نتف من حیاة الامامین الکاظمین علیهما السلام

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه:سند، محمد، ۱۹۶۲- م.

عنوان و نام پدیدآور:نتف من حیاة‌الامامین‌الکاظمین علیهما‌السلام/ تقریرالابحاث محمد السند؛ بقلم ابراهیم‌حسین البغدادی.

مشخصات نشر:تهران: موسسه‌الصادق للطباعه والنشر، ۱۴۳۵ق.= ۱۳۹۳.

مشخصات ظاهری:۱05ص.

شابک:978-964-5604-13-2

یادداشت:عربی.

یادداشت:عنوان دیگر : حياة‌الامامين‌الکاظمين عليهما‌السلام.

یادداشت:کتابنامه به صورت زیرنویس.

عنوان دیگر:حياة‌الامامين‌الکاظمين عليهما‌السلام.

موضوع:موسی‌بن جعفر(علیه السلام)، امام هفتم، ۱۲۸ - ۱۸۳ق. -- سرگذشتنامه

موضوع:Musa ibn Ja'far, Imam VII-- Biography

موضوع:محمدبن علی (علیه السلام)، امام نهم، ۱۹۵ - ۲۲۰ق. -- سرگذشتنامه

موضوع:Muhammad ibn Ali, Imam IX -- Biography

شناسه افزوده:بغدادی، ابراهیم‌حسین، گردآورنده

رده بندی کنگره:BP۴۶

رده بندی دیویی:۲۹۷/۹۵۶

شماره کتابشناسی ملی:۳۷۶۶۳۴۷

محرر الرقمي:محمد المنصوري

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

نتف من حياة الامامين الكاظمين عليهما السلام

تقريرالابحاث محمد السند

بقلم ابراهيم‌حسين البغدادي

الإهداء

إلي باب الحاجات وقاضي الأمنيات

إلي صاحب السجدة الطويلة والدمعة الغزيرة. و

إلي المعذب في قعر السجون وظلم المطامير، ذي الساق المرضوض بحلق القيود والجنازة المنادي عليها بذل الاستخفاف.

إلي عميد السُّجناء السياسيين.

إلي القائد الذي خرج مِنْ السِّجن شهيداً.

إلي أسد بغداد وحاميها.

إلي راهب آل مُحمَّد.

إلي رجل الحضارة موسي بن جعفر(عليه السلام).

سيدي العظيم أهدي إليك هَذا المجهود راجياً منك القبول يا باب الحوائج.

المُقدِّمة

بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِیِمِ

وصلّي الله علی سيدنا ونبينا مُحمَّد وعلي آله الطيّبين الطاهرين، واللعن الدائم علی أعدائهم أجمعين إلی قيام يوم الدين.

وبعد...

إنَّ هَذا الكتاب هُو عبارة عَنْ مجموعة أبحاث ألقاها سماحة الأُستاذ آية الله الشَّیخ مُحمَّد السّند في جِوار المرقد الطَّاهِر للإمام علی بن أبي طالب(عليه السلام) بمُناسبة الذكري السنوية لاستشهاد الإمام موسي بن جعفر(عليه السلام)، وحفيده الإمام الجواد(عليه السلام) وقدْ بيَّن سماحته القُّدرة العسكرية والسياسية التي كانا يمتلكاها(عليهما السلام)، لا كما يعتقده البعض مِنْ أنَّ الإمامين(عليهما السلام) كانا مكتوفي الأيدي ولا يستطيعان فعل شيء وقد طغت علی الكاظم(عليه السلام) صِفة السَّجين وكأنَّ حياته كُلّها قضاها في السِّجن، وكذلك الحال في الجواد(عليه السلام) من أنه كان تحت الإقامة القسرية بحيث لا يستطيع تحريك ساكن، فلو كان الأمر كذلك فلم جعلت الدولة العباسية أجهزة

استخباراتها في حالة

التَّأهُب القصوي خوفاً مِنْهما(عليهما السلام)، بحيث تمَّ اعتقالهما(عليهما السلام) في المدينة المنورة وَمِنْ ثمَّ اقتادوهما إلی بغداد وسط حراسة مُشدَّدة وخطّة سرِّیة تامَّة، فلو لمْ يكونا قائدين شُجاعين ولديهما القُوّة التي تغاير قُوّة السلطة العباسية لما فعلت هي كُلّ ذلك.

وكذلك بيَّن سماحته سُرّ وفلسفة كظم الغيظ التي اشتهر بها الإمام موسي بن جعفر(عليه السلام) الذي لمْ يكن كظم غيظه مجرد حالة شخصية وانفعالية بسبب جرح بسيط أو غَیر ذلك بلْ كان كظماً سياسيّاً وعسكريّاً.

كُلّ هَذا - عزيزي القارئ - سوف تجده بين طيّات هَذا الكتاب، وسائلين المولي عَزَّ وَجَلَّ القبول بحقِّ باب الحوائج موسي بن جعفر(عليه السلام) وباب المراد جواد الأئمة(عليه السلام).

أوصاف النبي وأهل بيته عليهم السَّلام

اشارة

عَنْ رسول الله(صلي الله عليه و آله) أنه قال:

«لله عَزَّ وَجَلَّ تسعة وتسعون اسماً مَنْ دعا الله بها استجاب له، ومَنْ أحصاها دخل الجنَّة»(1).

والإحصاء في الحديث الشريف لَیسَ معناه حفظ أصوات الأسماء وإنمَا هو الإلمام بمنظومة معارف الأسماء والصفات الإلهية فسوف يتوفر علی درجة هامة من معرفة توحيد كامل بحيث يبلغ أعالي الجِنان. فهذهِ الأسماء هي دورة معارف في التوحيد.

أيضاً هُناك أسماء خاصَّة اختصَّ بها النبي(صلي الله عليه و آله) دون غيره، وهي كذلك تعتبر دورة ومنظومة معارف للنبوة، وَمِنْ أسمائه(صلي الله عليه و آله) التي تُعتبر هي أوصاف النبوُّة المحمود، الأحمد، الحاشر، العاقب، الماحي، الخاتم، المُقفي، نبي الرحمة وغيرها، وما يميز تلك الأسماء أنها ليست أسماء مِنْ جعل أهل الأرض بلْ أسماء من جعل الله تعالي، بمعني أنَّ الله تعالی جعل تلك الأسماء مقامات غيبية لخاتم أنبيائه(صلي الله عليه و آله).

وإذا قرأنا زيارات النبي(صلي الله عليه و آله) ودقّقنا النظر فيها وجدناها عبارة عَنْ


1) (1) التوحيد للصدوق، 190، صحيح البخاري، ج3:185.

أوصاف للنبي(صلي الله عليه و آله) ولمقاماته

وهكذا أسماء أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وأسماء أُمُّهم فاطمة(عليها السلام)، فأسمائهم وأوصافهم هي منظومة معرفية تّجاه كُلّ واحد منهم، بعضها بيان للشؤون المشتركة بينهم وبعضها بيان للخصوصيات التي لأحدهم دون الآخرين مِنْ الأئمة(عليهم السلام).

صفات وأسماء الأئِمَّة عليهم السلام بعد قيادي لا فردي

للإمام موسي بن جعفر(عليه السلام) أسماءٌ عديدة منها العبد الصالح، زين المُجتهدين، الوفي، راهب آل مُحمَّد، الصابر، الأمين، الزاهر، الصالح، وأشهرها الكاظم(1).

وقدْ وُصِف الإمام السَّابع بهذا الوصف مِنْ قِبل آبائه وأجداده(عليهم السلام) وَلَیسَ هو مِنْ باب الصدفة.

وقبل بيان فلسفة وسرّ ذلك الوصف - كظم الغيظ - نذكر هذهِ المُقدِّمة:

إنَّ البعض قدْ یُفَسِّر أوصاف وأسماء أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ببُعد فردي، يفسر صفة البطولة والشُّجاعة التي يتّصف بها أمير المؤمنين(عليه السلام) علی أنها من باب العضلات البدنية أو نوع مِنْ الجرأة الروحية.

وإن كانت هذهِ المعاني في بعدها الفردي كُلّها صحيحة ولكنه لا ينبغي أن تقتصر في فهم هذهِ الأوصاف علی البُعد الفردي، بلْ أوصافه(عليه السلام)


1) (1) مناقب آل أبي طالب: ج437 :3؛ البحار: ج11 :48.

لابدَّ أنْ تكون ذات معاني ومقاصد أُمَميَّة، مُجتمعية، قياديّة، لا فرديّة فحسب، بلْ هي شُجاعة قيادة وقائد ورمز وخليفة، فهُناك مِنْ الصحابة من كان يتّصف بصفة الفرار ويترتب عليها الجَبن عَنْ إدارة الأزمات، فلا يمكن أنْ نصوِّر شُجاعة علي(عليه السلام) مُجرَّد شجاعة عضلات، بل قدرة مواجهة تعقيد الأزمات في كل الحقول والبيئات، بسبب البصيرة النافذة في الأمور والحزم الحكيم.

فلو اقتصر في قراءة الأوصاف علی المعني الفردي البدني في الواقع لكان من الإسفاف والتصوير المجانب لحقيقة شجاعة علي(عليه السلام).

عاطفة علی العالمية

ومن أمثلة الأوصاف التي تقرأ في بعدها الفردي صفة العاطفة الرحيمة لأمير المؤمنين(عليه السلام) وَهَذا ما يتمُّ التركيز عليه كثيراً في شهر رمضان، مِنْ أنَّ علياً كان يطرق بيوت الأيتام باباً باباً، وكأنَّ عطف علي(عليه السلام) مُقتصر علی طرق الأبواب رحمة بالأيتام، لكن الصحيح عطف علي(عليه السلام) تشمل تدبير كل النظام الاقتصادي في توزيع بيت المال وقسمت الأراضي المفتوحة، حيث أراد الثاني توزيعها بين المقاتلين فمنعه(عليه السلام) مبرراً ذلك بكونها لجميع المسلمين لمن هو موجود منهم ولمن سيولد منهم وذلك بقسمة منافعها بينهم وتستبقي أصولها وعينها. وهذا من العدل في توزيع الثروات الذي يلحظ فيه منافع ومصالح كل الأجيال ولا يقتصر علی متطلبات جيل واحد فقط بل بين الأجيال فيما بينها. وقد رسم ذلك تنظيراً وتنفيذاً في عهده (عليه السلام) لمالك الاشتر في أدارة نظام الدولة ورسم

ذلك في جميع مسؤولياتها علی مستوي النظام الأخلاقي والأسري، فهو(عليه السلام) رؤوف وعطوف بالطبقات المحرومة كُلّها، بلْ عاطفته لكلِّ العالم.

فكم فرق بين القراءة الفردية لتدبيره(عليه السلام) والقراءة المُجتمعية أو الأُمميّة، ومدي كفاءة النظام الاقتصادي والأخلاقي والرعاية التي كانت تتمتع بها الدولة أو الحُكومة العلوية.

فرغم أنه كان يتفقّد بشخصه الشخيص ونوره الأقدس بيوت الأيتام لكن عطفه وعدالته تشمل تدبير نظام الدولة برمته.

وَهَذا ما اعترف به مُعاوية حينما قال ما أجرأ الرعية علی الولاة والحكام إلّا علي(عليه السلام).

هذهِ هي تربية مولانا علي(عليه السلام) للأمة في الرقابة السياسيّة والعدالة الاجتماعية والعدالة الاقتصادية، بلْ وصل الأمر إلی أنْ تأتي امرأة مِنْ أقاصي البلدان إلی مُعاوية وتُحاكمه أمام الملأ.

ولم تكن رأفة وعاطفة ودموع أمير المؤمنين علي(عليه السلام) فردية فحسب بلْ كانت أُمَميّة وعالمية، وبالتالي فهي رأفة قيادة وعدل إدارة. وعندما يقال عدل منظومي وأُمَميّ لَیسَ الأمر يقتصر علی زمانه بلْ لكلِّ زمان ومكان، وإلّا فما هو السبب أن يعلن كوفي عنان بمُبايعة علي(عليه السلام) مِنْ خلال تصويب عهده لمالك الأشتر في مقرّ الأُمم المُتحدة. فهذهِ أُمميّة عدل علي(عليه السلام) لا يكفي أنْ نُفسِّره تفسيراً فردياً ضيقاً.

فلسفة صفة كاظم الغيظ

هُناك وصف وأسم اشتهر به الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام)، ونحنُ كثيراً ما نلهج ونترنَّم به وهو كاظم الغيظ، والإمام(عليه السلام) عندما سُجِنَ فرديّاً وكابد وعاني ما عاني مِنْ الدولة العباسية هَلْ فعلت الدولة العباسية كُلّ هَذا به بما هُو رجل فرد في أبعاد فردية؟!.

لا يستقيم هذا التصور منطقياً، بلْ لأنَّ موسي بن جعفر(عليهما السلام) یُمثِّل منهاجاً في هذا الدين وزعيماً لقاعدة شعبية، وبما لديه مِنْ إمكانيات حضارية وقدرة عسكرية تُريد السلطة العباسية أنْ تستفزه وتدفعه وتثيره إلی المُنازلة المُعلنة حسبما توقته زماناً ومكاناً بما تضمن الظفر والنصر وبالتالي سوف تبيد الدولة الحاكمة هذهِ الإنجازات الحضارية كما سوف نُبيِّن ذلك بَعْدَ قليل.

وَهَذا ما نُشاهده في وقتنا الحاضر مِنْ خلال أحداث معاصرة كيف أنَّ الدول العظمي تستفزّ دولاً أُخري لتوقعها في حروب خاسرة فهل كظمها عن الاستفزازات السياسية كظمٌ فردي؟! أم حلمها عن التحريش السياسي والتهيج العسكري حلمٌ فردي؟!

وبحسب التقرير السرِّی للدولة العباسية - كما رواه الطبري في تاريخه والكشي في رجاله - وباعتراف منهم أنَّ موسي بن جعفر(عليهما السلام) دولة منافسة مقابل دولة بني العباس العُظمي صاحبة الليالي الحمراء والخمراء والمُجون والرقص وهذهِ حضارتهم في قِبال حضارة بيت موسي الكاظم(عليه السلام)

الذي یُدعي فيه الله، وهو نبراس الهداية والنور والعلم للخلق، نبراس التنمية الإنسانية، والذي لا ينقطع عَنْه الزائرين إلی يومنا هَذا. فمَنْ هُو صاحب الحضارة موسي بن جعفر(عليهما السلام) أم هارون غَیر الرشيد؟!.

فحضارةُ موسي بن جعفر(عليها السلام) هُو في كظمه للغيظ أمام الاستفزاز السياسي والأمني للسلطة العباسية لتنتهز الفرصة والمبرر والذريعة للإنقضاض علی صرح بنيان المؤمنين بمنهاج أهل البيت(عليهم السلام) لتهدم هذا العمران الإيماني للدين، فكظم موسي بن جعفر(عليه السلام) أمام هذا الاستفزاز والأسلوب الاثاري للسفيه العباسي هو الذي ساهم في حفظ بنيان عظيم، بحيث أفشل مخططات الحُكومة العباسية ولإبادة حضارة دين الرسول(صلي الله عليه و آله) واستبدالها بحضارة إباحية انفلاتية مادّية أوباشية مُجونية، ولغتها الأساسية هي لغة الدم ولغة السجون، ولكن موسي بن جعفر(عليهما السلام) يأبي إلّا أنْ يجعلها لغة الإنسانية ولغة المنطق ولغة العقل ولغة المبادئ. ولو استلزم ذلك إبادة بدن وجسد موسي بن جعفر(عليهما السلام).

إنَّ كفاح موسي بن جعفر(عليهما السلام) ليست كثوريّة الزيدية وتطرُّف الثوريين الذي لا يعرف إلّا التغيير السريع والعمل بالإندفاع والحدة ولو بإراقة الدِّماء بل جهاده(عليه السلام) كان بتدبير شامل ثاقب محيط بملابسات الأوضاع والأمور وعواقب المتغيرات الآتية وتعقُّل وخُلق، فإنَّ موسي بن جعفر(عليهما السلام) فيه سُنّة الحسن(عليه السلام) الذي لمْ يستطع معاوية أنْ يستفزّه ولا يربك عليه تدبير مساره ومشروع بناءه لأعمدة الدين والإيمان في الأمة.

هذهِ هي سُنّة أهل البيت(عليهم السلام) صعبة الاقتداء بها، كما يقول الإمام الصادق(عليه السلام)

«إنَّ حديثنا صعبٌ مُستصعب، لا یُؤمن به إلّا نبي أو مُرسل أو ملك مُقرَّب أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان»(1).

فموسي بن جعفر(عليهما السلام) هُو رجل الحضارة ورجل الحراب ورجل السلميّة، هَلْ يستطيع أحد أنْ يجمع بين السلميّة وبين أنْ ينشئ دولة ظل عُظمي بل أعظم من دولة الظل وهو الكيان المجتمعي للمؤمنين المتوقف علی مجهود عملاق من حيوية التدبير والمثابرة وعدم الاستكانة وعدم الضغف وعدم الوهن، فأيّ قائد تاريخي استطاع أنْ یُشكِّل دولة ظل لدولة أخري عُظمي ولكن بطريق سلمي غَیر موسي بن جعفر(عليهما السلام) والأئمة مِنْ أجداده وأبنائه صلوات الله عليهم.

الكاظم ومهدي آل مُحمَّد عليهما السلام

هُناك عِدَّة محطّات ولقطات خاطفة ونُبذ يسيرة مِنْ هَذا البحر الزاخر مِنْ حياة الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام)، وسوف نذكر هذهِ المحطات المُباركة بشكل يسير.

وَمِنْ هذهِ المحطات والمواقع التي تسترعي الانتباه في حياة الإمام(عليه السلام) هُو أنَّه في شأنه روايات عَنْ آبائه(عليهم السلام) أنَّه كان مُقدّراً أنْ يكون مهدي آل مُحمَّد(عليهم السلام).


1) (1) بصائر الدرجات: ج64 :1.

ولا يخفي أنَّ هَذا الوصف «مهدي آل محمد» وَرَدَ في شأن سيد الشهداء الحسين(عليه السلام) أيضاً، إلّا أنَّ الشيعة المؤمنين توانوا وقصّروا في مسؤوليتهم، حيث كان تدبيرهم في الإعداد ضعيفاً.

فعن أبي بصير، عَنْ أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: قلت له: ما لهذا الأمر أمدٌ ينتهي إليه ويريح أبداننا؟.

قال: بلي، ولكنَّكم أذعتم فأخَّره الله(1).

وروي الطوسي في الغيبة بسنده عن أبي بصير قال: قلت له: ألهذا الأمر أمد بريح إليه أبداننا وننتهي إليه؟ قال: بلي ولكنكم أذعتم فزاد الله فيه(2).

وروي عن أبي حمزة الثمالي قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام) إن علياً(عليه السلام) كان يقول: إلی السبعين بلاء، وكان يقول: بعد البلاء رخاء وكان يقول: وقد مضت السبعون ولم نر رخاء!.

فقال أبوجعفر(عليه السلام): ياثابت إن الله تعالی كان وقت هذا الأمر في السبعين، فلما قتل الحسين(عليه السلام) أشتد غضب الله علی أهل الأرض فأخره إلی الأربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، وكشفتم قناع السر، فأخره الله ولم يجعل له بعد ذلك عندنا وقتاً و (یَمْحُوا اللّهُ ما یَشاءُ وَ یُثْبِتُ


1) (1) الغيبة لأبي زينب النُعمان: 299؛ الغيبة للطوسي: 287.

2) (2) الغيبة للطوسي حديث 416 ،رواه النعماني أيضاً باب16 الحديث:1.

وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)(1).

فقال أبو حمزة: وقلت ذلك لأبي عبدالله(عليه السلام) فقال: قد كان ذلك (2).

فقدْ قدَّر الله تعالی أنْ يكون الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) هُو مهدي آل مُحمَّد ولكن بسبب تقصير المؤمنين في الإعداد الأمني والتدبيري لهذه النهضة المهدوية في عهد الإمام الصادق(عليه السلام) بحيث يكون إعداد وتهيؤ تدبيري فطن، وليسَ عشوائياً وهو جائياً ومُبعثراً، فعن عُثمان النواء قال:

«سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول: كان هَذا الأمر فيَّ فأخَّره الله ويفعل بَعْدَ في ذريتي ما يشاء»(3).

بلْ كان مُقدراً في علم الله أنْ يكون مهدي آل مُحمَّد(عليهم السلام) هُو الحسين بن علي(عليه السلام)، ولكن لنفس السبب الذي ذكرناه حدث البداء في ذلك.

وروي في تحف العقول عن محمد بن النعمان عن الصادق(عليه السلام):

«فوالله لقد قرُب هَذا الأمر ثلاث مرات فأذعتموه فأخَّره الله، والله مالكم سِرّ إلّا وعدوكم أعلم به منكم»(4).

وهكذا كان الأمر في عهد موسي بن جعفر(عليهما السلام)، ولكن أيضاً قصروا المؤمنين في الإعداد الأمني الحديدي والتدبير الفطن، في حين كان مناوئي وخصوم الإيمان أكثر استعداداً مِنْ المؤمنين فأخَّر هَذا الأمر إلی الإمام الثّانِی


1) (1) سورة الرعد: الاية 39

2) (2) الغيبة للطوسي حديث 417.

3) (3) الغيبة للطوسي: 288، ط‌1، كوهر انديشه.

4) (4) تُحف العقول: 310؛ البحار: 289 :78.

عشر(عج).

وعلي أي تقدير فهذه الروايات دالة علی مدي البناء الذي قام به الإمام الكاظم(عليه السلام) في إعداد المؤمنين وكيان الإيمان وأنه كان قاب قوسين لحصول الفتح والنصر لدولة آل محمد صلوات الله عليهم إلا أن المؤمنين لم يقوموا بتمام ما عليهم من مسؤولية أمنية وحراكية فأخفقوا عن حصول ذلك.

قراءة التأريخ

هُناك عِدَّة تقارير رُفِعَتْ مِنْ قِبَل الاستخبارات السِّرية لكيان السلطة العباسية، وَمِنْ ضمن هذهِ التقارير هُناك تقرير یُبيِّن حقائق عظيمة عَنْ التّشّیُع وتاريخه، ولا يخفي أنَّ التأريخ لَیسَ بالضرورة سلسلة أحداث فقط، بلْ هُو أيضاً حضارة مُتجسِّدة في كُلّ أبعادها لتلك المادّة التاريخية، ويجب أنْ يقرأ التأريخ بعلوم عديدة لا أنْ يقرأ بثرثرة تاريخية مِنْ تقصّي القصّاصين، بلْ يقرأ بعلوم عديدة كعلم أمني، علم عسكري، علم نفسي، علم سياسي، ولذلك نري كُلّ مُتخصِّص يدرُس تلك الحٌقبة لِمُوسي بن جعفر(عليه السلام) مِنْ زاوية تخصُّصه، وهكذا كُلّ عالِم واختصاصه، كعلماء التِّجارة، عُلماء الزراعة، عُلماء الأخلاق، فالتاريخ علم جَمّ ذو مواد خطرة.

قراءة غزوة أُحُد:

المشهور في الألسن والكتب أنَّ غزوة أحد انتهت بهزيمة المشركين للمسلمين والمُشركون في غزوة أُحُد كانوا بقيادة أبي سُفيان المُتواطئ علي

دين الإسّلام وعلي رسول الله(صلي الله عليه و آله) وأنَّهم هزموا المُسْلمين بَعْدَ أنْ كانت الجولة أو المرحلة الأُولي للمُسْلمين، وكُلّ كُتب التأريخ توقَّفت عَنْ نقل الأحداث الباقية، وأخذوا يذكرون أن المشركين تركوا الإغارة علی المدينة وأخذ الغنائم وسبي النساء وكأن المشركين بنصرهم تركوها تعففاً.

ولو نأتي إلی أي مُحلِّل أمني أو عسكري أو سياسي فسوف يقول لك أنَّ هذهِ خُدعة تاريخية، وهُناك لعب في التأريخ وقص فيه، في حين أن هُناك أشخاصاً سُذَّجاً يقولون أنَّ المصادر التاريخية قدْ اقتصرت علی ذلك.

