ghaemiyeh.com
المؤلف: عبّاس حسن
الناشر: دار المعارف
المطبعة: مطبعة أحمدي
الطبعة: 2
الموضوع : اللغة والبلاغة
تاريخ النشر : 1409 ه.ق
الصفحات: 647
المكتبة الإسلامية
النّحو الوافي
المحرر الرقمي: محمّد علي ملك محمّد
سرشناسه : حسن، عباس
عنوان و نام پدیدآور : النحو الوافی مع ربطه بالا سالیب الرفیعه و الحیاه اللغویه المتجدده/ تالیف عباس حسن.
مشخصات نشر : تهران : ناصرخسرو، ۱۴۲۲ق.= ۱۳۸۰.
مشخصات ظاهری : ۴ ج.
مندرجات : ج. ۱. القسم الموجز للطلبه الجامعات. و المفصل للاساتذه و المتخصصین .-- ج. ۲. القسم الموجز للطلبه الجامعات. و المفصل للاساتذه و المتخصصین .-- ج. ۳. القسم الموجز للطلبه الدداسات النحویه و الصرفیه بالجامعات و المفصل للاساتذه و المتخصصین مشتمل علی ضوابط و الاحکام التی قررتها الجامع اللغویه و موتمراتها الرسمیه .-- ج. ۴. القسم الموجز للطلبه الدراسات النحویه بالجامعات و المفصل للاسائذه و المتخصصین
موضوع : زبان عربی -- نحو
رده بندی کنگره : PJ۶۱۵۱/ح۴۵ن۳۱۳۸۰
رده بندی دیویی : ۴۹۲/۷۵
شماره کتابشناسی ملی : م۶۸-۶۸۵
توضیح : «النحو الوافی»، تألیف عباس حسن، از جمله آثار معاصر در موضوع علم نحو است که به شیوهای آموزشی، در چهار مجلد به زبان عربی تألیف شده است.کتاب، مشتمل بر یک مقدمه و چهار جزء است. ابواب کتاب، بنا بر ترتیبی که ابن مالک در «الفیه» انتخاب کرده و بسیاری از نحویون پس از او اختیار کردهاند، مرتب شده است.
نویسنده در تألیف کتاب، به شیوه آموزشی معینی ملتزم نبوده و به تناسب از شیوههای استنباطی، القائی و محاورهای استفاده کرده است.همچنین در پاورقی پس از بیان قاعده و شرح آن، ابیاتی از الفیه را که مرتبت با بحث بوده نقل کرده و بهطور خلاصه توضیح داده است.
در مواردی که بین یک مبحث از صفحات پیشین یا پسین رابطهای با مسئله مورد بحث بوده، به صفحه آن بحث اشاره شده است.
1
الحمد لله على ما أنعم ، والشكر على ما أولى ، والصلاة على أنبيائه ورسله ؛ دعاة الهدى ، ومصابيح الرشاد. وبعد.
فهذا كتاب جديد فى النحو. والنحو - كما وصفته من قبل - (1)دعامة العلوم العربية ، وقانونها الأعلى ؛ منه تستمد العون ، وتستلهم القصد ، وترجع إليه فى جليل مسائلها ، وفروع تشريعها ؛ ولن تجد علما منها يستقل بنفسه عن النحو. أو يستغنى عن معونته ، أو يسير بغير نوره وهداه.
وهذه العلوم النقلية - على عظيم شأنها - لا سبيل إلى استخلاص حقائقها ، والنفاذ إلى أسرارها ، بغير هذا العلم الخطير ؛ فهل ندرك كلام اللّه تعالى ، ونفهم دقائق التفسير ، وأحاديث الرسول عليه السّلام ، وأصول العقائد ، وأدلة الأحكام ، وما يتبع ذلك من مسائل فقهية ، وبحوث شرعية مختلفة قد ترقى بصاحبها إلى مراتب الإمامة ، وتسمو به إلى منازل المجتهدين - إلا بإلهام النحو وإرشاده؟ ولأمر ما قالوا : (إن الأئمة من السلف والخلف أجمعوا قاطبة على أنه شرط فى رتبة الاجتهاد ، وأن المجتهد لو جمع كل العلوم لم يبلغ رتبة الاجتهاد حتى يعلم النحو ، فيعرف به المعانى التى لا سبيل لمعرفتها بغيره. فرتبة الاجتهاد متوقفة عليه ، لا تتم إلا به (2)...) وهذه اللغة التى نتخذها - معاشر المستعربين - أداة طيّعة للتفاهم ، ونسخرها مركبا ذلولا للإبانة عن أغراضنا ، والكشف عما فى نفوسنا ، ما الذى هيأها لنا ، وأقدرنا على استخدامها قدرة الأولين من العرب عليها. ومكّن لنا من نظمها ونثرها تمكنهم منها ، وأطلق لساننا فى العصور المختلفة صحيحا فصيحا كما أطلق لسانهم ، وأجرى كلامنا فى حدود مضبوطة سليمة كالتى يجرى فيها كلامهم ، وإن كان ذلك منهم طبيعة ، ومنا تطبعا؟
إنه النحو ؛ وسيلة المستعرب ، وسلاح اللغوى ، وعماد البلاغىّ ، وأداة المشرّع والمجتهد ، والمدخل إلى العلوم العربية والإسلامية جميعا.
فليس عجيبا أن يصفه الأعلام السابقون بأنه : خ خ ميزان العربية ، والقانون الذى تحكم به فى كل صورة من صورها (1)وأن يفرغ له العباقرة من أسلافنا ؛ يجمعون أصوله ، ويثبتون قواعده ، ويرفعون بنيانه شامخا ، ركينا ، فى إخلاص نادر ، وصبر لا ينفد. ولقد كان الزمان يجرى عليهم بما يجرى على غيرهم ؛ من مرض ، وضعف ، وفقر ؛ فلا يقدر على انتزاعهم مما هم فيه ، كما كان يقدر على سواهم ، ولا ينجح فى إغرائهم بمباهج الحياة كما كان ينجح فى إغراء ضعاف العزائم ، ومرضى النفوس ، من طلاب المغانم ، ورواد المطامع. ولقد يترقبهم أولياؤهم وأهلوهم الساعات الطوال ، بل قد يترصدهم الموت ؛ فلا يقع عليهم إلا فى حلقة درس ، أو قاعة بحث ، أو جلسة تأليف ، أو ميدان مناظرة ، أو رحلة مخطرة فى طلب النحو. وهو حين يظفر بهم لا ينتزع علمهم معهم ؛ ولا يذهب بآثارهم بذهاب أرواحهم ؛ إذ كانوا يعدون لهذا اليوم عدته من قبل ؛ فيدونون بحوثهم ، ويسجلون قواعدهم ، ويختارون خلفاء من تلاميذهم ؛ يهيئونهم لهذا الأمر العظيم. ويشرفون على تنشئتهم ، وتعهد مواهبهم ؛ إشراف الأستاذ البارع القدير على التلميذ الوفىّ الأمين. حتى إذا جاء أجلهم ودّعوا الدنيا بنفس مطمئنة ، واثقة أن ميدان الإنشاء والتعمير النحوى لم يخل من فرسانه ، وأنهم خلّفوا وراءهم خلفا صالحا يسير على الدرب ، ويحتذى المثال. وربما كان أسعد حظّا وأوفر نجحا من سابقيه ، وأسرع إدراكا لما لم يدركه الأوائل.
على هذا النهج الرفيع تعاقبت طوائف النحاة ، وتوالت زمرهم فى ميدانه ، وتلقى الراية نابغ عن نابغ ، وألمعىّ فى إثر ألمعىّ ، وتسابقوا مخلصين دائبين. فرادى وزرافات ، فى إقامة صرحه ، وتشييد أركانه ، فأقاموه سامق البناء ، وطيد الدعامة ، مكين الأساس. حتى وصل إلى أهل العصور الحديثة التى يسمونها : عصور النهضة ، راسخا ، قويّا ؛ من فرط ما اعتنى به الأسلاف ، ووجهوا إليه من بالغ الرعاية ؛ فاستحقوا منا عظيم التقدير ، وخالد الثناء. وحملوا كثيرا من علماء
1) صبح الأعشى.
اللغة الأجانب على الاعتراف بفضلهم ، والإشادة ببراعتهم (1)
«علم النحو أثر رائع من آثار العقل العربي، بما له من دقة في الملاحظة، ومن نشاط في جمع ما تفرق. وهو أثر عظيم يرغم الناظر فيه على تقديره، ويحق للعرب أن يفخروا به.»
...هذه كلمة حق يقتضينا الإنصاف أن نسجلها ؛ لننسب الفضل لروّاده ، وإلا كنّا من عصبة الجاحدين ، الجاهلين ، أو المغرورين.
2
وليس من شك أن التراث النحوى الذى تركه أسلافنا نفيس غاية النفاسة ، وأن الجهد الناجح الذى بذلوه فيه خلال الأزمان المتعاقبة جهد لم يهيأ للكثير من العلوم المختلفة فى عصورها القديمة والحديثة ، ولا يقدر على احتمال بعضه حشود من الثرثارين العاجزين ، الذين يوارون عجزهم وقصورهم - علم اللّه - بغمز النحو بغير حق ، وطعن أئمته الأفذاذ.
بيد أن النحو - كسائر العلوم - تنشأ ضعيفة. ثم تأخذ طريقها إلى النمو ، والقوة والاستكمال بخطا وئيدة أو سريعة ؛ على حسب ما يحيط بها من صروف وشئون. ثم يتناولها الزمان بأحداثه ؛ فيدفعها إلى التقدم ، والنمو ، والتشكل بما يلائم البيئة ، فتظل الحاجة إليها شديدة ، والرغبة فيها قوية. وقد يعوّقها ويحول بينها وبين التطور ، فيضعف الميل إليها ، وتفتر الرغبة فيها. وقد يشتط فى مقاومتها ؛ فيرمى بها إلى الوراء ، فتصبح فى عداد المهملات ، أو تكاد.
وقد خضع النحو العربى لهذا الناموس الطبيعى (2)؛ فولد فى القرن الأول الهجرى ضعيفا ، وحسبا وئيدا أول القرن الثانى ، وشب - بالرغم من شوائب خالطته - وبلغ الفتاء آخر ذلك القرن ، وسنوات من الثالث ، فلمع من أئمته نجوم زاهرة ؛ كعبد اللّه بن أبى إسحاق ، والخليل ، وأبى زيد ، وسيبويه ، والكسائى ، والفراء ، ونظرائهم من الأعلام ، ثم توالت أخلافهم ، على تفاوت فى المنهج ، وتخالف فى المادة ، إلى عصر النهضة الحديثة التى يجرى اسمها على الألسنة اليوم ، ويتخذون
مطلع القرن التاسع عشر مبدأ لها. فمن هذا المبدأ ألح الوهن والضعف ، على النحو ، وتمالأت عليه الأحداث ؛ فأظهرت من عيبه ما كان مستورا ، وأثقلت من حمله ما كان خفّا ، وزاحمته العلوم العصرية فقهرته ، وخلفته وراءها مبهورا. ونظر الناس إليه فإذا هو فى الساقة من علوم الحياة ، وإذا أوقاتهم لا تتسع للكثير بل للقليل مما حواه ، وإذا شوائبه التى برزت بعد كمون ، ووضحت بعد خفاء - تزهدهم فيه ، وتزيدهم نفارا منه ، وإذا النفار والزهد يكران على العيوب ؛ فيحيلان الضئيل منها ضخما ، والقليل كثيرا ، والموهوم واقعا. وإذا معاهد العلم الحديث تزورّ عنه ، وتجهر بعجزها عن استيعابه ، واستغنائها عن أكثره ، وتقنع منه باليسير أو ما دون اليسير ؛ فيستكين ويخنع.
والحق أن النحو منذ نشأته داخلته - كما قلنا - شوائب ؛ نمت على مر الليالى ، وتغلغلت برعاية الصروف ، وغفلة الحراس ؛ فشوهت جماله ، وأضعفت شأنه ، وانتهت به إلى ما نرى.
فلم يبق بد أن تمتد إليه الأيدى البارّة القوية ، متمالئة فى تخليصه مما شابه ، متعاونة على إنقاذه مما أصابه. وأن تبادر إليه النفوس الوفية للغتها وتراثها ؛ المعتزة بحاضرها وماضيها ؛ فتبذل فى سبيل إنهاضه ، وحياطته ، وإعلاء شأنه - ما لا غاية بعده لمستزيد.
ومن كريم الاستجابة أن رأينا فى عصرنا هذا - طوائف من تلك النفوس البارّة الوفية سارعت إلى النجدة ؛ كلّ بما استطاع ، وبما هو ميسر له ؛ فمنهم من ذلل للناشئة لغته ، أو اختصر قاعدته ، أو أوضح طريقة تدريسه ، أو أراحهم من مصنوع العلل ، وضارّ الخلاف ، أو جمع بين مزيتين أو أكثر من هذه المزايا الجليلة الشأن. لكنا - على الرغم من ذلك - لم نر من تصدى للشوائب كلها أو أكثرها ؛ ينتزعها من مكانها ، ويجهز عليها ما وسعته القدرة ، ومكنته الوسيلة ؛ فيريح المعلمين والمتعلمين من أوزارها. وهذا ما حاولته جاهدا مخلصا قدر استطاعتى ، فقد مددت يدى لهذه المهمة الجليلة ، وتقدمت لها رابط الجأش ، وجمعت لها أشهر مراجعها الأصيلة ، ومظانها الوافية الوثيقة ، وضممت إليها ما ظهر فى عصرنا من كتب ، وأطلت الوقوف عند هذه وتلك ؛ أديم النظر ، وأجيل
الفكر ، وأعتصر أطيب ما فيهما حتى انتهيت إلى خطة جديدة ؛ تجمع مزاياهما ، وتسلم من شوائبهما ، وقمت على تحقيقها فى هذا الكتاب متأنيا صبورا. ولا أدرى مبلغ توفيقى. ولكن الذى أدريه أنى لم أدخر جهدا ، ولا إخلاصا.
إن تلك الشوائب كثيرة ، ومن حق النحو علينا - ونحن بصدد إخراج كتاب جديد فيه - أن نعرضها هنا ، ونسجل سماتها ، ونفصل ما اتخذناه لتدارك أمرها. وهذا كله - وأكثر منه - قد عرضنا له فى رسالة سابقة نشرناها منذ سنوات بعنوان : «رأى فى بعض الأصول اللغوية والنحوية» ، ثم أتممناها بمقالات عشر ؛ نشرت تباعا فى مجلة رسالة الإسلام ، خلال سنتى 1957 و 1958 م وجاوزت صفحاتها المائة. وقد جعلت من هذه وتلك ، ولمحات غيرهما ، مقدمة لهذا الكتاب ستنشر مستقلة ؛ بسبب طولها ، وكثرة ما اشتملت عليه - فى رسالة عنوانها : «مقدمة كتاب النحو الوافى» وهى اليوم فى طريقها للنشر (1)
على أن هذا لا يعفينى من الإشارة العابرة إلى الدستور الذى قام عليه الكتاب ، والغرض الذى رميت من تأليفه ، مستعينا بخبرة طويلة ناجعة ، وتجربة صادقة فى تعلم النحو ؛ طالبا مستوعبا ، ثم تعليمه فى مختلف المعاهد الحكومية مدرسا ، فأستاذا ورئيسا لقسم النحو والصرف والعروض بكلية دار العلوم ، بجامعة القاهرة ، سنوات طوالا.
3
وأظهر مواد ذلك الدستور ما يأتى :
1 - تجميع مادة النحو كله فى كتاب واحد ذى أجزاء أربعة كبار ، تحوى صفحاتها وما تضمنته من مسائل كل ما تفرق فى أمهات الكتب ، وتغنى عنها. على أن يقسم كل جزء قسمين ، تقسيما فنيّا بارعا. أحدهما موجز دقيق يناسب طلاب الدراسات النحوية ، بالجامعات - دون غيرهم - غاية المناسبة ، ويوفيهم ما يحتاجون إليه غاية التوفية الحكيمة التى تساير مناهجهم الرسمية ، ومكانه أول المسائل ، وصدرها. ويليه الآخر (2)- بعد نهاية كل مسألة - بعنوان مستقل هو :
«زيادة وتفصيل» ؛ ويلائم الأساتذة والمتخصصين أكمل الملاءمة وأتمها ، فتبتدئ «المسألة» - وبجانبها رقم خاص بها - بتقديم المادة النحوية الصالحة للطالب الجامعىّ ، الموائمة لقدرته ومقرّره الرسمىّ ، ودرجته فى التحصيل والفهم ، مع توخّى الدقة والإحكام فيما يقدم له ، نوعا ومقدارا. فإذا استوفى نصيبه المحمود انتقلت إلى بسط يتطلع إليه المتخصص ، وزيادة يتطلبها المستكمل. كل ذلك فى إحكام وحسن تقدير ، بغير تكرار ، ولا تداخل بين القسمين ، أو اضطراب. وبهذا التقسم والتنسيق يجد هؤلاء وهؤلاء حاجتهم ميسرة ، موائمة ، قريبة التناول ؛ لا يكدّون فى استخلاصها ولا يجهدون فى السعى وراءها فى متاهات الكتب القديمة ؛ وقد يبلغون أو لا يبلغون.
2 - العناية أكمل العناية بلغة الكتاب وضوحا ، وإشراقا ، وإحكاما ، واسترسالا ؛ فلا تعقيد ، ولا غموض ، ولا حشو ، ولا فضول ، ولا توقف لمناقشة لفظ ، أو إرسال اعتراض ، أو الإجابة عنه ؛ ولا حرص على أساليب القدامى وتعبيراتهم. إلا حين تسايرنا فى البيان الأوفى ، والجلاء الأكمل.
أما الاصطلاحات العلمية المأثورة فلم أفكر فى تغييرها ، إيمانا واقتناعا بما سجله العلماء قديما وحديثا من ضرر هذا التغيير الفردىّ ، ووفاء بما اشترطوه فى تغيير «المصطلاحات» ، أن يكون بإجماع المختصين ، المشتغلين بالعلم الذى يحويها.
3 - اختيار الأمثلة ناصعة ، بارعة فى أداء مهمتها ؛ من توضيح القاعدة ، وكشف غامضها فى سهولة ويسر ، واقتراب ، لهذا تركت كثيرا من الشواهد القديمة ، المترددة بين أغلب المراجع النحوية ؛ لأنها مليئة بالألفاظ اللغوية الصعبة ، وبالمعانى البعيدة التى تتطلب اليوم من المتعلم عناء وجهدا لا يطيقهما ، ولا يتسع وقته لشىء منهما ، فإن خلت من هذا العيب ، وتجملت بالوضوح والطرافة فقد نستبقيها.
والحق أن كثيرا من تلك الشواهد يحتل المكانة العليا من سمو التعبير ، وجمال الأداء ، وروعة الأسلوب. وفتنة المعنى. لكنها اختيرت فى عصور تباين عصرنا ، ولدواع تخالف ما نحن فيه ؛ فقد كانت وسائل العيش حينذاك ميسرة ، والمطالب
قليلة ، والقصد استنباط قاعدة ، أو تأييد مذهب. وكان طالب العلم حافظا القرآن. مستظهرا الكثير من الأحاديث والنصوص الأدبية ، متفرغا للعلوم العربية والشرعية أو كالمتفرغ. أما اليوم فالحال غير الحال ، ووسائل العيش صعبة ، والمطالب كثيرة ؛ فطالب العلم (1)يمر بهذه العلوم مرّا سريعا عابرا قبل الدراسة الجامعية ، فإن قدّر له الدخول فى الجامعة ، انقطعت صلته بتلك العلوم ، ولم يجد بينها وبين مناهجه الدراسية سببا ، إلا إن كان متفرغا للدراسات اللغوية ؛ فيزاولها وحصيلته منها ضئيلة ، لا تمكنه من فهم دقائقها ، ولا ترغبه فى مزيد ، وغايته المستقبلة لا ترتبط - فى الغالب - ارتباطا وثيقا بالضلاعة فى هذه العلوم ، والتمكن منها ؛ فمن الإساءة إليه وإلى اللغة أن نستمسك بالشواهد الموروثة ، ونقيمها حجازا يصعب التغلب عليه ، وإدراك ما وراءه من كريم الغايات. نعم إنها نماذج من الأدب الرائع ؛ ولكن يجب ألا ننسى الغاية إزاء الروعة ، أو نغفل القصد أمام المظهر ، وإلا فقدنا الاثنين معا ، وفى دروس النصوص الأدبية ، وفى القراءة الحرة ، والاطلاع على مناهل الأدب الصفو - متسع للأدباء والمتأدبين ؛ يشبع رغبتهم ، من غير أن يضيع عليهم ما يبغون من دراسة النحو دراسة نافعة ، لا تطغى على وقت رصدته النظم التعليمية الحديثة لغيرها ، ولا تنتهب جهدا وقفته الحياة المعاصرة على سواها.
وإن بعض معلمى اليوم ممّن يقومون بالتدريس لكبار المتعلمين - ليسرف فى اتخاذ تلك الشواهد مجالا لما يسميه : «التطبيق النحوى» ، ومادة مهيأة لدروسه. وليس هذا من وكدى. ولا وكد من احتشد للمهمة الكبرى ، مهمة : «النحو الأصيل» التى تتلخص فى إعداد مادته إعدادا وافيا شاملا ، وعرضها عرضا حديثا شائقا ، وكتابتها كتابة مشرقة بهية ، مع استصفاء أصولها النافعة. واستخلاص قواعدها وفروعها مما ران عليها ، وارتفعت بسببه صيحات الشكوى. ودعوات الإصلاح ، وتهيئتها لتلائم طبقات كثيرة ، وأجيالا متعاقبة فى بلدان متباينة. كل هذا بل بعض هذا - لا يساير ذلك خ خ التطبيق التعليمى ؛ فإنه مدرسىّ موضعى متغير لا يتسم بسمة العموم. أو ما يشبه العموم ، ولا يثبت على حال.
1) وهو اليوم من حملة الشهادة الثانوية العامة - غالبا - أو ما فى مستواها.
على أن هذا الفريق الذى اختار تلك الشواهد ميدانا لتطبيقه قد فاته ما أشرنا إليه من حاجتها إلى طويل الوقت ، وكبير الجهد فى تيسير صعوباتها اللغوية التى أوضحناها. وطلاب اليوم - خاصة - أشد احتياجا لذلك الوقت والجهد ، كى يبذلوهما فى تحصيل ما يتطلبه مستقبلهم الغامض. كما فاته أن خير التطبيق لكبار الطلاب ما ليس محدد المجال ، مصنوع الغرض ، متكلف الأداء ، كالشواهد التى نحن بصددها. وإن مناقشة لنص أدبى كامل ، أو صفحة من كتاب مستقيم الأسلوب ، أو مقال أدبى - لهى أجدى فى التطبيق ، وأوسع إفادة فى النواحى اللغوية المتعددة ، وأعمق أثرا فى علومها وآدابها - من أكثر تلك الشواهد المبتورة المعقدة. فليتنا نلتفت لهذا ، وندرك قيمته العملية ، فنحرص على مراعاته ، ونستمسك باتباعه مع كبار المتعلمين ، ولعل هؤلاء الكبار أنفسهم يدركونه ويعملون به ، فيحقق لهم ما يبتغون.
على أن لتلك الشواهد خطرا آخر ؛ هى أنها - فى كثير من اتجاهاتها - قد تمثل لهجات عربية متعارضة ، وتقوم دليلا على لغات قديمة متباينة ، وتساق لتأييد آراء متناقضة ؛ فهى معوان على البلبلة اللغوية ، ووسيلة للحيرة والشك فى ضبط قواعدها ، وباب للفوضى فى التعبير. وتلك أمور يشكو منها أنصار اللغة ، والمخلصون لها.
وعلى الرغم من هذا قد نسجل - أحيانا مع الحيطة والحذر - بعض الشواهد الغريبة ، أو الشاذة ، وبعض الآراء الضعيفة ، لا لمحاكاتها ، ولا للأخذ بها - ولكن ليتنبه لها المتخصصون ، فيستطيعوا فهم النصوص القديمة الواردة بها حين تصادفهم ، ولا تصيبهم أمامها حيرة ، أو توقف فى فهمها.
4 - الفرار من العلل الزائفة (1)، وتعدد الآراء الضارة فى المسألة الواحدة ، فلهما من سوء الأثر وقبيح المغبة ما لا يخفى. وحسبنا من التعليل : أن يقال : المطابقة للكلام العربى الناصع ، ومن الآراء أن يقال : مسايرة فصيح اللغة وأفصحها. والقرآن الكريم - بقراءاته الثابتة الواردة عن الثقات - فى
1) وفى مقدمتها ما كان تعليلا لأمر واقع ، ولا سبب له إلا نطق العربى ، كالتعليل لرفع الفاعل ، والمبتدأ والخبر ، ولنصب المفعولات - انظر رقم 3 من هامش ص 84 - فإن التعليل لهذه الأمور الوضعية عيب وفساد ؛ إذ الوضعيات لا تعلل ؛ كما قال أبو حيان وغيره ، ونقله الهمع ح 1 ص 56.
مكان الصدارة من هذا ؛ لا نقبل فى أسلوبه تأولا ولا تمحلا ، ثم الكلام العربى الذائع. والأفصح والفصيح هما الباعثان لنا على أن نردف بعض الأحكام النحوية بأن الخير فى اتباع رأى دون آخر ، وأن الأفضل إيثاره على سواه ... أو غير هذا من العبارات الدالة على الترجيح. وإنما كان الخير وتمام الفضل فى إيثاره ؛ لأنه يجمع الناطقين بلغة العرب على أنصع الأساليب وأسماها ، ويوحد بيانهم ، ويريحهم من خلف المذاهب ، وبلبلة اللّهجات ، فى وقت نتلقى فيه اللغة تعلما وكسبا ، لا فطرة ومحاكاة أصيلة ، ونقتطع لها من حياتنا التعليمية المزدحمة المرهقة - الأيّام القليلة ، والساعات المحدودة ؛ فمن الحكمة والسداد أن نقصر تلك الأيام والساعات على ما هو أحسن وأسمى. ولن نلجأ إلى تعليل آخر ، أو ترديد خلاف فى الآراء إلا حيث يكون من وراء ذلك نفع محقق ، وفائدة وثيقة ، وتوسعة محمودة ، دون تعصب لبصرىّ أو لكوفىّ ، أو بغدادى ، أو أندلسى ... أو غير هؤلاء ... ودون فتح باب الفوضى فى التعبير ، أو الاضطراب فى الفهم ، أو البلبلة فى الأداء والاستنباط.
ومن مظاهر النفع الاستعانة «بالتعليل» ، وبتعدد المذاهب فى تيسير مفيد ، أو فى تشريع لغوىّ مأمون ، أو تبصير المتخصصين - وحدهم - ببعض اللغات واللّهجات التى تعينهم على فهم النصوص القديمة الواردة بها ، لا لمحاكاتها - فأكثرها لا يوائمنا اليوم كما سبق - ولكن ليدركوها ، ويفسروا بعض الظواهر اللغوية الغامضة ، ولا يقفوا أمام تفسيرها حائرين مضطربين. وقد بسطنا القول فى هذا كله ، وفى أسبابه ، ونتائجه - فى المقدمة التى أشرنا إليها.
5 - تدوين أسماء المراجع أحيانا فى بعض مسائل قد تتطلب الرجوع إليها ؛ استجلاء لحقيقة ، أو إزالة لوهم. وفى ذلك التدوين نفع آخر ؛ هو : تعريف الطلاب بتلك المراجع ، وترديد أسمائها عليهم ، وتوجيههم إلى الانتفاع بها ، والإيحاء بأن الرجوع إلى مثلها قد يقتضيه تحصيل العلم ، وتحقيق مسائله.
6 - عدم التزام طريقة تربوية معينة فى التأليف ، فقد تكون الطريقة استنباطية ، وقد تكون إلقائية ، وقد تكون حوارا ، أو غير ذلك مما يقتضيه صادق الخبرة ، وملاءمة الموضوع. وإذا عرفنا أن الكتاب لكبار الطلاب ، وللأساتذة المتخصصين ، وأن موضوعاته كثيرة متباينة - أدركنا الحكمة فى اختلاف الطرائق
باختلاف تلك الموضوعات وقرّائها. على أن تكون الطريقة محكومة بحسن الاختيار ، وصدق التقدير ، وضمان النجح من أيسر السبل وأقربها. ومهما اختلفت فلن تكون من طرائق القدماء التى أساسها : المتن ، فالشرح ، فالحاشية ، فالتقرير ... فما يصاحب هذا من جدل ، ونقاش ، وكثرة خلاف ، وتباين تعليل ... وما إلى ذلك مما دعت إليه حاجات عصور خلت ، ودواعى حقب انقضت ، ولم يبق من تلك الحاجات والدواعى ما يغرينا بالتمسك به ، أو بتجديد عهده.
على أن بحوثهم وطرائقهم تنطوى - والحق يقال - على ذخائر غالية ، وتضم فى ثناياها كنوزا نفيسة. إلا أن استخلاص تلك الذخائر والكنوز مما يغشيها اليوم عسير أى عسير على جمهرة الراغبين - كما أسلفنا.
7 - تسجيل أبيات : «ابن مالك» كما تضمنتها «ألفيته» ، المشهورة ، وتدوين كل بيت فى أنسب مكان من الهامش ، بعد القاعدة وشرحها ، مع الدقة التامة فى نقله ، وإيضاح المراد منه ؛ فى إيجاز مناسب ، وحرص على ترتيب الأبيات ، إلا إن خالفت فى ترتيبها تسلسل المسائل وتماسكها المنطقى النحوى الذى ارتضيناه. فعندئذ نوفق بين الأمرين ؛ ترتيب الناظم : وما يقتضيه التسلسل المنطقى التعليمى ؛ فننقل البيت من مكانه فى «الألفية» ، ونضعه فى المكان الذى نراه مناسبا ، ونضع على يساره الرقم الدال على ترتيبه بين أبيات الباب كما رتبها الناظم ، ولا نكتفى بهذا ؛ فحين نصل إلى شرح المسألة المتصلة بالبيت الذى قبله ، ونفرغ منها ومن ذكر البيت الخاص بها ؛ تأييدا لها - نعود فنذكر البيت الذى نقلناه من مكانه ، ونضعه فى مكانه الأصلى الذى ارتضاه الناظم ، ونشير إلى أن هذا البيت قد سبق ذكره وشرحه فى مكانه الأنسب من صفحة كذا ...
وقد دعانا إلى تسجيل أبيات : «ابن مالك» - فى الهامش - ما نعلمه من تمسك بعض المعاهد والكليات الجامعية بها ، وإقبال طوائف من الطلاب على تفهمها ، والتشدد فى دراستها واستظهارهم كثيرا منها للانتفاع بها حين يريدون. وقد تخيرنا لها مكانا فى ذيل الصفحات ، يقربها من راغبيها ، ويبعدها من الزاهدين فيها. 8 - الإشارة إلى صفحة سابقة أو لاحقة ، وتدوين رقمها إذا اشتملت على ماله صلة وثيقة بالمسألة المعروضة ؛ كى يتيسر لمن شاء أن يجمع شتاتها فى
سهولة ويسر ، ويضم - بغير عناء - فروعها وما تفرق منها فى مناسبات وموضوعات مختلفة.
ولا نكتفى بذكر الرقم الخاص بالصفحة ، وإنما نذكره ونذكر بعده رقم المسألة. ونرمز للمسألة بالحرف الهجائى الأول من حروفها ، وهو : «م» اختصارا.
والسبب فى الجمع بينهما أن رقم الصفحة عرضة للتغيير بتغير طبعات الكتاب أما رقم المسألة فثابت لا يتغير وإن تعددت الطبعات ، فالإحالة عليه إحالة على شىء موجود دائما ؛ فيتحقق الغرض من الرجوع إليه.
9 - ترتيب أبواب الكتاب على النسق الذى ارتضاه ابن مالك فى : «ألفيته» وارتضاه كثيرون ممن جاءوا بعده ، لأنه الترتيب الشائع اليوم ، وهو فوق شيوعه - أكثر ملاءمة فى طريقته ، وأوفر إفادة فى التحصيل والتعليم ، ويشيع بعده الترتيب القائم على جمع الأبواب الخاصة بالأسماء متعاقبة ، يليها الخاصة بالأفعال ثم الحروف ... كما فعل الزمخشرى فى مفصله. وتبعه عليه شراحه. وهذه طريقة حميدة أيضا. ولكنها تفيد المتخصصين دون سواهم من الراغبين فى المعرفة العامة أوّلا فأولا ؛ فالمبتدأ يلازمه الخبر أو ما يقوم مقامه ، وقد يكون الخبر جملة فعلية ، أو شبه جملة ، والفاعل لا بد له من فعل أو ما يقوم مقامه. والمفعول لا بد له من الاثنين ... فكيف يتعلم الراغب أحكام المبتدأ وحده ، أو الخبر وحده ، أو الفعل أو الفاعل كذلك؟
وهناك أنواع أخرى من الترتيب لكل منها مزاياه التى نراها لا تعدل مزية الترتيب الذى اخترناه. ولا تناسب عصرنا القائم.
واللّه أرجو مخلصا أن يجعل الكتاب نافعا لغة القرآن ، عونا لطلابها ، محققا الغاية النبيلة التى دعت لتأليفه ، والقصد الكريم من إعداده.
المؤلف
ما المراد من هذه الألفاظ الاصطلاحية فى عرف النحويين؟
حروف الهجاء تسعة وعشرون حرفا ، (وهى : أ(1)- ب - ت - ث - ج ...) وكل واحد منها رمز مجرد ؛ لا يدل إلا على نفسه ، ما دام مستقلا لا يتصل بحرف آخر. فإذا اتصل بحرف أو أكثر ، نشأ من هذا الاتصال ما يسمى : «الكلمة». فاتصال الفاء بالميم - مثلا - يوجد كلمة : «فم» ، واتصال العين بالياء فالنون ، يوجد كلمة : «عين» ، واتصال الميم بالنون فالزاى فاللام ، يحدث كلمة : «منزل» ... وهكذا تنشأ الكلمات الثنائية ، والثلاثية ، والرباعية - وغيرها (2)- من انضمام بعض حروف الهجاء إلى بعض(3).
