ghaemiyeh.com
سرشناسه:شوشتری، محمدتقی، ۱۳۷۴ - ۱۲۸۲
عنوان و نام پديدآور:بهج الصباغه فی شرح نهج البلاغه [علیبن ابیطالب(ع)]/ المصنف محمدتقی التستری
مشخصات نشر:دار امیرکبیر للنشر- بیروت - لبنان- 1376.
وضعیت فهرست نویسی:فهرستنویسی قبلی
عنوان دیگر:نهج البلاغه
موضوع:علیبن ابیطالب(ع)، امام اول، ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق. نهج البلاغه -- نقد و تفسیر
شناسه افزوده:علیبن ابیطالب(ع)، امام اول، ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق. نهج البلاغه. شرح
رده بندی کنگره:BP۳۸/۰۲/ش۹
رده بندی دیویی:۲۹۷/۹۵۱۵
شماره کتابشناسی ملی:م۷۲-۸۰۹
بهج الصباغه فی شرح نهج البلاغه [علیبن ابیطالب(ع)]/ المصنف محمدتقی التستری
من الكتاب(21)(1)
وَ مِنْهُ- فَإِنَّهُ لاَ سَوَاءَ إِمَامُ الْهُدَى وَ إِمَامُ الرَّدَى- وَ وَلِيُّ؟النَّبِيِّ ص؟ وَ عَدُوُّ؟النَّبِيِّ ص؟- وَ لَقَدْ قَالَ لِي؟رَسُولُ اللَّهِ ص؟- إِنِّي لاَ أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً وَ لاَ مُشْرِكاً- أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللَّهُ بِإِيمَانِهِ- وَ أَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اللَّهُ بِشِرْكِهِ- وَ لَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقِ الْجَنَانِ- عَالِمِ اللِّسَانِ- يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ وَ يَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ قول المصنّف:و منه:انّما قال : «و منه» لأنّ قبله«فإن استطعتم يا أهل مصر أن تصدّق أقوالكم أفعالكم،و أن يتوافق سرّكم و علانيتكم،و لا يخالف ألسنتكم قلوبكم،فافعلوا.عصمنا اللّه و إيّاكم،و سلك بنا و بكم المحجّة الوسطى،و إيّاكم و دعوة الكذّاب ابن هند،و تأمّلوا و اعلموا».
قوله عليه السّلام: «فإنّه لا سواء،إمام الهدى و إمام الردى» :أي:الهلكة.قال(ابن أبي الحديد)يعنى عليه السّلام بإمام الهدى،نفسه،و بإمام الردى،معاوية كما قال تعالى
1) 1)قال الشارح،و يأتي في العناوين 32،33،34 من الفصل التاسع كلامه عليه السلام في المهدي عليه السلام.
«وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ»(1).
قلت:إنّه عليه السلام و إن قال ذلك،و كان في قباله معاوية في ذلك الوقت إلاّ أنّه عليه السلام أراد بإمام الردى غيره مطلقا،معاوية و الثلاثة المتقدّمة عليه،ففي رواية الثقفي لعهده عليه السلام إلى محمّد بن أبي بكر الّذي هذا الكلام جزء منه-و قد نقله-(ابن أبي الحديد)نفسه عند قوله عليه السلام:«و قد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة»:
«و اعلموا عباد اللّه إنّكم ان اتقيتم ربّكم،و حفظتم نبيّكم في أهل بيته،فقد عبدتموه بأفضل ما عبد،و ذكرتموه بأفضل ما ذكر،و شكرتموه بأفضل ما شكر،و أخذتم بأفضل الصبر،و جاهدتم بأفضل الجهاد،و إن كان غيركم أطول صلاة منكم،و أكثر صياما،إذ كنتم أتقى للّه،و أنصح لأولياء اللّه من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أخشع» (2).
و هل كان معاوية إلاّ تابعا لهم،و سالكا سبيلهم،و في كتاب معاوية إلى محمّد ابن أبي بكر-و كان ازرى على معاوية قيامه في قباله عليه السلام-«فإن يك ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله،و إن يك جورا فأبوك أسّه،و نحن شركاؤه و بهديه أخذنا،و بفعله اقتدينا،فعب أباك ما بدا لك أو دع».
و فيه أيضا«ذكرت حق ابن أبي طالب و قديم سوابقه و قرابته من نبي اللّه،و نصرته له و مواساته إيّاه في كل خوف و هول،-إلى أن قال:-و قد كنّا -و أبوك معنا-في حياة من نبيّنا،نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا،و فضله مبرزا علينا.فلمّا اختار اللّه لنبيّه ما عنده،كان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزّه و خالفه،على ذلك اتّفقا و اتّسقا،ثم دعواه إلى أنفسهم فأبطأ عنهما و تلكأ
عليهما فهمّا،به الهموم،و أرادا به العظيم،فبايع و سلّم لهما لا يشركانه و لا يطلعانه على سرّهما حتّى قبضا»-رواه المسعودي و نصر بن مزاحم و أشار إليه الطبري لكنّه كفّ عن نقله عنادا و قال:لا تحتمله العامة (1)
رواه المسعودي في مروج الذهب 3:12 و [1]ابن مزاحم في وقعة صفين:119 و [2]البلاذري في انساب الاشراف 2: 396 و [3]اشار اليه الطبري في تاريخه 3:557 سنة 36.
.كما أنّ ما قاله من أنه عليه السلام أراد بامام الهدى نفسه،صحيح،لكن لم يرد نفسه بالخصوص بل مع عترته،و كان عليه السلام ميزانا في تمييز المؤمنين من المنافقين من عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و قد قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيه و في عترته:
«إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» (2).
«و وليّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم» قال تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (3).
قال سبط ابن الجوزي في(تذكرته):ذكر الثعلبي في(تفسيره)عن السدّي،و عتبة بن أبي حكيم،و غالب بن عبد اللّه قالوا:انزلت آية «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ» في عليّ عليه السلام مرّ به سائل و هو في المسجد راكع فأعطاه خاتمه (4).
و روى الثعلبي أيضا مسندا عن أبي ذر قال:صلّيت يوما صلاة الظهر في المسجد و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حاضر فقام سائل فسأل.فلم يعطه أحد شيئا-إلى أن قال-فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:اللهم و أنا محمّد صفيّك و نبيّك فاشرح لي صدري، و يسّر لي أمري،و اجعل لي وزيرا من أهلي عليّا اشدد به أزري أو قال ظهري، قال أبو ذر:فو اللّه ما استتم الكلام حتّى نزل جبرئيل عليه السلام من عند اللّه تعالى فقال:يا محمّد اقرأ «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ»
«الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (1)
تذكرة الخواص:15.و [1]الآية 55 من سورة المائدة. [2]
.و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في المتواتر:«من كنت مولاه فعلي مولاه»قال سبط ابن الجوزي في(تذكرته):روى أحمد بن حنبل في(مسنده)و في(فضائله)، و الترمذي في(سننه)عن زاذان قال:سمعت عليّا عليه السلام يقول في الرحبة و هو ينشد الناس:انشد اللّه رجلا سمع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول في يوم غدير خم:من كنت مولاه فعلي مولاه،فقام ثلاثة عشر رجلا من الصحابة فشهدوا أنّهم سمعوا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول ذلك (2).
و روى في فضائله عن رياح بن حارث قال:جاء رهط إلى على عليه السلام فقالوا:السلام عليك يا مولانا-و كان بالرحبة-فقال:كيف أكون مولاكم و أنتم قوم عرب؟قالوا:سمعنا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول يوم غدير خم:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»-قال رياح:فقلت:من هؤلاء؟فقيل:نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري صاحب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم (3).
و عن عبد الملك بن عطية العوفي قال:أتيت زيد بن أرقم فقلت له:إنّ ختنا لي حدّثني عنك بحديث في شأن علي عليه السلام يوم الغدير و أنا أحبّ أن أسمعه منك فقال:إنّكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم،فقلت:ليس عليك منّي بأس فقال:نعم.كنّا بالجحفة،فخرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علينا ظهرا و هو آخذ بعضد علي عليه السلام فقال:أيّها الناس!ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا:بلى،فقال:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»قالها أربع مرات (4).
و عن البراء بن عازب قال:كنّا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فنزلنا بغدير خم،فنودي
فينا الصلاة جامعة،و كسح للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بين شجرتين،فصلّى الظهر و أخذ بيد علي عليه السلام و قال:«اللهم من كنت مولاه فهذا مولاه»قال:فلقيه عمر بعد ذلك فقال:هنيئا لك يا ابن أبي طالب،أصبحت و أمسيت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة (1)
تذكرة الخواص:29. [1]
.و في(تاريخ أعثم الكوفي)-و هو من رجالهم أيضا-أنّ ابن الزبير لمّا كان يحثّ خالته على الخروج،و أنكر أن يكون النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:إنّ عليّا وليّ الناس قالت له امّ سلمة:إن لم تكن سمعت ذلك فهذه خالتك عائشة سلها هل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لعلي عليه السلام أنت خليفتي في حياتي،و بعد مماتي؟فقالت عائشة:نعم.سمعت ذلك (2).
و في(استيعاب ابن عبد البر):روى بريدة و أبو هريرة،و جابر،و البراء بن عازب،و زيد بن أرقم كل واحد منهم عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال يوم غدير خم:«من كنت مولاه فعلي مولاه،اللهمّ و ال من والاه و عاد من عاداه» (3).
و في(اسد الغابة)عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:شهدت عليّا في الرحبة يناشد الناس:انشد اللّه من سمع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول يوم غدير خم:«من كنت مولاه فعلي مولاه»لما قام،قال عبد الرحمن:فقام اثنا عشر بدريّا كأنّي أنظر إلى أحدهم عليه سراويل فقالوا:نشهد أنّا سمعنا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول يوم غدير خم:«الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجي أمهاتهم؟قلنا:بلى فقال:«من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهمّ و ال من والاه و عاد من عاداه» (4).
«و عدوّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم» قال ابن أبي الحديد:جعل أمير المؤمنين عليه السلام
معاوية عدوّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لكونه عدوّه عليه السلام و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له:«وليّك وليّي، و وليّي وليّ اللّه،و عدوّك عدوّي،و عدوّي عدوّ اللّه»و لأن دلائل النفاق كانت ظاهرة عليه من فلتات لسانه،و من أفعاله،و قد قال أصحابنا في هذا المعنى أشياء كثيرة فلتطلب من كتبهم خصوصا من كتب شيخنا أبي عبد اللّه و كتب أبي جعفر الاسكافي و أبي القاسم البلخي (1)
قاله ابن أبي الحديد في شرحه 3:450 و النقل بالمعنى.
.قلت:و ان صحّ ما قاله من كون معاوية عدوا للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بما ذكره من القياس إلاّ أنه كان عدوّا له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالأساس أيضا.روى المسعودي في (مروجه):أنّ المغيرة بن شعبة قال لمعاوية:بلغت أملك،فلو أظهرت عدلا.
فقال له:إنّ أخا هاشم يصرّح به في كل يوم خمس مرات«أشهد ان محمّدا رسول اللّه»فأيّ أمل يبقى مع هذا لا امّ لك لا و اللّه إلاّ دفنا دفنا (2).
و في(الطبري)عن كتاب المأمون الذي أمر بإنشائه في لعن معاوية «و منه الحديث المرفوع المشهور أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:إن معاوية في تابوت من نار في أسفل درك منها ينادي يا حنان يا منان(فيقال له)آلآن و قد عصيت قبل و كنت من المفسدين» (3)؟ و في(صفين نصر بن مزاحم)مسندا عن رجل شامي صحابي قال:
سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«شرّ خلق اللّه خمسة:ابليس،و ابن آدم الّذي قتل أخاه،و فرعون ذو الأوتاد،و رجل من بني اسرائيل ردّهم عن دينهم،و رجل من هذه الامّة يبايع على كفره عند باب لدّ»قال الرجل:إنّي لمّا رأيت معاوية بايع عند باب لدّ ذكرت قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلحقت بعلي عليه السلام فكنت معه (4).
«و لقد قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إنّي لا أخاف على أمّتي مؤمنا و لا مشركا،أمّا المؤمن فيمنعه اللّه بإيمانه،و أمّا المشرك فيقمعه اللّه(أي يقهره و يذلّه)بشركه، و لكنّي أخاف عليكم كلّ منافق الجنان،عالم اللّسان،يقول ما تعرفون،و يفعل ما تنكرون» لقد صدق-صلوات اللّه عليه-فكل فتنة كانت في الإسلام كانت من المسلمين الّذين وصفهم عليه السلام،جعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أبا بكر كصاحبه في جيش اسامة لئلاّ يوجب الفتنة بعده،فتخلّف عنه مع تأكيداته حتّى لعن المتخلّف عن الجيش،حتّى ينال الإمرة،و لمّا نال مرامه أراد التلبيس على الناس بأنه لا بدّ أن يجري أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الجيش.
فروى كاتب الواقدي في(طبقاته)عن ابن عمر،أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعث سرية فيهم أبو بكر و عمر،و استعمل عليهم اسامة.فكان الناس طعنوا فيه.
فبلغ ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فصعد المنبر.فحمد اللّه و أثنى عليه،و قال:إنّ الناس قد طعنوا في إمارة اسامة و قد كانوا طعنوا في إمارة أبيه من قبله،و إنّهما لخليقان لها-الخبر- (1)
طبقات ابن سعد 2، [1]ق 2:41 و 4،ق 1:46.
.و في(الطبري):نادى منادي أبي بكر من بعد الغد من متوفّى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليتمّ بعث اسامة،ألا لا يبقينّ بالمدينة أحد من جند اسامة إلاّ خرج إلى عسكره بالجرف (2).
و فيه أيضا قال أبو بكر:لو خطفتني الكلاب و الذئاب لم أردّ قضاء قضى به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (3).
و فيه أيضا ان عمر قال له:ان الأنصار أمروني أن ابلغك و إنّهم يطلبون
إليك أن تولّي أمرهم رجلا أقدم سنّا من اسامة.فوثب أبو بكر و كان جالسا فأخذ بلحية عمر و قال له:ثكلتك امك و عدمتك يا ابن الخطاب!استعمله النّبيّ، و تأمرني أن أنزعه (1)
تاريخ الطبري 2:462 سنة 11. [1]
.و هذا عمر،يقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إيتوني بدواة و صحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا.فقال:دعوه إنّه ليهجر (2).
و في(طبقات كاتب الواقدي)عن ابن عباس قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:هلمّ اكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده.فقال عمر:انّ رسول اللّه قد غلبه الوجع و عندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه-إلى أن قال-.
فكان ابن عباس يقول:ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللّه و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم و لغطهم (3).
ثم يقول ذلك الرجل من ولهه بزعمهم بعد قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:انّه ما مات و لكنّه غاب.ففي(الطبري):لما توفي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قام عمر فقال:إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أنّ رسول اللّه توفّي،و إنّ رسول اللّه و اللّه ما مات،و لكنّه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة.ثم رجع بعد أن قيل قد مات،و اللّه ليرجعن رسول اللّه.فليقطّعنّ أيدي رجال و أرجلهم، يزعمون أن رسول اللّه مات (4).
و انّما فعل ذلك ليصل إليه أبو بكر-و كان غائبا-حتى يدبّر أمر السقيفة، و في كتاب ابن عباس الى الحسن عليه السلام بعد أبيه«و اعلم أنّ عليّا أباك عليه السلام إنّما رغب الناس عنه إلى معاوية أنه آسى بينهم في الفيء،و سوّى بينهم في
العطاء،فثقل عليهم،و اعلم أنّك تحارب من حارب اللّه و رسوله في ابتداء الإسلام حتّى ظهر امر اللّه فلمّا وحّد الرب و محق الشرك،و عزّ الدين،أظهروا الايمان و قرءوا القرآن مستهزئين بآياته،و قاموا إلى الصلاة و هم كسالى، و أدّوا الفرائض و هم لها كارهون فلمّا رأوا أنّه لا يعزّ في الدين إلاّ الأتقياء الأبرار،توسّموا بسيما الصالحين ليظنّ المسلمون بهم خيرا،فما زالوا بذلك حتّى شركوهم في أماناتهم،و قالوا:حسابهم على اللّه فإن كانوا صادقين فإخواننا في الدين،و إن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين،و قد منيت بأولئك،و بأبنائهم و بأشباههم،و اللّه ما زادهم طول العمر إلاّ غيّا،و لا زادهم ذلك لأهل الدين إلاّ مقتا» (1)
رواه المدائني،و عنه شرح ابن أبي الحديد 4:8 و غيره. [1]
.من الخطبة(33)
أَمَا وَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا- حَتَّى وَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا مَا عَجَزْتُ وَ لاَ جَبُنْتُ- وَ إِنَّ مَسِيرِي هَذَا لِمِثْلِهَا- فَلَأَنْقُبَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ- مَا لِي وَ؟لِقُرَيْشٍ؟- وَ اللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ- وَ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ- وَ إِنِّي لَصَاحِبُهُمْ بِالْأَمْسِ كَمَا أَنَا صَاحِبُهُمُ الْيَوْمَ من الخطبة(102) وَ ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا- حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا- وَ اسْتَوْثَقَتْ قِيَادَهَا- مَا ضَعُفْتُ وَ لاَ جَبُنْتُ- وَ لاَ خُنْتُ وَ لاَ وَهَنْتُ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ- حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ أقول:قاله عليه السلام في ذى قار لمّا أراد الجمل كما صرّح به في الأوّل.
«و أيم اللّه» في الثاني بمعنى «أما و اللّه» في الاول.
1) 1)
قال الجوهري:أيمن اللّه اسم وضع للقسم قال:و ربما حذفوا منه النون فقالوا:أيم اللّه و أيم اللّه أيضا بكسر الهمزة (1)
صحاح اللغة 6:2221 [1] مادة(يمن)،و النقل بتقطيع.
.«إن كنت» في الأوّل بمعنى «لقد كنت» في الثاني لأنّ«ان»فيه مخففة من الثقيلة.
«لفي ساقتها» و في الثاني «من ساقتها» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (2)و(الخطّيّة)لا«في ساقتها»كما في(المصرية)،و ساقة جمع سائق كقادة في قائد من ساقة الجيش،و في(الأساس):رأيته يكرّ في سوق الحرب:
أي في حومة القتال و وسطه (3).
«حتّى» هكذا في(المصرية)،و الصواب : «حتّى تولت» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (4)و كما في الثاني:أي:انقضت.
«بحذافيرها» :أي بأسرها و تمامها و جميع نواحيها.
قوله عليه السلام في الثاني «و استوثقت قيادها» هكذا في المصرية،و الصواب «و استوسقت في قيادها» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطبة) (5)و في (المصباح)قال الخليل:القود أن يكون الرجل أمام الدابة آخذا بقيادها-إلى أن قال-و المقود بكسر الميم:الحبل يقاد به و الجمع مقاود،و القياد مثل المقود -إلخ- (6)و استوسقت:أي اجتمعت و انتظمت.
قوله عليه السلام فيهما «ما ضعفت» هكذا في(المصرية)و في(ابن أبي الحديد)
و لكن في(ابن ميثم و الخطية) (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 2:176 و 199،و أيضا شرح ابن ميثم 2:72،و 3:21«ضعفت»نعم في بعض نسخ شرح ابن ميثم في الاول«عجزت».
: «ما عجزت» ،و كيف كان فالمراد أنه عليه السلام لم يعجز و لم يضعف في سياقة غزوات الإسلام و سلطته كما عجز و ضعف باقيهم.و في(الإرشاد)روى أصحاب الآثار عن الحسن بن صالح عن الأعمش عن أبي اسحاق عن ابن أبي عبد اللّه الجدلي قال:سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول:لمّا عالجت باب خيبر جعلته مجنّا لي.فقاتلتهم به.فلمّا أخزاهم اللّه وضعت الباب على حصنهم طريقا،ثم رميت به في خندقهم.فقال له رجل:لقد حملت منه ثقلا.فقال:ما كان إلاّ مثل جنّتى الّتي في يدي في غير ذلك المقام، و فيه يقول الشاعر:
إنّ امرأ حمل الرتاج بخيبر يوم اليهود بقدرة لمؤيّد
حمل الرتاج رتاج باب قموصها و المسلمون و أهل خيبر حشّد
فرمى به و لقد تكلف ردّه سبعون كلهم له يتشدّد
ردّوه بعد تكلّف و مشقّة و مقال بعضهم لبعض ارددوا (2)
«و لا جبنت» :أي:كما جبنوا،ففي خيبر أخذ الراية أوّلا،الأوّل ثمّ الثاني و رجعا منهزمين يجبّنان أصحابهما و يجبّنهما أصحابهما.
و في(الإرشاد):روى أبو محمّد الحسن بن جمهور قال:قرأت على أبي عثمان المازني الشاعر:
بعث النبي براية منصورة عمر بن حنتمة الدلام الأدلما
فمضى بها حتى إذا برزوا له دون القماص ثنى و هاب و أحجما
فأتى النبي براية مردودة الا تخوف عارها فتذمما
فبكى النبي له و انّبه بها و دعا امرأ حسن البصيرة مقدما
فغدا بها في فيلق و دعا له ألاّ يصد بها و ألاّ يهزما
فزوى اليهود الى القموص و قد كسا كبش الكتبية ذا غرار مخذما
و ثنى بناس بعدهم فقراهم طلس الذئاب و كل نسر قشعما (1)
الارشاد:68. [1]
«و لا خنت و لا وهنت» كما خان و وهن غيري،و في(السير):لما انصرف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من احد إلى المدينة استقبلته فاطمة عليها السلام و معها إناء فيه ماء فغسل به وجهه و لحقه علي عليه السلام-و قد خضب الدم يده إلى كتفه و معه ذو الفقار، فناوله فاطمة عليها السلام و قال لها:خذي هذا السيف.فقد صدقني اليوم و أنشأ يقول.
أفاطم هاك السيف غير ذميم فلست برعديد و لا بمليم
لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد و طاعة رب بالعباد عليم
اميطي دماء القوم عنه فإنّه سقى آل عبد الدار كأس حميم
و قال لها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«خذيه يا فاطمة فقد أدّى بعلك ما عليه،و قد قتل اللّه بسيفه صناديد قريش» (2)،فإذا كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا بعث اللّه تعالى-كما قال قبل هذا الكلام-ساق الناس حتّى بوّأهم محلّتهم،و بلّغهم منجاتهم فاستقامت قناتهم،و اطمأنت صفاتهم،و كان أمير المؤمنين عليه السلام-كما قال هنا- معينا له من أوّله إلى آخره،و المتصدّي لغزواته عليه السلام بلا ضعف و لا جبن و لا خيانة و لا وهن،كغيره ممّن ادّعى الأمر في قباله كما ستعرف،فلا بدّ بحكم العقل أن يكون هو خليفته و قائما مقامه،و من أنكر فقد كابر البداهة،و من خالف فقد خالف مقتضى العقول.
و قد صرّحت بذلك سيّدة النساء-صلوات اللّه عليها و على أبيها-فقالت في خطبتها يوم أبي بكر-كما في(بلاغات أحمد بن أبي طاهر البغدادي)من رجالهم«فأنقذكم اللّه برسوله بعد اللتيا و الّتي،و بعد ما مني بهم الرجال، و ذؤبان العرب و مردة أهل الكتاب كلّما حشوا نارا للحرب أطفأها،و نجم قرن للضلال،و فغرت فاغرة من المشركين قذف بأخيه في لهواتها،فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه،و يخمد لهبها بحده،مكدودا في ذات اللّه،قريبا من رسول اللّه،سيّدا في أولياء اللّه،و أنتم في بلهنية و ادعون آمنون حتّى إذا اختار اللّه لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دار أنبيائه،ظهرت خلة النفاق،و سمل جلباب الدّين، و نطق كاظم الغاوين»-إلى آخرها (1)
بلاغات النساء:24. [1]
.و روى المصنّف في(خصائصه)باسناد مرفوع الى الأعمش عن ابن عطية قال:لمّا خرج عمر الى الشام-و كان العباس معه يسايره-و كان من يستقبله ينزل.فيبدأ بالعباس،فيسلّم عليه،يقدّر الناس أنّه الخليفة،لجماله و بهائه و هيبته فقال عمر:لعلك تقدّر أنّك أحق بهذا الأمر منّي.فقال له العبّاس:
أحق به منّي و منك من خلّفناه بالمدينة.فقال عمر:من ذلك،قال:من ضربنا بسيفه حتّى قادنا بالاسلام،يعني عليّا عليه السلام (2).
و روى أبو بكر بن الأنباري في(أماليه)-و نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر-أنّ عليا عليه السلام جلس إلى عمر في المسجد،و عنده ناس.فلمّا قام عرّض واحد بذكره،و نسبه إلى التيه و العجب.فقال عمر:حق لمثله أن يتيه، و اللّه لو لا سيفه لما قام عمود الإسلام،و هو بعد أقضى الامّة،و ذو سابقتها و ذو شرفها.فقال له ذلك القائل:فما منعكم عنه.قال:كرهناه على حداثة السن
و حبّه بني عبد المطلب (1)
رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3:115 شرح الخطبة 226.
.قلت:لقد أجابه ابن عباس عن حداثة سنّه بأنّ اللّه تعالى ما استحدث سنّه حيث انزل جبرئيل ليأخذ سورة براءة من صاحبه أبي بكر،و أمّا حبّه بني عبد المطلب،فهل كان الاّ حبّ أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و من قال تعالى فيهم «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (2)؟كره الرجل منه عليه السلام حبّه لبني عبد المطلب أقارب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أحبّائه.فلم يدع الأمر يصل إليه،و لم يكره من عثمان تهالكه و تفدية نفسه لبني امية أعداء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أعداء الإسلام فدبّر الأمر له،و الحكم اللّه تعالى.
و روى محمّد بن بابويه في(خصاله)عن محمّد بن الحنفية،أنّ رأس اليهود أتى إلى أمير المؤمنين عليه السلام عند منصرفه من وقعة النهروان،و هو جالس في مسجد الكوفة فقال له:إنّي اريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصي نبيّ.قال:سل عمّا بدا لك يا أخا اليهود.قال:إنّا نجد في الكتب أنّ اللّه-عزّ و جلّ-إذا بعث نبيّا أوحى إليه أن يتّخذ من أهل بيته من يقوم بأمر امّته من بعده،و أن يعهد إليهم فيه عهدا يحتذى به و يعمل به في امته من بعده،و أنّ اللّه-عزّ و جلّ-يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء،و يمتحنهم بعد وفاتهم-إلى أن قال- فقال له علي عليه السلام:إنّ اللّه تعالى يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء في سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم.فإذا رضي طاعتهم و محنتهم أمر الأنبياء أن يتّخذوهم أولياء في حياتهم،و أوصياء بعد وفاتهم-إلى أن قال- قال الرجل:صدقت.فأخبرني كم امتحنك اللّه في حياة محمّد،و كم
امتحنك بعد وفاته،و إلى ما يصير آخر أمرك؟فأخذ علي عليه السلام بيده و قال:
انهض انبّئك.فقام إليه جماعة من أصحابه.فقالوا:أنبئنا بذلك معه.فقال:انّي أخاف ألاّ تحتمله قلوبكم.قالوا:و لم؟قال:لامور بدت من كثير منكم.فقام إليه الأشتر فقال له:أنبئنا بذلك فو اللّه إنّا لنعلم أنّه ما على ظهر الأرض وصي نبي سواك،و إنّا لنعلم أنّ اللّه تعالى لا يبعث بعد نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نبيّا،و أنّ طاعتك موصولة بطاعة نبيّنا.قال:فجلس علي عليه السلام و أقبل على اليهودي و قال له:إنّ اللّه-عزّ و جلّ-امتحنني في حياة نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في سبعة مواطن فوجدني فيهن-من غير تزكية لنفسي،بنعمة اللّه-مطيعا.قال:فيم و فيم.
قال:أما أوّلهن:فانّ اللّه-عزّ و جلّ-أوحى إلى نبيّنا و أنا أحدث أهل بيته سنّا أخدمه في بيته،و أسعى في قضاء حوائجه بين يديه في أمره،فدعا صغير بني عبد المطّلب و كبيرهم إلى شهادة ألا إله إلاّ اللّه،و أنّه رسوله فامتنعوا من ذلك،و أنكروا عليه و هجروه،و نابذوه،و اعتزلوه،و اجتنبوه،و سائر الناس مقصين له،و مخالفين عليه،قد استعظموا ما أورده عليهم ممّا لم تحتمله قلوبهم،و تدركه عقولهم.فأجبته وحدي مسرعا إلى ما دعا إليه مطيعا موقنا لم يخالجني شك في ذلك،فمكثنا بذلك ثلاث حجج،و ما على وجه الأرض خلق يصلي أو يشهد له بما أتاه غيري و غير ابنة خويلد-رحمها اللّه-و قد فعل.
-ثم أقبل على أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى يا أمير المؤمنين.
فقال:و أمّا الثانية:فإنّ قريشا لم تزل تجيل الآراء،و تعمل الحيل في قتل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى كان آخر ما اجتمعت في ذلك يوم الدار،(دار الندوة) و ابليس اللعين حاضر في صورة أعور ثقيف،فلم تزل تضرب أمرها ظهرا لبطن حتّى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كلّ فخذ من قريش رجل ثمّ يأخذ كلّ رجل منهم سيفه ثمّ يأتي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو نائم على فراشه.
فيضربونه بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلوه،و اذا قتلوه منعت قريش رجالها،و لم تسلمها فيمضى دمه هدرا.فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأنبأه بذلك،و أخبره بالليلة الّتي يجتمعون فيها و الساعة الّتي يأتون فراشه،و أمره بالخروج في الوقت الّذي خرج فيه إلى الغار.فاخبرني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالخبر و أمرني أن اضطجع في مضجعه و أقيه بنفسي.فأسرعت إلى ذلك مطيعا له مسرورا بأن أقتل دونه،فمضى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لوجهه و اضطجعت في مضجعه،و أقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فلما استوى بي و بهم البيت الّذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي، فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه اللّه.
ثم أقبل عليه السلام على أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى.
فقال عليه السلام:و أمّا الثالثة يا أخا اليهود،فإنّ ابني ربيعة و الوليد بن عتبة، و كانوا فرسان قريش دعوا إلى البراز يوم بدر فلم يبرز لهم خلق من قريش.
فأنهضني مع صاحبيّ-رضي اللّه عنهما-و قد فعل،و أنا أحدث أصحابي سنّا و أقلهم للحرب تجربة فقتل اللّه-عزّ و جلّ-بيدي وليدا و شيبة سوى من قتلت من حجاحجة قريش في ذلك اليوم،و سوى من أسرت،و كان منّي أكثر ممّا كان من أصحابي،و استشهد ابن عمي في ذلك-رحمة اللّه عليه-.
ثم التفت إلى أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى.
فقال:و أمّا الرابعة،فإنّ أهل مكة أقبلوا إلينا على بكرة أبيهم قد استجابوا من يليهم من قبائل العرب طالبين بثار مشركي قريش في يوم بدر.
فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأنبأه بذلك.فذهب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عسكر بأصحابه في سدّ احد،و أقبل المشركون إلينا فحملوا علينا حملة رجل واحد، و استشهد من المسلمين من استشهد،و كان من بقي،من المنهزمة،و بقيت مع
النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و مضى المهاجرون و الأنصار إلى المدينة كلّ يقول:قتل النّبيّ و قتل أصحابه.ثم ضرب اللّه-عزّ و جلّ-وجوه المشركين،و قد جرحت بين يدي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نيّفا و سبعين جرحة،منها هذه و هذه،ثم ألقى عليه السلام رداءه و أمرّ يده على جراحاته،و كان منّي في ذلك ما على اللّه-عزّ و جلّ-ثوابه،ثم التفت الى أصحابه،فقال:أ ليس كذلك؟قالوا:بلى.
فقال:و اما الخامسة يا أخا اليهود،فان قريشا و العرب تجمعت و عقدت عقدا و ميثاقا لا ترجع من وجهها حتّى تقتل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تقتلنا معاشر بني عبد المطلب معه،ثم أقبلت بحدّها و حديدها حتّى أناخت علينا بالمدينة واثقة بأنفسها في ما توجّهت له،فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأنبأه بذلك فخندق على نفسه و من معه من المهاجرين و الأنصار،فقدمت قريش فأقامت على الخندق،محاصرة لنا،ترى في أنفسها القوّة و فينا الضعف ترعد و تبرق، و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يدعوها إلى اللّه تعالى و يناشدها بالقرابة و الرحم فتأبى،و لا يزيدها ذلك إلاّ عتوّا،و فارسها و فارس العرب يومئذ عمرو بن عبد ود يهدر كالبعير المغتلم،يدعو إلى البراز،و يرتجز،و يخطر برمحه مرة،و بسيفه مرة، لا يقدم عليه مقدم و لا يطمع فيه طامع،و لا حميّة تهيجه،و لا بصيرة تشجّعه، فأنهضني إليه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عمّمني بيده و أعطاني سيفه هذا-و ضرب بيده إلى ذي الفقار و عمّمني-فخرجت إليه،و نساء أهل المدينة توالي إشفاقا علي من ابن عبد ود فقتله اللّه-عزّ و جلّ-بيدي،و العرب لا تعدّ لها فارسا غيره، و ضربني هذه الضربة-و أومأ بيده إلى هامته-فهزم اللّه قريشا و العرب بذلك و بما كان مني فيهم من النكاية.ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال:أليس كذلك؟ قالوا:بلى.
فقال:و أمّا السادسة يا أخا اليهود،فإنّا وردنا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مدينة
أصحابك خيبر على رجال من اليهود و فرسانها من قريش و غيرها.فتلقونا بأمثال الجبال من الخيل و الرجال و السلاح،و هم في أمنع واد و أكثر عدد،كلّ ينادى و يدعو،و يبادر الى القتال.فلم يبرز اليهم أحد من أصحابه إلاّ قتلوه حتى إذا احمرّت الحدق و دعيت إلى النزال،و أهمّت كل امرئ نفسه،و التفت بعض أصحابه إلى بعض،و كلّ يقول:يا أبا الحسن!انهض،أنهضني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى دارهم.فلم يبرز إليّ أحد منهم إلاّ قتلته،و لا يثبت لي فارس إلاّ طحنته،ثم شددت عليهم شدّة الليث على فريسته حتّى أدخلتهم جوف مدينتهم مشددا عليهم،فاقتلعت باب حصنهم بيدي،حتّى دخلت عليهم مدينتهم وحدي،أقتل من يظهر فيها من رجالها،و أسبي من أجد من نسائها، حتى أفتتحتها وحدي،و لم يكن لي فيها معاون الاّ اللّه وحده.
ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى.
قال:و أما السابعة،فإن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا توجّه لفتح مكّة أحب أن يعذر اليهم و يدعوهم الى اللّه-عزّ و جلّ-آخرا كما دعاهم أوّلا،فكتب إليهم كتابا يحذّرهم فيه،و ينذرهم عذاب اللّه،و يعدهم الصفح،و يمنّيهم مغفرة ربهم.
و نسخ لهم في آخره سورة براءة ليقرؤوها عليهم ثمّ عرض على جميع أصحابه المضى به فكلهم يرى التثاقل فيهم،فلمّا رأى ذلك ندب منهم رجلا.
فوجّهه به فأتاه جبرئيل فقال:يا محمّد لا يؤدّي عنك الاّ أنت أو رجل منك.
فأنبأني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بذلك،و وجّهني بكتابه و رسالته إلى أهل مكّة،و أهلها من قد عرفتم و ليس أحد منهم الاّ و لو قدر أن يضع كل جبل مني اربا لفعل،و لو أن يبذل في ذلك نفسه و أهله و ولده و ماله،فبلّغتهم رسالة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قرأت عليهم كتابه،فكلهم يلقاني بالتهديد و الوعيد،و يبدي لي البغضاء،و يظهر الشحناء،من رجالهم و نسائهم،فكان مني في ذلك ما قد رأيتم.
ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى... (1)
رواه عن محمّد ابن الحنفية و الامام الباقر عليه السلام الصدوق في الخصال 2:364 ح 58 باب السبعة،و النقل بتصرف في اللفظ.
.و في(العقد الفريد):عن الشعبي-في وفود ام الخير بنت حريش على معاوية و سؤال معاوية أصحابه عن كلامها في صفين فذكر له بعضهم كلامها،و من جملته«فإلى أين تريدون رحمكم اللّه عن ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و صهره،و أبي سبطيه،خلق من طينته،و تفرّع من نبعته،و خصّه بسّره،و جعله باب مدينته،و أعلم بحبه المسلمين،و أبان ببغضه المنافقين، و ها هو ذا مفلّق الهام،و مكسّر الأصنام،صلّى،و الناس مشركون،و أطاع، و الناس كارهون.فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزي بدر،و أفنى أهل أحد، و هزم الأحزاب،و قتل اللّه به أهل خيبر،و فرّق به جمع هوازن،فيا لها من وقائع زرعت في قلوب نفاقا و ردّة و شقاقا،و زادت المؤمنين ايمانا»...- (2).
و في(بلاغات نساء أحمد بن أبي طاهر البغدادي)في قصة منع أبي بكر فدك من فاطمة عليها السلام«لاثت خمارها على رأسها،و أقبلت في لمة من حفدتها تطأ ذيولها،ما تخرم من مشية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شيئا حتّى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار،فنيطت دونها ملاءة.ثم أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء،و ارتجّ المجلس.فأملهت حتى سكن نشيج القوم، و هدأت فورتهم.فافتتحت الكلام بحمد اللّه و الثناء عليه و الصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فعاد القوم في بكائهم.فلما أمسكوا عادت في كلامها.فقالت: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» (3).فإن تعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم و أخا ابن عمّي دون
رجالكم فبلّغ النذارة صادعا بالرسالة،مائلا على مدرجة المشركين ضاربا لثجهم،آخذا بكظمهم.يهشم الأصنام،و ينكت الهام حتّى هزم الجمع و ولّوا الدبر،و تغرى الليل عن صبحه،و اسفر الحق عن محضه،و نطق زعيم الدين، و خرست شقاشق الشياطين و كنتم على شفا حفرة من النار،مذقة الشارب و نهزة الطامع و قبسة العجلان و موطئ الأقدام،تشربون الطرق و تقتاتون الورق أذلة خاشعين تخافون ان يتخطّفكم الناس من حولكم.فأنقذكم اللّه برسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد اللتيا و التي،و بعد ما مني بهم الرجال و ذؤبان العرب و مردة أهل الكتاب،كلما حشوا نارا للحرب اطفأها،و نجم قرن للضلال، و فغرت فاغرة من المشركين،قذف بأخيه في لهواتها،فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه،و يخمد لهبها بحدّه،مكدودا في ذات اللّه قريبا من رسول اللّه سيّدا في أولياء اللّه،و أنتم في بلهنية و ادعون آمنون... (1)
بلاغات النساء:23. [1]
.و قال محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد في(إرشاده)-في ذكر غزوات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:و أنّ الفتح فيها كان على يد أمير المؤمنين عليه السلام-غزاة بدر أول حرب كان به الامتحان،و ملأت رهبة صدور المعدودين من المسلمين في الشجعان،و راموا التأخر عنها لخوفهم منها،و كراهتهم لها على ما جاء به محكم الذكر في التبيان حيث يقول جل اسمه: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ» -إلى أن قال- (2).
و لم يزل أمير المؤمنين عليه السلام يقتل واحدا بعد واحد حتّى أتى على شطر المقتولين،و كانوا سبعين رجلا،تولّى كافة من حضر بدرا من المسلمين مع
ثلاثة آلاف من الملائكة المسوّمين قتل الشطر منهم،و تولّى أمير المؤمنين عليه السلام قتل الشطر الآخر وحده بمعونة اللّه تعالى له و تأييده و توفيقه و نصره،و كان الفتح له بذلك على يديه،و قد أثبتت رواة العامة و الخاصة أسماء الّذين تولّى عليه السلام قتلهم على اتفاق في ما نقلوه فكان ممّن سمّوه:
1-الوليد بن عتبة،و كان شجاعا جريئا و قاحا فاتكا تهابه الرجال.
2-العاص بن سعيد و كان هولا عظيما تهابه الأبطال،و هو الّذي حاد عنه عمر.
3-طعيمة بن عدي بن نوفل،و كان من رءوس أهل الضلال.
4-نوفل بن خويلد،و كان من أشد المشركين عداوة للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و كانت قريش تقدّمه و تعظّمه و تطيعه،و هو الّذي قرن أبا بكر و طلحة قبل الهجرة بمكة و أوثقهما بحبل و عذّبهما يوما إلى اللّيل حتى سئل في أمرهما، و لمّا عرف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حضوره بدرا سأل اللّه تعالى أن يكفيه أمره فقال:
اللّهمّ اكفني نوفل بن خويلد.فقتله أمير المؤمنين.
5-زمعة بن الأسود.
6-عقيل بن الأسود.
7-الحارث بن زمعة.
8-النضر بن الحارث بن عبد الدار.
9-عمير بن عثمان بن كعب بن تيم عم طلحة.
10 و 11-عثمان و مالك ابنا عبيد اللّه،أخوا طلحة.
12-مسعود بن أبي اميّة بن المغيرة.
13-حنظلة بن أبي سفيان.
14-عمرو بن مخزوم.
15-أبو المنذر بن أبي رفاعة.
16-منبه بن الحجاج السهمي.
17-العاص بن المنبه.
18-علقمة بن كلدة.
19-أبو العاص بن قيس بن عدي.
20-معاوية بن المغيرة بن أبي العاص.
21-لوذان بن ربيعة.
22-عبد اللّه بن المنذر بن أبي رفاعة.
23-مسعود بن اميّة بن المغيرة.
24-حاجب بن السائب بن عويمر.
25-أوس بن المغيرة ابن لوذان.
26-زيد بن مليص.
27-عاصم بن أبي عوف.
28-سعيد ابن وهب حليف بني عامر.
29-معاوية بن عبد القيس.
30-عبد اللّه ابن جميل بن زهير بن الحارث بن اسد.
31-السائب بن مالك.
32-أبو الحكم بن الاخنس.
33-هشام بن أبي أميّة بن المغيرة،فذلك ثلاثة و ثلاثون رجلا.سوى من اختلف فيه أو شرك عليه السلام فيه غيره،و هم أكثر من شطر المقتولين ببدر.
و في ما صنعه عليه السلام ببدر قال اسيد بن أبي إياس يحرّض مشركي قريش عليه:
في كلّ مجمع غاية اخزاكم جذع ابتر على المذاكلى القرّح
للّه درّكم ألمّا تنكروا قد ينكر الحر الكريم و يستحي
هذا ابن فاطمة الّذي أفناكم ذبحا و قتلا قعصة لم يذبح
أعطوه خرجا و اتّقوا تضريبه فعل الذليل و بيعة لم تربح
اين الكهول؟و أين كل دعامة في المعضلات؟و أين زين الابطح؟
افناهم قعصا و ضربا يفتري بالسيف يعمل حدّه لم يصفح
قال المفيد:ثم تلت بدرا غزاة احد،و كان الفتح له في هذه الغزاة كما كان له ببدر سواء،و اختص بحسن البلاء فيها و الصبر و ثبوت القدم عند ما زلّت من غيره الاقدام،و كان له من العناء بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما لم يكن لسواه من اهل الإسلام،و قتل اللّه بسيفه رءوس أهل الشرك و الضلال،و فرّج اللّه به الكرب عن نبيّه،و خطب بفضله عليه السلام في ذلك المقام جبرئيل عليه السلام في ملائكة الأرض و السماء،و أبان نبي الهدى عليه السلام من اختصاصه عليه السلام به ما كان مستورا عن عامة الناس-إلى أن قال-:
قال الراوي للحديث و هو زيد بن وهب:قلت لابن مسعود:انهزم الناس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى لم يبق معه إلاّ علي بن أبي طالب،و أبو دجانة و سهل بن حنيف؟فقال:انهزم الناس إلاّ علي بن أبي طالب وحده،و ثاب إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نفر،و كان أولهم عاصم بن ثابت،و أبو دجانة،و سهل بن حنيف،و لحقهم طلحة ابن عبيد اللّه فقلت له:و اين كان أبو بكر و عمر؟قال:كانا ممّن تنّحى.قلت:
و أين كان عثمان؟قال جاء بعد ثلاثة من الوقعة.فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لقد ذهبت فيها عريضة.فقلت له:و اين كنت؟قال:كنت ممّن تنحّى قلت:إن ثبوت علي عليه السلام في ذلك المقام لعجب فقال:إن تعجبت من ذلك فقد تعجّبت منه الملائكة،أما علمت أنّ جبرئيل قال في ذلك اليوم و هو يعرج إلى السماء:لا
سيف إلاّ ذو الفقار،و لا فتى إلاّ علي؟قلت:فمن أين علم ذلك من جبرئيل.فقال:
سمع الناس صائحا يصيح في السماء بذلك.فسألوا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عنه.فقال:
ذاك جبرئيل.
قال:و روى سلام بن مسكين عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال:لو رأيت مقام علي عليه السلام يوم أحد لوجدته قائما على ميمنة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يذبّ عنه بالسيف،و قد ولّى غيره الأدبار.
قال:و روى محمّد بن مروان عن عمارة عن عبد اللّه قال:سمعت عليا عليه السلام يقول:لمّا انهزم الناس يوم احد عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-إلى أن قال-فنظر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الى كتيبة قد اقبلت إليه.فقال لي:ردّ عنّي يا علي هذه الكتيبة.فحملت عليها بسيفي اضربها يمينا و شمالا حتّى ولّوا الأدبار.فقال لي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
اما تسمع مديحك في السماء ان ملكا يقال له رضوان ينادي:«لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علي»فبكيت سرورا،و حمدت اللّه تعالى على نعمته.
قال:و في حديث عمران بن حصين:لمّا تفرّق الناس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم احد جاء علي عليه السلام متقلّدا سيفه حتّى قام بين يديه فرفع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رأسه اليه فقال له:ما بالك لم تفرّ مع الناس!فقال:أرجع كافرا بعد اسلامي؟!فأشار النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له إلى قوم انحدروا من الجبل.فحمل عليهم فهزمهم.ثم أشار إلى قوم آخرين فحمل عليهم فهزمهم.فجاء جبرئيل عليه السلام فقال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لقد عجبت الملائكة و عجبنا معها من حسن مواساة علي عليه السلام لك بنفسه.فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:و ما يمنعه من هذا و هو منّي و أنا منه.فقال جبرئيل له:و أنا منكما.
قال:و قد ذكر أهل السير قتلى احد من المشركين و كان جمهورهم قتلى أمير المؤمنين عليه السلام.فروى عبد الملك بن هشام عن زياد بن عبد اللّه عن محمّد
بن إسحاق قال:كان صاحب لواء قريش يوم أحد طلحة بن أبي طلحة من عبد الدار،قتله علي بن أبي طالب،و قتل ابنه أبا سعيد بن طلحة،و قتل أخاه كلدة بن أبي طلحة و قتل عبد اللّه بن حميد بن أسد بن عبد العزى،و قتل ابا الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي،و قتل الوليد بن أبي حذيفة بن المغيرة،و قتل أخاه اميّة بن أبي حذيفة،و قتل أرطاة بن شرحبيل،و قتل هشام بن اميّة،و عمرو بن عبد اللّه الجمحي و بشر بن مالك،و قتل ثوابا مولى بني عبد الدار،و كان الفتح له أولا،و رجوع الناس من هزيمتهم الى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الآخر بمقامه يذبّ عنه دونهم،و توجّه العتاب من اللّه تعالى الى كافّتهم بهزيمتهم يومئذ،سواه،و من ثبت معه من رجال الأنصار،و كانوا ثلاثة،و قيل:أربعة أو خمسة قال:و في قتله عليه السلام من قتل يوم أحد،و عنائه في الحرب،و حسن بلائه،يقول الحجاج بن علاط السلمي:
للّه أيّ مذبّب عن حزبه أعني ابن فاطم المعمّ المحولا
جادت يداك له بعاجل طعنة تركت طليحة للجبين مجدلا
و شددت شدة باسل فكشفتهم بالسفح إذ يهوون أسفل أسفلا
و عللت سيفك بالدماء و لم تكن لتردّه حرّان حتى ينهلا
قال:و لمّا توجّه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى بني النضير،عمد إلى حصارهم فضرب قبّته في أقصى بني حطمة من البطحاء.فلما جنّ الليل رمى رجل منهم اليهم بسهم فأصاب القبّة،فأمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يحوّل قبّته الى السفح،و أحاط به المهاجرون و الأنصار،فلمّا فقد الظلام فقدوا أمير المؤمنين عليه السلام.فقالوا للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لا نرى عليا.فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أراه في بعض ما يصلح شأنكم،فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الّذي رمى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-و كان يقال له عزور-فطرحه بين يدي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال له:كيف صنعت يا أبا الحسن؟!فقال عليه السلام:إني
رأيت هذا الخبيث جريئا شجاعا فكمنت له و قلت:ما أجرأه ان يخرج إذا اختلط اللّيل يطلب منّا غرّة.فاقبل مصلتا بسيفه في تسعة نفر من اليهود.فشددت عليه،و قتلته.فأفلت أصحابه،و لم يبرحوا قريبا،فابعث معي نفرا فإنّي أرجو أن أظفر بهم،فبعث معه عشرة فيهم أبو دجانة و سهل بن حنيف.فأدركوهم قبل أن يلجوا الحصن.فقتلوهم و جاءوا برءوسهم إليه.فأمر أن تطرح في بعض آبار بني حطمة،و كان ذلك سبب فتح حصون بني النضير و في تلك اللّيلة قتل كعب بن أشرف،و اصطفى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أموال بني النضير،و كانت أول صافية قسّمها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بين المهاجرين الاوّلين،و أمر عليا عليه السلام فحاز ماله منها فجعله صدقة،و كان في يده مدّة حياته عليه السلام ثم في يد أمير المؤمنين عليه السلام بعده،و هو في يد ولد فاطمة عليها السلام حتّى اليوم.
و في ما كان من أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الغزاة و قتله اليهودي و مجيئه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم برءوس النفر التسعة،يقول حسان بن ثابت:
للّه أيّ كريهة أبليتها ببني قريظة و النفوس تطلّع
أودى رئيسهم و آب بتسعة طورا يشلّهم و طورا يدفع
قال:و كانت غزوة الأحزاب بعد بني النضير،و ذلك أنّ جماعة من اليهود،منهم سلام بن أبي الحقيق النضيري،و حيّ بن أخطب،و كنانة بن الربيع،و هوذة بن قيس الوالبي،و أبو عمارة الوالبي في نفر من بني والبة، خرجوا حتّى قدموا مكّة.فصاروا إلى أبي سفيان لعلمهم بعداوته للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تسرّعه إلى قتاله فذكروا له ما نالهم منه و سألوه المعونة لهم على قتاله.
فقال لهم:أنا لكم حيث تحبّون.فاخرجوا إلى قريش فادعوهم إلى حربه، و اضمنوا النصرة لهم و الثبوت معهم حتى تستأصلوه،فطافوا على وجوه قريش،و دعوهم الى حرب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قالوا لهم:أيدينا مع أيديكم،و نحن
معكم حتى نستأصله ثم خرجوا حتى جاءوا غطفان،و قيس عيلان،فدعوهم الى حربه،و ضمنوا لهم النصرة و المعونة،و أخبروهم باتّباع قريش لهم على ذلك،و اجتمعوا معهم و خرجت قريش،و قائدها اذ ذاك أبو سفيان،و خرجت غطفان،و قائدها عيينة بن حصن في بني فزارة،و الحرث بن عوف في بني مرّة،و وبرة بن طريف في قومه من أشجع.فلما سمع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم باجتماع الأحزاب عليه،و قوة عزيمتهم في حربه،استشار أصحابه،فاجتمع رأيهم على المقام بالمدينة،و حرب القوم ان جاءوا إليهم على أنقابها،فأشار سلمان رحمه اللّه على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالخندق-إلى أن قال-:
روى الواقدي عن عبد اللّه بن جعفر بن أبي عون عن الزهري قال:جاء عمرو ابن عبد ود،و عكرمة بن أبي جهل،و هبيرة بن أبي وهب،و نوفل بن عبد اللّه بن المغيرة،و ضرار بن الخطاب في يوم الخندق فجعلوا يطوفون به يطلبون مضيقا منه فيعبرون،حتى انتهوا الى مكان أكرهوا خيولهم فيه فعبرت،و جعلوا يجيلون خيولهم في ما بين الخندق و سلع،و المسلمون وقوف لا يقدم منهم أحد عليهم.و جعل عمرو بن عبد ود يدعو الى البراز و يعرّض بالمسلمين و يقول:
و لقد بححت من النداء بجمعهم هل من مبارز؟
و في كل ذلك يقوم علي بن أبي طالب عليه السلام ليبارزه فيأمره بالجلوس انتظارا منه ليتحرك غيره،و المسلمون كأنّ على رؤوسهم الطير لمكان عمرو بن عبد ود،و الخوف منه،و ممّن معه،و من وراءه،فلمّا طال نداء عمرو بالبراز، و تتابع قيام علي عليه السلام قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:ادن منّي يا علي.فدنا منه.فنزع عمامته من رأسه،و عمّمه بها،و أعطاه سيفه،و قال له:امض لشأنك،ثم قال:
اللهم أعنه.فسعى نحو عمرو و معه جابر الأنصاري لينظر ما يكون منه،و من
عمرو.فلما انتهى عليه السلام إليه قال له:يا عمرو!انّك كنت في الجاهلية تقول:لا يدعوني أحد إلى ثلاث،-و اللات و العزى-الاّ قبلتها أو واحدة منها؟قال:أجل، قال:فإني أدعوك إلى شهادة ألاّ اله إلاّ اللّه،و أنّ محمّدا رسوله،و أن تسلم لربّ العالمين.قال:يا ابن أخي!أخّر هذه عنّي.فقال عليه السلام:أما إنّها خير لك لو أخذتها، ثم قال:فهاهنا اخرى.قال:و ما هي؟قال:ترجع من حيث جئت.قال:لا تحدّث نساء قريش بهذا أبدا-قال:-فها هنا اخرى.قال:و ما هي؟قال:فتنزل و تقاتلني.
فضحك عمرو و قال:إنّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أنّ أحدا من العرب يرومني عليها،إنّي لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك،و قد كان أبوك لي نديما.
قال عليه السلام:لكنّي احبّ أن أقتلك،فانزل إن شئت.فاسف عمرو و نزل و ضرب وجه فرسه حتى رجع.قال جابر:فثارت بينهما قترة فما رأيتهما فسمعت التكبير تحتها.فعلمت أنّ عليا عليه السلام قد قتله.فانكشف أصحابه حتّى طفرت خيولهم الخندق،و تبادر أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين سمعوا التكبير ينظرون ما صنع القوم.فوجدوا نوفل بن عبد اللّه في جوف الخندق لم ينهض به فرسه.
فجعلوا يرمونه بالحجارة.فقال لهم:قتلة أجمل من هذه،ينزل إليّ بعضكم اقاتله.فنزل إليه أمير المؤمنين عليه السلام فضربه حتى قتله،و لحق هبيرة فأعجزه، و سقطت درع كانت له،و فرّ عكرمة،و هرب ضرار بن الخطاب فقال جابر.فما شبّهت قتل علي عليه السلام عمرا إلاّ بما قصّ اللّه تعالى من قصّه داود و جالوت حيث يقول-جلّ شأنه-: «فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ» (1)
:251.
.قال:و قد روى قيس بن الربيع قال:حدّثنا أبو هارون العبدي عن ربيعة السعدي قال:أتيت حذيفة بن اليمان فقلت له:يا عبد اللّه إنّا لنتحدّث عن علي و مناقبه فيقول لنا اهل البصرة:إنّكم لتفرطون في علي،فهل أنت محدّثى البقرة
1) 1)
بحديث فيه،فقال حذيفة:يا ربيعة!و ما تسألني عن علي!فو الّذي نفسي بيده، لو وضع جميع أعمال أصحاب محمّد في كفّة من الميزان منذ بعث اللّه محمّدا إلى يوم الناس هذا،و وضع عمل علي عليه السلام في الكفة الاخرى لرجح عمل علي عليه السلام على جميع أعمالهم.فقال ربيعة:هذا الّذي لا يقام له،و لا يقعد،فقال حذيفة:يا لكع!كيف لا تحمل و اين كان أبو بكر و عمر و حذيفة،و جميع أصحاب محمّد يوم عمرو بن عبد ود،و قد دعا إلى المبارزة.فاحجم الناس كلهم ما خلا عليّا عليه السلام فإنّه برز إليه و قتله اللّه على يده،و الّذي نفس حذيفة بيده! لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمّد إلى يوم القيامة.
قال:و روى عمر بن أبي الأزهر عن عمرو بن عبيد عن الحسن،أنّ عليّا عليه السلام لمّا قتل عمرو بن عبد ود،إحتزّ رأسه و حمله فألقاه بين يدي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،فقام أبو بكر و عمر فقبّلا رأس علي عليه السلام.
و روى علي بن الحكم الأودي قال:سمعت أبا بكر بن عياش يقول:لقد ضرب علي عليه السلام ضربة ما كان في الإسلام أعزّ منها،و لقد ضرب عليه السلام ضربة ما ضرب في الإسلام أشأم منها،يعني ضربة ابن ملجم-لعنه اللّه-له.
قال:و في الأحزاب أنزل تعالى: «إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللّهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً» -إلى- «وَ كَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً» (1)
الاحزاب:10-25. [1]
فتوجّه العتب إليهم،و التوبيخ و التقريع،و لم ينج من ذلك أحد بالاتّفاق إلاّ أمير المؤمنين عليه السلام اذ كان الفتح له و على يديه،و كان قتله عليه السلام عمرا،و نوفل بن عبد اللّه سبب هزيمة المشركين.و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم1) 1)
بعد قتله عليه السلام هؤلاء:الآن نغزوهم و لا يغزونا.
قال:و قد روى يوسف بن كليب،عن سفيان بن زيد،عن قرة و غيره،عن عبد اللّه بن مسعود انه كان يقرأ «وَ كَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ» بعلى «وَ كانَ اللّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً» (1)
الأحزاب:25،و [1]لفظ المصحف«و كفى اللّه المؤمنين القتال و كان اللّه قويا عزيزا».
و في قتل عمرو بن عبد ود يقول حسّان بن ثابت:امسى الفتى عمرو بن عبد يبتغي بجنوب يثرب غارة لم تنظر
و لقد وجدت سيوفنا مشهورة و لقد وجدت جيادنا لم تقصر
و يقال:انه لمّا بلغ شعر حسّان،بني عامر أجابه فتى منهم.فقال:يردّ عليه في افتخاره بالأنصار:
كذبتم و بيت اللّه لا تقتلوننا و لكن بسيف الهاشميين فافخروا
بسيف ابن عبد اللّه أحمد في الوغى بكفّ علي نلتم ذاك فاقصروا
و لم تقتلوا عمرو بن عبد ببأسكم و لكنه الكفو الهزبر الغضنفر
علي الّذي في الفخر طال بناؤه و لا تكثروا الدعوى علينا فتحقروا
ببدر خرجتم للبراز فردّكم شيوخ قريش جهرة و تأخّروا
إلى أن قال:
فجال علي جولة هاشمية فدمّرهم لمّا عتوا و تكبّروا
فليس لكم فخر علينا بغيرنا و ليس لكم فخر يعدّ و يذكر
و قالت اخته:
فاذهب علي فما ظفرت بمثله قول سديد ليس فيه تحامل
و الثأر عندي يا علي فليتني أدركته و العقل منّي كامل
ذلّت قريش بعد مقتل فارس فالذّلّ مهلكها و خزي شامل
ثم قالت:و اللّه لا ثارت قريش بأخي ما حنّت النيب.
1) 1)
قال:و لما انهزم الأحزاب،و ولّوا عن المسلمين الدبر،عمد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على قصد بني قريظة،و أنفذ إليهم أمير المؤمنين عليه السلام في ثلاثين من الخزرج -إلى أن قال-قال عليه السلام:و سرت حتى دنوت من سورهم.فاشرفوا علي.فلمّا رأوني صاح صائح منهم قد جاءكم قاتل عمرو،و قال آخر:قد أقبل إليكم قاتل عمرو،و جعل بعضهم يصيح ببعض و يقولون ذلك،و ألقى اللّه في قلوبهم الرعب،و سمعت راجزا يرتجز:
قتل علي عمرا صاد علي صقرا
قصم علي ظهرا أبرم علي أمرا
هتك علي سرّا
فقلت:الحمد للّه الّذي أظهر الإسلام،و قمع الشرك-إلى أن قال-فأقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حاصرا لهم خمسا و عشرين حتّى سألوه النزول على حكم سعد ابن معاذ،فحكم بقتل الرجال،و سبي الذراري و النساء،و قسمة الاموال.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:
«لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة»و أمر بإنزال الرجال منهم، و كانوا تسعمائة،فجيء بهم الى المدينة،و قسّم الاموال،و استرق الذراري و النسوان،و لما جيء بالاسارى إلى المدينة حبسوا في دار من دور بني النجار،و خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى موضع سوق اليوم فخندق فيه خنادق، و حضر أمير المؤمنين عليه السلام،و أمر بهم أن يخرجوا،و تقدم إلى أمير المؤمنين عليه السلام أن يضرب أعناقهم في الخندق،فاخرجوا أرسالا،و فيهم حيّ بن أخطب،و كعب بن أسد،و هما اذ ذاك رئيسا القوم-إلى أن قال-:
ثم اقيم حيّ بن أخطب بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام و هو يقول:قتلة شريفة بيد شريف فقال عليه السلام:إنّ خيار الناس يقتلون شرارهم،و شرارهم
يقتلون خيارهم،فالويل لمن قتله الأشراف الأخيار،و السعادة لمن قتله الارذال الكفار.فقال:صدقت،لا تسلبني حلّتي.فقال عليه السلام:هي أهون علي من ذاك.فقال:سترتني سترك اللّه،و مدّ عنقه فضربها علي عليه السلام،و لم يسلبه من بينهم قال:و كان الظفر ببني قريظة،و فتح اللّه على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بأمير المؤمنين عليه السلام و ما كان من قتله من قتل منهم و ما ألقاه اللّه-عزّ و جلّ-في قلوبهم من الرعب،و ماثلت هذه الفضيلة ما تقدمها من فضائله عليه السلام.
قال:و قد كان منه عليه السلام في غزوة وادي الرمل،و يقال:ذات السلسلة،ما حفظه العلماء،و دوّنه الفقهاء،و نقله أصحاب الآثار،و رواه نقلة الأخبار،ممّا ينضاف إلى مناقبه عليه السلام في الغزوات،و يماثل فضائله في الجهاد،أنّ أصحاب السير ذكروا أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان ذات يوم جالسا إذ جاء أعرأبي فجثا بين يديه،ثم قال:إنّي جئت لأنصحك.قوم من العرب قد عمدوا على أن يبيّتوك بالمدينة.و وصفهم له،فأمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالصلاة جامعة.فاجتمعوا فصعد المنبر و أثنى عليه ثم قال:«أيّها الناس!ان هذا عدوّ اللّه و عدوّكم قد أقبل إليكم يزعم أنّه يبيّتكم بالمدينة فمن للوادي؟»فقام رجل من المهاجرين،فقال:أنا.
فناوله اللواء،و ضمّ إليه سبعمائة رجل،و قال له:امض.فمضى فوافى القوم ضحوة.فقالوا:من الرجل؟قال:رسول للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم:إمّا أن تقولوا:لا إله الاّ اللّه،و أنّ محمّدا عبده و رسوله،أو لأضربنّكم بالسيف.قالوا له:إرجع إلى صاحبك فإنّا في جمع لا تقوم له.فرجع فأخبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بذلك،فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«من للوادي؟»فقام رجل آخر من المهاجرين فقال:أنا.فدفع إليه الراية و مضى و عاد لمثل ما عاد صاحبه الأوّل فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«أين علي بن أبي طالب؟»فقام عليه السلام فقال:أنا ذا قال:«امض الى الوادي»قال:نعم،و كانت له عصابة لا يعتصب بها حتى يبعثه في وجه شديد.فمضى الى منزل
فاطمة عليها السلام فالتمس العصابة منها،فقالت:أين تريد؟و أين بعثك أبي؟قال:إلى وادي الرمل.فبكت إشفاقا عليه.فدخل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هي على تلك الحال.فقال لها:«تبكين!أ تخافين أن يقتل بعلك؟!كلاّ-إن شاء اللّه تعالى-».
فقال علي عليه السلام للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:لا تنفس علي بالجنّة،ثم خرج و معه لواء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فمضى حتّى وافى القوم بسحر.فأقام حتّى أصبح ثمّ صلّى بأصحابه الغداة و صفّهم صفوفا،و اتّكأ على سيفه مقبلا على العدو.فقال:يا هؤلاء!أنا رسول رسول اللّه إليكم أن تقولوا لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا عبده و رسوله أو لأضربنّكم بالسيف.قالوا له:إرجع كما رجع صاحباك.قال:أنا لا أرجع.لا و اللّه حتّى تسلموا أو أضربكم بسيفي هذا،أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب.فاضطرب القوم لمّا عرفوه ثم اجترءوا على مواقعته.فواقعهم فقتل منهم ستّة أو سبعة،و انهزم المشركون و ظفر المسلمون و حازوا الغنائم،و توجّه عليه السلام إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
فروي عن ام سلمة قالت:كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قائلا في بيتي إذ انتبه فزعا من منامه فقلت له:اللّه جارك قال:صدقت،اللّه جاري،لكن هذا جبرئيل يخبرني انّ عليا قادم.ثم خرج إلى الناس فأمرهم أن يستقبلوا عليا عليه السلام.فقام المسلمون له صفّين مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فلما بصر عليه السلام بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ترجل عن فرسه و أهوى إلى قدميه يقبّلهما فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:اركب فإن اللّه تعالى و رسوله عنك راضيان،فبكى عليه السلام و تسلّم المسلمون الغنائم.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لبعض من كان معه في الجيش:كيف رأيتم أميركم؟قالوا:لم ننكر منه شيئا إلاّ أنّه لم يؤمّ بنا في صلاة إلاّ قرأ بنا فيها ب «قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ» فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:سأسأله عن ذلك.فلمّا جاءه قال له:لم لم تقرأ بهم في فرائضك إلاّ بسورة الإخلاص؟فقال عليه السلام:أحببتها.قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:فإنّ اللّه
قد أحبّك كما أحببتها.ثم قال له:يا علي!لو لا اشفق ان تقول فيك طوائف من امّتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمرّ بملأ منهم الاّ اخذوا التراب من تحت قدميك.
قال:فكان الفتح في هذه الغزاة لأمير المؤمنين عليه السلام خاصّة بعد ان كان من غيره فيها من الافساد ما كان،و اختصّ عليه السلام من مديح النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بها بفضائل لم يحصل منها شيء لغيره.
قال:و قد ذكر كثير من أصحاب السير أنّ في هذه الغزاة نزل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم «وَ الْعادِياتِ ضَبْحاً» (1)
العاديات:1. [1]
إلى آخر السورة فتضمنت ذكر الحال في ما فعله أمير المؤمنين عليه السلام فيها.قال:ثم كان من بلائه عليه السلام ببني المصطلق ما اشتهر عند العلماء،و كان الفتح له في هذه الغزاة بعد أن اصيب يومئذ ناس من بني عبد المطلب، و قتل عليه السلام رجلين من القوم و هما مالك و ابنه،و أصاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم منهم سبيا كثيرا و قسّمه في المسلمين،و كان ممّن اصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت حارث،فأعتقها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و جعلها في جملة ازواجه.
قال:ثم تلا ببني المصطلق الحديبيّة،و كان اللواء يومئذ إلى أمير المؤمنين عليه السلام كما كان إليه في المشاهد قبلها،و كان من بلائه في ذلك اليوم عند صفّ القوم في الحرب و القتال ما ظهر خبره،و استفاض ذكره، و ذلك بعد البيعة التي أخذها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على أصحابه و العهود اليهم في الصبر،و كان أمير المؤمنين عليه السلام المبايع للنساء عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و كانت بيعته لهن يومئذ أن طرح ثوبا بينهن و بينه ثم مسحه بيده فكانت مبايعتهن للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمسح الثوب،و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يمسح ثوب علي عليه السلام مما يليه،و لما
1) 1)
رأى سهيل بن عمرو توجه الأمر عليهم،ضرع إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الصلح، و نزل عليه الوحي بالاجابة إلى ذلك،و أن يجعل أمير المؤمنين عليه السلام كاتبه يومئذ و المتولي لعقد الصلح بخطه.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له عليه السلام:اكتب «بسم اللّه الرحمن الرحيم» فقال سهيل:و هذا الكتاب بيننا و بينك يا محمّد.فافتتحه بما نعرفه،و اكتب«باسمك اللهم»فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له:امح ما كتبت و اكتب «باسمك اللهم»فقال عليه السلام:لو لا طاعتك ما محوت «بسم اللّه الرحمن الرحيم» ثم محاها و كتب باسمك اللهم.
فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:اكتب«هذا ما قاضى عليه محمّد رسول اللّه سهيل بن عمرو»فقال سهيل:لو أجبتك في الكتاب الّذي بيننا إلى هذا لأقررت لك بالنبوّة فسواء شهدت على نفسي بالرضا بذلك أو أطلقته من لساني،امحّ هذا الاسم و اكتب:«هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد اللّه»فقال له علي عليه السلام:إنّه و اللّه رسول اللّه حقّا على رغم أنفك.فقال سهيل:اكتب اسمه يمضى الشرط فقال عليه السلام:ويلك يا سهيل كفّ عن عنادك.
فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لعلي عليه السلام:أمحها.فقال:إنّ يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوّة.قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:فضع يدي عليها.فمحاها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بيده و قال لعلي عليه السلام:«ستدعى إلى مثلها فتجيب و أنت على مضض»ثمّ تمّم الكتاب.و لمّا تمّ الصلح نحر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم هديه في مكانه فكان نظام تدبير هذه الغزاة متعلقا بأمير المؤمنين عليه السلام،و كان ما جرى فيها من البيعة،و صفّ الناس للحرب ثم الهدنة و الكتاب كلّه لأمير المؤمنين عليه السلام،و كان في ما هيّأه اللّه له من ذلك حقن الدماء،و صلاح أمر الإسلام.
قال:و قد روى الناس له عليه السلام في هذه الغزاة-بعد الّذي ذكرناه- فضيلتين اختص بهما و انضافتا إلى فضائله العظام،و مناقبه الجسام.
فروى إبراهيم بن عمر،عن رجاله،عن فائد مولى عبد اللّه بن سالم قال:
لمّا خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في غزوة الحديبية نزل الجحفة،فلم يجد فيها ماء،فبعث سعد بن مالك بالروايا حتى اذا كان غير بعيد رجع و قال:ما أستطيع أن أمضي لقد وقفت قدماي رعبا من القوم.فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:اجلس،ثم بعث آخر.
فخرج بها حتى إذا كان بالمكان الذي انتهى إليه الاوّل رجع،فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم رجعت؟قال:و الّذي بعثك بالحق نبيّا ما استطعت أن أمضى رعبا،فدعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمير المؤمنين عليه السلام فارسله بها،و خرج السقاة،و هم لا يشكّون في رجوعه لما رأوا من جزع من تقدمه.فخرج عليه السلام بالروايات حتى ورد الحرار و استقى.ثم أقبل بها إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لها زجل،فلما دخل كبّر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و دعا له بخير.
قال:و في هذه الغزاة أقبل سهيل بن عمرو إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال:يا محمّد إنّ أرقّائنا لحقوا بك فارددهم علينا،فغضب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى تبين الغضب في وجهه ثم قال:لتنتهينّ يا معشر قريش أو ليبعثنّ اللّه عليكم رجلا امتحن اللّه قلبه بالايمان يضرب رقابكم على الدين.
فقال بعض من حضر:أبو بكر ذلك الرجل؟قال:لا،قال:فعمر؟قال:لا.
و لكنّه خاصف النعل في الحجرة،فتبادر الناس الى الحجرة ينظرون من الرجل.فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام.
قال:و قد روى هذا الحديث جماعة عن أمير المؤمنين عليه السلام،و قالوا فيه:
إنّ عليا عليه السلام قصّ هذه القصة ثم قال:سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول«من كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار»و كان الّذي أصلحه عليه السلام من نعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم شسعها فإنّه كان انقطع فخصف موضعه و أصلحه.
قال:ثم تلت الحديبية خيبر و كان الفتح فيها لأمير المؤمنين عليه السلام بلا
ارتياب،و ظهر من فضله في هذه الغزاة ما أجمع على نقله الرواة،و تفرد عليه السلام فيها من المناقب بما لم يشركه فيها أحد من الناس.فروى محمّد بن يحيى الأزدي عن مسعدة بن اليسع،و عبد اللّه بن عبد الرحيم عن عبد الملك بن هشام و محمّد بن إسحاق،و غيرهما من أصحاب الآثار،قالوا:حاصر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خيبر بضعا و عشرين ليلة،و كانت الراية يومئذ لأمير المؤمنين عليه السلام.فلحقه رمد فمنعه من الحرب و كان المسلمون يناوشون اليهود من بين أيدي حصونهم،و جنباتها،فلما كان ذات يوم فتحوا الباب و كانوا خندقوا على أنفسهم خندقا،و خرج مرحب برجله يتعرض للحرب.فدعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أبا بكر.
فقال له:خذ الراية.فأخذها في جمع من المهاجرين فلم يغن شيئا،فعاد يؤنّب القوم الّذين اتبعوه و يؤنّبونه،فلما كان من الغد تعرّض لها عمر فسار بها غير بعيد ثم رجع يجبّن أصحابه و يجبّنونه فقال:ليست هذه الراية لمن حملها جيئوني بعلي بن أبي طالب.فقيل له:انه ارمد قال:ارونيه تروني رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله يأخذها بحقّها ليس بفرّار فجاءوا بعليّ عليه السلام يقودونه إليه فقال له:ما تشتكي؟قال:رمد ما ابصر معه،و صداع برأسي.
فقال له عليه السلام:اجلس وضع رأسك على فخذي ففعل عليه السلام ذلك.فدعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فتفل في يده فمسح بها على عينه و رأسه.فانفتحت عيناه،و سكن ما يجده من الصداع و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم في دعائه له:اللهمّ قه الحر و البرد،و أعطاه الراية و كانت راية بيضاء و قال:خذها و امض بها فجبرئيل معك،و النصر أمامك،و الرعب مبثوث في صدور القوم،و اعلم انهم يجدون في كتابهم أنّ الّذي يدمّر عليهم،اسمه إيليا فإذا لقيتهم فقل:أنا علي فإنّهم يخذلون إن شاء اللّه تعالى قال عليه السلام:فمضيت بها حتّى أتيت الحصن فخرج مرحب،و عليه مغفر و حجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه،و هو يرتجز و يقول:
قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب
فقلت:
أنا الذي سمتني امّي حيدرة كليث غابات شديد قسورة
اكيلكم بالسيف كيل السندرة
و اختلفنا ضربتين فبدرته و ضربته.فقددت الحجر و المغفر و رأسه حتّى وقع السيف في أضراسه فخرّ صريعا.
قال:و جاء في الحديث انّه عليه السلام لما قال:أنا علي بن أبي طالب قال حبر من أحبارهم:غلبتم و ما انزل على موسى.فدخل على قلوبهم من الرعب ما لم يمكنهم معه الاستيطان به،و لما قتل عليه السلام مرحبا رجع من كان معه و أغلقوا باب الحصن عليهم دونه عليه السلام،فصار إليه،فعالجه حتّى فتحه و أكثر الناس من جانب الخندق لم يعبروا معه،فأخذ عليه السلام باب الحصن،فجعله على الخندق جسرا لهم حتّى عبروا،فظفروا بالحصن و نالوا الغنائم،فلمّا انصرفوا من الحصن أخذ الباب بيمناه.فدحا به اذرعا من الأرض و كان الباب يغلقه عشرون رجلا،و لما فتح عليه السلام الحصن،و قتل مرحبا،و أغنم اللّه المسلمين أموالهم استأذن حسّان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يقول فيه عليه السلام شعرا فقال له:قل، فانشأ يقول:
و كان علي أرمد العين يبتغي دواء فلما لم يحسّ مداويا
شفاه رسول اللّه منه بتفلة فبورك مرقيا و بورك راقيا
و قال ساعطي الراية اليوم صارما كميّا محبّا للرسول مواليا
يحبّ إلهي و الإله يحبّه به يفتح اللّه الحصون الأوابيا
فأصفى بها دون البرية كلها عليّا و سمّاه الوزير المؤاخيا (1)
هذا تلخيص كلام المفيد في الارشاد:38-67. [1]
1) 1)
قلت:و لبروز تلك القوة الإلهية منه عليه السلام في خيبر ضلّ فيه جمع.فزعموا إلهيته.قال شاعرهم:
إنّما خالق الخلائق من زع زع أركان خيبر جذبا
قد رضينا به إلها و سجد ناله مولى و ربّا
قال:ثم تلا غزاة خيبر مواقف لم تجر مجرى ما تقدمها فنعمد لذكرها و أكثرها كان بعوثا لم يشهدها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و لا كان الاهتمام بها كالاهتمام بما سلف لضعف العدو،و غناء بعض المسلمين عن غيرهم فيها فأضربنا عن تعدادها و ان كان لأمير المؤمنين عليه السلام في جميعها حظ وافر من قول او عمل.
قال:ثم كانت غزوة الفتح،و هي التي وطّدت أمر الإسلام،و مهّدت الدين بما منّ اللّه سبحانه على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيها،و كان الوعد بها تقدم في قوله تعالى «إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْواجاً» (1)
النصر:1-2. [1]
و قوله -عزّ و جلّ-قبلها بمدة طويلة «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ» (2)و كانت الاعين اليها ممتدة، و الرقاب إليها متطاولة،و دبّر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الأمر فيها بكتمان مسيره إلى مكّة، و سرّ عزيمته عن مراده بأهلها،و سأل اللّه تعالى أن يطوي خبره عن أهلها حتى يبغتهم بدخولها،و كان المؤتمن على هذا السرّ من بين الجماعة أمير المؤمنين عليه السلام،و كان الشريك للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الرأي ثم أنماه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى جماعة بعد،و استتبّ الأمر فيه على أحوال كان أمير المؤمنين عليه السلام في جميعها متفرّدا من الفضل بما لم يشركه فيه غيره من الناس.قال:فمن ذلك أنه لمّا كتب حاطب بن أبي بلتعة و كان من أهل مكّة،و قد شهد بدرا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كتابا إلى أهل مكّة يطلعهم على سرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في المسير إليهم.فجاء الوحي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بما صنع،و بنفوذ كتاب حاطب إلى القوم،تلافى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذلك بأمير المؤمنين عليه السلام،و لو لم يتلافه به لفسد التدبير الّذي بتمامه كان نصر المسلمين.
قال:و لما دخل أبو سفيان المدينة لتجديد العهد بينه و بين قريش عند ما كان من بني بكر في خزاعة،و قتلهم من قتلوا منها فقصد أبو سفيان ليتلافى الفارط من القوم،و قد خاف من نصرة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لهم،و أشفق مما حلّ بهم يوم الفتح فأتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و كلّمه في ذلك.فلم يردّ عليه جوابا.فقام من عنده فلقيه أبو بكر فتشبث به،فظن انه يوصله إلى بغيته من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
فقال:ما أنا بفاعل ذلك لعلمه بأنّ سؤاله في ذلك لا يغني شيئا.فظنّ أبو سفيان بعمر ما ظنه بأبي بكر فكلّمه في ذلك.فدفعه بغلظة و فظاظة كاد أن يفسد الرأي على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فعدل إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام فاستأذن عليه فأذن له و عنده فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام.فقال له:إنّك امسّ القوم بي رحما، و أقربهم منّي قرابة.فلا ارجعن كما جئت خائبا اشفع لى في ما قصدته.فقال له عليه السلام:و يحك يا أبا سفيان!لقد عزم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على أمر لا نستطيع أن نكلّمه فيه.
فالتفت أبو سفيان إلى فاطمة عليها السلام فقال:يا بنت محمد!هل لك أن تأمري ابنيك أن يجيرا بين الناس.فيكونا سيدي العرب إلى آخر الدهر.فقالت:ما بلغ بنيّاي أن يجيرا بين الناس،و ما يجير أحد على رسول اللّه،فتحيّر أبو سفيان و سقط في يديه.
ثم أقبل على أمير المؤمنين فقال له:أرى الامور التبست علي فانصح لي
فقال عليه السلام له:ما أرى شيئا يغني عنك و لكنّك سيّد بني كنانة،قم و اجر بين الناس ثم الحق بارضك.قال:فترى ذلك مغنيا عنّي شيئا قال:لا و اللّه،ما أظن و لكن ما أجد غير ذلك.
فقام أبو سفيان في المسجد.فقال:أيّها الناس!إنّي قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره و انطلق فلمّا قدم على قريش قالوا:ما وراءك؟قال:جئت محمّدا فكلّمته فو اللّه ما ردّ علي شيئا،ثم جئت ابن أبي قحافة،فلم أجد فيه خيرا،ثم لقيت ابن الخطاب فوجدته فظّا غليظا لا خير فيه،ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم لي،و أشار علي بشيء فصنعته.فو اللّه ما أدرى يغني عنّي شيئا أم لا.
قالوا:بما أمرك؟قال:أمرني أن اجير بين الناس ففعلت.فقالوا:هل أجاز ذلك محمّد قال:لا.قالوا:ويلك فو اللّه ما زاد الرجل على أن لعب بك،فما يغني عنك.
فقال أبو سفيان:لا.و اللّه ما وجدت غير ذلك،و كان الّذي فعله أمير المؤمنين عليه السلام من أصوب رأى لتمام أمر المسلمين،و أصحّ تدبير،و تمّ به للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله في القوم ما تم،ألا ترى أنه عليه السلام صدق أبا سفيان عن الحال ثم لان له بعض اللين حتّى خرج عن المدينة،و هو يظنّ أنّه على شيء فانقطع بخروجه على تلك الحال موادّ كيده الّتي كان يتشعث بها الأمر على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و ذلك انّه لو خرج آيسا حسب ما آيسه الرجلان لتجدد للقوم من الرأي في حربه عليه السلام،و التحرز منه ما لم يخطر لهم ببال مع مجيء أبي سفيان إليهم بما جاء اذ كان يقيم بالمدينة على التمحّل لتمام مراده بالاستشفاع إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيتجدّد بذلك أمر يصدّه عن قصد قريش أو يثبّطه عنهم تثبيطا يفوته معه المراد،و كان التوفيق من اللّه تعالى لرأي أمير المؤمنين عليه السلام في ما رآه من تدبير الأمر مع أبي سفيان حتّى انتظم بذلك للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من فتح مكّة ما أراد.
قال:و لمّا أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم سعد بن عبادة بدخول مكّة بالراية غلظ على القوم و أظهر ما في نفسه من الحنق عليهم،فدخل و هو يقول«اليوم يوم الملحمة.اليوم تسبى الحرمة»فسمعها العباس.فقال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم:أما تسمع ما يقول سعد بن عبادة،و إنّي لا آمن أن يكون له في قريش صولة.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأمير المؤمنين عليه السلام أدرك سعدا فخذ الراية منه،و كن أنت الّذي تدخل بها مكّة.فأدركه عليه السلام فأخذها منه و لم يمتنع عليه سعد من دفعها إليه، و كان تلافي الفارط من سعد في هذا الأمر بأمير المؤمنين عليه السلام،و لم ير النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أحدا من المهاجرين و الأنصار يصلح لأخذ الراية من سيد الأنصار سواه عليه السلام،و علم أنّه لو رام ذلك غيره لامتنع سعد عليه،و كان في امتناعه فساد التدبير و اختلاف الكملة بين الأنصار و المهاجرين،و لمّا لم يكن سعد يخفض جناحه لأحد من المسلمين و كافة الناس سوى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و لم يكن وجه الرأي توليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخذ الراية منه بنفسه،ولّى ذلك من يقوم مقامه و لا يتميز عنه،و لا يعظم أحد من المقرين بالملة عن الطاعة له،و لا يراه دونه في الرتبة،و في هذا من الفضل الّذي يخصّصه بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما لم يشركه فيه أحد،و لا ساواه في نظير له مساو،و كان علم اللّه تعالى و رسوله في تمام المصلحة بإنفاذ أمير المؤمنين عليه السلام دون غيره ما كشف به عن اصطفائه لجسيم الامور،كما كان علم اللّه تعالى في من اختاره للنبوّة،و كمال المصلحة ببعثه،كاشفا عن كونه أفضل الخلق أجمعين.
ثم ذكر فتح مكّة و ما وقع و قال:و في ما ذكرنا من أعمال أمير المؤمنين عليه السلام في قتل من قتل من أعداء اللّه بمكّة،و إخافة من أخاف، و معونته النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على تطهير المسجد من الأصنام،و شدّة بأسه في اللّه، و قطعه الأرحام في اللّه-عزّ و جلّ-أدلّ دليل على تخصيصه من الفضل بما لم
يكن لأحد منهم سهم فيه حسبما قدّمناه.
قال:ثم اتّصل بفتح مكّة إنفاذ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ابن عامر-و كانوا بالغميصاء-يدعوهم إلى اللّه،و إنّما أنفذه للترة التي كانت بينه و بينهم،و ذلك أنّهم كانوا أصابوا في الجاهلية نسوة من بني المغيرة،و قتلوا الفاكه بن المغيرة عم خالد بن الوليد،و قتلوا عوفا أبا عبد الرحمن بن عوف.فأنفذه لذلك،و أنفذ معه عبد الرحمن بن عوف للترة الّتي كانت بينه و بينهم،و لو لا ذلك لما رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خالدا أهلا للامارة على المسلمين،و كان من أمره ما قدّم ذكره،فخالف عهد اللّه،و عهد رسوله،و عمل فيه على سنّة الجاهلية،و اطّرح حكم الإسلام وراء ظهره فبرأ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من صنيعه،و تلافى فارطه بأمير المؤمنين عليه السلام (1)
هذا تلخيص كلام المفيد في الارشاد:68-73. [1]
.قلت:و في(تاريخ أحمد بن أبي يعقوب)لمّا أصلح علي عليه السلام ما أفسده خالد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:لما فعلت أحبّ إليّ من حمر النعم،و يومئذ قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لعلي عليه السلام:فداك أبواى (2).
و في(الطبري):بعثه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم داعيا و لم يبعثه مقاتلا،فلمّا رأوا خالدا أخذوا السلاح فقال لهم:ضعوا السلاح فإنّ الناس قد أسلموا.فلمّا وضعوه أمر بهم فكتفوا ثم عرضهم على السيف (3).
ثم ذكر(إرشاد المفيد)بعد ما مر،غزوة حنين و قال:خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في عشرة آلاف،و أعجب أبا بكر الكثرة يومئذ فقال:«لن نغلب اليوم من قلة» و كان الأمر في ذلك بخلاف ما ظن،و في ذلك أنزل تعالى: «وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ»
«أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» (1)
التوبة:25-26. [1]
يعني أمير المؤمنين عليه السلام و من ثبت معه من بني هاشم و هم يومئذ ثمانية.قال:فانظر الى مناقب أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الغزاة،و تأملها،و فكّر في معانيها تجده عليه السلام قد تولّى كل فضل كان فيها،و اختصّ من ذلك بما لم يشركه فيه أحد من الامة،و ذلك أنّ أمير المؤمنين عليه السلام ثبت مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عند انهزام الناس كافة الاّ النفر الّذين كان ثبوتهم بثبوته عليه السلام،و ذلك أنّا قد احطنا علما بتقدمه في الشجاعة و البأس،و الصبر و النجدة،على العباس و ابنه الفضل،و أبي سفيان بن الحرث،و النفر الباقين لظهور أمره في المقامات الّتي لم يحضرها أحد منهم،و اشتهار خبره في منازلة الأقران،و قتل الأبطال،و لم يعرف لأحد من هؤلاء مقام من مقاماته،و لا قتيل عزي إليهم بالذكر،فعلم بذلك أنّ ثبوتهم كان به عليه السلام،و لو لاه كانت الجناية على الدين لا تتلافى،و أنّ بمقامه ذلك المقام،و صبره مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان رجوع المسلمين إلى الحرب، و تشجعهم في لقاء العدو.
ثم ما كان من قتله عليه السلام أبا جرول متقدم المشركين ما كان هو السبب في هزيمة القوم و ظفر المسلمين بهم.
و كان من بلية المتقدم عليه في مقام الخلافة بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ان عان المسلمين باعجابه بالكثرة،و كانت هزيمتهم بسبب ذلك أو كان أحد اسبابها.
ثم ما كان من صاحبه-أي عمر-من قتل الاسرى من القوم،و قد نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن قتلهم،ما ارتكب به عظيم الخلاف للّه تعالى و لرسوله حتى أغضبه ذلك،و آسفه فأنكره و أكبره،و كان من صلاح أمر الأنصار بمعونة
1) 1)
أمير المؤمنين عليه السلام للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في جمعهم و خطابهم ما قوي به الدين،و زال به الخوف من الفتنة التي أظلّت القوم بسبب القسمة.فساهم أمير المؤمنين عليه السلام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في فضل ذلك،و شركه فيه دون من سواه، و تولّى من أمر العباس ابن مرداس ما كان سبب استقرار الإيمان في قلبه و زوال الريب في الدين من نفسه،و الانقياد إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الطاعة لأمره، و الرضا بحكمه.
ثم جعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الحكم على المعترض في قضائه علما على حق أمير المؤمنين عليه السلام في فعاله،و صوابه في حروبه،و نبّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم على وجوب طاعته صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و حظر معصيته،و أنّ الحق في حيّزه و جنبه،و شهد له بأنّه خير الخليقة،و هذا يباين ما كان من خصومة الغاصبين لمقامه من الفعال، و يضادّ ما كانوا عليه من الأعمال،و يخرجهم من الفضل الى النقص الذي يوبق صاحبه أو يكاد،فضلا عن سموّه على أعمال المخلصين في تلك الغزاة، و قربهم بالجهاد الذي تولّوه،فبانوا به ممّن ذكرناه بالتقصير الّذي وصفناه.
قال:و لما فضّ اللّه جمع المشركين بحنين تفرقوا فرقتين.فأخذت الأعراب و من تبعهم إلى أوطاس،و أخذت ثقيف و من تبعها إلى الطائف-إلى أن قال-:
ثم سار النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنفسه الى الطائف فحاصرهم أيّاما،ثم أنفذ أمير المؤمنين عليه السلام في خيل و أمره ان يطأ ما وجد،و يكسر كلّ صنم وجده، فخرج حتّى لقيته خيل خثعم في جمع كثير.فبرز لهم رجل من القوم يقال له شهاب في غبش الصبح فقال له:هل من مبارز فقال عليه السلام:من له؟فلم يقم اليه أحد فبرز عليه السلام إليه و هو يقول:
ان على كلّ رئيس حقا أن يروى الصعدة او تدقّا
ثم ضربه فقتله،و مضى في تلك الخيل حتى كسر الأصنام،و عاد إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو محاصر أهل الطائف.فلمّا رآه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كبّر للفتح،و أخذ بيده فخلابه،و ناجاه طويلا.
فروى عبد الرحمن بن سيابة،و الأجلح جميعا عن أبي الزبير عن جابر الأنصاري أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا خلا بعلي عليه السلام يوم الطائف أتاه عمر بن الخطاب.فقال:أ تناجيه دوننا و تخلو به فقال:يا عمر!ما أنا انتجيته،بل اللّه انتجاه،فأعرض عمر و هو يقول:هذا كما قلت لنا قبل الحديبية:لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللّه آمنين.فلم ندخله و صدّونا.فناداه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:لم أقل لكم إنّكم تدخلونه في ذلك العام،ثم خرج من حصن الطائف نافع بن غيلان في خيل من ثقيف فلقيه أمير المؤمنين ببطن وجّ فقتله،و انهزم المشركون، و لحق القوم الرعب.فنزل جماعة منهم الى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأسلموا.و كان حصار النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الطائف بضعة عشر يوما،و هذه الغزاة أيضا ممّا خصّ اللّه سبحانه فيها أمير المؤمنين عليه السلام بما انفرد به من كافة الناس،و كان الفتح فيها على يده و قتل من قتل من خثعم،به دون من سواه،و حصل له من المناجاة الّتي أضافها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى اللّه-عزّ اسمه-ما ظهر به من فضله، و خصوصيته من اللّه تعالى بما بان به من كافة الخلق،و كان من عدوّه فيها ما دلّ على باطنه،و كشف اللّه عن حقيقة سرّه و ضميره،و في ذلك عبرة لاولي الألباب.
قال:ثم كانت غزوة تبوك فأوحى اللّه-عزّ اسمه-إلى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ان يسير إليها بنفسه،و يستنفر الناس للخروج،و أعلمه أنّه لا يحتاج فيها إلى حرب،و لا يمنى بقتال عدوّ،و أنّ الامور تنقاد له بغير سيف،و تعبّده بامتحان أصحابه بالخروج معه و اختبارهم ليتميزوا بذلك،و تظهر به سرائرهم،
فاستنفرهم الى بلاد الروم،و قد أينعت ثمارهم،و اشتد القيظ عليهم.فأبطأ أكثرهم عن طاعته رغبة في العاجل،و حرصا على المعيشة و إصلاحها، و خوفا من شدة القيظ و بعد المسافة،و لقاء العدو.ثم نهض بعضهم على استثقال و تخلّف آخرون،و لمّا أراد الخروج استخلف أمير المؤمنين عليه السلام في أهله و ولده و أزواجه و مهاجره و قال له:إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك.
و ذلك أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم علم من خبث نيات الأعراب،و كثير من أهل مكّة، و من حولها ممّن غزاهم،و سفك دماءهم.فأشفق أن يطلبوا المدينة عند نأيه عنها،و حصوله ببلاد الروم أو نحوها،فمتى لم يكن فيها من يقوم مقامه لم يؤمن معرّتهم،و ايقاع الفساد في دار هجرته،و التخطّي إلى ما يشين أهله و مخلّفيه،و علم أنّه لا يقوم مقامه في ارهاب العدو و حراسة دار الهجرة، و حياطة من فيها إلاّ أمير المؤمنين عليه السلام،فاستخلفه استخلافا ظاهرا،و نصّ عليه بالإمامة نصّا جليا.
و ذلك في ما تظاهرت به الرواية أنّ أهل النفاق لمّا علموا باستخلاف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له عليه السلام على المدينة حسدوه لذلك،و عظم عليهم مقامه فيها بعد خروجه،و علموا أنّها تتحرّس به،و لا يكون فيها للعدوّ مطمع.فساءهم ذلك و كانوا يؤثرون خروجه معه لما يرجونه من وقوع الإفساد،و الاختلاط عند نأي النبي صلّى اللّه عليه و آله،و خلّوها من مرهوب مخوف يحرسها،و غبطوه على الرفاهية و الدعة بمقامه في أهله،و تكلّف من خرج منهم المشاق بالسفر و الخطر، فأرجفوا بأمير المؤمنين عليه السلام و قالوا:لم يستخلفه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إكراما له و إجلالا و مودّة،و انّما خلّفه استثقالا له.فبهتوه بهذا الإرجاف كبهت قريش للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالجنّة تارة،و بالشعر اخرى،و بالسحر مرة،و بالكهانة اخرى، و هم يعلمون ضدّ ذلك و نقيضه كما علم المنافقون ضدّ ما أرجفوا به على
أمير المؤمنين و خلافه،و أنّه كان أخصّ الناس به،و أحبّ الناس إليه، و أسعدهم عنده،و أحظاهم و أقضاهم لديه،فلمّا بلغه عليه السلام إرجاف المنافقين به أراد تكذيبهم،و اظهار فضيحتهم،فلحق بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال:إنّ المنافقين يزعمون انّك إنّما خلّفتني استثقالا لي و مقتا.فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله:«إرجع يا أخي إلى مكانك،فإنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك،فأنت خليفتي في أهل بيتي و دار هجرتي و قومي،أما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبيّ بعدي».
فتضمن هذا القول من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نصه على أمير المؤمنين بالإمامة، و إبانته من الكافة بالخلافة،و دلّ به على فضل لم يشركه فيه أحد سواه، و أوجب له به جميع منازل هارون من موسى إلاّ المستثنى منها لفظا و عقلا.
و قد علم كل من تأمل معانى القرآن،و تصفّح الروايات و الأخبار أنّ هارون كان أخا موسى عليه السلام لأبيه و امّه و شريكه،و وزيره على نبوّته،و تبليغ رسالات ربّه،و أنّ اللّه سبحانه شدّ به أزره،و أنّه كان خليفته على قومه، و كان له من الإمامة عليهم و فرض الطاعة،كامامته و فرض طاعته،و أنّه كان أحبّ قومه إليه،و أفضلهم لديه قال عزّ و جلّ حاكيا عن موسى «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَ» (1)
طه طه:25-34. [1]
.فأجاب اللّه مسألته و أعطاه سؤله في ذلك و امنيته حيث يقول عزّ و جلّ: «قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى» (2)و قال تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام «وَ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي»«وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» (1)
الاعراف:142. [1]
.فلمّا جعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليا عليه السلام منه بمنزلة هارون من موسى أوجب له بذلك جميع ما عددناه إلاّ ما خصّه العرف من الاخوة،و استثناه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لفظا من النبوّة،و هذه فضيلة لم يشرك فيها أحد من الخلق أمير المؤمنين عليه السلام،و لا ساواه في معناه و لا قاربه فيها على حال،و لو علم اللّه تعالى أنّ لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في هذه الغزاة حاجة إلى الحرب لما أذن له في تخليفه عنه بالمدينة حسب ما قدّمناه،بل علم أنّ المصلحة في استخلافه،و أنّ إقامته في دار هجرته مقامه أفضل الأعمال فدبّر اللّه تعالى الخلق و الدين بما قضاه في ذلك،و امضاه على ما بيّناه و شرحناه.
قال:و لما انصرف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من تبوك قدم عليه عمرو بن معديكرب.
فآمن به و آمن معه من قومه ناس،و رجعوا إلى قومهم ثم انّ عمرا نظر إلى ابيّ ابن عثعث الخثعمي فأخذ برقبته ثم جاء به إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال:أعدني على هذا الفاجر الذي قتل أبي.
فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«أهدر الإسلام ما كان في الجاهلية»فانصرف عمرو مرتدّا فأغار على قوم من بني الحرث بن كعب،و مضى إلى قومه،فاستدعى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمير المؤمنين عليه السلام،و أمّره على المهاجرين،و أنفذه إلى بني زبيد، و أرسل خالد بن الوليد في طائفة من الأعراب،و أمره أن يعمد لجعفي،و إذا التقيا فأمير الناس علي عليه السلام فسار أمير المؤمنين عليه السلام،و استعمل على مقدمته خالد بن سعيد بن العاص،و استعمل خالد على مقدمته أبا موسى الأشعري.
فأمّا جعفى فإنّها لما سمعت بالجيش افترقت فرقتين،فذهبت فرقة الى اليمن، و انضمّت الفرقة الاخرى إلى بني زبيد.فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام:فكتب إلى
1) 1)
خالد بن الوليد أن قف حيث أدركك رسولي.فلم يقف.فكتب إلى خالد بن سعيد تعرّض له حتّى تحبسه،فاعترض له حتّى حبسه،و أدركه أمير المؤمنين عليه السلام.
فعنّفه على خلافه.ثمّ سار حتّى لقي بني زبيد بواد يقال له كسر.
فلما رآه بنو زبيد قالوا لعمرو:كيف أنت إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الأتاوة قال:سيعلم إن لقيني،و خرج عمرو فقال:من يبارز فنهض أمير المؤمنين عليه السلام إليه.فصاح به صيحة،فانهزم عمرو و قتل اخوه،و ابن أخيه،و اخذت امرأته ركانة بنت سلامة،و سبي منهم نسوان،و انصرف أمير المؤمنين عليه السلام و خلّف عليهم خالد بن سعيد ليقبض صدقاتهم،و يؤمّن من عاد إليه من هرّابهم مسلما.
فرجع عمرو و استأذن على خالد،فأذن له.فعاد إلى الإسلام،فكلّمه في امرأته و ولده.فوهبهم له،و قد كان عمرو لمّا وقف بباب خالد،وجد جزورا قد نحرت فجمع قوائمها فضربها بسيفه فقطعها جميعا و كان يسمّى سيفه الصمصامة فوهبه لخالد.
قال:و كان أمير المؤمنين عليه السلام قد اصطفى من السبي جارية فبعث خالد بن الوليد بريدة الأسلمي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال له:تقدم الجيش إليه.فأعلمه بما فعل علي من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه،وقع فيه،فسار بريدة حتى انتهى إلى باب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فلقيه عمر.فسأله عن حال غزوتهم،و عن الّذي أقدمه.فأخبره أنّه إنّما جاء ليقع في علي و ذكر له اصطفاء الجارية من الخمس لنفسه.فقال له عمر:امض لما جئت له فإنه سيغضب لابنته ممّا صنع علي.فدخل بريدة على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و معه كتاب من خالد بن الوليد بما ارسل به بريدة.فجعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقرأه و وجهه يتغيّر.فقال له بريدة:انّك إن رخّصت للناس في مثل هذا اذهب فيئهم.
فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:و يحك يا بريدة احدثت نفاقا.إنّ عليّا يحلّ له من الفيء ما يحلّ لي،انّ عليّا خير الناس لك و لقومك،و خير من أخلّف من بعدي لكافة امّتي،يا بريدة احذر أن تبغض عليّا فيبغضك اللّه.قال بريدة:فتمنيت أنّ الأرض انشقت لي فسخت فيها،و قلت:أعوذ باللّه من سخط اللّه،و سخط رسوله،يا رسول اللّه استغفر لي،فلن ابغض عليا أبدا،و لا أقول فيه إلاّ خيرا، فاستغفر له.
قال:و في هذه الغزاة من المنقبة له عليه السلام ما لا يماثلها منقبة لأحد سواه و الفتح فيها كان على يديه عليه السلام خاصّة،و ظهر من فضل أمير المؤمنين عليه السلام و مشاركته للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ما احلّ اللّه له من الفيء و اختصاصه من ذلك بما لم يكن لغيره من الناس،و بان من مودّة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له و تفضيله إيّاه ما كان خفيا على من لا علم له بذلك،و كان من تحذير النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بريدة و غيره من بغضه و عداوته و حثّه له على مودّته و ولايته و ردّ كيد أعدائه في نحورهم ما دلّ على أنّه افضل البريّة عند اللّه تعالى و عند النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.و أحقهم بمقامه بعده و أخصّهم به في نفسه و آثرهم عنده (1)
هذا تلخيص كلام المفيد في الارشاد:74-86. [1]
.قال:فمن ذلك أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم جمع خاصّة أهله و عشيرته في ابتداء الدعوة إلى الإسلام فعرض عليهم الإيمان،و استنصرهم على أهل الكفر و العدوان،و ضمن لهم على ذلك الحظوة في الدنيا و الشرف و ثواب الجنان، فلم يجبه أحد منهم إلاّ أمير المؤمنين.فنحله بذلك تحقيق الاخوة و الوزارة و الوراثة و الخلافة،و أوجب له به الجنة،و ذلك في حديث الدار الّذي أجمع على صحّته نقّاد الآثار حين جمع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بني عبد المطّلب في دار أبي طالب و هم أربعون رجلا يومئذ يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا-في ما ذكره
1) 1)
الرواة-و أمر أن يصنع لهم طعام،فخذ شاة مع مدّ من برّ،و ان يعدّ لهم صاع من اللبن،و قد كان الرجل منهم معروفا بأكل الجذعة في مقام واحد،و بشرب الفرق من الشراب في ذلك المقعد،فأراد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بإعداد قليل الطعام و الشراب لجماعتهم إظهار الآية في شبعهم و ريّهم ممّا كان لا يشبع واحدا منهم و لا يرويه،ثمّ أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بتقديمه لهم.فأكلت الجماعة كلها من ذلك اليسير حتى تملّوا منه،و لم يبن ما أكلوه منه و شربوا،فبهرهم بذلك،و بيّن لهم آية نبوّته،و علامة صدقه ببرهان اللّه تعالى.
ثم قال لهم بعد أن شبعوا من الطعام و رووا من الشراب:يا بني عبد المطّلب!إنّ اللّه بعثني إلّى الخلق كافّة،و بعثني اليكم خاصّة.فقال «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» و أنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب و العجم،و تدخلون بهما الجنّة،و تنجون بهما من النار«شهادة الاّ إله إلاّ اللّه و أنّي رسول اللّه».فمن يجيبني إلى هذا الأمر، و يوازرني عليه،و على القيام به يكن أخي و وصيّي و وزيري و وارثي و خليفتي من بعدي.فلم يجبه أحد منهم.
قال أمير المؤمنين عليه السلام:فقمت بين يديه من بينهم،و أنا أصغرهم سنّا، و احمشهم ساقا،و أرمصهم عينا.فقلت:أنا يا رسول اللّه اوازرك على هذا الأمر.فقال:اجلس.
ثم أعاد على القوم القول ثانية،فاصمتوا.فقمت أنا و قلت مثل مقالتي الاولى فقال:اجلس.ثم أعاد على القوم ثالثة.فلم ينطق أحد منهم بحرف.فقمت و قلت:انا اوازرك يا رسول اللّه على هذا الأمر فقال:
اجلس.فأنت أخي،و وصيي،و وزيري و وارثي،و خليفتي من بعدي.
فنهض القوم،و هم يقولون لأبي طالب:«ليهنأك اليوم ان دخلت في دين
ابن أخيك،فقد جعل ابنك أميرا عليك».
و هذه منقبة جليلة اختصّ بها أمير المؤمنين عليه السلام،و لم يشركه فيها أحد من المهاجرين الأولين و لا الأنصار،و لا أحد من أهل الإسلام،و ليس لغيره عدل لها من الفضل و لا مقارب على حال،و في الخبر بها ما يفيد أنّ بأمير المؤمنين عليه السلام تمكّن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من تبليغ الرسالة و اظهار الدعوة و الصدع بالإسلام و لولاه لم تثبت الملّة،و لا استقرّت الشريعة و لا ظهرت الدعوة فهو ناصر الإسلام،و وزير الداعي إلى الإسلام من قبل اللّه-عزّ و جلّ- و بضمانه له النصرة تمّ له في النبوّة ما أراد،و في ذلك من الفضل ما لا توازنه الجبال فضلا،و لا تعادله الفضائل كلها محلا و قدرا.
قال:و من ذلك أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا أمره بالهجرة عند اجتماع الملأ من قريش على قتله،فلم يتمكن من مظاهرتهم بالخروج عن مكّة،و أراد الاستسرار بذلك،و تعمية خبره عنهم ليتم له الخروج على السلامة منهم،ألقى خبره إلى أمير المؤمنين عليه السلام و استكتمه إيّاه،و كلّفه الدفاع عنه بالمبيت على فراشه من حيث لا يعلمون انّه هو البائت على الفراش،و يظنّون أنّه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بائتا على حاله الّتي كان يكون عليها في ما سلف من اللّيالي.
فوهب عليه السلام نفسه للّه تعالى،و شراها من اللّه تعالى في طاعته،و بذلها دون نبيّه عليه السلام لينجو به من كيد الأعداء،و يتمّ له بذلك السلامة و البقاء،و ينتظم له به الغرض في الدعاء إلى الملة،و إقامة الدين،و إظهار الشريعة.
فبات على فراشه متسترا بإزاره،و جاءه القوم الذين تمالئوا على قتله فأحدقوا به و عليهم السلاح يرصدونه طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا،فيذهب دمه فرغا بمشاهدة بني هاشم قاتليه من جميع القبائل،و لا يتمّ لهم الأخذ بثأره منهم لاشتراك الجماعة في دمه،و قعود كل قبيلة عن قتال رهطه،و مباينة
أهله،فكان ذلك سبب نجاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و حفظ دمه،و بقائه حتى صدع بأمر ربه.
و لو لا أمير المؤمنين عليه السلام و ما فعله من ذلك،لما تمّ له التبليغ و الأداء،و لا استدام له العمر و البقاء،و لظفر به الحسدة و الأعداء.فلمّا أصبح القوم و أرادوا الفتك به،ثار أمير المؤمنين عليه السلام إليهم فتفرّقوا عنه حين عرفوه،و كان بذلك انتظام الايمان و إرغام الشيطان،و خذلان أهل الكفر و العدوان،و لم يشاركه في هذه المنقبة أحد من أهل الإسلام،و لا احيط بنظير لها على حال،و لا مقارب لها في الفضل بصحيح الاعتبار.
و في أمير المؤمنين عليه السلام و مبيته على الفراش أنزل سبحانه «وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ وَ اللّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» .
قال:و من ذلك أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان أمين قريش على ودائعهم،فلمّا فجأه من الكفار ما أحوجه إلى الهرب من مكّة،لم يجد في قومه و أهله من يأتمنه على ما كان مؤتمنا عليه سوى أمير المؤمنين عليه السلام،فاستخلفه في ردّ الودائع إلى أربابها،و قضاء ما كان عليه دين لمستحقيه،و جمع بناته و نساء أهله،و أزواجه و الهجرة بهم اليه،و لم ير أنّ أحدا يقوم مقامه في ذلك من كافة الناس،فوثق بأمانته،و عوّل على نجدته و شجاعته،و اعتمد في الدفاع عن أهله و حامّته على بأسه و قدرته،و اطمأنّ إلى ثقته على أهله و حرمه،و عرف من ورعه و عصمته ما تسكن معه النفس إلى أمانته على ذلك،فقام عليه السلام به أحسن القيام،و ردّ كلّ وديعة إلى أهلها،و أعطى كلّ ذي حقّ حقّه،و حفظ بنات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و حرمه،و هاجر بهم ماشيا على قدميه يحوطهم من الأعداء، و يكلأهم من الخصماء،و يرفق بهم في المسير حتّى أوردهم عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم المدينة على أتمّ صيانة و حراسة،و رفق و رأفة،و حسن تدبير،فأنزله
النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عند وروده المدينة داره و أحلّه قراره،و خلطه بحرمه و أولاده، و لم يميّزه من خاصة نفسه،و لا احتشمه في باطن أمره و سرّه.
و هذه منقبة توحّد أمير المؤمنين عليه السلام بها من كافة أهل بيته و أصحابه، و لم يشركه فيها أحد من أشياعه و أتباعه،و لم يحصل لغيره من الخلق فضل سواها يعادلها عن السبر،و لا يقاربها على الامتحان،و هي مضافة الى ما قدّمناه من مناقبه القاهر فضلها،الباهرة بشرفها قلوب العقلاء،قال:و من ذلك ما أجمعت عليه السير أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم الى الإسلام و أنفذ معه جماعة من المسلمين فيهم البراء بن عازب، و أقام خالد على القوم ستّة أشهر يدعوهم فلم يجبه أحد منهم،فساء ذلك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فدعا أمير المؤمنين عليه السلام و أمره أن يقفل خالدا و من معه،و قال له:
إن أراد ممّن مع خالد أن يعقب معك فاتركه.قال البراء:فكنت في من عقب معه، فلمّا انتهينا إلى أوائل أهل اليمن،و بلغ القوم الخبر تجمّعوا له.فصلّى بنا الفجر ثم تقدم بين أيدينا،فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه،ثم قرأ على القوم كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأسلمت همدان كلها في يوم واحد،و كتب عليه السلام بذلك إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فاستبشر،و ابتهج،و خرّ ساجدا شكرا للّه تعالى،ثم رفع رأسه و جلس و قال«السلام على همدان»-ثم تتابع بعد اسلام همدان-أهل اليمن على الإسلام.
و هذه أيضا منقبة له عليه السلام ليس لأحد من الصحابة مثلها و لا مقاربها، و ذلك أنّه لما وقف الأمر في ما بعث له خالد و خيف الفساد لم يوجد من يتلافى ذلك سواه،فندب عليه السلام له فقام به أحسن قيام،و جرى على عادة اللّه تعالى عنده في التوفيق لما يلائم إيثار النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و كان بيمنه و رفقه و حسن تدبيره، و خلوص نيّته في طاعة اللّه-عزّ و جلّ-هداية من اهتدى بهديه من الناس،
و اجابة من أجاب إلى الإسلام و عمارة الدين،و قوة الإيمان و بلوغ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما آثره من المراد و انتظام الأمر على ما قرّت به عينه،و ظهر استبشاره به و سروره بتمامه لكافّة أهل الإسلام،و قد ثبت أنّ الطاعة تعظم بتعاظم النفع فيها كما تعظم المعصية بتعاظم الضرر بها،و لذلك صار الأنبياء عليهم السلام أعظم الخلق ثوابا لتعاظم النفع بدعوتهم على سائر المنافع بأعمال من سواهم من الناس.
قال:و مثل ذلك أيضا ما جاء في قصّة«براءة»و قد دفعها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أبي بكر لينبذ بها عهد المشركين.فلمّا سار غير بعيد نزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال:إنّ اللّه يقرؤك السلام و يقول:«لا يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك»فاستدعى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليا عليه السلام و قال له:اركب ناقتي العضباء و ألحق أبا بكر فخذ«براءة»من يده و امض بها إلى مكّة،و انبذ بها عهد المشركين إليهم و خيّر أبا بكر بين أن يسير مع ركابك أو يرجع إليّ،فركب عليه السلام ناقته العضباء،و سار حتّى لحق أبا بكر.فلمّا رآه فزع من لحوقه به و استقبله و قال:
فيم جئت يا أبا الحسن؟أسائر أنت معي أم لغير ذلك؟فقال عليه السلام له:أمرني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن ألحقك،فأقبض منك الآيات من«براءة»و أنبذ بها عهد المشركين إليهم،و أمرني أن اخيّرك بين أن تسير معي أو ترجع إليه.فقال:بل أرجع إليه،و عاد إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال له:إنّك أهّلتني لأمر طالت الأعناق إليّ فيه.فلمّا توجّهت له رددتني عنه،مالي؟أنزل فيّ قرآن؟فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:لا.
و لكنّ الأمين جبرئيل عليه السلام هبط إليّ عن اللّه-عزّ و جلّ-بأنّه لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك،و علي منّي و لا يؤدّي عنّي إلاّ علي-في حديث مشهور-.
و كان نبذ العهد مختصا بمن عقده او بمن يقوم مقامه في فرض الطاعة و جلالة القدر،و علو الرتبة،و شرف المقام،و من لا يرتاب بفعاله،و لا يعترض عليه في مقاله،و من هو كنفس العاقد و أمره أمره.فإذا حكم بحكم مضى
و استقر،و امن الاعتراض فيه،و كان بنبذ العهد قوة الإسلام،و كمال الدين، و صلاح أمر المسلمين،و فتح مكّة،فأحبّ اللّه تعالى أن يجعل ذلك في يد من ينوّه باسمه،و يعلي ذكره،و ينبّه على فضله،و يدلّ على علو قدره،و يبيّنه به عمّن سواه.
قال:و أمثال ما عدّدناه كثير ان عمدنا إلى ايراده طال الكتاب،و في ما أثبتناه كفاية لذوي الألباب (1)
هذا تلخيص كلام المفيد في الارشاد:29-38. [1]
.قلت:و لمّا قال عمر لابن عباس:إنّ قريشا قدّموا ابا بكر و أخّروا صاحبك لأنّهم استصغروه،قال له ابن عباس:لكن اللّه لم يستصغره حيث أمره أن يأخذ براءة من صاحبك (2).
و قال هشام بن الحكم العجب من إخواننا نصبوا من عز له اللّه تعالى من السماء،و عزلوا من نصبه من السماء (3).
قوله عليه السلام في الأوّل «و إنّ مسيري هذا لمثلها» :أي و إنّ مسيري إلى أهل الجمل مثل مسيري في غزوات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من بدر إلى حنين،و يشهد لكون غزواته بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مثل غزواته مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قول عمّار في صفين مشيرا إلى معاوية«لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هذه الرابعة ما هي بأبرّ و أتقى من تلك» (4).
هذا،و جعل(إرشاد المفيد)هذه الفقرة بعد الفقرة الآتية «و اللّه لقد قاتلتهم كافرين،و لأقاتلنّهم مفتونين» و فيه«و ان مسيري
هذا عن عهد إليّ فيه» (1)
الارشاد:132. [1]
.و مسيره الأوّل كان على تنزيل القرآن،و مسيره الأخير على تأويله و في(إرشاد)محمّد بن محمّد بن النعمان روى إسماعيل بن علي العمي،عن نائل بن نجيح عن عمرو بن شمر،عن جابر بن يزيد،عن أبي جعفر محمّد بن علي،عن أبيه عليهم السلام قال:انقطع شسع نعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فدفعها إلى علي عليه السلام يصلحها ثم مشى في نعل واحد غلوة أو نحوها،و أقبل على أصحابه،و قال:إنّ منكم من يقاتل على التأويل كما قاتل معي على التنزيل.فقال أبو بكر:أنا ذاك يا رسول اللّه؟قال:لا،فقال عمر:فأنا يا رسول اللّه؟قال:لا.قال:فأمسك القوم، و نظر بعضهم إلى بعض.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:لكنّه خاصف النعل و أومأ بيده إلى علي عليه السلام و انّه يقاتل على التأويل اذا تركت سنّتي و نبذت،و حرّف كتاب اللّه،و تكلّم في الدين من ليس له ذلك.فيقاتلهم علي على إحياء دين اللّه تعالى (2)(3).
«و اللّه لقد قاتلتهم كافرين و لا قاتلنّهم مفتونين» قال ابن أبي الحديد:«هذا الكلام يؤكّد قول أصحابنا إنّ أصحاب صفّين و الجمل ليسوا بكفّار خلافا للامامية» (4).
قلت:إنّ الإماميّة لا يدّعون أنّهم كانوا كافرين ظاهرا بل باطنا،و كونهم كافرين باطنا لا يمنع من اطلاق اسم المسلمين المفتونين عليهم،و من مقابلتهم للكافرين الظاهرين.
و يشهد لقول الاماميّة بكفرهم باطنا قوله تعالى:
«فَمِنْهُمْ مَنْ»
«آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ» (1)
البقرة:253. [1]
روى نصر بن مزاحم-و هو من رجالهم-في (صفّينه)عن يحيى عن علي بن حزّور،عن الأصبغ بن نباتة قال:جاء رجل إلى علي عليه السلام فقال:يا أمير المؤمنين،هؤلاء القوم الّذين نقاتلهم، الدعوة واحدة و الرسول واحد و الصلاة واحدة،و الحجّ واحد،فبم نسمّيهم؟قال:تسمّيهم بما سمّاهم اللّه في كتابه قال:ما كل في الكتاب أعلمه قال:أما سمعت اللّه تعالى قال «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ» -إلى- «وَ لَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ» (2)فلمّا وقع الاختلاف كنّا نحن أولى باللّه،و بالكتاب و بالنبيّ و بالحق.فنحن الّذين آمنوا،و هم الّذين كفروا،و شاء اللّه قتالهم فقاتلناهم هدى بمشية اللّه ربّنا و ارادته (3).ثم ما يفعل بأهل النهروان فظاهر كلامه عليه السلام كونهم أيضا من المفتونين لا الكافرين مع أنّ أصحابه أيضا يقولون بكفرهم.
و الإمامية لا يقتصرون على أصحاب الجمل و صفّين،بل يطردون كلامه عليه السلام في معنى الآية في الثلاثة المتقدّمين عليه و يأتون في ذلك ببراهين كما مرّ نبذ مرارا،و يأتي نبذ كرارا .
«و إنّي لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم» إلى هنا العنوان الأول في نسخنا و زاد ابن أبي الحديد بعده«و اللّه ما تنقم منّا قريش إلاّ أنّ اللّه اختارنا عليهم.فادخلناهم في حيّزنا فكانوا كما قال الاول:
ادمت لعمري شربك المحض صابحا و اكلك بالزبد المقشرة البجرا
و نحن و هبناك العلاء و لم تكن عليّا و حطنا حولك الجرد و السّمرا (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:176. [1]
و ابن ميثم أيضا اقتصر على ما في نسخنا لكن قال:قد نقل في بعض النسخ في تمام هذه الخطبة«لتضجّ قريش ضجيجها ان تكن فينا النبوّة و الخلافة و اللّه ما أتينا إليهم إلاّ إنّا اجترأنا عليهم»-إلخ- (2).
هذا،و في(إرشاد المفيد):هذه الخطبة خطب عليه السلام بها لمّا نزل الربذة في توجهه إلى البصرة،فلقيه بها آخر الحاج.فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه،و هو في خبائه.قال ابن عباس:فأتيته فوجدته يخصف نعلا فقلت له:نحن إلى ان تصلح أمرنا أحوج إلى ما تصنع.فلم يكلّمني حتى فرغ من نعله.ثم ضمّها إلى صاحبتها،و قال لي:قوّمها.فقلت:ليس لهما قيمة.قال:على ذاك.قلت:كسر درهم.قال:و اللّه لهما أحبّ إليّ من أمركم هذا إلاّ أن اقيم حقّا أو أدفع باطلا قلت إنّ الحاجّ اجتمعوا ليسمعوا من كلامك.فتأذن لي في أن أتكلم فإن كان حسنا كان منك و إن كن غير ذلك كان منّي؟قال:لا.أنا أتكلّم.ثم وضع يده على صدري و كان شثن الكفين فآلمني ثم قام فاخذت بثوبه،و قلت:نشدتك اللّه و الرحم!قال:لا تنشدني ثم خرج فاجتمعوا عليه فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:
أما بعد!فإنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ليس في العرب أحد يقرأ كتابا و لا يدّعي نبوّة،فساق الناس إلى منجاتهم أم و اللّه ما زلت في ساقتها-الى آخر ما مر (3).
قوله عليه السلام في الأوّل «فلأنقبّن الباطل حتّى يخرج الحق من جنبه» و في الثاني «و أيم اللّه لأبقرن الباطل حتى اخرج الحق من خاصرته» دالّ على أنّ المتقدّمين عليه لبسوا الحقّ بالباطل على حدّ بلّعوا الباطل الحق حتّى صار الحقّ في جوف الباطل،و أنّه عليه السلام يجدّ و يسعى في أنّ ينقب الباطل و يبقر بطنه حتى يخرج الحق من جنبه و خاصرته.
و كان بلغ من لبسهم على الناس بتبليغاتهم الباطلة أنّ مسلم بن عقبة لمّا حضره الموت قال:اللهمّ إنّك تعلم أنّي لم أغشّ خليفة قطّ في سرّ و علانية، و ان أزكى عمل عملته بعد شهادة ألاّ اله إلاّ اللّه قتلي أهل الحرّة،و لئن دخلت النار بعد قتلهم إنّي لشقي،و قال لطبيبه الّذي بعثه يزيد معه لمرضه:اليك عنّي إنّما كنت احبّ أن أبقى حتّى أشتفي من قتلة عثمان،و قد أدركت ما أردت فما شيء أحبّ إليّ من أن أموت على طهارتي قبل أن أحدث حدثا،فإنّ اللّه قد طهّرني بقتل هؤلاء الأرجاس.
و في(الصحاح):«نقب البيطار سرّة الدابة ليخرج منها ما اصفرّ،و تلك الحديدة منقب،و المكان منقب بالفتح قال اقبّ لم ينقب البيطار سرّته»و قولهم أبقرها عن جنينها:أي:شق بطنها عن ولدها،و الخصر وسط الانسان (1)
صحاح اللغة 1:227 [1] مادة نقب.
.الخطبة(37)
و من كلام له عليه السلام يجرى مجرى الخطبة:
فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا- وَ تَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا- وَ نَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا- وَ مَضَيْتُ بِنُورِ اللَّهِ حِينَ وَقَفُوا- وَ كُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً وَ أَعْلاَهُمْ فَوْتاً- فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا وَ اسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا- كَالْجَبَلِ لاَ تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ-
1) 1)
وَ لاَ تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ- لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيَّ مَهْمَزٌ وَ لاَ لِقَائِلٍ فِيَّ مَغْمَزٌ- الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ- وَ الْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ- رَضِينَا عَنِ اللَّهِ قَضَاءَهُ وَ سَلَّمْنَا لِلَّهِ أَمْرَهُ- أَ تَرَانِي أَكْذِبُ عَلَى؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟- وَ اللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ- فَلاَ أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ- فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي- فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي- وَ إِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيْرِي أقول:قال الصاحب بن عبّاد مخاطبا له عليه السلام مشيرا إلى نحو ما عدّده عليه السلام من صفاته:
أيا ابن عم رسول اللّه أفضل من ساد الأنام و ساس الهاشمينا
يا بدرة الدين يا فرد الزمان أصخ لمدح مولى يرى تفضيلكم دينا
هل مثل سيفك في الإسلام لو عرفوا و هذه الخصلة الغرّاء تكفينا
هل مثل علمك إن زلّوا و إن وهنوا و قد هديت كما أصبحت تهدينا
هل مثل قولك إذ قالوا مجاهرة لو لا علي هلكنا في فتاوينا
هل مثل جمعك للقرآن تعرفه لفظا و معنى و تأويلا و تبيينا
هل مثل صبرك إذ خانوا و إذ فشلوا حتى جرى ما جرى في يوم صفّينا
هل مثل بذلك للعاني الأسير و لل طّفل الصغير و قد أعطيت مسكينا
و في(مجالس المفيد):سئل الفضل بن شاذان عن الدليل على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام قال:الدليل عليه من كتاب اللّه تعالى و من سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و من إجماع المسلمين.فأمّا كتاب اللّه فقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (1)
النساء:59. [1]
فدعانا إلى طاعة اولي الأمر كما دعانا إلى طاعة نفسه و طاعة رسوله،فاحتجنا إلى معرفة أولي الأمر كما يوجب1) 1)
علينا معرفة اللّه،و معرفة رسوله فنظرنا في أقاويل الامّة فوجدناهم قد اختلفوا،و أجمعوا في الآية على ما يوجب كونها في أمير المؤمنين،فقال بعضهم:اولو الأمر هم امراء السرايا،و قال بعضهم هم العلماء و قال بعضهم:
هم القوّام على الناس،و الآمرون بالمعروف،و الناهون عن المنكر،و قال بعضهم:هم علي بن أبي طالب،و الأئمة من ذريته.
فسألنا الفرقة الاولى،فقلنا لهم:أليس علي بن أبي طالب من امراء السرايا؟فقالوا بلى:و قلنا للثانية:ألم يكن علي من العلماء؟فقالوا:بلى،و قلنا للثالثة:أليس علي كان من القوّام على الناس بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؟فقالوا:بلى.فصار أمير المؤمنين عليه السلام معيّنا بالآية باتفاق الامّة و إجماعها،و تيقّنّا ذلك بإقرار المخالف لنا في إمامته،و الموافق عليها،فوجب أن يكون إماما بهذه الآية لوجود الاتّفاق على أنّه معنيّ بها،و لم يجز العدول الى غيره و الاعتراف بإمامة سواه لوجود الاختلاف في ذلك،و عدم الاتفاق و ما يقوم مقامه في البرهان.
و أما السنّة،فإنّا وجدنا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم استقضى عليّا عليه السلام على اليمن، و أمّره على الجيوش،و ولاّه الأموال،و أمره بأدائها إلى بني جذيمة الّذين قتلهم خالد بن الوليد ظلما،و اختار عليّا عليه السلام لأداء رسالات اللّه-عزّ و جلّ-و الإبلاغ عنه سورة براءة،و استخلفه عند غيبته على من خلّف،و لم نجد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم سنّ هذه السنن في غيره،و لا اجتمعت هذه السنن في أحد بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما اجتمعت في علي عليه السلام،و سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم واجبة بعد موته كوجوبها في حياته،و إنّما تحتاج الامّة لهذه الخصال الّتي ذكرناها.فإذا وجدناها في رجل قد سنّها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيه كان أولى بالإمامة ممّن لم يسنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه شيئا من ذلك.
و أمّا الاجماع،فإنّ إمامته تثبت من وجوه،منها أنّهم قد أجمعوا على أنّ عليّا عليه السلام قد كان إماما،و لو يوما واحدا،و لم يختلف في ذلك أصناف أهل الملّة.
ثم اختلفوا فقالت طائفة:كان إماما في وقت كذا دون كذا،و قالت طائفة:كان إماما بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في جميع أوقاته،و لم تجتمع الامّة على غيره إنّه كان إماما في الحقيقة طرفة عين،و الاجماع أحق أن يتّبع من الخلاف.
و منها أنهم أجمعوا جمعا على أنّ عليّا عليه السلام كان يصلح للإمامة،و أنّ الإمامة تصلح لبني هاشم،و اختلفوا في غيره،فقالت طائفة:لم تكن تصلح لغير علي عليه السلام،و لا تصلح لغير بني هاشم،و الإجماع حق لا شبهة فيه و الاختلاف لا حجة فيه.
و منها أنّهم أجمعوا على أنّ عليّا عليه السلام كان بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ظاهر العدالة واجبة له الولاية.ثم اختلفوا فقال قوم:انّه كان مع ذلك معصوما من الكبائر و الضلال،و قال آخرون:لم يكن معصوما و لكن كان عدلا برّا تقيّا لا يشوب ظاهره الشوائب.فحصل الإجماع على عدالته،و اختلفوا في نفي العصمة عنه، ثم أجمعوا كلّهم على أنّ أبا بكر لم يكن معصوما و اختلفوا في عدالته.فقالت طائفة:كان عدلا و قالت اخرى:لم يكن عدلا لأنّه أخذ ما ليس له.فمن أجمعوا على عدالته و اختلفوا في عصمته أولى بالإمامة ممّن اختلفوا في عدالته، و أجمعوا على نفي العصمة عنه (1)
ليس هذا في مجالس المفيد بل رواه المفيد في العيون و المحاسن و [1]عنه الفصول المختارة 1:82،و [2]النقل بتصرف يسير.
.قول المصنّف «و من كلام له عليه السلام يجري مجرى الخطبة» قال ابن أبي الحديد:هذه فصول أربعة لا يمتزج بعضها ببعض،و إنّما الرضيّ التقطها من كلام له عليه السلام طويل منتشر قاله بعد النهروان،ذكر فيه حاله منذ توفي
1) 1)
النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى آخر وقته.
الفصل الأوّل:قوله عليه السلام «فقمت-إلى-و استبددت برهانها» يذكر فيه مقاماته في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أيّام أحداث عثمان،و كون المهاجرين كلهم لم ينكروا و لم يواجهوه بما كان هو عليه السلام يواجهه به و ينهاه عنه.
و الفصل الثاني:قوله عليه السلام «كالجبل-إلى-رضينا» ذكر فيه حاله عليه السلام بعد أيّام خلافته.
و الفصل الثالث:من قوله عليه السلام «رضينا-إلى-فنطرت» قاله عليه السلام لما تفرّس من قوم في عسكره أنّهم يتّهمونه في ما يخبرهم به عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من الملاحم و الغائبات.
و الفصل الرابع،من قوله «فنظرت» الى آخره،يذكر فيه حاله بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أنّه كان معهودا إليه أن لا ينازع في الأمر (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:207 و [1]النقل بتلخيص.
.قلت:قلنا في أوّل الكتاب (2):إن ما ينسبه إلى الرضي رحمه اللّه انّه يسرد ما يلتقط من كلام واحد أو متعدد،خلاف طريق المحاورة،و لا يناسب مع البلاغة الّتي جعلها الرضي موضوع كتابه،و إنّا رأينا الرضيّ رحمه اللّه يقول في ما اذا ما حذف من خطبة او كلام او كتاب«و منها»و«و منه»فإن كان له هنا في ما قاله سند فليأت به،و ان كان قاله:حدسا،فالظن لا يغني من الحق شيئا.
و ممّا يدل على بطلان زعمه في خصوص الفصلين الأولين،ورود مضمونيهما متصلين في زيارته عليه السلام في المبعث«و قمت بالأمر حين فشلوا، و نطقت حين تعتعوا،و مضيت بنور اللّه اذ وقفوا،فمن اتّبعك فقد اهتدى.كنت
اوّلهم كلاما.و أشدّهم خصاما،و أصوبهم منطقا،و أسدّهم رأيا،و أشجعهم قلبا،و أكثرهم يقينا و أحسنهم عملا،و أعرفهم بالامور.كنت للمؤمنين أبا رحيما.إذ صاروا عليك عيالا،فحملت أثقال ما عنه ضعفوا،و حفظت ما أضاعوا،و رعيت ما أهملوا،و شمّرت إذ جبنوا،و علوت إذ هلعوا،و صبرت إذ جزعوا،كنت على الكافرين عذابا صبّا،و غلظة و غيظا،و للمؤمنين غيثا و خصبا و علما،و لم تفلل حجتك،و لم يزغ قلبك،و لم تضعف بصيرتك،و لم تجبن نفسك.كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف،و لا تزيله القواصف،كنت كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قويا في بدنك متواضعا في نفسك،عظيما عند اللّه،كبيرا في الأرض،جليلا في السماء،لم يكن لأحد فيك مهمز،و لا لقائل فيك مغمز،و لا لخلق فيك مطمع،و لا لأحد عندك هوادة،يوجد الضعيف الذليل عندك قويا عزيزا حتى تأخذ له بحقه،و القوي العزيز عندك ضعيفا ذليلا حتّى تأخذ منه الحق،القريب و البعيد عندك في ذلك سواء،شأنك الحق و الصدق و الرفق، و قولك حكم و حتم،و أمرك حلم و عزم،و رأيك علم و حزم.اعتدل بك الدين، و سهل بك العسير،و اطفئت بك النيران،و قوي بك الإيمان،و ثبت بك الإسلام» (1)
رواه المجلسي في بحار الانوار 100:376،و [1]بتفاوت هو في المصدر 100:322 عن طرق.
.و ما أنكر ابن أبي الحديد من اتصالهما مع كون كليهما وصف حاله و شرح صفاته،و يشهد لاتصالهما أيضا ما رواه محمّد بن يعقوب الكليني في (كافيه)مسندا عن أسيد الصحابي قال:لمّا كان اليوم الّذي قبض فيه أمير المؤمنين عليه السلام ارتجّ الموضع بالبكاء،و دهش الناس كيوم قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و جاء رجل باكيا و هو يقول:«اليوم انقطعت خلافة النبوّة»حتّى وقف على باب البيت الّذي فيه أمير المؤمنين عليه السلام فقال:«رحمك اللّه يا أبا الحسن،كنت
1) 1)
أوّل القوم إسلاما،و أخلصهم إيمانا،و أشدّهم يقينا،و أخوفهم للّه،و أعظمهم عناء،و أحوطهم على رسول اللّه،و آمنهم على أصحابه،أفضلهم مناقب، و أكرمهم سوابق،و أرفعهم درجة،و أقربهم من رسول اللّه،و أشبههم به هديا و خلقا و سمتا و فعلا،و أشرفهم منزلة،و أكرمهم عليه.فجزاك اللّه عن الإسلام و عن رسوله و عن المسلمين خيرا.قويت حين ضعف أصحابه،و برزت حين استكانوا،و نهضت حين و هنوا،و لزمت منهاج رسول اللّه إذ همّ أصحابه،كنت خليفته حقّا لم تنازع و لم تضرع،برغم المنافقين،و غيظ الكافرين،و كره الحاسدين،و ضغن الفاسقين.فقمت بالأمر حين فشلوا،و نطقت حين تعتعوا، و مضيت بنور اللّه إذ وقفوا،فاتّبعوك فهدوا،و كنت أخفضهم صوتا،و أعلاهم قنوتا،و أقلّهم كلاما،و أصوبهم نطقا،و أكبرهم رأيا،و أشجعهم قلبا،و أشدهم يقينا،و أحسنهم عملا،و أعرفهم بالامور،كنت و اللّه يعسوبا للدّين أوّلا و آخرا.
الأول حين تفرّق الناس،و الآخر حين فشلوا.كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا.فحملت أثقال ما عنه ضعفوا،و حفظت ما أضاعوا،و رعيت ما أهملوا،و شمّرت إذ اجتمعوا،و علوت إذ هلعوا،و صبرت إذ أسرعوا، و أدركت أوتار ما طلبوا،و نالوا بك ما لم يحتسبوا-إلى أن قال-و بكى،و بكى أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثمّ طلبوه فلم يصادفوه (1)
رواه الكليني في الكافي 1:454 ح 4. [1]
.و من أين أنّ ما جعله الفصل الثالث و الرابع لم يكن ربطهما بقرائن حالية عرفها الشاهدون كأن يكون قوله عليه السلام «رضينا» إلى آخر كلامه جوابا لتعبير المنافقين له بقوده كالجمل المخشوش لبيعة أبي بكر،و أنّ ما يدّعيه من أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال له:«إنّ الامّة ستغدر بك» (2)افتراء منه عليه السلام عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم
و أنّه عليه السلام كان مأمورا من قبله صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالصبر على ما يرى بعده منهم،مع أنّه لو تجمد على ربط حاقّ اللفظ كان عليه أن يجعل كلامه عليه السلام فصولا خمسة لأنّ قوله عليه السلام«أ تراني أكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم»إلخ أربط له بقوله عليه السلام «رضينا عن اللّه قضاءه...» و قد جعلهما كلاما واحدا،ثمّ على فرض كون كلامه فصولا من أين أنّ المراد بها ما قاله؟فهو رجم بالغيب و ستعرف المراد بها مع الشواهد،مع أنّ قوله:«أنّ الفصل الأوّل يذكر عليه السلام فيه مقاماته في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أيّام أحداث عثمان،و كون المهاجرين كلّهم لم ينكروا و لم يواجهوا عثمان بما كان عليه السلام يواجهه به و ينهاه عنه» (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:207. [1]
غلط فإنّ عثمان لم يكن له رفعة حتّى يفتخر عليه السلام بذلك،و المهاجرون كلّهم أنكروا عليه، مؤمنوهم و منافقوهم،حتّى عمرو بن العاص،و كيف و من رءوس المهاجرين عندهم طلحة و الزبير و عائشة،و هم الذين سبّبوا قتله؟و أمر عثمان كان أمرا أنكره كلّ برّ و فاجر،و اشترك في قتله المهاجرون و الأنصار و التابعون، و انكار جمع سيّرهم إلى الشام لانكارهم مذكور في السير،و انكارات أبي ذر حتّى سيّره أوّلا إلى الشام،ثمّ إلى الربذة،معروفة،و إنكارات عمّار حتّى داسوا بطنه لذلك،و حدث به فتق و خيف هلاكه،معلومة،و لم نعلم في المهاجرين من لم ينكر على عثمان،اللّهمّ إلاّ أن يريد بما قال أبا سفيان بن حرب،و معاوية بن أبي سفيان،و الوليد بن عقبة،و مروان بن الحكم،و عبد اللّه بن أبي سرح أخا عثمان من الرضاعة،و باقي بني أميّة و ذويه ممّن قاموا معه «يخضمون مال اللّه خضمة الإبل نبتة الربيع» (2)،نعم تصدّى عليه السلام أيّام عثمان لبعض الامور ممّا لم يجترئ عليه غيره.كمشايعته أبا ذر لمّا أخرجه عثمانإلى الربذة ظلما،و إقامته عليه السلام الحدّ على أخي عثمان لامّه الوليد بن عقبة لمّا سكر و صلّى الصبح بالناس أربعا و غنّى في صلاته .
«فقمت بالأمر حين فشلوا» بالكسر:أي جبنوا.روى الطبري:أنّ يوم احد لمّا قتل علي عليه السلام أصحاب الألوية،أبصر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم جماعة من مشركي قريش.فقال لعلي عليه السلام:احمل عليهم،فحمل عليهم ففرّق جماعتهم كرارا و قتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي.فقال جبرئيل عليه السلام يا رسول اللّه:انّ هذه للمواساة.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:إنّه منّي و أنا منه،فقال جبرئيل:و أنا منكما، فسمعوا صوتا:لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علي (1)
تاريخ الطبري 2:197 سنة 3. [1]
.و روى أيضا أن أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك،انتهى إلى عمر بن الخطاب،و طلحة بن عبيد اللّه في رجال من المهاجرين و الأنصار،و قد ألقوا بأيديهم.فقال:ما يجلسكم قالوا:قتل محمّد رسول اللّه.قال:فما تصنعون بالحياة بعده؟!قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم،ثم استقبل القوم فقاتل-إلى أن قال-.
و فشا في الناس أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد قتل،فقال بعض أصحاب الصخرة:
ليت لنا رسولا إلى عبد اللّه بن ابيّ.فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان.يا قوم!انّ محمّدا قد قتل،فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم.
قال أنس بن النضر:يا قوم!إن كان محمّد قد قتل فإنّ ربّ محمّد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم.اللّهم إنّي أعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء، و أبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء ثمّ شدّ بسيفه فقاتل حتّى قتل-إلى أن قال-فقال اللّه-عزّ و جلّ-للّذين قالوا:انّ محمّدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ»
1) 1)
«يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً» (1)
تاريخ الطبري 2:199 سنة 3،و [1]الآية 144 من آل عمران.
.و هو و إن أجمل في الذيل،إلاّ أنّ إفصاح الصدر يكفي لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد .
«و تطلّعت حين تقبّعوا» يقال:قبع القنفذ إذا أدخل رأسه في جلده.
قال القمّي:كانت راية قريش يوم احد مع طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار،فبرز و نادى:يا محمّد!تزعمون أنّكم تجهّزونا بأسيافكم إلى النار، و نجهّزكم بأسيافنا إلى الجنّة،فمن شاء أن يلحق بجنّته فليبرز إليّ.فبرز إليه أمير المؤمنين عليه السلام،فقال له طلحة:من أنت يا غلام؟قال:أنا علي بن أبي طالب، قال:قد علمت يا قضيم أنّه لا يجسر علي غيرك-إلى أن قال-:
سئل أبو عبد اللّه عليه السلام عن معنى قول طلحة له عليه السلام:يا قضيم!فقال:إن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا كان بمكّة،و لم يجسروا عليه لمكان أبي طالب يغرون به صبيانهم.فكانت صبيانهم إذا خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يرمونه بالحجارة و التراب.
فشكا ذلك إلى علي عليه السلام.فقال له:بأبي أنت و امّي!إذا خرجت فأخرجنى معك.
فخرج معه،و تعرّض الصبيان للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كعادتهم،فحمل عليهم علي عليه السلام و كان يقضمهم في وجوههم،و آنافهم،و آذانهم،فكان الصبيان يرجعون باكين إلى آبائهم،و يقولون:قضمنا علي،قضمنا علي،فسمّى لذلك القضيم (2).
و في(الطبري):فرّ يوم احد عثمان بن عفان،و رجلان من الأنصار،حتى بلغوا الجلعب-جبل بناحية المدينة-فأقاموا به ثلاثا-الخبر (3).
و لما كان يوم الأحزاب،و برز عمرو بن عبد ود و طلب المبارز مرّة بعد
مرّة حتى بحّ صوته،فتقبعوا و أدخلوا رؤسهم في أعناقهم كالقنفذ،تطلّع عليه السلام إليه و بادر الى حربه حتى قتله.
و ممّا يدلّ على فشل صحابتهم الذين يبخبخون بهم،و على تقبّعهم ما رواه الطبري في الأحزاب عن محمّد بن كعب قال:قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة:يا أبا عبد اللّه!رأيتم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و صحبتموه؟قال:نعم يا ابن أخي، قال:فكيف كنتم تصنعون.قال:و اللّه لقد رأيتنا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالخندق، و صلّى هويّا من اللّيل ثم التفت إلينا قال:من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم يشرط له رسول اللّه أنّه يرجع ادخله اللّه الجنّة.قال:فما قام منّا رجل.قال:ثم صلّى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم هويا من اللّيل ثم التفت إلينا.فقال:من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم.ثم يرجع و يشرط له رسول اللّه الرجعة،و أسأل اللّه أن يكون رفيقي في الجنة.قال:فما قام رجل من القوم من شدّة الخوف و شدّة الجوع و شدّة البرد،فلمّا لم يقم أحد دعاني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فلم يكن لي بدّ من القيام حين دعاني-الخبر (1)
تاريخ الطبري 1:244 سنة 5،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و ما رواه الطبري في الحديبيّة عن المسوّر قال:لمّا فرغ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من قضيته قال لأصحابه:قوموا فانحروا ثم احلقوا.قال:فو اللّه ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات.فلمّا لم يقم أحد قام فدخل على ام سلمة فذكر لها ما لقي من الناس (2).
و روي عن ابن عباس قال:حلق يوم الحديبية،و قصّر آخرون.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:يرحم اللّه المحلّقين قالوا:و المقصّرين يا رسول اللّه.قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم:
يرحم اللّه المحلّقين،قالوا:و المقصرين يا رسول اللّه.قال:يرحم اللّه المحلقين
قالوا يا رسول اللّه و المقصرين.قال:يرحم اللّه المحلقين و المقصّرين قالوا:يا رسول اللّه فلم ظاهرت الترحم للمحلّقين دون المقصرين قال:لأنّهم لم يشكّوا (1)
تاريخ الطبري 2:283،سنة 6. [1]
.قلت:و قصّة شك عمر ذلك اليوم و إنكاره على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم معروفة قال الطبري قال الزهري:ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عمرو بن لؤي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قالوا له:إيت محمّدا فصالحه،و لا يكن في صلحه إلاّ أن يرجع عنّا عامه هذا.فو اللّه لا تحدّث العرب أنّه دخل علينا عنوة أبدا.قال:فأقبل سهيل-إلى أن قال-فلمّا انتهى سهيل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم تكلّم.فأطال الكلام و تراجعا.ثم جرى بينهما الصلح.فلمّا التام الأمر،و لم يبق إلاّ الكتاب،وثب عمر.فأتى أبا بكر فقال:يا أبا بكر!أليس برسول اللّه؟قال:بلى.قال:أو لسنا بالمسلمين.قال:بلى.قال:أو ليسوا بالمشركين؟قال:بلى.قال:فعلام نعطي الدنيّة في ديننا.-إلى أن قال-ثم أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال:يا رسول اللّه!أ لست برسول اللّه.قال:بلى.قال:أو لسنا بالمسلمين.قال:بلى.قال:أو ليسوا بالمشركين.قال:بلى.قال:فعلام نعطي الدنية في ديننا؟فقال:أنا عبد اللّه و رسوله لن اخلف أمره و لن يضيعني (2).
