أنّ الناس سمعوا قول اللّه وقول رسوله، لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما اختلف في هذه الامّة سيفان، ولأكلوها خضراء إلى يوم القيامة، وما طمعت فيها يا معاوية. ولكن لمّا أخرجت سالفا من معدنها، وزحزحت عن قواعدها، تنازعتها قريش بينها، وترامتها كترامي الكرة حتّى طمعت فيها أنت ـ يا معاوية ـ وأصحابك من بعدك. وقد قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله: ما ولّت امّة أمرها رجلا قط وفيهم من هو أعلم منه، لم يزل أمرهم سفالا حتّى يرجعوا إلى ما تركوا، وقد تركت بنو إسرائيل ـ وكانوا أصحاب موسى ـ هارون أخاه وخليفته ووزيره، وعكفوا على العجل، وأطاعوا فيه سامريّهم وهم يعلمون أنّه خليفة موسى. وقد سمعت هذه الامّة قول النّبيّ صلىاللهعليهوآله لأبي: «إنّه منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدى»، وقد رأوا النّبيّ صلىاللهعليهوآله حين
1) . ترجمة البيتين: إن كنت تأبى أن يخلف ملكشاه أحد ملوك الدولة السلجوقية فى العرش والتاج سوى سنجر (خليفة ملكشاه) فكيف تصبر على أن يخلف سلطان الدين (النّبىّ صلىاللهعليهوآله) فى المحراب والمنبر سوى على و عترته عليهمالسلام.
نصبه لهم بغدير خم، ونادى له بالولاية ثم أمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب وقد خرج النّبيّ صلىاللهعليهوآله حذارا من قومه إلى الغار، لمّا أجمعوا أن يمكروا به، لمّا لم يجد عليهم أعوانا، ولو وجد عليهم أعوانا لجاهدهم. وقد كفّ أبي وناشدهم، واستغاث أصحابه، فلم يغث، ولو وجد عليهم أعوانا ما أجابهم، وقد جعل في سعة كما جعل النّبيّ صلىاللهعليهوآله في سعة، وقد خذلتني الامّة فبايعتك يابن حرب، ولو وجدت عليك أعوانا ما بايعتك، وقد جعل اللّه هارون في سعة إذ استضعفه قومه، وكذلك أنا وأبي في سعة حين تركتنا الامّة...(1).
وروى الجوهري عن جرير عن المغيرة: أنّه لمّا بويع أبو بكر، قال سلمان: أصبتم الخير، ولكن أخطأتم المعدن(2).
وروى عن حبيب بن أبي ثابت، قال: قال سلمان يومئذ: أصبتم ذا السنّ منكم، و لكنكم أخطأتم أهل بيت نبيّكم، أما لو جعلتموها فيهم ما اختلف منكم اثنان، ولأكلتموها رغدا(3).
ورووا أيضا عن سلمان، قال يومئذ: أصبتم وأخطأتم، أصبتم سنّة الأوّلين، وأخطأتم أهل بيت نبيّكم. وقال: ما أدري أنسيتم أم تناسيتم أ جهلتم أم تجاهلتم وقال: واللّه، لو أعلم أنّي أعزّ للّه دينا، أو أمنع للّه ضيما لضربت بسيفي قدما قدما(4).
وعن عليّ عليهالسلام، قال: في ما عهد إلى النّبيّ الامّي صلىاللهعليهوآله: أنّ الامّة ستغدر بك(5).
ولمّا جاءوا بعليّ إلى بيعة أبي بكر قال: «اللّه اللّه يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في النّاس وحقّه، فو اللّه ـ يا معشر المهاجرين ـ لنحن أحقّ النّاس به، لأنّا أهل البيت، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه، الفقيه في دين اللّه، العالم بسنن رسول اللّه، المضطلع بأمر الرّعيّة، المدافع عنهم الامور السّيئة، القاسم بينهم بالسّوية، واللّه إنّه لفينا. فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللّه، فتزدادوا من الحقّ بعدا».
فقال بشير بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا عليّ قبل بيعتها لأبي بكر، ما اختلف عليك اثنان.
وخرج عليّ كرّم اللّه وجهه يحمل فاطمة بنت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله على دابة ليلا في مجالس الأنصار، تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرّجل، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر، ما عدلنا به. فيقول عليّ كرّم اللّه وجهه: أ فكنت أدع رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في بيته لم أدفنه، وأخرج انازع الناس سلطانه فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما اللّه حسيبهم وطالبهم(1).
وعن الرّمادي عن عبد الرّزاق عن أبيه عن مينا عن ابن مسعود قال: كنت مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله ليلة وفد الجنّ، فلمّا انصرف تنفس، قلت: ما شأنك يا رسول اللّه قال: نعيت إليّ نفسي. قلت: فاستخلف. قال: من قلت: أبو بكر. فسكت، ثمّ مضى ساعة ثمّ تنفّس. قلت: ما شأنك قال: نعيت إليّ نفسي. قلت: فاستخلف. قال: من قلت:
1) . الإمامة والسياسة تحقيق الزيني: 19/1.
عمر. فسكت، ثمّ مضى ساعة ثمّ تنفس، فقلت: ما شأنك قال: نعيت إليّ نفسي. قلت: فاستخلف. قال: من قلت: عليّ بن أبي طالب. قال: أما والّذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلنّ الجنّة أجمعين(1).
وعن محمّد بن عبداللّه الحضرمي، عن عليّ بن الحسين بن بردة العجلي الذّهبي، عن يحيى بن يعلى الأسلمي، عن حرب بن صبيح، عن سعيد بن مسلم، عن أبي مرّة الصنعاني، عن أبي عبداللّه الحذلي، عن ابن مسعود قال: استتبعني رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ليلة الجنّ ـ إلى أن قال ـ قال: وما أظن أجلي إلاّ قد اقترب. قلت: يا رسول اللّه ألا تستخلف أبا بكر فأعرض عنّي، فرأيت أنّه لم يوافقه، فقلت: يا رسول اللّه ألا تستخلف عمر فأعرض عنّي، فرأيت أنّه لم يوافقه، فقلت: يا رسول اللّه ألا تستخلف عليّا قال: ذاك والذي لا إله غيره لو بايعتموه، وأطعتموه أدخلكم الجنّة أكتعين(2).
و إنّما طعن ابن الجوزي ـ لنصبه ـ في الخبر الأوّل بكون مينا في طريقه شيعيا، و أمّا الخبر الثاني فلم يطعن فيه كما صرّح به السيوطي(3)
لقد أقرّ معاوية ويزيد(4)في جوابيهما لكتابي محمّد بن أبي بكر، وعبداللّه بن عمر ـ لما طعنا فيهما بقتال أمير المؤنين عليهالسلام، وقتل سيّد شباب أهل الجنّة ـ بأنّ أبويهما هما اللّذان أسسّا لهما الأمر، وهما تابعان لهما في أعمالهما، كما رواه نصر
بن مزاحم(1)، والمسعودي(2)والبلاذري(3)وغيرهم.
و أنّهما معدن كلّ خطيئة صدرت من هذه الامّة وأصل كلّ ذنب واقع منهم ومنشاه ومبدء الشّرور والمساوى، وذلك باغتصابهما للخلافة إذ لو استقرّت في أهلها أعنى أهل بيت العصمة والطهارة لحملوا النّاس على الحنيفيّة البيضاء، وجرى الامور على وفق الحقّ، فضّلوا وأضلّوا «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ»(4).
عن الباقر عليهالسلام ما ذا أنزل ربّكم في عليّ؟ قالوا: أساطير الأوّلين سجع أهل الجاهليّة في جاهليّتهم ليحملوا أوزارهم ليستكملوا (ليتكلموا) الكفر ليوم القيامة ومن أوزار الّذين يضلّونهم يعني كفر الّذين يتولّونهم(5)
وعن عليّ بن إبراهيم القمّي في قول اللّه عز وجل: «لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم»(6)قال: يحملون آثامهم يعني الّذين غصبوا امير المؤنين وآثام كلّ من اقتدى بهم، وهو قول الصّادق عليهالسلام: واللّه ما اهريقت محجمة من دم ولا قرع عصا بعصا ولا غصب فرج حرام ولا اخذ مال من غير حلّه إلاّ وزر ذلك في أعناقهما من غير أن ينقص من أوزار العاملين شيء(7).
وفي حديث مفضّل بن عمر الوارد في الرّجعة عن الصّادق عليهالسلام بعد اقتصاصه مسير المهدي عليهالسلام إلى قبر جدّه رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وإخراجه بضجيعيه وأمره بصلبهما قال: فيأمر المهدى ريحا فتجعلهم كأعجاز نخل خاوية، ثمّ يأمر بانزالهما فينزلان فيحييهما باذن اللّه تعالى ويأمر الخلايق بالاجتماع، ثمّ يقصّ عليهم قصص فعالهما في كلّ كور ودور حتّى يقصّ عليهم قتل هابيل بن آدم عليهالسلام، وجمع النّار لابراهيم، وطرح يوسف في الجبّ، وحبس يونس في بطن الحوت، وقتل يحيى، وصلب عيسى، وعذاب جرجيس، ودانيال، وضرب سلمان الفارسى، واشعال النّار على باب أمير المؤنين وفاطمة والحسنين عليهمالسلام وإرادة إحراقهم بابها، وضرب صديقة الكبرى فاطمة الزّهراء بسوط، ورفس بطنها وإسقاطها محسنا، وسمّ الحسن عليهالسلام، وقتل الحسين وذبح أطفاله وبني عمّه وأنصاره وسبى ذرارى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وإراقة دماء آل محمّد، وكلّ دم مؤن، وكلّ فرج نكح حراما، وكلّ ربا اكل، وكلّ خبث وفاحشة وظلم منذ عهد آدم إلى قيام قائمنا، كلّ ذلك يعدده عليهما ويلزمهما إيّاه ويعترفان به ثمّ يأمر بهما فيقتصّ منهما في ذلك الوقت مظالم من حضر، الحديث(1).
وعن محمّد بن سهل صاحب الكميت: أنّه أنشد أبا عبداللّه جعفر بن محمّد، فكثر البكاء حين أتى على هذا البيت:
يصيب به الرّامون عن قوس غيرهم *** فيا آخرا أسدى له الغيّ أوّل
ورفع أبو عبداللّه يديه، وقال: اللهمّ اغفر للكميت ما قدّم وما أخّر، وما أسرّ وما
1) . الهداية الكبرى: 401 ـ 402؛ بحار الأنوار: 13/53 ـ 14؛ الزام الناصب: 216/2.
أعلن، وأعطه حتّى يرضى(1).
أي: شدّة، وغمرات الموت: شدائده، وبما ذكرنا ظهر أيضا أنّهم أبواب كلّ ضارب في غمرة يعني أنّ كلّ من أراد الباطل والضّلال فليقصد هؤاء وليرمق أعمالهم وليتّبع آثارهم، إذ كلّ ضلال قد خرج منهم وانتشر في مشارق الأرض ومغاربها، فهم أبواب الضلال كما أنّ الأئمة عليهمالسلام أبواب الهدى.
عن حماد بن عيسى عن بعض أصحابه رفعه إلى أمير المؤنين عليهالسلامأنّه قال: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ * ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ(2).
قال: هو الأوّل ثاني عطفه إلى الثّاني، وذلك لما أقام رسول اللّه أمير المؤنين علما للناس وقال: واللّه لا نفى بهذه له أبدا(3).
قال الجوهري: مار: أي تحرّك وجاء وذهب(4). وفي الحيرة أي: في التّحير.
أي تردّدوا في أمرهم، فهم حائرون تائهون لا يعرفون جهة الحقّ فيقصدونه، وذلك بعدولهم عن أئمة الدين وأدلاّء الشّرع المبين.
عن محمّد بن عليّ بن محبوب عن العلا عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا
جعفر عليهالسلام يقول: إنّ من دان اللّه بعبادة يجهد فيها نفسه بلا إمام عادل من اللّه فانّ سعيه غير مقبول، وهو ضالّ متحيّر، ومثله كمثل شاة ضلّت عن راعيها وقطيعها فتاهت ذاهبة وجائية يومها، فلمّا أن جنّها الليل بصرت بقطيع غنم مع راعيها فجاءت إليها فباتت معها في ربضها(1)، فلمّا أن ساق الرّاعي قطيعه أنكرت راعيها وقطيعها فهجمت متحيّرة تطلب راعيها وقطيعها، فبصرت بسرح(2)قطيع غنم آخر فعمدت نحوها وحنّت إليها، فصاح بها الرّاعي: ألحقى بقطيعك فانّك تائهة متحيّرة قد ضللت عن راعيك وقطيعك فهجمت زعرة متحيّرة لا راعى لها يرشدها إلى مرعاها أو يردّها، فبينا هى كذلك إذا اغتنم الذّئب ضيعتها فأكلها، وهكذا يا محمّد بن مسلم من أصبح من هذه الامّة لا إمام له من اللّه عادل أصبح تائها متحيّرا إن مات على حاله تلك مات ميتة كفر ونفاق، واعلم يا محمّد أنّ أئمة الحقّ وأتباعهم على دين اللّه(3).
أي: غفلوا.
فيكون مورهم أشدّ مور، وذهولهم أشدّ ذهول.
على سيرتهم وطريقتهم، فكما أنّ فرعون استخفّ قومه، وقال لهم: «... أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى»(1)فأطاعوه، قال لهم الثّاني: إنّ الأول صاحب نبيّكم في الغار، ورضيه في صلاته بكم لدينكم، فكيف لا ترضونه لدنياكم، ولا تبايعونه، فجعل أمر الخلافة أدون من إمام الجماعة، مع أنّهم يجوّزون الصلاة خلف كلّ فاسق، مضافا إلى ما في كونه صاحب الغار من العوار، وما في تقديمه للصّلاة من الشّنار، فهل حيرة فوق هذا، وهل سكرة أشدّ من هذا كما أنّ الأئمة عليهمالسلام على سنّة آل موسى وشيعته، والمراد أنّهم على طريقة أهل الظلم والضّلال كما أنّ الأئمة عليهمالسلام على طريقة أهل العدل والهدى.
و قد صرّحوا بذلك في غير واحد من الرّوايات مثل ما عن أبي الصّباح الكناني قال: نظر أبو جعفر إلى أبي عبداللّه عليهماالسلام فقال: هذا واللّه من الذين قال اللّه: «وَنُرِيدُ
أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ»(2)
وقال سيّد العابدين عليّ بن الحسين عليهماالسلام: والذي بعث محمّدا صلىاللهعليهوآلهبالحقّ بشيرا ونذيرا إنّ الأبرار منّا أهل البيت وشيعتهم بمنزلة موسى وشيعته، وإنّ عدوّنا وأشياعهم بمنزلة فرعون وأشياعه(3).
وعن الحسين بن سعيد باسناده عن عليّ بن أبي طالب عليهالسلام قال: من أراد أن يسأل عن أمرنا وأمر القوم فانا وأشياعنا يوم خلق اللّه السّموات والأرض على سنّة موسى وأشياعه، وإنّ عدوّنا يوم خلق اللّه السّموات والأرض على سنّة
فرعون وأشياعه، فنزلت فينا هذه الآيات: «نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ»(1)وإنّي اقسم بالّذى خلق «فلق ظ» الحبّة وبرىء النّسمة ليعطفنّ عليكم هؤاء عطف الضّروس(2)على ولدها(3).
وعن عليّ بن إبراهيم قال: حدّثني أبي عن النّضر عن ابن حميد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: لقى المنهال بن عمرو عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما فقال له: كيف أصبحت يا ابن رسول اللّه؟ قال: ويحك أما آن لك أن تعلم كيف أصبحت ؟ أصبحنا في قومنا مثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبّحون أبنائنا ويستحيون نسائنا(4).
إليها ككثير من المهاجرين والأنصار الّذين أسلموا زمن النّبيّ صلىاللهعليهوآلهطوعا، لكن
1) . القصص: 3 ـ 6.
2) . قال الجوهري ضرسهم الزمان اشتد عليهم وناقة ضروس سيئة الخلق تعض حالبها ومنه قولهم هي بجن ضراسها أي بحدثان نتاجها وإذا كان كذلك حامت عن ولدها انتهى بحار الأنوار: 170/24.
3) . تفسير فرات الكوفي: 42/ ح 1؛ بحار الأنوار: 171/24/ ح 9.
4) . تفسير القمّي: 134/1؛ بحار الأنوار: 170/24/ ح 4.
بعده اتّبعوا الأوّل طمعا أن ينالوا ثروة أو إمرة، ولم يبق مع أمير المؤنين عليهالسلام بعد النّبيّ صلىاللهعليهوآله إلاّ ثلاثة أو أربعة، وبعد شهرين صاروا سبعة، وهم الّذين صلّوا معه عليهالسلام على سيّدة النساء صلوات اللّه عليها. وليس ذئبان ضاريان في غنم بأكثر فسادا من حبّ جاه الدّنيا ومالها للمرء المسلم في دينه.
أي: منفصل عن الدّين، كعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وأبي سفيان، وإبنيه يزيد ومعاوية، ونظرائهم من المنافقين والمؤّفة الذين أسلموا بعد غلبة الإسلام كرها، بأنّهم شدّوا أمر أبي بكر، فضلا عن أن بايعوه وتابعوه، قال الجاحظ: قال الحسن بن عليّ لحبيب بن مسلمة: ربّ مسير لك في غير طاعة اللّه. فقال: أمّا مسيري إلى أبيك فلا. قال: بلى ولكنّك أطعت معاوية على دنيا قليلة، فلعمري لئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في دينك، ولو أنّك إذ فعلت شرّا قلت خيرا، كنت كما قال اللّه تعالى: «... خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً...»(1). ولكنّك كما قال تعالى: «كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ»(2)،(3). هذا.
وقال ابن أبي الحديد بعد العنوان: فإن قلت: أليس الفصل صريحا في تحقيق مذهب الإمامية قلت: لا، بل نحمله على أنّه عليهالسلام عنى اعداءه الّذين حاربوه من قريش، وغيرهم من أفناء العرب في أيّام صفّين، وهم الّذين نقلوا البناء، وهجروا
السّبب، ووصلوا غير الرحم، واتّكلوا على الولائج، وغالتهم السّبل، ورجعوا على الأعقاب، كعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومروان بن الحكم، والوليد بن عقبة، وحبيب بن مسلمة وبسر بن أرطاة، وعبداللّه بن الزبير، وسعيد بن العاص، وحوشب، وذي الكلاع، وشرحبيل بن الصمت، وأبي الأعور السلمي، وغيرهم ممّن تقدّم، ذكرنا له في الفصول المتعلّقة بصفين، وأخبارها. فإنّ هؤاء نقلوا الإمامة عنه إلى معاوية، فنقلوا البناء عن رصّ أصله إلى غير موضعه.
فإن قلت: لفظ الفصل يشهد بخلاف ما تأوّلته، لأنّه عليهالسلام قال: «حتّى إذا قبض اللّه رسوله رجع قوم على الأعقاب» فجعل رجوعهم على الأعقاب عقيب قبض الرّسول صلىاللهعليهوآله، وما ذكرته أنت كان بعد قبض الرّسول صلىاللهعليهوآله بنيّف وعشرين سنة. قلت: ليس يمتنع أن يكون هؤاء المذكورون رجعوا على الأعقاب لمّا مات النّبيّ صلىاللهعليهوآله وأضمروا في أنفسهم مشاقّة أمير المؤنين عليهالسلاموأذاه، وقد كان فيهم من يتحكّك به في أيّام أبي بكر، وعمر، وعثمان، ويتعرّض له، ولم يكن أحد منهم ولا من غيرهم يقدم على ذلك في حياة النّبيّ صلىاللهعليهوآله. ولا يمتنع أيضا أن يريد برجوعهم على الأعقاب ارتدادهم عن الإسلام، فإنّ كثيرا من أصحابنا يطعنون في ايمان بعض من ذكرناه، ويعدّونهم من المنافقين، وقد كان سيف النّبيّ صلىاللهعليهوآلهيقمعهم ويردعهم عن إظهار ما في أنفسهم من النّفاق، فأظهر قوم منهم بعده ما كانوا يضمرونه من ذلك، خصوصا فيما يتعلّق بأمير المؤنين عليهالسلام، الّذي ورد في حقّه: «ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله إلاّ ببغض عليّ بن أبي طالب» وهو خبر محقّق مذكور في الصّحاح.
فإن قلت: يمنعك من هذا التأويل قوله: «و نقلوا البناء عن رصّ أساسه فجعلوه
في غير موضعه». وذلك لأنّ (إذا) ظرف، والعامل فيها قوله: «رجع قوم على الأعقاب»، وقد عطف عليه قوله: «و نقلوا البناء». فإذا كان الرجوع على الأعقاب واقعا في الظرف المذكور ـ وهو وقت قبض الرّسول ـ وجب أن يكون نقل البناء إلى غير موضعه واقعا في ذلك الوقت أيضا، لأنّ أحد الفعلين معطوف على الآخر، و لم ينقل أحد وقت قبض الرّسول صلىاللهعليهوآله البناء إلى معاوية عن أمير المؤنين عليهالسلام، وإنّما نقل عنه إلى شخص آخر، وفي إعطاء العطف حقّه إثبات مذهب الإمامية صريحا.
قلت: إذا كان الرّجوع على الأعقاب واقعا وقت قبض النّبيّ صلىاللهعليهوآله، فقد قمنا بما يجب من وجود عامل في الظّرف، ولا يجب أن يكون نقل البناء إلى غير موضعه واقعا في تلك الحال أيضا، بل يجوز أن يكون واقعا في زمان آخر، إمّا بأن يكون الواو للاستيناف لا للعطف، أو بأن يكون للعطف في مطلق الحدث، لا في وقوع الحدث في عين ذلك الزّمان المخصوص، كقوله تعالى: «... حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ...»(1).
فالعامل في الظرف اسْتَطْعَما ويجب أن يكون استطعامهما وقت إتيانهما أهلها لا محالة، ولا يجب ان تكون جميع الأفعال المذكورة المعطوفة واقعة في حال الإتيان أيضا، ألا ترى أنّ من جملتها فَأَقامَهُ ولم يكن إقامة الجدار حال إتيانهما القرية، بل متراخيا عنه بزمان ما، اللهمّ إلاّ أن يقول قائل: أشار بيده إلى الجدار، فقام، أوقال له: قم. فقام، لأنّه لا يمكن أن يجعل إقامة الجدار مقارنة للإتيان إلاّ على هذا الوجه، وهذا لم يكن، ولا قاله مفسّر. ولو كان قد وقع على هذا الوجه لما
1) .الكهف: 77.
قال له:... «لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً»، لأنّ الأجر إنّما يكون على احتمال عمل فيه مشقّة، وإنّما يكون فيه مشقّة إذا بناه بيده، وباشره بجوارحه وأعضائه.
قال: واعلم أنّا نحمل كلام أمير المؤنين عليهالسلام على ما يقتضيه سؤده الجليل، ومنصبه العظيم، ودينه القويم، من الإغضاء عمّا سلف ممّن سلف، فقد كان صاحبهم بالمعروف برهة من الدهر. فإمّا أن يكون ما كانوا فيه حقّهم، أو حقّه، فتركه لهم رفعا لنفسه عن المنازعة، أو لما رآه من المصلحة.
وعلى أي التقديرين، فالواجب علينا أن نطبّق بين آخر أفعاله وأقواله بالنّسبة إليهم، وبين أوّلها، فإنّ بعد تأويل من يتأوّله من كلامه، فليس بأبعد من تأويل أهل التوحيد والعدل الآيات المتشابهة في القرآن، ولم يمنع بعدها من الخوض في تأويلها محافظة على الاصول المقرّرة، فكذلك هاهنا(1).
قال التسترى(2): إنّما كان الأولى له أن يريح نفسه ويقول ـ ككثير من نصّابهم ـ إنّه وإن صرّح أنّ النّاس ارتدّوا بعد النّبيّ صلىاللهعليهوآله إلاّ أنّا لا نقبل قوله، وأنّا لا نقبل أقوال النّبيّ صلىاللهعليهوآله فيه. فقد صرّح فاروقهم لمّا منع النّبيّ صلىاللهعليهوآله من الوصيّة: بأنّه علم ما أضمر النّبيّ صلىاللهعليهوآله من تعيينه لعليّ، إلاّ أنّي منعته من ذلك، لأنّه لم يكن صلاح الامّة، فكيف نقبل ما يقوله من نفسه ويدّعيه لنفسه، ولا يذكر هذه التأويلات التي توجب التهوّع، ولا يخرج في تطويلاته إلى كلام البلهاء، واصلاحه حال المتقدّمين عليه عليهالسلامبتأويلاته كما قال الشاعر:
تروح إلى العطار تبغي شبابها *** وهل يصلح العطار ما أفسد الدّهر(3)
وهل حمله قوله عليهالسلام: «حتّى إذا قبض اللّه رسوله صلىاللهعليهوآله رجع قوم على الأعقاب» على من ذكر من ابن العاص، والمغيرة، ومروان، وباقيهم يصحّح مذهبهم وما يفعل بامّ مؤنيهم الّتي ولاؤا ـ عندهم كأبيها وصاحبه ـ جزء دينهم فإنّها كانت السّبب الأعظم في تزلزل أمر أمير المؤنين عليهالسلام واستيلاء معاوية، وأمّا من سمّاه فكان الناس يعرفونهم بالنّفاق قديما وحديثا، ومن كان يعتني بهم، لو لا عايشة في الجمل الّذي سبّب صفيّن والنهروان، حتّى انجرّ الأمر إلى ما انجرّ من خلافة معاوية
وإذا عدّ ابن الزبير فلم لم يعدّ أباه حواريهم، وطلحة أحد عشرتهم وستّتهم وولاؤما أيضا عندهم ركن الدّين وهما أيضا كأميرة مؤنيهم كانا العامل الأهم، والسبب الأعظم في تزلزل أمر أمير المؤنين عليهالسلام وانتقال السلطان إلى معاوية. فكتب معاوية إلى سعيد بن العاص: «فقد أيّدتكم بأسد وتيم(1)» مريدا بأسد الزبير وبتيم طلحة. فكان معاوية كتب إلى كلّ منهما: «أنّه أخذ البيعة بالشام له، ولصاحبه على أنّ الأمر للمقدّم، ثمّ لصاحبه من بعده»(2).
و كان كتب إلى يعلى بن اميّة: «و قد كتبت إلى طلحة أن يلقاك بمكّة، حتّى يجتمع رأيكما على إظهار الدعوة، والطلب بدم عثمان»(3). فكان معاوية لم ير نفسه أهلا للقيام في قباله عليهالسلام، حتّى يكتب إلى طلحة والزبير: أنّه أحكم الأمر لهما حتّى يزلزلا أمره، فيتمكّن من القيام عليه.
و لم عدّ المغيرة، ولم يعضد المغيرة معاوية وقت قيام أمير المؤنين عليهالسلام، بل عاضد أمير المؤنين عليهالسلام بنصحه على السياسة الدنيوية، بأن يكتب إلى معاوية بإقراره على عمله، ثمّ يعزله بعد استقرار أمره، وإن لم يقبل أمير المؤنين عليهالسلام ذلك منه على حسب وظيفته الدينية، فكان عليهالسلام ملتزما بالجري على حاق الشريعة. بخلاف صدّيقهم وفاروقهم، فإنّهما في قيامهما فزعا إلى المغيرة، لأن يرى لهما رأيا يستحكم به أمرهما، فرأى لهما أن يعرضا على العبّاس عمّ النّبيّ صلىاللهعليهوآلهتشريكه، تضعيفا لأمر أمير المؤنين،
قال ابن قتيبة بعد ذكره إباء أمير المؤنين عليهالسلام عن بيعة أبي بكر: ثمّ خرج (أبو بكر) فأتى المغيرة بن شعبة. فقال: الرّأي يا أبا بكر أن تلقوا العبّاس، فتجعلوا له في هذه الإمرة نصيبا يكون له ولعقبه، وتكون لكما الحجّة على عليّ وبني هاشم، إذا كان العبّاس معكم. فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة حتّى دخلوا على العبّاس(1).
و العبّاس وإن لم يقبل ذلك وأنكره وقال لأبي بكر: إن كنت برسول اللّه طلبت فحقنا أخذت، وإن كنت بالمؤنين طلبت فنحن منهم متقدّمون فيهم، وإن كان هذا الأمر إنّما يجب لك بالمؤنين فما وجب إذ كنّا كارهين، فأمّا ما بذلت لنا، فإن يكن حقّا لك فلا حاجة لنا فيه، وإن يكن حقّا للمؤنين فليس لك أن تحكم عليهم، وإن كان حقّنا لم نرض عنك فيه ببعض دون بعض...(2).
الا أنّ أصل تصدّي أبي بكر صار سببا لانتقال الأمر إلى جبابرة بني العبّاس،
كجبابرة بني امية، فلو كان ابن أبي الحديد قال: إنّ المغيرة صار دخيلا في انتقال الأمر منه عليهالسلام إلى أبي بكر، كان له وجه، وإلاّ فإنّه أيّام ادعاء معاوية الأمر في قباله عليهالسلام لم يحارب أمير المؤنين عليهالسلام ولا نصر معاوية، بل اعتزل لدهائه لينظر كيف يصير عاقبة الأمر، بل صرّح في أهل الجمل الطالبين بدم عثمان: أنّهم قتلة، وأنّ الحقّ معه عليهالسلام(1).
و كذلك عدّه سعيد بن العاص غلط، فإنّه مع كونه من بني امية منع معاوية من قيامه، فروى الزّبير بن بكار: أنّ معاوية كتب إليه: إنّ كتاب مروان ورد عليّ من ساعة وقعت النازلة، تقبل به البرد بسير المطيّ الوجيف(2)تتوجس توجّس الحيّة
الذكر خوف ضربة الفأس، وقبضة الحاوي(3)، ومروان الرّائد لا يكذب أهله فعلام الافكاك يابن العاص ولات حين مناص، ذلك أنّكم يا بني اميّة عمّا قليل تسألون أدنى العيش من أبعد المسافة، فينكركم من كان منكم عارفا، ويصدّ عنكم من كان لكم واصلا، متفرّقين في الشعاب، تتمنون لمظة المعاش(4)، إنّ أمير المؤنين (يعني عثمان) عتب عليه فيكم، وقتل في سبيلكم، ففيم القعود عن نصرته، والطلب بدمه وأنتم بنو أبيه وذوو رحمه، وأقربوه و طلاّب ثأره أصبحتم مستمسكين بشظف معاش زهيد عمّا قليل ينزع منكم عند التخاذل وضعف القوى، فإذا قرأت كتابي هذا فدبّ دبيب البرء في الجسد النحيف، و سر سير النجوم تحت الغمام،
واحسد حسد الذّرة(1)في الصيف لانحجارها في الصرد، فقد أيّدتكم بأسد وتيم(2)ـ إلى أن قال ـ فكتب إليه سعيد: أمّا بعد، فإنّ الحزم في التثبّت والخطأ في العجلة، والشّؤ في البدار، والسّهم سهمك ما لم ينبض به الوتر، ولن يرد الحالب في الضرع اللبن. ذكرت حق أمير المؤنين علينا (أي عثمان) وقرابتنا منه، وأنّه قتل فينا، فخصلتان ذكرهما نقص و الثالثة تكذب، وأمرتنا بطلب دم عثمان، فأيّ جهة تسلك ـ فيها أبا عبد الرحمن ـ ردمت الفجاج، واحكم الأمر عليك، وولّي زمامه غيرك فدع مناواة من لو كان افترش فراشه صدر الأمر لم يعدل به غيره، وقلت: كأنّا عن قليل لا نتعارف، فهل نحن إلاّ حي من قريش، إن لم تنلنا الولاية، لم يضق عنّا الحقّ انّها خلافة منافية.
و باللّه أقسم قسما مبرورا لئن صحّت عزيمتك على ما ورد به كتابك لألفينّك بين الحالين طليحا، وهبني أخالك بعد خوض الدّماء تنال الظفر، هل في ذلك عوض من ركوب المآثم، ونقص الدّين أمّا أنا فلا على بني امية ولا لهم. أجعل الحزم داري، والبيت سجني، وأتوسد الإسلام، واستشعر العافية. فاعدل أبا عبد الرحمن زمام راحلتك إلى محجّة الحق، واستوهب العافية لأهلك، واستعطف النّاس على قومك، وهيهات من قبولك ما أقول حتّى يفجّر مروان ينابيع الفتن تأجّج في البلاد، وكأنّي بكما عند ملاقاة الأبطال تعتذران بالقدر، ولبئس العاقبة الندامة، وعمّا قليل يضحّ لك الأمر(3).
و المغيرة أيضا دعاه أمير المؤنين عليهالسلام إلى نصرته، فاعتذر بارادته الاعتزال، لما علم أنّ أعداءه عليهالسلام لا يخلّونه يصفو له الأمر، قال ابن قتيبة: أنّ عليّا عليهالسلامقال
للمغيرة: هل لك في اللّه قال: فأين هو يا أمير المؤنين قال: تأخذ سيفك فتدخل معنا في هذا الأمر، فتدرك من سبقك، وتسبق من معك، فإنّي أرى امورا لا بدّ للسيوف أن تشحذ لها وتقطف الرءوس بها. فقال المغيرة: إنّي واللّه ـ يا أمير المؤنين ـ ما رأيت عثمان مصيبا ولا قتله صوابا، وإنّها لظلمة تتلوها ظلمات، فاريد يا أمير المؤنين ـ إن أذنت لي ـ أن أضع سيفي وأنام في بيتي، حتّى تنجلي الظّلمة ويطلع قمرها، فنسري مبصرين نقفوا آثار المهتدين، و نتقي سبيل الجائرين. قال علي: قد أذنت لك، فكن من أمرك على ما بدا لك. فقام عمّار فقال: معاذ اللّه يا مغيرة تقعد أعمى بعد أن كنت بصيرا، يغلبك من غلبته و يسبقك من سبقته انظر ما ترى وما تفعل، فأمّا أنا فلا أكون إلاّ في الرعيل الأوّل. فقال له المغيرة: يا أبا اليقظان إيّاك أن تكون كقاطع السلسلة، فرّ من الضّحل(1)فوقع في الرّمضاء(2). فقال عليّ لعمّار: دعه فإنّه لن يأخذ من الآخرة إلاّ ما خالطته الدّنيا، أما واللّه يا مغيرة إنّها المثوبة المؤّية، تؤّي من قام فيها إلى الجنّة ولما اختار بعدها، فإذا غشيناك فنم في بيتك. فقال المغيرة: أنت واللّه يا أمير المؤنين أعلم منّي، ولئن لم اقاتل معك لا اعين عليك، فإن يكن ما فعلت صوابا فإيّاه أردت، وإن يكن خطأ فمنه نجوت، ولي ذنوب كثيرة لا قبل لي بها إلاّ الاستغفار منها(3).
و إنّما طوّلت في الاستشهاد بالتاريخ ليظهر لك خبطه في التمثيل كالممثّل وإنّما
المغيرة في من وممّن نقل البناء يوم السقيفة، كما مرّ، وقال الجوهري: سمعت ابن شبّه يحدّث رجلا بحديث لم أحفظ أسناده: أنّ المغيرة مرّ بأبي بكر وعمر، وهما جالسان على باب النّبيّ صلىاللهعليهوآله حين قبض، فقال: وما يقعدكما قالا: ننتظر هذا الرّجل يخرج فنبايعه ـ يعنيان عليّا ـ فقال: أ تريدون أن تنظروا حبل الحلبة من أهل هذا البيت، وشعوها في قريش تتّسع فقاما إلى سقيفة بني ساعدة...(1).
و ممّا يوضّح ما قلنا من أنّ مراده عليهالسلام برجوع قوم على الأعقاب عقيب وفاته صلىاللهعليهوآله: ما قلناه من المنافقين والطلقاء، الذين هم شدّوا أمر أبي بكر يوم السقيفة، كما هو صريح الفصل ـ وتشكيكه الرّكيك لا أثر له ـ ما رواه الزّبير بن بكار في (موفقيّاته) عن ابن مخرمة عن إبراهيم بن سعد عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قال: لمّا بويع أبو بكر واستقرّ أمره ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته، ولام بعضهم بعضا، وذكروا عليّ بن أبي طالب، وهتفوا باسمه، و إنّه في داره لم يخرج إليهم، وجزع لذلك المهاجرون وكثر في ذلك الكلام، وكان أشدّ قريش على الأنصار نفر منهم، وهم سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤ، والحرث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل المخزوميان، وهؤاء أشراف قريش الّذين حاربوا النّبيّ صلىاللهعليهوآله ثم دخلوا في الإسلام، وكلّهم موتور قد وتره الأنصار، أمّا سهيل بن عمرو فأسره مالك بن الدّخشم يوم بدر، وأمّا الحرث بن هشام فضربه عروة بن عمرو فجرحه يوم بدر، وهو فارّ عن أخيه، و أمّا عكرمة بن أبي جهل فقتل أباه ابنا عفرة، وسلبه درعه يوم بدر زياد ابن لبيد، وفي أنفسهم ذلك.
فلمّا اعتزلت الأنصار تجمّع هؤاء، فقام سهيل فقال: يا معشر قريش: إنّ هؤاء
1) . السقيفة وفدك: 67 ـ 68؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 43/6.
القوم قد سمّاهم اللّه الأنصار، وأثنى عليهم في القرآن، فلهم بذلك حظّ عظيم وشأن غالب، وقد دعوا إلى أنفسهم وإلى عليّ بن أبي طالب، وعليّ في بيته لو شاء لردّهم، فادعوهم إلى صاحبكم وإلى تجديد بيعته، فإن أجابوكم وإلاّ قاتلوهم. فو اللّه إني لأرجو اللّه أن ينصركم عليهم كما نصرتم بهم.
ثمّ قام الحرث، فقال: إن يكن الأنصار تبوّأت الدّار والايمان من قبل، ونقلوا النّبيّ صلىاللهعليهوآله إلى دورهم من دورنا فآووا ونصروا، ثمّ ما رضوا حتّى قاسمونا الامور وكفونا العمل، فإنّهم قد لهجوا بأمر إن ثبتوا عليه فانّهم قد خرجوا ممّا وسموا به، وليس بيننا وبينهم معاتبة إلاّ السيف، وإن نزعوا عنه فقد فعلوا الأولى بهم والمظنون معهم.
ثمّ قام عكرمة بن أبي جهل، فقال: واللّه لو لا قول رسول اللّه: «الأئمّة من قريش» ما أنكرنا إمرة الأنصار، ولكانوا لها أهلا، ولكنّه قول لا شك فيه ولا خيار، و قد عجّلت الأنصار علينا، واللّه ما قبضنا عليهم الأمر، ولا أخرجناهم من الشورى، وإنّ الّذي هم فيه من فلتات الامور ونزغات الشيطان، وما لا يبلغه المنى، ولا يحمله الأمل. اعذروا إلى القوم، فإن أبوا فقاتلوهم، فو اللّه لو لم يبق من قريش كلّها إلاّ رجل واحد لصيّر اللّه هذا الأمر فيه.
و حضر أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش إنّه ليس للأنصار أن يتفضّلوا على الناس حتّى يقرّوا بفضلنا عليهم، فإن يفعلوا فحسبنا حيث انتهى بنا، وإلاّ فحسبهم حيث انتهى بهم، وايم اللّه لئن بطروا المعيشة وكفروا النّعمة لنضربنّهم على الإسلام كما ضربونا عليه. فأمّا عليّ بن أبي طالب، فأهل ـ واللّه ـ أن نسوّده على قريش وتطيعه الأنصار.
فلمّا بلغ الأنصار قول هؤاء الرّهط، قام خطيبهم ثابت بن قيس بن شماس، فقال: يا معشر الأنصار إنّما كان يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهل الدّين من قريش، فأمّا إذا كان من أهل الدّنيا، ولا سيما من أقوام كلّهم موتور، فلا يكبرنّ عليكم، إنّما الرّأي والقول مع الأخيار من المهاجرين، فإن تكلّمت رجال قريش الّذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤاء، فعند ذلك قولوا ما أحببتم، وإلاّ فامسكوا. وقال حسّان بن ثابت يذكر ذلك:
تنادى سهيل وابن حرب وحارث *** وعكرمة الشاني لنا ابن أبي جهل(1)
وقال أيضا الزبير بن بكار: وكان خالد بن الوليد شيعة لأبي بكر ومن المنحرفين عن عليّ، فقام خطيبا. ثم نقل خطبته بطولها(2).
