نفحة للخطباء

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه:سند، محمد

عنوان و نام پدیدآور: نفحة للخطباء / نویسنده: ابراهیم حسیم بغدادی- مدرس: محمد سند.

مشخصات نشر: بیروت- لبنان

سال نشر: 2013

مشخصات ظاهری:47 ص.

وضعیت فهرست نویسی:فاپا(چاپ دوم)

یادداشت:چاپ دوم .

یادداشت:کتابنامه به صورت زیرنویس .

موضوع:حسین‌بن علی (ع)، امام سوم، ۴ - ۶۱ق.

موضوع:واقعه کربلا، ۶۱ق -- احادیث

موضوع:پیامبران

موضوع:احادیث شیعه -- قرن ۱۴

محرر الرقمي:محمد المنصوري

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

نفحة للخطباء

نویسنده: ابراهیم حسیم بغدادي

مدرس: محمد سند

عکس

5

عکس

6

المقدمة

وصلي الله علی أشرف الأنبياء والمرسلين مُحمَّد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم علی أعدائهم إلي قيام يوم الدين.

إنَّ هذا البحث من إفادات الأستاذ آية الله الشيخ مُحمَّد السند حيث ألقاه علی مجموعة من الفضلاء بما فيهم الخطباء (حفظهم الله) وقد بيَّن سماحته الخطوط العريضة والمهمة للخطيب الحسيني ليقوم بواجبه علی أحسن وجه من خلال الوعظ الفردي والأُسري والمجتمعي، وكيف يمكن للخطيب أو المحاضر أنْ يعالج القضايا السياسية الحساسة من خلال وعظه وإرشاده بحيث يستطيع أنْ يجعل هذهِ المجتمعات تعيش حالة السلام فيما بينها وبعيدة عن البغض والكراهية والحقد، كما أنَّه بيَّن سماحته المحور الثلاثة المهمة التي يستطيع من خلالها الخطيب أنْ ينطلق مع جمهوره ومستمعيه،

وقد أولی سماحته أهمية خاصّة للزيارات الواردة للمعصومين(عليهم السلام)وكيف يستطيع الخطيب أنْ يستخرج البحوث العقائدية والفقهية والأخلاقية من خلال هذهِ الزيارات. كل هذا سوف تجده عزيزي القارئ - بين طيّات هذا البحث وأخيراً نسأل من الله القبول بحق مُحمَّد وآل مُحمَّد، والحمد لله رب العالمين.

الانبياء من الحسين عليه السلام

إنَّ شهر محرم الحرام هو شهر ذكري بطولة الطف وشهر نهضة سيّد الشهداء(عليه السلام)، وهي النهضة التي أحيت الدين القويم، بلْ أحيت وحافظت وحفظت كل جهود ونتاج الأنبياء(عليهم السلام)، فإنَّ جميع الأنبياء(عليهم السلام) بعثوا بدين الإسلام، إلّا أنَّ اسم الإسلام فضلاً عن محتوي الإسلام لم يبقَ لا بعد آدم ولا بعد نوح ولا بعد إبراهيم(عليهم السلام).

فإنَّ بعد رحيل النبي آدم(عليه السلام) دبَّت الوثنية وانتشر الانحراف، وهكذا بعد رحيل النبي نوح(عليه السلام) أيضاً، فالإسلام اسماً ومحتويً أزيل مع أنَّ الأنبياء كلهم قدْ بعثوا بدين واحد وإنْ اختلفت

شرايعهم لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً(1).

وهكذا بعد النبي إبراهيم(عليه السلام) صُبئ دين الإسلام إلی الصابئة، وبعبارة أُخري إلی العلمانية، فإنَّ شعار الصابئة(1)يعني عدم الحاجة إلی الأنبياء فعقول البشر يكتفي بها. وكانت العرب تطعن وتسمي النبي(صلي الله عليه و آله) الصابئ لأنَّه خرج من دين قريش الموروث بزعمهم من النبي ابراهيم وذريته إلی دين الإسلام(2).

وكذلك بعد رحيل النبي موسي(عليه السلام) هُوِّدَ دين الإسلام لأنَّ الدين الذين كان ينادي به موسي(عليه السلام) هو الإسلام.

وهكذا بعد النبي عيسي(عليه السلام) نصر دين الإسلام.

والمهم إنَّ جميع الأنبياء بعد رحيلهم حرف أتباعهم دينهم وشرائعهم، ولا يخفي أنَّ الدين أعظم من الشريعة فإنَّ


1) (2) الصابئون فرقة ضالة صبوا إلی تعطيل الأنبياء والرسل والملل والشرايع، وقالوا: كلما جاؤوا به باطل، فجحدوا توحيد الله ونبوة الأنبياء والمرسلين ووصاية الأنبياء، فهم بلا شريعة ولا كتاب ولا رسول وهم معطلة العالم.

2) (3) بحار الأنوار، ج319 :60.

الشريعة هي بداية الوصول إلی الدين، بينما الدين الذي هو أعظم من الشريعة حُرِّف، قُلِب، عُكس، فكيف الحال بالشريعة بعد رحيل اي نبي من الأنبياء بينما لم يندرس الدين بعد خاتم النبيين(صلي الله عليه و آله) بخلاف من قبله مع أن الاحزاب الذين قادوا حرب الخندق، لم تزل قوتهم باقية بعد وفاة الرسول(صلي الله عليه و آله) فما الذي حفظ الدين ولم يتبدل أسمه وهويته كما حدث بعد كل نبي.

النبي(صلي الله عليه و آله) والطلقاء:

إنَّ بني أمية وبني مروان لم يدخلوا الإسلام إلّا في آخر سنة من حياة النبي(صلي الله عليه و آله)؛ لأنَّه كان لديهم عداء خاص مع النبي(صلي الله عليه و آله) ودعوته الإسلامية، وكان دخولهم هذا كرهاً وليسَ اختياراً؛ لأنَّ الإسلام انتشر وقوة النبي(صلي الله عليه و آله) أخذت تزداد شيئاً فشيئاً، فهم أذن من مسلمين الفتح «أنتم الطلقاء»(1). فكل منهم طليق والطليق مثل العتيق، وبالتالي هم الذين جمعوا تحالف الأحزاب وهو تحالف قبلي مع اليهود والنصاري ضد النبي، وكان هذا التحالف قبل وفاة النبي(صلي الله عليه و آله) بمدة يسيرة، فإنَّ


1) (1) بحار الأنوار، ج59 :97.

غزوة الأحزاب ليست بالحرب البعيدة عن وفاة النبي(صلي الله عليه و آله).

فهل هذا التحالف القريب يهدأ ويذوب بين ليلة وضحاها!!.

بلْ هذا العداء والتآمر بقي في نفوسهم ينتظر الفرصة بين الحين والآخر كي يقضي علی الإسلام وبأي طريقة كانت؛ لأنَّ دخولهم في الإسلام كان صورة وظاهراً.