و زاد في خبر آخر:فقام عمر مغضبا و قال:و اللّه لو أجد أعوانا ما أعطيت الدنيّة أبدا-إلى أن قال-:
فلما كان يوم الفتح و أخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مفتاح الكعبة قال:ادعوا لي عمر فجاء فقال هذا الذي كنت و عدتكم به (3).
«و نطقت حين تمنّعوا»هكذا في(المصرية)و الصواب «تعتعوا» كما في
(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:207 و بعض نسخ شرح ابن ميثم 2:92.
و التعتعة التردد في الكلام من حصر أوعيّ، و قال الشاعر:اخاطب جهرا اذ لهن تخافت و شتّان بين الجهر و المنطق الخفت
و في الآثار أنّ رجلين اختصما إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في بقرة قتلت حمارا، فقال أحدهما يا رسول اللّه بقرة هذا الرجل قتلت حماري.فقال:اذهبا إلى أبي بكر فاسألاه عن ذلك فجاءا إليه،و قصا عليه قصّتهما.قال:كيف تركتما النبي و جئتماني؟!قالا:هو أمرنا بذلك.فقال لهما:بهيمة قتلت بهيمة لا شيء على ربّها.فعادا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فاخبراه.
فقال لهما:امضيا إلى عمر فمضيا،فقال لهما:كيف تركتما النبي و جئتماني؟!فقالا:إنّه أمرنا،قال:كيف لم يأمركما بالمصير إلى أبي بكر؟قالا:
قد أمرنا و صرنا إليه،قال:فما الّذي قال؟قالا:كيت و كيت قال:ما أرى إلاّ رأي أبي بكر فعادا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
فقال لهما:اذهبا إلى علي بن أبي طالب.فمضيا إليه.فقال عليه السلام:إن كانت البقرة دخلت على الحمار في مأمنه.فعلى ربها قيمة الحمار لصاحبه،و إن كان الحمار دخل على البقرة في مأمنها فقتلته فلا غرم على صاحبها.فعادا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،فأخبراه بقضيّته.فقال عليه السلام:لقد قضى علي بن أبي طالب بينكما بقضاء اللّه تعالى،ثم قال:الحمد للّه الّذي جعل فينا أهل البيت من يقضي على سنن داود في القضاء (2).
«و مضيت بنور اللّه حين وقفوا» لما كان حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكّة يخبرهم بعزيمة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على فتح مكّة،و اعطى الكتاب امرأة سوداء
كانت وردت المدينة لتستميح الناس،و جعل لها جعلا ان توصله إلى قوم سمّاهم لها من أهل مكّة،و أمرها أن تأخذ على غير الطريق،فنزل الوحي بذلك.
فاستدعى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمير المؤمنين عليه السلام و قال له:إنّ بعض أصحابي قد كتب إلى أهل مكّة يخبرهم بخبرنا،و قد كنت سألت اللّه تعالى أن يعمّي أخبارنا عليهم،و الكتاب مع امرأة سوداء قد أخذت على غير الطريق،فخذ سيفك و الحقها،و انزع الكتاب منها و خلّها.ثم استدعى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الزبير،و قال:له امض مع علي في هذا الوجه،فمضيا،و أخذا على غير الطريق،فأدركا المرأة، فسبق إليها الزبير،فسألها عن الكتاب الّذي معها.فأنكرته،و حلفت أنّه لا شيء معها،و بكت.فقال الزبير:ما أرى يا أبا الحسن معها كتابا.فارجع بنا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لنخبره ببراءة ساحتها.فقال عليه السلام:يخبرني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّ معها كتابا،و يأمرني بأخذه منها،و تقول أنت:لا كتاب معها،ثم اخترط سيفه، و تقدم إليها فقال:أما و اللّه لئن لم تخرجي الكتاب لأكشفنك.ثم لأضربن عنقك.
فقالت:إذا كان لا بدّ من ذلك.فأعرض بوجهك عنّي.فأعرض عليه السلام فكشفت قناعها،و أخرجت الكتاب من عقيصتها،فأخذه و صار به إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم (1)
رواه المفيد في الارشاد:33 و [1]الواقدي في المغازي 2:797،و ابن هشام في السيرة 4:29.
.«و كنت أخفضهم صوتا» خفض الصوت من ممدوح الصفات،و ضدّه من مذمومها.قال تعالى حاكيا عن لقمان لابنه: «وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ » (2)».
«و أعلاهم فوتا» أي:من أن يفوت منه شيء و يسبق عليه،و في النهاية «فاتنى فلان بكذا»اي سبقني به (3).
و في(تفسير القمي):كانت هند بنت عتبة قد أعطت في غزوة احد، و حشيا عهدا لئن قتلت محمّدا أو عليّا أو حمزة لأعطينّك رضاك-و كان وحشي عبدا لجبير بن مطعم حبشيا فقال لها:أمّا محمّد فلا أقدر عليه،و أمّا علي فرأيته رجلا حذرا كثير الالتفات،فلم أطمع فيه،و لكن أكمن لحمزة- إلخ (1)
تفسير القمي 1:116 و [1]النقل بتصرف.
.«فطرت» الكلمة مركبة من فاء التعقيب،و المتكلم وحده من طار.
«بعنانها» أي:طرت بعنان فرس السبق.فقالوا في المضمار يستحق من سبق و لو بعنق فرسه من السبقة و ما وقع عليه لراهنه،و يمكن أن تكون السبقة مشتركة بين المجلي و المصلي و التالي و البارع و المرتاع و الخطي و العاطف و الموئل و اللطيم و السكيت دون الفسكل و هو الأخير لأنه يصدّق في كل من سواه التقدم على الآخر في الجملة،و لكن من كان سبقه كمن طار بعنان فرسه لا بد أن يستقل بالرهان،و لا يكون له فيه شريك من باقي الفرسان (2).
«كالجبل لا تحرّكه القواصف» أي:الرياح الكاسرة للأشجار .
«و لا تزيله العواصف» أي:الرياح الشديدة الناقلة للأشياء من محلّ إلى محلّ آخر.
و لما بعثه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لقبض ما صالح عليه أهل نجران،ففعل و رجع، و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم توجّه و ساق البدن،و أشركه عليه السلام في هديه تقدم عليه السلام على الجيش للقاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.ثم عاد إليهم،و وجدهم قد لبسوا الحلل الّتي كانت معهم فأنكر ذلك عليهم،و انتزعها منهم،و شدّها في الأعدال فاضطغنوا
ذلك عليه،فلمّا دخلوا مكّة على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أكثروا الشكاية منه عليه السلام.فأمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مناديا ينادي في الناس«ارفعوا ألسنتكم عن علي بن أبي طالب فإنّه خشن في ذات اللّه-عزّ و جلّ-غير مداهن في دينه»فكفّوا (1)
رواه المفيد في الارشاد:91 و 92 و [1]النقل بتلخيص.
.«لم يكن لأحد فيّ مهمز» أي:محل عيب.قيل للصادق عليه السلام:إنّ قوما هاهنا ينتقصون عليّا عليه السلام.قال:بم ينتقصونه لا أبا لهم،و هل فيه موضع نقيصة.
و اللّه ما عرض لعليّ عليه السلام أمران قط كلاهما للّه طاعة إلاّ عمل بأشدّهما و أشقّهما،و لقد كان يعمل العمل كأنّه قائم بين الجنّة و النّار،ينظر الى ثواب هؤلاء فيعمل له،و ينظر الى عقاب هؤلاء فيعمل له،و ان كان ليقوم الى الصلاة، فإذا قال«وجّهت وجهي»تغيّر لونه حتّى يعرف ذلك في وجهه،و لقد أعتق ألف عبد من كدّ يده كلهم يعرق فيه جبينه و تحفى فيه كفّه،و لقد بشّر بعين انبعثت في ماله مثل عنق الجزور.فقال:«بشّر الوارث.بشّر الوارث»ثم جعلها صدقة على الفقراء و المساكين و ابن السبيل-الخبر (2).
«و لا لقائل فيّ مغمز» أي:موضع طعن.
و إنّما أراد عمر الغمز فيه عليه السلام كباقي ستة الشورى فلم يجد شيئا، فاضطر إلى أن يستهجن فضائله عليه السلام فأخرج حسن خلقه عليه السلام في لباس سوء، فسمّاه دعابة و تبعه عمرو بن العاص،و أراد معاوية همزة عليه السلام.ففضح نفسه و المؤسّسين له فكتب إليه عليه السلام:«انك كنت تقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتّى بايعت أبا بكر» (3)فأجابه عليه السلام:«لقد أردت أن تذمّ فمدحت،و أن تفضح فافتضحت،و ما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن
شاكّا في دينه و لا مرتابا بيقينه » (1)
رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 3:33، [1]الكتاب 28.
.«الذليل عندي عزيز حتّى آخذ الحق له» روى ابن عبد ربه في(عقده).
و البغدادي في(بلاغاته)في وفود سودة بنت عمارة الهمدانية على معاوية قالت له:لا يزال يقدم علينا من ينوء بعزك،و يبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد السنبل،و يدوسنا دوس البقر،و يسومنا الخسيسة،و يسلبنا الجليلة،و هذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قبلك.فقتل رجالي،و أخذ مالي يقول لي:فوهي بما أستعصم اللّه منه و ألجأ إليه فيه و لو لا الطاعة لكان فينا عز و منعة،فإمّا عزلته عنّا فشكر ناك،و إمّا لا فعر فناك.فقال لها معاوية:أتهدّديني بقومك،لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردّك إليه ينفّذ فيك حكمه.قال:
فأطرقت تبكي ثم أنشأت تقول:
صلّى الإله على جسم تضمنه قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به بدلا فصار بالحق و الايمان مقرونا
فقال لها:و من ذاك؟قالت:علي بن أبي طالب.قال:و ما صنع بك حتّى صار عندك كذلك؟قالت:قدمت عليه في رجل ولاّه صدقاتنا قدم علينا من قبله فكان بيني و بينه ما بين الغث و السمين،فأتيت عليا لأشكو إليه ما صنع.
فوجدته قائما يصلّي.فلما نظر إليّ انفتل من صلاته.ثم قال لي برأفة و تعطف:
ألك حاجة؟فأخبرته الخبر.فبكى ثم قال:«اللهم إنّك أنت الشاهد علي و عليهم.
أنّي لم آمرهم بظلم خلقك،و لا بترك حقك».
ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجراب فكتب فيها«بسم اللّه الرحمن الرحيم قد جاءتكم بيّنة من ربكم ف «أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَ لا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللّهِ خَيْرٌ لَكُمْ»
1) 1)
«إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ» (1)
هود:85-86. [1]
إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك و السلام».قالت:فاخذته منه و اللّه ما ختمه بطين،و لا خزمه بخزام فقرأته.فقال لها معاوية:لقد لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيئا ما تفطمون-الخبر (2).و المراد بقول سودة«فوهي بما أستعصم اللّه منه»:أي سبّي عليّا، و أستعيذ باللّه من ذلك .
«و القوي عندي ضعيف حتّى آخذ الحقّ منه» في(المناقب):أخذ(علي)عليه السلام رجلا من بني أسد في حدّ.فاجتمع قومه ليكلّموه فيه،و طلبوا إلى الحسن عليه السلام أن يصحبهم.فقال:إيتوه فهو أعلى بكم عينا.فدخلوا عليه و سألوه،فقال:لا تسألوني شيئا أملك إلاّ أعطيتكم.قال:فخرجوا يرون انّهم قد أنجحوا،فسألهم الحسن عليه السلام فقالوا:أتينا خير مأتيّ،و حكوا له قوله.فقال:«ما كنتم فاعلين إذا جلد صاحبكم فاصنعوه»قال:فأخرجه علي عليه السلام فحدّه ثم قال:«هذا و اللّه لست أملكه» (3).
هذا و رووا-و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر-عن أسلم أبي زيد بن أسلم قال:خلا عمر لبعض شأنه و قال:أمسك علي الباب.فطلع الزبير.
فكرهته حين رأيته فأراد أن يدخل.فقلت:هو على حاجة قال:فلم يلتفت إلىّ، و أهوى ليدخل فوضعت يدي في صدره.فضرب أنفي.فأدماه.ثم رجع فدخلت على عمر فقال:ما بك؟قلت:الزبير.فأرسل الى الزبير،فلما دخل جئت فقمت لأنظر ما يقول له.فقال:ما حملك على ما صنعت ادميتني للناس،فقال
الزبير:-يحكيه و يمطّط في كلامه-أدميتني.أ تحتجب عنّا يا ابن الخطاب؟ فو اللّه ما احتجب عني رسول اللّه و لا أبو بكر.فقال عمر كالمعتذر:إنّي كنت في بعض شأني.قال اسلم فلمّا سمعته يعتذر إليه يئست من أن يأخذ لي بحقي فخرج الزبير.فقال عمر:انّه الزبير و آثاره ما تعلم.
و في(عيون ابن قتيبة):تنازع إثنان،أحدهما سلطاني و الآخر سوقي، فضربه السلطاني فصاح و اعمراه،و رفع خبره إلى المأمون،فأمر بإدخاله عليه.قال:من أين أنت؟قال:من أهل فامية،فقال:إنّ عمر كان يقول:من كان جاره نبطيا و احتاج إلى ثمنه فليبعه فإن كنت تطلب سيرة عمر فهذا حكمه (1)
عيون الاخبار 1:330. [1]
.«رضينا عن اللّه قضاءه و سلمنا للّه أمره» يمكن ربط هذا بما قبله.انّه لمّا بيّن عليه السلام مقاماته،و رفعه على الباقين كرفع السماوات على الأرضين كان عليه السلام بمقتضى بداهة العقول مستحقا لمقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أي:لسلطانه،و إلاّ فمقام إمامته كان أمرا من عند اللّه تعالى و قد كان المتقدمون عليه حازوا سلطانه فسلّى نفسه بما قال «رضينا ...» .
«أ تراني أكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم» هكذا في(المصرية)، و الصواب:«صلّى اللّه عليه و آله و سلم»كما في(ابن أبي الحديد)و غيره (2).
«و اللّه لأنا أوّل من صدّقه فلا أكون أوّل من كذب عليه» قد عرفت أنّ ابن أبي الحديد قال:انه كلام قاله عليه السلام لمّا تفرّس من جمع انّهم يتّهمونه في ما يخبرهم به عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من الملاحم و الغائبات (3).
قلت:إذا كان عليه السلام يخبرهم عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالملاحم لم يكن لهم دواع
إلى تكذيبه،و انّما كان عليه السلام يخبرهم بأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عيّنه خليفته و وصيّه و قائما مقامه،و قد رووا أنفسهم ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم الدار،يوم جمع بني عبد المطلب و قال:أيّكم يوازرني على أن يكون خليفتي،و يوم تبوك لما قال المنافقون:خلّفه على المدينة استثقالا له،و يوم غدير خم و قد رووه متواترا (1)
حديث يوم الدار و المنزلة و الغدير مر تخريج كل منها كرارا في مواضعه.
،و مواقع اخر،فكان المنافقون إذا كان عليه السلام يخبرهم بذلك-و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يشير اليه عليه السلام من يوم بعثته إلى ساعة رحلته تصريحا و تلويحا و قولا و عملا-ينسبونه إلى الكذب على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.و في خبر رواه(الاحتجاج)عن عبادة بن الصامت ان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لأبي بكر و عمر:و كأنّي بكما قد سلبتماه ملكه و تحاربتما عليه،و أعانكما على ذلك أعداء اللّه و أعداء رسوله،و كأنّي بكما قد تركتما المهاجرين و الأنصار يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف على الدنيا،و لكانّي بأهل بيتي،و هم المقهورون المشتّتون في أقطارها،و ذلك لأمر قد قضي-ثم بكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى سالت دموعه-ثم قال:يا علي الصبر الصبر حتّى ينزل الأمر (2).
و في خبر سليم بن قيس أن الأشعث قال لأمير المؤمنين عليه السلام:ما منعك حين بويع أخو تيم،و أخو عدي،و أخو اميّة،أن تقاتل و تضرب بسيفك،و أنت لم تخطبنا خطبة منذ قدمت العراق إلاّ قلت فيها قبل أن تنزل عن المنبر«و اللّه إنّي لأولى الناس بالناس،و ما زلت مظلوما منذ قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم»فقال عليه السلام:
منعني من ذلك أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و عهده إليّ،أخبرني بما الامّة صانعة بعده، فلم أك بما صنعوا حين عاينته بأعلم به قبل ذلك.
قال عليه السلام:فقلت للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:فما تعهد إلىّ إذا كان ذلك؟قال:إن وجدت أعوانا فانبذ إليهم و جاهدهم،و ان لم تجد أعوانا.فكفّ يدك و احقن دمك (1)
رواه سليم بن قيس في كتابه:126،و النقل بتصرف يسير.
.و روى المدائني منهم،عن عبد اللّه بن جنادة قال:قدمت من الحجاز أريد العراق في أوّل أمارة علي عليه السلام.فمررت بمكّة فاعتمرت.ثم قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إذ نودي:الصلاة جامعة،فاجتمع الناس، و خرج علي عليه السلام متقلدا سيفه.فشخصت الأبصار نحوه.فحمد اللّه تعالى و صلّى على رسوله.ثم قال:«أمّا بعد،فانّه لمّا قبض اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قلنا نحن أهله و ورثته،و عترته و أولياؤه دون الناس،لا ينازعنا سلطانه أحد،و لا يطمع في حقّنا طامع إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبيّنا.فصارت الإمرة لغيرنا.و صرنا سوقة يطمع فينا الضعيف و يتعزز علينا الذليل.فبكت الأعين منا لذلك،و خشنت الصدور و جزعت النفوس-الخبر - (2).
«فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي،و اذا الميثاق في عنقي لغيري» قال ابن أبي الحديد:أي وجوب طاعة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و امتثالي أمره سابق على بيعتي للقوم.فلا سبيل لي إلى الامتناع من البيعة لأنّه أمرني بها (3).
قلت:ما ذكره بلا محصّل و انّما معناه أنّ وجوب طاعته على جميع الناس كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله بمقتضى قوله تعالى «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (4)المتفق على
نزوله فيه عليه السلام (1)
رواه جمع كثير من أهل الاثر و جمع بعض طرقه السيوطي في الدر المنثور 2:293 و 294 و [1]المجلسي في بحار الانوار 35:183،باب 4. [2]
،و قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في المتواتر«أ لست أولى بكم من أنفسكم؟فقالوا:بلى.فقال:فمن كنت مولاه فعلي مولاه»حتّى أنّه قال ابن الخطاب في ما رواه أئمّتهم:«بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة» (2)سبق علي بيعته الاجبارية بالمقطوع للقوم، و كيف لا و قد هددوه بضرب عنقه يوم أبي بكر و يوم عثمان و عمر لم يكن ذا بيعة بعد نصب أبي بكر له،إلاّ أنّ أخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الميثاق منه بعدم التكلّم كان يمنعه عن قيامه،لا تلك البيعة.و روى الطبري أنّه عليه السلام قال يوم الشورى:«فنحن بيت النبوّة،و معدن الحكمة،و أمان أهل الأرض،و نجاة لمن طلب.لنا حقّ إن نعطه نأخذه،و إن نمنعه نركب أعجاز الابل و لو طال السرى.لو عهد إلينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم عهدا لأنفذنا عهده،و لو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتّى نموت.لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق»-الخبر- (3).
و في خبر المدائني المتقدم«و أيم اللّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين، و أن يعود الكفر و يبور الدين،لكنّا على غير ما كنّا لهم»-الخبر- (4).
ثم انّ ابن أبي الحديد قال في هذا العنوان:فإن قيل:فهذا تصريح بمذهب الإماميّة قيل:ليس الأمر كذلك بل هذا تصريح بمذهب أصحابنا من البغداديين لأنّهم يزعمون أنّه الأفضل،و الأحق بالإمامة،و أنّه لو لا ما يعلمه اللّه و رسوله
من الأصلح للمكلّفين من تقديم المفضول عليه لكان من تقدم عليه هالكا.
فالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخبره أنّ الإمامة حقه،و انّه أولى بها من الناس أجمعين.
و أعلمه أنّه في تقديم غيره و صبره على التأخر عنها مصلحة للدين راجعة إلى المكلّفين،و أنّه يجب عليه أن يمسك عن طلبها،و يغضي عنها لمن هو دون مرتبته،فامتثل ما أمره به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و لم يخرجه تقدم من تقدم عليه من كونه الأفضل و الأولى و الأحق،و قد صرّح شيخنا أبو القاسم البلخي بهذا،و صرّح به تلامذته،و قالوا:لو نازع عقيب وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و سلّ سيفه لحكمنا بهلاك كل من خالفه و تقدم عليه كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه،و لكنه مالك الأمر،و صاحب الخلافة،إذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها،و إذا أمسك عنها وجب علينا القول بعدالة من أغضى له عليها،و حكمه في ذلك حكم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأنّه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنّه قال:«علي مع الحق،و الحق مع علي يدور حيثما دار»و قال له غير مرة:«حربك حربي و سلمك سلمي»و هذا المذهب هو أعدل المذاهب عندي و به أقول (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:211. [1]
.قلت:إنّي لأستحي للرجل و لأصحابه البغدايين من أهل العالم.فهل نزاعه عليه السلام مع الثلاثة أمر يلتبس بعد تواتر الأخبار به و ملء السير منه؟و ما ذكره من عدم سلّه عليه السلام سيفه تخليط.فإنّما سلّ السيف لمن كان له سيف، و النفر الواحد أنّي يكون له سيف في قبال جميع الناس،فهو نظير أن يقال:إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يكن في مدة مقامه بمكّة نبيّا لأنّه ما سلّ سيفا و انّما كان نبيّا حين هاجر و سلّ سيفه.
و ما نقله عن البلخي و أتباعه من قولهم بتفسيق من نازعهم كأهل
1) 1)
الجمل و صفين،و تعديل من أغضى عنهم كالثلاثة،نظير أن يقول أحد إنّ المالك إذا لم يخف من الغاصب و ادعى حقه.فالغاصب فاسق،و ان خاف منه و سكت،فالغاصب عادل،و تهديدهم له بالقتل يوم السقيفة و يوم الشوى،ممّا اتّفق عليه التاريخ.
و ما ذكره من أنّ تقدّم الثلاثة عليه عليه السلام كان مصلحة للدين راجعة إلى المكلّفين،أعجب من كل عجيب.هل مصلحة الدين في تبديل الشريعة، و التسبب لإيجاد الفرق الضالّة و المذاهب الباطلة،و شيوع البدع،و اذلال المؤمنين،و إعزاز المنافقين و استئصال عترة سيّد المرسلين،و إنّما كان في إملاء اللّه تعالى لهم حكمة،و هي امتحان الامّة «أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ» (1)
العنكبوت:2-3. [1]
.كما أنّ في قعوده عليه السلام و سكوته مصالح،و منها ما مر في خبر المدائني في قوله عليه السلام:«و أيم اللّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين،و أن يعود الكفر، و يبور الدين،لكنّا لهم على غير ما كنّا لهم» (2).
و سأل الباقلاّني المفيد عن علّة سكوته فقال له:أولا:إنّ الامام المعصوم من الخطأ و الزلل لا اعتراض عليه في قيامه و قعوده،و ثانيا:نعلم في الجملة أنّ قعوده لمصلحة ابين بعض وجوهها،و هو أنّه عليه السلام علم أنّ في المخالفين من يرجع عن الباطل إلى الحق بعد مدة فكان ترك قتله مصلحة، و يمكن أن يكون اللّه علم أنّ في ظهورهم مؤمنين لا يجوز اجتياحهم فكان في ترك قتلهم مصلحة،و يمكن أن يكون أنّه شفقة منه على ولده و شيعته أن
يصطلموا فينقطع نظام الإمامة (1)
جاء في ضمن عدة رسائل الشيخ المفيد:182.
.و تقديم المفضول قبيح عقلي فكيف يرضاه اللّه تعالى.و روى نصر بن مزاحم في(صفينه)أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قام في صفين في الناس عشية الثلاثاء بعد العصر.فقال:«الحمد للّه الذي لا يبرم ما نقض،و لا ينقض ما أبرم،و لو شاء ما اختلف اثنان من هذه الامّة،و لا من خلقه، و لا تنازعت الامة في شيء من أمره،و لا جحد المفضول ذا الفضل فضله» -الخبر- (2).
هذا،و يناسب كلامه عليه السلام في العنوان كلام ابنه الحسن عليه السلام لمّا أرسله عليه السلام مع عمّار الى الكوفة لمّا أراد حرب البصرة.روى أبو مخنف عن عبد الرحمن بن أبي ليلى:أنّ الحسن عليه السلام قال بعد حمده تعالى:«أيّها الناس إنّا جئنا ندعوكم إلى اللّه،و الى كتابه،و سنة رسوله،و إلى أفقه من تفقّه من المسلمين،و أعدل من تعدّلون،و أفضل من تفضّلون،و أوفى من تبايعون.من لم يعبه القرآن،و لم تجهله السنة،و لم تقعد به السابقة، إلى من قرّبه اللّه تعالى و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم قرابتين:قرابة الدين و قرابة الرحم، إلى من سبق الناس إلى كل مأثرة،إلى من كفى اللّه به رسوله و الناس متخاذلون،فقرب منه و هم متباعدون،و صلّى معه و هم مشركون، و قاتل معه و هم منهزمون،و بارز معه و هم محجمون،و صدّقه و هم يكذبون.
إلى من لم تردّ له راية و لم تكافأ له راية سابقة،و هو يسألكم النصر و يدعوكم إلى الحقّ» (3).
الخطبة(195)
(و من كلام له عليه السلام):
وَ لَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ؟مُحَمَّدٍ ص؟- أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللَّهِ وَ لاَ عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ- وَ لَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ- الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الْأَبْطَالُ- وَ تَتَأَخَّرُ الْأَقْدَامُ نَجْدَةً أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا- وَ لَقَدْ قُبِضَ؟رَسُولُ اللَّهِ ص؟ وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي- وَ لَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي- وَ لَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ ص وَ الْمَلاَئِكَةُ أَعْوَانِي- فَضَجَّتِ الدَّارُ وَ الْأَفْنِيَةُ- مَلَأٌ يَهْبِطُ وَ مَلَأٌ يَعْرُجُ- وَ مَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْنَمَةٌ مِنْهُمْ- يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ- فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً وَ مَيِّتاً- فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ- وَ لْتَصْدُقْ نِيَّاتُكُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ- فَوَالَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ- وَ إِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ الْبَاطِلِ- أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ أقول:الخطبة من خطبه عليه السلام في صفين.روى نصر بن مزاحم في ( صفينه نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 223 )مسندا عن أبي سنان الأسلمي قال:لمّا اخبر علي بخطبة معاوية، و عمرو بن العاص،و تحريضهما الناس عليه عليه السلام أمر الناس فجمعوا.قال أبو سنان:و كأنّي أنظر إلى علي عليه السلام متوكّئا على قوسه،و قد جمع أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عنده فهم يلونه و احب أن يعلم الناس أنّ اصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم متوافرون عليه فحمد اللّه.ثم قال:«أيّها الناس!اسمعوا مقالتي، و عوا كلامي.فإنّ الخيلاء من التجبّر،و إنّ النخوة من التكبّر،و إنّ الشيطان عدوّ حاضر يعدكم الباطل،ألا انّ المسلم أخو المسلم-إلى أن قال-ألا و إنّ من أعجب العجائب أنّ معاوية بن أبي سفيان الاموي،و عمرو بن العاص
السهمي،أصبحا يحرّضان الناس على طلب الدين بزعمهما،و قد علمتم أنّي لم اخالف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قطّ،و لم أعصه في أمر قطّ.أقيه بنفسي في المواطن الّتي ينكص فيها الأبطال و ترعد فيها الفرائض،نجدة أكرمني اللّه بها فله الحمد.و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إنّ رأسه لفي حجري،و لقد ولّيت غسله بيدي وحدي تقلبه الملائكة المقرّبون معي،و أيم اللّه ما اختلفت امّة قطّ بعد نبيّها إلاّ ظهر أهل باطلها على حقّها،إلاّ ما شاء اللّه.
فقال أبو سنان:فسمعت عمّار بن ياسر يقول:«أمّا أمير المؤمنين عليه السلام فقد أعلمكم انّ الامّة لن تستقيم عليه»قال:ثمّ تفرق الناس و قد نفذت بصائرهم (1)
وقعة صفين:223. [1]
،و رواه الشيخان في أماليهما مسندا عن الأصبغ مثل ما رواه نصر مع تبديل قوله«نجدة»بقوله«بقوة» (2).قول المصنّف «و من كلام له عليه السلام» هكذا في(المصرية)،و الصواب «و من خطبة له عليه السلام»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّيّة» (3).
«و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم» قد عرفت أنّ في رواية (صفين و الاماليين)بدل الجملة«و قد علمتم»لانّه خاطب الصحابة الّذين كانوا معه و اجتمعوا حوله،و لفظ المصنّف أيضا ورد في مواضع اخر.ففي( غيبة النعماني النعماني-الغيبة-ص 28 و 29 ):«قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته المشهورة الّتي رواها الموافق و المخالف«ألا إنّ العلم الّذي هبط به آدم عليه السلام-إلى أن قال-و قال علي عليه السلام في خطبته هذه«و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال:إنّي و أهل بيتي مطهّرون» (4).
و في( خصال الشيخ الصدوق-الخصال-ج 2 ص 572 ح 1،باب السبعين الصدوق)مسندا عن مكحول أنّه قال:قال أمير المؤمنين عليه السلام:لقد علم المستحفظون من أصحاب النبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه ليس فيهم رجل له منقبة إلاّ و قد شركته فيها و فضلته،ولي سبعون منقبة لم يشركني فيها أحد منهم-الخبر- (1)
الخصال 2:572 ح 1،باب السبعين.
.قال ابن أبي الحديد يمكن أن يعنى بالمستحفظين الخلفاء الّذين تقدموا لأنّهم الّذين استحفظوا الإسلام أي جعلوا حافظين له،و حارسين لشريعته و يحوزونه،و يجوز أن يعني به العلماء و الفضلاء من الصحابة لأنّهم استحفظوا الكتاب،أي:كلّفوا حفظه و حراسته (2).
قلت:فيه أوّلا:إنّه واضح أنّ المراد بالمستحفظين هم الّذين وجدوا حافظين تذكرا للوقائع و الامور ليكون مناسبا لقوله بعد «إنّي لم أردّ على اللّه، و لا على رسوله ساعة قط» و الاستفعال قد يجيء لاصابة الشيء على صفة، نحو:استعظمته أي:وجدته عظيما،و هنا كذلك،و إلاّ فأيّ ربط لحفظ الإسلام و حفظ الكتاب بكلامه عليه السلام ذاك.
و ثانيا:إذا كان الاستفعال بمعنى الطلب،فمن أين كان المتقدمون عليه عليه السلام حافظين للاسلام،و قد قتل المسلمون ثالثهم بكفره لقوله تعالى «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» (3).
و ثالثا:إنّ خلفاءه الّذين قال:كيف يجعلهم أمير المؤمنين عليه السلام شهداء لما وصف به نفسه،و قد كانوا أجهدوا غاية الجهد أن يوجدوا عليه عليه السلام طعنا في ردّه على الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوما.فروى الزبير بن بكار في موفقياته عن ابن
عباس قال:خرجت اريد عمر فلقيته راكبا حمارا،و قد ارتسنه بحبل أسود-إلى أن قال-:
قال لي عمر:فلم لا تخطب الى ابن عمّك-يعني عليّا عليه السلام-قلت:ألم تسبقني إليه؟قال:فالاخرى،قلت:هي لابن أخيه،قال:يا ابن عباس!إنّ صاحبكم إن ولي هذا الأمر أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به.فليتني أراكم بعدي.قال:قلت:إنّ صاحبنا ما قد علمت أنّه ما غيّر و لا بدّل و لا أسخط رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أيّام صحبته له.قال:فقطع علي الكلام.فقال:و لا في ابنة أبي جهل لمّا أراد أن يخطبها على فاطمة؟قال:قلت:قال اللّه-عزّ و جلّ- «وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» (1)
طه:115. [1]
و صاحبنا لم يعزم على سخط رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لكنّ الخواطر الّتي لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه،و ربما كانت من الفقيه في دين اللّه العالم العامل بأمر اللّه،فقال:يا ابن عباس!من ظن أنّه يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتّى يبلغ قعرها.فقد ظن عجزا.استغفر اللّه لي و لك،خذ في غير هذا.ثم أنشأ يسألني عن شيء من امور الفتيا و اجيبه.فيقول:أصبت أصاب اللّه بك، أنت و اللّه أحق أن تتّبع (2).قلت:و هذا من الرجل نظير سعيه على أن يوجد له عليه السلام صفة مذمومة.
فسمّى حسن خلقه دعابة كما سمّى طلبه عليه السلام لحقه حرصا،و سمّى عزّة نفسه عجبا و كبرا.
ثم أصله بهتان،و لو كان له حقيقة كيف يغضب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من شيء أحلّه اللّه تعالى،و جاء به نفسه من عنده تعالى،و لمّا اصطفى عليه السلام من سبي بني زبيد جارية بعث خالد بن الوليد بريدة الأسلمي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال له:تقدم
الجيش إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأعلمه بما فعل علي من اصطفاء الجارية من الخمس لنفسه،وقع فيه.فسار بريدة حتى انتهى الى باب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فلقيه عمر فسأله عن حال غزوتهم،و عن الّذي أقدمه.فأخبره أنه إنّما جاء ليقع في علي، و ذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه.فقال له عمر:امض لما جئت له فإنه سيغضب لابنته مما صنع.فدخل بريدة على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و معه كتاب من خالد بما أرسل به.فجعل بريدة يقرأه،و وجه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يتغيّر،فقال بريدة للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم:إنّك إن رخّصت للناس في مثل هذا ذهب فيئهم.فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و يحك يا بريدة!أحدثت نفاقا.إنّ علي بن أبي طالب يحلّ له من الفيء ما يحلّ لي.انّ عليّا خير الناس لك و لقومك و خير من اخلف بعدي لكافة أمّتي.يا بريدة احذر أن تبغض عليّا فيبغضك اللّه.
قال بريدة:فتمنّيت أنّ الأرض انشقّت فسخت فيها،و قلت:أعوذ باللّه من سخط اللّه و سخط رسوله (1)
رواه المفيد في الارشاد:85،و [1]النقل بالمعنى.
.و قال النقيب-و قد نقله(ابن أبي الحديد)في شرح قوله عليه السلام لما قيل له:
«كيف دفعكم قومكم عن هذا الأمر؟»في جملة ما قال ممّا فعل عمر لدفع أمير المؤمنين عليه السلام عن الأمر:«عاب عليا عليه السلام بخطبته بنت أبي جهل فأوهم أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كرهه لذلك،و وجد عليه،و أرضاه عمرو بن العاص.فروى حديثا افتعله و اختلقه على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال سمعته يقول:«إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء،إنّما وليي اللّه و صالح المؤمنين»فجعلوا ذلك كالناسخ لقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم «من كنت مولاه فهذا مولاه» (2).
قلت:قد عرفت أنّ أصل خبر الرجل وضع لمخالفته للكتاب كخبر
صاحبه«نحن معاشر الأنبياء لا نورّث»و حينئذ فلو كان ابن أبي الحديد قال:
إنّ المستحفظين غير خلفائه كان أحسن،و إن كان خلفاؤه،و باقي مخالفيه عليه السلام مقرّين بفضائله،و أنّ الخلافة حقه حتى مثل عمرو بن العاص و سعد بن أبي وقاص.
ففي(خلفاء ابن قتيبة):أن عمرو بن العاص سئل عن خبر الولاية فقال:
انه حق و قال للسائل:أزيدك.ليس أحد من صحابة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له مناقب مثل مناقب علي (1)
الإمامة و السياسة [1]المنسوب الى ابن قتيبة 1:109. [2]
.و فيه أنّ سعد بن أبي وقاص قال:إنّ عليا شاركنا في محاسننا و لم نشاركه في محاسنه،و كان أحقنا كلّنا بالخلافة (2).
«إنّي لم أردّ على اللّه،و لا على رسوله ساعة قطّ» قال ابن أبي الحديد:الظاهر أنّه عليه السلام يرمز إلى أمور وقعت من غيره كما جرى يوم الحديبية عند سطر كتاب الصلح فإنّ بعض الصحابة أنكر ذلك و قال:ألسنا بالمسلمين؟قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:بلى.قال:أو ليسوا بالكافرين؟قال:بلى.قال:فكيف نعطي الدنيّة في ديننا.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إنّما أعمل بما اومر به،و قال لقوم من الصحابة:
ألم يكن وعدنا بدخول مكّة،و نحن قد صددنا عنها،ثم ينصرف بعد أن أعطينا الدنية من ديننا،و اللّه لو أجد أعوانا لم أعط الدنية أبدا.فقال أبو بكر له:ويحك الزم غرزه.فو اللّه انّه لرسول اللّه،و ان اللّه لا يضيعه ثم قال له:أقال لك:انّه سيدخلها هذا العام قال:لا قال:فسيدخلها فلما فتح النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مكّة،و أخذ مفاتيح الكعبة دعاه فقال:هذا الذي وعدتم به (3).
قلت:إذا كان الخبر صحيحا،و رواه الناس كلهم كما اعترف به في كلامه،فلم رمز عن عمر و قد اتفقت التواريخ أيضا سوى الآثار على إنكار عمر في الحديبية على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ردّه عليه،و من الغريب اعتذار ابن أبي الحديد عنه بأنّ سؤاله كان التماسا لطمأنينة النفس كإبراهيم،و إن قول أبي بكر:«الزم غزره فو اللّه انه لرسوله»تثبيت على عقيدته،و لا يدلّ على الشك كما قال تعالى «وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً» (1)
الاسراء:74. [1]
.فعلى قول ابن أبي الحديد اذا صار عمر بالاعتراض على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نبيّا مرسلا كإبراهيم،لم لم يعترض على اللّه حتى يصير عند ابن أبي الحديد إلها؟!نعوذ باللّه من العصبية الى أي درجة تصل،و كيف يعتذر له بعدم الشك، و قد ذكر الثعلبي عند ذكر سورة الفتح،و غيره من الرواة أنّ عمر قال:«ما شككت منذ أسلمت إلاّ يومئذ» (2).
و لنعم ما قال صاحب(الطرائف)في قول عمر«فلم نعطي هذه الدنية في ديننا»فهلاّ كانت هذه الشجاعة منه في يوم حنين،و خيبر و غيرهما من الغزوات الّتي هرب فيها و خالف اللّه و رسوله.
قال:و من طريف ذلك أنّ عمر بعد ما أخبره نبيهم بالجواب عن سؤاله و اعتذر عن دخول مكّة لا يلتفت إلى جواب نبيّهم،و لا اعتذاره،و يأتي إلى أبي بكر فيعيد عليه تلك الموافقة و شكّه في الإسلام،و يلتمس من أبي بكر الجواب،فأعاد عليه أبو بكر ما سمعه من نبيهم.
قال:و من طريف ذلك:إقدامه على نبيّهم في مثل تلك الحال من شدّة الحاجة إلى عون المسلمين لنبيهم بالقول و الفعل،فكان ذلك الموقف موقف
تعنيف و تخجيل،و فتح لأبواب الشك في النبوة،و تقوية حجة سهيل بن عمرو و الكفار.اما يدل هذا على ضلال هائل و جهل خاذل؟ قال:و من طريف ذلك أنّ بعد قول نبيهم لعمر«إنّي رسول اللّه و لست أعصيه و هو ناصري،يقول له عمر:«أو لست كنت تحدّثنا انّا سنأتي البيت و نطوف به؟»قال:أما هذا تكذيب صريح لنبيّهم و استخفاف لنبوّته،و كسر لحرمته (1)
الطرائف 2:441-442،و [1]النقل بتلخيص.
.و قال ابن أبي الحديد أيضا:«و قد كانت وقعت من هذا القائل أمور دون هذه القصّة كقوله:دعني أضرب عنق أبي سفيان»و قوله:«دعني اضرب عنق عبد اللّه بن أبيّ»و قوله:«دعني أضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة»و نهي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن التسرع الى ذلك،و جذبه ثوب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حين قام على جنازة ابن سلول يصلي و قوله له:«كيف تستغفر لرأس المنافقين؟»قال:
و ليست في ذلك جميعه ما يدلّ على وقوع القبيح منه،و إنما الرجل كان مطبوعا على الشدّة و الشراسة و الخشونة،و كان يقول ما يقول على مقتضى السجية التي طبع عليها.و على أيّ حال كان،فلقد نال الإسلام بولايته و خلافته خيرا كثيرا (2).
قلت:أمّا في قوله دعني أضرب عنق فلان،و فلان و فلان.فهو أحق بما قيل في الحجاج:
أسد علي و في الحروب نعامة جبناء تصفر من صفير الصافر
هلاّ برزت إلى غزالة في الوغى بل كان قلبك في جناحي طائر
و قد أمر عمر بقتل رجلين خلافا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم
حنين لما ارتفع النهار أن لا يقتل أسير من القوم،و أسر ذاك اليوم ابن الأكوع.
فمر به عمر فأقبل على رجل من الأنصار،و قال:عدو اللّه الّذي كان عينا علينا ها هو أسير.فاقتله فضرب الأنصاري عنقه.فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فكرهه و قال:ألم آمركم أن لا تقتلوا أسيرا؟!و قتل بعده جميل بن معمر بن زهير و هو أسير.فبعث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو مغضب إلى الأنصار فقال:ما حملكم على قتله و قد جاءكم الرسول أن لا تقتلوا أسيرا؟!فقالوا:إنّما قتلناه بقول عمر.فأعرض النبي عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى كلّمه عمير بن وهب في الصفح عن ذلك (1)
رواه المفيد في الارشاد:76،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و ممن ردّ على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم غير عمر أبو حذيفة بن عتبة.روى محمّد بن إسحاق أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لأصحابه:إنّي قد عرفت أنّ رجالا من بني هاشم و غيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله(أي:في بدر)و من لقي أبا البختري،فلا يقتله فإنّه إنّما أخرج مستكرها.فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة:أ نقتل آباءنا،و أبناءنا و إخواننا و عشيرتنا،و نترك العباس،و اللّه لئن لقيته لألحمنّه السيف،فسمعها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فقال لعمر:يا أبا حفص-قال عمر:و اللّه إنّه لأوّل يوم كنّاني فيه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بأبي حفص-أ يضرب وجه عم رسول اللّه بالسيف؟فقال عمر:يا رسول اللّه دعني فلأضرب عنقه بالسيف.فو اللّه لقد نافق.فكان أبو حذيفة يقول:و اللّه ما أنا بآمن من تلك الكلمة الّتي قلت يومئذ،و لا أزال منها خائفا أبدا (2).
و قال محمّد بن إسحاق أيضا و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا استشار أبا بكر و عمر و سعد بن معاذ في أمر الاسارى غلظ عمر عليهم غلظة شديدة.فقال:يا
رسول اللّه!أطعني في ما اشير به عليك.فإنّي لا آلوك نصحا.قدّم عمّك العباس.فاضرب عنقه بيدك،و قدّم عقيلا إلى علي أخيه يضرب عنقه،و قدّم كل أسير منهم إلى أقرب الناس إليه يقتله،فكره النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذلك و لم يعجبه (1)
رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3:356،شرح الكتاب 9.
.قلت:من الغريب أنّه يحكم بنفاق أبي حذيفة لمّا أراد مخالفة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في قتل عمّه،و يستأذنه في ضرب عنقه،ثم بعد ذلك يشدّد بنفسه على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في قتل عمه.
و أما قول ابن أبي الحديد و ليس في جميع ذلك ما يدلّ على وقوع القبيح منه فأعجب،و لا بد أن يقول بأنّه لم يقع في نسبته الهجر الى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما قال آتوني بدواة أكتب لكم ما لن تضلوا بعدي أبدا،و منعه عن كتابة وصيّته، و في ارادة إحراق بنت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم سيّدة نساء العالمين،و إحراق سيّدي شباب أهل الجنّة،و إحراق أمير المؤمنين عليه السلام الّذي كان بمنزلة نفس النبي بنص القرآن (2)،لأنّه كان حلف أنّه يحرقهم لو لم يخرج للبيعة،و كان يفعل،...
أيضا منه قبيح.
و أمّا قوله:«فإنّما الرجل كان مطبوعا على الشراسة...»فلعمري كان خاله أبو جهل أيضا مطبوعا على تلك الشراسة فكان لا يقدر أن يضبط نفسه في عداوة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فإن كان عمر معذورا كان ذاك أيضا معذورا.
و أمّا قوله:«فقد نال الإسلام به...»فعلى فرض التسليم فالخمر و الميسر أيضا كان فيهما منافع للناس إلاّ أنّ إثمهما أكبر من نفعهما مع أنّ فتوحاته كانت بسط يد للجبّارين و كيف و قد هيّأ أسباب تولية عثمان رئيس بني امية أعداء الدين و أعداء الإسلام،و لعمر اللّه إن من لم يكابر كان مسخه الإسلام
واضحا،و لقد مرّ أبو سفيان أيّام عثمان على قبر حمزة فضربه برجله،و قال:
قم يا حمزة و انظر الدين الّذي تقتلوننا به في يد فتياتنا يلعبون به (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 4:51،شرح الكتاب 32.
.ثم لم خصّ الردّ على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالثاني.فقد كان الأوّل أيضا يردّ عليه.روى المبرد في كامله ان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نظر إلى رجل ساجد.فقال:ألا رجل يقتله؟فحسر أبو بكر عن ذراعه،و انتضى السيف،و صمد نحوه.ثم رجع إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال:أقتل رجلا يقول لا إله إلاّ اللّه.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:ألا رجل يفعل؟ففعل عمر مثل ذلك.فلمّا كان في الثالثة قصد له علي بن أبي طالب عليه السلام فلم يره.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:لو قتل هذا ما اختلف في دين اللّه اثنان (2).
و قد خالفاه عملا و ردّا عليه قولا في تخلفهما عن جيش اسامة مع أنّ ردّ الثانيّ لم يكن منحصرا بما نقل.فقد روى الحميدي عن عروة عن عائشة من المتفق على صحّته أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم اعتمّ بالعشاء حتى ناداه عمر للصلاة.
فقال:نام الصبيان و النساء.و في رواية ابن شهاب أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال«و ما كان لكم أن تنزروا رسول اللّه على الصلاة»و ذلك حين صاح عمر (3).
و روى الحميدي من(صحيح مسلم)عن أبي هريرة قال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم:
لقيت عمر فأخبرته بالّذي بعثتني به.فضرب بين يدي ضربة خررت لاستي، و قال:إرجع.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له:ما حملك على ما صنعت.قال:أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد ألاّ إله الاّ اللّه مستقينا بها قلبه بشّره بالجنة،قال:نعم.
قال:فلا تفعل فإني أخشى أن يتّكل الناس عليها فخلّهم يعملوا (4).
و في(الاستيعاب):في خالد بن ربعي في قصّته مع القعقاع أنزل تعالى «لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَ رَسُولِهِ» (1)
الحجرات:1. [1]
في قول أبي بكر للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم:استعمل فلانا و قول عمر له:استعمل فلانا (2).و عدّ النقيب في أسباب تجرّي عمر على بيعة أبي بكر،و العدول عن علي عليه السلام انكاره أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أصحابه بذبح النواضح (3).
«و لقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص» أي:تحجم عنها يقال:
نكص الرجل على عقبيه،أي:رجع.
«فيها الأبطال» جمع البطل،أي:الشجاع.
«و تتأخّر فيها»هكذا في(المصرية)،و الكلمة زائدة لعدم وجود«فيها»في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّيّة» (4).
«الأقدام» فلا تقدم و لا تتقدم.
قال ابن أبي الحديد:هذا ممّا اختص بفضيلته غير مدافع.ثبت معه يوم احد و فرّ الناس،و ثبت معه يوم حنين و فرّ الناس،و ثبت تحت رايته يوم خيبر حتى فتحها و فرّ من كان بعث بها من قبله.
قال:و روى المحدّثون أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما ارتثّ يوم أحد قال الناس:
قتل محمّد،رأته كتيبة من المشركين و هو صريح بين القتلى إلاّ أنّه حيّ فصمدت له،فقال لعليّ عليه السلام:اكفني هذه.فحمل عليه السلام و قتل رئيسها،ثم صمدت له كتيبة ثالثة.فكذلك.فكان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعد ذلك يقول:قال لي جبريل:يا محمّد!إنّ هذه للمواساة فقلت و ما يمنعه و هو منّي و أنا منه.فقال جبريل و أنا
منكما (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:542. [1]
.قلت و رواه الطبري و روى ما بعده (2).قال:و روى المحدثون أيضا أنّ المسلمين سمعوا ذلك اليوم صائحا من جهة السماء ينادي:«لا سيف إلاّ ذو الفقار،و لا فتى إلاّ علي»فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمن حضره:ألا تسمعون؟هذا صوت جبريل.
قال:و أما يوم حنين.فثبت معه في نفر يسير من بني هاشم بعد أن ولّى المسلمون الأدبار،و حامى عنه،و قتل قوما من هوازن بين يديه،حتى ثابت إليه الأنصار،و انهزمت هوازن،و غنمت أموالها،و أما يوم خيبر فقصّته مشهورة،إلخ (3).
قلت:لم خصّ تلك المواطن باحد و حنين و خيبر؟و لم لم يذكر يوم الأحزاب،يوم عمرو بن عبد ود،و قد كان الفتح في جميع غزوات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على يده،و تقدم الكلام فيها في الأوّل عند قوله عليه السلام:«أما و اللّه إن كنت لفي ساقتها حتّى ولّت بحذافيرها ما ضعفت و لا جبنت» (4)و لم تكن مواساته عليه السلام مختصة بغزواته.لم لم يذكر ليلة المبيت،و قد ذكر الثعلبي منهم في قوله تعالى: «وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ» (5)أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا أراد الهجرة خلّف عليا عليه السلام بمكّة لقضاء ديونه و ردّ الودايع الّتي كانت عنده،و أمره ليلة خرج إلى الغار،و قد أحاط المشركون بالدار،أن ينام على فراشه.ففعل فأوحى-عزّ و جلّ-إلى جبرئيل و ميكائيل:إنّي قد آخيت بينكما، و جعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر.فأيّكم يؤثر صاحبه بالحياة،
فاختار كلاهما الحياة،فأوحى إليهما:ألاّ كنتما مثل علي!آخيت بينه و بين محمّد فبات على فراشه يفديه بنفسه،و يؤثره بالحياة،فاهبطا إلى الارض.
فاحفظاه من عدوه،فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه،و ميكائيل عند رجليه،فقال جبرئيل:بخ بخ.من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي اللّه بك الملائكة.فأنزل اللّه تعالى على رسوله،و هو متوجّه إلى المدينة في شأن علي عليه السلام «وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ» (1)
رواه عن الثعلبي ابن طاوس في الطرائف 1:37،ح 27،و [1]النقل بتصرف يسير.
و لم لم يذكر يوم البراءة.«نجدة أكرمني اللّه بها» أي:شجاعة.جعله(ابن أبي الحديد)مفعولا مطلقا حذف عامله (2)،و جعله«خو»مفعولا له لقوله «و لقد واسيته» (3)،و الصواب:
كونه خبرا،أي:تلك المواساة نجدة أكرمني اللّه بها.
رووا أنّه قيل لخلف الأحمر:أيّهما أشجع عنبسة و بسطام أم علي؟فقال:
إنّما يذكران مع البشر لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة.فقيل له:فعلى كل حال.
فقال:و اللّه لو صاح في وجوههما لماتا قبل أن يحمل عليهما (4).
«و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إنّ رأسه لعلى صدري» قال الطبري:ان عليا عليه السلام كان يغسّله،قد أسنده إلى صدره،و عليه قميصه يدلكه من ورائه (5).
و في(الإرشاد):و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا قرب خروج نفسه قال له:ضع يا علي رأسي في حجرك،فقد جاء أمر اللّه تعالى.فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك، و امسح بها وجهك ثم وجّهني،و تولّ امري،و صلّ علي أوّل الناس،و لا تفارقني حتّى تواريني في رمسي،و استعن باللّه تعالى.فأخذ علي عليه السلام رأسه
في حجره فاغمي عليه فأكبّت فاطمة عليها السلام تنظر في وجهه و تندبه و تبكي و تقول:
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ففتح النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عينه و قال بصوت ضئيل:يا بنية!هذا قول عمّك أبي طالب لا تقوليه،و لكن قولي: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» (1)
آل عمران:144. [1]
فبكت طويلا فأومأ إليها بالدنو منه، فدنت منه فأسرّ إليها شيئا تهلّل وجهها له (2).و روى أحمد بن حنبل في(فضائله)عن ام سلمة قالت:و الّذي أحلف به إن كان علي لأقرب الناس عهدا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعثه في حاجة غداة قبض فكان يقول:أجاء علي-ثلاث مرّات-فجاء علي قبل طلوع الشمس فخرجنا من البيت لمّا عرفنا أنّ له إليه حاجة.فأكبّ عليه علي عليه السلام فكان آخر الناس به عهدا و جعل يسارّه و يناجيه (3).
و عن الطبري في(الولاية)و الدار قطني في(الصحيح)،و السمعاني في (فضائله)عن عائشة قالت:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو في بيتها:ادعوا لي حبيبي.
فدعوت له أبا بكر فنظر إليه ثم وضع رأسه.ثم قال:ادعوا لي حبيبي.فدعوا له عمر.فلمّا نظر إليه قال:ادعوا لي حبيبي.فقلت:ويلكم ادعوا له عليّا.فو اللّه ما يريد غيره.فلمّا رآه أفرج الثوب الّذي كان عليه ثم أدخله فيه،و لم يزل يحتضنه حتّى قبض و يده عليه (4).
و روى أحمد بن حنبل في(مسنده)عن ابن عباس قال:لمّا مرض
النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مرضه الّذي مات فيه قال:ادعوا عليّا.قالت عائشة:ندعو لك أبا بكر و قالت حفصة:ندعو لك عمر.و قالت امّ الفضل،ندعو لك العبّاس.فلمّا اجتمعوا رفع رأسه فلم ير عليّا صلّى اللّه عليه و آله و سلم،فسكت فقال عمر:قوموا عن رسول اللّه (1)
رواه عنهم السروي في مناقبه 1:236.
.و روى كاتب الواقدي في(طبقاته)عن أبي غطفان قال:سألت ابن عباس أرأيت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم توفّي و رأسه في حجر أحد؟قال:توفّي و هو لمستند إلى صدر علي عليه السلام.قلت:فإنّ عروة حدّثني عن عايشة أنّها قالت توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بين سحري و نحري.فقال ابن عباس:أتعقل؟و اللّه لتوفي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أنّه لمستند إلى صدر علي عليه السلام و هو الّذي غسّله،و أخي الفضل، و أبى أبي أن يحضر،و قال:إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان يأمرنا أن نستتر فكان عند الستر (2).
و من المضحك أنّ عائشة خطبت يوم الجمل-كما في(بلاغات أحمد بن أبي طاهر البغدادي)-فقالت:قبض النبي بين سحري و نحري،و أنا إحدى نسائه في الجنّة له ادّخرنى ربي،و حصتى من كل بضع،و بي ميّز مؤمنكم من منافقكم (3)فقولها:«قبض النبي بين سحري و نحري»كقولها:«بي ميّز مؤمنكم من منافقكم»و على قولها يكون اللّه منافقا حيث لم يرض خروجها و قال لها «وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى» (4)فضلا عن جبرئيل و أمير المؤمنين عليهما السلام حيث قال تعالى أيضا و لصاحبتها: «وَ إِنْ»
«تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» (1)
التحريم:4. [1]
و لزم أن يكون مروان بن الحكم مؤمنا حيث ساعدها في الجمل.قال ابن أبي الحديد:قالت الشيعة:إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم توفي لليلتين بقيتا من صفر و الأكثرون أنّه في شهر ربيع الأوّل بعد مضي أيّام منه (2).
قلت:ما نسبه إلى الشيعة إنّما هو قول بعضهم،المفيد و الطوسي و ذهب الكليني في(كافيه):إلى كونه في الثاني عشر من ربيع الأول،و في(إثبات الوصيّة)أيضا:انّه في ربيع الأول (3).
«و لقد سالت نفسه في كفّي فأمررتها على وجهي» روى ابن المغازلي في (مناقبه):أنّ عائشة سئلت:من كان أحبّ الناس إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم؟فقالت:
فاطمة.فقيل لها:من الرجال؟قالت:زوجها و ما يمنعه منه،و اللّه إنّه كان صوّاما قوّاما،و لقد سالت نفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في يده فردّها إلى فيه (4).
و اختلاف قولها هذا مع قولها يوم الجمل المتقدم محمول على اختلاف المقامات في سخطها و رضاها،و أيضا قد يجري اللّه الحق على لسان أهل الباطل فيقرّون بها إتماما للحجّة.و مر خبر كاتب الواقدي في تكذيب ابن عباس لها في قولها الأوّل.
ثم اختلف في المراد من سيلان نفسه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فالمفهوم من ابن أبي الحديد و ابن ميثم كون المراد به سيلان الدم من قولهم«ذو نفس سائلة»فقالا:«يقال انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قاء دما يسيرا وقت موته،و أنّ عليا عليه السلام مسح بذلك الدم
1) 1)
2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:543. [2]
3) 3) قاله المفيد في الارشاد:101،و في تاريخه:63،و الطوسي في التهذيب 6:2،و أيضا الراوندي في قصص الأنبياء، و عنه:البحار 22:514 و [3]قال القول الثاني:الكليني في الكافي 1:439،و [4]المسعودي في إثبات الوصية:106.
4) 4) رواه عن مناقب ابن المغازلي ابن طاوس في الطرائف 1:157 ح 244، [5]لكن لم يوجد في النسخة المطبوعة.
وجهه» (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:542،و [1]شرح ابن ميثم 3:441.
و المفهوم من المفيد كون المراد به خروج روحه.ففي(إرشاده):قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و يد امير المؤمنين اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها فرفعها الى وجهه فمسحه بها،فعبر بفيضان نفسه (2).
و في(الصحاح):«فاضت نفسه»أي:خرجت روحه.قال أبو عبيدة و الفراء:هي لغة في تميم،و نقل عن الأصعمي عن أبي عمرو بن العلاء انّه قال بدل«فاضت نفسه»«فاظت نفسه» (3).
فإن قيل:فما المراد؟قلت:يمكن أن يكون المراد إمرار الكف الّتي تأثرت من خروج الروح فيها على الوجه.
«و لقد ولّيت غسله و الملائكة أعواني» روى كاتب الواقدي في(طبقاته) مسندا عن يزيد بن بلال قال:قال علي عليه السلام:أوصى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن لا يغسّله أحد غيري،فإنّه لا يرى أحد عورتي إلاّ طمست عيناه.قال علي عليه السلام:فكان الفضل و اسامة يناولاني الماء من وراء الستر و هما معصوبا العين.قال علي عليه السلام:فما تناولت عضوا إلاّ كانّما يقلّبه معي ثلاثون رجلا حتّى فرغت من غسله (4).
قال ابن أبي الحديد:الغسل تولاّه علي عليه السلام بيده،و كان الفضل بن العباس يصبّ عليه الماء،و يروي الشيعة أنّ عليّا عليه السلام عصب عيني الفضل حين صبّ عليه الماء،و أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أوصاه بذلك،و قال له:إنّه لا يبصر عورتي أحد غيرك إلاّ عمي (5).
قلت:لم يختص بذلك الشيعة.فقد عرفت رواية كاتب الواقدي له،و هو من نصّاب العامة،و نقل عن ابن بطة و ابن المغازلي و هما أيضا من العامة روايتهما لذلك (1)
رواه ابن المغازلي في مناقبه:93 ح 137،و أيضا الديلمي في الفردوس و عنه كنوز الحقائق 2:175،و أما ابن بطة فلم يروه بل نقل السروي في مناقبه 1:239 حديثا آخر عن أبانة ابن بطة ثم قال«و روي»فذكر هذا الحديث و الظاهر أن قوله«روي»بلفظ المجهول.
و قال الحميري مشيرا إلى ذلك:هذا الّذي ولّيته عورتي و لو رأى عورتي سواه عمي
و مرّ خبر ابن عباس خوف أبيه من حضور غسله صلّى اللّه عليه و آله و سلم لذلك.
و في(تاريخ اليعقوبي):كان بعض نساء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أتين فاطمة عليها السلام في مرضها فقلن:يا بنت رسول اللّه صيّري لنا في حضور غسلك حظّا.قالت:
أتردن تقلن فيّ كما قلتن في أبي؟!لا حاجة لي في حضوركن (2).
«فضجت الدار و الأفنية» جمع الفناء،و فناء الدار ما امتد من جوانبها.
«ملأ يهبط و ملأ يعرج» قال الخوئي:روى(البحار)من(البصائر)عن أحمد بن محمّد عن القاسم بن يحيى،عن بعض أصحابنا عن الصادق عليه السلام:
لمّا قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم هبط جبرئيل عليه السلام و معه الملائكة و الروح الّذين كانوا يهبطون في ليلة القدر.ففتح لأمير المؤمنين عليه السلام بصره.فرآهم في منتهى السماوات إلى الأرض يغسّلون النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم معه،و يصلّون عليه معه و يحفرون له،و اللّه ما حفر له غيرهم حتّى إذا وضع في قبره نزلوا مع من نزل فوضعوه (3).
قلت:الخبر ليس بالسند الّذي ذكر.ففي«باب ما يلقى إليهم عليهم السلام في ليلة القدر»من(البصائر)روى أوّلا خبرا بذلك السند.ثم روى خبرا عن أحمد بن
الحسن،عن أحمد بن محمّد،عن العباس بن حريش عن الجواد عليه السلام ثم قال «و بهذا الاسناد»و روى هذا الخبر (1)
يوجد الحديث بهذا السند في البصائر:245 ح 17،كما رواه المجلسي و الخوئي و أمّا الحديث الثاني فهو قبل الحديث الاول في البصائر:262 و 263 ح 12 و 14، [1]بمتنين،سند أحدهما أحمد بن محمّد عن الحسن بن العباس بن حريش،و الآخر الحسن بن أحمد بن محمّد عن أبيه عن الحسن بن العباس بن حريش.
،و هو كما ترى إشارة إلى الخبر الأخير لا الأوّل.«و ما فارقت سمعي هينمة» أي:صوت خفي.
«منهم يصلّون عليه» روى(الكافي)عن أمير المؤمنين عليه السلام سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في صحته و سلامته يقول:إنما انزلت آية: «إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» (2)في الصلاة علي بعد قبض اللّه تعالى لي (3).
و في(كامل الجزري):قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:ضعوني على سريري على شفير قبري.ثم اخرجوا عنّي ساعة ليصلّي علي جبرئيل و إسرافيل و ميكائيل و ملك الموت مع الملائكة (4).
و رواه الطبري عن ابن مسعود و زاد«قال:قلنا فمن يدخلك في قبرك يا نبيّ اللّه؟قال:أهلي مع ملائكة كثيرين يرونكم من حيث لا ترونهم» (5).
و قال ابن أبي الحديد:و صلّوا عليه إرسالا لا يؤمّهم أحد،و قيل:إنّ عليّا عليه السلام أشار بذلك فقبلوه.و أنا أعجب من ذلك لأنّ الصلاة عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم كانت بعد بيعة أبي بكر فما الّذي منع من أن يتقدّم أبو بكر فيصلّي عليه إماما (6).
قلت:كيف يصلّي عليه إماما،و قد أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بصلاتهم عليه إرسالا قد رووا أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم سئل عمّن يصّلى عليه.فقال:«إذا غسّلتموني، و كفّنتموني،فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري.ثم اخرجوا عنّي ساعة.فإنّ أوّل من يصلّي علي جليسي و حبيبي و خليلي جبرائيل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت مع جنوده من الملائكة.ثم ادخلوا علي فوجا فوجا فصلّوا علي و سلّموا-إلى أن قال-و ليبدأ بالصلاة علي رجال أهل بيتي ثم نساؤهم ثم أنتم بعد»و قد نقل الخبر ابن أبي الحديد نفسه في موضع آخر (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3:190،شرح الخطبة 233.
.و مع ذلك فعجبه في محله فحيث تخلف أبو بكر عن جيش اسامة و لم يقنع بذلك و تقدم إلى الصلاة في مكان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى يجعل ذلك وسيلة لتصديه الأمر حتّى خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مع شدّة مرضه و عدم قدرته على المشي مستقلا و أخّره،كيف لم يصلّ عليه بعد بيعتهم له؟إلاّ أنّه يرفع العجب أنّه كان نال غرضه حينئذ،و لم يبال بالصلاة عليه بعد،و لئلاّ يطعن بمخالفته في ذلك أيضا.
و روى(الكافي)في باب مولد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الباقر عليه السلام قال:لمّا قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بات آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم بأطول ليلة حتّى ظنّوا أن لا سماء تظلّهم، و لا أرض تقلّهم لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و تر الأقربين و الأبعدين في اللّه.فبينما هم كذلك إذ أتاهم آت لا يرونه و يسمعون كلامه.فقال:«السلام عليكم أهل البيت و رحمة اللّه و بركاته.إنّ في اللّه عزاء من كلّ مصيبة،و نجاة من كلّ هلكة، و دركا لما فات «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ»
1) 1)
«الْغُرُورِ» (1)
آل عمران:185. [1]
انّ اللّه اختاركم و فضّلكم و طهّركم،و جعلكم أهل بيت نبيّه، و استودعكم علمه،و اورثكم كتابه،و جعلكم تابوت علمه،و عصا عزّة، و ضرب لكم مثلا من نوره،و عصمكم من الزلل،و آمنكم من الفتن،فتعزّوا بعزاء اللّه فإنّ اللّه لم ينزع منكم رحمته،و لن يزيل عنكم نعمته،فأنتم أهل اللّه -عزّ و جلّ-الّذين بهم تمّت النعمة-إلى أن قال-:و قد قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أكمل لكم الدين،و بيّن لكم سبيل المخرج.
فلم يترك لجاهل حجّة،فمن جهل أو تجاهل أو أنكر أو نسي أو تناسى فعلى اللّه حسابه،و اللّه من وراء حوائجكم،و أستودعكم اللّه،و السلام عليكم».
و سئل أبو جعفر عليه السلام ممّن أتاهم التعزية فقال:من اللّه تبارك و تعالى (2).
«حتى واريناه في ضريحه» في مسند أحمد بن حنبل عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:لقد أعطيت في علي خمس خصال هي أحبّ إلىّ من الدنيا و ما فيها-إلى أن قال-:
و أمّا الرابعة:فساتر عورتي،و مسلّمي إلى ربي (3).
و في(الإرشاد):دخل أمير المؤمنين عليه السلام و العبّاس،و ابنه الفضل، و اسامة بن زيد ليتولّوا دفن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فنادت الأنصار من وراء البيت:يا علي!انّا نذكرك اللّه،و حقنا اليوم من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يذهب،أدخل منّا رجلا يكون لنا به حظّ من مواراة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال عليه السلام:ليدخل أوس بن خولي -و كان بدريا فاضلا من بني عوف من الخزرج-فلمّا دخل قال عليه السلام له:انزل القبر.فنزل،و وضع عليه السلام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على يديه،و ولاّه في حفرته،فلمّا حصل
في الأرض قال عليه السلام له:اخرج فخرج،و نزل عليه السلام القبر فكشف عن وجه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و وضع خده على الأرض موجّها إلى القبلة على يمينه.ثم وضع عليه اللبن،و أهال عليه التراب (1)
الارشاد 101،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و روى ابن أبي الحديد عند عنوان و من كلام له عليه السلام و هو يلي غسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم عنهم قريبا منه و قال:من تأمل هذه الأخبار علم ان عليا عليه السلام كان الاصل و الجملة و التفصيل في أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و جهازه.ألا ترى أنّ أوس بن خولي لا يخاطب أحدا من الجماعة غيره،و لا يسأل غيره في حضور الغسل و النزول في القبر.قال:ثم انظر إلى كرم علي عليه السلام و سجاحة أخلاقه، و طهارة شيمته كيف لم يضنّ بمثل هذه المقامات الشريفة عن أوس،و هو رجل غريب من الأنصار.فعرف له حقه،و اطلبه بما طلبه فكم بين هذه السجيّة الشريفة و قول من قال:لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسّل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلاّ نساؤه،و لو كان في ذلك المقام غيره من اولي الطباع الخشنة، و أرباب الفظاظة و الغلظة و قد سأل أوس ذلك،لزجر و انتهر،و رجع خائبا (2).
قلت:هل تستوي الظلمات و النور.
و قال ابن أبي الحديد أيضا:ثمّه نقلا عن الطبري روايته عن ابن مسعود في خبر-بعد ذكر الغسل و الصلاة-«قلنا فمن يدخلك قبرك يا رسول اللّه؟قال:
أهلي مع ملائكة كثيرة يرونكم و لا ترونهم».
و قال ابن أبي الحديد:العجب لهم كيف لم يقولوا له في تلك الساعة«فمن يلي امورنا بعدك»لأنّ ولاية الأمر أهمّ من السؤال عن الدفن و عن كيفية الصلاة عليه (3).
قلت:بل عيّن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبل من يلي امورهم في حجّة وداعه في صحته،و أراد تجديده و تأكيده ذاك الوقت في مرضه فمنعه فاروقهم،و قد نقل ابن أبي الحديد نفسه عن الطبري عن سعيد بن جبير قال:كان ابن عباس يقول:يوم الخميس و ما يوم الخميس!ثم يبكي حتى تبل دموعه الحصباء.
فقلنا له و ما يوم الخميس؟قال:يوم اشتدّ بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم وجعه فقال:إئتوني باللوح و الدواة-أو قال بالكتف و الدواة-أكتب لكم ما لا تضلّون بعدي، فتنازعوا.فقال:«اخرجوا عنّي،و لا ينبغي عند نبي ان يتنازع»قالوا:ما شأنه؟ اهجر؟استفهموه؟فذهبوا يعيدون عليه.فقال:«دعوني فما أنا فيه خير مما يدعوني إليه» (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:190، [1]شرح الخطبة 233،و ما نقله عن تاريخ الطبري [2]فهو فيه 2:436،سنة 11.
.و الطبري و ان أجمل القائل«أهجر»إلاّ انّ كاتب الواقدي و غيره صرّحوا في رواياتهم أنّ القائل«أهجر»عمر،و رووا عنه إقراره بأنّه منع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من الوصيّة (2)لأنّه علم أنّه يريد أن يعيّن عليا و لم يكن صلاحا لآباء قريش عنه.
و قال ابن أبي الحديد:ثمه أيضا روت عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة عن عائشة قالت:ما علمنا بدفن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى سمعنا صوت المساحي في جوف الليل ليلة الأربعاء.و قال:فمن العجب كون عائشة و هو صلّى اللّه عليه و آله و سلم في بيتها لا تعلم بدفنه حتّى سمعت صوت المساحي، أ تراها أين كانت؟قال:و قد سألت عن هذا جماعة.فقالوا:لعلّها كانت في بيت يجاور بيتها عندها نساء كما جرت عادة أهل الميت و تكون قد اعتزلت
بيتها و سكنت ذلك البيت (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:193، [1]شرح الخطبة 233.
.قلت:بل الظاهر أنّها كأبيها و صاحبه أشفقت من بقاء الامّة بلا و ال فخلّت جنازته و كانت في تدبير ذلك معهما،و كيف تصبر على أن لا تشاهد إلى ما يصير أمر أبيها،و قد كانت في مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعثت إلى أبيها في صلاته بالناس عوض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
«فمن ذا أحق به مني حيّا و ميّتا» من أحق بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من أمير المؤمنين عليه السلام حيا و ميتا،و قد قال-عزّ و جلّ-في محكم كتابه فيه خصوصا «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (2)و قال-عزّ و جلّ- «وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» (3)و فيه و في أهل بيته المعصومين عموما «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (4)و قال تبارك اسمه «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (5)و قال رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم-في المتواتر عنه بعد تقرير الناس بكونه أولى بهم من أنفسهم-«أيّها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهم و ال من والاه و عاد من عاداه» (6).
و من أحق به صلّى اللّه عليه و آله و سلم حيّا و ميّتا و قد قال سلمان-و نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر-دخلت عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم صبيحة يوم قبل اليوم الذي مات فيه فقال
لي:يا سلمان لا تسألني عمّا كابدته الليلة من الألم و السهر أنا و علي.فقلت:يا رسول اللّه ألاّ أسهر الليلة معك بدله.فقال:لا هو أحق بذلك منك (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:571، [1]شرح الخطبة 200.
.و قالت ام سلمة-كما رواه أحمد بن حنبل في(مسنده)-:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول:أجاء علي؟-مرارا-أظنّه كان بعثه في حاجة،فجاء بعد ذلك فظننت أنّ له إليه حاجة.فخرجنا من البيت.فقعدنا عند الباب فكنت أدنى إلى الباب.فأكبّ عليه علي عليه السلام فجعل يسارّه و يناجيه،ثم قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في يومه ذلك (2).
و عن(أربعين الخطيب)-في خبر طويل-قال حذيفة:دخل علي عليه السلام على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو مريض،فإذا رأسه في حجر رجل أحسن الخلق، و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نائم.فقال الرجل:ادن إلى ابن عمّك.فأنت أحق به منّي،فوضع رأسه في حجره.فلمّا استيقظ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم سأله عن الرجل قال علي:كان كذا و كذا.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:ذاك جبرئيل كان يحدّثني حتّى خفّ عنّي و جعي (3).
و في(الطبري)مسندا عن أبي رافع قال:لما قتل علي عليه السلام(يوم احد) أصحاب الألوية.أبصر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم جماعة من مشركي قريش.فقال لعليّ:
احمل عليهم فحمل عليهم،ففرّق جمعهم و قتل عمرو بن عبد اللّه الجمحي، ثم أبصر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم جماعة من مشركي قريش فقال لعلي:احمل عليهم، فحمل عليهم ففرّق جماعتهم و قتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي.
فقال جبرئيل:يا رسول اللّه إنّ هذه للمواساة.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله:إنّه منّي و أنا منه،فقال جبرئيل:و أنا منكما.قال:فسمعوا صوتا:«لا سيف إلاّ ذو الفقار
و لا فتى إلاّ علي» (1)
تاريخ الطبري 2:197،سنة 3. [1]
.و روى المرزباني:أنّ خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين(و قيل عبد اللّه بن سفيان الحرث بن عبد المطلب)قال:
ما كنت أحسب هذا الأمر منصرفا عن هاشم ثم منها عن أبي حسن
أ ليس أوّل من صلّى بقبلتهم و أعرف الناس بالآثار و السنن
و آخر الناس عهدا بالنبيّ و من جبريل عون له بالغسل و الكفن
من فيه ما فيهم لا يمترون به و ليس في القوم ما فيه من الحسن
فما الّذي ردّكم عنه فنعلمه ها إنّ بيعتكم من اغبن الغبن
و في لفظ:«ها إنّ بيعتكم في أوّل الفتن» (2).
و قال الحميري:
و كفاه تغسيله وحده أحمد ميتا و وضعه في اللحد
و قال:
و من ذا تشاغل بالنبيّ و غسله و رأى عن الدنيا بذاك عزاء
و قال العبدي:
من كان صنو النبي غير علي من غسّل الطهر ثم واراه
و قال العوفي:
من غسّل المرسل و من أنزله في لحده و عنه الدين قضى
و روى ابن سعد-و هو من نصّابهم-في(طبقاته)عن جابر،أنّ كعب الأحبار قام زمن عمر فقال و نحن جلوس عند عمر:ما كان آخر ما تكلم به
النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم؟فقال عمر:سل عليّا.قال:أين هو؟قال:هو هنا.فسأله.فقال علي عليه السلام:أسندته إلى صدري فوضع رأسه على منكبي.فقال:الصلاة الصلاة،فقال كعب كذلك آخر عهد الأنبياء و به امروا و عليه يبعثون.قال:فمن غسّله؟قال:سل عليّا.قال فسأله.فقال:كنت أنا اغسّله،و كان عباس جالسا، و كان اسامة و شقران يختلفان إليّ بالماء (1)
طبقات ابن سعد 2 [1] ق 2:51.
.و روى أيضا عن عمر بن علي قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في مرضه:ادعوا لي أخي.قال:فدعي له علي.فقال:ادن منّي.قال:فدنوت منه.فاستند اليّ.فلم يزل مستندا إليّ و إنه ليكلّمني حتّى إنّ بعض ريق النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليصيبني -الخبر- (2).
و من أحق به صلّى اللّه عليه و آله و سلم منه عليه السلام حيّا و ميّتا،و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم في المستفيض:«أنا مدينة العلم و علي بابها.فمن أراد المدينة.فليأت من بابها» (3)، و قد قال تعالى محيلا إلى بداهة العقول «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» (4).
ثم الغريب روايتهم أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر أبا بكر بالصلاة،و جعلوا ذلك دليل إمامته،فاستند إليه عمر في نصب أبي بكر جاعلا له فوق الإمامة خلافة الرسول،فقال لأبي بكر:إنّ النبي اختارك لديننا بصلاتك بالناس.فكيف لا نرضاك لدنيانا بالإمامة لنا،و هذا مع روايتهم أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر أبا بكر بخروجه في جيش اسامة،و لعن المتخلّف،فكيف أمره بالصلاة بالناس-مع
روايتهم أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:ادعوا لي عليا فدعت عائشة و حفصة بأبويهما، فأعرض عنهما (1)
رواه السروي في مناقبه 1:236،عن الطبري في الولاية و الدار قطني في سنته و السمعاني في الفضائل و أحمد في مسنده.
-و مع روايتهم أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله خرج بتلك الحال متّكئا على رجلين و صلّى بهم قاعدا (2).و رووا في صلاة أبي بكر بالناس ما يبطل صدره ذيله،و يكذّب آخره أوّله،قال ابن أبي الحديد في عنوان«و من كلام له عليه السلام و هو يلي غسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم»:روى الأرقم ابن شرحبيل قال:سألت ابن عباس هل أوصى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال:لا.قلت:فكيف كان فقال:إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال في مرضه، ابعثوا إلى علي فادعوه.فقالت عائشة:لو بعثت إلى أبي بكر،و قالت حفصة:لو بعثت إلى عمر،فاجتمعوا عنده-هكذا لفظ الخبر على ما أورده الطبري في التاريخ و لم يقل:فبعث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إليهما-.
قال ابن عباس فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:انصرفوا فإن تكن لي حاجة ابعث اليكم فانصرفوا،و قيل للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم الصلاة،فقال:مروا أبا بكر أن يصلّي بالناس.فقالت عائشة:ان أبا بكر رجل رقيق فمر عمر.فقال:مروا عمر.فقال:
عمر ما كنت لأتقدم و أبو بكر شاهد،فتقدم أبو بكر،فوجد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خفّة فخرج.فلمّا سمع أبو بكر حركته تأخّر فجذب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأقامه مكانه و قعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقرأ حيث انتهى أبو بكر.
ثم قال ابن أبي الحديد:عندي في هذه الواقعة كلام و يعترضني فيها شكوك و اشتباه إذ كان قد أراد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يبعث إلى علي ليوصي إليه فنفست عائشة.فسألت أن يحضر أبوها،و نفست حفصة عليه،فسألت أن
يحضر أبوها،ثم حضرا و لم يطلبا،فلا شبهة أنّ ابنتيهما طلبتاهما،هذا هو الظاهر و قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم-و قد اجتمعوا عنده-«انصرفوا فإن تكن لي حاجة بعثت إليكم»قول من عنده ضجر و غضب باطن بحضورهما،و تهمة للنساء في استدعائهما.فكيف يطابق هذا الفعل و هذا القول ما روي من انّ عائشة قالت:لمّا عيّن أبوها في الصلاة«إنّ أبي رجل رقيق فمروا عمر»؟و أين ذلك الحرص من هذا الاستعفاء و الاستقالة؟و هذا يوهم صحّة ما تقوله الشيعة من أنّ صلاة أبي بكر كانت عن أمر عائشة،و ان كنت لا أقول بذلك،و لا أذهب إليه إلاّ من تأمّل هذا الخبر،و لمح مضمونه يوهم ذلك فلعل هذا الخبر غير صحيح.
قال ابن أبي الحديد:فإن قلت:لم قلت في صدر كلامك هذا:إنّه أراد أن يبعث إلى علي ليوصى إليه،و لم لا يجوز أن يكون بعث إليه لحاجة له.قلت:لأنّ مخرج كلام ابن عباس هذا المخرج،ألا ترى أنّ أرقم بن شرحبيل الرواي لهذا الخبر قال:سألت ابن عباس هل أوصى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم؟فقال:لا.فقلت:فكيف كان؟فقال:إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال في مرضه:إبعثوا إلى علي فادعوه.فسألته المرأة أن يبعث إلى أبيها،و سألته الاخرى أن يبعث إلى أبيها.فلو لا أنّ ابن عباس فهم من قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم«ابعثوا إلى علي فادعوه»أنّه يريد الوصية لما كان لأخبار الأرقم بذاك متّصلا بسؤاله عن الوصية معنى (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:191، [1]شرح الخطبة 233،و النقل بتصرف يسير.
.قلت:لقد أجاد في كلامه،ثم أيّ معنى لقراءة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من حيث انتهى أبو بكر بعد عدم اقتداء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم به كما تضمّنه خبرهم؟ثم أي استبعاد لصلاته بغير اذنه في مرضه مع صلاته بغير اذنه في صحته.روى مسلم و البخاري في(صحيحيهما)عن سهل الساعدي أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم.فجاءت الصلاة.فجاء المؤذن إلى
1) 1)
أبي بكر.فقال:تصلي بالناس فاقيم فقال:نعم.قال:فصلّى أبو بكر.فجاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فخرق الصفّ حتى قام عند الصف المقدم فرجع أبو بكر القهقرى (1)
أخرجه بطرق البخاري في صحيحه 1:125 و 208 و 211 و 214،و 2:111،و 4:242،و مسلم في صحيحه 1: 316 و 317 ح 102-104.
،و من أين ان مبادرة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى المسجد،و تأخير أبي بكر في الموضعين لا سيما في الأوّل الّذي كان في شدّة المرض للدلالة على عدم جواز الاقتداء به.و من الغريب أنّ الجزري قال:و لمّا اشتد مرضه اذّنه بلال بالصلاة.
فقال:مروا أبا بكر يصلي بالناس،قالت عائشة:فقلت:إنّه رجل رقيق،و انّه متى يقوم مقامك لا يطيق ذلك،فقال:مروا ابا بكر فيصلي بالناس فقلت مثل ذلك، فغضب و قال:إنكنّ صواحب يوسف،مروا أبا بكر يصلي بالناس.فتقدم أبو بكر.فلمّا دخل في الصلاة وجد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خفّة فخرج بين رجلين.فلمّا دنا من أبي بكر تأخّر أبو بكر فأشار إليه أن قم مقامك.فقعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يصلّي إلى جنب أبي بكر جالسا،فكان أبو بكر يصلّي بصلاة النبي،و الناس يصلّون بصلاة أبي بكر و صلّى أبو بكر بالناس سبع عشرة صلاة و قيل:ثلاثة أيّام ثمّ انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خرج في اليوم الّذي توفّي فيه إلى الناس في صلاة الصبح.فكاد الناس يفتتنون في صلاتهم فرحا بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و تبسّم النبي فرحا لما رأى من هيئتهم في الصلاة ثم رجع (2).
فإن فيه مضافا إلى ما تقدم انّه أيّ ربط لقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«انّكن صواحبات يوسف»مع قول عائشة«إنّ أبا بكر رجل رقيق»و إنّما يناسب قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذاك مع ما في الخبر الأوّل أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر بإحضار
أمير المؤمنين عليه السلام فبعثتا إلى أبويهما و أحضرتاهما.
و أيّ ربط بين قوله:«فوجد خفة»و قوله:«فخرج بين رجلين»بل بينهما تضاد،ثم كيف أمر كرارا بأن يصلّي أبو بكر بالناس ثم لم يدعه بأن يتمّ صلاة واحدة بل يخرج بدخوله في الصلاة حتّى يتفرق خياله في الصلاة.إلى غير ذلك من المناقضات الّتي يفهمها كل من لم يكن ذا عصبيّة.
و إنّما الصحيح الّذي يشهد به أخبارهم بعد إسقاط متناقضاتها في تفصيل صلاة أبي بكر في مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما ذكره محمّد بن محمّد بن النعمان في(إرشاده)فقال:و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إذ ذاك في بيت امّ سلمة.
فأقام به يوما أو يومين.فجاءت عائشة إليها تسألها أن تنقله إلى بيتها لتتولّى تعليله،و سألت أزواج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ذلك،فأذنّ لها.فانتقل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى البيت الّذي أسكنه عائشة،و استمر به المرض فيه أيّاما، و ثقل فجاء بلال عند صلاة الصبح،و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مغمور بالمرض.فنادى:
«الصلاة رحمكم اللّه»فاوذن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بندائه.فقال:يصلّى بالناس بعضهم فإنّي مشغول بنفسي.فقالت عائشة،مروا أبا بكر،و قالت حفصة:مروا عمر.
فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حين سمع كلامهما و رأى حرص كل واحدة منهما على التنويه بأبيها و افتتانهما بذلك،و النبي حي:«اكففن فانّكن صويحبات يوسف»ثم قام صلّى اللّه عليه و آله و سلم مبادرا خوفا من تقدم أحد الرجلين و قد كان أمرهما بالخروج مع اسامة،و لم بكن عنده أنّهما قد تخلّفا فلمّا سمع من عائشة و حفصة ما سمع،علم أنّهما متأخران عن أمره.فبدر لكفّ الفتنة و إزالة الشبهة،فقام صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إنّه لا يستقلّ على الأرض من الضعف،فأخذ بيده علي بن أبي طالب صلّى اللّه عليه و آله و سلم و الفضل بن العباس فاعتمد عليهما و رجلاه تخطّان الأرض من الضعف،فلمّا خرج إلى المسجد وجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب
فأومأ إليه بيده أن تأخّر.فتأخّر أبو بكر،فكبّر و ابتدأ الصلاة الّتي كان قد ابتدأها أبو بكر،و لم يبن على ما مضى من فعاله،فلمّا سلم انصرف إلى منزله،و استدعى أبا بكر و عمر و جماعة ممّن حضر بالمسجد ثم قال:
ألم آمركم ان تنفذوا جيش اسامة.فقالوا:بلى.قال:فلم تأخّرتم عن أمري؟ قال أبو بكر:إنّي كنت خرجت ثم رجعت لاجدّد بك عهدا،و قال عمر:إنّي لم أخرج لأنّني لم احبّ أن أسأل عنك الركبان،فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:نفّذوا جيش اسامة.نفّذوا جيش اسامة.يكرّرها ثلاث مرّات ثم أغمي عليه من التعب الّذي لحقه،و الأسف الّذي ملكه،فمكث هنيئة مغمى عليه و بكى المسلمون و ارتفع النحيب من أزواجه و ولده و نساء المسلمين و جميع من حضر من المسلمين،فأفاق النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فنظر إليهم ثم قال:«إيتوني بدواة و كتف لأكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا»ثم اغمي عليه فقام بعض من حضره يلتمس دواة و كتفا.فقال له عمر:«إرجع فإنّه يهجر» فرجع و ندم من حضر على ما كان منهم من المخالفة في إحضار الدواة و الكتف و تلاوموا بينهم،و قالوا:إنّا للّه و إنّا إليه راجعون لقد أشفقنا من خلاف النبي.فلمّا أفاق قال بعضهم:ألا نأتيك بدواة و كتف.فقال:أبعد الّذي قلتم؟لا،و لكنّي أوصيكم بأهل بيتي خيرا.و أعرض بوجهه عن القوم فنهضوا و بقي عنده العباس و الفضل بن العباس و علي بن أبي طالب عليه السلام و أهل بيته خاصّة (1)
رواه المفيد في الارشاد:97،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و من الغريب أنّ الشهرستاني روى في(ملله)عن(صحيح البخاري) ممانعة عمر عن وصيّة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و انّه قال:«قد غلبه الوجع حسبنا كتاب اللّه»و كثر اللغط،و ان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم غضب و قال:«قوموا عنّي لا ينبغي عندي
1) 1)
التنازع»و انّ ابن عباس قال:«الرزية كلّ الرزية منع نبيّنا عن وصيّته» (1)
أخرجه البخاري في صحيحه 1:32،و 3:7 و 271،و رواه عنه الشهرستاني في الملل و النحل 1:29،و [1]اللفظ للشهرستاني.
.و روى فيه أيضا أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:«جهّزوا جيش اسامة.لعن اللّه من تخلّف عنه»فقال قوم:«يجب علينا امتثال أمره»و قال قوم«اشتد مرضه»-ثم قال:و إنّما اوردت هذين المتنازعين لأنّ المخالفين ربّما عدّوا ذلك من الخلافات المؤثّرة في أمر الدين و ليس كذلك و انّما كان الغرض كلّه إقامة مراسم الشرع-إلخ (2).
فتراه اعترف بأنّ منع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الوصية،و التخلّف عن جيش لعن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم المتخلف عنه موجبان لا فساد الدين،لكن اعتذر بما ذكره من الغرض،فهل كان عمر أعرف من اللّه و رسوله الّذي لا ينطق عن هوى بل بوحي من السماء،فليقولوا بأنّا ندين بدين أبي بكر و عمر لا بدين نبي الإسلام و كان الحطيئة يقول لما سمع خلافة أبي بكر:
أطعنا رسول اللّه إذ كان حاضرا فيا لهفتا ما بال دين أبي بكر
و هؤلاء أهل سنة أبي بكر و عمر يقولون بلسان الحال و إن أنكروه في المقال:
عصينا رسول اللّه اذ كان حاضرا و انّما نطيع و نخضع لدين أبي بكر
و من راجع في ما كتبوا في امر السقيفة يعلم كما يعلم بالشمس في رابعة النهار أنّ غرضهما لم يكن إلاّ نيل الرياسة و السلطنة مثل معاوية إلاّ أنّ معاوية لم ينافق و جهر بمراده و كون غرضه الإمرة و هما لبسا بارادة الدين
كما عرفته من الشهرستاني قال سعيد بن سويد:صلّى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة في الصحن ثم خطبنا فقال:إنّي و اللّه ما قاتلتكم لتصلّوا و لا لتصوموا و لا لتحجّوا و لا لتزكّوا إنّكم لتفعلون ذلك إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم،و قد أعطاني اللّه ذلك و أنتم كارهون.قال شريك في حديثه:هذا و اللّه هو التهتّك (1)
رواه ابو الفرح في المقاتل:45. [1]
.قلت:ليت هذا التهتّك كان ممّن أسس لمعاوية ذلك،و جعله بتدبير الامر لعثمان خليفة حتّى يغيّر دين النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و يستأصل أهل بيته،و يأسر بناته بيوم بدر على يد ابنه،و يسنّ لعن النبي صلّى اللّه عليه و آله.و لا تستوحشن من تعبيري فإنّ لعن علي لعن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فإنّه عليه السلام كان بنصّ الكتاب نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله (2)و قد مرّ ابن عباس على من يسبّه فقال:أيّكم سبّ اللّه و رسوله،فقالوا:لم يكن ذلك، فقال:أيّكم سبّ عليّا،فقالوا:كان ذلك،فقال:سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول:«من سبّ عليّا فقد سبّ اللّه و رسوله» (3).
و بالجملة هل هو عليه السلام مع اشتماله على تلك المكارم احق بمقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعده أم من هرب يوم خيبر و حنين،و في كثير من المواقف،و قد قال تعالى: «وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» (4)،و لم يصلح لتأدية آيات و عزل من السماء-و لعنه في التخلف عن جيش اسامة و قال فيه يوم خيبر معرّضا إنّه لا يحبّ اللّه و رسوله و لا يحبّه اللّه و رسوله،و إنّه فرّار غير كرّار حيث أثبت صلّى اللّه عليه و آله و سلم أضداد ذلك لأمير المؤمنين عليه السلام بعد فرار صدّيقهم و فاروقهم و أعرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عنه في صحته و مرضه.
فقد روى الحميدي عن(صحيح مسلم)في(مسند أنس):أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان فتكلّم أبو بكر فأعرض عنه،ثم تكلم عمر فأعرض عنه الخبر (1)
رواه عن الحميدي ابن طاوس في الطرائف 2:447،و [1]الحديث أخرجه مسلم في صحيحه 3:1403،82.
.و في(معارف ابن قتيبة):أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في يوم أحد أخذ سيفا فهزّه و قال:من يأخذه بحقه؟فقال عمر:أنا.فأعرض عنه،و قال الزبير:أنا.فأعرض عنه.فوجدا في أنفسهما.الخبر (2).و مرّ إعراضه صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الرجلين في مرضه في رواياتهم،...و ترك جنازة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و نازع على الحطام الفاني.
قال ابن قتيبة في(خلفائه):إنّ الأنصار.لمّا قالوا لسيّدة النساء-صلوات اللّه عليها-لو أنّ زوجك و ابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر،ما عدلنا به.فيقول علي -كرّم اللّه وجهه-:أ فكنت أدع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في بيته لم أدفنه،و أخرج أنازع الناس سلطانه؟!فقالت فاطمة:ما صنع ابو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له،و لقد صنعوا ما اللّه حسيبهم و طالبهم (3).مضافا إلى ما مر من منعه عن وصيته و نسبة الهجر إليه.
هذا،و نظير كلامه عليه السلام في بيان اختصاصه عليه السلام بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم حيا و ميتا لكونه متصديا لاموره و كافيا لمهماته،قول أحمد بن يوسف في وصف الفضل ابن سهل ذي الرئاستين و اختصاصه بالمأمون حيا و ميتا و كونه عماده،ففي جملة كلامه:فإنّه اعطاه رياسة الحرب،و رياسة التدبير، و عقد له على رأسهما علما في راية دعوته،و قلّده سيفهما،و ختمه بخاتم الخلافة،و خاتم الدولة،و جعل صلاته بين صاحب حرسه و صاحب شرطته،
و صيّر له الجلوس على الكرسي بحضرته في صدر كل مجلس جلسه إلاّ أن يؤثر به من أبناء الخلفاء،و قدّمه في دخول داره راكبا إلى أقصى مكان ينتهى إليه أحد من بني هاشم لأنّه منهم،و أعظمهم غناء عنهم،فسمّاه صاحب دعوته،و سيفه على عدوه،و بابه الّذي يدخل إليه منه،و ولاّه خيوله في أقطار الأرض و مقدّمته بحضرته،و قلّده من الثغور ما قد علمتم بما أفرده في عهده إلى ما أنفذ في جميع سلطانه و ملكه من مشارق الأرض و مغاربها،و أين يأتي الوصف على ما فضّله به،و قدّمه،و شرّفه على الناس،و لكنا نخطر بذكره،ثم نكل السامعين إلى ما يرجعون إليه من المعرفة الّتي لا يبلغها الصفة.
ثم لم يكن ما اكرمه به في حياته بأعلى ممّا أكرمه به في وفاته-أي أكرم المأمون الفضل-تولى غسله و تكفينه و مباشرته بجهازه إلى حفرته بيده و قاسى من الغصص و برحاء الحزن و إذراء العبرة و اراقة الدمعة ما حال بينه و بين الكلام،و كاد يمنعه من القول و الدعاء في صلاته عليه،و حفظ أهل الحرمة به رعاية له فيهم و وفاء بعهده من بعده،و اقرّ خاصّته،و قوّاده، و عمّاله،و كتّابه على مراتبهم،و حمد بحمده،و ذمّ بذمّه،و جند بجنده و شاكريته نظرا و عطفا،فلم يبق عليه في احياء ذكره،و بلوغ كل ما يحبّه في حياته غاية إلاّ أتى من ورائها،و أمر بقراءة فتوحه بعده كما كانت تقرأ على عهده،و أضاف كل ما حدث بعده إلى ما تقدم من سعيه،و أخبر أنه كان من سببه (1)
اسقط الشارح هنا شرح فقرة«فانفذوا على بصائركم».
.«و لتصدق نيّاتكم في جهاد عدوكم» في(الطبري):انّ يوم الجمل قتل من بني ذهل خمسة و ثلاثون رجلا فقال رجل لأخيه و هو يقاتل:ما أحسن قتالنا إن كنّا على الحق قال:فإنّا على الحق.إنّ الناس أخذوا يمينا و شمالا و إنّما
1) 1)
تمسّكنا بأهل بيت نبيّنا قال:فقاتلا حتّى قتلا (1)
تاريخ الطبري 3:530،سنة 36. [1]
.«فو الّذي لا إله إلاّ هو إنّي لعلى جادّة الحق،و إنّهم لعلى مزلّة الباطل» إنّما اقسم عليه السلام لأنّه عليه السلام أحسن من عملهم معه عليه السلام و مع مخالفيه شكّهم،و إلاّ فكونه عليه السلام على الحق و كون مخالفيه على الباطل من البديهيات بعد تصديق العقل و النقل لما قاله عليه السلام.
ثم الغريب من بلادة و اصل بن عطاء انّه لم يفرّق بين النور و الظلمة فقال كما في(ملل الشهرستاني)إنّ أحد الفريقين من أصحاب الجمل و أصحاب صفين مخطئ لا يعينه،و كذلك قوله في عثمان و قاتليه و خاذليه:
إنّ أحد الفريقين فاسق لا محالة كما أنّ أحد المتلاعنين فاسق لا محالة.
قال و اصل:و أقل درجات الفريقين أنّه لا تقبل شهادتهما كما لا تقبل شهادة المتلاعنين.قال الشهرستاني:فلم يجوّز عطاء قبول شهادة علي و طلحة و الزبير على باقة بقل و جوّز أن يكون عثمان و علي على الخطأ.قال الشهرستاني و وافقه عمرو بن عبيد على مذهبه (2).
قلت:قاتلهم اللّه!أما تواتر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال لأمير المؤمنين عليه السلام «إنّك تقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين» (3)؟أما رجع الزبير عن حربه عليه السلام باقراره بقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له:«إنّك ظالم في حرب علي» (4)؟أما تواتر عن
1) 1)
2) 2) الملل و النحل 1:52 و 53،و [2]النقل بتلخيص.
3) 3) أخرجه جمع كثير من أهل الحديث منها ما أخرجه بطرق ابن عساكر في ترجمة علي عليه السلام 3:200-214 ح 1206-1219. [3]
4) 4) أخرجه الحاكم في المستدرك 3:366،و [4]ابو يعلي و ابن أبي شيبة و ابن راهويه و ابن منيع في مسانيدهم،و عنهم المطالب العالية 4:301-303،و جمع آخر.
النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«إنّ عمارا تقتله الفئة الباغية» (1)
اخرج مسلم في صحيحه 4:2235 و 2236 ح 70-74،و الترمذي في سننه 5:669 ح 3800،و أحمد في مسنده 2:164،و 6:289 و 300،و [1]جمع كثير غيرهم.
و أنّ ذاك الخبر أوجب تزلزلا في أصحاب معاوية حتّى اضطر معاوية إلى أن يلبّس عليهم و يقول لهم:إنّا ما قتلنا عمّارا بل قتله علي الّذي جاء به إلى حربنا؟ قال الشهرستاني-بعد ما مر نقله طاعنا فيهم-هذا قوله و هو رئيس المعتزلة و مبدأ الطريقة في أعلام الصحابة و أئمة العترة (2).قلت:و مع ذلك إنّهم أقرب إلى فطرة العقول من جمهور أهل السنّة و الشهرستاني أحدهم فإنّهم يجمعون بين الضّدّين،و هو شيء يحكم ببطلانه جميع العقلاء،و إن لم يكونوا ذوي دين فإن كان بطلان أمر المتقدّمين على أمير المؤمنين عليه السلام معلوما و أنّهم لم يكونوا من الاسلام على شيء فالأمر كما ذكر الشيعة،و ان لم يكن معلوما فكما ذكر واصل و من تبعه،لكن واصل و ان لم يجمع بين الضدين كجمهور السنّة إلاّ أنّه أنكر البديهيات و تشكك في الواضحات.كيف لا و قد تواترت الأخبار من طريقهم بأنّ أمير المؤمنين عليه السلام على الحقّ و أنّ الحق معه يدور حيثما دار (3).
و في(خلفاء ابن قتيبه):ذكروا أن رجلا من همدان يقال له برد،قدم على معاوية فسمع عمرو بن العاص يقع في علي عليه السلام فقال له:يا عمرو!إنّ أشياخنا سمعوا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»فحقّ ذلك أم باطل؟ فقال عمرو:حقّ،و أنا أزيدك أنّه ليس أحد من صحابة النبي له مناقب مثل مناقب علي.ففزع الفتى.فقال عمرو:إنّه أفسدها بأمره في عثمان.فقال برد:
هل أمر أو فعل؟قال:لا.و لكنّه آوى و منع.قال:فهل بايعه الناس عليها؟قال:
نعم.قال:فما أخرجك من بيعته؟قال:اتّهامي إيّاه في عثمان.قال له:و أنت أيضا اتّهمت قال:صدقت.فيها خرجت إلى فلسطين.قال:فرجع الفتى إلى قومه فقال:إنّا أتينا قوما أخذنا الحجّة عليهم من أفواههم،على الحق فانصروه (1)
الإمامة و السياسة 1:109،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«أقول ما تسمعون» أي:تعرفو أنّ الأمر كما أقول فعليكم العمل بمقتضاه.
«و استغفر اللّه لي و لكم» ممّا صدر من التفريط في جنب اللّه تعالى.
شارك عليه السلام نفسه معهم ليكونوا اسرع إلى قبول كلامه.
من الخطبة(6)
فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقِّي- مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ مُنْذُ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ- حَتَّى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا أقول:هذا الكلام صريح في بطلان أمر المتقدّمين عليه،و كونهم غاصبين لحقّه،و كونه عليه السلام مظلوما في تأخيرهم له.
و قال ابن أبي الحديد في عنوان قوله عليه السلام«اما انه سيظهر عليكم رجل رحب البلعوم»روى شيخنا أبو القاسم البلخي عن سلمة بن كهيل عن المسيب بن نجية قال:بينا علي عليه السلام يخطب إذ قام أعرابي فصاح«و امظلمتاه»فاستدناه علي عليه السلام فلما دنا منه قال له:«إنّما لك مظلمة واحدة و أنا قد ظلمت عدد المدر و الوبر»قال:و في رواية عباد بن يعقوب أنّه دعاه،فقال له:«ويحك و أنا و اللّه مظلوم أيضا.هات فلندع على من ظلمنا».
قال:و روى سدير الصيرفي عن أبي جعفر محمّد بن علي قال:اشتكى
1) 1)
علي عليه السلام شكاة فعاده أبو بكر و عمر و خرجا من عنده،فأتيا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فسألهما من أين جئتما؟قالا:عدنا عليّا.قال:كيف رأيتماه؟قالا:رأيناه يخاف عليه مما به.فقال:كلاّ إنّه لن يموت حتّى يوسع غدرا و بغيا،و ليكوننّ في هذه الامّة عبرة يعتبر به الناس من بعده.
قال:و روى عثمان بن سعيد عن عبد اللّه الغنوي أنّ عليا عليه السلام خطب بالرحبة فقال:«أيّها الناس!إنّكم قد أبيتم إلاّ أن أقولها،و ربّ السّماء و الأرض إنّ من عهد النبي الامّي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إليّ انّ الامّة ستغدر بك بعدي».قال:و روى هيثم بن مشير عن إسماعيل بن سالم مثله،و قال:و قد روى أكثر أهل الحديث هذا الخبر بهذا اللفظ أو بقريب منه.
و روى أبو جعفر الاسكافي أيضا أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم دخل على فاطمة عليه السلام فوجد عليا عليه السلام نائما فذهبت تنبّهه فقال:دعيه فربّ سهر له بعدي طويل،و رب جفوة لأهل بيتي من أجله شديدة.فبكت فقال:لا تبكي فانّكما معي،و في موقف الكرامة عندي.
قال:و روى يونس بن حباب عن أنس بن مالك قال:كنّا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و علي بن أبي طالب معنا فمررنا بحديقة فقال علي:يا رسول اللّه ألا ترى ما أحسن هذه الحديقة؟فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلم:إنّ حديقتك في الجنّة أحسن منها-إلى أن قال-.
ثم إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم وقف فوقفنا فوضع رأسه على رأس علي و بكى، فقال علي:ما يبكيك يا رسول اللّه؟قال:ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتّى يفقدوني.فقال:يا رسول اللّه!أفلا أضع سيفي على عاتقي فابيد خضراءهم؟قال:بل تصبر.قال:فإن صبرت؟قال:تلاقي جهدا.قال:أفي سلامة من ديني؟قال:نعم قال:فإذن لا ابالي.
قال:و روى جابر الجعفي عن محمّد بن علي قال:قال علي عليه السلام:ما رأيت منذ بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم رخاء.لقد أخافتني قريش صغيرا،و أنصبتني كبيرا حتى قبض اللّه رسوله.فكانت الطامّة الكبرى،و اللّه المستعان (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:372، [1]شرح الخطبة 57.
.قلت:و لم يختصّ الشكاية،و التصريح بالمظلومية به عليه السلام بل كان أهل بيته أيضا يشكون،و ان كانوا يتقون،و كيف لا يتّقون،و قد كان هو عليه السلام كما يفهم من الخبر المتقدم في خطبته عليه السلام في الرحبة من قوله عليه السلام«أيّها الناس إنّكم قد أبيتم إلاّ أقولها»-الخبر-أيضا يتّقي.
يشهد لما قلنا كتاب معاوية إلى الحسن عليه السلام في جواب كتابه رواه أبو الفرج و غيره،و في الكتاب ذكرت وفاة رسول اللّه و تنازع المسلمين من بعده.
فرأيتك صرّحت بتهمة أبي بكر الصدّيق و عمر الفاروق،و أبي عبيدة الأمين،و حوارى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و صلحاء المهاجرين و الأنصار فكرهت ذلك لك.فإنّك امرؤ عندنا و عند الناس غير ظنين-إلخ (2)فترى انه عليه السلام لما شكا من شيخيهم في تقدمهما على أمير المؤمنين عليه السلام خوّفه معاوية بالتكفير.افّ لدين يكفّر من شهد القرآن بعصمته و طهارته،و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعلو درجته.
و كان ظلمهم له عليه السلام في التقديم عليه مع اتقائه عليه السلام و اتقاء أهل بيته من الاجهار به أمرا مشتهرا غير قابل للانكار.روى أحمد بن أبي طاهر في (بلاغاته)في دخول أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية أنّ أروى قالت لمعاوية في جملة كلامها«حتّى قبض اللّه نبيّه مغفورا ذنبه،مرفوعا درجته،شريفا عند اللّه مرضيا.فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من
آل فرعون يذبّحون أبناءهم،و يستحيون نساءهم،و صار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبيّنا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول:يا ابن امّ إنّ القوم استضعفوني و كادوا يقتلوني (1)
الأعراف:150. [1]
،و لم يجمع لنا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لنا شمل،و لم يسهل لنا و عر و غايتنا الجنة،و غايتكم النار (2)».و روى(البلاغات)أيضا في خطبة سيّدة نساء العالمين عند منع أبي بكر ايّاها فدك:«حتّى إذا اختار اللّه لنبيّه دار أنبيائه ظهرت خلة النفاق،و سمل جلباب الدين،و نطق كاظم الغاوين،و نبغ خامل الآفلين،و هدر فنيق المبطلين فخطر في عرصاتكم،و اطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخا بكم فوجدكم لدعائه مستجيبين،و للغرة فيه ملاحظين،فاستنهضكم فوجدكم خفافا، و أجمشكم فالفاكم غضابا.فوسمتم غير ابلكم،و أوردتم غير شربكم،هذا و العهد قريب،و الكلم رحيب،و الجرح لما يندمل.بدارا زعمتم خوف الفتنة،ألا في الفتنة سقطوا،و إنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين.فهيهات منكم،و انّى بكم، و انّى تؤفكون،و هذا كتاب اللّه بين أظهركم.و زواجره بيّنة،و شواهده لائحة، و أوامره واضحة.أرغبة عنه تدبرون أم بغيره تحكمون؟بئس للظالمين بدلا «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ» (3).ثم لم تريثوا إلاّ ريث ان تسكن نغرتها،تشربون حسوا، و تسرّون في رتغاء و نصبر منكم على مثل حزّ المدى-إلى ان قال-ثم انحرفت إلى قبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هي تقول:
قد كان بعدك أنباء و هنبثة لو كنت شاهدها لم يكثر الخطب
إنّا فقدناك فقد الأرض و ابلها و اختلّ قومك فاشهد هم و لا تغب
قال:فما رأينا يوما كان أكثر باكيا و لا باكية من ذلك اليوم (1)
بلاغات النساء:25. [1]
.و في(الطبري)-بعد ذكر بيعة عبد الرحمن بن عوف لعثمان-قال علي عليه السلام لابن عوف«ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا،فصبر جميل،و اللّه المستعان على ما تصفون-إلى أن قال-.
فقال المقداد:ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم.إنّي لأعجب من قريش إنّهم تركوا رجلا ما أقول إنّ أحدا أعلم،و لا أقضى منه بالعدل.أما و اللّه لو أجد عليه أعوانا-إلى أن قال-.
فقال رجل للمقداد:رحمك اللّه من أهل هذا البيت،و من هذا الرجل قال:
أهل البيت بنو عبد المطلب،و الرجل علي بن أبي طالب-فقال علي عليه السلام:انّ الناس ينظرون إلى قريش،و قريش تنظر إلى بيتها،فتقول:ان ولّي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا،و ما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم (2).
و روى الجوهري في(سقيفته)-و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر-انّه نادى عمار يوم الشورى:يا معشر قريش!إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم تحوّلونه ها هنا مرّة،و ها هنا مرّة ما أنا آمن أن ينزعه اللّه منكم،و يضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله، و وضعتموه في غير أهله فقال له هاشم بن الوليد بن المغيرة المخزومي:
يا ابن سمية لقد عدوت طورك،و ما عرفت قدرك ما أنت و ما رأت قريش لأنفسها انّك لست في شيء من امرها و امارتها فتنحّ عنها قال:و تكلّمت قريش بأجمعها فصاحوا بعمار و انتهروه فقال عمار«الحمد للّه رب العالمين ما زال
أعوان الحق أذلاّء»ثم قام فانصرف (1)
رواه الجوهري في السقيفة:90 و [1]عنه ابن أبي الحديد في شرحه 2:392 شرح الخطبة 137 و اللفظ لابن أبي الحديد و النقلبتصرف يسير.
.من خطبة(190)
في الخطبة القاصعة:
وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟- بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَ الْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ- وَضَعَنِي فِي حَجْرِهِ وَ أَنَا وَلِيدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ- وَ يَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَ يُمِسُّنِي جَسَدَهُ- وَ يُشِمُّنِي عَرْفَهُ- وَ كَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ- وَ مَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَ لاَ خَطْلَةً فِي فِعْلٍ إلى أن قال- وَ لَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ- يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً- وَ يَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ- وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ؟بِحِرَاءَ؟- فَأَرَاهُ وَ لاَ يَرَاهُ غَيْرِي- وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلاَمِ- غَيْرَ ؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟ وَ؟خَدِيجَةَ؟ وَ أَنَا ثَالِثُهُمَا- أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَ الرِّسَالَةِ وَ أَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ- وَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ ص- فَقُلْتُ يَا؟رَسُولَ اللَّهِ؟ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ- فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ- إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَ تَرَى مَا أَرَى- إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَ لَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ- وَ إِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ إلى أن قال وَ هَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلاَّ مِثْلُ هَذَا يَعْنُونَنِي- وَ إِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ لاَ تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ- سِيمَاهُمْ سِيمَا الصِّدِّيقِينَ وَ كَلاَمُهُمْ كَلاَمُ الْأَبْرَارِ- عُمَّارُ اللَّيْلِ وَ مَنَارُ النَّهَارِ- مُتَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ؟الْقُرْآنِ؟ يُحْيُونَ
1) 1)
سُنَنَ اللَّهِ وَ سُنَنَ رَسُولِهِ- لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَ لاَ يَعْلُونَ- وَ لاَ يَغُلُّونَ وَ لاَ يُفْسِدُونَ- قُلُوبُهُمْ فِي الْجِنَانِ وَ أَجْسَادُهُمْ فِي الْعَمَلِ أقول:و رواه ابن طاوس في( طرائفه 2ابن طاوس-الطرائف-ج 2 ص 414 )عن كتاب موفق بن أحمد المكي 1موفق بن أحمد المكي-كتاب موفق بن أحمد المكي- باسناده إلى أبي ذر في مناشداته عليه السلام لأهل الشورى مع زيادات قبله (1)
رواه عنه ابن طاوس في الطرائف 2:414. [1]
.«و قد علمتم موضعي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالقرابة القريبة» فكان عليه السلام ابن عم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأبويه،و لم يكن في رجال بني هاشم من كان بقربه عليه السلام، و لنعم ما قيل بالفارسيّة:
در ملك وجود پادشاه است على جان و تن و عقل را پناه است على
چشم همه كاينات ختم رسل است در مردم آن چشم نگاه است على
«و المنزلة الخصيصة» في(الحلية)روى أحمد بن حنبل عن ام سلمة قالت:كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم اذا غضب لم يجترئ عليه أحد إلاّ علي كرم اللّه وجهه (2).
و رووا في(صحاحهم)عن ابن عباس قال:لمّا نزل «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (3)قالوا:يا رسول اللّه!من هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟قال:علي و فاطمة و ابناهما (4).
و قال ابن طلحة الشافعي في(مطالب سؤوله)نقل عن علي الثقات، و النقلة الأثبات أنّه قال:
محمّد النبي أخي و صنوي و حمزة سيّد الشهداء عمّي
و جعفر الّذي يضحي و يمسي يطير مع الملائكة ابن امّي
و بنت محمّد سكني و عرسي منوط لحمها بدمي و لحمي
و سبطا أحمد ولداي منها فأيّكم له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الاسلام طرّا غلاما ما بلغت أوان حلمي
و أوجب لي ولايته عليكم رسول اللّه يوم غدير خمّ
فويل ثم ويل ثم ويل لمن يلقي الإله غدا بظلمي (1)
مطالب السؤول:11. [1]
و روى الكنجي الشافعي في(مناقبه)مسندا عن زيد بن علي قال:كانت قريش في حلقة فتفاخروا،و ذكروا شيئا من الشعر،فقالوا:يا أبا الحسن!قل.
فقال عليه السلام لقد قلتم.فقالوا:نعم،و أنت أيضا فقل فقال عليه السلام:
اللّه أكرمنا بنص نبيّه و بنا أقام دعائم الاسلام
و بنا أعزّ نبيّه و كتابه و أعزّنا بالنصر و الإقدام
في كلّ معركة تطير سيوفنا فيها الجماجم عن فراخ الهام
ينتابنا جبريل في أبياتنا بفرائض الاسلام و الأحكام
فنكون أوّل مستحلّ حلّه و محرّم للّه كلّ حرام
نحن الخيار من البرية كلّها و نظامها و زمام كلّ زمام
الخائضو غمرات كلّ كريهة و الضامنون حوادث الأيام
و المبرمون قوى الأمور بعزمهم و الناقضون صرائم الإبرام
إنّا لنمنع من أردنا منعه و نجود بالمعروف و الإنعام
و تردّ غائلة الخميس سيوفنا و تقيم رأس الأصيد القمقام (2)
و روى أيضا عن ابن عباس أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر بسدّ الأبواب إلاّ باب
علي بن أبي طالب (1)
أخرجه الكنجي في كفاية الطالب:87، [1]عن طريق الترمذي و اخرج الحديث الترمذي في سننه 5:641 ح 3732.
و قال:و في(خصائص النسائي)مسندا عن زيد بن أرقم قال:كان لنفر من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أبواب شارعة في المسجد فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب علي،فتكلّم في ذلك ناس فقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:أمّا بعد ما سددته و لا فتحته،و لكن أمرت بشيء فاتّبعته (2).«وضعنى في حجره و انا ولد»هكذا في(المصريّة)،و الصواب: «وليد» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة» (3).
في(مقاتل أبي الفرج):كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخذ عليّا عليه السلام من أبيه،و هو صغير في سنة أصابت قريش قحط نالهم،و أخذ حمزة جعفرا و أخذ العباس طالبا ليكفوا أباهم مئونتهم،و يخففّوا عنه ثقلهم،و أخذ هو عقيلا لميله إليه، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم اخترت من اختار اللّه تعالى لي عليكم،عليّا-قال:حدّثني بذلك أحمد بن الجعد الوشاء قال:حدّثنا عبد الرحمن بن صالح قال:حدّثنا علي بن عابس عن هارون بن سعد عن زيد بن علي (4).
«يضمّني إلى صدره» روى ابن المغازلي في(مناقبه)،و المالكي في (فصوله)مسندا عن علي بن الحسين عليه السلام قال:كنت جالسا مع أبي،و نحن زائرون قبر جدنا عليه السلام و هناك نسوان كثيرة إذ أقبلت امرأة منهن فقلت لها:من أنت يرحمك اللّه؟قالت:زيدة بنت قريبة بن العجلان من بني ساعدة،فقلت لها:
فهل عندك شيء تحدثينا؟قالت:إي و اللّه.حدثتني امّي امّ عمارة بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان الساعدي أنّها كانت ذات يوم في نساء من العرب
إذ أقبل أبو طالب كئيبا حزينا فقلت:ما شأنك يا أبا طالب؟قال:إنّ فاطمة بنت أسد في شدة المخاض.ثم وضع يديه على وجهه،فبينا هو كذلك إذ أقبل محمّد.
فقال له:ما شأنك يا عم؟فقال:إنّ فاطمة بنت اسد تشتكي المخاض.
فأخذ بيده و جاء و هي معه فجاء بها إلى الكعبة،فأجلسها في الكعبة ثم قال:
اجلسي على اسم اللّه.فطلقت طلقة،فولدت غلاما مسرورا نظيفا منظّفا لم أر كحسن وجهه فسمّاه أبو طالب عليّا،و حمله النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى أدّاه إلى منزلها.
الخبر (1)
رواه ابن المغازلي في مناقبه:6 ح 3،و ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة:30. [1]
.و في(اثبات وصيّة المسعودي)بعد ذكر ولادته عليه السلام:حنّكه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و وضعه في حجره و قمّطه في حضنه قبل كلّ أحد (2).
«و يكنفني إلى فراشه و يمسني جسده» رووا عن يزيد بن قعنب-في خبر ولادته عليه السلام في الكعبة-قال:ولدت(فاطمة بنت أسد)عليا عليه السلام و للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثلاثون سنة،و أحبّه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حبّا شديدا و قال لها:اجعلى مهده بقرب فراشي،و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يلي أكثر تربيته،و كان يطهّر عليا عليه السلام في وقت غسله،و يوجره اللبن عند شربه،و يحرّك مهده عند نومه،و يناغيه في يقظته، و يحمله على صدره،و يقول:هذا أخي و ولييّ و ناصري،و صفييّ و ذخري، و كهفي،و ظهري،و ظهيري و وصيي،و زوج كريمتي،و أميني على وصيتي، و خليفتي،و كان يحمله دائما و يطوف به جبال مكة و شعابها و أوديتها (3).
«و يشمّني عرفه» بفتح العين:أي عرقه.
و في(مناقب السروي)في حديث أبي بصير عن الصادق عليه السلام:انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخذ يمسح العرق عن وجه علي عليه السلام و يمسح به وجهه (1)
مناقب السروي 2:220.
.«و كان يمضغ الشيء» أي:يليّنه بفمه.
«ثم يلقمنيه» قال ابن أبي الحديد:روى الحسين بن زيد بن علي بن الحسين عليه السلام عن أبيه قال:كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يمضغ اللحمة و التمرة حتّى تلين، و يجعلها في فم علي عليه السلام و هو صغير في حجره،و كذلك كان أبي علي بن الحسين عليه السلام يفعل بي و لقد كان يأخذ الشيء من الورك،و هو شديد الحرارة فيبرّده في الهواء أو ينفخ عليه حتّى يبرد ثم يلقمنيه.أ فيشفق علي من حرارة لقمة،و لا يشفق علي من النار؟لو كان أخي إماما بالوصية كما يزعم هؤلاء لكان أبي أفضى بذلك إليّ و وقاني من حرّ جهنّم (2).
قلت:ذيل الخبر لا ربط له بالمقام إلاّ أنّه لمّا كان ابن أبي الحديد نقله و يمكن أن يولّد شبهة لا بدّ لنا من دفعها فنقول:إنّ الأخبار في مسلك زيد مختلفة ففي أخبار كثيرة أنه كان معترفا بإمامة أخيه الباقر عليه السلام و ابنه الصادق عليه السلام (3)و هي أكثر من هذا الخبر و ما من قبيل هذا الخبر،فيسقط لشذوذه،و في بعضها مضمون هذا الخبر مع الجواب عمّا تضمنه من الشبهة.
روى الكشي مسندا عن مؤمن الطاق قال:كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام فدخل زيد بن علي فقال لي:أنت الّذي تزعم انّ في آل محمّد إماما مفترض الطاعة معروفا بعينه قال:قلت:نعم.أبوك أحدهم قال:ويحك و ما يمنعه أن يقول لي؟فو اللّه لقد كان يؤتى بالطعام الحار فيقعدني على فخذه و يتناول
البضعة فيبرّدها ثم يلقمنيها.أ فتراه يشفق علي من حرّ الطعام،و لا يشفق علي من حرّ النار قال:قلت:كره أن يقول لك فتكفر،فيجب عليك من اللّه الوعيد،و لا يكون له فيك شفاعة،فتركك مرجئا للّه فيك المشيّة،و له فيك الشفاعة.فقال أبو عبد اللّه عليه السلام:أخذته من بين يديه،و من خلفه،فما تركت له مخرجا (1)
أخرجه الكشي في اختيار معرفة الرجال:186 ح 329،و قوله اخيرا«فقال أبو عبد اللّه أخذته...»هو ذيل حديث آخر أخرجه هو في المصدر:186 ح 328.
.و روى(المناقب)عن أبي العلاء العطار بإسناده عن عبد خير،عن علي عليه السلام قال:أهدي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قنو موز فجعل يقشر الموزة،و يجعلها في فمي فقال له قائل:انك تحبّ عليّا قال:أو ما علمت أنّ عليّا منّي و أنا منه (2).
هذا،و قال الفرزدق في شاعرين من قومه نزع إليهما:
هما نفثا في فيّ من فمويهما على النابح العاوي أشد رجام
«و ما وجد لي كذبة في قول و لا خطلة» في(الصحاح)أخطل:أي:أفحش (3).
«في فعل» روى(الكافي):انّ الصادق عليه السلام قال لأبي كهمس:إذا أتيت عبد اللّه بن أبي يعفور فاقرأه السلام و قل له:إنّ جعفر بن محمّد يقول لك:انظر ما بلغ به علي عليه السلام عند النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فالزمه،فإنّ عليّا عليه السلام إنّما بلغ ما بلغ به عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بصدق الحديث،و أداء الأمانة (4).
و في(تذكرة سبط ابن الجوزي)عن عكرمة،عن ابن عباس-في خبر- و لقد عاتب اللّه أصحاب رسوله في القرآن،و لم يذكر عليا عليه السلام إلاّ بخير (5).
قلت:عاتبهم عموما في قوله جلّ و علا: «أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ» (1)
المجادلة:13. [1]
فلم يعمل بقوله-عزّ و جلّ- «إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً» (2)غيره حتّى نسخ،و عاتب صدّيقهم خصوصا في قوله تعالى: «وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً» (3).فروى كاتب الواقدي-مع نصبه-:أنّ القائل يوم حنين«لن نغلب اليوم من قلة»هو أبو بكر (4)قلت:و يدل على فراره قوله تعالى متصلا به: «ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ» (5)كما يدلّ على عدم إيمانه قوله تعالى بعده: «ثُمَّ أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» (6)و لو كان منهم لقال«ثم أنزل اللّه سكينته على رسوله و عليكم».
هذا،و قال ابن أبي الحديد:روى سعيد بن جبير قال:سألت أنس بن مالك فقلت:أرأيت قول عمر عن الستة«إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مات و هو عنهم راض» ألم يكن راضيا عن غيرهم من أصحابه فقال:بلى.مات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو راض عن كثير من المسلمين،و لكن كان عن هؤلاء أكثر رضا.فقلت له:فأيّ الصحابة كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له أحمد؟قال:ما فيهم أحد إلاّ و قد سخط منه فعلا، و أنكر عليه أمرا إلاّ اثنان علي بن أبي طالب،و أبو بكر بن أبي قحافة فإنّهما لم يقترفا منذ أتى اللّه بالاسلام أمرا أسخطا فيه النبي»صلّى اللّه عليه و آله و سلم (7).
قلت:أمّا أصل قول عمر في موت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم راضيا عن اولئك الستة ففرية بيّنة،و يشهد له تكذيبه نفسه قال الجاحظ:إنّ عمر بعد قوله:«إنّ النبي مات و هو راض عن اولئك الستة»ذكر عيوب اولئك الستة،و بعد بيان عيب الزبير أنّه يوما انسان و يوما شيطان«أقبل على طلحة و كان له مبغضا منذ قال لأبي بكر يوم وفاته ما قال في عمر فقا له:أقول أم أسكت؟قال:قل فإنّك لا تقول من الخير شيئا قال:«أما إنّى أعرفك بالبأو الّذي حديث لك،و لقد مات النبي ساخطا عليك للكلمة الّتي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب» (1)
يعني آية 53 من سورة الأحزاب.
قال الجاحظ:كلمة طلحة الّتي أشار إليها عمر هي أنّ طلحة لما انزلت آية الحجاب قال بمحضر من نقل عنه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما الّذي يغنيه حجابهن اليوم و سيموت غدا فننكحهن.قال الجاحظ:لو قال قائل لعمر أنت قلت:إنّ النبي مات و هو راض عن الستة فكيف تقول الآن لطلحة إنّه مات ساخطا عليك للكلمة الّتي قلتها لكان قد رماه بمشاقصه،و لكن من الّذي كان يجسر على عمر أن يقول له مادون هذا فكيف هذا (2).
قلت:فلم جعلوه فاروقا مع كذبه و إتيانه بالتناقض؟ثم لم خصّ طلحة بذاك العيب و كان عثمان شريكه فيه؟فكان طلحة يريد عائشة،و كان عثمان يريد أمّ سلمة،و قالا:يجول بين خلاخيل نسائنا إذا متنا و نجول بين خلاخيل نسائه إذا مات (3)إلاّ أنّه خصّ طلحة لأنّ طلحة منع أبا بكر من استخلافه و عثمان لمّا أغمى على أبي بكر في احتضاره كتب من نفسه استخلافه عمر لمّا خاف أن لا يفيق.
ثم لو كان قائل يقول:إنّ عمر لم يختص القول بتناقضه في مورد طلحة فليقل له لم خلّفت نفسك عن جيش اسامة مع لعن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم للمتخلّف،و لم نسبت الهجر إلى من قال تعالى في حقه «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى» (1)
النجم:4. [1]
،و لم منعته عن وصيته و أوجدت هذا التشتت في الإسلام و صرت سببا لضلال أكثر فرقهم إلاّ أنّ إخواننا يجعلون عمر إلها،و قوله فوق قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم.ثم إذ عرفت أصل الخبر لا تحتاج إلى البحث في فرعه مع أنّ اتّهام أنس بن مالك في حق أمير المؤمنين عليه السلام من ردّه له عن الدخول على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مرارا-و كان حاجبه-في حديث الطير المتواتر حتّى أنكر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليه ذلك.فأجاب بأنّي أحببت أن يكون قولك«اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليّ»في أحد من قومي لا في علي،و جحده لأمير المؤمنين عليه السلام كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم الغدير لما استشهده حتّى دعا عليه السلام عليه ببياض لا تواريه العمامة فابتلي بالبرص في رأسه و وجهه أمر معلوم،و لو كان قدر أن ينكر ذلك لأمير المؤمنين عليه السلام لفعل،و لكنّه لمّا لم يقدر أراد جعل شريك له حتّى لا يختص عليه السلام بهذه المزيّة.
مع أنّ قوله«منذ أتى اللّه بالإسلام»غلط فإنّه لم يقل أحد إنّ أبا بكر أسلم حين بعثة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بل اتّفقوا على أنّه كان بعد مدّة،و إنّما غالط النصاب في كونه أقدم اسلاما بكون أمير المؤمنين عليه السلام لمّا لم يكن بالغا مبلغ الرجال وقت البعثة كان إسلامه بلا أثر،مع أنّه طعن منهم على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حيث قبل إيمانه بل جعله في ذلك الوقت وصيّه و وزيره و خليفته حتى استهزأ بنو عبد المطلب بأبي طالب بأنّ ابن أخيك جعل ابنك أميرا عليك.
1) 1)
ثم إسخاط أبي بكر للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في مقامات معلوم.منها يوم الغار في جزعه و اضطرابه حتى قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«لا تحزن» (1)
التوبة:40.
،و منها في عدم قتله للخارجي الّذي أمره بقتله،و منها تخلّفه عن جيش اسامة مع لعنه المتخلّف و بحضوره عند النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما دعا أمير المؤمنين عليه السلام فبعثت ابنته إليه، و بإسخاطه سيّدة نساء العالمين حتى ماتت غضبى عليه و قالت له:«لأدعونّ اللّه عليك بعد كلّ صلاة»و قد أقرّ لها أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:سخط فاطمة سخطي،إلى غير ذلك ممّا ورد في(صحاحهم)و نقلوه بأنفسهم فضلا عما رواه الشيعة مع شواهد لصحة ما رووه .«و لقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل» في(الصحاح):الفصيل ولد الناقه إذا فصل عن امّه (2).
«أثر امّه» روى كاتب الواقدي في(طبقاته)مسندا عن جابر قال:قدم علي عليه السلام من اليمن.فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:بما أهللت؟قال:بما أهلّ به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،قال:فاهد و امكث حراما كما أنت (3).
و في(فقيه)ابن بابويه نزلت المتعة-أي حج التمتع-على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عند المروة بعد فراغه من السعي فقال:يا أيّها الناس!هذا جبرئيل-و أشار بيده إلى خلفه-يأمرنى أن آمر من لم يسق هديا أن يحلّ،و لو استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم،و لكنّي سقت الهدي،و ليس لسائق الهدى أن يحلّ حتّى يبلغ الهدي محلّه-إلى أن قال بعد ذكره قدوم أمير المؤمنين عليه السلام من اليمن على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مكة قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:فبم
أهللت أنت يا علي فقال:إهلالا كإهلال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال له:كن على إحرامك مثلي فأنت شريكي في هديي،و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ساق معه مئة بدنة فجعل لعلي عليه السلام منها أربعا و ثلاثين،و لنفسه ستّا و ستّين و نحرها كلّها بيده (1)
الفقيه 2:153 ح 15،و للحديث ذيل.
.و روى(طبقات كاتب الواقدي):أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر من كلّ بدنة من بدنه بمضغة فجعلت في قدر فأكل هو و علي من لحمها و شربا من مرقتها (2).
و في خبر رواه الطبرى و غيره قال عمر لابن عباس:كره قومكم أن يجمعوا لكم النبوّة و الخلافة فتجحفوا الناس جحفا.فقال ابن عباس:لو كنّا جحفنا بالخلافة جحفنا بالقرابة،و لكنّا قوم أخلاقنا مشتقّة من خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم الّذي قال اللّه تعالى «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (3)و قال له صلّى اللّه عليه و آله و سلم و اخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين-الخبر- (4)و لفظ عمر و ابن عباس و ان كان في عامة بني هاشم إلاّ أنّ مغزاهما هو عليه السلام خاصّة كما لا يخفى.
«يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما» هكذا في(المصرية)،و الصواب:
«يرفع لي كل يوم علما من اخلاقه»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (5).
قال هشام بن عبد الملك لمحمّد بن علي الباقر عليه السلام:من أين ورثتم ما ليس لغيركم،و ليس بعد محمّد نبي،و ما أنتم أنبياء؟قال:من قوله تعالى: «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ» (6)فالّذي أبداه فهو للناس كافة،و الّذي لم يحرّك
به لسانه أمره تعالى أن يخصّنا به دون غيرنا،فلذلك كان يناجي به أخاه عليا دون أصحابه،و أنزل تعالى قرآنا فقال: «وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ» (1)
الحاقة:12. [1]
.فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بين أصحابه:يا علي!سألت اللّه أن يجعلها اذنك،و لذلك قال علي عليه السلام بالكوفة«علّمني رسول اللّه ألف باب من العلم ينفتح من كل باب ألف باب»خصّه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من مكنون علمه ما خصّه اللّه به فصار إلينا و توارثناه من دون قومنا.فقال له هشام:إنّ عليّا كان يدّعي علم الغيب،و انّ اللّه لم يطلع على غيبه أحدا فكيف ادّعى ذلك؟فقال عليه السلام له:إنّ اللّه تعالى أنزل على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم كتابا بيّن فيه ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة في قوله تعالى:«وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ» (2)و في قوله تعالى: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» (3)و في قوله تعالى: «وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (4)و أوحى إلى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ألاّ يبقي في غيبه و سرّه و مكنون علمه شيئا إلاّ ناجى عليا به،و أمره أن يؤلف القرآن من بعده،و يتولّى غسله و تحنيطه و تكفينه من دون قومه،و قال لأهله و أصحابه:حرام أن تنظروا إلى عورتي غير أخي علي فهو منّي و أنا منه،له ما لي،و عليه ما علي،و هو قاضي ديني،و منجز و عدي.و قال لأصحابه«علي يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله».و لم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله و تمامه إلاّ عند علي عليه السلام و لذلك قال لأصحابه:أقضاكم علي.
و قال عمر بن الخطاب«لو لا علي لهلك عمر»أ فيشهد له عمر و يجحد غيره (5).
و قال الصادق عليه السلام:عمّم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليّا عليه السلام بيده فسدلها من بين يديه و قصرها من خلفه قدر أربع اصابع،ثم قال:أدبر،فأدبر.ثم قال:أقبل، فأقبل،ثمّ قال:هكذا تيجان الملائكة (1)
أخرجه الكليني في الكافي 6:46 ح 4. [1]
.«و يأمرني بالاقتداء به» قال الحسن بن علي عليه السلام:كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إذا نزل عليه الوحي نهارا لم يمس حتّى يخبر به عليّا و إذا نزل عليه ليلا لم يصبح حتى يخبر به عليّا (2).
و في(شرف الخركوشي)جاء جبرئيل(إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم)بأعلى مكّة و علّمه الصلاة فانفجرت من الوادي عين حتّى توضأ جبرئيل بين يدي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و تعلّم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم منه الطهارة ثم أمر به عليّا عليه السلام (3).
«و لقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء» في(بلدان الحموي):«حراء»بالكسر و التخفيف و المد:جبل من جبال مكّة على ثلاثة أميال قال جرير:
أ لسنا أكرم الثقلين طرا و أعظمهم ببطن حراء نارا
قال:إنّه ذهب به إلى البلدة الّتي حراء بها فلم يصرفه.
قال:و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبل أن يأتيه الوحي يتعبّد في غار من هذا الجبل و فيه أتاه جبرئيل عليه السلام (4).
و في(كامل الجزري)،و عبد المطلب أوّل من تحنّث-أي:أقام بحراء- فكان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء و أطعم المساكين جميع الشهر (5).
«فأراه و لا يراه غيري» قال ابن أبي الحديد:ورد في(الصحاح)أنّ
النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان يجاور في حراء من كل سنة شهرا و كان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين،فإذا قضى جواره من حراء كان أوّل ما يبدأ به إذا انصرف أن يأتي باب الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء اللّه من ذلك،ثم يرجع إلى بيته حتّى جاءت السنة الّتي أكرمه اللّه تعالى فيها بالرسالة،فجاور في حراء شهر رمضان و معه أهله خديجة و علي بن أبي طالب و خادم لهم،فجاءه جبرئيل بالرسالة (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:254. [1]
.قلت:كلامه عليه السلام متضمن أنّ في مدّة مجاورته صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ذلك الجبل لا يراه غيره،و خبره متضمن أنّه يراه كل أحد فلا عبرة به.
«و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و خديجة و أنا ثالثهما» روى أبو مخنف عن جابر عن تميم الناجي-و قد نقله ابن أبي الحديد في شرح كتابه عليه السلام إلى أهل الكوفة-قال:قدم علينا الحسن بن علي عليه السلام و عمّار يستنفران الناس إلى علي عليه السلام و معهما كتابه،فلمّا فرغا من قراءة كتابه قام الحسن عليه السلام-و هو فتى حدث و اللّه إنّي لارثي له من حداثة سنّه و صعوبة مقامه-فرماه الناس بأبصارهم-إلى أن قال-.
فقال:و لقد علمتم أنّ عليّا عليه السلام صلّى مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم وحده،و انّه يوم صدّق به لفي عاشرة من سنّه،ثم شهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم جميع مشاهده،و كان من اجتهاده في مرضاة اللّه،و طاعة رسوله،و آثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم،و لم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم راضيا عنه حتّى غمّضه بيده،و غسّله وحده،و الملائكة أعوانه،و الفضل ابن عمه ينقل إليه الماء،ثم أدخله حفرته،و أوصاه بقضاء دينه و عداته،و غير ذلك من
1) 1)
اموره،كلّ ذلك منّ من اللّه عليه-الخبر (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:296، [1]شرح الكتاب 1.
.و قال ابن أبي الحديد:امّا حديث أنّ الإسلام لم يجتمع عليه بيت واحد يومئذ إلاّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو عليه السلام و خديجة فخبر عفيف الكندي المشهور،و قد ذكرناه من قبل،و أنّ أبا طالب قال له:أ تدري من هذا؟قال:لا.قال:هذا ابن أخي محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب،و هذا ابني علي،و هذه المرأة خلفهما خديجة بنت خويلد زوجة محمّد ابن أخي،و أيم اللّه ما أعلم على الأرض كلها على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة (2):قلت:إنّما في خبر عفيف الكندي أن العباس قال لعفيف ما قال،لا أبو طالب،و في خبره فقلت للعباس:و من هذا الفتى؟قال:علي بن أبي طالب ابن عمه،قلت:فما هذا الّذي يصنع؟قال:يصلّي و يزعم أنّه نبي و لم يتبعه على أمره إلاّ امرأته و ابن عمّه هذا الفتى،و هو يزعم انه ستفتح عليه كنوز كسرى و قيصر-قال:و كان عفيف يقول و قد أسلم-:لو كان اللّه رزقني الإسلام يومئذ كنت ثانيا.
رواه بأسانيد،و رواه بطريق آخر،و فيه:فقال العبّاس:تدري من هذا؟ قلت:لا.قال:هذا محمّد بن عبد اللّه ابن أخي،و هذا علي بن أبي طالب،هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي.إنّ ابن أخي هذا حدّثنا أنّ ربّه ربّ السماوات و الأرض أمره بهذا الدين الّذي هو عليه،و لا و اللّه ما أعلم على وجه الأرض أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة (3)و أبو طالب إنّما ورد في خبر إسلام جعفر بن أبي طالب.ففي(أسد الغابة)روى أن أبا طالب رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و عليّا يصليان،و علي عن يمينه فقال لجعفر:صلّ
جناح ابن عمك و صلّ عن يساره (1)
اسد الغابة 1:287. [1]
.ثم لم عبّر ابن أبي الحديد بما ظاهره حصر الحديث في عفيف،و قد روى الاسكافي رواية جمع في ذلك،و منهم ابن مسعود فقال:«روى شريك بن عبد اللّه،عن سليمان بن المغيرة،عن زيد بن وهب عن عبد اللّه بن مسعود أنّه قال:أوّل شيء علمته من أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّي قدمت مكّة مع عمومة لي و ناس من قومي،و كان في أنفسنا شراء عطر،فارشدنا إلى العباس بن عبد المطلب فانتهينا إليه،و هو جالس إلى زمزم،فبينا نحن عنده جلوسا إذ أقبل رجل من باب الصفا،و عليه ثوبان أبيضان و له و فرة إلى انصاف اذنيه،جعدة،أشمّ أقنى،أدعج العينين،كثّ اللحية،برّاق الثنايا،أبيض تعلوه حمرة،كأنّه القمر ليلة البدر،و على يمينه غلام مراهق أو محتلم حسن الوجه،تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها،حتّى قصدوا نحو الحجر فاستلمه و استلمه الغلام ثم استلمته المرأة.ثم طاف بالبيت سبعا،و الغلام و المرأة يطوفان معه،ثم استقبل الحجر فقام و رفع يديه و كبّر،و قام الغلام إلى جانبه،و قامت المرأة خلفهما فرفعت يديها و كبّرت،فأطال القنوت ثم ركع،و ركع الغلام و المرأة ثم رفع رأسه فأطال،و رفع الغلام و المرأة معه(ثمّ سجد و سجد الغلام و المرأة معه)يصنعان مثل ما يصنع،فلمّا رأينا شيئا ننكره و لا نعرفه بمكّة،أقبلنا على العباس فقلنا:يا أبا الفضل!انّ هذا الدّين ما كنّا نعرفه فيكم.قال:أجل و اللّه.قلنا:
فمن هذا؟قال:هذا ابن أخي.هذا محمّد بن عبد اللّه،و هذا الغلام ابن أخي أيضا هذا علي بن أبي طالب،و هذه المرأة زوجة محمّد هذه خديجة بنت خويلد،و اللّه ما على الأرض أحد يدين بهذا الدّين إلاّ هؤلاء الثلاثة.
1) 1)
و قد نقله ابن أبي الحديد بعد أيضا (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:260، [1]شرح الخطبة 190،و ما بين القوسين من زيادة الشارح.
.و منهم أبو أيّوب الأنصاري فقال الاسكافي:و روى أبو أيوب الأنصاري عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال:لقد صلّت الملائكة علي و على علي سبع سنين،و ذلك انّه لم يصلّ معي رجل فيها غيره (2).
و منهم أبو ذر فقال الاسكافي:روى محمّد بن عبد اللّه بن أبي رافع عن أبيه عن جده ابن رافع قال:أتيت أبا ذر بالربذة اودّعه،فلمّا أردت الانصراف قال لي و لا ناس معي:ستكون فتنة فاتقوا اللّه،و عليكم بالشيخ علي بن أبي طالب فاتّبعوه فإني سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول له:أنت أوّل من آمن بي، و أول من يصافحني يوم القيامة،و أنت الصّديق الأكبر،و أنت الفاروق الّذي يفرق بين الحق و الباطل،و أنت يعسوب المؤمنين،و المال يعسوب الكافرين، و أنت أخي و وزيري و خير من اترك بعدي تقضي ديني و تنجز موعودي (3).
و منهم عباد الأسدي عنه عليه السلام فقال أيضا:روى ابن أبي شيبة عن عبد اللّه بن نمير،عن العلاء بن صالح،عن المنهال بن عمرو،عن عباد بن عبد اللّه الأسدي،قال:سمعت علي بن أبي طالب يقول:أنا عبد اللّه و أخو رسوله،و أنّا الصّدّيق الأكبر،لا يقولها غيري إلاّ كذّاب،و لقد صلّيت قبل الناس سبع سنين (4).
و منهم عمر بن الخطّاب فقال أيضا:روى ياسين بن محمّد بن أيمن،عن أبي حازم مولى ابن عبّاس أنّه قال:سمعت عمر يقول:كفّوا عن علي فانّي سمعت من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه خصالا لو أنّ خصلة منها في جميع آل الخطاب كان
أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس.كنت ذات يوم و أبو بكر و عثمان و عبد الرحمن بن عوف و أبو عبيدة مع نفر من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نطلبه -إلى أن قال-فخرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فسرنا حوله فاتّكا على علي و ضرب بيده على منكبه فقال:أبشر يا علي بن أبي طالب!إنّك مخاصم و إنّك تخصم الناس بسبع لا يجاريك أحد في واحدة منهن.أنت أوّل الناس إسلاما،و أعلمهم بأيّام اللّه...الخبر (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:262، [1]شرح الخطبة 190.
.و منهم الشعبي و الحسن البصري فقال أيضا:قد روى اسماعيل بن نصر الصفار عن محمّد بن ذكوان،عن الشعبي قال:قال الحجّاج للحسن، و عنده جماعة من التابعين-و ذكر عليا عليه السلام-ما تقول أنت يا حسن؟فقال:«ما أقول!هو أوّل من صلّى إلى القبلة،و اجاب دعوة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إنّه لعلى منزلة من ربّه،و قرابة من رسوله،و قد سبقت له سوابق لا يستطيع ردّها أحد» فغضب الحجّاج غضبا شديدا،و قام عن سريره فدخل بعض البيوت،و أمر بصرفنا-قال الشعبي:و كنّا جماعة ما منّا أحد الاّ من نال من علي عليه السلام مقاربة للحجّاج غير الحسن (2).و قد صرّح به ابنه الحسن عليه السلام كما مر،و ابنه الحسين عليه السلام يوم الطف كما رواه الطبري (3)بل لا يحصى من رواه.
