ghaemiyeh.com
سرشناسه:شوشتری، محمدتقی، ۱۳۷۴ - ۱۲۸۲
عنوان و نام پديدآور:بهج الصباغه فی شرح نهج البلاغه [علیبن ابیطالب(ع)]/ المصنف محمدتقی التستری
مشخصات نشر:دار امیرکبیر للنشر- بیروت - لبنان- 1376.
وضعیت فهرست نویسی:فهرستنویسی قبلی
عنوان دیگر:نهج البلاغه
موضوع:علیبن ابیطالب(ع)، امام اول، ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق. نهج البلاغه -- نقد و تفسیر
شناسه افزوده:علیبن ابیطالب(ع)، امام اول، ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق. نهج البلاغه. شرح
رده بندی کنگره:BP۳۸/۰۲/ش۹
رده بندی دیویی:۲۹۷/۹۵۱۵
شماره کتابشناسی ملی:م۷۲-۸۰۹
بهج الصباغه فی شرح نهج البلاغه [علیبن ابیطالب(ع)]
المصنف محمدتقی التستری
في الخطبة(1)
وَ خَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الْأَنْبِيَاءُ فِي أُمَمِهَا- إِذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً بِغَيْرِ طَرِيقٍ وَاضِحٍ وَ لاَ عَلَمٍ قَائِمٍ- كِتَابَ رَبِّكُمْ فِيكُمْ مُبَيِّناً حَلاَلَهُ وَ حَرَامَهُ- وَ فَرَائِضَهُ وَ فَضَائِلَهُ وَ نَاسِخَهُ وَ مَنْسُوخَهُ- وَ رُخَصَهُ وَ عَزَائِمَهُ وَ خَاصَّهُ وَ عَامَّهُ- وَ عِبَرَهُ وَ أَمْثَالَهُ وَ مُرْسَلَهُ وَ مَحْدُودَهُ- وَ مُحْكَمَهُ وَ مُتَشَابِهَهُ مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ وَ مُبَيِّناً غَوَامِضَهُ- بَيْنَ مَأْخُوذٍ مِيثَاقُ عِلْمِهِ وَ مُوَسَّعٍ عَلَى الْعِبَادِ فِي جَهْلِهِ- وَ بَيْنَ مُثْبَتٍ فِي الْكِتَابِ فَرْضُهُ- وَ مَعْلُومٍ فِي السُّنَّةِ نَسْخُهُ- وَ وَاجِبٍ فِي السُّنَّةِ أَخْذُهُ- وَ مُرَخَّصٍ فِي الْكِتَابِ تَرْكُهُ- وَ بَيْنَ وَاجِبٍ بِوَقْتِهِ وَ زَائِلٍ فِي مُسْتَقْبَلِهِ- وَ مُبَايَنٌ بَيْنَ مَحَارِمِهِ مِنْ كَبِيرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ- أَوْ صَغِيرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ- وَ بَيْنَ مَقْبُولٍ فِي أَدْنَاهُ مُوَسَّعٍ فِي أَقْصَاهُ «و خلف» نبيّنا صلى اللّه عليه و آله.
«فيكم ما خلفت الأنبياء في أممها» ما يتم به الحجّة عليهم .
«إذ لم يتركوهم هملا» أي:سدى كدابة تركوها ترعى ليلا و نهارا بلا راع.
«بغير طريق واضح» ليسلكوه.
«و لا علم» أي:راية.
«قائم» ليؤمّوه فلم يخلفهم كباقي الأنبياء بغير علم لكن كثيرا منهم لم يتركوا غير وصي و نبينا صلى اللّه عليه و آله خلف في امته كتابا و أوصياء.
روى مسلم في(صحيحه)،عن زيد بن أرقم قال:قام فينا النبي صلّى اللّه عليه و آله خطيبا بماء تدعى خما بين مكة و المدينة فحمد اللّه و أثنى و وعظ و ذكر-ثم قال:أيها الناس انّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب،و أنا تارك فيكم الثقلين أوّلهما كتاب اللّه فيه النور فخذوا به و استمسكوا به-فحث على كتاب اللّه و رغب فيه-ثم قال:و أهل بيتي اذكّركم اللّه في أهل بيتي،اذكّركم اللّه في أهل بيتي .
«كتاب ربكم فيكم مبينا» هكذا في(المصرية)و الصواب:(كتاب ربكم مبينا)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية)و لأن(كتاب)بدل من(ما) فلا معنى لكلمة(فيكم)قال تعالى: «وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ» (1)
النحل:89. [1]
- «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» (2).«حلاله و حرامه» «قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ أَنْ تَقُولُوا»
«عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» (1)
الاعراف:33. [1]
«وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ» (2)- «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ» (3).«و فرائضه و فضائله» من الصلاة و الصيام و الخمس و الزكاة و الحج و الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و غيرها،و الانفاق و التفضل و العفو و غيرها.
«و ناسخه و منسوخه» قال القمي في(تفسيره):كانت عدّة النساء في الجاهلية في الوفاة سنة فلمّا بعث النبي صلّى اللّه عليه و آله تركهم على ذلك و انزل: «وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ» (4)فكانت العدّة حولا فلمّا قوى الاسلام أنزل: «وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً» (5)فنسخت الأولى-و مثله ان المرأة كانت في الجاهلية إذا زنت تحبس في بيتها حتى تموت،و الرجل يؤذى فأنزل تعالى في ذلك: «وَ اللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً» (6)-و في الرجل: «وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللّهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً» (7)فلمّا قوى الاسلام أنزل تعالى في ذلك:
«الزّانِيَةُ وَ الزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» (1)
النور:2. [1]
فنسخت هذه تلك و مثله كثير-و آية نصفها منسوخة و نصفها متروكة على حالها و ذلك ان المسلمين كانوا ينكحون نساء أهل الكتاب و ينكحونهم فأنزل تعالى «وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَ لا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكُمْ» (2)فنهى اللّه أن ينكح المسلم المشركة أو ينكح المشرك المسلمة ثم نسخ(و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن)بقوله في المائدة:«أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» (3)و ترك «وَ لا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا» (4)لم ينسخ لأنّه لا يحلّ للمسلمة أن تنكح المشرك و يحل للمسلم أن يتزوج المشركة من اليهود و النصارى.
«و رخصه و عزائمه» قسّم القمي في(تفسيره)الرخصية إلى رخصة بعد عزيمة و رخصة مخيّر صاحبها بين الفعل و الترك،و رخصة باطنها خلاف ظاهرها-و قال في الأولى:ان اللّه تعالى فرض الوضوء و الغسل بالماء فقال:
«إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ» ...-إلى- «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» (5)ثم رخّص لمن لم يجد الماء التيمم بالتراب فقال: «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا»
«ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ» (1)
المائدة:43. [1]
و مثله قوله:«حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى وَ قُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ» (2)ثم رخّص فقال «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً» (3)و قال: «فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِكُمْ» (4)فقال العالم عليه السّلام الصحيح يصلّي قائما، و المريض جالساً فمن لم يقدر فمضطجعا و هذه رخصة بعد العزيمة-و قال في الثانية و اما الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار ان شاء أخذ و ان شاء ترك فان اللّه تعالى رخّص أن يعاقب الرجل الرجل على فعله به فقال «وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّهِ» (5)فهذا بالخيار ان شاء عاقب و ان شاء عفا-و قال في الثالثة و اما الرخصة التي ظاهرها خلاف باطنها يعمل بظاهرها و لا يدان بباطنها فانّه تعالى نهى ان يتخذ المؤمن الكافر وليّاً فقال:
«لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ» (6)ثم رخّص عند التقية ان يصلّي بصلاته و يصوم بصيامه و يعمل بعمله في ظاهر و ان يدين اللّه في باطنه بخلاف ذلك فقال: «إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً» (7)فهذا تفسير الرخصة،و معنى قول الصادق عليه السّلام ان اللّه تعالى يحب ان يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه.
«و خاصه و عامه» قسّم القمي في(تفسيره)العام و الخاص بما لفظه عام
و معناه خاص كقوله تعالى: «يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ» (1)
البقرة:47. [1]
قال:انما فضلهم على عالمي زمانهم بأشياء خصصهم بها و بالعكس كقوله تعالى: «مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً» (2)لفظه خاص في بني إسرائيل و معناه عام في الناس كلّهم.«و عبره» قال(خو)كقوله تعالى: «فَأَخَذَهُ اللّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى» (3)و كقوله تعالى: «يُقَلِّبُ اللّهُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ» (4)و كقوله تعالى «وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشّارِبِينَ» (5).
قلت و كقوله تعالى في آخر قصة يوسف: «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ» (6)و كقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللّهِ فَأَتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ» (7)و كقوله تعالى: «قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَ أُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَ اللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً»
«لِأُولِي الْأَبْصارِ» (1)
آل عمران:13. [1]
.«و أمثاله» قال الخوئي كقوله تعالى «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً» (2)- «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ» (3).
قلت و كقوله تعالى «وَ لَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً» (4)-و كقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَ اللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» (5).
«وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (6)«أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَ أَصابَهُ الْكِبَرُ وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ» (7).
و كقوله تعالى مشيرا إلى المنافقين: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً»
«فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ» (1)
البقرة:17. [1]
«صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ» (2)«أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ» (3)«يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (4).و كقوله تعالى: «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (5).
و كقوله تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» (6).
و كقوله تعالى «كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ» (7).
و كقوله تعالى: «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً»
«مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (1)
الحشر:21. [1]
- «وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَ نِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ» (2).و كقوله تعالى مشيرا إلى الكفّار «مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ» «الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَ ما ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَ لكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (3).
و كقوله تعالى: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَ رِضْوانٌ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ» (4).
و كقوله تعالى: «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَ أَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَ أَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَ أَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَ لَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ وَ سُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ» (5).
«إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَ الْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها» «لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ»
«كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (1)
يونس:24. [1]
.«وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَ كانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً» (2)، - «لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَ لِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى» (3).
«مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَ الْأَصَمِّ وَ الْبَصِيرِ وَ السَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَ فَلا تَذَكَّرُونَ» (4)- «يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ» (5).
«اللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَضْرِبُ اللّهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (6).
«و مرسله و محدوده» المرسل كقوله تعالى: «وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ» (7)و المحدود كقوله تعالى: «وَ رَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» (8)و روى ان ابن مسعود أفتى بجواز نكاح أم غير المدخولة
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام من أين قلت ذلك؟فقال:من قوله تعالى:
«وَ رَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» (1)
النساء:23. [1]
فقال عليه السلام:ان هذه الآية مستثناة و آية «وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ» (2)مرسلة.و من أمثلة المرسل قوله تعالى في كفّارة اليمين: «أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» (3)و في كفارة الظهار: «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا» (4)- و من أمثلة المحدود قوله تعالى في دية القتل الخطأ في مواضع ثلاثة: «وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» (5).
«و محكمه» مثل القمي له بآية الوضوء و آية تحريم الميتة و الدم و لحم الخنزير و آية تحريم الامهات و باقي المحارم النسبية و الصهرية و الرضاعية و قال و مثله كثيرا ممّا استغنى بتنزيله عن تأويله.
«و متشابهه» قال القمي:المتشابه ما لفظه واحد و معناه مختلف،منه الفتنة التي ذكرها اللّه في القرآن فمنها عذاب و هو قوله: «يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ» (6)و قوله: «وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ» (7)و هي الكفر و منه الحبّ
كقوله تعالى: «أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ» (1)
الانفال:28. [1]
و منه اختبار و هو قوله تعالى: «الم أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ» (2)-و منه الحق و هو على وجوه كثيرة-و منه الضلال و هو على وجوه كثيرة فهذا من المتشابه الذي لفظه واحد و معناه مختلف.هذا،و لم يكن أحد عالما بجميع ما في الكتاب ممّا عدّه عليه السلام من حلاله و حرامه،و فرائضه و فضائله،و ناسخه و منسوخه،و رخصه و عزائمه، و خاصه و عامه،و عبره و أمثاله،و مرسله و محدوده،و محكمه و متشابهه، غيره عليه السلام روى العياشي في(تفسيره)عن الأصبغ قال:قدم علي عليه السلام الكوفة فصلّى بهم أربعين صباحا يقرأ بهم «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» (3)فقال المنافقون:لا و اللّه ما يحسن ابن أبي طالب أن يقرأ القرآن و لو أحسن لقرأ بنا غير هذه السورة فبلغه ذلك،فقال:ويل لهم اني لأعرف ناسخه من منسوخه، و محكمه من متشابهه،و فصله من وصله،و حروفه من معانيه،و اللّه ما من حرف نزل على محمّد صلّى اللّه عليه و آله إلاّ و اني أعرف في من نزل و في أي موضع نزل! و عن سليم بن قيس قال:سمعت عليا عليه السّلام يقول:ما نزلت آية على النبي صلّى اللّه عليه و آله إلاّ أقرأنيها و أملاها عليّ فكتبتها بخطي و علّمني تأويلها و تفسيرها،و ناسخها و منسوخها،و محكمها و متشابهها،و ما ترك شيئا علّمه اللّه من حلال و لا حرام،و لا أمر و لا نهي كان أو يكون،من طاعة أو معصية إلاّ علمنيه و حفظته (4)-الخبر-
«مفسرا» حال من(كتاب ربكم)كقوله(مبينا حلاله و حرامه).
«مجمله» هكذا في(المصرية)و الصواب:(جمله)كما في(ابن أبي الحديد و الخطّية)فتكون جمع الجملة بمعنى المجمل بقرينة(غوامضه)بعد.
«و مبيّنا غوامضه» قال القمي:اما ما تأويله مع تنزيله فمثل قوله:
«أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (1)
النساء:59. [1]
فلم يستغن الناس بتنزيل الآية حتى فسّر لهم النبي صلّى اللّه عليه و آله من أولوا الأمر-و مثل قوله تعالى:«اتَّقُوا اللّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ» (2)فلم يستغن الذين سمعوا هذا من النبي صلّى اللّه عليه و آله بتنزيل الآية حتى عرفهم النبي صلّى اللّه عليه و آله من الصادقون-و مثل قوله:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (3)فلم يستغن الناس الذين سمعوا هذا من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتى اخبرهم كم يصومون-و كقوله تعالى: «وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ» (4)فلم يستغن الناس بهذا حتى اخبرهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كم يصلّون و كم يزكّون .
«بين ماخوذ ميثاق في علمه» هكذا في(المصرية)و الصواب: (بين ماخوذ ميثاق علمه) كما في(ابن أبي الحديد و الخطية و ابن ميثم).
«أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ» (5)«وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ» (6)«وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ»
«النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» (1)
آل عمران:81-82. [1]
.«و موسع على العباد في جهله» أخذ جلّ و عزّ معرفته وجوده عليهم و وسّع عليهم جهلهم بكنه ذاته لقصورهم عن فهمه قال تعالى: «وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى» (2)فسر في الخبر انّه إذا انتهى الكلام إليه تعالى يجب الامساك و انّ قوما تكلتموا في ذاته تعالى فباهت عقولهم حتى كان الرّجل ينادي من بين يديه فيجيب من خلفه و ينادى من خلفه فيجيب من بين يديه-و مثل(ابن أبي الحديد)له بفواتح السّور و(الخوئي)بمتشابهات القرآن .
«و بين مثبت في الكتاب فرضه و معلوم في السنة نسخه» قال ابن أبي الحديد نسخ السنّة في رجم الزّاني المحصن،الكتاب في قوله: «فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ» (3)قد عرفت انّ آية «فَأَمْسِكُوهُنَّ» (4)نسخت بآية «الزّانِيَةُ» (5)و انّما الرّجم غير مذكور في الكتاب بل في السنة و غاية ما يمكن ان يقال:انّ السنة نسخت عموم «فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» (6)إذا لم نقل بان المحصن عليه الجلد أيضا .
«و واجب في السنة اخذه و مرخص في الكتاب تركه» قال ابن أبي
الحديد مثل صوم يوم عاشورا كان واجبا بالسنّة ثم نسخة صوم شهر رمضان الواجب بنص الكتاب.
و قال الخوئي كالتوجه في الصلاة اولا إلى بيت المقدس بالسنة المنسوخ بقوله تعالى: «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (1)
البقرة:144. [1]
و كحرمة مباشرة النساء في الليل على الصائمين المنسوخ بقوله تعالى: «فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ» (2).قلت و كحرمة الاكل بعد صلاة العشاء إذا نام في ليل شهر رمضان في السنة،المنسوخة بقوله تعالى: «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ » (3).
«و بين واجب بوقته» و في(ابن أبي الحديد)(لوقته).
«و زائل في مستقبله» كزكاة الفطرة تسقط إذا لم تؤدّ في وقتها-و اما صلاة الجمعة فبدل بعد وقتها بصلاة الظهر.
ثم الظاهر.ان في الكلام سقطا لان المقام مقام التفضيل بين شيئين الا ان يقال ان الشق الاخر و هو الواجب في الوقت و خارجه كالصلوات اليومية لم يذكر لمعلوميته .
«و مباين بين محارمه» قال ابن أبي الحديد:يجب رفع(مباين)خبرا لمحذوف و لا يجوز جره بالعطف على ما قبله لانه ليس في القرآن مباين و غير مباين.
و قال ابن ميثم:عطف على المجرورات السابقة و في معنى الكلام
و تقديره لطف فان المحارم لمّا كانت هي محال الحكم المسمى بالحرمة صار المعنى(و بين حكم مباين بين محاله).
و قال الخوئي:انه مجرور لجواز اضافة بين إلى(شيء)يقوم مقام شيئين كقوله تعالى: «عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ» (1)
البقرة:68. [1]
و كقول امريء القيس(بين الدخول فحومل)لكون الدخول اسم مواضع.قلت اما ما قاله ابن ميثم:ففيه تكلف لا تلطف،و اما ما قاله الخوئي فخبط،لان ما قاله صحيح جواز اضافة(بين)إلى(محارمه)بدون عطف عليه و اما(مباين)فيجب اما رفعه كما قال ابن أبي الحديد و اما تقدير بين له حتى يصح جره كما قال ابن ميثم و حيث ما قاله ابن ميثم تكلف لا يناسب كلامه عليه السلام يتعين رفعه الا ان الظن انه وقع في الكلام تبديل،و ان قوله (و مباين)-إلخ-كان بعد قوله(و بين مقبول في ادناه)إلخ كما لا يخفى.
«من كبير اوعد عليه نيرانه» روى(الكافي)في باب الكبائر عن الجواد عن ابيه عن ابيه عليهم السلام قال:دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد اللّه عليه السّلام فلمّا سلم و جلس تلا قوله «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ» (2)ثم امسك، فقال عليه السلام له:ما اسكتك؟قال احب ان اعرف الكبائر من كتاب اللّه تعالى فقال:
نعم يا عمرو اكبر الكبائر الشرك «مَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (3)ثم اليأس من روح اللّه «لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ» (4)ثم الامن من مكر اللّه تعالى «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ»
«الْخاسِرُونَ» (1)
الاعراف:99. [1]
و عقوق الوالدين فجعل تعالى العاق «جَبّاراً شَقِيًّا» (2)في حكايته عن عيسى عليه السلام «وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا» (3)و قتل النفس بغير الحق «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها» (4)و قذف المحصنات «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» (5)و اكل مال اليتيم «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» (6)و الفرار من الزحف «وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» (7)و اكل الربا «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» (8)و السحر «وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» (9)و الزنا «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ» «وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إِلاّ مَنْ تابَ» (10)و اليمين الغموس «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ» (11)و الغلول «وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ»«الْقِيامَةِ» (1)
آل عمران:161. [1]
و منع الزكاة المفروضة «يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ» (2)و شهادة الزور «وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» (3)و شرب الخمر لانه تعالى عدل به عباده الاوثان-و ترك الصلاة متعمدا أو شيئا ممّا فرض اللّه تعالى لان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:من ترك الصلاة متعمدا من غير علة فقد بريء من ذمة اللّه و ذمة رسوله و نقض العهد و قطيعة الرحم لانه تعالى يقول: «أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّارِ» فخرج عمرو بن عبيد و له صرخة من بكائه،و هو يقول:هلك و اللّه من قال برايه و نازعكم في الفضل و العلم.«أو صغير ارصد له غفرانه» «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً » (4).
«و بين مقبول في ادناه موسع في اقصاه» كالصلوات الخمس تقبل في ادناها بالاقتصار على واجباتها،و موسع في اقصاها بالاتيان بها بآدابها و نوافلها،و قد ذكر(المقنع)و(المقنعة)و(النهاية)آداب الصّلوات الواحدة و الخمسين ركعة.
في الخطبة(129)
(و منها):
وَ كِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ- نَاطِقٌ لاَ يَعْيَا لِسَانُهُ- وَ بَيْتٌ لاَ تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ- وَ عِزٌّ لاَ تُهْزَمُ أَعْوَانُهُ
«و كتاب اللّه بين أظهركم» قال الجزري:(اقاموا بين أظهرهم)أي:اقاموا بينهم على سبيل الاظهار و الاستظهار و الاستناد إليهم (1)
النهاية لابن الأثير 3:166، [1]مادة(ظهر):اسماعيليان:قم.
،ثم كثر حتى استعمل في الاقامة بين القوم مطلقا .«ناطق لا يعيا» أي:لا يعجز.
«لسانه» بخلاف باقي الناطقين فيعيا لسانهم-و في(السير):سمع الوليد بن المغيرة من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قوله تعالى: «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ» (2)فقال:و اللّه ان له لحلاوة،و ان عليه لطلاوة،و ان اعلاه لمثمر،و ان اسفله لمغدق،و ما يقول هذا بشر .
«و بيت لا تهدم اركانه» بخلاف باقي البيوت روى ابن بابويه ان رجلا سأل الصادق عليه السلام ما بال القرآن لا يزداد عند النشر و الدرس الاغضاضة؟ فقال:ان اللّه تعالى لم يجعله لزمان دون زمان،و لا لناس دون ناس،فهو في كل زمان جديد،و عند كل قوم غض إلى يوم القيامة .
«و عز» بالفتح أي:عزيز كما يفهم من المصباح.
«لا تهزم اعوانه» بخلاف باقي الاعزة و عن الثعلبي في تفسير قوله تعالى:
«وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا» (3)عن أبي سعيد الخدري،قال:
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:ايها الناس قد تركت فيكم الثقلين خليفتين،ان اخذتم بهما لن تضلوا بعدي احدهما اكبر من الاخر كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الارض،و عترتي أهل بيتي و انهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض (4).
و عن عليّ عليه السلام:اعلموا ان القرآن هدى الليل و النهار،و نور الليل المظلم
على ما كان من جهد فإذا حضرت بلية فاجعلوا اموالكم دون انفسكم،و إذا نزلت نازلة فاجعلوا انفسكم دون دينكم،و اعلموا ان الهالك من هلك دينه و الحريب من حرب دينه،الا و انه لا فقر بعد الجنة،و انه لا غنى بعد النار،لا يفك اسرها و لا يبرأ جريرها.
هذا،و في(القاموس):العزيز الملك لغلبته على أهل مملكته و لقب من ملك مصر مع الإسكندرية.
هذا،و في(الأغاني)عن بصري قال:نزلنا في ظل حصن من حصون الروم فإذا بقائل من فوق الحصن ينشد ابياتا بالعربية،و يبكي فناديته ايها المنشد فاشرف فقلت من أنت؟قال:من العرب نزلت مكانك هذا فأشرفت على جارية فعشقتها فقالت ان دخلت في ديني فغلب على الشيطان فقبلت،فقلت اكنت تقرأ القرآن؟قال:أي و اللّه لقد حفظته قلت فما تحفظ اليوم منه؟قال:لا شيء الا قوله تعالى: «رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ» (1)
الحجر:2. [1]
قلت:فهل لك ان تعطيهم فداء و تخرج؟ففكر ساعة ثم قال انطلق صحبك اللّه.الخطبة(129)
أيضا (و منها):
وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ- إِلاَّ وَ يَكَادُ صَاحِبُهُ يَشْبَعُ مِنْهُ- وَ يَمَلُّهُ إِلاَّ الْحَيَاةَ فَإِنَّهُ لاَ يَجِدُ لَهُ فِي الْمَوْتِ رَاحَةً- وَ إِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ- الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ الْمَيِّتِ- وَ بَصَرٌ لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ- وَ سَمْعٌ لِلْأُذُنِ الصَّمَّاءِ- وَ رِيٌّ لِلظَّمْآنِ وَ فِيهَا الْغِنَى كُلُّهُ وَ السَّلاَمَةُ- كِتَابُ اللَّهِ تُبْصِرُونَ بِهِ- وَ تَنْطِقُونَ بِهِ وَ تَسْمَعُونَ بِهِ- وَ يَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ- وَ يَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى
1) 1)
بَعْضٍ- وَ لاَ يَخْتَلِفُ فِي اللَّهِ- وَ لاَ يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللَّهِ- قَدِ اصْطَلَحْتُمْ عَلَى الْغِلِّ فِيمَا بَيْنَكُمْ- وَ نَبَتَ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِكُمْ- وَ تَصَافَيْتُمْ عَلَى حُبِّ الْآمَالِ- وَ تَعَادَيْتُمْ فِي كَسْبِ الْأَمْوَالِ- لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكُمُ الْخَبِيثُ وَ تَاهَ بِكُمُ الْغُرُورُ- وَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وَ أَنْفُسِكُمْ أقول:قال ابن أبي الحديد هذا الفصل من فصول أربعة:الاولى من اوله إلى قوله(راحة)الثاني إلى قوله(و السلامة)و الثالث من قوله(كتاب اللّه)إلى (عن اللّه)و الرابع من(قد اصطلحتم)-إلخ-التقطها الرضي على عادته في التقاط ما يستفصحه من كلامه عليه السلام.
قلت:قد عرفت في اول الكتاب ما في رايه في التقاط الرضي رضى اللّه عنه و قلنا ببطلان رايه و ممّا يوضع بطلان نظره هذا العنوان فلو كان يلتقط و لا يتقيد بان يرتبط لم قال في هذا العنوان-أي 129-أربع مرات(منها)(منها)منها هذا العنوان و منها سابقه،و كيف يصح ما قال و لا يحصل فصاحة و لا بلاغة الا بربط المعنى،و اما عدم ربط مواضع الفصل الاربعة فقد قال المصنف (و منها)و لم ينقل سابق العنوان حتى نفسهم الربط و لعله في النسخة تصحيف او كانت نسخة ما نقل عن المصنف مصحفة و بعضهم تكلف للربط.
«و اعلموا ان ليس من شيء الا و يكاد صاحبه ان يشبع منه و يمله الا الحياة» و هو امر وجداني لا يحتاج إلى برهان،و قد قال تعالى «قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ» (1)
الجمعة:8. [1]
.و حتى ان الانبياء كانوا محبين الحياة،فروى(الكافي)عن الصادق عليه السلام ان آدم لمّا عرض عليه ولده نظر إلى داود فاعجبه فزاده خمسين سنة من عمره فنزل عليه جبرئيل و ميكائيل فكتب عليه ملك الموت صكا بالخمسين
1) 1)
سنة فلمّا حضرته الوفاة نزل عليه ملك الموت فقال آدم:قد بقي من عمري خمسون سنة،فقال فاين الخمسون الّتي جعلتها لابنك داود فاما ان يكون نسيها او انكرها فنزل عليه جبرئيل و ميكائيل و شهدا عليه فقبضه ملك الموت قال عليه السلام كان اول صك كتب في الدنيا.
و روى(الاكمال)و(الأمالي)عنه عليه السلام ان ملك الموت لمّا جاء إلى موسى عليه السلام لقبض روحه قال من اين تقبض روحي؟قال:من فمك،قال:
كيف؟و قد كلّمت ربّي جلّ جلاله،قال:فمن يديك،قال:كيف؟و قد حملت بهما التوراة قال:فمن رجليك،قال:كيف؟و قد و طات بهما إلى طور سيناء قال:فمن عينيك قال:كيف؟و لم تزل إلى ربي بالرجاء ممدودة قال فمن اذنيك قال:
كيف؟و قد سمعت بهما كلام ربي جلّ و عزّ فاوحى تعالى إليه لا تقبض روحه حتى يكون هو الذي يريد،فخرج و مكث موسى ما شاء اللّه ان يمكث و دعا يوشعا فاوصى إليه و امره بكتمان امره و بان يوصي بعده إلى من يقوم بالامر و غاب عن قومه فمر برجل و هو يحفر قبرا فقال له:ألا اعينك؟فقال:
بلى فاعانه حتى حفر و سوّى اللحد ثم اضطجع فيه موسى لينظر كيف هو فكشف له عن الغطا فرأي مكانه من الجنة فقال يا رب اقبضني إليك فقبض و سوى عليه التراب و كان الذي يحفر القبر ملك في صورة آدمي و كان ذلك في التيه(فصاح صائح من السماء مات موسى كليم اللّه فاى نفس لا تموت)بل ورد ان المؤمن أيضا لا يكره على قبض روحه و لكن يرى درجته حتى يرغب هو.
و اما قول لبيد و كان بلغ مائة و اربعين سنة.
و لقد سئمت من الحياة و طولها و سؤال هذا الناس كيف لبيد
و قول اكثم بن صيفي و قالوا عاش مائة و تسعين سنة.
و ان امرأ قد عاش تسعين حجة إلى مائة لم يسام العيش جاهل
(1)كما في(الاكمال)و قول المستوغر و كان بقي بقاء طويلا.
و لقد سئمت من الحياة و طولها و عمرت من عدد السنين مانيا
مائة اتت من بعدها مائتان لي و ازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي الا كما قد فاتنا يوم يكرّ و ليلة تحدونا
(2)و قول زهير بن جناب حين مضت له مائتان من عمره. لقد عمرت حتى لا أبالي احتفى في صباحي أم مسائي
و حق لمن اتت مائتان عاما عليه ان يمل من الثواء
(3)كما في(الغرر)فمرادهم السئامة من شدائد الشيخوخة لا اصل الحياة قال النابغة الجعدي و كان عمر. لبست اناسا فافنيتهم و افنيت بعد اناس اناسا
(4)و قال هو كما في(الغرر)لأبي العتاهية كما قال ابن أبي الحديد. المرء يهوى ان يعيش و طول عيش ما يضرّه تفنى بشاشته و يبقى بعد حلو العين مرة
و تتابع الأيام حتى ما يرى شيئا يسرّه كم شامت لي أن هلكت و قائل للّه دره
و سمع زهير بن جناب بعض نسائه تتكلم بما لا ينبغي لامراة ان تتكلم عند زوجها فنهاها فقالت له:اسكت عني،و الا ضربتك بهذا العمود فو اللّه ما كنت اراك تسمع شيئا او تعقله فقال:
فللموت خير من حداج موطا مع الظعن لا يأتي المحلّ لحين
«فانه لا يجد له في الموت راحة» في(شعراء ابن قتيبة)،قال الحطيئة حين موته:احملوني على حمار لعلى انجو،فانه لم يمت عليه كريم ثم قال:
لكل جديد لذة غير أنّني وجدت جديد ف الموت غير لذيد
له خبطة في الحلق ليس بسكرّ و لا طعم راح يشتهى و نبيذ
(1)و مات مكانه .
«و انما ذلك بمنزلة الحكمة» في(المجمع):الحكمة،هي العلم الذي يعمل عليه في ما يجتبى او يجتنب من امور الدين و الدنيا (2).
«التي هي حياة للقلب الميت» قال تعالى: «اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ» (3)- «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ » (4).
«و بصر للعين العمياء» فيجعلها ذات قيمة .
«و سمع للاذن الصماء» فيجعلها مفيدة «و رى للظمآن» فيبقى به حياته .
«و فيها الغني كله و السلامة» من بلاء الدنيا و الاخرة.
في(تفسير القمي)في قوله تعالى: «وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ» (5)«وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» (6).
1) 1) الشعر و الشعراء لابن قتيبة:181،طبع ليدن( [1]1902 م).
2) 2) ذكر الطبرسي في«مجمع البيان»:الحكمة العلم الذي يمكن به،الأفعال المستقيمة 1:233،و ذكر البحراني في «مجمع البحرين»الحكمة:العلم الذي يرفع الإنسان عن فصل القبيح 6:145،المكتبة المرتضوية.
3) 3) الانفال:24. [2]
4) 4) الجمعة:2. [3]
5) 5) لقمان:12. [4]
6) 6) البقرة:269. [5]
عن الصادق عليه السلام كان لقمان رجلا قويا في امر اللّه،متورعا في اللّه ساكتا سكيتا عميق النظر،طويل الفكر،حديد النظر،مستغن بالعبر،لم ينم نهارا قط،و لم يره احد من الناس على بول و لا غائط و لا اغتسال لشدة تستره، و لم يضحك من شيء مخافة الاثم،و لم يغضب قط،و لم يمزح قط،و لم يفرح بشيء من الدنيا،و لا حزن منها على شيء،و قدم اكثر اولاده فرطا،فما بكى على موت احد،و لم يمر برجلين يختصمان او يقتتلان الا اصلح بينهما، و لم يسمع من احد قولا استحسنه الا سأله عن تفسيره و عمن اخذه،و كان يكثر مجالسة الفقهاء و الحكماء،و كان يغشى القضاة و الملوك،فيرثي للقضاة بما ابتلوا به،و يرحم للملوك لغرتهم باللّه،و يتعلم ما يغلب به نفسه و يجاهد هواه،و يحترز به من الشيطان،و كان لا يظعن الا في ما يعنيه،فبذلك اوتي الحكمة،و منح العصمة،فان اللّه تعالى امر طوائف الملائكة حين انتصف النهار،و هدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع و لا يراهم،فقالوا هل لك ان يجعلك اللّه خليفة في الأرض تحكم بين الناس؟فقال:ان امرني ربي بذلك فالسمع و الطاعة و ان فعل بي ذلك اعانني عليه و علمني،و ان هو خيرني قبلت العافية،فقالت الملائكة:لم؟قال لان الحكم بين الناس باشد المنازل من الدين و اكثر فتنا و بلاء يخذل و يغشاه الظلمة من كل مكان و صاحبه فيه بين امرين ان اصاب فيه الحق فبالحرى ان يسلم و ان اخطأ طريق الجنة فتعجبت الملائكة من حكمته فلمّا اخذ مضجعه من الليل انزل اللّه عليه الحكمة فغشاه بها من قرنه إلى قدمه و هو نائم فغطاه بالحكمة فاستيقظ و هو احكم الناس في زمانه فلمّا أوتي الحكمة و لم يقبل الخلافة امر اللّه الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها و لم يشترط فيها كشرط لقمان فاعطاه اللّه الخلافة في الأرض و ابتلي فيها غير مرة-و كان داود يقول له:طوبى لك يا لقمان،أوتيت الحكمة
و صرفت عنك البلية و ما أوتي لقمان الحكمة بحسب و مال و لا بسط جسم و لا جمال .
«كتاب اللّه تبصرون به» ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين».
في(الكافي)عن الصادق عليه السلام قال خطب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بمنى فقال:ما جاءكم عني يوافق كتاب اللّه فانا قلته،ما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم اقله ان على كل حق حقيقة،و على كل صواب نورا فما وافق كتاب اللّه فخذوه،و ما خالف كتاب اللّه،فدعوه و قال عليه السلام ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف.
«و تنطقون به» «هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ» (1)
آل عمران:138. [1]
و في(الكافي)عن الباقر عليه السلام قال إذا حدثتكم بشيء فاسألوني أين هو من كتاب اللّه،ثم قال في بعض حديثه:ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله نهى عن القيل و القال، و فساد المال و كثرة السؤال فقيل له اين هذا من كتاب اللّه؟قال تعالى «لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ» (2)-و قال تعالى «وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياماً» (3)- و قال تعالى: «لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» (4).«و تسمعون به» «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» (5).
و في(الكافي)عن الصادق عليه السلام:انزل تعالى في القرآن تبيان كل شيء ما ترك شيئا يحتاج إليه العباد الا و قد انزله فيه حتى لا يستطيع عبد يقول لو
كان هذا انزل في القرآن و ما خلق اللّه حلالا و لا حراما ما إلا و له حد كحد الدار، فما كان من الطريق فهو من الطريق و ما كان من الدار فهو من الدار حتى ارش الخدش فما سواه و الجلدة أو نصف الجلدة.
هذا،و فيه عن الاصبغ عن امير المؤمنين عليه السلام و الذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالحق و اكرم أهل بيته ما من شيء يطلبونه من حرق او غرق او سرق او فلاة دابة من صاحبها او ضالة او آبق الا هو في القرآن فمن اراد ان يسألني عنه فقام إليه رجل فقال:اخبرني عما يؤمن من الحرق و الغرق فقال اقرأ: «اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ» (1)
الاعراف:196. [1]
«وَ ما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» ...«سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ» (2)فمن قرأها امن من الحرق و الغرق فقرأها رجل و اضطربت النار في بيوت جيرانه و بيته و سطحها فلم يصبه شيء ثم قام رجل آخر و قال:استصعبت على دابتي و انا منها على وجل فقال:اقرأ في اذنها اليمني: «وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» (3)فقرأها فذلت له دابته و قام إليه آخر،فقال:ان ارضي ارض مسبعة و ان السباع تغشى منزلي و لا تجوز حتى تأخذ فريستها فقال اقرأ «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (4)فقرأها فاحتشمه السباع ثم قام آخر فقال:ان في بطني ماء اصفر فهل من شفاء بلا درهم و لا دينار؟فقال:نعم اكتب على بطنك آية الكرسي و تغسلها و تشربها و تجعلها ذخيرة في بطنك فتبرأ باذن اللّه تعالى،
ففعل الرجل فبرىء،ثم قام آخر فقال اخبرني عن الضالة قال:اقرأ(يس)في الركعتين و قل(يا هادي الضالة رد علي ضالتي)ففعل فردها اللّه عليه ثم قام آخر فقال:أخبرني عن الابق فقال أقرأ «أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ» ... «وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» (1)
النور:40. [1]
فقالها الرجل فرجع إليه الا بق،ثم قام آخر فقال اخبرني عن السرق فانه لا يزال يسرق لي الشيء بعد الشيء ليلا فقال له:اقرأ إذا آويت إلى فراشك «قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ» ... «وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً» (2).ثم قال عليه السلام من بات بارض قفر فقرأ «إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» «تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» (3)حرسته الملائكة و تباعدت عنه الشياطين،فمضى الرجل فإذا بقرية خراب فبات فيها و لم يذكر هذه الآية فتغشاه الشيطان فإذا هو آخذ بلحيته فقال له صاحبه انظره فاستيقظ الرجل فقرأ الآية فقال الشيطان لصاحبه ارغم اللّه انفك احرسه الان حتى يصبح،فلمّا اصبح الرجل رجع إليه عليه السلام فاخبره و قال:
رايت في كلامك الشفاء و الصدق،و مضي بعد طلوع الشمس فإذا هو باثر شعر الشيطان مجتمعا في الأرض .
«و ينطق بعضه ببعض و يشهد بعضه على بعض» «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» (4).و هو المعيار لسليم الاخبار من سقيمها فما خالفة زخرف يضرب به الجدار كما مر في خطبة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بمنى.
«و لا يختلف في اللّه و لا يخالف بصاحبه عن اللّه» «وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ» (1)
الشعراء:192-194. [1]
«وَ ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَ ما يَنْبَغِي لَهُمْ وَ ما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ» (2)- «وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللّهِ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (3)«ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » (4).«قد اصطلحتم على الغل» أي:الغش.
«في ما بينكم» قد عرفت ان ابن أبي الحديد حكم بان هذا الكلام فصل عما قبله لكن يمكن وصله بان المراد صلحهم على الغش بينهم في ترك القرآن و اكبابهم على ما افتعلوا من الاحاديث وصولا إلى اغراضهم و ترويجا لمكاسدهم،روى الكشي عن الباقر عليه السلام ان سلمان كان يقول للناس هربتم من القرآن إلى الاحاديث وجدتم كتابا دقيقا حوسبتم فيه على النقير و القطمير و الفتيل و حبة خردل فضاق عليكم ذلك و هربتم إلى الاحاديث التي اتسعت عليكم (5).
«و نبت المرعي على دمنكم» قال المصنّف في(مجازاته)بعد قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله«اياكم و خضراء الدمن»في تأويله قولان الاول نهى صلّى اللّه عليه و آله عن نكاح
المرأة على ظاهر الحسن في المنبت السوء و البيت السوء،شبه المرأة الحسناء بالروضة الخضرة لجمال ظاهرها،و شبه منبتها السوء بالدمنة لقباحة باطنها و الدمنة هي الابعار المجتمعة تركبها السوابي فإذا اصابها المطر انبتت نباتا خضرا يروق منظره و يسوء مخبره و الثاني ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله نهى ان يتلقى اخاه بالظاهر الجميل و ينطوي على الباطن الذميم قال الشاعر:
و قد ينبت المرعى على دمن الثرى و تبقى حزازات النفوس كماهيا
كأن الشاعر أراد إنّا و ان لقيناكم بظاهر الطلاقة و البشر فانا نضمر لكم على باطن الغش و الغمر.
قلت:بل يتعين في قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله التأويل الاول فان المعاني رواه و زاد قيل:يا رسول اللّه ما خضراء الدمن؟قال:(المرأة الحسناء في منبت السوء) و انما كلامه عليه السلام هنا كبيت الشاعر بقرينة قبله و بعده .
«و تصافيتم على حب الامال و تعاديتم في كسب الاموال» كما هو حال أهل الدنيا من اتفاقهم على حب آمال الدنيا حتى يبغضون من كان لا يراها و يختلفون و يتعاركون في تحصيل اموالها و لذا كان الناس في جميع الادوار من بعد نبيهم صلّى اللّه عليه و آله مع اختلاف مشاربها متفقين على عداوة أهل بيته صلّى اللّه عليه و آله .
«لقد استهام بكم» أي:جعلكم هائمين ذاهبين في الارض.
«الخبيث» صفة الشيطان.
«و تاء بكم» أي:جعلكم تائهين متحيرين.
«الغرور» بفتح الغين و هو أيضا وصف الشيطان،قال تعالى: «وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ » (1)
لقمان:33. [1]
.«و اللّه المستعان على نفسي و انفسكم» حتى يعيننا و الاصل فيه قوله
1) 1)
في الخطبة(148)
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّكُمْ بِالْإِسْلاَمِ وَ اسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ- وَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْمُ سَلاَمَةٍ وَ جِمَاعُ كَرَامَةٍ- اصْطَفَى اللَّهُ تَعَالَى مَنْهَجَهُ وَ بَيَّنَ حُجَجَهُ- مِنْ ظَاهِرِ عِلْمٍ وَ بَاطِنِ حُكْمٍ- لاَ تَفْنَى غَرَائِبُهُ وَ لاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ- فِيهِ مَرَابِيعُ النِّعَمِ وَ مَصَابِيحُ الظُّلَمِ- لاَ تُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إِلاَّ بِمَفَاتِيحِهِ- وَ لاَ تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلاَّ بِمَصَابِيحِهِ- قَدْ أَحْمَى حِمَاهُ وَ أَرْعَى مَرْعَاهُ- فِيهِ شِفَاءُ الْمُسْتَشْفِي وَ كِفَايَةُ الْمُكْتَفِي «ان اللّه تعالى خصكم بالاسلام و استخلصكم له» «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً » (2).
«و ذلك لانه اسم سلامه» «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» (3).
«و جماع» بالكسر.
«كرامة» تاوى إليه .
«اصطفى اللّه» أي:اختار.
«منهجه» أي:طريقه الواضح.
«و بين حججه» أي:براهينه و المراد بكتاب انزله و كانه سقط من النسخة و كيف كان قال تعالى: «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» (4)
«من ظاهر علم» الظاهر ان المراد علم انباء غيب القرآن الظاهر لكل احد كونها علما.
«و باطن حكم» اسرار ما تضمنه القرآن من الاحكام و من المصالح و المفاسد في ما بين من الحلال و الحرام .
«لا تفنى غرائبه و لا تنقضى عجائبه» في الخبر قيل لأبي عبد اللّه عليه السلام:ما بال القرآن لا يزداد على النشر و الدرس الاغضاضة؟فقال:لان اللّه تعالى لم يجعله لزمان دون زمان،و لا لناس دون ناس فهو في كل زمان جديد،و عند كل قوم غض إلى يوم القيامة .
«فيه مرابيع النعم» أي:النعم الدائمة المقيمة من(مربع القوم)محل اقامتهم او من(الارض المربوعة)أي:مطرت في الربيع .
«و مصابيح الظلم» أي:سرجها،قال تعالى: «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ » (1)
ابراهيم:1. [1]
.«لا تفتح الخيرات الا بمفاتيحه» «لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا» «آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » (2).
«و لا تكشف الظلمات الا بمصابيحه» «فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ» (3)«قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » (4).
«قد احمى حماه» من(مكان حمى)محظور لا يقرب و المراد انه بين في
القرآن ما اريد ترك الناس لها من المحرمات كقوله تعالى: «وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلاً» (1)
الاسراء:32. [1]
«وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (2)- «وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ» (3)و «لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى» (4).«و ارعى مرعاه» (الظاهر انه كناية عن بيان المحللات التي ابيح للناس التمتع بها،في قبال احماء الحمى كناية عن المحرمات)قال تعالى: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ» (5)«قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ » (6).
«فيه شفاء المشتفي» «وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ » (7).
«و كفاية المكتفي» «وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (8)«إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَ يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً» (9)«ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً» (10)«إِنَّ هذَا»
«الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَ إِنَّهُ لَهُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ» (1)
النمل:76-77. [1]
.هذا،و في فضل حامل قرآن(الكافي)-عن حفص بن غياث سمعت موسى بن جعفر عليه السلام يقول لرجل أ تحب البقاء في الدنيا؟فقال:نعم،فقال و لم قال لقراءة(قل هو اللّه أحد)فسكت عنه فقال لي بعد ساعة يا حفص من مات من اوليائنا و شيعتنا و لم يحسن القرآن علم في قبره ليرفع اللّه به درجته فان درجات الجنة على عدد آيات القرآن يقال له اقرأ و ارق فيقرأ ثم يرقا إلى أن قال حفص:و كانت قراءته عليه السلام حزنا فإذا قرأ فكأنه يخاطب انسانا.
في الخطبة(171)
وَ اعْلَمُوا أَنَّ هَذَا؟الْقُرْآنَ؟ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لاَ يَغُشُّ- وَ الْهَادِي الَّذِي لاَ يُضِلُّ وَ الْمُحَدِّثُ الَّذِي لاَ يَكْذِبُ- وَ مَا جَالَسَ هَذَا؟الْقُرْآنَ؟ أَحَدٌ إِلاَّ قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ- زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ؟الْقُرْآنِ؟ مِنْ فَاقَةٍ- وَ لاَ لِأَحَدٍ قَبْلَ؟الْقُرْآنِ؟ مِنْ غِنًى- فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ- وَ اسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِكُمْ- فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ- وَ هُوَ الْكُفْرُ وَ النِّفَاقُ وَ الْغَيُّ وَ الضَّلاَلُ- فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ وَ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ- وَ لاَ تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ- إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَ قَائِلٌ مُصَدَّقٌ- وَ أَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ ؟الْقُرْآنُ؟ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ- وَ مَنْ مَحَلَ بِهِ؟الْقُرْآنُ؟ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ- فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ- أَلاَ إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَ عَاقِبَةِ عَمَلِهِ- غَيْرَ حَرَثَةِ؟الْقُرْآنِ؟- فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَ أَتْبَاعِهِ- وَ اسْتَدِلُّوهُ
1) 1)
عَلَى رَبِّكُمْ وَ اسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ- وَ اتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ وَ اسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ «و اعلموا ان هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش» بخلاف باقي الناصحين فقد يغشون،قال الشاعر:«و مؤتمن بالغيب غير امين».
و في(المروج)استشار مروان بن محمد،إسماعيل بن عبد اللّه القشيري لمّا انهزم من المسودة بحران أن يلحق بالروم مكاتبا لصاحبها معاهدا له حتى يحصل له استعداد و كان هو الرأي فغشه و قال له اعيذك باللّه من هذا الرأي تحكم أهل الشرك في بناتك و حرمك و لكن اقطع الفرات ثم استنفر الشام إلى أن قال بعد ذكر و ثوب أهل البلاد عليه فعلم مروان ان اسماعيل غشه في الرأي و انه فرط في مشورته إذ شاور رجلا من قحطان موترا متعصبا من قومه على اضدادهم من نزار،و ان الرأي الذي هم بفعله من قطع الدرب و نزول بعض حصون الروم و مكاتبة ملكها إلى أن يرتأى في أمره كان اولى-إلخ- قال تعالى في كتابه: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » (1)
الواقعة:77-80. [1]
.«و الهادي الذي لا يضل» «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» (2)«وَ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً» (3).
«و المحدث الذي لا يكذب» «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» (4)-و في(الاسد)عن أبي وداعة الحميدي قال:كنت
إلى جنب مالك بن عبادة أبي موسى الغافقي و عقبة بن عامر يحدث عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال أبو موسى:ان صاحبكم لحافظ أو هالك ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خطبنا في حجة الوداع،فقال:عليكم بالقرآن فانكم ترجعون إلى قوم يشتهون الحديث فمن عقل شيئا فليحدث به و من افترى على فليتبوّأ مقعده من النار.
و كل حديث لا يوافقه كذب-فروى العياشي عن الصادق عليه السلام قال:ما جاءك في رواية من برّ أو فاجر يوافق القرآن فخذ به،و ما جاءك في رواية من برّ أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به .
«و ما جالس هذا القرآن أحد» إذا لم يكن من أهل العناد و الطغيان.
«إلاّ قام عنه بزيادة أو نقصان زيادة في هدى أو نقصان من عمى» و أما من كان من أهل اللجاج فلا يزيده إلا عمى،قال تعالى: «وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ ماتُوا وَ هُمْ كافِرُونَ أَ وَ لا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَ لا هُمْ يَذَّكَّرُونَ» (1)
التوبة:124-126. [1]
- «قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفاءٌ وَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ» (2)-و قال في المؤمنين: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (3)-و قال في غيرهم:«وَ إِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً» (4).
«و اعلموا انه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة» «تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ» (1)
النحل:89. [1]
«وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (2).«و لا لاحد قبل القرآن من غنى» «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » (3).
«فاستشفوه من ادوائكم» روى العياشي عن الصادق عليه السلام:عليكم بالقرآن فما وجدتم آية نجابها من كان قبلكم فاعملوا به،و ما وجدتموه ممّا هلك من كان قبلكم فاجتنبوه.
«و استعينوا به على لأوائكم» أي:شدّتكم-و في(الكافي)عن الزهري،قال علي بن الحسين عليه السلام لو مات من بالمشرق و المغرب ما توحشت بعد ما كان القرآن معي،و كان عليه السلام إذا قرأ «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» (4)يكررها حتى كاد أن يموت .
«فان فيه الشفاء من أكبر الداء و هو الكفر و النفاق و الغي و الضلال» «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً» (5)- «يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ » (6).
«فاسألوا اللّه به و توجهوا إليه بحبه» في(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:ان أهل
القرآن في أعلى درجة من الادميين ما خلا النبيين من المرسلين،و لا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم فان لهم من اللّه العزيز الجبار لمكانا عليا.
«و لا تسألوا به خلقه انّه ما توجّه العباد إلى اللّه بمثله» في(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله ان أحق الناس بالتخشع في السرّ و العلانية لحامل القرآن و ان أحقّ الناس في السر و العلانية بالصلاة و الصوم لحامل القرآن-ثم نادى بأعلى صوته:يا حامل القرآن،تواضع به يرفعك اللّه،و لا تعزز به فيذلّك اللّه،يا حامل القرآن تزيّن به للّه يزينك اللّه به،و لا تزين به للناس فيشينك اللّه به-إلى أن قال- :و من أوتي القرآن فظن أن أحداً من الناس أوتي أفضل ممّا أوتي فقد عظم ما حقّر اللّه و حقّر ما عظّم اللّه .
«و اعلموا انّه شافع و مشفع و قائل و مصدق» هكذا في(المصرية)، و الصواب: (شافع مشفع و قائل مصدق) بدون و او في الموضعين كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية).
قال ابن أبي الحديد قال ابن ميثم استعار عليه السلام لفظي(الشافع)و (المشفع)و وجه الاستعارة كون تدبره و العمل بما فيه ماحيا لمّا يعرض للنفس من الهيئات الردية من المعاصي و ذلك مستلزم لمحو غضبه كما يمحو الشفيع المشفع أثر الذنب عن قلب المشفوع إليه،و كذلك لفظ(القائل المصدق) و وجه الاستعارة كونه ذا ألفاظ إذا نطق بها لا يمكن تكذيبها.
ثم قال الخوئي لا يجوز حمل الكلام على المجاز ما دام إمكان الحمل على الحقيقة و يدلّ على كونه على الحقيقة ما في(الكافي)عن سعد الخفاف عن أبي جعفر عليه السلام قال:تعلّموا القرآن فان القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليها الخلق و الناس عشرون و مائة ألف صف،ثمانون ألف من أمة محمّد صلى اللّه عليه و آله و أربعون ألف من ساير الأمم،فيأتي على صف المسلمين في
صورة رجل مسلم فينظرون إليه ثم يقولون لا إله إلاّ اللّه الحليم الكريم،ان هذا الرجل من المسلمين نعرفه بنعته و صفته غير انّه كان أشدّ اجتهادا منّا في القرآن-الخبر.
و عن يونس بن عمّار عن الصادق عليه السلام قال ان الدواوين يوم القيامة ثلاثة:ديوان فيه النعم،و ديوان فيه الحسنات،و ديوان فيه السيئات،فيقابل بين ديوان النعم و ديوان الحسنات فيستغرق النعم عامة الحسنات،و يبقى ديوان السيئات فيدعى بابن آدم المؤمن للحساب فيتقدّم القرآن أمامه في أحسن صورة فيقول:يا ربّ أنا القرآن و هذا عبدك المؤمن قد كان يتعب نفسه بتلاوتي و يطيل ليله بترتيلي و تفيض عيناه إذا تهجد،فارضه كما أرضاني فيقول تعالى:ابسط يمينك فيملأها من رضوان اللّه و يملأ شماله من رحمة اللّه، ثم يقال:هذه الجنّة مباحة لك فاقرأ و اصعد درجة.
و عن إسحاق بن غالب عنه عليه السلام قال إذا جمع اللّه تعالى الأولين و الآخرين هم بشخص لم يرقط أحسن صورة منه،فإذا نظر إليه المؤمنون و هو القرآن قالوا:هذا منّا هذا أحسن شيء رأيناه،حتى إذا انتهى إليهم جازهم ثم ينظر إليه الشهداء حتى إذا انتهى إلى آخرهم جازهم فيجوزهم كلّهم حتى إذا انتهى إلى المرسلين فيقولون:هذا القرآن فيجوزهم حتى ينتهي إلى الملائكة فيقولون هذا القرآن فيجوزهم ثم ينتهي حتى يقف عن يمين العرش فيقول الجبار و عزتي و جلالي،و ارتفاع مكاني لأكرمنّ اليوم من أكرمك و لأهينن من أهانك.
و عن الفضيل بن يسار عنه عليه السلام قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:تعلموا القرآن فانّه يأتي صاحبه يوم القيامة في صورة شاب جميل شاحب اللون،فيقول له:أنا القرآن الذي كنت أسهرت ليلك،و أظمأت هو اجرك،و أجففت ريقك،و أسلت
دمعتك-الخبر- قلت حمل الأخبار الأربعة على الاستعارة أيضا جائزة و ان كان خلاف الظاهر،و يشهد له ما في آخر الأول قال سعد:قلت يا أبا جعفر،و هل يتكلّم القرآن؟فتبسّم عليه السلام ثم قال:رحم اللّه الضعفاء من شيعتنا انّهم أهل تسليم،ثم قال نعم و الصلاة تتكلّم،و لها صورة و خلق تأمر و تنهى.
قال سعد:فتغيّر لذلك لوني،و قلت هذا شيء لا أستطيع التكلّم به في الناس فقال عليه السلام:و هل الناس إلاّ شيعتنا فمن لم يعرف الصلاة فقد أنكر حقّنا ثم قال:يا سعد اسمعك كلام القرآن؟فقلت بلى فقال: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ» (1)
العنكبوت:45. [1]
فالنهي كلام و الفحشاء رجال و نحن ذكر اللّه و نحن أكبر.و كذلك ما مر في آخر الثاني(يقول تعالى:ابسط يمينك فيملأها من رضوان اللّه)فانّه معلوم كون هذا استعارة-و الحمل على لسان الحال كما في قوله تعالى: «فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» (2)غير بعيد .
«فانّه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه و من محل به القرآن» من(محل به إلى السلطان)إذا سعى به إليه.
«يوم القيامة صدق عليه» و شفاعة القرآن شفاعة صاحبه و محله محله.
«وَ قالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً» (3).
و في(تاريخ بغداد)،كتب منصور السلمي إلى بشر المريسي الكلام في
القرآن خالق أو مخلوق بدعة اشترك فيها السائل و المجيب،فتعاطى السائل ما ليس له و تكلّف المجيب ما ليس عليه و ما أعلم خالقا إلاّ اللّه،و ما دونه مخلوق و لو كان القرآن خالقا لم يكن للذين دعوه إلى اللّه شافعا و لا بالذين ضيّعوه ما حلا-فانته في القرآن إلى أسمائه التي سمّاه اللّه بها و لا تسّم القرآن باسم من عندك .
«فانه ينادي مناد يوم القيامة الا ان كلّ حارث مبتلى في حرثه و عاقبة عمله غير حرثة القرآن فكونوا من حرثته و اتباعه» اما ابتلاء غير حرثة القرآن فواضح حتى بالنسبة إلى نكاح النساء للأولاد فقال تعالى «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ» (1)
البقرة:223. [1]
و قال: «إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ» (2)و قال: «إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ» (3)-و اما حرثة القرآن فهم حرثة الآخرة و في سورة الشورى الآية «مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» (4).و من حرث الدنيا الحرث و باقي مستمتعاتها،قال تعالى: «زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ» (5)-و من حرث القرآن،ما قال تعالى بعده: «قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ أَزْواجٌ»
«مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللّهِ وَ اللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ» (1)
آل عمران:15. [1]
.هذا و في(الأغاني)،قال ابن عياش كان الشعبي زوج اخت أعشى همدان و كان أعشى زوج اخت الشعبي فأتاه أعشى يوما-و كان أحد القرّاء للقرآن- فقال له:اني رأيت كأني أدخلت بيتا فيه حنطة و شعير،و قيل لي:خذ أيّهما شئت فأخذت الشعير،فقال:ان صدقت رؤياك تركت القرآن و قراءته،و قلت الشعر-فكان كما قال .
«و استدلوه» أي:اجعلوه دليلا.
«على ربكم و استنصحوه» أي:اجعلوه ناصحا.
«على أنفسكم و اتهموا عليه اراءكم» في قباله.
روى العياشي عن أبي جعفر عليه السلام:ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن ان الآية ينزل أوّلها في شيء و آخرها في شيء-و زاد في خبر آخر-و هو كلام متصل ينصرف على وجوه.
«و استغشوا فيه أهواءكم» أي:احكموا على أهوائكم المخالفة لها بالغش.
روى الصدوق عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:لعن اللّه المجاهدين في دين اللّه على لسان سبعين نبيا و من جادل في آيات اللّه فقد كفر،قال عز و جل: «ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ» (2)و من فسر القرآن برأيه فقد افترى على اللّه الكذب-إلى أن قال الراوي عبد الرحمن بن سمرة- فقلت:يا رسول اللّه ارشدني إلى النجاة فقال:يا ابن سمرة إذا اختلفت الأهواء و تفرّقت الآراء فعليك بعلي بن أبي طالب (3)-الخبر-.
الخطبة(171)
قال في تلك الخطبة:
وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا؟الْقُرْآنِ؟- فَإِنَّهُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَ سَبَبُهُ الْأَمِينُ- وَ فِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ وَ يَنَابِيعُ الْعِلْمِ- وَ مَا لِلْقَلْبِ جِلاَءٌ غَيْرُهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكِّرُونَ- وَ بَقِيَ النَّاسُونَ أَوِ الْمُتَنَاسُونَ «و ان اللّه سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن» «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ » (1)
الحشر:21. [1]
.«فانّه حبل اللّه المتين» روى أحمد بن حنبل في مسنده،عن أبي سعيد الخدري قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي،أحدهما أكبر من الآخر كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض و عترتي أهل بيتي،و انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» (2).
و روى الثعلبي في تفسير قوله تعالى: «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً» (3)عن أبي سعيد عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:أيها الناس قد تركت فيكم الثقلين خليفتين ان أخذتم بهما لن تضلوا بعدي،أحدهما أكبر من الآخر كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض (4)-الخبر-.
«و سببه» أي:واسطته.
«الأمين و فيه ربيع القلب» «اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ»
«إِلى ذِكْرِ اللّهِ» (1)
الزمر:23. [1]
.«و ينابيع العلم» «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» (2)«تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ» «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » (3).
«و ما للقلب جلاء غيره» و ما ورد عنهم عليهم السلام من أن أحاديثنا جلاء لقلوبكم لا ينافي كلامه عليه السلام إذ جميع أحاديثهم مأخوذة من القرآن قال الباقر عليه السلام لأبي الجارود:إذا حدثتكم بشيء-فاسألوني أين هو من كتاب اللّه- ثم قال في بعض حديثه:ان النبي صلّى اللّه عليه و آله نهى عن القيل و القال،و فساد المال و كثرة السؤال فقيل له أين هذا من كتاب اللّه؟قال:قال عز و جل: «لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ» (4)- «وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياماً» (5)- «لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ » (6).
«مع انّه قد ذهب المتذكرون» «وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» (7).
«و بقى الناسون أو المتناسون» «وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ» (8).
في الخطبة(178)
منها في ذكر القرآن:
؟فَالْقُرْآنُ؟ آمِرٌ زَاجِرٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ- حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُ- وَ ارْتَهَنَ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ أَتَمَّ نُورَهُ- وَ أَكْمَلَ بِهِ دِينَهُ وَ قَبَضَ نَبِيَّهُ ص- وَ قَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ الْهُدَى بِهِ «فالقرآن آمر» بالمعروف.
«زاجر» عن المنكر.
«كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَ نَذِيراً» (1)
فصلت:3-4. [1]
- «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً وَ يُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً» (2).«صامت ناطق» «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» (3).
قال ابن أبي الحديد جعله عليه السلام صامتا ناطقا لأنّه من حيث هو حروف و أصوات صامت إذ كان الغرض يستحيل أن يكون ناطقا لأن النطق حركة الأداة بالكلام،و الكلام يستحيل أن يكون ذا أداة ينطق بالكلام و هو من حيث انه يتضمن الأخبار و الأمر و النهي و النداء و غير ذلك من أقسام الكلام كالناطق لأن الفهم يقع عنده،و هذا من باب المجاز كما تقول هذه الربوع
الناطقة و اخبرتني الديار بعد رحيلهم بكذا و تبعه الخوئي.
قلت ما ذكره خبط،فانما مراده عليه السلام بالقرآن المصحف و المصحف خط و الخط صامت و من قرأه ينطق عنه فكانه هو الناطق-و يشهد له قوله عليه السلام في الاحتجاج على الخوارج.
في 121-1«انّا لم نحكم الرجال و انما حكّمنا القرآن،و هذا القرآن انما هو خط مسطور بين الدفتين،لا ينطق بلسان و لا بد له من ترجمان و انما ينطق عنه الرجال».
كما ان تمثيله بقولهم(الربوع الناطقة)و مثله أيضا بلا ربط،لأن ذلك لسان الحال و القرآن لسان القائل.
«حجّة اللّه على خلقه» «وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَ إِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ » (1)
الانعام:155-156. [1]
«أخذ عليهم ميثاقه» «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَ إِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَ دَرَسُوا ما فِيهِ» (2).«وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ» (3).
«و ارتهن عليه أنفسهم» حيث ألزمهم العمل به.
«أتمّ نوره» هكذا في النسخ،و عليه فالمعنى(أتمّ اللّه نور القرآن)و لكن الظاهر ان الأصل(أتمّ به نوره)أي أتمّ اللّه به نور نفسه بقرينة ما بعده-قال تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (1)
التوبة:32. [1]
.«و أكمل» هكذا في(المصرية)،و لكن في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (و أكرم).
«به دينه» «فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ» (2).
«و قبض نبيه صلّى اللّه عليه و آله و قد فرغ إلى الخلق من أحكام» بالكسر.
«الهدى به» أي:جعل الهدى محكماً بالقرآن.
روى ابن سعد في(طبقاته)عن عايشة قالت:كنت جالسة عند النبي صلّى اللّه عليه و آله فجاءت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال مرحبا بابنتي فأجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم أسرّ إليها شيئا فبكت،ثم أسرّ إليها فضحكت،قالت قلت ما رأيت ضحكا أقرب من بكاء استخصك النبي بحديثه ثم تبكين،قلت:أي شيء أسر إليك؟فقالت ما كنت لأفشي سرّه فلمّا قبض صلّى اللّه عليه و آله سألتها،فقالت قال:ان جبرئيل كان يأتيني كلّ عام فيعارضني بالقرآن مرّة و انّه أتاني اليوم فعارضني مرتين،و لا أظنّ إلاّ أجلي قد حضر و نعم السلف أنا لك.
قال ابن أبي الحديد ذكر عليه السلام ان اللّه قبض رسوله و قد فرغ إلى الخلق
بالقرآن من الاكمال و الاتمام لقوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» (1)
المائدة:3. [1]
قلت انما يتمّ هذا الكلام على مذهب الامامية القائلين بكون الامام قيم القرآن، و إلاّ فكيف فرغ بالقرآن مع الاكمال مع هذه الاختلافات و تفسير كلّ فرقة للقرآن على مشربها.في الخطبة(151)
وَ عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ- فَإِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِينُ وَ النُّورُ الْمُبِينُ- وَ الشِّفَاءُ النَّافِعُ وَ الرِّيُّ النَّاقِعُ- وَ الْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ وَ النَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ- لاَ يَعْوَجُّ فَيُقَامَ وَ لاَ يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ- وَ لاَ يُخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ وَ وُلُوجُ السَّمْعِ- مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَ مَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ «و عليكم بكتاب اللّه فانّه الحبل المتين» روى الثعلبي في تفسير:
«وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا» (2)بأسانيد عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:
أيها الناس قد تركت فيكم الثقلين خليفتين،ان أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أحدهما أكبر من الآخر،كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي ألا و انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض (3).
«و النور المبين» «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» (4).
و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن زيد بن أرقم،قال قام النبي صلّى اللّه عليه و آله فينا خطيبا بماء يدعى خمأ بين مكة و المدينة-ثم قال:أيها الناس
انما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب و اني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب اللّه فيه الهدى و النور فخذوا بكتاب اللّه و استمسكوا به-فحث على كتاب اللّه و رغب-ثم قال:و أهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي (1)
ذكره المجلسي في«بحار الأنوار»22:117 رواية 34 باب 7 [1]نقلا عن«الطرائف»لابن طاوس:122 حديث 186 [2] مطبعة الخيام-قم.
.«و الشفاء النافع» لمريض عالج به،فقال تعالى: «قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفاءٌ » (2)«و الري» و هو ضد العطش.
«الناقع» من(نقع الماء العطش)إذا سكنه .
«و العصمة» عن الضلال.
«للمتمسك» به فقد قال النبي صلّى اللّه عليه و آله فيه و في عترته.(ان تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا ).
«و النجاة» من المهالك.
«للمتعلق» به قال تعالى: «وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ » (3).
«لا يعوج» ككثير من الخلق.
«فيقام» أي:يجعل مستقيما قال تعالى: «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً وَ يُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً » (4).
«و لا يزيغ» أي:يميل إلى الباطل.
«فيستعتب» أي:يطلب منه الرجوع إلى الحق .
«و لا يخلقه» افعال من(خلق الثوب)بالضم إذا بلي.
«كثرة الرد» «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» (1)
فصلت:42. [1]
.و لقد ردوا عليه من يوم نزل إلاّ انّه لا أثر لردودهم لوضوح بطلانها، و لصدورها من أهل الزيع و الأهواء،و لأنّ كلّ رد أورده أحد من أهل الباطل أجاب عنه أهل الحق بأجوبة متعددة-و أوّل من أجاب عن شبهات أهل الشبهة في القرآن هو عليه السلام من أراد الوقوف عليها راجع(توحيد)ابن بابويه .
«و ولوج» بالجر.
«السمع» أي:لا يخلقه كثرة دخوله السمع بتلاوة الانسان له ليلا و نهارا و استماعه من غيره بخلاف غيره من الكتب فتخلق بسماعها مرتين .
«من قال به صدق» لأنه الحق.
«و من عمل به سبق» غير العامل به إلى الدرجات.
هذا،و روى(سنن أبي داود)عن أنس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الاترجة ريحها طيب،و طعمها طيب،و مثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب و لا ريح لها،مثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب و طعمها مر،و مثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر و لا ريح لها (2).
في الخطبة(193)
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُوراً لاَ تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ- وَ سِرَاجاً لاَ يَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَ بَحْراً لاَ يُدْرَكُ قَعْرُهُ- وَ مِنْهَاجاً لاَ يُضِلُّ نَهْجُهُ وَ شُعَاعاً لاَ يُظْلِمُ ضَوْءُهُ- وَ فُرْقَاناً لاَ يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَ تِبْيَاناً لاَ تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ- وَ شِفَاءً لاَ تُخْشَى أَسْقَامُهُ- وَ عِزّاً لاَ تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَ حَقّاً لاَ تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ- فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِيمَانِ وَ بُحْبُوحَتُهُ وَ يَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَ بُحُورُهُ- وَ رِيَاضُ الْعَدْلِ وَ غُدْرَانُهُ وَ أَثَافِيُّ الْإِسْلاَمِ وَ بُنْيَانُهُ- وَ أَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَ غِيطَانُهُ وَ بَحْرٌ لاَ يَنْزِفُهُ الْمُتَنَزِّفُونَ- وَ عُيُونٌ لاَ يُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ- وَ مَنَاهِلُ لاَ يَغِيضُهَا الْوَارِدُونَ- وَ مَنَازِلُ لاَ يَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ- وَ أَعْلاَمٌ لاَ يَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ- وَ آكَامٌ لاَ يَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ جَعَلَهُ اللَّهُ رِيّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ وَ رَبِيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ- وَ مَحَاجَّ لِطُرُقِ الصُّلَحَاءِ وَ دَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ- وَ نُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ وَ حَبْلاً وَثِيقاً عُرْوَتُهُ- وَ مَعْقِلاً مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ وَ عِزّاً لِمَنْ تَوَلاَّهُ- وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ هُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ- وَ عُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ- وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَ فَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ- وَ حَامِلاً لِمَنْ حَمَلَهُ وَ مَطِيَّةً لِمَنْ أَعْمَلَهُ- وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ جُنَّةً لِمَنِ اسْتَلْأَمَ- وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَى وَ حَدِيثاً لِمَنْ رَوَى وَ حُكْماً لِمَنْ قَضَى «ثم أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفا مصابيحه» «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (1)
التوبة:32. [1]
.«و سراجا لا يخبو» أي:لا يطفا.
1) 1)
«توقده و بحرا لا يدرك قعره» «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ» (1)
آل عمران:7. [1]
«قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» (2).«و منهاجا» أي:طريقا واضحا.
«لا يضلّ نهجه» «وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ» (3)«وَ ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ» (4).
«و شعاعا لا يظلم ضوؤه» «وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ» (5)- «وَ كَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ » (6).
«و فرقانا» قال الجوهري:كلّ ما فرق به بين الحق و الباطل فهو فرقان.
«لا يخمد» من(خمدت النار)إذا سكن لهبها و لم يطفأ جمرها.
«برهانه» في الأساس(البرهان بيان الحجّة و ايضاحها مشتق من البرهرهه و هي البيضاء من الجواري كما اشتق السلطان من السليط)و هو كما ترى.
«و تبيانا» هكذا في(المصرية)،و لا معنى له و الصواب: (و بنيانا) كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية.
«لا تهدم أركانه» «إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ» (7).
«و شفاء لا تخشى أسقامه» ... «وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» (1)
التوبة:14. [1]
«وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ» (2).«و عزّا لا تهزم أنصاره» «ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (3).
«و حقّا لا تخذل أعوانه» «وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَ إِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللّهِ وَ آمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ » (4).
«فهو معدن الايمان و بحبوحته» أي:وسطه،لأن الايمان يحصل بعد شهود المعجز،و القرآن أكبر معجز-و ذكر الكراجكي في اعجازه طرقا منها عجز بلغاء العرب عن الاتيان بمثله في فصاحته و نظمه،مع علمهم بأن النبي صلّى اللّه عليه و آله قد جعله علما على صدقه و سماعهم للتحدّي فيه على ان يأتوا بسورة من مثله هذا مع اجتهادهم في دفع ما أتى به.
و توفر دواعيهم على إبطال أمره،و استفراغ مقدورهم في أذيته، و تعذيب أصحابه،و طرد المؤمنين به،ثم ما فعلوه بعد ذلك من بذل النفوس و الأموال في حربه و الحرص على اهلاكه مع علمهم بأن ذلك لا يشهد بكذبه، و لا فيه إبطال الحجّة و لا يقوم مقام معارضة في ما جعله دلالة على صدقه، و تحداهم على الاتيان بمثله،و قد كانوا قوما فصحاء حكماء عقلاء لا يصبرون
على التقريع،و لا يتغاضون عن التعجيز،و عاداتهم معروفة إلى الافتخار، و تحدّى بعضهم لبعض بالخطب و الأشعار،و في انصرافهم عن المعارضة دلالة على انّها كانت متعذرة عليهم،و في التجائهم إلى الحروب الشاقة دونها بيان انّها الأيسر عندهم و أي عاقل يطلب أمرا بما فيه هلاك ماله و التغرير بنفسه،و هو يقدر على كلام يغنيه بذلك،و ينال به أمله و مراده فلا يفعله،هذا ما لا يتصور في العقل و لا يتثبت في الوهم،و في عجزهم الذي ذكرناه حجّة في معجز القرآن في صحّة نبّوة نبينا.
«و ينابيع العلم و بحوره» «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» (1)
الانعام:38. [1]
«وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (2).قال الكراجكى:و من اعجاز القرآن،ما تضمنه من أخبار الدهور الماضية،و أحوال القرون الخالية،و أنباء الأُمم الغابرة،و وصف الديار الداثرة،و قصص الأنبياء المتقدمين،و شرح أحكام أهل الكتابين.ممّا لا يقدر عليه إلاّ من اختص بهم،و انقطع إلى الاطّلاع في كتبهم،و سافر في لقاء علمائهم و صحب رؤساءهم،و لمّا كان نبينا صلّى اللّه عليه و آله معلوم المولد و الدار و المنشأ و القرار لا تخفى أحواله،و لا تستتر أفعاله،لم يلف قط قبل بعثته مدارسا لكتاب،و لا رؤى مخالطا لأهل الكتاب،و لم يزل معروفا بالانفراد عنهم،غير مختص بأحد منهم،و لا سافر لاتباع عالم سرّا و لا جهرا،و لا احتمال في نيل ذلك أوّلا و لا آخرا،علم انّه لم يأخذ ذلك إلاّ عن ربّ العالمين،و ثبت اعجاز القرآن الوارد على يده و كان قوله تعالى: «وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ»
«وَ ما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ» (1)
القصص:44. [1]
«وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» (2)-يعضد ما ذكرناه.قال:و من ذلك أيضا ما ثبت في القرآن من الاخبار بالكائنات قبل كونها و اعلام ما في القلوب و ضمائرها كقوله تعالى في يهود خيبر: «لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً وَ إِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ» (3)و كان الأمر في هزيمتهم و خذلانهم كما قال سبحانه-و قال في قصة بدر تشجيعا للمسلمين و اخبارا لهم عن عاقبة أمرهم و أمر المشركين: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ» (4)فكان ذلك يقيناً كما قال سبحانه-و قال فيهم: «الَّذِينَ» «يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ» (5)فكان الظفر قريبا كما قال سبحانه-و قال تعالى: «وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها» (6)يعني العراق و فارس، و كان الأمر كما قال سبحانه-و قال تعالى: «الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ» (7)فأخبر تعالى عن ظفرهم بعد غلبهم،و حدّد زمانه و حصره فكان
الأمر فيه حسب ما قال-و قال عز و جل: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ» (1)
الجمعة:6-7. [1]
فقطع على بغيهم و اعلم انّهم لا يتمنون الموت،فلم يقدر أحد منهم على دفعه و كان الأمر في ذلك موافقا لمّا قال سبحانه-و قال تعالى: «وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللّهُ بِما نَقُولُ» (2)فأخبر عن ضمائرهم بما في سرائرهم و كان الأمر كما قال سبحانه-و قال تعالى في أبي لهب و هو حي متوقع منه الايمان و البصيرة و الاسلام «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ» (3)فمات على كفره و لم يصر إلى الاسلام-و قال لنبيه صلى اللّه عليه و آله «إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» (4)و كلّهم يومئذ حي عزيز في قومه،فأهلكهم اللّه أجمعين و كفاه أمرهم على ما أخبر به سبحانه-و أمثال ذلك كثيرة يطول بها الكتاب و قد ذكرها أهل العلم،و هذا طرف منها يدل على معجزة القرآن و صدق من أتى به.«و رياض» جمع الروضة.
«العدل و غدرانه» جمع الغدير،القطعة من الماء غادرها السيل- «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» (5).
«و اثافي الاسلام» استعارة من اثافي القدر الأحجار التي يوضع عليها.
«و بنيانه» و الأصل فيه بنيان البيت.
قال هشام بن الحكم:اجتمع ابن أبي العوجاء و أبو شاكر الديصاني و عبد الملك البصري،و ابن المقفع عند بيت اللّه الحرام يستهزءون بالحاج، و يطعنون على القرآن-فقال ابن أبي العوجاء لهم:تعالوا ينقض كلّ واحد منّا ربع القرآن،و ميعادنا من قابل في هذا الموضع نجتمع فيه،و قد نقضنا القرآن كلّه،و ان في نقض القرآن إبطال نبوّة محمّد،و في إبطال نبوّته إبطال الاسلام و اثبات ما نحن فيه،فاتفقوا على ذلك و افترقوا على ذلك،فلمّا كان من قابل اجتمعوا ثمة،فقال لهم ابن أبي العوجاء:أما أنا فمتفكر منذ افترقنا في هذه الآية: «فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا» (1)
يوسف:80. [1]
فما أقدر أن أضم إليها في فصاحتها،و جمع معانيها،فشغلتني هذه الآية عن التفكّر في ما سواها-فقال عبد الملك:أنا متفكّر في هذه الآية «يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ» (2)فلم أقدر على الاتيان بمثلها.فقال أبو شاكر و أنا منذ فارقتكم متفكّر في هذه الآية: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا» (3)فلم أقدر على الاتيان بمثلها فقال ابن المقفع:يا قوم ان هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر و أنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية:
«وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي» (4)فلم أبلغ غاية معرفتها و لم أقدر على الاتيان بمثلها-فبيناهم في ذلك إذ مر بهم جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام فقال: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا»
«الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» (1)
:88.
فنظر القوم بعضهم إلى بعض و قالوا:لئن كان للاسلام حقيقة لمّا انتهت وصيّة محمّد إلاّ إلى هذا، و اللّه ما رأيناه قط إلاّ هبنا و اقشعرت جلودنا لهيبته ثم تفرّقوا مقرين بالعجز .«و بحر لا ينزفه» قال الجوهري:يقال(نزفت ماء البئر)إذا نزحته كلّه و (نزفت هي)يتعدى و لا يتعدى.
«و عيون لا ينضبها» بضم المضارعة من(نضب الماء)غار في الأرض و سفل.
«الماتحون» أي:المستقون.
في خصائص المصنف باسناده إلى الباقر عليه السلام:قدم اسقف نجران على غمر،فقال:ان أرضنا أرض باردة شديدة المؤنة لا تحتمل الجيش،و انا ضامن لخراج أرضي،أحمله إليك في كلّ عام كاملا-فكان يقوم هو بالمال بنفسه، و معه أعوان له حتى يوفيه بيت المال و يكتب له عمر البراءة،فقدم ذات عام- و كان شيخا جميلا-فدعاه عمر إلى الاسلام-و أنشأ يذكر فضل الاسلام و ما يصير إليه المسلمون من النعيم و الكرامة فقال الأسقف:يا عمر أنتم تقرءون في كتابكم ان للّه جنّة عرضها كعرض السماء و الأرض،فأين تكون النار؟ فسكت عمر و نكّس رأسه!-فقال له أمير المؤمنين عليه السلام:-و كان حاضرا-أنا أجيبك،إذا جاء النهار أين يكون الليل؟و إذا جاء الليل أين يكون النهار؟-فقال الأسقف:ما كنت أرى أن أحدا يجيبني عن هذه المسألة من هذا الفتى،قال عمر هذا ختن النبي صلّى اللّه عليه و آله و ابن عمّه و أوّل مؤمن به،هذا أبو الحسن و الحسين عليهما السلام -إلى أن قال-قال الأسقف:أخبرني يا عمر عن شيء في أيدي أهل الدنيا شبيهة بثمار أهل الجنّة فقال:سل الفتى فقال عليه السلام:هو القرآن يجتمع أهل الدنيا عليه الاسراء
1) 1)
فيأخذون منه حاجتهم،و لا ينقص منه شيء،و كذلك ثمار أهل الجنّة فقال الأسقف:صدقت يافتى (1)
خصائص الأئمة للشريف الرضي:90-91 تحقيق الأميني، [1]مشهد المقدسة.
.«و مناهل» قال الجوهري:المنهل:المورد و هو عين ماء ترده الابل في المراعي و تسمّى المنازل التي في المفاوز على طرق السفار مناهل لأن فيها ماء.
«لا يغيضها» قال الجوهري:(غاض الماء يغيض)أي:قلّ و نضب و غاضه اللّه،يتعدّى و لا يتعدّى،و أغاظه اللّه أيضا.
«الواردون» قال الرضا عليه السلام:القرآن لا يخلق على الأزمنة،و لا يغث على الألسنة، لأنّه لم يجعل لزمان،بل جعل الدليل البرهان،و حجّة على الإنسان،و قال فيه اللّه تعالى: «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» (2).
«و منازل لا يضل نهجها» أي:طريقها.
«المسافرون» «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» (3)«الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً» (4).
«و اعلام» أي:علائم.
«لا يعمى عنها السائرون» قيل لا برهة بن الحارث من ملوك اليمن ذو المنار لأنّه أوّل من ضرب المنار على طريقه في مغازيها ليهتدي بها إذا رجع.
«و آكام» جمع أكمة بالتحريك،قال الفيروز آبادي:التل من القفّ من حجارة واحدة،أو هي دون الجبال.
«لا يجوز عنها القاصدون» بل يكتفون بها.
في(تفسير)القمي:اجتمعت قريش إلى الوليد بن المغيرة،و قالوا له:يا أبا عبد شمس ما قرآن محمّد أشعر أم كهانة أم خطب؟فقال:دعوني أسمع كلامه،فدنا منه فقال:يا محمّد انشدني من شعرك،قال:ما هو شعر و لكن كلام اللّه الذي ارتضاه ملائكته و أنبياؤه و رسله،فقال:أمل علي شيئا منه فقرأ النبي صلّى اللّه عليه و آله«حم السجدة» «حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» (1)
فصلت:1-2. [1]
-فلمّا بلغ إلى قوله- «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ» (2)- اقشعر الوليد،و قامت كلّ شعرة في رأسه و لحيته و مرّ إلى بيته،و لم يرجع إلى قريش فمشوا إلى أبي جهل،و قالوا:يا أبا الحكم ان أبا عبد شمس صبا إلى دين محمّد أما تراه لا يرجع إلينا،فعدا أبو جهل إلى الوليد،فقال:يا عم نكسّت رءوسنا،و أشمّت بنا عدوّنا،و صبوت إلى دين محمّد-قال:ما صبوت إلى دينه، و لكني سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود-فقال له أبو جهل:اخطب هو؟ قال:لا ان الخطب كلام متصل و هذا لا يشبه بعضه بعضا-قال أ فشعر هو؟ قال:لا أما اني لقد سمعت أشعار العرب بسيطها و مديدها و رملها و رجزها ما هو بشعر قال:فما هو؟قال:دعني أفكّر فيه-فلمّا كان من الغد قالوا يا أبا عبد شمس ما تقول في ما قلناه؟قال:قولوا:هو سحر!!فانّه آخذ بقلوب الناس فأنزل اللّه تعالى فيه: «ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً» (3)-الآيات .«جعله اللّه رياء» بالكسر و الفتح.
«لعطش العلماء» و طالب العلم و ان كان لا يشبع و لا يروى من تحصيل العلم إلاّ انّه لمّا كان القرآن بحرا و فيه تبيان كلّ شيء ينقع غليله به.
«و ربيعا لقلوب الفقهاء» المراد بالربيع فصله الموجد للازهار و الأنوار و المدرك للأقوات و الغّلات-و قال ابن أبي الحديد الربيع هنا الجدول و يجوز إرادة المطر في الربيع-و هو كما ترى.
«و محاج» جمع المحجّة جادة الطريق.
«لطرق الصلحاء» «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَ يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً» (1)
الاسراء:9. [1]
«و دواء ليس بعده داء» «فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ» (2).«و نورا ليس معه ظلمة» «الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» (3).
«و حبلا وثيقا عروته» «إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى» (4).
«و معقلاً» أي:ملجأ.
«منيعاً ذروته» أي:أعلاه .
«و عزّا لمن تولاّه» روى(ثواب الأعمال)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:ان أهل القرآن في أعلى درجة من الآدميين ما خلا النبيين و المرسلين و لا تستضعفوا أهل القرآن و حقوقهم فان لهم من اللّه لمكانا.
و روى(الأمالي)عنه صلّى اللّه عليه و آله قال:اشراف أمتي حملة القرآن و أصحاب الليل (5).
«و سلما لمن دخله» روى(ثواب الأعمال)عن الصادق عليه السلام قال:يعجبني أن يكون في البيت مصحف يطرد اللّه به الشيطان.
«و هدى لمن أئتم به» أي:اقتدى.
«و عذرا لمن انتحله» انتسب إليه.
«و برهانا لمن تكلّم به» «وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى» (1)
الرعد:31. [1]
.«و شاهدا لمن خاصم به» في(تاريخ اليعقوبي):في ما نقم الناس على عثمان انّه رجم امرأة من جهينة دخلت على زوجها فولدت لستة أشهر فأمر عثمان برجمها فلمّا أخرجت دخل عليه علي عليه السلام فقال:ان اللّه تعالى يقول:
«وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً» (2)و قال في رضاعه: «وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ» (3)فأرسل عثمان في أثر المرأة فوجدت قد رجمت و ماتت!!و اعترف الرجل بالولد.
«و فلجا لمن حاج به» أي:ظفرا له.
روى(الإرشاد)عن قيس بن الربيع قال:سألت أبا إسحاق عن المسح على الخفين،قال:قال محمد بن علي عليه السلام:لم يكن أمير المؤمنين عليه السلام يمسح على الخفين،و كان يقول:سبق الكتاب المسح على الخفين،قال أبو إسحاق:
فما مسحت منذ نهاني .
«و حاملا لمن حمله» فكلّ من كان حاملا لكتب اللّه تكون هي أيضا حاملة له،قال تعالى: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ»
«لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» (1)
المائدة:66. [1]
و اما من لم يكن حاملا لها فكما قال تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً» (2).«و مطية لمن أعمله» في(تفسير القمي)عن السجاد عليه السلام:عليك بالقرآن، فان اللّه تعالى خلق بيده الجنّة لبنة من ذهب و لبنة من فضة،و جعل ملاطها المسك و ترابها الزعفران و حصاها اللؤلؤ،و جعل درجاتها على قدر آيات القرآن فمن قرأ القرآن قال له اقرأ و ارق (3)-الخبر-.
«و آية لمن توسّم» أي:تفرّس،قال تعالى-بعد ذكر أخذ الصيحة لقوم لوط مشرقين و جعل عالي مدينتهم سافلها و أمطار حجارة من سجيل عليهم- «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» (4).
و المراد ان من كان متوسما يكون القرآن آية و علامة له بأنّه ليس من عند غير اللّه-و لمّا قال النجاشي ملك الحبشة لجعفر الطيار:هل تحفظ ممّا أنزل اللّه تعالى على نبيّك شيئا؟قال:نعم فقرأ عليه سورة مريم: «كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا» (5)فلمّا بلغ إلى قوله: «وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً» (6)فلمّا سمع النجاشي بهذا بكى بكاء شديدا و قال:هذا و اللّه هو الحق،و فيه انزل: «وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ»
«رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ» (1)
المائدة:83. [1]
.«و جنّة لمن استلأم» أي:لبس اللأمة و هي الدرع.
«و علما لمن وعى» أي:حفظ بجعل اذنه و عاء له.
«و حديثا لمن روى» قال ابن أبي الحديد سمّاه اللّه تعالى حديثا في قوله «اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً» (2)و استدلّ أصحابنا به على كون القرآن غير قديم،ألا ترى إلى قول عمر و لمعاوية:قد مللت كلّ شيء إلاّ الحديث فقال انما يمل العتيق.
قلت و كذا في قوله تعالى: «فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ» (3)و في قوله تعالى في الأعراف و المرسلات: «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ» (4)و في قوله تعالى: «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللّهِ وَ آياتِهِ يُؤْمِنُونَ» (5)و في قوله تعالى:
«فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً» (6).
هذا،و في(تاريخ بغداد)،قال سلمة بن عمرو القاضي على المنبر:لا رحم اللّه أبا حنيفة فانّه أوّل من زعم ان القرآن مخلوق.
«و حكما لمن قضى» «إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللّهُ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً» (7).
الحكمة(313)
و قال عليه السّلام:
وَ فِي؟الْقُرْآنِ؟ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ- وَ خَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَ حُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ أقول:رواه المسعودي المسعودي-مروج الذهب- و العياشي العياشي-تفسير العياشي- و ابن قتيبة ابن قتيبة-عيون الأخبار- ،و ابن عبد ربه ابن عبد ربه-العقد الفريد-ج 3 ص 239،طبع دار الكتاب العربي،بيروت مع زيادات (1)
العقد الفريد لابن عبد ربه 3:239،طبع دار الكتاب العربي-بيروت.
.قال الأول:توفي الحارث الأعور صاحب علي عليه السلام في أيام عبد الملك و هو الذي دخل على علي عليه السلام فقال له:ألا ترى إلى الناس قد أقبلوا على هذه الأحاديث،و تركوا كتاب اللّه-قال عليه السلام:و قد فعلوا قال:نعم-قال:أما اني سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول:ستكون فتنة،قلت فما المخرج منها؟قال:كتاب اللّه، فيه نبأ ما كان قبلكم،و خبر ما بعدكم،و حكم ما بينكم،و هو الفصل ليس بالهزل،من تركه من جبار قصمه اللّه،و من أراد الهدى في غيره أضلّه اللّه،و هو حبل اللّه المتين،و هو الذكر الحكيم و الصراط المستقيم،و هو الذي لا تزيغ عنه العقول،و لا تلتبس به الألسن،و لا تنقضي عجائبه،و لا يعلم علم مثله و هو الذي لمّا سمعته الجن «فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ» (2)و من قال به صدق،و من زلّ عنه عدا،و من عمل به اجر،و من تمسك به هدي إلى صراط مستقيم،خذها إليك يا أعور.
و قال الثاني في(تفسيره):«يوسف بن عبد الرحمن رفعه إلى الحارث الأعور،قال سمعنا أشياء مغموسة مختلفة لا ندري ما هي قال:أو قد فعلوها؟ قلت:نعم،قال:سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول:أتاني جبرئيل.فقال ستكون في
أمتك فتنة،فقلت فما المخرج منها فقال:كتاب اللّه فيه بيان ما قبلكم من خبر و خبر ما بعدكم،و حكم ما بينكم»-إلى آخر ما في(المروج)مع أدنى اختلاف.
و قال الثالث في(عيونه)روى الحارث الأعور عن علي عليه السلام قال:كتاب اللّه فيه خبر ما قبلكم،و نبأ ما بعدكم و حكم ما بينكم،و هو الفصل ليس بالهزل و هو الذي لا تزيغ به الأهواء،و لا يشبع منه العلماء،و لا يخلق عنه كثرة الرد، و لا تنقضي عجائبه-إلخ مع أدنى اختلاف.
و مثله الرابع في(عقده)و من الأصل فيه يظهر ان الأصل في كلامه عليه السلام النبي صلّى اللّه عليه و آله .
«و في القرآن» هكذا في(المصرية)و الصواب:(في القرآن)كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية.
«نبأ ما قبلكم» قال تعالى في أصحاب الكهف: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ» (1)
الكهف:13. [1]
-و قال في قصة يوسف عليه السلام: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» (2)-و قال في قصّة باقي الأنبياء إجمالا: «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ» (3)-و قال في سورة القصص: «نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (4)-و نصف السورة في قصّة موسى كما ان سورة يوسف عليه السلام أكثرها في قصته-و قصص آدم و إدريس و نوح و هود و صالح و إبراهيم و اسحاق و يعقوب و لوط و شعيب و سليمان و داود و موسى و عيسى عليهم السلام مبثوثة في مطاويه-و كثير منها قبلنزول القرآن كان غير معلوم لأحد و منها قصة يوسف عليه السلام فقال تعالى فيها:
«ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ» (1)
آل عمران:44. [1]
-هذا ان اريد بقوله: «ما قبلكم» أنبياء السلف و يمكن أن يراد به الصانع جلّ اسمه و يمكن أن يراد به الأعم منهما.و من آيات القرآن في أنباء ما قبلنا اخباره عن ذكر النبي صلّى اللّه عليه و آله في كتب اليهود و النصارى قال تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ» (2).
فلو لا كان اسمه مذكورا فيهما لكذّبوه،و لو كانوا كذّبوا لمّا خفي ذلك مع توفر الدواعي و لارتد عنه اتباعه،بل قال: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ» (3)فدل على ان ذكره صلّى اللّه عليه و آله في كتبهم و نعتها له صلّى اللّه عليه و آله بحد صار الأمر به من البديهيات.
و من آياته اشتماله على عدم جرأة اليهود تمني الموت في قباله،و عدم جرأة النصارى على المباهلة في مقابلته-قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ» (4)- «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» (5)-و الثاني و ان لم يصرّح فيه بعدم مباهلتهم إلاّ انّه معلوم التواتر و بالدراية،فلو كانوا ابتهلوا و لم يصبهم شيء لصار ذلك سبباً لطعن الكفار و المنافقين في الاسلام بل
ارتداد المسلمين عنه،و معلوم بالضرورة عدم حصول شيء من ذلك.
«و خبر ما بعدكم» يمكن أن يراد به أخبار القيامة و المعاد و الثواب و العقاب،و الجنّة و النار،فالقرآن مشحون من أخبارها-و يمكن أن يراد به أخباره عمّا يأتي كاخباره عن مغلوبية فارس عن الروم بعد غلبتها عليها-قال تعالى: «الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ» (1)
الروم:1-5. [1]
.و كاخباره عن مغلوبية قريش في بدر،قال تعالى: «وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ يَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبْطِلَ الْباطِلَ» (2).
و كاخباره عن مغلوبية يهود خيبر،قال تعالى: «وَ إِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ» (3)-و يمكن إرادة الأعم.
«و حكم ما بينكم» من مسائل الحلال و الحرام،و لقد صنّفوا كتباً في آيات أحكامه،و من اصول الاسلام ففيه ولاية أمير المؤمنين عليه السلام و المعصومين من عترته في قوله تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُونَ» (4)-كما في قول النبي صلّى اللّه عليه و آله:«من كنت مولاه فعلي مولاه».
و في قوله تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ»
«وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)
الاحزاب:33. [1]
-و في قوله تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» (2).و روى محمد بن يعقوب مسندا عن الأصبغ قال:سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول:نزل القرآن اثلاثا،ثلث فينا و في عدوّنا،و ثلث سنن و أمثال،و ثلث فرائض و أحكام.
و روى ابن المغازلي عن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:ان القرآن أربعة أرباع،فربع فينا أهل البيت خاصة،و ربع حلال،و ربع حرام،و ربع فرائض و أحكام،و اللّه أنزل فينا كرائم القرآن (3).
من الخطبة(153)
فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ- وَ النُّورِ الْمُقْتَدَى بِهِ ذَلِكَ؟الْقُرْآنُ؟ فَاسْتَنْطِقُوهُ- وَ لَنْ يَنْطِقَ وَ لَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ- أَلاَ إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي- وَ الْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي- وَ دَوَاءَ دَائِكُمْ وَ نَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ أقول:رواه( الكافي الكليني-الكافي-باب الرد إلى الكتاب و السنة )في باب الرد إلى الكتاب و السنة عن محمد بن يحيى عن بعض أصحابه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال:قال أمير المؤمنين عليه السلام:أيها الناس ان اللّه تبارك و تعالى أرسل إليكم الرسول و أنزل عليه الكتاب بالحق و أنتم أميون عن الكتاب و من أنزله و عن الرسول و من أرسله-إلى أن قال-فجاءهم بنسخة ما في الصحف
الأولى و تصديق الذي بين يديه و تفصيل الحلال من ريب الحرام ذلك القرآن فاستنطقوه و لن ينطق لكم أخبركم عنه،ان فيه علم ما مضى،و علم ما يأتي إلى يوم القيامة،و حكم ما بينكم،و بيان ما أصبحتم فيه تختلفون فلو سألتموني عنه لعلّمتكم .
«فجاءهم بتصديق الذي بين يديه» أي:التوراة و الإنجيل و الأصل فيه قوله تعالى: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ» (1)
آل عمران:3. [1]
.«وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللّهِ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ» (2)«وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» (3)«وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها» (4).
«قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ» (5).
«وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ» (6)- «إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَ إِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ» (7)«وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ» (8).
و أما نسخه لبعض ما فيهما فلا ينافي تصديقه لمّا فيهما.فالقرآن ينسخ بعضه بعضا و النسخ أيضا نوع تصديق-كما ان نسخ النبي صلّى اللّه عليه و آله لشرائع من تقدّم عليه من الرسل لا ينافي تصديقه لهم-و كيف لا و الكافر بموسى و عيسى كافر به .
«و النور» عطف على(تصديق).
«المقتدى به» هكذا في النسخ و الظاهر كونه تصحيف(المهتدى به) فالنور يهتدى به لا يقتدى به .
«ذلك» مبتدأ.
«القرآن» خبره.
«فاستنطقوه» بالنطق المعنوي.
«و لن ينطق» نطقا ظاهرا كبشر ينطق .
«و لكن أخبركم عنه» كان عليه السلام يخبر عن التوراة و الانجيل و الزبور كما يخبر عن القرآن ذكر الثعلبي في تفسير قوله تعالى: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» (1)
هود:17. [1]
عن زاذان قال:قال علي عليه السلام:و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم و بين أهل الانجيل بإنجيلهم و بين أهل الزبور بزبورهم و بين أهل الفرقان بفرقانهم- و الذي نفسي بيده ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلاّ و أنا أعرف له آية تسوقه إلى الجنّة أو تقوده إلى النار،فقال له رجل:يا أمير المؤمنين فما آيتك التي أنزلت فيك؟فقال: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» (2)فالنبي صلّى اللّه عليه و آله على بيّنة و أنا شاهد منه (3).«ألا ان فيه علم ما يأتي و الحديث عن الماضي» كقوله عليه السلام(في سابقه و في القرآن نبأ ما قبلكم و خبر ما بعدكم).
«و دواء دائكم» قالوا لاشتماله على الفضائل العلمية و العملية التي بها يحصل اصلاح النفوس و الشفاء من الأمراض النفسانية .
«و نظم ما بينكم» «وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (1)
يوسف:111. [1]
.هذا،و روى فضل قرآن الكافي قبل نوادره باسناده ضعيف عن الأصبغ عنه عليه السلام و الذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالحق نبيا و أكرم أهل بيته،ما من شيء تطلبونه من حرق أو غرق أو شرق أو افلات دابة من صاحبها أو ضالة أو آبق إلاّ و هو في القرآن فمن أراد ذلك فليسألني عنه،فقام رجل فقال:اخبرني عمّا يؤمن من الحرق و الغرق فقال:اقرأ «اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ» (2)«وَ ما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» -إلى- «وَ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ» (3)فقرأها رجل و اضطرمت النار في بيوت جيرانه و بيته وسطها فلم يصبه شيء -ثم قام إليه آخر فقال:ان دابتي استصعبت علي و أنا منها على وجل،فقال:
اقرأ في اذنها اليمنى «وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» (4)فقرأها فذلت له دابته-و قام إليه آخر فقال:ان أرضي مسبعة و ان السباغ تغشى منزلي و لا تجوز حتى تأخذ فريستها فقال:اقرأ «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ»
«رَؤُفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (1)
التوبة:128-129. [1]
فقرأها الرجل فاجتنبته السباع-ثم قام إليه آخر فقال،ان في بطني ماء أصفر فهل من شفاء؟فقال:اكتب على بطنك آية الكرسي و تغسلها و تشربها و تجعلها ذخيرة في بطنك،ففعل الرجل فبرىء باذن اللّه تعالى-ثم قام إليه آخر فقال:اخبرني عن الضالة فقال أقرأ(يس)في ركعتين و قل(يا هادي الضالة رد عليّ ضالتي)ففعل فرد اللّه عليه ضالته-ثم قام إليه آخر فقال اخبرني عن الآبق فقال اقرأ:«أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ» -إلى- «وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» (2)فقالها الرجل فرجع إليه الابق-ثم قام إليه آخر فقال:أخبرني عن السرق فانّه لا يزال قد يسرق لي الشيء بعد الشيء ليلا،فقال:أقرأ إذا آويت إلى فراشك «قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ» -إلى- «وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً» (3)ثم قال عليه السلام:
من بات بأرض قفر فقرأ «إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» -إلى- «تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» (4)حرسته الملائكة و تباعدت عنه الشياطين،فمضى الرجل فاذا هو بقرية خراب فبات فيها و لم يقرأ الآية فتغشاه الشيطان فاذا هو آخذ بخطمه،فقال له صاحبه انظره فاستيقظ الرجل فقرأ الآية فقال الشيطان لصاحبه ارغم اللّه أنفك أحرسه الآن حتى يصبح،فلمّا اصبح الرجل رجع إليه عليه السلام و قال له:رأيت في كلامك الشفاء و الصدق-(و مضى بعد طلوع الشمس فاذا هو بأثر شعر الشيطان مجتمعا في الأرض).
الخطبة(143)
من خطبة له عليه السلام:
فَبَعَثَ اللَّهُ؟مُحَمَّداً ص؟ بِالْحَقِّ- لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ- وَ مِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ- ؟بِقُرْآنٍ؟ قَدْ بَيَّنَهُ وَ أَحْكَمَهُ- لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ- وَ لِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ- وَ لِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ- فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ- مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ- وَ خَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ- وَ كَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلاَتِ- وَ احْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ وَ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ- لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ- وَ لاَ أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ- وَ لاَ أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ- وَ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ- إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ- وَ لاَ أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ- وَ لاَ فِي الْبِلاَدِ شَيْءٌ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ- وَ لاَ أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ- فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ- فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَ أَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ- وَ صَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لاَ يُؤْوِيهِمَا مُؤْوٍ- فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَ لَيْسَا فِيهِمْ- وَ مَعَهُمْ وَ لَيْسَا مَعَهُمْ- لِأَنَّ الضَّلاَلَةَ لاَ تُوَافِقُ الْهُدَى وَ إِنِ اجْتَمَعَا- فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ- وَ افْتَرَقُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ- وَ لَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ- فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلاَّ اسْمُهُ- وَ لاَ يَعْرِفُونَ إِلاَّ خَطَّهُ وَ زَبْرَهُ- وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ- وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللَّهِ فِرْيَةً وَ جَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيِّئَةِ- وَ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَ تَغَيُّبِ آجَالِهِمْ- حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ-
وَ تُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ وَ تَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ وَ النِّقْمَةُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللَّهَ وُفِّقَ- وَ مَنِ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلاً هُدِيَ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ- فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ- وَ إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ- فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ- وَ سَلاَمَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ- فَلاَ تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ- وَ الْبَارِئِ مِنْ ذِي السَّقَمِ أقول رواه آخر( الروضة الكليني-الكافي-الروضة ح 586 )في خبره(586)عن أحمد بن محمد،عن سعد بن المنذر بن محمد،عن أبيه عن جدّه،عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جدّه،قال:خطب أمير المؤمنين عليه السلام-و رواها غيره،و ذكر انّه خطب بذي قار-إلخ-و منه يظهر انّه عليه السلام خطب به في خروجه إلى الجمل .
«فبعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالحق ليخرج عباده من عبادة الأوثان» جمع الوثن،قال الجوهري:الوثن كلّ ما له جثة معمولة من جواهر الأرض،أو من الخشب و الحجارة كصورة الآدمي يعمل و ينصب فيعبد،و الصنم الصورة بلا جثة، و منهم من لم يفرّق بينهما،و قد يطلق الوثن على غير الصورة،و منه حديث عدي بن حاتم،قدمت على النبي صلّى اللّه عليه و آله و في عنقي صليب من ذهب،فقال لي الق هذا الوثن عنك.
«إلى عبادته» «أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ » (1)
يوسف:40. [1]
.«و من طاعة الشيطان إلى طاعته» «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَ أَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ » (2).
«بقرآن قد بيّنه و أحكمه» أي:جعله محكما.
«قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » (1)
المائدة:15-16. [1]
.«ليعلم العباد ربهم إذ جهلوه،و ليقروا به إذ جحدوه،و ليثبتوه بعد إذ أنكروه» «وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ» (2).
«أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » (3).
«فتجلى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه بما أراهم من قدرته و خوّفهم من سطوته» في(تفسير)القمي في «ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً» (4)- كان الوليد بن المغيرة شيخا كبيرا من دهاة العرب و كان من المستهزئين بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و كان صلّى اللّه عليه و آله يقعد في الحجرة و يقرأ القرآن،فاجتمعت قريش إلى الوليد و قالوا يا أبا عبد شمس ما هذا الذي يقول محمّد،أشعر هو أم كهانة أم خطب؟فقال:دعوني اسمع كلامه فدنا من النبي صلّى اللّه عليه و آله و قال له انشدني من شعرك قال:ما هو بشعر و لكن كلام اللّه الذي ارتضاه ملائكته و أنبياؤه و رسله و قال اتل علي منه شيئا فقرأ النبي صلّى اللّه عليه و آله«حم السجدة»فلمّا بلغ إلى قوله: «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ» (5)
فاقشعر الوليد،و قامت كلّ شعرة في رأسه و لحيته،و مر إلى بيته و لم يرجع إلى قريش فمشوا إلى أبي جهل فقالوا يا أبا الحكم ان أبا عبد شمس صبا إلى دين محمّد أما تراه لا يرجع إلينا فعدا أبو جهل إلى الوليد فقال:يا عم نكست رؤوسنا،و أشمت بنا عدوّنا،و صبوت إلى دين محمد؟قال:ما صبوت إلى دينه و لكني سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود فقال له أبو جهل اخطب هو؟قال لا،ان الخطب كلام متصل و هذا كلام منثور لا يشبه بعضه بعضا.
قال أ فشعر؟قال لا أما اني لقد سمعت أشعار العرب بسيطها و مديدها و رملها و رجزها و ما هو بشعر قال فما هو؟قال دعني افكر فيه فلمّا كان من الغد.قالوا يا أبا عبد شمس ما تقول فيه قال قولوا هو سحر فانّه آخذ بقلوب الناس فانزل تعالى «ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً» (1)
المدثر:11. [1]
إلخ .«و كيف محق» أي:ابطل و محا.
«من محق بالمثلات» أي:العقوبات.
قال تعالى «وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ » (2).
«و احتصد من احتصد بالنقمات» و قال تعالى «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ» (3)«وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ»
«فَما زاَلَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ» (1)
الانبياء:11-15. [1]
.«أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ» .-إلى- «فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ » (2).
«و انه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق و لا أظهر من الباطل و لا أكثر من الكذب على رسوله صلّى اللّه عليه و آله» في(تفسير القمي)في قوله تعالى: «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها» (3)-عن ابن عباس،قال:حججنا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله حجّة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة ثم أقبل علينا بوجهه،فقال ألا أخبركم باشراط الساعة-و كان أدنى الناس منه يومئذ سلمان-فقال بلى فقال:ان من أشراطها إضاعة الصلوات،و اتباع الشهوات،و الميل مع الأهواء،و تعظيم أصحاب المال،و بيع الدين بالدنيا، فعندها يذاب قلب المؤمن في جوفه كما يذاب الملح في الماء ممّا يرى من المنكر،و لا يستطيع أن يغيّر-قال:و ان هذا لكائن؟قال:بلى ان عندها يليهم امراء جورة و وزراء فسقة،و عرفاء ظلمة،و امناء خونة-قال ان هذا لكائن؟ قال بلى،ان عندها يكون المنكر معروفا،و المعروف منكرا،و يؤتمن الخائن، و يخون الأمين،و يصدق الكاذب،و يكذب الصادق،-قال و ان هذا لكائن؟قال أي:و الذي نفسي بيده فعندها امارة النساء،و مشاورة الاماء،و قعود الصبيان على المنابر،و يكون الكذب ظرفا و الزكاة مغرما،و الفيء مغنماً،و يجفو الرجل و الديه،و يبرّ صديقه،و يطلع الكوكب المذنب.
قال و ان هذا لكائن؟قال:بلى و عندها تشارك المرأة زوجها في التجارة،
و يكون المطر قيظا(و يفيض ط اللئام فيضا)و يغيض الكرام غيظا،و يحتقر الرجل المعسر،و عندها تقارب الأسواق،إذ قال هذا لم أبع شيئا،و قال هذا لم أربح شيئا فلا ترى إلاّ ذاما للّه-و عندها يليهم أقوام ان تكلموا قتلوهم،و ان سكتوا استباحوهم-و عندها يؤتى بشيء من المشرق،و شيء من المغرب، و جثثهم جثث الآدميين،قلوبهم قلوب الشياطين-و عندها يكتفي الرجال بالرجال،و النساء بالنساء،و يغار على الغلمان كما على الجارية-و يشبّه الرجال بالنساء،و النساء بالرجال،و عندها تزخرف المساجد،كما تزخرف البيع و الكنائس،و يحلّى المصاحف،و يطول المنارات و تكثر الصفوف بقلوب متباغضة-إلى أن قال-و عندها تتكلم الرويبضة-قال سلمان و ما الرويبضة؟ قال يتكلم في أمر العامة من لم يكن يتكلم.
و قال ابن أبي الحديد فالشعبة:امام المحدثين تسعة أعشار الحديث كذب-و قال الدار قطني:ما الحديث الصحيح في الكذب إلاّ كالشعرة البيضاء في الثور الأسود .
«و ليس عند أهل ذلك الزمان سلعة» أي:متاع.
«أبور» أي:أكسد.
«من الكتاب إذا تلى حق تلاوته» و كما ينبغي .
«و لا أنفق» أي:أروج.
«إذا حرّف» أي:غيّر.
«عن مواضعه» و الأصل في كلامه عليه السلام قوله تعالى: «مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ» (1)
النساء:46. [1]
- «وَ مِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ»1) 1)
«سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ» (1)
المائدة التوبة:41. [1]
.روى سليم بن قيس ان معاوية قدم المدينة في خلافته فقال لابن عباس انّا كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي و آله فكفّ لسانك،فقال:يا معاوية أ تنهانا عن قراءة القرآن؟قال لا قال أ فتنهانا عن تأويله؟قال نعم قال فنقرأه،و لا نسأل عمّا عنى اللّه به قال:سل عن ذلك من يتأوله غير ما يتأوله أنت و أهل بيتك قال:انما أنزل القرآن على أهل بيتي فاسأل عنه آل أبي سفيان أ تنهانا يا معاوية أن نعبد اللّه بالقرآن بما فيه من حلال و حرام فلا تسأل الأمة عن ذلك حتى تعلم فتهلك،قال:أقرءوا القرآن و لا تؤلّوه و لا ترووا شيئا ممّا أنزل اللّه فيكم و ارووا ما سوى ذلك،قال ابن عباس ان اللّه تعالى يقول «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (2)قال يا ابن عباس أربع على نفسك،و كف لسانك و ان كنت لا بد فاعلا و ليكن ذلك سرّا لا تسمعه أحدا علانية .
«و لا في البلاد شيء أنكر من المعروف و لا أعرف من المنكر» روى(الكافي) عن الصادق عليه السلام قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:كيف بكم إذا فسدت نساؤكم،و فسق شبّانكم و لم تأمروا بمعروف،و لم تنهوا عن المنكر-فقيل له و يكون ذلك؟ قال:نعم و شرّ من ذلك كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر و نهيتم عن المعروف،فقيل له و يكون ذلك؟قال نعم و شرّ من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفا و المعروف منكرا،هذا و قوله عليه السلام «و ليس عند أهل ذلك الزمان» .
-إلى-هنا مر في العنوان الثالث من الفصل الثامن عشر بلفظ(ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته و لا سلعة أنفق بيعا و لا أغلى
ثمنا من الكتاب إذا حرّف عن موضعه و لا عندهم أنكر من المعروف و لا أعرف من المنكر ).
«فقد نبذ» أي:القى.
«الكتاب حملته و تناساه حفظته» «وَ لَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ » (1)
البقرة:101. [1]
.«فالكتاب يومئذ و أهله طريدان منفيان» هكذا في(المصرية)و الصواب:
(منفيان طريدان)كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية.
في(المروج)أمر المتوكل في سنة(236)بهدم قبر الحسين عليه السلام و إزالة أثره،و ان يعاقب من وجد به،و منع الناس من زيارته و زيارة أبيه .
«و صاحبان مصطحبان» قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:في(المستفيض)عنه اني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي،و انهما لا يفترقان حتى يردا على الحوض .
«لا يؤويهما مؤو» من آويته إذا أنزلته بك و أما(أويت)فبمعنى نزلت قال تعالى: «سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ» (2)و وهم الجوهري فنسب إلى أبي زيدان اوى و آوى بمعنى.
و عدم أيواء مؤولهما لانهما لا يراعيان غير الحق و الناس فارون من الحق فرار المعز من الذئب .
«فالكتاب و أهله في ذلك الزمان في الناس» بالجسم.
«و ليسا فيهم و معهم» هكذا في(المصرية)،و لكن في ابن أبي الحديد
و الخطية (و ليسا فيهم و معهم و ليسا معهم) و كذا ابن ميثم على ما يفهم من تفسيره و ان كانت نسخته بلفظ(و ليسا معهم)و عليه فقوله(و معهم)عطف على(في الناس)فيكون المعنى(فالكتاب و أهله في الناس و ليسا فيهم و الكتاب و أهله مع الناس و ليسا معهم ).
«لأن الضلالة لا توافق الهدى» علّة لعدم كون الكتاب في الناس و معهم.
«و ان اجتمعا» صورة لاستحالة اجتماع الضدين حقيقة .
«فاجتمع القوم» أي:ناس ليسوا أهله.
«على الفرقة» عن الهدى و الحق الذي في الكتاب .
«و افترقوا عن الجماعة» مع أهله .
«كأنهم أئمة الكتاب و ليس الكتاب امامهم» «وَ قالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً » (1)
الفرقان:30. [1]
.«فلم يبق عندهم منه إلاّ اسمه» دون معناه .
«و لا يعرفون إلاّ خطّه و زبره» بالفتح أي:كتابته و المزبر القلم قال:«قد قضى الأمر و جف المزبر».
روى(الروضة)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلاّ رسمه،و من الاسلام إلاّ اسمه،يسمّون به و هم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة و هي خراب من الهدى،فقهاء ذلك الزمان شرّ فقهاء تحت ظلّ السماء،منهم خرجت الفتنة،و إليهم تعود .
«و من قبل ما مثلوا» قيل(ما مثلوا)في تأويل المصدر مبتدأ لقوله(و من قبل).
«بالصالحين كلّ مثله» إشارة إلى زمن عثمان و عمله مع أبي ذر و عمّار
1) 1)
و الأشتر و غيرهم كلّ شرّ من الضرب و النفي و غيرهما،و في الخلفاء في ما كتب عليه السلام لأهل العراق لمّا سألوه عن الثلاثة مشيرا إلى عثمان و خواصه- و هؤلاء الذين لو ولّوا عليكم لأظهروا فيكم الغضب و الفخر و التسلّط بالجبروت،و ما حكموا بالرشاد (1)
الامامة و السياسة لابن قتيبة:158، [1]مصطفى البابي الحلبي 1969 م.
.«و سموا صدقهم على اللّه» في حديثهم عن رسوله صلّى اللّه عليه و آله.
«فرية» أي:افتراء.
و في رواية الجاحظ و الواقدي و غيرهما ان أبا ذر لمّا أرجع به معاوية من الشام إلى المدينة قال له عثمان:يا جنيدب لا أنعم اللّه بك عينا،فقال أبو ذر:
أنا جندب و سمّاني النبي صلّى اللّه عليه و آله عبد اللّه فاخترت اسم النبي صلّى اللّه عليه و آله على اسمي (2).
فقال له عثمان أنت الذي تزعم انّا نقول يد اللّه مغلولة و ان اللّه فقير و نحن أغنياء فقال أبو ذر لو كنتم لا تقولون هذا لأنفقتم مال اللّه على عباده و لكنّي اشهد سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال اللّه دولا و عباده خولا (3)-فقال عثمان لمن حضرا سمعتموها من النبي؟قالوا لا.قال عثمان:ويلك يا أبا ذر أتكذب على رسول اللّه-فقال أبو ذر لمن حضر أما تدرون اني صدقت قالوا لا و اللّه ما ندري،فقال عثمان ادعوا لي عليّا فلمّا جاء قال عثمان لأبي ذر أقصص عليه حديثك في بني العاص فأعاده-فقال عثمان لعلي عليه السلام سمعت هذا من النبي؟قال لا و صدق أبو ذر فقال كيف عرفت صدقه قال لأني سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول:(ما ألّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر).فقال من حضر أما هذا فسمعناه كلّنا من
النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال:أبو ذرّ أحدثكم اني سمعت هذا من النبي صلّى اللّه عليه و آله فتتهموني ما كنت أظن اني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و آله-و رواه المسعودي في(مروجه ) (1)
مروج الذهب للمسعودي 2:351. [1]دار المعروفة-بيروت.
.«و جعلوا في الحسنة عقوبة السيئة» كما قال تعالى في أصحاب الاخدود- «وَ ما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» (2)و ما نقموا من هؤلاء الذين مثلوا بهم إلاّ انّهم تولوا أهل بيت نبيهم عليه السلام الذي هو أصل الحسنات قال تعالى: «وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً» (3)ففي مقاتل أبي الفرج في خطبة الحسن عليه السلام بعد أبيه-(إنّا من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا و الذين افترض اللّه مودتهم في كتابه إذ يقول:
«وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً» (4)فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت ).
«و انما هلك من كان قبلكم بطول آمالهم،و تغيب آجالهم حتى نزل بهم الموعود» «يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَ لكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللّهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ» (5).
«الذي ترد عنه المعذرة» «يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّارِ » (6).
«و ترفع عنه التوبة» «وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا»
«حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ » (1)
النساء:18. [1]
.«و تحل معه القارعة» أي:الداهية المهلكة و الأصل فيها مقارعة الكتائب بأسلحتهم قال(بهن فلول من قراع الكتائب).
«و النقمة» أي:الانتقام «وَ لَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ » (2).
«أيها الناس من استنصح اللّه» بقبول مواعظ رسله و حكم كتبه.
«وفق» لرشده .
«و من اتخذ قوله دليلا هدى للتي» أي:للطريقة التي.
«هي أقوم» و الأصل فيه قوله تعالى: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ » (3).
«فان جار اللّه آمن» «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ » (4).
«و عدوا اللّه» هكذا في(المصرية)و الصواب:(و عدوه)كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية.
«خائف» «وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللّهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ» (5)-الآية -.
«و انّه لا ينبغي لمن عرف عظمة اللّه» فقال «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ»
«جَدِيدٍ وَ ما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ» (1)
ابراهيم.19-20. [1]
«قُلِ اللّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» (2)«قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» (3).«أن يتعظّم» فانّه ابن آدم المسكين مكتوم الأجل،مكنون العلل،محفوظ العمل،تولمه البقة،و تقتله الشرقة،و تنتنه العرقة ».
«فان رفعة الذين يعرفون ما عظمته ان يتواضعوا له» قال ابن أبي الحديد قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:ان اللّه قد أذهب عنكم حمية الجاهلية،و فخرا بالآباء،الناس بنو آدم،و آدم من تراب،مؤمن تقي،و فاجر شقي،لينتهين أقوام يفخرون برجال انما هم فحم من فحم جهنم،أو ليكونن أهون على اللّه من جعلات تدفع النتن بأنفها .
«و سلامة الذين يعلمون ما قدرته ان يستسلموا له» عن الزهري قال:دخلت مع السجّاد عليه السلام على عبد الملك فلمّا رأى أثر السجود بين عينيه،قال:لقد بين عليك الاجتهاد و لقد سبق لك من اللّه الحسنى،و أنت بضعة من النبي،قريب النسب و كيد السبب،و انك لذو فضل عظيم على أهل بيتك،و ذوي عصرك، و لقد أوتيت من الفضل و العلم و الورع و الدين ما لم يؤته أحد إلاّ من مضى من سلفك-و أقبل يطريه-.
فقال عليه السلام:كلّ ما وصفته من فضل اللّه و تأييده و توفيقه فأين شكره على ما أنعم،و اللّه لو تقطّعت أعضائي و سالت مقلتاي على صدري لم أشكر عشر العشير من نعمة واحدة من نعمه التي لا تحصى لا و اللّه،لا يراني اللّه يشغلني شيء عن شكره و ذكره في ليل و لانهار،و لا سرّ و لا علانية،و لو لا ان لأهلي عليّ حقا و ان لساير الناس من خاصّهم و عامهم عليّ حقوقا لا يسعني إلاّ القيام بها حسب الوسع حتى أؤديها إليهم،لرميت بطرفي إلى السماء، و بقلبي إلى اللّه ثم لم أرددهما حتى يقضي اللّه على نفسي .
«فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب» لئلا يسري الجرب إليه، و في الصحاح الأجر بان عبس و ذبيان تحوموا لقوتهم كما تتحامى الجرب .
«و البارئ» أي:السالم من الداء.
«من ذي القسم» و في الخبر(فرّ من المجذوم فرارك من الأسد).
في الخطبة(149)
إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللَّهِ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ- الَّتِي عَلَيْهَا يُثِيبُ وَ يُعَاقِبُ وَ لَهَا يَرْضَى وَ يَسْخَطُ- أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ عَبْداً- وَ إِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ وَ أَخْلَصَ فِعْلَهُ- أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا لاَقِياً رَبَّهُ- بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا- أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ- أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلاَكِ نَفْسٍ- أَوْ يَعُرَّ بِأَمْرٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ- أَوْ يَسْتَنْجِحَ حَاجَةً إِلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ- أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ أَوْ يَمْشِيَ فِيهِمْ بِلِسَانَيْنِ أقول:رواه اجمال طلب معيشة( الكافي الكليني-الكافي-اجمال طلب معيشة )عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال:كان أمير المؤمنين عليه السلام كثيرا ما يقول:اعلموا علما يقينا ان اللّه جلّ و عز لم يجعل العبد و ان اشتدّ جهده،و عظمت حيلته،و كثرت مكائده،ان يسبق ما سمّى له
في الذكر الحكيم،و لم يخل من العبد في ضعفه و قلّة حيلته،ان يبلغ ما سمّى له في الذكر الحكيم،أيها الناس انّه لن يزداد امرؤ نقيرا بحذقه،و لم ينتقص امرؤ نقيرا لحمقه،فالعالم بهذا العامل به أعظم الناس راحة في منفعته و العالم بهذا التارك له أعظم الناس شغلا في مضرّته،و رب منعم عليه مستدرج بالاحسان إليه،و رب مغرور في الناس مصنوع له،فاتق اللّه أيها الساعي من سعيك، و قصر من عجلتك،و انتبه من سنّة غفلتك،و تفكّر في ما جاء عن اللّه عز و جل على لسان نبيّه صلّى اللّه عليه و آله،و احتفظوا بهذه الحروف السبعة،فانها من قول أهل الحجى،و من عزائم اللّه في الذكر الحكيم،انّه ليس لأحد أن يلقى اللّه جلّ و عزّ بخلّة من هذه الخلال،الشرك باللّه جلّ و عزّ في ما افترض عليه،أو اشفاء غيظ بهلاك نفسه،أو اقرار بأمر يفعله غيره،أو يستنجح إلى مخلوق باظهار بدعة في دينه،أو يسره ان يحمده الناس بما لم يفعل،و المتجبر المختال،و صاحب الابهة و الزهو.
و رواه( تحف عقول ابن أبي شعبة الحلبي-تحف العقول- )ابن أبي شعبة الحلبي،مرفوعا عنه عليه السلام هكذا:«ان من عزائم اللّه في الذكر الحكيم التي لها يرضى و لها يسخط،و لها يثيب و عليها يعاقب،انّه ليس بمؤمن و ان حسن قوله،و زيّن وصفه غيره،إذا خرج من الدنيا فلقى اللّه بخصلة من هذه الخصال لم يتب منها الشرك باللّه في ما افترض عليه من عبادته،أو شفاء غيظ بهلاك نفسه،أو يقرّ بعمل فعله غيره،أو يستنجح حاجة إلى الناس بإظهار بدعة في دينه،أو سرّه ان يحمده الناس بما لم يفعل من خير أو مشى في الناس بوجهين و لسانين و التجبّر و الابهة «ان من عزائم اللّه» العزائم في قبال الرخص كقوله لقمان في ما حكى اللّه تعالى عنه: «يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ اصْبِرْ عَلى»
«ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» (1)
لقمان:17. [1]
.و عزائم القرآن معروفة،و عزائم السجود أربعة و أولوا العزم من الرسل خمسة.
«في الذكر الحكيم» أي:القرآن قال تعالى: «ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ » (2).
«التي عليها يثيب و يعاقب» في الواجبات و المحرّمات.
«و لها يرضى و يسخط» عطف على(عليها يثيب و يعاقب)و قد عرفت ان التحف قدم الثاني هو الأنسب .
«انّه لا ينفع عبدا و ان أجهد» أي:ألقى في المشقة.
«نفسه و أخلص فعله» و صار فعالا.
«ان يخرج من الدنيا لاقيا ربه بخصلة من هذه الخصال لم يتب منها» (هذه الخصال)اشارة إلى خصال ذكرها بعد،إلاّ ان المتن عدّها أربعة أو خمسة و عدّها(التحف)سبعة،و صرّح خبر(الكافي)بكونها سبعة .
«أن يشرك باللّه في ما افترض عليه من عبادته» «إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» (3).
«وَ إِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما» (4).
«أو يشفي غيظه بهلاك نفس» «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً » (1)
النساء 93. [1]
.«أو يعر» في(الصحاح)(عره بشر)لطخه به و في نسخ ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية(أو يقر)بالقاف إلاّ ان الأول فسّره باللطخ و هو معنى العر لا القر.
«بأمر فعله» الفاعل ضمير(عبدا).
«غيره» مفعول(يعر)و الأصل:(يعر غيره بأمر فعله هو)قال تعالى:
«وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً » (2).
«أو يستنجح حاجة إلى الناس باظهار بدعة في دينه» «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللّهِ» (3)- «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ» (4)«فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ» (5).
و في(عقاب أعمال)الصدوق عن الصادق عليه السلام:من مشى إلى صاحب بدعة فوقّره فقد مشى في هدم الاسلام .
«أو يلقى الناس بوجهين أو يمشي فيهم بلسانين» قد عرفت ان(التحف) جعلهما شيئا واحداً فقال:(أو مشى في الناس بوجهين و لسانين)و هو الأصح فالوجهان انما باللسانين كما ان المراد باللسانين التكلّم بكيفيتين فالظاهر ان (أو يمشي)محرّف(و يمشي).
و كيف كان فروى(الكافي)في باب ذي اللسانين عن الصادق عليه السلام:قال من لقى المسلمين بوجهين و لسانين جاء يوم القيامة و له لسانان من نار.
و حكى تعالى عن المنافقين: «وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ» (1)
البقرة:14. [1]
.هذا،و قد عرفت ان(الكافي)(و التحف)زادا في الخصال على ما في (النهج)«أو يسره أن يحمده الناس بما لم يفعل»-و حينئذ فالأصل فيه قوله:
«لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» (2)-و زادا(صاحب التجبر و الابهة)كما مر.
الخطبة(106)
و من خطبة له عليه السّلام:
إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ- إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى- الْإِيمَانُ بِهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ- فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الْإِسْلاَمِ- وَ كَلِمَةُ الْإِخْلاَصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ- وَ إِقَامُ الصَّلاَةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ- وَ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ- وَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ- وَ حَجُّ؟الْبَيْتِ؟ وَ اعْتِمَارُهُ- فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَ يَرْحَضَانِ الذَّنْبَ- وَ صِلَةُ الرَّحِمِ- فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ وَ مَنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ- وَ صَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ- وَ صَدَقَةُ الْعَلاَنِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ- وَ صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ- أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ- وَ ارْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ الْمُتَّقِينَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ الْوَعْدِ- وَ اقْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ- وَ اسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى السُّنَنِ وَ تَعَلَّمُوا؟
الْقُرْآنَ؟ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ- وَ تَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ- وَ اسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ- وَ أَحْسِنُوا تِلاَوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ- وَ إِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ- كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لاَ يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ- بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَ الْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ- وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَلْوَمُ أقول:و رواه( أمالي الشيخ الطوسي-الأمالي- )الشيخ،(و علل الشيخ الصدوق-علل الشرايع- )الصدوق(و تحف ابن أبي شعبة-تحف العقول- )ابن أبي شعبة، و كذا( الكافي الكليني-الكافي- )،و نقل عن كتاب الحسين بن سعيد الأهوازي الحسين بن سعيد الأهوازي-الزهد-ص 13 تحقيق عرفانيان ط 2،قم (1)
كتاب الزهد لحسين بن سعيد الأهوازي:13 تحقيق عرفانيان ط 2،قم.
،أما الأول فروى مسندا عن أبي بصير عن الباقر عليه السلام قال:قال أمير المؤمنين عليه السلام:أفضل ما توسل به المتوسلون الايمان باللّه و برسوله و الجهاد في سبيله،و كلمة الاخلاص فانها الفطرة،و إقامة الصلاة فانها الملة،و ايتاء الزكاة فانها من فرائض اللّه،و صيام شهر رمضان،فانّه جنّة من عذاب اللّه،و حجّ البيت فانّه منفاة للفقر،و مدحضة للذنب،وصلة الرحم،فانها مثراة للمال.و منسائة في الاجل،و الصدقة في السر فانها تذهب الخطيئة،و تطفئ غضب الرب،و صنايع المعروف،فانها تدفع ميتة السوء،و تقي مصارع الهو ان،الا فاصدقوا،فان اللّه مع من صدق،و جانبوا الكذب فان الكذب مجانب الايمان.ألا و ان الصادق على شفا منجاة و كرامة،ألا و ان الكاذب على شفا مخزاة و هلكة،ألا و قولوا خيرا تعرفوا به،و اعملوا به تكونوا من أهله،و أدوا الأمانة إلى من ائتمنكم،و صلوا من قطعكم،و عودوا بالفضل على من سالمكم.و رواه(العلل)باسناده عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر يرفعه إليه عليه السلام مثله و مثله عن كتاب الحسين بن سعيد.