وقوله: «إنّ هؤاء نقلوا الإمامة عنه إلى معاوية...» كلام مختل بلا محصّل، فإنّه عليهالسلام كان عند جمهور المسلمين إماما وخليفة، وعدم انقياد معاوية وكورة الشام له غير مضر، فكان في عصر أكثر الخلفاء خوارج كذلك، وإنّما كان عمرو بن العاص لمّا جعله معاوية حكما، قال: إنّي خلعت عليّا ونصبت معاوية. ولم يكن لفعله وقوله أثر، وإنّما كانت معاضدة هؤاء لمعاوية سببا لسلطنة معاوية بعده عليهالسلام وعدم بقاء الخلافة لأهل بيته، وكما أن السبب لذلك فعل الأوّلين، فكانوا يقولون: هم قدّموه لنا. كما في كتاب معاوية إلى محمّد بن أبي بكر، ولا بدّ أن يكونوا يقولون لهم: أنتم قدّمتموه لنا.
كما أنّ ما طوّله في معنى العطف وتمثيله بالآية تطويل بلا طائل، وشطط وغلط،
فعطف كلامه عليهالسلام بالواو، وعطف الآية بالفاء، وقد أجابوه عن ذلك.
وقوله: «إنّ الاستطعام كان وقت إتيان القرية لا إقامة الجدار إلاّ أن يقول قائل: أشار إلى الجدار فقام...»(1)كلام مضحك، فأيّ مانع أن نقول: كانت إقامة الجدار أيضا وقت الإتيان فهذه امور عرفيّة، فإنّ معنى الآية إنّ في وقت إتيان القرية عمل عملين: عمل أوّلا الاستطعام، وعمل ثانيا إقامة الجدار، ولم استدلّ على عدم إقامة الجدار بالإشارة باتخاذ الأجر فإنّه مجرّد فرض لا يحتاج في نفيه إلى استدلال، مع أنّه لو فرض وقوعه، أيّ مانع أن يقول له موسى: «... لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً»(2)لأنّ إشارته لم تكن إشارة عادية بل من قبل اللّه، فكانت أعظم من عمل فيه مشقّة.
ولم ينحصر الشكاية من الأوّلين به عليهالسلام، فشيعته كانوا مثله أيضا، روى الجوهري عن محمّد بن قيس الأسدي عن معروف بن سويد قال: كنت بالمدينة أيّام بويع عثمان، فرأيت رجلا في المسجد جالسا وهو يصفق بإحدى يديه على الاخرى والناس حوله، ويقول: واعجبا من قريش واستئثارهم بهذا الأمر على أهل هذا البيت معادن الفضل، ونجوم الأرض، ونور البلاد واللّه إنّ فيهم لرجلا ما رأيت رجلا بعد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أولى منه بالحقّ، ولا أقضى بالعدل، و لا آمر بالمعروف، ولا أنهى عن المنكر، فسألت عنه، فقيل: هذا مقداد. فتقدّمت إليه، وقلت: أصلحك اللّه، من الرّجل الذي تذكره فقال: ابن عمّ نبيّك رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهعليّ بن أبي طالب. قال: فلبثت ما شاء اللّه، ثمّ إنّي لقيت أبا ذر فحدّثته ما قال مقداد،
فقال: صدق. قلت: فما يمنعكم أن تجعلوا هذا الأمر فيهم قال: أبى ذلك قومهم...(1).
وأمّا قول ابن أبي الحديد: «و اعلم أنّا نحمل كلام أمير المؤنين عليهالسلامعلى ما يقتضيه سؤده الجليل، ومنصبه العظيم، ودينه القويم، من الإغضاء عمّا سلف»(2)، فإنّما الإغضاء عمّا سلف لمن رجع أخيرا، وجبر ما جرح أوّلا، و أمير المؤنين عليهالسلام ليس عمله خلاف قول اللّه تعالى ورضاه، واللّه تعالى لا يرضى إلاّ عمّن تاب وأناب، لا من أذنب وألّب، ولم يكن ذلك إليه عليهالسلام، كما لم يكن إلى النّبيّ صلىاللهعليهوآله، فقال تعالى له: «... إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ...»(3). وكيف يعفو اللّه تعالى عمّن صار سببا لجميع الفتن والأحداث التي حدثت في الإسلام، والأحداث التي تحدث إلى يوم القيامة وكيف يقول: عفا أمير المؤنين عليهالسلام، وقد كان يتظلّم إلى حال احتضاره، ولم يستقرّ به المنبر في أيّامه إلاّ كان يتظلّم وقول ابن أبي الحديد: «فالواجب علينا أن نطبّق بين آخر أفعاله وأقواله بالنسبة إليهم، وبين أوّلها»(4)لا يغني عنه من اللّه شيئا، وروى إبراهيم الثقفي أنّ عبد الرحمن بن أبي ليلى قال لأمير المؤنين عليهالسلام: إنّا كنّا نقول: لو رجعت إليكم بعد النّبيّ صلىاللهعليهوآله لم ينازعكم فيها أحد. واللّه ما أدري ما أقول إذا سئلت، أزعم أنّ القوم كانوا أحقّ بما كانوا فيه منك، فعلام نصبك النّبيّ صلىاللهعليهوآله بعد حجّة الوداع، وقال: «أيّها النّاس من كنت مولاه فعليّ مولاه» وإن قلت: أنت أولى منهم بما كانوا فيه، فعلام نتولاّهم فقال عليهالسلام:
يا عبد الرّحمن إنّ اللّه تعالى قبض نبيّه، وأنا يوم قبضه أولى بالناس منّي بقميصي
هذا، وقد كان من النّبيّ صلىاللهعليهوآله إليّ عهد لو خزموني بأنفي(1)لأقررت سمعا للّه وطاعة، وإنّ أوّل ما انتقضا بعد النّبيّ صلىاللهعليهوآله إبطال حقّنا في الخمس، فلمّا رقّ أمرنا طمعت رعيان البهم(2)من قريش فينا ـ إلى أن قال ـ وإنّما يعرف الهدى بقلّة من يأخذه من النّاس، فإذا سكت فاعفوني فإذا جاء أمر تحتاجون فيه إلى الجواب أجبتكم، فكفّوا عنّي ما كففت عنكم. فقال عبد الرّحمن: فأنت يا أمير المؤنين كما قال الأوّل:
لعمري لقد أيقظت من كان نائما *** وأسمعت من كانت له اذنان(3)
وأمّا قوله: «و قد كان صاحبهم بالمعروف برهة من الدّهر»(4)فيقال له: إنّما كانت مصاحبتهم بالمعروف بعد إتمام الحجّة عليهم يوم تمكّن من المحاجة، كيوم السقيفة يوم أبي بكر، ويوم الشورى يوم عثمان، وأمّا يوم عمر فلم يمكنه التكلّم، لأنّه كانت سلطنته مستقرة فوّضها أبو بكر إلى عمر، والإمام كالكعبة يؤى و لا يأتي، ولم يكن له عليهالسلام رغبة في السلطنة من حيث السلطنة، بل كان يريدها لإقامة الحق، كما صرّح عليهالسلام بذلك في الشقشقية(5)، ولم يكن عليهالسلام مثل اولئك الذين صاروا عارا على الإسلام بتركهم جنازة نبيّهم بلا تجهيز، ومنازعتهم على الرياسة، وجعلهم تسلية أهل بيته إحضار النّار لإحراقهم.
وأمّا قول ابن أبي الحديد: «إنّ بعد تأويل ما نتأوّله من كلامه فليس بأبعد من
تأويل أهل التوحيد والعدل الآيات المتشابهة»(1)فيقال له: بل بينهما بعد المشرقين، لأنّ كلامه عليهالسلام ليس بمتشابه، بل كالآيات المحكمات، مع أنّ كثيرا من المتشابهات ـ كقوله تعالى: «... يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ...»(2)، وكقوله جلّ وعلا: «وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالاْءِكْرامِ»(3)ـ أهل العرف يفهمون أنّها استعارات، وأنّ ظاهرها غير مراد. وأمّا القول بأنّ أمير المؤنين عليهالسلام رضي عن الثلاثة، وأمضى أفعالهم، وصحّح نتايج أعمالهم، فليس بأبعد من أن يقال: إنّ الجمع بين عبادة اللّه، وعبادة الأصنام والأوثان غير ضائر. ومن أن يقال: إنّ موسى عليهالسلام لم يكن مخالفا لفرعون، وإنّ محمّدا صلىاللهعليهوآله لم يكن منكرا لأبي جهل. وإن كان إخواننا يلتزمون بالجمع بين الضّدّين، روى ابن عبد البر: رأى عمرو بن شرحبيل في النّوم عمّارا وأصحابه في روضة، وذا ظليم وذا الكلام في روضة. فقيل: وكيف، وقد قتل بعضهم بعضا فقال: وجدوا اللّه واسع المغفرة(4).
و لعمري إنّ هذا دين حنيفة التي أكلت ربها عام المجاعة، لا الدّين الحنيف الذي أمر اللّه عباده باتّباعه ومدح أتباعه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاحِرِ الشَّيْطَانِ وَمَزَاجِرِهِ وَالاعْتِصَامِ مِنْ حَبَائِلِهِ وَمَخَاتِلِهِ
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَنَجِيبُهُ وَصَفْوَتُهُ لاَ يُؤازَى فَضْلُهُ وَلاَ يُجْبَرُ فَقْدُهُ أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلاَدُ بَعْدَ الضَّلاَلَةِ الْمُظْلِمَةِ وَالْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ وَالْجَفْوَةِ الْجَافِيَةِ وَالنَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ وَيَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ وَيَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَة.
ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَغْرَاضُ بَلاَيَا قَدِ اقْتَرَبَتْ ـ فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ وَاحْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ ـ وَتَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْوَةِ وَاعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ ـ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا وَظُهُورِ كَمِينِهَا ـ وَانْتِصَابِ قُطْبِهَا وَمَدَارِ رَحَاهَا ـ تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ وَتَئُولُ إِلَى فَظَاعَةٍ جَلِيَّةٍ ـ شِبَابُهَا كَشِبَابِ الْغُلاَمِ وَآثَارُهَا كَآثَارِ السِّلاَمِ ـ يَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لآِخِرِهِمْ ـ وَآخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ ـ وَيَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ ـ وَعَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ ـ وَالْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ ـ وَيَتَلاَعَنُونَ عِنْدَ
اللِّقَاءِ ـ ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ ـ وَالْقَاصِمَةِ الزَّحُوفِ فَتَزِيغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ ـ وَتَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلاَمَةٍ ـ وَتَخْتَلِفُ الْأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا ـ وَتَلْتَبِسُ الآْرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا ـ مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ وَمَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ ـ يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِي الْعَانَةِ ـ قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ وَعَمِيَ وَجْهُ الْأَمْرِ ـ تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ وَتَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ ـ وَتَدُقُّ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا ـ وَتَرُضُّهُمْ بِكَلْكَلِهَا يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ ـ وَيَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ ـ وَتَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّمَاءِ وَتَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ ـ وَتَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ ـ يَهْرُبُ مِنْهَا الْأَكْيَاسُ وَيُدَبِّرُهَا الْأَرْجَاسُ ـ مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ تُقْطَعُ فِيهَا الْأَرْحَامُ ـ وَيُفَارَقُ عَلَيْهَا الاْءِسْلاَمُ بَرِيئُهَا سَقِيمٌ وَظَاعِنُهَا مُقِيمٌ منها: بَيْنَ قَتِيلٍ مَطْلُولٍ وَخَائِفٍ مُسْتَجِيرٍ ـ يَخْتِلُونَ بِعَقْدِ الْأَيْمَانِ وَبِغُرُورِ الاْءِيمَانِ ـ فَلاَ تَكُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ وَأَعْلاَمَ الْبِدَعِ ـ وَالْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ ـ وَبُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ ـ وَاقْدَمُوا عَلَى اللّهِ مَظْلُومِينَ وَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ ـ وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ وَمَهَابِطَ الْعُدْوَانِ ـ وَلاَ تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لُعَقَ الْحَرَامِ ـ فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَعْصِيَةَ ـ وَسَهَّلَ لَكُمْ سَبِيْلَ الطَّاعَة.
أشار عليهالسلام إلى فتن بعده عليهالسلام متّصلة من بني اميّة السفيانية، والمروانية، ومن بني العباس، ومن بعدهم.
وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاحِرِ
أي: ما يوجب الطرد والإبعاد، قال تعالى: «... اخْرُجْ مِنْها مَذْؤماً
مَدْحُوراً...»(1).
أي: ما يوجب منعه، ومداحر الشيطان ومزاجره: العبادات والطاعات، من الصلاة والصيام وباقي القربات.
قال الصادق عليهالسلام: إنّ العبد إذا سجد فأطال السجود نادى إبليس يا ويلاه أطاع وعصيت، وسجد وأبيت(2).
وقال النبيّ لأصحابه: ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب قالوا: بلى. قال الصوم يسوّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحبّ في اللّه والموازرة على العمل الصالح يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه...(3).
وعن الصادق عليهالسلام: لا يزال إبليس فرحا ما اهتجر المسلمان، فاذا التقيا اصطكّت ركبتاه، وتخلّعت أوصاله، ونادى يا ويله ما لقي من الثبور(4).
وعَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عليهالسلام يَقُول: ليس شيء أنكأ لإبليس وجنوده من زيارة الإخوان في اللّه بعضهم لبعض، وإنّ المؤنين يلتقيان فيذكران اللّه ثمّ يذكران فضلنا أهل البيت، فلا يبقى على وجه إبليس مضغة لحم إلاّ تخدّد، حتّى أنّ روحه لتستغيث من شدّة ما يجد من الألم، فتحسّ ملائكة السماء وخزّان الجنان، فيلعنونه حتّى لا يبقى ملك مقرّب إلاّ لعنه، فيقع خاسئا حسيرا مدحورا(1).
عطف على (مداحر) أي: الاحتفاظ.
جمع الحبالة، أي: الّتي يصيد بها الصائد.
أي: مخادعه. وحبائله ومخاتله: الخمر والميسر والنساء وزخارف الدّنيا، قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ»(2).
وعَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلامد: الفتن ثلاث: حبّ النساء،
وهو سيف الشيطان، وشرب الخمر، وهو فخّ الشيطان، وحبّ الدينار والدرهم، وهو سهم الشيطان(1).
وعَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إنّ إبليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهالسلام وإذا عليه معاليق من كلّ شيء، فقال له يحيى: ما هذه المعاليق يا إبليس فقال: هذه الشهوات التي أصبتها من ابن آدم. قال: فهل لي منها شيء قال: ربّما شبعت فثقّلتك عن الصلاة والذكر. قال يحيى: للّه عليّ أن لا أملأ بطني من طعام أبدا...(2).
قدّمت العبودية، لأنّه لولاها لما حصلت الرسالة.
قال تعالى: «اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ...»(3).
أي: لا يحاذى، وأصل الواو الهمز: من الإزاء، وقول الجوهري: «آزيته: إذا حاذيته، ولا تقل وازيته»(4)خطأ، حيث إنّ غيره أجازه، ويشهد له كلامه عليهالسلام.
من أحد. عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قال أبو طالب ـ لمّا خطب للنبيّ صلىاللهعليهوآله خديجة ـ : ثمّ ابن أخي هذا محمّد بن عبداللّه لا يوازن برجل من قريش إلاّ رجح به، ولا يقاس بأحد منهم إلاّ عظم عنه، ولا عدل له في الخلق. وقالوا: ـ لمّا تلجلج ورقة عمّ خديجة في الجواب في قبال أبي طالب مع كونه من القسّيسين، وقالت خديجة نفسها: قد زوّجتك نفسي والمهر عليّ في مالي، وقال بعض قريش: وا عجباه المهر على النساء للرجال، غضب أبو طالب غضبا شديدا وقام على قدميه ـ وكان ممّن تهابه الرجال ويكره غضبه ـ وقال: إذا كان الرجال مثل ابن أخي هذا طلبوا بأغلى الأثمان وأعظم المهر، وإذا كانوا أمثالكم لا يزوّجون إلاّ بالمهر الغالي(1).
وقال كعب بن نمط في النبيّ صلىاللهعليهوآله:
وما حملت من ناقة فوق رحلها *** أبرّ وأوفى ذمّة من محمّد
ولا وضعت أنثى لأحمد مشبها *** من الناس في التقوى ولا في التعبّد
وقال مالك بن عوف:
ما إن رأيت ولا سمعت بواحد *** في الناس كلّهم شبيه محمّد(2)
قال الباقر عليهالسلام: إن أصبت بمصيبة في نفسك أو في مالك أو في ولدك، فاذكر
مصابك بالنبيّ صلىاللهعليهوآله فإنّ الخلائق لم يصابوا بمثله قط(1).
الغاشية لها من الجاهلية، قال العبّاس بن مرداس فيه:
سننت لنا فيه الهدى بعد جورنا *** عن الحقّ لمّا أصبح الحقّ مظلما
ونوّرت بالبرهان أمرا مدمّما *** وأطفأت بالقرآن جمرا تضرّما(2)
قال اللّه تعالى حكاية عن نبيه: «قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِين»(3).
على جميع الفرق، عن ابن عبّاس: كان النضير من اليهود أشرف من قريظتهم، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النصير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فودي بمائة وسق من تمر، فلمّا بعث النبيّ صلىاللهعليهوآله قتل نضيريّ قريظيّا، فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله. فقالوا: بيننا وبينكم محمّد. فأتوه، فنزلت: «... وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ...»(4)أي: النفس، بالنفس، ثمّ نزلت: «أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»(5)،(6).
أي الغليظة، فكانوا يفعلون أفعالا في غاية الشناعة، ومنها وأد البنات، عن الصادق عليهالسلام: جاء رجل إلى النبيّ صلىاللهعليهوآلهفقال: إنّي قد ولدت بنتا وربّيتها، حتّى إذا بلغت، فألبستها وحلّيتها ثمّ جئت بها إلى قليب، فدفعتها في جوفه، وكان آخر ما سمعت منها، وهي تقول: يا أبتاه. فما كفّارة ذلك قال: ألك أمّ حيّة قال: لا. قال: فلك
خالة حيّة قال: نعم. قال: فابررها، فإنّها بمنزلة الامّ تكفّر عنك ما صنعت. قيل: متى كان هذا فقال: كان في الجاهلية، وكانوا يقتلون البنات مخافة أن يسبين فيلدن في قوم آخرين(1).
أي: الحرام، فيرتكبونه بلا مبالاة.
فضلا عن أن لا يعظّموه. خرج قيسبة بن كلثوم السكوني، وكان ملكا يريد الحجّ ـ وكانت العرب تحجّ في الجاهلية فلا يعرض بعضها لبعض ـ فمرّ ببني عامر بن عقيل، فوثبوا عليه، فأسروه وأخذوا ماله وما كان معه، وألقوه في القدّ(2)، فمكث فيه ثلاث سنين، وشاع باليمن أنّ الجنّ استطارته... فتمشّى يوما في أغلاله وقيوده حتّى صعد أكمة ثمّ أقبل يضرب ببصره نحو اليمن وتغشاه عبرة، فبكى ثمّ رفع
طرفه إلى السماء وقال: اللّهم ساكن السماء فرّج لي ممّا أصبحت فيه، إذ عرض له راكب، فأشار إليه أن أقبل، فكتب تحت خشبة رحله بالمسند(1)أمره، فجاء قومه فاستنقذوه(2).
غافلين عن ربّهم الّذي خلقهم ورزقهم.
بالههم، وما أراد منهم من عبادته، قال حسّان فيه صلىاللهعليهوآله:
رسول أتانا بعد يأس وفترة
من الرسل والأوثان في الأرض تعبد(3)
ولمّا بعثت قريش عمرو بن العاص إلى ملك الحبشة لردّ جعفر الطيّار ومن معه لمّا هاجروا إليه تخلّصا من أذاهم، وقال عمرو للملك: «إنّهم خالفونا في ديننا، وسبّوا آلهتنا، وأفسدوا شبابنا، وفرّقوا جماعتنا، وفردّهم إلينا لنجمع أمرنا»، قال جعفر للملك: خالفناهم بأنّه بعث اللّه تعالى فينا نبيّا أمر بخلع الأنداد، وترك الاستقسام بالأزلام، وأمرنا بالصلاة والزكاة، وحرّم الظلم والجور وسفك الدماء بغير حقّها والزنا والربا والميتة والدم، وأمرنا بالعدل والإحسان وايتاء ذي القربى، و ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. فقال الملك: فبهذا بعث اللّه تعالى عيسى بن مريم(4).
أي: أهداف.
هو شاهد ما قلنا، ويبطل قول ابن أبي الحديد أنّ الكلام إشارة إلى ملحمة في آخر الزمان(1).
قال تعالى: «إِنَّ الاْءِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى»(2).
وقال تعالى: «وَلَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ»(3). وبنو اسرائيل سكروا بالنعمة بعد نجاتهم من فرعون. فكانوا يقتلون أنبياء اللّه، وعبدوا العجل كما
قال لهم موسى لما قالوا له: «أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا»(4)«عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ»(5)وكذلك هذه الامّة سلكوا مسلكهم حذو النعل بالنعل بعد بسط النعمة عليهم، فكانوا يقتلون أهل بيت نبيّهم، ويتّخذون العجل إماما دون حجّة اللّه.
جمع البائقة: الداهية.
أي: نقمة اللّه قال تعالى: «فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ»(1).
وقال تعالى: «فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»(2).
أي: تأنّوا.
أي: غبار.
أي: الالتباس والحيرة،قال الجوهرى: أو طأتني عشوة وعشوة، أي: أمرا ملتبسا، وذلك إذا أخبرته بما أوقعته به في حيرة أو بلية، ومضى من الليل عشوة بالفتح، هو ما بين أوّله إلى ربعه يقال: أخذت عليهم بالعشوة أي: بالسواد من الليل(3).
أي: اعوجاج الامور يحصل من الفتنة. فيجب التثبت حتّى ترجع إلى الاستقامة.
أي: مستورها.
أي: خفيها.
يجوز في قطب الرحى الفتح والضم والكسر(1).
أي: دوران.
أي: تظهر تلك الفتنة.
جمع المدرجة أي: المذهب والمسلك. قال الشاعر في سيف:
ترى أثره في صفحتيه كأنّه *** مدارج شبثان لهنّ هميم(2)
أي: ترجع.
أي: شناعة.
أي: واضحة. يمكن أن يكون إشارة إلى جعلهم سبّه عليهالسلام سنّة، وسبّه عليهالسلامكسبّ اللّه تعالى.
من شبّ الفرس يشبّ ويشبّ شبابا وشبيبا إذا قمص ولعب، وأما الشباب بالفتح: فجمع شاب: الحداثة(1).
تقول «المرء في شبابه كالمهر في شبابه»(2).
جمع السلمة أي: الحجارة، وفي المثل: «أكتم للسرّ من السّلام»(3).
بعهد الأوّل إلى الآخر أو بالمعاهدة بينهم بتفويضها إلى صاحبه في حياته حتّى يردّها إليه بعد وفاته.
ويمكن أن يكون الكلام إشارة إلى استخلاف معاوية ليزيد، وهو أوّل من عهد إلى ابنه من المتقدّمين عليه، وأخذ عهود الناس بذلك. وكان فظاعته جليّة لكون ابنه سكّيرا خمّيرا حتّى أنكر ذلك عليه بنو اميّة أنفسهم.
قال ابن قتيبة: أنّ معاوية لمّا كتب إلى مروان ـ وكان عامله على المدينة ـ أن يبايع ليزيد فأجابه مروان أنّ قريشا قومك يأبون ذلك. فعزله، جاء اليه في أخواله من بني كنانة، وقال له: يا ابن أبي سفيان اهدأ من تأمير الصبيان(1).
و فيه ـ بعد ذكر قدوم معاوية المدينة بنفسه لأخذ البيعة لابنه، ودخوله على عائشة ـ فقال لها: إنّ أمر يزيد قضاء من اللّه، وليس للعباد الخيرة من أمرهم، وقد أكّد الناس بيعته في أعناقهم، وأعطوا عهودهم على ذلك ومواثيقهم. فعلمت عايشة أنّه سيمضي على أمره(2)ـ إلى أن قال بعد ذكر حضور الحسين عليهالسلام مع ابن عباس مجلسه، ووصف معاوية له عليهالسلام يزيد ـ فقال عليهالسلام لمعاوية: «و فهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لامّة محمّد صلىاللهعليهوآله تريد أن توهم الناس في يزيد كأنّك تصف محجوبا، أو تنعت غائبا، أو تخبر عمّا مما كان احتويته بعلم خاص، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السبّق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي(3).
وفيه: إنّ عثمان بن محمّد الثقفي أقبل من قبل يزيد واليا على المدينة، ومكّة،
والموسم. فلمّا استوى على المنبر بمكّة رعف. فقال رجل مستقبله: جئت واللّه بالدم فتلقّاه رجل آخر بعمامته. فقال: مه واللّه عمّ الناس. ثمّ قام يخطب. فتناول عصى لها شعبتان. فقال: مه شعب واللّه أمر الناس(1).
و فيه ـ بعد ذكر غلبة مسلم بن عقبة من قبل يزيد على المدينة ـ دعا بني أسد ـ و كان عليهم حنقا. فقال: أ تبايعون ليزيد ولمن استخلف عليكم بعده على أنّ أموالكم ودماءكم وأنفسكم خول له يقضي فيها ما شاء(2).
وفيه: دخل شامي في الحرّة على امرأة، ومعها صبي لها. فقال لها: هل من مال قال: لا واللّه ما تركوا لي شيئا. فقال: واللّه لتخرجنّ إليّ شيئا أو لأقتلنّك وصبيّك
هذا. فقالت له: ويحك إنّه ولد أبي كبشة الأنصاري صاحب الرسول صلىاللهعليهوآله ولقد بايعت الرسول صلىاللهعليهوآله معه يوم بيعة الشجرة. قال: فأخذ برجل الصبي والثدي في فمه فجذبه من حجرها. فضرب به الحائط فانتثر دماغه على الأرض(3).
ولمّا كتب محمّد بن أبي بكر إلى معاوية: «قد رأيتك تسامي عليّا عليهالسلام و أنت أنت وهو هو المبرز السابق في كلّ خير، وأنت أنت اللعين ابن اللعين» كتب إليه «كنّا وأبوك معنا في حياة من نبيّنا نرى حقّ ابن أبي طالب لازما لنا، وفضله مبرّزا علينا، فكان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه وخالفه، على ذلك اتّفقا واتّسقا. ثمّ دعواه إلى أنفسهم. فأبطأ عنهما، وتلكّأ عليهما. فهمّا به الهموم، وأرادا به العظيم، فبايع وسلّم
لهما لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرّهما حتّى قبضا. فخذ حذرك يا ابن أبي بكر تقصر عن أن تساوي من أبوك مهّد مهاده، وبنى ملكه وشاده. فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله، وإن يك جورا فأبوك أسسّه، ونحن شركاؤ، وبهديه أخذنا، وبفعله اقتدينا، ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا ابن أبي طالب، وأسلمنا له،
ولكنّا رأينا أباك فعل ذلك. فاحتذينا بمثاله، واقتدينا بفعاله. فعب أباك ما بدا لك أودع»(1).
أي: يرغبون.
أي: يتنازعون كالكلاب.
من أراح الشيء أي: وجد ريحه، وفي الخبر الدنيا جيفة، وطالبها كالكلاب(2).
بِالْبَغْضَاءِ
أي يتباينون.
إشارة إلى قوله تعالى: «وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ للّهِِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ * وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ»(1)وإلى قوله تعالى: «قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالاْءِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ * قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ»(2)وإلى قوله تعالى: «يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضا»(3)وإلى قوله تعالى: «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِين»(4).
ذكر عليهالسلام قوله: «عن قليل يتبرّأ التابع» ـ إلخ ـ استطرادا لئلاّ يبجحوا بأعمالهم، ولا يحسبوا كون ذلك كمالا لهم، لا أنّه عليهالسلام انتقل من ذكر الملاحم.
أي: الجائية بالاضطراب، والتزلزل، ومن أسماء البحر الرجّاف لاضطراب أمواجه، والمراد بالفتنة الرجوف فتنة بني العباس وراياتهم السود الطالعة من خراسان.
أي: الكاسرة.
والزحوف تعبير عجيب عن رفع أمر بني العباس قليلا قليلا حتى وصل إلى نيلهم الخلافة، فيقال: زحف الدباء إذا مضى قدما. والزحف سهم يقع دون الغرض ثمّ يصل إليه. وزحف الصبي إذا مشى على الأرض على يديه ورجليه، والزحوف من النوق الّتي تجرّ رجليها إذا مشت(1).
عن عترته المعصومين عليهمالسلام
من شيعته.
أي: بعد سلامتها قبل تلك الفتنة من الضلال.
زيدية وعباسية، قال المسعودى: والزيدية في عصرهم كانوا ثماني فرق: أوّلها المعروفة بالجارودية أصحاب أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي. قالوا: الإمامة
1) . الصحاح: 1367/4 ـ 1368 مادة زخف.
مقصورة في ولد الحسن والحسين، والثانية معروفة بالمرثدية، والثالثة بالابرقية، والرابعة باليعقوبية: أصحاب يعقوب بن عليّ الكوفي، والخامسة بالعقبية، والسادسة بالأبترية أصحاب كثير الأبتر، والحسن بن صالح، والسابعة بالجريرية أصحاب سليمان بن جرير، والثامنة باليمانية أصحاب محمّد بن اليمان الكوفي، وكان فرق أهل الإمامة على ذكر من سلف من أصحاب الكتب ثلاثا وثلاثين فرقة، وقد ذكرنا تنازع القطيعية بعد مضي الحسن العسكري عليهالسلام، وما قالت الكيسانية، وما تباينت فيه، وغيرها من سائر طوائف الشيعة، وهم ثلاث وسبعون فرقة، والغلاة أيضا ثماني فرق المحمدية أربع، والعلوية أربع(1).
وقال المسعودى: الراوندية شيعة العباسيّين القائلة بأنّ أحق الناس بالإمامة بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله عمّه العبّاس، وأجازوا بيعة عليّ عليهالسلامبإجازة العباس لها، وصنّفوا في ذلك
كتبا، ومنها كتاب (إمامة ولد العباس) الّذي صنّفه الجاحظ، لهم يذكر فيه فعل أبي بكر في فدك، والّذي ذهب إليه من تأخّر منهم، وهم أصحاب أبي مسلم أنّ الإمام بعد عليّ عليهالسلام وهو محمّد بن الحنفية، وبعده ابنه أبو هاشم، وبعده علي بن عبداللّه بن العباس لكونه وصيّه، وبعده ابنه إبراهيم، وبعده أخوه السفاح، وهكذا(2).
أي: تشتبه وتختلط.
أي: ظهورها وطلوعها يقال: نجم السنّ، نجم القرن، نجم النبت(1).
أي: نصب لها.
أي: كسرته. الظاهر إشارة إلى من بيّض، وخرج على العباسييّن المسودة.
كأبي سلمة، وأبي مسلم.
أي: دقّته. والحطمة اسم من أسماء جهنّم لأنّها تحطم ما تلقى، ويقال رجل حطم وحطمة إذا كان قليل الرحمة للماشية، وفي المثل «شرّ الرعاء الحطمة» وقال الراجز:
«قد لفّها الليل بسوّاق حطم»
والحطام ما تكسر من اليبيس(2).
أي: يتعاضّون. فالكدم العضّ بأدنى الفم كما يكدم الحمار.
جمع الحمار.
العانة: القطعة من حمير الوحش خاصة وسمّيت عانة الإنسان تشبيها بذلك...(1)ولعلّه إشارة إلى قتل أبي مسلم لأبي سلمة.
أي: حبل الإمامة بكونهم اثني عشر عيّنهم النبيّ صلىاللهعليهوآله.
بأنّ الإمام من كان معصوما كالنبيّ صلىاللهعليهوآله لكونه خليفة.
من غاض الماء قلّ ونضب. يقال غاض الكرام، وفاض اللئام(2).
الظاهر كونه بالتحريك كونه جمع الحاكم بقرينة بعده «الظلمة».
فسكت أبو عبداللّه الصادق أحد الحكمة من العترة الطاهرة، وزعيم الإمامة ذاك
اليوم، ونطق الظلمة ولد محمّد بن علي بن عبداللّه بن عباس، فقال السفّاح في خطبته لمّا بويع «وضعنا اللّه من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع. فقال تعالى في ما أنزل من محكم القرآن: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(1)وبنا هدى اللّه الناس بعد ضلالتهم(2).
وقال داود بن علي في خطبة ذاك اليوم: الآن طلعت الشمس من مطلعها وبزغ القمر من مبزغه، وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى منزعه، ورجع الحقّ ونصابه في أهل بيت نبيّكم(3).
أي: البادية.
أي: مبردها. يقال سحلت الشيء أي: سحقته، وسحلت الرياح الأرض: كشطت ادمتها(4).
أي: تدقّهم.
الكلكل والكلكال الصدر(1).
جمع الواحد.
الركب أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها، والجمع أركب «و الركبة بالتحريك أقل من الركب» والأركوب بالضم أكثر من الركب والركبان الجماعة منهم(2).
و في سنة (220) خرج المعتصم إلى القاطول، وكان سبب خروجه أن غلمانه الاتراك كانوا لا يزالون يجدون الواحد بعد الواحد منهم قتيلا في أرباضها، و ذلك أنّهم كانوا عجما جفاة يركبون الدواب. فيتراكضون في طرق بغداد وشوارعها. فيصدمون الرجل والمرأة ويطئون الصبي. فيأخذهم الأبناء فينكسونهم عن دوابهم ويجرحون بعضهم. فربما هلك من الجراح بعضهم. فشكت الأتراك ذلك إلى المعتصم، وتأذّت بهم العامة. فذكر أنّه رئي المعتصم راكبا منصرفا من المصلّى في يوم عيد أضحى أو فطر فلمّا صار في مربعة الحرشي نظر إلى شيخ قد قام إليه. فقال له: يا أبا اسحق فابتدره الجند ليضربوه. فأشار إليهم المعتصم. فكفّهم عنه. فقال للشيخ: ما لك قال: لا جزاك اللّه عن الجوار خيرا، جاورتنا وجئت بهؤاء العلوج فأسكنتهم بين أظهرنا فأيتمت بهم صبياننا، وأرملت بهم نسواننا، وقتلت بهم رجالنا
ـ والمعتصم يسمع ذلك كلّه ـ ثمّ دخل داره. فلم ير راكبا إلى السنة القابلة في مثل ذلك اليوم خرج فصلّى بالناس العيد ثمّ لم يرجع إلى منزله ببغداد، وصرف وجه دابّته إلى ناحية القاطول...(1).
أي: الحكم.
وأخذ المنصور في سنة (154) الناس بلبس القلانس الطوال المفرطة الطول، وكانوا في ما ذكر يحتالون لها بالقصب من داخل.
فقال أبو دلامة:
وكنّا نرجّي من إمام زيادة *** فزاد الإمام المصطفى في القلانس
تراها على هام الرجال كأنّها *** دنان يهود جللت بالبرانس(2)
ولمّا أراد المنصور الأمر ببناء سور الكوفة، وبحفر خندق لها أمر بقسمة خمسة دراهم خمسة دراهم على أهل الكوفة وأراد بذلك علم عددهم. فلمّا عرف عددهم أمر بجبايتهم من كلّ انسان أربعين درهما أربعين درهما فجبوا. فأمر بإنفاق ما جبى على السور، وحفر الخنادق. فقال شاعرهم:
يا لقومي ما لقينا *** من أمير المؤنينا
قسم الخمسة فينا
وجبانا الأربعينا(3)
وعن عليّ بن الجعد قال: رأيت أهل الكوفة أيّام أخذوا بلبس السواد حتّى أنّ
البقالين إن كان أحدهم ليضع الثوب بالانقاس (أي: المداد الّذي يكتب به) ثمّ يلبسه(1).
أي: خالصها، وطريّها. فقتل أبو مسلم في سبيل الدولة العباسية ستّ مائة ألف صبرا غير من قتله في حروبه.
وقتل عبداللّه بن علي لمّا خرج على المنصور نحوا من سبعة عشر ألفا من أصحابه من أهل خراسان خشي ألاّ يناصحوه أمر صاحب شرطة، فقتلهم وقتل في حروب المنصور ما لا يحصى(2).
وكان المنصور إذا اتّهم أحدا من أهل الكوفة بالميل إلى إبراهيم بن عبداللّه بن الحسن أمر سالما بطلبه. فكان يمهل حتّى إذا غسق الليل، وهدأ الناس، نصب سلّما على منزل الرجل فطرقه في بيته فيقتله. ويأخذ خاتمه. فقيل لابنه العباس بن سالم: لو لم يورثك أبوك إلاّ خواتيم من قتل من أهل الكوفة لكنت أيسر الأبناء(3).
أي: توجد تلك الفتنة الخلل.
المنار: علم الطريق(4).
عن صفوان الجمّال قال لي الكاظم عليهالسلام: كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئا واحدا إكراؤ جمالك من هذا الرجل ـ يعني هارون ـ . قلت: واللّه ما كريته أشرا ولا بطرا، ولا لصيد، ولا للهو، ولكن أكريته لهذا الطريق ـ يعني طريق مكّة ـ ولا أتولاّه بنفسي، ولكن أبعث معه غلماني. فقال: أيقع كراؤ عليهم قلت: نعم. قال: أ تحب بقاءهم حتّى يخرج كراؤ قلت: نعم. قال: فمن أحبّ بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان وقود النار، قال: فذهبت وبعت جمالي عن آخرها(1).
قال المنصور يوما بعد قتل محمّد وإبراهيم، لجلسائه: تا للّه ما رأيت رجلا أنصح من الحجّاج لبني مروان. فقام المسيب بن زهير الضبي. فقال: ما سبقنا الحجّاج بأمر تخلفنا عنه، واللّه ما خلق اللّه على جديد الأرض خلقا أعزّ علينا من
نبيّنا، وقد أمرتنا بقتل أولاده، فأطعناك وفعلنا ذلك. فهل نصحناك أم لا قال له: اجلس لا جلست(2).
كناية عن التهديد والوعيد.
كناية عن الشدّة.
وقال تعالى في وصف يوم القيامة: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ»(1). قال الشاعر:
في سنة قد كشفت عن ساقها(2)
كان المنصور مرعادا مبراقا. فتهدّد أهل الكوفة لكونهم شيعة باخراب ديارهم ومحو آثارهم، وتقطّع فيه الأرحام.
فكان أوّل من ناصب من العباسيّة للطالبيّة، وكانوا قبل تابعين لهم يجمع بينهما الهاشميّة، وفارق الإسلام حيث إنّه سبّ الأئمة عليهمالسلاموقتل من أولادهم ما لا يحصى.
ولمّا أخذ المنصور عبداللّه بن الحسن، وأهل بيته صعد المنبر بالهاشميّة، وقال: يا أهل خراسان أنتم شيعتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيرا منّا. إنّ ولد أبي طالب
تركناهم والخلافة فلم نعرض لهم بقليل ولا كثير. فقام فيها علي عليهالسلام. فما أفلح وحكّم الحكمين. فاختلفت عليه الامّة، وافترقت الكلمة ثمّ وثب عليه شيعته وأنصاره وثقاته فقتلوه. ثمّ قام بعده الحسن عليهالسلام فما كان برجل عرضت عليه الأموال. فقبلها، ودسّ إليه معاوية أنّي أجعلك ولي عهدي. فخلعه وانسلخ له ممّا كان فيه، وسلّمه إليه، وأقبل على النساء يتزوّج اليوم واحدة، ويطلّق غدا اخرى، فلم يزل كذلك حتّى مات على فراشه. ثمّ قام من بعده الحسين عليهالسلام فخدعه أهل
العراق...(1)ويقال له في الحسن عليهالسلام: من كان له أمير جند مثل عمّك عبيد اللّه بن العباس لا بد أن يترك الأمر.