و لم نقف على ذكره لخبر عفيف قبل في شرح الفقرات،و انّما ذكر قبل عن الطبري روايته عن محمّد بن إسحاق قال:كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم اذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكّة،و خرج معه علي عليه السلام مستخفيا من عمه أبي طالب،و من جميع أعمامه و سائر قومه فيصليان الصلوات فيها،فإذا
أمسيا رجعا،فمكثا كذلك ما شاء اللّه أن يمكثا،ثم إنّ أبا طالب عثر عليهما يوما، و هما يصليان فقال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم:يا ابن أخي ما هذا الّذي أراك تدين به؟قال:يا عم!هذا دين اللّه،و دين ملائكته و دين رسله،و دين أبينا ابراهيم-أو كما قال- بعثني به رسولا إلى العباد،و أنت يا عم أحقّ من بذلت له النصيحة و دعوته إلى الهدى،و أحقّ من أجابني إليه و أعانني عليه-أو كما قال-فقال أبو طالب:يا ابن أخي!إنّي لا استطيع أن افارق ديني و دين آبائي و ما كانوا عليه،و لكن و اللّه لا يخلص إليك شيء تكرهه ما بقيت-و قد روى هؤلاء المذكورون أنّ أبا طالب قال لعليّ عليه السلام:يا بنيّ!ما هذا الّذي أنت عليه؟فقال:يا أبت إنّي آمنت باللّه و برسوله،و صدّقته بما جاء به،و صلّيت للّه معه-قال:فزعموا انّه قال له:أما إنّه لا يدعو إلاّ إلى خير فالزمه (1)
جاء ذلك في شرح ابن أبي الحديد 3:251، [1]شرح الخطبة 233،و تاريخ الطبري 2:58. [2]
.هذا،و لا يكاد تعجبي ينقضي كيف تؤثّر التشكيكات حتى تصيّر البديهيّات نظريات حتّى تحتاج إلى الاثبات.و إلاّ فالتزام أمير المؤمنين عليه السلام بالإسلام ساعة بعث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر ضروري كادعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم النبوّة، و عمدة تشكيكهم أنه عليه السلام لم يكن بالغا مبلغ الرجال حين إسلامه.فلا يعتبر إلاّ بعد بلوغه.و نكتفي في جواب تشكيكهم الركيك بجواب المأمون الخليفة العباسي-قال ابن عبد ربه في(عقده)في عنوان احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل علي عليه السلام-قال المأمون لإسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن حماد بن زيد:أيّ الأعمال كان أفضل يوم بعث اللّه رسوله أليس السبق إلى الاسلام؟ قال:نعم قال:اقرأ ذلك في كتاب اللّه «وَ السّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» (2)إنّما عنى من سبق إلى الإسلام.فهل علمت أحدا سبق عليا عليه السلام
إلى الإسلام.قال:إن عليّا أسلم و هو حدث السنّ لا يجوز عليه الحكم،و أبو بكر أسلم و هو مستكمل يجوز عليه الحكم.قال:أخبرني أيّهما أسلم قبل ثم اناظرك بعد في الحداثة و الكمال:قال:علي أسلم قبل أبي بكر على هذه الشرطية.
قال:فأخبرني عن إسلام علي حين أسلم لا يخلو من ان يكون النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم دعاه إلى الإسلام أو يكون إلهاما من اللّه.قال إسحاق:فأطرقت.
فقال لي:يا إسحاق!لا تقل إلهاما فتقدّمه على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يعرف الاسلام حتّى أتاه جبرئيل عن اللّه تعالى.قلت:أجل بل دعاه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:يا إسحاق!فهل يخلو النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حين دعاه من ان يكون دعاه بامر اللّه تعالى او تكلّف ذلك من نفسه.قال:فاطرقت.فقال:يا إسحاق!لا تنسب إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم التكلف فإنّ اللّه تعالى يقول عنه: «وَ ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ» (1)
ص:86.
.قلت:أجل.بل دعاه بأمر اللّه.قال:فهل من صفة الجبار جلّ ذكره أن يكلّف رسوله دعاء من لا يجوز عليه حكم؟قلت:أعوذ باللّه.فقال:افتراه في قياس قولك«انّ عليا أسلم صبيا لا يجوز عليه الحكم»قد كلّف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من دعاء الصبيان ما لا يطيقون فهل يدعوهم الساعة،و يرتدّون بعد ساعة فلا يجب عليهم في ارتدادهم شيء،و لا يجوز عليهم حكم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أ ترى هذا جائزا عندك أن تنسبه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم؟قلت:أعوذ باللّه قال:يا إسحاق!فأراك انّما قصدت لفضيلة فضّل بها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليا عليه السلام على هذا الخلق ابانة بها منهم ليعرفوا فضله،و لو كان اللّه امره بدعاء الصبيان لدعاهم كما دعا عليّا عليه السلام.قلت:بلى.قال:فهل بلغك ان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم دعا أحدا من الصبيان من أهله و قرابته لئلا تقول إن عليّا ابن عمه؟قلت:لا أدري فعل أم
1) 1)
لم يفعل.قال:أرايت ما لم تدره هل تسئل عنه؟قلت:لا قال:فدع ما قد وضعه اللّه -إلخ (1)
العقد الفريد 5:319،و [1]النقل بتصرف يسير.
-.و لقد اجاد ابن البيّع منهم في(معرفة اصول الحديث)بأن قال:إيمان علي عليه السلام في صغره كان بمنزلة عيسى و هو ابن ساعة يقول في المهد «إِنِّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ» (2)و بمنزلة يحيى عليه السلام يقول تعالى فيه «وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» (3).
ثم انا لا نعبّر انّه عليه السلام أوّل من أسلم لانّه يوهم أن يكون مثل غيره أسلم عن كفر و عبادة صنم،و قد سئل بعضهم عن إسلامه عليه السلام متى أسلم فقال:
و متى كفر إلاّ انّه جدّد الإسلام.
و عن(تفسير قتادة)و(كتاب الشيرازي)قال ابن عباس:و اللّه ما من عبد آمن باللّه إلاّ و قد عبد الصنم فقال تعالى «وَ هُوَ الْغَفُورُ» لمن تاب من عبادة الأصنام الاّ علي بن أبي طالب عليه السلام فانّه آمن باللّه من غير أن يعبد صنما فذلك قوله تعالى «وَ هُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ» (4)يعنى المحب لعليّ بن أبي طالب عليه السلام إذ آمن به من غير شرك (5).
بل نعبّر نحن كما عبر نفسه عليه السلام لم يجمع بيت واحد في الاسلام غير النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و غيره عليه السلام و غير خديجة يومئذ.
و روى الخطيب مع نصبه في«يحيى بن الحسين»مسندا عن جابر قال:
قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:ثلاثة لم يكفروا بالوحي طرفة عين:مؤمن آل يس،و علي بن أبي طالب،و آسية امرأة فرعون (1)
رواه الخطيب في تاريخ بغداد 14:155. [1]
.و روى أحمد بن حنبل في(فضائله)و الثعلبي في(تفسيره)،عن ابن أبي ليلى و الخطيب في(اربعينه)،عن ابن عباس قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إنّ سبّاق الامم ثلاثة لم يكفروا طرفة عين:علي بن أبي طالب،و صاحب(يس)،و مؤمن آل فرعون (2).
«أرى نور الوحي و الرسالة» قال ابن أبي الحديد:روى عن جعفر بن محمد الصادق قال كان علي عليه السلام يرى مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبل الرسالة الضوء و يسمع الصوت و قال له:لو لا أنّي خاتم الأنبياء لكنت شريكا في النبوّة فإن لا تكن نبيا فإنّك وصيّ نبيّ و وارثه،بل أنت سيد الأوصياء و امام الأتقياء (3).
و روى ابن مردويه،و المظفر السمعاني،و سهل المروزي في(أماليه) -كما في(مناقب السروي)-انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:انّ الملائكة صلّت علي و على علي سبع سنين قبل أن يسلم بشر (4).
و فيه عن القطّان،و وكيع،و الثوري،و السدّي و مجاهد في تفاسيرهم عن ابن عباس-في خبر طويل-قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:ما كتبت يا علي حرفا إلاّ و جبرئيل ينظر إليك،و يفرح و يستبشر بك (5).
و روى أحمد بن حنبل في(فضائله)عنه عليه السلام قال:لمّا كانت ليلة بدر قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من يستقي لنا من الماء؟فأحجم الناس،فقمت فاحتضنت قربة ثم
أتيت قليبا بعيد القعر مظلما فانحدرت فيه.فأوحى اللّه تعالى إلى جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل تأهّبوا لنصرة محمّد و حزبه قال:فهبطوا من السماء،لهم دويّ يذهل من يسمعه،فلمّا حاذوا القليب و قفوا و سلّموا علي من عند آخرهم إكراما و تبجيلا و تعظيما.
قال سبط ابن الجوزي في(تذكرته)بعد نقله الخبر عن(فضائل أحمد بن حنبل)و ذكره أرباب المغازي أيضا (1)
تذكرة الخواص:46. [1]
.«و أشمّ ريح النبوّة» قال سبط ابن الجوزي في(تذكرته):قال عكرمة و سمع(ابن عباس)اقواما يتناولون عليا عليه السلام فقال:و يحكم أ تذكرون رجلا كان يسمع وطء جبرئيل عليه السلام فوق بيته (2).
«و لقد سمعت رنّة الشيطان» أي:صيحته.قال الشاعر:
عمدا فعلت ذاك بيد أنّي أخال إن هلكت لم ترنّي
«حين نزل الوحي عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقلت:يا رسول اللّه ما هذه الرنّة فقال هذا الشيطان أيس» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(قد أيس)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (3).
«من عبادته» في(الخصال):عن الصادق عليه السلام:رنّ ابليس اربع رنّات، أوّلهنّ يوم لعن،و حين اهبط إلى الأرض،و حين بعث محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم-الخبر- (4).
و قال ابن أبي الحديد:روى أحمد بن حنبل في(مسنده)عن علي عليه السلام قال:كنت مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم صبيحة اللّيلة الّتي اسري به فيها،و هو بالحجر يصلّي فلما قضى صلاته و قضيت صلاتى سمعت رنّة شديدة فقلت:يا رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم!ما هذه الرنّة؟قال:ألا تعلم هذه رنّة الشيطان.علم انّي اسري بي اللّيلة إلى السماء فأيس من أن يعبد في هذه الأرض (1)
نسبه إلى مسند أحمد،ابن أبي الحديد في شرحه 3:254.
.«إنّك تسمع ما أسمع» قال الصادق عليه السلام:لمّا هبط جبرئيل عليه السلام بالأذان على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان رأسه في حجر علي عليه السلام فأذّن جبرئيل،و اقام.فلمّا انتبه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:يا علي!سمعت؟قال:نعم.قال:حفظت؟قال:نعم.قال:ادع بلالا فعلّمه.فدعا علي عليه السلام بلالا فعلّمه (2).
«و ترى ما أرى إلاّ أنّك لست بنبيّ،و لكنّك وزير،و انّك لعلى خير» قال ابن أبي الحديد:أمّا خبر الوزارة فقد ذكره الطبري في(تاريخه)عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال:لمّا أنزلت هذه الآية «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (3)-إلى أن قال-قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيي و خليفتي فيكم-إلى ان قال-فاسمعوا له و أطيعوا-إلى أن قال بعد ذكر قيامه عليه السلام و قوله:انّا أؤازرك يا رسول اللّه،و قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له:أنت أخي و وصيّي و خليفتي فاسمعوا له و أطيعوا-فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب:قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع (4).
و قال أيضا و روى أيضا انّ رجلا قال لعليّ عليه السلام:بم ورثت ابن عمك دون عمك؟فقال علي عليه السلام:هاؤم ثلاث مرات حتى اشرأب الناس و نشروا آذانهم ثم قال:جمع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بني عبد المطلب بمكّة و هم رهط كلهم يأكل الجذعة و يشرب الفرق فصنع مدا من طعام حتّى اكلوا و شبعوا،و بقي الطعام كما هو كأنّه لم يمسّ،ثم دعا بغمر فشربوا و رووا و بقي الشراب كأنه لم
يشرب،ثم قال:يا بني عبد المطلب إنّي بعثت إليكم خاصّة،و إلى الناس عامّة، فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي،و صاحبي و وارثي.فلم يقم إليه أحد.فقمت إليه و كنت من أصغر القوم،فقال:اجلس ثم قال:ذلك ثلاث مرّات كل ذلك أقوم إليه.فيقول اجلس حتّى كان في الثالثة.فضرب بيده على يدي فعند ذلك ورثت ابن عمي دون عمي (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:255،و [1]تاريخ الطبري 2:63. [2]
.قلت:أيّ نصّ أصرح من هذا،و لو لم يكن له عليه السلام إلاّ هذا لكفاه مع أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم دلّ على استخلافه من حين بعثته إلى حين وفاته عموما،و في غدير خم خصوصا.
و قال ابن أبي الحديد أيضا:و يدلّ على أنّه وزير النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من نصّ الكتاب و السنّة قوله تعالى: «وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» (2)و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الاسلام:«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي»فأثبت له جميع مراتب هارون من موسى عليه السلام فاذن هو عليه السلام وزير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و شادّ أزره،و لو لا أنّه خاتم النبيين لكان شريكا في أمره (3).
قلت:فإذا كان جميع مراتب هارون من موسى غير النبوة تكون له عليه السلام من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أيّ شيء بقي للرجلين حتّى قاما مقامه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أخّراه عليه السلام عن ذلك،و من مراتب هارون من موسى كونه خليفته في قومه.قال تعالى:
«وَ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» (4).
و في(العقد):أنّ المأمون استدلّ على استخلافه بالآية مع الرواية فقال له إسحاق بن إبراهيم من فقهاء العامة أنّ موسى خلّف هارون في قومه و هو حيّ و مضى إلى ربه.و انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خلّف عليا كذلك حين خرج إلى غزاته، فقال له المأمون:ليس كما قلت.أخبرني عن موسى عليه السلام حين خلّف هارون هل كان معه حين ذهب إلى ربه أحد من أصحابه أو أحد من بني إسرائيل؟قال:
لا.قال:أ و ليس استخلفه على جماعتهم قال:نعم قال:فأخبرني عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حين خرج إلى غزاة تبوك هل خلّف إلاّ الضعفاء و النساء و الصبيان فأنّى يكون مثل ذلك (1)
العقد الفريد 5:325،و [1]النقل بتصرف في اللفظ.
.و قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم-كما ورد في دعاء الندبة-:أشهد أنّ الايمان خالط لحمك،و دمك يا علي كما خالط لحمي و دمي (2).
و روى ابن مردويه عن أمّ سلمة انّه كان لها مولى لا يصلّي صلاة إلاّ سبّ عليا عليه السلام فقالت له:ما حملك على ذلك؟قال:لأنّه قتل عثمان و شرك في دمه فقالت له:لو لا انّك مولاي و أنك عندي بمنزلة ولدي ما حدّثتك بسرّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.قد أقبل يوما النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم-و كان يومي منه و انّما كان نصيبي من تسعة ايّام يوما واحدا-فدخل و هو يتخلخل أصابعه في أصابع علي عليه السلام واضعا يده عليه فقال:يا أمّ سلمة!اخرجي من البيت و أخليه لنا.فخرجت و أقبلا يتناجيان،و أسمع الكلام،و لا أدري ما يقولان حتّى اثّاقلت،و قد انتصف النهار فاقبلت و قلت:السلام عليك أ ألج؟فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:لا.فرجعت و جلست حتّى قلت:قد زالت الشمس،الآن تخرج إلى الصلاة فتذهب يومي، و لم أر يوما قطّ أطول منه،فأقبلت أمشي حتّى وقفت و قلت:السلام عليك أ ألج.
فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:نعم.فدخلت و علي واضع يده على ركبة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم، فدخلت و فم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على اذن علي يتسارّان و علي عليه السلام معرض وجهه حتى دخلت،و خرج فأخذني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في حجره،و أصاب منّي ما يصيب الرجل من أهله من اللطف و الاعتذار،ثم قال:يا ام سلمة لا تلوميني.فإنّ جبرئيل أتاني بما هو كائن بعدي،و أمرني أن اوصي به عليّا من بعدي،و كنت بين جبرئيل و علي،جبرئيل عن يميني،و علي عن شمالي،فأمرني جبرئيل أن آمر عليا بما هو كائن بعدي إلى يوم القيامة.فاعذريني،و لا تلوميني.انّ اللّه -عزّ و جلّ-اختار من كل أمّة نبيّا،و اختار لكلّ نبيّ وصيا،و أنا نبيّ هذه الامّة، و علي وصيي في عترتي و أهل بيتي و امّتي من بعدي-قالت له:فهذا ما شهدت من علي عليه السلام الآن فسبّه اودعه.قال:فأقبل مولاها يناجى اللّيل و النهار«اللهمّ اغفر لي ما جهلت من أمر علي عليه السلام» (1)
رواه عنه ابن طاوس في الطرائف 1:24 ح 22. [1]
.و روى الخطيب في(لا هز)عن أنس قال:بعثني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أبي برزة الأسلمي فقال له و أنا أسمعه:يا أبا برزة!إن ربّ العالمين تعالى عهد إليّ في علي ابن أبي طالب عهدا فقال:«علي راية الهدى،و منار الإيمان،و إمام أوليائي،و نور جميع من أطاعني.يا أبا برزة!علي معي غدا يوم القيامة على حوضي،و صاحب لوائي،و معي غدا على مفاتيح خزائن جنّة ربّي (2).
و روى زرارة،و محمّد بن مسلم عن محمّد بن علي عليه السلام و حمران بن أعين.عن جعفر بن محمّد عليه السلام أنّ جبرئيل أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم برمّانتين،فأكل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إحداهما و كسر أخرى بنصفين،فأكل نصفا،و أطعم عليا عليه السلام نصفا ثم قال له:يا أخي!هل تدري ما هاتان الرمّانتان؟قال:لا.قال:أمّا الاولى
فالنبوّة ليس لك فيها نصيب،و أما الاخرى،فالعلم أنت شريكي فيه.فلم يعلم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حرفا ممّا علّمه اللّه تعالى إلاّ علّمه عليّا عليه السلام-الخبر (1)
أخرجه الصفار في البصائر:313 ح 2 و 3 و [1] 5،عن زرارة و محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام و أخرجه هو في المصدر:312 ح 1،عن حمران عن الباقر عليه السلام،و أخرجه في المصدر:311 ح 6،بفرق في العبارة عن حمران عن الصادق عليه السلام.
.و روى نصر بن مزاحم في(صفّينه):عن عمر بن سعد،عن مسلم الملائي عن حبّة عن علي قال:لما نزل علي عليه السلام الرقّة بمكان يقال له:بليخ على جانب الفرات نزل راهب من صومعته فقال لعلي عليه السلام:انّ عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا كتبه عيسى بن مريم عليه السلام اعرضه عليك.قال علي عليه السلام:نعم فما هو؟ قال الراهب:(بسم اللّه الرحمن الرحيم الّذي قضى في ما قضى،و سطر في ما سطّر أنه باعث في الاميين رسولا منهم يعلّمهم الكتاب و الحكمة-إلى أن قال-.
فيمرّ رجل من امّته بشاطئ هذا الفرات يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يقضي بالحق،و لا يرتشي في الحكم،و الدنيا أهون عليه من الرّماد في يوم عصفت الريح،و الموت أهون عليه من شرب الماء على الظماء،يخاف اللّه في السرّ،و ينصح له في العلانية،و لا يخاف في اللّه لومة لائم،من أدرك ذلك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضوانه و الجنّة،و من أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فإنّ القتل معه شهادة-.
و قال الراهب له عليه السلام:«فأنا مصاحبك غير مفارقك حتّى يصيبني ما أصابك»فبكي علي عليه السلام ثم قال:«الحمد للّه الّذي لم يجعلني عنده منسيا،الحمد للّه الّذي ذكرني في كتب الأبرار».
و مضى الراهب معه عليه السلام و كان في ما ذكروا يتغدّى معه عليه السلام و يتعشّى حتى اصيب يوم صفّين،فلمّا خرج الناس يدفنون قتلاهم،قال علي عليه السلام:
1) 1)
اطلبوه،فلمّا و جدوه صلّى عليه و دفنه،و قال:هذا من أهل البيت،و استغفر له مرارا (1)
وقعة صفين:147. [1]
.«و هل يصدقّك في امرك إلاّ مثل هذا يعنونني» قال السروي في رواية الحرث بن نوفل،و أبي رافع،و عباد بن عبد اللّه الأسدي عن علي عليه السلام في خبر طلب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من بني عبد المطلب معاضدته حتى يفوّض إليهم وزارته و خلافته فقلت:أنا يا رسول اللّه قال:أنت،و أدناني إليه و تفل في فيّ،و قاموا يتضاحكون،و يقولون:بئس ما حبا ابن عمه إذ اتّبعه و صدّقه (2).
«و انّي لمن قوم لا تأخذهم في اللّه لومة لائم» روى الطبري عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال:لمّا أقبل علي عليه السلام من اليمن ليلقى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمكّة تعجّل إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و استخلف على جنده الّذين معه رجلا من أصحابه.فعمد ذلك الرجل فكسا رجالا من القوم حللا من البزّ الذّي كان مع علي عليه السلام فلمّأ دنا جيشه خرج علي عليه السلام،ليلقاهم فإذا هم عليهم الحلل فقال:
ويحك ما هذا؟!قال:كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس.فقال:ويلك! انزع من قبل ان تنتهي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فانتزع الحلل من الناس،و ردّها في البز،و أظهر الجيش شكايته لما صنع بهم-قال ابو سعيد الخدري:شكا الناس عليا فقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فينا خطيبا.فسمعته يقول:يا أيّها الناس!لا تشكوا عليا فو اللّه إنّه لا خشن في ذات اللّه (3).
«سيماهم سيما الصديقين،و كلامهم كلام الأبرار» روى المسعودي في (مروجه)في قصة الجمل عن المنذر بن الجارود قال:لمّا قدم علي عليه السلام
البصرة دخل ممّا يلي الطف فأتى الزاوية.فخرجت انظر إليه.فورد موكب نحو الف فارس يقدمهم فارس على فرس أشهب،عليه قلنسوة و ثياب بيض، متقلد سيفا معه راية،و اذا تيجان القوم الأغلب عليها البياض و الصفرة، مدّججين في الحديد و السلاح.فقلت:من هذا؟فقيل،أبو أيوب الأنصاري صاحب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هؤلاء الأنصار.
ثم تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء،و ثياب بيض،متقلّد سيفا، متنكب قوسا،معه راية على فرس أشقر في نحو ألف فارس.فقلت:من هذا؟ فقيل:خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين.
ثم مرّ بنا فارس آخر على كميت معتمّ بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء،و عليه قباء أبيض مصقول،متقلد سيفا،متنكّب قوسا،في نحو ألف فارس و معه راية فقلت:من هذا؟فقيل:أبو قتادة بن ربعي.
ثم مرّ بنا فارس آخر على فرس أشهب عليه ثياب بيض،و عمامة سوداء قد سدلها بين يديه،و من خلفه،شديد الأدمة،على سكينة و وقار،رافع صوته بقراءة القرآن،متقلد سيفا،متنكّب قوسا،معه راية بيضاء في ألف من الناس مختلفي التيجان،حوله مشيخة و كهول و شبان.كأن قد أوقفوا للحساب، عليهم أثر السجود قد أثّر في جباههم فقلت:من هذا؟فقيل:عمار بن ياسر في عدّة من الصحابة من المهاجرين و الأنصار و أبنائهم.
ثم مرّ بنا فارس على فرس أشقر،عليه ثياب بيض و قلنسوة بيضاء، و عمامة صفراء،متنكب قوسا،متقلد سيفا،تخطّ رجلاه في الارض،في الف من الناس الغالب على تيجانهم الصفرة و البياض معه راية صفراء قلت:من هذا؟قيل:قيس بن سعد بن عبادة في الأنصار و أبنائهم،و غيرهم من قحطان.
ثم مرّ بنا فارس على فرس أشهل ما رأينا احسن منه،عليه ثياب بيض،
و عمامة سوداء قد سدلها بين يديه،بلواء.قلت:من هذا؟قيل:هو عبد اللّه بن عباس في عدّة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
ثم أقبلت المواكب و الرايات يقدم بعضها بعضا و اشتبكت الرماح.
ثم ورد موكب فيه خلق من الناس عليهم السلاح و الحديد مختلفوا الرايات في أوّله راية كبيرة يقدمهم رجل كأنّما كسر و جبر،نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق،كانّما على رؤوسهم الطير،و عن ميمنته شاب حسن الوجه،و عن ميسرته شاب حسن الوجه.قلت:من هؤلاء؟قيل:هذا علي بن أبي طالب،و هذان الحسن و الحسين عن يمينه و شماله،و هذا محمّد بن الحنفية بين يديه معه الراية العظمى،و هذا الّذي خلفه عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، و هؤلاء ولد عقيل،و غيرهم من فتيان بني هاشم،و هؤلاء المشايخ أهل بدر من المهاجرين و الانصار.فساروا حتى نزلوا المعروف بالزاوية.فصلّى علي عليه السلام أربع ركعات،و عفّر خدّيه على التراب و قد خالط ذلك دموعه.
ثم رفع يديه يدعو:«اللهمّ ربّ السماوات و ما اظلّت،و الأرضين و ما اقلّت،و رب العرش العظيم هذه البصرة أسألك من خيرها،و أعوذ بك من شرّها اللهم أنزلنا فيها خير منزل،و أنت خير المنزلين،اللهم هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي،و بغوا علي و نكثوا بيعتي،اللهم احقن دماء المسلمين».
قال:و بعث إليهم من يناشدهم اللّه في الدماء و قال:«علام تقاتلوني؟» فأبوا إلاّ الحرب فبعث رجلا من أصحابه يقال له مسلم معه مصحف يدعوهم إلى اللّه فرموه بسهم فقتل (1)
رواه المسعودي في مروج الذهب 2:359،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(مطالب السؤول)لابن طلحة الشافعي،عن(تفسير الثعلبي)،عن أبي ذر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«علي قائد البررة،و قاتل الكفرة،منصور من نصره،
1) 1)
مخذول من خذله...» (1)
مطالب السؤول:31. [1]
،و هو في تصدّقه في الصلاة و نزول آية «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» فيه عليه السلام (2).«عمّار الليل» رووا انّ رجلا من التابعين سمع أنس بن مالك يقول:نزل قوله تعالى «أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ» (3)فيه عليه السلام،فأتاه لينظر إلى عبادته في ليلة،فوجده كذلك،فخرج و هو يقول:أشهد أنّ الآية نزلت فيه (4).
و عن(إبانة التلعكبري)،عن سليمان بن المغيرة،عن امّه قالت:سألت ام سعيد سريّة علي عليه السلام عن صلاة علي في شهر رمضان فقالت:رمضان و شوال سواء يحيي الليل كله (5).
و عن(مسند أبي يعلى)عنه عليه السلام قال:«ما تركت صلاة الليل منذ سمعت قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم صلاة الليل نور»فقال ابن الكواء:و لا ليلة الهرير؟قال:«و لا ليلة الهرير» (6).
«و منار النهار» قال زاذان:كان علي عليه السلام يمشي في الأسواق وحده،و هو في ذاك يرشد الضالّ،و يعين الضعيف،و يمرّ بالبيّاع و البقّال فيفتح عليه القرآن و يقرأ: «تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا»
«فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (1)
أخرجه ابن عساكر في ترجمة علي عليه السلام 3:249 ح 1267،و غيره و [1]النقل بتصرف في اللفظ،و الآية 83 من سورة القصص. [2]
.و روى محمد بن علي بن بابويه في(أماليه)عن أبي جعفر عليه السلام قال:كان علي عليه السلام كل بكرة يطوف في اسواق الكوفة سوقا سوقا،و معه الدرة على عاتقة،و كان لها طرفان،و كانت تسمّى السبيبة فيقف على سوق سوق فينادي:يا معشر التجار!قدّموا الاستخارة،و تبرّكوا بالسهولة،و اقتربوا من المبتاعين،و تزيّنوا بالحلم،و تناهوا عن الكذب و اليمين،و تجافوا عن الظلم، و أنصفوا المظلومين،و لا تقربوا الربا،و أوفوا الكيل و الميزان،و لا تبخسوا الناس أشياءهم،و لا تعثوا في الأرض مفسدين.يطوف في جميع أسواق الكوفة فيقول هذا ثم يقول:
تفنى اللذاذة ممّن نال صفوتها من الحرام و يبقى الإثم و العار
تبقى عواقب سوء في مغبّتها لا خير في لذة من بعدها النار
و كانوا اذا انظروا إليه عليه السلام قد أقبل إليهم و قال:«أيا معشر التجار» أمسكوا أيديهم،و أصغوا إليه بآذانهم،و رمقوه بأعينهم حتى يفرغ من كلامه، فإذا فرغ قالوا:السمع و الطاعة،ثم يرجع فيقعد للناس (2).
و قال ابن أبي الحديد في موضع آخر:روى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:كان علي عليه السلام إذا صلّى الفجر لم يزل معقّبا إلى أن تطلع الشمس،فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء و المساكين(فيعطيهم و اجتمع)غيرهم من الناس فيعلّمهم الفقه و القرآن،و كان له وقت يقوم فيه من مجلسه.فقام يوما فمرّ برجل فرماه بكلمة هجر،فرجع عوده على بدئه حتى صعد المنبر،و امر
فنودي الصلاة جامعة فحمد اللّه و أثنى عليه،و صلّى على نبيه ثم قال:«أيّها الناس!إنّه ليس شيء احبّ إلى اللّه،و لا اعمّ نفعا من حلم امام و فقهه،و لا شيء أبغض اللّه،و لا أعمّ ضررا من جهل امام و خرقه،ألا و إنه من لم يكن له من نفسه واعظ لم يكن له من اللّه تعالى حافظ،ألا و إنه من انصف من نفسه لم يزده اللّه إلاّ عزّا،ألا و إنّ الذلّ في طاعة اللّه أقرب إلى اللّه من التعزّز في معصيته.
ثم قال:أين المتكلّم آنفا.فلم يستطع الانكار.فقال:ها أنا ذا يا أمير المؤمنين فقال:«أما إنّي لو أشاء لقلت»فقال:ان تعف و تصفح فأنت أهل ذلك.قال عليه السلام:
«قد عفوت و صفحت»قال:فقيل لأبي جعفر عليه السلام ما أراد ان يقول؟قال:أراد ان ينسبه (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:373، [1]شرح الخطبة 56.
.و في(المناقب)عن الباقر عليه السلام قال:رجع علي عليه السلام إلى داره في وقت القيظ فاذا امرأة قائمة تقول:انّ زوجي ظلمني،و أخافني،و تعدّى علي،و حلف ليضربني فقال:يا امة اللّه أصبري حتى يبرد النهار ثم أذهب معك.فقالت:يشتدّ غضبه و حرده علي.فطأطأ رأسه ثم رفعه و هو يقول «أو يؤخذ للمظلوم حقّه غير متعتع.أين منزلك؟»فمضى إلى بابه فوقف و قال:«السلام عليكم»فخرج شابّ فقال عليه السلام له:«يا عبد اللّه اتّق اللّه فإنّك أخفتها،و أخرجتها»فقال الفتى:و ما أنت و ذاك!و اللّه لاحرقنّها لكلامك.
فقال عليه السلام مسلتا سيفه«أنهاك عن المنكر،و تستقبلني بالمنكر،و تنكر المعروف»و أقبل الناس من الطرق يقولون:السلام عليك يا أمير المؤمنين فسقط الرجل في يديه فقال:أقلني عثرتي يا أمير المؤمنين فو اللّه لأكونن لها أرضا تطأني.فأغمد عليه السلام سيفه و قال:يا أمّة اللّه ادخلي منزلك،
1) 1)
و لا تلجئي زوجك إلى مثل هذا (1)
مناقب السروي 2:106،و النقل بتصرف يسير.
.«متمسكون بحبل القرآن» تواتر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم انه قال:«انّ القرآن و عترتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، «يحيون سنن اللّه و سنن رسوله» (2)روى الشيخ في(أماليه)مسندا عن جابر الأنصاري قال:لمّا فرغ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من هوازن سار حتّى نزل الطائف.فسأله القوم ان يبرح عنهم حتى يقدم عليه و فدهم فيشترط له،و يشترطون لانفسهم.فسار حتى نزل مكّة.فقدم عليه نفر منهم باسلام قومهم،و لم ينجع القوم له بالصلاة و الزكاة فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:إنّه لا خير في دين لا ركوع فيه و لا سجود أما و الذي نفسي بيده لتقيمنّ الصلاة،و لتؤتنّ الزكاة أو لأبعثنّ إليكم رجلا هو منّي كنفسي،فليضربنّ اعناق مقاتليهم،و ليسبينّ نساءهم و ذراريهم،و هو هذا و اخذ بيد علي عليه السلام فاشالها فلمّا صارا الوفد إلى قومهم أخبروهم بما سمعوا من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأقّرّوا له بالصلاة و ما شرط عليهم فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«ما استعصى علي أهل مملكة و لا امّة إلاّ رميتهم بسهم اللّه» قالوا:و ما سهم اللّه؟قال:«علي،ما بعثته في سرية إلاّ رأيت جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره،و ملكا أمامه،و سحابة تظلّه حتّى يعطي اللّه حبيبي النصر و الظفر » (3).
«لا يستكبرون و لا يعلون،و لا يغلّون» قال الجوهري«غلّ من المغنم
غلولا»أي:خان،و أغلّ مثله (1)
صحاح اللغة 5:1784، [1]مادة(غلل).
.«و لا يفسدون» كما قال تعالى: «تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (2).
و عن الأصبغ بن نباته نزل قوله تعالى: «وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً» (3)فيه عليه السلام (4)و عن زيد بن علي أنه عليه السلام كان يمشي في خمسة حافيا و يعلّق نعله بيده اليسرى يوم الفطر،و النحر،و يوم الجمعة، و عند العيادة،و تشييع الجنازة،و يقول:إنها مواضع اللّه و أحبّ أن أكون فيها حافيا (5).
و في(كامل الجزري):قال الشعبي:وجد علي عليه السلام درعا له عند نصراني فأقبل به إلى شريح،و جلس إلى جانبه و قال:لو كان خصمي مسلما لساويته،و قال:هذه درعي فقال النصراني:ما هي إلاّ درعي، و لم يكذّب أمير المؤمنين عليه السلام فقال شريح لعليّ عليه السلام:ألك بيّنة؟قال:لا.
و هو يضحك،فأخذ النصراني الدرع و مشى يسيرا ثم عاد،و قال:«اشهد أنّ هذه أحكام الأنبياء.أمير المؤمنين قدّمني إلى قاضيه،و قاضيه يقضي عليه»ثم أسلم،و اعترف أنّ الدرع سقطت من علي عليه السلام عند مسيره إلى صفين.ففرح علي عليه السلام بإسلامه و وهب له الدرع و فرسا،و شهد معه قتال الخوارج (6).
و عن عاصم بن كليب عن أبيه:قدم على علي عليه السلام مال من اصبهان
فقسّمه على سبعة أسهم فوجد فيه رغيفا فكسره على سبعة،و دعا أمراء الاسباع فأقرع بينهم لينظر أيّهم يعطي اولا (1)
أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب 3:49،و [1]ابن عساكر في ترجمة علي عليه السلام 3:227 ح 1230،و [2]غيرها و النقل بتصرف يسير.
.«قلوبهم في الجنان،و أجسادهم في العمل» روى(الارشاد)عن سعيد ابن كلثوم قال:كنت عند جعفر بن محمّد الصادق فذكر أمير المؤمنين عليا عليه السلام فأطراه و مدحه بما هو أهله ثم قال:و اللّه ما أكل علي من الدنيا حراما قطّ حتى مضى لسبيله،و ما عرض له أمران قطّ هما للّه رضى إلاّ أخذ بأشدّهما عليه في دينه،و ما نزلت بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم نازلة قطّ إلاّ دعاه ثقة به،و ما أطاق عمل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من هذه الامّة غيره،و ان كان ليعمل عمل رجل كان وجهه بين الجنّة و النار يرجو ثواب هذه،و يخاف عقاب هذه، و لقد اعتق من ماله مئة ألف مملوك في طلب وجه اللّه،و النجاة من النار ممّا كدّ بيديه،و رشح منه جبينه،و ان كان ليقوت أهله بالزيت و الخل و العجوة، و ما كان لباسه إلاّ الكرابيس،اذا فصل شيء عن يده من كمّه دعا بالحلم فقصه (2).
و روى(سبط ابن الجوزي)،عن سويد بن غفلة قال:دخلت على علي عليه السلام يوما و ليس في داره سوى حصير رثّ،و هو جالس عليه.فقلت يا أمير المؤمنين انت ملك المسلمين و الحاكم عليهم،و على بيت المال،و تأتيك الوفود،و ليس في بيتك سوى هذا الحصير شيء.فقال:«يا سويد إنّ اللبيب لا يتأثث في دار النقلة،و أمامنا دار المقامة.قد نقلنا إليها متاعنا و نحن منتقلون إليها عن قريب»قال سويد:فأبكاني و اللّه كلامه (3).
من الخطبه(160)
و من كلام له عليه السلام لبعض أصحابه،و قد سأله:كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحقّ به؟فقال:
يَا أَخَا؟بَنِي أَسَدٍ؟ إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ- تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدٍ- وَ لَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ وَ حَقُّ الْمَسْأَلَةِ- وَ قَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ- أَمَّا الاِسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَقَامِ- وَ نَحْنُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً وَ الْأَشَدُّونَ؟بِالرَّسُولِ ص؟ نَوْطاً- فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ- وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ- وَ الْحَكَمُ اللَّهُ وَ الْمَعْوَدُ إِلَيْهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ- وَ دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ
1) 1)
رواه الصدوق في علل الشرائع 1:145 ح 2،و [1]في اماليه:494 ح 5،مجلس 90،و [2]المفيد في الارشاد:156.
فقال له:لم دفعكم قومكم عن هذا الأمر،و كنتم أفضل الناس علما بالكتاب و السنّة؟فقال عليه السلام:سألت يا أخا بني دودان،و لك حقّ المسألة،و ذمام الصهر، فإنّك لقلق الوضين،ترسل عن غير ذي مسد.إنّها كانت إمرة شحّت عليها نفوس قوم،و سخت عنها نفوس آخرين،و لنعم الحكم اللّه،و الزعيم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و دع عنك نهبا صيح في حجراته،و هلّم الخطب في ابن أبي سفيان.فلقد اضحكني الدهر بعد ابكائه.
و لا غرو إلاّ جارتي و سؤالها ألا هل لنا أهل سألت كذلك
بئس القوم من خفضني،و حاولوا الإدهان في دين اللّه فان ترفع عنّا محن البلوى أحملهم من الحق على محضه،و ان تكن الاخرى،فلا تأس على القوم الفاسقين.إليك عنّي يا أخا بني دودان.
و قال الثاني:روى نقلة الآثار أنّ رجلا من بني أسد وقف على أمير المؤمنين عليه السلام فقال له:يا أمير المؤمنين!العجب فيكم يا بني هاشم-كيف عدل بهذا الأمر عنكم،و أنتم الأعلون نسبا و سببا و نوطا بالرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و فهما للكتاب،فقال أمير المؤمنين عليه السلام:يا ابن دودان!إنّك لقلق الوضين،ضيّق المخرم،ترسل غير ذي مسد،لك ذمامة الصهر،و حقّ المسألة،و قد استعلمت فاعلم:كانت أثرة سخت بها نفوس قوم و شحّت عليها نفوس آخرين.فدع عنك نهبا صيح في حجراته،و هلّم الخطب في أمر ابن أبي سفيان فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه و لا غرو،و يئس القوم و اللّه من خفضي و منيتي، و حاولوا الإدهان في ذات اللّه،و هيهات ذلك منّي،و قد جدحوا بيني و بينهم شربا و بيئا فإن تنحسر عنّا محن البلوى أحملهم من الحق على محضه،و ان تكن الاخرى،فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فلا تأس على القوم الفاسقين.
و نقل الخوئي كلام(الارشاد)لكن فيه«من خفضني و هينني» (1)
شرح الخوئي 4:278.
و نقله المرتضى 2السيد المرتضى-الفصول المختاره-ج 1 ص 46 عن( مجالس 1الشيخ المفيد-مجالس- المفيد)مثل(ارشاده) (2).و قال ابن أبي الحديد بعد العنوان:سألت أبا جعفر يحيى بن محمد العلوي نقيب البصرة وقت قراءتي عليه عن هذا الكلام-و كان على ما يذهب إليه من مذهب العلوية منصفا وافر العقل-فقلت له من يعنى بقوله«كانت اثرة شحّت عليها نفوس قوم،و سخت عنها نفوس آخرين»؟و من القوم الذين عناهم الأسدي بقوله:كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام،و أنتم أحقّ به؟هل المراد يوم السقيفة و يوم الشورى؟فقال:يوم السقيفة.فقلت:إن نفسي لا تسامحني ان أنسب إلى الصحابة عصيان الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و دفع النص.فقال:
و أنا ايضا لا تسامحني أن أنسب الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و سلم إلى إهمال أمر الامة،و ان يترك الناس فوضى سدى مهملين،و كان لا يغيب عن المدينة إلاّ و يؤمّر عليها أميرا،و هو حيّ ليس بالبعيد عنها،فكيف لا يؤمّر،و هو ميت لا يقدر على استدراك ما يحدث.
ثم قال:لا يشك أحد من الناس ان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان عاقلا كامل العقل.
أمّا المسلمون فاعتقادهم فيه معلوم،و اما اليهود و النصارى و الفلاسفة، فيزعمون انّه حكيم تامّ الحكمة سديد الرأي اقام ملّة،و شرع شريعة.فاستجدّ ملكا عظيما بعقله و تدبيره،و هذا الرجل العاقل الكامل يعرف طباع العرب، و غرائزهم و طلبهم بالثارات و الذحول،و لو بعد الأزمان المتطاولة،و يقتل الرجل من القبيلة رجلا من بيت آخر.فلا يزال أهل ذلك المقتول،و اقاربه يتطلّبون القاتل ليقتلوه حتى يدركوا ثارهم منه،فان لم يظفروا به قتلوا بعض
اقاربه و أهله.فإن لم يظفروا بأحدهم قتلوا واحدا أو جماعة من تلك القبيلة، و ان لم يكونوا رهطه الادنين و الاسلام لم يحل طبائعهم،و لا غيّر هذه السجيّة المركوزة في أخلاقهم،و الغرائز بحالها فكيف يتوهم لبيب انّ هذا العاقل وتر العرب،و على الخصوص قريشا،و ساعده على سفك الدماء،و ازهاق الأنفس و تقلد الضغائن ابن عمه الأدنى و صهره،و هو يعلم أنه سيموت كما يموت الناس و يتركه بعده،و عنده ابنته،و له منها ابنان يجريان عنده مجرى ابنين من ظهره حنوّا عليهما،و محبّة لهما،ثم يعدل عنه في الامر بعده،و لا ينصّ عليه،و لا يستخلفه فيحقن دمه،و دم بنيه و أهله باستخلافه؟ألا يعلم هذا العاقل الكامل أنه إذا تركه و ترك بنيه و أهله سوقة و رعية فقد عرّض دماءهم للاراقة بعده،بل يكون هو الذي قتلهم،و أشاط بدمائهم،لأنهم لا يعتصمون بعده بأمر يحميهم،و إنّما يكونون مضغة للآكل،و فريسة للمفترس، يتخطّفهم الناس،و يبلغ فيهم الاغراض فأمّا اذا جعل السلطان فيهم و الأمر إليهم فإنه يكون قد عصمهم و حقن دماءهم بالرياسة التي يصولون بها، و يرتدع الناس عنهم لأجلها،و مثل هذا معلوم بالتجربة.ألا ترى أنّ ملك بغداد أو غيرها من البلاد لو قتل الناس و وترهم و ابقى في نفوسهم الأحقاد العظيمة عليه ثم أهمل أمر ولده و ذريته من بعده،و فسح للناس أن يقيموا ملكا من عرضهم،و جعل بنيه سوقة كبعض العامة،لكان بنوه بعده قليلا بقاؤهم سريعا هلاكهم،و لوثب عليهم ذوو الأحقاد و التراث من كل جهة يقتلونهم و يشرّدونهم كل مشرّد،و لو انّه عيّن واحدا من أولاده للملك،و قام خواصّه و خدمه و خوله بأمره بعده،لحقنت دماء أهل بيته،و لم تطل يد أحد من الناس إليهم لناموس الملك،و ابّهة السلطنة،و قوّة الرياسة،و حرمة الامارة افترى ذهب عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم هذا المعنى أم أحبّ أن يستأصل أهله و ذريّته من بعده؟
و اين موضع الشفقة على فاطمة العزيزة عنده الحبيبة إلى قلبه!تقول:
انّه احبّ ان يجعلها كواحدة من فقراء المدينة تتكفف الناس،و ان يجعل عليا المكرّم المعظّم عنده الّذي كانت حاله معه معلومة كأبي هريرة الدوسي، و أنس بن مالك الأنصاري يحكم الامراء في دمه و عرضه و نفسه و ولده فلا يستطيع الامتناع،و على رأسه مئة ألف سيف مسلول يتلظى اكباد اصحابها عليه،و يودّون ان يشربوا دمه بافواههم،و يأكلوا لحمه بأسيافهم.قد قتل أبناءهم و اخوانهم و آباءهم،و أعمامهم،و العهد لم يطل،و القروح لم تتعرق، و الجروح لم تندمل.
قال:فقلت:لقد احسنت في ما قلت الاّ أنّ لفظه عليه السلام يدل على انه لم يكن نصّ عليه.ألا تراه يقول «و نحن الأعلون نسبا،و الأشدّون بالرسول نوطا» فجعل الاحتجاج بالنسب،و شدة القرب،فلو كان عليه نصّ لقال عوض ذلك «و انا المنصوص علي و المخطوب باسمى».
فقال-رحمه اللّه-انما اتاه من حيث يعلم لا من حيث يجهل.ألا ترى أنّه سأله فقال: «كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحق به» أي:باعتبار الهاشمية و القربى.فأجابه بجواب أعاد قبله المعنى الّذي تعلّق به الأسدي تمهيدا للجواب.
فقال عليه السلام:«انّما فعلوا ذلك مع انّا اقرب إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من غيرنا لانّهم استأثروا علينا»و لو قال له«انا المنصوص علي و المخطوب باسمى في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم»لما كان قد اجابه لانه ما سأله«هل أنت منصوص عليك أم لا و هل نصّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالخلافة على أحد أم لا»و انما قال«لم دفعكم قومكم عن الامر و أنتم اقرب إلى ينبوعه و معدنه منهم فاجابه جوابا ينطبق على السؤال و يلائمه.
و أيضا فلو اخذ يصرّح له بالنصّ،و يعرّفه تفاصيل باطن الامر لنفر عنه و اتّهمه،و لم ينجذب إلى تصديقه،فكان اولى الامور في حكم السياسة و تدبير الناس ان يجيب بما لا نفرة منه،و لا مطعن عليه فيه (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:456، [1]شرح الخطبة 160،و النقل بتصرف يسير.
.و قال ابن أبي الحديد أيضا:في ضمن شرح عنوان«للّه بلاد فلان»بعد ذكر اخبار من طريقهم دالّة على النصّ كخبر ابن عباس قال:خرجت مع عمر إلى الشام في احدى خرجاته.فانفرد يوما،يسير على بعيره فاتّبعته فقال لي:
يا ابن عباس أشكو إليك ابن عمّك.سألته أن يخرج معي فلم يفعل،و لا أزال أراه واجدا افيم تظنّ موجدته؟قلت:إنك لتعلم.قال:اظنّه لا يزال كئيبا لفوت الخلافة.قلت:هو ذاك.إنه يزعم أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أراد الأمر له فقال:يا ابن عباس،و أراد النبي الأمر له فكان ما ذا إذا لم يرد اللّه ذلك؟ان النبي أراد ذلك و أراد للّه غيره فنفذ مراد اللّه و لم ينفذ مراد رسوله،أو كلّ ما أراده النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان؟!انه أراد اسلام عمّه و لم يرده اللّه فلم يسلم.
قال ابن أبي الحديد:و قد روي معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ و هو قوله «ان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أراد أن يذكره للأمر في مرضه فصددته عنه خوفا من الفتنة و انتشار أمر الاسلام فعلم النبي ما في نفسي فأمسك،و أبى اللّه إلاّ امضاء ما حتم» (2).
و كخبر الحسين بن محمّد السبتي انّ عمر نزلت به نازلة فقام لها و قعد و ترنّح لها و تفطّر و قال لمن عنده،معشر الحاضرين ما تقولون في هذا الامر؟ فقالوا:أنت المفزع و المنزع فغضب و قال «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ قُولُوا»
«قَوْلاً سَدِيداً» (1)
الاحزاب:70. [1]
ثم قال«اما و اللّه انّي و ايّاكم لنعلم ابن نجدتها و الخبير بها.قالوا:«كانّك اردت ابن أبي طالب»قال«و انّى يعدل عنه،و هل طفحت حرة مثله»قالوا:فلو دعوت به قال:«هيهات انّ هناك شمخا من هاشم،و اثرة من علم،و لحمة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يؤتى و لا يأتي فامضوا بنا إليه فأقصفوا نحوه و أفضوا إليه فألفوه في حائط له عليه تبّان و هو يتركّل على مسحاته و يقرأ «أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً» (2)إلى آخر السورة و دموعه تهمي على خدّيه فأجهش الناس لبكائه فبكوا ثم سكت و سكتوا.فسأله عمر عن تلك الواقعة فأصدر جوابها فقال عمر:«اما و اللّه لقد ارادك الحقّ،و لكن أبى قومك» فقال:«يا أبا حفص خفّض عليك من هنا و من هنا انّ يوم الفصل كان ميقاتا» فوضع عمر إحدى يديه على الاخرى و أطرق إلى الأرض و خرج كأنما ينظر في رماد (3).
و كخبر ابن عباس قال:دخلت على عمر يوما فقال:يا ابن عباس!لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتّى نحلته رياء.قلت:من هو؟فقال:هذا ابن عمك-يعني عليا عليه السلام-قلت:و ما يقصد بالرياء؟قال:يرشّح نفسه بين الناس للخلافة.قلت:و ما يصنع بالترشيح قد رشحه لها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فصرفت عنه قال:انّه كان شابّا حدثا فاستصغرت العرب سنّه،و قد كمل الآن ألم تعلم أنّ اللّه لم يبعث نبيّا إلاّ بعد الأربعين.قلت:أما أهل الحجى و النهى فإنّهم ما زالوا يعدّونه كاملا منذ رفع اللّه منار الإسلام،و لكنهم يعدّونه محروما محدودا.
فقال:أما إنّه سيليها بعد هياط و مياط ثم تزلّ فيها قدمه،و لا يقضي منها إربه،
و لتكونن شاهدا ذلك يا عبد اللّه.ثم يتبين الصبح لذي عينين،و تعلم العرب صحّة رأي المهاجرين الأولين الّذين صرفوها عنه بادئ بدء فليتني أراكم بعدي يا عبد اللّه!إنّ الحرص محرّمة،و انّ دنياك كظلك كلّما هممت به ازداد عنك بعدا (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:115، [1]شرح الخطبة 226.
.و كخبره أيضا-كما في(امالي ابن حبيب)-قال ابن عباس:تبرّم عمر بالخلافة في آخر ايّامه،و خاف العجز،و ضجر من سياسة الرعية.فكان لا يزال يدعو اللّه بأن يتوفاه.فقال لكعب الأحبار يوما و أنا عنده:إنّي قد أحببت أن أعهد إلى من يقوم بهذا الأمر،و أظنّ وفاتي قد دنت،فما تقول في علي؟أشر علي في رأيك،و اذكر لي ما تجدونه عندكم فإنكم تزعمون أنّ أمرنا هذا مسطور في كتبكم.
فقال:أمّا من طريق الرأي فانّه لا يصلح،إنّه رجل متين الدّين،لا يغضي على عورة،و لا يحلم عن زلّة،و لا يعمل باجتهاد رأيه،و ليس هذا من سياسة الرعية في شيء،و أمّا ما نجده في كتبنا فنجده لا يلي الأمر هو و لا ولده،و ان وليه كان هرج شديد.قال:و كيف ذاك؟ قال:لأنه أراق الدماء،و من أراق الدماء لا يلي الملك.إنّ داود لمّا أراد أن يبني حيطان بيت المقدس أوحى اللّه إليه:إنّك لا تبنيه،لأنك أرقت الدماء،و إنّما يبنيه سليمان.فقال عمر:أليس بحق أراقها؟ قال كعب:و داود بحقّ أراقها يا أمير المؤمنين.قال:فإلى من يفضي الأمر تجدونه عندكم.
قال:نجده ينتقل بعد صاحب الشريعة و اثنين من أصحابه إلى أعدائه الّذين حاربهم و حاربوه على الدين.فاسترجع عمر مرارا،و قال:أ تستمع يا
1) 1)
ابن عباس!أما و اللّه لقد سمعت من النبي ما يشابه هذا،سمعته يقول:ليصعدن بنو امية على منبري،و لقد اريتهم في منامي ينزون عليه نزو القردة،و فيهم انزل: «وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ» (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:115، [1]شرح الخطبة 226،و الآية 60 من سورة الاسراء. [2]
.و كخبر(أمالي أبي بكر بن الأنباري):ان عليّا عليه السلام جلس إلى عمر في المسجد،و عنده ناس،فلمّا قام عرّض واحد بذكره،و نسبه إلى التيه و العجب فقال عمر:حقّ لمثله أن يتيه.و اللّه لو لا سيفه لما قام عمود الاسلام،و هو بعد أقضى الامّة و ذو سابقتها و ذو شرفها.فقال له ذلك القائل:فما منعكم يا أمير المؤمنين عنه؟قال:كرهناه على حداثة السن و حبّه بني عبد المطلب (2).
«سألت النقيب أبا جعفر يحيى،و قد قرأت عليه هذه الأخبار فقلت له:ما أراها إلاّ تكاد تكون دالة على النص،و لكنّي أستبعد أن تجتمع الصحابة على دفع نص النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على شخص بعينه كما استبعدنا من الصحابة على ردّ نصّه على الكعبه،و شهر رمضان و غيرهما من معالم الدين».
فقال:أبيت إلاّ ميلا إلى المعتزلة،ثم قال:إنّ القوم لم يكونوا يذهبون إلى أنها من معالم الدين،و أنّها جارية مجرى العبادات الشرعية كالصلاة الصوم، و لكنهم كانوا يجرونها مجرى الامور الدنيوية،مثل تأمير الامراء،و تدبير الحروب،و سياسة الرعية،و ما كانوا بهذا الأمر و أمثاله من مخالفة نصوص النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إذا رأوا المصلحة في غيرها.ألا ترى كيف نصّ على إخراج أبي بكر،و عمر في جيش اسامة،و لم يخرجا لمّا رأيا أنّ في مقامهما مصلحة للّه و له و للملّة،و حفظا للبيضة،و دفعا للفتنة و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يخالف و هو
حيّ في أمثال ذلك فلا ينكره،و لا يرى به بأسا.أ لست تعلم أنه نزل في غزاة بدر منزلا على أن يحارب قريشا فيه فخالفته الأنصار،و قالت له:ليس الرأي في نزولك هذا المنزل فاتركه،و انزل في منزل كذا فرجع إلى آرائهم.
و هو الّذي قال للأنصار عام قدم المدينة«لا تؤبّروا النخل»فعملوا على قوله فحالت نخلهم في تلك السنة حتى قال لهم:أنتم اعرف بأمر دنياكم و أنا أعرف بأمر دينكم.
و هو الذي أخذ الفداء من اسارى فخالفه عمر فرجع إلى تصويب رأيه بعد أن فات الأمر،و خلص الأسرى،و رجعوا إلى مكّة.
و هو الذي أراد ان يصالح الأحزاب على ثلث تمر المدينة ليرجعوا عنه.
فأبى سعد بن معاذ،و سعد بن عبادة ذلك،و خالفاه فرجع إلى قولهما،و قد كان قال لأبي هريرة:اخرج فناد في الناس«من قال لا إله إلاّ اللّه مخلصا بها قلبه دخل الجنة فخرج أبو هريرة فأخبر عمر بذلك فدفع في صدره حتّى وقع على الأرض فقال:«لا تقلها فإنّك إن تقلها يتّكلوا عليها و يدعوا العمل»فأخبر أبو هريرة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بذلك فقال«لا تقلها و خلّهم يعملون»فرجع إلى قول عمر.
و قد أطبقت إطباقات واحدا على ترك كثير من النصوص لمّا رأوا المصلحة في ذلك كإسقاط سهم ذوي القربى،و إسقاطهم سهم المؤلّفة قلوبهم،و هذان الأمران في باب الدين أدخل منهما في باب الدنيا،و قد عملوا بآرائهم امورا لم يكن لها ذكر في السنّة كحدّ الخمر.فإنّهم عملوه اجتهادا،و لم يحدّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم شاربي الخمر،و قد شربها الجم الغفير في زمانه بعد نزول آية التحريم.
و لقد كان أوصاهم في مرضه أن أخرجوا نصارى نجران من جزيرة العرب:فلم يخرجوهم حتّى مضى صدر من خلافة عمر،و عملوا في أيام
أبي بكر برأيهم في ذلك و استصلاحهم.
و هم الّذين هدموا المسجد بالمدينة،و حوّلوا المقام بمكة،و عملوا بمقتضى ما تغلب في ظنونهم من المصلحة،و لم يقفوا مع موارد النصوص حتّى اقتدى بهم الفقهاء.فرجّح كثير منهم القياس على النص حتى استحالت الشريعة،و صار أصحاب القياس أصحاب شريعة جديدة.
و أكثر ما كانوا يعملون بآرائهم في ما يجري مجرى الولايات و التأمير و التدمير،و تقرير قواعد الدولة،و ما كانوا يقفون مع نصوص النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و تدبيراته إذا رأوا المصلحة في خلافها،كأنّهم كانوا يقيّدون نصوصه المطلقة بقيد غير مذكور لفظا،و كانّهم كانوا يفهمونه من قرائن أحواله، و تقدير ذلك القيد:«افعلوا كذا ان رأيتموه مصلحة».
فأمّا مخالفتهم له في ما هو محض الشرع و الدين،و ليس يتعلّق بامور الدنيا و تدبيراتها فإنّه يقلّ جدا،نحو أن يقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:الوضوء شرط في الصلاة فيجمعوا على ردّ ذلك،و يجيزوا الصلاة من غير وضوء،أو يقول صوم شهر رمضان واجب فيطبقوا على مخالفة ذلك و يجعلوا شوّالا عوضا عنه.فانه بعيد إذ لا غرض لهم فيه،و لا يقدرون على اظهار مصلحة عثروا عليها خفيت عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
قال:و القوم الّذين كانوا قد غلب على ظنونهم أنّ العرب لا تطيع عليا عليه السلام فبعضها للحسد،و بعضها للوتر و الثأر،و بعضهم لاستحداثهم سنّه،و بعضهم لاستطالته عليه السلام عليهم و رفعه عنهم،و بعضهم لكراهية اجتماع النبوة و الخلافة في بيت واحد،و بعضهم للخوف من شدّة و طأته،و شدّته في دين اللّه،و بعضهم لرجاء تداول قبائل العرب الخلافة إذا لم يقتصر بها على بيت واحد مخصوص فيكون رجاء كل حي لوصولهم إليها ثابتا مستمرا،
و بعضهم يبغضه لبغضهم من قرابة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هم المنافقون من الناس، و من في قلبه زيغ من أمر النبوة.فأصفق الكل إصفاقا واحدا على صرف الأمر لغيره فقال رؤساؤهم:بانّا خفنا الفتنة،و علمنا انّ العرب لا تطيعه و تتركه، و تأوّلوا عند أنفسهم و قالوا:لا ننكر النص انه لنصّ و لكن يرى الحاضر ما لا يرى الغائب،و أعانهم على ذلك مسارعة الأنصار إلى ادّعائهم الأمر، و إخراجهم سعد بن عبادة من بيته و هو مريض لينصبوه خليفة في ما زعموا، و اختلط الناس،و كثر الخبط،و كادت الفتنة أن تضطرم نارا فوثب رؤساء المهاجرين فبايعوا أبا بكر،و كانت فلتة كما قال قائلهم،و زعموا انهم أطفئوا نائرة الأنصار.فمن سكت من المسلمين و أغضى و لم يتعرض،فقد كفاهم أمر نفسه،و من قال سرّا أو جهرا إنّ فلانا قد ذكره النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أو نصّ عليه أو أشار إليه،أسكتوه في الجواب بأنّا بادرنا إلى عقد البيعة مخافة الفتنة، و اعتذروا عنده ببعض ما تقدم:إمّا أنه حديث السن أو تبغضه العرب لأنه و ترها و سفك دماءها أو لأنّه صاحب زهو و تيه،أو كيف تجتمع النبوة و الخلافة في مغرس واحد،بل قالوا في العذر ما هو أقوى من هذا و أوكد،قالوا:
أبو بكر أقوى،منه على هذا الأمر لا سيّما و عمر يقصده و يساعده،و العرب تحبّ أبا بكر،و يعجبها لينه و رفقه،و هو شيخ مجرّب للامور لا يحسده أحد، و لا يحقد عليه احد،و لا يبغضه احد،و ليس بذي شرف في النسب فيشمخ على الناس بشرفه،و لا ذي قربى فيدلّ بقربه،و دع ذا كله فإنه فضل مستغنى عنه.
قالوا:لو نصبنا عليّا ارتدّ الناس عن الاسلام،و عادت الجاهلية كما كانت،فأيّما أصلح في الدين،الوقوف مع النص المفضي إلى ارتداد الخلق و رجوعهم إلى الأصنام و الجاهلية،أم العمل بمقتضى الأصلح،و استبقاء الاسلام،و استدامة العمل بالدين و ان كان فيه مخالفة النص.
قال رحمه اللّه و سكت الناس عن الانكار لانّهم كانوا متفرّقين،فمنهم من هو مبغض شانئ لعليّ عليه السلام فالّذي تمّ من صرف الأمر عنه قرّة عينه،و برد فؤاده، و منهم ذوو الدين،و صحّة اليقين.إلاّ انه لما رأى كبراء الصحابة قد اتفقوا على صرف الأمر عنه ظنّ أنّهم إنّما فعلوا ذلك خلاف النص من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنسخ ما كان سمعه من النص علي أمير المؤمنين عليه السلام لا سيما ما رواه ابو بكر من قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«الأئمة من قريش»فإنّ كثيرا من الناس توهّموا أنه ناسخ للنص الخاص،و أنّ معنى الخبر أنّكم مباحون في نصب إمام من قريش من أيّ بطون قريش كان فانّه يكون اماما،و أكّد أيضا في نفوسهم رفض النص الخاص،ما سمعوه من قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن»و قوله:«سألت اللّه ألاّ يجمع امّتي على ضلال فأعطانيها»فأحسنوا الظن بعاقدي البيعة،و قالوا:هؤلاء أعرف بأغراض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من كل أحد.
فامسكوا و كفّوا عن الإنكار،و منهم فرقة اخرى و هم الأكثرون أعراب و جفاة و طغام،أتباع كل ناعق،يميلون مع كل ريح.فهؤلاء مقلّدون لا يسألون،و لا ينكرون،و لا يبحثون،و هم مع امرائهم و ولاتهم،لو أسقطوا عنهم الصلاة الواجبة لتركوها فلذلك امحق النص،و خفي،و درس،و قويت كلمة العاقدين لبيعة أبي بكر،و قوّاها زيادة على ذلك اشتغال علي عليه السلام و بني هاشم بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إغلاق بابهم عليهم،و تخليتهم الناس يعملون ما شاءوا و أحبّوا من غير مشاركة لهم في ما هم فيه،لكنهم أرادوا استدراك ذلك بعد ما فات،و هيهات الفائت لا رجعة له،و أراد علي عليه السلام بعد ذلك نقض البيعة فلم يتمّ له ذلك،و كانت العرب لا ترى الغدر،و لا تنقض البيعة صوابا كانت أو خطأ، و قد قالت له الأنصار و غيرها:أيّها الرجل!لو دعوتنا إلى نفسك قبل البيعة لما عدلنا بك أحدا،و لكنّا بايعنا فكيف السبيل إلى نقض البيعة بعد وقوعها.
قال النقيب:و مما جرّأ عمر على بيعة أبي بكر،و العدول عن علي عليه السلام مع ما كان يسمعه من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في أمره أنّه أنكر مرارا على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم امورا اعتمدها فلم ينكر عليه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إنكاره بل رجع في كثير منها إليه، و أشار عليه بأمور كثيرة نزل القرآن فيها بموافقته.فأطمعه ذلك في الإقدام على اعتماد كثير من الامور الّتي كان يرى فيها المصلحة بما هي خلاف النص،و ذلك نحو انكاره في الصلاة على عبد اللّه بن أبيّ المنافق،و إنكاره فداء اسارى بدر،و إنكاره عليه تبرّج نسائه للناس،و إنكاره قضيّة الحديبية، و إنكاره أمان العباس لأبي سفيان بن حرب،و إنكاره واقعة أبي حذيفة بن عتبة،و إنكاره أمره بالنداء«من قال لا إله إلاّ اللّه دخل الجنّة»و إنكاره أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بذبح النواضح،و إنكاره على النساء بحضرة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و آله هيبتهن له دون النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى غير ذلك من امور كثيرة يشتمل عليها كتب الحديث،و لو لم يكن إلاّ إنكاره قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في مرضه«آتوني بدواة و كتاب أكتب لكم ما لا تضلّون بعدي»و قوله ما قال و سكوت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عنه لكفى.و أعجب الأشياء انه قال ذلك اليوم:«حسبنا كتاب اللّه»فافترق الحاضرون من المسلمين في الدار و بعضهم يقول:«القول ما قال النبي» و بعضهم يقول:«القول ما قال عمر»فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قد كثر اللغط و علت الأصوات:«قوموا عنّي فما ينبغي لنبي ان يكون عنده هذا التنازع»فهل بقي للنبوّة مزيّة أو فضل اذا كان الاختلاف وقع بين القولين،و مثّل المسلمون بينهما فرجّح قوم هذا و قوم هذا أ فليس ذلك دالاّ على انّ القوم سوّوا بينه و بين عمر و جعلوا القولين مسألة خلاف ذهب كل فريق إلى نصرة واحد منهما كما يختلف اثنان من عرض المسلمين في بعض الأحكام فينصر قوم هذا و ينصر ذاك آخرون.فمن بلغت قوّته و همّته إلى هذا كيف ينكر منه أن يبايع أبا بكر
لمصلحة رآها،و يعدل عن النص،و من الذي كان ينكر عليه ذلك،و هو في القول الذي قاله للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في وجهه غير خائف من الانصار،و لا أنكر عليه أحد لا النبي و لا غيره،و هو أشدّ من مخالفة النص في الخلافة و أفظع و أشنع.
قال النقيب:على انّ الرجل ما أهمل أمر نفسه بل اعدّ أعذارا و أجوبة، و ذلك لأنّه قال لقوم عرّضوا له بحديث النص:إن النبي رجع عن ذلك باقامة أبي بكر مقامه في الصلاة،و أوهمهم أنّ ذلك جار مجرى النص عليه بالخلافة، و قال يوم السقيفة«ايّكم يطيب نفسا ان يتقدم قدمين قدّمهما النبي في الصلاة»ثم أكّد ذلك بأن قال لأبي بكر-و قد عرض عليه البيعة-«أنت صاحب رسول اللّه في المواطن كلها شدّتها و رخاها رضيك لديننا أفلا نرضاك لدنيانا».
قال ثم عاب عليا عليه السلام بخطبة بنت أبي جهل فأوهم أنّ النبي كرهه لذلك و وجد عليه،و أرضاه عمرو بن العاص،فروى حديثا افتعله،و اختلعه على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:سمعته يقول«إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنّما وليي اللّه و صالح المؤمنين»فجعلوا ذلك كالناسخ لقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«من كنت مولاه فهذا مولاه».
قلت للنقيب:أيصحّ النسخ في مثل هذا؟أليس هذا نسخا للشيء قبل تقضي وقت فعله؟فقال:سبحان اللّه من أين تعرف العرب هذا و أنّى لها ان يتصوّره فضلا عن أن يحكم بعدم جوازه فهل يفهم حذّاق الاصوليّين هذه المسألة فضلا عن حمقى العرب هؤلاء قوم ينخدعون بأدنى شبهة، و يستمالون بأضعف سبب و يبنى الأمر معهم على ظواهر النصوص،و أوائل الأدلّة،و هم أصحاب جمل و تقليد لا أصحاب تفصيل و نظر.
قال:ثمّ أكد حسن ظنّ الناس بهم أنّهم ظلفوا أنفسهم عن الأموال،
و زهدوا في متاع الدنيا و زخرفها،و سلكوا مسلك الرفض لزينتها و الرغبة عنها،و القناعة بالطفيف النزر منها،و أكلوا الخشن،و لبسوا الكرابيس،و لمّا ألقت الدنيا إليهم أفلاذ كبدها وفّروا الأموال على الناس،و قسّموها بينهم،و لم يتدنّسوا منها بقليل و لا كثير.فمالت إليهم القلوب،و أحبّتهم النفوس،و حسنت فيهم الظنون،و قال من كان في نفسه شبهة منهم أو وقفة في أمرهم:لو كان هؤلاء قد خالفوا النص لهوى أنفسهم لكانوا أهل الدنيا،و لغلب عليهم الميل إليها،و الرغبة فيها،و الاستيثار بها،و كيف يجمعون على أنفسهم بين مخالفة النص،و ترك لذات الدنيا فيخسرون الدنيا و الآخرة،و هذا لا يفعله عاقل و القوم عقلاء ذوو الباب،و آراء صحيحة.فلم يبق عند أحد شك في أمرهم،و لا ارتياب لفعلهم،و ثبتت العقائد على ولايتهم،و تصويب أفعالهم،و نسوا لذّة الرياسة، و انّ أصحاب الهمم العالية لا يلتفتون إلى المأكل و المشرب و المنكح،و انما يريدون الحكم و الرياسة و نفوذ الأمر كما قال الشاعر:
و قد رغبت عن لذة المال أنفس و ما رغبت عن لذة النهي و الأمر
قال:و الفرق بين الرجلين،و بين الثالث ما اصيب الثالث،و قتل تلك القتلة و خلعه الناس،و حصروه و ضيّقوا عليه بعد ان توالى إنكارهم أفعاله في وجهه،و فسّقوه،و ذلك لأنه استأثر هو و أهله الأموال،و انغمسوا فيها و استّبدوا بها،فكانت طريقته و طريقتهم مخالفة لطريق الأوّلين،فلم تصبر العرب على ذلك،و لو كان عثمان سلك طريق عمر في الزهد،و جمع الناس، و ردع الامراء و الولاة عن الأموال،و تجنّب استعمال أهل بيته،و وفّر أعراض الدنيا و ملاذها و شهواتها على الناس،زاهدا فيها تاركا لها معرضا عنها،لما ضرّه شيء قط،و لا أنكر عليه أحد قطّ،و لو حوّل الصلاة من الكعبة إلى بيت المقدس،بل لو أسقط عن الناس إحدى الصلوات الخمس و اقتنع منهم بأربع،
و ذلك لأنّ همم أهل الدنيا مصروفة إلى الدنيا و الأموال.فإذا وجدوها سكتوا، و إذا فقدوها هاجوا و اضطربوا.أ لست ترى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كيف قسّم غنائم هوازن على المنافقين،و على أعدائه الّذين يتمنّون قتله و موته و زوال دولته.
فلمّا أعطاهم أحبّوه إمّا كلّهم،و إمّا أكثرهم،و من لم يحبّه منهم بقلبه جامله و داراه،و كفّ عن اظهار عداوته و الاجلاب عليه،و لو أنّ عليّا عليه السلام صانع أصحابه بالمال،و أعطى الوجوه و الرؤساء المال،لكان أمره إلى الانتظام و الاطراد أقرب،و لكنّه رفض جانب التدبير الدنيوي،و آثر لزوم الدين، و تمسّك بأحكام الشريعة،و الملك أمر آخر غير الدين،فاضطرب عليه أصحابه،و هرب كثير منهم إلى عدوّه (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:115-119، [1]شرح الخطبة 226.
.نقلنا الكلامين بطولهما لكون الاول متكفلا لبيان وجوب وجود النص في العقل و الحكمة،و كون الثاني متحمّلا لبيان دفع الاستبعاد في مخالفة الصحابة للنص على أمير المؤمنين عليه السلام كما تعلق به الخصم بما يقنع المنصف،و ان كان في كلامه الثاني،مخلّطا بين الغثّ و السمين إمّا مما شاة و جدلا،و إمّا لما قاله من ابن أبي الحديد عدم كون الرجل إماميا و لا يبرأ من السلف،فذكر في كلامه الثاني أحاديث موضوعة،و ألبس لباس المناقب و جعل القدح مدحا،فلنتكلّم على بعض فقراته دفعا للالتباس.
أمّا قوله أوّلا«إنّ القوم لم يكونوا يذهبون إلى أنها من معالم الدين»فنقول:إنّ قول عمر يوم السقيفة لأبي بكر:«ابسط يدك ابايعك، رضيك النبي لديننا أفلا نرضاك لدنيانا»،لفظه و ان دلّ على ما ذكر من كون الخلافة رياسة دنيوية الاّ ان عملهم يضاده،حيث انّهم حكموا بارتداد من أنكر خلافة أبي بكر،و سوّوا بين المنكرين لخلافته و المنكرين
1) 1)
لأصل الإسلام كمسيلمة،و طليحة و الأسود العنسي.ففي(تاريخ أعثم الكوفي)،و هو من رجالهم،و قد ذكره كشف الظنون (1)
كشف الظنون 2:1239.
:«انّ في يوم دبا قتل عكرمة بن أبي جهل رجالهم و بعث بنسائهم و اسرائهم إلى أبي بكر فجعل نساءهم إماء،و أراد قتل الرجال فشفع إليه عمر بأنهم يشهدون بالشهادتين،و يقيمون الصلاة فحبسهم مدّة خلافته ثم أطلقهم عمر في أيّامه» (2).و قال ابن الاثير في(تاريخه الكامل)-في قصة مالك بن نويرة،و قتل خالد بن الوليد له-«و قيل:إنّ المسلمين لمّا غشوا مالكا و أصحابه ليلا أخذوا السلاح،فقالوا:نحن المسلمون فقال أصحاب مالك:و نحن المسلمون.قالوا لهم:ضعوا السلاح،فوضعوه ثم قتلوا.و كان(خالد بن الوليد)يعتذر في قتله انه قال:«ما اخال صاحبكم إلاّ قال كذا و كذا»فقال له«او ما تعدّه لك صاحبا» ثم ضرب عنقه (3).
و كذلك اتباعهم هل يكفّرون شيعة أمير المؤمنين عليه السلام الّذي هو من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمنزلة هارون من موسى بل بمنزلة نفسه بنص الكتاب،و شيعة أهل بيته الّذين هم بمنزلة سفينة نوح في عدم النجاة إلاّ بهم،واحد الثقلين اللذين خلّفهما النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في امّته لئلا يضلّوا الاّ لرفضهم شيخيهما مع انه كان مغالطة من عمر نظير مغالطته في قوله:«حسبنا كتاب اللّه و الرجل يهجرو لا نحتاج إلى وصيته» (4)و مغالطته بقوله:«ان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما مات و انه انّما
غاب عن قومه كما غاب موسى عن قومه» (1)
أخرجه البخاري في صحيحه 2:290 و 3:94،و أحمد في مسنده 3:196،و 6:219،و ابن سعد في الطبقات 2 ق 2:53-57 و غيرهم.
غالط كل هذه المغالطات لتنفيذ أغراضه.و كيف لا يكون قوله:«رضيك النبي لديننا أفلا نرضاك لدنيانا»مغالطة و خليفة كل رجل لا بدّ أن يكون نظيره حتى يتمكن من عمل أعماله،و قد قال تعالى في شموخ مقام النبوّة و خليفته مثله «اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» (2).
و اما قوله:«الا ترى كيف نصّ على إخراج أبي بكر و عمر في جيش اسامة،و لم يخرجا لمّا رأيا أنّ في مقامهما مصلحة»فمن أعجب العجب «وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ» (3)فهل منشأ الاختلافات الواقعة في الاسلام،و حدوث المذاهب الباطلة فيه،و قتل النفوس، و نهب الأموال،و هتك الأعراض،و عزّة المنافقين،و ذلّة المؤمنين كان إلاّ من بقائهما في المدينة،و تصديهما لما تصدّيا؟و كيف يكونان أعرف بالمصالح ممّن قال تعالى في حقه: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى» (4)و ما يفعل بلعنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم للمتخلف عن الجيش؟ و كذلك إنكار الثاني وصيته صلّى اللّه عليه و آله و سلم فهل كان حدوث جميع المفاسد الحادثة في الاسلام إلاّ لذاك الانكار،و لذا كان ابن عباس يبكي من تذكّره بكاء الثكلى و يتأسّف تأسّف الحرّى،و ما يفعل بنسبته الهجر إليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم؟ و أما نزوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم في بدر منزلا،و استصلاح الانصار منزلا آخر فلم يكن مخالفة لقوله،كيف و الأصل فيه أنّ الحباب بن المنذر-كما في(الطبري)-
قال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أرأيت هذا المنزل أ منزل أنزلكه اللّه فيه ليس لنا أن نتقدّمه و لا نتأخره،أم هو الرأي و الحرب و المكيدة؟قال:بل هو الرأي و الحرب و المكيدة فقال:«يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فإنّ هذا ليس لك بمنزل،فانهض بالناس حتّى نأتي أدنى مأمن القوم فتنزله ثم تغوّر ما سواه من القلب،ثم تبني عليه حوضا فتملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب و لا يشربون»فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لقد أشرت بالرأي (1)
تاريخ الطبري 2:144،سنة 2. [1]
.فأين هذا الأدب و المعرفة و الديانة من تلك الجلافة و الجسارة،و عدم الاكتراث باللّه و رسوله.
و أمّا قوله:«و انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:لا تؤبّروا النخل»-إلخ-فمضمون حديث خبيث من أحاديثهم،و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يجب أن يكون أعرف بأمر الدين و الدنيا من جميع الناس،و على تسليم كون علم الدنيا خارجا عن وظيفته فالعاقل الحكيم لا يأمر بما لا يعرف،و التعرض لمثل ذلك شأن المغفّلين، و وضعوا ذلك لبيان انّ تخلف الرجلين عن الخروج في جيش اسامة،و منع الثاني له عن الوصيّة،و دفعه و دفع صاحبه وصيّه عليه السلام عن مقامه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إنّما كان لكونهما أعرف من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،لكن لازم ذلك كونهما أعرف من اللّه تعالى حيث أوحى الى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بتلك الامور،و اللّه سبحانه يفضح المبطل و الكاذب.
و أمّا ما عدّد من إنكارات الثاني على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من صلاته على ابن ابّي،و فداء اسارى بدر،و قصّة الحديبية،و أمان أبي سفيان،و واقعة أبي حذيفة فنشأت من حوزته الخشناء و كلها من مطاعنه،و لو كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يفعل ما يراه الرجل لا نفضّوا من حوله،و ما استقرّ للاسلام عمود.
1) 1)
و ما ذكره من نزول القرآن بموافقته من مجعولاتهم الّتي أمر بوضعها معاوية كقوله بانكاره على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم تبرّج نسائه للناس.
مع أنّ في جميع ذلك رووا خلافه بل رووا في الأخير عكسه،فروى الحميدي في(الجمع بين الصحيحين)من المتفق عليه مسند عائشة قالت:كان ازواج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يخرجن ليلا الى قبل المصانع فخرجت سودة بنت زمعة.
فرآها عمر و هو في المجلس فقال:عرفتك يا سودة،و في رواية فنزل الحجاب عقيب ذلك (1)
رواه عن الحميدي ابن طاوس في الطرائف 2:445،و [1]الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 3:177،و مسلم في صحيحه 4:1709 ح 17 و 18.
و هو كما ترى دالّ على انّ الحجاب نزل بسبب عمل عمر و هتكه، و إنما النواصب بدّلوه بموافقته،كما أنّ في قضية الحديبية اتفقت الروايات على تصريح عمر بشكّه في الدين و كفره.و نزيد على ما قاله النقيب من تدليسه للناس بصلاة أبي بكر،أنّ أصل إقامته للصلاة أيضا كان تلبيسا.فلم يكن بأمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إلاّ لم خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنفسه مع شدّة مرضه،و تأخيره أبا بكر؟!كان عمله صلّى اللّه عليه و آله و سلم نهيا عمليا غير قابل للانكار،أتمّ به الحجّة،ليهلك من هلك عن بيّنة،و يحيى من حيّ عن بيّنة.
و أمّا ما قاله من أنّه عاب عليا عليه السلام بخطبته بنت أبي جهل،و أرضاه عمرو بن العاص بما افتعل له من الخبر.فأصل وقوع الخطبة أيضا كان افتعالا منه و لو كان صحيحا كان طعنا على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حيث أنكر حلال اللّه.
ثم لنتكلّم على الأخبار الّتي نقلها:أمّا الخبر الأوّل،و قول عمر«انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أراد أمرا و أراد اللّه غيره»فمغالطة،و لو كان ما قال عذرا لكان للناس في كل جيل أن يقولوا لأنبيائهم أنتم تريدون إيماننا و اللّه يريد كفرنا.
1) 1)
و في(عيون ابن قتيبة):صاحب رجل من القدرية مجوسيا في سفر فقال له:يا مجوسي مالك لا تسلم قال:حتّى يشاء اللّه قال:قد شاء اللّه ذلك، و لكنّ الشيطان لا يدعك.قال المجوسي:فأنا مع أقواهما (1)
عيون الاخبار 2:142. [1]
.و أمّا الخبر الثاني فناقش فيه ابن أبي الحديد و قال:أجدر بعد الخبر أن يكون موضوعا لتضمنه إتيان عمر عليّا عليه السلام و الأخبار الكثيرة متضمنة بأنّه ما زال يدعوه،و لتضمنه تكنيته عليه السلام لعمر،و كتب الحديث و السّير متضمنة مخاطبته بأمير المؤمنين،و لانه لم يسند الى كتاب معيّن و راو معيّن (2).
قلت:أمّا إنكاره إتيان عمر أمير المؤمنين عليه السلام فإنكار منه لفضل لعمر، فانّا لا ننكر له إنصافا في بعض المقامات،و انه كان لا تمنعه رياسته عن عمله بهذه القاعدة الفطرية انّ«في بيته يؤتى الحكم»و في اخبارنا إنكاره على أبي بكر في مقامات أراد إحضار أمير المؤمنين عليه السلام لكشف معضلة لهم بهذه القاعدة.
و اما ما قاله من انه عليه السلام دائما يخاطب عمر بأمير المؤمنين فلا نسلّم أصله،و ما قاله من الكتب لم نتحققه مع أنه غفل عن نكات قالوها في علم المعاني من اختلاف المقتضيات باختلاف المقامات.فلمّا كان عمر قال له عليه السلام «و اللّه أرادك الحق،و لكن أبى قومك»كان المناسب أن يقول في جوابه«خفّض عليك أبا حفص»لا«خفّض عليك أمير المؤمنين»فانه كان باردا و في غير مورد،و قد رووا أنّ عمر قال لعلي و العباس لما حاكما إليه في ميراث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك،و يطلب هذا ميراث امرأته من أبيها»حتّى قال عبد الرزاق الصنعاني«ألا يقول الأنوك:رسول اللّه»
نقل الخبر الحموي في(بلدانه)في«صنعاء» (1)
معجم البلدان 3:429. [1]
.و أمّا عدم إسناده،فربّ مرسل صحيح بالشواهد،و مسند باطل بالدلائل،مع أنّه رواه علي بن طاوس في كتابه:«التشريف بالمنن»عن «مجموع محمّد بن الحسين المرزبان»و فيه تفصيل تلك النازلة الّتي نزلت على عمر هكذا:«قال شريح:كنت أقضي لعمر،فأتاني يوما رجل فقال:إنّ رجلا أو دعني امرأتين احداهما حرّة مهرة و الاخرى سرّية.فجعلتهما في دار، و قد ولدتا غلاما و جارية،و كلتا هما تدّعي الغلام و تنتفي من الجارية-الى أن قال بعد ذكر إتيان عمر إليه عليه السلام لكشف الأمر كما في ذاك الخبر-فأخذ عليه السلام بيده من الأرض شيئا ثم قال:«الحكم فيها أهون من هذا».ثم استحضر المرأتين و أحضر قدحا ثم دفعه الى إحداهما فقال:احلبي فيه.فحلبت ثم وزن القدح،و دفعه الى الاخرى.فقال:احلبي فيه فحلبت ثم وزنه فقال لصاحبة اللبن الخفيف خذي ابنتك،و لصاحبة اللبن الثقيل خذي ابنك.الخبر (2).
و أمّا الخبر الثالث فنسبة عمر إليه عليه السلام الريا مع وصف اللّه له بصالح المؤمنين في تظاهر ابنته مع صاحبتها ابنة صاحبه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
و وصفه له بوليّ المؤمنين بعده و بعد رسوله يكفيه خزيا.
و من العجب قوله:إن اللّه لم يبعث نبيا إلاّ بعد الأربعين.أو ما قرأ قوله تعالى في يحيى عليه السلام «وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» (3)و في عيسى عليه السلام حكاية عنه في المهد «قالَ إِنِّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا» (4)؟ و قوله:«و تعلم العرب صحة رأي المهاجرين الأوّلين»فرأت بالعيان
كون رأي اولئك المهاجرين موجبا لإفساد الدين،و إذلال العرب،و تحقير الأنصار و استيصال أهل بيت الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم،فاتّخذوا عباد اللّه خولا،و مال اللّه دولا و قد قتلوا سادات العرب عامة أ لم يقتلوا سعد بن عبادة باسم الجن؟ أ لم يقتلوا مالك ابن نويرة باسم الارتداد؟أ لم يقتلوا حجر بن عدي باسم الإخلال في الملك؟و لقت الأنصار أثرة خاصة فوسموا على أكفهم و أذلّوهم كل اذلال،و قد اعترف بما قلنا ابنه عبد اللّه بن عمر فقال:لما سمعت قول سلمان يوم السقيفة«كردند و نكردند»أبغضته،لكن لمّا رأيت بعد ذلك مروان على منبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم صدّقته (1)
رواه الطوسي في تلخيص الشافي 3:93،و النقل بتصرف في اللفظ.
.أو لم يكف في فساد رأيهم وقعة الطف،و قتلهم سيد شباب أهل الجنة عطشانا،و سبيهم بنات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم؟أو لم يكف فيه تبديل الشجرة الطيبة بالشجرة الخبيثة،و تبديل أهل بيت أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا بالشجرة الملعونة في القرآن.و قد شرح في بعض زياراتهم بعض مفاسد عملهم ذاك،و هذا لفظه«يا سادتي يا آل رسول اللّه انّي بكم أتقرب الى اللّه تعالى بالخلاف على الّذين غدروا بكم،و نكثوا بيعتكم،و جحدوا ولايتكم،و أنكروا منزلتكم،و خلعوا ربقة طاعتكم،و هجروا أسباب مودّتكم،و تقربوا الى فراعنتهم بالبراءة منكم، و الإعراض عنكم،و منعوكم من إقامة الحدود،و استيصال الجحود،و شعب الصدع،و لمّ الشعث،و سدّ الخلل،و تثقيف الأود،و إمضاء الأحكام،و تهذيب الاسلام،و قمع الآثام،و أرهجوا عليكم نقع الحروب و الفتن،و انحوا عليكم سيوف الأحقاد،و هتكوا منكم الستور،و ابتاعوا بخمسكم الخمور،و صرفوا صدقات المساكين الى المضحكين و الساخرين،و ذلك بما طرّقت لهم الفسقة الغواة،و الحسدة البغاة،أهل النكث و الغدر،و الخلاف و المكر،و القلوب المنتنة
1) 1)
من قذر الشرك،و الأجساد المشحنة من درن الكفر،أضبّوا على النفاق،و أكبّوا على علائق الشقاق،فلمّا مضى المصطفى صلّى اللّه عليه و آله و سلم اختطفوا الغرّة،و انتهزوا الفرصة،و انتهكوا الحرمة،و غادروه على فراش الوفاة،و أسرعوا لنقض البيعة،و مخالفة المواثيق المؤكّدة،و خيانة الأمانة المعروضة على الجبال الراسية،و أبت أن تحملها و حملها الإنسان الظلوم الجهول.ذو الشقاق و العزّة بالآثام المولمة،و الأنفة عن الانقياد لحميد العاقبة.فحشر سفلة الأعراب، و بقايا الأحزاب الى دار النبوّة و الرسالة،و مهبط الوحي و الملائكة،و مستقر سلطان الولاية،و معدن الوصية و الخلافة و الإمامة،حتى نقضوا عهد المصطفى في أخيه علم الهدى،و المبيّن طريق النجاة من طرق الردى، و جرحوا كبد خير الورى في ظلم ابنته،و اضطهاد حبيبته،و اهتضام عزيزته، بضعة لحمه،و فلذة كبده،و خذلوا بعلها،و صغّروا قدره،و استحلّوا محارمه، و قطعوا رحمه،و أنكروا اخوّته،و هجروا مودّته،و نقضوا طاعته،و جحدوا ولايته،و أطمعوا العبيد في خلافته،و قادوه الى بيعتهم،مصلتة سيوفها مقذعة أسنّتها،و هو ساخط القلب،هائج الغضب،شديد الصبر،كاظم الغيظ، يدعونه الى بيعتهم التي عمّ شؤمها الإسلام،و زرعت في قلوب أهلها الآثام، و عقّت سلمانها،و طردت مقدادها،و نفت جندبها،و فتقت بطن عمّارها، و حرّفت القرآن،و بدّلت الأحكام،و غيرّت المقام،و أباحت الخمس للطلقاء، و سلّطت أولاد اللعناء على الفروج،و خلطت الحلال بالحرام،و استخّفت بالإيمان و الاسلام،و هدمت الكعبة،و أغارت على دار الهجرة يوم الحرّة، و أبرزت بنات المهاجرين و الأنصار للنكال و السوءة،و ألبستهن ثوب العار و الفضيحة،و رخّصت لأهل الشبهة في قتل أهل بيت الصفوة،و إبادة نسله و استيصال شافته،و سبي حرمه،و قتل أنصاره،و كسر منبره،و قلب مفخره،
و إخفاء دينه،و قطع ذكره.يا مواليّ فلو عاينكم المصطفى و سهام الامة مغرقة في أكبادكم،و رماحهم مشرعة في نحوركم،و سيوفها مولعة في دمائكم.
يشفي أبناء العواهر غليل الفسق من ورعكم،و غيظ الكفر من إيمانكم،و أنتم بين صريع في المحراب قد فلق السيف هامته،و شهيد فوق الجنازة قد شكّت أكفانه بالسهام،و قتيل بالعراء قد رفع فوق القناة رأسه،و مكبّل في السجن قد رضّت بالحديد أعضاؤه،و مسموم قد قطّعت بجرع السمّ أمعاؤه،و شملكم عباديد،تفنيهم العبيد،و أبناء العبيد.فهل المحن يا سادتي إلاّ التي لزمتكم- إلخ (1)
رواه المجلسي في بحار الأنوار 102:165، [1]عن مصباح الزائر و [2]المزار الكبير ضمن زيارة طويلة.
.و لو لم يكن رأي اولئك المهاجرين لكانت العرب لأهل بيت نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله و سلم في غاية التمكين.قال عبد اللّه بن جعفر لمعاوية لمّا أراد البيعة لابنه-كما في (خلفاء ابن قتيبة)-«و ايم اللّه لو ولّوه(أي:عليّا عليه السلام)بعد نبيّهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه و صدقه،و لأطيع الرحمن و عصي الشيطان،و ما اختلف في الامة سيفان (2).
و اما الخبر الرابع و قول كعب الأحبار فيه«نجده ينتقل بعد صاحب الشريعة و اثنين من أصحابه الى أعدائه»فهل كان السبب في انتقال الأمر الى أعداء صاحب الشريعة إلاّ هو و صاحبه،و لا سيما في تدبير الشورى و دستوره في رجالها.فلم استرجع؟هل كان استرجاعه إلاّ استهزاء؟ و اما الخبر الرابع و قوله فيه:«كرهناه على حداثة السنّ،و حبّه بني عبد المطلب»فردّ منه و منهم على اللّه و رسوله،و لم يكره عثمان،و عينه معينا بعده مع علمه بانّه يولّي بني اميّة،و هم يهدمون الدين،و يذلّون المؤمنين،
و يعزّزون المنافقين،و لو لا بغضه لأمير المؤمنين عليه السلام،و بهتانه على أيّ حبّ أظهر عليه السلام لبنيّ عبد المطلب و قد عمل مع أخيه لمّا طلب منه صاعا من البر زائدا على حقه ما عمل من إحراقه بحديدة محماة.تعالوا أهل العالم ابصروا كلام هذا الرجل و فهم اتباعه.
قول المصنف «و من كلام له عليه السلام لبعض أصحابه،و قد سأله كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحق به» سأل أبو زيد النحوي خليل بن أحمد العروضي.لم هجر الناس عليا عليه السلام و قرباه،من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قرباه و موضعه من المسلمين موضعه،و عناه في الاسلام عناه؟فقال«بهر و اللّه نوره أنوارهم،و غلبهم على صفو كل منهل،و الناس الى أشكالهم أميل.أما سمعت قول الأول يقول:
و كل شكل لشكله آلف أما ترى الفيل يألف الفيلا
قال:و انشدنا الرياشي في معناه عن العباس بن أحنف:
و قائل كيف تهاجرتما فقلت قولا فيه إنصاف
لم يك من شكلي فهاجرته و الناس أشكال و الاف (1)
رواه الصدوق في علل الشرائع 1:145 ح 1. [1]
و سأله أيضا في مقام آخر فقال:ما بال أصحاب النبي كأنّهم بنو امّ واحدة،و علي عليه السلام كأنه ابن علّة؟فقال:تقدّمهم إسلاما،و بذّهم شرفا،وفاقهم علما،و رجحهم حلما،و كثرهم هدى،فحسدوه،و الناس الى أمثالهم و أشكالهم أميل (2).
و قيل للسجّاد عليه السلام:ما أشدّ بغض قريش لجدّك علي عليه السلام!قال:لأنّه أورد أوّلهم النار،و ألزم آخرهم العار (3).
و سأل الحسن بن فضال الرضا عليه السلام:كيف مال الناس عن أمير المؤمنين عليه السلام الى غيره و قد عرفوا فضله و سابقته،و مكانه من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم؟قال:إنّما مالوا عنه الى غيره لأنه كان قتل من آباءهم و أجدادهم و أعمامهم،و أخوالهم،و اقرباءهم المحاربين للّه و لرسوله عددا كثيرا،فكان حقدهم عليه لذلك في قلوبهم فلم يحبّوا ان يتولّى عليهم،و لم يكن في قلوبهم على غيره مثل ذلك لانه لم يكن له في الجهاد بين يدي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مثل ما كان له (1)
رواه الصدوق في علل الشرائع 1:146 ح 3. [1]
.و روى الزبير بن بكار في(موفّقياته)خبرا طويلا-و قد نقله ابن أبي الحديد في عنوان قوله عليه السلام للمغيرة بن أخنس«يا ابن اللعين الابتر»-و فيه انّ عثمان قال لابن عباس:و لقد علمت أنّ الأمر لكم،و لكن قومكم دفعوكم عنه، و اختزلوه دونكم فو اللّه ما أدري أرفعوه عنكم أم رفعوكم عنه-الى أن قال- فقال ابن عباس:فأمّا صرف قومنا عنّا الأمر فعن حسد قد و اللّه عرفته،و بغي قد و اللّه علمته.فاللّه بيننا و بين قومنا،و أمّا قولك إنك لا تدري أرفعوه عنّا أم رفعونا عنه فلعمري أنك لتعرف أنّه لو صار إلينا هذا الأمر ما ازددنا به فضلا الى فضلنا،و لا قدرا الى قدرنا،و انّا لأهل الفضل و أهل القدر،و ما فضل فاضل إلاّ بفضلنا،و لا سبق سابق إلاّ بسبقنا،و لو لا هدينا ما اهتدى أحد،و لا أبصروا من عمى (2).
و روى الواقدي في(شوراه)-و قد نقله ابن أبي الحديد أيضا ثمة-عن ابن عباس-في خبر-قال:فقال عثمان له عليه السلام:فإن كنت تزعم أنّ هذا الأمر جعله النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لك فقد رأيناك حين توفّي نازعت.ثم أقررت،فإن كانا لم
يركبا من الأمر جددا فكيف أذعنت لهما بالبيعة و نجعت بالطاعة-إلى أن قال- فقال علي عليه السلام:...و اما عتيق،و ابن الخطاب فان كانا أخذا ما جعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لي فأنت أعلم بذلك و المسلمون،و مالي و لهذا الأمر و قد تركته منذ حين-الخبر (1)
رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 2:377،شرح الخطبة 133.
.قلت:يكفيهم لإتمام الحجّة عليهم ادعاؤه،و نزاعه أوّلا،و أما إقراره أخيرا فكان عن اضطرار لعدم حصول أنصار له بعد تكرر الاستنصار منه.
و روى الجوهري في(سقيفته)-و قد نقله ابن أبي الحديد ثمة أيضا-عن محمّد بن قيس الأسدي عن معروف بن سويد قال:كنت بالمدينة ايّام بويع عثمان.فرأيت في المسجد رجلا جالسا و هو يصفق بإحدى يديه على الاخرى و الناس حوله و يقول:و اعجبا من قريش و استيثارهم بهذا الأمر على أهل هذا البيت معدن الفضل،و نجوم الأرض،و نور البلاد،و اللّه إنّ فيهم لرجلا ما رأيت رجلا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أولى منه بالحق،و لا أقضى بالعدل،و لا آمر بالمعروف،و لا أنهى عن المنكر.
قال:فسألت عنه فقيل:هذا المقداد.فتقدّمت إليه،و قلت:أصلحك اللّه!من الرجل الّذي تذكر؟قال ابن عم نبيّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم علي بن أبي طالب.قال:
فلبثت ما شاء اللّه ثم إني لقيت أبا ذر فحدّثته ما قال المقداد فقال:صدق.قلت:
فما يمنعكم أن تجعلوا هذا الأمر فيهم؟قال:أبى ذلك قومهم-الخبر (2).
و قال ابن قتيبة في(خلفائه)-بعد ذكره انّ عديّ بن حاتم الطائي دعا طيئا قومه الى نصرته عليه السلام لما أراد حرب الجمل،و قال لهم«قد أظلّكم علي عليه السلام
و الناس معه من المهاجرين و البدريين و الأنصار فكونوا أكثرهم عددا فإنّ هذا سبيل للحيّ فيه الغنى و السرور،و للقتيل فيه الحياة و الرزق»فصاحت طيء نعم.حتّى كاد أن يصمّ من صياحهم-أنه عليه السلام لمّا أقدم على طيء أقبل شيخ من طيّئ هرم من الكبر فرفع له من حاجبيه،فنظر الى علي عليه السلام فقال له:
أنت ابن أبي طالب؟قال:نعم قال:مرحبا بك و أهلا،قد جعلناك بيننا و بين اللّه، و عدي بن حاتم بيننا و بينك،و نحن بينه و بين الناس،لو أتيتنا غير مبايعين لك لنصرناك لقرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أيّامك الصالحة،و لئن كان ما يقال فيك من الخير حقّا إنّ في أمرك و أمر قريش لعجبا اذ أخّروك و قدّموا غيرك، سر فو اللّه لا يتخلّف عنك من طيّئ إلاّ عبد أو دعيّ (1)
جاء في الإمامة و السياسة 1:57 و 58. [1]
.و قال ابن عبد ربه في(عقده):قال ابن عباس،ماشيت عمر بن الخطاب يوما فقال لي:يا ابن عباس ما يمنع قومكم منكم،و أنتم أهل البيت خاصّة؟ قلت:لا أدري قال:لكنّي أدري.انّكم فضّلتم بالنبوّة فقالوا:إن فضّلوا بالخلافة لم يبقوا لنا شيئا و انّ أفضل النصيبين بأيديكم بل ما أخالها إلاّ مجتمعة لكم، و ان نزلت على رغم أنف قريش (2).
و روى ابن ديزيل-و قد نقله ابن أبي الحديد عند قوله عليه السلام لمّا اشاروا عليه بالاستعداد للشام،مسندا عن زيد بن أرقم قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ألا أدّلكم على ما إن تسالمتم عليه لم تهلكوا؟إنّ وليّكم اللّه و إمامكم علي بن أبي طالب فناصحوه و صدّقوه فإنّ جبرئيل أخبرني بذلك (3).
و قال ابن أبي الحديد بعد نقله:فإن قلت:هذا نص صريح في الإمامة فما
الّذي تصنع المعتزلة بذلك؟قلت:يجوز أن يريد أنّه إمامهم في الفتاوى و الأحكام الشرعية لا في الخلافة،و قال إنّ قول شيوخه البغداديين إنّ الإمامة كانت له إن رغب فيها نازع عليها،و أمير المؤمنين لم ينازع الأئمة الثلاثة،و لا جرّد السيف فدل ذلك على إقراره لهم فلذلك تولّيناهم (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:255، [1]شرح الخطبة 43.
.قلت:فإن كان هذا الدين،فالحق للملحدين،و إن كان هؤلاء عقلاء، فأقوالهم ضحكة المجانين.فنازع يوم السقيفة حتّى أرادوا إحراقه مع امرأته و ابنيه و كتب إليه معاويه«كنت تقاد لبيعة أبي بكر كما يقاد الجمل المخشوش» (2)و نازع يوم الشورى حتى هدّدوه بقتله بالسيف حسب دستور عمر في من لم يقبل دستوره،و لم يتكلّم يوم عمر لأنّه لم يقدر على التكلم في قبال سلطنة مستقرة،و هل يقدر رجل واحد أو بيت واحد أن يجرّد السيف في وجه حكومة قاهرة؟!إلاّ أنّهم كما أنكروا النص المتواتر لا غرو أن ينكروا نزاعه و قد عرفت خبر(كتاب شورى الواقدي)أنّ عثمان قال له«فإن كنت تزعم أنّ هذا الأمر جعله النبي لك.فلقد رأيناك حين توفى نازعت ثم أقررت» و لمّا أراد عثمان اغراء العامة به بأن يقول عليه السلام في أبي بكر و عمر شيئا قال عليه السلام له:«ما لي و لهذا الأمر و قد تركته منذ حين».
و رووا أنّ عمر قال لابن عباس-و قد نقله ابن أبي الحديد عند شرح قوله عليه السلام للّه بلاد فلان-أنتم أهل رسول اللّه و آله و سلم و بنو عمّه.فما تقول في منع قومكم منكم.قال«لا أدري علّتها،و اللّه ما أضمرنا لهم إلاّ خيرا»قال:اللّهم غفرا.إنّ قومكم كرهوا أن يجتمع لكم النبوّة،و الخلافة فتذهبوا في السماء
شمخا و بذخا،و لعلكم تقولون انّ أبا بكر أوّل من أخّركم،أما إنّه لم يقصد ذلك، و لكن حضر أمر لم يكن بحضرته أحزم ممّا فعل،و لو لا رأي أبي بكر فيّ لجعل لكم من الأمر نصيبا،و لو فعل ما هنأكم مع قومكم أنّهم ينظرون إليكم نظر الثور الى جازره» (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3:94،شرح الخطبة 226.
.و روى إبراهيم الثقفي في كتابه عن عبد الرحمن بن أبي ليلي أنّه لمّا كثر أقاويل الناس في أمير المؤمنين عليه السلام و في المتقدّمين عليه قال له عليه السلام:ما أدري ما أقول إذا سئلت عن المتقدمين عليك.فإن قلت:إنّهم كانوا أولى منك.فعلام نصبك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في حجّة الوداع،و قال ما قال،و انت كنت أنت أولى فعلام نتولّى اولئك؟فقال عليه السلام:انّ اللّه تعالى قبض نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أنا يوم قبضه أولى بالناس منّي بقميصي هذا،و إنّه كان من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إليّ عهد لو خزمتموني بأنفي لأقررت سمعا و طاعة-إلى أن قال-فقال عبد الرحمن له عليه السلام أنت يا أمير المؤمنين كما قال الأول.
لعمري لقد أيقظت من كان نائما و أسمعت من كانت له اذنان (2)
«فقال يا أخا بني أسد» كان الرجل من دودان بن أسد بن خزيمة.فقد عرفت أنّ المفيد نقله«يا ابن دودان»و الصدوق نقله«يا أخا بني دودان» (3)و بنو أسد في العرب اثنان أحدهما من مضر و هو«اسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر»و الآخر من ربيعة و هو«أسد بن ربيعة بن نزار».
هذا،و في(عيون ابن قتيبة)قال المساور أي:العبسي للمرار أي:
الأسدي.
ما سرّني أنّ امّي من بني أسد و أنّ ربّي ينّجيني من النار
و أنّهم زوّجوني من بناتهم و أنّ لي كلّ يوم ألف دينار
فأجابه المرار:
فلست للام من عبس و من أسد و إنّما أنت دينار ابن دينار
و ان تكن أنت من عبس و أمّهم فإنّ امّكم من جارة الجار
قال دينار ابن دينار عبد ابن عبد و جارة الجار الاست و الجار الفرج (1)
عيون الاخبار 4:13. [1]
.«انّك لقلق الوضين» قال في النهاية بعد نقل كلامه عليه السلام أراد أنّه سريع الحركة يصفه بالخفة،و قلّة الثبات كالحزام إذا كان رخوا و هو بطان منسوج بعضه على بعض يشدّ به الرحل على البعير كالحزام للسرج (2).
«ترسل في غير سدد» قالوا:أي:تطلق الدابة في غير استقامة،و قد عرفت أنّ الصدوق،و المفيد روياه«ترسل غير ذي مسد» (3)و المسد حبل من ليف أو خوص،و قد يكون من جلود الابل أو أوبارها-أي تطلق مركبا غير ذي حبل فلا تقدر على أخذه إذا أردت أخذه-و المراد تتكلم في موضع لا ينبغي التكلم فيه لعدم قدرتك على جبران ما يحدث منه لأنه عليه السلام كان في أصعب موقف بصفين كما عرفت من رواية الصدوق،و أكثر أصحابه كانوا غير مستبصرين فيه،و كيف و كانت منهم الخوارج الّذين أحدثوا في أمره بمجرد رفع معاوية المصاحف على القناة.فأجبروه على التحكيم ثم كفّروه فكيف امكنه عليه السلام الشكاية منهم،و نسبة الظلم الى صدّيقهم و فاروقهم.
ذاكر رجل مع الباقر عليه السلام شيئا من أمرهما فقال عليه السلام«ضربوكم على دم
عثمان ثمانين سنة،و هم يعلمون أنه كان ظالما فكيف إذا ذكرتم صنميهم (1)
رواه الكليني في الكافي 8:189 ح 215. [1]
.«و لك بعد ذمامة» أي:حرمة.
«الصهر» قال ابن أبي الحديد و يروى«ماتّة الصهر»أي:وسيلته قال:
قال عليه السلام ذلك لأنّ زينب بنت جحش زوج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كانت أسدية،و هي بنت جحش بن رياب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة و أمّها اميمة بنت عبد المطلب فهي بنت عمة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و المصاهرة المشار إليها هي هذه،و لم يفهم الراوندي فقال«كان عليه السلام تزوّج في بني اسد» (2)و لم يصب فانّه عليه السلام لم يتزوج فيهم.ثم ذكر ابن أبي الحديد أولاده عليه السلام و امّهاتهم لبيان عدم تزوجه فيهم (3).
قلت:إنّ مدّعاه و ان كان صحيحا إلاّ أنّ دليله أعم فللخصم أن يقول تزوج بأسدية لم تكن ذات ولد.ثم يمكن أن يريد عليه السلام بالمصاهرة ما ذكره من زينب زوج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هي أول من مات من أزواجه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعده،و كانت قبله عند زيد بن حارثة مولاه،و يمكن أن يريد عليه السلام بالمصاهرة كون أنّ جحشا و هو أسدي تزوج عمته عليه السلام اميمة،و يمكن أن يريد عليه السلام بالمصاهرة كون أم كلاب الثالثة-و كلاب جدّ عبد مناف جدّ جدّه عليه السلام-هند بنت دودان بن أسد،و امّ لؤيّ بن غالب الثالثة-و لؤيّ أبو جدّ كلاب-تماضر بنت الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد،و ام تلك رهم بنت كاهل بن أسد بن خزيمة كما صرّح به كاتب الواقدي في(طبقاته)في امّهات آباء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم (4)،و الصهر يعمّ أقرباء الزوجين.قال الجوهري:«و كلّ شيء من قبل الزوج مثل الأب و الأخ فهم
الأحماء،و كلّ شيء من قبل المرأة فهم الاختان و الصهر يجمع هذا كلّه» (1)
صحاح اللغة 2:717، [1]مادة صهر.
.و رعاية ذمامة الصهر كرعاية ذمامة الرحم قال تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً» (2)و كانت عداوة يزيد بن عبد الملك مع يزيد ابن المهلّب لأنّه كان عذّب أصهاره آل أبي عقيل،فكانت عنده بنت محمّد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف،و هي امّ ابنه الوليد.فعذّبهم أيّام سليمان بن عبد الملك بعداوة سليمان مع الحجاج لأنّه كان حمل الوليد أخاه على خلعه،فكان يزيد بن عبد الملك حلف لئن أمكن من يزيد بن المهلّب ليقطعنّ منه طابقا.فكان ذلك سببا لفراره من سجن عمر بن عبد العزيز،و خروجه حتّى قتل مع أهل بيته.
و في(الطبري)أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا قسّم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث لثابت بن قيس أو لابن عم له،فكاتبته على نفسها و ذكر أنّها جاءت الى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و استعانت به على كتابتها و أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لها:فهل لك في خير من ذلك؟أقضي كتابتك،و أتزوجك قالت:نعم قال:قد فعلت،و خرج الخبر الى الناس أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم تزوج جويرية بنت الحارث.
فقال الناس اصهار النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأرسلوا ما بأيديهم.فاعتق بتزوجه إيّاها مائة أهل بيت من بني المصطلق.فما علم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها (3).
«و حقّ المسألة» روى(الكافي)عن الصادق عليه السلام قال:قرأت في كتاب علي عليه السلام أنّ اللّه تعالى لم يأخذ على الجهّال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على
العلماء عهدا ببذل العلم للجهّال لأنّ العلم كان قبل الجهل (1)
أخرجه الكليني في الكافي 1:41 ح 1. [1]
.«و قد استعلمت فاعلم اما الاستبداد» أي:التقدم.
«علينا بهذا المقام» أي:الخلافة و السلطنة.
«و نحن الاعلون نسبا» ممّن تقدم علينا قال الباقر عليه السلام:كان للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم صديقان يهوديان قد آمنا بموسى عليه السلام و أتيا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم سمعا منه و كانا قد قرءا التوراة.و صحف ابراهيم و موسى عليه السلام و علما علم الكتب الأولى.فلمّا قبض اللّه تعالى رسوله أقبلا يسألان عن صاحب الأمر بعده،و قالا:إنّه لم يمت نبيّ قط الاّوله خليفة يقوم بالأمر في امّته بعده،قريب القرابة إليه من أهل بيته، عظيم الخطر جليل الشأن.فقال أحدهما لصاحبه:هل تعرف صاحب هذا الأمر من بعد النبي.قال الآخر:لا أعلمه إلاّ بالصفة التي أجدها في التوراة.هو الأصلع المصفرّ قال:فلمّا نظرا الى أبي بكر قالا:ليس هذا صاحبنا،ثم قالا له:ما قرابتك من النبي قال:إنّي رجل من عشيرته و هو زوج ابنتي عائشة قالا:ليس غير هذا؟قال:لا.قالا:ليست هذه بقرابة.قالا:فأخبرنا أين ربك؟قال:فوق سبع سماوات.قالا:هل غير هذا قال:لا.قالا:دلّنا على من هو أعلم منك.فأرشدهما الى عمر-إلى أن قال-:
فأرشدهما عمر الى علي عليه السلام فلمّا نظرا إليه قال أحدهما:إنّه الرجل الّذي نجد صفته في التوراة.إنّه وصي هذا النبي و خليفته،و زوج ابنته و ابو السبطين و القائم بالحق بعده،فلمّا سألاه قالا:هذه القرابة الفاخرة و المنزلة القريبة،و هذه الصفة التي نجدها في التوراة و قال عليه السلام في جواب سؤالهما إن شئتما أنبأتكما بالذي كان على عهد نبيّكما،و إن شئتما أنبأتكما
1) 1)
بالّذي كان على عهد نبيّنا-الخبر (1)
أخرجه الصدوق في التوحيد:180 ح 15،النقل بتصرف يسير.
.«و الأشدّون بالرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم نوطا» أي:لصوقا،و يكفي في شدّة نوطهم بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قوله تعالى «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» (2)فجعل عزّ و جلّ ابني أمير المؤمنين عليه السلام أبناء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و امرأة أمير المؤمنين عليه السلام نساء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و نفس أمير المؤمنين عليه السلام نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
قال المأمون يوما لأبي الحسن الرضا عليه السلام أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين عليه السلام يدلّ عليها القرآن.
فقال الرضا عليه السلام:هو في المباهلة قال اللّه تعالى «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» (3)فدعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الحسن و الحسين عليهما السلام فكانا ابنيه،و دعا فاطمة عليها السلام فكانت في هذا الموضع نساءه،و دعا أمير المؤمنين عليه السلام فكان نفسه بحكم اللّه عزّ و جلّ، و قد ثبت أنّه ليس أحد من خلق اللّه أجلّ من النبي و أفضل،فوجب أن لا يكون أحد أفضل ممّن هو نفس الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم بحكم اللّه عزّ و جلّ.
فقال المأمون:أليس اللّه قد ذكر الأبناء بلفظ الجمع،و إنما دعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ابنيه خاصة،و ذكر النساء بلفظ الجمع و انما دعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ابنته وحدها فلم لا جاز ان يذكر الدعاء لمن هو نفسه،و يكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره فلا يكون له ما ذكرت من الفضل.
فقال الرضا عليه السلام:ليس بصحيح ما ذكرت،و ذلك أنّ الداعي إنّما يكون
داعيا لغيره كما يكون الآمر آمرا لغيره،و اذ لم يدع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم رجلا في المباهلة إلاّ أمير المؤمنين عليه السلام ثبت أنّه نفسه التي عناها اللّه تعالى في كتابه، و جعل حكمه ذلك في تنزيله.
فقال المأمون:إذا ورد الجواب سقط سؤال (1)
رواه الشريف المرتضى في الفصول المختاره 1:17،و النقل بتصرف يسير.
.«فإنّها كانت أثرة شحّت عليها نفوس قوم» قال ابن أبي الحديد:يعني به على قولنا نفوس أهل الشورى،و على قول الامامية نفوس أهل السقيفة (2).
قلت:يشهد لقول الامامية قوله عليه السلام في كتابه الى عثمان بن حنيف في أمر فدك «فشحّت عليها نفوس قوم» (3)فلا ريب أنّ الآخذين لفدك إنّما كانوا أهل السقيفة و هل يوم الشورى إلاّ فرع يوم السقيفة،و لو لا أثر يوم السقيفة لم يوجد يوم شورى و مؤسس يوم الشورى أيضا كان رجال أهل السقيفة،و هل كان يوم السقيفة يوما لا يشكا منه،و قد أرادوا إحراقه و إحراق أهل بيته،و هل كان يوم السقيفة يوما تخفى سوأته حتى يواريه،و لقد أجاد أبو بكر بن قريعة القاضي في أبياته في ذاك اليوم و ما ترتب عليه.
يا من يسائل دائبا عن كلّ معضلة سخيفه
لا تكشفن مغطّا فلربما كشفت عن جيفه
و لربّ مستور بدا كالطبل من تحت القطيفه
إنّ الجواب لحاضر لكنّني أخفيه خيفه
لو لا اعتداء رعية ألقى سياستها الخليفه
و سيوف أعداء بها هاماتنا أبدا تقيفه
لنشرت من أسرار آ ل محمّد جملا لطيفه
تغنيك عمّا قد روا ه مالك و أبو حنيفه
و أريتكم أنّ الحسين أصيب من يوم السقيفه
و لأيّ حال الحدت بالليل فاطمة الشريفه
و لما حمت شيخيكم عن وطأ حجرتها الشريفه
اوه لبنت محمّد ماتت بغصّتها أسيفه
و هل شكاياته عليه السلام من أهل السقيفة أمر غير متحقق حتّى يتشكك فيه، و مع تقيته عليه السلام منهم أمر متواتر.روى ابن بكير الغنوي عن حكيم بن جبير قال:حدّثنا من شهد عليا عليه السلام بالرحبة يخطب فقال في ما قال:«أيّها الناس! انكم قد أبيتم إلاّ أن أقول.أما و رب السماء و الأرض لقد عهد الىّ خليلي انّ الامة ستغدر بك من بعدي» (1)
رواها المفيد في الارشاد:151. [1]
.و روى إسماعيل بن سالم عن ابن أبي ادريس الأودي قال:سمعت عليا يقول:انّ في ما عهد الي النبي الامي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّ الامّة ستغدر بك من بعدي (2).
و قد روى العباس بن عبد اللّه العبدي عن عمرو بن شمر عن رجاله عن علي عليه السلام قال في كلام:«حتّى قبض اللّه تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فكانت الطامّة الكبرى» (3).إلاّ أنّ دأب إخواننا التشكيك في البديهيات.
هذا،و من أسباب شحّ نفوس قوم-و هم قريش-عليه عليه السلام بنيل الأمر إليه أنّهم علموا أنّه لو صار الأمر إليه لا يرى غيره مستحقا لكون الإمامة عنده كالنبوة أمرا من قبل اللّه تعالى،فلا يدع رجوع الأمر إليهم يوما،و لذا شحّوا عليه عليه السلام يوم الشورى أيضا كالسقيفة فقال عليه السلام-كما في(خلفاء ابن قتيبة)- «فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي،لأنّهم كانوا يسمعونني و أنا
احاجّ أبا بكر،فأقول:يا معشر قريش أنّا احقّ بهذا الأمر منكم ما كان منّا من يقرأ القرآن و يعرف السنّة،فخشوا إن وليت عليهم أن لا يكون لهم في هذا الأمر نصيب»-إلى آخره (1)
الإمامة و السياسة 1:155. [1]
.و العجب أنّ بعض العامّة كانوا يقولون:إنّ مذهب الشيعة كان سياسة من بعض الملوك مع أنّ أصل اختيار قريش لأبي بكر كان سياسة منهم حتّى يحصل لهم شركة في الأمر،فقال المغيرة بن شعبة لأبي بكر و عمر يوم السقيفة حاثّا لهما على ادعاء الامر«ا تريدون أن تنظروا خيل الحبلة من أهل هذا البيت وسّعوها في قريش تتّسع» (2).
و قال أمير المؤمنين عليه السلام يوم السقيفة لعمر-كما في(الطبري)و غيره- «امّرت أبا بكر اليوم ليؤمّرك غدا» (3)و قال عليه السلام لعبد الرحمن بن عوف يوم الشورى لما بايع عثمان مثل ذلك (4)،و لمّا كان عمار يوم السقيفة يحضّ عليه عليه السلام انتهره بنو مخزوم و سبّوه،و قالوا له:ما أنت و الدخالة في أمر قريش و هنا قول المقداد يوم السقيفة صافقا إحدى يديه على الاخرى:و اعجبا من قريش و استيثارهم بهذا الأمر على أهل هذا البيت معدن الفضل و نجوم الأرض-إلخ (5)و مرّ قول عمر و عثمان لابن عباس أ تدري ما منع قومكم منكم (6).
1) 1)
2) 2) رواه الجوهري في السقيفة:68. [2]
3) 3) جاء في الإمامة و السياسة 1:11،و في السقيفة:60،و غيرها،لكن لم يوجد الحديث في اخبار السقيفة في تاريخ الطبري.
4) 4) رواه الطبري في تاريخه 3:297،سنة 23،و [3]المفيد في الارشاد:152.
5) 5) رواهما الجوهري في السقيفة:81 و 85،و [4]الأمران وقعا في يوم الشورى لا السقيفة. [5]
6) 6) مر كلاهما في هذا العنوان.
و انّما مذهب لا يجامع السياسة مذهب الشيعة حيث لا يرون لغير أمير المؤمنين عليه السلام و أحد عشر من عترته حقّا و لا أهل حق و السياسة ليست قائلة بحق،فمذهب الشيعة بالضد ممّا قالوا لم يمنع من نشره الاّ السياسة، و لمّا أنشأ المعتضد كتابا بلعن معاوية مستدلاّ فيه بالكتاب و السنّة و الحجج الجليّة و أراد نشره،قال له قاضيه يوسف بن يعقوب:أخاف أن تضطرب العامّة فقال المعتضد:ان تحرّكت العامة أو نطقت وضعت فيهم سيفي.قال له:
«فما تصنع بالطالبيين الّذين هم في كل ناحيه يخرجون و يميل إليهم كثير من الناس بقرابتهم من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و بمآثرهم،و في هذا الكتاب اطراؤهم،و اذا سمع الناس ذلك كانوا إليهم أميل و كانوا أبسط ألسنة،و أثبت حجّة منهم اليوم»-فأمسك المعتضد عن جوابه و لم يردّ عليه شيئا،و لم يأمر في الكتاب بشيء (1)
رواه الطبري في تاريخه 8:189،سنة 284. [1]
.و ملوك آل بويه كانوا شيعة متدينين،و كانوا متمكنين من خلع العباسيين و نصب العلويين كالرضي و المرتضى،و لم يفعلوا ذلك سياسة.
و كيف لا يشحّون عليه عليه السلام فمع علمهم بأنّه لو صار الأمر إليه عليه السلام لم يدع صيرورته إليهم أبدا،علموا أنّهم لو صرفوا النظر عن وصول الأمر إليهم لم يدعهم اذا وصل الأمر إليه و هو أهم لتنمّره في ذات اللّه كما أفصحت عنه سيدّة نساء العالمين فقالت:ما نقموا منه عليه السلام إلاّ تنمّره في ذات اللّه (2).
و قد كان عمر بن عبد العزيز مع انه انما كان صالحا بالنسبة الى بني اميّة لا بالنسبة الى الواقع لم يقدر سليمان بن عبد الملك على نصبه لهواه فيه حتّى دبّر في أمره بجعل أخيه يزيد بن عبد الملك بعده،و لما أراد
العمل بالحق في الجملة،قتلوه.
قال الطبري في الخارجة الذين خرجوا على عمر بن عبد العزيز في سنة (100)و أرسلوا رجلين لمناظرته فقالا له:أخبرنا عن يزيد لم تقرّه خليفة بعدك قال:صيّره غيري.قالا:أ فرأيت لو ولّيت مالا لغيرك ثم وكلته الى غير مأمون عليه أتراك كنت ادّيت الأمانة الى من ائتمنك؟فقال:انظراني ثلاثا فخرجا من عنده و خاف بنو مروان أن يخرج ما عندهم،و ما في أيديهم من أموال،و أن يخلع يزيد،فدسّوا إليه من سقاه سمّا فلم يلبث بعد خروجهما من عنده إلاّ ثلاثا حتّى مات (1)
تاريخ الطبري 5:311،سنة 100. [1]
.و كما أنّ السياسة أخفت مذهب الشيعة مع كون حقيقته كالشمس في رابعة النهار فهل خليفة النبي إلاّ من كان مثله علما و حلما و فضلا و تقوى؟أم بالضد نشرت و شهرت مذهب السنة مع كون بطلانه واضحا لاشتماله على الجمع بين الضدين و انكار المتواترات،و غير ذلك من خلاف مقتضى العقول.
قال الطبري:قال الرشيد لعبد اللّه بن مصعب الزبيري،ما تقول في الذين طعنوا عليه فتفرقوا عنه فهم أنواع الشيع و أهل البدع،و أنواع الخوارج،أمّا الذين كانوا معه فهم أهل الجماعة الى اليوم فقال له:ما أحتاج أن أسأل بعد هذا اليوم عن هذا.
و سأله أيضا عن منزلة أبي بكر و عمر من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال له:كانت منزلتهما في حياته منه منزلتهما في مماته فقال:كفيتني ما أحتاج إليه (2).
أفلم يكن هارون عارفا بحقيقة الأمر؟أ كان عاميا يغفّل بمثل هذه الكلمات؟إلاّ انّه لو كان لم يقبل قوله يقال له:و ما أنت و هذا الأمر
فكان مضطرا إلى قبول قوله.
ثم كيف سمّى المتفرقين عن عثمان أهل الشيع و أهل البدع و أبوه-أي أبو مصعب الزبيري-قائل الكلام و هو حواريّهم،و صاحبه طلحة أحد عشرتهم و ستّتهم،كانا ممّن تفرق عنه بل من المؤلّبين عليه،و ابن عوف حكم عمر الذى نصبه مات متهاجرا له.
و كيف سمّاهم أهل البدع،و عمّار-المتّفق على جلاله حتّى من أعدائه- أحد قتلته.قال له عمرو بن العاص في صفين:ما ترى في قتل عثمان؟فقال عمار:قتله فتح لكم باب كل سوء قال عمرو:فعليّ قتله؟قال عمار:بل اللّه ربّ علي قتله،و علي معه.قال له عمرو:أ كنت في من قتله؟قال:كنت مع من قتله، و أنا اليوم اقاتل معهم.قال له عمرو:لم قتلتموه؟قال عمار:أراد أن يغيّر ديننا فقتلناه.فقال عمرو لأهل الشام:ألا تسمعون؟قد اعترف بقتل عثمان قال عمار:و قد قالها قبلك فرعون لقومه:ألا تستمعون (1)
رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:338،و [1]النقل بتصرف يسير،و الآية 25 من سورة الشعراء. [2]
.و كذلك استدلاله للأوّل و الثاني،و منزلتهما بقرب قبريهما،ألم يعلم هارون أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر في مرضه بإخراجهما من المدينة بتأكيد في تجهيز جيش اسامة لئلاّ يشهدا موته فيحدثا فتنة؟ألم يمنعه الثاني من الوصية لئلاّ يضلّوا بعده،و قال إنّه ليهجر،و لم يخرجا في جيش اسامة مع لعنه المتخلّف و إعراضه عنهما لما حضراه في احتضاره؟ «و سخت عنها نفوس آخرين و الحكم اللّه» قال ابن أبي الحديد:«سخت:
يعني جادت» (2)قلت:«سخت به»بمعنى جادت،و اما«سخا عنه»كما هنا فبمعنى تركه.قال الجوهري:«سخيت نفسي عن الشيء»إذا تركته (3).
و قال ابن أبي الحديد أيضا:«يعني عليه السلام بقوله و سخت عنها نفوس آخرين:نفسه»و تبعه الخوئي أيضا (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:454،و شرح الخوئي 4:275.
.قلت:بل أراد عليه السلام بقوله«نفوس آخرين»نفوس المهاجرين و الأنصار غير الشيخين و اتباعهما،كما أنّ المراد بقوله عليه السلام:«شحّت عليها نفوس قوم» الشيخان و أتباعهما من قريش.
و نظير كلامه عليه السلام هذا،قول زوجته سيّدة نساء العالمين عليها السلام لما انصرفت من مجلس أبي بكر:هذا ابن أبي قحافة قد ابتزّني نحلة أبي،و بلغة ابنيّ و اللّه لقد اجدّ في ظلامتي،و ألدّ في خصامي حتّى منعتني قيلة نصرها، و المهاجرة و صلها،و غضّت الجماعة دوني طرفها،فلا مانع و لا دافع» (2)و الحكم بيننا و بين الشاحين عليها و الساحين عنها اللّه الذي يجري كل نفس بما كسبت.
«و المعود إليه يوم القيامة» هكذا في(ابن أبي الحديد) (3)و(المصرية)، و لكن في(ابن ميثم و الخطيّة) (4):«و المعود إليه القيامة».
و في كلام الصّديقة لأبي بكر في ذلك برواية أحمد بن أبي طاهر البغدادي في(بلاغاته)أأبتزّ ارث أبي،أفي الكتاب أن ترث أباك،و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا،فدونكها مخطومة مرحولة،تلقاك يوم حشرك،فنعم الحكم اللّه،و الزعيم محمّد،و الموعد القيامة و عند الساعة يخسر المبطلون، و لكلّ نبأ مستقر و سوف تعلمون (5).
«و دع عنك نهبا صيح في حجراته» اقتصر في(المصرية)من هذا البيت، و هو بيت امرئ القيس على صدره هذا،و فيها سقط،فالنهج كان مشتملا على عجزه و هو.«و لكن حديثا مّا حديث الرواحل» (1)
في ديوان امرئ القيس:93،«دع عنك...»بلا واو.
لاشتمال(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)عليه و اما قول ابن أبي الحديد:روي ان أمير المؤمنين عليه السلام لم يستشهد إلاّ بصدره فقط و اتمه الرواة (3)،فلم يدلّ إلاّ على أنّ النهج و ان كان مشتملا عليه إلاّ أنّ أصل كلامه عليه السلام كان خاليا منه، و إنّما زاده الرواة فأخذ منهم المصنّف،و قد عرفت أنّ روايه الصدوق كانت خالية منه،و رواية المفيد كانت خالية من أصله (4).قال ابن أبي الحديد:و كان من قصّة هذا الشعر أنّ امرأ القيس لمّا تنقّل في أحياء العرب بعد قتل أبيه نزل على رجل من جديلة طي يقال له:طريف بن مل فأجاره و أكرمه و أحسن إليه،فمدحه و أقام عنده،ثم انه لم يوله نصيبا في الجبلين أجأ و سلمى فخاف أن لا يكون له منعة،فتحوّل و نزل على خالد بن سدوس بن أسمع النبهاني فاغارت بنو جديلة على امرئ القيس و هو في جوار خالد بن سدوس فذهبوا بإبله.و كان الّذي أغار عليه منهم باعث بن حويص،فلما أتى امرأ القيس الخبر ذلك ذلك لجاره فقال له:أعطني رواحلك ألحق عليهم القوم فأردّ عليك إبلك،ففعل فركب خالد في أثر القوم حتى أدركهم فقال:يا بني جديلة!أغرتم على إبل جاري.فقالوا:ما هو لك بجار.قال:بلى،و هذه رواحله.قالوا:كذلك؟قال:نعم.فرجعوا إليه فانزلوه عنهن و ذهبوا بهن و بالابل و قيل بل انطوى خالد على الابل فذهب بها فقال
امرؤ القيس دع عنك نهبا...البيت (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:455. [1]
.قلت:و الذي رواه أبو الفرج في(الاغاني)هكذا:نزل امرؤ القيس في أرض طيء برجل من بني جديلة يقال له المعلّى بن تيم فقال فيه:
كأنّى إذ نزلت على المعلّى نزلت على البواذخ من شمام
فما ملك العراق على المعلّى بمقتدر و لا ملك الشآم
فلبث عنده،و اتخذ إبلا هناك فعدا قوم من بني جديلة يقال لهم بنو زيد فطردوا الابل و كانت لامرئ القيس رواحل مقيّدة عند البيوت خوفا من ان يدهمه امر ليسبق عليهن،فخرج حينئذ فنزل ببني نبهان من طيء فخرج نفر منهم فركبوا الرواحل ليطلبوا له الإبل فأخذتهن جديلة فرجعوا إليه بلا شيء، فقال:
و أعجبني مشي الحزقة خالد كمشي اتان حلّئت بالمناهل
فدع عنك نهبا صيح في حجراته و لكن حديثا ما حديث الرواحل
ففرّقت عليه بنو نبهان فرقا من معزى يحلبها-الخبر (2).
و رواه ابن الأثير في(كامله)هكذا:«نزل(امرؤ القيس)على المعلّى بن تيم الطائي فأقام عنده و اتّخذ إبلا هناك.فعدا قوم من جديلة يقال لهم بنو زيد عليها فأخذوها فأعطاه بنو نبهان معزى يحلبها فقال:
إذا ما لم يكن إبل فمعزى كانّ قرون جلّتها العصيّ (3)
و في(اشتقاق ابن دريد):أنّ من رجال طيء في الجاهلية باعث بن حويص،و هو الذي أغار على ابل امرئ القيس فقال:
تلاعب باعث بذمة خالد و اودى دثار في الخطوب الاوائل
و دثار راعي امرئ القيس (1)
الاشتقاق:384. [1]
.و أمّا لغة البيت:فحجرات بالفتح جمع حجرة مثل جمرة و جمرات و معنى حجراته نواحيه،و أما تركيبه فقال ابن أبي الحديد:ما في«حديثا ما» يحتمل أن تكون ابهامية،و هي التي إذا اقترنت باسم نكرة زادته إبهاما و شياعا كقولك أعطني كتابا ما.تريد أيّ كتاب كان،و يحتمل أن تكون صلة مؤكدة كالّتي في قوله تعالى «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ» (2)-إلى أن قال-و جاز أن يجعل«ما»موصولة بمعنى الذي،وصلتها الجملة،أي:الذى هو حديث الرواحل،ثم حذف صدر الجملة كما حذف في:(تماما على الذي أحسن) و يجوز أن يجعل ما استفهامية بمعنى أيّ (3).
و تبعه الخوئي (4)و قد أخذه ابن أبي الحديد من الزمخشري في قوله تعالى: «مَثَلاً ما» (5)و التحقيق أنّ ما هذه إبهامية لكنّها لا تزيد النكرة إبهاما، بل تقلّل إبهامها حتّى تقرّبها الى المعرفة،لأنّها في المعنى الوصف لها، و الوصف إمّا حقير كما في قوله تعالى «إِنَّ اللّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها» (6)و إمّا عظيم كما في المثل:«لأمر مّا جدع قصير أنفه» (7)و كما هنا،و أمّا الصلة المؤكدة مثل ما في ما قال،فلا وجه له،لأنّ شرطه أن يستغني المعنى عنه.فيصح أن يقال في: «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ» (8)
«فبنقضهم ميثاقهم»و هنا لا يستغني عن ما لأنّه يفوت بفوتها الوصف المحتاج إليه،و أما الموصولة فلا يصحّ من حيث أنّه معرفة فكيف يكون وصفا للنكرة لأنّه في تقدير«حديثا الذي»و أمّا الاستفهامية فإنّما تصح لو كان قال أوّلا«حديث الرواحل»ثم يقول«ما حديث الرواحل»كقوله تعالى:
«الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ» (1)
الحاقة:1-2. [1]
ثم جميع ما أوردناه على ابن أبي الحديد يرد على الزمخشري الذي هو الأصل لكلامه.و قال ابن أبي الحديد أيضا:في«و لكن حديثا انتصب حديثا»بإضمار فعل.أي:هات حديثا أو حدّثني حديثا و يروى«و لكن حديث»أي:و لكن مرادي أو غرضي حديث فحذف المبتدأ (2).
و تبعه الخوئي (3)أيضا.قلت:مع النصب يجوز أن يكون اسم لكن فقد جوّز يونس و الأخفش عمل لكن مخفّفا.فلا يحتاج الى تقدير فعل،و مع الرفع يجوز أن يكون مبتدأ و سوّغ الابتداء به الوصف المقدر الذي يفهم من(ما)كما عرفت و«حديث الرواحل»خبره أو بالعكس و لا يحتاج الى تقدير أيضا.
و قال ابن أبي الحديد أيضا بجواز نصب«حديث الرواحل»بكونه بدلا من«حديثا ما» (4)و هو كما ترى فإنه يخرج الكلام عن كونه تاما مع أنّ ظاهر السياق كون الإسناد بين الحديثين،و يحوجه الى تقدير مخالف للأصل.
و الرواحل:جمع الراحلة،و الراحلة الإبل المختصة بالركوب،و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«الناس كابل مأئة لا تجد فيها راحلة» (5).
«و هلّم» أي:تعال.قال الجوهري:قال الخليل:أصله لمّ من قولهم«لمّ اللّه شعثه»أي:جمعه كانّه أراد لمّ نفسك إلينا أي:أقرب،و ها للتنبيه و انّما حذفت ألفها لكثرة الاستعمال جعلا اسما واحدا يستوي فيه و الواحد و الجمع و التأنيث في لغة أهل الحجاز قال تعالى: «قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ الْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَ لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً» (1)
صحاح اللغة 5:2060، [1]مادة(هلم)،و الآية 18 من سورة الأحزاب. [2]
.«الخطب» قالوا:الخطب سبب الأمر.
«في ابن أبي سفيان» في مقابلته مع كونه ممّن حارب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الى أن أسره الاسلام بفتح مكة.
و نظير كلامه عليه السلام كلام ابنه الحسن عليه السلام ففي(مقاتل أبي الفرج):«كتب الحسن عليه السلام الى معاوية-بعد ذكره عليه السلام محاجّة قريش العرب بأنّهم أقرب من العرب الى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم-فلمّا صرنا أهل بيت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أولياؤه الى محاجّتهم و طلب النصف منهم باعدونا و استولوا بالاجتماع على ظلمنا و مراغمتنا و العنت منهم لنا فالموعد اللّه،و هو الولي النصير،و قد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا،و سلطان نبيّنا،و ان كانوا ذوي فضيلة و سابقة في الاسلام.فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون و الأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به،أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده.فاليوم فليعجب المتعجب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله لا بفضل في الدين معروف و لا أثر في الاسلام محمود،و أنت ابن حزب من الاحزاب،و ابن أعدى قريش لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و لكنّ اللّه خيّبك (2).و يقال لأمير المؤمنين عليه السلام أنّ الأمر و إن كان كما ذكرت من كون الخطب في ابن أبي سفيان،إلاّ انّ تصدّي تيم وعدي و تدبير الثاني لابن أبي
العاص هو الذي أطمع ابن أبي سفيان في الأمر.كما قال الفرزدق في ولاية ابن هبيرة:
و لقد علمت لئن فزارة امّرت أن سوف تطمع في الإمارة أشجع
من خلق ربك ما هم و لمثلهم في مثل ما نالت فزارة يطمع
و كما قال دعبل في تولّي ابراهيم بن المهدي المغنّي للخلافة.
فلئن صلحت لإبراهيم فلتصلحن من بعده لمخارق
و قد كتب معاوية الى الحسن عليه السلام جواب كتابه بأنّ مثلي مثل أبي بكر في تقدّمه عليكم بقوّته على هذا الأمر (1)
مقاتل الطالبيين:37،و النقل بالمعنى.
.و قال ابن أبي الحديد في موضع آخر بعد نقل مكاتبات بينه عليه السلام و بين معاوية:«أعجب و أطرف ما جاء به الدهر،و إن كانت عجائبه و بدائعه جمّة،أن يفضي أمر علي عليه السلام إلى أن يصير معاوية ندّا له و نظيرا مماثلا يتعارضان الكتاب و الجواب-إلى أن قال-فليت محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان شاهد ذلك ليرى عيانا لا خبرا أنّ الدعوة التي قام بها و قاسى أعظم المشاقّ في تحمّلها،و كابد الأهوال في الذبّ عنها،و ضرب السيوف عليها لتأييد دولتها،و شيّد أركانها، و ملأ الآفاق به خلصت صفوا عفوا لأعدائه الذين كذّبوه لمّا دعا إليها، و أخرجوه عن أوطانه لمّا حضّ عليها رموا وجهه،و قتلوا عمّه و أهله،فكأنّه كان يسعى لهم،و يدأب لراحتهم.كما قال ابو سفيان في أيام عثمان و قد مرّ بقبر حمزة و ضربه برجله و قال:يا أبا عمارة!إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس،في يد غلماننا اليوم يتلعبون به-إلخ (2).
قلت:الأمر كما ذكر ابن أبي الحديد لكن أيّ تعيير لمعاوية:
بأبه اقتدى عدى في الكرم و من يشابه أبه فما ظلم
اقتدى معاوية بصدّيقهم و فاروقهم كما صرّح به معاوية نفسه في جواب كتابه الى محمد بن أبي بكر و أفصح فيه عن الحقيقة إذ قال فيه مخاطبا محمّد بن أبي بكر:«ذكرت فيه فضل ابن أبي طالب،و قديم سوابقه،و قرابته الى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و مواساته إيّاه في كل هول و خوف-إلى أن قال-.
و قد كنّا-و أبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب،و حقّه لازما لنا، مبرورا علينا،فلمّا اختار اللّه لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما عنده،و أتمّ له ما وعده،و أظهر دعوته و أبلج حجّته و قبضه اللّه إليه.فكان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزّه حقّه و خالفه على أمره،على ذلك اتفقا و اتّسقا،ثم إنهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما،و تلكّأ عليهما،فهمّا به الهموم،و أرادا به العظيم،ثم إنه بايع لهما و سلّم لهما،و أقاما لا يشركانه في أمرهما،و لا يطلعانه على سرّهما،حتى قبضهما اللّه-إلى أن قال في قيامه بالامر في قباله عليه السلام-.
أبوك مهّد مهاده،و بنى لملكه و ساده،فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك استبدّ به و نحن شركاؤه،و لو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب،و لسلّمنا إليه،و لكنّا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا فأخذنا بمثله،فعب أباك بما بدا لك أو دع ذلك.
و كتاب معاوية في جواب محمّد بن ابى بكر هو الكتاب الذي اعتذر الطبري في(تاريخه)عن نقله بانه كتاب لا تحتمله العامة و نقله المسعودي و غيره (1)
رواه المسعودي في مروج الذهب 3:12،و ابن مزاحم في وقعة صفين:119،و البلاذري في انساب الاشراف 2: 396،و أشار إليه الطبري في تاريخه 3:557،سنة 36.
و يقال للطبري:ان هذا الكتاب لا يحتمله إلاّ من انسلخ عن الانسانيّة.ثم هل زمان ذي نوريهم الذي قال فيه أبو سفيان ما قال كان أحسن من
1) 1)
زمان معاوية بل يزيد أيضا،فكيف يقبل عثمان بالإمامة و لا يقبل معاوية؟ فهل السلطان في زمان عثمان إلاّ مروان و أبو سفيان و غلمان بني اميّة؟و لم يصلّ عامل من عمّال معاوية،و يزيد صلاة الفجر بالناس في حال السكر أربعا مع إنشاد أبيات في العربدة فيها.
و من العجب أن عامّة العامة قتلوا النسائي أحد أئمة حديثهم،و صاحب أحد صحاحهم الستة لأنه أنكر فضل معاوية قال ابن خلكان:سئل النسائي عن معاوية و فضائله فقال:ما أعرف له فضيلة إلاّ قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه:«لا أشبع اللّه بطنك»فما زالوا يدفعون في حضنيه و داسوه ثم حمل الى الرملة فمات بها (1)
وفيات الاعيان 1:77،و [1]النقل بتلخيص.
.و مما يضحك الثكلى،و يبدّل البكاء بالضحك عجبا انّ المتسمّين بالعلم منهم جعلوا من لم يكن فساد في الأرض الاّ عمل به حتّى كفّره من نصبه، و استباحوا دمه،و حرّموا تجهيزه،أفضل ممّن قال رسول ربّ العالمين في حقه:«لو لا أن تقول الناس فيك بالالوهية لقلت فيك ما إن لا تمرّ في طريق إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك»؟ (2).
فهل للجزاف حدّ؟و هل يتفوّه أحد بأفضلية الظلمات من النور،و في تاريخ بغداد قال ابو عبيد القاسم بن سلام:فعلت بالبصرة فعلتين أرجو بهما الجنّة،أتيت يحيى القطّان و هو يقول أبو بكر و عمر و علي فقلت:معي شاهدان من أهل بدر يشهدان أن عثمان أفضل من علي.قال:بمن؟قلت:أنت حدّثتنا عن شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال:خطبنا عبد اللّه بن
مسعود فقال:أميرنا خير من بقي و لم نال قال:و من الآخر؟قلت:«الزهري عن حميد بن عبد الرحمن،عن المسوّر بن مخرمة قال:سمعت عبد الرحمن بن عوف يقول:شاورت المهاجرين الأوّلين و امراء الأجناد و أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم أر أحدا يعدل بعثمان»قال:فترك قوله و قال ابو بكر و عمر و عثمان (1)
تاريخ بغداد 12:409. [1]
.قبّح اللّه دينا هذا أساسه،مع أنّ شاهديه من أهل بدر و ما رواه عنهما رواية لم تعلم صحتها،و الذي نعلم بالدراية أنّ ذينك الشاهدين هجراه و فجّراه و كفّراه.و قوله في خبره الثاني:«شاورت المهاجرين و أمراء الأجناد» فلا بد أنّه أراد بالمهاجرين الأوّلين مثل المغيرة بن شعبة جعله فاروقهم من المهاجرين الأوّلين لمّا أراد منع زياد عن أداء شهادته في زناه حتى يبطل حدّ اللّه فيه،كما أنّه لا بدّ من أراده معاوية بن أبي سفيان بأمراء الأجناد.
و من الغريب أنّ إمامهم الثالث و ذا نوريهم يقول لأمير المؤمنين عليه السلام -في خبر إخراجه لأبي ذر من المدينة الى الربذة و مشايعته عليه السلام لأبي ذر مع حظر عثمان عن مشايعته،و إرادة مروان منعه عليه السلام عن ذلك و شتمه له عليه السلام- «لم لا يشتمك كانّك خير منه» (2)فأنكر أن يكون من كان بمنزلة نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خيرا من ذاك اللعين ابن اللعين على لسان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
و نقل ابن قتيبة في(مختلف)أخباره في جملة ما ذكره متكلّموهم في محدّثيهم أنّهم يقدحون في الشيخ يسوّي بين علي و عثمان أو يقدّم عليّا عليه السلام عليه (3).