وبقوا يتحسَّسون من دعوة النبي(صلي الله عليه و آله) ومن ثم لو ترك لهم الأمر لانتقموا لنزعاتهم كما اعتدوا علی بنت الرسول(صلي الله عليه و آله) وهاجموا بيتها وذبحوا سبطه وأحرقوا القرآن الكريم وهدموا الكعبة وأغاروا علی المدينة واستباحوا نسائها واستباحوا مسجد رسول الله(صلي الله عليه و آله) وغيرها من شنايعهم، وهذهِ الأفعال لم تأتِ صدفةً أو انفعالاً بلْ هي نوايا مبطنة تظهر طابعهم كيف كان ذات نزعة عدوانية للنبي(صلي الله عليه و آله) وللدين الذي أتی به(صلي الله عليه و آله).

ثورة الحسين(عليه السلام) بقاء لدين النبي(صلي الله عليه و آله):

ولولا ثورة سيد الشهداء(عليه السلام) وما قام به من هزَّة عظيمة وزلزال روحي كبير في النفوس لم يبقَ من الإسلام اسمه ولا

رسمه، والذي هو غاية رسالات جميع سلسلة الأنبياء صلوات الله عليهم بما فيهم خاتم الأنبياء(صلي الله عليه و آله) بقاء وجودهم وذكرهم هو من الحسين(عليه السلام).

وقد صدر كتاب من مركز الاستخبارات الأمريكية المركزية بعد سقوط الطاغية صدام بشهرين تقريباً وترجم إلی اللغة العربية، يذكر هذا الكتاب بأنَّ المسلمين لم يبقَ لهم من الإسلام إلّا الإسم، وكل عاداتهم ونهجهم صارت عادات غربية إلّا أتباع أهل البيت(عليهم السلام)، فإنَّهم يحملون الهوية الأصلية للدين، ويذكر السبب الأصلي والمهم لبقاء هذهِ الهوية هو لتمسكهم بحقيقة الإسلام وهو الحسين بن علي.

ومن ثم يوصي هذا الكتاب بأنَّه لابدَّ من أنْ تتوجّه الجهود والمخططات لضرب شعائر الحسين وزيارته، بلْ محاربة كل شيء يمتّ بصلة إلی الحسين(عليه السلام).

الحسين(عليه السلام) ميزان العدل:

لأنَّ سيد الشهداء هو ميزان ورقيب مزعج لكل الحكّام والأنظمة؛ لأنَّه(عليه السلام) ميزان عدل لمحاسبة أي ظلم وجور عن العدل والدين يصدر من الحاكم مهما كان حكمه ونظامه

ونسبه، ولأنّ اسمه عبارة عن تفجير لنبض العدل وحياة العدل ورفع الظلم والطغيان، ولذلك لم يكن من الصدفة ولا من العبط أنْ يزوره جميع الأنبياء ليلة الجمعة أو ليلة النصف من شهر شعبان وفي كربلاء.

فعن أبي حمزة الثمالي، عن علی بن الحسين(عليه السلام)، قال:

«من زار الحسين(عليه السلام) ليلة النصف من شعبان صافحه روح أربعة وعشرين ألف نبي، كلهم سأل الله في زيارته تلك الليلة»(1).

وليسَ من الصدفة والعبط أن أوَّل من يرجع من الأئمة(عليهم السلام) هو الحسين(عليه السلام)، فالحسين(عليه السلام) عبارة عن امتحان النفس الإنسانية أنْ تكون في مفترق طريق بين الذهاب إلی مسير النور والعاقبة الحسنة أو تتزلزل وتسقط في براثن الغرائز؛ لأنَّ الملحمة الحسينية ملحمة عظيمة في امتحان النفس الإنسانية التي ميَّز أبطالها بين الغرائز والقوي الروحية للإنسان المثالي وإنَّما حدث هذا من خلال ميزان العدل الذي هو الإمام الحسين(عليه السلام) فمنهم من اختار معسكر الشر ومنهم من اختار معسكر الخير للنفس البشرية الذي هو معسكر


1) (1) نور العين للاصطهباناتي :67 .

الحسين(عليه السلام)، وكما حدث ذلك للشهيد الحر الرياحي حيث أوزن نفسه في اللحظات الأخيرة في ميزان الاعتدال والعدل الذي رفعه الإمام الحسين(عليه السلام) في طفوف كربلاء. ولم يزل ولا يزال هذا الميزان فعّال ما دام في البشرية الخير والشر، والحق والباطل، والنور والظلام، والإيمان والكفر، والعلم والجهل.

نعم، ربما يقال أنَّ كل واحد من أصحاب الكساء الخمسة(عليهم السلام) يرمز إلی امتحان معيّن فسيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) يرمز إلی امتحان النور فوق العقل.

وسيد الأوصياء(عليه السلام) يرمز إلی امتحان العقل.

وسيّدة النساء(عليهاالسلام) ترمز إلی امتحان العاطفة الصادقة

المنبعثة عن العقل والثبات في جانب بين العقل والنفس والبرزخ.

وسيّد شباب أهل الجنة الحسن(عليه السلام) يرمز إلی امتحان جانب العقل العملي في إدارة وتدبير الأمور.

وسيد الشهداء الحسين(عليه السلام) يرمز إلی امتحان النفس والغرائز.

فكل واحد منهم يرمز إلی امتحان عظيم في عموم الطبيعة البشرية بلْ عموم طبيعة الخلقة. وهناك روايات تشير إلی ذلك من قبيل أنَّ النبي(صلي الله عليه و آله) خلق منه العرش فعن النبي(صلي الله عليه و آله)

في حديث:

«فلما أراد الله تعالی أنْ ينشئ الصنعة فتق نوري، فخلق منه العرش، فالعرش من نوري، ونوري من نور الله، ونوري افضل من العرش، ثم فتق نور أخي علي، فخلق منه الملائكة، فالملائكة من نور علي، ونور علی من نور الله، وعلي أفضل من الملائكة، ثم فتق نور ابنتي فاطمة، فخلق منه السماوات والأرض، فالسماوات والأرض من نور ابنتي فاطمة، ونور ابنتي فاطمة من نور الله تعالی وابنتي فاطمة أفضل من السماوات والأرض، ثم فتق نور ولدي الحسن وخلق منه الشمس والقمر فالشمس والقمر من نور ولدي الحسن ونور ولدي الحسن من نور الله والحسن أفضل من الشمس والقمر، ثم فتق نور ولدي الحسين فخلق منه الجنة والحور العين، فالجنة والحور العين من نور ولدي الحسين ونور ولدي الحسين من نور الله فولدي الحسين أفضل من الجنة والحور العين»(1).

وهذهِ كلها رموز والمقصود من الرمز يعني شفرة وإشارة للطيفة معرفية وأسس نستطيع من خلاله أنْ نحلل


1) (1) بحار الأنوار، ج83 : 37.

دور أصحاب الكساء الخمسة وكذلك التسعة المعصومين صلوات الله عليهم.