إذنْ مَنْ الذي مَثَّل بجُثث وأجساد المُسْلمين؟! ومَنْ الذي مَثَّل بجسد حمزة، فقدْ كانوا كالذئاب يأكلون أكباد الشُّهداء، فهل من يفعل هَذا لا یُغير ولا يغزوا علی المدينة وهُم مُنتصرون؟! أیُعقل هَذا، وماذا تصنع إذا كان التعاطي مع التأريخ بسذاجة، وحماقة وحقد دفين.

وَمِنْ هُنا فتحليل التأريخ فضلا عن حقايقه يحتاج إلی علوم مُتعدِّدة بحيث كُلّ بُعد منه يتعاطي مع مشهد مِنْ المشاهد.

وهكذا الحال في واقعة كربلاء فهُناك نصوص موجودة حول هذهِ الواقعة الأليمة، ولو أُخفي الآلاف مِنْ النصوص مِنْ قِبَل بني أُميّة وبني العباس عداءاً وحُقداً لسيد الشهداء ورئيس الأحرار والثُّوار في العالم فهَذا شيء طبيعي جداً، فهل نتوقع منهم أن يبقوا كُلّ الحقائق كما هي؟!.

حُكّام اليوم والإعلام

الآن ونحنُ نعيش في الوضع الراهن من شبكات الاتصال الاجتماعي كم يخفي السلاطين والحُكّام الجائرون والقوي الظالمة مِنْ الحقائق عَنْ

شعوبها، ألم تعيث هذهِ القوي الظالمة في الإعلام فساداً وفي الأحداث تمويهاً. فهل يمكن لنا أنْ نقرأ التأريخ بنظرة ساذجة وبنظرة عفّوية تّجاه مِنْ تلطَّخت أياديهم بدماء الأبرياء مِنْ أبناء شعوبهم وغيرهم؟! أم ننظر إليها بنظرة قدسية وأنَّه لا يجوز التعرُّض ومحاسبة الحاكم ولو كان ظالماً لأنَّه یُمثِّل الولاية الإلهية علی شعبه لأن السلطان ظل الله في الأرض(1)كما هي نظرة بعض المذاهب الأُخري.

وكل ذلك ينبهنا إلی مدي التزييف والخداع في كتابة التاريخ من الطرف الآخر، ولذلك لابدَّ أنْ یُقرأ التأريخ مِنْ عدة جوانب، فإذا كان هُناك جانباً أمنياً لابدَّ أنْ یُقرأ بعلوم أمنية، وإذا كان الجانب حضارياً فیُقرأ بعلوم حضارية، وإذا كان الجانب اقتصادياً فیُقرأ بعلوم اقتصادية وهكذا، لأنَّ التأريخ عبارة عَنْ مجمع الحقول عديدة.

المُراقبة الاستخباراتية علی الإمام عَلَیْهِ السَّلامُ

هُناك تقارير استخباراتية كانت تُرفع إلی السلطة العباسية الحاكمة عن حياة الإمام(عليه السلام) وحول أتباع وشيعة أهل البيت(عليهم السلام)، وقدْ كانت هذهِ التقارير تحمل الكثير مِنْ الحقائق العظمية حول الإمام(عليه السلام) وشيعته، ولكن بشرط أنْ یُقرأ هَذا التقرير بعلوم تخصّصية مُتعدِّدة.

وَمِنْ ضمن هَذا التقرير الذي يعترف به هَذا العين الاستخباراتية العباسية أنَّ الشيعة طوائف وتيارات، فقد روي الكشي عن يونس، قال:


1) (1) ميزان الاعتدال للذهبي،ج145: 2.

قلت لهشام أنهم يزعمون أن أبا الحسن عليه السلام بعث إليك عبد الرحمن بن الحجاج يأمرك أن تسكت ولا تتكلم، فأبيت أن تقبل رسالته، فأخبرني كيف كان سبب هذا؟ وهل أرسل إليك ينهاك عن الكلام أولا؟ وهل تكلمت بعد نهيه إياك؟ فقال هشام: انه لما كان أيام المهدي شدد علی أصحاب الأهواء، وكتب له ابن المفضل صنوف الفرق صنفاً صنفاً، ثم قرأ الكتاب علی الناس، فقال يونس: قد سمعت هذا الكتاب يقرأ علی الناس علی باب الذهب بالمدينة، ومرة أخري بمدينة الوضاح. فقال إن ابن المقعد صنف لهم صنوف الفرق فرقة فرقة، حتي قال في كتابه: وفرقة منهم يقال لهم الزرارية، وفرقة منهم يقال لهم العمارية أصحاب عمار الساباطي، وفرقة يقال لها اليعفورية، ومنهم فرقة أصحاب سليمان الاقطع، وفرقة يقال لها الجواليقية. قال يونس: ولم يذكر يومئذ هشام بن الحكم ولا أصحابه، فزعم هشام ليونس أن أبا الحسن عليه السلام بعث إليه فقال له: كف هذه الأيام عن الكلام فان الأمر شديد، قال هشام: فكففت عن الكلام حتي مات المهدي وسكن الأمر، فهذا الذي|كان من أمره وانتهائي إلی قوله(1)

وأخذ يعدّد مرجعيات وفُقهاء الشيعة مِنْ تلاميذ الأئمة(عليهم السلام)، وكأنها فرق وتيارات وطوائف في العراق وغير العراق، ولكن كان أغلب وجودها في العراق.

وقدْ رُوي أنَّه لما سمع هارون العباسي قُوّة حُجَّة هشام بن الحكم قال: «مثل هَذا حيّ ویُبْقي لي مُلكي ساعة واحدة؟! فوالله للسان هَذا أبلغ في قلوب الناس مِنْ مائة ألف سيف»(2).


1) (1) رجال الكشي حديث 479 .

2) (2) كمال الدين: 362.

المرجعية الدينية مِنْ تأسيس الأئمة عليهم السَّلام

إذنْ مِنْ خلال هَذا التَّقرير السِّري يتّضح أنَّ الأئمة(عليهم السلام) هُم الذين أسّسوا مرجعية الفقهاء كأذرع لِلأئِمَّة(عليهم السلام) بل هذا التأسيس منذ زمن رسول الله(صلي الله عليه و آله) عند نزول النفر للتفقه، لا كما يحلوا للبعض مِنْ أنَّها أسّست في القرن الرَّابع أو بَعْدَ الغيبة الصُّغري، بلْ نظام الفقاهة شُیِّد وبُني في عهد الأئمة(عليهم السلام) وفي كنفهم، نعم هناك أحد الأكاديميين في الغرب كتب كتاباً مجحفاً في حق مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) وقدْ تُرجم هَذا الكتاب بلُغات أُخري عديدة، وَهَذا الكاتب یُنكر وجود الفقهاء في عهد الأئمة(عليهم السلام)، ألم يكن هَذا المدرك التاريخي الذي رواه الفريقان هُو مدرك دامغ بأنَّ بُنيان وتأسيس الفقاهة كان في عهد الأئمة(عليهم السلام)، ولم يقتصر هَذا البُنيان علی حياة الإمام الكاظم(عليه السلام) فحسب، بلْ كان هَذا الأمر في عهد والده الإمام الصادق، وفي عهد جدّه الإمام الباقر(عليه السلام) والسجاد(عليه السلام).

وقدْ يسأل البعض هَلْ إنَّه في عهد ظهور الإمام المهدي(عج) دور للفقاهة أم لا؟.

والجواب علی ذلك أنْ أيدي الأئمة(عليهم السلام) وإن لمْ تكن مُنحصرة ببناء الفقاهة والفُقهاء ولا هو مبني علی الجهالة والجُهلاء، ولو نلاحظ المادّة التاريخية في حُقبة الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) لرأينا كم تعطي أبعاداً عقائدية وأبعاداً فقهية وأبعاداً راهنة دامغة قويّة وعظيمة في مجتمع الإيمان ومعالمه.

وليسَ مِنْ الصدفة أنَّ التلميذ الأكبر لأبي حنيفة وهو ابن أبي ليلي يستجدي فقاهة مُحمَّد بن مُسْلِم تلميذ الباقر والصادق والكاظم(عليهما السلام)، وقدْ كان قاضي القُضاة وعُیِّن مِنْ قبل السلطة العباسية في بغداد، ومع ذلك يطلب العلم مِنْ تلميذ الأئمة(عليهم السلام) مُحمَّد بن مُسْلِم.

فعن السياري قال: روي عن ابن أبي ليلي انه قدم إليه رجل خصما له فقال: إن هذا باعني هذه الجارية فلم أجد علی ركبها(1)حين كشفتها شعراً وزعمت أنه لم يكن لها قط قال: فقال له ابن أبي ليلي: إن الناس ليحتالون لهذا بالحيل حتي يذهب به فما الذي كرهت؟ فقال: أيها القاضي إن كان عيبا فاقض لي به قال: حتي اخرج إليك فاني أجد أذي في بطني، ثم إنه دخل فخرج من باب آخر فأتي محمد بن مسلم الثقفي فقال: أي شئ تروون عن أبي جعفر(عليه السلام) في المرأة لا يكون علی ركبها شعر أيكون ذلك عيبا فقال له محمد بن مسلم: أما هذا نصاً فلا اعرفه، ولكن حدثني أبو جعفر عن أبيه عن آبائه(عليهم السلام) عن الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) أنه قال: كلما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب فقال له ابن أبي ليلي: حسبك ثم رجع إلی القوم فقضي لهم بالعيب (2).

وَمِنْ هُنا فَمِنْ المؤكَّد أنَّ هُناك أشخاصاً فُقهاء في عهد دولة الظهور للإمام المهدي(عج).

فهُناك أُموراً إذا أردنا - مِنْ باب المثال - أنْ نستخرج مشاهد متكاملة


1) (1) الركب بالتحريك بالتحريك منبت العانة.

2) (2) التهذيب للطوسي ج65: 7 ،حديث 282 /26 .

عَنْ حياة الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) فسوف نجد أنَّ هُناك أبعاداً كثيرة وخضمّ مُتلاطم في حياة الإمام - الذي عاني مرارات الإرهاب المنظم للسلطة العباسية والمافية البوليسية لهم - لابدَّ أنْ نقف لها إجلالاً وتقديساً له(عليه السلام).

ولو نأخُذ عيّنة علی ذلك لنري كيف كان يدير الأُمور، وكيف كانت الدولة العباسية آنذاك تترقَّب الإمام بحذر شديد، وهذهِ العيّنة هُو تلميذه ابن أبي عُمير (مُحمَّد بن زياد) فقدْ كان فقيهاً ومرجعاً وتاجراً وله سطوته التجارية في بغداد وفي نفس الوقت كان مُناضلاً وسجيناً كإمامه موسي بن جعفر(عليه السلام).

وقدْ لاقي الأمرّين ولاقي ما لاقي مِنْ التعذيب في السجون العباسية ما لا يصمد أمامه غالب طبيعة البشر وذلك لأجل الكشف عن أسماء رجالات أعيان ووجوه الشيعة وجملة من خفاياهم لأجل أنْ يقبل منصب القضاء، ولكنَّه رفض أشدّ الرفض حتّي أوصله ذلك إلی حدِّ أنْ یُقتل، ولكن أنجاه الله تعالی بَعْدَ ذلك.

وهذهِ لقطة وصفحة مِنْ الجيل الذي رباه الإمام(عليه السلام)، ونموذج من الفقهاء الذين كونهم وكانوا مرجعية فقهية لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) ووسطية بينهم الإمام(عليهم السلام).

أهل البيت عليهم السَّلام وبناءً الدولة العباسية

والمُهم أنَّ نظام الدولة العباسية التي كانت أكبر دولة عالمية آنذاك وكانت دولة عُظمي في الأرض فقدْ كانت حدودها تمتدّ مِنْ حدود الصين وروسيا إلی العراق والجزيرة واليمن وأفريقيا وإلي سوريا وتركيا ومالطا

وفلسطين ومصر وبلاد المغرب، قدْ قامت علی أكتاف جماهير أهل البيت(عليهم السلام) وتحت شعار الرضا من آل مُحمَّد(عليهم السلام) بلْ وكذا نظام الدولة الأموية قدْ بُنيت وشُیّدت إمتداداً لدولة الخلفاء وهو نظام شيّد علی يد رسول الله(صلي الله عليه و آله) ووزيره أميرالمؤمنين(عليه السلام) وتوسيعه في الفتوحات كان بتدبير مولانا علي(عليه السلام) كما أشرنا إلی ذلك في مصادر التاريخ والسيرة(1)وكم كانت خطوات من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) من الحسنين(عليهما السلام) والسجاد والصادقين(عليهم السلام) ثم الكاظم(عليه السلام) والأئمة من أولاده(عليهم السلام) حفظت للمسلمين نظام دينهم ونظام أمتهم ومجتمعهم أمام عاتية الملل والنحل المختلفة والدول المناوئة أو من الداخل من اتجاهات الزيغ والتحريف في الأبعاد المختلفة، نعم يقولون إنَّ هَذا البناء مترامي الأطراف ومتسع البنيان ولكن علی المُنصف أنْ یُفكّر ويكتشف بصاحب البناء الحقيقي.

وَمِنْ هُنا نحتاج إلی ملايين العدسات البحثية واللاقطات التحليلية التخصصية كي نفهم الحقيقة التاريخية لا أنْ نقرأ النصّ ونجمد علی حرفية ألفاظه فقط، لا أنْ نقرأ التأريخ بثرثرة روائية، سطحيّة، قشريّة، ظاهريّة، قصصيّة بحتة، لابدَّ أنْ نقرأه بأبعاد عديدة وإلّا فسوف يصبح عبارة عَنْ آله مُجمّدة للأموات.

وإذا قرأنا التأريخ بصورة صحيحة فسوف نفهم لماذا كُلّ هذهِ الجوسسة والشبكة الأمنية جُنِّدت مِنْ أجل مُراقبة الإمام(عليها السلام)، وجاءت تلك التوصيات مِنْ قبل العين الجاسوسية العباسية بالتضييق والمُراقبة الشديدة


1) (1) لاحظ كتاب عدالة الصحابة للشيخ الأستاذ.

عليه(عليه السلام)، وإلّا فسوف يخسر بني العباس مُلكهم، الذين نزوا علی التُّراث المُحمدي والتُّراث العلوي، هَذا التراث الذي سرقوه كأنَّما شموخ لهم وهو تراث لآل مُحمَّد(صلي الله عليه و آله) إلی الرضا من آل مُحمَّد(عليهم السلام)، فإذا لمْ یَعُد العِدّة هارون فسوف تتلاشي منهم هذهِ السَّرقة الكبيرة، ومع كُلّ هَذا أصبح أهل البيت(عليهم السلام) مصدر قلقٍ للسلطتين الأموية والعباسية، بلْ لكلِّ الحكومات إلی يومنا هَذا.

إنَّ التأريخ لمْ ينقل لنا أنَّ أبا حنيفة أو مالكاً أو الشافعي أو الثوري أو أيّ فقيه آخر مِنْ مدرسة الخُلفاء كانوا مصدر قلق بالنسبة للحكومات، بل كان مالك بن أنس يحظي بالتقدير والاحترام مِنْ السلطة، بلْ أعلن الناطق باسم العباسيين في المدينة «ألا لا يفتي الناس إلّا مالك بن أنس وابن أبي ذئب»(1).

وفي رواية الذهبي أنَّ المنصور أحضر مالك بن أنس وأغراه بتسويله قائلاً: لمْ يبقَ علی وجه الأرض أعلم مني ومنك وإنِّی قدْ شغلتني الخلافة، فضع أنت للناس كتاباً ينتفعون به، تجنَّب فيه رخص ابن عباس وشدائد بن عمر ووطئه للناس توطئة، قال مالك: فوالله علمني التصنيف يومئذٍ(2).

وقال القاضي عيّاض: قال مالك: فقلت له: إنَّ أهل العراق لا يرضون علمنا(3). قال: يضرب عليه عامّتهم بالسيف ونقطع عليه


1) (1) وفياة الأعيان: ج135 :4؛ تنوير الحوالك علی موطأ مالك.

2) (2) السِّیرة للذهبي: ج111 :8؛ مُقدّمة ابن خلدون: 16.

3) (3) لأنَّهم كانوا مِنْ شيعة أهل البيت(عليهم السلام).

ظهورهم بالسِّیاط‌(1).

وشرط عليه المنصور أنْ لا يروي في كتابه عَنْ علي(عليه السلام) أصلاً.

واستجاب مالك للشرط فنفذه بِدقّة مُتناهية(2).

ولكن التأريخ ينقل لنا أنَّ مصدر القُوّة ومصدر القلق النفسي للدولة العباسية هُو موسي بن جعفر(عليهما السلام)، وهذا يدل علی عظمة الإمام(عليه السلام) وقوّته ونفوذه وسيطرته.

التقرير السري

وصلت التقارير السِّرية إلی هارون السفيه مُباشرة وبدون أيّ واسطة؛ وأنَّ القضية خطرة جداً فلابُدَّ مِنْ الإشراف المُباشر مِنْه في التصدي للإمام (عليه السلام)، وَهَذا يدلُّ علی حجم جسم المؤمنين وتوسع دائرة انتشارهم وقدرة الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) بحيث كانت تُقاس بذروة تلك الدولة العُظمي - العباسية - إنْ لمْ تكن أكثر مِنْ ذلك.

هَذا المُخبر السري قال لهارون العباسي:

«أمَّا علمت في الأرض خليفتين یُجبي إليهما الخراج؟ فقال الرشيد ويلك ومَنْ؟ قال موسي بن جعفر» وأظهر أسراره فقُبض عليه(3)- أيّ الإمام(عليه السلام).

وفي رواية أن هارون قال مخاطباً الإمام(عليه السلام): ياموسي بن جعفر خليفتين


1) (4) ترتيب المدارك: 124.

2) (1) مستدرك الوسائل: 20 :14.

3) (2) الكافي 486 :1، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي): 277، الحديث: 478.

يجبي إليهما الخراج؟(1).

بلْ هُناك رواية(2)أخري وهو يصف قدرة الإمام(عليه السلام) لولده الخؤون: وما كنت آمنه أن يضرب وجهي غداً بمائة الف سيف من شيعته ومواليه وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وإغنائهم.

وَمِنْ هُنا ثارت ثائرة الاستبداد الطاغوتي عِنْدَ هارون غير الرشيد صاحب غطرسة هذهِ الدولة العُظمي المسروقة والمُغتصبة، فأرسل إلی الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) بعدما أصدر أوامره بإلقاء القبض عليه، فألقت الشرطة القبض علی الإمام(عليه السلام) وهو قائم یُصلّي لربه عِنْدَ رأس جده النبي(صلي الله عليه و آله)، فقطعوا عليه صلاته ولم يمهلوه مِنْ إتمامها(3).

والغريب في ذلك أنَّ هارون اللا رشيد قدْ أتي إلی قبر النبي(صلي الله عليه و آله) قبل أنْ يعتقل الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) ليعتذر منه، حيث كان آنذاك في يثرب فسلَّم علی النبي(صلي الله عليه و آله) وخاطبه قائلاً:

«بأبي أنت وأُمي يا رسول الله، إنِّی أعتذر إليك مِنْ أمر عزمت عليه، وإنِّی أُريد أنْ آخذ موسي بن جعفر فأحبسه؛ لأنِّی خشيت أنْ یُلقي أُمتك حرباً تسفك فيها دمائهم»(4). فهو يعترف أنَّه مِنْ سلالة النُّبوة، بلْ يعترف بأنَّه هُو الإمام الشرعي للأُمَّة وهو القائل: «هَذا إمامُ الناس وحجة الله علی


1) (3) الاحتجاج ج129: 2 عيون اخبار الرضا(عليه السلام).

2) (1) الاحتجاج ج133: 2.

3) (2) مناقب آل أبي طالب: ج440 :3.

4) (3) البحار: ج212 :48.

خلقه وخليفته علی عباده»(1). وفي نفس الوقت يعترف بأنَّ الإمام(عليه السلام) له استطاعة علی المواجهة العسكرية، وهذهِ القوة لم تبن إلا بإعداد طويل والمواجهة لا تفعل إلّا إذا كان هُناك إذن في التعبئة مِنْ قبل الإمام(عليه السلام) للمؤمنين.

وقال هارون غَیر الرشيد لابنه المأمون: اسكت لا أُمّ لك فإنِّی لو أُعطيت هَذا - الإمام الكاظم(عليه السلام) - ما ضمّنته له ما كنت أمنته أنْ يضرب وجهي غدا بمائة ألف سيف مِنْ شيعته ومواليه(2).

وهذا ترصد منه بمدي قوَّة الإمام(عليه السلام) التدبيرية ونفوذه وامتداد قدراته ومدي كثرة التقارير السِّرية التي تصل إليه وإشرافه المُباشر للمراقبة.

ولو قرأنا التَّقرير السِّري بقواعد العلوم الأمنية والعلوم الإستراتيجية والعلوم السياسية، وليسَ بقراءة تاريخية ساذجة لرأينا أنْ موسي بن جعفر صاحب دولة ظل عُظيمة في مواجهة دولة عُظمي وقدراتها مُترامية الأطراف فالدولة التي تكون ضدّها لابد أن تكون دولة مماثلة أو مقاربة لها في القدرة. هذهِ هي دولة الظل المتعاظمة السلميّة أنجزها وأكمل بنائُها الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام).

سِجْنُ الإمام

ولهذا أَمَرَ هارون بسجن الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) كسجين سياسي لا كسجين مدني، بعدما أحس بعدم كفاية المُراقبة السِّرية والإقامة الجبرية،


1) (4) عيون أخبار الرضا، ج84 :1؛ الاحتجاج، ج165 :2.

2) (1) الاحتجاج، ج165 :2. عيون أخبار الرضا ج86: 1 .

فأقام في السجن السياسي مُدّة أربع عشرة سنة أو سبع سنوات، ولا يوجد تناقض بين هذهِ الروايات؛ لأنَّ طبيعة المحفل التاريخي لديه رصده وتقريره، فقدْ تذكر حادثة مُعيّنة فترصدّها في أوائلها فتقول أربع سنوات، ثمَّ ترصدّها في أواسطها فتقول سبع سنوات، ثمَّ ترصدها بَعْدَ أجيال أو قدْ يكون صاحب التقرير أو المُراسل الخبري قدْ توفي فيأتي المُراسل الخبري فيرصد هَذا الحدث فيقول أربع عشرة سنة.

وَلَیسَ في ذلك تضارُب وإنَّما هُو رصد مُتسلسل تأريخي، وهذهِ نكتة مهمة لابد أن نلتفت إليها، وإذا التفتنا إلی طبيعة وكيفية الرصد للأحداث بسبب العلوم الأمنية وعلوم الإعلام والنشر وعلوم طرق النقل الخبري والآثار وعلي ضوئها فسوف نستطيع أنْ نقرأ التأريخ بحقائق أكثر.

صحّة التقرير السِّري

وفي الحقيقة أنْ تقرير المُخبر السِّري له يعكس جانباً من أرقام الحقيقة، وأنَّ لدي الإمام القُدرة المالية، والقُدرة العسكرية، والقُدرة الشعبية، رغم سلوكه السلمي، وهو ما أشارت إليه الروايات من أنه كان قدر أن يكون مهدي آل مُحمَّد(عليهم السلام) أي أول إمام من الاثني عشر يقيم الدولة المعلنة التي لاتزول وتستمر إلی يوم القيامة، وهَذا الكيان للإمام(عليه السلام) كان يتنافس مع كيان وقدرة هارون في بغداد، ولهذا لمْ یَقُل تقرير رئيس الاستخبارات أو المجموعة المُوظّفة في التجسُّس علی موسي بن جعفر(عليهما السلام) أنَّ هُناك ثلاثة أو أربعة بلْ «أمَّا علمت في الأرض خليفتين»، يعني نفوذ القُدرة بِید اثنين فقط

أحدهما يملك كُلّ إمكانيات هذهِ الدولة العُظْمي، والآخر يملك قلوب المؤمنين.