هذا،و نظير كلامه عليه السلام في الأدب أنه لمّا ولّي خالد بن عبد اللّه القسرى بعد ابن هبيرة الفزاري الذي قال فيه الفرزدق مخاطبا يزيد بن عبد الملك الذي ولاّه:
أولّيت العراق و رافديه فزاريا أحذّ يد القميص
قال شاعر أسدي:
عجب الفرزدق من فزارة أن رأى عنها أمية بالمشارق تنزع
فلقد رأى عجبا و أحدث بعده أمر تضجّ له القلوب و تفزع
بكت المنابر من فزارة شجوها فاليوم من قسر تذوب و تجزع
و ملوك خندف أسلمونا للعدى للّه درّ ملوكنا ما تصنع
كانوا كتاركة بنيها جانبا سفها و غيرهم تصون و ترضع
«فلقد اضحكني الدهر» في قيام ابن أبي سفيان في قبالي.
«بعد ابكائه» بقيام الاولين.
و مما يبدّل البكاء بالضحك عجبا في أمر معاوية أنّ بعض النصّاب حرّف قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه:«إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»من القتل بقوله:«فاقبلوه»من القبول!أو لم ير أن الحسن البصري الذي رواه قال بعد الخبر:«فما فعلوا و لا أفلحوا»،و روى أيضا بلفظ«اذا رأيتم معاوية على منبرى فاضربوا عنقه» (1)
اخرجه عن طريق الحسن،ابن مزاحم في وقعة صفين:216 و 221،و [1]جماعة اخرى،و روى عن ابن مسعود و ابي سعيد و حذيفة و ابن جذعان أيضا.
.و كيف و روى نصر بن مزاحم في(صفّينه):أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:«انّ معاوية في تابوت في الدرك الاسفل من النار و لو لا كلمة فرعون«انا ربكم الأعلى»ما كان أحد أسفل من معاوية» (2).
و روى عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أيضا قال:«شر خلق اللّه خمسة:إبليس،و ابن آدم الذي قتل أخاه،و فرعون ذو الأوتاد،و رجل من بني اسرائيل ردّهم عن دينهم،و رجل من هذه الامّة يبايع على كفره عند باب لدّ» (1)
وقعة صفين:217. [1]
،و روى أنّ رجلا شاميا سمع ذلك من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فلمّا رأى معاوية بويع عند باب لدّ،ذكر قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فلحق بعليّ عليه السلام (2).«و لا غرو» أي:لا عجب.
«فيا له خطبا» في(المصباح):الخطب:الأمر الشديد ينزل (3).
«يستفرغ العجب» قال ابن أبي الحديد:أي:يستنفذه و يفنيه.يقول:قد صار العجب لا عجب لأنّ هذا الخطب استغرق التعجب فلم يبق منه ما يطلق عليه لفظ التعجب،و هذا من باب الاغراق و المبالغة في المبالغة-إلى أن قال- قال ابن هاني المغربي:
قد سرت في الميدان يوم طرادهم فعجبت حتى كدت أن لا أعجبا (4)
قلت:لم يعلم استعمال الاستفراغ بمعنى الافراغ،و ما قاله ركيك،و انما معنى«يستفرغ العجب»لا يدّخر منه شيئا من قولهم«فرس مستفرغ»لا يدّخر من عدوه قال الشاعر «مستفرغ كاهله اشمّ»
(5). روى ابن عبد ربه في(عقده)عن الشعبي قال:دخلت بكارة الهلاليه على معاوية بالمدينة و كانت قد اسنّت و عشي بصرها،و ضعفت قوّتها.فقال لها معاوية:قد غيّرك الدهر!قالت:كذلك هو ذو غير،من عاش كبر،و من مات قبر فقال عمرو بن العاص:هي و اللّه القائلة:
يا زيد دونك فاحتفر من درانا سيفا حساما في التراب دفينا
قد كنت أذخره ليوم كريهة فاليوم أبرزه الزمان مصونا
فقال مروان و هي القائلة:
أ ترى ابن هند للخلافة مالكا هيهات ذاك و ان أراد بعيد
منّتك نفسك في الخلاء ضلالة أغراك عمرو للشقا و سعيد
فقال سعيد بن العاص هي القائلة:
قد كنت أطمع أن اموت و لا أرى فوق المنابر من أميّة خاطبا
فاللّه أخّر مدّتي فتطاولت حتى رأيت من الزمان عجائبا
في كل يوم للزمان خطيبهم بين الجميع لآل أحمد عائبا (1)
العقد الفريد 1:293،و [1]النقل بتصرف يسير.
و في السير:لمّا دخل المعتضد برأس صاحب الزنج بغداد دخل في جيش لم ير مثله،و اشنق أسواق بغداد،و الرأس بين يديه.فلما صار بباب الطريق صاح قوم من درب من تلك الدروب«رحم اللّه معاوية»و زاد حتى علت اصوات العامّة بذلك،فتغير وجه المعتضد،و قال للعلاء بن صاعد:ألا تسمع؟ ما اعجب هذا!و ما الّذي اقتضى ذكر معاوية في هذا الوقت؟و اللّه لقد بلغ أبي الى الموت،و ما أفلتّ أنا إلاّ بعد مشارفته،و لقينا كلّ جهد و بلاء حتى أنجينا هؤلاء الكلاب من عدوّهم و حصّنا حرمهم و أولادهم،فتركوا أن يترحّموا على العباس،و عبد اللّه بن العباس،و من ولد من الخلفاء،و تركوا الترحم على علي بن ابي طالب،و حمزة و جعفر و الحسن و الحسين،و اللّه لا برحت أو أؤثّر في تأديب هؤلاء أثرا لا يعودون بعد هذا اليوم لفعل مثله.
ثم أمر بجمع النفّاطين ليحرق الناحية فقيل له:أيّها الأمير إنّ هذا اليوم من أشرف أيّام الإسلام فلا تفسده بجهل عامة لاخلاق لهم
1) 1)
و لم يزل يدارونه حتى سار (1)
رواه الآبي في نثر الدرّ [1]عنه شرح ابن أبي الحديد 2:340، [2]شرح الخطبة 126.
.و قال الطبري:تقدّم(المعتضد)الى الشرّاب و الذين يسقون الماء في الجامعين ان لا يترحّموا على معاوية،و لا يذكروه بخير-الى آخر ما ذكر (2)-.
فهل عجب فوق هذا؟هل كان السقاة و الشرّاب يترحمون عليه لأنّ جروه قتل سيد شباب أهل الجنة عطشانا؟ «و يكثر» من الاكثار.
«الاود» أي:الاعوجاج .
«حاول القوم» أي:أرادوا.
«اطفاء نور اللّه من مصباحه» أي:سراجه.
روى(قرب اسناد الحميري)عن البزنطي قال:قال لي الرضا عليه السلام:إن الناس قد جهدوا على إطفاء نور اللّه حين قبض اللّه تعالى رسوله،و أبى اللّه إلاّ أن يتمّ نوره،و قد جهد علي بن أبي حمزة على إطفاء نور اللّه حين مضى ابو الحسن عليه السلام فأبى اللّه إلاّ أن يتم نوره،و قد هداكم اللّه لأمر جهله الناس- الخبر (3).
و روى(أمالي)محمّد بن محمّد بن النعمان عن أبي الحسن علي بن محمّد البصري،عن أبي بشر أحمد بن ابراهيم،عن زكريا بن يحيى الساجي، عن عبد الجبار،عن سفيان،عن الوليد بن كثير،عن ابن الصياد،عن سعيد بن المسيّب قال:لمّا قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ارتجّت مكة بنعيه،فقال أبو قحافة:ما هذا؟قالوا:قبض رسول اللّه،قال:فمن ولي الناس بعده؟قالوا:إبنك.قال:فهل
رضيت بنو عبد شمس و بنو المغيرة؟قالوا:نعم.قال:لا مانع لما أعطى اللّه،و لا معطي لما منع اللّه.ما أعجب هذا الأمر تنازعون النبوة،و تسلّمون الخلافة إنّ هذا لشيء يراد (1)
امالي المفيد:90 ح 7،المجلس 10.
.و في(مروج المسعودي)عن(موفقيات الزبير بن بكار)الذي صنّفه للموفق عن المدائني قال:قال مطرف بن المغيرة بن شعبة:وفدت مع أبي الى معاوية فكان أبي يأتيه يتحدّث عنده ثم ينصرف إليّ فيذكر معاوية و يذكر عقله و يعجب مما يرى منه،إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء،فرأيته مغتما فانتظرته ساعة و ظننت أنّه لشيء حدث فينا أو في عملنا فقلت له:ما لي أراك مغتما منذ الليلة؟قال:يا بني!جئت من عند أخبث الناس.قلت له:و ما ذاك؟قال:
قلت له-و قد خلوت به-إنّك قد بلغت منّا يا أمير المؤمنين،فلو أظهرت عدلا و بسطت خيرا فإنك قد كبرت،و لو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم.فو اللّه ما عندهم اليوم شيء تخافه فقال لي:هيهات هيهات!ملك أخو تيم فعدل و فعل ما فعل فو اللّه ما عدا أن هلك،فهلك ذكره إلاّ ان يقول قائل أبو بكر،ثم ملك أخو عديّ فاجتهد و شمّر عشر سنين.فو اللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل عمر،ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه فعمل ما عمل و عمل به.فو اللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره و ذكر ما فعل به.و إنّ أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرّات:أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه.فأيّ عمل يبقى مع هذا لا امّ لك؟و اللّه إلاّ دفنا دفنا (2).
و صرح في كتابه الى محمد بن ابي بكر أنّ المؤسس له ذلك،الصدّيق و فاروقه،و لم يكن المقام مقام افتراء،و إلاّ لكذّبه محمّد بن أبي بكر،مع أنّه
يشهد له الاعتبار الذي كالعيان.
«و سد فواره» مصدر فار الماء،نبع و جرى.
«من ينبوعه» و الينبوع:عين الماء.قال تعالى: «حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» (1)
الاسراء:90. [1]
.روى أخطب خوارزم في(مناقبه):أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لعلي عليه السلام:اتّق الضغائن التي لك في صدور من لا يظهرها إلاّ بعد موتي،اولئك يلعنهم اللّه و يلعنهم اللاعنون-ثم بكى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقيل له ممّ بكاؤك قال:أخبرني جبرئيل أنّهم يظلمونه،و يمنعونه حقّه،و يقاتلونه،و يقاتلون ولده و يظلمونهم بعده-الخبر (2).
و في(عيون ابن قتيبة)-بعد ذكر جعل معاوية جعالة لمن قتل العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم-قال علي عليه السلام:(و اللّه لودّ معاوية أنّه ما بقي من هاشم نافخ ضرمة إلاّ طعن في نيطه إطفاء لنور اللّه، و يأبى اللّه إلاّ أن يتمّ نوره و لو كره الكافرون ) (3).
«و جدحوا بيني و بينهم شربا و بيئا» في(النهاية):الجدح أن يحرّك السويق بالماء،و يخوض حتى يستوي،و كذلك اللبن و نحوه،و المجدح:عود مجنّح الرأس تساط به الأشربة،و ربما يكون له ثلاث شعب.و منه حديث علي عليه السلام«جدحوا بيني،و بينهم شربا و بيئا» (4).
و في(المصباح):«الوباء بالهمز،مرض عام يمدّ و يقصر،و يجمع الممدود على أوبئة مثل متاع و أمتعة،و المقصور على أوباء مثل سبب
و أسباب» (1)
المصباح المنير 2:362، [1]مادة وبا.
،و عن أبي عبيدة«الشرب بالفتح مصدر،و بالخفض و الرفع اسمان من شربت» (2).روى ابن بابويه عن النضر بن مالك قال:قلت للحسين عليه السلام حدّثني عن قوله تعالى: «هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ» (3)قال:نحن و بنو اميّة اختصمنا في اللّه تعالى قلنا:صدق اللّه،و قالوا:كذب اللّه،فنحن و إيّاهم الخصمان يوم القيامة (4).
و روى الشيخ عن قيس بن سعد بن عبادة،عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:
أنا أوّل من يجثو بين يدي اللّه-عزّ و جلّ-يوم القيامة للخصومة (5).
«فان ترتفع عنّا و عنهم محن البلوى» حسب سنّة اللّه تعالى في امتحان عباده.
روى محمّد بن بابويه في خصاله عن أبي إسحاق،عن الحارث،عن محمّد بن الحنفية قال:أتى رأس اليهود علي بن أبي طالب عليه السلام عند منصرفه من وقعة النهروان و هو جالس في مسجد الكوفة فقال له:إنّي أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبي أو وصي نبي.قال:سل عمّا بدا لك يا أخا اليهود.
قال:انّا نجد في الكتاب انّ اللّه عزّ و جلّ إذا بعث نبيّا أوحى إليه أن يتّخذ من أهل بيته من يقوم بأمر أمّته بعده و أن يعهد إليهم فيه عهدا يحتذى عليه،و أنّ اللّه عزّ و جلّ يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء و بعد وفاتهم،فأخبرني كم يمتحن اللّه
الأوصياء في حياة الأنبياء،و كم يمتحنهم بعدهم،و إلى ما يصير آخر أمر الأوصياء إذا رضي محنتهم؟فقال عليه السلام:لئن اجبتك لتسلمنّ.قال:نعم.
فقال عليه السلام له:إنّ اللّه يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء في سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم،فإذا رضي طاعتهم و محنتهم أمر الأنبياء أن يتخذوهم أولياء في حياتهم و أوصياء بعد وفاتهم،و يصيّروا طاعة الأوصياء في أعناق الامم ممن يقول بطاعة الأنبياء،ثم يمتحن الأوصياء بعد وفاة الأنبياء في سبعة مواطن ليبتلي صبرهم،فإذا رضي محنتهم ختم لهم بالسعادة ليلحقهم بالأنبياء و قد أكمل لهم السعادة.قال:صدقت.
فأخبرني كم امتحنك اللّه في حياة محمّد،و كم امتحنك بعد وفاته،و إلى ما يصير آخر أمرك؟ قال:فأخذ علي عليه السلام بيده و قال:انهض بنا انبّئك بذلك.فقام إليه جماعة من أصحابه فقالوا:أنبئنا بذلك معه.فقال:إنّي أخاف أن لا تحتمله قلوبكم.
قالوا:و لم؟قال:لامور بدت لي من كثير منكم.فقام إليه الأشتر فقال:أنبئنا بذلك،فو اللّه إنّا لنعلم ما على ظهر الأرض وصيّ نبيّ سواك،و إنّا لنعلم أنّ اللّه لا يبعث بعد نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلم نبيّا سواه،و أنّ طاعتك في أعناقنا موصولة بطاعة نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلم فجلس علي عليه السلام و أقبل على اليهودي فقال:
يا أخا اليهود!إنّ اللّه عزّ و جلّ امتحنني في حياة نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلم في سبعة مواطن-فوجدني فيهن من غير تزكية لنفسي بنعمة اللّه-له مطيعا.أمّا أوّلهن:
فإنّ اللّه تعالى أوحى الى نبيّنا و أنا أحدث أهل بيتي سنّا أخدمه بين يديه و أسعى في قضاء أمره،فدعا صغير بني عبد المطلب و كبيرهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه فامتنعوا من ذلك،و هجروه،و نابذوه،و اعتزلوه،و سائر الناس مقصين له،و مخالفين عليه،قد استعظموا ما أورده عليهم ممّا لم تحتمله
قلوبهم،و لم تدركه عقولهم فأجبت نبيّنا وحدي الى ما دعا إليه مسرعا مطيعا لم يتخالجني في ذلك شك.فمكثنا بذلك ثلاث حجج و ما على وجه الأرض خلق يصلّي أو يشهد للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بما أتاه غيره و غير ابنة خويلد رحمها اللّه،و قد فعل،ثم أقبل عليه السلام على أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى.
فقال عليه السلام:و أما الثانية:فإنّ قريشا لم تزل تجيل الآراء و تعمل الحيل في قتل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتى كان آخر ما اجتمعت في ذلك،يوم دار الندوة،و إبليس حاضر في صورة أعور ثقيف.فلم تزل تضرب أمرها ظهرا لبطن حتى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كلّ فخذ من قريش رجل،ثم يأخذ كل رجل منهم سيفه.ثم يأتي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو نائم على فراشه،فيضربونه بأسيافهم جميعا ضربة واحد فيقتلوه،و إذا قتلوه منعت قريش رجالها،و لم تسلمها، فيمضي دمه هدرا.فهبط جبرئيل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأنبأه بذلك،و أخبره بالليلة الّتي يجتمعون فيها،و الساعة التي يأتون فراشه فيها،و أمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه الى الغار.فأخبرني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و أمرني أن أضطجع في مضجعه،و أقيه بنفسي،فأسرعت الى ذلك مطيعا له،مسرورا بأن أقتل دونه.فمضى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لوجهه،و اضطجعت في مضجعه، و أقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فلمّا استوى بي و بهم البيت الذي أنا فيه،ناهضتهم بسيفي فدفعتهم عن نفسي ما قد علمه اللّه و علمه الناس.ثم أقبل عليه السلام على أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى.
فقال عليه السلام:و أمّا الثالثة يا أخا اليهود:فإنّ ابني ربيعة و ابن عتبة-و كانوا فرسان قريش-دعوا إلى البراز يوم بدر فلم يبرز لهم خلق،فأنهضني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مع صاحبيّ رضي اللّه عنهما،و قد فعل و أنا أحدث أصحابي سنّا، و أقلّهم للحرب تجربة،فقتل اللّه بيدي وليدا و شيبة،سوى من قتلت من
جحاجحة قريش في ذلك اليوم،و سوى من أسرت،و كان منّي أكثر ممّا كان من أصحابي،و استشهد ابن عمي رحمة اللّه عليه في ذلك اليوم.ثم التفت عليه السلام الى أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى.
فقال عليه السلام:و أما الرابعة يا أخا اليهود:فان أهل مكّة أقبلوا إلينا على بكرة أبيهم،قد استجلبوا من يليهم من قبائل العرب و قريش،طالبين بثار مشركي قريش في يوم بدر،فهبط جبرئيل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأنبأه بذلك،فذهب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و عسكر بأصحابه في سدّ أحد،و أقبل المشركون إلينا فحملوا حملة رجل واحد،و استشهد من المسلمين من استشهد،و كان من بقي من المنهزمة،و بقيت مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و مضى المهاجرون و الأنصار الى منازلهم من المدينة كل يقول:قتل النبي،و قتل أصحابه.ثم ضرب اللّه تعالى وجوه المشركين،و قد جرحت بين يدي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نيّفا و سبعين جراحة منها هذه و هذه،ثم ألقى عليه السلام رداءه و أمرّ يده على جراحاته،و كان منّي في ذلك ما على اللّه عزّ و جلّ ثوابه إن شاء.ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:
بلى.
فقال عليه السلام:و أمّا الخامسة يا أخا اليهود:فإنّ قريشا و العرب تجمّعت و عقدت بينها عقدا و ميثاقا لا ترجع من وجهها حتّى تقتل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و تقتلنا معه معاشر بني عبد المطلب،ثم أقبلت بحدّها و حديدها حتّى أناخت علينا بالمدينة،واثقة بأنفسها في ما توجّهت له.فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأنبأه بذلك.فخندق على نفسه و من معه.فقدمت قريش فأقامت على الخندق محاصرة لنا،ترى في أنفسها القوّة و فينا الضعف،ترعد و تبرق، و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يدعوها الى اللّه عزّ و جلّ و يناشدها بالقرابة و الرحم فتأبى،و لا يزيدها ذلك إلاّ عتوّا،و فارسها و فارس العرب يومئذ عمرو بن عبد ود يهدر
كالبعير المغتلم.يدعو الى البراز و يرتجز،و يخطر برمحه مرّة،و بسيفه مرّة لا يقدم عليه مقدم،و لا يطمع فيه طامع.فأنهضني إليه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و عمّمني بيده،و أعطاني سيفه هذا-و ضرب بيده الى ذي الفقار-فخرجت إليه و نساء أهل المدينة تأنين إشفاقا علي من ابن عبد ود فقتله اللّه بيدي،و العرب لا تعدّ لها فارسا غيره،و ضربني هذه الضربة-و أومأ بيده الى هامته-فهزم اللّه قريشا و العرب بذلك و بما كان منّي فيهم من النكاية.ثم التفت عليه السلام الى أصحابه فقال:
أليس كذلك؟قالوا:بلى.
فقال:و أما السادسة يا أخا اليهود:فإنّا وردنا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مدينة أصحابك خيبر على رجال من اليهود و فرسانها،فتلقونا بأمثال الجبال من الخيل و الرجال و السلاح،كلّ ينادي و يبادر الى القتال،فلم يبرز إليهم من أصحابي أحد إلاّ قتلوه،حتّى إذا احمرّت الحدق،و دعيت الى النزال،و أهمّت كلّ امرئ نفسه،و التفت بعض أصحابي الى بعض،و كلّ يقول:يا أبا الحسن! انهض،فأنهضني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الى دارهم،فلم يبرز اليّ أحد منهم إلاّ قتلته،و لا يثبت لي فارس إلاّ طحنته،ثم شددت عليهم شدّة الليث على فريسته حتّى أدخلتهم جوف مدينتهم مسددا عليهم،فاقتلعت باب حصنهم بيدي حتّى دخلت عليهم مدينتهم وحدي،أقتل من يظهر فيها من رجالها،و أسبي من أجد من نسائها،حتّى افتتحتها وحدي،و لم يكن لي فيها معاون إلاّ اللّه وحده.ثمّ التفت عليه السلام الى أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى.
فقال عليه السلام:و أما السابعة يا أخا اليهود:فإنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما توجّه لفتح مكّة أحبّ أن يعذر إليهم،و يدعوهم الى اللّه عزّ و جلّ آخرا كما دعاهم أوّلا.
فكتب إليهم كتابا يحذّرهم فيه،و ينذرهم عذاب اللّه،و يعدهم الصفح،و يمنّيهم مغفرة ربّهم،و نسخ لهم في آخره سورة براءة ليقرأها عليهم.ثم عرض على
جميع أصحابه المضيّ به.فكلّهم يرى التثاقل فيه،فلمّا رأى ذلك ندب منهم رجلا فوجّهه به.فأتاه جبرئيل فقال:يا محمّد!لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك فأنبأني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بذلك،و وجّهني بكتابه و رسالته الى أهل مكّة،فأتيت مكّة،و أهلها من قد عرفتم ليس منهم أحد إلاّ و لو قدر أن يضع على كلّ جبل منّى إربا لفعل،و لو أن يبذل في ذلك نفسه و أهله و ولده و ماله.فبلّغتهم رسالة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قرأت عليهم كتابه،فكلّهم يلقاني بالتهديد و الوعيد،و يبدي لي البغضاء،و يظهر الشحناء من رجالهم و نسائهم،فكان منّي في ذلك ما قد رأيتم.ثم التفت عليه السلام الى أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى.
فقال عليه السلام:يا أخا اليهود!هذه المواطن التي امتحنني فيها ربي عزّ و جلّ مع نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فوجدني فيها كلّها بمنّه مطيعا،ليس لأحد فيها مثل الذي لي، و لو شئت لو صفت ذلك،و لكن اللّه عزّ و جلّ نهى عن التزكية فقالوا:صدقت و اللّه يا أمير المؤمنين،لقد أعطاك اللّه عزّ و جلّ الفضيلة بالقرابة من نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و أسعدك بأن جعلك أخاه تنزل منه بمنزلة هارون من موسى، و فضّلك بالمواقف الّتي باشرتها،و الأهوال التي ركبتها،و ذخر لك الذي ذكرت و أكثر منه ممّا لم تذكره،ممّا ليس لأحد من المسلمين مثله.يقول ذلك من شهدك منّا مع نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و من شهدك بعده.فأخبرنا بما امتحنك اللّه عزّ و جلّ بعد نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلم فاحتملته و صبرت،فلو شئنا أن نصف ذلك لوصفناه علما منّا به،إلاّ أنّا نحبّ أن نسمع منك ذلك كما سمعنا منك ما امتحنك اللّه به في حياته فأطعته فيه.
فقال عليه السلام:يا أخا اليهود إنّ اللّه عزّ و جلّ امتحنني بعد وفاة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في سبعة مواطن فوجدني فيهنّ من غير تزكية لنفسي-بمنّه و نعمته صبورا.
أما أوّلهنّ يا أخا اليهود:فإنّه لم يكن لي خاصّة دون المسلمين عامة أحد
آنس به أو أعتمد عليه أو أستنيم إليه أو أتقرب به غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
ربانّي صغيرا و بوّأني كبيرا،و كفاني العيلة و جبرني من اليتم،و أغناني عن الطلب،و وقاني المكسب،و عال لي النفس و الولد و الأهل.هذا في تصاريف أمر الدّنيا مع ما خصّني به من الدرجات التي قادتني الى معالي الحقّ عند اللّه عزّ و جلّ فنزل بي من وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما لم أكن أظنّ الجبال لو حملت عنوة كانت تنهض به،فرأيت الناس من أهل بيتي بين جازع لا يملك جزعه،و لا يضبط نفسه،و لا يقوى على حمل فادح ما نزل به،قد أذهب الجزع صبره و أذهل عقله،و حال بينه و بين الفهم و الافهام،و القول و الاستماع،و سائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معزّ يأمر بالصبر و بين مساعد باك لبكائهم جازع لجزعهم،و حملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت، و الاشتغال بما أمرني به من تجهيزه،و تغسيله و تحنيطه،و الصلاة عليه و وضعه في حفرته،و جمع كتاب اللّه و عهده الى خلقه،لا يشغلني عن ذلك بارز دمعة،و لا هائج زفرة،و لا لاذع حرقة،و لا جليل مصيبة،حتى أدّيت في ذلك الحق الواجب للّه تعالى و لرسوله علي،و بلغت منه الذي أمرني به، و احتملته صابرا محتسبا.ثم التفت عليه السلام الى أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:
بلى فقال عليه السلام.
و أما الثانية يا أخا اليهود:فإنّ رسول اللّه أمّرني في حياته على جميع أمّته،و أخذ على جميع من حضره منهم البيعة،و السمع و الطاعة لأمري، و أمرهم أن يبلّغ الشاهد الغائب ذلك،فكنت المؤدّي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمره أنّي الأمير على من حضرني منهم إذا فارقته،لا تختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شيء من الأمر في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و لا بعد وفاته،ثمّ أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بتوجيه الجيش الذي وجّهه مع اسامة بن زيد عند الذي أحدث اللّه
به المرض الذي توفّاه فيه،فلم يدع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أحدا من أفناء العرب،و لا من الأوس و الخزرج و غيرهم من ساير الناس ممّن يخاف علي نقضه و منازعته، و لا أحدا ممّن يراني بعين البغضاء ممّن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه، إلاّ وجّهه في ذلك الجيش،لتصفوا قلوب من يبقى معي،و لئلاّ يقول قائل شيئا ممّا أكرهه،و لا يدفعني دافع من الولاية،و القيام بأمر رعيّته من بعده،ثمّ كان آخر ما تكلّم به في شيء من أمر أمّته أن يمضي جيش اسامة،و لا يتخلّف عنه أحد ممّن أنهض معه،و تقدّم في ذلك أشدّ التقدّم،و أو عز فيه أبلغ الايعاز،و أكّد فيه أكثر التأكيد،فلم أشعر بعد أن قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلاّ برجال من بعث أسامة و أهل عسكره قد تركوا مراكزهم،و أخلوا مواضعهم،و خالفوا أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ما أنهضهم له و أمرهم به،و تقدّم إليه من ملازمة أميرهم، و السير معه تحت لوائه حتّى ينفذ لوجهه الذي أنفذه إليه،فخلّفوا أميرهم مقيما في عسكره،و أقبلوا يتبادرون على الخيل ركضا الى حلّ عقدة عقدها اللّه عزّ و جلّ لي و لرسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم في أعناقهم فحلّوها،و نبذ عهد عاهدوا اللّه و رسوله عليه فنكثوه،و عقدوا لأنفسهم عقدا ضجّت به أصواتهم،و اختصّت به آراؤهم،من غير مناظرة لأحد منّا بني عبد المطّلب،أو مشاركة في رأي،أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي.فعلوا ذلك و أنا بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم مشغول، و بتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود،فإنّه كان أهمّها و أحقّ ما بدئ به منها، فكان هذا-يا أخا اليهود-أقرح ما ورد على قلبي من الذي أنا فيه من عظيم الرزّية،و فاجع المصيبة،و فقد من لا خلف منه إلاّ اللّه تعالى،فصبرت عليها إذ أتت بعد أختها،على تقاربها و سرعة اتّصالها.ثم التفت عليه السلام الى أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى.
فقال عليه السلام:و أما الثالثة يا أخا اليهود:فإنّ القائم بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان
يلقاني معتذرا في كلّ أيّامه،و يلوم غيره ما ارتكبه من أخذ حقّي،و نقض بيعتي،و يسألني تحليله فكنت أقول:تنقضي أيّامه ثم يرجع إليّ حقّي الذي جعله اللّه لي عفوا هنيئا من غير أن أحدث في الإسلام،مع حدوثه و قرب عهده بالجاهليّة،حدثا في طلب حقّي بمنازعة لعلّ فلانا يقول فيها:نعم،و فلانا يقول فيها:لا.فيؤول ذلك من القول الى الفعل،و جماعة من خواصّ أصحاب محمّد عليه السلام أعرفهم بالنصح للّه و لرسوله و لكتابه و دينه يأتوني عودا و بدءا، و علانية و سرّا،فيدعونني إلى أخذ حقّي،و يبذلون أنفسهم في نصرتي ليؤدّوا إليّ بذلك بيعتي في أعناقهم،فأقول:رويدا و صبرا قليلا لعل اللّه يأتيني بذلك عفوا،بلا منازعة و لا اراقة دماء فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و طمع في الأمر بعده من ليس له بأهل.فقال كلّ قوم:منّا أمير، و ما طمع القائلون في ذلك إلاّ لتناول غيري الأمر،فلمّا دنت وفاة القائم و انقضت أيامه صيّر،الأمر بعده لصاحبه،و كانت هذه اخت أختها،و محلّها منّي مثل محلّها،و أخذا منّي ما جعله اللّه لي،فاجتمع إليّ من أصحاب محمّد ممّن مضى و ممّن بقي ممّن أخّره اللّه من اجتمع.فقالوا لي فيها مثل الّذي قالوا في اختها،فلم يعد قولي الثاني قولي الأوّل،صبرا و احتسابا،و اشفاقا من أن تفنى عصبة تألّفهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم باللّين مرة،و بالشدة اخرى،و بالإنذار مرّة، و بالسيف اخرى،حتّى لقد كان من تألّفه أحسن الناس في المسكن،و الشبع و الرّي و اللباس،و الوطاء و الدثار،و نحن أهل بيت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم لا سقوف لبيوتنا،و لا أبواب و لا ستور إلاّ الجرائد و ما أشبهها،و لا وطاء لنا و لا دثار علينا،يتداول الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا،و نطوي اللّيالي و الأيّام عامّتنا، و ربّما أتانا الشيء ممّا أفاءه اللّه علينا و صيّره لنا خاصّة دون غيرنا و نحن على ما وصفت من حالنا فيؤثر به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أرباب النعم و الأموال تألّفا منه
لهم فكنت أحقّ من لم يفرّق هذه العصبة التي ألّفها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و من لم يحملها على الخطّة التي لا خلاص لها منها دون بلاغها أو فناء آجالها،لأنّي لو نصبت نفسي فدعوتهم إلى نصرتي كانوا منّي و في أمري على احدى منزلتين:إمّا متّبع مقاتل،و إمّا مقتول ان لم يتّبع الجميع،و إمّا خاذل يكفر بخذلانه إن قصّر في نصرتي أو أمسك عن طاعتي،و قد علم اللّه أنّي منه بمنزلة هارون من موسى يحلّ بهم مخالفتي و الإمساك عن نصرتي ما أحلّ قوم موسى بأنفسهم في مخالفة هارون و ترك طاعته.فرأيت تجرّع الغصص،و ردّ أنفاس الصعداء،و لزوم الصبر حتّى يفتح اللّه لي،أو يقضي بما أحبّ،أزيد لي في حظّي،و ارفق بالعصابة التي و صفت أمرهم،و كان أمر اللّه قدرا مقدورا، و لو لم أتّق هذه الحالة ثم طلبت حقّي لكنت أولى ممّن طلبه لعلم من مضى من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و من بحضرتك منهم بأنّي كنت أكثر عددا،و أعزّ عشيرة،و أمنع رجالا،و أطوع أمرا،و أوضع حجّة،و أكثر في هذا الدّين مناقب و آثارا،لسوابقي و قرابتي و وراثتي فضلا عن استحقاقي ذلك بالوصية التي لا مخرج للعباد منها،و البيعة المتقدمة في أعناقهم ممّن تناولها،و قد قبض محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إنّ ولاية الامّة في يده و في بيته لا في يد الألى تناولوها و لا في بيوتهم،و أهل بيته الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا،أولى بالأمر من بعده من غيرهم في جميع الخصال.ثم التفت عليه السلام الى أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى.
قال:و اما الرابعة يا أخا اليهود:فإنّ القائم بعد صاحبه كان يشاورني في الامور فيصدرها عن أمري،و يناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأيي، لا أعلمه أحدا و لا يعلمه أصحابي،يناظره في ذلك غيري،و لا يطمع في الأمر بعده سواي.فلمّا أتته منيّته على فجأة بلا مرض كان قبله،و لا أمر كان أمضاه
في صحّة من بدنه لم أشكّ أنّي قد استرجعت حقّي في عافية بالمنزلة التي كنت أطلبها،و العاقبة التي كنت ألتمسها،و أنّ اللّه سيأتي بذلك على أحسن ما رجوت،و أفضل ما أمّلت،و كان من فعله أن ختم أمره بأن سمّى قوما أنا سادسهم،و لم يسوّني بواحد منهم،و لا ذكر لي حالا في وراثة الرسول،و لا قرابة و لا صهر و لا نسب،و لا لواحد منهم مثل سابقة من سوابقي،و لا أثر من آثاري،و صيّرها شورى بيننا،و صيّر ابنه فيها حاكما علينا،و أمره أن يضرب أعناق النفر الستّة الذين صيّر الأمر فيهم إن لم ينفذوا أمره،و كفى بالصبر على هذا يا أخا اليهود صبرا،فمكث القوم أيّامهم كلّها كلّ يخطب نفسه،و أنا ممسك حتّى سألوني عن أمري فناظرتهم في أيّامي و أيّامهم،و آثاري و آثارهم، و أوضحت لهم ما لم يجهلوه من وجوه استحقاقي لها دونهم،و ذكّرتهم عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إليهم،و تأكيد ما أكّده من البيعة لي في أعناقهم،فدعاهم حبّ الإمارة،و بسط الأيدي و الألسن في الأمر و النهي،و الركون الى الدّنيا، و الاقتداء بالماضين قبلهم،الى تناول ما لم يجعل اللّه لهم،فإذا خلوت بواحد ذكّرته أيّام اللّه،و حذّرته ما هو قادم عليه و صائر إليه،التمس منّي شرطا أن أصيّرها له بعدي فلمّا لم يجدوا عندي إلاّ المحجّة البيضاء،و الحمل على كتاب اللّه عزّ و جلّ و وصيّة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إعطاء كلّ امرئ منهم ما جعله اللّه له، و منعه مما لم يجعله اللّه له،أزالها عنّي الى ابن عفّان طمعا في الشحيح.
ثم لم أعلم القوم أمسوا من يومهم ذلك حتّى ظهرت ندامتهم،و نكصوا على أعقابهم،و أحال بعضهم على بعض،كلّ يلوم نفسه و يلوم أصحابه،ثم لم تطل الأيام بالمستبدّ بالأمر حتّى أكفروه،و تبرّءوا منه.فكانت هذه يا أخا اليهود أكبر من اختها و أفظع فنالني منها الّذي لا يبلغ و صفه،و لم يكن عندي إلاّ الصبر على ما هو أمضّ منها،و لقد أتاني الباقون من الستّة من يومهم كلّ
راجع عمّا كان ركب منّي يسألني خلع ابن عفّان،و الوثوب عليه و أخذ حقّي، و يعطيني صفقته و بيعته على الموت تحت رايتي،أو يرد اللّه عزّ و جلّ علي حقي،فو اللّه يا أخا اليهود!ما منعني منها إلاّ الذي منعني من اختيها قبلها، و رأيت الإبقاء على من بقي من الطائفة أبهج لي و آنس لقلبي من فنائها،و علمت أنّي إن حملتها على دعوة الموت ركبته.فأمّا نفسي فقد علم من حضر ممّن ترى و من غاب من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّ الموت عندي بمنزلة الشربة الباردة في اليوم الشديد الحرّ من ذي العطش الصديّ،و لقد كنت عاهدت اللّه عزّ و جلّ أنا و عمّي حمزة و أخي جعفر و ابن عمّي عبيدة عهدا وفينا به للّه عزّ و جلّ و لرسوله،فتقدّمني أصحابي و تخلّفت بعدهم لما أراد اللّه عزّ و جلّ فأنزل اللّه تعالى فينا «رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً» (1)
الاحزاب:23. [1]
حمزة و جعفر و عبيدة من قضى نحبه و أنا و اللّه المنتظر،و ما بدّلت تبديلا و ما سكّتني عن ابن عفان و حثّني على الإمساك عنه إلاّ أنّي عرفت من و أخي جعفر و ابن عمّي عبيدة عهدا و فينا به للّه عزّ و جلّ و لرسوله،فتقدّمني أصحابي و تخلّفت بعدهم لما أراد اللّه عزّ و جلّ فأنزل اللّه تعالى فينا «رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً» (2)حمزة و جعفر و عبيدة من قضى نحبه و أنا و اللّه المنتظر،و ما بدّلت تبديلا و ما سكّتني عن ابن عفان و حثّني على الإمساك عنه إلاّ أنّي عرفت من أخلاقه في ما اختبرت منه بما لن يدعه حتّى يستدعي الأباعد إلى قتله و خلعه،فضلا عن الأقارب،و أنا في عزلة.فصبرت حتّى كان ذلك،لم أنطق فيه بحرف من«لا»و لا«نعم»ثمّ أتاني القوم و أنا-علم اللّه-كاره،لمعرفتي بما تطامعوا به من اعتقاد الأموال و المرح في الأرض،و علمهم بأنّ تلك ليست لهم عندي و شديد عادة منتزعة فلمّا لم يجدوا عندي تعلّلوا الأعاليل.ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه.فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى.
فقال عليه السلام و أما الخامسة:فإنّ المتابعين لي لمّا لم يطمعوا في تلك منّي، و ثبوا بالمرأة علي،و أنا وليّ أمرها و الوصي عليها،فحملوها على الجمل، و شدّوها على الرحال،و أقبلوا بها تخبط الفيافي و تقطع البراري،و تنبح عليها كلاب الحوأب.و تظهر لهم علامات الندم في كلّ ساعة،و عندي كلّ حال،في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الاولى في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،حتّى أتت أهل بلدة قصيرة أيديهم،طويلة لحاهم،قليلة عقولهم،عازبة آراؤهم.
فأخرجتهم يخبطون بسيوفهم من غير علم،و يرمون بسهامهم بغير فهم، فوقعت من أمرهم على اثنتين كلتاهما في محله المكروه،ممّن إن كففت لم يرجع و لم يعقل،و إن كنت أقمت قد صرت إلى الّتي كرهت،فقدّمت الحجّة بالإعذار و الإنذار،و دعوت المرأة إلى الرجوع إلى بيتها،و القوم الّذين حملوها إلى الوفاء ببيعتهم لي و الترك لنقض عهد اللّه عزّ و جلّ فيّ،و أعطيتهم من نفسي كلّ الّذي قدرت عليه،و ناظرت بعضهم فرجع،و ذكرته فذكر،ثم أقبلت على الناس بمثل ذلك،فلم يزدادوا إلاّ جهلا و تماديا و غيّا،فلّما أبوا إلاّ هي ركبتها منهم فكانت عليهم الدبرة و بهم الهزيمة،و لهم الحسرة،و فيهم الفناء و القتل، و حملت نفسي على الّتي لم أجد بدّا،منها و أظهرته آخرا مثل الّذي و سعني منه أوّلا من الإغضاء و الإمساك،و رأيتني إن أمسكت كنت معينا لهم علي بإمساكي على ما صاروا إليه و طمعوا فيه،من تناول الأطراف،و سفك الدماء، و قتل الرعية،و تحكيم النساء النواقص العقول و الحظوظ على كلّ حال،كعادة بني الأصفر و من مضى من ملوك سبأ و الامم الخالية.فأصير إلى ما كرهت أوّلا و آخرا،و قد أهملت المرأة و جندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من
الناس،و لم أهجم على الأمر إلاّ بعد ما قدمت و أخرت،و تأنيت و راجعت، و أرسلت و سافرت،و أعذرت و أنذرت،و أعطيت القوم كلّ شيء يلتمسوه بعد ان عرضت عليهم كلّ شيء لم يلتمسوه،فلمّا أبوا إلاّ تلك أقدمت عليها،فبلغ اللّه بي و بهم ما أراد،و كان بي عليهم بما كان منّي إليهم شهيدا.ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى.
فقال عليه السلام:و أما السادسة يا أخا اليهود:فمحاربة ابن آكلة الأكباد،و هو طليق ابن طليق،معاند للّه عزّ و جلّ و لرسوله و للمؤمنين،منذ بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أن فتح اللّه عليه مكّة عنوة،فأخذت بيعته و بيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم و في ثلاثة مواطن بعده،و أبوه بالأمس أوّل من سلّم علي بإمرة المؤمنين،و جعل يحثّني على النهوض في أخذ حقّي من الماضين قبلي،يجدّد لي بيعته كلّما أتاني،و أعجب العجب انّه لمّا رأى ربي تعالى قد ردّ إليّ حقّي و أقرّه في معدنه،و انقطع طعمه أن يصير في دين اللّه رابعا،و في أمانة اللّه حاكما،كرّ على العاصي ابن العاص طمعه فاستماله فمال علي،ثم أقبل به بعد أن أطعمه مصر،و حرام عليه أن يأخذ من الفيء دون قسمه درهما،و حرام على الراعي إيصال درهم إليه فوق حقّه،فأقبل يخبط البلاد بالظلم،و يطأها بالفتن،فمن تابعه أرضاه،و من خالفه ناواه ثم توجّه إليّ ناكثا علينا،مغيرا في البلاد شرقا و غربا و يمينا و شمالا،و الأنباء تأتيني،و الأخبار ترد علي بذلك، فأتاني أعور ثقيف فأشار علي أن أولّيه البلاد الّتي هو بها لا داريه بما أولّيه منها،و في الّذي أشار به الرأي في أمر الدنيا لو وجدت عند اللّه عزّ و جلّ في توليته لي مخرجا،و أصبت لنفسي في ذلك عذرا.فأعملت الرأي في ذلك، و شاورت من أثق بنصيحته للّه عزّ و جلّ و لرسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم ولي و للمؤمنين، فكان رأيه في ابن آكلة الأكباد كرأيي،ينهاني عن توليته،و يحذّرني أن أدخل
في أمر المسلمين يده،و لم يكن اللّه ليراني متّخذ المضلّين عضدا.فوجّهت إليه أخا بجيلة مرّة،و أخا الأشعريّين اخرى،كلاهما ركن إلى الدّنيا،و تابع هواه في ما أرضاه،فلمّا لم أره يزداد في ما انتهك من محارم اللّه إلاّ تماديا،شاورت من معي من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم البدريّين،و الّذين ارتضى اللّه عزّ و جلّ أمرهم و رضي عنهم بعد بيعتهم،و غيرهم من صلحاء المسلمين و التابعين،فكل يوافق رأيه رأيي في غزوته و محاربته و منعه ممّا نالت يده،و إني نهضت إليه بأصحابي،و أنفذ إليه من كلّ موضع كتبي،و اوجّه إليه رسلي أدعوه إلى الرجوع عمّا هو فيه و الدخول في ما فيه الناس معي.فكتب يتحكم علي و يتمنّى علي الأماني،و يشترط علي شروطا لا يرضاها اللّه تعالى و رسوله و لا المسلمون،و يشترط في بعضها أن أدفع إليه أقواما من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم أبرارا فيهم عمّار بن ياسر و أين مثل عمّار!و اللّه لقد رأيتنا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ما يعدّ منّا خمسة إلاّ كان سادسهم،و لا أربعة إلاّ كان خامسهم،اشترط دفعهم إليه ليقتلهم و يصلبهم بما انتحل دم عثمان،و لعمر اللّه ما ألّب على عثمان و لا جمع الناس على قتله إلاّ هو و أشباهه من أهل بيته أغصان الشجرة الملعونة في القرآن،فلمّا لم أجب إلى ما اشترط من ذلك،كرّ مستعليا في نفسه لطغيانه و بغيه،بحمير لا عقول لهم و لا بصائر،فموّه لهم أمرا فاتّبعوه،و أعطاهم من الدنيا ما أمالهم به إليه،فناجزناهم،و حاكمناهم إلى اللّه عزّ و جلّ بعد الإعذار و الإنذار.فلمّا لم يزده ذلك إلاّ تماديا و بغيا،لقيناه بعادة اللّه التي عوّدناه من النصر على أعدائه،و راية النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بأيدينا،لم يزل اللّه يفل حزب الشيطان بها حتّى يقضي الموت،و هو معلم رايات أبيه الّتي لم أزل اقاتلها مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في كلّ المواطن.فلم يجد من الموت منجى إلاّ الهرب.فركب فرسه،و قلب رايته،لا يدري كيف يحتال.فاستعان برأي ابن العاص فأشار
عليه بإظهار المصاحف،و رفعها بأعلى الأعلام و الدعاء إلى ما فيها و قال:إنّ ابن أبي طالب و حزبه أهل بصائر و رحمة،و قد دعوك إلى كتاب اللّه أولا و هم مجيبوك إليه آخرا،فأطاعه في ما أشار به عليه،إذ رأى انّه لا منجى له من القتل أو الهرب غيره،فرفع المصاحف يدعو إلى ما فيها بزعمه،فمالت إلى المصاحف قلوب من بقي من أصحابي بعد فناء أخيارهم،و جهدهم في جهاد أعداء اللّه على بصائرهم،و ظنّوا أنّ ابن آكلة الأكباد له الوفاء بما دعا إليه، فأصغوا إلى دعوته،و أقبلوا بأجمعهم في إجابته،فأعلمتهم أنّ ذلك مكر منه و من ابن العاص،و أنّهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء،فلم يقبلوا قولي، و لم يطيعوا أمري،و أبوا إلاّ إجابته،كرهت أم هويت،شئت أو أبيت،حتّى أخذ بعضهم يقول لبعض:إن لم يفعل فألحقوه بابن عفّان أو ادفعوه إلى ابن هند برمته،فجهدت-علم اللّه-جهدي،و لم أدع غلّة في نفسي إلاّ بلغتها في أن يخلّوني و رائي فلم يفعلوا،و راودتهم على الصبر على مقدار فواق الناقة أو ركضة الفرس،فلم يجيبوا،ما خلا هذا الشيخ-و أشار بيده إلى الأشتر- و عصبة من أهل بيتي،فو اللّه ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان-و أومأ بيده إلى الحسن و الحسين عليهما السلام-فيقطع نسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ذرّيته من امّته،و مخافة أن يقتل هذا و هذا-و أومأ بيده إلى عبد اللّه بن جعفر و محمّد بن الحنفية-فإني أعلم لو لا مكاني لم يقفا ذلك الموقف، فلذلك صبرت على ما أراد القوم،مع ما سبق فيه من علم اللّه عزّ و جلّ.
فلمّا رفعنا عن القوم سيوفنا،تحكّموا في الامور،و تخيّروا الأحكام و الآراء،و تركوا المصاحف،و ما دعوا إليه من حكم القرآن،و ما كنت أحكّم في دين اللّه أحدا إذ كان التحكيم في ذلك الخطأ الذي لا شكّ فيه و لا امتراء،فلمّا أبوا إلاّ ذلك أردت أن أحكّم رجلا من أهل بيتي،أو رجالا ممّن أرضى رأيه و عقله،
و أثق بنصيحته و مودّته و دينه،و أقبلت لا أسمّي أحدا إلاّ امتنع منه ابن هند،و لا أدعوه إلى شيء من الحقّ إلاّ أدبر عنه،و أقبل ابن هند يسومنا عسفا،و ما ذلك إلاّ باتّباع أصحابي له على ذلك،فلمّا أبوا إلاّ غلبتي على التحكيم،تبرّأت إلى اللّه تعالى منهم،و فوّضت ذلك إليهم،فقلّدوه امرأ،فخدعه ابن العاص خديعة ظهرت في شرق الأرض و غربها،و أظهر المخدوع عليه ندما.
ثمّ أقبل عليه السلام على أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى.
قال عليه السلام:و أما السابعة يا أخا اليهود:فإنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان عهد إلي أن أقاتل في آخر الزمان من أيّامي قوما من أصحابي يصومون النهار،و يقومون الليل،و يتلون الكتاب،يمرقون بخلافهم علي،و محاربتهم إيّاي من الدّين مروق السهم من الرمية،فيهم ذو الثديّة،يختم لي بقتلهم بالسعادة.فلمّا انصرفت إلى موضعي هذا أقبل بعض القوم على بعض باللاّئمة في ما صاروا إليه من تحكيم الحكمين،فلم يجدوا لأنفسهم من ذلك مخرجا إلاّ أن قالوا:كان ينبغي لأميرنا أن لا يبايع من أخطأ،و أن يقضي بحقيقة رأيه على نفسه و قتل من خالفه منّا،فقد كفر بمتابعته إيّانا و طاعته لنا في الخطأ،و أحلّ لنا بذلك قتله و سفك دمه فتجمّعوا على ذلك،و خرجوا راكبين رؤوسهم ينادون بأعلى أصواتهم:لا حكم إلاّ للّه،ثم تفرّقوا فرقة بالنخيلة،و اخرى بحروراء،و اخرى راكبة رأسها تخبط الأرض شرقا حتّى عبرت دجلة،فلم تمرّ بمسلم إلاّ امتحنته،فمن تابعها استحيته،و من خالفها قتلته،فخرجت إلى الأوليين واحدة بعد اخرى،أدعوهم إلى طاعة اللّه عزّ و جلّ و الرجوع إليه،فأبيا إلاّ السيف،فلمّا أعيت الحيلة فيهما حاكمتهما إلى اللّه عزّ و جلّ فقتل اللّه هذه و هذه، و كانوا-يا أخا اليهود-لو لا ما فعلوا لكانوا ركنا قويّا و سدّا منيعا،فأبى اللّه إلاّ ما صاروا إليه،ثم كتبت إلى الفرقة الثالثة و وجّهت رسلي تترى و كانوا من
جلّة أصحابي،و أهل التعبّد منهم و الزهد في الدنيا،فأبت إلاّ اتّباع اختيها، و الاحتذاء على مثالهما،و أسرعت في قتل من خالفها من المسلمين،و تتابعت إليّ الأخبار بفعلهم،فخرجت حتّى قطعت إليهم دجلة،اوجّه السفراء و النصحاء،و أطلب العتبى بجهدي،بهذا مرّة و بهذا مرّة-و أومأ بيده إلى الأشتر و الأحنف بن قيس و سعيد بن قيس الأرحبيّ و الأشعث بن قيس الكندي-فلمّا أبوا إلاّ تلك،ركبتها منهم فقتلهم اللّه يا أخا اليهود عن آخرهم، و هم أربعة آلاف أو يزيدون،حتّى لم يفلت منهم مخبر،فاستخرجت ذا الثديّة من قتلاهم بحضرة من ترى له ثديّ كثديّ المرأة.
ثم التفت إلى أصحابه فقال:أليس كذلك؟قالوا:بلى.
فقال عليه السلام:فقد وفيت سبعا و سبعا،و بقيت الاخرى و أوشك بها.فقالوا:
أخبرنا بالاخرى.فقال:أن تخضب هذه-و أومأ بيده إلى لحيته-من هذه -و أومأ بيده إلى هامته-و ارتفعت أصوات الناس بالضجّة و البكاء حتّى لم يبق بالكوفة دار إلاّ خرج أهلها فزعا،و أسلم رأس اليهود على يديه من ساعته،و لم يزل مقيما معه عليه السلام حتّى قتل عليه السلام و أخذ ابن ملجم،فأقبل رأس اليهود فقال للحسن عليه السلام:اقتله قتله اللّه،فإنّي رأيت في الكتب الّتي انزلت على موسى عليه السلام:
أنّ هذا أعظم جرما من ابن آدم قاتل أخيه،و من قيدار عاقر ناقة ثمود (1)
أخرجه الصدوق في الخصال 2:364 ح 58،باب السبعة،بالسند المذكور و بسنده عن جابر الجعفي عن الامام الباقر عليه السلام،و النقل بتصرف في اللفظ.
.قلت:و هو خبر متين لكن كأنّه وقع في بعض مواضعها تقديم و تأخير و في بعضها خلط.فلم يذكر في التاريخ إرساله عليه السلام أشعريا إلى معاوية.
«احملهم من الحقّ على محضه» قال المفيد:و قوله عليه السلام«فان ترتفع عنّا و عنهم محن البلوى أحملهم من الحقّ على محضه»أدلّ دليل على انّه عليه السلام لم
1) 1)
يستقرّ به الأمر،و لم يتمكن من إنفاذ حكم من الأحكام (1)
نقله عن العيون و المحاسن [1]للمفيد الشريف المرتضى في الفصول المختاره 1:47،و [2]النقل بتصرف يسير.
.قلت:و قد أقر عمر بكونه عليه السلام لو كان له تمكن يحمل الناس على محض الحق فقال حين وفاته مخاطبا له عليه السلام من ستّة الشورى«و أنّك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحقّ المبين و الصراط المستقيم » (2).
«و ان تكن الاخرى» و لم ترتفع المحن،و لم أتمكن من حملهم على الحق.
«فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ» اقتباس من قوله تعالى في الآية الثامنة من سورة فاطر.
روى(الكافي):أنّه عليه السلام خطب الناس بالمدينة.فقال:أيّها الامة الّتي خدعت فانخدعت،و عرفت خديعة من خدعها،فأصرّت على ما عرفت، و اتبعت أهواءها و ضربت في عشواء غوايتها،و قد استبان لها الحق فصدّت عنه،و الطريق الواضح فتنكّبته-إلى أن قال-عمّا قليل تحصدون جميع ما زرعتم،و تجدون و خيم ما اجترمتم و ما اجتلبتم-الخبر (3).
و في(تاريخ اليعقوبي):أتى قيس بن سعد بن عبادة معاوية.فقال له معاوية:بايع،فقال قيس:إن كنت لأكره مثل هذا اليوم يا معاوية!لقد حرصت أن افرّق بين روحك و جسدك قبل ذلك،فأبى اللّه يا ابن أبي سفيان إلاّ ما أحبّ.
ثم أقبل قيس على الناس فقال:(يا معشر الناس!لقد اعتضتم الشرّ من الخير، و استبدلتم الذلّ من العزّ،و الكفر من الايمان،فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين،و سيّد المرسلين،و ابن عمّ رسول ربّ العالمين،قد وليكم الطليق ابن الطليق،يسومكم الخسف،و يسير فيكم بالعسف،فكيف تجهل ذلك
أنفسكم؟أم طبع اللّه على قلوبكم و أنتم لا تعقلون).فجثا معاوية على ركبتيه ثم أخذ بيده و قال:أقسمت عليك.ثم صفق على كفّه و نادى الناس بايع قيس فقال:كذبتم و اللّه ما بايعت (1)
تاريخ اليعقوبي 2:216،و [1]النقل بتلخيص.
.هذا،و قال البحتري في قتل بني حميد:
و لا عجب للأسد أن ظفرت بها كلاب الأعادي من فصيح و أعجم
فحربة وحشي سقت حمزة الردى و موت علي من حسام ابن ملجم
و الظاهر أنّ قوله«من فصيح و أعجم»متعلّق بقوله«و لا عجب».
الكتاب(64)
و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا:
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَ أَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ- مِنَ الْأُلْفَةِ وَ الْجَمَاعَةِ- فَفَرَّقَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَ كَفَرْتُمْ- وَ الْيَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَ فُتِنْتُمْ- وَ مَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلاَّ كَرْهاً- وَ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْفُ الْإِسْلاَمِ كُلُّهُ؟لِرَسُولِ اللَّهِ ص؟ حَرْباً- وَ ذَكَرْتَ أَنِّي قَتَلْتُ؟طَلْحَةَ؟ وَ؟الزُّبَيْرَ؟- وَ شَرَّدْتُ؟بِعَائِشَةَ؟ وَ نَزَلْتُ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ- وَ ذَلِكَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلاَ عَلَيْكَ وَ لاَ الْعُذْرُ فِيهِ إِلَيْكَ- وَ ذَكَرْتَ أَنَّكَ زَائِرِي فِي جَمْعِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ- وَ قَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ يَوْمَ أُسِرَ أَخُوكَ- فَإِنْ كَانَ فِيكَ عَجَلٌ فَاسْتَرْفِهْ- فَإِنِّي إِنْ أَزُرْكَ فَذَلِكَ جَدِيرٌ- أَنْ يَكُونَ اللَّهُ إِنَّمَا بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِلنِّقْمَةِ مِنْكَ- وَ إِنْ تَزُرْنِي فَكَمَا قَالَ أَخُو؟بَنِي أَسَدٍ؟- مُسْتَقْبِلِينَ رِيَاحَ الصَّيْفِ تَضْرِبُهُمْ بِحَاصِبٍ بَيْنَ أَغْوَارٍ وَ جُلْمُودِ
1) 1)
فَإِنَّكَ وَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ الْأَغْلَفُ الْقَلْبِ الْمُقَارِبُ الْعَقْلِ- وَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَكَ- إِنَّكَ رَقِيتَ سُلَّماً أَطْلَعَكَ مَطْلَعَ سُوءٍ عَلَيْكَ لاَ لَكَ- لِأَنَّكَ نَشَدْتَ غَيْرَ ضَالَّتِكَ وَ رَعَيْتَ غَيْرَ سَائِمَتِكَ- وَ طَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَ لاَ فِي مَعْدِنِهِ- فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَكَ مِنْ فِعْلِكَ- وَ قَرِيبٌ مَا أَشْبَهْتَ مِنْ أَعْمَامٍ وَ أَخْوَالٍ- حَمَلَتْهُمُ الشَّقَاوَةُ وَ تَمَنِّي الْبَاطِلِ عَلَى الْجُحُودِ؟بِمُحَمَّدٍ ص؟- فَصُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَيْثُ عَلِمْتَ- لَمْ يَدْفَعُوا عَظِيماً وَ لَمْ يَمْنَعُوا حَرِيماً- بِوَقْعِ سُيُوفٍ مَا خَلاَ مِنْهَا الْوَغَى- وَ لَمْ تُمَاشِهَا الْهُوَيْنَى أقول:قال ابن أبي الحديد:كتاب معاوية الّذي كان كتابه عليه السلام هذا جوابه «من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب.أما بعد،فإنّا بني عبد مناف لم نزل ننزع من قليب واحد،و نجري في حلبة واحدة،ليس لبعضنا على بعض فضل،و لا لقائمنا على قاعدنا فخر.كلمتنا مؤتلفة،و الفتنا جامعة،و دارنا واحدة،يجمعنا كرم العرق،و يحوينا شرف النجار،و يحنو قويّنا على ضعيفنا،و يواسي غنيّنا فقيرنا،فقد خلصت قلوبنا من دغل الحسد،و طهرت أنفسنا من خبث التخية.فلم نزل كذلك.حتّى كان منك ما كان من الإدهان في أمر ابن عمك و الحسد له،و تضريب الناس عليه.حتى قتل بمشهد منك.لا تدفع عنه بلسان و لا يد،فليتك أظهرت نصره حيث أسررت خشره.فكنت كالمتعلّق بين الناس بعذر و إن ضعف،و المتبرّي من دمه بدفع و ان وهن،و لكنّك جلست في دارك تدسّ إليه الدواهي و ترسل إليه الأفاعي.حتّى إذا قضيت و طرك منه أظهرت شماتة،و أبديت طلاقة،و حسرت للأمر عن ساعدك،و شمّرت عن ساقك،و دعوت الناس إلى نفسك،و أكرهت أعيان المسلمين على بيعتك،ثم كان منك بعد ما كان من قتلك شيخي المسلمين أبي محمّد و طلحة،و أبي
عبد اللّه الزبير و هما من الموعودين بالجنّة و المبشّر.قاتل أحدهما بالنار في الآخرة،و تشريدك بأم المؤمنين عائشة و احلالها محل الهون.مبتذلة بين الأعراب،و فسقة أهل الكوفة،فمن بين منتهد لها و ساخر منها.أ ترى ابن عمّك كان بهذا لو رآه راضيا؟أم كان يكون عليه ساخطا،و لك عنه زاجرا،أن تؤذي أهله،و تشرّد بحليلته،و تسفك دماء أهل ملّته.ثم تركك دار الهجرة الّتي قال رسول اللّه عنها«انّ المدينة لتنفي خبثها.كما ينفي الكير خبث الحديد»فلعمري لقد صدق و عده و صدق قوله،و لقد نفت خبثها،و طردت عنها من ليس بأهل أن يستوطنها،فأقمت بين المصرين،و بعدت عن بركة الحرمين،و رضيت بالكوفة بدلا من المدينة،و بمجاورة الخورنق و الحيرة عوضا من مجاورة خاتم النبوّة،و من قبل ذلك،ما عيّبت خليفتى رسول اللّه أيّام حياتهما.فقعدت عنهما،و ألببت عليها و امتنعت من بيعتهما،و رمت أمرا لم يرك اللّه له أهلا، و رقيت سلّما و عرا،و حاولت مقاما دحصا و ادّعيت ما لم تجد عليه ناصرا، و لعمري لو وليتها حينئذ لما ازدادت إلاّ فسادا و اضطرابا،و لا أعقبت و لا يتكها إلاّ انتشارا و ارتدادا.لأنّك الشامخ بأنفه،الذاهب بنفسه،المستطيل على الناس بلسانه و يده،و ها أنا سائر اليك في جمع من المهاجرين و الأنصار،تحفّهم سيوف شاميّة،و رماح قحطانية،حتّى يحاكموك إلى اللّه،فانظر لنفسك و المسلمين،و ادفع إليّ قتلة عثمان.فإنّهم خاصّتك و خلصاؤك،و المحدقون بك،فإن أبيت الاّ سلوك سبيل اللجاج،و الإصرار على الغيّ و الضلال،فاعلم أنّ هذه الآية نزلت فيك،و في أهل العراق معك: «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذاقَهَا اللّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ» (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:201،و [1]النقل بتصرف يسير،و الآية 112 من سورة النحل. [2]
.1) 1)
قلت:و روى ابن قتيبة ابن قتيبة-الإمامة و السياسة-ج 1 ص 80 في(خلفائه)كتاب معاوية،و جواب أمير المؤمنين عليه السلام.مع اختلاف.فقال:لمّا استقام أمر الشام على معاوية،و بايعوه كتب إلى علي عليه السلام«أما بعد!فإنّا كنّا نحن و إيّاكم يدا جامعة و الفة أليفة،حتّى طمعت يا ابن أبي طالب.فتغيرت،و أصبحت تعدّ نفسك قويّا على من عاداك بطغام أهل الحجاز،و أوباش أهل العراق،و حمقى الفسطاط،و غوغاء السواد و أيم اللّه لينجلين عنك حمقاها،و لينقشعن عنك غوغاؤها انقشاع السحاب عن السماء.قتلت عثمان بن عفان و رقيت سلّما.اطلعك اللّه عليه مطلع سوء عليك لا لك،و قتلت الزبير و طلحة،و شردت بامّك عائشة،و نزلت بين المصرين.
فمنّيت و تمنيت،و خيّل لك أنّ الدنيا قد سخّرت لك بخيلها و رجلها،و انّما تعرف امنيتك لو قد زرتك في المهاجرين من أهل الشام بقية الإسلام، فيحيطون بك من ورائك،ثم يقضي اللّه علمه فيك،و السلام على أوليائه».
فأجابه علي عليه السلام«أما بعد فقدّر الامور تقدير من ينظر لنفسه دون جنده،و لا يشتغل بالهزل من قوله.فلعمري لئن كانت قوّتي بأهل العراق أوثق عندي من قوّتي باللّه،و معرفتي به.ليس عنده باللّه تعالى يقين من كان على هذا،فناج نفسك مناجاة من يستغني بالجد دون الهزل،فإنّ في القول سعة، و لن يعذر مثلك في ما طمح إليه الرجال،و امّا ما ذكرت من انّا كنّا و إيّاكم يدا جامعة.فكنّا كما ذكرت.ففرّق بيننا و بينكم أنّ اللّه بعث رسوله منّا،فآمنّا به و كفرتم.ثم زعمت أنّي قتلت طلحة و الزبير.فذلك أمر غبت عنه،و لم تحضره، و لو حضرته لعلمته.فلا عليك،و لا العذر فيه اليك،و زعمت انّك زائري في المهاجرين و قد انقطعت الهجرة حين أسر أخوك.فإن يك فيك عجل فاسترقه و كان أزرك فجدير أن يكون اللّه بعثني عليك للنقمة منك» (1)
الإمامة و السياسة 1:80. [1]
.1) 1)
و أما قوله عليه السلام في الكتاب«و انك و اللّه ما علمت إلاّ غلف القلب.المقارب العقل»فجزء كتاب آخر منه عليه السلام رواه المدائني المدائني-كتاب المدائني- ،و كذلك قوله عليه السلام«و قريب ما أشبهت من أعمام و أخوال»إلى آخره كما تراه في شرح(32)من الكتب (1)
يأتي في العنوان 4 من الفصل الثاني و العشرين.
.و الظاهر انّ المصنّف جمع بينهما و بين ما في الكتاب لكونها في موضوع واحد،و ان كان احتمال وقوفه على رواية جامعة للجميع أيضا غير بعيد.
قول المصنّف «و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا» هكذا في (المصرية)و فيها سقط.فزاد(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (2)بعده «عن كتابه».
«أما بعد فانّا كنّا نحن و أنتم على ما ذكرت من الالفة و الجماعة» الأصل في ذكر معاوية كونهم على الالفة و الجماعة حتّى فرّق هو بينهم،قول أبي جهل للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم،فإنّه كان يقول:إنّ قريشا كانوا بجميع طوائفهم على الالفة حتّى فرّق بينهم محمّد.
«ففرّق بيننا و بينكم أمس أنّا آمنّا و كفرتم،و اليوم انّا استقمنا و فتنتم» لمّا غالط معاوية.لمّا أراد أن يجعل نفسه في عداده عليه السلام بانّ بني هاشم و بني اميّة كلّهم بنو عبد مناف،و لم يكن بينهم فرق إلى أن كان الإدهان منه في أمر عثمان كما عرفت من كتابه،و الأصل في مغالطته قول عمر يوم الشورى لمّا أراد أن يسوّي بين عثمان الّذي كانت سوابقه أيّام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الدفاع عن بني امية أعداء اللّه،و أعداء رسوله و دينه كما كانت لواحقه في ايّامه احداثه الّتي ألجأت المسلمين إلى قتله،و بين أمير المؤمنين عليه السلام الّذي كان بمنزلة نفس
النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنصّ القرآن،و بمشاهدة العيان-بكونهما من بني عبد مناف و لا يلحقهما ابن عوف الّذي من زهرة-بيّن عليه السلام عن مغالطة معاوية بأنّه فرّق بينهما انّ اللّه تعالى بعث نبيّه من بني هاشم فاتّبعه أهل بيته،و في رأسهم هو عليه السلام فآمن به ساعة بعثه،و عاداه بنو امية،و في رأسهم أبوه و هو.كما تبعهما بعد ذلك ذووه مع تصدّيهم لعنوان خلافة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
و في(الطبري):أنّ أبا بكر الهذلي قال للمنصور:أنّ الفرزدق حضر الوليد بن يزيد،و قد اصطلح مع ندمائه.فقال لابن عائشة:تغنّ بشعر ابن الزبعرى في احد:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
و قتلنا الضعف من ساداتهم و عدلنا ميل بدر فاعتدل
فقال:لا اغنّي.فقال:غنّه،و إلاّ جدّعت لهواتك،فغنّاه،فقال:أحسنت و اللّه انّه لعلى دين ابن الزبعري يوم قال هذا الشعر (1)
تاريخ الطبري 6:337،سنة 158. [1]
.و الأصل في كلام الوليد ابنه يزيد يوم جيء إليه برأس سيّد شباب أهل الجنّة أبي عبد اللّه عليه السلام.فتمثّل بأبيات ابن الزبعرى و زاد عليها:
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء و لا وحي نزل
لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل
و يقال لمعاوية:على قولك،و قول فاروقكم الّذي هيّأ لك ذاك المقام لا فرق بين النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و بين أبي سفيان لكون كلّ منهما من بني عبد مناف بل كون أبي سفيان أشرف من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لكونه أوقر في صدور قريش.
و أما قول معاوية في نسبة الإدهان إليه عليه السلام في أمر عثمان حتى قتل بمشهد منه،و لم يدفع عنه بيد و لا لسان فلا ننكره،و يكفي ذلك عثمان خزيا،
1) 1)
و كونه شاهدا على إباحة دمه.
و كيف ينكر و قاتلوه كانوا خواصّه عليه السلام و يجهرون بكونه كافرا و مباح الدم،و منه يظهر أنّ ما قالوا إنّه عليه السلام أرسل ابنه الحسن عليه السلام للدفاع عن عثمان، و أنّه عليه السلام لما سمع بقتله جاء،و سبّ ابنه و باقي الحاضرين لم لم يدافعوا عنه، بهتان و افتراء.
و كيف و يقول معاوية في كتابه«فليتك أظهرت نصره حيث أسررت خشره»إلى آخر ما مر،و يقول عمرو بن سعد في قتل الحسين عليه السلام«يوم بيوم عثمان»و تمثّل لمّا سمع الصرخة من بيوت بني هاشم:
ضجّت نساء بني زياد ضجّة كضجيج نسوتنا غداة الأرنب
و ليس كلام معاوية ذاك تتعلّق به شبهة كما تتعلّق بقوله له عليه السلام «و أكرهت أعيان المسلمين على بيعتك»مع انثيال الناس عليه عليه السلام شوقا إلى بيعته حتّى شقوا عطفيه لأنّ في بيعته عليه السلام كان مقام شبهة لمعاوية حيث إنّ طلحة و الزبير،و ان بايعاه طوعا إلاّ أنّهما لم يكونا راضيين ببيعته قلبا،و لم يمكنهما إظهار ذلك لمّا رأيا إقبال النسا عليه عليه السلام بتلك الكيفية،و ادّعيا بعد ذلك الإجبار بخلاف أمر عثمان فلم يكن فيه موضع شبهة،و انه كان عنده عليه السلام مباح الدم،و إلاّ لم يكن يداهن قاتليه،كيف و لم يداهن قاتل هرمزان العجمي، و هو عبيد اللّه بن عمر في خلافة عثمان،و امضاء عثمان لفعله،فهدّد عبيد اللّه حتى اضطر إلى الخروج من المدينة (1)
رواه البلاذري في انساب الاشراف 5:24،و غيره. [1]
،فكيف يداهن في أيّام خلافته قاتلي عثمان لو لم يكن قتله بحقّ .«و ما أسلم مسلمكم إلاّ كرها،و بعد ان كان أنف الإسلام كلّه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم حربا» أنف الإسلام:أي:أوّله.قال الجوهري:و أنف كلّ شيء أوّله،و«روضة
1) 1)
أنف»بالضم:أي:لم يرعها أحد و«كأس أنف»لم يشرب بها قبل ذلك، و الاستيناف الابتداء و كذلك الايتناف،و قلت كذا آنفا و سالفا (1)
صحاح اللغة 4:1332، [1]مادة أنف و النقل بتقطيع.
و في الأساس «و جارية أنف»لم تطمث و قال طريح الثقفي:أيّام سلمى غريرة أنف كأنها خوط بانة رود
و كأس أنف قال الحطيئة:
و يحرم سرّ جارتهم عليهم و يأكل جارهم أنف القصاع (2)
و هو ظرف متعلّق ب:«حربا»بالراء خبر كان و اسمه ضمير مسلمكم و معنى الكلام ما أسلم يا معاوية مسلمكم هو و أبوه،و أخوه و امّه و ذووه إلاّ كرها لا اختيارا و عن رضى،بفتح مكّة،و إلاّ بعد أن كان في صدر الإسلام كلّه محاربا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
و هكذا فهم الكلام ابن أبي الحديد فقال هنا:و كان أبو سفيان و أهله من بني عبد شمس أشدّ الناس على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في أوّل الهجرة إلى أن فتح مكّة (3).
و قرأ«ثم»«أنف الإسلام»بالرفع اسما لكان و قرأ«حربا»بالراء«حزبا» بالزاي،و أسقط العاطف من قوله«و بعد»فقال المعنى:«و مسلم أهل معاوية لم يسلم إلاّ كرها بعد أن اشتدّ الإسلام و صار للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم حزب قوي من أشراف العرب،و استعار لفظ أنف الاسلام لهم باعتبار كونهم اعزّاء أهله» (4).
و هو كما ترى بلا معنى،و انما يصحّ استعارة الأنف للأشراف لا استعارة أنف للإسلام.قال الحطيئة«قوم هم الأنف،و الأذناب غيرهم»و انّما
أنف الإسلام أوّله و صدره.
و قال عليه السلام في إسلام معاوية و أبيه و باقي بني اميّة في كلام آخر«ما أسلموا و لكن استسلموا،و أسرّوا الكفر فلمّا وجدوا عليه أعوانا رجعوا إلى عدوانهم منّا» (1)
رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:215. [1]
.و كونهم كما قال عليه السلام من إسرارهم كفرهم و إظهارهم له في موقع لا يخافون أمر معلوم،فقد قال أبو سفيان يوم نال عثمان الخلافة بتدبير عمر له في مجلسه مخاطبا لعثمان،و باقي بني اميّة«تداولوا الأمر و السلطنة بينكم تداول الكرة فما من جنّة و لا نار» (2).
و لما قال المغيرة بن شعبة لمعاوية بأنّه نال مراده من نيل الخلافة فليخفّف من شدّته على الشيعة،و يترك سبّ أمير المؤمنين عليه السلام.قال له معاوية إنّه يتأسّف على عدم قدرته على محو اسم محمّد (3).
و مع أنّ أبا بكر و عمر كانا يعرفان ذلك منهما مهّدا لهم الأمر بتولية يزيد بن أبي سفيان أوّلا على الشام ثم معاوية.ثم شيّد عمر لمعاوية و جميع بني اميّة.خلافة النبوة بالتدبير لخلافة عثمان في كيفية الشورى،و جعل ابن عوف حكما،فالأفعال الّتي فعلها معاوية،و الأقوال الّتي قالها لأمير المؤمنين عليه السلام في هذا الكتاب،و كتبه الاخرى،و مقامات اخرى كعمل جروه مع عترة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم انّما هي في الحقيقة أفعال عمر و أقواله و أعماله .
«و ذكرت انّي قتلت طلحة و الزبير،و شرّدت بعائشة،و نزلت بين المصرين و ذلك أمر غبت عنه فلا عليك،و لا العذر فيه اليك» قال ابن أبي الحديد اعرض عليه السلام
عنه بهذا الجواب هوانا به.
و الجواب المفصّل هو أنّ طلحة و الزبير قتلا نفسيهما ببغيهما و نكثهما -إلى أن قال-و لعليّ عليه السلام أن يقلّب الكلام عليه فيقول:أ فتراه لو عاش أ كان يرضى لحليلته أن تؤذي أخاه و وصيّه؟و أيضا أ تراه لو عاش أ كان يرضى لك يا ابن أبي سفيان أن تنازع عليّا الخلافة و تفرّق جماعة هذه الامة؟و أيضا أ تراه لو عاش كان يرضى لطلحة و الزبير أن يبايعا ثم ينكثا لا لسبب بل قالا جئنا نطلب الدراهم فقد قيل لنا إنّ بالبصرة أموالا كثيرة (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:202. [1]
.قلت:بل الأولى الإعراض عن جوابه كما فعل عليه السلام،فالمكابر ليس له جواب فكلام معاوية في أهل الجمل و أنّه عليه السلام قتل طلحة و الزبير نظير قوله لمّا قيل له إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:«إنّ عمارا تقتله الفئة الباغية» (2)«و قد قتلتموه فأنتم الفئة الباغية»إنّا ما قتلناه،بل علي قتله حيث جاء به إلى حربنا.
و لم قال ابن أبي الحديد انّ له عليه السلام أن يقلّب على معاوية الكلام فهو أمر كان واقعا فإنّ اللّه قال لعائشة في خطابه لأزواج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم «وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى» (3)و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لها«تنبحك كلاب الحوأب» (4)كما قال للزبير«تقاتل عليا و أنت له ظالم» (5)و أمير المؤمنين عليه السلام و أصحابه قالوا لهم ذلك.
1) 1)
2) 2) أخرجه مسلم في صحيحه 4:2235 و 2236 ح 70-73،و الترمذي في سننه 5:669 ح 3800،و أحمد في مسنده 2:164 و 6:289 و 300 و [2]جماعة اخرى.
3) 3) الاحزاب:33. [3]
4) 4) هذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده 6:97،و [4]الحاكم في المستدرك 3:120،و [5]الطبري في تاريخه 3:475،سنة 36،و [6]غيرهم.
5) 5) أخرجه الحاكم في المستدرك 3:366،و [7]ابو يعلى و ابن أبي شيبة و ابن راهويه و ابن منيع في مسانيدهم،و عنهم المطالب العالية 4:301-303،و غيرهم.
لكن لعمر اللّه على مباني عقيدة إخواننا من صحة خلافة الثلاثة.تكون أقوال معاوية كلّها صحيحة.فصحّة خلافة صدّيقهم و فاروقهم تستلزم صحّة خلافة ذي نوريهم،و صحّة خلافة ذي نوريهم تستلزم وجوب الخروج على أمير المؤمنين عليه السلام و قتاله و قتله.حيث إنّه رضي بقتل ذي نوريهم،و آوى قتلته،و دافع عنهم.
قال ابن أبي الحديد و أمّا قول معاوية له عليه السلام«التويت على أبي بكر و عمر»إلخ-فإنّ عليّا عليه السلام لم يكن يجحد ذلك و لا ينكره،و لا ريب انّه كان يدّعي الأمر بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لنفسه على الجملة إمّا لنصّ كما تقوله الشيعة،أو لأمر آخر كما يقوله أصحابنا (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:203. [1]
.قلت:إذا كان أصحابه يعتقدون انّه عليه السلام يدّعي الأمر بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأمر غير النصّ ثم جمعوا بينه عليه السلام و بينهم في اسم الإمامة و الخلافة.فكان الواجب عليهم إمّا أن يتولّوه عليه السلام و يتبرأوا من الثلاثة كما فعلت الشيعة،و إمّا أن يتولوهم،و يتبرأوا منه عليه السلام كما فعلت الاموية و العثمانية،و لعمر اللّه إنّ الجمع بينه عليه السلام،و بينهم كالجمع بين اللّه تعالى و الأصنام.
قال ابن أبي الحديد:و أمّا قول معاوية له عليه السلام«لأنّك الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه»فقد أسرف في وصفه بما وصفه به و لا شكّ أنّ عليّا عليه السلام كان عنده زهو لكن لا هكذا،و كان عليه السلام مع زهوه ألطف الناس خلقا (2).
قلت:العجب من هذا الرجل الّذي يدّعي المعرفة،ينسب الزهو-و هو الكبر-إليه عليه السلام و لا يفرّق بين الكبر و العزّة،و قد جعل اللّه تعالى العزّة لكلّ مؤمن ذي حقيقة،و هو أميرهم بالحقيقة،و وصف غيره بذلك كوصف الأصنام بالألوهية.قال تعالى في ردّ المنافقين الّذين يدعون العزّة لأنفسهم
«وَ لِلّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» (1)
المنافقون:8. [1]
.و كان عليه السلام كما قال تعالى في وصف المؤمنين «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ» (2)كان عليه السلام يترفع على المنافقين مثل معاوية و أمثاله، و يتواضع للمؤمنين،و مع تواضعه للمؤمنين كان اللّه تعالى اعطاه مهابة تقشعرّ منها الجلود.فلمّا طلب معاوية من ضرار بن ضمرة أحد شيعته وصفه له فاستعفاه و لم يعفه،قال له في وصفه له عليه السلام في جملة ما قال:«كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه و ينبئنا إذا استنبأناه،و نحن و اللّه مع تقريبه إيانا و قربه منّا أشدّ ما يكون صاحب لصاحبه هيبة لا نبتدئه بالكلام لعظمته» (3).
و لمّا قال معاوية لقيس بن سعد بن عبادة«كان أبو الحسن هشّا بشّا ذا فكاهة»قال له قيس:«أراك تسرحسوا في ارتغاء تعيبه بذلك أما و اللّه لقد كان مع تلك الفكاهة و الطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسّه الطوى،تلك هيبة التقوى،ليس كما يهابك طغام أهل الشام» (4).
ثم لم عاب معاوية في قوله له عليه السلام:«لانك الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه» بانّه أسرف،و الأصل في كلام معاوية كلام فاروقهم.فقال لابن عباس:إنّ قومكم كرهوا ان يجتمع لكم النبوّة و الخلافة فتذهبوا في السماء شمخا و بذخا (5).
و قال فاروقهم أيضا لابن عباس:«انّ صاحبكم إن ولي هذا الأمر
أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به،فليتني أراكم بعدي...»و قد نقلهما ابن أبي الحديد نفسه في موضع آخر (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3:106 شرح الخطبة 226.
.«و ذكرت انّك زائري في المهاجرين الأنصار،و قد انقطعت الهجرة يوم اسر أخوك» قال ابن أبي الحديد يعني عليه السلام بأخيه يزيد بن أبي سفيان اسر يوم الفتح في باب الحندمة،و كان خرج في نفر من قريش يحاربون،و يمنعون من دخول مكّة.فقتل منهم قوم،و اسر يزيد،أسره خالد بن الوليد فخلّصه أبو سفيان منه،و أدخله داره فأمن لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال يومئذ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن (2).
قلت:قد عرفت ان(خلفاء ابن قتيبة)نقله«يوم اسر أبوك» (3)و كذلك نقله «ثم»عن النهج و نسخته من النهج كانت بخطّ مصنّفه،و قال في تفسيره سمّى عليه السلام أخذ العباس لأبي سفيان إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم غير مختار و عرضه على القتل اسرا.
و نسب«ثم»لفظ«اسر أخوك»إلى الرواية،و أراد به نقل ابن أبي الحديد و حملها على أسر عمرو بن أبي سفيان يوم بدر و قال«و يكون المعنى حينئذ بأنّ من شأنه و شأن أهله أن يؤسروا و لا يسلموا،فكيف يدّعون مع ذلك الهجرة» (4).
قلت:ما ذكره أخيرا تكلّف بارد،و الصحيح رواية«أبوك»بعد الاتفاق عليه في(الخلفاء)و(النهج)على ما عرفت،و نقل ابن أبي الحديد تحريف للتشابه الخطي بين لفظ«أبوك»و«أخوك».
و أيضا الأنسب بتبكيت معاوية أن يقول عليه السلام له يوم أسر أبوك، و أراد عليه السلام بالأسر انّه كان للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أسر أبي سفيان،و ولديه يزيد و معاوية،و باقي قريش،و إنّما منّ عليهم فسمّاهم الطلقاء (1)
رواه ابن هشام في السيرة 4:41،و الطبري في تاريخه 2:237،سنة 8.
،بل لازم كونهم طلقاء استرقاقهم بعد أسرهم.ثم المنّ عليهم بالإطلاق.فكانّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في تلك التسمية أسرهم و استرقهم ثم منّ،عليهم و أطلقهم.و في السير:أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا بلغ يوم الفتح مرّ الظهران قال العباس:
و اسوء صباح قريش،إن دخل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مكّة عنوة إنّه لهلاك قريش آخر الدهر.فأخذ بغلة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ركبها ليلتمس رجلا يبعثه إلى قريش يشير عليهم أن يلقوا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبل أن يدخل مكّة عليهم عنوة،فسمع صوت أبي سفيان-و كانت قريش بعثوه يتجسّس لهم الأخبار-فقال له العباس:ويحك! هذا النبي و هو مصبحكم في عشرة آلاف.فقال له:فهل لي من حيلة.قال:
نعم.تركب عجز هذه البغلة.فأذهب بك إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فانّه إن ظفر بك دون ذلك ليقتلنّك.و جاء به إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال له:قد أجرته.فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:
فقد أجرناه.فليبت عندك حتى تغدو به علينا إذا أصبحت.فغدا به على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فلمّا رآه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال له:ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلاّ اللّه؟ قال:قد كان يقع في نفسي ان لو كان مع اللّه إله آخر لأغنى قال:ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول اللّه؟قال:أمّا هذه فو اللّه إنّ في النفس منها لشيئا بعد.فقال له العباس:ويحك قل:لا إله إلاّ اللّه و محمّد رسول اللّه قبل أن تقتل.فقاله (2).
و في السير أيضا انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا دخل مكّة كانت رايته مع سعد بن عبادة.فنادى سعد يا أبا سفيان!اليوم يوم الملحمة.اليوم تسبى الحرمة اليوم
أذلّ اللّه قريشا،فنادى أبو سفيان:يا رسول اللّه أمرت بقتل قومك.فقال عثمان.
لا نأمن سعدا أن يكون له في قريش صولة.فأخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم اللواء من سعد.
و أعطاه أمير المؤمنين عليه السلام ثمّ قال العباس لأبي سفيان:ويحك أدرك قومك من قبل أن يدخل عليهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فخرج حتى انتهى إلى امرأته هند بنت عتبة.فقالت:ما وراءك قال:هذا محمّد في عشرة آلاف عليهم الحديد،و قد جعل لي من دخل داري فهو آمن،و من ألقى سلاحه فهو آمن فقالت:قبّحك اللّه من رسول قوم،و جعلت تقول:ويحكم اقتلوه قبّحه اللّه وافد قوم فيقول ابو سفيان:و يحكم لا تغرنّكم هذه.فإني رأيت ما لم تروا محمّدا في عشرة آلاف أسلموا تسلموا.فأمسكت هند برأسه،و قالت:بئس طليعة القوم عليكم يا أهل مكّه عليكم الحميت الدسم فاقتلوه (1)
روى هذا المعنى ابن هشام في السيرة 4:36،و [1]الواقدي في المغازي 2:821. [2]
.و من أراد تفصيل الواقعه أبسط يراجع السير و انّما سمّى عليه السلام منهم أباه مع كون جميعهم في حكم الأسير لكونه رئيسهم و الأنسب بتبكيت معاوية.
و ما أصلب وجه معاوية حيث سمّى المنافقين و الطلقاء،و الفجرة المهاجرين و الأنصار،و سمّى المهاجرين،و الأنصار الّذين كانوا معه عليه السلام الطغام.
و لمّا خرج النعمان بن بشير في صفّين إلى قيس بن سعد بن عبادة بأمر معاوية لردع قيس عن ذكر مساوئ معاوية.قال قيس له.في ما قال:انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلاّ طليقا أو اعرابيا أو يمانيا مستدرجا بغرور.انظر أين المهاجرون و الأنصار و التابعون باحسان الذين رضى اللّه عنهم.ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك و غير صويحبك(أي مسلمة بن مخلد)و لستما و اللّه ببدريين و لا احديين،و لا لكما سابقة في الإسلام،و لا آية في القرآن،و لعمري
1) 1)
لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك(يعني يوم السقيفة في بيعة أبي بكر) (1)
رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:449. [1]
.هذا،و نظير قوله عليه السلام هنا لمعاوية«و قد انقطعت الهجرة يوم اسر أبوك»قول عدي بن حاتم لابن الزبير لمّا قال له«متى فقئت عينك»-و كانت فقئت يوم الجمل-«يوم قتل أبوك و هربت عن خالتك،و أنّا للحق ناصر و أنت له خاذل ».
«فإن كان فيك عجل فاسترفه» من قولهم«في رفاهة من العيش»أي في سعة (2).
«و ان تزرني فكما قال أخو بني أسد:
مستقبلين رياح الصيف تضربهم بحاصب بين أغوار و جلمود»
قال ابن دريد:ريح حاصب تقشر الحصى عن وجه الأرض،و أرض جلمدة ذات حجارة الغار المنخفض من الأرض (3).
و قال ابن أبي الحديد كنت أسمع قديما أنّ هذا البيت من شعر بشر بن أبي حازم الأسدي و الآن فقد تصفّحت شعره فلم أجده،و لا وقفت بعد على قائله (4).
و قال ابن أبي الحديد أيضا:إنّه يمكن أن يكون جلمود عطفا على حاصب و على أغوار و الأوّل أليق (5).
قلت:كونه عطفا على حاصب لا يصحّ إلاّ أن يكون معنى«بين أغوار» بين غور و غور .
«و عندي السيف الّذي أعضضته بجدّك و خالك و أخيك في مقام واحد» روى
نصر بن مزاحم انّه عليه السلام لمّا أراد الشخوص إلى الشام تكلّم أصحابه كلّ بكلام.
فقام عبد اللّه بن بديل الخزاعي،و قال له عليه السلام:إنّ القوم لو كانوا يريدون اللّه أو للّه يعملون ما خالفونا،و لكنّ القوم إنّما يقاتلون فرارا من الأسوة،و حبّا للأثرة، و ضنّا بسلطانهم،و كرها لفراق دنياهم الّتي في أيديهم،و على احن في أنفسهم،و عداوة يجدونها في صدورهم.لو قائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة قتلت فيها آباءهم و إخوانهم-ثم التفت إلى الناس فقال-فكيف يبايع معاوية أمير المؤمنين عليه السلام و قد قتل أخاه حنظلة،و خاله الوليد،و جدّه عتبة في موقف واحد،و اللّه ما أظنّ أن يفعلوا،و لن يستقيموا لكم دون أن تقصد فيهم المران،و تقطع على هامهم السيوف،و تنثر حواجبهم بعمد الحديد (1)
وقعة صفين:102. [1]
.و في(سيرة ابن هشام):بقرت هند عند كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها،ثم علت على صخرة مشرفة.فصرخت بأعلى صوتها فقالت:
نحن جزيناكم بيوم بدر و الحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر و لا أخي و عمي و بكري
شفيت نفسي و قضيت نذري شفيت و حشيّ غليل صدري
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب:
يا بنت وقّاع عظيم الكفر صبّحك اللّه غداة الفجر
ملهاشميين الطوال الزهر بكل قطّاع حسام يفري
حمزة ليثي و علي صقري إذ رام شيب و أبوك غدري
فخضّبا منه ضواحي النحر و نذرك السوء فشرّ نذر (2).
قولها«ملهاشميين»أي:من الهاشميين.هذا،و قال أشجع:
تعضّ بأنياب المنايا سيوفه و تشرب من أخلاف كل وريد
هذا و كما قال عليه السلام لمعاوية:سيف يوم بدر معه،قال عدي بن حاتم من أصحابه عليه السلام لمعاوية:سيوف يوم صفين الّتي حاربوه بها معهم.ففي (المروج):دخل عدي بن حاتم على معاوية.فقال له معاوية:ما فعلت الطرفات -يعني أولاده-؟قال:قتلوا مع علي عليه السلام،قال:ما أنصفك علي!قتل أولادك و بقي أولاده.فقال عدي:ما أنصفت عليّا عليه السلام إذ قتل و بقيت بعده.فقال معاوية:
أما إنّه بقيت قطرة من دم عثمان ما يمحوها إلاّ دم شريف من أشراف اليمن.
فقال عدي«و اللّه إنّ قلوبنا الّتي أبغضناك بها لفي صدورنا،و إنّ أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا،و لئن أدنيت الينا من الغدر فترا،لندنينّ إليك من الشرّ شبرا،و إن حزّ الحلقوم،و حشرجة الحيزوم لأهون علينا من أن نسمع المساءة في علي عليه السلام فسلّم السيف يا معاوية لباعث السيف.فقال معاوية:
هذه كلمات حكم فاكتبوها.و أقبل على عديّ محادثا له كأنّه ما خاطبه بشيء (1)
مروج الذهب 3:4. [1]
.هذا،و مما قيل في الجواب بالسيف قول أبي تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حدّه الحدّ بين الجدّ و اللعب
«و إنّك و اللّه ما علمت» أي:الّذي علمت.
«الأغلف القلب» أي:أغشى قلبك غلافا.فلا يفهم شيئا.
«المقارب العقل» هكذا في النسخ (2)،و لعلّ المقارب محرّف المتقارب.ففي الأساس«تقاربت إبل فلان»:أي:قلّت.قال جندل:
غرّك أن تقاربت أبا عري و أن رأيت الدهر ذا دوائر (1)
أساس البلاغة:360، [1]مادة(قرب).
أو محرّف المعازب ففي(الأساس):«و أعزب حلمه»كقولك«أضلّ بعيره و أعزب اللّه عقلك» (2).
و كيف كان فنظير قوله عليه السلام هنا قوله عليه السلام في كتاب إليه«يا ابن صخر اللعين!زعمت أن يزن الجبال حلمك،و يفصل بين أهل الشكّ علمك،و أنت الجلف المنافق،الأغلف القلب القليل العقل،الجبان الرذل » (3).
«و الأولى أن يقال،لك انّك رقيت سلّما أطلعك مطلع سوء عليك لا لك» مرّ عن (خلفاء ابن قتيبة)أنّ معاوية كتب إليه عليه السلام:«و رقيت سلّما أطلعك اللّه عليه مطلع سوء عليك لا لك» (4)لأنّه كالمؤسّسين له مصداق قوله تعالى: «إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً» (5).
و الخلافة عهد اللّه تعالى،و لا ينال عهده الظالمين،و إنّما يصلح لمن كان بمنزلة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
«لأنّك نشدت غير ضالتك،و رعيت غير سائمتك،و طلبت أمرا لست من أهله و لا في معدنه» في(صفين نصر بن مزاحم):لمّا خرج شمر بن أبرهة الحميري في ناس من قرّاء أهل الشام إلى علي عليه السلام قال عمرو بن العاص لمعاوية:إنّك تريد أن تقاتل بأهل الشام رجلا له من محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم قرابة قريبة، و رحم ماسّة،و قدم في الإسلام لا يعتدّ أحد بمثله،و نجدة في الحرب لم تكن
لأحد من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و إنّه قد سار إليك بأصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم المعدودين و فرسانهم و قرّائهم و أشرافهم،و قدمائهم في الإسلام،و لهم في النفوس مهابة.فبادر بأهل الشام مخاشن الوعر،و مضايق الغيض،و احملهم على الجهد،و أتهم من باب الطمع قبل أن ترفّههم،فيحدث عندهم طول المقام مللا.فيظهر فيهم كآبة الخذلان،و مهما نسيت.فلا تنس أنّك على باطل (1)
وقعة صفين:222. [1]
.«فما أبعد قولك» في وصفك الحق.
«من فعلك» الباطل و في كتاب آخر له عليه السلام إلى معاوية«و من العجب أن تصف يا معاوية الإحسان،و تخالف البرهان،و تنكث الوثائق الّتي هي للّه عزّ و جلّ طلبة،و على عباده حجّة مع نبذ الإسلام،و تضييع الأحكام،و طمس الاعلام،و الجري في الهوى،و التهوّس في الردى (2).
«و قريب ما اشبهت من أعمام و أخوال،حملتهم الشقاوة،و تمنّي الباطل،على الجحود بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فصرعوا مصارعهم حيث علمت» و رواه(جمهرة الرسائل) بلفظ آخر هكذا:«أما بعد.فإنّ ما أتيت به من ضلالك ليس ببعيد الشبه ممّا أتى به أهلك و قومك،الذين حملهم الكفر و تمنّي الأباطيل،على حسد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى صرعوا مصارعهم حيث علمت...» (3)و يأتي تتمته.
و في كتاب آخر له عليه السلام:«و اذكّرك ما لست له ناسيا يوم قتلت أخاك حنظلة و جررت برجله إلى القليب،و أسرت أخاك عمرا.فجعلت عنقه بين ساقيه رباطا،و طلبتك ففررت،و لك خصاص.فلو لا أنّي لا اتّبع فارّا لجعلتك ثالثهما» (4).
هذا،و أغرب ابن ميثم في معنى قوله عليه السلام:«من أعمام و أخوال حملتهم الشقاوة...»فقال:من أهل الشقاوة من جهة عمومته حمّالة الحطب و من جهة خؤولته الوليد بن عتبة-قال:و انما نكّر الأعمام و الأخوال لأنّه لم يكن له أعمام و أخوال كثيرون،و الجمع المنكّر جاز أن يعبّر به عن الواحد و الإثنين للمبالغة (1)
شرح ابن ميثم 5:211.
.قلت:ما ذكره من كون المراد بالأخوال الوليد بن عتبة فقط،و بالعمومة حمّالة الحطب عجيب.هبه جعل الوليد خالا صرع بقتله في بدر،هل حمّالة الحطب أيضا حاربت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في موقف فصرعت بقتلها في موضع؟ و انّما مراده عليه السلام بأخواله جدّه لامه عتبة،و عمّ أمّه شيبة مع خاله الوليد فالعرب تسمّي أقارب الام أخوالا.فقالوا بنو زهرة أخوال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لامّه، و سمّى شمر يوم الطف العباس و إخوته من امّه بني اخته (2)،و انّما سمّاهم كذلك لكونه من كلاب،و امّ البنين من كلاب و لم يكن أبوهما بواحد.فأبو شمر ذو الجوشن،و أبو أمّ البنين حزام،و الثلاثة:الوليد و أبوه و عمّه كلّهم قتلوا في بدر.
كما أنّ العرب يسمّون أقارب الأب أعماما،و قد قتل عليه السلام يوم بدر من بني أبي معاوية العاص بن سعيد بن اميّة،و كان عمر يقول:مررت به يوم بدر فرأيته يبحث للقتال كما يبحث الثور بقرنه،و إذا شدقاه قد أزبد كالوزغ فلما رأيت ذلك هبته و زغت عنه.فقال إليّ يا ابن الخطّاب،و صمد له علي فتناوله فو اللّه ما رمت مكاني حتّى قتله.
و قتل عليه السلام من بني أبيه،عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن امية،و كان
من اسراء بدر فقتله صبرا.قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما نزل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من بدر علي ستّة أميال نظر إليه،و إلى النضر.فقال النضر لعقبة:أنا و أنت مقتولان.قال عقبة:من بين قريش؟قال:نعم لأنّ محمّدا نظر إلينا نظرة رأيت فيها القتل، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأمير المؤمنين عليه السلام عليَّ بالنضر و عقبة-إلى أن قال-قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:قدّم يا علي عقبة،و اضرب عنقه.فقدّمه فضرب عنقه (1)
رواه الواقدي في المغازي 1:106،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و قتل عليه السلام بعد احد من بني اميّة الّذين هم أعمام معاوية،معاوية بن المغيرة ابن أبي العاص بن اميّة.قال البلاذري في(فتوحه):و هو الّذي جدع أنف حمزة يوم احد و هو قتيل،فأخذ بقرب احد،فقتل بعد انصراف قريش بثلاث.يقال:إنّ عليا عليه السلام قتله.قال:انهزم معاوية بن المغيرة يوم احد فمضى على وجهه.فبات قريبا من المدينة.فلمّا أصبح دخل المدينة.فأتى منزل عثمان فضرب بابه.فقالت ام كلثوم زوجته ابنة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:ليس هاهنا.
فقال:إبعثي إليه.فأرسلت إليه و هو عند النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فلمّا جاء قال له:أهلكتني، و أهلكت نفسك،قال:جئتك لتجيرني.فأدخله عثمان داره،و صيّره في ناحية منها ثم خرج إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليأخذ له أمانا.فسمع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول:إنّ معاوية في المدينة،و قد أصبح بها فاطلبوه.فقال بعضهم:ما كان ليعدو منزل عثمان فاطلبوه فيه:فدخلوا منزله،فأشارت امّ كلثوم إلى الموضع الذي صيّروه فيه،فاستخرجوه من تحت حمارة لهم،فانطلقوا به إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال عثمان حين رآه،و الّذي بعثك بالحق ما جئت إلاّ لأطلب له الأمان فهبه له، فوهبه له و أجّله ثلاثا،و أقسم لئن وجد بعدها يمشي في أرض المدينة و ما حولها ليقتلنّه،و خرج عثمان فجهّزه و اشترى له بعيرا،ثم قال:ارتحل،و سار النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى حمراء الأسد،و أقام معاوية إلى اليوم الثالث ليعرف أخبار
1) 1)
النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و يأتي بها قريش،فلمّا كان في اليوم الرابع قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إنّ معاوية أصبح قريبا لم ينفذ.فاطلبوه،فأصابوه و قد أخطأ الطريق فأدركوه.
و كان اللذان أسرعا في طلبه زيد بن حارثة و عمار-إلخ (1)
رواه البلاذري في انساب الاشراف 1:337 و 338 [1] لا في فتوح البلدان و النقل بتصرف يسير.
.و لو صح خبره الآخر في قتل زيد و عمّار له لصدق أيضا أنّه عليه السلام قتله حيث إنّ من قتله النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لو على يد غير أمير المؤمنين عليه السلام قتله هو عليه السلام أيضا لكونهما بمنزلة نفس واحدة،و كذلك كان اعتقاد معاوية و باقي بني اميّة،و أمّا الثلاثة فكانوا بمراحل عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لا سيما الأخير،فقد عرفت دفاعه عن هذا الرجل،جدع أنف عمّ النبي و مثّل به بعد قتله،ثمّ بعد أخذ عثمان له الأمان من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالكره بقي-استظهارا بعثمان-يتجسس على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
و روى الكليني في(نوادر جنائز كافيه):أنّ عثمان آوى المغيرة-و كان ممن هدر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم دمه-فقال لابنة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:لا تخبري أباك بمكانه.
فقالت:ما كنت لأكتم على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عدوّه،فجعله عثمان بين مشجب له، و لحفّه بقطيفة فأتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الوحي بمكانه.فبعث إليه عليّا عليه السلام،و قال:
اشتمل على سيفك و أئت بيت ابنة عمّك.فإن ظفرت بالمغيرة فاقتله.فأتى البيت.فجال فيه.فلم يظفر به.فرجع إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فقال لم أره.فقال:أتاني الوحي أنّه في المشجب،و دخل عثمان بعد خروج علي عليه السلام فأخذ بيد المغيرة فأتى به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فلمّا رآه أكبّ و لم يلتفت إليه،و كان حييّا كريما.فقال عثمان:هذا المغيرة،و الّذي بعثك بالحقّ آمنته.قال أبو عبد اللّه عليه السلام كذب و الّذي بعثه بالحقّ ما آمنه و كان يأتيه عن يمينه و عن يساره.فلمّا كان في الرابعة رفع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم رأسه إليه.فقال:قد جعلت لك ثلاثا.فإن قدرت عليه بعد ثالثة
1) 1)
قتلته.فلمّا أدبر قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم اللّهمّ العن المغيرة،و العن من يؤويه،و العن من يحمله،و العن من يطعمه،و العن من يسقيه،و العن من يجهّزه،و العن من يعطيه سقاء أو حذاء أو رشاء أو وعاء-و هو يعدّهن بيمينه-فانطلق به عثمان.
فآواه و أطعمه و سقاه،و حمله و جهّزه حتّى فعل جميع ما لعن به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من يفعله به.ثم أخرجه في اليوم الرابع يسوقه.فلم يخرج من أبيات المدينة حتّى أعطب اللّه به راحلته،و نقب حذاءه،و دميت قدماه فاستعان بيديه و ركبتيه،و أثقله جهازه،فأتى سمرة فاستظلّ بها.فأتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الوحي فأخبره بذلك.فدعا عليّا عليه السلام فقال:خذ سيفك،و انطلق أنت و عمّار و ثالث لهم.
فأت المغيرة تحت سمرة كذا و كذا،فأتاه علي عليه السلام فقتله.فضرب عثمان بنت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و قال لها،أنت أخبرت أباك بمكانه.الخبر (1)
رواه الكليني في الكافي 3:251 ح 8،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و منه يظهر أنّ عمارا و زيدا كانا معه عليه السلام لا كما قال البلاذري في تلك الرواية من استقلالهما بالذهاب و قتله.
«لم يدفعوا عظيما و لم يمنعوا حريما» رواه(جمهرة الرسائل)و زاد بعده «و انا صاحبهم في تلك المواطن الصالي بحربهم،و الفالّ لحدّهم،و القاتل لرؤوسهم رءوس الضلالة،و المتبع إن شاء اللّه خلفهم بسلفهم.فبئس الخلف خلف اتّبع سلفا محلّه و محطّه النار» (2).
و في(صفين نصر بن مزاحم):ذكروا انّه اجتمع عند معاوية عتبة بن أبي سفيان و الوليد بن عقبة،و مروان بن الحكم،و عبد اللّه بن عامر،و ابن طلحة الطلحات.فقال عتبة:انّ أمرنا و أمر علي لعجب،ليس منّا إلاّ موتور محاج.أما أنا فقتل جدّي،و اشترك في دم عمومتي يوم بدر،و أمّا أنت يا وليد فقتل أباك
يوم الجمل،و أيتم إخوتك،و أما أنت يا مروان فكما قال الأوّل:
و أفلتهنّ علباء جريضا و لو أدركنه صفر الوطاب
قال معاوية:هذا الإقرار فأين الغير؟قال مروان:أيّ غير تريد؟قال:اريد ان يشجر بالرماح.فقال:و اللّه انّك لهازل و لقد ثقّلنا عليك.فقال الوليد في ذلك:
يقول لنا معاوية بن حرب أما فيكم لواتركم طلوب
يشدّ على أبي حسن علي بأسمر لا تهجّنه الكعوب
فيهتك مجمع اللبّات منه و نقع القوم مطّرد يثوب
فقلت له:أتلعب يا ابن هند؟ كأنّك و سطنا رجل غريب
أ تأمرنا بحيّة بطن واد إذا نهشت فليس لها طبيب
و ما ضبع يدب ببطن واد اتيح له به أسد مهيب
بأضعف حيلة منّا إذا ما لقيناه و ذا منّا عجيب
دعا للقاه في الهيجاء لاق فأخطأ نفسه الأجل القريب
سوى عمرو وقته خصيتاه نجا و لقلبه منها وجيب
كأنّ القوم لمّا عاينوه خلال النقع ليس لهم قلوب
لعمر أبي معاوية بن حرب و ما ظنّي بملحقه العيوب
لقد ناداه في الهيجاء علي فأسمعه و لكن لا يجيب
فغضب عمرو بن العاص،و قال:ان كان الوليد صادقا فليلق عليّا أو ليقف حيث يسمع صوته،و قال عمرو:
يذكّرني الوليد دعا علي و بطن المرء يملأه الوعيد
متى يذكر مشاهده قريش يطر من خوفه القلب الشديد
فأمّا في اللقاء فأين منه معاوية بن حرب و الوليد
و عيّرني الوليد لقاء ليث إذا ما زار هابته الأسود
إلى أن قال:
و لو لاقيته شقّت جيوب عليك و لطّمت فيك الخدود (1)
وقعة صفين:417. [1]
«بوقع سيوف» قالوا:«بوقع»متعلّق بقوله«فصرعوا».
«ما خلا» قالوا:ليس«ما خلا ها هنا للاستثناء بل:ما،للنفي و خلا،من خلا يخلو.
«منها الوغى» أي:الحرب قال الجوهري:قيل للحرب:و غى لما فيها من الصوت و الجلبة (2).
«و لم تماشها» من المماشاة قال ابن ميثم:و روي:«و لم تماسّها» (3).
«الهوينى» من الهون،أي:السهولة.
الكتاب(73)
و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية:
أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي عَلَى التَّرَدُّدِ فِي جَوَابِكَ- وَ الاِسْتِمَاعِ إِلَى كِتَابِكَ- لَمُوَهِّنٌ رَأْيِي وَ مُخَطِّئٌ فِرَاسَتِي- وَ إِنَّكَ إِذْ تُحَاوِلُنِي الْأُمُورَ- وَ تُرَاجِعُنِي السُّطُورَ- كَالْمُسْتَثْقِلِ النَّائِمِ تَكْذِبُهُ أَحْلاَمُهُ- وَ الْمُتَحَيِّرِ الْقَائِمِ يَبْهَظُهُ مَقَامُهُ- لاَ يَدْرِي أَ لَهُ مَا يَأْتِي أَمْ عَلَيْهِ- وَ لَسْتَ بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ بِكَ شَبِيهٌ- وَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَوْ لاَ بَعْضُ الاِسْتِبْقَاءِ- لَوَصَلَتْ مِنِّي إِلَيْكَ قَوَارِعُ تَقْرَعُ الْعَظْمَ- وَ تَهْلِسُ اللَّحْمَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ثَبَّطَكَ- عَنْ أَنْ تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمُورِكَ- وَ تَأْذَنَ
لِمَقَالِ نَصِيحِكَ وَ السَّلاَمُ لِأَهْلِهِ الكتاب(30) و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية:
فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا لَدَيْكَ- وَ انْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ- وَ ارْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لاَ تُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ- فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلاَماً وَاضِحَةً- وَ سُبُلاً نَيِّرَةً وَ مَحَجَّةً نَهْجَةً وَ غَايَةً مُطَّلَبَةً- يَرِدُهَا الْأَكْيَاسُ وَ يُخَالِفُهَا الْأَنْكَاسُ- مَنْ نَكَبَ عَنْهَا جَارَ عَنِ الْحَقِّ وَ خَبَطَ فِي التِّيهِ- وَ غَيَّرَ اللَّهُ نِعْمَتَهُ وَ أَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ- فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكَ سَبِيلَكَ- وَ حَيْثُ تَنَاهَتْ بِكَ أُمُورُكَ- فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَى غَايَةِ خُسْرٍ وَ مَحَلَّةِ كُفْرٍ- وَ إِنَّ نَفْسَكَ قَدْ أَوْلَجَتْكَ شَرّاً وَ أَقْحَمَتْكَ غَيّاً- وَ أَوْرَدَتْكَ الْمَهَالِكَ وَ أَوْعَرَتْ عَلَيْكَ الْمَسَالِكَ أقول:قوله عليه السلام في الأوّل «أما بعد فإنّي على التردّد في جوابك و الاستماع إلى كتابك» قال ابن أبي الحديد«ليس معناه التوقف بل معناه التردد و التكرار.أي:أنا لائم نفسي على أني أكرّر تارة بعد تارة أجوبتك عمّا تكتبه» (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:233. [1]
.قلت:و لا مانع عن أن يراد بالتردد التوقف بأن يكون المعنى،إنّني مع توقفي،و ترددي هل أجيبك أم لا،و هل استمع إلى كتابك أم لا،مضعّف رأيي لأن مقتضى الرأي الّذي ليس به ضعف ألاّ تجاب أصلا،و لا يسمع منك الخطاب بتّا،إذ الكتاب إليك بعد معلومية كونك منافقا و متعنّتا خارج عن الصواب.
و كيف كان،فقوله«على التردد»ليس بخبر،بل متعلّق بالخبر.
أي:لموهن و«على»فيه بمعنى«مع»كقوله تعالى «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ»
1) 1)
«عَلى حُبِّهِ» (1)
الانسان:8. [1]
.«لموهّن رأيي و مخطّئ فراستي» قال ابن أبي الحديد موهن بالتشديد:أي:
كان ينبغي أن يكون جواب مثلك السكوت لهوانك (2).
قلت:موهن بالتخفيف أيضا صحيح قال الجوهري:الوهن الضعف و قد وهّن الإنسان و وهنه غيره يتعدّى و لا يتعدّى،و وهن أيضا:أي ضعف، و أوهنته أيضا و وهّنته توهينا (3).
و مراده عليه السلام أنّ جواب معاوية السكوت،لأنّ غرضه إنّما كان التلبيس و المشاغبة لا ما قاله ابن أبي الحديد من هوانه .
«و انّك اذ تحاولني الأمور و تراجعني السطور كالمستثقل النائم تكذبه أحلامه،و المتحيّر القائم يبهظه مقامه،و لا يدري أ له ما يأتي أم عليه» قال ابن أبي الحديد:أي:إنّك في مناظرتي،و كتبك إليّ،كالنائم يرى أحلاما كاذبة،أو كمن قام مقاما بين يدي سلطان.أو قوم عقلاء ليعتذر عن أمر،أو ليخطب بأمر في نفسه قد أبهظه-أي:أثقله-مقامه ذلك فهو لا يدري بكلامه هو له أم عليه.أما تشبيهه بالنائم ذي الأحلام.فإنّ معاوية لو رأى في المنام حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه خليفة يخاطب بإمرة المؤمنين،و يحارب عليّا عليه السلام على الخلافة،و يقوم في المسلمين مقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما طلب لذلك المنام تعبيرا و تأويلا،و لعدّه من وساوس الخيال،و أضغاث الأحلام،و كيف و أنّى يخطر هذا بباله،و هو أبعد الخلق منه،و هذا كما يخطر للنفّاط أن يكون ملكا،و لا ينظرنّ إلى نسبه،بل انظر إلى أنّ الإمامة هي نبوّة مختصرة،و أنّ الطليق المعدود من المؤلفة
قلوبهم المكذّب بقلبه و إن أقرّ بلسانه،الناقص المنزلة عند المسلمين،القاعد في اخريات الصف،إذ أدخل إلى مجلس فيه أهل السوابق من المهاجرين كيف يخطر ببال أحد أنّها تصير فيه،و يملكها و يوسمه الناس وسمها،و يكون للمؤمنين أميرا،و يصير هو الحاكم في رقاب أولئك العظماء من أهل الدين و الفضل،و هذا أعجب من العجب أن يجاهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قوما بسيفه و لسانه ثلاثا و عشرين سنة،و يلعنهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و يبعدهم عنه و ينزل القرآن بذمّهم و لعنهم و البراءة منهم.فلمّا تمّت له الدولة،و غلب الدين على الدنيا،و صارت شريعة دينية محكمة مات.فشيّد دينه الصالحون من أصحابه،و أوسعوا رقعة ملّته،و عظم قدرها في النفوس.فتسلّمها منهم أولئك الأعداء الّذين جاهدهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فملكوا و حكموا فيها،و قتلوا الصلحاء و الأبرار، و أقارب نبيّهم الّذين يظهرون طاعته،و آلت تلك الحركة الأولى و الاجتهاد السابق إلى أن كان ثمرته لهم،فليته صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان يبعث فيرى معاوية الطليق و ابنه،و مروان و أبناءه خلفاء في مقامه.يحكمون على المسلمون.فوضح أن معاوية في ما يكاتبه،و يراجعه كصاحب الأحلام.
و امّا تشبيهه إيّاه بالقائم مقاما بهظه،فلأنّ الحجج و الشّبه و المعاذير الّتي يذكرها معاوية في كتبه أوهن من نسج العنكبوت.فهو حال ما يكتب كالقائم ذلك المقام يخبط خبط العشواء و يكتب ما يعلم هو و العقلاء انّه سفه باطل-إلخ (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:233. [1]
.قلت:أمّا ما قاله من أنّ معاوية لو كان رأي في نومه في زمان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه يصير خليفة يعدّه من أضغاث الأحلام لأنّه كان أبعد الخلق منه،فليس كما قال بل كان ينتظره و هو،و ان كان محاربا للّه أكثر أيام رسوله
1) 1)
إلى أن أذلّه اللّه إلاّ أنّ وصوله الأمر كان ذا علاج عنده،و هو أن يساعد صدّيقهم،و فاروقهم اللّذين من مهاجريهم الأولين لأنّ جميعهم كانوا من جنس واحد و كنفس واحدة و بمساعدته منع فاروقهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الوصيّة،و به تخلّف هو و صاحبه عن جيش اسامة،و به أرادا إحراق أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و فاطمة بضعته،و نالا الأمر بواسطته.
فقال فاروقهم لابن عباس:«أنتم أهل رسول اللّه و آله و بنو عمه،فما تقول منع قومكم منكم قال:لا أدري علّتها،و اللّه ما أضمرنا لهم إلاّ خيرا.قال:
اللّهم غفرا،إنّ قومكم كرهوا أن يجتمع لكم النبوّة و الخلافة فتذهبوا في السماء شمخا و بذخا،و لعلّكم تقولون إنّ أبا بكر أوّل من أخّركم،اما إنّه لم يقصد ذلك،و لكن حضر أمرا لم يكن بحضرته أحزم مما فعل.
و لو لا رأي أبي بكر فيّ لجعل لكم من الأمر نصيبا،و لو فعل ما هنّاكم مع قومكم انّهم ينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره»-الخبر (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3:94،شرح الخطبة 226.
.فهل قوم بني هاشم غير قريش؟و هل رئيس قريش غير معاوية و أبيه، و بني أبيه؟و زادهم بسطة كون عثمان منهم.
و قال عمر أيضا لابن عباس لمّا سأله عن أشعر الشعراء.فقال له:زهير لقوله في بني سنان:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم قوم بأوّلهم أو آخرهم قعدوا
«لا يصلح هذا البيت إلاّ في بني هاشم لقرابتهم من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أ تدري ما منع الناس منكم؟قال ابن عباس:لا.قال:كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة و الخلافة فتجحفوا جحفا،فنظرت قريش لأنفسها فاختارت
1) 1)
و وفّقت فأصابت...» (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3:107،شرح الخطبة 226،و النقل بتلخيص.
.كما انّه لما تنبّه الناس لخطإهم باتّباع الأوّلين من أعمال عثمان الذي كانا جعلاه صاحب الأمر حتّى كأنّهما جعلا بني اميّة أعداء الدين صاحب الأمر أقبلوا بعد قتلهم لعثمان نحوه عليه السلام عشقا كما وصف مروان الأمر في كتابه إلى معاوية بعد ذكره قتل عثمان في قوله:«منكفئين قبل ابن أبي طالب انكفاء الجراد أبصر المرعى.فأخلق ببني اميّة أن يكونوا من هذا الأمر بمجرى العيّوق ان لم يثأره ثائر»توسّل معاوية بإنهاض طلحة و الزبير في قبال أمير المؤمنين عليه السلام فكتب إلى الزبير:«أمّا بعد،فإنّك الزبير بن العوام بن أبي خديجة،و ابن عمّة الرسول،و حواريه،و سلفه،و صهر أبي بكر،و فارس المسلمين،و أنت الباذل في اللّه مهجته بمكّة عند صيحة الشيطان،بعثك المنبعث فخرجت كالثعبان المنسلخ بالسيف المنصلت،تخبط خبط الجمل الرديع،كلّ ذلك قوة إيمان،و صدق يقين،و سبقت لك من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم البشارة بالجنّة،و جعلك عمر أحد المستخلفين على الامّة،و اعلم يا أبا عبد اللّه! أنّ الرعية أصبحت كالغنم المتفرّقة لغيبة الراعي،فسارع إلى حقن الدماء،و لمّ الشعث،و جمع الكلمة،و صلاح ذات البيت قبل تفاقم الأمر،و انتشار الامة،فقد أصبح الناس على شفا جرف عمّا قليل ينهار ان لم يرأب.فشمّر لتأليف الامة، و ابتغ إلى ربك سبيلا،فقد أحكمت الأمر من قبلي لك و لصاحبك على أنّ الأمر للمقدّم،ثم لصاحبه من بعده،جعلك اللّه من أئمة الهدى،و بغاة الخير و التقوى.
و كتب إلى طلحة:فإنّك أقلّ قريش في قريش و ترا مع صباحة وجهك، و سماحة كفّك،و فصاحة لسانك،فأنت بازاء من تقدّمك في السابقة،و خامس المبشّرين بالجنّة،و لك يوم احد و شرفه و فضله،فسارع إلى ما تقلدك الرعية
1) 1)
من أمرها.مما لا يسعك التخلّف عنه،و لا يرضى اللّه منك إلاّ بالقيام به،فقد أحكمت لك الأمر قبلي،و الزبير فغير متقدم عليك بفضل،و أيّكما قدّم صاحبه، فالمقدّم الإمام و الأمر من بعده للمقدّم له» (1)
روى هذه الكتب ابن أبي الحديد في شرحه 2:560،شرح الخطبة 182.
.و طلحة و الزبير كانا في طراز أبي بكر و عمر،فلمّا طعن عمر،و قال:
ادعوا لي الستّة فاحضروا قال:أكلكم يطمع في الخلافة بعدي؟قال له الزبير:
«ما الذي يبعدنا منها و لسنا دونك في قريش،و لا في السابقة و لا في القرابة» (2).
فلمّا لم يمكنه أن يدّعي هذا الأمر بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ساعد صدّيقهم ثم فاروقهم ثم صاحبهم الّذي سلطنته سلطنتهم،و بعد هتك صاحبهم،و رجوع الحق إلى نصابه.قدّم حواريّهم و صاحبه ليزلزل الأمر على أمير المؤمنين عليه السلام حتى يتمّ الأمر لنفسه،لكون الشام من قبل فاروقهم و صاحبه بيده،و أهله طغام لا يفرّقون بين الحق و الباطل،و ساعده باقي بني اميّة فتمّ له الأمر.
فكتب إلى مروان بعد كتابه إلى طلحة و الزبير-و كان بالمدينة-«ابحث عن أمورهم بحث الدجاجة عن حبّ الدخن عند فقاسها،و انغل الحجاز فإنّي منغل الشام».
و كتب إلى سعيد بن العاص:«إن عثمان عتب عليه فيكم،و قتل في سبيلكم ففيم القعود؟!فإذا قرأت كتابي هذا فدبّ دبيب البرء في الجسد النحيف،و سر سير النجوم تحت الغمام،و احشد حشد الذرّة في الصيف لانجحارها في الصرد».
و كتب إلى ابن عامر«و ساور الأمر مساورة الذئب الاطلس كسيرة
القطيع،و نازل الرأي،و انصب الشرك،و ارم عن تمكّن،وضع الهناء مواضع النقب،و اجعل أكبر عدّتك الحذر،و أحدّ سلاحك التحريض،و اغضض عن العوراء،و سامح اللجوج،و استعطف الشارد،و لاين الأشوس،و قوّ عزم المريد،و بادر العقبة،و ازحف زحف الحيّة».
و كتب إلى الوليد بن عقبة:«فلو قد استتبّ هذا الأمر لمريده،ألفيت كشريد النعام يفزع من ظلّ الطائر».
و كتب إلى يعلى بن منية:«كان أعظم ما نقموا عليه(أي عثمان)و عابوه به،و لايتك اليمن.فشمّر لدخول العراق،فأمّا الشام،فقد كفيتك أهلها،و أحكمت أمرها و قد كتبت إلى طلحة أن يلقاك بمكّة حتّى يجتمع رأيكما على إظهار الدعوة،و الطلب بدم عثمان».
فأجابوه بمساعدته.فكتب إليه مروان:«أنا كحرباء السبسب في الهجير ترقب عين الغزالة».و كتب إليه الوليد«ملأة بطني علي حرام إلاّ مسكة الرمق حتى أفري أوداج قتلة عثمان»و كذلك باقيهم كتبوا مثل ذلك (1)
روى هذه الكتب ابن أبي الحديد في شرحه 2:561-563،شرح الخطبة 182.
.و أمّا قول ابن أبي الحديد:«إنّ الطليق الذي كان من المؤلفة كيف يخطر ببال أحد أنّه يملك الإمامة الّتي هي نبوّة مختصرة» (2)فاعترض نظيره محمّد بن أبي بكر على معاوية نفسه.فأجابه بابتناء أمره على أمر صدّيقهم و فاروقهم.
فروى ابو الفرج و المسعودي،و نصر بن مزاحم،و غيرهم أنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى معاوية كتابا و في جملته،أنّ أوّل من أجاب و أناب،و صدّق و وافق،و أسلم و سلم،بعد بعثة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخوه و ابن عمّه علي بن أبي
طالب،فصدّقه بالغيب المكتوم،و آثره على كلّ حميم،فوقاه كلّ هول،و واساه بنفسه في كلّ خوف،فحارب حربه،و سالم سلمه،فلم يبرج مبتذلا لنفسه في ساعات الأزل،و مقامات الروع،حتّى يزر سابقا لا نظير له في جهاده،و لا مقارب له في فعله،و قد رأيتك تساميه،و أنت أنت،و هو هو المبرّز السابق في كلّ خير.أوّل الناس إسلاما و أصدق الناس نيّة،و أطيب الناس ذرّية،و أفضل الناس زوجة،و خير الناس ابن عم،و أنت اللّعين ابن اللّعين،ثم لم تزل أنت و أبوك تبغيان الغوائل لدين اللّه،و تجهدان على إطفاء نور اللّه،و تجمعان على ذلك الجموع،و تبذلان فيه المال،و تحالفان فيه القبائل.على ذلك مات أبوك، و على ذلك خلفته،و الشاهد عليك بذلك من يأوي إليك،و يلجأ من بقية الأحزاب، و رءوس النفاق و الشقاق للنبي عليه السلام،و الشاهد لعليّ عليه السلام مع فضله المبين، و سبقه القديم أنصاره الّذين ذكروا بفضلهم في القرآن،فأثنى اللّه عليهم من المهاجرين و الأنصار،فهم معه عصائب،و حوله كتائب،يجالدون بأسيافهم، و يهريقون دماءهم دونه،يرون الفضل في اتّباعه،و الشقاء في خلافه،فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعليّ عليه السلام،و هو وارث رسول اللّه،و وصيّه و أبو ولده، و أوّل الناس له اتّباعا،و آخرهم به عهدا،يخبره بسرّه،و يشركه في أمره، و أنت عدوّه،فتمتّع ما استطعت بباطلك،و ليمدد لك ابن العاص في غوايتك، فكأنّ أجلك قد انقضى،و كيدك قد و هى،و سوف يستبين لمن تكون العاقبة العلياء،و اعلم أنّك تكايد ربّك الذي قد أمنت كيده،و أيست من روحه،و هو لك بالمصراد،و أنت منه في غرور،و باللّه و أهل رسوله عنك الغناء».
قالوا:فكتب إليه معاوية«أتاني كتابك تذكر ما اللّه أهله في قدرته و سلطانه،و ما اصطفى به نبيّه مع كلام ألّفته لرأيك فيه تضعيف،و لأبيك فيه تعنيف ذكر حق ابن أبي طالب،و قديم سوابقه،و قرابته من النبي،و نصرته له،
و مواساته إيّاه في كل خوف،و احتجاجك علي،و عتبك لي بفضل غيرك لا بفضلك.فأحمد إلها صرف الفضل عنك،و جعلك لغيره،و قد كنّا و أبوك معنا في حياة من نبيّنا نرى حقّ ابن أبي طالب لازما لنا،و فضله مبرّزا علينا.فلمّا اختار اللّه لنبيّه ما عنده و أتمّ له ما وعده،و أظهر دعوته و أفلج حجّته.قبضه إليه،فكان أبوك و فاروقه أول من ابتزّه و خالفه،على ذلك اتّفقا و اتّسقا.ثم دعواه إلى أنفسهم فأبطأ عنهما و تلكّأ عليهما.فهمّا به الهموم،و أرادا به العظيم،فبايع و سلّم لهما،لا يشركانه في أمرهما و لا يطّلعانه على سرّهما، حتّى قبضا و انقضى أمرهما،ثم قام بعدهما ثالثهما عثمان بن عفان يهتدي بهديهما،و يسير بسيرتهما.فعبته أنت،و صاحبك.حتى طمع فيه الأقاصي، و بطنتما له،و أظهرتما عداوتكما و غلّكما.حتّى بلغتما منه منا كما.فخذ حذرك يا ابن أبي بكر.فسترى و بال أمرك،و قس شبرك بفترك.تقصر من أن توازي من تزن الجبال حلمه،لا تلين على قصر قناته،و لا يدرك ذو مدى أناته أبوك مهّد مهاده،و بنى ملكه و شاده.فإن يمكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله،و إن يك جورا فأبوك اسّه،و نحن شركاؤه،بهديه أخذنا،و بفعله اقتدينا،و لو لا ما سبقنا إليه أبوك.ما خالفنا ابن أبي طالب و أسلمنا له،و لكنّا رأينا أباك فعل ذلك فاحتذينا بمثاله،و اقتدينا بفعاله،فعب أباك ما بدا لك أو دع (1)
رواه المسعودي في مروج الذهب 3:11،و [1]ابن مزاحم في وقعة صفين:118،و [2]البلاذري في أنساب الأشراف 2: 393، [3]لكن لم يوجد في كتابي أبي الفرج:مقاتل الطالبيين،و الأغاني.
.و لعمري إنّ جوابه عين حقيقة الأمر،و من قضايا العقول أنّ بطلان اللازم يدلّ على بطلان الملزوم.فلو كانت خلافة صدّيقهم حقّا كانت خلافة معاوية أيضا حقّا،مع وضوح بطلانها لكونه عدوّ اللّه و عدوّ رسوله،و عدوّ دينه،و لعين نبيّه،فخلافة أبي بكر أيضا كذلك.
1) 1)
و هذا الكتاب هو الذي أشار إليه الطبري،و لم ينقله،و اعتذر بأنّه لا تحتمله العامّة (1)
تاريخ الطبري 3:557،سنة 36.
،و لو كان قال:لا يحتمله أولو الألباب لأتى بالصواب.و امّا قول ابن أبي الحديد:و هذا أعجب من العجب أن يجاهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قوما بسيفه و لسانه ثلاثا و عشرين سنة،و يلعنهم و ينزل القرآن بذمهم-إلخ (2)-فليس العجب مختصا بمن قال.ألم تكن عائشة معترضة على النبي طول أيّامه في باقي أزواجه و في معاشرتها معه حسبما نزلت فيه الآيات و تواترت به الروايات؟ألم يقل-عزّ و جلّ-فيها و في صاحبتها: «وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» (3)- «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلاَ النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ» (4)؟ أ لم يقل تعالى لها «وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى» (5)و «مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً» (6).
و مع ذلك يعتقد أهل نحلته كونها صدّيقة،و كان أصحاب حواريهم و صاحبه في الجمل يقولون:
يا معشر الأزد عليكم امّكم فإنّها صلاتكم و صومكم
و كانوا يقولون في من نزلت فيهم آية التطهير:
ان فاتنا علي فالغبن أو فاتنا ابناه حسين و حسن
إذن نمت بطول همّ و حزن
و كانت مع ذلك،ولايتها عندهم كولاية أبيها جزء الدين.ألم يسمعوا قوله تعالى في أمير المؤمنين عليه السلام و سيّدة نساء العالمين،و سيّدي شباب أهل الجنّة «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:234. [1]
سوى ما تواتر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيهم قولا و عملا،و مع ذلك هم عندهم كعرض الناس.و اما قوله:«و لمّا مات ذلك النبي شيد دينه الصالحون من أصحابه»فإن أراد بصالح أصحابه صدّيقهم،و فاروقهم،و أراد بتشييدهم دينه فتوحاتهما فبنو امية كانوا أكثر فتوحا منهم،و إن أراد بتشييدهم دينه إرادتهم إحراق أهل بيته لو لم يحضروا للبيعة معهم،و تركهم جنازة نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله و سلم بلا تجهيز، و معاملتهم مع بضعة نبيّهم سيّدة نساء العالمين ما عاملوا من أخذ فدك منها، و غير ذلك مما تسبب موتها؟ و قول ابن أبي الحديد:«فتسلمها منهم اولئك الأعداء» (2)ليته أضاف عليه بتسليم أولئك الأولياء الأمر إليهم.
و قوله:«و آلت تلك الحركة الاولى،و ذلك الاجتهاد السابق إلى أن كان ثمرته لهم»فيه انّه لم يكن مآل حركتهم تلك إلى ما قال،بل كانت حركتهم تلك عين ذاك فهل جعل عثمان باسم الشورى خليفة للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم غير عمر؟و هل كانت خلافة عثمان غير خلافة بني امية؟و كان عمر يعرف ذلك كاملا،و لم تكن أعمال بني اميّة في أيّام عثمان أقل شناعة من أعمالهم في أيّام معاوية بل
كانت أكثر فظاعة فمن شرب من بني امية،و صلّى بالناس الصبح أربعا، و تغنّى لهم فيها أيّام معاوية؟و هل معاوية الطليق و مروان الطريد الوزغ ابن الوزغ لا يحكمان أيّام عثمان الذي هو ذو نوريهم و ثالث راشديهم بهواهما كما شاءا؟و لم يكن لعثمان إلاّ معاملته مع أبي ذر،و عمّار المتّفق على جلالهما لا كرجال عشرتهم و ستّتهم لكفاه خزيا و معادلة لأعمال كثير من خلفاء بني اميّة.
«و لست به غير انّه بك شبيه» لم يقل عليه السلام «غير انّك به شبيه» للدلالة على أنّ مفاسد تصدّي معاوية للأمر و خبطاته و زلاّته فوق خبطات المستثقل النائم و المتحيّر القائم بمراتب .
«و أقسم باللّه انّه» هكذا في(المصرية)،و كلمة(انّه)زائدة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
توجد الكلمة في شرح ابن أبي الحديد 4:233،و شرح ابن ميثم 5:229،ايضا. [1]
،و الظاهر انّها كانت نسخة بدلية من«باللّه»في بعض النسخ فجمعت(المصرية)بينهما.«لو لا بعض الاستبقاء لوصلت إليك منّي قوارع» أي:شدائد كاسرة.
«تقرع» أي:تكسّر.
«العظم و تنهش اللحم» قال الجوهري:النهش النهس و هو أخذ اللحم بمقدّم الأسنان (2).
قال ابن أبي الحديد قيل:ان القوارع التي أشار إليها هي أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فوّض إليه أمر نسائه بعد موته،و جعل إليه أن يقطع عصمة ايتهنّ شاء إذا رأى ذلك،و له من الصحابة جماعة يشهدون له بذلك،فقد كان قادرا على أن يقطع عصمة أم حبيبة،و يبيح نكاحها الرجال عقوبة لها و لمعاوية أخيها فإنّها كانت
تبغض عليّا عليه السلام كما يبغضه أخوها،و لو فعل ذلك لانتهش لحمه،و هذا قول الإمامية،و قد رووا عن رجالهم أنّه عليه السلام تهدّد عائشة بضرب من ذلك،و أما نحن فلا نصدّق هذا الخبر،و نفسّر كلامه على معنى آخر،و هو أنّه قد كان معه من الصحابة قوم كثيرون سمعوا من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يلعن معاوية بعد إسلامه، و يقول:إنّه منافق كافر،و انّه من أهل النار،و الأخبار في ذلك مشهورة.فلو شاء أن يحمل إلى أهل الشام خطوطهم،و شهاداتهم بذلك،و يسمعهم قولهم ملافظة و مشافهة لفعل،و لكنّه رأى العدول عن ذلك مصلحة لأمر يعلمه هو، و لو فعل ذلك لا نتهش لحمه و إنّما أبقى عليه.
و قلت لأبي زيد البصري:لم أبقى عليه.فقال:و اللّه ما أبقى عليه مراعاة له،و لا رفقا به،و لكنه خاف أن يفعل كفعله،فيقول لعمرو بن العاص و حبيب بن مسلمة،و بسر بن ارطأة،و أبي الأعور و أمثالهم أرووا أنتم عن النبي ان عليّا عليه السلام منافق من أهل النار ثم يحمل ذلك إلى أهل العراق،فلهذا السبب أبقى عليه (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:234. [1]
.قلت:قوله«و هذا قول الإمامية»إن كان أشار به إلى تفسير القوارع في كلامه عليه السلام بما ذكر.فمن من الإماميّة قال ذلك؟هل الرضي قال ذلك أم المرتضى أم المفيد أم الصدوق أم الكليني أم غيرهم من معروفيهم،و إن أشار به إلى أصل تفويض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر نسائه إليه عليه السلام،و انّه عليه السلام هدّد بذلك عائشة فلم يكن ذلك مختصّا بالإمامية.فقد روى ذلك ابن أعثم الكوفي من رجالهم الأقدمين (2).لكن المراد سقوط حرمتهن،و خطابهن بأمّ المؤمنين دون إباحة نكاحهن.فالإمامية قائلون بأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نفسه لو طلّق امرأة لم
يجز نكاحها و لو كانت لم يدخل بها.
روى محمّد بن يعقوب،عن ابن اذينة،عن سعد بن أبي عروة،عن قتادة عن الحسن البصري أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم تزوّج عامرية جميلة،فقالت عائشة و حفصة:لا تغلبنا هذه.فقالتا لها:لا يرى منك النبي حرصا.فلما ادخلت عليه.
قالت«أعوذ باللّه منك»فانقبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يده و طلّقها،و تزوج كنديّة.فلمّا مات ابنه إبراهيم.قالت«لو كان نبيّا ما مات ابنه»فطلّقها أيضا قبل أن يدخل بها.فأتتا أبا بكر بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قد خطبتا.فقال هو و عمر لهما:اختارا إن شئتما الحجاب،و ان شئتما الباه.فاختارتا الباه.فجذم أحد الرجلين و جنّ الآخر-قال ابن اذينة،فحدّثت بهذا الحديث زرارة،و الفضيل فرويا عن أبي جعفر عليه السلام أنّه ما نهى اللّه عزّ و جلّ عن شيء إلاّ و قد عصي فيه حتى نكحوا ازواجه بعده-و ذكر هاتين،العامرية و الكنديّة (1)
رواه الكليني في الكافي 5:421 ح 3،و [1]النقل بتلخيص.
.و اما ما قاله من انّه كان معه عليه السلام من الصحابة قوم كثير سمعوا من النبي عليه السلام لعن معاوية،و أنّه منافق كافر،فصحيح،فروى نصر بن مزاحم في (صفينه)عن عمّار بن ياسر.قال:«و اللّه ما أسلم القوم،و لكن استسلموا و أسرّوا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا».
و عن ابن مسعود،و أبي سعيد أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه.قال أبو سعيد:فلم نفعل و لم نفلح.
و عن رجل شامي قال:سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول:شرّ خلق اللّه خمسة- إلى أن قال-و رجل من هذه الامة يبايع على كفره عند باب لدّ.قال:إنّي لما رأيت معاوية بايع عند باب لدّ ذكرت قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فلحقت بعليّ عليه السلام فكنت معه.
و عن البراء بن عازب قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«اللهمّ العن التابع
1) 1)
و المتبوع».و أشار إلى معاوية و أبيه.
و عن جابر الأنصاري عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:«يموت معاوية على غير ملتي».و عن ابن عمر«ما بين تابوت معاويه و تابوت فرعون إلاّ درجة،و ما انخفضت تلك الدرجة إلاّ انّه قال: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى» (1)
النازعات:24. [1]
.و روى نظير ذلك عن أبي برزة الأسلمي و عن زيد بن أرقم (2).و روى الطبري كتابا جمعه المأمون في كفر معاوية،و في لعنه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم (3).
و لا يبعد أن يكون مراد أمير المؤمنين عليه السلام ببعض الاستبقاء على معاوية كونه امتحانا للناس بعد إتمام الحجّة عليهم من أقوال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه و أعمال معاوية نفسها.
كما ان اللّه تعالى أتمّ الحجّة على الدهرية بشواهد وجوده في فطرة العقول،و على اليهود،و النصارى في حقّية رسوله بكتابه،و سائر بيّناته.
كما أن اللّه تعالى لم يظفر أمير المؤمنين عليه السلام بمعاوية مع هزيمته له في صفين أوّلا و قتل عليه السلام لمّا أراد الرجوع ثانيا،و لم يستقر أمره عليه السلام طول ايّامه لامتحان الناس.فإنّه عليه السلام لو كان استقر أمره لما ظهر ما في بواطن أولئك المنافقين،و ما صدر منهم بعده عليه السلام.
و روى نصر بن مزاحم انّه عليه السلام خطب في صفّين و قال في جملة خطبته:
«و إن من أعجب العجائب أنّ معاوية و عمرو بن العاص أصبحا يحرّضان الناس على طلب الدين بزعمهما-إلى أن قال-و أيم اللّه ما اختلف امّة قطّ بعد نبيها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها إلاّ ما شاء اللّه».فقال أبو سنان
الأسلمي:فسمعت عمّارا يقول:«أمّا أمير المؤمنين عليه السلام فقد أعلمكم أنّ الامّة لن تستقيم عليه».ثم تفرّق الناس،و قد نفذت بصائرهم (1)
رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:224. [1]
.هذا،و في(خلفاء ابن قتيبة):انّ معاوية لمّا امتنع الحسين عليه السلام و ابن الزبير و ابن عمر من اجابته إلى بيعة يزيد،ارتحل من المدينة إلى مكّة،و أعطى الناس اعطياتهم،و أجزل العطاء،و أخرج إلى كلّ قبيلة جوائزها و اعطياتها، و لم يخرج لبني هاشم جائزة و لا عطاء.فخرج ابن عباس في أثره حتى لحقه بالروحاء و جاء فجلس على بابه،فجعل معاوية يقول:من بالباب؟فيقال:
عبد اللّه بن عباس.فلم يأذن لأحد و نام.فلمّا استيقظ قال:من بالباب؟فقيل:ابن عباس.فدعا بدابته.فادخلت إليه.ثم خرج راكبا فوثب إليه ابن عباس فأخذ بلجام دابته.ثم قال:أين تذهب؟قال:إلى مكّة.قال:فأين جوائزنا؟فقال:و اللّه مالكم عندي جائزة حتى يبايع صاحبكم.قال ابن عباس:فقد أبى ابن الزبير و أخرجت جائزة بني أسد،و أبى ابن عمر،و أخرجت جائزة بني عدي،فمالنا إن أبى صاحبنا،و قد أبى صاحب غيرنا؟فقال معاوية:لستم كغيركم.لا و اللّه لا أعطيكم درهما حتى يبايع صاحبكم.فقال ابن عباس،أما و اللّه لئن لم تفعل لالحقنّ بساحل من سواحل الشام.ثم لأقولنّ ما تعلم.فقال معاوية:لا بل أعطيكم جوائزكم.فبعث بها إليهم (2).
و اما ما نقله عن أبي زيد.فساقط رديّ،فإن أهل العراق يعرفونه كاملا انّه وليّ اللّه كما كانوا يعرفون معاوية أنّه عدوّ اللّه،و إنّما كانوا أهل الدنيا، و غلب عليهم حبّها،و حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة،و لو كان ما قاله أمرا ممكنا لفعله معاوية و لم ينتظر ابتداء أمير المؤمنين عليه السلام بذلك،فإنّه كان لم يبال في
نيل مقصوده من ارتكاب كل شنيعة لو تيسّرت له .
«و اعلم أنّ الشيطان قد ثبّطك» أي:أوقفك و شغلك.
«عن أن تراجع أحسن امورك و تأذن» أي:تجعل اذنك سامعة.نظير قوله تعالى: «وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ» (1)
الانشقاق:2. [1]
.«لمقال نصيحك» فتقبله.
قوله عليه السلام في الثاني : «فاتّق اللّه في ما لديك و انظر من حقه عليك» قال ابن أبي الحديد:زيادة في كتابه عليه السلام قبل ما في الكتاب،و زيادة بعده.أمّا قبله فهو قوله عليه السلام«أمّا بعد فقد بلغني كتابك تذكر مشاغبتي،و تستقبح مؤازرتي، و تزعمني متحيّرا،و عن حق اللّه مقصّرا،فسبحان اللّه كيف تستجيز الغيبة، و تستحسن العضيهة،إنّي لم اشاغب إلاّ في أمر بمعروف،أو نهي عن منكر، و لم أضجر إلاّ على باغ مارق،أو ملحد منافق و لم آخذ في ذلك إلاّ بقول اللّه سبحانه «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ» (2).
و امّا التقصير في حقّ اللّه تعالى فمعاذ اللّه،و إنّما المقصّر في حق اللّه -جلّ ثناؤه-من عطّل الحقوق المؤكدة،و ركن إلى الأهواء المبتدعة،و أخلد إلى الضلالة المتحيّرة.و من العجب أن تصف يا معاوية الإحسان،و تخالف البرهان،و تنكث الوثائق التي هي للّه عزّ و جلّ طلبة،و على عباده حجّة،مع نبذ الإسلام،و تضييع الأحكام،و طمس الأعلام،و الجري في الهوى،و التهوّس في الردى».
قال:و اما الزيادة بعده فهو قوله«و ان للناس جماعة يد اللّه عليها،غضب.
اللّه على من خالفها.فنفسك نفسك قبل حلول رمسك،فإنّك إلى اللّه راجع،و إلى حشره مهطع،و سيبهظك كربه،و يحلّ بك غمّه.يوم لا يغني النادم ندمه،و لا يقبل من المعتذر عذره،يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا و لا هم ينصرون» (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:3. [1]
.ثم المراد بقوله عليه السلام«في ما لديك»قيل:مال المسلمين و فيئهم،و قيل:
نعمه تعالى عليه.
«و ارجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته» قيل:أي:معرفة الإمام و طاعته .
«فإن للطاعة» أي:طاعة اللّه الواجبة بحكم العقل.
«أعلاما واضحة» أي:علامات ظاهرة،و هي الإتيان بكلّ معروف دلّ عليه العقل أو أمر به الشرع،و ترك كلّ منكر حظرا عنه.
«و محجّة نهجة» أي:جادة بيّنة.
«و غاية مطلبة» و تبديل(المصرية)«مطلبة»بمطلوبة غلط لاتفاق(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)على كونه«مطلبة»و كذا الراوندي (2).
ثم المفهوم من ابن أبي الحديد كون«مطلبة»من باب الأفعال و بلفظ اسم الفاعل،فقال«مطلبة:أي مساعفة لطالبها بما يطلبه.تقول:طلب فلان منّي كذا فأطلبته»أي:سعفت به» (3).
قلت:يجوز أن يكون مطلبة بفتح الميم مفرد مطالب.قال في(الجمهرة):
«و المطالب مواضع الطلب،و يجوز أن تكون واحدة المطالب مطلبة» (4).