صاحب المصيبة الراتبة:

فامتحان النفس ورياضة النفس أمر دائم ودائب، ولعلَّ أحد فلسفات «السلام عليك يا صاحب المصيبة الراتبة» أنَّ أعظم آليات تربية النفس هو الحزن، فإنَّ الحزن ليسَ شؤم بلْ هو ترويض وتهدئة لإطفاء نار الغرائز، فإنَّك إذا أردت أنْ تفتت شعلة الغريزة الهائجة فعيش النفس الحزن، فإنَّ الحزن إنطلاق للعقل وللقوي الخيرة في النفس، وفي نفس الوقت الحزن هو جمود للقوي الشريرة في النفس، ولذلك نري القرآن الكريم في فلسفة الشعائر الحسينية يؤكِّد علی هذهِ القاعدة الفقهية، والقاعدة النفسانية، والقاعدة المعرفية التي هي الحزن والكمال، ولهذا نراه يمدح الحزن والبكاء ويذم الفرح والضحك، نعم لابدَّ أنْ يكون التعامل في البيئة الإنسانية قائماً علی البشاشة والطراوة وأنْ يكون المؤمن هشّاش بشّاش، فعن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال:

«قام رجل يقال له همام - وكان عابداً ناسكاًن مجتهداً، إلی أمير المؤمنين(عليه السلام) وهو يخطب فقال: يا أمير المؤمنين صف لنا صفة المؤمن كأنّنا ننظر إليه؟

فقال: يا همام المؤمن هو الكيس الفطن، بشره في وجهه، وحزنه في قلبه ... هشّاش بشّاش لا بعبّاس ولا بجسّاس، صليب، كظام، بسام ...»(1).

ولكن الجو الذي تعيش فيه الإنسانية النازلة إذا كانت تعيش حالة البطر والفرح والسرور الغرائزي فإنَّ ذلك متولِّد من اللذة الغرائزية ومن نشوء غرائزي، وهذا ليسَ كمال للنفس، نعم هناك فرح عقلي وهذا نوراني وليسَ غرائزي، وبالتالي فهو بهجة عقلية وكمال.

ففي الحديث الشريف:

«اقرأ القرآن بحزن فإنَّه نزل بحزن»(2).

فإنَّ الحزن بالنسبة للنفس النازلة عامل تربوي عظيم، ويبدد كثير من الرذائل.

إنَّ أحد الفلسفات وأحد البراهين في ذكر الحسين(عليه السلام) من

«إنَّ الحسين مصباح الهدي وسفينة النجاة»(3). هو أنَّ هذا


1) (1) الكافي للكليني ج226 :2.

2) (2) ميزان الاعتدال للذهبي ج233 :1.

3) (3) مدينة المعاجز ج51 :4.

المصاب والحزن الذي يروض الحسين(عليه السلام) محبيه ومريديه هو الذي يفتت الرذائل وينسفها ببرنامج نفساني مختصر ويسير، لأنَّ الرذائل ينبوعها الغرائزي من الكبر والحقد ومن الإنانية الفرعونية، فإذا حزنت الغرائز تبدد هذا السراب الفرعوني كله.

الدمعة الواحدة تطفئ النيران:

روي السيد ابن طاووس عن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام):

«من ذَكَرَنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر»(1).

فالنيران هي أعمال الرذائل في النفس لأنَّ كل بحور النيران ناشئة من الغرائز والبكاء يبدد هذهِ الغرائز ويجعلها هباءً منثوراً؛ لأنَّه - البكاء - يجعل هذهِ النفس الإنسانية مُنشدَّة إلی الفضائل وحريصة عليها . والسؤال بكيف أن الدمعة الواحدة تطفيء النيران . وجوابه أن الدمعة تزيل الرذائل، وهذا برهان وليسَ لقلقة لسان، وكل هذا الحزن يتولد وينشأ من معرفة حقيقة مقام سيد الشهداء(عليه السلام) منذ أوَّل خلقته.


1) (1) اللهوف لابن طاووس: 10؛ بحار الأنوار ح278 :44.

كتاب كامل الزيارات:

إنَّ قراءة كامل الزيارات من الأمور الضرورية للخطيب بلْ حتّي لغير الخطيب؛ لأنَّ كاتبه أو مؤلفه الشيخ جعفر بن مُحمَّد بن قولويه لم يكن إنساناً عادياً، بلْ كان مرجع للطائفة الحقّة آنذاك، وهو الأستاذ الأكبر في الفقه للشيخ المفيد، ويقول النجاشي: وكل ما يوصف به الناس من جميل وثقة وفقه فهو فوقه(1).

فهو(رحمه الله) قمي الأصل وهاجر منها إلی بغداد وقد دفن عند قدم الإمام موسي الكاظم(عليه السلام).

والمهم أنَّ كتابه (كامل الزيارات) فيه أسرار ومعارف عجيبة وغريبة، ولأهميته قام الشيخ الأميني صاحب كتاب الغدير بتصحيح الكتاب واستخراج الأسانيد وغيرها لكي يدرك الإنسان البحث العقائدي والفقهي لباب الشعائر الحسينية.ولذلك تلاحظ العلماء القدماء كالشيخ المفيد في المقنعة، والطوسي في المبسوط والاستبصار والتهذيب، والشيخ الصدوق في المقنع والهداية، وابن إدريس في السرائر


1) (1) رجال النجاشي: 123.

وغيرهم كانوا يعنونون في كتب الفقه بعد كتاب الحج أبواب المزار، وهذهِ الأبواب - المزار - عبارة عن قواعد ومسائل فقهية وبعض الشيء من المسائل العقائدية فيها، وهذهِ المسائل أكثرها مرتبطة بالشعائر الحسينية، وللأسف الشديد أصبح هذا الكتاب أو الأبواب - المزار - مهجوراً، فمن كتاب الشرائع وما بعده هجر هذا الكتاب، والحال أنَّه مبحث مهم في المسائل الفقهية والعقائدية. فإذا أراد الباحث، الخطيب، الواعظ، المحاضر، أنْ يلم به فلا غني له عن قراءة كتاب كامل الزيارات ثم بقية كتب المزار، ولا يمكن من خلال قراءة واحدة أنْ يلتفت إلی النكات والفوائد والأسرار الموجودة فيه بلْ لابدَّ من قراءته أكثر من مرة فهناك بحوث محتدمة في العصر الحاضر حول الشعائر وما شابه ذلك إذا كررت قراءته أكثر من مرة فسوف تشاهد الجواب والبيان والدليل الوافي علی ذلك.

الخطيب والخوض في الزيارات والأدعية:

إنَّ متن الزيارات هي عبارة عن دورة عقائدية كاملة وعميقة، فإنَّ الكثير من جواهر الأسرار في العقائد والمعرفة بثها آل البيت(عليهم السلام) في الزيارات ولم ينشروها في الروايات؛ وكل

بند من بنودها هو عبارة عن فصل عقائدي، والسر في ذلك أنه الزيارة مصدر تربوي علمي معرفي مؤثر لعامة المؤمنين إذ هي حضور المؤمن لدي المعصوم(عليه السلام) فهي جو وفضاء خاص ينتفي فيه الغرباء عن الأيمان كما أشار إلی ذلك المجلسي الاول في شرحه علی الفقيه.

وقد يكون هذا الفصل الحامل للجواهر في مستهل الزيارات أو في وسطها أو في نهايتها؛ لأنَّها ليست مجرد زيارة فحسب بلْ منظومة عقائدية، وتعتبر مصدر ثراء معرفي للمتكلمين، ومن الحيف أنَّ المتكلمين أو المفسرين تركوا باب الزيارة كذلك باب الأدعية، وإنَّ الأئمة(عليهم السلام) قد ابتكروا أسلوباً جديداً من أساليب نشر المعارف وهو منظومة الأدعية والزيارات، وهذا ما نشاهده في الصحيفة السجادية.