و نقله(تحف الحلبي)مع إضافات و نقله عنه(الخوئي)أيضا فقال (خطبته عليه السلام المعروفة بالديباج)-(الحمد للّه فاطر الخلق،و فالق الاصباح،
1) 1)
و منشر الموتى،و باعث من في القبور،و اشهد ان لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،و ان محمّدا عبده و رسوله صلّى اللّه عليه و آله.عباد اللّه ان أفضل ما توسل به المتوسلون إلى اللّه جل ذكره،الايمان بنبيه و رسله،و ما جاءت من عند اللّه،و الجهاد في سبيله،فانّه ذروة الاسلام،و كلمة الاخلاص،فانها الفطرة،و إقامة الصلاة فانها الملة،و ايتاء الزكاة فانها فريضة،و صوم شهر رمضان فانّه جُنّة حصينة،و حجّ البيت و العمرة،فانهما ينفيان الفقر و يكفران الذنب،و يوجبان الجنّة،و صلة الرحم فانها ثروة في المال،و منسأة في الأجل،و تكثير للعدد، و الصدقة في السرّ فانها تكفر الخطا،و تطفئ غضب الرب تبارك و تعالى و صدقة في العلانية،فانها تدفع ميتة السوء،و صنايع المعروف،فانها تقي مصارع السوء،و أفيضوا في ذكر اللّه جلّ ذكره فانّه أحسن الذكر،و هو أمان من النفاق،و براءة من النار و تذكير لصاحبه،عند كلّ خير يقسمه اللّه جلّ و عز و له دوي تحت العرش،و ارغبوا في ما وعد المتقون،فان و عد اللّه أصدق الوعد،و كلّ ما وعد فهو آت كما وعد،فاقتدوا بهدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فانّه أفضل الهدي و استنوا بسنته،فانها أشرف السنن،و تعلّموا كتاب اللّه تعالى فانّه أحسن الحديث،و أبلغ الموعظة،و تفقهوا فيه فانّه ربيع القلوب، و استشفوا بنوره،فانّه شفاء لمّا في الصدور،و احسنوا تلاوته فانّه أحسن القصص،و إذا قرئ عليكم القرآن فاستمعوا له و انصتوا لعلّكم ترحمون،و إذا هديتم لعلم فاعملوا بما علمتم لعلّكم تفلحون،و اعلموا عباد اللّه:ان العالم العامل بغير علم كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله بل الحجّة عليه أعظم،و هو عند اللّه ألوم،و الحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه، مثل ما على هذا الجاهل المتحير في جهله و كلاهما حائر بائر مضل.مفتون ما هم فيه و باطل ما كانوا يعملون.
و روى(الكافي)في باب استعمال العلم مسندا عن محمّد البرقي رفعه قال:قال أمير المؤمنين عليه السلام:في كلام له خطب به على المنبر:أيها الناس إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلّكم تهتدون،ان العالم العامل بغيره كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله،بل قد رأيت ان الحجّة عليه أعظم،و الحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ عن علمه،منها على هذا الجاهل المتحير في جهله،و كلاهما حائر بائر،لا ترتابوا فتشكوا،و لا تشكوا فتكفروا،و لا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا،و لا تدهنوا في الحق فتخسروا،و ان من الحق ان تفقهوا،و من الفقه ألا تغتروا،و ان أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه،و اغشّكم لنفسه أعصاكم لربه و من يطع اللّه يأمن و يستسر.و من يعص اللّه يخب و يندم.
قول المصنف :
«و من خطبة له عليه السلام» قد عرفت ان(التحف)قال ان هذه الخطبة معروفة بالديباج لكن ليس في ما نقل لفظ ديباج فان وصفت بالوسيلة فله مناسبة.
قوله عليه السلام :
«ان أفضل ما توسل به المتوسلون» أي:تقرّب به المتقربون،و هو واجب عقلا و قد نبّه تعالى عليه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ» (1)
المائدة:35. [1]
.ثم الذي و قفنا عليه توسل كما في كلامه عليه السلام و وسل مجردا كما في قول لبيد:
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم بلى كلّ ذي دين إلى اللّه واسل
و أما(وسل)مضعفا فلم نقف عليه و ان قاله الجوهري و الفيروز آبادي.
«إلى اللّه سبحانه و الايمان به و برسوله» جعله عليه السلام أول الوسائل لأنّه
1) 1)
الأصل،قال تعالى: «آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ » (1)
البقرة:285. [1]
.«و الجهاد في سبيله» و منه الأمر بالمعروف،و النهي عن المنكر و منه جهاد النفس قال تعالى: «وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » (2).
«فانّه ذروة» بالكسر و الضم أي:أعلى.
«الاسلام و كلمة» عطف على(الايمان).
«الاخلاص» روى(ثواب الأعمال)عن الصادق عليه السلام من قال لا إله إلاّ اللّه مخلصا دخل الجنّة و اخلاصه بها ان(تحجزه)(لا إله إلاّ اللّه)عمّا حرّم اللّه.
و روي عن حذيفة:لا تزال(لا إله إلاّ اللّه)ترد غضب الرب عن العباد ما كانوا لا يبالون ما انتقص من دنياهم إذا سلم دينهم،فاذا كانوا لا يبالون ما انتقص من دينهم إذا سلمت دنياهم ثم قالوها ردت عليهم و قيل كذبتم و لستم بها صادقين .
«فانها الفطرة» التي فطر اللّه الناس عليها .
«و اقام الصلاة،فانها الملة» أي:الدين و الشريعة.
روى فضل صلاة(الكافي)عن معاوية بن وهب قال:سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربهم ما هو؟فقال:ما علم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة ألا ترى ان العبد الصالح عيسى بن مريم عليه السلام قال: «وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» (3).
و عنه عليه السلام أحب الاعمال إلى اللّه عز و جل الصلاة و هي آخر أوصياء الأنبياء-و عنه عليه السلام إذا قام المصلّي إلى الصلاة نزلت عليه الرحمة من أعنان السماء إلى أعنان الأرض و حفّت به الملائكة،و ناداه ملك لو يعلم هذا المصلّي ما في الصلاة ما انفتل .
«و ايتاء الزكاة فانها فريضة واجبة» روى فرض زكاة(الكافي)عن الصادق عليه السلام:ما فرض اللّه على هذه الأمة شيئا أشدّ عليهم من الزكاة،و فيها تهلك عامتهم.
و روي منع زكاته عن أبي جعفر عليه السلام قال بينا النبي صلّى اللّه عليه و آله في المسجد إذ قال قم يا فلان و يا فلان-حتى عد خمسة فقال أخرجوا من مسجدنا لا تصلّوا فيه و أنتم لا تزكون.
و عن أبي عبد اللّه عليه السلام من منع قيراطا من الزكاة فليمت ان شاء يهوديا أو نصرانيا-و عنه عليه السلام من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن و لا مسلم،و هو قوله تعالى: «رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ » (1)
المؤمنون:99-100. [1]
.«و صوم شهر رمضان فانّه جنّة من العقاب» روى فضل صوم(الكافي)عن علي بن عبد العزيز قال قال لي أبو عبد اللّه عليه السلام:ألا أخبرك بأصل الاسلام و فرعه و ذروته و سنامه؟قلت:بلى،قال:أصله الصلاة و فرعه الزكاة و ذروته و سنامه الجهاد في سبيل اللّه،ألا أخبرك بأبواب الخير ان الصوم جنّة.
و عنه عليه السلام ان للّه تعالى في كلّ ليلة من شهر رمضان عتقاء و طلقاء من النار،الا من أفطر على مسكر،فاذا كان في آخر ليلة منه أعتق فيها مثل ما أعتق في جميعه .
«و حجّ البيت و اعتماره فانهما ينفيان الفقر و يرحضان» أي:يغسلان.
1) 1)
«الذنب» فيزيلانه.
روى فضل حجّ(الكافي)و عمرته،عن إسحاق بن عمار قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام اني قد وطّنت نفسي على لزوم الحجّ كلّ عام بنفسي أو برجل من أهل بيتي بمالي فقال:و قد عزمت على ذلك؟قلت نعم قال:ان فعلت فايقن بكثرة المال.
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يحالف الفقر و الحمى مدمن الحج و العمرة-و عن الصادق عليه السلام تابعوا بين الحج و العمرة فانهما ينفيان الفقر و الذنوب،كما ينفي الكير خبث الحديد.
و عنه عليه السلام الحجاج يصدرون على ثلاثة أصناف:صنف يعتق من النار، و صنف يخرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمه،و صنف يحفظ في أهله و ماله فذلك أدنى ما يرجع به الحاج .
«و صلة الرحم» «وَ اتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ» (1)
النساء:1. [1]
.«فانها» أي:الصلة.
«مثراة» أي:مكثرة.
«في المال و منساة» أي:مؤخرة.
«للأجل» و موجبة لطول العمر.
روى صلة أرحام(الكافي)عن أبي جعفر عليه السلام صلة الأرحام تزكي الأعمال،و تنمي الأموال،و تدفع البلوى،و تيسر الحساب،و تنسئى في الأجل.
و عن الرضا عليه السلام يكون الرجل يصل رحمه،فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيرها اللّه ثلاثين و يفعل اللّه ما يشاء.
و عن الصادق عليه السلام صلة الرحم و حسن الجوار يعمّران الديار و يزيدان
1) 1)
في الأعمار-و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله من سرّه النسأ في الأجل و الزيادة في الرزق فليصل رحمه-و ان القوم ليكونون فجرة-و لا يكونون بررة-فيصلون أرحامهم فتنمى أموالهم و تطول أعمارهم فكيف إذا كانوا أبرارا بررة.
و عنه صلّى اللّه عليه و آله من سرّه أن يمد اللّه في عمره و ان يبسط له في رزقه،فليصل رحمه فان الرحم لها لسان يوم القيامة ذلق يقول يا رب:صل من وصلني و اقطع من قطعني،فالرجل ليرى بسبيل خير حتى إذا أتته الرحم التي قطعها فتهوى به إلى أسفل قعر في النار.
و عن الصادق عليه السلام صلة الرحم تهوّن الحساب يوم القيامة و هي منسائة في العمر و تقي مصارع السوء.
و عنه عليه السلام اني أحب أن يعلم اللّه اني قد أذللت رقبتي في رحمي و اني لابادر أهل بيتي أصلهم قبل أن يستغنوا عني.
و عنه عليه السلام وقع بينه و بين عبد اللّه بن الحسن كلام فافترقا فغدا عليه السلام على باب عبد اللّه فخرج عبد اللّه إليه عليه السلام فقال عليه السلام له:اني تلوت آية من كتاب اللّه البارحة فأقلقتني قال و ما هي؟قال:قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ» (1)
الرعد:21. [1]
.قال صدقت و كاني لم أقرأ هذه الآية-فاعتنقا و بكيا .
«و صدقة السرّ فانها تكفر الخطيئة» قال تعالى: «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» (2).
و روى صدقة سر(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله صدقة السر تطفئ غضب الرب.
«و صدقة العلانية فانها تدفع ميتة السوء» روى فضل صدقة(الكافي)عن الباقر عليه السلام البر و الصدقة ينفيان الفقر و يزيدان في العمر و يدفعان عن سبعين ميتة سوء.
و عن الصادق عليه السلام داووا مرضاكم بالصدقة و ادفعوا البلاء بالدعاء، و استنزلوا الرزق بالصدقة فانهاغ تفك من بين لحى سبعمائة شيطان كلّهم يأمره ألا يفعل.
و عن محمد بن عمر بن يزيد،أخبرت الرضا عليه السلام اني أصبت بابنين و بقي لي بني صغير،فقال:تصدّق عنه-ثم قال:حين حضر قيامي مر الصبي فليتصدق بيده بالقبضة و الكسرة و الشيء و ان قل .
«و صنايع المعروف فانها تقي مصارع الهوان» روى صنايع المعروف من (الكافي)عن الصادقين عليهما السلام انها تدفع مصارع السوء.
و روى فضل معروفه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:أوّل من يدخل الجنة المعروف و أهله و أوّل من يرد على الحوض-و عن الصادق عليه السلام اقيلوا لأهل المعروف عثراتهم فان كف اللّه تعالى عليهم هكذا-و أومىء بيده-كأنّه يظل بها شيئا.
و روى(باب كون أهل معروف الدنيا أهل معروف الآخرة)من الكافي عن الصادق عليه السلام قال:ان للجنّة بابا يقال له المعروف،لا يدخله إلاّ أهل المعروف،و أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة-و زاد في خبر آخر-يقال لهم:ان ذنوبكم قد غفرت لكم فهبوا حسناتكم لمن شئتم .
«أفيضوا في ذكر اللّه» أي:اندفعوا فيه.
«فانه أحسن الذكر» روى(باب ما يجب من ذكر الكافي)عن الصادق عليه السلام ما من مجلس يجتمع فيه أبرار أو فجّار فيقومون على غير ذكر اللّه تعالى إلا
كان عليهم حسرة يوم القيامة.
و عنه عليه السلام قال تعالى:يا ابن آدم اذكرني في ملئك أذكرني في ملأ خير من ملئك-و عنه عليه السلام قال تعالى:من ذكرني في ملأ من الناس ذكرته في ملأ من الملائكة.
و روى في(باب ذكره تعالى كثيرا)عنه عليه السلام قال:ما من شيء إلاّ و له حد ينتهي إليه إليه إلاّ الذكر فليس له حد-إلى أن قال-ثم تلا: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً» (1)
الاحزاب:41-42. [1]
-قال ابن القداح:لقد كنت أمشي معه عليه السلام و انّه ليذكر اللّه و آكل معه الطعام و انّه ليذكر اللّه و لقد كان يحدث القوم و ما يشغله ذلك عن ذكر اللّه و كنت أرى لسانه لازقا بحنكه يقول:لا إله إلاّ اللّه و كان يجمعنا و يأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس و من كان لا يقرأ منّا أمره بالذكر و من يقرأ يأمره بالقرأة-و قال:البيت الذي يقرأ فيه القرآن و يذكر اللّه تعالى فيه تكثر بركته،و تحضره الملائكة،و تهجره الشياطين و يضيء لأهل السماء كما يضيء الكوكب الدري لأهل الأرض-و البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن و لا يذكر اللّه تعالى فيه تقلّ بركته و تهجره الملائكة،و تحضره الشياطين-و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:ألا أخبركم بخير أعمالكم،و أرفعها،في درجاتكم،و أزكاها عند مليككم؟قالوا بلى قال:ذكر اللّه تعالى.
و عنه عليه السلام جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال:من خير أهل المسجد؟فقال أكثرهم ذاكرا للّه-و قال صلّى اللّه عليه و آله:من أكثر ذكر اللّه أحبّه اللّه و من ذكر اللّه كثيرا كتبت له برائتان:براءة من النار و براءة من النفاق.
و عنه عليه السلام يموت المؤمن بكلّ ميتة إلاّ الصاعقة لا تأخذه و هو يذكر اللّه تعالى.
1) 1)
و عنه عليه السلام يقول تعالى:من شغل بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي من سألني-و عنه عليه السلام قال:من ذكرني سرّا ذكرته علانية-و قال في قوله تعالى «وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً» (1)
الاعراف:205. [1]
فلا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس الرجل غيره تعالى.و عنه عليه السلام الذاكر للّه تعالى في الغافلين كالمقاتل في الهاربين .
«و ارغبوا في ما وعد اللّه المتقين» من الثواب «تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا» (2)- «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً» (3)- «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا » (4).
«فانّه» هكذا في(المصرية)،و الصواب: (فان وعده) كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية.
«أصدق الوعد» «وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً» (5)- «وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ » (6).
«و اقتدوا بهدى» بالفتح فالسكون أي:سيرة.
«نبيّكم فانّه أفضل الهدى» و رووا عن النبي صلّى اللّه عليه و آله(و اهدوا هدى عمّار ).
«و استنوا بسنته» و «لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» (7).
«فانّه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(فانها)كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية.
«أهدى السنن» «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى» (1)
النجم:3-4. [1]
- «ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » (2).«و تعلّموا القرآن فانّه أحسن الحديث» روى:(فضل حامل قرآن الكافي) عن الصادق عليه السلام الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة.
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:تعلّموا القرآن-إلى أن قال-فيؤتى يوم القيامة بتاج فيوضع على رأسه و يعطى الأمان بيمينه،و الخلد في الجنان بيساره، و يكسى حلتين ثم يقال له أقرأ و ارق،فكلّما قرأ آية صعد درجة،و يكسى أبواه حلتين ان كانا مؤمنين،ثم يقال لهما هذا بما علمتماه القرآن .
«و تفقهوا فيه،فانّه ربيع القلوب» و ذم تعالى أقواما لا يتدبرون فيه فقال:
«أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها» (3).
و روى فضل قرآن(الكافي)عن الصادق عليه السلام،قال:ان هذا القرآن فيه منار الهدى،و مصابيح الدجى،فليجل جال بصره،و يفتح للضياء نظره،فان التفكّر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور .
«و استشفعوا بنوره فانّه شفاء الصدور» من أمراض الأخلاق الرذيلة، و من الأمراض الظاهرية و الباطنية.
و في(الكافي)عنه عليه السلام شكا رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله وجعا في صدره،فقال استشف بالقرآن فانّه تعالى يقول: «وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ» (4).
«و احسنوا تلاوته فانّه أنفع القصص» للبشر أما أنفعيته قصصا فروى (قراءة قرآن الكافي)عن الصادق عليه السلام القرآن عهد اللّه إلى خلقه،فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده،و ان يقرأ منه في كلّ يوم خمسين آية.
و(عن السّجاد عليه السلام:آيات القرآن خزائن فكلما فتحت خزانة ينبغي لك أن تنظر ما فيها)و أما احسان تلاوته فروي في ترتيله عن النبي صلّى اللّه عليه و آله اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها،و اياكم و لحون أهل الفسق و أهل الكبائر فانّه سيجيء بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغنا و النوح و الرهبانية لا يجوز تراقيهم،قلوبهم مقلوبة،و قلوب من يعجبه شأنهم.
و عن الصادق عليه السلام ان القرآن نزل بالحزن فاقرءوه بالحزن-و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله لكلّ شيء حلية و حلية القرآن الصوت الحسن .
«فان العالم العامل بغير علمه» في رواية المصنف سقط لقلّة ربطه بما قبله و قد عرفت ان(الكافي)رواه«إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلّكم تهتدون ان العالم»-إلخ-و كذا(التحف)كما مر.
و كيف كان فروى استعمال علم(الكافي)عن الفضل،قال:قلت للصادق عليه السلام بم يعرف الناجي؟قال:من كان فعله لقوله موافقا فاثبت له الشهادة و من لم يكن فعله لقوله موافقا فانما ذلك مستودع.
و عن هاشم بن البريد،قال:جاء رجل إلى علي بن الحسين عليه السلام فسأله عن مسائل فأجاب ثم عاد ليسأل عن مثلها-فقال عليه السلام:مكتوب في الانجيل،لا تطلبوا علم ما لا تعلمون،و لمّا تعملوا بما علمتم فان العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلاّ كفرا و لم يزدد من اللّه إلاّ بعدا.
و عن الصادق عليه السلام ان العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ المطر عن الصفا.
«كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق» يقال:أفاق المجنون و استفاق إذا رجع إليه عقله من جهله،فيكون كالمجنون الاطباقي لا الادواري.
و في(الكافي)عن الصادق عليه السلام العامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق لا يزيده سرعة السير إلاّ بعدا.
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح .
«بل الحجّة عليه أعظم» من الجاهل .
«و الحسرة له ألزم» منه .
«و هو عند اللّه ألوم» أي:أحق باللوم منه.
و في(الكافي)عن الصادق عليه السلام يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد-و قال عيسى عليه السلام:ويل للعلماء السوء كيف تلظى عليهم النار.
و عنه عليه السلام إذا بلغت النفس ههنا-و أشار بيده إلى حلقه-لم يكن للعالم توبة ثم قرء «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ» (1)
النساء:17. [1]
.في الخطبة(1)
منها في ذكر الحج:
وَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ- الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلْأَنَامِ- الَّذِي يَرِدُونَهُ وُرُودَ الْأَنْعَامِ وَ يَأْلَهُونَ إِلَيْهِ وُلُوهَ الْحَمَامِ- جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلاَمَةً لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ- وَ إِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ- وَ اخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ- وَ صَدَّقُوا كَلِمَتَهُ وَ وَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ- وَ تَشَبَّهُوا بِمَلاَئِكَتِهِ الْمُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ- يُحْرِزُونَ الْأَرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ- وَ يَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ
1) 1)
مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ- جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لِلْإِسْلاَمِ عَلَماً- وَ لِلْعَائِذِينَ حَرَماً فَرَضَ حَقَّهُ وَ أَوْجَبَ حَجَّهُ- وَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ- فَقَالَ سُبْحَانَهُ «وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ » (1)
آل عمران:97. [1]
«و فرض عليكم حجّ بيته الحرام» في(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله يوم فتح مكّة -ان اللّه حرّم مكة يوم خلق السماوات و الأرض،و هي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي و لا تحل لأحد بعدي،و لم تحل لي إلاّ ساعة من نهار.«و الذي جعله قبلة للأنام» روى(ابتلاء خلق الناس بالكعبة)من(الكافي) (عن عيسى بن يونس قال:كان ابن أبي العوجاء من تلامذة الحسن البصري فانحرف عن التوحيد،فقيل له تركت مذهب صاحبك و دخلت في ما لا أصل له و لا حقيقة-فقال:ان صاحبي كان مخلطا كان يقول طورا بالقدر و طورا بالجبر و ما أعلمه أعتقد مذهبا دام عليه-فقدم مكة متمردا و انكارا على من يحجّ-و كان يكره العلماء مجالسته لخبث لسانه و فساد ضميره-فأتى أبا عبد اللّه عليه السلام فجلس إليه في جماعة من نظرائه فقال:يا أبا عبد اللّه،ان المجالس بالأمانات،و لا بد لكل من به سعال أن يسعل أ فتأذن لي في الكلام.
فقال تكلّم فقال:«إلى كم تدوسون بهذا البيدر و تلوذون بهذا الحجر، و تعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب و المدر،و تهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر ان من فكر في هذا و قدر علم ان هذا فعل أسسه غير حكيم و لاذي نظر، فقل فانك رأس هذا الأمر و سنامه،و أبوك أسه و تمامه)فقال عليه السلام:ان من أضلّه اللّه و أعمى قلبه،و استوخم الحق و لم يستعذ به فصار الشيطان وليه و ربه، يورده مناهل الهلكة ثم لا يصدره،و هذا بيت استعبد اللّه به خلقه ليختبر
1) 1)
طاعتهم في إتيانه،فحثهم على تعظيمه و زيارته و جعله محل أنبيائه و قبلة للمصلين إليه فهو شعبة من رضوانه،و طريق يؤدي إلى غفرانه،منصوب على استواء الكمال و مجمع العظمة و الجلال،خلقه اللّه قبل دحول الأرض بالفي عام،و أحق من أطيع في ما أمر،و انتهى عمّا نهى عنه و زجر،اللّه الذي منشى الأرواح و الصور .
«الذي يردونه ورود الأنعام» لشربها.
و في ابتداء(كعبة الفقيه)،روى أن الكعبة شكت إلى اللّه تعالى في الفترة بين عيسى و محمّد صلوات اللّه عليهما قلّة زوارها،فأوحى إليها اني منزل نورا جديدا على قوم يحنّون إليك كما تحن الأنعام إلى أولادها،و يزفون إليك كما تزف النسوان إلى أزواجها-يعني أمة النبي صلّى اللّه عليه و آله و لنعم ما قيل بالفارسية:
هو اى كعبه چنان ميكشاندم بنشاط كه خارهاى مغيلان حرير ميايد
«و يألهون إليه ولوه الحمام» قالوا و من طبع الحمام انّه يطلب و كره و لو أرسل من ألف فرسخ و ربما اصطيد و غاب عن وطنه عشر حجج فأكثر،ثم هو على ثبات عقله حتى يجد فرصة فيطير إلى وطنه.
هذا،و بدل حد(يألهون)بقوله(يولهون)و قال:و من روى(يألهون)أي يعكفون عليه عكوف الحمام-(اله إليه)أي عكف عليه كأنّه يعبده،و لا يجوز أن يكون(يألهون)بمعنى(يولهون)بكون أصل الهمزة واوا كما قال الراوندي لأن(فعولا)لا يجوز أن يكون مصدر(فعلت)بالكسر،و لو كان(يألهون) (يولهون)كان أصله بالكسر و أما على ما فسرناه فلا يمنع أن يكون(الولوه) مصدرا لأن(اله)مفتوح فصار كقولك(دخل دخولا).
قلت اما ما قاله من ان معنى(يألهون إليه)أي يعكفون عليه فغلط لفظا و معنى،أما لفظا،فلأنّه لم يقل أحد ان معنى(اله)عكف بل عبد،فان قال قلته
كناية يمنعه(إليه)فلو كان(عليه)كان له وجه،و أما معنى فلأن الناس لا يعكفون في مكة و انما يشتاقون إلى زيارتها اشتياق الحمام إلى و كرها- و اما ما قاله من ان(فعولا)لا يكون مصدر(فعل)بالكسر و(و له)بالكسر فليس كليا بل إذا كان مضارعه يفعل بالفتح.
و اما إذا كان يفعل بالكسر فيجوز كما في قولك(وثق وثوقا)و قد قال القاموس(و له)مثل(ورث)و(وجل)و(وعد)-و اما ما قاله من انّه إذا كان (يألهون)مهموز الأصل فيجوز ان يكون مصدره و لوها لأن(اله)مفتوح فيكون مثل دخل دخولا-ففيه ان مصادر المجرد ليست بقياسية و لم ينقل في اللغة كون مصدر(اله)(الوها)بل(الاهه)و(الوهه).
ثم ان غير ابن أبي الحديد من الراوندي الذي كان أول شارح(للنهج) و ابن ميثم الذي كان نسخته من النهج بخط المصدق و غيرهما نقله(و يألهون إليه)و هو صحيح كما فسّره القاموس فقال(اله)كفرح تحير و(على فلان) اشتد جزعه عليه و(إليه)فزع و لاذ .
«جعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته و اذعانهم» أي:اقرارهم.
«لعزته» في(العلل)عن الرضا عليه السلام علّة الحج الوفادة إلى اللّه تعالى، و طلب الزيادة و الخروج من كل ما اقترف ليكون تائبا ممّا مضى،مستأنفا لمّا يستقبل،و ما فيه من استخراج الأموال و تعب الأبدان،و حظرها عن الشهوات و اللذات و التقرّب و الخضوع و الاستكانة و الذل شاخصا في الحر و البرد، و الأمن و الخوف،دائبا في ذلك دائما و في ذلك لجميع الخلق من المنافع، و الرغبة و الرهبة إلى اللّه تعالى و منه ترك قساوة القلب و خساسة الأنفس، و نسيان الذكر،و انقطاع الرجاء و الأمل،و تجديد الحقوق،و حظر الأنفس عن الفساد،و منفعة من في المشرق و المغرب،و من في البر و البحر ممّن يحجّ
و من لا يحجّ من تاجر و جالب و بائع و مشتر و كاتب و مسكين،و قضاء حوائج أهل الأطراف و المواضع الممكن لهم الاجتماع فيها كذلك ليشهدوا منافع لهم عليه-و فرض الحج مرة واحدة لأنّه تعالى وضع الفرائض على أدنى القوم قوّة ثم رغب أهل القوة على قدر طاعتهم .
«و اختار من خلقه سمّاعا» لأمره تعالى.
«أجابوا إليه دعوته و صدقوا كلمته» في(البرهان)قال القمي:لمّا فرغ إبراهيم من بناء البيت أمره اللّه أن يؤذن في الناس بالحج فقال:يا رب و ما يبلغ صوتي؟فقال تعالى:عليك الاذان و عليّ البلاغ فارتفع على المقام و هو يومئذ يلصق البيت فارتفع به المقام حتى كانّه أطول من الجبال فنادى و ادخل اصبعه في اذنه و أقبل بوجهه شرقا و غربا يقول:أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فاجيبوا ربكم-فأجابه من تحت البحور السبع،و من بين المشرق و المغرب إلى منقطع التراب من أطراف الأرض كلّها و من في أصلاب الرجال و أرحام النساء بالتلبية«لبيك اللّهم لبيك»فمن حجّ من يومئذ إلى يوم القيامة فهم ممّن استجاب للّه و ذلك قوله: «فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ» (1)
آل عمران:97. [1]
يعني نداء إبراهيم على المقام بالحج.«و وقفوا مواقف أنبيائه» روى(الفقيه)في باب حج الأنبياء(عن أبي جعفر عليه السلام أتى آدم عليه السلام هذا البيت الفا على قدميه منها سبعمائة حجّة و ثلاثمائة عمرة و كان يأتيه من ناحية الشام).
و روى ان سفينة نوح كان طولها ألفا و مأتي ذراع و عرضها مائة ذراع، و طولها في السماء ثمانين ذراعا فركب فيها فطافت بالبيت سبعة أشواط، وسعت بين الصفا و المروة سبعا ثم استوت على الجودي.
1) 1)
و روي ان موسى عليه السلام أحرم من رملة مصر و انّه مر في سبعين نبيا على صفائح الروحاء عليهم العباء القطوانية يقول:لبيك،عبدك ابن عبيدك لبيك-و ان يونس بن متى مر بصفائح الروحاء و هو يقول:(لبيك كشاف الكرب العظام لبيك).
و روي ان عيسى بن مريم عليه السلام مر بصفائح الروحاء و هو يقول:لبيك عبدك ابن امتك لبيك-و روى ان النبي صلّى اللّه عليه و آله مرّ بصفائح الروحاء و هو يقول:
(لبيك ذا المعارج لبيك)و ان موسى عليه السلام كان يلبّي و تجيبه الجبال.
و روي ان سليمان عليه السلام قد حج في الجن و الإنس و الطير و الرياح و كسى البيت القباطي.
و روي ان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حجّ عشرين حجّة مستسرا و اعتمر تسع عمر و لم يحجّ حجّة الوداع إلاّ و قبلها حجّ.
و روى(الكافي)عن أبي جعفر عليه السلام قال صلّى في مسجد الخيف سبعمائة نبي و ان بين الركن و المقام لمشحون من قبور الأنبياء،و ان آدم لفي حرم اللّه تعالى.
و عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال:حيال الميزان مصلّى شبّر و شبيرا ابني هارون.
«و تشبّهوا بملائكة المطيفين بعرشه» روى(العلل)عن الرضا عليه السلام ان علّة الطواف بالبيت ان اللّه تعالى لمّا قال للملائكة: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ» (1)
البقرة:30. [1]
فردوا على اللّه تعالى بهذا الجواب،فعلموا انّهم أذنبوا فندموا فلاذوا بالعرش و استغفروا فأحب اللّه تعالى أن يتعبد بمثل ذلك العباد فوضع في السماء الرابعة بيتا بحذاء العرش1) 1)
يسمى الضراح ثم وضع في السماء الدنيا بيتا يسمى البيت المعمور بحذاء الضراح،ثم وضع البيت بحذاء البيت المعمور،ثم أمر آدم عليه السلام فطاف به فتاب اللّه عليه و جرى ذلك في ولده إلى يوم القيامة.
بل ورد ان الملائكة طافوا بالكعبة أيضا كالعرش ففي(الفقيه)عن الصادق عليه السلام لمّا أفاض آدم من منى تلقته الملائكة بالأبطح فقالوا يا آدم بر حجّك،أما انا قد حججنا هذا البيت قبل أن تحجّه بالفي عام .
«يحرزون الارباح في متجر عبادته» روى(العلل)عن هشام بن الحكم قال:
سألت أبا عبد اللّه عليه السلام ما العلّة في تكليف الحج؟فقال عليه السلام ان اللّه تعالى خلق الخلق لا لعلّة انّه شاء ففعل فجعلهم إلى وقت مؤجل و أمرهم و نهاهم ما يكون من أمر الطاعة في الدين،و مصلحتهم في أمر دنياهم،فجعل فيه الاجتماع من المشرق و المغرب ليتعارفوا،و لينزع كلّ قوم من التجارات من بلد إلى بلد، و لينتفع بذلك المكاري و الجمّال و لتعرف آثار النبي صلّى اللّه عليه و آله و يعرف أخباره، و يذكر و لا ينسى،و لو كان كلّ قوم انما يتكلّمون على بلادهم و ما فيها هلكوا، و خربت البلاد و سقط الجلب و الأرباح و عميت الأخبار.
«و يتبادرون عند موعد» هكذا في(المصرية)و الصواب:(عنده موعد)كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية.
«مغفرته» «وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ» (1)
آل عمران:133. [1]
.و في(العلل)عن الصادق عليه السلام مر عمر على الحجر الأسود فقال:يا حجر انّا لنعلم انك حجر لا تضر و لا تنفع إلاّ انّا رأينا النبي صلّى اللّه عليه و آله يحبك فنحن نحبك- فقال له أمير المؤمنين عليه السلام:كيف قلت يا ابن الخطاب فو اللّه ليبعثه اللّه يوم
1) 1)
القيامة و له لسان و شفتان فيشهد لمن و افاه و هو يمين اللّه في أرضه يبايع بها خلقه،فقال عمر:لا أبقاني في بلده لا يكون فيه علي بن أبي طالب .
«جعله سبحانه و تعالى» هكذا في(المصرية)،و كلمة(و تعالى)زائدة لخلو ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية عنها.
«للاسلام علما» في(الفقيه)عن الصادق عليه السلام(لا يزال الدين قائما ما قامت الكعبة-و في خبر-ما خلق اللّه تعالى بقعة في الأرض أحب إليه من الكعبة و لا أكرم عليه منها لها حرّم اللّه الأشهر في كتابه يوم خلق السماوات و الأرض).
«و للعائذين حرما» في(الكافي)عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى:
«وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً» (1)
آل عمران:97. [1]
من دخل الحرم من الناس مستجيرا به فهو آمن من سخط اللّه تعالى،و من دخله من الوحش و الطير كان آمنا من ان يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم.و عنه عليه السلام إذا أحدث العبد جناية في غير الحرم ثم فرّ إلى الحرم لم يسغ لأحد أن يأخذه في الحرم،و لكن يمنع من السوق و لا يبايع و لا يطعم و لا يسقى و لا يكلم،فانّه إذا فعل به ذلك يوشك أن يخرج فيؤخذ-فاذا جنى في الحرم جناية اقيم عليه الحد لأنّه لم يرع للحرم حرمة.
و عنه عليه السلام في شجرة أصلها في الحل،و فرعها في الحرم حرم اصلها لمكان فرعها و في شجرة أصلها في الحرم و فرعها في الحل حرم فرعها لمكان أصلها.
و عنه عليه السلام ان بنى الرجل المنزل و الشجرة فيه فليس له ان يقلعها و ان كانت نبتت في منزله و هو له فيقلعها.
و عنه عليه السلام-و قد قيل له ان سبعا من سباع الطير على الكعبة ليس يمر به
1) 1)
شيء من حمام الحرم إلاّ ضربه-انصبوا له و اقتلوه فانّه قد الحد.
و عن الباقر عليه السلام في رجل أهدى له حمامة في الحرم مقصوصة-أعلفها حتى إذا استوى ريشها خلّى سبيلها.
هذا،و في(الدميري)انتهى قوم إلى ذي طوى و نزلوا بها فاذا ظبي من ظباء الحرم قد دنا منهم فأخذ رجل بقائمة من قوائمه فقال له أصحابه:ويلك ارسله فجعل يضحك و أبى ان يرسله فنعر الظبي و بال ثم أرسله-فناموا في القائلة فانتبه بعضهم و إذا بحيّة منطوية على بطن الرجل الذي أخذ الظبي فقال له أصحابه:و يلك لا تتحرّك،فلم تنزل الحية عنه حتى كان منه من الحدث ما كان من الظبي (1)
حياة الحيوان الكبرى للدميري 2:9 [1] مصطفى الحلبي،القاهرة.
.هذا،و كان ابن الزبير لمّا ذهب إلى مكة سمّى نفسه عائذ البيت و كان قد حبس محمد بن الحنفية في السجن المعروف بسجن عارم فقال كثير الشاعر مخاطبا لابن الزبير:
تخبّر من لا قيت انك عائذ بل العائذ المظلوم في سجن عارم
و قال أبو حزة مولى الزبير:
فيا راكبا أما عرضت فبلغن كبير بني العوام ان قيل من تعني
تخبر من لا قيت انك عائذ و تكثر قتلا بين زمزم و الركن
«فرض حجّة» قال أبو جعفر عليه السلام:بنى الاسلام على خمسة أشياء على الصلاة و الزكاة و الحج-الخبر-.
«و أوجب حقه» في رواية(حقوق الفقيه)عن السجاد عليه السلام و حق الحج أن تعلم انّه وفادة إلى ربك،و فرار إليه من ذنوبك،و فيه قبول توبتك و قضاء الفرض الذي أوجبه اللّه تعالى عليك.
1) 1)
«و كتب عليكم وفادته» أي:الورود عليه تعالى «وَ أَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ » (1)
الحج:27. [1]
.«فقال سبحانه» في(97)آل عمران.
«وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ» (2)و قبله «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً» (3)-و قال عز من قائل «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّهِ» (4).
في الخطبة القاصعة(187)
وَ كُلَّمَا كَانَتِ الْبَلْوَى وَ الاِخْتِبَارُ أَعْظَمَ- كَانَتِ الْمَثُوبَةُ وَ الْجَزَاءُ أَجْزَلَ- أَ لاَ تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اخْتَبَرَ- الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ؟آدَمَ ص؟ إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ- بِأَحْجَارٍ لاَ تَضُرُّ وَ لاَ تَنْفَعُ وَ لاَ تَسْمَعُ وَ لاَ تُبْصِرُ فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً- ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً- وَ أَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً- وَ أَضْيَقِ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ قُطْراً- بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ وَ رِمَالٍ دَمِثَةٍ- وَ عُيُونٍ وَشِلَةٍ وَ قُرًى مُنْقَطِعَةٍ- لاَ يَزْكُو بِهَا خُفٌّ وَ لاَ حَافِرٌ وَ لاَ ظِلْفٌ- ثُمَّ أَمَرَ؟آدَمَ ع؟ وَ وَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ- فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ وَ غَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ- تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ- وَ مَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ وَ جَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ- حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً-
يُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ وَ يَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ- شُعْثاً غُبْراً لَهُ قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ- وَ شَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ- ابْتِلاَءً عَظِيماً وَ امْتِحَاناً شَدِيداً- وَ اخْتِبَاراً مُبِيناً وَ تَمْحِيصاً بَلِيغاً- جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ وَ وُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ- وَ لَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ- أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ وَ مَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ- بَيْنَ جَنَّاتٍ وَ أَنْهَارٍ وَ سَهْلٍ وَ قَرَارٍ- جَمَّ الْأَشْجَارِ دَانِيَ الثِّمَارِ- مُلْتَفَّ الْبُنَى مُتَّصِلَ الْقُرَى- بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ وَ رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ- وَ أَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ وَ عِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ- وَ رِيَاضٍ نَاضِرَةٍ وَ طُرُقٍ عَامِرَةٍ- لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلاَءِ- وَ لَوْ كَانَ الْأَسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا- وَ الْأَحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا- بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ وَ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَ نُورٍ وَ ضِيَاءٍ- لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكِّ فِي الصُّدُورِ- وَ لَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ؟إِبْلِيسَ؟ عَنِ الْقُلُوبِ- وَ لَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ مِنَ النَّاسِ- وَ لَكِنَّ اللَّهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ- وَ يَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ- وَ يَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ- إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ- وَ إِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ- وَ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ- وَ أَسْبَاباً ذُلُلاً لِعَفْوِهِ فَاللَّهَ اللَّهَ فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ- وَ آجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ وَ سُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ- فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ؟إِبْلِيسَ؟ الْعُظْمَى وَ مَكِيدَتُهُ الْكُبْرَى- الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ- فَمَا تُكْدِي أَبَداً وَ لاَ تُشْوِي أَحَداً- لاَ عَالِماً لِعِلْمِهِ وَ لاَ مُقِلاًّ فِي طِمْرِهِ- وَ عَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ- بِالصَّلَوَاتِ وَ الزَّكَوَاتِ- وَ مُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الْأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ- تَسْكِيناً لِأَطْرَافِهِمْ وَ تَخْشِيعاً لِأَبْصَارِهِمْ- وَ تَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ وَ تَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ- وَ إِذْهَاباً لِلْخُيَلاَءِ عَنْهُمْ- لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً- وَ الْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ
بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً- وَ لُحُوقِ الْبُطُونِ بِالْمُتُونِ مِنَ الصِّيَامِ تَذَلُّلاً- مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ- وَ غَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَ الْفَقْرِ انْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ- مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الْفَخْرِ وَ قَدْعِ طَوَالِعِ الْكِبْرِ الخطبة(187)في(المصرية)و ان جعلت في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)في موضع(234)من(المصرية).
أقول رواه(ابتلاء الخلق و اختبارهم بالكعبة)من( الكافي الكليني-الكافي-ابتلاء الخلق و اختبارهم بالكعبة )مع اختلاف يسير إلى قوله(فاللّه اللّه ).
«و كلّما كانت البلوى» أي:الابتلاء.
«و الاختبار» أي:الامتحان.
«أعظم كانت المثوبة و الجزاء» على العمل.
«أجزل» أي:أكثر و في(الجمهرة)الجزل ما عظم من الخطب ثم كثر ذلك، حتى صار كلّ ما كنز جزلا و قالوا أعطاه عطاء جزلا.
و قد اختبر اللّه تعالى خليله إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام و يكفي في عظمه انّه تعالى و صفه بالبلاء المبين،فامتثل فأجزل له العطاء بإعطائه إسحاق أبي أنبياء بني إسرائيل،و رفع له الدرجات فوق كلّ نبي غير نبينا- و في سورة الصافات: «فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ فَلَمّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» (1)
الصافات:102-105. [1]
«إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَ بَشَّرْناهُ»1) 1)
«بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ وَ بارَكْنا عَلَيْهِ وَ عَلى إِسْحاقَ» (1)
:111-113.
-و الآية تصريح في كون الذبيح إسماعيل،و ان اختلفت روايات العامة و الخاصة في كونه إسماعيل أو إسحاق و المعول على الآية-كما انّه تعالى أجزل عطاء إسماعيل بجعل نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و المعصومين من عترته-و هم أشرف الأولين و الآخرين-من ذريته .«أ لا ترون ان اللّه سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم صلوات اللّه عليه» و في (الكافي)عن الصادق عليه السلام لمّا أفاض آدم من منى تلقته الملائكة و قالوا له:إنّا حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.
«إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ و لا تنفع» لكونها جمادات.
«و لا تسمع و لا تبصر» هكذا في(المصرية)و الصواب:(و لا تبصر و لا تسمع)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)و بشهادة القرينة.
روى توحيد الصدوق،ان ابن أبي العوجاء قدم مكة انكارا على من يحج،و كان العلماء يكرهون مجالسته لخبث لسانه و فساد ضميره فجاء إلى أبي عبد اللّه عليه السلام في جماعة من نظرائه و قال له:(إلى كم تدوسون بهذا البيدر، و تلوذون بهذا الحجر،و تعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب و المدر، و تهرولون هرولة البعير إذا نفر،ان من فكّر في هذا الأمر و قدر،علم ان هذا أسسه غير ذي نظر،فقل فانك رأس هذا الأمر و سنامه،و أبوك أسه و نظامه.
فقال عليه السلام:ان من أضلّه اللّه و أعمى قلبه،استوخم الحق فلم يعذبه، و صار الشيطان وليّه يورده مناهل الهلكة ثم لا يصدره،و هذا بيت استعبد اللّه به خلقه ليختبر طاعتهم في اتيانه،فحثّهم على تعظيمه و زيارته،و جعله محلّ أنبيائه،و قبلة للمصلين له فهو شعبة من رضوانه،و طريق يؤدي إلى غفرانه الصافات،
1) 1)
منصوب على استواء الكمال،و مجتمع العظمة و الجلال،خلقه اللّه بألفي عام قبل دحو الأرض،و أحق من أطيع فيما أمر و زجر اللّه المنشىء للأرواح و الصور -فقال:ذكرت فأحلت على غائب-فقال عليه السلام:ويلك كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد،و إليهم أقرب من حبل الوريد،يسمع كلامهم و يرى اشخاصهم، و يعلم أسرارهم،و انما يغيب المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان،و خلا من مكان،فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه-فقال ابن أبي العوجاء لأصحابه من القاني في بحر هذا سألتكم أن تلتمسوا لي خمره فألقيتموني على جمرة-قالوا ما كنت في مجلسه إلاّ حقيرا،قال انّه ابن من حلق رءوس من ترون.
«فجعلها» أي:تلك الأحجار التي في ذاك الموضع.
«بيته الحرام جعله للناس قياما» واضح ان الأصل في كلامه عليه السلام قوله تعالى: «جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ» (1)
المائدة:97. [1]
.اما كونه حراما ففي(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله في فتح مكة-ان اللّه حرّم مكة يوم خلق السماوات و الأرض و هي حرام إلى أن تقوم الساعة لم يحلّ لأحد قبلي و لا تحل لأحد بعدي و لم تحل لي إلاّ ساعة من نهار.
و اما كونه قياما للناس،ففي(تفسير القمي):قالوا ما دامت الكعبة قائمة و يحجّوا الناس إليها لم يهلكوا فإذا هدمت و تركوا الحجّ هلكوا .
«ثم جعله باوعر» أي:أغلظ.
«بقاع الأرض حجرا و أقل نتائق» جمع نتيقة و في النهاية النتق الرمي،يقال للمرأة الكثيرة الولد ناتق لأنّها ترمي بالأولاد رميا و النتق الرفع و منه حديث علي عليه السلام«البيت المعمور نتاق الكعبة من فوقها»أي هو مظلّ عليها في
1) 1)
السماء،و منه حديثه الآخر في صفة مكة«و الكعبة أقلّ نتائق الدنيا مدرا» و الأصل فيه ان يقلع الشيء من مكانه فترفعه لترمى به،و أراد بها ههنا البلاد لرفع بنائها و شهرتها في موضعها.
«الأرض» هكذا في(المصرية)و الصواب: (الدنيا) كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية)و كما عرفته من النهاية و لأنّه ذكرت(الأرض)قبله و البلاغة لا يجوز تكرارها.
«مدرأ» أي:الطين المتماسك لا يخرج منه الماء.
«و أضيق بطون الأودية» جمع الوادي النهر.
«قطرا» أي:ناحية و جانبا-و في رواية(الكافي)(و أضيق بطون الأودية معاشا و أغلظ محال المسلمين مياها)و كيف كان هو ناظر إلى قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ» (1)
ابراهيم:37. [1]
.«بين جبال خشنة و رمال دمثه» أي:ليّنة يغور الماشي فيها.
«و عيون وشلة» أي:قليلة الماء و في المثل(وهل بالرمل أوشال).
«و قرى منقطعة» بينها فواصل كثيرة.
«لا يزكو» أي:لا يتنعم.
«بها خف» أي:الابل.
«و لا حافر» أي:الخيل.
«و لا ظلف» أي:البقرة و الشاة و الظبي .
«ثم أمر آدم و ولده أن يثنوا» أي:يعطفوا.
«اعطافهم» أي:جوانبهم.
1) 1)
«نحوه» في(الكافي)عن أبي جعفر عليه السلام صلّى في مسجد الخيف سبعمائة نبي و ان بين الركن و المقام لمشحون من قبور الأنبياء و ان آدم لفي حرم اللّه عزّ و جلّ.
و عن أبي الحسن عليه السلام ان سفينة نوح كانت مأمورة طافت بالبيت حيث غرقت الأرض ثم أتت منى في أيامها ثم رجعت السفينة-و كانت مأمورة- فطافت بالبيت طواف النساء.
و عن أبي جعفر عليه السلام حجّ موسى عليه السلام و معه سبعون نبيّا من بني إسرائيل،و خطم ابلهم من ليف يلبون و يجيبهم الجبال و على موسى عباءتان قطوانيتان يقول لبيك عبدك ابن عبدك.
و عنه عليه السلام ان سليمان حجّ البيت في الجن و الانس و الطير و الرياح و كسا البيت القباطي-و عن الصادق عليه السلام ان حيال الميزاب مصلّى شبّر و شبير إبني هارون.
و قال تعالى: «وَ عَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» (1)
البقرة:125. [1]
.«فصار مثابة» أي:مرجعا و يقال للمنزل مثابة لأن أهله يتصرفون في أمورهم ثم يرجعون إليه قال تعالى: «وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَ أَمْناً» (2).
«لمنتجع» في الصحاح النجعة طلب الكلا،و المنتجع المنزل في طلب الكلا.
«أسفارهم و غاية» أي:نهاية.
«لملقى» أي:لمحل القاء.
«رحالهم» قال تعالى لإبراهيم: «وَ أَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ» (1)
الحج:27-28. [1]
و في الصحاح الرحل مسكن الرجل و ما يستصحبه من الأثاث و رحل البعير أصغر من القتب،و قالوا في القذف:(يا ابن ملقى ارحل الركبان).«تهوى إليه ثمار الأفئدة» الأصل فيه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام في الدعاء لذريّته: «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ» (2).
و المراد بثمار الأفئدة موداتهم قال الكميت:
خلائق انزلتك بقاع مجد و أعطتك الثمار بها القلوب
و قال ابن مقبل:
لفتاة جعفى ليالي تجتني ثمر القلوب بجيد آدم خاذل
و في حديث المبايعة(فأعطاه صفقة يده و ثمرة قلبه)و في خبر موت الولد يقول تعالى لملائكته قبضتم ثمرة فؤاده .
«من مفاوز» جمع المفاوزة الصحراء الموحش و اختلف ابن الأعرابي و الأصمعي في وجه التسمية قال الأول:المفازة من(فوز)أي هلك و قال الثاني من(الفوز)تفؤلا بالسلامة.
«قفار» جمع القفر ما لا نبات فيه و لا ماء.
«سحيقة» أي:بعيدة.
«و مهاوي» جمع المهوى و المهواة ما بين الجبلين.
«فجاج» جمع الفج الطريق الواسع بين الجبلين.
«عميقة» واضح ان الأصل في كلامه عليه السلام قوله تعالى: «يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ»
«فَجٍّ عَمِيقٍ» (1)
الحج:27. [1]
.«و جزائر بحار منقطعة» قال الجوهري:الجزيرة واحدة جزائر البحر سميّت بذلك لانقطاعها عن معظم الأرض.
«حتى يهزوا مناكبهم ذللا» في(الكافي)عن الصادق عليه السلام إذا مررت بوادي محسر-واد عظيم بين جمع و منى و إلى منى أقرب-فاسع فيه حتى تجاوزه فان النبي صلّى اللّه عليه و آله حرّك ناقته و قال:اللّهم سلم لي عهدي و اقبل توبتي و أجب دعوتي و اخلفني في من تركت بعدي-و روي عن عمر بن يزيد قال:الرمل في وادي محسر قدر مائة ذراع.
و روي عن سماعة،قال:سألته عن السعي بين الصفا و المروة،قال:إذا انتهيت إلى الدار التي على يمينك عند أوّل الوادي فاسع حتى تنتهي إلى أوّل زقاق عن يمينك بعد ما تجاوز الوادي إلى المروة،فإذا انتهيت إليه فكفّ عن السعي و امش مشيا،و إذا جئت من عند المروة فأبدأ من عند الزقاق الذي و صفت لك،فاذا انتهيت إلى الباب الذي قبل الصفا بعد ما تجاوز الوادي فاكفف عن السعي و امش مشيا و ليس على النساء سعي.
و روى(الصدوق)،ان من سها عن السعي يرجع القهقري إلى المكان الذي يجب فيه السعي و انّه ليس على النساء هرولة-و روى الشيخ ان الراكب ليس عليه سعي و لكن ليسرع شيئا.
«يهللون» هكذا في(المصرية)و كذا(ابن أبي الحديد)و قال:و في رواية (يهلون)(و ابن ميثم)اقتصر على(يهلون)و نسخته بخط المصنف،فلا بد أن النهج كان كذلك و هو الأصح فهلل أي قال:«لا إله إلاّ اللّه»و انما ههنا(يهلّون) بالضم من(أهلّ المحرم)إذا رفع صوته أي بالتلبية،قال ابن أحمر:
1) 1)
يهلّ بالفرقد ركبانها كما يهلّ الراكب المعتمر
و قال تعالى: «وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ» (1)
البقرة:173. [1]
.«للّه حوله» و المراد في اهلال الحج.
«و يرملون» بالفتح.
«على أقدامهم» و المراد الهرولة بين الصفا و المروة على ما مر.
«شعثا» أي:منتشري الشعر و متغيريه لبعد تعهده و لا يجوز للمحرم حلق شعره.
«غبرا» في ألبستهم و أبدانهم و يقال للشيء المندرس أغبر لوقوع الغبار عليه قال:
فأنزلهم دار الضياع فأصبحوا على مقعد من موطن العزّ أغبر
و(شعث)و(غبر)جمع(أشعث)و(أغبر).
«له» أي:للّه تعالى .
«قد نبذوا» أي:طرحوا.
«السرابيل» أي:الألبسة.
«وراء ظهورهم» لأن المحرم لا يجوز له لبس المخيط و يقتصر على ازار و رداء.
هذا،و كانت سيرة الجاهلية ان من طاف منهم في ثيابه،كان واجبا عليه التصدّق به فكان بعضهم يستعير ثوبا للطواف لئلا يجب عليه التصدّق به و إذا لم يجد عارية و كرى و كان ثوبه منحصرا يطوف عريانا،فجاءت امرأة جميلة فطلبت عارية و كرى فلم تجده و لم يكن لها لباس غير ما عليها فطافت عريانة و أشرف لها الناس فوضعت احدى يديها على قبلها و الأخرى على دبرها!!
1) 1)
و قالت:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه فما بدا منه فلا أحله
فلمّا فرغت خطبها جماعة،فقالت ان لي زوجا.
«و شوّهوا» أي:قبحوا.
«باعفاء» أي:اكثار.
«الشعور محاسن خلقهم» و في الخبر اعف شعرك للحجّ إذا رأيت هلال ذي القعدة و للعمرة شهرا.
«ابتلاء» هو و الثلاثة المعطوفة عليها مفاعيل لها لقوله(ثم أمر آدم و ولده).
«عظيما و امتحانا شديدا و اختبارا مبينا و تمحيصا» من(محصت الذهب بالنار)إذا خلصته ممّا يشوبه.
«بليغا» أي:بالغ الكمال.
«جعله اللّه سببا لرحمته و وصلة إلى جنته» في(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله الحجّ ثوابه الجنّة و العمرة كفّارة لكلّ ذنب.
و عن الصادق عليه السلام الحاجّ و المعتمر و فد اللّه ان سألوه أعطاهم،و ان دعوه أجابهم،و ان شفعوا شفعهم،و ان سكتوا ابتدأهم،و يعوضون بالدرهم ألف درهم .
«و لو أراد سبحانه» و في(ابن ميثم)(و لو أراد اللّه سبحانه).
«ان يجعل بيته الحرام و مشاعره العظام» في الصحاح المشاعر مواضع المناسك و المشعر الحرام أحد المشاعر.
«بين جنات و أنهار و سهل» نقيض الحزن و الجبل.
«و قرار» أي:المستقر من الأرض.
«جمّ» أي:كثير.
«الأشجار داني الثمار» لكثرتها.
«ملتف البنا» هكذا في النهج،و لكن في(الكافي)(ملتف النبات)و هو أصحّ فيكون في معنى قوله: «وَ جَنّاتٍ أَلْفافاً» (1)
النبأ:16. [1]
.«متصل القوى» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(القرى)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية)و حينئذ فمتصل القرى هنا في قبال قوله قبل (و قرى منقطعة ).
«بين برة» بالضم القمح و هو الحنطة.
«سمراء» لون الحنطة.
«و روضة خضراء» قال الجوهري:الروضة من البقل و العشب.
«و أرياف» أي:اراض فيها خصب.
«محدقة» أي:محيطة لا ذات حدائق كما قال الخوئي فلا يشتق من الحديقة و انما زادت رواية(الكافي)بعد(و طرق عامرة)(و حدائق كثيرة).
«و عراص» جمع العرصة كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها شيء من بناء.
«مغدقة» أي:كثيرة الماء و الندى و النبت.
«و رياض» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و زروع)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية)،و كما في الكافي.
«ناضرة» ذات رونق.
«و طرق عامرة» أي:معمورة مثل(ماء دافق)و(عيشة راضية)قال الجوهري:(عمرت الخراب فهو عامر و معمور).
1) 1)
«لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء» و في(الكافي)(قد صغر الجزاء)بدون(قدر).
و صدق عليه السلام فان الجزاء يختلف بحسب كمية العمل و كيفيته و بحسب أهميته،و لذا كانت ضربته عليه السلام يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين كما ان بيعتهم يوم السقيفة أعظم و زرا من أوزار الثقلين .
«و لو كان» هكذا في(المصرية)و الصواب:(و لو كانت)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة)و كذا(الكافي).
«الأساس» اما بالكسر جمع الاس،مثل عس و عساس و اما بالمد جمع الأسس مثل سبب و أسباب،و ليس بالفتح فيكون مفردا بشهادة(كانت)و (عليها)و لعطف(الأحجار)عليها.
«المحمول عليها و الأحجار المرفوع بها» قال ابن أبي الحديد يجوز أن يكون نائب الفاعل في(المحمول)و(المرفوع)ضمير البيت و يجوز أن يكون النائب (عليها)و(بها)-قلت بل يتعيّن أن يكون النائب الضمير لأن المعنى حمل البيت على الأساس و رفع البيت بالأحجار و ليس مثل(زيد ممرور به)في كون(به) نائبا لأنّه لا يقال(ممرور زيد).
«بين زمردة خضراء و ياقوته حمراء و نور و ضياء» في(المعجم)(كوكبان) جبل قرب صنعاء و إليه ينسب(قصر كوكبان)قيل سمّى(كوكبان)لأن قصره كان مبنيا بالفضة و الحجارة،و داخله بالياقوت و الجوهر و كان ذلك الدّر و الجوهر يلمع بالليل كما يلمع الكوكب.
«لخفف ذلك مسارعة» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(مصارعة)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)و في(الكافي)و لكن قال ابن أبي الحديد و روى (مضارعة)و معناه مقارنة الشك و دنوه من النفس و أصله من(مضارعة
القدر)إذا حان إدراكها،و من مضارعة الشمس إذا دنت للمغيب-و قال الراوندي:أي مماثلة الشك و مشابهته،و هذا بعيد لأنّه لا معنى للمماثلة و المشابهة هنا و الرواية الصحيحة بالمهملة.
قلت:و كما لا معنى للمشابهة هنا كما قاله الراوندي لا صحّة لمّا قاله ابن أبي الحديد نفسه من كونه من(مضارعة القدر)و من(مضارعة الشمس)فلم يستعمل ما قاله و انما يقال(تضريع القدر)و(تضريع الشمس)قال الجوهري:
(و تضريع الشمس دنوها للغروب،و يقال أيضا(ضرعت القدر)أي حان ان تدرك و المضارعة المشابهة)-و حينئذ فالصواب ان يقال بسقوط تلك الرواية لعدم معنى له-و منه يظهر خطأ الخوئي في قوله و في بعض الروايات مضارعة بالمعجمة أي المقاربة.
«الشك في الصدور و لوضع مجاهدة إبليس» الذي يوسوس في الصدور.
«عن القلوب،و لنفي معتلج» من(اعتلجت الأمواج)التطمت.
«الريب» أي:الشك.
«من الناس» .
في(طبقات كاتب الواقدي)و(تاريخ الطبري)في قصة أصحاب الفيل- ان ابرهة رأى الناس يتجهزون أيام الموسم للحجّ إلى بيت اللّه،فسأل أين يذهب الناس؟فقالوا:إلى بيت اللّه بمكة،قال ممّا هو؟قالوا:من حجارة.قال:
و ما كسوته؟قالوا:ما يأتي من ههنا الوصائل،قال:و المسيح لأبنينّ لكم خيرا منه-فبنى لهم بيتا عمله بالرخام الأبيض و الأحمر و الأصفر و الأسود و حلاّه بالذهب و الفضة،و حفّه بالجوهر و جعل له أبوابا عليها صفائح الذهب، و مسامير الذهب،و فصل بينهما بالجوهر،و جعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة، و جعل له حجابا،و كان يوقد فيه بالمندني و يلطخ جدرانه بالمسك فيسود
حتى يغيب الجوهر و أمر الناس فحجّوه فحجّه كثير من قبائل العرب سنين و مكث فيه رجال يتعبدون و يتألهون و نسكوا له.
و كان نفيل الخثعمي يورض له ما يكره فأمهل،فلمّا كان ليلة من الليالي لم ير أحدا يتحرّك فقام فجاء بعذرة فلطّخ بها قبلته،و جمع جيفا فألقاها فيه- فأخبر ابرهة بذلك فغضب غضبا شديدا،و قال انما فعلت العرب هذا غضبا لبيتهم لأنقضنه حجرا حجرا-إلخ -.
«و لكن اللّه يختبر» أي:يمتحن.
«عباده بأنواع الشدائد» اختبر تعالى مسلمي مكة بالصلاة إلى بيت المقدس و اختبر عز و جل مسلمي المدينة بالصلاة إلى الكعبة على خلاف هواهم.
«و يتعبدهم بأنواع المجاهد» تعبد تعالى عباده بعد حجّ بيته بزيارة نبيه صلّى اللّه عليه و آله و زيارة المعصومين من عترته تكملة للحجّ ليميّز بين المتعبّد و المتمرد-و في(كامل المبرد)،و ممّا كفرت الفقهاء به الحجاج قوله-و الناس يطوفون بقبر النبي صلّى اللّه عليه و آله انما يطوفون بأعواد و رمة.
«و يبتليهم بضروب» أي:اقسام.
«المكاره» قال تعالى: «وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ» (1)
البقرة:54. [1]
«فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ» (2).«اخراجا للتكبّر من قلوبهم» و هو دليل على كون التكبر في نهاية المنفورية عند الشارع.
«و اسكانا للتذلل» أي:التواضع.
«في نفوسهم» و هو دليل على كون التواضع في غاية المحبوبية عنده.
«و ليجعل» عطف على(اخراجا)و عطف الفعل على شبهه و بالعكس كثير.
«ذلك» أي:الاختبار،بأنواع الشدائد و ما عطف عليه.
«أبوابا فتحا إلى فضله» و في(الكافي)(أبوابا إلى فضله).
«و أسبابا ذللا لعفوه» زاد في(الكافي)(و فتنه كما قال تعالى: «الم أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ » (1)
:1-3.
.«فاللّه اللّه في عاجل البغي» روى(عقاب الأعمال)عن أبي جعفر عليه السلام قال في كتاب علي عليه السلام:ثلاث خصال لا يموت صاحبها أبدا حتى يرى و بالهن:
البغي،و قطيعة الرحم،و اليمين الكاذبة يبادر اللّه بها.
و في(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله ان أعجل الشرّ عقوبة البغي-و عن أمير المؤمنين عليه السلام أيها الناس ان البغي يقود أصحابه إلى النار و ان أوّل من بغى على اللّه تعالى عناق بنت آدم،و أول قتيل قتله اللّه عناق-و كان مجلسها جريب في جريب و كان لها عشرون اصبعا في كلّ اصبع ظفران مثل المنجلين فسلط اللّه عليها أسدا كالفيل و ذئبا كالبعير و نسرا مثل البغل فقتلتها،و قد قتل اللّه تعالى الجبابرة على أفضل أحوالهم و آمن ما كانوا.
و عنه عليه السلام يقول إبليس لجنوده:القوا بينهم الحسد و البغي،فانما العنكبوت
1) 1)
يعدلان عند اللّه تعالى الشرك.و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله يتعوّذ كلّ يوم من ست خصال:من الشك و الشرك،و الحمية،و الغضب،و البغي و الحسد.
«و آجل وخامة الظلم» «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا» (1)
النمل:52. [1]
«فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا» (2)«وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» .«و سوء عاقبة الكبر» في(الخصال)عن الصادق عليه السّلام قال الحواريون لعيسى عليه السّلام يا معلم الخير أعلمنا أي الأشياء أشدّ؟فقال:غضب اللّه تعالى قالوا بم نتقيه؟قال:بأن لا تغضبوا.قالوا و ما بدء الغضب؟قال:الكبر و التجبر و محقرة الناس.
و عنه عليه السّلام أصول الكفر ثلاثة:الحرص و الاستكبار و الحسد اما الاستكبار فابليس أمر بالسجود فأبى-الخبر-.
«فانها مصيدة إبليس العظمى و مكيدته الكبرى» في(الخصال)عن الصادق عليه السّلام قال ابليس لجنوده:إذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم ابال ما عمل فانّه غير مقبول منه إذا استكثر عمله و نسى ذنبه،و دخله العجب.
هذا،و في(كامل)المبرد قال الأصمعي:سمعت اعرابيا يقول لآخر:
أ ترى هذه العجم تنكح نسائنا في الجنّة،قال:أرى ذلك و اللّه بالأعمال الصالحة، قال توطأ و اللّه رقابنا قبل ذلك-و يروى ان ناسكا من الهجيم بن عمرو بن تميم كان يقول:اللّهم اغفر للعرب خاصة و للموالي عامة و أما العجم فهم عبيدك و الأمر إليك-و كان نافع بن عيسى من بني نوفل بن عبد مناف إذا مرّت عليه جنازة فان قيل قرشي قال و اقوماه و ان قيل عربي قال و امادتاه،و ان قيل مولى أو عجم قال اللّهم عبادك تأخذ من شئت و تدع من شئت.
«التي تساور» أي:تغالب و تواثب.
«قلوب الرجال مساورة السموم القاتلة» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام النظر سهم من سهام إبليس مسموم و كم من نظرة أورثت حسرة طويلة .
«فما تكدى» من(أكدى الحافر)إذا بلغ الكدية أي الأرض الصلبة التي لا تحفر و الظاهر كون الفاعل ضمير المصيدة و المكيدة.
«ابدا و لا تشوى» من(رماه فأشواه)إذا لم يصب المقتل.
«أحدا لا عالما لعلمه» و عنه عليه السّلام رب عالم قتله جهله و معه علمه لا ينفعه).
و في(الخصال)عنه عليه السّلام ان اللّه تعالى يعذب ستة بستة:العرب بالعصبية،و الدهاقنة بالكبر،و الامراء بالجور،و الفقهاء بالحسد،و التجار بالخيانة،و أهل الرستاق بالجهل.
«و لا مقلا في طمره» أي:ثوبه الخلق .
«و عن ذلك ما حرس اللّه عباده المؤمنين بالصلوات و الزكوات و مجاهدة الصيام في الأيام المفروضات» فقال تعالى في أمر الصلاة: «وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ» (1)
التوبة:103. [1]
-و في الزكاة-: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ» بِها «وَ تُزَكِّيهِمْ» (2)-و في الصيام-: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ» (3).«تسكينا لأطرافهم» أول(العلل)لايجاب الصلوات.
و في(الكافي)عن حمّاد بن عيسى قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام يوما أ تحسن ان تصلّي قلت:أحفظ كتاب حريز في الصلاة-فقال:لا عليك قم فصلّ،فقمت
بين يديه متوجها إلى القبلة فاستفتحت و ركعت و سجدت-فقال لا تحسن أن تصلّي ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون فما يقيم صلاة واحدة بحدودها-فأصابني الذلّ في نفسي-فقلت فعلّمني فقام عليه السّلام مستقبل القبلة منتصبا فأرسل يديه جميعا على فخذيه قد ضمّ أصابعه و قرّب بين قدميه حتى كان بينهما ثلاثة أصابع مفرجات و استقبل بأصابع رجليه لم يحرفهما عن القبلة بخشوع و استكانة-الخبر-.
«و تخشيعا لأبصارهم» في(الفقيه)عن الصادق عليه السّلام-في خبر-و اخشع ببصرك و لا ترفعه إلى السماء و ليكن نظرك إلى موضع سجودك-الخبر-.
«و تذليلا لنفوسهم» في(العلل)عن الرضا عليه السّلام ان علّة الصلاة انها اقرار بالربوبية للّه تعالى و خلع الأنداد و قيام بين يدي الجبار جلّ جلاله بالذلّ و المسكنة و الخضوع و الاعتراف.
«و تخفيضا لقلوبهم» عن الارتفاع.
«و إذهابا للخيلاء» أي:الكبر.
«عنهم لما في ذلك» أي:اداء الصلاة.
«من تعفير» من(عفره في التراب)مرغه.
«عتاق» أي:كرائم.
«الوجوه بالتراب تواضعا» له تعالى.
«و التصاق كرائم الجوارح» و هي الكفّان و الركبتان و الابهامان.
«بالأرض تصاغرا» في نفوسهم،و في خبر(العلل)المتقدّم-بعد ما مر- و الطلب للإقالة من سالف الذنوب و وضع الوجه على الأرض كلّ يوم خمس مرات اعظاما للّه تعالى و ان يكون ذاكرا غير ناس و لا بطرا و يكون خاشعا متذللا طالبا للزيادة في الدين و الدنيا مع ما فيه من الانزجار و المداومة على
ذكر اللّه تعالى بالليل و النهار لئلا ينسى العبد سيّده و مدبره و خالقه فيبطر و يطغى و يكون في ذكره لربه و قيامه بين يديه زاجرا له عن المعاصي و مانعا له عن أنواع الفساد.
«و لحوق» أي:لصوق.
«البطون بالمتون» أي:الظهور.
«من الصيام» أي:من جوعه.
«تذللا» و في(العلل)عن الرضا عليه السّلام علّة الصوم لعرفان مس الجوع و العطش ليكون العبد ذليلا مستكينا مأجورا محتسبا صابرا مع ما فيه من الانكسار عن الشهوات و اعظا له في العاجل،دليلا على العاجل.ليعلم مبلغ ذلك من أهل الفقر و المسكنة في الدنيا و الآخرة.
«مع ما في الزكاة من صرف ثمرات الأرض» الغلات الأربع وجوبا و باقي الحبوبات استحبابا.
«و غير ذلك» من الأنعام الثلاثة و النقدين.
«إلى أهل المسكنة و الفقر» في(العلل)عن الصادق عليه السّلام ان اللّه تعالى أشرك بين الأغنياء و الفقراء في الأموال فليس لهم ان يصرفوها إلى غير شركائهم.
و عنه عليه السّلام ان اللّه عز و جل فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به.
و لو علم ان الذي فرض لهم لم يكفهم لزادهم،فانما يؤتي الفقراء في ما أوتوا من منع من منعهم لا من الفريضة .
«انظروا إلى ما في هذه الأفعال» الصلاة و الصيام و الزكاة.
«من قمع» أي:قلع.
«نواجم» من(نجم النبت)ظهر و طلع الفخر .
«و قدع» من(قدعت فرسي)أي:كففته عن جريه الكثير.
«طوالع الكبر» .
و في(العلل)سئل الباقر عليه السّلام عن علّة النهي عن الصلاة و هو متوشح فوق القميص فقال عليه السّلام:لعلّة التكبر في موضع الاستكانة و الذل.
الحكمة(136)
اَلصَّلاَةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ- وَ الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ- وَ لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ وَ زَكَاةُ الْبَدَنِ الصِّيَامُ- وَ جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ أقول:هو مأخوذ من أربعمائة باب للدين و الدنيا،المروي عنه عليه السّلام ذكره ابن أبي شعبة الحلبي في تحفه ابن أبي شعبة الحلبي-تحف العقول-مأخوذ من أربعمائة باب للدين و الدنيا .
«الصلاة قربان كلّ تقي» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام سئل عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربهم؟فقال عليه السّلام:ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات ألا ترى ان العبد الصالح عيسى عليه السّلام قال: «وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» (1)
مريم:31. [1]
.و عنه عليه السّلام أحب الأعمال إلى اللّه تعالى الصلاة و هي:آخر وصايا الأنبياء فما أحسن من الرجل أن يغتسل أو يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يتنحى حيث لا يراه أنيس فيشرف عليه و هو راكع أو ساجد ان العبد إذا سجد فأطال الصلاة نادى إبليس يا ويله أطاع و عصيت و سجد و أبيت.
و عنه عليه السّلام إذا قام العبد إلى الصلاة نزلت عليه الرحمة من أعنان السماء إلى أعنان الأرض و حفّت به الملائكة و ناداه ملك لو يعلم هذا المصلّي ما في الصلاة ما انفتل.
1) 1)
«و الحج جهاد كلّ ضعيف» في(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله الحجّ أحد الجهادين و هو جهاد الضعفاء و نحن الضعفاء اما انّه ليس أفضل من الحجّ إلاّ الصلاة، و في الحج ههنا صلاة و ليس في الصلاة حج،لا تدع الحجّ و أنت تقدر عليه أما ترى انّه يشعث فيه رأسك و يقشف فيه جلدك و تمتنع فيه من النظر إلى النساء و انا نحن ههنا قريب و لنا مائة قرى متصلة ما نبلغ الحجّ حتى يشق علينا فكيف أنتم في بعد البلاد و ما من ملك و لا سوقة يصل إلى الحج إلاّ بمشقة في تغيير مطعم أو مشرب أو ريح أو شمس لا يستطيع ردها و ذلك قوله تعالى:
«وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» (1)
النحل:7. [1]
.و عن الثمالي،قال رجل لعلي بن الحسين عليه السّلام تركت الجهاد و خشونته و لزمت الحج و لينه،فقال عليه السّلام له:ويحك أما بلغك ما قال النبي صلّى اللّه عليه و آله-في حجّة الوداع لمّا وقف بعرفة-ان ربكم تطول عليكم في هذا اليوم فغفر لمحسنكم و شفع محسنكم في مسيئكم فأفيضوا مغفورا لكم.
و روى(الفقيه)ان الرجل قال له عليه السّلام آثرت الحج و قد قال تعالى: «إِنَّ اللّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ» (2)-فقال عليه السّلام:فاقرأ ما بعدها «التّائِبُونَ الْعابِدُونَ» -إلى آخر الآية-فإذا رأيت هؤلاء فالجهاد معهم يومئذ أفضل.
و عن الرضا عليه السّلام قيل له:بلغنا انّه قيل لبعض آبائك في بلادنا موضع رباط يقال له قزوين و عدوّ يقال له الديلم فهل من جهاد أو رباط؟فقال عليكم بهذا البيت فحجّوه،أما يرضى أحدكم أن يكون في بيته ينفق على عياله ينتظر
أمرنا فان أدركه كان كمن شهد بدرا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و ان لم يدركه كان كمن قام مع قائمنا في فسطاطه هكذا و هكذا-و جمع بين سبابتيه-فقال عليه السّلام هو على ما ذكر .
«و لكلّ شيء زكاة» حتى ان زكاة الجاه قضاء حوائج الناس.
«و زكاة البدن الصيام» في(العلل)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتسابا أوجب اللّه له سبع خصال أوّلها يذوب الحرام من جسده .
«و جهاد المرأة حسن التبعل» في(الكافي)عنه عليه السّلام كتب اللّه الجهاد على الرجال و النساء فجهاد الرجل بذل ماله و نفسه حتى يقتل في سبيل اللّه،و جهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها و غيرته و في الاستيعاب قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لأسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية ان حسن تبعل احداكن لزوجها و طلبها لمرضاته و اتباعها لموافقته يعدل كلّ ما ذكرت للرجال أي ما فضلوا به من الجمعات و شهود الجنائز و الجهاد فانصرفت و هي تهلل و تكبر استبشارا بما قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لها.
هذا،و قال ابن أبي الحديد أوصت امرأة بنتها ليلة هدائها فقالت لها:لو تركت الوصية لأحد لحسن أدب و كرم لتركتها لك لكنها تذكرة للغافل انّك قد خلفت العش الذي فيه درجت،و الوكر الذي منه خرجت إلى منزل لم تعرفيه، و قرين لم تألفيه فكوني له أمة يكن لك عبدا و احفظي عني خصالا عشرا أما الأولى و الثانية،فحسن الصحابة بالقناعة،و جميل المعاشرة بالسمع و الطاعة،ففي حسن الصحابة راحة القلب،و في جميل المعاشرة رضى الربّ.
و الثالثة و الرابعة،التفقد لمواقع عينه و التعهد لمواضع أنفه،فلا يقع عينه منك على قبيح،و لا يجد أنفه منك خبيث ريح،و اعلمي ان الكحل أحسن
الحسن المفقود،و ان الماء أطيب الطيب الموجود.
و الخامسة و السادسة،الحفظ لماله و الارعاع على حشمه و عياله، و اعلمي ان أصل الاحتفاظ بالمال حسن التقدير،و أصل الارعاع على الحشم و العيال حسن التدبير.
و التاسعة و العاشرة،لا تفشين له سرّا،و لا تعصين له أمرا،فانّك ان أفشيت سره لم تأمني غدره،و ان عصيت أمره أو غرت صدره.
و قال:و انكح ضرار بن عمرو الضبي ابنته من معبد بن زرارة فلمّا أخرجها إليه قال:يا بنية امسكي عليك الفضلين:فضل الغلمة،و فضل الكلام- و ضرار هو الذي رفع عقيرته بعكاظ و قال ألا ان شرّ حائل أم فزوجوا الأمهات -و ذلك انّه صرع بين الرماح فاشبل عليه اخوته لامه حتى استنقذوه.
و قال:و من قبيح التبعل ما أوصت اعرابية ابنتها عند هدائها فقالت لها:
اقلعي زج رمحه فان أقر فاقلعي سنانه،فان أقر فاكسري العظام بسيفه،فان أقرّ فاقطعي اللحم على ترسه،فان أقر فضعي الاكاف على ظهره،فانما هو حمار.
الحكمة(7)
اَلصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنْجِحٌ- وَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ فِي عَاجِلِهِمْ نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آجِلِهِمْ أقول:و جعله ابن ميثم و الخطّية جزء العنوان الثاني و لا يأباه ابن أبي الحديد .
«الصدقة دواء منجح» قال ابن أبي الحديد هو مثل قول النبي صلّى اللّه عليه و آله داووا مرضاكم بالصدقة .
«و أعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم» قال:هو من قوله تعالى «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ» (1)
آل عمران:30. [1]
«فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» (2)-و من كلام بعضهم انما تقدّم على ما قدمت،و لست تقدم على ما تركت فاثر ما تلقاه غدا على ما لا تراه أبدا.من غريب كلامه(6)
و في حديثه عليه السّلام:
إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ الدَّيْنُ الظَّنُونُ- يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ لِمَا مَضَى إِذَا قَبَضَهُ فالظنون الذي لا يعلم صاحبه- أ يقضيه من الذي هو عليه أم لا- فكأنه الذي يظن به- فمرة يرجوه و مرة لا يرجوه- و هذا من أفصح الكلام- و كذلك كل أمر تطلبه- و لا تدري على أي شيء أنت منه فهو ظنون- و على ذلك قول؟الأعشى؟- من يجعل الجد الظنون الذي جنب صوب اللجب الماطر
مثل الفراتي إذا ما طما يقذف بالبوصي و الماهر
و الجد البئر العادية في الصحراء- و الظنون التي لا يعلم فيها ماء أم لا «ان الرجل إذا كان له الدين الظنون يجب عليه أن يزكيه لما مضى إذا قبضه» الأصل في نسبته إليه عليه السّلام أبو عبيدة على نقل ابن أبي الحديد فقال:العمل
عندنا على قول علي عليه السّلام من كون الزكاة بعد القبض على الدائن و ان كان لا يرجوه،لا على المديون كما روي عن إبراهيم»-إلاّ انّه غير معلوم،فقال الجزري في نهايته،في حديث عمر:(لا زكاة في الدين الظنون)أي الذي لا يدري صاحبه يصل إليه أم لا،و منه حديث علي-و قيل عثمان-(في الدين الظنون يزكيه إذا قبضه لمّا مضى) (1)
النهاية لابن الأثير 3:164، [1]مادة(ظن)منشورات اسماعيليان-قم.
و لا أثر لنا في الظنون إذا كان بالمعنى الذي ذكره المصنف بل قال السيد و الشيخان:(لا زكاة في الدين إلاّ إذا كان تأخيره من جهة مالكه)و حينئذ فيمكن حمل(الظنون)على ما إذا ظن انّه إذا أراد الدائن أخذه أمكنه،و هكذا نقل ابن ميثم تفسيره عن بعض-و ظاهر العماني و الاسكافي وجوب الزكاة على المديون مطلقا و به قال الحلي (2).هذا و نقل ابن ميثم في الشقشقية عن الكيدري عن بعض الكتب القديمة في تفسير الكتاب المذكور فيها الذي ناوله عليه السّلام سوادي-ان في ذاك الكتاب كان عشر مسائل و خامستها(رجل عليه من الدين ألف درهم و له في كيسه ألف درهم فضمّنه ضامن بألف درهم فحال عليهما الحول فالزكاة على أي المالين يجب؟فقال:ان ضمن الضامن باجازة من عليه الدين فلا يكون عليه و ان ضمنه من غير اذنه فالزكاة مفروضة في ماله).
قول المصنف .
«فالظنون الذي»و في(ابن ميثم)(هو الذي).
1) 1)
2) 2) يقول العلاّمة:و اما الدين:فإن كان معسرا أو جاحدا أو مما طلا،أو كان مؤجلا،لم تجب فيه الزكاة.نهاية الأحكام 2: 303، [2]مؤسسة اسماعيليان،قم،و يقول المحقق الحلّي في«المعتبر»: [3]للاصحاب في زكاة الدين قولان:أحدهما لا زكاة فيه حتى يحصل إلى صاحبه،و يحول عليه الحول...و الآخر فيه الزكاة إذا كان تأخيره من جهة صاحبه،بأن يكون على ملي باذل و هو مذهب الشيخين في النهاية و المبسوط،و مذهب الشافعي و أبي حنيفة،و مالك و أحمد: راجع«المعتبر في شرح المختصر» [4]لنجم الدين المحقق الحلي 2:49،مؤسسة سيد الشهداء،قم.
«لا يعلم صاحبه أ يقضيه»هكذا في المصرية،و الصواب:«أ يقبضه»كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية.
«من الذي هو عليه أم لا»-إلى-فمرة يرجوه و مرة لا يرجوه»هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد و الخطّية)و لكن في(ابن ميثم)(تارة يرجوه و تارة لا يرجوه).
«و هذا من أفصح الكلام»حيث عبّر عن معنى كثير بلفظ يسير.
«و كذلك كلّ امر تطلبه و لا تدري على أي شيء أنت منه»و في(الجمهرة) (و الظنون الذي لا يوثق بما عنده،و كذلك في الركى أي لا يوثق بمائها ).
«و على ذلك قول الأعشى»في تفضيل عامر على علقمة(ما)هكذا في (المصرية)و نسخة من ابن ميثم و لكن في(ابن أبي الحديد و الخطّية)(من).
«يجعل الجد»بالضم.
«الظنون الذي جنب»أي:تجنب.
«صوب»أي:جانب.
«اللجب»وصف للسحاب المقدر،و اللجب بالكسر الصوت.
«الماطر».
«مثل الفراتي»أي:الفرات و الياء للتوكيد كقوله:«و الدهر بالانسان دواري».
«إذا ما طما»من(طما الماء)إذا ارتفع.
«يقذف»أي:يرمي.
«بالبوصي»في(الجمهرة)البوصي السفينة و كانت بالفارسية بالزاي، فقلبتها العرب صادا.
«و الماهر»أي:السابح .
«و الجد البئر»اقتصر عليه ابن ميثم و زاد ابن أبي الحديد(العادية في الصحراء)و قال المعروف ان الجد بئر في موضع كثير الكلأ لا في الموات.
و مثل قول الأعشى قول الأخطل في يزيد:
يقلن إذا ما استقبل الصيف و قدة وجر على الجد الظنون فانفدا
الحكمة(145)
و قال عليه السّلام:
كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلاَّ الظَّمَأُ- وَ كَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلاَّ السَّهَرُ وَ الْعَنَاءُ- حَبَّذَا نَوْمُ الْأَكْيَاسِ وَ إِفْطَارُهُمْ «كم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الظمأ» هكذا في(المصرية)و الصواب:
(إلاّ الجوع و الظمأ)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية).
في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام إذا صمت فليصم سمعك و بصرك و شعرك و جلدك-و عدّد أشياء غير هذا-و قال:لا يكن يوم صومك كيوم فطرك.
و عنه عليه السّلام ان الصيام ليس من الطعام و الشراب وحده فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم و غضّوا أبصاركم و لا تنازعوا و لا تحاسدوا-و سمع النبي صلّى اللّه عليه و آله امرأة تسب جارية لها و هي صائمة،فدعا بطعام فقال لها:كلي، فقالت اني صائمة فقال كيف تكونين صائمة و قد سببت جاريتك،ان الصوم ليس من الطعام و الشراب .
«و كم من قائم ليس له من قيامه إلاّ السهر» أي:عدم النوم في الليل.
«و العناء» أي:المشقة.
فالخوارج كانوا أهل سهر و عناء في قيام الليل و تلاوة القرآن!!و كذلك
كثير من الفرق الباطلة عاملة ناصبة-و في الخبر الناصب لأهل البيت سواء صلّى أم زنا.
«حبذا نوم الأكياس و افطارهم» لأن نومهم و افطارهم أيضا عبادة لكونهما منهم لاستجمام قوى النفس حتى يقدروا على اداء الفرائض و النوافل-و لذا قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:أنا لا أصوم جميع الأيام،و لا أقوم جميع الليل،و نهى من فعل ذلك.
الحكمة(146)
و قال عليه السلام:
سُوسُوا إِيمَانَكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَ حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ- وَ ادْفَعُوا أَمْوَاجَ الْبَلاَءِ بِالدُّعَاءِ أقول:هو ممّا رواه( تحف ابن أبي شعبة-تحف العقول-الأربعمائة في آداب الدين و الدنيا )ابن أبي شعبة ممّا قاله عليه السّلام من الأربعمائة في آداب الدين و الدنيا .
«سوسوا» أي:دبروا.
«ايمانكم بالصدقة» «فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَ اتَّقى وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى » (1)
الليل:5-7. [1]
.«و حصنوا» أي:احفظوا.
«أموالكم بالزكاة» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام ما ضاع مال في بر و لا بحر إلاّ بتضييع الزكاة و لا يصاد من الطير إلاّ ما ضيع تسبيحه.
و عنه عليه السّلام ما من رجل يمنع درهما في حقه إلاّ أنفق اثنين في غير حقه.
و عنه عليه السّلام ما أدّى أحد الزكاة فنقصت من ماله و لا منعها أحد فزادت
1) 1)
في ماله .
«و ادفعوا أمواج البلاء بالدعاء» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام ان الدعاء يرد القضاء ينقضه كما ينقض السلك و قد أبرم ابراما.
و عنه عليه السّلام ان اللّه ليدفع بالدعاء الأمر الذي علم أن يدعى له فيستجيب، و لو لا ما وفق العبد من ذلك الدعاء لأصابه منه ما يجتثه من جديد الأرض.
و عن أبي الحسن عليه السّلام الدعاء يرد ما قدر قدر و ما لم يقدر؟قيل:كيف ما لم يقدّر؟قال:حتى لا يكون.
هذا و لعل الأصل في قوله عليه السّلام(سوسوا ايمانكم بالصدقة)ما رواه (الجعفريات)عنه عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام ان أمير المؤمنين عليه السّلام مر بالسوق فنادى بأعلى صوته:ان أسواقكم هذه يحضرها ايمان فشوبوا ايمانكم بالصدقة فان اللّه لا يقدّس من حلف باسمه كاذبا (1)
الجعفريات [1
.الحكمة(137)
و قال عليه السّلام:
اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ أقول:هو أيضا من حديث الاربعمائة،في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام قال لابنه محمد كم فضل معك من تلك النفقة؟قال:أربعون دينارا،قال:أخرج و تصدّق بها،قال:انّه لم يبق معي غيرها،قال تصدّق بها فان اللّه تعالى يخلفها أما علمت انّ لكلّ شيء مفتاحا و مفتاح الرزق الصدقة فتصدّق بها،ففعل فما لبث عليه السّلام عشرة أيام حتى جاءه من موضع أربعة آلاف دينار،فقال:يا بني أعطينا اللّه أربعين دينارا فأعطانا أربعة آلاف.
1) 1)
و عنه عليه السّلام ما أحسن عبد الصدقة في الدنيا إلاّ أحسن اللّه الخلافة على ولده من بعده و حسن الصدقة يقضي الدين و يخلف على البركة.
و نظير كلامه عليه السّلام هذا كلام آخر له عليه السّلام(في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق)«إذا ابطأت عليك الأرزاق استغفر اللّه يوسّع عليك».
الحكمة(258)
و قال عليه السّلام:
إِذَا أَمْلَقْتُمْ فَتَاجِرُوا اللَّهَ بِالصَّدَقَةِ أي افتقرتم قال تعالى: «وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ» (1)
الانعام:151. [1]
.«فتاجروا اللّه بالصدقة» قال ابن أبي الحديد جاء في الأثر ان عليّا عليه السّلام عمل ليهودي في سقي نخل له في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله فخبزه قرصا فلمّا هم أن يفطر عليه أتاه سائل يستطعم فدفعه إليه و بات طاويا فتاجر اللّه بتلك الصدقة فعد الناس هذه الصدقة من أعظم السخاء و أعظم العبادة،و قال بعض شعراء الشيعة فيه و يذكر إعادة الشمس عليه،و أحسن في ما قال:
جاد بالقرص و انطوى ملأ جنبيه وعاء في الطعام و هو سغوب
فأعاد القرص المنير عليه القرص و المقرض الكرام كسوب
قلت:و نظير اجادة هذا الشاعر في وصفه عليه السّلام في الجمع بين قرص الخبز و قرص الشمس.
قول الجامي في وصفه عليه السّلام-مشيرا إلى ايثاره ذاك و وصف شجاعته- بالفارسية:
ملك دنيا به سنان گرفت و ملك عقبى به سه نان
1) 1)
الحكمة(138)
و قال عليه السّلام:
مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ أقول:في(ابن ميثم و الخطّية)جزء سابقه،ثم هو أيضا من حديث الأربعمائة و روي معناه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله.
و في(الكافي)عن أبي الحسن عليه السّلام من أيقن بالخلف سخت نفسه بالنفقة و المعنى من أيقن بالخلف في الدنيا الذي و عد تعالى في قوله: «وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ» (1)
سبأ:39. [1]
و بالخلف في الآخرة و ذخرها كما أخبر تعالى: «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللّهِ باقٍ» (2)سهل عليه الجود بعطاه البتة،و من لم يسهل عليه بعد ذلك فانما هو من ضعف يقينه بوعده تعالى.و في(تاريخ بغداد)،قال الفضل بن سهل:رأيت جملة البخل سوء الظن باللّه تعالى،و جملة السخاء حسن الظن باللّه تعالى،قال عز و جل: «الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ» (3)و قال عز و جل: «وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ» (4).
و في(الكافي)عن البزنطي كتب الرضا عليه السّلام إلى الجواد عليه السّلام بلغني ان الموالي إذا ركبت أخرجوك من الباب الصغير و انما ذلك من بخل منهم لئلا ينال منك أحد خيرا،أسألك بحقي عليك لا يكن مدخلك و مخرجك إلاّ من الباب
الكبير فإذا ركبت فليكن معك ذهب و فضة ثم لا يسألك أحد شيئا إلاّ أعطيته، و من سألك من عمومتك أن تبرّه فلا تعطه أقل من خمسين دينارا و الكثير إليك،و من سألك من عماتك فلا تعطها أقلّ من خمسة و عشرين دينارا و الكثير إليك،اني انما أريد بذلك أن يرفعك اللّه فانفق و لا تخش من ذي العرش اقتارا.
و عن أبي جعفر عليه السّلام ان الشمس لتطلع و معها أربعة أملاك:ملك ينادي يا صاحب الخير أتمّ و أبشر،و ملك ينادي يا صاحب الشرّ انزع و اقصر،و ملك ينادي أعط منفقا خلفا و آت ممسكا تلفا،و ملك ينضحها بالماء،و لو لا ذلك اشتعلت الأرض.
و عنه عليه السّلام من يضمن أربعة بأربعة أبيات في الجنّة انفق و لا تخف فقرا و انصف الناس من نفسك،و افش السّلام في العالم،و اترك المراء و ان كنت محقا.
و عن صفوان دخل علي الرضا عليه السّلام مولى له فقال له:هل أنفقت اليوم شيئا؟فقال:لا فقال عليه السّلام فمن أين يخلف اللّه علينا انفق و لو درهما واحدا.
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام من يبسط يده بالمعروف إذا وجده يخلف اللّه له ما أنفق في دنياه و يضاعف في آخرته.
و في(المجمع)عن الكلبي،عن النبي صلّى اللّه عليه و آله من تصدّق بصدقة فله مثلاها في الجنّة،فقال أبو الدحداح الأنصاري:ان لي حديقتين فان تصدقت باحديهما فان لي مثليها في الجنّة؟قال نعم،قال:و ام الدحداح معي؟قال نعم قال و الصبية معي؟قال نعم-فتصدّق بأفضل حديقتيه و دفعها إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فنزل: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً» (1)
البقرة:245. [1]
1) 1)
فضاعف اللّه صدقته ألفي ألف و ذلك قوله تعالى: «أَضْعافاً كَثِيرَةً» (1)
البقرة:245. [1]
فرجع أبو الدحداح فوجد ام الدحداح و الصبية في الحديقة التي جعلها صدقة فقام على الباب و تحرج أن يدخل فنادى و قال اني جعلت حديقتي هذه صدقة و اشتريت مثليها في الجنة و ام الدحداح معي و الصبية معي قالت:بارك اللّه لك في ما شريت و في ما اشتريت فخرجوا و اسلموا الحديقة إليه صلّى اللّه عليه و آله فقال صلّى اللّه عليه و آله كم من نخل متدل عذوقها في الجنّة لأبي الدحداح (2).الحكمة(304)
و قال عليه السّلام:
إِنَّ الْمِسْكِينَ رَسُولُ اللَّهِ- فَمَنْ مَنَعَهُ فَقَدْ مَنَعَ اللَّهَ- وَ مَنْ أَعْطَاهُ فَقَدْ أَعْطَى اللَّهَ في(الكافي)عن أبي جعفر عليه السّلام ان اللّه تعالى يبعث يوم القيامة ناسا من قبورهم مشدودة أيديهم إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يتناولوا بها قيس أنملة معهم ملائكة يعيرونهم تعييرا شديدا يقولون هؤلاء الذين منعوا خيرا قليلا من خير كثير هؤلاء الذين أعطاهم اللّه فمنعوا حق اللّه في أموالهم.
الحكمة(328)
و قال عليه السّلام:
إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ- فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ- فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلاَّ بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ- وَ اللَّهُ تَعَالَى جَدُّهُ سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ
هكذا في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية)و زادت(المصرية)(منه) قبل(غني)و نقصت(جده)بعد(تعالى).
في(الكافي)عن أبي جعفر الأحول قال سألني رجل من الزنادقة فقال كيف صارت الزكاة من كلّ ألف خمسة و عشرين درهما؟فقلت له:انما ذلك مثل الصلاة ثلاث و ثنتان و تربع فقبل مني ثم لقيت بعد ذلك أبا عبد اللّه عليه السّلام فسألته عن ذلك،فقال ان اللّه تعالى حسب الأموال و المساكين فوجد ما يكفيهم من كلّ ألف خمسة و عشرين و لو لم يكفهم لزادهم-فرجعت إليه فأخبرته فقال جاءت هذه المسألة على الابل من الحجاز ثم قال لو اني اعطيت أحدا طاعة لأعطيت صاحب هذا الكلام.
و عن قثم قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام جعلت فداك اخبرني كيف صارت من كلّ ألف خمسة و عشرين لم يكن أقلّ أو أكثر ما وجهها؟فقال:ان اللّه عز و جل خلق الخلق كلّهم فعلم صغيرهم و كبيرهم و غنيهم و فقيرهم فجعل من كلّ ألف انسان خمسة و عشرين مسكينا،و لو علم ان ذلك لا يسعهم لزادهم لأنّه خالقهم و هو أعلم بهم.
الحكمة(299)
و قال عليه السّلام:
مَا أَهَمَّنِي ذَنْبٌ أُمْهِلْتُ بَعْدَهُ- حَتَّى أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أقول و زاد ابن أبي الحديد«و اسأل اللّه العافية»في(الفقيه)عن الصادق عليه السّلام إيّاكم و الكسل فان ربكم رحيم يشكر القليل ان الرجل يصلّي الركعتين يريد بهما وجه اللّه تعالى فيدخله اللّه الجنّة و انّه ليصوم يوما تطوعا يريد به وجه اللّه تعالى فيدخله اللّه به الجنّة.
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله ما من صلاة يحضر وقتها إلاّ نادى ملك بين يدي الناس قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم فاطفئوها بصلاتكم.
و في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى: «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ» (1)
هود:114. [1]
أي صلاة المؤمن بالليل تذهب بما عمل من ذنب في النهار- و عنه عليه السّلام من صلّى ركعتين يعلم ما يقول فيهما انصرف و ليس بينه و بين اللّه ذنب.و في(ثواب الأعمال)عن الصادق عليه السّلام يؤتى يوم القيامة بشيخ فيدفع إليه كتابه ظاهره ممّا يلي الناس لا يرى إلاّ مساوىء فيطول ذلك عليه فيقول يا رب:أ تامر بي إلى النار؟فيقول جل جلاله:يا شيخ انا استحيي أن أعذبك و قد كنت تصلّي لي في دار الدنيا اذهبوا بعبدي إلى الجنّة.
الخطبة(194)
و من كلام له عليه السّلام كان يوصى به أصحابه:
تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاَةِ وَ حَافِظُوا عَلَيْهَا- وَ اسْتَكْثِرُوا مِنْهَا وَ تَقَرَّبُوا بِهَا- فَإِنَّهَا «كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً» - أَ لاَ تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا- «ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ» - وَ إِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ- وَ تُطْلِقُهَا إِطْلاَقَ الرِّبَقِ- وَ شَبَّهَهَا؟رَسُولُ اللَّهِ ص؟ بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ- فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ- فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ- وَ قَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- الَّذِينَ لاَ تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِينَةُ مَتَاعٍ وَ لاَ قُرَّةُ عَيْنٍ- مِنْ وَلَدٍ وَ لاَ مَالٍ- يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ- «رِجالٌ لا»
1) 1)
«تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ» - (1)
النور:37. [1]
وَ كَانَ؟رَسُولُ اللَّهِ ص؟ نَصِباً بِالصَّلاَةِ- بَعْدَ التَّبْشِيرِ لَهُ بِالْجَنَّةِ- لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها» - (2)فَكَانَ يَأْمُرُ بِهَا أَهْلَهُ وَ يُصْبِرُ عَلَيْهَا نَفْسَهُ- ثُمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلاَةِ قُرْبَاناً لِأَهْلِ الْإِسْلاَمِ- فَمَنْ أَعْطَاهَا طَيِّبَ النَّفْسِ بِهَا- فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ كَفَّارَةً وَ مِنَ النَّارِ حِجَازاً وَ وِقَايَةً- فَلاَ يُتْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ وَ لاَ يُكْثِرَنَّ عَلَيْهَا لَهَفَهُ- فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَيْرَ طَيِّبِ النَّفْسِ بِهَا- يَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّةِ- مَغْبُونُ الْأَجْرِ ضَالُّ الْعَمَلِ- طَوِيلُ النَّدَمِ ثُمَّ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ- فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا- إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ الْمَبْنِيَّةِ- وَ الْأَرَضِينَ الْمَدْحُوَّةِ وَ الْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ الْمَنْصُوبَةِ- فَلاَ أَطْوَلَ وَ لاَ أَعْرَضَ وَ لاَ أَعْلَى وَ لاَ أَعْظَمَ مِنْهَا- وَ لَوِ امْتَنَعَ شَيْءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ- أَوْ قُوَّةٍ أَوْ عِزٍّ لاَمْتَنَعْنَ- وَ لَكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَةِ- وَ عَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ وَ هُوَ الْإِنْسَانُ- «إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً» أقول:الأصل فيه ما رواه( الكافي الكليني-الكافي-كتاب الجهاد الباب الثالث عشر )(في الباب الثالث عشر من جهاده)عن عقيل الخزاعي ان أمير المؤمنين عليه السّلام كان إذا حضر الحرب يوصي المسلمين بكلمات،يقول:تعاهدوا الصلاة و حافظوا عليها،و استكثروا منها و تقرّبوا بها، فانها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا،و قد علم ذلك الكفار حين سئلوا ما سلككم في سقر؟قالوا لم نك من المصلّين،و قد عرف حقّها من طرقها و اكرمبها من المؤمنين الذين لا يشغلهم عنها زين متاع و لا قرّة عين من مال و لا ولد، يقول اللّه عز و جل: «رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ» (1)
النور:37. [1]
و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله منصبا لنفسه بالبشرى له بالجنة من ربه،فقال عز و جل: «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها» (2)و كان يأمر بها أهله و يصبر عليها نفسه،ثم ان الزكاة جعلت مع الصلاة قربانا لأهل الاسلام على أهل الاسلام،و من لم يعطها طيب النفس بها،يرجو بها من الثمن ما هو أفضل منها فانّه جاهل بالسنّة،مغبون الأجر ضال العمر،طويل الندم بترك امر اللّه تعالى و الرغبة عمّا عليه صالحوا عباد اللّه،يقول اللّه تعالى:«وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى» (3)فقد خسر من ليس من أهلها و ضلّ عمله،عرضت على السماوات المبنية،و الأرض المهاد و الجبال المنصوبة،فلا أطول و لا أعرض و لا أعلى و لا أعظم،لو امتنعن من طول أو عرض أو عظم أو قوّة أو عزّة امتنعن،و لكن اشفقن من العقوبة-الخبر-.
قول المصنف :
و من كلام له عليه السّلام كان يوصي به أصحابه» قد عرفت من خبر(الكافي) انّه عليه السّلام كان يوصي بذلك عند القتال،و انما كان عليه السّلام يفعل ذلك كيلا يتهاونوا بها وقت الحرب بعذر الحرب و لها شرع تعالى صلاة الخوف فقال: «وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ» -الآية-... (4).
قوله عليه السّلام :
«تعاهدوا» في معنى تعهدوا قال ابن دريد:قد يجيي تفعل و تفاعل بمعنى
كتعهد و تعاهد و تضحك و تضاحك و تلعب و تلاعب،و قد يفترقان مثل تكبر من الكبر و(تكابر)من السن.
«أمر الصلاة» في(الكافي)عن أبان بن تغلب:صلّيت خلف أبي عبد اللّه عليه السّلام بالمزدلفة فلمّا انصرف التفت اليّ فقال:الصلوات الخمس المفروضات من أقام حدودهن و حافظ على مواقيتهن لقى اللّه يوم القيامة و له عنده عهد يدخله به الجنّة،و من لم يقم حدودهن و لم يحافظ على مواقيتهن لقى اللّه و لا عهد له ان شاء عذّبه و ان شاء غفر له.
«و حافظوا عليها» «إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلاَّ الْمُصَلِّينَ اَلَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ وَ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ أُولئِكَ فِي» (1)
المعارج:19-35. [1]
.فسّر قوله تعالى في أول الآية: «عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ» (2)بالنافلة و في آخر الآية «عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ» (3)بالفريضة،روى ذلك(الكافي) عن أبي جعفر عليه السّلام و قال تعالى: «حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى» (4).
و في(الكافي)عن أبي جعفر عليه السّلام كلّ سهو في الصلاة يطرح منها غير ان اللّه يتمّ بالنوافل ان أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة فان قبلت قبل ما سواها ان الصلاة إذا ارتفعت في أوّل وقتها رجعت إلى صاحبها و هي بيضاء مشرقة، تقول:حفظتني حفظك اللّه،و إذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها و هي سوداء مظلمة تقول:ضيعتني ضيّعك اللّه.
و عنه عليه السّلام ايما مؤمن حافظ على الصلوات المفروضة فصلاّها لوقتها فليس هذا من الغافلين-و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يزال الشيطان زعرا من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس،فاذا ضيعهن تجرأ عليه فأدخله في العظائم.
«و استكثروا منها» قال عيسى عليه السّلام في المهد: «إِنِّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» (1)
مريم:30-31. [1]
.«و تقربوا بها» في(الكافي)عن الرضا عليه السّلام الصلاة قربان كلّ تقي.
و عنه عليه السّلام أقرب ما يكون العبد من اللّه عز و جل و هو ساجد و ذلك قوله تعالى «وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ» (2).
«فانها «كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً» (3)» و إذا خرج وقتها يجب قضاؤها.
«أ لا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سئلوا «ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ» » فالآية تدل على كون الكفار معاقبين بالفروع كالاصول و اما سقوط القضاء عن الكافر إذا أسلم فتفضل و لا تضاد،فالعقد يوجب المهر كلّه،
و الطلاق قبل المس يسقط نصفه .
«و انها لتحت» أي:تناثر.
«الذنوب حت الورق» من الشجر قال الخوئي عن مجالس ابن الشيخ قال سلمان كنّا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله في ظلّ شجرة،فأخذ غصنا منها فنفضه فتساقط ورقه، فقال:ألا تسألوني عمّا صنعت قالوا:اخبرنا،فقال،ان العبد المسلم إذا قام إلى الصلاة تحاطت خطاياه كما تحاطت ورق هذه الشجرة.
«و تطلقها اطلاق الربق» قال الجوهري.الربق بالكسر حبل فيه عدّة عرى يشدّ به البهم،و الواحدة من العروة ربقة،و الربيقة البهيمة المربوطة في الربق.
في(الفقيه)عن الصادق عليه السّلام لمّا هبط آدم من الجنّة ظهرت به شامة سوداء في وجهه من قرنه إلى قدمه فطال بكاؤه عليه فأتاه جبرئيل عليه السّلام فقال له ما يبكيك؟قال:من هذه الشامة قال:قم فصلّ فهذا وقت الصلاة الأولى فقام فصلّى فانحطت إلى عنقه فجاءه في الصلاة الثانية فقال قم فصلّ فصلّى إلى سرته فجاءه في الصلاة الثالثة فقال:قم فصل فصلّى فانحطت إلى ركبتيه فجاءه في الرابعة فقال قم فصل فصلّى فانحطت إلى قدميه فجاءه في الصلاة الخامسة فقال قم فصلّ فقام فصلّى فخرج منها فحمد اللّه فقال له جبرئيل مثل ولدك في هذه الصلوات كمثلك من هذه الشامة،من صلّى من ولدك في كلّ يوم و ليلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت من هذه الشامة.
هذا،و قال الخوئي(و تطلقها اطلاق الربق)على القلب،و المراد انها تطلق اعناق النفوس من أغلال الذنوب اطلاق أعناق البهائم من الارباق-مع انّه لا قلب و انما هو توهم كون الربق فاعل الاطلاق مع انّه مفعولها كما في حت الورق فكما ان المعنى في الأول ان الصلاة تحت الذنوب كحثّك للورق كذلك
المعنى في الثاني ان الصلاة تطلق الذنوب اطلاقك الربق عن البهائم.
هذا،و كما شبهت الصلاة مع الذنوب في كلامه عليه السّلام بحت الورق و اطلاق الربق كذلك شبّهت معها في كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله بماء يطفىء النار-ففي الفقيه قال النبي صلّى اللّه عليه و آله ما من صلاة يحضر وقتها إلاّ نادى ملك بين يدي الناس قوموا إلى نيرانكم التي أو قد تموها على ظهوركم فأطفئوها بصلاتكم .
«و شبهها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالحمة» في(الصحاح)الحمة العين الحارة يستشفى بها الأعلاء و في الحديث(العالم كالحمة).
«فهو يغتسل منها في اليوم و الليلة خمس مرات فما عسى ان يبقى عليه من الدرن» أي:الوسخ.
و درن المعاصي باطني و سئل الامام،هل يعلم الملكان إذا هم بالحسنة أو السيئة؟فقال عليه السّلام:هل يستوي ريح الطيب و ريح الكنيف فإذا همّ بالحسنة يخرج نفسه متطيبا،و إذا همّ بالسيئة خرج نفسه منتنا-و ورد في الكذب انّه يخرج من قلبه تعفّن يبلغ العرش فيلعنه من في السماء .
«و قد عرف حقّها رجال من المؤمنين الذين لا يشغلهم زينة متاع،و لا قرّة عين من مال و لا ولد» ناظرة إلى قوله تعالى «الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ أَمَلاً» (1)
الكهف:46. [1]
.«يقول اللّه سبحانه «رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ» (2)» و بعده «يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ» (3)و قال تعالى: «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ» (4).
«و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نصبا» أي:تعبا.
«بالصلاة بعد التبشير له بالجنة» هكذا في النسخ،و الظاهر ان كون قوله (بعد التبشير له بالجنّة)مصحف«بعد الأمر له بالصلاة»كما يشهد له قوله بعد.
«يقول اللّه سبحانه «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها» (1)
طه:132. [1]
» أي:احمل نفسك على الصبر عليها.«فكان يأمر أهله» خصوصا كما يأمر باقي الناس عموما.
في ذيل الطبري مسندا عن أبي الحمراء،قال:رابطت المدينة ستة أشهر على عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله فرأيته إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي و فاطمة عليهما السّلام فقال:
الصلاة انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا (2)-و رواه الثعلبي في(تفسيره)عن أبي الحمراء (3)-و رواه(أماليا)الشيخين أيضا (4).
و روى الأندلسي في(جمعه للصحاح الستة)عن(سنن أبي داود)، و(موطأ مالك)عن أنس ان النبي صلّى اللّه عليه و آله كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر حين نزلت هذه الآية،فيقول الصلاة «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (5).
و روى اخطب الخطباء في اسناد له عن أبي سعيد الخدري،ان
1) 1)
2) 2) الطبري:ذيل المذيل(تاريخ الطبري):83 [2] منشورات الأعلمي،بيروت.
3) 3) ذكره ابن طاوس في الطرائف:128 [3] نقلا عن الثعلبي.
4) 4) الطوسي،الأمالي 5:43 المجلس(21) [4]رقم(1174).
5) 5) ذكره ابن طاوس في الطرائف:128 و [5]نقله المجلسي بحار الأنوار 35:223 رواية(30)و [6]الأندلسي هو نفسه الحميدي صاحب كتاب الجمع بين الصحيحين.
النبي صلّى اللّه عليه و آله جاء إلى باب فاطمة عليها السّلام أربعين صباحا بعد ما دخل علي بفاطمة يقول:السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته الصلاة يرحمكم اللّه، «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)
الخطيب الخوارزمي،مناقب أمير المؤمنين:35 الباب الخامس،طبع حجري [1]في كربلاء.
.و في اسناد آخر عنه،قال:لمّا نزل قوله تعالى: «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ» (2)كان النبي صلّى اللّه عليه و آله يأتي باب علي و فاطمة تسعة أشهر كلّ صلاة فيقول الصلاة يرحمكم اللّه «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (3).
و روى(عيون ابن بابويه)عن الريان بن الصلت ان الرضا عليه السّلام حضر مجلس المأمون و قد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق و خراسان فقال له المأمون هل فضّل اللّه العترة على ساير الناس؟فقال عليه السّلام:
ان اللّه تعالى فضّلهم على ساير الناس في محكم كتابه-إلى أن قال بعد ذكر إحدى عشرة آية في تفضيلهم-و أما الثانية عشرة فقوله عز و جل: «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها» (4)فخصصنا اللّه بهذه الآية،إذ أمرنا اللّه مع الامة بإقامة الصلوات ثم خصصنا من دون الامة فكان النبي صلّى اللّه عليه و آله يجيء إلى باب علي و فاطمة صلوات اللّه عليهما بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر كلّ يوم عند حضور كلّ صلاة خمس مرات فيقول:الصلاة رحمكم اللّه و ما أكرم اللّه أحدا من ذراري الأنبياء بمثل هذه الكرامة التي أكرمنا بها-الخبر-.
و هذه الأخبار الواردة من العامة و الخاصة متفقة على ان آية «إِنَّما»
«إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)
الاحزاب:33. [1]
في سورة الأحزاب كانت بعد آية «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها» (2)في سورة طه،و ادرجوا الاولى في آية نساء النبي صلّى اللّه عليه و آله اطفاء لنور اللّه و يأبى اللّه ذلك حيث جرى الحق على لسانهم في أخبارهم-و بالجملة فالآيتان أعظم حجّة على مخالفي أهل البيت عليهم السّلام.«و يصبر» أي:يحبس قال تعالى: «وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» (3).
«عليها نفسه» و قد صبر صلّى اللّه عليه و آله نفسه عليها حتى و رمت قدماه فأنزل تعالى:و «ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى » (4).
«ثم ان الزكاة جعلت مع الصلاة قربانا» أي سبب تقرّب إليه تعالى.
«لأهل الاسلام» قال تعالى: «فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ» (5).
و في(الكافي)عن أبي بصير كنّا عند أبي عبد اللّه عليه السّلام و معنا بعض أصحاب الأموال فذكروا الزكاة فقال عليه السّلام:ان الزكاة ليس يحمد بها صاحبها و انما هو شيء ظاهر انما حقن بها دمه و سمّى بها مسلما و من لم يؤدها لم تقبل له صلاة،و ان عليكم في أموالكم غير الزكاة و عد حقوقا.
و عن أبي جعفر عليه السّلام بيّنا النبي صلّى اللّه عليه و آله في المسجد إذ قال قم يا فلان قم يا فلان حتى عد خمسة نفر فقال أخرجوا من مسجدنا لا تصلّوا فيه
و أنتم لا تزكّون!!.
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام دمان في الاسلام حلال من اللّه لا يقضي فيها أحد حتى يبعث اللّه قائمنا فإذا بعث حكم فيهما بحكم اللّه لا يريد عليهما بيّنة،الزاني المحصن يرجمه،و مانع الزكاة يضرب عنقه.
و عنه عليه السّلام من منع قيراطا من الزكاة فليمت ان شاء يهوديا أو نصرانيا، و ليس بمؤمن و لا مسلم و هو قوله تعالى: «رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ» (1)
المؤمنون:99-100. [1]
.و عن أبي جعفر عليه السّلام ان اللّه تعالى قرن الزكاة بالصلاة فقال: «وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ» (2)فمن أقام الصلاة و لم يؤت الزكاة لم يقم الصلاة.
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام صلاة مكتوبة خير من عشرين حجّة،و حجّة خير من بيت مملوءا ذهبا ينفقه في برّ حتى ينفد،ثم قال:و لا أفلح من ضيّع عشرين بيتا من ذهب بخمسة و عشرين درهما-قيل:و ما معناه؟قال:من منع الزكاة، وقفت صلوته حتى يزكي.
«فمن أعطاها طيب النفس بها فانها تجعل له كفارة و من النار حجازا» هكذا في (المصرية)و الصواب:(حجابا)كما في(ابن أبي الحديد)و غيره.
«و وقاية» في الخبر أرض القيامة نار ما خلا موضع المؤمن فان صدقته تظلّه .
«فلا يتبعها أحد نفسه و لا يكثرن عليها لهفه» قال ابن أبي الحديد أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله بعض نسائه ان تقسّم شاة على الفقراء،فقالت لم يبق منها غير عنقها فقال صلّى اللّه عليه و آله:بقي كلّها غير عنقها-قال ابن أبي الحديد أخذ شاعر هذا
المعنى فقال:
يبكي على الذاهب من ماله و انما يبقى الذي يذهب
قلت الأصل في كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله قوله تعالى: «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللّهِ باقٍ» (1)
النحل:96. [1]
.«فان من أعطاها غير طيب النفس بها،يرجو بها و هو أفضل منها فهو جاهل بالسنة مغبون الأجر،ضال العمل،طويل الندم» قال تعالى: «وَ ما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَ هُمْ كُسالى وَ لا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَ هُمْ كارِهُونَ » (2).
«ثم اداء الأمانة،فقد خاب من ليس من أهلها» فقد عد اللّه تعالى في صفات أهل الايمان رعاية الأمانات-و قال نبيه صلّى اللّه عليه و آله:بعثت باداء الأمانة إلى البر و الفاجر.
و عن الصادق عليه السّلام لو أن قاتل أمير المؤمنين عليه السّلام ائتمنني على أمانة لأديتها إليه-و عن السجاد عليه السّلام:لو أن قاتل أبي ائتمنني على السيف الذي قتله به لأديته إليه.
و عن الصادق عليه السّلام:من اؤتمن على أمانة فأداها فقد حلّ ألف عقدة من عنقه من عقد النار فبادروا باداء الأمانة فان من اؤتمن على أمانة و كّل به إبليس مائة شيطان من مردة أعوانه ليضلّوه.
و قال تعالى: «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها» (3)- «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللّهَ وَ الرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (4)-
«فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَ لْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ» (1)
البقرة:283. [1]
.و الحربي الذي ماله و دمه حلال لا يجوز الخيانة في أمانته-و في (الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله حافتا الصراط يوم القيامة الرحم و الأمانة،فاذا مر الوصول للرحم المؤدي للأمانة نفذ إلى الجنّة،و إذا مر الخائن للأمانة القطوع للرحم لم ينفعه معه عمل فتكفا به الصراط في النار.
«انها عرضت على السماوات المبنية» «وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً» (2).
«و الأرضين المدحوّة» قال الجوهري:(مر الفرس يدحو دحوا)إذا رمى بيديه رميا لا يرفع سنبكه عن الأرض كثيرا-و يقال للاّعب بالجوز(ابعد المدى و ادحه)أي ارمه.
قال تعالى: «أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها» (3).
«و الجبال ذات الطول المنصوبة» «وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ» (4).
«فلا أطول» اشارة إلى الجبال.
«و لا أعرض» اشارة إلى الأرضين.
«و لا أعلى و لا أعظم» اشارة إلى السماوات.
«منها» أي:من السماوات و الأرضين و الجبال،و جعل ابن ميثم و الخوئي أطول و أعرض و أعظم كلّها راجعة إلى الجبال كضمير(منها)في غير محلّه.
«و لو امتنع شيء بطول أو عرض أو قوّة أو عزّ لا متنعن» أي:لو صار شيء منيعا بها لصارت منيعة بها حتى تجسر على حمل الأمانة.
هذا،و في القاموس الممتنع الأسد القوي العزيز في نفسه،و في (الصحاح)المتمنعان البكرة و العناق تمنعان على السنة بفتاءهما و لأنهما يشبعان قبل الجلة و هما المقاتلتان الزمان عن أنفسهما.
«و لكن أشفقن» أي:حذرن.
«من العقوبة و عقلن» أي:فهمن ما جهل من هو أضعف منهن .
«و هو الانسان «إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً» » واضح انّه عليه السّلام أشار إلى قوله تعالى:
«إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً» (1)
الاحزاب:72. [1]
.و اختلف في المراد من الأمانة فقال ابن أبي الحديد أصحّ ما قيل في تفسير الآية:ان الأمانة ثقيلة المحمل،لأن حاملها معرّض لخطر عظيم،فهي بالغة من الثقل و صعوبة الحمل ما لو انها عرضت على السماوات و الأرض و الجبال لامتنعت من حملها و ليس المراد لو عرضت عليها و هي جمادات بل المراد تعظيم شأن الأمانة كما تقول هذا الكلام لا يحمله الجبال و قوله:(امتلأ الحوض و قال قطني)و قوله تعالى: «قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» (2)و مذهب العرب و توسعها و مجازاتها مشهور شائع.
و في تفسير القمي،المراد بالأمانة الولاية و بالإنسان الظلوم الجهول الأول و نقل البرهان روايه الصفار (3)،و الصدوق (4)،و عمر بن إبراهيم الأوسي
له في كتبهم و كذلك رواية الكليني (1)
البحراني،تفسير البرهان 3:340.
و محمد بن العباس بن ماهيار له (2)- و كلامه عليه السّلام هنا كالآية محتمل للعموم و الخصوص.الكتاب(52)
و من كتاب له عليه السّلام إلى امراء البلاد في معنى الصلاة:
أَمَّا بَعْدُ فَصَلُّوا بِالنَّاسِ الظُّهْرَ- حَتَّى تَفِيءَ الشَّمْسُ مِنْ مَرْبِضِ الْعَنْزِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْعَصْرَ وَ الشَّمْسُ بَيْضَاءُ حَيَّةٌ فِي عُضْوٍ مِنَ النَّهَارِ- حِينَ يُسَارُ فِيهَا فَرْسَخَانِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْمَغْرِبَ حِينَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ- وَ يَدْفَعُ الْحَاجُّ إِلَى؟مِنًى؟- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْعِشَاءَ حِينَ يَتَوَارَى الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْغَدَاةَ وَ الرَّجُلُ يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ- وَ صَلُّوا بِهِمْ صَلاَةَ أَضْعَفِهِمْ وَ لاَ تَكُونُوا فَتَّانِينَ قول المصنّف :
«و من كتاب له عليه السّلام إلى» كذا في(المصرية)و لكن في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)(و من كتاب له عليه السّلام كتبه إلى).
«أمراء البلاد» لا أمير مخصوص،لأن تعليمات الدين عامة.
«في معنى» يجوز بلفظ المكان و المفعول.
«الصلاة» أي:ما يتعلّق بها.
قوله عليه السّلام :
«أما بعد فصلّوا بالناس الظهر» من حيث الدلوك.
«حتى تفيء» أي:ترجع قال الجوهري:قال ابن السكيت:الظلّ ما نسخته
الشمس و الفيء ما نسخ الشمس،و قال روبه كلّما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء و ظلّ و ما لم يكن عليه الشمس فهو ظلّ.
«الشمس» و المراد ظلّها.
«من» هكذا في(المصرية)و الصواب:(مثل)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية).
«مربض العنز» قال الجوهري:(المرابض للغنم كالمعاطن للابل).
«و صلّوا بهم العصر و الشمس بيضاء حية حين يسار فيها فرسخان» في باب وقت الظهر و العصر من(الكافي)،عن يزيد بن خليفة،قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:
ذكر عمر بن حنظلة أن أوّل صلاة افترضها اللّه على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله الظهر و هو قوله تعالى: «أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ» (1)
الاسراء:78. [1]
فإذا زالت الشمس لم يمنعك إلاّ سبحتك ثم لا تزال في وقت إلى ان يصير الظلّ قامة و هو آخر الوقت فإذا صار الظلّ قامة دخل وقت العصر فلم تزل في وقت العصر حتى يصير الظلّ قامتين و ذلك المساء-فقال:صدق.و عنه عليه السّلام إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر إلاّ ان بين يديها سبحة و ذلك إليك ان شئت طوّلت و ان شئت قصّرت.
و في(الفقيه)عن الفضيل و زرارة،و بكير و محمد بن مسلم،و بريد العجلي،عن الباقر و الصادق عليهما السّلام وقت الظهر بعد الزوال قدمان،و وقت العصر بعد ذلك قدمان-و قال أبو جعفر عليه السّلام:ان حايط مسجد النبي صلّى اللّه عليه و آله كان قامة و كان إذا مضى منه ذراع صلّى الظهر و إذا مضى منه ذراعان صلّى العصر-.
ثم قال:أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان،لمكان النافلة لك أن تتنفّل من
1) 1)
زوال الشمس إلى أن يمضي ذراع فإذا بلغ فيؤك ذراعا بدأت بالفريضة و تركت النافلة و إذا بلغ فيؤك ذراعين بدأت بالفريضة و تركت النافلة.
و فيه،قال أبو جعفر عليه السّلام لأبي بصير:ما خدعوك فلا يخدعونك من العصر صلّها و الشمس بيضاء نقية فان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:الموتور أهله و ماله من ضيّع صلاة العصر،قيل ما الموتور اهله و ماله؟قال:لا يكون له أهل و لا مال في الجنّة-قيل:و ما تضييع العصر؟قال:يدعها حتى تصفر الشمس أو تغيب .
«و صلّوا بهم المغرب حين يفطر الصائم» في باب وقت افطار(الكافي) عن الصادق عليه السّلام ان تقوم بحذاء القبلة و تتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فإذا جازت قمّة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الافطار و سقط القرص.
و عن الصادق عليه السّلام إذا غابت الحمرة من المشرق فقد غابت الشمس في شرق الأرض و غربها.
«و يدفع الحاجّ» يعني من عرفات إلى المشعر.
في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام قيل له:متى الافاضة من عرفات؟قال:إذا ذهبت الحمرة-يعني من الجانب الشرقي.
و عنه عليه السّلام ان المشركين كانوا يفيضون قبل أن تغيب الشمس فخالفهم النبي صلّى اللّه عليه و آله فأفاض بعد غروبها.
و عنه عليه السّلام وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق و تدري كيف ذاك ان المشرق مطلّ على المغرب هكذا-و رفع يمينه فوق يساره-فاذا غابت ههنا ذهبت الحمرة،من ههنا.
و عنه عليه السّلام اتى جبرئيل عليه السّلام لكلّ صلاة بوقتين غير صلاة المغرب فان وقتها واحد-و روي ان لها وقتين و آخر وقتها سقوط الشفق-قال الكليني:
و ليس هذا ممّا يخالف الحديث الأول ان لها وقتا واحدا لأن الشفق هو الحمرة و ليس بين غيبوبة الشمس و غيبوبة الشفق إلاّ شيء يسير و ذلك ان علامة غيبوبة الشمس بلوغ الحمرة القبلة،و ليس بينه و بين غيبوبة الشفق الاّ قدر ما يصلّي الإنسان صلاة المغرب و نوافلها إذا صلاّها على تؤدة و سكون، و تفقدت ذلك غير مرّة و لذلك صار وقت المغرب ضيّقا.
«و صلّوا بهم العشاء حين يتوارى الشفق إلى ثلث الليل» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام تجب العتمة إذا غاب الشفق أي الحمرة-و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله لو لا ان أشقّ على امتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل.
«و صلّوا بهم الغداة و الرجل يعرف وجه صاحبه» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام وقت الفجر حين ينشق الفجر إلى أن يتجلل الصبح السماء،و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا لكنّه وقت لمن شغل أو نسي أو نام.
هذا،و قد ذكر تعالى مواقيت الخمس في قوله عز و جل: «أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً» (1)
الاسراء:78. [1]
و في قوله عز اسمه: «وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ» (2)روي ان زرارة سأل الباقر عليه السّلام هل سمّى اللّه الصلوات الخمس في كتابه فقال:نعم قال:« «أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ» -الآية-و دلوك الشمس زوالها و غسق الليل انتصافه و في ما بينهما أربع صلوات و قرآن الفجر الخامسة-و قال تعالى:« «وَ أَقِمِ الصَّلاةَ» -إلى- «وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ» و هي صلاة العشاء الآخرة».و في(العلل)عن الرضا عليه السّلام ان قيل لم جعلت الصلوات في هذه الأوقات
قيل لأنّها مشهورة معلومة يعرفها الجاهل و العالم غروب الشمس مشهور معرفتها فوجب عنده المغرب و سقوط الشفق مشهور فوجوب عنده عشاء الاخرة،و طلوع الفجر مشهور فوجب عنده صلاة الصبح،و زوال الشمس مشهور فوجب عنده الظهر،و لم يكن للعصر وقت مشهور مثل الأربعة فجعل وقتها الفراغ من الظهر إلى أن يصير الظلّ من كلّ شيء أربعة أضعافه .
«و صلّوا بهم صلاة أضعفهم و لا تكونوا فتانين» و عنه عليه السّلام آخر ما فارقت عليه حبيبي ان قال:إذا صلّيت فصل صلاة أضعف من خلفك.
و في(الاسد)،مر حزم بن أبي كعب الأنصاري بمعاذ بن جبل،و هو يؤم قومه في صلاة المغرب فقرأ بالبقرة فانصرف حزم فلمّا أتوا النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:
معاذ ابدع حزم،قال حزم:افتتح سورة البقرة فصلّيت ثم انصرفت-فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله:يا معاذ لا تكن فتانا فان خلفك الضعيف و الكبير و ذا الحاجة.
و رواه(الفقيه)،و فيه،قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لمعاذ:إيّاك أن تكون فتانا عليك (بالشمس و ضحيها)و ذواتها.
هذا،و في(بديع ابن المعتز)قال عباس الخياط في امام بطيء القراءة(ان قرأ العاديات في رجب لم يقرأ آياتها إلى رجب-أي أخر-بل هو لا يستطيع في سنة-أن يختم تبت يدا أبي لهب) (1)
ابن المعتز،البديع:68 مكتب المثنى،بغداد.
.الحكمة(252)
و قال عليه السّلام:
فَرَضَ اللَّهُ الْإِيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّرْكِ- وَ الصَّلاَةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبْرِ- وَ الزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ- وَ الصِّيَامَ ابْتِلاَءً لِإِخْلاَصِ الْخَلْقِ- وَ الْحَجَّ تَقْوِيَةً
1) 1)
لِلدِّينِ- وَ الْجِهَادَ عِزّاً لِلْإِسْلاَمِ- وَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَوَامِّ- وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ رَدْعاً لِلسُّفَهَاءِ- وَ صِلَةَ الرَّحِمِ مَنْمَاةً لِلْعَدَدِ- وَ الْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ- وَ إِقَامَةَ الْحُدُودِ إِعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ- وَ تَرْكَ شُرْبِ الْخَمْرِ تَحْصِيناً لِلْعَقْلِ- وَ مُجَانَبَةَ السَّرِقَةِ إِيجَاباً لِلْعِفَّةِ- وَ تَرْكَ الزِّنَا تَحْصِيناً لِلنَّسَبِ- وَ تَرْكَ اللِّوَاطِ تَكْثِيراً لِلنَّسْلِ- وَ الشَّهَادَاتِ اسْتِظْهَاراً عَلَى الْمُجَاحَدَاتِ- وَ تَرْكَ الْكَذِبِ تَشْرِيفاً لِلصِّدْقِ- وَ السَّلاَمَ أَمَاناً مِنَ الْمَخَاوِفِ- وَ الْأَمَانَةَ نِظَاماً لِلْأُمَّةِ- وَ الطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِلْإِمَامَةِ أقول:روى أحمد بن أبي طاهر البغدادي في( بلاغات نسائه أحمد بن أبي طاهر البغدادي-بلاغات النساء-ص 16 طبع النجف الأشرف ) (1)
راجع بلاغات النساء لابن أبي طاهر:16 طبع النجف [1]الأشرف.
، و الصدوق في( علله الشيخ الصدوق-علل الشرايع- ).نظيره عن سيّدة النساء صلوات اللّه عليها في خطبتها في فدك-و لفظ الأول:«زعمتم حقّا لكم أ للّه فيكم عهد قدمه إليكم و نحن بقيته استخلفنا عليكم،و معنا كتاب اللّه بيّنة بصائره-إلى أن قالت-ففرض اللّه الايمان تطهيرا لكم من الشرك،و الصلاة تنزيها عن الكبر،و الصيام تثبيتا للاخلاص،و الزكاة تزييدا في الرزق،و الحج تثنية للدين،و العدل مشكاة للقلوب،و طاعتنا نظاما و إمامتنا أمنا من الفرقة،و حبنا عزّا للاسلام،و الصبر منجاة،و القصاص حقنا للدماء،و الوفاء بالنذر تعرّضا للمغفرة.و توفية المكاييل و الموازين تغييرا للبخسة،و النهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس،و قذف المحصنات اجتنابا للعنة،و ترك السرق ايجابا للعفة،و حرم الشرك اخلاصا له بالربوبية، «اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» (2)-الخبر -.
«فرض اللّه الايمان تطهيرا من الشرك» أي:من رجسه،قال تعالى: «...
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ...» 1و في(العلل)عن الرضا عليه السّلام فان قيل لم أمر الخلق بالاقرار باللّه و برسوله و حجّته،و بما جاء من عنده قيل:لعلل كثيرة، منها ان من لم يقرّ باللّه لم يتجنب معاصيه.و لم ينته عن ارتكاب الكبائر و لم يراقب أحدا في ما يشتهي و يستلذ من الفساد و الظلم،و إذا فعل الناس هذه الأشياء و ارتكب كلّ انسان ما يشتهي و يهواه من غير مراقبة لأحد كان في ذلك فساد الخلق أجمعين و وثوب بعضهم على بعض فغصبوا الفروج و الأموال و أبا حوا الدماء و السبي،و قتل بعضهم بعضا من غير حق و لا جرم فيكون في ذلك خراب الدنيا و هلاك الخلق،و فساد الحرث و النسل.