وسواء اعترف الطرف الآخر أو لا فهَذا واقع الحال حسب التقرير الاستخباراتي، وهذا مع وجود أبي حنيفة وتلاميذه، ومالك وتلاميذه، بلْ حتّي فُقهاء الشيعة وفُقهاء مصر، فكُلّ هؤلاء لا یُشكِّلون أيّ تهديد لهارون غَیر الرشيد إلّا الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام)، بلْ في جنب الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) هؤلاء لا يشكِّلون أيّ رقم قياسي ولا رقم ديني يحسب عند الدولة العباسية في مُقابل الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام).

وَهَذا الوضع نفسه كان موجوداً في حياة أمير المؤمنين(عليه السلام) حيث كان هُو الجهة الوحيدة مقابل السقيفة.

وهذهِ القُدرة التي يتمتع بها الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) وامتلك هَذا المخزون لمْ يكن عَنْ صدفة أو اتّفاق أو قضاء وقدر مجردين بلْ بُنيان مُتصل بعهد النبي(صلي الله عليه و آله) ومُتصل بإرث وتراث.

ولم تقتصر المُراقبة علی الجهة الأمنية بلْ علی الجهة المالية والاقتصادية أيضاً، ولا تظن أنَّ البنوك والتحويلات الآن تُراقب مِنْ قِبل أمريكا أو الغرب فكيف كانت المُراقبة المالية آنذاك؟!.

إنَّ في عهد الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) كانت المُراقبة علی بيوت الأئمة أشرس مِنْ هَذا الوقت؛ وبيوتهم كانت مُعرَّضة للمُداهمة في أيّ ساعة، حتّي بيوت أقاربهم ومُحبيهم وشيعتهم، وحينئذٍ كيف استطاعوا

تدبير أمورهم المالية.

وَمِنْ المُلفت للنظر أنَّ أولاد الإمام الحسن(عليه السلام) قاموا بثورات عسكرية وكذلك أولاد زيد الشَّهيد(عليه السلام) الذين لهم ثورات شرسة في مواجهة البطش السلطوي العباسي ومع ذلك التقرير السِّري لمْ يذكرهم بشيء مِنْ الخطر أو القُدرة أو التنافُس.

السلطة العباسية تدعم مالك وأبو حنيفة

ولا يخفي أنَّ السلطة العباسية روَّجت كثيراً لمذهب مالك وجعلته مُفتي السُّلطة «ألا لا یُفتي الناس إلّا مالك» وهذا تدشين سلطوي كمفتي للدولة.

بلْ روَّجت في بعض الأوقات إلی أبي حنيفة أيضاً، وَهَذا ما نصَّ عليه المُزّي في تهذيب الكمال(1)، حيث يذكر أنَّ المنصور العباسي كان في الحيرة قبل أنْ يتخذ بغداد وعقد مُؤتمراً علميَّاً جلب فيه وجوه العالم الإسّلامي وبالاستعانة بأبي حنيفة وذلك لغرض أنْ يحرج ویُفحم الإمام الصادق(عليه السلام).

وَهَذا إعلام مُضادّ لشخصية الإمام جعفر الصادق(عليهما السلام)، ولكن كانت النتيجة علی عكس ما أرادته الدولة العباسية، ومع كُلّ هَذا الترويج والدعايات التي تقوم بها السُّلطة العباسية لغرض دفع أئمة أهل البيت(عليهم السلام) مِنْ مقامهم عِنْدَ الناس سطع نجم الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام)، فهل


1) (1) تهذيب الكمال للمزي ج79: 5. سير أعلام النبلاء للذهبي ج358: 6 .

يمكن أنْ يقال إنَّ بزوغ نجم الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) كان صدفة أو طفرة؟!.

لا صدفة في الوجود وإلّا فما السبب وراء كُلّ هذهِ الإجراءات الأمنية والإقامة الجبرية ثمَّ نقله مِنْ سجن إلی سجن ثمَّ قتله(عليه السلام)، فهل هذهِ صدفة أيضاً؟!.

والقضية ليست مُرتبطة بالإمام السَّابع(عليه السلام) فقط بلْ الحال كذلك مع آبائه وأبنائه(عليهم السلام) كانت تعمل السُّلطات الحاكمة؛ لأنَّ منهاج أئمة أهل البيت(عليهم السلام) له جذوره وخلفياته إمتداداً من تأسيس رسول الله(صلي الله عليه و آله). وإلّا فما الدافع للسلطة علی سجن الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) كُلّ هذهِ السنوات ویُعذَّب ولم يقم بأي عمل مُسلَّح عسكري ضدّ السلطة العباسية؟!، ولماذا كُلّ هَذا التخوُّف والتحشيد الأمني مِنْ السُّلطة تّجاهه(عليه السلام).

وهَذا بنفسه بُرهان تاريخي علی إمامتهم كما يقول المُفيد والطبرسي في أعلام الوري، بلْ هَذا بُرهان تأريخي دامغ في قِبال الإسماعيلية والزيدية.

القُدرة والقوة لدي الإمام عَلَیْهِ السَّلامُ

إنَّ هَذا المُخبر السِّري يعترف بوجود قُدرة عسكرية رادعة لدي الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام)، يا هارون أنت لديك مائة وعشرين ألف سيف ضارب وموسي بن جعفر لديه سبعين ألف أو مائة ألف سيف ضارب كما في رواية الاحتجاج والعيون المتقدمة، ولو دقّقنا في هذهِ العبارة وبلُغة عصرية أنَّ دولة عُظمي تمتلك (120) ألف سيف ضارب يعني

مُحترف علی القتال وفي قِبال هؤلاء (70 ألف سيف ضارب) تحت سيطرة الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام)، وهذهِ نُخبة عسكرية مُحترفة شهد بها الأعداء قبل الأصدقاء، كيف استطاع(عليه السلام) إدارة وتدبير وتشكيل هذهِ القوة العسكرية وبسريّة تامّة في مُقابل تلك الدولة العُظْمي العلنية، فَمِنْ أين أتت هذهِ المُعطيات هَلْ جاءت صُدفة؟ وهل يستطيع أحد أنْ يتصوَّر أنَّ هُناك فُرقة أو أسطولاً أو قُوّة ضاربة من دون أنْ تُمارس أنشطتها في العلن ولا أيّ نشاط سياسي، وفي عصرنا الحاضر هل توجد دولة عُظمي ولها قُوّة التسلح والعسكر والتكنولوجيا العسكرية وتوجد هُناك في المُقابل لها قُوّة مُناهضة لها بلا أنْ يكشف نشاطها السياسي أو المالي أو العسكري في العلن.

موسي بن جعفر عَلَیْهما السلام والدولة العالمية

ولم يكن الإمام(عليه السلام) أنَّه قدْ أنشأ هذهِ الفُرقة العسكرية في طرف بلاد المُسْلمين بعيداً عن قبضة القوة المركزية للسلطة العباسية كالزيدية أو بني الحسن(عليه السلام)، فكيف شكّل الإمام(عليه السلام) هَذا الكيان ورتّب كُلّ هذهِ التدابير الأمنية والاقتصادية والتربوية والتدبير الحرفي والمهني، مع أنَّه كان مُحاصراً مالياً وأمنياً واستخباراتياً، ومن ثم ورد في الروايات كما مر كان(عليه السلام) مُقدراً أنْ يكون هُو مهدي آل مُحمَّد(صلي الله عليه و آله)، وَهَذا معناه أنَّ ساعة الصفر كانت مُهيأة لتشكيل دولة آل مُحمَّد(صلي الله عليه و آله) علی يدّ موسي بن جعفر(عليهما السلام)، ولكن الإخفاق حدث بسبب الأتباع ولخطأ وتقصير ارتكبه الشيعة في التدبير الأمني وإدارة الأمور فبدا لله تعالی ذلك.

وَمِنْ الَّلطيف أنَّ هذهِ الدولة التي یُريد إقامتها موسي بن جعفر(عليهما السلام) دولة لن تسقط إلی يوم القيامة لأنَّ معني مهدي آل مُحمَّد هُو هَذا، فإذا أردنا أنْ نشرح عبارة المهدي أو المهديّون الأثني عشر شرحاً سياسياً هُو أنَّ الدولة التي یُريدون إقامتها لا تسقط إلی يوم القيامة، فأيّ تدبير هَذا الذي يبني دولة لا تزول إلی يوم القيامة ويتعاقب علی إدارتها الأئمة الاثني عشر؟!.

وبعبارة أُخري بناء وإقامة حضارة عالمية للإيمان ودولة إيمانية تبقي إلی يوم القيامة، وإلّا لو كان الأمر أو الهدف مُقتصراً علی إقامة حكومة بنحو ما سياسية وعسكرية ولو محدودة الأمد لانبري موسي بن جعفر(عليهما السلام) لذلك، فإنَّه لا يتوخّي مِنْه(عليه السلام) كثير مؤونة. ولكن الأمر لَیسَ هكذا فرُبَّما استطاع عُلماء وفُقهاء مِنْ الشيعة أنْ یُقيموا حكومات ودُول لكن ما أنْ مرَّت عليها عقود بَعْدَ ذلك انقرضت.

ولكن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) كان ولا زال عزمهم هُو علی إقامة دولة حضارية عالمية لا تنقرض وَهَذا هُو معني مهدي آل مُحمَّد(صلي الله عليه و آله) كما ذكرنا هَذا سابقاً.

وهذهِ براهين إعجازية نأخُذها مِنْ فم الخصم العدو، كما يقول الشَّیخ المُفيد علی إمامتهم(عليهم السلام) وأنَّ هَذا تدبير لَیسَ بشرياً عاديّاً وإنَّما هُو تدبير بشري مُستند إلی برمجة إلهية.

بين المهدي وموسي بن جعفر عليهُما السَّلام

نعم، ليست لدينا موادّ روائية تفصِّل لنا أنَّه كاد أنْ يكون الظهور وتأخَّر وَهَذا أمر الله يعلم به، أو بالأحري أن البحوث الجارية لم تقف علی

تفصيل وتحليل لذلك، والآن أكثر مِنْ عشرة قرون ونحنُ نعيش في عصر الغيبة للإمام الثّانِی عشر(عج)، فكيف استطاع الإمام السَّابع(عليه السلام) وفي فترة وجيزة كاد أنْ يكون هُو مهدي آل مُحمَّد(صلي الله عليه و آله) وتقع ساعة الصفر!!.

وَهَذا لَیسَ شيئاً هيناً أو عفوياً ولا أحد يستطيع أنْ يقول إنَّما حدث هَذا صدفة أو طفرة.

ومن ثم نري أنه عندما اعتُقِل الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) أمر هارون غَیر الرشيد ببيتين فهُیئا له فحُمل إلی أحدهما في خفاء ودفعه إلی حسّان السروي وأمره أنْ يصير به في قُبّة إلی البصرة فیُسلّمة إلی عيسي بن جعفر بن أبي جعفر، وهو أميرها، ووجه قُبة أُخري علانية نهاراً إلی الكوفة معها جماعة ليعمي علی الناس أمر موسي بن جعفر(عليهما السلام)(1).

ولماذا يعمي ويخفي علی الناس أمر موسي بن جعفر(عليهما السلام) لو لمْ يدرك مدي الخطر الذي یُهدّده به موسي بن جعفر(عليهما السلام) والقوَّة العسكرية التابعة له.

وهُناك معلومة برواية مِنْ المعصومين(عليهم السلام) شبيهة بالحديث القُدسي أن الله تعالی خَیَّر موسي بن جعفر(عليهما السلام) بين أنْ یُسجن أو یُقتل مِنْ شيعته سبعين ألف. فهل هَذا الرقم أتي صدفة، وَهَذا نوع مِنْ المُعاملة بين الإرادة الإلهية اللدُنيّة مع إمامة الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام).

عَنْ مُحَمَّدِ بن عيسى عَنْ بَعْضِ أصحابنا عَنْ أبي الحسن موسى (عليه السلام) قَالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ غَضِبَ عَلَى الشيعة فخيرني نفسي أم هُمْ فوقيتهم والله بنفسي»(2).


1) (1) البحار، ج220 :48.

2) الكافي، ج1 : 260 ؛ كتاب الحجة، باب أنَّ الأئمة يعلمون متى يموتون: ح5.

تخوُّف السلطة العباسية مِنْ تلاميذ الإمام عليه السَّلام

ربّي الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) مجموعة مِنْ فُقهاء وعُلماء الشيعة، وقدْ أخذت السُّلطة العباسية الحيطة والحذر مِنْ هؤلاء الفُقهاء كهشام بن الحكم الذي كان تلميذ الإمام الصادق(عليه السلام)، وتلميذ موسي بن جعفر(عليها السلام)، حتّي أصبح - هشام علی رأس المدرسة الكلامية والعقائدية والمعرفية، بلْ لا يستطيع أيّ أحد - في حياة موسي بن جعفر(عليها السلام) - أنْ يدّعي أنَّ هُناك تلميذاً أو فقيهاً في المعارف والعقائد والكلام یُناهض أو يوازي هشام بن الحكم.

وقدْ كان هارون غَیر الرشيد في حالة قلق شديدة مِنْ هشام بن الحكم، حتّي قال: مثل هَذا حيّ ويبقي لي ملكي ساعة واحد؟! فوالله اللسان هَذا أبلغ في قلوب الناس مِنْ مائة ألف سيف(1).

فما الذي أخبأ في هَذا اللسان وما الذي انطوي عليه، وماذا يحمل فكره وعقله مِنْ الإمامين الصادق وولده الكاظم(عليهما السلام). فهو لمْ يملك أيّ نوع مِنْ السلاح، ولكن هُو الفِكر، دولة عُظمي آنذاك تخاف مِنْ الفكر والعلم ویُقَال عنها دولة مِنْ العصور الذهبية في الإسّلام؟!.

موسي بن جعفر رَجُل الحضارة

هُناك جدلٌ حادٌّ دائر عِنْدَ كثير مِنْ الكُتّاب الإسّلاميين، وهو أنَّ


1) (1) كمال الدين: 362.

الحضارة الإسّلامية ما هُو معيارها؟ هَلْ هُو بتوسُّع الدولة أم بشيء آخر. فهُناك نظريات في علم الحضارات وعلم تمدُّن الأُمم مِنْ العلوم الإستراتيجية.

وليسَ مِنْ الضروري أنَّ كُلّ الدول توفق لبناء الحضارات، فإنَّ بعض الدول تأتي وتذهب فهُناك دولة خدمية مقطعية، أو دولة سياسية مقطعية، أما أن تأتي دولة وتنجُز حضارة فهَذا أمر آخر.

مثلاً الدولة التي أسّسها سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) في غضون عشرة سنوات وَهَذا مِنْ جهة الحكم السياسي، وحتّي لو كان لمدة ثلاثة وعشرين سنة فقدْ أنجز حكومة إسلامية علی ربوع كُلّ البُلدان وإلي الآن.

إذنْ الحضارة إنجازٌ ضخم، بينما هُناك كاتب يقول إنِّی أفتخر بهذا البُنيان العمراني للطوب الإسلامي الذي أقامه بني أُميّة في الأُندلُس وَهَذا فخر للإسلام.

فهل هَذا المنطق صائب؟! فهو يفتخر بصروح الطين مِنْ الأبنية ويعتبر هَذا ميزان للحضارة، كما هُو حال الغرب أيضاً حيث يعتبرون حضارتهم هي مِنْ خلال التقنية في المعادن أو الآليات المادية. ولكن ماذا تقول في دمار الأُسرة والانهيار الروحي الأخلاقي في الأفراد والمجتمع الغربي، فهل نستطيع أنْ نُسمّي هَذا حضارة أيضاً؟!.

فرغم أنَّهم يرفعون شعار هذهِ الموازين إلّا أنَّ ذلك مِنْ الجاهلية الجهلاء وَمِنْ العنجهية والأوباشية والتوحشية.

ونحنُ لا نُريدُ أنْ يرصد الميزان العلمي للحضارة ویُحاكم الغرب فقط بلْ حتّي الأمويين والعباسيين والخُلفاء الذين أتوا بَعْدَ رسول الله(صلي الله عليه و آله) فبحث ميزان الحضارة يحاسب ويحاكم علی الجميع.

ففي عصرنا الحاضر - مثلاً - رئيس النظام الأمريكي أو الغربي نراه باستمرار مفتول العضلات ويرعد ويبرق وفي المقابل رُبَّما هُناك داعية لسلم البشر، لخير البشر، بحيث يمتلك رؤيا توجب سلماً دولياً، وأمناً دولياً، وتقليلاً في حقن دماء البشر، وتقليل الأطماع الاستثمارية أو الاستئثارية مِنْ دول علی حساب شعوب دول أُخري، فهل منطق وميزان الحضارة هُو مِنْ يملك الأسلحة الفتّاكة أو الترسانة المالية ليوظّف كُلّ هَذا لإبادة البشر أم ميزان الحضارة مِنْ يملك قلوب البشر ليوجهها إلی السلم والأمان والاحترام المُتبادل؟!.

قبل أشهر صدر تقرير مِنْ الأُمم المُتحدة أنْ مقدار ما تحرقه أمريكا مِنْ الحنطة والأغذية في البحر لتوازن سعر السوق الرأسمالي يكفي لتغذية الجياع في العالم.

فهل هَذا التصرف يصب في التمدن ویُعتبر صاحب حضارة أم صاحب الحضارة هو الذي يستطيع أنْ يرعي ويكفل الطبقات المحرومة مِنْ البشر.

ومِنْ خلال ما تقدّم يتنبه إلی أن منْ هُو رجل الحضارة هَلْ هُو هارون غَیر الرشيد أم موسي بن جعفر(عليه السلام) الذي حقن دماء البشر مع ما لديه مِنْ قُوّة ونفوذ مالي وعسكري حسب التقرير السِّري للدولة العباسية.

عصر ذهبي أم ظُلامي

وهُناك مِنْ يدّعي أنَّ الدولة العباسية هي من العصور الذهبية في الإسّلام، أيّ عصر ذهبي هَذا هَلْ بقصورها التي بُنيت لألف ليلة وليلة، وللنزوات الشهوية الخسيسة الملوثة، أم عصر ذهبي لأنَّهم سجنوا موسي بن جعفر(عليهما السلام) لِمُدّة أربعة عشر سنة. هَلْ العصر الذهبي هُو عصر العُنف وسفك الدماء وتجنيد العلم والعُلماء لبساط وبلاط الجُور.

موسي بن جعفر(عليهما السلام) ربّي تلاميذه لخدمة الإسّلام والبشر وفي المقابل السلطة العباسية كانت تُريد أنْ تجعل ابن أبي عُمير قاضي القُضاة رجلاً تابعاً للبلاط الملكي.

ولماذا كان هارون العباسي يتخوّف مِنْ هشام بن الحكم دون غيره مع أنَّه لمْ يحمل أيّ سلاح بلْ كان يحمل العلم والدين. وَهَذا مؤشر یُبيِّن أنَّ هارون الدموي كان یُجمّد العلم والعُلماء وإذا أراد أنْ يهتم ببعض العُلماء فهَذا لأجل أنْ يجعله تحت نفوذه وتسييسه لدعم سُّلطانه.

هارون العباسي والمُرتزقة

ولم يكتفِ بالعسكر الذي عنده بلْ استدعي من يسمي صاحب العصر الذهبي مجموعة مِنْ الجُند المُرتزقة مِنْ بعض البلدان الإسّلامية البعيدة التي كانت تحت سيطرة السلطة العباسية وذلك لأجل قلة ثقافتهم الدينية وعدم معرفتهم بمعالم الدين والقرآن كي يستخدمهم للإقدام علی اغتيال الإمام(عليه السلام) حيث لا معرفة لهم بأهل البيت(عليهم السلام) وإلا فالحواضر الإسلامية

لا تجهلهم، وَهَذا لا يتماشي مع ما یُريده هارون السفيه من استغفال الأمة وتجنيدها للعداء والعدوان علی أهل البيت(عليهم السلام)، ولذلك يحاول تجنيد مرتزقة مِنْ أقاصي الديار ويتمُّ تدريبهم لغرض القمع وسفك الدماء، وَهَذا ما يجري الآن في عصرنا الحاضر فإنَّ الجيوش أو قياداتها أكثرها مُرتزقة من خارج الأوطان.

وقد قام بتأسيس فرقة عسكرية وكان إخلاصهم ودفاعهم لَیسَ للدين أو القيم وإنَّما ولائهم وإخلاصهم لوثن، ولصنم، ولشخصنة دكتاتور مثل هارون العباسي، بخلاف ما أسّسه موسي بن جعفر(عليهما السلام) وَهُو مسار أهل البيت(عليهم السلام) أنَّ لا صنمية للأشخاص بلْ المحور والمدار والمبدأ والمبادئ والقيم هي للإسلام فإنَّ القُدرة تُحاكم العلم ولا یُحاكَم العلم بالقُدرة، والقُدرة تحاكم بالمشروعية ولا تُحاكَم المشروعية بالقُدرة وَهَذا المنطق هُو الذي شيده مرفوعاً جدّ موسي بن جعفر سيد الشُّهداء الحسين(عليه السلام)، وقدْ حمله مِنْ بعده شبله كاظم الغيظ.

فدائيو الرشيد

وقدْ أصبحت هذهِ الفُرقة التي جعل هارون العباسي ولائها الخالص له وأصبحوا فدائيو الرشيد لا غَیر في العصر الذهبي، وأغرقهم بالحياة المُرفهة والرغيدة فجعلهم ذئاب دموية، كما هُو الحال في يومنا الحاضر حيث يعبئون عقول السُّذج مِنْ المُسْلمين بأناشيد وشعارات رنانة بحيث لا تدع مجالاً لكثير من الغافلين أنْ يفكروا بَعْدَ ذلك، فخرجت هذهِ

المجاميع الانتحارية باسم الدين والعقيدة بلْ وصلت بهم النَّوبة أنْ يزرقوهم بأُبر أو أقراص مُخدرة تُسبب لهم تلوث عصبي وذهني لأنَّ المؤسسين المنشئين يخافون من فطرة المجندين المستغفلين في آن مِنْ الآنات أنْ تنشط وتنبعث فيستيقظوا مِنْ غفلتهم، ولذلك نري الكثير مِنْ دماء المؤمنين تُراق باسم الجهاد من التنظيمات المُنبعثة مِنْ أحضان الغرب، ولم يقتصر الأمر علی هَذا بلْ كما كان هارون العباسي يهيئ كُلّ مُستلزمات الإنحراف الأخلاقي لدي هؤلاء المُرتزقة أو الانتحاريين فكذلك اليوم یُهيئون لهم الليالي الحمراء باسم «جهاد النُكاح» فما أشبه الأمس باليوم فالقوم أبناء سنة أولئك القوم.

ولذلك يتبين ضرورة قراءة التأريخ وضرورة تجسِّیده بشكل حيوي عبرة وعبوراً إلی واقعنا الراهن كي نستطيع أنْ نعيشه عظة وحكمة لا أن نقرأه بلغة سطحيه ساذجة.

دولة موسي بن جعفر عليهما السَّلام

ومع كُلّ ما أسداه هارون العباسي لهذه الفرقة العسكرية الفدائية مِنْ الفجور والفُسق باسم الإسّلام وباسم خليفة الله في الأرض ثم أعطاهم الأوامر بتصفية وقتل الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) إلّا أنَّهم لمْ يستطيعوا أنْ يفعلوا ذلك بلْ بمُجرَّد أنْ رأوا موسي بن جفعر(عليهما السلام) لاذوا به كلواذ الأبناء بالأب ووقعوا علی قدميه يقبلونها، فياتري ما الذي فعل بهم موسي بن جعفر(عليهما السلام) هَلْ سحرهم؟! هَلْ أرهبهم؟! وهو أعزل عَنْ السلاح، وأين

ذهب ولائهم لهارون العباسي، وأين ذهبت كُلّ هذهِ المُخططات الأمنية، مع أنَّ موسي بن جعفر(عليهما السلام) كان قابعاً في المدينة المُنورة ثمَّ في سجون بغداد والبصرة فكيف حصلت هذه المعرفة لهم به وهل عنده كُلّ هَذا الاتصال بهم حساً وروحاً.