التبرك بروايات أهل البيت عليهم السلام:

ففي الزمن السابق كانت سيرة أتباع أهل البيت(عليهم السلام) سواءاً في الحوزات العلمية أو غيرها من مجالس المؤمنين العامّة والخاصّة، كانوا يتلون روايات وأحاديث أهل البيت(عليهم السلام) بعد تلاوتهم القرآن الكريم، وهذهِ في الحقيقة سِنَّة حسنة عظيمة إلّا

أنَّها - للأسف الشديد - شيئاً فشيئاً انقرضت هذهِ الحالة، فلو تعاد من جديد في جميع مجالسنا الحوزوية أو الاجتماعية أو الأُسرية بلْ حتّي السياسية، ولو كانت هذهِ المجالس علی مستوي مجلس الضيافة العادي، فسوف يوجب لنا مخزون حفظي وسِنّة عظيمة وتكون بمثابة نبراس عملي يستضيء به كافة طبقات البشر، ولا بأس أنْ يركِّز الخطباء علی هذهِ الحالة العلمية في مجالسهم ويشجِّعوا المؤمنين عليها من خلال مجالسهم.

فعن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال:

«تزاوروا، فإنَّ في زيارتكم إحياء لقلوبكم، وذكراً لأحاديثنا، وأحاديثنا تعطف بعضكم علی بعض فإنْ أخذتم بها رشدتم ونجوتم، وإنْ تركتموها ضللتم وهلكتم، فخذوا بها، وأنا بنجاكم زعيم!» (1).

وأيضاً عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال:

«بادروا أحداثكم بالحديث، قبل أنْ تسبقكم إليهم المرجئة»(2).

والخطاب في هذهِ الرواية - الثانية - تؤكِّد ببث الحديث


1) (1) الوسائل، ج87 :27.

2) (2) الوسائل، ج88 :27.

للصغار - بادروا أحداثكم - فضلاً عن الكبار من عموم الناس، ولم تخصصه للفضلاء فضلاً عن خصوص الفقهاء والعلماء.

وهناك روايات أُخري بهذا اللسان الدالّ علی الحثِّ علی مدارسة وتلاوة الحديث بين عموم المؤمنين كما هو الحال في الحثّ علی تلاوة القرآن لكل مؤمن ومسلم، وكل اجتماع وندوة ونادي.

شبهة سورد:

وقدْ يستشكل أو يتحفظ البعض من أنَّه كيف تقرأ روايات أهل البيت(عليهم السلام) علی عوام الناس؟! وهذا التحفظ ليسَ له أي صحّة، وإلّا فلابدَّ أنْ نتحفظ عن قراءة العوام للقرآن الكريم؛ لأنَّ القرآن الكريم أيضاً فيه متشابه كيد الله، وعين الله، ووجه الله، بلْ الممنوع علی كل شخص هو أنْ يستنبط ما ليسَ لديه الكفاءة علی الاستنباط، وليسَ له القدرة علی الاستنتاج أو الاستظهار أو التفسير، بلْ حتّي المجتهد إذا كانت درجته العلمية درجة معينة لم تؤهله ولم يصل لدرجات أكبر وأكثر علی الاستنباط فليس له أنْ يفسر أو يستنبط أو يستنتج، فهل يصلح مثل ذلك أنْ يمنع هذا عن قراءة روايات أهل البيت(عليهم السلام)،

مع أنْ عموم تدبر ألفاظ ومعاني القرآن ندب إليه القرآن: أَ فَلا یَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلي قُلُوبٍ أَقْفالُها1 وقوله تعالی: وَ لَقَدْ یَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ2.

والتدبُّر في معانيه ليسَ بمعني الاستنباط والإفتاء بلْ مجرَّد السباحة في تصورات المعاني إعداداً لسرح النظر ولو بالاستعانة بالمتخصصين من علماء وفقهاء، وهكذا الحال في الروايات والأحاديث وذلك تخزيناً لأكبر قدر من مواد الوحي الخام في منظومة معرفة كل إنسان تهيأ لاستثمار تلك المواد الخام من مائدة الوحي من الثقلين.

وللأسف هناك بعض لا يشجع علی طبع كتاب الكافي بلغات أُخري مترجمة؛ لأنَّه لا يجوز للعوام أنْ يقرأه، وهذهِ الشبهة نفسها تأتي إلی ترجمة القرآن الكريم، فهل يمكن لنا أنْ نمنع ترجمته إلی باقي اللغات، وهذا ليسَ قراراً صائباً؛ لأنَّه سوف يؤدي إلی حجب وتكتم علی الدين كله.

بلْ الواقع هو عكس ذلك، لابدَّ من نشر مصادر وموائد

الوحي، بلْ يجب أنْ تنتشر، نعم وإنْ كان يجب أنْ نقنن ونمنهج استخراج هذهِ اللئالئ الوحيانية الروائية، لا أنْ نحجب عن ثقافة عموم المؤمنين أو المسلمين أو البشرية تخوفاً وتحجباً؛ لأنَّ هذا يساعد علی عدم نشر نور الهداية، نعم ليسَ الباب مفتوحاً لأي شخص أنْ يستنتج أو يستنبط كيف ما يشاء من دون أي موازين أو قواعد علمية.

الحداثيون والنص الديني:

ولو نلاحظ الآن أصحاب قراءة النص الديني أو الفلسفات الألسنية نراهم يقرأون من دون أي مؤهلات علمية، ولا نريد أنْ نحجر هذهِ القراءة علينا فقط كطلبة حوزة أو علماء فنحن بشر مثلهم، ولكن الحداثيون لا يتبعون المنهج العلمي في قراءة النص الديني، فهم شعاراً يدعون المنهج العلمي ولكنهم لا يؤمنون عملاً وتطبيقاً ولا ينضبطون به.

وبعبارة أُخري: هم يقتحمون النص الوحياني - والذي هو من أعظم النصوص - من دون مؤهلات علمية.

فعن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: إنَّ حديثنا صعب مستصعب، لا

يحتمله إلّا صدور منيرة أو قلوب سليمة أو أخلاق حسنة ... (1).

بلْ يريدون أنْ يفتحوا الباب علی مصراعيه أمام كل البشر لكل درجة من أعماق معانيه.

إذنْ نحن بين إفراط وتفريط، بين أنْ نحجب المواد الوحيانية ونجعل ديننا باطنياً - والعياذ بالله - أو هذا ليسَ من مذهبنا وديننا، بلْ ديننا ومذهبنا ظاهر وباطن، فمن يظن أنَّ الدين كلّه ظاهر فقط، أو كلّه باطن فقط، فهذا مخطئ ومنحرف، كما يقول الإمام الصادق(عليه السلام):

«لا ظاهر من دون باطن، ولا باطن من دون ظاهر».

وهذا ما ينادي به القرآن الكريم، حيث يقول تعالی: هُوَ الَّذِی أَنْزَلَ عَلَیْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمْ زَیْغٌ فَیَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِیلِهِ وَ ما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ‌2.