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ...» (1)
الحج:30. [1]
و في(العلل)عن الرضا عليه السّلام فان قيل لم أمر الخلق بالاقرار باللّه و برسوله و حجّته،و بما جاء من عنده قيل:لعلل كثيرة، منها ان من لم يقرّ باللّه لم يتجنب معاصيه.و لم ينته عن ارتكاب الكبائر و لم يراقب أحدا في ما يشتهي و يستلذ من الفساد و الظلم،و إذا فعل الناس هذه الأشياء و ارتكب كلّ انسان ما يشتهي و يهواه من غير مراقبة لأحد كان في ذلك فساد الخلق أجمعين و وثوب بعضهم على بعض فغصبوا الفروج و الأموال و أبا حوا الدماء و السبي،و قتل بعضهم بعضا من غير حق و لا جرم فيكون في ذلك خراب الدنيا و هلاك الخلق،و فساد الحرث و النسل.و منها ان اللّه عز و جل يكون حكيما و لا يوصف بالحكمة إلاّ الذي يحظر الفساد و يأمر بالصلاح و يزجر عن الظلم،و ينهى عن الفحشاء،و لا يكون حظر الفساد و الأمر بالصلاح،و النهي عن الفواحش إلاّ بعد الإقرار باللّه و بمعرفة الآمر و الناهي،فلو ترك الناس بغير إقرار باللّه و لا معرفة لم يثبت أمر بصلاح، و لا نهي عن فساد إذ لا آمر و لا ناهي و منها إنّا قد وجدنا الخلق يفسدون بأمور باطنة مستورة عن الخلق،فلو لا الإقرار باللّه و خشيته بالغيب لم يكن أحد إذا خلا بشهوته و إرادته يراقب أحدا في ترك معصية،و انتهاك حرمة و ارتكاب كبيرة،إذا فعل ذلك مستورا عن الخلق غير مراقب لأحد فكان يكون في ذلك هلاك الخلق أجمعين،فلم يكن قوام الأمر و صلاحهم إلاّ بالاقرار منهم بعليم خبير يعلم السرّ و أخفى،آمر بالصلاح ناه عن الفساد ليكون في ذلك انزجار عمّا يخلون به من أنواع الفساد .
«و الصلاة تنزيها عن الكبر» لأن في الصلاة يجعل وجهه-و هو أشرف أعضائه-على التراب فيزول الكبر عنه قهرا.
ص:
1) 1)
و في(العلل)عن الرضا عليه السّلام علّة الصلاة انّها إقرار للّه بالربوبية،و خلع الانداد و قيام بين يدي الجبّار بالذلّ و المسكنة و الخضوع و اعتراف و الطلب للإقالة من سالف الذنوب،و وضع الوجه على الأرض كلّ يوم خمس مرات اعظاما للّه تعالى،و ان يكون ذاكرا غير ناس و لا بطرا و يكون خاشعا متذللا راغبا طالبا للزيادة في الدين و الدنيا مع ما فيه من الانزجار،و المداومة على ذكر اللّه تعالى بالليل و النهار لئلا ينسى العبد سيّده و مدبره و خالقه فيبطر و يطغى فيكون في ذكره لربه و قيامه بين يديه زاجرا له عن المعاصي و مانعا من أنواع الفساد .
«و الزكاة تسبيبا للرزق» أي:رزق المساكين و لئلا يحملهم الاضرار على نهب أموال الأغنياء.
و في(العلل)عن الرضا عليه السّلام:ان علّة الزكاة من أجل قوت الفقراء و تحصين أموال الأغنياء لأن اللّه تعالى كلّف أهل الصحّة القيام بشأن أهل الزمانة من البلوى كما قال تعالى: «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ» (1)
آل عمران:186. [1]
في أموالكم اخراج الزكاة،و في أنفسكم توطين النفس على الصبر مع ما في ذلك من اداء شكر نعمه تعالى،و الطمع في الزيادة و هم عظة لأهل الغنى و عبرة لهم ليستدلوا على فقر الآخرة بهم،و ما لهم في ذلك من الحث على الشكر و الخوف ان يصيروا مثلهم .«و الصيام ابتلاء لاخلاص الخلق» لاشتماله على ترك اللذائذ من المطاعم و المشارب و المناكح و تركها في غاية الصعوبة،فيكون دليلا على كمال الاخلاص.
و أيضا هو أمر عدمي لا يعلمه إلاّ اللّه ان لم يخبر صاحبه به،و لذا ورد في
1) 1)
الحديث القدسي:«الصوم لي و أنا أجزي به»-و في تاريخ بغداد صام داود الطائي أربعين سنة ما علم به أهله و كان خرّازا فكان يحمل غذائه معه و يتصدّق به في الطريق و يرجع إلى أهله يفطر عشاء لا يعلمون انّه صائم.
و في(العلل)عن الرضا عليه السّلام علّة الصوم لعرفان مسّ الجوع و العطش ليكون العبد ذليلا مستكينا مأجورا محتسبا صابرا،فيكون ذلك دليلا على شدائد الآخرة مع ما فيه من الانكسار له عن الشهوات واعظا له في العاجل، دليلا على الاجل ليعلم مبلغ ذلك من أهل المسكنة في الدنيا و الآخرة (1)
الصدوق،علل الشرائع 2:378. [1]
.«و الحج تقوية للدين» في(العلل)عن الصادق عليه السّلام:لا يزال الدين قائما ما قامت الكعبة .
«و الجهاد عزّا للاسلام» و في(الكافي)عنه عليه السّلام:ان اللّه تعالى فرض الجهاد و عظّمه،و جعله نصره و ناصره و اللّه ما صلحت دنيا و لا دين إلاّ به.
و عن الصادق عليه السّلام ان اللّه تعالى بعث رسول بالاسلام إلى الناس عشر سنين فأبوا ان يقبلوا أمره إلاّ بالقتال-و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله الخير كلّه في السيف و تحت ظلّ السيف و لا يقيم الناس إلاّ السيف و السيوف مقاليد الجنّة و النار .
«و الأمر بالمعروف مصلحة للعوام» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:كان إذا مر بجماعة يختصمون لا يجوزهم حتى يقول ثلاثا:«اتقوا اللّه»-يرفع بها صوته .
«و النهي عن المنكر ردعا» أي:كفا.
«للسفهاء» عن الشنائع.
و في(الكافي)عنه عليه السّلام أمرنا النبي صلّى اللّه عليه و آله أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة-و عنه عليه السّلام انما هلك من كان قبلكم حيث ما عملوا من المعاصي،و لم
1) 1)
ينههم الربانيون و الأحبار عن ذلك.
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله ان اللّه تعالى ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له- قيل و ما المؤمن الذي لا دين له؟قال:الذي لا ينهى عن المنكر.
و عن الصادق عليه السّلام:ان اللّه تعالى بعث ملكين إلى أهل مدينة ليقلباها على أهلها فلمّا انتهيا إلى المدينة وجدا رجلا يدعو اللّه و يتضرّع فقال أحد الملكين لصاحبه أما ترى هذا الداعي؟فقال قد رأيته و لكن أمضي لمّا أمر به ربي،فقال لا و لكن حتى أراجع ربي فراجع فقال تعالى:امض لمّا أمرتك فان ذا رجل لم يتمعر وجهه غيظا لي قط .
«و صلة الرحم منماة» من النمو.
«للعدد» في(الكافي)عن سليمان بن هلال،قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام ان آل فلان يبر بعضهم بعضا و يتواصلون فقال:اذن تنمى أموالهم و ينمون فلا يزالون في ذلك حتى يتقاطعوا فإذا فعلوا ذلك انقشع عنهم.
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:ان القوم ليكونون فجرة و لا يكونون بررة فيصلون أرحامهم فتنمى أموالهم و تطول أعمارهم فكيف إذا كانوا أبرارا بررة.
و عن الصادق عليه السّلام:ان صلة الرحم تزكي الأعمال و تنمي الأموال و تيسّر الحساب و تدفع البلوى التي تزيد في الحساب .
«و القصاص حقنا» أي:حفظا.
«للدماء» «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » (1)
البقرة:179. [1]
.«و إقامة الحدود إعظاما للمحارم» في الكافي عن أبي جعفر عليه السّلام:حد يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين ليلة و أيامها .
«و ترك شرب الخمر تحصينا» أي:حفظا.
1) 1)
«للعقل» في(المعجم)كان السيرافي على مذهب أبي حنيفة فجرى حديث تحليل النبيذ عنده فقال له بعض الخراسانيين دعنا من حديث أبي حنيفة و الشافعي ما ترى أنت في شرب النبيذ؟فقال:اما المذهب فمعروف لا عدول عنه،و اما الذي يقتضيه العقل فتركه،و اعلم انّه لو كان المسكر حلالا في كتاب اللّه أو سنّة رسوله لكان يجب على العاقل تركه بحجّة العقل و الاستحسان فان شاربه محمول على كلّ معصية مدفوع إلى كلّ بلية،مذموم عند كلّ ذي عقل و مروة يحيله عن مراتب العقلاء و الفضلاء و الادباء،و يجعله من جملة السفهاء،و مع ذلك فيضرّ بالدماغ و العقل و الكبد و الذهن و يولّد القروح في الجوف،و يسلب شاربه ثوب الصلاح و المروة و المهابة،حتى يصير بمنزلة المخبط المخريق و المثبج يقول بغير فهم،و يأمر بغير علم، و يضحك من غير عجب،و يبكي من غير سبب،و يخضع لعدوّه،و يصول على وليّه،و يعطي من لا يستحق العطية،و يمنع من يستوجب الصلة،و يبذر في الموضع الذي يحتاج فيه أن يمسك و يمسك في الموضع الذي يحتاج فيه أن يبذر،يصير حامده ذاما،و أفعاله ملاما،عبده لا يوقره،و أهله لا تقربه،و ولده يهرب منه،و أخوه يفزع عنه،يتمرّغ في قيئه،و يتقلّب في سلحه،و يبول في ثيابه،و ربما قتل قريبه،و شتم نسيبه،و طلّق امرأته،و كسّر آلة البيت،و لفظ بالخنى،و قال كلّ غليظ و فحش،يدعو عليه جاره و يزري به أصحابه،عند اللّه ملوم،و عند الناس مذموم،و ربما يستولي عليه في حال سكره مخائل الهموم فيبكي دما.و يشقّ جيبه حزنا و ينسى القريب،و يتذكّر البعيد،و الصبيان يضحكون منه،و النسوان يفتعلن النوادر عليه،و مع ذلك فبعيد من اللّه،قريب من الشيطان،قد خالف الرحمن في طاعة الشيطان،و تمكّن من ناصيته و زيّن في عينه اتيان الكبائر،و ركوب الفواحش،و استحلال الحرام،و إضاعة
الصلوات،و الحنث في الايمان،سوى ما حل به عند الافاقة من الندامة، و يستوجب من عذاب اللّه يوم القيامة (1)
الحموي،معجم الادباء 8:167-168 [1] دار الفكر-لبنان.
.و في الجهشياري:حكي انّه ثقل على كتّاب المنصور تفقده الأعمال و مراعاته لها فقالوا المتطببة لو زينت له شرب النبيذ حتى يتشاغل عنّا لأعظمت المنة علينا-فوعدهم بذلك و لم يزل يقول له في الوقت بعد الوقت لو سخنت معدتك لأصلح جسمك و نفذ طعامك فيقول بماذا؟فيقول بشراب العسل فلمّا ألح عليه بذلك استدعى شيئا منه فشربه في اليوم الأول فاستطابه فعاد إليه في اليوم الثاني و ازداد منه فخدره ثم عاد إليه في اليوم الثالث فأبطأ عن صلاة الظهر و العصر و العشاء فلمّا كان من غد دعا بما عنده من الشراب فأراقه،ثم قال:لا ينبغي لمثلي أن يشرب شيئا يشغله.
و في(الاستيعاب):كان قيس بن عاصم قد حرّم على نفسه الخمر في الجاهلية،و كان سبب ذلك انّه غمز عكنة ابنته و هو سكران و سبّ أبويها و رأى القمر فتكلّم و أعطى الخمّار كثيرا من ماله فلمّا أفاق أخبر بذلك فحرّمها على نفسه و قال:
رأيت الخمر صالحة و فيها خصال تفسد الرجل الحليما
فلا و اللّه أشربها صحيحا و لا أشقى بها أبدا سقيما
و لا أعطي بها ثمنا حياتي و لا أدعو لها أبدا لها نديما
فان الخمر تفضح شاربيها و تجنيهم بها الأمر العظيما
و هو الذي قال النبي صلّى اللّه عليه و آله فيه لمّا رآه:«هذا سيد أهل الوبر-و كان مشهورا بالحلم قيل للأحنف بن قيس ممّن تعلم الحلم؟قال:من قيس بن عاصم-الخبر-.
1) 1)
و في(الحلية)عن يزيد بن الأصم ان رجلا في الجاهلية شرب فسكر فجعل يتناول القمر فحلف لا يدعه حتى ينزله فكان يثب و يخر و يكدح وجهه فلم يزل يفعل ذلك حتى خر فنام فلمّا أصبح قال لأهله:و يحكم ما شأني؟قالوا كنت تحلف لتنزلن القمر فتثب فتخر فلقيت منه ما لقيت،فقال إن شرابا حملني على أن أنزل القمر لا أعود إليه أبدا.
و في(القاموس)خضف أي ضرط،و المخضفة الخمر لأنها تزيل العقل، فيضرط شاربها.
و في(الفقيه)عن أبي جعفر عليه السّلام قال تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله:اني شكرت لجعفر بن أبي طالب أربع خصال فدعاه فأخبره،فقال:لو لا ان اللّه تعالى أخبرك ما أخبرت ما كذبت قط لأن الكذب ينقص المروءة،و ما زنيت قط لأني خفت إذا علمت عمل بي،و ما عبدت صنما قط لأني علمت انّه لا يضر و لا ينفع، و ما شربت خمرا لأني علمت اني ان شربتها زال عقلي فضرب النبي صلّى اللّه عليه و آله يده على عاتقه،و قال حق على اللّه أن يجعل لك جناحين تطير بهما مع الملائكة في الجنّة.
و كلّف بعض الخلفاء نصيب الشاعر الشرب فقال:اني أسود اللون منتن الريح و انما يقربني الملوك لعقلي فكيف ازيل عقلي.ذكر أبو الفرج في(أغانيه) في مطيع بن اياس قصّة ما حاصلها:انه كان له نديمان حمّاد عجرد و يحيى بن زياد الحارثي و كانوا من الزنادقة فمر بهم معامل من تجّار الكوفة في مجلسهم فدعاه مطيع إلى لذاتهم و قال له أنت الشريك لنا على شريطة أن تشتم الملائكة فنفر و قال قبّح اللّه عشرتكم فقال له حمّاد أساء مطيع لا ذنب للملائكة أنت شريك على أن تشتم الأنبياء فانهم تعبدونا بكلّ أمر متعب فقال له و أنت أيضا قبّحك اللّه لا أدخل فدعاه يحيى فقال قبّحهم اللّه لقد كلفاك شططا
انزل و لا تصل اليوم فشتمه و قال:و لا هذا فقال انزل كيف شئت فنزل فقدم يحيى الطعام فأكلوا ثم شربوا فلمّا دبت الكأس في التاجر قال له مطيع ايما أحب إليك تشتم الملائكة أو تنصرف عنّا فشتمهم ثم قال له حمّاد أيهما أحب إليك تشتم الأنبياء أو تنصرف عنّا فشتمهم فقال له يحيى تترك صلاتك اليوم أو تنصرف عنّا قال بل اتركها يا بني الزانية و لا أنصرف فعمل بسبب شرب الخمر كلّ ما أرادوه منه.
و قال ابن أبي الحديد في الحديث المرفوع ان ملكا ظالما خيّر انسانا بين ان يجامع أمه،أو يقتل نفسا مؤمنة أو يشرب الخمر حتى يسكر-فرأى ان الخمر أدونها فشرب حتى سكر فلمّا غلب عليه السكر قام إلى امه فوطئها و قام إلى تلك النفس المؤمنة فقتلها!و قال:الخمر جماع الاثم و أم المعاصي .
«و مجانبة السرقة ايجابا للعفة» حتى جعل فيه حدا و سوّى فيه بين الرجل و المرأة فقال: «السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللّهِ» (1)
المائدة:38. [1]
بل ورد فيه تأديب غير البالغ،ففي(الكافي)عن أبي جعفر عليه السّلام أتى علي عليه السّلام بغلام قد سرق فطرف أصابعه،ثم قال:أما لئن عدت لأقطعنها-ثم قال:اما انّه ما عمله إلاّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و أنا .«و ترك الزنا تحصينا للنسب» في(العلل)عن الرضا عليه السّلام حرّم الزنا لمّا فيه من الفساد،من قتل الأنفس و ذهاب الأنساب و ترك التربية للأطفال و فساد المواريث و ما أشبهه من وجوه الفساد .
«و ترك اللواط تكثيرا للنسل» و لذا قال لوط لقومه: «أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَ تَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَ تَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ» (2)و قال تعالى: «نِساؤُكُمْ»
«حَرْثٌ لَكُمْ » (1)
البقرة:223. [1]
.«و الشهادات» و نقل(المصرية)(و الشهادة)تحريف.
«استظهارا للمجاحدات» في(العلل)عن أبي جعفر عليه السّلام انما جعل الشهادة في النكاح للميراث.
و للاستظهار في المجاحدات تقبل شهادة النساء و حدهن في ما لا يجوز للرجال أن ينظروا إليه،و تقبل شهادة القابلة في حياة الولد،و تقبل شهادتهن و حدهن في الوصية و تقبل شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلمون،و تقبل شهادة الصبيان على القتل إذا لم يوجد غيرهم .
«و ترك الكذب تشريفا للصدق» «وَ كُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ» (2)«إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» (3).
و في(الكافي)عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ان اللّه تعالى لم يبعث نبيا إلاّ بصدق الحديث و اداء الأمانة و ان العبد ليصدق حتى يكتب عند اللّه من الصادقين، و يكذب حتى يكتب عند اللّه من الكاذبين فاذا صدق قال تعالى:صدق و بر،و إذا كذب قال تعالى:كذب و فجر .
«و السّلام أمانا من المخاوف» في(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:من بدأ بالكلام قبل السّلام فلا تجيبوه.
و عن أبي جعفر عليه السّلام أقبل أبو جهل بن هشام و معه قوم من قريش فدخلوا على أبي طالب فقالوا ان ابن أخيك قد آذانا و آذى آلهتنا فادعه و مره
فليكف عن آلهتنا و نكفّ عن الهه فبعث إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فلمّا دخل لم ير في البيت إلاّ مشركا قال:السّلام على من اتبع الهدى.
ثم جلس فخبره أبو طالب بما جاءوا له فقال:أو هل لهم في كلمة خير لهم من هذا يسودون بها العرب و يطئون أعناقهم؟فقال أبو جهل:و ما هذه الكلمة؟قال:تقولون(لا إله إلاّ اللّه)فوضعوا أصابعهم في آذانهم و خرجوا هرابا و هم يقولون ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة ان هذا إلاّ اختلاف-الخبر-.
و عنه عليه السّلام:دخل يهودي على النبي صلّى اللّه عليه و آله و عنده عايشة فقال السام عليكم فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله:عليك ثم دخل آخر فقال مثل ذلك،فرد عليه كما رد على صاحبه ثم دخل آخر فقال مثل ذلك فرد عليه كما رد على صاحبه فغضبت عايشة فقالت عليكم السام و الغضب و اللعنة يا معشر اليهود يا اخوة القردة و الخنازير-فقال لها النبي صلّى اللّه عليه و آله ان الفحش لو كان ممثلا كان مثال سوء ان الرفق لم يوضع على شيء قط إلاّ زانه،و لم يرفع عن شيء قط إلاّ شانه قالت اما سمعت إلى قولهم(السام عليكم)فقال:بلى اما سمعت ما رددت عليهم؟ قالت:(عليكم)فاذا سلّم عليكم مسلم فقولوا(سلام عليكم)و إذا سلّم عليكم كافر فقولوا عليك.
و عنه عليه السّلام مر أمير المؤمنين عليه السّلام بقوم فسلّم عليهم فقالوا:عليك السّلام و رحمة اللّه و بركاته و مغفرته و رضوانه فقال عليه السّلام لا تجاوزوا بنا ما قالت الملائكة لأبينا إبراهيم عليه السّلام انما قالوا:«رحمة اللّه و بركاته عليكم أهل البيت».
و عنه عليه السّلام كان علي عليه السّلام يقول:افشوا السّلام و اطيبوا الكلام و صلّوا بالليل و الناس نيام تدخلوا الجنّة بسلام-ثم تلا قوله تعالى: «السَّلامُ»
«الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ» (1)
:23.
.و عنه عليه السّلام البادي بالسلام أولى باللّه و برسوله و إذا سلّم من القوم واحد أجزأ عنهم و إذا ردّ واحد اجزأ عنهم .
«و الامامة» هكذا في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و هو الصواب و في (المصرية)(و الأمانات).
«و نظاما للامة» في(العلل)عن هشام بن الحكم قال للصادق عليه السّلام:دخلت مسجد البصرة فاذا أنا بحلقة كبيرة و إذا أنا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء مؤتزر بها و شملة مرتد بها و الناس يسألونه فاستفرجت الناس فأفرجوا لي ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي ثم قلت:أيها العالم أنا رجل غريب تأذن لي فأسألك عن مسألة؟فقال:نعم،قلت:ألك عين قال يا بني أي شيء هذا من السؤال!!فقلت هكذا مسألتي،قال:أرى الألوان و الأشخاص،قلت:فلك أنف؟ قال:نعم.قلت:ما تصنع به؟قال:أشم به الرائحة،قلت:ألك اذن؟قال:نعم،قلت :فما تصنع بها قال:اسمع به الأصوات قلت:أفلك قلب؟قال:نعم قلت:فما تصنع به؟قال أميّز به كلّ ما ورد على هذه الجوارح،قلت أ فليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟قال:لا.قلت و كيف و هي صحيحة سليمة قال يا بني ان الجوارح إذا شكت في شيء فشمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردّته إلى القلب فيستيقن اليقين و يبطل الشك،قلت فانما أقام اللّه القلب لشكّ الجوارح.
قال:نعم.قلت:فلا بد من القلب،و إلاّ لم تستيقن الجوارح،قال:نعم.قلت:ان اللّه لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح و ينفي ما شككت فيه و يترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم و شكّهم و اختلافهم لا يقيم لهم إماما يردّون إليه شكّهم و حيرتهم-فسكت و قال:من أنت؟قلت من أهل الكوفة،قال الحشر
1) 1)
فاذن أنت هشام ثم ضمّني إليه و أقعدني في مجلسه و ما نطق حتى قمت-فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام له:من علّمك هذا؟قال جرى على لساني،قال يا هشام هذا و اللّه مكتوب في صحف إبراهيم و موسى .
«و الطاعة تعظيما للإمامة» في العلل عنه عليه السّلام:انما الطاعة للّه و لرسوله و لولاة الأمر،و انما أمر بطاعة أولي الأمر لأنّهم معصومون مطهّرون لا يأمرون بمعصية.
الحكمة(373)
وَ رَوَى؟ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ؟ فِي تَارِيخِهِ:عَنْ؟عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى؟ الْفَقِيهِ- وَ كَانَ مِمَّنْ خَرَجَ لِقِتَالِ؟الْحَجَّاجِ؟ مَعَ؟ابْنِ الْأَشْعَثِ؟- أَنَّهُ قَالَ فِي مَا كَانَ يَحُضُّ بِهِ النَّاسَ عَلَى الْجِهَادِ- إِنِّي سَمِعْتُ؟عَلِيّاً ع؟ يَقُولُ يَوْمَ لَقِينَا أَهْلَ؟الشَّامِ؟- أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- مَنْ رَأَى عُدْوَاناً يُعْمَلُ بِهِ- وَ مُنْكَراً يُدْعَى إِلَيْهِ- فَأَنْكَرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ وَ بَرِئَ- وَ مَنْ أَنْكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أُجِرَ- وَ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ- وَ مَنْ أَنْكَرَهُ بِالسَّيْفِ- لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَ كَلِمَةُ الظَّالِمِينَ هِيَ السُّفْلَى- فَذَلِكَ الَّذِي أَصَابَ سَبِيلَ الْهُدَى- وَ قَامَ عَلَى الطَّرِيقِ وَ نُوِّرَ فِي قَلْبِهِ الْيَقِينُ الحكمة(374) وَ فِي كَلاَمٍ آخَرَ لَهُ يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى:
فَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ لِلْمُنْكَرِ بِيَدِهِ وَ لِسَانِهِ وَ قَلْبِهِ- فَذَلِكَ الْمُسْتَكْمِلُ لِخِصَالِ الْخَيْرِ- وَ مِنْهُمُ الْمُنْكِرُ بِلِسَانِهِ وَ قَلْبِهِ وَ التَّارِكُ بِيَدِهِ- فَذَلِكَ مُتَمَسِّكٌ بِخَصْلَتَيْنِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ- وَ مُضَيِّعٌ خَصْلَةً- وَ مِنْهُمُ الْمُنْكِرُ بِقَلْبِهِ
وَ التَّارِكُ بِيَدِهِ وَ لِسَانِهِ- فَذَلِكَ الَّذِي ضَيَّعَ أَشْرَفَ الْخَصْلَتَيْنِ مِنَ الثَّلاَثِ- وَ تَمَسَّكَ بِوَاحِدَةٍ- وَ مِنْهُمْ تَارِكٌ لِإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِلِسَانِهِ وَ قَلْبِهِ وَ يَدِهِ- فَذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ- وَ مَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ- إِلاَّ كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ- وَ إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ- لاَ يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ وَ لاَ يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ- وَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ الحكمة(375) وَ عَنْ ؟أَبِي جُحَيْفَةَ؟ قَالَ سَمِعْتُ؟أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع؟ يَقُولُ:
أَوَّلُ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ- الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ ثُمَّ بِأَلْسِنَتِكُمْ ثُمَّ بِقُلُوبِكُمْ- فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ مَعْرُوفاً وَ لَمْ يُنْكِرْ مُنْكَراً- قُلِبَ فَجُعِلَ أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ وَ أَسْفَلُهُ أَعْلاَهُ قول المصنف : «و روى ابن جرير الطبري في تاريخه» أي:في احداث سنة (83)في هزيمة ابن الأشعث بدير الجماجم(عن هشام بن محمد عن أبي مخنف عن أبي الزبير الهمداني)عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه»ذكر الخطيب في(تاريخ بغداد)أباه فقال:كان أبو ليلى خصيصا بعلي عليه السّلام يسمر معه و منقطعا إليه و ورد المدائن في صحبته و شهد صفين معه و في ولده جماعة يذكرون بالفقه و يعرفون بالعلم.
و عبد الرحمن بن أبي ليلى نفسه أيضا ممدوح كأبيه فروى(أمالي المفيد)عن إبراهيم الثقفي بإسناده ان عبد الرحمن بن أبي ليلى قام إلى علي عليه السّلام فقال:اني سائلك لاخذ عنك و قد انتظرنا أن تقول...من أمرك شيئا فلم تقله الاّ تحدّثنا عن أمرك هذا،أ كان بعهد من النبي صلّى اللّه عليه و آله أو شيء رأيته فأنّا قد أكثرنا فيك الأقاويل و أوثقه عندنا ما سمعناه من فيك انّا كنّا نقول لو
رجعت إليكم بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله لم ينازعكم فيها أحد و اللّه ما أدري إذا سئلت ما أقول أزعم أن القوم كانوا أولى بما كانوا فيه منك فعلى م نصّبك النبي صلّى اللّه عليه و آله بعد حجّة الوداع،فقال:أيها الناس من كنت مولاه فعليّ مولاه،و ان تك أولى منهم فعلى م نتولاّهم-فقال عليه السّلام:ان اللّه تعالى قبض نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و أنا يوم قبضه أولى بالناس مني بقميصي-إلى أن قال-فقال عبد الرحمن فأنت يا أمير المؤمنين لعمرك كما قال الأول:
لعمري لقد أيقظت من كان نائما و أسمعت من كانت له أذنان
ثم الأمر كما قال المصنف من ان القائل(سمعت عليّا عليه السّلام يقول)-إلخ- عبد الرحمن بن أبي ليلى هذا و توهم الجزري في تاريخه ان القائل ذلك جبلة بن زحر الجعفي الذي جعله ابن الأشعث أميرا على القرّاء-فقال:(فلمّا حملت كتائب الحجاج على القرّاء و عليهم جبلة نادى جبلة يا عبد الرحمن بن أبي ليلى يا معشر القرّاء:ان الفرار ليس بأحد أقبح به منكم اني سمعت عليّا عليه السّلام يقول- إلخ-و منشأ و همه ان الطبري قال:«قال أبو الزبير الهمداني كنت في خيل جبلة فلمّا حمل عليه أهل الشام مرّة بعد مرّة نادانا عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه فقال يا معشر القرّاء»-إلخ-فقرأ«نادانا عبد الرحمن»«نادى يا عبد الرحمن» و جعل الفاعل ضمير جبلة.
«و كان» عبد الرحمن بن أبي ليلى.
«ممّن خرج لقتال الحجاج» كجملة من الأجلاّء منهم سعيد بن جبير.
«مع ابن الأشعث» و هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي-و كان الحجاج وجهه إلى سجستان لحرب رتبيل صاحب الترك فخلع ابن الأشعث الحجاج و قال لا عدوّ لنا أعدى منه و رجع إليه لحربه-و كان خبيثا فأعان على قتل مسلم بن عقيل فبلال بن أسيد الذي آوت أمّه مسلما أخبر ابن
الأشعث هذا بذلك فأقبل حتى أتى أباه و هو عند ابن زياد فسار-فقال له ابن زياد ما قال:قال أخبرني:ان ابن عقيل في دار من دورنا؟قال:ذلك لأن أم بلال كانت مولاة الأشعث.
و لمّا قال أصحاب المختار بعد هزيمته لمصعب نحن أهل قبلتكم و لسنا تركا و لا ديلما و قد ملكتم فاسجحوا و قد قدرتم فاعفوا فرق لهم الناس و رقّ لهم مصعب و أراد أن يخلّي سبيلهم-فقال ابن الأشعث هذا،و قال لمصعب اخترنا أو اخترهم فأمر مصعب بقتلهم.
و اما خروج كميل و سعيد بن جبير و ابن أبي ليلى معه انما كان لغرض التخلّص من سلطان عبد الملك و حكومة الحجاج،فخرج القرّاء معه و كان شعارهم-كما في(الحلية)-يا ثارات الصلاة (1)
حلية الأولياء لأبي نعيم الاصفهاني 4:379 ترجمة 291.
و يأتي كلام سعيد و الشعبي و أبي البختري في ذلك .«انّه قال في ما كان يحض به الناس على الجهاد» و حض الناس أيضا أبو البختري و سعيد بن جبير ففي الطبري كان أبو البختري يقول أيها الناس قاتلوهم على دينكم و دنياكم،فو اللّه لئن ظهروا عليكم ليفسدون عليكم دينكم و ليغلبن على دنياكم-و قال الشعبي:يا أهل الاسلام،قاتلوهم و لا يأخذكم حرج من قتالهم فو اللّه ما أعلم قوما على بسيط الأرض أعمل بظلم و لا أجور منهم في الحكم-و قال سعيد بن جبير قاتلوهم و لا تأثموا من قتالهم،قاتلوهم على جورهم في الحكم و تجبرهم في الدين و استذلالهم الضعفاء و اماتتهم الصلاة.
«اني سمعت عليّا عليه السّلام» هكذا في(المصرية)و في ابن أبي الحديد بدل (عليه السّلام)(رفع اللّه درجته في الصالحين و أثابه ثواب الشهداء و الصديقين)
1) 1)
و هكذا في(الطبري).
«يقول يوم لقينا أهل الشام» أي:في صفين .
«أيها المؤمنون انّه من رأى عدوانا يعمل به و منكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم و برىء» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام حسب المؤمن غيرا إذا رأى منكرا ان يعلم اللّه تعالى من قلبه انكاره .
«و من أنكر بلسانه فقد أجر و هو أفضل من صاحبه» الذي مضى و أنزل من صاحبه الذي يأتي إذا قدر على الانكار بالأعلى من اللسان و إلاّ فهو الأعلى ففي (الكافي)عن الصادق عليه السّلام لمّا نزلت «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً» (1)
التحريم:6. [1]
جلس رجل من المسلمين يبكي و قال:أنا عجزت عن نفسي فكلفت أهلي،فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك و تنهاهم عمّا تنهى عنه نفسك .«و من أنكره بالسيف لتكون كلمة اللّه هي العليا و كلمة الظالمين هي السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى و قام على الطريق و نوّر في قلبه اليقين» و زاد في رواية الطبري«فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفون،و عملوا بالعدوان فلا ينكرونه»إلاّ ان المصنف لم ينقله لاحتماله كونه انشاء من ابن أبي ليلى.
و نظير خطبته عليه السّلام خطبة ابنه الحسين عليه السّلام بالبيضة ففي(الطبري)قال أبو مخنف عن عقبة بن أبي العيزاران الحسين عليه السّلام خطب أصحابه و أصحاب الحر بالبيضة فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:أيها الناس ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال من رأى سلطانا جائرا مستحلاّ لحرم اللّه،ناكثا لعهد اللّه،مخالفا لسنّة رسوله، يعمل في عباده بالإثم و العدوان فلم يغيّر عليه بفعل و لا قول كان حقّا على اللّه
1) 1)
أن يدخله مدخله ألا و ان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان و تركوا طاعة الرحمن و أظهروا الفساد و عطّلوا الحدود،و استأثروا بالفيء،و أحلّوا حرام اللّه و حرّموا حلاله،و أنا أحقّ من غير.
قول المصنّف :
«و في كلام آخر له يجري هذا المجري» هكذا في(المصرية)،و لكن في حد (و قال عليه السّلام في كلام له غير هذا المجرى).
و رواه(فقه الرضا)هكذا،روي أن أمير المؤمنين عليه السّلام كان يخطب فعارضه رجل و قال:حدّثنا عن ميت الأحياء فقطع عليه السّلام الخطبة و قال-منكر للمنكر بقلبه و لسانه و يديه فخلال الخير حصّلها كلّها،و تارك بلسانه و يده، و منكر للمنكر بقلبة و تارك بلسانه و يده فخلّة من خلال الخير حاز و تارك للمنكر بقلبه و لسانه و يده فذلك ميّت الأحياء-ثم عاد إلى خطبته (1)
(فقه الامام الرضا):51(باب الأمر بالمعروف...) [1]طبع حجري 1274 ه.ق ايران.
.«فمنهم المنكر للمنكر بيده و لسانه و قلبه فذلك المستكمل لخصال الخير» لا ريب ان مع التمكن من الثلاث تجب الثلاث لكن اختلف في ان الانكار باليد هل يجوز إذا وصل إلى حد الجراح و القتل أم لا-قال الشيخ في اقتصاده:الظاهر من مذهب شيوخنا الإمامية ان هذا الجنس من الانكار لا يكون إلاّ للأئمة عليهم السّلام أو لمن يأذن له الامام عليه السّلام فيه و كان المرتضى يخالف في ذلك و يقول:يجوز فعل ذلك بغير اذنه لأن ما يفعل باذنهم يكون مقصودا و هذا بخلاف ذلك لأنّه غير مقصود،انما قصده المدافعة و الممانعة فان وقع ضرر فهو غير مقصود .
«و منهم المنكر للمنكر بلسانه و قلبه و التارك بيده فذلك متمسك بخصلتين من خصال الخير و مضيّع خصلة» في(عيون القتيبي)قال مالك بن دينار:بلغنا أن حبرا من أحبار بني اسرائيل كان يغشاه الرجال و النساء فغمز بعض بنيه
1) 1)
النساء فرآهم فقال:مهلا يا بني مهلا-فسقط عن سريره فانقطع نخاعه و اسقطت امرأته و قتل بنوه في الجيوش و قيل له:ما يكون من جنسك حبر أبدا ما كان غضبك لي إلاّ أن قلت يا بني مهلا .
«و منهم المنكر بقلبه و التارك بيده و لسانه فذلك الذي ضيّع أشرف الخصلتين من الثلاث و تمسك بواحدة» قال ابن أبي الحديد في اللام(الخصلتين) زائده و أصله(أشرف خصلتين من الثلاث)لأنّه لا وجه لتعريف المعهود ههنا بل في(الثلاث)فاثبات اللام فيها أحسن كما تقول(قتلت أشرف رجلين من الرجال الثلاثة).
قلت بل التعريف واجب فيهما أما(الثلاث)فلأنّه ليس الكلام في كلّ ثلاث خصال بل الخصال الثلاث المعهودة من الانكار باليد و اللسان و القلب و قد عرفت بالإضافة في قوله قبل(لخصال الخير)و قوله(من خصال الخير) و عرفت هنا باللام و أما(الخصلتين)فلو نكروا قيل(أشرف خصلتين)لصار المعنى واحدة أشرف مع ان المراد كون الخصلتين أشرف و أيضا الخصلتان معهودتان كالثلاث فلا وجه لترك التعريف و ما ذكره من المثال من صنعه لا تتكلّم العرب بمثله .
«و منهم تارك لانكار المنكر بلسانه و قلبه و يده فذلك ميت الأحياء» في (الكافي)عن الصادق عليه السّلام أوحى اللّه تعالى إلى شعيب اني معذّب من قومك مائة ألف أربعين ألفا من شرارهم و ستين ألفا من خيارهم،فقال:يا ربّ هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار قال عز و جل:لأنّهم داهنوا أهل المعاصي و لم يغضبوا لغضبي.
و عنه عليه السّلام و يل لقوم لا يدينون اللّه بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .
«و ما أعمال البر كلّها و الجهاد في سبيل اللّه عند الأمر بالمعروف و النهي عن
المنكر إلاّ كنفثة» قال الجوهري:النفث شبيه بالنفح.
«في بحر لجي» لأنّهما سببان للاتيان بالواجبات و ترك المحرّمات.
و يكفي في فضلهما مضافا إلى قوله عليه السّلام قول الصادق عليه السّلام الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر خلقان من خلق اللّه فمن نصرهما أعزّه اللّه،و من خذلهما خذله اللّه.
و في(الكافي)عن الباقر عليه السّلام يكون في آخر الزمان قوم ينبغ فيهم قوم مراءون ينعرون و ينسكون حدثاء سفهاء لا يوجبون أمرا بمعروف و لا نهيا عن منكر إلاّ إذا آمنوا الضرر يطلبون لأنفسهم الرخص و المعاذير يتبعون زلاّت العلماء و فساد عملهم يقبلون على الصلوات و الصيام و ما لا يكلّمهم في نفس و لا مال و لو أضرّت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم و أبدانهم لرفضوها كما رفضوا أسمى الفرائض و أشرفها ان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر سبيل الأنبياء و منهاج الصلحاء فريضة عظيمة بها تقام الفرائض و تأمن المذاهب و تحلّ المكاسب و ترد المظالم و تعمّر الأرض و تنتصف من الأعداء و تستقيم الأمور فأنكروا بقلوبكم و الفظوا بألسنتكم و صكّوا بها جباههم و لا تخافوا في اللّه لومة لائم فان اتعظوا و إلى الحق رجعوا فلا سبيل عليهم فجاهدوا بأبدانكم و ابغضوهم بقلوبكم غير طالبين سلطانا و لا باغين مالا حتى يفيئوا إلى أمر اللّه تعالى .
«و ان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا يقربان من أجل و لا ينقصان من رزق» رواه(الكافي)عنه عليه السّلام مع زيادة قبله و بعده مشتملة على علّة الكلام ففيه خطب عليه السّلام و قال أما بعد فانما هلك من كان قبلكم حيثما عملوا من المعاصي و لم ينههم الربانيون و الأحبار عن ذلك و انهم لمّا تمادوا في المعاصي و لم ينههم الربانيون و الأحبار عن ذلك نزلت بهم العقوبات فأمروا
بالمعروف و انهوا عن المنكر و اعلموا ان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لن يقربا أجلا و لن يقطعا رزقا ان الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر إلى كلّ نفس بما قدّر اللّه لها من زيادة أو نقصان.
«و أفضل من ذلك» هكذا في(المصرية)و الصواب:(و أفضل ذلك)بدون من كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية.
«كلمة عدل عند امام جائر» روى ابن داود في سننه عن طارق بن شهاب قال أخرج مروان المنير يوم عيد و بدأ بالخطبة قبل الصلاة فقام رجل فقال يا مروان خالفت السنّة أخرجت المنبر يوم عيد و لم يكن يخرج فيه و بدأت بالخطبة قبل الصلاة-فقال أبو سعيد الخدري من هذا فقالوا فلان بن فلان فقال أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول من رأى منكرا فاستطاع أن يغيّره بيده فليغيّره بيده فان لم يستطع فبلسانه و ان لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الايمان (1)
سنن أبي داود 1:96،حديث 1140 و كذلك رقم 4340.
.و في(الكشي)عن ابن عايشة ان هشاما حجّ في خلافة أخيه الوليد أو أبيه عبد الملك فطاف بالبيت فأراد أن يستلم الحجر فلم يقدر عليه من الزحام فنصب له منبر فجلس عليه و أطاف به أهل الشام فبينا هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين عليه السّلام و عليه ازار و رداء من أحسن الناس وجها و أطيبهم رائحة بين عينيه سجادة كأنها ركبة عير فجعل يطوف بالبيت فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحى الناس عنه حتى يستلمه هيبة له و اجلالا فغاظ ذلك هشام فقال له رجل من أهل الشام من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة و أخرجوا له عن الحجر يا هشام فقال لا أعرفه لئلا يرغب فيه أهل الشام فقال الفرزدق-و كان حاضرا-لكني أعرفه فقال الشامي من هذا يا أبا فراس فقال:
1) 1)
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته و البيت يعرفه و الحلّ و الحرم
هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلم
إلى أن قال:
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
إلى أن قال:
من معشر حبّهم دين و بغضهم كفر و قربهم منجى و معتصم
يستدفع السوء و البلوى بحبّهم و يستربّ به الاحسان و النعم
مقدّم بعد ذكر اللّه ذكرهم في كلّ يوم و مختوم به الكلم
ان عد أهل التقى كانوا أئمتهم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
فغضب هشام و أمر بحبس الفرزدق-الخبر-و رواه(الحلية) (و الإرشاد)(و الأغاني)(و مناقب الكنجي)الشافعي (1)
كفاية الطالب للكنجي الشافعي:452-453 دار احياء تراث أهل البيت. [1]قم.
-و في الأخير قال القسطلاني قال القرطبي لو لم يكن للفرزدق عند اللّه عمل إلاّ هذا لدخل به الجنّة لأنّه كلمة حق عند ذي سلطان جائر (2).و في المعجم كان ابن السكيت يعقوب بن اسحاق من أعلم الناس باللغة و الشعر راوية ثقة و لم يكن بعد ابن الأعرابي مثله و كان قد خرج إلى سر من رأى فصيّره عبد اللّه بن يحيى بن خاقان إلى المتوكل فضمّ إليه ولده يؤدبهم و أسنى له الرزق فبينما هو مع المتوكل يوما جاء المعتز و المؤيد فقال له المتوكل أيّهما أحبّ إليك إبناي هذان أم الحسن و الحسين-فذكر ابن السكيت الحسنين بما هما أهله و سكت عن ابنيه.
و قيل:قال له:ان قنبرا خادم علي عليه السّلام أحبّ الي من ابنيك و كان يتشيّع
فأمر المتوكل الأتراك فسلّوا لسانه و داسوا بطنه و حمل إلى بيته فعاش يوما و بعض آخر و مات سنة(243)و قيل سنة(246) (1)
معجم الأدباء للحموي:20-50-51. [1]
.و قال ابن أبي الحديد كلمة العدل عند الامام الجائر نحو ما روى ان زيد بن أرقم رأى ابن زياد-و يقال بل يزيد-يضرب بقضيب في يده ثنايا الحسين عليه السّلام فقال له ارفع يدك عنها فطالما رأيت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقبّلها.
قلت:خلط في قوله(أنكر زيد على ابن زياد و قيل بل على يزيد)و كان أنكر على كلّ من ابن زياد و يزيد صحابي زيد على ابن زياد و أبو برزة على يزيد روى(الطبري)ذلك و المصداق الكامل لقوله عليه السّلام انكار عبد اللّه بن عفيف الأزدي على عبيد اللّه ففي(الطبري)عن حميد بن مسلم بعد ذكر ورود أهل البيت مجلسه لمّا دخل عبيد اللّه القصر نودي للصلاة جامعة فاجتمع الناس في المسجد الأعظم فصعد المنبر و قال الحمد للّه الذي أظهر الحق و أهله و نصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية و حزبه و قتل الكذّاب ابن الكذّاب الحسين بن علي و شيعته فلم يفرغ من مقالته حتى و ثب عليه عبد اللّه بن عفيف الأزدي.
ثم الغامدي ثم أحد بني و البة-و كان شيعة علي عليه السّلام و كانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل معه عليه السّلام فلمّا كان يوم صفين ضرب على رأسه ضربة و على حاجبه اخرى فذهبت عينه الاخرى فكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم يصلّي فيه إلى الليل ثم ينصرف-فقال يا ابن مرجانة ان الكذّاب ابن الكذاب أنت و أبوك و الذي و لاّك و أبوه يا ابن مرجانة أ تقتلون أبناء النبيين و تتكلمون بكلام الصديقين.فقال ابن زياد عليّ به فوثبت عليه الجلاوزة فأخذوه فنادى بشعار الأزد يا مبرور-و عبد الرحمن بن مخنف الأزدي جالس فقال و يح غيرك أهلكت نفسك و أهلكت قومك و حاضر الكوفة يومئذ
1) 1)
من الأزد سبعمائة مقاتل-فوثب إليه فتية من الأزد فانتزعوه فأتوا به أهله فأرسل إليه من أتاه به فقتله و أمر بصلبه في السبخة فصلب هنالك ثم نصب رأس الحسين فجعل يدار به في الكوفة.
قول المصنف : «و عن أبي جحيفة» الظاهر ان دونه عطفا على(عن عبد الرحمن)ثم في الاستيعاب أبو جحيفة هو وهب الخير السوائي جعله علي عليه السّلام على بيت المال بالكوفة و شهد معه مشاهده و روي انّه ما أكل ملء بطنه حتى فارق الدنيا بعد قول النبي صلّى اللّه عليه و آله له(اكفف جشأك فان أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة).
و عنونه الخطيب في(تاريخ بغداد)و روى عنه حديث ذي الثدية و ان أمير المؤمنين عليه السّلام أخبرهم بوجوده في قتلى النهروان فتفقدوه حتى وجدوه.
«قال سمعت أمير المؤمنين عليه السّلام يقول أول» هكذا في(المصرية) و الصواب:(ان أول)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية).
«ما تغلبون عليه من الجهاد بأيديكم ثم بألسنتكم» كان عبد الملك يقول لست الخليفة المستضعف و لا المداهن و لا المأفون يعني عثمان و معاوية و يزيد-فمن قال لي اتق اللّه ضربت الذي فيه عيناه.
«ثم بقلوبكم» هكذا في النسخ و الظاهر كونه مصحف.
«لا بقلوبكم»فلا يمكن أن يغلب أحد على قلبه إلاّ من الهه فهو الذي يحول بين المرأ و قلبه.
و لا يصح(ثم بقلوبكم)إلاّ بأن يكون(تغلبون عليه)محرّف(تقلبون إليه)كما رواه(تفسير)القمي ففيه(قال عليه السّلام ان أول ما تقلبون إليه من الجهاد) الجهاد بايديكم ثم الجهاد بقلوبكم فمن لم يعرف قلبه و لم ينكر منكر أنكس
فجعل أسفله أعلاه أبدا فلا يقبل خيرا أبدا ) (1)
تفسير القمي 1:213. [1]
.«فمن لم يعرف بقلبه معروفا و لم ينكر منكرا قلب فجعل أعلاه أسفله» فيصير مسخا.
«و أسفله أعلاه» هكذا في(المصرية)و هو زائد لعدم وجوده في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)و لفهمه ممّا قبله.
روى(سنن أبي داود)عن ابن مسعود قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:ان أوّل ما دخل النقص على بني اسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق اللّه و دع ما تصنع فانّه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله و شريبه و قعيده فلمّا فعلوا ذلك ضرب اللّه قلوب بعضهم ببعض.
ثم قال «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» -إلى- «فاسِقُونَ» (2)ثم قال كلا و اللّه لتأمرون بالمعروف و لتنهون عن المنكر و لتأخذن على يدي الظالم و لتاطرنه على الحق اطرا و لتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن اللّه بقلوب بعضكم على ثم ليلعننكم كما لعنهم (3).
و في مجازات المصنف عن النبي صلّى اللّه عليه و آله لتأمرن بالمعروف و لتنهن عن المنكر أو ليلحينكم اللّه كما لحيت عصاي هذه-و أشار إلى عود في يده-و قال تعالى «لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ» (4)«فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ»
«وَ كانُوا مُجْرِمِينَ» (1)
هود:116. [1]
«وَ إِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَ أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» (2).و في صفين نصر لمّا أمر علي عليه السّلام الناس بالمسير إلى الشام دخل ابن المعتم العبسي و حنظلة بن الربيع التميمي في رجال كثير من غطفان و تميم عليه عليه السّلام فقال له حنظلة لا تعجل إلى قتال أهل الشام فاني لا أدري إذا التقيتم لمن تكون الغلبة و على من تكون الدبرة.
و تكلّم ابن المعتم و من معهما بمثل حنظلة-فقال عليه السّلام بعد الثناء عليه تعالى أما بعد فان اللّه وارث العباد و البلاد و رب السماوات السبع و الأرضين السبع و إليه ترجعون يؤتي الملك من يشاء و ينزعه عمّن يشاء و يعزّ من يشاء و يذلّ من يشاء أما الدبرة فانها على الضالين العاصين ظفروا أو ظفر بهم و أيم اللّه اني لأسمع كلام قوم ما أراهم ان يعرفوا معروفا و لا ينكروا منكرا.
و في(الأمالي)عن الباقر عليه السّلام ان اللّه ليعذب الجعل في جحرها بحبس المطر عن الأرض التي هي بمحلتها بخطايا من بحضرتها و قد جعل اللّه لها السبيل إلى مسلك سوى محلة أهل المعاصي و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله إذا لم يأمروا بالمعروف و لم ينهوا عن المنكر و لم يتّبعوا الأخيار من أهل بيتي سلّط اللّه عليهم شرارهم فيدعو عند ذلك خيارهم فلا يستجابون (3).
و عنهم عليهم السّلام لا يحلّ لعين مؤمنة ترى اللّه يعصى ان تطرف حتى تغيّره
و في العقاب عن الصادق عليه السّلام من نشأ في قوم ثم لم يؤدب على معصيته فان أول ما يعاقبهم فيه ان ينقص من أرزاقهم.
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله إذا تركت أمتي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فلنؤذن بوقاع من اللّه تعالى.
و عن الصادق عليه السّلام ما أقر قوم بالمنكر بين أظهرهم لا يغيّرونه إلاّ أوشك أن يعمّهم اللّه بعقاب من عنده-و عن علي عليه السّلام ان اللّه تعالى لا يعذّب العامة بذنب الخاصة إذا عملت الخاصة بالمنكر سرّا من غير أن تعلم العامة فاذا عملت الخاصة بالمنكر جهارا فلم تغيّر ذلك العامة استوجب الفريقان العقوبة و لا يحضرن أحدكم رجلا يضربه سلطان جائر ظلما و لا مقتولا و لا مظلوما إذا لم ينصره لأن نصرة المؤمن على المؤمن فريضة واجبة إذا هو حضره و العافية أوسع ما لم تلزمك الحجّة.
و لمّا جعل التفضّل في بني إسرائيل جعل الرجل منهم يرى أخاه على الذنب فينهاه فلا ينتهي فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله و جليسه و شريبه حتى ضرب اللّه تعالى قلوب بعضهم ببعض يقول تعالى «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ» (1)
المائدة:78-79. [1]
.و روى العياشي عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى «كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ» (2)قال اما انّهم لم يكونوا يدخلون مداخلهم و لا يجلسون مجالسهم و لكن كانوا إذا لقوهم ضحكوا في وجوههم و أنسوا بهم.
و في(الروضة)عن الصادق عليه السّلام لاخذن البرىء منكم بذنب السقيم و لم
لا أفعل و يبلغكم عن الرجل ما يشينه و يشينني فتجالسونهم و تحدثونهم:
أما لأحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم قال الحرث النصري فدخلني من ذلك أمر عظيم فقال نعم ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل ما تكرهونه أن تأتوه فتؤنبوه فقلت اذن لا يقبل فقال اذن فاهجروه و لا تجالسوه.
و في(الكافي)ان اللّه تعالى أوحى إلى داود اني قد غفرت ذنبك و جعلت عار ذنبك على بني اسرائيل فقال يا رب كيف و أنت لا تظلم قال انّهم لم يعاجلوك بالنكرة-و في(مجالس الشيخ)عن الصادق عليه السّلام كان شيخ ناسك يعبد اللّه في بني اسرائيل فبينا هو يصلّي و في عبادته إذ بصر بغلامين صبيين إذ أخذا ديكا و هما ينتفان ريشه فأقبل على ما هو فيه من العبادة و لم ينههما فأوحى اللّه تعالى إلى الأرض ان سيخي به فساخت به و هو يهوي أبد الابدين (1)
الطوسي،الأمالي،669،حديث(1407) [1]مؤسسة البعثة.
.و عن(المشكاة)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و تعاونوا على البر فاذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات و سلّط بعضهم على بعض و لم يكن لهم ناصر في الأرض و لا في السماء (2).
و عن العياشي عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى «قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (3)قد علم ان هؤلاء لم يقتلوا و لكن كان هو اهم مع الذين قتلوا فسمّاهم قاتلين.
و عنه عليه السّلام قال لمحمّد بن الأرقط تنزلون الكوفة ترون قتلة الحسين عليه السّلام بين أظهركم قال ما بقي منهم أحد قال أنت لا ترى القاتل إلاّ من
ولى القتل أما تسمع إلى قوله تعالى «قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي» (1)
آل عمران:183. [1]
- الآية-.و عنه عليه السّلام ان اللّه تعالى بعث إلى بني اسرائيل نبيا يقال له أرميا فقال قل لهم ما بلد بنفسه من كرام البلدان و غرس فيه من كرام الغروس فاخلف فأنبت خرنوبا فقال لهم فضحكوا منه فأوحى إليه ان البلد البيت المقدس و الغرس بنو اسرائيل فعملوا بمعاصي فلأسلطن عليهم في بلدهم من يسفك دماءهم و يأخذ أموالهم و ان بكوا لم أرحم بكاءهم لأخربنها مائة عام ثم لأعمرنها- فلمّا حدّثهم جزعت العلماء فقالوا ما ذنبنا و لم نكن نعمل بعملهم فأوحى إليه قل لهم انّكم رأيتم المنكر فلم تنكروه و سلّط عليهم بخت نصر ففعل بهم ما قد ذكر.
هذا و في(الأغاني)عن المدائني قال لمّا خرج ابن الأشعث على الحجاج كان معه أبو حزابة فمروا بدستبي و بها(مستراد الصناجة)و كان لا يبيت بها أحد إلاّ بمائة درهم فبات بها أبو حزابة و رهن عندها سرجه فلمّا أصبح وقب لعبد الرحمن و قال:
أمر عضال نابني في العج كانني مطالب بخرج
و مستراد ذهبت بالسرج في فتنة الناس و هذا الهرج
فعرف ابن الأشعث القصة و ضحك و أمر بأن يفك له سرجه و يعطي معه ألف درهم و بلغت القصة الحجاج فقال اى جاهر في عسكره بالفجور فيضحك و لا ينكر ظفرت به ان شاء اللّه.
1) 1)
في الخطبة(151)
وَ إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ- لَخُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ- وَ إِنَّهُمَا لاَ يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ- وَ لاَ يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ أقول:انّه عين ما في سابقه و انما زيد في هذا(لخلقان من خلق اللّه سبحانه).
و كيف كان فقد قال تعالى: «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ» (1)
النساء:58. [1]
- «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (2).و في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام انما يؤمر بالمعروف و ينهى عن المنكر مؤمن فيتعظ أو جاهل فيتعلم و أما صاحب سوط أو سيف فلا-و من تعرّض لسلطان جائر فأصابته بلية لم يؤجر عليها و لم يرزق الصبر عليها.
و عنه عليه السّلام قال النبي صلّى اللّه عليه و آله من طلب برضاء الناس ما يسخط اللّه كان حامده ذاما و من آثر طاعة اللّه تعالى بما يغضب الناس كفاه اللّه عداوة كلّ عدوّ و بغي كلّ باغ و كان اللّه له ناصرا و ظهيرا.
الحكمة(110)
و قال عليه السّلام:
لاَ يُقِيمُ أَمْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِلاَّ مَنْ لاَ يُصَانِعُ- وَ لاَ يُضَارِعُ
وَ لاَ يَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ في(تاريخ)بغداد عن شعيب بن حرب بينا أنا في طريق مكة إذ رأيت الرشيد فقلت لنفسي وجب عليك الأمر و النهي فقالت لي لا تفعل فان هذا رجل جبّار يضرب عنقك فقلت لنفسي لا بد من ذلك.
فلمّا دنا مني صحت يا هارون قد أتعبت الأمة و اتعبت البهائم فقال خذوه فأدخلت عليه و هو على كرسي و بيده عمود يلعب به فقال ممّن الرجل قلت من افناء الناس فقال ممّن؟ثكلتك امك قلت من الأبناء-أي أبناء خراسان- قال فما حملك على أن تدعوني باسمي فقلت أنا أدعو اللّه باسمه فأقول يا اللّه يا رحمان و لا أدعوك باسمك و قد رأيت اللّه سمى في كتابه أحبّ الخلق إليه محمّد و كنى أبغض الخلق إليه أبا لهب فقال أخرجوه فأخرجت.
و في(الحلية)عن ابن(طاوس)اليماني قال كنت لا أزال أقول لأبي انّه ينبغي أن نخرج على هذا السلطان-فخرجنا حجاجا فنزلنا في بعض القرى و فيها عامل يقال له ابن نجيح و كان من أخبث العمّال فشهدنا صلاة الصبح في المسجد فاذا ابن نجيح قد اخبر بطاووس فجاء فقعد بين يديه فسلم عليه فلم يجبه فكلّمه فأعرض عنه ثم عدل إلى الشق الأيسر فأعرض عنه و هكذا فلمّا رأيت ما به قمت إليه فمددت بيده و جعلت أسأله و قلت له ان أبا عبد الرحمن لم يعرفك قال بلى معرفتي به فعل بي ما رأيت-فمضى و هو ساكت لا يقول لي شيئا فلمّا دخلت المنزل التفت الي و قال يا لكع بينما أنت زعمت أن تخرج عليهم بسيفك لم تستطع أن تحبس عنهم لسانك.
و في(كامل)المبرد روى ان معاوية لمّا نصب يزيد لولاية العهد أقعده فيى قبّة حمراء فجعل الناس يسلمون على معاوية ثم يميلون الى يزيد حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية فقال اعلم انك لو لم تول هذا أمور
المسلمين لأضعتها و الأحنف جالس فقال له معاوية ما بالك لا تقول يا أبا بحر فقال أخاف اللّه ان كذبت و أخافكم ان صدقت فلمّا خرج الأحنف لقيه الرجل بالباب فقال له اني لأعلم ان من شرّ خلق اللّه هذا و ابنه و لكنهم قد استوثقوا من هذه الآمال بالأبواب و الأقفال فلسنا نطمع في استخراجها إلاّ بما سمعت فقال له الأحنف يا هذا امسك فان ذا الوجهين خليق ألا يكون-عند اللّه وجيها- و روي ان يزيد قال لمعاوية في يوم بويع له فجعل الناس يمدحونه و اللّه ما ندري أنخدع الناس أم يخدعوننا فقال له معاوية كلّ من أردت خدعه فتخادع لك حتى تبلغ منه حاجتك فقد خدعته.
و في(الحلية)عن أبي سعيد الخدري لمّا نزل «إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَ الْفَتْحُ» (1)
النصر:1. [1]
قال النبي صلّى اللّه عليه و آله(أنا و أصحابي خير و الناس خير لا هجرة بعد الفتح)فحدثت بهذا الحديث مروان-و كان أميرا على المدينة-فقال كذبت- و كان عنده زيد بن ثابت و رافع بن خديج و هما معه على السرير-فقلت اما ان هذين لو شاءا لحدثاك و لكن هذا-يعني رافعا-يخشى على عرافة قومه و هذا- يعني زيدا-يخشى أن تنزعه عن الصدقة.الحكمة(174)
و قال عليه السّلام:
مَنْ أَحَدَّ سِنَانَ الْغَضَبِ لِلَّهِ قَوِيَ عَلَى قَتْلِ أَشِدَّاءِ الْبَاطِلِ أقول قريب منه قوله:
إذا كان هادي الفتى في البلاد صدر القناة ما أطاع الأمير في(تاريخ بغداد)كانت الخيزران-أم الرشيد-قد وجهت رجلا نصرانيا على الطراز
1) 1)
بالكوفة و كتب إلى موسى بن عيسى ألا يعصي له أمرا فكان مطاعا بالكوفة فخرج يوما معه جماعة من أصحابه عليه جبّة خز و طيلسان على برذون فاره و إذا رجل بين يديه مكتوف و هو يقول«وا غوثاه باللّه ثم بالقاضي»و إذا آثار سياط في ظهره فسلّم على شريك و جلس إلى جانبه فقال المضروب لشريك أنا رجل أعمل الوشي كراء مثلي مائة في الشهر أخذني هذا مذ أربعة أشهر فاحتبسني في طراز يجري على القوت ولي عيال قد ضاعوا فأفلت اليوم منه فلحقني ففعل بظهري ما ترى.
فقال قم يا نصراني فاجلس مع خصمك فقال يا هذا أنا من خدم السيدة مر به إلى الحبس قال قم ويلك فاجلس معه كما يقال لك فجلس معه فقال له شريك ما هذه الآثار التي بظهر هذا الرجل من أثرها به قال أنا ضربته بيدي أسواطا و هو يستحق أكثر،مر به إلى الحبس،فألقى شريك كسائه و دخل داره فأخرج سوطا ربذيا ثم ضرب بيده إلى مجامع ثوب النصراني و قال للرجل انطلق إلى أهلك.
ثم رفع السوط فجعل يضرب به النصراني و يقول له لا تضرب و اللّه المسلم بعدها أبدا فهمّ أعوانه أن يخلصوه فقال شريك من ههنا من فتيان الحي خذوا هؤلاء فاذهبوا بهم إلى الحبس فهرب القوم جميعا و افردوا النصراني فضربه أسواطا فجعل النصراني يعصر عينيه و يبكي و يقول له ستعلم فألقى شريك السوط في الدهليز و قام النصراني إلى البرذون ليركبه فاستعصى عليه و لم يكن له من يأخذ بركابه فجعل يضرب البرذون.
فقال له شريك و يلك ارفق به فانه أطوع للّه منك فمضى النصراني فقيل لشريك يكون لفعلك هذا عاقبة مكروهة فقال«أعز أمر اللّه يعزّك اللّه»و ذهب النصراني إلى موسى بن عيسى فقال له من فعل هذا بك قال شريك و غضب
الأعوان و صاحب الشرط،فقال موسى لا و اللّه ما أتعرض لشريك،فمضى النصراني إلى بغداد فما رجع.
و فيه تقدم إلى شريك القاضي وكيل لمؤنسه مع خصم له فجعل يستطيل على خصمه ادلالا بموضعه من مؤنسه فقال له شريك كفّ لا أبا لك قال أ تقول لي هذا و أنا وكيل مؤنسه،فأمر به شريك فصفع عشر صفعات فانصرف و دخل على مؤنسه و شكا فكتب مؤنسه إلى المهدي فعزل شريكا- و كان قبل هذا قد دخل شريك على المهدي فقال له ما ينبغي أن تقلد الحكم بين المسلمين قال و لم قال لخلافك على الجماعة و قولك بالامامة.
قال أما قولك بخلافي على الجماعة فعن الجماعة أخذت ديني فكيف أخالفهم و هم أصلي في ديني و أما قولك(و قولي بالامامة)فما أعرف إلاّ كتاب اللّه و سنّة رسوله.
و أما قولك مثلك ما يقلد الحكم بين المسلمين فهذا شيء أنتم فعلتموه فان كان خطأ فاستغفروا اللّه منه و ان كان صوابا فامسكوا عليه فقال له المهدي ما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال أقول فيه ما قاله فيه جداك العباس و عبد اللّه قال و ما قالا فيه؟قال فاما العباس فمات و علي عنده أفضل الصحابة و قد كان يرى كبراء المهاجرين يسألونه عمّا ينزل بهم من النوازل و ما احتاج هو إلى أحد حتى لحق باللّه و أما عبد اللّه فانّه كان يضرب بين يديه بسيفين و كان في حروبه رأسا متبعا و قائدا مطاعا فلو كانت إمامته على جور كان أوّل من يقعد عنها أبوك لعلمه بدين اللّه و فقهه في أحكام اللّه فسكت المهدي و أطرق و لم يمض بعد هذا المجلس إلاّ قيل حتى عزل شريكا.
و فيه أيضا أتت شريكا يوما امرأة من ولد جرير البجلي الصحابي و هو
في مجلس الحكم فقالت أنا باللّه ثم بالقاضي امرأة من ولد جرير صاحب النبي صلّى اللّه عليه و آله ورددت فقال لها أيها عنك الآن من ظلمك قالت الأمير موسى بن عيسى كان لي بستان على شاطئ الفرات لي فيه نخل ورثته عن آبائي و قاسمت اخوتي و بنيت بيني و بينهم حايطا و جعلت فيه فارسيا يحفظ النخل و يقوم ببستاني فاشترى الأمير من أخوتي جميعا و ساومني و أرغبني فلم أبعه فلمّا كان في هذه الليلة بعث بخمسمائة فاعل فاقتلعوا الحائط فأصبحت لا أعرف من نخلي شيئا و اختلط بنخل اخوتي فقال يا غلام طينه فختم.
ثم قال لها أمضي إلى بابه حتى يحضر معك فجاءت المرأة بالطينة فأخذها الحاجب و دخل على موسى فقال أعدي شريك عليك قال ادع لي صاحب الشرط فدعا به فقال امضي إلى شريك فقل يا سبحان اللّه ما رأيت أعجب من أمرك امرأة ادّعت دعوى لم تصح أعديتها عليّ فقال له صاحب الشرطة ان رأى الأمير أن يعفيني فليفعل.
فقال امض و يلك فخرج و أمر غلمانه أن يتقدموا إلى الحبس بفراش و غيره من آلة الحبس فلمّا جاء فوقف بين يدي شريك فأدّى الرسالة قال خذيا غلام بيده فضعه في الحبس قال قد و اللّه يا أبا عبد اللّه عرفت انّك تفعل بي هذا فقدمت ما يصلحني إلى الحبس و بلغ موسى بن عيسى الخبر.
فوجّه الحاجب إليه فقال هذا من ذاك رسول أي شيء عليه فلمّا وقف بين يديه و أدّى الرسالة قال الحقه بصاحبه فحبس فلمّا صلّى الأمير العصر بعث إلى إسحاق بن صباح الأشعثي و جماعة من وجوه أهل الكوفة من أصدقاء شريك فقال امضوا إليه و ابلغوه السّلام و اعلموه انّه قد استخف بي و اني لست كالعامة فمضوا و هو جالس في مسجده بعد العصر فدخلوا فأبلغوه الرسالة فلمّا انقضى كلامهم قال لهم مالي لا أراكم جئتم في غيره من
الناس كلمتموني من ههنا من فتيان الحي فيأخذ كلّ واحد منكم بيد رجل فيذهب به إلى الحبس لا ينم و اللّه إلاّ فيه قالوا أجاد أنت قال حقّا حتى لا تعودوا برسالة ظالم فحبسهم و ركب موسى بن عيسى في الليل إلى باب الحبس ففتح الباب و أخرجهم جميعا.
فلمّا كان الغد و جلس شريك للقضاء جاء السجّان فأخبره فدعا بالقمطر فختمها و وجه بها إلى منزله و قال لغلامه الحقني بثقلي إلى بغداد و اللّه ما طلبنا هذا الأمر منهم و لكن أكرهونا عليه و لقد ضمنوا لنا الاعزاز فيه إذ تقلدناه لهم و مضى نحو قنطرة الكوفة إلى بغداد و بلغ موسى بن عيسى الخبر.
فركب في موكبه فلحقه و جعل يناشده اللّه و يقول يا أبا عبد اللّه تثبت أنظر اخوانك تحبسهم دع أعواني قال نعم لأنّهم مشوا لك في أمر لم يجب عليهم المشي فيه و لست ببارح حتى يردوا جميعا إلى الحبس و إلاّ مضيت إلى الخليفة فاستعفيته ممّا قلدني-فأمر بردهم جميعا إلى الحبس و هو واقف مكانه حتى جاءه السجّان فقال قد رجعوا.
فقال لأعوانه خذا بلجامه و قودوه بين يدي جمعا إلى مجلس الحكم فمروا به بين يديه حتى أدخل معه مجلس القضاء فقال أين الجويرية المتظلمة منه فجاءت فقال هذا خصمك قد حضر-و هو جالس معها بين يديه-.
فقال موسى أولئك يخرجون من الحبس قبل كلّ شيء قال شريك أما الآن فنعم أخرجوهم ثم قال له ما تقول في ما تدّعيه قال صدقت قال ترد جميع ما أخذ منها و تبني حائطا سريعا كما هدم قال أفعل هل بقي شيء تدّعيه قال تقول المرأة بيت الفارسي و متاعه قال و يرد ذلك بقي شيء تدّعينه قالت لا و جزاك اللّه خيرا قال قومي-و زبرها-ثم و ثب من مجلسه فأخذ بيد موسى بن عيسى فأجلسه في مجلسه ثم قال السّلام عليك أيها الأمير تأمر
بشيء قال أي شيء و ضحك.
الحكمة(249)
و قال عليه السّلام:
أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مَا أَكْرَهْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ في(الأمالي)عن الباقر عليه السّلام كان علي عليه السّلام ليأكل أكل العبد و يجلس جلسة العبد و ان كان ليشتري القميصين السنبلايين فيخيّر غلامه خيرهما ثم يلبس الآخر فان جاز أصابعه قطعه و ان جاز كعبه حذفه و لقد ولّى خمس سنين ما وضع آجرة على آجرة و لا لبنة على لبنة و لا أقطع قطيعا و لا أورث بيضاء و لا حمراء و انّه كان ليطعم الناس خبز البر و اللحم و ينصرف إلى منزله و يأكل خبز الشعير و الزيت و الخل.
و ما ورد عليه أمران كلاهما للّه رضى إلاّ أخذ بأشدهما على بدنه و لقد اعتق الف مملوك من كدي يده تربت فيه يداه و عرق فيه وجهه و ما أطاق عمله أحد من الناس و انّه كان يصلّي في اليوم و الليلة ألف ركعة،و كان أقرب الناس شبها به علي بن الحسين عليه السّلام ما أطاق عمله أحد من الناس بعده.
و روي فوق كلّ عقوق عقوق حتى يقتل والديه و فوق كلّ بر بر حتى يقتل في سبيل اللّه.
الحكمة(368)
و قال عليه السّلام:
إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَضَعَ الثَّوَابَ عَلَى طَاعَتِهِ- وَ الْعِقَابَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ذِيَادَةً لِعِبَادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ- وَ حِيَاشَةً لَهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ
أقول في(العلل)عن الرضا عليه السّلام فان قيل لم أمر اللّه تعالى العباد و نهاهم قيل لأنّه لا يكون بقاؤهم و صلاحهم إلاّ بالأمر و النهي و المنع من الفساد و التغاصب فان قيل فلم يجب أن يعبدوه قيل لئلا يكونوا ناسين لذكره و لا تاركين لأدبه و لا لاهين عن أمره و نهيه إذ كان فيه صلاحهم و قوامهم فلو تركوا بغير تعبّد لطال عليهم الأمد فقست قلوبهم،هذا و(ذيادة)من(ذدته عن كذا)دفعته عنه و(حياشة)من(حشت الصيد أحوشه إلى الخبالة)إذا جئته من حواليه لتصرفه إليها.
الحكمة(278)
و قال عليه السّلام:
قَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ أَرْجَى مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ و الحكمة(444) و قال عليه السّلام:
قَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ أقول هو تكرار اعتذر في الديباجة عنه بقوله«و ربما بعد العهد بما اختير أولا فأعيد بعضه سهوا أو نسيانا لا قصدا و اعتمادا».
و في(الكافي)عن أبي جعفر عليه السّلام ما من شيء أحبّ إلى اللّه تعالى من عمل يداوم عليه و ان قل-و عن الصادق عليه السّلام إذا كان الرجل على عمل فليدم عليه سنة ثم يعدل عنه ان شاء و ذلك ان ليلة القدر يكون فيها في عامه ذلك ما شاء اللّه أن يكون.
و عنه عليه السّلام مر بي أبي و أنا بالطواف و أنا حدث و قد اجتهدت فرآني و أنا اتصاب عرقا فقال يا بني ان اللّه إذا أحب عبدا أدخله الجنّة و رضى عنه باليسير.
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله ان هذا الدين متين فاوغلوا فيه برفق و لا تكرهوا عبادة اللّه إلى عباده-و في خبر-و لا تبغض إلى نفسك عبادة ربك.
و عن الصادق عليه السّلام ان من المسلمين من له سهم و من له سهمان و من له ثلاثة و من له أربعة-إلى أن قال-فليس ينبغي أن تحمل صاحب السهم على ما عليه صاحب السهمين و لا صاحب السهمين على ما عليه صاحب الثلاثة-إلى أن قال-و سأضرب لك مثلا كان له جار نصراني فدعاه إلى الاسلام و زيّنه له فأجابه فأتاه سحرا فقرع عليه الباب و قال له توضأ للصلاة فتوضأ و خرج معه فصليا ما شاء اللّه ثم صليا الفجر ثم مكثا حتى أصبحا فقام الجار لمنزله فقال له الرجل أين تذهب النهار قصير و الذي بينك و بين الظهر قليل فجلس معه إلى الظهر ثم قال له و ما بين الظهر و العصر قليل فحبسه حتى صلّى العصر ثم قام و أراد أن ينصرف فقال له ان هذا آخر النهار و أقلّ من أوّله فاحتبسه حتى صلّى المغرب ثم أراد أن ينصرف فقال له انما بقي صلاة واحدة فمكث حتى صلّى العشاء الاخرة ثم تفرّقا فلمّا كان سحرا غدا عليه فضرب عليه الباب و قال له أخرج قال اطلب لهذا الدين من هو أفرغ مني و أنا انسان مسكين و لي عيال-فأدخله في شيء أخرجه منه-هذا و قال ابن أبي الحديد قال الشاعر:
اني كثرت عليه في زيارته فملّ و الشيء مملول إذا كثر
الحكمة(312)
و قال عليه السّلام:
إِنَّ لِلْقُلُوبِ إِقْبَالاً وَ إِدْبَاراً- فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى النَّوَافِلِ- وَ إِذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِهَا عَلَى الْفَرَائِضِ
أقول و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قريبا منه ففي(الكافي)عنه صلّى اللّه عليه و آله ان للقلوب إقبالا و إدبارا فاذا أقبلت فتنفلوا و إذا أدبرت فعليكم بالفريضة-و روي ان أبا الحسن الأول عليه السّلام كان إذا اهتم ترك النافلة.
الحكمة(39)
و قال عليه السّلام:
لاَ قُرْبَةَ بِالنَّوَافِلِ إِذَا أَضَرَّتْ بِالْفَرَائِضِ و الحكمة(279) و قال عليه السّلام:
إِذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ بِالْفَرَائِضِ فَارْفُضُوهَا أي اتركوها في(المقنع)لا يجوز أن يتطوّع الرجل و عليه شيء من الفرائض كذلك وجدته في كلّ الأحاديث (1)
الصدوق،المقنع و الهداية:64(باب الرجل يتطوّع بالصيام)، [1]مطبوعات دار العلم،قم.
.و روى الشيخ عن زرارة سألت أبا جعفر عليه السّلام عن ركعتي الفجر قال قبل الفجر-إلى أن قال-أ تريد أن تقايس لو كان عليك من شهر رمضان أ كنت تتطوع،إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة (2).
و عن معاوية بن عمار عن الصادق عليه السّلام في امرأة أوصت بثلثها يتصدّق به عنها و يعتق عنها و يحجّ عنها فلم يسع المال ذلك فقال ابدأ بالحج فان الحج فريضة و ما بقي فضعه في النوافل-أي العتق و الصدقة.
و في(الكافي)عن الباقر عليه السّلام جعل الذراع و الذراعان لمكان الفريضة فاذا بلغ الفيء ذراعا بدأت بالفريضة و تركت النافلة عنه عليه السّلام قال لي رجل من
أهل المدينة مالي لا أراك تتطوع بين الاذان و الإقامة كالناس قلت انا إذا أردنا أن نتطوع كان تطوعنا في غير وقت فريضة فإذا دخلت الفريضة فلا تطوع.
هذا و قال عليه السّلام أيضا في ذلك غير ما نقله المصنف ما رواه الحلبي في (تحفه)فقال:قال عليه السّلام لا تقضوا النافلة في وقت الفريضة و لكن ابدءوا بالفريضة ثم صلّوا ما بدا لكم و لا يصل الرجل نافلة في وقت فريضة و لا يتركها إلاّ من عذر و ليقض بعد ذلك إذا أمكنه القضاء فانّه عز و جل يقول «الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ» (1)
المعارج:23. [1]
و هم الذين يقضون ما فاتهم من الليل بالنهار و من النهار بالليل.هذا،و في خبر ان النبي صلّى اللّه عليه و آله نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فقضى أولا النافلة ثم الفريضة لفوت الوقتين و على صحّة الخبر فهو استثناء من العنوان(لا قربة بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض)و كذا العنوان الآخر لكون قضاء الفريضة فورا.
الحكمة(32)
و قال عليه السّلام:
فَاعِلُ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنْهُ وَ فَاعِلُ الشَّرِّ شَرٌّ مِنْهُ أقول و ورد(نية المؤمن خير من عمله و نيّة الكافر شرّ من عمله)- و وجه الكلامين كلامه عليه السّلام و كلام الخبر أن الخير و الشر الخارجيين جزئيان منقطعان و فاعلهما كنيتي المؤمن و الكافر موجبان لصدور الخير و الشر دائما.
هذا،و في(الخصال)عنه عليه السّلام جمع الخير كلّه في ثلاث خصال:النظر
1) 1)
و السكوت و الكلام فكلّ نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو و كلّ سكوت ليس فيه فكرة فهو غفلة و كلّ كلام ليس فيه ذكر فهو لغو فطوبى بمن كان نظره عبرا و سكوته فكرا و كلامه ذكرا و بكى على خطيئته و أمن الناس شرّه.
الحكمة(94)
وَ سُئِلَ ع عَنِ الْخَيْرِ مَا هُوَ- فَقَالَ:
لَيْسَ الْخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَ وَلَدُكَ- وَ لَكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ- وَ أَنْ يَعْظُمَ حِلْمُكَ وَ أَنْ تُبَاهِيَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ- فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللَّهَ وَ إِنْ أَسَأْتَ اسْتَغْفَرْتَ اللَّهَ- وَ لاَ خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ لِرَجُلَيْنِ- رَجُلٍ أَذْنَبَ ذُنُوباً فَهُوَ يَتَدَارَكُهَا بِالتَّوْبَةِ- وَ رَجُلٍ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ أقول:رواه تذكرة 2سبط ابن الجوزي-تذكرة الخواص-ص 131 طبع المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف بتاريخ 1964 م سبط ابن الجوزي عن( حلية 1أبو نعيم الاصفهاني-حلية الأولياء-ج 10 ص 388 أبي نعيم)مسندا عن عبد خير قال قال علي عليه السّلام لي«ليس الخير أن يكثر مالك و ولدك و لكن الخير أن يكثر علمك و يعظم حلمك و لا خير في الدنيا إلاّ لأحد رجلين رجل أذنب ذنوبا فهو يتدارك ذلك بتوبة و رجل يسارع في الخيرات و لا يقلّ عمل في تقوى فكيف يقل ما يتقبّل»و رواه الحلية في ابن خفيف (1)
أبو نعيم الاصفهاني،حلية الأولياء 10:388،و ذكره سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:131 طبع المطبعة [1]الحيدرية في النجف الأشرف بتاريخ 1964 م.
.قول المصنف «و سئل عليه السّلام عن الخير» قد عرفت من رواية الحلية انّه عليه السّلام قال لعبد خير-و في(الأمالي)عنه عليه السّلام لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا فاذا استووا هلكوا (2)-و روى ان رجلا قال له عليه السّلام أوصني فقال أوصيك ألا يكون لعمل الخير عندك غاية في الكثرة و لا لعمل الإثم عندك غاية في القلّة (3)
و عنهم عليهم السّلام أبواب الخير ثلاثة:الصوم و الصدقة و صلاة الليل-و عنهم عليهم السّلام جعل الخير كلّه في بيت و جعل مفتاحه الزهد في الدنيا.
قوله عليه السّلام «ليس الخير أن يكثر مالك و ولدك» «أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ» (1)
المؤمنون:55-56. [1]
«و لكن الخير أن يكثر علمك و يعظم حلمك و ان تباهي الناس بعبادة ربك فان أحسنت حمدت اللّه و ان أسأت استغفرت اللّه» «إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ» .... «أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ» (2).و قيل له عليه السّلام-كما في(المروج)-من خيار العباد قال الذين إذا أحسنوا استبشروا و إذا أساءوا استغفروا و إذا ابتلوا صبروا و إذا غضبوا غفروا-و في (الأسد)كتب سلمان إلى أبي الدرداء كتبت اليّ ان اللّه رزقك مالا و ولدا،فاعلم ان الخير ليس بكثرة المال و الولد بل ان يكثر حلمك و ان ينفعك علمك و كتبت الى انك نزلت الأرض المقدسة ان الأرض لا تعمل لأحد اعمل كأنّك ترى و أعدد نفسك من الموتى :
«و لا خير في الدنيا إلاّ لرجلين رجل أذنب ذنبا فهو يتداركها بالتوبة و رجل يسارع في الخيرات» «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» (3).
الحكمة(387)
و قال عليه السّلام:
مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ- وَ مَا شَرٌّ بِشَرٍّ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ- وَ كُلُّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ مَحْقُورٌ- وَ كُلُّ بَلاَءٍ دُونَ النَّارِ عَافِيَةٌ (أقول):هو جزء خطبته عليه السّلام الوسيلة التي خطب بها بعد سبعة أيام من وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله حين فرغ من جمع القرآن و تدوينه كما رواه(روضة الكافي الكليني-الكافي-الروضة جزء خطبته عليه السّلام الوسيلة ) مسندا عن جابر الجعفي عن الباقر عليه السّلام عنه عليه السّلام .
«ما خير بخير بعده النار و ما شرّ بشرّ بعده الجنّة» في الدعاء(اللّهم اني أسألك خير الخير رضوانك و الجنّة و أعوذ بك من شرّ الشرّ سخطك و النار).
و عن الباقر عليه السّلام كان علي عليه السّلام بكرة يطوف في أسواق الكوفة سوقا سوقا و معه الدرة على عاتقه و كان لها طرفان و كانت تسمى السبية فيقف على سوق فينادي يا معشر التجار قدموا الاستخارة و تبركوا بالسهولة و اقتربوا من المبتاعين و تزينوا بالحلم و تناهوا عن اليمين و جانبوا الكذب و تجافوا عن الظلم و انصفوا المظلومين و لا تقربوا الربا و أوفوا الكيل و الميزان و لا تبخسوا الناس أشياءهم و لا تعثوا في الأرض مفسدين-ثم ينشد هذه الأبيات:
تفنى اللذاذة ممّن نال صفوتها من الحرام و يبقى الاثم و العار
تبقى عواقب سوء في مغبّتها لا خير في لذّة ما بعدها النار
و عنه عليه السّلام ما من رجل يغدو و يروح إلى سوقه فيقول حين يضع رجله في السوق اللّهم اني أسألك خيرها و خير أهلها و أعوذ بك من شرّها و شرّ أهلها إلاّ و كلّ اللّه تعالى به من يحفظه و يحفظ عليه حتى يرجع إلى منزله
و يقول له قد اجرتك من شرّها و شرّ أهلها يومك هذا.
هذا و عدوا في الرجال حجر الخير و حجر الشرّ و سلمة الخير و سلمة الشر.
«و كلّ نعيم دون الجنة فهو» هكذا في(المصرية)و كلمة(فهو)زائدة لعدم وجودها في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية.
«محقور و كلّ بلاء دون النار عافية» في الطبري لمّا زحف عمر بن سعد يوم الطف قال له الحر بن يزيد أ مقاتل أنت هذا الرجل قال أي و اللّه-إلى أن قال- فأخذ الحر يدنو من الحسين عليه السّلام قليلا قليلا فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أوس ما تريد أ تريد أن تحمل؟فسكت-و أخذه مثل العرواء-فقال للحر و اللّه ان أمرك لمريب و اللّه ما رأيت منك في موقف قط مثل شيء أراه الآن و لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك فما هذا الذي أرى منك قال اني و اللّه أخيّر نفسي بين الجنّة و النار و و اللّه لا اختار على الجنّة شيئا و لو قطعت و حرقت ثم ضرب فرسه فالحق بالحسين عليه السّلام.
الحكمة(422)
و قال عليه السّلام:
افْعَلُوا الْخَيْرَ وَ لاَ تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئاً- فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ وَ قَلِيلَهُ كَثِيرٌ- وَ لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنَّ أَحَداً أَوْلَى بِفِعْلِ الْخَيْرِ مِنِّي- فَيَكُونَ وَ اللَّهِ كَذَلِكَ إِنَّ لِلْخَيْرِ وَ الشَّرِّ أَهْلاً فَمَهْمَا تَرَكْتُمُوهُ مِنْهُمَا كَفَاكُمُوهُ أَهْلُهُ «افعلوا الخير» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام في التوراة مكتوب يا ابن آدم تفرّغ لعبادتي املأ قلبك غنى و لا آكلك إلى طلبك و عليّ أن أسد فاقتك و أملأ قلبك خوفا مني و ألا تفرغ لعبادتي املأ قلبك شغلا بالدنيا ثم لا اسد فاقتك
و اكلك إلى طلبك.
«و لا تحقروا منه شيئا فان صغيره كبير و قليله كثير» فيه عنه عليه السّلام أيضا إذا همّ أحدكم بعمل فلا يؤخره فان العبد ربما صلّى الصلاة أو صام الصيام فيقال له اعمل ما شئت بعدها فقد غفر لك-و في خبر آخر-و لا يستقل ما يتقرّب به إلى اللّه تعالى و لو بشقّ تمرة.
و عنه عليه السّلام إذا هممت بشيء فلا تؤخره فانه تعالى ربما اطّلع و هو على شيء من الطاعة فيقول و عزتي و جلالي لا أعذبك بعدها أبدا و إذا هممت بسيئة فلا تعملها فانّه ربما اطلع تعالى على العبد و هو على شيء من المعصية فيقول و عزتي و جلالي لا أغفر لك بعدها أبدا .
«و لا يقولن أحدكم ان أحدا أولى بفعل الخير مني فيكون و اللّه كذلك» فيه عنه عليه السّلام إذا هم أحدكم بخير أو صلة فان عن يمينه و شماله شيطانين فليبادر لا يكفاه عن ذلك.
«ان للخير و الشر أهلا فمهما تركتموه منهما كفاكموه أهله» فيه عن أبي جعفر عليه السّلام ان اللّه ثقل الخير على أهل الدنيا كثقله في موازينهم يوم القيامة و ان اللّه تعالى خفف الشر على أهل الدنيا كخفته في موازينهم يوم القيامة.
هذا،و حيث ان الخير و الشر من الامور النسبية فقد يترك بعض أهل الشر شرّا فظيعا لأشرّ منه كما ترك المغيرة قتل حجر بن عدي لزياد بن أبيه- ففي الطبري أقام المغيرة على الكوفة عاملا لمعاوية سبع سنين و أشهرا و هو أحسن شيء سيرة غير انّه لا يدع ذمّ علي عليه السّلام و الوقوع فيه و العيب لقتلة عثمان و اللعن لهم و الدعاء لعثمان بالرحمة و التزكية لأصحابه فكان حجر إذا سمع ذلك قال بل إياكم ذمم اللّه و لعن ثم قام فقال ان اللّه تعالى يقول «كُونُوا»
«قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ» (1)
النساء:135. [1]
و أنا أشهد ان من تذمون و تعيرون لأحق بالفضل و ان من تزكون و تطرون أولى بالذم فيقول له المغيرة يا حجر لقد رمى بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك ويحك اتق السلطان و اتق غضبه و سطوته فان غضبة السلطان أحيانا ممّا يهلك أمثالك كثيرا ثم يكفّ عنه و يصفح فلم يزل حتى كان في آخر امارته قام المغيرة فقال في علي و عثمان كما كان يقول-و كانت مقالته اللّهم ارحم عثمان و تجاوز عنه و اجزه بأحسن عمله فانّه عمل بكتابك و اتبع سنّة نبيّك و جمع كلمتنا و حقن دماءنا و قتل مظلوما اللّهم فارحم انصاره و أولياءه و محبيه و الطالبين بدمه-و يدعو على قتلته-فقام حجر فنعر نعرة بالمغيرة سمعها كلّ من كان في المسجد و من كان خارجا منه و قال إنّك لا تدري بمن تولع من هرمك و قد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين و تقريظ المجرمين-فنزل المغيرة فدخل و استأذن عليه قومه فاذن لهم فقالوا على م تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة و يجتري عليك في سلطانك هذه الجرأة فقال لهم المغيرة اني قد قتلته انه سيأتي بعدي أمير فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي فيأخذه عند أوّل و هلة فيقتله شرّ قتلة انّه قد اقترب أجلي و لا أحبّ ان ابتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم فيسعدوا بذلك و أشقى و يعز في الدنيا معاوية و يذلّ يوم القيامة المغيرة.هذا و عن(دعوات القطب)الراوندي عن الصادق عليه السّلام مرض أمير المؤمنين عليه السّلام فعاده قوم فقالوا كيف أصبحت قال بشرّ فقالوا سبحان اللّه هذا كلام مثلك فقال يقول تعالى «وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا»
1) 1)
«تُرْجَعُونَ» (1)
الانبياء:35. [1]
فالخير الصحة و الغنى،و الشرّ المرض و الفقر ابتلاء و اختبارا (2).هذا،و لنا حجران حجر الخير و هو حجر بن عدي من أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام و حجر الشرّ من أصحاب معاوية و في اللسان و في بني قشير سلمتان سلمة بن قشير ابن القشيرية و هو سلمة الخير و سلمة بن قشير ابن لبيني بنت كعب بن كلاب و هو سلمة الشر.
الحكمة(447)
و قال عليه السّلام:
مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْهٍ فَقَدِ ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا أي ارتبك فيه من(ارتطم في الوحل)و رواه( الكافي الكليني-الكافي- )عنه عليه السّلام هكذا«من اتجر بغير علم ارتطم في الربا ثم ارتطم.
و روي عنه عليه السّلام لا تقعدون في السوق إلاّ من يعقل الشراء و البيع يا معشر التجار الفقه ثم المتجر و اللّه للربا في هذه الامة أخفى من دبيب النمل على الصفا شوبوا ايمانكم بالصدق،التاجر فاجر و الفاجر في النار إلاّ من أخذ الحق و أعطى الحق.
هذا،و في نزول أسباب الواحدي مسندا عن ابن عباس بلغنا ان آية الربا نزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف و في بني المغيرة من بني مخزوم و كان بنو المغيرة يربون لثقيف فلما أظهر اللّه تعالى رسوله على مكة
وضع يومئذ الربا كلّه فأتى بنو عمرو و بنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد و هو على مكة فقال بنو المغيرة ما جعلنا أشقى الناس بالربا.
وضع عن الناس غيرنا و قال بنو عمرو صولحنا على ان لنا ربانا فكتب عتاب في ذلك إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فنزلت «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَ رَسُولِهِ» (1)
البقرة البقرة:278. [1]
فعرف بنو عمر و ان لايدان لهم بحرب يقول تعالى «وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ» -فتأخذون أكثر- «وَ لا تُظْلَمُونَ» (2)فتبخسون منه.الحكمة(446)
وَ قَالَ ع؟لِغَالِبِ بْنِ صَعْصَعَةَ؟ أَبِي؟الْفَرَزْدَقِ؟ فِي كَلاَمٍ دَارَ بَيْنَهُمَا- مَا فَعَلَتْ إِبِلُكَ الْكَثِيرَةُ- قَالَ ذَعْذَعَتْهَا الْحُقُوقُ يَا؟أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟- فَقَالَ ع ذَلِكَ أَحْمَدُ سُبُلِهَا أقول:قال ابن أبي الحديد دخل غالب بن صعصعة المجاشعي عليه عليه السّلام أيام خلافته-و غالب شيخ كبير و معه ابنه همام:الفرزدق و هو غلام يومئذ- فقال عليه السّلام له من الشيخ قال أنا غالب بن صعصعة قال عليه السّلام ذو الابل الكثيرة قال نعم قال ما فعلت ابلك؟قال«ذعذعتها الحقوق و أذهبتها الحمالات و النوائب»قال«ذاك أحمد سبلها»من هذا الغلام معك قال ابني قال ما اسمه قال همام و قد رويته الشعر و كلام العرب و يوشك أن يكون شاعرا مجيدا
فقال«لو أقرأته القرآن فهو خير له»فكان الفرزدق بعد،يروي هذا الحديث و يقول ما زالت كلمته في نفسي حتى قيد نفسه بقيد و آلى ان لا يفكّه حتى يحفظ القرآن فما فكّه حتى حفظ.
قول المصنّف .
«لغالب بن صعصعة» أما غالب ففي(الأغاني)مسندا عن عوانة قال تراهن نفر من كلب ثلاثة على أن يختاروا من تميم و بكر نفرا ليسائلوهم فأيهم أعطى و لم يسألهم عن نسبهم من هم فهو أفضلهم فاختار كلّ رجل منهم رجلا اختاروا عمير بن سليك الشيباني و طلبة بن قيس بن عاصم المنقري و غالب بن صعصعة المجاشعي فأتوا عميرا فسألوه مائة ناقة فقال من أنتم فانصرفوا عنه ثم أتوا طلبه فقال لهم مثل قول الشيباني فأتوا غالبا فسألوه فأعطاهم مائة ناقة و راعيها و لم يسألها فساروا ليلة ثم ردوها و أخذ صاحب غالب الرهن و في ذلك يقول الفرزدق«و إذ نادبت كلب على الناس أيّهم -أحق بتاج الماجد المكرم-على نفرهم من نزار ذوي العلا و أهل الجراثيم التي لم تهدم-فلم يجز-عن أحسابهم غير غالب-جرى لعنان كلّ أبيض خضرم».
و عن الأصمعي قال جاءت امرأة إلى قبر غالب أبي الفرزدق فضربت عليه فسطاطا فأتاها الفرزدق فسألها عن أمرها فقالت اني عائذة بقبر غالب من أمر نزل بي قال ما هو قالت ان ابنا لي أغزي إلى السند مع تميم بن زيد و هو واحدي قال انصرفي فعلي انصرافه إليك ان شاء اللّه و كتب من وقته إلى تميم:
«تميم بن زيد لا تكونن حاجتي بظهر فيخفى عليّ جوابها
و هل لي حبيشا و اتخذ فيه منّة لحرمة أم ما يسوغ شرابها
أتتني فعاذت يا تميم بغالب و بالحفرة السافي عليه ترابها»
فعرض تميم جميع من معه من الجند فلم يدع احدا اسمه(حبيش)أو
(حنيش)إلاّ وصله و اذن له في الانصراف إلى أهله»و أما صعصعة في (الأغاني)كان يقال له محيي الموءودات و ذلك انّه مر برجل من قومه و هو يحفر قبرا و امرأته تبكي فقال لها صعصعة ما يبكيك قالت يريد أن يأد ابنتي هذه فقال له ما حملك على هذا قال الفقر قال فاني اشتريتها منك بناقتين يتبعهما أولادهما تعيشون بألبانهما و لا تأد الصبية قال قد فعلت،فأعطاه الناقتين و جملا كان تحته فحلا و قال في نفسه ان هذه لمكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب،فجعل على نفسه ألا يسمع بموءودة إلاّ فداها فجاء الاسلام و قد فدى ثلاثمائة و قيل أربعمائة.
موؤودة و قد فخر بذلك الفرزدق في عدّة قصائد و منها:
أبي أحد الغيثين صعصعة الذي متى يخلف الجوزاء و الدلو يمطر
أجار بنات الوائدين و من يجر على الفقر يعلم انه غير مخفر
على حين لا تحيى البنات و إذ هم عكوف على الاصنام حول المدور
-إلى أن قال-:
فقال لها فيء فاني بذمتي لبنتك جار من أبيها القنور
(1)و روى مسندا عن صعصعة أيضا قال قدمت على النبي صلّى اللّه عليه و آله فعرض عليّ الاسلام فأسلمت و علّمني آيات من القرآن فقلت يا رسول اللّه اني عملت أعمالا في الجاهلية هل فيها من أجر-إلى أن قال-قال ظهر الاسلام و قد أحييت ثلاثمائة و ستين موؤودة اشتري كلّ واحدة منهن بناقتين عشراوين و جمل فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله اني حملت حمالات في الجاهلية و على منها ألف بعير فأديت من ذلك سبعمائة فقال له ان الاسلام أمر بالوفاء و نهى عن الغدر فقال حسبي
1) 1) الأغاني لأبو الفرج الاصفهاني 21:278. [1]
حسبي و وفى بها (1)
المصدر السابق 21:279.
.و روي ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال له ما شيء بلغني عنك فعلته قال رأيت الناس يموجون على غير وجه و لم أدر أين الوجه غير اني علمت انّهم ليسوا عليه و رأيتهم يئدون بناتهم فعلمت ان ربهم لم يأمرهم بذلك فلم أتركهم يئدون و فديت من قدرت عليه و روي انّه قال للنبي صلّى اللّه عليه و آله أوصني قال احفظ ما بين لحييك و ما بين رجليك.
«أبي الفرزدق»في(الأغاني)الفرزدق لقب غلب عليه و تفسيره الرغيف الضخم الذي تجففه النساء للفتوت و قيل بل هو القطعة من العجين تبسط فيخبز منها الرغيف شبه وجهه بذلك لأنّه كان غليظا جهما و اسمه همام (2)و قال هاشم العنزي ضمّني و الفرزدق مجلس فتجاهلت عليه فقال أو ما تعرف الفرزدق قلت الفرزدق شيء يتخذه النساء عندنا يتسمّن به فضحك و قال الحمد للّه الذي جعلني في بطون نسائكم.
و روى القحذمي قال لقى الفرزدق الحسين عليه السّلام متوجها إلى الكوفة خارجا من مكة في اليوم السادس من ذي الحجة فقال له الحسين صلوات اللّه عليه ما وراءك قال يا ابن رسول اللّه أنفس الناس معك و أيديهم عليك قال ويحك مع و قر بعير من كتبهم يدعونني و يناشدونني اللّه قال فلما قتل الحسين عليه السّلام قال الفرزدق فان غضبت العرب لابن سيدها و خيرها فاعلموا انّه سيدوم عزّها و تبقى هيبتها و ان صبرت عليه و لم تتغيّر لم يزدها اللّه إلاّ ذلا إلى آخر الدهر و أنشد في ذلك:
«فان أنتم لا تثاروا لابن خيركم فالقوا السلاح و اغزلوا بالمغازل»
و عن الشعبي قال حجّ الفرزدق بعد ما كبر و قد أتت له سبعون سنة و كان هشام بن عبد الملك قد حجّ في ذلك العام فرأى علي بن الحسين عليه السّلام في غمار الناس في الطواف فقال من هذا الشاب الذي تبرق اسرة وجهه كأنّه مرآة صينية تترائى فيها عذارى الحي وجوهها فقالوا هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السّلام فقال الفرزدق:
هذا الذي تعرف البطحاء و طأته و البيت يعرفه و الحل و الحرم
هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة ان كنت جاهله بجده أنبياء اللّه قد ختموا
و ليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت و العجم
إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يغضي حياء و يغضي من مهابته فما يكلّم إلاّ حين يبتسم
بكفه خيزران ريحها عبق من كفّ أروع في عرنينه شمم
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
اللّه شرّفه قدما و عظّمه جرى له ذلك في لوحة القلم
أي الخلائق ليست في رقابهم لا ولية هذا أوله نعم
من يشكر اللّه يشكر أولية ذا فالدين من بيت هذا ناله الامم
ينمى إلى ذروة الدين التي قصرت عنها الأكفّ و عن إدراكها القدم
من جدّه دان فضل الأنبياء له و فضل امته دانت له الامم
مشتقة من رسول اللّه نبعته طابت مغارسه و الخيم و الشيم
ينشق ثوب الدجى عن نور غرّته كشمس تنجاب عن اشراقها الظلم
من معشر حبّهم دين و بغضهم كفر و قربهم منجى و معتصم
مقدم بعد ذكر اللّه ذكرهم
لا يستطيع جواد بعد جودهم و لا يدانيهم قوم و ان كرموا
يستدفع الشر و البلوى بحبهم و يسترب به الاحسان و النعم
فغضب هشام فحبسه بين مكة و المدينة فقال الفرزدق:
هذا الذي تعرف البطحاء و طأته و البيت يعرفه و الحل و الحرم
هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة ان كنت جاهله بجده أنبياء اللّه قد ختموا
و ليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت و العجم
إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يغضي حياء و يغضي من مهابته فما يكلّم إلاّ حين يبتسم
بكفه خيزران ريحها عبق من كفّ أروع في عرنينه شمم
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
اللّه شرّفه قدما و عظّمه جرى له ذلك في لوحة القلم
أي الخلائق ليست في رقابهم لا ولية هذا أوله نعم
من يشكر اللّه يشكر أولية ذا فالدين من بيت هذا ناله الامم
ينمى إلى ذروة الدين التي قصرت عنها الأكفّ و عن إدراكها القدم
من جدّه دان فضل الأنبياء له و فضل امته دانت له الامم
مشتقة من رسول اللّه نبعته طابت مغارسه و الخيم و الشيم
ينشق ثوب الدجى عن نور غرّته كشمس تنجاب عن اشراقها الظلم
من معشر حبّهم دين و بغضهم كفر و قربهم منجى و معتصم
مقدم بعد ذكر اللّه ذكرهم
لا يستطيع جواد بعد جودهم و لا يدانيهم قوم و ان كرموا
يستدفع الشر و البلوى بحبهم و يسترب به الاحسان و النعم
فغضب هشام فحبسه بين مكة و المدينة فقال الفرزدق:
أ تحبسني بين المدينة و التي إليها قلوب الناس تهوى منيبها
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد و عينا له حولاء باد عيوبها
فبلغ شعره هشام فوجه فأطلقه.
و فيه-بعد ذكر و فود الأحنف و جارية بن قدامة و جون بن قتادة، و الحتات التميميين على معاوية و اعطائه جوائزهم و موت الحتات بالطعن و حبس معاوية جائزته-و قال الفرزدق لمعاوية:
فما بال ميراث الحتات أخذته و ميراث حرب جامد لك ذائبه
أ لست أعزّ الناس قوما و اسرة و أمنعهم جارا إذا ضيم جانبه
و ما ولدت بعد النبي و آله كمثلي حصان في الرجال يقاربه
أبي غالب و المرء ناجية الذي إلى صعصع ينمي فمن ذا يناسبه
و بيتي إلى جنب الثريا فناؤه و من دونه البدر المضيء كواكبه
أنا ابن الجبال الصم في عدد الحصى و عرق الثرى عرقي فمن ذا يحاسبه
أنا ابن الذي أحيى الوئيد و ضامن على الدهر إذ عزت لدهر مكاسبه
و كم من أب لي يا معاوي لم يزل أغر يباري الريح ما أزور جانبه
نمته فروع المالكين و لم يكن أبوك الذي من عبد شمس يقاربه
«و في كلام دار بينهما ما فعلت ابلك الكثيرة» لم أقف عليه مسندا و ابن أبي الحديد كالمصنف نقله مرسلا و الذي وقفت عليه مسندا في أمر غالب انّه نحر ابله مفاخرة مع سحيم الرياحي فحرّم أمير المؤمنين عليه السّلام لحومها لكون
ص:
نحرها لا للّه روى(الأغاني)«عن ابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة عن جهم السليطي عن إياس بن شبة بن عقال بن صعصعة قال أجدبت بلاد تميم و أصابت بني حنظلة سنة-أي قحط-في خلافة عثمان فبلغهم خصب عن بلاد كلب بن وبرة فانتجعها بنو حنظلة فنزلوا أقصى الوادي و تسرّع غالب بن صعصعة فيهم وحده دون بني مالك فنحر ناقة فأطعمهم إياها فلما وردت ابل سحيم بن وثيل الرياحي حبس منها ناقة فنحرها من غد فقيل لغالب انما نحر سحيم موائمة-أي مساواة-لك فضحك و قال كلا و لكنه امرؤ كريم و سوف أنظر ذلك.
فلما وردت إبل غالب حبس منها ناقتين فنحرهما فأطعمهما بني يربوع فعقر سحيم ناقتين و قال غالب الآن علمت ان يوائمني فعقر غالب عشرا فأطعمها بني يربوع فعقر سحيم عشرا فلما بلغ غالبا فعله ضحك-و كانت ابله ترد لخمس-فلما وردت عقرها كلّها عن آخرها-فالمكثر يقول كانت أربعمائة و المقلل مائة-فأمسك سحيم حينئذ ثم انّه عقر في خلافة علي بن أبي طالب عليه السّلام بكناسة الكوفة مائتي ناقة و بعير،فخرج الناس بالزنابيل و الأطباق و الحمال لأخذ اللحم و رآهم علي عليه السّلام فقال أيها الناس انها لا تحلّ لكم انما أهلّ بها لغير اللّه تعالى.
قال فحدّثني من حضر ذلك قال كان الفرزدق يومئذ مع أبيه و هو غلام- فجعل غالب يقول يا بني اردد علي،و الفرزدق يردها عليه و يقول له يا أبة اعقر، قال جهم فلم يغن عن سحيم فعله و لم يجعل كغالب إذ لم يطق فعله».
و في كتاب النجاشي-في عنوان ربعي بن عبد اللّه بن الجارود بن أبي سبرة الهذلي-«و هو الذي روى حديث الابل».
ثم روى باسناده«عن ربعي قال سمعت الجارود يحدّث قال كان رجل
من بني رياح يقال له سحيم بن أثيل نافر غالبا أبا فرزدق بظهر الكوفة على أن يعقر هذا من ابله مائة و هذا من ابله إذا وردت الماء فلما وردت قاموا إليها بالسيوف فجعلوا يضربون عراقيبها فخرج الناس على الحميرات و البغال يريدون اللحم-و علي عليه السّلام بالكوفة-فجاء على بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلينا و هو ينادي أيها الناس لا تأكلوا من لحومها فانما اهل بها لغير اللّه»و في ديوان الفرزدق«و أورثني ضرب العراقيب غالب»و فيه أيضا:
«إذا ما رأوا نارا يقولون ليتها و قد خصرت أيديهم نار غالب
إلى نار ضراب العراقيب لم يزل له من ذبابي سيفه خير حالب»
و مر ان صعصعة أبا غالب ذعذع ابله الكثيرة في فداء الموءودات و انّه كان عليه من الحمالات ألف بعير أدّى منها سبعمائة و بقي عليه ثلاثمائة.
فأمره النبي صلّى اللّه عليه و آله بالوفاء فلعلّ المراد بقوله عليه السّلام«ما فعلت ابلك الكثيرة لغالب على رواية المصنف الابل التي كانت لأبيه كما ان جوابه «ذعذعتها الحقوق» محمول على الحقوق التي كانت على أبيه لكن في ديوان الفرزدق أيضا«اني أنا ابن حمّال المئين غالب».
«قال ذعذعتها الحقوق يا أمير المؤمنين» أي:فرقتها في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام ان اللّه تعالى فرض في أموال الأغنياء حقوقا غير(الزكاة)قال عز و جل «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ» (1)
المعارج:24. [1]
فالحق المعلوم غير(الزكاة)هو شيء يفرضه الرجل على نفسه في ماله يجب عليه أن يفرضه على قدر طاقته و سعة ماله ان شاء في كلّ يوم و ان شاء في كلّ جمعة و ان شاء في كلّ شهر و قال تعالى «وَ أَقْرِضُوا اللّهَ قَرْضاً حَسَناً» (2)و هو أيضا غير الزكاة و قالتعالى أيضا «وَ أَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً» (1)
الرعد:22. [1]
و الماعون أيضا من الحقوق و هو القرض يقرضه و المتاع يعيره و المعروف يصنعه و ممّا فرض تعالى في المال غير الزكاة قوله عز و جل «وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» (2)و في خبر«الزكاة الظاهرة في كلّ ألف خمسة و عشرون و أما الزكاة الباطنة فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك»هذا،و في تاريخ بغداد قال الأصمعي:قال لي رجل من أهل الشام قدمت المدينة فقصدت منزل إبراهيم بن هرمة فاذا بنية صغيرة له تلعب بالطين فقلت لها:أين أبوك؟قالت:و فد إلى بعض الأجواد فما لنا به علم منذ مدّة فقلت:انحري لنا ناقة فانّا أضيافك قالت:و اللّه ما عندنا،قلت:فشاة قالت:و اللّه ما عندنا.قلت:فدجاجة قالت و اللّه ما عندنا،قلت فاعطينا بيضة قالت و اللّه ما عندنا قلت فباطل ما قال أبوك:
«كم ناقة قد و جأت منحرها بمستهل الشؤبوب أو جمل
(3)قالت فذلك الفعل من أبي،هو الذي أصارنا إلى ان ليس عندنا شيء و رواه ابن قتيبة في عيونه لكن فيه«قال عبد العزيز بن عمران نزلت ببنت ابن هرمة-إلى أن قال-قلت:فأين قول أبيك؟ لا امتع العوذ بالفصال و لا ابتاع إلا قريبة الأجل قالت:ذاك افناها فبلغ ابن هرمة قول ابنته فقال اشهد انها ابنتي و ان داري لها دون الذكور من ولدي».
«فقال عليه السّلام:ذلك أحمد سبلها» في(الكافي)عن الرضا عليه السّلام ان صاحب
النعمة على خطر انّه يجب عليه حقوق للّه فيها و اللّه انّه لتكون على النعم من اللّه تعالى فما أزال منها على و جل-و حرّك يده-حتى أخرج من الحقوق التي يجب للّه عليّ فيها.قال البزنطي:قلت انت في قدرك تخاف هذا؟قال نعم،فاحمد ربي على ما من به عليّ.
الحكمة(10)
و قال عليه السّلام:
إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ- فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أقول:قال ابن أبي الحديد ضلّ الأعشى في طريقه فأصبح بأبيات علقمة بن علاثة فقال قائده-و نظر إلى قباب الادم-و اسوء صباحاه يا أبا بصير هذه و اللّه أبيات علقمة فخرج فتيان الحي فقبضوا على الأعشى فأتوا به علقمة فمثل بين يديه،فقال:الحمد للّه الذي أظفرني بك من غير ذمة و لا عقد عليك قال الأعشى أو تدري لِمَ ذلك؟قال نعم لأنتقم منك اليوم بتقوا لك على الباطل مع احساني قال:(لا و اللّه و لكن اظفرك اللّه بي ليبلو قدر حلمك فيّ)فأطرق علقمة، فاندفع الاعشى فقال:
أعلقم قد صيرتني الامور إليك و ما كان بي منكص
كساكم علاثة أثوابه و ورثكم حلمه الأحوص
فهب لي نفسي فدتك النفوس فلا تزال تنمى و لا تنقص
فقال قد فعلت،أما و اللّه لو قلت في بعض ما قلته في(عامر)لأغنيتك طول حياتك و لو كنت قلت في(عامر)بعض ما قلته في ما اذاقك برد الحياة،و قال المأمون لإبراهيم بن المهدي لمّا ظفر به اني قد شاورت في أمرك فأشير عليّ بقتلك إلاّ اني وجدت قدرك فوق ذنبك فكرهت قتلك للازم حرمتك فقال إبراهيم
ان المشير أشار بما تقتضيه السياسة و توجبه العادة إلاّ انّك أبيت أن تطلب النصر إلاّ من حيث عودته من العفو فان قتلت فلك نظراء و ان عفوت فلا نظير لك،قال قد عفوت فاذهب آمنا.
و روي ان مصعبا لمّا ولّى العراق عرض الناس ليدفع إليهم أرزاقهم، فنادى مناديه أين عمرو بن جرموز؟فقيل له:أنّه أبعد في الأرض،قال أو ظن الأحمق اني اقتله بأبي قولوا له فليظهر آمنا و ليأخذ عطاءه مسلما قلت في مستجاد التنوخي في 21 من عناوينه لمّا أفضت الخلافة إلى بني العباس استخفى رجال من بني أمية و منهم إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك حتى أخذ له داود بن العباس أمانا-و كان إبراهيم عالما حدثا فخص بالسفاح فقال له حدثني بما مر بك في اختفائك قال:كنت مختفيا بالحيرة في منزل شارف على الصحراء فبينا أنا على ظهر بيت إذا نظرت إلى أعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة فوقع في روعي انها تريدني فخرجت من الدار متنكرا حتى أتيت الكوفة و لا أعرف بها أحدا اختفي عنده فبقيت متلددا فإذا أنا بباب كبير و رحبة واسعة فدخلت فيها و إذا رجل و سيم حسن الهيئة على فرس قد دخل الرحبة و معه جماعة من غلمانه و اتباعه.
فقال لي من أنت؟و ما حاجتك؟قلت:رجل مستخف يخاف على دمه استجار بمنزلك فادخلني منزله.
ثم صيّرني في حجرة تلي حرمه فكنت عنده في كلّ ما أحب من مطعم و مشرب و ملبس و لا يسألني عن شيء من حالي إلاّ انّه يركب في كلّ يوم ركبة فقلت له يوما أراك تدمن الركوب ففيم ذلك؟ فقال:ان إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبرا و قد بلغني انّه مستخف و أنا أطلبه لأدرك منه ثأري فكثر و اللّه تعجبي من ادبارنا إذ ساقني القدر إلى حتفي
في منزل من يطلب دمي و كرهت الحياة فسألت الرجل عن اسمه و اسم أبيه فأخبرني فعرفت ان الخبر صحيح و أنا كنت قتلت أباه صبرا.
فقلت يا هذا قد وجب عليّ حقك و من حقك عليّ أن أدلّك على خصمك و أقرب عليك الخطوة قال و ما ذاك قلت أنا إبراهيم بن سليمان قاتل أبيك فخذ بثأرك فقال اني لأحسبك رجلا قد أمضك الاختفاء فأحببت الموت قلت بل الحق ما قلت لك أنا قتلته يوم كذا و كذا بسبب كذا و كذا.
فلما عرف صدقي أربد وجهه و أحمرت عيناه و أطرق مليّا ثم قال أما أنت فستلقى أبي فيأخذ بثأره منك و أما أنا فغير مخفر ذمتي فأخرج عني فلست آمن نفسي عليك و اعطاني ألف دينار فلم آخذها و خرجت من عنده فهذا أكرم رجل رأيته بعد أمير المؤمنين عليه السلام (1)
المستجاد من خصلات الأجواد للتنوخي:32-34،تحقيق محمد كرد علي 1970 م.
.و في(الأغاني)لمّا قال عبد اللّه بن طاهر قصيدته التي يفخر فيها بمآثر أبيه و أهله و يفخر بقتله المخلوع عارضة محمد بن يزيد الأموي الحصني -و كان رجلا من ولد مسلمة بن عبد الملك-فأفرط في السب و تجاوز الحد في قبح الرد و توسط بين القوم و بين بني هاشم فأربى في التوسط فكان في ما قاله فيه(من حسين من أبوك من مصعب غالتكم غول)فلما ولّى عبد اللّه بن طاهر الشام علم الحصني انّه لا يفلت منه ان هرب،فثبت في موضعه و أحرز حرمه و ترك أمواله و دوابه و كلّ ما كان يملكه في موضعه و فتح باب حصنه و جلس عليه،قال محمد بن الفضل الخراساني-و هو من وجوه قوّاد عبد اللّه- و نحن نتوقع من عبد اللّه أن يوقع به فلما شارفنا بلده و كنّا على أن نصبحه دعاني عبد اللّه بن طاهر في الليل.
فقال لي بت عندي الليلة و ليكن فرسك معدا عندك،ففعلت فلما كان في
1) 1)
السحر صبح الحصني فرأى بابه مفتوحا و رآه جالسا مسترسلا فقصده و سلّم عليه و نزل عنده و قال له ما أجلسك ههنا؟و حملك على أن فتحت بابك و لم تتحصن من هذا الجيش المقبل و لم تتنح عن عبد اللّه بن طاهر مع ما في نفسه عليك و ما بلغه عنك؟فقال(ان ما قلت لم يذهب علي و لكني تأملت أمري و علمت اني أخطأت خطيئة حملني عليها نزق الشباب و غرّة الحداثة،و اني ان هربت منه لم أفته فباعدت البنات و الحرم و استسلمت بنفسي و كلّ ما أملك فانّا أهل بيت قد أسرع القتل فينا ولي بمن مضى أسوة فاني أثق بأن الرجل إذا قتلني و أخذ مالي شفى غيظه و لم يتجاوز ذلك إلى الحرم و لا له فيهن أرب و لا يوجب جرمي أكثر ممّا بذلته).
فواللّه ما لقاه عبد اللّه إلاّ بدموعه تجري على لحيته.
ثم قال له أ تعرفني؟قال لا و اللّه،قال(أنا عبد اللّه بن طاهر و قد امن اللّه روعتك و حقن دمك و صان حرمك و حرس نعمتك،و عفا عن ذنبك و ما تعجلت إليك و حدي إلاّ لتأمن من قبل هجوم الجيش،و لئلا يخالط عفوي روعة تلحقك) فبكى الحصني و قام فقبّل رأسه،فضمّه عبد اللّه بن طاهر و أدناه.
ثم قال أما فلا بد يا أخي من عتاب جعلني اللّه فداك قلت شعرا في قومي أفخر بهم و لم أطعن فيه على حسبك و لا ادّعيت فضلا عليك،و فخرت بقتل رجل هو و ان كان من قومك إلاّ انّه من القوم الذين ثارك عندهم فكان يسعك السكوت أو ان لم تسكت لا تعرق و لا تسرف فقال(ايها الأمير قد عفوت فاجعله العفو الذي لا يخالطه تثريب و لا يكدر صفوه تأنيب)قال قد فعلت،ثم دعا بدواة فكتب له بتسويغه خراجه ثلاث سنين و قال له ان نشطت لنا فالحق بنا و إلاّ فأقم بمكانك،فقال فأنا أتجهّز و الحق بالأمير،ففعل و لحق به بمصر و لم يزل معه حتى رحل عبد اللّه إلى العراق فودعه و قام ببلده).
و في كامل الجزري لمّا ظفر عماد الدولة علي بن بابويه على ياقوت و ملك شيراز وجد في ما غنم برانس لبود عليها أذناب الثعالب،و وجدوا قيودا و أغلالا فسأل أصحاب ياقوت عنها فقالوا ان هذه اعدّت لكم لتجعل عليكم و يطاف بكم في البلاد فأشار أصحاب ابن بويه ان يفعل بهم مثل ذلك فأبى و قال انّه بغي و لوم و ظفرت و لقد لقي ياقوت بغيه-ثم أحسن إلى الاسارى و أطلقهم و قال هذه نعمة و الشكر عليها واجب يقتضي المزيد و خيّر الاسارى بين المقام عنده و اللحوق بياقوت فاختاروا المقام عنده فخلع عليهم.
و في السير ضرب الحجاج أعناق أسرى ثم قدم رجلا ليضرب عنقه، فقال و اللّه لئن كنّا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو فقال الحجاج أف لهذه الجيف أما كان فيها يحسن مثل هذا و أمسك عن القتل و قال أبو تمام:
إذا سيفه أضحى على الهام حاكما غدا العفو منه و هو في السيف حاكم
الحكمة(19)
و قال عليه السلام:
أَقِيلُوا ذَوِي الْمُرُوءَاتِ عَثَرَاتِهِمْ- فَمَا يَعْثُرُ مِنْهُمْ عَاثِرٌ إِلاَّ وَ يَدُ اللَّهِ بِيَدِهِ يَرْفَعُهُ أقول:و روى المصنف في مجازاته النبوية قريبا منه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال ثمة«و من ذلك قوله صلّى اللّه عليه و آله«أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم فان أحدهم ليعثر و يده بيد اللّه يرفعها»و قال هذا القول منه صلّى اللّه عليه و آله مجاز و المراد بذكر يد اللّه ههنا معونة اللّه تعالى و نصرته فكأنّه صلّى اللّه عليه و آله أراد أن أحدهم ليعثر و ان معونة اللّه لمن وراءه تنهضه من سقطته و تقيله من عثرته،إلا انّه صلّى اللّه عليه و آله لمّا جاء بلفظ العثار أخرج الكلام بعده على عرف العادات لأن العادة جارية أن يكون المنهض
للعاثر و المقيم للواقع انما يستنهضه بيده،و يستعين عليه بجلده،و المراد بذي الهيئات هنا ذوو الأديان لاذوو و الملابس الحسنة،كما يظن من لا علم له لأن هيئة الدين و ظاهره أحسن الهيئات و الظواهر و أفخم المعارض و الملابس،بل الظاهر كون أصلهما واحدا و مثل ذاك الاختلاف اليسير يقع في الروايات لكلام واحد قطعي كما لا يخفى إلاّ أن المصنف لم يتفطّن ثمة،و هنا لذلك حتى يشير إليه كما أشار غير مرّة إلى مثله ثمة و هنا.
و رواه زكاة(الكافي)مسندا عن الصادق عليه السلام هكذا«أقيلوا لأهل المعروف عثراتهم،و اغفروها لهم فان كفّ اللّه عز و جل عليهم هكذا-قال سيف بن عميرة و أومأ عليه السلام بيده كأنّه يظلّ بها شيئا-»و علم الأئمة عليهم السلام من أمير المؤمنين عليه السلام و علمه من النبي صلّى اللّه عليه و آله و علمه من اللّه تعالى ثم التعبير (بالمروءات)كما هنا أحسن من التعبير(بالهيئات)كما في المخابرات .
«أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم» الأصل في الإقالة إقالة البيع،و المراد الغض عمّا صدر من أهل المروءة كان لم يكن و في الخصال ست من المروءات ثلاث منها في الحضر و ثلاث منها في السفر،فأما التي في الحضر:
فتلاوة كتاب اللّه تعالى،و عمارة مساجد اللّه و اتخاذ الاخوان في اللّه تعالى، و أما التي في السفر:فبذل الزاد،و حسن الخلق،و المزاح في غير معاصي اللّه.
و قال ابن أبي الحديد«لام معاوية ابنه يزيد على سماع الغناء و حب القيان و قال له اسقطت مروءتك،فقال يزيد:أتكلم بلساني كلّه؟قال نعم، و بلسان أبي سفيان بن حرب و هند بنت عتبة مع لسانك،قال:و اللّه لقد حدّثني عمرو بن العاص و استشهد-على ذلك ابنه عبد اللّه بن عمرو بن العاص فصدقة-ان أبا سفيان كان يخلع على المغني الفاضل المضاعف من ثيابه:
و لقد حدّثني ان جاريتي عبد اللّه بن جدعان غنتاه يوما فأطربتاه فجعل يخلع
عليهما أثوابه ثوبا ثوبا حتى تجرّد تجرد العير،و لقد كان هو و عفان بن أبي العاص ربما حملا جارية العاص بن وائل فمرا بها على الأبطح،و جلّة قريش ينظرون إليهما مرّة على ظهر أبيك و مرّة على ظهر عفان،فما تنكر مني فقال معاوية اسكت لحاك اللّه ما أحد الحق بأبيك.
هذا،الا ليفزك و يفضحك و ان كان أبو سفيان ما علمت لثقيل الحكم يقظان الرأي،عازب الهوى،طويل الأناءة،بعيد القعر،و ما سودته قريش إلاّ لفضله»قلت فعلى نقل عمرو بن العاص كان يزيد بن عبد الملك و ابنه الوليد بن يزيد اقتديا في طربهما المعروف أولا بشيخيهما أبي سفيان والد معاوية و عفان والد عثمان و ثانيا بيزيد بن معاوية جدّهما لأمهما و انكار معاوية في أبيه دفعا للعار عنه غير مسموع بعد البيّنة و يأتي في(8)ماله ربط.
«فما يعثر منهم عاثر» العثرة الزلّة.
«إلاّ و يد اللّه بيده» هكذا في(المصرية):(إلاّ و يده بيد اللّه)كما في غيرها.
«يرفعه» و قد عرفت من مجازات المصنف المراد من ذلك،و في (الخصال)مسندا عن السجاد عليه السلام قال:خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله ذات يوم و صلّى الفجر ثم قال:معاشر الناس أيكم ينهض إلى ثلاثة نفر قد حلفوا باللات و العزى ليقتلوني.و قد كذبوا و رب الكعبة؟فأحجم الناس و ما تكلّم أحد فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله ما أحسب ان علي بن أبي طالب فيكم،فقام إليه عامر بن قتادة فقال انّه و عك في هذه الليلة و لم يخرج يصلّي معك فتأذن لي أن أخبره،فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله شأنك فمضى فأخبره فخرج أمير المؤمنين عليه السلام و كأنّه نشط من عقال و عليه ازار قد عقد طرفيه على رقبته فقال يا رسول اللّه ما الخبر؟فقال هذا رسول ربي يخبرني عن ثلاثة نفر قد نهضوا اليّ ليقتلوني و قد كذبوا و ربّ الكعبة فقال عليه السلام:أنا لهم سرية و حدي هذا البس على ثيابي فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله بل
هذه ثيابي و هذا درعي و هذا سيفي فألبسه و درّعه و عمّمه و قلّده و أركبه فرسه،و خرج عليه السلام فمكث ثلاثة أيام لا يأتيه جبرئيل بخبر السماء و لا خبر من الأرض،فأقبلت فاطمة عليها السلام بالحسن و الحسين عليهما السلام تصحبهما و تقول أوشك أن يؤتم هذان الغلامان فاسبل النبي صلّى اللّه عليه و آله عينه يبكي ثم قال معاشر الناس من يأتيني بخبر علي ابشره بالجنّة،و افترق الناس في الطلب لعظيم ما رأوا بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و أقبل عامر بن قتادة يبشر به عليه السلام،و دخل عليه السلام و معه اسيران و رأس و ثلاثة أبعرة،و ثلاثة أفراس،و هبط جبرئيل عليه السلام فخبّر النبي عليه السلام بما كان.
فقال له عليه السلام تحب أن أخبرك بما كنت فيه؟فقال:المنافقون هو منذ الساعة قد أخذه المخاض و هو الساعة يريد أن يحدثه،فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله:بل تحدّث أنت يا أبا الحسن لتكون شهيدا على القوم؟فقال نعم،لمّا صرت في الوادي رأيت هؤلاء ركبانا على الأباعر فنادوني من أنت فقلت أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول اللّه،فقالوا ما نعرف للّه من رسول،سواء علينا و قعنا عليك أو على محمّد و شد على هذا المقتول و دار بيني و بينه ضربات و هبت ريح حمراء و سمعت صوتك فيها و أنت تقول قد قطعت لك جربان درعه فاضرب حبل عاتقه فضربته ثم هبّت ريح سوداء سمعت صوتك فيها و أنت تقول:
(قد قلبت لك الدرع عن فخذه فاضرب فخذه)فضربته فقطعته و وكزته و قطعت رأسه و رميت به،و قال لي هذان الرجلان بلغنا ان محمدا رفيق شفيق و احملنا إليه و لا تعجل علينا و صاحبنا كان يعد بألف فارس فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله أما الصوت الأول الذي صك مسامعك فصوت جبرئيل،و أما الصوت الآخر فصوت ميكائيل قدم إلى حد الرجلين فقدم فقال:قل لا إله إلاّ اللّه و اني رسوله فقال:لنقل جبيل أبي قبيس أحب إليّ من أن أقول هذه الكلمة،فقال:اخره
و اضرب عنقه ثم قال:قدم الآخر فقدم فقال،قل لا إله إلاّ اللّه و اني رسوله فقال الحقني بصاحبي قال:أخّره يا أبا الحسن و اضرب عنقه فأخره و قام عليه السلام ليضرب عنقه فهبط جبرئيل عليه السلام فقال يا محمّد ان ربّك يقرئك السلام و يقول لك:لا تقتله فانّه حسن الخلق سخي في قومه،فقال الرجل-و هو تحت السيف- هذا رسول ربك يخبرك؟قال:نعم،فقال و اللّه ما ملكت درهما مع اخ لي و لا قطبت وجهي في حرب و أنا أشهد ان لا إله إلاّ اللّه و انك رسوله،فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله:هذا ممّن جرّه حسن خلقه و سخاؤه إلى جنات النعيم.
الحكمة(23)
و قال عليه السلام:
مِنْ كَفَّارَاتِ الذُّنُوبِ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ- وَ التَّنَفُّسُ عَنِ الْمَكْرُوبِ أقول:في الخبر«كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان»و في المعجم في كتاب هلال بن المحسن ان رجلا اتصلت عطلته فزوّر كتابا عن الوزير أبي الحسن بن الفرات إلى أبي زنبور المادراني عامل مصر يتضمن الوصاية به و التأكيد في الاقبال عليه و الاحسان إليه،و خرج إلى مصر فلقيه به فارتاب أبو زنبور في أمره لتغيّر الخطاب على ما جرت به العادة و كون الدعاء أكثر ممّا يقتضيه محله فراعاه مراعاة قريبة و وصله بصلة قليلة،و احتبسه عنده على وعد وعده به.
و كتب إلى أبي الحسن بن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه و أنفذه بعينه إليه و استثبته فيه،فوقف ابن الفرات على الكتاب المزوّر فوجد فيه ذكر الرجل و انّه من ذوي الحرمات و الحقوق الواجبة عليه فعرض الكتاب على كتّابه و عرّفهم الصورة فيه و عجب إليهم منها و ممّا أقدم عليه الرجل و قال لهم ما
الرأي في أمر الرجل؟فقال بعضهم بتأديبه أو حبسه،و قال آخر اقطع ابهامه لئلا يعاود مثل هذا و لئلا يقتدي به غيره و قال أحسنهم محضرا يكتب إلى أبي زنبور بطرده و حرمانه،فقال ابن الفراد ما أبعدكم عن الحرية رجل توسل بنا المشقة إلى مصر في تأميل الصلاح بجاهنا و يكون أحسن أحواله عند أحسنكم محضرا تكذيب ظنّه لا كان هذا أبدا،ثم انّه أخذ القلم من دواته و وقع على الكتاب المزوّر.