فقد روي ابن شهراشوب في المناقب بسند عن علی بن حمزة، قال:

كان يتقدم الرشيد إلی خدمه إذا خرج موسي بن جعفر من عنده أن يقتلوه، فكانوا يهمون به فيتداخلهم من الهيبة والزمع(1). فلما طال ذلك أمر بتمثال من خشب وجعل له وجهاً مثل وجه موسي بن جعفر، وكانوا إذا سكروا أمرهم أن يذبحوها بالسكاكين، وكانوا يفعلون ذلك أبداً، فلما كان في الأيام جمعهم في الموضع وهم سكاري وأخرج سيدي إليهم، فلما بصروا به هموا به علی رسم الصورة، فلما علم منهم ما يريدون كلمهم بالخزرية والتركية، فرموا من أيديهم السكاكين ووثبوا إلی قدميه فقبلوها وتضرعوا إليه وتبعوه إلی أن شيعوه إلی المنزل الذي كان ينزل فيه، فسألهم الترجمان عن حالهم، فقالوا: إن هذا الرجل يصير إلينا في كل عام فيقضي أحكامنا ويرضي بعضنا من بعض ونستسقي به إذا قحط بلدنا وإذا نزلت بنا نازلة فزعنا إليه، فعاهدهم أنه لا يأمرهم بذلك فرجعوا(2).

وهُناك شواهد علی تمرُّد بعض ولاة هارون مِنْ أوامره، مِنْ قبيل عيسي بن جعفر فقدْ كتب الرشيد إليه بقتل الإمام(عليه السلام)، فاستدعي عيسي


1) (1) الزمع: رعدة تأخذ الإنسان إذا هم بأمر والدهش.

2) (2) بحار الأنوار ج140: 48.

بن جعفر المنصور بعض خاصته وثقاته، فاستشارهم فيما كتب به الرشيد، فأشاروا عليه بالتوقُّف عَنْ ذلك والاستعفاء منه.

فكتب إلی هارون العباسي: «... وإنْ نفذت إليَّ مِنْ يتسلمه مني - أي الإمام الكاظم(عليه السلام) - وإلّا خليت سبيله فإنني مُتحرج مِنْ حبسه»(1).

وكذلك الفضل بن يحيي فقدْ أمره هارون العباسي بقتله أيضاً فتوقَّف عَنْ ذلك فاغتاظ الرشيد لذلك وتغير عليه(2).

فيتسائل كيف كان موسي بن جعفر(عليهما السلام) یُدير دولة الظل الكبيرة من النفوذ والخفية والنشطة والحيوية؟. بحيث يعرفه كُلّ وجهاء البُلدان والمُدن ولديه اتصالات اجتماعية وشخصية معهم، مع أنه كان یُربّي جيلاً مِنْ الفُقهاء والمُتكلمين، ويدير شؤون المؤمنين، ویُدير هذهِ البلدان القريبة والبعيدة ومع كُلّ هَذا نراه مُتهجّداً حتّي سُمي صاحب السجدة الطويلة أو راهب آل مُحمَّد(صلي الله عليه و آله)، فأي قدرة تدبير دولة خفية یُديرها موسي بن جعفر(عليهما السلام).

وهذهِ المحطات أو اللقطات تُبيِّن لنا وتشرح لنا حقيقة الإمامة، وأنَّ الإمام لمْ يكن یُمارس الأدوار المُعلنة فحسب بل في كثير مِنْ الموارد يمارس أدواراً خفية لا يهتدي إليها البشر بقدرة العلم الذي أودعه الله تعالی فيه.

فهذهِ هي قدرة وإدارة وإمامة موسي بن جعفر(عليهما السلام) التي كانت تُناطح أكبر دولة عُظمي في عهده.


1) (3) روضة الواعظين: 219؛ الإرشاد ، ج239 :2.

2) (1) أعلام الوري ج33 :2؛ مقاتل الطالبيين: 334.

أولاد الإمام عليهم السلام والنفوذ العام

ومما يؤشر علی قوة نفوذه(عليه السلام) في شعوب البلدان الإسلامية أن أولاد الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) والذين يزيدون علی العشرة كانوا مطاردين من قبل السلطة العباسية في أقطار الأرض إلی درجة لم يقر لهم قرار إقامة في بلد، وذلك لسرعة اجتماع الناس والتفافهم حولهم، فكان يؤدي إليهم الحال إما إلی الثورة ومقاومة ملاحقة السلطة العباسية كما حصل مع زيد بن موسي بن جعفر وإخوته، أو كما حصل مع أحمد وإخوته عند مرافقتهم لأختهم فاطمة المعصومة(عليها السلام) في طريقها من مدينة شيراز إلی قم، حيث ألتفت الناس حولهم بدرجة تكون لهم جيشاً مقاوماً للفرق العسكرية للسلطة العباسية، فحصل اقتتال واستشهاد (احمد) وهو مما دفع السلطة العباسية إلی إعاقة وصولها إلی خراسان وربما التصفية إلی الاغتيال بالسم، وكذا بقية أخواتها المنتشرة قبورهن في مدن إيران وآذربيجان القوقاز.

وإما أدي هذا الحال من النفوذ إلی البقاء في التخفي والخفاء في الهوية كما حصل للقاسم، فكان أولاده(عليهم السلام) يمثلون امتداداً لأبيهم الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) مما أوجب إنشداد جمهور المسلمين لهم.

أصحابه عَلَیْهِ السلام والسلطُة العباسية

وقدْ كانت هُناك مناصب سيادية ومُهمّة في الدولة العباسية كان الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) هُو المُسيطر عليها، حيث كانت بيد أصحابه

وتلاميذه مِنْ قبيل:

1 - علی بن يقطين: حيث كان وزيراً لهارون العباسي(1).

2 - عبدالله بن سنان: كان خازناً للمنصور والمهدي والهادي والرشيد(2).

3 - الحسن بن راشد مولي بن بني العباس: كان وزيراً للمهدي والهادي وهارون الرشيد(3).

وغيرهم مِنْ تلاميذه وأصحابه(عليه السلام).

الإمام عليه السَّلام والدولة الخفية

ذكر الوحيد البهبهاني في تعليقته علی منهج المقال في ترجمة علی بن المسيب عن بعض الكتب المعتمدة، أنه أخذ من المدينة مع الكاظم(عليه السلام) وحبس معه في بغداد وبعد ما طال حبسه واشتد شوقه إلی عياله قَالَ(عليه السلام) له: اغتسل فاغتسل، فقال: غمض فغمض، فقال: افتح ففتح فرآه عند قبر الحسين(عليه السلام) فصليا عنده وزارا، ثم قال: غمض وقال افتح فرآه معه عند قبر الرسول(صلي الله عليه و آله)، فقال: هذا بيتك فاذهب إلی عيالك وجدد العهد وارجع إلي، ففعل فقال: غمض وافتح، قال فرآه معه فوق جبل قاف وكان هناك من أولياء الله أربعون رجلاً، فصلي وصلوا مقتدين به، ثم قال غمض وقال افتح، ففتح فرآه معه في السجن(4).


1) (1) اختيار معرفة الرجال: 340، ح805، 819، 820.

2) (2) رجال النجاشي: 214، رقم: 558؛ اختيار معرفة الرجال: 411، ح:771.

3) (1) رجال النجاشي: 38، رقم 76.

4) (2) منتهي المقال ترجمة علی بن المسيب، ومنتهي الآمال ج326: 2 نقلاً عن تعليقة الوحيد البهبهاني علی نهج المقال:95 حرف (العين).

فكان علی بن سويد سجين مع الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) في فترة مِنْ الزمن، وكان علی بن سويد مِنْ سكنة المدينة المنوّرة وقدْ اشتاق لرؤية أهله، فأجابه(عليهما السلام) سوف نخرج قبل الظهيرة إلی المدينة المنوّرة ونرجع نُصلي الزوال خارج المدينة وأنا سوف أذهب لزيارة جدّي رسول الله(صلي الله عليه و آله) وأنت تذهب إلی أهلك تأخذ وطرك وتعود لي، وفعلاً خرج الإمام(عليه السلام) مع علی بن سويد وقدْ طويت لهما الأرض، وقدْ كان حارس السجن مِنْ شيعة الإمام(عليه السلام) وقدْ خاف علی نفسه مِنْ أنْ يأتي أحد ويري الأغلال والقيود متروكة من دون وجود الإمام(عليه السلام).

وخلال هَذا السفر رأي علی بن سويد مجموعة بشرية لَیسَ مِنْ بلد واحد بلْ مِنْ بلدان عِدَّة مِنْ الشام وَمِنْ اليمن وَمِنْ الغرب وَمِنْ الشرق وصلّي بهما الإمام(عليه السلام) بعدما توضئوا مِنْ عين صافية مِنْ فوق الجبل، وقدْ سأل علی بن سويد الإمام الكاظم(عليه السلام) عَنْ هؤلاء فقال له(عليه السلام): هؤلاء أوليائي جمعهم الله لي لنُصلّي وَمِنْ خلال هذهِ الرواية يتّضح أنَّ موسي بن جعفر(عليهما السلام) لديه شبكة خفيّة متوزّعة علی البُلدان كما مر أيضاً من الرواية السابقة في الجنود الذين جلبهم هارون من أقاصي البلدان، وهذهِ الظاهرة في التدبير الخفي للإمام(عليه السلام) تفهمها الصوفية والعُرفاء، بلْ حتّي مراكز الاستراتيجيات تفهم هَذا الدور لأهل البيت(عليهم السلام)، لا كما يقرأ مُناوؤا أهل البيت(عليهم السلام) الذين يحملون الغل والحقد في قلوبهم تّجاه أهل البيت(عليهم السلام) لأنَّهم لا یُريدون أنْ يبصروا عظمة أهل البيت(عليهم السلام) وأنَّ القُرآن الكريم يذكر قصّة الخضر(عليه السلام) في سورة الكهف، يذكرها كقصّة حقيقية مؤشر علی هذا الدور

وليست قصّة خرافية مع أنَّ النبي موسي(عليه السلام) كان مِنْ أُولي العزم ومع ذلك علّمه الخضر(عليه السلام) بعض العلوم الغيبية؛ وأنَّ هُناك شبكة خفيّة في الأرض تُدير الأرض خفاءاً.

الفصل الثاني:نتف من حياة الإمام محمد الجواد عليه السلام

اشارة

الجواد عليه السلام أعظم بركة

وَرَدَ في حقّ الأئمة(عليهم السلام) نعوت خاصّة بهم، وقدْ امتاز كل إمام معصوم بنعت خاصّ، وإنْ كانوا(عليهم السلام) كلّهم من نور واحد، ومن بين الأئمة(عليهم السلام) الإمام الجواد(عليه السلام)، حيث وَرَدَ علی لسان جملة من آبائه المعصومين(عليهم السلام) بأنَّه أعظم بركة.

فقدْ روي يحيي الصنعاني، قال: دخلت علی أبي الحسن الرضا(عليه السلام) وهو بمكّة، وكان يقشِّر موزاً ويطعم أبا جعفر، فقلتُ له: جُعلت فداك، هذا المولود المبارك؟.

قال(عليه السلام):

«نعم يا يحيي هذا المولود الذي لم يولد في الإسلام مولود أعظم بركة علی شيعتنا منه»(1).

ولتوضيح هذا النعت الشريف لابدَّ أنْ نبيِّن بعض الأمور:

منهاج المعرفة

إنَّ جملة من علماء الإمامية الأكابر كالشيخ المفيد والسيد المرتضي والشيخ الطبرسي وغيرهم، يؤكِّدون ويركِّزون علی أنَّ دلائل وبراهين إمامة أهل


1) (1) الكافي، ج360 :6؛ بحار الأنوار ج20 :50.

البيت(عليهم السلام) غير مختصّة وغير مقتصرة علی النصّ القرآني أو النص النبوي أي النص الوحياني مع شرفيته وعظمته، ولكن لا يظن أحد أنَّ إمامة علي(عليه السلام) - مثلاً - دليلها يقتصر حصرياً علی منهج الأميني في كتابه الغدير. فهناك مناهج أُخري كثيرة غير منهج النصّ كما في كتاب ملحمة الغدير لبولس سلامة مع أنَّه مسيحي إلّا أنَّ كتابه هذا بيَّن فيه إمامة الإمام علي(عليه السلام) بمنهج وبيان آخر وكمصافقة ومصادقة منظمة الأمم المتحدة علی اتخاذ عهده(عليه السلام) لمالك الاشتر - الذي هو قواعد النظام الإداري القانوني للدولة - مصدراً للتقنين للدولة العصرية بل اتخاذ كل نهج البلاغة مصدراً من مصادر التقنين لدول العالم.

أو - مثلاً - كتاب فاطمة وترقي مُحمَّد لسليمان كتاني، وهو منهج آخر في بيان مقام الصديقة الزهراء(عليها السلام) وهو غير منهج النصّ كما هو واضح.

فهناك مناهج أُخري لإمامة أهل البيت(عليهم السلام)، وعندما نعبِّر مناهج في الدلالات علی إمامتهم(عليهم السلام) فهذا لا يعني أنَّ نتيجة هذهِ الدلالات فقط وفقط هي الوصول إلی اليقين والإيمان بإمامة أهل البيت(عليهم السلام)، بلْ الأمر أعظم من هذهِ المعرفة، فإنَّ هذهِ المعرفة إذا تكاملت وعرفت تفصيل هذهِ المعرفة فسوف تكون أكمل للجانب الفكري.

علم الإمام الجواد عليه السلام

فإذا أردنا أنْ نفتح قلوب البشر لنور الإسلام ونور الإيمان لابدَّ لنا أنْ نبرز شخصيات الأئمة المعصومين(عليهم السلام)، لو نركِّز علی شخصية الإمام

الجواد(عليه السلام) وهو في صغر سنه الشريف لم يبلغ الحلم أقام ملاحم علمية في منتدي الخؤون العباسي - المأمون -، حتي أعجز يحيي بن أكثم فقيه أهل السنة، وقاضي قضاة بغداد آنذاك، فقد أحضر المأمون يحيي بن أكثم قاضي قضاة بغداد لامتحان الإمام الجواد(عليه السلام)، وكان له من العمر تسع سنين وأشهر، فانبري يحيي إلی المأمون فطلب منه أنْ يأذن له في امتحان الإمام فأذِن له في ذلك، واتّجه يحيي صوب الإمام، وقال له: أتأذّن لي - جعلت فداك - في مسألة؟

فقال الإمام(عليه السلام):

«سل إنْ شئت».

ووجّه يحيي مسألته إلی الإمام قائلاً: ما تقول - جعلني الله فداك - في محرم قتل صيداً؟

فقال الإمام(عليه السلام):

«قتله في حلٍّ أو حرم، عالماً كان المحرم أم جاهلاً...» (1). إلی آخر الرواية المشتملة علی شقوق وأقسام وصور لم تخطر علی بال فقيه.

فَذُهِلَ يحيي وتحيَّر، وبان عليه العجز.

ونفس هذهِ الحادثة افتعلها المأمون مع أبيه الإمام الرضا(عليه السلام) ولكن كحجاج ومحاججة لم يتمُّ في عهد الإسلام لصغير السن إلّا علی يد الإمام الجواد(عليه السلام)، وهذا أمر عظيم حتّي صرَّح بأنَّه أعظم بركة كما مرَّ في الحديث الوارد عن أبيه الرضا(عليه السلام).

ولذلك في بعض نعوت الإمام الجواد(عليه السلام) أنَّه شبيه بعيسي بن


1) (1) الإرشاد: 361؛ وسائل الشيعة ج187 :9.

مريم(عليه السلام)، فكيف في سيرة الأنبياء(عليهم السلام) أحتج الله تعالی وتحدي البشرية لنبي من الأنبياء في صغر السن، فكذلك في دين الإسلام أحتج الله تعالی البشرية علي يد الإمام الجواد(عليه السلام).

روي مُحمَّد المحمودي عن أبيه، قال: كنت واقفاً علی رأس الإمام الرضا(عليه السلام) بطوس، فقال له بعض أصحابه: إنْ حدث حدث فإلي من؟ وإنَّما سأله عن الإمام من بعده حتّي يدين بطاعته والولاء له.

فقال(عليه السلام) له:

«إلي ابني أبي جعفر».

وكان الإمام أبو جعفر(عليه السلام) في مرحلة الطفولة، فقال له: إني استصغر سنّه!!.

فردَّ عليه الإمام هذهِ الشبهة قائلاً: إنَّ الله بعث عيسي بن مريم قائماً في دون السن التي يقوم فيها أبو جعفر(1).

فهذهِ بادرة أولی فاجئها الله عَزَّ وَجَلَّ لكل البشر وليسَ للمسلمين فقط بلْ حتّي للنصاري واليهود، وهذهِ منازلة إلهية مع البشر، حتّي حسده علی ذلك بلْ وصلت إلی حدّ الوشاية بالإمام الجود(عليه السلام) من أبي داود السجستاني عند المعتصم.

فقد روي زرقان الصديق الحميم لأبي داود، قال: إنَّه رجع من عند المعتصم وهو مغتم، فقلت له في ذلك.


1) (1) الدر النظيم: 704؛ حياة الإمام الجواد للقرشي: 49.

قال: إنَّ سارقاً أقرَّ علی نفسه بالسرقة، وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ عليه، فجمع لذلك، الفقهاء في مجلسه، وقد أحضر مُحمَّد بن علي(عليه السلام)،فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أنْ يقطع؟

فقلت: من الكرسوع(1)لقول الله في التيمم: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَیْدِیكُمْ‌2 ، واتفق معي علی ذلك قوم.

وقال آخرون: بلْ يجب القطع من المرفق.

قال: وما الدليل علی ذلك؟

قالوا: لأنَّ الله قال: وَ أَیْدِیَكُمْ إِلَی الْمَرافِقِ‌3.

قال: فالتفت إلی مُحمَّد بن علي(عليه السلام) فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟

قال قَدْ تكلَّم القوم فيه يا أمير المؤمنين.

قال: دعني مما تكلَّموا به، أي شيء عندك؟

قال أعفني عن هذا يا أمير المؤمنين.

قال: أقسمت عليك بالله لما أخبرتني بما عندك فيه.

فقال أمَّا إذا أقسمتَ عليَّ بالله أني أقول: أنَّهم أخطئوا فيه السُّنّة، فإنَّ القطع يجب أنْ يكون من مفصل أصول الأصابع فیُترك الكف.


1) (1) الكرسوع: طرف الزند الذي يلي الخنصر.

قال: لِمَ؟

قال: قول رسول الله(صلي الله عليه و آله): السجودُ علی سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فإذا قطعتْ يده من الكرسوع أو المرفق لم يبقَ لهُ يد يسجد عليها، وقال الله تبارك وتعالي: وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ يعني به هذهِ الأعضاء السبعة التي يسجد عليها فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً1 ، وما كان لله لم يقطع، قال: فأعجب المعتصم ذلك، فأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف.

قال زرقان: أنَّ أبا داود قال: صرتُ إلی المعتصم بعد ثالثة، فقال: إنَّ نصيحة أمير المؤمنين عليَّ واجبة، وأنا أكلمه بما أعلم أني أدخل به النار.

قلت: إذا جمع أمير المؤمنين في مجلسهِ فقهاء رعيته وعلماءهم لأمر واقع من أمور الدين فسألهم عن الحكم فيه، فاخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك.

وقد حضر المجلس أهل بيته قوّاده ووزرائه وعتّابه وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه، ثم يترك أقاويلهم كلهم، لقولِ رجلٍ يقول شطر هذهِ الأمة بإمامته، ويدّعون أنَّه أولی منه بمقامه، ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء. قال فتغيَّر لونه، وأنتبه لما نبهته له، وقال: جزاك الله عن نصيحتك خيراً»(1).


1) (2) تفسير العياشي ج319 :1؛ بحار الأنوار ج5 :50؛ وسائل الشيعة ج490 :18.

الإمام الجواد عليه السلام

اشارة

سوف نتحدث عن حياة الإمام الجواد(عليه السلام) من خلال نقتطين في حياته الشريفة من النشأة الأرضية وسوف نركز علی هاتين النقطتين بلغة عصرية وبعيدة عن التعقيد وبلغة تحليلية كما تتداول في الوقت الراهن والنقطتان هما:

أًولاً: إمامة الجواد(عليه السلام) في النشأة الأرضية.

ثانياً: الحياة السياسية.

أولاً: إمامة الجواد عَلَیْهِ السَّلامُ في النشأة الأرضية:

وجود الإنسان الأرضي

هناك عدة معالم في طابع إمامة الجواد(عليه السلام)، وأحد هذه المعالم هي صغر سنه صلوات الله عليه، فرغم صغر السن إلا أنه تحدي إلهي للقدرة الإلهية وأنها فوّاقة علی قدرة البشر كما هو معروف في شأن النبي عيسي(عليه السلام).

إن أحد الأمور الأكيدة التي يؤكد عليها الوحي الإلهي في القران الكريم وفي روايات أهل البيت(عليهم السلام) أن عمر الإنسان ليس بقدر عمر الأرض

فقط، ولكن حسب تبيان أهل البيت(عليهم السلام) لما في القرآن أن الإنسان موجود دهري وسماوي وأخروي قبل أن يكون موجوداً أرضياً.

من الخطأ في الإنسان أن يحسب أن النشأة الأرضية هي بدء نشأة الإنسان وللأسف هذا الاشتباه وقع فيه الفلاسفة وجملة من العرفاء والمتكلمين، بينما في منطق الوحي أن الإنسان قبل وجوده الأرضي كان موجوداً وناشئاً في عوالم سابقة، وان موقعية الإنسان في تلك العوالم السابقة محددة ومؤثرة في موقعيته في هذا العالم الأرضي.

والآن في بحوث (DN الذي هو الهندسة الوراثية أوالجينات الوراثية بدأ الإنسان يعلم أن نشأة الإنسان الحيوانية هي موجودة في صلب آدم(عليه السلام) قبل الرحم الأخير الذي ولدنا منه، فنحن ككائنات حية حيوانية تتنامي وتتطور إلی الكائنات الإنسانية وليس أول وجودنا هو في أصلاب أبائنا القريبين أو أرحام أمهاتنا القريبة بل كل البشر كانوا- ككائنات حية - موجودين في صلب آدم(عليه السلام).

وهذا يعني أن كل الخارطة الحياتية العمرية للإنسان موجودة في هذه الهندسة الوراثية من لونه، طوله، خلقه، عمره، وهذا ما يسمونه بالهوية التكوينية الكاملة الموجودة في ملف الجينة الوراثية، مع أن معلوماتهم هذه محدودة ولكن العرفاء وبعض المتكلمين لم يطلعوا عليها، إلا أن بيانات الوحي أعظم من هذا وهي التي تبين وتؤكد ذلك.

إمامة الجواد عليه السلام وصغر سنه

إن أحد معاني الاصطفاء هو أنه جزاءً لما للبشر من نتائج إمتحانية سابقة يكافئهم في اصطفاء النشأة الدنيوية أو ببيان معني آخر أيضاً بيّن في الوحي جزاء متقدم لما يعلم الشارع مما سيكون مستقبلاً منهم في نشأة الأرض فمسبقاً يهيئ لهم بيئة ما تناسب ما يعلمه من أعمالهم خيرياً أو شرياً خيراً أو شراً مناسب لما يعلم منهم من درجة الخير، وتكون لهم أرضية بذاك المقدار أباً أماً نسباً تربيةً، وهذا شبيه الآن في العصر الحديث في المدارس النموذجية يعني يعلم أولياء الأمور بما في كمون طاقات هؤلاء الأفراد التي لم تفعّل الآن لكن يعلمون بما فيها وما سيكون منها ومن ثم يهيئ لكل بيئة مناسبة له وإلا يكون ظلم يعني خلاف الرعاية خلاف العناية وإلا فكل ما كان من الله هو فضل وأفضال.