فالقرآن الكريم لا يذم قراءة المتشابه من الآيات أو من الروايات بلْ إقرأوها وآمنوا بها ولكن الاستنباط والاستنتاج


1) (1) الكافي، ج401 :1.

فهذا ليسَ من اختصاصكم بلْ وَ ما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ. فالعلم درجات، وإنْ كان الراسخون في العلم هم المعصومون(عليهم السلام) ولكن لا ينافي ذلك استفادة قاعدة عامّة من المدلول الالتزامي. فلا يمكن لنا أنْ نحجب عموم الناس عن روايات أهل البيت(عليهم السلام)، فهذا ليسَ من توصيات الدين.

قاعدة الكتمان وإذاعة الأسرار:

وبعض الباحثين عندما يرون روايات عن المعصومين(عليهم السلام) بلسان لعن الله من أذاع سرنا، فإنَّه يظن أنَّ قراءة الرواية هي بمثابة إذاعة السر، إنَّ إذاعة الرواية وقرائتها ليست إذاعة سر، فلو كان كذلك لما صدرت تلك الروايات قولها عنهم(عليهم السلام)، بلْ قدْ يكون فتح معاني الرواية لمن هو غير أهل لذلك، هذا هو إذاعة السر، والتركيز في البيان والأعلام والنشر علی معاني خفية هي من إذاعة الأسرار، أو تركز العدسة الإعلامية أو الثقافية علی معاني عصبة في الرواية فهذا قدْ يكون خطأ وغير صحيح.

وأمَّا نشر علوم أهل البيت(عليهم السلام) فلابدَّ منهان يقول تعالی:

إِنَّ الَّذِینَ یَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَیِّناتِ وَ الْهُدي مِنْ بَعْدِ ما بَیَّنّاهُ لِلنّاسِ فِی الْكِتابِ أُولئِكَ یَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَ یَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ‌1.

فكيف نوازن بين حرمة قاعدة الكتمان للهدي وللنور الإلهي وبين قاعدة حرمة إذاعة الأسرار.

فلابدَّ هنا من التوازن، بمعني أنَّ شريعتنا فيها باطن وظاهر، والظاهر هو للكل، وأدني درجات الظاهر هو صوت الألفاظ والمعاني الابتدائية، أمَّا المعاني الغامضة والمخزونة في الألفاظ فهي ليست للكل؛ لأنَّ استخراج الجواهر تحتاج إلی مؤهلين وأكفاء، فلا يمكن أنْ نعدم الظاهر وننسفه ونقصيه تحت ذريعة صيانة الباطن، انظر إلی ما يقوله النبي(صلي الله عليه و آله):

«إنِّی تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلی الأرض طرف منه عند الله، وطرف منه في أيديكم، فاستمسكوا به وعترتي»(1).

فالطرف الذي في الأرض هو الظاهر، والطرف الآخر الذي عند الله تعالی فهذا هو ملكوتي وغيبي وهو الباطن.


1) (2) شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي، ج479 :2، ح: 841؛ الغيبة للنعماني: 37؛ سنن الترمذي ج329 :5.

الرقابة العلمية دور متفاوت لعموم طبقات الأمة:

وهناك غاية كبري في حفظ ونشر ألفاظ المعادلات الروائية عند العوام وعند المستبصرين مهمة وعظيمة في حق أهل البيت(عليهم السلام) وهي الرقابة العلمية في باب الدين، وليسَ فقط هناك رقابة سياسية، بلْ الرقابة العلمية أعظم من الرقابة السياسية في الدين، فإذا انتشرت موائد الوحي ونور الوحي ولو بدرجته الابتدائية التي يتعاطاها عوام الناس فسوف تكون هناك رقابة علمية، وسوف يكون المسار العلمي مساراً مستقيماً؛ لأنَّ الرقابة العلمية أهم وأعظم من الرقابة السياسية والاقتصادية والأمنية؛ لأنَّ الجميع مسؤول عنها بقدر علمهم، وبقدر قدرتهم العلمية علی الأقل؛ ولذلك عندما سُئل الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) من أنَّه ما الفرق بين عوامنا وعوام بقية الملل والنحل أجاب(عليه السلام):

«بين عوامنا وعلمائنا وعوم اليهود وعلمائهم، فرق من جهة وتسوية من جهة».

أمَّا من حيث استووا: فإنَّ الله قدْ ذمَّ عوامنا بتقليدهم علماءهم كما ذمَّ عوامهم، وأمَّا من حيث افترقوا فلا.

قال: بيّن لي يا ابن رسول الله!

قال(عليه السلام):

«إنَّ عوام اليهود كانوا قدْ عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، وبأكل الحرام والرشاء، وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات، وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، وأنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه، وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم، وظلموهم من أجلهم، وعرفوهم يقارفون المحرمات، واضطروا بمعارف قلوبهم إلی أنَّ من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز أنْ يصدق علی الله ولا علی الوسائط بين الخلق وبين الله، فلذلك ذمّهم لما قلدوا من قدْ عرفوه ومن قدْ علموا أنَّه لا يجوز قبول خبره ولا تصديقه في حكايته، ولا العمل بما يؤديه إليهم عمن لم يشاهدوه ووجب عليهم النظر بنفسهأنأنفسهم في أمر رسول الله(صلي الله عليه و آله)، إذْ كانت دلائله أوضح من أنْ تخفي، وأشهر من أنْ لا تظهر لهم.

وكذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة والتكالب علی حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه وإنْ كان لإصلاح أمره مستحقاً، وبالترفرف بالبر والإحسان علی من تعصبوا له وإنْ كان للإذلال والإهانة مستحقاً، فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء

الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمّهم الله بالتقليد لفسقه فقهائهم».

فخلاصة جوابه(عليه السلام): إنَّ عوامنا مسؤولون بالثوابت العلمية البيّنة الجليّة الواضحة لا النظرية المبهمة جعلها أدوات مراقبة علی علماء الأمّة.

ولذلك نراهم يحاكمون علماء هذهِ الأمّة علمياً لأنَّ الثوابت خطوط حمراء للدين ولمنهاج أهل البيت(عليهم السلام)؛ لأنَّ العامي من الناس أيضاً مسؤول في الرقابة العلمية ولكن بمقدار ما أوتي من علم - كما بيَّن ذلك الإمام العسكري(عليه السلام) - لا أنْ يقحم نفسه فضولاً في المبهمات النظرية المتشابه لديه، وهذا سوف يسبب توازن في المسيرة، وتكامل وتفاعل في المسيرة، فلا إفراط ولا تفريط، وهذا ما أكَّده رسول الله(صلي الله عليه و آله) حيث قال:

«كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

وهذهِ مسؤولية أعظم من المسؤولية السياسية، والمسؤولية الاقتصادية، والمسؤولية الأسرية؛ لأنَّ المسؤولية العلمية والثقافية هي التي تسيطر وتهيمن وتؤثِّر علی باقي المسؤوليات.

يقول الإمام الحسن العسكري(عليه السلام):

«فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه مخالفاً علی هواه، مطيعاً لأمر

مولاه فللعوام أنْ يقلدوه(1).