«هذا كتابي و لست أعلم لم أنكرت أمره و اعترضتك فيه شبهة و ليس كلّ من خدمنا تعرفه و هذا رجل خدمني في أيام نكبتي فأحسن تفقده و وفّر رفده»ورد الكتاب إلى أبي زنبور،فلما مضت مدّة دخل يوما على ابن الفرات رجل ذو هيئة مقبولة و أقبل يدعو له و يبكي و يقبّل الأرض فقال ابن الفرات من أنت بارك اللّه فيك و هذه-كانت كلمته-قال أنا صاحب الكتاب المزوّر إلى عامل مصر الذي صححه كرم الوزير و تفضله،فضحك ابن الفرات و قال له كم وصل إليك منه؟قال:وصل الي من ماله و تقسيط قسطه على عمّاله عشرون ألف دينار،فقال ابن الفرات الحمد للّه الزمنا فانّا نعرضك لمّا يزداد به صلاح حالك ثم اختبره فوجده كاتبا سديدا (1)
معجم الادباء [1]للحمري 19:295-297 دار الفكر.بيروت.
إلخ.و في(الخصال)عن الباقر عليه السلام«ثلاث منجيات»خوف اللّه في السر و العلن،و القصد في الغنى و الفقر،و كلمة العدل في الرضا و السخط.
و ثلاث موبقات:شح مطاع،و هوى متبع،و اعجاب المرء بنفسه.و ثلاث درجات:افشاء السلام،و إطعام الطعام،و الصلاة و الناس نيام.و ثلاث كفارات:اسباغ الوضوء في السبرات،و المشي بالليل و النهار إلى الصلوات، و المحافظة على الجماعات».
1) 1)
«و في(ثواب الأعمال)عن الصادق عليه السلام من أغاث أخاه المؤمن اللهفان عند جهده فنفّس كربته و أعانه على نجاح حاجته كانت له بذلك عند اللّه اثنان و سبعون رحمة من اللّه يعجل له منها واحدة تصلح بها معيشته،و يدخر له أحدى و سبعين رحمة لا فزاع يوم القيامة و أهوالها»و عنه عليه السلام من نفّس عن مؤمن كربة نفّس اللّه عنه كرب الآخرة و خرج من قبره و هو ثلج الفؤاد و من أطعمه من جوع أطعمه اللّه ثمار الجنّة،و من سقاه شربة سقاه اللّه من الرحيق المختوم.
الحكمة(101)
و قال عليه السلام:
لاَ يَسْتَقِيمُ قَضَاءُ الْحَوَائِجِ إِلاَّ بِثَلاَثٍ- بِاسْتِصْغَارِهَا لِتَعْظُمَ وَ بِاسْتِكْتَامِهَا لِتَظْهَرَ- وَ بِتَعْجِيلِهَا لِتَهْنُؤَ أقول:اما استصغارها لتعظم ففي(كامل المبرد):مر يزيد بن المهلب باعرابية في خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز يريد البصرة،فقرته غنما فقبلها و قال لابنه معاوية ما معك من النفقة؟فقال:ثمانمائة دينار قال:فادفعها إليها قال له ابنه انك تريد الرجال و لا يكون الرجال إلاّ بالمال و هذه يرضيها اليسير و هي بعد لا تعرفك،فقال ان كانت ترضى باليسير فانا لا أرضى،إلاّ بالكثير و ان كانت هي لا تعرفني فأنا أعرف نفسي ادفعها إليها.
و زعم الأصمعي ان حربا كانت بالبادية ثم اتصلت بالبصرة فتفاقم الأمر فيها ثم مشى بين الناس بالصلح فاجتمعوا في المسجد الجامع فبعثت و أنا غلام إلى ضرار بن الفقاع من بني دارم فاستأذنت عليه فاذن لي فاذا به في شملة يخلط بزرا لعنز له حلوب.
فخبرته بمجتمع القوم فامهل حتى أكلت العنز ثم غسل الصفحة و صاح يا جارية غدينا فأتته بزيت و تمر فدعاني فقذرته ان آكل معه حتى إذا قضى من أكله حاجته و ثب إلى طين ملقى في الدار فغسل به يده ثم صاح يا جارية اسقينا.فأتته بماء فشربه و مسح فضله على وجهه ثم قال الحمد للّه ماء الفرات بتمر البصرة بزيت الشام متى نؤدي شكر هذه النعم،ثم قال يا جارية عليّ بردائي فأتته برداء عدني فارتدي به على تلك الشملة فتجافيت عنه استقباحا لزيه فلما دخل المسجد صلّى ركعتين،ثم مشى إلى القوم فلم تبق حبوة إلاّ حلت إعظاما له ثم جلس فتحمل جميع ما كان بين الأحياء في ماله و انصرف.
و في(وزراء الجهشياري)كان الماء قد زاد في أيام الرشيد و كان الرشيد غائبا في بعض متصيداته و يحيى بن خالد مقيم ببغداد فركب يحيى و معه القوات ليفرّقهم على المواضع المخوفة من الماء يحفظونها ففرّق القوات و أمر باحكام المسنيات و صار إلى الدور فوقف ينظر إلى قوّة الماء و كثرته فقال قوم ما رأينا مثل هذا المد فقال يحيى قد رأيت مثله في سنة كان أبي قد وجّهني فيها إلى عمارة ابن حمزة في أمر رجل كان يعنى به من أهل خراسان و كانت له ضياع بالري فورد عليه كتابه يعلمه ان ضياعة تحيفت فخربت و ان نعمته قد نقصت و ان صلاح أمره في تأخيره بخراج سنة و كان مبلغه مائتي ألف درهم ليتقوى بها على عمارة ضيعته،و يؤديه في السنة المستقبلة فلما قرأ الكتاب غمّه و بلغ منه و كان بعقب ما ألزمه المنصور من المال الذي خرج عليه فخرج به عن كلّ ما يملكه و استعان بجميع اخوانه فيه.
فقال لي يا بني من ههنا يفزع إليه في أمر هذا الرجل فقلت لا أدري،فقال بلى عمارة بن حمزة فصر إليه و عرّفه حال الرجل فصرت إليه و قد مد دجلة و كان ينزل في الجانب الغربي فدخلت عليه و هو مضطجع على فراشه،
فأعلمته ذلك فقال قف لي غدا بباب الجسر-و لم يزد على ذلك-فنهضت ثقيل الرجلين و عدت إلى أبي بالخبر فقال يا بني تلك سجيته فاذا أصبحت فاغد لموعد فغدوت فوقفت بباب الجسر و قد جاءت تلك الليلة بمد عجيب قطع الجسور و انتظم الناس من الجانبين جميعا ينظرون زيادة الماء فبينا أنا واقف أقبل زورق و الموج يخفيه مرة و يظهره أخرى و الناس يقولون:«غرق غرق نجانجا»حتى دنا من الشط فاذا عمارة بن حمزة و ملاّح معه في الزورق و قد خلف دوابه و غلمانه في الموضع الذي ركب منه فلما رأيته نبل في عيني و ملأ صدري،فنزلت فعدوت إليه و قلت جعلت فداك في مثل هذا اليوم -و أخذت بيده-.
فقال أعدك و اخلف يا ابن أخي اطلب لي برذونا اتكاراه فقلت له فاركب برذوني قال فأي شيء تركب؟قلت برذون الغلام فقال هات فقدمت إليه برذوني فركبه و ركبت برذون غلامي و توجه يريد أبا عبيد اللّه و هو إذ ذاك على الخراج و المهدي ببغداد خليفة للمنصور و المنصور في بعض أسفاره فلما طلع على حاجب أبي عبيد اللّه دخل بين يديه إلى نصف الدار و دخلت معه فلما رآه أبو عبيد اللّه قام من مجلسه و أجلسه فيه و جلس بين يديه فأعلمه عمارة حال الرجل و سأله اسقاط خراجه و هو مائتا ألف درهم و اسلافه من بيت المال مائتي الف درهم يردّها في العام المقبل،فقال:هذا لا يمكنني و لكني اؤخره بخراجه إلى العام المقبل.فقال:لست أقبل غير ما سألت فقال:أبو عبيد اللّه فاقنع بدون هذا لتوجدني السبيل إلى قضاء الحاجة فأبى عمارة و تلوم أبو عبيد اللّه قليلا فنهض عمارة فأخذ أبو عبيد اللّه بكمه.
و قال اني أتحمّل ذلك من مالي فعاد لمجلسه و كتب أبو عبيد اللّه إلى عامل الخراج باسقاط خراج الرجل لسنته و الاحتساب به على أبي عبيد اللّه
و اسلافه مائتي ألف درهم يرتجع منه إلى العام المقبل فأخذت الكتاب و خرجنا فقلت لو أقمت عند أخيك و لم تعبر في هذا المد فقال لا أجد بدا من العبور فصرت معه إلى الموضع و وقفت حتى عبر.
و اما استكتامها لتظهر(ففيه)«قال علي بن الجنيد كانت بيني و بين يحيى البرمكي مودة و أنس فكنت أعرض عليه الرقاع في الحوائج فكثرت رقاع الناس عندي و اتصل شغله فقصدته يوما و قلت له:يا سيدي قد كثرت الرقاع و امتلأ خفي و كمي فأما تطوّلت بالنظر و اما رددتها فقال لي أقم عندي حتى أفعل ما سألت فأقمت عنده و جمعت الرقاع في خفي و أكلنا و غسلنا أيدينا و قمنا إلى النوم و استحييت من اذكاره إيّاها و يأست من عرضها لأنني قد علمت نقوم فنتشاغل بالشرب فنمت أنا و دعا هو بالرقاع من خفي فوقّع في جميعها و ردها إليه و نام و انتبه فدخلت إليه في مجلس الشرب و قد أعدت آلته فيه فلم استجز ذكر الرقاع له و شربت و انصرفت بالعشي فبكر إلى أصحاب الرقاع لمّا وقفوا على اقامتي عنده فاعتذرت إليهم و ضاق صدري بهم فدعوت بالرقاع لأميّزها و اخفف منها ما ليس بمهمّ فوجدت التوقيعات في جميعها فلم يكن لي همة إلاّ تفريقها و الركوب إليه لشكره،فلما رأيته قلت يا سيدي قد تفضّلت و قضيت حاجتي فلم علقت قلبي و لم تعرّفني حتى يتكامل سروري، فقال لي سبحان اللّه أردت مني أن أمنّ عليك بأن أخبرك بما لا يجوز أن يخفى عليك.
(و فيه)قال ثمامة كان أصحابنا يقولون لم يكن يرى لجليس خالد البرمكي دار إلاّ خالد بناها له و لا ضيعة إلاّ و خالد حمله عليها و كان أوّل من سمّى المستميحين و من يقصد العمّال لطلب البرّ الزوار و كانوا قبل ذلك يسمّون السوال فقال خالد انا استقبح لهم هذا الاسم و فيهم الاحرار
و الاشراف و في ذلك يقول بعض زوّاره.
حذا خالد في جوده حذو برمك فجود له مستطرف و أثيل
و كان بنو الاعدام يدعون قبله باسم على الاعدام فيه دليل
يسمّون بالسوال في كلّ موطن و ان كان فيهم تافه و جليل
فسماهم الزوّار سرّا عليهم فاستاره في المجتدين سدول
و اما تعجيلها لتهنؤ،ففي الخبر«لكلّ شيء ثمرة و ثمرة المعروف تعجيل السراح»و عن الجاحظ كتب إلى بعضهم«ان سحاب وعدك قد برقت فليكن و بلها سالما عن صواعق المطل و الاعتلال»و قال ابن حمدان:«عجل النجح فان المطل بالوعد وعيد»و قال العتبي:
لا خير في عدة ان كنت ماطلها و للوفاء على الاخلاف تفضيل
الخير أنفعه للناس أعجله و ليس ينفع خير فيه تطويل
و قال البحتري في خضر بن أحمد.
عجّل بالذي تنيل يداه ان بطء النوال من تنكيده
كاد ممتاحه لسابق جدواه يكون الاصدار قبل و روده
و في اللسان(اكري العشاء)اخره قال الحطيئة.
(و أكريت العشاء إلى سهيل أو الشعرى فطال بي الاناء)
قيل:هو يطلع سحرا و ما أكل بعده فليس بعشاء يقول انتظرت معروفك حتى أيست هذا و في المعجم:«كان بالكوفة امرأة موسرة لها على الناس ديون كثيرة بالسواد فأتت ابن عبدل الشاعر و عرضت له بأنها تتزوجه إذا اقتضى لها ديونها فقام بها حتى اقتضاها ثم طالبها-و كان ابن عبدل يأتي ابن بشر بن مروان بالكوفة فيسأله فيقول له:ا خمسمائة العام أحبّ إليك أم ألف في قابل فيقول ألف في قابل فإذا أتاه من قابل قال له ألف في العام أحب إليك أم
الفان في قابل؟فيقول ألفان في قابل،فلم يزل كذلك حتى مات ابن بشر و لم يعطه شيئا-فكتبت المرأة إليه:
«سيخطيك الذي حاولت منّي فيقطع حبل و صلك من حبالي
كما اخطاك معروف ابن بشر و كنت تعد ذلك رأس مال
ثم دخل ابن عبدل بعد على عبد الملك فقال له عبد الملك:ما أحدثت بعدي قال خطبت امرأة من قومي فردت على ببيتي شعر-و ذكر له البيتين- فضحك عبد الملك و قال له لحاك اللّه اذكرت بنفسك و أمر له بألفي درهم (1)
معجم الادباء للحموي 1:233-235، [1]ترجمة الحكم بن عبدل.
.الحكمة(222)
و قال عليه السلام:
مِنْ أَشْرَفِ أَفْعَالِ الْكَرِيمِ غَفْلَتُهُ عَمَّا يَعْلَمُ أقول:و نقلت(المصرية)(اعمال)بدل(افعال)تحريف و في بيان الجاحظ جمع محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين فقال«صلاح شأن جميع التعايش و التعاشر ملأ مكيال ثلثاه فطنة و ثلثه تغافل»قال الجاحظ:«فلم يجعل عليه السلام لغير الفطنة نصيبا من الخير و لا حظّا في الصلاح لأن الانسان لا يتغافل إلاّ عن شيء قد فطن له و عرفه» (2).
و في الطبري قال محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان كان بالبصرة رجل من بني تميم-و كان شاعرا ظريفا خبيثا منكرا و كنت أنا و إلي البصرة آنس به و استحليه-فقلت له:أنت شاعر ظريف و المأمون أجود من السحاب الحافل فما يمنعك منه فعمل ارجوزة و خرج إلى الشام لمّا كان المأمون هنا لك
قال الرجل:فبينا أنا قد ركبت نجيبي و لبست مقطعاتي و أنا أروم العسكر فإذا أنا بكهل على بغل فارة ما يقرّ قراره،فتلقاني مواجهة و أنا أردد نشيد ارجوزتي.
فقال:سلام عليكم بكلام جهوري فقلت و عليكم،قال قف ان شئت فوقفت فتضوعت منه رائحة العنبر و المسك الأذفر فقال ما أولك؟قلت:رجل من مضر قال و نحن من مضر.
ثم ما ذا،قلت:من تميم،قال:ثم قلت:من سعد قال فما أقدمك هذا البلد قلت قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله أندى راحة قال:فما الذي قصدته به؟قلت:شعر طيب يلذ على الأفواه،و تقتفيه الرواة قال:فأنشدنيه فغضبت و قلت يا ركيك أخبرتك اني قصدت الخليفة بشعر قلته و تقول انشدنيه- فتغافل و اللّه عنها و تطامن لها و ألغى عن جوابها.
قال:و ما الذي تأمل منه؟قلت ان كان على ما ذكر منه فألف دينار قال فأنا أعطيكها ان رأيت الشعر جيّدا و الكلام عذبا واضع عنك العناء و طول الترداد و متى تصل إلى الخليفة و بينك و بينه عشرة آلاف رامح و نابل قلت فلي اللّه عليك أن تفعل قال:نعم قلت:و معك الساعة مال؟قال:«هذا بغلي و هو خير من ألف دينار»فغضبت أيضا و عارضني نزق سعد و خفة أحلامه،فقلت ما يساوي هذا البغل هذا النجيب؟قال:«فدع عنك البغل و لك اللّه على أن أعطيك الساعة ألف دينار»فأنشدته:
مأمون يا ذا المنن الشريفة و صاحب المرتبة المنيفة
و قائد الكتيبة الكثيفة هل لك في ارجوزة ظريفة
أظرف من فقه أبي حنيفة لا و الذي أنت له خليفة
ما ظلمت في أرضنا ضعيفة أميرنا مؤنة خفيفة
و ما أجتبى شيئا سوى الوظيفة فالذئب و النعجة في سقيفة
و اللص و التاجر في قطيفة
فو اللّه ما عدا ان أنشدته فاذا زهاء عشرة الآف فرس قد سدوا الافق يقولون:السلام عليك أيها الخليفة فأخذني أفكّر و نظر اليّ بتلك الحال،فقال:لا بأس عليك أي أخي قلت جعلت فداك أتعرف لغات العرب؟قال:أي قلت فمن جعل منهم(الكاف)مقام(القاف)قال:حمير قلت:«لعنها اللّه و لعن من استعمل هذه اللغة بعد اليوم»فضحك و علم ما أردت-أي ان مرادي بالركيك الرقيق- و التفت إلى خادم إلى جانبه فقال:اعطه ما معك فأخرج إليّ كيسا فيه ثلاثة الآف دينار فقال هاك،ثم قال:السلام عليك و مضى.
و في(تاريخ بغداد)،قال أبو الصلت:أو قفني المأمون ليلة عنده فكنّا نتحدث حتى ذهب من الليل ما ذهب و أطفئ السراج،و نام القيم الذي كان يصلح السراج فدعاه فلم يجبه فأصلحه هو ثم انتبه الخادم فظننت انّه يعاقبه فقال ربما أكون في المتوضأ فيشتموني و لا يدرون اني أسمع فأعفو عنهم، و قال ابن البواب كان المأمون يحلم في بعض الأوقات حتى يغيظنا جلس يوما يستاك على دجلة من بغداد من وراء ستيرة و نحن قيام بين يديه فمر فلاّح و هو يقول بأعلى صوته:
«أ تظنون ان هذا المأمون ينبل في عيني و قد قتل أخاه»فو اللّه ما زاد على أن تبسّم و قال لنا ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل (1)
تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 10:189- [1]دار الفكر-بيروت.
و في السير كان صلاح الدين الأيوبي جالسا يوما و عنده جماعة فرمى بعض المماليك بعضا بسرموز فأخطأته و وقعت بالقرب من صلاح الدين فالتفت إلى1) 1)
الجهة الاخرى يكلّم جليسه ليتغافل عنها» (1)
الكامل في التاريخ لابن الأثير 12:96- [1]دار صادر-بيروت.
و قال الشاعر:«ليس الغبي بسيّد في قومه لكن سيّد قومه المتغابي»
الحكمة(232)
و قال عليه السلام:
مَنْ يُعْطِ بِالْيَدِ الْقَصِيرَةِ يُعْطَ بِالْيَدِ الطَّوِيلَةِ و معنى ذلك أن ما ينفقه المرء من ماله- في سبيل الخير و البر و إن كان يسيرا- فإن الله تعالى يجعل الجزاء عليه عظيما كثيرا- و اليدان هاهنا عبارة عن النعمتين- ففرق ع بين نعمة العبد- و نعمة الرب تعالى ذكره بالقصيرة و الطويلة- فجعل تلك قصيرة و هذه طويلة- لأن نعم الله أبدا- تضعف على نعم المخلوقين أضعافا كثيرة- إذ كانت نعم الله أصل النعم كلها- فكل نعمة إليها ترجع و منها تنزع أقول:هو نظير قول النبي صلّى اللّه عليه و آله«اليد العليا خير من اليد السفلى»نقله المصنف في مجازاته النبوية ثم قال:«هذا القول مجاز لأنّه صلّى اللّه عليه و آله أراد باليد العالية يد المعطي،و باليد السافلة يد المستعطي،و لم يرد على الحقيقة ان هناك عاليا و سافلا و صاعدا و نازلا و انما أراد ان المعطي في الرتبة فوق الأخذ لأنّه المفضل و المحسن المجمل،و ليس هذا في معطي الحق،و انما هو في معطي الرفد و مسترفده،و ليس المراد انّه خير في الدين،بل المراد انّه خير في النفع للسائلين و انما كنى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن هاتين الحالتين باليدين،لأن الأغلب أن يكون بهما الاعطاء و البذل و بهما القبض و الأخذ».
1) 1)
و في(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله«الأيدي ثلاثة:سائلة و منفقة و ممسكة، و خير الأيدي المنفقة»و عن معلى بن خنيس«خرج أبو عبد اللّه عليه السلام في ليلة قد رشّت و هو يريد ظلّة بني ساعدة فاتبعته فاذا هو قد سقط منه شيء فقال:
«اللّهم رد علينا»فأتيته و سلمت فقال:معلى؟قلت نعم،قال:«التمس لي بيدك فما وجدت فادفعه اليّ»فاذا أنا بخبز كثير منتشر،فجعلت ادفع إليه ما أجد فاذا أنا بجراب أعجز عن حمله من خبز فقلت جعلت فداك أحمله على رأسي،فقال لا،أنا أولى به منك و لكن امض معي فأتينا ظلة بني ساعدة فاذا نحن بقوم نيام فجعل يدسّ الرغيف و الرغيفين تحت رؤوسهم حتى أتى على آخرهم ثم انصرفنا فقلت:جعلت فداك يعرف هؤلاء الحق؟فقال لو عرفوه لو اسيناهم بالدقة-أي الملح-ثم قال عليه السلام:ان اللّه تعالى لم يخلق شيئا إلاّ و له خازن يخزنه إلاّ الصدقة فان الرب تعالى يليها بنفسه،و كان أبي عليه السلام إذا تصدّق بشيء و أعطاه السائل ارتده منه فقبّله و شمّه ثم ردّه في يد السائل-الخبر- قلت:و قوله عليه السلام«ان اللّه تعالى»إلى قوله«في يد السائل»اشارة إلى قوله تعالى«و يأخذ الصدقات»ثم في ذيل الخبر«مر عيسى عليه السلام على شاطىء البحر، فرمى بقرص من قوته في الماء فقال له بعض الحواريين يا روح اللّه لم فعلت هذا و انما هو من قوتك فقال فعلت هذا لدابة تأكله من دواب الماء و ثوابه عند اللّه عظيم.
هذا،و كما ان قوله عليه السلام «من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة» و قول النبي صلّى اللّه عليه و آله«اليد العليا خير من اليد السفلى»كناية و استعارة كقول النبي صلّى اللّه عليه و آله لأزواجه«اسرعكنّ لحاقا بي أطولكنّ يدا»فلم يفهمن مراده صلّى اللّه عليه و آله و ظنن انّه صلّى اللّه عليه و آله أراد بطول اليد الجارحة حتى ماتت أولاهن زينب بنت جحش -و كانت امرأة كثيرة الصدقة و كانت صناعا تصنع بيدها و تبيعه و تتصدّق
به-ففهمن مراده صلّى اللّه عليه و آله و كانت أطولهن جارحة عايشة على قول الجاحظ (1)
البيان و التبيان للجاحظ 3:145،و الحديث«اسرعكنّ بي لحوقا اطولكن يدا».
و سودة على قول البلادري فروي عن الشعبي:«ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال لنسائه:«أطولكن يدا أسرعكنّ بي لحاقا»فكانت سودة أطولهنّ يدا فلما توفّيت زينب قلن صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كانت زينب أطولنا يدا في الخير».
و عن عايشة«لقد نالت زينب شرفا لا يبلغه شرف،زوّجها اللّه نبيه و نطق بذلك كتابه،و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:و نحن حوله«أسرعكن لحوقا بي اطولكنّ يدا»فبشرّها بسرعة لحاقها به و انها زوجته في الجنّة.
الحكمة(257)
و قال عليه السلام لكميل بن زياد النخعي:
يَا؟كُمَيْلُ؟ مُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَرُوحُوا فِي كَسْبِ الْمَكَارِمِ- وَ يُدْلِجُوا فِي حَاجَةِ مَنْ هُوَ نَائِمٌ- فَوَالَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ- مَا مِنْ أَحَدٍ أَوْدَعَ قَلْباً سُرُوراً- إِلاَّ وَ خَلَقَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ السُّرُورِ لُطْفاً- فَإِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَائِبَةٌ جَرَى إِلَيْهَا كَالْمَاءِ فِي انْحِدَارِهِ- حَتَّى يَطْرُدَهَا عَنْهُ كَمَا تُطْرَدُ غَرِيبَةُ الْإِبِلِ «يا كميل مر أهلك أن يروحوا في كسب المكارم» في(ذيل الطبري)«قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لسائب بن أبي السائب:ألم تكن شريكي في الجاهلية؟قال نعم بأبي أنت و أمي نعم الشريك كنت لا تمارى و لا تباري فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:
يا سائب انظر الأخلاق الحسنة التي كنت تصنعها في الجاهلية،فأصنعها في الاسلام اقر الضيف و احسن إلى اليتيم و اكرم الجار (2)و قال صلّى اللّه عليه و آله:بعثت لاتمم مكارم الأخلاق.
و في(الكافي)عن الصادق عليه السلام«المكارم عشر،فان استطعت أن تكون فيك فلتكن فانها تكون في الرجل و لا تكون في ولده و تكون في الولد و لا تكون في أبيه و تكون في العبد و لا تكون في الحر،قيل و ما هن؟قال:صدق البأس، و صدق اللسان،و أداء الامانة،و صلة الرحم،و اقراء الضيف،و اطعام السائل، و المكافاة على الصنائع،و التذمم للجار،و التذمم للصاحب،و رأسهن الحياء».
و روى نوادر معيشة(الكافي)عن معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام لا تمانعوا قرض الخمير و الخبز و اقتباس النار فانه يجلب الرزق على أهل البيت مع ما فيه من مكارم الأخلاق.
و روي عن الصادق عليه السلام ان اللّه تعالى خص الأنبياء بمكارم الأخلاق فمن كانت فيه فليحمد اللّه على ذلك و الا تكن فيكم فاسألوا اللّه فيها و ذكرها عشرة اليقين و القناعة و الصبر و الشكر و الحلم و حسن الخلق،و السخاء و الغيرة و الشجاعة و المروة-و زاد في خبر-صدق الحديث و اداء الامانة».
«و يدلجوا في حاجة من هو نائم» من(أدلج)إذا سار من أول الليل .
«فو الذي وسع سمعه الأصوات» (يسمع السر و أخفى).
«ما من أحد أودع قلبا سرورا إلاّ و خلق اللّه له من ذلك السرور لطفا» في ثواب الأعمال عن النبي صلّى اللّه عليه و آله ما من عبد يدخل على أهل بيت مؤمن سرورا إلاّ خلق اللّه له من ذلك السرور خلقا يجيئه يوم القيامة كلّما مرت عليه شديدة يقول:يا ولي اللّه لا تخف فيقول له من أنت فلو ان الدنيا كانت لي ما رأيتها لك شيئا فيقول أنا السرور الذي ادخلت على آل فلان.
«فاذا نزلت به نائبة» من نوائب الدهر و مصائبه.
«جرى» ذلك اللطف.
«إليها» أي:إلى تلك النائبة.
«كالماء في انحداره» أي:في سرعته.
«يطردها عنه» من(اطردت الابل).
«كما تطرد غريبة الابل» في المعجم«قدم علي ابن مروان-صاحب ديار بكر-شاعر من المعجم يعرف بالغساني،و كان من عادة ابن مروان إذا قدم عليه شاعر يكرمه و ينزله،و لا يجتمع به إلى ثلاثة أيام ليستريح من سفره و يصلح شعره ثم يستدعيه.و اتفق ان الغساني لم يكن أعد شيئا في سفره ثقة بقريحته فأقام ثلاثة أيام فلم يفتح عليه يعمل بيتا واحدا و علم انّه يدعى و لا يليق أن يلقى الأمير بغير مديح فأخذ قصيدة من شعر الحسن بن أسد الفارقي لم يغيّر فيها إلاّ اسمه.
و اعلم ابن مروان بذلك فغضب و قال يجيء هذا العجمي فيسخر منّا ثم أمر بمكاتبة ابن اسد،و أمر أن يكتب القصيدة بخطّه و يرسلها إليه فخرج بعض الحاضرين فانهى القضية إلى الغساني-و كان هذا بآمد-و كان له غلام جلد فكتب من ساعته إلى ابن اسد كتابا بأني قدمت على الأمير فارتج على قول الشعر مع قدرتي عليه فادّعيت قصيدة من شعرك استحسانا لها و عجبا بها و مدحت بها الأمير،و لا أبعد أن تسأل عن ذلك فان سألت فرأيك الموفق في الجواب».
فوصل غلام الغساني قبل كتاب ابن مروان،فأجاب ابن مروان بأني لا أعرف هذه القصيدة،و لا قائلها فلما ورد الجواب عليه عجب من ذلك و شتم الساعي و قال انما قصدكم فضيحتي بين الملوك حسدا منكم لمن احسن إليه ثم ازداد في الاحسان إلى الغساني و انصرف الغساني إلى بلاده فلم يمض على ذلك إلاّ مديدة حتى اجتمع أهل ميافارقين إلى ابن أسد و دعوه إلى أن يؤمروه عليهم و يساعدوه على العصيان و اقامة الخطبة للسلطان ملكشاه
و حده اسقاط اسم ابن مروان من الخطبة فأجابهم إلى ذلك و بلغ ذلك ابن مروان فحشد له و نزل على ميافارقين فأعجزه أمرها فأنفذ إلى نظام الملك و السلطان يستمدهما فأنفذا إليه جيشا و مددا مع الغساني المذكور،و كان قد تقدم عند نظام الملك و السلطان و صار من أعيان الدولة و صدقوا في الزحف على المدينة حتى أخذوها عنوة و قبض على ابن أسد و جيء به إلى ابن مروان فأمر بقتله فقام الغساني و شدّد العناية في الشفاعة فيه فامتنع ابن مروان امتناعا شديدا من قبول شفاعته و قال:ان ما اعتمده في شق العصا يوجب أن يعاقب بالقتل.
فقال:بيني و بين هذا الرجل ما يوجب قبول شفاعتي فيه،و أنا أتكفل به الا يجري منه بعد شيء يكره فاستحيى منه و أطلقه له فاجتمع به الغساني و قال:أ تعرفني؟قال:لا و اللّه و لكني أعرف انّك ملك من السماء من اللّه بك على بقاء مهجتي فقال له:أنا الذي ادّعيت و سترت عليّ و ما جزاء الاحسان إلاّ الاحسان،فقال ابن أسد:ما رأيت قصيدة جحدت فنفعت صاحبها أكثر من نفعها إذا ادّعاها،غير هذا فجزاء اللّه عن مروءتك خيرا،و انصرف الغساني من حيث جاء.
(أيضا)حبس أحمد بن طولون،ابن داية فاجتمع زهاء ثلاثين رجلا ممّن يمونهم و دخلوا على بن طولون و قالوا ليس لنا أن نسأل الأمير مخالفة ما يراه في ابن داية و انما نسأله ان آثر قتله ان يقتلنا قال:و لم؟فقالوا لنا ثلاثون سنة ما فكّرنا في ابتياع شيء ممّا احتجنا إليه و لا وقفنا بباب غيره و نحن و اللّه نرفض البقاء بعده و عجّوا بالبكاء بين يديه فقال لهم:بارك اللّه عليكم فقد كافأتم احسانه و جازيتم إنفاقه،ثم قال:احضروه فاحضر،فقال لهم:خذوا
بيد صاحبكم و انصرفوا فخرجوا معه و انصرف إلى منزله (1)
معجم الادباء للحموي 3:156. [1]
.(أيضا)بعث ابن طولون في الساعة التي توفي فيها ابن داية المذكور بخدم فهجموا الدار،و طالبوا بكتبه مقدرين ان يجدوا فيها كتابا من أحد ممّن ببغداد فحملوا صندوقين و قبضوا على ابنيه و صاروا بهما إلى داره و ادخلا إليه،و عنده رجل من أشراف الطالبيّين فأمر بفتح أحد الصندوقين و ادخل خادم يده على دفتر جراياته على الاشراف و غيرهم فأخذ الدفتر بيده و تصفحه-و كان جيد الاستخراج-فوجد اسم الطالبي الذي عنده في الجراية فقال:كانت عليك جراية ليوسف بن داية؟قال:نعم أيها الأمير دخلت هذه المدينة و أنا مملق فأجري عليّ في كلّ سنة مائتي دينار اسوة بابن الأرقط و العقيقي و غيرهما.
ثم امتلأت يداي من طول الأمير فاستعفيته منها فقال لي:نشدتك اللّه الا قطعت سببا لي برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله-و تدمع الطالبي-فقال ابن طولون:رحم اللّه يوسف،ثم قال لولده:انصرفوا إلى منازلكم فلا بأس عليكم فانصرفوا و لحقوا جنازة أبيهما،و حضر ذلك العلوي و أحسن مكافأة أبيهم في خلفه (2).
و في(مستجاد التنوخي)عن علي بن صالح البلخي عن بعض شيوخه عن شيبة الدمشقي،قال كان في أيام سليمان بن عبد الملك رجل يقال له خزيمة بن بشر من بني أسد بالرقة و كانت له مروءة و نعمة حسنة و فضل و بر بالاخوان فلم يزل على تلك الحال حتى احتاج إلى اخوانه الذين كان يتفضل عليهم فواسوه حينا ثم ملّوه،فلما لاح له تغيّرهم أتى امرأته فقال لها قد رأيت من اخواني-تغيّرا و قد عزمت على لزوم بيتي إلى أن يأتيني الموت
و أغلق بابه عليه و أقام يتقّوت بما عنده حتى نفد و بقي حائرا في أمره و كان عكرمة الفياض الربعي و اليا على الجزيرة فبينما هو في مجلسه و عنده جماعة من أهل البلد إذ جرى ذكر خزيمة بن بشر فقال عكرمة ما حاله؟فقالوا صار من سوء الحال إلى أن أغلق بابه و لزم بيته فقال فما وجد مواسيا و لا مكافيا قالوا لا فأمسك.
ثم لمّا كان الليل عمد إلى أربعة آلاف دينار فجعلها في كيس ثم أمر باسراج دابته و خرج سرّا من أهله فركب و معه غلام من غلمانه يحمل المال ثم سار حتى وقف بباب خزيمة فأخذ الكيس من الغلام.
ثم أبعده و تقدّم إلى الباب فدقّه بنفسه فخرج إليه خزيمة فناوله الكيس و قال له اصلح بهذا شأنك فتناوله خزيمة فرآه ثقيلا فوضعه ثم أمسك لجام الدابة و قال له من أنت؟جعلت فداك قال:ما جئتك هذه الساعة و أنا أريد أن تعرفني قال خزيمة فما أقبله إلاّ و تخبرني من أنت قال أنا جابر عثرات الكرام قال زدني قال لا ثم مضى و دخل خزيمة بالكيس فقال لامرأته ابشري فقد أتى اللّه بالفرج و لو كانت فلوسا فهي كثيرة قومي فاسرجي،قالت لا سبيل إلى السراج فبات يلمسها فيلمس خشونة الدنانير و لا يصدّق و رجع عكرمة إلى منزله فوجد امرأته قد افتقدته و سألت عنه فأخبرت بركوبه منفردا فارتابت لذلك فشقّت جيبها و لطمت خدّها فلما رآها قال لها ما دهاك؟قالت غدرت بابنة عمك قال و ما ذاك؟قالت أمير الجزيرة يخرج بعد هدأة من الليل منفردا من غلمانه في سر من أهله و اللّه ما يخرج إلاّ إلى زوجة أو سرية قال لقد علم اللّه اني ما خرجت إلى واحدة منهما قالت فخبرني فيم خرجت؟قال يا هذه لم أخرج في هذا الوقت و أنا أريد أن يعلم بي أحد قالت لا بد قال فاكتميه اذن قالت أفعل فأخبرها بالقصة على وجهها و ما كان من قوله و رده عليه.
قال ثم أصبح خزيمة فصالح الغرماء و أصلح من حاله.
ثم تجهز يريد سليمان بن عبد الملك بفلسطين و بلا وقف ببابه دخل الحاجب فأخبره بمكانه.و كان مشهور المروة و كان سليمان به عارفا فاذن له فلما دخل عليه قال ما أبطأك عنّا؟قال سوء الحال،قال فبم نهضت؟قال:لم أعلم بعد هدأة من الليل إلاّ و رجل طرق بابي فكان منه كيت و كيت-و أخبره بقصته فقال له هل تعرفه؟قال:لا قال:كان متنكرا إلاّ أن سمعت منه انّه جابر عثرات الكرام فتلهف سليمان على عدم معرفته و قال لو عرفنا لأعناه على معرفته.
ثم قال عليّ بقناة فأتى بها فعقد لخزيمة على الجزيرة على عمل عكرمة الفياض فخرج خزيمة إلى الجزيرة فلما قرب منها خرج عكرمة و أهل البلد للقائه فسلّم عليه.
ثم سارا جميعا إلى أن دخلا باب خزيمة إلى دار الامارة و أمر أن يؤخذ عكرمة و ان يحاسب فحوسب فوجدت عليه فضول كثيرة فطلبه بادائها قال ما هي عندي فاصنع ما أنت صانع فأمر به إلى الحبس ثم بعث إليه يطالبه فأرسل اني لست ممّن يصون ماله بعرضه فاصنع ما شئت فأمر به فكبّل بالحديد و اقام كذلك شهرا أو أكثر فأضناه ذلك و بلغ ابنة عمّه ضرّه فجزعت ثم دعت مولاة لها ذات عقل و قالت امضي الساعة إلى باب هذا الأمير فقولي عندي نصيحة فاذا طلبت منك فقولي لا أقولها إلاّ للأمير فاذا دخلت عليه فسليه ان يخليك فاذا فعل فقولي له ما كان هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك كافأته بالحبس و الضيق و الحديد ففعلت ذلك فلما سمع خزيمة قولها قال و اسوأتاه و انّه لهو قالت نعم فأمر من وقته بدابته فاسرجت و بعث إلى رءوس أهل البلد فجمعهم و أتى بهم إلى باب الحبس ففتح و دخل خزيمة و من معه فألفى عكرمة
في قاع الحبس متغيّرا قد أضناه الضر فلما نظر إليه عكرمة و إلى الناس احشمه ذلك و نكس رأسه فأقبل خزيمة حتى أكبّ على رأسه فقبّله فرفع عكرمة رأسه إليه و قال ما أعقب هذا منك؟قال كريم فعلك و سوء مكافأتي قال يغفر اللّه لنا و لك.
ثم أمر الحداد ففك القيد عنه و أمر خزيمة أن يوضع في رجل نفسه فقال عكرمة تريد ما ذا؟قال:أريد أن ينالني من الضر مثل ما نالك فقال اقسم عليك باللّه ألا تفعل فخرجا جميعا إلى أن وصل دار خزيمة فودّعه عكرمة و أراد الانصراف قال ما أنت ببارح حتى أغير من حالك و حيائي من ابنة عمك أشد من حيائي منك.
ثم أمر بالحمام فأخلي و دخلا جميعا ثم قام خزيمة فتولى خدمته بنفسه ثم خرجا فخلع عليه و حمل عليه مالا كثيرا ثم سار و معه إلى داره و استأذنه في الاعتذار إلى ابنة عمه فاذن له فاعتذر لها و تذمم من فعله ذلك ثم سأله أن يسير معه إلى سليمان فأنعم له بذلك فسارا حتى قدما عليه فدخل الحاجب فأخبره بقدوم خزيمة فراعه ذلك و قال و الي الجزيرة يقدم بغير أمرنا ما هذا إلاّ لحادث عظيم فلما دخل عليه قال له قبل أن يسلّم ما وراك يا خزيمة؟ قال خير،قال فما الذي أقدمك؟قال ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت ان أسرك به لمّا رأيت من تلهفك و شوقك إلى رؤيته قال و من هو؟قال:عكرمة الفياض فاذن له في الدخلول فدخل فرحب به و أدناه من مجلسه و قال يا عكرمة ما كان ضرّك له إلاّ و بالا عليك.
ثم قال اكتب حوائجك كلّها في رقعة قال أو يعفيني الخليفة قال لا بد ثم دعا بدواة و قرطاس و قال اعتزل و اكتب ففعل فأمر بقضائها جميعا من ساعة و أمر له بعشرة الآف دينار و سفطين من ثياب ثم دعا بقناة و عقد له على
الجزيرة و ارمينية و اذربيجان و قال له أمر خزيمة إليك ان شئت أبقيته و ان شئت عزلته قال بل أرده إلى عمله ثم انصرفا و لم يزالا عاملين لسليمان بن عبد الملك مدّة خلافته (1)
التوخي،المستجاد من فعلات الأجواد:26-32.
.و في(تاريخ بغداد)،قال أبو خليفة:كان في جوارنا رجل حدّاد فاحتاج في أمر له أن يتظلّم أيام الواثق فشخص إلى سر من رأى ثم عاد فحدّثنا انّه رفع قصته إلى الواثق فأمر برد أمره إلى ابن داود و أمر جماعة المتظلمين فحضروا فنظر في أمورهم و تشوفت لينظر في أمري و رقعتي بين يديه فأومأ اليّ بالانتظار فانتظرت حتى لم يبق أحد دعاني فقال أ تعرفني فقلت لا أنكر القاضي أعزّه اللّه فقال و لكني أعرفك مضيت يوما في الكلأ فانقطعت نعلي فأعطيتني شسعا لها،فقلت لك اني أحبوك بثواب ذلك فتكرهت قولي و قلت و ما مقدار ما فعلت امض في حفظ اللّه.
ثم قال و اللّه لا صلح زمانك كما أصلحت نعلي ثم وقع لي في ظلامتي و وهب لي خمسمائة دينار،و قال ذرني في كلّ وقت.قال أبو خليفة فرأيناه متسع الحال بعد ان كان مضيقا (2).
و في(الأغاني)عن إبراهيم بن المدبر قال جاءني يوما محمد بن صالح الحسني بعد أن أطلق من حبس المتوكل فقال:اني أريد المقام عندك اليوم على خلوة لأبثك من أمري شيئا لا يصح ان يسمعه غيرنا فقلت افعل فصرفت من كان بحضرتي و خلوت معه و أمرت برد دابته و أخذ ثيابه فلما اطمأن و أكلنا و اصطبحنا قال أعلمك اني خرجت في سنة كذا و كذا و معي أصحابي على القافلة الفلانية فقاتلنا من كان فيها فهزمناهم و ملكنا القافلة فبينا أنا أحوزها
و انيخ الجمال إذ طلعت عليّ امرأة من العمارية ما رأيت قط أحسن وجها منها و لا أحلى منطقا فقالت يا فتى ان رأيت أن تدعو لي بالشريف المتولي أمر هذا الجيش فقلت قد رأيته و سمع كلامك فقالت سألتك بحق اللّه و حق رسوله أنت هو؟فقلت نعم فقالت:
«أنا حمدونة بنت عيسى بن موسى بن أبي خالد الحري و لأبي محل من السلطان و لنا منعة ان كنت ممّن سمع بها و ان كنت لم تسمع فسل غيري و واللّه لا استأثرت عنك بشيء أملكه،و لك بذلك عهد اللّه و ميثاقه عليّ و ما أسألك إلاّ أن تصونني و تسترني و هذه ألف دينار معي لنفقتي فخذها حلالا و هذا حلي عليّ من خمسمائة دينار فخذه و ضماني ما شئت بعده اخذه لك من تجار المدينة أو مكة أو أهل الموسم فليس منهم أحد يمنعني شيئا أطلبه، و ادفع عني و احمني من أصحابك و من عار يلحقني»فوقع قولها من قلبي موقعا عظيما فقلت قد وهب اللّه مالك و جاهك و حالك و وهبت لك القافلة بجميع ما فيها.
ثم خرجت فناديت في أصحابي فاجتمعوا فقلت اني قد اجرت هذه القافلة و أهلها و خفرتها و حميتها و لها ذمة اللّه و ذمة رسوله و ذمتي فمن أخذ منها خيطا أو عقالا فقد أذنته بحرب فانصرفوا معي،فلما أخذت و حبست بينا أنا ذات يوم في محبسي إذ جاءني السجّان و قال لي ان بالباب امرأتين تزعمان انهما من أهلك و قد حظر عليّ أن يدخل عليك أحد إلاّ انّهما اعطتاني دملج ذهب ان أوصلهما إليك و هاهما في الدهليز فأخرج إليهما ان شئت ففكّرت في من يجيئني في هذا البلد و أنا غريب لا أعرف أحدا ثم قلت لعلهما من ولد أبي أو بعض نساء أهلي،فخرجت إليهما فاذا بصاحبتي فلما رأتني بكت لمّا رأت من تغيّر خلقي و ثقل حديدي،فأقبلت عليها الاخرى فقالت أهو هو؟!فقالت أي و اللّه
انّه لهو هو ثم أقبلت عليّ فقالت:فداك أبي و امي و اللّه لو استطعت أن أقيك ممّا أنت فيه بنفسي و أهلي لفعلت و كنت بذلك مني حقيقا،و واللّه لا تركت المعاونة لك و السعي في حاجتك و خلاصك بكلّ حيلة و مال و شفاعة و هذه دنانير و ثياب و طيب فاستعن بها على موضعك و رسولي يأتيك كلّ يوم بما يصلحك حتى يفرّج اللّه عنك،ثم أخرجت إليّ كسوة و طيبا و مائتي دينار،و كان رسولها يأتيني في كل يوم بطعام نظيف و يتواصل برها بالسجّان فلا يمتنع من كلّ شيء أريده حتى منّ اللّه عليّ بخلاصي ثم راسلتها فخطبتها فقالت أما من جهتي فأنا لك متابعة مطيعة و الأمر إلى أبي فأتيته فخطبتها إليه فردني و قال ما كنت لأحقق عليها ما قد شاع في الناس عنك في أمرها و قد صيرتنا فضيحة فقمت من عنده منكسا مستحييا و قلت له في ذلك:
رموني و إياها بشنعاء هم بها أحق أدال اللّه منهم معجلا
بأمر تركناه و ربّ محمد عيانا فأما عفة أو تجملا
قال إبراهيم ابن المدبر فقلت له ان عيسى صنيعة أخي و هو لي مطيع و أنا أكفيك أمره فلما كان من الغد لقيت عيسى في منزله و قلت له جئتك في حاجة فقال مقضية فقلت جئتك خاطبا إليك ابنتك.
فقال هي لك امة و أنا لك عبد و قد أجبتك فقلت اني خطبتها على من هو خير مني أبا و أما و أشرف صهرا و متصلا محمد بن صالح العلوي فقال لي يا سيدي هذا رجل قد لحقنا بسببه ظنّة و قيلت فينا أقوال فقلت أ فليست باطلة؟ قال:بلى،قلت فكأنّها لم تقل و إذا وقع النكاح زال كلّ قول و شنيع،و لم أزل أرفق به حتى أجاب،و بعثت إلى محمد بن صالح فأحضرته و ما برحت حتى زوجته و سقت الصداق عنه (1)
الأغاني لأبو الفرج الاصفهاني 16:364-367. [1]
و فيه بعث ابن الزبير ابن الأزرق المخزومي على بعض1) 1)
أعمال اليمن فأعطى أعطية سنية و بث في قريش منها أشياء جزيلة فأثنت عليه قريش و وفدوا إليه فأسنى لهم العطايا و بلغ ذلك ابن الزبير فحسده و عزله بابراهيم بن سعد بن أبي وقاص فلما قدم عليه أراد أن يحاسبه.
فقال له مالك عندي حساب و لا بيني و بينك عمل و قدم مكة فخافت قريش ابن الزبير عليه أن يفتشه أو يكشفه فلبست السلاح و خرجت إليه لتمنعه فلما لقيهم نزلت إليه قريش فسلمت عليه و بسطت له أرديتها و تلقته امائهم و ولائدهم بمجامر الالوة و العود المندلي يبخرون بين يديه حتى انتهى إلى المسجد و طاف بالبيت.
ثم جاء إلى ابن الزبير فسلّم عليه و هم معه مطيفون به فعلم ابن الزبير انّه لا سبيل له إليه فما عرض و لا صرّح له بشيء و مضى إلى منزله.
و في الجهشياري«كان عبد اللّه بن أبي فروة،و عبد الملك بن مروان، و مصعب بن الزبير في حداثتهم اخلاّء لا يكادون يفترقون،و كان إذا اكتسى عبد الملك كسوة اكتسى الخليلان مثلها فاكتسى عبد الملك حلة،و اكتسى ابن أبي فروة مثلها،و بقي مصعب لا يجد ما يكتسي به-و كان أقلّهم شيئا-فذكر ابن أبي فروة ذلك لأبيه فكساه مثل حليتهما على يد ابنه فلما ولّى مصعب العراق استكتب ابن أبي فروة فكان عنده يوم إذ أتى مصعب بعقد جوهر قد أصيب في بعض بلاد العجم لبعض ملوكهم لا يدري ما قيمته،فجعل مصعب يقلبه و يعجب منه.
ثم قال لابن أبي فروة ايسّرك ان أهبه لك قال نعم و اللّه أيها الأمير فدعه إليه فرآه قد سر به سرورا شديدا فقال مصعب:و اللّه لأنا بالحلة يوم كسوتنيها أشدّ سرورا منك بهذا،الآن،و كان العقد سبب غناء ابن أبي فروة و غنا عقبه،و ذكر مصعب الزبيري ان عامل خراسان وجد كنزا فيه نخلة كانت
مصنوعة من الذهب لكسرى عثاكيلها من لؤلؤ و جوهر و ياقوت أحمد و أحضر فحملها إلى مصعب فجمع لها المقوّمين فقوّموها بألفي ألف دينار فقال إلى من أدفعها؟فقيل إلى نسائك و أهلك فقال لا بل أرفعها إلى رجل قدم عندنا يدا و أولانا جميلا أدعوا عبد اللّه بن أبي فروة فدفعها إليه فلما قتل مصعب كاتب عبد الملك و بذل له مالا فسلم منه بماله-و كان أيسر أهل المدينة-.
الحكمة(27)
و قال عليه السلام:
أَفْضَلُ الزُّهْدِ إِخْفَاءُ الزُّهْدِ أقول:فاذا أشاعه فهو دليل حرصه على الدنيا لازهده فيها فالزهد ليس ترك التنعم من نعمه تعالى بل ترك التعلّق بالدنيا كما قال تعالى: «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» (1)
الحديد:23. [1]
فقالوا عليهم السلام جمع اللّه تعالى الزهد في هاتين الكلمتين،و في(الكافي)عن الصادق عليه السلام قال:بينا أنا في المطاف و إذا برجل يجدّب ثوبي،و إذا هو عباد بن كثير البصري.فقال يا جعفر بن محمد تلبس مثل هذه الثياب!!و أنت في هذا الموضع مع المكان الذي أنت فيه من عليّ فقلت ثوب قرقبي اشتريته بدينار و كان علي عليه السلام في زمان يستقيم له ما لبس و لو لبست مثل ذلك اللباس في زماننا لقال الناس هذا مراء مثل عباد و روى أيضا اعتراض سفيان الثوري عليه عليه السلام في لباسه،و قال له ما لبس النبي صلّى اللّه عليه و آله مثل ذلك فقال عليه السلام:ان النبي صلّى اللّه عليه و آله كان في زمان قتر مقتر و ان الدنيا أرخت بعد ذلك عزاليها فأحق أهلها بها أبرارها
1) 1)
-ثم تلا عليه السلام «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ» (1)
الاعراف:32. [1]
-و نحن أحق من أخذ منها ما أعطاه اللّه غير اني يا ثوري ما ترى عليّ من ثوب لبسته للناس-ثم اجتذب يد سفيان إليه و رفع الثوب الأعلى و أخرج ثوبا تحت ذلك على جلده غليظا-فقال هذا لبسته لنفسي و ما رأيته للناس.-ثم جذب ثوبا على سفيان أعلاه غليظ جشن و داخل ذلك ثوب لين- فقال لبست أنت هذا الأعلى للناس و لبست هذا لنفسك تسترها.
الحكمة(33)
و قال عليه السلام:
كُنْ سَمْحاً وَ لاَ تَكُنْ مُبَذِّراً- وَ كُنْ مُقَدِّراً وَ لاَ تَكُنْ مُقَتِّراً أقول:التبذير و التقدير مذمومان أما الأول فقال تعالى: «وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَ كانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً» (2).
و أما الثاني فقال تعالى: «قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَ كانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً» (3)و انما الممدوح السمح المقدر فقال تعالى: «وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً» (4).
و في الخبر أخذ الصادق عليه السلام قبضة من حصى و قبضها بيده فقال هذا «الاقتار»الذي ذكره اللّه تعالى.
ثم أخذ قبضة أخرى و أرخى كفّه كلّها ثم قال هذا«الاسراف»الذي ذكره تعالى ثم أخذ قبضة اخرى فأرخى بعضها و أمسك بعضها و قال هذا«القوام» الذي ذكره تعالى.
و في(الكافي)جاء سائل إلى الصادق عليه السلام فقام إلى مكتل فيه تمر فملأ يده فناوله ثم جاء آخر فسأله فقام فأخذ بيده فناوله،ثم جاء آخر فسأله فقام فأخذ فناوله بيده ثم جاء آخر فقال عليه السلام:اللّه رازقنا و إياك ثم قال ان النبي صلّى اللّه عليه و آله كان لا يسأله أحد إلاّ أعطاه فأرسلت امرأة ابنها إليه يسأله و قالت له:فإن قال ليس عندنا شيء فقل اعطني قميصك،ففعل فأخذ صلّى اللّه عليه و آله قميصه فرمى به إليه فأدبه اللّه تعالى على القصد فقال: «وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً» (1)
:29.
و روي ان الكاظم عليه السلام سئل عن النفقة على العيال فقال بين المكروهين الاسراف و الاقتار.الحكمة(425)
و قال عليه السلام:
إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً اخْتَصُّهُمْ اللّهُ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ- فَيُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا- فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ ثُمَّ حَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ «ان للّه عبادا اختصهم اللّه بالنعم لمنافع العباد» هكذا في (المصرية)و الصواب:ان«للّه عبادا يختصهم بالنعم»إلخ كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)و يشهد لكونه«يختصهم»السياق فبعده «فيقرّها»و لزيادة لفظ الجلالة تقدمه هذا و في(الكافي)عن الصادق عليه السلام«ان من بقاء المسلمين و بقاء الاسلام ان تصير الاسراء
1) 1)
الأموال عند من يعرف فيها الحق يصنع فيها المعروف و ان من فناء الاسلام و فناء المسلمين ان تصير الأموال في أيدي من لا يعرف فيها الحق و لا يصنع فيها المعروف»و عن الباقر عليه السلام:«ان اللّه تعالى جعل للمعروف أهلا من خلقه حبّب إليهم فعاله و وجّه لطلاّب المعروف الطلب إليهم و يسّر لهم قضاءه كما يسّر الغيث للأرض المجدبة ليحييها و يحيي به أهلها و انّه تعالى جعل للمعروف أعداء من خلقه بغّض إليهم المعروف و بغّض إليهم فعاله و حظر على طلاب المعروف الطلب و حظر عليهم قضاءه كما حرّم الغيث على الأرض المجدبة ليهلكها و يهلك أهلها»و عن الصادق عليه السلام:«ان للجنّة بابا يقال له المعروف لا يدخله إلاّ أهل المعروف»و عنه عليه السلام«أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة يقال لهم ان ذنوبكم قد غفرت لكم فهبوا حسناتكم لمن شئتم»و عنه عليه السلام قالوا للنبي صلّى اللّه عليه و آله ان أهل المعروف يعرفون بمعروفهم في الدنيا فبم يعرفون في الآخرة؟فقال إذا ادخل اللّه تعالى أهل الجنة الجنّة أمر ريحا عبقة طيبة فلزقت بأهل المعروف فلا يمر أحد منهم بملأ من أهل الجنّة إلاّ وجدوا ريحه فقالوا هذا من أهل المعروف.
و في(وزراء الجهشياري)دعا الرشيد صالحا صاحب المصلّى حين تنكّر للبرامكة فقال له:أخرج إلى منصور بن زياد،فقل له قد صحت عليك عشرة آلاف الف درهم فاحملها إلى في يومك هذا فان هو دفعها إليك كاملة قبل مغيب الشمس من يومك هذا و إلاّ فاحمل رأسه اليّ و إيّاك و مراجعتي في شيء من أمره قال صالح:
فخرجت إلى منصور و هو في الدار فعرفته الخبر.
فقال: «إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» ذهبت و اللّه نفسي ثم حلف انّه لا يعرف موضع ثلاثمائة ألف درهم فكيف عشرة آلاف الف درهم فقال له صالح جد في عملك فقال له امض بي إلى منزلي حتى أوصي و اتقدّم في أمري فمضى فما هو ان دخل حتى ارتفع الصراخ من منازله و حجر نسائه فأوصى و خرج و ما فيه لحم و لادم،فقال صالح:امض بنا إلى أبي علي يحيى بن خالد لعل اللّه أن يأتينا بفرج من جهته فمضى معه فدخل على يحيى و هو يبكي فقال يحيى ما وراءك؟فقص عليه القصة فقلق يحيى بأمره و أطرق مفكّرا ثم دعا خازنه فقال كم عندك من المال؟قال:خمسة آلاف ألف درهم،قال احضرني مفاتيحها فأحضرها ثم وجّه إلى الفضل انّك أعلمتني ان عندك-فداك أبوك-ألفي ألف درهم قدرت أن تشتري بها ضيعة و قد أصبت لك ضيعة يبقى ذكرها و شكرها و تحمدن ثمرتها فوجّه إلينا بالمال فوجّه به.
ثم قال للرسول امض إلى جعفر فقل له ابعث إلى-فداك أبوك- ألف ألف درهم بحق لزمني،فوجّه إليه فقال صالح هذه ثمانية آلاف ألف ألف درهم ثم أطرق أطراقه لأنّه لم يكن بقي عنده شيء ثم رفع رأسه إلى خادم على رأسه و قال له امض إلى دنانير فقل لها وجهي الي بالعقد الذي كان الخليفة و هبك إيّاه فجاء به فاذا عقد كعظم الذراع فقال لصالح:اشتريت هذا للخليفة بمائة ألف و عشرين ألف دينار فوهبه لدنانير و قد حسبناه عليك بألفي ألف درهم و هذا تمام المال فانصرف و خل عن صاحبنا قال صالح فأخذت ذلك و رددت منصورا معي فلما صرنا بالباب انشد منصور متمثلا:
فما بقيا عليّ تركتماني و لكن خفتما صرد النبال
فقال صالح:ما على ظهر الأرض كلّها رجل هو أنبل من رجل خرجنا من عنده و لا سمعت بمثله في من مضى و لا يكون مثله في من بقى،و لا على ظهر الأرض رجل أخبث سريرة و لا أردء طبعا من هذا النبطي إذ لم يشكر من أحياه،قال و صرت إلى الرشيد فقصصت عليه قصة المال و طويت عنه ما قاله المنصور لأني خفت ان سمعه ان يقتله.
فقال لي الرشيد اما اني قد علمت انّه ان نجا لم ينج إلاّ بأهل هذا البيت و قال اقبض المال و اردد العقد على(دنانير)فاني لم أكن لأهب هبة و ترجع اليّ قال صالح:فلم أطب نفسا ترك تعريف يحيى ما قال منصور فقلت له لمّا رأيته-بعد أن أطنبت في شكره و وصف ما كان منه-لقد أنعمت على غير شاكر قابل أكرم فعل بالام قول قال و كيف ذاك فأخبرته بما قال فجعل و اللّه يطلب له المعاذير و يقول«يا أبا علي ان المتحوب القلب ربما سبقه لسانه بما ليس في ضميره و قد كان الرجل في حال عظيم»فقلت و اللّه ما أدري من أي أمر بك أعجب أمن الأول أم من الثاني و لكني أعلم ان الدهر لا يخلف مثلك.
(أيضا)حكي ان المأمون قال يوما لمحمد بن عباد المهلبي بلغني ان فيك سرفا فقال له«ان البخل مع الوجود سوء ظن باللّه تعالى و اني لأهمّ بالإمساك فاذكر قول اشجع السلمي في جعفر البرمكي:
يحب الملوك ندى جعفر و لا يصنعون كما يصنع
و ليس بأوسعهم في الغنى
فأمر له المأمون بمأة ألف دينار و قال له استعن بها على مروءتك.
يحب الملوك ندى جعفر و لا يصنعون كما يصنع
و ليس بأوسعهم في الغنى
فأمر له المأمون بمأة ألف دينار و قال له استعن بها على مروءتك.
«يقرها في أيديهم ما بذلوها فاذا منعوها نزعها منهم ثم حولها إلى غيرهم» و الأصل فيه قوله تعالى: «إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» (1)
الرعد:11. [1]
.و قإل ابن ابى الحديد قالالشاعر:«لم يعطك اللّه ما أعطاك من نعم إلاّ لتوسع من يرجوك احسانا
فان منعت فاخلق ان تصادفها تطير عنك زرافات و وجدانا»
الخطبة(161)
و من خطبة له عليه السلام:
لِيَتَأَسَّ صَغِيرُكُمْ بِكَبِيرِكُمْ- وَ لْيَرْأَفْ كَبِيرُكُمْ بِصَغِيرِكُمْ- وَ لاَ تَكُونُوا كَجُفَاةِ الْجَاهِلِيَّةِ- لاَ فِي الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ وَ لاَ عَنِ اللَّهِ يَعْقِلُونَ- كَقَيْضِ بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ- يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً وَ يُخْرِجُ حِضَانُهَا شَرّاً «ليتأس صغيركم بكبيركم» الصدوق في(ثواب أعماله)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله (من عرف فضل شيخ كبير فوقّره لسنّه آمنه اللّه من فزع يوم القيامة،و من تعظيم اللّه عز و جل إجلال ذي الشيبة المؤمن).
«و ليرأف كبيركم بصغيركم» جاء(رأف)بالضم و الفتح و الكسر قال الجوهري«قال أبو زيد»«رؤفت بالرجل و رأفت به أراف و رئفت به كلّ ذلك من كلام العرب»و على الأول فليقل(و ليرؤف)كما في(ابن أبي الحديد)و على الأخيرين(فليرأف)كما في(المصرية)هذا و في أدب الشرع معاملة الكبير مع
ص:
1) 1)
الصغير معاملته مع ولده كما ان الصغير عليه أن يعامل الكبير معاملة والده و ان من كان في سنّه يجعله كأخيه .
«و لا تكونوا كجفاة الجاهلية» في(الأغاني)قتلت بنو سهم-و هم بطن من هذيل-عمرو بن عاصية السلمي فاستسقاهم ماء فمنعوه ثم قتلوه فقالت اخته هلا سقيتم بني سهم أسيركم نفسي فدائك من ذي غلة صادي
فغزا أخوه هذيلا يطلبهم بدم أخيه فقتل منهم نفرا و سبى امرأة فجرّدها ثم ساقها معه عارية إلى بلاد بني سليم فقالت اخته:
الا مت سليم في السياق و أفحشت و تفرط في سوق العنيف اسارها
لعلّ فتاة منهم ان يسوقها فوارس منّا و هي باد شوارها
(1)و قد صاروا أجفى منهم فقتلوا أهل بيت نبيّهم في الشهر الحرام مع تحريم أهل الجاهلية القتال فيه «لا في الدين يتفقهون» «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (2).
«و لا عن اللّه يعقلون» «وَ ما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ زِينَتُها وَ ما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ» (3)«وَ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ» (4)«أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» (5)«وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ»
«الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» (1)
العنكبوت:63. [1]
و(يتفقهون)و(يعقلون)ان كانا بالخطاب كما في(ابن أبي الحديد)فالمراد المخاطبون المشبهون بجفاة الجاهلية و ان كانا بالغيبة فالمراد بهما المشبه بهم .«كقيض بيض في اداح يكون كسرها وزرا و يخرج حضانها شرّا» في نهاية ابن الأثير«في حديث علي عليه السلام(لا تكونوا كقيض بيض في أداح يكون كسرها وزرا و يخرج حضانها شرّا القيض قشر البيض،و منه حديث ابن عباس«إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم فاذا كان ذلك قيضت هذه السماء الدنيا عن أهلها»:أي شقت من(قاض الفرخ البيضة فانقاضت)-إلخ-.
قال ابن أبي الحديد في معنى الكلام«شبههم ببيض الأفاعي في الأعشاش يظن بيض القطا فلا يحل لمن رآه أن يكسره لأنّه يظنّه بيض القطا و حضانه يخرج شرا لأنّه يفقص عن أفعى،و استعار لفظة الاداحي للأعشاش لأن الاداحي لا تكون إلاّ للنعام تدحو بأرجلها و تبيض فيه و دحوها توسيعها من(دحوت الأرض)و القيض:الكسر»-إلخ-و تبعه ابن ميثم و الخوئي و لم أدر من أين خص البيض ببيض الأفاعي فالبيض مطلق و القيض غير دال عليه و لعلّه استند إلى وصف(و يخرج حضانها شرّا)إلاّ انّه لا بد في اللفظ من إيماء و ليس كما ان قوله القيض الكسر بلا وجه لأنّه يصير المعنى(ككسر بيض يكون كسرها وزرا)و انما القيض القشر كما عرفته من النهاية و في (القاموس)«القيض القشرة العليا اليابسة على البيضة أو هي التي خرج ما فيها من فرخ أو ماء و موضعها المقيض»و قال أوس بن حجر يصف قوسا -كما في اللسان في ملك.
1) 1)
فملك بالليط التي تحت قشرها-كغرقى بيض كنه القيض من عل كما ان قوله«استعار لفظة الأداحي للأعشاش»لأن الأداحي لا تكون إلاّ للنعام»أيضا بلا وجه فالقطا الذي يفحص في الأرض أيضا له أدحى قال الجوهري«عش الطائر موضعه في افنان الشجر فاذا كان في بجل أو جدار فهو و كر و وكن و إذا كان في الأرض فهو أفحوص و أدحى»فتراه صرح بأن الطير قد يكون له عش و قد يكون له و كر و قد يكون له أدحى و انما توهم ابن أبي الحديد ما قال من قول الجوهري«مدحى النعامة موضع بيضها،و ادحيها موضعها الذي تفرخ فيه و هو أفعول من(دحوت)لأنّها تدحو برجلها ثم تبيض فيه و ليس للنعام عش»فتراه انما قال ليس لها عش بل ادحى و لم يقل ان الأدحى منحصر بها و بالجملة كون المراد بالكلام ما ذكر غير معلوم و الحقيقة فيه لم أقف عليها بعد نسأل منه تعالى الإرشاد انّه ولي الرشاد و لا يبعد أن يكون المراد بالقيض التشقق فانشدوا-كما في اللسان-لأبي ذؤيب:
فراق كقيض السن فالصبر انّه لكلّ اناس عثرة و جبور
هذا و في الدميري يقال للقطاة أم ثلاث لأنها أكثر ما تبيض ثلاث قال الشاعر.
و ام ثلاث ان شببن عققنها و ان متن كان الصبر منها على نصب
أي ان شبت فراخها فارقتها فكان ذلك عقوقا لها و ان متن لم تصبر إلاّ و هي قلقة و النصب و التعب و قال«النعامة تترك بيضها و تخرج لتحصيل طعم فان وجدت بيض نعامة اخرى تحضنه و تنسى بيضها و لعلّها ان تصاد فلا ترجع و لذا يضرب بها المثل في ذلك قال ابن هرمة:
فاني و تركي ندى الأكرمين و قدحي بكفي زنادا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء و ملبسة بيض اخرى جناحا
و في(ديوان معاني)شعر العسكري من أجود ما قيل في بيض الحديد من قديم الشعر قول سلامة بن جندل.
إذا ما علونا ظهر نشز كانما على الهام منا قيض بيض مفلق
و المفهوم منه انّه شبّه بيض الحديد ببيض الطير.
الحكمة(55)
و قال عليه السلام:
الصَّبْرُ صَبْرَانِ صَبْرٌ عَلَى مَا تَكْرَهُ وَ صَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ أقول:و في(الكافي)عن الصادق عليه السلام إذا كان يوم القيامة يقوم عنق من الناس فيأتون باب الجنّة فيضربونه فيقال لهم من أنتم؟فيقولون أهل الصبر فيقال لهم على ما صبرتم فيقولون كنّا نصبر على طاعة اللّه و نصبر عن معاصي اللّه فيقول تعالى صدقوا ادخلوهم الجنّة و هو قوله تعالى «إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ» (1)
الزمر:10. [1]
.و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله الصبر ثلاثة صبر عند المصيبة و صبر على الطاعة و صبر على المعصية فمن صبر عند المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب اللّه له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء و الأرض و من صبر على الطاعة كتب اللّه له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش و من صبر عن المعصية كتب اللّه له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش».
و عن الصادق عليه السلام«من ابتلى من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد».
1) 1)
و عنه عليه السلام«انّه تعالى أنعم على قوم فلم يشكروا فصارت عليهم و بالا، و ابتلي قوما بالمصائب فصبروا فصارت عليهم نعمة».
و عنه عليه السلام«ان اللّه تعالى بعث محمدا صلّى اللّه عليه و آله بالصبر و الرفق فقال «وَ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً وَ ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ» (1)
المزمل:10-11. [1]
و قال «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» (2)فصبر حتى نالوه بالعظائم فضاق صدره فانزل تعالى «وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السّاجِدِينَ» (3)ثم كذّبوه و رموه فأنزل «وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا» (4)فالزم النبي صلّى اللّه عليه و آله نفسه الصبر،فتعدوا و ذكروا اللّه فقال لا صبر لي على ذكر ربي فانزل تعالى «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» (5)فصبر في جميع أحواله ثم بشّر في عترته بالائمة و وصفوا بالصبر فقال «وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ» (6).فعند ذلك قال النبي صلّى اللّه عليه و آله«الصبر من الايمان كالرأس من الجسد فشكر تعالى ذلك له فأنزل «وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما»
«صَبَرُوا وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ» (1)
الاعراف:137. [1]
.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله بشرى و انتقام فأباح اللّه تعالى له قتال المشركين فأنزل «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ» (2)فقتلهم اللّه على أيدي النبي صلّى اللّه عليه و آله و احبائه و عجّل له ثواب صبره،مع ما ادّخر له في الآخرة،فمن صبر و احتسب لم يخرج من الدنيا حتى يقر اللّه تعالى عينه في أعدائه مع ما يدّخر له في آخرته.
الحكمة(57)و(475)
و قال عليه السلام:
الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَ يَنْفَدُ أقول:هذا من المواضع التي كررها المصنف كما عرفت سهوا و أما قوله و قد روى بعضهم هذا الكلام عن النبي صلّى اللّه عليه و آله فانما هو في الموضع الثاني اتفق عليه الكلّ ابن أبي الحديد و ابن ميثم و(الخطّية)و نقل(المصرية)تحريف.
و أما في الموضع الأول فانما تفرّد بنقله ابن أبي الحديد و ليس في(ابن ميثم)الذي نسخته بخط المصنف.
و كيف كان فسر الحياة الطيبة في قوله تعالى «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً» (3)بالقناعة و لبعضهم(إذا شئت أن تحيا سعيدا فلا تكن على حالة إلاّ رضيت بدونها و من طلب العليا من العيش لم يزل حقيرا و في الدنيا أسير غبونها)و قال بعض الحكماء لابنه
«العبد حرّ إذا قنع و الحر عبد إذا طمع»و عنه عليه السلام«من رضي في الدنيا بما يجزيه كان أيسر ما فيها يكفيه و من لم يرض من الدنيا بما يجزيه لم يكن فيها شيء يكفيه»و عن الباقر عليه السلام«اياك أن تطمح بصرك إلى من هو فوقك فكفى بما قال اللّه لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله «فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ» (1)
التوبة:85. [1]
«وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا» (2)فان دخلك من ذلك شيء فاذكر عيش رسوله فانما كان قوته الشعير و حلوه التمر-الخبر-.الحكمة(123)
و قال عليه السلام:
طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ وَ طَابَ كَسْبُهُ- وَ صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ وَ حَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ- وَ أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ وَ أَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ- وَ عَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ وَ وَسِعَتْهُ السُّنَّةُ وَ لَمْ يُنْسَبْ إلَى الْبِدْعَةِ قال الرّضىّ أقول:و من الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كذلك الّذي قبله.
أقول : «و قال عليه السلام» هكذا في(المصرية)و الصواب اسقاطه لكون العنوان جزء قول المصنف قبل هذا«و تبع جنازة»-إلخ-كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية).
«طوبى لمن ذل نفسه» بمعنى ألا يكون خشنا شموسا لا أن يكون ذليلا العزّة للمؤمنين فقال عليه السلام في وصف شيعته(عليهم غبرة الخاشعين).
«و طاب كسبه» بأن يجتنب المكاسب المحرّمة و لا يخون في
المكاييل و الموازين.
«و صلحت سريرته» بحسب طينته فالمؤمن خلق من طينة الأنبياء.
«و حسنت خليقته» فعن الصادق عليه السلام«الخلق الحسن يميت الخطيئة كما تميت الشمس الجليد»و عنه عليه السلام«هلك رجل على عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله فأتى صلّى اللّه عليه و آله الحفارين فاذا بهم لم يحفروا شيئا و شكوا ذلك إليه صلّى اللّه عليه و آله و قالوا ما يعمل حديدنا في الأرض فكأنما يضرب به في الصفاء فقال صلّى اللّه عليه و آله و لم ان صاحبكم كان حسن الخلق ائتوني بقدح من ماء فأتوه به فادخل يده فيه ثم رشه على الارض رشا ثم قال احفروا فحفروا فكأنما كان رملا ينهال عليهم».
«و أنفق الفضل من ماله» في(الكافي)عن الباقر عليه السلام«ان الشمس لتطلع و معها أربعة أملاك ملك ينادي يا صاحب الخير أتمّ و أبشر و ملك ينادي يا صاحب الشر انزع و اقصر و ملك ينادي اعط منفقا خلفا و آت ممسكا تلفا و ملك ينضحها بالماء و لو لا ذلك اشتعلت الأرض.و عن الصادق عليه السلام«من يضمن أربعة بأربعة أبيات في الجنة انفق و لا تخف فقرا و انصف الناس من نفسك و افش السلام في العالم و اترك المراء و ان كنت محقّا.
«و امسك الفضل من لسانه» في الخبر قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لرجل ألا أدلّك على أمر يدخلك اللّه به الجنّة قال بلى قال انل ممّا أنالك اللّه قال فان كنت أحوج ممّن أنيله قال فانصر المظلوم قال افأن كنت أضعف ممّن أنصره قال فاصنع للاخرق-يعني أشر عليه-قال فان كنت أخرق ممّن اصنع له قال فاصمت لسانك إلاّ من خير أما يسرك أن تكون فيك خصلة من هذه الخصال تجرّك إلى الجنّة.
«و عزل عن الناس شره» «المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده، و شر الناس من أكرموه اتقاء شره و أفضل الجهاد من أصبح لا يهم بظلم أحد»
و قال حاتم كما في كتاب سيبويه:
و اغفر عوراء الكريم ادخاره و اصفح عن شتم اللئيم تكرما
و في(الكافي)بينا النبي صلّى اللّه عليه و آله ذات يوم عند عايشة إذ استأذن عليه رجل فقال صلّى اللّه عليه و آله هو بئس اخو العشيرة فدخلت عايشة البيت فدخل الرجل فأقبل عليه النبي صلّى اللّه عليه و آله بوجهه و بشره يحدّثه حتى إذا فرغ و خرج قالت عايشة للنبي صلّى اللّه عليه و آله ذكرت هذا الرجل بما ذكرت ثم أقبلت عليه بوجهك و بشرك فقال صلّى اللّه عليه و آله ان من شرار العباد من تكره مجالسته لفحشه.
«و وسعته السنة و لم ينسب إلى البدعة» هكذا في(المصرية)و الصواب (إلى بدعة)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية)ثم وجّه كلامه عليه السلام ان حسنة المبتدع لا تقبل و سيئه الملتزم بالسنّة تغفر و من مشى إلى مبتدع فوقره فقد سعى في هدم الاسلام.
«قال الرضي أقول»هكذا في(المصرية)و كلمة(أقول)زائدة فليست في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية).
«و من الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله»روى أول انصاف (الكافي)عن السجاد عليه السلام قال كان النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول في آخر خطبته،طوبى لمن طاب خلقه و طهرت سجيته و صلحت سريرته و حسنت علانيته و انفق الفضل من ماله و أمسك الفضل من قوله و أنصف الناس من نفسه».
و رواه(الكافي)عن الصادق عليه السلام أيضا و لا غرو فما يقوله أوّلهم يقوله آخرهم.
«و كذلك الذي قبله»هكذا في(المصرية)و هو أيضا زائده فليس في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة)و ان كان يقال ان الرضي قال في الذي قبله انّه أيضا نسب إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله حيث عرفت ان هذا و قبله عنوان واحد في النهج
على الصحيح فيشمل ذاك ما قاله في هذا.
الحكمة(140)
و قال عليه السلام:
مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ أقول:هكذا في(المصرية)و الصواب ما في(ابن ميثم)«ما عال امرؤ اقتصد»و كذا ابن أبي الحديد(ما عال)يعني ما افتقر و اما(ما أعال)فمعناه ما كثرت عياله و لا معنى له هنا و المقتصد لا يفتقر و يمكنه إعانة آخرين بخلاف غير المقتصد فانّه مع عدم تيسر نفع منه إلى غيره يصير معسرا يوما و الاقتصاد محمود حتى في الانفاق في سبيل اللّه قال تعالى «وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً» (1)
الفرقان:67. [1]
و كذا في باقي العبادات ففي (الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله«ان هذا الدين متين فاوغلوا فيه برفق و لا تكرهوا عبادة اللّه إلى عباده فتكونوا كالراكب المنبت الذي لا سفرا قطع و لا ظهرا أبقى.الحكمة(153)
و قال عليه السلام:
لاَ يَعْدَمُ الصَّبُورُ الظَّفَرَ وَ إِنْ طَالَ بِهِ الزَّمَانُ مصداق قوله عليه السلام و شاهد كلامه عليه السلام قصّة يوسف عليه السلام مع اخوته قال تعالى «قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ»
1) 1)
«اللّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ قالُوا تَاللّهِ» (1)
يوسف:89-91. [1]
و لنعم ما قيل بالفارسية:صبر و ظفر هر دو دوستان قديماند بر اثر صبر نوبت ظفر آيد
الحكمة(206)
و قال عليه السلام:
أَوَّلُ عِوَضِ الْحَلِيمِ مِنْ حِلْمِهِ- أَنَّ النَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى الْجَاهِلِ أقول:رواه ابن قتيبة في( عيونه ابن قتيبة-عيون الأخبار- )عنه عليه السلام إلاّ انّه قال بدل(على الجاهل) (على الجهول)و روي عن الصادق عليه السلام ان الملائكة أيضا أنصاره على الجاهل فروي عنه عليه السلام«إذا وقع بين رجلين منازعة نزل ملكان فيقولان للسفيه منهما قلت و قلت و أنت أهل لمّا قلت و ستجزى بما قلت و يقولان للحليم منهما صبرت و حلمت سيغفر اللّه لك ان أتممت على ذلك»فان رد الحليم عليه ارتفع الملكان».
الحكمة(418)
و قال عليه السلام:
الْحِلْمُ عَشِيرَةٌ أقول:قال الأحنف«اصبت الحلم انصر لي من الرجال»و في(الطبري) كانت في فارس امرأة لم تلد إلاّ الملوك الأبطال فدعاها كسرى أبرويز فقال اني أريد أن أبعث إلى الروم جيشا و استعمل عليهم رجلا من بنيك فاشيري عليّ أيّهم استعمل قالت هذا فلان و هو اروغ من ثعلب و أحذر من صقر،و هذا فرخان و هو أنفذ من سنان و هذا شهر براز و هو أحلم من كذا،فاستعمل أيّهم
1) 1)
شئت قال فاني قد استعملت الحليم فاستعمل شهر براز الحليم فسار إلى الروم و ظهر عليهم-الخبر-.
و في(العيون)كان المتمشمش بن معاوية عم الأحنف يفضل في حلمه على الأحنف قيل فأمره أبو موسى أن يقسم خيلا في بني تميم فقسّمها فقال رجل من بني سعد ما منعك أن تعطيني فرسا-و وثب عليه فمرش وجهه- فقام إليه قوم ليأخذوه فقال دعوني و إيّاه اني لا اعان على واحد ثم انطلق به إلى أبي موسى فلما رآه سأله عمّا بوجهه فقال دع هذا و لكن ابن عمي ساخط فاحمله على فرس فحمله».
هذا و فيه قال معاوية لا ينبغي أن يكون الهاشمي غير جواد و لا الزبيري غير شجاع و لا المخزومي غير تياه و لا الاموي غير حليم فبلغ ذلك الحسن عليه السلام فقال قاتله اللّه أراد أن يجود بنو هاشم فينفد ما بأيديهم و يتشجّع آل الزبير فيفنوا و يتيه بنو مخزوم فيبغضهم الناس و يحلم بنو اميه فيتحببوا إلى الناس.
الحكمة(224)
و قال عليه السلام:
بِكَثْرَةِ الصَّمْتِ تَكُونُ الْهَيْبَةُ- وَ بِالنَّصَفَةِ يَكْثُرُ الْمُوَاصِلُونَ- وَ بِالْإِفْضَالِ تَعْظُمُ الْأَقْدَارُ- وَ بِالتَّوَاضُعِ تَتِمُّ النِّعْمَةُ- وَ بِاحْتِمَالِ الْمُؤَنِ يَجِبُ السُّؤْدُدُ- وَ بِالسِّيرَةِ الْعَادِلَةِ يُقْهَرُ الْمُنَاوِئُ- وَ بِالْحِلْمِ عَنِ السَّفِيهِ تَكْثُرُ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِ «بكثرة الصمت تكن الهيبة» في(الكافي)عن الرضا عليه السلام«ان الصمت باب من أبواب الحكمة ان الصمت يكسب المحبة انّه دليل على كلّ خير»و عن
عيسى عليه السلام«لا تكثروا الكلام في غير ذكر اللّه فان الذين يكثرون الكلام في غير ذكر اللّه قاسية قلوبهم و لكن لا يعلمون»و عن الرضا عليه السلام كان الرجل من بني اسرائيل إذا أراد العبادة صمت قبل ذلك عشر سنين»و قال ابن أبي الحديد قال يحيى البرمكي ما رأيت أحدا قط صامتا إلاّ هبته حتى يتكلّم فاما أن تزداد تلك الهيبة أو تنقص .
«و بالنصفة يكثر المواصلون» هكذا في(المصرية)و الصواب (الواصلون)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية)قيل لقيس بن عاصم بم سدت قومك قال ببذل الندى و كف الأذى و نصر المولى)و في(الكافي) عنه عليه السلام«الا انّه من ينصف الناس من نفسه لم يزده اللّه إلاّ عزّا»و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله-و هو يريد غزوة و جاءه أعرابي و أخذ بغرز راحلته و قال علّمني عملا ادخل به الجنّة-قال«ما أحببت أن يأتيه الناس إليك فاته إليهم و ما كرهت أن يأتيه الناس إليك فلا تأته إليهم،خل سبيل الراحلة».
و عنه صلّى اللّه عليه و آله«ثلاث من كن فيه أو واحدة منهن كان في ظلّ عرش اللّه يوم لا ظل إلاّ ظلّه رجل أعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم و رجل لم يقدّم رجلا و لم يؤخر رجلا حتى يعلم ان ذلك للّه رضا و رجل لم يعب أخاه المسلم بعيب حتى ينفي ذلك العيب عن نفسه و انّه لا ينفى منها عيبا إلاّ بدا له عيب و كفى بالمرء شغلا بنفسه من الناس»و عن الصادق عليه السلام«من أنصف الناس من نفسه رضى به حكما لغيره».
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله«من واسى الفقير من ماله و أنصف الناس من نفسه فذلك المؤمن حقا»و عن الصادق عليه السلام ثلاثة هم أقرب الخلق إلى اللّه يوم القيامة حتى يفرغ من الحساب رجل لم تدعه قدرته في حال غضبه إلى أن يحيف على من تحت يده و رجل مشى بين اثنين فلم يمل مع احدهما على الآخر
بشعيرة و رجل قال بالحق في ما له و عليه»و عنه عليه السلام«ما ابتلى المؤمن بشيء أشدّ عليه من ثلاث خصال المواساة في ذات يده و الانصاف من نفسه و ذكر اللّه كثيرا أما اني لا أقول«سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر»و لكن ذكر اللّه عند ما أحل له و ما حرم عليه»-و في خبر آخر-و لكن ذكر اللّه إذا هجمت على طاعة أو معصية «و بالافضال تعظم الأقدار» «إذا المرء أثرى ثم قال لقومه أنا السيد المقضي إليه المعمم
و لم يعطهم شيئا أبوا أن يسودهم و هان عليهم رغمه و هو ألوم »
«و بالتواضع تتم النعمة» في(الكافي)عن الصادق عليه السلام أوحى اللّه تعالى إلى موسى تدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي قال يا رب و لم ذاك،فأوحى إليه«اني قلبت عبادي ظهر البطن فلم أجد فيهم أحدا أذلّ لي نفسا منك انّك إذا صليت وضعت خدّك على التراب .
«و باحتمال المؤن يجب السودد» قال الشاعر:
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
و في أخلاق أبي حيان قيل لعدي بن حاتم من السيد قال الأحمق في ماله الذليل في عرضه المطرح لحقده المعني بأمر جماعته (1)
أخلاق الوزيرين لأبو حيان التوحيدي:92 [1] تحقيق الطنجي،المجمع العلمي،دمشق.
و فيه قال أبو الأسود الدؤلي لعبيد اللّه بن زياد انك لن تسود حتى تصبر على سرار الشيوخ البخر (2).و في(العيون)«قال قتيبة بن مسلم أرسلني أبي إلى ضرار بن القعقاع بن معبد ابن زرارة فقال:قل له:قد كان في قومك دماء و جراح و قد أحبوا أن تحضر المسجد في من يحضر فأتيته فأبلغته فقال يا جارية غذيني فجاءت بأرغفة خشن فثردتهن في مريس ثم برقهن فأكل فجعل شأنه يصغر في
عيني و نفسي ثم مسح يده و قال الحمد للّه حنطة الأهواز و تمر الفرات و زيت الشام ثم أخذ نعليه و ارتدى ثم انطلق معي و أتى المسجد الجامع فصلّى ركعتين ثم احتبى فما رأته حلقة إلاّ تقوضت إليه فاجتمع الطالبون و المطلوبون فأكثروا الكلام فقال إلى ما ذا صار أمرهم قالوا إلى كذا و كذا من ابل قال هي عليّ ثم قام»(فيه)«مدح شاعر الحسن بن سهل فقال له احتكم- و ظن ان همّته قصيرة-فقال ألف ناقة فوجم و لم يمكنه و كره ان يفتضع و قال يا هذا ان بلادنا ليست بلاد ابل و لكن ما قال امرؤ القيس:
إذا لم يكن ابل فمعزى كان قرون جلتها العصى
قد أمرت لك بألف شاة فالق يحيى بن خاقان فأعطاه بكلّ شاة دينارا (فيه)كان عبد اللّه بن جدعان التيمي حين كبر أخذ بنو تيم على يده أن يعطي شيئا من ماله فكان الرجل إذا أتاه يطلب منه قال ادن مني فاذا دنا منه لطمه ثم قال له اذهب بلطمتك أو ترضى فترضيه بنو تيم من ماله فقال ابن قيس الرقيات:
و الذي ان أشار نحوك لطما تبع اللطم نائل
(فيه)كان سعيد بن العاص إذا أتاه سائل فلم يكن عنده ما سأل قال اكتب على سجلا إلى أيام يسري .
«و بالسيرة العادلة يقهر المناوي» أي:المعادي و لمّا قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لليهود في مقاسمة الأشجار أما تأخذوا الخرص و أما آخذه قالوا بالعدل قامت السماوات و الأرض .
«و بالحلم عن السفيه تكثر الأنصار عليه» في(الاستيعاب)قدم قيس بن عاصم في و فد تميم على النبي صلّى اللّه عليه و آله في سنة تسع فلما رآه النبي صلّى اللّه عليه و آله قال هذا سيد أهل الوبر و قيل للأحنف ممّن تعلمت الحلم قال من قيس بن عاصم رأيته
يوما قاعدا بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه إذ أتى برجل مكتوف و آخر مقتول فقيل له«هذا ابن أخيك قتل ابنك»فو اللّه ما حل حبوته و لا قطع كلامه فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه فقال يا ابن اخ بئس ما فعلت أثمت بربك و قطعت رحمك و قتلت ابن عمك و رميت نفسك بسهمك»ثم قال لابن له آخر قم يا بني فوار أخاك و حل كتاف ابن عمك و سق إلى امك مائة ناقة دية ابنها فانها غريبة.
الحكمة(207)
و قال عليه السلام:
إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ- فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ- إِلاَّ أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ قال ابن أبي الحديد«التكلف للخلق كالطبع له ألا ترى ان الأعرابي الجلف الجافي إذا دخل المدن و القرى و خالط أهلها و طال مكثه فيهم انتقل عن خلق الاعراب الذيى نشأ عليه و تلطف طبعه و صار شبيها بساكني المدن بل قد شاهدناه من الحيوانات حتى الأسد الذي أبعدها انسا،ذكر ابن الصابي ان عضد الدولة كانت له اسود يصطاد بها الصيد كالفهود فتمسكه عليه حتى يدركه فيذكيه»قلت و قالوا كسرى ابرويز ربّى فيلا فكان يسجد له إذا رآه.
الحكمة(223)
و قال عليه السلام:
مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ في توحيد المفضل«قال الصادق عليه السلام له«انظر إلى ما خص به الانسان
دون جميع الحيوان من هذا الخلق الجليل قدره العظيم شأنه أعني الحياء فلو لاه لم يقرّ ضيف و لم يوف بعدة و لم تقض الحوائج و لم يتحر الجميل و لم يتنكب القبيح في شيء من الأشياء حتى ان كثيرا من الامور المفترضة أيضا انما تفعل للحياء فان من الناس من لو لا الحياء لم يرع حق والديه و لم يصل ذا رحم و لم يؤد امانة و لم يعف عن فاحشة أفلا ترى كيف و في الانسان جميع الخلال التي فيها صلاحه و تمام أمره»و في الخبر الحياء و الايمان مقرونان في قرن فاذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه».
الحكمة(229)
و قال عليه السلام:
كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكاً وَ بِحُسْنِ الْخُلُقِ نَعِيماً أما الأول ففي(الكافي)كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول:«يا ابن آدم ان كنت تريد من الدنيا ما يكفيك فان أيسر ما فيها يكفيك و ان كنت تريد ما لا يكفيك فان كلّ ما فيها لا يكفيك»و مر النبي صلّى اللّه عليه و آله براعي ابل فبعث إليه يستسقيه فقال اما ما في ضروعها فصبوح الحي و اما ما في آنيتنا فغبوقهم فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله اللّهم اكثر ماله و ولده.
ثم مر براعي غنم فبعث إليه يستسقيه فحلب له ما في ضروعها و اكفا ما في أنائه في أناء النبي صلّى اللّه عليه و آله و بعث إليه صلّى اللّه عليه و آله بشاة فقال هذا ما عندنا و ان أحببت ان نزيدك زدناك فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله«اللّهم ارزقه الكفاف»فقال له بعض أصحابه«دعوت للذي ردّك بدعاء،عامتنا نحبه،و دعوت للذي أسعفك بحاجتك بدعاء كلّنا نكرهه»فقال صلّى اللّه عليه و آله«ما قل و كفى خير ممّا كثر و ألهى اللّهم ارزق محمّدا و آل محمّد الكفاف».
و أما الثاني ففي(الكافي)عن الصادق عليه السلام«هلك رجل على عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله فأتى الحفارين فاذا بهم لم يحفروا شيئا و شكوا ذلك إليه قالوا ما يعمل حديدنا في الأرض فكانما يضرب به في الصفاء فقال صلّى اللّه عليه و آله و لم ان كان صاحبكم حسن الخلق ائتوني بقدح من ماء فأتوه به فأدخل يده فيه ثم رشّه على الأرض رشا ثم قال احفروا فحفروا،فكانما كان رملا ينهال عليهم» (و عنه عليه السلام)«ما يقدم المؤمن على اللّه تعالى بعمل بعد الفرائض أحبّ إلى اللّه تعالى من ان يسمع الناس بخلقه».
(و عنه عليه السلام)«البر و حسن الخلق يعمران الديار و يزيدان في الأعمار».
(و عنه عليه السلام)«الخلق الحسن يميت الخطيئة كما يميت الشمس الجليد».
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله«أكثر ما يلج به امتي الجنّة تقوى اللّه و حسن الخلق».
(و عنه صلّى اللّه عليه و آله)«ان صاحب الخلق الحسن له مثل أجر الصائم القائم».
(و عنه صلّى اللّه عليه و آله)لبني عبد المطلب انّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم».
(و عنه عليه السلام)نزل على الروح الأمين من عند رب العالمين و قال عليك يا محمد بحسن الخلق فانّه ذهب بخير الدنيا و الآخرة.
و قال صلّى اللّه عليه و آله أشبهكم بي أحسنكم خلقا«و في الخبر عجبت من يشتري العبيد بماله كيف لا يشتري الأحرار بحسن خلقه».
الحكمة(396)
و قال عليه السلام:
الْمَنِيَّةُ وَ لاَ الدَّنِيَّةُ وَ التَّقَلُّلُ وَ لاَ التَّوَسُّلُ وَ مَنْ لَمْ يُعْطَ قَاعِداً لَمْ يُعْطَ قَائِماً وَ الدَّهْرُ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ- فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلاَ تَبْطَرْ-
وَ إِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ «المنية و لا الدنية» في كنايات الجرجاني لمّا تواترت النكبات على قيس ابن زهير خرج هو و صاحب له من بني أسد يسيحان و عليهما المسوح يتقوتان بما تنبته الأرض إلاّ ان دفعا في ليلة قرة إلى أخبية فوجدا رائحة القتار -و هما جائعان-فسعيا يريدانه فلما قاربناه أدركت قيسا شهامة النفس و عزّة الانفة فرجع و هو يقول:
أعشبت في الأرض حتى كاد يطردني إلى الصغار شجاع النفس بالعنف
ثم قال:
«ان كان في ترك الأغذية التلف فان في النزاهة الخلف».
فانفتل عن صاحبه و قال له«دونك و ما تريد فان لي لبثا على هذه الأجارع أرقب داهية القرون الماضية»فمضى صاحبه و رجع من الغد فوجده قد لجأ إلى شجرة الوادي فنال من ثمرها شيئا ثم مات ففي ذلك يقول الحطيئة:
ان قيسا كان ميتته أسفا و الحر منطلق
شام نارا بالحشا فسعى و شجاع النفس يختنق
جاء حتى كاد ثم نمى اسفل الوادي له ورق
فجشا في فمه حشوقه ثم أغضى و هو مطرق
في دريس ما تعيبه رب حر ثوبه خلق
(1)و في(البحار)عن المناقب و كذا(تحف العقول)و(اللهوف)و(الاحتجاج) ان الحسين عليه السلام قال يوم الطف في خطبته«الا ان الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين القتلة و الذلة و هيهات ماخذ الدنية أبي اللّه ذلك و رسوله و جدود طابت
1) 1) المنتخب من كنايات الأدباء للجرجاني:115،مطبعة السعادة،مصر 1908 م.
و حجور طهرت و أنوف حمية و نفوس أبية لا نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام الا قد أعذرت و أنذرت ألا اني زاحف بهذه الأسرة على قلّة العتاد و خلة الأصحاب-ثم أنشأ يقول-:
«فان نهزم فهزامون قدما و ان نهزم فغير مهزمينا
و ما ان طبنا جين و لكن منايانا و دولة آخرينا
الا ثم لا تلبثون بعدها إلاّ كريث ما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحا» (1)
نقله المجلسي في«بحار الأنوار» [1]عن«المناقب»لابن شهر آشوب في 45-8(تاريخ الحسين بن علي عليه السلام)لكن لا وجود لهذا النص في المناقب،انظر الجزء 4 في(امامة أبي عبد اللّه...):46.
-إلخ-و في(الطبري)-في كتاب عمر بن سعد إلى عبيد اللّه-«ان الحسين أعطاني ان يرجع»فقال له شمر لينزل على حكمك فكتب إليه«اعرض على الحسين و أصحابه النزول على حكمي فان فعلوا ابعث إليهم سلما و ان أبوا فقاتلهم».فلما جاء ابن سعد كتابه قال«لا يستسلم الحسين و اللّه ان نفسا أبيه لبين جنبيه»إلخ و لمّا عرض على مصعب الأمان أبى و قال:
«و ان الاولى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التأسيا »
«و التقلل و لا التوسل» في المعجم«وجه سليمان بن علي-و إلي الأهواز- إلى الخليل لتأديب ولده فأخرج الخليل لرسول سليمان خبزا يابسا و قال ما دمت أجده فلا حاجة بي إلى سليمان و قال:
أبلغ سليمان اني عنه في سعة و في غنى غير اني لست ذا مال
(2)و كان النضر بن سليمان يقول: أكلت الدنيا بعلم الخليل و هو في خص لا يشعر به
و في(ابن أبي الحديد)قال الشاعر:
اقسم باللّه لمص النوى و شرب ماء القلب المالحة
أحسن بالإنسان من ذلّة و من سؤال الأوجه الكالحة
فاستغن باللّه تكن ذا غنى مغتبطا بالصفقة الرابحة
فالزهد عز و التقى سؤدد و ذلّة النفس لها فاضحة»
(أيضا) لمص الثماد و خرط القتاد و شرب الاجاج او ان الظماء
على المرء أهون من أن يرى ذليلا لخلق إذا أعدما
و خير لعينيك من منظر إلى ما بأيدي اللئام
قلت:فهلا قال«ما بأيدي الكرام ».
«و من لم يعط قاعدا لم يعط قائما» في(الكافي)عن الصادق عليه السلام من أصبح و أمسى و الدنيا أكبر همه جعل الفقر بين عينيه و شئت أمره و لم ينل من الدنيا إلا ما قسم له و من أصبح و أمسى و الآخرة أكبر همّه جعل الغنى في قلبه و جمع له أمره ».
«و الدهر يومان يوم لك و يوم عليك» في(المروج)كان بزرجمهر وزير ابرويز و الغالب عليه إلى ثلاث عشرة سنة من ملكه ثم اتهمه بالميل إلى بعض الزنادقة من الثنوية فأمر بحبسه و كتب إليه«كان من ثمرة علمك و عقلك ان صرت أهلا للقتل»فأجابه«اما ان كان معي الجد كنت انتفع بثمرة عقلي فالآن إذ لا جد معي انتفع بثمرة الصبر و ان فقد كثير الخير فقد استرحت من كثير من الشر»فدعا ابرويز به و أمر بكسر فمه فقال«فمي أهل لمّا هو شرّ»قال لم قال«لأني كنت أصفك للناس بما ليس فيك لا تقتلني بالشك مع اليقين الذي قد علمته مني فمن الذي يثق بك بعد»فغضب و أمر بضرب عنقه.
«فاذا كان لك فلا تبطر،و إذا كان عليك فاصبر» زاد التحف بعد الفقرتين «و بكليهما ستختبر»قيل في كامل«إذا سر لم يبطر و ليس لنكبة المت به بالخاشع المتضائل»هذا ابن أبي الحديد جعل العنوان ثلاثة عناوين فجعل من لم يعط قاعدا لم يعط قائما»عنوانا ثانيا و الباقي ثالثا و اما ابن ميثم فكما هنا جعل الكل واحدا.
الحكمة(410)
و قال عليه السلام:
التُّقَى رَئِيسُ الْأَخْلاَقِ لان التقوى لا تصدق الا بعد اجتماع جميع مكارم الاخلاق و هو في مقابل حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة.
الحكمة(460)
و قال عليه السلام:
الْحِلْمُ وَ الْأَنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ أقول:نسبه إليه عليه السلام ابن المعتز في بديعه ابن المعتز-البديع- و روي انّه عليه السلام قال ذلك لمّا اخبر عن انو شروان بأنّه كان فيه الحلم و الاناة و في(طبقات كاتب الواقدي)- في عنوان و فد عبد القيس في عام الفتح ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال لرأسهم عبد اللّه بن عوف الأشج-«فيك خصلتان يحبهما اللّه الحلم و الاناة»و يقال انّه لم يغضب قط.
و في(كامل المبرد)حدث ابن عايشة عن أبيه ان رجلا من أهل الشام دخل المدينة فقال رأيت رجلا على بغلة لم أر أحسن وجها و لا أحسن لباسا
و لا أفره مركبا منه فسألت عنه فقيل لي الحسن بن علي بن أبي طالب فامتلأت له بغضا فصرت إليه فقلت أ أنت ابن أبي طالب فقال أنا ابن ابنه فقلت له بك و بأبيك-أسبهما فقال احسبك غريبا قلت أجل فقال«ان لنا منزلا واسعا و معونة على الحاجة و ما لا نواسي به»فانطلقت و ما على وجه الأرض أحبّ إليّ منه.
و قال رجل لرجل من آل الزبير كلاما أقذع له فيه فأعرض الزبيري عنه، ثم دار كلام فسبّ الزبيري علي بن الحسين عليهما السلام فأعرض عنه فقال الزبيري ما يمنعك من جوابي فقال عليه السلام«ما منعك من جواب الرجل»و قال رجل لرجل -و كان سبّه و لم يك التفت إليه-«اياك أعني»فقال له الرجل و عنك اعرض.
و في(الطرائف)الموضوع لمدح الأشياء و ذمّها،أما مدح الاناة فقال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ» (1)
الحجرات:6. [1]
و قال حكيم ينبغي للوالي ان يتثبت في ما أنهى إليه و يأخذ بأدب سليمان عليه السلام حيث قال «قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ» (2)و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله«من تأنى أصاب أو كاد و من تعجّل أخطأ أو كاد» (3)و اما ذمّة فقيل لأبي العيناء لا تعجل فان العجلة من الشيطان فقال لو كانت من الشيطان لمّا قال كليم اللّه «وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى» (4)و قال محمد بن بشير:كم من مضيع فرصة قد أمكنت لغد و ليس غد له بموات
حتى إذا فاتت و فات طلابها ذهبت عليها نفسه حسرات
قلت:ما نقله في ذم الاناة تخليط و مغالطة فان ما نقله أولا من الاستباق
إلى الخيرات و ما نقله ثانيا من تضييع الفرصة و ليس واحد منهما من الاناة في شيء فان الاناة و تركها في أمر لم يعلم عاقبته كعقوبة من لم يعلم جنايته و لعلّه يكشف بعد ترك الاناة فيه و عقوبته براءته فيكون قتل نفسا بغير حق و كما قال عليه السلام(الحلم و الاناة نتيجة علو الهمة)قال عليه السلام(فان الفقر نتيجة الكسل و العجز.روى(الكافي)في كراهة كسل معيشته عنه عليه السلام ان الأشياء لمّا ازدوجت ازدوج الكسل و العجز فنتجا بينهما الفقر) (1)
المصدر السابق:65.
.الخطبة(236)
و من كلام له عليه السلام يحثّ فيه أصحابه على الجهاد:
وَ اللَّهُ مُسْتَأْدِيكُمْ شُكْرَهُ وَ مُوَرِّثُكُمْ أَمْرَهُ- وَ مُمْهِلُكُمْ فِي مِضْمَارٍ مَحْدُودٍ لِتَتَنَازَعُوا سَبَقَهُ- فَشُدُّوا عُقَدَ الْمَآزِرِ وَ اطْوُوا فُضُولَ الْخَوَاصِرِ- وَ لاَ تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَ وَلِيمَةٌ- مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ- وَ أَمْحَى الظُّلَمَ لِتَذَاكِيرِ الْهِمَمِ وَ صَلَّى اللّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِيِّ،وَ عَلَى آلِهِ مَصَابِيحِ الدُّجَى وَ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى،وَ سَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا أقول:من الغريب عدم ذكر العنوان في(ابن أبي الحديد)هنا بل بعد (215).
«و اللّه مستاديكم شكره» في(الكافي)عن الصادق عليه السلام مكتوب في التوراة «اشكر من أنعم عليك و انعم على من شكرك فانّه لا زوال للنعماء إذا شكرت و لا بقاء لها إذا كفرت و الشكر زيادة في النعم و امان من الغير»و قال
1) 1)
تعالى «وَ أَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» (1)
الضحى:11. [1]
.«و مورثكم أمره» «وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً» (2).
«و ممهلكم في مضار محدود» هكذا في(المصرية)و الصواب(و ممهلكم في مضمار ممدود)كما في(ابن ميثم و الخطّية).
«لتتنازعوا سبقه» «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً» «سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ» (3)هذا و في كامل الجزري لمّا ولّى المعتز يعقوب الصفار و علي بن شبل كرمان ليغلب احدهما الآخر أقبل يعقوب و طوّق بن المفلس من قبل علي بن شبل إليها و لم يقاتلا و ارتحل يعقوب بعد شهرين و أظهر الارتحال إلى سجستان فقعد طوق للأكل و الشرب و الملاهي و إذا هو بيعقوب قد قطع مرحلتين في يوم ففر أصحاب طوق و أسر هو فنزع خفه فتساقط منه كسر خبز يابسة فقال يا طوق هذا خفي لم أنزعه منذ شهرين من رجلي و خبزي فيه آكل منه و أنت جالس في الشراب.
«فشدوا عقد المآزر» «قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم دون النساء و لو بانت باطهار»في(الطبري)لمّا كشف أمر إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن اهديت إلى المنصور امرأتان من المدينة احداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد اللّه و الاخرى ام الكريم بنت عبد اللّه من ولد خالد بن أسيد بن أبي
العيص فلم ينظر إليهما فاتته ريسانة فقالت ان هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما و ساعت ظنونهما لمّا ظهر من جفائك لهما فنهرها و قال ليست هذه الأيام من أيام النساء لا سبيل لي إليهما حتى أعلم ارأس إبراهيم لي أم رأسي لإبراهيم (1)
تاريخ الامم و الملوك للطبري 4:472، [1]دار الكتب العلمية-ط 2،1988،بيروت.
.«و اطووا فضول الخواصر» الخصر وسط الانسان وطي فضل الخواصر كناية عن ترك الافراط في الأكل في الكامل مات يعقوب بن الليث الصفار بجنديسابور من القولنج سنة(265)كان الأطباء أمروه بالاحتقان فاختار الموت و كان المعتمد انفذ إليه رسولا يستميله و يقلده أعمال فارس فجعل عنده سيفا و رغيفا من الخبز الخشكار و بصلا و قال للرسول قل للمعتمد اني عليل فان مت استرحت أنا منك و أنت مني و ان عوفيت ليس بيني و بينك إلاّ هذا السيف أما آخذ ثأري و أما ارجع إلى هذا الخبز و البصل.
«و لا تجتمع عزيمة و وليمة» هكذا في(المصرية)و الصواب(لا تجتمع عزيمة و وليمة)كما في(ابن ميثم)فليس المقام مقام الوصل لأنّه كالتعليل لشدّ عقد المآزر و طي فضول الخواصر و في الجمهرة الوليمة طعام العرس و الوضيمة طعام المأتم و في الخبر إذا دعيتم إلى جنازة و وليمة أجيبوا الجنازة لأنها تذكّر الآخرة دون الوليمة فانها تذكر الدنيا.
«ما أنقض النوم لعزائم اليوم» كرره المصنف سهوا في(430)3-هو و سابقه و لاحقه كالامثال.
«و أمحى الظلم لتذاكير الهمم» و قالوا في عكسه«كلام الليل يمحوه النهار».
«و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد النبي الامي و على آله مصابيح الدجى
1) 1)
و العروة الوثقى و سلم تسليما كثيرا» هكذا في(المصرية)و لكن في(الخطّية) بدله«و الحمد للّه كثيرا»و في(ابن ميثم)«و هذا آخر الخطب و الأوامر و يتلوه المختار من الكتب و الرسائل انشاء اللّه تعالى بمعونته و عصمته و توفيقه و هدايته»و الظاهر صحته حيث انّه المناسب و ان نسخته بخط مصنفه لكن ابن أبي الحديد لم ينقل عن المصنف شيئا أصلا فختم الخطب بعنوان(هم عيش العلم)(234).
الحكمة(2)
و قال عليه السلام:
أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ- وَ رَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ- وَ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهَا لِسَانَهُ أقول:قال عليه السلام هذا الكلام مع زيادات،للأشتر.ففي( تحف العقول ابن أبي شعبة الحلبي-تحف العقول-ص 201 و 202 لابن أبي شعبة الحلبي)قال عليه السلام للأشتر:يا مالك احفظ عنّي هذا الكلام و عه،يا مالك بخس مروّته من ضعف يقينه،و أزرى بنفسه من استشعر الطّمع.
و رضي الذّلّ من كشف ضرّه،و هانت عليه نفسه من اطلع على سرّه،و أهلكها من أمّر عليه لسانه (1)
تحف العقول لابن أبي شعبة:201-202.
.«أزرى بنفسه» أي:تهاون بها.
«من استشعر الطمع» أي:جعله شعارا له.
1) 1)
في(الكافي)عن أبي جعفر عليه السلام:بئس العبد عبد له طمع يقوده،و بئس العبد عبد له رغبة تذله (1)
الكافي للكليني 3:320. [1]
.و عن السجاد عليه السلام:رأيت الخير كلّه قد اجتمع في قطع الطمع عمّا في أيدي النّاس (2).
و في(الأغاني):لمّا ولي خالد بن عتاب الرياحي أصبهان خرج إليه أعشى همدان-و كان صديقه بالكوفة-فلم يجد عنده ما يحبّ،فقال يهجوه:
و ما كنت ممّن ألجأته خصاصة إليك و لا ممّن تغر المواعد
و لكنّها الأطماع و هي مذلّة دنت بي و أنت النازح المتباعد
(3)في(الحلية):مر فتح الموصلي بصبيين مع أحدهما كسرة عليها عسل و مع الآخر كسرة عليها كامخ،فقال للذي على خبزه العسل:أطعمني من خبزك.قال:إن كنت كلبا لي.قال:نعم.فأطعمه و جعل في فمه خيطا و جعل يقوده،فقال فتح:لو رضيت بخبزك ما كنت كلبا (4).لهذا قال الشاعر: كلفني حبي للدراهم و قلّة البقوى على المغارم
خدمة من لست له بخادم
و لبعضهم:
إنّ الجديدين في طول اختلافهما لا يفسدان و لكن يفسد الناس
لا يطمعا طمعا يدني إلى طبع إنّ المطامع فقر و الغنى الياس
للناس مال و لي مالان مالهما إذا تحارس أهل المال حراس
مالي الرضا بالذي أصبحت أملكه و مالي اليأس ممّا يملك الناس
«و رضي بالذل من كشف عن ضرّه» قال ابن أبي الحديد:سمع الأحنف رجلا يقول:لم أنم الليلة من وجع ضرسي-و جعل يكثر-فقال:يا هذا لم تكثر؟ فو اللّه لقد ذهبت عيني منذ ثلاثين سنة فما شكوت ذلك إلى أحد و لا أعلمت بها أحدا (1)
شرح ابن أبي الحديد 18:84. [1]
.«و هانت عليه نفسه من أمر عليها لسانه» في(الأغاني):مر مروان بن أبي حفصة برجل من تيم اللات بن ثعلبة يعرف بالجني،فقال له مروان:زعموا أنّك تقول الشعر.فقال له:إن شئت عرفتك ذلك.فقال له مروان:ما أنت و الشعر؟!ما أرى من طريقك و لا مذهبك و لا تقوله.فقال له الجني:اجلس و اسمع.فجلس،فقال له الجني يهجوه:
ثوى اللؤم في العجلان يوما و ليلة و في دار مروان ثوى آخر الدهر
غدا اللؤم يبغي مطرحا لرحاله فنقب في بر البلاد و في البحر
فلما أتى مروان خيم عنده و قال رضينا بالمقام إلى الحشر
و ليس لمروان على العرس غيرة و لكن مروانا يغار على القدر
فقال له مروان:ناشدتك اللّه إلاّ كففت،فأنت أشعر الناس.فحلف الجني بالطلاق ثلاثا انّه لا يكفّ حتى يصير إليه بنفر من رؤساء أهل اليمامة ثم يقول بحضرتهم:«قاق في استي بيضة»،فجلبهم إليه مروان و فعل ذلك بحضرتهم، فانصرفوا و هم يضحكون من فعله.و قال بعضهم:اللّسان أجرح جوارح الإنسان (2).
الكتاب(79)
و من كتاب له عليه السلام لمّا استخلف إلى أمراء الأجناد:
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ- وَ أَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ كتب عليه السلام ذلك إليهم لأن أمراء الأجناد كانوا أيام عثمان مقتدرين على منع حق الناس و أخذهم بالباطل .
«أمّا بعد فانّما اهلك من كان قبلكم انّهم منعوا الناس الحق فاشتروه» يعني إن كنتم كذلك،تهلكون كما هلك من كان قبلكم بذلك.و المراد أنّ النّاس صاروا مضطرين إلى شراء حقوقهم منهم.
«و اخذوهم بالباطل فاقتدوه» هكذا«فاقتدوه»بالقاف في النسخ،و قال ابن أبي الحديد:المراد أنّ الخلف اقتدوا بآبائهم الذين أخذوا بالباطل في ارتكاب الباطل ظنّا انّه حق لما نشئوا عليه (1)
شرح ابن أبي الحديد 18:77. [1]
.قلت:اللفظ لا يفيد ما قال و المعنى لا يجيزه،لأنّه عليه السلام في مقام ذم الامراء دون الرعايا،و الصواب:أن يقال:«اقتدوه»محرّف«افتدوه»بالفاء،أي:أعطوا الفدية لئلا يؤخذ بالباطل.و منه يظهر أيضا ما في قول ابن أبي الحديد و روي «فاستروه»بالسين أي:اختاروه و الفاعل الظلمة (2).
أي:منعوا النّاس حقّهم من المال و اختاروه لأنفسهم،فإنّ ما قاله كالمثلة للكلام و المرام.
هذا،و في(اليعقوبي):قال الزهري:كنت يوما عند عمر بن عبد العزيز إذ أتاه كتاب من عامل له كتب أنّ مدينته تحتاج إلى مرمة،فقلت له:إنّ بعض
عمّال عليّ عليه السلام كتب إليه بمثل هذا،فكتب عليه السلام في جوابه:«أمّا بعد فحصّنها بالعدل و نقّ طرقها من الجور»فكتب عمر بن عبد العزيز أيضا ذلك في جواب عامله (1)
تاريخ اليعقوبي 2:306. [1]
.الحكمة(3)
و قال عليه السلام:
الْبُخْلُ عَارٌ وَ الْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ- وَ الْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ- وَ الْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ وَ الْعَجْزُ آفَةٌ وَ الصَّبْرُ شَجَاعَةٌ- وَ الزُّهْدُ ثَرْوَةٌ وَ الْوَرَعُ جُنَّةٌ أقول:نقله( التحف ابن أبي شعبة-تحف العقول-ص 138 )كالأول جزء وصيته للأشتر مع زيادات،و فيه بدل قوله «و الزهد ثروة» :«و الشكر ثروة» (2).
ثم ان ابن أبي الحديد جعل هذا عنوانين،الأول إلى قوله «في بلدته» و بالعكس جعل ابن ميثم ستة من عناوين المتن من الثاني إلى السابع عنوانا واحدا،و هو الأصح حيث إنّ نسخة ابن ميثم بخط المصنّف،و لأنّ الجميع وصيته عليه السلام للأشتر كما يفهم من(التحف ) (3).
«البخل عار» قال الرضا عليه السلام:البخيل بعيد من اللّه بعيد من الجنّة قريب من النار (4).
كان محمد بن يحيى البرمكي بخيلا بخلاف باقي بيته،و قال أبوه لأحد خواصّه سوءة له:أنت خاص به و ثوبك مخرق؟قال:و اللّه ما أقدر على إبرة
أخيطه بها،و لو ملك محمد بيتا من بغداد إلى النوبة مملوا إبرا ثم جاءه جبرئيل و ميكائيل و معهما يعقوب النبي يضمنان له عنه إبرة و يسألانه إعارته إيّاها ليخيط بها قميص يوسف الذي قدّ من دبره،ما فعل.قال:فصف مائدته.قال:
هي فتر في فتر،و صحافه منقورة من حب الخشخاش و بين نديمه و بين الرغيف نقدة جوزة.قال:فمن يحضره؟قال:الكرام الكاتبون.قال:فمن يأكل معه؟قال:الذباب.
و في(العيون):كان عمر بن يزيد الأسدي على شرطة الحجاج فأصابه قولنج فحقنه الطبيب بدهن كثير فانحل بطنه في الطست،فقال الغلام:ما تصنع به؟قال:أصبه.قال:لا،و لكن ميّز منه الدهن،و استصبح به (1)
لا وجود له في عيون الأخبار،بل هو موجود في البخلاء للجاحظ:315.
.و قيل:لو لم يكن في ذمّة إلاّ قوله تعالى: «وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» (2)لكفى.
و قالوا:أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه.
و قال عبد الملك لمصعب:لا يسود أخوك لثلاث:لبخله و عجبه و استبداده (3).
و قال الشاعر:
لا يسود امرؤ بخيل و لو مس بيافوخه عنان السماء
(4)و في(بخلاء الجاحظ)بعد ذكر حبّ الناس للجواد و مدحهم له و إفراطهم فيه:ثم وجدنا هؤلاء بإنعاتهم للبخيل على ضدّ هذه الصفة و على خلاف هذا
المذهب،وجدناهم يبغضونه مرّة،و يحقرونه مرّة،و يبغضون بفضل بغضه ولده،و يحتقرون بفضل احتقارهم له رهطه و يضيفون إليه من نوادر اللؤم ما لم يبلغه،و من غرائب البخل ما لم يفعله،و حتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء (1)
البخلاء للجاحظ 2:97-98 [1] من رسالة أبي العاص الثقفي،نسخة دار الكتب المصرية.
.و في(تاريخ بغداد)عن إسحاق الموصلي:دخلت على الرشيد يوما فقال:أنشدني من شعرك،فأنشدته:
و آمرة بالبخل قلت لها اقصري فذلك شيء ما إليه سبيل
أرى الناس خلاّن الجواد و لا أرى بخيلا له في العالمين خليل
و من خير حالات الفتى لو علمته إذا نال خيرا أن يكون ينيل
عطائى عطاء المكثرين تكرّما و مالي كما قد تعلمين قليل
و إني رأيت البخل يزري بأهله و يحقر يوما أن يقال بخيل
إلى أن قال:فقال الرشيد:يا فضل،أعطه مائة ألف درهم للّه در أبيات تأتينا بها،ما أحسن فصولها و أثبت أصولها!فقلت:كلامك أجود من شعري.
قال:أحسنت يا فضل،أعطه مائة ألف أخرى.
هذا،و كان عباس بن محمد عمّ أبي الرشيد مكينا عنده،و كان أراد أن يخطب إليه ابنته،فجاءه يوما و قال له:هجاني ربيعة الرقي،فغضب و أمر بإحضاره و قال له:أ تهجو عمّي؟فقال:قد مدحته بقصيدة ما قيل مثلها في أحد من الخلفاء،فإن رأيت أن تأمره بإحضارها،فأمره فتلكّأ فعزم عليه فعلم أنّه أخطأ،فأحضرت فنظر الرشيد فيها فقال:صدق ربيعة.ثم قال للعباس:بم أثبته؟فسكت و تغيّر لونه.قال ربيعة:بدينارين.فظنّ الرشيد أنّه قال ذلك موجدة.قال له:بحياتي كم أثابك؟قال:و حياتك بدينارين.فغضب الرشيد
1) 1)
و قال للعباس:فضحت آباءك و فضحتني و نفسك.فنكس رأسه،فأمر الرشيد بإعطائه ثلاثين ألف درهم و خلعة و حمله على بغلة،و قال له:بحياتي لا تذكره في شعرك تصريحا أو تلويحا.و فتر عمّا كان همّ به من التزويج إليه و اطرحه بعد.و لا يزال ربيعة بعده يعبث به في حضرة الرشيد،فجاء العباس يوما إلى الرشيد ببرنية غالية و قال:هذه غالية صنعتها لك بيدي اختير عنبرها من بحر عمان و مسكها من مفاوز التبت و بانها من ثغر تهامة،فالفضائل كلّها مجموعة فيها،و النعت يقصر عنها.فاعترضه ربيعة فقال:ما رأيت أعجب منك،إنّ تعظيمك هذا عند من تجبى إليه خزائن الأرض و تذلّ له جبابرة الملوك و تتحفه ببدائع ممالكها حتى كأنّك قد فقت به ما عنده،أو أبدعت له ما لا يعرفه، لا تخلو فيه من ضعف عقل أو قصر همّة،أنشدتك أيّها الخليفة إلاّ جعلت حظي من كلّ جائزة سنتي هذه الغالية حتى أو فيها حقّها.فقال:ادفعوها إليه.فدفعت إليه فأدخل يده فيها و أخرج ملئها و حلّ سراويله و أدخل يده فلطّخ بها استه و أخذ حفنة اخرى فطلى بها ذكره و أنثييه و أخرج حفنتين فطلى بها إبطيه،ثم قال للرشيد:تأمر غلامي يدخل إليّ؟فأدخل فدفع إليه البرنية غير مختومة و قال له:اذهب بها إلى جاريتي فلانة و قل لها:طيّبي بها حرّك و استك حتى أجيء الساعة و أنيكك،فأخذها الغلام و مضى،فضحك الرشيد حتى غشي عليه،و كاد العباس يموت غيظا (1)
تاريخ بغداد 1:10. [1]
.«و الجبن منقصة» في(الظرائف):يقال:الشجاع محبب حتى إلى عدوّه، و الجبان مبغض حتى إلى اللّه (2)،و قال الشاعر:
يفرّ الجبان من أبيه و أمه و يحمي شجاع القوم من لا يناسبه
(1)و لمّا قال المتنبي:
يرى الجبناء أنّ الجبن عقل و تلك خديعة الطبع اللئيم
و كلّ شجاعة في المرء تغني و لا مثل الشجاعة في الحكيم
(2)قيل له أنّى يكون الشجاع حكيما و هما على طرفي النقيض؟قال:هذا علي ابن أبي طالب شجاع و حكيم (3). «و الفقر يخرس الفطن عن حجّته» .
في(كامل المبرد)قال أعرابي من باهلة:
سأعمل نص العيص حتى يكفّني غنى المال يوما أو غنى الحدثان
فللموت خير من حياة يرى لها على الحر بالإقلال و سم هو ان
متى يتكلّم يلغ حكم كلامه و إن لم يقل قالوا عديم بيان
كأن الغنى عن أهله بورك الغنا بغير لسان ناطق بلسان
(4)و قيل: إذا قلّ مال المرء قلّ حياؤه و ضاقت عليه أرضه و سماؤه
و أصبح لا يدري و إن كان حازما أقدّامه خير له أم وراؤه
(5)و قال صالح بن عبد القدوس:
بلوت امور الناس سبعين حجّة و جرّبت صرف الدهر في العسر و اليسر
فلم أر بعد الدين خيرا من الغنى و لم أر بعد الكفر شرّا من الفقر
(1)و في(كامل المبرد):لمّا ولى عبيد اللّه بن زياد حارثة بن بدر رامهرمز، و سرق،قال له أنس بن أبي أنيس:
أحار بن بدر قد وليت إمارة فكن جرزا فيها تخون و تسرق
و لا تحقرن يا حار شيئا وجدته فحظّك من ملك العراقين سرق
و باه تميما بالغنى إنّ للغنى لسانا به المرء الهيوبة ينطق
(2)و في(بيان الجاحظ):قال عروة بن الورد: ذريني للغنى أسعى فإنّي رأيت الناس شرّهم الفقير
و أهونهم و أحقرهم لديهم و ان أمسى له نسب و خير
و يقصي في الندى أو يزدريه حليلته و ينهره الصغير
و يلفى ذو الغنى و له جلال يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه و الذنب جم و لكن للغنى ربّ غفور
(3)و في(عيون القتيبي):قال النمر بن تولب: فالمال فيه تجلّة و مهابة و الفقر فيه مذلّة و قبوح
و لآخر:
رزقت لبا و لم ارزق مروّته و ما المروة إلاّ كثرة المال
إذا أردت مساماة يقعدني عمّا ينوه باسمي رقّة الحال
و لآخر:
يغطي عيوب المرء كثرة ماله يصدّق فيما قال و هو كذوب
و يزري بعقل المرء قلة ماله يحمقه الأقوام و هو لبيب
(1)و قال حسان:
ربّ حلم أضاعه عدم المال و جهل غطى عليه النعيم
(2)«و المقل غريب في بلدته» قال ابن أبي الحديد:يقال:مالك نورك،فإن أردت أن تنكسف ففرّقه و أتلفه.و قال خلف الأحمر:لا تظني أنّ الغريب هو النائي،و لكنّما الغريب المقلّ (3). قلت:و قال الشاعر:
ألم تر بيت الفقر يهجر أهله و بيت الغنى يهدى له و يزار
(4)و قال أيضا: إذا ما قلّ ما لك كنت فردا و أي الناس زوار المقلّ
(5)و قال أيضا: و من يكن له نشب يحبب و من يفتقر يعش عيش ضرّ
و يجنب سر النجى و لكن أخا المال محضر كلّ سر
(6)و قال أيضا:
و لم أر مثل الفقر أوضع للفتى و لم أر مثل المال أرفع للرذل
(1)و لابن فارس:
قد قال فيما مضى حكيم ما المرء إلاّ بأصغريه
فقلت قول امرىء لبيب ما المرء إلاّ بدرهميه
من لم يكن معه درهماه لم تلتفت عرسه إليه
و كان من ذلّه حقيرا تبول سنوره عليه
و لآخر:
فلو كنت ذا مال لقرّب مجلسي و قيل إذا أخطأت أنت رشيد
رأيت الغنى قد صار في الناس سؤددا و كان الفتى بالمكرمات يسود
و إن قلت لم يسمع مقالي و إنني لمبدئ حق بينهم و معيد
«و في العجز آفة» في(عيون القتيبي)قال أبو المعافي:
و إن التواني أنكح العجز بنته و ساق إليها حين زوّجها مهرا
فراشا وطيئا ثم قال لها اتكي قصاراهما لا بد أن يلدا الفقرا
(2)و قال الأصمعي:دخلت على هارون الرشيد و بين يديه بدرة،فقال:إن حدثتني بحديث في العجز فأضحكتني،و هبتك هذه البدرة.فقلت:نعم،بينا أنا في صحاري الأعراب في يوم شديد البرد و الريح و إذا بأعرابي قاعد على أجمة و هو عريان قد احتملت الريح كساءه فألقته على الأجمة،فقلت:يا أعرابي ما
أجلسك ههنا على هذه الحالة؟فقال:جارية و عدتها يقال لها سلمى أنا منتظر لها.فقلت:و ما يمنعك من أخذ كسائك؟فقال:العجز يوقفني عن أخذه.فقلت له:
فهل قلت في سلمى شيئا؟فقال:نعم.فقلت:أسمعني-للّه أبوك-فقال:لا أسمعك حتى تأخذ كسائي و تلقيه عليّ.فأخذته و ألقيته عليه فأنشا يقول:
لعلّ اللّه أن يأتي بسلمى فيبطحها و يلقيني عليها
و يأتي بعد ذاك سحاب مزن تطهرنا و لا نسعى إليها
فضحك الرشيد حتى استلقى على ظهره و قال:أعطوه البدرة (1)
المصدر نفسه 3:300.
.و في(ديوان معاني العسكري):و أكسل بيت سمعناه عن يحيى بن سعيد الأموي لبعضهم:
سألت اللّه أن يأتي بسلمى و كان اللّه يفعل ما يشاء
فيأخذها و يطرحها بجنبي و يرقدها و قد كشف الغطاء
و يأخذني و يطرحني عليها و يرقدها و قد قضي القضاء
و يرسل ديمة سحبا علينا فيغسلنا و لا يلقى عناء
(2)«و الصبر شجاعة» لأنّه من قوّة القلب،قال الشاعر: تصبّر و لا تبد التضعضع للعدى و لو قطّعت في الجسم منك البواتر
سرور الأعادي أن تراك بذلّة و لكنّها تغتمّ إذ أنت صابر
(3)و في(مقاتل الطالبيين):اخذ عمرو بن شداد-من أصحاب ابراهيم بن عبد اللّه ابن الحسن-بعد قتله،فأتى به ابن دعلج-من قبل المنصور-فأمر بقطع يده،فمدّها فقطعت،ثم مدّ اليسرى فقطعت،ثم رجله اليمنى فقطعت،ثم
مدّ اليسرى فقطعت و ما يقربه أحد و لا يمسّه.ثم قال له:مدّ عنقك.فمدّها فضربه ضارب بسيف كليل فلم يصنع شيئا،فقال:اطلبوا سيفا صارما.فعجل الضارب فنبا فلم يصنع شيئا.فقال عمر:و سيف أصرع من هذا.فسلّ ابن دعلج سيفا كان عليه فدفعه إلى رجل فضربه،و قال ابن دعلج لعمرو بن شداد:
أنت و اللّه الصارم (1)
مقاتل الطالبيين:220. [1]
.و في(الطبري):قال ابن إسحاق:لما انهزم المشركون في حنين أدرك رجل من المسلمين دريد بن الصمة فأخذ بخطام جمله و هو يظنّ أنّه امرأة و ذلك أنّه كان في شجار له،فأناخ به و إذا هو شيخ كبير فقال له:ما ذا تريد بي؟ قال:أقتلك.قال:و من أنت؟قال:ربيعة بن رفيع السلمي.ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا.فقال:بئسما سلحتك امك،خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل في الشجار ثم اضرب به و ارفع عن العظام و اخفض عن الدماغ فإنّي كذلك كنت أقتل الرجال،ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنّك قتلت دريدا فربّ يوم و اللّه قد منعت نساءك.فزعمت بنو سليم أنّ ربيعة قال:لما ضربته فوقع تكشّف الثوب عنه فإذا عجانه و بطون فخذيه مثل القرطاس عن ركوب الخيل أعراء،فلما رجع إلى أمه أخبرها بقتله فقالت:و اللّه لقد أعتق أمّهات لك ثلاثا (2).
«و الزهد ثروة» قال تعالى: «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» (3)قالوا:جمع تعالى في هاتين الكلمتين،و قال الشاعر:
إذا ما شئت أن تحيا حلوة المحيا فلا تحسد و لا تحقد و لا تأسف على الدنيا
«و الورع جنة» : «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» (1)
مريم:71-72. [1]
.و في الخبر:«الصوم جنّة من النار» (2)و وجهه أنّ الصوم علّة للورع و التقوى قال تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (3).و الورع جنّة و سبب السبب سبب.
الحكمة(149)
و قال عليه السلام:
هَلَكَ امْرُؤٌ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ أقول:قال الشعبي كما روى( الخصال الشيخ الصدوق-الخصال-ص 186 ):إنّ أمير المؤمنين عليه السلام تكلّم بتسع كلمات ارتجلهن ارتجالا فقأن عيون البلاغة و أيتمن جواهر الحكمة و قطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهن،ثلاث منها في المناجاة و ثلاث منها في الحكمة و ثلاث منها في الأدب-إلى أن قال-:و أما اللاتي في الحكمة فقال:«قيمة كلّ امرىء ما يحسنه»و«ما هلك امرؤ عرف قدره» (4).
و لفظ الخبر مع العنوان مختلف لكن المعنى واحد،و صدق الشعبي في كون كلمته عليه السلام مما ليس له قيمة،فمن لم يعرف قدره بالنسبة إلى الدنيا أو الآخرة هلك،أمّا الآخرة فمعلوم و أمّا الدّنيا فلأنّه يعمل عملا لم يكن له أن يعمله أو يتكلّم بكلام لم يكن له أن يقوله.
و في(الأغاني):قال المهدي يوما لمروان بن أبي حفصة:أين ما تقوله
فينا من قولك في أبينا:
له لحظات عن حفافي سريره اذا كرها فيها عقاب و نائل
فاعترضه آدم بن عبد العزيز فقال:هيهات أن يقول هذا و لا ابن هرمة كما قال الأخطل فينا:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم و أعظم الناس أحلاما إذا قدروا
(1)فغضب المهدي حتى استشاط و قال:كذب و اللّه ابن النصرانية العاض بظر امّه،و كذبت يا عاض بظر امّك،و اللّه لو لا أن يقال إنّي خفرت بك لفرقتك من أكثرك شعرا،خذوا برجل ابن الفاعلة.فأخرجوه على تلك الحالة و جعل المهدي-و هو يجر-يشتمه و يقول:يابن الفاعلة أراها في رؤوسكم و نفوسكم.