وانّ المنصور لمّا عزم على الحجّ دعا ريطة بنت السفاح امرأة ابنه المهدي ـ وكان المهدي بالري ـ فأوصاها بما أراد، وعهد إليها، ودفع إليها مفاتيح الخزائن، ووكّد الأيمان أن لا تفتح بعض تلك الخزائن، ولا تطلع عليها أحدا إلاّ المهدي إذا صح عندها موته. فإذا صحّ اجتمعت هي والمهدي ـ وليس معهما ثالث ـ حتّى يفتحا الخزانة. فلمّا قدم المهدي من الري دفعت إليه المفاتيح، وأخبرته أنّ أباه تقدّم إليها ألاّ يفتحه حتّى يصحّ عنده موته. فلمّا انتهى إلى المهدي موته، وولي الخلافة فتح الباب، ومعه ريطة. فإذا أزج ـ أي سرداب ـ كبير فيه جماعة من قتلاء الطالبيين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وإذا فيهم أطفال ورجال شباب، ومشايخ عدّة كثيرة فارتاع المهدي وأمر فحفرت لهم حفيرة، فدفنوا فيها وعمل عليهم دكان(2).
أي: مرتحلها.
وإنّما حكم عليهالسلام بكون بريئها سقيما، وظاعنها مقيما بمعنى عموم الفتنة، و عدم نجاة أحد منها أو لأنّ الظلمة كزياد، والحجّاج، وغيرهما كانوا يأخذون البريء من الجناية بالسقيم بها، والمقيم بالمرتحل.
أي: مهدور دمه. قال الشاعر:
دماؤم ليس لها طالب
مطلولة مثل دم العذرة(1)
أيضا:
تلكم هريرة ما تجف دموعها *** أهرير ليس أبوك بالمطلول(2)
وكأنّ الفصل إشارة إلى حرب الأمين والمأمون وما نزل ببغداد.
ولمّا نزل طاهر بن الحسين بباب الأنبار، حاصر بغداد، وغادى القتال وراوحه حتّى خربت الديار، وعفت الآثار، وغلت الأسعار، وقاتل الأخ أخاه، والابن أباه هؤاء أمينيّة، وهؤاء مأمونيّة، وهدمت المنازل، وأحرقت الديار، وانتهبت الأموال، وذلك في سنة (196) فقيل في ذلك:
تقطّعت الأرحام بين العشائر *** وأسلمهم أهل التقى والبصائر
فذاك انتقام اللّه من خلقه بهم *** لما ارتكبوه من ركوب الكبائر
فلا نحن أظهرنا من الذنب توبة *** ولا نحن أصلحنا فساد السرائر
ولم نستمع من واعظ ومذكر *** فينجع فيا وعظ ناه وآمر
فلا فاجر للبرّ يحفظ حرمة *** ولا يستطيع البرّ دفعا لفاجر
تراهم كأمثال الذئاب رأت دما *** فأمّته لا تلوي على زجر زاجر
وأصبح فسّاق القبائل بينهم *** تشدّ على أقرانها بالخناجر
فنبكي لقتلى من صديق ومن أخ *** كريم ومن جار شفيق مجاور
ووالدة تبكي بحزن على ابنها *** فيبكي لها من رحمة كلّ طائر
وذات حليل أصبحت وهي أيّم *** وتبكي عليه بالدموع البوادر
وإبراز ربّات الخدور حواسرا *** خرجن بلا خمر ولا بمآزر
تراها حيارى ليس تعرف مذهبا *** نوافر أمثال الظباء النوافر
وآبت لاحراق وهدم منازل *** وقتل وانهاب اللّهى والذخائر
كأن لم تكن بغداد أحسن منظرا *** وملهى رأته عين لاه وناظر
بلى هكذا كانت فأذهب حسنها *** وبدّد منها الشمل حكم المقادر
وحلّ بهم ما حلّ بالناس قبلهم *** فأضحوا أحاديثا لباد وحاضر(1)
ـ إلى أن قال ـ ولم تزل الحرب بين الفريقين أربعة عشر شهرا، وضاقت بغداد بأهلها، وتعطّلت المساجد، وتركت الصلاة، ونزل بها ما لم ينزل قط مذ بناها المنصور(2)
مروج الذهب: 404/3.
ـ إلى أن قال ـ : ولمّا ضاق بالأمين الأمر أمر قائدا من قوّاده يقال له ذريح ـ وقرن معه آخر يعرف بالهرش ـ أن يتبع أصحاب الأموال والذخائر من أهل الملّة، وغيرهم فكانا يهجمان على الناس ويأخذان بالظنة، فهرب الناس بعلّة الحجّ.فقال علي الأعمى:
أظهروا الحجّ وما يبغونه *** بل من الهرش يريدون الهرب
كم اناس أصبحوا في غبطة *** ركض اللّيل عليهم بالعطب(3)
ـ إلى أن قال ـ وثارت العراة ذات يوم في نحو مئة ألف بالرماح والقصب والطرادات القراطيس على رؤسها، ونفخوا في القصب وقرون البقر، وزحفوا من مواضع كثيرة. فبعث إليهم طاهر بعدّة قوّاد، وامراء من وجوه كثيرة، واشتد الجلاد، و كثر القتل، وكانت للعراة على المأمونية إلى الظهر ـ وكان يوم الاثنين ـ ثمّ ثارت المأمونية على العراة من أصحاب الأمين. ففرّق منهم وقتل وأحرق نحو عشرة آلاف. ففي ذلك يقول الأعمى:
بالأمير طاهر بن الحسين *** صبّحونا صبيحة الاثنين
جمعوا جمعهم فثار إليهم *** كلّ صلب القناة والساعدين
يا قتيل العراة ملقى على الشط *** تطأه الخيول في الجانبين
ما الّذي كان في يديك إذا ما أصطلح *** الناس آية الخلّتين
أ وزير أم قائد بل بعيد *** أنت من ذين موضع الفرقدين
كم بصير غدا بعينين كي ينظر *** ما حالهم فراح بعين
واشتدّ الأمر بالأمين فباع ما في خزائنه سرّا، وفرّق ذلك أرزاقا في من معه ولم يبق عنده ما يعطيهم. فقال: وددت أن اللّه قتل الفريقين أمّا هؤاء فيريدون مالي، وأما اولئك فيريدون نفسي...(1).
أي: يخدعون.
1) .مروج الذهب: 409/3.
بالضم جمع عقدة.
بالفتح جمع اليمين أي: القسم.
بالكسر مصدر آمن.
جمع النصب بفتحتين، والنصب بضمتين أي: ما نصب فعبد من دون اللّه.
وقال الزمخشرى: الأنصاب: حجارة تنصب تصبّ عليها دماء الذبائح، وتعبد(1).
جمع الفتنة.
جمع العلم بالتحريك، وقال الجوهرى: العلم العلامة، والجبل والراية(2).
جمع البدعة أي: ادخال ما ليس من الدين في الدين.
قال تعالى «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا»(1).
عطف على «عقد».
قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً»(2).
فالمظلوم لا لوم عليه، والظالم لا نجاة له قال تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ»(3)وقال تعالى: «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤمِنِينَ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى
بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ...»(1).
وقال تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ»(2).
وقال تعالى: «وَلا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ»(3).
وقال تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ»(4).
ونظير كلامه عليهالسلام هذا مع كلامه الآخر كما روي «اختر أن تكون مغلوبا وأنت منصف، ولا تختر أن تكون غالبا وأنت ظالم»(5).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام: بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَاد(6).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام فِي قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ»(7)قَالَ قَنْطَرَةٌ عَلَى الصِّرَاطِ لاَ يَجُوزُهَا عَبْدٌ بِمَظْلِمَةٍ(8).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: مَا مِنْ مَظْلِمَةٍ أَشَدَّ مِنْ مَظْلِمَةٍ لاَ يَجِدُ صَاحِبُهَا عَلَيْهَا
عَوْناً إِلاّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ(1).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: لَمَّا حَضَرَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ عليهالسلام الْوَفَاةُ ضَمَّنِي إِلَى صَدْرِهِ
ثُمَّ قَالَ يَا بُنَيَّ أُوصِيكَ بِمَا أَوْصَانِي بِهِ أَبِي ع حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَبِمَا ذَكَرَ أَنَّ أَبَاهُ أَوْصَاهُ بِهِ قَالَ يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَظُلْمَ مَنْ لاَ يَجِدُ عَلَيْكَ نَاصِراً إِلاّ اللّهَ(2).
وعَنْ عَلِيٍّ عليهالسلام، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: يَقُولُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اشْتَدَّ غَضَبِي عَلَى مَنْ ظَلَمَ مَنْ لاَ يَجِدُ نَاصِراً غَيْرِي(3).
أي: مسالك. قال الشاعر في وصف سيف:
ترى أثره في صفحتيه كأنّه *** مدارج شبثان لهن هميم(4)
أي مسالك أحناش ذوات أرجل كثيرة لهنّ دبيب.
قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ»(5).
وقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ»(6).
اللعقة اسم ما تأخذه الملعقة، واللعق اللحس باللسان(1).
عن أبي عبداللّه قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: «أكثر ما تلج به امّتي النار الأجوفان البطن والفرج(2).
وقال رجل للباقر عليهالسلام: إني ضعيف العمل. قليل الصيام، ولكنّي أرجو ألا آكل إلاّ حلالا. فقال عليهالسلام: أيّ الاجتهاد أفضل من عفة بطن وفرج(3).
قال تعالى: «يَعْلَمُ
خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ»(4).
وعن الصادق عليهالسلام من همّ بسيّئة فلا يعملها فإنّه ربما عمل العبد السيّئة. فيراه الربّ فيقول: وعزّتي لا أغفر لك بعد ذلك أبدا(5)
وعن الكاظم عليهالسلام إنّ للّه تعالى في كلّ يوم وليلة مناديا ينادي: مهلا مهلا عباد اللّه عن معاصي اللّه. فلو لا بهائم رتّع، وصبية رضّع، وشيوخ ركّع لصبّ عليكم العذاب صبّا ترضّون به رضّا(6).
وعن أبي الحسن الرضا عليهالسلام قال: قال أمير المؤنين عليهالسلام لا تبدين عن واضحة، وقد عملت الأعمال الفاضحة ولا تأمنن البيات، وقد عملت السيّئات(1).
وعن الرضا عليهالسلام: أوحى اللّه تعالى إلى نبيّ من الأنبياء إذا اطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية، وإذا عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الورى(2).
وعن الرضا عليهالسلام: كلّما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدث اللّه لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون(3)،(4).
وعن الصادق عليهالسلام: يقول تعالى: إذا عصاني من عرفني سلّطت عليه من لا يعرفني(5).
وعن الصادق عليهالسلام: تعوّذوا باللّه من سطوات اللّه بالليل والنهار. قيل له: و ما سطوات اللّه قال: الأخذ على المعاصي(6).
وعن الباقر عليهالسلام: إتّقوا المحقّرات من الذنوب. فإنّ لها طالبا، يقول أحدكم اذنب وأستغفر. إن اللّه تعالى يقول: «وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي
1) . الكافي: 273/2/ ح 21؛ بحار الأنوار: 334/70/ ح 18.
2) .الكافي: 275/2/ ح 26؛ بحار الأنوار: 341/70/ ح 23.
3) . معنى الحديث أن الناس إذا اخترعوا في المعاصي وجوها لم يكن يعرفها أحد قبلهم كآلات اللهو والقمار وغيرها أحدث اللّه لهم بلاء لم يكونوا يعرفون كامراض خطرة ووسائل للقتل والسلب والظلم.
4) . الكافي: 275/2/ ح 29؛ بحار الأنوار: 343/70/ ح 26.
5) . الكافي: 276/2/ ح 30؛ بحار الأنوار: 343/70/ ح 27.
6) .الكافي: 269/2/ ح 6؛ وسائل الشيعة: 305/15/ ح 20588 ـ 1.
إِمامٍ مُبِينٍ»(1)وقال تعالى: «إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ إِنَّ اللّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ»(2)،(3).
إشارة إلى الحديث النبوي المشهور بعثت بالحنيفية السمحة السهلة(4)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للّهِِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ وَبِأَشْبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لاَ شَبَهَ لَهُ لاَ تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ وَلاَ تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ لاِفْتِرَاقِ الصَّانِعِ وَالْمَصْنُوعِ وَالْحَادِّ وَالْمَحْدُودِ وَالرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ الْأَحَدِ لاَ بِتَأْوِيلِ عَدَدٍ وَالْخَالِقِ لاَ بِمَعْنَى حَرَكَةٍ وَنَصَبٍ وَالسَّمِيعِ لاَ بِأَدَاةٍ وَالْبَصِيرِ لاَ بِتَفْرِيقِ آلَةٍ وَالشَّاهِدِ لاَ بِمُمَاسَّةٍ وَالْبَائِنِ لاَ بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ وَالظَّاهِرِ لاَ بِرُؤيَةٍ وَالْبَاطِنِ لاَ بِلَطَافَةٍ بَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَبَانَتِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ وَمَنْ قَالَ كَيْفَ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ وَمَنْ قَالَ أَيْنَ فَقَدْ حَيَّزَهُ عَالِمٌ إِذْ لاَ مَعْلُومٌ وَرَبٌّ إِذْ لاَ مَرْبُوبٌ وَقَادِرٌ إِذْ لاَ مَقْدُورٌ
منها: قَدْ طَلَعَ طَالِعٌ وَلَمَعَ لاَمِعٌ وَلاَحَ لاَئِحٌ وَاعْتَدَلَ مَائِلٌ وَاسْتَبْدَلَ اللّهُ بِقَوْمٍ قَوْماً وَبِيَوْمٍ يَوْماً وَانْتَظَرْنَا الْغِيَرَ انْتِظَارَ الْمُجْدِبِ الْمَطَر.
وَإِنَّمَا الْأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَعُرَفَاؤهُ عَلَى عِبَادِهِ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ عَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ وَلاَ يَدْخُلُ النَّارَ إِلاّ مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَأَنْكَرُوهُ.
إِنَّ اللّهَ تَعَالَى خَصَّكُمْ بِالاْءِسْلاَمِ وَاسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْمُ سَلاَمَةٍ وَجِمَاعُ كَرَامَةٍ اصْطَفَى اللّهُ تَعَالَى مَنْهَجَهُ وَبَيَّنَ حُجَجَهُ مِنْ ظَاهِرِ عِلْمٍ وَبَاطِنِ حُكْمٍ لاَ تَفْنَى غَرَائِبُهُ وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ فِيهِ مَرَابِيعُ النِّعَمِ وَمَصَابِيحُ الظُّلَمِ لاَ تُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إِلاّ بِمَفَاتِيحِهِ وَلاَ تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلاّ بِمَصَابِيحِهِ قَدْ أَحْمَى حِمَاهُ وَأَرْعَى مَرْعَاهُ فِيهِ شِفَاءُ الْمُسْتَشْفِي وَكِفَايَةُ الْمُكْتَفِي.
وَهُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللّهِ يَهْوِي مَعَ الْغَافِلِينَ وَيَغْدُو مَعَ الْمُذْنِبِينَ بِلاَ سَبِيلٍ قَاصِدٍ وَلاَ إِمَامٍ قَائِد.
منها: حَتَّى إِذَا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِمْ وَاسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلاَبِيبِ غَفْلَتِهِمُ اسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً وَاسْتَدْبَرُوا مُقْبِلاً فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ وَلاَ بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ وَإِنِّي أُحَذِّرُكُمْ وَنَفْسِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ فَلْيَنْتَفِعِ امْرُؤ بِنَفْسِهِ فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي وَالضَّلاَلَ فِي الْمَغَاوِي وَلاَ يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الْغُوَاةَ بِتَعَسُّفٍ فِي حَقٍّ أَوْ تَحْرِيفٍ فِي نُطْقٍ أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ فَأَفِقْ أَيُّهَا السَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ وَاسْتَيْقِظْ مِنْ غَفْلَتِكَ وَاخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ وَأَنْعِمِ الْفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صلّى اللّه عليه وآله مِمَّا لاَ بُدَّ مِنْهُ وَلاَ مَحِيصَ عَنْهُ وَخَالِفْ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ وَدَعْهُ وَمَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ وَضَعْ فَخْرَكَ وَاحْطُطْ كِبْرَكَ وَاذْكُرْ قَبْرَكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ وَكَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ وَمَا قَدَّمْتَ الْيَوْمَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَداً فَامْهَدْ لِقَدَمِكَ وَقَدِّمْ لِيَوْمِكَ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ وَالْجِدَّ الْجِدَّ أَيُّهَا الْغَافِلُ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير.
إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللّهِ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ الَّتِي عَلَيْهَا يُثِيبُ وَيُعَاقِبُ وَلَهَا يَرْضَى
وَيَسْخَطُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ عَبْداً وَإِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ وَأَخْلَصَ فِعْلَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا لاَقِياً رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا أَنْ يُشْرِكَ بِاللّهِ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلاَكِ نَفْسٍ أَوْ يَعُرَّ بِأَمْرٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ أَوْ يَسْتَنْجِحَ حَاجَةً إِلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِه أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ أَوْ يَمْشِيَ فِيهِمْ بِلِسَانَيْن.
اعْقِلْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمِثْلَ دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِهِ إِنَّ الْبَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا وَإِنَّ السِّبَاعَ هَمُّهَا الْعُدْوَانُ عَلَى غَيْرِهَا وَإِنَّ النِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْفَسَادُ فِيهَا إِنَّ الْمُؤمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ إِنَّ الْمُؤمِنِينَ مُشْفِقُونَ إِنَّ الْمُؤمِنِينَ خَائِفُون.
رواه الكلينى عن علي بن محمّد عن سهل عن شباب الصير في عن عليّ بن سيف عن إسماعيل بن قتيبة قال: دخلت أنا وعيسى شلقان(1)على أبي عبداللّه عليهالسلام فابتدأنا فقال: عجبا لأقوام يدّعون على أمير المؤنين عليهالسلامما لم يتكلّم به قطّ، خطب أمير المؤنين عليهالسلام الناس بالكوفة فقال: الحمد للّه الملهم عباده حمده، وفاطرهم على معرفة ربوبيته، الدالّ على وجوده بخلقه، وبحدوث خلقه على أزله، وباشتباههم على أن لا شبه له، المستشهد بآياته على قدرته، الممتنعة من الصفات ذاته، ومن الأبصار رؤته، ومن الأوهام الإحاطة به، لا أمد لكونه(2)، ولا غاية
1) . شلقان بفتح المعجمة واللام ثمّ القاف لقب عيسى بن أبي منصور، ما لم يتكلم به قط كأنّه عليهالسلامأراد بذلك شيئا من الغلوّ أو عن تشبيه اللّه تعالى وادعاء الوهيته وامثال ذلك.
2) . لان كونه وجود صرف متمجد عن الليالى والأيّام والشهور والاعوام والحدود والآنات والأوقات والساعات، ولا غاية لبقائه لان بقاءه بقاء حقيقي متقدس عن الاستمرار الامتدادى والكون الزمانى. فى
لبقائه، لا تشمله المشاعر، ولا تحجبه الحجب، والحجاب بينه وبين خلقه، خلقه إيّاهم لامتناعه ممّا يمكن في ذواتهم، ولإمكان(1)مما يمتنع منه، ولا فتراق الصانع من المصنوع، والحادّ من المحدود، والربّ من المربوب، الواحد بلا تأويل عدد(2)، والخالق لا بمعنى حركة، والبصير لا بأداة، والسميع لا بتفريق آلة، والشاهد لا بمماسّة، والباطن لا باجتنان(3)، والظاهر البائن لا بتراخي مسافة، أزله نهية لمجاول الأفكار، ودوامه ردع لطامحات العقول، قد حسر كنهه نوافذ الأبصار، وقمع وجوده جوائل الأوهام، فمن وصف اللّه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن عدّه فقد أبطل أزله، ومن قال: أين. فقد غيّاه، ومن قال: علام. فقد أخلى منه، ومن قال: فيم. فقد ضمّنه(4).
1) . ولا مكان ـ بالتنوين بحذف المضاف إليه ـ أي لا مكان ذواتهم وفي توحيد الصدوق هكذا »و لا مكان ذواتهم ممّا يمتنع منه ذاته«وهو الصواب وكان اللفظتين سقطتا من قلم النسّاخ فى
2) . بلا تأويل عدد بأن يكون له تعالى ثان من نوعه او يكون مركبا فيطلق عليه الواحد بتأويل انه واحد من نوع مثلا،»و لا بمعنى حركة«أي جسمانية او نفسانية، و لا بتفريق آلة اي لا بآلة مغايرة لذاته او بادخال شيء فيها فانه يتضمن التفريق و في التوحيد»السميع لا باداة البصر البصير لا بتفريق آلة«. آت
3) . الاجتنان الاستتار اي اله باطن بمعنى أن العقول والافهام لا تصل إلى كنهه لا باستتاره بستر وحجاب او علم البواطن لا بالدخول فيها والاستتار بها، والنهية بضم النون وسكون الهاء وفتح الياء اسم من نهاه ضد امره، والمجاول بالجيم جمع مجول بفتح الميم وهو مكان الجولان او زمانه او مصدر، والردع المنع: والقمع: القلع، والجوائل جمع جائل او جائلة من الجولان. آت
4) . الكافي: 139/1/ ح 5.
ثم قال الكلينى: ورواه محمّد بن الحسين عن صالح بن حمزة عن فتح بن عبداللّه مولى بني هاشم، قال: كتبت إلى أبي إبراهيم عليهالسلام أسأله عن شيء من التوحيد، فكتب إليّ بخطه: الحمد للّه، وذكر مثل ما رواه سهل ـ إلى قوله ـ وقمع وجوده جوائل الأوهام(1).
وروى الصدوق عن الدّقّاق عن الأسدي عن البرمكي عن عليّ بن عباس بن جعفر بن محمّد الأشعري عن فتح بن يزيد الجرجاني، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليهالسلام أسأله عن شيء من التوحيد، فكتب إليّ بخطّه، قال جعفر: وإنّ فتحا أخرج إليّ الكتاب فقرأته بخطّ أبي الحسن عليهالسلام... مع تفاوت يسير(2).
استدلّ عليهالسلام على أصل وجوده تعالى، ثمّ على أزليّته، ثمّ على نفي الشّبه له بما ذكر.
قال الصادق عليهالسلام: لم يكن بدّ من إثبات الصانع لوجود المصنوعين والاضطرار منهم إليه أثبت أنّهم مصنوعون، وأنّ صانعهم غيرهم، وليس مثلهم إذا كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب والتأليف، وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد أن لم يكونوا، وتنقلهم من صغر إلى كبر، ومن سواد إلى بياض، ومن قوّة إلى ضعف(3).
قال بعض: المراد بمشابهتهم الاشتباه في الجسميّة والجنس والنّوع والأشكال
والمقادير والألوان ونحو ذلك، وإذ ليس داخلا تحت جنس لبرائته عن التّركيب المستلزم للامكان، ولا تحت النّوع لافتقاره في التّخصيص بالعوارض إلى غيره، ولا بذى مادّة لاستلزامه التّركيب أيضا، فليس بذي شبيه في الامور المذكورة والأحسن ما عن أمير المؤنين عليهالسلام عند استنهاضه النّاس لحرب معاوية في المرّة الثّانية وهو قوله عليهالسلام: وحدّ الأشياء كلّها عند خلقه إبانة لها من شبهه وإبانة له من شبهها(1).
قال العلامة المجلسي في شرحه: أي جعل للأشياء حدودا ونهايات، أو أجزاء و ذاتيّات ليعلم بها أنّها من صفات المخلوقين والخالق منزّه عن صفاتهم، أو خلق الممكنات الّتي من شأنها المحدوديّة ليعلم بذلك أنّه ليس كذلك كما قال تعالى: فخلقت الخلق لاعرف، إذ خلقها محدودة لأنّها لم تكن تمكن أن تكون غير محدودة لامتناع مشابهة الممكن الواجب في تلك الصّفات الّتي هي من لوازم وجوب الوجود(2).
من استلم الحجر إذا المسه.
أي: الحواس الظاهرة، وهي السامعة والباصرة والذائقة والشامّة واللامسة، قال الشاعر:
والرّأس مرتفع فيه مشاعره *** يهدي السبيل له سمع وعينان(1)
كما تستر البيت أستار الكعبة.
فلا يمكن أن يكون في الصانع مشاعر مثل مشاعر المصنوعين.
فلا يمكن أن تحجبه السواتر كالمحدود والمربوب.
وفي الخبر: أنّ أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤنين عليهالسلام، فقال يا أمير المؤنين أ تقول: إنّ اللّه واحد ثمّ انجرّ الحديث إلى أن قال عليهالسلام: إنّ القول في أنّ اللّه واحد على أربعة أقسام، فوجهان منها لا يجوزان على اللّه تعالى، ووجهان يثبتان فيه، فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه: فقول القائل واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد...(2).
و أمّا ما في دعاء (الصحيفة): «لك يا إلهي وحدانيّة العدد»(3)فالمراد به أنّه لا يطلق عليه من لفظ الأعداد إلاّ الواحد، وإن لم يكن إطلاقه عليه بمعنى كونه أوّل
الأعداد، بل بمعنى أنّه لا ثاني له.
وأمّا قول ابن سينا ـ كما نقل عنه في استشكاله في كون موضوع علم الحساب العدد الحاصل في المادة، بأنّ المحاسب يبحث عن العدد المفارق للمادة في الخارج أيضا، لعروضه المجرّدات كالعقول والنفوس وذات الواجب إن قلنا: إنّ الواحد عدد(1)ـ فخطأ منه حسب كثير من أوهامه في أصول الدين.
أي: تعب، قال تعالى: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»(2).
والخلق في اصل اللغة هو التقدير المستقيم ويستعمل فى ابداع الشيء من غير اصل ولا احتذاء كما قال تعالى: «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْض»(3)أي أبدعهما بدلالة قوله تعالى: «بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْض»(4)وايضاً يستعمل في ايجاد الشيء من الشيء نحو قوله تعالى: «خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَة»(5)و«خَلَقَ الاْءِنْسانَ مِنْ نُطْفَة»(6)و«وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاْءِنْسانَ مِنْ سُلالَة»(7)وهكذا وعليه فالخلق على قسمين ابداعى وايجادى واللّه تعالى خالق بالمعنيين كما عرفت من الآيات الا ان الخلق الابداعى لا يوجد في غيره واما الايجادى فقد يكون فى غيره وإلى ما ذكرناه من الفرق وانّ الايجادى يطلق على غيره أشار في الكتاب بقوله في
عيسى: «وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي»(1)ولكنّ الحق ان الثانى ايضاَ له تعالى واقعا وانّما يتصف غيره به على سبيل المجاز من حيث السببيّة وهو ظاهر فانّ الخالق بالخلق الايجادى مخلوق له تعالى فمخلوقه ايضا مخلوق له واقعاَ.
أي: أذن وسامعة.
قد عرفت أنّ (الكافي) رواه: «البصير لا بأداة والسّميع لا بتفريق آلة»(2).
لكن الظاهر صحّة ما هنا لتصديق (التوحيد) له(3)، مع أنّه لا معنى لتفريق الآلة
في السمع بخلافه في البصر، فالإنسان في إبصاره للأشياء يفرّق الآلة (أي الحدقة) مرّة إلى شيء وأخرى إلى آخر، وسماعه لشيئين وإن كان بتوجّهه إلى هذا مرّة، وإلى ذاك أخرى إلاّ أنّه ليس فيه تفريق آلة.
قال ابن أبي الحديد: المراد بتفريق الآلة هاهنا الشعاع الذي باعتباره يكون الواحد منّا مبصرا، فإنّ القائلين بالشّعاع يقولون: إنّه يخرج من العين أجسام لطيفة هي الأشعة، وتكون آلة للحيّ في أبصار المبصرات فيتفرّق عليها، فكلّ جسم يقع عليه ذلك الشعاع يكون مبصرا(4).
و لكن على ما فسّرنا كلامه عليهالسلام لا يستلزم صحّة القول بالشّعاع، بل الأصحّ هو القول بالانطباع، وتشهد له الأخبار الدالّة على أنّ اللّه تعالى أدخل العالم بكبره في
سواد العين الذي يكون بقدر عدسة(1).
للأشياء.
منه تعالى له بل بعلمه وإحاطته بها. قال صدر المتألّهين في تحقيق ذلك: لأنّ التماس من خواصّ الأجسام، والمشاهدة بالمماسّة للمشهود نفسه كما في الذّائقة واللاّمسة، وللمتوسّط بين الشّاهد والمشهود كما في الشّامّة والسّامعة والباصرة، والحاصل أنّ إدراكات الحواسّ الظّاهرة الخمسة ومشاهداتها كلّها لا تتمّ إلاّ بالمماسّة لجسم من الأجسام وإن كان المشهود له والحاضر بالذّات عند النّفس شيئا آخر غير المموس بالذّات أو بالواسطة(2)
أي: البعيد عن الأشياء.
تفاعل من الرخو مقابل الصعب، والمراد البعد، يقال: تراخى السماء، إذا بعد نزول المطر.
و الأصل في المسافة: سفت الشيء، إذا شممته، كان الدليل على الطريق إذا كان في فلاة أخذ التراب فشمّه ليعلم أعلى قصد أم جور، قال رؤة:
اذا الدّليل استاف أخلاق الطرق
ثمّ كثر حتّى سمّوا البعد مسافة(1). والمسافة في قصر الصلاة أربعة وعشرون ميلا.
أحد له كظهور غيره من الأشياء.
كبطون غيره من الأشياء.
أي: انفصل وبعد.
جملة (بان...) تفسير وشرح لقوله: «و البائن لا بتراخي مسافة».
الجملة من تتمة الأولى، فإنّه اذا كان تعالى بان من الأشياء كانت الأشياء بائنة
1) . الصحاح: 1378/4 مادة سوف.
منه، لكن كلّ منهما لا بمعنى البينونة في الأشياء بعضها مع بعض. قال تعالى: «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد»(1).
ولا حدّ له.
وهو منزّه عن العدد.
مع أنّه أزلي لا آخر له، فلا يجيء العدّ في أمده. قال العلامة المجلسي في شرح هذه الفقرة من حديث الكافي: إنّ من وصف اللّه بالصّورة والكيف فقد جعله جسما ذا حدود، ومن جعله ذا حدود فقد جعله ذا أجزاء، وكلّ ذى أجزاء محتاج حادث، أو أنّ من وصف اللّه وحاول تحديد كنهه فقد جعله ذا حد مركّب من جنس وفصل، فقد صار حقيقة مركّبة محتاجه إلى الأجزاء حادثة أو أنّ من وصف اللّه بالصّفات الزّايدة فقد جعل ذاته محدودة بها، ومن حدّه كذلك فقد جعله ذا عدد إذ اختلاف الصّفات إنّما يكون بتعدّد أجزاء الذّات أوقال بتعدّد الالهة إذ يكون كلّ صفة لقدمها إليها غير محتاج إلى علّة، ومن كان مشاركا في الالهيّة لا يكون قديما فيحتاج إلى علّة، أو جعله مع صفاته ذا عدد وعروض الصّفات المغايرة الموجودة ينافي الأزليّة، لأنّ الاتّصاف نوع علاقة توجب احتياج كلّ منهما إلى الآخر، وهو ينافي
1) . ق: 16.
وجوب الوجود والأزليّة أو المعنى أنّه على تقدير زيادة الصّفات يلزم تركّب الصّانع إذ ظاهر أنّ الذّات بدون ملاحظة الصّفات ليست بصانع للعالم، فالصّانع المجموع فيلزم تركّبه المستلزم للحاجة والامكان، وقيل: فقد عدّه من المخلوقين(1).
ومحال استيصافه، وبيان وصف له.
أي: جعله في حيّز وموضع، قال القطاميّ في امرأة خافت أن يصير ضيفها:
تحيّز منّي خشية أن أضيفها
كما انحازت الأفعى مخافة ضارب(2)
وفي (الكافى) بدل «فقد حيّزه»: «فقد غيّاه»(3)، وفي (التوحيد) بدله «فقد أخلى منه»(4).
إذ الثلاثة من صفات الذات لا الفعل، وصفات الذات أبدية بلا ضدّ بخلاف صفات الفعل.
قال الكليني: إنّ كلّ شيئين وصفت اللّه بهما وكانا جميعا في الوجود فذلك صفة
فعل، وتفسير هذه الجملة أنّك تثبت في الوجود ما يريد وما لا يريد، وما يرضاه وما يسخطه، وما يحبّ وما يبغض ـ ثم قال ـ إنّا لا نجد في الوجود ما لا يعلم وما لا يقدر عليه(1).
قال الصادق عليهالسلام ـ لبكير بن أعين لمّا سأله: هل علمه تعالى ومشيئته مختلفان أو متّفقان ـ : العلم ليس هو المشيئة، ألا ترى أنّك تقول: سأفعل كذا إن شاء اللّه، ولا
تقول: سأفعل إن علم اللّه(2).
وبالجملة كان عزّ وجلّ عالما وربّا وقادرا أبدا قبل الخلق وبعد الخلق.
يقال: طلعت الشمس والقمر.
يقال: لمع البرق.
يقال: لاح النجم.
أي: استقام برجوع الأمر إليه عليهالسلام.
أي: ما اعوج من الامور أيّام عثمان.
قال الزهري: خرج محمّد بن أبي بكر ومحمّد بن أبي حذيفة عام خرج عبداللّه بن سعد ـ في غزوته الروم سنة 31 ـ فأظهرا عيب عثمان وما غيّر، وما خالف به أبا بكر وعمر، وأنّ دم عثمان حلال. ويقولان: استعمل عبداللّه بن سعد، رجلا كان رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أباح دمه ونزل القرآن بكفره، وأخرج النّبيّ صلىاللهعليهوآله قوما فأدخلهم عثمان، ونزع أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوآله واستعمل سعيد بن العاص وعبداللّه بن عامر. فبلغ ذلك عبداللّه بن سعد، فقال: لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين، ولقوا العدوّ، وكانا انكل (أكلّ) المسلمين قتالا، فقيل لهما في ذلك، فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكّمه ـ إلخ(1).
وقال العلاء بن عبداللّه العنبريّ: اجتمع ناس من المسلمين، فتذاكروا أعمال عثمان وما صنع، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلا يكلّمه، ويخبره بإحداثه، فأرسلوا إليه عامر بن عبداللّه التميمي ثمّ العنبري ـ وهو الذي يدعى عامر بن عبد قيس ـ فأتاه، فدخل عليه فقال له: إنّ ناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك، فوجدوك قد ركبت امورا عظاما، فاتّق اللّه عزّ وجلّ وتب إليه، وانزع عنها.
فقال عثمان: انظروا إلى هذا، يزعم الناس أنّه قارئ، ثمّ هو يجيء فيكلّمني في المحقّرات، فو اللّه ما يدري أين اللّه قال عامر: أنا لا أدري أين اللّه قال: نعم، واللّه ما تدري أين اللّه قال عامر: بلى واللّه إنّي لأدري أنّ اللّه بالمرصاد لك.
1) . تاريخ الطبري: 341/3 ـ 342 سنة 31.
فأرسل عثمان إلى معاوية، وإلى عبداللّه بن سعد بن أبي سرح، وإلى سعيد بن العاص، وإلى عبداللّه بن عامر، وإلى عمرو بن العاص، فجمعهم ليشاورهم في أمره و ما طلب إليه، وما بلغه عنهم، فلمّا اجتمعوا عنده قال لهم: إنّ لكلّ امرىء وزراء ونصحاء، وإنّكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي، وصنع الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إليّ أن أعزل عمّا لي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون، فاجتهدوا رأيكم، وأشيروا عليّ.
فقال عبداللّه بن عامر: رأيي لك أن تشغلهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن تجمّرهم في المغازي حتّى يذلّوا لك فلا يكوننّ همّ أحدهم إلاّ نفسه، وما هو فيه من دبرة دابته، وقمل فروه.
ثمّ أقبل عثمان على سعيد بن العاص فقال له: ما رأيك قال: إن كنت تريد (ترى) رأينا فاحسم عنك الداء، واقطع عنك الذي تخاف، واعمل برأيي تصب. قال: وما هو قال: إنّ لكلّ قوم قادة متى تهلك يتفرّقوا، ولا يجتمع لهم أمر، فقال عثمان: إنّ هذا هو الرأي لو لا ما فيه.
ثمّ أقبل على معاوية فقال: ما رأيك قال: أرى أن تردّ عمّالك على الكفاية لما قبلهم، وأنا ضامن لك قبلي.
ثمّ أقبل عثمان على عبداللّه بن سعد فقال: ما رأيك قال: أرى أنّ الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم.
ثمّ أقبل على عمرو بن العاص، فقال له: ما رأيك قال: أرى أنّك قد ركبت الناس بما يكرهون، فاعتزم أن تعتدل، فإنّ أبيت فاعتزم أن تعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزما، وامض قدما. فقال له عثمان: مالك قمل فروك أ هذا الجدّ منك فأسكت عنه
دهرا، حتّى إذا تفرّق القوم، قال عمرو لعثمان: لا واللّه لأنت أعزّ عليّ من ذلك، ولكن قد علمت أن سيبلغ الناس قول كلّ رجل منّا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي، فأقود إليك خيرا، أو أدفع عنك شرّا(1).
و روى الطبري عن الزهريّ أيضا وزاد: فردّ عثمان عمّا له على أعمالهم، وأمرهم بالتضييق على من قبلهم، وأمرهم بتجمير الناس في البعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه، ويحتاجو إليه(2).
قال ابن أبي الحديد: أي: استبدل اللّه بعثمان وشيعته عليّا عليهالسلاموشيعته، وبأيّام ذاك أيّام هذا(3).
استبدل بالظلمة النّور، وبالجور العدل، وبالباطل الحقّ.
وقال ابن قتيبة ـ بعد ذكر خطبة له عليهالسلام في التحريض على جهاد معاوية ـ : ثمّ قام أبو أيّوب الأنصاريّ فقال: إنّ أمير المؤنين عليهالسلام قد أسمع من كانت له اذن واعية، وقلب حفيظ، إنّ اللّه قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حقّ قبولها، حيث نزل بين أظهركم ابن عمّ الرسول صلىاللهعليهوآله، وخير المسلمين وأفضلهم وسيّدهم بعده، يفقّهكم في الدين، ويدعوكم إلى جهاد المحلّين، فواللّه لكأنّكم صمّ لا تسمعون، وقلوبكم غلف مطبوع عليها فلا تستجيبون، أ ليس إنّما عهدكم بالجور والعدوان أمس، وقد شمل العباد، وشاع في الإسلام، فذو حقّ محروم، ومشتوم عرضه، ومضروب ظهره،
وملطوم وجهه، وموطوء بطنه، وملقى بالعراء، فلمّا جاءكم أمير المؤنين عليهالسلام صدع بالحقّ، و نشر العدل (بالعدل)، وعمل بالكتاب، فاشكروا نعمة اللّه عليكم، وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ(1).
و لمّا بعث عليّ عليهالسلام الأشتر إلى الكوفة لمّا أراد قتال البصرة، صعد الأشتر المنبر وقال بعد حمده تعالى وذكر الإسلام ـ إلى أن قال ـ : ثمّ ولّي رجل نبذ كتاب اللّه وراء ظهره، وعمل في أحكام اللّه بهوى نفسه، فسألناه أن يعزل نفسه عنّا فلم يفعل، وأقام على أحداثه، فاخترنا هلاكه على هلاك ديننا ودنيانا، ولا يبعد اللّه إلاّ القوم
الظالمين، وقد جاءكم اللّه بأعظم الناس مكانا، وأجلّهم في الإسلام سهما، ابن عمّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، وأفقه الناس في دين اللّه، وأقرئهم لكتاب اللّه، وأشجعهم عند اللقاء يوم البأس، وقد استنفركم فما تنتظرون أ سعيد الذي فعل ما فعل، أم الوليد الذي شرب الخمر وصلّى بكم على سكر، أيّ هذين تريدون قبّح اللّه من له هذا الرأي(2).
أي: التغيّرات.
أي: من أصابه القحط.
كان انتظار الناس أيّام عثمان انتظار ناس أصابهم القحط لمطر يحييهم.
ولمّا أخرج عثمان أبا ذرّ إلى الربذة، وشيّعه أمير المؤنين عليهالسلاموالحسنان عليهماالسلام،
قال له الحسين عليهالسلام: يا عمّاه، إنّ اللّه تعالى قادر على أن يغيّر ما ترى، وهو كلّ يوم في شأن(1).
وانّ رجلا شهد الجمعة عند معاوية بالجابية لقي أبا الدرداء وصاحبا له في طريق، فقال لهما: خبر كرهت أن اخبركما به، فقال أبو الدرداء: لعلّ أبا ذرّ قد نفي. قال: نعم واللّه. فاسترجع أبو الدرداء وصاحبه قريبا من عشر مرّات، ثمّ قال أبو الدرداء لصاحبه: «... فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ»(2)كما قيل لأصحاب الناقة(3).