فنفس هذهِ الرواية فيها إعجاز علمي، حيث أنَّ الرقابة العلمية والعملية التي عند عوام الناس هي عدسة مراقبة، هل هذا الفقيه خرج عن الثوابت، هل أنكب علی الدنيا ولم يكن مخالفاً لهواه، فوجود هذهِ الرقابة الداخلية العلمية بنظم لا بتهور ولا إفراط ولا تفريط ولا كأسلوب الخوارج الإفراطي المتقحم في الشبهات النظرية، ولا كأسلوب القدرية الأمويين، أو كوعّاظ السلاطين التفريطي، بلْ في دائرة البديهيات الدينية الجليّة الواضحة التي تتكون بتواتر النشر واستفاضة التعليم العام لمواد الوحي من الآيات والروايات.

مع الخطيب:

إنَّ بعض الخطباء الأجلاء إذا كانت لديهم مجموعة أيام من المجالس والمحاضرات فإن الحري أن يعقدوا فيها مباحث أو سلسلة كدورة مصغرة عقائدية كما في المناسبات كمحرم الحرام، أو شهر رمضان، أو حتّي لمجلس واحد، ويغفلون عن وجود هذه المنظومة العقائدية الموجزة في الزيارات والأدعية


1) (1) الاحتجاج، ج208 :2.

والحال أنَّها مصدر مهم، فإنَّ نفس تناول زيارة واحدة كاملة بالبحث والتحليل بلْ بند واحد من الزيارات في كل مجلس فهذا بحدِّ ذاته يعتبر مصدر عطاء كبير؛ لأنه يتناول فيه البعد اللغوي والعلمي، والبعد الدرائي لفقه معاني الرواية لنفس البند ومن ثم تكون دورة عقائدية تتحف بها المؤمنين وتحيي جملة من الثوابت والمحاور الاعتقادية.

إنَّ كتب المزار كالمزار للمشهدي، والمزار للشهيد الأوَّل، وكامل الزيارات وغير ذلك لا يمكن لنا أنْ نتعامل معها كما نتعامل مع كتابي مفاتيح الجنان أو ضياء الصالحين، وإنْ كانا هذين الكتابين عظيمين بلْ القصد عدم الاقتصار في التعامل معها كطقوس عبادية بدنية، كلا لأنَّه ليست غايتها القصوي عبادة بدنية بلْ هي منبع معرفي وعقائدي.

الهجوم علی مفاتيح الجنان:

ولذلك لو نُدقِّق في الدواعي المبيتة وراء الهجوم علی كتابي مفاتيح الجنان وضياء الصالحين نري أنَّ سبب القضية ليس هو قصة كتاب طقوس عبادية بدنية ولكن لأنّهما مصدر معرفي ومعارف ولأنّه تربية ثقافية عقائدية، وهذا التحسس الشديد

من هذهِ الزيارات والأدعية، وكذلك الشبهات والطعون الموجهة علينا والمركزة علی هذيين الكتابين ليسَ لأنّهما كتب أدعية وزيارات حتّي تدغدغ العواطف بلْ لأنَّ الدعاء والزيارات يحصل في طياتهما العقائد الحقّة لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).

فمثلاً لو قرأنا دعاء الندبة وأجلنا النظر فيه بدقة لوجدناه بحدِّ ذاته دورة عقائدية من التوحيد إلی المعاد، والذي يتشدق ببعض الوسوسات في دعاء الندبة لا يعي هذا الدعاء؛ المنطوي علی إعجاز بلاغي وإعجاز علمي بالغين.

الزيارات والأدعية ودورها في الفقه:

إنَّ بحث الزيارات لا يمكن لنا أن ننظر إليه كبحث أجنبي عن أبواب علم الفقه أو علم الكلام، بلْ هو أساس مصدري ومنبعي لهما، مثلا الأسئلة والإثارات المعاصرة في كل الجوانب يمكن أنْ نستقي أجوبتها من دعاء من الأدعية أو في زيارة من الزيارات، لكن يحتاج تنمر في إلی قدرة الاستنباط أو قدرة تدبُّر وتمعن إذ تجد دعاء واحد فيه دورة ومنظومة مترامية الأطراف والأبواب كدعاء أبي حمزة الثمالي أو دعاء

الجوشن الكبير وغير ذلك، فهذهِ المصادر كبيرة وكثيرة وفيها بصراحة واضحة بحوث فقهية كثيرة ولكنَّها الآن متروكة وغير منفحة، في فتاوي الفقهاء بينما هذه الأدعية والزيارة مواد وحافظة لها عن الاندراس، فإنَّ حفظ الدين والشريعة له مراتب، ودور الفقهاء مرتبة من هذهِ المراتب وهو دورهم في الاستنباط ولكن هناك مرتبة متقدمة علی دورهم وهم الأئمة(عليهم السلام)، فإنَّ الأئمة(عليهم السلام) دورهم هو أنْ يوصلوا للبشرية مواد الوحي وموائد الوحي، ودور الفقهاء هو أنْ يوصلوا للبشرية دور الأئمة(عليهم السلام) والذي هو بطبيعة الحال نشر مواد الوحي الإلهي.

سر استحباب قراءة القرآن:

ولذلك نري كثرة تأكيد الحث علی تلاوة القرآن الكريم وخصوصاً في شهر رمضان ولكل طبقات المجتمع حتّي لمن لا يملك أدني درجات الفهم، مع أنَّ أعماق القرآن يحتاج إلی فقهاء وإلي مفسرين، بلْ طبقاته العليا لا يصل إليها إلّا الراسخون في العلم وهم المعصومون(عليهم السلام)، ومع كل هذا يستحب تلاوة القرآن يومياً، وذلك لأنَّ مواد الوحي يجب علی الجميع الحفاظ عليها حية عن الاندراس والإنطماس وإنْ لم

يصل السامع أو القارئ إلی درجة الفقاهة.

وهذا الأمر كما هو شأن للقرآن كذلك هو الشأن لروايات أهل البيت(عليهم السلام) أيضاً لأنَّه بالتالي نشر لمواد الوحي عبر قالب الروايات، وهذا أمر مهم يجب أنْ نلتفت إليه لأنه يخصّ فقه الشعائر، فقه الزيارات، فقه المزارات.

أهمية الحفاظ علی أدني درجات كلام الوحي:

يقول أمير المؤمنين(عليه السلام):

«فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبيائه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول ...»(1).

إنَّ العقول فيها دفائن وليست دفينة واحدة، وهناك أمور مدفونة ومكنوزة وأنَّ العقل وعاء منجم معدن يستخرج منه طبقة بعد طبقة دفائن فيحتاج إلی من يثير هذهِ الدفائن، وهذهِ الدفائن ميتة وجامدة ولما يثيروها تنشط وتتحرك وتتلألأ وتبرز وتتجلي، ولكن تعتمد هذهِ الإثارة علی درجة تقبل الفرد البشري لتلك الإثارة كي تتم الإثارة والإستخراج، فإنَّ الأنبياء والرسل هم شركات استخراج هذهِ المخازن والكنوز


1) (1) نهج البلاغة ج74: 1 .