وكل كلمة من هذه الكلمات التى نشأت بالطريقة السالفة تدل على معنى ؛ لكنه معنى جزئى ؛ (أى : مفرد) ؛ فكلمة : «فم» حين نسمعها ، لا نفهم منها أكثر من أنها اسم شىء معين. أما حصول أمر من هذا الشىء ، أو عدم حصوله ... ، أما تكوينه ، أو وصفه ، أو دلالته على زمان أو مكان ، أو معنى آخر - فلا نفهمه من كلمة : «فم» وحدها. وكذلك الشأن فى كلمة : «عين» ، و «منزل» وغيرهما من باقى الكلمات المفردة.
1) الأرجح أن الحرف الأول من حروف الهجاء هو : «الهمزة» وليس الألف التى تحملها فوقها ، لتظهرها بارزة لا تختفى ، ولا تختلط بغيرها ، فشأن الألف فى هذا كشأن الواو والياء اللتين تستقر فوقهما الهمزة فى كتابة بعض الكلمات. أما الألف الأصلية ، فمكانها فى الترتيب الأبجد ى بعد اللام مباشرة ، حتى لقد اندمجت فى اللام ، وصارتا : «لا» مع أنهما حرفان ، لا حرف واحد.
2) لا تزيد أحرف الاسم على سبعة : نحو : «استغفار». ولا أحرف الفعل على ستة ؛ نحو : «استغفر» ، ولا أحرف الحرف على خمسة ؛ نحو : «لكن» ، باعتبارها كلمة واحدة - على الأصح - ، مشددة النون ، ثابتة الألف بعد اللام نطقا. ومن النحاة من يجعل : «حيثما» كلمة واحدة ، ويعدها من الحروف. ورأيه ضعيف مردود. - انظر ص 66 -
3) لهذا تسمى الحروف الهجائية : «حروف المبانى» ؛ لأنها أساس بنية الكلمة. وهى غير «حروف الربط» التى ستجىء فى ص 62.
ولكن الأمر يتغير حين نقول : «الفم مفيد» - «العين نافعة» - «المنزل واسع النواحى» ، فإن المعنى هنا يصير غير جزئى ؛ (أى : غير مفرد) ؛ لأن السامع يفهم منه فائدة وافية إلى حدّ كبير ، بسبب تعدد الكلمات ، وما يتبعه من تعدد المعانى الجزئية ، وتماسكها ، واتصال بعضها ببعض اتصالا ينشأ عنه معنى مركب. فلا سبيل للوصول إلى المعنى المركب إلا من طريق واحد ؛ هو : اجتماع المعانى الجزئية بعضها إلى بعض ، بسبب اجتماع الألفاظ المفردة.
ومن المعنى المركب تحدث تلك الفائدة التى : «يستطيع المتكلم أن يسكت بعدها ، ويستطيع السامع أن يكتفى بها». وهذه الفائدة - وأشباهها - وإن شئت فقل : هذا المعنى المركب ، هو الذى يهتم به النحاة ، ويسمونه بأسماء مختلفة ، المراد منها واحد ؛ فهو : «المعنى المركب» ، أو : «المعنى التام» ، أو : «المعنى المفيد» أو : «المعنى الذى يحسن السكوت عليه» ...
يريدون : أن المتكلم يرى المعنى قد أدى الغرض المقصود فيستحسن الصمت ، أو : أن السامع يكتفى به ؛ فلا يستزيد من الكلام. بخلاف المعنى الجزئى ، فإن المتكلم لا يقتصر عليه فى كلامه ؛ لعلمه أنه لا يعطى السامع الفائدة التى ينتظرها من الكلام. أو : لا يكتفى السامع بما فهمه من المعنى الجزئى ، وإنما يطلب المزيد. فكلاهما إذا سمع كلمة منفردة مثل : باب ، أو : ريحان ، أو : سماء ، أو : سواها ... لا يقنع بها.
لذلك لا يقال عن الكلمة الواحدة إنها تامة الفائدة ، برغم أن لها معنى جزئيّا لا تسمى «كلمة» بدونه ؛ لأن الفائدة التامة لا تكون بمعنى جزئى واحد.
مما تقدم نعلم أن الكلمة هى : (اللفظة الواحدة التى تتركب من بعض الحروف الهجائية ، وتدل على معنى جزئى ؛ أى : «مفرد»). فإن لم تدل على معنى عربى وضعت لأدائه فليست كلمة ، وإنما هى مجرد صوت.
هو : «ما تركب من كلمتين أو أكثر ، وله معنى مفيد مستقل» (1)
(ب) وكذلك إذا خرجت الجملة عن أصلها الذى شرحناه فصارت علما على مسمى معين ؛ فإنها فى حالتها الجديدة لا تسمى جملة. ومن هذا بعض الأعلام الشائعة اليوم ؛ مثل : فتح اللّه - زاد المجد - بهر النور - الحسن كامل - ... فكل واحدة من هذه الألفاظ كانت فى أصلها جملة خبرية ثم صارت بعد التسمية بها نوعا من اللفظ المفرد لا يدل جزء اللفظ منها على جزء من المعنى الأول فتحولت مفردة بالوضع. راجع شرح المفصل ج 1 ص 18 معنى الكلم. -
. مثل : أقبل ضيف. فاز طالب نبيه. لن يهمل عاقل واجبا ...فلا بد فى الكلام من أمرين معا ؛ هما : «التركيب» ، و «الإفادة المستقلة» فلو قلنا : «أقبل» فقط ، أو : «فاز» فقط ، لم يكن هذا كلاما ؛ لأنه غير مركب. ولو قلنا : أقبل صباحا ... أو : فاز فى يوم الخميس ... أو : لن يهمل واجبه ... ، لم يكن هذا كلاما أيضا ؛ لأنه - على رغم تركيبه - غير مفيد فائدة يكتفى بها المتكلم أو السامع ...
وليس من اللازم فى التركيب المفيد أن تكون الكلمتان ظاهرتين فى النطق ؛ بل يكفى أن تكون إحداهما ظاهرة ، والأخرى مستترة ؛ كأن تقول للضيف : تفضل. فهذا كلام مركب من كلمتين ؛ إحداهما ظاهرة ، وهى : تفضل (2)، والأخرى مستترة ، وهى : أنت (3). ومثل : «تفضل» : «أسافر» ... أو :
1) (ا) إذا وقعت الجملة الخبرية صلة الموصول ، أو نعتا ، أو حالا ، أو تابعة لشىء آخر - فإنها لا تسمى جملة ؛ لأنها تسمّى خبرية بحسب أصلها الأول الذى كانت مستقلة فيه. فإذا صارت صلة ، أو تابعة لغيرها لم يصح تسميتها : «خبرية» ؛ إذ لا يكون فيها حكم مستقل بالسلب أو الإيجاب ، تنفرد به ، ويقتصر عليها وحدها. بل هى لذلك لا تسمى : «كلاما» ولا «جملة» ؛ فعدم تسميتها جملة خبرية من باب أولى .. ومثلها الجملة الواقعة خبرا ، ... فلا تسمّى واحدة من كل ما سبق كلاما ولا جملة ، إذ ليس لها كيان معنوى مستقل. - كما سيجئ عند الكلام على صلة الموصول رقم 3 من هامش ص 336 م 27. -
2) فعل الأمر.
3) فاعله. ولما كان الكلام هنا مفيدا ولا يظهر منه فى النطق إلا الفعل ، والفعل لا بد له من فاعل - وجب التسليم بأن الكلمة الثانية مستترة.
«نشكر» أو : «تخرج» ... وكثير غيرها مما يعد فى الواقع كلاما ، وإن كان ظاهره أنه مفرد.
هو : ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر ؛ سواء أكان لها معنى مفيد ، أم لم يكن لها معنى مفيد. فالكلم المفيد مثل : النيل ثروة مصر - القطن محصول أساسى فى بلادنا. وغير المفيد مثل : إن تكثر الصناعات ...
هو كل لفظ نطق به الإنسان ؛ سواء أكان لفظا مفردا أم مركبا ، وسواء أكان تركيبه مفيدا أم غير مفيد. فهو ينطبق على : «الكلمة» كما ينطبق على : «الكلام» وعلى : «الكلم». فكل نوع من هذه الثلاثة يدخل فى نطاق : «القول» ويصح أن يسمى : «قولا» على الصحيح ، وقد سبقت الأمثلة. كما ينطبق أيضا على كل تركيب آخر يشتمل على كلمتين لا تتم بهما الفائدة ؛ مثل : إن مصر ... - أو : قد حضر ... أو : هل أنت. أو : كتاب علىّ (1)... فكل تركيب من هذه التراكيب لا يصح أن يسمى : «كلمة» ؛ لأنه ليس لفظا مفردا ، ولا يصح أن يسمى : «كلاما» ؛ لأنه ليس مفيدا. ولا : «كلما» ؛ لأنه ليس مؤلفا من ثلاث كلمات ؛ وإنما يسمى : «قولا».
ويقول أهل اللغة : إن «الكلمة» واحد : «الكلم». ولكنها قد تستعمل أحيانا (2)بمعنى : «الكلام» ؛ فتقول : حضرت حفل تكريم الأوائل ؛ فسمعت «كلمة» رائعة لرئيس الحفل ، و «كلمة» أخرى لأحد الحاضرين ، و «كلمة» ثالثة من أحد الأوائل يشكر المحتفلين. ومثل : اسمع منى «كلمة» غالية ؛ وهى :
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم *** فطالما استعبد الإنسان إحسان
فالمراد بالكلمة فى كل ما سبق هو : «الكلام» ، وهو استعمال فصيح ، يشيع على ألسنة الأدباء وغيرهم.
وللكلمة ثلاثة أقسام ، اسم. وفعل ، وحرف (1)
وقد لخص ابن مالك فى ألفيته ما سبق بقوله :
كلامنا لفظ مفيد كاستقم *** و (اسم) ، و (فعل) ثم (حرف) : الكلم
واحده : «كلمة.» و «القول» عم *** وكلمة بها كلام قد يؤم
يريد : أن «الكلام» عند النحاة هو : اللفظ المفيد (ولا يكون مفيدا إلا إذا كان مركبا ؛ كاستقم) «والكلم» ثلاثة أقسام ، اسم ، وفعل ، وحرف ،. وواحده : «كلمة». و «القول» يشمل بمعناه كل الأقسام ؛ (فكلمة : عم) فعل ماض. والكلمة قد يؤم بها الكلام ، أى : يقصد إطلاقها على الكلام بمعناه الذى سبق.
. .1) أما اسم الفعل الذى اعتبره بعض النحاة قسما رابعا ، فالتحقيق أنه داخل فى قسم : «الاسم» - كما سيجىء فى بابه الخاص ج 4 م 141 -
تعود النحاة - بعد الكلام على الأنواع الأربعة السابقة - أن يوازنوا بينها موازنة أساسها : «علم المنطق» ويطيلوا فيها الجدل المرهق ، مع أن الموضوع فى غنى عن الموازنة ؛ لبعد صلتها «بالنحو». وبالرغم من هذا سنلخص كلامهم ... (وقد يكون الخير فى الاستغناء عنه).
(ا) يقولون : إن موازنة الأنواع السابقة بعضها ببعض ؛ لمعرفة أوسعها شمولا ، وأكثرها أفرادا - تدل على أن : «القول» هو الأوسع والأكثر ؛ لأنه ينطبق عليها جميعا ، وعلى كل فرد من أفرادها. أما غيره فلا ينطبق إلا على أفراده الخاصة به ، دون أفراد نوع آخر ؛ فكل ما يصدق عليه أنه : «كلمة» أو : «كلام» أو : «كلم» - يصدق عليه أنه : «قول» ، ويعدّ من أفراد : «القول» ، ولا عكس.
هذا إلى أن القول يشمل نوعا آخر غير تلك الأنواع ، وينطبق وحده على أفراد ذلك النوع ؛ وهو : كل تركيب اشتمل على كلمتين من غير إفادة تامة منهما ؛ مثل : «إن حضر» ... «ليس حامد» - «ليت مصر» ... - «سيارة رجل» ... فمثل هذا لا يصح أن يسمى : «كلمة» ، ولا «كلاما» ، ولا «كلما» ومن هنا يقول النحاة : إن القول أعم من كل نوع من الأنواع الثلاثة عموما مطلقا ، وأن كل نوع أخص منه خصوصا مطلقا ... يريدون بالعموم : أن «القول» يشمل من الأنواع أكثر من غيره. ويريدون «بالإطلاق» : أن ذلك الشمول عام فى كل الأحوال ، بغير تقييد بحالة معينة ؛ فكلما وجد نوع وجد أن «القول» ؛ يشمله وينطبق على كل فرد من أفراده - دائما -
وأما أن كل نوع أخص - وأن ذاك الخصوص مطلق - فلأن كل نوع من الثلاثة لا يشمل عددا من الأفراد المختلفة بقدر ما يشمله «القول» ولا ما يزيد عليه. وأن هذا شأنه فى كل الأحوال بغير تقييد ، كما يتضح مما يأتى :
كتب : كلمة ، ويصح أن تسمى : «قولا.» وكذلك كل كلمة أخرى. كتب على : كلام ، ويصح أن يسمى : «قولا.» وكذلك كل جملة مفيدة مستقلة بمعناها ، مكونة من كلمتين. - أو أكثر كما سيجىء - قد كتب صباحا : كلم ، ويصح أن يسمى : «قولا.» وكذلك كل تركيب يشتمل على ثلاث كلمات فأكثر ، من غير أن يفيد.
كتب على صباحا : كلم أيضا. ويصح أن يسمى : خ خ كلاما ، أو : قولا. وكذلك كل تركيب يشتمل على ثلاث كلمات فأكثر مع الإفادة المستقلة. كتاب على : يسمى : «قولا.» فقط .. وكذلك كل تركيب يشتمل على كلمتين فقط من غير إفادة.
فالقول منطبق على كل نوع ، وصادق على كل فرد من أفراد ذلك النوع ومن غيره. وقد يوضح هذا كلمة أخرى مثل : ؛ «معدن» ؛ فإن «المعدن» أنواع كثيرة ؛ منها الذهب ، والفضة ، والنحاس ... فكلمة ؛ «معدن» أعم من كل كلمة من تلك الكلمات عموما مطلقا ، وكل نوع أخص منه خصوصا مطلقا ؛ لأن كلمة «معدن» بالنسبة للذهب - مثلا - تشمله. وتشمل نوعا أو أكثر غيره - كالفضة -. أما الذهب فمقصور على نوعه الخاص. فالمعدن عام ؛ لأنه يشمل نوعين أو أكثر. والذهب خاص ؛ لأنه لا يشمل إلا نوعا واحدا. و «المعدن» عام عموما مطلقا ؛ لأنه ينطبق دائما على كل فرد من أفراد نوعيه أو أنواعه وذلك فى كل الحالات.
(ب) ثم تأتى الموازنة بين «الكلم» و «الكلام» فتدل على أمرين :
أحدهما : أن «الكلم» و «الكلام» يشتركان معا فى بعض الأنواع التى يصدق على كل منها أنه : «كلم» وأنه : «كلام» - ؛ فيصح أن نسميه بهذا أو ذاك ؛ كالعبارات التى تتكون من ثلاث كلمات مفيدة ؛ فإنها نوع صالح لأن يسمى : «كلاما» أو : «كلما». وكالعبارات التى تتكون من أربع كلمات مفيدة ؛ فإنها نوع صالح لأن يسمى : «كلاما» أو : «كلما» وهكذا كل جملة اشتملت على أكثر من ذلك مع الإفادة المستقلة.
ثانيهما : أن كلا منهما قد يشتمل على أنواع لا يشتمل عليها الآخر فيصير أعم من نظيره أنواعا ، وأوسع أفرادا ؛ مثال ذلك : أن «الكلم» وحده يصدق على كل تركيب يحوى ثلاث كلمات أو أكثر ، سواء أكانت مفيدة ، مثل : (أنت خير مرشد) أم غير مفيدة ، مثل : (لما حضر فى يوم الخميس) فهو من هذه الناحية أعم وأشمل من الكلام ؛ لأن الكلام لا ينطبق إلا على المفيد ، فيكون - بسبب هذا - أقل أنواعا وأفرادا ؛ فهو أخص.
لكن «الكلام» - من جهة أخرى - ينطبق على نوع لا ينطبق عليه «الكلم» كالنوع الذى يتركب من كلمتين مفيدتين ؛ مثل : «أنت عالم» وهذا يجعل
الكلام أعم. وأشمل من نظيره ، ويجعل الكلم أخص.
فخلاصة الموازنة بين الاثنين : أنهما يشتركان حينا فى نوع (أى : فى عدد من الأفراد) ، ثم يختص كل واحد منهما بعد ذلك بنوع آخر ينفرد به دون نظيره ؛ فيصير به أعم وأشمل. فكل منهما أعم وأشمل حينا ، وأخص وأضيق حينا آخر. ويعبر العلماء عن هذا بقولهم : «إن بينهما العموم من وجه ، والخصوص من وجه.» أو : «بينهما العموم والخصوص الوجهى».
يريدون من هذا : أنهما يجتمعان حينا فى بعض الحالات ، وينفرد كل منهما فى الوقت نفسه ببعض حالات أخرى يكون فيها أعم من نظيره ، ونظيره أعم منه أيضا ؛ فكلاهما أعم وأخص معا. وإن شئت فقل : إن بينهما العموم من وجه والخصوص من وجه (أى ؛ الوجهى) فيجتمعان فى مثل قد غاب على ... وينفرد الكلام بمثل : حضر محمود ... وينفرد الكلم بمثل : إن جاء رجل ... فالكلم أعم من جهة المعنى ؛ لأنه يشمل المفيد وغير المفيد ، وأخص من جهة اللفظ ؛ لعدم اشتماله على اللفظ المركب من كلمتين.
والكلام أعم من جهة اللفظ ؛ لأنه يشمل المركب من كلمتين فأكثر. وأخص من جهة المعنى ؛ لانه لا يطلق على غير المفيد.
(ح) أما موازنة الكلمة بغيرها فتدل على أنها أخص الأنواع جميعا.
شىء آخر يعرض له النحاة بمناسبة : «كلم». يقولون :
إننا حين نسمع كلمة : رجال ، أو : كتب ، أو : أقلام ، أو : غيرها من جموع التكسير نفهم أمرين :
أولهما : أن هذه الكلمة تدل على جماعة لا تقل عن ثلاثة ، وقد تزيد. ثانيهما : أن لهذا الجمع مفردا نعرفه من اللغة ؛ هو : رجل ، كتاب ، قلم ... وكذلك حين نسمع لفظ : «كلم» نفهم أمرين :
أولهما : أنه يدل على جماعة من الكلمات ، لا تقل عن ثلاث ، وقد تزيد ؛ (لأن «الكلم» فى الأصل يتركب من ثلاث كلمات أو أكثر ؛ فهو من هذه الجهة يشبه الجمع فى الدلالة العددية ؛ فكلاهما يدل على ثلاث أو أكثر).
ثانيهما : أن «للكلم» مفردا نعرفه ونصل إليه بزيادة تاء للتأنيث فى آخره ؛
فيصير بزيادتها - وموافقة اللغة - دالا على الواحد ، بعد أن كان دالا على الجمع ، فتكون : «كلمة» هى مفرد : «الكلم» ؛ مع أنهما متشابهان فى الحروف ، وفى ضبطها ، ولا يختلفان فى شىء ؛ إلا فى زيادة التاء فى آخر : «الكلمة» - بموافقة اللغة -. وهو بسبب هذا يختلف عن الجموع ؛ فليس بين الجموع ما ينقلب مفردا وينقص معناه من الجمع إلى الواحد من أجل اتصال تاء التأنيث بآخره. ولذلك لا يسمونه جمعا ، وإنما يسمونه : «اسم جنس (1)جمعيّا (2)». ويقولون فى تعريفه : «إنه لفظ معناه معنى الجمع ، وإذا زيدت على آخره تاء التأنيث - غالبا - صار مفردا». أو هو : «ما يفرق بينه وبين واحده بزيادة تاء التأنيث - غالبا - فى آخره». ومن أمثلته : تفاح وتفاحة - عنب وعنبة - تمر وتمرة - شجر وشجرة - وهذا هو النوع (3)
هذا ، ولا يفرق بين مذكره ومؤنثه بالتاء المربوطة ؛ فلا يقال : - فى الغالب - حمامة أو بطة ، أو شاة ، للمؤنثة المفردة. وحمام ، وبط ، وشاه ، للمذكر المفرد ؛ منعا للالتباس ، وإنما يؤنثونه بالصفة ، فيقال : حمامة أنثى ، وحمامة ذكر ، وبطة أنثى ، وبطة ذكر.
أما تأنيث عامله فمكان الكلام عليه باب الفاعل ج ۲ ص ٦٨ وما بعدها م ٦٦.
الغالب ، كما أشرنا.وهناك نوع يفرق بينه وبين مفرده بالياء المشددة ، مثل : عرب وعربىّ ، جند وجندى ، روم ورومى ، ترك وتركىّ.
وقد يفرق بينه وبين واحده بالتاء فى جمعه ، لا فى مفرده ؛ مثل كمأة ، وكمء» (4).
1) سيجىء تفصيل الكلام على النكرة ، واسم الجنس ، وعلم الجنس ، وعلم الشخص ، فى مكانه الخاص من الكتاب ؛ هنا ، وفى باب النكرة والمعرفة (ص 186 م 17). وسنعرف أن النكرة (اسم الجنس) إن قصد بها معين فهى النكرة المقصودة ، وإلا فهى النكرة غير المقصودة. ولكل منهما أحكامه الخاصة ، ولا سيما عند ندائه (كما سيجىء فى باب النداء أول ج 4).
2) صفة لكلمة اسم ، حتما ، لأن الاسم هو الذى يدل على الجمعية ؛ فلا يكون اسم الجنس الجمعى إلا دالا على الجمع ، ولا يكون دالا على المفرد ، ولا على المثنى. وبالرغم من أن اسم الجنس الجمعى يدل على ما يدل عليه الجمع فإنه يجوز تثنيته وجمعه فى أغلب أحواله ... فالمراد من وصفه بالجمعى : تأكيد أنه لا يراد به واحد ولا اثنان ، وإنما يراد به ثلاثة على الأقل كما يراد بالجمع عند النحاة.
3) هذا النوع الذى يفرق بينه وبين واحده بالتاء المربوطة إذا وصف - وكذلك إن أخبر عنه ، أو عاد عليه ضمير ، أو إشارة - جاز فى صفته إما الإفراد مع التذكير على اعتبار اللفظ ، لأنه جنس ، أو : مع التأنيث على تأويل معنى الجماعة ؛ نحو قوله تعالى : ( أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ) و ( أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ. ) وإما جمع الصفة جمع تكسير أو جمع مؤنث سالما ، نحو قوله تعالى : ( السَّحابَ الثِّقالَ ... ) وقوله : ( وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ ) ومثل : الصفة الخبر ، والإشارة إليه ، والضمير العائد عليه كما أسلفنا - وفى كل ما سبق خلاف أشار إليه الصبان ، فى باب العدد).
4) اسم نبات صحراوى.
ولهم فى اسم الجنس الجمعىّ - من ناحية أنه جمع تكسير ، أو أنه قسم مستقل بنفسه - آراء متضاربة ومجادلات عنيفة ؛ لا خير فيها ، وإنما الخير فى الأخذ بالرأى القائل : إنه جمع تكسير (1). وهو رأى فيه سداد ، وتيسير ، ولن يترتب على الأخذ به مخالفة أصل من أصول اللغة ، أو خروج على قاعدة من قواعدها ، وأحكامها السليمة.
هذا من جهة الجمع أو عدمه. بقى الكلام فى المراد من : «اسم الجنس» والمعنى الدقيق له. وفيما يلى إشارة موجزة إليهما (2):
إن كلمة مثل كلمة : «حديد» تدل على معنى خاص ؛ هو : تلك المادة المعروفة ، وذلك العنصر المفهوم لنا. فمن أين جاء لنا فهمه؟ وكيف وصل العقل إلى انتزاع المعنى وإقراره فى باطنه؟
رأينا قطعة من الحديد أول مرة ، ثم قطعة أخرى بعد ذلك ، ثم ثالثة ، فرابعة ، فخامسة ، ... ولم نكن نعرف الحديد ، ولا اسمه ، ثم استعملنا تلك القطع فى شئوننا ، وعرفنا بالاستعمال المتكرر بعض خواصها الأساسية ؛ وإذا رأينا بعد ذلك قطعا من صنفها فإننا نعرفها ، ولا تكون غريبة على عقولنا ، ونشعر بحاجة إلى اسم نسمى به هذا الصنف ...
فإذا رأينا بعد ذلك قطعة من جنس آخر (أى : من صنف آخر) كالذهب ، ولم نكن استعملناه فى شئوننا - وعرفنا بالاستعمال بعض خواصها الذاتية ؛ فلا شك أننا سنحتاج إلى اسم يميز هذا الجنس من سابقه ، بحيث إذا سمعنا الاسم ندرك منه المراد ، ونتصور معناه تصورا عقليّا من غير حاجة إلى رؤية تلك القطع والنماذج ؛ فوضعنا للجنس الأول اسما هو : «الحديد» ، ووضعنا للجنس الثانى اسما يخالفه هو : «الذهب». فالحديد اسم لذلك الجنس (الصنف المعروف) ، وكذلك «الذهب» ، وغيرهما من أسماء الأجناس ... وصرنا بعد ذلك حين نسمع كلمة : «الذهب» أو «الحديد» ندرك المراد منها إدراكا عقليا بحتا ، فيقفز إلى ذهننا مباشرة مدلولها الخاص ، من غير ربط - فى الغالب (3)- بينها وبين شىء آخر
من عنصرها ، ومادتها ، أو من غيرهما. وهذا الفهم هو ما يعبر عنه : بأنه «إدراك الماهية المجردة» أى : «إدراك حقيقة الشىء الذهنية ، وصورته المرسومة فى العقل وحده». يريدون بذلك : المعنى الذى يفهم من الكلمة فهما عقليّا مجردا - فى الغالب - أى : بعيدا عن عالم الحسّ ، وعن تخيل النماذج والصور المختلفة المصنوعة منه ، أو غير المصنوعة ، والتى تساعد فى إيضاح المراد منه (1).
ومثل كلمة : ال «حديد» غيرها من أسماء الأجناس - كما أسلفنا - ومنها : فضة ، رجل ، خشب. طائر ...
ثم إن هذا الجنس (أو : الماهية المجردة ، والحقيقة الذهنية البحتة) ثلاثة أنواع ، لكل منها اسم : الأول : اسم الجنس الجمعى (2)، وقد سبق.
الثانى : اسم الجنس الإفرادى ؛ وهو الذى يصدق على القليل والكثير من الماهية (أى : من الحقيقة الذهنية) من غير اعتبار للقلة أو الكثرة. (مثل : هواء ، ضوء ، دم ، ماء) فكل واحد من هذه وأشباهها يسمى بهذا الاسم ؛ سواء أكان قليلا أم كثيرا.
والثالث : اسم الجنس الآحادى ؛ وهو : الذى يدل على الماهية (أى الحقيقة الذهنية) ممثلة فى فرد غير معين من أفرادها ، ولا يمكن تصورها فى العقل إلا بتخيل ذلك الفرد غير المعهود ، واستحضار صورة له فى الذهن ؛ مثل : أسامة للأسد (3).
ملاحظة : يردد النحاة وغيرهم من المشتغلين بالعلوم والفنون المختلفة كلمة : «القاعدة» ويذكرونها فى المناسبات المختلفة ، فما تعريفها؟
قالوا : «القاعدة - وجمعها : قواعد - هى فى اللغة : الأساس. وفى الاصطلاح : حكم كلّىّ ينطبق على جميع أجزائه وأفراده ؛ لتعرف أحكامها منه).
وعلى الرغم من شيوع هذا التعريف فى مراجعهم ومطولاتهم - عارض بعض النحاة فى كلمة : «حكم» مفضلا عليها كلمة «قضية» كليّة بحجة أن القاعدة فى مثل قولنا : «كل فاعل مرفوع» تشمل «المحكوم به» ، و «المحكوم عليه» ،
و «الحكم» ، فلا بدّ أن تشمل أمورا ثلاثة ، ولا تقتصر على «الحكم».
وقد دفع الاعتراض : بأن الاقتصار على «الحكم» فى ذلك التعريف الشائع ، مقبول ؛ لأنه نوع من المجاز ، إذ فيه إطلاق الجزء - وهو الحكم - على القضية الكليّة التى هى اسم يجمع المحكوم به ، والمحكوم عليه ، والحكم (1).
1) راجع فى كل ما سبق عن «القاعدة» شرح التصريح وحاشية ياسين عليه ، ج 1 باب الضمير ، أول الفصل الخاص باتصال الضمير.
كلمة تدل بذاتها (1)على شىء محسوس ، - مثل : نحاس ، بيت ، جمل ، نخلة ، عصفورة ، محمد ... - أو شىء غير محسوس ، يعرف بالعقل ؛ (مثل : شجاعة ، مروءة ، شرف ، نبل ، نبوغ ...) وهو فى الحالتين لا يقترن بزمن (2).
علاماته : أهمها خمسة ، إذا وجدت واحدة منها كانت دليلا على أن الكلمة «اسم».
العلامة الأولى : الجر ؛ فإذا رأينا كلمة مجرورة لداع من الدواعى النحوية ، عرفنا أنها اسم ؛ مثل : كنت فى زيادة صديق كريم. فكلمة : «زيارة» اسم ؛ لأنها مجرورة بحرف الجر «فى» ، وكلمة : «صديق» اسم ؛ لأنها مجرورة ؛ إذ هى «مضاف إليه» ، وكلمة : «كريم» اسم ؛ لأنها مجرورة بالتبعية لما قبلها ؛ فهى نعت لها.
العلامة الثانية : التنوين ؛ فمن الكلمات ما يقتضى أن يكون فى آخره ضمتان ، أو فتحتان ، أو كسرتان ؛ مثل : جاء حامد - رأيت حامدا -
1) أى : من غير أن تحتاج إلى كلمة أخرى.
2) لإيضاح التعريف وبيان معنى الاسم نذكر ما يأتى : لو وضعنا فاكهة معينة أمام إنسان لا يعرفها ؛ فسأل : ما هذه؟ فأجبنا : «رمان» - مثلا - لكانت كلمة : «رمان» هى الرمز أو العلامة ، أو اللفظ الدال على تلك الفاكهة. وإن شئت فقل : إنها اسم يفهم منه السامع تلك الفاكهة المعينة ، دون غيرها. فعندنا شيئان ؛ فاكهة لها أوصاف حسية خاصة بها ، ولفظ معين ، إذا نطقنا به انصرف الذهن مباشرة إلى تلك الفاكهة الخاصة. فلهذا اللفظ معنى ، أو مدلول ، أو مراد. وما معناه ، أو مدلوله ، أو المراد منه إلا هذه الفاكهة. وإن شئت فقل : إنه اسم هى معناه ومسماه ، وأن هذا المعنى والمسمى له اسم هو : «الرمان» فالاسم ليس إلا رمزا ، أو علامة ، أو شارة يراد بها أن تدل على شىء آخر ، وأن تعينه ، وتميزه ، وهذا الشىء الآخر هو المراد من تلك الشارة ، والغرض من اتخاذها ؛ فهو مدلولها ومرماها ؛ أى : هو المسمى بها ، وهى الاسم الذى يميزه من غيره ويحدده فلا يختلط بسواه ومتى ثبت أن الاسم هو الرمز والعلامة ، وأن المسمى هو المرموز له ، المطلوب إدراكه بالعقل - كان الاسم متضمنا فى ذاته كل أوصاف المسمى ؛ فهو كالصورة التى يكتب اسمها إزاءها ؛ فإذا قرىء الاسم أولا دل على الصورة ومضمونها كاملة. ومثل ما سبق يقال فى كل اسم آخر ، ومنه يتضح تعريفهم الاسم أحيانا بأنه : ما يدل على مسمى فقط ، أى : من غير أن يدل معه على زمن أو شىء آخر. - ولهذا الكلام أمثلة متعددة فى ج 4 ص 108 م 141 رقم 1 من هامشها.
ذهبت إلى حامد. طار عصفور جميل - شاهدت عصفورا جميلا - استمعت إلى عصفور جميل ... وهذه الكلمات لا تكون إلا أسماء.
وكان الأصل أن تكتب هى وأشباهها كما يكتبها علماء «العروض» هكذا : حامدن - حامدن حامدن. عصفورن جميلن ... عصفورن جميلن ... عصفورن جميلن ... أى : بزيادة نون ساكنة فى آخر الكلمة ؛ تحدث رنينا خاصّا ؛ وتنغيما عند النطق بها. ولهذا يسمونها : «التنوين» أى : التصويت والترنيم ؛ لأنها سببه. ولكنهم عدلوا عن هذا الأصل (1)، ووضعوا مكان «النون» (2)رمزا مختصرا يغنى عنها ، ويدل - عند النطق به - على ما كانت تدل غليه ؛ وهذا الرّمز هو : الضمة الثانية ، والفتحة الثانية ، والكسرة الثانية ... على حسب الجمل ... ويسمونه : «التنوين» ، كما كانوا يسمون النون السالفة ، واستغنوا بهذا الرمز المختصر عن «النون» ؛ فحذفوها فى الكتابة ، ولكنها لا تزال ملحوظة ينطق بها عند وصل بعض الكلام ببعض ، دون الوقف.
ومما تقدم نعلم : أن التنوين نون ساكنة ، زائدة (3). تلحق آخر الأسماء لفظا ، لا خطا ولا وقفا (4). العلامة الثالثة : أن تكون الكلمة مناداة ، مثل : يا محمد ، ساعد الضعيف. يا فاطمة ، أكرمى أهلك. فنحن ننادى محمدا ، وفاطمة. وكل كلمة نناديها اسم ، ونداؤها علامة اسميتها (5).
1) اختصارا ؛ ومنعا للخلط بين هذه النون الزائدة. وغيرها من الأنواع الأخرى ، الزائدة والأصلية.
2) راجع شرح المفصل (ج 9 ص 35) فى الكلام على «التنوين» حيث تراه مكتوبا «بالنون» كما فى الأمثلة السالفة ...