و المعنى يساعده بأن يكون المراد أنّ للطاعة غاية،و هي الجنّة موضع
الطلب،و أمّا ما قاله فالمعنى لا يساعده،لأنّ الجنّة التي غاية الطاعة ليست بمساعفة لطالبها.كيف و قد حفّت بالمكاره،و إنّما المناسب إذا كان«المطلبة» فاعلا من الأفعال أن تكون من قولهم«ماء مطلب و كلاء مطلب»تباعدا فطلبهما الناس.قال ابن دريد«الكلاء المطلب الذي لا يوصل إليه إلاّ بمشقّة،و قال الأصمعي:كلاء مطلب إذا عنّى طالبه.قال الشاعر ذو الرمة:
أضلّه راعيا كلبيّة صدرا عن مطلب و طلى الأعناق تضطرب (1)
جمهرة اللغة 1:309، [1]مادة(بطل).
لا من قولهم:«طلب منّي فأطلبته»و قوله:«أي أسعفت له»أيضا غلط.
ففي(الأساس)أي:فأسعفته (2).
و يجوز أن يكون«مطلبة»بتشديد الطاء من باب الافتعال كالمطّلب الّذي اسم أخي هاشم،لكن مطلبة بلفظ المفعول:أي:انّ للطاعة غاية لا بدّ أن يتحمّل في طلبها.
و يجوز أن تكون بتشديد اللام من باب التفعيل.ففي القاموس طلبه تطليبا طلبه في مهلة (3).فيكون المعنى الجنّة التي غاية الطاعة يجب أن تطلب في مدّة المهلة.لكنّه لا يخلو من تكلّف.
«يردها» أي:يرد تلك الغاية،و المراد ما يؤدي إليها كقوله تعالى: «وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ» (4).
«الأكياس» جمع أكيس:أي:الفطن و هو ضدّ الأحمق.قال:
فكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم و ان كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا (1)
أورده في لسان العرب 6:200، [1]مادة(كيس)،و أساس البلاغة:400، [2]مادة(كيس).
و(اكيست المرأة و اكاست):جاءت بأولاد أكياس قال:
فلو كنتم لمكيسة أكاست و كيس الامّ يظهر في البنينا
و لكن امّكم حمقت فجئتم غثاثا ما نرى فيكم سمينا (2)
«و يخالفها» بترك ورودها.
«الأنكاس» ضعفاء العقول الأحمقون الأرذال،و الولد المنكوس الذي تخرج رجلاه قبل رأسه،و سهم نكس:انكسر فوقه،فجعل أعلاه اسفله،قال الحطيئة «مجدا تليدا و عزا غير أنكاس»
(3). «من نكب» أي:عدل.
«عنها حاد» أي:مال.
«عن الحق» و اختار الباطل.
«و خبط» قال الجوهري:خبط البعير الأرض بيده خبطا.ضربها،و منه قيل:«خبط عشواء»و هي الناقة الّتي في بصرها ضعف تخبط إذا مشت لا تتوقى شيئا (4)،و في(الأساس)و من المجاز«بات يخبط الظلماء»«و ما أدري أيّ خابط الليل هو» (5).
«في التيه» قال الجوهري:التيه:المفازة يتاه فيها (6)،أي:يتحيّر.
«و غيّر اللّه نعمته» هكذا في النسخ (1)
كذا في نهج البلاغة 3:37،و [1]شرح ابن أبي الحديد 4:3،و شرح ابن ميثم 4:448.
،و الظاهر أنّ فيه تحريفا و أنّ الأصل «و غيّر نعمة اللّه بالكفر»أخذا من قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً» (2)و قد ورد في أخبار كثيرة تفسير الآية بقريش و على رأسهم بنو اميّة (3)،و على رأسهم معاوية،بدّلوا نعمة اللّه كفرا حيث عدلوا عن وصيّ نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمير المؤمنين عليه السلام إلى غيره،و أيضا السياق لا يناسب،حيث أنّ الفاعل في«حاد»و«خبط»ضمير«من»فكيف غيّر في«و غيّر».«و أحلّ به نقمته» الفاعل في«أحلّ»ضمير«من نكب»:أي عمل عملا استحق به حلول نقمته تعالى عليه،و لا يبعد أن يكون مأخوذا من قوله تعالى «وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ» (4)بعد ما مرّ من قوله تعالى «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً » (5).
«فنفسك نفسك» قال عزّ و جلّ: «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» (6).
«و حيث تناهت بك أمورك» أي:و انقضت دنياك أو بلغت امانيك في العاجلة. «فقد أجريت(في سير حياتك)إلى غاية خسر» كما قال عزّ و جلّ «إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ» (7).
«و محلّة كفر» أي:مكان تحلّه الكفار و تنزله و هو النار.
قال ابن أبي الحديد:الأولى أن لا يكون قوله عليه السلام:«و حيث تناهت بك امورك»معطوفا و لا متصلا بقوله عليه السلام«فقد بيّن اللّه»بل مثل قولهم«حيث
أنت،أي قف حيث أنت،و قولهم«مكانك»:أي:قف مكانك (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:3،و [1]النقل بتلخيص.
.قلت:فيه أوّلا،انّه لا مناسبة لأن يقول عليه السلام له قف مكانك.فإنّه كان تجاوز حدّه و أفرط في أمره،فالمناسب أن يقول له«فارجع عن غيّك و ضلالك»لا«قف حيث أنت»و ثانيا،إنّه ليس عدم عطفه أولى بل غير جائز لأنّه لا معنى للعطف و استينافه معين.
كان الحسن البصري يقول:أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه إلاّ واحدة منهنّ لكانت موبقة:افتراؤه على هذه الامّة بالسفهاء حتّى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم،و فيهم بقايا الصحابة و ذوو الفضيلة،و استخلافه بعده ابنه يزيد سكّيرا خمّيرا يلبس الحرير،و يضرب بالطنابير،و ادعاؤه زيادا،و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«الولد للفراش و للعاهر الحجر»،و قتله حجرا و أصحابه فيا ويله من حجر و أصحاب حجر (2).
«و إنّ نفسك قد أولجتك» أي:أدخلتك.
«شرّا» أيّ:شرّ.
«و أقحمتك» أي:أطرحتك.
«غيّا» و ضلالا.
«و أوردتك المهالك» و لا يحصل منك صدور و رجوع.
«و أوعرت» أي:أصعبت.
«عليك المسالك» فلا تصل إلى المقصد (3).
من الخطبة(154)
و قام إليه رجل،فقال:أخبرنا عن الفتنة،و هل سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم؟فقال:
لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ- «الم أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ» - عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لاَ تَنْزِلُ بِنَا- وَ؟رَسُولُ اللَّهِ ص؟ بَيْنَ أَظْهُرِنَا- فَقُلْتُ يَا؟رَسُولَ اللَّهِ؟ مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللَّهُ بِهَا- فَقَالَ يَا؟عَلِيُّ؟ إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي- فَقُلْتُ يَا؟رَسُولُ اللَّهِ؟- أَ وَ لَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي؟يَوْمَ أُحُدٍ؟- حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ- وَ حِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ- فَقُلْتَ لِي أَبْشِرْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ- فَقَالَ لِي إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً- فَقُلْتُ يَا؟رَسُولَ اللَّهِ؟ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ- وَ لَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَ الشُّكْرِ- وَ قَالَ يَا؟عَلِيُّ؟ إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي بِأَمْوَالِهِمْ- وَ يَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ- وَ يَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ وَ يَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ- وَ يَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ- وَ الْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ- وَ السُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ وَ الرِّبَا بِالْبَيْعِ- فَقُلْتُ يَا؟رَسُولَ اللَّهِ؟- فَبِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ- أَ بِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ فَقَالَ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ أقول:قال ابن أبي الحديد:هذا الخبر رواه كثير من المحدّثين عنه عليه السلام أنّ النبي قال له:انّ اللّه قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين.فقلت:يا رسول اللّه!ما هذه الفتنة الّتي كتب علي فيها الجهاد؟قال:
قوم يشهدون ألاّ إله إلاّ اللّه،و أني رسوله،و هم مخالفون للسنّة.فقلت:فعلام
اقاتلهم و هم يشهدون كما أشهد.قال:على الإحداث في الدين،و مخالفة الامة.
فقلت:انّك وعدتني الشهادة.فاسأل اللّه أن يعجّلها إليّ بين يديك.قال:فمن يقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين؟و أمّا أنّي و عدتك الشهادة و ستستشهد،تضرب على هذه فتخضب هذه.فكيف صبرك إذن؟فقلت:ليس ذا بموطن صبر و لكنه موطن بشرى و شكر.قال:أجل.أصبت.فأعدّ للخصومة.فإنّك مخاصم.فقلت:لو بيّنت لي قليلا.فقال:إنّ امّتي ستفتتن من بعدي.فتتأوّل القرآن،و تعمل بالرأي،و تستحلّ الخمر بالنبيذ.و السّحت بالهديّة،و الربا بالبيع،و تحرّف الكلام عن مواضعه،و تغلب كلمة الضلال،فكن حلس بيتك حتّى تقلّدها.فإذا قلّدتها جاشت عليك الصدور.و قلّبت لك الامور.
تقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله،فليست حالهم الثانية بدون حالهم الاولى.فقلت:فبأيّ المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك؟ أ بمنزلة فتنة أم بمنزلة ردّة؟فقال:بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل.فقلت:أ يدركهم العدل منّا أم من غيرنا؟قال:بل منّا بنا فتح و بنا يختم، و بنا الّف بين القلوب بعد الشرك،و بنا يؤلّف بين القلوب بعد الفتنة.فقلت:
الحمد للّه على ما وهب لنا من فضله (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:442،و [1]النقل بتصرف يسير.
.قلت.و رواه المفيد في أماليه الشيخ المفيد-الأمالي-ص 288 ح 7،المجلس 34 عن علي بن بلال المهلّبي مثله (2).
قال ابن أبي الحديد:قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«بمنزلة فتنة»تصديق لمذهبنا في أهل البغي،و أنّهم لم يدخلوا في الكفر بالكليّة بل هم فسّاق،و الفاسق عندنا في منزلة بين المنزلتين خرج من الإيمان و لم يدخل في الكفر (3).
قلت:لم ترك ما هو الاهمّ من دلالة كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على افتتان جميع الامّة بعده صلّى اللّه عليه و آله و سلم بما ذكر من تأويل القرآن،و العمل بالرأي،و استحلال الخمر و السحت و الربا و تحريف الكلم،و غلبة كلمة الضلال،و انّ أمير المؤمنين عليه السلام كان مأمورا من قبل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالقعود في داره و كونه حلس بيته حتى يصل الأمر إليه،و انّ الامّة من يوم وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمنزلة فتنة ليست أدون في الضلال من حالهم الاولى في عبادة الأوثان،و هم كذلك إلى أن يظهر المهدي عليه السلام من ولده.فيخرجهم من الفتنة كما أخرجهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من الشرك؟ ثم عدم دخولهم في الكفر موضوعا غير مفيد لهم و له لأنهم مثلهم حكما في الهلكة،و اليهود و النصارى من الموحّدين اسما و هم من المشركين معنى.
قال:أبو المقدام لأبي جعفر الباقر عليه السلام ان العامة يزعمون أنّ بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضا للّه تعالى،و ما كان اللّه ليفتن امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم من بعده.فقال أبو جعفر عليه السلام:أو ما يقرءون كتاب اللّه؟أو ليس اللّه يقول: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ» (1)
آل عمران:144. [1]
؟فقال:انّهم يفسّرونه على وجه آخر.فقال:أو ليس قد أخبر اللّه عن الذين من قبلهم من الامم أنّهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البيّنات حيث قال: «وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ»1) 1)
«وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ» (1)
أخرجه الكليني في الكافي 8:270 ح 398،و الآية 253 [1] من سورة البقرة.
؟ و روى ابن المغازلي-و هو منهم-عن كتاب شواهد التنزيل بإسناده إلى ابن عباس في تأويل قوله تعالى: «وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً» (2)لمّا نزلت هذه الآية قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:من ظلم عليّا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنّما جحد نبوّتي و نبوّة الأنبياء قبلي».قال:و رواه ابن مسعود مع زيادة (3).«و قام إليه رجل،و قال:اخبرنا عن الفتنة،و هل سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم» قلت:بيّن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الفتنة لمن سأله عنها،و من لم يسأله،بل بيّن صلّى اللّه عليه و آله و سلم منشأ الفتنة أيضا.ففي الجمع بين صحيحي الحميدي في الحديث الثلاثين من مسند ابن عمر:قام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة و قال«هاهنا الفتنة-ثلاثا-من حيث يطلع قرن الشيطان» (4).
فان الخبر إشارة إلى بعث عائشة في مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أبيها أن يصلّي بالناس مقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فجعل ذلك عمر شبهة شبّه بها على الناس فقال لمّا أراد بيعته«رضيك النبي لديننا أفلا نرضاك لدنيانا».جعل عمر خلافة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمرا دنيويا مع أنّ خالد بن الوليد استحلّ قتل مالك بن نويرة مع إسلامه باعتراف عمر بتعبيره عن أبي بكر في مكالمته بقوله«صاحبك»و انّه ما رآه صاحبا له.إن هذا إلاّ تهافت عجيب و اختلاط غريب.
1) 1)
2) 2) الانفال:25. [2]
3) 3) أخرجه الحسكاني في شواهد التنزيل 1:206 ح 269، [3]عن ابن عباس،و أخرجه ابن طاوس في الطرائف 1:36 ح 25، [4]عن ابن مسعود و لم يرو الحديث ابن المغازلي اصلا.
4) 4) رواه عن الحميدي ابن طاوس في الطرائف 1:297 ح 384،و [5]الحديث بفرق في العبارة أخرجه مسلم في صحيحه 4:2229 ح 46 و 48.
و أيضا عيّن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ميزانا للحق و الحقيقة عند الفتن و اختلاف الناس فروى ابن ديزيل-و هو منهم و نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر-أنّ رجلا جاء إلى ابن مسعود.فقال:إنّ اللّه تعالى آمننا أن يظلمنا،و لم يؤمّنا أن يفتتنا.أرأيت إذا أنزلت فتنة كيف أصنع.فقال:عليك كتاب اللّه.فقال:أ فرأيت ان جاء قوم كلّهم يدعو إلى كتاب اللّه.فقال ابن مسعود:سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول:إذا اختلف الناس كان ابن سميّة مع الحقّ يعني عمارا (1)
رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 1:255،شرح الخطبة 43.
.قلت:جعل عمّار ميزانا كالنص في أمير المؤمنين عليه السلام حيث ان متابعته له و كونه من خواصّه عليه السلام أمر متحقق،كما انّ مباينته مع عثمان و استحلاله دمه و تكفيره له أمر مقطوع،و يظهر مباينته مع أبي بكر و عمر و اعتقاده كون تصدّيهما للأمر ظلما من كلامه يوم الشورى الّذي رواه الكلّ (2).
«فقال عليه السلام لما أنزل اللّه سبحانه قوله «الم أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ» (3)الآية في أول سورة العنكبوت .
«علمت انّ الفتنة لا تنزل بنا و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بين أظهرنا» أي:و هو في الحياة.
انما علم عليه السلام انّ نزول الفتنة ليس في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأنّ للفتنة أسبابا كانت حياته مانعة منها.فمن يقدر منهم أن يدّعي كونه خليفته صلّى اللّه عليه و آله و سلم في حياته كما انّ فتن السامري لبني إسرائيل كانت بعد غيبوبة موسى عليه السلام، و ما دام كان شاهدا لم يمكنه ذلك.
و نزول الفتن و ان كان بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:إلاّ أنّ تهيئة أسبابها كانت من
زمن مرضه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال الشهرستاني في(ملله)بعد ذكر اعتراضات من المنافقين في حياته و في حال صحته كقول ذي الخويصرة له«اعدل يا محمد فإنّك لم تعدل»«و اما الاختلافات الواقعة في حال مرضه و بعد وفاته بين الصحابة فهي اختلافات اجتهادية-كما قيل-كان غرضهم فيها إقامة مراسم الشرع و إدامة مناهج الدين» (1)
الملل و النحل 1:28-29. [1]
.قلت:لو كان الأمر كما ذكر و كما قاله بعضهم في غرضهم لم يكن اللّه عالما حيث يجعل رسالته،و كان رسوله ينطق عن الهوى،و انّما كان اجتهادهم ذلك لعمر اللّه لأن اعتقادهم كان كما قال غير مرائيهم:
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء و لا وحي نزل
قال الشهرستاني-بعد ما مرّ-«فأوّل تنازع في مرضه في ما رواه محمّد بن إسماعيل البخاري باسناده عن عبد اللّه بن عباس قال:لما اشتدّ بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم مرضه الّذي مات فيه قال:«إيتوني بدواة و قرطاس اكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعدي».فقال عمر:«إنّ رسول اللّه قد غلبه الوجع.حسبنا كتاب اللّه»و كثر اللغط.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع»قال ابن عباس:الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بيننا و بين كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
و قال:«الخلاف الثاني في مرضه أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:«جهّزوا جيش اسامة.
لعن اللّه من تخلّف عنه»فقال قوم:يجب علينا امتثال أمره،و اسامة قد برز من المدينة،و قال قوم:«قد اشتدّ مرض النبي فلا تسع قلوبنا مفارقته و الحالة هذه،فنصبر حتى نبصر أيّ شيء يكون من أمره».
قال الشهرستاني:و إنما أوردت هذين التنازعين لأنّ المخالفين ربّما عدّوا ذلك من الخلافات المؤثّرة في أمر الدين،و ليس كذلك،و إن كان الغرض
1) 1)
كلّه إقامة مراسم الشرع في حالة تزلزل القلوب،و تسكين نائرة الفتنة المؤثرة عند تقلّب الامور (1)
الملل و النحل 1:29. [1]
.قلت:قد عرفت الجواب عن قوله«و ان كان الغرض إقامة مراسم الشرع» و لعمر اللّه كان الغرض إقامة مراسم رياستهم،و هذا الشهرستاني في كتابه ذاك المترجم ب(الملل و النحل)جمع الملل الباطلة الحادثة في الإسلام.أليس ذنب جميعهم على عمر الّذي لم يدع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يكتب كتابا لا تضلّ الامّة بعده؟أليس ذلك فوق كلّ رزيّة،و سبب كلّ فتنة حدثت في الإسلام أو تحدث إلى يوم القيامة؟ و العجب انّه يقول:«حسبنا كتاب اللّه»و هو يردّ كتاب اللّه تعالى في قوله جلّ و علا «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى» (2)بقوله«قد غلبه الوجع»في قوله«ايتوني بدواة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعدي»و ان نطقه هذا ليس من وحي يوحى إليه بل من سلب شعوره.
ثمّ أيّ شيء كان عمر يفهم من كتاب اللّه إلاّ الضرب بالسياط لمن سأله عن تفسير بعض آياته،فرووا و منهم ابن أبي الحديد أنّ رجلا جاء إلى عمر فقال:انّ ضبيعا التميمي لقينا فجعل يسألنا عن تفسير حروف من القرآن.
فقال:اللّهم امكنّي منه.فبينا عمر يوما جالسا يغدّي الناس إذ جاءه الضبيع و عليه ثياب و عمامة فتقدّم فأكل حتّى إذا فرغ قال:يا أمير المؤمنين ما معنى قوله تعالى «وَ الذّارِياتِ ذَرْواً فَالْحامِلاتِ وِقْراً» (3)قال:ويحك أنت هو؟فقام إليه فحسر عن ذراعيه.فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته.فإذا له ضفيرتان.
فقال:و الّذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك.ثم أمر به.
فجعل في بيت.ثم كان يخرجه كلّ يوم.فيضربه مئة،فإذا برأ أخرجه فضربه مئة اخرى.ثمّ حمله على قتب،و سيّره إلى البصرة،و كتب إلى أبي موسى يأمره أن يحرّم على الناس مجالسته،و ان يقوم في الناس خطيبا،ثم يقول:ان ضبيعا قد ابتغى العلم فأخطأه.فلم يزل وضيعا في قومه و عند الناس حتى هلك،و كان من قبل سيّد قومه (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3:122،شرح الخطبة 226،و بفرق في المتن البزار و الدار قطني و ابن مردويه و ابن عساكر و الفريابي و عنهم الدر المنثور 6:111. [1]
.و أليس كلّ فرقة باطلة تحاجّ لمدّعاها بكتاب اللّه؟فكيف يكون حسبهم كتاب اللّه؟ثم ما يفعل بلعن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم المتخلّف عن جيش اسامة،و قد كان عمر فيهم بالإجماع،و أبو بكر على المشهور عندهم.
قال الشهرستاني-بعد ما مرّ-«الخلاف الثالث في موته صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال عمر «من قال انّ محمّدا مات قتلته بسيفي هذا و إنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى»-و قال أبو بكر:«من كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات،و من كان يعبد اله محمد.فإنّه حيّ لم يمت و لا يموت،و قرأ هذه الآية «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» (2)فرجع القوم إلى قوله و قال عمر:كأنّي ما سمعت هذه الآية حتّى قرأها أبو بكر (3).
قلت:تارة يقول عمر«حسبنا كتاب اللّه و لا نحتاج إلى وصيّة رسوله» و اخرى ما سمع من كتاب اللّه آية يعرفها جميع الصحابة،هب ما سمع آية
قرأها أبو بكر و هي «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ» (1)
آل عمران:144. [1]
-الآية أو ما سمع آية «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» (2)؟ هب ما سمع تلك الآية و لا هذه الآية،أو ما رأى أنّ جميع الأنبياء من آدم إليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ماتوا أو هل سمع يوما من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:إنّي ما أموت،حتّى يقول ما يقول؟ و لعمر اللّه ان الرجل ما كان مغفّلا،و إنّما كان مزوّرا أراد بما قال حضور أبي بكر و لم يكن ذاك الوقت حاضرا.فألقى تلك الكلمة ليشوّش أذهان الناس حتّى لا يذكروا اسم أمير المؤمنين عليه السلام فيجيء أبو بكر فيفعلا ما أرادا.ثم بعد فهمه موت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من قراءة أبي بكر الآية لم ترك حضور جنازته بل أحضر عوضه النار ليحرق أهل بيته لو لم يحضروا لبيعة مع أبي بكر.قال الشهرستاني«الخلاف الخامس في الإمامة،و أعظم خلاف بين الامّة خلاف الإمامة إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان» (3).
روى علي بن إبراهيم القمي في تفسيره أنّ العباس جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فقال:انطلق بنا نبايع الناس لك.فقال له:
أ تراهم فاعلين قال:نعم قال:فأين قوله تعالى «أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ» (4).
و قال محمّد بن مسلم بن النعمان في ارشاده:قد جاءت الرواية انّه لمّا
تمّ لأبي بكر ما تمّ و بايعه من بايع جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام و هو يسوّي قبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمسحاة في يده.فقال له«انّ القوم بايعوا أبا بكر، و وقعت الخذلة للأنصار لاختلافهم،و بدر الطلقاء بالعقد للرجل خوفا من إدراككم الأمر»فوضع طرف المسحاة على الأرض،و يده عليها ثم قال «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ» (1)
الإرشاد:101،و [1]الآيات 1-4 من سورة العنكبوت. [2]
.و روى الكراجكي في(كنزه)عن عمرو بن ثابت قال:قال أبو جعفر في قوله تعالى «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ» (2)انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان حريصا على أن يكون بعده على الناس علي بن أبي طالب عليه السلام و كان عند اللّه خلاف ذلك و عنى بذلك قوله-عزّ و جلّ- «الم أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ» (3)فرضي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بأمره عزّ و جلّ (4).
و روى نصر بن مزاحم في(صفّينه):ان عكبر الأسدي فارس أهل الكوفة كان له عبادة و لسان،فقام إلى علي عليه السلام و قال:إنّ في أيدينا عهدا من اللّه لا نحتاج فيه إلى الناس،و قد ظننّا بأهل الشام الصبر،و ظنّوه بنا.فصبرنا و صبروا و قد عجبت من صبر أهل الدنيا لأهل الآخرة،و صبر أهل الحق على أهل الباطل و رغبة أهل الدنيا.ثم نظرت.فإذا أعجب ما يعجبني جهلي بآية من
كتاب اللّه «الم أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ» (1)
العنكبوت:1-3. [1]
قال:و أثنى عليه علي عليه السلام خيرا (2).
«فقلت يا رسول اللّه ما هذه الفتنة» قال الجوهري:«الفتنة و الاختبار الامتحان تقول فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته» (3)و في (الأساس):«و كلّ شيء أدخل النار فقد فتن.قال الحارثي:
تثعلبت لي أن خلتني بك واقعا و قد يفتن المكواة و العير يضرط (4)
«الّتي أخبرك اللّه بها» في قوله جلّ و علا: «أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ » (5).
«فقال:يا علي!انّ امتي سيفتنون» أي:يختبرون.
«من بعدي»هكذا في(المصرية)،و الصواب: «بعدي» بدون من كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (6).
و روى الطبري عن أبي مويهبة مولى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:بعثني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من جوف الليل.فقال لي:يا أبا مويهبة إنّي قد أمرت ان استغفر لأهل البقيع.فانطلق معي.فانطلقت معه.فلمّا وقف بين أظهرهم قال:السلام عليكم أهل المقابر.ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه،أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها،الآخرة شرّ من الاولى-إلى أن قال-ثم
استغفر لأهل البقيع،ثم انصرف فبدئ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بوجعه الّذي قبض فيه (1)
تاريخ الطبري 2:432،سنة 11. [1]
.و روى عن عائشة قالت:رجع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من البقيع.فوجدني و أنا أجد صداعا في رأسي،و أنا أقول:وا رأساه!قال:بل أنا و اللّه يا عائشة وا رأساه.ثم قال:ما ضرّك لو متّ قبلي فقمت عليك،و كفّنتك،و صلّيت عليك،و دفنتك،فقلت:
و اللّه لكأنّي بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك.فتبسّم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و تتأمّ به وجعه-إلى أن قالت-فخرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس،و رجل آخر تخطّ قدماه الأرض عاصبا رأسه حتى دخل بيتي.قال عبيد اللّه بن عتبة الراوي عن عائشة فحدّثت هذا الحديث عنها عبد اللّه بن عباس.فقال:هل تدري من الرجل.قلت:لا،قال:علي بن أبي طالب،و لكنها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير و هي تستطيع (2).
قلت:و لمّا سمعت في مكّة ببيعة الناس له قالت«ليت السماء خرّت على الأرض،و لم أسمع بذلك» (3)و إذا كان هذا حال امرأة منهم لم يكن بينه عليه السلام و بينها ثأر،كيف كان حال رجال قتل عليه السلام صناديدهم.فكانوا ينظرون إليه عليه السلام كما قال عمر:نظر الثور إلى جازره.فكيف لا يشعلون بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نار فتنة؟و كيف يخلّون وصيّه يقوم مقامه؟و لو كان عليه السلام عيّنه اللّه تعالى في كتابه في قوله جلّ و علا: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (4)،و دلّ عليه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في خلائه و ملائه،و منه في المتواتر عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«من كنت مولاه
و أولى به من نفسه فعليّ مولاه» (1)
حديث الغدير المتواتر أخرجه كثير من أهل الحديث،منه ما أخرجه ابن عساكر من طرق كثيرة في ترجمة علي عليه السلام 2:5-90 ح 503-593. [1]
و أولى به نفسه،و كان متعيّنا في علمه و عمله،و كونه من جنس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و سنخه في دلالة فطرة العقول و ناموس الطبيعة.و روى الجوهري في(سقيفته)-و نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر- انّ عبد الرحمن بن عوف لمّا بايع عثمان قال المقداد«و اللّه ما رأيت مثل ما أتى إلى هذا البيت»فقال له عبد الرحمن:و ما أنت و ذاك يا مقداد.قال:إنّي و اللّه أحبّهم لحبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و انّي لأعجب من قريش،و تطاولهم على الناس بفضل رسول اللّه ثم انتزاعهم سلطانه من أهله.قال عبد الرحمن:أما و اللّه لقد أجهدت نفسي لكم.قال المقداد:أما و اللّه لقد تركت رجلا من الّذين يأمرون بالحقّ و به يعدلون؟!أما و اللّه لو أنّ لي على قريش أعوانا لقاتلتهم قتالي إيّاهم ببدر و احد فقال عبد الرحمن:ثكلتك امّك!لا يسمعنّ هذا الكلام الناس.فإنّي أخاف أن تكون صاحب فتنة و فرقة.
قال المقداد:إنّ من دعا إلى الحقّ و أهله و ولاة الأمر لا يكون صاحب فتنة و لكن من أقحم الناس في الباطل و آثر الهوى على الحقّ.فذلك صاحب الفتنة و الفرقة-فتربّد وجه عبد الرحمن-الخبر (2)و تربّد وجهه لأنّه جعلهم في قوله«قتالي إياهم ببدر و احد»نظير أبي جهل و نظرائه .
«فقلت يا رسول اللّه أ و ليس قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين» استشهد يوم احد عمّه حمزة،و سبعون من الصحابة،منهم حنظلة غسيل الملائكة.
و في احد قال جبرئيل للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم-كما في(الطبري)-لمّا رأى مواساة أمير المؤمنين عليه السلام معه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الدفاع عنه لمّا أراد المشركون طائفة بعد طائفة قتله صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«إنّ هذه للمواساة»فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«إنّه منّي و أنا منه» فقال جبرئيل:«و أنا منكما»فسمعوا صوتا:«لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علي» (1)
تاريخ الطبري 2:197،سنة 3. [1]
.و في احد فرّ عثمان إلى جبل يلي الأعوص،و أقام به ثلاثا.فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:لقد ذهبت فيها عريضة (2).
«و حيزت» أي:انعدلت.
«عنّي الشهادة» فلم اقتل في من قتل .
«فشقّ ذلك علي» بحرماني عن الشهادة.
«فقلت لي» هكذا في النسخ (3)،و الجملة إمّا زائدة،و إمّا مؤكّدة لقوله«قلت لي»قبل.
«أبشر فإنّ الشهادة من ورائك.فقال لي إنّ ذلك لكذلك» أي:قلت لك ذاك اليوم الشهادة من ورائك و هو كذلك شتان بين من شهد بشهادته رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و من شهد بكون قتله شهادة كعب الأحبار الّذي كان يهوديا ثم صار مسلما منافقا يحسّن لعثمان مساويه،و يصحّح له نهبه بيت مال المسلمين حتّى ضربه أبو ذر رضى اللّه عنه بعصاه فشجّه.
قال ابن قتيبة:دخل كعب الاحبار على عمر بعد طعنه.فقال:قد كنت أنبأتك أنّك شهيد قال:و من أين لي الشهادة و أنا بجزيرة العرب.ثم جعل
الناس يثنون عليه (1)
الإمامة و السياسة 1:21،و [1]النقل بتلخيص.
.«أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ» كمن «زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً» و بشارة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالشهادة من اعلام النبوّة حيث وصل خبرها متواترا مع ذكر خصوصيّاتها بضربة على رأسه تخضب منها لحيته،و كذلك تواتر عنه عليه السلام إخباره بذلك (2).
«فكيف صبرك إذن فقلت:يا رسول اللّه ليس هذا من مواطن الصبر،و لكن من مواطن البشرى و الشكر» قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له عليه السلام«فكيف صبرك إذن»كان على حسب الظاهر من كون القتل بلاء و ليصبر عليه،و جوابه عليه السلام بحسب المعنى من كون القتل إذا كان في سبيل اللّه يصير نعمة يبشّر بها،و يلزم الشكر عليها .
«و قال:يا علي إنّ القوم سيفتنون» أي:يمتحنون.
«بعدي» هكذا في(المصرية)،و الكلمة زائدة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (3).
«بأموالهم» قال تعالى: «أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ» (4).
و عن ابن عباس:إنّ أوّل درهم و دينار ضربا في الأرض نظر إليهما إبليس فلمّا عاينهما أخذهما فوضعهما على عينيه،ثم ضمّهما إلى صدره، ثم صرخ صرخة،ثم ضمّهما إلى صدره،ثم قال:أنتما قرّة عيني،و ثمرة فؤادي ما ابالي من بني آدم إذا أحبّوا كما أن لا يعبدوا وثنا،و حسبي من بني
آدم أن يحبّوكما (1)
أخرجه الصدوق في امالية:168 ح 14،المجلس 36. [1]
.قلت:إنّما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«سيفتنون بأموالهم بعده»لأنّ في عصره عليه السلام لم يكن لهم مال و إنّما صاروا ذوي أموال بفتوح فارس و الروم.روى ابن عبد البر في(استيعابه)في ترجمة عبد الرحمن بن عوف بأسانيد،انّه دخل على امّ سلمة فقال يا أمه!قد خفت ان يهلكني كثرة مالي،أنا أكثر قريش مالا قالت:
تصدّق فإنّي سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول:«إنّ من أصحابي من لا يراني بعد أن افارقه»فخرج عبد الرحمن فلقي عمر فأخبره بما قالت ام سلمة.فدخل عليها فقال لها:«باللّه منهم أنا»قالت:لا و لن أقول لأحد بعدك.و في خبر:و لن ابرئ بعدك أحدا أبدا (2).
قلت:إنّ عمر احتمل بموجب الخبر أن يكون من صحابة لا يرون النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الآخرة،و قول امّ سلمة له ليس هو في من سمّاهم لها لو لم يكن عن تقيّة أو استحياء لم يكن دليلا على عدم كونه منهم،لأنّ غاية ما يدلّ عليه عدم المعلومية عندها لا العدم،و قولها لعمر:«لا أقول لأحد بعدك هكذا» أو«و لن ابرئ بعدك أحدا أبدا»دالّ على أنّ ام سلمة كانت معتقدة أنّ جميع الصحابة الّذين كانوا مثل عمر كانوا منهم.
و روى(الاستيعاب)أيضا:أنّ عبد الرحمن خلّف ألف بعير،و ثلاثة آلاف شاة،و مئة فرس،و روى أنّ امرأته الّتي طلّقها في مرضه صولحت عن ربع الثمن من ميراثه بثلاثة و ثمانين ألفا (3).
و روى ابن الأثير في(اسد الغابة):أنّ عبد الرحمن خلّف مالا عظيما من
ذهب قطع بالفؤس حتّى مجلت أيدي الرجال منه (1)
اسد الغابة 3:317. [1]
.و روى(الاستيعاب)في طلحة:أنّ غلّته كانت كلّ يوم ألفا وافيا و الوافي درهم وزنه وزن الدينار (2).
و في(مروج المسعودي):و بنى عثمان داره في المدينة،و شيّدها بالحجر و الكلس،و جعل أبوابها من الساج و العرعر،و اقتنى أموالا و جنانا و عيونا بالمدينة،و ذكر عبد اللّه بن عتبة أن عثمان يوم قتل كان له عند خازنه من المال خمسون و مائة ألف دينار و ألف ألف درهم،و قيمة ضياعه بوادي القرى و حنين،و غيرهما مائة ألف دينار،و خلّف خيلا كثيرا و إبلا (3).
و في(المروج)أيضا:و في أيّام عثمان بنى الزبير بالبصرة داره المعروفة في هذا الوقت سنة(332)تنزلها التجّار،و أرباب الأموال،و أصحاب الجهاز من البحرين و غيرهم،و ابتنى أيضا دورا بمصر و الكوفة و الاسكندرية.و بلغ ماله بعد وفاته خمسين ألف دينار،و خلّف ألف فرس، و ألف عبد و أمة (4).
و فيه:و ابتنى طلحة داره بالكوفة المشهورة به في هذا الوقت،و كانت غلّته من العراق كلّ يوم ألف دينار،و قيل أكثر (5).
و فيه:و ذكر سعيد بن المسيب أنّ زيد بن ثابت حين مات خلّف من الذهب و الفضة ما كان يكسر بالفئوس غير ما خلّف من الأموال و الضياع (6).
و فيه:و مات يعلى بن منية،و خلّف خمسمائة ألف دينار و ديونا على
الناس و عقارات و غير ذلك (1)
مروج الذهب 2:333. [1]
،و في(جمل المفيد)عن الواقدي و أبي مخنف و ابن دأب و المدائني بعد ذكر غدر طلحة و الزبير بعامل أمير المؤمنين عليه السلام و قتلهما حارسي بيت المال:«و عاد طلحة و الزبير إلى بيت المال فتأمّلا إلى ما فيه من الذهب و الفضة،قالوا:هذه الغنائم التي وعدنا اللّه بها و أخبرنا أنّه يعجلها لنا.قال أبو الأسود الدؤلي:و قد سمعت هذا منهما،و رأيت عليّا عليه السلام بعد ذلك،و قد دخل بيت مال البصرة،فلمّا رأى ما فيه قال:«يا صفراء يا بيضاء غرّي غيري المال يعسوب الظلمة،و أنا يعسوب المؤمنين»قال أبو الأسود:فلا و اللّه ما التفت إلى ما فيه،و لا فكّر في ما رآه منه،و ما وجدته عنده إلاّ كالتراب هوانا.فتعجبت من القوم و منه،فقلت:أولئك ممّن يريد الدنيا،و هذا ممّن يريد الآخرة و قويت بصيرتي فيه (2).
و روى الخطيب في(تاريخ بغداده)عن عتبة بن غزوان قال:لقد رأيتني سابع سبعة من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد قرحت أشداقنا من أكل ورق الشجر-إلى أن قال-و ما منّا اليوم إلاّ أمير على مصر و أنّها لم تكن نبوّة إلاّ أنّها تناسخت حتّى تكون ملكا (3).
و روى أيضا عن أبي موسى قال:لو شهدتنا،و نحن مع نبيّنا،و قد أصابتنا السماء لحسبت ريحنا ريح الضأن من لبسنا الصوف (4).
«و يمنّون بدينهم على ربّهم» و قد قال جلّ و علا: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ»
«صادِقِينَ» (1)
الحجرات:17. [1]
و قال تعالى: «وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا» ،إلى- «كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» (2)و قال عزّ اسمه: «لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » (3).«و يتمنون رحمته،و يأمنون سطوته،و يستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة و الأهواء الساهية» روى محمّد بن يعقوب عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:انّ اللّه تعالى يقول:ويل للّذين يختلون الدنيا بالدين،و ويل للّذين يقتلون الّذين يأمرون بالقسط من الناس،و ويل للّذين يسير المؤمن فيهم بالتقيّة.أبي يغترّون؟!أم علي يجترءون؟!فبي حلفت لاتيحنّ لهم فتنة تترك الحليم منهم حيران (4).
هذا،و في(المروج):سأل المنصور عبد اللّه بن مروان بن محمّد عن قصّته مع ملك النوبة لمّا هرب إليه مع عدّة من أهل بيته من بني اميّة.فقال:قال لي:لم تشربون الخمر،و هي محرّمة عليكم في كتابكم؟فقلت:اجترأ على ذلك عبيدنا و أتباعنا بجهلهم قال:فلم تطئون الزرع بدوابكم و الفساد محرّم عليكم في كتابكم؟فقلت:فعل ذلك عبيدنا و اتباعنا بجهلهم.قال:فلم تلبسون الديباج و الحرير و الذهب،و هو محرّم عليكم في كتابكم و دينكم؟فقلت:انتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا.فلبسوا ذلك على الكره منّا فأطرق إلى الأرض يقلّب يده مرّة و ينكت في الأرض اخرى و يقول:عبيدنا و أتباعنا و أعاجم دخلوا علينا في ديننا،ثم رفع رأسه.فقال:ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما
حرّم اللّه و ركبتم ما عنه نهيتم،و ظلمتم في ما ملكتم فسلبكم اللّه العزّ و ألبسكم الذلّ بذنوبكم،و للّه فيكم نقمة و لم يبلغ غايتها فيكم،و أنا خائف أن يحلّ بكم العذاب،و أنتم ببلدي فينالني معكم فتزود ما احتجت،و ارحل عن أرضي (1)
مروج الذهب 3:284،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«فيستحلون الخمر» و هو كلّ مسكر.
«بالنبيذ» الذي لم يكن بمسكر.
روى(الكافي):أنّ الكلبي النسّابة سأل أبا عبد اللّه عليه السلام عن النبيذ.فقال حلال.فقال الكلبي:انا ننبذه فنطرح فيه العكر ما سوى ذلك.فقال:شه شه تلك الخمرة المنتنة.فقال له:جعلت فداك:فأيّ نبيذ تعني قال:إنّ أهل المدينة شكوا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم تغير الماء و فساد طبائعهم.فأمرهم أن ينبذوا.فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له.فيعمد إلى كف من التمر.فيلقيه في الشنّ فمنه شربه، و منه طهوره.فقال:و كم كان عدد التمرات الّذي كانت تلقى.فقال:ما يحمل الكف فقال:واحدة و اثنتين،فقال:ربما كانت واحدة و ربما كانت اثنتين(أي كف واحدة و كفان ثنتان) (2).
و روى الطبري في ذيله عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:
ليشربنّ ناس من امّتي الخمر يسمّونها بغير اسمها،و يضرب على رؤوسهم المعازف يخسف اللّه عزّ و جلّ بهم الأرض،و يجعل منهم قردة و خنازير (3).
و روى ابن سعد في(طبقاته)في وفد جيشان على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّهم سألوه عن أشربة تكون باليمن.فسمّوا له البتع من العسل و المرز من الشعير.
فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلم:هل تسكرون منها؟قالوا:إن أكثرنا سكرنا.فقال:فحرام قليل ما
أسكر كثيره،و قال:كلّ مسكر حرام (1)
أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 ق 2:86.
.و روى الخطيب في(تاريخ بغداد):عن عبد اللّه بن مصعب قال:حضرت شريكا في مجلس أبي،و عنده الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب و الجريري.فتذاكروا الحديث في النبيذ،و اختلافهم فيه.فقال شريك«حدّثنا أبو اسحق،عن عمرو بن ميمون،عن عمر بن الخطاب قال:إنّا نأكل من لحوم هذه الإبل،و نشرب عليها من النبيذ ليقطعها في أجوافنا و بطوننا.فقال الحسن بن زيد:ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة إن هذا إلاّ اختلاق (2).
و في(الأغاني)-في عزّة الميلاء بعد ذكر غناء عزّة و رائقه بقول حسّان:
انظر خليلي بباب جلّق هل تبصر دون البلقاء من أحد
قال حسّان:لقد أذكرتني أمرا ما سمعته إذ نأى بعد ليالي جاهليتنا مع جبلة بن الأيهم-إلى أن قال-فجاء اللّه بالإسلام فمحابه كلّ كفر،و تركنا الخمر و ما كره،و أنتم اليوم مسلمون تشربون هذا النبيذ من التمر،و الفضيح من الزهر و الرطب،فلا يشرب أحدكم ثلاثة أقداح حتّى يصاحب صاحبته و يفارقها و تضرب فيه كما تضرب غرائب الإبل فلا تنتهون (3).
هذا،و قالوا:حرّم رئيس القرامطة على القرامطة النبيذ،و أحلّ لهم الخمر -كما أنّه جعل صلاتهم ركعتين قبل الطلوع،و ركعتين بعد الغروب-و جعل صومهم يومين:يوم النيروز و يوم المهرجان،و جعل غسلهم وضوء (4).
و روى الطبري أنّ قتيبة بن مسلم الباهلي بعد فتح كشّ و نسف،سرّح أخاه إلى طرخون.فسار حتّى نزل بمرج قريبا منهم.فانتبذوا و شربوا حتى
عبثوا و عاثوا و أفسدوا.فأمر مولاه أبا مرضية أن يمنع الناس من الشرب.
فكان يضربهم و يكسر آنيتهم،و يصبّ نبيذهم،فسال في الوادي.فسمّي مرج النبيذ،فقال بعضهم:
أمّا النبيذ فلست أشربه أخشى أبا مرضية الكلب (1)
رواه الطبري في تاريخه 5:242،سنة 91،و [1]النقل بتلخيص.
و روى الطبري أيضا في سبب خروج بهلول الملقّب كثارة في زمن هشام على خالد القسري أنّه أمر غلامه أن يبتاع له خلاّ بدرهم،فجاءه غلامه بخمر فأمر بردّها و أخذ الدرهم فلم يجب إلى ذلك فجاء بهلول إلى عامل القرية، و هي من السواد فكلّمه فقال العامل«الخمر خير منك و من قومك»فمضى بهلول في حجّه حتى فرغ منه و عزم على الخروج-إلخ (2).
و قال البحتري لمّا استسقى نبيذا من فرخا نشاه:
فهي الخمر غير أن غر منها لقب محدث لها مستعار
و في(شعراء ابن قتيبة):مدح ابن هرمة المنصور فاستحسن شعره فقال:سل حاجتك،قال:تكتب إلى عامل المدينة لا يحدّني في الشراب،فقال:
هذا حدّ من حدود اللّه،و ما كنت لأعطله.قال:فاحتل لي فيه.فكتب إلى عامله من أتاك بابن هرمة سكران،فاجلده مائة و اجلد ابن هرمة ثمانين.فكان الناس يمرّون به،و هو سكران،فيقولون:من يشتري ثمانين بمائة (3)(4).
«و الربا بالبيع» روى(الكافي)عن ابن بكير أنّه بلغ أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل أنّه كان يأكل الربا و يسمّيه اللبا.فقال:لئن أمكنني اللّه تعالى
لأضربن عنقه (1)
رواه الكليني في الكافي 5:147 ح 11. [1]
.و عن الأصبغ سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول على المنبر:يا معشر التجار الفقه ثم المتجر.الفقه ثم المتجر،و اللّه للربا في هذه الامّة أخفى من دبيب النمل على الصفا (2).
و روى عنه عليه السلام قال:من اتّجر بغير علم ارتطم في الربا ثم ارتطم.لا يقعدنّ في السوق إلاّ من يعقل الشراء و البيع (3).
و روى الواحدي في(أسباب نزوله)عن ابن عباس:أنّ بني المغيرة من مخزوم كانوا يربون لبني عمرو من ثقيف.فلمّا أظهر اللّه تعالى رسوله على مكّة وضع يومئذ الربا كلّه،فأتى بنو عمرو و بنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد و هو على مكّة فقال بنو المغيرة ما جعلنا أشقى الناس بالربا وضع عن الناس غيرنا.فقال بنو عمرو:صولحنا على أنّ لنا ربانا.فكتب عتاب في ذلك إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فنزلت «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَ رَسُولِهِ» (4)فعرف بنو عمرو أن لا يدان لهم بحرب من اللّه و رسوله (5).
«فقلت:يا رسول اللّه بأيّ!المنازل أنزلهم» من الإنزال.
«عند ذلك» أي:وقت صاروا مفتونين بأموالهم مانّين بدينهم على ربّهم آمنين سطوته،مستحلّين حرامه بالشبهات الكاذبة.
1) 1)
2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 5:150 ح 1،و [2]الصدوق في الفقيه 3:121 ح 15،و الطوسي في التهذيب 7:6 ح 14.
3) 3) هذا تلفيق بين حديثين أخرجهما الكليني في الكافي 5:154 ح 23،و [3]الصدوق في الفقيه 3:120 ح 9،و الطوسي في التهذيب 7:5 ح 14.
4) 4) البقرة:278 و 279. [4]
5) 5) رواه الواحدي في اسباب النزول:58. [5]
«أ بمنزلة ردّة» عن الإسلام؟ «أم بمنزلة فتنة» و امتحان في الدين هل يثبتون على ما قرّر لهم أم لا ؟ «فقال بمنزلة فتنة» لأنّهم لم ينكروا كما أنكر الحرث الفهري حتّى ينزلوا بمنزلة ردّة.
قال سبط ابن الجوزي في(تذكرته):ذكر الثعلبي في(تفسيره):أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما قال ذلك-أي في أمير المؤمنين عليه السلام-طار في الأقطار و شاع في الأمصار.فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري،فأتاه على ناقة له فأناخها على باب المسجد.ثم عقلها،و جاء فدخل في المسجد.فجثا بين يدي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال:«يا محمّد!إنّك أمرتنا أن نشهد ألاّ إله إلاّ اللّه،و أنّك رسوله.
فقبلنا منك ذلك.و أمرتنا أن نصلّي خمس صلوات في اليوم و الليلة،و نصوم رمضان و نحجّ البيت،و نزكّي أموالنا.فقبلنا منك ذلك،ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمّك،و فضّلته على الناس،و قلت:من كنت مولاه فعليّ مولاه،فهذا شيء منك أو من اللّه؟ فقال النبي-و قد احمرّت عيناه-و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو إنّه من اللّه و ليس منّي-قالها ثلاثا-فقام الحرث و هو يقول:«اللّهمّ إن كان ما يقول محمّد حقّا فأرسل علينا من السماء حجارة أو ائتنا بعذاب أليم»فو اللّه ما بلغ ناقته حتّى رماه اللّه من السماء بحجر فوقع على هامته فخرج من دبره و مات،و أنزل تعالى: «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ» (1)
تذكرة الخواص:30،و [1]النقل بتصرف يسير،و الآيات 1 و 2 من سورة المعارج. [2]
.و من لم يظهر نصبا و لم يكن له قوّة التمييز كان مسلما مفتونا يرجى له النجاة قال الباقر عليه السلام:إنّ الناس لمّا صنعوا ما صنعوا إذ بايعوا أبا بكر لم يمنع أمير المؤمنين عليه السلام من أن يدعو إلى نفسه إلاّ نظرا للناس،و تخوّفا عليهم أن
1) 1)
يرتدّوا عن الإسلام.فيعبدوا الأوثان،و لا يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه،و أنّ محمدا رسول اللّه و كان الأحبّ إليه أن يقرّهم على ما صنعوا من أن يرتدّوا عن جميع الإسلام،و انّما هلك الّذين ركبوا ما ركبوا،فأمّا من لم يصنع ذلك،و دخل في ما دخل فيه الناس على غير علم و لا عداوة لأمير المؤمنين عليه السلام فإنّ ذلك لا يكفّره، و لا يخرجه من الإسلام،و لذلك كتم علي عليه السلام أمره و بايع مكرها حيث لم يجد أعوانا (1)
أخرجه الكليني في الكافي 8:295 ح 454. [1]
.و أمّا من عاند و ناصب أو عرف الأمر و خالف فمسلم اسما لشهادته بالشهادتين،كافر معنى.
روى نصر بن مزاحم في(صفّينه)مسندا عن الأصبغ قال:جاء رجل إلى علي عليه السلام.فقال:يا أمير المؤمنين!هؤلاء القوم الّذين نقاتلهم الدعوة واحدة و الرسول واحد و الصلاة واحدة،و الحج واحد فبم نسمّيهم.قال:تسمّيهم بما سمّاهم اللّه في كتابه،قال:ما كلّ ما في الكتاب أعلمه قال:أما سمعت اللّه تعالى قال «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ» -إلى قوله- «وَ لَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ» (2)فلمّا وقع الاختلاف كنّا نحن أولى باللّه و بالكتاب و بالنبيّ، و بالحقّ.فنحن الّذين آمنوا،و هم الّذين كفروا،و شاء اللّه قتالهم هدى بمشيئة اللّه ربّنا و إرادته (3).
و قال أبو المقدام للباقر عليه السلام:إنّ العامة يزعمون أنّ بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضا للّه تعالى،و ما كان اللّه ليفتن امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم من
بعده.فقال أبو جعفر عليه السلام:أو ما يقرءون كتاب اللّه؟!أو ليس اللّه يقول: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ» (1)
آل عمران:144. [1]
؟!فقال:انّهم يفسّرون على وجه آخر.فقال:أو ليس قد أخبر اللّه عزّ و جلّ عن الّذين من قبلهم من الامم انّهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البيّنات حيث قال «وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ» (2).
من الخطبة(85)
أَ لَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الْأَكْبَرِ- وَ أَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الْأَصْغَرَ- قَدْ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الْإِيمَانِ- وَ وَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلاَلِ وَ الْحَرَامِ- وَ أَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي- وَ فَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي وَ فِعْلِي- وَ أَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الْأَخْلاَقِ مِنْ نَفْسِي- فَلاَ تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لاَ يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ- وَ لاَ تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَرُ «أ لم أعمل فيكم بالثقل» قرءوه بفتحتين حيث قرءوا قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«إنّي تارك فيكم الثقلين»كذلك،و الأصل فيه ثعلب.ففي(اللسان):«قال ثعلب سمّى الكتاب و العترة ثقلين لأنّ الأخذ بهما ثقيل و العمل بهما ثقيل،و أصل الثقل ان العرب تقول لكلّ شيء نفيس خطير مصون ثقل.فسمّاهما ثقلين إعظاما لقدرهما و تفخيما لشأنهما،و أصله في بيض النعام المصون،و قال ثعلبة بن
صغير المازني يذكر الظليم و النعامة.
فتذكّرا ثقلا رئيدا بعد ما ألقت ذكاء يمينها في كافر
و يقال للسيّد العزيز:ثقل من هذا،و سمّى اللّه تعالى الجنّ و الإنس الثقلين سمّيا ثقلين لتفضيل اللّه إياهما على سائر الحيوان المخلوق في الأرض بالتمييز و العقل خصّا به قال ابن الأنباري:قيل للجن و الإنس الثقلان لأنّهما كالثقل للأرض و عليها،و الثقل بمعنى الثقل،و جمعه أثقال،و مجراهما مجرى قول العرب:مثل و مثل،و شبه و شبه،و نجس و نجس» (1)
لسان العرب 11:88، [1]مادة ثقل.
.قلت:لا حجّية في قول ثعلب،و له أوهام في مجالسه،و يكفي في ضعف قوله«و أصله في بيض النعام المصون»فما قاله بالعكس.فبيض النعام معروف بالضياع لا بالمصونية.فقالوا في المثل«أذل من بيض النعام» و البيت الّذي أنشد يدلّ على غفلتها أيضا عن بيضها،و لا ريب في أنّ الجن و الأنس يقال لهما:الثقلان بالتحريك قال-جلّ و علا- «سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ» (2)و اما الكتاب و العترة فالظاهر أنّه يقال لهما:الثقلان بالكسر و السكون بمعنى أنّهما ثقيلا القيمة،و على قول ابن الأنباري،كون ثقل بفتحتين مثل ثقل بكسر،فسكون لأنّ العرب قالوا:مثل و مثل،و شبه و شبه، و نجس و نجس.يكون أيضا في التعبير عن الكتاب و العترة بالكسر فرقا بينهما.و بين الجن و الأنس.
«الأكبر» و هو الكتاب .
«و اترك فيكم الثقل الأصغر» من عترة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الحسن و الحسين عليهما السلام.
روى الثعلبي في تفسير قوله تعالى «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا» (1)
آل عمران:103. [1]
بأسانيد،أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:«أيّها الناس!قد تركت فيكم الثقلين خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي:أحدهما أكبر من الآخر كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء و الأرض،و عترتي أهل بيتي،ألا و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض» (2).و روى الحميدي في(الجمع بين الصحيحين)عن زيد بن أرقم قال:قام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فينا خطيبا بماء يدعى خمّا بين مكّة و المدينة،و قال:«إنّما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي فاجيب،و انّي تارك فيكم الثقلين.أوّلهما كتاب اللّه-إلى أن قال-و أهل بيتي اذكّركم اللّه في أهل بيتي».فقلنا لزيد:من أهل بيته؟نساؤه؟فقال:لا.و أيم اللّه إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها.فترجع إلى قومها (3).
و روى أحمد بن حنبل في(مسنده)،عن أبي سعيد الخدري قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«انّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر،كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض،و عترتي أهل بيتي،و أنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض » (4).
«و ركزت» من ركزت الرمح:غرزته.
«فيكم راية الايمان» و به عليه السلام يتحقق الإيمان،فمن لم يكن قائلا بإمامته لم يكن مؤمنا و ان كان مسلما.
«و وقفتكم» أي:اطلعتكم.
«على حدود الحلال و الحرام» حتّى انّه عليه السلام في محرّمات اتّقى من القول بتحريمها لأنّ المتقدّمين عليه أفتوا بحلّيتها قال عليه السلام لهم لمّا سألوه عنها«أنزّه نفسي و ولدي عنها»ليدلّهم على حرمتها .
«و ألبستكم العافية من عدلي» فعدله عليه السلام كان يشمل العربي و العجمي و المسلم و الذمي،و سوّى عليه السلام في العطاء بين الأشراف و غيرهم .
«و فرشتكم» أي:بسطت لكم.
«المعروف من قولي و فعلي» فعفا عليه السلام عن أهل البصرة بعد ظفره بهم .
«و أريتكم» بالعمل.
«كرائم الأخلاق من نفسي» كما أراهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مكارم الأخلاق من نفسه و في(خلفاء ابن قتيبة)-بعد ذكر اختلاف أهل العراق في صفين-فقام عدي بن حاتم فقال:«أيّها الناس!انّه و اللّه لو غير علي عليه السلام دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه.فإنّه ما وقع بأمر قط إلاّ و معه من اللّه برهان،و في يده من اللّه سبب،فقاتل أهل الجمل على النكث،و أهل الشام على البغي.فانظروا في اموركم و امره،فإن كان له عليكم فضل ليس لكم مثله،فسلّموا،و إلاّ فنازعوا عليه،و اللّه لئن كان إلى العلم بالكتاب و السنّة،إنّه لأعلم الناس بهما،و لئن كان إلى الإسلام إنّه لأخو رسول اللّه و الرأس في الإسلام،و لئن كان من الزهد في الدنيا.فإنّه أظهر الناس زهدا و أنهكهم عبادة،و لئن كان إلى العقول و النحائز إنّه لأشدّ الناس عقلا و أكرمهم نحيزة،و لئن كان إلى الشرف و النجدة إنّه لأعظم الناس شرفا و نجدة،و لئن كان إلى الرضا لقد رضي المهاجرون و الأنصار به و بايعوه و نصروه على أصحاب الجمل و أهل الشام،فما الفضل الّذي قرّبكم إلى الهدى؟و ما النقص الّذي قرّبه إلى الضلال؟و اللّه لو اجتمعتم
على أمر واحد لأتاح اللّه له من يقاتل لأمر ماض و كتاب سابق» (1)
الإمامة و السياسة 1:121،و [1]النقل بتصرف يسير.
.-فاعترف أهل صفّين لعديّ بعد هذا المقام،و رجع كلّ من تشعّب عليه .«فلا تستعملوا الرأي في ما لا يدرك قعره البصر و لا تتغلغل إليه الفكر» قال الجوهري:«تغلغل الماء في الشجر إذا تخللها» (2).
روى(توحيد الصدوق)في خبر قدوم جاثليق مع مائة من النصارى المدينة بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و سؤاله أوّلا أبا بكر عن مسائل و عجزه عن جوابه.ثمّ إرشاد بعضهم له إليه عليه السلام فكان من ما سأله أن قال له عليه السلام:أخبرني عن وجه الربّ.فدعا عليه السلام بنار و حطب فأضرمه،فلمّا اشتعلت قال عليه السلام:أين وجه هذه النار؟قال:هي وجه من جميع حدودها فقال عليه السلام:هذه النار مدبّرة مصنوعة لا يعرف وجهها،و خالقها لا يشبهها «وَ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ» (3).
هذا و قلنا لثعلب أوهام في مجالسه.فمنها قوله في بيت بشر بن أبي حازم:
تظلّ مقاليت النساء يطأنه يقلن الا يلقى على المرء مئزر
«هذا قتيل شريف فإذا قتل و طئته النساء يزعمن انهنّ يلدن مثله» (4).
فإنّه وهم،فلا يطأنه ليلدن مثله،بل ليعيش و لدهنّ.قال ابن السكّيت:«ان العرب كانت تقول:إنّ المرأة المقلاة-و هي الّتي لا يعيش لها ولد-إذ وطأت القتيل الشريف عاش ولدها»ثم ذكر البيت.و لو أردنا الاستقصاء لطال (5).
من الخطبة(118)
و من كلام له عليه السلام:
تَاللَّهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالاَتِ- وَ إِتْمَامَ الْعِدَاتِ وَ تَمَامَ الْكَلِمَاتِ- وَ عِنْدَنَا؟أَهْلَ الْبَيْتِ؟ أَبْوَابُ الْحُكْمِ وَ ضِيَاءُ الْأَمْرِ- أَلاَ وَ إِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ- مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَ غَنِمَ- وَ مَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَ نَدِمَ «تاللّه لقد علمت تبليغ الرسالات» قال ابن أبي الحديد:تبليغ الرسالات تبليغ الشرائع بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى المكلّفين،و فيها إشارة إلى قوله تعالى: «الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللّهَ» (1)
الاحزاب:39. [1]
و إلى قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في قصّة«لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي » (2).«و إتمام العدّات» قال ابن أبي الحديد:إتمام العدّات:إنجازها،و فيه إشارة إلى قوله تعالى: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ» (3)و إلى قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في حقّه:«و قاضي ديني و منجز موعدي» (4).
قلت:و عن(التاريخ المعروف بالعباسي):أنّ الفقهاء رووا للمأمون انّ عليّا عليه السلام أقام مناديا بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ينادي:«من كان له على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم دين أو عدة فليحضر»فحضر جماعة فأعطاهم بغير بيّنة،و أنّ أبا بكر أمر مناديا ينادي بمثل ذلك.فحضر جرير بن عبد اللّه،و جابر بن عبد اللّه، فأعطاهم بغير بيّنة»فقال لهم المأمون:أما كانت فاطمة و شهودها يجرون
مجرى جرير و جابر؟فلم منعها فدك؟فأمر المأمون بردّ فدك-في خبر طويل (1)
رواه عنه ابن طاوس في الطرائف 1:250،و [1]النقل بتصرف يسير،و المحتمل أن المراد بالتاريخ العباسي تاريخ ابن واضح المعروف باليعقوبي و توجد هذه القصة باختصار فيه 2:469.
.«و تمام الكلمات» قال ابن أبي الحديد:«تمام الكلمات»تأويل القرآن،و فيه إشارة إلى قوله تعالى: «وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً» (2)و إلى قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:في حقّه عليه السلام:«اللهمّ اهد قلبه،و ثبّت لسانه» (3).
و قال أيضا:«و خلاصة كلامه عليه السلام إنّه أقسم باللّه انّه قد علّم أو علم على اختلاف الروايتين أداء الشرائع إلى المكلّفين،و الحكم بينهم بما أنزله اللّه تعالى و علم مواعيد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الّتي وعد بها.فمنها ما هو وعد لواحد من الناس بأمر نحو أن يقول له سأعطيك كذا،و منها ما هو وعد بأمر يحدث كأخبار الملاحم و الامور المتجدّدة،و انّه عليه السلام قد علم تمام كلمات اللّه تعالى،أي:
تأويلها و بيانها الّذي تتمّ به لأنّ في كلامه تعالى المجمل الّذي لا يستغني عن متمّم و مبيّن يوضحه » (4).
«و عندنا أهل البيت أبواب الحكم» قال ابن أبي الحديد:يعني الشرعيات و الفتاوى (5).
«و ضياء الأمر» قال ابن أبي الحديد:«يعني العقليات و العقائد،و هذا مقام عظيم لا يجسر أحد من المخلوقين سواه عليه السلام أن يدعيه،و لو أقدم أحد على ادعائه غيره لكذب،و كذّبه الناس » (6).
«ألا و إنّ شرائع الدين واحدة» لأنّها من عند واحد عليم حكيم قال تعالى:
«إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ» (1)
النساء:163. [1]
.و قال الصادق عليه السلام-كما روى(الكافي)-:انّ اللّه تعالى ما بعث نبيّا إلاّ و في علمه تعالى أنّه إذا أكمل له الدين كان فيه تحريم الخمر،و لم تزل الخمر حراما،و إنما ينقلون من خصلة إلى اخرى،و لو حمل ذلك عليهم جملة لقطع بهم دون الدين (2).
«و سبله قاصدة» الأصل فيه قوله تعالى «وَ عَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَ مِنْها جائِرٌ» (3)قال تعالى: «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (4)و قال جلّ و علا:
«قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » (5).
«من أخذ بها» و سلك فيها.
«لحق» و وصل المقصد.
«و غنم» في متجره قال عزّ اسمه: «وَ مَنْ يُطِعِ اللّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً » (6).
«و من وقف عنها ضلّ» عن المقصد.
«و ندم» على ترك سلوكه.قال جلّ و علا: «فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لا»
«يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ» (1)
القصص:50. [1]
.و من سبل الدين هو عليه السلام ثم المعصومون من عترته.روى(توحيد الصدوق)عن الصادق عليه السلام قال:قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته:«أنا الهادي،و أنا المهتدي،و أنا أبو اليتامى،و المساكين،و زوج الأرامل،و أنا ملجأ كلّ ضعيف،و مأمن كلّ خائف،و أنا قائد المؤمنين إلى الجنّة،و أنا حبل اللّه المتين،و أنا عروة اللّه الوثقى،و كلمة التقوى،و أنا عين اللّه،و لسانه الصادق، و يده،و أنا جنب اللّه الّذي يقول «أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ» (2)و أنا يد اللّه المبسوطة على عباده بالرحمة و المغفرة،و أنا باب حطّة من عرفني و عرف حقّي فقد عرف ربّه لأنّي وصيّ نبيّه في أرضه، و حجّته على خلقه لا ينكر هذا إلاّ رادّ على اللّه و رسوله (3).
من الكتاب(9)
بعد ذكره عليه السلام «فقتل عبيدة بن الحارث بن المطلب في بدر،و حمزة بن عبد المطلب في أحد،و جعفر بن أبي طالب في مؤتة»:
وَ أَرَادَ مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ- مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ- وَ لَكِنَّ آجَالَهُمْ عُجِّلَتْ وَ مَنِيَّتَهُ أُخِّرَتْ- فَيَا عَجَباً لِلدَّهْرِ- إِذْ صِرْتُ يُقْرَنُ بِي مَنْ لَمْ يَسْعَ بِقَدَمِي- وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ كَسَابِقَتِي- الَّتِي لاَ يُدْلِي أَحَدٌ بِمِثْلِهَا- إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ مَا لاَ أَعْرِفُهُ وَ لاَ أَظُنُّ اللَّهَ يَعْرِفُهُ- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ
أقول:مرّ في فصل النبوّة الخاصّة صدره و أنّه رواه( صفين نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 90 نصر بن مزاحم) (1)
مر في العنوان 32 من الفصل السادس و رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:90.
.«و أراد من لو شئت ذكرت اسمه» يعني عليه السلام نفسه.
«مثل الّذي أرادوا» يعني عبيدة و حمزة و جعفر.
«من الشهادة،و لكنّ آجالهم عجّلت» فاستشهدوا.
«و منيّته» أي:موته.
«أجّلت»هكذا في(المصرية)،و الصواب: «أخّرت» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة المصححة ) (2).
«فيا عجبا للدهر إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي،و لم تكن له كسابقتي» في الإسلام من بدئه إلى يومه.
قال سبط بن الجوزي في(تذكرته):سوابقه عليه السلام أشهر من الشمس و القمر،و أكثر من الحصى،و المدر،و قد اخترت منها ما ثبت و اشتهر،و هي قسمان:قسم مستنبط من الكتاب،و قسم من السنّة الّتي ليس فيها ارتياب، و قد روى مجاهد أنّ ابن عباس سئل عن فضائله عليه السلام و قال السائل:أظنّها ثلاثة آلاف فقال ابن عباس،هي إلى الثلاثين ألفا أقرب.ثم قال ابن عباس:لو أنّ الشجر أقلام،و البحور مداد،و الإنس و الجن كتّاب و حسّاب ما أحصوا فضائل أمير المؤمنين عليه السلام.
و روى عكرمة عن ابن عباس قال:ما أنزل آية في القرآن إلاّ و علي عليه السلام رأسها و أميرها.
أما نصوص الكتاب فمنها قوله تعالى في المائدة: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ»
«وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ » (1)
المائدة:55. [1]
ذكر الثعلبي في تفسيره عن السدي،و غيره أنّ عليّا عليه السلام مرّ به سائل،و هو في المسجد راكع فأعطاه خاتمه فنزلت الآية.و روى الثعلبي مسندا عن أبي ذر قال:صلّيت يوما صلاة الظهر و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حاضر،فقام سائل فسأل فلم يعطه أحد شيئا،و كان علي عليه السلام قد ركع.فأومأ إلى السائل بخنصره.فأخذ الخاتم من خنصره و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يعاين ذلك.فرفع رأسه إلى السماء و قال:اللهمّ انّ أخي موسى سألك.فقال «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي» -إلى- «وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» (2)فانزلت عليه «سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا» (3)اللهمّ و أنا محمّد صفيّك،و نبيّك.فاشرح لي صدري و يسّر لي أمري،و اجعل لي وزيرا من أهلي عليّا أشدد به أزري-أو قال-ظهري فما استتمّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الكلمة حتّى نزل جبرئيل عليه السلام من عنده تعالى.فقال:
يا محمّد اقرأ: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (4)-إلى أن قال-و قال حسّان:
أبا حسن تفديك روحي و مهجتي و كلّ بطيء في الهدى و مسارع
فأنت الّذي أعطيت إذ كنت راكعا فدتك نفوس الخلق يا خير راكع
بخاتمك الميمون يا خير سيّد و يا خير شار ثمّ يا خير بائع
فأنزل فيك اللّه خير ولاية و بيّنها في محكمات الشرائع
و قال أيضا:
من ذا بخاتمه تصدّق راكعا و اسرّها في نفسه اسرارا
و منها قوله تعالى في آل عمران: «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» (1)
آل عمران:61. [1]
-الآية-قال جابر كما روى عنه أهل السير أنّ و فد نجران قدموا على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقالوا:من أبو موسى؟فقال:عمران.قالوا:فأنت؟قال:عبد اللّه.قالوا:فعيسى؟فسكت ينتظر الوحي فنزل:
«إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ» (2)فقالوا:لا نجد هذا في ما أوحي إلى أنبيائنا.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:كذبتم.و نزل: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» (3)-الآية-قالوا:أنصفت.فمتى نباهلك؟قال:غدا إن شاء اللّه.فانصرفوا،و قال بعضهم لبعض:إن خرج في عدّة من أصحابه،فباهلوه لأنّه غير نبيّ،و ان خرج في أهل بيته فلا تباهلوه،فانّه نبيّ صادق،و لئن باهلتموه لتهلكنّ.ثم بعث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أهل المدينة و من حولها.فلم يبق بكر لم ترها الشمس إلاّ خرجت،و خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و علي عليه السلام بين يديه، و الحسن عليه السلام عن يمينه،و الحسين عليه السلام عن شماله و فاطمة عليها السلام خلفه،ثم قال:
هلمّوا فهؤلاء أبناؤنا و أشار إلى الحسن و الحسين عليهما السلام و هذه نساؤنا يعني فاطمة عليها السلام و هذه أنفسنا يعني نفسي و أشار إلى علي عليه السلام فلمّا رأى القوم ذلك خافوا و قالوا:أقلنا أقالك اللّه.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و الّذي نفسي بيده لو خرجوا لا متلأ الوادي عليهم نارا-إلى أن قال-و قال الثعلبي في تفسيره:فقال اسقف نجران:يا معاشر النصارى!إنّي لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من
مكانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا.فرجعوا و صالحوا على ألفي حلّة.
و منها قوله تعالى: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» (1)
هود:17. [1]
روى الثعلبي في تفسيره،عن زاذان عن علي عليه السلام قال:و الّذي نفسي بيده ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلاّ و أنا أعرف له آية تسوقه إلى الجنّة أو تقوده إلى النار.فقال له رجل:فما آيتك الّتي نزلت فيك.فقال: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» فرسول اللّه على بيّنة،و أنا شاهد منه.و منها في براءة: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ» (2)قال علماء السير معناه كونوا مع علي و أهل بيته قال ابن عباس علي سيّد الصادقين.
و منها في لم يكن «أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ» (3)قال مجاهد:هم علي و أهل بيته و محبّوهم،و منها في الصافات «وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ» (4)قال مجاهد:مسئولون عن حبّ علي عليه السلام.
و منها في مريم «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا» (5)روى الثعلبي في تفسيره أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لعلي عليه السلام«قل اللهمّ اجعل لي عندك عهدا،و اجعل لي في صدور المؤمنين ودّا»فانزل تعالى فيه هذه الآية (6).
و قال في قسم«ألسنة الّتي بلا ارتياب»روى أحمد بن حنبل في مسنده،
عن سعد بن أبي وقاص قال خلّف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليّا في غزوة تبوك في أهله.
فقال يا رسول اللّه تخلّفني في النساء و الصبيان.فقال:ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير انّه لا نبيّ بعدي.
و روى أحمد بن حنبل في فضائله أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال له:ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ النبوّة،و أنت خليفتي.
و روى أيضا في فضائله أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم آخى بين المهاجرين و الأنصار.فبكى علي عليه السلام و قال:لم تؤاخ بيني و بين أحد.فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:
إنّما ادّخرتك لنفسي.أنت منّي بمنزلة هارون من موسى،أما علمت أنّ أوّل من يدعى به يوم القيامة أنا-إلى أن قال-و ينادي مناد من تحت العرش:نعم الأب أبوك إبراهيم،و نعم الأخ أخوك علي.أبشر يا علي فإنّك ستكسى إذا كسيت، و تدعى إذا دعيت،و تحيى إذا حييت،و تقف على عقر حوضي،تسقي من عرفت،فكان علي عليه السلام يقول:و الّذي نفسي بيده لأذودنّ عن حوض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أقواما من المنافقين كما تذاد غريبة الإبل عن الحوض ترده.
و روى في فضائله أيضا عن أسماء بنت عميس قالت:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:
اللهمّ إنّي أقول كما قال أخي موسى:و اجعل لي وزيرا من أهلي عليّا أشدد به أزري و أشركه في أمري كي نسبّحك كثيرا و نذكرك كثيرا.
و روى هو في مسنده،و مسلم و البخاري في(صحيحيهما)،عن سهل بن سعد قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم خيبر:لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله،و يحبّه اللّه و رسوله يفتح اللّه على يديه،فبات الناس يدوكون أيّهم يعطاها،فلمّا أصبحوا غدوا على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يرجو كلّ أن يعطاها فقال:أين علي بن أبي طالب؟فقيل:يا رسول اللّه هو أرمد،قال:فأرسلوا إليه.فجاء فبصق في عينه،و دعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية.
و روى في(فضائله)،عن ابن بريدة قال:حاصرنا خيبر،فأخذ اللواء أبو بكر فلم يفتح له.ثم أخذه عمر من الغد،فرجع و لم يفتح له،و أصاب الناس شدّة و جهد.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:إنّي دافع اللواء غدا إلى رجل يحبّه اللّه و رسوله لا يرجع حتّى يفتح اللّه على يديه.
و ذكر أحمد بن حنبل أيضا في(فضائله):أنّهم سمعوا تكبيرا من السماء في ذلك اليوم و قائلا يقول:لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علي.
و قال جابر بن عبد اللّه:حمل علي عليه السلام باب خيبر وحده.فدحاه ناحية ثم جاء بعده اناس يحملونه فلم يحمله إلاّ أربعون رجلا.
و في(الطبري)قال أبو رافع:خرج إلى علي عليه السلام في خيبر رجل.فضرب عليّا فطرح ترسه من يده،فتناول علي عليه السلام بابا عند الحصن،فتترّس به عن نفسه فلم يزل في يده،و هو يقاتل حتى فتح اللّه على يديه.ثم ألقاه.فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجتهد على أن نقلب الباب.فلم نقدر عليه.
و روى أحمد بن حنبل في(مسنده)عن علي عليه السلام قال:انطلقت أنا و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتى أتينا الكعبة فقال لي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:اجلس فجلست فصعد على كتفي.فذهبت لأنهض به فلم أطق،و رأى مني ضعفا فنزل،و جلس لي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثم قال:اصعد على منكبيّ.فصعدت على منكبيه فنهض بي،و انّه ليخيّل لي أنّي لو شئت أن انال افق السماء لنلته-إلى أن قال-قال سعيد بن المسيب:فلهذا كان علي عليه السلام يقول«سلوني عن طرق السماوات فإنّي أعرف بها من طرق الأرضين و لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» (1)
روى هذه الاحاديث السبط في تذكرة الخواص:18-27،و [1]ما رواه عن صحيح البخاري فهو فيه 2:161 و 171 و 299 و 3:51،و ما عن صحيح مسلم فهو فيه 4:1872 ح 34،و ما عن مسند أحمد فهو فيه 1:84 و 170-185 و 5:334،و ما عن تاريخ الطبري فهو فيه 2:301،سنة 7.
.1) 1)
و في(نهاية الجزري)في الحديث:أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لعليّ عليه السلام:«أنت الذائد عن حوضي يوم القيامة تذود عنه الرجال كما يذاد البعير الصاد»يعني الّذي به الصيد،و هو داء يصيب الإبل في رؤوسها فتسيل أنوفها،و ترفع رؤوسها و لا تقدر أن تلوي معه أعناقها يقال بعير صاد أي ذو صاد (1)
النهاية 3:65، [1]مادة(صيد).
.و في(التذكرة)أيضا:و روى الثعلبي في(تفسيره):أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما أراد أن يهاجر إلى المدينة خلّف عليّا عليه السلام بمكّة لقضاء ديونه،و ردّ الودائع الّتي كانت عنده،و أمره أن ينام تلك الليلة على فراشه،و قال له:تسجّ ببردي الحضرمي لا يخلص إليك منهم أحد،و لا يصيبونك بمكروه،و القوم قد أحاطوا بالدار،فأوحى اللّه إلى جبرئيل و ميكائيل أنّي قد آخيت بينكما،و جعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر،فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة.فاختار كلاهما الحياة.فأوحى اللّه تعالى اليهما:أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه و بين محمّد فبات على فراشه يفديه بنفسه؟!اهبطا إلى الأرض.
فاحفظاه من عدوّه،فنزلا،جبرئيل عند رأسه،و ميكائيل عند رجليه،و الملائكة تنادي:بخّ بخّ من مثلك يا ابن أبي طالب،و اللّه باهى بك ملائكته،فأنزل تعالى في شأن علي عليه السلام «وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ» (2)و قال ابن عباس:أنشدني أمير المؤمنين عليه السلام شعرا قاله تلك الليلة:
وقيت بنفسي خير من وطأ الحصى و قد وطّنت نفسي على القتل و الأسر
و روى الترمذي أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعث جيشا و استعمل عليهم عليّا فمضى في السرية فأصاب جارية من السبي.فتعاقد أربعة منهم إذا قدموا على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخبروه.فلمّا قدموا عليه قام الأول فقال:يا رسول اللّه!ألا
ترى إلى علي فعل كذا و كذا،فأعرض عنه.ثم قام الثاني فقال كذلك فأعرض عنه،و قام الثالث،و الرابع،فقالا كذلك،فأعرض عنهما.ثم أقبل عليهم و الغضب يعرف في وجهه،و قال:ما تريدون من علي؟!-قالها ثلاثا-علي منّي و أنا منه.
و ذكر أهل السير:أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعث أبا بكر يحجّ بالناس سنة تسع من الهجرة،و قال له:انّ المشركين يحضرون الموسم و يطوفون عراة،و لا أحبّ أن أحجّ حتّى لا يكون ذلك،و أعطاه أربعين آية من صدر سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم.فلمّا سار دعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليّا عليه السلام فقال له:اخرج بهذه الآيات من صدر براءة فإذا اجتمع الناس إلى الموسم فأذّن بها،و دفع إليه ناقته العضباء.فأدرك أبا بكر بذي الحليفة،فأخذ منه الآيات.فرجع أبو بكر إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فقال:بأبي أنت و امي هل نزل فيّ شيء.فقال:لا،و لكن لا يبلغ عنّي غيري أو رجل منّي.
قال:و في(فضائل أحمد):أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال له:انّ جبرئيل جاءني فقال:ابعث عليّا-إلخ (1)
روى هذه الاحاديث السبط في تذكرة الخواص:35-37،و [1]ما رواه عن الترمذي فهو في سننه 5:632 ح 3712.
.و في(فهرست ابن النديم):قال هشام بن الحكم:ما رأيت مثل مخالفينا عمدوا إلى من ولاّه اللّه من سمائه فعزلوه،و إلى من عزله من السماء فولّوه.
قال ابن النديم:يذكر هشام قصّة مبلّغ سورة البراءة،و مردّ أبي بكر و إيراد علي عليه السلام بعد نزول جبرئيل عليه السلام قائلا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن اللّه تعالى«انّه لا يؤدّيها عنك إلاّ أنت أو رجل منك»فردّ أبا بكر و أنفذ عليّا عليه السلام (2).
و روى الزبير بن بكّار في(موفّقياته)عن ابن عباس قال:انّي لاماشي عمر بن الخطاب في سكة من سكك المدينة إذ قال لي:يا ابن عباس!ما أرى
صاحبك إلاّ مظلوما،فقلت في نفسي:و اللّه لا يسبقني بها.فقلت:فاردد إليه ظلامته.فانتزع يده من يدي و مضى يهمهم ساعة ثم وقف فلحقته،فقال:يا ابن عباس!ما أظنّ منعهم إلاّ أنّه استصغره قومه.فقلت في نفسي:هذه شرّ من الاولى.فقلت له:و اللّه ما استصغره اللّه و رسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك.فأعرض عنّي و أسرع.فرجعت عنه (1)
رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3:105،شرح الخطبة 226،و النقل بتصرف يسير.
.و في(تذكرة سبط ابن الجوزي):ذكر أحمد بن حنبل في(فضائله):أنّ صاحب لواء المشركين يوم احد لمّا قصد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فداه علي عليه السلام بنفسه، و حمل على صاحب اللواء فقتله،فنزل جبرئيل عليه السلام.فقال:يا محمّد!إنّ هذه لهي المواساة.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:علي منّي و أنا منه.فقال جبرئيل:و أنا منكما.
و روى في(فضائله)أيضا عن أنس قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:لينتهين بنو وليعة أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي،يمضي فيهم أمري،و يقتل المقاتلة، و يسبي الذرّية.قال أبو ذر:فما راعني إلاّ برد كف عمر من خلفي،فقال:من تراه يعني؟قلت:ما يعنيك و انّما يعني خاصف النعل عليّا عليه السلام.و رواه الترمذي في(سننه).
و روى عن ابن عباس قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في خطبة خطبها في حجّة الوداع:لأقتلنّ العمالقة في كتيبة.فقال له جبرئيل:أو علي بن أبي طالب.فقال:
أو علي بن أبي طالب.
و روى أحمد بن حنبل في(فضائله)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:أنا مدينة العلم و علي بابها.فمن أراد العلم فليأت الباب.
و روى أيضا في فضائله أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:كنت أنا و علي نورا بين يدي اللّه تعالى قبل أن يخلق آدم بأربعة آلاف عام،فلمّا خلق آدم قسّم ذلك
1) 1)
النور جزأين،فجزء أنا و جزء علي.
و روى أيضا في(فضائله)عن علي عليه السلام قال:لمّا كانت ليلة بدر قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:من يستقي لنا من الماء؟فأحجم الناس.فقمت فاحتضنت قربة.ثم أتيت قليبا بعيد القعر مظلما فانحدرت فيه،فأوحى اللّه تعالى إلى جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل تأهبّوا لنصرة محمّد و حزبه.فهبطوا من السماء لهم دويّ يذهل من يسمعه.فلمّا حاذوا القليب،وقفوا و سلّموا علي من عند آخرهم.
و روى أيضا في(فضائله)عن سفينة مولى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:أهدت امرأة من الأنصار إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم طيرا-و في رواية طيرين-بين رغيفين فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:اللهمّ إيتني بأحبّ خلقك إليك.فإذا الباب يفتح.فدخل علي عليه السلام فأكل معه،و قال الحاكم:حديث الطائر صحيح يلزم البخاري و مسلما إخراجه في(صحيحيهما)لأنّ رجاله ثقات.
و روى في(فضائله)أيضا عن زيد بن أرقم قال:كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب علي بن أبي طالب.فتكلّم الناس في ذلك،فقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:فحمد اللّه و أثنى عليه.ثم قال:«ما سددت شيئا و لا فتحته،و لكنّي أمرت بشيء فاتّبعته».و رواه الترمذي.
و رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«يا علي لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري،و غيرك».
و عن جابر بن عبد اللّه.قال:دعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليّا يوم الطائف.فانتجاه طويلا.فقال الناس:لقد طالت نجواه مع ابن عمّه.فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
فقال:«ما انتجيته،و لكنّ اللّه انتجاه».قال الترمذي:و معناه ان اللّه أمرني أن
انتجي معه (1)
روى هذه الاحاديث السبط في تذكرة الخواص:38-49،و [1]ما رواه عن الترمذي و الحاكم فهو في سنن الترمذي 5: 634-641 ح 3715 و 3726 و 3727 و 3732،و مستدرك الحاكم 3:131.
.و روى أحمد بن حنبل في(فضائله)عن البراء بن عازب قال:كنّا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،فنزلنا بغدير خم.فنودي فينا:الصلاة جامعة،و كسح للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بين شجرتين.فصلّى الظهر،و أخذ بيد علي عليه السلام و قال«اللهمّ من كنت مولاه فهذا مولاه»فلقيه عمر بعد ذلك فقال:هنيئا لك يا ابن أبي طالب.أصبحت و أمسيت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة.
و عن عبد الملك بن عطية العوفي قال:أتيت زيد بن أرقم.فقلت له:إنّ ختنا لي حدّثني عنك بحديث في شأن علي يوم الغدير،و أنا احبّ أن أسمعه منك.فقال:انّكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم.فقلت،ليس عليك مني بأس، فقال:نعم.كنّا بالجحفة.فخرج علينا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ظهرا،و هو آخذ بعضد علي عليه السلام.فقال:«أيّها الناس أ لستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» فقالوا:بلى.فقال:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»قالها أربع مرّات.
و عن رياح بن الحرث قال:جاء رهط إلى علي عليه السلام فقالوا:السلام عليك يا مولانا،و كان بالرحبة،فقال:كيف أكون مولاكم،و أنتم قوم عرب؟قالوا:
سمعنا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول يوم غدير خم:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»فقلت:
من هؤلاء:فقيل:نفر من الأنصار فيهم أبو أيّوب صاحب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
و عن بريدة قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:من كنت مولاه-أو وليه-فعليّ وليّه- و في رواية لمّا أنشد علي عليه السلام الناس في الرحبة قام خلق كثير فشهدوا له بذلك -و في لفظ-فقام ثلاثون رجلا فشهدوا (2).
و ذكر الغزالي في كتاب(سرّ العالمين):أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لعليّ عليه السلام يوم غدير خم:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»فقال عمر بن الخطاب:بخّ بخّ يا أبا الحسن أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة،و هذا تسليم و رضى و تحكيم.ثم بعد هذا غلب الهوى حبّا للرياسة،و عقد البنود،و خفقان الرايات، و ازدحام الخيول في فتح الأمصار،و أمر الخلافة و نهيها،فحملهم على الخلاف فنبذوه وراء ظهورهم،و اشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون-إلى آخر ما في تذكرة السبط (1)
تذكرة الخواص:62. [1]
.و لو شئنا استقصاء ما فيه فقط لطال الكلام.
«التي لا يدلي» أي:لا يحتجّ.
«أحد بمثلها إلاّ أن يدّعي مدّع ما لا أعرفه و لا أظنّ اللّه يعرفه» لكون ادّعائه كذبا و مينا.
روى أحمد بن حنبل في(فضائله)عن سعيد بن المسيب:انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال-و قد آخى بين أصحابه-أين علي بن أبي طالب،فجاء فقال:
يا علي!أنت أخي و أنا أخوك.فإن ناكرك أحد فقل:أنا عبد اللّه،و أخو رسول اللّه لا يدّعيها بعدك إلاّ كذّاب (2).
و روى(إرشاد)محمّد بن محمّد بن النعمان،عن حكيم بن جبير، و غيره قالوا:شهدنا عليّا عليه السلام على المنبر يقول«أنا عبد اللّه،و أخو رسول اللّه، ورثت نبي الرحمة،و نكحت سيّدة نساء أهل الجنّة،و أنا سيّد الوصيين، و آخر أوصياء النبيين،لا يدّعي ذلك غيري إلاّ أصابه اللّه بسوء»فقال رجل من عبس كان جالسا بين القوم:«من لا يحسن أن يقول هذا:أنا عبد اللّه،
و أخو رسول اللّه»فلم يبرح من مكانه حتى تخبّطه الشيطان.فجرّ برجله إلى خارج المسجد.فسألنا قومه عنه فقلنا هل تعرفون به عرضا قبل هذا؟قالوا:
اللهمّ لا (1)
الارشاد:186. [1]
.و الأوّل و الثاني و إن لم يستطيعا أن يدّعيا كونهما أخوي رسوله إلاّ أنّهما أنكرا له ذلك.ففي(خلفاء ابن قتيبة)في قصة السقيفة:أخرج عمر و معه قوم عليّا فمضوا به إلى أبي بكر،فقالوا له:بايع.فقال:«إن لم أفعل فمه».قالوا:
إذن و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك.قال:«إذن تقتلون عبد اللّه،و أخا رسوله»،قال عمر:أمّا عبد اللّه،فنعم،و أما أخو رسوله فلا.فلحق علي عليه السلام بقبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يصيح و يبكي و ينادي:«يا ابن امّ إنّ القوم استضعفوني، و كادوا يقتلونني» (2).
و امّا سوابق ذكروها للمتقدّمين عليه عليه السلام.فلعمر اللّه هي مفتعلة اختلقها لهم معاوية.فلو كان للأوّل سابقة لما اقتصر الثاني لمّا أراد توليته الخلافة يوم السقيفة على قوله«أمرك النبي بالصلاة بنا و أنت صاحب غاره»و لذكر ما عدّوه له.
ثم قول عمر لأبي بكر:«أمرك النبي بالصلاة بنا»كيف يعقل صحّته، و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر بخروجه في جيش اسامة،و لعن المتخلّف عنه، و انّما كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال في شدّة مرضه:يصلّي بكم أحدكم فإنّي لا أستطيع الخروج إليكم فبعثت ابنته عائشة إليه أن يتصدّى هو للصلاة،ثمّ لمّا فهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذلك قال لها:أنتن صواحب يوسف،و خرج مع حاله تلك معتمدا على أمير المؤمنين عليه السلام،و الفضل بن العباس،و أخّره و صلّى بالناس
جالسا دفعا للشبهة (1)
لم يعرف بهذا المتن نعم أقرب الألفاظ ما أخرجه البخاري في صحيحه 1:122،و مسلم في صحيحه 1:313 ح 95.
.و أمّا قوله:«أنت صاحب غاره»فكونه صاحب الغار محقّق إلاّ أنّه بالعار و العوار أقرب لكونه سببا لاضطراب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى نهاه،و خصّ جلّ و علا إنزال سكينته بنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم دلالة على عدم كون أبي بكر مؤمنا باللّه،و إلاّ فقد قال في موضع آخر «فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» (2).
«و الحمد للّه على كلّ حال» كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول في النعمة و ما يسرّه «الحمد للّه على هذه النعمة»و كان يقول في البلية و ما يكرهه«الحمد للّه على كلّ حال» (3).
و حيث قال عليه السلام قبل ذلك: «يا عجبا للدهر إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي و لم تكن له كسابقتي» قال «و الحمد للّه على كلّ حال» :أي حتّى في حال اقران الأجانب بي.
و في(المروج)و غيره:كتب محمّد بن أبي بكر إلى معاوية:كان أوّل من أجاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أناب و آمن و صدّق و أسلم و سلّم أخوه و ابن عمه علي بن أبي طالب.صدّقه بالغيب المكتوم،و آثره على كلّ حميم،و وفاه بنفسه كلّ هول،و حارب حربه،و سالم سلمة،فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الليل و النهار،و الخوف و الجوع حتّى برز سابقا لا نظير له في من اتّبعه،و لا مقارب له في فعله،و قد رأيتك تساميه،و أنت أنت و هو هو أصدق الناس نيّة،و أفضل الناس ذرّيّة،و خير الناس زوجة،و أفضل الناس ابن عم.أخوه الشاري بنفسه يوم موته،و عمّه سيد الشهداء يوم احد،و أبوه الذابّ عن رسول اللّه و عن
حوزته،و أنت اللعين ابن اللعين.لم تزل أنت و أبوك تبغيان لرسول اللّه الغوائل،و تجهدان في إطفاء نور اللّه.تجمعان على ذلك الجموع،و تبذلان فيه المال،و تؤلّبان عليه القبائل.على ذلك مات أبوك،و عليه خلفته،و الشهيد عليك.
من يدني منك،و يلجأ إليك من بقية الأحزاب،و رؤساء النفاق،و الشاهد لعليّ عليه السلام مع فضله المبين القديم،أنصاره الّذين معه.الّذين ذكرهم اللّه بفضله،و أثنى عليهم من المهاجرين و الأنصار،و هم معه كتائب و عصائب.
يرون الحقّ في اتّباعه،و الشقاء في خلافه،فكيف-يا لك الويل-تعدل نفسك بعلي،و هو وارث رسول اللّه،و وصيه،و أبو ولده.أوّل الناس له اتّباعا، و أقربهم به عهدا.يخبره بسرّه،و يطلعه على أمره،و أنت عدوه،و ابن عدوّه -إلى أن قال-.
فكتب إليه معاوية:ذكرت فضل ابن أبي طالب،و قديم سوابقه،و قرابته إلى الرسول،و مواساته إيّاه في كلّ هول و خوف.فكان احتجاجك علي، و عيبك لي بفضل غيرك لا بفضلك.فاحمد ربّا صرف هذا الفضل عنك،و جعله لغيرك فقد كنّا و أبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب،و حقّه لازما لنا،فلمّا اختار اللّه لنبيّه ما عنده،كان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزّه حقّه و خالفه على أمره،على كلّ ذلك اتفقا و اتّسقا.ثم انهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما، و تلكّأ عليهما فهمّا به الهموم،و أرادا به العظيم.ثم انّه بايع لهما،و سلّم لهما، و أقاما لا يشركانه في أمرهما،و لا يطّلعانه على سرّهما حتّى قبضا،ثم قام ثالثهما عثمان،فهدى بهديهما و سار بسيرهما.فخذ حذرك يا ابن أبي بكر، و قس شبرك بفترك تقصر عن أن توازي من يزن الجبال بحلمه،مهّد أبوك مهاده،و بنى له ملكه و شاده فإن يك ما نحن فيه صوابا،فأبوك استبدّ به و نحن شركاؤه،و لو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب و لسلّمنا
إليه،و لكن رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا،فأخذنا بمثله.فعب أباك بما بدا لك أو دع (1)
رواه المسعودي في مروج الذهب 3:11،و [1]ابن مزاحم في وقعة صفين:118،و [2]البلاذري في انساب الاشراف 2: 393. [3]
.و أقول:و لكون معاوية اقتدى بصدّيقهم و فاروقهم في فعاله،و أنّهما أسّسا له قتاله مع أمير المؤمنين عليه السلام و قتله للحسن عليه السلام و تمهيده لقتل الحسين عليه السلام،و أسر أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و بناته بتلك الكيفية قال الخطيب في تاريخه:قال الربيع بن نافع:معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه (2).
اف لهذا الدّين المتضاد المتناقض يجعلون لعين النّبي مقدما على نفس النّبي.
من الخطبة(65)
و من كلام له عليه السلام في معنى الأنصار:قالوا:لما انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنباء السقيفة بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، قال عليه السلام:ما قالت الأنصار؟قالوا:قالت:منا أمير و منكم أمير قال عفَهَلاَّ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ- بِأَنَّ؟رَسُولَ اللَّهِ ص؟ وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ- وَ يُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ- قَالُوا وَ مَا فِي هَذَا مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ- قَالَ ع لَوْ كَانَتِ الْإِمَارَةُ فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ- ثُمَّ قَالَ ع فَمَا ذَا قَالَتْ؟قُرَيْشٌ؟- قَالُوا احْتَجَّتْ بِأَنَّهَا شَجَرَةُ؟الرَّسُولِ ص؟-
فَقَالَ ع احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ وَ أَضَاعُوا الثَّمَرَةَ من الكتاب(28) في جملة كتابه إلى معاوية: وَ لَمَّا احْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ- ؟يَوْمَ السَّقِيفَةِ؟ ؟بِرَسُولِ اللَّهِ ص؟ فَلَجُوا عَلَيْهِمْ- فَإِنْ يَكُنِ الْفَلَجُ بِهِ فَالْحَقُّ لَنَا دُونَكُمْ- وَ إِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالْأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ من الحكمة(190) وَا عَجَبَاهْ أَ تَكُونُ الْخِلاَفَةُ بِالصَّحَابَةِ وَ الْقَرَابَةِقال الرضيّ:و روي له شعر في هذا المعنى:
فَاِنْ كُنْت بِالشُّورَى مَلَكْتَ امُورَهُمْ فَكَيْفَ بِهذَا وَ الْمُشِيرُونَ غُيَّبُ
وَ انْ كُنْتَ بِالْقُرْبى حَجَجْتَ خَصيمَهُمْ فَغَيْرُكَ أوْلى بِالنَّبِيِّ وَ اقْرَبُ
أقول:ذكر الأوّل و الأخير المصنّف في خصائصه السيد الرضي-خصائص الائمة-ص 62 و 85 أيضا.الأوّل هكذا:
«و في خبر مرفوع،لمّا رفع عليه السلام يده من غسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أتته أبناء السقيفة،فقال:ما قالت الأنصار-إلخ (1)
خصائص الائمة:62. [1]
.و زاد في الأخير بعد قوله عليه السلام:«و لا تكون بالصحابة و القرابة»على ما يأتي تحقيقه«و يروي و القرابة و النص»و قال بعد ذكر البيتين«لقد أوضح عليه السلام بهذا القول نهج المحجّة،و أخذ على خصومه بمضائق الحجّة» (2).
و روى الثاني نصر بن مزاحم في( صفّينه نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 90 )مع زيادة هكذا:«و ذكرت حسدي الخلفاء و إبطائي عنهم و بغيي عليهم.فأمّا البغي فمعاذ اللّه أن يكون،
و أمّا الإبطاء عنهم،و الكراهة لأمرهم فلست أعتذر منه إلى الناس لأنّ اللّه جلّ ذكره لما قبض نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قالت قريش:منّا الأمير،و قالت الأنصار:منّا الأمير.
فقالت قريش:منّا محمّد رسول اللّه.فنحن أحقّ بذاك الأمر.فعرفت ذلك الأنصار فسلّمت لهم الولاية و السلطان.فإذا استحقوها بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم دون الأنصار فإنّ أولى الناس بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم أحقّ بها منهم،و إلاّ فالأنصار أعظم العرب فيها نصيبا،فلا أدري أصحابي سلّموا من أن يكونوا حقّي أخذوا أو الأنصار ظلموا عرفت انّ حقّي هو المأخوذ (1)
وقعة صفين:90. [1]
.قول المصنّف : «قالوا لما انتهت» أي:بلغت.
«إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنباء السقيفة» أي:أخبارها.
«بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم (و بعد فراغه عليه السلام من غسله صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما عرفته من خصائصه)».
ثمّ إنّ ابن أبي الحديد نقل أخبار السقيفة من الجوهري أوّلا:ثم من (موفّقيات الزبير بن بكار)،و نحن ننقلها من(خلفاء ابن قتيبة)،فقال فيه:
«حدّثنا ابن عفير عن أبي عون،عن عبد اللّه بن الرحمن الأنصاري،أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا قبض اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة،فقالوا له:إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد قبض.فقال لابنه قيس:إنّي لا أستطيع أن أسمع الناس كلاما لمرضي،و لكن تلقّ منّي قولي فأسمعهم.فكان سعد يتكلّم،و يحفظ ابنه قوله فيرفع صوته لكي يسمع قومه.فكان ممّا قال بعد أن حمد اللّه و أثنى عليه:يا معشر الأنصار!إنّ لكم سابقة في الدين و فضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن،و خلع الأوثان فما آمن به من قومه إلاّ قليل،و اللّه ما كانوا يقدرون أن
1) 1)
يمنعوا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و لا يعرّفوا دينه،و لا يدفعوا عن أنفسهم حتّى أراد اللّه تعالى لكم الفضيلة،فساق إليكم الكرامة،و خصّكم بالنعمة،و رزقكم الإيمان به و برسوله،و المنع له و لأصحابه،و الإعزاز لدينه،و الجهاد لأعدائه.فكنتم أشدّ الناس على من تخلّف عنه منكم،و أثقلهم على عدوّه من غيركم.حتّى استقاموا لأمر اللّه تعالى طوعا و كرها،و أعطى البعيد المقادة صاغرا داحرا حتّى اثخن اللّه تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بكم الأرض،و دانت بأسيافكم له العرب.ثم توفّاه اللّه تعالى و هو راض عنكم قرير العين بكم،فشدّوا أيديكم بهذا الأمر.
فانّكم أحقّ الناس و أولاهم به.فأجابوه جميعا أن قد وفّقت في الرأي،و أصبت في القول و كفى بعد ذلك ما رأيت بتوليتك هذا الأمر فأنت مقنع،و لصالح المؤمنين رضى.
فأتى الخبر إلى أبي بكر ففزغ أشدّ الفزغ و قام و معه عمر فخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة،فلقيا أبا عبيدة بن الجراح.فانطلقوا جميعا إليها.فأراد عمر أن يبدأ بالكلام،و قال:خشيت أن يقصر أبو بكر عن بعض الكلام،فلمّا تجهّز للكلام قال له أبو بكر:على رسلك فستكفى.فتشهد و قال:انّ اللّه تعالى بعث محمّدا بالهدى و دين الحق،فدعا إلى الإسلام،فأخذ اللّه بنواصينا و قلوبنا إلى ما دعا إليه.فكنّا معشر المهاجرين أوّل الناس إسلاما، و الناس لنا فيه تبع و نحن عشيرة النبي،و أوسط العرب أنسابا ليس قبيلة إلاّ و لقريش فيها ولادة و أنتم أيضا و اللّه الذين آووا و نصروا،و أنتم وزراؤنا في الدين،و وزراء النبي و إخواننا في كتاب اللّه،و شركاؤنا في دينه،و في ما كنّا في سرّاء و ضرّاء،و اللّه ما كنّا في خير قطّ إلاّ كنتم معنا فيه،فأنتم أحبّ الناس إلينا،و أحقّ الناس أن لا تحسدوا إخوانكم المهاجرين،و أنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة،و اللّه ما زلتم تؤثرون إخوانكم من المهاجرين،
و أنتم أحقّ الناس ألا يكون هذا الأمر و اختلافه على أيديكم،و أبعد الاّ تحسدوا إخوانكم على خير ساقه اللّه تعالى إليهم،و إنّما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر، و كلاهما قد رضيته لكم و لهذا الأمر،و كلاهما له أهل،فقال عمر و أبو عبيدة:ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر أنت صاحب الغار ثاني اثنين، و أمرك النبي بالصلاة،فأنت أحقّ الناس بهذا الأمر.
فقال الأنصار:و اللّه ما نحسدكم على خير ساقه اللّه إليكم و انّا كما وصفت،و لا أحد أحبّ إلينا منكم،و لكنّا نشفق ممّا بعد اليوم،و نحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منّا و منكم.فلو جعلتم اليوم رجلا منّا،و رجلا منكم بايعنا و رضينا،على أنّه إذا هلك أحدهما اخترنا مكانه كان ذلك أجدر أن يعدل في امّة محمّد،و أن يكون بعضنا يتبع بعضا فيشفق القرشي أن يرفع فينقض عليه الأنصاري،و يشفق الأنصاري أن يرفع فينقض عليه القرشي.
فقال أبو بكر:انّ اللّه بعث محمّدا رسولا إلى خلقه ليوحدوه،و هم إذ ذاك يعبدون آلهة شتّى،فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم.فخصّ اللّه تعالى المهاجرين الأولين بتصديقه،و الصبر معه على الشدّة من قومهم.فلم يستوحشوا من قلّة عددهم،و اجتماع قومهم عليهم.فهم أوّل من عبد اللّه في الأرض،و أوّل من آمن باللّه و رسوله،و هم أولياؤه و عشيرته،و أحقّ الناس بالأمر بعده لا ينازعهم فيه إلاّ ظالم.
فقام الحبّاب بن المنذر فقال:يا معشر الأنصار!املكوا على أيديكم.
فإنّما الناس في فيئكم و ظلالكم و لن يجير مجير على خلافكم،و لن يصدر الناس إلاّ عن رأيكم.أنتم أهل العز و الثروة،و اولو العدد و النجدة،و انّما ينظر الناس ما تصنعون.فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم.أنتم أهل الإيواء،و اليكم كانت الهجرة،و لكم في السابقين الأوّلين مثل ما لهم،و أنتم أصحاب الدار
و الايمان من قبلهم،و اللّه ما عبدوا اللّه علانية إلاّ في بلادكم،و لا جمعت الصلاة إلاّ في مساجدكم و لا دانت العرب للإسلام إلاّ بأسيافكم.فأنتم أعظم الناس نصيبا في هذا الأمر،و إن أبى القوم فمنّا أمير،و منهم أمير.
فقام عمر:فقال هيهات و اللّه لا ترضى العرب أن تؤمّركم و نبيّها من غيركم و لكنّ العرب لا ينبغي أن تولّي هذا الأمر إلاّ من كانت النبوّة فيهم، و اولو الأمر منهم،لنا بذلك على من خلفنا من العرب الحجّة الظاهرة، و السلطان المبين.من ذا ينازعنا سلطان محمّد و ميراثه،و نحن أولياؤه و عشيرته إلاّ متعد لباطل أو متجانف لإثم أو متورّط في هلكة.
فقام الحباب بن المنذر،و قال يا معشر الأنصار!املكوا على أيديكم و لا تسمعوا مقالة هذا و أصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر.فإن أبوا عليكم ما سألتم،فأجلوهم عن بلادكم،و ولّوا عليكم و عليهم من أردتم،فأنتم و اللّه أولى بهذا الأمر منهم،فإنّه دان لهذا الأمر من لم يكن يدين بأسلافنا.أما و اللّه إن شئتم لنعيدنها جذعة و اللّه لا يردّ علي أحد ما أقول إلاّ حطمت أنفه بالسيف.
قال عمر:فلمّا كان الحباب هو الّذي تكلّم لم يكن لي معه كلام لأنّه كان بيني و بينه كلام في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فنهاني عنه.فحلفت ألاّ اكلمه كلمة تسوءه أبدا ثم قام أبو عبيدة.فقال:يا معشر الأنصار أنتم أوّل من نصر و آوى،فلا تكونوا أوّل من يغيّر و يبدّل،و إنّ بشير بن سعد لمّا رأى ما اتّفق عليه قومه من تأمير سعد بن عبادة قام حسدا لسعد-و كان بشير من سادات الخزرج-فقال:يا معشر الخزرج!أما و اللّه لئن كنّا أولي الفضيلة في جهاد المشركين،و السابقة في الدين ما أردنا غير رضى ربنا،و طاعة نبيّنا،و ما ينبغي أن نستطيل بذلك على الناس و ما نبتغي به عرضا من الدنيا.فإنّ اللّه تعالى وليّ النعمة و المنة علينا بذلك،و محمّد رجل من قريش،و قومه أحق
بميراثه،و تولّي سلطانه،و أيم اللّه لا يراني انازعهم هذا الأمر أبدا فاتّقوا اللّه،و لا تخالفوهم و لا تنازعوهم قام أبو بكر على الأنصار و دعاهم إلى الجماعة و نهاهم عن الفرقة،و قال انّي ناصح لكم في احد هذين الرجلين أبي عبيدة أو عمر فبايعوا من شئتم منهما.
فقال عمر:معاذ اللّه أن يكون ذلك و أنت بين أظهرنا أنت أحقّنا بهذا الأمر، و أقدمنا صحبة،و أفضل المهاجرين،و ثاني اثنين،و خليفته على الصلاة و الصلاة أفضل دين الإسلام،فمن ذا ينبغي أن يتقدّمك،و يتولّى هذا الأمر عليك ابسط يدك ابايعك.فلمّا ذهبا يبايعانه سبقهما إليه بشير الأنصاري فبايعه.فناداه الحباب بن المنذر:يا بشير بن سعد!عققت عقاق ما اضطرك إلى ما صنعت؟حسدت ابن عمك على الإمارة؟قال:لا.و لكني كرهت أن انازع قوما حقا لهم.فلمّا رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد و هو من سادات الخزرج و ما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة،قال بعضهم لبعض -و فيهم أسيد بن حضير-لئن ولّيتموها سعدا عليكم مرّة واحدة لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة،و لا جعلوا لكم نصيبا فيها أبدا.فقوموا فبايعوا أبا بكر، فقاموا إليه فبايعوه.
فقام الحباب بن المنذر إلى سيفه فأخذه،فبادروا إليه فأخذوا سيفه منه، فجعل يضرب بثوبه،وجوههم حتّى فرغوا من البيعة.فقال:فعلتموها يا معشر الأنصار!أما و اللّه لكأنّي بأبنائكم على أبواب أبنائهم قد وقفوا يسألونهم بأكفّهم و لا يسقون الماء.
قال أبو بكر:أمنّا تخاف يا حبّاب؟قال:ليس منك أخاف،و لكن ممّن يجيء بعدك.قال أبو بكر:فإذا كان كذلك فالأمر إليك،و إلى أصحابك ليس لنا عليكم طاعة.
قال الحباب:هيهات إذا ذهبت أنا و أنت جاءنا بعدك من يسومنا الضيم.
فقال سعد بن عبادة:أما و اللّه لو أنّ بي ما أقدر به على النهوض لسمعتم منّي في أقطارها زئيرا يخرجك يا أبا بكر و أصحابك،و لا لحقنّك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع خاملا غير عزيز،فبايعه الناس جميعا حتّى كادوا يطئون سعدا فقال سعد:قتلتموني فقيل اقتلوه قتله اللّه.
فقال سعد:احملوني من هذا المكان.فحملوه حتّى أدخلوه داره،و ترك أيّاما.ثم بعث إليه أبو بكر أن أقبل فبايع فقد بايع الناس و بايع قومك.فقال:أما و اللّه حتّى أرميكم بكلّ سهم في كنانتي،و أخضب منكم سناني و رمحي، و أضربكم بسيفي ما ملكته يدي،و أقاتلكم بمن معي من أهلي و عشيرتي،و لا و اللّه لو أنّ الجنّ اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتّى اعرض على ربيّ و أعلم حسابي.فلمّا أتي بذلك أبو بكر من قوله قال عمر:لا تدعه حتّى يبايعك.
فقال لهم بشير بن سعد:إنّه قد لجّ و أبى،و ليس يبايعك حتّى يقتل و ليس بمقتول حتّى يقتل معه ولده و أهل بيته و عشيرته،و لن تقتلوهم حتّى تقتلوا الخزرج و لن تقتلوا الخزرج حتّى تقتلوا الأوس،فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد استقام لكم فاتركوه و ليس تركه بضارّكم،و انّما هو رجل واحد فتركوه و قبلوا مشورة بشير و استنصحوه لما بدا لهم منه فكان سعد لا يصلّي بصلاتهم،و لا يجمّع بجمعتهم،و لا يفيض بإفاضتهم،و لو يجد عليهم أعوانا لصال بهم،و لو يبايعه أحد على قتالهم لقاتلهم،فلم يزل كذلك حتّى توفي أبو بكر و ولي عمر،فخرج سعد إلى الشام فمات بها و لم يبايع لأحد (1)
الإمامة و السياسة 1:4،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و رواه الطبري عن أبي مخنف،و فيه،فقال ناس من أصحاب سعد:اتّقوا سعدا لا تطئوه فقال عمر:اقتلوه قتله اللّه.ثم قام على رأسه فقال:لقد هممت أن
1) 1)
أطأك حتّى تندر عضوك.فأخذ سعد بلحية عمر فقال عمر:و اللّه لو حصصت منه شعرة ما رجعت و في فيك واضحة.فقال أبو بكر لعمر:مهلا يا عمر.الرفق هنا أبلغ،فأعرض عنه عمر (1)
تاريخ الطبري 2:459،سنة 11. [1]
.و في(عقد ابن عبد ربه)قال الكلبي:بعث عمر رجلا إلى الشام،و قال له:
ادع سعدا إلى البيعة،و احمل له بكلّ ما قدرت عليه.فإن أبى فاستعن اللّه عليه.
فقدم الرجل الشام.فلقي سعدا بحوران في حائط.فدعاه إلى البيعة فقال:لا ابايع قريشا أبدا.قال:فإنّي اقاتلك.قال:و إن قاتلتني.قال:أ فخارج أنت عمّا دخلت فيه الامّة.قال:أمّا من البيعة فخارج،فرماه بسهم فقتله (2).
و في(أنساب البلاذري):مات سعد بحوران فجأة لسنة من خلافة عمر، و يقال:إنّه امتنع من البيعة لأبي بكر.فوجّه إليه رجلا ليأخذ عليه البيعة،و هو بحوران.فأباها.فرماه فقتله،و فيه يروي هذا الشعر الّذي ينتحله الجن.
قتلنا سيّد الخزرج سعد بن عبادة و رميناه بسهمين فلم نخط فؤاده (3)
و قال ابن أبي الحديد:سئل شيعي بأنّه لم سكت علي عليه السلام عن المطالبة بحقه؟فقال:خاف أن تقتله الجن معرّضا بقصّة سعد انّ الجنّ قتلته لأنّه لم يبايع (4).
قوله : «قال عليه السلام ما قالت الأنصار؟قالوا:قالت:منّا أمير و منكم أمير» قد عرفت من رواية(خلفاء ابن قتيبة)ان هذا كان قول الحباب بن المنذر الانصاري،و غيره من الانصار بعد تكلّم أبي بكر بأنهم من قريش،و قريش قوم النبي فهم أحق فقالت الانصار:لو جعلتم اليوم رجلا منّا،و رجلا منكم
كان ذلك أجدر ان يعدل في امة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم (1)
الإمامة و السياسة 1:6،و [1]النقل بتقطيع.
.و في(الطبري)-بعد ذكر تكلّم سعد بن عبادة للأنصار و قولهم له «نولّيك هذا الأمر فانّك فينا مقنع و لصالح المؤمنين»ثم انهم ترادّوا الكلام بينهم فقالوا:فإن أبت مهاجرة قريش فقالوا:نحن المهاجرون و صحابة النبي الأوّلون و عشيرته و أولياؤه فعلام تنازعوننا هذا الأمر بعده فقالت طائفة منهم،فانّا نقول«اذن منّا أمير و منكم أمير،و لن نرضى بدون هذا الأمر أبدا» فقال سعد بن عبادة حين سمعها،هذا أوّل الوهن (2).
قوله : «قال عليه السلام فهلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم وصّى بأن يحسن إلى محسنهم و يتجاوز عن مسيئهم» في(طبقات ابن سعد كاتب الواقدي)عن ابي سعيد الخدري قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«إن عيبتي الّتي آوي إليها أهل بيتي،و إن الأنصار كرشي،فاعفوا عن مسيئهم،و اقبلوا من محسنهم» (3).
و في(العقد):خطب الحجاج أهل الكوفة فقال:يا أهل العراق إنّي أردت الحج،و قد استخلفت عليكم محمّدا(ولدى)و ما كنتم له بأهل،و أوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الأنصار.فإنّه أوصى فيهم أن يقبل من محسنهم و يتجاوز عن مسيئهم و أنا أوصيته أن لا يقبل من محسنكم و لا يتجاوز عن مسيئكم،ألا و إنّكم قائلون بعدي مقالة لا يمنعكم من إظهارا إلاّ خوفي،تقولون:لا أحسن اللّه له الصحابة،و إنّي اعجّل الجواب.فلا أحسن اللّه عليكم الخلافة ثم نزل (4).
و في السير:إنّ المنصور لما وجّه موسى بن عيسى لمحاربة محمّد بن عبد اللّه الحسني بالمدينة قال له:فإذا ظفرت به،فلا تخيفنّ أهل المدينة،و عمّهم بالعفو،فانّهم الأصل و العشيرة،و جيران قبر النبي،فهذه وصيتي إيّاك لا كما اوصى يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة لمّا وجّهه إلى المدينة،فأمره أن يقتل من ظهر إلى ثنية الوداع،و أن يبيحها ثلاثة أيّام.ففعل.فلمّا بلغ يزيد ما فعل تمثّل بقول ابن الزبعرى في يوم احد حين قال:
ليث أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
ثم الغريب أنّ أبا بكر و عمر و أبا عبيدة و من ساعدهم من الأنصار لأغراض شخصية كبشير بن سعد الخزرجي،و أسيد بن حضير الأوسى و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر بإخراجهما مع الثلاثة في جيش اسامة،و لعن المتخلّف عنه كما رواه الجوهري،و الشهرستاني في(السقيفة)و(الملل) (1)
رواه الجوهري في السقيفة:75،و [1]الشهرستاني في الملل و النحل 1:29 و [2]ابو القاسم الكوفي في الاستغاثة:25، و القاضي النعمان في دعائم الاسلام 1:41. [3]
،و كان قومهما استنكفوا من فعلهما.فتزعم الأوس أنّ أوّل من بايع أبا بكر بشير الخزرجي،و تزعم الخزرج أنّ أوّل من بايعه أسيد الأوسي كما صرّح بذلك محمّد بن إسحاق صاحب المغازي (2)فنسب كلّ منهما السبقة في بيعة أبي بكر إلى خصمه اطنبوا في الاتيان بحجة في قبال الأنصار.فليأتوا بطائل،و لم يستطيعوا الاتيان بهذه الحجّة المختصرة الّتي بيّنها أمير المؤمنين عليه السلام من وصيّة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بهم فانّها جملة قصيرة تحسم مادّة شغبهم.و لقد أراد عمرو بن العاص مع دهائه ردّ الأنصار فقال:«إن كانوا سمعوا قول النبي:الأئمة من قريش ثم ادّعوها لقد هلكوا و أهلكوا،و ان كانوا
لم يسمعوها فما هم كالمهاجرين»فأجابه النعمان بن عجلان الأنصاري بأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إن كان قال:«إنّ الأئمة من قريش»فقد قال أيضا:«لو سلك الناس شعبا،و سلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار»و اللّه ما أخرجناكم من الأمر اذ قلنا:منّا أمير و منكم أمير (1)
رواه الزبير بن بكار في الموفقيات،و [1]عنه شرح ابن أبي الحديد 2:12، [2]شرح الخطبة 65.
.و كيف كانوا يقدرون على الاتيان بمثلها حجّة قاطعة،و لم يفهموا وجه دلالتها حتّى بيّنها عليه السلام لهم،و أين اولئك الأغبياء عن مقام الخلافة الالهية.
و لا تستوحش من تسميتهم الأغبياء،و لم يكن أبو بكر متفطنا لمفاسد تصدّيه لهذا الأمر حتّى بيّن الحباب بن المنذر بعضها الراجع إلى عشيرته.
فقال لهم بعد بيعتهم لأبي بكر:فعلتموها يا معشر الأنصار!أما و اللّه لكأنّي بأبنائكم على أبواب أبنائهم قد وقفوا يسألونهم بأكفّهم،و لا يسقون الماء،و لم يذكر الحباب مفاسده في الدين بصيرورة بني امية الشجرة الملعونة لا عبين بالدين.فقال لحباب أمنّا تخاف.
كما لم يتفطن بأنّ عمله يصير سببا قهريا لتسلط أعداء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على امّته و اضمحلالهم لشريعته،و استيصالهم لعترته،و انتقامهم من أنصاره كما مرّ من قول يزيد.فيقول لحباب«إذا كان كذلك،فالأمر إليك،و إلى أصحابك»حتّى نبّهه الحباب بأنّه أمر محال .
«قالوا:و ما في هذا من الحجّة عليهم» و مثله في عدم فهم المراد ما في (العقد)أنّ رسولا من اليمامة ورد على الحجّاج.فقال له:هل وراءك من غيث؟ قال:نعم سمعت الروّاد يدعون إلى الماء،و سمعت قائلا يقول:هلمّ ظعنكم إلى محلّة تطفأ فيها النيران،و تشتكي فيها النساء،و تنافس فيها المعزى.قال الشعبي:فلم يدر الحجاج ما قال.فقال له:تبّا لك إنّما تحدّث أهل الشام
1) 1)
فأفهمهم.قال:أصلح اللّه الأمير اخصب الناس.فكثر التمر و السمن و الزبد و اللبن.فلا توقد نار يختبز بها.و أمّا تشكّي النساء فإنّ المرأة تظل تربق بهمها و تمخض لبنها.فتبيت و لها أنين من عضدها،و أما تنافس المعزى.فانّها ترى من أنواع الثمر و الشجر و نور النبات ما يشبع بطونها و لا يشبع عيونها فتبيت و قد امتلأت أكراشها،و لها من الكظّة جرّة.فتبقى الجرّة حتّى تستنزل الدرة (1)
العقد الفريد 5:270. [1]
.قوله : «فقال عليه السلام لو كان الأمارة فيهم لم تكن الوصية بهم» بل كان يوصيهم في سائر الناس قالوا كما في(العقد)-كان عمرو بن سعيد الاشدق خلّفه أبوه غلاما فدخل على معاوية فقال له:إلى من أوصى بك أبوك قال:انّ أبي أوصى إليّ و لم يوص بي.فقال له:و بم أوصى إليك.قال:أن لا يفقد إخوانه منه إلاّ وجهه (2).
و قال زياد بن ظبيان لابنه عبيد اللّه:ألا أوصى بك الأمير زيادا؟قال:يا أبه!إذا لم يكن للحىّ إلاّ وصيّة الميّت،فالحي هو الميت.و قال الشاعر:
إنّي إذا ما القوم كانوا انجيه و اضطرب القوم اضطرب الأرشية
هناك أوصيني و لا توصي بيه
قوله : «ثم قال عليه السلام فما ذا قالت قريش؟قالوا:إحتجّت بأنّها شجرة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فقال عليه السلام:إحتجّوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة» مع انّ المقصود الأصلي من الشجرة هو الثمرة.
و قال العباس لما أتاه أبو بكر و عمر و أبو عبيدة باشارة المغيرة عليهم أن يذهبوا إليه،و يجعلوا له نصيبا في الأمر حتّى يحطّ من قدر أمير المؤمنين عليه السلام كما في(خلفاء ابن قتيبة)لأبي بكر في جوابه:«و أما قولك
إنّ النبي منّا و منكم،فإنّه كان من شجرة نحن أغصانها و أنتم جيرانها» (1)
الإمامة و السياسة 1:15. [1]
.قوله عليه السلام في الثاني : «و لما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فلجوا» :أي:ظفروا.
«عليهم فإن يكن الفلج به» و الظفر به.
«فالحق لنا دونكم» لأنّه واضح أنّهم أقرباء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أبو بكر و عمر بالنسبة إليهم عليهم السلام غرباء من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
و هو دليل قطعي على بطلان خلافة صدّيقهم و فاروقهم،و صرّح به معاوية ففي(مقاتل أبي الفرج)و غيره:أنّ الحسن عليه السلام كتب إلى معاوية بعد أبيه عليه السلام انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما توفي تنازعت سلطانه العرب.فقالت قريش:نحن قبيلته و اسرته و أولياؤه،و لا يحلّ ان تنازعونا سلطان محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الناس و حقّه،فرأت العرب أنّ القول كما قالت قريش،و أنّ الحجّة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فأنعمت لهم العرب،و سلّمت ذلك،ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجّت به العرب،فلم تنصفنا قريش انصاف العرب لها.إنّهم اخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف و الاحتجاج،فلمّا صرنا أهل بيت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أولياؤه إلى محاجّتهم و طلب النصف منهم باعدونا و استولوا بالاجتماع على ظلمنا و مراغمتنا و العنت منهم لنا.فالموعد اللّه و هو الوليّ النصير.و قد تعجّبنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا و سلطان نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلم -إلى أن قال-:
فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون و الأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به،أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده-إلى أن قال-:
1) 1)
فكتب إليه معاوية،و ذكرت وفاة النبي،و تنازع المسلمين من بعده.
فرأيتك صرّحت بتهمة أبي بكر الصدّيق و عمر الفاروق،و أبي عبيدة الأمين، و حواري النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و صلحاء المهاجرين و الأنصار فكرهت ذلك لك.فانّك امرؤ عندنا و عند الناس غير ظنين (1)
رواه ابو الفرج في المقاتل:35 و 36،و [1]المدائني،و عنه شرح ابن أبي الحديد 4:9، [2]شرح الكتاب 31.
فلم يجبه معاوية عن قوله بغاصبية الرجلين على البرهان و لكن خوّفه بإثارة العامّة العمياء عليه بأنّه عليه السلام ممّن يتّهم صدّيقهم و فاروقهم و أمينهم.بل اعترف به عمر نفسه عند وضعه الدواوين للأرزاق.ففي(أنساب البلاذري)قال ابن عجلان:لمّا دوّن عمر الدواوين قال للناس:بمن نبدأ؟قالوا:
بنفسك.قال:لا.انّ رسول اللّه أمامنا فبرهطه نبدأ.ثم بالأقرب فالأقرب (2).
فكيف علم هنا أنّ رهط النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أولى منه،و نسي ذلك في ما هو الأصل من سلطانه؟فهل كان قوله إلاّ تلبيسا و تدليسا.
ثم هب ليس الأمر كما تقول الإمامية،و بعض المعتزلة من كون كلامه عليه السلام حجّة ككلام الرسول.فما يقولون في ما استند عليه السلام إليه من أدلّة العقول من أنّه إن كان الفلج بالرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم فالحقّ له عليه السلام دون اولئك البعداء.
و قال الصادق صلّى اللّه عليه و آله و سلم:لقي المنهال بن عمرو علي بن الحسين عليه السلام فقال له:كيف أصبحت يا ابن رسول اللّه؟قال:ويحك!أما آن لك أن تعلم كيف أصبحنا؟أصبحنا في قومنا مثل بني اسرائيل في آل فرعون يذبّحون أبناءنا، و يستحيون نساءنا،و أصبح خير البريّة بعد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم يلعن على المنابر، و أصبح عدوّنا يعطى المال و الشرف،و أصبح من يحبّنا محقورا منقوصا
حقّه،و كذلك لم يزل المؤمنون،و أصبحت العرب تعرف لقريش حقّها بأنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان منها،و أصبحت العرب تفتخر على العجم بأنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان منها،و أصبحنا أهل البيت لا يعرف لنا حقّ.فهكذا أصبحنا يا منهال (1)
أخرجه القمي في تفسيره 2:134،و [1]ابن سعد في الطبقات 5:162،و النقل بتقطيع.
.و قالت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب-كما في(بلاغات نساء البغدادي)-لمّا وفدت على معاوية في جملة كلامها لمعاوية«و نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلم هو المنصور فوليتم علينا من بعده،و تحتجّون بقرابتكم من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و نحن أقرب إليه منكم،و اولى بهذا الأمر.فكنّا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون،و كان علي بن أبي طالب عليه السلام بعد نبيّنا بمنزلة هرون من موسى.
فغايتنا الجنّة،و غايتكم النار» (2).
«و ان يكن بغيره فالأنصار على دعواهم» و قد مات أبو بكر شاكّا في أمره، و أمر الأنصار.
روى المبرد في(كامله)،و ابن قتيبة في(خلفائه)،و ابن عبد ربه في (عقده):أنّ أبا بكر تمنّى حين وفاته ثلاثا فعلهنّ ليته تركهنّ،و ثلاثا تركهنّ ليته فعلهنّ،و ثلاثا لم يسأل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عنهنّ ليته سأله عنهنّ-إلى أن قال- و ليتني كنت سألته هل للأنصار فيها من حقّ-الخبر- (3).
و يقال له:ان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أراد أن يكتب وصيّة لئلاّ يضلّ الناس بعده فيعرفوا وظيفتهم فمنعه صاحبك،و قال:إنّ الرجل ليهجر،ليصل الأمر اليك و اليه،و الآن تتمنى سؤاله.
قوله عليه السلام في الثالث «وا عجباه!أ تكون الخلافة بالصحابة و القرابة» هكذا في(المصرية)و هو غلط واضح،و الصحيح ما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في تكملة شرح الخوئي 21،262،طبعة المكتبة الاسلامية،لكن لفظ شرح ابن أبي الحديد 4:329،و [1]شرح ابن ميثم 5:341،أيضا [2]نحو المصرية.
و غيرها: «وا عجباه!أ تكون الخلافة بالصحابة،و لا تكون بالصحابة و القرابة» .قال الكراجكي في كنزه:و من العجب أن يجتمعوا في السقيفة لطلب الخلافة فتحتجّ الأنصار بأنّها تستحقّها بنصرتها للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و تحتجّ المهاجرون بقربهم منه و ليس فيهم من يذكر أمير المؤمنين صلّى اللّه عليه و آله و سلم الّذي لا يلحقه الأنصاري في نصرة،و لا يدانيه القريشي في قرابة،و من العجب قول القريشي:إنّ الخلافة لا تكون إلاّ من حيث النبوّة،و انّها تستحقّها بذلك لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من قريش،و لم يقل لها أحد في الحال:إنّ بني هاشم أولى منكم بها على هذه الحجّة،لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من بني هاشم.لكن صرفهم عن أن يحاجّوهم بهذا اتفاق جميع من حضر السقيفة على صرف الأمر عن أهله، و منعه عن مستحقه،و من عجيب أمرهم دعواهم أنّ إمامة أبي بكر تثبت عن إذن من أهل الحل و العقد،و اختيار و تأمّل هذا مع سماعهم قول عمر«كانت بيعة أبي بكر فلتة و قى اللّه المسلمين شرّها،فمن عاد الى مثلها فاقتلوه» فشهدوا أنّها كانت قد وقعت بغتة من غير رويّة،و حصلت فجأة من غير مشهورة،و في هذا غاية الذم و التكذيب لهم فيما ادّعوه من التهديد بسفك دم من عاد إلى مثلها (2).
و في(سقيفة الجوهري):عن أبي الأسود قال:غضب رجال من
المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة،و غضب علي و الزبير.فدخلا بيت فاطمة معهما السلاح فجاء عمر في عصابة،منهم أسيد بن حضير،و سلمة بن سلامة بن قريش و هما من بني عبد الأشهل،فاقتحما الدار،فصاحت فاطمة عليها السلام و ناشدتهم،فأخذوا سيفي علي و الزبير فضربوا بهما الجدار حتّى كسروهما.ثم أخرجهما عمر يسوقهما حتّى بايعا.ثم قام أبو بكر فخطب الناس،و اعتذر إليهم،و قال:إنّ بيعتي كانت فلتة و قى اللّه شرّها-الخبر- (1)
السقيفة:70،و [1]النقل بتصرف.
.و في(ارشاد المفيد):و اغتنم القوم(في السقيفة)الفرصة لشغل أمير المؤمنين عليه السلام برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و انقطاع بني هاشم عنهم بمصابهم بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله.فتبادروا،و اتّفق لأبي بكر ما اتّفق من اختلاف الأنصار بينهم و كراهية الطلقاء و المؤلفة قلوبهم من تأخر الأمر حتّى يفرغ بنو هاشم فيستقرّ الأمر مقره.فبايعوا أبا بكر لحضوره المكان،و كانت أسباب معروفة تيسّر للقوم منها ما راموه-إلخ- (2).
قوله المصنّف : «و روي له شعر في هذا المعنى:
«فإن كنت بالشورى ملكت امورهم فكيف بهذا و المشيرون غيّب
و إن كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك أولى بالنبي و أقرب»
و قال الكراجكي-بعد نقل قول من قال:إن الشعر له عليه السلام-و قيل:إنّه قول قيس بن سعد بن عبادة،و إنما تمثّل به أمير المؤمنين عليه السلام،و قد أخذ الكميت هذا المعنى.فقال:
فإن هي لم تصلح لخلق سواهم فإنّ ذوي القربى أحقّ و أوجب (3).
قلت:لا بدّ أنه أراد أخذ المعنى في غير مورد خلافة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
هذا و للّه درّ القائل في غصب خلافته و مدفنه:
بأيّ حكم بنوه يتبعونكم و فخركم أنكم صحب له تبع
و كيف ضاقت عن الأهلين تربته و للأجانب في جنبيه متّسع
و فيم صيّرتم الإجماع حجّتكم و الناس ما اتّفقوا طوارا و لا اجتمعوا
أمر علي بعيد من مشورته مستكره فيه و العباس يمتنع
و بدعة قريش بالقرابة و الأنصار لا رفعوا فيه و لا وضعوا
فأيّ خلف كخلف كان بينهم لو لا تلفق اخبار و مصطنع
و قال كثيّر الشاعر كما في أنساب قريش مصعب الزبيري:
يأمن الظبي و الحمام و لا يأمن آل الرسول عند المقام
حفظوا خاتما و سحق رداء و أضاعوا قرابة الأرحام (1)
نسب قريش:6،و [1]النقل بحذف بعض الأبيات.
و في(خلفاء ابن قتيبة):قال المغيرة بن شعبة لأبي بكر:«أرى أن تلقوا العباس،فتجعلوا له في هذا الأمر نصيبا يكون له و لعقبه،و تكون لكما الحجّة على علي و بني هاشم إذا كان العباس معكم»فانطلق أبو بكر و عمر و أبو عبيدة حتّى دخلوا على العباس-إلى أن قال-قال:فخلّى النبي على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم متّفقين لا مختلفين.فاختاروني عليهم واليا، و لامورهم راعيا،و ما أخاف بحمد اللّه و هنا،و ما زال يبلغني عن طاعن يطعن بخلاف ما اجتمعت عليه عامة المسلمين و يتخذونكم لحافا.فاحذروا أن تكونوا جهد المنيع،فإمّا دخلتم في ما دخل فيه العامة أو دفعتموها عمّا مالوا إليه،و قد جئناك،و نحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك و لعقبك من بعدك،إذ كنت عم النبي،و ان كان الناس قد رأوا مكانك و مكان
1) 1)
أصحابك فعدلوا الأمر عنكم-إلى أن قال-:
قال العباس له:فإن كنت برسول اللّه طلبت فحقّنا أخذت،و إن كنت بالمؤمنين طلبت،فنحن متقدّمون فيهم،و إن كان هذا الأمر إنّما يجب لك بالمؤمنين،فما وجب إذ كنّا كارهين.فإمّا بذلت لنا فإن يكن حقا لك فلا حاجة لنا فيه،و إن يكن حقا للمؤمنين،فليس لك أن تحكم عليهم،و إن كان حقّنا لم نرض عنك فيه ببعض (1)
الإمامة و السياسة 1:15،و [1]النقل بتصرف يسير.
.قوله المصنّف في(خصائصه):«و يروى:و القرابة و النص» (2)أمّا قرابته عليه السلام فعنه عليه السلام لو استطاع مخالفوه إنكارها لأنكروها،و أمّا النصوص عليه فمع كونهم بصدد إخفائها بأنحاء مختلفة لم يقدروا،و لم نتعرض لذكرها بعد تواترها و نقل المخالف لها،و لأنّ استقصاءها يحتاج الى مجلّدات ضخمة، و قد كفانا ذلك رجال منهم و منّا كالطبري و ابن عقدة و غيرهما.
و في(ادباء الحموي)في ترجمة الطبري:و للطبري كتاب(فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام)تكلّم في أوّله بصحّة الأخبار الواردة في غدير خم.ثم تلاه بالفضائل،و كان قد قال بعض الشيوخ ببغداد بتكذيب غدير خم،و قال:كان علي باليمن في الوقت الّذي كان النبي بغدير خم.فقال في قصيدة له:
ثمّ مررنا بغدير خم كم قائل فيه بزور جمّ
على علي و النبي الامّي
فبلغ ذلك الطبري،فابتدأ بالكلام في فضائل علي عليه السلام و ذكر طرق حديث خم (3).
و قد نظمه شعراء منهم كحسّان العثماني و غيره،و شعراء منّا كقيس بن سعد بن عبادة و غيره من المتقدّمين و المتأخّرين.و لو اريد استقصاءها لاحتيج أيضا إلى مجلّدات،و لكن نكتفي تيّمنا-بقول كميت،و قول الحميري.
أمّا الكميت فقال:
و يوم الدوح دوح غدير خمّ أبان له الولاية لو اطيعا
و لكنّ الرجال تبايعوها فلم أر مثلها خطرا منيعا
نقل هذه الأبيات سبط ابن الجوزي و قال:و لها قصّة عجيبة حدّثنا بها شيخنا عمرو بن صافي الموصلي قال:أنشد بعضهم هذه الأبيات و بات مفكّرا فرأى عليا عليه السلام في المنام.فقال له:اعد علي أبيات كميت.فأنشده إيّاها حتى بلغ إلى قوله خطرا منيعا فأنشده علي عليه السلام بيتا آخر من قوله زيادة فيها:
فلم أر مثل ذلك اليوم يوما و لم أر مثله حقّا اضيعا
فانتبه الرجل مذعورا،و أمّا الحميري فقال:
قالوا له لو شئت أعلمتنا إلى من الغاية و المفزع
فقال في الناس النبي الّذي كان بما قيل له يصدع
و كان مأمورا و في كفّه كفّ علي لهم تلمع
من كنت مولاه فهذا له مولى فلم يرضوا و لم يقنعوا (1)
تذكرة الخواص:33. [1]
نقلها المصنّف في(خصائصه)،و قال:«و لهذه الأبيات حديث شريف، حكي أنّ زيد بن موسى بن جعفر رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في المنام كأنّه جالس مع أمير المؤمنين عليه السلام في موضع عال شبيه بالمسنّاة،و عليها مراق.فإذا منشد ينشد قصيدة الحميري حتّى انتهى إلى قوله:
قالوا له لو شئت أعلمتنا إلى من الغاية و المفزع
1) 1)
فنظر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أمير المؤمنين عليه السلام و تبسّم و قال:أ و لم أعلمهم أ و لم أعلمهم-ثلاثا- (1)
خصائص الأئمة:8. [1]
.فإن قلت:إنّ إخلاص الأنصار لأمير المؤمنين عليه السلام لم يكن مختلفا فيه، و انّما الاختلاف في قريش،فلو كان نصّ عليه عليه السلام لما اقدم سعد بن عبادة على ما اقدم،و لما شهد السقيفة قبل أبي بكر و عمر،و حضّ الأنصار على اختيارهم له.
قلت:إنّ سعد بن عبادة علم أنّ قريشا لا يخلّون الأمر لأهله،لكون ذلك معلوما من أفعالهم من أوّل أمر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و صار الأمر كالعيان عنده بتخلّفهم عن جيش اسامة مع حثّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على تجهيزه و إشخاصه، و لعنه المتخلّف عنه و منعهم له صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الوصية،و نسبة الهجر إليه، و تقدمهم للصلاة بالناس في مرضه حتّى اضطر صلّى اللّه عليه و آله و سلم مع شدة مرضه أن يتّكئ على نفرين و يشهد المسجد و يؤخّره،إتماما للحجّة،و دفعا للشبهة، و غير ذلك.فرأى نفسه أولى،لحصول الاستقلال للاسلام بقومه،و عدم حصول أثر في الاسلام من وجود المدّعين،لا في جهاد و لا في غيره،و لأنّه رأى معاضدة الطلقاء لهم،و علم أنّهم إن غلبوا يذلّوهم و يطلبوا ثارهم عندهم، كما صرّح بذلك الحباب بن المنذر من عشيرته كما مرّ.
و في(رسائل محمّد بن يعقوب الكليني):قال أمير المؤمنين عليه السلام-في جملة ما كتب للناس بعد منصرفه من النهروان لمّا كانوا سألوه عن رأيه في أبي بكر و عمر-«و لقد كان سعد لمّا رأى الناس يبايعون أبا بكر نادى أيّها الناس إنّي و اللّه ما أردتها حتّى رأيتكم تصرفونها عن علي عليه السلام،و لا ابايعكم
1) 1)
حتّى يبايع علي عليه السلام،و لعلّي لا أفعل و إن بايع».ثم ركب دابته و أتى حوران (1)
رواه عن رسائل الكليني ابن طاوس في كشف المحجة:177. [1]
.و فيه أيضا أنّ الأنصار قالوا لقريش:أمّا إذ لم تسلّموها لعليّ عليه السلام فصاحبنا أحقّ بها من غيره (2).
و مع ذلك كان اقدام الأنصار ذاك خطأ مع علمهم بأنّ الأمر حق أمير المؤمنين عليه السلام،و كونهم مأمورين بالدفاع عنه،و لم يفعلوا.روى الجوهري في(سقيفته)عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:كنت ابايع الأنصار للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على السمع و الطاعة له في المحبوب و المكروه.فلمّا عزّ الإسلام و كثر أهله قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:يا علي زدها«على أن تمنعوا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أهل بيته مما تمنعون منه أنفسكم و ذراريكم»فحملها على ظهور القوم فوفى بها من وفى،و هلك من هلك (3).
و ممّا يدلّ على تفريط الأنصار في أمره عليه السلام و تقصيرهم،مضافا إلى تصريحات سيّدة النساء-صلوات اللّه عليها-في خطبها،و تلويحات أمير المؤمنين عليه السلام في كلماته كقوله عليه السلام«و سخت عنها نفوس آخرين» (4)و أمثاله أنّهم لم يتمكّنوا من أخذ البيعة عن سعد قهرا فقال لهم بشير ابن عم سعد الحاسد له حتّى بايع أبا بكر قبل عمر«لا تأخذون البيعة منه قهرا حتّى تقتلوا جميع الأنصار خزرجهم و اوسهم» (5)و أمّا هو عليه السلام فأخذوا منه البيعة مع كونه منصوبا من اللّه و رسوله قسرا فكتب إليه معاوية«كنت تقاد إلى بيعة
أبي بكر كما يقاد الجمل المخشوش» (1)
روى هذا المعنى ابن مزاحم في وقعة صفين:87،و [1]ابن أبي الحديد في شرحه 3:457،شرح الكتاب 28، و غيرهما.
و حتّى لاذ عليه السلام بقبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال:«يا ابن ام انّ القوم استضعفوني و كادوا يقتلوني» (2)و أرادوا إحراق بيته لو لم يخرج،و ضرب عنقه لو لم يبايع.
الكتاب(62)
و من كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر رحمه اللّه لمّا ولاّه إمارتها:
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ؟مُحَمَّداً ص؟- نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَ مُهَيْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِينَ- فَلَمَّا مَضَى ؟مُحَمَّداً ع؟تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ- فَوَاللَّهِ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي- وَ لاَ يَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ- مِنْ بَعْدِهِ ص عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ- وَ لاَ أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ- فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلاَنٍ يُبَايِعُونَهُ- فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ- قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلاَمِ- يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ؟مُحَمَّدٍ ص؟- فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلاَمَ وَ أَهْلَهُ- أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً- تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ- الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلاَئِلَ- يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ- وَ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ- فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَ زَهَقَ- وَ اطْمَأَنَّ الدِّينُ وَ تَنَهْنَهَ قول المصنّف : «و من كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر
لما ولاّه إمارتها» .
أقول:الّذي وجدت الرواية عنه عليه السلام في هذه المضامين خطبته عليه السلام بها بالكوفة بعد فتح مصر و قتل محمّد بن أبي بكر،و كان قتله بعد قتل مالك الاشتر و سؤال الناس له عن عقيدته في أبي بكر و عمر.
روى ذلك ابن قتيبة ابن قتيبة-الإمامة و السياسة-ج 1 ص 154 في(خلفائه)،و ابراهيم الثقفي في( غاراته ابراهيم الثقفي-الغارات-ج 1 ص 302 )،و محمد بن يعقوب الكليني في(رسائله)،و محمّد بن جرير بن رستم الطبري في ( مسترشده محمّد بن جرير بن رستم الطبري-المسترشد-ص 95 تا 97 ).
قال الأوّل-بعد ذكره حث أمير المؤمنين عليه السلام الناس على الجهاد و اخباره إيّاهم بما يفعل بنو امية بهم بعده عليه السلام-فقام حجر بن عدى و عمرو بن الحمق،و عبد اللّه بن وهب الراسبي.فدخلوا على علي عليه السلام فسألوه عن أبي بكر و عمر ما يقول فيهما،و قالوا بيّن لنا قولك فيهما و في عثمان؟قال علي عليه السلام:و قد تفرّغتم لهذا و هذه مصر قد افتتحت،و شيعتي فيها قد قتلت.إنّي مخرج إليكم كتابا انبّئكم فيه ما سألتموني عنه فاقرءوه على شيعتي.فأخرج إليهم كتابا فيه«أما بعد فإنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم نذيرا للعالمين،و أمينا على التنزيل،و شهيدا على هذه الامّة-إلى أن قال بعد ذكر حال العرب وقت بعثه صلّى اللّه عليه و آله و سلم-:
فلمّا مضى صلّى اللّه عليه و آله و سلم تنازع المسلمون الأمر بعده.فو اللّه ما كان يلقى في روعي،و لا يخطر على بالي أنّ العرب تعدل هذا الأمر عنّي.فما راعني إلاّ إقبال الناس على أبي بكر.و إجفالهم عليه.فأمسكت يدي،و رأيت أنّي أحقّ بمقام محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الناس ممّن تولّى الامور علي.فلبثت بذلك ما شاء اللّه حتّى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام،يدعون إلى محو دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ملّة ابراهيم عليه السلام.فخشيت إن لم أنصر الاسلام و أهله أن أرى
في الاسلام ثلما و هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولاية أمركم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل،ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب.فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته،و نهضت معه في تلك الأحداث حتّى زهق الباطل.