ومن هنا إذا أردنا أن نستقري أو نستعلم شخصية الجواد(عليه السلام) مثالاً من مثال المصطفين فلا يمكن لنا أن نقرأ شخصية الجواد(عليه السلام) من سن الثامنة إلی سن الثلاثة والعشرين سنة، لأن هذه المدة هي حقبة من أعمار الجواد(عليه السلام) ولم يكن دوره وعمره هذا فقط، يقول الباري تعالی:

«هَلْ أَتی عَلَی الْإِنْسانِ حِینٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ یَكُنْ شَیْئاً مَذْكُوراً»1.

يعني ليس بمذكور أي كان شيء، ثم شيء مذكور بعد ذلك ثم خلقه ثم برئه ثم صوره ثم مراتب «هو الله الخالق البارئ المصور»(1).


1) (2) سورة الممتحنة: الآية 24.

فهناك مراتب في الخلقة وعوالم يمر بها الإنسان ولكل مرتبة من هذه المراتب نشأة.

وهناك آيات عديدة يبين فيها القرآن الكريم أن هناك مخلوقات في درجات عليا من العوالم الخلقية كقوله تعالی «اَللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِیها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِی زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّیٌّ»1. وكقوله تعالی: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَی الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِی بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِینَ»2 واسم الأشارة لمجموعة حية شاعرة عاقلة، يعني هناك كائنات وموجودات حية شاعرة عاقلة.

وهذه معلومات يبثها القران الكريم في سور عديدة وقد بينها لنا أهل البيت(عليهم السلام) مفصلاً، وإلا فإن كثيراً من المفسرين يمرون عليها مروراً سطحياً،إذاً لماذا كل هذا التأكيد من القرآن الكريم علی هذه البيانات والإشارات من النور والأسماء؟!.

لأنه يريد أن يقول لنا أيها البشر ليس كل المحاسبات استخلاصها واستنتاجها ونظامها ومنظومتها تقوم علی مقطع من عوالم الخلقة وهو الخلقة الأرضية والدنيا فقط.

متي يبدأ دور الجواد عليه السلام

ومن هنا لم يكن دور الجواد(عليه السلام) مقتصراً علی الخمسة عشر سنة من عمره فقط التي هي مدة إمامته فحسب بل إمامته(عليه السلام) مفصل اصطفائي في عوالم عديدة سابقة ولاحقة ستأتي أيضاً، فإن الرجعة غير القيامة كما هو معلوم، وإنما الذي نحن بصدده الآن هو شؤونه(عليه السلام) في النشأة الأولي الأرضية، وهناك عوالم أخري سيكون له(عليه السلام) الدور المهم فيها.

ونلاحظ في منطق القران الكريم قوله تعالی: «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً»1. يبين أن هذا الخليفة الذي سجدت له الملائكة والإمام والقيادة ليس هو ضرورة أرضية فقط، وليس هو ضرورة بشرية أو نباتية أو حيوانية أو هوائية أو جمادية أو بيئية فقط بل هو ضرورة ملائكية أيضاً، لأن الملائكة أيضاً تحتاج إلی معلم وآمر لهم وناظم لأمرهم وإلا لتصدع نظامهم وإن كانت جميع الملائكة من الكملين «لا یَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ یَفْعَلُونَ ما یُؤْمَرُونَ»2، ولكن «فَوْقَ كُلِّ ذِی عِلْمٍ عَلِیمٌ»3.

فالكمال درجات وصاحب العلم ذو الدرجة المعينة الملائكية يحتاج إلی مدد فوقي وإلا لأختصم وأربك الأمر عندهم. وهذا يقود إلی التوحيد والي ضرورة الله وهذا دليل علی فقر المخلوقات وإنها دائما في حالة فقر

واحتياج واستمداد إلی مدد من الأزلي الرب تعالی لكن بين هذه الدرجات الكاملة من المخلوقات وبين اللامتناهي الأزلي هناك وسائط وواسطة وهو الإمام والخليفة التي أسجدت له الملائكة..

وهذا ما بينته لنا سورة البقرة أو سبع سور أخري قرآنية أن خليفة الله ضرورة في نظام الملائكة ولا يخفي أن نظام الملائكة أمده ليس من النشأة الأرضية فحسب بل قبل وبعد الأرض أيضاً وبعض طبقاتهم علی الجنة أو علی النار وفي كل العوالم«يا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِیكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَ الْحِجارَةُ عَلَیْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا یَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ یَفْعَلُونَ ما یُؤْمَرُونَ».

وهذه الصور واللقطات الكبيرة والخطيرة والمتنوعة لها صلة بأهل الأرض كما لها صلة بكل العوالم التي قبل وبعد النشأة الأرضية.

وهو وجه الحكمة في استعرض القران الكريم إرائتها لتركيز صورة وحقيقة أن الإمام هو قطب الرحي في كل هذه الموجودات ولا تنحصر إمامته بالجن أو بإمامة البشر أو بإمامة الموجودات الطبيعية الأرضية، بل إمام لضرورة ملحة عوالمية لمخلوقات كثيرة، فإذا كان بيان القرآن الكريم لضرورة وأهمية خليفة الله بهذا المستوي والإمام الجواد(عليه السلام) هو احد الخلفاء الذين نص عليهم القران الكريم فمن الخطأ أن ننظر إلی أبعاد حياة الإمام الجواد(عليه السلام) من خلال هذه الحقبة الزمنية فقط - الثماني سنوات إلی ثلاث وعشرين سنة - مع أنها بهذا القدر حقبة اعجازية أيضاً.

عدة الشهور والدين القيم:

السماء وأبراج الأرض

يقول الباري تعالی: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِی كِتابِ اللّهِ یَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّینُ الْقَیِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِیهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِینَ كَافَّةً كَما یُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِینَ 1.

ولو ندقق جيداً في هذه الآية الشريفة لشاهدنا أن هناك ربطاً وصلة بين السموات وبين أبراج سماء الأرض التي هي قطرة في بحر السماء الأولي فضلاً عن السموات وأن العدة هي اثنا عشر يوم خلق السماء السابعة وما دونها، وكذلك هناك إرتباط بين عدة الشهور والدين القيم، فما هو السر والسبب في ذلك؟!.

والجواب واضح فإن الشهور والاشتهار لا يراد للبروج من النجوم الفلكية بل هم خلفاء الله الذي يدور عليهم أزمنة الأكوان وأزمنة الدهور وأزمنة العوالم المختلفة، حيث جعل الله تعالی خليفة وخلفاء أسجد له كل أهل السموات والأرض من ملائكته، فلا يمكن أن نرسم دور الجواد(عليه السلام) بالدور والنشأة الأرضية فقط لأن عمره الشريف لا يقتصر علی العمر الأرضي مع أن دوره الأرضي حسب بدنه وعمره الأرضي متضمن لتأثير ذي أبعاد خارقة لقدرة البشر فيه ولا يمكن أن يتنكر لذلك أحد، إذ

كيف كان يدير شؤون طائفة من طوائف المسلمين تهابها السلطة العباسية آنذاك وكانت تسيطر علی أكبر دولة عظمي في الأرض من دون أن تتبدد تلك الجماعة أو تتصدع أو تتفكك أمنياً وسياسياً وعلمياً ودينياً رغم التطاحنات الموجودة فيها، بل نراه صلوات الله عليه يمسك بزمام الشارع الفكري للمسلمين فقد كانت تعقد مؤتمرات علمية ودولية من قبل الدولة العباسية للجواد(عليه السلام) - كما عقدت لأبيه الرضا(عليه السلام) من قبل - ولم تستطع أي شبهة علمية أو أزمة عقدة علمية تتسلق وتتطاول علی قدرة المقام العلمي والديني للجواد(عليه السلام).

ثانياً: الحياة السياسية للإمام الجواد عليه السلام

اشارة

وقبل الخوض في هذه النقطة لابُدَّ أن نبين مقدمة يرتكز عليها بحثنا هذا.

التحليل التاريخي والآليات الحضارية

إن الظواهر والأحداث التاريخية التي يمر بها الأنبياء لاسيما سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) وخلفائه(عليهم السلام) نستطيع أن نصل في فهمها إلی درجات أعمق متعاقبة من دون توقف عند حد، نعم قد لا نصل إلی الإحاطة بكل أعماقها وخصائصها ولكن إلی الدرجات الممكنة لنا بالتدريج.

ومن هنا لابد أن نحلل ونترجم بعض الآليات من خلال الواقع المعاش والمعايش الراهن بمعني أن لغة ثقافة العصر التي يعيش فيها الإنسان، والبيئة أو المدينة التي يعيش فيها الإنسان يكون أكثر تفاعلاً وفهماً وتأثيراً وتأثراً من برهة أو حقبة زمانية أخري، وهذه هي طبيعة الإنسان

يتفاعل ويتعاطي مع زمانه الراهن أكثر من غيره لأنها حياة راهنة معاصرة حية حيوية.

مضافاً إلی ذلك أن اللغة الثقافية الراهنة المعاصرة التي يتعاطاها الإنسان نراه يأنس بها ويفهمها ويتفهمها بإنشداد أكثر من لغة ثقافية لحقب زمنية سابقة عليه. ومن الواضح أن معني الثقافة باب وسيع في كل المجالات المعاشية، لأن اللغات لحقب زمانية سابقة ربما يفهمها الإنسان إجمالاً ولكن كتنظير إجمالي لا كواقع معايش تفصيلي حي.

إذن هذه ضابطة عامة سواء أسميناها ضابطة في التحليل التاريخي أو ضابطة في الآليات الحضارية في الأجيال لقراءة التاريخ أو ضابطة في لغة علم الاجتماع ما شئت فعبر، وهذا ما يقر به في علم الاجتماع، وعلم الألسنيات، وعلم السياسة، وعلم الحضارات، وعلم التاريخ. وهذه ضابطة مسلمة يتعاطاها الإنسان ويتعايش معها أكثر يعني بلحاظ الزمن الواحد فيما تعددت البيئات المعاشة.

فعن أبي هاشم الجعفري(1)قال: كنت بالمدينة حتي مر بها بغا أيام الواثق في طلب الأعراب. فقال أبو الحسن - الإمام علی الهادي(عليه السلام) -:


1) (1) داود بن القاسم بن إسحاق بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، أبو هاشم الجعفري. كان عظيم المنزلة عند الأئمة(عليهم السلام)شريف القدر ثقة./ رجال النجاشي:156 . قال الشيخ: إنه من أهل بغداد جليل القدر عظيم المنزلة عن الأئمة(عليهم السلام)، وقد شاهد جماعة منهم الرضا والجواد والهادي والعسكري وصاحب الأمر(عليه السلام) وقد روي عنهم كلهم/ معجم رجال الحديث ج118: 7.

أخرجوا بنا حتي ننظر إلی تعبية هذا التركي فخرجنا فوقفنا فمرت بنا تبعيته، فمر بنا تركي فكلمه أبو الحسن بالتركية، فنزل عن فرسه فقبل حافر دابته، قال فحلفت التركي وقلت له ما قال لك الرجل؟!.قال: هذا نبي؟ قلت ليس هذا بنبي. قال دعاني باسم سميت به في صغري في بلاد التركية ما علمه أحد إلا الساعة(1).

وعن علی بن مهزيار قال: أرسلت إلی أبي الحسن غلامي وكان سقلابياً، فرجع الغلام إلی متعجباً.

فقلت: مالك يا بني؟

قال: كيف لا أتعجب؟ مازال يكلمني بالسقلابية(2)كأنه واحد منا! فظننت أنه إنما دار بينهم(3).

وفي رواية أخري أن الإمام موسي الكاظم(عليه السلام) كان يتكلم خمس لغات في جلسة واحدة(4).

ومن خلال هذه الروايات نلاحظ كيف يتفاعل الإمام(عليه السلام) مع البشر، فبعض الأحيان قد تختلف من مدينة إلی مدينة بل في علم اللغات قد تختلف اللغة من حي إلی حي ومن بيت إلی بيت فضلاً عن البلاد والقارات، ولهذا نري أن الترنيمة الصوتية لعائلة معينة تؤثر في أحاسيس الإنسان وعواطف


1) (1) إعلام الوري للطبرسي:343.

2) (2) صقلابية نسبة إلی الصقالبة جبل يتاخم بلاد الخزر في أعالي جبال الروم بين بلغار وقسطنطينية.

3) (3) بصائر الدرجات ج135: 2.

4) (4) بصائر الدرجات ج134: 2.

الإنسان وتفاعله أكثر من غيرها، في حين أن هناك جهات مشتركة بشرية في الوضع المعاصر الراهن فكيف إذا كانت هذه الفوارق منذ قرون، أو فوارق ملل ونحل.

ومثال آخر، لو نريد نقرأ تاريخ المسيحية أو تاريخ اليهود أو تاريخ البوذية لابُدَّ أنْ تكون لدينا آليات عديدة لكي نتفهم تاريخهم بأحاسيسه من قبيل لغتهم، أعراف ديانتهم، ثقافتهم، الحقبة التاريخية كيف كانت وهلم جرا.

وهذا ليس بالشيء الغريب الجديد وإنما التنبيه عليه للاستفادة منه في قراءة حياة الأئمة(عليهم السلام) وسيرتهم.

الأئمة عليهم السَّلامُ وسياسة السلطة العباسية

كانت الدولة الإسلامية حين السلطة العباسية من أكبر الدول علی وجه الكرة الأرضية وأعظمها آنذاك، ومع عظمتها وإسلاميتها إلا أن السلطة لا تستطيع أن تتحمل أو تترك أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وشأنهم وموقعيتهم في جسم المجتمع والأمة الإسلامية، بدءاً من حقبة الإمام موسي بن جعفر(عليه السلام)، ولم تكن هذه الظاهرة في السلطة العباسية فحسب بل أيضاً في عهد السلطة الأموية كانت تتبع نفس السياسة الظالمة عتواً والحاقدة شراسة اتجاه أئمتنا(عليهم السلام)، فقد تم استدعاء الإمام الباقر(عليه السلام) أكثر من مرة وقد أعتقل هو وولده الصادق(عليه السلام) من المدينة إلی الشام(1).


1) (1) بحار الأنوار: ج264: 46. مناقب آل أبي طالب لابن شهرشوب ج322: 3.

ونعبر بالاعتقال وبمصطلحات عصرية حديثة لأن التعبير يحسسنا بمعاناتهم(عليهم السلام) أكثر وأدق وأقرب معايشة، والألفاظ التاريخية القديمة وإن كانت سديدة إلا أن ألفاظ العصر الحالي وخصوصاً الألفاظ المختصة الحديثة المتداولة بكل مجال، فالسياسية لحقلها ومعانيها، والعسكرية لبيئتها، والأمنية لآليتها، والاقتصادية لأدواتها وهلم جراً تجعلنا أكثر تحسساً وانشداداً وهذا مما يساعد علی فهمها وتحليلها وإيصالهاً إلی الأطراف الأخري والي العقول الجامدة التي لا تتحرك إلا في زاوية ضيقة، وهذا ما نشاهده الآن من خلال المحلل السياسي أو الخبير العسكري أو الأمني أو الاقتصادي والمالي أو الاجتماعي أثناء تحليلهم للأحداث التي نمر بها.

إعتقال الباقر والصادق عليهما السَّلامُ

ولو نلاحظ طريقة اعتقال الإمام الباقر وولده الصادق(عليه السلام) كيف تمت من خلال الفرقة العسكرية الخاصة في السلطة الأموية، بحيث جاءت من الشام إلی المدينة المنورة وتحت رقابة وحماية مشددة وبعد وصولهما(عليهما السلام) إلی هناك تم استجوابهما أمام محضر رئيس السلطة وفي القصر الجمهوري وبحضور كل الوزراء، والقادة الأمنيين، والوفود الدولية من سفراء وغيرهم.

وكان هذا الاعتقال بسبب خطبة سياسية ألقاها الإمام الصادق(عليه السلام) في موسم الحج بإيعاز من أبيه الإمام الباقر(عليه السلام)، وقد كان الباقر(عليه السلام) تحت حكم سلطة عاتية أموية تتحكم بأكبر دولة عظمي وتتحسسه وتراقبه ومع ذلك يوعز للصادق(عليه السلام) بأن يخطب خطبة عقائدية سياسية ويبين فيها حصر شرعية

النظام الإسلامي بأهل البيت(عليهم السلام) فقط وفي موسم الحج الذي تجتمع فيه جميع المذاهب ومن كل بقاع الأرض وليس له فرق عسكرية أو أمنية مرافقة تحرسه أو تحميه من بطش السلطة الأموية الفاتكة.

فعن عمارة بن زيد الواقدي، قال: حج هشام بن عبد الملك بن مروان سنة من السنين، وكان قد حج في تلك السنة محمد بن علی الباقر، وابنه جعفر بن مُحمَّد(عليهم السلام) فقال جعفر بن محمد في بعض كلامه: الحمد لله الذي بعث محمدا بالحق نبيا، وأكرمنا به، فنحن صفوة الله علی خلقه، وخيرته من عباده، فالسعيد من اتبعنا، والشقي من عادانا وخالفنا ومن الناس من يقول: إنه يتولانا وهو يوالي أعداءنا، ومن يليهم من جلسائهم وأصحابهم أعداؤنا فهو لم يسمع كلام ربنا ولم يعمل به. قال أبو عبد الله جعفر بن مُحمَّد(عليهما السلام) فأخبر مسيلمة (بن عبد الملك) أخاه بما سمع، فلم يعرض لنا حتي انصرف إلی دمشق، وانصرفنا إلی المدينة، فأنفذ بريدا إلی عامل المدينة بأشخاص أبي وأشخاصي معه، فأشخصنا إليه فلما وردنا دمشق حجبنا ثلاثة أيام ثم أذن لنا في اليوم الرابع، فدخلنا وإذا هو قد قعد علی سرير الملك وجنده وخاصته وقوف علی أرجلهم سماطين متسلحين، وقد نصب البرجاس(1)حذاه وأشياخ قومه يرمون... (2).

هكذا كانت اكبر دولة إسلامية تتخوف وتتحسس من الإمامين الباقر والصادق(عليه السلام)، كما يبين هذا الموقف من الإمامين الصادقين(عليهما السلام) توازن مسيرهما السياسي فلم يكونا في الانتماء المعلن مواليين للسلطة بحيث يغيب


1) (1) البرجاس: غرض في الهواء يرمي به/ لسان العرب مادة (برجس).

2) (2) الكافي ج471: 1 الحديث:5، بحار الأنوارج181: 69 .دلائل الإمامة للطبري:103.

صراط الشرعية عن وعي الأمة، ومع كل هذا لم يستطع رئيس هذه السلطة أن يبرر سبب اعتقاله للإمامين(عليهما السلام)، ولذلك كان مضطراً لإطلاق سراحهما وإرجاعهما إلی المدينة المنورة سالمين غانمين، ولكن بسبب حقده وعدائه الشرس علی آل مُحمَّد(صلي الله عليه و آله) أوعز إلی ولاة المدن التي يمر من خلالها موكب الإمامين(عليهما السلام) بالفرض علی أهاليها بإغلاق أسواقهم ومقاطعة التعامل مع الإمامين(عليهما السلام).

فعن أبي بكر الحضرمي قال: لما حمل أبو جعفر إلی الشام إلی هشام بن عبد الملك، وصار ببابه، قال هشام لأصحابه: إذا سكت من توبيخ محمد بن علی فلتوبخوه، ثم أمر أن يؤذن له، فلما دخل عليه أبو جعفر قال بيده السلام عليكم فعمهم بالسلام جميعا ثم جلس فازداد هشام عليه حنقا بتركه السلام بالخلافة، وجلوسه بغير إذن فقال: يا محمد بن علی لا يزال الرجل منكم قد شق عصا المسلمين، ودعا إلی نفسه، وزعم أنه الإمام سفها وقلة علم، وجعل يوبخه، فلما سكت أقبل القوم عليه رجل بعد رجل يوبخه، فلما سكت القوم نهض قائما ثم قال: أيها الناس أين تذهبون؟ وأين يراد بكم؟ بنا هدي الله أولكم، وبنا يختم آخركم، فان يكن لكم ملك معجل، فان لنا ملكا مؤجلا، وليس بعد ملكنا ملك، لأنا أهل العاقبة يقول الله عز وَجَلَّ «والعاقبة للمتقين» فأمر به إلی الحبس، فلما صار في الحبس تكلم فلم يبق في الحبس رجل إلا ترشفه وحن عليه، فجاء صاحب الحبس إلی هشام، وأخبره بخبره فأمر به فحمل علی البريد هو وأصحابه ليردوا إلی المدينة، وأمر أن لا تخرج لهم الأسواق، وحال بينهم وبين الطعام والشراب، فساروا ثلاثا لا يجدون طعاما ولا شرابا، حتي انتهوا إلی مدين فأغلق باب المدينة دونهم، فشكا أصحابه العطش والجوع قال: فصعد جبلا وأشرف

عليهم فقال بأعلي صوته: يا أهل المدينة الظالم أهلها! أنا بقية الله يقول الله «بقية الله خير لكم إنْ كُنْتُم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ» قال: وكان فيهم شيخ كبير فأتاهم فقال: يا قوم هذه والله دعوة شعيب عليه السلام والله لئن لم تخرجوا إلی هذا الرجل بالأسواق لتؤخذن من فوقكم ومن تحت أرجلكم فصدقوني هذه المرة وأطيعوني وكذبوني فيما تستأنفون فاني ناصح لكم قال: فبادروا وأخرجوا إلی أبي جعفر وأصحابه الأسواق(1).

ويلاحظ أيضاً من هذه الرواية الثانية أن الباقر(عليه السلام) لم ينكسر ولم ينثن عن بيان حصر الشرعية في الحكم بأهل البيت(عليهم السلام) رغم أن هذا الإعلان السياسي في مقر القصر الرئاسي لبني أمية ثم عدم تقريره(عليه السلام) للحاكم الأموي بالخلافة وعدم إكتراثه به وعدم تهيبه من بطش العصابة الأموية وإقدام الحاكم الأموي علی حبسه(عليه السلام) ثم قيامه في الحبس بالتأثير علی السجناء لمسار أهل البيت(عليهم السلام) وتهيب السلطة من بقاءه كل ذلك يوضع حقيقة سيرة الباقر(عليه السلام) والصادق(عليه السلام) في المسار السياسي وطبيعة تعاملهم مع السلطة الأموية في حين أنهما(عليهما السلام) لم يعتمدا الحرب الساخنة معها.

الجواد عَلَیْهِ السلام والمأمون العباسي

ثم اشتدت الرقابة علی باقي الأئمة من الإمام موسي بن جعفر(عليهما السلام) حتي تم اعتقاله واستجوابه وسجنه لمرات عديدة واستمر سجنه ما يقرب من أربعة عشر سنة - كَمَا مَرَّ سابقاً -، ثم اشتدت المراقبة الأمنية والحصار


1) (1) بحار الأنوارج264: 46 .مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج322: 3.

الأمني والاقتصادي حول الإمام الرضا(عليه السلام)، فبعد وصول المأمون أو الخؤون العباسي إلی السلطة أرسل فيلق عسكري لإعتقال الإمام الرضا(عليه السلام) من المدينة إلی خراسان وأمرهم أن لا يكون مسيرهم عن طريق الكوفة وقم بل عن طريق الأهواز(1)، لأنه كان يعلم أن شيعته متوافرون بكثرة في هذه المدن التي منع عن المرور بها. وبقي(عليه السلام) تحت الإقامة الجبرية إلی يوم استشهاده صلوات الله عليه.

أما الإمام الجواد(عليه السلام) فلم يكتف المأمون باعتقاله وسجنه في بغداد بل تحت الإقامة الجبرية وفي نفس القصر الجمهوري بل أجبره علی الزواج من أبنته يعني يجب أن تكون عين جوسسة في داخل وسط دار الجواد(عليه السلام)، فيلاحظ أنَّهُ(عليه السلام) شاب في ريعان حياته يستلم مسؤوليات القيادة الإلهية تحت أعتي دولة مخابراتية، بوليسية، عسكرية، أمنية، محاصر في القصر الجمهوري بل الرقابة ممتدة إلی غرفة النوم ونصب عين جوسسة عليه فكيف يتأهل ويتمكن مثل هذا الإمام لإدارة البلاد والعباد وهو في شبابه وفي صغر سنه مع تحشيد وتعبئة كل هذه الاجرائات الأمنية الشديدة؟.