3) أى : ليست من أصل بنية الكلمة ، ولا من حروفها الأصلية ؛ لأن هذه النون - وإن كانت حرفا واحدا - تعد كلمة كاملة ، وتدخل فى قسم الحرف المعنوى من أقسام الكلمة الثلاثة ؛ فمثلها مثل واو العطف ، وفائه ، وباء الجر ، وتائه ... وغيرها من حروف المعانى التى سيجىء الكلام عليها فى هامش ص 62 وص 66 وفى الجزء الثانى م 78 (أول باب الظرف) ويبنون على هذا تعليلات لبعض الأحكام ؛ كتعليلهم وجوب حذف التنوين من المضاف بأن التنوين كلمة كاملة ولا يصح الفصل بكلمة بين المضاف والمضاف إليه ، وهما شيئان متلازمان.
4) سيجىء فى المسألة الثالثة : (ص 32) تفصيل مناسب يتضمن أنواع التنوين وحكم كل نوع.
5) إذا رأينا حرف النداء داخلا فى الظاهر على ما ليس باسم (كالفعل ، أو : الحرف ، نحو يا ... ادخل الحجرة - يا .. ليتك تحترم الميعاد ،) فإنه يكون فى الحقيقة داخلا على منادى محذوف ، لسبب بلاغى. أو : تكون «يا» حرف تنبيه ؛ وليست حرف نداء. وسيجىء البيان فى أول الجزء الرابع : (باب المنادى).
العلامة الرابعة : أن تكون الكلمة مبدوءة (بأل) (1)مثل : العدل أساس الملك.
العلامة الخامسة : أن تكون الكلمة منسوبا إليها - أى : إلى مدلولها - حصول شىء ، أو عدم حصوله ، أو مطلوبا منها إحداثه ، مثل : علىّ سافر. محمود لم يسافر. سافر يا سعيد. فقد تحدثنا عن خ خ علىّ بشىء نسبناه إليه. هو : السفر ، وتحدثنا عن خ خ محمود بشىء نسبناه إليه ؛ هو عدم السفر ، وطلبنا من خ خ سعيد السفر. فالحكم بالسفر ، أو بعدمه ، أو بغيرهما ، من كل ما تتم به الفائدة الأساسية يسمى : إسنادا ، وكذلك الحكم بطلب شىء من إنسان أو غيره ... فالإسناد هو : «إثبات شىء لشىء ، أو نفيه عنه ، أو طلبه منه». هذا ، واللفظ الذى نسب إلى صاحبه فعل شىء أو عدمه أو طلب منه ذلك ، يسمى : «مسندا إليه» ، أى : منسوبا إليه الفعل ، أو الترك ، أو طلب منه الأداء. أما الشىء الذى حصل ووقع ، أو لم يحصل ولم يقع ، أو طلب حصوله - فيسمى : «مسندا» ، ولا يكون المسند إليه إلا اسما. والإسناد هو العلامة (2)التى دلت على أن المسند إليه اسم (3)
بالجرّ والتّنوين ، والندا ، وأل *** ومسند - للاسم تمييز حصل
أى : حصل تمييز للاسم من غيره بالجر ، والتنوين ، والنداء ، وأل ، ومسند ، أى : إسناد والإسناد هو الذى يدل على أن الضمائر المرفوعة أسماء ، مثل «أنا» كتبت رسالة - كما تقدم - ...
. .1) زائدة كانت أم أصيلة (إلا الاستفهامية عند من يستعملها فى الاستفهام ، والموصولة عند من يجيز دخولها على الفعل) وبهذه العلامة قوى الحكم على كلمة : «العزّى» - أنها اسم ، وهى كلمة مؤنثة ، علم لصنم مشهور فى الجاهلية ، ومذكرها : الأعز ، و «أل» فى أولها زائدة لازمة لا تفارقها ،
2) بهذه العلامة أمكن الحكم بالاسمية على ضمائر الرفع ؛ كالتاء ، ونا ، وأنا. وعلى «ما» الاستفهامية ، والموصولة ...
3) أشار ابن مالك فى ألفيته إلى تلك العلامات بقوله :
(ا) تعددت علامات الاسم ، لأن الأسماء متعددة الأنواع ؛ فما يصلح علامة لبعض منها ، لا يصلح لبعض آخر ، كالجر ، فإنه لا يصلح علامة لضمائر الرفع ، كالتاء - ولا يصلح لبعض الظروف ؛ مثل : قطّ : وعوض. وكالتنوين ؛ فإنه يصلح لكثير من الأسماء المعربة المنصرفة ، ولا يصلح لكثير من المبنيات. وكالنداء فإنه يصلح وحده للأسماء الملازمة للنداء ؛ مثل : يا فل (أى : يا فلان) ، ويا مكرمان للكريم الجواد ، وغيرهما مما لا يكون إلا منادى. وهكذا اقتضى الأمر تعدد العلامات بتعدد أنواع الأسماء ...
(ب) للاسم علامات أخرى ؛ أهمها :
1 - أن يكون مضافا ؛ مثل : تطرب نفسى لسماع الغناء. وقراءة كتب الأدب.
2 - أن يعود عليه الضمير (1)، مثل : جاء المحسن. ففى «المحسن» ضمير. فما مرجعه؟ لا مرجع له إلا «أل» (2)؛ لأن المعنى : «جاء الذى هو محسن» ولهذا قالوا «أل» هنا : اسم موصول. وكذلك قد فاز المخلص ، وأفلح الأمين.
3 - أن يكون مجموعا. مثل : مفاتيح الحضارة بيد علماء ، وهبوا أنفسهم للعلم. فكون الاسم جمعا خاصة من خواص الأسماء.
4 - أن يكون مصغرا ؛ «لأن التصغير من خواص الأسماء كذلك» مثل : حسين أصغر من أخيه الحسن.
5 - أن يبدل منه اسم صريح ؛ مثل : كيف علىّ؟ أصحيح أم مريض؟ فكلمة : «صحيح» اسم واضح الاسمية ، وهو بدل من كلمة : «كيف» فدلّ على أن «كيف» اسم.
6 - أن يكون لفظه موافقا لوزن اسم آخر ، لا خلاف فى اسميته ؛ كنزال (1)فإنه موافق فى اللفظ لوزن : «حذام» اسم امرأة ، وهو وزن لا خلاف فى أنه مقصور على الأسماء. ولو لا هذه العلامة لصعب الحكم على «نزال» بالاسمية ؛ لصعوبة الاهتداء إلى علامة أخرى.
7 - أن يكون معناه موافقا لمعنى لفظ آخر ثابت الاسمية ؛ مثل : قطّ. عوض. حيث ... فالأولى ظرف يدل على الزمن الماضى (2)، والثانية ظرف يدل على الزمن المستقبل (3)، والثالثة بمعنى المكان - فى الأغلب - وبهذه العلامة أمكن الحكم على الكلمات الثلاث بالاسمية ؛ إذ يصعب وجود علامة أخرى.
(ج) سبق أن من علامات الاسم الإسناد : وقد وضحناه. وبقى أن نقول : إذا أسندت إلى كلمة قاصدا منها لفظها ، وكان لفظها مبنيا - كما لو رأيت كلمة مكتوبة ؛ مثل : «قطف» أو : «من» «أو : ربّ» ، وأردت أن تقول عن لفظها المكتوب ؛ إنه جميل ، وهو لفظ مبنى فى أصله كما ترى - فإنه يجوز أحد أمرين.
أولهما : أن تحكيها بحالة لفظها ، وهو الأكثر ؛ فيكون إعرابها مقدرا ، منع من ظهور علامته حكاية اللفظ على ما كان عليه أولا ؛ من حركة ، أو سكون ، فلا يدخل على آخر الكلمة تغيير (4).
ثانيهما : أن تعربها على حسب العوامل إعرابا ظاهرا مع التنوين ؛ فتقول : قطف جميلة - بالرفع والتنوين فى هذا المثال - إلا إن كان فى آخر الكلمة ما يمنع ظهور الحركة ؛ كوجود ألف مثلا ، كقولك : «على» حرف جر ، فإنها تعرب بحركة مقدرة ، وتنون ، ما لم يمنع من تنوينها مانع ؛ كالإضافة (5)...
وإذا كانت الكلمة ثنائية. وثانيها حرف لين ، ضاعفته. فتقول فى «لو» : لوّ. وفى كلمة «فى» : فىّ. وفى كلمة «ما» : «ماء». بقلب الألف الثانية الحادثة من التضعيف همزة ، لامتناع اجتماع ألفين.
1) اسم فعل ، بمعنى : انزل
2) ولا تستعمل إلا فى جملة منفية. والمراد هنا : أنها بمعنى كلمة : زمن.
3) ولا تستعمل إلا فى جملة منفية. والمراد هنا : أنها بمعنى كلمة : زمن.
4) إلا إن كان اللفظ فى أصله حرفا ثنائيا ؛ فيجوز أن يكون مبنيّا للشبه اللفظى بالحروف - كما ستعرف. - وهذه صورة من الحماية غير التى ستجىء فى رقم - 7» من ص 181 -
5) يلاحظ الفرق الواضح بين الأمرين السابقين فى «ج» والملاحظة التى فى أول صفحة 74
ويرى بعض النحاة : أن الحرف الثانى الصحيح من الكلمة الثنائية لا يضاعف إلا إذا صارت الكلمة علما لشىء آخر غير لفظها ، كأن تسمى شيئا : «بل» أو : «قد» أو : «هل» ... أما إذا بقيت على معناها الأصلى وقصد إعرابها فلا يضاعف ثانيها ؛ سواء أكان صحيحا مثل : «قد» أم لينا مثل : «لو» (1)
فمزية الحكاية أنها تحمل الذهن سريعًا إلى الحكم على اللفظ بأنه معاد ومرددًا لداعٍ بلاغي، والذي يدل على هذه الإعادة مخالفة اللفظ في ظاهره لما تقتضيه العوامل من حركات إعرابية معينة. فمن يسمع من فصيح: «قطف» السابقة ببقائها على حركتها الأصلية مع اختلاف العوامل يدرك سريعًا أنها معادة موددة، أي: "محكية" فلو لم تكن في التركيب السابق محكية لكانت مبتدأ مرفوعًا، فعدم رفعها وتركها على حالتها الأولى دليل على: «الحكاية» أي: على أن الناطق بها يرددها بعد أن سمعها من غيره أو قرأها، فنطق بها من غير إدخال تغيير على حركاتها مطلقًا، الناطق بها يرددها بعد أن سمعها من غيره أو قرأها، فنطق بها من غير إدخال تغيير على حركاتها مطلقًا، ولو اقتضى المقام الإعرابي الجديد إدخال تغيير على حركاتها. ويظهر هذا بوضوح حين نسمع - مثلا - المغني يترنم بكلمة: "قطف" جميلة، فيكون النطق بها على سبيل الحكاية إعلانًا ورمزًا إلى أنها جميلة في حالة معينة لنا، وصورة خاصة دون غيرها، بخلاف ما لو قلنا: قطف جميلة، فليس في هذا التعبير، ما يدل على ذلك التقييد المهم. ومما يزيد الأمر وضوحًا ما قالوه في موضع آخر، فمن الأعلام من اسمه «أبو الفضل»، و«أبو جهل» ... فإذا سمعنا من الخبير بالأساليب الصحيحة، الحريص على سلامتها، قوله -مثلًا- مدح الناس «أبو الفضل»، وذموا «أبو جهل» عرفنا سريعًا أن هذا المتكلم الفصيح لم يقل «مدح الناس أبا الفضل وذموا أبا جهل» وإنما قال: «أبو» فلا بد أن يكون هذا على سبيل الحكاية، لحكمة بلاغية، قد تكون رغبته في إظهار أن: «أبو الفضل» و«أبو جهل» علمان لشخصين معينين، وليس المراد منهما مطلق رجل متصف بالفضل أو بالجهل، إذ لو قال «مدح الناس أبا الفضل وذموا أبا جهل» لجاء الكلام خاليا من التعيين الدقيق، محتملا «العلمية» ومحتملا أن يشمل كل صاحب فضل، أو صاحب جهل من غير تخصيص....
أما الرأي الآخر فمزيته عمومه وشموله كل الحالات المختلفة، ومنها السابقة، ودخوله تحت القاعدة الإعرابية المطردة، ففيه نوع تيسير. ولهذه المسألة صلة بما يجيء في جـ 4 ص 669م 177 باب: «النسب» وما فيها من خلاف.
...(.) الاسم ثلاثة أقسام :
ظاهر ، مثل كلمة : «محمد» فى : «محمد عاقل» ، ومضمر (2)، أى : غير ظاهر فى الكلام ، مع أنه موجود مستتر ، مثل الفاعل فى قولنا : أكرم صديقك (3)؛
1) راجع الصبان - ج 1 - الباب الأول عند الكلام على علامة الإسناد. وانظر تعريف الحكاية. فى رقم 2 من هامش ص 278 الآتية. والرأيان السالفان فصيحان ، ولكل منهما مزيته التى تدعو إلى تفضيله حينا ، أو العدول عنه إلى نظيره حينا آخر ؛ تبعا لما يقضى به المقام الكلامى.
2) راجع «ب» من ص 197.
3) انظر رقم 3 من هامش ص 15.
فإن الفاعل مستتر وجوبا تقديره : «أنت» ، ومبهم» ، لا يتضح المراد منه ولا يتحدد معناه إلا بشىء آخر ، وهو اسم الإشارة ؛ مثل : هذا نافع ، واسم الموصول ؛ مثل : الذى بنى الهرم مهندس بارع (1).
1) لأن اسم الإشارة لا يتضح المراد منه إلا بالمشار إليه ، والموصول لا يتضح إلا بصلته. ولا مبهم فى الأسماء غير هذين. وسيجىء البيان فى «ج» من ص 304 وفى أول باب الموصول (رقم 3 من هامش ص 305 م 26).
التنوين الذى يعتبره النحاة علامة على أن الكلمة اسم - أنواع ؛ أشهرها أربعة ؛ هى : تنوين الأمكنيّة - تنوين التنكير - تنوين التعويض - تنوين المقابلة ، ولهم فى كل نوع آراء مختلفة ، سنستخلص الرأى السليم منها :
ولتوضيحه نقول : إن الأسماء أربعة أقسام :
(ا) قسم تتغير حركة آخره باختلاف موقعه من الجمل ، ويدخله التنوين فى آخره ؛ مثل : علىّ ، شجرة ، عصفور ، ... تقول : جاء علىّ ، برفع آخره وتنوينه ... رأيت عليّا ؛ بنصب آخره وتنوينه. ذهبت إلى علىّ ، بجر آخره وتنوينه ... وكذلك باقى الأسماء السابقة وما يشبهها. وهذا القسم من الأسماء يسمى : «المعرب المنصرف» (1).
(ب) قسم تتغير حركة آخره باختلاف موقعه من الجمل ، ولكنه لا ينوّن ؛ مثل : أحمد ، فاطمة ، عثمان ... تقول : جاء أحمد ، رأيت أحمد ، ذهبت إلى أحمد ... وكذلك باقى الأسماء السالفة ، وما أشبهها : فإنها لا تنون ، مهما اختلفت العوامل (2)
ربما كان يرى فرقًا بين «أحمد» و«أحمر» هو أن «أحمد» متوغل في علميته حتى نسيت وصفيته وأهملت، فإن زالت عنه علميته لم يرجع إلى وصفيته السابقة عليها، بخلاف: «أحمر» وأشباهه، فوصفيته قوية ملحوظة. لكن الأفضل- كما قلنا التمثيل بما لا احتمال معه.
. وهذا القسم يسمى : «المعرب غير المنصرف». وله باب1) وقد يسمى اختصارا : «المنصرف» - كما سيجىء فى رقم 2 من هامش ص 157. وإذا ذكر التنوين من غير نص على نوعه كان المراد : تنوين «المعرب المنصرف» لأنه هو المقصود عند الإطلاق ؛ (أى : عند عدم ذكر النوع). أما إذا أريد غيره فلا بد من التقييد بذكر النوع ؛ كأن يقال : تنوين التنكير ، أو : تنوين العوض .. والمعرب هو اللفظ الذى تتغير علامة آخره بتغير العوامل ؛ كما سيجىء قريبا فى بابه الخاص (ص 67 م 6). و «المنصرف» هو الذى يكون فى آخره هذا التنوين.
2) هذا القسم قد يدخله التنوين أحيانا لغرض معين - كما سيجىء فى ص 36 أما البيان ففى رقم 2 من هامش ص 264 - تقول : رأيت أحمدا ؛ بالتنوين ؛ بشرط أن تقصد الإخبار بأنك رأيت واحدا غير معين ممن اسمهم : «أحمد» بخلاف ما لو رأيت رجلا معينا اسمه : أحمد ، معهودا بينك وبين من تخاطبه .. (شرح المفصل ج 9 ص 29 موضوع التنوين). ، هذا ، والتمثيل بكلمة : «أحمد» هو من صنيع صاحب «المفصل» نفسه ، وكان الأولى التمثيل بكلمة مثل : «يزيد» ونحوها ..... لما سيجىء - فى ج 4 ص 191 م 147 «ب» عند الكلام على الاسم الذى لا ينصرف أن الاسم الممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل إذا زالت علميته لم يمنع من الصرف إن كان فى أصله وصفا سابقا على العلمية وترك وصفيته السابقة ، وانتقل إلى العلمية. مثل : «أحمر» علم ، فإنه حين تزول عنه العلمية الطارئة يرجع إلى ما كان عليه قبلها ويعود وصفا كما كان ويظل ممنوعا من الصرف بشرط وجود العلة الثانية. وكلمة : «أحمد» ينطبق عليها هذا من ناحية رجوعها إلى الوصفية السابقة حين تزول عنها العلمية الطارئة ، فكيف تنون إن زالت علميتها وبقيت العلة الثانية؟
خاص يتضمن أسباب منع الاسم من الصرف (1)
إن الفعل ثقيل على اللسان، لقلة استعماله، بالنسبة للاسم، فالفعل لا يستعمل إلا ما فاعل هو اسم، أما الاسم فقد يستعمل أحيانا مع الفعل، مثل: «نفع الكتاب»، وقد يستعمل أحيانا مع الاسم، مثل: «الكتاب نافع» فالمواضع التي يشغلها الاسم أكثر من المواضع التي يشغلها الفعل، وكثرة الاستعمال داعية إلى خفة النطق وسهولته.
وشيء آخر، هو أن الفعل لا يوجد إلا مع فاعلكما سبق، وقد يحتاج إلى مفعول. ومعنى هذا أن الفعل لا يوجد منفردًا، ولا يدل نفسه على معنى، وإنما يوجد في كلام مركب. أما الاسم فإنه قد ينفرد ولا يراد منه إلا مجرد الدلالة على شيء «أي: على مسمى، كما عرفنا -في ص 26» والمفرد أخف من المركب في النطق والاستعمال.
فمن أجل خفته دخله التنوين الذي هو علامة الخفة، ورمز السهولة، وامتنع دخوله على الأفعال، لثقلها. ثم يتدرجون من هذا إلى قولهم: إن في كل فعل ظاهرتين، إحداهما: لفظية، وهي: اشتقاقه من المصدر «على الرأي الشائع» واشتراك لفظيهما في الحروف الأصلية، والمشتق فرع، والمشتق منه أصل، لهذا كان الفعل فرعًا من الاسم. والأخرى: معنوية، وهي: حاجة الفعل إلى الفاعل الاسم -كما سبق. والاحتياج فرع، وعدم الاحتياج أصل. ولما كان القسم الثاني من الأسماء «وهو المعرب غير المنصرف» لا يمنع من الصرف إلا إذا اجتمع فيه ظاهرتان، أو علتان فرعيتان: إحداهما لفظية، والأخرى معنوية، كان شبيها بالفعل في ذلك، فامتنع مثله من الصرف، فكلمة: «فاطمة» فيها علة لفظية، وهي التأنيث، والتأنيث فرع التذكير عندهم، وعلة معنوية هي: العلمية، والعلمية فرع التنكير، فهاتان ناحيتان فرعيتان في كلمة "فاطمة"، فلا بد من الظاهرتين «العلتين»، أو من ظاهرة تقوم مقامهما، وذلك في كل كلمة تمنع من الصرف. وينتهون من ذلك كله إلى النتيجة التي يريدونها، وهي: أن الفعل فيه العلتان، ولا يدخله التنوين. وكذلك بعض الأسماء فيه الظاهرتان أو العلتان -أو ما يقوم مقامهما- فلم لا يمنع من الصرف أيضًا بسبب وجود الناحيتين الفرعيتين فلا يدخله التنوين؟
ذلك ملخص كلامهم الخيالي. وهو مدفوع بأن السبب الحق في تنوين بعض الأسماء وعدم تنوين بعض آخر أن العرب الفصحاء نطقت بهذا منونا، وبذلك غير منون. فعلت هذا بفطرتها وطبيعتها، لا لسبب آخر، كمراعاة لقواعد علمية، وتطبيق لأسس فلسفية منطقية، فإن هذه وتلك لم تكن معروفة لديهم في عصر صدر الإسلام وما قبله من عصور الجاهلية، فلم يستخدموا المشابهة، ولم يستعينوا بقياس المناطقة أو غيره من مسالك الجدل، والتوهم، وأشباهه مما لا يوافق حياتهم الأولى، ولا نشأة اللغة.
...(ح) قسم لا تتغير حركة آخره بتغير التراكيب (2). لكن قد يدخله التنوين أحيانا لغرض. وإليك الإيضاح.
من الأسماء القديمة : خالويه ، نفطويه ، عمرويه ، سيبويه. وغيرها من أعلام الأشخاص المبنية على الكسر - غالبا - المختومة بكلمة : «ويه». فإذا أردت أن تتحدث عن واحد من هذه الأعلام ، وكان معينا معهودا بينك وبين من تخاطبه ، معروفا بهذا الاسم ، لا تختلط صورته فى الذهن بصورة غيره - فإنك تنطق باسمه من غير تنوين ، وأنت بهذا تتكلم عنه كما تتكلم عن الأعلام الأخرى المعربة التى يدل الواحد منها على فرد خاص بعينه ؛ مثل : محمد ، أو : صالح ، أو : محمود ، أو : غيرهم (1)...
أما إذا أتيت بالتنوين فى آخر الكلمة فإن المراد يتغير ؛ إذ تصير كمن يتحدث عن شخص غير معين ، لا يتميز من غيره المشاركين له فى الاسم ، فكأنك تتحدث عن رجل أىّ رجل مسمى بهذا الاسم.
ومن الأمثلة أيضا ما ليس بعلم ، مثل : صه (2)، إيه (3)، غاق (4).
وهذه الكلمات المبنية وأشباهها تكون منونة حينا ، وغير منونة حينا آخر (5)، كأن تسمع شخصا يتحدث فى أمر معين لا يرضيك ؛ فتقول له : صه ، (بسكون الهاء من غير تنوينها). فكأنك تقول له : اسكت عن الكلام فى هذا الأمر الخاص ، ولك أن تتكلم فى أمر آخر إن شئت. أما إذا قلت له : صه (بالتنوين) فمرادك : اترك الكلام مطلقا فى جميع الموضوعات ؛ لا فى موضوع معين.
ولو قلت له : «إيه» (بالكسر من غير التنوين) لكان المقصود : زدنى من الحديث المعين الذى تتكلم فيه الآن. ولا تتركه. أما إذا قلت : «إيه» بالتنوين فإن المراد يكون : زدنى من حديث أىّ حديث ؛ سواء أكان ما نحن فيه أم غيره.
1) راجع ما يتصل بهذا ، وبإعراب الممنوع من الصرف فى ص 157 و 279 و 283.
2) اسم فعل أمر ؛ بمعنى : اسكت.
3) اسم فعل أمر ؛ بمعنى : زد ...
4) اسم صوت الغراب.
5) التنوين وعدمه مقصور على السماع فى أغلب أسماء الأفعال والأصوات - بالتفصيل الذى سيجىء فى بابهما فى الجزء الرابع. بخلاف الأسماء المختومة بكلمة : «وييه» من مثل : خالويه ، ونفطويه ، وأشباههما ؛ فإنه قياسى.
كذلك : صاح الغراب غاق (بغير تنوين) فالمراد أنه يصيح صياحا خاصّا ، فيه تنغيم ، أو حزن ، أو فزع ، أو إطالة ... أما بالتنوين فمعناه مجرد صياح.
فعدم التنوين فى الكلمات المبنية السابقة - وأشباهها - هو الدليل على أنك تريد شيئا واحدا معينا ، واضحا فى ذهنك ، معهودا لك ولمخاطبك ؛ سواء أكان ذلك الشىء شخصا أم غير شخص ، والتنوين هو الرمز الدال على أنك تريد شيئا غير معين بذاته ، وإنما هو مختلط بين نظائره المماثلة له ، ولا يتجه ذهنك إلى واحد منها دون غيره. ويسمون الكلمة التى من النوع الأول الخالى من التنوين : «معرفة» (1)، لأن مدلولها معروف معين. والكلمة التى من النوع الثانى المنوّن : «نكرة» ؛ لأن معناها منكر - أى : شائع - غير معين وغير محدد. ويسمون التنوين الذى يدخلها : «تنوين التنكير» أى : التنوين الذى يدل فى الكلمة المبنية على الشيوع وعدم التعيين ؛ ولا يدخل إلا الأسماء المبنية. فهو : «العلامة التى تدل بوجودها على أن الكلمة المبنية نكرة ، وتدل بحذفها على أنها معرفة».
(د) قسم لا تتغير حركة آخره ولا يدخله التنوين ؛ مثل : هؤلاء ... حيث ... كم ... تقول : جاء هؤلاء ، أبصرت هؤلاء ، انتفعت بهؤلاء ... (بالكسر فى كل الحالات ، بغير تنوين ، فهو مبنى ، وغير منون).
من التقسيم السابق نعلم أن بعض الأسماء معرب ، وبعضها مبنى ، وأن كل واحد منهما قد يكون منونا ، وقد يكون غير منون.
والقسم الأول : «ا» وحده هو الذى يجتمع فيه الإعراب والتنوين معا. والنحاة يقررون أن الأصل فى الأسماء أن تكون معربة (2)ومنونة ، وأن الأصل فى الحروف وأكثر الأفعال أن تكون مبنية وغير منونة ؛ فكلما ابتعد الاسم عن
1) وللمعرفة والنكرة وأنواعهما باب خاص يشمل كل أحكامهما ، وسيجىء قريبا (ص 186 م 17).
2) لأن استقراءهم للأسماء دلهم على غلبة الإعراب والتنوين فيها ، كما دلهم على أن الحروف كلها مبنية وغير منونة ، وأن الأفعال كلها غير منونة وأكثرها مبنى دائما ؛ فالماضى والأمر مبنيان دائما ، والمضارع يعرب فى حالات ، ويبنى فى غيرها.
مشابهة الحرف والفعل فى البناء وعدم التنوين (1)كان أكثر أصالة فى الاسمية ، وأشدّ تمكنا.
وبتطبيق هذا على الأقسام الأربعة السالفة يتبين أن القسم الأول أقواها جميعا فى الاسمية ، وأعلاها فى درجتها ؛ لأنه لا يشبههما فى شىء ؛ فهو معرب ؛ أما الحروف وأكثر الأفعال فمبنية. وهو منون ؛ والتنوين لا يدخل الأفعال ولا الحروف. ثم يليه فى القوة والأصالة ؛ القسم الثانى : «ب» ؛ لأنه معرب ، والحروف وأكثر الأفعال مبنية - كما سبق - لكنه يشبه الأفعال والحروف فى عدم التنوين. ثم يليه القسم الثالث : «ح» وهو أضعف من القسمين السابقين ؛ لبنائه الدائم. ولعدم تنوينه أحيانا. أما الرابع : «د» فهو أضعف الأقسام كلها ، لأنه مبنى دائما ، ولا ينون مطلقا. فاجتمع فى القسم الأول العاملان الدالان على التباعد وعدم المشابهة ، أما القسم الثانى فليس فيه إلا عامل واحد ؛ لهذا يسمى القسم الأول : «المتمكن الأمكن» ، أى : القوىّ فى الاسمية ، الذى هو أقوى أصالة فيها ، وأثبت مكانة من غيره. ويسمى التنوين الذى يلحقه : تنوين «الأمكنية» أو : «الصرف» ويقولون فى تعريفه - «إنه التنوين الذى يلحق آخر الأسماء المعربة المنصرفة ؛ ليدل على خفتها (2)، وعلى أنها أمكن ، وأقوى فى الاسمية من غيرها» كما يسمى القسم الثانى : «المتمكن» فقط. وما عداهما فغير متمكن.
وهو «الذى يلحق - فى الأغلب (3)- بعض الأسماء المبنية ؛ ليكون وجوده دليلا على أنها نكرة. وحذفه دليلا على أنها معرفة» (4)وهو الذى سبق إيضاحه وشرحه فى القسم الثالث : «ح» من الأسماء.
1) أو فى غيرهما ؛ كبعض الظواهر الخاصة التى تظهر فى الفعل - فى رأيهم - كما سبق فى رقم 1 من هامش ص 33.
2) أثر هذا التنوين فى الخفة وغيرها مفصل فى موضعه الأنسب ج 4 باب «ما لا ينصرف».
3) الأغلب أنه يلحق بعض الأسماء المبنية. ولكنه قد يلحق بعض الأسماء المعربة المنصرفة للسبب السابق فى الرقم : «2» من هامش ص 32 وللبيان الذى فى رقم 2 من هامش ص 264.
4) لم نذكر فى التعريف : «أنه يلحق الأسماء المبنية» - مع أن الغالب لحاقه بها ، لأنه قد يلحق الأسماء المعربة غير المنصرفة لغرض أوضحناه فى رقم 2 من هامش ص 33 وللبيان الذى فى هامش ص 264 فتقييد الأسماء بأنها «مبنية» غير صحيح.
النوع الثالث : تنوين التعويض (1)، أو العوض :
من الدواعى ما يقتضى حذف حرف من كلمة ، أو حذف كلمة كاملة ، أو حذف جملة بتمامها أو أكثر ؛ فيحل التنوين محل المحذوف ، ويكون عوضا عنه. فمن أمثلة - حذف الحرف (2)ما يأتى :
الفعل الثلاثى / بعض المشتقات منه (اسم الفاعل) / وضع المشتق فى جملة بعد جمعه جمع تكسير / الحرف المحذوف
بقى / باقية النقود بواق. سأزيد على بواق لا أحزن لمواض
مضى / ماضية / اللال مواض بحوادثها. لا أحزن لمواض / هو الحرف الأخير من الجمع ،
باكية / العيون بواك. أسفت لبواك علي ما فات / وهذا الحرف الأخير أصله الحرف الثالث
ساقية / هذه سواق. شرب الزرع من من سواق فباضة / الأصلي من الفعل الماضي
نسمى / نامية / الز روع نوام. سوف أحرص على نوام من الز روع
رنا (بمعنى نظر) / رانية / العيون وأن للزهر. عجبت من روان للزهر
فهنا بعض أفعال ثلاثية ، أصلية الحروف ، أى : لا يحذف منها حرف فى المشتقات المختلفة إلا لداع قوىّ ، لكن الحرف الأخير من تلك الأفعال قد حذف فى جمع التكسير ، وحل مكانه التنوين ؛ عوضا عنه ، فالتنوين المشاهد فى آخر كل جمع مما سبق إنما هو تعويض عن الحرف المحذوف. وعند الإعراب نقول : الكلمة مرفوعة بالضمة على الياء المحذوفة. ومجرورة بفتحة نيابة عن الكسرة
فوق الياء المحذوفة. والتنوين الظاهر فى الحالتين عوض عن الياء المحذوفة (1)
هذا على اعتبار أن الكلمة المجموعة كانت ممنوعة من الصرف أول الأمر عند تكسيرها، ثم وقع الحذف والتعويض بعد ذلك. أما على اعتبار أنها لم تكن ممنوعة من الصرف أول الأمر وإنما وقع الحذف والتعويض قبيل منعها من الصرف فيقال فيها: «بواقي» «نوامي»، «مواضي» بالتنوين في كل هذا، ثم حذفت الضمة الأولى وحدها؛ لأنها ثقيلة على الياء «وبقي التنوين الذي تدل الضمة الثانية عليه» فالتقى ساكنان لا يجوز اجتماعهما، هما: الياء والتنوين، فحذفت الياء أولا، ثم حذف التنوين بعدها، «بسبب أن الكلمة ممنوعة من الصرف لصيغة منتهى الجموع» فصارت «بواق»، «جوار» و«مواض» بكسرة واحدة، «أي: بغير تنوين» ثم جاء تنوين آخر غير المحذوف، ليكون عوضًا عن الياء، وليمنع رجوعها عند النطق. فمنع الصرف في الحالة الأولى سابق في وجوده على الحذف، ومقدم عليه، أما في الحالة الثانية فكان الحذف هو السابق والمقدم على منع الصرف في رأيهم.
وكلتا الحالتين تجري على الجموع السابقة وأشباهها في حالة الجر أيضا، فبدلا من أن يقال: حذفت الضمة، لثقلها ... يقال: حذفت الكسرة، لثقلها ... أو حذفت الفتحة التي هي نائبة عن الكسرة؛ بسبب منع الصرف ، ثم حذفت الياء...
ولا يخفى ما في هذا من تكلف بغير داع، ولف، وتعقيد. والواجب أن تقول في سبب الحذف في «فواعل» وأشباهها، «من كل صيغة لمنتهى الجموع، آخرها ياء لازمة، مكسور ما قبلها، ولكنها تحذف -عند عدم المانع- كحذفها في الجموع السابقة» «إنه استعمال العرب ليس غير» فهم يحذفون تلك الياء، رفعًا، وجرًا، إذا وقعت آخر صيغة منتهى الجموع، وما أشبهها من غير أن يفكروا في قليل أو كثير مما نقلناه عن النحاة، بل من غير أن يعرفوا عنه شيئًا. فلا علينا إن تركنا ذلك المنقول، واكتفينا بما ذكرناه، مسايرة للعقل، وتجنبًا للوعر الذي لا خير فيه.