وعن أبي كعب الحارثي ـ في خبر ـ أنّه كان يجيء عند عثمان إذ جاء نفر فقالوا: إنّه أبى أن يجيء. فغضب عثمان وقال: أبى أن يجيء اذهبوا فجيئوا به، فإن أبى فجرّوه جرّا. قال: فمكثت قليلا فجاءوا ومعهم رجل آدم طوال أصلع، في مقدّم رأسه شعرات، وفي قفاه شعرات، فقلت: من هذا قالوا: عمّار. فقال له عثمان: أنت الذي تأتيك رسلنا فتأبى أن تجيء فكلّمه بشيء لم أدر ما هو ـ إلى أن قال ـ : فتبعت عثمان حتّى دخل المسجد، فإذا عمّار جالس إلى سارية، وحوله نفر من أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوآله يبكون، فقال عثمان: يا وثّاب عليّ بالشرط. فجاءوا، فقال: فرّقوا بين هؤاء. ثمّ اقيمت الصلاة، فتقدّم عثمان فصلّى بهم، فلمّا كبّر قالت امرأة
من حجرتها: تركتم أمر اللّه، وخالفتم عهده. ثمّ صمتت وتكلّمت اخرى بمثل ذلك، فإذا هما عائشة وحفصة. فسلّم عثمان ثمّ أقبل على الناس فقال: إنّ هاتين لفتّانتان، يحلّ لي سبّهما، وأنا بأصلهما عالم. فقال له سعد: أ تقول هذا لحبائب النبيّ فقال له: وفيم أنت وما ها هنا، ثمّ أقبل نحو سعد عامدا ليضربه، فانسلّ سعد ـ إلى أن قال ـ : فلقي عليّا عليهالسلام بباب المسجد، فقال عثمان له: أ لست الذي خلّفك النبيّ يوم تبوك فقال له عليّ عليهالسلام: أ لست الفارّ يوم احد(1).
وعن ابن عبّاس ـ في خبر ـ قال عثمان لعمّار: أما إنّك من شنآئنا وأتباعهم، وايم اللّه، إنّ اليد عليك منبسطة، وإنّ السبيل إليك لسهلة ـ إلى أن قال ـ فقال له عمّار: واللّه ما أعتذر من حبّي عليّا عليهالسلام. فقال له عثمان: إنّك واللّه ما علمت لمن أعوان الشرّ الحاضّين عليه، الخذلة عند الخير والمثبّطين عنه. فقال عمّار: مهلا يا عثمان، فقد سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يصفني بغير ذلك. قال عثمان: ومتى قال: يوم دخلت أنا عليه منصرفه عن الجمعة، وليس عنده غيرك، وقد ألقى ثيابه، وقعد في فضله، فقبّلت أنا صدره ونحره وجبهته، فقال: يا عمّار، إنّك لتحبّنا وإنّا لنحبّك، وإنّك لمن الأعوان على الخير والمثبّطين عن الشرّ.
فقال عثمان: أجل ولكنّك غيّرت وبدّلت. فرفع عمّار يديه يدعو وقال: آمّن يا ابن عبّاس، اللهمّ من غيّر فغيّر به(2). وعن عليّ عليهالسلام قال: أرسل إليّ عثمان في الهاجرة(3)، فتقنّعت بثوبي، فأتيته،
فدخلت عليه وهو على سريره، وفي يده قضيب، وبين يديه مال دثر صبرتان من ورق وذهب، فقال: دونك خذ من هذا حتّى تملأ بطنك فقد أحرقتني. فقلت: وصلتك رحم إن كان هذا المال ورثته، أو أعطاكه معط، أو اكتسبته من تجارة، كنت أحد رجلين: إمّا آخذ وأشكر، أو أفرّ وأجهد، وإن كان من مال اللّه وفيه حقّ المسلمين واليتيم وابن السبيل، فو اللّه مالك عليّ أن تعطينيه، ولا لي أن آخذه. فقال: أبيت واللّه إلاّ ما أبيت. ثمّ قام إليّ بالقضيب فضربني، واللّه ما أردّ يده حتّى قضى (حاجته)، فتقنّعت بثوبي، ورجعت إلى منزلي، وقلت: اللّه بيني وبينك إن كنت أمرتك بمعروف أو نهيتك عن منكر(1).
وروى الثقفي في (تاريخه) عن داود بن الحصين الأنصاري أنّ محمّد بن مسلمة الأنصاري قال يوم قتل عثمان: ما رأيت يوما قطّ أقرّ للعيون ولا أشبه بيوم بدر من هذا اليوم(2).
وروى عن أبي سفيان قال: أتيت محمّد بن مسلمة فقلت: قتلتم عثمان قال: نعم، وأيم اللّه ما وجدت رائحة هي أشبه برائحة يوم بدر من رائحة هذا اليوم(3).
فيقال: صدق، ففي بدر قتل جمع من الجبابرة، واسر جمع من الجبابرة، وفي ذاك اليوم قتل رئيس الجبابرة عثمان رئيس بني اميّة الشجرة الملعونة، فذلّوا وخزيوا.
ثمّ تشبيه أمر محبوب متوقّع بمطر بعد جدب، كما في كلامه عليهالسلام، أمر شائع، قال الفرزدق:
إنّي وإيّاك إذ حلّت بأرحلنا *** كمن بواديه بعد المحل ممطور(1)
وقال آخر:
وحديثها كالغيث يسمعها *** راعي سنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حيا *** ويقول من فرح هيا ربا(2)
ولمّا كثر عتب (عبث) هشام بن عبد الملك بالوليد بن يزيد وبندمائه، قال أحدهم:
لعلّ الوليد دنا ملكه *** فأمسى إليه قد استجمعا
وكنّا نؤّل في ملكه *** كتأميل ذي الجدب أن يمرعا(3)
لكنّ الوليد وعد ذلك من نفسه إلاّ أنّه لم يفعل كعثمان الذي وعد الناس الخير في أوّل خلافته لما حصل له العيّ في خطبته، ولم يفعل إلاّ الشّرّ.
قال أبو الفرج: لمّا خرج زيد بن عليّ على هشام منع أهل مكّة والمدينة أعطياتهم، فلمّا ولي الوليد بعده كتب إلى أهل مكّة والمدينة:
ضمنت لكم إن لم تصابوا بمهجتي *** بأنّ سماء الضرّ عنكم ستقلع
فلمّا فعل خلاف ما قال، قال حمزة بن بيض ردّا عليه:
وصلت سماء الضرّ بالضرّ بعد ما *** زعمت سماء الضرّ عنّا ستقلع
فليت هشاما كان حيّا يسوسنا *** وكنّا كما كنّا نرجّي ونطمع(4)
هذا، وبعضهم بدل في التشبيه، المطر بعد المحل بقرب الغريق إلى الساحل فقال:
إذا قلت أي فتى تعلمون *** أهش إلى الطعن بالذابل
و أضرب للقرن يوم الوغى *** وأطعم في الزمن الماحل
أشارت إليك أكفّ الورى *** اشارة غرقى إلى الساحل(1)
ثمّ إنّ ابن أبي الحديد قال: كلامه عليهالسلام «و انتظرنا الغير، انتظار المجدب المطر» يدلّ على أنّه عليهالسلام كان يتربّص بعثمان الدوائر، ويرتقب حلول الخطوب بساحته.
فإن قلت: أ يجوز على مذهب المعتزلة أن يقال: إنّه عليهالسلام كان ينتظر قتل عثمان، انتظار المجدب المطر، وهل هذا إلاّ محض مذهب الشيعة قلت: إنّه عليهالسلاموإن قال: «انتظر الغير» يجوز أن يكون أراد انتظار خلعه وعزله عن الخلافة، فإنّ عليّا عليهالسلام عند أصحابنا كان يذهب إلى أنّ عثمان يستحقّ الخلع بأحداثه، ولم يستحقّ القتل.
فإن قلت: أ تقول المعتزلة أنّ عليّا عليهالسلام كان يذهب إلى فسق عثمان المستوجب لأجله الخلع قلت: كلاّ حاش للّه أن تقول المعتزلة ذلك وإنّما تقول: إنّ عليّا عليهالسلام كان يرى أنّ عثمان يضعف عن تدبير الخلافة، وأنّ أهله غلبوا عليه، واستبدّوا بالأمر دونه، واستعجزه المسلمون، واستسقطوا رأيه، فصار حكمه حكم الإمام إذا عمي، أو أسره العدوّ، فإنّه ينخلع من الإمامة(2).
قال التسترى(3): هب أنّ الأمر كما ذكر، فإذا كان عثمان بالغا درجة الانخلاع فضلا عن استحقاقه الخلع، هل صار قتله موجبا لاستحقاق الخلافة، فكيف يقولون بإمامته ثمّ لم أعلم أيّ شيء يجعلون معنى الفسق، فإن لم يكن عثمان بتلك
الأحداث فاسقا فلا فاسق في الدّنيا.
ثمّ كيف لم يكن فاسقا بها وقد قال تعالى:... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ(1)وقال جلّ وعلا:... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(2).
وقال عزّ اسمه:... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ(3).
و كان عمّار يقول: هذه الثلاثة تشهد بكفره وأنا الرابع(4).
و سبحان اللّه هل حبّ الشيء يعمي الإنسان ويصمّه بدرجة يسلبه فطرياته وضروريّات العقول وإلاّ فمن قال بإمامة أبي بكر وعمر في عصر عثمان كفّر عثمان، وأباح دمه، وإنّما حمل معاوية عدوّ الإسلام ولعين النبيّ صلىاللهعليهوآله في غير موطن الناس بالسيف على القول به.
ثمّ كيف يقول ابن أبي الحديد: إنّ أمير المؤنين عليهالسلام لم يقل بفسقه، ولا باستحقاقه القتل(5)والأشتر يصيح بين يديه في صفّين:
لا يبعد اللّه سوى عثمانا *** مخالف قد خالف الرحمانا
نصرتموه عابدا شيطانا(6)
وعمّار يصيح بين يديه: امضوا عباد اللّه إلى قوم يطلبون ـ فيما يزعمون ـ بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد اللّه بغير ما في كتاب اللّه، إنّما قتله الصالحون
المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان، ويقول هؤاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين: لم قتلتموه فقلنا: لإحداثه. فقالوا: إنّه ما أحدث شيئا. وذلك لأنّه مكّنهم من الدّنيا فهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدّت عليهم الجبال. واللّه ما أظنّهم يطلبون دمه، إنّهم ليعلمون أنّه كان ظالما، ولكنّ القوم
ذاقوا الدّنيا فاستحبّوها واستمروها وعلموا لو أنّ الحقّ لزمهم لحال بينهم وبين ما يرعون فيه منها. ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها الطاعة والولاية، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة(1).
وروى الثقفي أنّ رجلا قال لعمّار يوم صفّين: علام تقاتلهم قال: على أنّهم زعموا أنّ عثمان مؤن ونحن نزعم أنّه كافر(2).
وروى الواقدي: أنّه قيل لحذيفة: ما تقول في قتلة (قتل) عثمان فقال: هل هو إلاّ كافر قتل كافرا أو مسلم قتل كافرا فقالوا: ما جعلت لعثمان مخرجا. قال: إنّ اللّه
لم يجعل له مخرجا(3).
واضح أنّ مراده عليهالسلام بالأئمّة: أئمّة أهل البيت عليهمالسلام لا المتقدّمون عليه، ولو فرض أنّ الأمر كما تقول العامّة، من كونه عليهالسلام غير منصوص عليه، ولم يكن المتقدّمون عليه مخالفين لنصّ اللّه ورسوله، فإنّ كونهم الباغين عليه بتقدّمهم مع قرابته بالنّبيّ صلىاللهعليهوآله وبعدهم عنه، ومع علمه و جهلهم، ومع ورعه وعدم تحرجهم، وغير
ذلك، أمر مقطوع «... وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَ...»(1)، «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ...»(2)، «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ...»(3)وشكاياته عليهالسلام عنهم متواترة، فقول ابن أبي الحديد في شرح العنوان: «أصحابنا كافة قائلون بصحّة هذه القضيّة، وهي أنّه لا يدخل الجنّة إلاّ من عرف الأئمّة، ألا ترى أنّهم يقولون: الأئمة بعد النّبيّ صلىاللهعليهوآلهفلان وفلان. ويعدونهم واحدا واحدا، فلو أن إنسانا لا يقول بذلك لكان عندهم فاسقا، والفاسق لا يدخل الجنّة عندهم أبدا»(4)مغالطة، فإنّما الكلام في الصّغرى: أئمّة الحق من هم ؟ والكبرى مفروغ عنها.
و توهّم الخوئي أنّ مراده بالأئمّة: أئمتنا، فاعترض عليه بأنّ مجرّد معرفتهم وتعدادهم لا يكفي، وإنّما اللاّزم معرفتهم بوصف الإمامة والخلافة(5)، فإنّه واضح أنّ مراد ابن أبي الحديد بأصحابه: المعتزلة، وهم قائلون بإمامة الثلاثة، وكان الحقّ أن يقول له: كيف يكون من قال: إنّ له شيطانا يعتريه(6). ومن منع النّبيّ صلىاللهعليهوآله من الوصيّة، وقال: إنّه ليهجر(7). ومن فعل أفعالا استحلّ المسلمون بها دمه، ولم يوجبوا تجهيزه بل أباحوا إحراق جسده، قوّامه تعالى على خلقه، عرفاءه على عباده «... فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(8).
وقوله عليهالسلام: قوّام اللّه على خلقه، أي يقومون بمصالحهم ويدبّرون امورهم، أو
أنّهم القائمون بأمر اللّه ونهيه وأحكامه على خلقه، لكونهم خلفائه في أرضه وحججه على بريّته، وكمال هذا القيام عند ظهور صاحب الأمر عليهالسلامفانّه الزّمان الّذي تجتمع فيه الخلايق على الايمان، ويرتفع الشّرك بالكلّيّة.
كما يدلّ عليه ما عن أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه سئل عن القائم، فقال: كلّنا قائم بأمر اللّه واحدا بعد واحد حتّى يجيء صاحب السّيف فاذا جاء صاحب السّيف جاء بأمر غير الّذي كان(1).
قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله لأمير المؤنين عليهالسلام: ثلاثة اقسم أنّهنّ حقّ: إنّك والأوصياء من بعدك عرفاء لا يعرف اللّه إلاّ بسبيل معرفتكم، وعرفاء لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفكم وعرفتموه، وعرفاء لا يدخل النّار إلاّ من أنكركم وأنكرتموه(2).
وعن ابن المتوكّل عن الأسدي عن الصّولي عن يوسف بن عقيل عن إسحاق بن راهويه، قال: لمّا وافى أبو الحسن الرّضا نيسابور، وأراد أن يخرج منها إلى المأمون، اجتمع عليه أصحاب الحديث، فقالوا له: يابن رسول اللّه ترحل عنّا ولا تحدّثنا بحديث فنستفيده منك ـ إلى أن قال بعد ذكر روايته عليهالسلام لهم عن آبائه عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله عن اللّه تعالى قال: «لا إله إلاّ اللّه حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابى» ـ فلمّا مرّت الراحلة نادى: بشروطها، وأنا من شروطها(3).
وروى محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه، قال: قال محمّد بن فلان
الواقفي: كان لي ابن عمّ يقال له: الحرّ بن عبداللّه، وكان من أعبد أهل زمانه، وكان يتّقيه السّلطان لجدّه في الدّين واجتهاده، وربما استقبل السلطان بكلام صعب يعظه، ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر. وكان السّلطان يحتمله لصلاحه، فلم يزل هذه حاله حتّى كان يوم من الأيّام إذ دخل عليه أبو الحسن موسى عليهالسلاموهو في المسجد، فرآه فأومأ إليه، فأتاه فقال له: يا أبا عليّ ما أحبّ إليّ ما أنت فيه وأسرّني، إلاّ أنّه ليست لك معرفة. قال: جعلت فداك، وما المعرفة قال: اذهب فتفقه واطلب الحديث. قال: عمّن قال: عن فقهاء أهل المدينة، ثمّ أعرض عليّ الحديث. قال: فذهب فكتب ثمّ جاءه فقرأه عليه، فأسقط كلّه، ثمّ قال له: اذهب فاعرف المعرفة ـ وكان الرّجل معنيّا بدينه ـ . فلم يزل يترصّد أبا الحسن عليهالسلام حتّى خرج إلى ضيعة له، فلقيه في الطّريق، فقال له: جعلت فداك، إنّي أحتجّ عليك بين يدي اللّه تعالى، فدلّني على المعرفة فأخبره عليهالسلام بأمر أمير المؤنين عليهالسلام وما كان بعد النّبيّ صلىاللهعليهوآله وأخبره بأمر الرجلين، و ما كان، ثمّ قال له: فمن كان بعد أمير المؤنين قال: الحسن، ثمّ الحسين عليهماالسلام. حتّى انتهى إلى نفسه، ثمّ سكت فقال له: جعلت فداك، فمن هو اليوم ؟ قال: إن أخبرتك تقبل قال: نعم، جعلت فداك. قال: أنا هو. قال: فشيء استدّل به. قال: اذهب إلى تلك الشجرة ـ وأشار إلى ام غيلان ـ فقل لها: يقول لك موسى بن جعفر: اقبلي. فأتاها، قال: فرأيتها واللّه تخدّ الأرض خدّا حتّى وقفت بين يديه، ثمّ أشار إليها فرجعت، فأقرّ به عليهالسلام، ثمّ لزم الصّمت والعبادة، فكان لا يراه أحد يتكلّم بعد ذلك(1).
وعن أبي جعفر عليهالسلام في قوله تعالى: «وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ
1) . الكافي: 352/1 ـ 353 / ح 8.
بِسِيماهُمْ»(1)قال عليهالسلام: نحن أولئك الرّجال، الأئمة منّا يعرفون من يدخل النّار ومن يدخل الجنّة كما تعرفون في قبائلكم الرّجل منكم يعرف من فيها من صالح أو طالح(2).
وعن أبي جعفر عليهالسلام قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: «وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُم»(3)ما يعني بقوله وعلى الأعراف رجال؟ قال عليهالسلام: ألستم تعرفون عليكم عريفا على قبائلكم لتعرفوا من فيها من صالح أو طالح؟ قلت: بلى، قال: فنحن أولئك الرّجال الّذين يعرفون كلاّ بسيماهم(4).
وعن أبان بن عمر ختن آل ميثم قال: كنت عند أبي عبداللّه عليهالسلامفدخل عليه سفيان بن مصعب العبدى فقال: جعلنى اللّه فداك ما تقول في قوله تعالى ذكره: «وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ» الآية؟ قال عليهالسلام: هم الأوصياء من آل محمّد الاثنا عشر لا يعرف اللّه إلاّ من عرفهم وعرفوه، قال فما الأعراف جعلت فداك؟ قال: كثبان من مسك عليها رسول اللّه صلىاللهعليهوآله والأوصياء يعرفون كلاّ بسيماهم فقال سفيان: فلا أقول في ذلك شيئا؟ فقال من قصيدة شعرا.
أيا ربعهم(5)هل فيك لى اليوم مربع *** وهل لليالى كنّ لى فيك مرجع
وفيها يقول:
وأنتم ولاة الحشر والنشر والجزا *** وأنتم ليوم المفزع الهول مفزع
وأنتم على الأعراف وهى كتائب *** من المسك رياها بكم يتضوّع(1)
ثمانية بالعرش اذ يحملونه***ومن بعدهم هادون في الأرض أربع(2)
وعن مقرن قال: سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: جاء ابن الكوا إلى أمير المؤنين عليهالسلامفقال: يا أمير المؤنين وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاّ بسيماهم،
فقال عليهالسلام نحن الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن الأعراف الّذين لا يعرف اللّه عزّ وجلّ إلاّ بسبيل معرفتنا، ونحن الأعراف يعرفنا «يوقفنا» اللّه عزّ وجلّ يوم القيامة على الصّراط، فلا يدخل الجنّة إلاّ من عرفنا ونحن عرفناه، ولا يدخل النّار إلاّ من أنكرنا وأنكرناه، إنّ اللّه لو شاء لعرف العباد نفسه، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤى منه، فمن عدل عن ولايتنا أو فضّل علينا غيرنا فانّهم عن الصّراط لناكبون، ولا سواء من اعتصم النّاس به، ولا سواء من ذهب حيث ذهب النّاس، ذهب الناس إلى عيون كدرة(3)يفرغ بعضها في بعض، وذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية تجرى بامر ربها لانفاد لها ولا انقطاع(4)
وعن الأصبغ بن نباتة عن سلمان الفارسي (ره) قال: اقسم باللّه لسمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وهو يقول لعليّ عليهالسلام: يا عليّ إنك والأوصياء من بعدي أوقال من بعدك أعراف لا يعرف اللّه إلاّ بسبيل معرفتكم وأعراف لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفكم وعرفتموه، ولا يدخل النّار إلاّ من أنكركم وأنكرتموه(1).
وعن المنبه عن الحسين بن علوان عن سعد بن طريف عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
سألته عن هذه الآية «و على الأعراف رجال يعرفون كلاّ بسيماهم» قال عليهالسلام: يا سعد آل محمّد صلىاللهعليهوآله لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النّار إلاّ من أنكرهم وأنكروه، وأعراف لا يعرف اللّه إلاّ بسبيل معرفتهم(2)
وعن أمير المؤنين عليهالسلام نحن نوقف يوم القيامة بين الجنّة والنّار، فمن ينصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنّة، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النّار(3)
وعن الصّادق عليهالسلام كلّ أمّة يحاسبها إمام زمانها ويعرف الأئمّة أوليائهم و أعدائهم بسيماهم، وهو قوله «و على الأعراف رجال يعرفون كلاّ بسيماهم» فيعطوا أوليائهم كتابهم بيمينهم فيمرّوا إلى الجنّة بلا حساب ويعطوا اعدائهم كتابهم بشمالهم فيمرّوا إلى النّار بلا حساب(4)
قال في الصّافي: والوجه في إطلاق لفظ الأعراف على الأئمة أنّ الأعراف إن كان اشتقاقها من المعرفة فالأنبياء والأوصياء هم العارفون والمعروفون
والمعرّفون اللّه والنّاس للنّاس في هذه النشأة، وإن كان من العرف(1)بمعنى المكان العالي المرتفع فهم الّذين من فرط معرفتهم وشدّة بصيرتهم كأنّهم في مكان عال مرتفع ينظرون إلى ساير النّاس في درجاتهم ودركاتهم، ويميزون السّعداء عن الأشقياء على معرفة منهم بهم وهم بعد في هذه النشأة(2)
وقال المفيد: اتّفقت الإماميّة على أنّ من أنكر أحدا من الأئمّة، وجحد ما أوجبه اللّه تعالى لهم من فرض الطّاعة فهو كافر ضالّ مستحقّ للخلود. وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وأنكروا كفر من ذكرناه، وحكموا لبعضهم بالفسق خاصّة، ولبعضهم بما دون الفسق من العصيان(3).
قال أبو عبداللّه جعفر بن محمّد الصّادق عليهالسلام: خرجت أنا وأبي حتّى إذا كنّا بين القبر والمنبر إذا هو باناس من الشيعة فسلّم عليهم، ثمّ قال: إنّي واللّه لاحبّ رياحكم وأرواحكم، فأعينوني على ذلك بورع واجتهاد، واعلموا أنّ ولايتنا لا تنال إلاّ بالورع والاجتهاد، ومن ائتمّ منكم بعبد فليعمل بعمله. أنتم شيعة اللّه وأنتم أنصار اللّه، وأنتم السّابقون الأوّلون، والسّابقون الآخرون، والسّابقون في الدّنيا، والسّابقون في الآخرة إلى الجنّة، قد ضمنا لكم الجنّة بضمان اللّه(4)، وضمان رسول
اللّه صلىاللهعليهوآله. واللّه ما على درجة الجنّة أكثر أرواحا منكم، فتنافسوا في فضائل الدّرجات، أنتم الطّيبون ونساؤم الطّيبات. كلّ مؤنة حوراء عيناء(1)، وكلّ مؤن صدّيق، ولقد قال أمير المؤنين عليهالسلام لقنبر: يا قنبر أبشر وبشّر واستبشر(2)، فو اللّه لقد مات النّبيّ صلىاللهعليهوآله وهو على امته ساخط إلاّ الشّيعة...(3).
و كيف لا يكون كما قال عليهالسلام من عدم دخول الجنّة إلاّ من عرفهم بعد عدم قبول عبادة إلاّ بولايتهم، وعدم صحّة صلاة إلاّ بالصلاة عليهم وإن كان ابن الزّبير يترك الصلاة على النّبيّ صلىاللهعليهوآله في صلاته وخطبه لبغض أهل بيته(4).
و بدّل معاوية وباقي بني اميّة الصلاة عليهم عليهمالسلام بالسّب لهم.
و كان أهل حرّان ـ قاتلهم اللّه ـ حين ازيل لعن أمير المؤنين عليهالسلامعن المنابر يوم الجمعة امتنعوا عن إزالته، وقالوا: لا صلاة إلاّ بلعن أبي تراب. وأقاموا على ذلك سنة حتّى كان من أمر المشرق وظهور المسودة ما كان(5).
و لعمري، لو كنت كشقيق البلخي أو معروف الكرخي في العرفان، ولم تعرفهم لم يعرفك اللّه. وأما صحّة كليّة الحصر في قوله عليهالسلام: «و لا يدخل النّار إلاّ من أنكرهم وأنكروه» ـ مع دخول العاصين الّذين لا ينكرونهم النّار ـ فيمكن أن تكون بوجوه، أحدها: أن لا يدخلونها دخولا مخلدا، وثانيها: أن يكون الحصر إضافيا من حيث إنكار رجال الدّين، ولو كان في العمل من أوّل العابدين، وثالثها: بأنّ من عصى اللّه
تعالى ينكرهم عليهمالسلام، وينكرونه لقولهم عليهمالسلام: «لا تنال ولايتنا إلاّ بالعمل»(1). وأمّا القول بعدم دخول فسّاق الشّيعة أيضا النّار، فمخالف للقرآن والسّنّة المقطوعة.
قال تعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الاْءِسْلامُ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاْءِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآْخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِين»(2).
قال تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ...»(3).
وقال تعالى: «إِلاّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للّهِِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤمِنِين»(4).
قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ»(5).
بالكسر.
تاوى إليه. عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ [بْنِ] مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ قَالَ أَمِيرُ
الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام: لَأَنْسُبَنَّ الاْءِسْلاَمَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْهُ أَحَدٌ قَبْلِي وَلا يَنْسُبُهُ أَحَدٌ بَعْدِي الاْءِسْلاَمُ هُوَ التَّسْلِيمُ وَالتَّسْلِيمُ هُوَ التَّصْدِيقُ وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الْيَقِينُ وَالْيَقِينُ هُوَ الْأَدَاءُ وَالْأَدَاءُ هُوَ الْعَمَلُ إِنَّ الْمُؤمِنَ أَخَذَ دِينَهُ عَنْ رَبِّهِ وَلَمْ يَأْخُذْهُ عَنْ رَأْيِهِ أَيُّهَا النَّاسُ دِينَكُمْ دِينَكُمْ تَمَسَّكُوا بِهِ لاَ يُزِيلُكُمْ أَحَدٌ عَنْهُ لِأَنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْحَسَنَةِ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ تُغْفَرُ وَالْحَسَنَةَ فِي غَيْرِهِ لاَ تُقْبَلُ(1).
أي: اختار.
أي: طريقه الواضح.
أي: براهينه والمراد بكتاب انزله وكانه سقط من النسخة وكيف كان قال تعالى: «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ...»(2).
الظاهر ان المراد علم انباء غيب القرآن الظاهر لكل احد كونها علما.
اسرار ما تضمنه القرآن من الاحكام ومن المصالح والمفاسد في ما بين من الحلال والحرام.
في الخبر قيل لأبي عبداللّه عليهالسلام: ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلاّ غضاضة فقال: لان اللّه تعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة(1).
أي: النعم الدائمة المقيمة من (مربع القوم) محل اقامتهم او من (الارض المربوعة) أي: مطرت في الربيع(2).
أي: سرجها، قال تعالى: «الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ»(3).
قال تعالى: «لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا
عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ»(1).
قال تعالى: «فَلْيَأْتُوا
بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ»(2).
وقال تعالى: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاْءِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا
يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً»(3).
من (مكان حمى) محظور لا يقرب(4)والمراد انه بين في القرآن ما اريد ترك الناس لها من المحرمات كقوله تعالى: «وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً»(5)، «وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...»(6)، «وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ...»(7)، «لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى...»(8).
(الظاهر انه كناية عن بيان المحللات التي ابيح للناس التمتع بها، في قبال احماء الحمى كناية عن المحرمات) قال تعالى: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ
لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ...»(1).
وقال تعالى: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ...)(2).
قال تعالى: «وَنُنَزِّلُ
مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِينَ...»(3).
قال تعالى: «وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»(4).
وقال تعالى: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً»(5).
وقال تعالى: «وَيُبَشِّرَ
الْمُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً»(6).
وقال تعالى: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِينَ»(7).
هذا، وعن حفص بن غياث سمعت موسى بن جعفر عليهالسلام يقول لرجل أ تحب البقاء
في الدنيا فقال: نعم، فقال ولم ؟ قال لقراءة (قل هو اللّه أحد)، فسكت عنه فقال لي بعد ساعة: يا حفص من مات من اوليائنا وشيعتنا ولم يحسن القرآن علم في قبره ليرفع اللّه به درجته فان درجات الجنة على عدد آيات القرآن يقال له اقرأ وارق فيقرأ ثم يرقا إلى أن قال حفص: وكانت قراءته عليهالسلام حزنا فإذا قرأ فكأنه يخاطب انسانا(1).
قال تعالى: «وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً * إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً * وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً»(2).
وقال تعالى: «فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً»(3).
بالكسر، أي: يسقط ويهبط.
عنه تعالى، قال تعالى: «اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ»(4).
أصل يغدو: السّير غدوّا، ولمّا كان الغالب في طالب شيء أن يسير إليه في الغدوّ استعمل في مطلق الطلب.
قال تعالى: «وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ»(1).
وقال تعالى: «وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً...»(2).
قال تعالى: «وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيل وَمِنْها جائِرٌ...»(3).
قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة(4).
قال تعالى: «لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً * إِلاّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزاءً وِفاقاً * إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً»(5).
قال تعالى: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ»(6).
قال الشّارح البحراني: النفس ذو جهتين جهة تدبير أحوالها البدنيّة بما لها من
القوّة العملية، وجهة استكمالها بقوّتها النظرية التي تتلقّى بها من العاليات كمالها، وبقدر خروجها عن حدّ العدل في استكمال قوّتها العملية تنقطع عن الجهة الأخرى وتكتنفها الهيآت البدنيّة فتكون في أغطية منها وجلابيب من الغفلة عن الجهة الاخرى بالانصباب إلى ما يقتنيه مما يعدّ خيرا في الدّنيا وبسبب انصبابها في هذه الجهة وتمكن تلك الهيآت البدنية منها يكون بعدها عن بارئها ونزولها في دركات الجحيم عن درجات النعيم وبالعكس كما قال صلىاللهعليهوآله: الدّنيا والآخرة ضرّتان بقدر ما تقرب من إحداهما تبعد من الأخرى، وظاهر إنّ بالموت تنقطع تلك الغفلة، وتنكشف تلك الحجب، فيؤئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذّكرى، ويكون ما أثبته له يومئذ من تعلّق تلك الهيئات بنفسه وحطها له عن درجات الكمال من السلاسل والأغلال هو جزاء معصيتهم المنكشف لهم،(1)انتهى، هذا. وتشبيه الغفلة بالجلباب من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، ووجه الشّبه إحاطتها بهم وملازمتها لهم إحاطة الثوب بالبدن ولزومه له
قيل: أي استقبلوا أمرا كان في ظنّهم مدبرا عنهم وهو الشّقاء والعذاب واستدبروا ما كانوا خوّلوه من الأولاد والأموال.
قال تعالى: «أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ * ما أَغْنى
1) . شرح نهج البلاغة ابن ميثم: 240/3 ـ 241.
عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ»(1).
وزاد (التحف) «و صار ذلك وبالا عليهم فصاروا يهربون ممّا كانوا
يطلبون»(2).
قال تعالى: «وَلَقَدْ
جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ
وَراءَ ظُهُورِكُم»(3).
وقال تعالى: «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ * كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ * فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِين»(4).
ويحكى انّ عليّ بن محمّد التّنوخي كان من جملة القضاة الّذين ينادمون الوزير المهلبيّ ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطّراح الحشمة والتبسّط في القصف والخلاعة وهم ابن قريعة وابن معروف والقاضي الايذجي وغيرهم وما منهم إلاّ أبيض اللّحية طويلها فاذا لذّ السّماع وأخذ الطّرب منهم مأخذه وهبوا ثوب الوقار للعقار وتقلّبوا في أعطاف العيش بين الخفّة والطّيش ووضع في يد كلّ منهم طاس ذهب من ألف مثقال مملوّا شرابا قطر بليا وعكبريّا فيغمس لحيته فيه بل ينقعها حتى تتشرب أكثره ثمّ يرشّ بها بعضهم على بعض ويرقصون بأجمعهم وعليهم المصبّغات وفحانق البرم ويقولون كلّما كثر شربهم (هرهر) وإيّاهم عني
السّري في قوله:
مجالس ترقص القضاة بها *** إذا انتشوا في فحانق البرم
فاذا أصبحوا عادوا إلى التحفّظ بأبّهة القضاء وحشمة الكبراء(1).
قال ابن أبي الحديد: وروي «و هذه المزلّة»(2)، قال عليهالسلام: «و نفسى» ليكونوا إلى الانقياد أقرب.
قال تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ»(3).
وقال تعالى: «لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَت»(4).
وقال تعالى: «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ...»(5).
وقال تعالى: «وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّهِ»(6).
لا كلّ من كان له بصر.
قال تعالى حاكيا عن فرعون: «فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى * فَأَخَذَهُ اللّهُ نَكالَ
الآْخِرَةِ وَالْأُولى * إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى»(1).
«وانتفع بالعبر» أي نظر بعين الاعتبار إلى السلف الماضين من الجبابرة والملوك والسلاطين وغيرهم من الناس أجمعين كيف انتقلوا من ذروة القصور إلى وهدة القبور، ومن دار العزّ والمنعة إلى بيت الذّلّ والمحنة، وفارقوا من الأموال و الأوطان، وجانبوا الأقوام والجيران، وصاحبوا الحيّات والديدان، وكيف كانت الدّيار منهم بلاقع، والقبور لهم مضاجع واندرست آثارهم، وانقطعت أخبارهم، وخربت ديارهم، وقسمت أموالهم، ونكحت أزواجهم، وحشر في اليتامى أولادهم، وأنكرهم صديقهم، وتركهم وحيدا شفيقهم، ففى أقلّ هذه عبرة لمن اعتبر، وتذكرة لمن اتّعظ وتذكّر.
الجدد: الأرض الصّلبة، وفي المثل: (من سلك الجدد أمن العثار)(2)قال تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ»(3).
المهوى والمهواة ما بين الجبلين ونحو ذلك، وتهاوى القوم في المهواة: سقط
بعضهم في أثر بعض(4)، قال تعالى: «وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ
الْهَوى * فَإِنَ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى»(1).
قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: ضرب اللّه مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتى الصّراط أبواب مفتّحة، وعليها ستور مرخاة وعلى رأس الصّراط داع يقول جوزوا ولا تعرّجوا(2)، قال: فالصّراط هو الدّين وهو الجدد الواضح هنا، والدّاعى هو القرآن والأبواب المفتّحة محارم اللّه، وهي المهاوى والمغاوى هنا، والسّتور المرخاة هى حدود اللّه ونواهيه(3).
كطلحة والزّبير في خروجهما عليه عليهالسلام فصرع الأوّل في الحرب ممّن كان معه وهو مروان، وصرع الثّاني في البيداء قتله عمرو بن جرموز، وقال زهير:
أ لم تر للنعمان كان بنجوة *** من الشّرّ لو أنّ امرأ كان ناجيا
فغيّر عنه ملك عشرين حجّة *** من الدهر ويوم واحد كان غاويا(4)
والمغوّيات ـ بفتح الواو ومشدّدة ـ : جمع المغوّاة وهي حفرة كالزبية يقال: (من حفر مغوّاة وقع فيها)(5).
العسف: الأخذ على غير الطريق وكذلك التعسّف والاعتساف(6).
قال الشّارح البحراني: أي لا يحملهم على مرّ الحقّ وصعبه، فانّ الحقّ له
درجات بعضها سهل من بعض، فالاستقصاء فيه على غير أهله يوجب لهم النّفرة عمّن يقوله ويأمر به، والعداوة له والقول فيه(1)، وقريب منه ما قاله الشّارح المعتزلي أي يتعسّف في حقّ يقوله أو يأمر به فانّ الرّفق أنجح(2).
قال الخوئى: وظاهر كلامهما يفيد أنّهما فهما من التّعسف من كلامه عليهالسلامتشديد التّكليف على الغواة والتّضييق عليهم في الأحكام، فيكون محصّل مقصوده عليهالسلام على ما قالاه الرّفق بهم عند الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر، لئلاّ يجلب العداوة منهم لنفسه بتركه فيصيبه منهم مكروه وضرر وهذا معنى لا بأس به، إلاّ أنّ الظّاهر أنّه عليهالسلام أراد معنى آخر أي لا يعين الغاوين بما ضرره عايد إليه، وهو تعسّفه في حقّ وعدم كشفه لهم وتبليغه عليهم وإرجاعهم إليه، وذلك لما رأى من تركهم للحقّ وعدولهم عنه وانهما كهم في الغيّ والضّلال ورغبتهم في الباطل، فيتعسّف تطييبا لنفوسهم وتحصيلا لرضاهم، وعود ضرر هذا التّعسف إليه معلوم حيث يشترى رضاء المخلوق بسخط الخالق. فعلى ما قلناه يكون المراد بالضّرر الضّرر الأخروى، وبالتّعسف العدول والانحراف عن قول الحقّ والعمل به(3).
لا يبعد أن يكون عليهالسلام خطب بهذه الخطبة في أمر أهل الجمل حيث انّ في آخره ذمّ النساء وانّ همّهنّ الزّينة والفساد، فلا يبعد أن يكون المراد تحريف ابن الزّبير في أمر الجواب، قال ابن قتيبة: لمّا انتهوا إلى ماء الحوأب نبحها كلاب الحوأب
فقالت عايشة لمحمّد بن طلحة: أيّ ماء هذا قال: الحوأب. قالت: إنّي أراني راجعة قال: ولم قالت: سمعت النبيّ صلىاللهعليهوآله يقول لنسائه: كأنّي بإحداكن قد نبحتها كلاب الحوأب وإيّاك أن تكوني أنت يا حميراء. فقال لها: تقدّمي ودعي هذا القول، وأتى عبداللّه بن الزّبير فحلف لها أنّها خلّفت الحوأب في أوّل اللّيل وأتاها ببيّنة زور من الاعراب فشهدوا بذلك(1).
لمّا أمر معاوية بالتّسليم على ابنه يزيد بولاية العهد سكت الأحنف فقال له: ما بالك لا تقول قال: أخاف اللّه إن كذبتك وأخافك إن صدقتك(2).
في (التحف): «أيّها المستمتع»(3)وهو الأصحّ فالخطاب للمستمتع من شراب شهوات الدّنيا بقرينة قوله (فأفق) وأفق من أفاق المريض: رجع إلى صحّته وقولهم فلان مدمن الخمر لا يستفيق من الشّراب(4).
فالغافل كالنّائم. قال تعالى: «وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ»(5).
وقال تعالى: «وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَة»(6).
أي: أقلّ منها.
وَأَنْعِمِ الْفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صلىاللهعليهوآله مِمَّا لاَ بُدَّ مِنْهُ وَلاَ مَحِيصَ عَنْهُ
نعم الشيء بالضمّ نعومة أي: صار ناعما ليّنا، وأنعم اللّه صباحك من النّعومة(1).
ولعلّ المراد ما جاء على لسان النّبيّ صلىاللهعليهوآله في أهل الجمل من كونهم النّاكثين، ومن حديث كلاب الحوأب ومن قتال الزّبير معه عليهالسلامظلما.