و كانت كلمة اللّه هي العليا و أن يرغم الكافرون-الخبر بطوله-و فيه ذكر أيّام عمر و شوراه،و إعراض أهل الشورى عنه عليه السلام ليأسهم عن أن يشركهم في أمره و فيه ذكر أيّام عثمان،و قتل الناس له،و بيعة الناس له بعده،و قيام الناكثين،و القاسطين و المارقين،و غارات معاوية،و خذلان أصحابه له (1)
الإمامة و السياسة 1:154. [1]
.و روى الثاني-كما في ابن أبي الحديد في عنوان كلامه عليه السلام في قتل محمّد بن أبي بكر-عن رجاله عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال:خطب علي عليه السلام بعد فتح مصر،و قتل محمّد بن أبي بكر.فقال:«أما بعد فإنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم نذيرا للعالمين،و أمينا على التنزيل،و شهيدا على هذه الامّة-إلى أن قال-فلمّا مضى صلّى اللّه عليه و آله و سلم لسبيله تنازع المسلمون الأمر بعده.فو اللّه ما كان يلقى في روعي،و لا يخطر على بالي أنّ العرب تعدل هذا الأمر بعد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن أهل بيته،و لا أنّهم منحّوه عنّي من بعده.فما راعني إلاّ انثيال الناس على أبي بكر و إجفالهم اليه ليبايعوه،فأمسكت يدي،و رأيت أنّي أحقّ بمقام محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الناس ممّن تولّى الأمر من بعده.فلبثت بذاك ما شاء اللّه حتّى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام،يدعون إلى محق دين اللّه و ملّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم فخشيت إن لم أنصر الإسلام و اهله أن أرى فيه ثلما و هدما يكون المصاب بهما علي أعظم من فوات ولاية اموركم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل،ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب،و كما يتقشّع السحاب، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته،و نهضت في تلك الأحداث حتّى زاغ
1) 1)
الباطل و زهق،و كان كلمة اللّه هي العليا و لو كره الكافرون»-الخبر (1)
رواه الثقفي في الغارات 1:302،و [1]عنه ابن أبي الحديد في شرحه 2:35،شرح الخطبة 66،و اللفظ لابن أبي الحديد.
.و روى الثالث في( رسائله محمد بن يعقوب الكليني-الرسائل- )-كما في محجّة 2علي بن طاوس-كشف المحجّة-ص 173 علي بن طاوس-عن القمي 1القمي-تفسير القمي- باسناده قال:كتب أمير المؤمنين عليه السلام كتابا بعد منصرفه من النهروان و أمر أن يقرأ على الناس.و ذلك أنّ الناس سألوه عن أبي بكر و عمر و عثمان.
فغضب عليه السلام و قال:قد تفرّغتم للسؤال عمّا لا يعنيكم و هذه مصر قد انفتحت و قتل معاوية بن حديج محمّد بن أبي بكر فيا لها من مصيبة ما اعظمها بمصيبتي بمحمّد.فو اللّه ما كان إلاّ كبعض بنيّ سبحان اللّه،بينا نحن نرجو أن نغلب القوم على ما في أيديهم إذ غلبونا على ما في أيدينا.و أنا كاتب لكم كتابا فيه تصريح ما سألتم إن شاء اللّه تعالى.فدعا كاتبه عبيد اللّه بن أبي رافع فقال له:أدخل علي عشرة من ثقاتي.فقال سمّهم لي يا أمير المؤمنين.فقال:أدخل أصبغ بن نباتة،و ابا الطفيل،و زرّ بن حبيش الأسدي،و جويرية بن مسهّر العبدي،و خندف بن زهير،و حارثة بن مضرب الهمداني،و الحارث بن عبد اللّه الأعور الهمداني و مصباح النخعي،و علقمة بن قيس،و كميل بن زياد،و عمير بن زرارة.فدخلوا عليه.فقال لهم:خذوا هذا الكتاب و ليقرأه عبيد اللّه بن أبي رافع،و أنتم شهود كلّ يوم جمعة.فإن شغب شاغب عليكم،فأنصفوه بكتاب اللّه بينكم و بينه-إلى أن قال-:
فمضى لسبيله صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ترك كتاب اللّه،و أهل بيته إمامين لا يختلفان، و أخوين لا يتخاذلان،و مجتمعين لا يتفرّقان،و لقد قبض اللّه محمّدا نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لأنّا أولى الناس به منّي بقميصي هذا،و ما ألقي في روعي،و لا عرض في رأيي انّ وجه الناس إلى غيري-إلى أن قال-:
1) 1)
فلمّا رأيت الناس قد انثالوا على أبي بكر للبيعة أمسكت يدي،و ظننت أنّي أولى و أحقّ بمقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم منه و من غيره-إلى أن قال-:
فلمّا رأيت راجعة من الناس قد رجعت من الإسلام تدعو إلى محو دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ملّة إبراهيم عليه السلام خشيت إن أنا لم أنصر الإسلام و أهله أرى فيه ثلما و هدما تكون المصيبة علي فيه أعظم من فوت ولاية اموركم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل ثم تزول و تتقشع كما يزول و يتقشع السحاب.فنهضت مع القوم في تلك الأحداث حتّى زهق الباطل،و كانت كلمة اللّه هي العليا،و ان رغم الكافرون-الخبر- (1)
كشف المحجة:173. [1]
.و في(مسترشد)ابن جرير بن رستم الطبري روى الشعبي عن شريح بن هاني قال:خطب علي عليه السلام بعد ما افتتحت مصر ثم قال:و إنّي مخرج إليكم كتابا-إلى أن قال-فلمّا مضى صلّى اللّه عليه و آله و سلم لسبيله ترك كتاب اللّه و أهل بيته إمامين لا يختلفان،و أخوين لا يتخاذلان،و مجتمعين لا يفترقان،و قد كنت أولى الناس به منّى بقميصي.فسارع المسلمون بعده فو اللّه ما كان يلقى في روعي و لا يخطر على بالي انّ العرب تعدل هذا الأمر بعد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم عنّي.فلمّا ابطئوا بالولاية علي،و همّوا بإزالتها عنّي،و ثبت الأنصار-و هم كتيبة الإسلام- فقالت:إذ لم تسلموها لعليّ فصاحبنا سعد أحقّ بها من غيره-إلى أن قال-:
فبينا أنا على ذلك إذ قيل انثال الناس على أبي بكر و أجفلوا عليه ليبايعوه،و ما ظننت أنّه تخلّف عن جيش اسامة إذ كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد أمّره عليه و على صاحبه،و قد كان أمر أن يجهّز جيش اسامة.فلمّا رأيته قد تخلّف و طمع في الامارة،و رأيت انثيال الناس عليه أمسكت يدي،و رأيت أنّي أحقّ بمقام محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الناس ممّن قد رفض نفسه.فلبث ما شاء اللّه حتّى رأيت
1) 1)
راجعة من الناس رجعت عن الإسلام،و أظهرت ذلك إلى محو دين اللّه و تغيير ملّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم فخشيت إن لم أنصر الإسلام و قعدت،أن أرى فيه ثلما و هدما تكون مصيبته علي أعظم من فوت ولاية اموركم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل،ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب،و ينقشع السحاب،و رأيت الناس قد امتنعوا بقعودي عن الخروج إليهم،فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فتألّفته،و لو لا أنّي فعلت ذلك لباد الاسلام.ثم نهضت في تلك الأحداث حتّى أتاح الباطل،و كانت كلمة اللّه هي العليا و لو كره المشركون-الخبر- (1)
المسترشد:95-97. [1]
.و بالجملة فالروايات الأربع متفقة على كون العنوان مما خطب عليه السلام كتابة للناس بالكوفة بعد فتح مصر بقتل محمّد بن أبي بكر في شرح حاله عليه السلام بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا سألوه عن المتقدّمين عليه،و وجود رواية اخرى في كونه كتابا له عليه السلام إلى أهل مصر مع الأشتر و استند إليها المصنّف محتمل،لكنّ المظنون أنّ المصنّف لم ينظر في الأسانيد لكون همّه في المتون،فظنّ بحدسه كونه كتابا له عليه السلام إلى أهل مصر .
«أمّا بعد فانّ اللّه سبحانه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم نذيرا للعالمين» قد عرفت انّ في رواية(المسترشد)بدل «نذيرا للعالمين» «بشيرا و نذيرا للعالمين».
«و مهيمنا على المرسلين» أي:شاهدا عليهم قال الجوهري:و أصل «مهيمن»مؤامن من«آمن»قلبت الهمزة الثانية ياء كراهة لاجتماعهما ثم صيّرت الاولى هاء (2).
قلت:مراده من«آمن»على وزن فاعل لا على وزن أفعل ففي مثله يتّحدان لفظا و يختلفان تقديرا ثم بعد هذا الكلام كلام كثير في تلك الروايات
أسقطه المصنّف.ففي رواية الكليني:«و أنتم معاشر العرب على شر حال يغذو أحدكم كلبه،و يقتل ولده،و يغير على غيره فيرجع و قد اغير عليه، تأكلون العلهز و الهبيد،و الميتة و الدم.منيخون على أحجار خشن،و أوثان مضلّة...» (1)
كشف المحجة:174. [1]
.«فلمّا مضى عليه السلام»هكذا في(المصرية)،و الصواب:بدل«عليه السلام» «صلّى اللّه عليه و آله»كما في(ابن ميثم) (2)الّذي نسخته بخطّ المصنّف.
ثم في رواية(المسترشد)و(الرسائل):«و ترك كتاب اللّه،و أهل بيته إمامين لا يختلفان،و أخوين لا يتخاذلان،و مجتمعين لا يفترقان،و قد كنت أولى الناس به منّي بقميصي» (3).
«تنازع المسلمون» أي:قريش و الأنصار.
«الأمر من بعده» بشرح مرّ في العنوان السابق .
«فو اللّه ما كان يلقى في روعي» روع:هنا بالضم بمعنى القلب و البال،و أما بالفتح فبمعنى الخوف،و لا ربط له هنا.
«و لا يخطر ببالي» قال الجوهري:«البال:القلب تقول:ما يخطر فلان ببالي و البال رخاء النفس،يقال:فلان رخّيّ البال» (4).
قلت:الصواب مما قال،المعنى الأوّل.و أمّا الثاني فغلط منه لكونه تفسير مطلق بمقيد،كأن تقول:معنى الانسان الانسان العالم.
«أنّ العرب تزعج» أي:تقلع.
«هذا الأمر من بعده صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن أهل بيته» فإنّ القاعدة عند ملل العالم أنّ كلّ
من كانت له أمارة تكون أمارته بعده لأهل بيته».فلا يظنّ ظانّ انّ العرب تخالف عرف باقى العالم.
و الى هذا ينظر قوله تعالى: «إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ» (1)
آل عمران:33-34. [1]
.و لهذه القاعدة لمّا سأل السلطان سنجر بن ملكشاه السلجوقي و كان على طريقة أهل السنّة السنائي الشاعر-و كان إماميا-عن مذهبه أجابه بأبيات بالفارسيّة منها:
از پى سلطان ملكشاه چون نمىدارى روا تاج و تخت پادشاهى جز كه سنجر داشتن
از پى سلطان دين چون همى دارى روا جز على و عترتش محراب و منبر داشتن
«و لا أنّهم منحّوه» بتشديد الحاء:أي:مبعّدوه.
«عنّي من بعده» و في هذا الكتاب في رواية(رسائل الكليني)-بعد ذكر اتّفاق أهل الشورى و باقي قريش على خلافه-«فكان للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ولاء هذه الامّة و كان لي بعده ما كان له،فما جاز لقريش من فضلها عليها(أي العرب) بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم جاز لبني هاشم على قريش،و جاز لي على بني هاشم بقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم غدير خم:«من كنت مولاه فهذا علي مولاه»إلاّ أن تدّعي قريش فضلها على العرب بغير النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم» (2).
و قال ابن عائشة:قال خزيمة بن ثابت الأنصاري في صرف الأمر عنه عليه السلام:
ما كنت أحسب هذا الأمر منصرفا عن هاشم ثم منها عن أبي حسن
أليس أوّل من صلّى بقبلتهم و أعرف الناس بالآثار و السنن
و آخر الناس عهدا بالنبيّ و من جبريل عون له في الغسل و الكفن
ما ذا الّذي ردّكم عنه فنعلمه ها إنّ بيعتكم من أغبن الغبن
و حيث إنّ قوله عليه السلام «فو اللّه ما كان يلقى في روعي-إلى-و لا أنّهم منحّوه عنّي من بعده» ورد في ذاك المقام الّذي قلنا من كون الأمر له بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على مقتضى ناموس الفطرة و القاعدة المتداولة بين الناس عربهم و عجمهم،و كون خلافه امرا لا يحتمله أحد و لا ينتظره،لا ينافي وجود نصوص متواترة باستخلافه و عدم استناده عليه السلام إليها،لأنّ مقامات الكلام متفاوتة،و حيثيّات الأغراض مختلفة فقول ابن أبي الحديد إنّ ذاك الكلام يدلّ على بطلان دعوى الإمامية النصّ و خصوصا الجليّ (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:165. [1]
نفخ في غير ضرام.ثم قوله:دعوى الامامية النص إلخ-غلط،فنقل النص نصاب العامة، و قوله«خصوصا الجلى»أيضا غلط فهل نصّ أجلى من أن يقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لهم«أ لست أولى بكم من أنفسكم»فيقولون:بلى فيقول لهم:«من كنت مولاه، أي أولى به من نفسه،فهذا علي مولاه و أولى به من نفسه»إلاّ انّها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب الّتي في الصدور.
مع أنّه عليه السلام تمسّك بالنّص في هذا الكتاب كما عرفته من رواية الكليني، و لم ينقله الرضي حيث إنّه يختار من الكلام ما يتضمّن النكات البيانية.
مع أنّه لا يتمسّك بالنصّ فكان عليه السلام يتّقي حتّى أيّام خلافته كما يفهم من أسانيد هذا العنوان،فكان لا يمكنه التصريح بهلاكة المتقدّمين عليه،و لم يجترئ أن يخطب بالعنوان مشافهة حتّى كتبه لهم كما عرفته من رواية ابن
1) 1)
قتيبة،و حتّى أنّه و كلّ جمعا من ثقات شيعته بمراقبة القاري إن شغب عليه الناس كما عرفته من رواية الرسائل.
و تدلّ أسانيد العنوان على أنّ أصحابه فهموا من حاله عليه السلام كونه كشيعته اليوم معتقدا فيهم الهلاكة و أرادوا منه التصريح،و لم يكن صلاحا له عليه السلام لا سيّما و أنّ ذاك الوقت كان وقت تزلزل أمره،و فتح معاوية لمصر، و غاراته على بلاده عليه السلام سوى الكوفة مقرّه.فقال عليه السلام لهم:أو قد تفرّغتم لهذا و هذه مصر قد افتتحت و شيعتي بها قد قتلوا.
و كان أكثر أصحابه غير عارف به،و كان معاوية دائما يكتب إليه عليه السلام بما يستثيره في المتقدّمين عليه.فيفصح ببطلان أمرهم فيتفرق أصحابه عنه.
فكان يكتب إليه كرارا«كنت كارها للخلفاء باغيا عليهم قد عرفنا ذلك في نظرك الشزر و تنفّسك الصعداء» (1)
رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:87،و [1]ابن أبي الحديد في شرحه 3:457،شرح الكتاب 28،و النقل بتصرف.
.و قد أفصح معاوية عن غرضه ذلك في كتابه إلى الحسن عليه السلام بعد أمير المؤمنين عليه السلام لمّا كان عليه السلام كتب إليه«انّ قريشا بغوا على أهل بيت نبيّهم بعده»في قوله«صرّحت بتهمة أبي بكر الصديق،و عمر الفاروق،و أبي عبيدة الأمين و حواري النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و صلحاء المهاجرين و الأنصار،فكرهت ذلك لك.فانّك امرؤ عندنا و عند الناس غير ظنين» (2)كما عرفت في سابقه.
و مع ذلك كان أمير المؤمنين عليه السلام لم يبال بذلك،فيظهر الحقّ لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد،إتماما للحجّة،كما لم يبال بفوت حكومته الّتي جعلها اللّه تعالى له-يوم الشورى لمّا شرطوا عليه سنّة الشيخين-كما لم يبال بتفرّق الناس عنه بترك تفضيله الأشراف كعمر لكونه خلاف حكم اللّه.
و ممّا يوضح كونه عليه السلام كباقي أهل بيته و شيعته اليوم،ما رواه الخطيب في تاريخ بغداد في عنوان عبد اللّه بن نوح باسناده عن سويد بن غفلة قال:
مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر و عمر،و ينتقصونهما بغير الّذي هما له من الامة أهل فدخلت على علي عليه السلام.فقلت:يا أمير المؤمنين!مررت بنفر من الشيعة،و هم ينتقصون أبا بكر و عمر بغير الّذي هما له من الامة أهل،و لو لا انّهم يرون أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا ما اجترءوا على ذلك.فقال علي:
أعوذ باللّه أن أضمر لهما إلاّ الحسن الجميل (1)
تاريخ بغداد 10:181. [1]
.فانّه عليه السلام ورّى في جوابه،و صدق في توريته فانّه عليه السلام كان لا يضمر لأحد سوء بل كان يريد لجميع الناس الجميل كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فإن كان الناس استحبّوا العمى على الهدى فأيّ شيء عليه،و لو لم يكن عليه السلام على ما نقل له من شيعته لم لم يبعث وراءهم و يزجرهم إذا لم يكونا أهلا لانتقاصهم كما قاله سويد،و قد كان عليه السلام لا يتسامح مع أحد في أدنى شيء على خلاف الشريعة .
«فما راعني» في(أساس الزمخشري):«ما راعني إلاّ مجيئك»بمعنى ما شعرت إلاّ به» (2)قلت:و الصواب أن يقال:إنّه بمعنى شعور بشيء مفزع لاشتقاقه من الروع بالفتح،بمعنى:الفزع.
و في(صحاح الجوهري):«راعني الشيء:أي:أعجبني» (3)قلت:
و الصواب التفصيل في استعماله بين السلب و الايجاب بأن يقال:لا يستعمل في النفي إلاّ مع إلاّ،كما في كلامه عليه السلام،و ما يأتي من الشعر بمعنى عدم الشعور إلاّ بمفزع.
«إلاّ انثيال الناس» أي:انصبابهم.
«على فلان» أي:أبي بكر،و قد صرّح به في الروايات الأربع المتقدمة (1)
كذا في الإمامة و السياسة 1:155،و الغارات 1:305،و كشف المحجة،176.
.«يبايعونه» جملة إلاّ يبايعونه فاعل لقوله «فما راعني» ،و كلمة«ما راعني»مختصّة في كلام العرب بمجيء فاعله جملة.قال عمر بن أبي ربيعة:
فلم يرعهن إلاّ العيس طالعة بالقوم ركبانا و أكوارا
و يأتي بسط القول في ذلك في الشقشقية.
ثم إنّ انثيال الناس على أبي بكر للبيعة إنّما كان مصداق قوله تعالى «وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً» (2)فشملت الأنصار الّذين لم يكن لهم نيّة سوء و انّما شهد سعد بن عبادة السقيفة،و حثّ الأنصار على بيعته لما استشعره من الرجلين و من أعوانهم الطلقاء و المؤلفة و المنافقين عدم ابقائهم الأمر لأمير المؤمنين عليه السلام و تصدّيهم له،و كان سعد و قومه قد و تروا قريشا فخافوا انتقامهم منهم،و صار الأمر كذلك فأذلّوهم،و قتلوهم يوم الحرّة.و فيه قال يزيد متمثلا:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
ثم إنّ انثيالهم عليه كان لامور:أحدها حسد بشير بن سعد لابن عمّه سعد بن عبادة،و حسد الأوس للخزرج.فلمّا أراد عمر و أبو عبيدة و هما ركنا بيعة أبي بكر ان يبايعاه سبقهما إليه بشير فبايعه.فناداه الحباب بن المنذر -كما قال الطبري-«عققت عقاق.ما أحوجك إلى ما صنعت؟أنفست على ابن عمك الامارة» (3)و لمّا رأى أسيد بن حضير الأوسي ما تطلب الخزرج من
تأمير سعد قال للأوس-كما في(الطبري)-«و اللّه لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة،و لا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر» (1)
تاريخ الطبري 2:458،سنة 11. [1]
،قال الطبري:فقاموا إليه فبايعوه فانكسر على سعد و على الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم،فأقبلوا من كلّ جانب يبايعون أبا بكر و كادوا يطؤن سعدا،فقال ناس من أصحاب سعد:اتّقوا سعدا لا تطئوه.فقال عمر:اقتلوه قتله اللّه ثم قام على رأسه فقال:لقد هممت أن أطأك حتّى تندر عضوك-إلى آخر ما قال- (2).
و ثانيها:أنّ جماعة من الأعراب-كما رواه أبو مخنف-دخلوا المدينة ليتمادوا منها في وقت موت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فشغل الناس عنهم.فشهدوا السقيفة فقال لهم عمر:خذوا بالحظّ من المعونة على بيعة خليفة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و اخرجوا إلى الناس،و احشروهم ليبايعوا.فمن امتنع فاضربوا رأسه و جبينه.قال زائدة بن قدامة:و اللّه لقد رأيت الأعراب تحزّموا و اتّشحوا بالأزر الصنعانية،و أخذوا بأيديهم الخشب،و خرجوا حتّى خبطوا الناس خبطا و جاءوا بهم مكرهين إلى البيعة (3).
و قال البراء بن عازب-كما في(ابن أبي الحديد)في موضع آخر-لمّا قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عن بني هاشم فكنت أتردّد إليهم،و هم عند جنازة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الحجرة-إلى أن قال-فلم ألبث و إذا أنا بأبي بكر قد أقبل و معه عمرو أبو عبيده و جماعة من أصحاب السقيفة،و هم محتجزون بالازر الصنعانية لا يمرّون بأحد إلاّ خبطوه و قدّموه
فمدّوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك او أبى-إلخ- (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1:74،شرح الخطبة 5،و النقل بتصرف يسير.
.و ثالثها:اشتغال أمير المؤمنين عليه السلام بتجهيز النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فلمّا قال عليه السلام لهم-كما في(خلفاء ابن قتيبة)-«أيّها الناس لا تخرجوا سلطان محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم في العرب عن داره و قعر بيته إلى دوركم و قعور بيوتكم،و لا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس و حقه.فو اللّه يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به لأنّا أهل البيت،و نحن أحقّ بهذا الامر منكم ما كان فينا القاري لكتاب اللّه،الفقيه في دين اللّه،العالم بسنن رسول اللّه،المضطلع بأمر الرعيّة،المدافع عنهم الامور السيّئة،و القاسم بينهم بالسويّة،و اللّه إنه لفينا،فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللّه فتزدادوا من الحقّ بعدا.قال له بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير -و هو الّذي كان بايع أبا بكر قبل عمر كما مرّ-(لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك)فقال عليه السلام:أ فكنت أدع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في بيته لم أدفنه،و أخرج انازع الناس سلطانه (2).
و لمّا كان عليه السلام يحمل لا تمام الحجّة سيّدة النساء-صلوات اللّه عليها- ليلا على دابة تسأل الأنصار النصرة-و كان معاوية يعيّره عليه السلام بذلك-كانوا، يقولون لها-كما في(الخلفاء)أيضا:لو أنّ زوجك و ابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به.فتقول فاطمة عليها السلام:ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له، و لقد صنعوا ما اللّه حسيبهم و طالبهم (3).
«فأمسكت يدي» عن الدخول في أمر من امورهم.
و زاد في رواية الثقفي و القتيبي بعد قوله عليه السلام «فأمسكت يدي» «و رأيت أنّى أحقّ بمقام محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الناس ممّن تولّى الأمر من بعده،
فلبثت بذلك ما شاء اللّه» (1)
كذا في الغارات 1:306،و [1]الإمامة و السياسة 1:155. [2]
.«حتّى رأيت راجعة الناس» و في روايتهما:«راجعة من الناس» (2).
«قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق» أي:محو.
«دين محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلم» مسيلمة باليمامة،و الأسود العنسى باليمن،و طليحة بن خويلد في بني أسد،و قد كانوا تنبأوا قبل وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلاّ أنّ الأسود قتل في حياته صلّى اللّه عليه و آله و سلم و جاء نعيه بعده صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
«فخشيت إن لم أنصر الاسلام و أهله أن أرى فيه ثلما» أي:خللا.
«أو هدما» و خرابا لبنيانه.
«تكون المصيبة به» أي:بالثلم أو الهدم.
«عليَّ أعظم من فوت ولايتكم» و حكومتكم.
روى الثقفي عن الحسن بن سلمة قال:لمّا بلغ عليا عليه السلام مسير طلحة و الزبير و عائشة من مكة إلى البصرة نادى:الصلاة جامعة.فلما اجتمعوا حمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:إنّ اللّه تعالى لمّا قبض نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قلنا:نحن أهل بيته و عصبته و ورثته و أولياؤه و أحقّ الخلائق به لا ننازع حقّه و سلطانه.
فبينما نحن على ذلك إذ نفر المنافقون.فانتزعوا سلطان نبيّنا منّا،و ولّوه غيرنا.فبكت و اللّه لذلك العيون و القلوب منّا جميعا،و خشنت و اللّه الصدور، و أيم اللّه لو لا مخافة الفرقة من المسلمين أن يعودوا إلى الكفر لكنّا قد غيّرنا ذلك ما استطعنا (3).
و قال الباقر عليه السلام:لم يمنع أمير المؤمنين عليه السلام من أن يدعو إلى نفسه إلاّ
نظرا للناس،و تخوّفا عليهم أن يرتدّوا عن الاسلام.فيعبدوا الأوثان و لا يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و كان الأحب إليه أن يقرّهم على ما صنعوا من أن يرتدّوا عن جميع الإسلام،و انّما هلك الّذين ركبوا ما ركبوا.فأمّا من لم يصنع ذلك،و دخل في ما دخل فيه الناس على غير علم و لا عداوة لأمير المؤمنين عليه السلام،فإنّ ذلك لا يكفّره و لا يخرجه من الإسلام، و لذلك كتم علي عليه السلام أمره،و بايع مكرها حيث لم يجد أعوانا (1)
أخرجه الكليني في الكافي 8:295 ح 454. [1]
.و روى المدائني-كما في(الشافي)-عن أبي عون قال:لمّا ارتدّت العرب مشى عثمان إلى علي عليه السلام فقال:يا ابن عم!إنّه لا يخرج واحد إلى قتال هذا العدوّ و أنت لم تبايع،و لم يزل به حتّى مشى إلى أبي بكر فسرّ المسلمون بذلك و جدّ الناس في القتال (2)-و رواه الواقدي كما في(مسترشد الطبري)-.
و روى الثقفي عن موسى بن عبد اللّه بن الحسن قال:أبت أسلم أن تبايع فقالوا:ما كنا نبايع حتّى يبايع بريدة لقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لبريدة:علي وليّكم من بعدي فقال علي عليه السلام:انّ هؤلاء خيرونى ان يظلموني حقي و ابايعهم و ارتدّ الناس حتّى بلغت الردّة احدا.فاخترت ان اظلم حقّي،و ان فعلوا ما فعلوا (3).
و في(الطبري):أنّ أسلم-و هو قوم بريدة-لمّا أقبلت لبيعة أبي بكر قال عمر:أيقنت بالنصر (4)،و روى الأوّل عن موسى أيضا أنّ عليّا عليه السلام قال لهم:بايعوا فإنّ هؤلاء خيّروني أن يأخذوا ما ليس لهم
أو أقاتلهم و افرّق أمر المسلمين (1)
رواه عن الثقفي الطوسي في تلخيص الشافي 3:78.
.و عن سفيان بن فروة عن أبيه:قال جاء بريدة حتّى ركز رايته في وسط اسلم ثم قال:لا ابايع حتّى يبايع علي عليه السلام.فقال علي عليه السلام:يا بريدة!ادخل في ما دخل فيه الناس.فإنّ اجتماعهم أحبّ إليّ من اختلافهم اليوم (2).
«الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب» شبّه عليه السلام رياسة الدنيا و حكومتها بالسراب في عدم حقيقة له كما شبّه تعالى عمل الكفار به.فقال-عزّ و جلّ- «كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً» (3)و قالوا في المثل:«أخدع من سراب» (4).
«أو كما يتقشّع» أي:يتفرّق.
«السحاب» شبّهها عليه السلام بتقشع السحاب في سرعة زواله .
«فنهضت» أي:قمت.
«في تلك الأحداث» الراجعة إلى رجعة جمع عن الاسلام.
قال ابن أبي الحديد:انّه إشارة إلى ما رواه الطبري من أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا مات اجتمعت أسد و غطفان و طيّ على طليحة بن خويلد.فاجتمعت أسد بسميراء،و غطفان بجنوب طمية،و طي في حدود أرضهم،و اجتمعت ثعلبة بن أسد،و من يليهم من قيس بالأرق من الربذة و باشت إليهم ناس من بني كنانة و لم تحملهم البلاد فافترقوا فرقتين أقامت إحداهما بالأرق،و سارت الاخرى إلى ذي القصة،و بعثوا و فودا إلى أبي بكر يسألونه أن يقارّهم على إقامة الصلاة و منع الزكاة.فقال:لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه،و رجع الوفود إلى
قومهم فأخبروهم بقلّة من أهل المدينة.فأطمعوهم فيها،و علم أبو بكر و المسلمون بذلك.فقال لهم:رأى و فدهم منكم قلّة و أنّكم لا تدرون أليلا تؤتون أم نهارا،و ادناهم منكم على بريد،و قد كان القوم يأملون أن نقبل منهم و نوادعهم،و قد أبينا عليهم و نبذنا إليهم،فاعدّوا و استعدّوا فخرج علي عليه السلام بنفسه.و كان على نقب من أنقاب المدينة،و خرج طلحة و الزبير و ابن مسعود فكانوا على الأنقاب الثلاثة.فلم يلبثوا إلاّ قليلا حتّى طرق القوم المدينة غارة مع الليل و خلّفوا بعضهم بذي حسا ليكونوا ردءا لهم،فوافوا الأنقاب و عليها المسلمون،و خرج أبو بكر في جمع من أهل المدينة على النواضح.فانتشر العدو بين أيديهم،و أتبعهم المسلمون على النواضح حتّى بلغوا داحسا فخرج عليهم الكمين بأنحاء قد نفخوها،و جعلوا فيها الحبال ثم دهدهوا بها في وجوه الابل فتدهده كلّ نحي منها في طول.فنفرت ابل المسلمين و هم عليها،و لا تنفر الابل من شيء نفارها من الأنحاء فعاجت بهم لا يملكونها حتّى دخلت بهم المدينة و لم يصرع منهم أحد و لم يصب.فبات المسلمون تلك اللّيلة يتهيئون.
ثم خرجوا على بغتة فما طلع الفجر الاّ و هم و القوم في صعيد واحد.فلم يسمعوا للمسلمين حسّا و لا همسا،حتّى وضعوا فيهم السيف.فاقتتلوا أعجاز ليلتهم فما ذرّ قرن الشمس إلاّ و قد ولّوا الأدبار،و غلبوا على عامّة ظهرهم،و رجعوا إلى المدينة ظافرين (1)
رواه الطبري في تاريخه 2:476،سنة 11،و [1]عنه ابن أبي الحديد في شرحه 4:165،شرح الكتاب 62،و النقل بتصرف.
.قلت:ما نقله من الطبري من روايات سيفه الّذي له يد طولى في الجعل حتّى في وضع الأشعار و الرجال و الأمكنة لما يضع،و أصل ارتداد طليحة معلوم لكن صحّة باقي خصوصيات ما نقل غير معلومة.
1) 1)
و ممّا يشهد لوضعه هنا قوله«بعثوا وفودا إلى أبي بكر يسألونه أن يقارّهم على اقامة الصلاة و منع الزكاة فقال لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه» فإنّهم كانوا ارتدوا عن اصل الإسلام.فكيف يقولون لأبي بكر ما قال،و إنّما كان جمع آخر ثابتين على الإسلام قالوا:إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمرنا بإعطاء زكاتنا إلى فقرائنا و لم يعطوا عمّال أبي بكر.فعاملهم أبو بكر معاملة المرتدين و قال:
لو منعوني عقالا لقاتلتهم كما لا يخفى على من راجع تاريخ ابن أعثم (1)
فتوح ابن أعثم 1:13-87.
،و إنّما سيف يأخذ الأشياء من موضع و يجعلها في موضع آخر.و الصواب في ارتداد طليحة و من بعث أبي بكر لحربه ما قاله اليعقوبي في تاريخه.فقال«و ممّن تنبّأ طليحة بن خويلد الأسدي،و كان أنصاره غطفان و رئيسهم عيينة بن حصن الفزارى.فخرج أبو بكر في جيشه إلى ذي القصة، و دعا عمرو بن العاص فقال:يا عمرو إنّك ذو رأي قريش،و قد تنبّأ طليحة فما ترى في علي؟قال:لا يطيعك.قال:فالزبير؟قال:شجاع حسن.قال:فطلحة؟ قال:للخفض و الطعن.قال:فسعد؟قال:محشّ حرب.قال:فعثمان؟قال:
أجلسه و استعن برأيه قال:فخالد بن الوليد؟قال:بسوس للحرب،نصير للموت له أناة القطاة،و وثوب الأسد.فلمّا عقد له قام ثابت بن قيس بن شمّاس و قال:يا معشر قريش!أما كان فينا رجل يصلح لما تصلحون له؟أما و اللّه ما نحن عميا عمّا نرى،و لا صمّا عمّا نسمع،و أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالصبر فنحن نصبر،و قام حسّان فقال:
يا للرجال لخلفة الأطوار و لما أراد القوم بالأنصار
لم يدخلوا منّا رئيسا واحدا يا صاح في نقض و لا إمرار
فعظم على أبي بكر هذا القول.فجعل على الأنصار ثابت بن قيس،و أنفذ
1) 1)
خالدا على المهاجرين.فقصد طليحة.ففرق جمعه و قتل خلقا من أتباعه،و أخذ عيينة فبعث به إلى أبي بكر مع ثلاثين أسيرا،و هو مكبّل بالحديد.فجعل الصبيان يصيحون به:يا مرتد.فيقول:ما آمنت طرفة عين قطّ.فاستتابه، و اطلق سبيله،و لحق طليحة بالشام و بعث بشعر إلى أبي بكر يراجع الاسلام» -إلخ- (1)
تاريخ اليعقوبي 2:129،و [1]النقل بتلخيص.
.«حتّى زاح» أي:بعد و ذهب.
«الباطل،و زهق» أي:اضمحلّ.
«و اطمأنّ الدين و تنهنه» أي:استقر و كفّ عن تطرّق الباطل إليه.
قال الجوهري:«الأصل في نهنه نههه بثلاث هاءات و إنما أبدلوا من الهاء الوسطى نونا للفرق بين فعلل،و فعّل و إنما زادوا النون من بين سائر الحروف لأنّ في الكلمة نونا» (2).
قلت:هو شيء تفرّد به.فإذا كان أصل نهنه نههه فليقل أصل زلزل زلزل و لا يبعد أن يكون الأصل في الرباعيات المضاعفة كونها مخفّفة ثلاثيات مضاعفة مكرّرة بأن يقال:إن الأصل في زلزل زلّ زلّ،و لكن في(اللسان) «كانّ الأصل في نهنه النهى» (3)و كيف كان فالأصل في معنى نهنه الكفّ قال شاعر:
نهنه دموعك انّ من يفترّ بالحدثان عاجز
و قال أبو جندب الهذلي:
فنهنهت اولى القوم عنهم بضربة تنفس عنها كلّ حشيان محجر
من الكتاب(28)
في كتابه عليه السلام الى معاوية:
وَ قُلْتَ إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ- كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الْمَخْشُوشُ حَتَّى أُبَايِعَ- وَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُمَّ فَمَدَحْتَ- وَ أَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ- وَ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً- مَا لَمْ يَكُنْ شَاكّاً فِي دِينِهِ وَ لاَ مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ- وَ هَذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا- وَ لَكِنِّي أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا أقول:قال ابن أبي الحديد:انّ النقيب قال:إنّه جواب كتاب كتبه معاوية إليه عليه السلام مع أبي امامة الباهلي (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:457. [1]
.قلت:بل مع أبي مسلم الخولاني.فروى نصر بن مزاحم في( صفّينه نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 87 ):انّ معاوية كتب مع أبي مسلم الخولاني إليه عليه السلام -مشيرا إلى أبي بكر و عمر و عثمان-«فكلّهم حسدت،و على كلّهم بغيت،عرفنا ذلك في نظرك الشزر،و في قولك الهجر،و في تنفّسك الصعداء،و في إبطائك عن الخلفاء.تقاد إلى كلّ منهم كما يقاد الفحل المخشوش حتّى تبايع و أنت كاره»-إلخ - (2).«و قلت:إنّي كنت اقاد كما يقاد الجمل المخشوش» أي:جمل ادخل في عظم أنفه خشب،و قد عرفت أنّ نصر بن مزاحم رواه«الفحل المخشوش».
و في(فقه لغة الثعالبي):«فصل في الهنة تجعل في أنف البعير إذا كانت من خشب فهي خشاش،فإذا كانت من صفر فهي برة،فاذا كانت من شعر فهي خزامة،فإذا كانت من بقيّة حبل فهي عران» (3).
«حتّى ابايع» أي:ابايع أبا بكر.روى الكشي عن الباقر عليه السلام قال:لمّا مرّوا بأمير المؤمنين عليه السلام-و في رقبته حبل آل زريق-ضرب أبو ذر بيده على الاخرى ثم قال:«ليت السيوف قد عادت بأيدينا ثانية»و قال المقداد:«لو شاء لدعا عليه ربّه-عزّ و جلّ-»و قال سلمان:«مولانا أعلم بما هو فيه» (1)
رواه الكشي في معرفة الرجال،اختياره:7:16. [1]
.و في(خلفاء ابن قتيبة)-في عنوان بيعة علي-تفقد أبو بكر قوما تخلّفوا عن بيعته عند علي.فبعث إليهم عمر.فجاء فناداهم،و هم في دار علي.فأبوا أن يخرجوا.فدعا بالحطب،و قال:و الّذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لاحرّقنّها على من فيها.فقيل له:إنّ فيها فاطمة.فقال:و إن،فخرجوا.فبايعوا إلاّ عليّا.فانّه زعم انّه قال:حلفت أن لا أخرج،و لا أضع ثوبي على عاتقي حتّى أجمع القرآن فوقفت فاطمة على بابها فقالت:لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم تركتم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم جنازة بين أيدينا،و قطعتم أمركم بينكم لم تستامرونا،و لم تردّوا لنا حقّا.فأتى عمر أبا بكر.فقال له:ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة.
فقال أبو بكر لقنفذ-مولى له-قم فادع لي عليا.فذهب إليه و قال:يدعوك خليفة رسول اللّه.فقال علي:لسريع ما كذبتم على رسوله.فرجع فأبلغ الرسالة.فبكى أبو بكر طويلا.فقال له عمر:الثانية.لا تمهل هذا المتخلّف عنك بالبيعة.فقال أبو بكر لقنفذ:عد إليه و قل:أمير المؤمنين يدعوك لتبايع.فجاء فأدّى.فرفع علي صوته و قال:سبحان اللّه!إدّعى ما ليس له.فرجع قنفذ.فأبلغ الرسالة.فبكى أبو بكر طويلا،ثم قام عمر و مشى معه جماعة حتّى أتوا بيت فاطمة،فدقّوا الباب فلمّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها:يا أبه يا رسول اللّه!ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب،و ابن أبي قحافة.فلمّا سمع القوم صوتها و بكاءها انصرفوا باكين و كادت قلوبهم تتصدّع،و بقي عمر و معه قوم فأخرجوا عليا
1) 1)
فمضوا به إلى أبي بكر،و قالوا له بايع.فقال:إن انا لم أفعل فمه؟قالوا:إذن و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك.قال:إذن تقتلون عبد اللّه و أخا رسوله.قال عمر:
أما عبد اللّه فنعم،أما أخو رسوله فلا.و أبو بكر ساكت لا يتكلّم.فقال له عمر:ألا تأمر فيه بأمرك.فقال:لا اكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه.فلحق علي بقبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يصيح و ينادي:«يا «ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي» (1)
الإمامة و السياسة 1:12،و [1]النقل بتصرف يسير.
.فهل أمر أبين من كون بيعته عليه السلام كرها و أنّهم أرادوا إحراق بيته عليه و على امرأته سيّدة نساء العالمين،و على ابنيه سيّدى شباب أهل الجنّة لو لم يكن خرج،و أرادوا ضرب عنقه مع كونه كنفس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لو لم يبايع، و أنّه عليه السلام جعلهم في اتّباعهم لأبي بكر،و تركهم له بمنزلة عابدي العجل.
و نفسه بمنزلة هارون.فكيف يصحّح إخواننا خلافة الرجل بإمضائه عليه السلام لها، و كيف يدّعون فيها الإجماع،و لو صدق في هذا إجماع.فليقل لم يكن في العالم يوما نزاع.
ثمّ لو كان كلّ إجماع حجّة لكان إجماع امّة موسى على كون العجل إلههم حجة.مع أنّ في إجماع امّة موسى إنّما تخلّف هارون أخو موسى،و بيعة أبي بكر لم تكن ابتداء إلاّ من عمر و أبي عبيدة لمواطأتهما معه،و من بشير بن سعد لحسده ابن عمه سعد بن عبادة أن ينال أمارة،ثم من الأوس بإشارة رئيسهم أسيد بن حضير ضغنا و رقابة للخزرج،ثم باقي المؤلفة و الطلقاء طمعا في أن ينالوا امارة،ثم من باقي الناس بضرب العصا و خبطا.مع أنّ امّة موسى الّذين أجمعوا على عبادة العجل كانوا من أولاد الأنبياء يعقوب بن إسحق بن إبراهيم الّذين قال تعالى فيهم انّهم فضّلهم على العالمين،و قال لهم
1) 1)
جدّهم يعقوب لما حضره الموت: «ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ» (1)
البقرة:133. [1]
و المبايعين لأبي بكر كانوا أعرابا جلفا شابوا لحاهم في عبادة الأوثان.و إنّي لأعجب من ابن قتيبة و استحي له أنّ يقول-بعد ما نقلناه عنه و بعد ذكره إتيان أبي بكر و عمر إلى العباس بجعله شريكا لو هي أمير المؤمنين عليه السلام بإشارة المغيرة،و ردّ العباس على أبي بكر بأنّه إن كان الأمر حقّا لك.فلا حاجة لي فيه،و إن كان حقّ المؤمنين.فليس لك أن تحكم عليهم،و إن كان حقّنا لم نرض منك ببعض دون بعض-«فلمّا تمّت البيعة لأبي بكر أقام ثلاثة أيّام يقيل الناس،و يستقيلهم يقول قد أقلتكم في بيعتي هل من كاره؟هل من مبغض؟ فيقوم علي في أوّل الناس فيقول:و اللّه لا نقيلك و لا نستقيلك أبدا قد قدّمك النبي لتوحيد ديننا من ذا الّذي يؤخّرك لتوجيه دنيانا» (2).
فهل هو إلاّ كلام مضحك للثكلى،و مسخرة للعقلاء.كيف يصدق أبو بكر في استقالته مع اخذه البيعة بإحراق أهل بيت نبيّه،و قتل وصيّه،و كيف يقول أمير المؤمنين عليه السلام في أبي بكر ما مر و يجعله عجل السامري.ثم يقول له ما قاله هنا؟هل يكون كذلك إلاّ من كان رذلا نذلا،و انّما نسب إليه عليه السلام كلام عمر في السقيفة فإنّه لمّا كان هو و أبو بكر يتقارضان الخلافة و يقول أبو بكر:هذا عمر بايعوه أو بايعوا أبا عبيدة.قال له عمر:أنت الّذي قدّمك النبي لديننا فكيف لا نقبلك لدنيانا (3).
مع أنّه كلام مغالطة:فإنّه جعل خلافة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عبارة عن سلطنة
دنيوية و أدون من امامة جماعة.فلم يكفّر اتباعهم الشيعة لانكارهم ائمتهم مع اعتراف فاروقهم بأنّ الخلافة مجرّد رياسة دنيوية.
و لازمه كون النبوّة أيضا رياسة دنيوية كما أفصح عنه من أسّسوا له الأمر في قوله:
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء و لا وحي نزل
و أمّا الإماميّة فإنّما يكفّرون من أنكر أمير المؤمنين عليه السلام لأنّهم يجعلون ولايته من اصول الدين كنبوّة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأنّهم يعتقدون كون الإمام كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في كونه من قبل اللّه تعالى لا مجرّد إمارة،و نحن لا ننكر تصدي خلفائهم للإمارة إن كان الأمر كما قال عمر.
و روى الثقفي مسندا عن عدي بن حاتم قال:ما رحمت أحدا رحمتي عليا حين اتي به ملبّبا،فقيل له بايع،قال:فإن لم أفعل.قالوا:إذن نقتلك،قال:«اذن تقتلون عبد اللّه و أخا رسوله»ثم بايع كذا-و ضمّ يده اليمنى- (1)
رواه عن الثقفي المرتضى في تلخيص الشافي،3:79.
.و عنه أيضا قال:إنّي جالس عند أبي بكر إذ جيء بعليّ عليه السلام فقال له أبو بكر:بايع.فقال له علي عليه السلام:فإن لم ابايع.قال:أضرب الّذي فيه عيناك.فرفع رأسه إلى السماء فقال:«اللّهمّ اشهد»ثم مدّ يده فبايعه (2).
و يكفي في عدم صحّة خلافة صدّيقهم اعتراف معاوية الّذي هو أصل مذهبهم و فرعه و أوّله و آخره لا سيّما في ثالثهم الّذي حملهم على القول به، و إلاّ فالناس كانوا فيه بعد قتله بين مكفّر و مفجّر بأنّه عليه السلام قيد للبيعة كما يقاد الجمل المخشوش.
و نظير قوله هذا في كشف حقيقة الأمر منه،قوله الآخر في ما كتب إليه عليه السلام أيضا:و أعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار،و يداك في يد
ابنيك الحسن و الحسين يوم بويع أبو بكر الصدّيق.فلم تدع أحدا من أهل بدر و السوابق إلاّ دعوتهم إلى نفسك،و مشيت إليهم بامرأتك،و أدليت إليهم بابنيك،و استنصرتهم على صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فلم يجبك إلاّ أربعة أو خمسة (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1:131،شرح الخطبة 26.
.و صرّح بذلك أيضا الجبار الدوانيقي في ما كتب إلى محمّد بن عبد اللّه الحسني،و رواه القتيبي (2).
«و لعمر اللّه لقد أردت أن تذمّ فمدحت» بكوني مظلوما.
«و أن تفضح فافتضحت» بكون من جعلته حجتك ظالما.
و نظير ما قاله عليه السلام من كون معاوية أراد ذمّه عليه السلام بقيادته كالجمل المخشوش لبيعة أبي بكر فمدحه،أنّ حجل بن نضلة ذكر عند النعمان بن المنذر معاوية بن شكل.فقال:إنّه لقعو الاليتين مقبل النعلين،فحج الفخذين، مشّاء باقراء،تبّاع اماء،قتّال ظباء.فقال له النعمان:أردت أن تذمّه فمدحته.
و في(الأغاني):خاصم رجل أبا دلامة في داره.فارتفعا إلى عافية القاضي.فأنشأ أبو دلامة يقول:
لقد خاصمتني دهاة الرجال و خاصمتها سنة وافية
فما أدحض اللّه لي حجة و لا خيّب اللّه لي قافية
و من خفت من جوره في القضاء فلست اخافك يا عافية
فقال له عافية القاضي:لأشكونك إلى الخليفة،و لاعلمنّه أنّك هجوتني.
قال:إذن يعزلك.قال:و لم؟قال:لأنّك لا تعرف المديح من الهجاء.فبلغ ذلك
المنصور.فضحك و أمر لأبي دلامة بجائزة (1)
الأغاني 10:257،و [1]النقل بتصرف يسير.
و لمّا قال الأخطل لسويد بن منجوف:و ما جذع سوء خرّق السوء وسطه لما حملته وائل بمطيق
قال له سويد:هجوتني بزعمك.فمدحتني لأنّك جعلت وائلا حملتني أمرها،و ما طمعت في بني تغلب منها.
و انبرى فتى للاخطل.فقال له:أردت أن تهجو حاتم بن النعمان الباهلي، و ان تصغّر من شأنه،و تضع من شأنه،و تضع منه.فقلت:
و سوّد حاتما أن ليس فيها إذا ما أوقد النيران نار
فأعطيته السؤدد في الجزيرة و أهلها و منعته ما لا يضرّه.
و لمّا بسط يوسف بن عمر الثقفي العذاب على خالد بن عبد اللّه القسرى لم يكلّمه خالد حتّى قال له يوسف:يا ابن الكاهن-يعني بالكاهن شقّ بن صعب فقال له خالد:إنّك لأحمق.تعيّرني بشرفي،و لكنّك يا ابن السبّاء!إنّما كان أبوك سبّاء الخمر:أى بيّاعه.
و عن علي بن المنذر قال:قال لي الحسن البصري:ما قول الشاعر:
لو لا جرير هلكت بجيله نعم الفتى و بئست القبيله
أهجاه أم مدحه؟قلت:مدحه،و هجا قومه.قال:ما مدح من هجا قومه.
و في(المعجم)كان الخليل النحوي العروضي يقطّع بيتا من الشعر فدخل عليه ابنه في تلك الحالة.فخرج إلى الناس،و قال لهم:إنّ أبي قد جنّ.
فدخلوا عليه و هو يقطّع البيت فأخبروه بما قال ابنه.فقال لابنه:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
1) 1)
لكن جهلت مقالتي فعذلتني و علمت أنّك جاهل فعذرتكا (1)
معجم الادباء 11:75،و [1]النقل بتصرّف يسير.
أيضا:
عذلت على ما لو علمت ببعضه فسحت مكان اللوم و العذل من عذر
و عكسه أنّ الأخطل أراد أن يمدح سماك بن مخرمة الأسدي.فقال فيه:
إنّ سماكا بنى مجدا لاسرته و فعل الخير يبتدر
قد كنت أحسبه قينا و أخبره فاليوم طيّر عن أثوابه الشرر
فقال سماك:ويحك ما أعياك!أردت أن تمدحني فهجوتني.قال ذلك لأنّه كان من بني الهالك،و كان الهالك أوّل من عمل الحديد،و كان ولده يعيّرون بذلك.
و في(الأذكياء)مدح الخالديان سيف الدولة بن حمدان بقصيدة قالا فيها:
فوجه كله قمر و سائر جسمه أسد
فاستحسنه سيف الدولة،و جعل يردّد إنشاده.فدخل عليه الشيطمي الشاعر.فقال له:اسمع هذا البيت،و أنشده إيّاه.فقال له الشيطمي:إحمد ربك فقد جعلك من عجائب البحر (2).
«و ما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما» أي:ذلّة و منقصة.
«ما لم يكن شاكّا في دينه و لا مرتابا بيقينه» و أمّا لو ظلمه الناس فليس فيه غضاضة بل رفع درجة و علوّ منزلة.
و قال عليه السلام في مثل ذلك في موضع آخر«فإنّ المرء المسلم البريء من الخيانة ما لم يخش دناءة تظهر فيخشع لها إذا ذكرت و تغرى بها لئام الناس،
كان كالفالج الياسر الّذي ينتظر اوّل فورة من قداحه توجب له المغنم،و يرفع بها عنه المغرم» (1)
نهج البلاغة 1:60،الخطبة 23. [1]
و لبعضهم في نظيره:لعمري ما بالموت عار على امرئ إذا لم تصبه في الحياة المعائر
و للنابغة:
و عيّرتني بنو ذئبان رهبته و هل علي بأن أخشاك من عار
و لآخر:
قالوا حبست فقلت ليس بضائري حبسي و أيّ مهنّد لم يغمد
و الحبس ما لم تغشه لدنيّة شنعاء نعم المنزل المستورد
و لقد أجاد من قال بالفارسية:
ما نداريم از قضاى حق گله عار نايد شير را از سلسله
و روى(الكافي):أنّ رجلا كان يدخل على الصادق عليه السلام في حجّه.فغبر زمانا لا يحجّ.فدخل عليه عليه السلام بعض معارفه.فسأله عنه.فجعل يضجع الكلام يظنّ أنّه عليه السلام يعني الميسرة و الدنيا فقال عليه السلام له:كيف دينه.فقال:كما تحب.
فقال:هو و اللّه الغنى (2).
و عنه عليه السلام في قوله تعالى في مؤمن آل فرعون: «فَوَقاهُ اللّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا» (3)أما لقد بسطوا عليه و قتلوه،و لكن أ تدرون ما وقاه؟وقاه أن يفتنوه في دينه (4).
«و هذه حجّتي إلى غيرك قصدها» قال عليه السلام لمعاوية ذلك لأنّ معاوية كان مصداق قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَ حَشَرْنا»
«عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا» (1)
الأنعام:111. [1]
و إنّما قصده عليه السلام بحجّته من كان لقبولها أهلا.«و لكنّي أطلقت لك منها بقدر ما سنح» أي:عرض و لزمه المقام إتماما للحجّة.
«من ذكرها» فإنّه عليه السلام لو لم يجبه بأن قودي للبيعة لم يكن ذما لي بل لخصمي،و من عاملني بذلك يمكن أن تؤثّر شبهته في القاصرين بأنّ المغلوبية في الدنيا تنافي كمال الدين أو لم يقل أهل الدنيا الّذين لم تكن لهم بصيرة في النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم «لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» (2)و لم انزل على يتيم أبي طالب.
الحكمة(163)
لاَ يُعَابُ الْمَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ أقول:و قبل هذا الكلام هكذا:«إنّما حقّي على هذه الامّة كرجل له حق على قوم الى أجل معلوم.فإن أحسنوا و عجّلوا له حقّه،قبله حامدا،و إن أخّروه إلى أجله،أخذه غير حامد».
و بعده هكذا:«و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم عهد إليّ عهدا.فقال:يا ابن أبي طالب لك ولاء امّتي.فإن ولّوك في عافية،و أجمعوا عليك بالرضا،فقم بأمرهم،و إن اختلفوا عليك،فدعهم و ما هم فيه.فإنّ اللّه سيجعل لك مخرجا» (3).
روى الكليني في( رسائله 1الكليني-الرسائل- )على نقل( محجّة 2ابن طاوس-كشف المحجة-ص 180 ابن طاوس):أنّهم لمّا
سألوه عن الثلاثة قال عليه السلام ذلك عند حكايته إجبار قريش له على بيعة عثمان في الشورى طمعا في أن ينالوا الأمر بعده (1)
لفظ كشف المحجة:180،«و [1]ليس يعاب».
.«لا يعاب المرء بتأخير حقّه» و إنّما يعاب من أخّر حقّه لأنّه ظالم له،و هو نظير قوله عليه السلام في سابقه بأنّ قوده لبيعة أبي بكر كالجمل المخشوش ليس نقصا له لأنّه ليس على المسلم من غضاضة ما لم يكن شاكّا في دينه،و لا مرتابا بيقينه.
روى ابن قتيبة في(عيونه)عن الهيثم عن ابن عياش،عن الشعبي:أنّ معاوية أقبل ذات يوم على بني هاشم.فقال:ألا تحدّثوني عن ادعائكم الخلافة دون قريش؟أتكون لكم بالرضا بكم و الاجتماع عليكم دون القرابة أم بالقرابة دون الجماعة أم بهما جميعا؟فإن كانت بالرضا و الجماعة فلا أرى القرابة أثبتت حقا و إن كانت بالقرابة فما منع العباس عم النبي و وارثه و ساقي الحجيج و ضامن الأيتام أن يطلبها،و قد ضمن له أبو سفيان بني عبد مناف؟ و إن كانت بالرضا و القرابة جميعا فإنّ القرابة خصلة من خصال الإمامة و أنتم تدّعونها بها وحدها و لكنّا نقول أحقّ قريش بها من بسط الناس أيديهم إليه بالبيعة،و نقلوا أقدامهم إليه للرغبة،و طارت إليه أهواؤهم للثقة،و قاتل عنها بحقّها فأدركها من وجهها.إنّ أمركم لأمر تضيق به الصدور-إلى أن قال-:
فقال له ابن عباس:ندّعي هذا الأمر بحقّ من لو لا حقّه لم تقعد مقعدك هذا،و نقول:كان ترك الناس أن يرضوا بنا،و يجتمعوا علينا حقّا ضيّعوه و حظّا حرموه-إلى أن قال-:
فأمّا الّذي منعنا من طلب هذا الأمر بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فعهد منه إلينا قبلنا
1) 1)
فيه قوله،و دنّا بتأويله،و لو امرنا أن نأخذه على الوجه الّذي نهانا عنه لأخذناه أو أعذرنا فيه،و لا يعاب أحد على ترك حقّه،انّما المعيب من يطلب ما ليس له (1)
رواه ابن قتيبة في عيون الأخبار 1:5،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و روى الثقفي-كما في(أمالي)محمّد بن محمّد بن النعمان-عن المسعودي عن محمّد بن كثير عن يحيى بن حماد القطّان عن أبي محمّد الحضرمي عن أبي علي الهمداني،أنّ عبد الرحمن بن أبي ليلى قام إلى علي عليه السلام فقال:إنّي أسألك لآخذ عنك و قد انتظرنا ان تقول لنا من أمرك شيئا فلم تقله.ألاّ تحدّثنا عن أمرك هذا أ كان بعهد من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أو شيء رأيته، فانّا قد أكثرنا فيك الأقاويل و أوثقه عندنا ما سمعناه من فيك،انّا كنّا نقول:لو رجعت الخلافة إليكم بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم ينازعكم فيها أحد،و اللّه ما أدري إذا سئلت ما أقول؟أزعم أنّ القوم كانوا أولى بما كانوا فيه منك،فعلام نصبك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعد حجّة الوداع فقال:«أيّها الناس من كنت مولاه فعليّ مولاه»؟ و ان تك اولى منهم بما كانوا فيه فعلام نتولاهم؟ فقال له علي عليه السلام:انّ اللّه تعالى قبض نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أنا يوم قبضه أولى بالناس منّى بقميصي هذا،و قد كان من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم اليّ عهد لو خزموني بأنفي لأقررت سمعا و طاعة،و إنّ اوّل ما انتقصناه بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إبطال حقّنا في الخمس،فلمّا رقّ أمرنا طمعت رعيان البهم من قريش فينا،و قد كان لي على الناس حقّ لو ردّوه إليّ عفوا قمت به-إلى أن قال-:
و كنت كرجل له حقّ على الناس إلى أجل.فإن عجّلوا له ما له،أخذه و حمدهم عليه،و إن أخّروه،أخذه و هم غير محمودين-إلى أن قال-:
فقال عبد الرحمن:لعمرك أنت يا أمير المؤمنين كما قيل:
1) 1)
لقد ايقظت من كان نائما و اسمعت من كانت له اذنان (1)
رواه المفيد في أماليه:223 ح 2،المجلس 26،و النقل بتصرف.
«انما يعاب من أخذ ما ليس له» روى ابن بابويه مسندا عن الرضا عليه السلام في قوله تعالى «إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً» (2).
قال:الأمانة:الولاية،من ادّعاها بغير حق فقد كفر (3).
و عن الباقر عليه السلام:الأمانة:الولاية،أبى السماوات و الأرض و الجبال أن يحملنها و حملها الإنسان أبو فلان (4).
الخطبة(5)
و من خطبة له عليه السلام لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و خاطبه العباس و أبو سفيان ابن حرب في أن يبايعا له بالخلافة:
أَيُّهَا النَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ- وَ عَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ- وَ ضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ- أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ- مَاءٌ آجِنٌ وَ لُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا- وَ مُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا- كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ.فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ- وَ إِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ- هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَ الَّتِي- وَ اللَّهِ؟لاَبْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ آنَسُ بِالْمَوْتِ- مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ- بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمْ- اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ أقول:روى( تذكرة سبط ابن الجوزي-تذكرة الخواص-ج 5 ص 128 سبط ابن الجوزي)،عن مجاهد،عن عكرمة،عن ابن
عباس قال:لمّا دفن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم جاء العباس و أبو سفيان و جماعة من بني هاشم إلى علي عليه السلام.فقالوا:مدّ يدك نبايعك و حرضوه فامتنع و قال له العباس انت و اللّه بعد أيّام عبد العصا(و هذا اليوم الذي قال فيه ابو سفيان ان شئت ملأتها خيلا و رجلا)فخطب عليه السلام و قال:أيّها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة،و عرّجوا عن طريق المنافرة،وضعوا تيجان المفاخرة.فقد أفلح من نهض بجناح،أو استسلم فأراح.ماء آجن،و لقمة يغصّ بها آكلها.أجدر بالعاقل من لقمة تحشى بزنبور.و من شربة يلذ بها شاربها مع ترك النظر في عواقب الامور.فإن أقل،يقولوا حرص على الملك،و إن أسكت،يقولوا جزع من الموت.هيهات هيهات بعد اللتيا و الّتي،و اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي امّه،و من الرجل بأخيه و عمّه،و لقد اندمجت على علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطويّ البعيدة،و نقل مثله عن(مناقب)جدّه ابن الجوزي (1)
رواه السبط في تذكرة الخواص 5:128،و [1]نقله عن مناقب ابن الجوزي المجلسي في البحار 5:45،و [2]هو خلط من المجلسي بين كتاب ابن الجوزي و سبطه.
.قول المصنّف : «و من خطبة له عليه السلام» هكذا في(المصرية)،و الصواب:
«و من كلام له عليه السلام»كما في«حد و ثم و الخطية» (2)و لأنّ الخطبة تكون على المنبر و لم يكن عليه السلام في وقت ذاك الكلام على منبر.
«لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و خاطبه العباس و أبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة» هكذا في(المصرية)و(ابن أبي الحديد (3)و الخطيّة)لكن ليس هذا الكلام في(ابن ميثم) (4)رأسا.
و كيف كان ففى(الإرشاد):جاء أبو سفيان إلى باب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و نادى:
بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم و لا سيّما تيم بن مرّة أو عدي
فما الأمر إلاّ فيكم و إليكم و ليس لها إلاّ أبو حسن علي
أبا حسن فاشدد بها كفّ حازم فإنّك بالأمر الّذي ترتجي ملي
ثم نادى بأعلى صوته،يا بني هاشم!يا بني عبد مناف!أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل ابن الرذل؟أما و اللّه لو شئتم لأملأنها عليهم خيلا و رجلا.فناداه أمير المؤمنين عليه السلام«إرجع يا أبا سفيان.فو اللّه ما تريد اللّه بما تقول،و ما زلت تكيد الاسلام و أهله و نحن مشاغيل بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و على كل امرئ ما اكتسب،و هو وليّ ما احتقب»فانصرف أبو سفيان إلى المسجد.
فوجد بني اميّة مجتمعين.فحرّضهم على الأمر و لم ينهضوا» (1)
الارشاد:102. [1]
.و أقول:أمّا أبو سفيان و ان كان من الطلقاء،و أبو بكر و عمر نالا غرضهما بواسطة الطلقاء إلاّ أنّ شخص أبي سفيان مع كونه من بني اميّة الّذين كانوا يرون أنفسهم عدلاء بني هاشم لكون كلّ منهما من بني عبد مناف لمّا كان من مشايخ قريش في الجاهلية،و كان أسنّ من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان لا يحتفل بشخص النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى قهره الاسلام بفتح مكّة.فكيف كان يحضر نفسه لأن يصير محكوم أبي بكر الّذي حيّه،تيم بن مرة كانوا من أخسّاء قريش،و لم يكن له بيت و لا شخصية في حيّه،حتّى أنّ أبا بكر لمّا رفع صوته في أيّام خلافته عليه في حضور أبي قحافة أبيه تعجّب أبوه من ذلك،و قال له:أ على شيخ قريش ترفع صوتك،و كان أبو سفيان لا يرضى بأبي بكر و أبيه خادما له،و كان في خلافة عمر و محاربته الروم لو سمع بانهزام الروم يتأسّف لهم،
1) 1)
و يقول«ويح بني الأصفر»و لو كان رأى منهم غلبة لسرّ و يقول«إيها بني الأصفر»و كان ميله إلى أمير المؤمنين عليه السلام لكونه من بني عبد مناف أكثر، و لذا كتب أمير المؤمنين عليه السلام-كما في(صفّين نصر)،و(عقد ابن عبد ربه)-إلى معاوية:«قد كان أبوك أتاني حين ولّى الناس أبا بكر،فقال:«أنت أحق بعد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم بهذا الأمر،و أنا زعيم لك بذلك على من خالف عليك،ابسط يدك ابايعك»فلم أفعل،و أنت تعلم أنّ أباك قد كان قال ذلك و أراده حتّى كنت أنا الّذي أبيت لقرب عهد الناس بالكفر مخافة الفرقة بين أهل الاسلام.فأبوك كان أعرف بحقّي منك.فإن تعرف من حقّي ما كان يعرف أبوك،تصب رشدك، و إن لم تفعل فيسغني اللّه عنك» (1)
وقعة صفين:91،و [1]العقد الفريد 5:79. [2]
.و أمّا ابناه يزيد و معاوية،و باقي بني امية.فماشوا أبا بكر و عمر و ساعدوهما و قد عدّوا أبا سفيان ممّن كان ذا رأي في الجاهلية لا في الاسلام.
و وجهه أنّه كان كلّما رأى في الجاهلية رأيا تبعه قريش،و أمّا في أمر أبي بكر فحرّض بني امية على ضدّه فلم يعتنوا به حتّى ابناه يزيد و معاوية،بل استندوا إلى عثمان،و قاموا معه و بايعوا أبا بكر لينالوا به أغراضهم،و قد نالوا فوق ما أمّلوا.
و من كتاب معاوية إليه عليه السلام المشهور:«و أعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا-إلى أن قال-فلا أنسى قولك لأبي سفيان لمّا حرّكك و هيّجك لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم فما يوم المسلمين منك بواحد» (2).
و حيث انّ قصد أبي سفيان لم يكن للّه بل لأن ينال رياسة أو مالا،زجره
أمير المؤمنين عليه السلام،و روى الجوهري في(سقيفته):أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعث أبا سفيان ساعيا،فرجع من سعايته و قد مات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فقال:من ولّي بعده؟قيل:أبو بكر.قال:أبو الفصيل؟قالوا:نعم.قال:فما فعل المستضعفان علي و العبّاس؟أما و الّذي نفسي بيده لأرفعنّ لهما من أعضادهما-و ذكر الراوي شيئا آخر لم تحفظه الرواة-فلمّا قدم المدينة قال إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ الدم.فكلّم عمر أبا بكر.فقال له:«إنّ أبا سفيان قد قدم،و إنّا لا نأمن شرّه.فدع له ما في يده»فتركه فرضي (1)
السقيفة:37،و [1]النقل بتلخيص.
.و روى الطبري:أنّ أبا بكر لمّا استخلف قال أبو سفيان:ما لنا و لأبي فصيل إنّما هي بنو عبد مناف،فقيل له:إنّه قد ولّى(يزيد)ابنك،قال:وصلته رحم (2).
و كما لم يبال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بقول عتبة لما رجع من الطائف، و دخل المسجد المشركون عند الكعبة.فلمّا رآه أبو جهل قال لعتبة:هذا نبيّكم يا بني عبد مناف فقال له عتبة«و ما تنكر أن يكون منّا نبيّ أو ملك»فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لعتبة«أمّا أنت يا عتبة فو اللّه ما حميت للّه و لا لرسوله»-الخبر- (3)لأنّه قاله عصبية،كذلك لم يبال أمير المؤمنين عليه السلام بقول أبي سفيان لأنه قاله عصبية.
و كيف يصانع أمير المؤمنين عليه السلام أبا سفيان،و هو الّذي لمّا بويع عثمان قال«كان هذا الأمر في تيم،و أنّى لتيم هذا الأمر ثم صار الى عديّ فأبعد و أبعد.ثم رجعت إلى منازلها و استقرّ الأمر قراره.فتلقفوها تلقف الكرة.
فو اللّه ما من جنّة و لا نار» (1)
رواه الجوهري في السقيفة:37 و 86،و [1]ابن عبد البر في الاستيعاب 4:87 و [2]غيرهما،و النقل بالمعنى،سنة 28، و ابن مزاحم في وقعة صفين:220،و [3]غيرهم.
.و هو الّذي رآه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مقبلا على حمار،و معاوية يقود به،و يزيد ابنه يسوق به.فقال«لعن اللّه القائد و الراكب و السائق» (2).
و شتّان بينه عليه السلام و بين الرجلين.فتركا له مال المساكين و الأيتام،و وليّا ابنيه لئلا يتكلّم في أمرهما،و لأن يقوى بنو امية،و يضعف أهل بيت نبيّهم -كما أنّهما ذهبا بإشارة المغيرة إلى العباس،و أرادا جعل سهم له في الأمر لتضعيف جانب أمير المؤمنين عليه السلام إلاّ أنّ العباس لم يقبل منهما،و لا غرو منهما فإنّ أهل الدنيا يتوسّلون لمقاصدهم بكلّ وسيلة و لو في غاية المنكرية.
و أمّا العباس و إن كان طلبه مبايعته عليه السلام عن حقيقة،و بدون غرض دنيوي كأبي سفيان،إلاّ أنّه لمّا لم يكن له تلك الوجهة عند الناس لتأخّر إسلامه كأخيه عقيل،كانت بيعته له عليه السلام لا تغني عنه شيئا،و لو كان بدل العباس عمّه حمزة و أخوه جعفر لاستطاعا أن يدافعا عنه عليه السلام:ففي ما كتبه عليه السلام للناس لمّا سألوه عن الثلاثة بعد فتح معاوية لمصر-برواية الكليني-«و لو كان لي بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم عمّي حمزة،و أخي جعفر لم ابايع كرها،و لكنّني بليت برجلين حديثي عهد بالاسلام العباس و عقيل.فضننت بأهل بيتي عن الهلاك، فأغضيت عيني على القذى،و تجرعت ريقي على الشجا،و صبرت على أمرّ من العلقم،و آلم للقلب من حزّ الشفار» (3).
هذا،و قال محمّد بن محمّد بن النعمان:«و ما رأيت أوهن و لا أضعف من تعلّق المعتزلة و تكلّم المجبّرة بقول العباس لأمير المؤمنين عليه السلام:امدد يدك يا
ابن أخي ابايعك،فيقول الناس:عمّ رسول اللّه بايع ابن أخيه،فلا يختلف عليك إثنان،فادّعوا انّ في هذا دليلا على أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم ينصّ على أمير المؤمنين عليه السلام لأنّ المنصوص عليه لا يفتقر في إمامته و كمالها إلى البيعة فيقال لهم:إن كان دعاء العباس له عليه السلام إلى البيعة يدلّ على ما زعمتم على بطلان النص و ثبوت الإمامة من جهة الاختيار يجب أن يكون دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الأنصار إلى بيعته في ليلة العقبة،و دعاؤه الأنصار و المهاجرين تحت شجرة الرضوان إلى بيعته دليلا على أنّ نبوّته إنما ثبتت له من جهة الاختيار.فإن قالوا إنّما كانت بيعتهم للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم للعهد في نصرته بعد معرفة حقّه،و صدقه في ما أتى به من اللّه عزّ و جلّ من رسالته،قيل لهم:كذلك دعاء العباس إنّما كان بعد ثبوت امامته بتجديد العهد في نصرته و الحرب لأهل مضادّته يدلّ على ما ذكرنا قول العباس«يقول الناس عم رسول اللّه بايع ابن أخيه فلا يختلف عليك اثنان»فعلّق الاتّفاق بوقوع البيعة.فلم يكن إلاّ و هي بيعة الحرب الّتي يرهب عندها الأعداء،و لو كانت بيعة الاختيار من جهة الشورى لما منع ذلك من الاختلاف بل كانت نفسها الطريق إلى تشتّت الرأي،و تعلّق كلّ قبيلة باجتهاده و اختياره ألا ترى أنّه لمّا ألحّ عليه العباس في هذا الباب قال:«يا عم!إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أوصى إليّ،و أوصاني أن لا اجرّد سيفا بعده حتى يأتيني الناس طوعا،و أمرني بجمع القرآن،و الصمت حتّى يجعل اللّه عزّ و جلّ لي مخرجا».
و وجه آخر أنّ القوم لمّا أنكروا النص،و أظهروا أنّ الإمامة تثبت لهم من طريق الاختيار،أراد العباس أن يكيدهم من حيث ذهبوا إليه،و يبطل أمرهم بنفس ما جعلوه طريقا لهم إلى الظلم و جحد النص،فقال له عليه السلام:«ابسط يدك ابايعك.فان سلّموا الحقّ لأهله لم تضرّك البيعة،و إن ادّعوا الشورى
و الاختيار،و أنكروا حقّك،كان لك من البيعة،و الاختيار و العقد مثل ما لهم،فلا يمكنهم الاستبداد بالأمر دونك»فأبى عليه السلام ذلك،و كره أن يتوصّل إلى حقّه بباطل لا يوصل إليه لظهور النص عليه،و لأنّه كره أن يبسط يده للبيعة فيلزمه بعد ذلك تجريد السيف على دافعيه،و قد تقدّمت الوصية له عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالكفّ عن الحرب مخافة بطلان الدين و درس الاسلام،و قد بيّن عليه السلام ذلك في مقاله حيث يقول«أما و اللّه لو لا قرب عهد الناس بالكفر لجاهدتهم».
قال:فإن قالوا قد وصل إلى حقّه كما زعمتم بعد عثمان بالاختيار، و دخل في الشورى.فكيف استجاز التوصل إلى الحقّ بالباطل؟ قلت:إنّه عليه السلام لم يتوصّل إلى حقّه في حال من الأحوال بما توصّل إليه من اختيار الناس له على ما ظنّه الخصوم،و ذلك أنّه احتجّ يوم الشورى بنصوص النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الموجبة له فرض الطاعة كقوله عليه السلام«أ فيكم أحد قال له النبي من كنت مولاه فعليّ مولاه غيري؟أ فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:أنت منّي بمنزلة هرون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي غيري؟»و أشباه ذلك من الكلام الموجب لإمامة صاحبه بدليله المغني له عن اختيار العباد،و لمّا قتل عثمان لم يدع أحدا إلى اختياره لكنّه دعاهم إلى بيعته على النصرة له،و الإقرار له بالطاعة،و ليس في هذا من معنى الاختيار الّذي يذهب المخالف إليه شيء.
قال:فإن قالوا:إذا زعمتم أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد نصّ عليه عليه السلام بالامامة، و بيّن عن فرض الطاعة،و دعا الامّة إلى اتّباعه،فما قول العباس له عليه السلام في مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«يا ابن أخ!ادخل معي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأسأله عن الأمر من بعده هل هو فينا فتطمئنّ قلوبنا أم هو في غيرنا فيوصيه بنا»فدخلا عليه فسأله العباس عن ذلك.فلم يجبه هل هو فيهم أو في غيرهم،و قال لهم«على
رسلكم معشر بني هاشم.أنتم المظلومون،و أنتم المقهورون»فيقال لهم:
اخطأتم الغرض في معنى هذا المقال إنّ العباس إنّما سأل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن كون الأمر لهم بعده على تسليم الامّة لهم،و أنّ المعلوم عند اللّه تعالى تمكّنهم منه،و عدم الحيلولة بينهم و بينه.أو يغلبون عليه،و يحال بينهم و بينه.فسأل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يوصي بهم في الإكرام و الإعظام،و لم يك في شك من الاستحقاق،و الاختصاص بالحكم.ألا ترى إلى جواب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له:«إنّكم المقهورون و أنتم المضطهدون»فجميع هذه الألفاظ جاءت بها الرواية،و لو لا أنّ سؤال العباس إنّما كان عن حصول المراد من التمكّن،و نفوذ الأمر و النهي في ما استحقّه لم يكن لجواب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له بما ذكرنا معنى يعقل،و كان جوابا عن غير السؤال،و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يجلّ عن صفات النقص كلّها (1)
هذا كلام المفيد في العيون و المحاسن [1]نقله المرتضى في الفصول المختارة 2:200-204،و [2]النقل بتصرف في اللفظ.
.قلت:و ممّا يوضح كون مراد العباس من سؤاله ما قاله المفيد ما رواه البلاذري في(أنسابه)عن امّ الفضل امرأة العباس قالت:كنت جالسة عند النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو مريض.فبكيت.فقال:ما يبكيك؟قلت:أخشى عليك،و لا أدري ما نلقى من الناس بعدك.فقال:أنتم المستضعفون (2).
و ما رواه(ابن قتيبة في عيونه):أنّ ابن عمر لحق الحسين عليه السلام لمّا توجه إلى العراق،و قال له:أما أنّي ساحدّثك حديثا إنّ جبرئيل عليه السلام أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فخيّره بين الدنيا و الآخرة.فاختار الآخرة،و انّكم بضعة من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و اللّه لا تليها أنت و لا أحد من أهل بيتك،و ما صرفها اللّه عنكم إلاّ لما هو خير لكم -الخبر- (3).
و في(المناقب)سأل عباس المفيد بمحضر أجلّة العباسية انّ الامام بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من كان؟قال:من دعاه العباس ان يمدّ يده لبيعته على حرب من حارب و سلم من سالم.قال:و من هذا؟قال:علي بن أبي طالب عليه السلام حيث قال له العباس في ما اتّفق عليه أهل النقل«ابسط يدك يا ابن اخي ابايعك فيقول الناس:عم رسول اللّه بايع ابن عمّه-يعني ابن عم رسوله-فلا يختلف عليك اثنان»قال:فما كان الجواب من علي؟قال:كان الجواب:«انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عهد إليّ عهدا ألاّ أدعو أحدا حتّى يأتوني.فإنّما أنا كالكعبة اقصد،و لا أقصد،و مع هذا فلي بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم شغل»فقال العباسي:كان العباس اذن على خطأ في دعائه إلى البيعة.قال:لم يخطئ العباس في ما قصد لأنّ العباس عمل على الظاهر و كان عمل أمير المؤمنين عليه السلام على الباطن و كلاهما أصابا الحق.قال:
فإن كان علي هو الإمام بعد النبي فقد أخطأ الشيخان و من تبعهما.قال المفيد:
إن استعظمت تخطئة من ذكرت فلا بدّ لك من تخطئة علي و العباس من قبل انّهما تأخّرا عن بيعة أبي بكر و لم يرضيا بتقدّمه عليهما،و لا رآهما أبو بكر و عمر أهلا ان يشاركاهما في شيء من امورهما و خاصّة ما صنعه عمر يوم الشورى لمّا ذكر عليّا عليه السلام عابه،و وصفه تارة بالدعابة،و اخرى بالحرص على الدنيا،و أمر بقتله إن خالف عبد الرحمن،و جعل الحقّ في حيّز عبد الرحمن دونه،و فضّله عليه،و ذكر من يصلح للإمامة في الشورى،و من يصلح للاختيار،و لم يذكر العباس في إحدى الطائفتين،و قد أخذ من علي عليه السلام و العباس و جميع بني هاشم الخمس و جعله في السلاح و الكراع (1)
مناقب السروي 1:262.
.قلت:قال هو و صاحبه للعباس بإشارة المغيرة عليهما في نحت حجّة لهما على أمير المؤمنين عليه السلام«نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك
1) 1)
و لعقبك من بعدك إذ كنت عم النبي».فلم يقبل العباس منهما إلاّ أن يكون الأمر كلّه لأمير المؤمنين عليه السلام.فلمّا كان عمر يعرف ذلك من العباس لم يدخله في الشورى لئلاّ ينتخب أمير المؤمنين عليه السلام،و إنّما حكّم عبد الرحمن بن عوف لينتخب عثمان رأس بني امية،فعل ذلك عن عمد مع اعترافه في ذاك الوقت بأنّه إن ولي أمير المؤمنين عليه السلام يحمل الناس على الصراط المستقيم كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و إن ولي عثمان يحمل أعداء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على اللعب بالدين- و مع ذلك يقول إخواننا هو الفاروق لعمر اللّه كان فاروقا بين الحق و الباطل لكن بترك الأول و التعلّق بالثاني.
هذا،و اما سند الخطبة فنقله ابن أبي الحديد غير مسند هكذا«لمّا اشتغل علي عليه السلام بغسل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و دفنه،و بويع أبو بكر،خلا الزبير و أبو سفيان و جماعة من المهاجرين بعباس و علي عليه السلام لإجالة الرأي،و تكلّموا بكلام يقتضى الاستنهاض و التهييج فقال العباس:قد سمعنا قولكم.فلا لقلّة نستعين بكم،و لا لظنّة نترك آراءكم.فأمهلونا نراجع الفكر،فإن يكن لنا من الإثم مخرج يصر بنا و بهم الحقّ صرير الجدجد و نبسط إلى المجد أكفالا نقبضها أو نبلغ المدى،و إن تكن الاخرى فلا لقلّة في العدد،و لا لوهن في الايد،و اللّه لو لا أنّ الاسلام قيد الفتك لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحلّ العليّ.
فحلّ علي عليه السلام حبوته و قال:الصبر حلم،و التقوى دين،و الحجّة محمّد، و الطريق الصراط أيّها!الناس!شقّوا-إلخ- (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:73. [1]
.و الّذي وجدت عنه عليه السلام ألفاظا قريبة من العنوان،رسالة له إلى أبي بكر لا خطبة.ففي(احتجاج الطبرسي):«رسالة لأمير المؤمنين عليه السلام إلى أبي بكر لمّا بلغه عنه كلام بعد منعه فدك»:«شقّوا متلاطمات أمواج الفتن بحيازيم سفن
1) 1)
النجاة و حطّوا تيجان أهل الفخر بجمع أهل الغدر،و استضيئوا بنور الأنوار، و لا تقتسموا مواريث الطاهرات الأبرار.فكأنّي بكم تتردّدون في العمس كما يتردّد البعير في الطاحونة.أما و اللّه لو اذن لي بما ليس لكم به علم لحصدت رؤوسكم عن أجسادكم كحبّ الحصيد.بقواضب من حديد.و لقلعت من جماجم شجعانكم ما أقرح به آماقكم،و أوحش به محالّكم.فإنّي منذ عرفت مردي العساكر،و مفني الجحافل،و مبيد خضرائكم،و مخمد ضوضائكم، و جرار الدوارين،إذ أنتم في بيوتكم معتكفون،و إنّي لصاحبكم بالأمس،لعمر أبي و امّي لن تحبّوا أن تكون فينا الخلافة و النبوّة،و أنتم تذكرون أحقاد بدر و ثارات احد.أما و اللّه لو قلت ما سبق من اللّه فيكم لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم كتداخل أسنان دوارة الرحى.فإن نطقت يقولون حسد،و إن سكتُّ يقال:ابن أبي طالب جزع من الموت.هيهات هيهات!!الساعة يقال لي؟!!هذا و أنا المميت المائت،و خوّاض المنايا في جوف ليل حالك.حامل السيفين الثقيلين و الرمحين الطويلين،و منكّس الرايات في غطامط الغمرات،و مفرّج الكرب عن وجه خير البريات،أيهنوا فو اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل الى محالب امّه.هبلتكم الهوابل.لو بحت بما أنزل اللّه سبحانه في كتابه فيكم، لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة،و لخرجتم من بيوتكم هاربين،و على وجوهكم هائمين،و لكنّي اهوّن وجدي حتّى ألقى ربّي بيد جذّاء صفرا من لذّاتكم،خلوا من طحناتكم.فما مثل دنياكم عندي إلاّ كمثل غيم علا فاستعلى.ثم استغلظ فاستوى.ثم تمزّق فانجلى.رويدا فعن قليل ينجلي لكم القسطل.فتجدون ثمرة فعلكم مرّا.و تحصدون غرس أيديكم ذعافا ممقرا.
و سمّا قاتلا.و كفى باللّه حكيما و برسوله خصيما،و بالقيامة موقفا.فلا ابعد اللّه فيها سواكم.و لا اتعس فيها غيركم.و السلام على من اتّبع الهدى».
فلمّا أن قرأ أبو بكر الكتاب رعب من ذلك رعبا شديدا.و قال:يا سبحان اللّه ما أجرأه علي،و أنكله عن غيري (1)
الاحتجاج 1:95،و [1]النقل بتصرّف يسير.
.و الألفاظ فيه،و إن كانت مختلفة إلاّ أنّ الأصل واحد قطعا.
قوله عليه السلام «أيّها الناس شقّوا أمواج الفتن» شبّه عليه السلام الفتن ببحر ذي أمواج كناية عن شدة الفتن،و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخبرهم قبل وفاته بإقبال فتن عظيمة إليهم مشبّها لها بقطع ليل مظلم،روى كاتب الواقدي في(طبقاته) مسندا عن أبي مويهبة مولى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من جوف الليل:يا أبا مويهبة!إنّي قد امرت أن أستغفر لأهل البقيع.فانطلق معي.فخرج، و خرجت معه حتّى جاء البقيع فاستغفر لأهله طويلا.ثم قال«ليهنئكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح الناس فيه،أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم،يتبع بعضها بعضا يتبع آخرها أوّلها الآخرة شرّ من الاولى» (2).
«بسفن النجاة» و كما أخبرهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بإقبال فتن مهلكة إليهم أخبرهم بسبيل النجاة منها.
روى(معارف ابن قتيبة)مسندا عن حنش بن المعتمر قال:جئت و أبو ذر آخذ بحلقة باب الكعبة و هو يقول:أنا أبو ذر الغفاري من لم يعرفني فأنا جندب صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول:«مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا» (3).
و روى(طبقات كاتب الواقدي)عن أبي سعيد الخدري:أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال إنّي اوشك أن ادعى فاجيب،و إنّي تارك فيكم الثقلين:كتاب اللّه و عترتي،
كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض،و عترتي أهل بيتي،و إنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض.فانظروا كيف تخلفوني فيهما (1)
طبقات ابن سعد 2 [1] ق 2:2.
.«و عرّجوا عن طريق المنافرة» في(الأساس):أصل المنافرة قولهم«أيّنا أعزّ نفرا» (2)،و في(الصحاح):قال الأعشى في علقمة بن علاثة،و عامر بن الطفيل:
قد قلت شعري فمضى فيكما و اعترف المنفور للنافر (3)
و معنى كلامه عليه السلام:ارتقوا عن ذاك الطريق،و لا تسلكوه،لأنّه طريق ينزل بسالكه إلى حضيض الهلكة .
«وضعوا تيجان المفاخرة» أي:ارفعوها عن رؤوسكم فتاج المفاخرة كان لبس إبليس حيث قال: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ» (4)و قال شاعر:
أنا ابن جلا و طلاّع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني
و وجه خطابه عليه السلام إلى أهل السقيفة،و قيام قريش و الأنصار المنافرة و المفاخرة .
«أفلح من نهض بجناح» في(الأساس)«نهض الطائر»:نشر جناحيه ليطير و«فرخ ناهض»:و فر جناحاه و قدر على الطيران (5).
«أو استسلم فأراح» يعني أنّ العاقل لا بدّ له من أحد أمرين:النهوض مع
الجناح حتّى لا يكون كفرخ خرج من وكره قبل استقلاله بالطيران فيصير ملعبة يد الصبيان فيهلك،أو الاستسلام و ترك الخروج فيريح نفسه.
و مراده عليه السلام جواب من طلب منه مبايعته.فإنّ العباس وحده لم يكن كافيا في قبال قيام جميع قريش عليه و خذلان باقي الناس له.فكان عليه السلام يقول:
«لو كان لي أربعون ناصرا لجاهدتهم».
قيل لعلي بن ميثم:لم قعد(علي عليه السلام)عن قتالهم.قال كما قعد هارون عن السامري و قد عبدوا العجل قيل فكان ضعيفا قال كان(علي عليه السلام)كهارون حيث يقول يا «ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي» (1)
الأعراف:150. [1]
و كنوح إذ قالربّ إنّي «مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ» (2)و كلوط إذ قال «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» (3).و قال أبو حنيفة لمؤمن الطاق:لم لم يطلب علي بحقّه بعد وفاة النبي إن كان له حقّ؟قال:خاف أن تقتله الجنّ كما قتلوا سعد بن عبادة بسهم المغيرة.
و قال ضرار لهشام بن الحكم:ألا دعا علي عليه السلام الناس عند وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى الايتمام به إن كان وصيّا؟قال:لم يكن واجبا عليه لأنّه قد دعاهم إلى موالاته،و الايتمام به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم الغدير،و يوم تبوك، و غيرهما فلم يقبلوا منه،و لو كان ذلك جائزا لجاز على آدم أن يدعو إبليس إلى السجود له بعد إذ دعاه ربّه إلى ذلك.ثم إنّه صبر كما صبر اولو العزم من الرسل (4).
هذا و قال ابن أبي الحديد في قوله عليه السلام«نهض بجناح»يقال:إنّ أبا تمام
لمّا قال:
لا تسقني ماء الملام فإنّني صبّ قد استعذبت ماء بكائي
مخلد الموصلي بعث إليه بقارورة يسأله أن يبعث له فيها قليلا من ماء الملام فقال لصاحبه قل له يبعث إلىّ بريشة من جناح الذلّ لاستخرج بها من القارورة ما أبعثه إليه.و هذا ظلم من أبي تمام لمخلد،و ما الأمران سواء لأنّ الطائر إذا اعيا و تعب ذلّ و خفض جناحيه،و كذلك الانسان إذا استسلم ألقى بيديه ذلاّ.و يده جناحه،فذاك هو الّذي حسّن قوله تعالى «وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ» (1)
الاسراء:24. [1]
ألا ترى أنّه لو قال و اخفض لهما ساق الذلّ أو بطن الذلّ لم يكن مستحسنا (2).قلت:إنّ ابن أبي الحديد في اعتراضه على أبي تمام مصداق ما قيل بالفارسية:
چه بشنوى سخن أهل دل مگو كه خطاست سخن شناس نهاى دلبرا خطا اينجاست
فلم يعب أبو تمام على مخلّد أصل استعارة خفض جناح الذلّ لإظهار الخضوع و المسكنة،كيف و هي أحسن استعارة وردت في كتاب اللّه تعالى، و انّما عاب عليه إثباته الريشة لجناح الذلّ،و أيّ ربط في ردّه بأنّ ساق الذلّ لم يكن مستحسنا،و جناح الذل مستحسن،و لو كان اعتراض أبي تمام غير وارد لكان مخلد يجيبه.فإنّ الشعراء أعرف بمواقع الشعر .
«هذا ماء آجن» هكذا في(المصرية)،و كلمة هذا زائدة فليس في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (3).
و معنى«ماء آجن»متغيّر الطعم و اللون،و آجن يمكن أن يكون بالمدّ على وزن فاعل من أجن بالفتح يأجن بالضم و الكسر،و أن يكون بالفتح و الكسر على وزن خشن على ما حكي عن اليزيدي (1)
رواه عنه الجوهري في صحاح اللغة 5:2067، [1]مادة(اجن).
.«و لقمة يغصّ بها آكلها» هو تشبيه آخر منه عليه السلام لقيامه ذاك الوقت الّذي لم يكن له أعوان بكونه كلقمة تبقى في حلق آكلها كجرعة من آجن لا يسيغها شاربها.
و قال ابن أبي الحديد في معنى «ماء آجن و لقمة يغصّ بها آكلها» «يعني أنّ الإمرة على الناس وخيمة العاقبة ذات مشقّة في العاجلة.فهي في عاجلها كالماء الآجن يجد شاربه مشقة،و في آجلها كاللقمة المذكورة،و يجوز أن يكون عنى عليه السلام الإمرة المخصوصة يعني بيعة السقيفة» (2).
و هو كما ترى بلا ربط.فليس عليه السلام في مقام ذم الإمارة،و لا في مقام بيان مفاسد بيعة السقيفة،بل ما عرفت من قيامه عليه السلام:روي أنّ زرارة قال للصادق عليه السلام:ما منع أمير المؤمنين عليه السلام أن يدعو الناس إلى نفسه؟قال:خوفا أن يرتدّوا.فلا يشهدوا أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم رسول اللّه (3).
هذا،و يناسب قوله عليه السلام «و لقمة يغص بها آكلها» ما نقلوا أنّ أبا تراب النخشبي و كان من الزهاد قال:ما تمنّت نفسي عليَّ إلاّ مرّة كنت في سفر فتمنّت علي خبزا و بيضا.فعدلت من الطريق إلى قرية.فلمّا دخلتها وثب علي رجل،و قال:إنّ هذا كان مع اللصوص.فبطحوني فضربوني سبعين جلدة.
فوقف علينا رجل يعرفني.فصرح هذا أبو تراب النخشبي.فأقاموني،
و اعتذروا إليّ و أدخلني الرجل منزله،و قدّم إليّ خبزا و بيضا.فقلت لنفسي:كل الخبز و البيض بعد سبعين جلدة .
«و مجتنى الثمرة لغير وقت إيناعها» هو تشبيه ثالث:أي:قيامي في هذا الوقت كاجتناء ثمرة غير يانعة لا ينتفع مجتنيها بها.
«كالزارع بغير أرضه» هو تشبيه رابع أي:قيامي في هذا الوقت كمن زرع في غير أرضه.فلا يبقى الزرع له.
و هو خبر بعد خبر للمبتدأ المقدر،و هو«قيامي»حذف لمعلوميته،و إنّما وصل عليه السلام الثلاثة الاولى،و فصل هذا لأنّ الاولى من واد،و هذا من آخر مع احتمال سقوط«أو»من نسخة نقل عنها المصنّف.
و توهم(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي)كون هذا خبرا لقوله «و مجتنى»فقالوا في معناه:«مجتني الثمرة قبل أن تدرك لا ينتفع بما اجتناه كمن زرع في غير أرضه» (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:72،و [1]شرح ابن ميثم 1:278،و شرح الخوئي 1:321.
.و لا معنى لما قالوه.فلا يريد عليه السلام ان يبيّن عدم فائدة اجتناء ثمرة غير يانعة حتّى يجعله كالزارع بغير أرضه بل كلّ منهما واضح،كونه أمرا غير عقلائي.و نظير تشبيه عليه السلام في «الزارع بغير أرضه» قول أعشى تغلب في مدرك الكناني لمّا مدحه فأساء ثوابه بكونه كباني حوض في موضع بلا ماء:
لعمرك أنّي يوم أمدح مالكا لكالمبتني حوضا على غير منهل
هذا،و نظير ما ذكره عليه السلام في عدم المصلحة لقيامه ذاك الوقت ما ذكره الصادق عليه السلام لمّا استنهضوه في اوّل أمر العباسيّة.ففي(مروج المسعودي):
لمّا قتل إبراهيم الامام خاف أبو سلمة وزير العباسية انتقاض الأمر عليه.
فبعث بمحمّد بن عبد الرحمن بن أسلم،و كتب معه كتابين على نسخة واحدة
1) 1)
إلى أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السلام،و إلى أبي محمّد عبد اللّه بن الحسن يدعو كلّ واحد منهما إلى الشخوص إليه ليصرف الدعوة إليه،و يجتهد في بيعة أهل خراسان له،و قال للرسول العجل العجل.فلا تكونن كوافد عاد.فقدم المدينة على أبي عبد اللّه عليه السلام ليلا،و أعلمه أنّه رسول أبي سلمة إليه،و دفع إليه كتابه.
فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام:و ما أنا و أبو سلمة،و هو شيعة لغيري؟قال له:إنّي رسول فتقرأ كتابه،و تجيبه بما رأيت.فدعا بسراج.ثم أخذ الكتاب فوضعه عليه حتّى احترق و قال للرسول:عرّف صاحبك بما رأيت،ثم تمثّل عليه السلام بقول الكميت:
أيا موقدا نارا لغيرك ضوؤها و يا حاطبا في غير حبلك تحطب
فخرج الرسول من عنده،و دخل على عبد اللّه بن الحسن،فدفع إليه الكتاب فقرأه،و ابتهج.فلمّا كان غد ذلك اليوم ركب حمارا حتّى أتى منزل أبي عبد اللّه عليه السلام.فلمّا رآه أكبر مجيئه.فقال:أمر ما أتى بك؟قال:نعم هو أجلّ من أن يوصف.هذا كتاب أبي سلمة يدعوني،و قد قدمت عليه شيعتنا من خراسان فقال عليه السلام له:و متى كان أهل خراسان شيعة لك؟أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان؟أنت أمرته بلبس السواد؟و هؤلاء الّذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم أو وجّهت فيهم؟و هل تعرف منهم أحدا؟فنازعه عبد اللّه بن الحسن الكلام.فقال عليه السلام له:«و لقد كتب إليّ أبو سلمة بمثل ما كتب به إليك.فلم يجد رسوله عندي ما وجد عندك،و لقد أحرقت كتابه من قبل أن أقرأه» فانصرف عبد اللّه بن الحسن مغضبا،و لم ينصرف رسول أبي سلمة إليه إلى أن بويع السفاح بالخلافة (1)
مروج الذهب 3:253،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«فإن اقل يقولوا حرص على الملك» في(خلفاء ابن قتيبة)-بعد ذكر عمر
1) 1)
ستّة الشورى،و بيانه عيبا لكلّ منهم-و قال لعليّ عليه السلام:«و ما يمنعني منك يا علي إلاّ حرصك عليها،و إنّك أحرى القوم إن وليتها،أن تقيم على الحقّ المبين و الصراط المستقيم» (1)
الإمامة و السياسة 1:25. [1]
.و فيه أيضا و في كتاب ابراهيم الثقفي عنه عليه السلام قال في أهل الشورى:
فأجمعوا إجماعا واحدا.فصرفوا الولاية إلى عثمان و أخرجوني منها،رجاء أن ينالوها و يتداولوها إذ يئسوا أن ينالوا من قبلي.ثم قالوا:هلمّ فبايع،و إلاّ جاهدناك.فبايعت مستكرها،و صبرت محتسبا.فقال قائلهم:يا ابن أبي طالب إنّك على هذا الأمر لحريص.فقلت:أنتم أحرص منّي و أبعد،أ أنا احرص اذا طلبت تراثي،و حقّي الّذي جعلني اللّه و رسوله أولى به،أم أنتم إذ تضربون وجهي دونه،و تحولون بيني و بينه؟!فبهتوا و اللّه لا يهدى القوم الظالمين (2).
«و إن أسكت يقولوا:جزع من الموت.هيهات» أن يكون سكوتي جزعا من الموت بل لعهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إليّ بالتسليم لئلاّ يرتدّ الناس إلى الكفر.
«بعد اللتيا» بالفتح و التشديد.قال الحريري في أوهام خواصّه:ضمّ اللام لحن فاحش لأنّ العرب خصّت الّذي و الّتي و أسماء الإشارة عند تصغيرها بإقرار فتحة أوائلها على صيغتها و بأن زادت ألفا في آخرها عوضا عن ضم اولها (3).
«و الّتي» في أمثال الكرماني «اللتيا و الّتي» علمان للداهية و لذا استغنيا عن الصلة.و الّتي داهية لم تبلغ النهاية،و اللتيا داهية بالغة للنهاية و تصغيرها للتعظيم كقوله:
دويهية تصفرّ منها الأنامل (1)
لسان العرب 15:240، [1]مادة(لتا).
.و قال ابن ميثم:«بعد اللتيا و الّتي:مثل،و أصله أنّ رجلا تزوّج امرأة قصيرة سيّئة الخلق.فقاسى منها شدائد.فطلّقها،و تزوّج طويلة.فقاسى منها أضعاف ما قاسى من القصيرة فطلّقها،و قال بعد اللتيا و الّتي لا أتزوّج أبدا فصار ذلك مثلا» (2).قلت:لم يذكر ذلك أمثال العسكري،و لا الميداني (3)،و لا أدري من أين نقله.
و كما خصّت اللتيا بإبقاء فتحها كترك صلة لها كذلك بعدم ذكرها إلاّ مع الّتي كما في كلامه عليه السلام هنا،و كما في كلام سيّدة النساء صلوات اللّه عليها في احتجاجها على أبي بكر في فدك«فأنقذكم اللّه تعالى بنبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعد اللتيا و الّتي،و بعد أن مني ببهم الرجال» (4).و كما في قول شاعر:
بعد اللتيا و اللّتيا و التي إذا علتها أنفس تردّت
أيضا:
و لقد رأيت نأى العشيرة كلّها و كفيت جانبها اللتيا و التي
و من الأخير يعلم أنّ ذكر«بعد»قبل اللّتيّا و الّتي ليس بلازم و إن كان كثيرا.
هذا و في(اللسان):«و تصغير الّتي و اللاتي و اللات اللتيّا.و اللّتيا بالفتح و التشديد.قال العجّاج:
دافع عني بنفير موتتي بعد اللتيا و اللتيا و الّتي
اذا علتها أنفس تردّت » (1)
لسان العرب 15:446، [1]مادة(لتا)،و النقل بتصرف.
«و اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي امّه» كان عليه السلام متفردا بهذا الكلام كما بقوله«لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» (2)قلنا:إنّه عليه السلام متفرد بذلك لأنّ الأخبار وردت بأنّ الأنبياء من آدم الّذي وهب مقدارا من عمره لداود إلى غيره حتّى ابراهيم عليه السلام الّذي كان أشرف اولي العزم كانوا مستوحشين من الموت.ففي الخبر لمّا هبط ملك الموت لقبض روح ابراهيم عليه السلام قال له:أداع أم ناع؟قال:بل ناع.فقال:هل رأيت خليلا يميت خليله؟فقال:إلهي قد سمعت ما قال خليلك.فقال تعالى:قل له:هل رأيت حبيبا يكره لقاء حبيبه؟إنّ الحبيب يحبّ لقاء حبيبه (3).و أمّا قصّة آدم.فروى(الكافي)عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق عليه السلام في خبر أنّ ابن شبرمة القاضي قال له:ما تقول في شيء سألني عنه الأمير -أي عيسى بن موسى العباسي-فلم يكن عندي فيه شيء.فقال:و ما هو؟قال:
سألني عن أوّل كتاب كتب في الأرض قال:نعم إنّ اللّه عزّ و جلّ عرض على آدم عليه السلام ذريّته عرض العين في صور الذرّ نبيّا فنبيّا،و ملكا فملكا و مؤمنا فمؤمنا،و كافرا فكافرا،فلمّا انتهى إلى داود عليه السلام قال:من هذا الّذي نبّيته، و كرّمته،و قصّرت عمره؟فأوحى إليه:هذا ابنك داود،عمره أربعون سنة، و إنّي كتبت الآجال،و قسمت الأرزاق،و أنا أمحو ما أشاء،و أثبت و عندي امّ الكتاب.فإن جعلت له شيئا من عمرك ألحقته له.قال:يا ربّ!قد جعلت له من عمري ستّين سنة تمام المئة.فقال عزّ و جلّ لجبرئيل و ميكائيل،و ملك الموت:
اكتبوا عليه كتابا فإنّه سينسى.فكتبوا عليه كتابا و ختموه بأجنحتهم من طينة عليين.فلمّا حضرت آدم الوفاة أتاه ملك الموت.فقال له آدم:ما جاء بك؟قال:
لأقبض روحك.قال:قد بقي من عمري ستّون سنة.فقال:إنّك جعلتها لابنك داود،و نزل عليه جبرئيل و أخرج له الكتاب.قال أبو عبد اللّه عليه السلام:فمن أجل ذلك إذا خرج الصك على المديون ذلّ،فقبض روحه (1)
أخرجه الكليني في الكافي 7:378 ح 1،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و أمّا هو عليه السلام فروى نصر بن مزاحم في(صفّينه)مسندا عن حبّة العرني قال:لمّا نزل علي عليه السلام الرقّة بمكان يقال له بليخ على جانب الفرات،نزل راهب من صومعته.فقال لعليّ عليه السلام:إنّ عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا كتبه عيسى بن مريم عليه السلام أعرضه عليك؟قال:نعم فما هو؟قال هو:«بسم اللّه الرحمن الرحيم الّذي قضى في ما قضى،و سطر في ما سطر أنّه باعث في الاميين رسولا منهم يعلّمهم الكتاب و الحكمة،و يدلّهم على السبيل لا فظ و لا غليظ،و لا صخّاب في الأسواق،و لا يجزي بالسيّئة السيئة،و لكن يعفو و يصفح،امّته الحمّادون الذين يحمدون اللّه على كلّ نشز،و في كلّ صعود و هبوط.تذلّ ألسنتهم بالتهليل و التكبير.ينصره اللّه على كلّ من ناواه.فإذا توفّاه اختلفت امّته ثم اجتمعت،فلبثت بذلك ما شاء اللّه،ثم اختلفت،فيمرّ رجل من امّته بشاطئ هذا الفرات.يأمر بالمعروف،و ينهى عن المنكر،و يقضي بالحقّ،و لا يرتشي في الحكم،الدّنيا أهون عليه من الرّماد في يوم عصفت فيه الريح،و الموت أهون عليه من شرب الماء على الظمأ»-الخبر- (2).
و مثله عليه السلام كانت سيّدة النساء-صلوات اللّه عليها-ففي(طبقات كاتب الواقدي)عن عائشة قالت:إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم دعا ابنته فاطمة في وجعه الّذي
توفّي فيه.فسارّها بشيء.فبكت،ثم دعاها فسارّها فضحكت.قالت فسألتها عن ذلك.فقالت:أخبرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه يقبض في وجعه هذا فبكيت.ثم أخبرني أنّي أوّل أهله لحاقا به فضحكت (1)
طبقات ابن سعد 2 [1] ق 2:39.
.و كذلك كان باقى أئمّتنا عليهم السلام و في(اعتقادات الصدوق):قال الحسين عليه السلام يوم الطف لبعض أصحابه-و كان تعجب من عدم مبالاته بالموت-:ما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس و الضرّ،إلى الجنان الواسعة و النعيم الدائم (2).
و فيه:و قال السجاد عليه السلام:الموت للمؤمن كنزع ثياب و سخة قملة.و فكّ قيود و أغلال ثقيلة،و الاستبدال بأفخر الثياب و أطيبها روائح،و أوطأ المراكب، و آنس المنازل-الخبر- (3).
هذا و قيل في مدح الموت أشعار كثيرة منها:
و ما الموت إلاّ راحة غير أنّها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي
أيضا:
جزى اللّه عنّا الموت خيرا فإنّه أبرّ بنا من كلّ برّ و أرأف
يعجّل تخليص النفوس من الأذى و يدني من الدار الّتي هي أشرف
أيضا:
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا في الموت ألف فضيلة لا تعرف
منها أمان لقاءه بلقائه و فراق كلّ معاشر لا ينصف
أيضا:
من كان يرجوا أن يعيش فإنّني أصبحت أرجو أن أموت فأعتقا
في الموت ألف فضيلة لو أنّها عرفت لكان سبيله أن يعشقا
أيضا:
نحن و اللّه في زمان غشوم لو رأيناه في المنام فزعنا
أصبح الناس فيه من سوء حال حقّ من مات منهم أن يهنّا
«بل اندمجت» أي:انطويت.
«على مكنون علم» أي:مصونه و مستوره عن العامّة.
«لو بحت به» أي:أظهرته من باح الرجل بسرّه أظهره.
«لاضطربتم اضطراب الأرشية» الأرشية جمع الرشاء:حبل يستقى به من البئر،و الرشوة قيل إنّها من هذا لأنّه يتوصّل بها إلى الحاجة كما يتوصل بالحبل إلى الماء،و قيل:إنّها من رشا الفرخ إذا مدّ رأسه إلى امّه لتزقّه.
«في الطويّ البعيدة» أي:في البئر العميقة،و بحسب ازدياد العمق يزداد اضطراب الحبل.
كان هو عليه السلام و أهل بيته،و خواص شيعته يكتمون كثيرا ممّا يعلمون عن كثير من الناس لعدم استعدادهم لفهمه.و في كتاب سليم بن قيس:قال أمير المؤمنين عليه السلام:لو حدّثت عامّة شيعتي الذين سمّوني أمير المؤمنين و استحلوا جهاد من خالفني ببعض ما أعلم ممّا نزل به جبرئيل عليه السلام و سمعته من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لتفرّقوا عنّي حتّى أبقى في عصابة حقّ قليلة إنّ أمرنا صعب مستصعب،لا يعرفه و لا يقرّ به إلاّ ثلاثة:ملك مقرّب،أو نبيّ مرسل،أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان (1)
كتاب سليم بن قيس:69،و النقل بتصرف.
.و عن السجاد عليه السلام كما في(فواتح الميبدي)ثم(وافي الكاشاني)،و إن نسبها الخطيب إلى العتابي:
1) 1)
إنّي لأكتم من علمي جواهره كيلا يرى الحقّ ذو جهل فيفتتنا
و قد تقدّم في هذا أبو حسن إلى الحسين و وصّى قبله الحسنا
و ربّ جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممّن يعبد الوثنا
و لا ستحلّ رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا (1)
رواه الميبدي في الفواتح،مخطوط،و الكاشاني في المحجة البيضاء 1:65،و الشبراوي في الإتحاف:138، و [1]الآلوسي في روح المعاني 6:190، [2]عن السجّاد عليه السلام،و رواه الخطيب في تاريخ بغداد 12:489، [3]عن العتابي.
و في(الحلية)عن أبي داود قال:كنّا يوما عند شعبة و في البيت جراب معلّق في السقف.فقال:أترون ذلك الجراب؟و اللّه لقد كتبت فيه عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن علي-كرّم اللّه وجهه-عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما لو حدّثتكم به لرقصتم،و اللّه لا حدّثتكموه (2).
و في(الكافي):قيل لأبي جعفر الباقر عليه السلام أنّ الحسن البصري يزعم أنّ الّذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم أهل النار.فقال عليه السلام:فهلك إذن مؤمن آل فرعون.ما زال العلم مكتوما منذ بعث اللّه نوحا،فليذهب الحسن يمينا و شمالا فو اللّه ما يوجد العلم إلاّ ها هنا (3).
و في(عيون القتيبي):قال سلمان:لو حدّثت الناس بكلّ ما أعلم لقالوا:
رحم اللّه قاتل سلمان (4).
و في(رجال الكشّي)عن الصادق عليه السلام قال سلمان في خطبته:أيّها الناس اسمعوا من حديثي،ثم اعقلوه عنّي.قد اوتيت من العلم كثيرا،و لو أخبرتكم بكلّ ما أعلم لقالت طائفة:إنّه لمجنون،و قالت طائفة:اللّهمّ اغفر لقاتل سلمان.ألا إنّ لكم منايا تتبعها بلايا.فإنّ عند علي عليه السلام علم المنايا و علم
الوصايا،و فصل الخطاب على منهاج هارون بن عمران.قال له النبي عليه السلام:أنت وصيّي و خليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى،و لكنكم أصبتم سنّة الأوّلين،و أخطأتم سبيلكم،و الّذي نفس سلمان بيده لتركبنّ طبقا عن طبق، سنّة بني اسرائيل القذّة بالقذّة،أما و اللّه لو ولّيتموها عليّا لأكلتم من فوقكم و من تحت أرجلكم.فأبشروا بالبلاء.و اقنطوا من الرجاء،و أنذرتكم على سواء،و انقطعت العصمة فيما بيني و بينكم من الولاء-الخبر- (1)
اختيار معرفة الرجال:21.
.و في(استيعاب ابن عبد البر):سئل علي عليه السلام عن أبي ذر.فقال:ذاك رجل وعى علما عجز عنه الناس،ثم أوكأ عليه و لم يخرج شيئا منه (2).
و روى المرتضى في(شافيه):أنّ الشعبي كان يقول:كان عند عبد اللّه بن عباس دفائن علم يعطيها أهله،و يصرفها عن غيرهم،و كان حذيفة يقول:كان أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يسألونه عن الخير،و أنا أسأله عن الشرّ مخافة أن أقع فيه،و كان يقول:لو كنت على شاطئ نهر،و قد مددت يدي لاغترف.فحدّثتكم بكل ما اعلم ما وصلت يدي إلى فمي حتّى اقتل (3).
و روى الخطيب عن عيسى بن يونس قال:حدّثنا الأعمش بأربعين حديثا فيها ضرب الرقاب لم يشركني فيها غير محمّد بن إسحاق ربما قال الأعمش لمحمّد بن إسحاق:من معك؟فيقول:عيسى بن يونس.فيقول:أدخلا و أجيفا الباب،و كان يسأله عن حديث الفتن (4).
قلت:و هل تحتمل أن يكون حديث:لو حدّثهم سلمان لقالوا:رحم اللّه قاتله،و لو حدّثهم حذيفة ما أمهلوه حتّى يشرب ماءه الّذي اغترفه من
النهر ليشربه،و لو حدّثهم الأعمش كان فيه ضرب الرقاب،إلاّ بطلان أمر الأوّلين؟!كيف لا و كان مالك بن نويرة قد خاطب خالد بن الوليد في التعبير عن أبي بكر بصاحبك.فقتله خالد لذلك،و معاوية و من بعده من خلفاء بني اميّة لا يمهلون أحدا يتفوّه بإنكار خلافتهم حفظا لسلطنتهم، و كذلك العباسيّة،و قد خوّف معاوية الحسن عليه السلام لمّا قال:إنّ قريشا آثروا علينا بأنّك صرّحت بتهمة أبي بكر الصدّيق،و عمر الفاروق و أبي عبيدة الأمين.
و لقد صدق عليه السلام في أنّه اندمج على مكنون علم لو باح به لمن كان ميله إليه عمّه و غيره اضطربوا اضطراب الارشية في الطويّ البعيدة.
فكيف كانوا يخلّونه عليه السلام يتصدّى للأمر مع أنّه بعد مضيّ ثلاثة منهم،و بعد ما قاسوا من ثالثهم حتّى اضطروا إلى قتله دفعا لشرّه بتسليطه بني اميّة على الناس،و أخذهم مال اللّه دولا،و عباده خولا،و بعد بيعة العامة له عليه السلام بتلك الكيفية حتّى شقّوا من الشوق و الولع إلى بيعته عطفيه، و وطؤا الحسنين عليه السلام ما تركوه و الناس بل نكثت طائفة منهم،و قسطت اخرى،و مرقت ثالثة حتّى قتلوه و خضبوا لحيته من رأسه.و كان عليه السلام عالما بجميع ذلك كما يعلم من أخباره عليه السلام بخصوصيات ما يتّفق قبل وقوعها في الجمل و صفّين و النهروان.فقد أخبر في النهروان بأنّه لا يقتل من أصحابه عشرة،و لا يفلت من المارقة عشرة،و ان مصارعهم دون النطفة و كون شيطان الردهة ذي الثديّة فيهم حتّى أنّهم لمّا قالوا له لا نجده فيهم قال عليه السلام:ما كذبت و لا كذبت،و قام بنفسه حتّى أخرجه من تحت قتلاهم (1)
رواه المسعودي في مروج الذهب 2:405 و 406،و غيره. [1]
-إلى غير ذلك-.1) 1)
من الخطبة(26)
و منها:
فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلاَّ أَهْلُ بَيْتِي- فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ- وَ أَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى وَ شَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا- وَ صَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْكَظَمِ- وَ عَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ من الخطبة(170) منها:
وَ قَدْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ يَا؟ابْنَ أَبِي طَالِبٍ؟ لَحَرِيصٌ- فَقُلْتُ بَلْ أَنْتُمْ وَ اللَّهِ لَأَحْرَصُ وَ أَبْعَدُ وَ أَنَا أَخَصُّ وَ أَقْرَبُ- وَ إِنَّمَا طَلَبْتُ حَقّاً لِي وَ أَنْتُمْ تَحُولُونَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ- وَ تَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ- فَلَمَّا قَرَّعْتُهُ بِالْحُجَّةِ فِي الْمَلَإِ الْحَاضِرِينَ- هَبَّ كَأَنَّهُ بُهِتَ لاَ يَدْرِي مَا يُجِيبُنِي بِهِ- اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى؟قُرَيْشٍ؟ وَ مَنْ أَعَانَهُمْ- فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ صَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِيَ- وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لِي- ثُمَّ قَالُوا أَلاَ إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ وَ فِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ من الخطبة(215) و من كلام له عليه السلام:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى؟قُرَيْشٍ؟ وَ مَنْ أَعَانَهُمْ- فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ أَكْفَئُوا إِنَائِي- وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي- وَ قَالُوا أَلاَ إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ- وَ فِي الْحَقِّ أَنْ تُمْنَعَهُ فَاصْبِرْ مَغْمُوماً أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً- فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ وَ لاَ ذَابٌّ وَ لاَ مُسَاعِدٌ- إِلاَّ أَهْلَ بَيْتِي فَضَنَنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ- فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى
وَ جَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا- وَ صَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ- وَ آلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وَخْزِ الشِّفَارِ و قد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدمة- إلا أني ذكرته هاهنا لاختلاف الروايتين من الكتاب(36) في كتابه عليه السلام إلى عقيل:
فَدَعْ عَنْكَ؟قُرَيْشاً؟ وَ تَرْكَاضَهُمْ فِي الضَّلاَلِ- وَ تَجْوَالَهُمْ فِي الشِّقَاقِ وَ جِمَاحَهُمْ فِي التِّيهِ- فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِي- كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى حَرْبِ؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟ قَبْلِي- فَجَزَتْ؟قُرَيْشاً؟ عَنِّي الْجَوَازِي- فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ سَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّي أقول:الأصل في الثلاثة الاولى هو كتاب كتبه عليه السلام للناس ليخطب به عبيد اللّه بن أبي رافع لمّا سأله الناس عن قوله في أبي بكر و عمر و عثمان بعد فتح معاوية لمصر،و قتله محمّد بن أبي بكر.شرح عليه السلام في كتابه ذاك الأمر من بعثة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى وفاته،و أيام أبي بكر و عمر و عثمان.ثم بيعة الناس له.
ثم قيام الناكثة و القاسطة و المارقة عليه.ثم غارات معاوية،و خذلان الناس له.
و العناوين الثلاثة الأول كلامه عليه السلام من ذاك الكتاب في بيان حال قريش يوم الشورى،و اتّفاقهم على صرف الأمر عنه عليه السلام إلى عثمان.ذكر ذاك الكتاب الثقفي في( غاراته الثقفي-الغارات-ج 1 ص 302 )،و القتيبي في( خلفائه ابن قتيبة-الإمامة و السياسة-ج 1 ص 154 )،و الكليني في(رسائله).و ابن رستم الطبري في( مسترشده ابن رستم الطبري-المسترشد- ) 1.
قال الثقفي و القتيبي-في جملة نقلهما الكتاب-«فجعلني الثاني سادس ستّة.فما كانوا لولاية أحد أشد كراهية منهم لولايتي عليهم فكانوا يسمعوني
عند وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم احاجّ أبا بكر و أقول:يا معشر قريش!إنّا أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا من يقرأ القرآن و يعرف السنّة،و يدين دين الحق.فخشي القوم إن أنا ولّيت عليهم ألاّ يكون لهم في الأمر نصيب ما بقوا.
فأجمعوا إجماعا واحدا فصرفوا الولاية عنّي الى عثمان،و أخرجوني منها رجاء أن ينالوها و يتداولوها،إذ يئسوا أن ينالوها من قبلي.ثم قالوا:هلمّ فبايع و إلاّ جاهدناك.فبايعت مستكرها،و صبرت محتسبا.فقال قائلهم:يا ابن أبي طالب إنّك على هذا الأمر لحريص.فقلت:أنتم أحرص منّي و أبعد.أ أنا أحرص اذا طلبت تراثي،و حقّي الّذي جعلني اللّه و رسوله أولى به،أم أنتم؟ تضربون وجهي دونه،و تحولون بيني و بينه.فبهتوا،و اللّه لا يهدي القوم الظالمين.اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش.فإنّهم قطعوا رحمي و أصغوا إنائي، و صغّروا عظيم منزلتي،و أجمعوا على منازعتي حقّا كنت أولى به منهم فسلبونيه.ثم قالوا:ألاّ إنّ في الحق أن تأخذه و في الحق أن تمنعه.فاصبر كمدا متوخما.أو مت متأسفا حنقا.فنظرت فإذا ليس معي رافد و لا ذابّ و لا مساعد إلاّ أهل بيتي.فضننت بهم عن الهلاك.فأغضيت على القذى،و تجرّعت ريقي على الشجا،و صبرت من كظم الغيظ على امرّ من العلقم-و في الأوّل-آلم للقلب من حزّ الشفار-و في الثاني-و آلم للقلب من حزّ الحديد.
و قال محمّد بن يعقوب«و لم يكونوا لولاية أحد منهم أكره منهم لولايتي.كانوا يسمعون و أنا احاجّ أبا بكر و أقول:يا معشر قريش!أنا أحقّ بهذا الأمر منكم.ما كان منّا من يقرأ القرآن و يعرف السنّة،و يدين دين اللّه الحق،و إنّما حجّتي أنّي وليّ هذا الأمر من دون قريش،أنّ نبيّ اللّه قال«الولاء لمن أعتق»فجاء الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعتق الرقاب من النار،و أعتقها من الرقّ.فكان للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ولاء هذه الامّة،و كان لي بعده ما كان له.فما جاز لقريش من
فضلها عليها بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم جاز لبني هاشم على قريش،و جاز لي على بني هاشم بقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم غدير خم«من كنت مولاه فهذا علي مولاه»إلاّ أن تدّعي قريش فضلها على العرب بغير النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فإن شاءوا فليقولوا ذلك فخشى القوم إن أنا ولّيت عليهم أن آخذ بأنفاسهم،و اعترض في حلوقهم،و لا يكون لهم في الأمر نصيب.فأجمعوا علي إجماع رجل واحد منهم حتّى صرفوا الولاية عنّي إلى عثمان رجاء أن ينالوها و يتداولوها فيما بينهم.
فبيناهم كذلك إذ نادى مناد لا يدرى من هو،و أظنّه جنيّا فأسمع أهل المدينة ليلة بايعوا عثمان.فقال:
يا ناعي الاسلام قم فانعه قد مات عرف و بدا منكر
ما لقريش لا علا كعبها من قدّموا اليوم و من أخّروا
إنّ عليّا هو أولى به منه فولّوه و لا تنكروا
فكان لهم في ذلك عبرة،و لو لا أنّ العامّة قد علمت بذلك لم أذكره فدعوني إلى بيعة عثمان،فبايعت مستكرها،و صبرت محستبا،و علّمت أهل القنوت أن يقولوا:«اللّهمّ لك أخلصت القلوب،و إليك شخصت الأبصار و أنت دعيت بالألسن،و إليك تحوكم في الأعمال.فافتح بيننا و بين قومنا بالحق.
اللهم إنّا نشكوا اليك غيبة نبيّنا،و كثرة عدوّنا،و قلّة عددنا،و هواننا على الناس، و شدّة الزمان،و وقوع الفتن بنا.اللّهمّ ففرّج ذلك بعدل تظهره،و سلطان حق تعرفه».
فقال عبد الرحمن بن عوف:يا ابن أبي طالب إنّك على هذا الأمر لحريص.
فقلت:لست عليه حريصا.إنّما أطلب ميراث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و حقّه،و أنّ ولاء أمّته لي من بعده،و أنتم أحرص عليه منّي إذ تحولون بيني و بينه،و تصرفون وجهي دونه بالسيف.اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش.فإنّهم قطعوا رحمي،
و أضاعوا أيّامي،و دفعوا حقّي،و صغّروا قدري،و عظيم منزلتي،و أجمعوا على منازعتي حقّا كنت أولى به منهم فاستلبونيه ثم قالوا:اصبر مغموما أو مت متأسّفا.و ايم اللّه لو استطاعوا أن يدفعوا قرابتي كما قطعوا سببي فعلوا، و لكنّهم لا يجدون إلى ذلك سبيلا-إلى أن قال-:
فقال(لي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم):يا ابن أبي طالب لك ولاء امّتي.فإن ولّوك في عافية و أجمعوا عليك بالرضا فقم بأمرهم.و إن اختلفوا عليك فدعهم و ما هم فيه.فإنّ اللّه سيجعل لك مخرجا.فنظرت فإذا ليس لي رافد،و لا معي مساعد،إلاّ أهل بيتي،فضننت بهم عن الهلاك،و لو كان لي بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم عمّي حمزة،و اخي جعفر،لم ابايع كرها،و لكنّني بليت برجلين حديثي عهد بالاسلام العباس و عقيل.فأغضيت عيني على القذى،و تجرّعت ريقي على الشجا،و صبرت على أمرّ من العلقم و آلم للقلب من حزّ الشفار.و مثله قال ابن رستم الطبري مع اختلاف يسير.
و أما العنوان الرابع فذكره ابن قتيبة في جواب كتاب أخيه عقيل،و قد كان وصل إليه كتابه في الطريق لمّا شخص عليه السلام من المدينة إلى البصرة.
و في كتاب عقيل إليه عليه السلام و انّي خرجت معتمرا فلقيت عائشة معها طلحة و الزبير و ذووهما و هم متوجّهون إلى البصرة.قد أظهروا الخلاف، و نكثوا البيعة،و ركّبوا عليك قتل عثمان،و تبعهم على ذلك كثير من الناس من طغاتهم و أوباشهم.ثم مرّ عبد اللّه بن أبي سرح في نحو من أربعين راكبا من أبناء الطلقاء من بني اميّة.فقلت لهم-و عرفت المنكر في وجوههم-أ بمعاوية تلحقون عداوة للّه،و اللّه إنّها منكم ظاهرة غير مستنكرة تريدون بها اطفاء نور اللّه و تغيير أمر اللّه-إلى أن قال-:
فكتب علي عليه السلام في جوابه:«تذكر في كتابك انّك لقيت ابن أبي سرح في
أربعين من أبناء الطلقاء من بني اميّة متوجّهين إلى الغرب،و ابن أبي سرح يا أخي طالما كاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و صدّ عن كتابه و سنته و بغاهما عوجا.فدع ابن أبي سرح و قريشا و تركاضهم في الضلال.فإنّ قريشا قد اجتمعت على حرب أخيك اجتماعها على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبل اليوم،و جهلوا حقّي، و جحدوا فضلي و نصبوا لي الحرب،و جدّوا في إطفاء نور اللّه.اللّهمّ فاجز قريشا عنّي بفعالها،فقد قطعت رحمي،و ظاهرت علي،و سلبتني سلطان ابن عمّي،و سلّمت ذلك لمن ليس في قرابتي،و حقّي فى الاسلام،و سابقتي الّتي لا يدّعي مثلها مدّع إلاّ أن يدّعي ما لا أعرف،و لا أظن اللّه يعرفه» (1)
الإمامة و السياسة 1:54-56،و [1]النقل بتلخيص.
.و نقله(الأغاني)في عنوان ذكر الخبر في مقتل ابني عبيد اللّه بن العباس راويا له باسناده عن أبي مخنف،عن سليمان بن أبي راشد،عن ابن أبي الكنود عبد الرحمن بن عبيد (2).
و رواه(غارات الثقفي)كما نقله ابن أبي الحديد عند ذكر خطبته عليه السلام «أيّها الناس المجتمعة أبدانهم» (3).
قوله عليه السلام في العنوان الأوّل «فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي.
فضننت بهم عن الموت» .و في العنوان الثالث«فنظرت فإذا ليس لي رافد،و لا ذابّ و لا مساعد إلاّ أهل بيتي.فضننت بهم عن المنية»الأصل فيهما واحد و قد عرفت أنّه عليه السلام قاله لمّا اتفق قريش الطلقاء مع عبد الرحمن بن عوف حكم عمر على صرف الامر عنه عليه السلام إلى عثمان،و أنّهم قالوا له إن لا تبايع عثمان نقاتلك، و قد كان عمر أيضا دعا قبل موته أبا طلحة الأنصاري،و قال له:كن في
خمسين رجلا من قومك فاقتل من أبى من ستّة الشورى حكمي و حكمية ابن عوف،و قد كان علم أنّ الآبي منهم إنّما هو أمير المؤمنين عليه السلام فنظر عليه السلام فلم ير له رافدا و معينا،و لا ذابّا و مدافعا عنه،و لا مساعدا له و ناصرا إلاّ أهل بيته.فان أرادوا الدفاع عنه عليه السلام قتلوا كما قتل أهل بيت الحسين عليه السلام يوم الطف لمّا ساعدوه.فضنّ عليه السلام أي بخل بهم لنفاسهتم عن المنية أي الموت،و الأصل في الضنّة البخل عن شيء نفيس يقال«علق مضنّة»:أي شيء نفيس علق القلب به فلا يرضى ببذله.
و نفاسة أهل بيته عليهم السلام معلومة،و قد أخبر اللّه سبحانه عن نفاستهم في قوله عزّ اسمه «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)
الاحزاب:33. [1]
.و كذلك أخبر رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن نفاستهم في قوله«مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلّف عنها غرق» (2)،و في قوله«إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي و لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض و إن تمسّكتم بهما لن تضلوا أبدا» (3).
و لأنّ بهم قوام الأرض كما بالكواكب قوام السماء،و لو هلكوا لهلك أهل الأرض،و لأنّهم كانوا حججه على عباده،و لا يخلي عزّ اسمه أرضه من حجّة طرفة عين.
و قوله عليه السلام في الأوّل «و أغضيت على القذى» و أمّا ما في(المصرية)
1) 1)
2) 2) حديث السقيفة [2]أخرجه الحاكم في المستدرك 2:343،و [3]ابو يعلى في مسنده،و عنه المطالب العالية 4:75 ح 4003 و 4004،و غيرهم عن أبي ذر و علي عليه السلام و ابن عباس و أبي سعيد و غيرهم.
3) 3) حديث الثقلين [4]أخرجه مسلم في صحيحه 4:1873 و 1874 ح 36،و 37 و الترمذي في سننه 5:663،ح 3788 و الحاكم في المستدرك 3:148،و [5]جماعة كثيرة اخرى.
«عن القذى»بدل «على القذى» فتصحيف (1)
لفظ نهج البلاغة 1:67،و [1]شرح ابن أبي الحديد 1:122،و [2]شرح ابن ميثم 2:26،« [3]على القذى».
.«و شربت على الشجا،و صبرت على أخذ الكظم،و على أمرّ من طعم العلقم» و في(ابن ميثم)الّذي نسخته بخط مصنّفه«من العلقم»بدل «من طعم العلقم» (2)و قوله عليه السلام في الثالث:«فأعضيت على القذى،و جرعت ريقي على الشجار و صبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم،و آلم للقلب من حزّ الشفار»أيضا الأصل فيهما واحد كما عرفت.
و الإغضاء على القذى الّذي معناه غضّ البصر على ما دخل فيه من التراب كرها،و كان عليه السلام في إكراههم له على بيعة عثمان مصداق ما قيل «الكريم ربّما أغضى و بين جنبيه نار الغضا»«و الشرب على الشّجا»و«جرع الريق على الشجا»معناه أن يكون اعترض في حلقه شيء حتى يجفّ لعابه.
فيكون شربه،و طلب الرطوبة لحلقه حتّى يتنفّس في غاية الشدّة و كان عليه السلام في ذلك مصداق ما قيل«عليك بالكظم،و ان شجيت بالعظم».
و صبر عليه السلام من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم و العلقم شجر مرّ و يقال للحنظل و كلّ شيء مرّ علقم.و قال في ذلك السيّد الحميري:
لم يشكروا لمحمّد إنعامه أ فيشكرون لغيره إن أنعما
اللّه منّ عليهم بمحمّد و هداهم و كسا الجلود و أطعما
ثم انهروا لوصيّه و وليّه بالمنكرات فجرّعوه العلقما
و صبر عليه السلام في ذلك على ما هو آلم للقلب من حزّ الشفار:أي قطع السكّين.روى الجوهري و الثقفي في(سقيفتيهما)و عوانة في(شوراه)عن الشعبي عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال:كنت جالسا بالمسجد حين
بويع عثمان فجئت إلى المقداد.فسمعته يقول:«و اللّه ما رأيت مثل ما اتى إلى أهل هذا البيت»-و كان عبد الرحمن بن عوف جالسا-فقال:و ما أنت و ذاك يا مقداد.قال المقداد:«إنّي و اللّه احبّهم بحبّ رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إنّي لأعجب من قريش و تطاولهم بفضل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و انتزاعهم سلطانه من أهله»قال عبد الرحمن:اما و اللّه لقد أجهدت نفسي لكم.قال المقداد:«أما و اللّه لقد تركت رجلا من الّذين يأمرون بالحقّ و به يعدلون،أما و اللّه لو أنّ لي على قريش أعوانا لقاتلتهم قتالي ايّاهم ببدر واحد»فقال له عبد الرحمن:ثكلتك امّك!لا يسمعنّ هذا الكلام الناس.فإنّي أخاف أن تكون صاحب فتنة و فرقة.و تربدّ وجهه.ثم قال:«لو أعلم أنّك إيّاي تعني لكان لي و لك شأن.قال المقداد:«إيّاي تهدّد يا ابن ام عبد الرحمن؟»ثم قام فانصرف.قال جندب:فاتّبعته و قلت له:يا عبد اللّه أنا من أعوانك.فقال:رحمك اللّه إنّ هذا الأمر لا يغني فيه الرجلان و لا الثلاثة فدخلت من فوري ذلك على علي عليه السلام.فلمّا جلست إليه قلت:يا أبا الحسن!و اللّه ما أصاب قومك بصرف هذا الأمر عنك.فقال:صبر جميل و اللّه المستعان.فقلت:و اللّه انّك لصبور قال:فإن لم أصبر فما ذا أصنع.قلت:«إنّي جلست إلى المقداد و عبد الرحمن بن عوف،فقالا كذا و كذا،ثم قام المقداد فاتّبعته فقلت له كذا فقال لي كذا».فقال علي عليه السلام:صدق المقداد.فما اصنع؟ فقلت:«تقوم في الناس فتدعوهم إلى نفسك و تخبرهم أنّك أولى بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و تسألهم النصر على هؤلاء المتظاهرين عليك.فإن أجابك عشرة من مائة شددت بهم على الباقين.فإن دانوا لك فذاك و إلاّ قاتلتهم،و كنت أولى بالعذر قتلت أو بقيت و كنت عند اللّه على حجّة».فقال«أ ترجو يا جندب أن يبايعني من كلّ عشرة واحد»؟قلت:أرجو ذلك.قال«لكنّي لا أرجو ذلك لا و اللّه،و لا من المائة واحد،و ساخبرك أنّ الناس إنّما ينظرون إلى قريش فيقولون:هم قوم
محمّد و قبيلته،و أمّا قريش فتقول:إنّ آل محمّد يرون على الناس بنبوّته فضلا يرون أنّهم أولياء هذا الأمر دون قريش،و دون غيرهم من الناس،و أنّهم إن ولّوه لم يخرج السلطان منهم إلى أحد أبدا،و متى كان في غيرهم تداولته قريش بينها.لا و اللّه لا يدفع الناس إلينا هذا الأمر طائعين أبدا».فقلت:جعلت فداك يا ابن عم رسول اللّه،لقد صدعت قلبي بهذا القول.أفلا أرجع إلى المصر فأوذن الناس بمقالتك،و أدعو الناس إليك.فقال:يا جندب ليس هذا زمان ذاك، فانصرفت إلى العراق فكنت أذكر فضل علي عليه السلام على الناس.فلا أعدم رجلا يقول لي ما أكره،و أحسن من أسمعه قولا من يقول:دع عنك هذا و خذ في ما ينفعك فاقول:«إنّ هذا مما ينفعني و ينفعك».فيقوم عنّي و يدعني.
و زاد الجوهري في خبره:«حتّى رفع ذلك من قولي إلى الوليد بن عقبة أيّام ولينا فبعث إلىّ فحبسني حتّى كلّم فيّ فخلّى سبيلي» (1)
رواه الجوهري في السقيفة:88،و [1]الثقفي،و عنه امالي المفيد:169 ح 5،المجلس 21،و [2]عوانة في الشورى،و عنه شرح ابن أبي الحديد 2:391، [3]شرح الخطبة 137،و النقل بتصرف.
.و في(سقيفة الجوهري)و(شورى عوانة)عن الشعبي-بعد ذكر بيعة ابن عوف لعثمان-و أقبل عمّار ينادي:
يا ناعي الاسلام قم فانعه قد مات عرف و بدا نكر
أما و اللّه لو أنّ لي أعوانا لقاتلتهم،و اللّه لئن قاتلهم واحد لأكونن له ثانيا.
فقال علي عليه السلام«يا ابا اليقظان!و اللّه لا أجد عليهم أعوانا،و لا احبّ أن أعرضكم لما لا تطيقون»و بقي عليه السلام في داره،و عنده نفر من أهل بيته،و ليس يدخل إليه أحد مخافة عثمان (2).
و روى الخليل بن أحمد أنّ أعرابيا ورد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك
-إلى أن قال بعد ذكره لمقامات علي عليه السلام-طلب منه الوليد هجاءه.فقال له:أمثل هذا يستحق الهجاء،و عزمه الحاذق،و قوله الصادق،و سيفه الفالق و إنّما يستحق الهجاء من سامه عليه،و أخذ الخلافة،و أزالها من الوراثة،و صاحبها ينظر إلى فيئه،و كأنّ الشبادع تلسعه-الخبر-و الشبادع:العقارب.
قول المصنّف:«و قد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدّمة إلاّ أنّي كرّرته هنا لاختلاف الروايتين»أقول:لم يمض الكلام كله في موضع واحد بل صدره:«اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش-إلى-و في الحق أن تمنعه»مضى في ذيل العنوان الثاني،و ذيله«فنظرت»-إلخ-مضى في العنوان الأوّل.
قوله عليه السلام في الثاني : «و قد قال قائل:إنّك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريص» هكذا في(المصرية)،و الصواب:ما في(ابن ميثم)و كذا(ابن أبي الحديد و الخطيّة)«و قال لي قائل إنّك يا ابن أبي طالب على هذا الأمر لحريص» (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 2:475،و [1]شرح ابن ميثم 3:329،أيضا [2]نحو المصرية.
.قال ابن أبي الحديد:قال عليه السلام:هذا الكلام يوم الشورى،و القائل الّذي قال له«إنّك على هذا الأمر لحريص»سعد بن أبي وقاص مع روايته فيه«أنت بمنزلة هارون من موسى»و هذا عجب،و قالت الامامية:قال يوم السقيفة و القائل أبو عبيدة بن الجراح (2).
قلت:كيف نسب ما قاله إلى الامامية،و قد روى محمّد بن يعقوب الكليني و محمّد بن جرير بن رستم الطبري و هما من قدماء الامامية:إنّه عليه السلام قاله يوم الشورى،و قد عرفت من خبرهما أنّ القائل كان عبد الرحمن بن عوف لا أبو عبيدة الّذي قال.
ثم أيّ شيء يغني عنه في كونه كلامه عليه السلام يوم الشورى في صحة أمر يوم السقيفة،و قد تضمّن قوله عليه السلام يوم الشورى بطلان أمر السقيفة،و أنّه الأساس فمرّ في رواياتهم عن الثقفي،و ابن قتيبة قوله عليه السلام يوم الشورى«فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي،لأنّهم كانوا يسمعونني و أنا أحاجّ أبا بكر فأقول:يا معشر قريش،إنّا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم-إلى آخر ما مرّ- (1)
مر في اوائل هذا العنوان.
.ثم لم ادر إلى أي شيء استند في قوله:إن القائل كان سعدا،و خبر الثقفي الوارد من طريقهم و قد نقله نفسه في شرح قوله عليه السلام«و من كلام له عليه السلام لمّا قلّد محمّد بن أبي بكر مصر»خال من اسم القائل كخبر ابن قتيبة،و المجمل يحمل على المفصل خبر الكليني و الطبري المصرّح بعبد الرحمن (2).
و أيضا الجريء منهم على أن يقول له هذا الكلام،و يخاطبه بذاك الخطاب إنّما كان عبد الرحمن لكونه حكم عمر في اختيار من شاء منهم .
«فقلت:بل أنتم و اللّه أحرص و أبعد،و أنا أخص و أقرب» إنّما قال عليه السلام«بل أنتم»مع أنّ القائل له«انّك لحريص»إنما كان واحدا لقوله عليه السلام قبل«و قال لي قائل»لكون باقيهم على رأيه.فيصحّ النسبة إلى جميعهم كما في قوله تعالى:
«فَعَقَرُوها» (3)مع أنّ العاقر كان واحدا.
ثم الأصل في قول عبد الرحمن له عليه السلام«انّك على هذا الأمر لحريص» قول فاروقهم فقال له عليه السلام في مال قال للستّة كما قال ابن قتيبة«و ما يمنعني
منك يا علي إلاّ حرصك عليها» (1)
الإمامة و السياسة 1:25. [1]
.و رماه بالرياء أيضا كما عابه بصغر السنّ.فرووا عن ابن عباس أنّه قال:دخلت على عمر يوما.فقال:يا ابن عباس لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتّى نحلته رياء.قلت:من هو؟قال:ابن عمّك.قلت:و ما يقصد بالرياء قال:يرشّح نفسه للخلافة.قلت:و ما يصنع بالترشيح؟قد رشّحه لها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فصرفت عنه.قال:كان شابّا حدثا فاستصغرت العرب سنّة،و قد كمل الآن.ألم تعلم انّ اللّه لم يبعث نبيّا إلاّ بعد أربعين.قلت:أمّا أهل الحجى و النهى ما زالوا يعدّونه كاملا منذ رفع اللّه منار الاسلام،و لكنّهم يعدّونه محروما مجدودا.فقال:أمّا إنّه سيليها بعد هياط ثم تزلّ قدمه،و لا يقضي منها اربه،و لتكونن شاهدا ذلك.ثم يتبين الصبح لذي عينين،و تعلم العرب صحّة رأي المهاجرين الأوّلين الّذين صرفوها عنه بادئ بدء فليتني أراكم بعدي يا عبد اللّه إنّ الحرص محرمة و إنّ دنياك كظلّك (2).
و أقول:أما قوله«يجتهد رياء للخلافة»فابن عباس أجابه باستخلاف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له و إنّما أخّره هو و صاحبه،و قد اعترف بذلك معاوية في كتابه إلى محمّد بن أبي بكر.
و أما قوله«بصغر سنّه»فأجابه أيضا بانّه عند أهل المعرفة كان من أوّل الاسلام الّذي كان يومئذ ابن عشر كاملا.فلا يضرّه طعن الأجلاف، و اولي الغلّ و الحقد مثله،و من كان على رأيه.
و أجابه في موضع آخر بأنّ اللّه تعالى و رسوله ما استصغراه حيث أمراه بأخذ سورة البراءة من صاحبه.
و أما قوله بعدم استقرار الأمر له«فتعلم العرب صحّة رأي المهاجرين الأوّلين الّذين صرفوها عنه»فيقال له:أنت و صاحبك زلزلت أمره بمساعدة المنافقين و الطلقاء،و قد ولّيت الأمر عثمان و بني اميّة أعداء النبي حتّى لا تثبت له قدم إن ولي يوما،و تبيّن الصبح لذي عينين بعملك،و لا غرو ان لم يبصر الأعمى.
و كل أقواله صار منشأ لجرأة جمع و شبهة فريق حتّى سمّى كثير منهم خلافته فتنة كخلافة ابن الزبير،و نحن لا نسوء من ذلك فيكفيهم ثلاثتهم، و يكفينا هو و أحد عشر من عترته الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.
و من المضحك حديثه«ما بعث اللّه نبيّا إلاّ بعد أربعين»أو لم يسمع قوله تعالى في يحيى «وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» (1)
مريم:12. [1]
و حكايته عن عيسى عليه السلام في مهده «إِنِّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا» (2).كما أنّ من المضحك وعظه لأمير المؤمنين برسالة ابن عباس«إنّ الحرص محرمة»أو لم يقل ذلك لنفسه حيث أراد إحراق أهل بيت نبيّه،و قتل من كان بمنزلة نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حرصا على نيل الامارة،و لعمر اللّه و إن قال لصاحبه مغالطة«قدّمك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لديننا في أمرك بالصلاة لنا أفلا نرضاك لدنيانا للخلافة» (3)إلاّ أنّه ما أراد بذلك أن يصلّوا و يصوموا بل ليتأمّر عليهم مثل معاوية إلاّ أنّ معاوية أظهر،و هو أسرّ،و لكنّه إن لم يصرّح أفصح بما جرى على لسانه«أ فلا نرضاك لدنيانا».
«و إنّما طلبت حقّا لي،و أنتم تحولون بيني و بينه،و تضربون وجهي دونه» أي:أنتم معشر قريش مع رأسكم فاروقكم الّذين نسبتموني إلى الحرص على هذا الأمر لم تفهموا معنى الحرص و مورد استعماله.فالحرص يقال لمن طلب شيئا لم يكن له،و أما من طالب بحقّه الثابت الواضح عند الكلّ إذا طلبه من المتغلبين عليه لا يقال له إنّه حريص عليه و لو كان جادّا.
مع أنّه عليه السلام إنّما طلب وقتا أمكنه الطلب،و هو يوم السقيفة و يوم الشورى دون قيام عمر بنصب أبي بكر له بقدر إتمام الحجّة ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنة.
و كيف نسبوا إليه عليه السلام الحرص مع أنّه رضي بترك حقّه الثابت لما عرض عليه عبد الرحمن بن عوف بيعته له بشرط عمله بسنّة الشيخين.
فأنكر عليه السلام عليه ذلك و طوى عنه كشحا مع زعمهم حرصه عليه السلام عليه دلالة على بطلان سنّتهما.
هذا،و قال ابن حاطب:ابن الزبير طالما حرص على الامارة قيل له:
كيف؟قال:أمر أبو بكر أغيلمة من أبناء المهاجرين أنا فيهم بقتل لصّ.فقال ابن الزبير:أمّروني عليكم فأمّرناه ثم انطلقنا به فقتلناه.
قلت:و كان من حرصه على الامارة أنّه صار في من نصر عثمان مع كون أبيه في من قتل عثمان،و مع كونه مثل أبيه في بغض عثمان إلاّ أنّه علم أنّ عثمان يقتل و علم أنّ الأمر يصير إلى أمير المؤمنين عليه السلام.فأراد أن يكون له مستمسك لادعاء الخلافة إن اتّفق يوم يمكنه القيام بأنّه لمّا نصر عثمان جعله وصيّه.فهكذا ادّعى يوم قيامه بعد يزيد و منّ يوما على معاوية بأنّه نصر عثمان.فقال له معاوية-و كان يعرف الناس حق المعرفة-فو اللّه لو لا شدّة بغضك لابن أبي طالب لجررت برجل عثمان مع الضبع .