و في(المقاتل):كان الرشيد يسأل عمّن له ذكر و نباهة من آل أبي طالب، فذكر له عبد اللّه بن الحسن بن علي الأصغر المعروف بابن الأفطس،فوجّه من أخذه و ادخل عليه فقال له:بلغني أنّك تجمع الزيدية و تدعوهم إلى الخروج معك.قال:و اللّه ما أنا من هذه الطبقة،أنا غلام نشأت بالمدينة و في صحاريها أسعى على قدمي و أتصيّد بالبواشق،ما هممت بغير ذلك قط.قال:صدقت و لكنّي انزلك دارا و اوكل بك رجلا واحدا يكون معك و لا يحجبك أحدا يدخل عليك.فقال:نشدتك باللّه في دمي،فو اللّه لئن فعلت ذلك بي لأوسوسن و ليذهبن عقلي.فلم يقبل ذلك منه و حبسه فلم يزل يحتال لأن تصل رقعة إلى الرشيد حتى قدر على ذلك فأنفذ إليه رقعة مختومة فيها كلّ كلام قبيح و كلّ شتم شنيع،فلما قرأها طرحها و قال:قد ضاق صدر هذا الفتى فهو يتعرّض للقتل و ما يحملني فعله على ذلك.ثم دعا جعفر بن يحيى فأمره أن يحوله إليه
1) 1) الأغاني 8:301، [1]كذا ورد في ديوان الاخطل:106.
و يوسع عليه في محبسه،فلما كان يوم عيد-و هو يوم نيروز-قدمه جعفر بن يحيى فضرب عنقه و غسل رأسه و جعله في منديل و أهداه إلى الرشيد مع هدايا فقبلها و قدمت إليه،فلما نظر إلى الرأس أفظعه و قال له:ويحك لم فعلت هذا؟قال:لإقدامه على ما كتب به إلى الخليفة و بسط لسانه بما بسط.فقال له:
ويحك قتلك إيّاه بغير أمري أعظم من فعله.ثم أمر بغسله و دفنه.فلما كان من أمره ما كان في جعفر قال لمسرور إذا أردت قتله فقل له:هذا بعبد اللّه بن حسن بن حسن ابن عمي الذي قتلته بغير أمري.فقال مسر و له ذلك عند قتله (1)
مقاتل الطالبيين:328. [1]
.الحكمة(363)
و قال عليه السلام:
مِنَ الْخُرْقِ الْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ الْإِمْكَانِ- وَ الْأَنَاةُ بَعْدَ الْفُرْصَةِ أما أصل «الخرق» ففي(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:لو كان الخرق خلقا يرى ما كان شيء من خلق اللّه تعالى أقبح منه.
و عن أبي جعفر عليه السلام:من قسم له الخرق حجب عنه الايمان (2).
و أمّا المعاجلة فقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» (3)و قال تعالى حاكيا عن سليمان: «سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ» (4)و قال:
«وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً» (5)،و قال: «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي»
«فَلا تَسْتَعْجِلُونِ» (1)
الأنبياء:37. [1]
،و أمّا الأناة بعد الفرصة فقالوا:الفرصة تمر مر السحاب.و قيل لأبي العيناء:لا تعجل فإنّ العجلة من الشيطان.فقال:لو كانت من الشيطان لما قال كليم اللّه تعالى: «وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى» (2)،يقال:الآفات في التأخيرات (3)،و قال شاعر:
كم من مضيع فرصة قد أمكنت لغد و ليس غد له بموات
حتى إذا فاتت و فات طلابها ذهبت عليها نفسه حسرات
(4)أيضا: و إنّ فرصة أمكنت في العدا فلا تبد فعلك إلاّ بها
فان لم تلج بابها مسرعا أتاك عدوك من بابها
و إيّاك من ندم بعدها و تأميل اخرى و أنّى بها
(5)و بالجملة:العجلة قبل الإمكان،و التأنّي بعد الإمكان كلاهما مذمومان و هما من الخرق كما قال عليه السلام،و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:من تأنّى أصاب أو كاد،و من تعجّل أخطأ أو كاد (6).و قال القطامي: قد يدرك المتأني بعض حاجته و قد يكون من المستعجل الزلل
و ربما فات قوما بعض نجحهم من التأني و كان الحزم لو عجلوا
الحكمة(378)
و قال عليه السلام:
الْبَخِيلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِئِ الْعُيُوبِ- وَ هُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ أقول:هكذا في(المصرية) (1)
الطبعة المصرية المصححة بلفظ«البخل»:747.
و لكن في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) «البخل جامع...»و هو الصحيح (2).«البخل جامع لمساوئ العيوب» عنه عليه السلام:إذا لم يكن للّه في عبد حاجة ابتلاه بالبخل (3).
و في خبر:لا يجتمع الشحّ و الإيمان في قلب عبد أبدا (4).
و في(الجهشياري):كان محمد بن يحيى البرمكي قبيح البخل،فدخل يوما أبو الحارث جمير-و كان يألفه-على أبيه فقال له أبوه:صف لي مائدة محمد.فقال هي فتر في فتر و صحافه منقورة من حب الخشخاش و بين نديمه و بين الرغيف نقدة جوزة.قال:فمن يحضره؟قال:الكرام الكاتبون.قال:فمن يأكل معه؟قال:الذباب.فقال:سوءة له أنت خاص به و ثوبك مخرق.قال:و اللّه ما أقدر على إبرة منه أخيطه بها،و لو ملك محمد بيتا من بغداد إلى النوبة مملوا إبرا ثم جاءه جبرئيل و ميكائيل و معهما يعقوب النبي يضمنان له عنه إبره و يسألانه إعارته إيّاها ليخيط بها قميص يوسف الذي قدّ من دبر ما فعل (5)و قال الشاعر:
خير من البخل للفتى عدمه و من بنين أعقة عقمه
و روى الخطيب (1)
تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 12:342-343. [1]
عن أبي العيناء قال:قال الفضل بن سهل رأيت جملة البخل سوء الظنّ باللّه تعالى،و جملة السخاء حسن الظنّ باللّه تعالى.قال عز و جل: «الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ» (2)و قال عز و جل: «وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ» (3).«و هو زمام يقاد به إلى كلّ سوء» عنه عليه السلام لرجل سمعه يقول:«الشحيح أعذر من الظالم»:كذبت،إنّ الظالم يتوب و يستغفر اللّه و يردّ الظلامة على أهلها، و الشحيح إذا شحّ منع الزكاة و الصدقة و صلة الرحم و إقراء الضيف و النفقة في سبيل اللّه و أبواب البرّ،و حرام على الجنّة أن يدخلها شحيح (4).
الحكمة(454)
و قال عليه السلام:
مَا لاِبْنِ آدَمَ وَ الْفَخْرُ- أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ وَ آخِرُهُ جِيفَةٌ- وَ لاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ وَ لاَ يَدْفَعُ حَتْفَهُ أقول:لما سمع الصاحب بن عبادة قول المتنبي:
أيّ محل أرتقي أي عظيم أتّقي
و كلّ ما خلق اللّه و ما لم يخلق
محتقر في همّتي كشعرة في مفرقي
قال:قبيح بمن أوّله نطفة مذرة،و آخره جيفة قذرة،و هو فيما بينهما حامل بول و عذرة أن يقول مثل هذا الكلام الذي لا تسعه معذرة .
«ما لابن آدم و الفخر» في(نسب قريش مصعب الزبيري):كان علي بن يزيد بن ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب أشدّ الناس فخرا،و يضرب به المثل للشيء إذا كان ثقيلا فيقال«أثقل من فخر ابن ركانة» (1)
نسب قريش لمصعب الزبيري:96.
.و ممن أفرط في الفخر قابوس بن و شمكير فقال في وصف نفسه-كما في(ديوان معاني العسكري)-ملك عنان الدهر فهو طوع قياده و تبع مراده، ينتظر أمره ليمتثل و يرقب نهيه ليعتزل،تضاءلت الأرض تحت قدمه فصارت له في الانقياد كبعض خدمه،إذا رأت منه هشاشة أعشبت،و إن أحسّت منه بجفوة أجدبت،خيله الغرمات و الأوهام،و أنصاره الليالي و الأيام،من هرب منه أدركه بمكائدها،و من طلبه وجده في مراصدها،تعرض رفاهية العيش بإعراضه،و تنقبض الأرزاق بانقباضه،أضاء نجم الإقبال إذا أقبل،و أهّل هلال المجد إذا تهلل،تحقر في عينه الدّنيا،و ترى تحته السماء العليا،قد ركب عنق الفلك و استوى على ذات الحبك،تبرّجت له البروج و تكوكبت لعبادته الكواكب، و استجارت بعزّته المجرة،و آثرت لمحاسنه أوضاع الثريا،لو شاء عقد الهواء و جسم الهباء،و فصل تراكيب الأشياء،و ألف بين النار و الماء،و أخمد ضياء الشمس و القمر،و كفاهما عناء السير و السفر،و سد مناخر الرياح الزعازع، و أطبق أجفان البروق اللوامع و قطع ألسنة الرعود بسيف الوعيد،و نظم صوب الغمام نظم الفريد،و قضى ما يراه على القضاء النازل،و رفع عن الأرض سطوة الزلازل،و عرض الشيطان بمعرض الإنسان،و كحل العيون بصور الغيلان،و أنبت العشب على البحار،و ألبس الليل ضوء النهار،
1) 1)
و مهاجرة من هذه قدرته ضلال،و منابذة من هذه سورته خبال،و من له هذه المعجزات يشترى رضاه بالنفس و الحياة،و من يأتي بهذه الآيات يبتغى هواه بالصوم و الصلاة،و من لم يتعلّق بحبل منه كان بهيما لاشية به،و من لم يأو منه إلى ظلّ ظليل ظل صريعا لا عصمة له،لو علمت أنّ الأرض،لا تسف تراب قدمي لما وضعت عليها جانبا،و أنّ السماء لا تتوق إلى تقبيل هامتي لما رفعت إليها طرفا (1)
ديوان معاني العسكري 1:86-87. [1]
-إلخ.قبّحه اللّه قبّحه ما أسفهه،ما أسفهه،و لنعم ما قال الصاحب فيه،لقب نفسه شمس المعالي و كان كسوفها.
و في(المعجم)لم يكن قابوس يعرف حدّا في التأديب غير ضرب الأعناق،فتبرّم به عسكره-و كان خرج إلى قصر بناه و سمّاه شه آباد- فتعاهدوا أن يتسلقوا عليه و يغتالوه،و قد واطأهم على الأمر جميع من كان معه في الحصن،فتعذّر عليهم الصعود إليه،فنعوه إلى الناس،فانتهت اصطبلاته و سيقت دوابّه و بغاله،و قلّدوا ابنه الأمر،فخرج قابوس إلى بسطام مع خزائنه فحصره ابنه و امتنع هو عليه،ثم أمكن من نفسه عند الضرورة فقبض عليه و حمل إلى بعض القلاع و ذكر أنّه اغتيل... (2).
و ممّن فخر عضد الدولة فقال في نفسه:
عضد الدولة و ابن ركنها ملك الأملاك غلاّب القدر
و في(اليتيمة) (3):يحكى أنّ عضد الدولة لما احتضر لم ينطق لسانه إلاّ بتلاوة «ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ» (4).
و من الفخورين جذيمه الأبرش،كان مع برصه لا ينادم أحدا ذهابا بنفسه و كان يقول:أنا أعظم من أن أ نادم إلاّ الفرقدين،فكان يشرب كأسا و يصبّ لكلّ واحد من الفرقدين كأسا في الأرض،فلما أتاه مالك و عقيل بابن اخته الذي استهوته الشياطين،قال لهما:احتكما.فقالا له:منادمتك.فنادماه أربعين سنة يحادثانه فيها و ما أعادا عليه حديثا (1)
عيون الأخبار 1:274. [1]
.هذا،و في(ديوان المعاني):أفخر بيت قالته العرب قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلّهم غضابا
(2)و قول الفرزدق: ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا و إن نحن أو مأنا إلى الناس و قّفوا
(3)و في(نسب قريش ابن بكار):جلس محمّد بن هشام المخزومي إذ كان على مكّة في الحجر،فاختصم إليه عيسى بن عبد اللّه و عثمان بن أبي بكر الحميديان-أي:من ولد حميد بن زهير بن الحارث بن أسد-فقال محمّد:أنا ابن الوحيد لأقضين فيكما بقضاء يتحدّث به أهل القريتين قضاء مغيريا.فقال عثمان:صه صه حبوا أ تدري من الرجل معك؟أزهر لزهر المتسربل المجد معه إزاره و رداؤه.و قال عيسى:نوّهت بما جد لما جد بكر لبكر،و اللّه ما أنا بنافخ كير و لا ضارب زير لو ثقبت قدماي لانتثرت منهما بطحاء مكّة،أنا بن زهير دفين الحجر.فقال محمّد:قوموا كنتم و حشا في الجاهلية و ما استأنستم في الإسلام (4). «أوّله نطفة و آخره جيفة» في(العيون):قال الأحنف:عجبت لمن جرى في
مجرى البول مرّتين كيف يتكبّر (1)
العيون 1:272.
،و قال شاعر:يا مظهر الكبر إعجابا بصورته انظر خلاءك إنّ النتن تثريب
لو فكّر الناس فيما في بطونهم لما استشعر الكبر شبّان و لا شيب
هل في ابن آدم غير الرأس مكرمة و هو لخمس من الأقذار مضروب
أنف يسيل و اذن ريحها سهك و العين مرمصة و الثغر ملعوب
يابن التراب و مأكول التراب غدا أقصر فإنّك مأكول و مشروب
(2)«لا يرزق نفسه» و ما في(المصرية): «و لا يرزق نفسه» (3)تحريف. في(العيون):قال المدائني:رأيت مولى باهلة يطوف بين الصفا و المروة على بغلة ثمّ رأيته بعد ذلك راجلا في سفر،فقلت له:أراجل في هذا الموضع؟قال:نعم إنّي ركبت حيث يمشي الناس فكان حقّا على اللّه أن يرجلني حيث يركب الناس (4).
«و لا يدفع حتفه» أي:موته «الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَ قَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (5)، «يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ» (6).
و في الخبر:إذا جزع أحد من أهل الميت يقول له ملك الموت:فادرأ عن نفسك الموت إن كنت صادقا.
و قال ابن قتيبة:قال لي رجل:سمعت رجلا ينشد:
ألا رب ذي أجل قد حضر طويل التمني قليل الفكر
إذا هزّ في المشي أعطافه تبينت في منكبيه البطر
(1)فغدوت عليه لأكتب تمام القصيدة،فوجدته قد مات.
الحكمة(461)
و قال عليه السلام:
الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجِزِ قالوا:و شرّ عداوة المرء السباب.
و قالوا:الغيبة إدام كلاب النار (2).
و قال ابن أبي الحديد:قيل للأحنف:من أشرف الناس؟قال:من إذا حضر هابوه و إذا غاب اغتابوه (3).
الخطبة(138)
و من كلام له عليه السلام في النهي عن غيبة الناس:
وَ إِنَّمَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِصْمَةِ وَ الْمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلاَمَةِ- أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ وَ الْمَعْصِيَةِ- وَ يَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ- وَ الْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ- فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخًا وَ عَيَّرَهُ أَ مَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ- مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ- وَ كَيْفَ يَذُمُّهُ
بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ- فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ- فَقَدْ عَصَى اللّهَ فِيمَا سِوَاهُ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِيرِ- وَ عَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ لَجُرْأَتُهُ عَلَى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ- يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ- فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَ لاَ تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ- فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ- فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ- وَ لْيَكُنِ الشُّكْرُ شَاغِلاً لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ غَيْرُهُ أقول:قول المصنّف : «في النهي عن غيبة الناس» قال الجوهري:اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه،و الاسم الغيبة،و هو ان يتكلّم خلف إنسان مستور بما يغمّه لو سمعه،فإن كان صدقا فهو غيبة،و إن كذبا سمّي بهتانا (1)
الصحاح للجوهري 1:196، [1]مادة(غيب).
.و في(الكافي):عن أبي الحسن عليه السلام:من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه ممّا عرفه الناس لم يغتبه،و من ذكره بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه (2).
و عن الصادق عليه السلام:الغيبة أن تقول في أخيك ممّا ستره اللّه عليه،أما الأمر الظاهر مثل الحدّة و العجلة فلا (3).
قوله عليه السلام : «و إنما ينبغي لأهل العصمة» أي:من عصمه اللّه بلطفه من معصيته.
«و المصنوع إليهم» أي:المنعم عليهم من اللّه تعالى في السلامة من الذنوب و العيوب.
«أن يرحموا أهل الذنوب و المعصية» حيث أعدّوا لأنفسهم العقوبة و لمثلهم يحق الترحّم «يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ»
«كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » (1)
يس:30. [1]
.«و يكون الشكر هو الغالب عليهم» حيث عصمهم اللّه تعالى و لم يتيسر لهم أسباب المعصية مثل أولئك «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللّهُ» (2)، «لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا» (3).
«و الحاجز» أي:المانع.
«لهم عنهم :أي:عن أهل الذنوب بترك ذمّهم.
و مع ذلك فالغيبة من الكبائر،و يكفي في ذمّها قوله تعالى: «وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ» (4).
و قال ابن أبي الحديد:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في خطبته في حجّة الوداع:أيّها الناس إنّ دماءكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا (5).
و سمع علي بن الحسين عليهما السلام رجلا يغتاب آخر فقال:لكلّ شيء إداما و إدام كلاب النار الغيبة (6).
و في حديث ابن عباس:إنّ رجلين من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله اغتابا بحضرته رجلا-و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يمشي و هما معه-فمر على جيفة فقال لهما:انهشا منها.فقالا:أو ننهش الجيفة.فقال صلّى اللّه عليه و آله لهما:ما أصبتما من
أخيكما أنتن من هذه (1)
شرح ابن أبي الحديد 9:61. [1]
.و في حديث البراء بن عازب:خطبنا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتى أسمع العواتق في خدورهن:ألا لا تغتابوا المسلمين و لا تتبعوا عوراتهم،فإنّه من اتبع عورة أخيه يتتبع اللّه عورته،و من يتتبع اللّه عورته يفضحه في جوف بيته (2).
و في حديث أنس:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في يوم صوم:إنّ فلانة و فلانة كانتا تأكلان اليوم شحم امرأة مسلمة-يعني بالغيبة-فلتقيئا.فقاءت كلّ واحدة منهما علقة دم (3).
و روى جابر و أبو سعيد عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:إيّاكم و الغيبة فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا،إنّ الرجل يزني فيتوب اللّه عليه،و إنّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر صاحبه... (4).
و روى(الكافي)عن نوف البكالي قال:أتيت أمير المؤمنين عليه السلام و هو في رحبة مسجد الكوفة-فقلت له:عظني.فقال:اجتنب الغيبة فإنّها إدام كلاب النار،يا نوف كذب من زعم أنّه ولد من حلال و هو يأكل لحوم الناس بالغيبة (5).
و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الآكلة في جوفه (6).
و عن الصادق عليه السلام:من قال في مؤمن ما رأته عيناه و سمعته أذناه فهو
1) 1)
2) 2) الكافي 2:354 ح 2،و [2]ذكره ابن أبي الحديد 9:60. [3]
3) 3) الفقيه 3:85 ح 3384،ذكره ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 9:61. [4]
4) 4) شرح ابن أبي الحديد 9:61،و [5]كذا بحار الأنوار 75:222 ح 1. [6]
5) 5) ذكره المجلسي في بحار الأنوار [7]عن الأمالي 75:248 ح 13 باب 66. [8]
6) 6) الكافي للكليني 2:356 ح 1. [9]
من الذين قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» (1)
بحار الأنوار 75:240 ح 2،و الآية 19 [1] من سورة النور.
.و قال ابن أبي الحديد:و روي أن أبا بكر و عمر ذكرا رجلا عند النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال أحدهما:إنّه لنؤوم،ثم اخرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خبزا فقارا فطلبا منه أدما فقال:
قد ائتد متما.قال:ما نعلمه؟قال:بلى أكلتما من لحم صاحبكما (2).
قال ابن أبي الحديد:كان أحدهما قائلا و الآخر مستمعا،و المستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلاّ بأن ينكر (3).
و بلغ الحسن أنّ رجلا اغتابه،فأهدى إليه طبقا من رطب،فجاء الرجل معتذرا و قال:اغتبتك و أهديت لي؟قال:إنّك أهديت إليّ حسناتك فأردت أن أكافئك (4).
«فكيف بالعائب الذي عاب أخاه» يعني إذا كان العائب أخاه سالما مما عابه كان فعل قبيحا،فكيف إذا كان مثله.و في(العيون):كان رجل من المتزمتين لا يزال يعيب النبيذ و شربه فإذا وجده سرّا شربه،فقال فيه بعض جيرانه:
و عيابة للشرب لو أنّ امّه تبول نبيذا لم يزل يستبيلها
(5)«و عيره ببلواه»أي:بابتلائه. و في(الكافي)عن الصادق عليه السلام:من عيّر مؤمنا بذنب لم يمت حتى يركبه.و عنه عليه السلام من لقي أخاه بما يؤنبه أنّبه اللّه تعالى في الدّنيا و الآخرة (6).
«اما ذكر موضع ستر اللّه عليه من ذنوبه ممّا» هكذا في(المصرية) (1)
الطبعة المصرية المصححة:310.
و الصواب«ما»كما في(ابن أبي الحديد (2)و ابن ميثم و الخطية).«هو أعظم من الذنب الّذي عابه به» في الخبر لو لا منّ اللّه تعالى على عباده بالستر عليهم لما دفن الناس كثيرا منهم لشنائع أعمالهم.
و في(الكافي)-في خبر في إقرار امرأة بالزنا عند أمير المؤمنين عليه السلام و أمره بجمع الناس لحدّها-:«أيّها النّاس إنّ إمامكم خارج بهذه المرأة إلى هذا الظهر ليقيم عليها الحد،فعزم عليكم لما خرجتم و أنتم متنكرون و معكم أحجاركم لا يتعرّف أحد منكم إلى أحد حتى تنصرفوا إلى منازلكم»فلما أصبح أمير المؤمنين عليه السلام بكرة خرج بالمرأة و خرج الناس متنكرين متلثمين بعمائمهم و بأرديتهم و الحجارة في أيديهم و في أكمامهم،حتى انتهى بها و الناس معه إلى الظهر بالكوفة،فأمر لها أن يحفر حفيرة ثم دفنها فيها ثم ركب بغلته و أثبت رجليه في غزر الركاب ثم وضع إصبعيه السبابتين في اذنيه ثم نادى بأعلى صوته:أيّها الناس إنّ اللّه عز و جل عهد إلى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله أنّه لا يقيم الحدّ من له عليه حد،فمن كان له عليه مثل ما له عليها فلا يقيم الحد.
فانصرف الناس يومئذ كلّهم ما خلا أمير المؤمنين و الحسن و الحسين عليهم السلام ... (3).
«فإن لم يكن ركب الذنب بعينه فقد عصى اللّه في ما سواه مما هو أعظم منه» في(الكافي)عن أبي جعفر عليه السلام:كفى بالمرء عيبا أن يتعرّف من عيوب الناس ما يعمى عليه من أمر نفسه،أو يعيب على الناس أمرا هو فيه لا يستطيع
التحوّل عنه إلى غيره،أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه (1)
الكافي 2:460 ح 3. [1]
.و قال الشاعر:
اسكت و لا تنطق فإنّك خياب كلك ذو عيب و أنت عياب
و قال أيضا:
كل عياب له منظرَّ مشتمل الثوب على العيب
و في(كامل المبرّد):كان أبو الهندي غلب عليه الشراب على كرم منصبه،فجلس إليه رجل يعرف ببرزين المناقير-و كان أبوه صلب في خرابة -و الخرابة عندهم سرق الإبل خاصة-فأقبل يعرض لأبي الهندي بالشراب، فلما أكثر عليه قال أبو الهندي:أحدهم يرى القذى في عين أخيه و لا يرى الجذع في است أبيه (2).
«و ايم اللّه لئن لم يكن عصاه في الكبير و عصاه في الصغير لجرأته على عيب الناس أكبر» في(الكافي)عن الصادق عليه السلام:من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه و هدم مروته ليسقطه من أعين الناس أخرجه اللّه تعالى من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان (3).
«يا عبد اللّه لا تعجل على عيب أحد فلعلّه مغفور له،و لا تأمن على صغير معصيتك فلعلّك معذّب عليه» في الخبر:أنّ اللّه تعالى يحبّ العبد أن يطلب إليه في الجرم العظيم،و يبغض العبد أن يستخف بالجرم الصغير،فلعلّ الأول استغفر من كبير ذنبه و لا ذنب مع الاستغفار،و هو أصرّ على صغير ذنبه و لا صغيرة مع الإصرار،و مما لا يغفر ذنب تستصغره (4).
«فليكفف من علم منكم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه،و ليكن شاغلا له على معافاته مما ابتلي به غيره» في الخبر:التقى حكيمان فقال أحدهما للآخر:
إنّي لأحبك في اللّه.فقال له الآخر:لو علمت مني ما أعلمه من نفسي لأبغضتني في اللّه،فقال له صاحبه:لو علمت منك ما تعلم من نفسك لكان لي في ما أعلمه من نفسي شغل (1)
لم نعثر عليه.
.و في(الكافي):خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال:أيّها الناس إنّ الذّنوب ثلاثة ذنب مغفور و ذنب غير مغفور و ذنب يرجى لصاحبه و يخاف عليه:أمّا الذنب المغفور فعبد عاقبه اللّه تعالى على ذنبه في الدّنيا و اللّه تعالى أكرم من أن يعاقب عبده مرتين،و أمّا الذنب الذي لا يغفره اللّه فظلم العباد بعضهم لبعض.
إنّ اللّه تعالى إذا برز للخليقة أقسم قسما على نفسه فقال:و عزّتي و جلالي لا يجوز في ظلم ظالم و لو كفا بكف و لو مسحة بكفّ لو نطحة ما بين القرناء و الجماء فيقتص للعباد بعضهم من بعض حتى لا يبقى لأحد على أحد مظلمة ثم يبعثهم اللّه للحساب،و أمّا الذنب الثالث فذنب ستره اللّه تعالى على خلقه و رزقه التوبة منه فأصبح خائفا من ذنبه راجيا لربّه (2).
الحكمة(212)
و قال عليه السلام:
عُجْبُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدُ حُسَّادِ عَقْلِهِ أقول:روى ميمون بن علي عن الصادق عليه السلام قال:قال أمير
المؤمنين عليه السلام:إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله (1)
الكافي 1:27 الرواية 31. [1]
.في(المروج):قال العروضي مؤدب الراضي:قيل لقتيبة بن مسلم- و كان على خراسان من قبل الحجاج و كان محاربا للترك-لو وجهت فلانا- أحد أصحابه-إلى الحرب؟فقال:إنّه رجل عظيم الكبر،و من عظم كبره اشتدّ عجبه و لم يشاور أحدا و كان من الخذلان قريبا،و ما تكبّر أحد على صاحب حرب إلاّ كان منكوبا لا و اللّه حتى يكون أسمع من فرس و أبصر من عقاب و أهدى من قطاة و أحذر من عقعق و أشدّ إقداما من أسد و أوثب من فهد و أحقد من جمل و أروغ من ثعلب و أسخى من ديك و أشحّ من ظبي و أحرس من كركي و أحفظ من كلب و أصبر من ضب و أجمع من النمل،و إنّ النفس إنّما تسمح بالعناية على قدر الحاجة و تتحفّظ على قدر الخوف و تطمع على قدر السبب، و قد قيل على وجه الدهر ليس لمعجب رأي و لا لمتكبّر صديق (2).
أيضا:تنازع أهل السير في كيفية قتل عبد الملك عمرو بن سعيد الأشدق:فمنهم من رأى أنّ عبد الملك قال لحاجبه أ تستطيع إذا دخل عمرو أن تغلق الباب؟قال:نعم.قال:فافعل-و كان عمرو رجلا عظيم الكبر لا يرى لأحد عليه فضلا و لا يلتفت-و هو يظن أنّ أصحابه قد دخلوا معه كما كانوا يدخلون، فعاتبه عبد الملك طويلا-و قد كان وصّى صاحب حرسه أبا الزعزعة بأن يضرب عنقه-فكلّمه عبد الملك و أغلظ له القول فقال:يا عبد الملك أ تستطيل عليّ كأنّك ترى عليّ فضلا،إن شئت نقضت العهد بيني و بينك ثم نصبت لك الحرب.فقال عبد الملك:قد شئت ذلك.فقال:و أنا قد فعلت.فقال عبد الملك:يا أبا الزعزعة شأنك به.فالتفت عمرو إلى أصحابه فلم يرهم في الدار،فدنا من عبد
الملك فقال:ما يدنيك؟قال:ليمسّني رحمك.فضربه أبو الزعزعة فقتله.
و قيل إنّ عمرا لما خرج من منزله يريد عبد الملك عثر بالبساط،فقالت له امرأته:أنشدك اللّه ألا تأتيه.فقال:دعيني عنك فو اللّه لو كنت نائما ما أيقظني.
و قالوا:كانت نخوة عمارة بن حمزة في الغاية،فأراد المنصور أن يعبث به،فخرج يوما من عنده فأمر بعض الخدم أن يقطع حمائل سيفه لينظر أ يأخذه أم يتركه،ففعل ذلك فسقط السيف فمضى عمارة لوجهه و لم يلتفت.
و كان إذا أخطأ تكبّر عن الرجوع و يقول:نقض و إبرام في ساعة واحدة؟الخطأ أهون عليّ من هذا (1)
مروج الذهب للمسعودي 4:237. [1]
.الحكمة(167)
و قال عليه السلام:
الْإِعْجَابُ يَمْنَعُ مِنَ الاِزْدِيَادِ و ما في(المصرية ) (2): «يمنع الازدياد» تحريف.
في(المروج):ذكر ابن رآب عن عيسى بن علي قال:ما زال المنصور يشاورنا في جميع اموره حتى امتدحه ابن هرمة بقوله:
إذا ما أراد الدهر ناجي ضميره فناجى ضميرا غير مختلف العقل
و لم يشرك الاذنين في سر أمره إذا انتقضت بالإصبعين قوى الحبل
الحكمة(225)
و قال عليه السلام:
الْعَجَبُ لِغَفْلَةِ الْحُسَّادِ عَنْ سَلاَمَةِ الْأَجْسَادِ قالوا:تذكر قوم من ظرفاء البصرة الحسد،فقال رجل منهم:إنّ الناس ربما حسدوا على الصلب.فأنكروا عليه ذلك.ثم جاءهم بعد أيام فقال:إنّ الخليفة أمر بصلب الأحنف و مالك بن مسمع و حمدان الحجام.فقالوا:هذا الخبيث-يعنون حمدان-يصلّب مع هذين الرئيسين-يعنون الأحنف و مالك- فقال:ألم أقل لكم إنّ الناس يحسدون على الصلب (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:317. [1]
.و حكي أنّ امرأة قالت لزوجها-و كان أصلع-لست أحسد إلاّ شعرك حيث فارقك و استراح منك.
و في(تاريخ بغداد):عن الأصمعي قال:مررت بأعرابية تمدح غزلها و هي تقول:
رأيتك بعد اللّه تجبر فاقتي إذا ما جفاني الأقربون تعود
دراهم بيض لا تزال ترى لنا و ثوب إذا ما شئت مثل حديد
فلو كنت عبدا يستغل حسدنني و أنت على كسب العبيد تزيد
(2)و في(كنايات الجرجاني):حكى بعضهم أنّه قال للمأمون:أنت أحسد الناس.فغضب من ذلك.فقال له:تحسد على المكارم فلا تدع لأحد مكرمة إلاّ سبقت إليها.فأعجبه ذلك و وصله (3).
و في(الطبري):انصرف أبو أحمد-أبو المعتضد-من الجبل إلى العراق في سنة(278)و قد اشتد به وجع النقرس حتى لم يقدر على الركوب،فاتخذ له سرير عليه قبة،فكان يقعد عليه و معه خادم يبرّد رجله بالأشياء الباردة حتى بلغ من أمره أنّه كان يضع عليها الثلج،ثم صارت علّة رجله داء الفيل و كان يحمل سريره أربعون حمّالا يتناوب عليه عشرون عشرون،و ربما اشتد به أحيانا فيأمرهم أن يضعوه،فذكر أنّه قال يوما للذين يحملونه:قد ضجرتم بحملي و ددت أنّي أكون كواحد منكم أحمل على رأسي و آكل و أنا في عافية، و قال:أطبق دفتري على مائة ألف مرتزق ما أصبح فيهم أسوأ حالا مني (1)
تاريخ الطبري 8:156. [1]
.هذا،و مما يناسب المقام من الأدب قول بعضهم:فلان جسد كلّه حسد، و عقد كلّه حقد.و قالوا:كلّ نعمة محسود عليها إلاّ التواضع.
هذا ،واضح أنّ مراده عليه السلام من قوله: «العجب لغفلة الحسّاد عن سلامة الأجساد» أن الناس يحسدون غيرهم على رؤية مال أو جاه عندهم و هما من نعم اللّه تعالى،و سلامة الأجساد لو لم تكن فوق المال و الجاه فليست بدونهما، فكيف غفلوا عن حسدهم عليها؟ و لم يفهم ابن أبي الحديد مراده عليه السلام فخبط فقال:إنّما لم يحسد الحاسد على صحّة الجسد لأنّه صحيح الجسد فقد شارك في الصحّة و ما شارك الإنسان غيره لا يحسده عليه (2).
فترى شرحه بما يكون ردّا عليه عليه السلام مع أنّه أتى بتعليل عليل،فالحاسد يحسد غيره على المال و الجاه و إن كان هو ذا مال و جاه.
و قال ابن أبي الحديد أيضا:و يجوز أن يريد تعجّبه عليه السلام من غفلة
الحسّاد على أنّ الحسد مقتضى سقمهم (1)
المصدر نفسه. [1]
.و هو أيضا خبط،فإنّ ما قاله إنّما هو معنى قوله عليه السلام الآخر«صحة الجسد من قلّة الحسد»الآتي،لا هذا القول.
الحكمة(256)
و قال عليه السلام:
صِحَّةُ الْجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ الْحَسَدِ في(العيون):قال الشعبي:الحسود منغص بما في يد غيره.
و قال بزرجمهر:ما رأينا أشبه بالمظلوم من الحاسد.
و قال الأحنف:لا راحة لحسود (2).
و كان يقال:ستة لا يخلون من الكآبة:طالب مرتبة لا يبلغها قدره، و مخالط الادباء بغير أدب،و رجل افتقر بعد غنى،و غني يخاف على ماله التوى،و حقود و حسود (3).
و قال الأصمعي:رأيت أعرابيا قد أتت له مائة و عشرون سنة،فقلت له:
ما أطول عمرك؟فقال:تركت الحسد فبقيت (4).
و قال زيد بن الحكم الثقفي:
تملأت من غيظ علي فلم يزل بك الغيظ حتى كدت بالغيظ تنشوي
و ما برحت نفس حسود غشيتها تذيبك حتى قيل هل أنت مكتوي
و قال النطاسيون إنّك مشعر سلالا لا بل أنت من حسد دوي
بدا منك غش طالما قد كتمته كما كتمت داء ابنها أم مدوي
جمعت-و فحشا-غيبة و نميمة خلالا ثلاثا لست عنها بمرعوي
و قوله«و فحشاء»من تقدم المعطوف ضرورة،و الأصل جمعت غيبة و فحشاء و نميمة (1)
عيون الأخبار لابن قتيبة 2:11. [1]
.و روى أبو الفرج أنّه أنشد لبشّار قول حمّاد عجرد:
أخي كفّ عن لومي فإنّك لا تدري بما فعل الحبّ المبرح في صدري
الأدبيات.فطرب ثم قال:ويلكم لمن هذه الأبيات أحسن و اللّه.قالوا:حماد عجرد.قال:أوه و اللّه و كلتموني بقية يومي بهمّ طويل،و اللّه لا أطعم بقية يومي طعاما و لا أصوم غمّا بما يقول النبطي ابن الزانية مثل هذا (2).
الحكمة(46)
و قال عليه السلام:
سَيِّئَةٌ تَسُوءُكَ خَيْرٌ مِنْ حَسَنَةٍ تُعْجِبُكَ أقول:في خبر:صام رجل أربعين سنة ثم دعا اللّه تعالى في حاجة فلم يستجب له،فرجع إلى نفسه فقال:منك أتيت.فكان اعترافه أفضل من صومه.
و قيل لرابعة الفيسية:هل عملت عملا قط ترين أنّه يقبل منك؟قالت:إن كان شيء فخوفي من أن يردّ عليّ (3).
و في(الكافي)عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:بينا موسى عليه السلام جالس إذ أقبل إبليس و عليه برنس ذو ألوان،فلما دنا منه خلع البرنس و سلّم عليه،فقال له موسى:
و من أنت؟قال:أنا ابليس.قال:لا قرّب اللّه دارك.قال:إنّي جئت لأسلّم عليك لمكانك من اللّه تعالى.فقال له موسى عليه السلام:فما هذا البرنس؟قال:به اختطف قلوب بني آدم.فقال له:ما الذنب الذي إذا فعله ابن آدم استحوذت عليه؟فقال:
إذا أعجبته نفسه استكثر عمله و صغر في عينه ذنبه (1)
الكافي 2:314 ح 8. [1]
.و عن الصادق عليه السلام:إنّ اللّه تعالى علم أنّ الذنب خير للمؤمن من العجب، و لو لا ذلك ما ابتلى مؤمنا بذنب (2).
و عنه عليه السلام:إنّ الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه و يعمل العمل فيسّره ذلك فيتراخ عن حاله تلك،فلأن يكون على حاله تلك خير له ممّا دخل فيه (3).
و عنه عليه السلام:أتى عالم عابدا فقال له:كيف صلاتك؟فقال:مثلي يسأل عن صلاته و أنا أعبد اللّه منذ كذا و كذا.قال:فكيف بكاؤك؟قال:أبكي حتى تجري دموعي.قال:فإنّ ضحكك و أنت خائف أفضل من بكائك و أنت مدلّ إنّ المدلّ لا يصعد من عمله شيء (4).
و عنه عليه السلام دخل رجلان المسجد أحدهما عابد و الآخر فاسق،فخرجا من المسجد و الفاسق صدّيق و العابد فاسق،و ذلك أنّ العابد دخل المسجد مدلاّ بعبادته فكرته في ذلك،و الفاسق دخل و فكرته في التندّم على فسقه و كان يستغفر اللّه تعالى من ذنوبه (5).
و عنه عليه السلام:قال تعالى لداود:بشّر المذنبين و أنذر الصدّيقين.قال:كيف ذلك يا ربّ؟قال تعالى:بشّر المذنبين أنّي أقبل التوبة و أعفو عن المذنب،و أنذر الصدّيقين ألاّ يعجبوا بأعمالهم فليس عبد أنصبه للحساب إلاّ هلك (6).
و في(الحلية)عن وهيب بن الورد:بلغنا أنّ عيسى عليه السلام مرّ هو و رجل من حواريه بلصّ في قلعة له،فلما رآهما اللص قال لنفسه:هذا روح اللّه و كلمته و هذا حواريه و من أنت يا شقي؟لصّ قطعت الطريق و أخذت الأموال و سفكت الدماء.ثم هبط إليهما نادما على ما كان منه،فلما لحقهما قال لنفسه:تريد أن تمشي معهما لست بذلك بأهل.امش خلفهما كما يمشي المذنب مثلك.فالتفت إليه الحواري فعرفه فقال في نفسه:انظر إلى هذا الخبيث و مشيه و رءانا.فاطّلع اللّه على ما في قلوبهما من ندامة اللّص و من ازدراء الحواري إيّاه و تفضيله نفسه،فأوحى اللّه تعالى إلى عيسى أن مر الحواري و اللص أن يستأنفا العمل، أمّا اللص فقد غفرت له ما مضى لندامته و توبته،و أمّا الحواري فقد حبط عمله لعجبه بنفسه و ازدرائه هذا التائب (1)
الحلية 8:147.
.و فيه:عن محمد بن النضر:بلغني أنّ عابدا يعبد ثلاثين سنة و يعبد آخر عشرين،فأظلّت صاحب الثلاثين غمامة و استظلّ صاحب العشرين في ظلّه، فقال له صاحب الثلاثين:لو لا أنا ما أظلتك.قال:فانحازت إلى صاحب العشرين و بقي صاحب الثلاثين لا غمامة له (2).
و عنه:انّ عابدا من بني اسرائيل عبد اللّه ثمانين سنة،فكان له مصلّى لا يجترئ أحد منهم أن يقوم مقامه إعظاما له،فقدم رجل غريب فنظر إلى موضع خال فقام يصليّ فيه إذ جاء العابد فقام إلى جنبه فغمزه بمنكبه ينحيه عن موضعه،فأوحى تعالى إلى نبيّه أن مر فلانا يستأنف العمل-أي:لعجبه.
و فيه:قال أبو تراب النخشبي:قال حاتم الأصم:العجب أشدّ من الرياء عليك،و مثلهما أن يكون كلبك في البيت كلب عقور و كلب آخر خارج البيت
فأيّهما أشدّ عليك الداخل معك أو الخارج؟قال:العجب داخل فيك و الرياء يدخل عليك (1)
الحلية لأبي نعيم 8:76-77.
.و عن(تنبيه خواطر ورام):روى أنّ عابدا من بني اسرائيل كان يأوي إلى جبل،فقيل في النوم:ائت فلان الإسكاف فاسأله أن يدعو لك.فأتاه فسأله عن عمله فأخبره أنّه يصوم النهار و يكتسب فيتصدّق ببعضه و يطعم عياله بعضه.فرجع و قال:إنّ هذا لحسن و لكن ليس كالتفرّغ في العبادة.فأتي في النوم ثانيا أن يأتيه.فأتاه فسأله عن عمله.فقال الإسكاف:ما رأيت أحدا من الناس إلاّ وقع في نفسي أنّه سينجو و أهلك أنا.فقال العابد:هذه العبادة (2).
الحكمة(60)
و قال عليه السلام:
اللِّسَانُ سَبُعٌ إِنْ خُلِّيَ عَنْهُ عَقَرَ أي:جرح.في(الحلية):قيل لقيس بن سكن:ألا تتكلّم؟قال:لساني سبع من السباع أخاف أن أدعه فيعقرني (3).
و في(الموشى)عن ثعلب:كان بكر بن عبد اللّه المزني يقلّ الكلام،فقيل له في ذلك.فقال:لساني سبع إن تركته أكلني.و أنشد:
لسان الفتى سبع عليه شذاية (4)فإلاّ يزع من غربه فهو آكله
و ما الغيّ إلاّ منطق متبرع سواء عليه حق أمر و باطله
و لبعضهم:
حتف امرىء لسانه في جدّه أو لعبه
بين اللها مقتله ركب في مركبه
و رب ذي مزح أميتت نفسه في سببه
(1)و لا مرىء القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه فليس على شيء سواه بخزان
(2)و قيل:أجرح جوارح الإنسان لسانه.أيضا:اللسان سبع صغير الجرم كبير الجرم (3). و في(الأغاني):عن الزبير بن بكار عن عمّه و غيره أنّ سبب قتل بني امية أنّ السفاح أنشد قصيدة مدح بها،فأقبل على بعضهم فقال:أين هذا مما مدحتم به؟فقال:هيهات لا يقول فيكم أحد و اللّه مثل قول ابن قيس الرقيات فينا:
ما نقموا من بني امية إلاّ أنّهم يحلمون إن غضبوا
و إنّهم معدن الملوك و لا تصلح إلاّ عليهم العرب
فقال:يا ماص كذا و كذا من أمّه أو أن الخلافة لفي نفسك بعد،فأخذوا فقتلوا و دعا بالغداء حين قتلوا و أمر ببساط فبسط عليهم و جلس فوقه يأكل و هم يضطربون تحته،فلما فرغ من الأكل قال:ما أعلمني أكلت أكلة قط أهنأ لنفسي و لا أطيب منها.فلما فرغ قال:جروا بأرجلهم فألقوا في الطريق يلعنهم الناس أمواتا كما لعنوهم أحياء،فرأيت الكلاب تجر بأرجلهم و عليهم
سراويلات الوشى حتى انتنوا،ثم حفرت لهم بئر فألقوا فيها.
أيضا:كان الحارث بن أبي ربيعة على البصرة أيام ابن الزبير،فخاصم إليه رجل من بني تميم يقال له مرّة بن محكان رجلا فلما أراد إمضاء الحكم عليه أنشأ مرة يقول:
أحار تثبت في القضاء فإنّه إذا ما إمام جار في الحكم أقصدا
و إنّك موقوف على الحكم فاحتفظ و مهما تصبه اليوم تدرك به غدا
فإني مما أدرك الأمر بالأنا و أقطع في رأس الأمير المهندا
(1)فلمّا ولّي مصعب دعاه فأنشده الأبيات فقال:أما و اللّه لأقطعن السيف في رأسك قبل أن تقطعه في رأسي،و أمر به فحبس ثم دس إليه فقتله.
أيضا:كان عند المهدي رجل من بني مروان فأتى بعلج،فأمر المرواني بضرب عنقه،فأخذ السيف و قام فضربه فنبا السيف عنه،فرمى به المرواني و قال:لو كان من سيوفنا ما نبا.فسمع المهدي الكلام فغاظه حتى تغيّر لونه و بان فيه،فقام يقطين فأخذ السيف و حسر عن ذراعيه ثم ضرب العلج فرمى برأسه ثم قال للمهدي:إنّ هذه سيوف الطاعة لا تعمل إلاّ في أيدي الأولياء و لا تعمل في أيدي أهل المعصية.ثم قام أبو دلامة فقال للمهدي:قد حضرني بيتان أ فأقو لهما؟قال:قل.فأنشده:
أيّها ذا الامام سيفك ماض و بكفّ الوليّ غير كهام
فإذا ما نبا بكفّ علمنا أنّها كف مبغض للإمام
فسرى عن المهدي،فقام عن مجلسه و أمر بقتل المرواني فقتل (2).
أيضا:قال المدائني:قال المهدي يوما و بين يديه مروان بن أبي حفصة:
أين ما تقوله فينا من قولك في أبي:
له لحظات عن حفا في سريره اذا كرها فيها عقاب و نائل
فاعترضه آدم بن عمر بن عبد العزيز فقال:هيهات و اللّه أن يقول هذا، و لا ابن هرمة كما قال الأخطل فينا:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم و أعظم الناس أحلاما إذا قدروا
(1)فغضب المهدي حتى استشاط و قال:كذب و اللّه ابن النصرانية العاض بظر امّه و كذبت يا عاض بظر امك،و اللّه لو لا أن يقال خفرت لعرفتك،خذوا برجل ابن الفاعلة فاخرجوه و هو يجر.
أيضا:كان عبد اللّه بن موسى الهادي معربدا-و كان قد أحفظ المأمون مما يعربد عليه إذا شرب معه-فأمر بأن يحبس في منزله فلا يخرج،و أقعد على بابه حرسا ثم تذمّم من ذلك فصرف الحرس عن بابه ثم نادمه فعربد عليه أيضا و كلّمه بكلام أحفظه،فأمر المأمون خادما من خواصّ خدمه فسمّه (2).
أيضا:قال عمارة بن بلال بن جرير:ما هاجيت شاعرا قط إلاّ كفيت مؤنته في سنة أو أقلّ من سنة إما بموت أو قتل و إما أفحمه حتى هاجني أبو الرديني العكلي فقال:
أ توعدني لتقتلني نمير متى قتلت نمير من هجاها
(3)فلقيته بنو نمير فقتلوه،فقتلت به بنو عكل-و هم يومئذ ثلاثمائة رجل- أربعة آلاف رجل من بني نمير و قتلت لهم شاعرين رأس الكلب و شاعرا آخر.
و في(عيون القتيبي)اجتمع ملك فارس و ملك الهند و ملك الروم و ملك الصين فكلّهم قالوا كلمة واحدة:قال أحدهم إذا تكلّمت بالكلمة ملكتني و لم أملكها،و قال الآخر:قد ندمت على ما قلت و لم أندم على ما لم أقل،و قال آخر:
أنا على ردّ ما لم أقل أقدر مني على ردّ ما قلت،و قال آخر:ما حاجتي إلى أن أتكلّم بكلمة إن وقعت عليّ ضرتني و إن لم تقع عليّ لم تنفعني (1)
عيون الأخبار [1]للقتيبي 2:179.
.قلت:ما قالوه غالبي حيث إنّ الكلام خطأه أكثر من صوابه.
أيضا:قال ابن إسحاق:النسناس خلق باليمن لأحدهم عين و يد و رجل يقفز بها و أهل اليمن يصطادونهم،فخرج قوم في صيدهم فرأوا ثلاثة نفر منهم فأدركوا واحدا فعقروه و ذبحوه و توارى اثنان في الشجر،فقال الذي ذبحه:إنّه لسمين،فقال أحد الاثنين:انّه أكل ضروا.فأخذوه و ذبحوه،فقال الذي ذبحه:ما أنفع الصمت؟قال الثالث:فها أنا الصميت.فأخذوه و ذبحوه (2).
و في خطبة زياد لمّا وليّ البصرة من قبل معاوية-و كان قبل و اليها من قبله عليه السلام-فليشتمل كلّ امرىء منكم على ما في صدره و لا تكون لسانه شفرة تجري على أوداجه.
هذا و كلامه عليه السلام قريب من كلام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله«البلاء موكل بالمنطق» (3).
فأخذه شاعر فقال:
احفظ لسانك أن تقول فتبتلي إنّ البلاء موكل بالمنطق
(4)و قال ابن هرمة: و امسك بأطراف الكلام فإنّه نجاتك ممّا خفت أمرا مجمجما
فلست على رجع الكلام بقادر إذ القول عن زلاّته فارق الفما
و كائن ترى من وافر العرض صامتا و آخر أردى نفسه إن تكلّما
و قال آخر:
يموت الفتى من عثرة بلسانه و ليس يموت المرء من عثرة الرجل
فعثرته من فيه ترمي برأسه و عثرته بالرجل تبرا على مهل
(1)هذا،و قالوا:كان حسان بن ثابت يضرب بلسانه روثة أنفه من طوله و كان يقول:و اللّه لو وضعته على شعر لحلقه أو على صخرة لفلقه.و الظاهر أنّه قاله استعارة،أي:من حدّة شعره في هجاه.
و في(المروج):كان الأمين في نهاية الشدّة و القوّة إلاّ انّه كان عاجز الرأي غير مفكّر في أمره،و حكي أنّه اصطبح يوما و قد كان خرج أصحاب اللبابيد و الحراب على البغال-و هم الذين كانوا يصطادون السباع-إلى سبع كان بلغهم خبره بناحية كوثى و القصر،فاحتالوا في السبع إلى أن أتوا به في قفص من خشب على جمل بختي فحط بباب القصر و ادخل فمثل في صحن القصر و الأمين مصطبح فقال:خلوا عنه و شيلوا باب القفص.فقيل له:إنّه سبع هائل أسود و حش.فقال:خلوا عنه.فشالوا باب القفص فخرج سبع أسود له شعر عظيم مثل الثور فزأر و ضرب بذنبه الأرض فتهارب الناس و غلقت الأبواب في وجهه،و بقي الأمين وحده جالسا موضعه غير مكترث بالأسد، فقصده الأسد حتى دنا منه فضرب الأمين بيده إلى مرفقة أرمنيه،فامتنع منه بها و مد السبع يده إليه فجذبها الأمين و قبض على أصل اذنيه و غمزه ثم هزّه و دفع به إلى خلف فوقع السبع ميّتا على مؤخره،و تبادر الناس الأمين فإذا أصابعه و مفاصل يديه قد زالت عن مواضعها،فأتى بمجبّر فردّ عظام أصابعه
1) 1) المحاسن و الأضداد للبيهقي 2:61. [1]
إلى مواضعها فشقوا بطن الأسد فإذا مرارته انشقّت عن كبده (1)
مروج الذهب 3:20. [1]
.و في الخبر:جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال:أو صني.قال:احفظ لسانك.
قال:أو صني.قال:احفظ لسانك.قال:أوصني.قال:احفظ لسانك ويحك و هل يكبّ الناس على مناخرهم الا حصائد ألسنتهم (2).
و عنهم عليهم السلام:يعذب اللّه اللسان بعذاب لا يعذّب به شيئا من الجوارح.
فيقول:أي:رب عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئا من الجوارح.فيقال له:خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الأرض و مغاربها فسفك و انتهك به الأموال و الفروج (3).
الحكمة(179)
و قال عليه السلام:
اللَّجَاجَةُ تَسُلُّ الرَّأْيَ «تسل» بضمّ التاء-من السل.
و عنه عليه السلام:من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق بأن لا ينزل به مكروه أبدا.قيل:و ما هن؟قال:العجلة،و التواني،و اللجاج،و العجب (4).
و في(المروج):قال معاوية:قبّح اللّه اللجاج إنّه لعقور،ما ركبته قط إلاّ خذلت (5).
و في(أنساب البلاذري)كان ابن الزبير رجلا إذا عرض له الرأي أمضاه
من غير روية و لا مشاورة،فكتب إلى عبد اللّه بن مطيع في نفي بني أمية عن المدينة إلى الشام و مروان يومئذ شيخهم و ابنه عبد الملك ناسكهم و من يصدرون عن رأيه،و كان بعبد الملك جدري ظهر به،فأشخصهم ابن مطيع، فحمل مروان ابنه عبد الملك على جمل و شدّه عليه شدّا،فدخلهم من إخراجهم من المدينة أمر عظيم،فاجتمع وجوه قريش إلى ابن الزبير فقالوا:إنّما بعثت أفاعي لا يبل سليمها،أمثل مروان و بني امية يشخصون إلى الشام.فوجّه ابن الزبير رسولا إلى ابن مطيع بكتاب يأمره فيه بإقرار بني امية بالمدينة و ترك إشخاصهم،فأتبعهم حتى و افاهم بأدني أرض الشام،فعرض عليهم الانصراف فأبوا،و قال عبد الملك-و قد نقه من مرضه-للرسول:قل لأبي خبيب:إنّا نقول«لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه»يصنع اللّه لنا (1)
الأنساب، [1]للبلاذري.
.الحكمة(181)
و قال عليه السلام:
ثَمَرَةُ التَّفْرِيطِ النَّدَامَةُ وَ ثَمَرَةُ الْحَزْمِ السَّلاَمَةُ في(العقد):قالوا:لا ينبغي للعاقل أن يستصغر شيئا من الخطأ و الزلل، فانه متى استصغر الصغير يوشك أن يقع في الكبير،فقد رأينا الملك يؤتى من العدو المحتقر،و رأينا الصحة تؤتى من الداء اليسير،و رأينا الأنهار تندفق من الجداول الصغار (2).
و قالوا:لا يكون الذم من الرعية لراعيها إلاّ لإحدى ثلاث:كريم قصر به عن قدره فاحتمل لذلك ضغنا،أو لئيم بلغ ما لا يستحق فأورثه ذلك بطرا،
و رجل منع حظّه من الإنصاف فشكا تفريطا.
و قيل لرجل سلب ملكه:ما الذي سلبك ملكك؟قال:دفع شغل اليوم إلى غد،و التماس عدّة بتضييع عدد،و استكفاء كلّ مخدوع عن عقله.
الحكمة(182)و(471)
و قال عليه السلام:
لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ- كَمَا أَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ أقول:رواه( الروضة الكليني-الكافي-الروضة ج 8 ص 2 ح 4 )و أكثروا الكلام في أفضلية الصمت و الكلام (1)
روضة الكافي للكليني 8:2 ح 4.
، ففي(ديوان المعاني):عن أبي تمام قال:تذاكرنا الكلام و الصمت في مجلس سعيد بن عبد العزيز،فقال:ليس النجم كالقمر،إنّك إنّما تمدح السكوت بالكلام و لا تمدح الكلام بالسكوت (2).و قال بعضهم:
لئن ندمت على سكوتي مرة لقد ندمت على الكلام مرارا
(3)و قيل:لو كان بعض الكلام من ورق لكان جلّ السكوت من ذهب (4). إلاّ أنّ الصواب:أنّ الكلام من حيث هو أفضل،فقد قال تعالى «خُلِقَ الْإِنْسانُ» (5)، «عَلَّمَهُ الْبَيانَ» (6)و قال عز و جل «فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ»
«لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ» (1)
يوسف:54. [1]
.و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:المرء بأصغريه قلبه و لسانه (2).
و قال أمير المؤمنين عليه السلام:المرء مخبوء تحت لسانه (3).
فإن كان للكلام مقتض فلا خير في السكوت،و ان لم يكن فلا خير في الكلام،كما قال عليه السلام.فكلامه عليه السلام هو القول الفصل في المقام.و لبعضهم:
عجبت لإزراء العيي بنفسه و صمت الذي[قد]كان بالقول أعلما
و في الصمت ستر في العيي و إنّما صحيفة لب المرء أن يتكلّما
و أراد جمع ذم الحجاج و شتمه لسليمان بن عبد الملك لأنّ الحجاج أراد خلعه،فقال بعضهم:انّه قنور بن قنور-و أتى بكلمات من هذا القبيل-فقال سليمان:ما هذا الشتم.فقال آخر:إنّ عدو اللّه كان يتزيّن تزيّن المومسة و يصعد المنبر فيتكلّم بكلام أولياء اللّه و ينزل فيعمل عمل الجبابرة.فقال سليمان:هذا الكلام.
هذا و ابن أبي الحديد لم ينقل العنوان إلاّ من الأخير،مع أنّ الأول في جميع النسخ،و صدقه ابن ميثم فهو مما كرّره المصنف سهوا (4).
الحكمة(186)
و قال عليه السلام:
لِلظَّالِمِ الْبَادِي غَداً بِكَفِّهِ عَضَّةٌ أقول:إنّما قال عليه السلام «للظالم البادي» لأن المنتقم لا لوم عليه،قال
تعالى «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» (1)
البقرة:194. [1]
و قال تعالى «وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها» (2)و قالوا:البادىء أظلم.و أما الظالم البادىء فقد قال تعالى «وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً» (3).
و في(الكامل)في قصة قتل المقتدر و حرب مونس معه:كان المقتدر قد أمر فنودي:من جاء بأسير فله عشرة دنانير و من جاء برأس فله خمسة دنانير.فلما انهزم أصحابه لقيه جمع من أصحاب مونس فشهروا عليه سيوفهم فقال:ويحكم أنا الخليفة.قالوا قد عرفناك يا سفلة أنت خليفة إبليس تبذل في كلّ رأس خمسة دنانير و في كلّ أسير عشرة دنانير،فضرب على عاتقه و ذبح و أخذوا عليه جميع ما عليه حتى تركوه مكشوف العورة فستره بعضهم بحشيش (4).
هذا و ابن أبي الحديد قدّم العنوان من هنا قريبا من ثلاثين عنوانا (5).
الحكمة(215)
و قال عليه السلام:
الْخِلاَفُ يَهْدِمُ الرَّأْيَ أقول:إنّ الرأي كبنيان،و الخلاف هدم له،و الشواهد له كثيرة،و منها قصّة جذيمة الأبرش و مخالفته رأي قيصر.و منها قصّة هوازن في حنين
و مخالفة رئيسهم دريد في رأيه.
الحكمة(243)
و قال عليه السلام:
إِذَا ازْدَحَمَ الْجَوَابُ خَفِيَ الصَّوَابُ قالوا:الغلط يوجب اللغط.و قال المأمون-لهاشمي رفع صوته على آخر-:الصواب:في الأسدّ لا الأشدّ.
و قال العتابي:لو سكت من لا يعلم عمّا لا يعلم سقط الاختلاف.
و كان المفضل الضبي إذا لم يرض الجواب أنشد الذي أجابه قول الفرزدق:
أعد نظرا يا عبد قيس فإنّما أضاءت لك النار الحمار المقيدا
الحكمة(221)
و قال عليه السلام:
بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ أقول:و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:اتّقوا الظلم فإنّه ظلمات يوم القيامة (2).و قال تعالى «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ» (3).قال الصادق عليه السلام:المرصاد قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة و كما أنّ عدوان العباد بئس الزاد للمعاد بئس الرياش للمعاش (4).
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:ما أتاني جبرئيل قط إلاّ و عظني و آخر قوله لي«إيّاك و مشارّة الناس فإنّها تكشف العورة و تذهب بالعزّ-و في خبر-فإنّها تورث المعرة و تظهر المعورة (1)
بحار الأنوار 73:408 الرواية 13. [1]
.و عن الصادق عليه السلام:من زرع العداوة حصد ما بذر (2).
الحكمة(241)
و قال عليه السلام:
يَوْمُ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ- أَشَدُّ مِنَ الظَّالِمِ عَلَى الْمَظْلُومِ و الحكمة(341) و قال عليه السلام:
يَوْمُ الْعَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ- أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الْجَوْرِ عَلَى الْمَظْلُومِ أقول:الأصل فيهما واحد،و قد غفل المصنّف في الثاني عن الأول و إلاّ لقال بعد الأول:«و روي بلفظ آخر»،أو نبّه في الثاني على مرّه بلفظ آخر.
و كيف كان ففي(الكافي):دخل رجلان على الصادق عليه السلام في مداراة بينهما،فلما سمع كلامهما قال:أما إنّه ما ظفر أحد بخير من ظفر بالظلم،أما إنّ المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر ممّا يأخذ الظالم من مال المظلوم،و من يفعل الشرّ فلا ينكر الشرّ إذا فعل به،إنّما يحصد ابن آدم ما يزرع،و ليس يحصد أحد من المرّ حلوا و لا من الحلو مرّا.فاصطلح الرجلان قبل أن يقوما (3).
و عنه عليه السلام:من ظلم سلّط اللّه عليه من يظلمه أو سلّط على عقبه أو على
عقب عقبه،يقول تعالى «وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً» (1)
الكافي 2:334 ح 13،و [1]الآية 9 من سورة النساء. [2]
.و عنه عليه السلام:أوحى اللّه تعالى إلى نبي في مملكة جبّار أن ائته و قل له:إنّي لم أستعملك على سفك الدماء و اتخاذ الأموال،و إنّما استعملتك لتكفّ عني أصوات المظلومين،و إنّي لم أدع ظلامتهم و إن كانوا كفّارا (2).
و عن الباقر عليه السلام:ما انتصر اللّه من ظالم إلاّ بظالم،قال تعالى: «وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (3).
في(تذكرة سبط ابن الجوزي):عن(كتاب العبر):كان المعروف ببكبوش وزر لجلال الدولة بن بويه و استولى على أمره،فقبض بكبوش على رجل من نباه البصرة و صادره و استأصله و خلاه كالميت،فلما كان في بعض الأيام ركب بكبوش في مركب عظيم فصادف الرجل فقال له الرجل:اللّه بيني و بينك،و اللّه لأرمينك بسهام الليل،فأمر بكبوش بالإيقاع به فضرب حتى ترك ميتا و قال له:هذه سهام النهار قد أصابتك.فلما كان بعد ثلاثة أيام قبض جلال الدولة على بكبوش و اجلس في حجرة على حصير و وكّل به من يسيء إليه،فدخل الفرّاشون لكنس الحجرة و شيل الحصير الذي تحته فوجدت رقعة فأخذها الفراشون و سلّموها إلى ابن الهدهد(فراش سالار)فقال:من طرحها؟ فقال:ما دخل أحد و لا خرج.و قرئت فإذا فيها:
سهام الليل لا تخطي و لكن لها أمد و للأمد انقضاء
أتهزأ بالدعاء و تزدريه تأمّل فيك ما صنع الدعاء
فأخبر جلال الدولة بشرح القصة،فأمر الفراشين بضرب فكّه حتى تقع أسنانه و عذّب بكلّ نوع حتى هلك (1)
التذكرة،لسبط ابن الجوزي:390-391. [1]
.الحكمة(275)
و قال عليه السلام:
إِنَّ الطَّمَعَ مُورِدٌ غَيْرُ مُصْدِرٍ وَ ضَامِنٌ غَيْرُ وَفِيٍّ- وَ رُبَّمَا شَرِقَ شَارِبُ الْمَاءِ قَبْلَ رِيِّهِ- وَ كُلَّمَا عَظُمَ قَدْرُ الشَّيْءِ الْمُتَنَافَسِ فِيهِ- عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ لِفَقْدِهِ- وَ الْأَمَانِيُّ تُعْمِي أَعْيُنَ الْبَصَائِرِ- وَ الْحَظُّ يَأْتِي مَنْ لاَ يَأْتِيهِ «الطمع مورد غير مصدر و ضامن غير وفي» شبّه عليه السلام الطمع تارة بمن يوردك الماء و لا يصدرك فتهلك و اخرى بمن يضمن لك نيلك المقصود و لا يفي لك فتخيّب.و يصدّق ما قاله عليه السلام طمع و افد البراجم فأورده و لم يصدره و ضمن له و لم يف.و شرحه أنّ أسعد بن المنذر-كان مسترضعا في بني دارم-انصرف ذات يوم من صيده و به نبيذ،فبعث كما تعبث الملوك،فرماه رجل من بني دارم بسهم فقتله،فغزاهم أخوه عمرو بن هند ملك الحيرة فقتلهم يوم القصيبة و يوم أوارة،ثم أقسم ليحرقن منهم مائة فأخذ تسعة و تسعين رجلا منهم فقذفهم في النار ثم أراد أن يبرّ قسمه فأتى بعجوز فقالت:
ألا فتى يفدي هذه العجوز ثم قالت:هيهات صارت الفتيان حمما.و مر وافد البراجم-و هم بنو مالك بن حنظلة-فاشتم رائحة اللحم فظنّ أنّ الملك يتّخذ طعاما،فعرج إليه فأتي به إليه فقال له:من أنت؟قال:وافد البراجم.فقال:الشقي وافد البراجم.ثم أمر به فقذف في النار،فعيّرت بنو تميم لطمع البرجمي في أكل الشواء بحب الطعام،فقال بعضهم:
1) 1)
ألا أبلغ لديك بني تميم بآية ما يحبّون الطعاما
إذا ما مات ميت من تميم فسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بتمر أو بلحم أو الشيء الملفف في البجاد
تراه ينقب البطحاء حولا ليأكل رأس لقمان بن عاد
(1)«و ربما شرق شارب قبل ريه» مسكين ابن آدم مكتوم الأجل مكنون العلل محفوظ العمل تؤلمه البقة و تنتنه العرقة و تقتله الشرقة .
«و كلّما عظم قدر الشيء المتنافس فيه عظمت الرزية لفقده» في(الكافي):
كتب الجواد عليه السلام إلى رجل:ذكرت مصيبتك بابنك الذي كان أحب ولدك إليك، إنّما يأخذ اللّه تعالى من الولد و غيره أزكى ما عند أهله ليعظم به أجر المصاب بالمصيبة (2).
«و الأماني تعمي أعين البصائر» ، «وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللّهِ» (3)، «لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ» (4).
و في(أمالي الشيخ):عن أبي المفضل عن رجل عن ابن السكيت عن الهادي عليه السلام:قال أمير المؤمنين عليه السلام:إيّاكم و الإيطال بالمنى فإنّها من بضائع العجزة.
و أنشد ابن السكيت:
إذا ما رمى بي الهمّ في ضيق مذهب رمت بالمنى عنه إلى مذهب رحب
(5)«و الحظ يأتي من لا يأتيه» في(الكامل)-بعد ذكر استيلاء علي بن بويه في
سنة(322)على شيراز-:طلب الجند أرزاقهم فلم يكن عنده ما يعطيهم،فكاد ينحل أمره فقعد في غرفة دار الإمارة يفكّر في أمره،فرأى حيّة خرجت من موضع في سقف تلك الغرفة و دخلت في ثقب هناك،فدعا الفرّاشين ففتحوا الموضع فرأوا و راءه بابا فدخلوه إلى غرفة اخرى و فيها عشرة صناديق مملوة مالا و مصوغا و كان فيها ما قيمته خمسمائة ألف دينارا فأنفقها و ثبت ملكه إن كان قد أشرف على الزوال.
و حكى أنّه أراد أن يفصل ثيابا فدلّوه على خيّاط كان لياقوت-صاحب شيراز قبله-فأحضره فحضر خائفا و كان أصم،فقال له عماد الدولة علي بن بويه:لا تخف فإنّما أحضرناك لتفصّل ثيابا.فلم يفهم ما قال،فابتدأ و حلف بالطلاق إنّ الصناديق التي عنده لياقوت ما فتحتها.فتعجبّ من هذا الاتفاق فأمره بإحضارها فأحضر ثمانية صناديق فيها مال و ثياب قيمته ثلاثمائة ألف دينار،ثم ظهر له من ودائع ياقوت يعقوب و عمرو ابني ليث جملة كثيرة فامتلأت خزائنه و ثبت ملكه (1)
الكامل 8:276-277. [1]
.الحكمة(285)
و قال عليه السلام:
بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الْمَوْعِظَةِ حِجَابٌ مِنَ الْغِرَّةِ أي:فلا تتعظون،كمن لا يستضيء بالنور إذا كان بينه و بينه حجاب، و المراد حثّهم على إزالة حجاب الغرة «يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ» (2)فان لم يسعوا في رفع
الحجاب يضرب لهم حجاب في القيامة «يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَ لكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللّهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ» (1)
الحديد:13-14. [1]
.الحكمة(347)
و قال عليه السلام:
الثَّنَاءُ بِأَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِحْقَاقِ مَلَقٌ قالت بنو تميم لسلامة بن جندل-كما في(العيون)-:اثن علينا بشعرك.
فقال:افعلوا حتى أثني (2).
و قال عمرو بن معديكرب:
فلو أنّ قومي أنطقتني رماحهم نطقت و لكن الرماح أجرت
و تقول العرب:لا تهرف قبل أن تعرف،أي:لا تطنب في الثناء قبل الاختبار (3).
«و التقصير عن الاستحقاق عي أو حسد»مدح رجل من أشراف تميم آخر منهم عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في وفدهم عليه،فقال الممدوح:قصّر في وصفي.فذمّه المادح ثم قال:ما كذبت في مدحي الأول و صدقت في ذمّي الثاني.رضيت عنه فقلت فيه أحسن ما أعرفه،و أغضبني فقلت فيه شرّ ما أعرفه.فأعجب
الحكمة(348)
و قال عليه السلام:
أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَهَانَ بِهِ صَاحِبُهُ الحكمة(477) و قال عليه السلام:
أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهَا صَاحِبُهُ أقول:الأصل فيهما واحد،و قد غفل المصنف في الثاني عن الأوّل حتى ينبّه على ذلك كما هو دأبه،و مفادهما واحد.و المراد أنّ كلّ ذنب عدّه صاحبه هيّنا و خفيفا يصير أشدّ ذنب و لو كان ذنبا صغيرا.
قال النبي صلّى اللّه عليه و آله-كما روي في(الكافي)-:اتّقوا المحقرات من الذنوب فإنّها لا تغفر بأن يذنب و يقول طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك (2).
و قال الصادق عليه السلام-كما روي أيضا-إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله نزل بأرض قرعاء فقال لأصحابه:إيتوني بحطب.فقالوا:نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب.
قال:فليأت كلّ إنسان بما قدر عليه.فأتوا بما صار بعضه على بعض.
فقال صلّى اللّه عليه و آله:هكذا تجتمع الذنوب،إيّاكم و المحقرات من الذنوب،فإنّ لكلّ شيء طالبا.يقول تعالى «وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ» (3).
و في دعاء أبي حمزة:إلهي ما عصيتك و أنا بربوبيتك جاحد،و لا بأمرك مستخفّ،و لا لو عيدك متهاون،و لا لعقوبتك متعرّض،و لكن خطيئة عرضت و سوّلت لي نفسي و غلبني هواي و أعانني عليها شقوتي (1)
مفاتيح الجنان:345. [1]
.و تارك الصلاة كافر دون الزاني،لأن الزاني يزني من غلبة الشهوة و تارك الصلاة يتركها استخفافا بها.و قالوا عليهم السلام:لا تنال شفاعتنا مستخفا بالصلاة (2).هذا،و نقل ابن المعتز في(بديعه)العنوان بلفظ آخر فقال:قال علي عليه السلام:«إنّ أعظم الذنوب ما صغر عند صاحبه» (3).
الحكمة(362)
و قال عليه السلام:
مَنْ ضَنَّ بِعِرْضِهِ فَلْيَدَعِ الْمِرَاءَ في(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:ثلاث من لقي اللّه تعالى بهنّ دخل الجنّة من أي باب شاء:من حسن خلقه،و خشي اللّه في المغيب و المحضر،و ترك المراء و إن كان محقّا (4).
و عن ابن أبي ليلى:لا أماري أخي فإمّا أن اكذبه و إمّا أن اغضبه (5).
الحكمة(84)
وَ اعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ- وَ مُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلْإِيمَانِ
وَ مَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ- جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ- وَ الصَّادِقُ عَلَى شُرُفِ مَنْجَاةٍ وَ كَرَامَةٍ- وَ الْكَاذِبُ عَلَى شَفَا مَهْوَاةٍ وَ مَهَانَةٍ- وَ لاَ تَحَاسَدُوا- فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ- وَ لاَ تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ الْأَمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ- وَ يُنْسِي الذِّكْرَ فَأَكْذِبُوا الْأَمَلَ- فَإِنَّهُ غُرُورٌ وَ صَاحِبُهُ مَغْرُورٌ «و اعلموا أنّ يسير الرياء شرك» روى باب رياء(الكافي)عن الصادق عليه السلام قال:كلّ رياء شرك،و من عمل للناس كان ثوابه على الناس،و من عمل للّه كان ثوابه على اللّه (1)
الكافي 2:301 ح 3. [1]
.و عنه عليه السلام:قال تعالى:أنا خير شريك،من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبل منه ألاّ ما كان خالصا (2).
«و مجالسة أهل الهوى منسأة للايمان» فسر ابن أبي الحديد (3)«منسأة» بالنسيان و تبعه ابن ميثم و الخوئي.و الصواب:كونه من«نسيئة البيع»و من قولهم«نسأت الإبل عن الحوض»إذا أخّرتها و دفعتها عنه،و يقال للعصا منسأة لكونها آلة دفع المكروه و تأخيره.قال شاعر:
أمن أجل حبل لا أباك ضربته بمنسأة قد جر حبلك أحبلا
(4)و قال آخر: إذا دببت على المنساة من هرم فقد تباعد عنك اللهو و الغزل
و بالجملة المراد بالمنسأة العصا،قال تعالى في سليمان عليه السلام «تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ» .
«و محضرة للشيطان» روى مجالسة أهل معاصي(الكافي)عن الجعفري قال:قال لي أبو الحسن عليه السلام:مالي رأيتك عند عبد الرحمن بن أبي يعقوب فقلت:إنّه خالي.فقال:إنّه يقول في اللّه قولا عظيما،يصف اللّه و لا يوصف،فإما جلست معه و تركتنا و إمّا جلست معنا و تركته.فقلت:هو يقول ما شاء،أي شيء علي منه إذا لم أقل بقوله.فقال:أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعا؟أما علمت بالذي كان من أصحاب موسى-و كان أبوه من أصحاب فرعون-فتخلّف ليعظ أباه و يلحقه بموسى فمضى أبوه و هو يراغمه حتى بلغا طرفا من البحر فغرقا جميعا،فأتى موسى عليه السلام الخبر فقال:هو في رحمة اللّه و لكن النقمة إذا نزلت لم يكن لها عمّن قاربت المذنب دفاع (1)
الكافي 2:374 ح 2. [1]
.«جانبوا الكذب فإنّ الكذب مجانب للايمان» قال تعالى «إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» (2)و روى باب كذب(الكافي)عنه عليه السلام:لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله و جدّه (3).
و عن الباقر عليه السلام:إنّ الكذب هو خراب الإيمان (4).
«الصادق على شرف منجاة و كرامة» هكذا في(المصرية) (5)،و لكن في(ابن أبي الحديد (6)و ابن ميثم و الخوئي و الخطية):«الصادق على شفا منجاة و كرامة»فهو الصحيح.
و روى باب صدق(الكافي)عن الباقر عليه السلام:إنّ الرجل ليصدق حتى يكتبه اللّه صديّقا (1)
الكافي 2:338 الرواية 2. [1]
.و عن الصادق عليه السلام:إنّ العبد ليصدق حتى يكتب عند اللّه من الصادقين و يكذب حتّى يكتب عند اللّه من الكاذبين،فإذا صدق قال تعالى:صدق و برّ،و إذا كذب قال تعالى:كذب و فجر (2).
و في(تاريخ بغداد):كان لربعي بن خراش ابنان عاصيان زمن الحجاج، فقيل للحجاج إنّ أباهما لم يكذب قط فلو أرسلت إليه فسألته عنهما،فأرسل إليه أين ابناك؟فقال:هما في البيت.قال:قد عفونا عنهما لصدقك (3).
و في السير:إنّ الحجاج أراد قتل أحد من أسارى أصحاب ابن الأشعث فقال له:لا تقتلني كان ابن الأشعث يوما يسبّك و أنا نهيته.فقال:لك شاهد.قال نعم،و دعا أحد من الأسارى فشهد له،فقال الحجاج:أنت نهيته.قال:لا.قال:
لم.قال:لأني كنت مبغضك.فقال الحجاج:عفوت عنكما الأول لدفاعه عنّي و الثاني لصدقه (4).
«و الكاذب على شفا» هكذا في(المصرية) (5)و لكن في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية و الخوئي):«على شرف» (6)فهو الصحيح،و إنما«شفا» كان في السابقة،و(المصرية)عكست.
1) 1)
2) 2) الكافي 1:105 ح 9. [2]
3) 3) تاريخ بغداد 8:433. [3]
4) 4) لم نعثر عليه في تراجم الحجاج و لا في كتب التاريخ الشهيرة.
5) 5) الطبعة المصرية لمحمّد عبده:203.
6) 6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6:354، [4]ابن ميثم 2:281 و النسخة الخطية كذلك انظر ص 57 من النسخة الخطية،و شرح الخوئي كذلك 6:124.
«مهواة» أي:هوي و سقوط.
«و مهانة» أي:حقارة مصدر«مهن».
في(أمالي القالي):خرج أو في بن مطر الخزاعي و جابر الرزامي و مالك الرزامي-من مازن-ليغيروا على بني أسد بن خزيمة،فلقوهم فقتل مالك و أرتث أو في جريحا،فقال لجابر:احملني.قال:إنّ بني أسد قريب و أنت ميت لا محالة،و أن يقتل واحد خير من أن يقتل اثنان.قال:فازحف بي إلى عماية.قال:
فضاء لا يسترك منها شيء.قال:فانهض بي إلى قساس قال:ما قساس إلاّ حرملة لبني أسد.قال:في أوان.قال إنّما ذلك تحت أيديهم.فأتى الحي فأخبرهم أنّ أوفى و مالكا قد قتلا ثم أن أوفى تحامل إلى بعض المياه فتعالج به حتى برئ،ثم أقبل فقال رجل من القوم و جابر فيهم-لو لا أن الموتى لم يأن بعثها لأنبأتكم أنّ هذا أو فى-قال أبو عبيدة:فانسل جابر من القوم فما يدرى أين وقع و لا ولده إلى الساعة استحياء من القوم من الكذبة التي كذبها (1)
ذيل الأمالى:91. [1]
.و عنه عليه السلام:الكذب يهدي إلى الفجور و الفجور يهدي إلى النار،و لا يزال أحدكم يكذب حتى لا يبقى في قلبه موضع ابرة صدق فيسمّى عند اللّه كذّابا (2).
و في(كامل المبرد):روي أنّ أشراف الكوفة كانوا يظهرون بالكناسة فيتحدّثون على دوابهم حتى تطردهم الشمس،فوقف عمرو بن معديكرب الزبيدي و خالد بن الصعقب النهدي،فأقبل عمرو يحدّثه فقال:أغرنا مرة على بني نهد فخرجوا مستزعقين-أي مقدمين-لخالد بن الصعقب فحملت عليه فطعنته فأرديته ثم ملت بالصمصامة فأخذت رأسه،فقال خالد خلل-أي:
استتر-أبا ثور ان قتيلك هو المحدّث (1)
الكامل للمبرّد 2:562-563. [1]
.و قال ابن أبي الحديد:قال الشاعر:
لا يكذب المرء إلاّ من مهانته أو عادة السوء أو[من]قلّة الأدب
لعض جيفة كلب خير رائحة من كذبة المرء في جدّ و[في]لعب
(2)«و لا» و في(ابن ميثم و الخطية):«لا» (3). «تحاسدوا فإن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب» في(معارف ابن قتيبة):كان امية بن أبي الصلت قرأ الكتب المتقدّمة و رغب عن عبادة الأوثان- و كان يخبر أن نبيّا قد أطلّ زمانه و كان يؤمل أن يكون هو-فلما بلغه مبعث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كفر به حسدا،قالوا:و لما أنشد النبيّ شعره قال صلّى اللّه عليه و آله:آمن بلسانه و كفر بقلبه (4).
و حسد قابيل هابيل فقتله.
و قال الخوئي:روي أنّ رجلا كان يغشى بعض الملوك و يقوم بحذائه و يقول له:أحسن إلى المحسن بإساءته فإن المسيء سيكفيك اساءته.فحسده رجل على ذلك المقام و الكلام فسعى به إلى الملك،فقال:إن هذا الذي يقوم بحذائك و يقول ما يقول يزعم أنّ الملك أبخر.فقال الملك:و كيف يصحّ ذلك عندي؟قال:تدعوه إليك فإنّه إذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشمّ ريحة البخر.فقال له:انصرف حتى أنظر.فخرج الحاسد و دعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعاما فيه ثوم،فخرج الرجل من عنده و قام بحذاء الملك على عاداته
فقال ذلك المقال،فقال له الملك:ادن مني.فدنا و وضع يده على فيه حذرا من أن يشمّ الملك منه رائحة الثوم.فقال الملك في نفسه:ما أرى فلانا إلاّ صدق- و كان الملك لا يكتب بخطّه إلاّ لجائزة أو صلة-فكتب له كتابا بخطه إلى عامل من عمّاله«إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه و اسلخه وحش جلده تبنا و ابعث به إلى»،فأخذ الكتاب و خرج،فلقيه الرجل الذي سعى به فقال:ما هذا الكتاب؟ قال:خط الملك بجائزة لي.قال:هبه لي.فوهبه له و أخذه و مضى إلى العامل، فقال العامل:في كتابك أن أذبحك و أسلخك.قال:إنّ الكتاب ليس هو لي فاللّه اللّه في أمري حتى تراجع الملك.فقال:ليس لكتاب الملك مراجعة،فذبحه و سلخه وحشّى جلده تبنا و بعث به.ثم دعا الرجل كعادته إلى الملك و قال مثل مقالته، فتعجب الملك و قال:ما فعلت بالكتاب؟فقال:لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته له.قال:إنّه ذكر لي أنّك تزعم أنّي أبخر.قال:ما قلت ذلك.قال:فلم وضعت يدك على فيك؟قال:لأنّه أطعمني طعاما فيه ثوم فكرهت أن تشمّه.
قال:صدقت ارجع إلى مكانك فقد كفاك المسيء إساءته (1)
شرح الخوئي:161-162.
.«و لا تباغضو فإنّها الحالقة» أي:الخصلة التي من شأنها أن تحلق الدين كما يحلق الموسى الشعر.
و في قطيعة رحم(الكافي):قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:ألا و إنّ في التباغض الحالقة، لا أعني حالقة الشعر و لكن حالقة الدين (2).
و قال الصادق عليه السلام:اتقوا الحالقة فإنّها تميت الرجال.قلت:فما الحالقة؟ قال:قطيعة الرحم (3).
«و اعلموا أنّ الأمل يسهي العقل» في(النهاية):السهو في الشيء تركه عن غير علم،و السهو عنه تركه مع العلم،و منه قوله تعالى: «الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ » (1)
النهاية لابن الاثير 2:430 [1] مادة(سهى)و الآية 5 من سورة الماعون. [2]
.«و ينسي الذكر» و قال تعالى: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا » (2).
«فأكذبوا الأمل فإنّه غرور و صاحبه مغرور» و في المثل:«أغر من ظبي مقمر» (3)لأنّه يخرج في الليلة المقمرة يرى أنّه النهار فتأكله السباع.
الحكمة(180)
و قال عليه السلام:
الطَّمَعُ رِقٌّ مُؤَبَّدٌ أقول:قال ابن أبي الحديد قال الشاعر:
تعفف و عش حرّا و لا تك طامعا فما قطع الأعناق إلاّ المطامع
الحكمة(226)
و قال عليه السلام:
الطَّامِعُ فِي وِثَاقِ الذُّلِّ أقول:قال الشاعر:
رأيت مخيلة فطمعت فيها و في الطمع المذلّة للرقاب
(1)و قال آخر:
طمعت بليلى أن تريع و إنّما تقطع أعناق الرجال المطامع
(2)و قال أعرابي:إنّ الآمال قطعت أعناق الرجال كالسراب غرّ من رآه و أخلف من رجاه.
الحكمة(219)
و قال عليه السلام:
أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ أقول:قالوا:ما الخمر صرفها بأذهب لعقول الرجال من الطمع.
و سئل عليه السلام:ما ثبات الإيمان؟فقال:الورع.فقيل له:و ما زواله؟قال:
الطمع (3).
و قال ابن أبي الحديد:قال الشاعر:
إذا حدّثتك النفس أنّك قادر على ما حوت أيدي الرجال فكذّب
و إيّاك و الأطماع إنّ و عودها رقارق آل أو بوارق خلّب
(1)هذا،و قالوا:رأى أشعب الطماع سلاّلا يصنع سلّة فقال:أو سعها.قال له:
مالك و ذاك؟قال:لعلّ صاحبها يهدي لي فيها شيئا يوما.
الحكمة(255)
و قال عليه السلام:
الْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ- لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ- فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكِمٌ «الحدة» بالكسر من حد يحد-بالكسر-.
و في الخبر:الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم،ألم تروا إلى حمرة عينيه و انتفاخ أو داجه (2).
أيضا:إذا غضب أحدكم ليقعد إن كان قائما و يضطجع إن كان قاعدا (3).
و قال شاعر:
احذر مغايظ أقوام ذوي أنف إنّ المغيظ جهول السيف مجنون
هذا،و في(العيون):كان المنصور ولّى سلمة بن قتيبة البصرة،و ولّى مولى له كور البصرة و الإبلة،فورد كتاب مولاه أنّ سلما ضربه بالسياط، فاستشاط المنصور و قال:عليّ تجرأ سلم لأجعلنه نكالا،فقال له ابن عياش- و كان جريئا عليه-إنّ سلما لم يضرب مولاك بقوّته و لا قوّة أبيه و لكنّك قلّدته سيفك و أصعدته منبرك فأراد مولاك أن يطأطىء منه ما رفعت و يفسد ما
صنعت فلم يحتمل ذلك،إنّ غضب العربي في رأسه فإذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسان أو يد،و إنّ غضب النبطي في استه فإذا غضب و خرئ ذهب غضبه.فضحك المنصور و قال:فعل اللّه بك يا منتوف و فعل،و كف عن سلم.
هذا مثل الحدّة في أعقاب الندامة العجلة،و كانت العرب تكني العجلة أم الندامة،قالوا:إنّ صاحب العجلة يقول قبل أن يعلم،و يجيب قبل أن يفهم و يعزل قبل أن يفكّر،و يقطع قبل أن يقدر،و يحمد قبل أن يجرب،و يذّم قبل أن يختبر،و من كان معه أحد هذه الخلال يندم البتة فكيف مع الجميع (1)
العيون للقتيبي،1:290-291.
.1) 1)
الحكمة(9)
و قال عليه السلام:
خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ- وَ إِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ أقول:في(تذكرة سبط بن الجوزي):قال أبو حمزة الثمالي:حدّثنا إبراهيم بن سعيد عن الشعبي عن ضرار بن ضمرة قال:أوصى أمير المؤمنين عليه السلام بنيه فقال:يا بني عاشروا النّاس بالمعروف معاشرة إن عشتم حنّوا إليكم و إن متّم بكوا عليكم ثم قال:
يريد بذاكم أن يهشوا لطاعتي و أن يكثروا بعدي الدعاء على قبري
و أن يمنحوني في المجالس ودّهم و ان كنت عنهم غائبا أحسنوا ذكري
1) 1) التذكرة لسبط ابن الجوزي:152. [1]
و مثله عن(مناقب ابن الجوزي).
و في(أمالي الشيخ)عن أبي المفضل مسندا عن الباقر عليه السلام:لما احتضر أمير المؤمنين عليه السلام جمع بنيه حسنا و حسينا و ابن الحنفية و الأصاغر من ولده،فوصّاهم و كان في آخر وصيته«عاشروا النّاس عشرة إن غبتم حنّوا إليكم و إن فقدتم بكوا عليكم،يا بني إنّ القلوب جنود مجنّدة تتلاحظ بالمودة و تتناجى بها و كذلك هي في البغض،فإذا أحببتم الرجل من غير خير سبق منه إليكم فارجوه،و إذا أبغضتم الرجل من غير سوء سبق منه إليكم فاحذروه » (1)
الأمالي للشيخ:المجلس السادس و [1]العشرون:595 ح 1232 المجلس(26).
.«خالطوا النّاس مخالطة» قد عرفت أنّ في رواية اخرى:«عاشروا الناس بالمعروف معاشرة» (2).
في(قرب الاسناد):عن الصادق عليه السلام أنّ عليّا عليه السلام صاحب ذمّيا فقال له الذّمي:أين تريد؟قال عليه السلام:الكوفة.فلما عدل الطريق بالذّمي عدل معه عليّ عليه السلام،فقال له الذّمي:أ لست زعمت أنّك تريد الكوفة فقد تركت الطريق.
فقال له:قد علمت.فقال:و لم عدلت معي؟قال عليه السلام من تمام الصحبة أن يشيّع الرجل صاحبه إذا فارقه،كذلك أمرنا نبيّنا.فقال:لا جرم إنّما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة،أشهدك أنّي على دينك.فرجع الذّمي معه عليه السلام،فلما عرفه أسلم (3).
و قال بعضهم:إنّما الناس أحاديث،فإن استطعت أن تكون أحسنهم حديثا فافعل.
«إن متّم معها بكوا عليكم» في(تاريخ بغداد):كان ابن أبي دؤاد مؤلفا لأهل
الأدب من أي بلد كانوا،و قد كان ضمّ إليه جماعة يعولهم و يموّنهم،فلما مات اجتمع ببابه جماعة منهم فقالوا:أ يدفن من كان على ساقة الكرم و تاريخ الأدب و لا يتكلّم فيه إنّ هذا لوهن و تقصير.فلما طلع سريره قام ثلاثة منهم فقال أحدهم:
اليوم مات نظام الفهم و اللسن و مات من كان يستدعى على الزمن
و اظلمت سبل الآداب إذ حجبت شمس المعارف في غيم من الكفن
و تقدّم الثاني فقال:
ترك المنابر و السرير تواضعا و له منابر لو يشا و سرير
و لغيره يجبى الخراج و إنّما يجبى إليه محامد و أجور
و قام الثالث فقال:
و ليس نسيم المسك ريح حنوطه و لكنّه ذاك الثناء المخلف
و ليس صرير النعش ما يسمعونه و لكنّها أصلاب قوم تقصف
(1)و في(الأغاني):عن مسرور خادم الرشيد:لما أمرني بقتل جعفر دخلت عليه و عنده أبو زكار الأعمى و هو يغنيه بصوت لم أسمع بمثله:
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي عليه الموت يطرق أو يغادي
و كلّ ذخيرة لا بدّ يوما و إن بقيت تصير إلى نفاد
و لو يفدى من الحدثان شيء فديتك بالطريف و بالتلاد
فقلت له:في هذا و اللّه أتيتك،فأخذت بيده فأقمته و أمرت بضرب عنقه.
فقال لي أبو زكار:نشدتك اللّه إلاّ ألحقتني به.فقلت له:و ما رغبتك في ذلك؟قال:
إنّه أغناني عمّن سواه بإحسانه فما أحبّ أن أبقى بعده (2)...
و فيه:كان الفضل الرقاشي منقطعا إلى آل برمك مستغنيا بهم عمّن سواهم و كانوا يصولون به على الشعراء و يروون أولادهم شعره و يدونونها القليل منها و الكثير تعصبا له و حفظا لخدمته و تنويها باسمه و تحريكا لنشاطه،فحفظ ذلك لهم،فلما نكبوا صار إليهم في حبسهم فأقام معهم مدّة أيّامهم ينشدهم حتى ماتوا،ثم رثاهم فأكثر من رثائهم (1)
الأغاني 16:245. [1]
،و كان فنى في حبّهم حتى خيف عليه،فمن قوله في جعفر:كم هاتف بك من باك و باكية يا طيّب للضيف إذ تدعى و للجار
إن يعدم القطر كنت المزن بارقة لمع الدنانير لا ما خيل الساري
(2)و منه قوله: فلا يبعدنك اللّه عني جعفرا بروحي و لو دارت عليّ الدوائر
فآليت لا أنفك أبكيك ما دعت على فنن و رقاء أو طار طائر
(3)و قال المدائني:لما دارت الدوائر على آل برمك و أمر بقتل جعفر بن يحيى و صلب اجتاز به الرقاشي،فوقف يبكي أحرّ بكاء ثم أنشأ يقول: أما و اللّه لو لا خوف واش و عين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك و استلمنا كما للناس بالحجر استلام
فما أبصرت قبلك يابن يحيى حساما حتفه السيف الحسام
على اللذات و الدنيا جميعا و دولة آل برمك السلام
فكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى الرشيد فأحضره،فقال له:ما حملك على ما قلت؟فقال:كان إليّ محسنا فلما رأيته على الحال التي هو عليها
حرّكني إحسانه فما ملكت نفسي حتى قلت الذي قلته.قال:و كم كان يجري عليك؟قال:ألف دينار في كلّ سنة.قال:قد أضعفناها لك (1)
الأغاني 16:249. [1]
.و في كتاب(أخبار بني العباس)عن خادم المأمون قال:طلبني الخليفة ليلا-و قد مضى من الليل ثلثة-فقال:بلغني أنّ شيخا يحضر ليلا إلى آثار دور البرامكة و ينشد شعرا و يذكرهم و يندبهم و يبكي عليهم،فاذهب مسرعا إلى ذاك الموضع و استتر خلف بعض الجدر،فإذا رأيت الشيخ قد جاء و بكى و ندبه و أنشد أبياتا فائتني به.فأتيته فإذا بغلام قد أتى و معه بساط و كرسي حديد و إذا شيخ قد جاء و له جمال و عليه مهابة،فجلس على الكرسي و جعل يبكي و ينتحب و يقول:
و لمّا رأيت السيف جندل جعفرا و نادى مناد للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا و زاد تأسفي عليهم و قلت الآن لا تنفع الدّنيا
مع أبيات.فلما فرغ قبضنا عليه و قلنا أجب الخليفة،ففزع و قال:دعني أوصي.فأخذ من بعض الدكاكين ورقة و كتب وصيّته و سلّمها إلى غلامه فأدخلته على الخليفة فقال له:بما استوجب البرامكة معك ما تفعله في خرائب دورهم.قال:كنت من أولاد الملوك و كنت في دمشق فزالت الدولة عنّي و ركبني الدين حتى احتجت إلى بيع بيتي،فأشاروا عليّ بالخروج إلى البرامكة،فخرجت مع نيف و ثلاثين امرأة و صبيا و صبيّة حتى دخلنا بغداد و نزلنا في بعض المساجد فدعوت ببعض ثياب كنت أعددتها فلبستها و خرجت و تركتهم جياعا،فاذا أنا بمسجد مزخرف و في جانبه شيخ بأحسن زي و على الباب خادمان و في الجامع جماعة جلوس،فطمعت في القوم و دخلت و أنا أقدّم رجلا و أؤخر اخرى و العرق يسيل مني،و إذا بخادم قد أقبل
1) 1)
و دعاهم فقاموا فدخلوا دار يحيى بن خالد فدخلت معهم و إذا يحيى جالس على دكّة له وسط بستان،فسلّمنا و هو يعدنا مائة و واحدا و بين يديه عشرة من ولده،و إذا بأمرد نبت العذار في خديه قد أقبل من بعض المقاصير و بين يديه مائة خادم متمنطقون في وسط كلّ منهم منطقة من ذهب يقرب وزنها من ألف مثقال،و مع كلّ منهم مجمرة من ذهب في كلّ مجمرة قطعة من العود و العنبر السلطاني،فوضعوه بين يدي الغلام و جلس إلى جنب يحيى،فقال يحيى للقاضي:تكلّم و زوّج ابنتي فلانة من ابن أخي هذا.فخطب خطبة النكاح و زوّجه و شهد أولئك الجماعة و أقبلوا علينا بالنثار ببنادق المسك و العنبر فالتقطت ملء كمي و نظرت فإذا نحن بين يحيى و ولده و الغلام مائة و اثنا عشر نفرا و إذا بمائة و اثنا عشر خادما قد أقبلوا و مع كلّ خادم صينية من فضّة على كلّ صينية ألف دينار،فوضعوا بين يدي كلّ رجل منّا صينية، فرأيت القاضي و المشايخ يضعون الدنانير في أكمامهم و يجعلون الصواني تحت آباطهم و قاموا و بقيت لا أجسر على أخذ الصينية،فغمزني الخادم فأخذتها و جعلت أتلفت إلى ورائي مخافة أن أمنع من الذهاب و يحيى يلاحظني فقال:ما لي أراك تتلفت يمينا و شمالا؟فقصصت عليه قصتي فقال للخادم:
إيتني بولدي موسى.و قال له:يا بني هذا رجل غريب فخذه إليك و احفظه بنعمتك.فأخذ يدي و أدخلني داره و أقمت عنده يومي و ليلتي في ألذّ عيش،فلما أصبح دعا بأخيه العباس و قال له:أمرني الوزير بالعطف على هذا الفتى و قد علمت اشتغالي في بيت الخليفة فاقبضه إليك و أكرمه.ففعل ثم تسلمني في الغد أخوه أحمد،ثم تداولوا بي في عشرة أيام و لا أعرف خبر عيالي و صبياني.
فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم و قال:اخرج إلى عيالك
بسلام.فقلت: «إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» سلبت الصينية و الدنانير،فرفع الخادم سترا ثم آخر ثم آخر إلى خمسة،فلما رفع الأخير رأيت حجرة كالشمس حسنا و نورا و استقبلني منها رائحة العود و نفحات المسك،و إذا بعيالي و صبياني يتقلبون في الحرير و الديباج،و حمل إليّ مائة ألف درهم و عشرة آلاف دينار و منشور لضيعتين و تلك الصينية التي كنت أخذتها بما فيها من الدّنانير و البنادق،و أقمت مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أنا من البرامكة أم غريب،فلما جاءتهم البلية أجحفني عمرو بن مسعدة و ألزمني في هاتين الضيعتين من الخراج ما لا يفي دخلهما به،فلما تحامل عليّ الدهر كنت أقصد في آخر الليل خرابات دورهم فأندبهم و أذكر حسن صنيعهم و أبكي عليهم.فقال الخليفة:عليّ بعمرو بن مسعدة،فأتى به فقال له:
تعرف هذا؟قال:بعض صنائع البرامكة.قال:كم ألزمته في ضيعته؟قال:كذا و كذا.فقال له:رد إليه كلّ ما أخذته منه و أفرغهما له ليكونا له و لعقبه من بعده.
فعلا نحيب الرجل،فلما رأى الخليفة كثرة بكائه قال له:يا هذا قد أحسنّا إليك فما يبكيك؟قال:و هذا أيضا من صنيع البرامكة لو لم آت خراباتهم فأبكيهم و أندبهم حتى اتصل خبري بالخليفة من أين كنت أصل إلى الخليفة، فدمعت عينا الخليفة و قال:لعمري هذا أيضا من البرامكة فأبكهم و اشكرهم (1)
لم نعثر على كتاب اخبار بني العباس في المطبوعات و المخطوطات،و يقول حاجي خليفة عن الكتاب إنّه لأحمد بن يعقوب المصري و لعبد اللّه بن الحسين بن بدر المتوفي سنة 372،انظر كشف الظنون 1:26.
.و في(العيون):كان سعيد بن عمرو مؤاخيا ليزيد بن المهلب،فلما حبس عمر ابن عبد العزيز،يزيد و منع من الدخول عليه،أتاه سعيد فقال له:لي على يزيد خمسون ألف درهم و قد حلت بيني و بينه فإن رأيت أن تأذن لي فأقتضيه.
فاذن لي فدخل عليه فسر به يزيد و قال له:كيف وصلت إليّ.فقال:بهذا التدبير.
1) 1)
فقال يزيد:و اللّه لا تخرج إلاّ و هي معك.فامتنع سعيد فحلف يزيد ليقبضها.
فقال ابن الرقاع:
لم أر محبوسا من الناس واحدا حبا زائرا في السجن غير يزيد
سعيد بن عمرو إذا أتاه أجازه بخمسين ألف عجلت لسعيد
(1)«و ان عشتم حنّوا إليكم» من(حنا)أي:عطف و مال.
في(مستجاد التنوخي):مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ إخوانه فقيل:إنّهم يستحيون مما لك عليهم من الدين.فقال:أخزى اللّه ما لا يمنع الإخوان من الزيارة.ثم أمر مناديا فنادى:من كان لقيس عليه حقّ فهو منه في حلّ.فكسرت درجته بالعشي لكثرة من عاده (2).
و في(الجهشياري):ذكر مخلد بن إبان قال:كنت أكتب لمنصور بن زياد،فشخص منصور مع الرشيد إلى خراسان-و كان ابنه محمد بن منصور سخيا سريا و كان الرشيد يسمّيه فتى العسكر-فأمرني بحفظ الأموال و المقام معه على السواد بحضرة محمد الأمين ببغداد،فكنت مع محمد بن منصور و عمل على تزويج ابنه زياد بن محمد بن منصور،فسأل محمد الأمين أن يزوره في أصحابه و قوّاده و كتّابه من غير أن يقدم في هذا قولا إليّ، فأجابه الأمين ثم دعاني فخبّرني الخبر فقلت له:هذا أمر علينا فيه غلظة و نحتاج إلى مال جليل.فقال:قد وقع هذا و لا حيلة في إبطاله-و كان موضع بابه يضيق عن عشر دواب-فقلت له:فإن لم تنظر في المال و النفقة فمن أين لنا رحبة تقوم فيها دواب الناس.فقال:لا و اللّه ما أدري و التدبير و الأمر إليك.
ففكرت في إحسانهم إلى جيرانهم،فخرجت إلى مسجد على بابه فجمعتهم
و أعلمتهم ما عزم عليه محمد ابن منصور من أمر ابنه و استزارته الأمين و أنّه لا رحبة له،و سألتهم تفريغ منازلهم و إعارتنا إيّاها جمعة أو عشرة أيام حتى نهدمها ثم نبنيها إذا استغنينا عنها أحسن بناء.قلت لهم هذا القول و أنا خائف ألاّ يجيبوني.فقالوا جميعا بلسان واحد:نعم كرامة و مسرة،غدا نفرغها.
فشكرت ذلك لهم و قاموا من حضرتي و أخذوا في تفريغها-و كان أكثرها باللبن و الاختصاص-فهدمناها و جعلنا مكانها رحبة و أتانا الأمين و أنفقنا أموالا جليلة،و كانت الغو إلى في تغارات فضة و أكثر الشمع من عنبر في طساس ذهب،ثم انقضى العرس فبنيت للجيران منازلهم بالجص و الآجر (1)
الجهشياري:266-267. [1]
.و في(كامل المبرد):كان القعقاع بن شور إذا جالسه أحد و عرفه بالقصد إليه جعل له نصيبا في ماله و أعانه على عدوّه له في حاجته و غدا إليه بعد المجالسة شاكرا له حتى شهر بذلك،و فيه يقول القائل:
و كنت جليس قعقاع بن شور و لا يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السن إن أمروا بخير و عند السوء مطراق عبوس
و جالس رجل قوما من مخزوم،فأساءوا عشرته و سعوا به إلى معاوية،فقال:
شقيت بكم و كنت لكم جليسا فلست جليس قعقاع بن ثور (2)
و من جهل أبو جهل أخوكم غزا بدرا بمجمرة و تور
و في(تاريخ بغداد)عن عون بن محمد الكندي قال:لعهدي بالكرخ ببغداد و ان رجلا لو قال ابن أبي دؤاد مسلم لقتل في مكانه،ثم وقع الحريق في الكرخ-و هو الذي ما كان مثله قط،كان الرجل يقوم في صينية شارع الكرخ
فيرى السفن في دجلة-فكلّم ابن أبي دؤاد المعتصم في الناس و قال له:رعيتك في بلد آبائك و دار ملكهم نزل بهم هذا الأمر فاعطف عليهم بشيء يفرّق فيهم يمسك أرماقهم و يبنون به ما انهدم عليهم و يصلحون به أحوالهم.فلم يزل ينازله حتى أطلق لهم خمسة آلاف ألف درهم.فقال له:إن فرقها عليهم غيري خفت ألا يقسم بينهم بالسوية فائذن لي في تولي أمرها ليكون الأجر أوفر و الثناء أكثر.قال:ذلك إليك.فقسّمها على مقادير الناس و ما ذهب منهم بنهاية ما يقدر عليه من الاحتياط و احتاج إلى زيادة،فازدادها من المعتصم و غرم من ماله في ذلك غرما كثيرا.فكانت هذه من فضائله التي لم يكن لأحد مثلها.
فلعهدي بالكرخ لو إنّ إنسانا قال«زر ابن أبي دؤاد و سخ»لقتل.
فيه أيضا:اعتلّ ابن أبي دؤاد فعاده المعتصم و قال له:إنّي نذرت إن عافاك اللّه أن أتصدّق بعشرة آلاف دينار.فقال له:اجعلها لأهل الحرمين فقد لقوا من غلاء الأسعار عنفا.فقال:نويت أن أتصدّق بها ههنا و أنا اطلق لأهل الحرمين مثلها.فقيل للمعتصم في ذلك-لأنّه عاده و ليس يعود إخوته و أجلاّء أهله-فقال:و كيف لا أعود رجلا ما وقعت عيني عليه قط إلاّ ساق إليّ أجرا أو أحب لي شكرا أو أفادني فائدة تنفعني في دنياي و ديني،و ما سألني حاجة لنفسه قط (1)
تاريخ بغداد 4:149. [1]
.و بالعكس من أساء معاشرة الناس يجتنبه الناس في حياته و يشمتون بموته بعد وفاته،قالوا:لما مات أبو عبيدة معمّر بن المثنى-مع كثرة تاليفه في الفنون المختلفة حتى قيل فيه إنّ علم الجاهلية و الاسلام كان عنده-لم يحضر جنازته أحد لأنّه لا يسلم منه شريف و لا غيره.
و في(تاريخ بغداد):ولّي معاذ بن معاذ-و كان له منزلة من الرشيد-
1) 1)
قضاء البصرة،فلم يحمدوا أمره و كثر الكارهون له و الرقائع عليه،فلما صرف عن القضاء أظهر أهل البصرة السرور به و نحروا الجزور و تصدّقوا بلحمها و استتر في بيته خوف الوثوب عليه ثم شخص مختفيا (1)
تاريخ بغداد 4:149-150. [1]
.و قالوا:لما نكب المعتصم الفضل بن مروان شمت به الناس لرداءة أفعاله و أخلاقه،فقيل فيه:
لتبك على الفضل بن مروان نفسه فليس له باك من الناس يعرف
لقد صحب الدّنيا منوعا بخيرها و فارقها و هو الظلوم المعنف
إلى النار فليذهب و من كان مثله على أي شيء فاتنا منه نأسف
(2)و في(اليعقوبي):سخط المتوكل بعد أربعين يوما من خلافته على محمد بن عبد الملك الزيات و استصفى أمواله و عذّبه حتى مات،كان شديد القسوة قليل الرحمة كثير الاستخفاف بهم لا يعرف له إحسان إلى أحد و لا معروف عنده و كان يقول:الحياء و الرحمة ضعف،و السخاء حمق.فلما نكب لم ير إلاّ شامت به و فرح بنكبته (3). و في(الطبري):قيل في الأمين بعد قتله:
لم نبكيك لما ذا للطرب يا أبا موسى و ترويج اللعب
و لترك الخمس في أوقاتها حرصا منك على ماء العنب
و شنيف انا لا أبكي له و على كوثر لا أخشى العطب
لم تكن تعرف ما حدّ الرضا لا و لا ما حد الغضب
(4)و في(أنساب البلاذري):كان عمرو بن الزبير عظيم الكبر شديد العجب،
و له يقال:«عمرو لا يكلّم،من يكلّمه يندم».
الحكمة(360)
و قال عليه السلام:
لاَ تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سُوءاً- وَ أَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مُحْتَمَلاً أقول:روى(الكافي)عن الصادق عليه السلام:إنّ المؤمن إذا اتّهم أخاه المؤمن انماث الإيمان من قلبه كانمياث الملح في الماء (1)
الكافي 2:361 ح 1. [1]
.هذا،و قال ابن أبي الحديد:قال ثمامة:نكب الرشيد علي بن عيسى بن ماهان و ألزمه مائة ألف دينار أدّى منها خمسين ألف دينار و بلج بالباقي، فأقسم الرشيد إن لم يؤد اليوم قتله،و كان ابن ماهان عدوّا للبرامكة مكاشفا، فلما علم أنّه مقتول سأل أن يمكّن من الناس يستنجدهم ففسح له في ذلك، فمضى و معه وكيل الرشيد إلى باب يحيى و جعفر فأسبلا عليه و صححا من صلب أموالهما خمسين ألف دينار و استخلصاه،فنقل بعض المنتصحين لهما إليهما أنّ ابن ماهان قال في آخر ذاك اليوم متمثلا:
فما بقيا عليّ تركتماني و لكن خفتما صرر النبال
فقال يحيى للناقل:إنّ المرعوب ليسبق لسانه إلى ما لم يخطر بقلبه.
و قال جعفر:و من أين لنا أنّه عنانا و لعلّه أراد أمرا آخر في تمثّله (2)...
قلت:نقله(الجهشياري)بطريق آخر كما مر في فصل المكارم،و الكلام فيما كان المقال محتملا للخير لا في مثله و انّما حمله يحيى عليه تكرّما (3).
الحكمة(35)
و قال عليه السلام:
مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ- قَالُوا فِيهِ بِمَا لاَ يَعْلَمُونَ هكذا في(المصرية) (1)
الطبعة المصرية:666 ح 35.
و الصواب:«ما»كما في غيرها-لا يعلمون.أقول:كان المغيرة بن الأسود المعروف بالأقيشر يغضب إذا قيل له أقيشر.فمرّ يوما بقوم من بني عبس فقال رجل منهم:يا أقيشر،فسكت ساعة ثم قال:
أ تدعوني الأقيشر ذاك اسمي و أدعوك ابن مطفئة السراج
تناجي خدنها بالليل سرّا و ربّ الناس يعلم ما تناجي
(2)فسمّى الرجل«ابن مطفئة السراج»و ولده يسبون بذلك إلى اليوم. و دسّ جرير رجلا إلى الأقيشر و قال قل له:إنّي جئت لأهجو قومك و تهجو قومي،فصار إليه فقال له ذلك،فقال له:ممّن أنت؟قال:من تميم.فقال:
فلا أسدا أسبّ و لا تميما و كيف يحلّ سب الأكرمينا
و لكن التقارض حل بيني و بينك يابن مضرطة العجينا
فسمّي الرجل«ابن مضرطة العجين» (3).
و قالوا:شهد أعرابي عند معاوية بشيء كرهه،فقال له معاوية:كذبت.
فقال له الأعرابي:الكاذب و اللّه متزمل في ثيابك.فقال معاوية:هذا جزاء من عجل.
و قالوا:قل خيرا تسمع خيرا.قل خيرا تغنم (1)
نهج البلاغة 10:137.
.و من العجب أنّ ذلك مؤثر حتّى في العشّاق،فقالوا:كان ذو الرمة المعروف بعشق مية قائلا فيها أشعارا كثيرة،فمكثت مية زمانا طويلا لا تراه و تسمع شعره،فجعلت للّه عليها أن تنحر بدنة إن رأته،فلما رأته رأت رجلا أسود دميما.فقالت:و اسوأتاه-كأنّها لم ترضه-فقال ذو الرمة:
على وجه مي مسحة من ملاحة و تحت الثياب الشين لو كان باديا
ألم تر أنّ الماء يخبث طعمه و إن كان لون الماء أبيض صافيا
(2)و قالوا:و فد ملاعب الأسنة مع إخوته و معهم لبيد-و هو غلام-على النعمان ابن المنذر،فوجدوا عنده الربيع بن زياد العبسي-و كان ينادم النعمان و كانوا له أعداء،فكان إذ خلا الربيع بالنعمان طعن فيهم و ذكر معايبهم،ففعل ذلك بهم مرارا،فدخلوا عليه يوما فرأوا منه تغيّرا و جفاء و قد كان يكرمهم قبل ذلك-إلى أن قال-غدوا بلبيد معهم إلى النعمان فوجدوه يتغدى و معه الربيع و هما يأكلان ليس معه غيره،فلما فرغ من الغداء دخلوا عليه فذكروا له حاجتهم فاعترض الربيع في كلامهم فقام لبيد يرتجز و يقول: يا ربّ هيجا هي خير من دعه أكل يوم هامتي مقزّعه
نحن بنو أم البنين الأربعة و من خيار عامر بن صعصعه
المطعمون الجفنة المذعذعة و الضاربون الهام تحت الخيضعه
يا واهب الخير الكثير من سعه إليك جاوزنا بلادا مسبعه
مخبر عن هذا خبيرا فاسمعه مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه
إنّ استه من برص ملمعه و إنّه يدخل فيها إصبعه
يدخلها حتى يوارى أشجعه كأنّما يطلب شيئا أطعمه
(1)فالتفت النعمان إلى الربيع شزرا يرمقه فقال:أكذا أنت؟قال:لا و اللّه لقد كذب عليّ و انصرف.فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه به و أمره بالانصراف إلى أهله.فكتب إليه الربيع:إنّي قد تخوفت أن يكون قد و قر في صدرك ما قال لبيد و لست برائم حتى تبعث من يجردني فيعلم من حضرك من الناس أني لست كما قال.فأرسل إليه:إنّك لست صانعا بانتفانك مما قال لبيد شيئا و لا قادرا على ما زلّت به الألسن فالحق بأهلك (2).
الحكمة(158)
و قال عليه السلام:
عَاتِبْ أَخَاكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَ ارْدُدْ شَرَّهُ بِالْإِنْعَامِ عَلَيْهِ أقول:في(المعجم)عن أبي الفضل بن ثوابه قال:قدم البحتري النيل على أحمد الاسكافي مادحا له فلم يثبه،فهجاه بقصيدة أوّلها«قصّة النيل فاسمعوها عجاب»و جمع إلى هجائه إيّاه هجاء بني ثوابه،و بلغ ذلك أبي فبعث إليه بألف درهم و ثيابا و دابة بسرجها و لجامها،فردّه و قال:قد أسلفتكم إساءة فلا يجوز معه قبول صلتكم.فكتب إليه أبي:أما الإساءة فمغفورة و المعذرة مشكورة،و الحسنات يذهبن السيئات،و ما يأسو جراحك مثل يدك،و قد رددت إليك ما رددته عليّ،و أضعفته فإن تلافيت ما فرط منك أثبنا و شكرنا و إن لم تفعل احتملنا و صبرنا.فقبل البحتري:ما بعث به إليه.و كتب إلى أبي:
كلامك و اللّه أحسن من شعري،و قد أسلفتني ما أخجلني،و حملتني ما أثقلني،
و سيأتيك ثنائي.ثم غدا عليه بقصيدة أوّلها«ضلال لها ما ذا أرادت من الصدّ» و قال فيه أيضا ما أوّله«برق أضاء العقيق من صرمه»و ما أوّله«إن دعاه داعي الهوى فأجابه»فلم يزل أبي بعد ذلك يصله و يتابع برّه لديه حتى افترقا (1)
معجم الادباء 4:155-156. [1]
.و في(شعراء القتيبي):كان بشر بن أبي حازم الأسدي في أوّل أمره يهجو أوس بن حارثة بن لام الطائي،فأسرته بنو نبهان من طي فركب إليهم أوس فاستوهبه منهم و أراد إحراقه،فقالت له سعدى امه:قبّح اللّه رأيك أكرم الرجل و أحسن إليه فانّه لا يمحو ما قال غير لسانه.ففعل فجعل بشر مكان كلّ قصيدة هجاء قصيدة مدح (2).
و في(كامل المبرد):كان النعمان بن المنذر دعا بحلة و عنده و فود العرب من كلّ حي،فقال:احضروا في غد فإنّي ملبس هذه الحلة أكرمكم.
فحضر القوم جميعا إلاّ أوس بن حارثة،فقيل له:لم تخلفت؟فقال:إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء ألاّ أكون حاضرا،و إن كنت أن المراد فسأطلب و يعرف مكاني.فلما جلس النعمان لم ير أوسا،فقال:اذهبوا إلى أوس فقولوا له:احضر آمنا ممّا خفت.فحضر فألبس الحلة،فحسده قوم من أهله فقالوا للحطيئة:اهجه و لك ثلاثمائة ناقة،فقال الحطيئة:كيف أهجو رجلا لم يكن في بيتي أثاث و لا مال إلاّ من عنده.ثم قال:
كيف الهجاء و ما تنفكّ صالحة من آل لام بظهر الغيب تأتيني
فقال لهم بشر بن أبي حازم:أنا أهجوه لكم،فأخذ الإبل و فعل،فأغار أوس على الإبل فاكتسحها فجعل لا يستجير حيّا إلاّ قال قد أجرتك إلاّ من أوس -و كان بشر في هجائه أوسا ذكر امّه-فأتى به فدخل أوس على أمّه فقال:قد
أتينا ببشر الهاجي لك ولي فما ترين فيه؟فقالت:أو تطيعني فيه؟قال:نعم.
قالت:أرى أن تردّ عليه ماله و تعفو عنه و تحبوه و أحبوه فإنّه لا يغسل هجاءه إلاّ مدحه.فخرج إليه فقال له:إنّ امي سعدى التي كنت تهجوها قد أمرت فيك بكذا و كذا.فقال:لا جرم و اللّه لا مدحت أحدا حتى أموت غيرك،ففيه يقول:
إلى أوس بن حارثة بن لام ليقضي حاجتي في من قضاها
و ما وطىء الثرى مثل ابن سعدى و لا لبس النعال و لا احتذاها
(1)و قال ابن أبي الحديد الأصل فيه قوله تعالى «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» (2).
و في(كامل المبرّد):عن ابن عائشة:قال رجل من أهل الشام:دخلت المدينة فرأيت رجلا راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها و لا ثوبا و لا مسمنا و لا دابة منه،فمال قلبي إليه،فسألت عنه فقيل:هذا الحسن بن علي.فامتلأ قلبي له بغضا و حسدت عليّا أن يكون له ابن مثله،فصرت إليه و قلت له:أنت ابن أبي طالب؟فقال:أنا ابن ابنه.قلت:فبك و بأبيك-أسبّهما-فلما انقضى كلامي قال:
أحسبك غريبا؟قلت:أجل.قال:فمل بنا فإن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مال و اسيناك أو إلى حاجة عاونّاك.فانصرفت عنه و ما على الأرض أحد أحبّ إليّ منه (3).
و قال محمود الورّاق:
إنّي شكرت لظالمي ظلمي و غفرت ذاك له على علم
و رأيته أسدى إليّ يدا لما أبان بجهله حلمي
رجعت إساءته عليه و إحساني فعاد مضاعف الأجر
و غدوت ذا أجر و محمدة و غدا بكسب الظلم و الإثم
فكأنّما الاحسان كان له و أنا المسيء إليه في الحكم
ما زال يظلمني و أرحمه حتى بكيت له من الظلم
(1)اخذ هذا المعنى من قول رجل من قريش،قال له رجل منهم:إني مررت بآل فلان و هم يشتمونك شتما رحمتك منه.قال:أ فسمعتني أقول إلاّ خيرا؟ قال:لا.قال:فايّاهم فارحم.
قلت:شعر الوراق و كلام القرشي غير مربوط بالمقام كما لا يخفى (2).
الحكمة(177)
و قال عليه السلام:
ازْجُرِ الْمُسِيءَ بِثَوَابِ الْمُحْسِنِ أقول:في(كنايات الجرجاني):كان المخبل السعدي في سفر،فأمّ بيتا ضخما في يوم حار،فلما وقف عليه سلّم فقيل له:أي الشراب أحبّ إليك؟أنبيذ أم ماء أم لبن؟قال:أيسره و أوجده.قالت:اسقوا الرجل ماء تمر،و أمرت فذبحت له شاة و صنعت فأكل و شرب،فلما راح قال:جزاك اللّه خيرا من منزل فما رأيت أكرم منك.قال:فإذا امرأة ضخمة فقال لها:ما اسمك يرحمك اللّه؟ قالت:رهوا.قال:سبحان اللّه أما وجد أهلك اسما يسمّونك به أحسن من هذا؟ فقالت:سميتني أنت به.قال:إنّا للّه أخليدة أنت؟قالت:نعم.قال:و اسوأتاه و اللّه لا هجوت بعدك امرأة-أو قال تميمية-أبدا و أنشأ يقول:
لقد ضلّ حلمي في خليدة إنّني سأعتب ربي بعدها و أتوب
و اشهد ربّ الناس أن قد ظلمتها و جرت عليها و الهجاء كذوب
و الأصل فيه أنّ الزبرقان زوّج اخته خليدة هزالا من بني جشم بن عوف بعد أن قتل الهزال جارا للزبرقان،فقال المخبل:
و أنكحت هزالا خليدة بعد ما زعمت لعمر اللّه أنّك قاتله
فأنكحته رهوا كأن عجانها مشيق أهاب أوسع السلح ناجله
يلاعبها فوق الفراش و جاركم بذي شبرمان تزال مفاصله
و الرهو:الواسع (1)
الكنايات للجرجاني:83-84.
.و في(تذكرة سبط بن الجوزي)قال الزهري:خرج علي بن الحسين عليه السلام يوما من المسجد فتبعه رجل فسبّه،فلحقته العبيد و الموالي فهمّوا بالرجل فقال:دعوه.ثم قال له:ما ستر اللّه عنك من أمرنا أكثر،ألك حاجة نعينك عليها؟فاستحيى الرجل،فألقى عليه السلام عليه خميصة كانت عليه و أعطاه ألف درهم،فكان الرجل بعد ذلك إذا رآه يقول:أشهد أنّك من أولاد الرسول (2).
و قال ابن سعد:كان هشام بن اسماعيل المخزومي و الى المدينة،و كان يؤذي علي بن الحسين عليه السلام و يشتم عليّا على المنبر و ينال منه،فلما ولي الوليد عزله و أمر به ان يوقف للناس،فقال هشام«و اللّه ما أخاف إلاّ من علي بن الحسين إنّه رجل صالح يسمع قوله»فأوصى علي بن الحسين عليه السلام أصحابه و مواليه و خاصّته ألا يتعرّضوا له،ثم مرّ علي عليه السلام في حاجته عليه.فما عرض له.فناداه هشام-و هو واقف للناس-اللّه أعلم حيث يجعل رسالته (3).
الحكمة(178)
و قال عليه السلام:
احْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ أقول:قال ابن أبي الحديد هذا يفسر على وجهين:أحدهما يعني«لا تضمر لأخيك سوءا فإنّك إلاّ تضمر ذاك لا يضمر هو لك سوءا لأنّ القلوب يشعر بعضها ببعض»و الثاني يعني«لا تعظ الناس و لا تنههم عن منكر إلاّ و أنت مقلع عنه فإنّ الواعظ الذي ليس يزكى لا ينجع وعظه و لا يؤثر نهيه» (1)
شرح ابن أبي الحديد 18:411. [1]
.قلت:المعنى الثاني الذي قاله بمراحل عن المقام،و أما الأوّل و إن كان قريبا إلاّ أنّه قاصر عن أداء المراد،فمجرد عدم إضمار الشّرّ لغيرك لا يكفي في قلعه من صدر غيرك إذا كان مضمرا لشرّ لك،بل بإظهار آثاره له.
و مما يناسبه ما في(الأغاني):حضر حمّاد عجرد و مطيع بن أياس مجلس محمد بن خالد أمير الكوفة،فتمازحا فقال حمّاد:
يا مطيع يا مطيع أنت إنسان رفيع
و عن الخير بطيء و إلى الشرّ سريع
فقال مطيع:
إن حمّادا لئيم الأصل عديم
لا ترى الدهر إلا بهن العير يهيم
فقال حمّاد:و يلك أ ترميني بدائك و اللّه لو لا كراهتي لتمادي الشرّ و لجاج الهجاء لقلت لك قولا يبقى و لكن لا افسد مودّتك و لا اكافئك إلاّ بالمديح.فقال:
كلّ شيء لي فداء لمطيع بن أياس
1) 1)
الحكمة(314)
و قال عليه السلام:
رُدُّوا الْحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ- فَإِنَّ الشَّرَّ لاَ يَدْفَعُهُ إِلاَّ الشَّرُّ أقول:أمّا قوله عليه السلام «ردوا الحجر من حيث جاء» فذكره الكرماني في (أمثاله) (2)و قال:«يعني لا تقبل الضيم و ارم من رماك»إلاّ أنّ كونه مثلا لغيره عليه السلام غير معلوم أوّلا،و إنّما المثل قولهم«رمى فلان بحجره»ذكره العسكري في(أمثاله) (3)و قال:أي رمى بقرنه.
قال الأحنف لعلي عليه السلام-حين بعث معاوية عمرا حكما-:إنّك قد رميت بحجر الأرض و من كاد الإسلام و أهله عصرا و هو سن قريش و داهية العرب و قد رضيت بأبي موسى و هو رجل يمان و ما تدرى نصيحته ضم به رجلا من قريش و اجعلني ثانيا فليس صاحب عمرو إلاّ من دنا حتى يظنّ أنّه قد بالغه و هو منه بمنزلة النجم.فقال عليه السلام:و اللّه ما أردت التحكيم و لا رضيت به و قد أبى الناس إلاّ أبا موسى و غلبوني (4).
و كون معناه ما ذكره غير معلوم ثانيا،بل الظاهر أنّ المعنى«ادفع الشر بشر من جنسه».
و في(تاريخ بغداد)في محمد بن جعفر الادمي العماري عن ابن الاكفاني قال:قال أبي:حججت في بعض السنين و حجّ في تلك السنة البغوي و الادمي القاري فلما صرنا بالمدينة جاءني البغوي فقال:ههنا رجل ضرير قد جمع حلقة في مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قعد يقصّ و يروى الأخبار المفتعلة،فإن رأيت أن نمضي إليه لننكر عليه و نمنعه.فقلت له:أنّ كلامنا لا يؤثر مع هذا الجمع الكثير و لسنا ببغداد فيعرف موضعنا،و لكن ههنا أمر آخر و هو الصواب.و أقبلت على الادمي و كان أحسن الناس صوتا بالقرآن و أجهرهم بالقراءة فما هو إلاّ ان ابتدأ بالقراءة حتى انفلت الحلقة و انفصلوا عنه و أحاطوا بنا يسمعون قراءة الادمي و تركوا الضرير وحده،فسمعته يقول لقائدة:خذ بيدي فهكذا تزول النعم (1)
تاريخ بغداد 2:147. [1]
.هذا،و من لطائف الصاحب أنّ ابن فارس لما أرسل إليه من همدان كتابه المترجم بالحجر قال: «ردوا الحجر من حيث جاء» .
و أمّا قوله عليه السلام: «فإنّ الشر لا يدفعه إلاّ الشّرّ» فالمراد به واضح،و يوضح المراد من الأول و نذكر له أمثلة.
الأول:في(كامل الجزري):كان الحسن بن مخلد،و موسى بن عبد الملك قد انقطعا إلى عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان-وزير المتوكل-و كان الحسن على ديوان الضياع و موسى على ديوان الخراج،فكتب نجاح بن سلمة الكاتب رقعة إلى المتوكلّ أنّهما خانا و أنّه يستخرج منهما أربعين ألف ألف، فقال له المتوكل:بكّر عليّ غدا حتى أدفعهما إليك.فغدا و قد رتب أصحابه لأخذهما،فلقيه عبيد اللّه و قال له:أنا أشير عليك بمصالحتهما و تكتب رقعة أنّك كنت شاربا و تكلّمت ناسيا و أنا أصلح بينكما و أصلح الحال عند المتوكل.و لم
1) 1)
يزل يخدعه حتى كتب خطّه بذلك،فصرفه و أحضر الحسن و موسى و عرفهما الحال و أمرهما أن يكتبا في نجاح و أصحابه بألفي ألف دينار،ففعلا فأخذ عبيد اللّه الرقعتين و أدخلهما على المتوكل و قال:قد رجع نجاح عمّا قال و هذه رقعة موسى و الحسن يتقبلان بما كتبا،فخذ ما ضمنا عليه ثم تعطف عليهما فتأخذ منهما قريبا منه.فأمر المتوكل بدفع نجاح إلى موسى و الحسن،فأخذاه و أولاده فأقروا بنحو مائة و أربعين ألف دينار سوى الغلاّت و الغرس و الضياع،فقبض ذلك أجمع و ضرب ثم عصرت خصيتاه حتى مات (1)
الكامل 7:88-89. [1]
.الثاني:فيه أيضا:بعث عثمان ابن الزبير لمدد عبد اللّه بن أبي سرح،فلما دخل العسكر لم ير في القتال ابن أبي سرح فقيل إنّه سمع منادي جرجير -خصمه-يقول«من قتل عبد اللّه فله مائة ألف دينار و ازوّجه ابنتي»فيخاف الحضور،فذهب ابن الزبير عنده و قال له:تأمر مناديا ينادي«من أتاني برأس جرجير نفلته ماله و زوّجته ابنته و استعملته على بلاده».ففعل ذلك و صار جرجير يخاف أشدّ من ابن أبي سرح (2).
الثالث:في(وزراء الجهشياري):شخص عمر بن هبيرة إلى هشام بن عبد الملك،فتكلّم بكلام استحسنه هشام،فأقبل على سعيد بن الوليد الكلبي و قال:ما مات من خلف مثل هذا.فقال له سعيد:ليس هناك أما تراه يرشح جبينه يضيق صدره.فقال ابن هبيرة:ما لذلك رشحت يا سعيد و لكن لجلوسك و لست بأهلي (3).
الرابع:أيضا:كان سعيد الكلبي يحبّ أن يفسد حال ابن هبيرة عند
هشام و كان يسير إذا ركب هشام بالبعد منه-و كان هشام معجبا بالخيل- فاتخذ سعيد عدّة خيل جياد و أضمرها و أمر المجرين لها أن يعارضوا هشاما إذا ركب،فان سألهم قالوا:إنّها لابن هبيرة فركب هشام يوما فعورض بالخيل فنظر إلى قطعة من الخيل حسنة فقال:لمن هذه؟فقالوا:لابن هبيرة.