القيادة المهولة في التدبير والإدارة وصغر السن

وقد تحمل الجواد(عليه السلام) هذه الأمانة والقيادة الإلهية وهو في السنة الثامنة أو العاشرة من عمره وأمام كل هذه التحديات والصعاب الخانقة التي مرت بآبائه هي نفسها مرت عليه ولكن بصورة اشد.


1) (1) بحار الأنوارج117: 49.

ولو نلاحظ - مَثَلاً - أمير المؤمنين(عليه السلام) فقد كان في بيته وهجموا علی البيت وكان معه ثلة من أصحابه وشيعته المخلصين نعم ما جري عليه هول عظيم وانقلاب عسكري علی الأعقاب تنبأ وأخبر عنه القرآن لا يمكن لأحد أن يتعامي عنه ولكن(عليه السلام) له أنصاره وأولاده وقد وقفت بجانبه وطالبت بحقوقه بنت الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) وزوجته فاطمة الزهراء(عليها السلام) والتي كانت تمثل النبوة لأنها بنته الوحيدة، ولم يكن تحت الإقامة الجبرية.

وهكذا الحال بالنسبة للحسن والحسين صلوات الله عليهما، وكذلك السجاد والباقر والصادق(عليهم السلام)، فمن حيث مجموعة الآليات من ضغط الدولة العظمي فإن ما حصل للجواد(عليه السلام) أشد مما حصل للرضا(عليه السلام)، وما حصل للرضا(عليه السلام) اشد مما حصل لموسي بن جعفر(عليه السلام)، ولكن عندما نصل إلی الجواد(عليه السلام) وهو يرث موروث آبائه وإنجازاتهم وفي نفس الوقت يكون هو المسؤول والأمين الإلهي عن كل هذه الانجازات والملفات ولابد من إدارتها والحفاظ عليها في ظل ظروف أمنية ورقابة مشددة وهو في صغر سنه صلوات الله عليه.

وهذا في الحقيقة تحدي كبير وليس بالشئ الهين والسهل حيث يدير المجاذبة والتجاذب الحضاري السماوي الأرضي وهو في الإقامة الجبرية والمراقبة الشديدة وفي داره من خلال زوجته أم الفضل بنت المأمون أو الخؤون العباسي، وهذا الزواج تم تخطيطه لما فيه من تدبير أمني وتدبير سياسي وتدبير سيطرة لأجل الإحاطة بأنشطة الطرف والقبضة الحديدية لأجل مصارعة الطرف الأخر.

ومن هنا لابد أن تكون للجواد(عليه السلام) قدرة أمنية بحيث يستطيع أن يسيطر علی كل هذه المواجهات والقنوات والتجاذبات لإدارة الأمة الإسلامية، وهذا يحتاج إلی شبكات أمنية وشبكات وقنوات معلوماتية ومالية وإدارية، ولا يمكن أن نقول أن كل ذلك بالمعجزة في الإدارة نعم السماء لديها القدرة في ذلك ولكن أبي الله أن يجري الأمر إلا بأسبابها.

الجواد عَلَیْهِ السَّلامُ يتحدي أخطبوطية السلطة العباسية

قيادة الجواد عَلَیْهِ السلام تحدي إلهي

ولا يخفي أن إدارة المسلمين لم تكن بيد ما يسمي بالخلفاء الذين يقضون عمرهم في الفجور والفسق والليالي الحمراء بل لولا أن أهل البيت(عليهم السلام) يمسكون بخيوط إدارة المسلمين بل وإدارة البشر في كل جيل وكل قرن من الزمان وهو مفاد الحديث النبوي «الخلفاء أو الأمراء بعدي اثني عشر لا يزال أمر المسلمين أو أمر الناس أو أمر الدين بخير ما بقوا» (1)لدبت الفوضي والهرج والمرج في البشر إلی يومنا هذا، فما هي الآليات وما هو النظام في الإدارة الأمنية والاقتصادية والتربوية الذي قام به الجواد(عليه السلام) حتي استطاع أن ينظم أمور الأمة الإسلامية ولم تتعطل مسيرة أتباعه والموالين له في أصقاع الأرض.

وهذا نوع من التحدي الإلهي والبرهان الإلهي الواضح، أن هذا الصبي في صورته البدنية هو قطب الرحي لإدارة المهام الإلهية العظيمة الكبري وبكل آلياتها وأسبابها الطبيعية، نعم قضية طي الأرض وقضية


1) (1) صحيح مسلم كتاب الأمارة.

الملكوت هذا جانب موجود بلا ريب، ولكن الأسباب الطبيعية، القنوات الطبيعية، الإدارة الطبيعية في أعلي ما يمكن أن يتصور من تدبير وكمال تدوير وتدويل وتكامل كان يديرها أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

ومن الطبيعي كلما ازداد امتداد مسير ومنهاج أهل البيت(عليهم السلام) إزداد قلق الدولة الكبري والعظمي في الأرض ومع تنامي هذه القوة إلی حد الاستنفار المتأهب، وهذا ما لاحظناه في حياة الإمامين العسكريين حيث ازدادت حالة التأهب والاستنفار الأمني إلی أقصي حدوده في سامراء(1).

التحدي العلمي للإمام الجواد عَلَیْهِ السلام

وهذه الظاهرة ليست لقطة وبقعة مقتطعة عن سلّم تداعيات أمواج تتبع بعضها البعض بل يجب أن نلاحظها كظاهرة متصلة حتي نستطيع أن نفهم حياة الإمام الجواد(عليه السلام) كحلقة ضمن سلسلة متتابعة مترامية أكثر فأكثر من جهة علمية يعني علم، جامع علم ناظم لكل الأمة الإسلامية، وما يجري من منازلات علمية مع الجواد(عليه السلام) في القصر الجمهوري للخلافة العباسية لا ننظر إلی ذلك انه مجرد مواقف سؤال بل هو عبارة عن تحدي علمي وليس للسلطة فحسب بل تحدي علمي مع كل الوضع البشري أمام الدولة، هذا التحدي يلقون بكاهله وعبئه علی الجواد(عليه السلام).

وبعبارة أُخري يطالبونه بتفعيل إدعائه للإمامة بممارسة عملية بتقديم حلول لمعضلات وأزمات تواجه البشرية والمسلمين، أنت تدعي الإمامة، تدعي هذه الزعامة أعطنا ملف علاج حل لهذه الأزمات.


1) (1) راجع الحياة السياسية للإمامين العسكريين(عليهما السلام) للشيخ الأستاذ دام ظله.

مثلاً هناك ملفات متعددة في حياة الإمام علی بن موسي الرضا(عليه السلام) في الشدائد الخطيرة يمر بها عسكر المسلمين يحاول الخؤون العباسي أن يقول للرضا(عليه السلام) أنت ملزم بإبداء علاج لنا، ملف تدارك، ملف إدارة، ومن جهة أخري تري السلطة العباسية أن الإمام(عليه السلام) تحت قبضتها فيريد أن تستثمر قدراته في إدارة أوضاع الأمة، ومن الطبيعي كل ما يصب في مصلحة الأمة يقوم أئمة أهل البيت بعبئه صلوات الله عليهم. جلب الرضا(عليه السلام) وجعل تحت الإقامة الجبرية وبعده الجواد(عليه السلام)، ولكن بشكل أشد ليس فقط للسيطرة عليهما كقوة معارضة بل محاولة الاستفادة من قوة هذه المعارضة المتنامية الضاربة مساحةً في رقاع البلاد الإسلامية لغرض تجنيدها لإدارة الدولة، إذ العائلة الحاكمة غير كفوءة لإدارة الدولة أو علاج المصاعب التي تمر بهم، كما هو الحال في ما قام به الباقر(عليه السلام) عند وقوع أزمة نقدية مالية خطيرة مرت بها الدولة في عهد السلطة الأموية التي افتعلتها دولة الروم من إسقاط اعتبار النقود الرومية والتي كانت رائجة في التعامل في البلدان الإسلامية وكيف عالجها الباقر(عليه السلام) بتبديل النقد.

فهناك أغراض عديدة وراء فرض السلطة العباسية الإقامة الجبرية علی الجواد(عليه السلام) لأنه قدرة يخاف منها وفي نفس الوقت يجب أن تستثمر، وهذا اعتراف بأنَّه(عليه السلام) هو مدير ومدبر مع صغر سنه وهناك حاجة ملجئة للدولة العظمي أن تستعين به وأن تقيمه تحت الإقامة الجبرية، والرقابة القريبة من مركز الدولة العظمي. فالسلام عليه يوم ولد ويوم اغتيل ويوم يبعث حياً.

الفصل الثالث:علم الإمام الجواد عليه السلام

اشارة

علم الإمام وآثاره

علم الإمام وآثاره(1)

هَذَا العنوان ذو أبواب وفصول عديدة، وَلَیْسَ مِنْ الموضوعية التعرُّض لِكُلِّ أبوابه وفصوله فِی حديث واحد أو فِی سلسلة واحدة، بَلْ أصّبح هَذَا البحث فِی الإمام والإمامة مِنْ عُمْدة المباحث، والسِّر فِی كونه مِنْ عمدة مباحث الإمامة أنَّ البحث والحديث حول الإمام يتفرَّع عَلَیْهِ عِدَّة مباحث، مِنْهَا البحث فِی ولايته وتولِّی الآخرين لَهُ، وَمِنْهَا أنَّ هَذِهِ الولاية وتولِّی الآخرين لَهُ هل تختلف بحسب حضوره وظهوره، وبحسب غيابه وتستّره؟ هل هِیَ تختلف بحسب تقلّده لمنصب الحكومة الظاهرية، أو بحسب عدم تقلّده الظاهري لزمام الحكومة الظاهرية كَمَا فِی عَلِیّ(عليه السلام) طيلة السنوات الخمسة والعشرين؟.

إلي غَیْر ذَلِكَ مِنْ مباحث الولاية لَهُ، هل ولايته قانونية اعتبارية أو أنَّ التولِّی ومقامه فِی الولاية تكويني، وإحدي درجات ولايته تكون مؤدّاها قانون اعتباري؟

عَلَی أيّة حالٍ البحث فِی شؤون وشعب الولاية مُتأثِّر صلب التأثُّر بشرح علم الإمام(عليه السلام).


1) ندوات مرکز الابحاث العقائدیة

حقيقة حجِّیة الإمام

كَذَلِكَ البحث فِی حُجِّیّة الإمام، ما هُوَ التصوُّر الذي ينطبع عنها لدي المُعتقدين بإمامته(عليه السلام)، أو الانطباع لدي غَیْر المُعتقدين بإمامته(عليه السلام) ما هُوَ معني حُجّيّته؟

وَبَعْدَ الفراغ مِنْ حُجِّیَّة مقام الإمام كُنهاً وماهيّةً نقول: ما هُوَ معني حُجِّیَّة الإمام؟ هل حُجِّیَّة الإمام هِیَ عَلَی نسق حُجِّیَّة قوله وزان حُجِّیَّة قول الرواة والمُخبرين العدول، أو أنَّ سنخ ونمط حُجِّیَّته تختلف عَنْ حُجِّیَّة قول الرواة الثُّقات عِنْدَ المُسْلِمِین، كَزُرارة وَمُحمَّد بن مُسْلِم، أو سلمان الفارسي أو أبي ذر أو جابر بِنْ عبدالله الأنصاري المُتَّفَق عَلَی وثاقتهم مَثَلاً بين الفريقين، هَلْ حُجِّیَّة قوله مِنْ هَذَا القبيل أو لا؟

حُجِّیَّة قوله فِی فتاواه هَلْ هِیَ مِنْ سنخ ووزان حُجِّیَّة فتاوي الفُقَهَاء غَیْر الأئِمَّة المنصوبين مِنْ قبل الله، الفقيه عِنْدَمَا یُريد أنْ يفتي بحكمه ويستنبط حُكماً یُراجع المصادر والعمومات الموجودة والمُخصّصات لها والمُطلقات الموجودة، أيّ فقيه مِنْ فقهاء المُسْلِمِین إذَا أراد أنْ يستنبط حُكماً ویُفتي بفتويً یُراجع حِینَئِذٍ القُرآن الكريم والسُّنّة النبويّة وهلّم جرّا، فَحِینَئِذٍ يعمل مراحل الفحص والاستنباط والجمع بين الأدلّة وتقريب مفاد الأدلّة إلی غَیْر ذَلِكَ مِنْ مراحل عملية الاجتهاد والاستنباط، هَلْ بالإمكان أنْ نقول فِی حُجِّیَّة فتوي الإمام وما بيّنه مِنْ أحكام ويحكم به مِنْ أحكام، أنَّ سنخ حُجِّیَّته هِیَ عَلَی وزان حُجِّیَّة فُقَهَاء المُسْلِمِین، أو أنَّ سنخ

حُجِّیَّة حُكمه تختلف؟

وإذا غايرنا بين سنخ حُجِّیَّة قوله وإخباراته أو فتاواه وأحكامه عَنْ حُجِّیَّة أقوال الرواة، وَحُجِّیَّة أقوال الفُقَهَاء، فَهَلْ هِیَ كَحُجِّیَّة الخبر النبويّ، والحكم النبويّ، مَعَ أنَّ حُجِّیَّة قول الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) أو حُكمه أو فتاواه أو ما شابه ذَلِكَ مُستندة إلی منبع علم الوحي، بينما الإمام لا يلتزم فِی علمه بأنَّه علم مِنْ قبيل النبوّة أيّاً ما كَانَ فلا الشقّ الثَّانِی، ولا الشقّ الأوَّل، فشقّ ثالث.

حقيقة الإمامة

ربما فِی تصوّرات الكثير مِنْ المُسْلِمِین أنَّ علم الإمام عِنْدَمَا نقول بإمامته، هُوَ الإمامة بما هِیَ زعامة سياسية قانونية اعتبارية، ليست تزيد عَلَی ذَلِكَ المعني.

ما هِیَ الإمامة فِی كتب المُتكلّمين ؟

الإمامة هِیَ رئاسة دينية ودنيوية لحفظ الدِّین وإقامة الحكم بين المُسْلِمِین.

والحاصل أنَّ تعريف الإمامة وَحُجِّیَّة مقام الإمامة، مُتأثِّر كثير التأثُّر ومُرتبط عُمدة الارتباط بعلم الإمام.

إذَنْ هَذَا بُعد آخر مُهم مُتأثِّر بعلم الإمام، ألا وَهُوَ حُجِّیَّة أقوال الإمام، أفعال الإمام، فتاوي الإمام، أحكام الإمام وَعَلَی أيَّة حال تجد الغفلة عِنْدَ كثير مِنْ إخواننا المُسْلِمِین فِی تصوّر حقيقة حُجِّیَّة أقوالهم وما شابه ذَلِكَ وأنها بمعني حُجِّیَّة قول الفُقَهَاء، أو الرُّواة الثُّقات العدول.

والأمر الثَّالِث الذي مُتأثِّر عُمدة التأثُّر بعلم الإمام هُوَ تعريف حقيقة الإمامة، فَهَذَا المبحث هُوَ فِی صُلب البحث فِی الإمامة.

الوراثة فِی الإمامة

مبحث رابع فِی الإمامة يتأثَّر أيضاً بعلم الإمام، وَهُوَ: الوراثة، الكثير مِنْ المُسْلِمِین رُبَّمَا ينطبع لديهم أنَّ الوراثة الَّتِی تُذكر فِی باب الإمامة عِنْدَ الإمامية هِیَ عَلَی نسق ووزان الوراثة القبلية الموجودة، الاعتبارية الموجودة، النسبية اللحمية مِنْ وراثة الدم الموجودة لدي سلسلة الملكية البشرية الوضعية، أو سلسلة الأُسر البشريّة المُعتادة، أو هِیَ وراثة مِنْ جنس آخر الوراثة الَّتِی تُذكر فِی القرآن الكريم عَنْ الإمامة :(هُوَ الَّذِی أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدي وَ دِینِ الْحَقِّ لِیُظْهِرَهُ عَلَی الدِّینِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ 1يا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنَّ كَثِیراً مِنَ الْأَحْبارِ وَ الرُّهْبانِ لَیَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَ یَصُدُّونَ عَنْ سَبِیلِ اللّهِ وَ الَّذِینَ یَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا یُنْفِقُونَها فِی سَبِیلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِیمٍ‌2.

هَذِهِ الوراثة فِی القُرْآن ليست بِهَذَا المعني، والبحث عَنْ الوراثة بحثٌ عَلَی أيّة حال هامّ وخطير مِنْ مباحث الإمامة، وَلَهُ ارتباط بَلْ مُتوقِّف عُمدة توقّفه عَلَی مبحث علم الإمام.

حقيقة عصمة الإمام

أیْضَاً هُنَاك مبحث خامس مِنْ مباحث الإمامة، مُتَأثِّر ببحث علم الإمام، ألا وَهُوَ: عِصْمَة الإمام، عصْمته العلمية والعملية، بَلْ عصمته

العلمية تكاد تنطبق عَلَی علم الإمام، أو هِیَ عين علم الإمام، ولا ريب أنَّ عصمته العلمية أیْضَاً مُتأثِّرة أو البحث فيها مُترتِّب عَلَی علم الإمام، فنلاحظ مباحث عديدة، علم الإمام لها ساق الشجرة الذي يتفرَّع عَلَیْهِ أغصان شجرة مباحث الإمامة.

فَإذَنْ لابُدَّ مِنْ اليقظة والتنبيه فِی مباحثها وأبوابها وفصولها وكثير مِنْ جهات مباحثها، إلی أنْ نُحرّر بدقَّة وصوابيّة وسداد علم الإمام، الذي قَدْ افترضناه كصفة رئيسية لَهُ، وَمِنْ ثُمَّ خضنا فِی ذَلِكَ البحث فِی جُملة مِنْ مباحث الإمامة مِنْ حُجِّیَّة، أو عِصْمَة، أو وراثة، أو أيّ مبحث آخر فِی بحث الإمامة.

فالعُمدة هُوَ تحرير مبحث علم الإمام، وطبعاً الآن الحديث فِی علم الإمام المفروض فيه الفراغ عَنْ تقرير الدَّليل عَلَی الإمام والإمامة، وَبَعْدَ الفراغ عَنْ الدَّليل سواء الدَّليل العقلي أو النقلي، العقلي البحت المحض، أو النقل المُركَّب، وَبَعْدَ الفراغ عَنْ تلك الأدلّة المُوصلة لنا إلی الاعتقاد بإمامة الأئِمَّة إجمالاً، بَعْدَ الفراغ عَنْ وجودها وثبوتها وإثباتها للإمامة، حِینَئِذٍ تصل النوبة إلی مبحث علم الإمام فرتبة هَذَا البحث وموضعه حسب الترتيب الطبيعي والمنطقي فِی البحث هُوَ بَعْدَ الفراغ عَنْ الأدلّة عَلَی الإمامة بلا ريب، وسنري كيف يتأثَّر فقه النصوص الواردة والأدلّة الواردة فِی إمامة الأئِمَّة بِهَذَا المبحث مبحث علم الإمام، مَثَلاً حديث الثقلين المُتّفق عَلَیْهِ بين الفريقين، والذي سنُشير إلی أنَّ العديد مِنْ الآيات القُرآنية مُؤدّاها حديث الثقلين - كَمَا أشارت روايات أهل البيت إشارة تنبيهية، وأنَّ

حديث الثقلين سنده لَیْسَ فَقَطْ سند الطرق المُتواترة بين الفريقين فِی الصحاح الموجودة عِنْدَ أهل السُّنّة، أو مِنْ طرق الإمامية الاثني عشرية، بَلْ سنده قُرآني ومفاده قُرآني أیْضَاً، أيّاً ما كَانَ حديث الثقلين الذي هُوَ مِنْ أحد الأدلّة المُهِمَّة الدالّة عَلَی إمامة الأئِمَّة، ما هُوَ مؤدّاه؟

مؤدّي حديث الثقلين

رُبَّمَا الكثير مِنْ المُسْلِمِین یُفسِّرون حديث الثقلين: «

إنِّی تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي» أنَّ حُجِّیَّة العترة هِیَ عَلَی وزان حُجِّیَّة قول الرواة، أو قول فُتيا الفُقَهَاء وأنَّهم صُلحاء عدول!

وَهَذَا الانطباع عَنْ مفاد حديث الثقلين سببه هُوَ عدم الفطنة بالمفاد الدقيق لمتن الحديث بطريقه الروائي، ولمتن الحديث بطريقه القُرآني، إذْ إنَّ حديث الثقلين نُصَّ عَلَیْهِ فِی الكتاب العزيز.

إذَنْ فقه النصوص الدالّة عَلَی إمامتهم يتأثَّر بمبحث علم الإمامة.

هَذَا كمقدِّمة للدخول فِی بحث علم الإمام.

ما معني علم الإمام ؟

وقبل الدخول فِی مبحث علم الإمام يجب الالتفات إلی أنَّ البحث فِی نفس العلم، علم الإمام أو علم الإمامة، والعلم الموجود عِنْدَ الأئِمَّة رُبَّمَا یُطْلَق عَلَیْهِ اللّدُني. هَذَا العلم يتشعّب إلی شُعب عديدة جدّاً، ومباحث علماء الإمامية والمُتكَلِّمِین عموماً عَنْ علم الإمام مِنْ العترة النبويّة، يبحث

فِی أبواب عديدة، أو يقسّم إلی مسائل عديدة، وَلَنْ يكون بحثنا فِی علم الإمام مُستوعباً لِكُلِّ هَذِهِ المسائل، وإنَّما نتوخّي ونقصد جهة مُعيّنة خاصّة فِی بحث علم الإمام، وَإلَّا فالحديث عَنْ علم الإمام طويل الذيل، ويحتاج إلی أبواب وفصول عديدة، المُهم أنَّ المسائل الَّتِی تذكر كفهرسة أذكرها، مَثَلاً: علمهم بالكتاب، علمهم بتأويل المُتشابه القُرآني،علمهم بأعمال العباد (وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَیَرَی اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ )(1).

علم الأعمال، علم النوايا الَّتِی فِی القُلوب، علم الأصلاب، علم المنايا والبلايا، علم تأويل الأحاديث، علم تأويل الوجود، والتأويل عَلَی أقسام استعرضه القُرْآن الكريم، علم منطق الحيوانات والطير، علم ما كَانَ وما يكون، علم الموضوعات والأحكام، علم الظاهر والباطن، غَیْر ذَلِكَ مِنْ سلسلة مباحث العلم، وفي علم الأنبياء أو علم الأئِمَّة الأولياء الحُجَج، هَذِهِ مسائل عديدة تُذكر وتُبحث.

كَمَا أنَّ هُنَاك مباحث فِی علم الإمام مِنْ قبيل مراتب علوم الأئِمَّة، سواء مِنْ عترة الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله)، مراتب علومهم كيف هِیَ؟ هَلْ هِیَ عَلَی وزان واحد، ودرجة واحدة، أم تتفاوت؟ منابع ومصادر علم الأئِمَّة ما هِیَ؟ وما جهات علومهم؟ عقد الكليني فِی أصول الكافي أبواباً فِی ذَلِكَ، والصدوق فِی عِدَّة مِنْ كُتبه ككتاب (التوحيد) و (عيون أخبار الرضا(عليه السلام) وكتاب وكتاب (المعاني) أو (العلل)، وعقد المجلسي قدس سره فِی البحار أیْضَاً عِدَّة


1) سورة التوبة: الایة 105

عناوين مِنْ هَذِهِ المباحث، فِی منابعها وجهات علومهم وما شابه ذَلِكَ.

إذَنْ المقصود أنَّ أبواب البحث فِی علم الإمام عديدة، وفصولها عديدة، ومسائلها عديدة الزوايا، وما نُريد أنْ نُركِّز عَلَیْهِ فِی هَذَا الحديث بَعْدَ هَذِهِ المُقدِّمة هِیَ الإلفات إلی المُغايرة بين علم الإمام، وعلم الفقيه أو الراوي مِنْ جانب، وَمِنْ جانب آخر مُغايرته للعلم النبوي وَهُوَ الوحي الخاصّ.