«فلمّا قرعته بالحجّة» القرع بالحجّة استعارة.فالأصل في القرع ضرب الرأس بالعصا.
«في الملأ الحاضرين» الملأ:الجماعة في محلّ قيل لهم الملأ لا متلاء المحلّ بهم.
«هبّ كأنّه بهت لا يدري ما يجيبني به» هكذا في ابن أبي الحديد (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:475. [1]
و لكن في (ابن ميثم):«بهت كأنّه لا يدري ما يجيبني به»و جعل«هبّ»رواية (2)،و معنى هبّ استيقظ.و وجه بهته و عدم درايته لجواب،أنّ كلّهم كانوا مشاهدين لاستخلاف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له،و عارفين بسوابقه و مقاماته،و أحقيّته بأقربيّته إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من كلّ أحد.فإذا ذكّرهم ذلك لا بدّ أن يبهتوا لعدم جواب لهم.
كما أنّ إبراهيم عليه السلام لما قال للملك الّذي يدّعي الربوبيةان «اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ» (3)بهت و لم يدر ما يجيبه.
هذا،و ممّا ذكروا من الجواب المسكت للخصم أنّ ثابت بن عبد اللّه بن الزبير نظر إلى أهل الشام.فقال:إنّي لأبغض هذه الوجوه.فقال له سعيد بن عمرو بن عثمان:تبغضهم لأنّهم قتلوا أباك.قال:صدقت و لكنّ أباك قتله المهاجرون و الأنصار.
و أنّ معاوية قال يوما:أيّها الناس!إنّ اللّه فضّل قريشا بثلاث.فقال:
«وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (4)فنحن عشيرته،و قال: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ»
«وَ لِقَوْمِكَ» (1)
الزخرف:44. [1]
و نحن قومه و قال: «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» إلى آخر السورة (2)،و نحن قريش.فأجابه رجل من الأنصار فقال:على رسلك يا معاوية!فإنّ اللّه يقول:«وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ» (3)و أنتم قومه،و قال: «وَ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ» (4)و أنتم قومه،و قال: «وَ قالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً» (5)و أنتم قومه ثلاثة بثلاثة،و لو زدتنا لزدناك، فأفحمه.
قلت:و افترى معاوية في كونه عشيرته،و إنّما عشيرته بنو هاشم،و لذا جمعهم حسب بعد نزول الآية،و أنذرهم،و الأخيران لا مدح فيهما مع أنّ معاوية كان مصداق قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا» (6)فأيّ أثر لإنذاره، و أيّ وقت كان القرآن ذكرا له.
و قالوا:كان عدي بن حاتم فقئت عينه يوم الجمل.فقال له ابن الزبير يوما:متى فقئت عينك؟قال:يوم قتل أبوك،و هربت عن خالتك،و أنا للحقّ ناصر و أنت له خاذل.
قوله عليه السلام في ذيل الثاني «اللّهمّ إنّي استعديك على قريش و من أعانهم فإنّهم قطعوا رحمي،و صغّروا عظيم منزلتي،و أجمعوا على منازعتي أمرا هو لي.ثم قالوا:
الا إنّ في الحق أن تأخذه و في الحق أن تتركه» و قوله عليه السلام في صدر الثالث «اللّهمّ إنّي
أستعديك على قريش،و من أعانهم.فإنّهم قد قطعوا رحمي و أكفئوا إنائي،و أجمعوا على منازعتي حقّا كنت أولى به من غيري،و قالوا:ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه و في الحق أن تمنعه» أيضا الأصل فيهما واحد كما عرفت.
ثم قوله في الثالث «و من أعانهم» إنّما نقله ابن أبي الحديد (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:36.
و ليس في (ابن ميثم) (2)و لا بد أنّه لم يكن في النهج حيث إنّ نسخته بخط مصنّفه،و لا بدّ أنّه كان في نسخة ابن أبي الحديد حاشية اخذا من الثاني خلط بالمتن.و أمّا قوله في الثاني: «ان تأخذه» و قوله: «أن تتركه» بالتاء فيهما.فكذا في(المصرية)،و نقل ابن أبي الحديد (3)الأول«نأخذه»بالنون،و الثاني «تتركه»بالتاء،و قال معناه«قالوا له الحق أخذنا و تركك»و نقل«ثم»عن خط الرضيّ كونهما بالنون،و قال معناه«قالوا له نتصرف بالأخذ و الترك دونك» (4).
كما أنّ قوله في الثالث: «أن تأخذه» و «أن تمنعه» بالتاء فيهما هو في (المصرية)و قال ابن أبي الحديد:قال الراوندي في خط الرضيّ تأخذه بالتاء و قيل:إنّه بالنون (5).
و كيف كان،فالصواب أن«نأخذه»فيهما بالنون و«تتركه» و«تمنعه»فيهما بالتاء،و المراد أنّ قريشا قالوا مكابرة في قبال حجّته عليه السلام أخذنا حقّ،و تركك و منعك حق،و يشهد لما قلنا رواية الثقفي،
و رواية ابن قتيبة للكلام المتقدّمتان (1)
كذا في الغارات 1:309،و بفرق في الإمامة و السياسة 1:155.
.هذا و قال ابن أبي الحديد بعد الثالث:«لم يؤرخ الوقت الّذي قال عليه السلام هذا الكلام،و حمله أصحابنا على أنّه قاله يوم الشورى» (2)و قال ابن ميثم يشبه أن يكون صدور هذا الكلام منه عليه السلام حين خروج طلحة و الزبير (3).
قلت:قد عرفت من أسانيده الأربعة أنّه جزء كلامه عليه السلام بعد قتل محمّد بن أبي بكر،و فتح مصر.قال:الكلام كله لمّا سألوه عن رأيه عليه السلام في حقّ الخلفاء و الثلاثة فكتب لهم ما مرّ.
و حمل أصحاب ابن أبي الحديد له على أنّه قاله يوم الشورى غير مفيد لهم لأنّه كما تضمن شكايته عليه السلام من الشورى تضمن شكايته من السقيفة، و هل مؤسس الشورى و مؤسس السقيفة غير فاروقهم مع أنّ مراده عليه السلام بقوله«اللّهمّ انّي أستعينك أو أستعديك على قريش»عمومهم حتّى صدّيقهم و فاروقهم.فإنّه عليه السلام لم يقل«أستعينك على اولئك»:أي الّذين حكى إجبارهم له على بيعة عثمان بل قال «على قريش» :أي:هؤلاء و من أسّس لهم.
و ممّا يوضح إرادته العموم كلام المقداد لابن عوف لمّا بايع عثمان«ما رأيت مثل ما أتي على أهل هذا البيت بعد نبيّهم.إنّي لأعجب من قريش!إنّهم تركوا رجلا ما أقول إنّ أحدا أعلم و لا أقضى منه بالعدل،و إنّي لأعجب من تطاولهم بفضل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثم انتزاعهم سلطانه من أهله!لو أنّ لي على قريش أعوانا لقاتلتهم قتالي إيّاهم ببدر و احد» (4).
قوله عليه السلام في الثالث: «اللّهمّ إنّي استعينك على قريش و من أعانهم» روى أبو مخنف في جمله عنه عليه السلام قال:«ما لي و لقريش!أما و اللّه لقد قاتلتهم كافرين و لأقتلنّهم مفتونين-إلى أن قال-و اللّه لأبقرن الباطل حتّى يظهر الحق من خاصرته فقل لقريش فلتضجّ ضجيجها» (1)
رواه عن أبي مخنف في الجمل ابن أبي الحديد في شرحه 1:78،شرح الخطبة 6.
.و في(معجم الادباء)قرأت بخط الازهري،قال المازني:لم يصحّ عندنا تكلّم علي عليه السلام بشيء من الشعر غير قوله:
تلكم قريش تمنّانى لتقتلني و لا وجدّك ما برّوا و لا ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمّتي لهم بذات روقين لا يعفو لها أثر
«بذات روقين»أي:بداهية عظيمة (2).
و في أمثال أبي عكرمة الضبي يقال:إنّ عليّا عليه السلام تمثّل بقول الشاعر في المثل لظالمية الحيّة.
لعمري إنّي لو اخاصم حيّة إلى فقعس ما أنصفتني فقعس
فو اللّه ما أدري و إنّي للابس لكم لبسة أيّ النسيجين ألبس
ألبسة بقيا لا بقاء على الّذي تريدون بي أم أستمرّ فأعبس (3)
قوله عليه السلام «فانهم قطعوا رحمي» في(إرشاد المفيد):روى العبّاس بن عبد اللّه العبدي،عن عمرو بن شمر عن رجاله قالوا:سمعنا عليّا عليه السلام يقول:ما رأيت منذ بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم رخاء و الحمد للّه.و اللّه لقد خفت صغيرا، و جاهدت كبيرا اقاتل المشركين،و اعادي المنافقين حتّى قبض اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فكانت الطامّة الكبرى (4).
«و صغّروا عظيم منزلتي»في(صفين نصر)،و(مروج المسعودي)، و غيرهما:كتب معاوية إلى محمّد بن أبي بكر في جواب كتابه-و كان في كتاب محمد بن أبي بكر إليه«فكيف-يا لك الويل-تعدل نفسك بعلي،و هو وارث رسوله،و وصيه،و أبو ولده،أوّل الناس له اتّباعا،و أقربهم به عهدا.يخبره بسرّه،و يطلعه على أمره،و أنت عدوّه و ابن عدوّه»-إلى أن قال«ذكرت في كتابك فضل ابن أبي طالب،و قديم سوابقه،و قرابته إلى الرسول،و مواساته إيّاه في كلّ هول و خوف.فكان احتجاجك علي و عيبك لي-إلى أن قال-فقد كنّا -و أبوك فينا-نعرف فضل ابن أبي طالب،و حقّه لازما لنا مبرورا علينا.فلمّا اختار اللّه لنبيّه ما عنده،و أتمّ له ما وعده و أظهر دعوته و ابلج حجته قبضه اللّه إليه فكان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزّه حقّه،و خالفه على أمره.على ذلك اتّفقا و اتّسقا،ثم إنّهما دعواه إلى بيعتهما فابطأ عنهما،و تلكّأ عليهما فهمّا به الهموم، و أرادا به العظيم.ثم إنّه بايع لهما و سلّم لهما،و أقاما لا يشركانه في أمرهما، و لا يطلعانه على سرّهما حتّى قبضهما اللّه-إلى أن قال-:
-مشيرا إلى نفسه و قيامه في قباله عليه السلام-مهّد أبوك مهاده و بنى له ملكه و شاده.فإن يك ما نحن فيه صوابا.فأبوك أوّله،و إن يكن جورا،فأبوك أسّسه، و نحن شركاؤه،و بهديه أخذنا،و بفعله اقتدينا،و لو لا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا ابن أبي طالب و سلّمنا له،و لكنّا رأينا أباك فعل ذلك.فاحتذينا بمثاله، و اقتدينا بفعاله.فعب أباك أو دع» (1)
رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:119،و [1]المسعودي في مروج الذهب 3:12،و [2]البلاذري في انساب الاشراف 2: 393،و [3]اللفظ للمسعودي.
.«و أكفئوا إنائي» أي:اكبّوه،و قلبوه.روت العامّة أنّ عمر قال لابن عباس:
أنتم أهل رسول اللّه و آله و بنو عمّه،فما تقول في منع قومكم منكم؟قال:لا
1) 1)
أدري علّتها،و اللّه ما أضمرنا لهم إلاّ خيرا»قال:اللّهمّ غفرا.إنّ قومكم كرهوا أن يجتمع لكم النبوّة و الخلافة فتذهبوا في السماء شمخا و بذخا،و لعلكم تقولون إنّ أبا بكر أوّل من أخّركم أما إنّه لم يقصد ذلك،و لكن حضر أمر لم يكن بحضرته أحزم ممّا فعل،و لو لا رأي أبي بكر فيّ لجعل لكم من الأمر نصيبا، و لو فعل ما هنّأكم مع قومكم انّهم ينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3:94،شرح الخطبة 226.
.قلت:إنّ اللّه جلّ و علا جمع لهم النبوّة و الخلافة.ألم يقل نبيّهم لهم«من كنت مولاه و أولى به من نفسه.فعليّ مولاه و أولى به من نفسه»؟ و أما كراهة قومهم ذلك فقد قال عزّ اسمه «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» (2)و لقد أجاب ابن عباس عمر بذلك في خبر آخر (3).
و رووا أيضا عن أمير المؤمنين عليه السلام قال-مشيرا إلى أبي بكر و عمر- «اصغيا باناءنا و حملا الناس على رقابنا» (4).
«و أجمعوا على منازعتي أمرا هو لي-أو-حقّا كنت أولى به من غيري»روى أبو هلال في(أوائله):انّ أبا الهيثم بن التيّهان-و هو اوّل من ضرب على يد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم للبيعة في أوّل نبوّته-قام خطيبا بين يدي علي عليه السلام.فقال:إنّ حسد قريش إيّاك على وجهين:أمّا خيارهم فتمنّوا أن يكونوا مثلك منافسة في الملأ و ارتفاع الدرجة،و أمّا أشرارهم فحسدوا حسدا أثقل القلوب،و أحبط الأعمال،و ذلك أنّهم رأوا عليك نعمة قدّمك اليها الحظّ،و أخّرهم عنها الحرمان.
فلم يرضوا أن يلحقوك حتّى طلبوا أن يسبقوك،فبعدت عليهم و اللّه الغاية، و أسقط المضمار.فلمّا تقدّمتهم بالسبق،و عجزوا عن اللحاق.بلغوا منك ما
رأيت،و كنت و اللّه أحقّ قريش بشكر قريش.نصرت نبيّهم حيّا،و قضيت عنه الحقوق ميّتا،و اللّه ما بغيهم إلاّ على أنفسهم،و لا نكثوا إلاّ بيعة اللّه.يد اللّه فوق أيديهم فها نحن معاشر الأنصار،أيدينا و ألسنتنا لك،فأيدينا على من شهد، و ألسنتنا على من غاب (1)
الاوائل:176. [1]
.«ثم قالوا في الحق أن نأخذه و في الحقّ أن تتركه-أو-أن تمنعه» روى الزبير بن بكار-كما في(أمالي المفيد)-انّ ابن عباس حضر مجلس معاوية فأقبل عليه معاوية.فقال له:إنّكم تريدون أن تحرزوا الإمامة كما اختصصتم بالنبوّة و اللّه لا يجتمعان أبدا.إنّ حجّتكم في الخلافة مشتبهة على الناس.إنّكم تقولون:نحن أهل بيت النبوّة فما بال خلافة النبي في غيرنا و هذه شبهة لانّها تشبه الحق و بها مسحة من العدل و ليس الأمر كما تظنون.إنّ الخلافة تتقلب في أحياء قريش برضى العامّة و شورى الخاصة و لسنا نجد الناس يقولون ليت بني هاشم ولونا و لو ولونا كان خيرا لنا في دنيانا و آخرتنا،و لو كنتم زهدتم فيها أمس كما تقولون ما قاتلتم عليها اليوم،و و اللّه لو وليتموها يا بني هاشم لما كانت ريح عاد و صاعقة ثمود باهلك للناس منكم.
فقال له ابن عباس:امّا قولك:إنّا نحتجّ بالنبوّة في استحقاق الخلافة فهو و اللّه كذلك،و إن لم تستحقّ الخلافة بالنبوّة فبم تستحق.
و امّا قولك:انّ النبوة و الخلافة لا تجتمعان لأحد،فأين قوله عزّ و جلّ:
«أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» (2)فالكتاب هو النبوّة و الحكمة هي السنّة و الملك هو الخلافة،فنحن آل ابراهيم و الحكمة جارية فينا إلى يوم القيامة.
و امّا دعواك على حجّتنا أنّها مشتبهة فليس كذلك،فإنّ حجّتنا أضوأ من الشمس،و أنور من القمر،كتاب اللّه معنا،و سنّة نبيّه فينا،و انّك لتعلم ذلك و لكن شيء عطفك و صعّرك،قتلنا أخاك و جدك و خالك و عمّك.فلا تبك على أعظم حائلة و أرواح في النار هالكة،و لا تغضبوا لدماء أراقها الشرك،و أحلّها الكفر،و وضعها الدين.
و امّا ترك تقديم الناس لنا في ما خلا و عدولهم عن الاجماع علينا فما حرموا منّا أعظم ممّا حرمنا منهم،و كل أمر إذا حصل ثبت حقّه و زال باطله.
و أمّا قولك:إنّا لو ملكنا كان ملكنا أهلك للناس من ريح عاد و صاعقة ثمود فقوله تعالى: «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» (1)
الانبياء:107. [1]
يكذّبك،فنحن أهل بيته الأدنون،و رحمة اللّه بنا خلقه،كرحمة اللّه بنبيّه خلقه (2).و أقول:و صدق معاوية،لو وليها بنو هاشم،أي أمير المؤمنين عليه السلام، كانوا أهلك من ريح عاد و صاعقة ثمود،لكن لمعاوية و أضرابه أحزاب الشيطان،و أمّا للمؤمنين فكانوا رحمة اللّه الواسعة،و نعمته السابغة.قال تعالى: «أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» (3).
و قالت سيّدة نساء العالمين لمّا غصبوا الخلافة من أمير المؤمنين عليه السلام في خطبتها في فدك:«و ما نقموا من أبي الحسن عليه السلام إلاّ تنمّره و شدّة و طأته في ذات اللّه» (4).
و في زيارته عليه السلام:«كنت على الكافرين عذابا صبّا و نهبا،
و للمؤمنين غيثا و خصبا» (1)
رواه المجلسي في بحار الأنوار 100:322،و [1]بفرق يسير في المصدر 100:376،ضمن زيارة عن عدة مصادر.
.«فاصبر مغموما أو مت متأسّفا» كتب معاوية إليه عليه السلام:«عرفنا ذلك في نظرك الشّزر،و في قولك الهجر،و في تنفسك الصّعداء» (2).
و مرّ قوله عليه السلام لجندب:«و اللّه لا يدفع الناس إلينا هذا الأمر طائعين أبدا»، و مرّ قوله عليه السلام له:«فإن لم أصبر فما ذا أصنع؟»،و مرّ قول جندب له عليه السلام يا ابن عمّ رسول اللّه لقد صدعت قلبي بهذا القول (3).
و قال المدائني:قال عبد اللّه بن جنادة:قدمت من الحجاز اريد العراق في أوّل أمارة علي عليه السلام.فمررت بمكّة.فاعتمرت.ثم قدمت المدينة.فدخلت مسجد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم إذ نودي:الصلاة جامعة.فاجتمع الناس،و خرج علي عليه السلام متقلّدا سيفه.فشخصت الأبصار نحوه.فحمد اللّه و صلّى على رسوله.ثم قال:
أمّا بعد فإنّه لمّا قبض اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قلنا:نحن أهله و ورثته،و عترته و أولياؤه دون الناس.لا ينازعنا سلطانه أحد،و لا يطمع في حقّنا طامع إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبيّنا،فصارت الإمرة لغيرنا،و صرنا سوقة يطمع فينا الضعيف و يتعزز علينا الذليل.فبكت الأعين منّا لذلك،و خشنت الصدور، و جزعت النفوس.و أيم اللّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين،و أن يعود الكفر و يبور الدين،لكنّا على غير ما كنّا لهم-الخبر- (4).
قوله عليه السلام في الرابع : «فدع عنك قريشا و تركاضهم في الضّلال» في (الصحاح)الركض:تحريك الرجل قال تعالى «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ» (5)و ركضت
الفرس برجلي إذا استحثثته ليعدو،ثم كثر حتّى قيل ركض الفرس إذا عدا.
و الصواب ركض الفرس مجهولا فهو مركوض (1)
صحاح اللغة 3:1079، [1]مادة(ركض).
.قلت:و يفسّر التركاض بالفارسية بقولهم«تاخت كردن».
«و تجوالهم» أي:تطوافهم.و تجوال كتركاض للمبالغة ففي الجمهرة «رجل تكلام كثير الكلام،و رجل تلقام:عظيم اللقم،و تلعاب:كثير اللعب»و قد عقد لما جاء على تفعال بابا (2).
«في الشقاق» أي:الخلاف و العداوة.
«و جماحهم في التيه» قال الجوهري:الجموح:الّذي يركب هواه فلا يمكن ردّه (3)،و التيه المفازة يتاه فيها.و تاه في الأرض:أي:ذهب متحيرا .
«فإنّهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبلي» قال الصادق عليه السلام في قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً» (4)عنى اللّه تعالى بهم قريشا الذين عادوا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و جحدوا وصية وصيّه (5).
و قال الباقر عليه السلام-على رواية العامة عنه عليه السلام-:ما لقينا من ظلم قريش إيّانا،و تظاهرهم علينا،و ما لقي شيعتنا و محبّونا من الناس،أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبض،و قد أخبر أنّا أولى الناس بالناس.فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه،و احتجّت على الأنصار بحقّنا و حجّتنا.
ثم تداولتها قريش،واحدا بعد واحد حتّى رجعت إلينا،فنكثت بيعتنا،
و نصبت الحرب لنا-الخبر- (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3:15،شرح الخطبة 208.
.و في(ذيل الطبري):عن عبد المطلب بن ربيعة الهاشمي قال:دخل العباس على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو مغضب و أنا عنده.فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:ما أغضبك؟فقال:يا رسول اللّه!ما لنا و لقريش إذا تلاقوا تلاقوا بوجوه مستبشرة،و إذا لقونا لقونا بغير ذلك؟فغضب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتى احمرّ وجهه حتّى استدرّ عرق بين عينيه-و كان إذا غضب استدرّ-فلمّا سرّي عنه قال:
«و الّذي نفس محمّد بيده لا يدخل قلب امرئ من الايمان أبدا حتّى يحبّكم للّه و لرسوله» (2).
و أمّا إجماعهم على حرب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فمعلوم،و في(الطبري):قال سعد بن معاذ-بعد أن حكم في بني قريظة بما حكم-اللّهمّ إنّك قد علمت أنّه لم يكن قوم أحبّ إليّ أن اقاتل أو اجاهد من قوم كذّبوا رسولك،اللّهمّ إن كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئا فابقني لها،و إن كنت قد قطعت الحرب بينه و بينهم فاقبضني إليك-إلى أن قال-فلمّا انصرف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الخندق قال«الآن نغزو قريشا و لا يغزونا»فكان كذلك حتّى فتح اللّه على رسوله مكّة (3).
و الرجلان و إن لم يحارباه ظاهرا بل صارا من تبعه إلاّ أنّه كان ضررهما على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أكثر من ضرر محاربيه.فمنعاه من الوصية، و تخلّفا عن جيش أكّد تجهيزه حتّى لعن المتخلّف عنه،و بنتاهما تظاهرا عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أشدّ تظاهر حتّى أخبر جلّ و علا عن عملهما في قوله: «وَ إِنْ»
«تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ » (1)
التحريم:4. [1]
.و قريش كانوا أشد قريش عداوة له صلّى اللّه عليه و آله و سلم ظاهرا و باطنا،و هم بنو اميّة.
فعلوا ما فعلوا بتوسطهما.فجعل الثاني رئيسهم خليفته.
«فجزت قريشا عنّي الجوازي» قال كعب بن مالك الأنصاري في حرب قريش كانت قريش:لأكلها السخينة-و هي طعام يتّخذ من الدقيق دون العصيدة في الرقة-سمّيت بسخينة:
زعمت سخينة أن ستغلب ربّها و ليغلبنّ مغالب الغلاّب
و تمثّل به الكاظم عليه السلام لما هدّده موسى الهادي العباسي بالقتل.فعجّل اللّه تعالى هلاكه (2).
«فقد قطعوا رحمي،و سلبوني سلطان ابن امّي» هو نظير قول هارون لموسى يا «ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي» (3)إلاّ أنّ هارون و موسى كانا بنفسيهما من امّ واحدة،و أمير المؤمنين عليه السلام و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أبواهما كانا من امّ واحدة هي فاطمة المخزومية،و باقي أعمامه غير الزبير كانت امّهم غير امّ أبي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
و أما قول ابن ميثم:قيل إنّه عليه السلام قال: «و سلبوني سلطان ابن امّي» لأنّ امّه فاطمة بنت أسد كانت تربّي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حين كفّله أبو طالب يتيما فهي كالامّ له فأطلق عليه البنوّة لها مجازا (4)،فبعيد عن لحن اللغة العربية و خطاباتهم.قال تعالى: «وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً» «وَ إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ»
«صالِحاً» (1)
هذا تلفيق بين آيتي الاعراف:73 و 65. [1]
و إنّما كانا من قوم عاد و ثمود.و كان بنو زهرة يعدّون النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ابن اختهم لأنّ امّه كانت منهم، و عدّ الضبابي العباس عليه السلام،و إخوته من امّه بني اختهم لأنّ امّهم كانت من عشيرتهم.
و إنّما قال عليه السلام لأخيه عقيل «فدع عنك قريشا و تركاضهم في الضلال و تجوالهم في الشقاق،و جماحهم في التيه» لأنّهم سمّوا تارة طلبه عليه السلام لحقه حرصا و عدّوا عزّة نفسه-و قد جعل اللّه العزّة للمؤمنين،و هو أميرهم حقّا- كبرا و عجبا،و ثالثة:بشره الّذي هو من صفات المؤمن-و هو اوّل مؤمن باللّه بعد رسوله-دعابة،و رابعة:خلوصه الّذي شهد له تعالى في «هَلْ أَتى» (2)رياء،و تشكّكوا في سبق إيمانه بعدم بلوغه مع أنّ لازمه عدم عرفان اللّه تعالى و عرفان رسوله حيث قبلاه،و تشكّكوا في نصب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له بخمّ مع تواتر الروايات به من طريقهم،تارة بانكاره رأسا،و اخرى على أنّ المراد كونه ابن عمه أو مولى معتق زيد بن حارثة،و ثالثة بإخفائه حتّى استنشدهم أمير المؤمنين عليه السلام ذلك بأنّ من شهد ذاك اليوم يشهد.فاعتذر بعضهم بنسيانه.فدعا عليهم بالعمى و البرص و غير ذلك.فابتلوا بما دعا،و بهتوا عليه بخطبته بنت أبي جهل،و موجدة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليه بذلك،مع أنّه لو فرض صحته كان اعتراضا على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حيث أنكر ما أحلّته شريعته.
و عبّروا عنه عليه السلام تحقيرا من جهالتهم بأبي تراب كما عيّروه بذلك ما عيّر ابليس آدم بكونه من تراب،و عبّروا عن شيعته بالترابية لذلك،كما أنّهم عبّروا عنهم تلبيسا بالسبائية.فكانوا يعبّرون عن حجر بن عدى،و عمرو بن
الحمق و صعصعة بن صوحان،و نظرائهم الّذين لا يعتقدون بسواه حتّى بأبي بكر و عمر فضلا عن عثمان بذلك ليموّهوا على الناس بأنّهم كعبد اللّه بن سبأ (1)
عبد اللّه بن سبأ لا وجود له،كما أثبت ذلك العلاّمة السيّد مرتضى العسكري في كتابه«اسطورة عبد اللّه بن سبأ» فراجع.
من الغلاة و تبع قريشا اولئك مؤرّخوهم كالجاحظ و ابن قتيبة و ابن عبد ربه و غيرهم.فإنّهم عنونوا في كتبهم الشيعة،و لم يذكروا غير الغلاة و خلّطوا و لبّسوا،و نسبوا إلى أبيه عليه السلام الكفر مع تفادياته تلك الّتي لم يأت أحد بمثلها للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلاّ ابنه أمير المؤمنين عليه السلام و مع أبياته المصرّح فيها بحقيّة دينه.و بالجملة دين إخواننا من يوم السقيفة لأبي بكر إلى يوم الشورى لعثمان دين قريش الّذين كانوا مسلمين ظاهرا و كافرين باطنا،و إنّما أسرّوا كفرهم بعد قهر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لهم في حياته.فلمّا وجدوا بعده أعوانا أظهروه.
أما في السقيفة فقد أقرّ فاروقهم بأنّ نصب صدّيقهم كان من قبل اولئك فقال لابن عباس-كما في(الطبري)و غيره-«أ تدري ما منع الناس منكم؟قال:لا.قال:كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة و الخلافة.
فتجحفوا الناس جحفا فنظرت قريش لأنفسهما فاختارت،و وفّقت فأصابت» فقال له ابن عباس:أمّا قولك:إنّ قريشا كرهت،فانّ اللّه تعالى قال لقوم:
«ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» (2)و أمّا قولك:إنّ قريشا اختارت فإنّ اللّه تعالى يقول: «وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ» (3)و قد علمت أنّ اللّه اختار لذلك من اختار.فلو نظرت قريش من
حيث نظر اللّه لها لوفّقت و أصابت (1)
رواه الطبري في تاريخه 3:289،سنة 23،و [1]ابن أبي الحديد في شرحه 3:107،شرح الخطبة 226،و النقل بالمعنى.
.و امّا يوم الشورى،ففي(الطبري)و غيره قال عبد الرحمن بن عوف:
اشيروا علي.فقال عمّار:إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليّا.فقال المقداد:صدق عمّار.إن بايعت عليّا قلنا سمعنا و أطعنا.فقال ابن أبي سرح:إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان.فقال عبد اللّه بن أبي ربيعة:صدق ابن أبي سرح إن بايعت عثمان قلنا سمعنا و أطعنا.فشتم عمّار ابن أبي سرح، و قال:متى كنت تنصح المسلمين.فتكلّم بنو هاشم و بنو اميّة.فقال عمّار:أيّها الناس!إنّ اللّه عزّ و جلّ أكرمنا بنبيه،و أعزّنا بدينه،فانّى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم.فقال رجل من بني مخزوم:لقد عدوت طورك يا ابن سمية، و ما أنت و تأمير قريش لأنفسها.فقال سعد لعبد الرحمن:افرغ قبل أن يفتتن الناس (2).
فترى انّ عمارا و مقدادا-و جلالهما في الاسلام و شموخ مقامها معلوم- جعلا قريشا مقابلة للمسلمين كما ترى أنّ الداعي إلى عثمان لميل قريش إليه ابن أبي سرح و نظراؤه الّذين نزل القرآن بكفرهم.
و في(المروج)-بعد ذكر قول أبي سفيان لمّا بويع عثمان«يا بني اميّة تلقفوها تلقف الكرة.فو الّذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم، و لتصيرن إلى صبيانكم وراثة».فانتهره عثمان و ساءه ما قال و نمي هذا القول و غيره من الكلام إلى المهاجرين و الأنصار و غير ذلك فقام عمّار في المسجد.فقال:يا معشر قريش أمّا إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم
ها هنا مرّة،و ها هنا مرّة.فما أنا بآمن أن ينزعه اللّه منكم فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله و وضعتموه في غير أهله،و قام المقداد.فقال:ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيّهم-فقال له عبد الرحمن:و ما أنت و ذاك يا مقداد.فقال:إنّي و اللّه لاحبّهم لحبّ رسوله،و انّ الحق معهم و فيهم.يا عبد الرحمن!أعجب من قريش،و من تطوّلهم على الناس بفضل أهل هذا البيت.
قد اجتمعوا على نزع سلطان الرسول من بعده من أيديهم.أما و أيم اللّه يا عبد الرحمن لو أجد على قريش انصارا لقاتلتهم كقتالي ايّاهم مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم بدر (1)
مروج الذهب 2:343. [1]
.فتراه دالاّ على كون قريش في قبال أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشورى ككونهم في قبال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم بدر،و أنّهم و على رأسهم عبد الرحمن بن عوف كأبي جهل و عتبة و شيبة و نظرائهم يجب الجهاد ضدّهم لو وجد أعوان و المقداد و عمّار ممّن أجمع على جلالهما و أنّهما من أربعة لم يكن أحد فوقهم في الصحابة.
هذا و قال ابن أبي الحديد بعد العنوان الأوّل:و اعلم أنّ الآثار و الأخبار في هذا الباب كثيرة جدا،و من تأمّلها و أنصف علم أنّه لم يكن هناك نص صريح و مقطوع به تختلجه الشكوك و لا يتطرق اليه الاحتمالات كما تزعم الامامية.فإنّهم يقولون:إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نصّ على أمير المؤمنين عليه السلام نصّا صريحا جليا ليس بنص يوم الغدير،و لا خبر المنزلة و لا ما شابههما من الأخبار الواردة من طرق العامّة،و غيرها بل نصّ عليه بالخلافة و بإمرة المؤمنين،و أمر المسلمين أن يسلّموا عليه بذلك.فسلموا عليه بها،و صرّح لهم في كثير من المقامات بأنّه خليفة عليهم من بعده،و أمرهم بالسمع و الطاعة له،
1) 1)
و لا ريب في أنّ المصنف إذا سمع ما جرى لهم بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يعلم قطعا انّه لم يكن هذا النص،و لكن قد يسبق إلى النفوس و العقول انّه قد كان هناك تعريض و تلويح،و كناية و قول غير صريح و حكم غير مبتوت،و لعلّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يصده عن التصريح بذلك أمر يعلمه،و مصلحة يراعيها أو وقوف مع اذن اللّه تعالى في ذلك (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:135. [1]
.قلت:هل نصّ يوم الغدير،و خبر المنزلة،و ما أشبههما ممّا ورد من طرقهم متواترا لا يكفي في استخلافه؟إن لم يكفيا فأيّ لفظ يكفي؟ألم يقرّرهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بأنّي أولى بكم من أنفسكم فاقروا.فقال عند ذلك«من كنت مولاه -أي:أولى به من نفسه-فعلي مولاه»أي:أولى به من نفسه؟أليس هذا صريحا في كونه كنفس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مضافا إلى نصّ اللّه تعالى في قوله جلّ و علا:
«وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» (2)و إنّه عليه السلام أولى بهم من أنفسهم كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فهل فوق هذا شيء؟ و كذلك خبر المنزلة و كونه عليه السلام من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كهارون من موسى عليه السلام إلاّ في أصل النبوّة.
و لصراحة دلالتهما أنكرهما كثير منهم مع تواترهما،كما أنّ بعضهم أوّلهما بتأويلات مضحكة.كما أنّ بعضهم حظر التكلم في ذلك،و قال:لا ينبغي لأحد أن يخوض في ذكر الصحابة و ما جرى بينهم من تنازع و اختلاف، و ان استطاع أن لا يسمع شيئا من الأخبار الواردة به فيفعل.فإنّه إن خالف هذه الوصاية فقد أبدع،و التصنيف في السقيفة و مقتل عثمان و الجمل و صفّين ضلال.
و اما قوله«يقول الشيعة إنّه نصّ عليه بالخلافة و بإمرة المؤمنين،و أمر المسلمين أن يسلّموا عليه بذلك»فغريب فقد روى ذلك أئمّة العامّة كابن مردويه في(مناقبه)،و الخوارزمي،و الخطيب،و عثمان السماك،و جمع آخر منهم حتّى صنّف علي بن طاوس في ذلك كتابا سمّاه كتاب اليقين (1)
اليقين:9،18،19،20 و غيره.
.كقوله إنّ الشيعة قالوا:إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم صرّح في كثير من المقامات بأنّه خليفته بعده و أمرهم بالسمع و الطاعة له.فقد اتّفق العامة،و منهم الطبري في(تاريخه)في نزول قوله تعالى: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (2)أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم دعا بني عبد المطلب،و هم يومئذ أربعون فيهم أعمامه أبو طالب و حمزة و العباس و أبو لهب،و قال:«يا بني عبد المطّلب!إنّي و اللّه ما أعلم شابّا جاء في قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به،إنّي قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة، و قد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي،و وصيي و خليفتي فيكم»فأحجم القوم عنها جميعا،و قام علي عليه السلام و قال:أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك عليه فأخذ برقبته.ثم قال«إنّ هذا أخي،و وصيي،و خليفتي فيكم فاسمعوا له و اطيعوا»فقام القوم يضحكون، و يقولون لأبي طالب:لقد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع (3).
و لو لم يكن في استخلافه إلاّ هذا لكفى.فهل كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يكذب في حديثه،و يخلف في وعده،و يخدع في دينه كالملوك الدنيوية.
و هل الدليل على وجود الصانع،و على نبوّة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أكثر من الأدلّة العقلية و النقلية على امامته.فهل أراد خصومنا أن ينزّل اللّه تعالى على كلّ أحد
منهم كتابا يقرؤه أنّ علي بن أبي طالب خليفة محمّد بن عبد اللّه،و الاّ فقد أنزل على عامّتهم كتابا يقرءونه ليلا و نهارا «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (1)
المائدة:55. [1]
.و لا ريب في نزوله فيه عليه السلام (2).و قول ابن أبي الحديد:«و لا ريب في أنّ المنّصف إذا سمع ما جرى لهم بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يعلم قطعا انّه لم يكن هذا النص» (3)يقال في جوابه:و لا ريب في أنّ من كان له لبّ و لم يكن مكابرا و لا سوفسطائيا إذا سمع لهم ما جرى لهم في مرض موت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من حثّه على تجهيز جيش اسامة مرّة بعد مرّة،و كلّما أفاق من غشيته حتّى لعن المتخلف منهم،و على رأسهم صدّيقهم و فاروقهم،و منعهم للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من كتابة وصيّته و قالوا:إنّه ليهجر و لا نحتاج إلى وصيّته،و يكفينا القرآن،و المتصدي لذلك فاروقهم حتّى اغضبوه.فأخرجهم من عنده،و كان ابن عباس يبكي من ذلك بكاء الثكلى و يقول:لا رزية فوق هذا أن يحولوا بين نبيّنا و وصيته و ينسبوا الهجر إلى من قال تعالى في حقه «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى» (4)و بعد قبض روحه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقوم فاروقهم لعدم حضور صاحبه تلك الساعة و يقول:
ما مات محمّد بل غاب كما غاب موسى و يرجع و يفتح كنوز كسرى و قيصر كما وعدنا،و من قال مات لأفعلن به كذا و كذا،و ما جرى لهم في السقيفة من السب و الشتم و الضرب و الوطء إلى غير ذلك يعلم قطعا أنّ مع وجود النص
القطعي الذي ذكرنا وجوده في مواضع متعددة لو كان نبيّهم من ساعة بعثته إلى حين وفاته يكرر دائما«علي خليفتي علي خليفتي»ما كانوا يقبلونه.
و قد احتجّ أمير المؤمنين عليه السلام في زمان خلافته و بسط يده بنصوص يوم الغدير،و استشهد جمعا لم يكن لهم ادّعاء في قباله.فأنكره كثير منهم حتّى دعا عليهم.روى ابن الأثير في اسد الغابة في عبد الرحمن بن مدلج مسندا عن أبي إسحاق حدّثه جمع لا يحصيهم أنّ عليّا عليه السلام نشد الناس في الرحبة من سمع قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه«من كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهمّ و ال من والاه و عاد من عاداه»فقام نفر فشهدوا أنّهم سمعوا ذلك من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و كتم قوم.فما خرجوا من الدنيا حتى عموا،و أصابتهم آفة،منهم يزيد بن وديعة، و عبد الرحمن بن مدلج (1)
اسد الغابة 3:321. [1]
.و في(معارف ابن قتيبة):أن أنس بن مالك كان بوجهه برص،و ذكر قوم أنّ عليّا عليه السلام سأله عن قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه»فقال:كبرت سنّي،و نسيت فقال له علي عليه السلام:«إن كنت كاذبا فضربك اللّه بيضاء لا تواريها العمامة» (2).
فكيف يحتجّ في زمن مقهوريته في قبال من يريد حيازة مقامه بالنص عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و كانوا ردّوا على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نفسه فلا بدّ أن يحتجّ في قبال ادّعائهم بكونهم من قومه بكونه من عترته و بمنزلة نفسه.
و قد قال عليه السلام في هذه الخطبة بالرواية الّتي نقلنا أنّ قريشا لو استطاعوا إنكار قرابته كما أنكروا سببه من سوابقه و فضائله،و ما قاله النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه مقاما بعد مقام،لفعلوا.
أو ليس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا عقد الاخوّة بين كل نفرين من أصحابه لم يعقد بينه و بين أحد و قال له:«تركتك لنفسي» (1)
أخرجه ابو يعلي في مسنده،عنه منتخب كنز العمال 5:45،و احمد في فضائله،عنه تذكرة الخواص:20، و غيرهما.
و ثبت في المتواتر أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال له عليه السلام في مقامات مختلفة:«أنت أخي» (2)و قد أنكر ذلك فاروقهم مكابرة.ففي(خلفاء ابن قتيبة)في أخذ البيعة منه عليه السلام لأبي بكر:أخرج عمر و معه قوم عليا فمضوا به إلى أبي بكر.فقالوا له:بايع.فقال:إن أنا لم أفعل فمه.قالوا:إذن و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك.قال:إذن تقتلون عبد اللّه،و أخا رسوله.قال عمر:«أمّا عبد اللّه فنعم،و أمّا أخو رسوله فلا» (3).
و أمّا قول ابن أبي الحديد:«و لكن قد يسبق إلى النفوس و العقول أنّه قد كان هناك تعريض و تلويح،و كناية و قول غير صريح» (4)فالأصل فيه فاروقهم أيضا فروى الخطيب عن ابن عباس قال:دخلت على عمر في أوّل خلافته،و قد القي له صاع من تمر على خصفة.فدعاني إلى الأكل.فأكلت تمرة واحدة.و أقبل يأكل حتّى أتى عليه ثم شرب من جرّ كان عنده و استلقى على مرفقة له،و طفق يحمد اللّه،و يكرّر ذلك.ثم قال:من أين جئت يا عبد اللّه؟قلت:من المسجد.قال:كيف خلّفت ابن عمك-فظننته يعني عبد اللّه بن جعفر-قلت:
خلّفته يلعب مع أترابه.قال:لم أعن ذلك،إنّما عنيت عظيمكم أهل البيت.قلت:
خلفته يمتح بالغرب على نخيلات من فلان،و هو يقرأ القرآن.قال:يا عبد اللّه! عليك دماء البدن إن كتمتنيها هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟قلت:
نعم.قال:أ يزعم انّ النبي نصّ عليه.قلت:نعم و أزيدك،سألت أبي عمّا يدّعيه.
فقال:صدق.فقال عمر:لقد كان من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في أمره ذرو من قول لا يثبت حجّة،و لا يقطع عذرا،و لقد كان يربع في أمره وقتا مّا،و لقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه.فمنعت من ذلك إشفاقا،و حيطة على الاسلام.لا و ربّ هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا،و لو وليها لا نتقضت عليه العرب من أقطارها فعلم النبي أنّي علمت ما في نفسه فأمسك،و أبى اللّه إلاّ إمضاء ما حتم (1)
رواه عن الخطيب ابن أبي الحديد في شرحه 3:97،شرح الخطبة 226.
.فيقال لفاروقهم في قوله«لقد كان من النبي في امره ذرو من قول لا يثبت حجّة و لا يقطع عذرا»:لو لم يكن من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قول فيه عليه السلام إلاّ قوله يوم خيبر لمّا ولّيت أنت و صاحبك الدبر و انهزمتما من اليهود،و صرتما عارا على المسلمين:«لأعطين الراية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله كرّارا غير فرّار لا يرجع حتّى يفتح اللّه على يديه» (2)،لكفى في إتمام الحجّة في خلافته،و كشف الحقيقة في كونك مع صاحبك غير محبّين للّه و لرسوله،و عدم حبّ اللّه و رسوله لكما و كونكما فرّارين غير كرّارين.
و أمّا قوله«أراد(النبي)في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقا و حيطة على الاسلام»فهل كان أشفق على الاسلام من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لعمر اللّه إنّه أشفق على عدم نيله و نيل صاحبه الرياسة لو نصّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على امير المؤمنين بالكتابة لعدم تأتّي إنكاره لنصّه الكتابي كإنكاره لنصوصه الشفاهية في يوم غدير و غيره.
و تعالوا اسمعوا الغرائب.يقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«إيتوني بدواة و قلم أكتب لكم ما لن تضلّوا بعدي أبدا»و يقول فاروقهم:إنّه ليهجر.انّي
أشفق على الاسلام من وصيته (1)
هذا الحديث أخرجه جمع منهم البخاري في صحيحه 1:32 و 4:7 و 271،و مسلم في صحيحه 3:1259 ح 22.
.و أمّا قوله:«لا و ربّ هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبدا»فيقال له:عدم اجتماع قريش أعداء اللّه و أعداء دينه لم يكن يضرّه،و لم يجتمع قريش على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلاّ بعد مقهوريتهم.
و أمّا قوله:«و لو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها»فيقال له:إنّا رأينا أنّه عليه السلام وليها و لم ينتقض عليه العرب من قطر،و إنّما انتقض عليه قريش طلحة و الزبير من قطر،و معاوية من قطر بتدبيرك لهم في جعل الشورى، و جعل طلحة و الزبير منهم،و ابن عوف حكمهم حتّى يصير الأمر بتوسطه إلى عثمان،و من عثمان إلى بني اميّة،و حتّى يعدّ طلحة و الزبير نفسيهما في قباله، و لو لم تقم أنت و صاحبك بما قمت بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من مساعدة قريش، و صار الأمر إليه عليه السلام أوّلا لاجتمع عليه قريش قهرا كما اجتمعوا على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كذلك أخيرا،و الأصل في ضغن قريش لأمير المؤمنين عليه السلام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فإنّه فعل ما فعل معهم من قبله.
و أما قوله«فأمسك(النبي)»فأتى بالإجمال،و إلاّ فالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم غضب، و أخرجهم من عنده و قال:لا ينبغي التنازع عندي.
و يقول تعالى: «لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» (2)و يردّ فاروقهم قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و يجعلون قول فاروقهم فوق قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
و أمّا قوله:«و أبى اللّه إلاّ إمضاء ما حتم»فمغالطة.فإلقاء إبراهيم عليه السلام في النار و ذبح يحيى كان ممّا حتم.فهل ذلك عذر لفاعلي ذلك.
و أمّا قول ابن أبي الحديد:«و لعلّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يصدّه عن التصريح بذلك
أمر يعلمه»فكلام وقيح.فلو كانت نصوصه صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليه عليه السلام قولا و عملا قالبا حسيّا لملأت بين السماء و الأرض،و لو جمع منها ما نقله نفسه في مطاوي شرحه لصار كتابا متعارفا.
مع أنّه لو فرض كون أمير المؤمنين عليه السلام مثل باقي أصحابه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و لم يكن له ذلك العلم و لا العمل،و لا تلك العصمة كان نصب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له في الحكمة واجبا لئلا ينتقم منه ما فعل من قبله في أيّامه فقال ابن أبي الحديد نفسه قرأت خبر سقيفة الجوهري المشتمل على أنّ الحباب بن المنذر قال لقريش«منّا أمير و منكم أمير انّا لا ننفس هذا الأمر عليكم،و لكن نخاف أن يليه بعدكم من قتلنا أبناءهم و آباءهم و إخوانهم على النقيب»،فقال:لقد صدقت فراسة الحباب (1)
قاله ابن أبي الحديد في شرحه 1:133،و الحديث في سقيفة الجوهري:57.
،و أنّ الّذي خافه يوم الحرة و اخذ من الانصار ثار المشركين يوم بدر،و من هذا خاف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ايضا على ذريته و أهله.فإنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان وتر الناس و علم أنّه إن مات و ترك ابنته و ولدها سوقة و رعية تحت أيدي الولاة كانوا بعرض خطر عظيم.فما زال يقرّر لابن عمّه قاعدة الأمر بعده حفظا لدمه و دماء أهل بيته.فانّهم إذا كانوا ولاة الأمر كانت دماؤهم أقرب إلى الصيانة و العصمة ممّا إذا كانوا سوقة تحت يد وال من غيرهم فلم يساعده القضاء و القدر،و كان من الأمر ما كان.ثم أفضى ذرّيته في ما بعد إلى ما قد علمت.و قال ابن أبي الحديد أيضا بعد العنوان الأوّل:«فأمّا امتناع علي عليه السلام من البيعة حتّى أخرج على الوجه الّذي أخرج عليه.فقد ذكره المحدّثون،و رواه أهل السير،و قد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب،و هو من رجال الحديث من الثقات المأمونين،و قد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثرة.فأمّا
1) 1)
الامور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة عليها السلام،و أنّه ضربها بالسوط.فصار في عضدها كالدملج،و بقي أثره إلى أن ماتت،و أنّ عمر ضغطها بين الباب و الجدار.فصاحت:يا أبتاه يا رسول اللّه، و ألقت جنينا ميتا،و جعل في عنق علي عليه السلام حبل يقاد به،و هو يعتل،و فاطمة خلفه تصرخ و تنادي بالويل و الثبور،و ابناه الحسن و الحسين معهما يبكيان، و انّ عليا عليه السلام لما أحضر سلموه البيعة.فامتنع فتهدّد بالقتل.فقال:إذن تقتلون عبد اللّه،و أخا رسول اللّه.فقالوا أما عبد اللّه فنعم،و أما أخو الرسول فلا،و انّه طعن في أوجههم بالنفاق،و ستر صحيفة الغدر الّتي اجتمعوا عليها،و بأنّهم أرادوا أن ينفروا ناقة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليلة العقبة.فكلّه لا أصل له عند أصحابنا، و لا يثبته أحد منهم و لا رواه أهل الحديث،و لا يعرفونه،و انّما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:135. [1]
.قلت:عدم نقل العامة جميع ما نقله الشيعة ليس بدليل على عدم صحة ما تفرّدوا به مع انّ ما شاركوهم فيه يكفي في كون أئمّتهم جبابرة.
مع أنّ ما نسبه إلى تفرد الشيعة به ليس كذلك.فالنظّام استاد الجاحظ من شيوخ المعتزلة قال:إنّ عمر ضرب بطن فاطمة عليها السلام يوم البيعة حتّى ألقت الجنين من بطنها،و كان عمر يصيح أحرقوها بمن فيها،و ما كان في الدار غير علي و فاطمة و الحسن و الحسين (2).
و عامّة العامة رووا حلف عمر إحراق أهل البيت لو لم يخرج علي للبيعة فخرج و تصميمه كان كالعمل.فكان يحرقهم لو لم يكن خرج أمير المؤمنين (3).
و في(المروج):كان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبد اللّه بن الزبير اذا جرى ذكر بني هاشم،و حصره ايّاهم في الشعب،و جمعه لهم الحطب لتحريقهم و يقول:انّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته،كما أرهب بنو هاشم و جمع لهم الحطب لإحراقهم إذ هم أبو البيعة في ما سلف (1)
مروج الذهب 3:77. [1]
.و اما تهديد هم له عليه السلام بالقتل و قوله عليه السلام«إذن تقتلون عبد اللّه و أخا رسوله»فقد عرفت أنّ ابن قتيبة منهم رواه،و كتاب معاوية إليه عليه السلام«و كنت تقاد للبيعة كما يقاد الجمل المخشوش» (2)من رواياتهم معروف.
و لو لم يكن أمر الصحيفة،و ليلة العقبة صحيحا لما تخلّفوا عن جيش اسامة مع تأكيداته بتجهيزه حتّى لعن المتخلّف عنه،و لما منعوه عن الوصيّة، و نسبوا إليه الهجر.
و قال ابن أبي الحديد أيضا بعد العنوان الثاني:«و اعلم أنّه قد تواترت الأخبار عنه عليه السلام بنحو من هذا القول نحو قوله:«ما زلت مظلوما منذ قبض اللّه رسوله حتّى يوم الناس هذا»،و قوله عليه السلام:اللهم اجز قريشا فانها منعتني حقي و غصبتني أمري،و قوله فجزى قريشا عني الجوازي فانّهم ظلموني حقّي و اغتصبوني سلطان ابن امّي،و قوله عليه السلام:و قد سمع صارخا ينادي أنا مظلوم فقال هلمّ فلنصرخ معا فإنّي ما زلت مظلوما،و قوله عليه السلام:و إنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى،و قوله عليه السلام:أرى تراثي نهبا،و قوله عليه السلام أصغيا بإنائنا و حملا الناس على رقابنا»،و قوله:إنّ لنا حقّا إن نعطه نأخذه،و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل،و إن طال السرى،و قوله عليه السلام:ما زلت مستأثرا علي
مدفوعا عمّا أستحقّه و أستوجبه.
و أصحابنا يحملون ذلك كلّه على ادّعائه الأمر بالأفضلية و الأحقيّة، و هو الحق و الصواب.فإنّ حمله على الاستحقاق بالنص تكفير أو تفسيق لوجوه المهاجرين و الأنصار،و لكنّ الإمامية و الزيدية حملوا هذه الأقوال على ظواهرها و ارتكبوا بها مركبا صعبا،و لعمري إنّ هذه الألفاظ موهمة مغلبة على الظن ما يقوله القوم لكن تصفّح الأحوال يبطل ذلك الظن،و يدرأ ذلك الوهم،فوجب أن يجري مجرى الآيات المتشابهات الموهمة ما لا يجوز على الباري تعالى فإنا لا نعمل بها و لا نعوّل على ظواهرها،لأنا لمّا تصفّحنا أدلة العقول اقتضت العدول عن ظاهر اللفظ،و ان تحمل على التأويلات المذكورة في الكتب (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:476. [1]
.قلت:الكبرى صحيحة في اقتضاء أدلّة العقول العدول عن ظاهر الآيات المتشابهات كقوله تعالى «يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» (2)لكنّ الكلام في كون أقواله عليه السلام في ظلم المتقدّمين عليه إيّاه صغرى لها،و من أين أنّها ليست كآيات محكمات أنكر اللّه تعالى فيها على من جعل الأصنام شريكة له تعالى و مقرّبة إليه جل و علا.و قد قال معزّ الدولة الديلمي لشيخنا الصدوق محمّد بن علي بن بابويه،لم لا يمكن الجمع بين أمير المؤمنين عليه السلام و الثلاثة؟قال له:كما لا يمكن الجمع بين اللّه تعالى و الأصنام (3).
و كيف يتاوّل قوله عليه السلام«و الّذي فلق الحبّة،و برأ النسمة لقد عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم اليّ انّ الامّة ستغدر بك من بعدي» (4).
و ما يفعل بآيات اللّه تعالى في تقدمه عليه السلام الّتي احال عزّ و جلّ فيها إلى العقل كقوله جلّ ثناؤه: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» (1)
الزمر:9. [1]
.و قوله عزّ اسمه: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (2).
و قوله تعالى: «أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ» (3)و قد كان عليه السلام مؤمنا بالاجماع و قد كان ثالثهم وقت قتله فاسقا بإجماع المسلمين، و اما الاموية و اتباعهم فلم يكونوا من المسلمين.
و بالجملة فإنّ الجمع بين الثلاثة و بينه عليه السلام كما تدّعيه العامّة المتسمّون بالسنة كالجمع بين الضدين و القول بالمتناقضين،و لعمر اللّه لقد انصف إسماعيل الحنبلي في ما نقل عنه ابن أبي الحديد بعد ما مرّ فقال:«و حدّثني يحيى بن سعيد بن علي الحنبلي المعروف بابن عالية ساكن قطفتا بالجانب الغربي من بغداد،و أحد الشهود المعدلين بها،قال:كنت حاضرا عند الفخر إسماعيل بن علي الفقيه المعروف بغلام ابن المتي-و كان إسماعيل هذا مقدّم الحنابلة في الفقه و الخلاف،و يشتغل بشيء في علم المنطق،و كان حلو العبارة،و قد رأيته أنا و حضرت عنده و سمعت كلامه.توفي سنة(610) و نحن عنده نتحدّث إذ دخل شخص من الحنابلة قد كان له دين على بعض أهل الكوفة.فانحدر إليه يطالبه،و اتّفق ان حضرت زيارة الغدير،و هو بالكوفة يجتمع بمشهده عليه السلام من الخلائق جموع عظيمة يجاوز حدّ الإحصاء قال ابن
عالية:فجعل الشيخ الفخر يسائل ذلك الشخص ما فعلت و ما رأيت،و ذلك الشخص يجاوبه حتّى قال له:يا سيّدي لو شاهدت يوم الزيارة يوم الغدير، و ما يجري عند قبر علي بن أبي طالب من الفضائل و الأقوال الشنيعة و سبّ الصحابة جهارا بأصوات مرتفعة من غير مراقبة و لا خيفة فقال إسماعيل أيّ ذنب لهم و اللّه ما جرّأهم على ذلك،و لا فتح لهم هذا الباب إلاّ صاحب ذلك القبر.
فقال الرجل:و من صاحب ذاك القبر؟قال:علي بن أبي طالب قال:يا سيّدي هو الّذي سنّ لهم ذلك،و علّمهم ايّاه و طرقهم إليه.قال:نعم و اللّه قال:يا سيّدي فان كان محقّا فمالنا نتولّى فلانا و فلانا،و ان كان مبطلا فمالنا نتولاّه.ينبغي أن نبرأ منهما قال ابن عالية:فقام إسماعيل مسرعا فلبس نعليه و قال:لعن اللّه إسماعيل الفاعل ابن الفاعل إن كان يعرف جواب هذه المسألة-و دخل دار حرمه و قمنا فانصرفنا» (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:476، [1]شرح الخطبة 170،و النقل بتصرف يسير.
.و روى الثقفي،عن محمّد بن يحيى،عن يحيى بن حماد القطان،عن أبي محمّد الحضرمي،عن أبي علي الهمداني أنّ عبد الرحمن بن أبي ليلى قام إلى علي عليه السلام فقال:إنّي سائلك لآخذ عنك،و قد انتظرنا أن تقول من أمرك شيئا فلم تقله،ألا تحدّثنا عن أمرك هذا،أ كان بعهد من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أو بشيء رأيته؟فإنّا قد أكثرنا فيك الأقاويل،و أوثقه عندنا ما سمعناه من فيك.إنّا كنّا نقول:لو رجعت اليكم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم ينازعكم فيها أحدا،و اللّه ما أدري إذا سئلت ما أقول؟أزعم أنّ القوم كانوا أولى بما كانوا فيه منك،فعلام نصبك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعد حجّة الوداع،فقال:«أيّها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه»؟ و إن تك أولى منهم فعلام نتولاّهم؟فقال عليه السلام«إنّ اللّه تعالى قبض نبيّه،و أنا يوم قبضه أولى بالناس منّي بقميصي»-إلى أن قال-فقال ابن أبي ليلى:فأنت
1) 1)
يا أمير المؤمنين لعمرك كما قال الأوّل:
لعمري لقد أيقظت من كان نائما و أسمعت من كانت له اذنان (1)
رواه عن الثقفي المفيد في أماليه:233 ح 2،المجلس 26،و النقل بتلخيص،و سند الثقفي عن المسعودي عن محمد بن كثير عن يحيى بن حماد القطان.
و قال ابن أبي الحديد في موضع آخر:«قلت ليحيى بن زيد النقيب:إنّي لأعجب من علي عليه السلام كيف بقي تلك المدّة الطويلة بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و ما فتك به مع تلظّي الأكباد عليه!فقال:إنّه أخمل نفسه،و اشتغل بالعبادة و الصلاة، و النظر في القرآن،و خرج عن ذلك الزيّ الأوّل،و ذاك الشعار،و نسي السيف، و صار كالفاتك يتوب،و يصير سائحا في الأرض أو راهبا في الجبال،فلمّا أطاع القوم الّذين ولوا الأمر تركوه و سكتوا عنه،و لم تكن العرب لتقدم إلاّ بمواطاة من متولّي الأمر،و باطن في السرّ منه،فلمّا لم يكن لولاة الأمر باعث و داع إلى قتله،وقع الامساك عنه،و لو لا ذلك لقتل.ثم الأجل بعد،معقل حصين.
فقلت له:أحقّ ما يقال في حديث خالد؟فقال:إنّ قوما من العلوية يذكرون ذلك و قد روي أنّ رجلا جاء إلى زفر بن هذيل(صاحب أبي حنيفة)فسأله عمّا يقول أبو حنيفة في جواز الخروج من الصلاة بأمر غير التسليم نحو الكلام و الفعل الكثير،فقال:إنّه جائز،قد قال أبو بكر في تشهده ما قال.فقال الرجل:و ما الّذي قاله أبو بكر؟قال:لا عليك.فأعاد عليه السؤال ثانية و ثالثة.فقال:أخرجوه اخرجوه قد كنت أحدّث أنّه من أصحاب أبي الخطاب (2).
و قال ابن أبي الحديد أيضا بعد العنوان الثالث بعد ذكر تظلّماته عليه السلام:
«و كلّ هذا إذا تأمّله المصنف علم أنّ الشيعة أصابت في أمر،و أخطات في أمر، أمّا الّذي أصابت أنه عليه السلام امتنع و تلكّأ و أراد الأمر لنفسه،و أمّا الّذي أخطأت أنّه
كان منصوصا عليه نصّا جليّا بالخلافة تعلمه الصحابة كلّها أو أكثرها،و أنّ ذلك النصّ خولف طلبا للرياسة الدنيوية،و إيثارا للعاجلة،و أنّ حال المخالفين للنصّ لا تعدو أحد أمرين إمّا الكفر أو الفسق فإنّ قرائن الأحوال لا تدلّ على ذلك بل على خلافه،و هذا يقتضي أنه عليه السلام كان في مبتدأ الأمر يظنّ أن العقد لغيره كان عن غير نظر في المصلحة،و أنه لم يقصد به إلاّ صرف الأمر عنه و الاستيثار عليه،فظهر منه ما ظهر من الامتناع،و القعود في بيته إلى أن صحّ عنده و ثبت في نفسه أنّهم أصابوا في ما فعلوه،و أنّهم لم يميلوا إلى هوى،و لا أرادوا الدنيا،و انّما فعلوا الأصلح في ظنونهم،لأنّه رأى من بغض الناس له، و انحرافهم عنه و ميلهم عليه،و ثوران الأحقاد الّتي كانت في أنفسهم،و احتدام النيران الّتي كانت في قلوبهم،و الترات الّتي و ترهم في ما قبل بها،و الدماء الّتي سفكها منهم و أراقها،و تعلّل طائفة اخرى منهم للعدول بصغر سنّه، و استهجانهم تقديم الشبّان على الكهول و الشيوخ،و تعلّل طائفة أخرى بكراهة الجمع بين النبوّة و الخلافة في بيت واحد فيتكبّرون على الناس كما قاله من قاله،و استصعاب قوم منهم شكيمته،و خوفهم شدّته،و علمهم بأنّه لا يحابي و لا يراقب في الدين،و انّ الخلافة تحتاج إلى من يجتهد برأيه،و يعمل بموجب استصلاحه،و انحراف قوم آخرين عنه للحسد الّذي كان عندهم له في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بشدّة اختصاصه له و تعظيمه ايّاه،و ما قال فيه فأكثر من النصوص الدالّة على رفعة شأنه،و علوّ مكانه،و ما اختصّ به من مصاهرته و اخوّته،و نحو ذلك من أحواله معه،و تنكّر قوم آخرين له لنسبتهم إليه العجب و التيه كما زعموا،و احتقاره العرب و استصغاره الناس كما عدّدوه عليه،و ان كانوا عندنا كاذبين،و لكنه قول قيل و أمر ذكر،و حال نسبت إليه،و أعانهم عليها ما كان يصدر عنه من أقوال توهم مثل هذا نحو قوله«فإنّا صنائع ربّنا،
و الناس بعد صنائع لنا»ما صحّ به انّ الأمر لم يكن ليستقيم له يوما واحدا،و لا ينتظم و لا يستمر،و انّه لو ولي الأمر لفتقت العرب عليه فتقا يكون فيه استيصال شافة الاسلام،و هدم أركانه فأذعن بالبيعة،و جنح إلى الطاعة، و أمسك عن طلب الإمرة،و إن كان على مضض و رمض.
و قد روي عنه عليه السلام انّ فاطمة عليها السلام حرّضته يوما على النهوض و الوثوب فسمع صوت المؤذن:«أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه»فقال لها:أيسرّك زوال هذا النداء من الأرض؟قالت:لا.قال:فإنه ما أقول لك.
و هذا المذهب أقصد المذاهب،و عليه متأخرو بغدادي أصحابنا و به نقول.
و اعلم أنّ حال علي عليه السلام في هذا المعنى أشهر من أن تحتاج في الدلالة عليها إلى الاطناب.فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها حين بويع بالخلافة بخمس و عشرين سنة بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و في دون هذه المدّة تنسى الاحقاد و تموت الترات،و تبرد الأكباد الحامية،و تسلو القلوب الواجدة، و يعدم قرن من الناس،و يوجد قرن و لا يبقى من أرباب تلك الشحناء إلاّ الأقل.
فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنّها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه صلّى اللّه عليه و آله و سلم من إظهار ما في النفوس و هيجان ما في القلوب، حتّى انّ الاخلاف من قريش،و الأحداث و الفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه، و فتكاته في اسلافهم و آبائهم،فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله و تقاعست عن بلوغ شأوه.فكيف كانت حاله لو جلس على منبر الخلافة،و سيفه يقطر دما من مهج العرب.لا سيما من قريش الذين كان ينبغي لو دهمه خطب أن يعتضد بهم،و عليهم كان يجب أن يعتمد،إذن كانت تدرس اعلام الملّة،و تعفى رسوم الشريعة،و تعود الجاهلية الجهلاء إلى حالها،
و يفسد ما أصلحه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ثلاث و عشرين سنة في شهر واحد.فكان من عناية اللّه تعالى بهذا الدين أن ألهم الصحابة ما فعلوه «وَ اللّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:38، [1]شرح الخطبة 215،و النقل بتصرف يسير.و الآية 8 من سورة الصف. [2]
.قلت:و نزيد هنا على ما تقدم في إنكاره النص الواضح في قوله«و امّا الّذي أخطأت الشيعة أنّه كان منصوصا عليه نصّا جليا-إلى قوله-بل تدلّ القرائن على خلافه» (2)بأنّ الواجب من النصّ ما يتمّ به الحجّة.فأخبر جلّ و علا ان نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان مكتوبا عند أهل الكتاب في توراتهم و إنجيلهم،و نعلم قطعا انّه لم يكن مكتوبا كتبا واضحا بحيث لا يمكن إنكاره بدليل أنّ أهل الكتاب ينكرون ذلك و لو كانوا لا ينكرونه لأسلموا و ما بقوا على دينهم.
و لو كان الوضوح بتلك المثابة شرطا،فليضرب على كثير مما قامت عليه البراهين القطعية.فإنّ وجود الصانع للعالم أوضح من الشمس عند العقل مع انكار الدهريّين له.
و ليس الشرط في الدليل على شيء أن يكون كما ذكر بسنة اللّه تعالى، و إلاّ لجسّم نفسه حتّى يشاهده الكل،و لا يبقى غير موحد،و ينزل الملائكة من السماء و يجعل الموتى يكلّمهم،و يحشر عليهم كلّ شيء قبلا بحقيّة دين الاسلام،و لو كان فعل ذلك لسقط البلاء الّذي يبلو به تعالى عباده،و صارت الدنيا كالآخرة في الاضطرار إلى الإقرار به تعالى،و بأنبيائه و رسله و ما جاءوا به من عنده،و لم يبق فرق حينئذ بين سلمان و أبي جهل.
مع أنّه لو لم يكونوا لبسوا،كانت النصوص عليه عليه السلام بذاك الوضوح، حيث دل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليه عليه السلام من مبدأ أمره في إنذار عشيرته إلى منتهاه،
و من مبعثه إلى احتضاره في ارادته صلّى اللّه عليه و آله و سلم تسجيل خلافته عليه السلام في كتاب وصيته فصدّوه عنه،و لا سيّما في الغدير الّذي صنّفت الخاصّة و العامّة مجلّدات في طرق خبره.
و يوضح ما قلنا من تلبيسهم الواضح الّذي لا مرية فيه أصلا،قياس مراجعة الانسان عصره في تلبيس الملوك و أرباب الدنيا أمورا محسوسة يشهدها آلاف من الناس على العامة،و خوف الخواصّ من التكلم:على ذاك العصر.
و أمّا قوله:«و هذا يقتضي أنّه عليه السلام كان في مبتدأ الأمر يظن أنّ العقد لغيره كان عن غير نظر في المصلحة-إلى قوله-إلى أن صحّ عنده أنّهم أصابوا»فممّا كان يضحك الثكلى.أ كان باب مدينة علم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يعلم الأصلح للإسلام و يعلمه من كان لم يعرف معنى الأبّ،و من لم يعرف ما يعرف ربّات الحجول من أمر الصداق؟ و ليست هذه الأقوال من إخواننا بعجب في جعل الرجلين أعرف بمصالح الإسلام ممّن كان بمنزلة نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنص القرآن (1)
بالنظر الى قوله تعالى «أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» آل عمران:61. [1]
.ألم يقولوا إنّهما كانا أعرف بمصالح الاسلام من نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حيث إنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمرهما بالتجهّز في جيش أسامة،و أكّد و شدّد حتّى لعن المتخلّف، و مع ذلك تخلّفا و قالا:كيف نتجهّز و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم شديد مرضه،و أراد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الوصيّة،فلم ير فاروقهم ذلك صلاحا،و جعل كلامه هجرا.و الأصل في الاعتذار الّذي قال أعداء أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كأبي عبيدة بن الجراح،و معاوية بن أبي سفيان،و نظرائهما.ففي(خلفاء ابن قتيبة):«أنّ عليّا لمّا قال لأهل السقيفة:«نحن أولى برسول اللّه حيّا و ميّتا انصفونا إن كنتم
1) 1)
تؤمنون و إلاّ فبوءوا بالظلم و أنتم تعلمون»فقال له عمر:لست متروكا حتّى تبايع.قال له أبو عبيدة بن الجراح:يا أبا الحسن إنّك حديث السنّ،و هؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم و معرفتهم بالأمور،و لا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك،و أشدّ احتمالا»-إلخ (1)
الإمامة و السياسة 1:11،و [1]النقل بتلخيص.
.و في(مقاتل أبي الفرج)و غيره أنّ الحسن عليه السلام بعد قيامه بعد أبيه عليه السلام لما كتب إلى معاوية«فاليوم فليعجب المتعجّب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله لا بفضل في الدين معروف،و لا أثر في الاسلام محمود،و أنت ابن حزب من الأحزاب،و ابن أعدى قريش للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم،كتب معاوية إليه «و الحال في ما بيني و بينك اليوم مثل الحال الّتي كنتم عليها أنتم و أبو بكر بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و لو علمت أنّك أضبط منّي للرعيّة،و أحوط على هذه الأمّة، و أحسن سياسة،و أقوى على جمع الأموال،و أكيد للعدو،لأجبتك إلى ما دعوتني إليه،و رأيتك لذلك أهلا.و لكنّي قد علمت أنّي أطول منك ولاية،و أقدم منك لهذه الامة تجربة،و أكثر منك سياسة» (2).
و حينئذ فليقل:إنّ خلافة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إن كانت سلطنة دنيوية محضة كما ادّعاه فاروقهم.فقال لصدّيقهم:«إنّ النبي رضيك في صلانك بنا لأمر ديننا أفلا نرضاك لدنيانا بأن نبايعك و نولّيك خلافته» (3)و لازمه كون أصل النبوة أيضا كذلك كما صرّح به خالهم للمغيرة في تأسّفه من عدم استطاعته رفع اسم ذاك الرجل الهاشمي:أي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من المأذنات،و ابنه في قوله:
لعبت هاشم بالملك كان الأمر كما قال الشارح من كون تصدّى أبي بكر للأمر
أصلح،و كان خلافة عن رسول ربّ العالمين في ما يفعل،و يقول كما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في جواب أبي عبيدة عن كلامه المتقدّم:«نحن أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا القاري لكتاب اللّه.الفقيه في دين اللّه.العالم بسنن رسول اللّه.المضطلع بأمر الرعيّة.الدافع عنهم الامور السيّئة.القاسم بينهم بالسويّة.و اللّه انّه لفينا فلا تتّبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل اللّه.فتزدادوا من الحق بعدا»فكلامه كما ترى.
و من المضحك قول الشارح:إلى أن صحّ عنده و ثبت في نفسه أنّهم أصابوا في ما فعلوه-إلى قوله:-فأذعن بالبيعة-إلخ.فهل كانت شكايته عليه السلام يوم السقيفة فقط،مع أنّ من المتواتر شكايته عليه السلام منهم إلى آخر عمره.
و في خطبته لمّا سألوه عن رأيه في أبي بكر و عمر بعد فتح معاوية لمصر في جملة كلامه عليه السلام في ذكر يوم الشورى:«فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي،لأنّهم كانوا يسمعونني و أنا احاجّ ابا بكر فأقول:«يا معشر قريش أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان منّا من يقرأ القرآن،و يعرف السنّة»فخشوا أن ولّيت عليهم ألاّ يكون لهم في هذا الأمر نصيب.فبايعوا إجماع رجل واحد حتّى صرفوا الأمر عنّي لعثمان.فأخرجوني منها رجاء أن يتداولوها حين يئسوا أن ينالوها»-إلخ (1)
الإمامة و السياسة 1:307،و غيره. [1]
.فإنّه صريح في أنّه عليه السلام في ذاك الوقت الّذي كان قرب وفاته كان معتقدا أنّ الخلافة لغيره،و غير أهل بيته غير صحيحة،و انّ الخلافة ليست بجعل جاعل،و إنّما هي كالنبوة أمر من قبل اللّه تعالى.
و هو عقيدة أهل بيته أهل بيت العصمة و الطهارة ففي كتاب الحسن عليه السلام إلى معاوية و قد رواه أبو الفرج:«فلمّا صرنا أهل بيت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أولياؤه
1) 1)
إلى محاجّتهم،و طلب النصف منهم،باعدونا و استولوا بالاجتماع على ظلمنا و مراغمتنا و العنت منهم لنا،فالموعد اللّه و هو الولي النصير.و قد تعجّبنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا،و سلطان نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلم...» (1)
رواه أبو الفرج في المقاتل:35. [1]
.و مثله كتب الحسين عليه السلام من مكة إلى أهل البصرة في ما رواه الطبري (2)،و قد هدّد معاوية الحسن عليه السلام باظهاره عقيدته عند العوام.فكتب إليه:«رأيتك صرّحت في كتابك بتهمة أبي بكر الصّديق،و عمر الفاروق، و أبي عبيدة الأمين و حواري النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و صلحاء المهاجرين،و الأنصار فكرهت ذلك لك.فإنّك امرؤ عندنا و عند الناس غير ظنين و لا المسيء و لا اللئيم،و أنا أحبّ لك القول السديد و الذكر الجميل...» (3).
و إخواننا أخذوا دينهم عن معاوية.فكتب إلى الحسن عليه السلام في كتابه ذاك «انّ هذه الامّة لمّا اختلفت بعد نبيّها لم تجهل فضلكم،و لا سابقتكم و لا قرابتكم من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لا مكانتكم في الاسلام و أهله،فرأت الامّة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيّها،و رأى صلحاء الناس من قريش و الأنصار، و غيرهم من سائر الناس،و عامّتهم أن يولّوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاما و أعلمها باللّه و أحبّها له،و أقواها على أمر اللّه و اختاروا أبا بكر،و كان ذلك رأي ذوى الحجى و الدين و الفضيلة،و الناظرين للأمة،فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة،و لم يكونوا بمتّهمين،و لا في ما أتوا بمخطئين،و لو رأى المسلمون فيكم من يغني غناءه أو يقوم مقامه أو يذبّ عن حريم المسلمين ذبّه،ما عدلوا بذلك الأمر إلى غيره رغبة عنه،و لكنهم عملوا في ذلك بما رأوه
صلاحا للاسلام و أهله،فاللّه يجزيهم عن الاسلام و أهله خيرا» (1)
رواه أبو الفرج في المقاتل:36. [1]
.قال معاوية في قبال دفع ابن بنت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الّذي شهد اللّه تعالى بعصمته،و صرّح النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بكونه سيّد شباب أهل الجنّة عن مقامه الّذي جعله اللّه تعالى له،أنّ صلحاء الناس اختاروا أبا بكر لكونه أقدمهم سلما، و أعلمهم باللّه و أقواهم.لكن لمّا أراد استخلاف ابنه يزيد،و ادّعى عبد اللّه بن عمر،و عبد اللّه بن الزبير أنّهما أحق قال:«انّما كان هذا الأمر لبني عبد مناف لأنّهم أهل رسول اللّه فلمّا مضي رسول اللّه ولّى الناس أبا بكر و عمر من غير معدن الخلافة و الملك غير أنّهما سارا بسيرة جميلة.ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف.فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة،و قد أخرجك اللّه يا ابن الزبير و أنت يا ابن عمر منها» (2)فان كان كلام معاوية حجّة لهم فلم اقتصروا على كلامه الأوّل.
مع أنّ قوله عليه السلام الأوّل دالّ على بقاء أهل البيت على إنكارهم إلى الأبد و أمّا بيعته عليه السلام أخيرا بعد إتمام الحجّة و استقرار الملك،فلئلاّ يقتل كما قتل سعد بن عبادة،كما انّه عليه السلام لم يتكلّم ايّام قيام عمر لئلاّ يقتل،و انّما استطاع أن يتكلّم يوم الشورى فتكلّم.
و لقد أغرب في تعليلاته في قوله:«لأنّه رأى من بغض الناس له»-إلى آخر ما عدّد،فهل ما عدّد امور يصحّح خلافة المتقدّمين أو يبطلها فإنّما هي أسباب لدفعهم له عليه السلام عن حقّ جعله اللّه تعالى له،فإذا كان ذلك مصحّحا لخلافة المتقدّمين عليه كان قتل يحيى بن زكريا لكونه ينهى الملك الباغي عن البغاء صحيحا.فإنّه خلط بين سبب وقوع شيء،و سبب جوازه و صحّته.
كما أنّ قوله عليه السلام:«إنّا صنائع ربّنا،و الناس بعد صنائع لنا»لم يكن سببا لتأخيره بل لتقديمه-فهو بنص القرآن كنفس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم (1)
بالنظر إلى قوله تعالى «أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» آل عمران:61. [1]
و معلوم شموخ مكان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن سائر الناس.و أما قوله:«و انّه لو ولي الأمر لفتقت على العرب»و قوله:«فقد رأيت انتقاض العرب عليه العرب حين بويع بعد خمس و عشرين سنة...»،فمغالطة.
فلو كان عليه السلام ولي لاتّفقت عليه الامّة عربهم و عجمهم لكونه من بيت الرسالة.
فقال لهم سلمان كما روى(سقيفة الجوهري):«لو جعلتموها في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم اثنان و لأكلتموها رغدا» (2).
و قال عبد اللّه بن جعفر لمعاوية لما قدم المدينة لأخذ البيعة ليزيد كما في (خلفاء ابن قتيبة):«و أيم اللّه لو ولّوه(أمير المؤمنين عليه السلام)بعد نبيّهم لوضعوا الأمر موضعه لحقّه و صدقه و لأطيع الرحمن،و عصي الشيطان،و ما اختلف في الامة سيفان» (3).
و إنّما صار تصدّي أبي بكر للأمر سببا لخروج من خرج و ارتداد من ارتدّ،و قيام الأنصار،و غير ذلك كما صرّح به في تاريخ ابن أعثم الكوفي و غيره (4).
فالمناسب أن يقال للرجل:«اقلب تصب»،بل نقول:لو كان عليه السلام ولي بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لدانت له قريش و بنو اميّة قهرا كما دانوا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قهرا بعد فتحه لمكّة،و الأصل في بغضهم له عليه السلام بغضهم للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم.أفلم يقل ابن رئيس قريش و بني امية يزيد بن معاوية.
لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل؟
و أمّا ما قاله«من انتشار الأمر عليه يوم قيامه»فإنّما كان سببه فاروقهم،و لم ينتقض عليه عرب و لا عجم،و إنّما انتقض عليه طلحة و الزبير لجعل فاروقهم لهما قرينين له عليه السلام يوم الشورى مع مساعدة ابنة صدّيقهم لهما،و انتقض عليه معاوية لأنّ فاروقهم جعله واليا في عصره على جميع بلاد الشام،و فوّض الأمر إلى جميع بني اميّة باسم عثمان.
مع أنّه لو كان الأمر كما قال من عدم صلاح تصدّيه عليه السلام للأمر بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بما لفّق،لم يكن تصدّيه عليه السلام بعد عثمان أيضا صلاحا،فلم جعلوه من خلفائهم،فلا بدّ أن يصير إلى قول من عدّ قيامه فتنة،و كفاهم بذلك خزيا.
و أما قوله:«فكيف كانت تكون حاله لو جلس على منبر الخلافة،و سيفه بعد يقطر دما من مهج العرب-إلى قوله-إذن كانت تدرس أعلام الملّة»فقد عرفت أنّه ليس كذلك لو لم يكن صدّيقهم و فاروقهم تواطئا أوّلا مع أعداء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فعصياه في الخروج في جيش اسامة،و المنع عن الوصية،و أخذ البيعة منه عليه السلام بإحراق بيته و أهل بيته فاطمة و الحسنين،و ضرب عنقه لو لم يخرج،و لم يبايع.
نعم لو كان عليه السلام قام مع تلك الكيفية بتواطئهما مع الطلقاء،لدرست أعلام الملّة،و لفسد ما أصلحه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمساعدته عليه السلام في ثلاث و عشرين سنة،فرضي عليه السلام بمسالمتهم لئلاّ يضمحلّ الدّين،فخطب عليه السلام في أوّل خلافته و قال:«إنّ اللّه تعالى لمّا قبض نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قلنا نحن أهل بيته لا ينازعنا في سلطانه منازع،إذ نفر المنافقون فانتزعوا سلطان نبيّنا منّا و ولّوه غيرنا،و أيم اللّه لولا مخافة الفرقة بين المسلمين،و أن يعودوا إلى الكفر لكنّا،
غيرنا ذلك ما استطعنا...» (1)
رواه المدائني،و عنه شرح ابن أبي الحديد 1:101، [1]شرح الخطبة 22،و النقل بتصرف في اللفظ.
.كما أنّ ابنه الحسين رضي بقتل نفسه،و أعزّته،و أسرحرمه و عترته بعدم المسالمة مع يزيد لئلاّ يضمحلّ الدّين حسب اقتضاء وقته.فكان عليه السلام يقول:«لو لم يبق في الأرض ملجأ لي لم أبايع يزيد،و لو بايعته فعلى الاسلام السلام» (2).
و أمّا قول ابن أبي الحديد:«فكان من عناية اللّه تعالى بهذا الدين أن ألهم الصّحابة ما فعلوه»فإنّي استحي عوضه من كلامه.فهل كان سبب حدوث هذه المذاهب الفاسدة،و صدور جنايات الجبابرة من الاموية و العباسية، و قتل أهل بيت الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالسيف و السم،و حبسهم،و نهبهم و أسرهم في كلّ عصر و تفصيلها مذكورة في مقاتل أبي الفرج الاصبهاني و شنائع أخر سوّدت وجه التاريخ إلاّ ما فعل اولئك الصحابة،و انّما أرادوا إطفاء نور اللّه بما فعلوا و لكنّ الحق ظهر و تبيّن بما تحمّل عليه السلام،و يأبى اللّه إلاّ أن يتمّ نوره و لو كره المشركون.
و لو كان ابن أبي الحديد قال:«و كان من عقوبة اللّه لاولئك الصحابة، و باقي الناس الّذين رضوا بفعلهم و لم ينكروا،أن ولاّهم اللّه أيام عثمان بني امية،فاتّخذوا دين اللّه دغلا،و عباده خولا،و مال اللّه دولا،و ولاّهم معاوية و يزيد،و المروانيّة و أن حرمهم من نعمة أهل بيت نبيّهم أهل بيت الرحمة إلاّ أياما معدودة في قيامه عليه السلام،و قد قال فيها:«لو لا حضور الحاضر،و قيام الحجّة بوجود الناصر لسقيت آخرها بكأس أوّلها،و لألقيت حبلها على غاربها» (3)-كان في محله.
الحكمة(317)
و قال له بعض اليهود:ما دفنتم نبيّكم حتّى اختلفتم فيه فقال عليه السلام:
إِنَّمَا اخْتَلَفْنَا عَنْهُ لاَ فِيهِ- وَ لَكِنَّكُمْ مَا جَفَّتْ أَرْجُلُكُمْ مِنَ الْبَحْرِ- حَتَّى قُلْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ- «اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» أقول:قال ابن أبي الحديد:روى هذا العنوان على وجه آخر أنّه قيل له عليه السلام:اختلفتم بعد نبيكم و لم يجفّ ماؤه يعني غسله،فقال:«و أنتم قلتم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة و لم يجفّ ماؤكم» (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:389. [1]
.قلت:و الأصل في رواية المصنّف رواية الشعبي،و ابن المسيب،قالا:
جاء حبر من أحبار اليهود إلى علي عليه السلام فناظره فقطعه.فقال له:أنتم ما دفنتم نبيّكم حتّى اختلفتم فيه.فقال عليه السلام : «إنّما اختلفنا عنه لا فيه،و لكنكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتّى قلتم لنبيّكم:اجعل لنا إلها» .فأسلم اليهودي-ذكر ذلك ( تذكرة سبط ابن الجوزي-تذكرة الخواص-ص 162 سبط ابن الجوزي) (2).
و رواه ابن شهر آشوب بوجه آخر.فقال في( مناقبه ابن شهر آشوب-مناقب السروي-ج 2 ص 46 ):قال له رأس الجالوت لم تلبثوا بعد نبيكم إلاّ ثلاثين حتّى ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف.فقال عليه السلام:و أنتم لم تجفّ أقدامكم من ماء البحر حتّى قلتم لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة (3).
و يمكن تعدد الواقعة-قول اليهودي «ما دفنتم نبيّكم حتّى اختلفتم فيه» المختلفون في النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبل دفنه إنما كانوا الأنصار و قريش،و الطعن
عليهم حيث نازعوه عليه السلام في حقّه دونه عليه السلام إلاّ أنّ اليهودي وجّه الطعن على جميعهم بجامع كون الجميع أهل الاسلام،فأجابه عليه السلام بما أفحمه.فالكلام يختلف باختلاف المقام لمن عرف الخصام،فمعاوية الّذي كان أعدى عدوّ لبني هاشم كان يفتخر بهم في قبال الزبير بجامع كون اميّة و هاشم من بني عبد مناف،ففي(العقد الفريد)-بعد ذكر بيان ابن الزبير مفاخر له عند معاوية مع حضور أبي عبد اللّه الحسين عليه السلام-:
فقال معاوية لابن الزبير:ويحك!كيف تصف نفسك بما وصفتها،و و اللّه مالك في القديم من رياسة،و لا في الحديث-أي الجديد-من سياسة،و لقد قدناك و سدناك قديما و حديثا لا تستطيع لذلك انكارا،و لا عنه فرارا،و إنّ هؤلاء الخصوم ليعلمون أنّ قريشا قد اجتمعت يوم الفجار على رياسة حرب بن امية،و إنّ أباك و اسرته تحت رايته ان أمر أطاعوا،و إن قال أنصتوا،فأنزل فينا القيادة و عزّ الولاية«حتّى بعث اللّه تعالى محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم فانتخبه من خير خلفه من اسرتي لا اسرتك،و بني أبي لا بني أبيك،فجحدته قريش أشدّ الجحود،فما ساد قريشا و قادهم إلاّ أبو سفيان.فكانت الفئتان تلتقيان، و رئيس الهدى منّا،و رئيس الضلالة منّا.فمهديكم تحت راية مهدينا،و ضالّكم تحت راية ضالّنا فنحن الأرباب و أنتم الأذناب.حتّى خلّص اللّه تعالى أبا سفيان بفضله من عظيم شركه،فكان في الجاهلية عظيما شأنه،و في الاسلام معروفا مكانه،و لقد أعطي يوم الفتح ما لم يعط أحد،و إنّ منادي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نادى:من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.و أمّا جدّك لامك الصّدّيق فبتصديق عبد مناف،سمّي صدّيقا لا بتصديق عبد العزّى-أي جدّه لأبيه-.
و أمّا ما ذكرت من جدّي المشدوخ ببدر،فلعمري لقد دعا إلى البراز هو و أخوه و ابنه.فلو برزت إليه أنت-أي إن كنت قابلا للبراز-و أبوك ما بارزوكم
و لا رأوكم لهم أكفاء،كما قد طلب ذلك غيركم-أي الأنصار-فلم يقبلوهم حتّى برز إليهم أكفاؤهم من بني أبيهم-أي أمير المؤمنين عليه السلام و حمزة و عبيدة -فقضى اللّه مناياهم بأيديهم،فنحن قتلنا،و نحن قتلنا،و أما عمّتك ام المؤمنين -يعني خديجة-فبنا شرفت،و سمّيت أمّ المؤمنين،خالتكم عائشة مثل ذلك و أما صفّية-أي بنت عبد المطلب أم أبيه-فهي أدنتك من الظلّ،و لو لا هي لكنت ضاحيا،و أمّا ما ذكرت من زوج عمتك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و خال ابيك سيّد الشهداء -أي حمزة-ففخرهم و إرثهم لي دونك،و لا فخر لك فيهم،و لا إرث بينك و بينهم -أي لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و حمزة من بني عبد مناف الّذي كان معاوية منهم لا من أسد بن عبد العزّى الّذي كان ابن الزبير منهم-.
و أما قولك:أنا عبد اللّه،و أنت معاوية.فقد علمت قريش أيّنا أجود في الإزم و أحزم في القدم،و أمنع للحرم.لا و اللّه ما أراك منتهيا حتّى تروم من بنى عبد مناف ما رام أبوك.فقد طالبهم الذحول،و قدم إليهم الخيول،و خدعتم ام المؤمنين-أي عائشة-و لم تراقبوا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إذ مددتم على نسائكم السجوف،و أبرزتم زوجته للحتوف،و مقارعة السيوف،فلمّا التقى الجمعان نكص أبوك هاربا.فلم ينجه ذلك أن طحنه أبو الحسن بكلكله طحن الحصيد، بأيدي العبيد،و أما أنت فأفلتّ بعد أن خمشتك براثنه،و نالتك مخالبه،و أيم اللّه ليقوّمنك بنو عبد مناف بثقافها،أو لتصبحن منها صباح أبيك بوادي السباع، و ما كان أبوك المدهن خده،و لكنّه كما قال الشاعر:
تناول سرحان فريسة ضيغم ففضفضه بالكفّ منه و حطّما (1)
العقد الفريد 4:88 و [1]النقل بتصرف يسير.
و إلاّ فلو كان الخصام في النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبل دفنه من المتصدّين للأمر معه عليه السلام لكان اختلافهم أشدّ طعن عليهم،لأنّهم تركوا جنازة نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله و سلم،
1) 1)
و تكالبوا على طلب الإمارة.ففي(خلفاء ابن قتيبة):بعث أبو بكر عمر إلى قوم تخلّفوا عن بيعته فجاء فناداهم،و هم في دار علي عليه السلام،فأبوا أن يخرجوا.فدعا بالحطب و قال:و الّذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها.فقيل له:إنّ فيها فاطمة.فقال:و إن،فخرجوا فبايعوا إلاّ عليّا،فإنّه زعم أنّه قال:حلفت أن لا أخرج،و لا أضع ثوبي على عاتقي حتّى أجمع القرآن،فوقفت فاطمة عليها السلام على بابها.فقالت:لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم.تركتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم جنازة بين أيدينا،و قطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا،و لم تردّوا لنا حقّا-إلخ (1)
الإمامة و السياسة 1:12،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و روى المصنّف في(خصائصه)-في خبر-أنّ عليّا عليه السلام انكبّ على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في احتضاره فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:يا أخي!إنّ القوم سيشغلهم عنّي ما يريدون من عرض الدنيا،و هم عليه واردون،فلا يشغلك عنّي ما شغلهم فإنّما مثلك في الامّة مثل الكعبة نصبها اللّه علما و انّما يؤتى من كلّ فجّ عميق،و ناد سحيق،و إنّما أنت العلم علم الهدى،و نور الدين و هو نور اللّه.يا أخي و الّذي بعثني بالحق لقد قدّمت إليهم بالوعيد،و لقد أخبرت رجلا رجلا منهم بما افترض اللّه عليهم من حقّك،و ألزمهم من طاعتك،فكلّ أجاب اليك، و سلّم الأمر لك،و إنّي لأعرف خلاف قولهم.فإذا قبضت و فرغت من جميع ما وصيّتك به،و غيّبتني في قبري.فالزم بيتك،و اجمع القرآن على تأليفه، و الفرائض و الأحكام على تنزيله.ثم أمض ذلك على عزائمه و على ما أمرتك، و عليك بالصبر على ما ينزل بك منهم حتّى تقدم علي-الخبر (2).
«فقال عليه السلام:إنّما اختلفنا عنه لا فيه» قال ابن أبي الحديد:ما أحسن
قوله عليه السلام اختلفنا عنه لا فيه،و ذلك لأن الاختلاف لم يكن في التوحيد و النبوّة، بل في فروع خارجة عن ذلك نحو الإمامة و الميراث (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:389. [1]
.قلت:الإمامة أيضا من أصول الدين و انّما هي من فروع النبوّة بمعني أنّ الامام يعيّنه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بوحي اللّه تعالى إليه لا الناس.قال جلّ و علا: «وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ» (2).
و قد عرفت اختلاف الكلام بالمقام،و أنّه عليه السلام أجاب جدلا حيث إنّ ذلك اليهودي أدخله في المختلفين.فأجابه بما يسكته،و إلاّ فاختلافهم إنّما كان عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الظاهر،و فيه في الباطن كما يلمّح إليه قوله-جلّ و علا- «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ» (3).
فقال أبو المقدام لأبي جعفر عليه السلام:إنّ العامة يزعمون أن بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضا للّه،و ما كان اللّه تعالى ليفتن أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم من بعده فقال أبو جعفر عليه السلام أو ما يقرءون كتاب اللّه؟أو ليس اللّه يقول:«و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم» (4)فقلت:إنّهم يفسّرون هذا على وجه آخر.فقال:أو ليس قد أخبر اللّه عن الذين من قبلهم من الامم أنّهم اختلفوا من بعد ما جاءتهم البيّنات حيث قال: «وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ» -إلى- «فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ» (5)ففي هذا ما يستدّل به على أنّ أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد اختلفوا من بعده
فمنهم من آمن،و منهم من كفر (1)
أخرجه الكليني في الكافي 8:270،ح 398. [1]
.و في خبر آخر عنه:كان الناس أهل ردّة بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلاّ ثلاثة المقداد و أبو ذر و سلمان الفارسى ثم عرف الناس بعد يسير و قال:هؤلاء الذين دارت عليهم الرحى،و أبوا أن يبايعوا لأبي بكر حتّى جاءوا بأمير المؤمنين عليه السلام مكرها فبايع،و ذلك قول اللّه-عزّ و جلّ- «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» (2).
«و لكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتّى قلتم لنبيّكم اجعل لنا آلها كما لهم آلهة فقال انّكم قوم تجهلون» أشار عليه السلام إلى قوله تعالى: «وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (3).
و من الآية يرفع استبعاد المخالفين مخالفة الصحابة نصّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لو كان نصّ.فإنّ بنى اسرائيل اولئك كانوا أولاد أنبياء يعقوب،و إسحاق و إبراهيم و كانوا من أوّل عمرهم موحّدين و هم الذين قال عزّ و جلّ فيهم و لهم:
«يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ» (4).و مع ذلك مالوا إلى عبادة الأصنام و الارتداد عن الدين مع حياة نبيّهم،و حضوره عندهم ساعة نجاتهم من عدوّهم،فكيف يستبعد ذلك من أولئك الصحابة مع شيخوختهم في الكفر و عبادة الأصنام،و بغضهم لوصيه لثارات لهم عنده،و معاضدة المنافقين و من أسلم كرها لهم،و بعد موت نبيّهم.
ثم لم يرتدع بنو إسرائيل بردع نبيّهم لهم،و قوله لهم «إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (1)
الاعراف:138-139. [1]
لكونهم اشربوا في قلوبهم العجل حتّى عبدوا العجل و كفروا.و لمّا نهاهم هارون عن ذلك أرادوا قتله.قال تعالى: «وَ اتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ» -إلى-قال «ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي» (2)فكيف يستبعد إخواننا وقوع الارتداد من اولئك الصحابه الذين عرفت و صفهم بعد وفاة نبيّهم،و قد ارتدّ أولاد الأنبياء اولئك الذين عرفت و صفهم بغيبة نبيّهم عنهم ساعات.
و قد أشار إلى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام لمّا أحضروه للبيعة قال ابن قتيبة في(خلفائه):«أتى عمر و معه جماعة بيت فاطمة.فدقّوا الباب.فلمّا سمعت فاطمة عليها السلام أصواتهم نادت بأعلى صوتها:يا أبه يا رسول اللّه!ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و ابن أبي قحافة.فلمّا سمع القوم صوتها و بكاءها انصرفوا باكين،و كادت قلوبهم تتصدّع،و أكبادهم تتقطّر،و بقي عمر و معه قوم فأخرجوا عليا.فمضوا به إلى أبي بكر.فقالوا له:بايع فقال:إن أنا لم أفعل فمه؟ قالوا:إذن و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك.قال:إذن تقتلون عبد اللّه و أخا رسوله.قال عمر:أما عبد اللّه فنعم.و أمّا أخو رسوله فلا.و أبو بكر ساكت لا يتكلّم،فقال له عمر:ألا تأمر بأمرك فيه.فقال:لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه.فلحق علي بقبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يصيح و ينادي:«يا «ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي» (3).
و من قوله تعالى: «وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ» (1)
الاعراف:138. [1]
إلى آخر الآية، يعلم أنّ صلاح الانسان في الدنيا الابتلاء بالبلاء.فقال بنو اسرائيل لموسى:«أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا» (2)فقال لهم موسى: «عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» (3)فلمّا آمنهم اللّه و مكّنهم في البلاد صاروا كفرعون يقتلون أنبياء اللّه و يفعلون ما حكى اللّه تعالى عنهم كالمسلمين في أوّلهم و آخرهم بعد نبيّهم.
هذا و يقرب من العنوان ما في(العقد الفريد):أنّ معاوية قال لرجل من أهل اليمن«ما كان أجهل قومك حين ملّكوا عليهم امرأة»فقال:أجهل من قومي قومك الذين قالوا حين دعاهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم «اللّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (4).
خطبة(137)
و من كلام له عليه السلام في وقت الشورى:
لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٍّ- وَ صِلَةِ رَحِمٍ وَ عَائِدَةِ كَرَمٍ- فَاسْمَعُوا قَوْلِي وَ عُوا مَنْطِقِي- عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ- تُنْتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ وَ تُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ- حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الضَّلاَلَةِ- وَ شِيعَةً لِأَهْلِ الْجَهَالَةِ أقول:رواه الطبري الطبري-تاريخ الطبري-ج 3 ص 300،سنة 24 مع زيادة في صدره و ذيله ففيه«ثم تكلّم علي عليه السلام (يوم الشورى)فقال:الحمد للّه الّذي بعث محمّدا منا نبيّا و بعثه إلينا رسولا
فنحن بيت النبوة،و معدن الحكمة،و أمان أهل الأرض،و نجاة لمن طلب،لنا حقّ إن نعطه نأخذه،و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل،و لو طال السرى-إلى أن قال-لن يسرع أحد قبلي-إلى آخر العنوان-و زاد،ثم أنشأ يقول:
فإن تك جاسم هلكت فإنّي بما فعلت بنو عبد بن ضخم
مطيع في الهواجر كلّ عيّ بصير بالنوى من كلّ نجم (1)
تاريخ الطبري 3:300،سنة 24. [1]
و قال ابن أبي الحديد:قال الشعبي:فأمّا ما يذكره الناس من المناشدة، و قول علي عليه السلام لأهل الشورى:«أ فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم كذا؟»فإنّه لم يكن يوم البيعة،و إنّما كان بعد ذلك بقليل (2).
و روى أبو الطفيل عامر بن واثلة قال:كنت في البيت يوم الشورى فسمعت عليّا عليه السلام و هو يقول:استخلف الناس أبا بكر و أنا و اللّه أحقّ بالأمر، و أولى به منه،و استخلف أبو بكر عمر،و أنا و اللّه أحقّ بالأمر،و أولى به منه.إلاّ أنّ عمر جعلني مع خمسة أنا سادسهم لا يعرف لهم فضل علي،و لو أشاء لا حتججت عليهم بما لا يستطيع عربيّهم،و عجميّهم،المعاهد منهم و المشرك بغير ذلك.
ثم قال نشدتكم باللّه أيّها النفر!هل فيكم أحد وحدّ اللّه قبلي؟قالوا:اللهم لا قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له:«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»غيري؟قالوا:اللهم لا.قال:نشدتكم باللّه هل فيكم أحد أتي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بطير يأكل منه فقال:«اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير»فجئته فقال«اللهم و إلى رسولك»غيري؟قالوا اللهم لا.قال:
نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حين رجع عمر يوم خيبر
يجبّن أصحابه و يجبّنونه قد ردّ راية النبي منهزما فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«لأعطينّ الراية غدا رجلا ليس بفرّار يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله لا يرجع حتّى يفتح اللّه على يديه»فلمّا أصبح قال:أدعوا لي عليّا،فقالوا:هو أرمد ما يطرف.فقال:جيئوني به.فلمّا قمت بين يديه تفل في عيني و قال«اللهمّ أذهب عنه الحرّ و البرد»فأذهب اللّه عنّي الحرّ و البرد إلى ساعتي هذه،و أخذت الراية فهزم اللّه المشركين و أظفرني بهم غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد له أخ مثل أخي جعفر المزيّن بالجناحين في الجنّة يحلّ حيث يشاء، غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:نشدتكم اللّه هل فيكم أحد له عمّ مثل عمّي حمزة أسد اللّه و أسد رسوله و سيّد الشهداء،غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:نشدتكم باللّه هل فيكم أحد له سبطان مثل سبطيّ الحسن و الحسين ابني رسول اللّه و سيّدي شباب أهل الجنّة غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:نشدتكم باللّه هل فيكم احد له زوج مثل زوجي فاطمة بنت رسول اللّه،و بضعة منه،و سيّدة نساء الجنّة،غيري؟ قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«من فارقك فارقني و من فارقني فارق اللّه»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال فيه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«لينتهين بنو وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلا كنفسي،طاعته كطاعتي،و معصيته كمعصيتي يغشاهم بالسيف»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:
نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«كذب من زعم أنّه يحبّني،و هو يبغضك»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«أنت الخليفة في الأهل و المسلمين في كلّ غيبة و عدوّك عدوّي، و عدوّي عدوّ اللّه،و وليّك وليّي،و وليّي وليّ اللّه»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:
نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«من أحبّك و والاك سبقت له
الرحمة،و من أبغضك سبقت له اللعنة»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«أنت أخي و أنا أخوك في الدنيا و الآخرة و منزلك مواجه منزلي كما يتواجه الأخوان في الخلد»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«إنّ اللّه خصّك بالزهد في الدنيا فليس تنال منها شيئا،و لا تنال منك،و هي زينة الأبرار.فطوبى لمن أحبّك و صدق عليك،و ويل لمن أبغضك و كذب عليك»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد بعثه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليجيء بالماء كما بعثني فذهبت حتّى حملت القربة على ظهري،و مشيت بها فاستقبلتني ريح فردّتني حتّى أجلستني،ثم قمت إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فقال:ما حبسك؟فقصصت عليه القصّة.فقال:قد جاءني جبرئيل فقال:أمّا الريح الاولى فجبرئيل جاء في ألف من الملائكة يسلّمون عليك،و أمّا الثانية فميكائيل جاء في ألف من الملائكة يسلّمون عليك»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال فيه جبرئيل«يا محمّد!أ ترى هذه المواساة من علي»فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:
إنّه منّي و أنا منه.فقال جبرئيل:و أنا منكما،غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:نشدتكم باللّه هل فيكم أحد يكتب للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما جعلت اكتب.فأغفى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأنا أرى أنه يملي علي.فلمّ انتبه قال لي:من أملى عليكم من هاهنا إلى ها هنا؟ فقلت:أنت.فقال:لا.و لكن جبرئيل أملاه عليك»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما قال لي:«لو لا أن أخاف أن لا يبقى أحد إلاّ قبض من أثرك قبضة يطلب بها البركة لعقبه بعده لقلت فيك قولا لا يبقى أحد إلاّ قبض من أثرك قبضة»؟فقالوا:اللهم لا.قال:
نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«احفظ الباب فإنّ زوّارا من الملائكة تزورني فلا تأذن لأحد منهم»فجاء عمر فرددته ثلاث مرأت،
و أخبرته أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم محتجب،و عنده زوّار من الملائكة،و عدّتهم كذا و كذا.ثم أذنت له فدخل فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:إنّي جئت غير مرّة كلّ ذلك يردّني علي،و يقول:إنّ النبي محتجب،و عنده زوّار من الملائكة،و عدّتهم كذا و كذا، فكيف علم بالعدّة؟أعاينهم؟فقال:لا.يا علي كيف علمت بعدّتهم؟فقلت:
اختلفت التحيات،و سمعت الأصوات.فأحصيت العدد قال:صدقت،غيري؟ قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما قال لي:«إنّ طوبى شجرة في الجنّة أصلها في دار علي،و ليس من مؤمن إلاّ و في منزله غصن من أغصانها»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«تقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و رأسه في حجر جبرئيل فقال:«ادن إلى ابن عمك فأنت أولى به منّي»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:
نشدتكم باللّه هل فيكم أحد وضع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم رأسه في حجره حتّى غابت الشمس،و لم يصلّ العصر.فلمّا انتبه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:هل صليت العصر.
قلت:لا،فدعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فردّت الشمس بيضاء نقية فصلّيت ثم انحدرت» غيري؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد أمر اللّه تعالى رسوله أن يبعث ببراءة فبعث بها مع أبي بكر فأتاه جبرئيل فقال:يا محمد!إنّه لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك.فبعثني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأخذتها من أبي بكر،فمضيت بها،و أدّيتها عن رسوله و أثبت اللّه على لسان رسوله-أي جبرئيل-أنّي منه»غيري؟قالوا:
اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«أنت إمام من أطاعني،و نور أوليائي،و الكلمة الّتي ألزمتها المتّقين»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«من سرّه أن يحيى حياتي، و يموت مماتي،و يسكن جنتي الّتي و عدني ربي-إلى أن قال-فليوال عليّا و ذريّته من بعده.فهم الأئمة و هم الأوصياء أعطاهم اللّه علمي و فهمي.لا يدخلونكم في باب ضلال،و لا يخرجونكم من باب هدى،و لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم.يزول الحقّ معهم أينما زالوا»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«قضي فانقضى أنّه لا يحبّك إلاّ مؤمن،و لا يبغضك إلاّ منافق»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:
نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مثل ما قال لي:«أهل ولايتك يخرجون يوم القيامة من قبورهم على نوق بيض.شراك نعالهم نور حتّى ينطلق بهم إلى ظل عرش الرحمن.يوضع بين أيديهم مائدة.يأكلون منها حتّى يفرغ الناس من الحساب.يخاف الناس و لا يخافون،و يحزن الناس و لا يحزنون»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:نشدتكم باللّه هل فيكم أحد حين جاء أبو بكر يخطب فاطمة فأبى أن يزوّجه فخطبت إليه فزوّجني فجاء أبو بكر و عمر.فقال:أبيت أن تزوّجنا و زوّجته فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما منعتكما و زوّجته،بل اللّه منعكما و زوّجه غيري؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل سمعتم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:يقول«كل نسب و سبب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي و نسبي»فأيّ سبب أفضل من سببي،و أيّ نسب أفضل من نسبي؟إنّ أبي و أبا رسول اللّه لأخوان لأب و أم،و إنّ الحسن و الحسين ابني رسول اللّه و سيّدي شباب أهل الجنّة إبناي،و فاطمة بنت رسول اللّه،و سيّدة نساء أهل الجنّة زوجتي،غيري؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«انّ اللّه تعالى خلق الخلق.ففرّقهم فرقتين.فجعلني من خير الفرقتين.ثم جعلهم شعوبا فجعلني في خير شعبة،ثم جعلهم قبائل فجعلني في خير قبيلة،ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خير بيت.ثم اختار من البيت أنا و عليّا و جعفرا.فجعلني خيرهم.
فكنت نائما بين ابني أبي طالب فجاء جبرئيل و معه ملك.فقال:يا جبرئيل إلى أيّ هؤلاء أرسلت.فقال:إلى هذا.ثم أخذ بيدي فأجلسني»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد سدّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أبواب المسلمين كلّهم من المسجد،و لم يسدّ بابي فجاء العباس و حمزة،و قالا:أخرجتنا و أسكنته فقال:«ما أنا أخرجتكم و أسكنته بل اللّه أخرجكم و أسكنه إنّ اللّه عزّ و جلّ أوحى إلى أخي موسى عليه السلام أن اتّخذ مسجدا طهورا،و اسكنه أنت و هارون و ابنا هارون،و أوحى إليّ أن اتّخذ مسجدا طهورا،و اسكنه أنت و علي،و ابنا علي»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«انّه مع الحق و الحقّ معه لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض»غيري؟قالوا:اللهمّ لا قال:
نشدتكم باللّه هل فيكم أحد و قى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حيث جاء المشركون يريدون قتله فاضطجعت في مضجعه،و ذهب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نحو الغار،و هم يرون أنّي هو.فقالوا أين ابن عمك فقلت:لا أدري.فضربوني حتّى كادوا يقتلونني، غيري؟قالوا:اللهم لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما قال لي:«إنّ اللّه أمرني بولاية علي،فولايته ولايتي و ولاية ربي،عهد عهده إليّ ربّي،و أمرني أن ابلّغكموه فهل سمعتم»قالوا:نعم قد سمعناه قال:«أما إنّ فيكم من يقول سمعت و هو يحمل الناس على كتفيه و يعاديه»قالوا:اخبرنا بهم قال:أما إنّ
ربّي قد أخبرني بهم و أمرني بالإعراض عنهم لأمر قد سبق،و إنّما يكتفي أحدكم بما يجد لعلي في قلبه»غيري؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قتل من بني عبد الدار تسعة مبارزة كلهم بأخذ اللواء.ثم جاء صواب الحبشي مولاهم،و هو يقول:و اللّه لا أقتل بسادتي غير محمّد،قد أزبد شدقاه،و احمرّت عيناه فاتقيتموه و حدتم عنه.
فخرجت إليه.فلمّا أقبل كأنّه قبّة مبنية فاختلفت أنا و هو ضربتين فقطعته بنصفين،و بقيت رجلاه و عجزه و فخذه قائمة على الأرض ينظر إليه المسلمون و يضحكون منه،غيري؟قالوا:اللهمّ لا.قال:نشدتكم باللّه هل فيكم أحد جاء عمرو بن عبد ود ينادي هل من مبارز فكعتم عنه كلّكم.فقمت أنا.
فقال لي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:إلى أين تذهب؟قلت:إلى هذا الفاسق.فقال:إنّه عمرو بن عبد ود فقلت فانا علي بن أبي طالب.فأعاد علي الكلام،و أعدت عليه.فقال:
امض على اسم اللّه،فلمّا قربت منه قال:من الرجل؟قلت:علي بن أبي طالب.
قال:كفو كريم،ارجع يا ابن أخي فقد.كان لأبيك معي صحبة و محادثة.فأنا أكره قتلك.فقلت له:يا عمرو!إنّك قد عاهدت اللّه أنّه لا يخيّرك أحد ثلاث خصال إلاّ اخترت إحداهن.فقال:اعرض علي.قلت:تشهد أن لا إله إلاّ اللّه،و أنّ محمّدا رسوله،و تقرّ بما جاء من عنده.قال:هات غيرها.قلت:ترجع من حيث جئت.
قال:و اللّه لا تحدّث نساء قريش بهذا أنّي رجعت عنك.فقلت:فانزل فاقاتلك.
قال:أمّا هذه فنعم.فنزل،فاختلفت أنا و هو ضربتين.فأصاب سيفه رأسي، و ضربته ضربة.فقتله اللّه على يدي.ففيكم أحد فعل هذا غيري؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه هل فيكم أحد حين جاء مرحب و هو يقول:
أنا الّذي سمّتني امّي مرحب شاكي السلاح بطل مجرّب
أطعن أحيانا و حينا أضرب
فخرجت إليه فضربني و ضربته فقتلته.ففيكم أحد فعل هذا غيري؟ قالوا:اللهم لا.قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد أنزل اللّه فيه آية التطهير على رسوله «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)
الأحزاب:33. [1]
فأخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كساء خيبريا فضمنّي فيه،و فاطمة و الحسن و الحسين ثم قال:«يا رب!هؤلاء أهل بيتي.فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا»؟قالوا:اللهم لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم«أنا سيّد ولد آدم و أنت يا علي سيّد العرب»قالوا:اللهمّ لا.قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في المسجد إذ نظر إلى شيء فبادره و لحقه أصحابه.فانتهى إلى سودان أربعة يحملون سريرا.فقال لهم:ضعوه فوضعوه فقال:اكشفوا عنه فإذا أسود مطوّق بالحديد.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:من هذا؟قالوا:غلام آل فلان كان قد أبق عنهم«فأخذوه فقيّدوه فمات»فأمرونا أن ندفنه في حديده كما هو فنظرت إليه.فقلت:ما رآني هذا قط إلاّ قال:أنا و اللّه احبّك،و اللّه ما أحبّك إلاّ مؤمن و ما أبغضك إلاّ كافر.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«يا علي!لقد أثابه اللّه بهذا بسبعين قبيلا من الملائكة كل قبيل ألف نزلوا يصلّون عليه.ففكّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حديدته،و صلّى عليه و دفنه»؟قالوا:اللهمّ لا.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مثل ما قال لي قال «اذن لي البارحة في الدعاء.فما سألت ربّي شيئا إلاّ أعطانيه،و ما سألت لنفسي شيئا إلاّ سألت لك مثله فقلت:الحمد للّه»؟قالوا:اللهمّ لا.قال:نشدتكم باللّه!هل علمتم أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعث خالد بن الوليد إلى بني خزيمة.ففعل ما فعل،فصعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم المنبر فقال:«اللهم إنّي أبرأ إليك ممّا فعل خالد»ثلاث
1) 1)
مرات ثم قال:«يا علي!اذهب فأعطهم الدية».فذهبت فوفّرت ديتهم.ثم ناشدتهم باللّه هل بقي شيء فقالوا:فميلغة كلابنا،و عقال بعيرنا،فأعطيتهم لهما،و بقي معي ذهب كثير فأعطيتهم إيّاه،و قلت:هذا لذمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لما تعلمون و لما لا تعلمون،و لروعات النساء و الصبيان.ثم جئت إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.فأخبرته فقال:و اللّه ما يسرّني انّ لي بما صنعت حمر النعم»؟ قالوا:اللهمّ نعم.
قال:نشدتكم باللّه!هل سمعتم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول لي:«لقد عرضت علي امتي البارحة فمرّ بي أصحاب الرايات.فاستغفرت لك و لشيعتك»؟قالوا:اللهمّ نعم قال:نشدتكم باللّه!هل سمعتم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لأبي بكر:«اذهب فاضرب عنق ذلك الرجل الّذي تجده في موضع كذا و كذا.فرجع فقال له:قتلته؟قال:لا.
وجدته يصلّي،قال يا عمر:اذهب فاقتله.فرجع.فقال له:قتلته؟قال:لا.وجدته يصلّي فقال:أمرتكما بقتله فتقولان وجدناه يصلّي فقال لي:اذهب فاقتله.فلمّا مضيت قال:إن أدركه قتله.فرجعت فقلت:لم أجد أحدا.قال:صدقت أما إنّك لو وجدته لقتلته»؟قالوا:اللهمّ نعم.
قال:نشدتكم باللّه!هل علمتم أنّ عائشة قالت للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«إنّ إبراهيم ليس منك،و انّه ابن فلان القبطي»فقال:«يا علي فاذهب فاقتله»فقلت:«يا رسول اللّه إذا بعثتني أكون كالمسمار المحمي في الوبر أو اتثبّت»قال:«لا.بل تثبّت»فذهبت فلما نظر اليّ استند إلى حائط.فطرح نفسه فيه.فطرحت نفسي على أثره.فصعد على نخلة،و صعدت خلفه.فلمّا رآني قد صعدت رمى بإزاره.
فإذا ليس له شيء ممّا يكون للرجال،فجئت فأخبرت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال:
«الحمد للّه الّذي صرف عنّا السوء أهل البيت»؟قالوا:اللهمّ نعم.
قال:نشدتكم باللّه!هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما قال لي:«انّ
وليّك في الجنّة،و عدوّك في النار»؟قالوا:اللهمّ لا قال:اللهمّ اشهد.
نقله(مناقب ابن شهر آشوب)و قال:رواه ابن مردويه في كتابه، و الخوارزمي في(أربعينه)،و رواه الزمخشري عن أبي ذر (1)
رواه عنهم ابن طاوس في الطرائف 2:411-417. [1]
.«لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق» قال الاسكافي في(نقض عثمانيته):
قال ابن عباس:فرض اللّه تعالى الاستغفار لعلي عليه السلام في القرآن على كل مسلم بقوله تعالى: «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ» (2)فكلّ من أسلم بعد علي عليه السلام فهو يستغفر لعليّ عليه السلام.
قال:و قال ابن عباس أيضا:السبّاق ثلاثة:سبق يوشع بن نون إلى موسى عليه السلام،و سبق صاحب يس إلى عيسى عليه السلام،و سبق علي بن أبي طالب عليه السلام إلى محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
قال:و قال عفيف بن قيس الكندي:كنت في الجاهلية عطّارا.فقدمت مكه.
فنزلت على العباس بن عبد المطلب،فبينا أنا جالس عنده أنظر إلى الكعبة و قد تحلّقت الشمس في السماء،أقبل شابّ كأنّ وجهه القمر حتّى رمى ببصره إلى السماء.فنظر إلى الشمس ساعة.ثم أقبل حتّى دنا من الكعبة.فصفّ قدميه يصلّي.فخرج على أثره فتى كأنّ وجهه صفيحة يمانية.فقام عن يمينه فجاءت امرأة متلففة في ثيابها.فقامت خلفهما.فأهوى الشاب راكعا فركعا معه ثم أهوى إلى الأرض ساجدا فسجدا معه.فقلت للعباس:يا أبا الفضل!أمر عظيم.
فقال:أمر و اللّه عظيم.أ تدري من هذا الشاب؟قلت:لا.قال:هذا ابن أخي محمّد ابن عبد اللّه.أ تدري من هذا الفتى؟قلت:لا.قال:هذا ابن أخي علي بن أبي طالب.
أ تدري من المرأة؟قلت:لا.قال هذه ابنة خويلد بن أسد بن عبد العزّى،هذه
خديجة زوج محمّد هذا.و إنّ محمّدا هذا يذكر أنّ إلهه إله السماء و الأرض أمره بهذا الدين.فهو عليه كما ترى،و يزعم أنّه نبي،و قد صدّقه على قوله علي ابن عمّه،هذا الفتى،و زوجته خديجة،هذه المرأة،و اللّه ما أعلم على وجه الأرض كلّها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.فقلت له:فما تقولون أنتم؟قال:
ننتظر الشيخ ما يصنع.يعني أبا طالب أخاه.
و روى مثله عن ابن مسعود.قال:و قال السدّي:إنّ أبا بكر و عمر خطبا فاطمة عليه السلام فردّهما النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال:لم اومر بذلك.فخطبها علي عليه السلام فزوّجه إيّاها،و قال لها زوّجتك أقدم الامّة إسلاما،و أكثرهم علما،و أعظمهم حلما،و ما زوّجتك إلاّ بأمر من السماء أما علمت أنّه أخي في الدنيا و الآخرة.
قال:و رواه جابر بن عبد اللّه،و ابن عباس،و ام أيمن،و أسماء بنت عميس.
قال:و قال عبّاد بن عبد اللّه الأسدي:سمعت عليّا عليه السلام يقول:أنا عبد اللّه و أخو رسوله،و أنا الصّديق الأكبر،لا يقولها غيري إلاّ كذّاب،و قد صلّيت قبل الناس سبع سنين.
قال:و روى أبو أيوب الأنصاري عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:لقد صلّت الملائكة علي و على علي سبع سنين،و ذلك انّه لم يصلّ معي رجل فيها غيره (1)
هذه الأحاديث رواها عن نقض الاسكافي ابن أبي الحديد في شرحه 3:260-262،شرح الخطبة 190.
.و في(الطبري)عن ابن عباس قال:قال عليّ عليه السلام:لما نزلت «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (2)على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم دعاني فقال:انّ اللّه أمرني أن انذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعا،و عرفت أنّي متى أباديهم بهذا الأمر
أرى منهم ما أكره.فصمتّ عليه حتّى جاءني جبرئيل فقال:يا محمّد!إن لا تفعل يعذّبك ربك.فاصنع لنا صاعا من طعام،و اجعل عليه رجل شاة،و املأ لنا عسّا من لبن.ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتّى أكلّمهم و أبلّغهم ما أمرت به.
ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له،و هم يومئذ أربعون،فيهم أعمامه أبو طالب و حمزة و العباس و أبو لهب.فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الّذي صنعت لهم.فجئت به.فلمّا وضعته تناول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حذية من اللحم فشقّها بأسنانه.ثم ألقاها في نواحي الصفحة ثم قال:خذوابسم اللّه.فأكل القوم حتّى ما لهم بشيء من حاجة،و ما أرى إلاّ موضع أيديهم،و أيم اللّه الّذي نفس علي بيده،و إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم.ثم قال:اسق القوم.فجئتهم بذلك العسّ.فشربوا منه حتّى رووا منه جميعا،و أيم اللّه إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله فلمّا أراد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يكلّمهم بدره أبو لهب فقال:لشدّ ما سحركم صاحبكم.
فتفرقوا و لم يكلّمهم.فقال:الغد يا علي انّ هذا الرجل سبقني إلى ما سمعت.فتفرقوا قبل ان أكلّمهم.فعد لنا من الطعام بمثل ما فعلت،ثم اجمعهم إليّ ففعلت ثم دعا بالطعام،فقرّبته إليهم،ففعل كما فعل بالأمس.فأكلوا حتّى ما لهم بشيء حاجة.ثم قال:اسقهم فجئتهم بذلك العسّ فشربوا منه حتّى رووا جميعا.ثم تكلّم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال:يا بني عبد المطلب إنّي و اللّه ما أعلم شابّا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به،إنّي قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة،و قد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه.فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيي،و خليفتي فيكم.فأحجم القوم عنها جميعا،و قلت، و أنا لأحدثهم سنّا و أرمصهم عينا،و أعظمهم بطنا،و أحمشهم ساقا:أنا يا نبي اللّه أكون وزيرك عليه.فأخذ برقبتي ثم قال:«إنّ هذا أخي،و وصيي،و خليفتي
فيكم فاسمعوا له و أطيعوا»فقام القوم يضحكون،و يقولون لأبي طالب:قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع.
و روى قريبا عنه منه ربيعة بن ناجد عنه عليه السلام (1)
رواه الطبري في تاريخه 2:62 و 63،و النقل بتصرف يسير.
.«و صلة رحم و عائدة كرم» ظفر عليه السلام يوم الجمل بمروان و ابن الزبير، و سعيد ابن العاص،و هم مبغضوه لا سيّما الأوّلان فعفا عنهم تكرّما.
و لما قال طلحة بن عثمان العبدري صاحب لواء المشركين يوم أحد:يا معشر أصحاب محمّد!إنّكم تزعمون أنّ اللّه يعجّلنا بسيوفكم إلى النار، و يعجّلكم بسيوفنا إلى الجنّة،فهل منكم أحد يعجّله اللّه بسيفي إلى الجنّة،أو يعجّلني بسيفه إلى النار؟فقام إليه علي بن أبي طالب فقال:و الّذي نفسي بيده لا افارقك حتّى اعجّلك بسيفي إلى النار.أو تعجّلني بسيفك إلى الجنّة.فضربه علي عليه السلام فقطع رجله فسقط.فانكشفت عورته،فقال:انشدك اللّه و الرحم يا ابن عم.فتركه.فكبّر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال لعليّ عليه السلام أصحابه:ما منعك أن تجهز عليه قال:إنّ ابن عمّي ناشدني حين انكشفت عورته،فاستحييت منه (2).
و لمّا كشف عمرو بن العاس-و بمعاونته تمكن معاوية من مقابلته معه عليه السلام-يوم صفين عورته،و بعده بسر بن أرطاة-و هو الّذي قتل كثيرا من شيعته و كان يسبّه أيضا-عورته لئلاّ يقتلهما عليه السلام تركهما تكرّما (3).
«فاسمعوا قولى و عوا منطقي» أي:اجعلوا آذانكم و عاء لمنطقي.كناية عن حفظه و العمل به .
«عسى أن تروا هذا الأمر» أي:أمر الخلافة.
«بعد هذا اليوم» أي:يوم الشورى الّتي جعلها عمر.
«تنتضي» أي:تسلّ.
«فيه السيوف» فان جعله شورى لم يكن باقلّ فسادا من منعه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الوصية.كما اعترف به محمّد بن سليمان حاجب الحجاب، كما نقل عنه ابن أبي الحديد عند شرح قوله عليه السلام للمغيرة بن أخنس (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:381،شرح الخطبة 133.
.و في(خلفاء ابن قتيبة):لمّا قدم معاوية المدينة لأخذ البيعة ليزيد، و امتنع الحسين عليه السلام و امتنع ابن أبي بكر،و ابن عمر،و ابن الزبير،أخرجهم معه إلى مكّة،و أمر بنصب منبر قرب الكعبة،و أحضرهم فقال لهم:انّي أتقدّم اليكم،و قد أعذر من أنذر.إنّي قائل مقالة فاقسم باللّه لئن ردّ علي رجل منكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتّى يضرب رأسه.فلا ينظر امرؤ منكم إلاّ إلى نفسه،و لا يبقي إلاّ عليها-و أمر أن يقوم على رأس كلّ رجل منهم رجلان-بسيفيهما.فإن تكلّم بكلمة يردّ بها عليه قوله قتلاه،و خرج و أخرجهم معه حتّى رقى المنبر،و حفّ به أهل الشام،و اجتمع الناس.فقال بعد حمد اللّه:
«إنّا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار.قالوا:إنّ حسينا،و ابن أبي بكر،و ابن عمر و ابن الزبير لم يبايعوا ليزيد،و هؤلاء الرهط سادة المسلمين،و خيارهم.لا نبرم أمرا دونهم،و لا نقضي أمرا إلاّ عن مشورتهم،و إنّي دعوتهم فوجدتهم سامعين مطيعين،فبايعوا و سلّموا و أطاعوا».
فقال أهل الشام:و ما يعظم من أمر هؤلاء ائذن لنا لنضرب أعناقهم فنحن لا نرضى حتّى يبايعوا علانية.فقال معاوية:«سبحان اللّه ما أسرع الناس إلى قريش بالشرّ و ما أحلّ دماءهم عندهم!أنصتوا فلا اسمع هذه المقالة من أحد.ثم قربت رواحله فركب و مضى،فقال الناس للحسين عليه السلام
1) 1)
و أصحابه:قلتم لا نبايع فلمّا دعيتم و ارضيتم بايعتم،قالوا:لم نفعل،قالوا:بلى قد فعلتم و بايعتم.أفلا أنكرتم!؟قالوا:خفنا القتل،و كادكم بنا،و كادنا بكم (1)
الإمامة و السياسة 1:90،و النقل بالمعنى لكن هذه القصة قد وقعت في المدينة لا مكة.
.و لما رغّب معاوية-في الشام-الوافدين عليه في الخطبة ليزيد تكلّم الضحّاك بن قيس،و عمرو بن سعيد.ثم قام يزيد بن المقفع فقال:الخليفة هذا و أشار إلى معاوية فإن هلك فهذا و أشار إلى يزيد فمن أبى فهذا و أشار إلى سيفه.فقال له معاوية:اجلس فانّك سيّد الخطباء .
«و تخان فيه العهود» في(مقاتل أبي الفرج):قال أبو إسحاق:قال معاوية بالنخيلة أي بعد أخذه البيعة من الحسن عليه السلام بشرائط و عهود:ألاّ إنّ كلّ شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدميّ هاتين لا أفي به.قال أبو إسحاق و كان و اللّه غدّارا (2).
و قال سعيد بن سويد:صلّى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة في الصحن ثم خطبنا فقال:إنّي و اللّه ما قاتلتكم لتصلّوا،و لا لتصوموا،و لا لتحجّوا،و لا لتزكّوا إنكم لتفعلون ذلك،و انّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم،و قد أعطاني اللّه ذلك و أنتم كارهون.قال شريك في حديثه هذا هو التهتّك (3).
قلت:قول معاوية و إن كان تهتّكا إلاّ أنّه كان قولا صدقا في إخباره عن نفسه بعيدا من الرياء و النفاق،بخلاف قول من أسّس له ذلك في تخلّفه تارة عن جيش بعذر عدم قبول قلبه ترك النبي في تلك الحالة،و في منعه للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الوصية اخرى بكفاية القرآن لهم،و ثالثة بعد موت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بأنّه لا يمكن أن يموت لغرض وصول أبي بكر إليه،و رابعة لتقديم صاحبه بأن جعله الخليفة أولى من أمره بالصلاة لكون الصلاة أمرا دينيا و الخلافة امرا دنيويا.
«حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضّلالة،و شيعة لأهل الجهالة»في(الطبري) -بعد ذكر وصول رسول عبيد اللّه بن زياد إلى الحر-أنّ أبا الشعثاء الكندي من أصحاب الحسين عليه السلام نظر إلى الرسول فقال:أمالك بن التسير البدي؟قال:
نعم فقال له:ثكلتك أمّك ما ذا جئت فيه؟قال:و ما جئت فيه!أطعت إمامي، و وفيت ببيعتي.فقال له أبو الشعثاء:عصيت ربّك،و أطعت إمامك في هلاك نفسك كسبت العار و النار.قال اللّه عزّ و جلّ «وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ» (1)
القصص:41. [1]
فهو إمامك (2).نبّههم عليه السلام في قوله «لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقّ،و صلة رحم،و عائدة كرم» على ما فطر اللّه تعالى العقول عليه من وجوب تقديم الأفضل،و خبطهم في اختيار أبي بكر،و في قوله: «عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تنتضى فيه السيوف،و تخان فيه العهود حتّى يكون بعضكم أئمّة لأهل الضّلالة،و شيعة لأهل الجهالة» على أنّهم إن اختاروا عثمان-كما دبّر عمر لقريش المنافقين-يترتب عليه تلك المفاسد من سلطنة بني اميّة المشتملة على تلك الامور من انتضاء السيوف في طلب الخلافة،و خيانة العهود،و غير ذلك.قال النّظام مخاطبا عبد الملك بعد نقل خطبته لمّا بويع:«إنّي و اللّه ما أنا بالخليفة المستضعف(يعني عثمان) و لا بالخليفة المداهن(يعني معاوية)و لا بالخليفة المأفون(يعني يزيد)»:
«و اللّه لو لا نسبك من هذا المستضعف،و سببك من هذا المداهن لكنت منها أبعد من العيّوق» (3).
الخطبة(72)
و من كلام له عليه السلام لمّا عزموا على بيعة عثمان:
لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي- وَ وَ اللَّهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ- وَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلاَّ عَلَيَّ خَاصَّةً- الْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَ فَضْلِهِ- وَ زُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَ زِبْرِجِهِ أقول:قال ابن أبي الحديد:نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورى و تعديده فضائله،و خصائصه الّتي بان بها منهم و من غيرهم-إلى أن قال-ثم قال عليه السلام لهم:«انشدكم اللّه!أ فيكم أحد آخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بينه و بين نفسه حيث آخى بين بعض المسلمين و بعض،غيري؟فقالوا:لا.فقال:أ فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«من كنت مولاه فهذا مولاه»غيري؟فقالوا:لا.فقال:أ فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم:
«أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي»غيري؟قالوا:لا.قال:
أ فيكم من أؤتمن على سورة براءة و قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:«انّه لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي»غيري؟قالوا:لا.قال:ألا تعلمون أنّ أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فرّوا عنه في مأقط الحرب في غير موطن،و ما فررت قط؟قالوا:بلى.قال:ألا تعلمون أنّي أوّل الناس إسلاما؟قالوا:بلى.قال:فأيّنا أقرب إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نسبا؟قالوا:أنت».فقطع عبد الرحمن بن عوف كلامه،و قال:يا علي قد أبى الناس إلاّ على عثمان،فلا تجعل على نفسك سبيلا،ثم قال:يا أبا طلحة ما الّذي أمرك به عمر؟قال:أن أقتل من شقّ عصا الجماعة.فقال عبد الرحمن لعليّ:بايع إذن،و إلاّ كنت متّبعا غير سبيل المؤمنين،و أنفذنا فيك ما أمرنا به.فقال عليه السلام : «لقد علمتم أنّي أحقّ بها من غيري،و اللّه لأسلّمنّ
ما سلمت...» ثم مدّ يده فبايع (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:61. [1]
.«لقد علمتم أنّي أحقّ النّاس»هكذا في(المصرية)،و ليست كلمة«الناس» في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)فهي زائدة.
«بها من غيري» حيث أقرّوا بمقاماته،و مقالات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه من كونه كنفسه أولى بهم من أنفسهم،و أنّه من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمنزلة هارون من موسى و غير ذلك ممّا مرّ في مناشداته إلاّ انّهم لم يكونوا يريدون العمل بالحق،و لا فهم من هو أحقّ،و لذا قطع ابن عوف كلامه عليه السلام،و قال له:إنّ الناس،و مراده ابن أبي سرح الّذي نزل القرآن بكفره،و الوليد بن عقبة الّذي نزل القرآن بفسقه (3)و نظراءهما أبوا إلاّ عثمان لأنّهم نظروا لأنفسهم في دنياهم،و لم يكن لهم شغل بالدين،و هدّده أيضا بأمر عمر بقتله عليه السلام إن أراد شقّ عصا الجماعة أي جماعة الكفر و النفاق،و أنّه عليه السلام إن لم يقبل ذلك كان متّبعا غير سبيل المؤمنين:أي بالجبت و الطاغوت .
«و و اللّه لأسلّمنّ ما سلمت امور المسلمين و لم يكن فيها جور الاّ علي خاصة» قال ابن أبي الحديد:هذا الكلام يدلّ على أنّه عليه السلام لم يكن يذهب إلى أنّ خلافة عثمان كانت تتضمن جورا على المسلمين و الاسلام،و انّما تتضمن جورا عليه خاصّة،و أنّها وقعت على جهة مخالفة الاولى لا على جهة الفساد الكلي (4).
قلت:ما ذكره من الدلالة غريب.فإنّ معنى كلامه عليه السلام أنّ باقي الستة الذين عيّنهم عمر لم يكن عليهم جور لأنّهم لا حق لهم في الخلافة و لا استحقاق و عمر ذكرهم بغير حق،و انّما الجور عليه عليه السلام خاصّة حيث غصب حقّه.
و أمّا قوله:«لم يكن جورا على الاسلام»فمضحك.إذ مر أبو سفيان أيّام عثمان على قبر حمزة.فضربه برجله،و قال له:يا أبا عمارة!قم فانظر أنّ الدين -الذين كنت تضربنا عليه بالسيف-في يد شبّاننا يلعبون به (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 4:51،شرح الكتاب 32،و النقل بتصرف يسير.
،و سمعوا ليلة بيعته هاتفا يقول:«يا ناعي الاسلام قم فانعه» (2).و امّا قوله عليه السلام «ما سلمت امور المسلمين» فمعناه ما كانت صورة الاسلام على الظاهر محفوظة،و إلاّ فكيف كانت بيعة عثمان صحيحة،و قد أكرهوه على البيعة و أرادوا قتله،و كيف كانت صحيحة،و قد تضمّنت تلك المفاسد الجليلة من ركوب بني اميّة أعداء الدين رقاب الامة،و اخذ الخلافة بنقض العهد و سلّ السيف.
و كيف كانت صحيحة،و جميع من بايعه من أهل الشورى و غيرهم من المهاجرين،و الأنصار و التابعين على إباحة قتله فضلا عن وجوب خلعه.
و كيف كانت صحيحة،و كل فقرة ممّا قرّرها عليه السلام عليهم قبل هذا الكلام من مناشداته الواردة في الروايات دالّة على بطلان خلافة الأوّلين فضلا عن عثمان.
و روى ابن مردويه في(مناقبه)،و الخوارزمي في(أربعينه)،عن الطبراني مسندا عن أبي الطفيل.قال:كنت على الباب يوم الشورى.
فارتفعت الأصوات بينهم،فسمعت عليّا عليه السلام يقول:بايع الناس أبا بكر، و أنا و اللّه أولى بالأمر منه و أحق به منه.فسمعت و أطعت مخافة أن يرجع الناس كفّارا أو يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف.ثم بايع أبو بكر لعمر و أنا أولى بالأمر منه فسمعت و أطعت مخافة أن يرجع الناس كفّارا.ثم أنتم
تريدون أن تبايعوا عثمان-الخبر (1)
رواه عنهما ابن طاوس في الطرائف 2:411 و [1]أخرجه الخوارزمي في مناقبه:221 أيضا.
-.و ممّا ذكرنا يظهر لك ما في مغالطة ابن أبي الحديد في قوله:«فان قلت:
فهلاّ سلّم إلى معاوية و إلى أصحاب الجمل،و أغضى على اغتصاب حقّه حفظا للاسلام من الفتنة قلت:إنّ الجور الداخل عليه من أصحاب الجمل،و من معاوية و أهل الشام لم يكن مقصورا عليه خاصّة.بل كان يعمّ الاسلام و المسلمين جميعا لأنّهم لم يكونوا عنده ممّن يصلح لرياسة الامّة،و تحمّل أعباء الخلافة» (2).
فإنّه أيّ فرق بين عثمان و معاوية،بل كانت امور المسلمين في زمان معاوية أقرب إلى الصلاح منها في زمان عثمان،لأنّ معاوية إنّما كان ظالما جائرا،و لم يكن مفسدا بخلاف عثمان،و لذا انتقضت عليه الامور حتّى أجهز عليه عمله.
ثم ننشدهم باللّه انّ الزبير و طلحة،و هما عندهم من حواري النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و من العشرة المبشّرة،و ممّن توفي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو عنهم راض،و لهما سوابق في أيام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أيّ نقص كان لهما عن عثمان بل عن أبي بكر و عمر سوى أنّهم نالوها و هما لم ينالاها؟و الكلام في الاستحقاق لا الاتفاق.
و لما قال عمر لأهل الشورى:أكلّكم يطمع بعدي في الخلافة؟قال له الزبير:«و ما الّذي يبعّدنا منها؟وليتها أنت فقمت بها،و لسنا دونك في قريش و لا في السابقة و لا في القرابة» (3).
و إنّما الفارق أنّه عليه السلام يوم السقيفة و يوم الشورى كان وحده في مقابل سلطنة مستقرة.هدّدوه في الأول بالإحراق و القتل،و في الثاني بضرب العنق كما أمرهم عمر،و وكّل أبا طلحة بذلك لو تخلّف متخلّف عن دستوره في البيعة لمن ينتخبه ابن عوف،و هو عثمان.
و أما أهل الجمل و أهل الشام فبالعكس كان هو عليه السلام ذا سلطنة قاهرة أراد الأوّلون نكثها،و الأخيرون التخلّف عنها،و كان عليه السلام مكلّفا بعدم تخليتهم بعد قدرته.فقال عليه السلام:«لو لا حضور الحاضر،و قيام الحجّة بوجود الناصر، و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم،و لا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها،و لسقيت آخرها بكأس أوّلها» (1)
نهج البلاغة 1:36،الخطبة 3. [1]
.و قال عليه السلام أيضا في ذلك«لم يسعني إلاّ القتال أو الجحود بما أنزل على محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم» (2)و قد أباد عليه السلام الأوّلين في يوم واحد،و أراد استيصال الآخرين إلاّ أنّ الأقدار منعت عن ذلك بامتحان اللّه تعالى لعباده،سنّة اللّه الّتي قد خلت من قبل و لن تجد لسنّة اللّه تبديلا (3).
الخطبة(16)
و من كلام له عليه السلام لما بويع بالمدينة:
ذِمَّتِي بِمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ «وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ» - إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ الْعِبَرُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْمَثُلاَتِ- حَجَزَتْهُ التَّقْوَى عَنْ تَقَحُّمِ الشُّبُهَاتِ- أَلاَ وَ إِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّكُمْ ص وَ الَّذِي بَعَثَهُ
بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً- وَ لَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً وَ لَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ- حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاَكُمْ وَ أَعْلاَكُمْ أَسْفَلَكُمْ- وَ لَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا- وَ لَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا- وَ اللَّهِ مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً وَ لاَ كَذَبْتُ كِذْبَةً- وَ لَقَدْ نُبِّئْتُ بِهَذَا الْمَقَامِ وَ هَذَا الْيَوْمِ- أَلاَ وَ إِنَّ الْخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا- وَ خُلِعَتْ لُجُمُهَا فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِي النَّارِ- أَلاَ وَ إِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا- وَ أُعْطُوا أَزِمَّتَهَا فَأَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ- حَقٌّ وَ بَاطِلٌ وَ لِكُلٍّ أَهْلٌ- فَلَئِنْ أَمِرَ الْبَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ- وَ لَئِنْ قَلَّ الْحَقُّ لَرُبَّمَا وَ لَعَلَّ وَ لَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْءٌ فَأَقْبَلَ قال الشريف:أقول:إنّ في هذا الكلام الأدنى من مواقع الاحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان،و إن حظّ العجب منه أكثر من حظّ العجب به،و فيه مع الحال الّتى و صفنا زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان،و لا يطلع فجّها إنسان،و لا يعرف ما أقول إلاّ من ضرب في هذه الصناعة بحق،و جرى فيها على عرق، «وَ ما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ» .
و من هذه الخطبة:
شُغِلَ مَنِ الْجَنَّةُ وَ النَّارُ أَمَامَهُ- سَاعٍ سَرِيعٌ نَجَا وَ طَالِبٌ بَطِيءٌ رَجَا- وَ مُقَصِّرٌ فِي النَّارِ هَوَى- الْيَمِينُ وَ الشِّمَالُ مَضَلَّةٌ وَ الطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ- عَلَيْهَا بَاقِي الْكِتَابِ وَ آثَارُ النُّبُوَّةِ- وَ مِنْهَا مَنْفَذُ السُّنَّةِ وَ إِلَيْهَا مَصِيرُ الْعَاقِبَةِ- هَلَكَ مَنِ ادَّعَى وَ «خابَ مَنِ افْتَرى» - مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ- وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلاَّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ- لاَ يَهْلِكُ عَلَى التَّقْوَى سِنْخُ أَصْلٍ- وَ لاَ يَظْمَأُ عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْمٍ- فَاسْتَتِرُوا فِي بُيُوتِكُمْ «وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ» - وَ التَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ- وَ لاَ يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلاَّ رَبَّهُ وَ لاَ يَلُمْ لاَئِمٌ إِلاَّ نَفْسَهُ
أقول:قال ابن أبي الحديد:هذه الخطبة من جلائل خطبه،و من مشهوراتها قد رواها الناس كلّهم،و فيها زيادات حذفها الرضي.إمّا اختصارا أو خوفا من إيحاش السامعين،و قد ذكرها الجاحظ في كتاب البيان الجاحظ-البيان و التبيين-ج 2 ص 49 على وجهها،و رواها عن أبي عبيدة قال:أوّل خطبة خطبها أمير المؤمنين علي عليه السلام بالمدينة في خلافته حمد اللّه و أثنى عليه،و صلّى على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثم قال:«ألا لا يرعين مرع إلاّ على نفسه.شغل من الجنّة و النار أمامه.ساع مجتهد،و طالب يرجو،و مقصّر في النار،ثلاثة و اثنان.ملك طار بجناحه،و نبي أخذ اللّه بيده لا سادس.هلك من ادّعى و ردي من اقتحم،أليمين و الشمال مضلّة،و الوسطى الجادّة.منهج عليه باقي الكتاب و السنّة،و آثار النبوّة.انّ اللّه داوى هذه الامة بدواءين:السوط و السيف،لاهوادة عند الامام فيهما.استتروا في بيوتكم، و أصلحوا ذات بينكم،و التوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحق هلك.قد كانت امور لم تكونوا عندي فيها محمودين.أما إنّي لو أشاء لقلت عفا اللّه عما سلف.سبق الرجلان،و قام الثالث كالغراب همته بطنه،و يحه لو قصّ جناحاه و قطع رأسه لكان خيرا له.انظروا فان أنكرتم فأنكروا،و إن عرفتم فآزروا.
حقّ و باطل و لكلّ أهل،و لئن أمر الباطل لقديما فعل،و إن قل الحق لربّما و لعل، و قلّما أدبر شيء فأقبل،و لئن رجعت إليكم اموركم إنّكم لسعداء،و إنّي لأخشى ان تكونوا في فترة،و ما علينا إلاّ الاجتهاد.
قال الجاحظ:و قال أبو عبيدة:و زاد فيها في رواية جعفر بن محمّد،عن آبائه عليه السلام ألا انّ أبرار عترتي،و أطائب ارومتي.أحلم الناس صغارا،و أعلم الناس كبارا.ألا و إنّا أهل بيت من علم اللّه علمنا،و بحكم اللّه حكمنا،و من قول صادق سمعنا.فإن تتّبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا،و إن لم تفعلوا يهلككم اللّه بأيدينا.معنا راية الحق،من تبعها لحقّ،و من تأخّر عنها غرق.ألا و بنا يدرك
ترة كلّ مؤمن،و بنا تخلع ربقة الذلّ عن أعناقكم،و بنا فتح لابكم،و بنا يختم لا بكم (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1:91 و الجاحظ في البيان و التبيين [1]الزمر 2:49.