ومما يؤيد رأينا -إن كان في حاجة إلى تأييد- أن العرب يقولون: أكرمت بواكي ... ورأيت سواقي ... و.... بظهور الفتحة على الياء. فلم توصف الفتحة في مثل هذه الحالة بالخفة وتفوز بالبقاء، ولم توصف في حالة الجرحين تكون نائبة عن الكسرة بالثقل وتحذف- في الرأي المشهور- ثم تحذف الياء؟ .... فكيف يقع هذا مع أن الحرف في الحالتين واحد، وكذلك حركته وهي الفتحة، وكذلك الحنجرة، واللسان والفم، وجهاز النطق والكلام. ثم انظر رقم 4 من هامش ص 173.
.أما حذف كلمة ومجىء التنوين عوضا عنها فيكثر بحذف المضاف إليه بعد لفظة : «كل» ، أو «بعض (2)» - وما فى حكمهما - ومن أمثلته :
1) هذا خير ما يقال اليوم ، وأوضحه وأيسره. أما ما يقوله النحاة فمردود عقلا ، وفيه التواء وصعوبة ؛ فهم يقولون : إن كلمة : باقية ؛ أو : نامية ، أو : ماضية ، أو : ما يشبهها «من كل كلمة مؤنثة على وزن فاعلة» يجوز جمعها جمع تكسير على وزن : «فواعل» ؛ فتصير الكلمة بعد تكسيرها «بواقى» «نوامى» «مواضى» - بالضم بغير تنوين - ؛ لأنها ممنوعة من الصرف لصيغة منتهى الجموع (وهى كل جمع تكسير بعد ألف تكسيره حرفان ؛ مثل : معابد - طوائف - جواهر - مدارس، أو ثلاثة أحرف أوسطها ساكن ، مثل : مفاتيح - قناديل - أزاهير ؛ جمع أزهار. وتفصيل الكلام عليها فى الباب الخاص بما لا ينصرف ج 4 م 145 وم 173). ثم تحذف الضمة ، لأنها ثقيلة على الياء ، فتصير الكلمة : «بواقى» ، «جوارى» ، «مواضى» ، ثم تحذف الياء للتخفيف أيضا. ويجىء التنوين عوضا عنها ؛ لأنها حرف أصلى ، لا يحذف من غير تعويض ؛ وإلا كان الحذف جورا على الكلمة ، كما يقولون!!.
2) والتنوين فيهما تنوين «عوض» و «أمكنية» معا ؛ لأنه عوض عن المحذوف ، ولأنهما معربان منصرفان - راجع حاشية الخضرى ، أول باب الممنوع من الصرف - وسيجىء فى الجزء الثالث (باب الإضافة م 94 ص 62) أن هذا الرأى أوضح وأدق من الرأى الآخر القائل : إنه للأمكنية فقط ؛ بحجة وقوعه فى اسم معرب منصرف ، لا بد من وجوده فى آخره ، إلا إذا جاء بعده مضاف إليه فيحذف التنوين ؛ لوجوب حذفه عند وجود المضاف إليه ؛ فإذا حذف المضاف إليه عاد ذلك التنوين للظهور مرة أخرى بعد اختفائه» ؛ فهو ليس تنوينا جديد النوع، وإنما هو تنوين «الأمكنية» الذى يلحق - عند عدم المانع - آخر الأسماء المعربة المنصرفة كالتى هنا ؛ اختفى بسبب الإضافة ، فلما زال السبب رجع إلى مكانه ظاهرا كما كان. ويترتب على هذا الرأى منع دخول «أل» التى للتعريف على «كل» وبعض ، - لأن الأضافة ملحوظة - دون الرأى الآخر ، طبقا للبيان الذى فى الجزء الثالث.
قسمت المال بين المستحقين ؛ فأعطيت كلّا نصيبه ، أى : كل مستحق.
حضرت الضيوف فصافحت كلّا منهم. أى : كل ضيف.
تعجبنى الصحف اليومية غير بعض. أى : بعض الصحف.
اعتدل الجو أيام الشتاء إلا بعضا. أى : بعض أيام.
وأما حذف جملة ، أو أكثر ، ومجىء التنوين عوضا عنها فإنه يكثر بعد كلمة «إذ» (1)المضافة ، - المسبوقة بكلمة «حين» أو «ساعة» وما أشبههما من ظروف الزمان التى تضاف إلى : «إذ». ويتضح من الأمثلة الآتية :
جاء الصديق ، وكنت (حين إذ جاء الصديق) غائبا - جاء الصديق وكنت «حينئذ» غائبا.
أكرمتنى ؛ فأثنيت عليك (حين إذ أكرمتنى) - أكرمتنى فأثنيت عليك «حينئذ».
سابقت ، وكان زملاؤك (ساعة إذ سابقت) يرجون لك الفوز - سابقت وكان زملاؤك «ساعتئذ» يرجون لك الفوز.
مشيت فى الحديقة. وقطفت الزهر. وكنت (ساعة إذ مشيت) وقطفت قريبا منك ، أو : وكنت «ساعتئذ» قريبا منك.
سافر محمود فى القطار ، وجلس يقرأ الصحف. وتكلم مع جاره ، وكنت معه وقت «إذ سافر» ، وجلس يقرأ ويتكلم.
سافر محمود فى القطار ، وجلس يقرأ الصحف ، وتكلم مع جاره. وكنت معه «وقتئذ» ...
ومنه قوله تعالى : ( إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها ، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ، وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها ، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها )
فقد حذفت - فى الأمثلة السالفة جملة أو أكثر بعد : (إذ) مباشرة ،. وجاء التنوين عوضا عن المحذوف. ولما كانت الذال ساكنة ، وكذلك التنوين - حركنا الذال
1) كما سيجىء فى ج 2 ص 222 م 79 باب الظرف وفى ج 3 ص 68 م 94 باب الإضافة.
بالكسر ؛ ليمكن النطق والتغلب على اجتماع الساكنين ، ووصلنا كلمة : «إذ» فى الكتابة بما قبلها ، عملا بقواعد رسم الحروف (الإملاء).
مما سبق نعلم أن تنوين العوض هو : ما يجىء بدلا من حرف أصلى حذف ، أو من كلمة ، أو جملة ، أو أكثر ؛ ليحل محل المحذوف ، ويغنى عنه.
ومما يجب التنبه له أن هذا التنوين قسم مستقل ، أثره الخاص هو : «التعويض» فلا يدل بنفسه على إعراب ولا بناء. ولهذا يدخل فى آخر الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة : أى : يدخل فى آخر الأسماء المعربة والمبنية.
إن التنوين حين يلحق آخر الاسم يكون دليلا على أن ذلك الاسم قد تمّ ، واستكمل حروفه ، كما فى نحو : محمد مسافر ، أمين مهذب ، حليم عالم.
لكن أين يذهب التنوين حين تجمع تلك الكلمات جمع مذكر سالما فنقول : المحمدون (1)مسافرون ، الأمينون مهذبون ، الحليمون عالمون؟ لم لم يبق فى الجمع ليدل على ما كان يدل عليه فى المفرد؟
يرى النحاة أنه قد اختفى ، وحلت محله النون التى فى آخر الجمع. ولما كانت غير موجودة إلا فى جمع المذكر السالم ، دون الجمع المختوم بالألف والتاء الزائدتين. (جمع المؤنث السالم وملحقاته) - وكلاهما جمع سلامة - كان من الإنصاف أن يزاد التنوين فى الثانى ، ليكون مقابلا للنون فى جمع المذكر السالم ، ويتم التعادل بين الاثنين من هذه الناحية (2)
ولو صح أن النون في جمع المذكر السالم بدل التنوين في مفرده ، لكان من الغريب وجودها في جمع المذكر السالم الذى لا تنوين في مفرده ؛ بسبب منعه من الصرف ؛ مثل : الأحمدين ، والعمرين ، واليزيدين ، والأفضلين ، وأشباهها ؛ فإن مفردها . وهو : أحمد ، وعمر ، ويزيد ، وأفضل .. لا يدخله التنوين ؛ لأنه ممنوع من الصرف. ولكان من الغريب أيضا احتياج جمع المؤنث إلى المقابل «وهو التنوين» مع أن مفرده يخلو في كثير من الأحوال من التنوين ؛ كفاطمة ، وزينب. على عكس جمع المذكر السالم ؛ فإن مفرده يكثر فيه التنوين. هذا إلى اعتراضات وأنواع من التناقض سببها التعليل السالف.
ومن المستحسن تسميته : «تنوين جمع المؤنث السالم» أو : الأخذ بالرأى الصائب ، الذى يرى إدماج تنوين المقابلة. في تنوين التمكين ، لأنه منه ، برغم مخالفة بعض النحاة في ذلك. (راجع الجزء الأول من حاشية الخضرى فى تنوين المقابلة). هذا ، وقد تركه «صاحب» المفصل ولم يذكره ، وإن كان شارحه قد عرض له).
. ويسمونه لذلك ، تنوين المقابلة ؛ ويقولون فى تعريفه :إنه اللاحق لجمع المؤنث السالم ؛ ليكون فى مقابلة النون فى جمع المذكر السالم.
إلى هنا انته الكلام على أنواع التنوين الخاصة بالاسم وحده.
وهناك أنواع أخرى ليست من علاماته ؛ لأنها مشتركة بينه وبين الفعل ، والحرف ؛ فلا داعى لإثباتها هنا. ولا سيما إذا عرفنا أنها تكاد تكون مقصورة على الشعر دون النثر. فموضوعها المناسب لها هو : «علم الشعر» المسمى : «علم العروض والقوافى».
(ا) التنوين ساكن ، إلا إن جاء بعده حرف ساكن أيضا ؛ فيتحرك التنوين بالكسر (1)، وقد يجوز تحريكه بالضم (2)، مثل : «وقف خطيب استمعت خطبته (خطيبن استمعت خطبته) ، وصاح قائلا افهموا ، (قائلن افهموا). فقد وقعت السين ساكنة ، بعد التنوين ، وكذلك الفاء ؛ فتحرك التنوين بالكسر أو بالضم ، وكلاهما جائز ، والكسر أكثر إلا حين يكون بعد التنوين حرف ساكن بعده حرف مضموم لزوما (3)؛ مثل : «أقبل عالم اخرج لاستقباله» - فالخاء الساكنة بعد التنوين وليها حرف مضموم حتما ؛ فيكون الأحسن تحريك التنوين بالضم ، فتقول : «عالمن اخرج» ؛ لثقل الانتقال من الكسر إلى الضم فى النطق. ومثله : «هذه ورقة اكتب فيها». فالكاف الساكنة بعد التنوين جاء بعدها التاء المضمومة ، فكان من الأوفق تحريك التنوين بالضم ؛ ليكون الانتقال من الضم إلى الضم ، وهو أخف فى النطق من الانتقال من الكسر إلى الضمّ. تقول : «هذه ورقتن اكتب فيها». ومن العرب من يجيز حذف التنوين إذا وليه ساكن. وهذا أسهل اللغات كلها ؛ فيقول : «وقف خطيب اسمع خطبته» ؛ وصاح «قائل افهموا» و «أقبل عالم اخرج لاستقباله» وحبذا الاقتصار عليه بشرط التنبه إلى أن الكلمات التى حذف منها ليست ممنوعة من الصرف (4).
وبهذه المناسبة نقول :
إن هناك مواضع يحذف فيها التنوين وجوبا ، منها :
1 - وجود «أل» ، فى صدر الكلمة المنونة ؛ مثل : جاء رجل ، بالتنوين من غير «أل» ، وبحذفه وجوبا معها ؛ مثل : جاء الرجل.
2 - أن تضاف الكلمة المنونة ؛ مثل : جاء رجل المروءة.
1) لأن الأصل فى التخلص من التقاء الساكنين أن يكون بالكسر.
2) راجع شرح المفصل ج 9 ص 35 عند الكلام على التنوين. وحاشية الصبان أيضا عند الكلام عليه.
3) يشترط بعضهم فى هذا أن تكون ضمة الحرف أصلية ؛ مثل : ضمة الراء فى مثل : «اخرج» لأنها ضمة لا تتغير أبدا. بخلافها فى مثل : حضر رجل ابنيك يعرفه ، فضمة «النون» فى كلمة : «ابن» تتغير بتغير إعراب كلمة : «ابن». وفى هذه الحالة يكون الأحسن - وقيل يجب - التخلص من الساكنين بالكسر.
4) انظر «ح» من ص 48 فى الكلام على التقاء الساكنين.
3 - أن تكون الكلمة المنونة شبيهة بالمضاف (1)؛ مثل : لا مال لمحمود ، بشرط أن يكون الجار والمجرور صفة ؛ وخبر «لا» النافية للجنس محذوفا. أى : لا مال لمحمود حاضر. فكأنك تقول : «لا مال محمود حاضر» فتفترض إضافة ملحوظة ، مقدرة ، لغرض يتصل بالمعنى المراد. وقد تفترض أن اللام زائدة ؛ كأنها غير موجودة بين المضاف والمضاف إليه وأن الكلام يحوى إضافة ظاهرة .. ومن المستحسن عدم الالتجاء لهذا ، قدر الاستطاعة.
أما إن كان الجار والمجرور هما الخبر فليس هناك تنوين محذوف. وإنما فتحة بناء فى آخر كلمة : «مال» التى هى اسم «لا» النافية للجنس.
4 - أن تكون الكلمة ممنوعة من الصرف ؛ مثل : اشتهر «سحبان» بالفصاحة لم أسمع «سحبان» ... ولكن قرأت خطب «سحبان» ...
5 - الوقف على الكلمة المنونة فى حالة الرفع أو الجر. ومعنى الوقف انتهاء الكلام عند النطق بآخرها. مثل : هذا أمر عجيب - فكّرت فى أمر عجيب ... فإن كانت منصوبة فإن التنوين ينقلب ألفا فى اللغة المشهورة. مثل : شاهدت أمرا ، عند الوقوف على كلمة : «أمرا» المنونة. وشاهدت أمرا «عجيبا» ؛ عند الوقوف على كلمة : «عجيبا» المنونة.
6 - أن يكون الاسم المنون علما (2)، مفردا ، موصوفا ، مباشرة - أى من غير فاصل - بكلمة : «ابن» أو : «ابنة» وكلتاهما مفردة ، مضافة إلى علم آخر مفرد ، أو غير مفرد. ولا بد أن تكون البنوة حقيقية. ولا يشترط فى واحد من العلمين
1) المراد بالشبيه المضاف : اللفظ الذى اتصل به شىء يتمم معناه ويزيد فائدته. وسيجىء بيانه فى باب : «لا» النافية للجنس ....
2) سواء أكان اسما ، أم كنية ، أم لقبا (وسيجىء تعريف الثلاثة فى باب العلم ص 276 م 23 كما سيجىء لهذه المسألة مناسبة أخرى فى باب المنادى ج 4 ص 13 م 128). ويجوز أن يراعى فى حذف الهمزة أن تكون الأعلام جنسية يكنى بها عن المجهول اسمه ، أو اسم أبيه ؛ مثل : فلان بن فلان ، أو الحارث بن هيميّام الذى تخيله الحريرى ، وأدار الحديث على لسانه فى كثير من المقامات. وقد وقع الخلاف فى حذف التنوين وهمزة الوصل وألفها من : «ابن» و «ابنة» إذا كان العلم الأول (وهو الموصوف) كنية ، أو كان العلم الثانى المضاف إليه كنية ؛ مثل : اشتهر بالعدل الخليفة الثانى أبو حفص بن الخطاب ، ومن أولاده : عبد اللّه بن أبى حفص. فرأى فريق وجوب إثبات التنوين وهمزة الوصل والألف ، ويرى آخرون صحة الحذف والإثبات. ويبدو أن الأفضل الحذف لتكون القاعدة عامة مطردة كما سنشير لهذا فى باب المنادى ج 4 ص 13 م 128.
التذكير. فمجموع الشروط سبع ؛ إذا تحققت مجتمعة حذف التنوين نطقا وكتابة ، وحذفت همزة الوصل وألفها من «ابن وابنة» كتابة ونطقا ، بشرط ألا تكون إحداهما أول السطر ، ولا خاضعة لضرورة شعرية تقضى بإثباتها ؛ فمثال الحذف : هذا محمد بن هاشم. وهذه هند (1)بنة محمود. وإن اختل شرط من الشروط السبعة لم يحذف التنوين ، ولا ألف «ابن وابنة».
1) قلنا «هند» لأنها علم مؤنث ؛ : يجوز تنوينه ، وعدم تنوينه. أما أكثر الأعلام المؤنثة الأخرى فلا تنون مطلقا ؛ لأنها ممنوعة من الصرف.
(ا) فهم الطالب. سافر الرحالة. رجع الغائب.
كل كلمة من الكلمات : «فهم» «سافر» «رجع» ، ... تدل بنفسها مباشرة (من غير حاجة إلى كلمة أخرى) ... على أمرين.
أولهما : معنى ندركه بالعقل ؛ وهو : الفهم ، أو : السفر ، أو الرجوع ، ويسمى : «الحدث» ،
وثانيهما : زمن حصل فيه ذلك المعنى (أى : ذلك الحدث) وانته قبل النطق بتلك الكلمة ؛ فهو زمن قد فات ، وانقضى قبل الكلام.
(ب) وإذا غيرنا صيغة تلك الكلمات فقلنا : «يفهم». «يسافر». «يرجع» ... دلت الكلمة فى صيغتها الجديدة على الأمرين أيضا ؛ المعنى (الحدث) والزمن. ولكن الزمن هنا لم يكن قد فات وانقضى ؛ وإنما هو زمن صالح للحال (1)، والاستقبال.
(ح) وإذا غيرنا الصيغة مرة أخرى فقلنا : «افهم» ، «سافر» ، «ارجع» ... دلت كل واحدة على الأمرين ؛ المعنى (الحدث) وهو : طلب الفهم ، أو : طلب السفر ، أو : طلب الرجوع. والزمن الذى يتحقق فيه الطلب. والزمن هنا مقصور على المستقبل وحده ؛ لأن الشىء الذى يطلبه إنسان من آخر لا يحصل ولا يقع إلا بعد الطلب وانتهاء الكلام ؛ أى : لا يقع إلا فى المستقبل ... فكل واحدة من تلك الكلمات وأشباهها تسمى : «فعلا». فالفعل :
كلمة تدل على أمرين معا ؛ هما : معنى (أى : حدث) وزمن يقترن به (2)
1) الحال ، هو : الزمن الذى يحصل فيه الكلام ، والاستقبال هو : الزمن الذى يبدأ بعد انتهاء الكلام مباشرة. والماضى هو : الزمن الذى قبل الكلام.
2) دلالته على الأمرين هو الأعم الأغلب ؛ لأن الفعل فى التعريفات العلمية لا يدل على زمان ؛ وإنما هو منسلخ عنه ، مجرد منه. ويرى فريق من النحاة أن «كان» الناسخة لا تدل على معنى (حدث) وإنما تقتصر دلالتها على إفادة المضى وحده ، مخالفة أخواتها وأكثر الأفعال الأخرى. ويخالفهم فريق آخر يرى أنها تدل على الأمرين : المعنى والزمن. وقد أشرنا إلى هذا الموضوع فى أول باب : «كان» وأخواتها ، - وأوضحنا أن الرأى الثانى هو السديد ؛ لأدلة كثيرة جاوزت العشرة ساقها أنصاره. وهناك بعض أفعال ماضية ، ولكنها سلبت الدلالة على الزمان الماضى بسبب استعمالها للحال فى الإنشاء ، وقيل لا تدل على زمن مطلقا ؛ وإنما تدل على المعنى المجرد المخصصة له ؛ مثل : «فعلى التعجب» فى أكثر أحوالهما - كما يجىء فى رقم 3 من هامش ص 49 وكما يجىء فى بابهما ج 3 ص 275 م108. فى هامش ص 278 و 293 - ومثل : «نعم» ، المستعملة فى إنشاء المدح ، و «بئس» المستعملة فى إنشاء الذم ، وسيجىء الإيضاح فى بابهما بالجزء الثالث (راجع حاشية التصريح ج 1 باب «إن» ، عند الكلام على : «لام الابتداء» ، وتاج العروس عند الكلام على مادة كل من الفعلين ، والهمع).
وأقسامه ثلاثة (1)
ومما تجب ملاحظته أيضا : أن الفعل والجملة بنوعيها الاسمية ، والفعلية ، فى حكم النكرة طبقا للبيان الوارد فى رقم ١ من هامش ١٩٢.
: ماض ، وهو : كلمة تدل على مجموع أمرين ؛ معنى ، وزمن فات قبل النطق بها. ومن أمثلته قوله تعالى : ( تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً ، وَجَعَلَ فِيها سِراجاً ؛ وَقَمَراً مُنِيراً ) .ومضارع ، وهو : «كلمة تدل على أمرين معا : معنى ، وزمن صالح للحال والاستقبال. كقوله تعالى : ( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ، وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً ، ) ولا بد أن يكون مبدوءا بالهمزة ، أو النون ، أو التاء ، أو الياء (2)... وتسمّى هذه الأحرف : «أحرف المضارعة». وفتحها واجب ، إلا فى المضارع الرباعىّ فتضمّ ، وكذا فى : المضارع المبنى للمجهول. أما المضارع : «إخال» فالأفصح كسر همزته لا فتحها.
وأمر ، وهو : كلمة تدل بنفسها على أمرين مجتمعين : معنى ، وهذا المعنى مطلوب تحقيقه فى زمن مستقبل : كقوله تعالى : ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ، ) ولا بد فى فعل الأمر أن يدل بنفسه مباشرة على الطلب من غير زيادة على صيغته ؛ فمثل «لتخرج» ، ليس فعل أمر ؛ بل هو فعل مضارع ، مع أنه يدل على طلب شىء ليحصل فى المستقبل ؛ لأن الدلالة على الطلب جاءت من لام الأمر التى فى أوله ، لا من صيغة الفعل نفسها (3).
وقد اجتمعت الأفعال الثلاثة فى قوله تعالى : ( وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ ،
1) وسيجىء فى ص 49 وما بعدها بيان الأزمنة المختلفة التى يدل عليها الفعل الماضى ، ثم المضارع ، ثم الأمر ، مع ملاحظة أن لكل نوع من الأفعال زمنا خاصا يشتهر به ، ويغلب عليه. لكنه قد يتركه إلى زمن آخر - كما سنعرف -
2) يجب أن يكون المضارع مبدوءا بالهمزة للدلالة على التكلم ، وأن المتكلم فرد واحد ؛ نحو : إنى أتخير ما أتكلمه وما أقرؤه. ويجب أن يكون مبدوءا بالنون للدلالة على التكلم ، وأن المتكلم فرد واحد يعظم نفسه ، أو أنه فرد واحد معه غيره ؛ مثل : عند الزيارة نحسن استقبالك ، ونكرم ضيافتك. ويجب أن يكون مبدوءا بالتاء لمخاطبة المفرد المذكر ، أو للتحدث عن المفردة الغائبة ؛ نحو : أنت تتقن عملك ، وهى تتقن عملها. ويجب أن يكون مبدوءا بالياء للمفرد ، المذكر الغائب ، نحو : الشجاع يقول الحق لا يخاف شيئا. وإذا كان المضارع مبدوءا بالهمزة أو النون أو التاء ففاعله ضمير مستتر وجوبا طبقا للبيان الآتى فى ص 206.
3) كما سيجىء فى ص 60.
وَدَعْ أَذاهُمْ ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ، وَكَفى بِاللّهِ وَكِيلاً ، ) وقول الشاعر :
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهمو *** فطالما استعبد الإنسان إحسان
ولكل قسم من هذه الثلاثة علامات خاصة تميزه من غيره ؛ فعلامة الماضى : أن يقبل فى آخره إحدى التاءين ؛ «تاء التأنيث الساكنة» (1)مثل : أقبلت سعاد. وصافحت أباها ، أو : «التاء المتحركة» التى تكون فاعلا ؛ مثل : كلمتك كلاما فرحت به ، (وتكون مبنية على الضم للمتكلم ، وعلى الفتح للمخاطب المذكر ، وعلى الكسر للمخاطبة).
وليس من اللازم أن تكون إحدى التاءين ظاهرة فى آخر الفعل الماضى ؛ بل يكفى أن يكون صالحا لقبولها ، وإن لم تظهر فعلا. مثل : أقبل الطائر ؛ فنزل فوق الشجرة ؛ فكلمة : «أقبل» و «نزل» فعل ماض ، لأنه - مع خلوه من إحدى التاءين - صالح لقبول واحدة منهما : فتقول : أقبلت ... نزلت ... فإن دلت الكلمة على ما يدل عليه الفعل الماضى ولكنها لم تقبل علامته فليست بفعل ماض ، وإنما هى : «اسم فعل ماض» (2)
واسم الفعل ثلاثة أقسام ؛ اسم فعل ماض ، واسم فعل مضارع ، واسم فعل أمر ... ولكل منها أحكام خاصة تضمنها الباب المنعقد لذلك في الجزء الرابع ولها هنا إشارة في رقم ٦ من ص ٧٣ .
. مثل : هيهات انتصار الباطل ، بمعنى : بعد جدّا ... ومثل : شتّان المنصف والباغى ؛ بمعنى : افترقا جدّا. أو : هى اسم مشتق بمعنى الماضى ؛ مثل : أنت مكرم أمس ضيفك.ومما تقدم نعلم أن كلمتى : «نعم» (وهى : كلمة للمدح) «وبئس» (وهى : كلمة للذم) فعلان ماضيان (3)؛ لقبولهما تاء التأنيث الساكنة ؛ تقول : نعمت شهادة الحق ، وبئست شهادة الزور ، كما نعرف أن «ليس» و «عسى» فعلان ماضيان ؛ لقبولهما التاءين.
1) المنسوب معناها إلى الفاعل ؛ احتراز من تاء التأنيث التى لا تدل على الفاعل ولا تنسب إليه ، كالتى تتصل ببعض الحروف مثل : ربت ، وثيمت فى تأنيث الحرفين «رب» الجارة «وثم» العاطفة وغيرهما. - انظر الصفحة الآتية -
2) اسم الفعل : اسم يقوم مقام الفعل فى المعنى ، والزمن ، والعمل. ولكنه لا يقبل علامة الفعل الذى يقوم مقامه ، ولا يتأثر بالعوامل. ولذا لا يسمى : فعلا ؛ لأن الفعل قد يتأثر بعوامل النصب والجزم ، وهناك أسماء تقوم مقام الفعل ، ولكنها تتأثر بالعوامل ؛ فلا تسمى : اسم فعل ، كالمصدر النائب عن التلفظ بفعله ، وكاسم الفاعل العامل ...
3) بحسب الأصل والمظهر ثم خرجا من المضىّ إلى إنشاء المدح والذم.
(ا) تاء التأنيث التى تلحق الفعل للدلالة على أن فاعله مؤنث إن كانت ساكنة لحقت بآخر الماضى ، وإن كانت متحركة اتصلت بأول المضارع ، مثل : هند تصلى وتشكر ربها. أما تاء التأنيث التى تلحق الأسماء فتكون متحركة ؛ مثل : الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة. عظيمة النفع. وقد تتصل التاء بآخر الحروف ؛ مثل ، (ربّ ، وثمّ ، ولا ...) تقول : ربّت (1)كلمة فتحت باب شقاق ، ثمّت جلبت لصاحبها بلاء ؛ فيندم ولات حين ندم.
(ب) هناك أفعال ماضية لا تقبل إحدى التاءين بحسب استعمالاتها الحالية ، لا بحسب حالتها التى قبل هذا ؛ مثل : «أفعل» للتعجب ، و «حبذا» (2)للمدح. ومثل : (عدا ، وخلا ، وحاشا) ، من أفعال الاستثناء. والسبب أن تلك الأفعال حين استعمالها فى الموضوعات المذكورة تصير أفعالا جامدة ، تلازم حالة واحدة لا تتغير ؛ كالأمثال العربية التى تلازم حالة واحدة ، لا يطرأ على حروفها تغيير بالزيادة ، أو النقص ، أو تغيير الضبط ؛ لهذا لا يمكن زيادة التاء فى آخرها ما دامت تؤدى هذه المعانى ، ولكنها بحسب أصلها السابق على هذا تقبل التاء.
(ح) يقول النحاة : إن تاء التأنيث الساكنة تظل ساكنة إذا وليها متحرك ، مثل : حضرت زينب. فإن جاء بعدها ساكن كسرت - غالبا - مراعاة للأصل فى التخلص من التقاء الساكنين ؛ مثل : كتبت البنت المتعلمة. إلا إذا كان الساكن ألف اثنتين فتفتح. مثل : البنتان قالتا إنا فى الحديقة.
هذا ، وقد عرفنا - فى ص 42 - حكم التنوين إذا جاء بعده حرف ساكن. وبقى حكم عام ؛ هو أن كل حرف ساكن صحيح فى آخر الكلمة فإنه يحرك بالكسر إذا جاء بعده - مباشرة - ساكن آخر ؛ نحو : خذ العفو ، ولا تظلم الناس. إلا فى موضعين ، أحدهما : أن تكون الكلمة الأولى هى : «من» والثانية : «أل» فإن الساكن الأول يحرك بالفتح ؛ مثل : أنفق من المال الحلال.
والآخر : أن تكون الكلمة الأولى منتهية بميم الجمع ؛ فإنه يحرك بالضم ؛ مثل : لكم الخير.
فإن كان آخر الكلمة الأولى حرف مدّ (1)، أو واو جماعة ، أو ياء مخاطبة ، حذف نطقا. لا كتابة ؛ للتخلص من التقاء الساكنين ؛ مثل : نحن عرفنا العلوم النافعة - الطلاب سألوا المولى أن يوفقهم - اسألى المولى الهداية.
ويجوز تلاقى الساكنين فى الوقف ، وعند سرد بعض الألفاظ ، نحو : كاف - لام - جيم - (راجع هذا بمناسبة أخرى فى ج 4 عند الكلام على ما تختص به نون التوكيد) ، أما فى غيرهما فيجوز بشرطين :
أحدهما : أن يكون الساكن الأول حرف مدّ (2)، يليه حرف مدغم فى نظيره ، (أى : حرف مشدد).
والآخر : أن يكونا فى كلمة واحدة. مثل عامة ، خاصة ، الضّالين ، الصّادون عن الخير. وهذا متفق عليه. ويرى آخرون أن مثله ما هو فى حكم الكلمة الواحدة. على الوجه المشروح فى مكانه. المناسب من ج 4 ص 139 م 143 باب : نون التوكيد. وللمسألة بقية هامة فى «ح» من ص 88 و 162 و 255.
(د) عرفنا (3)أن كل فعل لا بد أن يدل - فى الغالب - على شيئين ؛ معنى «حدث» وزمن. فالماضى له أربع حالات من ناحية الزمن (4)
وبهذه المناسبة نقول جاء فى المغنى والقاموس معا ما نصه المشترك بينهما : «قد» الحرفية مختصة بالفعل المتصرف ، الخبرى ، المثبت ، المجرد من ناصب ، وجازم ، وحرف وهى مع الفعل كالجزء ؛ فلا تفصل.
منه بفاصل ، اللّهم إلا بالقسم و...)» اه.
:الأولى : (وهى الأصل الغالب) أن يتعين معناه فى زمن فات وانقضى - أى : قبل الكلام - سواء أكان انقضاؤه قريبا من وقت الكلام أم بعيدا. وهذا هو الماضى لفظا ومعنى. ولكن إذا سبقته : «قد» (5) - وهى لا تسبقه إلا فى الكلام
1) أى : حرف علة ، قبله حركة تناسبه.
2) فى ص 45 و 46.
3) وقد عرفنا بيانا هاما - فى رقم 2 من هامش ص 45 - مؤداه : أن بعض الأفعال الماضية لا يدل على زمن ؛ مثل : «نعم وبئس» وأخواتهما عند قصد المدح والذم. ومثل : «أفعل» فى التعجب إذا لم تتوسط «كان» الزائدة بينه وبين «ما» التعجبية ، نحو : ما أنفع نهر النيل. فالفعل : «أنفع» متجرد لإنشاء المدح بغير دلالة على المضى إلا أن جاءت قبله «كان» الزائدة ، نحو : ما كان أنفع النيل - كما سيجىء فى مبحث زيادة «كان» م 44
4) «قد» الحرفية بجميع أنواعها إذا دخلت على فعل لم يصح أن يتقدم عليها شىء من معمولاته - (راجع الخضرى ج 1 ص 112 باب «كان» ، عند بيت ابن مالك :وغير ماض مثله قد عملا * ...)
المثبت - دلت على أن انقضاء زمنه قريب من الحال ؛ فمثل : «خرج الصاحبان» يحتمل الماضى القريب والبعيد ، بخلاف : «قد خرج الصاحبان ؛ فإن ذلك الاحتمال يمتنع ، ويصير زمن الماضى قريبا من الحال ؛ بسبب وجود : قد ، وإذا وجدت قبله «ما» النافية كان معناه منفيا ، وكان زمنه قريبا من الحال ؛ كأن يقول قائل : قد سافر علىّ ، فتجيب : ما سافر علىّ ؛ فكلمة : «قد» أفادته فى الجملة الأولى المثبتة قربا من الزمن الحالى ، وجاءت كلمة : «ما» النافية فنفت المعنى ، وأفادته القرب من الزمن الحالىّ أيضا ، ولا سيما مع القرينة الحالية السابقة (1)
(ما محمد منطلق) هو نفى لجملة مثبتة هى : (محمد منطلق) إذا أريد بها الحال ، وإن شئت أعملت على لغة أهل الحجاز ؛ فقلت : ما محمد منطلقا.
الثانية : أن يتعين معناه فى زمن الحال (أى : وقت الكلام). وذلك إذا قصد به الإنشاء ؛ فيكون ماضى اللفظ دون المعنى ؛ مثل : بعت. واشتريت. ووهبت ، وغيرها من ألفاظ العقود التى يراد بكل لفظ منها إحداث معنى فى الحال. يقارنه فى الوجود الزمنى ، ويحصل معه فى وقت واحد. أو كان من الأفعال الدالة على «الشروع». مثل : «طفق وشرع» وغيرهما مما سيجىء الكلام عليه فى باب : «أفعال المقاربة»
1) جاء فى شرح المفصل ج 8 ص 107 ما ملخصه عن كلمة : «ما» النافية : إنها لنفى الحال ، فإذا قيل عن شخص : هو يفعل الآن كذا - وزمان المضارع هنا : الحال - وأردت أن تنفيه ، قلت : ما يفعل. فقد سلبت معنى الفعل فى الزمن الحالى ونفيته. ولو كان الفعل ماضيا قريبا من الحال بسبب وجود : «قد» قبله - وهى مما يقرب زمنه للحال ، كما عرفنا ، وأردنا نفيه ، أتينا بكلمة : «ما» النافية ، نحو : ما سافر محمد ، لأنها تقرب زمن الماضى المنفى. من الزمن الحالى ... ثم قال :
الثالثة : أن يتعين معناه فى زمن مستقبل (أى : بعد الكلام) ؛ فيكون ماضى اللفظ دون المعنى - كالذى سبق - وذلك إن اقتضى طلبا ؛ نحو : ساعدك اللّه ، ورفعك اللّه مكانا عليّا ، وأمثال هذا من عبارات الدعاء.