والمعادن الثمينة.

وإلي ذلك الدور الهام يشير (عليه السلام) إلی أنَّ غاية النبوة وغاية الرسالة والرسول وبالتالي الأئمة والأوصياء أنّهم يثيروا في الناس دفائن العقول.

ولذلك لو تابعنا أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) في اصول الكافي للكليني، وعيون أخبار الرضا وكتاب الاعتقادات وكتاب الهداية للصدوق، وكتاب المزار للمشهدي، وكتاب كامل الزيارات لابن قولويه، لوجدناها مناهج منظومية كاملة ليست في حدّ أفق البشر، بلْ في حدِّ منهاج منظومة نظام الوحي، والمفروض أنْ تكون هذهِ الكتب نظام تدريسي في الحوزات العلمية ولا أقل أنْ تكون مداراً للبحث.

وليسَ المقترح أنْ يقرأ الإنسان هذهِ الكتب قراءة سطحية وبمنهج حشوي أو إخباري، بلْ بمنهج تحقيقي ومعرفي وفكري.

الفرق بين عدسة الوحي وعدسة البشر:

فهناك فرق بين أنْ أحبس نفسي علی مادة وكتاب درسي من نتاج بشري كتدريس ومدارسة في أي مرحلة دراسية لا سيما في العقائد، أي بين أنْ أعكف علی منظومة منهاج من

وضع البشر وبين أنْ أنطلق في رحاب الوحي الذي هو أفق وسيع، شمولي، كامل، غير متقاصر بقصر البشر وأجعل وأوظف الجهود البشرية آلية لمتن محوري وحياني وقالب مركزي، فمهما تكن عين البشر المسلحة العقلية التي لديه فإنَّها سوف تصل إلی مديات معينة وتقف بلا ريب إلّا أنْ يستعين بعدسات من الوحي فسوف تكون لديه انطلاقة واسعة إلی الوحي أكثر فأكثر فإذا أتيت بالمادة الوحيانية سواء كانت روائية أو قرآنية وتكون هذهِ المادة الخام علی مدار طاولة التحقيق والبحث فسوف يكون المنهاج المستكشف متكاملاً، ولا يمكن لأحد أنْ يدعو إلی سطحية هذا البحث، بلْ لا أحد يمكن أنْ يدعو إلی اللامنهجية.

ولكن في المقابل من قال أنَّ غاية كمال المنهجية موجودة في كتاب نهاية الحكمة، أو في كتاب الأسفار، أو في كتاب التجريد والباب الحادي عشر، وغير موجودة في كتب الحديث الاعتقادية كأصول الكافي وعيون أخبار الرضا والتوحيد وغير ذلك فضلاً عن مثل الصحيفة السجادية ونهج البلاغة.

العلامة الطباطبائي يدرس البحار:

وقد ألتفت إلی ذلك كبار العلماء، فمثلاً العلّامة الطباطبائي التفت في آخر حياته إلی أنَّه كان من الخطأ أنْ يجعل مدار البحث كمنهاج تدريسي هي الكتب الفلسفية أو الكتب العرفانية، ولا يعني ذلك أنَّه أصبحت لديه حساسية من الفلسفة أو حساسية من العرفان، بلْ الحساسية مع الحبس والانحباس في أفق البشر نعم أئتي بكلام البشر ولكن كقراءات ومحاولات لقراءات الوحي هذا ليسَ في إحتباساً ولا حبساً، ولكن اجعل أفقك أوسع وأكثر انفتاحاً من نتاج بشري محدود.

ولذلك قام العلّامة الطباطبائي(رحمه الله) في آخر حياته المباركة بتدريس كتاب بحار الأنوار، فقد ذكر(رحمه الله) للسيد الگلبيگاني(قدس سره) حادثة عملية معينة تنبه لها وبسببه عدل إلی تدريس البحار.

وكذلك العلامة الفاضل التوني(رحمه الله) وهو من مصاف العلامة الطباطبائي، وهو أستاذ الاعلام المعاصرين في الفلسفة والعرفان، أيضاً كان محور تدريسه في النصف الثاني من عمره الأبواب العقائدية من كتاب الوافي.

إنَّ منهج المادة الوحيانية مأدبة إلهية فلماذا نقتصر علي

المادة البشرية ونترك هذهِ المأدبة الإلهية الوحيانية، بلْ ندعوا البشر علی هذهِ المأدبة الإلهية وليسَ أدعو الوحي علی مأدبة بشرية وهذا فرق منهجي واضح بين الدعوتين.

فإذا كان الإنسان يحرك في نفسه قدرة الاستنباط في المعارف والمعرفة وقدرة التحقيق والتدقيق وقدرة استكشاف الهندسة والمنظومة البنيوية فسوف يكون حينئذٍ الوحي هو المادة الأساسية لديه، سواء كان هذا الأمر في الحوزة أو في الإرشاد والتبليغ، بلْ في أي بيئة من البيئات لنجعل مادة الوحي هي المدار، للقانع والمعتر لأنَّها مادة إطعام وطعم وشرب هنيء روي.

ساحة الوحي:

فإنَّ الوحي ساحة حقيقية واسعة عكس ما يتخيل الحداثيون أو العلمانيون، الوحي ساحة حقيقية منطلقة رحبة الأفق وغير حبوسية، ولا توجد هناك أي صعوبة إذا أردنا اكتشاف المنهج في بيانات الوحي من الآيات

والروايات، فكما أنَّ المجتهد في الفروع يذهب إلی مادة الوحي ويستخرج المنهج كذلك الباحث الذي يريد أنْ يبني لنفسه اجتهاد في المعارف، فلابدَّ أنْ

يحرج نفسه ويكلفها العناء في كيفية استخراج المنهج من مادة الوحي، ولا يمكن أنْ يبقي الإنسان دائماً مقلداً.

وليسَ معني ذلك أنْ نقصي جهد أحداً من الكبار - والعياذ بالله - وهذهِ ليسَت دعوة لإقصاء هذهِ الكتب، بلْ أقرأها وطالعها ولكن لا تحبس ولا تعكف نفسك مقتصراً عليها، الاعتكاف ثلاثة أيام ولكن لا يمكن أنْ يكون قروناً عديدة، فلا يمكن أنْ نعتكف قرون علی أفق بشر ومأدبة بشرية بلْ لنذهب إلی مأدبة الله لأنَّها مأدبة كبيرة وكثيرة وليسَ لها انقطاع أبداً.

بلْ لجهود ونتاج الأعلام كل الإجلال والاحترام ولكن لا نحبس أنفسنا في زاوية معينة، لأنَّ بيانات الوحي وسيعة وفوق طاقة البشر، وفوق طاقة جيل أو جيلين أو ثلاثة، بلْ يجب أنْ تتظافر وتتواصل وتستمر الجهود في التنظيم الإستنباطي المنهجي لهذه المأدبة الإلهية العظيمة.

يقول الإمام الباقر(عليه السلام):: «

يتركون النهر العظيم ويمصون الثمد، فقيل له يا بن رسول الله وما الثمد؟ قال(عليه السلام): علم رسول الله(صلي الله عليه و آله)»، والثمد هي حجارة في البادية تحتها ندي يسير، والبدو لا يوجد عندهم نهر فيمصون الثمد.