.و قال ابن ميثم تمام الخطبة هكذا:«الحمد للّه أحق محمود بالحمد، و أولاه بالمجد إلها واحدا صمدا.أقام أركان العرش.فأشرق لضوئه شعاع الشمس.خلق فأتقن،و أقام.فذلّت له وطأة المستمكن،و أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله.أرسله بالنور الساطع، و الضياء المنير.أكرم خلق اللّه حسبا،و أشرفهم نسبا.لم يتعلّق عليه مسلم و لا معاهد بمظلمة.بل كان يظلم أما بعد!فإنّ أوّل من بغى على الأرض عناق ابنة آدم.كان مجلسها من الأرض جريبا،و كان لها عشرون إصبعا،و كان لها ظفران كالمخلبين.فسلّط اللّه عليها أسدا كالفيل،و ذئبا كالبعير،و نسرا كالحمار،و كان ذلك في الخلق الأول فقتلها،و قد قتل اللّه الجبابرة على أسوء أحوالهم،و انّ اللّه أهلك فرعون و هامان،و قتل قارون بذنوبهم.ألا و انّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّكم.
و الّذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة،و لتغربلنّ غربلة و لتساطن سوط القدر حتّى يعود أسفلكم أعلاكم،و أعلاكم اسفلكم،و ليسبقن سابقون كانوا قصروا،و ليقصرن سباقون كانوا سبقوا.و اللّه ما كتمت و شمة،و لا كذبت كذبة،و لقد نبّئت بهذا اليوم و هذا المقام.ألا و إنّ الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها،و خلعت لجمعها فتقحمت بهم في النار فهم فيها كالحون.ألا و إنّ التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها فسارت بهم تأوّدا حتّى إذا جاءوا ظلا ظليلا فتحت أبوابها «وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ» (2).ألا
و قد سبقني هذا الأمر من لم أشركه فيه،و من ليست له منه توبة إلاّ بنبي يبعث، و لا نبي بعد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم أشفى منه على شفا جرف هار.فانهار به في نار جهنّم.أيّها الناس كتاب اللّه و سنّة نبيّه لا يرعى مرع إلاّ على نفسه.شغل من الجنة و النار أمامه.ساع نجا،و طالب يرجو،و مقصّر في النار،و لكلّ أهل، و لعمري لئن أمر الباطل لقديما فعل،و لئن قلّ الحقّ لربما و لعل،و لقلّما أدبر شيء فأقبل،و لئن ردّ أمركم عليكم إنّكم لسعداء،و ما علينا إلاّ الجهد.قد كانت امور مضت ملتم فيها ميلة كنتم عندي فيها غير محمودي الرأي،و لو أشاء أن أقول لقلت.عفا اللّه عمّا سلف.سبق الرجلان،و قام الثالث كالغراب همّه بطنه.
ويله!لو قصّ جناحاه و قطع رأسه كان خيرا له.شغل من الجنّة و النار أمامه.
ساع مجتهد،و طالب يرجو،و مقصّر في النار،ثلاثة و إثنان خمسة و ليس فيهم سادس.ملك طائر بجناحيه،و نبيّ أخذ اللّه بضبعيه.هلك من ادّعى،و خاب من افترى.اليمين و الشمال مضلّة،و وسط الطريق المنهج،عليه باقي الكتاب، و آثار النبوّة.ألا و إنّ اللّه قد جعل أدب هذه الامّة السوط و السيف،ليس عند إمام فيهما هوادة،فاستتروا ببيوتكم،و اصلحوا ذات بينكم،و التوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحق هلك.ألا و إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان و ما أخذه من بيت مال المسلمين فهو مردود عليهم في بيت مالهم،و لو وجدته قد تزوّج به النساء و فرّق في البلدان.فإنّه إنّ لم يسعه الحقّ فالباطل اضيق عنه (1)
شرح ابن ميثم 1:297. [1]
.و رواه( الارشاد الشيخ المفيد-الارشاد-ص 128 )عن أبي عبيدة مثل ما رواه البيان و رواه( عقد ابن عبد ربه-العقد الفريد-ج 4 ص 133 ابن عبد ربه)مثله لكن فيه:«منهج على امّ الكتاب»و رواه( عيون ابن قتيبة-عيون الاخبار-ج 2 ص 236 ابن قتيبة) لكن بدون زيادة ما عن الصادق عليه السلام،و في(العقد)و(العيون)«فلا يدّعينّ
1) 1)
مدّع إلاّ على نفسه» (1)
رواه المفيد في الارشاد:128 و [1]ابن عبد ربه في العقد الفريد 4:133 و [2]ابن قتيبة في عيون الاخبار 2:236 و لفظ العيون«لا يدعى مدع».
.و روى(روضة الكافي الكليني-الكافي-الروضة ج 8 ص 67،ح 23 ):عن القمي،عن أبيه،عن ابن محبوب،عن على بن رئاب،و يعقوب السّراج عن الصادق عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر.فقال:«الحمد للّه الّذي علا فاستعلى،و دنا فتعالى،و ارتفع فوق كل منظر-إلى أن قال-.
أما بعد،أيّها الناس!فإنّ البغي يقود أصحابه إلى النار،و إنّ أوّل من بغى على اللّه جل ذكره،عناق بنت آدم،و أوّل قتيل قتله عناق،و كان مجلسها جريبا من الأرض في جريب،و كان لها عشرون إصبعا في كلّ إصبع ظفران مثل المنجلين،فسلّط اللّه عزّ و جلّ عليها أسدا كالفيل،و ذئبا كالبعير و نسرا مثل البغل فقتلوها،و قد قتل اللّه الجبابرة على أفضل أحوالهم،و آمن ما كانوا، و أمات هامان و أهلك فرعون،و قد قتل عثمان.ألا و إنّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و الّذي بعثه بالحق-إلى أن قال-.
فلئن أمر الباطل،لقديما فعل،و لئن قلّ الحق،فلربّما و لعل،و لقلّما أدبر شيء فأقبل،و لئن ردّ عليكم أمركم إنّكم سعداء،و ما علي إلاّ الجهد،و انّي لأخشى أن تكونوا على فترة ملتم عنّي ميلة كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي،و لو اشاء لقلت.عفا اللّه عمّا سلف.سبق فيه الرجلان،و قام الثالث كالغراب همّه بطنه،ويله لو قصّ جناحاه،و قطع رأسه كان خيرا له.شغل عن الجنة و النار أمامه ثلاثة و إثنان خمسة ليس لهم سادس ملك يطير بجناحيه، و نبي أخذ اللّه بضبعيه،و ساع مجتهد،و طالب يرجو،و مقصّر في النار.اليمين و الشمال مضلّة،و الطريق الوسطى هي الجادّة،عليها باقي الكتاب،و آثار
1) 1)
النبوة.هلك من ادّعى،و خاب من افترى،إنّ اللّه أدّب هذه الامّة بالسيف و السوط،و ليس لأحد عند الامام فيهما هوادة.فاستتروا في بيوتكم، و أصلحوا ذات بينكم،و التوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحقّ هلك» (1)
الكافي 8:67،ح 23. [1]
.و رواه( إثبات المسعودي-اثبات الوصية-ص 126 المسعودي)مثله،و لكن فيه و قد قتل عثمان،و كان لي حقّ حازه من لم آمنه عليه،و لم أشركه فيه.فهو منه على شفا حفرة من النار لا يستنقذه منها إلاّ نبي مرسل يتوب على يديه،و لا نبيّ بعد محمّد (2).
و روى باب تمحيص( الكافي الكليني-الكافي-باب تمحيص ج 1 ص 369،ح 1 )،و( غيبة النعماني-الغيبة-ص 135 النعماني)من العنوان من«ألا و انّ بليّتكم قد عادت-إلى-و هذا اليوم» (3).
قول المصنّف «من كلام له عليه السلام لما بويع بالمدينة» هكذا في(المصرية) و الصواب:«و من خطبة له عليه السلام»-إلخ-كما في«حد،و ثم،و الخطية» (4)و يشهد له قول المصنّف بعد«و من هذه الخطبة ».
«ذمتي بما أقول رهينة» أي:متعهّدة .
«و أنا به زعيم» أي:كفيل،و الجملة لفظ القرآن (5).
«إنّ من صرّحت» أي:كشفت.و أمّا ما في(الصحاح):«صرح الحق عن محضه:أي انكشف» (6)فكما ترى.
«له العبر» أي:جمع العبرة.
«عمّا بين يديه» أي:عمّا يستقبله.
«من المثلات» جمع المثلة بالفتح فالضم أي:العقوبة.
«حجزته» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«حجزه»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 1:90 و شرح ابن ميثم 1:296 مثل المصرية أيضا.
:أي:منعه.«التقوى عن تقحّم الشبهات» التقحّم من تقحّم به المركب إذا لم يضبطه.
قال الشاعر:
أقول و الناقة بي تقحم (2)هذا،و ليس من أوّل العنوان إلى هنا في(مداركه)،و إنّما الجملة الاولى إلى«زعيم»من كلامه عليه السلام في البدع كما في(الإرشاد) (3)،و أمّا الجملة الثانية فلم أقف على موضعها .
«ألا و انّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّكم صلّى اللّه عليه و آله و سلم» هذا الكلام يدلّ على أنّ الإمامة كالنبوّة،و أنّه عليه السلام مثل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في امتحان اللّه تعالى الخلق به.ففي بعثة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم سبق جمع كانوا قصّروا،و قصّر جمع كانوا سبقوا.فاليهود كانوا يبشّرون الناس بظهور النبي الخاتم،و يوعدون الأوس و الخزرج به،فلمّا بعث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كفر به اليهود،و آمن به الأوس و الخزرج كما ورد في تفسير قوله تعالى «وَ لَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ» (4).
و كان اميّة بن أبي الصلت،و عبد اللّه بن جحش،و أبو عامر الأوسي ممّن آمن باللّه في الجاهلية،و لكن في الاسلام كفروا.
و كذلك بليّة الناس و امتحانهم كانت تعود عند قيام كلّ إمام من أئمّة الهدى عليهم السلام قال النوبختي في(فرقه):فلمّا قتل علي عليه السلام افترقت الفرقة الّتي ثبتت على إمامته،و انّها فرض من اللّه تعالى و رسوله فصاروا فرقا ثلاثا:فرقة قالت:إنّ عليّا عليه السلام لم يقتل و لم يمت،و لا يقتل و لا يموت حتّى يملأ الأرض عدلا و قسطا و هي السبائية،و فرقة قالت بامامة محمّد بن الحنفية لأنّه كان صاحب راية أبيه يوم البصرة دون أخويه و هي الكيسانية،و فرقة لزمت القول بإمامة الحسن عليه السلام ثم بعده بإمامة الحسين عليه السلام حتّى قتل فحارب فرقة من أصحابه، و قالت:اختلف فعل الحسن و فعل الحسين لأنّه إن كان الّذي فعله الحسن حقّا واجبا صوابا من موادعته مع معاوية مع كثرة أنصاره فما فعله الحسين من محاربة يزيد مع قلّة أنصاره كان باطلا،و إن كان ما فعله الحسين حقّا صوابا فقعود الحسن كان باطلا فشكّوا في امامتهما و رجعوا.
و اختلف القائلون بامامته بعد أبيه و أخيه.فقالت فرقة بامامة علي بن الحسين عليه السلام،و فرقة قالت:انقطعت الإمامة بعد الحسين عليه السلام انّما كانوا ثلاثة مسمّين بأسمائهم استخلفهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم،و فرقة قالت:انّ الإمامة صارت بعد الحسين عليه السلام في ولد الحسن و الحسين،من قام منهم و دعا إلى نفسه فهو الإمام و هم السرحوبية.
و لمّا توفي علي بن الحسين عليه السلام قال القائلون بإمامته بإمامة ابنه الباقر عليه السلام غير نفر يسير أصحاب عمر بن رباح.
و لمّا توفّي الباقر عليه السلام قالت فرقة بإمامة محمّد بن عبد اللّه المحض،و هم المغيرية،و قالت فرقة منهم بإمامة ابنه الصادق عليه السلام.
و لمّا توفي الصادق عليه السلام افترقت شيعته ستّ فرق:فرقة قالت:إنّه لم يمت و لا يموت و هم الناووسية،و فرقة قالت:الإمام بعده ابنه إسماعيل،و انّه لم يمت في حياة أبيه،و فرقة قالت:الإمام بعده محمّد بن إسماعيل لأنّ إسماعيل مات في حياته و هم المباركية،و قالت فرقة:إنّ الإمام بعده محمّد بن جعفر و هم السمطية،و قالت فرقة منهم:انّ الإمام بعده ابنه عبد اللّه الأفطح و هم الفطحية،و قالت فرقة:إنّ الإمام بعده ابنه الكاظم عليه السلام.
و لمّا توفّي الكاظم عليه السلام صارت الشيعة خمس فرق:فرقه قالت:إنّ الإمام بعده ابنه الرضا عليه السلام،و هم القطعية،لأنّها قطعت بوفاة أبيه،و قالت فرقة:إنّ الكاظم عليه السلام لم يمت و إنّه اختفى،و بعضهم قال:مات و رجع،و بعضهم قال:لا يرجع إلاّ وقت قيامه،و بعضهم قال:مات و رفعه اللّه،و ينزل عند قيامه.و كلهم الواقفة،و فرقة قالت:غاب،و استخلف محمّد بن بشير إلى أن يرجع و هم البشيرية.
و لمّا مات الرضا عليه السلام قالت فرقة:إنّ الامام بعده ابنه الجواد عليه السلام، و فرقة قالت:أخوه أحمد لكون الجواد عليه السلام إذ ذاك ابن سبع.
و لمّا توفّي الجواد عليه السلام قالت شيعته بامامة ابنه الهادي عليه السلام سوى شرذمة قالوا بإمامة أخيه موسى بن محمّد مدّة ثمّ رجعوا إليه عليه السلام.
و لمّا توفي الهادي عليه السلام قالت فرقة:إنّ الامام بعده ابنه محمّد،و إنّه لم يمت في حياة أبيه،و قالت فرقة:إنّ الإمام بعده الحسن ابنه عليه السلام،و قال نفر يسير بإمامة أخيه جعفر.
و لمّا توفّي الحسن عليه السلام افترق أصحابه أربع عشرة فرقة:الأولى:أنّه لم يمت،و الثانية:أنّه مات و عاش،و الثالثة:أنّ الامام بعده أخوه جعفر منه
و الرابعة:أنّه جعفر من قبل أبيه-إلخ (1)
هذا حاصل كلام النوبختي في كل الكتاب فرق الشيعة.
.كما أنّه تعود بلية الناس عند قيام القائم عليه السلام.فعن الصادق عليه السلام:إذا خرج القائم عليه السلام خرج من هذا الأمر من كان يرى أنه من أهله،و دخل فيه شبه عبدة الشمس و القمر (2).
كما أنّ بلية الناس في أمير المؤمنين عليه السلام كانت مرّتين:وقت قيامه كما قاله هنا،و بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و بيعة أبي بكر .
«و الّذي بعثه» أي:النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
«بالحق لتبلبلنّ بلبلة» بالفتح قال الجوهري:تبلبلت الألسن أي:
اختلطت (3).
«و لتغربلنّ غربلة» أي:تجعلون في الغربال كالدقيق يغربل .
«و لتساطنّ» أيّ:تقلّبنّ.
«سوط» أي:تقلب.
«القدر» يقال نحن نسوط هذا الأمر أي:نقلّبه ظهرا لبطن .
«حتى يعود أسفلكم أعلاكم و أعلاكم أسفلكم» في حياته عليه السلام و بعده.
روي عن الصادق عليه السلام قال:و اللّه لتكسّرنّ تكسر الزجاج،و انّ الزجاج ليعاد فيعود،و اللّه لتكسّرنّ تكسرّ الفخار،و إنّ الفخار ليكسرن و لا يعود كما كان،و و اللّه لتغربلن،و و اللّه لتميّزن،و و اللّه لتمحّصن حتّى لا يبقى منكم إلاّ الأقل.
و عن الباقر عليه السلام لتمحصن يا شيعة آل محمّد تمحيص الكحل في العين،
و إنّ صاحب الكحل يدري متى يقع الكحل في عينه،و لا يعلم متى يخرج منها و كذلك يصبح الرجل على شريعة من أمرنا،و يمسي و قد خرج منها،و يمسي على شريعة من أمرنا،و يصبح و قد خرج منها.
و عن أمير المؤمنين عليه السلام قال لشيعته:كونوا كالنحل في الطير.ليس شيء من الطير إلاّ و هو يستضعفها،و لو علمت الطير ما في أجوافها من البركة لم تفعل بها ذلك.خالطوا الناس بالسنتكم و أبدانكم،و زايلوهم بقلوبكم و أعمالكم،فو الّذي نفسي بيده ما ترون ما تحبّون حتّى يتفل بعضكم في وجوه بعض،و حتى يسمّي بعضكم بعضا كذّابين،و حتى لا يبقى منكم إلاّ كالكحل في العين،و الملح في الطعام.و سأضرب لكم مثلا و هو مثل رجل كان له طعام فنقّاه و طيّبه ثم أدخله بيتا،و تركه فيه ما شاء اللّه.ثم عاد إليه فإذا هو قد أصابه السوس.فأخرجه و نقّاه و طيّبه ثم أعاده إلى البيت.فتركه ما شاء اللّه ثم عاد إليه فإذا هو قد أصابته طائفة من السوس.فأخرجه و نقّاه و طيّبه و أعاده،و لم يزل كذلك حتّى بقيت منه رزمة كرزمة الأندر لا يضرّه السوس شيئا،و كذلك أنتم تميّزون حتّى لا يبقى منكم إلاّ عصابة لا تضرّها الفتنة شيئا (1)
الاحاديث الثلاثة اخرجها النعماني في الغيبة:138-140. [1]
.«و ليسبقنّ سابقون كانوا قصّروا» أي:يسبق إلى إمامته حين توليته أمر الخلافة جمع كانوا قصّروا بعد رحلة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في حقّه.
و في رجال الكشي،قال الفضل بن شاذان:إنّ من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام أبو الهيثم بن التيهان،و أبو ايّواب،و خزيمة بن ثابت،و جابر بن عبد اللّه،و زيد بن أرقم،و أبو سعيد الخدري،و سهل بن حنيف، و البراء بن مالك،و عثمان بن حنيف،و عبادة بن الصامت.ثم ممّن دونهم قيس
1) 1)
بن سعد بن عبادة،و عدى بن حاتم،و عمرو بن الحمق،و عمران بن الحصين، و بريدة الأسلمي و بشر كثير (1)
اختيار معرفة الرجال:38.
.«و ليقصّرنّ سبّاقون كانوا سبقوا» كالزبير فإنّه بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم تخلّف عن بيعة أبي بكر مع أمير المؤمنين عليه السلام و سلّ سيفه قائلا لا يبايع إلاّ علي بن أبي طالب عليه السلام حتّى أخذوا سيفه و كسروه،و كان يعدّ في عداد الهاشميين و لكن بعد قيامه عليه السلام بالأمر كان أوّل من نكث بيعته مع صاحبه طلحة،و قال عليه السلام:ما زال الزبير منّا أهل البيت حتّى نشأ ابنه المشئوم (2)أي:
عبد اللّه ابن الزبير.
كما أنّ تميم البصرة كانوا في حرب الجمل معه عليه السلام،و أزدها مع عائشة،و في فتنة ابن الحضرمي الّذي بعثه معاوية إلى البصرة صاروا بالعكس.
و قال الخوئي المراد بقوله عليه السلام «و ليقصّرن سبّاقون كانوا سبقوا» أهل الجمل،و أهل الشام،و أهل النهروان (3)و هو كما ترى بلا ربط.
هذا،و ممّن قصّر في أمر الدين بعد سبقه لا معه عليه السلام محمد بن مناذر الشاعر اللغوي قالوا:كان في أوّل أمره ناسكا يتألّه.ثم ترك ذلك،و هجا الناس و تهتّك،و عن يحيى بن معين أنّه كان يرسل العقارب في المسجد بالبصرة حتّى تلسع الناس:و كان يصبّ المداد بالليل في اماكن الوضوء حتّى تسودّ وجوههم .
«و اللّه ما كتمت» بصيغة المجهول:أي:من قبل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
«وشمة» أي:كلمة كما عن ابن السكّيت (1)
رواه عنه الجوهري في صحاح اللغة 5:2052، [1]مادة(وشم).
،و الأصل فيه شيء حقير كلمة أو غيرها يقال«ما أصابتنا العام وشمة»أي:قطرة،و يقال«ما عصيتك وشمة»أي:أدنى معصية.«و لا كذبت» أيضا مجهولا.
«كذبة» أي:من طرف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ما أخبرني.
و في(تاريخ بغداد):عن أبي جحيفة قال علي عليه السلام حين فرغنا من الحرورية:«إنّ فيهم رجلا محدجا ليس في عضده عظم أو في عضده حلمة كحلمة الثدي عليها شعرات طوال عقف فالتمسوه.فلم يوجد،و أنا في من يلتمس،فما رأيت عليا جزع جزعا قطّ أشدّ من جزعه يومئذ.فقالوا:ما نجده يا أمير المؤمنين قال:ويلكم!ما اسم هذا المكان؟قالوا:النهروان.قال:كذبتم.إنّه لفيهم فالتمسوه-إلى أن قال-فالتمسناه في ساقية.فوجدناه فجئنا به.فنظرت إلى عضده ليس فيها عظم،و عليها حلمة كحلمة ثدي المرأة عليها شعرات طوال عقف (2).
و روى عن أبي الأحوص قال:كنّا مع علي يوم النهروان،فجاءت الحرورية فكانت من وراء النهر،فقال علي:و اللّه لا يقتل اليوم رجل،من وراء النهر ثمّ نزلوا فقالوا لعليّ:قد نزلوا قال:و اللّه لا يقتل اليوم رجل من وراء النهر فأعادوا عليه هذه المقالة-ثلاثا-كلّ ذلك يقول لهم على مثل قوله الأوّل.
فقالت الحرورية بعضهم لبعض:يرى علي أنّا نخافه،فأجازوا فقال علي لأصحابه:لا تحرّكوا هم حتّى يحدثوا حدثا-إلى أن قال بعد ذكر إخراجهم عبد اللّه بن خباب من منزله على شطّ النهر،و ذبحهم له كالشاة،
و سيلان دمه في الماء كالشراك ما اختلط،و طلبه منهم قاتله،و جوابهم أنّ كلّهم قاتله-فقال علي عليه السلام لأصحابه:دونكم القوم.فما لبثوا أن قتلوهم.فقال علي:اطلبوا في القوم رجلا يده كثدي.المرأة فطلبوه.فقالوا:ما وجدنا.فقال:
و اللّه ما كذبت و لا كذبت،و إنّه لفي القوم-الخبر (1)
رواه جمع كثير منهم المدائني في الكتاب الخوارج عنه شرح ابن أبي الحديد 1:203،شرح الخطبة 36 لكن لم أظفر به في تاريخ بغداد.
.«و لقد نبّئت بهذا المقام و هذا اليوم» أي:أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما كتم عنّي شيئا و أخبرني بكلّ ما يجرى علي،و قتل الناس لعثمان،و بيعتهم له،و إن كانت قريش غير راضيه بذلك،و كان المتقدّمون عليه من صدّيقهم و فاروقهم أسّسوا لهم ذلك بنصب عثمان لئلاّ يرجع الأمر إليه أبدا،و يكون متداولا بين بطون قريش و بني اميّة.
و لقد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخبره بالكلّ و الجزء،و غدر الامّة به بعده ثم انتقال الأمر إليه بعد ثالثهم حتّى بخصوصيات من ينصره،و يلحق بعسكره في معاركه.ففي(الطبري):روى الشعبي عن أبي الطفيل قال:قال علي عليه السلام (بالربذة لمّا أراد البصرة):يأتيكم من الكوفة إثنا عشر ألف رجل و رجل» فقعدت على نجفة ذى قار.فاحصيتهم.فما زادوا رجلا،و لا نقصوا رجلا (2).
و هذا أيضا دليل على بطلان أمر من تقدّم عليه،و حقّية خلافته،و كان أبو بكر تمنّى في حال احتضاره في ما تمنّى-كما روى ابن قتيبة و غيره-أنّه ليت سأل النبي هل كان له في الأمر نصيب (3).
و قد قال عمر كما رووا أنفسهم في يوم من أيّام خلافته:و اللّه ما أدرى
أخليفة أنا أم ملك؟فإن كنت ملكا فقد ورطت في أمر عظيم (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3:110،شرح الخطبة 226 و الطبري في تاريخه 3:279،سنة 23.
.و روى(تاريخ بغداد):أنّ عتبة بن غزوان كان يعتقده ملكا.فدعا اللّه أن يميته لئلاّ يكون واليا له فاستجيب له (2).و قد روى أبو أحمد العسكري أنّ عمر كان يخرج مع الوليد بن المغيرة في تجارة للوليد إلى الشام،و عمر يومئذ ابن ثماني عشرة سنة،و كان يرعى للوليد إبله،و يرفع أحماله،و يحفظ متاعه.فلمّا كان بالبلقاء لقيه رجل من علماء الروم فجعل ينظر إليه،و يطيل النظر.ثم قال:أظن يا غلام اسمك عامر أو عمران أو نحو ذلك.قال:اسمي عمر.قال:اكشف عن فخذيك.فكشف.فإذا على أحدهما شامة سوداء في قدر راحة.الكف فسأله أن يكشف عن رأسه.
فإذا هو أصلع.
فسأله أن يعتمد بيده.فإذا هو أعسر أيسر.فقال:له:أنت ملك العرب فضحك عمر مستهزئا فقال:أو تضحك؟و حقّ مريم البتول أنت ملك العرب، و ملك الفرس و الروم.فتركه عمر و انصرف مستهينا بكلامه.فكان عمر بعد ذلك يحدّث و يقول:تبعني ذلك الرومي راكب حمار.فلم يزل معي حتّى باع الوليد متاعه و قفل (3).
و إنّما أخبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بتصدّيهما للخلافة كما أخبر بتصدّي بني اميّة الشجرة الملعونة للخلافة أخبر بذلك بنتيهما،و اشترط عليهما عدم إظهاره فأظهرتا سرّه،قال البلاذري في(تاريخه):حدّث هشام الكلبي عن أبيه عن أبي صالح،عن ابن عباس في قوله تعالىc «وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ»
«حَدِيثاً فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَ أَظْهَرَهُ اللّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ إِنْ تَتُوبا إِلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ» (1)
التحريم:3 و 4. [1]
انّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم أسرّ إلى حفصة أنّ أبا بكر يلي الأمر بعده،و أنّ عمر و إليه بعد أبي بكر،فأخبرت بذلك عائشة-الخبر (2).و في(الكشّاف)في تفسير الآية،روي أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم خلا بمارية في يوم عائشة و علمت بذلك حفصة.فقال لها:اكتمي عليّ،و قد حرّمت مارية على نفسي،و ابشّرك أنّ أبا بكر و عمر يملكان بعدي أمر أمّتي.فأخبرت به عائشة، و كانتا متصادقتين-و قيل:خلا بها في يوم حفصة فأرضاها بذلك، و استكتمها فلم تكتم-إلى أن قال-و روي أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال لها:ألم أقل لك اكتمي عليّ؟قالت:و الّذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحا-إلخ (3).
فلو كان ملكهما حقا كان الواجب على النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم إعلانه،لا أن يشترط كتمانه و هو صار سببا لتكالبهما في طلب الأمر،و لو بإحراق فاطمة و الحسنين عليهم السلام و ضرب رقبة أمير المؤمنين عليه السّلام لو لم يستسلم.
كما أنّ الصادق عليه السّلام لمّا أخبر المنصور،و أخاه السفاح بنيلهما الأمر دون بني الحسن (4)صار سببا لتكالبه في الأمر و حبسه لبني الحسن و قتله لهم .
«ألا و إنّ الخطايا خيل شمس» جمع شموس .
«حمل عليها أهلها و خلعت لجمها» جمع لجام.
«فتقمّحت بهم» أي:طرحتهم.
«في النار» أي:نار جهنم.
روى(الكافي)عن الصادق عليه السّلام قال:كان أبي عليه السّلام يقول:ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة.إن القلب ليواقع الخطيئة،فما تزال به حتّى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله.
و عنه عليه السّلام في قوله اللّه تعالى «فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ» (1)
البقرة:175. [1]
قال:ما أصبرهم على فعل ما يعلمون أنّه يصيّرهم إلى النار.و عنه عليه السّلام:كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول:«لا تبدين عن واضحة،و قد عملت الأعمال الفاضحة،و لا يأمن البيات من عمل السيّئات».
و عنه عليه السّلام:«من همّ بسيّئة فلا يعملها فإنّه ربّما عمل العبد السيّئة فيراه الربّ تبارك تعالى فيقول:و عزّتي و جلالي لا أغفر لك بعد ذلك أبدا».
و عن الكاظم عليه السّلام:«حقّ على اللّه ألاّ يعصى في دار إلاّ أضحاها للشمس حتّى تطهّرها،و كلّما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعلمون أحدث للّه لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون،و أنّ للّه تعالى في كلّ يوم و ليلة مناديا ينادي مهلا مهلا عباد اللّه عن معاصي اللّه.فلو لا بهائم رتّع،و صبية رضّع، و شيوخ ركّع لصبّ عليكم العذاب صبّا،ترضّون به رضّا».
و عن الباقر عليه السّلام:«انّه ما من سنة أقل مطرا من سنة،و لكن اللّه يضعه حيث يشاء.إن اللّه عزّ و جلّ إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدّر لهم من المطر في تلك السنة إلى غيرهم،و إلى الفياض و البحار و الجبال،و إنّ اللّه ليعذّب الجعل في جحرها بحبس المطر عن الأرض الّتي هي بمحلها بخطايا من بحضرتها و قد جعل اللّه لها السبيل في سلك سوى محلة أهل المعاصي».
1) 1)
و عن الرضا عليه السّلام:«أوحى اللّه تعالى إلى نبي من الأنبياء إذا اطعت رضيت،و إذا رضيت باركت،و ليس لبركتي نهاية،و إذا عصيت غضبت،و إذا غضبت لعنت،و لعنتي تبلغ السابع من الورى».
و عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى: «فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا» (1)
سبأ:19. [1]
الآية:«هؤلاء قوم كانت لهم قرى متّصلة ينظر بعضهم إلى بعض،و أنهار جارية و أموال ظاهرة.فكفروا نعم اللّه تعالى.فأرسل اللّه عليهم سيل العرم فغرّق قراهم،و خرّب ديارهم،و أذهب أموالهم،و أبدل مكان جنّاتهم جنّتين ذواتي أكل خمط،و أقل و شيء من سدر قليل،و قال تعالى «ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَ هَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ» » (2).و الخمط:ضرب من الأراك له حمل يؤكل،و الأثل:شجر نوع من الطرفاء.
و عنه عليه السّلام قال اللّه عزّ و جلّ:«إذا عصاني من عرفني سلّطت عليه من لا يعرفني،و انّ الرجل يذنب الذنب.فيحرم صلاة الليل،و انّ العمل السيىء أسرع في صاحبه من السكّين في اللحم»،و قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:«إنّ العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام،و إنّه لينظر إلى أزواجه في الجنّة يتنعّمن».
و عن الباقر عليه السّلام:«ما من عبد إلاّ و في قلبه نكتة بيضاء.فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء.فإن تاب ذهب ذلك السواد،و إن تمادى في الذنوب زاد ذاك السواد حتّى يغطّي البياض.فإذا تغطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا و هو قوله تعالى: «كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» » (3).
«ألا و إنّ التقوى مطايا» أي:مراكب.
«ذلل» جمع ذلول .
«حمل عليها أهلها و اعطوا ازمّتها» الأزمة:جمع الزمام .
«فاوردتهم الجنّة» قال جلّ و علا: «وَ أَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى» (1)
النازعات:40 و 41. [1]
.و في(الكافي):عن الصادق عليه السّلام:«إذا كان يوم القيامة يقوم عنق من الناس فيأتون باب الجنّة.فيضربونه.فيقال لهم:من أنتم؟فيقولون:نحن أهل الصبر.فيقال لهم:على ما صبرتم؟فيقولون:كنّا نصبر على طاعة اللّه،و نصبر عن معاصي اللّه.فيقول اللّه تعالى:صدقوا.أدخلوهم الجنّة،و هو قول اللّه تعالى:
«إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ» (2).
و عن الباقر عليه السّلام:أعينونا بالورع.يقول تعالى: «مَنْ يُطِعِ اللّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً» (3)و منّا النبيّ،و منّا الصّدّيق،و الشهداء،و الصالحون (4).
«حق و باطل» قد تواتر قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:«عليّ مع الحقّ،و الحقّ مع عليّ، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» (5).
و حيث لا واسطة بينهما.فلا بد أنّ من تقدّم عليه كان باطلا،و صرّح به في الخطبة على رواية الروضة و نقل ابن ميثم من قوله عليه السّلام:«ألا و قد سبقني إلى هذا الأمر من لم أشركه فيه،و من لم أهبه له،و من ليست له منه توبة إلا
بنبيّ يبعث،و لا نبي بعد محمّد صلى اللّه عليه و آله،أشرف منه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم» (1)
الكافي 8:68 و [1]شرح ابن ميثم 1:297. [2]
.«و لكلّ» من الحق و الباطل.
«أهل» كذلك كان من أوّل الدنيا،و كذلك يكون إلى الأبد «ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ » (2).
«فلئن أمر الباطل(حالا)لقديما فعل» أي:من القديم تصدّى للأمارة.
و المراد أنّ الثلاثة إن تقدّموا عليه،و استقرّ أمرهم و تزلزل أمره فليس بغرو لأنّه كان كذلك في جميع الأعصار بفرار الناس من أهل الحق،و اتّباعهم أهل الباطل،و لذا كان عليه السّلام يقول:«أيّها الناس!لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله.فانّ الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير و جوعها طويل» (3).
و كان عليه السّلام يحمل سيّدة النساء-صلوات اللّه عليها-على دابّة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة.فما أجابه أحد،مع سماعهم أقوال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم فيه و فيها عليه السّلام،و لمّا خرجت بنت أبي بكر على أمير المؤمنين عليه السّلام أجابها آلاف،من الناس مع قول اللّه عزّ و جلّ فيها: «وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى» (4)و ضرب اللّه تعالى لها و لصاحبتها مثل امرأة نوح و امرأة لوط .
«و لئن قل الحقّ فلربّما و لعلّ» يكثر بعد ذلك .
«و قلّما أدبر شيء فأقبل» فإنّه و إن رجع الأمر إليه عليه السّلام و قرّ الحقّ مقرّه إلاّ
أنّه كان محض صورة.فلم يتمكن عليه السّلام من ردع الناس عن بدع من تقدّم عليه، و لذا كان عليه السّلام يقول:«لو استقرّت قدماي لغيّرت أشياء» (1)
لفظ نهج البلاغة 4:66،و الحكمة 272« [1]لو قد استوت قدماي من هذه المداحض لغيرت أشياء».
و لم يتمكّن عليه السّلام من عزل عمالهم كمعاوية،و لم يستطع صدّ من أراد الخروج عليه كالزبير و طلحة حتّى أنّه عليه السّلام لمّا أراد منعهم عن صلاة النوافل بالليل جماعة في شهر رمضان لعدم فعل النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم له،و انّما أحدثه لهم عمر،لم يقبلوا و صاحوا و اعمراه.و قول المصنّف : «أقول:قال الشريف» هكذا في(المصرية)،و كلّه زائد و ليس من النهج أما«أقول»فليس في(ابن أبي الحديد،و ابن ميثم)رأسا،و أما «قال الشريف»:فإنّما قال ابن أبي الحديد إنشاء من نفسه«قال الرضي أبو الحسن»و قال ابن ميثم:«قال السيّد» (2).
«إنّ في هذا الكلام الأدنى» أي:الأقرب،و الظاهر كونه إشارة إلى كلامه عليه السّلام الأخير«فلئن أمر الباطل لقديما فعل،و لئن قلّ الحق فلربما و لعل و لقلّما أدبر شيء فأقبل»و يحتمل أن يكون إشارة إلى قوله قبله«الا و إنّ الخطايا...».فإنّه أيضا يصدق عليه الأدنى بالنسبة إلى أوّل الكلام.
«من مواقع الاحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان» و المراد لا يستطاع وصف حسنه.
هذا،و قال أبو الفضل الميكالي في وصف مكتوب«و كاد فرط التعجب مرة و عظم الإعجاب تارة يقف بي عند أوّل فصل من فصوله،و يثبّطني من استيفاء غرره و حجوله،و يوهمني أن المحاسن ما حوته قلائده،و نظمته فرائده.فليس في قوس احسان وراءها منزع،و لا لاقتراح جنان فوقها متطلع،
حتّى إذا جاوزته إلى لفقه و تزيينه،و أجلت فكري في نكته و عيونه،رأيت ما يحيّر الطرف و يعجز الوصف،و يعلو على الأوّل محلا و مكانا،و يفوته حسنا و إحسانا،فرتعت كيف شئت في رياضه و حدائقه،و اقتبست نور الحكمة من مطالعه و مشارقه،و سلّمت لمعانيه و ألفاظه فضيلة السبق و البراعة،و تلقّيتها بواجبها من النشر،و الإذاعة،فإنّها جمعت إلى حسن الإيحاز درجة الإعجاز، و إلى فضيلة الإبداع جلالة الموقع في القلوب،و الأسماع .
«إنّ حظّ العجب منه أكثر من حظّ العجب به» قال الطائي:
أبدت أسى إن رأتني مخلس القصب و آل ما كان من عجب إلى عجب
«و فيه مع الحال الّتي وصفنا» من عدم بلوغ مواقع استحسانه.بمواقع إحسانه،و كون حظّ العجب منه أكثر من حظّ العجب به.
«زوائد من الفصاحة» في اللفظ و المعنى.لأنّ المراد بالفصاحة في كلامه ما يعمّ البلاغة.
«لا يقوم بها لسان» لأدائها.
«و لا يطّلع فجّها» قال الجوهري:الفجّ:الطريق الواسع بين الجبلين (1)
صحاح اللغة 1:333، [1]مادة(فجج).
.«انسان» للوقوف عليها .
«و لا يعرف ما أقول» هكذا في(المصرية)نسخة(ابن أبي الحديد)و لكن في(ابن ميثم و الخطية):«أقوله»:أي في وصف ذاك الكلام الأدنى (2).
«إلاّ من ضرب في هذه الصناعة» أي:صناعة البلاغة.
«بحقّ» لا مجرد ظاهر .
«و جرى فيها على عرق» حتّى صار من أهل التعمق فيها.
«و ما يعقلها» أي:صفة الضرب فيها بحقّ،و الجري فيها على عرق.
«إلاّ العالمون» بذاك الفن لا كلّ من ادّعى.
و حيث إنّ المصنّف قال: «لا يعرف ما أقول إلاّ من ضرب في هذه الصناعة بحق» رأيت نقل ما قاله الادباء على لسان أهل الصناعات في وصف صناعة الكلام بمناسبة صناعتهم.قالوا:«قال الصيرفي:خير الكلام ما نقدته يد البصيرة و جلته عين الروية،و وزنته بمعيار الفصاحة.فلا نظر يزيفه،و لا سماع يهرجه.
و قال الجوهري:أحسن الكلام نظاما ما ثقبته يد الكفرة.و نظمته الفطنة و وصل جوهر معانيه في سمّو ألفاظه.فاحتملته نحور الرواة.
و قال العطّار:أطيب الكلام ما عجن عنبر الفاظه بمسك معانيه.ففاح نسيم نشقه،و سطعت رائحة عبقه،فتعلّقت به الرواة،و تعطّرت به السراة.
و قال الصائغ:خير الكلام ما أحميته بكير الفكر،و سبكته بمشاغل النظر،و خلّصته من خبث الإطناب.فبرز بروز الابريز في معنى و جيز.
و قال الحدّاد:أحسن الكلام ما نصبت عليه منفخة القريحة،و اشعلت عليه نار البصيرة.ثم أخرجته من فحم الاقحام،و رققته بفطيس الأفهام.
و قال النجار:خير الكلام ما أحكمت نجر معناه بقدوم التقدير.و انشرته بمنشار التدبير.فصار بابا لبيت البيان،و عارضة لسقف اللسان.
و قال الخياط:البلاغة قميص فجر بانه البيان،وجيبه المعرفة،و كمّاه الوجازة،و دخاريصه الأفهام،و دروزه الحلاوة،و لا بسه جسد اللفظ،و روح المعنى.
و قال البزاز:أحسن الكلام ما صدق رقم ألفاظه،و حسن نشر معانيه.
فلم يستعجم عليك نشر،و لم يستبهم عليك طيّ.
و قال النجّاد:أحسن الكلام ما لطفت رفارف ألفاظه،و حسنت مطارح معانيه،فتنزهت في زرابيّ محاسنه عيون الناظرين،و أصاخت لنمارق بهجته آذان السامعين.
و قال الصبّاغ:أحسن الكلام ما لم تنض بهجة ايجازه،و لم تكشف صبغة إعجازه.قد صقلته يد الرويّة من كمبود الاشكال.فراع كواعب الآداب و أنف عذارى الألباب.
و قال الحائك:أحسن الكلام ما اتصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه.
فخرج مفوّفا منيّرا،و موشّى محرّرا.
و قال الماتح:أبين الكلام ما علقت و ذم ألفاظه ببكرة معانيه.ثم أرسلته في قليب الفطن.فامتحت به سقاء يكشف الشبهات.و استنبطت به معنى يروي من ظمأ المشكلات.
و قال الرائض:خير الكلام ما لم يخرج عن حدّ التخليع إلى منزلة التقريب إلاّ بعد الرياضة،و كان كالمهر الّذي أطمع أوّل رياضته في تمام ثقافته.
و قال الجمّال:البليغ من أخذ بخطام كلامه.فأناخه في مبرك المعنى ثم جعل الاختصار له عقالا،و الإيحاز له مجالا.فلم يندّ عن الآذان،و لم يشذّ عن الأذهان.
و قال المخنّث:خير الكلام ما تكسّرت أطرافه،و تثّنت أعطافه،و كان لفظه حلّة،و معناه حلية.
و قال الخمّار:أبلغ الكلام ما طبخته مراجل العلم،و صفّاه راوق الفهم و ضمّته،دنان الحكمة.فتمشّت في المفاصل عذوبته،و في الافكار رقّته،و في العقول حدّته.
و قال الفقاعي:خير الكلام ما روّحت ألفاظه غباوة الشك،و رفعت رقّته فظاظة الجهل.فطاب حساء فتنته،و عذب مصّ جرعته.
و قال الطبيب:خير الكلام ما إذا باشر دواء بيانه سقم الشبهة.استطلقت طبيعة الغباوة.فشفي من سوء التفهّم،و اورث صحّة التوهّم.
و قال الكحّال:كما أنّ الرمد قذى الأبصار.فكذا الشبهة قذى البصائر فاكحل عين اللكنة بميل البلاغة،و اجل رمص الغفلة بمرود اليقظة.
و أجمعوا كلهم على أن أبلغ الكلام ما إذا أشرقت شمسه.انكشف لبسه، و إذا صدقت أنواؤه.أخضرت أنحاؤه.
قول المصنّف : «و من هذه الخطبة شغل» أي:عن الاهتمام بالامور الراجعة إلى الدنيا.
«من» أي:الذي.
«الجنّة و النار أمامه» فيجعل همّه في حيازة الجنّة،و الاحتراز عن النار.و عن الباقر عليه السّلام بكى أبو ذر من خشية اللّه عزّ و جلّ حتى اشتكى بصره.فقيل له:يا ابا ذر لو دعوت اللّه أن يشفي بصرك.فقال:إنّي عنه لمشغول في ما هو أكبر منه همّي.قالوا:و ما يشغلك عنه.قال:العظيمتان الجنّة و النار (1)
أخرجه الصدوق في الخصال 1:39،ح 25،باب الاثنين عن الباقر عليه السّلام و أخرجه الكشي في معرفة الرجال، اختياره:28،ح 54 و غيره عن الكاظم عليه السّلام.
.و قال عليه السّلام:لا تنسوا الموجبتين في دبر كلّ صلاة قيل:و ما الموجبتان؟ قال:تسأل اللّه الجنّة و تعوذ باللّه من النار (2)-و في خبر آخر ما معناه أن المصلّي لو لم يسأل اللّه الجنّة بعد صلاته و لم يستعذ به من النار.قالتا-أي
بلسان الحال-ما أجهله بنعمي،و ما أغفله عن نقمي (1)
روى هذا المعنى من طرق عديدة الحر العاملي في الوسائل 4:1039،باب 22 و [1]المحدث النوري في المستدرك 1: 342،باب 20.
.و في(الطبري)-بعد ذكر أنّ الحر سأل ابن سعد هل أنت مقاتل الحسين؟فقال له:نعم-أنّ الحر أخذ يدنو من الحسين عليه السّلام قليلا قليلا.فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أوس:ما تريد؟أ تريد أن تحمل؟فسكت و أخذه مثل العرواء.فقال له المهاجر:و اللّه إنّ أمرك لمريب.و اللّه ما رأيت منك في موقف قطّ مثل شيء أراه الآن،و لو قيل لي:من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك.فما هذا الّذي أرى منك؟قال:إنّي و اللّه اخيّر نفسي بين الجنّة و النار، و و اللّه لا أختار على الجنّة شيئا،و لو قطّعت و حرّقت.ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين عليه السّلام (2).
«ساع» في أمر الآخرة.
«سريع» في العمل.
«نجا» من النار.
قال جلّ و علا: «وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ » (3).
«و طالب» لأمر الآخرة.
«بطيء» في العمل.
«رجا» أن تكون له نجاة و ليس بحتم.
قال تعالى: «وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَ آخَرَ»
«سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (1)
التوبة:102. [1]
.«وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » (2).
«و مقصّر» أي:مفرّط في أمر آخرته.
«في النار هوى» أي:سقط و هلك.
قال جل اسمه: «بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» (3).
هذا،و قد عرفت أنّ ابن أبي الحديد روى بعد ما مرّ زيادة«ثلاثة و اثنان ملك طار بجناحيه و نبي أخذ اللّه بيده لا سادس»و مثله ابن ميثم حيث روى بعد ما مرّ«ثلاثة و اثنان خمسة و ليس فيهم سادس ملك طائر بجناحيه و نبي أخذ بضبعيه» (4).
و الصواب رواية الكليني من جعل الزيادة قبل ما مرّ من قوله عليه السّلام «ساع سريع-إلى-في النار هوى» فقد عرفت أنّه روى كلامه عليه السّلام هكذا:«ثلاثة و إثنان خمسة ليس لهم سادس.ملك يطير بجناحيه،و نبي أخذ اللّه بضبعيه، و ساع مجتهد،و طالب يرجو،و مقصّر في النار» (5).
فإنّ رواية ابن أبي الحديد و رواية ابن ميثم تحتاجان إلى تكلّف كثير في معنى«ثلاثة و اثنان»بأن يكون الأصل«من مرّ ثلاثة و من يأتي اثنان»و هو كما ترى بعيد عن كلام مثله عليه السّلام لخروجه عن الفصاحة بخلاف رواية الكليني
ففي كمال المناسبة و الربط.
و كيف كان،فقال ابن أبي الحديد:«كلامه عليه السّلام يقتضي أنّ العصمة ليست إلاّ للأنبياء و الملائكة،و لو كان الامام يجب أن يكون معصوما لكان قسما سادسا و قد نفاه» (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:92،و [1]النقل بتصرف يسير.
.قلت:بل لا يقتضي ما قاله لأنّ الإمام حاله حال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم فقوله «و نبي أخذ اللّه بيده»يدلّ عليه بادلالة العرفية بالاقتصار على أظهر الفردين و إرادة الأعم كما هو المتداول في المحاورات.فهما من سنخ واحد النبي الآتي بالشريعة و الإمام الحافظ للشريعة.
و لرعاية السنخية قال عليه السّلام«ثلاثة و اثنان»و لم يقل«خمسة»نعم على عقيدتهم في من نصبوه إماما حتّى ذي نوريهم يمكن أن يكون الإمام داخلا في قوله عليه السّلام: «و مقصّر في النار هوى» لقوله تعالى: «وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ » (2).
«اليمين و الشمال مضلّة و الطريق الوسطى هي الجادّة» بتشديد الدال قال تعالى: «وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ » (3).
«عليها باقي الكتاب» أي:الكتاب الباقي من اضافة الصفة.ثم يصدّق المتن من لفظ الجملة رواية ابن أبي الحديد و رواية الروضة و ابن ميثم (4)و لكن عرفت أنّ العقد رواه بلفظ«منهج عليه أمّ الكتاب» (5)قال جلّ و علا: «الْحَمْدُ لِلّهِ»
«الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً» (1)
الكهف:1. [1]
.«و آثار النبوّة» «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » (2).
«و منها منفذ السنّة و إليها مصير العاقبة» الجملتان ليستا في رواية ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الروضة و غيرها (3)-ثم إنّ الضميرين في«منها»و«إليها» راجعان إلى الطريق الوسطى الّتي هي الجادة.قال تعالى: «يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (4).
قال ابن أبي الحديد:مثل كلامه عليه السّلام خطبة عمر في سنة قتله«قد سننت لكم السنن و فرضت لكم الفرائض،و تركتكم على الواضحة الاّ أن تميلوا بالناس يمينا و شمالا» (5).
قلت:هل كان نبيّا حتّى يسنّ هو لهم السنن و يفرض لهم الفرائض؟نعم هو غيّر سنن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و فرائض القرآن.فقال في خطبته:«متعتان كانتا على عهد رسول اللّه عليه السّلام و أنا أنهى عنهما،و أعاقب عليهما» (6).
ثم كيف تركهم على الواضحة،و هو لم يكن يعرف الطريق من غير
1) 1)
2) 2) الجمعة:2. [2]
3) 3) توجد الجملتان في شرح ابن أبي الحديد 1:91 و [3]شرح ابن ميثم 1:302 [4] لكن لم توجدا في الكافي 8:68 و [5]في البيان و التبيين 2:50 و ان جاء فيهما ما قبله و ما بعده.
4) 4) الأعراف:157. [6]
5) 5) شرح ابن أبي الحديد 1:92. [7]
6) 6) أخرجه الطحاوى في مشكل الآثار و أبو صالح في نسخته عنهما منتخب كنز العمال 6:404 و غيرهما.
الطريق ففي(تاريخ بغداد)في الهياج بن بسطام قال أبو سعيد الخدري خطبنا عمر.فقال:«إنّي لعلّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم.و آمركم بأشياء لا تصلح لكم و انّ من آخر القرآن نزولا آية الربا و انّه قد مات النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و لم يبيّنها لنا » (1)
رواه الخطيب في تاريخ بغداد 14:81 و [1]يعنى بآية الربا آيتي 275-276 من سورة البقرة.
.«هلك من ادعى» ما ليس له .
«و خاب من افترى» هو لفظ القرآن،قال تعالى: «قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَرى» (2).
قال ابن أبي الحديد:كأنّه يقول هلك من ادّعى الإمامة،و روي من اقتحمها:و لجها عن غير استحقاق لأنّ كلامه عليه السّلام في هذه الخطبة كلّه كنايات عن الإمامة لا عن غيرها (3).
قلت:و فيها تعريضات بل تصريحات بهلاكة الثلاثة كما رواه الجاحظ و أبو عبيدة و الكليني (4)،و لا سيما مع ما في ذيلها«ألا إنّ أبرار عترتي...»كما مرّ .
«من أبدى صفحته للحقّ هلك» قال ابن أبي الحديد:«و في رواية من أبدى صفحته للحق هلك عند جهله الناس و التأويل المختلف فمراده على الرواية و هي الصحيحة«من كاشف الحقّ مخاصما له هلك،و هي كلمة جارية مجرى المثل و مراده على الرواية الثانية من أبدى صفحته لنصرة الحق غلبه أهل الجهل لأنّهم العامة و فيهم الكثرة» (5).
قلت:الصواب الاولى:و ان اقتصر ابن ميثم على الثانية لأنّه لم يذكر أبو عبيدة و المفيد و المسعودي و الكليني و ابن ميثم في أصل العنوان غير الاولى (1)
البيان و التبيين 2:50 نقلا عن أبي عبيدة و إرشاد المفيد:128 و اثبات المسعودي:126 و كافي الكليني 8:68 و شرح ابن ميثم 1:302 و 307.
.و لأنّه كرّر المصنّف الفقرة سهوا في الحكمة(188)كالاولى بلا خلاف (2)،و لأنّه لا معنى للثاني،و ما قاله ابن أبي الحديد في معناه بلا محصّل بل الزيادة مفسدة.فانّ من أبدى صفحته يهلك في الواقع لا عند الجهلة.فإنّه مساوق لقوله عليه السّلام«من صارع الحق صرعه» (3).
و بالجملة،لا ريب في أنّ المراد من إبداء الصفحة كشف مخاصمته.
ففي كتاب معاوية إلى مروان في أمر الحسين عليه السّلام«فاكمن عنه ما لم يبد لك صفحته».
و في خطبة زياد البتراء:«انّي لو علمت أنّ أحدكم قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا و لم اهتك له سترا حتّى يبدي لي صفحته،فإن فعل ذلك لم انظره».
و في كتاب الوليد بن عقبة إلى معاوية في الطلب بدم عثمان:«إنّا على مداحاة و لمّا نبدأ صفحتنا بعد».
و في خطبة النعمان بن بشير لمّا سمع باختلاف الشيعة إلى مسلّم في الكوفة:«إنّي لا اقاتل من لا يقاتلني،و لكن إن أبديتم صفحتكم و نكثتم بيعتكم اقاتلكم ».
«و كفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره» هذه الفقرة و الاثنتان بعدها،
و الأخيرتان ليست في شيء من أسانيد العنوان كما عرفت،و إنّما الاثنتان بعدها جزء كلامه عليه السّلام في عنوان«من يتصدّى للحكم» (1)
نهج البلاغة 1:196،الخطبة 101. [1]
.و كيف كان فهو كالمثل،و من أمثالهم:«كفى بالشك جهلا» (2)و«كفى بالمشرفية واعظا» (3)و«كفى برغائها مناديا» (4).
و إنما يكفيه جهلا عدم عرفان قدره لأنّه يؤدّي به إلى الهلكة بقول ما ليس له قوله و فعل ما ليس له فعله .
«لا يهلك على التقوى سنخ أصل» في(الأساس):«سنخت:ائتكلت اصولها، و طعام سنخ و أصله من سنخ الاسنان» (5)هو أيضا كالمثل.
قال جلّ و علا: «وَ مَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» (6)«وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا » (7).
«و لا يظمأ عليها زرع قوم» هو أيضا كالمثل و قال جلّ و علا: «تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا » (8).
«فاستتروا ببيوتكم و أصلحوا ذات بينكم» يعني عوضا من أن تعلنوا عداوتكم فتهلكوا كما فعل طلحة و الزبير،استتروا ببيوتكم لإصلاح ذات بينكم لكونه سبب نجاتكم.
1) 1)
2) 2) أورده الزمخشري في المستقصى 2:221 و [2]الميداني في مجمع الامثال 2:161.
3) 3) أورده الميداني في مجمع الامثال 2:162. [3]
4) 4) أورده الزمخشري في المستقصى 2:221 و [4]الميداني في مجمع الامثال 2:142. [5]
5) 5) أساس البلاغة:221، [6]مادة(سنخ).
6) 6) الطلاق:2 و 3. [7]
7) 7) مريم:71-72. [8]
8) 8) مريم:63. [9]
«و التوبة من ورائكم» أي:التوبة من تقديمكم الثلاثة.فقد عرفت أنّ في الأصل«قد كانت امور لم تكونوا عندي فيها محمودين ».
«و لا يحمد حامد» في ما يعمل من الخير.
«إلاّ ربّه» حيث وفقّه،لا نفسه .
«و لا يلم لائم» في ما يعمل من الشرّ.
«إلاّ نفسه» حيث اختار بسوء طويّته الشرّ.
«وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» (1)
النساء:78 و 79. [1]
.هذا و يأتي (2)شرح باقي الفقرات الّتي كانت في الأسانيد دون النهج فذكرها المصنّف ثمّة.
من الخطبة(87)
بعد كلامه عليه السّلام في بعثة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم:
فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللَّهِ- وَ اذْكُرُوا تِيكَ الَّتِي آبَاؤُكُمْ وَ إِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ- وَ عَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ- وَ لَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَ لاَ بِهِمُ الْعُهُودُ- وَ لاَ خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمُ الْأَحْقَابُ وَ الْقُرُونُ- وَ مَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ كُنْتُمْ فِي أَصْلاَبِهِمْ بِبَعِيدٍ-.وَ اللَّهِ مَا أَسْمَعَكُمُ؟الرَّسُولُ؟ شَيْئاً- إِلاَّ وَ هَا أَنَا ذَا الْيَوْمَ مُسْمِعُكُمُوهُ- وَ مَا أَسْمَاعُكُمُ الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِكُمْ بِالْأَمْسِ- وَ لاَ شُقَّتْ لَهُمُ الْأَبْصَارُ- وَ لاَ جُعِلَتْ لَهُمُ الْأَفْئِدَةُ فِي ذَلِكَ الْأَوَانِ- إِلاَّ وَ قَدْ أُعْطِيتُمْ
مِثْلَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ- وَ اللَّهِ مَا بُصِّرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ- وَ لاَ أُصْفِيتُمْ بِهِ وَ حُرِمُوهُ- وَ لَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ جَائِلاً خِطَامُهَا رِخْواً بِطَانُهَا- فَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ- فَإِنَّمَا هُوَ ظِلٌّ مَمْدُودٌ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ «فاعتبروا عباد اللّه و اذكروا تيك» :أي:تلك.قال الجوهري:«تا»:اسم يشار به إلى المؤنث،فإن خاطبت جئت بالكاف فقلت:«تيك» (1)
صحاح اللغة 6:2547، [1]مادة(تا)،و النقل بتقطيع.
.«التي آباؤكم و إخوانكم» الذين مضوا.
«بها» الآن.
«مرتهنون» «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» (2)، «كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ » (3).
«و عليها» أي:على تلك الأعمال.
«محاسبون» «وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ» (4)«وَ أَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَ لَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ » (5).
«و لعمرى ما تقادمت» أي:ما صارت قديمة.
«بكم و لا بهم العهود» أي:الأعصار من قولهم:«كان ذلك على عهد فلان» أي عصره .
«و لا خلت» أي:مضت.
«في ما بينكم و بينهم الأحقاب» أي:الدهور.
«و القرون» أي:الأزمنة.قال الشاعر:
إذا ذهب القرن الّذي أنت فيهم و خلّفت في قرن فأنت غريب (1)
اورده لسان العرب 13:334، [1]مادة(قرن).
«و ما أنتم اليوم من يوم كنتم في أصلابهم ببعيد» قال تعالى حاكيا عن شعيب: «وَ يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَ ما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ » (2).
«و اللّه ما أسمعهم الرسول» هكذا في(المصرية)،و سقط منها بعده:«صلى اللّه عليه و آله»كما يشهد له(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (3).
«شيئا» فقال لهم في حجّة الوداع:«ما من شيء يقرّبكم من الجنّة و يباعدكم من النّار الاّ و قد أمرتكم به» (4).
«الا و ها انا ذا اليوم مسمعكموه» ففي(تفسير الثعلبي)كما نقل عنه(تذكرة سبط ابن الجوزي)قال زاذان:سمعت عليّا عليه السّلام يقول:و الّذي فلق الحبّة،و برأ النسمة لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوارتهم،و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم،و بين أهل الزبور بزبورهم،و بين أهل الفرقان بفرقانهم، و الّذي نفسي بيده ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلاّ و أنا أعرف له آية تسوقه إلى الجنّة أو تقوده إلى النار.فقال له رجل:فما آيتك الّتي انزلت فيك؟فقال عليه السّلام: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» (5)
فالنبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم على بيّنة و أنا شاهد منه (1)
تذكرة الخواص:16. [1]
.«و ما أسماعكم اليوم بدون أسماعهم بالأمس» فإنّ السامعة الّتي أعطيت اولئك أعطاهم مثلها .
«و لا شقّت لهم الأبصار و لا جعلت» هكذا في(المصرية)،و الصواب:
«و جعلت»بدون لا،كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (2).
«لهم الأفئدة في ذلك الأوان» أي:الزمان .
«إلاّ و قد اعطيتم مثلها» من الأبصار و الأفئدة.
«في هذا الزمان» أي:فكيف سمعوا و أبصروا و عقلوا،و أنتم لا تسمعون و لا تبصرون و لا تعقلون .
«و اللّه» هكذا في(المصرية)،و الصواب«و و اللّه»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (3).
«ما بصّرتم بعدهم شيئا جهلوه،و لا اصفيتم به» أي:اوثرتم به.من:
أصفيته بالشيء إذا آثرت به.
«و حرموه» بأن يدّعوا أنّا لا نعمل كعملهم لأنّا بصّرنا شيئا كانوا هم جاهلين به،و اصفينا بشيء كانوا محرومين منه.
قال ابن أبي الحديد:يمكن أن يجيبه عليه السّلام مجيب بأنّ المخاطبين،و إن كانوا متساوين إلاّ أنّ المخاطبين مختلفون.فانّك و إن كنت ابن عمّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و أخاه و لحمه و دمه،و فضائلك مشتّقة من فضائله،و أنت قبس من نوره إلاّ أنّك لم ترزق القبول الّذي رزقه،و لا انفعك لك النفوس انفعالها له،
و تلك خاصية النبوّة الّتي امتاز بها عنك.فإنّه لا يسمع كلامه أحد إلاّ أحبّه و مال إليه،و لذلك كانت قريش تسمّى المسلمين قبل الهجرة الصابئة، و يقولون:تخاف أن يصبو الوليد بن المغيرة إلى دين محمّد،و لئن صبا الوليد، و هو ريحانة قريش،لتصبونّ قريش بأجمعها،و قالوا فيه:ما كلامه إلاّ السحر، و إنّه ليفعل بالألباب فوق ما يفعل الخمر،و نهوا صبيانهم عن الجلوس إليه لئلاّ يستميلهم بكلامه و شمائله،و كان إذا صلّى في الحجرة و جهر،يجعلون أصابعهم في آذانهم،و يستغشون ثيابهم،و لذا أسلم الناس بمجرد سماع كلامه و رؤيته،و مشاهدة روائه و منظره،و هذا من أعظم معجزاته،و هو القبول الّذي منحه اللّه تعالى،و الطاعة الّتي جعلها في قلوب الناس له،و ذلك على الحقيقة سرّ النبوّة الّتي تفرّد به النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم فكيف انتظر عليه السّلام من الناس أن يكونوا معه كما كان آباؤهم و إخوانهم مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:135،و [1]النقل بتصرف يسير.
؟! قلت:ليس الفرق بينهما ما ذكر،و إنّما الفرق أنّ الناس في أوّل الأمر كان من تبع منهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم تبعه طلبا للحقيقة و رفضا للخرافات و منكرات الجاهلية،و ليس في يدهم من الدنيا شيء،و في عصره عليه السّلام قست قلوبهم و كانت الدنيا أقبلت عليهم من كلّ وجه.و ما ذكره من تأثير كلام النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم إنّما كان من القرآن الّذي يقرأه عليهم فلمّا سألت قريش الوليد عن القرآن أي شيء هو؟قال لهم: «إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ» (2)و لم يكن من خاصية النبوّة،و إلاّ فقد قال تعالى: «يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» (3).
و مقصوده عليه السّلام من خطابه و عتابه أنّه كنفس النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم و فعل بهم ما فعل و قال لهم ما قال:و أتمّ عليهم الحجّة كما أتمّ،و ليست الخصوصيات بدخيلة،و إلاّ فجماعة غلوا في حقّه عليه السّلام لم يكونوا غلوا في حقّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و إنّما كان عليه السّلام يدعوهم إلى الحق المحض و الآخرة الخالصة،و لا يقنع لهم باللسان كما كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يقنع فنفروا عنه.فورد في تفسير قوله تعالى:
«إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» (1)
الرعد:7. [1]
انه عليه السّلام كان الهادي (2).و لو كان مجرّد المتابعة من خصوصيات النبوّة لكان أهل الدنيا أولى بالنبوّة.فإنّ الناس يميلون إليهم،و لو كانوا في غاية الفظاظة،و قد قال تعالى لنبيه صلى اللّه عليه و آله و سلّم: «وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» (3).
و لقد كانت المؤلّفة قلوبهم و المنافقون في كمال الموافقة مع الثلاثة المتقدّمين عليه عليه السّلام مع بغضهم للنبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و دخولهم في الدين كرها.
و الوليد شخصه لم يكن ريحانة قريش بل قالوا مخزوم-و هو منهم- ريحانة قريش،و لا معنى لإتيان حكم الكلّ للجزء،و إن كانا كليّا و جزئيا.
ثم ما قاله من القبول الّذي منحه اللّه تعالى نبيّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم.و الطاعة الّتي قال جعلها اللّه له في قلوب الناس لم نرهما في صدّيقه و فاروقه في جيش اسامة و في وصيته صلى اللّه عليه و آله و سلّم .
«و لقد نزلت بكم البلية» أي:البلاء.
«جائلا» أي:مضطربا.
«خطامها» أي:زمامها.
«رخوا بطانها» أي:الحزام الّذي يجعل تحت بطن البعير يقال:التقت حلقتا البطن إذا اشتد الأمر.
قال عليه السّلام ذلك لقيام معاوية في قباله،و اشتداد أمره بانحياز المنافقين إليه،و كونه ملاذا للمنحرفين عنه عليه السّلام،فمن أراد عليه السّلام أخذه بالحقّ،لحق بمعاوية،و قد كان المتقدّمون عليه أسّسوا ذلك له .
«فلا يغرّنكم ما أصبح فيه أهل الغرور.فانّما هو ظلّ ممدود إلى أجل معدود» قال تعالى: «يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَ اخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَ لا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ» (1)
لقمان:33. [1]
.و مراده عليه السّلام أن لا ينظر أصحابه إلى أهل الدنيا الذين يتركونه و يلحقون بمعاوية.قال عدي بن حاتم بعد رفع أهل الشام المصاحف:«أيّها الناس!إنّه و اللّه لو غير عليّ عليه السّلام دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه،و لا وقع بأمر قطّ إلاّ و معه من اللّه برهان،و في يده من اللّه سبب،و انّه وقف عن عثمان بشبهة، و قاتل أهل الجمل على النكث،و أهل الشام على البغي.فانظروا في اموركم و أمره.فإن كان له عليكم فضل و ليس لكم مثله فسلّموا له،و إلاّ فنازعوا عليه.
و اللّه لئن كان إلى العلم بالكتاب و السنّة،إنّه لأعلم الناس بهما،و إن كان إلى الاسلام إنّه لأخو نبي اللّه،و الرأس في الاسلام،و لئن كان إلى الزهد و العبادة، إنّه لأظهر الناس زهدا،و أنهكهم عبادة،و لئن كان إلى العقول و النحائز،إنّه لأشدّ الناس عقلا،و أكرمهم نحيزة،و لئن كان إلى الشرف و النجدة،إنّه لأعظم الناس شرفا و نجدة (2).
و في(البيان):قال رجل للحسن البصري:بلغنا أنّك تقول:لو كان عليّ بالمدينة يأكل من حشفها لكان خيرا له ممّا صنع.فقال له:يا لكع!أما و اللّه لقد فقدتموه سهما من مرامي اللّه.غير سؤوم لأمر اللّه،و لا سروقة لمال اللّه،أعطى القرآن عزائمه في ما عليه و له.فاحلّ حلاله،و حرّم حرامه،حتّى أورده ذلك رياضا مونقة،و حدائق مغدقة،ذلك علي بن أبي طالب،يا لكع (1)
رواه الجاحظ في البيان و التبيين 2:121 و [1]ابن عبد البر في الاستيعاب 3:47. [2]
.من الخطبة(180)
بعد الإشارة إلى المهدي عليه السّلام ثم قال:
أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ- الَّتِي وَعَظَ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ أُمَمَهُمْ- وَ أَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الْأَوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ- وَ أَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا- وَ حَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا- لِلَّهِ أَنْتُمْ- أَ تَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ- وَ يُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ «أيّها الناس!انّي قد بثثت لكم المواعظ الّتي وعظ الأنبياء بها اممهم» و ممّن كان من الأنبياء أو مثل الأنبياء لقمان الحكيم الّذي ينقل اللّه تعالى مواعظه في القرآن في قوله جلّ و علا: «وَ إِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ إِنَّ اللّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ» «إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَ لا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَ لا تَمْشِ»
1) 1)
«فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ» (1)
لقمان:13-19. [1]
.و ممّن كان في درجة الأنبياء مؤمن آل فرعون و قد نقل اللّه مواعظه في قوله جلّ ثناؤه: «وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللّهُ وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَ إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ وَ قالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَ مَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ وَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ عاصِمٍ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ وَ لَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ اَلَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّهِ وَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ» -إلى أن قال- «وَ قالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَ إِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ وَ يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَ تَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللّهِ وَ أُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَ لا فِي الْآخِرَةِ وَ أَنَّ مَرَدَّنا إِلَى»
1) 1)
«اللّهِ وَ أَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ فَوَقاهُ اللّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ» (1)
غافر:28-45. [1]
.«و ادّيت اليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم» قال الرضا عليه السّلام:قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:خلق اللّه عزّ و جلّ مئة ألف نبي و أربعة و عشرين ألف نبي أنا أكرمهم على اللّه و لا فخر،و خلق اللّه عزّ و جلّ مئة ألف وصي،و أربعة و عشرين ألف وصي فعليّ أكرمهم على اللّه و أفضلهم (2).
و روى ابن المغازلي عن ابن بريدة قال:قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:لكلّ نبي وصي و وارث و إنّ وصيي و وارثي عليّ بن أبي طالب (3).
و لكونه عليه السّلام فعل فعل جميع الأنبياء و الأوصياء في وعظ الناس و دعوتهم إلى اللّه تعالى،و ترغيبهم في دارهم الآخرة،قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم كما روى أحمد ابن حنبل«من أراد أن ينظر إلى آدم في حلمه،و إلى إبراهيم في خلّته،و إلى يحيى في زهده،و إلى موسى في بطشه-و في خبر في مناجاته- و إلى إدريس في تمامه و كماله و جماله.فلينظر إلى هذا الرجل المقبل»فتطاول الناس.فإذا هم بعليّ عليه السّلام كأنّما ينقلب في صبب،و ينحطّ من جبل (4).
قال ابن أبي الحديد:الأوصياء الذين يأتمنهم الأنبياء على الأسرار الإلهية و قد يمكن أن لا يكونوا خلفاء بمعنى الإمرة و الولاية.فإنّ مرتبتهم
أعلى من مراتب الخلفاء (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:517. [1]
.قلت:يمكن أن لا يكون للأنبياء أنفسهم إمرة و ولاية.فنوح و ابراهيم و موسى و عيسى،و هم من اولي العزم من الرسل لم يكن لهم إمرة و ولاية، و الإمرة و إن كانت حقّهم إلاّ أنّ جبابرة عصرهم لم يدعوها،و نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلّم و هو سيّد الرسل لم تكن له قبل هجرته إمرة،و الملك أمر وراء النبوّة و وراء و صاية النبوّة،يؤتيه اللّه من يشاء و ينزعه ممّن يشاء،و أمّا النبوّة و الوصاية، فأمران من اللّه لا يجعلهما إلاّ في نفس كاملة ملكوتية،و لا يمكن انتزاعهما منهما،و المتقدّمون على أمير المؤمنين عليه السّلام إنّما أخذوا منه سلطان النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و حكومته دون وصايته و خلافته.فتعبير ابن أبي الحديد من مراتب الخلفاء غلط .
«و أدّبتكم بسوطي فلم تستقيموا و حدوتكم بالزواجر» من حدوت الإبل إذا سقتها.
«فلم تستوسقوا» من استوسقت الإبل إذا اجتمعت.
روى(روضة الكافي)عن الاصبغ خطبة له عليه السّلام لما طلب منه عليه السّلام ولد أبي بكر و ابن عمر،و سعد بن أبي وقاص تفضيلهم في العطاء على غيرهم و في الخطبة:«و قد عاتبتكم بدرّتي الّتي أعاتب بها أهلي.فلم تبالوا،و ضربتكم بسوطي الّذي اقيم به حدود ربّي،فلم ترعووا،و تريدون أن أضربكم بسيفي أما انّي اعلم الّذي تريدون،و يقيم اودكم،و لكن لا أشتري صلاحكم بفساد نفسي بل يسلّط اللّه عليكم قوما،فينتقم لي منكم.فلا دنيا استمتعتم بها،و لا آخرة صرتم إليها،فبعدا و سحقا لأصحاب السعير (2).
و الشيء بالشيء يذكر،و قد رأيت أن أنقل بمناسبة كلامه عليه السّلام هذا قصّة المغيرة بن شعبة مع حجر بن عدي.فإنّها شبيهة بالصورة مع كلامه عليه السّلام، هذا و إن كانت في المعنى بالعكس.ففي(الطبري):أنّ معاوية لمّا ولّى المغيرة الكوفة في سنة(41)قال له:قد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة.فأنّا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضيني،و يسعد سلطاني،و لست تاركا إيصاءك بخصلة و هي أن لا تتحمّ عن شتم علي و ذمّه،و الترحّم على عثمان و الاستغفار له،و العيب على أصحاب عليّ و الإقصاء لهم،و ترك الاستماع منهم،و بإطراء شيعة عثمان،و الإدناء لهم و الاستماع منهم.فقال له المغيرة:
قد جرّبت و جرّبت،و عملت قبلك لغيرك.فلم يذمم بي دفع،و لا رفع و لا وضع فستبلو.فأقام عاملا سبع سنين و أشهرا،و هو من أحسن شيء سيرة،غير أنّه لا يدع ذم عليّ عليه السّلام و الوقوع فيه و العيب لقتلة عثمان،و اللعن لهم،و الدعاء لعثمان بالرحمة و الاستغفار له،و التزكية لأصحابه.فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك يقول:«بل إيّاكم ذمم اللّه و لعن»ثم يقول فيقول:«إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: «كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ» »و أنا أشهد أنّ من تذمّون لأحقّ بالفضل،و أنّ من تزكّون لأولى بالذمّ»فيقول له المغيرة:«لقد رمي بسهمك يا حجر إذ كنت أنا الوالي عليكم اتّق يا حجر ويحك غضب السلطان.فإنّ غضبه أحيانا ممّا يهلك أمثالك»ثم يكفّ عنه.فلم يزل كذلك حتّى كان في آخر امارته قام المغيرة فقال في عليّ و عثمان كما كان يقول،و كانت مقالته:«اللهم ارحم عثمان،و اجزه بأحسن عمله.فإنّه عمل بكتابك،و سنّة نبيّك،و قتل مظلوما، و ارحم أنصاره و الطالبين بدمه»-و يدعو على قتلته،فقام حجر فنعر بالمغيرة نعرة سمعها من كان خارجا من المسجد.و قال:«انّك لا تدري بمن تولع من هرمك.أصبحت مولعا بذمّ أمير المؤمنين،و تقريظ المجرمين»فنزل المغيرة
فقالوا له:«علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة،و أنّ ذلك إن بلغ معاوية كان أسخط»فقال لهم المغيرة:«إنّي قد قتلته.إنّه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي.فيأخذه عند أوّل و هلة فيقتله شرّ قتلة انّه قد اقترب أجلي،و لا أحبّ أنّ ابتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم فيسعدوا بذلك و أشقى،و يعزّ في الدنيا معاوية،و يذل يوم القيامة المغيرة»ثم ذكر الطبري موت المغيرة سنة(51)و ولاية زياد و عمله مع حجر بما هو مذكور في التاريخ (1)
تاريخ الطبري 4:188 و 189،سنة 51. [1]
.«للّه أنتم أ تتوقّعون إماما غيري يطأ بكم الطريق،و يرشدكم السبيل» و قد قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم فيه:«الحقّ يدور مع على حيثما دار» (2).
و في(بلاغات نساء البغدادي)-في وفود ام الخير البارقية على معاوية- فقال معاوية لأصحابه:أيّكم يحفظ كلامها في صفين؟فقال أحدهم:أنا أحفظه مثل سورة الحمد.كأنّي بها و هي كالفحل يهدر في شقشقته تقول:«أيّها الناس!إنّ اللّه قد أوضح الحق،و نوّر السبيل.فلم يدعكم في عمياء مبهمة،و لا سوداء مدلهمة.إلى أين تريدون.أفرارا عن أمير المؤمنين؟أم رغبة عن الاسلام؟أم ارتدادا عن الحقّ.هلمّوا إلى الإمام العادل.و الوصيّ الوفيّ، و الصدّيق الأكبر،فإلى أين تريدون عن ابن عم رسول اللّه،و زوج ابنته،و أبي إبنيه.الّذي خلق من طينته،و تفرّع من نبعته.الّذي خصّه بسرّه،و جعله باب مدينته،و أبان ببغضه المنافقين،صلّى و الناس مشركون،و أطاع و الناس مرتابون.حتّى قتل مبارزي بدر،و أفنى أهل أحد،و فرّق جمع هوازن.فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا و رّدة و شقاقا (3).
الخطبة(176)
وَ إِنِّي لَأَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ- وَ قَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً- كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ- وَ لَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ- وَ مَا عَلَيَّ إِلاَّ الْجُهْدُ- وَ لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ «عَفَا اللّهُ عَمّا سَلَفَ» أقول:قد مرّ أنّ العنوان جزء أوّل خطبة خطبها عليه السّلام بعد بيعة الناس له بعد عثمان رواه الجاحظ في بيانه الجاحظ-البيان و التبيين- عن أبي عبيدة،و رواه( الإرشاد الشيخ المفيد-الإرشاد- )و( العقد ابن عبد ربه-العقد الفريد- ) و رواه( الروضة الكليني-الكافي-الروضة )،و رواه(ابن ميثم ) (1)
مرّ في العنوان 22 من هذا الفصل.
.«و إنّي لأخشي عليكم أن تكونوا في فترة» قد كان بين عيسى عليه السّلام و نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلّم زمان الفترة.قال تعالى: «يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَ لا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ» (2).
و قد كان بعد نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلّم فترتان:إحداهما ما بين مضي النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و قيامه عليه السّلام في أيّام الثلاثة-و هي الّتي ذكرها عليه السّلام،و الثانية بعد مضيّه عليه السّلام إلى قيام قائم أهل بيته عليه السّلام.فقد قال الصادق عليه السّلام:لم ير الناس بعد أمير المؤمنين عليه السّلام عدلا،و لا يرونه حتى يقوم قائمنا (3).
و يمكن أن يقال:إنّ بعد النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم فترة واحدة إلى قيام القائم عليه حيث إنّه عليه السّلام لم يتمكّن من تغيير بدع من تقدّم،و لا إظهار الحقّ بكون الثلاثة
غير حقّ،و كلامه عليه السّلام غير آب عن ذلك حيث لم يقل عليه السّلام:«كنتم في فترة»بل «ان تكونوا في فترة » .
«و قد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة كنتم فيها عندي غير محمودين» في تقديمهم الثلاثة عليه.
و روى(شواهد التنزيل)عن ابن عباس في قوله تعالى: «وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً» (1)
الانفال:25. [1]
أنّه لمّا نزلت هذه الآية.قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنّما جحد نبوّتي،و نبوّة الأنبياء قبلي (2).
و روى أبو عبد اللّه السراج منهم في كتابه عن ابن مسعود أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال له:قد أنزلت هذه الآية «وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً» (3)و أنا مستودعكها و مسمّ لك خاصّة الظلمة فكن لما أقول لك واعيا،و عنّي له مؤدّيا.من ظلم عليا مجلسي هذا كمن جحد نبّوتي،و نبوّة من كان قبلي (4).
و قال ابن أبي الحديد (5):مراده عليه السّلام تقديم عثمان عليه،و يبعد أن يريد خلافة الشيخين أيضا لأنّ المدّة قد طالت،و لم يبق من يعاتبه،و لسنا نمنع من أن يكون في كلامه عليه السّلام الكثير من التوجّد و التألّم بصرف الخلافة بعد وفاة النبيّ صلى اللّه عليه و آله عنه،و انّما كلامنا الآن في ألفاظ هذه الخطبة على أنّ قوله عليه السّلام فيها «سبق الرجلان»-أي في زيادات لم ينقلها الرضي-كاف في انحرافه عنهما.
قلت:أما قوله:«انّ المدّة قد طالت،و لم يبق من يعاتبه»،ففيه:
أولا:إنّ كثيرا من المهاجرين و الأنصار الذين شهدوا السقيفة كانوا موجودين وقت قيامه عليه السّلام.فلم يمض إلاّ ستّ و عشرون سنة.
و ثانيا:إنّ جري الباقين على ذلك يكفي في عتابهم.فعاتب اللّه تعالى بني اسرائيل الذين كانوا في عصر النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم بما فعل آباؤهم في عصر موسى عليه السّلام لرضاهم بما فعلوا في آيات كثيرة،و منها «وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها» (1)
البقرة:72. [1]
.و ثالثا:إنّ تقديم عثمان الّذي سلّمه كان من فعل عمر و تدبيره .
«و لئن ردّ عليكم أمركم» بأن يتولّوه عليه السّلام،لجعل اللّه تعالى له عليه السلام وليّهم في قوله عزّ و جلّ: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (2).
فنزلت الآية لما اعطى عليه السّلام خاتمه في الركوع للسائل (3).
و على لسان رسوله صلى اللّه عليه و آله و سلّم بعد تقريره للناس بأنّه أولى بهم من أنفسهم:«من كنت مولاه و أولى به من نفسه فهذا على مولاه و أولى به من نفسه».
«انكم لسعداء» في الآخرة برفضهم الباطل،و اعتقادهم بالحق من اصول الاسلام.
قال أبو سليمان الضبيّ:أرسل عليّ عليه السّلام إلى لبيد العطاردي بعض شرطه فمرّوا به على مسجد سماك.فقام إليه نعيم بن دجاجة الأسدي فحال بينهم و بينه فأرسل عليه السّلام إلى نعيم فجيء به،و رفع شيئا ليضربه.فقال نعيم:
«و اللّه إنّ صحبتك لذلّ،و إنّ خلافك لكفر».فقال عليه السّلام:و تعلم ذلك؟قال:نعم.
قال:خلّوه (1)
أخرجه السروي في مناقبه 2:113 و الكليني في الكافي 7:268،ح 40،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و ما عليّ إلاّ الجهد» و السعي بإتمام الحجّة عليكم لئلاّ يكون على اللّه حجّه بعد الرسل و أوصيائهم .
«و لو أشاء ان اقول لقلت.عفا اللّه عمّا سلف» في ميل من مال عنه أيّام الثلاثة و رجع إليه عليه السّلام في أيّامه أو في البين،و هم جمع ذكرهم الكشي في عنوان:
«السابقون الّذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السّلام» (2)و ذكرهم الرضا عليه السّلام للمأمون في خبر.
من الخطبة(171)
أَيُّهَا النَّاسُ- إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ- وَ أَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ فِيهِ- فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اسْتُعْتِبَ فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ- وَ لَعَمْرِي لَئِنْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ لاَ تَنْعَقِدُ- حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ فَمَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ- وَ لَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا- ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ وَ لاَ لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ- أَلاَ وَ إِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ- رَجُلاً ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ وَ آخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا تَوَاصَى الْعِبَادُ بِهِ- وَ خَيْرُ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ عِنْدَ اللَّهِ- وَ قَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ- وَ لاَ يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلاَّ أَهْلُ الْبَصَرِ وَ الصَّبْرِ- وَ الْعِلْمِ بِمَوَاقِعِ الْحَقِّ- فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَ قِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ- وَ لاَ تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا- فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَراً
أقول:أمّا قوله عليه السّلام : «أيّها النّاس إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه و أعلمهم بأمر اللّه فيه» فيشهد له قوله تعالى: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (1)
يونس:35. [1]
.و هو دليل على عدم لياقة غيره و غير أهل بيته،ففي خطبته الّتي خطب بها بعد قتل محمّد ابن أبي بكر،و فتح معاوية لمصر في حكايته عليه السّلام يوم الشورى،و قد رواها ابن قتيبة في(خلفائه)،و غيره«فما كانوا لولاية أحد منهم أشدّ كراهية لولايتي عليهم.كانوا يستمعونني عند وفاة النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم أحاجّ أبا بكر،و أقول:يا معشر قريش إنّا أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا من يقرأ القرآن و يعرف السنّة،و يدين بدين الحقّ،فخشي القوم إن أنا ولّيت عليهم أن لا يكون لهم من الأمر نصيب ما بقوا فأجمعوا إجماعا واحدا فصرفوا الولاية إلى عثمان،و أخرجوني منها رجاء أن ينالوها،و يتداولوها إذ يئسوا أن ينالوها من قبلي» (2).
و إخواننا أخذوا دينهم عن معاوية.فجعلوا المناط في الخلافة الغدر و المكر،و السياسة الدنيوية دون رعاية الشريعة.فجعلوا أبا بكر أحقّ،فكتب معاوية إلى الحسن عليه السّلام كما في(المقاتل)و غيره:«و لو رأى المسلمون فيكم من يغني غناءه(أي أبي بكر)أو يقوم مقامه أو يذبّ عن حريم المسلمين ذبّه، ما عدلوا بذلك الأمر إلى غيره-إلى أن قال-و الحال في ما بيني و بينك اليوم مثل الحال الّتي كنتم عليها أنتم و أبو بكر بعد النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم،و لو علمت أنّك أضبط منّي للرعيّة،و أحوط على هذه الامّة،و أحسن سياسة،و أقوى على جمع الأموال،و أكيد للعدو،لأجبتك إلى ما دعوتني إليه،و رأيتك لذلك أهلا،
و لكنّي قد علمت أنّي اطول منك ولاية...» (1)
رواه أبو الفرج في المقاتل:37،و [1]المدائني،و عنه شرح ابن أبي الحديد 4:9، [2]شرح الكتاب 31.
.و لو كان استدلال أبي بكر،صحيحا كان أبوه أبو سفيان أولى من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالنبوّة.فالنبوة و الإمامة خلافة اللّه .
«فإن شغب شاغب» قال الجوهري:الشغب تهييج الشرّ و هو شغب الجند (2).
«استعتب» و قال أيضا:«استعتب و اعتب»بمعنى واحد أي:عاد إلى المسرّة راجعا عن الاساءة (3).
«فإن أبى قوتل» كما أمر اللّه تعالى في قوله: «فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ» (4).
و لقد استعتب عليه السّلام أهل الجمل و صفّين و النهروان.فأبوا،فقاتلهم على حسب أمر اللّه تعالى و أمر رسوله صلى اللّه عليه و آله و سلّم عموما و خصوصا .
«و لعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتّى يحضرها عامّة الناس فما» هكذا في (المصرية)،و الصواب«ما»بدون فاء.كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (5).
«إلى ذلك سيبل» لأنّه من المحالات العاديّة .
«و لكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثم ليس للشاهد» للبيعة.
«أن يرجع» عن بيعته و ينكثها كأهل الجمل طلحة و الزبير.
«و لا للغائب» عن البيعة «أن يختار» كمعاوية و أهل الشام.
قال عليه السّلام:هذا الكلام جدلا ردّا على معاوية فكان معاوية كتب إليه عليه السّلام كما في(خلفاء ابن قتيبة):«و لعمري ما حجّتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة،و لا حجّتك عليّ كحجّتك على طلحة و الزبير.لأنّ أهل البصرة بايعوك،و لم يبايعك أحد من أهل الشام،و أنّ طلحة و الزبير بايعاك و لم ابايعك» (1)
الإمامة و السياسة 1:101. [1]
.فقول ابن أبي الحديد:«هذا الكلام تصريح بصحّة مذهبنا في أنّ الاختيار طريق إلى الإمامة،و مبطل لما تقوله الامامية من دعوى النصّ عليه» (2)غلط و شطط.
فالواجب أن يدحض الانسان حجّة الخصم بما يقرّ به الخصم لا بما ينكره،و معاوية كان ينكر النص و لا ينكر البيعة.
«ألا و إنّي اقاتل رجلين رجلا ادّعى ما ليس له،و آخر منع الّذي عليه» قال ابن أبي الحديد:«إنّ الأوّل الّذي ادّعى الخلافة،و الثاني الّذي لا يدّعيها و لكنّه يمتنع من الطاعة» (3).
قلت:إنّ سعدا و ابن عمر،و محمّد بن مسلمة و المغيرة،و جمعا آخر لم يدّعوا الخلافة،و امتنعوا من طاعته عليه السّلام،و مع ذلك خلاّهم و لم يقاتلهم.فلا بدّ أنّه عليه السّلام أراد بالأوّل معاوية،و بالثاني طلحة و الزبير حيث نكثا و قاما في وجهه .
«أوصيكم عباد اللّه» ليس كلمة «عباد اللّه» في(ابن ميثم و الخطيّة) (4).
«بتقوى اللّه» قال تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ» (5).
«فإنّها خير ما تواصى العباد به» «وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ» (1)
العصر:1-3. [1]
.«و خير عواقب الامور عند اللّه» قال جلّ و علا: «وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَ الْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى» (2)، «إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (3)«تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (4)«وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا » (5).
«و قد فتح باب الحرب بينكم و بين أهل القبلة» قال ابن أبي الحديد:«لم يكن المسلمون قبل حرب الجمل يعرفون كيفية قتال أهل القبلة،و إنّما تعلّموا فقه ذلك من أمير المؤمنين عليه السّلام و قال الشافعي:«لو لا عليّ عليه السّلام لما عرف شيء من أحكام أهل البغي » (6).
«و لا يحمل هذا العلم» بفتحتين أي:الراية.
«إلاّ أهل البصر و الصبر و العلم بمواضع الحقّ» في(الطبري):قال أبو عبد الرحمن السلمي:رأيت عمّارا لا يأخذ واديا من أودية صفين إلاّ تبعه من كان هناك من أصحاب محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلّم،و رأيته جاء إلى هاشم بن عتبة المر قال،
و هو صاحب راية عليّ عليه السّلام.فقال:يا هاشم أعورا و جنبا لا خير في أعور لا يغشى البأس-إلى أن قال-تقدّم يا هاشم،الجنّة تحت ظلال السيوف،و الموت في أطراف الأسل،و قد فتحت أبواب السماء،و تزيّنت الحور العين.اليوم ألقى الأحبّة محمّدا و حزبه.فلم يرجعا،و قتلا.
و قال السلمي أيضا:سمعت عمارا بصفين و هو يقول لعمرو بن العاص لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و هذه الرابعة ما هي بأبّر و لا أتقى (1)
تاريخ الطبري 4:28،سنة 37. [1]
(2).«و لا تعجلوا في أمر حتّى تتبيّنوا»وجهه و حكمته.
«فإنّ لنا مع كل أمر تنكرونه غيرا»أي:منافع و مصالح للمسلمين أنتم لا تعلمونها.«غيرا»من غار يغير و يغور بمعنى نفع و أصلح.قال الهذلي:
«ما ذا يغير ابنتي ربع عويلهما» (3).
قال الجوهري:غاره يغيره و يغوره أي:نفعه و غار أهله يغيرهم غيارا أي يميرهم و ينفعهم،و أغارهم اللّه بمطر يغيرهم و يغورهم أي:سقاهم.يقال:
نزل القوم يغيرون أي:يصلحون الرجال«و غارنا اللّه بخير»كقولك:أعطانا خيرا (4).
و ممّا أنكروا عليه عليه السّلام قتاله أهل القبلة قال ابن قتيبة في(خلفائه)-بعد ذكر اعتزال ابن عمر و سعد،و محمّد بن مسلمة عن مشاهده و حروبه-قال عمار،لعليّ عليه السّلام:ايذن لي آت ابن عمر فاكلّمه.فقال:نعم.فأتاه فقال له:«قد بايع عليا المهاجرون،و الأنصار،و من إن فضّلناه عليك لم يسخطك،و إن
فضّلناك عليه لم يرضك،و قد أنكرت السيف في أهل الصلاة،و قد علمت أنّ على القاتل القتل،و على المحصن الرجم،و هذا يقتل بالسيف،و هذا يقتل بالرجم»فقال ابن عمر«إنّ أبي جمع أهل الشورى فكان أحقّهم بها عليّ،غير أنّه جاء أمر فيه السيف و لا أعرفه،و لكن و اللّه ما أحبّ أنّ لي الدنيا و ما فيها، و أنّي أضمرت عداوة عليّ»،فانصرف عمار فأخبر عليا عليه السّلام بقوله.فقال له:لو أتيت محمّد بن مسلمة الأنصاري.فأتاه فقال له ابن مسلمة:لو لا ما في يدي من النبيّ لبايعته،و لو أنّ الناس كلّهم كانوا عليه لكنت معه،و لكنّه كان من النبي أمر ذهب فيه الرأي.فقال له عمار:أ فتريد من النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم قولا بعد قوله يوم حجّة الوداع«دماؤكم و أموالكم عليكم حرام إلاّ بحدث»أ فتقول:لا نقاتل المحدثين؟قال:حسبك.ثم أتى عمر سعدا فكلّمه فأظهر الكلام القبيح، فانصرف عمار إلى عليّ عليه السّلام فقال له:دع هؤلاء الرهط أمّا ابن عمر فضعيف، و أما سعد فحسود،و ذنبي إلى محمّد بن مسلمة أنّي قتلت أخاه يوم مرحب (1)
الإمامة و السياسة 1:53،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و أخطأ ابن أبي الحديد فتوهم أنّ غيرا من غيّر،كما أخطأ في بيان المراد من الفقرة فقال:«معناها أنّ عندنا تغييرا لكلّ ما تنكرونه من الامور الّتي يثبت أنّه يجب إنكارها و تغييرها أي لست كعثمان أصرّ على ارتكاب ما أنهى عنه بل أغيّر كل ما ينكره المسلمون،و يقتضي الحال و الشرع تغييره» (2).
قلت:إنّ ما قاله ممّا يضحك الثكلى،فلم يستطع أحد من أعدائه حتّى مثل معاوية أن يدّعي عليه أمرا منكرا في الشرع حتّى يقول ابن أبي الحديد إنّه عليه السّلام قال«لست كعثمان أصرّ على ارتكاب ما أنهى عنه،بل أغيّر كل ما ينكره المسلمون» (3)و إنّما أنكر المغرضون عليه امورا معروفة.فأنكر معاوية عليه
ايواءه قتلة عثمان كعمار،و محمّد بن أبي بكر،و عمرو بن الحمق و نظرائهم، و أنكر ابن عمر و سعد و محمّد بن مسلمة عليه قتاله مع أهل الجمل و صفّين بشبهة لفّقوها،و أنكر الخوارج عليه عليه السّلام تحكيم القرآن.
و لو كان عليه السّلام أراد المعنى الّذي ذكر،لقال:«فعليّ في كلّ أمر منكر تغييره»لا «أنّ لنا مع كل أمر تنكرونه غيرا» و بالجملة ما قاله في غاية السقوط.
من الخطبة(152)
و من خطبة له عليه السّلام:
وَ نَاظِرُ قَلْبِ اللَّبِيبِ بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ- وَ يَعْرِفُ غَوْرَهُ وَ نَجْدَهُ- دَاعٍ دَعَا وَ رَاعٍ رَعَى- فَاسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِي وَ اتَّبِعُوا الرَّاعِيَ «و ناظر» قال الجوهري:الناظر في المقلة،السواد الأصغر الّذي فيه إنسان العين (1)
صحاح اللغة 2:831، [1]مادة(نظر).
.«قلب اللبيب» أي:الشخص العاقل.
«به» أي:بسبب ذلك الناظر.
«يبصر» أي:يرى قلب اللبيب.
«أمده» أي:غايته و منتهاه.
و أمّا قول الحسن البصري لما قال له الحجاج ما أمدك؟«سنتان لخلافة عمر»فلا ينافي كون الأمد بمعني الغاية لأنّ المراد:ما غاية ما أدركت من أوّل عمرك ؟ «و يعرف غوره» أي:قعره.
1) 1)
«و نجده» أي:مرتفعه،و قال الجوهري:الغور من بلاد العرب تهامة و النجد ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق (1)
صحاح اللغة 1:539، [1]مادة(نجد)،و النقل بالمعنى.
.و كما جعل عليه السّلام هنا لقلب اللبيب ناظرا به يبصر أمده،و يعرف غوره، و نجده يمكن أن يجعل له اذنا يسمع بها الامور الحقّة.فعن الصادق عليه السلام:«ما من مؤمن إلاّ و لقلبه اذنان في جوفه اذن ينفث فيها الوسواس الخنّاس،و اذن ينفث فيها الملك فيوّيد اللّه المؤمن بالملك فذلك قوله تعالى: «وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» (2).
و عنه عليه السّلام:«ما من قلب إلاّ و له اذنان على إحداهما ملك مرشد،و على الاخرى شيطان مفتن هذا يأمره و هذا يزجره الشيطان يأمره بالمعاصي، و الملك يزجره عنها،و هو قول اللّه تعالى: «عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ » (3).
«داع دعا» و المراد بالداعي:النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم،قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً» (4).
«و راع رعى» المراد بالراعي:هو عليه السّلام.روى الثعلبي في تفسير «إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِ» (5)أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال لعليّ عليه السلام:قد جاء ما وعدت به، جاء الفتح،و دخل الناس في دين اللّه أفواجا،و ليس أحد أحقّ منك بمقامي،لقدمك في الاسلام،و قربك منّي،و صهرك،و عندك سيّدة نساء العالمين،و قبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب عندي حين نزل القرآن،
و أنا حريص على أن اراعي ذلك لولده (1)
رواه عن الثعلبي ابن أبي الحديد في شرحه 2:431،شرح الخطبة 152،و النقل بتصرف يسير.
.«فاستجيبوا للدّاعي» قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ» (2).
«و اتبعوا الراعي» أي:نفسه و كان اتّباعه واجبا لأنّه عليه السّلام كان على الحقّ، و الحقّ كان يدور معه،كما تواتر ذلك عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و اعترف به عمر (3).
و روى الثعلبي في تفسير: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» (4)أنّه لمّا نزلت الآية وضع النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يده على صدره،و قال:أنا المنذر و أومأ بيده إلى صدر عليّ عليه السّلام،و قال:أنت الهادي يا علي.بك يهتدي المهتدون من بعدي (5).
و رواه الحسكاني في(شواهد تنزيله)،و المرزباني في كتاب(ما نزل من القرآن في عليّ عليه السّلام)،و صنّف ابن عقدة كتابا فيه كما نقل ذلك السروي (6).
و روى ابن بابويه باسناده عن الأعمش باسناده قال:قال عليّ عليه السّلام:ما نزلت من القرآن آية إلاّ و قد علمت أين نزلت،و في من نزلت،و في أيّ شيء نزلت فقيل له:فما نزل فيك.فقال:لو لا أن سألتموني ما أخبرتكم نزلت فيّ «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» (7)فالنبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم المنذر،و أنا الهادي إلى ما جاء به (8).
1) 1)
2) 2) الانفال:24. [1]
3) 3) أخرجه البزار في مسنده،عنه مجمع الزوائد 7:236،و ابن مردويه في مناقبه،عنه ذيل احقاق الحق 5:631، و [2]غيرهما.
4) 4) الرعد:7. [3]
5) 5) رواه عن الثعلبي ابن طاوس في الطرائف 1:79 ح 107. [4]
6) 6) رواه عنهما السروي في مناقبه 3:83،و الحديث في شواهد التنزيل 1:293-303 ح 398-416، [5]بطرق كثيرة.
7) 7) الرعد:7. [6]
8) 8) أخرجه الصدوق في أماليه:227 ح 13،المجلس 46،و [7]النقل بتلخيص.
و في تفسير القمي عن الصادق عليه السّلام:المنذر النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و الهادي أمير المؤمنين عليه السّلام و بعده الأئمّة عليهم السلام،و هو قوله تعالى: «وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» (1)
الرعد:7. [1]
.أي:في كلّ زمان إمام هاد مبين.و هو ردّ على من أنكر أنّ في كلّ عصر اماما (2).
الحكمة(311)
و قال عليه السّلام لأنس بن مالك،و قد كان بعثه إلى طلحة و الزبير لمّا جاء إلى البصرة يذكّرهما شيئا قد سمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم في معناهما،فلوى عن ذلك فرجع إليه،فقال:إنّي أنسيت ذلك الأمر، فقال عليه السّلام:
إِنْ كُنْتَ كَاذِباً- فَضَرَبَكَ اللَّهُ بِهَا بَيْضَاءَ لاَمِعَةً لاَ تُوَارِيهَا الْعِمَامَةُ قال:-يعنى البرص-فأصاب أنسا هذا الدّاء فيما بعد في وجهه،فكان لا يرى إلا متبرقعا.
أقول:قال ابن أبي الحديد:المشهور أنّ عليّا عليه السّلام ناشد الناس اللّه في الرحبة بالكوفة.فقال:انشدكم اللّه رجلا سمع النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يقول لي،و هو منصرف من حجّة الوداع:«من كنت مولاه فعلي مولاه اللهمّ و ال من والاه و عاد من عاداه»فقام رجال فشهدوا بذلك.فقال عليه السّلام لأنس بن مالك لقد حضرتها فما بالك؟!فقال يا أمير المؤمنين كبرت سنّي،و صار ما أنساه أكثر ممّا أذكره.فقال له : «إن كنت كاذبا فضربك اللّه بها بيضاء لا تواريها العمامة» فما مات حتّى أصابه البرص.فأمّا ما ذكره الرضي من أنّه بعث أنسا إلى طلحة
و الزبير فغير معروف-إلى أن قال-و قد ذكر ابن قتيبة حديث البرص، و الدعوة الّتي دعا بها أمير المؤمنين عليه السّلام على أنس في كتاب(المعارف)في باب البرص من أعيان الرجال،و ابن قتيبة غير متّهم في حقّ عليّ عليه السّلام على المشهور من انحرافه عنه (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:388. [1]
.قلت:الأمر كما ذكر ابن أبي الحديد من كون دعائه على أنس بالبرص لإنكاره حديث غدير خم.فروى المفيد في( إرشاده الشيخ المفيد-الارشاد-ص 185 )عن إسماعيل بن عمير قال:حدّثني مسعر بن كدام.قال:حدّثنا طلحة بن عميرة.قال:أنشد عليّ عليه السلام الناس في قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»فشهد اثنا عشر رجلا من الأنصار،و أنس بن مالك في القوم لم يشهد.فقال له عليّ عليه السلام:يا أنس!قال:لبيّك.قال:ما يمنعك أن تشهد،و قد سمعت ما سمعوا؟قال:يا أمير المؤمنين!كبرت و نسيت.فقال أمير المؤمنين عليه السّلام:«اللهم إن كان كاذبا فاضربه ببياض-أو بوضع-لا تواريه العمامة».قال طلحة:فأشهد باللّه لقد رأيتها بيضاء بين عينيه (2).
و رواه الكشيّ في(رجاله)مع زيادة شهود البراء بن عازب،و عدم شهادته و دعائه عليه السّلام عليه بالعمى.فقال:روى عبد اللّه بن ابراهيم،عن أبي مريم الأنصاري،عن المنهال بن عمرو،عن زرّ بن جيش.قال:خرج عليّ عليه السّلام من القصر.فاستقبله ركبان متقلّدون بالسيوف عليهم العمائم.فقالوا:«السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته.السلام عليك يا مولانا»فقال عليّ عليه السّلام من ها هنا من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم.فقام خالد بن زيد أبو أيوب، و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين،و قيس بن سعد بن عبادة،و عبد اللّه بن بديل
بن ورقاء فشهدوا جميعا أنّهم سمعوا النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يقول يوم غدير خم:«من كنت مولاه فعلي مولاه».فقال عليّ عليه السّلام لأنس بن مالك،و البراء بن عازب:«ما منعكما أن تقوما فتشهدا فقد سمعتما كما سمع القوم»؟ثم قال:«اللهمّ إن كانا كتماها معاندة فابتلهما»فعمي البراء بن عازب،و برص قدما أنس بن مالك.
فحلف أنس ان لا يكتم منقبة لعليّ عليه السّلام،و لا فضلا أبدا،و أمّا البراء فكان يسأل عن منزله فيقال هو في موضع كذا و كذا.فيقول:كيف يرشد من اصابته الدعوة (1)
اختيار معرفة الرجال:45 ح 95.
.قلت:«و قدما أنس بن مالك»:فيه مصحّف«و قدّام رأس أنس بن مالك» من النسخة.فمثله فيها كثير كما برهنّا عليه في رجالنا.
و رواه الصدوق في(خصاله)و في(أماليه)مع زيادة البراء،و نفرين آخرين الأشعث،و خالد البجلي.و في خبره:ثم أقبل على أنس.فقال:إن كنت سمعت النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«من كنت مولاه فعلي مولاه»ثم لم تشهد لي اليوم.
فلا أماتك اللّه حتّى يبتليك ببرص لا تغطّيه العمامة.قال جابر الأنصاري:و اللّه لقد رأيت أنسا،و قد ابتلي ببرص يغطّيه بالعمامة فما تستره.الخبر (2).
و رواه ابن قتيبة في( معارفه ابن قتيبة-المعارف-ص 580 )قال:أنس بن مالك:كان بوجهه برص، و ذكر قوم أنّ عليا عليه السّلام سأله عن قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:«اللهمّ و ال من والاه و عاد من عادا»فقال كبرت سنّي و نسيت.فقال له عليّ عليه السّلام: «إن كنت كاذبا فضربك اللّه ببيضاء لا تواريها العمامة» (3).
و رواه ابن أبي الحديد في شرح قوله عليه السّلام«أما إنّه سيظهر عليكم رجل
رحب البلعوم»عن شيوخ البغداديّين.قالوا:ناشد عليّ عليه السّلام الناس برحبة القصر:أيّكم سمع النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»-إلخ (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:362، [1]شرح الخطبة 57.
.و قال ابن ميثم:روى عثمان بن مطرف أنّ رجلا سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن عليّ عليه السّلام.فقال:إنّي آليت أن لا أكتم حديثا سئلت عنه في عليّ بعد يوم الرحبة،ذاك رأس المتّقين يوم القيامة سمعته و اللّه من نبيّكم (2).
و بالجملة،المشهور عند العامة و الخاصّة أنّ دعاءه عليه السّلام على أنس بالبرص كان لإنكاره قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم في غدير خم:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»و نقل الرضي كونه لمّا أنكر شيئا سمعه من النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم في طلحة و الزبير كما مرّ،و روى(الأمالي)كونه لمّا أنكر حديث الطير يوم الدار فروى عن أبي هدبة قال:رأيت أنس بن مالك معصوبا بعصابة.فسألته عنها-فقال:
هي دعوة-عليّ.فقلت له:و كيف كان ذلك عليه السّلام قال:اهدي إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم طائر مشوي.فقال:اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير.فجاء عليّ عليه السّلام فقلت له:النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم عنك مشغول،و أحببت أن يكون رجلا من قومي-إلى أن قال-فلمّا كان يوم الدار استشهدني عليّ فكتمته فقلت:إنّي نسيته.فرفع عليّ عليه السّلام يده إلى السماء فقال:اللهمّ ارم أنسا بوضح لا يستره -ثم كشف العصابة عن رأسه-فقال:هذه دعوة عليّ،هذه دعوة علي (3).
و في(المناقب):نظم ذلك الحميري فقال:
نبّئت أن أبانا كان عن أنس يروي حديثا عجيبا معجبا عجبا
في طائر جاء مشويّا به بشر يوما و كان رسول اللّه محتجبا
إلى أن قال:
فقد دعا ربّه المحجوب في أنس بأن يحلّ به سقم حوى كربا
فناله السوء حتّى كان يرفعه في وجهه الدهر حتّى مات منتقبا (1)
مناقب السروي 2:283.
و حيث إنّ كلاّ من الخبرين متواتر يمكن استشهاده عليه السّلام من أنس مرة لهذا و اخرى لذاك،و يكون أنس أنكر كليهما فدعا عليه السّلام عليه،و يكون ظهر أثر الدعاء بعد الثاني،و لكن الاستشهاد لخبر الغدير مشهور مستفيض كما عرفت،و لخبر الطير خبر واحد مثل الاستشهاد لما سمع في طلحة و الزبير إلاّ أنّ خبر الطير واحد مسند،و للأخير خبر مرفوع.
هذا،و قد عرفت من خبر الكشي أنّ البراء بن عازب أيضا لم يشهد لخبر الغدير لما استنشده عليه السّلام فدعا عليه بالعمى.
و روى(الإرشاد):أن زيد بن أرقم أيضا لم يشهد.فدعا عليه السّلام عليه بالعمى أيضا.
فقال:روى أبو اسرائيل عن الحكم بن أبي سليمان المؤذن عن زيد بن أرقم قال:أنشد عليّ عليه السّلام الناس في المسجد.فقال:انشد اللّه رجلا سمع النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«من كنت مولاه فعلي مولاه اللهمّ و ال من والاه و عاد من عاداه»فقام اثنا عشر بدريا،ستّة من الجانب الأيمن،و ستّة من الجانب الأيسر.فشهدوا بذلك فقال زيد بن أرقم:و كنت أنا في من سمع ذلك فكتمته فذهب اللّه ببصري و كان يندم على ما فاته من الشهادة و يستغفر اللّه (2).
و روى الجزري في(اسد غابته)كتمان عبد الرحمن بن مدلج،و يزيد بن وديعه و دعاءه عليه السّلام عليهما بالعمى أيضا،فروى عن أبي إسحاق.قال:حدّثني
عمرو بن ذي مر،و يزيد بن نثيع،و سعيد بن وهب،و هاني بن هانى،و حدّثني من لا أحصي أنّ عليا عليه السّلام نشد النّاس في الرحبة من سمع قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم «من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهمّ،و ال من والاه و عاد من عاداه»،فقام نفر فشهدوا أنّهم سمعوا ذلك من النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم،و كتم قوم،فما خرجوا من الدنيا حتّى عموا،و أصابتهم آفة،منهم يزيد بن وديعة و عبد الرحمن بن مدلج (1)
اسد الغابة 3:321. [1]
.و ممّن روى استنشاده عليه السّلام،يعلى بن مرّة.روى أيضا(أسد الغابة)عن عمر بن عبد اللّه بن يعلى بن مرّة عن أبيه عن جدّه قال:سمعت النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهمّ و ال من والاه و عاد من عاداه»،فلمّا قدم عليّ عليه السّلام الكوفة نشد الناس من سمع ذلك من النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم فانتشد له بضعة عشر رجلا فيهم عامر بن ليلي الغفاري (2).
و روى الخبر في عنوان زيد بن شراحيل الأنصاري،و عدّه في من شهد و رواه في عنوان ناجية بن عمرو الخزاعي و عدّه في من شهد (3).
و ممّن روى استنشاده عليه السّلام:الأصبغ بن نباتة.روى الجزري أيضا في (اسده)بإسناده عنه.قال:نشد عليّ عليه السّلام الناس في الرحبة:من سمع النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يوم غدير خم ما قال إلاّ قام قال:و لا يقوم إلاّ من سمع النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:فقام بضعة عشر رجلا فيهم أبو أيّوب الأنصاري،و أبو عمرة بن محصن،و أبو زينب،و سهل بن حنيف،و خزيمة بن ثابت،و عبد اللّه ابن ثابت الأنصاري،و حبشي بن جنادة السلولي،و عبيد بن عازب الأنصاري، و النعمان بن عجلان الأنصاري،و ثابت بن وديعة الأنصاري،و أبو فضالة
الأنصاري،و عبد الرحمن بن عبد رب الأنصاري،فقالوا:نشهد أنّا سمعنا النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«ألا إنّ اللّه عزّ و جلّ وليّي و أنا وليّ المؤمنين،ألا فمن كنت مولاه فعليّ مولاه،اللّهمّ و ال من والاه،و عاد من عاداه،و أحبّ من أحبّه، و أبغض من أبغضه،و أعن من أعانه» (1)
اسد الغابة 3:307. [1]
.و من هذا الخبر يظهر كون أبي أيوب،و أبي عمرة،و أبي زينب،و سهل بن حنيف،و ذي الشهادتين،و عبد اللّه بن ثابت،و حبشي السلولي،و عبيد الأنصاري و النعمان الأنصاري،و ثابت الأنصاري،و أبي فضالة الأنصاري، و عبد الرحمن الأنصاري ممّن سمع قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم في غدير خم.
كما يظهر من الخبر السابق سماع يعلى بن مرة،و عامر بن ليلى الغفاري،و زيد بن شراحيل الأنصاري،و ناجية بن عمرو الخزاعي أيضا، قوله صلى اللّه عليه و آله و سلّم،من الأخبار الآتية سماع جمع آخر.
و ممّن روى استنشاده عليه السّلام أبو الطفيل فروى الجزري في(الاسد)أيضا عنه قال:كنّا عند عليّ عليه السّلام.فقال:انشد اللّه تعالى من شهد يوم غدير خم إلاّ قام.
فقام سبعة عشر رجلا منهم أبو قدامة الأنصاري.فقالوا:نشهد أنّا أقبلنا مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم من حجّة الوداع،حتى إذا كان الظهر خرج فأمر بشجرات فشددن و ألقي عليهنّ ثوب.ثم نادى الصلاة فخرجنا فصلّينا،ثم قام فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه.ثم قال:أيّها الناس!أ تعلمون أنّ اللّه عزّ و جلّ مولاي و أنا مولى المؤمنين،و أنا أولى بكم من أنفسكم؟-يقول ذلك مرارا-قلنا:نعم.و هو آخذ بيدك يقول:«من كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهمّ و ال من والاه و عاد من عاداه»- ثلاث مرّات- (2).
و منهم زاذان فروى(مسند أحمد بن حنبل)،و(سنن الترمذي)كما في (تذكرة سبط ابن الجوزي)عن زاذان قال:سمعت عليّا عليه السّلام يقول في الرحبة، و هو ينشد الناس يقول:انشد اللّه رجلا سمع النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يقول في يوم غدير خم:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»!فقام ثلاثة عشر رجلا من الصحابة.
فشهدوا أنّهم سمعوا النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يقول ذلك.
و زاد الثاني في قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:«اللّهم وال من والاه،و عاد من عاداه، و أدر الحقّ معه كيفما دار،و حيث دار»و حكم بكون الحديث حسنا (1)
رواه عنهما السبط في التذكرة:28،و الحديث في مسند أحمد 1:84،و سنن الترمذي 5:633 ح 3713،و لفظ الترمذي«من كنت مولاه فعليّ مولاه»بلا زيادة.
.و منهم بريدة.فروى(فضائل أحمد بن حنبل)كما في(التذكرة)أيضا عن بريدة قال:لمّا أنشد عليّ عليه السّلام الناس في الرحبة،قام خلق كثير فشهدوا له بذلك.و في لفظ«فقام ثلاثون رجلا فشهدوا» (2).
و منهم عمرو بن ذي مر،و يزيد بن نثيع،و سعيد بن وهب،و هاني بن هاني و قد مرّ في رواية(اسد الغابة)عن أبي إسحاق عنهم،و عن جمع آخر لا يحصيهم رواية ذلك.
و منه يظهر تواتر استنشاده عليه السّلام كتواتر أصل قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم.و في (الأغاني)مسندا عن يزيد بن عيسى بن مروق قال:كنت بالشام زمن ولي عمر بن عبد العزيز فجئته فقال لي:ممّن أنت؟قلت:من أهل الحجاز.قال:من أيّهم؟ قلت:من المدينة قال:من أيّهم؟قلت:من قريش قال:من أيّهم؟قلت:من بني هاشم.قال:من أيّ بني هاشم؟قلت:مولى عليّ.قال:من عليّ:فسكتّ.قال:
من؟قلت:ابن أبي طالب.و كان متّكئا على إزار و كساء من صوف،فجلس
و طرح الكساء ثم وضع يده على صدره و قال:أنا و اللّه مولى عليّ.ثم قال:
أشهد على عدد ممّن أدرك النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم:من كنت مولاه فعليّ مولاه-الخبر (1)
الاغاني 9:263،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و كما برص أنس،و عمى البراء بن عازب،و زيد بن أرقم،و يزيد بن وديعة،و عبد الرحمن بن مدلج،و جمع آخر لادّعائهم النسيان كذبا،كذلك نزل العذاب على الفهري الّذي أنكر على النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم قوله ذلك عنادا.فروى الثعلبي في تفسير قوله تعالى: «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ» أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا قال ما قال في عليّ عليه السّلام طار في الأقطار،و شاع في البلاد و الأمصار.فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري.فأتاه على ناقة له فأناخها على باب المسجد ثم عقلها، و جاء فدخل المسجد.فجثا بين يدي النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:يا محمّد!إنّك أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلاّ اللّه،و أنّك رسوله.فقبلنا ذلك منك،و أمرتنا أن نصلّي في اليوم و الليلة خمس صلوات،و أن نصوم شهر رمضان،و نحجّ البيت،و نزكّي أموالنا.فقبلنا منك ذلك.ثم لم ترض بهذا حتّى رفعت بضبع ابن عمك،و فضّلته على الناس و قلت:«من كنت مولاه فعلي مولاه»فهذا شيء منك أو من اللّه؟ فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و قد احمرّت عيناه:«و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو إنّه من اللّه و ليس منّي»قالها ثلاثا.فقام الحرث و هو يقول:«اللهمّ إن كان ما يقول محمّد حقّا فأرسل علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذا أليم»فو اللّه ما بلغ ناقته حتّى رماه اللّه من السماء بحجر فوقع على هامته فخرج من دبره و مات،و أنزل تعالى: «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللّهِ ذِي الْمَعارِجِ» (2).
و لو أردنا استقصاء رواياته لاحتجنا إلى مجلّدات ضخام قال السروي في(مناقبه):ذكر حديث غدير خم محمّد بن إسحق صاحب المغازي، و البلاذري،و مسلم،و أبو نعيم الاصبهاني،و الدار قطني،و ابن مردويه،و ابن شاهين،و الباقلاني،و الجويني،و الثعلبي،و الخركوشي،و السمعاني،و ابن أبي شيبة،و ابن الجعد،و شعبة،و الأعمش،و ابن عياش،و الشعبي،و الزهري، و ابن البيع و ابن ماجة،و ابن عبد ربه،و الاسكافي،و أبو يعلى الموصلي.
قال:و رواه أحمد بن حنبل من أربعين طريقا،و ابن بطة من ثلاث و عشرين طريقا،و ابن جرير الطبري من نيّف و سبعين طريقا في(كتاب الولاية)،و ابن عقدة من مئة و خمسة طرق،و الجعابي من مئة و خمسة عشر طريقا.
قال:و صنّف عليّ بن هلال المهلّبي كتاب(الغدير)،و ابن عقدة كتاب(من روى غدير خم)،و مسعود الشجري كتاب(رواة خبر الغدير).و استخرج منصور الرازي في كتابه أسماء رواته على حروف المعجم (1)
مناقب السروي 3:25.
.و إخواننا يقولون:لو كان لم يحتجّ به أمير المؤمنين عليه السّلام يوم السقيفة، فقد عرفت في المتواتر احتجاجه به أيّام خلافته.فأنكره جمع حتّى دعا عليهم كما مرّ.
و مع كونه فوق التواتر فقد أنكره بعضهم،رأسا قال الحموي في ادبائه في عنوان محمّد بن جرير الطبري:قال بعض الشيوخ ببغداد بتكذيب غدير خم،و قال:إنّ عليّا كان باليمن في الوقت الّذي كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم بغدير خم،و بلغ ذلك الطبري فابتدأ بالكلام في فضائل
1) 1)
عليّ عليه السّلام،و ذكر طريق حديث خم (1)
معجم الادباء 18:84،و [1]النقل بتلخيص.
.و روى(أمالي المفيد)عن ابن عقدة قال:قال محمّد بن نوفل الصيرفي:
كنت عند الهيثم بن حبيب الصيرفي،فدخل علينا أبو حنيفة.فذكرنا عليّا عليه السّلام، و دار بيننا كلام.فقال أبو حنيفة:قلت لأصحابنا:لا تقرّوا لهم بحديث غدير خم فيخصموكم فتغيّر وجه الهيثم و قال:لم لا تقرّون به؟أما هو عندك؟قال:بلى و قد رويته.قال:فلم لا تقرّون به،و قد حدّثنا به حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم أنّ عليّا عليه السّلام نشد الناس في الرحبة من سمعه.
فقال أبو حنيفة:أفلا ترون أنّه قد جرى في ذلك حوض حتّى نشد عليّ الناس لذلك؟فقال الهيثم:فنحن نكذّب عليا أو نردّ قوله؟فقال أبو حنيفة:ما نكذّب عليّا و لا نردّ قولا قاله،و لكنّك تعلم أنّ الناس قد غلا منهم قوم.فقال الهيثم:يقول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و يخطب به،و نشفق نحن و نتّقيه بغلوّ غال أو قول قال؟ثم جاء من قطع الكلام (2).
ترى انّ إمامهم أبا حنيفة أقرّ بإنكارهم لخبر غدير خم تعمّدا في قبال الشيعة لئلاّ يغلبوهم،كاليهود الذين كانوا «إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ أَ وَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ» .
و عمل أئمّة لغتهم و بلدانهم بقول أبي حنيفة و وصيّته،كالجوهري، و الفيروز آبادي،و الجزري،و الحموي في كتبهم،فسكتوا عن الإشارة إلى شيء من ذلك في«غدير»و«خم» (3)كأن لم يكن شيئا: «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا»
«نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (1)
التوبة:32. [1]
،«و إنّما قال ابن دريد منهم في(جمهرته)في«خم»:«و خم غدير معروف،و هو الموضع الّذي قام فيه النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم خطيبا بفضل أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام» (2)و إن كان هو أيضا لوّح و لم يصرّح.و من العجب أنّ ذاك الشيخ البغدادي الناصبي قال في قصيدته في إنكار الغدير:
ثم مررنا بغدير خم كم قائل فيه بزور جم
على عليّ و النبيّ الامّي
فهل أراد إن مرّ في عصره على الغدير أن يرى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم قائما إلى زمانه آخذا بيد عليّ عليه السّلام قائلا فيه ذاك القول.فإذا كان ذلك مستندا لإنكاره فلينكر مقام إبراهيم.فإنّه إذا مرّ عليه لم ير إبراهيم ثمة.
و بعضهم حمل أخباره على أنّه كان قضيّة خاصّة في واقعة،و أنّه وقع بينه و بين زيد بن حارثة مخاصمة.ففي(العقد الفريد):أنّ المأمون لمّا جمع أربعين من أجلّة علماء العامة،و فيهم يحيى بن أكثم قاضي القضاة،و كان متكلّمهم إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن حمّاد بن زيد ليسجّل عليهم أفضلية أمير المؤمنين عليه السّلام،و أنّه كان أولى الناس بالخلافة بعد النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال لإسحاق في ما قال:«هل تروي حديث الولاية؟قال:نعم.قال:إروه،ففعل.
فقال له:أرأيت هذا الحديث هل أوجب على أبي بكر و عمر ما لم يوجب لهما عليه؟فقال:إنّ الناس ذكروا انّ الحديث إنّما كان بسبب زيد بن حارثة لشيء،
جرى بينه و بين علي،و أنكر ولاء عليّ.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:«من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهمّ و ال من والاه و عاد من عاداه»فقال له المأمون:في أيّ موضع قال هذا؟أليس قاله بعد منصرفه من حجّة الوداع؟قال:أجل.قال المأمون:فإنّ زيدا قتل بموته قبل الغدير.ثم كيف رضيت بهذا لنفسك،أرأيت لو أنّ ابنا لك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول مولاي مولى ابن عمّي، فاعلموا أيّها الناس ذلك،أ كنت منكرا عليه تعريفه الناس ما لا يجهلون؟فقال إسحاق:اللهمّ نعم.فقال له المأمون:أفتنزّه ابنك عمّا لا تنزّه عنه النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم؟!و يحكم!لا تجعلوا فقهاءكم أربابكم.إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ» (1)
التوبة:31. [1]
لم يصلّوا لهم،و لا صاموا،و لا زعموا أنّهم أرباب،و لكن أمروهم فأطاعوا أمرهم (2).و بعضهم أنكر دلالته بأنّ المولى مجمل لاشتراكه بين معان منها ابن العم كقول الشاعر:
مهلا بني عمّنا مهلا موالينا (3).
و هو ليس بأقل خبطا من سابقه فهل كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم مجنونا يخبر بالامور الّتي يعلمها كلّ أحد مع أنّه كما أكذب السابق موت زيد قبل قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم ذاك.كذلك يبطل هذا أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم كان ابن عم الطالب و عقيل و جعفر،و لم يكن أمير المؤمنين عليه السّلام ابن عمّهم بل أخاهم.فلا تصدق الجملة.
مع أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم لم يقل ذاك الكلام بدون المقدّمة،بل قرّرهم أوّلا كرارا بأنّي أ لست أولى بكم من أنفسكم حيث جعل اللّه تعالى ذلك لي في
القرآن:فقالوا في كلّ مرّة:بلى،ثم أخذ بعضد أمير المؤمنين عليه السّلام و قال:«من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه»فيكون الكلام صريحا في أنّ كلّ من كنت أولى منه بنفسه فعليّ أولى منه بنفسه.
و كيف لم يكن الكلام صريحا،و قد نظم القصّة حسّان بن ثابت.فقال:
يناديهم يوم الغدير نبيّهم بخمّ فأسمع بالرسول مناديا
و قال فمن مولاكم و وليّكم؟ فقالوا و لم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا و أنت وليّنا و مالك منّا في الولاية عاصيا
فقال له قم يا علي فإنّني رضيتك من بعدي إماما و هاديا
قال سبط ابن الجوزي:روي أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا سمع حسّانا ينشد هذه الأبيات.قال له:لا تزال مؤيّدا بروح القدس ما نصرتنا و نافحت عنّا بلسانك.
و كيف ليس بصريح،و قد نظم القصّة قيس بن سعد بن عبادة.فقال:
و عليّ إمامنا و إمام لسوانا به أتى التنزيل
يوم قال النبيّ من كنت مولاه فهذا مولاه خطب جليل
و انّ ما قاله النبيّ على الامّة حتم ما فيه قال و قيل (1)
تذكرة الخواص:33. [1]
و كيف ليس بصريح و قد أوضح كتاب اللّه تعالى فقال: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (2)و لا ريب في انّ الآية نزلت لمّا أعطى أمير المؤمنين خاتمه في الصلاة في الركوع سائلا سأل (3).
و كيف يكون مجملا،و قد لقي فاروقهم أمير المؤمنين عليه السّلام بعد قول
النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم فيه على ما رواه(فضائل أحمد بن حنبل)فقال:هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت و أمسيت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة (1)
رواه عنه السبط في تذكرة الخواص:29. [1]
.هب أولئك الرؤساء لبّسوا لرياستهم.فما بال هؤلاء الأذناب يشرون آخرتهم بدنيا غيرهم؟و إلاّ فأيّ حقّ أوضح من كون أمير المؤمنين عليه السّلام أحقّ و قد دلّ عليه محكم الكتاب و السنّة القطعية،و العقل السليم،و الإجماع المحقّق.
و قال الصادق عليه السّلام:نعطي حقوق الناس بشهادة شاهدين،و ما أعطي أمير المؤمنين عليه السّلام حقّه بشهادة عشرة آلاف نفس-يعني الغدير (2).
و قال سبط ابن الجوزي في(تذكرته):حدّثنا شيخي عمرو بن صافي الموصلي:أنشد بعضهم أبيات الكميت في الغدير:
نفى عن عينك الأرق الهجوعا و همّا تمتري عنه الدموعا
لدى الرحمن يشفع بالمثاني فكان له أبو حسن شفيعا
و يوم الدوح دوح غدير خمّ أبان له الولاية لو اطيعا
و لكنّ الرجال تبايعوها فلم أر مثلها خطرا منيعا
و بات مفكّرا،فرأى عليّا عليه السّلام في المنام فقال له أعد عليّ أبياتك للكميت فأنشده إلى قوله«فلم أر مثلها خطرا منيعا»فأنشده عليّ من قوله بيتا آخر زيادة فيها.
فلم أر مثل ذاك اليوم يوما و لم أر مثله حقّا أضيعا
فانتبه الرجل مذعورا (3).
نعم.من كان يكتم تقيّة كان معذورا.فروى(فضائل أحمد بن حنبل):أنّ
عبد الملك العوفي.قال لزيد بن أرقم:إنّ ختنا لي حدّثني عنك بحديث في شأن علي عليه السّلام يوم الغدير،و أنا أحبّ أن أسمعه منك.فقال:إنّكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم.فقال:ليس عليك منّي بأس.فقال:نعم.كنّا بالجحفة.فخرج النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم ظهرا،و هو آخذ بعضد عليّ عليه السّلام فقال:«أيّها الناس!ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟فقالوا:بلى،فقال:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»قالها أربع مرّات (1)
رواه عنه السبط في التذكرة:29،و [1]أخرجه أحمد في مسنده 4:368،و [2]الصحيح«عبد الملك عن عطية العوفي». [3]
.قول المصنّف و قال عليه السّلام«لأنس بن مالك»و هو أخو البراء بن مالك المقتول بتستر في فتحها.
«و قد كان بعثه إلى طلحة و الزبير لما جاء»يعني:أمير المؤمنين عليه السّلام.
«إلى البصرة»من المدينة.
«يذكرهما»يعني أنسا.
«شيئا قد سمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم في معناهما»:أي هما المقصودان به و الظاهر ان المراد شيء سمعه أنس من النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم في قيام طلحة و الزبير في الجمل بغيا عليه عليه السّلام.
و كيف كان فقول من النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم للزبير في أمر الجمل متواتر،ذكره جميع أهل السير.كقوله صلى اللّه عليه و آله و سلّم لعائشة في نبح كلاب الحوأب عليها في شخوصها إلى الجمل.ففي(الطبري):قال قتادة:سار عليّ عليه السّلام من الزاوية يريد طلحة و الزبير و عائشة،و ساروا من الفرضة يريدون عليّا عليه السّلام.فالتقوا عند موضع قصر عبيد اللّه بن زياد.فلمّا تراءى الجمعان قال عليّ عليه السّلام لطلحة و الزبير:«لقد أعددتما سلاحا و خيلا و رجالا إن كنتما أعددتما عند اللّه عذرا فاتّقيا اللّه سبحانه و لا تكونوا كالّتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا».فقال له
1) 1)
طلحة:ألببت الناس على عثمان.فقال علي عليه السّلام: «يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ» .يا طلحة!أ تطلبني بدم عثمان؟!فلعن اللّه قتلة عثمان-يعني منّي و منكما-و يا زبير!أ تذكر يوم مررت مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم في بني غنم فنظر إليّ فضحك إليّ،و ضحكت إليه.فقلت:لا يدع ابن أبي طالب زهوه.فقال لك النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:«صه.إنّه ليس به زهو و لتقاتلنّه، و أنت له ظالم»فقال:«اللهمّ نعم،و لو ذكرت ما سرت مسيري هذا،و اللّه لا اقاتلك أبدا» (1)
تاريخ الطبري 3:513،سنة 36،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«فلوى عن ذلك»:من«لواه بدينه ليّا و ليّانا»أي:مطله.قال ذو الرمة في الليّان:
تطيلين ليّاني و أنت ملية و أحسن يا ذات الوشاح التقاضيا (2)
«فرجع إليه.فقال:إنّي انسيت ذلك الأمر»:الّذي قلت اذكّرهما.
و مما عرفت من معنى«فلوى عن ذلك»يظهر لك ما في اعتراض ابن أبي الحديد على المصنّف بأنّ ما ذكره من انّه عليه السّلام بعث أنسا إلى طلحة و الزبير فغير معروف،و لو كان قد بعثه ليذكّرهما بكلام يختصّ بهما من النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم لما أمكنه أن يرجع فيقول:إنّي انسيته،لأنّه ما فارقه متوجّها نحوهما إلاّ و قد أقرّ بمعرفته و ذكره،فكيف يرجع بعد ساعة أو يوم.فيقول:إنّي انسيته فينكر بعد الإقرار؟هذا ممّا لا يقع (3).
فمن أين أنّ المصنّف قال:إنّ أنسا أقرّ أوّلا،بل قال:أو لا«انّه لوى عن ذلك»فكان يمكن أنسا بعد ليّه أو لا أن يقول أخيرا في عذر ليّه بأنّه نسيه.
و غاية ما يمكن الاعتراض على المصنّف أنّ حديث دعائه عليه السّلام على أنس بالبرص صحيح،لكن المعروف كون دعائه عليه السّلام على برص أنس لإنكاره حديث غدير خمّ في رحبة الكوفة كما مرّ،و لعلّ المصنّف وقف على رواية لم نقف عليها،و يحتمل انّه اعتمد على باله بدون مراجعة كتاب فوهم.
«فقال عليه السّلام»هكذا في النسخ (1)
كذا في نهج البلاغة 4:74،و شرح ابن أبي الحديد 4:388،و شرح ابن ميثم 5:398.
،و هو زائد بعد قوله أوّلا «و قال عليه السلام لأنس» و يمكن حمله على التأكيد اللفظي لحصول الفصل الكثير بين القول و المقول.«إن كنت كاذبا» في ادّعائك النسيان.
«فضربك اللّه بها» أي:بتلك البليّة المفهومة من المقام كقوله تعالى: «كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ» (2).
«بيضاء لامعة» بيضاء سوء،و كان جذيمة الأبرش أبرص فبدّلوا لفظ الأبرص بالأبرش لكونه ملكا يخاف عقابه.
«لا تواريها العمامة» دعا عليه السّلام عليه ببرص لا يمكنه ستره.
و مرّ دعاؤه عليه السّلام على البراء و زيد بن أرقم،و يزيد بن وديعة،و عبد الرحمن بن مدلج و غيرهم.
و دعا عليه السّلام على عبد الرحمن بن عوف لمّا انتخب عثمان في حكمية عمر له في الشورى.فروى عوانة في(شوراه)عن الشعبي أنّه لمّا بايع عثمان قال له علي عليه السّلام:إنّما آثرته بها لتنالها بعده،دقّ اللّه بينكما عطر منشم (3).
و قال أبو هلال العسكري في أوائله:استجيبت دعوة عليّ عليه السّلام في
عثمان و عبد الرحمن فما ماتا إلاّ متهاجرين متعاديين (1)
رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 1:65،شرح الخطبة 3.
.و دعا عليه السّلام على رجل من عبس استخفّ به عليه السّلام فروى(الإرشاد)و(ابن أبي الحديد)عن حكيم بن جبير قال:شهدنا عليّا عليه السّلام على المنبر يقول:«أنا عبد اللّه و أخو رسول اللّه،ورثت نبي الرحمة،و نكحت سيّدة نساء أهل الجنّة، و أنا سيّد الوصيين،و آخر أوصياء النبيّين،لا يدّعي ذلك غيري إلاّ أصابه اللّه بسوء»فقال رجل من عبس كان جالسا بين القوم:«من لا يحسن أن يقول هذا:
أنا عبد اللّه و أخو رسول اللّه؟»فلم يبرح من مكانه حتى تخبّطه الشيطان فجرّ برجله إلى باب المسجد،فسألنا قومه عنه فقلنا:هل تعرفون به عرضا قبل هذا؟قالوا:اللهمّ لا (2).
و دعا عليه السّلام على بسر بن أرطأة لمّا قتل ابني عبيد اللّه بن العباس باليمن.
ففي(مروج المسعودي):كان عليّ عليه السّلام حين أتاه خبر قتل بسر لابني عبيد اللّه دعا على بسر،فقال:«اللهمّ اسلبه دينه و عقله»فخرف بسر حتّى ذهب عقله، و اشتهر بالسيف.فكان لا يفارقه،فجعل له سيف من خشب،و جعل في يديه زقّ منفوخ كلّما تخرّق أبدل،فلم يزل يضرب ذلك الزقّ بذلك السيف حتّى مات ذاهل العقل يلعب بخرئه،و ربما كان يتناول منه ثم يقبل على من يراه،فيقول:
انظروا كيف يطعمني هذان الغلامان ابنا عبيد اللّه،و كان ربّما شدّت يداه إلى وراء منعا من ذلك،فأنجا ذات يوم في مكانه،ثم أهوى بفيه فتناول منه فبادروا إلى منعه.فقال:أنتم تمنعوني و الغلامان قثم و عبد الرحمن يطعماني.
مات في أيّام الوليد بن عبد الملك (3).
و دعا عليه السّلام على رجل كان يرفع اخباره إلى معاوية.روى(الإرشاد)عن جميع ابن عمير قال:اتّهم علي عليه السّلام رجلا يقال له العيزار برفع أخباره إلى معاوية.فأنكر ذلك و جحده فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام:أ تحلف أنّك ما فعلت؟! قال:نعم.و بدر.فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام:«إن كنت كاذبا أعمى اللّه بصرك» فما دارت الجمعة حتّى اخرج أعمى يقاد قد أذهب اللّه بصره (1)
الارشاد:184. [1]
.و دعا عليه السّلام على أحد أجداد أبي العيناء الّذي كان في عصره عليه السّلام بعماه و عمى ولده.قال ياقوت الحموي في(معجم ادبائه)في عنوان أبي العيناء:لقي جدّه الأكبر عليّا عليه السّلام.فأساء المخاطبة بينه و بينه.فدعا عليه بالعمى له و لولده بعده.فكلّ من عمي من ولد جدّه فهو صحيح النسب (2).
و دعا عليه السّلام على رجل كذّبه بالعمى.فعن فضائل العشرة قال زاذان:
كذّب عليا عليه السّلام رجل في حديثه.فقال عليه السّلام:أدعو عليك إن كنت كذّبتني أن يعمي اللّه بصرك.قال:نعم.فدعا عليه السّلام عليه.فلم ينصرف حتّى ذهب بصره (3).
و عنه أيضا:مرّ عليّ عليه السّلام على دار في مراد و هم يبنونها.فسقطت عليه قطعة فشجّته فدعا عليه السّلام أن لا يتمّ بناؤها فما وضعت عليها لبنة (4)-إلى غير ذلك ممّا لو اريد استقصاؤها لا حتيج إلى كتاب مستقل.
«يعني البرص» هذا و روى(عيون ابن قتيبة):أنّ الناس انتهبوا ورسا من الحسين عليه السّلام يوم قتل.فما تطيّبت منه امرأة إلاّ برصت (5).
و في(الطبري):أنّ إسحاق الحضرمي سلب قميص
الحسين عليه السّلام فبرص بعد (1)
تاريخ الطبري 4:347،سنة 61. [1]
.و في(عمدة الطالب)في ذكر الأرقط-و هو محمّد بن عبد اللّه الباهر أخي الباقر عليه السّلام.قال أبو نصر البخاري:من يطعن فيه لا يطعن فيه من حيث النسب، و إنّما يطعنون فيه بشيء جرى بينه و بين جعفر بن محمّد عليه السّلام،يقال إنّه بصق في وجهه،فدعا عليه فصار أرقط الوجه به رعش كريه المنظر (2).
هذا،و في(الطبري):قال هشام:كان زرادشت-في ما زعم قوم من علماء أهل الكتاب من أهل فلسطين-خادما لبعض تلامذة إرميا النبيّ،خاصّا به،أثيرا عنده فخانه،فكذب عليه،فدعا اللّه عليه فبرص.فلحق ببلاد آذربيجان فشرع بها دين المجوسية.ثم خرج منها متوجها نحو بشتاسب و هو ببلخ.
فأعجبه.فقسر الناس على الدخول في دينه.فقتل في ذلك منهم مقتلة عظيمة (3).
«فأصاب أنسا هذا الداء في ما بعد في وجهه فكان لا يرى إلاّ متبرقعا» و«مبرقعا»في(المصرية)تصحيف.
و استجابة دعائه عليه السّلام أبدا،دلالة إمامته كالنصوص عليه،و كسائر فضائله الجليلة الّتي لم توجد واحدة منها في غيره كالنبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم.
الحكمة(316)
و قال عليه السّلام:
أَنَا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَالُ يَعْسُوبُ الْفُجَّارِ
و معنى ذلك أنّ المؤمنين يتبعونني،و الفجّار يتبعون المال كما يتبع النحل يعسوبها و هو رئيسها .
«أنا يعسوب المؤمنين» قال ابن أبي الحديد:قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم تارة له عليه السّلام:«أنت يعسوب المؤمنين»و اخرى:«أنت يعسوب الدين»و المعنى واحد كأنّه جعل رئيس المؤمنين و سيّدهم،أو جعل الدين يتبعه و يقفو أثره حيث سلك،كما يتّبع النحل اليعسوب.و هذا نحو قوله صلى اللّه عليه و آله و سلّم:«و أدر الحقّ معه كيف دار» (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:389،و [1]النقل بتصرف يسير.
.قلت:روى قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم له:«أنت يعسوب الدين»،(يقين)ابن طاوس عن(مناقب الطبري)،و(مناقب علي بن محمّد بن الطيب الحلالي المعروف بالعدل)،و روى قوله صلى اللّه عليه و آله و سلّم:«أنت يعسوب المؤمنين»هو أيضا عن (مناقب ابن مردويه)،و(مختصر أربعين يوسف البغدادي) (2).
«و المال يعسوب الفجّار» روى(يقين ابن طاوس)عن(مناقب ابن مردويه)و(مناقب الكنجي):أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال:«عليّ يعسوب المؤمنين، و المال يعسوب المنافقين»،و في خبر:«يعسوب الكفرة»و في آخر:«يعسوب الظلمة» (3).
و روى من طرق كثيرة أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال له:«أنت أمير المؤمنين، و إمام المتّقين،و يعسوب الدين و المؤمنين،و الصدّيق الأكبر،و الفاروق الأعظم،و قائد الغرّ المحجّلين» (4).
ثم تلك الأخبار-لا سيما الأخير-تكفي لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد.
هذا،و في(الصحاح):«الياء في يعسوب زائدة.لأنّه ليس في الكلام فعلول غير صعفوق» (1)
صحاح اللغة 1:182، [1]مادة(عسب).
قلت:ما قاله غير معلوم،و لو كانت الياء زائدة لكانت تسقط في الجمع مع بقائها فيه قال أبو بشر:أبو صبية شعث يطيف بشخصه كوالح أمثال اليعاسيب ضمّر (2)
الفصل الثامن-في الإمامة الخاصّة 1
العنوان 1 من الكتاب 21:«فإنّه لا سواء إمام الهدى و إمام الرّدى...»3
العنوان 2 من الخطبة 33:«أمّا و اللّه إن كنت لمن ساقتها...»11
-من الخطبة 102:«و ايم اللّه لقد كنت من ساقتها حتّى تولّت بحذافيرها...»11
العنوان 3 من الخطبة 37:«فقمت بالأمر حين فشلوا...»63
العنوان 4 من الخطبة 195:«و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلّم...»88
العنوان 5 من الخطبة 6:«فو اللّه ما زلت مدفوعا عن حقّي...»127
العنوان 6 من الخطبة 190:«و قد علمتم موضعي من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم...»132
العنوان 7 من الخطبة 160:«...يا أخا بني أسد،إنّك لقلق الوضين...»170
العنوان 8 من الكتاب 64:«أمّا بعد،فانّا كنّا نحن و أنتم على ما ذكرت...»248
العنوان 9 من الكتاب 73:«أمّا بعد،فانّي على التّردّد في جوابك...»273
-من الكتاب 30:«فاتّق اللّه فيما لديك...»274
العنوان 10 من الخطبة 154:«...لمّا أنزل اللّه سبحانه قوله:آلم أحسب النّاس...»296
العنوان 11 من الخطبة 85:«ألم أعمل فيكم بالثّقل الأكبر...»321
العنوان 12 من الخطبة 118:«تا للّه لقد علّمت تبليغ الرّسالات...»326
العنوان 13 من الكتاب 9:«...و أراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل...»329
العنوان 14 من الخطبة 65:«...فهلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول اللّه صلىّ اللّه عليه و آله و سلّم...»345
العنوان 15 من الكتاب 62:«أمّا بعد،فإنّ اللّه سبحانه بعث محمّدا صلى اللّه عليه و آله و سلّم...»368
العنوان 16 من الكتاب 28:«...و قلت:انّي كنت اقاد كما يقاد الجمل...»388
العنوان 17 الحكمة 163:«لا يعاب المرء بتأخير حقّه،...»397
العنوان 18 من الخطبة 5:«أيّها النّاس!شقّوا أمواج الفتن بسفن النّجاة...»400
العنوان 19 من الخطبة 26:«فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي...»428
-من الخطبة 170:«و قد قال قائل:إنّك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب...»428
-من الخطبة 215:«اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش و من أعانهم...»428
-من الكتاب 36:«فدع عنك قريشا و تركاضهم في الضّلال...»429
العنوان 20 الحكمة 317:«...إنّما اختلفنا عنه لا فيه...»485
العنوان 21 من الخطبة 137:«لن يشرع أحد قبلي إلى دعوة حقّ...»492
العنوان 22 من الخطبة 72:«لقد علمتم أنّي أحقّ النّاس بها من غيري...»509
العنوان 23 من الخطبة 16:«ذمّتي بما أقول رهينة،و أنا به زعيم...»513
العنوان 24 من الخطبة 87:«فاعتبروا عباد اللّه،و اذكروا تيك الّتي آباؤكم و...»546
العنوان 25 من الخطبة 180:«أيّها النّاس!إنّي قد بثثت لكم المواعظ...»553
العنوان 26 من الخطبة 176:«و إنّي لأخشى عليكم أن تكونوا في فترة...»559
العنوان 27 من الخطبة 171:«أيّها النّاس إنّ أحقّ النّاس بهذا الأمر...»562
العنوان 28 من الخطبة 152:«و ناظر قلب اللّبيب به يبصر أمده...»569
العنوان 29 الحكمة 311:«إن كنت كاذبا فضربك اللّه بها بيضاء لامعة...»572
العنوان 30 الحكمة 316:«أنا يعسوب المؤمنين،و المال يعسوب الفجّار...»592