ومما يفيد الطلب : عزمت عليك إلا سافرت ، أو : عزمت عليك لمّا (1)سافرت ؛ بمعنى : أقسمت عليك ترك كل شىء إلا السفر فى المستقبل.
أو تضمن وعدا ؛ مثل : ( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ) . فالإعطاء سيكون فى المستقبل ؛ لأن الكوثر فى الجنة ، ولم يجىء وقت دخولها.
أو عطف على ما علم استقباله ، مثل قوله تعالى : ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) ، وقوله تعالى : ( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ ... )
أو تضمن رجاء يقع فى المستقبل ، مثل : خ خ عسى وأخواتها من أفعال الرجاء الآتية فى باب : خ خ أفعال المقاربة ، نحو : «عسى اللّه أن يأتى بالفتح ...».
أو يكون قبله نفى بكلمة : «لا» المسبوقة بقسم ، مثل : واللّه لا زرت الخائن ، ولا أكرمت الأثيم.
أو يكون قبله نفى بكلمة «إن» المسبوقة بقسم ، مثل قوله تعالى : ( خ خ إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا ، وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. ) «أى : ما يمسكهما!» (2)...
أو يكون فعل شرط جازم ، أو جوابه ؛ مثل : إن غاب على غاب محمود ، لأن جميع أدوات الشرط الجازمة تجعل زمن الماضى الواقع فعل شرط أو جواب شرط مستقبلا خالصا .... فالفعل الماضى فى كل الحالات السالفة ماضى اللفظ دون المعنى.
الرابعة : أن يصلح معناه لزمن يحتمل المضى والاستقبال ، ويتعين لأحدهما بقرينة وذلك إذا وقع بعد همزة التسوية ؛ نحو : سواء علىّ أقمت أم قعدت.
فهو يحتمل أنك تريد ما وقع فعلا من قيام أو قعود فى زمن فات ، أو ما سيقع فى المستقبل.
ولا فرق فى التسوية بين أن توجد معها «أم» التى للمعادلة ، كما مثل ، وألا توجد ؛ مثل : سواء علىّ أىّ وقت جئتنى. فإن كان الفعل بعد «أم» المعادلة مضارعا مقرونا «بلم» تعين الزمن للمضى بسببها ؛ مثل : سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ؛ لأن الثانى ماض معنى ؛ فوجب أن يكون الأول ماضى الزمن كذلك ؛ لأنه معادل له. أو وقع بعد أداة تحضيض ؛ مثل : هلّا ساعدت المحتاج. فإن أردت التوبيخ كان للمضى ، وإن أردت الحث على المساعدة كان للمستقبل.
أو بعد : «كلّما» ، نحو قوله تعالى : ( كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ ) فهذا للمضى ؛ لوجود قرينة تدل على ذلك ، وهى الأخبار القاطعة بحصوله. وقوله تعالى عن أهل النار : ( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ؛ لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ) . فهذا للمستقبل ؛ لقرينة تدل على ذلك ؛ وهى أن يوم القيامة لم يجىء.
أو بعد حيث ، نحو : ادخل الهرم من حيث دخل بانيه. فهذا للمضى ؛ لأن الاستقبال يناقض صحة المعنى ؛ إذ لا يعقل أن يدخل بانيه فى المستقبل وقد مات منذ آلاف السنين ... بخلاف : حيث سرت راقب الطريق لتأمن الخطر ؛ فهو للمستقبل.
أو وقع صلة ؛ مثل : الذى أسس القاهرة هو : المعز لدين اللّه ؛ فهذا للمضى. بخلاف : سيفرح الطلاب عقب ظهور النيتجة غدا بنجاحهم إلا الذى رسب. فهذا للاستقبال لوجود كلمة : «غدا».
أو وقع صفة لنكرة عامة ، نحو : رب عطاء بذلته للمحتاج فانشرحت نفسى. فهذا للمضى ، - لوجود : ربّ (1)- بخلاف قوله عليه السّلام : «نضّر اللّه امرأ سمع مقالتى فوعاها. فأدّاها كما سمعها». فهذا للاستقبال أى : يسمع ؛ لأنه ترغيب لمن أدرك الرسول فى أن يحفظ ما يسمعه منه ويؤديه ...
«ملاحظة» : قد يراد من الزمن فى الفعل : «كان» الدوام والاستمرار الذى يعم الأزمنة الثلاثة ، بشرط وجود قرينة تدل على هذا الشمول ؛ نحو : كان اللّه غفورا رحيما (2)...
هذا تفصيل حالات الزمن فى الفعل الماضى.
وأما علامات المضارع فمنها : أن ينصب بناصب ، أو يجزم بجازم ، مثل : لم أقصّر فى أداء الواجب ... ولن أتأخر عن معاونة البائس.
ومنها : قبوله «السين» ، أو : «سوف» (1)فى أوله ، مثل : سأزورك ، أو : سوف أزورك .. و.. (2)، ومثل قول الشاعر :
سيكثر المال يوما بعد قلّته *** ويكتسى العود بعد اليبس بالورق
فإن دلت الكلمة على ما يدل عليه الفعل المضارع ولكنها لم تقبل علامته فليست بمضارع ؛ وإنما هى : خ خ اسم فعل مضارع ؛ مثل : «آه» ، بمعنى : أتوجع شدة الوجع ، «وأف» بمعنى : أتضجر كثيرا. و «ويك» ماذا تفعل؟ بمعنى أعجب لك كثيرا!! ماذا تفعل؟ أو : هى اسم مشتق بمعنى المضارع ؛ مثل الطائرة مسافرة الآن أو غدا.
1) من علامات المضارع المثبت قبوله «السين» أو «سوف» وإذا اتصلت به إحداهما خلصته للزمن المستقبل فقط. ويمتنع أن يسبقهما نفى. وبينهما فروق سردناها فى الحالة الثالثة الآتية للمضارع (فى الزيادة والتفصيل ص 55).
2) ومنها علامتان مشتركتان بينه وبين الفعل الأمر ؛ هما : ياء المخاطبة ونون التوكيد. وسيجىء ذكرهما فى ص 60.
(ا) للمضارع من ناحية الزمن أربع حالات ؛ لا تتعين حالة منها إلا بشرط ألا تعارضها قرينة تعينها لحالة أخرى.
الأولى : أن يصلح للحال والاستقبال إذا لم توجد قرينة تقيده بأحدهما. وتقصره عليه. وحين يصلح للحال والاستقبال يكون اعتباره للحال أرجح ؛ لأن الزمن الماضى له صيغة خاصة تدل عليه ، وللمستقبل صيغة خاصة أيضا ، (هى : الأمر) ، وليس للحال صيغة تخصّه ، فجعلت دلالته على الحال أرجح ، عند تجرده من القرائن ؛ جبرا لما فاته من الاختصاص بصيغة مقصورة عليه (كما يقولون). هذا إلى أن اللفظ إن كان صالحا للزمن الأقرب والزمن الأبعد ؛ فالأقرب أولى ، والحال أقرب من المستقبل ؛ فهو أحقّ بالاتجاه إليه.
فإن كان المضارع من أفعال المقاربة ، مثل : «يكاد» فإنه يكون للزمن المستقبل ، مع شدة قربه من الحال.
الثانية : أن يتعين زمنه للحال ، وذلك إذا اقترن بكلمة تفيد ذلك ؛ مثل : كلمة : الآن ، أو : الساعة ، أو : حالا ، أو : آنفا (1).
أو : وقع خبرا لفعل من أفعال الشروع ؛ مثل : «طفق» ، و «شرع» ، وأخواتهما (2)؛ ليساير زمنه معناها.
أو : نفى بالفعل : «ليس» (3)أو بما يشبهها فى المعنى والعمل ؛ مثل الحرف : خ خ إن أو : خ خ ما (4)... فكل واحد من هذه العوامل التى تعمل عملها يشبهها أيضا فى نفى الزمن الحالى عند الإطلاق (5)...
1) «آنفا» كلمة عدها النحاة من الألفاظ التى تجعل المضارع للحال ، باعتبار أنها تدل على أقرب زمن سابق يتصل بالحال ، فكأنها للحال نفسه.
2) ستجىء هذه الأفعال فى باب الأفعال المقاربة».
3) (راجع تفصيل الكلام عليها فى النواسخ ، أخوات كان).
4) راجع هامش ص 50 حيث الإيضاح للحرف «ما».
5) أى : عند عدم وجود قرينة تدل على أن الزمن ماض أو مستقبل.
مثل : ليس يقوم محمد (1)- ، إن يخرج حليم - ما يقوم علىّ - أو دخل عليه لام ابتداء ، مثل : إنّ الرجل الحقّ ليحسن عمله.
أو : وقع مع مرفوعه فى موضع نصب على الحال - فيكون زمنه حالا بالنسبة لزمن عامله ، فى الغالب - ، مثل : أقبل الأخ يضحك. وإذا دخلت «ما المصدرية الظرفية» على المضارع كان زمن المصدر (2)المؤول للحال فى الغالب. الثالثة : أن يتعين زمنه للاستقبال ؛ وذلك إذا اقترن بظرف من ظروف المستقبل ؛ مثل «إذا ...» ، سواء أكان الظرف معمولا للمضارع ، أم كان المضارع معمولا للظرف - بأن يكون الظرف مضافا ، والجملة من الفعل المضارع وفاعله هى المضاف إليه فى محل جر - ؛ مثل : أزورك إذا تزورنى ؛ فالفعلان المضارعان هنا للمستقبل ، والأول منهما هو العامل الذى عمل النصب فى الظرف.
«إذا» (3)و «إذا» مضاف ، وجملة المضارع مع فاعله بعدها فى محل جر مضاف إليه ، فيكون المضارع الثانى مع فاعله معمولا للظرف. وكذلك يتعين للمستقبل إذا كان مسندا إلى شىء متوقع حصوله فى المستقبل ، مثل : يدخل الشهداء الجنة مع السابقين ؛ إذ لا يعقل أن يكون زمن المضارع للحال ، ومعناه - وهو دخول الجنة - فى المستقبل ؛ لما يترتب عليه من سبق الفعل للفاعل فى الوجود والوقوع ، وهو محال.
أو : سبقته : «هل» (4)، نحو : هل تقاطع مجالس السوء؟
وكذلك إذا اقتضى طلبا ؛ سواء أكان الطلب يفهم منه وحده ، أم كان بمساعدة أداة أخرى ؛ فالأول كقوله تعالى : ( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ ) . فاللّه يطلب من الوالدات إرضاع أولادهن ، وهذا لا يكون إلا فى المستقبل ، ومثال الثانى قوله تعالى : ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ) ، وقوله : ( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا .. ) ، فإن طلب الإنفاق فى : «لينفق» وطلب عدم «المؤاخذة» فى : «لا تؤاخذنا» ، مفهوم من المضارع ، بمساعدة «اللام» و «لا». وزمن المعنى فى الفعلين هو المستقبل. إذ لا يمكن تحقيق ما تطلبه من غيرك وإنفاذه إلا فى المستقبل.
1) راجع ص 231 حيث الكلام على مثل هذا الأسلوب.
2) سيجىء بيان لهذا فى آخر باب الموصول عند الكلام على الموصول الحرفى وصلته وسبك المصدر ص ... م 29.
3) «إذا» هنا ظرفية محضة ولا تدل على الشرط ، لأن الظرفية الشرطية لها الصدارة فى جملتها حتما ؛ فلا تقع حشوا.
4) راجع حاشيتى الخضرى والصبان فى آخر باب : «ظن وأخواتها» عند الكلام على : «القول» وكذا : «المغنى» فى مبحث «هل».
أو : اقتضى وعدا أو وعيدا ، كقوله تعالى : ( يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ، وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ) - لما سبق - ، وقول الشاعر :
من يشعل الحرب لا يأمن عواقبها *** قد تحرق النار يوما موقد النار
أو : صحب أداة توكيد ؛ مثل : «نون التوكيد» الخفيفة أو الثقيلة ؛ لأن التوكيد يليق بما لم يحصل ، ويناسب ما لم يقع ؛ نحو : أتكرمن صديقك؟ وهل تساعدنّ البائس؟
أو : لام القسم عند فريق من النحاة ؛ لأنها فى معنى التوكيد ؛ مثل : «واللّه لعلى عملك تحاسب». ومثلها : «لا» النافية غير العاملة عمل : «ليس» عند ذلك الفريق ؛ مثل : لا أترك الصديق فى مواقف الشدة (1)
ونقول: إن الرأي الأنسب أنها تخلصه للاستقبال عند عدم القرينة التي تمنع. وقد أشرنا لهذا في رقم5 من هامش ص311 م 84 ج2 باب الحال".
أما العاملة عمل "ليس" فالكلام عليها في الصفحة السابقة.
.ويفهم من كل ما سبق أن الجوازم جميعها - ما عدا «لم ، ولما» - - تخلصه للاستقبال
أو : أداة رجاء ؛ مثل : لعل الغائب يحضر. أو : أداة شرط وجزاء ، سواء أكانت جازمة ؛ نحو قوله تعالى : ( إِنْ تَنْصُرُوا اللّهَ يَنْصُرْكُمْ .... ) أم غير جازمة ، ومنها «لو» (2)و «كيف» الشّرطيتان (3)، مثل : ولو يؤاخذ اللّه الناس بظلمهم لأسرع فى إهلاكهم. ومثل : كيف تصنع أصنع.
أو : «حرف نصب» سواء أكان ظاهرا أم مقدرا. وقد اجتمعا فى قوله تعالى : ( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) .
أو : «حرف تنفيس» ، وهو : «السين» و «سوف» ، وكلاهما لا يدخل إلا على المضارع المثبت ، ويفيده التنفيس ؛ أى : تخليص المضارع المثبت من الزمن الضيق ، وهو : خ خ زمن الحال ؛ - لأنه محدود - ، إلى الزمن
1) جاء فى «المغنى» والهمع» أن «لا» النافية ، غير العاملة عمل «ليس» - تخلص المضارع للاستقبال إذا سبقته. خلافا لابن مالك ومن معه ، وهو يؤيد رأيه بإجماع النحاة على صحة نحو : «جاء محمد : لا يتكلم» مع إجماعهم أيضا على أن الجملة الحالية لا تصدر بعلامة استقبال.
2) التى بمعنى «إن» الشرطية. ومثلها : «لو» المصدرية التى بمعنى : «أن» المصدرية ، وتسبك مع الجملة المضارعية بعدها بمصدر ، ولكن ليس لها عملها فى نصب المضارع ؛ مثل : دلو يسود السلم.
3) «وإذا» الشرطية أيضا.
الواسع غير المحدود ، وهو : خ خ الاستقبال ، وهما فى هذا سواء ، وردا معا فى معنى واحد ، كقوله تعالى : ( كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ) ، وقول الشاعر :
وإنّا سوف نقهر من يعادى *** بحدّ البيض تلتهب التهابا
وقول الآخر :
وما حالة إلا سيصرف حالها *** إلى حالة أخرى ، وسوف تزول
إلا أن «سوف» تستعمل أحيانا أكثر من «السين» حين يكون الزمن المستقبل أوسع امتدادا ؛ فتكون دالة على : «التّسويف» ثم هى تختص بقبول اللام : كقوله تعالى : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) ، كما تختص بجواز الفصل بينها وبين المضارع الذى تدخل عليه بفعل آخر من أفعال الإلغاء ؛ نحو :
وما أدرى ، وسوف - إخال - أدرى *** أقوم آل حصن أم نساء
والأمران ممتنعان فى «السين» لدى جمهرة النحاة (1)...
كما أن «السين» تختص بمعنى لا تؤديه «سوف» ، فالعرب إذا أرادت تكرار الفعل وتأكيده وعدم التنفيس فيه (أى : عدم جعله للمستقبل البعيد) أدخلت عليه السين (2)، ومنه قول الشاعر :
سأشكر عمرا ما تراخت منيتى *** أيادى لم تمنن وإن هى جلّت
الرابعة : أن ينصرف زمنه للمضى ؛ وذلك إذا سبقته «لم» (3)، أو : «لما».
الجازمتين. مثل : قوله تعالى عن نفسه : ( لَمْ يَلِدْ ، وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، ) وقول الشاعر :
لم يمت من له أثر *** وحياة من السير
فزمن المضارع هنا ماض. ومثل : لما يحضر ضيفنا. أما فى مثل :
إذا أنت لم تحم القديم بحادث *** من المجد لم ينفعك ما كان من قبل
فزمن المضارعين هنا ماض ، بسبب وقوعهما بعد «لم» قبل مجىء «إذا» الشرطيّة ، ثم صار مستقبلا محضا بعد مجيئها - طبقا لما سلف (4)-.
1) راجع الجزء الثانى من الهمع ص 72 فى الكلام عليهما.
2) راجع ص 87 ج 3 من رغبة الآمل ، شرح الكامل. للمرصفى. والشاعر هو : عبد اللّه بن الزبير.
3) يشترط فى «لم» ، التى تصرف زمنه للماضى ألا تكون مسبوقة بإحدى الأدوات الشرطية التى تخلصه للمستقبل المحض ، مثل «إن» الشرطية أو إحدى أخواتها. فإن وجدت هذه الأداة صرفته للمستقبل المحض ، بالرغم من وجود «لم» - كما سيجىء فى ج 4 باب الجوازم رقم 1 ص 315 -
4) فى ص 55.
أو : «إذ» ؛ نحو : أطربنى كلامك ؛ إذ تقول للغنىّ : تصدق ، بمعنى : قلت.
أو : «ربما» (1)، نحو : فاتنى القطار فتألمت ؛ فأدركنى صديق بسيارته ، فوصلنا قبل القطار ؛ فالحمد لله ؛ ربما أكره الأمر وفيه خيرى ونفعى ، أى : ربما كرهت. أو : «قد» التى تفيد التقليل بقرينة ؛ كأن تقول لمن حملك على السفر كرها : قد أسافر مكرها ؛ فماذا عليك لو تركتنى بعيدا عن المشقة التى صادفتها؟ بخلاف «قد» التى للتكثير.
أو : وقع المضارع مع مرفوعه خبرا فى باب «كان» وأخواتها الناسخة ، إذا وقع الناسخ فى هذا الباب بصيغة الماضى ، ولم توجد قرينة تصرف زمنه عن المضى إلى زمن آخر ؛ مثل : كان سائق السيارة يترفق بركابها حتى وصلوا ... أى : ترفق. ولا يدخل فى هذا ما عرفناه من النواسخ التى تدل على خ خ الحال فقط ؛ كأفعال الشروع - مثل : طفق ، وشرع - أو التى تدل على خ خ الاستقبال فقط ؛ كأفعال الرجاء. وسيجىء البيان فى الباب الخاص بهما وهو : باب خ خ أفعال المقاربة.
ملاحظة : إذا عطف فعل مضارع (2)على نظيره فإن الفعل المعطوف يتبع حكم الفعل المعطوف عليه فى أمور ، يتصل منها بموضوعنا : «الزمن» فيكون المعطوف مثله ؛ إما للحال فقط ، أو للمستقبل فقط ، أو للماضى فقط ، أو صالحا للحال والاستقبال ... فكل ذلك يجرى فى المضارع المعطوف ؛ تبعا لنظيره المعطوف عليه حتما ؛ لوجوب اتحاد الفعلين المتعاطفين فى الزمان (3). فإذا قلت : أسمع الآن كلامك ؛ وأبصرك ، كان زمن الفعل «أبصر» للحال ، كزمن المعطوف
1) لأن الأغلب دخول «ربّ» على الماضى ، بشرط أن تقوم القرينة الدالة على زمنه حقيقة ، بخلاف ما لو كان مستقبلا محقق الوقوع ؛ فإن هذا التحققق ونحوه - وإن جعل معناه الذى لم يتحقق بمنزلة ما تحقق - لا يجعل زمنه ماضيا بل يبقى مستقبلا. وسيجىء هذا مفصلا فى موضعه (ح 2 م 90 ص 402 حروف الجر).
2) المعطوف هنا فعل مضارع والمعطوف عليه كذلك. فالعطف هنا عطف فعل على فعل ، وليس عطف جملة فعلية على جملة فعلية ؛ لأن عطف الجملة الفعلية على جملة فعلية يختلف فى أحكامه عن العطف السابق على الوجه المشروح فى الجزء الثالث : (باب العطف - ص 515 م 121).
3) راجع الهمع ج 1 ص 8 عند الكلام على المضارع - وسيجىء فى باب العطف ج 3 ص 515 م 121.
عليه ؛ وهو أسمع ؛ لوجود كلمة : «الآن» ، التى تقصره على الحال.
وإذا قلت : إن يعتدل الجو أطرب ، وأخرج للرياضة - فإن الفعل : «أخرج» للمستقبل فقط ؛ لعطفه على : «أطرب» المقصور على المستقبل ، لأنه جواب شرط جازم ؛ وزمن الجواب مستقبل ، كما عرفنا.
وإذا قلت ؛ لم تتأخر عن ميعادك ، وتؤلم صاحبك .. فإن الفعل : «تؤلم» هو للماضى فقط ، تبعا للمعطوف عليه : «تتأخر» ، الذى جعلته «لم» للزمن الماضى وحده. وإذا قلت : يكتب حامد ويتحرك ، فالفعل المضارع «يتحرك» صالح للحال والاستقبال ، تبعا للفعل : يكتب.
على أن ما سبق ليس مقصورا على عطف المضارع على نظيره ، وإنما يشمل عطف المضارع على الماضى ؛ كقوله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ) (1)أى : فأصبحت. وقد يكون المعطوف عليه تابعا فى زمنه للمعطوف ، بسبب قرينة تدعو لذلك ؛ كقول الشاعر :
ولقد أمرّ على اللئيم يسبّنى *** فمضيت ، ثمّت قلت : لا يعنينى
أى : مررت (2)
ومما تجب ملاحظته أن هناك فرقًا في المعنى والإعراب بين عطف الفعل على الفعل- وعطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية، كما أشرنا من قبل، وكما سيجيء التفصيل في بابه الخاص.
.1) لا يصح أن يكون المضارع : (تصبح) معطوفا على المضارع السابق : «تر» ، لأن السابق مجزوم واللاحق غير مجزوم. ولأن اخضرار الأرض ليس نتيجة الرؤية ، ولكنه نتيجة شرب الزرع الماء.
2) يفهم مما سبق أن الفعل الماضى إذا عطف على المضارع ، أو العكس ، يجب أن يتحول نوع الزمن فى المعطوف إلى نوع الزمن فى المعطوف عليه ، بحيث يتماثلان. مع الخضوع فى ذلك لما تقتضيه القرائن ، ويستقيم به المعنى. أما عطف فعل الأمر - وحده - على غيره والعكس، فمختلف فى جوازه ، ويميل جمهرة النحاة إلى منعه ؛ لاستحالة فصل الأمر من فاعله. وسنوضح الأمر فى مكانه فى العطف (ح 3 ص 515 م 121) كذلك يفهم أن الفعلين المختلفين فى الزمن (سواء أكانا مضارعين معا ، أم ماضيين معا ، أم مختلفين) لا يجوز عطف أحدهما على الآخر ، إلا مع مراعاة أن العطف يوحّد زمنهما حتما ، ويمنع اختلافهما فيه ؛ فإن لم يصح المعنى عند اتفاقهما فى الزمن لم يصح عطف الفعل على الفعل ، ولم يكن الكلام من باب تعاطف الفعلين ، وإنما هو من باب آخر ؛ كعطف جملة على جملة ، أو الاستئناف أو غير ذلك ، على حسب ما يوافق المعنى.
وأما علامة الأمر فهى : أن يدل بصيغته (1)على طلب شىء ، مع قبوله ياء المخاطبة. فلا بد من الأمرين معا ؛ أى : أن علامته مزدوجة ؛ مثل : ساعد من يحتاج للمساعدة ، وتكلم بالحق ، واحرص على إنجاز عملك. وتقول : ساعدى .. وتكلمى ... واحرصى ... ومن الأمثلة قوله تعالى للرسول الكريم : (خذ العفو (2)، وأمر بالعرف (3)، وأعرض عن الجاهلين) - وتقول : خذى ... - وأمرى ... - وأعرضى ...
ومن فعل الأمر كلمة : «هات» و : «تعال» لقبولهما علامته. تقول : هاتى يا شاعرة ما نظمت ، وتعالى نقرؤه.
فإن دلت الكلمة على ما يدل عليه فعل الأمر ولكنها لم تقبل علامته فليست بفعل أمر ؛ وإنما هى : خ خ اسم فعل أمر ؛ مثل : «صه» ، بمعنى : اسكت. و «مه» بمعنى : اترك ما أنت فيه الآن ، و «نزال» بمعنى : انزل. و «حيّهل» بمعنى : أقبل علينا.
وهناك علامتان مشتركتان (4)بين المضارع والأمر.
الأولى : نون التوكيد خفيفة وثقيلة ، فى نحو ؛ واللّه لأجتهدن. واجتهدنّ يا صديقى ... بتشديد النون أو تخفيفها فى كل فعل.
الثانية : ياء المخاطبة ، مثل : أنت يا زميلتى تحسنين أداء الواجب ، ومؤاساة المحتاجين ؛ فداومى على ذلك. فقد اتصلت ياء المخاطبة بآخر المضارع ؛ وهو : «تحسنين» وآخر الأمر ؛ وهو : داومى ...
1) سبق (فى ص 46) أن المراد بذلك هو : أن تكون دلالته مستمدة من صيغته ، دون زيادة شىء على حروفه ؛ فالدلالة على الأمرية فى مثل : «لتخرج» مستمدة من اللام الداخلة على الفعل المضارع بعدها ، ولا يصح أن يقال فى الفعل الذى بعد تلك اللام إنه فعل أمر ، وإنما هو فعل مضارع.
2) الميسور المقبول من كلام الناس وأفعالهم ، من غير أن تكلفهم الكمال الأعلى الذى لا يطيقونه.
3) الأمر المحمود المستحسن شرعا.
4) سبقت الإشارة إليهما فى رقم 2 من هامش ص 53.
زمن الأمر مستقبل (1)
(راجع الصبان ج1 باب المعرب والمبني، عند الكلام على إعراب المضارع).
فى أكثر حالاته ؛ لأنه مطلوب به حصول ما لم يحصل ، أو دوام ما هو حاصل. فمثال الأول : سافر زمن الصيف إلى الشواطىء (2). ومثال الثانى قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللّهَ ... ) لأن النبى لا يترك التقوى مطلقا. فإذا أمر بها كان المراد الاستمرار عليها.وقد يكون الزمن فى الأمر للماضى إذا أريد من الأمر الخبر ، كأن يصف جندى بعد الحرب موقعة شارك فيها ، ؛ فيقول : صرعت كثيرا من الأعداء. فتجيبه : «اقتل ولا لوم عليك ... وافتك بهم ؛ فإن اللّه معك» ... فالأمر هنا بمعنى : قتلت وفتكت ... والمعوّل عليه فى ذلك هو : القرائن ، فلها الاعتبار الأول دائما فى هذه المسألة ، وغيرها.
1) هو مستقبل باعتبار المعنى المأمور به ؛ المطلوب تحققه ووقوعه ابتداء ، إن كان غير حاصل ، أو دوام حصوله واستمراره إن كان واقعا وحاصلا وقت الكلام وفى أثنائه. أما زمن فعل الأمر باعتبار الطلب الصادر من المتكلم وملاحظة وقت الكلام نفسه والزمن الصادر فيه الطلب ذاته ، فهو الحال.
2) إذا قلت هذا قبل الصيف ، ليكون قرينة.
الحرف (1)
( من أقسام «لا» النافية: المعترضة بين الخافض والمخفوض، نحو: جئت بلا زاد، وغضبت من لا شيء. وعن الكوفيين: أنها اسم، وأن الجار دخل عليها نفسها. وأن ما بعدها خفض بالإضافة أما غيرهم فيراها حرفا، ويسميها: زائدة، كما يسمون: «كان» في نحو: (محمد كان فاضل) زائدة، وإن كانت مفيدة لمعنى، وهو المضي والانقطاع فعلم أنهم قد يريدون بالزائد المعترض بين شيئين متطالبين، وإن لم يصح المعنى بإسقاطه، كما في مسألة: «لا» في نحو: غضبت من لا شيء، كذلك إذا كان يفوت بفواته معنى، كما في مسألة: «كان»، و«كذلك» «لا» المقترنة بالعاطف في نحو: ما جاءني محمد ولا على، ويسمونها: «الزائدة» وليست بزائدة ألبتة، ألا ترى أنه إذا قيل: ما جاءني محمد وعلى ... ، احتمل أن المراد نفي مجيء كل منهما على كل حال، وأن يراد نفي اجتماعهما في وقت المجيء، فإذا جيء بكلمة: «لا» صار الكلام نصا في المعنى الأول. نعم هي في قوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ) لمجرد التأكيد، وكذا إذا قيل: لا يستوي حامد ولا محمود أه أي: لأن اللبس غير محتمل في المثالين الأخيرين مطلقا. ولهذا إيضاح في حـ 3 م 118 ص 548 باب: العطف، عند الكلام على ما انفردت به واو العطف. وجاء في شرح المفصل ح 7 ص 150 عند الكلام على: «كان» الزائدة، أن معنى زيادتها:
(إلغاؤها عن العمل مع إرادة معناها، وهو الدلالة على الزمان، وذلك نحو قولك: ما كان أحسن زيدا، إذا أريدان الحسن كان فيما مضى. فـ «ما» مبتدأ على ما كانت عليه، و «أحسن زيدا» الخبر - و «كان» ملغاة عن العمل، مفيدة للزمان الماضي، كما تقول: من كان ضرب زيدا- تريد: من ضرب زيدا- ومن كان يكلمك، تريد: من يكلمك. فكان تدخل في هذه المواضع وإن ألغيت من الإعراب فمعناها باق. وهي هنا نظيرة: «ظننت» إذا ألغيت، فإنه يبطل عملها ومعنى الظن باق، ذلك أن الزيادة على ضربين، زيادة مبطلة العمل مع بقاء المعنى الزمني، كما سبق وزيادة لا يراد بها أكثر من التأكيد في المعنى، وإن كان العمل باقيا، نحو: ما جاءني من أحد. ومثله قوله: بحسبك محمد، المراد: حسبك، ومثل: «وكفي باللّه شهيدا»، والمراد كفى اللّه....) ا.ه وستجيء إشارة موضحة لهذا في ص 65 وفي باب «كان وأخواتها» والواجب ترك استعمال «كان» الزائدة إذا أوقعت في لبس.
من ، فى ، على ، لم ، إن ، إنّ ، حتى ...
لا تدل كلمة من الكلمات السابقة على معنى ، أىّ معنى ، ما دامت منفردة بنفسها. لكن إذا وضعت فى كلام ظهر لها معنى لم يكن من قبل ، مثال ذلك : (سافرت «من» القاهرة) ... فهذه جملة ؛ المراد منها : الإخبار بوقوع سفرى ،
1) النحاة يسمون الحروف : «أدوات الربط» ؛ لأن الكلمة إما أن تدل على ذات ، وإما أن تدل على معنى مجرد (أى : حدث) ، وإما أن تربط بين الذات والمعنى المجرد منها. فالاسم يدل على الذات ، والفعل يدل على المعنى المجرد منها ، والحرف هو الرابط. وحروف الربط نوعان ، نوع يسمى : «حروف المعانى» ، لأنه يفيد معنى جديدا يجلبه معه ، ونوع ليس للمعانى ، وإنما هو زائد أو مكرر ؛ لتوكيد معنى موجود ، ومثله : «ما» الزائدة ، و «الباء» ، و «من» وغيرها من الحروف الزائدة أو المكررة (مثل : نعم ، نعم ، أو : لا. لا ...) لإفادة توكيد المعنى القائم. والذين يعتبرون التوكيد معنى - على الرغم من أنه ليس جديدا - يدخلون هذا النوع فى حروف المعانى. أما غيرهم فلا يدخله فيها ، وهذا هو المشهور. وأكثر الكوفيين يقتصر على تسمية الحروف : «أدوات». أما تفصيل الكلام على حروف المعانى ، وأحكامها ، وما يتصل بها ، ولا سيما تعلق شبه الجملة بها. التعلق بها ، ففى موضعه المناسب ؛ كالذى فى ج 2 ص 200 م 78. حيث حروف الحر ، وفى ج 3 حيث حروف العطف وح 4 حيث النواصب والجوازم. وحروف الربط بنوعيها غير حروف المبانى التى سبقت فى هامش ص 13 بقى بيان المراد الدقيق الذى يقصدونه حين يقولون : هذا اللفظ - حرفا كان أو غير حرف - «زائد». لقد تباينت آراؤهم فى تعريف الزائد. وخير ما يستخلص منها : أنه الذى يمكن الاستغناء عنه ، فى الغالب ، فلا يتأثر المعنى بحذفه ، وربما لا يستغنى عنه فتكون معنى زيادته هو تركه مهملا لا يؤثر فى غيره ولا يتأثر بغيره - سواء أكان فى أصله مهملا مثل : «لا» النافية الزائدة ، أم كان فى أصله عاملا ، مثل : «كان» الزائدة. وفيما يأتى بعض ما دونته المراجع خاصا بهذا. (ا) جاء فى المغنى عند الكلام على الحرف : «لا» ما نصه :
وأنه يبتدىء من القاهرة. فكأنى أقول : سافرت ، وكانت نقطة البدء فى السفر هى : «القاهرة» ، فكلمة : «من» أفادت الآن معنى جديدا ظهر على ما بعدها وهذا المعنى هو : خ خ الابتداء ، لم يفهم ولم يحدد إلا بوضعها فى جملة ؛ فلهذه الجملة الفضل فى إظهار معنى : «من».