فاستشاط غضبا و قال:و اعجباه اختان ما اختان ثم هو يباريني في الخيل، عليّ به.فدعي به من جانب الموكب،فجاء مسرعا فقال:ما هذه و لمن هي؟ و رأى الغضب في وجهه،فعلم أنّه قد كيد فقال:خيل لك علمت عجبك بها و انا عالم بجيادها فاخترتها و طلبتها من مظانّها فمر بقبضها.فأمر بقبضها،و كان ذلك سبب إقباله عليه و لم يتهيأ لسعيد أن يتكلّم و إنّما ظنّ أنّ هشاما يغضب و لا يسأل فتتم الحيلة على صاحبه فانعكست الحيلة عليه حيلة له (1)
الوزراء و الكتاب للجهشياري:29. [1]
.الخامس:في(المروج):ذكر رجل من الكتّاب أنّ إسحاق بن ابراهيم -أخا زيد بن ابراهيم-حدّثه أنّه كان يتقلّد الصيمرة و السيروان و أنّ إبراهيم بن العباس اجتاز به يريد خراسان و المأمون بها و قد بايع بالعهد لعلي بن موسى الرضا عليه السلام و قد امتدحه بشعر يذكر فيه فضل آل علي عليهم السلام و أنّهم أحقّ بالخلافة من غيرهم،فاستحسنت القصيدة و سألته أن ينسخها لي ففعل و وهبت له ألف درهم و حملته على دابة،و ضرب الدهر من ضربه إلى أن ولّي ابراهيم ديوان الضياع مكان موسى بن عبد الملك-و كنت أحد عمّال موسى- و كان يحب أن يكشف أسباب موسى،فعزلني و أمرني أن تعمل مؤامرة فعملت و كثر عليّ فيها فحضرت للمناظرة عنها فجعلت أحتجّ بما لا يدفع فلا يقبله و يحكم لي الكتاب فلا يلتفت إلى حكمهم و يسمعني في خلال ذلك بدعا من الكلام،إلى أن أوجب عليّ الكتّاب اليمين على باب من الأبواب فحلفت عليه
1) 1)
فقال:ليست يمين السلطان عندك يمينا لأنّك رافضي.فقلت له:تأذن في الدنو منك.فاذن لي،فقلت:ليس مع تعريضك بمهجتي للقتل صبر و هاهو المتوكل ان كتبت إليه بما أسمع منك لم آمنه على نفسي،و قد احتملت كلّ ما جرى سوى الرفض،و الرافضي من زعم أنّ عليّا عليه السلام أفضل من العباس و أنّ ولده عليهم السلام أحقّ بالخلافة من ولد العباس.قال:و من ذلك؟قلت:أنت و خطك عندي به.و أخبرته بالشعر.فو اللّه ما هو إلاّ أن قلت ذلك له حتى سقط في يده، ثم قال:أحضر الدفتر الذي بخطي.فقلت له:هيهات،لا و اللّه أو توثق لي بما أسكن إليه أنّك،لا تطالبني بشيء ممّا جرى على يدي و تخرق هذه المؤامرة و لا تنظر لي في حساب.فحلف لي على ذلك،و خرق العمل المعمول و أحضرته الدفتر فوضعه في خفّه و انصرفت و قد زالت عني المطالبة (1)
المروج 4:23. [1]
.السادس:في(تاريخ بغداد):لمّا عزل شريك عن القضاء تعلّق به رجل ببغداد فقال:لي عليك ثلاثمائة درهم فأعطنيها.قال:و من أنا؟قال:شريك القاضي.قال:و من أين هي لك؟قال:ثمن هذا البغل الذي تحتك.قال:نعم تعال.
فجاء يمشي معه حتى بلغ الجسر.قال:من ههنا.فقام إليه الشرط فقال:خذوا هذا فاحبسوه لئن اطلقتموه لأخبرنّ أبا العباس.فقالوا:إنّ هذا الرجل يتعلّق بالقاضي إذا عزل فيدعي عليه فيفتدى منه،و قد تعلّق بسلمة الأحمر حين عزل عن واسط فأخذ منه أربعمائة درهم فقال:هكذا.قالوا:نعم فكلّم فيه،فأبى أن يطلقه.فقال له أبو العباس:إلى كم تحبس هذا الرجل؟قال:حتى يرد على سلمة الأحمر أربعمائة درهم.فردّ على سلمة أربعمائة،فجاء سلمة إلى شريك فشكر له فقال له:يا ضعيف كلّ من سألك مالك أعطيته إيّاه (2).
السابع:في(نسب قريش مصعب الزبيري):كان عبد الملك غضب غضبة فكتب إلى هشام بن اسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة عامله على المدينة و أبو أمّ ابنه هشام أن أقم آل علي يشتمونه و آل ابن الزبير يشتمون ابن الزبير.فأبى الجميع و كتبوا وصاياهم فركبت أخت له إليه و قالت:فان كان لابد من أمر فمر آل علي يشتمون آل الزبير و مر آل الزبير يشتمون آل علي.قال:هذه أفعلها.فاستبشر الناس بذلك-إلى أن قال بعد إباء الحسن بن الحسن لشتم آل الزبير و قبول أبي هاشم بن محمد بن الحنفية لذلك و عدم حضور عامر بن عبد اللّه بن الزبير لذلك حتى قيل لهشام إنّه لا يفعل أ تقتله؟و قال عامر:إنّ بني أمية يغرون بشتم علي و ما يريد اللّه بذلك إلاّ رفعته، فإن اللّه لم يرفع شيئا فاستطاع أحد خفضه.فقدم ثابت بن عبد اللّه بن الزبير- و كان غائبا و هو ابن خالة الحسن بن الحسن-على هشام و قال له:كنت غائبا فاجمع لي الناس آخذ بنصيبي.فقال له هشام:و ما تريد فلود من حضر أنّه لم يحضر.قال:لتفعلن أو لأكتبن إلى عبد الملك،فجمع له الناس فقام فقال: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ» (1)
المائدة:78-79. [1]
-إلى أن قال-لعن اللّه الأشدق لطيم الشيطان المتمني ما ليس له هو أقصر ذراعا و أضيق باعا،ألا لعن اللّه الأحول الأثعل المترادف الأسنان المتوثب في الفتنة و ثوب الحمار المقيد محمد بن أبي حذيفة رامي أمير المؤمنين برءوس الافانين،ألا لعن اللّه عبيد اللّه الأعور بن عبد الرحمن بن سمرة شرّ العصاة اسما و ألأمها مرعا و أقصرها فرعا لعنه اللّه و لعن التي تحته-يعرض بأمّ هشام بن اسماعيل و كان عبيد اللّه خلف عليها بعد اسماعيل1) 1)
-فلما بلغ ثابت هذا القول أمر به هشام إلى الحبس و قال:ما أراك تشتم إلاّ رحم.
الخليفة.فقال له ثابت:إنّهم عصاة مخالفون فدعني حتى أشفي الخليفة منهم، فلم يزل ثابت في السجن حتى بلغ خبره عبد الملك فكتب أن اطلقوه فإنّه إنّما شتم أهل الخلاف (1)
نسب قريش:47-49 [1] بتصرف.
.قلت:إنّ ثابتا لعن محمد بن أبي حذيفة لكونه من بني عبد شمس، و مراده بوثوبه في الفتنة إنكاره على عثمان بدعه و إعلانه شنائعه،كان من الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر حقّا حتى قتلوه على ذلك فكان ثابت أولى باللعن منه.
الحكمة(159)
و قال عليه السلام:
مَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مَوَاضِعَ التُّهَمَةِ- فَلاَ يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ أقول:رواه( الكافي الكليني-الكافي-ج 8 ص 52 ح 137 )عن السكوني عن الصادق عليه السلام عنه عليه السلام (2)،و رواه أمالي الشيخ الصدوق-الأمالي-ص 182 الصدوق (3)عن أبي الجارود عن أبي جعفر عن أبيه عنه عليهم السلام،و روى ( الاختصاص الشيخ المفيد-الاختصاص-ص 226 )عن أبي الجارود قال:قال أمير المؤمنين عليه السلام:«من أوقف نفسه موقف التهمة فلا يلو من من أساء به الظنّ،و من كتم سرّه كانت الخيرة بيده» (4).
و روى( أمالي ابن الشيخ الطوسي-الأمالي- ابن الشيخ)عن العقيلي أنّه عليه السلام قال لابنه الحسن «و إيّاك و مواطن التهمة و المجلس المظنون به السوء،فإنّ قرين السوء
يغرّ جليسه» (1)
الأمالي [1]الشيخ المفيد-الأمالي-ص 335 للمفيد:335.
.و في(المستطرفات)عن جامع البزنطي عن الصادق عليه السلام:اتقوا مواقف الريبة،و لا يقفن أحدكم مع أمه في الطريق فإنّه ليس كلّ أحد يعرفها (2).
و قال ابن أبي الحديد:رأى بعض الصحابة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله واقفا في درب من دروب المدينة و معه امرأة فسلّم عليه فرد عليه،فلما جاوزه ناداه فقال:هذه زوجتي فلانة.فقال:أو فيك يظن؟فقال:إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (3).
قلت:إنّما روى(سنن أبي داود)في باب(المعتكف يدخل البيت)عن صفية أتيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أزوره ليلا-و كان معتكفا-فحدّثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أسرعا فقال:
على رسلكما إنّها صفية بنت حي.قالا:سبحان اللّه يا رسول اللّه.قال:إنّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا (4).
الحكمة(401)
و قال عليه السلام:
مُقَارَبَةُ النَّاسِ فِي أَخْلاَقِهِمْ أَمْنٌ مِنْ غَوَائِلِهِمْ أقول:و عنه عليه السلام:إنّ أحسن ما يألف به الناس قلوب أودّائهم و نفوا به الضغن عن قلوب أعدائهم،حسن البشر عند لقائهم و التفقد عنهم في غيبتهم
و البشاشة عند حضورهم (1)
بحار الأنوار 78:57 ح 124 الباب(16). [1]
.قلت:و كأن«و البشاشة...»كان نسخة بدلية من«حسن البشر...»مع التقديم و التأخير.
و في(المعجم):كان الواثق يجري على المازني كلّ شهر مائة دينار لأنّه أجاب في قوله تعالى «وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا» (2)لم لم يقل«بغيّة»جوابا صحيحا.قال المازني:و لما مات الواثق ذكرت للمتوكل فأشخصني فلما دخلت إليه رأيت من العدّة و السلاح و الأتراك ما راعني و الفتح بن خاقان بين يديه،و خشيت إن سئلت عن مسألة ألا أجيب فيها،فلما مثلت بين يديه و سلّمت قلت:أقول كما قال الاعرابي:
لا تقولوها و أدلوها دلوا إنّ مع اليوم أخاه غدوا
فلم يفهم عني ما أردت و استبردت فأخرجت-و القلو رفع السير و الدلو إدناؤه-ثم دعاني بعد ذلك فقال:انشدني أحسن مرثية قالت العرب.فأنشدته قول أبي ذؤيب«أمن المنون و ريبها تتوجّع»و قصيدة متمم«لعمري و ما دهري بتأبين هالك»و قول كعب الغنوي«تقول سليمى ما لجسمك شاحبا» و قصيدة محمد بن مناذر«كل حيّ لاقى الحمام يودى»فكان كلّما أنشدته قصيدة يقول ليست بشيء.ثم قال:من شاعركم اليوم بالبصرة؟قلت:عبد الصمد بن المعذل.قال:فأنشدني له.فأنشدته أبياتا قالها في قاضينا ابن رباح:
أيا قاضية البصرة قومي فارقصي قطرة
و مري بروشنك فما ذا البرد و الفترة
اراك قد تثيرين عجاج القصف يا حرّة
بتجذيفك خديك و تجعيدك للطرة
فاستحسنها و استطار لها و أمر لي بجائزة،فجعلت أتعمل له أن احفظ أمثالها فأنشده إذا وصلت إليه فيقبلني (1)
المعجم 7:120.
.و في(تاريخ بغداد):شهد أبو دلامة عند ابن أبي ليلى لامرأة على حمار هو و رجل آخر من أصحاب القاضي،فعدل الرجل و لم يعدل أبا دلامة و قال للمرأة زيديني شاهدا،فأتت أبا دلامة فأخبرته،فأتى ابن أبي ليلى فأنشده:
إن الناس غطوني تغطيت عنهم و إن بحثوا عني ففيهم مباحث
و إن حفروا بئري حفرت بئارهم ليعلم قومي كيف تلك النبائث
فقال ابن أبي ليلى:أجزنا شهادتك يا أبا دلامة.و بعث إلى المرأة و قال لها:كم ثمن حمارك؟قالت:أربعمائة.فأعطاه أربعمائة (2).
و أيضا:قدم مؤمل بن إهاب الرملة فاجتمع عليه أصحاب الحديث- و كان ذعرا ممتنعا-فألحّوا عليه فامتنع أن يحدّثهم،فمضوا بأجمعهم و ألفّوا منهم فئتين فتقدّموا إلى السلطان فقالوا له:إنّ لنا عبدا خلاسيا له علينا حق صحبة و تربية و قد كان أدّبنا و أحسن لنا التأدّب و آلت بنا الحال إلى الإضافة بحمل المجرة و طلب الحديث،و إنا أردنا بيعه فامتنع علينا.فقال لهم السلطان:
و كيف أعلم صحّة ما ذكرتم؟قالوا:إنّ معنا بالباب جماعة من حملة الآثار و طلاّب العلوم و ثقات الناس يكتفي بالنظر إليهم دون المسألة عنهم و هم يعلمون ذلك،فتأذن بوصولهم إليك لتسمع منهم.فأدخلهم السلطان و سمع مقالتهم و وجّه خلف(مؤمل)بالشرط و الأعوان يدعونه إلى السلطان،فتعذّر فجذبوه و جرروه و قالوا:أخبرنا أنّك قد استطعمت الإباق.فصار معهم إلى
السلطان،فلما دخل عليه قال له:ما يكفيك ما أنت فيه من الاباق حتى تتعزز على سلطانك؟امضوا به إلى الحبس.فحبس،و كان مؤمل من هيئته أنّه أصفر طوال خفيف اللحية يشبه عبيد أهل الحجاز،فلم يزل في حبسه أيّاما حتى علم بذلك جماعة من اخوانه فصاروا إلى السلطان و قالوا:هذا في حبسك مظلوم.
فقال لهم:و من ظلمه؟قالوا:أنت قال:ما أعرف من هذا شيئا.قالوا:الشيخ الذي اجتمع عليه جماعة.فقال:ذاك العبد الآبق.فقالوا:ما هو بآبق بل هو إمام من أئمة المسلمين في الحديث.فأمر بإخراجه و سأله عن حاله فأخبره كما أخبره الذين جاءوا يذكرون له حاله،فصرفه و سأله أن يحلّه،فلم ير مؤمل بعد ذلك ممتنعا امتناعه الأول (1)
تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13:182. [1]
.أيضا:قدم شريك القاضي البصرة فأبى أن يحدّثهم،فاتبعوه حين خرج و جعلوا يرمونه بالحجارة.
في(الجهشياري):كان يحيى البرمكي إذا رأى من الرشيد شيئا ينكره لم يستقبله بالإنكار و ضرب له الأمثال و حكى له عن الملوك و الخلفاء ما يوجب مفارقة ما أنكره و يقول«في النهي إغراء و هو من الخلفاء أحرى،فإنّك و إن لم تقصد إغراءه إذا نهيته أغريته» (2).
و في(المروج):إنّ الأمين لما حلف للرشيد بما حلف له به-أي فيما عهد إليه أبوه في أخيه-و أراد الخروج من الكعبة ردّه جعفر البرمكي و قال له:فان غدرت بأخيك خذلك اللّه-حتى فعل ذلك ثلاثا-فاضطغنت بذلك أم الأمين على جعفر،فكانت أحد من حرّض الرّشيد عليه و على ما نزل به.
و من لا يصانع في امور كثيرة يضرس بأنياب و يوطأ بمنسم
(1)و في(بيان الجاحظ):قال الشاعر:
تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم و لا تلقهم بالعقل إن كنت ذا عقل
فإنّي رأيت المرء يشقى بعقله كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل
(2)و قال آخر: و أنزلني طول النوى دار غربة إذا شئت لا قيت امرأ لا أشاكله
فحامقته حتى يقال سجيّة و لو كان ذا عقل لكنت اعاقله
(3)و أنشدني آخر: و للدهر أيام فكن في لباسه كلبسته يوما أجدّ و أخلقا
و كن أكيس الناس إذا كنت فيهم و إن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا
(4)و قال شاعر: إن تلقك الغربة في معشر قد أجمعوا فيك على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم و أرضهم ما دمت في أرضهم
و قال حمد الخطابي:
ما دمت حيّا فدار الناس كلهم فانّما أنت في دار المداراة
إنّ من يدر دارى و من لم يدر سوف يرى عمّا قليل نديما للندامات
الحكمة(362)
و قال عليه السلام:
مَنْ ضَنَّ بِعِرْضِهِ فَلْيَدَعِ الْمِرَاءَ أقول:في(الكافي):عن الصادق عليه السلام:قال جبرئيل للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إيّاك و ملاحاة الرجال (2).
و عن أمير المؤمنين عليه السلام:إيّاكم و المراء و الخصومة،فانّهما يمرضان القلوب على الاخوان و ينبت عليها النفاق (3).
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:ثلاث من لقى اللّه تعالى بهنّ دخل الجنّة من أي باب شاء:من حسن خلقه،و خشى اللّه في المغيب و المحضر،و ترك المراء و إن كان محقّا (4).
هذا،و في(كتاب سيبويه):«إيّاك الأسد»لا يجوز بدون واو بينهما.و عن ابن أبي إسحاق جوازه في الشعر لقوله:
إيّاك إياك المراء فإنّه إلى الشرّ دعّاء و للشّرّ جالب
الحكمة(11)
قال عليه السلام:
أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الْإِخْوَانِ- وَ أَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ «أعجز الناس من عجز عن اكتساب الاخوان» نظيره ما في(العلل)،قال الأصبغ:كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا أراد أن يوبّخ الرجل يقول له:«و اللّه لأنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة،فإنّه لا يزال في همّ إلى الجمعة الاخرى» (1)
العلل:285 ح 2. [1]
.و كذا ما عنه عليه السلام:أسوأ الناس حالا من لم يثق بأحد لسوء ظنّه و لم يثق به أحد لسوء فعله (2).
و في(الظرائف و اللطائف):
تكثّر من الاخوان ما استطعت انّهم عماد اذا ما استنجدتهم و ظهير
و ما يكثر ألف خل و صاحب و ان عدوا واحدا لكثير
(1)الصديق عمدة الصديق و عدّته،و نصرته و عقدته،و ربيعه و زهرته، و مشتريه و زهرته،و لقاء الصديق روح الحياة،و فراقه اسم الممات،و الحاجة إلى الأخ المعين كالحاجة إلى الماء المعين (2).
و قال ابن أبي الحديد قال الشاعر:
أخاك أخاك إنّ من لا أخا له كساع إلى الهيجا بغير سلاح
و إنّ ابن عم المرء-فاعلم-جناحه و هل ينهض البازي بغير جناح
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة و لكن اخوان الصفاء الذخائر
(3)و كان أيوب السختياني اذا بلغه موت أخ له يقول:كأنّما سقط عضو منّي. و قال جعفر بن محمد عليهما السلام:لكلّ شيء حلية و حلية الرجل أودّاؤه (4).
و في الخبر:لما قتل بمؤتة جعفر بكى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قال:المرء كثير بأخيه (5).
«و أعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم» نظيره ما في(تاريخ بغداد) ان شعيب بن حرب أراد أن يتزوج بامرأة فقال لها:اني سيّىء الخلق.
قالت:و أسوأ خلقا منك من أحوجك إلى أن تكون سيّىء الخلق.فقال:أنت
الحكمة(239)
و قال عليه السلام:
مَنْ أَطَاعَ التَّوَانِيَ ضَيَّعَ الْحُقُوقَ- وَ مَنْ أَطَاعَ الْوَاشِيَ ضَيَّعَ الصَّدِيقَ «مَنْ أَطَاعَ التَّوَانِيَ ضَيَّعَ الْحُقُوقَ» أبو المعافي:
ان التواني أنكح العجز بنته و ساق إليها حين زوّجها مهرا
فراشا و طيئا ثم قال لها اتّكي فقصر كما عندي لأن تلدا الفقرا
(2)قيل-لمّا قتل الصغد سعيد بن عثمان و كان عبد الرحمن بن ارطان بن سيحان معه في الدار فلم ينصره: ان المؤاكل لم تصدق مودته و فرعنه ابن ارطاة بن سيحانا
و قال البحتري في اسماعيل بن شهاب:
ازرى به من غدره بصديقه و عقوقه لأخيه ما ازرى به
في كلّ يوم وقفة بفنائه تخزي الشريف وردة عن بابه
اسمع لغضبان تثبت ساعة فبداك قبل هجائه بعتابه
اللّه يسهر في مديحك ليله متململا و تنام دون ثوابه
يقظان ينتخب الكلام كأنّه جيش لديه يريد أن يلقى به
فأتى به كالسيف رقرق صيقل ما بين قائم سنخه و ذبابه
و حجبته حتى توهّم انّه هاج اتاك بشتمه و سبابه
و اذا الفتى صحب التباعد و اكتسى كبرا عليّ فلست من أصحابه
(1)«و من أطاع الواشي ضيّع الحقوق»في(الأغاني):كان الحرث بن مارية الغساني-ملك الشام-مكرّما لزهير بن جناب الكلبي ينادمه و يحادثه،فقدم على الملك رجلان من بني نهد بن زيد يقال لهما سهل و حزن ابنا رزاح و كان عندهما حديث من أحاديث العرب،فاجتباهما الملك و نزلا بالمكان الأثير منه فحسدهما زهير فقال:أيّها الملك و اللّه هما عين لذي القرنين-يعني المنذر الأكبر-عليك و هما يكتبان إليه بعورتك و خلل ما يريان منك.قال:كلا.فلم يزل به زهير حتى أوغر صدره،و كان اذا ركب يبعث إليهما ببعيرين يركبان معه فبعث إليهما بناقة واحدة فعرفا الشّرّ،فلم يركب أحدهما و توقف فقال له الآخر:
فإلاّ تجللها يعالوك فوقها و كيف توقى ظهر ما أنت راكبه
فركبها مع أخيه،و مضى بهما فقتلا ثم بحث عن أمرهما فوجده باطلا، فطرد زهيرا و شتمه (2).
الحكمة(38)
و قال عليه السلام لابنه الحسن:
يَا بُنَيَّ احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً وَ أَرْبَعاً- لاَ يَضُرُّكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ- أَغْنَى الْغِنَى الْعَقْلُ وَ أَكْبَرَ الْفَقْرِ الْحُمْقُ- وَ أَوْحَشَ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ وَ أَكْرَمَ الْحَسَبِ حُسْنُ الْخُلُقِ- يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَ مُصَادَقَةَ الْأَحْمَقِ- فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ- وَ إِيَّاكَ وَ مُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ- فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ-
وَ إِيَّاكَ وَ مُصَادَقَةَ الْفَاجِرِ فَإِنَّهُ يَبِيعُكَ بِالتَّافِهِ- وَ إِيَّاكَ وَ مُصَادَقَةَ الْكَذَّابِ- فَإِنَّهُ كَالسَّرَابِ يُقَرِّبُ عَلَيْكَ الْبَعِيدَ وَ يُبَعِّدُ عَلَيْكَ الْقَرِيبَ قول المصنّف : «و قال عليه السلام لابنه الحسن» و في(الكافي): (1)
الكافي 2:376 ح 7. [1]
إنّ السجاد عليه السلام وصّى ابنه الباقر عليه السلام بهذه الأربعة الأخيرة،و زاد:و إيّاك و مصاحبة القاطع لرحمه،فإنّي وجدته ملعونا في كتاب اللّه في ثلاثة مواضع، قال عز و جل: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ» (2)، «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّارِ» (3)، «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» (4).قوله عليه السلام: «احفظ عني أربعا و أربعا» لم يقل عليه السلام ثمانيا لأنّ الكلّ ليست من واد واحد بل أربع منها من واد و أربع من واد.
«لا يضرّك ما عملت معهن» هو دليل على أهمية تلك الأربع.و تلك الأربع:
«أغنى الغنى العقل» روى(الكافي)عن الباقر عليه السلام:لما خلق اللّه تعالى العقل استنطقه ثم قال له:أقبل.فأقبل،ثم قال له:أدبر.فأدبر،ثم قال:و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا هو أحبّ إليّ منك و لا أكملتك إلاّ فيمن أحب،أما إنّي إيّاك آمر و إيّاك أنهى و إيّاك اعاقب و إيّاك اثيب (5).
«و أكبر الفقر الحمق» روى(الكافي)عن الصادق عليه السلام:إنّ الثواب على قدر العقل،ان رجلا من بني إسرائيل كان يعبد اللّه في جزيرة من جزائر البحر خضراء نضرة كثيرة الشجر ظاهرة المياه،و ان ملكا من الملائكة مر به فقال:
يا ربّ أرني ثواب عبدك هذا.فأراه اللّه فاستقلّه،فأوحى إليه ان اصحبه فأتاه في صورة انسي فقال له:من أنت؟رجل عابد بلغني مكانك و عبادتك في هذا المكان فأتيتك لأعبد اللّه معك،فكان معه يومه ذلك.فلما أصبح قال له:ان مكانك لنزه و ما يصلح إلاّ للعبادة.فقال العابد:ان لمكاننا هذا عيبا.قال:
و ما هو؟قال:ليس لربّنا بهيمة،فلو كان له حمار لرعيناه في هذا الموضع فان هذا الحشيش يضيع.فأوحى تعالى إلى الملك:انّما اثيبه على قدر عقله (1)
الكافي 1:11 ح 8. [1]
.و عن(مناقب ابن الجوزي):قال أمير المؤمنين عليه السلام:لا يزال العقل و الحمق يتغالبان على الرجل إلى ثمانية عشر سنة،فاذا بلغها غلب عليه أكثرهما فيه (2).
و في(عيون القتيبي):قال أعرابي:لو صوّر الحمق لأضاء معه الليل- يعني تكون ظلمة الليل بالنسبة إليه مضيئة (3).
و في كتاب(كليلة و دمنة):الأدب يذهب عن العاقل السكر و يزيد الأحمق سكرا،كما أن النهار يزيد كلّ ذي بصر بصرا و يزيد الخفافيش سوء بصر (4).
1) 1)
2) 2) ذكره المجلسي في بحار الأنوار 1:96 ح 29، [2]أما كتاب مناقب الامام علي لابن الجوزي فهو غير موجود،و يبدو أنه كان موجودا في عهد المجلسي حيث ذكر في 78:640:أقول وجدت في مناقب ابن الجوزي مفصلا في كلام أمير المؤمنين عليه السلام و أحببت إيراده.
3) 3) عيون الأخبار لابن قتيبة 3:280. [3]
4) 4) نقلها في كليلة و دمنة و رفعه ابن قتيبة في عيون الأخبار 3:281،و [4]يبدو أن العلاّمة التستري نقلها من عيون الاخبار. [5]
و في(مجالس الشيخ)مسندا عن الباقر عليه السلام قال:أردت سفرا فأوصى اليّ أبي فقال:و إيّاك أن تصاحب الأحمق أو تخالطه،ان الأحمق هجنة،غائبا كان أو حاضرا،ان تكلّم فضحه حمقه و ان سكت قصر به عيه،و ان عمل أفسد، و ان استرعى أضاع،لا علمه من نفسه يغنيه و لا علم غيره ينفعه،لا يطيع ناصحه و لا يستريح مقارنه،تودّ امّه انّها ثكلته و امرأته انّها فقدته،و يودّ جاره بعد داره،و جليسه الوحدة من مجالسته،ان كان أصغر من في المجلس أعيى من فوقه و ان كان أكبرهم أفسد من دونه (1)
المجالس للشيخ 2:226.
.هذا،و قالوا:أرسل عجل بن لجيم فرسا له في حلبة فجاء سابقا،فقيل له سمّه يعرف به،فقام ففقأ عينه و قال:قد سمّيته أعور،فقال شاعر:
رمتني بنو عجل بداء أبيهم و أيّ عباد اللّه أنوك من عجل
أليس أبوهم عار عين جواده فأضحت به الأمثال تضرب بالجهل
(2)و قالوا:قال أبو كعب القاص في قصصه:إنّ النبيّ قال:في كبد حمزة ما علمتم فادعوا اللّه أن يطعمنا من كبد حمزة.و قال مرّة في قصصه:اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا و كذا.فقيل له:ان يوسف لم يأكله الذئب.فقال:فهذا اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف (3). و قالوا:خرج الخليفة يوم عيد إلى المصلّي و الطبول تضرب بين يديه و الأعلام تخفق على رأسه،فقال رجل:اللّهم لا طبل إلاّ طبلك.فقيل له:لا تقل
هكذا فليس للّه طبل.فبكى و قال:أرأيتم يجيء هو وحده لا يضرب بين يديه طبل و لا ينصب على رأسه علم،فإذن هو دون الأمير.
«و أوحش الوحشة العجب» روى(الكافي)عن الصادق عليه السلام:ان عيسى عليه السلام كان من شرائعه السيح في البلاد،فخرج في بعض سيحه و معه رجل من أصحابه قصير و كان كثير اللزوم لعيسى،فلما انتهى عيسى عليه السلام إلى البحر قال: «بسم اللّه» بصحّة يقين منه،فمشى على ظهر الماء.فقال الرجل القصير-حين نظر إلى عيسى عليه السلام جازه- «بسم اللّه» بصحّة يقين منه،فمشى على ظهر الماء و لحق بعيسى،فدخله العجب بنفسه فقال:هذا عيسى روح اللّه يمشي على الماء و أنا أمشي على الماء،فما فضله عليّ.فرمس في الماء فاستغاث بعيسى عليه السلام فتناوله فأخرجه ثم قال له:ما قلت يا قصير؟قال:قلت كذا و دخلني عجب.فقال عليه السلام له:لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك اللّه فيه فمقتك فتب إلى اللّه تعالى (1)
الكافي 6:306 ح 3. [1]
.«و أكرم الحسب حسن الخلق» روى(الكافي)أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لبني عبد المطلب:إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فالقوهم بطلاقة و حسن البشر (2).
و عن الصادق عليه السلام:هلك رجل على عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله فأتى الحفارين فاذا بهم لم يحفروا شيئا و شكوا ذلك إلى النبي فقالوا:ما يعمل حديدنا في الأرض فكأنما يضرب به في الصفاء.فقال:و لم،ان كان صاحبكم حسن الخلق إيتوني بقدح من ماء،فأتوه به فأدخل يده فيه ثم رشّه على الأرض رشّا ثم قال:
احفروا فحفروا فكأنّما كان رملا يتهايل عليهم (3).
و عنه عليه السلام:اذا خالطت الناس فان استطعت ألاّ تخالط أحدا من الناس إلا كانت يدك العليا عليه فافعل،فان العبد يكون فيه بعض التقصير من العباد و يكون له حسن الخلق فيبلغه اللّه بحسن خلقه درجات الصائم القائم (1)
الكافي 2:101 ح 24. [1]
.و في خبر:ان قوما لم يكن بأس في أحسابهم سلبوها لسوء خلقهم، و ان قوما لم يكونوا ذوي أحساب اعطوا لحسن خلقهم .
«يا بني إيّاك و مصادقة الأحمق فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك» في(الكامل):
كان أبو الحسن بن الفرات يقول:ان المقتدر يقتلني-فصحّ قوله-فمن ذلك انّه عاد من عنده يوما و هو مفكّر كثير الهمّ،فقيل له في ذلك فقال:كنت عند المقتدر فما خاطبته في شيء من الأشياء إلاّ قال لي:نعم.قلت له الشيء و ضدّه،في كلّ ذلك يقول:نعم.فقيل له:هذا لحسن ظنّه بك و ثقته بما تقول و اعتماده على شفقتك.فقال:لا و اللّه و لكنّه أذن لكلّ قائل،و ما يؤمني أن يقال له مر بقتل الوزير فيقول:نعم.و اللّه إنّه قاتلي:
اتّق الأحمق أن تنصحه انما الأحمق كالثوب الخلق
كلّما رقعت منه جانبا حرّكته الريح و هنا فانخرق
أو كصدع في زجاج بيّن أو كفتق و هو يعيى من رتق
و اذا جالسته في مجلس أفسد المجلس منه بالخرق
و اذا نهنهته كي يرعوي زاد جهلا و تمادى في الحمق
و قال آخر:
فان النوك للاحساب غول و أهون دائه داء العياء
و من ترك العواقب مهملات فأيسر سعيه سعي العناء
فلا تثقن بالنوكي لشيء و لو كانوا بني ماء السماء
1) 1)
و ليسوا قابلي أدب فدعهم و كن من ذاك منقطع الرجاء
(1)و من أمثالهم«أنت شولة الناصحة»قال ابن السكيت:كانت(شوله)أمة لعدوان،رعناء و كانت تنصح لمواليها فتعود نصيحتها و بالا عليها لحمقها (2)و في(الأغاني):كان الوليد بن يزيد يوما جالسا و عنده عمر الوادي و أبو رقية-و كان ضعيف العقل،و كان يمسك المصحف على ام الوليد-فقال الوليد لعمر الوادي،و قد غنّاه صوتا:أحسنت و اللّه أنت جامع لذتي.و أبو رقية مضطجع و هم يحسبونه نائما،فرفع رأسه إلى الوليد فقال له:و انا جامع لذات امّك.فغضب الوليد و همّ به فقال له عمر الوادي:ما يعقل أبو رقية و هو صاح فكيف و هو سكران.فأمسك عنه (3).
«و إيّاك و مصادقة البخيل فإنّه يقعد» و نقل الطبعة(المصرية) (4)«يبعد» غلط.
«عنك أحوج ما تكون إليه» ألّف سهل بن هارون-متولي خزانة حكمة المأمون-رسالة في مدح البخل و أرسلها إلى الحسن بن سهل،فوقع الحسن عليها:لقد مدحت ما ذمّ اللّه و حسنت ما قبّح،و ما يقوم صلاح لفظك بفساد معناك،و قد جعلنا ثواب عملك سماع قولك فما نعطيك شيئا (5).
«و إيّاك و مصادقة الفاجر فانّه يبيعك بالتافة» أي:الحقير اليسير.
كان ابراهيم الصولي صديقا لابن الزيات،فولّى ابن الزيات الوزارة و الصولي على الأهواز،فقصده ابن الزيات و وجّه إليه بأبي الجهم و أمره
بكشفه فتحامل عليه تحاملا شديدا،فكتب إليه يشكو أبا الجهم و يقول:هو كافر لا يبالي ما عمل.و كتب إليه:
و كنت أخي بإخاء الزمان فلما نبا حربت حربا عوانا
و كنت أذم إليك الزمان فأصبحت فيك أذم الزمانا
و كنت اعدّك للنائبات فما أنا أطلب منك الأمانا
(1)ثم وقف الواثق على تحامله عليه،فرفع يده عنه و أمره أن يقبل منه ما رفعه و يرد إلى الحضرة مصونا،فلما أحسن بذلك بسط في ابن الزيات و هجاه هجاء كثيرا فقال:
قدرت فلم تضرر عدوا بقدرة و سمت بها إخوانك الذلّ و الرغما
و كنت مليّا بالتي قد يعافها من الناس من يأبى الدنية و الذما
(2)و قال: دعوتك في بلوى ألمّت صروفها فأوقدت من ضغن عليّ سعيرها
و اني إذا أدعوك عند ملمّة كداعية بين القبور نصيرها
و في(الأغاني):قال بشار:
و ما تحرّك أير فامتلا شبقا الا تحرك عرق في است
ثم قال:في است من.و مر به تسنيم بن الحواري فسلّم عليه فقال «في است تسنيم»فقال له:أي شيء ويلك؟فقال:لا تسل.فقال:قد سمعت ما أكره فاذكر لي سببه.فأنشده البيت.فقال:ويلك أي شيء حملك على هذا؟قال:سلامك عليّ.قال:لا سلّم اللّه عليك و لا عليّ إن سلّمت عليك
بعدها.و بشّار يضحك (1)
الأغاني 4:142، [1]بيت الشعر الذي يبدأ ب«و ما تحرك»غير كامل.و لفظ(است)مضاف،و بعده عدة نقاط...
.«و إيّاك و مصادقة الكذّاب،فإنّه كالسراب يقرّب عليك البعيد و يبعّد عليك القريب» السراب:الذي تراه نصف النهار كأنّه ماء.
في(المناقب):كتب ملك الروم إلى معاوية يسأله عن خصال،فكان فيما سأله:أخبرني عن لا شيء.فتحيّر فقال عمرو بن العاص:وجّه فرسا فارها إلى عسكر علي ليباع،فاذا قيل للذي معه:بكم؟يقول:بلا شيء،فعسى أن تخرج المسألة.فجاء الرجل إلى عسكر أمير المؤمنين فمر عليه السلام به و معه قنبر فقال:يا قنبر ساومه.فقال:بكم الفرس.قال:بلا شيء.قال:يا قنبر خذ منه.قال:اعطني لا شيء.فأخرجه إلى الصحراء و أراه السراب فقال:و كيف؟قال:أما سمعت اللّه تعالى يقول «يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً» (2).
الحكمة(65)
و قال عليه السلام:
فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ في(العيون):قال أيوب السختياني:اذا بلغ موت أخ لي فكأنّما سقط عضو مني.و في الخبر«المرء كثير بأخيه»و قال:
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة و لكن اخوان الثقات الذخائر
(3)و قال ابن أبي الحديد قال الشاعر: فلا تحسبي ان الغريب الذي نأى و لكن من تناين عنه غريب
اذا ما مضى القرن الذي كنت فيهم و خلفت في قرن أنت غريب
(1)و مثله قوله عليه السلام:«الغريب من ليس له حبيب».
الحكمة(134)
و قال عليه السلام:
لاَ يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثَلاَثٍ- فِي نَكْبَتِهِ وَ غَيْبَتِهِ وَ وَفَاتِهِ أقول:في(كامل المبرد):قال علي عليه السلام ثلاثة لا يعرفون إلاّ في ثلاث:لا يعرف الشجاع إلاّ في الحرب،و لا الحليم إلاّ عند الغضب،و لا الصديق إلاّ عند الحاجة (2).
و عن الصادق عليه السلام:الصداقة محدودة،فمن لم تكن فيه تلك الحدود فلا تنسبه إلى كمال الصداقة،و من لم يكن فيه شيء من تلك الحدود فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة،أوّلها:أن تكون سريرته و علانيته لك واحدة،و الثانية:أن يرى زينك زينه و شينك شينه،و الثالثة:لا يغيّره عنك مال و لا ولاية،و الرابعة:أن لا يمنعك شيئا مما تصل إليه مقدرته،و الخامسة:لا يسلّمك عند النكبات (3).
و عنه عليه السلام:من غضب عليك ثلاث مرّات فلم يقل فيك شرّا فاتخذه لنفسك صديقا (4).
و في(العيون):قال علي كرّم اللّه وجهه:
أخوك الذي ان أحوجتك ملمة من الدهر لم يبرح لها الدهر واجما
و ليس أخوك الحق من إن تشعبت عليك أمور ظل يلحاك لائما
(1)«و لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في نكبته» قال الشاعر:
احذر مودة ما ذق شاب المرارة بالحلاوة
يحصي الذنوب عليك أيام الصداقة للعداوة
(2)و قال آخر: سعيد بن عثمان بن عفان لا يرى لصاحبه قرضا عليه و لا فرضا
و في(نسب قريش ابن بكار):قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوم بدر بعد ظفره:من لقي أبا البختري-و هو ابن هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزى-فلا يقتله.
و كان ممّن قام في الصحيفة و كان يدخل الطعام على بني هاشم في الشعب.
فقال المجذر بن زياد:فلقيته فقلت:ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمرنا أن لا نقتلك.فقال:أنا و زميلي-و معه رجل-فقلت:لا.فقال:
لا يسلم ابن حرّة زميله حتى يموت أو يرى سبيله
فقتلهما (3)و في(صداقة التوحيدي):قال الاسكندر لديوجانس:بم يعرف الرجل أصدقاءه؟قال:بالشدائد،لأن كلّ أحد في الرخاء صديق (4).
و في(وزراء الجهشياري):طلبت دولة العباسية عبد الحميد الكاتب -كاتب الاموية-و كان صديقا لابن المقفع-ففاجأهما الطلب و هما في بيت، فقال الذين دخلوا عليهما:أيكما عبد الحميد.فقال كلّ واحد منهما:أنا.خوفا من أن ينال صاحبه بمكروه.و خاف عبد الحميد أن يسرعوا إلى ابن المقفع فقال:
ترفقوا فإنّ فيّ علامات و كلوا بنا بعضكم و يمضي بعض يذكر تلك العلامات لمن وجه بكم.ففعلوا ذلك،و أخذوا عبد الحميد (1)
الوزراء للجهشياري:80. [1]
.أيضا:كانت بين ابن المقفع و عمارة بن حمزة مؤدّة،فأنكر أبو جعفر على عمارة في وقت من الأوقات شيئا و نقله إلى الكوفة-و كان ابن المقفع اذ ذاك بها-فكان يأتيه فيزوره،فبينا هو ذات يوم عنده إذ ورد على عمارة كتاب و كيله بالبصرة يعلمه أنّ ضيعة مجاورة لضيعته لا تصلح ان ملكها غيره و ان أهلها قد بذلوا له ثلاثين ألف درهم و انّه ان لم يبتاعها فالوجه ان يبيع ضيعته.
فقرأ عمارة الكتاب و قال:ما أعجب هذا،و كيلنا يشير علينا بالابتياع مع الاضاقة و الإملاق و نحن إلى البيع أحوج.و كتب إلى وكيله ببيع ضيعته و الانصراف إليه،و سمع ابن المقفع الكلام و انصرف إلى منزله و أخذ سفتجة إلى الوكيل بثلاثين الف درهم و كتب إليه على لسان عمارة اني قد كتبت إليك ببيع ضيعتي،ثم حضرني مال و قد أنفذت إليك سفتجة فابتع الضيعة المجاورة لك و لا تبع ضيعتي و أقم مكانك.و أنفذ الكتاب بالابتياع مع رسول قاصد،فورد على الوكيل و قد باع الضيعة،ففسخ البيع و ابتاع الضيعة المجاورة،و كتب إلى عمارة يذكر الأمر و انّه قد صارت لك ضيعة نفيسة.فلما قرأ عمارة الكتاب أكثر التعجب و لم يعرف السبب و سأل عمّن حضر عند ورود كتاب الوكيل،فقيل له:ابن المقفع،فعلم أنّه من فعله،فلما صار إليه بعد أيّام و تحدّثا قال عمارة له:بعثت بتلك الثلاثين ألف درهم إلى الوكيل و كنّا إليها ههنا أحوج،قال:فان عندنا فضلا.و بعث إليه بثلاثين ألفا أخرى (2).
و حكى ان سفيان لمّا أمر بتقطيع ابن المقفع و طرحه في التنور-يعني
من طرف المنصور-قال له:و اللّه لتقتلني و تقتل بقتلي ألف نفس و لو قتل مائة مثلك ما وفوا بواحد،ثم قال:
اذا ما مات مثلي مات شخص يموت بموته خلق كثير
و أنت تموت وحدك ليس يدري بموتك لا الصغير و لا الكبير
(1)و في(تاريخ بغداد):قال محمد بن عبد الرحمن أبو جعفر الصيرفي:
بعث إليّ الحكم بن موسى أنّه يحتاج إلى نفقة،و لم يك عندي إلاّ ثلاثة آلاف درهم،فوجّهت بها إليه،فلما صارت في قبضته وجّه إليه خلاد بن أسلم أنّه يحتاج إلى نفقة،فوجّه بها كلّها إليه.و احتجت أنا إلى نفقة فوجّهت إلى خلاد أنّي أحتاج إلى نفقة فوجّه بها كلّها إليّ،فلما رأيتها مصرورة في خرقتها و هي الدراهم بعينها أنكرت ذلك،فبعثت إلى خلاد:ما قصة هذه الدراهم؟فاخبرني ان الحكم بن موسى بعث بها إليه،فوجّهت إلى الحكم منها بألف و وجهت إلى خلاّد منها بألف و أخذت منها ألفا (2).
و في(المروج):عن الواقدي قال:كان لي صديقان أحدهما هاشمي و كنّا كنفس واحدة،فنالتني ضيقة شديدة و حضر العيد،فقالت امرأتي:أما نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس و الشدّة،و أما صبياننا هؤلاء فقد قطعوا قلبي رحمة لهم،لأنّهم يرون صبيان الجيران قد تزيّنوا في عيدهم و أصلحوا ثيابهم و هم على هذه الحال من الثياب الرثة،فلو احتلت بشيء تصرفه في كسوتهم.
فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة عليّ لما حضر العيد،فوجّه إليّ كيسا مختوما ذكر أن فيه ألف درهم،فما استقر قراره إذ كتب إليّ الصديق
الآخر يشكو مثل ما شكوت إلى صاحبي،فوجّهت إليه الكيس بحاله و خرجت إلى المسجد،فأقمت فيه ليلي مستحييا من امرأتي،فلما دخلت عليها استحسنت ما كان مني و لم تعنفني عليه،فبينا أنا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي و معه الكيس كهيئته فقال لي:اصدقني عمّا فعلت في ما وجهت إليك.
فعرفته الخبر فقال:إنّك وجهت إليّ و ما أملك على الأرض،إلاّ ما بعثت به إليك.
و كتبت إلى صديقنا المواساة فوجّه بكيسي بخاتمي.فتواسينا الألف أثلاثا، و أخرجنا إلى المرأة قبل ذلك مائة درهم،و نمى الخبر إلى المأمون فدعاني فشرحت له الخبر،فأمر لنا بسبعة آلاف دينار لكل واحد ألفا دينار و للمرأة ألف دينار (1)
المروج:33-34. [1]
.و في(كامل المبرد):لبعضهم:
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه و لا مظهر الشكوى إذا النعل زلّت
رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها فكانت قذى عينيه حتى تجلّت
(2)و في(المعجم)للصولي: و لكن عبد اللّه لمّا حوى الغني و صار له من بين اخوانه مال
رأى خلّة منهم تسدّ بماله فساهمهم حتى استوت بهم الحال
(3)«و غيبته» لا كما في اللسان.قال ابن بري:قال بجير بن عنمة الطائي: و ان مولاي ذو يعاتبني لا أحنة عنده و لا جرمه
ينصرني منك غير معتذر يرمي و رائي بأمسّهم و املمه
و قال الآخر:
أنّى يكون أخا أو ذا محافظة من كنت في غيبه مستشعرا وجلا
إذا تغيّب لم تبرح تظنّ به سوءا و تسأل عمّا قال أو فعلا
و قيل:
و ليس أخي من ودّني رأي عينه و لكن أخي من ودّني و هو غائب
و قيل:
و ليس محبّا من يدوم وداده مع الوصل لكن من يدوم مع الصدّ
هذا،و في(الحلية):خرج أبو تراب الرملي سنة من مكّة فقال لأصحابه:
خذوا اسم طريق الجادة حتى آخذ طريق تبوك.فقالوا له:الحرّ شديد.قال:لا بدّ و لكن إذا دخلتم رملة فانزلوا عند فلان صديق لي.فنزلوا عليه فشوى لهم أربع قطع لحم،فلما وضع بين أيديهم جاءت الحدأة فأخذت قطعة منها.فقلنا:لم يكن رزقنا فأكلنا الباقي،فلما كان بعد يومين خرج أبو تراب من المفازة،فقلنا:
هل وجدت في الطريق شيئا.فقال:لا إلاّ يوم كذا رمى إليّ حدأة بقطعة شواء حار.فقلنا له:قد تغذينا منه فانّه من عندنا أخذت الحدأة.فقال:كذا كانت الصداقة (1)
الحلية 10:164-165.
.في المروج:ذكر للمنصور تدبير هشام في حرب كانت له،فبعث إلى رجل ينزل رصافة هشام يسأله عن تلك الحرب،فقدم عليه فقال له:أنت صاحب هشام.قال:نعم قال:فأخبرني كيف فعل في حرب دبّرها سنة كذا و كذا.قال:فعل رضي اللّه عنه فيها كذا و كذا،و فعل رحمه اللّه كذا و كذا.فأغاظ ذلك المنصور فقال له:قم عليك غضب اللّه تطأ بساطي و تترحّم على عدوّي.
فقام الشيخ و هو يقول:ان لعدوّك قلادة في عنقي لا ينزعها إلاّ غاسلي.فأمر برده و قال له:كيف؟قال:انّه كفاني الطلب وصان وجهي عن السؤال فلم أقف
1) 1)
على باب عربي و لا عجمي،أفلا يجب عليّ أن أذكره إلاّ بخير.فقال المنصور:
بلى و اللّه،للّه أمّ نهضت عنك،أشهد أنّك نهيض حرّة (1)
المروج 3:285. [1]
.و قال المدائني:قال المنصور صحبت رجلا ضريرا إلى الشام و كان يريد مروان بن محمد بشعر قال فيه-إلى أن قال-و حججت في سنة(141) فنزلت في جبلي زرور في الرمل أمشي لنذر كان عليّ،فإذا أنا بالضرير، فأومأت إلى من كان معي فتأخروا و دنوت منه فأخذت بيده،فقال:من أنت؟ قلت:رفيقك إلى الشام في أيام بني امية و أنت متوجه إلى مروان،فتنفّس و أنشأ يقول:
آمت نساء بني اميّة منهم و بناتهم بمضيعة أيتام
نامت جدودهم و أسقط نجمهم و النجم يسقط و الجدود تنام
خلت المنابر و الأسرّة منهم فعليهم حتى الممات سلام
فقلت له:كم أعطاك مروان؟قال:أغناني فلا أسأل بعده أحدا-إلى أن قال-فقلت:أنا أبو جعفر المنصور.فقال:اعذر فإنّ ابن عمّك محمّدا صلّى اللّه عليه و آله قال «جبلت النفوس على حبّ من أحسن إليها و بغض من أساء إليها»فهممت به ثم تذكرت الصحبة فأطلقته (2).
و في(الأغاني):في أبي الأسد:لما مات ابراهيم الموصلي قيل لأبي الأسد-و كان صديقه-ألا ترثيه فقال:
تولّى الموصلي فقد تولّت بشاشات المزاهر و القيان
و أي فلاحة بقيت فتبقى حياة الموصلي على الزمان
ستبكيه المزاهر و الملاهي و يسعدهن عاتقة الدنان
و تبكيه الغوية اذ تولّى و لا تبكيه تالية القرآن
فقيل له:ويحك فضحته و قد كان صديقك.فقال:هذه فضيحة عند من لا يعقل،أمّا من يعقل فلا،و بأي شيء كنت أذكره و أرثيه أ بالفقه أم بالزهد أم بالقراءة،و هل يرثى إلاّ بهذا و شبهه (1)
الأغاني 14:140-141. [1]
.الحكمة(218)
و قال عليه السلام:
حَسَدُ الصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ الْمَوَدَّةِ في(الطرائف):قال بعض الحكماء لا ينفع العلاج في أربعة:العداوة إذا خالطها الحسد و المرض إذا خالطه الهرم،و الفقر إذا خالطه الكسل،و الشحّ إذا خالطه الكبر (2).
و قال ابن أبي الحديد الإنسان لا يحسد نفسه.قيل لحكيم:ما الصديق؟ فقال:انسان هو أنت إلاّ أنّه غيرك (3).
و من أدعية الحكماء:اللّهم اكفني بوائق الثقات،و احفظني من كيد الأصدقاء (4).
و للمثقب العبدي:
فإمّا أن تكون أخي بحقّ فأعرف منك غثّي من سميني
و إلاّ فاطرحني و اتركني عدوّا أتّقيك و تتقيني
الحكمة(268)
و قال عليه السلام:
أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا- عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا- وَ أَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا- عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا أقول:كون هذا كلامه عليه السلام رواه أبو هلال العسكري أيضا في( أمثاله أبو هلال العسكري-الأمثال-ص 132 ) جاعلا ذلك مثلا له عليه السلام (1)
الأمثال،لأبي هلال العسكري:132.
،لكن الخطيب في( تاريخه 3الخطيب-تاريخ بغداد-ج 11 ص 428 )في علي بن زكريا رواه عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله (2)،و أمّا( أمالي الشيخ الطوسي-الأمالي-ص 703 ح 1505 الشيخ)فرواه فيما رواه عن أبي المفضل عنه عليه السلام عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و رواه فيما رواه عن الغضائري عن زيد بن علي عن أبيه هكذا:قال:قال علي عليه السلام:لا يكن حبّك كلفا و لا يغضك تلفا،أحبب حبيبك هونا ما و ابغض بغيضك هونا ما (3).رواه في(مجلسه)في 13 من شهر رمضان،فيمكن أن يكون لفظ العنوان للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لفظ الأخير له عليه السلام:
و عن الصادق عليه السلام:لا تطلع صديقك من سرّك إلاّ على ما لو اطلّع عليه عدوّك ما يضرّك،فإنّ الصديق قد يكون عدوّا يوما ما (4).
و في(ديوان أبي الأسود):قال أبو الأسود لابنه-و كان له صديق من باهلة يكثر زيارته و غشيانه:
أحبب اذا أحببت حبّا مقاربا فانّك لا تدري متى أنت نازع
و ابغض اذا أبغضت غير مباعد فانّك لا تدري متى أنت راجع
و كن معدنا للحلم و اصفح عن الخنى فانّك راء ما حييت و سامع
(1).
و قال النمر بن تولب:
و احببت حبيبك حبّا رويدا فليس يعولك ان تصرما
و ابغض بغيضك بغضا رويدا إذا أنت حاولت أن تحكما
(2)-أي:تصير حكيما-و في(صداقة التوحيدي):قيل لديوجانس:ما الذي ينبغي للرجل أن يتحفّظ منه؟قال:من حسد أصدقائه و مكر أعدائه (3). و في(الأغاني):قال أبو عبيدة:ما زال بشّار يهجو حمّاد عجرد و لا يرفث في هجائه حتى قال حماد:من كان مثل أبيك-يا أعمى-أبوه فلا أبا له،أنت ابن برد مثل برد في النذالة و الرذالة-في أبيات،فلما بلغت بشّارا أطرق طويلا ثم قال:جزى اللّه ابن نهبى خيرا.
فقيل له:علام تجزيه الخير؟فقال:و اللّه لقد كنت أردّ على شيطاني أشياء من هجائه إبقاء على المودة و لقد أطلق من لساني ما كان مقيّدا عنه و اهدفني عورة ممكنة منه،فلم يزل بعد ذلك يذكر أم حمّاد في هجائه حتى ماتت (4).
و في الطرائف:
احذر عدوّك مرة و احذر صديقك ألف مرّة
فلربما انقلب الصديق فكان أخبر بالمضرّة
(5)و قيل: تحذر من صديقك كلّ يوم و بالأسرار لا تركن إليه
سلمت من العدو فما دهاني سوى من كان معتمدي عليه
(1)و في السير ان معاوية لما الحق زيادا به و ولاّه البصرة-بعد ان كان و اليها من قبل أمير المؤمنين عليه السلام-صعد المنبر و قال:قد رحلت عنكم و أنا أعرف صديقي من عدوّي ثم قدمت عليكم و قد صار العدوّ صديقا مناصحا و الصديق عدوّا مكاشحا،فليشتمل كلّ امرىء على ما في صدره و لا يكونن لسانه شفرة تجري على أوداجه،و ليعلم أحدكم إذا خلا بنفسه انّي قد حملت سيفي بيدي فان أشهره لم أغمده-ثم نزل.
الحكمة(295)
أَصْدِقَاؤُكَ ثَلاَثَةٌ وَ أَعْدَاؤُكَ ثَلاَثَةٌ- فَأَصْدِقَاؤُكَ صَدِيقُكَ- وَ صَدِيقُ صَدِيقِكَ وَ عَدُوُّ عَدُوِّكَ- وَ أَعْدَاؤُكَ عَدُوُّكَ- وَ عَدُوُّ صَدِيقِكَ وَ صَدِيقُ عَدُوِّكَ أقول:أمّا كون صديق الصديق صديقا فلأن مناسب المناسب مناسب، و أمّا كون عدوّ العدوّ صديقا فلأن ضد الضد مناسب،و لذا كان الحجاج يعجبه المختار مع اختلاف مذهبهما في حبّ أهل البيت عليهم السلام و بغضهم،و كان مصعب أمر بقطع كفّ المختار و دقها بمسمار على الجدار،فأمر الحجاج بإنزالها و دفنها،فكان المختار عدوّ عدوّ الحجاج ابن الزبير مع كونه من طائفته ثقيف.
قال البحتري:
و ان أحقّ الناس مني بخلّة عدوّ عدوي أو صديق صديقي
و أمّا كون عدوّ الصديق عدوّا فلأن ضد المناسب غير مناسب،و أما كون صديق العدوّ عدوّا فلأن مناسب الضدّ غير مناسب.
و في(العقد الفريد):و فد دحية الكلبي على علي عليه السلام،فما زال يذكر معاوية و يطريه في مجلسه،فقال له علي عليه السلام:
صديق عدوّي داخل في عداوتي و انّي لمن ودّ الصديق و دود
فلا تقربن مني و أنت صديقه فانّ الذي بين القلوب بعيد
(1)و في هذا المعنى قول العتابي:
تود عدوي ثم تزعم أنّني صديقك ان الرأي عنك لعازب
(2)هذا،و في(الطبري):كان عبد الملك و مصعب و هما بالمدينة يتحدّثان إلى حبى،فقيل لها:قتل مصعب.فقالت:تعس قاتله.قيل:قتله عبد الملك.قالت بأبي القاتل و المقتول (3).
الحكمة(308)
و قال عليه السلام:
مَوَدَّةُ الْآبَاءِ قَرَابَةٌ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ و عن الرضا عليه السلام:مودة عشرين سنة قرابة،و العلم أجمع لأهله من الآباء (4).
و في(المروج):كان من قبل سابور ذي الأكتاف من الساسانية يسكن
بغربي المدائن،و سكن سابور الجانب الشرقي منها و بنى هناك الأيوان المعروف بايوان كسرى،و قد كان أبرويز أتمّ مواضع من بناء هذا الأيوان.
و كان الرشيد نازلا على دجلة بالقرب من الأيوان،فسمع بعض الخدم من وراء الستر يقول لآخر:هذا الذي بنى هذا الأيوان أراد أن يصعد عليه إلى السماء.
فأمر الرشيد أن يضرب مائة عصا،و قال لمن حضره:
ان الملك نسبة،و الملوك به اخوة،و ان الغيرة بعثتي على أدبه لصيانة الملك و ما يلحق الملوك للملوك (1)
المروج 1:284. [1]
.«و القرابة إلى المودة أحوج» هكذا في الطبعة(المصرية) (2)و الصواب:
«و القرابة أحوج إلى المودة»كما في(ابن أبي الحديد (3)و ابن ميثم و النسخة الخطّية).
«من المودة إلى القرابة» في(أدب كاتب الصولي):قال ابراهيم بن العباس الصولي:
أميل مع الذمام على ابن عمي و اقضي للصديق على الشقيق
و إما تلفني حرا مطاعا فانّك واجدي عبد الصديق
(4)و قال ابن أبي الحديد قيل لرجل:أخوك أحبّ إليك أم صديقك؟قال:انّما أحب أخي إذا كان صديقا (5). و في(الأغاني)عن العتابي:
انّي بلوت الناس في حالاتهم و خبرت ما و صلوا من الأسباب
فاذا القرابة لا تقرب قاطعا و اذا المودة أقرب الأنساب
الحكمة(415)
و قال عليه السلام:
زُهْدُكَ فِي رَاغِبٍ فِيكَ نُقْصَانُ حَظٍّ- وَ رَغْبَتُكَ فِي زَاهِدٍ فِيكَ ذُلُّ نَفْسٍ أقول:كان ابن الزبير راغبا في أهل الشام و كانوا زاهدين فيه،فقال يوما:وددت ان لي بكلّ عشرة من أهل العراق رجلا من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم.فقال له أبو حاضر:مثلنا و مثلك كما قال الأعشى:
علقتها عرضا و علقت رجلا غيري و علق اخرى غيرها الرجل
(2)أحبك أهل العراق و أحببت أهل الشام،و أحب أهل الشام عبد الملك. و قال الشاعر:
كلانا يا معاذ يحبّ ليلى بفي و فيك من ليلى التراب
شركتك في هوى من كان حظّي و حظّك من تذكرها العذاب
(3)أيضا: ان البلية ان تحب و لا يحبك من تحبه
و يصدّ عنك بوجهه و تلح أنت فلا تعبه
و قال أبو العيناء-كما في(تاريخ بغداد):
لعمرك ما حق امرىء لا يعد لي على نفسه حقّا عليّ بواجب
و ما أنا للنائي عليّ بوده و صافي خلته بمقارب
و لكنّه ان مال يوما بجانب من الصدّ و الهجران ملت بجانبي
(1)و قال له أحمد بن أبي دؤاد-كما في(المعجم)-ما أشد ما أصابك في ذهاب بصرك؟قال:ابتداء غيري بالسلام،و كنت أحبّ أن أكون أنا المبتدئ، و ان أحدّث من لا يقبل على حديثي و لا أراه و لو رأيته لا يقبل لما حدثته.
و كان دعبل-كما فيه-يتعجّب من قول ابراهيم الصولي:
ان أمرأ ضمن بمعروفه عني لمبذول له عذري
ما أنا بالراغب في خيره ان كان لا يرغب في شكري
(2)و قال المثقب العبدي،كما في(الشعراء): فاني لو تخالفني شمالي بنصر لم تصاحبها يميني
إذن لقطعتها و قلت بيني كذلك أجتوي من يجتويني
(3)و لبعضهم: و لو ان بعضي رابني لقطعته و اني بقطع الرائبي لجدير
أيضا:
فلقد تدوم لذي الصفاء مودتي و اذا لويت بتت ذا الليان
الحكمة(479)
و قال عليه السلام:
شَرُّ الْإِخْوَانِ مَنْ تُكُلِّفَ لَهُ قال الرضي لأن التكليف مستلزم للمشقة
و هو شر لازم عن الأخ المتكلف له فهو شر الإخوان أقول:هكذا في(المصرية)،و هو تخليط منها،فان قوله«لأن التكليف...» كان حاشية خلطته بالمتن (1)
الطبعة المصرية:767 الحكمة(463).
،فان(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و النسخة الخطية)لم تنقله (2)،و لأنّه خارج عن موضوع كتابه،فان كتابه انّما هو مجرّد نقل كلماته عليه السلام لا شرح كما في مجازاته النبوية،و انما قد يفسّر بعض غريب لغاته أو يصف بلاغة بعض فقراته عليه السلام الزائدة مع ان أين مثل هذا الكلام المبتذل من كلمات الرضي و تعبيراته،بل قوله«لأن التكليف»غلط لأنّه لم يرد تكليف بل تكلّف،و اما قوله«قال الرضي»فزيد بعد الخلط توضيحا بزعمه.هذا و الأصل في كلامه عليه السلام «شرّ الاخوان من تكلّف له» ان بعض أصحابه عليه السلام دعاه إلى أن يصير ضيفه،فأجابه بشرط أن لا يتكلّف له.
قال ابن قتيبة في(عيونه):دعا رجل عليّا عليه السلام:إلى طعام فقال عليه السلام:
نأتيك على أن لا تتكلّف ما ليس عندك و لا تدّخر عنّا ما عندك.و كان عليه السلام يقول «شرّ الاخوان من تكلّف له» (3).
و رواه التوحيدي في(صداقته)أيضا مرفوعا عنه عليه السلام لكن مع زيادة و هي«و خيرهم من أحدثت لك رؤيته ثقة به و أهدت إليك غيبته طمأنينة إليه» (4).
و في(الكافي):عن مرازم بن حكيم ان حارثا الأعور أتى أمير المؤمنين عليه السلام و قال:أحب أن تكرمني بأن تأكل عندي.فقال له:على ألاّ تتكلّف
لي شيئا.و دخل فأتاه الحارث بكسر،فجعل أمير المؤمنين عليه السلام يأكل،فقال له الحارث:ان معي دراهم-و أظهرها فاذا هي في كمه-فان أذنت لي اشتريت لك شيئا غيرها.فقال عليه السلام له:هذه ممّا في بيتك (1)
الكافي 6:276 ح 4. [1]
،و رواه الكشي (2).و روى(الكافي):عن صفوان بن يحيى قال:جاءني عبد اللّه بن سنان فقال:هل عندك شيء؟قلت:نعم،فبعثت ابني فأعطيته درهما يشتري به لحما و بيضا فقال لي:أين أرسلت ابنك،فأخبرته فقال:ردّه عندك زيت.قلت:نعم.
قال:هاته فانّي سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول«هلك امرؤ احتقر لأخيه ما يحضره و هلك امرؤ احتقر من أخيه ما قدم إليه» (3).
و قال أبو الأسود في الحضين العنبري:
شنئت من الأصحاب من لست بارحا ادامله دمل السقاء المخرق
(4)و قال إسحاق الموصلي: نعم الصديق صديق لا يكلّفني ذبح الدجاج و لا شي الفراريج
(5)و في(العيون):سئل أقرى أهل اليمامة كيف ضبطتم القرى؟قال:بأنّا لا نتكلّف ما ليس عندنا (6)هذا،و في(الحلية):جاء فتح الموصلي إلى صديق له فلم يجده في المنزل،فقال للخادم:اخرجي إليّ كيس أخي،فأخرجته فأخذ منه درهمين
و جاء الصديق فأخبرته الجارية بمجيء فتح و أخذه الدرهمين فقال:ان كنت صادقة فأنت حرّة.فنظر فاذا هي صادقة،فعتقت (1)
الحلية 8:293.
.الحكمة(48)
و قال عليه السلام:
إِذَا احْتَشَمَ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ فَقَدْ فَارَقَهُ يقال حشمه و أحشمه إذا أغضبه و قيل أخجله أو احتشمه طلب ذلك له و هو مظنة مفارقته أقول:هو كسابقه،قوله«يقال حشمه...»حاشية خلطت بالمتن لعدم وجوده في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و النسخة الخطّية) (2)و لخروجه من موضوع النهج كما عرفت في سابقه،مع أن قوله«و احتشمه:طلب ذلك له»بلا معنى.
هذا،و قال ابن الأعرابي:الحشمة الاستحياء و الغضب.و قال الأصمعي:
الحشمة انّما هو بمعنى الغضب لا الاستحياء.نقل ذلك عنهما الجوهري، و الصحيح ما قال الأول من مجيء الحشمة بمعنى الاستحياء و الانقباض ايضا كما يدلّ عليه موارد استعماله في الأخبار و الأشعار (3).
أما الأخبار ففي(الكافي)عن الصادق عليه السلام:المؤمن لا يحتشم من أخيه، و لا أدري أيّهما أعجب الذي يكلّف أخاه اذا دخل ان يتكلّف له أو المتكلّف لأخيه (4).
و عن عنبسة بن مصعب:أتينا أبا عبد اللّه عليه السلام و هو يريد الخروج إلى مكّة،فأمر بسفرة فوضعت بين أيدينا فقال:كلوا.فأكلنا،فقال:أبيتم أبيتم انّه كان يقال:اعتبر حبّ القوم بأكلهم.فأكلنا و ذهبت الحشمة (1)
الكافي للكليني 6:279 ح 5. [1]
.و عن عبد الرحمن بن الحجاج:أكلنا مع أبي عبد اللّه عليه السلام فأتينا بقصعة من أرز فجعلنا نعذر فقال عليه السلام:ما صنعتم شيئا،ان أشدّكم حبّا لنا أحسنكم أكلا عندنا.قال:فرفعت كشحة المائدة.فقال:نعم الآن.و أنشأ يحدّثنا ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أهدي إليه قصعة أرز من ناحية الأنصار،فدعا سلمان و المقداد و أبا ذر فجعلوا يعذرون في الأكل فقال:ما صنعتم شيئا أحسنكم حبّا لنا أحسنكم أكلا عندنا.فجعلوا يأكلون أكلا جيّدا.ثم قال أبو عبد اللّه عليه السلام:رحمهم اللّه و رضي عنهم و صلّى عليهم (2).
و أما الأشعار فقال شاعر في ابن الزبير:
لعمرك ان قرص أبي خبيب بطيء النضج محشوم الأكيل
(3)-الأكيل:من يؤاكلك-و قال الكميت: و رأيت الشريف في أعين الناس وضيعا و قل منه احتشامي
(4)و يؤيد ذلك قول نفطويه: ما استمتع الناس بشيء كما يستمتع الناس بحسم الحشم
و به صرّح ابن دريد،قال في(جمهرته):حشم الرجل أتباعه الذين يغضبون بغضبه-إلى أن قال-و ليس تعرف العرب الحشمة إلاّ الغضب أو
الانقباض عن الشيء (1)
الجمهرة لابن دريد 1:538-539. [1]
.هذا،و في(عيون ابن قتيبة):كتب رجل إلى صديق له:وجدت المودة منقطعة ما كانت الحشمة عليها متسلّطة،و ليس يزيل سلطان الحشمة إلاّ المؤانسة و لا تقع المؤانسة إلاّ بالبر و الملاطفة (2).
و في(المعجم):عن الشرمقاني:كان أحمد بن أبي خالد الضرير مثريا ممسكا لا يكسر رأس رغيف له،انّما يأكل عند من يختلف إليهم،لكنّه كان أديب النفس عاقلا حضر يوما مجلس عبد اللّه بن طاهر فقدّم إليه طبق عليه قصب السكر و قد قشر و قطع كاللقم،فأمره أن يتناول فقال:ان لهذا لفاظة ترتجع من الأفواه و أنا أكره ذلك في مجلس الأمير.فقال له:تناول فليس بصاحبك من احتشمك و احتشمته اما انّه لو قسم عقلك على مائة رجل لصار كلّ رجل منهم عاقلا (3).
و في(أدب كاتب الصولي):قال هشام:قد مرّت لذّات الدّنيا كلّها على يدي و فعلي فما رأيت ألذّ من محادثة صديق ألقي التحفّظ بيني و بينه (4).
الحكمة(434)
و قال عليه السلام:
اخْبُرْ تَقْلِهِ قال الرضي:و من الناس من يروى هذا للرّسول صلى الله عليه و آله،و ممّا يقوّي أنّه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ما حكاه ثعلب عن ابن الأعرابيّ قال
المأمون:لو لا أن عليا قال«أخبر تقله»لقلت أقله تخبر أقول:ذكره أبو هلال العسكري في أمثاله أبو هلال العسكري-الأمثال-ص 69 و قال:لفظه الأمر و معناه الخبر يعني اذا اختبرتهم قليتهم (1)
الأمثال،لأبي هلال العسكري:69 الديوان(الخطوب).
.و القلي:البغض.قال تعالى: «إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ» (2).و قال زهير:
لعمرك و الامور مغيّرات و في طول المعاشرة التقالي
لقد باليت مظعن ام أو فى و لكن أم أو فى لا تبالي
(3)و الهاء في «تقله» مثلها في قولهم«يا زيد امشه»(لبيان الحركة)و نظم المصنف معنى كلامه عليه السلام فقال: من كشف الناس لم يسلم له أحد و الناس داء فخل الداء مستورا
(4)«اخبر تقله» قال سويد بن الصامت: ألا رب من يدعى صديقا و لو ترى مقالته بالغيب ساءك ما يفري
مقالته كالشحم ما دام شاهدا و بالغيب مأثور على ثغرة النحر
و قال معن بن أوس:
و لقد بدا لي ان قلبك ذاهل عني و قلبي لو بدا لك أذهل
كلّ يجامل و هو يخفي بغضه ان الكريم على القلى يتجمّل
و قال أبو بكر الأرجاني قاضي تستر-كما في(كامل الجزري):
و لما بلوت الناس أطلب عندهم أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
تطلعت في حالي رخاء و شدّة و ناديت في الأحياء هل من مساعد
فلم أر فيما ساءني غير شامت و لم أر فيما سرّني غير حاسد
(1)و قال ابن الحريري-كما في(معجم الحموي):
لا تغترر ببني الزمان و لا تقل عند الشدائد لي أخ و نديم
جربتهم فاذا المعاقر عاقر و الآل آل و الحميم حميم
(2)و قيل في الاختبار بسؤال المآل: إذا شئت ان تلفى أخاك معبّسا وجداه في الماضين كعب و حاتم
فكشفه عمّا في يديه فانّما يكشف أخبار الرجال الدراهم
و قيل أيضا:
و لو اني جعلت أمير جيش لما قاتلت إلاّ بالسؤال
فان الناس ينهزمون منه و قد ثبتوا لأطراف العوالي
و قال ابن أبي الحديد:قال أبو العلاء:
جربت دهري و أهليه فما تركت لي التجارب في ود امرىء غرضا (3)
و قال آخر:
و كنت أرى ان التجارب عدّة فخانت ثقات الناس حتى التجارب
(4)و قال آخر: عتبت على سلم فلما فقدته و جربت أقواما رجعت إلى سلم
ذممتك أوّلا حتى اذا ما بلوت سواك عاد الذم حمدا
و لم أحمدك من خير و لكن وجدت سواك شرّا منك جدا
فعدت إليك مضطرا ذليلا لأني لم أجد من ذاك بدا
كمجهود تحامى أكل ميت فلما اضطر عاد إليه شدا
(1)و قال عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر:
رأيت فضيلا كان شيئا ملففا فأبرزه التمحيص حتى بداليا
(2)قلت:نقل البيت الأخير من(كامل المبرد) (3)،و الصواب في المصراع الأول:«و ان حسينا كان شيئا ملففا». روى(أغاني أبي الفرج)عن الجوهري عن النوفلي عن ابراهيم بن يزيد الخشاب قال:كان عبد اللّه بن معاوية صديقا للحسين بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن العباس-و كانا يرميان بالزندقة-فقال الناس:انّما تصافيا على ذلك.ثم دخل بينهما شيء فتهاجرا،فقال له عبد اللّه:
و ان حسينا كان شيئا ملففا فمحصه التكشيف حتى بداليا
و عين الرضا عن كلّ عيب كليلة و لكن عين السخط تبدي المساويا
و أنت أخي ما لم تكن لي حاجة فان عرضت أيقنت ان لا أخاليا
(4)و في(مجالس ثعلب):يقال:ان بني فلان مثل بنات أوبر يظنّ ان فيهم خيرا فاذا خبروا لم يكن فيهم خير.قال:و الواحد:ابن أوبر (5). «قال الرضي»هكذا في(المصرية) (6)،و ليس من النهج بدليل خلو النسخة الخطية عنه بل و(ابن ميثم)أيضا (7).
«و من الناس من يروي هذا للرسول»قلت:و منهم من يرويه لأبي الدرداء كابن قتيبة (1)
عيون الأخبار لابن قتيبة 2:1.
و الجوهري (2)،قال الثاني:و اما قول أبي الدرداء«وجدت الناس أخبر تقلهم»فيريد انّك اذا أخبرتهم قليتهم.و في(أمثال العسكري):و المثل لأبي الدرداء فيما زعم بعضهم،و روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أيضا (3).
و الصواب ما حقّقه المصنف،فان المأمون كان أعرف.و تكلّم أبي الدرداء بما نقل عنه(الصحاح)لا يدلّ على كونه الأصل في هذا،فاذا ثبت عنه عليه السلام كان هو الأصل و يكون أبو الدرداء كالمتمثل بكلامه عليه السلام كما هو شأن المتمثلين بالأمثال.
و روى(الروضة)عن الصادق عليه السلام قال:خالط الناس تخبرهم،و متى تخبرهم تقلهم (4).
هذا،و في(ابن أبي الحديد) (5)بدل ما في(المصرية) (6)-للرسول-:
«لرسول اللّه»كما ان في(ابن ميثم)«للنبي» (7).
«و مما يقوّي انّه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ما حكاه ثعلب» هو أبو العباس أحمد بن يحيى،قال في(المعجم):و لد سنة مائتين و توفي سنة(291)و كان رأى أحد عشر خليفة أوّلهم المأمون و آخرهم المكتفي،و كان سبب وفاته انّه انصرف من الجامع و بيده دفتر ينظر فيه و قد شغله عمّا سواه،فصدمته دابة
فسقط على رأسه في هوّة من الطريق أخذ ترابها فلم يقدر على القيام فحمل إلى منزله فمات.
قال ثعلب:حفظت كتب الفراء ولي(25)سنة،و لما أتقنت النحو أكببت على الشعر و المعاني و الغريب و لزمت ابن الاعرابي بضع عشرة سنة (1)
معجم الادباء 5:104-105. [1]
.«عن ابن الاعرابي»هكذا في(المصرية) (2)و لكن في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)قال:حدّثنا ابن الاعرابي.و ابن الاعرابي هو محمد بن زياد،قال ثعلب:
انتهى علم اللغة و الحفظ إليه،و كان يزعم ان الأصمعي و أبا عبيدة لا يحسنان قليلا و لا كثيرا،توفي في خلافة الواثق.
«قال المأمون»هكذا في(المصرية) (3)و لكن في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و النسخة الخطية):«قال المأمون» (4).
في(الأغاني):كان ابراهيم بن المهدي شديد الانحراف عن عليّ عليه السلام فحدث يوما للمأمون أنّه رأى عليّا في النوم فقال له:من أنت؟فأخبره أنّه علي بن أبي طالب فمشينا حتى جئنا قنطرة،فذهب يتقدّمني لعبورها،فأمسكته و قلت له:انّما أنت رجل تدّعي هذا الأمر بامرأة،و نحن أحقّ به منك،فما رأيت له في الجواب بلاغة كما يوصف عنه.فقال له المأمون:و أي شيء قال لك؟ فقال:ما زادني على ان قال:«سلاما سلاما»فقال له المأمون:قد و اللّه أجابك أبلغ جواب.قال:و كيف؟قال:عرفك انّك جاهل لا يجاوب مثلك،قال تعالى
«وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً» (1)
الفرقان:63. [1]
فخجل ابراهيم و قال:ليتني لم أحدّثك بهذا الحديث (2).و في(المروج):كان المأمون يظهر التشيع و ابراهيم بن المهدي التسنن،فقال المأمون:
إذا المرجي سرّك أن تراه يموت لحينه من قبل موته
فجدّد عنده ذكرى عليّ و صلّ على النبيّ و آل بيته
فقال ابراهيم:
إذا الشيعي جمجم في مقال فسرّك أن يبوح بذات نفسه
فصلّ على النبيّ و صاحبيه وزيريه و جاريه برمسه
و ذكروا ان المأمون أمر بإشخاص سليمان بن محمّد الخطابي من البصرة،فلما مثل بين يديه قال له:أنت القائل:العراق عين الدّنيا،و البصرة عين العراق و المربد عين البصرة،و مسجدي عين المربد،و أنا عين مسجدي.
و أنت أعور فاذن عين الدّنيا عوراء.قال:لم أقل ذلك و ما أظن أحضرتني لذلك.
قال:بلغني أنّك أصبحت فوجدت على سارية من سواري مسجدك«رحم اللّه عليّا انّه كان تقيّا»مرت بمحوه.قال:كان«لقد كان نبيّا»فأمرت بإزالته.فقال له المأمون:كذبت كانت القاف أصح من عينك الصحيحة،و اللّه لو لا ان أقيم لك سوقا عند العامة لأحسنت تأديبك (3).
و في(غيبة الشيخ):عن محمد بن عبد اللّه بن الأفطس قال:كنت عند المأمون فصرف ندماءه و احتبسني،ثم أخرج جواريه و ضربن و تغنين،فقال
لبعضهنّ:لما رثيت من بطوس قطنا.فأنشأت تقول:
سقيا لطوس و من أضحى بها قطنا من عترة المصطفى أبقى لنا حزنا
أعني أبا حسن المأمون ان له حقّا على كلّ من أضحى بها شجنا
فجعل يبكي حتى أبكاني،ثم قال:ويلك أ يلمزني أهل بيتي و أهل بيتك ان أنصب أبا الحسن علما-إلى أن قال-قال و اللّه لأحدّثنّك بحديث عجيب فاكتمه:
لمّا حملت زاهرية ببدر أتيته فقلت له:جعلت فداك بلغني ان موسى بن جعفر و جعفر بن محمد و محمد بن علي و علي بن الحسين و الحسين بن علي عليهم السلام كانوا يزجرون الطير و لا يخطئون،و أنت وصيّ القوم و عندك علم ما كان عندهم و زاهرية حظيتي و قد حملت غير مرّة كلّ ذلك تسقط.فقال عليه السلام:لا تخش من سقطها فستسلم و تلد غلاما صحيحا أشبه الناس بأمّه قد زاد اللّه في يده اليمنى خنصرا و في رجله اليمنى خنصرا-إلى أن قال-فما شعرت إلاّ بالقيّمة و قد أتتني بالغلام-كما وصفه-زائد اليد و الرجل كأنّه كوكب دريّ، فأردت أن أخرج من الأمر يومئذ و أسلّم ما في يدي إليه،فلم تطاوعني نفسي لكن دفعت إليه الخاتم فقلت:دبر الأمر فليس عليك مني خلاف (1)
الغيبة للشيخ:74.
.و في(العقد):قال الجاحظ:قال سهل بن هارون:لقد كانت البرامكة مع تهذيب أخلاقهم و كريم أعراقهم و سعة آفاقهم و رونق سياقهم و معسول مذاقهم و بهاء أشراقهم و نقاوة أعراضهم و تهذيب أغراضهم و اكتمال الخير فيهم في جنب محاسن المأمون كالنقطة في البحر و الخردلة في المهمة القفر (2).
«لو لا أنّ عليّا عليه السلام قال:اخبر تقله لقلت أقله تخبر»قال ابن أبي الحديد ليس مراده بقوله«أقله»حقيقة القلى و البغض بل الهجر و القطيعة،أي:قاطع أخاك محربا له هل يبقى على عهدك (1)
شرح ابن أبي الحديد 20:80 [1] الحكمة(440).
.و من كلام عتبة بن أبي سفيان:طيروا الدّم في وجوه الشبّان،فان حلموا و أحسنوا الجواب فهم هم و إلاّ فلا تطمعوا فيهم.أي:اغضبوهم لأن الغضبان يحمر وجهه.
قلت:فعلى ما قاله يكون معنى«أقله»أخبره فيرجع إلى الأول،فلم عكس فلا بد انّه أراد بقوله«أقله»القلى حقيقة،و ذلك لأن من لم يكن قاليا لا يرى عيبا حتى يصير مختبرا،فمر قول عبد اللّه بن معاوية:
و عين الرضا عن كلّ عيب كليلة و لكن عين السخط تبدي المساويا
و عن مخارق:أنشدت المأمون قول أبي العتاهية:
و اني لمحتاج إلى ظلّ صاحب يروق و يصفو ان كدرت عليه
(2)فقال لي:أعد.فأعدت سبع مرّات فقال:يا مخارق خذ مني الخلافة و اعطني هذا الصاحب. هذا،و في(كامل المبرد):يروى ان بلال بن أبي بردة بن أبي موسى وفد على عمر بن عبد العزيز بخناصره فسدك بسارية من المسجد فجعل يصلّي إليها و يديم الصلاة،فقال عمر للعلاء بن المغيرة:ان يكن سرّ هذا كعلانيته فهو رجل أهل العراق غير مدافع.فقال العلاء:أنا آتيك بخبره.فأتاه و هو يصلّي بين المغرب و العشاء،فقال:اشفع صلاتك فان لي إليك حاجة ففعل،فقال له العلاء:قد عرفت حالي من الخليفة،فان أنا أشرت بك على ولاية العراق فما
تجعل لى؟قال عمالتي سنة-و العمالة بالضم أجرة العامل-و كان مبلغها عشرين ألف ألف درهم.قال:فاكتب لي بذلك.فأسرع إلى منزله و كتب له بذلك.
فأتى عمر بالكتاب،فلما رآه كتب إلى و الي الكوفة:ان بلالا غرّنا باللّه فكدنا نغتر،فسبكناه فوجدناه خبثا كلّه،و لا تستعن على عملك بأحد من آل أبي موسى (1)
الكامل للمبرّد 1:390. [1]
.الحكمة(393)
و قال عليه السلام:
لاَ تَصْحَبِ الْمَائِقَ- فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ وَ يَوَدُّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ أقول:في(الكافي)عنه عليه السلام إذا صعد المنبر قال:ينبغي للمسلم ان يجتنب مواخاة الثلاثة:الماجن و الأحمق و الكذّاب،فأما الماجن فيزيّن لك فعله و يحبّ أن تكون مثله و لا يعينك على أمر دينك و معادك،و مدخله و مخرجه عليك عار،و أمّا الأحمق فانّه لا يشير عليك بخير و لا يرجى لصرف السوء عنك،و لو أجهد نفسه،و ربما أراد منفعتك فضرّك،فموته خير من حياته، و سكوته خير من نطقه،و بعده خير من قربه،و امّا الكذّاب فانّه لا يهنيك معه عيش،ينقل إليك الحديث و ينقل حديثك حتى انّه يحدّث بالصدق فلا يصدّق و يغري بين الناس بالعداوة... (2).
و في خبر آخر عنه عليه السلام:لا عليك أن تصحب ذا العقل و ان لم تحمد كرمه،و لكن انتفع بعقله و احترس من سيئى أخلاقه،و لا تدعن صحبة الكريم فان لم تنتفع بعقله،و لكن انتفع بكرمه بعقلك و افرر الفرار كلّه
من اللئيم الأحمق (1)
الكافي 2:375 ح 5. [1]
.هذا،و نقل الكراجكي في(كنزه)عنه عليه السلام في الأصدقاء غير ما نقله المصنف فقرات منها:الناس اخوان،فمن كانت اخوته في غير ذات اللّه فهي عداوة،و ذلك قوله عز و جل: «الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ» (2)،ابذل لصديقك كلّ المودة و لا تبذل له كلّ الطمأنينة،و اعطه كلّ المواساة و لا تفض إليه بكلّ الأسرار،توفي الحكمة حقّها و الصديق واجبه، احتمل زلّة وليّك لوقت و ثبة عدوّك،من وعط أخاه سرّا فقد زانه و من وعظه علانية فقد شانه،من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه و حنينه إلى أوطانه و حفظه قديم اخوانه.اذا كان للمخالطة موضعا لا تكثرن العتاب فانّه يورث الضغينة و يجر إلى البغيضة (3).
و عن(التحف)عنه عليه السلام:ابذل لأخيك مالك و دمك،و لعدوّك عدلك و إنصافك،و للعامّة بشرك و احسانك،تسلم على الناس و يسلموا عليك (4).
هذا،و قال عبد اللّه بن طاهر:
أميل مع الذمام على ابن عمي و آخذ للصديق من الشفيق
و ان الفيتني ملكا مطاعا فانّك واجدي عبد الصديق
الحكمة(291)
و قال عليه السلام و قد عزّى الأشعث عن ابن له:
يَا؟أَشْعَثُ؟ إِنْ تَحْزَنْ عَلَى ابْنِكَ- فَقَدِ اسْتَحَقَّتْ مِنْكَ ذَلِكَ الرَّحِمُ- وَ إِنْ تَصْبِرْ فَفِي اللَّهِ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ خَلَفٌ- يَا؟أَشْعَثُ؟ إِنْ صَبَرْتَ- جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَ أَنْتَ مَأْجُورٌ- وَ إِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَ أَنْتَ مَأْزُورٌ- يَا؟أَشْعَثُ؟ ابْنُكَ سَرَّكَ وَ هُوَ بَلاَءٌ وَ فِتْنَةٌ- وَ حَزَنَكَ وَ هُوَ ثَوَابٌ وَ رَحْمَةٌ أقول:قول المصنف : «و قد عزّى الأشعث عن ابن له» انّما روى الكليني الكليني-الكافي-ج 3 ص 261 ح 40 (1)
الكافي 3:261 ح 40 و [1]التحف لابن أبي شعبة الحراني:145.
و ابن أبي شعبة ابن أبي شعبة الحراني-تحف العقول-ص 145 أنّه عليه السلام عزّاه عن أخ له بهذا الكلام بدون فقرة «سرك...» ،و بدون كلمة «على ابنك» ،ففي(الكافي):علي بن محمد عن صالح بن أبي حمّاد رفعه قال:جاء أمير المؤمنين عليه السلام إلى الأشعث يعزّيه بأخ له يقال له عبد الرحمن،فقال له:ان جزعت فحقّ الرحم أتيت،و ان صبرت فحقّ اللّه1) 1)
أديت،على انّك ان صبرت جرى عليك القضاء و أنت محمود و ان جزعت جرى عليك القضاء و أنت مذموم.فقال له الأشعث: «إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» .فقال عليه السلام له:أ تدري ما تأويلها؟قال:لا،أنت غاية العلم و منتهاه.فقال عليه السلام:اما قولك (1)
الكافي 3:261 ح 20. [1]
«إنّا للّه»فإقرار منك بالملك،و اما قولك«إنّا للّه و إنّا إليه راجعون»فإقرار منك بالهلك.و مثله الثاني في(تحفه) (2)،و رواه المبرد في( كامله المبرد-الكامل-ج 3 ص 1174 )من قوله«ان صبرت-إلى-و أنت مأزور» (3).
و كيف كان،فالتعزية مندوب إليها،ففي الخبر:قال داود عليه السلام:إلهي ما جزاء من يعزّي الحزين و المصاب ابتغاء مرضاتك؟قال:أن أكسوه رداء من أردية الايمان أستره به من النار و أدخله به الجنّة (4).
و في الخبر:قال موسى عليه السلام:يا ربّ ما لمن عزّى الثكلى؟قال:أظلّه في ظلّي يوم لا ظلّ إلاّ ظلّي (5).
أيضا قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:من عزّى مصابا كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر المصاب شيء (6).
هذا،و روى الخطيب في محمد بن بشر البغدادي ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عزّى معاذ بن جبل-و هو وال باليمن-عن ابن له،فكتب إليه:أعظم اللّه لك الأجر و ألهمك الصبر و رزقك الصبر عند البلاء و الشكر عند الرخاء،أنفسنا و أموالنا
و أهلونا من مواهب اللّه الهنيّة و عواريه المستودعة،يمتّعنا بها إلى أجل معدود و يقضيها لوقت معلوم،و حقّه علينا هناك اذا أبلانا الصبر،فعليك بتقوى اللّه و حسن العزاء،فان الحزن لا يردّ ميتا و لا يؤخّر أجلا،و ان الأسف لا يرد ما هو نازل بالعباد (1)
الخطيب 2:89.
.«يا أشعث إن تحزن على ابنك فقد استحقت منك ذلك» هكذا في(المصرية) (2)و الصواب:«ذلك منك»كما في(ابن أبي الحديد (3)و ابن ميثم و النسخة الخطية).
«الرحم» لشاعر:
و سميته يحيى ليحيا و لم يكن إلى رد أمر اللّه فيه سبيل
تيمنت فيه الفال حين رزقته و لم أدر ان الفال فيه يفيل
(4)في(الجزري)في وقائع سنة(612):توفي ولد الخليفة-و كان يلقّب الملك المعظّم-و حزن عليه الخليفة حزنا لم يسمع بمثله حتى انّه أرسل إلى أطراف الأصحاب ينهاهم عن إنفاذ رسول إليه يعزّيه بولده،و لم يقرأ كتابا و لا سمع رسالة و انقطع و خلا بهمومه و أحزانه،و رؤي عليه من الحزن و الجزع ما لم يسمع بمثله،و مشى جميع الناس بين يدي التابوت إلى تربة جدّته عند قبر معروف الكرخي،و لما أدخل التابوت اغلقت الأبواب و سمع الصراخ العظيم من داخل التربة،فقيل ان ذلك صوت الخليفة،و اما العامة ببغداد فانّهم وجدوا عليه وجدا شديدا،و دامت المناجاة عليه في أقطار بغداد ليلا و نهارا،و لم يبق
ببغداد محلّة إلاّ و فيها النوح،و لم تبق المرأة إلاّ و أظهرت الحزن (1)
الكامل للجزري 12:308. [1]
.و عن الزبير بن بكار:ان ابن الزبير خطب بعد قتل المصعب أخيه:أتانا من العراق خبر أحزننا و أفرحنا،فأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة (2).
«و ان تصبر ففي اللّه» أي:في ثوابه «من كلّ مصيبة خلف» .
قال الجاحظ:كان عليّ عليه السلام اذا عزّى قوما قال:ان تجزعوا فأهل ذلك الرحم،و ان تصبروا ففي ثواب اللّه عوض من كلّ فائت،و ان أعظم مصيبة أصيب بها المسلمون محمّد صلّى اللّه عليه و آله.
و قال سهل بن هارون:التهنئة بآجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة .
«يا أشعث ان صبرت جرى عليك القدر و أنت مأجور» .
خطوب المنايا صرحت عن مواهب مواهب أجر من نتاج المصائب
روي ان داود عليه السلام مات له ولد فحزن عليه،فأوحى إليه:ما كان يعدل هذا الولد عندك؟قال:ملء الأرض ذهبا.قال تعالى فلك عندي ملء الأرض ثوابا (3).
«و ان جزعت جرى عليك القضاء و أنت مأزور» ماضي مأزور«وزر»من باب علم و حسب و شرف،و أصله موزور،و انّما قيل مأزور في قبال مأجور و لو أفرد عنه يقال موزور.
و في(المعجم):عن الصولي قال:لما مات غلام أبي الجهم-من عمّال ابن الزيّات-خاطب ملك الموت و قال:
تركت عبيد بني طاهر و قد ملأوا الأرض عرضا و طولا
و أقبلت تسعى إلى واحدي ضرارا كأنّي قتلت الرسولا
فسوف ادين بترك الصلاة و اصطبح الخمر صرفا شمولا
(1)و قالوا:كان رجل من عاد مسمّى بحمار،فمات أولاد له بصاعقة فكفر كفرا عظيما،فلا يمرّ بأرضه أحد إلاّ دعاه إلى الكفر،فان أجابه و إلاّ قتله،و به يضرب المثل في قولهم«أكفر من حمار».
و قيل:المصيبة واحدة إن صبرت،و إلاّ فمصيبتان،و المصيبة بالأجر أعظم من المعصية بالاخر.
ان يكن ما أصبت به جليلا فذهاب العزاء فيه أجلّ
كل آت لا شك آت و ذو ال جهل معنى و الهم و الحزن فضل
و لما مات ابنا الفرزدق قال:
فما ابناك إلاّ من بني الناس فاصبري فلن يرجع الموتى حنين المآتم
و في(الجزري):مات ابن للسلطان ملك شاه في سنة(474)فجزع عليه جزعا شديدا و حزن عليه حزنا عظيما و منع من أخذه و غسله حتى تغيّرت رائحته و أراد قتل نفسه مرّات (2).
«يا أشعث ابنك» هكذا في(المصرية) (3)و لكن كلمة «ابنك» زائدة قطعا لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)،و أما «يا أشعث» فإنّما
هي في الأول (1)
شرح نهج [1]البلغة لابن ميثم 5:391 ح 75.
.«سرّك و هو بلاء و فتنة» «إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ» (2).
«و حزنك و هو ثواب و رحمة» عزّى رجل الهادي بن المهدي العباسي عن ابن له فقال:
كان لك من زينة الحياة الدّنيا و هو اليوم من الباقيات الصالحات
و قال الطائي:
عليك بثوب الصبر إذ فيه ملبس فإن ابنك المحمود بعد ابنك الصبر
و في(الطبري):قدم المهدي البصرة فمر في سكة قريش-و كانوا يتشأمون بها-و صاحب شرطته أمامه و ابنته البانوقة بينه و بين صاحب الشرطة في هيئة الفتيان عليها قباء أسود و منطقة و شاشة متقلّدة السيف و كان ثدياها قد رفعا القباء،ثم ماتت ببغداد فأظهر عليها المهدي جزعا لم يسمع بمثله،فجلس للناس يعزونه،فأكثر الناس و أجمعوا على أنّهم لم يسمعوا تعزية أو جز و أبلغ من تعزية شبيب ابن شيبة،فقال له:اللّه خير لها منك،و ثواب اللّه خير لك منها،و أنا أسأل ألا يحزنك و لا يفتنك (3).
و روى(الاستيعاب)عن ابراهيم بن الأشتر عن أبيه عن أم ذر زوجة أبي ذر قالت:بكيت.فقال أبو ذر:ما يبكيك؟فقلت:ما لي لا أبكي و أنت تموت بفلاة -إلى أن قال-فقال:فابشري و لا تبكي،فانّي سمعت النّبي صلّى اللّه عليه و آله يقول:لا يموت بين امرئين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران و يحتسبان فيريان النار أبدا، و قد مات لنا ثلاثة من الولد-... (4).
و في(كامل المبرد):قالت الخنساء ترثي أخاها معاوية بن عمرو من أبيها و أمّها:
أريقي من دموعك و استفيقي و صبرا ان أطقت و لن تطيقي
إلى أن قالت:
فلا و اللّه لا تسلاك نفسي لفاحشة أتيت و لا عقوق
و لكنّي رأيت الصبر خيرا من النعلين و الرأس الحليق
و قال في معنى البيت الأخير:ان المرأة اذا كانت أصيبت بحميم جعلت في يديها نعلين تصفق بهما صدرها و وجهها (1)
الكامل للمبرّد 3:1217. [1]
.و نظرت أعرابية إلى امرأة حولها عشرة من بنيها كأنّهم الصقور، فقالت:لقد ولدت لكم حزنا طويلا.
و قيل لاعرابية مات ابنها:ما أحسن عزاءك.فقالت:ان فقدي إيّاه آمنني من المصيبة بعده (2).
هذا،و قيل لأعرابي:كيف حزنك اليوم على ولدك؟فقال:ما ترك حب الغداء و العشاء لي حزنا.
الحكمة(413)
و قال عليه السلام:
مَنْ صَبَرَ صَبْرَ الْأَحْرَارِ وَ إِلاَّ سَلاَ سُلُوَّ الْأَغْمَارِ- وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ ع- قَالَ؟لِلْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ؟ مُعَزِّياً إِنْ صَبَرْتَ صَبْرَ الْأَكَارِمِ- وَ إِلاَّ سَلَوْتَ سُلُوَّ الْبَهَائِمِ
«من صبر صبر الأحرار و إلاّ سلا سلّو الأغمار» .
الأصل في سلا «سلا سلوا» مثل قعد قعودا،و أما«سلى سليا»فلغة.قال أبو زيد:السلو:طيب نفس الألف عن ألفه،كما أنّ الأصل في الغمر الصبي الذي لا عقل له،و يقال لكلّ من لا خير فيه و لا غناء عنده.
و في(المروج):اعتلّت حبابة مغنية يزيد بن عبد الملك و كانت ذات يوم غنّته فطرب طربا ثم قال:أريد أن أطير.
فقالت:فعلى من تدع الامة؟قال:إليك.و أقام أياما لا يظهر للناس،ثمّ ماتت فأقام أياما لا يدفنها جزعا عليها حتى جيفت،فقيل:ان الناس يتحدّثون بجزعك و ان الخلافة تجلّ عن ذلك،فدفنها و أقام على قبرها فقال:
فان تسل عنك النفس أو تدع الهوى فباليأس تسلو النفس لا بالتجلّد
و قالوا أيضا:لمّا توفيت أكبّ عليها يتشممها أياما حتى أنتنت-إلى أن قال-و طعن في جنازتها فدفنوه إلى سبعة عشر يوما (1)
المروج 3:198. [1]
.«و في خبر آخر أنّه قال للأشعث بن قيس معزّيا:إن صبرت صبر الأكارم و إلاّ سلوت سلوّ البهائم» (2).
قال ابن أبي الحديد:حكاه أبو تمام فقال:
و قال علي في التعازي لأشعث و خاف عليه بعض تلك المآثم
أتصبر للبلوى عزاء و حسبة فتوجر أم تسلو سلو البهائم
(3)قلت:و قد أخذه آخر فقال: إذا أنت لم تسل اصطبارا و حسبة سلوت على الأيام مثل البهائم
و في خبر آخر رواه المبرّد في(كامله):كان علي عليه السلام يقول عند التعزية:
«عليكم بالصبر فإنّ به يأخذ الحازم و إليه يعود الجازع» (1)
الكامل لأبي العباس المبرد 3:1174.
و في خبر آخر رواه ابن أبي شعبة في(تحفه)أنّه عليه السلام عزّى ابن عباس عن مولود صغير له مات فقال:لمصيبة في غيرك لك أجرها أحبّ إليّ من مصيبة فيك لغيرك ثوابها، فكان لك الأجر لا بك و حسن لك العزاء لا عنك و عوّضك اللّه عنه مثل الذي عوّضه منك (2).و في(تنبيه القالي)عن حذيفة:ما خلق اللّه تعالى شيئا إلاّ صغيرا ثم يكبر إلاّ المصيبة فانّه خلقها كبيرة ثم تصغر (3).
و في(الأغاني):كثر بكاء غيلان بن سلمة الثقفي على ابنه نافع لما قتل مع خالد بن الوليد بدومة الجندل،فعوتب في ذلك فقال:و اللّه لا تسمح عيني بمائها فأضنّ به على نافع،فلما تطاول العهد انقطع ذلك فقال:بلى نافع و بلى الجزع و فنيت الدموع و اللحاق به قريب (4).
هذا،و في(كامل المبرد):قال ابن عياش:نزلت بي مصيبة أو جعتني فذكرت قول ذي الرمة:
لعل انحدار الدمع يعقب راحة من الوجد أو يشفي نجي البلابل
فخلوت فبكيت فسلوت (5).
الحكمة(448)
و قال عليه السلام:
مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللَّهُ بِكِبَارِهَا أقول:في(كامل المبرد):قال علي بن الحسين عليه السلام حين مات ابنه فلم ير منه جزع،فسئل عن ذلك فقال:أمر كنّا نتوقعه فلما وقع لم ننكره (1)
الكامل للمبرّد 3:1204. [1]
.و قيل:ان حارث بن عبد اللّه الباهلي كان له بنون سبعة حلب لهم في علبة فمج فيها أفعى فبعث بها إليهم فشربوها فماتوا جميعا،و هلكت لجار له شاة فجعل يعلن بالبكاء عليها،فقال قائل:
يا أيها الباكي على شاته يبكي جهارا غير اسرار
ان الرزيئات و أمثالها ما لقي الحارث في الدار
(2)و قالوا:دخل كعب البقر الهاشمي على محمد بن عبد اللّه بن طاهر يعزّيه بأخيه فقال:أعظم اللّه مصيبة الأمير.فقال:أما فيك فقد فعل (3).
الحكمة(189)
و قال عليه السلام:
مَنْ لَمْ يُنْجِهِ الصَّبْرُ أَهْلَكَهُ الْجَزَعُ أقول:كما في يزيد بن عبد الملك في جاريته حبابة أهلكه الجزع لما لم يصبر فمات بعدها بأيام (4).
و روى(الكافي)عن الصادق عليه السلام قال:ان الصبر و البلاء يستبقان إلى المؤمن فيأتيه البلاء و هو صبور،و ان الجزع و البلاء يستبقان إلى الكافر فيأتيه البلاء و هو جزوع (1)
الكافي 3:223 ح 3. [1]
.و عنه عليه السلام قال:لا تعدّن مصيبة أعطيت عليها الصبر و استوجبت من اللّه تعالى عليها الثواب،انّما المصيبة التي يحرم صاحبها أجرها و ثوابها اذا لم يصبر عند نزولها (2).
هذا،و في(الحلية)مات للشبلي ابن كان اسمه غالبا فجزت امه شعرها عليه،و كان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلق الجميع،فقيل له:يا استاذ ما حملك على هذا؟فقال:جزّت هذه شعرها على مفقود فكيف لا أحلق لحيتي أنا على موجود (3).
قلت:و من العجب،هذا أحد معروفي مشايخ الصوفية و هذه أعماله،مع انّه نقل عن خير النساج قال:جاءنا الشبلي و هو سكران فنظرنا و لم يكلّمنا، فانهجم على الجنيد في بيته و هو جالس مع امرأته مكشوفة الرأس فهمّت أن تغطي رأسها فقال لها الجنيد:لا عليك ليس هو هناك.قال فصفق على رأس الجنيد و أنشأ يقول: «عودوني الوصال و الوصال عذب...»
(4). و قال:قال رجل:نراك جسيما بدينا و المحبة تضمني.فأنشأ:
أحب قلبي و ما درى بدني و لو درى ما أقام في السمن
(5)و نقل ان أبا بكر بن مجاهد قال له:أخبرت انّك تحرق الثياب و الخبز
و الأطعمة و ما ينتفع به الناس من منافعهم و مصالحهم،أين هذا من العلم و الشرع؟فقال له:قول اللّه «فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ» (1)
ص 33.
أين هذا من العلم؟فسكت ابن مجاهد و قال:كأنّي لم أقرأها قط (2).قلت:و كفاهما خزيا استدلالا و اقتناعا.
الحكمة(357)
وَ عَزَّى قَوْماً عَنْ مَيِّتٍ مَاتَ لَهُمْ فَقَالَ:
إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَيْسَ لَكُمْ بَدَأَ- وَ لاَ إِلَيْكُمُ انْتَهَى- وَ قَدْ كَانَ صَاحِبُكُمْ هَذَا يُسَافِرُ فَعُدُّوهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ- فَإِنْ قَدِمَ عَلَيْكُمْ وَ إِلاَّ قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ «إنّ هذا الأمر» أي:الموت الذي نزل بصاحبهم.
«ليس لكم بدأ» هكذا في النسخ،و لكن الظاهر ان الأصل «ليس بكم بدأ» .
«و لا إليكم انتهى» أخذ المعنى الفرزدق فقال لمّا مات ابناه مخاطبا لامرأته:
و قد رزىء الأقوام قبلي بابنهم و اخوانهم فاقني حياء الكرائم
و مات أبي و المنذران كلاهما و عمرو بن كلثوم شهاب الأراقم
و قد كان مات الأقرعان و حاجب و عمرو أبو عمرو و قيس بن عاصم
و قد مات بسطام بن قيس بن خالد و مات أبو غسان شيخ اللهازم
و قد مات خيراهم فلم يهلكاهم عشية بانا رهط كعب و حاتم
فما ابناك إلاّ من بني الناس فاصبري فلن يرجع الموتى حنين المآتم
و عزّى رجل آخر فقال:و العجب كيف يعزّي ميت ميتا عن ميت.
و في(عيون الصدوق):نعي إلى الصادق عليه السلام اسماعيل بن جعفر و هو أكبر أولاده-و هو يريد أن يأكل و قد اجتمع ندماؤه-فتبسّم ثم دعا بطعامه و قعد معهم و جعل يأكل أحسن من أكله سائر الأيام و يحثّهم على الأكل و يضع بين أيديهم و يعجبون منه ألا يرون للحزن أثرا،فلما فرغوا قالوا:يابن رسول اللّه لقد رأينا عجبا،أصبت بمثل هذا الابن و أنت كما ترى.قال:و مالي لا أكون كما ترون و قد جاءني خبر أصدق الصادقين أنّي ميّت و إيّاكم،ان قوما عرفوا الموت فجعلوه نصب أعينهم لم ينكروا من يخطفه الموت منهم و سلموا لأمر خالقهم عزّ و جل (1)
العيون للصدوق 2:2،و [1]نقله المجلسي في بحار الأنوار 47:18 ح 7. [2]
.«و قد كان صاحبكم هذا يسافر فعدوه في بعض أسفاره» هكذا في (المصرية) (2)و الصواب:«سفراته»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3).
«فإن قدم عليكم و إلاّ فأنتم قدمتم عليه» أخذ كلامه عليه السلام هذا الحجاج،فكتب إلى الوليد في جواب تعزيته له بأخيه محمّد:ما التقيت أنا و محمد منذ كذا و كذا سنة إلاّ عاما واحدا،و ما غاب عنّي غيبة،أنا لقرب اللقاء فيها أرجى من غيبته هذه في دار لا يفترق فيها.
و قال البحتري للذفافي في أخيه:
نودي كما أودي و نشرب كأسه الملأى و نسلك نهجه المسلوكا
(4)و قال أخو لبيد:
و انا و اخوان لنا قد تتابعوا لكالمغتدي و الرائح و المتهجر
و في(أمالي القالي):قال رجل من محارب يعزّي ابن عم له على ولده:
و ان أخاك الكاره الورد وارد و انّك مرأى من أخيك و مسمع
و انّك لا تدري بأيّة بلدة صداك و لا عن أي جنبيك تصرع
أ تجزع ان نفس أتاها حمامها فهلا التي عن بين جنبيك تدفع
(1)و قالوا:مات ابن لسليمان بن علي فجزع عليه جزعا شديدا حتى امتنع من الطعام و الشراب و جعل الناس يعزّونه فلا يحفل بذلك،فدخل عليه يحيى بن منصور فقال:عليكم نزل كتاب اللّه فأنتم أعلم بفرائضه،و منكم كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأنتم أعلم بسنّته،و لست ممّن يعلم من جهل و لا يقوّم من عوج،و لكن اعزّيك ببيت شعر.قال:هاته.قال:
و هون ما ألقى من الوجد أنّني اساكنه في داره اليوم أو غد
(2)قال:أعد فأعاد.فقال:يا غلام الغداء. و قال ابن أبي الحديد قال ابراهيم بن المهدي في ولد له:
يئوب إلى أو طانه كلّ غائب و أحمد في الغياب ليس يئوب
تبدل دارا غير داري و جيرة سواي و أحداث الزمان تنوب
أقام بها مستوطنا غير انّه على طول أيام المقام غريب
و اني-و ان قدّمت قبلي-عالم بأني-و إن أبطأت عنك-قريب
و ان صباحا نلتقي في مسائه صباح إلى قلبي الغداة حبيب
(3)و قال وضّاح اليمن في رثاء أبيه و أخيه لما أتاه نعيهما:
سأصبر للقضاء فكلّ حي سيلقى سكرة الموت المذوق
فما الدّنيا بقائمة و فيها من الأحياء ذو عين رموق
و للأحياء أيام تقضى يلف ختامها سوقا بسوق
كذلك يبعثون و هم فرادى ليوم فيه توفية الحقوق
(1)هذا و في(كامل المبرّد):قال رجل من أصحابنا:شهدت رجلا في طريق مكّة معتكفا على قبر و هو يردّد شيئا و دموعه تكفّ من لحيته،فدنوت لأسمع ما يقول،فجعلت العبرة تحول بينه و بين الإبانة،فقلت له:يا هذا.فرفع رأسه إليّ و كأنّما هب من رقدة فقال:ما تشاء.فقلت:أعلى أبيك تبكي؟قال:لا.قلت.
فعلى ابنك؟قال:لا،و لا على نسيب و لا صديق و لكن على من هو أخصّ منهم.
قلت:أو يكون أحد أخص ممّن ذكرت؟قال:نعم من أخبرك عنه،ان هذا المدفون كان عدوّا لي من كلّ باب،يسعى عليّ في نفسي و في مالي و في ولدي،فخرج إلى الصيد أيأس ما كنت من عطبه و أكمل ما كان من صحته، فرمى ظبيا فأفصده فذهب ليأخذه فإذا هو قد أنفذه حتى نجم سهمه من صفحة الظبي،فعثر فتلقى بفؤاده ظبة السهم فلحقه أولياؤه فانتزعوا السهم و هو و الظبي ميتان،فنمى إليّ خبره فأسرعت إلى قبره مغتبطا بفقده،فانّي لضاحك السن إذ وقعت عيني على صخرة فرأيت عليها كتابا فهلم فاقرأه- و أو مأ إلى الصخرة-فاذا عليها:
و ما نحن إلاّ مثلهم غير اننا أقمنا قليلا بعدهم و تقدّموا
قلت:اشهد انّك تبكي على من بكاؤك عليه أحقّ من النسيب (2).
قلت:لأنّه بكاء على نفسه و لا أعزّ من نفسه.
هذا،و قالوا:مات ابن لصالح بن عبد القدوس المرمي بالزندقة،فجزع عليه فقال له أبو الهذيل:لا أعرف لحزنك وجها اذا كان الناس عندك كالزرع.
قال:انّما أتوجع عليه لأنّه لم يقرأ كتاب الشكوك.قال:ما هو؟قال:كتاب وضعته من قرأه يشكّ فيما كان حتى يتوهّم انّه لم يكن،و فيما لم يكن حتى يتوهم انّه قد كان.فقال له أبو الهذيل:فشك أنت في موت ابنك و اعمل على انّه لم يمت و ان كان قد مات،و شك أيضا في انّه قد قرأ كتاب الشكوك و ان كان لم يقرأه.
هذا،و له عليه السلام كلام آخر لم ينقله المصنّف ذكره المبرّد في(كامله)فقال في باب اختصار الخطب:كان علي بن أبي طالب عليه السلام يقول عند التعزية:
«عليكم بالصبر فانّ به يأخذ الحازم و إليه يعود الجازع» (1)
الكامل للمبرّد 3:1174، [1]مرّ في صفحة 121.
.الحكمة(354)
وَ هَنَّأَ بِحَضْرَتِهِ رَجُلٌ رَجُلاً بِغُلاَمٍ وُلِدَ لَهُ- فَقَالَ لَهُ لِيَهْنِئْكَ الْفَارِسُ- فَقَالَ ع لاَ تَقُلْ ذَلِكَ- وَ لَكِنْ قُلْ شَكَرْتَ الْوَاهِبَ- وَ بُورِكَ لَكَ فِي الْمَوْهُوبِ- وَ بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ رُزِقْتَ بِرَّهُ قول المصنّف : «و هنّأ بحضرته رجل رجلا فقال ليهنئك الفارس» في (عيون القتيبي):قال الناجي:كنت عند الحسن البصري فقال رجل:ليهنئك الفارس.فقال الحسن:لعلّه يكون بغالا (2).
«فقال عليه السلام لا تقل ذلك» .و كما نهى عن «ليهنئك الفارس» في الولادة نهى
عن«بالرفاء و البنين»في التزويج،ففي(تاريخ بغداد):قدم عقيل البصرة فتزوج امرأة فقالوا:بالرفاء و البنين.فقال:لا تقولوا ذلك،فانّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله نهانا عن ذلك و أمرنا أن نقول:«بارك اللّه لك و بارك عليك» (1)
تاريخ بغداد 11:42. [1]
.هذا و في(فتوح البلاذري):دمون الذي تزوج أبو موسى الأشعري ابنته فولدت له أبا بردة خطة بالبصرة و فيه قالوا:الرفاء و البنون و خبز و كمون في بيت الدمون (2).
و قالوا:فارق شقيق بن مسليل امرأة و قال لها:
فامّا نكحت فلا بالرفا اذا ما فعلت و لا بالبنينا
اذا حملت إلى داره اعد لظهرك سوطا متينا
و كذلك نهى عن قول«استأثر اللّه بفلان»في التكنية عن موته،ففي (صفين نصر):لما قدم علي عليه السلام الكوفة نزل على باب المسجد،فدخل و صلّى ثم تحوّل و جلس إليه الناس،فسأل عن رجل من أصحابه كان ينزل الكوفة فقال قائل«استأثر اللّه به»فقال عليه السلام:ان اللّه لا يستأثر بأحد من خلقه،انما أراد اللّه بالموت اعزاز نفسه و إذلال خلقه (3).و قرأ «وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» (4).
و كذلك نهى عن قولهم«طاب استحمامك».
ففي(الكافي):قال أبو مريم الأنصاري:ان الحسن بن علي عليه السلام خرج من الحمام فلقيه انسان فقال:طاب استحمامك.فقال يا لكع و ما تصنع بالاست ههنا،فقال:«طاب حميك».فقال:أما تعلم ان الحميم العرق.قال«طاب
حمامك»قال:فاذا طاب حمامي فأي شيء لي؟قال:طهر ما طاب منك و طاب ما طهر منك (1)
الكافي 6:500 ح 21. [1]
.هذا،و في(الصحاح):كانت العرب تقول في الجاهلية اذا ولد لأحدهم بنت:«هنيئا لك النافجة»أي المعظمة لمالك لأنّك تأخذ مهرها فتضمّه إلى مالك فينفج (2).
و قال ابن أبي الحديد كانت تحية الجاهلية:«أبيت اللعن»فنهى عنها و جعل عوضها«سلام عليكم» (3).
قلت:انما كان«أبيت اللعن»عندهم تحية الملوك،و السلام تحية لجميع الناس فكيف يكون بدلا عنه؟ «و لكن قل شكرت الواهب و بورك لك في الموهوب و بلغ أشدّه و رزقت بره» في حديث الأربعمائة،عنه عليه السلام في أمر الدين و الدّنيا:اذا هنّأتم الرجل عن مولود ذكر فقولوا:بارك اللّه لك في هبته و بلغ أشده و رزقت بره (4).
و في(كامل المبرّد):يروى عن علي عليه السلام أنّه افتقد عبد اللّه بن عباس فقال:
ما باله لم يحضر؟فقالوا:ولد له مولود.فأتاه فهنأه فقال: «شكرت الواهب و بورك لك في الموهوب» ما سمّيته؟قال:أو يجوز أن أسميه حتى تسميه؟ فأمر به فأخرج إليه فأخذه و حنكه و دعا له ثم ردّه إليه و قال له:«خذ إليك أبا الأملاك،قد سمّيته عليّا و كنيته أبا الحسن».فلما قام معاوية قال لابن عباس ليس لكم اسمه و كنيته قد كنيته أبا محمد فجرت عليه (5)هذا،و في(اليتيمة):
كتب بعض العلوية إلى الصاحب:رزقت مولودا فسمّه و كنّه.فوقع في رقعته «أسعدك اللّه بالفارس الجديد و الطالع السعيد،فقد و اللّه ملأ العين قرّة و النفس مسرة و الاسم علي ليعلي اللّه ذكره و الكنية أبو الحسن ليحسن اللّه أمره،فانّي ارجو له فضل جدّه و سعادة جدّه،و قد بعثت لتعويذه دينارا من مائة مثقال قصدت به مقصد الفال رجاء أن يعيش مائة عام و يخلص خلاص الذهب الأبزر من نوب الأيام،و السلام» (1)
يتيمة الدهر 3:231. [1]
.و قيل لأعرابي و لد له ولد:جعله اللّه برّا تقيّا.فقال:لا بل جبّارا عصيّا يخافه أعداؤه و يؤمله أصدقاؤه.
1) 1)
الخطبة(11)
و من كلام له ع لابنه؟محمد بن الحنفية؟- لما أعطاه الراية؟يوم الجمل؟ تَزُولُ الْجِبَالُ وَ لاَ تَزُلْ- عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ أَعِرِ اللَّهَ جُمْجُمَتَكَ- تِدْ فِي الْأَرْضِ قَدَمَكَ- ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ وَ غُضَّ بَصَرَكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قول المصنّف : «و من كلام له عليه السلام» و في نسخة(ابن ميثم)«و من كلامه عليه السلام» (1)
في شرح نهج البلاغة لبن ميثم 1:286،«و من كلام له».
.«لابنه محمد بن الحنفية» اشتهر بالنسبة إلى امّه خولة الحنفية.قال ابن أبي الحديد هي بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة.قال قوم:إنّها من سبايا الردة في أيام أبي بكر على
1) 1)
يد خالد بن الوليد في ارتداد بني حنيفة و ادّعاء مسيلمة النبوّة (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:244. [1]
.و قال المدائني:إنّها من سبابا اليمن في أيام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في ارتداد زبيد مع عمرو بن معديكرب،و كانت زبيد سبتها من بني حنيفة فصارت في سهم علي عليه السلام،فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إن ولدت منك غلاما فسمّه باسمي و كنّه بكنيتي (2).
و قال البلاذري في(تاريخ أشرافه):ان بني أسد أغارت على بني حنيفة في أيام أبي بكر فسبوها و قدموا بها المدينة فباعوها من علي عليه السلام،و بلغ قومها خبرها فقدموا على علي و أخبروه بموضعها منهم فأعتقها و تزوجها (3).
قلت:و في(المروج):عن كتاب أخبار النوفلي:قال الوليد بن هشام المخزومي:خطب ابن الزبير فنال من علي عليه السلام،فبلغ ذلك ابنه محمّد بن الحنفية فجاء و وضع له كرسي قدامه فعلاه و قال:يا معشر قريش شاهت الوجوه أ ينتقص عليّ عليه السلام و أنتم حضور،ان عليّا كان سهما صائبا أحد مرامي اللّه على أعدائه،يقتلهم لكفرهم و يهوعهم مآكلهم،فثقل عليهم فرموه بصرفة الأباطيل فان تكن لنا في الأيام دولة ننثر عظامهم و نحسر عن أجسادهم و الأبدان يومئذ بالية، «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» .فعاد ابن الزبير إلى خطبته و قال:عذرت بني الفواطم يتكلّمون،فما بال ابن الحنيفة؟فقال محمد:يا ابن ام رومان و ما لي لا أتكلّم،أ ليست فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله حليلة أبي و ام اخوتي،أو ليست فاطمة بنت أسد بن هاشم
جدّتي،أو ليست فاطمة بنت عمرو بن عائذ جدّة أبي،أما و اللّه لو لا خديجة بنت خويلد ما تركت في بني أسد عظما إلاّ هشّمته (1)
المروج 3:89 [1] دار المعرفة و الآية(227)من سورة الشعراء.
«لما أعطاه الراية يوم الجمل» قال ابن أبي الحديد لما تقاعس محمد يوم الجمل عن الحملة و حمل علي عليه السلام بالراية فضعضع أركان عسكر الجمل،دفع إليه الراية و قال له:امح الاولى بالاخرى و هذه الأنصار معك.و ضمّ إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين في جمع منهم من أهل بدر،فحمل حملات كثيرة أزال بها القوم عن مواقفهم و أبلى بلاء حسنا،فقال خزيمة لعليّ عليه السلام:أما إنّه لو كان غير محمد اليوم لا فتضح،و لئن كنت خفت عليه الجبن و هو بينك و بين حمزة و جعفر لما خفناه عليه،و ان كنت أردت أن تعلمه الطعان فطالما علّمته الرجال.و قالت الأنصار:يا أمير المؤمنين لو لا ما جعل اللّه تعالى للحسن و الحسين عليهما السلام لما قدمنا على محمّد أحدا من العرب.فقال علي عليه السلام:أين النجم من الشمس و القمر،أما إنّه قد أغنى و أبلى و له فضله و لا ينقصه فضل صاحبيه عليه،و حسب صاحبكم ما انتهت به نعمة اللّه تعالى إليه فقالوا:إنّا و اللّه ما نجعلها كالحسن و الحسين عليهما السلام و لا نظلمهما له و لا نظلمه-لفضلهما عليه-حقه.فقال علي عليه السلام:اين يقع ابني من ابني النبي؟فقال خزيمة:
محمّد ما في عودك اليوم و صمة و لا كنت في الحرب الضروس معردا
أبوك الذي لم يركب الخيل مثله علي و سمّاك النبيّ محمّدا
فلو كان حقّا من أبيك خليفة لكنت و لكن ذاك ما لا يرى بدا
1) 1)
و أنت بحمد اللّه أطول غالب لسانا و انداها بما ملكت يدا
و أقربها من كلّ خير تريده قريش و أوفاها بما قال موعدا
و أطعنهم صدر الكمي برمحه و أكساهم للهام عضبا مهندا
سوى أخويك السيدين كلاهما امام الورى و الداعيان إلى الهدى
أبى اللّه أن يعطي عدوّك مقعدا من الأرض أو في اللوح مرقى و مصعدا
(1)قلت:و في(المروج):جاء ذو الشهادتين إلى علي عليه السلام فقال له:لا تنكس اليوم رأس محمّد و اردد إليه رأيته.فدعا به و ردّ عليه الراية و قال:
اطعنهم طعن أبيك تحمد لا خير في الحرب اذا لم توقد
بالمشرفي و القنا المشرد (2)قوله عليه السلام «تزول الجبال و لا تزل» الأصل في كلامه عليه السلام قوله تعالى: «إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ» (3).
قال ابن أبي الحديد في أخبار صفين:ان بني عك-و كانوا مع أهل الشام -حملوا في يوم حجرا و عقلوا أنفسهم بعمائمهم و تحالفوا أنّا لا نفرّ حتى يفرّ هذا الحكر-أي الحجر-تبدل عك الجيم كافا (4).
قلت:و في(الأغاني):كان عوف بن مالك عمّ المرقش الأكبر من فرسان بكر ابن وائل و هو القائل يوم قصة:يا لبكر بن وائل أ في كلّ يوم فرارا، محلوفي لا يمرّ بي رجل من بكر منهزما إلاّ ضربته بسيفي.و برك يقاتل فسمي يومئذ المبرك .
«عض على ناجذك» في(الصحاح):الناجذ:آخر الأضراس،و للإنسان أربعة نواجذ في أقصى الأسنان بعد الارحاء،و يسمّى ضرس الحلم لأنّه ينبت بعد البلوغ و كمال العقل،يقال«ضحك حتى بدت نواجذه»:اذا استغرب فيه (1)
الصحاح للجوهري 2:571، [1]مادة(نجذ).
.و في(الأساس):أبدى ناجذه اذا بالغ في ضحكه أو غضبه.قال بشر:
اذا ما الحرب أبدت ناجذيها غداة الروع و التقت الجموع
(2)و بين عليه السلام وجه أمره بالعض على الناجذ في موضع آخر بكونه أنبى للسيوف عن الهام.قالوا:لأن عظام الرأس تصلب حينئذ . «أعر اللّه جمجمتك» في(الصحاح):الجمجمة عظم الرأس المشتمل على الدماغ (3).
قال ابن أبي الحديد يمكن أن يكون في كلامه عليه السلام اشعار انّه لا يقتل في تلك الحرب،لأن العارية مردودة،و لو قال له«بع اللّه جمجمتك»لكان ذلك اشعارا له بالشهادة (4).
قلت:بل أعلمه ببقاء أجله،ففي المروج بعث عليه السلام إلى ابنه محمد-و كان صاحب رايته-احمل على القوم،فأبطأ كان بإزائه قوم من الرماة ينتظر نفاد سهامهم،فأتاه عليه السلام فقال له:هلاّ حملت؟فقال:لا أجد متقدّما إلاّ على سهم أو
سنان،و انّي لمنتظر نفاد سهامهم ثم أحمل.فقال عليه السلام:احمل بين الأسنة فان للموت عليك جنة (1)
مروج الذهب للمسعودي 2:366. [1]
.«تد» من وتد يتد.
«في الأرض قدمك» أي:اجعل قدمك ثابتة كالوتد.قال الشاعر:
لاقت على الماء جذيلا واتدا و كان لا يخلفها المواعدا
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » (2).
«ارم ببصرك أقصى القوم» في(العقد):قال علي عليه السلام:من أكثر النظر في العواقب لم يشجع (3).
«و غض بصرك» في(العقد):كان قتيبة بن مسلم يقول لأصحابه:اذا غزوتم فأطيلوا الأظفار و قصّوا الشعر،و الحظوا الناس شزرا و كلّموهم رمزا و اطعنوهم و خزا (4).
و كان ابو مسلم يقول لقواده:اشعروا قلوبكم الجرأة،فأنا من اسباب الظفر (5).
«و اعلم أنّ النصر من عند اللّه سبحانه» في(العقد): (6)كتب أنو شيروان إلى مرازبته:عليكم بأهل السخاء و الشجاعة فإنّهم أهل حسن الظنّ باللّه (7).
في(المروج):حمل محمد بن الحنفية فسكن بين الرماح و النشاب، فوقف فأتاه علي عليه السلام فضربه بقائم سيفه و قال:أدركك عرق من أمك-و أخذ الرأية و حمل و حمل الناس معه،فما كان القوم إلاّ كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف (1)
المروج 2:366. [1]
.و في(جمل المفيد):قال محمد بن عبد اللّه بن عمر بن دينار:قال علي عليه السلام لابنه محمد:خذا الراية و امض-و هو خلفه-فناداه يا أبا القاسم.فقال:يا بنيّ لا يستفزنك ما ترى قد حملت الراية و أنا أصغر منك فما استفزني عدوّي،و ذلك أنّني لم أبارز أحدا إلاّ حدثتني نفسي بقتله،فحدّث نفسك بعون اللّه تعالى بظهورك،و لا يخذلك ضعف النفس فان ذلك أشدّ ألخذلان.قال:يا أباه أرجو أن أكون كما تحب.قال:فالزم رايتك،فان اختلفت الصفوف فقف مكانك و بين أصحابك،فان لم تبن من أصحابك فاعلم أنّهم سيرونك.قال محمد:و واللّه اني لفي وسط أصحابي و صاروا كلّهم خلفي و ما بيني و بين القوم أحد يردّهم عني و أنا اريد أن أتقدّم في وجوه القوم،فما شعرت إلاّ بأبي خلفي قد جرّد سيفه و هو يقول:لا تقدم حتى أكون أمامك.فتقدّم بين يدي يهرول و معه طائفة من أصحابه،فضرب الذين في وجهه فنظرت إليه يفرج الناس يمينا و شمالا و يسوقهم أمامه،فأردت أن أجول فكرهت خلافه حتى انتهى إلى الجمل و حوله أربعة آلاف مقاتل من بني ضبة و الأزد و تميم و غيرهم و صاح:
اقطعوا البطان.فأسرع محمد بن أبي بكر فقطعه و اطلع الهودج (2).
و قال ابن جريح:لمّا ردّ علي عليه السلام الراية إلى ابنه محمد قال له:احسن حملها و توسّط أصحابك و لا تخفض عاليها و اجعلها مستشرفة يراها
أصحابك.ففعل.فقال عمّار لمحمّد:ما أحسن ما حملت الرأية اليوم.فقال له علي عليه السلام:بعد ما ذا.فقال عمّار:ما العلم إلاّ بالتعلّم (1)
الجمل للمفيد:192. [1]
.و عن المدائني و الواقدي:زحف علي عليه السلام بنفسه نحو الجمل و دفع الراية إلى ابنه محمد و قال:أقدم بها حتى تركزها في عين الجمل و لا تقفن دونه،فتقدّم فرشقته السهام،فأنفذ إليه علي عليه السلام يستحثه،فلما أبطأ عليه جاء بنفسه من خلفه فوضع يده اليسرى على منكبه الأيمن و قال له:اقدم لا أمّ لك.
فكان محمّد اذا ذكر ذلك يبكي و يقول:لكأني أجد ريح نفسه في قفاي،و اللّه لا أنسى ذلك أبدا.فتناول الراية منه بيده اليسرى و ذو الفقار مشهور في يده اليمنى،ثم حمل فغاص في عسكر الجمل ثم رجع و قد انحنى سيفه فأقامه بركبته.فقال له بنوه و أصحابه و الأشتر و عمّار:نحن نكفيك،فلم يجب أحدا منهم و لا ردّ إليهم بصره و ظلّ ينحط و يزأر زئير الأسد حتى فرّقه من حوله و تبادروه و انّه لطامح بصره نحو عسكر البصرة لا يبصر من حوله و لا يردّ حوارا ثم دفع الراية إلى محمّد،ثم حمل حملة ثانية وحده فدخل وسطهم فضربهم بالسيف قدما قدما و الرجال تفرّ من بين يديه و تنحاز عنه يمنة و شامة،حتى خضّب الأرض بدماء القتلى،ثم رجع و قد انحنى سيفه فأقامه بركبته فأعصوصب به أصحابه و ناشدوه اللّه في نفسه و في الإسلام و قالوا:
انّك ان تصب يذهب الدين.فقال:و اللّه ما أريد بما ترون إلاّ وجه اللّه و الدّار الآخرة.ثم قال لمحمّد:هكذا اصنع يابن الحنفية.فقال الناس:من الذي يستطيع يا أمير المؤمنين ما تستطيعه.
و روى الواقدي-كما في(جمل المفيد)-عن ابن الحنفية قال:فالتقينا و أبي خلفي بين كتفي يقول:يا بني تقدّم.فقلت:ما أجد متقدّما إلاّ على الأسنة،
1) 1)
فغضب و قال:أقول لك تقدّم و تقول هكذا،ثق باللّه و تقدّم بين يدي على الأسنة.
و تناول الرواية مني،و تقدّم يهرول بها فأخذتني حدّه فلحقته و قلت:أعطنيها.
فأعطانيها و قد عرفت ما وصف لي،ثم تقدّم بين يدي و جرّد سيفه فرمقت لضربه و اذا يورد السيف و يصدره و لا أرى فيه دما يسرع اصداره فيسبق الدم-إلى أن قال-و صاح:يا ابن أبي بكر اقطع البطان.فقطعه و تلقوا الهودج- فكأن و اللّه الحرب جمرة صبّ عليها الماء (1)
الجمل للمفيد:191. [1]
.الحكمة(233)
و قال عليه السلام لابنه الحسن:
لاَ تَدْعُوَنَّ إِلَى مُبَارَزَةٍ وَ إِنْ دُعِيتَ إِلَيْهَا فَأَجِبْ- فَإِنَّ الدَّاعِيَ بَاغٍ وَ الْبَاغِيَ مَصْرُوعٌ أقول:رواه المبرد في( كامله المبرد-الكامل في الأدب- ) 2،و روى( الكافي الكليني-الكافي-باب(طلب مبارزته)ج 5 ص 34 ح 2 )نظيره،روى في باب (طلب مبارزته)أنّ رجلا دعا بعض بني هاشم إلى البراز،فأبى أن يبارزه،فقال له علي عليه السلام:ما منعك أن تبارزه.قال:كان فارس العرب و خشيت أن يغلبني.