الخطيب ودوره في الهداية:

ومن الضروري علی الخطيب والواعظ والمرشد إذا قام بعملية الوعظ والهداية أنْ يلتفت في الدرجة الأولي إلی الأسئلة المثارة ومن ثم يركِّز ويستقي الجواب من هذهِ الزيارات أو من الأدعية، وبعد ذلك يقوم بدبلجتها بلغة عصرية، ويذكرها بلغة ألفاظ الوحي ويردفها بترجمان؛ لأنَّ الوحي يراد له ترجمان، ولايخفي أنَّ أحد أوصاف أهل البيت(عليهم السلام) أنَّهم ترجمان وحي الله، وليسَ المقصود بالترجمة هنا الترجمة اللغوية واللفظية بلْ ترجمة معني لمعني مترامياً، وترجمة حقيقية لمعني، ومعني لحقيقة، وحقيقة لحقيقة أخری مترامياً.

سورة الجمعة ومنظومة الإرشاد الديني:

اشارة

إنَّ منظومة الإرشاد الديني تنظمهها سور عديدة من القرآن الكريم، ولكن في سورة الجمعة فالأمر يكون أدق وأوضح وهو قوله تعالی: هُوَ الَّذِی بَعَثَ فِی الْأُمِّیِّینَ رَسُولاً مِنْهُمْ یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آياتِهِ وَ یُزَكِّیهِمْ وَ یُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِی ضَلالٍ مُبِینٍ‌1.

المرتبة الأولي:

ففي الدرجة الأولي جعل الباري تعالی یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آياتِهِ، فتلاوة الآيات والروايات وقرائتها ونشرها في أذهان الناس عاصم قوي وبنيان كبير من جحود وإنكار الضروريات الدينية، بلْ هو عاصم حتّي للحوزات العلمية، لأنَّه إذا طرأ هناك نسيان وتناسي لمواد الوحي من آيات وروايات فسوف تنتهي الشريعة وتضمحل.

المرتبة الثانية:

ثم بعد مرتبة التلاوة اللفظية تأتي المرتبة الثانية وهي وَ یُزَكِّیهِمْ، فإنَّ جابنب الوعظ الأخلاقي ضروري جداً، ولا يمكن الاقتصار علی البحث الفكري أو العقائدي فلابدَّ للخطيب والواعظ أنْ يشمل خطابه الجميع، وهذا ما أكَّد عليه ولخّصه سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) حيث قال(صلي الله عليه و آله):

«إنَّما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة، وما خلاهن فهو فضل»(1).

والفريضة العادلة هي إشارة إلی فقه الفروع، والسنة القائمة إشارة إلی تهذيب النفس والأخلاق، والآية المحكمة


1) (1) الكافي ج32 : 1 ، سنن أبي داود ج3: 2

تعني العقيدة والعقائد.

فأتحاف المستمعين بمسألة فقهية ولو واحدة ضروري في الوعظ والإرشاد، فلابدَّ أنْ تكون دورة الإرشاد تشتمل علی ذي الأعمدة الثلاثة التي بيَّنها سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله).

أهمية البصيرة الأخلاقية:

ولكن يبقي البحث الأخلاقي له دوره المهم في تربية المجتمع وخصوصاً الشرائح الشبابية فقد تنقذهم ببصيرة أخلاقية بسيطة من مستنقعات الرذيلة،فإنَّ البصيرة الأخلاقية - وبغض النظر عن التطبيق والعمل - أو العلم بالتنظير الأخلاقي مفتاح عظيم لحل المشاكل، ولذلك سمي ذلك بالوعظ والتذكير بلحاظ أنَّ الإنسان والنفس الإنسانية قدْ تغفل وتجد محن وابتلاءات وامتحانات ومشاكل متداخلة يكون مفتاح ذلك هو البصيرة الأخلاقية، بلْ حتّي الإنسان العالم قدْ ينسي ولذلك التذكير بالوعظ الأخلاقي بالغ الأهمية وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْري تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِینَ‌1. فإنَّ الوعظ الأخلاقي يحتاج إليه الجميع العالم والجاهل علی حدٍّ سواء؛ لأنَّه نوع من متنفس للنفس، فالنفس قدْ تحتبس وقد تصل إلی درجة الانفجار ولكن لما تأتي لها

ببصيرة وحكمة أخلاقية يحدث لها فرج وراحة وإنقاذ، وهذا لا يختص بالنفس الفردية فقط، بلْ قدْ تكون أسرة عندها احتباس أخلاقي وتأتي لها بحكمة من الوحي وليسَ من حكم البشر بلْ حكم الوحي فسوف يصبح لها متنفس وعلاج لذلك الاحتباس أو المرض، وليسَ علاجاً للأسرة فقط بلْ حتّي الأسرة المجتمعية، فقد تكون هناك فتنة بين فئات مؤمنة، وحينما تأتي لها بحكمة أخلاقية فحينئذٍ سوف تنزع فتيل الفتنة من جذورها. ولذلك قسموا في البحث العقلي الحكمة إلی ثلاث أقسام حكمة المدن وحكمة الأسرة وحكمة الفرد.

الخطيب والأخلاق السياسية:

فلا يظن أحدٌ أنَّ الأخلاق لها بعد فردي فقط، فإنَّ نفس الأخلاق التي هي قواعد فردية لو دققنا فيها لوجدنا أنَّ لها بعداً في ترويض الأخلاق السياسية بين الكتل والفئات السياسية بل بين الملل والنحل المختلفة، وبين أتباع الديانات، وبين المذاهب المتعددة.

فمثلاً الحلم ليسَ له بعداً فردياً بلْ حتّي بين النزاعات التي تحصل بين الكتل السياسية نراه يطفيء الكثير من الفتن وينضجّ الكثير من المسيرة السياسية والمذهبية والأديانية.

نعم، قدْ تنظر ببساطة إلی مبحث أخلاقي في بعده الفردي ولكن هذا المبحث البسيط له بعد وعمق تنظيري في النظام السياسي والمذهبي والأدياني، وقد يستطيع الباحث أو المحاضر أو الخطيب أنْ يقرأ مباحث الأخلاق الفردية بلغة نظام سياسي وفقه سياسي بحيث يستطيع أنْ يطفيء نائرة هذا الاحتباس السياسي، وليس المقصود من هذه القراءة أستنباط واجتهاد بل تدبر وتمعن وإبداء إحتمالات في ضمن الضوابط والثوابت، وهذا شيء مهم للخطيب لأنَّه في بعض الأحيان ربما تنشأ فتن تسيل منها الدماء نتيجة الجهل بمادة قانونية شرعية، في حين لو كان الطرفان يقفون بوعي علی هذه المادة القانونية أو الأخلاقية لما وصل الأمر إلی تلك الحالة، فالمسائل الأخلاقية والمسائل الفقهية مهمة جداً للخطيب والباحث فيجب أنْ تشمل كل محاضرة أو مجموع المحاضرات علی هذه الأعمدة أو المحاور الثلاثة.

عكس

49

ص: 1

عكس

50

ص: 51

عكس

51