ولو قلت : سافرت من القاهرة «إلى» العراق - لصار معنى هذه الجملة : الإخبار بسفرى الذى ابتداؤه القاهرة ، ونهايته العراق. فكلمة : «إلى» أفادت معنى ظهر هنا على ما بعدها ؛ وهذا المعنى هو : خ خ الانتهاء. ولم يظهر وهى منفردة ، وإنما ظهر بعد وضعها فى جملة ؛ كانت السبب فى إظهاره.
وكذلك : حضرت من البيت إلى النهر ؛ فقد أفادت الجملة كلها الإخبار بحضورى ، وأن أول هذا الحضور وابتداءه : «البيت» ، وأن نهايته وآخره : «النهر». فأفادت : «إلى» الانتهاء ، وصبّته على ما بعدها. وهذا الانتهاء لم يفهم منها إلا بسبب التركيب الذى وضعت فيه.
ولو قلت : الطلبة فى الغرفة - لكان المعنى ؛ أن الطلبة تحويهم الغرفة ؛ كما يحوى الإناء بعض الأشياء ، وكما يحوى الظرف المظروف ، أى : كما يحوى الوعاء أو الغلاف ما يوضع فى داخله. فمعنى كلمة : «فى» هو خ خ الظرف ، أو : خ خ الظرفية ، وهذا المعنى لم يفهم من لفظة : «فى» وحدها ، وإنما عرف منها بعد أن احتواها التركيب ، فظهر على ما بعدها ... وهكذا بقية أحرف الجر ، وغيرها من أكثر الأنواع الأخرى المختلفة ؛ كحروف النفى ، والاستفهام ، وسواها ... فالحرف : «كلمة لا تدل على معنى فى نفسها ، وإنما تدل على معنى فى غيرها فقط - بعد وضعها فى جملة - دلالة خالية من الزمن» (1).
====
1) هذا التعريف فى اصطلاح النحاة. لكن يجرى فى استعمال بعض المراجع اللغوية والقدماء إطلاقه أحيانا على الكلمة ، مهما كان نوعها. أما ظهور معناه على ما بعده ففيه تفصيل يجىء فى ص 65.
من كل ما سبق نعلم : أن الاسم وحده - من غير كلمة أخرى معه - ، يدل على معنى جزئى فى نفسه ، دلالة لا تقترن بزمن. وأن الفعل وحده يدل على معنى جزئى مقترن بزمن. وأن الحرف وحده لا يدل على شىء منهما ما دام منفردا ، فإذا دخل جملة دل على معنى فى غيره ، ولم يدل على زمن (1)
بتافعلت ، وأتت ، ويا افعلى ، *** ونون أقبلنّ - فعل ينجلى
سواهما الحرف ؛ كهل ، وفى ، ولم *** فعل مضارع يلى لم ؛ كيشم
وماضى الأفعال بالتا - مز. وسم *** بالنّون فعل الأمر ، إن أمر فهم
والأمر إن لم يك للنّون محل *** فيه هو اسم ؛ نحو : صه ، وحيّهل
ا - يريد : أن الفعل ينجلى (أى : ينكشف) ويتميز من غيره بإحدى العلامات الآتية ؛ وهى تاء الفاعل ، أو تاء التأنيث الساكنة ، أو ياء المخاطبة. أو نون التوكيد.
ب - وأن علامة الحرف (كهل ، وفى ، ولم) فى عدم قبوله علامة من علامات الأسماء ؛ أو : الأفعال.
ح - وأن علامة المضارع صلاحه للمجىء بعد «لم» الجازمة ، أو إحدى أخواتها.
د - وأن الماضى يختص من تلك العلامات بقبوله التاء المتحركة ، للفاعل ، أو الساكنة للتأنيث ، وكلتاهما تكون فى آخره. (ومعنى : مز : ميز ؛ وصه بمعنى : اسكت ، وحيهل بمعنى : أقبل و «يشم» مضارع : شم ، من باب : فرح).
ه - وأن فعل الأمر يوسم (أى : يعلم ويعرف) بقبوله نون التوكيد ، مع دلالته على الطلب. فإن لم يدل على الطلب ولم يقبلها فهو اسم فعل أمر.
هذا ، وكلمة : «الأمر» مبتدأ ، خبره الجملة الاسمية : «هو اسم». أما جواب «إن» الشرطية فمحذوف يدل عليه الخبر المذكور ؛ والتقدير : فهو اسم. والقاعدة : (أنه متى تقدم المبتدأ على أداة الشرط فإن اقترن ما بعدهما بالفاء ، أو صلح لمباشرة الأداة الشرطية - كان جوابا والخبر محذوفا ، وإلا كان خبرا والجواب محذوفا ، كما هنا) هذا هو الرأى المختار ، على رغم ما حوله من خلاف (راجع حاشيتى الخضرى والصبان فى هذا الموضوع من الباب ، وستذكر هذه القاعدة فى مواضع ؛ منها موضع : حذف الخبر. ومما تنطبق عليه القاعدة السالفة التى انطبقت على بيت ابن مالك قول الشاعر المخضرم عامر بن الطفيل :
وإنى وإن كنت ابن سيد عامر *** وفى السّرّ منها والصريح المهذب
فما سوّدتنى عامر عن وراثة *** أبى اللّه أن أسمو بأم ولا أب
فما دخلت عليه الفاء هو الجواب ، وخبر «إن» محذوف.
. .1) أشار ابن مالك إلى علامات الفعل والحرف بقوله :
(ا) عند ما ينكشف معنى الحرف الأصلى بسبب وضعه فى جملة ، ويظهر المراد منه ، فإن ذلك المعنى ينصبّ على ما بعد الحرف ، ويتركز فيه ؛ سواء أكان ما بعد الحرف الأصلى مفردا أم جملة ، فالابتداء فى : «من» ، والانتهاء فى : «إلى» ، يتحقق فى الكلمة التى جاءت بعد كل منهما ، وكذلك الظرفية ، والاستعلاء ... وإذا قلنا : ما جاء أحد ... - هل غاب أحد؟ فإن النفى والاستفهام ينصبّان على كل مضمون الجملة التى بعده ... وهكذا ...
أمّا الحروف الزائدة - ومنها بعض حروف الجر ؛ كالباء - فإنها تفيد توكيد المعنى فى الجملة كلها ، لأن زيادة الحرف تعتبر بمنزلة إعادة الجملة كلها ، وتفيد ما يفيده تكرارها بدونه (1)سواء أكان الحرف الزائد فى أولها ، أم فى وسطها ، أم فى آخرها ؛ مثل : بحسبك الأدب ، وأصلها : حسبك الأدب ، أى : يكفيك ، أو : كافيك ، فالباء داخلة على المبتدأ ، كدخولها عليه وهو ضمير فى نحو : كيف بك؟ (وأصلها ... كيف أنت؟) (2)وكدخولها عليه بعد «إذا الفجائية» فى نحو : رجع المسافر ؛ فإذا بالأصدقاء فى استقباله.
وكدخولها على الفاعل فى مثل : كفى باللّه شهيدا ، وأصلها : كفى اللّه شهيدا. وعلى الخبر فى مثل : الأدب بحسبك ... فالباء مع تقدمها أو توسطها أو تأخرها قد أكدت معنى الجملة كلها.
هذا ، والحرف الزائد قد يعمل ؛ كباء الجر ، أو لا يعمل مثل : «ما» الزائدة ، فى مثل : إذا ما المجد نادانا أجبنا ... وهناك الشبيه بالزائد يعمل ، وينحصر فى بعض حروف الجر ؛ كربّ ، ولعلّ ، الجارتين ... و «لو لا» على اعتبارها جارّة. وحرف الجر الزائد والشبيه به لا يتعلقان (3)، إلا أن الزائد «كالباء» يزاد لتوكيد المعنى الموجود. أمّا «رب» فتفيد معنى التقليل أو التكثير ، «ولعل» تفيد الرجاء ... فهما - كغيرهما من الشبيه بالزائد - يفيدان معنى جديدا يطرأ على الجملة ؛ لا تقوية المعنى الموجود قبل مجيئهما. وكذا «لو لا» فإنها تفيد الامتناع ؛ وهو معنى جديد يطرأ على الجملة.
(ب) الحروف نوعان ، نوع يسمى «العامل» ؛ لأنه يعمل الجر ، أو النصب ، أو الجزم ؛ كحروف الجر ، وحروف النصب ، وحروف الجزم ، - ونوع آخر يسمى : «المهمل» ؛ لأنه لا يعمل شيئا مما سبق ، مثل بعض أدوات الاستفهام والجواب. ، ومنها : هل - نعم - لا ... ومثل : التنوين (1)
وبعض النحاة يسمى حروف الجر : «حروف الإضافة» لأنها تضيف إلى الأسماء معانى (2)الأفعال وشبهها من كل ما تتعلق به تلك الحروف.
(ح) الحروف إما آحادية ، أو ثنائية ، أو ثلاثية ؛ كبعض حروف الجرّ (الباء - فى - إلى ...)
وإما رباعية ؛ مثل : «لعلّ» ولا تزيد على خمسة ؛ مثل : «لكنّ» فى الرأى الأصح الذى يعتبرها غير مركبة ، وأنها مشددة النون ، ثابته الألف بعد اللام نطقا - كما سبق (3)-
(ا) طلع الهلال شاهد الناس الهلال فرح القوم بالهلال.
(ب) يكثر الندى شتاء. يمتص النبات الندى. يرتوى بعض النبات بالندى.
(ح) زاد هؤلاء علما. سمعت هؤلاء يتكلمون. أصغيت إلى هؤلاء.
نلحظ فى أمثلة القسم الأول (ا) أن كلمة : «الهلال» قد اختلفت العلامة التى فى آخرها ؛ فمرة كانت تلك العلامة ضمة ، ومرة كانت فتحة ، ومرة كانت كسرة ، فما سبب هذا الاختلاف؟
سببه وجود داع متغير فى كل جملة ، يحتاج إلى كلمة : «الهلال» ؛ لتؤدى معنى معينا فى الجملة. وهذا المعنى يختلف باختلاف الدواعى فى الجمل ، ويرمز إليه فى كل حالة بعلامة خاصة فى آخر الكلمة ، ففى الجملة الأولى كانت كلمة : «الهلال» مرفوعة ؛ لوجود الداعى الذى يحتاج إليها ، وهو الفعل : «طلع» فإنه يتطلب فاعلا. والفاعل يرمز له بعلامة فى آخره ، هى : الضمة - مثلا - فيكون مرفوعا.
وفى الجملة الثانية كانت كلمة : «الهلال» منصوبة ؛ لوجود داع من نوع آخر ؛ هو الفعل : «شاهد» ؛ فإنه لا يحتاج إلى فاعل ، لوجود فاعله معه - وهو كلمة : الناس - ولكنه يحتاج إلى بيان الشىء الذى وقع عليه فعل الفاعل ، وهو ما يسمى فى النحو : «المفعول به» ؛ والمفعول به يرمز إليه بعلامة خاصة فى آخره هى : «الفتحة» ، - مثلا - فيكون منصوبا.
وفى الجملة الثالثة كانت كلمة «الهلال» مجرورة ، لوجود داع يخالف السابقين ، وهو : الباء ، فإنها تحتاج إلى تلك الكلمة لتكون مجرورة بها ، فيزداد الفعل بهما وضوحا ، وعلامة جرها الكسرة هنا.
فنحن نرى أن الدواعى تغيرت فى الجمل الثلاث السالفة على حسب المعانى المطلوبة ، من فاعلية ، ومفعولية ، وتكملة أخرى للفعل ... وتبعها فى كل حالة تغيّر العلامة التى فى آخر كلمة : «الهلال». فتغير العلامة على الوجه السالف يسمى : «الإعراب» ، والداعى الذى أوجده يسمى : «العامل» (1)
وأقوى ما وجهوه إلى العامل من طعن أمران : أولهما : ان النحاة نسبوا العمل إليه ؛ فجعلوه هو الذى يرفع ، أو ينصب ، أو يجر ، أو يجزم ؛ مع أنه قد يكون سببا في خفاء المعنى . في زعمهم . أو تعقيده. وكيف ينسب إليه العمل وهو لا يعمل شيئا ؛ وإنما الذي يعمل هو : المتكلم؟
ثانيهما : أن النحاة . وقد قصروا عليه العمل وحده . بحثوا عنه في بعض التراكيب العربية الصحيحة فلم يجدوه ؛ فاضطروا أن يقدروه ، وأن يفترضوا وجوده ، ويتكلفوا ، ويتعسفوا. والحق أن النحاة أبرياء مما اتهموا به ؛ بل أذكياء ، بارعون فيما قرروه بشأن : «نظرية العامل» ؛ فقد قامت على أساس يوافق خير أسس التربية الحديثة لتعليم اللغة ، وضبط قواعدها ، وتيسير استعمالها. ونسوق لهذا مثلا يوضحه ، ويزيد الأمثلة السابقة إيضاحا ؛ «أكرم محمود الضيف». فمحمود في هذه الجملة ينسب إليه شيء. وكذلك الضيف». فما الذي ينسب إلى كل منهما؟
ا . ينسب إلى محمود أنه فعل الكرم ؛ فهو فاعل الكرم. فبدلا من أن نقول : ينسب إلى محمود أنه فعل شيئا ، هو : الكرم ، أو : ينسب إلى محمود أنه فاعل الكرم . حذفنا هذه الكلمات الكثيرة واستغنينا عنها برمز صغير . اصطلح عليه النحاة . يرشد إليها ، ويدل عليها ؛ ذلك الرمز هو : الضمة التي في آخر كلمة : «محمود». فهذه الضمة على صغرها تدل على ما تدل عليه تلك الكلمات المحذوفة الكثيرة. وهذه مقدرة وبراعة أدت إلى ادخار الوقت والجهد باستعمال ذلك الرمز الاصطلاحي الذي دل على المعنى المطلوب بأخصر إشارة. - .كما سیجی في رقم ٢ من هامش الصفحة الآتية.
لكن كيف عرفنا . في التركيب السابق . أن (محمودا) فعل شيئا ، أي : أنه فاعل؟ عرفنا ذلك من كلمة قبله هى : «أكرم» ويسميها النحاة : «فعلا» فوجود الفعل دل على وجود الفاعل ، ووجود الفاعل يقتضى أن نعلنه ، ونذيع أنه الفاعل. وطريقة الإذاعة قد تكون بكلمات كثيرة ، أو قليلة ، أو برمز يغني عن هذه وتلك ، كالضمة التي اختارها النحاة واصطلحوا على أنها الرمز الدال ، على الفاعلية وعلى هذا يكون الفعل هو السبب فى الاهتداء أولا إلى الفاعل ، وإلى الكشف عنه ، ثم إلى وضع الرمز الصغير في آخره ؛ ليكون إعلانا على أنه الفاعل ، وشارة دالة عليه. فالفعل هو السبب أيضا فى ذلك الرمز وفى اجتلابه والإتيان به ؛ فليس غريبا أن يقول النحاة ؛ «إن الفعل هو الذى عمل الرفع في الفاعل» لأنه السبب في مجيئه ، ويسمونه من أجل ذلك : «عاملا».
ب . مثل هذا يقال في كلمة : «الضيف» فقد نسب إليه شيء . كما سبق . فما ذلك الشيء المنسوب إليه ؟ هو أنه وقع عليه كرم ، أو : حصل له شيء ؛ هو : «الكرم». وقد حذفنا هذه الكلمات الكثيرة ، واستغنينا عنها برمز صغير اصطلح عليه النحاة ، يرشد إليها ، ويدل عليها ، هو الفتحة في آخر : الضيف ؛ فهى تؤدى ما تؤديه الكلمات المتعددة التي حذفت. والذى أرشدنا إلى أن الضيف وقع عليه شيء هو وجود الفعل والفاعل معا قبله. ولما كان الفعل هو المرشد إلى الفاعل والدال عليه . وكان الفعل هو الأصل في الإرشاد وفى الدلالة على الفاعل وعلى المفعول ؛ فهو الأصل أيضا في جلب العلامة الدالة على كل منهما ، وهو السبب الأساسى فى مجيئها ؛ فسمى لذلك : «عاملها».
عوامل لفظية ؛ كالفعل ، وكحرف الجر ، والجوازم ... ، أم معنوية ؛ كالابتداء ، وسواء أكانت أصلية أم زائدة (وستجىء أنواع العوامل فى م 33 أول باب المبتدا والخبر - وانظر ص 71 . .)
ومما تقدم نعلم أن تلك العوامل بنوعيها ليست مخلوقات حية ، تجرى فيها الروح فتعمل ما تريد ، وتحس بما يقع عليها ، وتؤثر بنفسها ، وتتأثر حقا بما يصيبها ، وتحدث حركات الإعراب المختلفة ، فليس لها شيء من ذلك. إنما الذي يؤثر ، ويتأثر . ويحدث حركات الإعراب . هو المتكلم ، وليست هي ولكن النحاة نسبوا إليها العمل. لأنها المرشد إلى المعاني والرموز. وهى نسبة جارية على أصح الاستعمالات العربية وأبلغها ، إذ هي السبب في الاهتداء إلى كشف المعنى المراد من الكلمة . كما أسلفنا . وإذا ثبت لها هذا فليس فى اللغة مانع من نسبة العمل إليها ، وتسميتها : «عاملا» ، ولا عيب في أن نقول مثلا : «كان» ترفع المبتدأ وتنصب الخبر ، و «إن»» تنصب المبتدأ وترفع الخبر ، و «ظن» تنصبهما مفعولين لها ... و... و.. إلى غير ذلك مما يجرى هذا المجرى الذى يتفق بغير شك مع أصول الاستعمال العربي الفصيح بل مع الأسلوب البلاغي الأعلى ، ولا داعى للاعتراض عليه كما يتردد على ألسنة بعض المتسرعين. نعم لها بعض عيوب (كالتي نراها في باب التنازع من ح ۲) ولكنها يسيرة يمكن تداركها ، وسنشير إليها تباعا ، حين نصادفها.
.1) كثر الكلام على العامل قديما وحديثا ، وعلى ما له من أثر سىء فى النحو العربى ، وفى الأساليب ، وصياغتها ، وفهمها. ولم نر بين المتكلمين من راعى جانب الاعتدال والإنصاف.
فالإعراب : (هو تغيّر العلامة التى فى آخر اللفظ ، بسبب تغير العوامل الداخلة عليه ، وما يقتضيه كل عامل) (1).
وفائدته : أنه رمز إلى معنى معين دون غيره - كالفاعلية ، والمفعولية ، وغيرهما - ولولاه لاختلطت المعانى ، والتبست ، ولم يفترق بعضها من بعض. وهو - مع هذه المزية الكبرى - موجز غاية الإيجاز ، لا يعادله فى إيجازه واختصاره شىء آخر يدلّ دلالته على المعنى المعين الذى يرمز له (2). وهذه مزية أخرى.
والمعرب : هو اللفظ الذى يدخله الإعراب (3)(أى ، التّغير الذى وصفناه) والعامل هو : ما يؤثر فى اللفظ تأثيرا ينشأ عنه علامة إعرابية ترمز إلى معنى خاص ؛ كالفاعلية ، أو المفعولية ، أو غيرهما. ولا فرق بين أن تكون تلك العلامة ظاهرة كأمثلة : «ا» أو مقدرة. كأمثلة : «ب» فإن الدليل على إعرابها وهى مفردة أن علامة آخرها تتغير عند التثنية والجمع ، فتقول : تراكم النّديان ، وامتص النبات النّديين ، وارتوى من النديين (4).
1) وللإعراب معنى آخر مشهور بين المشتغلين بالعلوم العربية ، هو : التطبيق العام على القواعد النحوية المختلفة ، ببيان ما فى الكلام من فعل ، أو : فاعل ، أو : مبتدأ ، أو : خبر ، أو : مفعول ، أو حال .. أو غير ذلك من أنواع الأسماء ، والأفعال ، والحروف ، وموقع كل منها فى جملته ، وبنائه أو إعرابه ... أو غير ذلك.
2) فلو أردنا أن ندل على الفاعلية أو المفعولية فى مثل : أكرم الولد الوالد لاستعملنا ألفاظا كثيرة ؛ كأن نقول : إن الولد هو فاعل الإكرام ، والوالد هو الذى ناله الإكرام ... وفى هذا اسراف كلامى وزمانى. كما سبق فى هامش الصفحة السابقة.
3) فالإعراب غير المعرب ، كما أن الإكرام غير المكرم ، والإرسال غير المرسل.
4) فى ص 80 إيضاح الإعراب المحلى والتقديرى ومن التقديرى نوع سيجىء فى «و» من ص 143 أما تفصيل مواضعه ففى ص 179 وما بعدها.
أما أمثلة القسم الثالث «ح» ففيها كلمة : «هؤلاء» لم تتغير علامة آخرها بتغير العوامل ؛ بل بقيت ثابتة فى الجمل كلها. فهذا الثبات وعدم التغير يسمى : بناء ؛ وهو : «لزوم آخر اللفظ علامة واحدة فى كل أحواله ، مهما تغيرت العوامل».
والمبنى هو : اللفظ الذى دخله البناء.
هذا ، وقد عرفنا (1)أن المعرب المنصرف (أى : المنون) ، يسمى : «متمكنا أمكن» ، وأن غير المنصرف يسمى : «متمكنا» فقط ، وأن المبنى يسمى : «غير متمكن». ولا توصف الكلمة بإعراب أو بناء إلا بعد إدخالها فى جملة (2).
المعرب والمبنى من الأسماء ، والأفعال ، والحروف. (أى : من أقسام الكلمة الثلاثة)
المعرب والمبنى (1)من الأسماء ، والأفعال ، والحروف.
(أى : من أقسام الكلمة الثلاثة)
أولا : الحروف كلها مبنية ؛ لأن الحرف وحده لا يؤدى معنى فى نفسه ، وإنما يدل على معنى فى غيره ، بعد وضعه فى جملة - كما سبق (2)-. وإذا لا ينسب إليه أنه فعل فعلا ، أو وقع عليه فعل ؛ فلا يكون بنفسه فاعلا ، ولا مفعولا به ، ولا متمما وحده للمعنى (أى : لا يكون مسندا إليه ولا مسندا ، ولا شيئا يتصل بذلك). لعدم الفائدة من الإسناد فى كل حالة (3)،
ونتيجة ما سبق أنه لا يدخله الإعراب ؛ لعدم حاجته إليه ؛ لأن الحاجة إلى الإعراب توجد حيث توجد المعانى التركيبية الأساسية ، والحرف وحده لا يؤدى معنى قط. ولكنه إذا وضع فى تركيب فإنه يؤدى فى غيره بعض المعانى الجزئية (الفردية) بالطريقة المفصّلة التى أشرنا إليها عند الكلام عليه ؛ كالابتداء ، والتبعيض ، وغيرهما مما تؤديه كلمة : «من». أو الظرفية ، والسببية ، وغيرهما مما تؤديه كلمة : «فى» - فهذه المعانى الجزئية تعتور الحرف ، وتتعاقب عليه ، ولكن لا يكون التمييز بينها بالإعراب ، وإنما يكون بالقرائن المعنوية التى تتضمنها الجملة.
ثانيا : الأسماء يناسبها الإعراب وهو أصل فيها ، لأن الاسم يدل بذاته على معنى مستقل به - كما سبق (4)- فهو يدل على مسمى ؛ (أى : على شىء محسوس أو معقول ، سميناه بذلك الاسم) وهذا المسمى قد يسند إليه فعل ، فيكون فاعلا له ، وقد يقع عليه فعل ، فيكون - مفعولا به. وقد يتحمل معنى آخر
1) يلاحظ أن المبنى لا تراعيى ناحيته اللفظية مطلقا فى توابعه أو غيرها - فتوابعه إنما تساير محله فقط - إن كان له محل من الإعراب وهذا أثر هام من آثار الإعراب المحلى. الذى يجىء الكلام عليه فى ص 80 لكن يستثنى من هذا الحكم العامّ النعت الخاص بالمنادى «أى أو أية» والمنادى اسم الإشارة الذى جىء به للتوصل إلى نداء المبدوء بأل ؛ نحو : يأيها العالم ، ويأيتها العالمة ، ويا هذا الفاضل ... فيجب فى هاتين الصورتين رفع التابع مراعاة للمظهر الشكلى للمنادى ، مع أن هذا المنادى مبنى ، وهما صفتان معربتان منصوبتان - مراعاة لمحل المنادى - بفتحة مقدرة على الآخر ، منع من ظهورها ضمة المماثلة للفظ المنادى فى الصورة الشكلية. وتفصيل هذا وإيضاحه فى ج 4 ص 34 م 130.
2) فى ص 62 م 5.
3) إلا إذا قصد لفظه كما سبق فى «ج» من ص 29.
4) ص 25.
غير الفاعلية والمفعولية ، ويدل عليه بنفسه ... وكل واحد من تلك المعانى يقتضى علامة خاصة به فى آخر الكلمة ، ورمزا معينا يدل عليه وحده ، ويميزه من المعانى الأخرى ؛ فلا بد أن تتغير العلامة فى آخر الاسم ؛ تبعا لتغير المعانى والأسباب ، وأن يستحق ما نسميه : «الإعراب» للدلالة على تلك المعانى المتباينة ، التى تتوالى عليه بتوالى العوامل المختلفة - كما شرحنا من قبل (1)-.
وقليل من الأسماء مبنىّ (2). وأشهر المبنى منها عشرة أنواع (لكل نوع أحكامه التفصيلية فى بابه) وهى :
(1) الضمائر ، سواء أكان الضمير موضوعا على حرف هجائى واحد ، أم على حرفين ، أم على أكثر ، مثل : انتصرت ؛ ففرحنا ، ونحن بك معجبون.
(2 ، 3) أسماء الشرط ، وأسماء الاستفهام ؛ بشرط ألا يكون أحدهما مضافا لمفرد ؛ مثل : أين توجد أكرمك. أين أراك؟ بخلاف : أىّ خير تعمله ينفعك. أىّ يوم تسافر فيه؟ لإضافة «أىّ» الشرطية والاستفهامية فى المثالين لمفرد ، فهما معه معربتان (3)
وكل اسم يجب إضافته لجملة يجب بناؤه، مثل: «إذا» الشرطية. أما الذي يضاف إليها جوازا، مثل «يوم» فقد يبني، وقد يعرب، كما سيجيء في باب الإضافة ج3.
.(4) أسماء الإشارة التى ليست مثناة ؛ نحو : هذا كريم ، وتلك محسنة. بخلاف : «هذان كريمان ، وهاتان محسنتان». فهما معربان عند التثنية ؛ على الصحيح.
(5) أسماء الموصول غير المثناة ، والأسماء الأخرى التى تحتاج بعدها - وجوبا - إلى جملة أو شبهها ؛ تكمل معناها ، ولا تستغنى عنها بحال. فمثال الموصول : جاء الذى يقول الحق. وسافر الذى عندك ، أو الذى فى ضيافتك.
ومن الأسماء الأخرى التى ليست موصولة ولكنها تحتاج - وجوبا - بعدها إلى جملة : «إذا» الشرطية الظرفية ؛ نحو : إذا تعلمت ارتفع شأنك ، فلو قلت : جاء الذى ... فقط ، أو : إذا ... فقط ، لم يتم المعنى ، ولم تحصل الفائدة.
بخلاف جاء اللذان غابا ، وحضرت اللتان سافرتا. فالموصول معرب - على الصحيح - لأنه مثنى.
(6) الأسماء التى تسمى : «أسماء الأفعال» (1)وهى : التى تنوب عن الفعل فى معناه وفى عمله وزمنه ، ولا تدخل عليها عوامل تؤثر فيها. مثل : هيهات القمر : بمعنى بعد جدّا ، وأفّ من المهمل ، بمعنى أتضجّر جدا ، وآمين يا رب ، بمعنى : استجب. فقد دلت كل كلمة من الثلاث على معنى الفعل ، ولا يمكن أن يدخل عليها عامل قبلها يؤثر فيها بالرفع ، أو النصب ، أو الجر ... بخلاف : سيرا تحت راية الوطن ، سماعا نصيحة الوالد ، إكراما للضيف. فإن هذه الكلمات [سيرا ، وسماعا ، وإكراما ، وأشباهها] تؤدى معنى فعلها تماما ، ولكن العوامل قد تدخل عليها فتؤثر فيها ؛ فتقول : سرنى سيرك تحت راية الوطن ، مدحت سيرك تحت راية الوطن. طربت لسيرك ... وكذا الباقى ؛ ولذلك كانت معربة.
(7) الأسماء المركبة ؛ ومنها بعض الأعداد ؛ مثل : أحد عشر ... إلى تسعة عشر ؛ فإنها مبنية دائما على فتح الجزأين. ما عدا اثنى عشر ، واثنتى عشرة ؛ فإنهما يعربان إعراب المثنى (2).
(8) اسم «لا» النافية للجنس (3)- أحيانا - فى نحو : لا نافع مكروه.
(9) المنادى ؛ إذا كان : مفردا ، علما ، أو نكرة مقصودة ، مثل : يا حامد ، ساعد زميلك ، ويا زميل اشكر صديقك.
(10) بعض متفرقات أخرى ؛ مثل : «كم» ، وبعض الظروف ؛ مثل : «حيث» والعلم المختوم بكلمة : «ويه» ، وما كان على وزن «فعال» - فى رأى قوىّ - مثل : حذام ، وقطام ... (وكلاهما اسم امرأة). وكذلك أسماء الأصوات المحكية مثل : «قاق» ، و «غاق» ، فى نحو : صاحت الدجاجة قاق ، ونعب الغراب غاق (4)...
ملاحظة : يجب الإعراب والتنوين فى كل اسم أصله مفرد مبنىّ ، ثم سمى به ، كما لو سمينا رجلا بكلمة : «أمس» المبنية على الكسر فى لغة الحجازيين - أو بكلمة «غاق» التى هى فى أصلها اسم لصوت الغراب (1)...
ثالثا : الأفعال. منها المبنى دائما ، وهو : الماضى والأمر. ومنها المبنى حينا والمعرب أحيانا وهو : المضارع.
وأحوال بناء الماضى ثلاثة :
(1) يبنى على الفتح فى آخره إذا لم يتصل به شىء ، مثل : صافح ، محمد ضيفه ، ورحّب به. وكذلك يبنى على الفتح إذا اتصلت به تاء التأنيث الساكنة ، أو ألف الاثنين ، مثل : قالت فاطمة الحق. والشاهدان قالا ما عرفا.
والفتح فى الأمثلة السابقة ظاهر. وقد يكون مقدرا إذا كان الماضى معتل الآخر بالألف ، مثل : دعا العابد ربه.
(2) يبنى على السكون فى آخره إذا اتصلت به «التاء» المتحركة التى هى ضمير «فاعل» ، أو : «نا» التى هى ضمير فاعل ، أو «نون النسوة» التى هى كذلك. مثل أكرمت الصديق ، وفرحت به. ومثل : خرجنا فى رحلة طيبة ركبنا فيها السيارة ، أما الطالبات فقد ركبن القطار.
(3) يبنى على الضم فى آخره إذا اتصلت به واو الجماعة ، مثل الرجال خرجوا لأعمالهم.
وأحوال بناء الأمر أربعة :
(1) يبنى على السكون فى آخره إذا لم يتصل به شىء ؛ مثل : اعمل لدنياك ولآخرتك. وصاحب أهل المروءات. أو : اتصلت به نون النسوة ، مثل : اسمعن يا زميلاتى (2)...
1) راجع حاشية ياسين على التصريح آخر باب الممنوع من الصرف عند الكلام على «أمس ويلاحظ ما سبق فى «ج» من ص 29 من فروق تختلف عما هنا.
2) من الجائز توكيده بالنون المشددة مع وجود نون النسوة بشرط أن تكون نون التوكيد مشددة مكسورة ، وقبلها ألف ، زائدة تفصل بينها وبين نون النسوة ، نحو : اسمعنانّ يا زميلاتى - كما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 76 وفى ج 4 باب نون التوكيد.
(2) يبنى على فتح آخره إذا اتصلت به نون التوكيد الخفيفة ؛ مثل : صاحبن كريم الأخلاق. أو الثقيلة ؛ مثل : اهجرنّ السفيه (1)...
(3) يبنى على حذف حرف العلة إن كان آخره معتلا ؛ مثل : اسع فى الخير دائما ، وادع الناس إليه ، واقض بينهم بالحق. [فاسع : فعل أمر مبنى على حذف الألف ، لأن أصله : «اسعى» (2). وادع : فعل أمر مبنى على حذف الواو ؛ لأن أصله : «ادعو». واقض : فعل أمر ، مبنى على حذف الياء لأن أصله : «اقضى]». وعند تأكيد فعل الأمر بالنون يبقى حرف العلة الواو ، أو الياء ، ويتعين بناء الأمر على الفتحة الظاهرة على الحرفين السالفين ، فإن كان حرف العلة ألفا وجب قلبها ياء تظهر عليها فتحة البناء ؛ لأن الأمر يكون مبنيا على هذه الفتحة ؛ نحو : اسعين فى الخير ، وادعون له ، واقضين بالحق.
(4) يبنى على حذف النون إذا اتصل بآخره ألف الاثنين ؛ مثل : اخرجا ، أو واو جماعة ، مثل : اخرجوا ، أو ياء مخاطبة ؛ مثل : اخرجى. فكل واحد من هذه الثلاثة فعل أمر ، مبنى على حذف النون ، والضمير فاعل (وهو ألف الاثنين ، أو واو الجماعة ، أو ياء المخاطبة). ومن الأمثلة قوله تعالى لموسى وفرعون : ( اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ، ) وقوله : ( فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ) - وقول الشاعر :
يا دار عبلة بالجواء تكلمى *** وعمى (3)صباحا - دار عبلة - واسلمى
وأما المضارع فيكون معربا إذا لم يتصل آخره بنون التوكيد ، أو نون النسوة. ومن الأمثلة - ( إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) إن تخلص فى عملك تنفع وطنك. فإن اتصل بآخره اتصالا مباشرا نون التوكيد الخفيفة أو الثقيلة بنى على الفتح (4)مثل : واللّه لأقومن بالواجب. ولأعملنّ ما فيه الخير ، وقول الشاعر :
1) فهو فعل أمر مبنى على الفتح : لاتصاله بنون التوكيد. ولا داعى للتشدد الذى يراه بعض النحاة ، إذ يقول : فعل أمر مبنى على سكون مقدر منع من ظهوره الفتحة العارضة لأجل نون التوكيد. هذا ، وكل فعل أمر أو مضارع، اتصلت بآخره نون التوكيد فإنه يمتنع أن يتقدم عليه شىء من معمولاته إلا للضرورة - انظر المثال فى رقم 1 من هامش ص 96 - ، لأن تقدم هذا المعمول يخرجه من حيز التأكيد ؛ فيتنافى تقديمه مع المراد من تأكيده. وأجاز بعض النحاة تقديم المعمول إن كان شبه جملة. وحجته ورود أمثلة كثيرة تكفى للقياس عليها. وهذا أحسن - كما سيجىء فى باب نون التوكيد ح 4.