من مخالفته قول النبيّ صلىاللهعليهوآله وعدم اكتراثه لخلافه.
فانّ الفخر والكبر رذيلتان مرديتان والنّاس كلّهم بنو آدم وآدم من تراب.
قال تعالى: «وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ، وَاللّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُور»(2).
وقال تعالى: «إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُورا»(3).
عَنْ عِيسَى بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام عَجَباً لِلْمُخْتَالِ الْفَخُورِ وَإِنَّمَا خُلِقَ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ يَعُودُ جِيفَةً وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لاَ يَدْرِي مَا يُصْنَعُ بِهِ(4).
وعن أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام قَالَ: مَنْ صَنَعَ شَيْئاً لِلْمُفَاخَرَةِ حَشَرَهُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَسْوَدَ الْوَجْهِ(1).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مَنْ مَشَى عَلَى الْأَرْضِ اخْتِبَالاً لَعَنَتْهُ الْأَرْضُ وَمَنْ تَحْتَهَا وَمَنْ فَوْقَهَا(2).
وقال النبىّ صلىاللهعليهوآله: إِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيْنَا وَأَبْعَدَكُمْ مِنَّا الثَّرْثَارُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْكَ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ قَالَ الْمُتَكَبِّرُون(3)
فممرّ الإنسان على قبره لا قدره.
هو كالمثل وقال الشّاعر: دنّاهم كما دانو(4)، و«كما تدين تدان: أي: كما تجازي تجازي(5)وقوله تعالى: «أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ»(6)أي: مجزيون محاسبون، ومنه الدّيّان في صفته تعالى.
والمقصود أنّك كما تعمل للّه سبحانه وتعالى وتعامل معه فاللّه يعامل معك إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرّا ولنعم ما قيل:
من يفعل الحسنات اللّه يشكرها *** والشرّ بالشرّ عند اللّه مثلان(1)
هو أيضا كالمثل: «فمن زرع الخير حصد السّلامة ومن زرع الشّرّ حصد النّدامة»(2).
وقال الشاعر:
إذا أنت لم تزرع وأدركت حاصدا *** ندمت على التقصير في زمن البذر(3)
قال تعالى: «وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّهِ...»(4).
وقال تعالى: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً»(5)
وقال تعالى: «وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدا»(6).
قال تعالى: «... وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ...»(7).
وقال تعالى: «وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ»(1).
هي الدنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرركم حسن ابتسامي *** فقولي مضحك والفعل مبكى(2)
الجدّ: مقابل الهزل، يقال: أجادّ أنت أم هازل
«و لا ينبئك مثل خبير» اقتباس من قوله تعالى في الآية (14) من سورة فاطر.
رواه الكلينى عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: كان أمير المؤنين عليهالسلام كثيرا ما يقول: اعلموا علما يقينا ان اللّه جلّ وعز لم يجعل العبد وان اشتدّ جهده، وعظمت حيلته(3)، وكثرت مكائده، ان يسبق ما سمّى له في الذكر الحكيم، و لم يخل من العبد في ضعفه وقلّة حيلته، ان يبلغ ما سمّى له في الذكر الحكيم، أيها الناس انّه لن
1) . الروم: 44.
2) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 335/3.
3) . مكابدته «أي مشقته. وفي النهج» وقويت مكيدته. والذكر الحكيم هو اللوح المحفوظ كما قاله الفيض رحمهالله. وقوله: «لم يحل بين العبد» في بعض النسخ [لم يحل العبد ]بدون ذكر البين أي لم يتغير من العبد بسبب ضعفه وقلة حيلته البلوغ إلى ما سمى اللّه وفي بعضها [و لم يخل من العبد].
يزداد امرؤنقيرا بحذقه، ولم ينتقص امرؤنقيرا(1)لحمقه، فالعالم بهذا العامل به أعظم الناس راحة في منفعته والعالم بهذا التارك له أعظم الناس شغلا في مضرّته، ورب منعم عليه مستدرج بالاحسان إليه(2)، ورب مغرور في الناس مصنوع له،
فاتق اللّه أيها الساعي من سعيك، وقصر من عجلتك، و انتبه من سنة غفلتك، وتفكّر في ما جاء عن اللّه عز وجل على لسان نبيّه صلىاللهعليهوآله، واحتفظوا بهذه الحروف السبعة،
فانها من قول أهل الحجى، ومن عزائم اللّه في الذكر الحكيم، انّه ليس لأحد أن يلقى اللّه جلّ وعزّ بخلّة(3)من هذه الخلال، الشرك باللّه جلّ وعزّ في ما افترض عليه، أو اشفاء غيظ بهلاك نفسه، أو اقرار بأمر يفعله غيره، أو يستنجح إلى مخلوق باظهار بدعة في دينه، أو يسره ان يحمده الناس بما لم يفعل، والمتجبر المختال(4)
الاستنجاح: تنجز الحاجة والظفر بها. والمختال: المتكبر .
، وصاحب الابهة و الزهو(5)،(6).و رواه ابن أبي شعبة الحلبي، مرفوعا عنه عليهالسلام هكذا: «ان من عزائم اللّه في الذكر الحكيم التي لها يرضى ولها يسخط، ولها يثيب وعليها يعاقب، انّه ليس بمؤن وان
1) . النقير. النكتة في ظهر النواة.
2) . رب مغرور أي غافل يعده الناس عاقلا عما يصلحه ويصنع اللّه له آت. والاستدراج استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال. واستدراج اللّه تعالى العبد استدناؤ قليلا قليلا إلى ما يهلكه ويضاعف عقابه من حيث لا يعلم وذلك بأن يواتر نعمه عليه مع انهماكه في الغى فكلما جدد عليه نعمة ازداد بطرا وجدد معصية فيتدرج في المعاصى بسبب تواتر النعم ظنا منه ان مواترة النعم أثرة من اللّه وتقريب وانما هو خذلان منه وتبعيد. (فى)
3) . الخلّة: الخصلة، جمعها خلال.
4) .
5) . الابهة ـ بالضم وتشديد الباء ـ: العظمة والبهاء. والزهو: الكذب والاستخفاف. النهاية
6) . الكافي: 81/5/ ح 9.
حسن قوله، وزيّن وصفه غيره، إذا خرج من الدنيا فلقى اللّه بخصلة من هذه الخصال لم يتب منها الشرك باللّه في ما افترض عليه من عبادته، أو شفاء غيظ بهلاك نفسه، أو يقرّ بعمل فعله غيره، أو يستنجح حاجة إلى الناس بإظهار بدعة في دينه، أو سرّه ان يحمده الناس بما لم يفعل من خير أو مشى في الناس بوجهين ولسانين والتجبّر والابهة(1)
«ان من عزائم اللّه» العزائم في قبال الرخص كقوله لقمان في ما حكى اللّه تعالى عنه: «يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ
ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ»(2).
وعزائم القرآن معروفة، وعزائم السجود أربعة وأولوا العزم من الرسل خمسة.
أي: القرآن قال تعالى: «ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآْياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ»(3).
في الواجبات والمحرّمات.
عطف على (عليها يثيب ويعاقب) وقد عرفت ان التحف قدم الثاني وهو الأنسب.
أي: ألقى في المشقة.
وصار فعالا.
(هذه الخصال) اشارة إلى خصال ذكرها بعد، إلاّ ان المتن عدّها أربعة أو خمسة وعدّها (التحف) سبعة، وصرّح خبر (الكافي) بكونها سبعة.
قال تعالى: «إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ...»(1).
وقال تعالى: «وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الاْءِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما...»(2).
وقوله عليهالسلام: «أن يشرك باللّه فيما افترض عليه من عبادته» أي يرائي في عمله ولم يخلصه للّه سبحانه، والدليل من الكتاب الحكيم على حرمته قوله تعالى: «فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً»(3)وقوله
تعالى : «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤنَ»(1).
أي يقتل نفسه لافراط قوّته الغضبيّة بحيث لا يطفى نار غضبه إلاّ به، والدليل على حرمته قوله تعالى: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»(2).
وعن أبي ولاد الحنّاط قال سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: من قتل نفسه متعمّدا فهو في نار جهنّم خالدا فيها(3)، هذا ويحتمل أن يكون المراد بهلاك نفسه الهلاك الاخروى أي لا يتشفّى من غيظه إلاّ بأن يكتسب إثما ويوبق نفسه مثل أن يكون بينه وبين آخر بغضاء وعداوة فيغتابه أو يفترى عليه أو ينمّ عليه أو يسعى به إلى الملوك أو يسبّه ونحو ذلك ممّا فيه أليم العذاب ونصّ على حرمته محكم الكتاب، هذا
و في بعض النّسخ «بهلاك نفس» بدل «نفسه» فيكون المراد أنّه لا يسكت غضبه إلاّ بالقتل، ويدلّ على حرمته وعقابه صريحا قوله تعالى: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً»(4).
وعن حمران قال: قلت لأبي جعفر عليهالسلام: قول اللّه عزّ وجلّ: «مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً»(5). وإنّما قتل واحدا، فقال عليهالسلام: يوضع في موضع من جهنّم إليه ينتهى شدّة عذاب أهلها لو قتل النّاس جميعا كان إنّها يدخل ذلك المكان، قلت:
فانّه قتل آخر قال: ويضاعف عليه(1).
وعن أبي عمير قال: حدّثني غير واحد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: من أعان على قتل مؤن بشطر كلمة جاء يوم القيامة بين عينيه مكتوب آيس من رحمة اللّه(2).
وعن جابر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: أوّل ما يحكم اللّه في القيامة الدّماء فيوقف ابنا آدم فيفصل بينهما، ثمّ الّذين يلونهم من أصحاب الدّماء حتّى لا يبقى منهم أحد، ثمّ النّاس بعد ذلك فيأتي المقتول قاتله فيشخب دمه في وجهه فيقول: هذا قتلنى، فيقول أنت قتلته ؟ فلا يستطيع أن يكتم اللّه حديثا(3)
وعن سعيد الأزرق عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل قتل رجلا مؤنا يقال له: مت أىّ ميتة شئت إن شئت يهوديا وان شئت نصرانيّا، وإن شئت مجوسيّا(4).
عره بشر: لطخه به(5)وفي نسخ ابن أبي الحديد وابن ميثم والخطية (أو يقر) بالقاف إلاّ ان الأول فسّره باللطخ وهو معنى العر لا القر.
الفاعل ضمير (عبدا).
«غيره» مفعول (يعر) والأصل: (يعر غيره بأمر فعله هو) قال تعالى: «وَمَنْ
يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً»(1).
وقال تعالى: «إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِآياتِ اللّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ»(2).
وعن ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: من بهت مؤنا أو مؤنة بما ليس فيهما بعثه اللّه يوم القيامة في طينة خبال حتّى يخرج ممّا قال، قلت: وما طينة خبال؟ قال: صديد يخرج من فروج الزّناة(3)، بل يدلّ عليه جميع ما ورد في حرمة الغيبة إذ ذلك قسم من الغيبة بل من أعظم أقسامها كما لا يخفى.
و على قوله عليهالسلام «أو يقرّ بأمر فعله غيره» الظّاهر أنّ المراد به أن يحكى أمرا قبيحا ارتكبه غيره، ويدلّ على أنّه حرام ومعصية قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ(4)
وعن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهماالسلام قال: قلت له:
جعلت فداك الرّجل من اخواني بلغني عنه الشيء الذي أكرهه فأسأله عنه فينكر ذلك، وقد أخبرني عنه قوم ثقات، فقال لي: يا محمّد كذّب سمعك وبصرك عن أخيك وإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولا فصدّقه وكذّبهم، ولا تذيعنّ عليه شيئا تشينه به وتهدم به مروّته، فتكون من الذين قال اللّه عزّ وجلّ: «إِنَّ الَّذِينَ
يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ»(1)الآية(2).
وعن المفضّل بن عمر عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: من روى عن مؤن رواية يريد بها شينه وهدم مروّته ليسقطه من أعين النّاس أخرجه اللّه عزّ وجلّ من ولايته إلى ولاية الشّيطان(3).
قال تعالى: «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللّهِ...»(4).
وقال تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ...»(5).
وقال تعالى: «... فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ...»(6).
وقال تعالى: «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُون»(7).
عن النبىّ صلىاللهعليهوآله: أهل البدع شر الخلق والخليقة، أصحاب البدع كلاب النار(8).
وعن الصادق عليهالسلام: من مشى إلى صاحب بدعة فوقّره فقد مشى في هدم الإسلام(9).
و المراد أنّه يبدع في الدّين طلبا لنجاح حاجته، ومن المعلوم أنّ كلّ بدعة ضلالة والضّلالة في النّار قال تعالى: «وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً»(1)وقال تعالى: «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّهِ»(2).
واستنجاح الحاجة بالبدعة أشدّ خزيا وأعظم مقتا، كما يدلّ عليه ما عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: صونوا دينكم بالورع، وقوّوه بالتّقوى والاستغناء باللّه عزّ و جلّ عن طلب الحوائج من السّلطان، واعلموا أنّه أيّما مؤن خضع لصاحب سلطان أو لمن يخالفه على دينه طلبا لما في يديه أخمله اللّه ومقته عليه ووكله اللّه إليه، وإن
هو غلب على شيء من دنياه وصار في يده منه شيء نزع اللّه البركة منه ولم يأجره على شيء ينفقه في حجّة ولا عمرة ولا عتق(3).
وعن هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: كان رجل في الزّمن الأوّل طلب الدّنيا من حلال فلم يقدر عليها، فطلبها من حرام فلم يقدر عليها، فأتاه الشّيطان فقال له: يا هذا إنّك قد طلبت الدّنيا من حلال فلم تقدر عليها وطلبتها من حرام فلم تقدر عليها أفلا أدلّك على شيء يكثر به مالك ودنياك وتكثر به تبعك؟ قال: بلى، قال: تبتدع دينا وتدعو إليه النّاس، ففعل، فاستجاب له النّاس فأطاعوه وأصاب من الدّنيا، ثمّ إنّه فكّر فقال: ما صنعت ابتدعت دينا ودعوت النّاس إليه وما أرى لى
توبة إلاّ أن آتى من دعوته إليه فأردّه، فجعل يأتي أصحابه الذين أجابوه فيقول: إنّ الذى دعوتكم اليه باطل وإنّما ابتدعته فجعلوا يقولون: كذبت هذا الحقّ ولكنّك شككت في دينك فرجعت عنه، فلمّا رأى ذلك عمد إلى سلسلة فوتد لها وتدا ثمّ
جعلها في عنقه وقال: لا احلّها حتّى يتوب اللّه عزّ و جلّ علىّ، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى نبيّ من الأنبياء قل لفلان: وعزّتي لو دعوتني حتّى ينقطع أو صالك ما استجبت لك حتّى تردّ من مات على ما دعوته إليه فيرجع عنه(1).
قد عرفت ان (التحف) جعلهما شيئا واحداً فقال: (أو مشى في الناس بوجهين و لسانين) وهو الأصح فالوجهان انما باللسانين كما ان المراد باللسانين التكلّم بكيفيتين فالظاهر ان (أو يمشى) محرّف (و يمشى).
و كيف كان فعن الصادق عليهالسلام: قال من لقى المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان من نار(2).
وعن عبد الرّحمان بن حماد رفعه قال: قال اللّه تبارك وتعالى لعيسى: يا عيسى ليكن لسانك في السّر والعلانية لسانا واحدا وكذلك قلبك إنّي احذّرك نفسك وكفى بي خبيرا، لا يصلح لسانان في فم واحد، ولا سيفان في غمد واحد، ولا قلبان في صدر واحد، وكذلك الأذهان(3).
وعن زيد بن عليّ عن آبائه عليهمالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهيجيء يوم القيامة ذو الوجهين دالعا لسانه في قفاه وآخر من قدامه يلتهبان نارا حتّى يلهبا جسده ثمّ يقال له: هذا الّذي كان في الدّنيا ذا وجهين وذا لسانين يعرف بذلك يوم القيامة(4).
وحكى تعالى عن المنافقين: «وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤنَ»(1).
هذا، وقد عرفت ان (الكافي) (و التحف) زادا في الخصال على ما في (النهج) «أو يسره أن يحمده الناس بما لم يفعل» ـ وحينئذ فالأصل فيه قوله: «لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ»(2)ـ وزادا (صاحب التجبر والابهة) كما مر.
قال ابن أبي الحديد: فيه رمز بباطن هذا الكلام إلى الرؤاء يوم الجمل(3).
قال المبرد المثل مأخوذ من المثال كقول كعب بن زهير:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا *** وما مواعيدها إلاّ الأباطيل(4)
وقال ابن السكّيت: المثل لفظ يخالف لفظ المضروب له ويوافق معناه معنى ذلك اللفظ، شبّهوه بالمثال الذي يعمل عليه غيره. وقال النظام: في المثل أربع لا تجتمع في غيره: ايجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية فهو نهاية البلاغة(5).
و لكون المثل دليلا على شبهه، أكثر تعالى من الأمثال، ومنها: «يا أَيُّهَا النَّاسُ
ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ»(1).
قال صدر المتألّهين: كثر في القرآن ضرب الأمثال لأنّ الدّنيا عالم الملك والشّهادة، والآخرة عالم الغيب والملكوت، وما من صورة في هذا العالم إلاّ ولها حقيقة في عالم الآخرة وما من معنى حقيقى في الآخرة إلاّ وله مثال وصورة في الدّنيا، إذ العوالم والنّشئات مطابقة تطابق النفس والجسد، وشرح أحوال الآخرة لمن كان بعد في الدّنيا لا يمكن إلاّ بمثال، ولذلك وجدت القرآن مشحونا بالأمثال كقوله: «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ»(2)»، «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ»(3)، «مثله كَمَثَلِ الْكَلْبِ»(4)، «مثلهم كَمَثَلِ الْحِمارِ»(5). وليس للأنبياء أن يتكلّموا مع الخلق إلاّ بضرب الأمثال، لأنّهم كلّفوا أن يكلّموا النّاس على قدر عقولهم، وقدر عقولهم أنّهم في النوم والنائم لا يكشف له شيء إلاّ بمثل، فاذا ماتوا انتبهوا وعرفوا أنّ المثل صادق، فالأنبياء هم المعبرون لما عليه أهل الدّنيا من الأحوال والصّفات وما يؤ عليه عاقبتها في يقظة الآخرة بكسوة الأمثال الدّنيوية(6).
إذا عرفت ذلك فاعلم: إنّ أمير المؤنين عليهالسلام لمّا كان مقصوده التمثيل و أداء غرضه بضرب المثل، والمثل ينتفع به العام والخاص، وكان نصيب العامى من كلّ
مثل أن يدرك ظاهره المحسوس ويقف عليه وينتفع به ترغيبا وترهيبا لما فيه من نوع مطابقة لأصله ونصيب الخاصى أن يدرك باطنه ويعبر من ظاهره إلى سرّه ومن محسوسه الجزئي إلى معقوله الكلّى كما قال تعالى: «وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاّ الْعالِمُونَ»(1)أراد عليهالسلام أن يكون انتفاع المخاطبين بالمثل الذي يضربه على وجه الكمال ونحو الخصوص، فلذلك قال عليهالسلام: مقدّمة وتنبيها لهم: اعقل ذلك فانّ المثل دليل على شبهه، أي أفهم ما أقول وتدبّر فيه ولا تقصر نظرك إلى ظاهره، بل تفكّر في معناه حتّى تصل من قشره إلى لبّه، ويمكن لك الاستدلال بالمثل على ممثّله والانتقال من ظاهره إلى باطنه والوصول من قشره إلى لبّه.
ذكر الصادق عليهالسلام للمفضل من حكم عدم دوام النهار ان لا تفرط البهائم في الأكل فتموت كعدم إفراط الإنسان في العمل فيموت(2).
ثم ان ما ذكره ابن أبي الحديد من كون كلامه عليهالسلام رمزا إلى أصحاب الجمل ـ وهو الظاهر ـ أشار عليهالسلام إلى كون طلحة والزبير كالبهائم همّهما بطونهما، فلذا خرجا عليه عليهالسلام فهلكا(3).
روى المفيد انّه لمّا خرج عثمان بن حنيف عامله عليهالسلام من البصرة عاد طلحة والزبير إلى بيت المال فتأملا ما فيه من الذهب والفضة قالا هذه الغنائم التي وعدنا
اللّه بها وأخبرنا انّه يعجلها لنا. قال أبو الأسود: سمعت هذا منهما ورأيت عليّا عليهالسلام بعد ذلك وقد دخل بيت مال البصرة، فلما رأى ما فيه قال: يا صفراء يا بيضاء غرّي غيري، المال يعسوب الظلمة وأنا يعسوب المؤنين. فلا واللّه ما التفت إلى ما فيه ولا فكّر فيما رآه وما وجدته عنده إلاّ كالتراب هوانا، فتعجبت من القوم و منه، فقلت اولئك ممّن يريد الدنيا وهذا ممّن يريد الآخرة(1).
أشار عليهالسلام في هذا الكلام أيضا إليهم وأنّهم كما كانوا في الشهوة كالبهائم يكونون كالسباع في الغضب، فلمّا كتب طلحة والزبير مع عثمان بن حنيف كتاب عهد بينهم بالمتاركة حتى يقدم أمير المؤنين عليهالسلام وفرّق ابن حنيف أصحابه غدر طلحة والزبير به فأتياه في بيته وهو غافل وعلى باب الدار السبابجة يحرسون بيوت الأموال، فوضعوا فيهم السيف فقتلوا أربعين رجلا منهم صبرا يتولى ذلك منهم الزبير خاصة، ثم هجموا على عثمان فأوثقوه رباطا وعمدوا إلى لحيته فنتفوها ـ وكان كث اللحية ـ حتى لم يبق فيها شعرة، وقال طلحة: عذّبوا الفاسق وانتفوا شعر حاجبيه وأشفار عينيه وأوثقوه بالحديد(2)، ثم قال طلحة والزبير لعائشة ما ذا تأمرين فيه. فقالت: اقتلوه قتله اللّه(3).
أشار عليهالسلام ـ على ما قال ابن أبي الحديد في هذا الكلام ـ إلى عائشة(1).
وروى المفيد ان عائشة لمّا بلغها نزول أمير المؤنين عليهالسلام بذي قار كتبت إلى حفصة: أمّا بعد، فإنّا نزلنا البصرة ونزل عليّ بذي قار واللّه داق عنقه كدق البيضة،
إنّه بمنزلة الأشقر إن تقدّم نحر وإن تأخّر عقر. فلما وصل الكتاب إليها استبشرت بذلك ودعت صبيان بني تميم وعدي وأعطت جواريها دفوفا وأمرتهن أن يضربن بالدفوف ويقلن: «الخبر ما الخبر عليّ الأشقر، إن تقدّم نحر وإن تأخّر عقر» ـ إلى أن قال ـ : فدخلت عليها ام كلثوم وقالت لحفصة إن تظاهرت أنت واختك على أمير المؤنين فقد تظاهرتما على أخيه النبي صلىاللهعليهوآله فأنزل تعالى فيكما ما أنزل ـ أي قوله تعالى: «وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ»(2)،(3).
و كلامه عليهالسلام عام وان كانت هي المراد بالخصوص، وقد ضرب تعالى فيها وفي اختها المثل في قوله: «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ»(4).
وروى عبداللّه بن محمّد بن عقيل عن جابر بن عبداللّه قال: قال النبي صلىاللهعليهوآله:
عرضت عليّ النار وأكثر من رأيت فيها النساء اللاتي إن اؤمنّ أفشين، و إن سألن
الحفن، وإن اعطين لم يشكرن(1).
و كانتا ممّن أفشى سرّه صلىاللهعليهوآله «وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً»(2).
وقال ابن أبي الحديد: نظر حكيم إلى امرأة مصلوبة على شجرة فقال: ليت كلّ شجرة تحمل مثل هذه الثمرة(3).
ورأى بعض الحكماء امرأة غريقة قد احتملها السيل فقال: زادت الكدر كدرا والشر بالشر يهلك(4).
ورأى بعضهم جارية تحمل نارا فقال: نار على نار، والحامل شرّ من المحمول(5).
ورأى حكيم امرأة تعلم الكتابة فقال: سهم يسقى سما ليرمى به يوما ما(6).
ومرّت امرأة بسقراط وهو يتشرق في الشمس فقالت: ما أقبحك أيها الشيخ فقال: لو لا أنّكنّ من المرائي الصديّة لغمّني ما بان فيكنّ من قبح صورتي(7).
وفي قوله صلىاللهعليهوآله «إنّكنّ إذا شبعتنّ خجلتنّ، وإذا جعتنّ دقعتنّ» الخجل سوء احتمال الغنى، والدقع سوء احتمال الفقر(8)، هذا.
وغرضه عليهالسلام من هذا المثل التنبيه على أنّ كمال الإنسان الّذي به فارق غيره هو إدراك ما يخرج عن عالم الحواس والاحاطة بالمعلومات والتنزّه عن التّعلّقات والتّرقّي إلى الملاء الأعلى، فمن ذهل عن ذلك وعطل نفسه عن تحصيله و أهمله
ولم يجاوز عالم المحسوسات فهو الذي أهلك نفسه وأبطل قوّة استعداده بالاعراض عن الآيات والتأمّل فيها، ونزل عن مرتبة الانسانية وأخلد إلى الأرض فان كان تابعا لقوّته الشهويّة البهيميّة فهو نازل عن حقيقة الانسانيّة إلى درجة البهايم، ووافق الأنعام فمثله كمثل الحمار بل البهايم أشرف منه وهو أضلّ منها كما قال تعالى: «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً»(1)وذلك لأنّها ما ابطلت استعدادها لما كان لها وما أضلّت عن سبيلها الّتي كانت عليها، بل ما من دابّة إلاّ هو آخذ بناصيتها، بخلاف هذا، فانّه أبطل كماله و انسانيّته وتبع شهوة بطنه وفرجه وآثر البهيميّة وان كان تابعا لقوته الغضبيّة فهو منحطّ إلى درجة السّبعيّة فمثله كمثل الكلب أو الخنزير أو الضّبع ونحوها وإن كان تابعا لشهوته وغضبه معا فقد انحطّ من كمال الرجوليّة إلى مرتبة الأنوثيّة.
فقد تلخّص مما ذكرنا أنّ غرضه عليهالسلام من التمثيل التنفير عن اتّباع الشهوة والغضب بالتنبيه على أنّ الخارج فيهما عن حدّ العدل إلى مرتبة الافراط إمّا أن تشبه البهيمة أو السبع أو المرأة، وكلّ منها مما يرغب العاقل عنه ولا يرضى به لنفسه.
أي خاضعون للّه متواضعون له وليس همّهم بطونهم كالبهائم.
1) . الفرقان: 44.
قال سبحانه: «وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها» ـ أي الساعة ـ «وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ»(1).
وقال تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ»(2).
وقال تعالى: «وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ»(3).
وليسوا مثل فرقة همّهم العدوان على العباد.
قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ»(4).
وقال تعالى: «وَالَّذِينَ يُؤتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ * أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ»(5).
وليسوا كطائفة كالنساء همّهم زينة الحياة الدنيا والفساد فيها والإفساد.
وفي الكلام اشارة ثانية إلى أن أصحاب الجمل لم يكونوا من الايمان في شيء لخلّوهم من أوصافهم.
هذا، وعن المغيرة: النساء أربع والرجال أربعة: رجل مذكر وامرأة مؤّثة فهو قوّام عليها، ورجل مؤّث وامرأة مذكّرة فهي قوّامة عليه، ورجل مذكّر وامرأة مذكّرة فهما كالوعلين ينتطحان، ورجل مؤّث وامرأة مؤّثة فهما لا يفلحان(6). وللأخطل:
يمددن من هفواتهن إلى الصبا *** سببا يصدن به الغواة طوالا
ما إن رأيت كمكرهن إذا جرى *** فينا ولا كحبالهنّ حبالا
المهديات لمن هوين مسبّة *** والمحسنات لمن قلين مقالا
يرعين عهدك ما رأينك شاهدا *** وإذا مذلت يصرن عنك مذالا
إنّ الغواني إن رأينك طاويا *** برد الشباب طوين عنك وصالا
و إذا وعدنك نائلا أخلفنه *** ووجدت عند عداتهن مطالا
و إذا دعونك عمّهن فإنّه *** نسب يزيدك عندهن خبالا(1)
ولعلقمة الفحل:
فإن تسألوني بالنساء فإنّني *** بصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله *** فليس له في ودّهن نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه *** وشرخ الشباب عندهن عجيب(2)
و لطفيل الغنوي:
إنّ النساء كأشجار نبتن معا *** منها المرار وبعض النبت مأكول
إنّ النساء وان ينهين عن خلق *** فإنّه واجب لا بدّ مفعول
لا يصرفنّ لرشد إن دعين له *** وهنّ بعد ملائيم مخاذيل(3)
المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 338/17.
وقال كعب بن زهير في قصيدته في مدح النبي صلىاللهعليهوآله التي أولها «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول»:
فيا لها خلة لو أنّها صدقت *** بوعدها أو لو أنّ النصح مقبول
لكنّها خلّة قد سيط من دمها *** فجع وولع وأخلاف وتبديل
فما تدوم على حال تكون بها *** كما تلوّن في أثوابها الغول
و ما تمسك بالعهد الذي زعمت *** إلاّ كما يمسك الماء الغرابيل
فلا يغرّنك ما منّت وما وعدت *** إنّ الأماني والأحلام تضليل
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا *** وما مواعيدها إلاّ الأباطيل(1)
وعن امير المؤنين عليهالسلام: لا تحملوا الفروج على السروج فتهيجوهن للفجور(2).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَنَاظِرُ قَلْبِ اللَّبِيبِ بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ وَيَعْرِفُ غَوْرَهُ وَنَجْدَهُ دَاعٍ دَعَا وَرَاعٍ رَعَى فَاسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِي وَاتَّبِعُوا الرَّاعِي. قَدْ خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ وَأَخَذُوا بِالْبِدَعِ دُونَ السُّنَنِ وَأَرَزَ الْمُؤمِنُونَ وَنَطَقَ الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ نَحْنُ الشِّعَارُ وَالْأَصْحَابُ وَالْخَزَنَةُ وَالْأَبْوَابُ وَلاَ تُؤتَى الْبُيُوتُ إِلاّ مِنْ أَبْوَابِهَا فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقا، فِيهِمْ كَرَائِمُ الْقُرْآنِ وَهُمْ كُنُوزُ الرَّحْمَنِ إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا وَإِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا،فَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ وَلْيُحْضِرْ عَقْلَهُ وَلْيَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ الآْخِرَةِ فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ وَإِلَيْهَا يَنْقَلِبُ فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَ عَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ فِي غَيْرِ طَرِيقٍ فَلاَ يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ إِلاّ بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ وَالْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَسَائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ أَ سَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ وَمَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ صلّى اللّه عيه وآله إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ وَيُبْغِضُ عَمَلَهُ وَيُحِبُّ الْعَمَلَ وَيُبْغِضُ بَدَنَهُ وَاعْلَمْ
أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَبَاتاً وَكُلُّ نَبَاتٍ لاَ غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ وَالْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ فَمَا طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ وَمَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَأَمَرَّتْ ثَمَرَتُه.
وَنَاظِرُ
قال الجوهرى: الناظر في المقلة السواد الأصغر الّذى فيه إنسان العين(1).
أي الشخص العاقل.
أي بسبب ذلك الناظر.
أي يرى قلب اللبيب.
أي غايته ومنتهاه.
وأمّا قول الحسن البصري لما قال له الحجاج ما أمدك: «سنتان لخلافة عمر» فلا ينافي كون الأمد بمعني الغاية لأنّ المراد: ما غاية ما أدركت من أوّل عمرك؟(2).
أي قعره.
«ونجده» أي: مرتفعه، وقال الجوهري: الغور من بلاد العرب تهامة، والنجد ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق(1).
و كما جعل عليهالسلام هنا لقلب اللبيب ناظرا به يبصر أمده، ويعرف غوره ونجده يمكن أن يجعل له اذنا يسمع بها الامور الحقّة. فعن الصادق عليهالسلام: «ما من مؤن إلاّ ولقلبه اذنان في جوفه اذن ينفث فيها الوسواس الخنّاس، واذن ينفث فيها الملك فيوّيد اللّه المؤن بالملك فذلك قوله تعالى: «وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ»(2)
المجادلة: 22.
،(3).وعن الصادق عليهالسلام: «ما من قلب إلاّ وله اذنان على إحداهما ملك مرشد، وعلى الاخرى شيطان مفتن هذا يأمره وهذا يزجره، الشيطان يأمره بالمعاصي، والملك يزجره عنها، وهو قول اللّه تعالى:
«عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ * ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ»(1)،(2)،(3).
وانّما خصّ عليهالسلام ناظر قلب اللّبيب بالبيان لأنّ الجاهل بمعزل عن الالتفات غافل عمّا له وعليه كما قال عليهالسلام في رواية الكافي عن عليّ بن محمّد عن سهل بن زياد
عن النوفليّ عن السّكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام قال: قال أمير المؤنين عليهالسلام إنّ قلوب الجهّال تستفزّها الأطماع وترتهنها المنى، وتستعلقها الخدائع(4)يعني يستخفّها الأطماع لأنّهم كثيرا ما ينزعجون من مكانهم بطمع فاسد لا أصل له ولا طائل تحته، وأنّها مقيّدة مرتهنة بالأماني والآمال الكاذبة، وهم ينخدعون سريعا فيستسخر قلوبهم خدايع الخادعين، ويستعبدها مكر الماكرين، ولهذا يعدهم الشّيطان ويمنّيهم بالأماني الباطلة، ويغرّهم ويستفزّهم ويستعبدهم بالخدايع وما يعدهم الشّيطان إلاّ غرورا قال تعالى: «أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً
1) . ق: 17 ـ 18.
2) . قال الفيض رحمهالله: المستفاد من هذا الحديث أن صاحب الشمال شيطان والمشهور انّهما جميعا ملكان كما ياتى في باب الهم بالسيئة او الحسنة إلاّ أن يقال: إن المرشد والمفتن غير الكاتبين الرقيبين وأماما أفاده العلاّمة الطباطبائى مدّ ظله فهو أن غاية ما تدلّ عليه أن مع الإنسان من يراقبه ويحفظ عليه أقواله، وأن هذا الرقيب قاعد عن يمين الإنسان وشماله فهو أكثر من واحد وأمّا أنه من هو وهل هو ملك أو شيطان فلا دلالة فيها على ذلك ولذا صح أن ينطبق على ما في بعض الأخبار من أنّه شيطان وملك كما في هذا الخبر وعلى ما في آخر أنّهما ملكان كاتبان للحسنات والسيئات.
3) .الكافي: 266/2/ ح 1؛ بحار الأنوار: 33/67/ ح 1.
4) . الكافي: 23/1/ ح16؛ بحار الأنوار: 58/75/ ح 130.
يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها»(1).
قال أبو جعفر عليهالسلام في هذه الآية: «ميّت» لا يعرف شيئا، «ونورا يمشي به في النّاس» اماما يأتمّ به «كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها»، قال: الذي لا يعرف الإمام(2).
والمراد بالداعي: النبيّ صلىاللهعليهوآله قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَداعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيرا»(3).
وقال تعالى: «يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم»(4).
المراد بالراعي: هو عليهالسلام، لأنّه ولىّ الخلق والقائم بأمرهم كالرّاعي الذي يرعى غنمه ويحفظها ويربّيها، وتشبيه الإمام بالرّاعي والرعيّة بالغنم وتشبيه من لم يعرف امامه بغنم ضلّت عن راعيها ورد في الحديث عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليهالسلام يَقُولُ: كُلُّ مَنْ دَانَ اللّهَ بِعِبَادَةٍ يُجْهِدُ فِيهَا نَفْسَهُ وَلاَ إِمَامَ لَهُ مِنَ اللّهِ فَسَعْيُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَهُوَ ضَالٌّ مُتَحَيِّرٌ وَاللّهُ شَانِئٌ لِأَعْمَالِهِ(5)وَمَثَلُهُ كَمَثَلِ شَاةٍ ضَلَّتْ عَنْ رَاعِيهَا وَقَطِيعِهَا فَهَجَمَتْ(6)ذَاهِبَةً وَجَائِيَةً يَوْمَهَا فَلَمَّا جَنَّهَا اللَّيْلُ بَصُرَتْ بِقَطِيعٍ مَعَ غَيْرِ
رَاعِيهَا فَحَنَّتْ(1)إِلَيْهَا وَاغْتَرَّتْ بِهَا فَبَاتَتْ مَعَهَا فِي رَبْضَتِهَا(2)فَلَمَّا أَنْ سَاقَ الرَّاعِي
قَطِيعَهُ أَنْكَرَتْ رَاعِيَهَا وَقَطِيعَهَا فَهَجَمَتْ مُتَحَيِّرَةً تَطْلُبُ رَاعِيَهَا وَقَطِيعَهَا فَبَصُرَتْ بِغَنَمٍ مَعَ رَاعِيهَا فَحَنَّتْ إِلَيْهَا وَاغْتَرَّتْ بِهَا فَصَاحَ بِهَا الرَّاعِي الْحَقِي بِرَاعِيكِ وَقَطِيعِكِ فَإِنَّكِ تَائِهَةٌ مُتَحَيِّرَةٌ عَنْ رَاعِيكِ وَقَطِيعِكِ فَهَجَمَتْ ذَعِرَةً مُتَحَيِّرَةً نَادَّةً(3)لاَ رَاعِيَ لَهَا يُرْشِدُهَا إِلَى مَرْعَاهَا أَوْ يَرُدُّهَا فَبَيْنَا هِيَ كَذَلِكَ إِذَا اغْتَنَمَ الذِّئْبُ ضَيْعَتَهَا فَأَكَلَهَا...(4).
وورد في وصف الأئمة عليهمالسلام في الزّيارة الجامعة: واسترعاكم أمر خلقه، قال شارح الزّيارة، يعنى به: أنّه تعالى استرعاهم أمر خلقه جعلهم قائمين برعاية الخلق فيما يتعلّق بأمر الوجود الكوني وشرعه، وفيما يتعلّق بأمر الكون الشّرعي ووجوده، وفيما يتعلّق بامر الغيب والشّهادة، وفيما يتعلّق بأمر الدّنيا والآخرة، وفيما يتعلّق بامر الجنّة والنّار، طلب تعالى منهم عليهمالسلام رعاية جميع خلقه في هذه الامور الخمسة فهم عليهمالسلام المربّون لرعيّتهم الرّاعون الّذين استرعاهم اللّه أمر غنمه فان شاءوا فانّما شاء(5)، هذا.
وروى الثعلبي في تفسير: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِ»(6)أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قال لعليّ عليهالسلام: قد جاء ما وعدت به، جاء الفتح، ودخل الناس في دين اللّه أفواجا، وليس أحد أحقّ منك بمقامي، لقدمك في الإسلام، وقربك منّي، وصهرك، وعندك سيّدة نساء العالمين، وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب عندي حين نزل القرآن، وأنا
حريص على أن اراعي ذلك لولده(1).
قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ»(2).
أي: نفسه وكان اتّباعه واجبا لأنّه عليهالسلام كان على الحقّ، والحقّ كان يدور معه، كما تواتر ذلك عن النبيّ صلىاللهعليهوآله(3)واعترف به عمر(4).
وروى الثعلبي في تفسير: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ»(5)أنّه لمّا نزلت الآية وضع النبيّ صلىاللهعليهوآله يده على صدره، وقال: أنا المنذر وأومأ بيده إلى صدر عليّ عليهالسلام، وقال: أنت الهادي يا علي. بك يهتدي المهتدون من بعدي(6).
و رواه الحسكاني في (شواهد تنزيله)، والمرزباني في كتاب (ما نزل من
القرآن في عليّ عليهالسلام)، وصنّف ابن عقدة كتابا فيه كما نقل ذلك السروي(1).
وروى ابن بابويه باسناده عن الأعمش باسناده قال: قال عليّ عليهالسلام: ما نزلت من القرآن آية إلاّ وقد علمت أين نزلت، وفي من نزلت، وفي أيّ شيء نزلت فقيل له: فما نزل فيك. فقال: لو لا أن سألتموني ما أخبرتكم نزلت فيّ «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ»(2)فالنبيّ صلىاللهعليهوآله المنذر، وأنا الهادي إلى ما جاء به(3).