فقال عليه السلام:انّه بغى عليك،و لو بارزته لغلبته،و لو بغى جبل على جبل لهد الباغي 3.
و في(صفين نصر)-بعد ذكر قتل جمع كثير من أهل الشام-أنّ ابرهة بن الصباح الحميري-و كان من رؤساء أصحاب معاوية-قام فقال:ويلكم يا معشر أهل اليمن و اللّه اني لأظن ان اللّه قد اذن لفنائكم،و يحكم خلوا بين هذين
1) 1)
الرجلين فليقتتلا فأيّهما قتل صاحبه ملنا معه جميعا.فبلغ ذلك عليّا عليه السلام.فقال:
صدق ابرهة،و اللّه ما سمعت بخطبة منذ وردت أهل الشام أنا بها أشدّ سرورا منّي بهذه.و بلغ معاوية كلام ابرهة فتأخّر آخر الصفوف و قال لمن حوله:انّي لأظن ابرهة مصابا في عقله.فأقبل أهل الشام يقولون:و اللّه ان ابرهة لأفضلنا دينا و رأيا و بأسا،و لكن معاوية كره مبارزة علي.
فبرز عروة بن داود الدمشقي فقال:يا أبا الحسن ان كان معاوية كره مبارزتك فهلم إليّ،فتقدّم إليه علي عليه السلام،فقال له أصحابه:ذر هذا الكلب فانّه ليس لك بخطر.فقال عليه السلام:و اللّه ما معاوية اليوم بأغيظ لي منه دعوني و إيّاه.ثم حمل عليه فضربه فقطعه قطعتين سقطت إحداهما يمنة و الاخرى يسرة فارتجّ العسكران لهول الضربة ثم قال عليه السلام«يا عروة اذهب فأخبر قومك،أما و الذي بعث محمّدا بالحقّ لقد عاينت النار و أصبحت من النادمين»و قال عبد اللّه ابن عبد الرحمن الأنصاري:
عرو يا عرو قد لقيت حماما إذ تقحمت في حما اللهوات
أعليّا-لك الهوان-تنادي ضيغما في أياطل الحومات
ليس للّه فارس كأبي الشبلين ما أن يهوله المقلقات
مؤمنا بالقضاء محتسبا بالخير يرجو الثواب بالسابقات
ليس يخشى كريهة في لقاه لا و لا ما يجيء بالآفات
فلقد ذقت في الجحيم نكالا و ضراب المقامع المحميات
يابن داود قد وقيت ابن هند ان يكون القتيل بالمقفرات
و حمل ابن عم لعروة على علي عليه السلام فألحقه بعروة و معاوية واقف على التلّ يبصر و يشاهد،فقال:تبا لهذه الرجال و قبحا،أما فيهم من يقتل هذا مبارزة أو غيلة أو في اختلاط الفيلق و ثوران النقع.فقال له الوليد بن عقبة:
ابرز إليه أنت فإنّك أولى الناس بمبارزته.فقال:و اللّه لقد دعاني إلى البراز حتى استحييت من قريش،و إنّي و اللّه لا أبرز إليه و ما جعل العسكر إلاّ وقاية للرئيس.و قال معاوية لبسر بن أرطاة:أتقوم لمبارزته؟فقال:ما أحد أحقّ بها منك،و إذ أبيتموه فأنا له،و كان أتى بسرا من الحجاز ابن عم له يخطب ابنته فقال له:اني سمعت أنّك وعدت من نفسك أن تبارز عليا فما يدعوك إلى ذلك؟ قال:الحياء خرج مني شيء فأنا أستحي أن أرجع عنه.
فغدا علي عليه السلام منقطعا من خيله و معه الأشتر،فاستقبله بسر و ناداه:
ابرز إلى أبا حسن،فانحدر إليه علي عليه السلام على تؤدة غير مكترث به حتى اذا قاربه طعنه و هو دارع،فألقاه إلى الأرض فقصد بسر أن يكشفها ليستدفع بأسته،فانصرف عنه علي عليه السلام مستدبرا له،فعرفه الأشتر حين سقط فقال له عليه السلام:هذا بسر عدوّ اللّه و عدوّك.فقال عليه السلام دعه عليه لعنة اللّه أبعد أن فعلها -و كان قبله عمرو بن العاص فعل ذلك-فقال النضر بن الحارث:
أفي كلّ يوم فارس تندبونه له عورة وسط العجاجة بادية
يكفّ بها عنه علي سنانه و يضحك منها في الخلاء معاوية
بدت أمس من عمرو فقنع رأسه و عورة بسر مثلها حذ و حاذية
فقولا لعمرو و ابن ارطاة أبصرا سبيلكما لا تلقيا الليث ثانية
و لا تحمدا إلا الحيا و خصاكما هما كانتا و اللّه للنفس واقية
(1)هذا،و في(الطبري)في غزوة احد:قال طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين:يا معشر أصحاب محمّد انّكم تزعمون أنّ اللّه يعجلنا بسيوفكم إلى النار و يعجلكم بسيوفنا إلى الجنّة،فهل منكم أحد يعجله اللّه بسيفي إلى الجنّة أو يعجّلني بسيفه إلى النار.فقام إليه علي عليه السلام فقال:و الذي نفسي بيده لا
1) 1) وقعة صفين لنصر بن مزاحم:457. [1]
أفارقك حتى اعجلك أو تعجّلني.فضربه فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال:أنشدك اللّه و الرحم يابن عم.فتركه فكبّر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قال له:ما منعك أن تجهز عليه؟قال:ان ابن عمّي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه (1)
تاريخ الملوك للطبري 2:194.
.ثم مورد كلامه عليه السلام فيمن دعا شخصا خالصا إلى المبارزة بكونه باغيا مصروعا دون من دعا إلى المبارزة عاما فيمكن ألا يكون بمصروع.
و في(صفين نصر):ذكر صعصعة ان كريب بن الصباح من آل ذي يزن -و لم يكن في أهل الشام أشهر منه شدّة بالبأس-برز و نادى من يبارز،فبرز إليه المرتفع بن وضاح الزبيدي فقتل المرتفع ثم نادى من يبارز،فبرز إليه الحارث بن جلاح فقتله،ثم نادى من يبارز فبرز إليه عائذ بن مسروق الهمداني فقتل عائذا،ثم رمى بأجسادهم بعضها فوق بعض ثم قام عليها بغيا و اعتداء، ثم نادى هل من مبارز،فبدر إليه عليّ عليه السلام ثم ناداه:ويحك يا كريب إنّي احذّرك و أدعوك إلى سنّة اللّه و سنّة رسوله،ويحك لا يدخلك ابن آكلة الأكباد النار.
فأجاب:ما أكثر ما سمعنا هذه المقالة منك فلا حاجة لنا فيها،أقدم اذا شئت من يشتري سيفي و هذا أثره.فقال علي عليه السلام:لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه.ثم مشى إليه، فلم يمهله ان ضربه ضربة خر منها قتيلا يتشحط في دمه.
ثم نادى عليه السلام من يبارز.فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتله.ثم نادى من يبارز،فبرز إليه المطاع بن المطلب العبسي فقتله.ثم نادى من يبارز، فلم يبرز إليه أحد.فنادى:يا معشر المسلمين «الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» (2).
هذا،و في(صفين نصر):مرّ علي عليه السلام-و معه بنوه-نحو الميسرة و النبل يمرّ بين عاتقه و منكبيه،و ما من بنيه أحد إلاّ يقيه بنفسه و يكره عليّ ذلك-إلى أن قال-فبصر به أحمر مولى أبي سفيان أو بعض بني اميّة فقال عليّ:و ربّ الكعبة قتلني اللّه إن لم أقتلك.فأقبل نحوه عليه السلام،فخرج إليه كيسان مولى علي علي فقتله مولى بني امية،ثم خالط عليّا ليضربه بالسيف فانتهزه علي عليه السلام،فوقع يده في جيب درعه فجذبه ثم حمله على عاتقه و رجلاه تختلفان على عنقه ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه و عضده و شد ابناه الحسين و محمد عليه فضرباه و علي عليه السلام ينظر إليهما حتى قتلاه،ثم أقبلا إلى أبيهما و الحسن عليه السلام معه قائم قال:يا بني ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك؟ قال:كفياني يا أمير المؤمنين (1)
وقعة صفين لنصر بن مزاحم:249. [1]
.و في(الطبري):لمّا لحلق الحر بالحسين عليه السلام قال يزيد بن سفيان التميمي:لو أنّي رأيته حين خرج لأتبعته السنان.ثم لما حمل الحر عليهم قال الحصين بن تميم ليزيد:هذا الحر الذي كنت تتمنى؟قال:نعم.فخرج إليه و قال له:هل لك يا حر في المبارزة؟قال:نعم.فبرز له فكأنّما كانت نفسه في يده فما لبثه حين خرج إليه أن قتله (2).
و في(الأغاني)-في وقعة دولاب-قال سلامة الباهلي:لمّا قتلت نافع بن الأزرق رئيس الأزارقة فإذا أنا برجل ينادي و أنا واقف في خميس بني تميم يعرض عليّ المبارزة،و جعل يطلبني و أنا أنتقل من خميس إلى خميس و ليس يزايلني،فصرت إلى رحلي ثم رجعت فدعاني،فلما أكثر خرجت إليه فاختلفنا ضربتين فضربته فصرعته و نزلت فأخذت رأسه و سلبته،فإذا هي امرأته قد
رأتني حين قتلته فخرجت لتثأربه (1)
الأغاني 6:144. [1]
.و في(عيون القتيبي)و غيره:قال أبو الأغر التميمي:اني لو اقف يوم صفين إذ نظرت إلى العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب و هو على فرس أدهم و كأن عينيه عينا أفعى،فبينا هو يلين من عريكته إذ هتف به هاتف من أهل الشام يقال له عرّار بن أدهم:يا عباس هلم إلى البراز فبرز إليه العباس فقتله-إلى أن قال-فقال له علي عليه السلام:ألم أنهك و حسنا و حسينا و عبد اللّه بن جعفر أن تخلوا مراكزكم و تبارزوا أحدا.قال:ان ذلك لكذلك.قال فما عدا مما بدأ.قال:أ فأدعى إلى البراز فلا أجيب جعلني اللّه فداك؟قال:نعم طاعة إمامك أولى بك من إجابة عدوّك،ودّ معاوية أن لا يبقى من بني هاشم نافخ ضرمة إلاّ طعن في نيطه إطفاء لنور اللّه.ثم رفع يديه و قال:اللّهم اشكر للعباس مقامه و اغفر ذنبه فاني قد غفرت له (2).
و مما ينخرط في هذا الباب من ان من دعا غيره إلى المبارزة يكون باغيا و الباغي مصروع هالك،قصّة عمرو بن الليث الصفار مع اسماعيل بن أحمد الساماني،ففي(الكامل):سار عمرو في سنة(287)إلى إسماعيل فأرسل إليه إسماعيل أنّك و ليت دنيا عريضة و انّما في يدي ما وراء النهر و أنا في ثغر فاقنع بما في يدك و اتركني في هذا الثغر.فأبى فذكر له شدّة العبور بنهر بلخ فقال:لو شئت أن اسكره ببدر الأموال لفعلت.فنزل بلخ فسار اسماعيل نحوه و أخذ عليه النواحي،فصار عمرو كالمحاصر فندم على ما فعل،فاقتتلوا فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم عمرو فولّى هاربا و مر في طريقه بأجمة فقال لعامّة من معه:امضوا في الطريق.و سار هو و نفر يسير في الأجمة،فوحلت به
دابته فمضى من معه و جاء أصحاب اسماعيل فأخذوه أسيرا،فسيّره اسماعيل إلى المعتضد فحبس حتى قتل (1)
الكامل لابن الأثير 7:501-502. [1]
.الخطبة(121)
و من كلام له عليه السلام قاله لأصحابه في ساعة الحرب:
وَ أَيُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ- رَبَاطَةَ جَأْشٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ- وَ رَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلاً- فَلْيَذُبَّ عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ- الَّتِي فُضِّلَ بِهَا عَلَيْهِ- كَمَا يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ- فَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ- إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ لاَ يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ- وَ لاَ يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ- إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ- وَ الَّذِي نَفْسُ؟ابْنِ أَبِي طَالِبٍ؟ بِيَدِهِ- لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ- مِنْ مِيتَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ أقول:رواه الواقدي مع تأخير و تقديم و زيادات،ففي( جمل الشيخ المفيد-الجمل-ص 150 و 151 المفيد):روى الواقدي عن عبد اللّه بن عمر بن علي عليه السلام عن أبيه قال:لمّا سمع أبي أصوات الناس يوم الجمل-و قد ارتفعت-قال لابنه محمد:ما يقولون؟قال:يقولون يا ثارات عثمان.فشدّ عليه،و أصحابه يقولون له:ارتفعت الشمس.و هو يقول لهم:الصبر أبلغ حجّة.ثم قام خطيبا يتوكأ على قوس عربية و قال بعد الحمد و الصلاة:أما بعد،فان الموت طالب حثيث لا يفوته الهارب و لا يعجزه فأقدموا و لا تنكلوا،و هذه الأصوات التي تسمعونها من عدوّكم فشل و اختلاف،إنّا كنّا نؤمر في الحرب بالصمت،فعضّوا على الناجذ و اصبروا لوقع السيوف، فوالذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون عليّ من موتة على فراشي، فقاتلوهم صابرين محتسبين،فان الكتاب معكم و السنّة معكم و من كانا معه
1) 1)
فهو القوي أصدقوهم،فأي امرئ أحسّ من نفسه شجاعة و اقداما و صبرا عند اللقاء فلا يبطرنه و لا يرى ان له فضلا على من دونه،و ان رأى من أخيه فشلا و ضعفا فليذبّ عنه كما يذبّ عن نفسه،فان اللّه لو شاء لجعله مثله... (1)
الجمل للمفيد:150-151 و [1]هي رواية الواقدي.
.و روى صدره( إرشاد الشيخ المفيد-الإرشاد-ص 134 المفيد)مع زيادات فقال:لمّا دخل عليه السلام البصرة حرّض أصحابه على الجهاد و قال في جملة كلامه:انهدّوا إليهم و كونوا أشدّاء عليهم و القوهم صابرين تعلمون أنّكم منازلوهم و مقاتلوهم و لقد و طّنتم أنفسكم على الطعن الدعسي و الضرب الطلحفي و مبارزة الأقران و أي امرئ منكم-إلى قوله«فلو شاء اللّه لجعله مثله»مع اختلاف يسير (2).
و روى ذيله( الكافي الكليني-الكافي-ج 5 ص 53 ح 4 )مع زيادات فقال:علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن محبوب رفعه انّه عليه السلام خطب يوم الجمل-إلى أن قال-أيّها الناس ان الموت لا يفوته المقيم و لا يعجزه الهارب،ليس عن الموت محيص و من لم يقتل يمت ان أكرم الموت القتل (3).
قول المصنف : «و من كلام له عليه السلام» لو كان قال«و من خطبة له عليه السلام»كان أيضا صحيحا لما عرفت من رواية الكليني و الواقدي من كون كلامه عليه السلام خطبة.
«قال لأصحابه في ساعة الحرب» هكذا في(المصرية) (4)و مثله(ابن أبي الحديد) (5)لكن في(ابن ميثم):«قال لأصحابه وقت الحرب»و هو الأصح حيث ان نسخته بخط مصنّفه مع انّه يصدقه(الخطية).و كيف كان فلو كان قال«قبل
الحرب»أو«لمّا أراد الحرب»حيث ان في رواية الواقدي بعد ذكر الخطبة«ثم دعا عليه السلام بدرعه فلبسه»كان أحسن (1)
الجمل:150-151 و هي رواية الواقدي.
.و كيف كان فقد عرفت أن المراد حرب الجمل و لم يتفطنّ له الشّراح حتى قال الخوئي:لم أظفر بعد على انّه أيّ حرب.
قوله عليه السلام «و أي امرئ منكم أحسّ» أي:وجد.و الأصل فيه سمع حسّه.
«من نفسه رباطة جأش» الأصل في الجأش الهمز (2)،و في(الصحاح):يقال«فلان رابط الجأش»و الجأش الرواع إذا اضطرب عند الفزع،أي يربط نفسه عن الفرار لشجاعته.
«عند اللقاء» أي:لقاء العدو في الحرب .
«و رأى من أحد من إخوانه فشلا» أي:جبنا .
«فليذب» أي:يدفع العدو.
«عن أخيه بفضل نجدته» أي:زيادة شجاعته.
«كما يذبّ عن نفسه» العدوّ لأن مقصد الكلّ واحد إقامة الدين و تقويته.
و في(الطبري)في وقعة الطف:قاتل عمرو بن خالد الصيداوي و جابر بن الحارث السلماني و سعد مولى عمر بن خالد و مجمع بن عبد اللّه العائذي في أوّل القتال،فشدّوا مقدمين بأسيافهم على عسكر ابن سعد،فلما و غلوا عطفوا عليهم فأخذوا يحوزونهم و قطعوهم من أصحابهم غير بعيد،فحمل عليهم العباس بن علي فاستنقذهم،فجاءوا قد جرحوا،فلما دنا منهم عدوّهم شدّوا بأسيافهم فقتلوا في أوّل الأمر في مكان واحد (3).
«فلو شاء اللّه لجعله» أي:المحس من نفسه رباطة جأش.
«مثله» أي:مثل أخيه الذي رأى منه فشلا،فيجب عليه الذبّ عنه شكرا .
«إنّ الموت طالب حثيث» أي:سريع.
«لا يفوته المقيم» «أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ » (1)
النساء:78. [1]
.«و لا يعجزه الهارب» «قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ » (2).
«ان أكرم الموت القتل» فلم لا يذبّ عن أخيه خوف القتل.و زاد في(ابن ميثم)«بالسيف » (3).
«و الذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي» هكذا في (المصرية) (4)و كلمة «علي» زائدة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (5).
«من ميتة على الفراش في غير طاعة اللّه» هكذا في(المصرية)أخذا من(ابن أبي الحديد)في قوله«في غير طاعة اللّه»حيث جعله بين قوسين كما هو دأبه في ما يأخذ منه،و ليس في(ابن ميثم)،و الظاهر زيادته لصحّة نسخة ابن ميثم و لعدم وجوده في رواية الواقدي و رواية الكليني المتقدّمتين،و لأنّ المقام لا يقتضيه (6).
هذا،و قد عرفت أن رواية الواقدي«و الذي نفسي بيده لألف ضربة
بالسيف أهون عليّ من موتة على فراشي».
في(العقد):كانوا يتمادحون بالموت قتلا و يتهاجون بالموت على الفراش و يقولون فيه:مات حتف أنفه،و أوّل من قاله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.
و خطب ابن الزبير لمّا بلغه قتل أخيه مصعب فقال:ان يقتل فقد قتل أبوه و أخوه و عمّه،إنّا و اللّه لا نموت حتفا و لكن تحت ظلال السيوف (1)
العقد الفريد لابن عبد ربه 1:101. [1]
.و قال ابن أبي الحديد روي أنّه قيل لأبي مسلم الخراساني:ان في بعض الكتب المنزلة:«من قتل بالسيف فبالسيف يقتل»فقال:القتل أحبّ إليّ من اختلاف الأطباء و النظر في الماء و مقاساة الدواء فذكر ذلك للمنصور فقال:قد أبلغناه محبته.قلت:و قال المنصور له وقت قتله:
زعمت أن الدين لا يقتضى فاستوف بالكيل أبا مجرم
سقيت كأسا كنت تسقي بها أمرّ في الحلق من العلقم
(2)و في(الطبري):كان أبو مسلم قتل في دولته و حروبه ستمائة ألف صبرا (3).
الكتاب(16)
و كان يقول عليه السلام لأصحابه عند الحرب:
لاَ تَشْتَدَّنَّ عَلَيْكُمْ فَرَّةٌ بَعْدَهَا كَرَّةٌ- وَ لاَ جَوْلَةٌ بَعْدَهَا حَمْلَةٌ- وَ أَعْطُوا السُّيُوفَ حُقُوقَهَا- وَ وَطِّئُوا لِلْجُنُوبِ مَصَارِعَهَا- وَ اذْمُرُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الطَّعْنِ الدَّعْسِيِّ وَ الضَّرْبِ الطِّلَحْفِيِّ- وَ أَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ
لِلْفَشَلِ- فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ- مَا أَسْلَمُوا وَ لَكِنِ اسْتَسْلَمُوا وَ أَسَرُّوا الْكُفْرَ- فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ أقول:انّما ذكره في باب الكتب و الملحق بها من العهود و الوصايا لأنّه عطفه كسابقه على قوله في(14)«و من وصية له عليه السلام لعسكره»،و لو كان ذكره في الأوّل أو الثالث كان له وجه أيضا.
قول المصنف : «و كان يقول عليه السلام» هكذا في(المصرية) (1)
راجع الطبعة المصرية:شرح محمد عبده:532،و كذا ابن ابي الحديد،شرح نهج البلاغة 15:114 الرواية:16.
و مثله ابن أبي الحديد و لكن في(ابن ميثم):«و كان عليه السلام يقول» (2).«لأصحابه عند الحرب» ظاهر ذيل العنوان«فو الذي...»دليل على أنّه عليه السلام قاله في صفين،لأنّ معاوية هو الذي ما أسلم و لكن استسلم،إلاّ أنّ الظاهر أنّ المصنّف التقط من مواضع،فرواه(الكافي)بدون ذيله،فروى في باب ما يوصي عليه السلام عند القتال أنّه عليه السلام قال:و إذا حملتم فاحملوا فعل رجل واحد، و عليكم بالتحامي،فان الحرب سجال،لا يشتدن عليكم كرّة بعد فرّة،و لا حملة بعد جولة،و من ألقى إليكم السلم فاقبلوا منه،و استعينوا بالصبر فان بعد الصبر النصر من اللّه عز و جل ان الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتّقين (3).
قوله عليه السلام «لا يشتدن عليكم فرّة بعدها كرّة و لا جولة بعدها حملة» لانجبار الاولى بالثانية،و انّما يجب أن يشتدّ عليهم فرّة بدون كرّة و جولة بدون حملة، ثم قد عرفت ان(الكافي)رواه بلفظ آخر .
«و اعطوا السيوف حقوقها» فان المقصود من حملها الضرب بها،قال:
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم و لم تكثر القتلى بها حين سلت
(1)أي اذا سلّوها لم يشيموها إلاّ بعد كثرة القتلى بها،و من لا يعطي السيف حقّه يكون كمن قيل فيه:
و ما تصنع بالسيف وضع سيفك خلخالا
«و وطئوا» هكذا في(المصرية) (2)و نقله ابن ميثم«و وطنوا»و نسب «وطئوا»إلى رواية (3).
«للجنوب مصارعها» فسّره بعضهم بأن المراد جنوبهم،فيكون كناية عن أمرهم بالعزم على القتل في سبيل اللّه،و فسّره بعضهم بأن المراد جنوب الأعداء فيكون كناية عن إحكام الضرب ليحصل هلاكهم.
«و اذ مروا» أي حثّوا،و في(الصحاح):تذامر القوم أي حثّ بعضهم بعضا،و ذلك في الحرب (4).
«أنفسكم على الطعن الدعسي» أي:الشديد،فعن أبي عبيد:المداعس الصمّ من الرياح.
«و الضرب الطلخفي» بالكسر فالفتح أي:الشديد،و مر في سابقه عن (الإرشاد)أنّه عليه السلام قال في الجمل:«و لقد وطنتم أنفسكم على الطعن الدعسي و الضرب الطلخفي» (5).
و في(الجمهرة)ضرب طلخف و طلحف شديد و طلحفي و طلخفي
بالحاء و الخاء،و الطلخف رباعي ذكره ابن دريد في الرباعي (1)
جمهرة اللغة لابن دريد 4:1142. [1]
.و قول ابن أبي الحديد:«اللام زائدة»غلط،و منشأ و همه أنّ(الصحاح) عنون طخف ثم قال و بزيادة اللام و هو أعم (2).
«و أميتوا الأصوات» أي:اخفوها أو اعدموها بالصمت.
«فانّه أطرد» أي:أدفع.
«للفشل» أي الجبن.
سمع أبو طاهر الجنابي ضوضاء عسكر المقتدر و دبادبهم و بوقاتهم و هم عشرون ألفا و أبو طاهر في مائة و خمسين رجلا ما كان يسمع لهم صوت حتى كأنّ الخيل ليس لها حمحمة،فقال أبو طاهر لبعض أصحابه:ما هذا الزّجل؟قال:فشل.قال:أجل (3).
«فو الذي» هكذا في(المصرية) (4)و الصواب:«و الذي»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (5)،و لأنّه لا معنى للتفريع له على ما قبله.
«فلق الحبّة و برأ» أي خلق.
«النسمة» أي:الإنسان.
«ما أسلموا» للّه.
«و لكن استسلموا» للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله لمّا قهرهم يوم فتح مكّة.
«و أسرّوا الكفر فلما وجدوا أعوانا عليه» هكذا في(المصرية) (6)و مثله ابن
أبي الحديد و لكن في(ابن ميثم و الخطية):«عليه أعوانا».
«أظهروه» (1)
انظر ابن ابي الحديد 15:114. [1]
.في(صفين نصر):قال شيخ من بكر بن وائل:كنّا مع علي عليه السلام بصفين فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء في رأس رمح، فقال ناس:هذا لواء عقده له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.فبلغ عليّا عليه السلام فقال:ان النبيّ أخرج هذه الشقّة و قال:من يأخذها بما فيها؟فقال عدوّ اللّه عمرو:و ما فيها؟قال:ألا تقاتل بها مسلما و لا تفر بها من كافر.فأخذها و قد و اللّه فرّبها من المشركين و قاتل بها اليوم المسلمين،و الذي فلق الحبّة ما أسلموا و لكن استسلموا و أسرّوا الكفر فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عداوتهم منّا إلاّ إنّهم لم يدعوا الصلاة (2).و فيه قال منذر العلوي:قال محمّد بن الحنفية لمّا أتاهم اللّه من أعلى الوادي و من أسفله و ملأوا الأودية كتائب:استسلموا حتى وجدوا أعوانا (3).
و فيه:قال حبيب بن أبي ثابت:قال رجل في صفين لعمّار:ألم يقل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:قاتلوا الناس حتى يسلموا فاذا أسلموا عصموا مني دماءهم و أموالهم.قال:بلى و لكن و اللّه ما أسلموا و لكن استسلموا و أسرّوا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا (4).
و ممّا يدلّ على كفر معاوية ما رواه نصر مسندا عن رجل شامي قال:
سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:شرّ خلق اللّه خمسة:إبليس،و ابن آدم الذي قتل أخاه، و فرعون ذو الأوتاد،و رجل من بني اسرائيل ردّهم عن دينهم و رجل من هذه الامة يبايع على كفره عند باب له قال الرجل:فلما رأيت معاوية يبايع عند باب
له ذكرت قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فلحقت بعلي عليه السلام فكنت معه (1)
المصدر نفسه:217.
.و ما رواه مسندا عن جابر الأنصاري قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:يموت معاوية على غير ملّتي (2).
و ما رواه مسندا عن الحسن البصري قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:اذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه (3).
قال الحسن:قال أبو سعيد الخدري:فلم نفعل و لم نفلح (4).
الكتاب(11)
و من وصية له عليه السلام وصّى بها جيشا بعثه إلى العدوّ:
فَإِذَا نَزَلْتُمْ بِعَدُوٍّ أَوْ نَزَلَ بِكُمْ- فَلْيَكُنْ مُعَسْكَرُكُمْ فِي قُبُلِ الْأَشْرَافِ- أَوْ سِفَاحِ الْجِبَالِ أَوْ أَثْنَاءِ الْأَنْهَارِ- كَيْمَا يَكُونَ لَكُمْ رِدْءاً وَ دُونَكُمْ مَرَدّاً- وَ لْتَكُنْ مُقَاتَلَتُكُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ- وَ اجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاصِي الْجِبَالِ- وَ مَنَاكِبِ الْهِضَابِ- لِئَلاَّ يَأْتِيَكُمُ الْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنٍ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْقَوْمِ عُيُونُهُمْ- وَ عُيُونَ الْمُقَدِّمَةِ طَلاَئِعُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ وَ التَّفَرُّقَ- فَإِذَا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جَمِيعاً- وَ إِذَا ارْتَحَلْتُمْ فَارْتَحِلُوا جَمِيعاً- وَ إِذَا غَشِيَكُمُ اللَّيْلُ فَاجْعَلُوا الرِّمَاحَ كِفَّةً- وَ لاَ تَذُوقُوا النَّوْمَ إِلاَّ غِرَاراً أَوْ مَضْمَضَةً أقول:رواه نصر بن مزاحم في( صفينه نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 122 ) (5)و ابن أبي شعبة في( تحفه ابن أبي شعبة-تحف العقول-ص 130 ) (6)
و الدينوري في( طواله الدينوري-الأخبار الطوال-ص 156 ) (1)
الطوال للدينوري:156. [1]
.ففي الأول:عمرو بن سعد عن يزيد بن خالد قال:ان عليّا عليه السلام حين أراد المسير من النخيلة دعا زياد بن النضر و شريح بن هاني -و كانا على مذحج و الأشعريين-بعثهما في اثنى عشر ألفا على مقدّمته شريح على طائفة و زياد على جماعة،فأخذ شريح يعتزل بمن معه من أصحابه على حدة و لا يقرب بزياد،فكتب زياد إليه عليه السلام:أما بعد فانّك و ليتني أمر الناس و ان شريحا لا يرى لي عليه طاعة و لا حقّا،و ذلك من فعله بي استخفافا بأمرك و تركا لعهدك.و كتب إليه شريح:أما بعد فان زيادا حين اشتركته في أمرك و ولّيته جندا من جنودك تنكّر و استكبر و مال به العجب و الخيلاء و الزهو إلى ما لا يرضاه الربّ تعالى،فان رأى أمير المؤمنين أن يعزله عنّا و يبعث مكانه من يحب فليفعل فانّا له كارهون.فكتب عليه السلام إليهما:أما بعد فاني قد ولّيت مقدّمتي زياد بن النضر و أمّرته عليها و شريح على طائفة منها أمير،فان ائتما جمعكما بأس فزياد على الناس و ان افترقتما فكلّ واحد منكما أمير على الطائفة التي وليناه أمرها،و اعلما ان مقدّمة القوم عيونهم و عيون المقدمة طلائعهم،فاذا أنتما خرجتما من بلادكما فلا تساما من توجيه الطلائع و من نقض الشعاب و الشجر و الخمر في كلّ جانب كيلا يغير كما عدو أو يكون لهم كمين،و لا تسيرن الكتائب من لدن الصباح إلى المساء إلاّ على تعبئة،فان دهمكم دهم أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدّمتم في التعبئة،و اذا نزلتم بعدوّ أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبل الاشراف أو سفاح الجبال أو أثناء الأنهار كيما يكون ذلك ردءا و تكون مقاتلتكم من وجه أو اثنين،و اجعلوا رقباءكم في صياصي الجبال و بأعالي
1) 1)
الأشراف و مناكب الأنهار يرون لكم لئلا يأتيكم عدو من مكان مخافة أو أمن، و إيّاكم و التفرق،و اذا نزلتم فانزلوا جميعا و اذا رحلتم فارحلوا جميعا،و اذا غشيكم ليل فنزلتم فحفوا عسكركم بالرماح و الأترسة،و رماتكم يلون ترستكم و رماحكم،و ما أقمتم فكذلك فافعلوا كيلا تصاب لكم غفلة و لا تلفى لكم غرّة،فما قوم حفوا عسكرهم برماحهم و ترستهم من ليل أو نهار إلاّ كانوا كأنّهم في حصون،و احرسا عسكر كما بأنفسكما،و إيّاكما أن تذوقوا نوما حتى تصبحا إلاّ غرارا أو مضمضة،ثم ليكن ذلك شأنكما و دأبكما حتى تنتهيا إلى عدوّكما،و ليكن عندي كلّ يوم خبر كما و رسول من قبلكما،فاني-و لا شيء إلاّ ما شاء اللّه-حثيث السير في آثار كما،و عليكما في حربكما بالتودة و إيّاكم و العجلة إلاّ أن تمكّنكم فرصة بعد الإعذار و الحجّة،و إيّاكما أن تقاتلا حتى أقدم عليكما إلاّ أن تبدا أو يأتيكما أمري.
و في الثاني-بعد ذكر وصيته إلى زياد بن النضر-ثم أردفه بكتاب يوصيه و يحذّره،و فيه:اعلم ان مقدّمة القوم عيونهم...
و في الثالث:لما اجتمع إلى عليّ عليه السلام قواصيه و انضمت إليه أطرافه تهيأ للمسير من النخيلة،فدعا زياد بن النضر و شريح بن هاني،فعقد لكلّ واحد منهما على ستة آلاف فارس و قال:ليس كلّ واحد منكما منفردا عن صاحبه، فان جمعتكما حرب فأنت يا زياد الأمير،و اعلما أن مقدّمة القوم عيونهم و عيون المقدّمة طلائعهم... (1)
الأخبار الطوال:106. [1]
.قول المصنف : «و من وصيّة له عليه السلام وصّى بها جيشا» قد عرفت من رواية نصر المتقدّمة انّه عليه السلام كتب بالعنوان إلى رئيسي جيشه زياد بن النضر و شريح بن هاني في جعلهم مقدّمة له إلى الشام.و كذا من رواية(التحف)
1) 1)
المتقدّمة،و اما رواية الدينوري المتقدّمة فالظاهر انّه أراد الاختصار و ذكر المجمل.
«بعثه إلى العدوّ» و هو معاوية و أهل الشام.
قوله عليه السلام «فاذا نزلتم بعدوّ أو نزل بكم فليكن معسكركم» أي مكان عسكركم.
«في قبل» أي:استقبال.
«الاشراف» أي:الأمكنة العالية.قال شاعر:
كبر حتى لم يستطع ان يركب حماره إلاّ من مكان عال
و أقود للشرف الرفيع حماري «أو سفاح الجبال» في(الصحاح): (1)
الصحاح للجوهري 1:375 [1] مادة(سفح).
سفح الجبل أسفله حيث يسفح فيه الماء و هو مضطجعه.«أو أثناء الأنهار» في(الصحاح):الثني من الوادي و الجبل منعطفه (2).
«كيما يكون لكم ردءا» أي:عونا على الظفر.
«و دونكم مردا» للعدو .
«و لتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين» لئلا يحاصركم العدو.
«و اجعلوا لكم رقباء» أي رصدا.و قالوا:الاكليل رقيب الثريا اذا طلعت احداهما عشاء غابت الاخرى.
«في صياصي الجبال» أي:حصونها.
«أو بمناكب الهضاب» جمع الهضبة:الجبل المنبسط على وجه الأرض، و مناكبها رؤوسها.
«لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن» في(كامل المبرّد):كان المهلب يبثّ الاحراس في الأمن كما يبثّهم في الخوف،و يذكي العيون في الأمصار كما يذكيها في الصحاري،و يأمر أصحابه بالتحرّز و يخوّفهم البيات و ان بعد منهم العدو و يقول:احذروا أن تكادوا كما تكيدون و لا تقولوا غلبنا فالضرورة تفتح باب الحيلة.
و لما اجتمعت الخوارج بأرجان فنفحهم المهلب نفحة رجعوا،فأكمن للمهلب في غمض من غموض الأرض يقرب من عسكره مائة فارس ليغتالوه، فسار المهلب يطوف بعسكره و يتفقّد سواده،فوقف على جبل فقال:ان من التدبير لهذه المارقة أن تكون قد أكمنت في سفح هذا الجبل كمينا،فبعث عشرة فوارس فاطلعوا على المكمنة،فلما علموا انّهم قد علموا بهم قطعوا القنطرة و يئسوا من ناحيته.
قال قطري بن الفجأة-و هو أحد رؤسائهم-لأصحابه:المهلب من قد عرفتموه ان أخذتم بطرف ثوب أخذ بطرفه الآخر،يمده اذا أرسلتموه و يرسله اذا مددتموه لا يبدؤكم الا أن تبدءوه الا أن يرى فرصة فينتهزها،فهو الليث المبر و الثعلب الرواغ و البلاء المقيم (1)
الكامل للمبرّد 3:1082. [1]
.«و اعلموا ان مقدّمة القوم» في(الصحاح): (2)مقدّمة الجيش-بكسر الدال- أوّله.
«عيونهم» في(الصحاح):و العين الديدبان و الجاسوس.
«و عيون المقدّمة طلائعهم» في(الصحاح) (3)طليعة الجيش من يبعث
ليطلع طلع العدو .
«و إيّاكم و التفرّق فاذا نزلتم فانزلوا جميعا و اذا ارتحلتم فارتحلوا جميعا» و في (المروج):كانت سياسة يعقوب بن الليث الصفار انّه كان بأرض فارس و قد أباح الناس أن يرتعوا،ثم حدث أمر أراد الرحيل من تلك الكورة،فنادى مناديه بقطع الدواب عن الرتع،فرؤي رجل من أصحابه قد أسرع إلى دابته و الحشيش في فمها فأخرجه من فيها مخافة أن تلوكه بعد سماعة النداء،و أقبل على الدابة مخاطبا لها بالفارسية«دواب را از تر بريدند»يعني قطعوا الدواب عن الرطبة.
و رؤي في عسكره في ذلك الوقت رجل من قواده ذو مرتبة و الدرع الحديد على بدنه لا ثوب بينه و بين بشرته،فقيل له في ذلك،فقال:نادى منادي الأمير البسوا السلاح و كنت أغتسل من جنابة،فلم يسعني التشاغل بلبس الثياب (1)
المروج للمسعودي 4:114. [1]
.«و اذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفّة» بالضم،فعن الأصمعي:كلّ ما استطال نحو كفة الثوب و كفّة الرمل فهو بالضمّ،و كلّ ما استدار نحو كفّة الميزان و كفّة الصائد و كفّة اللثة فهو بالكسر.
«و لا تذوقوا النوم إلاّ غرارا» أي:قليلا،و الأصل فيه الغرور،و هو ما يتغرغر به من الأدوية.و عن الأصمعي:يقال غارت الناقة تغار غرارا قل لبنها، و منه غرار النوم و هو قلته.
و قال اعرابي:
لا أذوق النوم إلاّ غرارا مثل حسو الطير ماء الثماد
«أو مضمضة» قال المروح السلمي:
لمّا اتكأن على النمارق مضمضت بالنوم أعينهن غير غرار
1) 1)
و قال آخر على نقل(الأساس):
يمسح بالكفين وجها أبيضا اذا الكرى في عينه تمضمضا
(1)و على نقل(الصحاح):
و صاحب نبهته لينهضا اذا الكرى في عينه تمضمضا
(2)و لحسان على ما في(ديوانه): ما بال عينك يا حسان لم تنم ما ان تغمض إلا مؤثم القسم
الكتاب(12)
و من وصية له عليه السلام لمعقل بن قيس الرياحيّ حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدمة له:
اتَّقِ اللَّهَ الَّذِي لاَ بُدَّ لَكَ مِنْ لِقَائِهِ- وَ لاَ مُنْتَهَى لَكَ دُونَهُ- وَ لاَ تُقَاتِلَنَّ إِلاَّ مَنْ قَاتَلَكَ- وَ سِرِ الْبَرْدَيْنِ وَ غَوِّرْ بِالنَّاسِ- وَ رَفِّهْ فِي السَّيْرِ وَ لاَ تَسِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ- فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ سَكَناً وَ قَدَّرَهُ مُقَاماً لاَ ظَعْناً- فَأَرِحْ فِيهِ بَدَنَكَ وَ رَوِّحْ ظَهْرَكَ- فَإِذَا وَقَفْتَ حِينَ يَنْبَطِحُ السَّحَرُ- أَوْ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ- فَإِذَا لَقِيتَ الْعَدُوَّ فَقِفْ مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً- وَ لاَ تَدْنُ مِنَ الْقَوْمِ دُنُوَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِبَ الْحَرْبَ- وَ لاَ تَبَاعَدْ مِنْهُمْ تَبَاعُدَ مَنْ يَهَابُ الْبَأْسَ- حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي- وَ لاَ يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآنُهُمْ عَلَى قِتَالِهِمْ- قَبْلَ دُعَائِهِمْ وَ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ أقول:المفهوم من كتب السير أن وصيته عليه السلام إلى معقل إلى قوله «فسر
على بركة اللّه» ،و أما ما بعده «فاذا لقيت العدو...» ،فانّما وصيته عليه السلام إلى الأشتر حين بعثه مددا لزياد بن النضر و شريح بن هاني-و كان عليه السلام قدمهما من قرقيسا إلى معاوية.
اما الأول،ففي(صفين نصر)عن أبي الوداك قال:ان عليّا عليه السلام بعث معقل بن قيس في ثلاثة آلاف و قال له:خذ على الموصل ثم نصيبين ثم القني بالرقة فإنّي موافيها.و سكّن الناس و آمنهم،و لا تقاتل إلاّ من قاتلك،و سر البردين و غور الناس و أقم الليل و رفّه في السير،و لا تسر أول الليل فان اللّه جعله سكنا،أرح فيه بدنك و جندك و ظهرك،فاذا كان السحر أو حين ينبطح الفجر فسر.فخرج حتى أتى الحديثة و هي اذ ذاك منزل الناس-انّما بنى مدينة الموصل بعد ذاك مروان بن محمد-فاذا هم بكبشين ينتطحان و مع معقل رجل من خثعم يقال له شداد بن أبي ربيعة قتل بعد ذلك مع الحرورية،فأخذ يقول ايه ايه.فقال معقل:ما تقول؟فجاء رجلان نحو الكبشين فأخذ كلّ واحد كبشا ثم انصرفا.
فقال الخثعمي لمعقل:لا تغلبون و لا تغلبون.قال له معقل:من أين علمت ذلك؟قال:أما أبصرت الكبشين أحدهما مشرق و الآخر مغرب التقيا فاقتتلا و انتطحا فلم يزل كلّ واحد منهما من صاحبه منتصفا حتى أتى كلّ واحد منهما صاحبه فانطلق به.
ثم مضوا حتى أتوه عليه السلام بالرقّة (1)
وقعة صفين لنصر بن مزاحم:148. [1]
.و أمّا الثاني فروى نصر (2)و الطبري (3)أن عليّا عليه السلام أرسل إلى الأشتر ان
زيادا و شريحا ارسلا إليّ يعلماني انّهما لقيا أبا الأعور السلمي في جند من أهل الشام بسور الروم،فنبأني الرسول انّه تركهم متوافقين،فالنجا إلى أصحابك النجا،فاذا أتيتهم فأنت عليهم،و إيّاك أن تبدأ القوم بقتال إلاّ أن يبدءوك حتى تلقاهم و تسمع منهم،و لا يجرمنك شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم و الاعذار إليهم مرّة بعد مرّة،و اجعل على ميمنتك زيادا و على ميسرتك شريحا،وقف بين أصحابك وسطا و لا تدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب و لا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس حتى أقدم إليك فاني حثيث السير إليك إن شاء اللّه (1)
وقعة صفين لنصر بن مزاحم:153،و [1]تاريخ الطبري 3:564. [2]
.قول المصنف :«و من وصيّة له عليه السلام لمعقل بن قيس الرياحي»في (الطبري):خرج المستورد الخارجي على المغيرة لما كان واليا على الكوفة من قبل معاوية،فقال المغيرة لقبيصة رئيس شرطته:الصق لي بشيعة علي فأخرجهم مع معقل فان معقلا كان من رؤساء أصحابه،فاذا بعث بشيعته الذين كانوا يعرفون فاجتمعوا جميعا استأنس بعضهم إلى بعض و تناصحوا و هم أشد استحلالا لدماء هذه المارقة و أجرأ عليهم من غيرهم،و قد قاتلوا معهم قبل هذه المرّة-إلى أن قال-فمشى المستورد و معقل كلّ منهما إلى صاحبه و بيد المستورد الرمح و بيد معقل السيف،فأشرح المستورد الرمح في صدر معقل حتى خرج السنان من ظهره،فضربه معقل بالسيف على رأسه حتى خالط السيف أمّ الدماغ فخرّا ميتين (2).
«حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف» قد عرفت من رواية نصر (3)
أنّه عليه السلام أنفذه من الطريق في ثلاثة آلاف من المدائن و قال له:خذ على محل الموصل ثم نصيبين ثم القني بالرّقة،فأتاه عليه السلام بالرقة.
قوله عليه السلام «اتق اللّه الذي لا بدّ لك من لقائه» «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ» (1)
الانشقاق:6. [1]
.«و لا منتهى لك دونه» «أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى» (2).
«و سر» أمر من السير.
«البردين» أي:الغداة و العشي.
«و غور بالناس» في(الجمهرة):غوّروا اذا نزلوا في الهاجرة و أراحوا (3).
«و رفّه بالسير» أي:وسّع به عليهم من(رفّه من خناقه).
«و لا تسر أوّل الليل فان اللّه جعله سكنا» «فالِقُ الْإِصْباحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً» (4).
«و قدره مقاما لا ظعنا» أي:حركة.
«فأرح» أي:اعط الراحة،قال النابغة:
و صدر أراح الليل عازب همّه.
«فيه بدنك و روّح ظهرك» قال ابن أبي الحديد:أمره عليه السلام أن يريح في الليل بدنه و ظهره و هي الإبل.و(بنو فلان مظهرون)أي:لهم ظهر ينقلون عليه كما
تقول منجبون أي لهم نجائب (1)
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15:94. [1]
.و قال الراوندي:«الظهور الخيول»و ليس بصحيح (2).
قلت:الأظهر كون الظهر أعم من الخيل و الإبل،فالعسكر معهم خيل يركبون عليها و إبل يحملون عليها،فلو لم يكن الظهر هنا أعمّ لكان عليه السلام يقول «و روح ظهرك و خيلك».و أيضا قال في(النهاية):في حديث الخيل:«و لم ينس حقّ اللّه في رقابها و لا ظهورها»حق الظهور ان يحمل عليها منقطعا به أو يجاهد عليها،و منه الحديث الآخر:«و من حقّها إفقار ظهرها...» (3).
اللّهم إلاّ أن يقال ان الحديثين أعم،لأن فيهما«ظهور الخيل»و«ظهر الخيل»،و هو غير الظهر المطلق،كما انّه يمكن أن يقال اقتصر عليه السلام في ترويح الإبل لأن أتعابها أكثر بحمل الأثقال بخلاف الخيل التي يركبها الرجال.
«فاذا وقفت حين ينبطح» أي:ينبسط.
«السحر أو حين ينفجر» أي:ينشق.
«الفجر فسر على بركة اللّه،فاذا لقيت العدوّ فقف من أصحابك وسطا» في(عيون القتيبي) (4):قرأت في الائين:من سنّة الحرب أن يرتاد للقلب مكانا مشرفا،فان أصحاب الميمنة و الميسرة لا يقهرون و لا يغلبون،و ان زالتا بعض الزوال ما ثبت القلب.
«و لا تدن من القوم دنوّ من يريد أن ينشب» أي ينشئى.
الحرب،و لا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس» أي:يخاف الحرب.
«حتى يأتيك أمري» و قد عرفت ان في رواية نصر«حتى اقدم عليك».
«و لا يحملنّكم شنآنهم» أي:بغضهم.
«على قتالهم قبل دعائهم و الاعذار إليهم» «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى» (1)
المائدة:8. [1]
«وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا» (2).الكتاب(14)
و من وصية له عليه السلام لعسكره قبل لقاء العدوّ بصفين:
لاَ تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ- فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى حُجَّةٍ- وَ تَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ- فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ- فَلاَ تَقْتُلُوا مُدْبِراً وَ لاَ تُصِيبُوا مُعْوِراً- وَ لاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ- وَ لاَ تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذًى- وَ إِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ وَ سَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ- فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَ الْأَنْفُسِ وَ الْعُقُولِ- إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَ إِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ- وَ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ- بِالْفَهْرِ أَوِ الْهِرَاوَةِ- فَيُعَيَّرُ بِهَا وَ عَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ قول المصنف : «و من وصيّة له عليه السلام لعسكره قبل لقاء العدوّ بصفين» هكذا في(المصرية): (3)و الصواب: «و من وصية له عليه السلام لعسكره بصفين قبل لقاء العدو» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (4).
و كيف كان ففي(الطبري):أمر عليّ عليه السلام في انسلاخ المحرم من سنة (37)مرثد بن حارث الجشمي فنادى عند غروب الشمس:ألا ان أمير المؤمنين يقول لكم:«اني قد استدمتكم لتراجعوا الحق و تنيبوا إليه،و احتججت عليكم بكتاب اللّه عز و جل فدعوتكم إليه فلم تناهوا عن طغيان و لم تجيبوا إلى حق، و اني قد نبذت إليكم على سواء ان اللّه لا يحبّ الخائنين».ففزع أهل الشام إلى أمرائهم و خرج معاوية و عمرو بن العاص يكتّبان الكتائب و بات علي عليه السلام ليلته كلّها يعبىء الناس و يكتّب الكتائب و يدور في الناس يحرّضهم.
قال أبو مخنف:حدّثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي عن أبيه أن عليّا عليه السلام كان يأمرنا في كلّ موطن لقينا فيه عدوّا فيقول:لا تقاتلوهم حتى يبدءوكم،فأنتم بحمد اللّه عز و جل على حجّة،و ترككم إيّاهم حتى يبدءوكم حجّة اخرى لكم،فاذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا و لا تجهزوا على جريح و لا تكشفوا عورة و لا تمثّلوا بقتيل،فاذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا و لا تدخلوا دارا إلاّ باذن و لا تأخذوا شيئا من أموالهم إلاّ ما وجدتم في عسكرهم،و لا تهيجوا امرأة بأذي و ان شتمن أعراضكم و سببن أمراءكم و صلحاءكم،فانّهنّ ضعاف القوى و الأنفس (1)
تاريخ الامم و الملوك للطبري 4:6. [1]
.و رواه نصر بن مزاحم مثله و زاد:و العقول و لقد كنّا لنؤمر بالكفّ عنهنّ و انهنّ لمشركات و ان كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة أو الحديد فيعير بها عقبه من بعده (2).
و روى(الكافي)في باب ما يوصي عليه السلام عند القتال عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه أنّه عليه السلام كان يأمر في كلّ موطن لقينا فيه عدوّنا فيقول:لا
تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم،فانّكم على حجّة و ترككم إيّاهم حتى يبدءوكم حجّة لكم اخرى.فاذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا و لا تجهزوا على جريح و لا تمثّلوا بقتيل (1)
الكافي 5:38 ح 3. [1]
.و في حديث مالك بن أعين قال:حرّض علي عليه السلام الناس بصفين فقال:ان اللّه تعالى قد دلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم-إلى أن قال-و اذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا و لا تدخلوا دارا و لا تأخذوا شيئا من أموالهم إلاّ ما وجدتم في عسكرهم،و لا تهيجوا المرأة بأذى و ان شتمن أعراضكم و سببن امراءكم و صلحاءكم،فإنّهنّ ضعاف القوى و الأنفس و العقول،و قد كنّا نؤمر بالكفّ عنهنّ و إنّهنّ مشركات،و ان كان الرجل ليتناول المرأة فيعيّر بها و عقبه من بعده (2).
قوله عليه السلام «لا تقاتلوهم حتى يبدءوكم فانّكم بحمد اللّه على حجّة و ترككم إيّاهم حتى يبدءوكم حجّة أخرى لكم عليهم» و كذلك ابنه الحسين عليه السلام يوصي أصحابه يوم الطف،ففي(الطبري):بعد ذكر إرسال عبيد اللّه بن زياد للحرّ مع ألف لإدخاله الكوفة ثم إتباعه برسول أن ينزله عليه السلام على غير حصن و لا ماء:
و أخذ الحر الحسين عليه السلام بالنزول فقال عليه السلام:دعنا ننزل في هذه القرية-يعني نينوى-أو هذه-يعني الغاضرية-أو هذه-يعني شفية-فقال:لا و اللّه ما أستطيع ذلك،هذا رجل قد بعث عينا عليّ.فقال له زهير:يابن رسول اللّه ان قتال هؤلاء أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم،فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به.فقال الحسين عليه السلام:ما كنت لأبدأهم بالقتال (3).
و فيه-بعد ذكر أمر الحسين عليه السلام في صبيحة العاشر بجمع الحطب و القصب في خلف خيمة النساء و إلقاء النار فيها لئلا يحمل العدوّ عليهن و مشاهدة شمر ذلك فنادى شمر بأعلى صوته:يا حسين استعجلت النار في الدّنيا قبل يوم القيامة فقال عليه السلام له يابن راعية المعزى أنت أولى بها صليا-:
فقال مسلم بن عوسجة للحسين عليه السلام:ألا أرميه يابن رسول اللّه بسهم،فإنّه قد أمكنني و ليس يسقط مني سهم و الفاسق من أعظم الجبّارين.فقال عليه السلام له:لا فإنّي أكره أن أبدأهم (1)
تاريخ الامم و الملوك 3:318( [1]دار الكتب العلمية).
.قال الجاحظ:ربما رأيت بعض من يظن بنفسه العقل و التحصيل و الفهم و التميز و هو من العامة و يظن انّه من الخاصة،يزعم ان معاوية كان أبعد غورا من علي عليه السلام و أصحّ فكرا و أجود رؤية و أبعد غاية و أدقّ مسلكا،و ليس الأمر كذلك،و سأرمي إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه و المكان الذي دخل عليه الخطأ من قبله،كان علي عليه السلام لا يستعمل في حروبه إلاّ ما وافق الكتاب و السّنة،و كان معاوية يستعمل خلاف الكتاب و السّنة و يستعمل جميع المكائد حلالها و حرامها،و يسير في حروبه بسيرة ملك الهند إذا لا قى كسرى و سيرة خاقان اذا لا قى رتبيل،و علي عليه السلام يقول في حروبه«لا تبدءوهم بالقتال حتى يبدءوكم و لا تتبعوا مدبرا و لا تجهزوا على جريح و لا تفتحوا بابا مغلقا» هذه سيرته في ذي الكلاع و أبي الأعور السلمي و عمرو بن العاص و حبيب بن مسلمة،و في جميع الرؤساء كسيرته في الحشو و الاتباع و السفلة،و أصحاب الحروب ان قدروا على البيات بيتوا و ان قدروا على رضخ الجميع بالجندل و هم نيام فعلوا،و لم يؤخروا الحرق إلى وقت الغرق،و ان أمكن الهدم لم يتكلّفوا الحصار،و لم يدعوا أن يضعوا المجانيق و العرادات و النقب و الشريب
1) 1)
و الدبابات و الكمين،و لم يدعوا دسّ السموم و لا التضريب بين الناس بالكذب و طرح الكتب في عساكرهم بالسعايات و توهيم الامور و ايحاش بعض من بعض و قتلهم بكلّ آلة و حيلة كيف وقع القتل و كيف دارت بهم الحال،فمن اقتصر من التدبير على ما في الكتاب و السنّة كان قد منع نفسه الطويل و العريض من التدبير و ما لا يتناهى من المكائد،و الكذب أكثر من الصدق و الحرام أكثر من الحلال.
فعلي عليه السلام كان ملجما بالورع عن جميع القول إلاّ ما هو للّه رضى، و ممنوع اليدين من كلّ بطش إلاّ ما هو للّه رضى،و لا يرضى الرضا إلاّ فيما يرضاه اللّه و يحبّه،و لا يرى الرضا إلاّ فيما دلّ عليه الكتاب و السنّة دون ما يقول أصحاب الدهاء و النكراء و المكائد و الآراء.فلما أبصرت العوام كثرة غرائب معاوية في الخدع و ما اتفق له و تهيأ على يده و لم يروا ذلك من علي عليه السلام ظنّوا بقصر عقولهم و قلّة علومهم أن ذلك من رجحان عند معاوية و نقصان عند علي عليه السلام (1)
ذكره ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة 10:228-229. [1]
.«فإذا كانت الهزيمة» منكم للعدو باذن اللّه .
«فلا تقتلوا مدبرا» من ولّى عن الحرب.
«و لا تصيبوا معورا» أي:معيوبا.
«و لا تجهزوا على جريح» قال الأصمعي:أجهزت على الجريح إذا اسرعت قتله و قد تممت عليه.
هذا،و قد عرفت من نقل المصنف و رواية(الكافي)و الطبري أنّه عليه السلام قال ذلك(إذا كانت الهزيمة فلا تقتلوا مدبرا و لا تجهزوا على جريح)في صفين،لكن ينافيه ما رواه الكليني عن شريك قال:لما انهزم الناس يوم الجمل قال
1) 1)
علي عليه السلام:لا تتبعوا مولّيا و لا تجهزوا على جريح،و لمّا كان يوم صفين قتل عليه السلام المقبل و المدبر و أجاز على جريح،فقال أبان بن تغلب لعبد اللّه بن شريك:هذه سيرتان مختلفتان.فقال:ان أهل الجمل قتل طلحة و الزبير و ان معاوية كان قائما بعينه و كان قائدهم.
و يمكن الجمع بأنّه عليه السلام علّق النهي في الخبر في صفين أيضا بحصول الهزيمة و لم تحصل و ان كانوا أشرفوا على الانهزام،فان كان حصل بقتل معاوية أو فراره كان الحكم في صفين كالجمل بعدم قتل المدبر و ترك الاجهاز على الجريح.و بالجملة الكلام صحيح في تعليقه.
و أما في(صفين نصر)عن الشعبي قال:أسر علي عليه السلام يوم صفين أسرى فخلى سبيلهم،فأتوا معاوية و قد كان عمرو بن العاص قال لمعاوية في اسرى أسرهم اقتلهم فما شعروا إلاّ بأسراهم،فقال معاوية لعمرو:لو أطعناك لوقعنا في قبيح فأمر بتخلية من في يده (1)
صفين لنصر بن مزاحم:518. [1]
.و كان علي عليه السلام إذا أخذ أسيرا من أهل الشام خلّى سبيله إلاّ أن يكون قد قتل من أصحابه أحدا فيقتله به،فإذا خلّى سبيله و عاد الثانية قتله.
و كان علي عليه السلام لا يجيز على الجرحى و لا على من أدبر بصفين لمكان معاوية فالظاهر كونه تصحيفا و الأصل يجيز على الجرحى و على من أدبر لما مر،و لما رواه(الكافي)أيضا عن حفص بن غياث عن الصادق عليه السلام قال:ليس لأهل العدل أن يتبعوا مدبرا و لا يقتلوا أسيرا و لا يجهزوا على جريح إذا لم يبق من أهل البغي أحد،فإذا كان لهم فئة فان أسيرهم يقتل و مدبرهم يتبع و جريحهم يجهز عليه.
«و لا تهيجوا النساء بأذى و ان شتمن أعراضكم و سببن أمراءكم» في
1) 1)
(الطبري)في روايات سيف انّه عليه السلام قال ذلك يوم الجمل أيضا،فروى انّه عليه السلام لما ورد دار عبد اللّه بن خلف التي نزلتها عائشة قالت صفية امرأة عبد اللّه بن خلف-و كان زوجها قتل مع عائشة-له عليه السلام:يا قاتل الأحبة يا مفرّق الجمع، أيتم اللّه بنيك منك كما أيتمت ولد عبد اللّه.فقال عليه السلام:أما لهممت ان افتح هذا الباب-و أشار إلى باب من الدار-و أقتل من فيه،ثم أفتح هذا-و أشار إلى باب آخر-فأقتل من فيه،و كان أناس من الجرحى قد لجئوا إلى عائشة،فأخبر عليّ عليه السلام بمكانهم عندها.فسكتت صفية.فخرج علي عليه السلام فقال رجل من الأزد:
و اللّه لا تفلتنا هذه المرأة،فغضب و قال:صه لا تهتكن سترا و لا تدخلن دارا و لا تهيّجن امرأة بأذى و ان شتمن أعراضكم و سفّهن امراءكم و صلحاءكم فانّهنّ ضعاف،و لقد كنّا نؤمر بالكفّ عنهنّ و إنّهن لمشركات،و ان الرجل ليكافي المرأة و يتناولها بالضرب فيعيّر بها عقبه من بعده (1)
تاريخ الامم و الملوك للطبري 3:543. [1]
.«فإنّهنّ ضعيفات القوى و الأنفس و العقول» في(صفين نصر):لما قتل الأشتر الأجلح ابن منصور من فرسان الشام قالت اخته:
شفانا اللّه من أهل العراق قد أبادونا اما يخشون ربّهم و لم يرعوا له دينا
فقال عليه السلام:أما انّهنّ ليس يملكن ما رأيتم من الجزع،أما أنّهم قد أضروا بنسائهم فتركوهن خزايا من قبل ابن آكلة الأكباد،اللّهم حمله آثامهم و أوزارهم و أثقالا مع أثقالهم.قالوا:و ماتت حزنا على أخيها (2).
«ان» مخففة من المثقلة.
«كنّا لنؤمر بالكفّ عنهنّ و انّهن لمشركات» في(الطبري):مما صنع تعالى لنبيه ان الأوس و الخزرج كانا يتصاولان مع النبي تصاول الفحلين لا تصنع
احداهما شيئا إلاّ صنعت الاخرى مثلها،فلما أصابت الأوس كعب بن الأشرف اليهودي الذي كان عدوّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قالت الخزرج:لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا.فتذاكروا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله أبا رافع بن أبي الحقيق الخيبري الذي كان في العداوة ككعب و استأذنوه في قتله فاذن لهم،فخرج منهم ثمانية فقال صلّى اللّه عليه و آله لهم لا تقتلوا وليدا أو امرأة.فخرجوا حتى قدموا خيبر فأتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا فلم يدعوا بيتا في الدار إلاّ أغلقوه من خلفهم على أهله حتى قاموا على بابه في علية له،فاستأذنوا فخرجت إليهم امرأته فقالت:من أنتم؟قالوا:نفر من العرب نلتمس الميرة.قالت:ذاك صاحبكم فادخلوا عليه فلما دخلوا أغلقوا عليها الباب،فصاحت بهم فجعل الرجل منهم يرفع عليها السيف ثم يذكر نهي النبي صلّى اللّه عليه و آله فيكفّ يده ثم قتلوه (1)
تاريخ الامم و الملوك للطبري 2:184. [1]
.و في(الأسد)-في رباح أخي حنظلة-:خرج رباح مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في غزوة و كان على مقدّمته خالد بن الوليد،فمر هو و جمع على امرأة مقتولة ممّا أصاب المقدّمة،فوقفوا ينظرون إليها و يتعجبون من خلقها،حتى جاء النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال:ما كانت هذه تقاتل.ثم نظر في وجوه القوم فقال لرجل:أدرك خالدا و قل له لا يقتلن ذرية و لا عسيفا (2).
و في الخبر:سقطت الجزية عن النساء لعدم جواز قتلهن (3).
«و إن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالفهر» في(الصحاح):الفهر الحجر ملء الكفّ يذكر و يؤنث (4).
و في(الجمهرة):الفهر حجر يملأ الكف،و هي مؤنثة يدلك على ذلك تصغيرهم
إيّاها فهيرة (1)
جمرة اللغة لابن دريد 2:789 مادة(رفه).
.«أو الهراوة» في(الصحاح):الهراوة العصا الضخمة و الجمع الهراوي بفتح الواو.
«فيعيّر بها و عقبه من بعده» قال البحتري:
و اني لئيم ان تركت لا سرتي أو ابد تبقى في القراطيس و الصحف
(2).
الخطبة(204)
و من كلام له عليه السلام و قد سمع قوما من أصحابه يسبّون أهل الشام أيام حربهم بصفين:
إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ- وَ لَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ ذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ- كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ- وَ قُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ- اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ- وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَ بَيْنِهِمْ وَ اهْدِهِمْ مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ- حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ- وَ يَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَ الْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ قول المصنّف : «و من كلام له عليه السلام و قد سمع» هكذا في(المصرية) و مثله ابن أبي الحديد و لكن ابن ميثم«و قال عليه السلام و قد رأى» (3).
«قوما من أصحابه يسبّون أهل الشام» القوم حجر بن عدي و عمرو بن الحمق.
«أيام حربهم بصفين» بل في الكوفة لما أرادوا الخروج إلى صفين-ففي (طوال الدينوري)-بعد ذكر عقده عليه السلام لواء بالكوفة لربيع بن خثيم على القراء لثغر قزوين و الري:و بلغ عليّا عليه السلام أنّ حجر بن عدي و عمرو بن الحمق يظهر ان شتم معاوية و لعن أهل الشام،فأرسل إليهما ان كفا عمّا بلغني عنكما،فأتياه فقالا:ألسنا على الحق و هم على الباطل؟قال:بلى و ربّ الكعبة المسدنة.قالوا:
فلم تمنعنا من شتمهم و لعنهم؟قال:كرهت لكم أن تكونوا شتّامين لعّانين، و لكن قولوا«اللّهم احقن دماءنا و دماءهم،و اصلح ذات بيننا و بينهم و اهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله و يرعوي عن الغي من لهج به»و لما عزم عليه السلام على الشخوص أمر مناديا فنادى الخروج إلى المعسكر بالنخيلة.
و في(صفين نصر)-بعد ذكر طلب يزيد الأرحبي منه عليه السلام أمره الناس بالخروج من الكوفة إلى المعسكر-قال عبد اللّه بن شريك:و خرج حجر بن عدي و عمرو بن الحمق يظهر ان البراءة و اللعن من أهل الشام،فأرسل إليهما علي عليه السلام ان كفّا عمّا يبلغني عنكما.فأتياه فقالا:ألسنا محقّين؟قال:بلى.قالا:
فلم منعتنا من شتمهم؟قال:كرهت لكم أن تكونوا لعّانين شتّامين تشتمون و تتبرءون و لكن لو وصفتم مساوي أعمالهم فقلتم من سيرتهم كذا و كذا و من عملهم كذا و كذا كان أصوب في القول و أبلغ في العذر،و قلتم مكان لعنكم اياهم و براءتكم منهم «اللّهم احقن دماءنا و دماءهم و اصلح ذات بيننا و بينهم و اهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله و يرعوي عن الغي و العدوان من لهج به» كان هذا أحبّ إليّ و خيرا لكم.فقالا:نقبل عظتك و نتأدّب بأدبك (1)
وقعة صفين لنصر بن مزاحم:102. [1]
.و قد نقل الثاني ابن أبي الحديد في موضع آخر بلا ربط،و غفل عنه هنا (2).
قوله عليه السلام «اني أكره لكم أن تكونوا سبّابين» في(ذيل الطبري)مسندا عن أبي جري قال:انتهيت إلى رجل و الناس حوله يصدرون عن رأيه،ما قال لهم من شيء رضوا به،فقلت في نفسي ان هذا لرجل-من هذا؟قالوا:رسول اللّه.قلت:عليك السلام.قال:«عليك السلام»تحية الميّت و لكن قل:السلام عليك.قلت:السلام عليك،أنت رسول اللّه؟قال:نعم أنا رسول اللّه الذي إذا أصابك ضرّ فدعوته استجاب لك،و إذا أصابك عام سنة فدعوته استجاب لك، و إذا كنت في قفر فضلّت راحلتك فدعوته ردّها عليك.قلت:بأبي أنت و أمّي اعهد إليّ عهدا.قال:«لا تسبّن أحدا».فما سببت بعده حرّا و لا عبدا و لا شاة و لا بعيرا (1)
ذيل المذلل للطبري:65.
.و في(كامل المبرد):قيل لصخر بن عمرو أخي الخنساء:اهج غطفان -و كانوا قتلوا أخاه معاوية بن عمر-فقال:ما بيني و بينهم أقذع،و لو لم أمسك عن هجائهم إلاّ صونا لنفسي عن الخنا لفعلت.ثم قال:
و عاذلة هبّت بليل تلومني ألا لا تلومي كفى اللوم مابيا
تقول الا تهجو فوارس هاشم و مالي اذ أهجوهم ثم ماليا
ابى الشتم اني قد أصابوا كريمتي و ان ليس اهداء الخنا من شماليا
(2)و قالوا: و شرّ عداوة المرء السباب.
ثم ان معاوية و أصحابه و ان كانوا مستحقّين للّعن و للسب إلاّ إنّه لما كان مؤدّيا إلى معاملتهم بالمثل لم يكن مريضا،قال تعالى: «وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ»
يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ... (1)
الأنعام:108. [1]
.و امّا قنوته عليه السلام بعد صفين على معاوية و جمع آخر فانّما كان بعد اتمام الحجّة و تنكّبهم عن المحجّة،مع انّه عليه السلام لو لم يفعل ذلك لفعله معاوية و لم يختص به،ففعل ذلك جميع بني أميّة سوى ابن عبد العزيز و كان ذلك سببا عندهم لبقاء سلطنتهم و لم يكتفوا بذلك فوضعوا أحاديث في ذمه عليه السلام.
«و لكنّكم لو وصفتم أعمالهم و ذكرتم حالهم كان أصوب في القول و أبلغ في العذر» لأنّه لا يمكنهم انكار أعمالهم الشنيعة،و كان هو عليه السلام و عترته مع خصومهم كذلك.
ففي(مقاتل أبي الفرج):لما بويع معاوية خطب فذكر عليّا عليه السلام فنال منه و نال من الحسن عليه السلام فقام الحسين عليه السلام ليردّ عليه،فأخذ الحسن بيده فأجلسه ثم قام فقال:ايّها الذاكر عليّا أنا الحسن و أبي علي و أنت معاوية و أبوك صخر و أمّي فاطمة و أمّك هند و جدّي رسول اللّه و جدّك حرب و جدّتي خديجة و جدّتك قتيلة،فلعن اللّه أخملنا ذكرا و ألأمنا حسبا و شرّنا قدما و أقدمنا كفرا و نفاقا.فقال طوائف من أهل المسجد:آمين (2).
و في(الإرشاد):وقف على علي بن الحسين عليه السلام رجل من أهل بيته فأسمعه و شتمه فلم يكلّمه،فلما انصرف قال لجلسائه:قد سمعتم ما قال هذا الرجل،و انا أحب أن تبلغوا معي إليه حتى تسمعوا مني ردّي عليه.فقالوا:
نفعل و لقد كنّا نحب أن تقول له و تقول.فأخذ عليه السلام نعليه و مشى و هو يقول «وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَ اللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» فعلموا أنّه لا يقول له شيئا،فخرج حتى أتى منزل الرجل فصرخ به فقالوا:هذا علي بن
الحسين فخرج متوثبا للشّر-و هو لا يشكّ انّه انّما جاء مكافئا له-فقال عليه السلام له:
يا أخي انّك قد وقفت علي آنفا و قلت و قلت،فان كنت قلت ما فيّ فاستغفر اللّه منه،و ان كنت قلت ما ليس فيّ فغفر اللّه لك.فقبّل الرجل بين عينيه و قال:بل قلت ما ليس فيك و أنا أحقّ به (1)
الإرشاد:257. [1]
.«و قلتم مكان سبّكم إيّاهم اللّهم احقن» أي:امنع من السفك.
«دماءنا و دماءهم و اصلح ذات بيننا و بينهم و اهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحقّ من جهله» في(صفين نصر):مضى هاشم المرقال في عصابة من القرّاء، فقاتل قتالا شديدا هو و أصحابه حتى رأى بعض ما يسرّون به،إذ خرج عليهم فتى شاب يقول:
أنا أرباب الملوك غسان و الدائن اليوم بدين عثمان
انبأنا أقوامنا بما كان ان عليّا قتل ابن عفان
ثم شدّ فلا ينثني يضرب بسيفه ثم يلعن و يشتم و يكثر الكلام،فقال له هاشم:ان هذا الكلام بعده الخصام و ان هذا القتال بعده الحساب،فاتق اللّه ربّك فانّك راجع إلى ربك فسائلك عن هذا الموقف و ما أردت به.قال:اقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلّي كما ذكر لي و انّكم لا تصلّون،و أقاتلكم ان صاحبكم قتل خليفتنا و أنتم و ازرتموه على قتله.فقال له هاشم:و ما أنت و ابن عفّان،انّما قتله أصحاب محمّد و قرّاء الناس حين أحدث احداثا و خالف حكم الكتاب، و أصحاب محمّد هم أصحاب الدين و أولى بالنظر في أمور المسلمين،و اما قولك«ان صاحبنا لا يصلّي»فهو أوّل من صلّى للّه مع رسوله و أفقههم في دين اللّه و أولى برسوله،و اما من ترى معه فكلّهم قارئ الكتاب لا ينامون الليل تهجدا،فلا يغررك عن دينك هؤلاء الأشقياء المغرورون.فقال الفتى:انّي
1) 1)
لأظنّك امرأ صالحا هل تجد لي من توبة؟قال:نعم تب إلى اللّه يتب عليك فانّه يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيئات و يحبّ التوابين و يحبّ المتطهرين.
فذهب الفتى بين الناس راجعا،فقال له رجل من أهل الشام:خدعك العراقي.
فقال:بل نصحني (1)
وقعة صفين 354. [1]
.«و يرعوي» أي:يكفّ.
«عن الغي و العدوان من لهج به» أي:و لع به و حرص.و زاد ابن ميثم كما في نسخته:«و تبعه».
الخطبة(64)
و من كلام له عليه السلام كان يقوله لأصحابه في بعض أيام صفين:
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ اسْتَشْعِرُوا الْخَشْيَةَ- وَ تَجَلْبَبُوا السَّكِينَةَ وَ عَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ- فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ وَ أَكْمِلُوا اللَّأْمَةَ- وَ قَلْقِلُوا السُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلِّهَا- وَ الْحَظُوا الْخَزْرَ وَ اطْعُنُوا الشَّزْرَ- وَ نَافِحُوا بِالظُّبَى وَ صِلُوا السُّيُوفَ بِالْخُطَا- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ اللَّهِ وَ مَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ- فَعَاوِدُوا الْكَرَّ وَ اسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرِّ- فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الْأَعْقَابِ وَ نَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ- وَ طِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً- وَ امْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْياً سُجُحاً- وَ عَلَيْكُمْ بِهَذَا السَّوَادِ الْأَعْظَمِ وَ الرِّوَاقِ الْمُطَنَّبِ- فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ فِي كِسْرِهِ- وَ قَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً وَ أَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلاً- فَصَمْداً صَمْداً حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ- «وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللّهُ مَعَكُمْ وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ»
1) 1)
أقول:و رواه ابن قتيبة في( عيونه ابن قتيبة-عيون الاخبار-ج 1 ص 133 ) (1)
عيون الاخبار لابن قتيبة 1:133. [1]
و المسعودي في( مروجه المسعودي-مروج الذهب-ج 2 ص 379 ) (2)و المصنف في( خصائصه الشريف الرضي-خصائص الائمة-ص 75 و 76 ) (3)و فرات بن ابراهيم في( تفسيره فرات بن ابراهيم-تفسير فرات-ص 421 ) (4)و الطبرسي في( بشارته أبو جعفر الطبري-بشارة المصطفى-ص 172 و 173 ) (5).قال الأول:ذكر ابن عباس عليّا عليه السلام فقال:ما رأيت رئيسا يوزن به لرأيته يوم صفين و كأن عينيه سراجا سليط و هو يحمس أصحابه إلى أن انتهى اليّ و أنا في كثف فقال:معشر المسلمين استشعروا الخشية،و غضوا الأصوات و تجلببوا السكينة و اكملوا اللام و اخفوا الخود و قلقلوا السيوف في أغمادها قبل السلمة و الحظوا الشزر و اطعنوا النتر و نافحوا بالظبي و صلوا السيوف بالخطى و الرماح بالنبل و امشوا إلى الموت مشيا سجحا،و عليكم بهذا السواد الأعظم و الرواق المطنب،فاضربوا ثبجه فان الشيطان راكد في كسره،نافج حضينه مفترش ذراعيه قد قدم للوثبة يدا و أخّر للنكوص رجلا.
و قال الثاني في(مروجه):و خرج علي عليه السلام بنفسه في البدريين و المهاجرين و الأنصار و ربيعة و همدان في اليوم الثامن و هو يوم الأربعاء.
قال ابن عباس:رأيت في هذا اليوم عليّا عليه السلام و عليه عمامة بيضاء و كأن عينيه سراجا سليط و هو يقف على طوائف الناس في مراتبهم يحثّهم و يحرّضهم حتى انتهى اليّ و أنا في كثيف من الناس،فقال:يا معشر المسلمين غموا الأصوات و اكملوا الملامة و استشعروا الخشية و أقلقوا السيوف في الأجفان قبل السلة و الحظوا الشزر و اطعنوا الهبر...
و قال الثالث:حكي ان معاوية سأل ابن عباس عن أمير المؤمنين عليه السلام فقال:هيهات عقم النساء أن يأتين بمثله و اللّه ما رأيت رئيسا مجرّبا يوزن به، لقد رأيته في بعض أيام صفين و على رأسه عمامة بيضاء تبرق و قد أرخى طرفيه على صدره و ظهره،و كأن عينيه سراجا و هاجا من سليط،و هو يقف على كتيبة حتى انتهى إليّ و أنا في كثف من القوم و هو يقول:معاشر المسلمين استشعروا الخشية...و لن يتركم أعمالهم.و زاد و أنشأ يقول:
إذا المشكلات تصدين لي كشفت غوامضها بالنظر
و ان برقت في مخيل الظنون عمياء لا تجليها الفكر
مقنعة بغيوب الأمور وضعت عليها حسام العبر
معي اصمعي كظبي المرهفات اثرى به عن بنات السرر
لسان كشقشقة الأرحبي أو كالحسام اليماني الذكر
و لست بأمعة في الرجال السائل هذا و ذا ما الخبر
و لكنني مدره الأصغرين أقيس بما قد مضى ما غبر
ثم غاب عني ثم رأيته قد أقبل و سيفه ينطف دما و هو يقرأ «فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ» (1)
التوبة:12. [1]
.و روى الرابع مسندا عن ضرار بن الأزور:ان رجلا من الخوارج سأل ابن عباس عن علي عليه السلام،فأعرض عنه ثم سأله فقال:و اللّه لكان أمير المؤمنين يشبه القمر الزاهر و الأسد الخادر و الفرات الزاخر و الربيع الباكر فاشبه من القمر ضوؤه و بهاؤه و من الأسد شجاعته و مضاؤه و من الفرات جوده و سخاؤه و من الربيع خصبه و حباؤه،عقمت النساء أن يأتين بمثله بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله،تاللّه ما سمعت و لا رأيت انسانا مثله،و قد رأيته يوم صفين و عليه
1) 1)
عمامة بيضاء،و كأن عينيه سراجان و هو يقف على شرذمة شرذمة،يحضّهم و يحثّهم إلى ان انتهى إليّ و أنا في كنف من المسلمين،فقال:معاشر الناس استشعروا الخشية و أميتوا الأصوات و تجلبوا بالسكينة و أكملوا اللامة و اقلوا السيوف في الغمد قبل السلة و الحظوا الشزر و اطعنوا الخزر و نافحوا بالخطى و صلوا السيوف بالخطى و الرماح بالبنان فانّكم بعين اللّه و مع ابن عم نبيّكم عاودوا الكرّ و استحيوا من الفر،فانّه عار باق في الأعقاب و نار يوم الحساب،فطيبوا عن أنفسكم نفسا و اطووا عن الحياة كشحا و امشوا إلى الموت مشيا،عليكم بهذا السواد الأعظم و الرواق المطنب فاضربوا ثبجه فان الشيطان راكد في كسره نافج حضنيه و مفترش ذراعيه،قد قدم للوثبة يدا و أخّر للنكوص رجلا،فصبرا حتى ينجلي لكم عمد الحق و أنتم الأعلون و اللّه معكم و لن يتركم أعمالكم.
و أقبل معاوية في الكتيبة الشهباء و هي زهاء عشرة آلاف جيش شاكين في الحديد لا يرى منهم إلاّ الحدق تحت اللثام،فقال عليه السلام:ما بالكم تنظرون فما تعجبون،انّما هي جثث ماثلة فيها قلوب طائرة مزخرفة بتمويه الخاسرين و رجل جراد زفت به ريح الصبا،و لفيف سداه الشيطان و لحمته الضلالة، و صرخ بهم ناعق البدعة و فيهم خور الباطل و ضخضخة المكاثر،فلو قد مستها سيوف أهل الحق لتهافتت تهافت الفراش في النار،ألا فسووا بين الركب و عضوا على النواجذ و اضربوا القوانص بالصوارم و اشرعوا الرماح في الجوانح و شدّوا فإنّي شادّهم لا ينصرون.
فحملوا حملة ذي لبد،فأزالوهم عن أماكنهم و دفعوهم عن مراكزهم، و ارتفع الرهج و خمدت الأصوات،فلا تسمع إلاّ صلصلة الحديد و غمغمة الأبطال لا يرى إلاّ رأس نادر أو يد طائحة و انا كذلك إذ أقبل أمير المؤمنين عليه السلام
من موضع يريد أن ينجلي الغبار و ينفض العلق عن ذراعيه و سيفه يقطر من الدماء قد انحنى كقوس النازع و هو يتلو «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ» (1)
الحجرات:9. [1]
.و روى الخامس مسندا عن عكرمة عن ابن عباس قال:عقم النساء أن يأتين بمثل أمير المؤمنين،و ما كشفت النساء ذيولهن عن مثله،لا و اللّه ما رأيت فارسا مجرّبا يوزن به،لرأيته يوما و نحن معه بصفين و على رأسه عمامة سوداء و كأن عينيه سراجا سليط يتوقدان من تحتها يقف على شرذمة يحضهم حتى انتهى إلى نفر أنا فيهم،و طلعت خيل لمعاوية تدعى بالكتيبة الشهباء عشرة آلاف دارع على عشرة آلاف أشهب،فاقشعر الناس لها لما رأوها و انحاز بعضهم إلى بعض،فقال عليه السلام:فيم النخع و النخع يا أهل العراق، هل هي إلاّ أشخاص ماثلة فيها قلوب طائرة،لو مسّها قلوب أهل الحق لرأيتموها كجراد بقيعة سفته الريح في يوم عاصف،ألا فاستشعروا الخشية و تجلببوا السكينة و ادرعوا الصبر و خفضوا الأصوات و قلقلوا الأسياف في الأغماد قبل السلة،و انظروا الشزر و اطعنوا الوجر و كافحوا بالظبي و صلوا السيوف بالخطى و النبال بالرماح و عاودوا الكر و استحيوا من الفر،فانّه عار في الأعقاب و نار يوم الحساب،و طيبوا عن أنفسكم،نفسا و امشوا إلى الموت مشيا سجحا،فانّكم بعين اللّه و مع أخي رسول اللّه،و عليكم بهذا السرادق الأدلم و الرواق المظلم فاضربوا ثبجه،فان الشيطان راقد في كسره نافش حضنيه مفترش ذراعيه قد قدّم للوثبة يدا و أخّر للنكوص رجلا،فصمدا صمدا حتى ينجلي لكم عمود الحق و أنتم الأعلون و اللّه معكم و لن يتركم أعمالكمها
1) 1)
أنا شاد فشدّوابسم اللّه الرحمن الرحيم حم لا ينصرون.
ثم حمل عليه السلام عليهم و تبعهم خويلة لم تبلغ المائة فارس،فأجالهم فيها جولان الرحى المسرحة بثفالها،فارتفعت عجاجة منعتني النظر،ثم انجلت فأثبت النظر فلم نر إلاّ رأسا نادرا و يدا طائحة،فما كان بأسرع أن ولّوا مدبرين كأنّهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة،فإذا أمير المؤمنين عليه السلام قد أقبل و سيفه ينطف و وجهه كشقّة القمر و هو يقول: «فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ» (1)
التوبة:12. [1]
.و قال ابن أبي الحديد هذا الكلام خطب عليه السلام به في اليوم الذي كانت عشيته ليلة الهرير في كثير من الروايات،و في رواية نصر انّه عليه السلام خطب به في أوّل أيام الحرب (2).
قلت:لم يذكر واحدة من روايات قال تضمّنت كون الخطبة في قرب ليلة الهرير و أما ما نسبه إلى(صفين نصر)من كونها في أوّل يوم من الحرب فلم نقف عليه فيه بل المفهوم مما نقله نفسه عنه و ان لم نقف عليه فيه أيضا كونها ليلة الثامن،فقال:قال نصر:فأما اليوم السابع فكان القتال فيه شديدا-إلى أن قال-قال نصر ان عليّا عليه السلام خطب في ليلة هذا اليوم فقال:معاشر المسلمين استشعروا الخشية و تجلببوا السكينة و عضوا على النواجذ...و كيف كان فالروايات الخمس التي نقلناها لم تتضمن احداها تاريخ الكلام سوى رواية المسعودي فانّها تضمنت كون الكلام يوم الثامن فهو المتعيّن.
قول المصنّف : «و من كلام له عليه السلام كان يقوله لأصحابه في بعض أيام صفين» قوله «يقوله» ينافر قوله «في بعض» و كان المناسب ان يقول«قاله»أو
يحذف قوله «كان يقوله» و لو لا وجوده في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)لقلنا بزيادته،ففي(الخطية):«و من كلام له عليه السلام في بعض أيام صفين» (1)
شرح نهج البلاغة 5:168 و ابن ميثم 2:178 [1] أما النسخة الخطية فكما قال العلامة التستري:42.
.قوله عليه السلام «معاشر المسلمين استشعروا الخشية» قالوا:أي اجعلوا خشية اللّه تعالى و تقواه بمنزلة شعار لكم،و الشعار من الثياب ما يلصق بالجسد، و الدثار ما فوق الشعار .
«و تجلببوا السكينة» قالوا:أي اجعلوا السكون و الوقار جلبابا لكم، و الجلباب ثوب يشمل جميع البدن .
«و عضّوا على النواجذ» قالوا:للإنسان أربعة نواجذ،و هي أقصى الأضراس .
«فانّه أنبى للسيوف» قالوا:انّه من نبا السيف إذا لم يقطع،و المراد انّه إذا عضّ الانسان على نواجذه تصلبت الأعصاب و العضلات المتصلة بالدماغ، فكان تأثير السيف فيها أقل.
قال ابن أبي الحديد قال ذلك الراوندي (2)،و هذا كلام ليس على حقيقته، بل هو كناية عن الأمر بتسكين القلب و ترك اضطرابه،و ذلك أشدّ إبعادا لسيف العدو عن هاماتكم (3).
قلت:بل على حقيقته،و يشهد له تصريح الأشتر به،ففي(صفين نصر):
كان الأشتر يحرّض أصحابه و يقول:فدتكم نفسي،شدّوا شدّة المحرج الراجي الفرج فإذا نالتكم الرماح فالتووا فيها،و إذا عضتكم السيوف فليعضّ الرجل على نواجذه فانّه أشد لشئون الرأس (4).
«و أكملوا اللأمة» بالهمز،أي:الدرع لتحول بين البدن و ضرب العدو و طعنه و سهمه،قال تعالى في داود: «وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ» (1)
الأنبياء:80. [1]
.و في(العيون):كان على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوم احد درعان (2).
و اشترى يزيد بن حاتم أدرعا و قال:اني لم أشتر أدرعا انّما اشتريت أعمارا .
«و قلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلها» لئلا يطول سلها وقت إرادة ضرب العدو .
«و الحظوا الخزر» قال ابن أبي الحديد بالتحريك،قال«إذن تخازرت و ما بي من خزر»فان جاء مسكنا و الا فتسكينه جائز للسجعة الثانية «و اطعنوا الشزر» (3).
قلت:بل بالسكون،قال الفيروز آبادي:الخزر بسكون الزاي النظر بلحظ العين،و البيت الذي ذكر الخزر فيه اسم المصدر و هنا مصدر (4).
هذا،و قال عمرو بن العاص:ما رأيت معاوية متكئا قط واضعا إحدى رجليه على الأخرى كاسرا عينه يقول لرجل تكلّم إلاّ رحمته.
«و اطعنوا» قال ابن أبي الحديد:بضم العين يقال طعن بالرمح يطعن بالضم و طعن في النسب يطعن بالفتح (5).
قلت:بل يجوز في يطعن الضم و الفتح مطلقا،و انما الفرق بين الطعن
بالرمح و الطعن في النسب بالمصدر،ففي(الجمهرة):طعن بالرمح يطعن و يطعن طعنا،و طعنت في الرجل طعنانا لا غير إذا ذكرته بقبيح،قال أبو زبيد الطائي:
و ابى ظاهر الشناءة إلا طعنانا و قول ما لا يقال
قال الأصمعي:الطعن بالرمح و الطعنان باللسان هذا كلام العرب (1)
جمهرة اللغة لابن دريد 2:917. [1]
.و منه يظهر ما في(الصحاح) (2)و(القاموس) (3)أيضا طعن فيه طعنا و طعنانا.
«الشزر» و في(الصحاح):الشزر ما طعنت عن يمينك و شمالك (4).
في(الطبري):خرج رجل من عك الشام يسأل المبارزة،فخرج إليه قيس ابن فهدان الكناني البدني من أهل العراق،فحمل على العكي فضربه و احتمله أصحابه،فقال قيس:
لقد علمت عك بصفين اننا إذا التقت الخيلان نطعنها شزرا
و نحمل رايات الطعان بحقّها فنوردها بيضا و نصدرها حمرا
(5)هذا،و قد عرفت ان في رواية(المروج)«الهبر»و في رواية(البشارة): «الوجر»و الهبرة القطعة من اللحم،و الوجر الطعن في الصدر .
«و نافحوا» في(الصحاح):نفحه بالسيف تناوله من بعيد.
«بالظبي» جمع ظبة كالظبات طرف السيف،قال الشاعر:
إذا الكماة تنحّوا أن ينالهم حد الظبات و صلناها بأيدينا
(1)«و صلوا السيوف بالخطى» جمع الخطوة بالضم ما بين القدمين.
قال ابن أبي الحديد روي ان رجلا من الأزد رفع إلى المهلب سيفا له، فقال له:يا عم كيف ترى سيفي هذا؟فقال:انّه لجيّد لو لا انّه قصير.قال:يا عم اطوله بخطوتي.فقال:و اللّه يابن أخي ان المشي إلى الصين أو آذربيجان على أنياب الأفاعي أسهل من تلك الخطوة.ثم نقل أبياتا في وصل السيوف بالخطى (2).
قلت:و في(صفين نصر):كانت طلائع أهل الشام و أهل العراق يلتقون و يتناشدون و يفخر بعضهم على بعض على أمان،فالتقوا يوما و فيهم النجاشي فتذاكروا رجراجة عليّ عليه السلام-كان معه أربعة آلاف مجفجف من همدان مع سعيد بن قيس رجراجة،و كان عليهم البيض و السلاح و الدروع- و خضرية معاوية-كانت مع عبيد اللّه بن عمر أربعة آلاف عليهم الخضر-فقال فتى من جذام ممّن كان في طليعة معاوية:
ألا قل لفجّار أهل العراق و لين الكلام لهم سيئه
متى ما تجيئوا برجراجة نجئكم بجأواء خضريه
فوارسها كأسود الضراب طوال الرماح يمانيه
قصار السيوف بأيديهم يطولها الخطو و النيه
يقول ابن هند إذا أقبلت جزى اللّه خيرا جذاميه
فقال القوم للنجاشي:أنت شاعر أهل العراق و فارسهم،فأجب الرجل فتنحى ساعة ثم أقبل يهدر و يقول:
معاوي ان تأتنا مزبدا بخضرية تلق رجراجه
أسنتها من دماء الرجال إذا جالت الخيل مجاجه
فوارسها كأسود الضراب إلى اللّه في القتل محتاجه
و ليست لدى الموت و قافة و ليست لدى الخوف فجاجه
و ليس لهم غير جدّ اللقاء إلى طول أسيافهم حاجه
خطاهم مقدم أسيافهم و أذرعهم غير اخداجه
و عندك من وقعهم مصدق و قد أخرجت أمس اخراجه
فشنت عليهم ببيض السيوف بها فقع لجاجه
فقال أهل الشام له:يا أخي بني الحارث اروناها فانّها جيدة فأعادها عليهم حتى رووها (1)
صفين،لنصر بن مزاحم:454. [1]
.«و اعلموا أنّكم بعين اللّه و مع ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله» في(صفين نصر):قال قيس بن سعد بن عبادة لأصحابه في خطبته في صفين:أنتم مع هذا اللواء الذي كان يقاتل عن يمينه جبرئيل و عن يساره ميكائيل،و القوم مع لواء أبي جهل و الأحزاب (2).
و في(العقد):في وفود ام سنان المذحجية أنّها قالت في صفين:
يا آل مذحج لا مقام فشمّروا ان العدو لآل أحمد يقصد
هذا عليّ كالهلال تحفّه وسط السماء من الكواكب أسعد
خير الخلائق و ابن عم محمد ان يهدكم بالنور منه تهتدوا
ما زال مذ شهد الحروب مظفّرا و النصر فوق لوائه ما يفقد
«فعاودوا الكر و استحيوا من الفر» في(العقد)في وفود ام الخير بنت حريش على معاوية،التفت معاوية إلى جلسائه فقال:أيّكم يحفظ كلامها يوم صفين لما قتل عمار؟فقال رجل:أنا أحفظ بعض كلامها.قال:هات.قال:كأني بها بين بردين زئبرين كثيفي النسيج،و هي على جمل أرمك و بيدها سوط منتشر الضفيرة،و هي كالفحل يهدر في شقشقته تقول:أيّها الناس اتقوا ربّكم -إلى أن قال-فأين تريدون،أفرارا عن أمير المؤمنين أم رغبة عن الاسلام، هلموا إلى الامام العادل و الوصي التقي و الصديق الأكبر،انّها إحن بدرية و أحقاد جاهلية،فإلى أين تريدون عن ابن عم رسول اللّه و صهره و أبي سبطيه الذي خلق من طينته و تفرّع من نبعته و جعله باب دينه و أبان ببعضه المنافقين،و ها هو ذا مفلق الهام و مكسّر الأصنام صلّى و النّاس مشركون و أطاع و الناس كارهون،فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزيه و أفنى أهل أحد و هزم الأحزاب و قتل اللّه به أهل خيبر و فرّق به جمع أهوائهم،فيا لها من وقائع زرعت في قلوب نفاقا و ردة و شقاقا و زادت المؤمنين ايمانا (1)
بن عبد ربه:العقد الفريد 2:116. [1]
.«فإنّه عار في الأعقاب فالناس يعيرون بفعال آبائهم و امهاتهم»ففي(مقاتل الطالبيين):أرسل معاوية إلى ابنة الأشعث،اني مزوّجك بيزيد ابني على أن تسمّي الحسن بن علي،و بعث إليها بمائة ألف درهم،فسوّغها المال و لم يزوّجها منه فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها،فكان إذا وقع بينهم و بين بطون قريش كلام عيّروهم و قالوا:يا بني مسمّة الأزواج (2).
و في(الطبري):قال هشام بن عمرو التغلبي للمنصور:انصرفت إلى منزلي فلقيتني اختي فرأيت من جمالها و عقلها و دينها ما رضيتها للخليفة
فجئت لأعرضها عليه،فأطرق المنصور و جعل ينكت الأرض بخيزرانة في يده و قال:اخرج يأتك أمري.فلما ولى قال:يا ربيع لو لا بيت قاله جرير في بني تغلب لتزوّجت أخته،و هو قول جرير:
لا تطلبن خؤولة في تغلب فالزنج أكرم منهم أخوالا
فأخاف أن تلد لي ولدا فيعيّر بهذا البيت (1)
تاريخ الطبري 6:290. [1]
.و في(كامل المبرد):لمّا رأى أبو بلال مرداس-و كان لا يرى الخروج- جد ابن زياد في طلب الشراة عزم على الخروج،فقال لأصحابه:انّه و اللّه ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين،تجري علينا أحكامهم مجانبين للعدل مفارقين للفصل و اللّه ان الصبر على هذا لعظيم و ان تجريد السيف و اخافة السبيل لعظيم،و لكنّا ننتبذ عنهم و لا نجرّد سيفا و لا نقاتل إلاّ من قاتلنا.
ثم مضى حتى نزل آسك-بين رامهرمز و ارجان-فجهّز ابن زياد اسلم بن زرعة في ألفين و وجّهه إليه و قد تتام أصحاب مرداس أربعين رجلا،فلما صار إليهم أسلم صاح به أبو بلال:انّا لا نريد قتالا و لا نحتجن فيئا،فما الذي تريد؟قال:اريد أن أردكم إلى ابن زياد.قال مرداس:اذن يقتلنا.قال:و ان.ثم حملوا على أسلم حملة رجل واحد،فانهزم هو و أصحابه من غير قتال،فلما ورد أسلم على ابن زياد غضب عليه غضبا شديدا و قال:ويلك تمضي في ألفين فتنهزم لحمة أربعين (2).
و كان أسلم يقول:لأن يذمّني ابن زياد حيّا أحبّ إليّ من أن يمدحني ميّتا.
و كان إذا خرج إلى السوق أو مرّ بصبيان صاحوا به:أبو بلال و راك،
و ربما صاحوا به:يا معبد خذه.كان معبد أحد أصحاب أبي بلال كاد أن يأخذه لما انهزم مبرّد فشكا ذلك إلى ابن زياد فأمر الشرط أن يكفّوا الناس عنه.ففي ذلك يقول عيسى بن فاتك من الشراة:
أ ألفا مؤمن فيما زعمتم و يهزمهم بآسك أربعونا
كذبتم ليس كما زعمتم و لكن الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة غير شك على الفئة الكثيرة ينصرونا
(1)«و نار يوم الحساب» قال ابن أبي الحديد و الجهاد مع الإمام كالجهاد مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله (2)،و قال تعالى في الفرار عن الجهاد مع النبي «وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ» (3).
قلت:و قد كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و آله مأمورا بجهاد الكفّار و المنافقين في قوله تعالى له «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَ الْمُنافِقِينَ» (4)و تصدّى للجهاد مع الكفار بنفسه،و فوّض جهاد المنافقين إلى أمير المؤمنين عليه السلام لكونه كنفسه .
«و طيبوا عن أنفسكم نفسا» يعني:طيبوا نفسا في قتل نفوسكم في سبيل اللّه لأنّه يبدل بحياة طيبة،قال تعالى «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» (5).
و في(الطبري):لما خطب الحسين عليه السلام أصحابه بذي حسم بعد ورود الحر قام زهير بن القين و قال:و اللّه لو كانت الدنيا لنا باقية و كنّا فيها مخلدين
الا ان فراقها في نصرك و مواساتك لآثرنا الخروج معك (1)
تاريخ الامم و الملوك للطبري 4:305. [1]
.«و امشوا إلى الموت مشيا سجحا» بتقديم الجيم على الحاء،أي:سهلا.
و في(صفين نصر):قال عتبة بن جويرية يوم صفين:ألا ان مرعى الدنيا قد أصبح شجرها هشيما و أصبح زرعها حصيدا و جديدها سملا و حلوها مرّ المذاق،ألا و اني انبئكم نبأ امرئ صادق.اني سئمت الدنيا و عزفت نفسي عنها و قد كنت أتمنى الشهادة و أتعرّض لها في كلّ حين فأبى اللّه إلاّ أن يبلغني في هذا اليوم،ألا و اني متعرّض ساعتي هذه لها و قد طمعت ان لا احرمها،فما تنتظرون عباد اللّه من جهاد أعداء اللّه،أخوف الموت القادم عليكم الذاهب بأنفسكم لا محالة أو من ضربة كف أو جبين بالسيف،أ تستبدلون الدنيا بالنظر إلى وجه اللّه عز و جل أو مرافقة النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين في دار القرار؟ما هذا بالرأي السديد،يا إخوتاه اني قد بعت هذه الدار بالتي امامها،و هذا وجهي إليه لا يبرح اللّه وجوهكم و لا يقطع اللّه أرحامكم.
فتبعه أخواه عبيد اللّه و عوف و قالا:لا نطلب رزق الدنيا بعدك،قبّح اللّه العيش بعدك،اللّهم انّا نحتسب أنفسنا عندك.فاستقدموا فقاتلوا حتى قتلوا (2).
و في خطبة الأشتر في صفين:ان هؤلاء القوم و اللّه لن يقاتلوكم إلاّ عن دينكم ليطفئوا السنّة و يحيوا البدعة،و يدخلوكم في أمر قد أخرجكم اللّه منه بحسن البصيرة،فطيبوا عباد اللّه نفسا بدمائكم دون دينكم ... (3).
«و عليكم بهذا السواد الأعظم» و كان الأشتر أيضا يحرّض و يقول:عليكم
بهذا السواد الأعظم،فان اللّه عز و جل لو قد فضّه تبعه من بجانبيه كما يتبع مؤخر السيل مقدّمه (1)
المصدر نفسه.
.«و الرواق المطنب» في(صفين نصر):نصب لمعاوية منبر،فقعد عليه في قبّة ضربها ألقي عليها الثياب و الأرائك و أحاط به أهل يمن و قال:لا يقربن أحد هذا المنبر لا تعرفونه إلا قتلتموه كائنا من كان،و كان على رأس معاوية رجل قائم معه ترس مذهّب يستره من الشمس (2).
و لقد قصد رواق معاوية جمع من أصحابه عليه السلام كما أمرهم لكن لم يكن طيه مقدرا،فممن قصده أبو شداد قيس بن المكشوح،ففي(صفين نصر):
قالت بجيلة له:خذ رايتنا.فقال:غيري خير لكم مني.قالوا:لا نريد غيرك.قال:
فو اللّه لئن أعطيتمونيها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب.فقالوا:
اصنع ما شئت.فأخذها ثم زحف بها و هم حوله يضربون الناس حتى انتهى إلى صاحب الترس فاقتتلوا هنا لك قتالا شديدا و شدّ بسيفه نحو صاحب الترس،فعرض له رومي من دونه لمعاوية فضرب قدم أبي شدّاد فقطعها، و ضرب أبو شداد ذلك الرومي فقتله،و أسرعت إلى أبي شداد الأسنّة فقتل.
فأخذ الراية بعده عبد اللّه بن قلع الأحمسي و قال:
لا يبعد اللّه أبا شداد حيث أصاب دعوة المنادي
و شدّ بالسيف على الأعادي نعم الفتى كان له الطراد
و في طعان الخيل و الجلاد
ثم قاتل حتى قتل،فأخذها بعده أخوه عبد الرحمن بن قلع،فقاتل حتى قتل،ثم أخذها عفيف بن إياس الأحمسي،فلم تزل بيده حتى تحاجز الناس.
و منهم عكبر بن جدير الأسدي-و كان فارس أهل الكوفة الذي لا ينازع- فلما نادى عوف بن مجزأة المرادي-الذي كان فارس أهل الشام لا ينازع-هل من مبارز؟خرج إليه عكبر فطعن عوفا فصرعه و معاوية على التل في اناس من قريش و غيرهم،فوجّه عكبر فرسه فملا فروجه ركضا يضربه بالسوط مسرعا نحو التل،فنظر إليه معاوية فقال:ان هذا الرجل مغلوب على عقله أو مستأمن فاسألوه.فناداه رجل فلم يجبه حتى انتهى إلى معاوية و جعل يطعن في أعراض الخيل و رجا أن يفردوا له معاوية،فقتل رجالا و قام القوم دون معاوية بالسيوف و الرماح،فلما لم يصل إلى معاوية نادى:
أولى لك يابن هند أنا الغلام الأسدي
فرجع إلى علي فقال عليه السلام:ما ذا دعاك يا عكبر إلى ما صنعت؟قال:أردت غرة ابن هند-و انكسر أهل الشام لقتل المرادي-و هدر معاوية دم عكبر فقال عكبر:يد اللّه فوق يد معاوية (1)
نصر بن مزاحم:وقعة صفين 258. [1]
.و منهم عبد اللّه بن بديل الخزاعي،ففي(صفين نصر):قال الشعبي:كان على ابن بديل سيفان و درعان،فجعل يضرب الناس بسيفه قدما و هو يقول:
لم يبق إلاّ الصبر و التوكل و أخذك الترس و سيفا مصقل
ثم التمشي في الرعيل الأول مشي الجمال في حياض المنهل
و اللّه يقضي ما يشا و يفعل
و لم يزل يضرب بسيفه حتى انتهى إلى معاوية،فأزاله عن موقفه و جعل ينادي:يا آل ثارات عثمان-يعني أخا له كان قتل-فظن معاوية و أصحابه انّه يعني عثمان بن عفان-حتى أزال معاوية عن موقفه،فأقبل أصحابه على ابن بديل يرضخونه بالصخر حتى أثخنوه و قتل،و أقبل إليه
1) 1)
معاوية و معه عبد اللّه بن عامر-و كان لابن بديل أخا و صديقا فألقى ابن عامر عمامته على وجهه و ترحّم عليه،فقال له معاوية:اكشف عن وجهه.فقال له ابن عامر:و اللّه لا يمثل به و فيّ الروح.فقال له معاوية:اكشف عن وجهه قد وهبته لك،فكشف فلما رآه معاوية قال:هذا كبش القوم و ربّ الكعبة،و ما مثله إلاّ كما قال الشاعر:
أخو الحرب ان عضّت به عضّها و ان شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا
و يحمي إذا ما الموت كان لقاؤه لدى الشتر يحمي الأنف ان يتأخرا
كليث هزبر كان يحمى ذماره رمته المنايا قصدها فتفطرا
لو قدرت نساء خزاعة على أن يقاتلنني لفعلن فضلا عن رجالها (1)
وقعة صفين لنصر بن مزاحم:245. [1]
.و منهم أخوان من الأنصار،ففي(صفين نصر):حمل غلامان من الأنصار أخوان حتى انتهيا إلى سرادق معاوية فقتلا عنده (2).
و منهم رجل آخر،ففيه قال رجل من أصحاب علي عليه السلام:أما و اللّه لأحملن على معاوية حتى أقتله،فركب فرسا ثم ضربه حتى قام على سنابكه ثم دفعه فلم ينهنهه شيء عن الوقوف على رأس معاوية،فهرب معاوية و دخل خباء، فنزل الرجل عن فرسه و دخل عليه،فخرج معاوية من جانب الخباء الآخر، فخرج الرجل في أثره فاستصرخ معاوية بالناس،فأحاطوا به و حالوا بينهما، فقال معاوية:و يحكم ان السيوف لم يؤذن لها في هذا و لو لا ذلك لم يصل إليكم فعليكم بالحجارة،فرضخوه حتى همد.فعاد معاوية إلى مجلسه (3).
و منهم سبعة آلاف من ربيعة التي كان عليه السلام يمدحها و يقول فيهم
«ربيعة السامعة المطيعة»الاّ انّهم لم يظفروا لغدر أميرهم خالد بن المعمر، أطمعه معاوية و خيّب اللّه رجاءه.ففي(صفين نصر):تبايع سبعة آلاف من ربيعة و تحالفت بالأيمان العظيمة على ألا ينظر رجل منهم خلفه حتى يردوا سرادق معاوية،فأقبلوا نحوه فلما نظر إليهم معاوية قال:
إذا قلت قد ولّت ربيعة أقبلت كتائب منها كالجبال تجالد
و قال لعمرو:ما ترى؟قال:ان تخلّي سرادقك اليوم.فقام معاوية و خلّى لهم سرادقه و رحله،و خرج فارا عنه ببعض مضارب أهل الشام في أخريات الناس،فانتهت ربيعة إلى سرادقه و رحله و بعث معاوية إلى خالد بن المعمر انّك قد ظفرت و لك إمرة خراسان ان لم تتمّ،فقطع خالد القتال و لم يتمّه و قال لربيعة قد برّت أيمانكم فحسبكم،فلما كان عام الجماعة أمّره معاوية على خراسان فمات قبل أن يبلغها (1)
وقعة صفّين لنصر بن مزاحم:306. [1]
.«فاضربوا ثبجه» بالفتح أي:وسطه .
«فان الشيطان» و المراد به معاوية.
«كامن» أي:مختف.
«في كسره» بكسره أي أسفل شقة البيت التي تلي الأرض من حيث يكسر جانباه من عن يمينك و يسارك .
«قد قدم للوثبة» أي:المساورة إلى قدام.
«يدا و أخّر للنكوص» أي:الرجوع إلى العقب.
«رجلا» قد عرفت ان من يقصد رواقه يهرب منه في خباء إلى خباء و يعمل حيلة لدفعه.
و برز يوما في قبال سعيد بن قيس ثم فر منه و ركض فرسه،
1) 1)
فقال سعيد:
يا لهف نفسي فاتني معاوية فوق طمر كالعقاب هاوية
و قال أيمن بن خريم-و كان أنسك رجل من أهل الشام و أشعره-و كان في ناحية معتزلا:
و ان سعيدا إذ برزت لرمحه لفارس همدان الذي يشعب الصدعا
مليء بضرب الدارعين بسيفه إذا الخيل أبدت من سنابكها نقعا
رجعت فلم تظفر بشيء أردته سوى فرس أعيت و أبت بها طلعا
«فصمدا صمدا» بالتسكين أي:قصدا قصدا،و اما بالتحريك فهو:السيد الذي يقصد إليه في الحوائج .
«حتى ينجلي عمود الحق و أنتم الأعلون و اللّه معكم و لن يتركم أعمالكم» في (الصحاح):«و لن يتركم أعمالكم»أي:لن ينتقصكم في أعمالكم كما تقول «دخلت البيت»و أنت تريد دخلت في البيت (1)
الصحاح للجوهري 2:843. [1]
.و قوله عليه السلام «و أنتم الأعلون و اللّه معكم و لن يتركم أعمالكم» لفظ القرآن، قال تعالى: «فَلا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللّهُ مَعَكُمْ وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ» (2).
في(صفين نصر):ركب علي عليه السلام بغلة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الشهباء،ثم تعصّب بعمامة النبي السوداء،ثم نادى:أيها الناس من يشري نفسه للّه بربح،هذا يوم له ما بعده،ان عدوّكم قد قرح كما قرحتم.
فانتدب له ما بين العشرة آلاف إلى اثني عشر ألفا وضعوا سيوفهم على عواتقهم.و تقدّمهم علي عليه السلام منقطعا على بغلة النبي و هو يقول:
دبّوا دبيب النمل لا تفوتوا و أصبحوا بحربكم و بيتوا
حتى تنالوا الثأر أو تموتوا أو لا فإنّي طالما عصيت
قد قلتم لو جئتنا فجيت ليس لكم ما شئتم و شيت
بل ما يريد المحيي المميت
فتبعه عدي بن حاتم بلوائه و هو يقول:
أ بعد عمار و بعد هاشم و ابن بديل فارس الملاحم
نرجو البقاء مثل حلم الحالم و قد عضضنا أمس بالأباهم
فاليوم لا نقرع سن نادم ليس امرؤ من يومه بسالم
و تقدّم الأشتر و هو يقول:
حرب بأسباب الردى تأجج يهلك فيها البطل المدجّج
يكفيك همدانها و مذحج قوم إذا ما أحمشوها أنفجوا
روحوا إلى اللّه و لا تعرجوا دين قويم و سبيل منهج
و حمل الناس حملة واحدة،فلم يبق لأهل الشام صف إلاّ انتقض و اهمدوا ما أتوا عليه حتى أفضى الأمر إلى مضرب معاوية،و علي عليه السلام يضربهم بسيفه و هو يقول:
أضربهم و لا أرى معاوية الأخزر العين العظيم الحاوية
هوت به في النار ام هاوية
فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه،فلما وضع رجله في الركاب تمثّل بأبيات عمرو بن الأطنابة:
أبت لي عفّتي و أبي بلائي و أخذي الحمد بالثمن الربيح
و اعزامي على المكروه نفسي و ضربي هامة البطل المشيح
و قولي كلّما جشأت و جاشت مكانك تحمدي أو تستريحي
فثنى رجله من الركاب و نزل و استصرخ بعك و الأشعريين،فجالدوا عنه...و انتهى إلى مكيدة عمرو في رفع المصاحف (1)
وقعة صفين لنصر بن مزاحم:403. [1]
.الخطبة(239)
و من كلام له عليه السلام يحثّ أصحابه على الجهاد:
وَ اللَّهُ مُسْتَأْدِيكُمْ شُكْرَهُ وَ مُوَرِّثُكُمْ أَمْرَهُ- وَ مُمْهِلُكُمْ فِي مِضْمَارٍ مَمْدُودٍ لِتَتَنَازَعُوا سَبَقَهُ- فَشُدُّوا عُقَدَ الْمَآزِرِ وَ اطْوُوا فُضُولَ الْخَوَاصِرِ- لاَ تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَ وَلِيمَةٌ- مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ- وَ أَمْحَى الظُّلَمَ لِتَذَاكِيرِ الْهِمَمِ وَ صَلَّى اللّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِ الْأُمِّيِ،وَ عَلَى آلِهِ مَصَابِيحِ الدُّجَى وَ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى،وَ سَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أقول:هذا العنوان في نسخنا و في(ابن ميثم)آخر الخطب(236) (2)و لكن ابن أبي الحديد نقله بعد عنوان«قد أحيى عقله»(215) (3).
قول المصنّف: «و من كلام له عليه السلام يحثّ أصحابه على الجهاد» هكذا في (المصرية) (4)و فيه سقط،ففي(ابن ميثم):(يحثّ فيه) (5).
قوله عليه السلام «و اللّه مستأديكم» أي:طالب أدائكم.
«شكره» استأدى شكر عباده في آيات كثيرة «وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ» (6)، «وَ اشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ» (7)، «أَنِ اشْكُرْ لِي»
«وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ» (1)
لقمان:14. [1]
، «وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» (2)و عن الصادق عليه السلام:أو حى تعالى إلى موسى عليه السلام ان اشكر لي حقّ شكري.قال:كيف و ليس شكر أشكرك به إلاّ و أنت أنعمت به علي؟قال:الآن شكرتني حين قلت ان ذلك مني (3).«و مورثكم أمره» «وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً» (4).
«و يمهلكم في مضمار» في(القاموس):تضمير الفرس أن تعلفه حتى يسمن ثم ترده إلى القوت و ذلك أربعين يوما،و هذه المدّة تسمّى المضمار، و الموضع الذي يضمر فيه الخيل أيضا مضمار (5).
«محدود»هكذا في(المصرية) (6)و الصواب: «ممدود» كما في(ابن ميثم و الخطية) (7).
«لتتنازعوا سبقه» أي:سبق المضمار «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً» (8)، «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ»
«جَمِيعاً» (1)
المائدة:48. [1]
، «سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ» (2).«فشدوا عقد المآزر» .
قوم إذا ما حاربوا شدّوا مآزرهم دون النساء و لو باتت بأطهار
و في السير:لما بلغ المهلب خلع ابن الأشعث للحجاج لما أرسله إلى رتبيل في أهل العراق و رجوعهم إلى حربه،كتب إليه ان أهل العراق قد أقبلوا إليك و هم مثل السيل ليس يردّهم شيء حتى ينتهي إلى قراره،و ان لأهل العراق شدّه في أوّل مخرجهم و صبابة إلى أبنائهم و نسائهم،فاتركهم حتى يسقطوا إلى أهاليهم و يشمّوا أولادهم ثم واقعهم فإنّك منصور.فلما قرأ كتابه سبّه و قال:ما الي نظر بل لابن عمه-يعني ابن الأشعث حيث ان كلاّ منهما كان يمنيا-ثم سار الحجاج من البصرة ليلقي ابن الأشعث،فنزل تستر و قدم بين يديه مقدمة إلى دجيل،فلقوا عنده خيلا لابن الأشعث فانهزم أصحاب الحجاج و قتل جمع كثير منهم،فرجع إلى البصرة فتبعه ابن الأشعث فقتل منهم و أصاب بعض أثقالهم،فترك الحجاج البصرة لأهل العراق و أقبل حتى نزل الزاوية،و لما رجع نظر في كتاب المهلب فقال:للّه درّه أي صاحب حرب هو (3).
هذا و في(الأغاني)عن حمّاد الراوية دخلت يوما على الوليد-و كان آخر يوم لقيته-فاستنشدني فأنشدته كلّ ضرب من شعر الجاهلية و الاسلام فما هشّ لشيء منه حتى أخذت في السخف،فأنشدته لعماد بن كناذ:
اشتهى منك منك منك مكانا بجنب ذا فأجيء فيه فيه فيه بأير كمثل ذا
ليت أيري و حرك يوما جميعا تجابذا فأخذ ذا بشعر ذا و أخذ ذا بقعر ذا
فضحك حتى استلقى و شرب حتى سكر،فعلمت ان أمره قد أدبر،ثم أدخلت على أبي مسلم فاستنشدني فأنشدته قول الأفوه إلى قوله:
تهدى الأمور بأهل الرشد ما صلحت و ان تولّت فبالأشرار تنقاد
فقال:انا ذاك الذي تنقاد به الناس،فأيقنت حينئذ أن أمره مقبل (1)
الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني 7:56-57.
و فيه:لما ظهرت المسودة بخراسان كتب نصر بن سيار إلى الوليد يستمدّه،فتشاغل عنه فكتب نصر إليه:أرى خلل الرماد و ميض جمر و أحر بأن يكون له ضرام
فان النار بالعودين تذكى و ان الحرب مبدؤها الكلام
فقلت من التعجب ليت شعري أ أيقاظ اميّة أم نيام
فكتب إليه الوليد:قد أقطعتك خراسان فاعمل لنفسك أو دع،فانّي مشغول عنك بابن سريج و معبد و الغريض (2).
و فيه قال أبو سفيان في غزوة سويق بعد بدر يحرّض قريشا:
ان يك يوم القليب كان لهم فان ما بعده لكم دول
آليت لا أقرب النساء و لا يمس رأسي و جلدي الغسل
حتى تبيدوا قبائل الأوس و الخزرج ان الفؤاد مشتعل
(3)و في(الجزري):و قد بلغ من حزم عضد الدولة انّه تدلّه بفتاة،فلما خشي على ملكه من تدلّهه بها أمر بتغريقها. و لبعضهم:
و من كان بالبيض الكواعب مغرما فما زلت بالبيض القواطع مغرما
و من تيمت سمر الحسان فؤاده فما زلت بالسمر العوالي متيما
(1)«و اطووا فضول الخواصر» جمع الخصر،أي وسط الإنسان،و طي فضول الخواصر كناية عن عدم اهتمامهم بطعامهم و عدم كونهم عبيد بطونهم.
و في(الكامل):لما ولّى المعتز يعقوب الصفار و علي بن شبل كرمان ليغلب أحدهما الآخر،أقبل يعقوب نفسه و طوق بن المغلس من قبل علي بن شبل إليها و لم يقاتلا،و ارتحل يعقوب بعد شهرين و أظهر الارتحال إلى سجستان،فقعد طوق للأكل و الشرب و الملاهي و إذا هو بيعقوب قد طوى مرحلتين في يوم و رجع،ففرّ أصحاب طوق و اسر طوق،فنزع يعقوب خفّه فتساقط منه كسر خبز يابسة،فقال:يا طوق هذا خفي لم أنتزعه منذ شهرين من رجلي و خبزي فيه آكل منه و أنت جالس في الشراب (2).
«و لا»هكذا في(المصرية) (3)و الصواب: «لا» كما في(ابن ميثم)لأنّه مستأنفة كالمثل لا عطف (4).
«تجتمع عزيمة» ما صممت على فعله.
«و وليمة» في(الجمهرة):الوليمة:طعام العرس،و الوضيمة:طعام المأتم (5).
في(الكامل):مات يعقوب الصفار بجنديسابور من قولنج-و كان
المعتمد قد أرسل إليه رسولا يستميله و يقلّده أعمال فارس-فجعل عنده سيفا و رغيفا من الخبز الخشكار و بصلا،فقال لرسوله:قل له اني عليل،فان متّ استرحت أنا و أنت و ان عوفيت فليس بيني و بينك إلاّ هذا السيف،اما آخذ ثاري و اما أرجع إلى هذا الخبز و البصل (1)
الكامل في التاريخ لابن الاثير 7:325. [1]
.«ما أنقض النوم لعزائم اليوم» كرّره المصنف في(440-3).و كيف كان فهو كالمثل لحال كثير من الناس يمنعهم الكسل عن كثير من مقاصدهم،و من أمثالهم«أحزم لو أعزم».
و قال الشاعر:
لست بليلي و لكني نهر لا أدلج الليل و لكن ابتكر
قال سيبويه معنى«نهر»نهاريّ في مقابل الليلي (2).
«و أمحى الظلم» جمع الظلمة.
«لتذاكير الهمم» هو في معنى الأول لبيان حال ناس ليسوا بذوي جدّ في الامور،قال الشاعر:
فلا تقربن أمر الصريمة بامرىء إذا رام أمرا عوّقته عواذله
و قل للفؤاد ان نزابك نزوة من الروع أفرغ أكثر الروع باطله
و قريب منه و ان كان لفظه بالعكس قولهم«كلام الليل يمحوه النهار».
«و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد النبيّ الامّي» زادت(الخطية)قبل الكلام:
«و الحمد للّه كثيرا» (3).
«و على آله مصابيح الدجى» أي:سرج الظلم.
«و العروة الوثقى» لأن و لايتهم شرط قبول الايمان باللّه الذي قال «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى» (1)
البقرة:256. [1]
.قال الرضا عليه السلام لأهل نيسابور-بعد روايته لهم عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلّى اللّه عليه و آله عن اللّه تعالى كون«لا إله إلاّ اللّه»حصنه الذي من دخل فيه أمن من عذابه:بشروطها و أنا من شروطها (2).
«و سلّم تسليما كثيرا» ليس قوله «و صلّى اللّه» إلى هنا في(ابن ميثم) و لعلّه ترك نقله لعدم تعلّق غرض به (3)،لكن فيه بعد شرح العنوان:«و هذا آخر الخطب و الأوامر و يتلوه المختار من الكتب و الرسائل إن شاء اللّه تعالى بعونه و عصمته و توفيقه و هدايته»فان لم يكن من إنشائه فكذا كان كلام المصنّف،و قد عرفت ان ابن أبي الحديد نقله في الوسط فلا مجال لأن يكون فيه شيء غير العنوان (4).
الخطبة(122)
و من كلام له عليه السلام في حثّ أصحابه على القتال:
فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ وَ أَخِّرُوا الْحَاسِرَ- وَ عَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ- فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ- وَ الْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلْأَسِنَّةِ- وَ غُضُّوا الْأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأْشِ وَ أَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ- وَ أَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ- وَ رَايَتَكُمْ فَلاَ تُمِيلُوهَا وَ لاَ تُخِلُّوهَا- وَ لاَ تَجْعَلُوهَا إِلاَّ بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ- وَ الْمَانِعِينَ الذِّمَارَ مِنْكُمْ- فَإِنَّ الصَّابِرِينَ
عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ- هُمُ الَّذِينَ يَحُفُّونَ بِرَايَاتِهِمْ- وَ يَكْتَنِفُونَهَا حِفَافَيْهَا وَ وَرَاءَهَا وَ أَمَامَهَا- لاَ يَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا- وَ لاَ يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا أَجْزَأَ امْرُؤٌ قِرْنَهُ وَ آسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ- وَ لَمْ يَكِلْ قِرْنَهُ إِلَى أَخِيهِ- فَيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قِرْنُهُ وَ قِرْنُ أَخِيهِ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ- لاَ تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الْآخِرَةِ- وَ أَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ وَ السَّنَامُ الْأَعْظَمُ- إِنَّ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللَّهِ وَ الذُّلَّ اللاَّزِمَ وَ الْعَارَ الْبَاقِيَ- وَ إِنَّ الْفَارَّ لَغَيْرُ مَزِيدٍ فِي عُمُرِهِ- وَ لاَ مَحْجُوزٍ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ يَوْمِهِ- الرَّائِحُ إِلَى اللَّهِ كَالظَّمْآنِ يَرِدُ الْمَاءَ- الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِي- الْيَوْمَ تُبْلَى الْأَخْبَارُ- وَ اللَّهِ لَأَنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ- اللَّهُمَّ فَإِنْ رَدُّوا الْحَقَّ فَافْضُضْ جَمَاعَتَهُمْ- وَ شَتِّتْ كَلِمَتَهُمْ وَ أَبْسِلْهُمْ بِخَطَايَاهُمْ إِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ- دُونَ طَعْنٍ دِرَاكٍ يَخْرُجُ مِنْهُ النَّسِيمُ- وَ ضَرْبٍ يَفْلِقُ الْهَامَ وَ يُطِيحُ الْعِظَامَ- وَ يُنْدِرُ السَّوَاعِدَ وَ الْأَقْدَامَ- وَ حَتَّى يُرْمَوْا بِالْمَنَاسِرِ تَتْبَعُهَا الْمَنَاسِرُ- وَ يُرْجَمُوا بِالْكَتَائِبِ تَقْفُوهَا الْحَلاَئِبُ- وَ حَتَّى يُجَرَّ بِبِلاَدِهِمُ الْخَمِيسُ يَتْلُوهُ الْخَمِيسُ- وَ حَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ فِي نَوَاحِرِ أَرْضِهِمْ- وَ بِأَعْنَانِ مَسَارِبِهِمْ وَ مَسَارِحِهِمْ أقول- الدعق الدق أي تدق الخيول بحوافرها أرضهم- و نواحر أرضهم متقابلاتها- و يقال منازل بني فلان تتناحر أي تتقابل أقول:العنوان جمع بين روايات،فصدره إلى قوله «لا تسلموا من سيف الآخرة» رواية مع زيادة و نقيصة،ففي( الطبري الطبري-تاريخ الطبري-ج 4 ص 11 و 16 ):قال أبو مخنف:حدّثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري عن أبيه و مولى له ان عليا عليه السلام حرّض الناس يوم صفين فقال:ان اللّه عز و جل قد دلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم،
تشفي بكم على الخير و الإيمان باللّه عز و جل و برسوله و الجهاد في سبيله، و جعل ثوابه مغفرة الذنب و مساكن طيبة في جنّات عدن،ثم أخبركم أنّه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفّا كأنّهم بنيان مرصوص،فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص و قدّموا الدارع و أخّروا الحاسر،و عضّوا على الأضراس فانّه أنبى للسيوف عن الهام،و التووا في أطراف الرماح فانّه أصون للأسنة، و غضوا الأبصار فانّه أربط للجأش و اسكن للقلوب،و أميتوا الأصوات فانّه أطرد للفشل و أولى بالوقار،راياتكم فلا تميلوها و لا تجعلوها إلاّ بأيدي شجعانكم،فان المانع للذمار و الصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم و يكنفونها يضربون حفافيها خلفها و أمامها و لا يضيعونها.أجزأ أمرء قد قرنه و آسى أخاه بنفسه و لم يكل قرنه إلى أخيه فيكسب بذلك لائمة و يأتي به دناءة،و انى لا يكون هذا هكذا و هذا يقاتل اثنين و هذا ممسك بيده يدخل قرنه على أخيه هاربا منه أو قائما ينظر إليه،من يفعل هذا يمقته اللّه عز و جل،فلا تعرضوا لمقت اللّه سبحانه فانّما مردّكم إلى اللّه،قال اللّه عز من قائل لقوم «لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً» (1)
تاريخ الامم و الملوك للطبري 4:16. [1]
و ايم اللّه لئن سلمتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة،استعينوا بالصدق و الصبر،فان بعد الصبر ينزل اللّه النصر (2)و رواه نصر في( صفينه نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 235 )عن عمر عن عبد الرحيم بن عبد الرحمن عن أبيه مثله (3).و رواه( الكافي الكليني-الكافي-باب ما يوصي عليه السلام عند القتال ج 5 ص 39 ح 4 )في باب ما يوصي عليه السلام عند القتال عن مالك بن أعين
مثله مع أدنى اختلاف،زائدا بين قوله«هم أهل الحفّاظ»و قوله «الذين يحفون براياتهم» :«و لا تمثلوا بقتيل» (1)
الكافي للكليني 5:39 ح 4. [1]
و مثله في( الإرشاد الشيخ المفيد-الإرشاد-فصل في كلامه عليه السلام ص 141 )في(فصل في كلامه عليه السلام في هذا المعنى)بدون زيادة (2).و اما قوله «فإن ردّوا الحق فافضض جماعتهم و شتّت كلمتهم و أبسلهم بخطاياهم» فجزء رواية اخرى،ففي(الطبري)عن زيد بن وهب:أنّ عليّا عليه السلام مرّ على جماعة من أهل الشام فيها الوليد بن عقبة و هم يشتمونه،فخبر بذلك فوقف فيمن يليهم من أصحابه و قال:«انهدّوا إليهم و عليكم السكينة و الوقار- وقار الإسلام-و سيماء الصالحين،فو اللّه لأقرب قوم من الجهل قائدهم و مؤدبهم معاوية و ابن النابغة و أبو الأعور السلمي و ابن أبي معيط شارب الخمر المجلود حدّا في الاسلام،و هم أولى يقومون فينقصونني و يشتمونني و أنا إذا ذاك أدعوهم إلى الاسلام و هم يدعونني إلى عبادة الأصنام،الحمد للّه، قديما عاداني الفاسقون فعبدهم اللّه،ألم تعجبوا أن هذا لهو الخطب الجليل،ان فسّاقا كانوا غير مرضيين و على الاسلام و أهله متخوّفين خدعوا شطر هذه الامة و أشربوا قلوبهم حبّ الفتنة و استمالوا أهواءهم بالإفك و البهتان،قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور اللّه عز و جل.اللّهم فافضض خدمتهم و شتّت كلمتهم و أبسلهم بخطاياهم،فإنّه لا يذلّ من و اليت و لا يعزّ من عاديت (3).
و رواه(صفين نصر) (4)،و كذا رواه(الإرشاد) (5).
و أمّا قوله «إنّهم لن يزولوا عن مواقفهم -إلى- و يندر السواعد و الأقدام»
فجزء رواية أخرى رواها(الكافي) (1)
الكافي للكليني 5:40. [1]
و(الإرشاد) (2)و-المروج) (3)و(الطبري) (4)،ففي الأول:و مرّ عليه السلام براية لأهل الشام لا يزولون،فقال:إنّهم لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن دراك يخرج منه النسيم و ضرب يفلق الهام و يطيح العظام و تسقط منه المعاصم و الأكف،و حتى تصدع جباههم بعمد الحديد و تنشر حواجبهم على الصدور و الأذقان،أين أهل الصبر و طلاّب الأجر.و مثله(الإرشاد)،و كذا(المروج)و(الطبري)،و فيهما مر عليه السلام بغسّان لا يزولون.
و أما قوله «إنّ في الفرار موجدة اللّه -إلى- و لا محجوز بينه و بين يومه» فذيل العنوان 103«و قد رأيت جولتكم...».
و أما قوله «و حتى يرموا بالمناسر -إلى- و مسارحهم» فرواية اخرى رواها (صفين نصر) (5)و(كتاب سليم) (6)و(إرشاد المفيد) (7)،و في الأخير:إنّ هؤلاء القوم لم يكونوا لينيبوا إلى الحق و لا ليجيبوا إلى كلمة السواء حتى يرموا بالمناسر تتبعها العساكر،و حتى يرجموا بالكتائب تقفوها الجلائب،و حتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس،و حتى تدعق الخيول في نواحي أرضهم و بأعنان مساربهم و مسارحهم و حتى تشنّ الغارات عليهم في كلّ فج
و تخفق عليهم الرايات و يلقاهم قوم صبر لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم و موتاهم في سبيل اللّه إلاّ جدّا في طاعة اللّه و حرصا على لقاء اللّه.
و أما قوله «الرائح إلى اللّه -إلى- إلى ديارهم» فلم أقف على سنده و ليس في تلك الروايات.
قول المصنّف : «و من كلام له عليه السلام في حث» هكذا في(المصرية) (1)
الطبعة المصرية:290 النسخة الخطية 104.
و (ابن أبي الحديد) (2)و لكن في(ابن ميثم)و النسخة الخطية«حض» (3).«أصحابه على القتال» قد عرفت من أسانيده أنّ ذاك الحثّ كان في صفين .