2) تكتب الألف هنا ياء ؛ تبعا لقواعد الحروف. وعلى الرغم من كتابتها تسمى ألفا ما دامت الفتحة قبلها.
3) انعمى واسعدى.
4) فى محل رفع - على المشهور - وقيل : لا محل له.
لا تأخذنّ من الأمور بظاهر *** إن الظّواهر تخدع الرّاءينا
فإن كان الاتصال غير مباشر ؛ بأن فصل بين نون التوكيد والمضارع فاصل ظاهر ؛ كألف الاثنين ، أو مقدر ؛ كواو الجماعة ، أو ياء المخاطبة - فإنه يكون معربا ... فمثال ألف الاثنين (ولا تكون إلا ظاهرة) ماذا تعرف عن الصانعين ، أيقومانّ بعملهما؟ ومثال واو الجماعة المقدرة : هؤلاء الصانعون أيقومنّ بعملهم؟ ومثال ياء المخاطبة المقدرة : أتقومنّ بعملك يا سميرة؟
وإن اتصلت به نون النسوة فإنه يبنى على السكون (1)؛ مثل : إن الأمهات يبذلن ما يقدرن عليه لراحة الأبناء. ولا يكون اتصالها به إلا مباشرا (2)
أما نون التوكيد بنوعيها فإنها قد تقع بعد أحد الضمائر السابقة ، ولكنها بعد ألف الاثنين مشددة ومكسورة ، لكيلا تلتبس في الخط بنون الأفعال الخمسة التي يعرب معها المضارع. ولا تكون مكسورة مشددة إلا في هذه الحالة. ومن الممكن أن يجتمع في آخر المضارع نون النسوة فنون التوكيد المشددة المكسورة . لا المخففة . بشرط أن يفصل بينهما الألف المزيدة للفصل هنا ، نحو : أترغبينان في تقديم العون للبائسات. فالنون الأولى للنسوة ، والمضارع معها مبنى على السكون وجوبا ، والنون الأخيرة المشددة للتوكيد ، ولا تأثير لها على المضارع من ناحية بنائه. وبين النونين الألف الفاصلة . كما أشرنا في رقم ٢ من هامش ص ٧٤ وكما سيجيء البيان بالتفصيل في ج ٤ . باب نونى التوكيد.
.فللمضارع حالتان ؛ الأولى : الإعراب ؛ بشرط ألا يتصل بآخره - مباشرة - نون التوكيد الخفيفة أو الثقيلة ، أو نون النسوة.
والثانية : البناء : إما على الفتح إذا اتصلت بآخره - مباشرة - نون التوكيد. وإما على السكون إذا اتصلت بآخره نون النسوة (3).
وإذا كان المضارع مبنيا لاتصاله بإحدى النونين وسبقه ناصب أو جازم وجب أن يكون مبنيّا فى محل نصب أو جزم ، أى أنه يكون مبنيا فى اللفظ ، معربا فى المحل. ولهذا أثر إعرابىّ يجب مراعاته. ففى التوابع - مثلا - كالعطف ، إذا عطف مضارع على المضارع المبنى المسبوق بناصب أو جازم وجب فى المضارع المعطوف
1) فى محل رفع - على المشهور - وقيل لا محل له
2) فلا يفصل بينهما أحد الضمائر الثلاثة السابقة - ولا غيرها - ؛ لما فى الفصل من التناقض المفسد للمعنى. إذ كيف يشتمل الفعل الواحد على فاعلين متعارضين ؛ أحدهما : نون النسوة ، وهى تدل على جماعة الإناث ، والآخر ألف الاثنين ، وهى تدل على المثنى؟ أو. على نون النسوة وواو الجماعة ، وهذه تدل على جماعة الذكور؟ أو على نون النسوة وياء المخاطبة ، وهذه تدل على المفردة المؤنثة؟
الصورة
أن يتبع محل المعطوف عليه فى النصب أو الجزم. وكذلك المضارع المبنى إن كان معطوفا عليه ؛ فإنه يكون مبنيّا فى محل رفع - فى الرأى المشهور (1)
والاسم منه معرب ومبنى ؛ *** لشبه من الحروف مدنى
كالشّبه الوضعىّ فى اسمى «جئتنا» *** والمعنوىّ فى : «متى» وفى : «هنا»
وكنيابة عن الفعل ، بلا *** تأثّر ، وكافتقار أصّلا
ومعرب الأسماء : ما قد سلما *** من شبه الحرف ، كأرض وسما
يقول : الاسم قسمان ؛ معرب ، ومبنى. وسبب بنائه شبه يدنيه - أى : يقربه من الحروف - وسيجىء رد هذا - وأبان الشبه المدنى من الحروف (أى : المقرب منها) فقال : إنه الشبه الوضعى بأن يكون فى صيغته موضوعا على حرف واحد ، أو على حرفين ؛ كالضميرين : «التاء» و «نا» فى جملة : «جئتنا» ، وكالشبه المعنوى فى كلمتى : «متى» «وهنا». فكل واحدة منهما اسم مبنى ؛ لأنه يؤدى معنى كان حقه أن يؤدى بالحرف ، فأشبه الحرف فى تأدية معنى معين ، وكأن ينوب عن الفعل بلا تأثر ، أو أن يحتاج دائما بعده إلى جملة. وقد سبق الكلام عليهما فى رقم 2 من هامش ص 47 وفى ص 72 فالأول كاسم الفعل ، والثانى كاسم الموصول. ثم قال ابن مالك فى بناء الأفعال والحروف.
وفعل «أمر» و «مضىّ» بنيا *** وأعربوا «مضارعا» إن عريا
من نون توكيد مباشر ، ومن *** نون إناث ؛ كيرعن من فتن
وكلّ حرف مستحقّ للبنا *** والأصل فى المبنىّ أن يسكّنا
«إن عرى من نون توكيد» أى : إن تجرد من نون توكيد.
الذى سبقت الإشارة إليه .1) راجع الصبان ج 1 فى هذا الباب عند الكلام على بناء المضارع وج 3 فى أول باب إعراب الفعل. وفى بعض ما سبق يقول ابن مالك :
(ا) الإعراب المحلىّ والتقديرىّ.
يتردد على ألسنة المعربين أن يقولوا فى المبنيات ، وفى كثير من الجمل المحكية وغير المحكية ، إنه فى محل كذا - من رفع ، أو نصب ، أو جر ، أو جزم ... فما معنى أنه فى محل معيّن؟ فمثلا : يقولون فى «جاء هؤلاء» ... إن كلمة : «هؤلاء» مبنية على الكسر فى محل رفع فاعل - وفى : «قرأت الصحف من قبل» ... إن كلمة : «قبل» مبنية على الضم فى محل جر ... وفى : «رأيت ضيفا يبتسم» ، إن الجملة المضارعية فى محل نصب صفة ... وهكذا.
المراد من أن الكلمة أو الجملة فى محل كذا ، هو أننا لو وضعنا مكانها اسما معربا لكان مرفوعا ، أو منصوبا ، أو مجرورا. وفى بعض الحالات لو وضعنا مكانها مضارعا معربا لكان منصوبا أو مجزوما. فهى قد حلّت محل ذلك اللفظ المعرب ، وشغلت مكانه ، وحكمه الإعرابى الذى لا يظهر على لفظها.
أما التقديرى فقد سبق (1)أنه العلامة الإعرابية التى لا تظهر على الحرف الأخير من اللفظ المعرب ؛ بسبب أن ذلك الحرف الأخير حرف علة لا تظهر عليه الحركة الإعرابية ، كالألف فى مثل : إن الهدى هدى اللّه ، واستجب لداعى الهدى.
ونتيجة لما سبق يكون الإعراب المحلى منصبّا على الكلمة المبنية كلها ، أو على الجملة كلها ، وليس على الحرف الأخير منهما. وأن التقديرى منصب على الحرف الأخير من الكلمة.
وهناك رأى آخر لا يجعل الإعراب المحلى مقصورا على المبنى وبعض الجمل - كرأى الأكثرية - وإنما يدخل فيه أيضا بعض الأسماء المعربة صحيحة الآخر بشرط ألا يظهر فى آخر الكلمة المعربة علامتان مختلفتان للإعراب ، ومن أمثلته عنده : ما جاءنى من كتاب ، فكلمة «كتاب» مجرورة بالحرف : «من» الزائد. وهى فى محل رفع فاعل للفعل : «جاء». وقد تحقق الشرط فلم يجتمع فى آخرها علامتان ظاهرتان للإعراب. وأصحاب الرأى الأول يدخلون هذا النوع فى التقديرى
1) فى ص 69 وقد أشرنا فيها إلى نوع آخر سيجىء فى «و» من ص 143 أما حصر مواضعه ففى ص 179 وما بعدها.
فيقولون فى إعرابه : مجرور لفظا مرفوع تقديرا (1)... والخلاف لفظىّ. ولعل الأخذ بالرأى الثانى أنفع ، لأنه أعمّ.
ويدخل فى الإعراب المحلى عدة أشياء. أظهرها المبنيات كلها ، والجمل التى لها محل من الإعراب ، محكية وغير محكية ، والمصادر المنسبكة ، وكذا الأسماء المجرورة بحرف جرّ زائد فى رأى سلف. - وكما سيجىء فى ج 2 ص 350 م 89 - والمنادى المستغاث (ج 4)
هذا ولا يمكن إغفال الإعراب المحلى والتقديرى ، ولا إهمال شأنهما ، إذ يستحيل ضبط توابعهما - مثلا - بغير معرفة الحركة المقدرة أو المحكية (2)بل يستحيل توجيه الكلام على أنه فاعل أو مفعول ، أو مبتدأ ، أو : مضارع مرفوع - وما يترتب على ذلك التوجيه من معنى إلا بعد معرفة حركة كل منهما. وستجىء إشارة لبعض ما سبق فى ص 178 وللإعراب المحلى فى ص 281 وأيضا فى ج 2 ص 35 م 89.
(ب) تلمس النحاة أسبابا للبناء والإعراب ، أكثرها غير مقبول. وسنشير إليه ، داعين إلى نبذه.
قالوا فى علة بناء الفعل : إن الفعل لا تتعاقب عليه معان مختلفة ، تفتقر فى تمييزها إلى إعراب ، ولا تتوالى عليه العوامل المختلفة التى تقتضى ذلك. فالفعل - وحده - لا يؤدى معنى الفاعلية ، ولا المفعولية ، ولا غيرهما مما اختص به الاسم وكان سببا فى إعرابه - كما سبق (3)، إلا المضارع فإنه قد يؤدى معنى زائدا على معناه الأصلى ، بسبب دخول بعض العوامل. فحين نقول ؛ لا تهمل عملك ، وتجلس فى البيت (بجزم : تجلس) يكون المعنى الجديد : النهى عن الجلوس أيضا ، (بسبب مجىء الواو التى هى لعطف الفعل على الفعل هنا). وحين نقول : لا تهمل عملك ، وتجلس فى البيت (بنصب : تجلس) يكون المعنى الجديد : النهى عن اجتماع الأمرين معا ، وهما الإهمال والجلوس. فالنهى منصب عليهما معا ، بحيث لا يجوز عملهما فى وقت واحد ؛ فلا مانع أن يقع أحدهما وحده بغير الآخر ، ولا مانع من عمل كل منهما فى وقت يخالف وقت الآخر - (والواو هنا للمعية وهى التى اقتضت ذلك).
وإذا قلت : لا تهمل القراءة ، وتجلس (برفع : تجلس) ، فالنهى منصب على القراءة وحدها ، أما الجلوس فمباح. (فالواو هنا : للاستئناف ، وهى تفيد ذلك المعنى.) فالمضارع قد تغيرت علامة آخره على حسب تغير المعانى المختلفة ، والعوامل التى تعاقبت عليه ، فأشبه الاسم من هذه الجهة ، فأعرب مثله.
أما بناؤه مع نون التوكيد ، ونون النسوة فلأنهما من خصائص الأفعال ، فوجود إحداهما فيه أبعده من مشابهة الاسم المقتضية للإعراب ، فعاد إلى الأصل الأول فى الأفعال ؛ وهو البناء ؛ لأن الأصل فيها البناء - كما سبق - وأما الإعراب فى المضارع أحيانا ، فأمر عارض ، وليس بأصيل.
هكذا يقولون! وليس بمقبول ، فهل يقبل أن سبب بناء الحرف هو دلالته فى الجملة على معنى فى غيره ، وعدم دلالته وهو مستقل على ذلك المعنى التركيبىّ ؛ فلا حاجة له بالإعراب ؛ لأن وظيفة الإعراب تمييز المعانى التركيبية بعضها من بعض؟ إذا لم التفرقة فنقول إن كلمة : «ابتداء» وحدها التى تفهم من الحرف : «من» هى اسم ، وكلمة : «من» نفسها هى حرف ، مع أنها تفيد عند وضعها فى الجملة معنى الابتداء ، فكلاهما يتوقف فهمه على أمرين ؛ ؛ شىء كان هو المبتدئ ، وشىء آخر كان المبتدأ منه؟
هل السبب ما سطروه من دليل جدلىّ مرهق ، هو : أن معانى الأسماء تتوقف على أمور كلية معلومة لكل فرد بداهة ، فكأنها مستقلة ؛ مستغنية عن غيرها؟ فلفظة : «ابتداء» عندهم معناها مطلق ابتداء شىء من شىء آخر ، بغير تخصيص ، ولا تعيين ، ولا تحديد. وشىء هذا شأنه يمكن أن يعرفه كل أحد ، ويدركه بالبداهة كل عقل. بخلاف معنى الابتداء فى لفظة : «من» حين نقول مثلا : سرت من القاهرة ، فإن الابتداء هنا خاص مقيد بأنه ابتداء «سير» لا ابتداء قراءة : ، أو أكل ، أو كتابة ، أو سفر. أو ... وأنه ابتداء «سير» من مكان معين ؛ هو : القاهرة. فليس الابتداء فى هذا المثال معنى مطلقا كما فى سابقه ، وليس فهمه ممكنا إلا بعد إدراك أمرين مخصوصين ؛ يتوقف فهمه عليهما ، ولا يعرفان إلا بالتصريح باسمهما ، هما : السير والقاهرة. أى : أن المعنى إن لوحظ فى ذاته مجردا من كل قيد ، كان مستقلا ، وكان التعبير عنه من اختصاص الاسم ، «كالابتداء» ، وإن لوحظ حاله بين أمرين ، كان غير
مستقل ، وكان التعبير عنه مقصورا على الحرف (1)...
فهل نقبل هذه العلل المصنوعة الغامضة؟ وهل عرف العرب الأوائل الفصحاء قليلا أو كثيرا منها؟ وهل وازنوا واستخدموا القياس والمنطق وعرفوهما فى جاهليتهم؟ ثم يعود النحاة فيقولون : إن بعض الأسماء قد يبنى لمشابهته الحرف ، مثل : «من» و «أين» و «كيف» وغيرها من أسماء الاستفهام ... ومثل «من» ، و «ما» وغيرهما من أدوات الشرط والتعليق ... فأسماء الاستفهام إن دلت على معنى فى نفسها فإنها تدل فى الوقت ذاته على معنى ثان فيما بعدها ؛ فكلمة : «من» الاستفهامية ، اسم ؛ فهى تدل بمجردها وذاتها على مسمّى خاص بها ، إنسانا غالبا ، أو غير إنسان - وتدل على الاستفهام من خارجها ، بسبب افتراض أن همزة الاستفهام معها تقديرا ... فكأنك إذا قلت : من عندك؟ تفترض أن الأصل أمن عندك؟ وأنهما فى تقديرك كلمتان : «الهمزة» ، وهى حرف معنى ، و «من» الدالة على المسمى بها ، أى : على الذات الخاصة التى تدل عليها : «من» فلما كانت «من» لا تستعمل هنا إلا مع الاستفهام المقدر ، استغنى وجوبا عن همزة الاستفهام لفظا ، للزومها كلمة : «من» معنى ، وصارت «من» نائبة عنها حتما ؛ ولذلك بنيت ؛ فدلالتها على الاسمية هى دلالة «لفظية» ، مرجعها لفظها ، ودلالتها على الاستفهام جاءت من خارج لفظها (2). ولا يجوز إظهار الهمزة فى الكلام كما تظهر كلمة : «فى» مع الظروف جوازا ؛ لأن الأمر مختلف ؛ إذ الظرف ليس متضمنا معنى : «فى» بالطريقة السالفة ، فيستحق البناء كما بنيت «من» الاستفهامية ، وإنما كلمة : «فى» محذوفة من الكلام جوازا لأجل التخفيف ؛ فهى فى حكم المنطوق به ؛ ولذلك يجوز إظهارها. بخلاف الهمزة (3).
وكذلك كلمة : «أين» تدل وهى مجردة على معنى فى نفسها ، هو : المكان ، وتدل أيضا على الاستفهام فيما بعدها ، وهو معنى آخر جاءها من خارجها ؛ بسبب تقدير همزة الاستفهام معها ، ثم الاستغناء عن الهمزة وجوبا ؛ لوجود ما يتضمن معناها.
وكلمة : «كيف» : تدل على معنى فى نفسها ، وهو : الحال ، وتدل على معنى فيما بعدها ، وهو : الاستفهام ، على الوجه السالف ، وكذلك أسماء الشرط ... فإن كلمة : «من» تدل على العاقل - غالبا - بنفسها ، وكلمة : «ما» تدل - غالبا - على غير العاقل بنفسها ، وهما تدلان على التعليق والجزاء فيما بعدهما ؛ فكأن كل كلمة من أسماء الاستفهام ، وأسماء الشرط ، ونحوها - تقوم مقام كلمتين فى وقت واحد ، إحداهما : اسم يدل على مسمى ، والأخرى : حرف يدل على معنى فى غيره ، وهذا الحرف يجب حذفه لفظا ، لوجود الاسم الذى يتضمنه تقديرا (1)ويؤدى معناه تماما. ومن هنا نشأ التشابه بين نوع من الأسماء والحروف - فى خيال بعض النحاة - فاستحق ذلك النوع من الأسماء البناء ؛ لعدم تمكنه فى الاسمية تمكنا يبعده من مشابهة الحرف.
ولا يكتفون بذلك بل يسترسلون فى خلق علل يثبتون بها أن الأصل فى البناء السكون ، وأن العدول عن السكون إلى الحركة إنما هو لسبب ، وأن الحركة تكون ضمة ، أو فتحة ، أو كسرة ، لسبب آخر ، بل لأسباب!! فما هذا الكلام (2)؟ وما جدواه لدارسى النحو؟ أيعرفه العرب الخلّص أصحاب اللغة ، أو يخطر ببالهم؟
علينا أن نترك هذا كله فى غير تردد ، وأن نقنع بأن العلة الحقيقية فى الإعراب والبناء ليست إلا محاكاة العرب فيما أعربوه أو بنوه. من غير جدل زائف ، ولا منطق متعسف ، وأن الفيصل فيهما راجع (كما قال بعض السابقين (3)) إلى أمر واحد ؛ هو : «السماع عن العرب الأوائل» ، واتباع طريقتهم التى نقلت عنهم ، دون الالتفات إلى شىء من تلك العلل ، التى لا تثبت على التمحيص. وعلى هذا
1) راجع الصفحة الأولى من الجزء الثامن من شرح المفصل القسم الثالث : الحروف.
2) نرى بعضه فى حاشية الخضرى وشروح التوضيح والصبان وغيرها ... أول باب المعرب والمبنى.
3) حاشية الخضرى الجزء الأول - أول المعرب والمبنى ، عند الكلام على بناء الأفعال ، وحاشية الأمير على الشذور عند الكلام على المضارع. وكذلك ما أشرنا إليه فى المقدمة - هامش ص3. من رأى «أبى حيان» الوارد فى «الهمع» ج 1 ص 56 حيث يقول عن تعليلات النحاة لحركة الضمير : «إنها تعليل وضعيات ، والوضعيات لا تعلل» يريد بالوضعيات : الألفاظ التى وضعها العرب على صورة خاصة وشكل معين من غير علة للوضع ، ولا سبب سابق يدعو إلى اختيار هذه الصورة وذلك الشكل ؛ فليس هناك سبب إلا مجرد النطق المحض.
بأن يكون الاسم موضوعا أصالة على حرف واحد ، أو على حرفين ثانيهما لين ، مثل : التاء ، ونا ، فى : جئتنا ، وهما ضميران مبنيان ؛ لأنهما يشبهان الحرف الموضوع على مقطع واحد ، كباء الجر ، وواو العطف ، وغيرهما ، من الحروف الفردية المقطع ، أو ثنائية المقطع ، مثل ، قد ، هل ، لم.
ولو صح هذا ، لسألناهم عن سبب بناء الضمائر الأخرى التى تزيد على حرفين ، مثل : نحن ، وإيّا .... وسألنا عن سبب إعراب أب ، وأخ ، ويد ، ودم ، ونحوها مما هو على حرفين؟ نعم أجابوا عن ذلك بإجابات ، ولكنها مصنوعة ، صادفتها اعتراضات أخرى ، ثم إجابات ....
بأن يتضمن الاسم بعد وضعه فى جملة ، معنى جزئيّا غير مستقل ، زيادة على معناه المستقل الذى يؤديه فى حالة انفراده ، وعدم وضعه فى جملة.
وكان الأحق بتأدية هذا المعنى الجزئى عندهم : الحرف. ومعنى هذا : أن الاسم قد خلف الحرف فعلا ، وحل محله فى إفادة معناه ، وصرف النظر عن الحرف نهائيّا فلا يصح ذكره ، ولا اعتبار أنه ملاحظ ؛ فليس حذفه للاقتصار كحذف : «فى» التى يتضمنها أنواع من الظروف ، أو حذف كلمة : «من» التى يتضمنها أنواع من التمييز ، فإن هذا التضمن فى الظرف والتمييز لا يقتضى البناء - كما يقولون -. أما التضمن الذى يقتضى البناء عندهم ، فهو التضمن اللازم ، الذى يتوقف عليه المعنى الذى قصد عند التضمن. فيخرج الظرف والتمييز. وتدخل أسماء الشرط والاستفهام ، مثل : متى تحضر أكرمك - ومتى تسافر؟
فكلمة : «متى» فى المثال الأول تشبه الحرف «إن» فى التعليق والجزاء ، وهى فى المثال الثانى تشبه همزة الاستفهام ، فكلتاهما اسم من جهة ، ومتضمنة معنى
الحرف من جهة أخرى ، فمتى الشرطية وحدها تدل على مجرد تعليق مطلق ، ولكنها بعد وضعها فى الجملة دلت على معنى فى الجملة التى بعدها ، وهو تعليق شىء معين بشىء آخر معين : أى : توقف وقوع الإكرام على وقوع الحضور ، فحصول الأمر الثانى المعين : مرتبط بحصول الأول المعين.
وهى وحدها فى الاستفهام تدل على مجرد الاستفهام والسؤال ، من غير دلالة على الشىء الذى تسأل عنه ، أو عن صاحبه ، أو غير ذلك. لكنها بعد وضعها فى الجملة دلت على معنى جزئى جديد ؛ فوق المعنى السابق : هو أن السؤال متجه إلى معنى محدد. هو الحضور ، ومتجه إلى المخاطب أيضا.
وكذلك اسم الإشارة ، مثل كلمة : هذا ؛ فإنها وهى منفردة ، تدل على مطلق الإشارة ، من غير دلالة على مشار إليه أو نوعه ؛ أهو محسوس أم غير محسوس؟ حيوان أم غير حيوان؟
لكن إذا قلنا : هذا محمد ، فإن الإشارة صارت مقيدة بانضمام معنى جديد إليها ؛ هو الدلالة على ذات محسوسة لإنسان (1).
فإن صح ما يقولونه من هذه التعليلات ، فلماذا أعربت : «أىّ» الشرطية ، «وأىّ» الاستفهامية ، وأسماء الإشارة المثناة ؛ مثل : هذان عالمان ، وهاتان حديقتان؟ نعم ؛ لهذا عندهم إجابة ، وعليها اعتراض ، ثم إجابة ، ثم اعتراض ...
بأن يكون الاسم عاملا فى غيره ، ولا يدخل عليه عامل - مطلقا - يؤثر فيه فهو كالحرف : فى أنه عامل غير معمول ، كأسماء الأفعال ، مثل : هيهات القمر ، وبله المسىء ، فهيهات : اسم فعل ماض ، بمعنى بعد جدّا ، وفاعله القمر ، وبله : اسم فعل أمر ، بمعنى : اترك ، وفاعله ضمير ، تقديره : أنت ، والمسىء :مفعول به ، وكلاهما قد عمل الرفع فى الفاعل ، كما أن «بله» عملت النصب فى المفعول ، ولا يدخل على واحد من اسمى الفعل عامل يؤثر فيه.
1) راجع 289 م 24.
وذلك بأن يفتقر الاسم افتقارا لازما إلى جملة بعده ، أو ما يقوم مقامها - كالوصف فى صلة «أل» - أو إلى شبه جملة ؛ كالاسم الموصول ، فإنه يحتاج بعده إلى جملة أو ما يقوم مقامها ، أو شبهها ، تسمى : جملة الصلة ؛ لتكمل المعنى ، فأشبه الحرف فى هذا ؛ لأن الحرف ، موضوع - غالبا - لتأدية معانى الأفعال وشبهها إلى الأسماء فلا يظهر معناه إلا بوضعه فى جملة ، فهو محتاج إليها دائما. فاسم الموصول يشبهه من هذه الناحية : فى أنه لا يستغنى مطلقا عن جملة بعده ، أو ما ينوب عنها ، أو شبهها ، يتم بها المعنى.
فإن صح هذا فلم أعربت ... «أى» الموصولة - أحيانا - ، و «اللذان» ، و «اللتان»؟ أجابوا : أن السبب هو ما سبق فى نظائرها ؛ من الإضافة فى كلمة : «أى». والتثنية فيما عداها. والإضافة والتثنية من خصائص الأسماء ، فضعف شبه تلك الكلمات بالحروف ، فلم تبن. وعلى هذه الإجابة اعتراض ، فإجابة ، فاعتراض ...
فما هذا العناء فيما لا يؤيده الواقع ، ولا تساعفه الحقيقة؟ وأى نفع فيما ذكر من أسباب البناء وأصله ، ومن سبب ترك السكون فيه إلى الحركة ، وسبب اختيار حركة معينة لبعض المبنيات دون حركة أخرى ...
زاده بعضهم (1)، ومثّل له بكلمة «حاشا» الاسمية قائلا : إنها مبنية لشبهها «حاشا» الحرفية فى اللفظ. وكذا بكلمة «على» الاسمية ، و «كلّا» بمعنى «حقّا». و «قد» الاسمية. وقيل إن الشبه اللفظى مجوّز للبناء ، لا محتم له. وعلى هذا يجوز فى الأسماء السابقة أن تكون معربة تقديرا كإعراب الفتى. ما عدا «قد» فإنها تعرب لفظا - كما سبق - وهناك أنواع أخرى من الشبه لا قيمة لها.
إن الخير فى إهمال كل هذا ، وعدم الإشارة إليه فى مجال الدراسة والتعليم ، والاستغناء عنه بسرد المواضع التى يكون فيها الاسم مبنيّا وجوبا ، وهو العشرة الماضية (2)ومبنى جوازا فى مواضع أخرى ستذكره فى مواطنها.
ح - اشترطوا فى إعراب المضارع - كما سبق - ألا تتصل به اتصالا مباشرا نون التوكيد ، أو نون الإناث (1)؛ فالمضارع معرب فى مثل : «هل تقومانّ؟ وهل تقومنّ؟ وهل تقومنّ»؟ لأن نون التوكيد لم تتصل به اتصالا مباشرا ، ولم تلتصق بآخره ، لوجود الفاصل اللفظى الظاهر ، وهو : ألف الاثنين ، أو المقدر ، وهو واو الجماعة ، أو ياء المخاطبة ؛ فأصل تقومانّ : تقوماننّ. فاجتمعت ثلاث نونات فى آخر الفعل. وتوالى ثلاثة أحرف هجائية من نوع واحد ، وكلها ليس أصليا ، وإنما هو من حروف الزيادة (2)- أمر مخالف للأصول اللغوية ، فحذفت نون الرفع ؛ لوجود ما يدل عليها ، وهو أن الفعل مرفوع لم يسبقه ناصب أو جازم يقتضى حذفها ، ولم تحذف نون التوكيد المشددة ، لأنها جاءت لغرض بلاغى يقتضيها ، وهو توكيد الكلام وتقويته. ولم تحذف إحدى النونين المدغمتين لأن هذا الغرض البلاغى يقتضى التشديد لا التخفيف (3). فلما حذفت النون الأولى من الثلاث ، وهى نون الرفع ، كسرت المشددة ، وصار الكلام ؛ «تقومانّ» (4).
وأصل «تقومنّ» هو : «تقوموننّ» حذفت النون الأولى للسبب السالف ، فصار «تقومونّ» ؛ فالتقى ساكنان ... واو الجماعة والنون الأولى المدغمة فى نظيرتها ؛
1) لا يكون اتصال نون النسوة به إلا مباشرا.
2) يتحتم امتناع توالى الأمثال إذا كانت الأحرف الثلاثة المتماثلة زوائد ؛ فليس منه : (القاتلات جننّ أو يجننّ) ، لأن الزائد هو المثل الأخير من الثلاثة. وليس منه قوله تعالى : ( لَيُسْجَنَنَّ ، وَلَيَكُوناً ، مِنَ الصَّاغِرِينَ ) - كما يقول الصبان فى هذا الموضع وفى باب نون التوكيد ج2. وليس منه أيضا الفعل ومشتقاته فى مثل : أنا أحييك ، أو : أنا محييك (وراجع شرح الرضى للشافية ، ج 2 هو 186 وما يلبها). وهناك حالات أخرى يتحتم فيها المنع، سيجىء ذكرها فى الجزء الرابع (باب تثنية المقصور والممدود ، وجمعهما ...)
3) إيضاح هذا ، وتفصيله فى ج 4 ص 142 م 144 باب نون الثوكيد.
4) التقاء الساكنين (وهما ألف الاثنين والنون المشددة) جائز هنا ؛ لأنه على بابه وعلى حده : أى : على الباب القياسى له ، وموافق له ؛ وذلك لتحقق الشرطين المسوغين للتلاقى ؛ وهما وجود حرف مد (أى : حرف علة قبله حركة تناسبه) وبعده فى الكلمة نفسها حرف مدغم فى مثله ، أى : حرف مشدد. مثل : خاصة ، دابة ، الضالين. فإن كانت نون التوكيد خفيفة لم يصح وقوعها بعد الألف مطلقا ، سواء أكانت ألف اثنين ، أم زائدة للفصل بين نون التوكيد ونون النسوة ، فى مثل : تعليّمنان يافتيات - وسيجىء بيان هذا فى موضعه المناسب (ج 4 باب نون التوكيد) - انظر هامش الصفحة الآتية. هذا ، ويصح التقاء الساكنين فى الوقف بغير شرط - كما قلنا فى ص49. وكما يجىء فى ج 4 ص 139 م 143 - وكذلك عند سرد بعض الألفاظ ؛ مثل : كاف - ميم ، صاد ...
فحذفت الواو للتخلص من التقاء الساكنين (1)
وقال فريق آخر من النحاة : ( إن قلت : هو هنا على حده ؛ لكون الأول من الساكنين حرف مد «أى : حرف علة قبله حركة تناسبه» والثاني مدغما فى مثله. وهما في كلمة واحدة لأن الواو والياء كجزئها . فلم لم يقبل كما قبل فى نحو دابة؟ أجيب : بأن الساكنين هنا من كلمتين ؛ لا من كلمة واحدة ؛ إذ الواو والياء كلمة مستقلة ، وكونهما كالجزء لا يعطيهما حكمه من كل وجه ؛ فلم يغتقر التقاؤهما لثقله ... ا هـ خضرى فى الموضع السابق أيضا). ثم قال : وإنما اغتفر فى ألف الاثنين لأن حذف الألف يوجب فتح النون ؛ لفوات شبههما بنون المثنى فيلتبس بفعل الواحد ... ا هـ)
والذي نراه في الواو والياء . ويؤيده السماع القوى كالذي في قوله تعالى (أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ...) ... أنه يجوز حذفهما وعدم حذفهما في الأمثلة السابقة وأشباهها على حسب الاعتبارين السالفين. لكن الحذف هو الأكثر . طبقا لما سيأتي في ص ١٦٢ و ٢٥٥ ويؤيد صحة الحذف وعدمه ما جاء فى حاشية الألوسى على القطر (ص ٥٧) من أن التقاء الساكنين المغتفر يتحقق بأن يكون الأول منهما حرف مد (أى : حرف علة قبله حركة تناسبه) والثانى منهما مدغما في مثله : كدابة والضالين فليس فى هذا الكلام ما يدل على اشتراط اجتماعهما في كلمة واحدة. ومن أمثلته قوله تعالى : (فَاسْتَقِيمَا ، وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) فقد اشتملت الآية على المضارع «تتيبعان» الذي وقع فيه التقاء الساكنين على حده المباح مع أن الالتقاء هنا في كلمتين.