وفي تفسير القمي عن الصادق عليهالسلام: المنذر النبيّ صلىاللهعليهوآله والهادي أمير المؤنين عليهالسلام وبعده الأئمّة عليهمالسلام وهو قوله تعالى: «وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ»(4)أي: في كلّ زمان إمام هاد مبين. وهو ردّ على من أنكر أنّ في كلّ عصر اماما(5).
قال ابن أبي الحديد: إنّ هذا متّصل بكلام لم يحكه الرّضي رحمهالله، وهو ذكر قوم من أهل الضلال(6).
ولكن قوله عليهالسلام في العنوان «نحن الشعار والأصحاب والخزنة والأبواب» يدلّ على أنّ مراده عليهالسلام بهذا الكلام: المتقدّمون عليه، سواء جعلناه متّصلا بما قبله أو لا.
و يوضّح ما ذكرنا، من أنّه عليهالسلام جعل المتقدّمين عليه خائضين في بحار الفتن، أنّهم لمّا دعوه إلى بيعة أبي بكر وقادوه إليه لاذ بقبر النّبيّ صلىاللهعليهوآله، يصيح وينادي: «وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً... إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي...»(7).
1) .مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 83/3. والحديث فى شواهد التنزيل: 381/1 ـ 395/ ح 398 ـ 416 بطرق كثيرة.
2) . الرعد: 7.
3) .الأمالي للصدوق: 276/ م 46/ ح 13؛ بحار الأنوار: 395/35/ ح 5.
4) . الرعد: 7.
5) . تفسير القمّي: 359/1؛ بحار الأنوار: 20/23/ ح 16.
6) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 165/9.
7) .الأعراف: 150.
نقل ذلك ابن قتيبة(1)وغيره، فتمثله عليهالسلام بكلام هارون أخي موسى عليهماالسلام يدلّ على أنّهم في تقديمهم لأبي بكر صاروا مثل بني إسرائيل في عبادتهم العجل.
قد جمع الإمامية البدع الّتي أحدثها الثّلاثة للنّاس، في قبال سنن النّبيّ صلىاللهعليهوآلهفي كتبهم الكلامية.
قال يونس بن عبد الرّحمن: قلت: لأبي الحسن الأوّل عليهالسلام بما أوحّد اللّه عزّ وجلّ؟ قال عليهالسلام: لا تكوننّ مبتدعا، من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيّه ضلّ، ومن ترك كتاب اللّه وقول نبيّه كفر(2)
وقال الصادق عليهالسلام: قَالَ عَلِيٌّ عليهالسلام مَا أَحَدٌ ابْتَدَعَ بِدْعَةً إِلاّ تَرَكَ بِهَا سُنَّةً(3).
«وأرز» بتقديم الرّاء. والأصل في (أرز) التجمّع، كتجمّع الحيّة، قال أبو الأسود: إنّ فلانا إذا سئل أرز، وإذا ادعى اهتز(4).
وقد كان المؤنون ـ كسلمان، وأبي ذر والمقداد، وعمّار، وحذيفة ونظرائهم في أيّام الثلاثة ـ ساكنين مختفين، روى الجوهري: أنّ عمّارا نادى يوم الشّورى: يا معشر المسلمين إنّا قد كنّا ـ وما كنّا نستطيع الكلام ـ قلّة وذلّة فأعزّنا اللّه بدينه، وأكرمنا برسوله، فالحمد للّه ربّ العالمين. يا معشر قريش إلى متى تصرفون هذا
الأمر عن أهل بيت نبيّكم، تحوّلونه هاهنا مرّة وهاهنا مرّة، وما أنا آمن أن ينزعه اللّه منكم ويضعه في غيركم، كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله فقال له هاشم بن الوليد بن المغيرة: يابن سميّة لقد عدوت طورك، وما عرفت قدرك، ما أنت، وما رأت قريش لأنفسها إنّك لست في شيء من أمرها، وأمارتها فتنح عنها». وتكلّمت قريش بأجمعها فصاحوا بعمّار وانتهروه، فقال: الحمد للّه ربّ العالمين ما زال أعوان الحقّ أذلاّء، ثمّ قام فانصرف...(1)ويظهر منه «... لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ»(2)أنّ دين إخواننا دين قريش أعداء النّبيّ صلىاللهعليهوآله لا دين النّبيّ صلىاللهعليهوآله.
كالوليد بن عقبة الفاسق بنصّ القرآن(3)، والمغيرة بن شعبة المنافق بإجماع الامّة، ومروان بن الحكم طريد النّبيّ صلىاللهعليهوآله ولعينه.
ومن المضحك أنّ أهل الشّام لمّا أرادوا بيعة مروان بعد يزيد قالوا: إنّ مروان ما كان في الإسلام صدع إلاّ كان هو يشعبه، فقاتل عليّا يوم الجمل و.
و لعمر اللّه، إن كان الإسلام إسلاما وضعه قريش لإخواننا، في كون اولئك أئمّته ـ وفي رأسهم أبو سفيان الّذي قال لخليفتهم الثالث لمّا بويع: فو اللّه ما جنّة ولا نار، فأديروا الخلافة بينكم معشر قريش إدارة الكرة(4)ـ كان قيام عليّ الّذي جعله اللّه
تعالى نفس النّبيّ صلىاللهعليهوآله صدعا في الإسلام، إسلام صنعوه، أيّ صدع.
روى أبو بكر الجوهري عن أبي زيد، عن هارون بن عمر، عن محمّد بن سعيد بن الفضل، عن أبيه، عن الحرث بن كعب، عن عبداللّه بن أبي أوفى الخزاعي، قال: كان خالد بن سعيد بن العاص من عمّال النّبيّ صلىاللهعليهوآله باليمن، فلمّا قبض النّبيّ صلىاللهعليهوآلهجاء المدينة، وقد بايع النّاس أبا بكر، فاحتبس عن أبي بكر، فلم يبايعه أيّاما وقد بايع النّاس، وأتى بني هاشم فقال: أنتم الظّهر والبطن، و الشّعار دون الدّثار، والعصا دون اللحا، فاذا رضيتم رضينا، وإذا سخطتم سخطنا، حدّثوني إن كنتم قد بايعتم هذا الرّجل قالوا: نعم. قال: على برد ورضا من جماعتكم قالوا: نعم. قال: فأنا أرضى وابايع إذا بايعتم، أما واللّه يا بني هاشم إنّكم الطّوال الشّجر الطّيّب الثّمر. ثمّ إنّه بايع أبا بكر، وبلغت أبا بكر فلم يحفل، واضطغنها عليه عمر، فلمّا ولاّه أبو بكر الجند الّذي استنفر إلى الشّام قال له عمر: أتولّي خالدا و قد حبس عليك بيعته، وقال لبني هاشم ما قال وقد جاء بورق من اليمن وعبيد وحبشان ودروع ورماح ما أرى أن تولّيه، وما آمن خلافه. فانصرف عنه أبو بكر وولّى أبا عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة(1).
و ما فيه من أنّ بيعتهم هل كانت على برد فقالوا: نعم، كان على برد إرادة إحراقهم بالنّار، وعلى رضا أيضا، كان بعد القود له، كما يقاد الجمل المخشوش. كما كتب إليه معاوية يعنّفه به، وذيل الخبر يكشف عن خافية.
1) .السقيفة وفدك: 52 ـ 53.
ثمّ إذا كانوا هم الظّهر والبطن للنّبيّ صلىاللهعليهوآله، والشّعار له دون الدّثار، و الطوال الشجر والطّيّب الثّمر، هل كانت بيعة قريش للرّجل إلاّ جورا وزورا وفجورا ؟
قال ابن أبي الحديد: واعلم أنّ أمير المؤنين عليهالسلام لو فخر بنفسه، وبالغ في تعديد مناقبه وفضائله التي آتاه اللّه واختّصه بها، وساعده على ذلك فصحاء العرب كافة لم يبلغوا إلى معشار ما نطق به النّبيّ الصادق صلىاللهعليهوآله في أمره، ولست أعني بذلك الأخبار العامّة الشائعة التي يحتجّ بها الإماميّة على إمامته، كخبر الغدير، وخبر المنزلة، وقصّة براءة، وخبر المناجاة، وقصّة خيبر، وخبر الدّار بمكّة في ابتداء الدعوة، ونحو ذلك، بل الأخبار الخاصّة التي رواها فيه أئمّة الحديث التي لم يحصل أقل القليل منها لغيره، وأنا أذكر من ذلك شيئا يسيرا ممّا رواه علماء الحديث الّذين لا يتّهمون فيه، وجلّهم قائلون بتفضيل غيره عليه، فروايتهم فضائله توجب سكون النّفس ما لا توجبه رواية غيرهم(1).
اعلم انّ كلامه موهم أنّ أخبار الغدير، وأخبار المنزلة، وأخبار البراءة، وأخبار المناجاة، وأخبار خيبر، وأخبار ابتداء الدعوة لم يروها أئمّة حديثهم، وهو مغالطة منه. فكما رووا ما قال رووا تلك، وإنّما الإمامية احتجوا بها على إمامته عليهالسلام، وإذا لم تكن تلك دالّة لم يكن ما استدلّ به على وجود الصانع، وعلى نبوّة النّبيّ صلىاللهعليهوآله أيضا دالاّ.
وكيف كان، فنقل أربعة وعشرين حديثا من أبي نعيم، وأحمد بن حنبل، وغيرهما:
الخبر الأول ـ يا علي إن اللّه قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إليه منها
1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 166/9؛ بحار الأنوار: 79/40/ ش 114.
هي زينة الأبرار عند اللّه تعالى الزهد في الدنيا جعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا(1)ولا ترزأ الدنيا منك شيئا ووهب لك حب المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعا ويرضون بك إماما.
رواه أبو نعيم الحافظ في كتابه المعروف بحلية الأولياء وزاد فيه أبو عبداللّه أحمد بن حنبل في المسند فطوبى لمن أحبك وصدق فيك وويل لمن أبغضك وكذب فيك.
الخبر الثاني ـ قال لوفد ثقيف لتسلمن أو لأبعثن إليكم رجلا مني أوقال عديل نفسي فليضربن أعناقكم وليسبين ذراريكم وليأخذن أموالكم قال عمر فما تمنيت الإمارة إلا يومئذ وجعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول هو هذا فالتفت فأخذ بيد علي وقال هو هذا مرتين.
رواه أحمد في المسند ورواه في كتاب فضائل علي عليهالسلام أنه قال لتنتهن يا بني وليعة(2)أو لأبعثن إليكم رجلا كنفسي يمضي فيكم أمري يقتل المقاتلة ويسبي الذرية قال أبو ذر فما راعني إلا برد كف عمر في حجزتي(3)من خلفي يقول من تراه يعني فقلت إنه لا يعنيك وإنما يعني خاصف النعل وإنه قال هو هذا.
الخبر الثالث ـ إن اللّه عهد إلي في علي عهدا فقلت يا رب بينه لي قال اسمع إن عليا راية الهدى وإمام أوليائي ونور من أطاعني وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين من أحبه فقد أحبني ومن أطاعه فقد أطاعني فبشره بذلك فقلت قد بشرته يا رب فقال أنا عبداللّه وفي قبضته فإن يعذبني فبذنوبي لم يظلم شيئا وإن يتم لي ما
وعدني فهو أولى وقد دعوت له فقلت اللهم اجل قلبه واجعل ربيعه الإيمان بك قال قد فعلت ذلك غير أني مختصّه بشيء من البلاء لم أختص به أحدا من أوليائي فقلت رب أخي وصاحبي قال إنه سبق في علمي أنه لمبتل ومبتلى.
ذكره أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء عن أبي برزة الأسلمي ثم رواه بإسناد آخر بلفظ آخر عن أنس بن مالك أن رب العالمين عهد في علي إلي عهدا أنه راية الهدى ومنار الإيمان وإمام أوليائي ونور جميع من أطاعني إن عليا أميني غدا في القيامة وصاحب رايتي بيد علي مفاتيح خزائن رحمة ربي.
الخبر الرابع ـ من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه وإلى آدم في علمه وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في فطنته وإلى عيسى في زهده فلينظر إلى علي بن أبي طالب رواه أحمد بن حنبل في المسند ورواه أحمد البيهقي في صحيحه الخبر الخامس ـ من سره أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويتمسك بالقضيب من الياقوتة التي خلقها اللّه تعالى بيده ثم قال لها كوني فكانت فليتمسك بولاء علي بن أبي طالب ذكره أبو نعيم الحافظ في كتاب حلية الأولياء ورواه أبو عبداللّه بن حنبل في المسند في كتاب فضائل علي بن أبي طالب وحكاية لفظ أحمد رضىاللهعنه من أحب أن يتمسك بالقضيب الأحمر الذي غرسه اللّه في جنة عدن بيمينه فليتمسك بحب علي بن أبي طالب.
الخبر السادس ـ والذي نفسي بيده لو لا أن تقول طوائف من أمتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم لقلت اليوم فيك مقالا لا نمر ] تمر [ بملإ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة ذكره أبو عبداللّه أحمد بن حنبل في المسند الخبر السابع ـ خرج صلىاللهعليهوآله على الحجيج عشية عرفة فقال لهم إن اللّه قد باهى بكم
الملائكة عامة وغفر لكم عامة وباهى بعلي خاصة وغفر له خاصة إني قائل لكم قولا غير محاب فيه لقرابتي إن السعيد كل السعيد حق السعيد من أحب عليا في حياته وبعد موته رواه أبو عبداللّه أحمد بن حنبل في كتاب فضائل علي عليهالسلاموفي المسند أيضا.
الخبر الثامن رواه أبو عبداللّه أحمد بن حنبل في الكتابين المذكورين أنا أول من يدعى به يوم القيامة فأقوم عن يمين العرش في ظله ثم أكسى حلة ثم يدعى بالنبيين بعضهم على أثر بعض فيقومون عن يمين العرش ويكسون حللا ثم يدعى بعلي بن أبي طالب لقرابته مني ومنزلته عندي ويدفع إليه لوائي لواء الحمد آدم ومن دونه تحت ذلك اللواء ثم قال لعلي فتسير به حتى تقف بيني وبين إبراهيم الخليل ثم تكسى حلة وينادي مناد من العرش نعم العبد أبوك إبراهيم ونعم الأخ أخوك علي أبشر فإنك تدعى إذا دعيت وتكسى إذا كسيت وتحيا إذا حييت.
الخبر التاسع ـ يا أنس اسكب لي وضوءا ثم قام فصلى ركعتين ثم قال أول من يدخل عليك من هذا الباب إمام المتقين وسيد المسلمين ويعسوب الدين وخاتم الوصيين وقائد الغر المحجلين قال أنس فقلت اللهم اجعله رجلا من الأنصار وكتبت دعوتي فجاء علي فقال صلىاللهعليهوآله من جاء يا أنس فقلت علي فقام إليه مستبشرا فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه فقال علي يا رسول اللّه صلى اللّه عليك وآلك لقد رأيت منك اليوم تصنع بي شيئا ما صنعته بي قبل قال وما يمنعني وأنت تؤي عني وتسمعهم صوتي وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء.
الخبر العاشر ـ ادعوا لي سيد العرب عليا فقالت عائشة أ لست سيد العرب فقال
أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب فلما جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه فقال لهم يا معشر الأنصار أ لا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا قالوا بلى يا رسول اللّه قال هذا علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي فإن جبرائيل أمرني بالذي قلت لكم عن اللّه عز وجل رواه الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء.
الخبر الحادي عشر ـ مرحبا بسيد المؤنين وإمام المتقين فقيل لعلي عليهالسلام كيف شكرك فقال أحمد اللّه على ما آتاني وأسأله الشكر على ما أولاني وأن يزيدني مما أعطاني ذكره صاحب الحلية أيضا.
الخبر الثاني عشر ـ من سره أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن التي غرسها ربي فليوال عليا من بعدي وليوال وليه وليقتد بالأئمة من بعدي فإنهم عترتي خلقوا من طينتي ورزقوا فهما وعلما فويل للمكذبين من أمتي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم اللّه شفاعتي ذكره صاحب الحلية أيضا الخبر الثالث عشر ـ بعث رسول اللّه صلىاللهعليهوآله خالد بن الوليد في سرية وبعث عليا عليهالسلام في سرية أخرى وكلاهما إلى اليمن وقال إن اجتمعتما فعلي على الناس وإن افترقتما فكل واحد منكما على جنده فاجتمعا وأغارا وسبيا نساء وأخذا أموالا وقتلا ناسا وأخذ علي جارية فاختصها لنفسه فقال خالد لأربعة من المسلمين منهم بريدة الأسلمي اسبقوا إلى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فاذكروا له كذا واذكروا له كذا لأمور عددها على علي فسبقوا إليه فجاء واحد من جانبه فقال إن عليا فعل كذا فأعرض عنه فجاء الآخر من الجانب الآخر فقال إن عليا فعل كذا فأعرض عنه فجاء بريدة الأسلمي فقال يا رسول اللّه إن عليا فعل ذلك فأخذ جارية لنفسه فغضب صلىاللهعليهوآلهحتى احمر وجهه وقال دعوا لي عليا يكررها إن عليا مني وأنا من علي وإن حظه في
الخمس أكثر مما أخذ وهو ولي كل مؤن من بعدي رواه أبو عبداللّه أحمد في المسند غير مرة ورواه في كتاب فضائل علي ورواه أكثر المحدثين.
الخبر الرابع عشر ـ كنت أنا وعلي نورا بين يدي اللّه عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام فلما خلق آدم قسم ذلك فيه وجعله جزءين فجزء أنا وجزء علي رواه أحمد في المسند وفي كتاب فضائل علي عليهالسلام وذكره صاحب كتاب الفردوس وزاد فيه ثم انتقلنا حتى صرنا في عبد المطلب فكان لي النبوة ولعلي الوصية.
الخبر الخامس عشر ـ النظر إلى وجهك يا علي عبادة أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة من أحبك أحبني وحبيبي حبيب اللّه وعدوك عدوي وعدوي عدو اللّه الويل لمن أبغضك رواه أحمد في المسند قال وكان ابن عباس يفسره ويقول إن من ينظر إليه يقول سبحان اللّه ما أعلم هذا الفتى سبحان اللّه ما أشجع هذا الفتى سبحان اللّه ما أفصح هذا الفتى.
الحديث السادس عشر ـ لما كانت ليلة بدر قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله من يستقي لنا ماء فأحجم الناس فقام علي فاحتضن قربة ثم أتى بئرا بعيدة القعر مظلمة فانحدر فيها فأوحى اللّه إلى جبريل وميكائيل وإسرافيل أن تأهبوا لنصر محمّد وأخيه وحزبه فهبطوا من السماء لهم لغط يذعر من يسمعه فلما حاذوا البئر سلموا عليه من عند آخرهم إكراما له وإجلالا رواه أحمد في كتاب فضائل علي ع.
و زاد فيه في طريق أخرى عن أنس بن مالك لتؤين يا علي يوم القيامة بناقة من نوق الجنة فتركبها وركبتك مع ركبتي وفخذك مع فخذي حتى تدخل الجنة.
الحديث السابع عشر ـ خطب صلىاللهعليهوآله يوم جمعة فقال أيها الناس قدموا قريشا ولا
تقدموها وتعلموا منها ولا تعلموها قوة رجل من قريش تعدل قوة رجلين من غيرهم وأمانة رجل من قريش تعدل أمانة رجلين من غيرهم أيها الناس أوصيكم بحب ذي قرباها أخي وابن عمي علي بن أبي طالب لا يحبه إلا مؤن ولا يبغضه إلا منافق من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني ومن أبغضني عذبه اللّه بالنار رواه أحمد رضىاللهعنه في كتاب فضائل علي عليهالسلام.
الحديث الثامن عشر ـ الصديقون ثلاثة حبيب النجار الذي جاء «مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى»(1)ومؤن آل فرعون الذي كان «يَكْتُمُ إِيمانَهُ»(2)وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم رواه أحمد في كتاب فضائل علي عليهالسلام.
الحديث التاسع عشر ـ أعطيت في علي خمسا هن أحب إلي من الدنيا وما فيها أما واحدة فهو كاب بين يدي اللّه عز وجل حتى يفرغ من حساب الخلائق وأما الثانية فلواء الحمد بيده آدم ومن ولد تحته وأما الثالثة فواقف على عقر(3)حوضي يسقي من عرف من أمتي وأما الرابعة فساتر عورتي ومسلمي إلى ربي وأما الخامسة فإني لست أخشى عليه أن يعود كافرا بعد إيمان ولا زانيا بعد إحصان رواه أحمد في كتاب الفضائل الحديث العشرون ـ كانت لجماعة من الصحابة أبواب شارعة في مسجدالرسول صلىاللهعليهوآله فقال عليهالسلام يوما سدوا كل باب في المسجد إلا باب علي فسدت فقال في ذلك قوم حتى بلغ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فقام فيهم فقال إن قوما قالوا في سد الأبواب وتركي باب علي إني ما سددت ولا فتحت ولكني أمرت بأمر فاتبعته رواه أحمد
في المسند مرارا وفي كتاب الفضائل.
الحديث الحادي والعشرون ـ دعا صلىاللهعليهوآله عليا في غزاة الطائف فانتجاه وأطال نجواه حتى كره قوم من الصحابة ذلك فقال قائل منهم لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه فبلغه عليهالسلام ذلك فجمع منهم قوما ثم قال إن قائلا قال لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه أما إني ما انتجيته ولكن اللّه انتجاه رواه أحمد رحمهالله اللّه في المسند.
الحديث الثاني والعشرون ـ أخصمك(1)يا علي بالنبوة فلا نبوة بعدي وتخصم الناس بسبع لا يجاحد فيها أحد من قريش أنت أولهم إيمانا باللّه وأوفاهم بعهد اللّه وأقومهم بأمر اللّه وأقسمهم بالسوية وأعدلهم في الرعية وأبصرهم بالقضية و أعظمهم عند اللّه مزية. رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء الخبر الثالث والعشرون ـ قالت فاطمة إنك زوجتني فقيرا لا مال له فقال زوجتك أقدمهم سلما وأعظمهم حلما وأكثرهم علما أ لا تعلمين أن اللّه اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك ثم اطلع إليها ثانية فاختار منها بعلك رواه أحمد في المسند.
الحديث الرابع والعشرون ـ لما أنزل: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ»(2)بعد انصرافه عليهالسلاممن غزاة حنين جعل يكثر من «سبحان اللّه» و«أستغفر اللّه» ثم قال يا علي إنه قد جاء ما وعدت به جاء الفتح ودخل الناس فِي دِينِ اللّهِ أَفْواجاً وإنه ليس أحد أحق منك بمقامي لقدمك في الإسلام وقربك مني وصهرك وعندك سيدة نساء العالمين وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب عندي حين نزل القرآن فأنا حريص على أن أراعي ذلك لولده رواه أبو إسحاق الثعلبي في تفسير القرآن.
و اعلم أنا إنما ذكرنا هذه الأخبار هاهنا لأن كثيرا من المنحرفين عنه عليهالسلام إذا مروا على كلامه في نهج البلاغة وغيره المتضمن التحدث بنعمة اللّه عليه من اختصاص الرسول له صلىاللهعليهوآله وتميزه إياه عن غيره ينسبونه إلى التيه والزهو والفخر ولقد سبقهم بذلك قوم من الصحابة. قيل لعمر ول عليا أمر الجيش والحرب فقال هو أتيه من ذلك. وقال زيد بن ثابت ما رأينا أزهى من علي وأسامة.
فأردنا بإيراد هذه الأخبار عند تفسير قوله عليهالسلام: «نحن الشّعار والأصحاب، ونحن الخزنة والأبواب» أن ننبّه على عظيم منزلته عند الرّسول صلىاللهعليهوآله، وأنّ من قيل في حقّه ما قيل لو رقى إلى السّماء، وعرج في الهواء، وفخر على الملائكة والأنبياء تعظّما وتبجّحا لم يكن ملوما، بل كان بذلك جديرا، فكيف وهو عليهالسلام لم يسلك قط مسلك التعظّم والتكبّر في شيء من أقواله، ولا من أفعاله وكان ألطف البشر خلقا، وأكرمهم طبعا، وأشدّهم تواضعا، وأكثرهم احتمالا، وأحسنهم بشرا، وأطلقهم وجها حتّى نسبه من نسبه إلى الدعابة و المزاح، وهما خلقان ينافيان التكبّر والاستطالة، وإنّ ما كان يذكره أحيانا ما يذكره من هذا النّوع نفثة مصدور، وشكوى مكروب، وتنفس مهموم، ولا يقصد به إذا ذكره إلاّ شكر النّعمة وتنبيه الغافل على ما خصّه اللّه به من الفضيلة، فإنّ ذلك من باب الأمر بالمعروف، والحض على اعتقاد الحقّ، والصّواب في أمره، والنّهي عن المنكر الّذي هو تقديم غيره عليه في الفضل، فقد نهى اللّه سبحانه عن ذلك، فقال: «... أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(1)،(2).
والأمر كما ذكر، إلاّ أنّ لازمه ضلال المتقدّمين عليه، لا مجرّد عدم أفضليتهم.
والمراد بكونهم الأبواب أنّهم عليهمالسلام أبواب الايمان والمعرفة باللّه، وأبواب علم اللّه وعلم رسوله صلىاللهعليهوآله كما ورد في الأخبار المستفيضة العاميّة والخاصيّة بل لا يبعد تواترها أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله و سلّم قال: أنا مدينة العلم وعليّ بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب وقال أيضا: أنا مدينة الحكمة وفي بعضها: دار الحكمة وعليّ بابها فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها وإلى هذا أشار عليهالسلام بقوله: كنايه «ولا تؤى البيوت الاّ من ابوابها...»
وننشد إخواننا السّنّة ـ بعد نقلهم ما قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله فيه عليهالسلاممع جعلهم المتقدّمين عليه وسايط بينهم وبين النّبيّ صلىاللهعليهوآله ـ : هل هم إلاّ سرّاق أتوا البيوت من غير أبوابها وهل أتى البيوت من أبوابها إلاّ شيعته عليهالسلامالّذين لم يسلكوا غير مسلكه وما فعله إخواننا من الجمع بينه وبين المتقدّمين، هل هو إلاّ الجمع بين الضدّين، والقول باجتماع النّقيضين ؟ فلو كان المتقدّمون عليه على شيء، كان الامويون وأتباعهم في توليهم للمتقدّمين عليه، وتبرئهم منه عليهالسلام، وسبّهم له أقرب إلى الصّواب منهم، لأنّهم ما خالفوا بداهة العقول في الجمع بين الأضداد، كالقول بالتوحيد وبالأنداد، وقد أجمعوا على الرواية عن أبي ذر ـ الّذي اجمع على أنّه ما أقلّت الغبراء، ولا أظلّت الخضراء على أصدق لهجة منه ـ (1)أنّه أخذ بحلقة باب الكعبة، وقال: «أيّها
1) . العثمانية: 138؛ كنز العمال: 667/11/ ح 33225 و33226 و33227 و 33228 و33229.
النّاس من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يقول: إنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من دخلها نجا، ومن تخلّف عنها هلك»(1). وقد أجمعوا أيضا على أنّه صلىاللهعليهوآلهقال: «تفترق امّتي على ثلاث وسبعين فرقة: إحداها في الجنّة، والباقية في النّار»(2)، فيتشكّل منهما صغرى وكبرى، نتيجتهما أنّ الشيعة فقط أهل النّجاة.
هذا، والأصل في قوله عليهالسلام: «و لا تؤى البيوت إلاّ من أبوابها...» قوله تعالى: «... يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ...»(3).
وننشدهم: أنّ بعد قول النّبيّ صلىاللهعليهوآله: «أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب»(4)هل يكون الأخذ بقول غيره إلاّ أخذا عن غير النّبيّ صلىاللهعليهوآله، أم لا ؟
من كرائم القرآن التي نزل فيهم عليهمالسلام:
1 ـ «... إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(5).
2 ـ «... فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ»(6).
3 ـ «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُونَ»(1).
4 ـ «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا...»(2).
5 ـ «... قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى...»(3).
6 ـ «... يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ...»(4).
7 ـ «... وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى...»(5).
8 ـ «بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ...»(6).
9 ـ «شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ...»(7).
10 ـ «... فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»(8).
11 ـ «... فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤمِنُونَ...»(9).
12 ـ «إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً... إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً»(10).
قال الكنجي الشّافعي ـ بعد ذكر أخبار من طرقهم في نزول آيات (هل أتى) فيهم عليهمالسلام: سمعت بمكّة من شيخ الحرم بشير التبريزي في تفسير: «وَيُطْعِمُونَ
الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً»(1): أنّ السائل الأوّل كان جبرئيل، والثّاني ميكائيل، والثّالث إسرافيل(2).
وروى نصر بن مزاحم: أنّ معاوية بن صعصعة بن أخي الأحنف كتب مع كتاب عمّه إلى قومه في دعوتهم إلى نصرة أمير المؤنين عليهالسلام:
وإنّ عليّا خير حاف وناعل *** فلا تمنعوه اليوم جهدا ولا جدّا
إلى أن قال:
ومن نزلت فيه ثلاثون آية *** تسمّيه فيها مؤنا مخلصا فردا
سوى موجبات جئن فيه وغيرها *** بها أوجب اللّه الولاية والودّا(3)
وروت العامّة والخاصّة عن أمير المؤنين عليهالسلام، قال: نزل القرآن أرباعا: ربع فينا، وربع في عدوّنا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام، ولنا كرائم القرآن(4).
هذا، ونقل ابن أبي الحديد وابن ميثم بدل «القرآن»: «الإيمان»، وفسّره الأوّل بالنّوافل(5)، والثاني بالأخلاق الفاضلة(6).
قال أبو جعفر عليهالسلام: واللّه إنّا لخزّان اللّه في سمائه وأرضه، لا على ذهب ولا على فضّة إلاّ على علمه(1).
قال العلاّمة المجلسيّ ره: أي خزّان علم السّماء والأرض(2).
و الأولى جعل ضمير علمه راجعا إلى اللّه كما يفصح عنه إضافة العلم إلى لفظ الجلالة في الأخبار الآتية.
وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليهالسلام قال سمعته يقول: واللّه إنّا لخزّان اللّه في سمائه وخزّانه في أرضه، لسنا بخزّان على ذهب ولا على فضّة وإن منّا لحملة العرش يوم القيامة(3).
وعن سدير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: قلت له: جعلت فداك ما أنتم؟ قال: نحن خزّان اللّه على علم اللّه نحن تراجمة وحى اللّه نحن الحجّة البالغة على ما دون السّماء وفوق الأرض(4).
وعن سدير عن أبي جعفر عليهالسلام قال: سمعته يقول: نحن خزّان اللّه في الدّنيا والآخرة وشيعتنا خزّاننا(5).
وعن عبد الرّحمن بن كثير قال: سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: نحن ولاة أمر اللّه
وخزنة علم اللّه وعيبة وحى اللّه(1).
وعن حمران عن أبي جعفر عليهالسلام قال: انّ اللّه تبارك وتعالى أخذ الميثاق على اولى العزم أنّي ربّكم ومحمّد صلىاللهعليهوآله رسولي وعليّ أمير المؤنين وأوصياؤ من بعده
ولاة أمري وخزّان علمي، وأنّ المهديّ انتصر به لديني(2).
فظهر بهذه الرّوايات كونهم ولاة خزانة علمه تعالى، ويدلّ عليه أيضا ما عن احتجاج الطّبرسي عن أبي عبداللّه عليهالسلام في حديث طويل وفيه: قال لصاحبكم أمير المؤنين: «قُلْ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ»(3)وقال اللّه عزّ وجلّ: «وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ»(4)وعلم هذا الكتاب عنده(5).
قال بعض الأفاضل: والعلم الذي هم خزائنه هو علم الموجودات بالمعني المتعارف وهو قوله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ يعني أنّ ما لم يشأ من علمه أن يعلموه لا يحيطون به، وليس المراد بهذا العلم الذي لا يحيطون بشيء هو القديم الذي هو الذات ليكون المعنى ولا يحيطون بشيء من ذاته إلاّ بما شاء أن يحيطوا به منها، وهذا معنى باطل، بل المراد به أنّ العلم الحادث الذي هو غير الذات منه ممكن مقدّر غير مكوّن، ومنه تكوين ومنه مكوّن، فالممكن المقدور غير المكوّن هو الممكنات قبل أن تكسى حلّة الوجود في جميع مراتب
الوجود، فهذه لم تكن مشائة إلاّ في أماكنها، فهذا لا يحيطون بشيء منه إحاطة وجود، ويحيطون به إحاطة إمكان إذ ذاك مشائة مشية إمكان، والتكوين الممكن، و هذا يحيطون به لأنّه مشاء بنفسه وهم محالّ ذلك، والمكوّن قسمان مكوّن مشروط، ومكوّن منجّز، والمكوّن المشروط يحيطون به لأنّه مشاء ولا يحيطون بالشّرط إلاّ بعد أن يكون مشاء، والمكوّن المنجّز يحيطون به، ثمّ ما كانوا يحيطون به قسمان: قسم كان وهم يحيطون به أنّه كان ولا يحيطون به انه مستمرّ أو منقطع إلاّ إحاطة اخبار لا إحاطة عيان، وقسم لم يكن فهم يحيطون به إحاطة اخبار أيضا لا إحاطة عيان، فظهر لمن نظر وأبصر من هذا التّفصيل أنّهم عليهمالسلام لا يحيطون بشيء من علمه الذي هو غير ذاته إلاّ بما شاء أن يحيطوا به، والّذي شاء أن يحيطوا به هو ما سمعته في هذا التفصيل، هذا تمام الكلام في كونهم عليهمالسلام خزّان اللّه(1).
لأنّ الصادق الكامل من اتّصف بصفات وردت في قوله عزّ وجلّ: «... وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ.... فقال تعالى:... لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ»(2). وكانوا مستجمعين لجميعها.
وأما تلقيبهم للأوّل بالصّديق فمجرد اسم كلقباء العبّاسيّين، فلم يكن كصاحبه
من الصّابرين حين البأس يوم خيبر، فضلا عن عريه عن باقي الصّفات.
لأنّ سكوتهم إنّما هو بمقتضى المصلحة واقتضاء الحكمة لا عن عيّ وعجز حتّى يسبقهم الغير ويتكلّم ولا يتمكّنوا ويتمكّن، بل يعلمون ما كان وما هو كائن ويتكوّن ولذلك شاع المثل السائر: قضيّة وليس لها أبو الحسن.
سأل المتوكّل ابن الجهم: من أشعر النّاس فذكر شعراء الجاهلية والإسلام، ثمّ سأل الهادي عليهالسلام، فقال: أشعرهم الجماني حيث يقول:
لقد فاخرتنا من قريش عصابة *** بمدّ خدود وامتداد أصابع
فلمّا تنازعنا المقال قضى لنا *** عليهم بما تهوى نداء الصّوامع
ترانا سكوتا والشّهيد بفضلنا *** عليهم جهير الصّوت في كلّ جامع
فإنّ رسول اللّه أحمد جدّنا *** ونحن بنوه كالنّجوم الطوالع
قال المتوكّل: وما نداء الصّوامع قال: «أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه، وأشهد أنّ محمّدا رسول اللّه» محمّد جدّي أم جدّك فضحك المتوكّل ثمّ قال: هو جدّك، لا ندفعك عنه(1).
الرائد: الذي يرسل في طلب الكلاء(2)، وورد استعارة «الحمى رائد الموت» من راد الكلاء يروده(3).
يعني أنّ المرسل من الحىّ لطلب الماء والكلا يرتاد لهم المرعى ينبغي له أن يصدق أهله ولا يكذب لمن أرسله ويبشّر له بها، وأراد بذلك أنّ من يحضر الأئمة عليهمالسلاممن النّاس طلبا لاخبارهم واقتباس أنوارهم وأخذ معالم الدّين عنهم فليصدق من يكل إليه أمره انّنا أهل الحقّ وينابيع العلم والحكمة والأدلاّء.
ومن أمثالهم «لا يكذب الرائد أهله»(1)
الأصل في العقل المنع، وسمي نهي الإنسان عقلا لمنعه عن الخطأ، وسميت الدية عقلا لمنعها عن القصاص، وسمّي الحصن عقلا ومعقلا لمنعه المتحصن به، فقالوا:
ما ينفع التحصن بالعقول *** ما ينفع التمسك بالعقول(2)
وليحضر عقله لاستماع كلامنا حتّى يعرف صحّة ما ادّعينا قال تعالى: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»(3).
عن عليّ بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمن قال: حدّثنا حماد عن عبد الأعلى قال: سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن قول العامة أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قال: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهليّة، فقال عليهالسلام: الحق واللّه، قلت:
فان إماما هلك ورجل بخراسان لا يعلم من وصيّه لم يسعه ذلك، قال عليهالسلام: لا يسعه انّ الإمام إذا هلك وقعت حجّة وصيّة على من هو معه في البلد وحقّ النّفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»(1)قلت: فنفر قوم فهلك بعضهم قبل أن يصل فيعلم قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: «وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ»(2).
قلت: فبلغ البلد بعضهم فوجدك مغلقا عليك بابك ومرخى عليك سترك لا تدعوهم إلى نفسك ولا يكون من يدلّهم عليك فبما يعرفون ذلك؟ قال: بكتاب اللّه المنزل، قلت: فيقول اللّه عزّ وجلّ كيف؟ قال: أراك قد تكلّمت في هذا قبل اليوم، قلت: أجل، قال عليهالسلام: فذكّر ما أنزل اللّه في عليّ عليهالسلام وما قال له رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في حسن وحسين عليهماالسلام وما خصّ اللّه به عليا عليهالسلاموما قال فيه رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهمن وصيّته إليه ونصبه إيّاه وما يصيبهم وإقرار الحسن والحسين بذلك ووصيّته إلى الحسن وتسليم الحسين له يقول اللّه: «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ»(3).
قلت: فان النّاس تكلّموا في أبي جعفر عليهالسلام ويقولون كيف تخطّت من ولد أبيه من له مثل قرابته ومن هو أسنّ منه وقصرت عمّن هو أصغر منه؟ فقال عليهالسلام: يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال لا تكون في غيره: هو أولى النّاس بالذي قبله، وهو وصيّه، وعنده سلاح رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ووصيّته و ذلك عندى لا انازع فيه، قلت:
إنّ ذلك مستور مخافة السّلطان؟ قال: لا يكون في ستر إلاّ وله حجّة ظاهرة إنّ أبي استودعني ما هناك فلما حضرته الوفاة قال: ادع لي شهودا فدعوت أربعة من قريش فيهم نافع مولى عبداللّه بن عمر قال: اكتب: هذا ما أوصى به يعقوب بنيه يا «بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» وأوصى محمّد بن عليّ إلى جعفر بن محمّد وأمره أن يكفنّه في برده الّذى كان يصلّى فيه الجمع، وأن يعمّمه بعمامته، وأن يربع قبره ويرفعه أربع أصابع ثمّ يخلى عنه، فقال عليهالسلام اطووه ثمّ
قال للشّهود: انصرفوا رحمكم اللّه، فقلت بعد ما انصرفوا ما كان في هذا يا ابه أن تشهد عليه؟ فقال عليهالسلام: إنّي كرهت أن تغلب وأن يقال إنّه لم يوص فأردت أن تكون لك حجّة فهو الذي إذا قدم الرّجل البلد قال إلى من وصىّ فلان، قيل: فلان، قلت: فان كان أشرك في الوصيّة قال: تسألونه فانّه سيبيّن لكم(1).
و قد رويت هذه الرّواية لايضاحه كيفية تكليف من ينفر لطلب الإمام ووظيفة الإمام وما يعرف به المحقّ من المبطل، وأنّ اللاّزم على النافرين إنذار قومهم بعد تفقّههم في الدّين ومعرفتهم بالامام بالبيّنات التي هى من دلالات الإمامة، فعلم بذلك أنّ النّافر لطلب الإمام بمنزلة الرّائد السّابق ذكره في كلام أمير المؤنين عليهالسلامفافهم ذلك وتبصّر
في الخبر عن النبى صلىاللهعليهوآله: «إذا دعيت إلى وليمة وجنازة أجب الجنازة، لأنها
1) .الكافي: 378/1/ ح 2.
تذكرك الآخرة»(1).
قال ابن سينا في أبيات له في النفس:
هبطت اليك من المحلّ الأرفع *** ورقاء ذات تعزز وتمنّع(2)
«وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ»(3).
أي: بالبصيرة.
أي: أوّله.