«فقدموا الدراع» هكذا في(المصرية) (4)،و الصواب:«الدارع»أي:لابس الدرع كما في غيرها .
«و أخّروا الحاسر» أي:الذي لا درع عليه و لا مغفر،و وجه تقديم الدارع و تأخير الحاسر أن سورة حملة الخصم تصل المتقدّم .
«و عضوا على الأضراس فإنّه أنبا للسيوف عن الهام» هو نظير قوله عليه السلام في الأول«عضّ على ناجذك»و في التاسع«و عضّوا على النواجذ فانّه أنبا للسيوف عن الهام»و لا تنافي،فإنّ النواجذ آخر الأضراس،و في(الصحاح):
الأسنان كلّها إناث إلاّ الأضراس و الأنياب.
و كان الأشتر يقول في صفين:إذا عضّتكم السيوف فليعضّ الرجل على ناجذه فإنّه أشدّ لشئون الرأس (5).
«و التووا» من لويت الحبل فتلته في أطراف الرمام .
«فانّه أمور» أي:أكثر تحرّكا و اضطرابا.
«للأسنّة» أي:أسنّة الخصم كالسيوف في قوله قبله«أنبا للسيوف عن الهام».و يوضّحه قول الأشتر في أول الأمر لما غلب الخصم على الماء:فإذا نالتكم الرماح فالتووا فيها.
و قال ابن ميثم أمرهم عليه السلام بالالتواء عند طعنهم الخصم،بأن يميل صدره و يده،فان ذلك أنفذ.و هو كما ترى،و إنّما المراد أن يلتووا لئلا تؤثر طعنة الخصم (1)
شرح ابن ميثم 3:124. [1]
.«و غضّوا الأبصار فإنّه أربط» أي:أكثر شدّا.
«للجأش» أي:القلب،و الأصل في معناه:الاضطراب،سمّي جأشا لاضطرابه كما سمّي قلبا لتقلبه كثيرا .
«و أسكن للقلب» من تزلزله .
«و أميتوا الأصوات فإنّه أطرد» أي:أدفع.
«للفشل» أي:الخوف.
في(عيون ابن قتيبة):قال عتبة يوم بدر لأصحابه:ألا ترون أصحاب محمّد جثيا على الركب كأنّهم خرس يتلمظون تلمظ الحيّات (2)و في(العقد):كان أبو مسلم يقول لقواده إذا أخرجهم:لا تكلّموا الناس إلاّ رمزا و لا تكلموهم إلاّ شرزا لتمتلئ صدورهم من هيبتكم (3).
«و رايتكم فلا تميلوها» بل اجعلوها مستقيمة.
«و لا تخلوها» لأنّها كالقائمة للمحاربين .
«و لا تجعلوها إلاّ بأيدي شجعانكم» فليس كلّ الناس أهلا لحمل الراية بل الشجاع منهم .
«و المانعين الذمار منكم» في(الصحاح):فلان حامي الذمار،أي إذا ذمر و غضب حمى،و يقال:الذمار ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه،لأنّهم قالوا«حامي الذمار»كما قالوا«حامي الحقيقة»،و سمّي ذمارا لأنّه يجب على أهله التذمّر له،و تذامر القوم حثّ بعضهم بعضا في الحرب (1)
الصحاح 2:665. [1]
،و سميت حقيقة لأنّه يحق على أهلها الدفع عنها،قال:«نحمي الحقيقة عند كلّ مصاع».في(صفين نصر)قال أبو زبيد الطائي فيه عليه السلام:إنّ عليا سار بالتكرّم -إلى أن قال-حامي الذمار و هو لما يكدم.
و فيه دعا الأشتر الحارث بن همام النخعي ثم الصهباني فأعطاه لواءه ثم قال:يا حارث لو لا أعلم أنّك تصبر عند الموت لأخذت لوائي منك و لم أجبك بكرامتي.قال:و اللّه يا مالك لأسرّنك اليوم أو لأموتن فاتبعني،فتقدّم و هو يقول:
يا أشتر الخير و يا خير النخع و صاحب النصر إذا عمّ الفزع
و كاشف الأمر إذا الأمر وقع ما أنت في الحرب العوان بالجذع
قد جزع القوم و عمّوا بالجزع و جرّعوا الغيظ و غصّوا بالجرع
إلى أن قال:فقال الأشتر:ادن مني يا حارث.فدنا منه فقبّل رأسه (2).
في(تنبيه البكري):قال عمر للحطيئة:كيف كنتم في حربكم؟قال:كنّا ألف حازم.قال:و كيف ذلك؟قال:كان منّا قيس بن زهير و كان حازما لا
نعصيه فكأنّا ألف حازم،و كنّا نأتمّ بشعر عروة و نقدم بإقدام عنترة (1)
التنبيه للبكري:113.
.«فان الصابرين على نزول الحقائق» أي:الشدائد،قال أبو حبة الأنصاري:
ان يصدقوك يخبروك بأنّنا نحمي الحقيقة عند كلّ مصاع
(2)«هم الذين يحفون» أي:يحيطون. «براياتهم» في(الطبري):و اثب عائذ بن قيس الحرمزي في صفين على عدي بن حاتم في الراية-و كانت حرمز أكثر من بني عدي رهط حاتم-فوثب عبد اللّه بن خليفة الطائي البولاني على حرمز و قال:على عدي تتوثبون؟هل فيكم مثل عدي أو في آبائكم مثل أبيه؟أليس عدي بحامي القرية و مانع الماء يوم روية؟أليس بابن ذي المرباع و ابن جواد العرب؟أليس بابن المنهب ماله و مانع جاره؟أليس من لم يغدر و لم يفجر و لم يجهل و لم يبخل و لم يمنن و لم يجبن؟هاتوا في آبائكم مثل أبيه أو هاتوا فيكم مثله،أو ليس أفضلكم في الاسلام؟أو ليس أو افدكم إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله؟أليس برأسكم يوم النخيلة و يوم القادسية و يوم المدائن و يوم جلولاء الوقيعة و يوم نهاوند و يوم تستر؟ فمالكم و له؟و اللّه ما من قومكم أحد يطلب مثل الذي تطلبون.فقال له علي عليه السلام:حسبك يابن خليفة،هلمّ أيّها القوم إليّ و عليّ بجماعة طي.
فأتوه جميعا فقال عليه السلام لهم:من كان رأسكم في هذه المواطن؟قالوا:عدي.
فقال ابن خليفة له عليه السلام سلهم أليسوا راضين مسلمين لعدي الرئاسة؟ففعل فقالوا:نعم.فقال لهم:عدي أحقّكم بالراية.فسلّموها له فضجّت بنو حرمز، فقال لهم علي عليه السلام:اني أراه رأسكم قبل اليوم،و لا أرى قومه كلّهم إلاّ مسلمين
له غيركم.فأخذها عدي (1)
تاريخ الطبري 4:5. [1]
.و في(صفين نصر):أخذ مسروق بن الهيثم راية بني نهد العراق فقتل، ثم أخذها صخر بن سمي فارتث،ثم أخذها علي بن عمير فقاتل حتى ارتث،ثم أخذها عبد اللّه بن كعب فقتل،ثم أخذها سلمة بن خذيم فارتث و صرع،ثم أخذها عبد اللّه بن عمرو بن كبشة فارتث،ثم أخذها أبو مسيح بن عمرو فقتل، ثم أخذها عبد اللّه بن النوال فقتل،ثم أخذها مولاه مخارق فقتل حتى صارت إلى عبد الرحمن بن مخنف الأزدي (2).
و في(الطبري):صبرت همدان في ميمنة علي عليه السلام حتى أصيب منهم ثمانون و مائة رجل،و قتل منهم أحد عشر رئيسا،كلّما قتل منهم رجل أخذ الراية آخر،فكان الأول كريب بن شريح ثم مرثد بن شريح ثم هبيرة بن شريح ثم يريم بن شريح ثم سمير بن شريح،فقتل هؤلاء الإخوة جميعا.ثم أخذ الراية عمير بن بشير،ثم الحارث بن بشير فقتلا،ثم أخذ الراية وهب بن كريب فأراد أن يستقتل فقال له رجل من قومه:انصرف بهذه الراية فقد قتل أشراف قومك حولها فلا تقتل نفسك و لا من بقي من قومك.فانصرفوا و هم يقولون:
ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا على الموت ثم نستقدم نحن و هم فلا ننصرف حتى نقتل أو نظفر.
فمروا بالأشتر و هم يقولون هذا القول،فقال لهم الأشتر:إليّ أنا أحالفكم و أعاقدكم على ألاّ نرجع أبدا حتى نظفر أو نهلك.فأتوه فوقفوا معه،ففي هذا قال كعب بن جعيل شاعر الشام:«و همدان زرق تبتغي من تحالف».و زحف الأشتر نحو الميمنة و ثاب إليه ناس تراجعوا من أهل الصبر و الحياء و الوفاء،
فأخذ لا يصمد لكتيبة إلاّ كشفها إذ مر بزياد بن النضر يحمل إلى العسكر، فقال:من هذا؟فقيل:زياد،استلحم عبد اللّه بن بديل و أصحابه في الميمنة، فتقدّم فرفع لأهل الميمنة رايته و قاتل حتى صرع،ثم لم يمكث إلاّ كلا شيء حتى مر بيزيد ابن قيس الأرحبي محمولا نحو العسكر،فقال:من هذا؟قالوا:
يزيد،لما صرع زياد دفع لأهل الميمنة رايته فقاتل حتى صرع.فقال الأشتر:
هذا و اللّه الصبر الجميل و الفعل الكريم،ألا يستحي الرجل أن ينصرف لا يقتل و لا يقتل أو يشفى به على القتل (1)
تاريخ الطبري 4:14. [1]
.و فيه أيضا:قالت بجيلة لأبي شداد قيس بن المكشوح:خذ رايتنا.قال:
غيري خير لكم مني.قالوا:ما نريد غيرك.قال:و اللّه لئن أعطيتمونيها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب-أي الذي كان على رأس معاوية-قالوا:
اصنع ما شئت.فأخذها ثم زحف حتى انتهى بهم إلى صاحب الترس- و أشرعت إليه الأسنة فقتل-فأخذ الراية عبد اللّه بن قلع الأحمسي و هو يقول:
لا يبعد اللّه أبا شداد حيث أجاب دعوة المنادي
و شدّ بالسيف على الأعادي
فقاتل حتى قتل،ثم أخذها عبد الرحمن بن قلع فقاتل حتى قتل،ثم أخذها عفيف بن إياس فلم تزل في يده حتى تحاجز الناس (2).
و في(الكامل الجزري):لما وصل علي عليه السلام إلى ربيعة نادى بصوت عال -كغير المكترث لما فيه الناس-لمن هذه الرايات؟قالوا:رايات ربيعة.قال عليه السلام:
بل رايات عصم اللّه أهلها فصبرهم و ثبّت أقدامهم.و قال للحضين بن المنذر:يا فتى ألا تدني رايتك هذه ذراعا.قال:بلى و اللّه و عشرة أذرع.فأدناها.
قال:حسبك مكانك (1)
الكامل لابن الاثير 3:299. [1]
.و في(صفين نصر):انتهى علي عليه السلام إلى رايات ربيعة فقال:لمن هذه؟ فقيل:رايات ربيعة.فقال:بل هي رايات اللّه.و أقبل الحضين بن المنذر-و هو يومئذ غلام-يزحف براتيه-و كانت حمراء-فأعجب عليّا عليه السلام زحفه و ثباته فقال:
لمن راية سوداء يخفق ظلّها إذا قيل قدمها حضين تقدما
و يقدمها في الموت حتى يزيرها حياض الموت تقطر الموت و الدما
أذقنا ابن حرب طعننا و ضرابنا بأسيافنا حتى تولى و احجما
جزى اللّه قوما صابروا في لقائهم لدى الموت قوما ما أعف و أكرما
و أطيب أخبارا و أكرم شيمة إذا كان أصوات الرجال تغمغما
ربيعة أعني انّهم أهل نجدة و بأس إذا لاقوا خميسا عرمرما
(2)«و يكتنفوها» أي:يحيطوها. «حفافيها» بدل بعض من(ها)أي جانبيها،قال طرفة:
كان جناحي مضر حي تكنفا حفافيه شكا في العسيب بمسرد
(3)«و وراءها و أمامها» عطفان على(حفافيها ). «لا يتأخرون عنها فيسلموها و لا يتقدّمون عليها فيفردوها» في(صفين نصر):دفع علي عليه السلام الراية إلى هاشم المر قال-و كان عليه درعان-فقال عليه السلام كهيئة المازح:أبا هاشم أما تخشى من نفسك أن تكون أعور جبانا.قال:
ستعلم يا أمير المؤمنين و اللّه لألفن بين جماجم القوم لفّ رجل ينوي الآخرة.
فأخذ رمحا فهزّه فانكسر،ثم أخذ آخر فوجده حاسيا فألقاه،ثم دعا برمح لين فشدّ به لواه،ثم قال لأصحابه:شدّوا شساع نعالكم و شدّوا أزركم،فإذا رأيتموني قد هززت الراية ثلاثا فاعلموا ان أحدا منكم لا يسبقني بها.
إلى أن قال:و جعل عمّار يتناول هاشما بالرمح و يقول:أقدم يا أعور،لا خير في أعور لا يأتي الفزع.فجعل عمرو بن العاص يقول:اني لأرى لصاحب الراية السوداء عملا لئن دام على هذا لتفنين العرب اليوم-إلى أن قال-و لم يزل عمّار بهاشم ينخسه حتى شبّ القتال و زحف هاشم بالراية يرقل بها إرقالا و زحف الناس بعضهم إلى بعض،و التقى الزحفان فاقتتلوا قتالا لم يسمع بمثله-إلى أن قال-فلما أصبح أهل الشام لم يجدوا حول لوائهم إلاّ ألف رجل، فاقتلعوه و ركزوه من وراء موضعه الأول و أحاطوا به،و وجد أهل العراق لواءهم مركوزا و ليس حوله إلاّ ربيعة،و علي عليه السلام بينهم،و هم يحيطون به و هو لا يعلم من هم و يظنّهم غيرهم،فلما صلّى علي عليه السلام الفجر أبصر وجوها ليس بوجوه أصحابه بالأمس،فقال:من القوم؟قالوا:ربيعة و قد بتّ فيهم تلك الليلة.فقال:فخر طويل لك يا ربيعة (1)
صفين،لنصر بن مزاحم:326. [1]
.و في(صفين نصر):أقبل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد و معه لواء معاوية الأعظم،و من بعده عمرو بن العاص في خيل،و قال له:اقحم يابن سيف اللّه فانّه الظفر.فأقبل الناس على الأشتر فقالوا:يوم من أيامك الأول و قد بلغ لواء معاوية حيث ترى.فأخذ الأشتر لوائه ثم حمل و هو يقول:
اني أنا الأشتر معروف الشتر اني أنا الأفعي العراقي الذكر
لست من الحي ربيعة و مضر لكنني من مذحج الغر الغرر
فضارب القوم حتى ردّهم على أعقابهم و رجعت خيل عمرو.
1) 1)
«أجزأ امرؤ قرنه» بالكسر:من جاء لحربه،قال أبو محلم السعدي:
أ لست أردّ القرن يركب روعه و فيه سنان ذو عراقيب يابس
(1)و قال عمرو بن معديكرب:
يسامى القرن ان قرن تيمه فيعتضده
فيأخذه فيرديه فيخفضه فيقتصده
فيدنو فيحطمه فيحمضه فيزدرده
(2)«و آسى» و في(ابن ميثم):«آسى». «أخاه بنفسه» أي:و اساه و عاضده .
«و لم يكل قرنه إلى أخيه» ان لم يؤاسيه .
«فيجتمع عليه قرنه» أي:قرن نفسه.
«و قرن أخيه» و ذلك خلاف الانصاف و المروة (3).
«و ايم اللّه لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلموا من سيف الآخرة» و هو أشدّ بمراتب .
«و أنتم» هكذا في(المصرية) (4)و الصواب:«أنتم»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية).
«لهاميم العرب» (5)في(الصحاح):الهموم:الجواد من الناس و الخيل، قال:
لا تحسبن بياضا في منقصة ان اللهاميم في أقرابها بلق
(1)قلت:و هم الجوهري،و انما قال ابن دريد:فرس لهم و لهيم و لهموم إذا كان جوادا غزير الجري.و معنى جواد غزير الجري جيد أصيل كثير العدو لا جود الإنسان كما توهم (2)،و حينئذ فقوله عليه السلام «لهاميم العرب» استعارة من ذاك الفرس و إلا فالجود لا يناسب الحرب،و حينئذ فالمراد أنّكم مقدّمون في الحروب كالأفراس اللهاميم لا ما قاله ابن أبي الحديد:انّهم السادات الأجواد (3).
«و السنام الأعظم» هو أيضا استعارة من سنام الإبل لأنّه أعلى أعضائه .
«إن في الفرار موجدة اللّه» فقد قال تعالى «وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ » (4).
«و الذل اللازم و العار الباقي» حض الأشتر الناس بصفين فقال:ان الفرار من الزحف فيه سلب العزّ و ذلّ المحيا و الممات و عار الدنيا و الآخرة.
و قال قيس بن سعد بن عبادة:
ليس فراري في الوغى بعادة ان الفرار للفتى قلادة
(5)و في(صفين نصر):في التقاء جعدة بن هبيرة ابن أخت أمير المؤمنين عليه السلام و عتبة بن أبي سفيان أخي معاوية:باشر جعدة القتال بنفسه و جزع عتبة فأسلم خيله و أسرع هاربا إلى معاوية،فقال له:هزمك جعدة و فضحك فضيحة لا تغسل رأسك منها أبدا (6).
و فيه-في خبر-فغاداهم علي عليه السلام القتال،فانهزمت صفوف أهل الشام من بين يديه ذلك اليوم حتى فرّ عتبة بن أبي سفيان عشرين فرسخا عن موضع المعركة،فقال النجاشي فيه:
لقد أمعنت يا عتب الفرارا و أورثك الوغى خزيا و عارا
فلا يحمد خصاك سوى طمر إذا أجريته انهمر انهمارا
(1)قلت:لا غرو أن يفرّ عتبة عشرين فرسخا من صفين،فقد اقتدى بابن عمه عثمان ففرّ في غزوة احد و غاب ثلاثة أيام حتى قال النبي صلّى اللّه عليه و آله له:لقد ذهبت فيها عريضة طويلة.و مع كون كعب بن جعيل من شيعة معاوية و شاعره هجا عتبة بالفرار تحريضا له،فأجابه عتبة:
سميت كعبا بشر العظام و كان أبوك سمي الجعل
و ان مكانك من وائل مكان القراد من است الجمل
(2)هذا،و روى محمد بن إسحاق غزوة موتة و قال-بعد ذكر هلاك جعفر و زيد ابن رواحة و أخذ خالد بن الوليد الراية و انكشف خالد بالناس حتى عيّروا بالفرار و تشأم الناس به.و روى عن أبي سعيد الخدري قال:أقبل خالد بالناس منهزمين،فلما سمع أهل المدينة بهم تلقوهم بالجرف،فجعلوا يحثّون في وجوههم التراب و يقولون:يا فرار (3). و قال الواقدي:قال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة:ما لقي جيش بعثوا مبعثا ما لقي أصحاب موتة من أهل المدينة من الشرّ،حتى أن الرجل ينصرف إلى بيته و أهله فيدقّ عليهم فيأبون أن يفتحوا له،يقولون:ألا تقدمت مع أصحابك
فقتلت.و جلس الكبراء منهم في بيوتهم استحياء من الناس،حتى أرسل النبي صلّى اللّه عليه و آله رجلا يقول لهم:أنتم الكرار في سبيل اللّه فخرجوا (1)
ذكره الواقدي في المغازي 2:765، [1]مسندا إلى أبي بكر بن عبد اللّه بن عتبة.
.قلت:لا بد ان النبي صلّى اللّه عليه و آله أراد بما قال:انّكم تكرّون إلى الجهاد الذي هو سبيل اللّه.و إلاّ فالنبي لا يقول للفرار:أنتم الكرار.و كيف كان فمن المضحك أنّهم قالوا ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لقّب ذاك اليوم خالد بن الوليد سيف اللّه،فكيف يحثي أهل المدينة التراب في وجهه و وجه أصحابه و يقولون له و لهم:يا فرار ثم يلقبه النبي سيف اللّه،فلو كان لقب سيف اللات كان أقرب إلى الواقع .
«و إنّ الفارّ لغير مزيد في عمره و لا محجوز بينه و بين يومه» قال حصين بن الحمام:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدّما
و أنشد جرير قصيدة في مدح الحجاج إلى أن بلغ إلى هذا البيت:
قل للجبان إذا تأخّر سرجه هل أنت من شرك المنية ناج
قال له الحجاج:يابن اللخناء جرّأت عليّ الناس.قال:أيّها الأمير ما ألفيت لها بالا إلاّ وقتي هذا.و قال عنترة:
بكرت تخوفني الحتوف فإنّني أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها ان المنيّة منهل لا بد أن أسقى بكأس المنهل
فاقنى حياء لا أبا لك و اعلمي أنّي امرؤ سأموت ان لم أقتل
(2)و الأصل في كلامه عليه السلام قوله تعالى: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ» (3).
«الرائح» هكذا في(المصرية) (1)
الطبعة المصرية:291.
و الصواب:«من رائح»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم).«إلى اللّه كالظمآن» أي:فيكون كالظمآن.
«يرد الماء» و لا شيء فوقه لأن به يحيا .
«الجنّة تحت أطراف العوالي» جمع العالية،و المراد بها السنان و ان كان الأصل فيها الأعلى منه،و هو ما دخل في السنان إلى ثلثه (2).
و قال ابن أبي الحديد كلامه عليه السلام من قول النبي صلّى اللّه عليه و آله«الجنّة تحت ظلال السيوف»و سمعه بعض الأنصار منه صلّى اللّه عليه و آله يوم احد و في يده تمرات يلوكها، فقال:بخ بخ ليس بيني و بين الجنّة إلاّ هذه التميرات فقذفها و حمل حتى قتل (3).
فإن أراد أنّه نظير قول النبي صلّى اللّه عليه و آله فصحيح،و إن أراد أنّ المراد بالعوالي السيوف فلا.
و نظير قوله عليه السلام قول عمّار«الجنّة تحت ظلال السيوف و الموت في أطراف الأسل»ففي(الطبري):جاء عمّار إلى هاشم المر قال صاحب رأية علي عليه السلام و هاشم يقول:
أعور يبغي أهله محلاّ قد عالج الحياة حتى ملاّ
لا بد أن يفلّ أو يفلاّ
و عمار يقول:يا هاشم الجنّة تحت ظلال السيوف و الموت في أطراف الأسل و قد فتحت أبواب السماء و تزيّنت الحور العين-«اليوم ألقى الأحبة محمّدا و حزبه».فلم يرجعا عن القتال حتى قتلا (4).
«اليوم تبلى الأخبار» أي:تمتحن أحوال الناس.و الظاهر أنّه عليه السلام قال ذلك قرب وقوع التحكيم كما يشهد له السياق.
و في(صفين نصر):أنّ عليّا عليه السلام أرسل إلى الناس أن احملوا،فحمل الناس على راياتهم كلّ قوم بحيالهم،فتجالدوا بالسيوف و عمد الحديد لا يسمع ألاّ صوت الحديد،و مرّت الصلوات كلّها و لم يصلّوا إلاّ تكبيرا عند مواقيت الصلوات حتى تفانوا و رق الناس.فخرج رجل بين الناس لا يعلم من هو فقال:أخرج فيكم المحلقون؟قالوا:لا.قال:أما إنّهم سيخرجون ألسنتهم أحلى من العسل و قلوبهم أمرّ من الصبر،لهم حمة كحمة الحيات.ثم غاب الرجل و لم يعلم من هو (1)
صفين لنصر بن مزاحم:393 طبع القاهرة. [1]
.«و اللّه لأنا أشوق إلى لقائهم منهم إلى ديارهم» ليس هذا الكلام في(ابن ميثم) (2)و إنّما هو في(المصرية و ابن أبي الحديد و الخطية) (3).
و في(الطبري):قال أبو عبد الرحمن السلمي:كنّا مع عليّ عليه السلام بصفين فكنّا قد و كّلنا بفرسه رجلين يحفظانه و يمنعانه من أن يحمل،فكان إذا حانت منهما غفلة يحمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه،و انّه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه فألقاه إليهم و قال:لو لا أنّه انثنى ما رجعت (4)...
«اللّهم فان» و في(ابن ميثم):«إن».
«ردوا الحق فافضض جماعتهم و شتّت كلمتهم» في(الطبري):قال عمار يومئذ:أين من يبتغي رضوان اللّه عنه و لا يئوب إلى مال و لا ولد؟فأتته عصابة،فقال لهم:اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان و يزعمون
انّه قتل مظلوما،و اللّه ما طلبتهم بدمه و لكن القوم ذاقوا الدّنيا فاستحبوها و استمرءوها و علموا أنّ الحق إذا لزمهم حال بينهم و بين ما يتمرغون فيه من دنياهم،و لم تكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها طاعة الناس و الولاية عليهم،فخدعوا أتباعهم بأن قالوا قتل إمامنا مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا،و تلك مكيدة بلغوا بها ما ترون.و لو لا هي ما تبعهم من الناس رجلان، اللّهم ان تنصرنا فطالما نصرت و ان تجعل لهم الأمر فادّخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم.ثم مضى حتى دنا من عمرو بن العاص فقال له:تبا لك بعت دينك بمصر تبا لك تبا،طالما بغيت الإسلام عوجا.و قال لعبيد اللّه بن عمر:بعت دينك من عدو الإسلام و ابن عدوّه.قال:لا و لكن أطلب بدم عثمان.
قال له:أشهد على علمي فيك أنّك لا تطلب بشيء من فعلك وجه اللّه عز و جل، و أنّك إن لم تقتل اليوم تمت غدا،فانظر إذا اعطي الناس على قدر نيّاتهم ما نيّتك (1)
تاريخ الطبري 4:28. [1]
.«و أبسلهم» بفتح الهمزة،أي:أسلمهم للهلكة.
«بخطاياهم» هذا،و كان عوف بن الأحوص حمل عن غنى لبني قشير دم ابني السحيفة فقالوا:لا نرضى بك،فرهنهم بنيه طلبا للصلح و قال:
و إبسالي بني بغير جرم بغوناه و لا بدم مراق
(2)«إنّهم» قد عرفت أن المراد بهم غسان. «لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن دراك» أي:متتابع يتلو بعضه بعضا و يدرك الآخر الأول.
«يخرج منه» أي:من محل الطعن.
«النسيم» أي:الهواء .
«و ضرب يفلق» أي:يشقق.
«الهام» أي:الرأس .
«و يطيح» أي:يهلك و يسقط.
«العظام و يندر» بالضم أي:يسقط.
«السواعد» أي:الأعضاد.
«و الأقدام و حتى يرموا بالمناسر» جمع المنسر بالكسر و جوز الفتح،و في (الجمهرة):المنسر ما بين الأربعين إلى الخمسين من الخيل .
«و يرجموا» أي:يرموا.
«بالكتائب» أي:الجيوش.
«تقفوها» أي:تتبعها.
«الحلائب» في(الجمهرة):حلائب الرجل:أنصاره من بني عمه خاصة، هكذا يقول الأصمعي،فإذا كانوا من غير بني عمّه فليسوا بحلائب،قال ابن حلزة اليشكري:
و نحن عداة العين لما دعوتنا منعناك اذ ثابت عليك الحلائب
(1)«و حتى يجر ببلادهم الخميس» أي:الجيش.
«يتلوه الخميس» سمّي الجيش خميسا لأنّهم خمس فرق:القلب و الميمنة و الميسرة و المقدّمة و الساق .
«و حتى تدعق» قال ابن أبي الحديد:يجوز أن يفسر الدعق بغير الدق الذي قال الرضي،أي الهيج و التنفير (2).
قلت:لا مناسبة للهيج و التنفير،فيتعيّن المعنى الذي قال المصنف أو ما هو بمعناه،ففي(الجمهرة):الدعق الوطوء الشديد،قال بعضهم في كلام له:
حوب حوب إنّه يوم دعق و شوب لا لعا لبني الصوب
(1)و قال الجوهري:خيل مداعيق تدوس القوم في الغارات (2).
«الخيول في نواحر أرضهم» قد عرفت أنّ(نصر بن مزاحم)و(الإرشاد) و(سليما)زوّده«فيى نواحي أرضهم»و هو الصحيح و توهّم المصنف فقرأ «في نواحر» بالراء لتشابهها خطا،و أيضا المناسب و طئوا الخيل نواحي أرضهم لا مقابلها .
«و أعنان» أي:أطراف.
«مساربهم» في(الجمهرة):المسرب المرعى و الجمع المسارب،و خل سرب فلان أي:وجهته.و كان الرجل في الجاهلية يقول لامرأته:اذهبي فلا أنده سربك،فتطلق بهذه الكلمة.
«و مسارحهم» جمع المسرح،و في(الجمهرة):سرحت الماشية إذا غدوت بها إلى المرعى،و ربما قيل:«سرحت الماشية»فيجعل الفعل لها،و قالوا:المال سارح و مراح.لا يقال إلاّ كذلك قال الأعشى:
أم على العهد فعلمي خير من روح مالا و سرح
(3)و في(صفين نصر):لمّا أراد عبد اللّه بن بديل الشخوص إلى صفين التفت إلى الناس و قال:كيف يبايع معاوية عليّا عليه السلام و قد قتل أخاه حنظلة و خاله
الوليد و جدّه عتبة في موقف واحد،و اللّه ما أظن أن يفعلوا و لن يستقيموا دون أن تقصد فيهم المران و تقطع على هامهم السيوف و تنثر حواجبهم بعمد الحديد و تكون أمور جمّة بين الفريقين (1)
صفين، [1]لنصر بن مواحم:102.
.«قال الشريف أقول»هكذا في(المصرية) (2)،و كلّه لم يكن كلام المصنف و انما «قال الشريف»كلام الشراح.
«الدعق»:الدق،أي تدقّ الخيول بحوافرها أرضهم»قد عرفت تحقيقه.
و وهم ابن أبي الحديد في معناه (3).
«و نواحر أرضهم متقابلاتها»قد عرفت و هم المصنف في قراءة «نواحر»بالراء و انّه«نواحي»،و لو فرضت صحته فقد عرفت عدم مناسبة معناه.و يمكن أن يفسّر بأن المراد في عروق أرضهم.ففي(الجمهرة):
النواحر عروق تقطع من نحر الدابة كالفصد،الواحد ناحر،و قالوا ناحرة و نواحر .
«يقال منازل بني فلان تتناحر أي تتقابل»و الأصل فيه نحر البعير،كأن كلاّ منهما تنحر الاخرى،ففي(الجمهرة):كانت دار بني فلان تنحر الطريق أي تقابله (4).
هذا و قال الجوهري:النحيرة آخر يوم من الشهر،قال الكميت يصف فعل الأمطار بالديار:
و الغيث بالمتالفات من الأهلّة و النواحر
و قال أبو الغوث:النحيرة آخر ليلة من الشهر مع يومها،لأنّها تنحر الشهر الذي بعدها،أي تصير في نحره أو تصيب نحره،فهي ناحرة و الجمع النواحر،و احتجّ بقول ابن أحمر الباهلي:
ثم استمر عليها و اكف همع في ليلة نحرت شعبان أو رجبا
(1)و قال ابن دريد:أقبل فلان في نحر الجيش،أي في أوّله،و الليلة تنحر شهر كذا و كذا أي هي أوّله.ثم ذكر البيت الأخير،فترى الأوّل جعله الآخر بلا خلاف لكن تردّد في أنّه آخر يوم فقط أو مع ليلة،و الثاني جعله أول ليلة بلا خلاف ثم قال:و النحيرة و المنحورة واحد،و قال:قيل في قوله تعالى «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» (2)أي استقبل نحر النهار أي أوّله،و قيل يعني ضع يدك على نحرك (3).
و الصواب قول ابن دريد لأخذه عن الخليل و لكثرة أوهام الجوهري و لأن(الأساس)وافقه فقال:قال الكميت:
و الغيث بالمتالفات من الأهلّة في النواحر
(4)إذا وقع الغيث في أوّل الشهر كان غزيرا... و منه يظهر ان الجوهري صحّف البيت الأول و أنّه كان بلفظ«في النواحر»لا«و النواحر».و بالجملة هو أيضا لم يشر إلى خلاف في كونه بمعنى الأول.
من غريب كلامه رقم(7)
و في حديثه عليه السلام أنه شيّع جيشا يغزيه فقال:
اعْذِبُوا عَنِ النِّسَاءِ مَا اسْتَطَعْتُمْ و معناه اصدفوا عن ذكر النساء و شغل القلب بهن- و امتنعوا من المقاربة لهن- لأن ذلك يفت في عضد الحمية- و يقدح في معاقد العزيمة و يكسر عن العدو- و يلفت عن الإبعاد في الغزو- فكل من امتنع من شيء فقد أعزب عنه- و العاذب و العذوب الممتنع من الأكل و الشرب أقول:قال في النهاية -النهاية-ج 3 ص 195 مادة(عذب) :و في حديث علي عليه السلام أنّه شيّع سرية فقال:اعذبوا عن ذكر النساء أنفسكم،فإنّ ذلكم يكسركم عن الغزو (1)
النهاية 3:195 [1] مادة(عذب).
.قوله عليه السلام «اعذبوا عن النساء ما استطعتم» في(كامل المبرّد):كتب صاحب اليمن إلى عبد الملك-في وقت محاربة ابن الأشعث معه-إنّي قد وجهت إليك بجارية اشتريتها بمال عظيم و لم ير مثلها قط،فلما دخل بها عليه رأى وجها جميلا و خلقا نبيلا فألقى إليها قضيبا كان في يده فنكست لتأخذه فرأى منها جسما بهره،فلما همّ بها أعلمه الإذن أنّ رسول الحجاج بالباب، فإذن له و نحى الجارية فأعطاه كتابا من عبد الرحمن فيه سطور أربعة يقول فيها:
سائل مجاور جرم هل جنيت لها حربا يزيل بين الجيرة الخلط
و هل سموت بجرار له لجب جم الصواهل بين الجم و الفرط
و هل تركت نساء الحي ضاحية في ساحة الدار يستوقدن بالغبط
و تحتها بيت آخر على غير الروي و هو:
1) 1)
قتل الملوك و صار تحت لوائه شجر العرى و عراعر الأقوام
فكتب جوابه-و جعل في طيّه جوابا لابن الأشعث:
ما بال من أسعى لأجبر عظمه حفاظا و ينوي من سفاهته كسري
أظن خطوب الدهر بيني و بينهم ستحملهم مني على مركب و عر
و إنّي و إيّاهم كمن نبّه القطا و لو لم تنبه باتت الطير لا تسري
أناة و حلما و انتظارا بهم غدا فما أنا بالواني و لا الضرع الغمر
ثم بات يقلّب كفّ الجارية و يقول:ما أخذت فائدة أحبّ إليّ منك،فتقول:
فما بالك و ما يمنعك؟فقال:يمنعني قول الأخطل و إن خرجت منه كنت ألأم العرب فإنّه قال:
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم دون النساء و لو باتت بأطهار
(1)فما إليك سبيل أو يحكم اللّه بيني و بين ابن الأشعث،فلم يقربها حتى قتل عبد الرحمن (2).
قول المصنّف :«و معناه اصدفوا عن ذكر النساء»أي:اعرضوا عن ذكرهن«و شغل القلب بهن»و لا تكونوا كما قال الشاعر:
ذكرتك و الخطي يخطر بيننا و قد نهلت منّا المثقفة السمر
«و امتنعوا من المقاربة لهن»و كان المهلب لما خرج ابن الأشعث على الحجاج في أهل العراق كتب إلى الحجاج أنّ أهل العراق أقبلوا إليك و هم مثل السيل المنحدر من عل ليس شيء يرده حتى ينتهي إلى قراره،و إنّ لأهل العراق شرة في أوّل مخرجهم و صبابة إلى ابنائهم و نسائهم فليس شيء يردّهم حتى يسقطوا إلى أهليهم و يشمّوا أولادهم،ثم واقعهم عندها فتغلب
عليهم.فلم يقبل ذلك فاستقبلهم إلى تستر فهزموه بها،فتركهم حتى دخلوا الكوفة على نسائهم ثم حاربهم فهزم (1)
الكامل في التاريخ لابن الاثير 4:464-465،و [1]قد مر ذلك في صفحة 188.
.«فإن ذلك يفتّ»أي يضعف و يوهن.
«في عضد الحمية و يقدح»من«قدح الدود في الأسنان و الشجر قدحا» و هو تأكل يقع فيه،و القادحة:الدودة.
«في معاقد العزيمة»فيحلها.
«و يكسر عن العدو»بالفتح فالسكون في الحرب،و قد عرفت أنّ الجزري جعل كلامه عليه السلام تعليلا للإعذاب بلفظ«فان ذلكم يكسركم عن الغزو» (2).
«و يلفت»أي:يصرف.
«عن الإبعاد في الغزو»و لما بلغ ابن الزبير قتل أخيه مصعب،قال:قدم أيره و أخّر خيره،و تشاغل بنكاح فلانة و فلانة و ترك جلبة أهل الشام حتى غشيته في داره .
«و كل من امتنع من شيء فقد أعذب عنه»اعترض ابن أبي الحديد على المصنف (3)لما رأى أنّ الجوهري قال«أعذبته عن الأمر إذا منعته عنه،يقال اعذب نفسك عن كذا أي اظلفها»-بأنّ قوله«و كلّ من امتنع من شيء فقد أعذب عنه»غير صحيح و ان الصواب ان يقال«و كل من منعته من شيء فقد أعذب عنه»و ان كلامه عليه السلام بلفظ «اعذبوا» بكسر الهمزة لا«اعذبوا»بفتحها،و استدل بأن الممتنع من الأكل و الشرب يقال له العاذب و العذوب لا المعذب.
إلاّ أن اعتراضه ساقط،كما ان اقتصار الجوهري على ان«اعذب»
بمعنى منع خطأ،فقد قال الفيروز آبادي:العذب المنع كالإعذاب و الكف و الترك كالإعذاب.و قال الجزري:اعذب،لازم و متعد.بل اقتصر ابن دريد على أن (أعذب)بمعنى(امتنع)فقال:أعذب عن الشيء إذا امتنع عنه،و في الحديث «فأعذبوا عن النساء»أي امتنعوا عن ذكرهن (1)
القاموس المحيط للفيروز آبادي:144. [1]
.و الظاهر أنّ المصنف استند إليه حيث نقل العنوان مثله و جعله من أعذب و كون معنى«اعذب»امتنع.
و مثله الزمخشري،ففي(الأساس)في حديث علي عليه السلام لسرية «اعذبوا عن النساء» اعذب عن الشيء و استعذب عنه إذا امتنع،لكن إن صح نقل الجزري لكلامه عليه السلام بلفظ«اعذبوا عن ذكر النساء أنفسكم»يكون «اعذبوا» بمعنى امنعوا (2).
«و العاذب و العذوب الممتنع من الأكل و الشرب»و في(الجمهرة):بات لرجل عاذبا و عذوبا إذا كان ممتنعا عن النوم جائعا،و قول عبيد بن الأبرص الأسدي:
باتت على ارم عذوبا كأنّها شيخة رقوب
(3)أي جائعة ممتنعة من المأكل و المشرب،و في(الصحاح):العذوب من الدوابّ و غيرها القائم الذي لا يأكل و لا يشرب،و كذلك العاذب.و في (القاموس):العذب ترك الأكل من شدّة العطش،و هو عاذب و عذوب،و العاذب و العذوب الذي ليس بينه و بين السماء ستر (4).
الكتاب(61)
و من كتاب له عليه السلام إلى كميل بن زياد النخعيّ و هو عامله على هيت ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به من جيش العدوّ طالبا للغارة:
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ تَضْيِيعَ الْمَرْءِ مَا وُلِّيَ وَ تَكَلُّفَهُ مَا كُفِيَ- لَعَجْزٌ حَاضِرٌ وَ رَأْيٌ مُتَبَّرٌ- وَ إِنَّ تَعَاطِيَكَ الْغَارَةَ عَلَى أَهْلِ؟قِرْقِيسِيَا؟- وَ تَعْطِيلَكَ مَسَالِحَكَ الَّتِي وَلَّيْنَاكَ- لَيْسَ بِهَا مَنْ يَمْنَعُهَا وَ لاَ يَرُدُّ الْجَيْشَ عَنْهَا- لَرَأْيٌ شَعَاعٌ- فَقَدْ صِرْتَ جِسْراً لِمَنْ أَرَادَ الْغَارَةَ- مِنْ أَعْدَائِكَ عَلَى أَوْلِيَائِكَ- غَيْرَ شَدِيدِ الْمَنْكِبِ وَ لاَ مَهِيبِ الْجَانِبِ- وَ لاَ سَادٍّ ثُغْرَةً وَ لاَ كَاسِرٍ لِعَدُوٍّ شَوْكَةً- وَ لاَ مُغْنٍ عَنْ أَهْلِ مِصْرِهِ وَ لاَ مُجْزٍ عَنْ أَمِيرِهِ قول المصنّف : «إلى كميل بن زياد النخعي» في(ذيل الطبري):هو كميل بن زياد بن نهيك بن هيثم بن سعد بن مالك بن الحارث بن صهبان بن سعد بن مالك بن النخع.
و روى أنّه جاء كميل إلى الحجاج يأخذ عطاءه فقال له:أنت الذي فعلت بعثمان-و كلّمه بشيء-فقال له كميل:لا تكثر عليّ اللوم و لا تهل عليّ الكثيب و ما ذاك رجل لطمني فاصبرني فعفوت عنه،فأيّنا كان المسيء؟فأمر بضرب عنقه (1)
ذيل الطبري:147 [1] مؤسسة الاعلمي.
.و في(الإرشاد):روى جرير عن المغيرة قال:لما وليّ الحجاج طلب كميلا فهرب منه فحرم قومه عطاءهم،فلما رأى كميل ذلك قال:أنا شيخ كبير و قد نفد عمري و لا ينبغي أن أحرم قومي عطاءهم،فخرج فدفع بيده إلى الحجاج،فلما رآه قال:لقد كنت أحب أن أجد عليك سبيلا.فقال له:لا تصرف
1) 1)
علي أنيابك و لا تهدم عليّ،فو اللّه ما بقي من عمري إلاّ كمثل كواسل الغبار فاقض ما أنت قاض فإنّ الموعد اللّه و بعد القتل الحساب،و لقد أخبرني أمير المؤمنين عليه السلام أنّك قاتلي.فقال له الحجاج:الحجّة عليك إذن.فقال له كميل:إذا كان القضاء إليك.قال:بلى كنت فيمن قتل عثمان اضربوا عنقه.فضربت.و هذا خبر رواه و نقله العامّة عن ثقاتهم (1)
الإرشاد للمفيد:172. [1]
.«و هو عامله على هيت» في(المعجم):هيت بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار ذات نخيل كثير و خيرات واسعة (2).
«ينكر عليه دفع من يجتاز به» أي:يمر عليه.
«من جيش العدو طالبا» حال من كميل.
«الغارة» في(الطبري):وجّه معاوية في سنة(39)سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل و أمره أن يأتي هيت فيقطعها و أن يغير عليها ثم يمضي حتى يأتي الأنبار و المدائن فيوقع بأهلها،فسار حتى أتى هيت فلم يجد بها أحدا... (3).
قوله عليه السلام «فإنّ تضييع المرء ما وليّ» فكان عليه السلام ولاّه هيتا فضيعه.
«و تكفله ما كفي» من إرادة الاستيلاء على بلد آخر لم يكلف به.
«لعجز حاضر و رأي متبر» أي:هالك مهلك.
و نظير فعل كميل أنّ خالد بن عبد اللّه بن أسيد و لاّه عبد الملك الكوفة فعزل مهلبا عن حرب الخوارج و ولاّه الجباية و ولّى أخاه عبد العزيز حربهم، فانهزم فكتب إليه عبد الملك:إنّي كنت قد حدّدت لك حدّا في أمر المهلب فلما ملكت أمرك نبذت طاعتي و استبددت برأيك فوليّت المهلب الجباية و وليت
أخاك حرب الأزارفة،فقبّح اللّه هذا رأيا أ تبعث غلاما غرّا لم يجرّب الحروب و تترك سيّدا شجاعا مدبرا حازما قد مارس الحروب تشغله بجبايتك،أما لو كافأتك على قدر ذنبك لأتاك من نكيري ما لا بقية لك معه،و لكن تذكرت رحمك فلفتتني عنك فجعلت عقوبتك عزلك (1)
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4:178. [1]
.«و إنّ تعاطيك» أي:تناولك.
«الغارة على أهل قرقيسيا» في(المعجم):قرقيسيا بلد على نهر خابور قرب رحبة مالك بن طوق على ستة فراسخ،و عندها مصبّ الخابور في الفرات،فهي مثلث بين الخابور و الفرات.قال حمزة:هو معرب كركيسيا من كركيس اسم لإرسال الخيل المسمّى بالعربية الحلبة (2).
«و تعطيلك مسالحك» جمع المسلحة،و في(الصحاح):المسلحة قوم ذوو سلاح،و المسلحة كالثغر و المرقب،و في الحديث«كان أدنى مسالح فارس إلى العرب العريب» (3).
«التي ولّيناك ليس بها من يمنعها و لا يردّ الجيش عنها لرأي شعاع» بالفتح أي:متفرّق.
في(فتوح البلاذري):أقام يزيد بن المهلب بخراسان شتوة ثم غزا جرجان و كان عليها حائط من آجر قد تحصنوا به من الترك و أحد طرفيه في البحر ثم غلبت الترك عليه و سمّوا ملكهم الصول،فقال يزيد:قبّح اللّه قتيبة ترك هؤلاء و هم في بيضة العرب و أراد غزو الصين (4).
و في(الطبري):ولّى المنصور رجلا من العرب حضر موت،فكتب إليه
والي البريد انّه يكثر الخروج في طلب الصيد ببزاة و كلاب قد أعدّها،فعزله و كتب إليه:ثكلتك امّك و عدمتك عشيرتك ما هذه العدّة التي أعددتها للنكاية في الوحش،انّما استكفيناك أمور المسلمين و لم نستكفك أمور الوحش،سلم ما كنت تلي من عملنا إلى فلان بن فلان و الحق بأهلك ملوما مدحورا (1)
تاريخ الطبري 6:313. [1]
.«فقد صرت جسرا لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك» أي كما أنّ الجسر وسيلة لعبور اليم كذلك تعطيل المسلحة وسيلة لعبور العدو إلى البلاد و نيله المراد.و قال ابن أبي الحديد:أي كما أنّ الجسر لا يمنع من يعبر به فكذلك أنت و هو كما ترى (2).و نظير تشبيهه عليه السلام قول ذي الرمة:
فلا وصل إلاّ أن تقارب بيننا قلائص يجسرن الفلاة بنا جسرا
«غير شديد المنكب و لا مهيب الجانب» كنايتان عن الضعف،كما أنّ شدّة المنكب و شدّة العضد كنايتان عن القوة.
«و لا سادّ» من سداد الثغر بالكسر،قال العرجي:
أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا ليوم كريهة و سداد ثغر
(3)«ثغرة» المراد به هنا موضع المخافة في فروج البلدان و مما يتصل ببلاد العدو،و يأتي الثغر لمقدّم الأسنان. «و لا كاسر لعدو» هكذا في(المصرية) (4)أخذا من ابن أبي الحديد و ليس «لعدو» في(ابن ميثم).
«شوكة» (5)الأصل فيه شوك الشجر.
«و لا مغن عن أهل مصر و لا مجز» أي:كاف.
«عن أميره» قال بعضهم:
و ليس فتى الفتيان من راح و اغتدى لشرب صبوح أو لشرب غبوق
و لكن فتى الفتيان من راح و اغتدى لضرّ عدو أو لنفع صديق
الكتاب(33)
و من كتاب له عليه السلام إلى قثم بن العباس و هو عامله على مكة:
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ عَيْنِي بِالْمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي- أَنَّهُ وُجِّهَ إِلَى الْمَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ؟الشَّامِ؟- الْعُمْيِ الْقُلُوبِ الصُّمِّ الْأَسْمَاعِ الْكُمْهِ الْأَبْصَارِ- الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ- وَ يُطِيعُونَ الْمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ- وَ يَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ- وَ يَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ الْأَبْرَارِ الْمُتَّقِينَ- وَ لَنْ يَفُوزَ بِالْخَيْرِ إِلاَّ عَامِلُهُ- وَ لاَ يُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلاَّ فَاعِلُهُ- فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِمِ الصَّلِيبِ- وَ النَّاصِحِ اللَّبِيبِ- وَ التَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ الْمُطِيعِ لِإِمَامِهِ- وَ إِيَّاكَ وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ- وَ لاَ تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً- وَ لاَ عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلاً- وَ السَّلاَمُ قول المصنّف : «و من كتاب له عليه السلام إلى قثم بن العباس» قال ابن أبي الحديد:روى(الاستيعاب)عن عبد اللّه بن جعفر قال:كنت أنا و عبيد اللّه و قثم نلعب،فمرّ بنا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله راكبا فقال:ارفعوا إليّ هذا الفتى-يعني قثم-فرفع إليه فأردفه خلفه ثم جعلني بين يديه و دعا لنا فاستشهد قثم بسمرقند (1)
الاستيعاب 2:551 [1] ترجمة قثم بن العباس-طبع حيدر آباد،كذلك نظر ابن ابي الحديد 16:140. [2]
.قلت:انما في(الاستيعاب):«استشهد...»-إنشاء منه لا جزء الخبر كلام عبد اللّه بن جعفر كما يفهم من ابن أبي الحديد،قال ابن أبي الحديد:قال أبو
1) 1)
عمر:كان قثم يشبه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و فيه يقول داود بن مسلم:
عتقت من حل و من رحله يا ناق إن أدنيتني من قثم
إنّك إن أدنيت منه غدا حالفني اليسر و مات العدم
في كفّه بحر و في وجهه بدر و في العرنين منه شمم
أصمّ عن قيل الخنا سمعه و ما عن الخير به من صمم
لم يدر مالا و بلى قد درى فعافها و اعتاض منها نعم
(1)قلت:و نقل أيضا عن الزبير بن بكار أنّ الشعر الذي أوّله:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته و البيت يعرفه و الحل و الحرم
أيضا قيل في قثم.و قال هو بل هو شعر آخر في عروضه و قافيته.
و الأمر كما ذكر أبو عمر،فإن تلك الأبيات إنّما هي في علي بن الحسين عليهما السلام كما رواه جمع من أهل السير.
«و هو عامله على مكّة» قال ابن أبي الحديد:قال أبو عمر:قال خليفة:
استعمل علي عليه السلام قثما على مكّة بعد أبي قتادة،و كان عليها حتى قتل علي.
و قال الزبير:استعمله على المدينة (2).
قلت:لم ينقل الطبري خلافا في كون قثم عامله عليه السلام على مكّة في سنة (38-39)و إنّما نقل الخلاف في من حج سنة(39) (3).
قوله عليه السلام «أما بعد فإنّ عيني» ذكر أهل اللغة للعين معاني كثيرة،و المراد بها هنا الجاسوس.
«بالمغرب» أي:الشام.
«كتب إليّ يعلمني أنّه وجّه إلى الموسم» أي:مجمع الحاج.
«اناس من أهل الشام» في(الطبري):قال أبو زيد:يقال ان عليّا عليه السلام وجّه في سنة(39)ابن عباس ليشهد الموسم،و بعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي.و زعم المدائني ان ذلك باطل و ان الذي نازعه يزيد بن شجرة هو قثم حتى اصطلحا على شيبة بن عثمان،و مثله أبو معشر (1)
تاريخ الطبري 4:104. [1]
.و قال الواقدي:بعث علي عليه السلام على الموسم في سنة(39)عبيد اللّه بن عباس و بعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي ليقيم للناس الحجّ،فلما اجتمعا بمكة تنازعا فاصطلحا على شيبة (2).
و قال ابن أبي الحديد كان معاوية بعث إلى مكّة دعاة في السر يدعون إلى طاعته و يثبطون العرب عن نصرته عليه السلام و يوقعون في أنفسهم أنّه إمّا قاتل عثمان أو خاذله و الخلافة لا تصلح فيمن قتله أو خذله،و ينشرون عندهم محاسن معاوية بزعمهم،و في قوله عليه السلام «و يحتلبون الدنيا درها بالدين» دلالة على ما قلنا أنّهم كانوا دعاة يظهرون سمت الدين و ناموس العبادة،و فيه إبطال قول من ظنّ أن المراد بذلك السرايا التي كان معاوية يبعثها فتغير على عمّاله عليه السلام (3).
قلت:بل المراد ما نقلناه عن الطبري عن أبي زيد و المدائني و أبي معشر و الواقدي من بعث معاوية في سنة(39)يزيد بن شجرة الرهاوي في جمع وقت الموسم لإقامة الحج،إلا أنّ الأول قال انّه عليه السلام بعث في قبال ابن شجرة عبد اللّه بن عباس و الأخير عبيد اللّه بن العباس و الأوسطان قثما نفسه،و هو
الأوسط بشهادة العنوان.و أما استشهاد ابن أبي الحديد لاجتهاده بقوله عليه السلام «و يحتلبون...» فأعمّ فيكفي في صدق الكلام بعث معاوية ابن شجرة لإقامة الحج و جزؤه الصلاة.هذا،و في(كامل المبرد):خرجت طائفة من الخوارج بعد قتل علي عليه السلام لهم بالنهروان ثم النخيلة نحو مكّة،فوجّه معاوية من يقيم للناس حجّهم فناوشه هؤلاء الخوارج،فبلغ ذلك معاوية فوجّه بسر بن أرطاة فتوافقوا و تراضوا بعد الحرب بأن يصلّي بالناس رجل من بني شيبة لئلا يفوت الناس الحج،فلما انقضى الحجّ قالت الخوارج إنّ عليّا و معاوية أفسدا الأمر (1)
الكامل،للمبرّد 3:925-926. [1]
.و الأصل في الجميع واحد،و لا تنافي فمكة لا ريب أنّها كانت بيده عليه السلام و عاملها من قبله،و لما بعث معاوية من يقيم للناس حجّهم و كان جمع من الخوارج شهدوا الموسم للحج لا بدّ أنّهم يناوشون من جاء من قبل معاوية مع عامله عليه السلام و إن لم يكن لهم عقيدة به عليه السلام أيضا.
«العمى القلوب» قال تعالى «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» (2).
و في(معارف ابن قتيبة):كان ابن عباس و أبوه و جدّه مكافيف،و لذلك قال له معاوية:أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم.فقال له ابن عباس:
و أنتم يا بني امية تصابون في بصائركم (3).
«الصم الأسماع» و صمّ الأسماع أشدّ من صمّ الآذان كعمي القلوب و الأعين.
«الكمه» جمع الأكمه الذي يولد أعمى.
«الأبصار» أراد عليه السلام عدم استعداد بصائرهم للحق كالأكمه،قال تعالى «لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ » (1)
الاعراف:179. [1]
.«الذين يلتمسون» هكذا في(المصرية) (2)و الصواب:«يلبسون»كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (3).
«الحق بالباطل» و الأصل فيه قوله تعالى «وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (4).
«و يطيعون المخلوق في معصية الخالق» في(المروج):سأل معاوية صعصعة عن قبائل مضر و ربيعة،فأجابه ثم سكت معاوية فقال له صعصعة:سل و إلاّ أخبرتك بما تحيد عنه.قال معاوية:و ما ذاك؟ قال صعصعة:أهل الشام.قال،فأخبرني عنهم.فقال صعصعة:هم أطوع الناس للمخلوق و أعصاهم للخالق،عصاة الجبّار و خلفة الأشرار،فعليهم الدمار و لهم سوء الدار (5).
«و يحتلبون الدّنيا درّها بالدين» في(صفين نصر):أنّه عليه السلام لمّا أراد المسير إلى الشام استشار أصحابه،فقام هاشم المرقال و قال:إنّا بالقوم خبير،هم لك و لأشياعك أعداء،و هم لمن يطلب حرث الدّنيا أولياء،و هم مقاتلوك لا يبقون جهدا مشاحة على الدّنيا و ضنّا بما في أيديهم منها،و ليس
لهم إربة غيرها الا ما يخدعون به الجهّال من الطلب بدم عثمان،كذبوا ليسوا بدمه يثأرون،و لكن الدّنيا يطلبون،و أين معاوية و الدين (1)
وقعة صفين لنصر بن مزاحم:103 طبع القاهرة. [1]
.و في(مقاتل أبي الفرج):قال سعيد بن سويد:صلّى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة ثم خطب فقال:إنّي و اللّه ما قاتلتكم لتصلّوا و لا لتصوموا و لا لتحجّوا و لا لتزكّوا إنّكم لتفعلون ذلك،إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم و قد أعطاني اللّه ذلك و أنتم كارهون.قال شريك في حديثه هذا هو التهتك (2).
«و يشترون عاجلها بآجل الأبرار و المتقين» هكذا في(المصرية) (3)و الصواب ما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم):«المتقين» (4)في(صفين نصر) بعد ذكر قصّة معاهدة عمرو بن العاص مع معاوية في مساعدته له عليه السلام على أن يعطيه مصر فقبل منه و أعطاه مصر،فغضب مروان و قال:ما بالي لا أشتري كما اشترى عمرو (5).
و في(الاستيعاب):أعطى معاوية في و فد تميم عليه الحتات المجاشعي و جارية بن قدامة و الأحنف بن قيس و أعطاهما أكثر،فقال له الحتات:لم فضّلتهما عليّ-و كانا شيعيين و كان أمويا-قال:اشتريت منهما دينهما.قال:
فاشتر مني ديني (6).
«و لن يفوز بالخير إلاّ عامله و لا يجزى جزاء الشرّ إلاّ فاعله» «فَمَنْ يَعْمَلْ»
«مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ » (1)
الزلزلة:7-8. [1]
.«فأقم على ما في يديك قيام الحازم الصليب و الناصح اللبيب و التابع» هكذا في(المصرية) (2)و الصواب:«التابع»كما في(ابن أبي الحديد:و ابن ميثم).
«لسلطانه و المطيع لإمامه» (3)قد عرفت أنّه نازع يزيد بن شجرة الذي بعثه معاوية حتى اصطلحا على شيبة،و الظاهر أنّه لم يكن قادرا على إخراجه لضعف جنده.
«و إيّاك و ما يعتذر منه» قال ابن أبي الحديد يقال:ما شيء أشدّ على الإنسان من حمل المروة،و المروة ألا يعمل الإنسان في غيبة صاحبه ما يعتذر منه عند حضوره (4).
و في(العقد):قال أبو عبيدة:ما اعتذر أحد من الفرارين بأحسن مما اعتذر به الحارث بن هشام حيث يقول:
و اللّه يعلم ما تركت قتالهم حتى رموا مهري بأشقر مزبد
فصدفت عنهم و الأحبّة فيهم طمعا لهم بعقاب يوم مرصد
و هذا الذي سمعه صاحب رتبيل فقال:يا معشر العرب حسّنتم كلّ شيء فحش حتى الفرار (5).
«و لا تكن عند النعماء بطرا و لا عند البأساء فشلا» قال ابن أبي الحديد قال الشاعر:
فلست بمفراح إذا الدهر سرّني و لا جازع من صرفه المتقلّب
و لا أتمنى الشرّ و الشرّ تاركي و لكن متى أحمل على الشر أركب
(1)قلت:الأصل في قوله عليه السلام قوله تعالى «إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلاَّ الْمُصَلِّينَ اَلَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ» (2).
الكتاب(4)
و من كتاب له عليه السلام إلى بعض أمراء جيشه:
فَإِنْ عَادُوا إِلَى ظِلِّ الطَّاعَةِ فَذَلِكَ الَّذِي نُحِبُّ- وَ إِنْ تَوَافَتِ الْأُمُورُ بِالْقَوْمِ إِلَى الشِّقَاقِ وَ الْعِصْيَانِ- فَانْهَدْ بِمَنْ أَطَاعَكَ إِلَى مَنْ عَصَاكَ- وَ اسْتَغْنِ بِمَنِ انْقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ تَقَاعَسَ عَنْكَ- فَإِنَّ الْمُتَكَارِهَ مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ مَشْهَدِهِ- وَ قُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ أقول:قال ابن ميثم روي أنّ الأمير الذي كتب إليه عليه السلام هو عثمان بن حنيف عامله على البصرة،و ذلك حين انتهت أصحاب الجمل إليها و عزموا على الحرب،فكتب عثمان إليه عليه السلام يخبره بحالهم،فكتب عليه السلام إليه هذا الكتاب (3).
قلت:لم يأت لما قال بمستند،فان رأى رواية و إن كان قاله حدسا فهو كما ترى،فابن حنيف لم يكن من أمراء جيشه حتى يقول المصنف «إلى بعض امراء جيشه» بل عامله على البصرة،و لم ينقل أنّه عليه السلام كتب إليه بحربهم قبل وصوله عليه السلام،و إنما ورد مضمونه في كتابه إلى قيس بن سعد مع عثماني
مصر،ففي(الطبري):أن قيسا كتب من مصر إليه عليه السلام:إنّ قبله رجالا معتزلين سألوه أن يكفّ عنهم و أنّه رأى ألاّ يتعجّل حربهم و أن يتألّفهم،فكتب عليه السلام إليه:
سر إلى القوم الذين ذكرت،فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون و إلاّ فناجزهم... (1)
تاريخ الطبري 3:554. [1]
.و في( تذكرة سبط ابن الجوزي-تذكرة الخواص-ص 166 سبط ابن الجوزي):فصل:و من كتاب كتبه إلى بعض امراء جيشه في قوم كانوا قد شردوا عن الطاعة و فارقوا الجماعة،رواه الشعبي عن ابن عباس:سلام عليك أما بعد،فإن عادت هذه الشرذمة إلى الطاعة فذلك الذي أوثره،و إن تمادى بهم العصيان إلى الشقاق فانهد بمن أطاعك إلى من عصاك و استعن بمن انقاد معك على من تقاعس عنك،فإنّ المتكاره مغيبه خير من حضوره و عدمه خير من وجوده و قعوده أغنى من نهوضه (2).
«فإن عادوا إلى ظلّ الطاعة فذاك الذي نحبّ» فإنّ الأنبياء و الأوصياء عليهم السلام إنّما يحبّون هداية الخلق لنجاتهم،و قوله عليه السلام «ظل الطاعة» استعارة لطيفة، فطاعة الوالي كالظلّ توجب الراحة،و مخالفته كالحرور توجب المشقّة.
«و إن توافت الامور» أي:تتامت.
«بالقوم إلى الشقاق» و الأصل في الشقاق نزول الخصم في شقّ غير شقّك.
«و العصيان فانهد» أي:انهض من(ينهد)بالفتح.
«بمن أطاعك إلى من عصاك و استعن بمن انقاد معك عمّن تقاعس» أي:تأخّر .
«عنك فإنّ المتكاره مغيبه خير من مشهده» قال تعالى في المنافقين الذين
كانوا متكارهين عن الخروج مع النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى الجهاد «لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالاً وَ لَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ» (1)
التوبة:47. [1]
.«و قعوده أغنى من نهوضه» أي:قيامه،و أكثر انهزام العساكر في الأغلب من شهود المتكارهين.
الحكمة(86)
و قال عليه السلام:
رَأْيُ الشَّيْخِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَلَدِ الْغُلاَمِ و روي من مشهد الغلام.
أقول:و رواه الجاحظ في( بيانه الجاحظ-البيان و التبيين-ج 2 ص 14 ):«رأي الشيخ أحبّ إليّ من جلد الشاب» (2).
و في( العقد الفريد -العقد الفريد-ج 4 ص 206 ):وقع علي عليه السلام في كتاب جاءه من الحسن بن علي عليهما السلام:رأي الشيخ خير من جلد الغلام (3).
«رأي الشيخ أحبّ إليّ من جلد» بفتحتين،أي الشدّة و الضرب بالسيف.
«الغلام» فإنّ رأي الشيخ في الظفر يمكن أن يكون أشدّ تأثيرا من قوّة ألف غلام.
و في(الطبري):حضر مع هوازن في غزوة حنين دريد بن الصمة و كان شيخا كبيرا ليس فيه شيء إلاّ معرفته بالحرب و لرأيه-إلى أن قال-فلما نزلوا بأوطاس قال لمالك بن عوف رئيس القوم:إنّك قد أصبحت رئيس قومك و إنّ
هذا يوم له ما بعده،مالي أسمع رغاء البعير و نهاق الحمير و يعار الشاء و بكاء الصغير.قال:سقت مع الناس أبناءهم و نساءهم و أموالهم.قال:لم؟قال:
ليقاتل كلّ رجل عن أهله و ماله.قال:هل يردّ المنهزم شيء،إنّها إن كانت لك لم ينفعك إلاّ رجل بسيفه و رمحه و إن كانت عليك فضحت في أهلك و مالك، ارفعهم إلى متمنع بلادهم و عليا قومهم ثم الق الشبّان على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك،و إن كانت عليك كفاك ذلك و قد أحرزت أهلك و مالك.قال:لا أفعل إنّك قد كبرت و كبر علمك و قال لقومه:لتطيعنني أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري.
و كره أن يكون لدريد فيها ذكر و رأي.فقال دريد:هذا يوم لم أشهده و لم يفتني...و كان صواب الرأي ما قال دريد (1)
تاريخ الطبري 2:344. [1]
.و في(الكامل)للمبرد:قال المهلب ما يسرّني أنّ في عسكري ألف شجاع بدل بيهس بن صهيب،فيقال له:أيّها الأمير بيهس ليس بشجاع.فيقول:أجل و لكنّه سديد الرأي محكم العقل،و ذو الرأي حذر سؤول،فأنا آمن أن يغتفل، فلو كان مكانه ألف شجاع قلت إنّهم يتشأمون حتى يحتاطون (2).
و كان المهلب شيخا ذا رأي متين،فلو لا تدابيره في حرب الخوارج لخربوا البصرة و قتلوا رجالها و سبوا نساءها و لمّا أرجفوا بأنّ المهلب قتل يوم سلى و سلبرى و هم أهل البصرة بالنقلة إلى البادية ثم ورد كتابه بظفره فأقام الناس و تراجع من ذهب منهم قال الأحنف:البصرة بصرة المهلب،بل لو لاه لغلبوا على جميع العراق الكوفة و غيرها،و لذا قال الحجاج لأهل الكوفة بعد ظفر المهلب بالخوارج:أنتم عبيد المهلب.
و كانت الخوارج تسمّيه الساحر،لأنّهم كانوا يدبّرون أمرا فيجدونه سبقهم إلى نقضه،و تمثّل كل من قطري رئيس الخوارج و الحجاج في شأن المهلب بأبيات لقيط الأيادي:
ما زال يحلب هذا الدهر أشطره يكون متبعا طورا و متبعا
حتى استمرت على شزر سريرته مستحكم الرأي لا قحما و لا ضرعا
و من آرائه في التدبير على الخوارج:أنّ رجلا حدادا من الأزارقة كان يعمل نصالا مسمومة فيرمي بها أصحاب المهلب،فرفع ذلك إليه فقال:أنا أكفيكموه،فوجّه رجلا من أصحابه بكتاب و ألف درهم إلى عسكر قطري فقال:الق هذا الكتاب في عسكره و احذر على نفسك ففعل،و كان في الكتاب «أما بعد،فإنّ نصالك قد وصلت إليّ و قد وجهت إليك بألف درهم فاقبضها و زدنا من هذه النصال»فوقع الكتاب و الدراهم إلى قطري فدعا بالرجل فقال:
ما هذا الكتاب؟قال:لا أدري.قال:فهذه الدراهم؟قال:ما أعلم.فأمر به فقتل، فجاءه عبد ربه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة فقال له:أقتلت رجلا على غير ثقة و لا تبيّن.فقال له:ما حال هذه الدراهم؟فقال:يجوز أن يكون أمرها كذبا و يجوز أن يكون حقّا.فقال له قطري:قتل رجل في صلاح الناس غير منكر، و للامام أن يحكم بما رآه صالحا،و ليس للرعية أن تعترض عليه.فتنكر له عبد ربه و جماعة و لم يفارقوه.
فبلغ ذلك المهلب فدسّ إليه رجلا نصرانيا فقال له:إذا رأيت قطريا فاسجد له،فإذا نهاك فقل سجدت لك.ففعل فقال له قطري:إنّما السجود للّه.
فقال له:ما سجدت إلاّ لك.فقال له رجل من الخوارج: «إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ» (1)
الأنبياء:98. [1]
فقال قطري:إنّ هؤلاء النصارى قد1) 1)
عبدوا عيسى ابن مريم فما ضرّ ذلك عيسى شيئا.فقام رجل من الخوارج إلى النصراني،فقتله،فأنكر ذلك عليه قطري و قال:أقتلت ذمّيا؟فاختلفت الكلمة، فبلغ ذلك المهلب.فوجّه إليهم رجلا يسألهم عن شيء تقدم به إليه،فأتاهم الرجل فقال:أرأيتم رجلين خرجا مهاجرين إليكم فمات أحدهما في الطريق و بلغكم الآخر فامتحنتموه فلم يجز المحنة.فقال بعضهم:أمّا الميت فمؤمن من أهل الجنّة و أمّا الآخر الذي لم يجز المحنة فكافر حتى يجيزها.و قال قوم آخرون:بل هما كافران حتى يجيزا المحنة،فكثر الاختلاف،فخرج قطري إلى حدود اصطخر فأقام شهرا و القوم في اختلافهم (1)
ذكر وقعة المهلب ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة 4:195-197. [1]
.و من أمثالهم«زاحم بعود أودع»و العود المسن من الإبل و الشاء،قال الكرماني في(أمثاله) (2):أي لا تستعن إلاّ بأهل السن و التجربة في الامور.
و قال الشاعر:
حنى الشيب ظهري فاستمرت عزيمتي و لو لا انحناء القوس لم ينفذ السهم
(3)و قال ابن المعتز: و ما ينتقص من شباب الرجال يزد في نهاها و ألبابها
(4)و قال البحتري في خضر بن أحمد: و مصيب مفاصل الرأي ان حارب كانت آراؤه من جنوده
(5)و قال المتنبي كما في(ابن أبي الحديد):
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أوّل و هي المحلّ الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مرّة بلغت من العلياء كلّ مكان
و لربما طعن الفتى أقرانه بالرأي قبل تطاعن الأقران
لو لا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان
(1)قول المصنّف:«و روي»هكذا في(المصرية) (2)و ابن ميثم)و لكن في(ابن أبي الحديد) (3)«و يروى».
«من مشهد الغلام»قد عرفت أنّ الجاحظ رواه«من جلد الشاب».
و كيف كان فنظير قوله عليه السلام هذا قوله«وصول مقل خير من جاف مكثر».
هذا،و كما أنّ رأي الشيخ خير من جلد الشاب،قالوا:قضاء الحوائج عند الشبّان أسرع منها عند الشيوخ.
و في(عيون ابن قتيبة):قال عثمان بن عطا:قضاء الحوائج عند الشباب أسهل منها عند الشيوخ،ثم قرأ شاهدا قول يوسف لإخوته «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ» (4)و قول يعقوب لهم «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (5)(6).
قال البحتري في محمد بن يوسف:
علم الروم أنّ غزوك ما كان عقابا لهم و لكن فناء
بسباء سقاهم البين صرفا و بقتل نسوا لديه السباء
يوم فرّقت من كتائب آرائك جندا لا يأخذون عطاء
بين حزب يفلق الهام انصافا و طعن يفرج الغماء
و بود العدو لو تضعف الجيش عليهم و تصرف الآراء
1) 1) ديوان البحتري 2:301.
ذكر في(11)من فصل أخباره عليه السلام بالغيوب ذمّ البصرة و أهلها،و كذلك في 12-منه و في(14)منه مدح الكوفة و أهلها و في(12)من فصل عثمان مدح أهلها.
الخطبة(236)
و من خطبة له عليه السلام في شأن الحكمين و ذم أهل الشام:
جُفَاةٌ طَغَامٌ عَبِيدٌ أَقْزَامٌ- جُمِعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ وَ تُلُقِّطُوا مِنْ كُلِّ شَوْبٍ- مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقَّهَ وَ يُؤَدَّبَ- وَ يُعَلَّمَ وَ يُدَرَّبَ وَ يُوَلَّى عَلَيْهِ- وَ يُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهِ- لَيْسُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ- وَ لاَ مِنَ «الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَ الْإِيمانَ» - أَلاَ وَ إِنَّ الْقَوْمَ اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ- أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا يُحِبُّونَ- وَ إِنَّكُمُ اخْتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ- أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا تَكْرَهُونَ- وَ إِنَّمَا عَهْدُكُمْ؟بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ؟ بِالْأَمْسِ يَقُولُ- إِنَّهَا فِتْنَةٌ فَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ وَ شِيمُوا سُيُوفَكُمْ- فَإِنْ كَانَ صَادِقاً فَقَدْ أَخْطَأَ بِمَسِيرِهِ غَيْرَ مُسْتَكْرَهٍ- وَ إِنْ كَانَ
كَاذِباً فَقَدْ لَزِمَتْهُ التُّهْمَةُ- فَادْفَعُوا فِي صَدْرِ؟عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؟- ؟بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ؟- وَ خُذُوا مَهَلَ الْأَيَّامِ وَ حُوطُوا قَوَاصِيَ الْإِسْلاَمِ- أَ لاَ تَرَوْنَ إِلَى بِلاَدِكُمْ تُغْزَى وَ إِلَى صَفَاتِكُمْ تُرْمَى أقول:روى صدره ابن قتيبة في( خلفائه ابن قتيبة-الخلفاء-ص 154 ) (1)
الخلفاء لابن قتيبة:154.
و الكليني في( رسائله 2/1الكليني-الرسائل- ) 2و الثقفي الثقفي-كتاب الثقفي- في كتابه،ففي الأول:إنّ حجر بن عدي و عمرو بن الحمق و غيرهما قاموا إلى علي عليه السلام 3و قالوا:بيّن لنا قولك في أبي بكر و عمر و عثمان.فقال علي عليه السلام:أو قد تفرغتم لهذا و هذه مصر قد افتتحت و شيعتي فيها قد قتلت،إنّي مخرج إليكم كتابا أنبئكم فيه ما سألتموني عنه-إلى أن قال في كتابه عليه السلام بعد ذكر الثلاثة و طلحة و الزبير-ثم نظرت بعد ذلك في أهل الشام فإذا هم أعراب و أحزاب،و أهل طمع جفاة تجمّعوا من كلّ أوب ممّن كان ينبغي أن يؤدّب و يولّى عليه و يؤخذ على يديه،ليسوا من المهاجرين و لا الأنصار و التابعين بإحسان.و في الثاني:نظرت إلى أهل الشام فإذا هم بقية الأحزاب و ذئاب طمع ممن ينبغي له أن يؤدّب و يحمل على السنّة،ليسوا من المهاجرين و لا الأنصار و لا التابعين بإحسان،فدعوتهم إلى الطاعة و الجماعة فأبوا إلاّ فراقي و شقاقي، ثم نهضوا في وجه المسلمين ينضحونهم بالنبل و يشجرونهم بالرماح...
و في الثالث:ثم إنّي نظرت في أمر أهل الشام فإذا أعراب أحزاب و أهل طمع جفاة طغاة،يجتمعون من كلّ أوب ممّن كان ينبغي أن يؤدّب و يولّى عليه و يؤخذ على يديه،ليسوا من المهاجرين و لا الأنصار و لا التابعين بإحسان،
1) 1)
فسرت إليهم...
قول المصنّف : «و من خطبة له عليه السلام» حكم بكون الكلام من خطبته عليه السلام الأخير،و أما الأوّلان و ان ذكرا تفصيلا بأنّهم سألوه عن الثلاثة فكتب لهم كتابا منه ما مر،إلاّ أنّ في الثاني أنّ عبيد اللّه بن أبي رافع خطب بكتابه عليه السلام.و بالجملة هو من خطبة له عليه السلام إلاّ أنّه كتبها ليقرأها على الناس بعض أصحابه لمقام ذمه للمتقدّمين.
«في شأن الحكمين و ذمّ أهل الشام» ليس في تلك الخطبة ما نقله من قوله «ألا...» في الحكمين،فلا بدّ أنّه نقله من موضع آخر و جمعه مع ذاك الكلام بالمناسبة.
و في(اشتقاق أبي بكر الأنباري):قال أهل الأثر:سميت الشام شاما لأنّ قوما من كنعان بن حام خرجوا عند التفريق فتشاموا إليها أي أخذوا ذات الشمال.
قوله عليه السلام «جفاة» أي:أهل الجفاء.
«طغام» أي:أوغاد و رذال.
«عبيد أقزام» أي:سفلة،قال الشاعر:
حصنوا أمّهم من عبدهم تلك أفعال القزام الوكعة
(1)«جمعوا من كلّ أوب» أي:ناحية.لما استولى يزيد بن المهلب على البصرة في خلعه يزيد بن عبد الملك و جاءه مسلمة بن عبد الملك و العباس بن الوليد في جنود أهل الشام لحربه قال:أتياكم في برابرة و صقالبة و جرامقة و أقباط و أنباط و أخلاط،أقبل إليكم الفلاحون و الأوباش كأشلاء اللحم و في(لطائف الثعالبي):إنّ أهل الشام مخصوصون من جميع البلدان
1) 1) لسان العرب 15:385. [1]
طاعة السلطان،و يقال:إنّ«الطّائين»من خصائص الشام-يعني الطاعة و الطاعون-و لم تزل الشام كثير الطواعين حتى صارت تواريخ،و منها كانت تمتدّ إلى العراق و غيرها (1)
لا وجود له في الظرائف و اللطائف و لا في مخطوطة اللطائف للثعالي.
.«و تلقطوا» أي:أخذوا،و في(الصحاح):تلقط فلان التمر أي التقطه من ههنا و ههنا،و الألقاط من الناس:القليل المتفرقون (2).
«من كل شوب» أي:خلط،قال الشاعر:
من معشر كحلت باللؤم أعينهم قفر الأكف لئام غير صياب
[و قال آخر:] إن ينتسب ينسب إلى عرق و رب أهل خزومات و شحاح و صخب
(3)و قال آخر: أبيت أهوى في شياطين ترن مختلف نجراهم حن و جن
هذا،و في(المعجم):طلب المنصور رجالا يجعلهم بوّابين له،فقيل له:لا يضبطهم إلاّ قوم لئام الأصول أنذال النفوس صلاّب الوجوه و لا تجدهم إلاّ في رقيق اليمامة.فاشتري له مائتا غلام (4).
في(تفسير القمي):قيل لأمير المؤمنين عليه السلام معاوية في مائة ألف من أهل الشام.فقال عليه السلام:لا تقولوا من أهل الشام و لكن قولوا من الشؤم،هم من أبناء مصر لعنوا على لسان داود عليه السلام فجعل منهم القردة و الخنازير (5).
و في(صفين نصر):حرّض علي عليه السلام الناس لقتال أهل الشام فقال:
سيروا إلى أعداء السنن و القرآن،سيروا إلى بقية الأحزاب و قتلة المهاجرين و الأنصار.فقام أربد الفزاري فقال:أ تريد أن تسير بنا إلى إخواننا من أهل الشام فنقتلهم لك كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقتلناهم كلا.فقام الأشتر و قال:من لهذا؟فهرب فلحق في مكان من السوق تباع فيه البراذين، فوطؤوه بأرجلهم و ضربوه بأيديهم و نعالهم حتى قتل.فقال علي عليه السلام:قتيل عمية،لا يدرى من قتله،ديته من بيت المال.فقال علاقة التيمي:
أعوذ بربي أن تكون منيتي كما مات في سوق البراذين أربد
تعاوره همدان خفق نعالهم إذا رفعت عنه يد وضعت يد
(1)و في(صفين نصر):لما كتبت صحيفة الصلح في التحكيم بين علي عليه السلام و معاوية و أهل الشام،قيل لعلي عليه السلام:أتقرّ أنّهم مؤمنون مسلمون؟فقال:ما أقرّ لمعاوية و لا لأصحابه أنّهم مؤمنون و لا مسلمون و لكن يكتب معاوية ما شاء (2).
و في(الاستيعاب):قام عبد اللّه بن بديل يوم صفين فقال:ألا إنّ معاوية ادّعى ما ليس له و نازع الأمر أهله و جادل بالباطل ليدحض به الحق و صال عليكم بالأحزاب و الأعراب و زيّن لهم الضلالة و زرع في قلوبهم حبّ الفتنة و لبّس عليهم الأمر،و أنتم و اللّه على الحق على نور من ربكم،فقاتلوا الطغاة الجفاة،قاتلوهم يعذّبهم اللّه بأيديكم و يشف صدور قوم مؤمنين،قاتلوا الفئة الباغية الذين نازعوا الأمر أهله و قد قاتلتموهم مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،فو اللّه ما هم في هذه بأزكى و لا أتقى و لا أبرّ (3).
و في(مروج المسعودي):دخل صعصعة على معاوية فقال له معاوية:
يابن صوحان إنّك لذو معرفة بالعرب و بحالها.فسأله عن أهل البصرة و أهل الكوفة و أهل الحجاز،ثم أمسك معاوية فقال له صعصعة:سل يا معاوية و إلاّ أخبرتك بما تحيد عنه.قال:و ما ذاك يابن صوحان؟قال:أهل الشام.قال:
فأخبرني عنهم.قال:أطوع الناس لمخلوق و أعصاهم للخالق،عصاة الجبّار و خلفة الأشرار،فعليهم الدمار و لهم سوء الدار.فقال معاوية:يابن صوحان إنّك لحامل مديتك منذ أزمان،و لكن حلم ابن أبي سفيان يردّ عنك.فقال صعصعة:بل أمر اللّه و قدره،إنّ أمر اللّه كان قدرا مقدورا (1)
مروج الذهب للمسعودي 3:43. [1]
.و في(الطبري):لما خلع يزيد بن المهلب يزيد بن عبد الملك و خرج بالبصرة مرّ الحسن البصري على الناس و قد اصطفوا و نصبوا الرايات و الرماح ينتظرون خروج ابن المهلب و يقولون إنّه يدعونا إلى سنّة العمرين.
فقال الحسن:إنّما كان ابن المهلب بالأمس يضرب أعناق هؤلاء الذين ترون ثم يسرح بها إلى بني مروان يريد رضاهم،فلما غضب غضبة نصب قصبا ثم وضع عليها خرقا و قال:إنّي خالفتهم فخالفوهم،فقال له ناس من أصحابه:
و اللّه لكأنّك راض عن أهل الشام.فقال:أنا راض عن أهل الشام قبّحهم اللّه و برحهم،أليس هم الذين أحلّوا حرم الرسول،يقتلون أهله ثلاثة أيام و ثلاث ليال،قد أباحوهم لأنباطهم و أقباطهم،يحملون الحرائر ذوات الدين،لا ينتهون عن انتهاك حرمه،ثم خرجوا إلى بيت اللّه الحرام فهدموا الكعبة و أوقدوا النيران بين أحجارها و أستارها،عليهم لعنة اللّه و سوء الدار (2).
«ممّن ينبغي أن يفقّه» في(رحلة ابن بطوطة):نزلت في خارج مدينة
(صور)من بلاد الشام على قرية معمورة على بعض المياه أريد الوضوء، فأتى بعض أهل تلك القرية فبدأ يغسل رجليه ثم غسل وجهه،فأخذت عليه في فعله فقال:إنّ البناء انما ابتدأه من الأساس (1)
رحلة ابن بطوطة:35. [1]
.«و يؤدّب و يعلم و يدرب» أي:يعوّد.
«و يولّى عليه و يؤخذ على يديه» في(المروج):دخل رجل من أهل الكوفة في منصرفهم عن صفين على بعير له إلى دمشق،فتعلّق به رجل منهم فقال:
هذه ناقتي أخذت مني بصفين.فارتفع أمرهما إلى معاوية،فأقام الدمشقي خمسين رجلا بيّنة يشهدون أنّها ناقته،فقضى معاوية على الكوفي و أمره بتسليم البعير إليه.فقال الكوفي:إنّه جمل و ليس بناقة.فقال معاوية:هذا حكم قد مضى.و دسّ إلى الكوفي بعد تفرّقهم فأحضره و سأله عن ثمن بعيره،فدفع إليه ضعفه و برّه و أحسن إليه و قال له:أبلغ عليّا أنّي اقابله بمائة ألف ما فيهم من يفرّق بين الناقة و الجمل.
و لقد بلغ من طاعتهم له أنّه صلّى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء،و أعاروه رؤوسهم عند القتال و حملوه بها،و ركنوا إلى قول عمرو بن العاص أنّ عليّا هو الذي قتل عمّار بن ياسر حين أخرجه لنصرته ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي عليه السلام سنّة ينشأ عليها الصغير و يهلك الكبير (2).
و ذكر بعض الأخباريين أنّه قال لرجل من زعماء أهل الشام و أهل الرأي و العقل منهم:من أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام على المنبر؟قال:أراه لصّا
من لصوص الفتن (1)
مروج الذهب 3:41-42، [1]دار المعرفة.
.و فيه:و قد كان عبد اللّه بن علي حين خرج في طلب مروان إلى الشام وجّه إلى السفاح أشياخا من أهل الشام من أرباب النعم و الرئاسة،فحلفوا للسفاح أنّهم ما علموا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله قرابة و لا أهل بيت يرثونه غير بني امية حتى و لّيتم الخلافة (2).
و فيه:لما أرسل عبد الملك الحجاج لقتال ابن الزبير بمكّة أقام بالطائف شهورا ثم زحف إلى مكّة فحاصر ابن الزبير بها و كتب إلى عبد الملك أنّي قد ظفرت بأبي قبيس،فلما ورد كتابه على عبد الملك كبر عبد الملك فكبّر من في داره و اتصل التكبير بمن في جامع دمشق فكبّروا و اتصل ذلك بأهل الأسواق، ثم سألوا عن الخبر فقيل لهم:إنّ الحجاج حاصر ابن الزبير بمكة و ظفر بأبي قبيس.فقالوا:لا نرضى حتى يحمل أبا قبيس الترابي الملعون إلينا مكبّلا على رأسه برنس على جمل يمرّ بنا في الأسواق (3).
و في(الطبري)-بعد ذكر قتل عمّار في صفين-قال أبو عبد الرحمن السلمي:فلما كان الليل قلت:لأدخلن إلى أهل الشام حتى أعلم هل بلغ منهم قتل عمّار ما بلغ منّا و كنّا إذا توادعنا من القتال تحدّثوا إلينا و تحدّثنا إليهم،فركبت فرسي ثم دخلت فإذا أنا بأربعة معاوية و أبو الأعور السلمي و عمرو بن العاص و ابنه عبد اللّه بن عمرو-و هو خير الأربعة-يتسايرون،فأدخلت فرسي بينهم مخافة أن يفوتني ما يقول أحد الشقين.فقال عبد اللّه لأبيه:يا أبه قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا و قد قال فيه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما قال.قال:و ما قال؟
قال:ألم تكن معنا و نحن نبني المسجد و الناس ينقلون حجرا حجرا و لبنة لبنة و عمّار ينقل حجرين حجرين و لبنتين لبنتين فغشي عليه فأتاه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يمسح التراب عن وجهه و يقول:و يحك يابن سمية.الناس ينقلون حجرا حجرا و لبنة لبنة و أنت تنقل حجرين حجرين و لبنتين لبنتين رغبة منك في الأجر، و أنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية،فدفع عمرو بن العاص صدر فرسه ثم جذب معاوية إليه فقال:يا معاوية أما تسمع ما يقول عبد اللّه؟قال:و ما يقول؟ فأخبره الخبر فقال معاوية:انّك شيخ أخرق و لا تزال تحدّث الحديث و أنت تدحض في قولك،أو نحن قتلنا عمّارا،انّما قتل عمّارا من جاء به.قال أبو عبد الرحمن السلمي:فما أدري من كان أعجب هو أو هم (1)
تاريخ الامم 4:38.
.و في(المروج):قال المستكفي العباسي:ذكروا أنّ الحجاج كان قد اجتبى قوما من أهل العراق وجد عندهم من الكفاية ما لم يجد عند مختصّيه من أهل الشام فشقّ ذلك عليهم و تكلّموا فيه،فبلغ إليه كلامهم فركب في جماعة من الفريقين و أو غل بهم في الصحراء،فلاح لهم من بعد قطار إبل، فدعا برجل من أهل الشام فقال له:أمض فاعرف ما هذه الأشباح و استقص أمرها.فلم يلبث أن جاء و أخبره أنّها إبل،فقال:أمحمّلة هي أم غير محمّلة؟ قال:لا أدري و لكن أعود و أتعرّف ذلك-و قد كان الحجاج أتبعه برجل من أهل العراق و أمره بمثل ما كان أمر الشامي-فلما رجع العراقي أقبل عليه الحجاج- و أهل الشام يسمعون-فقال:ما هي؟قال:إبل.قال:و كم عددها؟قال:ثلاثون.
قال:و ما تحمل؟قال:زيتا.قال:و من أين صدرت؟قال:من موضع كذا.قال:
و من ربّها؟قال:فلان.فالتفت إلى أهل الشام فقال:
1) 1)
ألام على عمرو و لو مات أو نأى لقلّ الذي يغني غناءك يا عمرو
(1)و في(عيون ابن قتيبة):مات رجل من جند أهل الشام،فحضر الحجاج جنازته-و كان عظيم القدر فصلّى و جلس على قبره-و قال:لينزل قبره بعض إخوانه،فنزل نفر منهم فقال أحدهم-و هو يسوّي عليه-أرحمك اللّه أبا فلان إن كان ما علمتك لتجيد الغناء و تسرع إلى ربّ الكأس،و لقد وقعت موقع سوء لا تخرج منه إلى الدكة.فما تمالك الحجاج أن ضحك فأكثر-و كان لا يكثر الضحك في جد و لا هزل-ثم قال له:لا أم لك هذا موضع هذا؟قال:أصلح اللّه الأمير فرسي:
حبيس لو سمعه يتغنى يا لبيني أوقدي النارا
لانتشر الأمير على سعنه-و كان الميت يلقب سعنه و كان من أوحش خلق اللّه صورة-فقال الحجاج:إنّا للّه،أخرجوه عن القبر.ثم قال:ما أبين حجّة أهل العراق في جهلكم يا أهل الشام،و لم يبق أحد حضر القبر إلاّ استفرغ ضحكا (2).
هذا،و وصف أبو أحمد العسكري رجلا لئيما فقال:حقير فقير نذل رذل غثّ رثّ لئيم زنيم،أشحّ من كلب و أذلّ من نقد و أجهل من بغل،سريع إلى الشرّ بطيء عن الخير،مغلول عن الحمد مكتوف عن البذل،جواد بشتم الأعراض سخي بضرب الأبشار،لجوج حقود خرق نزق عسر نكد شكس شرس دعيّ زنيم،يعتزى إلى أنباط سقاط أهل لؤم أعراق و دقة أخلاق،و ينتمي إلى أخبث البقاع ترابا و أمرّها شرابا و أكمدها ثيابا،فهو كما قال تعالى «وَ الَّذِي خَبُثَ»
«لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً» (1)
الأعراف:58. [1]
ثم كما قال الشاعر:نبطي آباؤه لم يلده ذو صلاح و لم يلد ذا صلاح
معشرا شبّهوا القرود و لكن خالفوها في خفّة الأرواح
و في(العقد):دخل عدي بن أرطاة الشامي على شريح القاضي،فقال له:
أين أنت؟قال:بينك و بين الجدار.قال:إنّي رجل من أهل الشام.قال:نائي المحل سحيق الدار.قال:قد تزوجت عندكم.قال:بالرفاء و البنين.قال:ولد لي غلام.قال:ليهنك الفارس.قال:و أردت أن أرحلها.قال:الرجل أحقّ بأهله.قال:
و شرطت لها دارها.قال:الشرط أملك.قال:فاحكم الآن بيننا.قال:قد فعلت.
قال:على من قضيت؟قال:على ابن امّك.قال:بشهادة من؟قال:بشهادة ابن اخت خالتك-يريد إقراره (2).
و في(خلفاء القتيبي):بعث يزيد عبد اللّه بن مسعدة الفزاري إلى المدينة، فخطب الناس و قال:أهل الشام جند اللّه الأعظم و خير الخلق.فقام الحارث بن مالك و قال:لعمر اللّه لنحن خير من أهل الشام،ما نقمت من أهل المدينة إلاّ لأنّهم قتلوا أباك و هو يسرق لقاح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،أنسيت طعنة أبي قتادة است أبيك بالرمح فخرج منه جعموص مثل هذا-و أشار إلى ساعده-ثم جلس (3).
«ليسوا من المهاجرين و الأنصار و لا من الذين» هكذا في(المصرية) و الصواب:«و لا الذين»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم).
«تبوؤا الدار و الإيمان» هكذا في(المصرية)أخذا من ابن أبي الحديد حيث جعل«و الإيمان»بين قوسين كما هو دأبه فيما يأخذه منه،لكن الظاهر زيادته
حيث قال ابن ميثم في نسخة الرضي «تبوؤا الدار» فقط و في سائر النسخ «و الإيمان» ،و لا معنى لكلامه فإنّ النهج للرضي فلا معنى لجعل نسخه من خطه هكذا و في نسخة غيره من خطه بطريق آخر،لكن ما لم تتحقق نسخ يكون المتبع ما في نسخة(ابن ميثم)التي بخط المصنف.
و في(صفين نصر):برز عوف بن مجزأة المرادي فارس أهل الشام يوم صفين و قال:
بالشام أمن ليس فيه خوف بالشام عدل ليس فيه حيف
بالشام جود ليس فيه سوف
فخرج إليه عكبر الأسدي فارس أهل الكوفة و قال:
الشام محل و العراق ممطر بها إمام طاهر مطهر
و الشام فيها أعور و معور
(1)«ألا و إنّ القوم اختاروا لأنفسهم أقرب القوم مما يحبّون،و إنّكم اخترتم لأنفسكم أقرب القوم مما تكرهون» في(صفين نصر):لمّا أراد الناس عليّا عليه السلام على أن يضح حكمين قال لهم:إنّ معاوية لم يكن ليضع لهذا الأمر أحدا هو أوثق برأيه و نظره من عمرو بن العاص،و إنّه لا يصلح للقرشي إلاّ مثله، فعليكم بعبد اللّه بن عباس فارموه،فإنّ عمرا لا يعقد عقدة إلاّ حلّها عبد اللّه و لا يحلّ عقدة إلاّ عقدها و لا يبرم أمرا إلاّ نقضه و لا ينقض أمرا إلاّ أبرمه.فقال الأشعث:لا و اللّه لا يحكم فينا مضريان حتى تقوم الساعة،و لكن اجعله رجلا من أهل اليمن إذ جعلوا رجلا من مضر.فقال علي عليه السلام:إنّي أخاف أن يخدع يمينكم،فان عمرا ليس من اللّه في شيء حتى إذا كان له في أمر هواه.فقال الأشعث:و اللّه لأن يحكما ببعض ما نكره و أحدهما من أهل اليمن أحبّ إلينا من
1) 1) وقعة صفين لنصر بن مزاحم:450. [1]
أن يكون ما نحبّ في حكمهما و هما مضريان.فقال عليه السلام:قد أبيتم إلاّ أبا موسى؟قالوا:نعم،قال:فاصنعوا ما أردتم.فبعثوا إلى أبي موسى و قد اعتزل بعرض من الشام... (1)
وقعة صفين لنصر بن مزاحم:500. [1]
.و في(خلفاء ابن قتيبة):قال الأحنف لعلي عليه السلام:إنّ أبا موسى رجل يماني و قومه مع معاوية-إلى أن قال-فقال عليه السلام:إنّ الأشعث و القراء أتوني بأبي موسى فقالوا:ابعث هذا فقد رضيناه و لا نريد سواه و اللّه بالغ أمره... (2).
و منه يظهر أنّ جميع أفعالهم كان بمقتضى أغراضهم لا الديانة.
«و إنّما عهدكم بعبد اللّه بن قيس» قال ابن أبي الحديد:قال ابن عبد البر:لما قتل عثمان عزل علي عليه السلام أبا موسى عن الكوفة،فلم يزل واجدا لذلك على علي عليه السلام و حتى جاء منه ما قال حذيفة فيه،فقد روى لحذيفة فيه كلاما كرهت ذكره (3).
قال ابن أبي الحديد الكلام الذي أشار إليه ابن عبد البر أنّ أبا موسى ذكر عند حذيفة بالدين فقال حذيفة:أما أنتم فتقولون ذلك،و أمّا أنا فأشهد أنّه عدوّ للّه و لرسوله و حرب لهما في الحياة الدّنيا و يوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم و لهم اللعنة و لهم سوء الدار.و كان حذيفة عارفا بالمنافقين أسرّ إليه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمرهم و أعلمه أسماءهم (4).
و قال:و روي ان عمّارا سئل عن أبي موسى فقال:لقد سمعت فيه من حذيفة قولا عظيما،سمعته يقول صاحب البرنس الأسود-ثم كلح كلوحا
علمت منه انّه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط (1)
المصدر نفسه 13:315. [1]
.و قال:و روي عن سويد بن غفلة قال:كنت مع أبي موسى على شاطىء الفرات في خلافة عثمان،فروى لي خبرا عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال سمعته يقول:إنّ بني اسرائيل اختلفوا فلم يزل الاختلاف بينهم حتى بعثوا حكمين ضالّين ضلاّ و أضلاّ من اتبعهما و لا ينفكّ أمر امتي حتى يبعثوا حكمين يضلاّن و يضلاّن من تبعهما.فقلت له:احذر يا أبا موسى أن تكون أحدهما،فخلع قميصه و قال:
أبرأ إلى اللّه من ذلك كما أبرأ من قميصي هذا (2).
قال:و قال أبو محمد بن متويه من المعتزلة في كتابه(الكفاية):أما أبو موسى فانّه عظم جرمه بما فعله و أدّى ذلك إلى الضرر الذي لم يخف حاله، و كان علي عليه السلام يقنت عليه و على غيره فيقول:«اللّهم العن معاوية أوّلا و عمرا ثانيا و أبا أعور السلمي ثالثا و أبا موسى الأشعري رابعا» (3).
قلت:صدق إنّ فعل أبي موسى أدّى إلى الضرر الذي لم يخف حاله،إلاّ ان فعل أبي موسى أيضا كان من فعل أركان سقيفتهم و كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أيضا قنت عليهم في تخلّفهم عن جيش اسامة.
و في(مسترشد محمد بن جرير بن رستم الطبري الإمامي)-مخاطبا للعامّة-:و من علمائكم أبو موسى الأشعري و قد شهد عليه حذيفة بن اليمان أنّه منافق رواه جرير بن عبد الحميد العيني (4).
و في(المروج):كان أبو موسى الأشعري يحدّث قبل وقعة صفين و يقول:إنّ الفتن لم تزل في بني اسرائيل ترفعهم و تخفضهم حتى بعثوا
حكمين-إلى أن قال-فقال له سويد بن غفلة:إيّاك إن أدركت ذلك الزمان أن تكون أحد الحكمين قال:أنا؟قال:نعم أنت.فكان يخلع قميصه و يقول:لا جعل اللّه لي اذن في السماء مصعدا و لا في الأرض مقعدا.فلقيه سويد بعد ذلك فقال:
يا أبا موسى أتذكر مقالتك؟قال:سل ربّك العافية (1)
مروج الذهب،للمسعودي 2:392. [1]
.و في(أمالي المفيد)مسندا عن سلمان قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:تفترق امتي ثلاث فرق،فرقة على الحق لا ينقص الباطل منه شيئا يحبوني و يحبون أهل بيتي،مثلهم كمثل الذهب الجيد كلّما أدخلته النار فأوقدت عليه لم يزده إلاّ جودة-إلى أن قال-و فرقة مدهدة على ملّة السامري لا يقولون لا مساس لكنّهم يقولون لا قتال،إمامهم عبد اللّه بن قيس الأشعري (2)«بالأمس» و المراد أيام الجمل.
«يقول إنّها فتنة» و قد كان عليه السلام في ذاك الوقت أخبره بعمله في هذا الوقت و هو حكمه الباطل عليه عليه السلام.
ففي(مروج المسعودي):كاتب علي عليه السلام لما أراد البصرة من الربذة أبا موسى الأشعري ليستنفر الناس،فثبطهم أبو موسى و قال:إنّما هي فتنة.
فنمى ذلك إلى علي عليه السلام،فولّى على الكوفة قرضة بن كعب الأنصاري و كتب إلى أبي موسى:اعتزل عملنا يابن الحائك،فما هذا أوّل يومنا منك و إنّ لك فيها لهنات و هنيات (3).
«فقطعوا أوتاركم» جمع الوتر بفتحتين واحد أوتار القوس.
«و شيموا سيوفكم» و المراد بشيموا هنا الأغماد و إن قيل إنّه من الأضداد.
و في(خلفاء ابن قتيبة):لما بعث علي عليه السلام في مسيره إلى الجمل عمّارا و محمد بن أبي بكر إلى أهل الكوفة ليستنفراهم قال أبو موسى للناس:ان هذه الفتنة النائم فيها خير من اليقظان و القاعد خير من القائم و القائم فيها خير من الساعي و الساعي فيها خير من الراكب،فاغمدوا سيوفكم-...فقام عمار و قال:أيها الناس إنّ أبا موسى ينهاكم عن الشخوص إلى هاتين الجماعتين و ما صدق فيما قال و ما رضي اللّه عن عباده بما قال،قال عز و جل «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا» (1)
الحجرات:9. [1]
و قال تعالى «وَ قاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ» (2)فلم يرض من عباده بما ذكر أبو موسى من أن يجلسوا في بيوتهم و يخلوا الناس فيسفك بعضهم دماء بعض،فسيروا معنا إلى هاتين الجماعتين و اسمعوا من حججهم و انظروا من أولى بالنصرة فاتبعوه،فان أصلح اللّه أمرهم رجعتم مأجورين و قد قضيتم حق اللّه،و ان بغى بعضهم على بعض نظرتم إلى الفئة الباغية فقاتلتموها حتى تفىء إلى أمر اللّه كما أمركم اللّه و افترض عليكم (3).«فإن كان صادقا» في كون حروبه عليه السلام فتنة.
«فقد أخطأ بمسيره غير مستكره» في دخوله فيما زعمه فتنة.
«و إن كان كذبا فقد لزمته التهمة» فكيف يجعل حكما.
و نظير كلامه عليه السلام في كون أبي موسى أتى بالتضادّ في فعله مع قوله
و خبطه في عمله،كلام ابنه الحسن عليه السلام.ففي(خلفاء ابن قتيبة)-بعد نقل أنّ أبا موسى قال:اخلع عليّا و انصب عبد اللّه بن عمر-قال الحسن عليه السلام:و قد كان من خطأ أبي موسى أن جعلها لعبد اللّه بن عمر فأخطأ في ثلاث خصال خالف أبو موسى عمر إذ لم يرضه لها و لم يره أهلا لها و كان أبوه أعلم به من غيره و لا أدخله في الشورى إلاّ على أن لا شيء له شرطا مشروطا من عمر على أهل الشورى-إلى أن قال-و لم يستأمر الرجل في نفسه و لا علم ما عنده من ردّ أو قبول (1)
خلفاء ابن قتيبة 1:131.
.«فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد اللّه بن العباس» في(صفين نصر):
قال أيمن بن خزيم الأسدي-و كان شاميا معتزلا لمعاوية و كان هواه أن يكون الأمر لأهل العراق-مخاطبا لأهل الشام:
لو كان للقوم رأي يعظمون به بعد الخطا رموكم بابن عباس
للّه درّ أبيه أيّما رجل ما مثله لفصال الخطب في الناس
لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن لم يدر ما ضرب اخماس لأسداس
ان يخل عمرو به يقذفه في لجج يهوي به النجم تيسا بين أتياس
فلما بلغ أهل العراق قول أيمن طارت أهواؤهم إلى عبد اللّه بن عباس و أبت القرّاء إلاّ أبا موسى .
«أ لا ترون إلى بلادكم تغزى» فكان معاوية في تلك الأيام بعث جيشا إلى مصر و جيشا إلى البصرة و جيوشا إلى الحجاز و إلى بلاد اخر (2).
«و إلى صفاتكم» في(الصحاح):الصفا و الصفاة صخرة ملساء،يقال في المثل:ما تندى صفاته.
«ترمى» و المراد قصد معاوية لمهمّات ما بيده عليه السلام كمصر ففتحها و قتل محمد بن أبي بكر،فرمي الصفاة كناية عن قصده لو هي ما اشتد منه، فالصفات صخرة صلبة،و لذا قيل ما تندى صفاته أي من غاية صلبيته و يقال:
أصلب من الصفا.و عن صعصعة:ما قارعت صفاة أشد عليّ من صفاة بني زرارة (1)
الصحاح 4:2401 مادة(صفا).
.الكتاب(2)
و من كتاب له عليه السلام إليهم بعد فتح البصرة:
وَ جَزَاكُمُ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرٍ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ- أَحْسَنَ مَا يَجْزِي الْعَامِلِينَ بِطَاعَتِهِ- وَ الشَّاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ- فَقَدْ سَمِعْتُمْ وَ أَطَعْتُمْ وَ دُعِيتُمْ فَأَجَبْتُمْ أقول:هذا كتاب كتبه عليه السلام إلى أهل الكوفة إلى قرضة بن كعب منهم خصوصا و إلى باقيهم عموما مع عمر بن سلمة الأرحبي-كما رواه المفيد في ( جمله الشيخ المفيد-وقعة الجمل-ص 215 و 216 )-عن عمر بن سعد الذي يروي عنه نصر بن مزاحم عن يزيد بن الصلت عن عامر الأسدي،و قد اختصره الرضي رحمه اللّه و تمامه هذا:
«سلام عليكم،إنّي أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلاّ هو،أمّا بعد فإنّا لقينا القوم الناكثين لبيعتنا المفرّقين لجماعتنا الباغين علينا من امتنا،فحاججناهم إلى اللّه فنصرنا اللّه عليهم و قتل طلحة و الزبير،و قد تقدّمت إليهما بالنذر و أشهدت عليهما صلحاء الامّة و مكنتهما في البيعة،فما أطاعا المرشدين و لا أجابا الناصحين ولاذ أهل البغي بعائشة،فقتل حولها جمّ لا يحصي عددهم إلاّ اللّه،ثم ضرب اللّه وجه بقيتهم فأدبروا،فما كانت ناقة الحجر
1) 1)
بأشأم منها على أهل ذلك المصر مع ما جاءت به من الحوب الكبير في معصيتها لربّها و نبيّها من الحرب،و اغترار من اغتر بها و ما صنعته من التفرقة بين المؤمنين و سفك دماء المسلمين لا بيّنة و لا معذرة و لا حجّة لها، فلما هزمهم اللّه أمرت ألا يقتل مدبر و لا يجهز على جريح و لا يهتك ستر و لا يدخل دار إلاّ بإذن أهلها،و قد آمنت الناس و استشهد منّا رجال صالحون ضاعف اللّه لهم الحسنات و رفع درجاتهم و أثابهم ثواب الصابرين و جزاكم اللّه من أهل مصر-إلى آخر ما في المتن-و زاد بعده:فنعم الاخوان و الأعوان على الحق أنتم» (1)
وقعة الجمل،للمفيد:215-216.
.و له عليه السلام كتاب آخر إلى أهل الكوفة بعد فتح البصرة،ففي(الإرشاد):
كتب عليه السلام بالفتح إلى أهل الكوفة-إلى أن قال-أمّا بعد،فإنّ اللّه حكم عدل لا يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم،و إذا أراد اللّه بقوم سوء فلا مردّ له و ما لهم دونه من وال،أخبركم عنّا و عمّن سرنا إليه من جموع أهل البصرة و من تأشب إليهم من قريش و غيرهم مع طلحة و الزبير و نكثهم صفقة أيمانهم،فنهضت من المدينة حين انتهى إليّ خبر من سار إليها و جماعتهم و ما فعلوا بعاملي عثمان بن حنيف حتى قدمت ذي قار، فبعثت الحسن بن علي و عمّار بن ياسر و قيس بن سعد،فاستنفرتكم لحقّ اللّه و حقّ رسوله و حقي،فأقبل إليّ إخوانكم سراعا حتى قدموا عليّ، فسرت بهم حتى نزلت ظهر البصرة،فأعذرت بالدعاء و قمت بالحجّة و أقلت العثرة و الزلّة من أهل الردة من قريش و غيرهم و استتبتهم من نكثهم بيعتي و أخذت عهد اللّه عليهم،فأبوا إلاّ قتالي و قتال من معي و التمادي في الغي فناهضتهم بالجهاد فقتل اللّه من قتل منهم ناكثا و ولّي من ولى إلى مصرهم،
1) 1)
و قتل طلحة و الزبير على نكثهما و شقاقهما،و كانت المرأة عليهم أشأم من ناقة الحجر،فخذلوا و أدبروا و تقطعت بهم الأسباب،فلما رأوا ما حلّ بهم سألوني العفو عنهم،فقبلت منهم و غمدت السيف عنهم و أجريت الحق و السنّة فيهم» (1)
الإرشاد للمفيد:137. [1]
.و قد مدح عليه السلام أهل الكوفة أيضا لما وردوا عليه بذي قار عند توجهه إلى البصرة،ففي(الإرشاد):روى عبد الحميد بن عمران العجلي عن سلمة بن كهيل قال:لما التقى أهل الكوفة عليّا عليه السلام بذي قار رحبوا به ثم قالوا:الحمد للّه الذي خصّنا بجوارك و أكرمنا بنصرتك.فقام عليه السلام فيهم خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه و قال:يا أهل الكوفة إنّكم من أكرم المسلمين و أقصدهم تقويما و أعدلهم سنّة و أفضلهم سهما في الإسلام و أجودهم في العرب مركبا و نصابا،أنتم أشدّ العرب ودّا للنبيّ و أهل بيته،و إنّما جئتكم ثقة-بعد اللّه-بكم للذي بذلتم من أنفسكم عند نقض طلحة و الزبير و خلعهما طاعتي و إقبالهما بعائشة للفتنة و إخراجهما إيّاها من بيتها حتى أقدماها البصرة،فاستفزوا طغامها و غوغاءها،مع أنّه قد بلغني أنّ أهل الفضل منهم و خيارهم في الدين قد اعتزلوا و كرهوا ما صنع طلحة و الزبير.فقال أهل الكوفة:نحن أنصارك و أعوانك على عدوّك و لو دعوتنا إلى أضعافهم من الناس احتسبنا في ذلك الخير و رجوناه-فدعا علي عليه السلام لهم و أثنى عليهم (2).
و مدحهم عليه السلام لما ورد عليهم بعد فتح البصرة،ففي(صفين نصر):لما قدم علي عليه السلام من البصرة إلى الكوفة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من رجب سنة(36)استقبله أهل الكوفة-و فيهم قراؤهم و أشرافهم-فدعوا له
بالبركة و قالوا:يا أمير المؤمنين أين تنزل،أتنزل القصر؟فقال:لا و لكنني أنزل الرحبة،فنزلها و أقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلّى فيه ركعتين ثم صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على رسوله و قال:أمّا بعد يا أهل الكوفة فإنّ لكم في الإسلام فضلا ما لم تبدّلوا و تغيّروا،دعوتكم إلى الحق فأجبتم و بدأتم بالمنكر فغيّرتم،ألا إنّ فضلكم فيما بينكم و بين اللّه،فأمّا في الأحكام و القسم فأنتم أسوة من أجابكم و دخل فيما دخلتم فيه،ألا إنّ أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى-إلى أن قال-الحمد للّه الذي نصر وليّه و خذل عدوّه و أعزّ الصادق المحقّ و أذلّ الناكث المبطل،عليكم بتقوى اللّه و طاعة من أطاع اللّه من أهل بيت نبيّكم الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا اللّه فيه من المنتحلين المدّعين المقابلين لنا يتفضلون بفضلنا و يجاحدوننا أمرنا و ينازعوننا حقنا و يدافعونا عنه فقد ذاقوا و بال ما اجترحوا فسوف يلقون غيّا،ألاّ إنّه قد قعد عن نصرتي رجال أنا عليهم زار فاهجروهم و أسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا ليعرف بذلك حزب اللّه عند الفرقة.
فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي صاحب شرطته عليه السلام فقال:و اللّه إنّي لأرى الهجر و سماع المكروه لهم قليلا،و اللّه لئن أمرتنا لنقتلنّهم،فقال علي عليه السلام:سبحان اللّه يا مال،جزت المدى و عدوت الحد و أغرقت في النزع.
فقال لبعض الغشم:أبلغ في أمور تنوبك من مهادنة الأعادي.فقال علي عليه السلام:
ليس هكذا قضى اللّه يا مال،فقال تعالى «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (1)
المائدة:45. [1]
فما بال الغشم و قال تعالى «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ» (2)و الإسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك،فقد نهى اللّهعنه و ذلك هو الغشم (1)
صفين لنصر بن مزاحم:3. [1]
.و مدحهم عليه السلام حين أراد العود إلى قتال معاوية قبل النهروان بالنخيلة.
قال الطبري:جمع إليه رءوس أهل الكوفة فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:يا أهل الكوفة أنتم إخواني و أنصاري و أعواني على الحق و صحابتي على جهاد عدوّي المحلين،بكم أضرب المدبر و أرجو تمام طاعة المقبل،و قد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم إليكم فلم يأتني منهم إلاّ ثلاثة آلاف و مائتا رجل، فأعينوني بمناصحة جلية خلية من الغش-إلى أن قال-و كان جميع أهل الكوفة خمسة و ستين ألفا و من أهل البصرة ثلاثة آلاف و مائتي رجل،و كان جميع من معه ثمانية و ستين ألفا و مائتي رجل (2).
و كان اشتياق أهل الكوفة إلى قدومه عليه السلام عليهم كما وصفه خفاف الطائي لمعاوية،قال نصر بن مزاحم:قال خفاف لمعاوية:قدم علي الكوفة فحمل إليه الصبي و دنت إليه العجوز و خرجت إليه العروس فرحا به و شوقا إليه (3).
و روى الواحدي-كما في(جمل المفيد)-عن كليب في خبر و روده عليه السلام بذي قار يستعلم حاله،قال:فلم أبرح عن العسكر حتى قدم على علي عليه السلام أهل الكوفة،فجعلوا يقولون:نرى إخواننا من أهل البصرة يقاتلونا.و جعلوا يضحكون و يعجبون و يقولون و اللّه لو التقينا لتعاطينا الحق،كأنّهم يرون أنهم لا يقتلون (4).
و في(لطائف الثعالبي):كان الحجاج يقول:الكوفة جارية جميلة لا مال
لها فهي تخطب لجمالها،و البصرة عجوز شوهاء موسرة فهي تخطب لمالها.
و كان زياد يقول:مثل الكوفة كمثل اللهاة يأتيها الماء ببرده و عذوبته،و مثل البصرة كالمثانة يأتيها الماء و قد تغيّر و فسد (1)
لم نعثر عليه في لطائف الثعالبي،و لكن وجدنا في مروج الذهب للمسعودي 3:159 ما يشبه هذا المعنى.
.1) 1)
العنوان رقم الصفحة
الفصل الحادي و الأربعون-في ما قاله عليه السلام في القرآن...1
العنوان 1 الخطبة 1:«و خلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء في أممها إذ لم يتركوهم...»3
العنوان 2 من الخطبة 129:«و كتاب اللّه بين أظهركم،ناطق لا يعيا لسانه...»20
العنوان 3 من الخطبة 129:«و اعلموا انّه ليس من شيء إلاّ و يكاد صاحبه...»22
العنوان 4 من الخطبة 148:«إنّ اللّه تعالى خصّكم بالإسلام و استخلصكم له...»33
العنوان 5 من الخطبة 171:«و اعلموا أنّ هذا القرآن هو النّاصح الّذي لا يغشّ...»36
العنوان 6 من الخطبة 171:«و انّ اللّه سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن...»45
العنوان 7 من الخطبة 178:«فالقرآن آمر زاجر،و صامت ناطق...»47
العنوان 8 من الخطبة 151:«و عليكم بكتاب اللّه فانّه الحبل المتين...»50
العنوان 9 من الخطبة 193:«ثمّ أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه...»53
العنوان 10 الحكمة 313:«و في القرآن نبأ ما قبلكم،و خبر ما بعدكم...»67
العنوان 11 من الخطبة 153:«فجاءهم بتصديق الّذي بين يديه...»71
العنوان 12 من الخطبة 143:«فبعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله،بالحقّ ليخرج عباده...»76
العنوان 13 من الخطبة 149:«إنّ من عزائم اللّه في الذّكر الكريم التّي عليها...»89
الفصل الثّاني و الأربعون-في ما بيّنه عليه السلام من العبادات و المعاملات و الخير و الشّرّ 95
العنوان 1 من الخطبة 106:«انّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى اللّه...»97
العنوان 2 من الخطبة 1:«و فرض عليكم حجّ بيته الحرام...»110
العنوان 3 من الخطبة 187:«و كلّما كانت البلوى الاختبار أعظم...»119
العنوان 4 الحكمة 136:«الصّلاة قربان كلّ تقيّ،و الحجّ جهاد كلّ ضعيف...»139
العنوان 5 الحكمة 7:«الصّدقة دواء منجح،و أعمال العباد في عاجلهم...»142
العنوان 6 من غريب كلامه 6:«انّ الرّجل إذا كان له الدّين الظّنون...»143
العنوان 7 الحكمة 145:«كم من صائم ليس من صيامه إلاّ الظّمأ...»146
العنوان 8 الحكمة 146:«سوّسوا إيمانكم بالصّدقة و حصّنوا أموالكم بالزّكاة...»147
العنوان 9 الحكمة 137:«استنزلوا الرّزق بالصّدقة...»148
العنوان 10 الحكمة 258:«إذا أملقتم فتاجروا اللّه بالصّدقة...»149
العنوان 11 الحكمة 138:«من أيقن بالخلف جاد بالعطيّة...»150
العنوان 12 الحكمة 304:«انّ المسكين رسول اللّه فمن منعه منع اللّه...»152
العنوان 13 الحكمة 328:«إنّ اللّه سبحانه فرض في أموال الأغنياء...»152
العنوان 14 الحكمة 299:«ما أهمّني ذنب أمهلت بعده حتّى اصلّي ركعتين...»153
العنوان 15 من الخطبة 194:«تعاهدوا أمر الصّلاة،و حافظوا عليها،...»154
العنوان 16 من الخطبة 52:«أمّا بعد فصلّوا بالنّاس الظّهر حتّى تفيء الشّمس...»168
العنوان 17 الحكمة 252:«فرض اللّه الايمان تطهيرا من الشّرك...»172
العنوان 18 الحكمة 373:«...أيّها المؤمنون من رأى عدوانا يعمل به...»185
-الحكمة 374:«فمنهم المنكر للمنكر بيده و لسانه و قلبه...»185
-الحكمة 375:«أوّل ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم...»186
العنوان 19 من الخطبة 151:«و انّ الأمر بالمعروف،و النّهي عن المنكر...»202
العنوان 20 الحكمة 110:«لا يقيم أمر اللّه سبحانه إلاّ من لا يصانع...»202
العنوان 21 الحكمة 174:«من أحدّ سنان الغضب للّه قوي على قتل أشدّاء...»204
العنوان 22 الحكمة 249:«أفضل الأعمال ما اكرهت نفسك عليه...»209
العنوان 23 الحكمة 368:«انّ اللّه سبحانه وضع الثّواب على طاعته...»209
العنوان 24 الحكمة 278:«قليل تدوم عليه أرجى من كثير مملول منه...»210
-الحكمة 444:«قليل تدوم عليه خير من كثير مملول منه»210
العنوان 25 الحكمة 312:«انّ للقلوب إقبالا و إدبارا،فإذا أقبلت فاحملوها...»211
العنوان 26 الحكمة 39:«لا قربة بالنّوافل إذا أضرّت بالفرائض...»212
-الحكمة 279:«إذا أضرّت النّوافل بالفرائض فارفضوها...»212
العنوان 27 الحكمة 32:«فاعل الخير خير منه و فاعل الشرّ شرّ منه...»213
العنوان 28 الحكمة 94:«ليس الخير أن يكثر مالك و ولدك...»214
العنوان 29 الحكمة 387:«ما خير بخير بعده النّار...»216
العنوان 30 الحكمة 422:«افعلوا الخير،و لا تحقروا منه شيئا...»217
العنوان 31 الحكمة 447:«من اتّجر بغير فقه فقد ارتطم في الرّبا...»220
الفصل الثّالث و الأربعون-في مكارم الأخلاق 223
العنوان 1 الحكمة 446:«...ذلك أحمد سبلها...»225
العنوان 2 الحكمة 10:«إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا...»234
العنوان 3 الحكمة 19:«أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم...»238
العنوان 4 الحكمة 23:«من كفّارات الذّنوب إغاثة الملهوف...»242
العنوان 5 الحكمة 101:«لا يستقيم قضاء الحوائج إلاّ بثلاث...»244
العنوان 6 الحكمة 222:«من أشرف أفعال الكريم غفلته عمّا يعلم...»249
العنوان 7 الحكمة 232:«من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطّويلة...»252
العنوان 8 الحكمة 257:«يا كميل مر أهلك أن يروحوا في كسب المكارم...»254
العنوان 9 الحكمة 27:«أفضل الزّهد إخفاء الزّهد...»266
العنوان 10 الحكمة 33:«كن سمحا و لا تكن مبذّرا...»267
العنوان 11 الحكمة 425:«إنّ للّه عبادا اختصّهم اللّه بالنّعم لمنافع العباد...»268
العنوان 12 من الخطبة 161:«ليتأسّ صغيركم بكبيركم،...»272
العنوان 13 الحكمة 55:«الصّبر صبران:صبر على ما تكره،و صبر عمّا تحبّ...»276
العنوان 14 الحكمة 57 و 475:«القناعة مال لا ينفد...»278
العنوان 15 الحكمة 123:«طوبى لمن ذلّ في نفسه،و طاب كسبه...»279
العنوان 16 الحكمة 140:«ما عال من أقتصد...»282
العنوان 17 الحكمة 153:«لا يعدم الصّبور الظّفر و إن طال به الزّمان...»282
العنوان 18 الحكمة 206:«أوّل عوض الحليم من حلمه أنّ النّاس أنصاره...»283
العنوان 19 الحكمة 418:«الحلم عشيرة...»283
العنوان 20 الحكمة 224:«بكثرة الصّمت تكون الهيبة...»284
العنوان 21 الحكمة 207:«و إن لم تكن حليما فتحلّم،...»288
العنوان 22 الحكمة 223:«من كساه الحياء ثوبه،لم ير النّاس عيبه»288
العنوان 23 الحكمة 229:«كفى بالقناعة ملكا،و بحسن الخّلق نعيما...»289
العنوان 24 الحكمة 396:«المنيّة و لا الدّنيّة،و التّقلّل و لا التّوسّل...»290
العنوان 25 الحكمة 410:«التّقى رئيس الأخلاق...»294
العنوان 26 الحكمة 460:«الحلم و الأناة توأمان ينتجهما علوّ الهمّة...»294
العنوان 27 من الخطبة 236:«و اللّه مستأديكم شكره،و مورّثكم أمره...»296
الفصل الرّابع و الأربعون-في ذمائم الصّفات 301
العنوان 1 الحكمة 2:«أزرى بنفسه من استشعر الطّمع...»303
العنوان 2 الكتاب 79:«أمّا بعد،فإنّما أهلك من كان قبلكم انّهم منعوا...»306
العنوان 3 الحكمة 3:«البخل عار،و الجبن منقصة...»307
العنوان 4 الحكمة 149:«هلك امرؤ لم يعرف قدره...»317
العنوان 5 الحكمة 363:«من الخرق المعاجلة قبل الإمكان،...»319
العنوان 6 الحكمة 378:«البخيل جامع لمساوئ العيوب و هو زمام يقاد به...»321
العنوان 7 الحكمة 454:«ما لابن آدم و الفخر،أوّله نطفة...»322
العنوان 8 الحكمة 461:«الغيبة جهد العاجز...»327
العنوان 9 من الخطبة 138:«و إنّما ينبغي لأهل العصمة و المصنوع اليهم...»327
العنوان 10 الحكمة 212:«عجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله...»334
العنوان 11 الحكمة 167:«الإعجاب يمنع من الازدياد...»336
العنوان 12 الحكمة 225:«العجب لغفلة الحسّاد عن سلامة الأجساد...»337
العنوان 13 الحكمة 256:«صحّة الجسد من قلّة الحسد...»339
العنوان 14 الحكمة 46:«سيّئة تسوءك خير من حسنة تعجبك...»340
العنوان 15 الحكمة 60:«اللّسان سبع أن خلّى عنه عقر...»343
العنوان 16 الحكمة 179:«اللّجاجة تسلّ الرّأي...»349
العنوان 17 الحكمة 181:«ثمرة التّفريط النّدامة،و ثمرة الحزم...»350
العنوان 18 الحكمة 182 و 471:«لا خير في الصّمت عن الحكم...»351
العنوان 19 الحكمة 186:«للظّالم البادي غدا بكفّه غصّة...»352
العنوان 20 الحكمة 215:«الخلاف يهدم الرّأي...»353
العنوان 21 الحكمة 243:«إذا أزدحم الجواب خفي الصّواب...»354
العنوان 22 الحكمة 241:«بئس الزّاد إلى المعاد العدوان على العباد...»354
العنوان 23 الحكمة 241:«يوم المظلوم على الظّالم أشدّ من الظّالم على المظلوم»355
-الحكمة 341:«يوم العدل على الظّلم أشدّ من يوم الجور على المظلوم...»355
العنوان 24 الحكمة 275:«إنّ الطّمع مورد غير مصدر و ضامن غير و في...»357
العنوان 25 الحكمة 285:«بينكم و بين الموعظة حجاب من الغرّة...»359
العنوان 26 الحكمة 347:«الثّناء بأكثر من الاستحقاق ملق...»360
العنوان 27 الحكمة 361:«أشدّ الذّنوب ما استهان به صاحبه»...361
-الحكمة 477:«أشدّ الذّنوب ما استخفّ به صاحبه»361...
العنوان 28 الحكمة 362:«من صنّ بعرضه فليدع المراء...»362
العنوان 29 الحكمة 84:«و اعلموا انّ يسير الرّياء شرك...»362
العنوان 30 الحكمة 180:«الطّمع رقّ مؤبّد»369
العنوان 31 الحكمة 226:«الطّامع في وثاق الذّلّ»370
العنوان 32 الحكمة 219:«أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع»370
العنوان 33 الحكمة 255:«الحدّة ضرب من الجنون لأنّ صاحبها يندم...»371
الفصل الخامس و الأربعون-في آداب المعاشرة 373
العنوان 1 الحكمة 9:«خالطوا النّاس مخالطة ان متّم معها...»375
العنوان 2 الحكمة 360:«لا تظنّنّ بكلمة خرجت من أحد سوءا...»386
العنوان 3 الحكمة 35:«من أسرع إلى النّاس بما يكرهون قالوا فيه...»387
العنوان 4 الحكمة 158:«عاتب أخاك بالإحسان إليه و اردده شرّه...»389
العنوان 5 الحكمة 177:«أزجر المسيء بثواب المحسن...»392
العنوان 6 الحكمة 178:«احصد الشّرّ من صدر غيرك بقلعه من صدرك...»394
العنوان 7 الحكمة 314:«ردّوا الحجر من حيث جاء فانّ الشّرّ لا يدفعه...»395
العنوان 8 الحكمة 159:«من وضع نفسه مواضع التّهمة فلا يؤمنّ من أساء...»401
العنوان 9 الحكمة 401:«مقاربة النّاس في أخلاقهم أمن من غوائلهم...»402
العنوان 10 الحكمة 362:«من ضنّ بعرضه،فليدع المراء...»407
الفصل السادس و الأربعون-في الأصدقاء 409
العنوان 1 الحكمة 11:«أعجز النّاس من عجز عن اكتساب الاخوان...»411
العنوان 2 الحكمة 239:«من أطاع التّواني ضيّع الحقوق...»413
العنوان 3 الحكمة 38:«يا بنيّ احفظ عنّي أربعا و أربعا لا يضرّك ما عملت...»414
العنوان 4 الحكمة 65:«فقد الأحبّة غربة...»422
العنوان 5 الحكمة 134:«لا يكون الصّديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث...»423
العنوان 6 الحكمة 218:«حسد الصّديق من سقم المودّة»430
العنوان 7 الحكمة 268:«احبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما...»431
العنوان 8 الحكمة 295:«أصدقاؤك ثلاثة،فأصدقاؤك صديقك...»433
العنوان 9 الحكمة 308:«مودّة الآباء قرابة بين الأبناء»434
العنوان 10 الحكمة 415:«زهدك في راغب فيك نقصان حظ...»436
العنوان 11 الحكمة 479:«شرّ الاخوان من تكلّف له...»437
العنوان 12 الحكمة 48:«إذا احتشم المؤمن أخاه فقد فارقه...»440
العنوان 13 الحكمة 434:«أخبر تقله»442
العنوان 14 الحكمة 393:«لا تصحب المائق فإنّه يزيّن لك فعله...»451
الفصل السّابع و الأربعون-في التّعازي و التّهاني 453
العنوان 1 الحكمة 291:«يا أشعث إن تحزن على ابنك فقد استحقّت منك...»455
العنوان 2 الحكمة 413:«من صبر صبر الأحرار و إلاّ سلا سلّو الاغماز...»461
العنوان 3 الحكمة 448:«من عظّم صغار المصائب ابتلاه اللّه بكبارها»464
العنوان 4 الحكمة 189:«من لم ينجه الصّبر أهلكه الجزع»464
العنوان 5 الحكمة 357:«...إنّ هذا الأمر ليس لكم بدأ و لا إليكم انتهى...»466
العنوان 6 الحكمة 354:«...لا تقل ذلك و لكن قل:شكرت الواهب...»470
الفصل الثّامن و الأربعون-في آداب الحرب 475
العنوان 1 من الخطبة 11:«تزول الجبال و لا تزل،عضّ على ناجذك...»477
العنوان 2 الحكمة 233:«...لا تدعونّ إلى مبارزة،و إن دعيت إليها فأجب،...»485
العنوان 3 الحكمة 121:«...و أيّ امرىء منكم أحسّ من نفسه رباطة...»491
العنوان 4 من الكتاب 16:«...لا تشتدّنّ عليكم فرّة بعدها كرّة...»495
العنوان 5 من الكتاب 11:«...فإذا نزلتم بعدوّ أو نزل بكم فليكن معسكركم...»500
العنوان 6 من الكتاب 12:«...اتّق اللّه الّذي لا بدّ لك من لقائه...»506
العنوان 7 من الكتاب 14:«...لا تقاتلوهم حتّى يبدءوكم...»511
العنوان 8 من الخطبة 204:«...إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين...»519
العنوان 9 من الخطبة 64:«...معاشر المسلمين استشعروا الخشية و...»524
العنوان 10 من الخطبة 239:«...و اللّه مستأديكم شكره،مورّثكم أمره...»545
العنوان 11 من الخطبة 122:«...فقدّموا الدّارع و أخّروا الحاسر...»551
العنوان 13 من الكتاب 61:«أمّا بعد،فانّ تضييع المرء ما ولّى و تكلّفه...»579
العنوان 14 من الكتاب 33:«أمّا بعد فانّ عيني بالمغرب كتب إليّ يعلمني...»583
العنوان 15 من الكتاب 4:«فإن عادوا إلى ظلّ الطّاعة فذلك الّذي نحبّ...»590
العنوان 16 الحكمة 86:«رأي الشّيخ أحبّ إليّ من جلد الغلام»592
الفصل التّاسع و الأربعون-من ذمّ أهل الشّام و مدح أهل الكوفة...599
العنوان 1 من الخطبة 236:«...جفاة طغام عبيد أقزام...»601
العنوان 2 من الكتاب 2:«و جزاكم اللّه من أهل مصر عن أهل بيت...»618