فَهُنَاك عنوان علم الإمام كَمَا يصطلح عَلَیْهِ القُرْآن الكريم، والروايات الواردة فِی السُّنّة، أنَّ علمه لدُنّي بشُعبه وأقسامه.

هَذَا العلم اللدُنّي يتغاير سنخاً مَعَ علم الرواة وعلم الفُقَهَاء، ويتغاير مَعَ العلم النبوي الذي يصطلح عَلَیْهِ بالوحي النبوي.

معني الوحي

الوحي بالمصطلح القُرآني لَهُ اصطلاحان أو استعمالان، الوحي بمعني الوحي النبوي، وَلَهُ استعمال آخر بمعني مُطلق العلم الإلهي.

أيّاً كَانَ علم الإمام فالذي یُعبر عنه القُرْآن الكريم، وتعبّر عنه الروايات، والسُّنّة الشريفة للمعصومين، عنوانه وسنخه یُطلق عَلَیْهِ العلم اللدُنّي، وَهَذِهِ التسمية والمُغايرة فِی التسمية، بخلاف علم الفُقَهَاء أو الرواة، الذي العُمدة فيه ومُستنده إلی العلم الحسّي، والمناشئ الحسيّة بحسب ما یُفسِّر مِنْ معني وأدوات العلم الحسّي، والعلم الذي هُوَ مِنْ نشأة دنيوية.

فَهُنَاك إذَنْ فارق سنخي وجوهري بين هَذِهِ العلوم الَّتِی يمتلكها الرواة وَالفُقَهَاء، أيّ: بين مناشئ علومهم، ومناشئ العلم الذي عِنْدَ المعصومين عِنْدَ الإمام، وبين مناشئ علم النبوّة، رغم أنَّ الإمامة ليست هِیَ مِنْ سنخ النبوّة، هَذَا الفارق بِهَذَا المقدار مِنْ التسمية عَلَی الأقل، والمعني الإجمالي هُوَ ألف باء البحث فِی الإمامة، وَأيّ خوض فِی مبحث الإمامة وجهات مباحث الإمامة، أو علم الإمام مِنْ دون الالتفات إلي أصل هَذَا التغاير المبدئي الذي يجب أنْ يلتفت إليه الباحث سينجم عنه نوع مِنْ الخبط.

وكثير مِنْ الأخطاء والغفلات فِی تحرير مباحث الإمامة، هِیَ نتيجة عدم الالتفات إلی هَذِهِ المُغايرة والفرقة ولو بنحو مُبسّط إجمالي، وَلابُدَّ حِینَئِذٍ مِنْ الالتفات إليها.

علم الإمام لدُنّي

فَإذَنْ عنوان المسألة فِی الواقع الذي نُريد أنْ نُركِّز عَلَیْهِ مِنْ علم الإمام هُوَ أنَّ علم الإمام علم لدُنّي.

وقبل أنْ ندخل فِی الشواهد القُرآنية عَلَی ذَلِكَ، وَالَّتِی نقتصر فِی الحديث عَلَیْهَا فِی هَذَا البحث، يجب أنْ نُقدِّم مُقدِّمة فِی كيفية استعراض الشواهد القُرآنية.

هَذِهِ المُقدِّمة هِیَ أنَّهُ عِنْدَمَا يعنون أنَّ علم الإمام علم لدُنّي وَلَیْسَ علماً

حسيّاً مُستنداً إلی الحسّ - كَمَا فِی علوم الفُقَهَاء والرواة - رُبَّمَا تُثار ثائرة لدي بَعْض الأوساط مِنْ المُسْلِمِین المُتأثِّرين رُبَّمَا بالغرب أو بالعلمنة والعلمانية، أنَّ دعوي وعنونة علم الإمام بالعلم اللّدُنّي نوع مِنْ المذاق والمشرب الباطني، ونوع مِنْ الغلو، نوع مِنْ البطون، وما إلی ذَلِكَ مِنْ التعابير، ومبحث الغلو، ومبحث المشرب الباطني، وما إلی ذَلِكَ مِنْ أطراف الحديث عَنْ هَذَا المطلب.

حديث هُوَ بنفسه أحد البحوث المُستقلّة فِی الإمام والإمامة، وَهُوَ مِنْ الأبواب الأصيلة والرئيسية فِی مبحث الإمام والإمامة، وإنْ كَانَ هَذَا المبحث یُثار أیْضَاً فِی النُبُوَّة، كَمَا قَدْ غلت بَعْض الملل السابقة فِی الْنَّبِیّ عيسي(عليه السلام)، أو أنبياء آخرين، ولكنَّ البحث الأصلي فيه هُوَ فِی الإمام والإمامة، عَلَی الأقل فِی حُقبة العهد الإسلامي، وَهَذَا المبحث هُوَ ذو شجون وشؤون مُستقل بنفسه، إلَّا أنَّنا الآن نذكره كأصل موضوعي لدفع مثل هَذَا التساؤل، أو مثل هَذِهِ المُناقشة أنَّ الوسطية والموضوعية فِی تحرير القواعد الدينية والعلمية والاعتقادية أيّاً ما كَانَ، يجب أنْ تَتّخذ الطريقة الوسطي، بلا إفراط، أو تفريط، أيّ: كَمَا تتجنَّب الغُلو فاللازم تجنّبها للتقصير أیْضَاً.

الوسطية فِی البحث

كَمَا أنَّ الوسطية فِی كثير مِنْ المباحث الاعتقادية وأبواب المعارف تعني إصابة الواقع مِنْ دون إفراط أو تفريط، مثل مبحث الاختيار، لا جبر

ولا تفويض، ومثل مبحث الصِّفات الإلهية، فلا نخلي معرفتنا بالذات الإلهية عَنْ الصِّفات؛ لِإنَّهُ يؤول إلی النقص فِی الذات ونتصوَّر أنَّهُ تنزيه للذات الإلهية، ولا أنّنا نُعطِّل الذات الإلهية عَنْ الصفات، مسلك التعطيل فِی الصفات الإلهية، ولا هُوَ مسلك ومنهج التشبيه والمشبّهة، وإنما توحيد فِی الصفات.

عَلَی أيّة حال فِی كثير مِنْ المباحث وَمِنْ قواعد المعارف وأبواب الاعتقادات، هُنَاك مباني إفراطية وَهُنَاك مباني تفريطية، فيجب أنْ لا نقصر النظر ونشدّ الهمّة فِی الحذر مِنْ الإفراط مِنْ دون التحذير مِنْ التفريط؛ لِأنَّ كُلّ مِنْ الإفراط والتفريط هُوَ عَلَی أيّ حال نوع مِنْ العمي عَنْ الواقع، ونوع مِنْ الصمم والكمم عَنْ الحقيقة، ونوع مِنْ الانحراف أيّاً ما كَانَ، كَمَا أنَّ الإفراط واضح فيه الإنحراف، التفريط أیْضَاً هُوَ نوع واضح مِنْ الجهالة.

وكلاهما فِی الانحراف عَنْ العقيدة لا يقلّ عَنْ الانحراف فِی الآخر، كَذَلِكَ الحال فِی البحث حول الإمام والإمامة، بَلْ كَذَلِكَ فِی البحث حول الْنَّبِیّ وَالنُبُوَّة، فِی حين أنّنا كَمَا يجب أنْ لا نُغالي فِی الْنَّبِیّ ونؤلِّهه، يجب أیْضَاً أنْ لا نقصّر فِی معرفتنا للنبي(صلي الله عليه و آله)، والتقصير هُوَ فِی معرفتنا أثناء البحث.

بين الغلو والتقصير

ألا تنظرون إلی تلك القلائد الإلهية الَّتِی وشّحها تَعَالَی لنبيّه فِی القُرْآن الكريم، فِی حين أنَّ القُرْآن الكريم ينهي عَنْ الغلو والتأليه للأنبياء كَمَا فِی

قوله تَعَالَی: (لا تَغْلُوا فِی دِینِكُمْ )، كَمَا يحذِّر أیْضَاً عَنْ التقصير فِی معرفتهم كَمَا فِی قوله: (

قالوا بعث الله بشر دينكم )،(ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ )، (وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ یَقُولُونَ إِنَّما یُعَلِّمُهُ بَشَرٌ )، وَهَذِهِ كانت مقولة المُنكرين لِمقام أنبياءهم وسلهم قَالَ تَعَالَی: ( انْظُرْ كَیْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا یَسْتَطِیعُونَ سَبِیلاً) ، وخير شاهد هِیَ الآيات الكريمة، مَثَلاً فِی سورة الحُجرات، تنشأ مهابة وقُدسية فِی مُستهل السورة للنبي(صلي الله عليه و آله)، ليست مهابة وقدسية وعظمة ملوك الدُّنْیَا، وإنَّما هِیَ مهابة وقُدسية ربانية للنبي(صلي الله عليه و آله)، حَتّي رفع الصوت فِی محضره(صلي الله عليه و آله) ينذر القُرْآن الكريم بأن مُجرّد رفع الصوت فَقَطْ يحبط الأعمال جميعاً عِنْدَ الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله)، أيّ عظمة یُريد أنْ يعظِّم بها الله نبيِّه، فِی حين أنها ليست بتأليه، ولكنّها ليست بتقصير.

إذَنْ كَمَا يجب الخوف مِنْ الغلو وَبَعْض أنواع البطون وما شابه ذَلِكَ مِنْ الانحرافات الإفراطية، يجب الحذر والخوف كُلّ الحذر مِنْ التقصير والسطحية والقشريّة.

وفي الواقع أنَّ التفريط والتقصير كَمَا أنَّ منشأه قَدْ يكون الخوف مِنْ الغلو، قَدْ يكون منشؤه الآن فِی الوسط الفكري فِی الأوساط الإسّلاميَّة غَلَبَة المنهج الحسّي، أو ما یُقَال عنه بأصالة الحِسّ.

وَهُوَ منهج غربي راهن فِی الفلسفة الغربية والمدارس الغربية منحدردة مِنْهُ، وَرُبَّمَا الكثير مِنْ المُفكرين الإسلاميين مُتأثِّرون به، وفيه عوامل عديدة

مُؤدّية للتقصير فِی المباحث والمعارف الاعتقادية فبعضها مِنْ خوف الإفراط، وبعضها مِنْ التَّأثُّر بالمنهج الحسّي وأصالة الحسّ.

فاللازم الالتفات إلی أنَّهُ كَمَا يجب الحذر مِنْ الغلو والباطنية يجب الحذر أیْضَاً مِنْ الوقوع فِی التقصير فِی المباحث الاعتقادية وأبواب المعارف.

معني الغلو والباطنية

الغلو هُوَ إعطاء المخلوق أيّاً ما كَانَ الصِّفات الإلهية أو المقام الألوهي أو التجاوز بالشيء عَنْ الحَدِّ الذي هُوَ عَلَیْهِ. والباطنية هِیَ عدم اتّباع الموازين الظاهرية، وَهَذَا هُوَ مُجمل معني الغلو والباطنية.

وسنُبيِّن أنَّ المُتّبع لدينا فِی دعوي أنَّ علم الإمام علمٌ لَدُنِّی هُوَ فِی الشواهد القُرآنية، ويتّخذ مِنْ الموازين الظاهرية ميزاناً لَهُ، وأنَّ العلم اللّدُنِّی لَیْسَ نوعاً مِنْ التأليه فسوف یُجاب هَذَا المُتوهِّم أو المُتخيِّل أنَّ القُرْآن الكريم أثبت العلم اللّدُنِّی إلی قائمة مِنْ النماذج الإلهية مِنْ الأنبياء والرُّسُل أو الأولياء الحُجج، أثبت لهم هَذَا العلم اللّدُنِّی، فالعلم اللّدُنِّی لهذه القائمة أمرٌ مفروغ عنه وضروري ومُتسالم عَلَیْهِ عِنْدَ المُسْلِمِین، فَمِنْ ثمَّ إذَنْ لا نكون قَدْ تخطّينا موازين الظاهر فِی إثباتنا للعلم اللّدُنِّی للإمام، ولا نكون أیْضَاً قَدْ تخطّينا ميزان أنَّهم مُخلقون ومحتاجون وعبيد مُفتقرون إلی ربِّهم بادئ ذي بدء ونهاية المُنتهي.

عَلَی أيّة حال هُنَاك آية مِنْ الآيات المُحكمة الَّتِی تُبيِّن أنَّ العلم اللّدُنِّی

يحبيه الله ويهبه لأوليائه، هَذِهِ الآية مِنْ مُحكمات الآيات، وَهِیَ دليل إجمالي وشاهد إجمالي لا تفصيلي عَلَی الفرق بين علم الإمام وعلم الرواة وَالفُقَهَاء، وفيما بَعْدَ سَنُبيِّن كيفية الفرق بينه وبين العلم النبوي، هَذِهِ الآية هِیَ فِی قوله تَعَالَی فِی سورة الجِن آية: 26 - 27: (عالِمُ الْغَیْبِ فَلا یُظْهِرُ عَلي غَیْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضي مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ یَسْلُكُ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً).

فعلم الغيب كصفة ذاتية بالذات هِیَ صفة حصرية ثابتة لله عَزَّ وَجَلَّ، أمَّا العلم الإظهاري للغيب فَقَدْ يهبه الله عَزَّ وَجَلَّ لِ-مَنْ ارتضاه مِنْ حُججه ورُسله.

فَهَذِهِ الآية هِیَ بيان إجمالي ودليل إجمالي عَلَی سنخ العلم الذي يحبيه الله عَزَّ وَجَلَّ لأوليائه.

آيات الثقلين

وقبل الخوض فِی الشواهد القُرآنية عَلَی كون علم الإمام علم لدُنِّی، وقبل أنْ نذكر قسماً ممَّن وهبه الله علماً لدنّياً، نستعرض الآيات الَّتِی تتعرّض لحديث الثقلين، لِأنَّ تلك الآيات الَّتِی تتعرّض إلی حديث الثقلين هِیَ شواهد رئيسية أصلية وعُمدة فِی بيان عملهم أنَّهُ علم لدنّي وَلَیْسَ مُستنداً إلی الحسّ، تلك الآيات بنحو السرد الإجمالي فِی سورة النحل قَالَ تَعَالَی: (وَ نَزَّلْنا عَلَیْكَ الْكِتابَ تِبْیاناً لِكُلِّ شَیْ‌ءٍ)(1)هَذَا الثقل الأوَّل.


1) سورة النحل : الایة 89

وَهَذِهِ الآية هِیَ مِنْ الآيات الملحمية مِنْ ملاحم القُرْآن الَّتِی يقف عندها المُفسّرون حياري، كيف أنَّ القُرْآن قَدْ انطوي عَلَی العلوم كلّها!! وعندهم فِی تفسير الآية حيص وبيص طويل الذيل.

هَذِهِ الآية تُعادلها آية أُخري فِی القُرْآن الكريم دالّة عَلَی ثقل آخر، ألا وَهِیَ فِی سورة العنكبوت قَالَ تَعَالَی: (بَلْ هُوَ آياتٌ بَیِّناتٌ فِی صُدُورِ الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ ما یَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ ) (1)، فَهَذِهِ الآية إجمالاً دالّة عَلَی أنَّ هُنَاك ثلّة فِی هَذِهِ الأُمَّة تحمل وتعرف بيان العلم، وأنَّ القُرْآن بمجموعه بيّن جليّ لديهم.

فَإذَنْ دعوي القُرْآن أنَّ فِی القرين بياناً لِكُلِّ شيء، وفي آية أُخري فِی سورة العنكبوت يخبر القُرْآن الكريم أنَّ هَذَا البيان الذي فِی القُرْآن إنَّما يقدر عَلَیْهِ ثلّة فِی هَذِهِ الأُمَّة؛ إذْ لَمْ ينزل القُرْآن ليكون مُعطّلاً، وَلَیْسَ هُوَ بيّن عِنْدَ جميع هَذِهِ الأُمَّة، فالذي يقتدر عَلَیْهِ فِی هَذِهِ الأُمَّة ثلّة.

(بَلْ هُوَ آياتٌ بَیِّناتٌ ) مِنْ دون تفصيل: (فِی صُدُورِ الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) والبيان لآيات القُرْآن الكريم قَدْ تكفّلت العهدة الإلهية القيام به كَمَا تشير إلی ذَلِكَ سورة القيامة: (إِنَّ عَلَیْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَیْنا بَیانَهُ ) (2)، وَالقُرْآن كمصدر هداية لِلمُسْلِمِین والبشرية إلی یَوُم القيامة، يجب أنْ يتدرّج ويستمر تبيانيّته لِكُلِّ الأشياء المُستجّدة، ولكُلِّ جوانب الخلقة والحياة.


1) (1) سورة العنكبوت: الآية 49.

2) (2) سورة القيامة: الآية 17 و 19.

فَلابُدَّ إذَنْ أنَّ تلك الثلّة الَّذِیْنَ أُوتوا العلم، وَالقُرْآن بيّن فِی صدورها، يجب أنْ تكون باقية ببقاء القُرْآن، وَهَذَا هُوَ مقتضي الآيتين.

وآية ثالثة مُرتبطة بنفس هاتين الآيتين اللَّتَین مؤدّاهما حديث الثقلين: (بِالْبَیِّناتِ وَ الزُّبُرِ وَ أَنْزَلْنا إِلَیْكَ الذِّكْرَ لِتُبَیِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَیْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ یَتَفَكَّرُونَ ) (1)، وَمِنْ الواضح أنَّ تبيين القُرْآن مِنْ وظائف القُرْآن، وَمِنْ وظائف القُرْآن أنَّهُ یُبيِّن للناس عَلَی مَرَّ العصور إلی یَوُم القيامة، وَالقُرْآن الكريم يوكل عهدة التبيان إلی الجانب الإلهي: (إِنَّ عَلَیْنا بَیانَهُ ) وَقَدْ بيَّن مَنْ هُمْ لديهم البيان: (بَلْ هُوَ آياتٌ بَیِّناتٌ فِی صُدُورِ الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ ).

وَهَذَا المفاد مِنْ ورود مؤدّي حديث الثقلين فِی الآيات أشارت إليه روايات أهل البيت(عليهم السلام)، وَهَذِهِ الإشارة كَمَا یُقَال يكفي فيها أنَّها إشارة إرشادية عقلية ولا حاجة فيها للتعبّد.

دلالة حديث الثقلين عَلَی العلم اللدني

هُنَاك آيات أُخري أیْضَاً تُشير لحديث الثقلين، ولا يظن الباحث أنَّ الدخول فِی حديث الثقلين هُوَ دخول فِی بحث مُعترض لا صلة لَهُ بالمبحث، بَلْ هَذَا المبحث لَهُ صلة وثيقة مَعَ حديث الثقلين فِی القُرْآن، وَهُوَ علم الإمام، أو المسألة الأصلية الَّتِی نُريد أنْ نُركِّز عَلَیْهَا فِی علم الإمام، هِیَ العلم اللّدُنّي، وَهِیَ أنَّ آيات مفاد حديث الثقلين فِی القُرْآن الكريم دالّة عَلَی عُمدة علم الإمام، وَأنَّهُ علم لدُنّي، كَمَا سُنبيِّن فيما بَعْدَ.


1) (1) سورة النحل: الآية 44.

ففي سورة الواقعة: (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِیمٌ ) (1)فيعظّم القُرْآن هَذَا القسم، والمقسوم عَلَیْهِ هُوَ: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِیمٌ فِی كِتابٍ مَكْنُونٍ

لا یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) (2)، مكنون، أيّ: محفوظ فِی كُن وحفظ، (لا یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) (3)و (لا) هُنَا لا نافية، لا (لا) ناهية، فليست فِی مقام الإنشاء، وأمَّا استفادة حُرمة مسّ الكتاب مِنْ دون طهارة فلا یُنافي كون مفادها خبرياً لما هُوَ ظاهر الآية، بَلْ هُوَ مِنْ باب دلالة الإشارة أو الإيماء مِنْ المعني المُلازم لمفاد الآية، والقسم الذي فِی الآية لا يكون عَلَی شيء إنشائي: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِیمٌ ) ، مَثَلاً: آمركم بالصلاة، القسم لا يوقع عَلَی شيء إنشائي إذْ لا معني مُحصّل لَهُ، والقسم دوماً يكون عَلَی شيء إخباري، خبري مُخبر عنه موجود مُتحقّق تكويني، سواء مُستقبلي أو ماضي، وأمَّا القسم عَلَی شيء إنشائي فلا معني لَهُ، فظاهر الآية: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِیمٌ )، أنَّ المقسوم عَلَیْهِ الإخبار عَنْ كون القُرْآن فِی (كن) وحفظ، وَهَذَا الكن والحفظ: (لا یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) (المطهّر) هَذِهِ مفردة قُرآنية تناولها القُرْآن بمعني الأسمي فِی آيات أُخري: (إِنَّما یُرِیدُ اللّهُ لِیُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَ یُطَهِّرَكُمْ تَطْهِیراً)(4)وَ إِذْ قالَتِ


1) (1) سورة الواقعة: الآية 75 - 76.

2) (2) سورة الواقعة: الآية 77 - 78.

3) (3) سورة الواقعة: الآية 79.

4) سورة الاحزاب: الاية33

الْمَلائِكَةُ يا مَرْیَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلي نِساءِ الْعالَمِینَ (1).

آيات التطهير فِی القُرْآن تُشير إلی الفرق بين المُطهّر والمُتطهّر وأنَّ الأوَّل هُوَ حائز عَلَی الطهارة مِنْ الذنوب والخطايا بالاصطفاء والاجتباء الإلهي بينما الثَّانِی هُوَ الذي يحصل عَلَی الطهارة مِنْ الذنوب بالاكتساب بالتوبة بالغسل بالوضوء: ( إِنَّ اللّهَ یُحِبُّ التَّوّابِینَ وَ یُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِینَ )، ونظير معني المُتطهّر معني لفظة المطهِّر (بتشديد الهاء بالكسر) اسم فاعل؛ لِإنَّهُ بمعني مَنْ يسعي لتطهير نفسه بخلاف المطهَّر (بتشديد الهاء بالفتح) اسم مفعول الذي هُوَ المعني الأوَّل، فَهُوَ لبيان العصمة مِنْ الذنوب وَهُوَ مقام الأسمي.

فَهَذِهِ الآية ايضاً تدلُّ عَلَی أنَّ القُرْآن الكريم بكلّه لا يصل إليه وَهُوَ فِی حفظ وبُعدٍ عَنْ تناول البشرية، لكن لابُدَّ أنْ لا يؤدّي إلی تعطيل القُرْآن كَمَا قَدْ یُتوهّم، بَلْ دالّ عَلَی ضرورة اقتران ووجود أهل آية التطهير كي يبقي القُرْآن حيّاً فاعلاً بكُلِّ مراتبه ودرجاته، لَیْسَ فيه تعطيل للقُرآن الكريم، وإنَّما بيان ضرورة وجود القيّم عَلَی تبيينه والمعلِّم الإلهي لبيان القُرْآن،بمعني أنَّ الوصول إلی تمام ما فِی القُرْآن مِنْ علوم وحقائق ومعارف هَذِهِ محفوظة عَنْ البشر لا يتناولها البشر إلَّا بواسطة مسّ المُطهّر.

وَهَذِهِ الآية مِنْ الآيات الَّتِی مؤدّاها ومفادها حديث الثقلين وأنَّ


1) سورة آل عمران: الاية 42

هُنَاك فِی هَذِهِ الأُمَّة مِنْ هُوَ مطهّر يمسّ تمام القُرْآن، ولا يكون القُرْآن فِی أيّ حقل مِنْ حقوله، وفي أيّ درجة مِنْ درجاته، وفي أيّ معلومة وحقيقة مِنْ حقائقه مكنون عنه، بَلْ يستطيع أنْ يصل إليه ويمسّه.