كما ان من يمشي في طريق يجب عليه قبل وضع قدمه أن يعلم اين يضعه لئلا يقع في مهواة أو يزل ويعثر.
كمن أراد أن يلحق بأهل الجمل، فرأى ان الأمر فيهم بيد عائشة، فتذكر قول
النبي صلىاللهعليهوآله: لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة(1)، فرجع.
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام يَقُولُ الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ
كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَلاَ يَزِيدُهُ سُرْعَةُ السَّيْرِ مِنَ الطَّرِيقِ إِلاّ بُعْداً(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ(3).
أي: مقصده، قال تعالى: «يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ»(4).
وقال تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ»(5).
وكمن يمشي بسراج.
قال تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ
الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً»(1).
قال ابن أبي الحديد: مأخوذ من قوله تعالى: «وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً»(2)، مثل ضربه تعالى لمن يؤر فيه الوعظ ومن لا يؤر فيه، ومراده عليهالسلام ان لكلتي حالتي الإنسان الظاهرة ميلة إلى العقل، وميلة إلى الهوى أمرا باطنا يناسبهما، فالمتبع لعقله يرزق السعادة، والمتبع لهواه يرزق الشقاوة(3).
قال تعالى: «قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر»(4).
وقال تعالى: «وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْل»(5).
و شخصه، قال ابن أبي الحديد: الخبر مذكور في كتب المحدثين(1). قال التسترى: وكأنّ في الكلام سقطا(2).
وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَبَاتاً
قيل: الظاهر ان الأصل «و اعلم ان لكلّ غرس نباتا»، وصحفه النساخ، وإلاّ فلا مناسبة لا ثبات نبات للعمل(3).
و لو كان ماء منقوعا في الأرض.
من الحلو.
ومورد قوله تعالى: «وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآَياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»(4)السقي بماء واحد، وموضوع كلامه السقي
بمياه مختلفة فلا تخالف.
كخضراء الدمن التي حذّر منها ظاهرا وباطنا
أي: صارت مرا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي انْحَسَرَتِ الْأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ وَرَدَعَتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغاً إِلَى بُلُوغِ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ هُوَ اللّهُ الْمَلِكُ الْحَقُ الْمُبِينُ أَحَقُّ وَأَبْيَنُ مِمَّا تَرَى الْعُيُونُ لَمْ تَبْلُغْهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّهاً وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ فَيَكُونَ مُمَثَّلاً خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيلٍ وَلاَ مَشُورَةِ مُشِيرٍ وَلاَ مَعُونَةِ مُعِينٍ فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ فَأَجَابَ وَلَمْ يَدْفَعْ وَانْقَادَ وَلَمْ يُنَازَع.
وَمِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ وَعَجَائِبِ حِكْمَتِهِ مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْخَفَافِيشِ الَّتِي يَقْبِضُهَا الضِّيَاءُ الْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ وَيَبْسُطُهَا الظَّلاَمُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ وَكَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا وَتَتَّصِلُ بِعَلاَنِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا وَرَدَعَهَا تَلَأْلُؤ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِيِّ فِي سُبُحَاتِ إِشْرَاقِهَا وَأَكَنَّهَا فِي مَكَامِنِهَا عَنِ الذَّهَابِ فِي بُلَجِ ائْتِلاَقِهَا وَهِيَ مُسْدَلَةُ الْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَحْدَاقِهَا وَجَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ فِي الْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا فَلاَ يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ وَلاَ تَمْتَنِعُ مِنَ
الْمُضِيِّ فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا وَبَدَتْ أَوْضَاحُ نَهَارِهَا وَدَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الضِّبَابِ فِي وِجَارِهَا أَطْبَقَتِ الْأَجْفَانَ عَلَى مَآقِيهَا وَتَبَلَّغَتْ بِمَا اكْتَسَبَتْ مِنَ فِيْءِ ظُلَمِ لَيَالِيهَا فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً وَمَعَاشاً وَالنَّهَارَ سَكَناً وَقَرَاراً وَجَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةً مِنْ لَحْمِهَا تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّيَرَانِ كَأَنَّهَا شَظَايَا الآْذَانِ غَيْرَ ذَوَاتِ رِيشٍ وَلاَ قَصَبٍ إِلاّ أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيِّنَةً أَعْلاَماً لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا يَرِقَّا فَيَنْشَقَّا وَلَمْ يَغْلُظَا فَيَثْقُلاَ تَطِيرُ وَوَلَدُهَا لاَصِقٌ بِهَا لاَجِئٌ إِلَيْهَا يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ وَيَرْتَفِعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ لاَ يُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ وَيَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَنَاحُهُ وَيَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ وَمَصَالِحَ نَفْسِهِ فَسُبْحَانَ الْبَارِئِ لِكُلِّ شَيْءٍ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلاَ مِنْ غَيْرِه.
من اختلاف باصرته مع باصرة باقي الطيور والحيوانات، واختلاف اجنحته مع أجنحة باقي الطيور، واختلاف ولدها مع ولد باقي الطيور والحيوان.
وقال الدميري: ليس هو من الطير في شيء، فانه ذو اذنين وأسنان وخصيتين ومنقار ويحيض ويطهر ويضحك كما يضحك الإنسان ويبول كما تبول ذوات الأربع ويرضع ولده، ولا ريش له(1)
أي: كلّت وانقطعت.
1) . حياة الحيوان: 415/1؛ بحار الأنوار: 328/61.
كيف لا تنحسر عن كنه معرفته، وقد انحسرت عن كنه كثير من خلقه
أي: كفّت.
عن فهمه.
أي: جوازا، والأصل فيه: ساغ الشراب، إذا سهل مدخله في الحلق(1).
أي منتهى عزّه وسلطانه.
قال تعالى: «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً»(2).
وقال الصادق عليهالسلام: فقالوا ولم لا يدرك تعالى بالعقل قيل: لأنّه فوق مرتبة العقل، كما لا يدرك البصر ما هو فوق مرتبته، فإنّك لو رأيت حجرا يرتفع في الهواء علمت أنّ راميا رمى به. فليس هذا العلم من قبل البصر بل من قبل العقل، لأنّ العقل هو الّذي يميّزه، فيعلم أنّ الحجر لا يذهب علوا من تلقاء نفسه، أفلا ترى كيف وقف البصر على حدّه فلم يتجاوزه، فكذلك يقف العقل على حدّه من معرفة الخالق فلا
يعدوه، ولكن يعقله بعقل أقرّ أنّ فيه نفسا ولم يعاينها ولم يدركها بحاسة من الحواس. وعلى حسب هذا أيضا نقول: إنّ العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار، ولا يعرفه بما يوجب له الاحاطة بصفته ـ إلى أن قال ـ فان قالوا: أ وليس قد نصفه فنقول: هو العزيز الحكيم الجواد الكريم. قيل لهم: كلّ هذه صفات إقرار، وليست صفات إحاطة فإنّا نعلم أنّه حكيم، ولا نعلم بكنه ذلك منه، وكذلك قدير وجواد، وسائر صفاته كما قد نرى السماء، فلا ندري ما هو جوهرها و نرى البحر ولا ندري أين منتهاه(1).
قال تعالى: «يَوْمَئِذٍ
يُوَفِّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ
الْمُبِينُ»(2).
لأنّ ما تراه العيون قد يقع فيه الخطأ، وأمّا هو تعالى فتحقّقه بالعقل الّذي استحال أن يخطئ.
قال الصادق عليهالسلام بعد ما مرّ في ما مرّ: فإن قالوا فأنتم الآن تصفون من قصور العلم عنه وصفا حتّى كأنّه غير معلوم. قيل لهم: هو كذلك من جهة إذا رام العقل معرفة كنهه والإحاطة به، وهو من جهة أخرى أقرب من كلّ قريب، إذا استدلّ عليه بالدّلائل الشافية، فهو من جهة كالواضح لا يخفى على أحد، وهو من جهة
كالغامض لا يدركه أحد، وكذلك العقل أيضا ظاهر بشواهده ومستور بذاته(1).
قال الصادق عليهالسلام: فإن قالوا: كيف يعقل أن يكون مباينا لكلّ شيء متعاليا عن كلّ شيء قيل لهم: الحقّ الّذي تطلب معرفته من الأشياء هو أربعة أوجه، فأوّلها: أن ينظر أ موجود هو أم ليس بموجود. والثاني: أن يعرف ما هو في ذاته وجوهره. والثالث: أن يعرف كيف هو وما صفته. والرابع: أن يعلم لما ذا هو، ولأيّ علّة، فليس من هذه الوجوه شيء يمكن المخلوق أن يعرفه من الخالق حقّ معرفته غير أنّه موجود فقط. فإذا قلنا: (و كيف) و(ما هو) فممتنع علم كنهه وكمال المعرفة به، وأمّا (لما ذا هو) فساقط في صفة الخالق، لأنّه جلّ ثناؤ علّة كلّ شيء، وليس شيء بعلّة له، ثمّ ليس علم الإنسان بأنّه موجود يوجب له أن يعلم ما هو وكيف هو، كما أنّ علمه بوجود النفس لا يوجب أن يعلم ما هي وكيف هي، وكذلك الأمور الروحانية اللطيفة(2).
وعَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عليهالسلام أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَانَ لَمْ يَزَلْ بِلاَ زَمَانٍ وَلاَ مَكَانٍ وَهُوَ الآْنَ كَمَا كَانَ لاَ يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ(3)وَلاَ يَشْغَلُ بِهِ مَكَانٌ وَلاَ يَحُلُّ فِي مَكَانٍ ـ «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا»(4)لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ حِجَابٌ غَيْرُ خَلْقِهِ احْتَجَبَ بِغَيْرِ حِجَابٍ مَحْجُوبٍ وَاسْتَتَرَ بِغَيْرِ سِتْرٍ مَسْتُورٍ لاَ
إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ(1).
قال الشاعر:
كلما قدّم فِكْرِي فيك شبرا فر ميلا *** ناكصا يخبط في عمياء لا يهدى السبيلا(2)
كيف لا ولم يكن شيء حتى يخلق على تمثيله، ولم يكن أحد حتّى يكون مشيرا له أو معينا
قال تعالى: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»(3).
أي: اعترف بلسان الحال.
بحصوله على وفق مراده، قال تعالى: «... فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ»(1).
من اضافة الصفة إلى الموصوف، والأصل «و من صنائعه اللطيفة»
هو أيضا كسابقه، والأصل «حكمته العجيبة»
أي: خفيّات
وهي إتقان الامور
جمع الخفاش بالضم.
وقال الدميري: قال البطليوسي الخفاش له أربعة أسماء: خفاش، وخشاف،
وخطاف، ووطواط.
والحقّ أنّ الخفّاش والخطّاف صنفان، وقال قوم الخفّاش الصغير والوطواط الكبير، وهو لا يبصر في ضوء القمر ولا في ضوء النهار(2).
و الخفش: صغر في العين وضعف في البصر خلقة، والرجل أخفش، وقد يكون
الخفش علّة، وهو الذي يبصر الشيء بالليل ولا يبصره بالنهار، ويبصره في يوم غيّم ولا يبصره في يوم صاح(1).
أي: الشمس، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً»(2).
حي
أي: الليل، قال تعالى: «وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ»(3).
من الوحش والطير.
عشي الرجل فهو أعشى والمرأة عشواء والعشي مصدره، وهو على معنيين وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار وهو الذي ساء بصره من غير عمى، كما قال الأعشى:
إن رأت رجلا أعشى أضربه *** ريب المنون ودهر خابل خبل
والعشو مصدر عشوت إلى ضوئك إذا قصدته بليل، ثم صار كلّ قاصد شيء عاشيا، قال الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره *** تجد خير نار عندها خير موقد(1)
جعل تعالى الأبصار في باقي ذوي الأبصار بواسطة الشمس، وفيها بواسطة عدمها، فسبحان الذي خلق الأضداد.
أي: تلك الخفافيش
بتخفيف الياء اسم مصدر بمعنى الانتشار
جعله ابن دريد من «بره» فقال في باب فعلان: وبرهان معروف من قولهم «هذا برهان هذا» أي: إيضاحه(2)
كباقي الطيور والوحوش
أي: كفّها ومنعها والفاعل ضمير النور
أي: أنوار أشراقها.
أي: سترها
محالّ اختفائها
جاء في (الصحاح): «صبح أبلج» أي: مشرق مضيء، قال العجاج: «حتى بدت أعناق صبح أبلجا»(1).
أي: لمعانها
من أسدل ثوبه وشعره، أرخاه، و«سدل الشعر وأسدله، أرخاه»(2).
جفن العين غطاءها من أعلاها وأسفلها، وهو مذكر(1)
جمع حدقة كالحداق
قال الدميري: يخرج البعوض في غروب الشمس لطلب قوته وهو دماء الحيوان، ويخرج الخفاش طالبا للطعم، فيقع طالب رزق على طالب رزق فسبحان الحكيم(2).
من «أسدفت المرأة القناع» أرسلته
أي: في التماس أرزاقها
الغسق: أوّل ظلمة الليل(3)
بالضم أي: ظلمته.
قناع المرأة ما تلبسه فوق الخمار(1)
الوضح: الضوء والبياض(2)
جمع الضب.
قال الدميري: الضب يخرج من جحره كليل البصر، فيجلوه بالتحدق للشمس،
ومن شأنه في الشتاء ألاّ يخرج من جحره، قال امية بن أبي الصلت في ابن جدعان:
يباري الريح تكرمة ومجدا *** إذا ما الضب أجحره الشتاء(5)
وقال ابن خالويه في أوائل (كتاب ليس): الضب لا يشرب الماء ويعيش سبعمائة سنة، ويقال: إنّه يبول في كلّ أربعين يوما قطرة، ولا تسقط له سنّ، ويقال: إنّ أسنانه قطعة واحدة. وللتضادّ بينه وبين السمكة قال حاتم الأصم:
تكفّل بالأرزاق للخلق كلّهم *** وللضب في البيداء وللحوت في البحر(1)
والضب: دابة تشبه الحرذون، وهي أنواع، فمنها ما هو على قدر الحرذون، ومنها أكبر منه، ومنها دون العنز وهو أعظمها(2)، ومن عجيب خلقته أنّ الذكر له زبّان، والانثى لها فرجان تبيض منهما(3).
و في المثل «أعقّ من ضبّ» لأنّه ربما أكل حسوله، والانثى ضبّة، وقولهم «لا أفعله حتّى يحنّ الضبّ في أثر الإبل الصادرة» «و لا أفعله حتّى يرد الضبّ» لأنّ الضبّ لا يشرب ماء. ومن كلامهم الذي يضعونه على ألسنة البهائم، قالت السمكة: «وردا يا ضبّ»، فقال «أصبح قلبي صردا، لا يشتهى أن يردا، إلا عرادا عردا، وصليانا بردا، وعنكثا ملتبدا(4)
الوجار بالكسر والفتح جحر الضبع وغيرها و«وجرة» موضع بين مكة والبصرة أربعون ميلا ما فيها منزل فهي مربّ للوحش(5).
جمع آخر للجفن غطاء العين غير الجفون
مؤ العين طرفها مما يلي الأنف، واللحاظ طرفها الذي يلي الاذن(1). وقال الشاعر:
مثل النهار يزيد أبصار الورى *** نورا ويعمي أعين الخفاش(2)
وفي بعض النسخ: بما اكتسبته من المعاش في ظلم لياليها
قال الصادق عليهالسلام للمفضّل: الخفاش يخرج بالليل ويتقوّت بما يسري في الجوّ من الفراش وما أشبهه، وقد قال قائلون: إنّه لا طعمة للخفاش، وإنّ غذاه من النسيم وحده، وذلك يبطل من جهتين: أحدهما خروج الثفل والبول منه، فإن هذا لا يكون من غير طعمة، والاخرى أنّه ذو أسنان، ولو كان لا يطعم شيئا لم يكن للأسنان فيه معنى، وليس في الخلقة شيء لا معنى له(4).
وهو دليل كمال قدرته وعظمته.
قال الصادق عليهالسلام للمفضّل: أعلمت ما طعم هذه الأصناف من الطير التي لا تخرج إلاّ بالليل، كمثل البوم والهام(1)والخفاش قال: لا يا مولاي. قال: إنّ معاشها من ضروب تنتشر في الجو من البعوض والفراش وأشباه الجراد واليعاسيب، وذلك أن هذه الضروب مبثوثة في الجو لا تخلو منها موضع، واعتبر ذلك بأنّك إذا وضعت سراجا بالليل في سطح أو عرصة دار اجتمع عليه من هذه الضروب شيء كثير، فمن أين يأتي ذلك كلّه إلاّ من القرب، فإن قال قائل: إنّه يأتي من الصحاري والبراري، قيل له كيف يوافي تلك الساعة من موضع بعيد، وكيف يبصر من ذلك البعد سراجا في دار محفوفة بالدور فيقصد إليه، مع ان هذه عيانا تتهافت على السرج من قرب، فيدلّ ذلك على أنها منتشرة في كلّ موضع من الجوّ، فهذه الأصناف من الطير تلتمسها إذا خرجت فتقوت بها. فانظر كيف وجّه الرزق لهذه الطيور التي لا تخرج إلاّ بالليل من هذه الضروب المنتشرة في الجو، واعرف ذلك المعنى في خلق هذه الضروب المنتشرة التي عسى أن يظن ظانّ أنّها فضل لا معنى له(2).
يمكن أن يكون مستأنفة وان يكون عطفا على «جعل الليل» وعلى «يقبضها
الضياء الباسط لكلّ شيء».
بخلاف باقي الطيور، فجعل في أجنحتها وذنبها ريشات طوال متان لتنهض بها للطيران، وكسى كلّها الريش ليتداخلها الهواء فيقلّها فكيف تطير هذه مع خلوّها من جميع ما ذكر، ولكنّها لما كانت تلد، جعل جناحها من لحم، فلو كان من ريش لم يقدر لحملها مع حملها.
قال الصادق عليهالسلام في غيره من الطيور: جعل الطير مما تبيض بيضا، ولا تلد ولادة، لكيلا تثقل عن الطيران، فانّه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتى تستحكم، لأثقلته وعاقته عن النهوض والطيران، فجعل كلّ شيء من خلقه مشاكلا للأمر الذي قدّر أن يكون عليه(1).
جمع الشظيّة بمعنى الشقّة
بخلاف سائر الطيور، فلها ريشات غرزت في ما كان كالقصب، والقصب بفتحتين كلّ نبات يكون ساقه أنابيب وكعوبا.
قال الدميري: قال وهب بن منبه: طلبوا من عيسى عليهالسلام خلق الخفّاش بإذن اللّه تعالى، لأنه من أعجب الطير خلقة، إذ هو لحم ودم يطير بغير ريش، وهو شديد
1) .توحيد المفضل: 114؛ بحار الأنوار: 103/3.
الطيران سريع التقلّب، وهو مع ذلك موصوف بطول العمر، فيقال انه أطول عمرا من النّسر ومن حمار الوحش(1).
جمع العلم بفتحتين بمعنى العلامة، ثم الظاهر كونه تميزا لما قبله
و لم يمكنها الطيران.
يقع الولد اذا وقعت الامهات.
يرتفع الولد اذا ارتفعت الامهات.
هذه أيضا أحد امتيازات الخفاش عن غيره.
وقال الصادق عليهالسلام: انظر الآن إلى ذوات الأربع كيف تراها تتبع أمّاتها(2)مستقلة
بأنفسها، لا تحتاج إلى الحمل والتربية كما تحتاج أولاد الإنس، فمن أجل أنّه ليس
عند أمّهاتها ما عند أمّهات البشر من الرفق والعلم بالتربية، والقوة بالأكفّ و الأصابع المهيّأة لذلك، أعطيت النهوض والاستقلال بأنفسها.
وكذلك نرى كثيرا من الطير كمثل الدجاج والدراج والقبج تدرج، وتلقط حين تنقاب عنها البيضة، فأمّا ما كان منها ضعيفا لا نهوض فيه كمثل فراخ الحمام، واليمام، والحمّر، فقد جعل في الامّهات فضل عطف عليها، فصارت تمجّ الطعام في أفواهها بعد ما توعيه حواصلها، فلا تزال تغذوها حتّى تستقلّ بأنفسها، ولذلك لم ترزق الحمام فراخا كثيرا مثل ما ترزق الدجاج، لتقوى الام على تربية فراخها فلا تفسد ولا تموت، فكلا أعطى بقسط من تدبير الحكيم اللطيف الخبير(1).
بيان: اليمام طير وحشي كالحمام، والحمّر جمع حمرة طير كالعصفور.
وقال الدميري: تلد أنثى الخفّاش ما بين ثلاثة أفراخ وسبعة، وكثيرا ما يسفد وهو طائر في الهواء، وليس في الحيوان ما يحمل ولده غيره، والقرد والإنسان، ويحمله تحت جناحه، وربّما قبض عليه بفيه، وذلك من حنوّه وإشفاقه عليه، وربّما أرضعت الانثى ولدها وهي طائرة(2).
أي: الخالق والأصل الهمز.
أي: مضى وسبق قال تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ»(3).
يعني أنه لم يخلق الأشياء على حذو خالق سبقه بل ابتدعها على وفق الحكمة ومقتضى المصلحة.
وكلّ شيء من خلقه تعالى وإن كان لا تعدّ حكمه تعالى فيه، كما لا تعدّ نعمه تعالى على خلقه، إلاّ انّه عليهالسلام خصّ الخفاش هنا بالذكر، لاختصاصه بخصائص وكونه مشتركا بين الحيوان والطير.
وقال الصادق عليهالسلام: خلق الخفّاش خلقة عجيبة بين خلقة الطير وذوات الأربع، هو إلى ذوات الأربع أقرب، وذلك انّه ذو أذنين ناشزتين وأسنان ووبر، وهو يلد أولادا ويرضع ويبول، ويمشي إذا مشى على أربع، وكل هذا خلاف صفة الطير ـ إلى أن قال ـ : وأما المآرب فيه فمعروفة، حتّى أنّ زبله يدخل في بعض الأعمال، ومن أعظم الأرب فيه خلقته العجيبة الدالة على قدرة الخالق جلّ ثناؤ وتصرفها في ما شاء كيف شاء لضرب من المصلحة(1).
وقال الدميري: إذا وضع رأس الخفّاش في حشو مخدة فمن وضع رأسه عليها لم ينم، وان طبخ رأسه في إناء نحاس أو حديد بدهن زنبق ويغمر فيه مرارا حتى يتهرئ ويصفى ذلك الدهن عنه، ويدهن به صاحب النقرس والفالج القديم، والارتعاش والتورّم في الجسد فانه ينفعه وهو مجرّب، وان ذبح في بيت وأخذ قلبه واحرق، فيه لم يدخله حيات ولا عقارب، وإن علّق قلبه وقت هيجانه على إنسان هيّج الباه، وإذا علّق عنقه على إنسان أمن العقارب، ومن مسح بمرارته فرج امرأة قد عسرت ولادتها ولدت لوقتها، وارتفع الدم عن النساء إذا أخذن من
1) .توحيد المفضل: 120 ـ 121؛ بحار الأنوار: 107/3 ـ 108.
شحمه، وان طبخ ناعما حتى يتهرئ ومسح به الإحليل أمن التقطير، وإن صبّ من مرقه وقعد فيه صاحب الفالج انحل ما به، وإذا طلب بزبله على القوابي قلعها، ومن نتف أبطه وطلاه بدمه مع لبن أجزاء متساوية لم ينبت، وإذا طلى به عانات الصبيان منع من النبات(1).
هذا، وروى ابن قتيبة عن الرياشي قال: روى عن عليّ عليهالسلام ليس شيء يغيب أذناه إلاّ وهو يبيض، وليس شيء يظهر اذناه إلاّ وهو يلد(2).
وروى الصدوق عن الرضا عليهالسلام عن آبائه عليهمالسلام عن الحسين عليهالسلامقال: كان علي عليهالسلام بالكوفة في الجامع إذ قام اليه رجل من أهل الشام، فسأله عن مسائل فكان فيما سأله أن قال له: أخبرني عن ستّة لم يركضوا في رحم فقال عليهالسلام: آدم وحواء وكبش إبراهيم وعصا موسى وناقة صالح والخفّاش الذي عمله عيسى عليهالسلامفطار بإذن اللّه(3)
قال المجلسى ره في تفسير قوله: «أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ»(4)قال: المشهور بين الخاصّة والعامّة من المفسّرين أنّ الطّير كان هو الخفّاش قال أبو اللّيث في تفسيره: إنّ النّاس سألوا عيسى عليهالسلامعلى وجه التعنّت فقالوا له: اخلق لنا خفّاشا واجعل فيه روحا إن كنت من الصادقين،
فأخذ طينا وجعل خفاشا ونفخ فيه فاذا هو يطير بين السماء والأرض، و كان تسوية الطين والنفخ من عيسى عليهالسلام، والخلق من اللّه تعالى ويقال: إنّما طلبوا منه خلق خفّاش لأنّه أعجب من ساير الخلق، ومن عجائبه أنه دم ولحم، يطير بغير ريش، ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض ساير الطيور، ويكون له الضرع ويخرج اللّبن، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة اللّيل، وانما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جدّا، و يضحك كما يضحك الإنسان وتحيض كما تحيض المرأة، فلمّا رأوا ذلك منه ضحكوا وقالوا: هذا سحر مبين فذهبوا إلى جالينوس فأخبروه بذلك فقال: آمنوا به(1).
إلى هنا إنتهى الجزء الخامس عشر
وأسأل اللّه أن يوفّقنى بمنّه لإتمام هذا الشرح
إنّه سميع الدّعاء قريب مجيب.
اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ
وَ صَلَّی اللَّهُ عَلَی سَیدنا وَ أَهْلِ بَیْتِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ
وَاللَّعْنُ الدَّائِمُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ إلى يَوْمِ الدِّينِ
1) .بحار الأنوار: 322/61؛ تفسير السمرقندي: 239/1 ـ 240.
1 ـ اثبات الوصية: المسعودى، (المتوفى 344ق).
2 ـ الاحتجاج على اهل اللجاج: ابو منصور احمد بن على بن ابى طالب طبرسى، 2 مجلد، مترجم: بهراد جعفرى، دار الكتب الاسلامية، طهران 1387 ش.
3 ـ احقاق الحق: الشهيد نور اللّه التستري، (المتوفى 1019ق).
4 ـ احياء العلوم: أبو حامد محمّد الغزالي، (المتوفى 505ق)، دار المعرفة، بيروت، 4 مجلد.
5 ـ الأخبار الطوال: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، القاهرة، الأولى 1960م.
6 ـ الأربعين في أُصول الدين: الغزالى، ابو حامد، (المتوفى 505 ق)، دار الكتب الاسلامية، بيروت، الأولى 1409ق.
7 ـ الارشاد في معرفة حجج اللّه على العباد: محمّد بن محمّد المفيد، (المتوفّى 413ق)،
المصحّح: مؤسّسة آل البيت:، المؤتمر للشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
8 ـ اساس البلاغة: محمود بن عمر زمخشرى، (المتوفى 583ق)، 1 مجلد، دار صادر، بيروت، الأولى 1979م.
9 ـ الاستيعاب: ابن عبدالبر، القرن الخامس، تحقيق: علي محمّد البجاوى، بيروت، دار
الجيل، الأولى 1412ق، 1992م.
10 ـ اسد الغابة: ابن الأثير، (المتوفّى 630ق)، دار الكتاب العربي بيروت، لبنان، توضيحات: نشر إسماعيليان، طهران.
11 ـ اصلاح المنطق: يعقوب ابن سكيت، (المتوفى 244ق).
12 ـ اعتقادات الامامية (للصدوق) محمد بن على بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الثانية 1414ق.
13 ـ الأغاني: ابن الفرج الاصفهاني، (المتوفّى 356)، 25 جلد، دار إحياء التراث العربي.
14 ـ الزام الناصب في اثبات الحجّة الغائب عجّل اللّه فرجه: يزدى حائرى، على، (المتوفّى 1333ق)، 2 مجلد، مؤسسة الأعلمي بيروت، الأولى 1422ق.
15 ـ الأمالي (للصدوق): محمد بن على بن بابويه، (المتوفى 381ق)، الأعلمى بيروت، الخامسة 1400ق ـ 1362ش.
16 ـ الأمالي (للطوسي): محمد بن الحسن طوسى، (المتوفى 460ق)، 1 مجلد، دار الثقافه، قم، الأولى 1414ق.
17 ـ الأمالي (للمفيد): محمد بن محمد، مفيد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، مصحح: حسين استاد ولى وعلى اكبر غفارى، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
18 ـ الامامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفّى 276ق)، تحقيق: الزيني، مؤسّسة الحلبى وشركاه للنشر والتوزيع.
19 ـ أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرى، (المتوفى 279ق)، تحقيق: سهيل زكار، رياض، زركلى، 13 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت،
الأولى.
20 ـ الأنوار في مولد النبى صلىاللهعليهوآله: بكري، أحمد بن عبداللّه، (المتوفى قرن 6)، 1 مجلد، دار
الشريف الرضى، قم 1411 ق.
21 ـ الأنوار النعمانيّة: السيّد نعمة اللّه بن عبداللّه الجزائرى، (المتوفى 1112ق)، 4 مجلد،
دار القارى، بيروت، الأولى 1429ق.
22 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار: محمّد باقر بن محمّد تقى مجلسى، (المتوفى 1110ق)، 111 مجلد، دار احياء التراث العربي، الثانية 1403ق.
23 ـ البرهان فى تفسير القرآن: سيد هاشم بن سليمان بحراني، (المتوفى 1107ق)، 5 مجلد، مصحح: قسم الدراسات الاسلامية لمؤسسة البعثة، مؤسسة البعثة، قم، الأولى 1374 ش.
24 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمد عليهمالسلام: محمد بن حسن صفار، (المتوفى 290ق)، مصحح: محسن بن عباسعلي كوچهباغي، مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي، قم، الثانية 1404ق.
25 ـ بلاغات النساء: ابن طيفور، (المتوفى 380ق)، مكتبة بصيرتي، قمّ المقدّسة.
26 ـ بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: محمّد تقي الشيخ الشوشتري، (المتوفى 1415ق ـ 1374ش)، مؤسّسة نشر أمير كبير، الأولى 1376 شمسى.
27 ـ البيان والتبيين: الجاحظ، (المتوفى 255ق)، المكتبة التجاريّة الكبرى لصاحبها مصطفى محمّد، مصر، الأولى 1345ق 1926م.
28 ـ تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، (المتوفى 463ق)، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1417ق ـ 1997 م.
29 ـ تاريخ الطبرى: محمد بن جرير الطبري، 6 مجلد، (المتوفى 310ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
30 ـ تاريخ الطبرى: ابو جعفر محمد بن جرير الطبرى، (المتوفى 310ق)، تحقيق: محمّد ابوالفضل إبراهيم، 11 مجلد، بيروت، دار التراث، الثانية 1387ق 1967م.
31 ـ تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر، (المتوفى 571ق)، 70 مجلد، تحقيق: علي شيري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، مطبعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، چاپ 1415ق.
32 ـ تاريخ اليعقوبى: أحمد بن أبى يعقوب المعروف باليعقوبى، (المتوفى بعد 292)، بيروت، دار صادر، بىتا.
33 ـ تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: علي الاسترآبادي، (المتوفى 940ق)، مصحح: حسين استاد ولي، مؤسسة النشر الاسلامى، قم، الأولى 1409ق.
34 ـ تأويل مختلف الحديث: ابن قتيبة الدينورى، (المتوفى 276ق)، دار الكتاب العلميّة، بيروت.
35 ـ تحرير المواعظ العددية: المشكيني، الشيخ علي.
36 ـ تحف العقول: حسن بن علي، ابن شعبة الحرّاني، (المتوفى قرن 4)، 1 مجلد، مصحح: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الثانية 1404ق ـ 1363ش.
37 ـ تفسير الثعلبى (الكشف والبيان عن تفسير القرآن): الثعلبي، (المتوفى 427ق)، تحقيق: أبى محمد بن عاشور، 5 مجلد، دار احياء التراث العربى، بيروت، الأولى 1422ق 2002م.
38 ـ تفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي، (المتوفى 911ق)، 6 مجلد، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
39 ـ تفسير السمرقندى: أبو الليث السمرقندي، (المتوفى 383)، 3 مجلد،دار الفكر، بيروت.
40 ـ تفسير الصافي: محمّد بن شاه مرتضى فيض كاشاني، (المتوفى 1091ق)، مكتبة الصدر، طهران، الثانية 1415ق.
41 ـ تفسير العياشي: محمّد بن مسعود العياشي، (المتوفى 320ق)، 2 مجلد، مصحح: السيّد هاشم رسولى المحلاّتى، المطبعة العلمية، طهران، الأولى 1380 ق.
42 ـ تفسير فرات الكوفي: فرات بن ابراهيم كوفي، (المتوفى 307ق)، 1 مجلد، مصحح: محمد كاظم، مؤسسة الطبع والنشر في وزارة الارشاد الاسلامي، طهران، الأولى 1410ق.
43 ـ تفسير القمي: علي بن ابراهيم القمي، (المتوفى القرن 3 الهجري)، مصحح: السيّد طيّب موسوى الجزائري، 2 مجلد، دار الكتاب، قم، الثالثة 1404ق.
44 ـ التفسير المنسوب الى الامام الحسن العسكري عليهالسلام: الشهادة 260 ق)، 1 مجلد، مصحح: مدرسة الإمام المهدي عليهالسلام، قم، الأولى 1409ق.
45 ـ تفسير نور الثقلين عبد علي بن جمعة الحويزي، (المتوفى 1112ق)، 5 مجلدات، اسماعيليان، قم، الرابعة 1415ق.
46 ـ تقريب المعارف: تقى بن نجم، ابو الصلاح الحلبى، (المتوفى 447ق)، مصحح: تبريزيان (الحسون)، 1 مجلد، الهادى، قم، الاولى 1404ق.
47 ـ تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام: ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، (المتوفى 605ق)، 2 مجلد، مكتبة الفقيه، قم، الأولى 1410ق.
48 ـ التوحيد (للصدوق): محمّد بن علي، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، 1 مجلد، مصحح: هاشم الحسيني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1398ق.
49 ـ التوحيد المفضل: مفضل بن عمر، (المتوفى 148ق)، 1 مجلد، داورى، ايران، قم، بىتا.
50 ـ تهذيب الأحكام: محمد بن الحسن، طوسى، (المتوفى 460ق)، 10 مجلد، مصحح: حسن الموسوى خرسان، دار الكتب الاسلامية، تهران، الرابعة 1407ق.
51 ـ الثاقب في المناقب: ابن حمزة الطوسي، محمّد بن عليّ (المتوفى 566ق)، انصاريان، ايران، قم، 1419ق.
52 ـ ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: محمد بن علي الصدوق، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، دار الشريف الرضي للنشر، قم، الثانية 1406ق.
53 ـ الجمل والنصرة لسيّد العترة في حرب البصرة: محمّد بن محمّد المفيد، (المتوفى 413ق)، تحقيق: على مير شريفى، المؤتمر للشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
54 ـ جمهرة اللغة: أبوبكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي، (المتوفى 321ق)، 3 مجلد، دار العلم للملايين، بيروت، الأولى 1987م.
55 ـ الجواهر السنية فى الأحاديث القدسيّة: محمّد بن حسن شيخ حرّ العاملي، (المتوفى
1104ق)، 1 مجلد، انتشارات دهقان، طهران، الثالثة 1380ش.
56 ـ حياة الحيوان الكبرى: كمال الدين دميرى، (المتوفى 808ق)، 2 مجلد، دار ومكتبة الهلال، بيروت.
57 ـ الخصال: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1362ش.
58 ـ ديوان الأخطل.
59 ـ ديوان المنسوب إلى أميرالمؤمنين عليهالسلام: حسين بن معين الدين ميبدى، (المتوفى 911ق)، 1 مجلد، دار نداء الاسلام للنشر، قم، الأولى 1411ق.
60 ـ ربيع الأبرار ونصوص الأخبار: الزمخشرى، (المتوفى 538ق)، تحقيق: عبدالأمير مهنا، 5 مجلد، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات، بيروت، الأولى 1412ق 1992م.
61 ـ رجال الكشي ـ اختيار معرفة الرجال: محمّد بن عمر الكشي، (المتوفى النصف الأوّل من القرن 4ق)، 1 مجلد، مصحح: محمّد حسن الطوسي، حسن المصطفوي، مؤسسه النشر لجامعة مشهد، الأولى 1409ق.
62 ـ روح البيان: اسماعيل حقى بن مصطفى، (المتوفى: 1127ق)، 10 مجلد، دار الفكر، بيروت.
63 ـ روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمّد تقى بن مقصود على، المجلسي، (المتوفى 1070ق)، 14 مجلد، مصحح: حسين الموسوي الكرماني وعلىپناه الاشتهاردي، مؤسسة الثقافة الإسلاميّة كوشانبور، قم، الثانية 1406ق.
64 ـ الزهد: حسين بن سعيد، كوفى اهوازى، (المتوفى القرن الثالث)، مصحّح: غلامرضا عرفانيان يزدى، 1 مجلد، المطبعة العلميّة، قم، الثانية 1402ق.
65 ـ السرائر الحاوى لتحرير الفتاوى (والمستطرفات): محمد بن احمد بن ادريس، (المتوفى 598ق)، 3 مجلد، دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، قم، الثانية 1410ق.
66 ـ السقيفة وفدك: الجوهرى، (المتوفى 323ق)، شركة الكتبى للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الثانية 1413ق 1993م.
67 ـ سنن ابن ماجة: محمد بن يزيد القزوينى، (المتوفى 273)، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقى، 2 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
68 ـ سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، (المتوفى 275ق)، 2 مجلد، تحقيق: سعيد محمد اللحام، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الأولى 1410ق ـ 1990م.
69 ـ سنن النسائي: النسائي، (المتوفى 303ق)، 8 مجلد، دار الفكر بيروت، لبنان، الأولى 1348ق ـ 1930م.
70 ـ الشافي في الامامة: الشريف المرتضى، (المتوفى 436ق)، 4 مجلد، مؤسسة إسماعيليان، قم، الثانتية 1410ق.
71 ـ شرح أصول الكافي (صدرا): محمّد بن ابراهيم، صدرالدين الشيرازي، 4 مجلد (المتوفى 1050ق)، مصحح: محمد الخواجوي، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگى طهران، الأولى 1383ش.
72 ـ شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): ميثم بن علي بن ميثم البحراني، (قرن 7)، 5 مجلد، مكتبة نشر الكتاب، الثانية 1362 ش.
73 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: عبدالحميد بن هبة اللّه، ابن أبي الحديد، (المتوفى 656ق)، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي، قم، الأولى 1404ق.
74 ـ الشعر والشعراء: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، دار الحديث، القاهرة، 2 مجلد، 1427ق ـ 2006م.
75 ـ شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: عبيداللّه بن عبداللّه الحسكاني، (المتوفى 490 ق)،
2 مجلد، مصحح: محمد باقر المحمودي، التابعة لوزارة الثقافة والارشاد الاسلامي، مجمع احياء الثقافة الاسلامية، طهران، الأولى 1411ق.
76 ـ الصحاح: الجوهري، (المتوفى 393ق)، 6 مجلد، تحقيق: احمد عبدالغفور العطار، دار العلم للملايين، بيروت، الرابعة 1407ق ـ 1987م.
77 ـ صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري، (المتوفى 256ق)، 8 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1401ق ـ 1981م.
78 ـ الصحيفة السجادية: امام علي بن الحسين عليهالسلام، (الشهادة 94 يا 95ق)، مكتبة نشر الهادي، قم، الأولى 1376ق.
79 ـ الصحيفة العلويّة والتحفة المرتضويّة: سما هيجى، عبداللّه بن صالح، المتوفى 1135 ق)، مترجم: رسولى محلاتى، سيد هاشم، انتشارات اسلامى، تهران، الثالثة 1396ق.
80 ـ الصراط المستقيم إلى مستحقى التقديم: على بن محمّد عاملى نباطى، (المتوفى 877ق)، 3 مجلد، المكتبة الحيدريّة، الأولى 1384ق.
81 ـ الطبقات الكبرى: ابن سعد، (المتوفى 230)، 8 مجلد، دار صادر، بيروت.
82 ـ الطرائف في معرفة مذهب الطوائف: علي بن موسى، ابن طاووس، 2 مجلد، (المتوفى 664ق)، مصحح: على عاشور، خيام، قم، الأولى 1400ق.
83 ـ العثمانيّة: الجاحظ، (المتوفى 255ق)، مكتبة الجاحظ، مصر.
84 ـ عدّة الداعي ونجاح الساعي: احمد بن محمد، ابن فهد حلي، (المتوفى 841ق)، مصحّح: احمد الموحدي القمي، 1 مجلد، دار الكتب الاسلاميّة، الأولى 1407ق.
85 ـ العقد الفريد: شهاب الدين احمد المعروف بابن عبد ربه الأندلسى، (المتوفى
328ق)، 8 مجلد، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1404ق.
86 ـ علل الشرايع: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، 2 مجلّد مكتبة الداوري، قم الأولى 1385ش.
87 ـ عمدة عيون صحاح الأخبار فى مناقب امام الأبرار: ابن البطريق، (المتوفى 600ق)، مؤسسة النشر الاسلامى التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرفة، جمادي الأولى 1407ق.
88 ـ عيون الأخبار: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، 3 مجلد، منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية، بيروت، الثالثة 1414ق ـ 2003م.
89 ـ عيون أخبار الرضا عليهالسلام: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: مهدي اللاجوردي، 2 مجلّد، جهان، طهران، الأولى 1378ق.
90 ـ عيون المعجزات: ابن عبدالوهّاب، حسين بن عبد الوهّاب، المتوفى قرن 5)، مكتبة الداوري، قم.
91 ـ الغيبة (للنعماني): ابن ابي زينب، محمد بن ابراهيم، (المتوفى 360ق)، مصحح: على اكبر الغفاري، نشر صدوق، طهران، الأولى 1397ق.
92 ـ فتح الأبواب بين ذوي الألباب وبين رب الأرباب: علي بن موسى، ابن طاووس، (المتوفى 664ق)، 1 مجلد، مصحح: حامد خفاف، مؤسسه آل البيت:، قم، الأولى 1409ق.
93 ـ الفتوح: ابو محمد احمد بن الأعثم الكوفي، (المتوفى 1314، تحقيق: على الشيري، چاپ بيروت، دار الأضواء، الأولى 1411ق ـ 1991م.
94 ـ فتوح البلدان: احمد بن يحيى بن جابر (البلاذرى)، (المتوفى 279)، تحقيق: صلاح
الدين المنجد، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة، 1956م.
95 ـ فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم: ابن طاووس، علي بن موسى، (المتوفى 664ق)، 1 مجلد، دار الذخائر، قم 1368ق.
96 ـ القاموس المحيط: الفيروزآبادي، (المتوفى 817ق)، 4مجلد.
97 ـ الكافى: (ط. اسلاميّة) محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني، (المتوفى 329ق)، مصحح: على اكبر الغفاري ومحمد الآخوندي، 8 جلد، دار الكتب الاسلاميّة، طهران، الرابعة 1407ق.
98 ـ الكافى: (ط. الحديثة) محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني، (المتوفى 329ق)، 15 مجلد، دار الحديث، قم، الأولى 1429ق.
99 ـ الكامل فى التاريخ: إبن الأثير (المتوفى 630ق)، 12 مجلد، دار صادر، بيروت، 1386 ـ 1966م.
100 ـ الكامل فى اللغة والأدب: محمد بن يزيد المبرد، (المتوفى 285ق)، محقق: محمد ابوالفضل ابراهيم، 4 مجلد، دار الفكر العربى، قاهرة، الثالثة 1417ق.
101 ـ كتاب سليم بن قيس: سليم بن قيس الهلالى، (المتوفى 76ق)، مصحح: انصارى زنجانى، محمد خوئينى، 2 مجلد، الهادى، قم، الاولى 1405ق.
102 ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (ط. القديمة)، يوسف: على بن عيسى الاربلي، (المتوفى: 692ق)، مصحّح: سيّد هاشم الرسولي المحلاتي، بني هاشمي، 2 مجلد، تبريز، الأولى 1381ق.
103 ـ كشف اليقين: الحلّي، حسن بن يوسف بن مطهّر، (المتوفى 726ق)، وزارت ارشاد، تهران، الأولى 1411ق.
104 ـ كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب عليهالسلام: الگنجي الشافعي، محمد بن يوسف، 1 مجلد، دار احياء تراث اهل البيت عليهمالسلام.
105 ـ كمال الدين وتمام النعمة: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفاري، 2 مجلد، الإسلامية، طهران، الثانية 1395ق.
106 ـ كنز العمال: المتقى الهندى، (المتوفى 975ق) 16 مجلد، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1409ق 1989م.
107 ـ الكنى والألقاب: الشيخ عبّاس القمّى، (المتوفى 1359ق) 3 مجلد، مكتبة الصدر، طهران.
108 ـ اللالى المصنوعة: السيوطى، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، (المتوفى 911ق)، 2 مجلد، دارالكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1417ق.
109 ـ لسان العرب: محمّد بن المكرّم، ابن منظور، (المتوفى 711ق)، 15 مجلد، مصحح: جمال الدين، الميردامادي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الثالثة 1414ق.
110 ـ مجمع الأمثال: الميدانى، (المتوفى 518ق)، 2 مجلد، المعاونية الثقافية للآستانة الرضوية المقدسة، آذر 1366ش.
111 ـ مجمع البحرين: فخرالدين بن محمد، الطريحي، (المتوفى 1085ق)، 6 مجلد، مصحح: احمد الحسيني الاشكوري، المرتضوي، طهران، الثالثة 1375ش.
112 ـ مجمع البيان فى تفسير القرآن: فضل بن حسن الطبرسى، (المتوفى 548ق)، 10 مجلد، ناصر خسرو، طهران، الثالثة 1372.
113 ـ مجموعة ورّام: ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، (المتوفى 605ق)، بنياد پژوهشهاى اسلامى آستان قدس رضوى، مشهد، 1369ش.
114 ـ المحاسن: احمد بن محمد بن خالد البرقي، (المتوفى 274ق يا 280ق)، 2 مجلد، مصحح: جلال الدين، المحدث، دار الكتب الاسلامية، قم، الثانية 1371ق.
115 ـ المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء: الفيض الكاشاني، (المتوفى 1091ق)، 8 مجلد، تحقيق: علي اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الثالثة.
116 ـ مرآة العقول في شرح اخبار آل الرسول: محمّد باقر بن محمد تقى المجلسي، (المتوفى 1110ق)، 26 مجلد، مصحح: السيّد هاشم الرسولي المحلاتي، دار الكتب الاسلامية، طهران، الثانية 1404ق.
117 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر: المسعودي، (المتوفى 346ق)، منشورات دار الهجره، قم 1404ق ـ 1363ش ـ 1984م.
118 ـ المسائل العكبريّة: المفيد، محمّد بن محمّد، (المتوفى 413ق)، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، قم، الأوّل 1413ق.
119 ـ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: حسين بن محمد تقي، النوري، (المتوفى 1320ق)، 28 مجلد، مصحح و مؤسسة آل البيت عليهمالسلام، قم، الأولى 1408ق.
120 ـ المستطرف في كلّ فن مستظرف: الابشيهي، (المتوفى 850ق)، 2 مجلد، دار ومكتبة الهلال، بيروت.
121 ـ مشكاة الأنوار في غرر الأخبار: على بن حسن طبرسى، (المتوفى 600ق)، 1 مجلد، المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، الثانية 1385ق ـ 1344ش.
122 ـ المصباح المنير: أحمد بن محمّد الفيومي، (المتوفى 770ق)، 2 مجلد، مؤسسة دار
الهجرة، قم، الثانية 1414ق.
123 ـ المعارف: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، تحقيق: دكتور ثروت عكاشه، دار المعارف بمصر، مطابع دار المعارف بمصر، الثانية 1969م.
124 ـ معانى الأخبار: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، الأولى، قم 1403ق.
125 ـ معجم الأدباء: ياقوت الحموى، (المتوفى 626ق)، 20 مجلد، دار الغرب الاسلامى، بيروت، الأولى 1414 ق 1993م.
126 ـ معجم البلدان: الحموي، (المتوفى 626ق)، 1 مجلد، دار احياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، 1399ق ـ 1979م.
127 ـ المعجم الكبير: الطبراني، (المتوفى 360ق)، 25 مجلد، دار إحياء التراث العربي، القاهرة.
128 ـ معجم مقاييس اللغة: أحمد بن فارس بن زكريا (ابن فارس)، (المتوفى 395ق)، مكتبة الأعلام الإسلامي، 1404.
129 ـ المعمرون والوصايا: السجستاني، ابو حاتم.
130 ـ المفصّل فى تاريخ العرب قبل الاسلام: جواد على، 20 مجلد.
131 ـ مقاتل الطالبيين: ابو الفرج الاصفهانى، (المتوفى 356ق)، تحقيق: سيد أحمد صقر، بيروت، دار المعرفة، بىتا.
132 ـ مقتضب الأثر في النصّ على الأئمّة الاثنى عشر عليهمالسلام: جوهري بصري، احمد بن عبدالعزيز، (المتوفى 401ق)، انتشارات طباطبايى، قم.
133 ـ مناقب آل أبي طالب عليهمالسلام: محمّد بن على بن شهر آشوب المازندراني، (المتوفى 588ق)، 4 مجلد، العلاّمة، قم، الأولى 1379ش.
134 ـ مناقب علي بن ابي طالب عليهالسلام وما نزل من القرآن في علي عليهالسلام: احمد بن موسى بن مردويه الاصفهانى، (المتوفى 410ق)، تحقيق: عبدالرزاق محمد حسين حرز الدين، دار الحديث، الثانية 1424ق 1382 ش.
135 ـ منتهى الطلب من أشعار العرب: محمّد بن المبارك، ابن ميمون، 10 مجلد.
136 ـ من لا يحضره الفقيه: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفارى، 4 مجلد، مؤسسة النشر الإسلامي، الثانية، قم 1413ق.
137 ـ منهاج البراعة: الميرزا حبيب اللّه الهاشمي الخوئي، (المتوفى 1324ق)، 22 مجلد، مصحح: علي العاشور، دار احياء التراث العربى للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى 1429ق ـ 2008 م.
138 ـ منية المريد: الشهيد الثانى، (ش 965ق)، تحقيق: رضا المختارى، مكتب الأعلام الاسلامى، الأولى 1409ق 1368ش.
139 ـ موسوعة الامام امير المؤنين عليهالسلام: الشيخ باقر شريف القرشى، 11 مجلد، مؤّسة
الكوثر للمعارف الإسلاميّة، 1429ق.
140 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر: مبارك بن محمد، ابن الأثير الجزري، (المتوفى 606ق)، 5 مجلد، مصحح: محمود محمد الطناحي، اسماعيليان، قم، الرابعة 1367ش.
141 ـ نهج البلاغة (فيض الإسلام): حاج سيد علينقى فيض الاسلام، انتشارات فيض الاسلام، چاپ مكرر، چاپخانه احمدى.
142 ـ نهج الحق وكشف الصدق: حسن بن يوسف، العلاّمة الحلّي، (المتوفى 726ق)، 1 مجلد، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الأولى 1982 م.
143 ـ نهج الفصاحة: كلمات القصار للنبى الأكرم صلىاللهعليهوآله، دنياى دانش، طهران، الرابعة 1382ش.
144 ـ الوافي: محمد محسن بن شاه مرتضى، الفيض الكاشاني، (المتوفى 1091ق)، 26 مجلد، مكتبة الإمام اميرالمؤمنين عليهالسلام، اصفهان، الأولى 1406ق.
145 ـ وسائل الشيعة: محمد بن حسن، شيخ حر العاملي، (المتوفى 1104ق)، مصحح: مؤسسه آل البيت عليهمالسلام، 30 مجلد، الأولى 1409ق.
146 ـ وقعة الجمل: ضامن بن شدقم عليّ بن الحسيني، (المتوفى قرن 11)، نشر محمّد، ايران، قم، الأولى 1420ق.
147 ـ وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري، (المتوفى 212ق)، 1 مجلد: مصحح: عبدالسلام محمد، هارون، مكتبة آية اللّه المرعشى النجفى، الأولى 1404ق.
148 ـ الهداية الكبرى: حسين بن حمدان الخصيبي، (المتوفى 334ق)، 1 مجلد، البلاغ، بيروت، 1419ق.
149 ـ يتيمة الدهر: عبدالملك الثعالبي النيسابوري، (المتوفى 429ق)، 5 مجلد، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الأولى 1403ق ـ 1983م.
الخطبة (146): ومن كلام له عليهالسلام لعمر بن الخطاب وقد استشاره في غزو الفرس بنفسه
(5 ـ 22)
ومن كلام له عليهالسلام لعمر بن الخطاب وقد استشاره في غزو الفرس بنفسه··· 6
إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلاَ خِذْلاَنُهُ بِكَثْرَةٍ وَلاَ قِلَّةٍ··· 13
وَهُوَ دِينُ اللّهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ، وَجُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَأَمَدَّهُ··· 14
حَتَّى بَلَغَ،مَا بَلَغَ وَطَلَعَ حَيْثُمَا (حيث) طَلَعَ··· 15
وَنَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللّهِ وَاللّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ وَنَاصِرٌ جُنْدَهُ··· 15
وَمَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ، مِنَ الْخَرَزِ··· 17
يَجْمَعُهُ وَيَضُمُّهُ فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ وَذَهَبَ··· 18
ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَداً، وَالْعَرَبُ الْيَوْمَ وَإِنْ كَانُوا قَلِيلاً··· 18
فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالاْءِسْلاَمِ، عَزِيزُونَ بِالاجْتِمَاعِ··· 18
فَكُنْ قُطْباً وَاسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ وَأَصْلِهِمْ··· 19
دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ··· 19
انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَالْعَوْرَاتِ··· 19
أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ، إِنَّ الْأَعَاجِمَ··· 19
إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا هَذَا أَصْلُ الْعَرَبِ فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ··· 19
اسْتَرَحْتُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ وَطَمَعِهِمْ فِيكَ··· 20
فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ··· 20
أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ وَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ··· 20
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ وَإِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَة··· 20
يوم القادسية··· 20
الخطبة (147): من خطبة له عليهالسلام
(23 ـ 86)
من خطبة له عليهالسلام··· 24
فَبَعَثَ اللّهُ مُحَمَّداً صلىاللهعليهوآله بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ··· 25
وَمِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ··· 25
بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ··· 26
لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ وَلِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ وَلِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ··· 26
فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ··· 26
وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ، وَكَيْفَ مَحَقَ، مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلاَتِ··· 29
وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ··· 30
وَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ وَلاَ··· 30
أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ وَلاَ أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ··· 30
وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ، أَبْوَرَ، مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ··· 32
وَلاَ أَنْفَقَ مِنْهُ، إِذَا حُرِّفَ، عَنْ مَوَاضِعِهِ··· 32
وَلاَ فِي الْبِلاَدِ شَيْءٌ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَلاَ أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ، فَقَدْ نَبَذَ··· 34
الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَتَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ··· 34
فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَأَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ (منفيان طريدان)··· 34
وَصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ··· 34
لاَ يُؤوِيهِمَا مُؤوٍ، فَالْكِتَابُ وَأَهْلُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ··· 35
وَلَيْسَا فِيهِمْ وَمَعَهُمْ وَلَيْسَا مَعَهُمْ، لِأَنَّ الضَّلاَلَةَ لاَ تُوَافِقُ الْهُدَى··· 35
وَإِنِ اجْتَمَعَا، فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ، عَلَى الْفُرْقَةِ، وَافْتَرَقُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ··· 36
كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلاّ اسْمُهُ··· 36
وَلاَ يَعْرِفُونَ إِلاّ خَطَّهُ وَزَبْرَهُ··· 36
وَمِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ··· 37
وَسَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللّهِ، فِرْيَةً··· 38
وَجَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيِّئَةِ··· 39
وَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَتَغَيُّبِ آجَالِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ··· 39
الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ، وَتُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، وَتَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ··· 40
وَالنِّقْمَةُ، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللّهَ··· 40
وُفِّقَ، وَمَنِ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلاً هُدِيَ لِلَّتِي، هِيَ أَقْوَمُ··· 41
فَإِنَّ جَارَ اللّهِ آمِنٌ، وَعَدُوَّهُ خَائِفٌ··· 41
وَإِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللّهِ، أَنْ يَتَعَظَّمَ··· 42
فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ··· 42
وَسَلاَمَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ··· 45
فَلاَ تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ، وَالْبَارِئِ، مِنْ ذِي السَّقَم··· 46
واعلموا انّكم لن تعرفوا...··· 47
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ وَلَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ··· 48
الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ وَلَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ··· 48
فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، فَإِنَّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَمَوْتُ الْجَهْلِ··· 51
يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ··· 52
وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، لاَ يُخَالِفُونَ الدِّينَ··· 53
وَلاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ··· 54
تنبيه··· 57
المقام الاول: في الآيات والأخبار الواردة في النّهى عن تلك الصّفة··· 57
الثاني: في حقيقة الكبر وماهيته··· 61
الثالث: في المتكبر عليه··· 62
القسم الاول: التكبّر على اللّه سبحانه··· 62
القسم الثاني: التكبّر على الأنبياء والرّسل والأوصياء عليهمالسلام··· 62
القسم الثالث التكبّر على العباد··· 64
الرابع: في ما به التكبر··· 65
الاول: العلم··· 65
الثاني: العمل والعبادة··· 67
الثالث: النّسب··· 67
الرابع: التفاخر بالحسن والجمال··· 67
الخامس: الثروة والمال··· 67
السادس: القوّة وشدّة البطش··· 67
السابع: الملك والسّلطنة وكثرة الأتباع والخدم والجنود والجيوش··· 67
السابع: في معالجة الكبر··· 68
الخطبة (148): ومن كلام له عليهالسلام في ذكر أهل البصرة
(87 ـ 101)
ومن كلام له عليهالسلام··· 87
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو الْأَمْرَ لَهُ وَيَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ··· 89
لاَ يَمُتَّانِ إِلَى اللّهِ بِحَبْلٍ، وَلاَ يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ··· 90
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبٍّ لِصَاحِبِهِ··· 91
وَعَمَّا قَلِيلٍ يُكْشَفُ قِنَاعُهُ بِهِ، وَاللّهِ لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ··· 92
لَيَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا وَلَيَأْتِيَنَّ هَذَا عَلَى هَذَا، قَدْ قَامَتِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ··· 93
فَأَيْنَ الْمُحْتَسِبُونَ··· 93
فَقَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ، وَقُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ··· 94
وَلِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ وَلِكُلِّ نَاكِثٍ شُبْهَةٌ··· 97
وَاللّهِ لاَ أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ، يَسْمَعُ النَّاعِيَ، وَيَحْضُرُ الْبَاكِيَ ثُمَّ لاَ يَعْتَبِر··· 98
مقتل طلحة والزبير··· 100
الخطبة (149): ومن كلام له عليهالسلام قبل موته
(102 ـ 142)
ومن كلام له عليهالسلام··· 103
ومن كلام له عليهالسلام قبل موته، أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّ امْرِئٍ لاَقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ··· 105
وَالْأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ، وَالْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ··· 105
كَمْ أَطْرَدْتُ الْأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الْأَمْرِ فَأَبَى اللّهُ إِلاّ إِخْفَاءَهُ··· 106
هَيْهَاتَ عِلْمٌ مَخْزُونٌ··· 109
أَمَّا وَصِيَّتِي فَاللّهَ لاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَمُحَمَّداً صلّى اللّه عليه وآله فَلاَ تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ··· 110
أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ، وَأَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ··· 111
وَخَلاَكُمْ ذَمٌّ، مَا لَمْ تَشْرُدُوا··· 113
حُمِّلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ، وَخُفِّفَ عَنِ الْجَهَلَةِ··· 114
رَبٌّ رَحِيمٌ، وَدِينٌ قَوِيمٌ··· 115
وَإِمَامٌ عَلِيمٌ··· 116
أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ··· 118
وَغَداً مُفَارِقُكُمْ··· 119
غَفَرَ اللّهُ لِي وَلَكُمْ··· 121
إِنْ تَثْبُتِ الْوَطْأَةُ، فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ فَذَاكَ، وَإِنْ تَدْحَضِ··· 122
الْقَدَمُ، فَإِنَّا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ، أَغْصَانٍ··· 123
وَمَهَبِّ رِيَاحٍ، وَتَحْتَ ظِلِّ غَمَامٍ··· 123
اضْمَحَلَّ فِي الْجَوِّ، مُتَلَفَّقُهَا، وَعَفَا، فِي الْأَرْضِ مَخَطُّهَا··· 124
وَإِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً··· 128
وَسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلاَءً، سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاٍ··· 129
وَصَامِتَةً بَعْدَ نُطْقٍ، لِيَعِظَكُمْ هُدُوِّي، وَخُفُوتُ، إِطْرَاقِي··· 130
وَسُكُونُ أَطْرَافِي، فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِيغ··· 131
وَالْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ··· 131
وَدَاعِيْكُمْ وَدَاعُ امْرِئٍ مُرْصِدٍ لِلتَّلاَقِي··· 134
غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي وَيُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي وَتَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي··· 136
وَقِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي··· 136
الخطبة (150) وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عليهالسلام يومى فيها إلى ذكر الملاحم
(143 ـ 203)
وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عليهالسلام يومى فيها إلى ذكر الملاحم··· 144
وَأَخَذُوا يَمِيناً وَشِمَالاً، ظَعْناً فِي مَسَالِكِ الْغَيِّ ـ وَتَرْكاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ··· 144
فَلاَ تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ وَلاَ تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ··· 145
فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَمَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ··· 147
يَا قَوْمِ هَذَا إِبَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ، وَدُنُوٌّ مِنْ طَلْعَةِ مَا لاَ تَعْرِفُونَ··· 148
وَيُعْتِقَ رِقّاً، وَيَصْدَعَ شَعْباً، وَيَشْعَبَ صَدْعاً··· 155
فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ··· 161
لاَ يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ··· 162
وَلَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ، ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ، فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ، النَّصْلَ··· 163
تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ وَيُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ··· 164
وَيُغْبَقُونَ، كَأْسَ، الْحِكْمَةِ، بَعْدَ الصَّبُوحِ··· 164
منها: وَطَالَ الْأَمَدُ بِهِمْ لِيَسْتَكْمِلُوا الْخِزْيَ وَيَسْتَوْجِبُوا الْغِيَرَ··· 165
حَتَّى إِذَا اخْلَوْلَقَ الْأَجَلُ··· 165
وَاسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ، وَاشْتَالُوا··· 166
حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ··· 168
وَدَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِم، حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللّهُ رَسُولَهُ صلىاللهعليهوآله··· 169
رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الْأَعْقَابِ··· 169
وَغَالَتْهُمُ السُّبُلُ··· 171
وَاتَّكَلُوا، وَوَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ··· 173
وَهَجَرُوا··· 174
السَّبَبَ الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ··· 175
وَنَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَصِّ أَسَاسِهِ، فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ··· 177
مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ··· 181
وَأَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ، قَدْ مَارّوا فِي الْحَيْرَةِ··· 184
وَذَهَلُوا، فِي السَّكْرَةِ··· 185
عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ··· 186
مِنْ مُنْقَطِعٍ إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنٍ··· 187
أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِن··· 188
الخطبة (151) ومن خطبة له عليهالسلام
(204 ـ 241)
ومن خطبة له عليهالسلام، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاحِرِ، الشَّيْطَانِ وَمَزَاجِرِهِ··· 206
وَالاعْتِصَامِ، مِنْ حَبَائِلِهِ، وَمَخَاتِلِهِ··· 207
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَنَجِيبُهُ وَصَفْوَتُهُ، لاَ يُؤازَى··· 208
فَضْلُهُ، وَلاَ يُجْبَرُ فَقْدُهُ··· 209
أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلاَدُ بَعْدَ الضَّلاَلَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَالْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ··· 210
وَالْجَفْوَةِ الْجَافِيَةِ، وَالنَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ، وَيَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ··· 211
يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ، وَيَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَة··· 212
ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَغْرَاضُ، بَلاَيَا قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ··· 213
وَاحْذَرُوا بَوَائِقَ··· 213
النِّقْمَةِ، وَتَثَبَّتُوا، فِي قَتَامِ، الْعِشْوَةِ، وَاعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ··· 214
عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا، وَظُهُورِ كَمِينِهَا، وَانْتِصَابِ قُطْبِهَا، وَمَدَارِ رَحَاهَا··· 215
تَبْدَأُ، فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ، وَتَئُولُ··· 215
إِلَى فَظَاعَةٍ، جَلِيَّةٍ، شِبَابُهَا، كَشِبَابِ الْغُلاَمِ··· 216
وَآثَارُهَا كَآثَارِ السِّلاَمِ، يَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ··· 216
أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لآِخِرِهِمْ وَآخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ··· 218
يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ، وَيَتَكَالَبُونَ، عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ··· 219
وَعَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ وَالْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ فَيَتَزَايَلُونَ، بِالْبَغْضَاءِ··· 219
وَيَتَلاَعَنُونَ عِنْدَ اللِّقَاءِ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ··· 220
وَالْقَاصِمَةِ، الزَّحُوفِ، فَتَزِيغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ··· 221
وَتَضِلُّ رِجَالٌ، بعد سلامة، وَتَخْتَلِفُ الْأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا··· 221
وَتَلْتَبِسُ الآْرَاءُ··· 222
عِنْدَ نُجُومِهَا، مَنْ أَشْرَفَ لَهَا، قَصَمَتْهُ··· 223
وَمَنْ سَعَى فِيهَا، حَطَمَتْهُ، يَتَكَادَمُونَ فِيهَا··· 223
تَكَادُمَ الْحُمُرِ، فِي الْعَانَةِ، قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ··· 224
وَعَمِيَ وَجْهُ الْأَمْرِ، تَغِيضُ فِيهَا، الْحِكْمَةُ، وَتَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ··· 224
وَتَدُقُّ أَهْلَ الْبَدْوِ، بِمِسْحَلِهَا، وَتَرُضُّهُمْ··· 225
بِكَلْكَلِهَا، يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ، وَيَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ··· 226
تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ··· 227
وَتَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّمَاءِ، وَتَثْلِمُ، مَنَارَ الدِّينِ··· 228
وَتَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ يَهْرُبُ مِنْهَا الْأَكْيَاسُ، وَيُدَبِّرُهَا الْأَرْجَاسُ، مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ··· 229
كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ، تُقْطَعُ فِيهَا الْأَرْحَامُ وَيُفَارَقُ عَلَيْهَا الاْءِسْلاَمُ··· 230
بَرِيئُهَا سَقِيمٌ وَظَاعِنُهَا، مُقِيمٌ··· 231
منها: بَيْنَ قَتِيلٍ مَطْلُولٍ، وَخَائِفٍ مُسْتَجِيرٍ، يَخْتِلُونَ··· 234
بِعقدِ، الْأَيْمَانِ، وَبِغُرُورِ الاْءِيمَانِ، فَلاَ تَكُونُوا أَنْصَابَ··· 235
الْفِتَنِ، وَأَعْلاَمَ··· 235
الْبِدَعِ، وَالْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ، وَبُنِيَتْ··· 236
عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ، وَاقْدَمُوا عَلَى اللّهِ مَظْلُومِينَ وَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ··· 236
وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ، وَمَهَابِطَ الْعُدْوَانِ··· 238
وَلاَ تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لُعَقَ، الْحَرَامِ··· 239
فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَعْصِيَةَ··· 239
وَسَهَّلَ لَكُمْ سَبِيْلَ الطَّاعَة··· 241
الخطبة (152) من كلام له عليهالسلام
(242 ـ 311)
من كلام له عليهالسلام··· 244
الْحَمْدُ للّهِِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ··· 246
وَبِأَشْبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لاَ شَبَهَ لَهُ··· 246
لاَ تَسْتَلِمُهُ، الْمَشَاعِرُ··· 247
وَلاَ تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ، لاِفْتِرَاقِ الصَّانِعِ وَالْمَصْنُوعِ··· 248
وَالْحَادِّ وَالْمَحْدُودِ وَالرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ، الْأَحَدِ لاَ بِتَأْوِيلِ عَدَدٍ··· 248
وَالْخَالِقِ لاَ بِمَعْنَى حَرَكَةٍ وَنَصَبٍ··· 249
وَالسَّمِيعِ لاَ بِأَدَاةٍ، وَالْبَصِيرِ لاَ بِتَفْرِيقِ آلَةٍ··· 250
وَالشَّاهِدِ، لاَ بِمُمَاسَّةٍ، وَالْبَائِنِ، لاَ بِتَرَاخِي··· 251
مَسَافَةٍ، وَالظَّاهِرِ لاَ بِرُؤيَةٍ، وَالْبَاطِنِ لاَ بِلَطَافَةٍ، بَانَ··· 252
مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَبَانَتِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ··· 252
مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ··· 253
وَمَنْ قَالَ كَيْفَ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ، وَمَنْ قَالَ أَيْنَ فَقَدْ حَيَّزَهُ··· 254
عَالِمٌ إِذْ لاَ مَعْلُومٌ وَرَبٌّ إِذْ لاَ مَرْبُوبٌ وَقَادِرٌ إِذْ لاَ مَقْدُورٌ··· 254
منها: قَدْ طَلَعَ طَالِعٌ، وَلَمَعَ لاَمِعٌ، وَلاَحَ لاَئِحٌ، وَاعْتَدَلَ··· 255
مَائِلٌ··· 256
وَاسْتَبْدَلَ اللّهُ بِقَوْمٍ قَوْماً وَبِيَوْمٍ يَوْماً··· 258
وَانْتَظَرْنَا الْغِيَرَ، انْتِظَارَ الْمُجْدِبِ··· 259
الْمَطَر··· 260
وَإِنَّمَا الْأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللّهِ عَلَى خَلْقِهِ··· 266
وَعُرَفَاؤهُ عَلَى عِبَادِهِ··· 268
لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ عَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ وَلاَ يَدْخُلُ النَّارَ إِلاّ مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَأَنْكَرُوهُ··· 273
إِنَّ اللّهَ تَعَالَى خَصَّكُمْ بِالاْءِسْلاَمِ وَاسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ··· 275
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْمُ سَلاَمَةٍ، وَجِمَاعُ، كَرَامَةٍ··· 275
اصْطَفَى اللّهُ تَعَالَى، مَنْهَجَهُ، وَبَيَّنَ حُجَجَهُ، مِنْ ظَاهِرِ عِلْمٍ··· 276
وَبَاطِنِ حُكْمٍ، لاَ تَفْنَى غَرَائِبُهُ وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ··· 277
فِيهِ مَرَابِيعُ النِّعَمِ، وَمَصَابِيحُ الظُّلَمِ، لاَ تُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إِلاّ بِمَفَاتِيحِهِ··· 277
وَلاَ تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلاّ بِمَصَابِيحِهِ، قَدْ أَحْمَى حِمَاهُ، وَأَرْعَى مَرْعَاهُ··· 278
فِيهِ شِفَاءُ الْمُسْتَشْفِي، وَكِفَايَةُ الْمُكْتَفِي··· 279
وَهُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللّهِ، يَهْوِي، مَعَ الْغَافِلِينَ، وَيَغْدُو··· 280
مَعَ الْمُذْنِبِينَ، بِلاَ سَبِيلٍ قَاصِدٍ، وَلاَ إِمَامٍ قَائِد··· 281
منها: حَتَّى إِذَا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِمْ، وَاسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلاَبِيبِ غَفْلَتِهِمُ··· 281
اسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً وَاسْتَدْبَرُوا مُقْبِلاً، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ··· 282
وَلاَ بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ··· 283
وَإِنِّي أُحَذِّرُكُمْ وَنَفْسِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، فَلْيَنْتَفِعِ امْرُؤ بِنَفْسِهِ··· 284
فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ··· 284
ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً، يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي··· 285
وَالضَّلاَلَ فِي الْمَغَاوِي، وَلاَ يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الْغُوَاةَ بِتَعَسُّفٍ فِي حَقٍّ··· 286
أَوْ تَحْرِيفٍ فِي نُطْقٍ··· 287
أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ، فَأَفِقْ أَيُّهَا السَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ، وَاسْتَيْقِظْ مِنْ غَفْلَتِكَ··· 288
وَاخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ··· 289
وَأَنْعِمِ الْفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صلىاللهعليهوآله مِمَّا لاَ بُدَّ مِنْهُ وَلاَ مَحِيصَ عَنْهُ··· 289
وَخَالِفْ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ وَدَعْهُ وَمَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ··· 289
وَضَعْ فَخْرَكَ وَاحْطُطْ كِبْرَكَ··· 289
وَاذْكُرْ قَبْرَكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ··· 290
وَكَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ، وَمَا قَدَّمْتَ الْيَوْمَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَداً، فَامْهَدْ لِقَدَمِكَ وَقَدِّمْ لِيَوْمِكَ··· 291
فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ، وَالْجِدَّ الْجِدَّ أَيُّهَا الْغَافِلُ··· 292
وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير، إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللّهِ··· 292
فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، الَّتِي عَلَيْهَا يُثِيبُ وَيُعَاقِبُ، وَلَهَا يَرْضَى وَيَسْخَطُ··· 294
أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ عَبْداً وَإِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ، وَأَخْلَصَ فِعْلَهُ··· 295
أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا لاَقِياً رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا··· 295
أَنْ يُشْرِكَ بِاللّهِ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ··· 295
أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلاَكِ نفسه (نَفْسٍ)··· 296
أَوْ يَعُرَّ بِأَمْرٍ، فَعَلَهُ··· 297
غَيْرهُ··· 298
أَوْ يَسْتَنْجِحَ حَاجَةً إِلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ··· 299
أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ أَوْ يَمْشِيَ فِيهِمْ بِلِسَانَيْن··· 301
اعْقِلْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمِثْلَ دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِهِ··· 302
إِنَّ الْبَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا··· 304
وَإِنَّ السِّبَاعَ هَمُّهَا الْعُدْوَانُ عَلَى غَيْرِهَا··· 305
وَإِنَّ النِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْفَسَادُ فِيهَا··· 306
إِنَّ الْمُؤمِنِينَ مُسْتَكِينُون، إِنَّ الْمُؤمِنِينَ مُشْفِقُونَ··· 308
إِنَّ الْمُؤمِنِينَ خَائِفُون··· 309
الخطبة (153) ومن خطبة له عليهالسلام
(312 ـ 347)
ومن خطبة له عليهالسلام، وَنَاظِرُ، قَلْبِ اللَّبِيبِ، بِهِ، يُبْصِرُ، أَمَدَهُ··· 313
وَيَعْرِفُ غَوْرَهُ، وَنَجْدَهُ··· 314
دَاعٍ دَعَا، وَرَاعٍ رَعَى··· 316
فَاسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِي، وَاتَّبِعُوا الرَّاعِي··· 318
قَدْ خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ··· 319
وَأَخَذُوا بِالْبِدَعِ دُونَ السُّنَنِ، وَأَرَزَ الْمُؤمِنُونَ··· 320
وَنَطَقَ الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ··· 321
نَحْنُ الشِّعَارُ وَالْأَصْحَابُ وَالْخَزَنَةُ وَالْأَبْوَابُ··· 322
وَلاَ تُؤتَى الْبُيُوتُ إِلاّ مِنْ أَبْوَابِهَا فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقا··· 332
فِيهِمْ كَرَائِمُ الْقُرْآنِ··· 333
وَهُمْ كُنُوزُ الرَّحْمَنِ··· 336
إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا··· 338
وَإِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا، فَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ··· 339
أَهْلَهُ، وَلْيُحْضِرْ عَقْلَهُ··· 340
وَلْيَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ الآْخِرَةِ··· 342
فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ، وَإِلَيْهَا يَنْقَلِبُ، فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ··· 343
يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ، أَنْ يَعْلَمَ أَ عَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ··· 343
فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ··· 343
فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ فِي غَيْرِ طَرِيقٍ··· 344
فَلاَ يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ إِلاّ بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ··· 344
وَالْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ··· 344
فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ أَ سَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ··· 345
وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ وَمَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ··· 345
وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ صلّى اللّه عليه وآله إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ وَيُبْغِضُ··· 346
عَمَلَهُ وَيُحِبُّ الْعَمَلَ وَيُبْغِضُ بَدَنَهُ··· 346
وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَبَاتاً، وَكُلُّ نَبَاتٍ لاَ غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ··· 346
وَالْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ فَمَا طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ··· 346
وَمَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ، وَأَمَرَّتْ ثَمَرَتُه··· 347
الخطبة (154) ومن خطبة له عليهالسلام يذكر فيها بديع خلقة الخفّاش
(348 ـ 368)
ومن خطبة له عليهالسلام يذكر فيها بديع خلقة الخفّاش، الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي انْحَسَرَتِ··· 349
الْأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ، وَرَدَعَتْ··· 350
عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ، فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغاً، إِلَى بُلُوغِ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ··· 350
هُوَ اللّهُ الْمَلِكُ الْحَقُ الْمُبِينُ، أَحَقُّ وَأَبْيَنُ مِمَّا تَرَى الْعُيُونُ··· 351
لَمْ تَبْلُغْهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّهاً وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ فَيَكُونَ مُمَثَّلاً··· 352
خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيلٍ وَلاَ مَشُورَةِ مُشِيرٍ وَلاَ مَعُونَةِ مُعِينٍ··· 353
فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ، وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ، فَأَجَابَ وَلَمْ يَدْفَعْ وَانْقَادَ وَلَمْ يُنَازَع··· 353
وَمِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، وَعَجَائِبِ حِكْمَتِهِ، مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ··· 354
الْحِكْمَةِ، فِي هَذِهِ الْخَفَافِيشِ··· 354
الَّتِي يَقْبِضُهَا الضِّيَاءُ، الْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ··· 355
وَيَبْسُطُهَا الظَّلاَمُ، الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ، وَكَيْفَ عَشِيَتْ··· 355
أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا··· 356
وَتَتَّصِلُ، بِعَلاَنِيَةِ، بُرْهَانِ، الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا··· 356
وَرَدَعَهَا··· 357
تَلَأْلُؤ (بتلالؤ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِيِّ فِي سُبُحَاتِ إِشْرَاقِهَا··· 357
وَأَكَنَّهَا، فِي مَكَامِنِهَا، عَنِ الذَّهَابِ فِي بُلَجِ··· 357
ائْتِلاَقِهَا، وَهِيَ مُسْدَلَةُ··· 357
الْجُفُونِ، بِالنَّهَارِ عَلَى أَحْدَاقِهَا··· 358
وَجَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ فِي الْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا··· 358
فَلاَ يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ، وَلاَ تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِيِّ فِيهِ، لِغَسَقِ··· 358
دُجُنَّتِهِ، فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا، وَبَدَتْ أَوْضَاحُ··· 359
نَهَارِهَا، وَدَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الضِّبَابِ··· 359
فِي وِجَارِهَا··· 360
أَطْبَقَتِ الْأَجْفَانَ، عَلَى مَآقِيهَا، وَتَبَلَّغَتْ··· 361
بِمَا اكْتَسَبَتْ مِن فِيْءِ ظُلَمِ لَيَالِيهَا··· 361
فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً وَمَعَاشاً وَالنَّهَارَ سَكَناً وَقَرَاراً··· 362
وَجَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةً مِنْ لَحْمِهَا··· 362
تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّيَرَانِ··· 363
كَأَنَّهَا شَظَايَا الآْذَانِ، غَيْرَ ذَوَاتِ رِيشٍ وَلاَ قَصَبٍ··· 363
إِلاّ أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيِّنَةً أَعْلاَماً··· 364
لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا (لم) يَرِقَّا فَيَنْشَقَّا وَلَمْ (لمّا) يَغْلُظَا فَيَثْقُلاَ··· 364
تَطِيرُ وَوَلَدُهَا لاَصِقٌ بِهَا لاَجِئٌ إِلَيْهَا يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ الامهات··· 364
وَيَرْتَفِعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ··· 364
لاَ يُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ وَيَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَنَاحُهُ وَيَعْرِفَ مَذَاهِبَ··· 364
عَيْشِهِ وَمَصَالِحَ نَفْسِهِ··· 364
فَسُبْحَانَ الْبَارِئِ، لِكُلِّ شَيْءٍ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلاَ··· 365
مِنْ غَيْرِه··· 366
ظريفة في نوادر الخفاش··· 367
المحتويات··· 385