وَهُنَاك طائفة ثالثة مِنْ آيات الثقلين ومفاد حديث الثقلين، وَالَّتِی أشارت إليها روايات أهل البيت(عليهم السلام) كإشارة عقلية إرشادية لا حاجة إلی التعبُّد فيها، فِی سورة الرعد الآية 43: (وَ یَقُولُ الَّذِینَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفي بِاللّهِ شَهِیداً بَیْنِی وَ بَیْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) وأحد دلائل النُبُوَّة - نبوّة الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) فِی هَذِهِ اليية - هِیَ القُرْآن ؛ لِأنَّ شهادة الله لنبيّه هِیَ بتوسّط القُرْآن، وَالقُرْآن كَمَا یُبيِّن دلالاته الإعجازية، دلالة يقينية قطعية سواء قطعية بالعلم الحصولي كَمَا يفسِّره المتكلّمون، أو دلالة القُرْآن الكريم عَلَی نبوّة الْنَّبِیّ لَیْسَ بالعلم الحسّي والبُرهان والعلم الحصولي، بَلْ هُوَ البُرهان العياني، يعني العلم الحضوري، القُرْآن فيه بريق ولمعان قدرة الغيب اللامتناهية فيه، فَهَذِهِ يستحضرها الإنسان حضوراص كَمَا نذهب إليه أيّاً ما كَانَ.

فَإذَنْ الدَّليل الأوَّل لنبوّة الْنَّبِیّ(صلي الله عليه و آله) هُوَ الله عَزَّ وَجَلَّ بتوسّط القُرْآن الكريم كلام الله، والدليل الثَّانِی عَلَی نبوّة الْنَّبِیّ: (وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ )، وَمِنْ الواضح أنَّ الذي يقرن بشهادة القُرْآن لَیْسَ هُوَ مَنْ يكون غَیْر مُسانخ لشهادة القُرْآن، مِنْ قبيل شهادة الرواة مَثَلاً، لَیْسَ الحال كَذَلِكَ يعني: (وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ )، يعني هُنَاك شخص عنده علم كُلّ الكتاب.

وتُشير هَذِهِ الآية إلی أنَّ مدرك حُجِّیَّة شهادة هَذَا الشاهد الآخر، كون

علمه مُضافاً ومُسنداً إلی الكتاب، وَلَمْ تفد الآية علماً مِنْ الكتاب؛ لِأنَّ الوصف فِی الآية (علم الكتاب) ظاهره الإسناد لمجموعة تمام الكتاب العزيز، وَهَذَا كَمَا ذكرنا أنَّ آيات الثقلين لها تمام الصلة القريبة لمبحثنا نحن، وَهُوَ أنَّ علم الإمام علم لدنّي.

الإمام عنده علم الكتاب

وَمِنْ العناوين الأُخري لعلم الإمام أنَّ عنده علم الكتاب ففي هَذِهِ الأُمَّة هُنَاك مَنْ هُوَ يحمل علم الكتاب، تشير الآية الكريمة إلی حُجِّیَّة شهادته أيّاً ما كَانَ ووجوده.

فَإذَنْ هُنَاك مَنْ هُوَ عنده علم الكتاب، والكتاب قَدْ وصف فِی القُرْآن الكريم إلی ما شاء الله مِنْ الصِّفات الدالّة عَلَی أنَّ الكتاب الكريم حاوٍ لِكُلِّ شيء، مَثَلاً الآيات: (یَمْحُوا اللّهُ ما یَشاءُ وَ یُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) ففي أُمِّ الكتاب والكتاب فيه كُلّ شيء، هَذِهِ الآية فِی سورة الرعد 39، وفي سورة الأنعام آية 38: (وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِی الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ یَطِیرُ بِجَناحَیْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِی الْكِتابِ مِنْ شَیْ‌ءٍ ثُمَّ إِلي رَبِّهِمْ یُحْشَرُونَ ) ، يعني لَمْ يعزب عَنْ الكتاب شيء، وفي آية 59: (وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ یَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِی ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ ) ، والكتاب المُبين مِنْ أسماء القُرْآن أیْضَاً دلَّت عَلَیْهِ سور وآيات عديدة: (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِینِ ) فِی سورة يوسف الآية الأُولي، وفي سورة الشُّعراء الآية الثانية، وفي سورة الزُّخرف الآية الثانية، وفي سورة الدُخان الآية الثانية، وفي سورة النمل الآية الآولي، وفي سورة القصص الآية الثانية، أنَّ الكتاب المُبين اسم مِنْ

أسماء القُرْآن الكريم: (وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِی السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ فِی كِتابٍ مُبِینٍ ) سورة النمل الآية 75.

علم هَذَا الكتاب الذي يستطر فيه علم كُلّ شيء هُوَ لِ-مَنْ فِی الأُمَّة شاهدٌ لرسالة الرسول(صلي الله عليه و آله)، والذي أُضيف علمه إلی مجموع الكتاب وإلي تمام الكتاب، فِی قباله هُنَاك شخص فِی أُمّة بني إسرائيل لديه علمٌ لبعض الكتاب، كَمَا فِی سورة النمل الآية 40، والذي هُوَ مِنْ أوصياء سليمان وَهُوَ آصف بِنْ برخيا فيما يعرضه القُرْآن مِنْ قصّة سليمان: (قالَ الَّذِی عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِیكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ یَرْتَدَّ إِلَیْكَ ) المقصود أنَّ هُنَاك مُغايرة قُرآنية دقيقة بين هذين التعبيرين، مَنْ عنده علم الكتاب، مَنْ عنده علم الكتاب كَمَا نبّهت إلی ذَلِكَ روايات أهل البيت(عليهم السلام)، التفريق بين هذين مِنْ ربّ الخليقة المُحيط بدقائق التعابير، وَلَیْسَ فِی ذَلِكَ خروج عَنْ موازين البحث الظاهر.

وَهُنَاك طائفة رابعة مِنْ الآيات الدَّالَّة عَلَی حديث الثقلين الثقل الآخر: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِینَ اصْطَفَیْنا مِنْ عِبادِنا ) ، وَهَذَا التوريث للقُرآن ذكرنا أنَّ سنخه سنخ آخر لِأنَّ الكتاب مادّة لدُنّية غيبية، فالكتاب الذي لا يعزُب عنه شيء فِی عالَم الخلق وُرِّث للمصطفين مِنْ العباد كَمَا فِی سورة فاطر آية 32.

وَمِنْ آيات وطوائف حديث الثقلين فِی القُرْآن الكريم ما فِی سورة آل عُمران: (هُوَ الَّذِی أَنْزَلَ عَلَیْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمْ زَیْغٌ فَیَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ

وَ ابْتِغاءَ تَأْوِیلِهِ وَ ما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما یَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ )(1)هَذِهِ الآية بمفردِها احتت عَلَی مفاد حديث الثقلين ودالّة عَلَی أنَّ القُرْآن يقسّم إلی مُحكمات: ( هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ) وأنَّ المُحكمات وتأويل المُتشابهات لا يقتدر عَلَیْهِ إلَّا كَمَا فِی الآية: (اَلرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ ) واو استئنافية، لَكَانَ هَذَا مُوجباً لتعطيل القُرْآن، لماذا؟

لِأنَّ فِی القُرْآن مُتشابه، لا يعلمه إلَّا الله أمَّا خلقه فمحجوبون عَنْ العلم بتأويله، فشطر وافر مِنْ القُرْآن الكريم سيكون مُعطّلاً، وتعطيل بَعْض الكتاب باطل بضرورة القُرْآن، والدِّین الحنيف القُرْآن إنما أُنزل لا لكي یُعطّل، فَإذَنْ الواو عاطفة هُنَا، مُضافاً إلی التعبير بِهَذَا الوصف (اَلرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ ) القُرْآن الكريم الذي يقول: (وَ یَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّی وَ ما أُوتِیتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِیلاً ) (2)يصف هَذِهِ الثِلَّة فِی هَذِهِ الأُمَّة أنَّها راسخ علمها، ورسوخ العلم هُوَ بإحاطته وشموليته.

وَمِنْ الواضح أنَّ هَذِهِ الثِلَّة وَهَذِهِ الجماعة فِی هَذِهِ الأُمَّة باقية عَلَی مَرَّ زمن بقاء القُرْآن وَإلَّا للزم تعطيل الكتاب فَهُنَاك ثِلَّة هِیَ العالمة بتمام التأويل، وَهَذَا المفاد للآية یَدُلّ أیْضَاً عَلَی أنَّ الإحاطة بتمام المُحكمات القُرآنية غَیْر مُمكنة لعموم النَّاس مِنْ دون الاستعانة بهذه الثِلَّة (اَلرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ )؛ لِإنَّهُ لو أحاط شخص بالمُحكمات تماماً مِنْ غَیْر هؤلاء الجماعة الَّتِی هِیَ الراسخة فِی العلم لما بقي عَلَیْهِ مُتشابه لاستطاعته عِبْر الإلمام بكُلِّ المُحكمات أنْ یُفسِّر كُلّ المُتشابه وَهَذَا باطل؛ إنَّ المُتشابه لا يمكن معرفته إلَّا


1) (1) سورة آل عمران: الآية 7.

2) (1) سورة الإسراء: الآية 85.

بمعرفة تمام المُحكم، وتمام المُحكم لا يمكن معرفته إلَّا الراسخون فِی العلم.

وَهَذَا المفاد للآية هُوَ عين مفاد حديث الثقلين، واللطيف أنَّ هَذِهِ الآية تدلُّ عَلَی أنَّ المُحكمات هِیَ: (أُمُّ الْكِتابِ ) ، وأُمُّ الكتاب قَدْ ذكر فِی سورة الرعد الآية 39 وأنَّ فِی أُمّ الكتاب - وَهِیَ مُحكمات الكتاب - مُستطر فيه كُلّ شيء: (یَمْحُوا اللّهُ ما یَشاءُ وَ یُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) ، وأُمّ الكتاب قَدْ أُشير لها فِی سورة آل عُمران، هِیَ مُحكمات القُرْآن، وَهَذِهِ المُحكمات الَّتِی هِیَ أُمّ الكتاب، إنما يحيط بها لمعرفة سائر المُتشابه (اَللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ ) عَلَی أيّة حال هَذِهِ طائفة أُخري مِنْ طوائف حديث الثقلين.

ينضمّ إلی هَذِهِ الطائفة أیْضَاً أو يفرز ولِكُلِّ وجه الآية 83 فِی سورة النساء (وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَی الرَّسُولِ وَ إِلي أُولِی الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِینَ یَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) تشير ظاهر الآية إلی أنَّ هُنَاك ثِلَّة فِی هَذِهِ الأُمَّة هِیَ أُولي الأمر، لا يستعصي عَلَیْهَا استنباط أيّ حكم فِی أيّ نازلة تنزل بهذه الأُمَّة إلی یَوُم القيامة، نازلة فِی أبواب المعارف، نازلة فِی الفروع الفقهية، نازلة فِی الآداب، نازلة فِی السير وأيّ مسير، أو أيّ صعيد وَأيّ علم، هُنَاك ثِلّة هِیَ تتلوا الرسول(صلي الله عليه و آله)، تلك الثِلّة فِی هَذِهِ الأُمَّة هِیَ الَّتِی لا يستعصي عَلَیْهَا استنباط حُكم النازلة الَّتِی تنزل بالمُسلمين مِنْ القُرْآن الكريم، وَمِنْ الواضح حِینَئِذٍ تطابقها مَعَ نفس سورة آل عمران: (وَ ما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ ) هَذِهِ طائفة خامسة.

عَلَی أيّة حال فَقَدْ تكرّرت الإشارة فِی القُرْآن الكريم فِی آيات أُخري أنَّ هُنَاك ثِلّة فِی هَذِهِ الأُمَّة أوتيت العلم، كَمَا فِی سورة الحج الآية 54: (وَ لِیَعْلَمَ الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَیُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَ إِنَّ اللّهَ لَهادِ الَّذِینَ آمَنُوا إِلي صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ )، وفي سورة سبأ الآية 6: (وَ یَرَی الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِی أُنْزِلَ إِلَیْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ ) فأُسندت الرؤية إلی الوحي النازل، (أُنْزِلَ إِلَیْكَ مِنْ رَبِّكَ ) و ( وَ یَرَی الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِی أُنْزِلَ إِلَیْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ )، وَهَذَا المفاد نظير ما فِی قوله تَعَالَی فِی سورة العنكبوت الآية 49: ( بَلْ هُوَ آياتٌ بَیِّناتٌ فِی صُدُورِ الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ ما یَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ )، أيّ: الكتاب جميعه آيات بيّنات فِی صدور تلك الثِلّة الَّذِیْنَ أوتوا العلم، والحاصل أنَّ هُنَاك طوائف عديدة أشارت إليها روايات أهل البيت(عليهم السلام)، وأنَّ حديث الثقلين لَیْسَ فَقَطْ حديث نبويّ، وإنَّما حديث الثقلين هُوَ مفاد قُرآني، حدّث به القُرْآن الكريم فِی العديد مِنْ طوائف آياته، وفي حديث الثقلين تركيز عَلَی أنَّ حُجِّیَّة هَذِهِ الثِلّة وَهَذِهِ الجماعة فِی هَذِهِ الأُمَّة، حُجّيتها وسنخ حُجّيتها، وعلمها وسنخ علمها هُوَ مِنْ نمط وسنخ عدله، هُوَ علم الكتاب، وسنخ العدل يعني كحُجّية الكتاب، والكتاب قَدْ وصف بأوصاف ملكوتية غيبية لدُنّية عديدة فِی فِی القُرْآن الكريم، وَكُلّ صغير وكبير مستطر، وما مِنْ غائبة فِی السماء والأرض إلَّا فِی كتاب مُبين، وعنده أُمّ الكتاب، ولا رطب ولا يابس إلَّا فِی كتاب مُبين، ولا أصغر مِنْ ذَلِكَ ولا أكبر إلَّا فِی كتاب مُبين، ولو أنَّ قُرآناً سُیّرت به الجبال أو قُطّعت به الأرض أو كُلِّم به الموتي، وإلي ما شاء الله مِنْ الصِّفات.

فالقُرآن الكريم بلحاظ منازله الغيبية قَدْ وصف بأوصاف عديدة مِنْ العلم الإحاطي، وأيّاً ما كَانَ فعلم هَذَا الكتاب موجود لدي الثِلّة مِنْ هَذِهِ الأُمَّة.

فَهَذَا مفاد وبيان إجمالي مِنْ آيات الثقلين نُسمّيها بآيات الثقلين.

فَإذَنْ آيات الثقلين تشرّفنا وتطلّعنا إجمالاً عَلَی وجود ثِلَّة فِی هَذِهِ الأُمَّة علمها لَیْسَ مِنْ نمط العلم الحسّي، بَلْ لدُنّي؛ لِأنَّ هَذَا العلم قَدْ تعلَّق بالكتاب وَقَدْ ذكر أنَّ الكتاب فِی (كنْ) غيبي فِی سورة الواقعة: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِیمٌ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِینَ ) (1)فَهَذَا لا يتوصّل إليه بالعلم الحسّي، عَلَی أنِّ العلم الذي للمعصوم علم الإمام، لَیْسَ هُوَ مِنْ قبيل علم النُبُوَّة، ولا هُوَ مِنْ قبيل علم الرواة وَالفُقَهَاء؛ لِإنَّهُ علم حسّي اكتسابي، وإنَّما هُوَ علم لدُنّي.

وَهُنَاك آيات عديدة دالَّة عَلَی أنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يزقّ ويوهب ویُحبي ویُعطي أولياءه الحُجج العلوم اللّدُنّية، وَلَیْسَ هَذَا نوع مِنْ التأليه، ولا نوع مِنْ الغُلو، ولا نوع مِنْ الباطنية المهلوسة، أمَّا عدم الغُلو؛ فلأن الآيات تُصرِّح بأن هنالك أولياء لله حُجج مِنْ الأنبياء وَغَیْر الأنبياء قَدْ أعطوا هَذَا العلم اللّدُنّي فأيّ غلو؟! وَلَیْسَ فِیهِ أيّ تجاوز عَنْ مقام المخلوقية، وأمَّا عدم هلوسة الباطنية، فَمِنْ جهة أنّنا لا نتّبع إلَّا موازين الظاهر، والمُتّفق عَلَیْهَا مِنْ موازين علوم الأدب واللغة.


1) (1) سورة الواقعة: الآية 77 - 87.

كَمَا أنَّ هُنَاك قائمة مِنْ الآيات دالَّة عَلَی أنَّ هُنَاك بشراً علومهم علوم لدُنّية، وليست علوماً حسّية، وليست علوم نبوّة هَذِهِ القائمة تعدادها مذكور فِی جملة مِنْ السور والآيات مِنْهَا كمثال وعيّنة فِی سورة لُقمان: (وَ لَقَدْ آتَیْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ ) هَذَا الإيتاء لَیْسَ إيتاءً حسّياً، فعلم لقمان مَعَ أنَّهُ لَیْسَ بنبي، وَمِنْ المُسلّمات بَیْنَ المُسْلِمِین أنَّ لقمان لَیْسَ بنبيّ، لكنَّ علم لقمان لَیْسَ علم الرواة، وعلم لقمان لَیْسَ علم الفُقَهَاء حسّياً منشأه كسبياً، لا، وَلَیْسَ هُوَ نبوّة مِنْ النبوّات.

وإذا قُلْنَا بأن علم الإمام علم لدُنّي، وَلَیْسَ بنبوّة ولا بعلم حسّي، لَمْ نكن قَدْ أحدثنا قولاً مبتدعاً، إلَّا أنْ نرفع اليد عَلَی الاعتقاد بالقُرآن الكريم، والكتاب العزيز يطّلعنا فِی سورة لُقمان أنَّ هُنَاك حكمة وهبيّة وعلماً لدُنّياً، وأحد أقسام العلم اللّدُنّي الذي یُعطي هُوَ الحكمة، وإذا كَانَ الشأن فِی لقمان كَذَلِكَ فكيف بالأئِمَّة الَّذِیْنَ جعلهم الله حُججاً؟! لِأنَّ المفروض فيما نَحْنُ فيه أنَّهُ قَدْ فرغنا الأدلّة مِنْ القُرْآن والسُّنّة القائمة عَلَی إمامتهم، وموضع البحث هُوَ فِی علمهم بَعْدَ الفراغ عَنْ الأدلَّة الدَّالَّة عَلَی إمامتهم وحُجّيتهم، فإذا كَانَ لُقمان لَیْسَ بنبيّ ولا وصيّ وَمَعَ ذَلِكَ بيّن القُرْآن الكريم أنَّهُ قَدْ أُعطي علماً لدُنّياً وَلَیْسَ علماً كسبيّاً، فكيف بأولياء الله الحُجج؟! بَلْ فِی الحقيقة هَذِهِ الآيات فِی العلم اللّدُنّي هِیَ بنفسها أدلَّة مُستقلة عَلَی منصب الإمامة الإلهية المُغاير لمنصب النُبُوَّة والرسالة.

وخاطبنا القُرْآن الكريم (كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْیَقِینِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِیمَ ) وَلَمْ يقل كلّا لو كُنْتُم آلهة لعلمتم علم اليقين وترونّ الجحيم،

لَمْ يخاطبنا القُرْآن الكريم بذلك، فَلَیْسَ علم اليقين عنواناً لدعوي الأُلوهية، ولا يخاطبنا فِی هَذِهِ السورة: كَلّا لو كُنْتُم أنبياء لعلمتم علم اليقين وترونّ الجحيم، بَلْ خاطبنا بهذه العبارة: (كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْیَقِینِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِیمَ) فَهُنَاك سنخ مِنْ العلم يثبته القُرْآن الكريم هُوَ علم اليقين، الذي لَیْسَ بعلم كسبي ولا حسّي، وَهَذَا العلم لَهُ مثل هَذِهِ الآثار، وَهَذَا سنخ مِنْ العلم اللّدُنّي يثبته القُرْآن الكريم لخاصّته مِنْ البشر، لا لِكُلِّ البشر.

فالعلم اللّدُنّي إذَنْ إذَنْ لَیْسَ فيه أيّ غُلو أو أيّ هلوسة باطنية، وَعَلَی أيّ حال أستعرض آيات عديدة بصورة سرديّة إجمالية وأنهي الحديث:

ففي سورة البقرة يقول عَزَّ مِنْ قائل: إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً ) (1)وَلَمْ یَقُل: وَإذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إنِّی جاعل فِی الأرض نبيّاً، لا، إنِّی جاعلٌ فِی الأرض رسولاً، لا، إنِّی جاعل فِی الأرض آدم خليفة، لا قضية حقيقية عمومية كُلِّیة، هَذَا الخليفة الإلهي الذي أخبر الله به ملائكته، وأتبع به ملائكته، وأسجد لَهُ ملائكته، هَذَا الخليفة ما هُوَ أبرز شيء فِی خلافته؟

هُوَ الذي ذكرناه فِی مُستهل الحديث علمه: (وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها )(2)، هَذَا العلم لَیْسَ بنبوّة وإنباء هَذَا علم لدُنّي، علم الأسماء الجامع، وَهَذَا المقام هُوَ منصب الإمامة والخلافة الإلهية فِی الأرض الذي لا


1) (1) سورة البقرة: الآية 30.

2) (2) سورة البقرة: الآية 31.

ينقطع ولا يزول، وَهُوَ الذي تعتقده الإمامية، والذي هُوَ يُغاير منصب النُّبُوَّة والرسالة، ومقام خليفة الله فِي أرضه، وقوام خلافة خليفة الله فِي أرضه، هُوَ علمه بالأَسماء الجامعة.

وكذلك في سورة يوسف إشارة إلى علوم لَدُنِّيَّة أُخرى: وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ(1)هَذَا العلم لَيْسَ بالنبوّة التشريعية، علم تأويل الأحاديث الذي حبى به يُوسف لَيْسَ مِنْ العلم التشريعي وَالنُّبُوَّة، وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ.

وكذلك في سورة الكهف: فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا ءاتَيْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَـٰهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا(2)في شأن صاحب موسى الخضر، ولَمْ يُقُل وجعلناه نبيّاً وعلمناه علماً لَدُنِّيّاً.

وكذلك في سورة الأنبياء: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ(3)لَيْسَ نبوّة تشريعية.

وكذلك في سورة النمل: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ(4)، وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ(5).


1) (١) سورة يوسف: الآية ٦.

2) (٢) سورة الكهف: الآية ٦٥.

3) (٣) سورة الأنبياء: الآية ٧٩.

4) (٤) سورة النمل: الآية ١٥.

5) (٥) سورة النمل: الآية ١٦.

وَأَيْضاً فِي قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي شَأْنِ داوُودَ: وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَاءُ(1)وَأَيْضاً فِي طالُوتَ: إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُۥ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ(2)، أَيْ: بَسَطَ لَهُ الْعِلْمَ اللَّدُنِّيَّ.

وَهٰذِهِ نُبْذَةٌ عَمَّا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مِنْ إِشَارَةٍ وَإِثْبَاتٍ لِعِلْمٍ لَدُنِّيٍّ يُبايِنُ النُّبُوَّةَ وَيُبايِنُ الْعِلْمَ الْحِسِّيَّ، هٰذِهِ آياتٌ بَيِّنَةٌ وَمَفادُها هُوَ الظّاهِرُ الأَوَّلِيُّ الٱبْتِدائِيُّ فِي دَلالَةِ الآياتِ، لا أَنَّنا نَتَأَوَّلُها أَوْ نَبْطُنُها أَوْ ما شابَهَ ذٰلِكَ، مَوازِينُ الظّاهِرِ نَنْضِدُها نَضْداً سَلِيماً، فَتَرَىٰ أَنَّ الْقُرْآنَ يُثْبِتُ مَقاماً وَعِلْماً هُوَ غَيْرُ النُّبُوَّةِ، وَغَيْرُ الْعِلْمِ الْحِسِّيِّ، هُوَ عِلْمٌ لَدُنِّيٌّ لِجَماعَةٍ وَثُلَّةٍ مِنْ أَوْلِيائِهِ الْحُجَجِ.


1) (١) سورة البقرة: الآية ٢٥١.

2) (٢) سورة البقرة: الآية ٢٤٧.

الصورة

الصورة