أما من يشترطون أن يكون الالتقاء في كلمة واحدة. فيقولون في المضارع السابق وأشباهه مما لم يحذف فيه حرف العلة ، إن سبب بقاء حرف العلة ، وعدم حذفه هو ضرورة طارئة ، كمنع اللبس في المضارع السالف ، لأن حذف الألف يوقع في اللبس بين فعل الواحد والفعل المسند لألف الاثنين ، ولا يمكن إبقاء الألف وحذف نون التوكيد ، لئلا يضيع الغرض الهام الذي جاءت لتحقيقه ؛ وهو التوكيد. ويؤيد ما سبق أيضا ما جاء في هامش الشذور . ص ١٥ . فهو شبيه بما نقله الألوسى. وجاء في شرح التصريح (ج ۲ باب الإبدال عند الكلام على إبدال الواو من الياء) ما نصه : يجوز الجمع بين ساكنين إذا كان الأول حرف لين . يريد حرف مد. والثاني مدغما . كدابة ...» أه. فقد سكت عن شرط الالتقاء فى كلمة واحدة ، فكان شأنه كشأن المراجع الاخرى التى سكنت وتركت شرط التلاقى فى كلمة واحدة. ولهذه المسألة بيان فى باب نون التوكيد ج 4
. وإنما وقع الحذف عليها لوجود علامة قبلها تدل عليها ؛ وهى : «الضمة» ولم تحذف النون ، مراعاة للغرض البلاغى السابق ؛ ولعدم وجود ما يدل عليها عند حذفها.ومثل ذلك يقال فى : «تقومنّ» فأصلها : «تقوميننّ» حذفت النون الأولى ، وبقيت نون التوكيد المشددة ، فصار اللفظ أنت تقومينّ ؛ فالتقى. ساكنان : ياء المخاطبة والنون الأولى المدغمة فى نظيرتها. فحذفت الياء للتخلص من التقاء الساكنين ، ولوجود كسرة قبلها تدل عليها ، ولم تحذف النون للحاجة إليها ، فصار اللفظ تقومنّ (2) ... فعند إعراب «تقومنّ ... السابقة ، أو تقومنّ ... نقول : فعل مضارع
1) قال بعض النحاة : (إن التقاء الساكنين هنا على حده ؛ فهو جائز : فلا حاجة إلى حذف الواو والياء للتخلص منه. ويمكن الدفع بأنه وإن كان جائزا - لا يخلو من ثقل ما ، فالحذف هو للتخلص من الثقل الحاصل به. ا ه الصبان ج 1 فى الكلام على إعراب المضارع...)
مرفوع وعلامة رفعه النون المقدرة (1)لتوالى النونات ، والضمير المحذوف لالتقاء الساكنين (واو الجماعة ، أو : ياء المخاطبة) فاعل ، مبنى على السكون فى محل رفع.
وعند إعراب «تقومانّ» نقول فعل مضارع مرفوع ، وعلامة رفعه النون المقدرة لتوالى النونات. والنون المشددة للتوكيد. ومثل هذا فى قوله تعالى : ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ... ) فأصل ... تبلونّ : تبلووننّ ؛ تحركت الواو الأولى وانفتح ما قبلها ؛ فقلبت ألفا ، ثم حذفت الألف لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة ، ثم حذفت نون الرفع لتوالى النونات ، فالتقى ساكنان : واو الجماعة والنون الأولى من نونى التوكيد ، فحركت واو الجماعة بحركة تناسبها - وهى الضمة - للتخلص من اجتماع الساكنين. ولم تحذف الواو لعدم وجود علامة قبلها تدل عليها ، ولم تحذف نون التوكيد أو تخفف لوجود داع بلاغىّ يقتضى بقاءها مشددة ، فلم يبق إلا تحريك الواو بالضمة ، التى تناسبها.
وكذلك «ترينّ» فى قوله تعالى يخاطب مريم : ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) أصلها : ترأييننّ ، نقلت حركة الهمزة إلى الراء بعد حذف السكون ، وحذفت الهمزة تخفيفا (2)، فصارت الكلمة : ترييننّ ، ثم حذفت النون الأولى للجازم وهو : «إن» الشرطية المدغمة فى «ما» الزائدة ؛ فصارت : تريينّ ، والياء الأولى متحركة وقبلها فتحة ، فانقلبت
1) نون الرفع هنا مقدرة (كما هو مبين فى رقم 5 من ص 184) لأنها محذوفة لعلة : والمحذوف لعلة كالثابت. ولكنها لا تظهر فليست محذوفة حذفا نهائيا ، وإنما هى مختفية ، ولذا فالإعراب هنا تقديرى لا لفظى. وهذا شأنها دائما مع المضارع المؤكد بالنون المسند إلى ألف الأثنين ، أو واو الجماعة ؛ أو ياء المخاطبة ، سواء أكان المضارع صحيح الآخر أم معتلا وسواء أكانت نون التوكيد مشددة أم غير مشددة ، إلا مع ألف الاثنين ؛ فيجب التشديد والكسر ؛ لأن نون التوكيد الخفيفة لا تقع بعد ألف الاثنين ، وكذلك لا تقع بعد نون النسوة إلا بشرط وجود ألف زائدة تفصل بين النونين مع تشديد نون التوكيد أيضا وكسرها. (راجع الأشمونى ، وحاشية الصبان ح 1 عند الكلام» على بناء المضارع، وعند الكلام على الأفعال الخمسة فى آخر باب المعرب والمبنى ، وشرح التوضيح وهامشه ج 1 فى أول الفصل الخاص بالإعراب المقدر فى المقصور والمنقوص) ويجرى على الألسنة الآن عند الإعراب أنها محذوفة ، ولا مانع من قبوله تيسيرا وتخفيفا.
2) الكلام الفصيح يدل على أن هذا التخفيف ملتزم فى المضارع والأمر من مادة الفعل : «رأى».
ألفا ، فصارت الكلمة : «تراينّ» فالتقى ساكنان الألف وتلك الياء الأولى (1)؛ حذفت الألف لالتقاء الساكنين ، فصارت «ترينّ» فالتقت ياء المخاطبة ساكنة مع النون الأولى من النون المشددة ، فحركت الياء بالكسرة ، إذ لا يجوز حذفها لعدم وجود كسرة قبلها تدل عليها ، ولا يجوز حذف النون الأولى من المشددة ؛ لأن المقام يتطلبها مشددة ؛ فلم يبق إلا تحريك الياء بالكسرة التى تناسبها ؛ فصارت : ترينّ. وبمناسبة ما سبق من تحريك واو الجماعة وجوبا نذكر قاعدة لغوية عامة تتصل بواو الجماعة ؛ هى : أنها فى غير الموضع السابق تضمّ - فى الأغلب - إذا كان ما قبلها مفتوحا وما بعدها ساكنا ، نحو : الصالحون سعوا اليوم فى الخير ، ولن يسعوا الغداة فى سوء ؛ فارضوا الخطة التى رسموها.
و - وجود التوكيد فى المثالين الأولين (تقومنّ ، وتقومنّ) قد يوهم أنها متصلة بآخر المضارع اتصالا مباشرا يقتضى بناءه ؛ لكن الحقيقة غير ذلك ؛ فهو معرب ، واتصال النون به ظاهرى ؛ لا عبرة به ؛ لأنه فى الحقيقة مفصول منها بفاصل مقدر (أى : خفى غير ظاهر) هو ؛ واو الجماعة المحذوفة ، أو ياء المخاطبة المحذوفة ، وكلاهما محذوف لعلة ، والمحذوف لعلة كالثابت - كما أشاروا (2)- لهذا يكون المضارع فى المثالين السالفين معربا ؛ لا مبنيّا ؛ لأن نون التوكيد مفصولة منه حقيقة وتقديرا. أما فى بقية الأمثلة (تقومانّ - تبلونّ - ترينّ) فالنون لم تتصل أيضا بآخره ؛ لوجود الفاصل المنطوق به ، الحاجز بينهما ، ونعنى به : الضمير (ألف الاثنين - واو الجماعة - ياء المخاطبة). فالمضارع هنا معرب أيضا ؛ لأن نون التوكيد لم تتصل بآخره اتصالا مباشرا. وهذا شأن المضارع دائما ؛ يظل محتفظا بإعرابه ، على الرغم من وجود نون التوكيد بعده إذا لم تكن متصلة بآخره اتصالا مباشرا ؛ بحيث لا يفصل بينهما فاصل لفظى ، مذكور أو مقدر.
ولهذا ضابط صحيح مطرّد ؛ هو أن المضارع إذا كان مرفوعا بالضمة قبل مجىء نون التوكيد ؛ فإنه يبنى بعد مجيئها ؛ لأن الاتصال يكون مباشرا. وإن كان مرفوعا بالنون قبل مجيئها فإنه لا يبنى ؛ لوجود الفاصل الظاهر أو المقدر وهو : الضمير.
ه - قلنا إن الماضى يبنى على السكون فى آخره إذا اتصلت به التاء المتحركة التى هى ضمير «فاعل» ، أو «نا» التى هى فاعل كذلك ، أو نون النسوة وهى ضمير فاعل أيضا ، كما يبنى على الضم فى آخره إذا اتصل به واو الجماعة. لكن كثير من النحاة يقول إن هذا السكون عرضىّ طارئ ؛ جاء ليمنع الثقل الناشئ من توالى أربع حروف متحركة فى كلمتين ، هما أشبه بكلمة واحدة ، (أى : فى الفعل وفاعله التاء ، أو نا ، أو نون النسوة) ، فليس السكون فى رأيهم مجلوبا من أثر عامل دخل على الفعل ؛ فاحتاج المعنى لجلبه. لهذا يقولون فى إعرابه : بنى على فتح مقدر ، منع من ظهوره السكون العارض ... وكذلك يقولون فى الضمة التى قبل واو الجماعة ؛ إنها عرضية طارئة ؛ لمناسبة الواو فقط ، وإن الفعل بنى على فتح مقدر منع من ظهوره الضمة العارضة ... إلخ.
ولا داعى لهذا التقدير والإعنات. فمن التيسير الذى لا ضرر فيه الأخذ بالرأى القائل بأنه بنى على السكون مباشرة فى الحالة الأولى ، وعلى الضم فى الحالة الثانية.
و - ليس من المبنى الأسماء المقصورة ؛ مثل : الفتى ، الهدى ، المصطفى ، ولا الأسماء المنقوصة ؛ مثل : الهادى ، الداعى ، المنادى ؛ لأن ثبات آخرها على حال واحدة إنما هو ظاهرى بسبب اعتلاله ؛ ولكنه فى التقدير متغير ؛ فهى معربة تقديرا ؛ بدليل أنها تثنى وتجمع فيتغير آخرها ؛ فنقول فى الرفع : الفتيان ، والفتون. وفى النصب والحر : الفتيين والفتين. وكذلك : الهاديان ، والهاديين والهادون والهادين ... وكذا الباقى.
أما بناء اسم لا - أحيانا - وبعض أنواع المنادى فهو بناء عارض لا أصيل ؛ يزول بزوال سببه وهو وجود : «لا» و «النداء» ، فمتى زال السبب زال البناء العارض. بخلاف المبنى الأصيل ؛ فإن بناءه دائم ...
أنواع (1)البناء والإعراب ، وعلامات كل منهما (2)
للبناء أنواع أصلية ، وأخرى فرعية تنوب عنها. فالأصلية أربعة :
(1) السكون (3)وهو أخفها. يدخل أقسام الكلمة الثلاثة ؛ فيكون فى الاسم ؛ مثل : كم ، ومن. ويكون فى الحرف مثل : قد ، وهل. ويكون فى الفعل بأنواعه الثلاثة ؛ فى الماضى المتصل بضمير رفع متحرك ، أو بنون النسوة ، مثل : حضرت (بفتح التاء ، وضمها ، وكسرها) حضرنا - النسوة حضرن. وفى الأمر المجرد صحيح الآخر ؛ مثل : اجلس واكتب ... وفى المضارع المتصل بنون النسوة : مثل : الطالبات يتعلمن ويعملن ...
(2) الفتح ، ويدخل أقسام الكلمة الثلاثة ، فيكون فى الاسم ؛ مثل : كيف وأين. ويكون فى الحرف ؛ مثل : سوف ، وثمّ. ويكون فى الفعل بأنواعه الثلاثة ؛ فى الماضى المجرد ؛ مثل : كتب ، نصر ، دعا. والفتح فى : «دعا» وأمثالها - مما هو معتل الآخر بالألف - يكون مقدرا.
وفى المضارع والأمر عند وجود نون التوكيد فى آخرهما ؛ مثل : واللّه لأسافرن فى طلب العلم. سافرن - يا زميل - فى طلب العلم.
(3) الضم ، ويدخل الاسم والحرف ، دون الفعل ، فمثال الاسم : حيث ، والضم فيه ظاهر. وقد يكون مقدرا فى مثل : «سيبويه» عند النداء : تقول : يا سيبويه ؛ فهو مبنى على الكسر لفظا ، وعلى الضم تقديرا (4)فى محل نصب فى الحالتين. ومثال الحرف : «منذ» (على اعتبارها حرف جر).
آما الضم فى آخر الفعل فى مثل : الأبطال حضروا فليس بأصلىّ ، وإنما هو ضم عارض لمناسبة الواو - كما سبق - (5).
1) يرتضى بعض النحاة تسميتها : «بالألقاب» بدلا من الأنواع. ولا مانع من هذا أو ذاك.
2) فى ص 98 بيان السبب فى أن لكل منهما علامات خاصة.
3) ويسمى : الوقف - كما فى ص 98 - ويكثر فى عبارات الأقدمين ترديد الاثنين
4) ويقولون فى إعرابه : منادى مبنى على ضم مقدر على آخره ؛ منع من ظهوره حركة البناء الأصلى - وهى الكسر - فى محل نصب.
5) انظر صفحة 92.
(4) الكسر. ويدخل الاسم والحرف ، دون الفعل أيضا ؛ فمثال الاسم : هؤلاء. ومثال الحرف : باء الجر فى «بك» ...
والعلامات الفرعية التى تنوب عن الأصلية أشهرها خمس :
(1) ينوب عن السكون حذف حرف العلة من آخر فعل الأمر المعتل الآخر ؛ مثل الفعل : اخش ، وارم ، واسم ؛ فى نحو : اصفح عن المعتذر لك ، واخش أن يقاطعك ، وارم من ذلك إلى كسب مودته ، واسم بنفسك عن الصغائر.
وينوب عن السكون أيضا حذف النون فى فعل الأمر ، المسند لألف الاثنين ، أو واو الجماعة ، أو ياء المخاطبة ، مثل : اكتبا - ، اكتبوا ، اكتبى.
(2) وينوب عن الفتح الكسرة فى جمع المؤنث المبنى ، الواقع اسم «لا» النافية للجنس. نحو : لا مهملات هنا (وفى هذا نيابة حركة بناء عن حركة أخرى).
وينوب عن الفتح أيضا الياء فى المثنى المبنىّ ، وفى جمع المذكر المبنىّ ، إذا وقع أحدهما اسم : «لا» النافية للجنس ، نحو : لا غائبين. ولا غائبين هنا (هذه نيابة حرف عن حركة بناء).
(3) وينوب عن الضم الألف فى المثنى ؛ إذا كان منادى مفردا (1)علما ، نحو : يا محمدان ، أو كان نكرة مقصودة ؛ مثل : يا واقفان اجلسا ؛ لاثنين معينين (وهذه نيابة حرف عن حركة بناء).
وتنوب الواو عن الضمة فى جمع المذكر المبنى إذا كان منادى مفردا علما. نحو ؛ يا محمدون (وهذه نيابة حرف عن حركة بناء أيضا).
ومما تقدم نعلم أن الكسر فى البناء لا ينوب عنه شىء ؛ وأن السكون ينوب عنه شيئان ، وكذلك الفتح ، والضم. كما نعلم أن الضم والكسر يكونان فى الاسم والحرف ، ولا يكونان فى الفعل. وفى الجدول التالى تلخيص لكل ما تقدم :
1) المفرد فى باب المنادى هو : ما ليس مضافا ، ولا شبيها بالمضاف. فالمنادى المضاف مثل : يا سعد الدين أقبل ، والشبيه بالمضاف مثل : يا صانعا خيرا ترقب جزاءه. (وللمنادى باب مستقل فى الجزء الرابع)
الصورة
إلى هنا انته الكلام على علامات البناء الأصلية والفرعية (1)
وكلّ حرف مستحقّ للبنا *** والأصل فى المبنىّ أن يسكّنا
ومنه ذو فتح ، وذو كسر ، وضم ؛ *** كأين ، أمس ، حيث ، والسّاكن كم
.1) أما بيان السبب فى أن لكل منهما علامات خاصة فيأتى - كما ذكرنا - فى ص 98 - وإلى العلامات التى شرحناها يكتفى ابن مالك بقوله عنها :
ب - وللإعراب أنواع أربعة :
والاسم قد خصص بالجر ؛ كما *** قد خصّص الفعل بأن ينجزما
فارفع بضمّ وانصبن فتحا ، وجر *** كسرا ، كذكر اللّه عبده يسر
هذا ، وكلمة : «الرفع» تعرب مفعولا به مقدما للفعل : اجعلن. ويعاب هذا بأن فيه تقديم معمول الفعل المؤكد بالنون ؛ ولا يجوز تقديمه اختيارا - كما قلنا فى رقم 1 من هامش ص 75 - ، وبخاصة إذا كان المعمول ليس شبه جملة عند من يبيح تقديم شبه الجملة دون غيره من المعمولات - ولكن ضرورة الشعر قضت بالتقديم ، ولا داعى لإعرابه مفعولا به لفعل محذوف يفسره المحذوف ؛ لما فى ذلك من تهافت بلاغى.
وكلمتا : «فتحا وكسرا» فى البيت الأخير منصوبتان على نزع الخافض ، إذ أصلهما : بفتح - بكسر - وحذف حرف الجر قبلهما فنصب المجرور على ما يسمى : «نزع الخافض. والمشهور أن النصب على نزع الخافض غير قياسى ؛ كما سيجىء فى موضعه من باب تعدية الفعل ولزومه (ج 2 ص 139 م 71) حيث قلنا هناك : لا داعى للأخذ بالرأى الذى يعتبره قياسيا ، لأنه يؤدى إلى الخلط والغموض والإلباس ؛ إذ يوقع فى وهم كثيرين أن الفعل متعد بنفسه ، ولن يتنبه إلى نصبه على نزع الخافض إلا قلة معدودة مشتغلة بالشئون اللغوية.
الرفع ؛ ويدخل الاسم ، والفعل المضارع ؛ مثل : سعيد يقوم ، ومثل الخبر والمضارع فى قول الشاعر يمدح خبيرا حكيما :يزن الأمور ؛ كأنما هو صيرف *** يزن النّضار بدقّة وحساب
(2) النصب ؛ ويدخل الاسم ، والفعل المضارع ؛ مثل ؛ إن سعيدا لن يقبل الهوان.
(4) الجر ؛ ويدخل الاسم فقط ، مثل : باللّه أستعين.
(3) الجزم ؛ ويدخل الفعل المضارع فقط ؛ مثل : لم أتأخر عن إجابة الصارخ ، وقول الشاعر :
إذا لم يعش حرّا بموطنه الفتى *** فسمّ الفتى ميتا ، وموطنه قبرا
فالرفع والنصب يدخلان الأسماء والأفعال ؛ والجر مختص بالاسم ؛ والجزم مختص بالمضارع.
ولهذه الأنواع الأربعة علامات أصلية ، وعلامات فرعية تنوب عنها :
فالعلامات الأصلية أربعة هى : الضمة فى حالة الرفع ، والفتحة فى حالة النصب ، والكسرة فى حالة الجرّ ، والسكون (أى : عدم وجود حركة) فى حالة الجزم ؛ فتقول فى الكلمة المرفوعة (فى مثل : سعيد يقوم) : مرفوعة ، وعلامة رفعها الضمة ؛ وفى الكلمة المنصوبة (فى مثل : إن عليّا لن يسافر) : منصوبة ، وعلامة نصبها الفتحة : وفى المجرورة : علامة جرها الكسرة ، وفى المجزومة : علامة جزمها السكون (1) ... ة.
1) وفى الإعراب وعلاماته الأصلية يقول ابن مالك : والرّفع والنّصب اجعلن إعرابا *** لاسم وفعل ؛ نحو : لن أهابا
أما العلامات الفرعية التى تنوب عن تلك العلامات الأصلية فهى عشر ؛ ينوب فى بعضها حركة فرعية عن حركة أصلية ، وينوب فى بعض آخر حرف عن حركة أصلية. وينوب فى بعض ثالث حذف حرف عن السكون ؛ (فيحذف حرف العلة من آخر المضارع المجزوم ، وكذلك تحذف نون الأفعال الخمسة من آخر المضارع المجزوم).
والمواضع التى تقع النيابة فيها سبعة ، تسمى أبواب الإعراب بالنيابة ، وهى :
ا - الأسماء الستة. ب - المثنى. ح - جمع المذكر السالم.
د - جمع المؤنث السالم. ه - الاسم الذى لا ينصرف.
و - الأفعال الخمسة. ز - الفعل المضارع المعتل الآخر.
وتتلخص الفروع العشرة النائبة عن الأصول فيما يأتى :
(1) ينوب عن الضمة ثلاثة أحرف ، هى : الواو ، والألف ، والنون.
(2) ينوب عن الفتحة أربعة ، هى : الكسرة ، والألف ، والياء ، وحذف النون.
(3) ينوب عن الكسرة حرفان ، هما : الفتحة ؛ والياء.
(4) ينوب عن السكون حذف حرف ، إما حرف علة فى آخر المضارع المعتل المجزوم ، أو حذف النون من آخره إن كان من الأفعال الخمسة المجزومة.
وفيما يلى تفصيل الأحكام الخاصة بكل واحد.
ما السبب فى أن للبناء علامات خاصة ، وللإعراب أخرى؟
قال شارح المفصّل (1)ما نصه :
«اعلم أن سيبويه وجماعة من البصريين قد فصلوا بين حركات الإعراب وسكونه ، وبين ألقاب حركات البناء وسكونه ، وإن كانت فى الصورة واللفظ شيئا واحدا ، فجعلوا الفتح المطلق لقبا للمبنى على الفتح ، والضم لقبا للمبنى على الضم ، وكذلك الكسر ، والوقف (2).
«وجعلوا النصب لقبا للمفتوح بعامل ، وكذلك الرفع ، والجر ، والجزم ، ولا يقال لشىء من ذلك مضموم مطلقا ، - أو مفتوح ، أو مكسور ، أو ساكن - فلا بد من تقييد ، لئلا يدخل (المعرب) فى حيز المبنيات. أرادوا بالمخالفة بين ألقابها إبانة الفرق بينهما ؛ فإذا قالوا هذا الاسم مرفوع علم أنه بعامل يجوز زواله ، وحدوث عامل آخر يحدث خلاف عمله ، فكان فى ذلك فائدة وإيجاز ، لأن قولك : مرفوع ، يكفى عن أن يقال له : مضموم ضمة تزول ، أو ضمة بعامل. وربما خالف فى ذلك بعض النحاة وسمّى ضمة البناء رفعا ، وكذلك الفتح والكسر والوقف. والوجه هو هو الأول ، لما ذكرناه من القياس ، ووجه الحكمة.» اه
ا - الأسماء الستة (1)
هى : أب ، أخ ، حم (2)، فم ، هن (3)، ذو ... بمعنى صاحب (4). فكل واحد من هذه الستة يرفع بالواو نيابة عن الضمة ، وينصب بالألف نيابة عن الفتحة ، ويجر بالياء نيابة عن الكسرة ، مثل : اشتهر أبوك بالفضل ، أكرم الناس أباك ، استمع إلى نصيحة أبيك .... ومثل قول الشاعر :
أخوك الّذى إن تدعه لملمّة *** يجبك وإن تغضب إلى السّيف يغضب
فتقول : إنّ أخاك الّذى ... - تمسّك بأخيك الذى ... ومثل هذا يقال فى سائر الأسماء الستة.
لكن يشترط لإعراب هذه الأسماء كلها بالحروف السابقة ، أربعة شروط عامة ، وشرط خاص بكلمة : «فم» ، وآخر خاص بكلمة : «ذو».
فأما الشرط العامة فهى :
ا - أن تكون مفردة ، فلو كانت مثناة أو مجموعة ، أعربت إعراب المثنى أو الجمع ، نحو : جاء أبوان ، رأيت أبوين ، ذهبت إلى أبوين. جاء آباء ، رأيت آباء ، ذهبت إلى آباء .......
ب - أن تكون مكبّرة (5)؛ فإن كانت مصغرة أعربت بالحركات الثلاث الأصلية فى جميع الأحوال ، مثل : هذا أبيّك العالم .... إن أبيّك عالم ... اقتد بأبيّك ...... إلخ.
1) وقد يسميها بعض النحاة : الأسماء الستة المعتلة الآخر ، لأن فى آخرها واوا محذوفة تخفيفا إلا فى : ذو.
2) الحم : كل قريب للزوج أو الزوجة ؛ والدا كان أم غير والد. لكن العرف قصره على الوالد.
3) بمعنى شىء ، أى شىء ، وبمعنى الشىء اليسير ، والتافه. وكناية عن كل شىء يستقبح التصريح به.
4) تقول : محمد ذو خلق ؛ وعلى ذو أدب. أى : صاحب خلق ، وصاحب أدب. وقوله عليه السّلام : شر الناس ذو الوجهين الذى يأتى هؤلاء بوجه ، وهؤلاء بوجه.
5) غير مصغرة (وللتصغير النحوى باب مستقل فى الجزء الرابع)
ح - أن تكون مضافة ؛ فإن لم تضف أعربت بالحركات الأصلية ، مثل : تعهد أب ولده ... أحبّ الولد أبا. اعتن بأب. وقد اجتمع فى البيت الآتى إعرابها بالحروف وبالحركات ، وهو :
أبونا أب لو كان للناس كلهم *** أبا واحدا أغناهمو بالمناقب
د - أن تكون إضافتها لغير ياء المتكلم ؛ فإن أضيفت وكانت إضافتها إلى ياء المتكلم (1)، فإنها تعرب بحركات أصلية مقدرة قبل الياء ، مثل : أبى يحب الحق ، إن أبى يحب الحق ، اقتديت بأبى فى ذلك. فكلمة : «أب» فى الأمثلة الثلاثة مرفوعة بضمة مقدرة قبل الياء ، أو منصوبة بفتحة مقدرة قبل الياء ، أو مجرورة بكسرة مقدرة أيضا (2). وكذلك باقى الأسماء الستة. إلّا «ذو» فإنها لا تضاف لياء المتكلم ولا لغيرها من الضمائر المختلفة.
أما الشرط الخاص بكلمة : «فم» ، فهو حذف «الميم» من آخرها ، والاقتصار على الفاء وحدها. مثل : ينطق «فوك» الحكمة. (أى ؛ فمك) : إن «فاك» عذب القول. تجرى كلمة الحق على «فيك». فإن لم تحذف من آخره الميم أعرب «الفم» بالحركات الثلاث الأصلية ، سواء أكان مضافا أم غير مضاف ، وعدم إضافته فى هذه الحالة أكثر. نحو : هذا «فم» ينطق بالحكمة - إن «فما» ينطق بالحكمة يجب أن يسمع - فى كل «فم» أداة بيان.
وأما الشرط الخاص بكلمة : «ذو» بمعنى : صاحب فهو أن تكون إضافتها لاسم ظاهر دال على الجنس (3)
ولا بد أن يكون اسم الجنس هنا اسما ظاهرا ؛ فلا يجوز إضافة : «ذو» إلى ضمير يرجع إلى جنس ؛ مثل : الفضل «ذوه» أنت. كما لا يجوز إضافتها إلى مشتق ، مثل : محمد ذو «فاضل ولا إلى علم مثل : أنت ذو «على» ولا إلى جملة ؛ مثل : أنت ذو «تقوم». وفيما يلى بعض البيان والتفصيل لما سبق : جاء فى تاج العروس شرح القاموس خاصا بكلمة : «ذو» بمعنى «صاحب» ما نصه :
«كلمة صيغت ليتوصل بها إلى الوصف بالأجناس») .. وقال شارح المفصل - ج 1 ص 53 - ما نصه :(«إنها لم تدخل إلا وصلة إلى وصف الأسماء بالأجناس كما دخلت : «الذى» وصلة إلى وصف المعارف بالجمل - وكما أتى «بأى» وصلة لنداء ما فيه «الألف واللام» فى قولك : يأيها الرجل ، ويأيها الناس) اه والمراد مما سبق أن أسماء الأجناس جامدة - فى الغالب - فليست مشتقة ولا مؤولة بالمشتق ، فلا تصلح أن تقع نعتا ولا غيره مما يتطلب الاشتقاق الصريح أو المؤول ؛ - كالحال - فجاءت : «ذو» قبل اسم الجنس - وهى مما يؤول بالمشتق - لتكون وسيلة للوصف به مع إعرابها هى الصفة المضافة ، وإعراب اسم الجنس هو المضاف إليه المجرور. فإن وقعت صفة لنكرة وجب أن يكون اسم الجنس (وهو المضاف إليه) نكرة ، وإن وقعت صفة لمعرفة وجب أن يكون اسم الجنس (وهو : المضاف إليه) معرفا بالألف واللام ، ولا يصح أن تضاف : «ذو» التى بمعنى : «صاحب» إلى علم ، ولا إلى ضمير ما دام الغرض من مجيئها التوصل بها إلى الوصف باسم الجنس.
فإن لم يكن الغرض من مجيئها هو هذا التوصل فالصحيح أنها تدخل على الأعلام والمضمرات وأمثلة هذا كثيرة فى كلام العرب ؛ منها : «ذو الخلصة» ، «والخلصة : اسم صنم. و «ذو» كناية عن بيته) ومنها : ذو رعين ، وذو جدن ، وذو ييزن ، وذو المجاز ... وكل هذه أعلام سبقتها «ذو» أى : أعلام مصدرة بكلمة مستقلة هى : «ذو» ومن أمثلة دخولها على الضمير قول كعب بن زهير :
صبحنا الخزرجيّة مرهفات *** أبار ذوى أرومتها ذووها
وقول الأحوص :
ولكن رجونا منك مثل الذى به *** صرفنا قديما من ذويك الأوائل
وقول الآخر :
إنما يصطنع المع *** روف فى الناس ذووه
«وقالوا : جاء من ذى نفسه ، ومن ذات نفسه ، أى : طائعا. - راجع تاج العروس ج 10 مادة : «ذو» - ... ولا قيمة للتعليل أو التأويل الذى يردده شارح المفصل (ج 1 ص 53) محاولا به أن يجعل الضمير المضاف إليه فى بعض الأمثلة السابقة قريبا من اسم الجنس ، فيستساغ معه أن تكون «ذو» هى المضاف ... لا قيمة لهذا بعد أن نطق العرب بإضافتها إلى الضمير والعلم ، وتعددت الأمثلة الفصيحة الواردة عنهم ، والتى لا تحتاج إلى تعليل ولا تأويل إلا صحة ورودها.
وإذا وقعت كلمة : «ذو» صدر اسم جنس لا يعقل وأريد جمعه وجب جمعه مؤنثا سالما ؛ نحو : مضى ذو القعدة ، وذوات القعدة. ومثل هذا يقال فى اسم الجنس المصدر بكلمة : «ابن» أو : أخ ؛ نحو : ابن آوى وبنات آوى ، وأخ الجحر (للثعبان) وأخوات الجحر ، (سيجىء لهذا إشارة فى ح من ص 155 عند الكلام على جمع المؤنث ، وبيان فى الجزء الرابع ، آخر باب جمع التكسير ص 507.
هذا ، ولكلمة «أذو» ، و «ذات» استعمالات أدبية دقيقة ، بيانها فى مكانها المناسب ج 3 ص 36 م 93 باب الإضافة. وكذلك ج 2 باب الظرف ص 215 و 220 م 79.
وهى تختلف اختلافا تاما عن «ذو» التى هى اسم موصول ؛ بمعنى : «الذى». مثل جاء «ذو» قام. أى : جاء الذى قام ؛ فإن الموصولة تلازمها الواو - غالبا - فى أحوالها المختلفة ، وتكون مبنية على السكون فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، كما سيجىء فى باب الموصول. رقم 4 من ص 318.
، مثل : والدى ذو فضل ، وصديقى1) سيجىء الكلام على إضافة هذه الأسماء لياء المتكلم ، فى الجزء الثالث ، باب : الإضافة لهذه الياء.
2) الأحسن فى هذه الحالة أن نقول : إنها الكسرة الظاهرة قبل الياء ، لأن الأخذ بهذا الرأى أيسر وأوضح. ولا داعى للتمسك بالرأى الفلسفى المعقد الذى يقول : إن الكسرة الظاهرة هى لمناسبة ياء المتكلم ، وأن كسرة الإعراب مقدرة بسبب الكسرة الظاهرة التى حلت محلها فأخفتها ...
3) سبق الكلام على اسم الجنس فى ص 20 وما بعدها ، وسيجىء له تفصيل فى باب العلم؟ والمراد به : ما وضع للمعنى الكلى المجرد ، أى : للصورة الذهنية العامة ؛ مثل علم ، فضل ، حياء ، رجل ، طائر.
ذو أدب وقول الشاعر :
ومن لا يكن ذا ناصر يوم حقّه *** يغلّب عليه ذو النّصير ، ويضهد (1).
1) يضهد : يقهر ويغلب.
وما سبق هو أشهر اللغات وأسهلها فى الأسماء الستة ، ولذلك كان أحقها بالاتباع ، وأنسبها للمحاكاة ، دون غيره. إلا كلمة : «هن» فإن الأكثر فيها مراعاة النقص فى آخرها ، ثم إعرابها بالحركات الأصلية بعد ذلك. والمراد بمراعاة النقص فى آخرها أن أصلها «هنو» ، على ثلاثة أحرف ، ثم نقصت منها الواو ؛ بحذفها للتخفيف ، سماعا عن العرب ، وصارت الحركات الأصلية تجرى على النون ، وكأنها الحرف الأخير فى الكلمة. فعند الإضافة لا تردّ الواو المحذوفة كما - ترد فى الغالب - عند إضافة الكلمات التى حذفت من آخرها ، فحكم كلمة : «هن» فى حالة الإضافة كحكمها فى عدمها ، تقول : هذا «هن» ، أهملت «هنا» - لم ألتفت إلى «هن». وتقول : «هن» (1)المال قليل النفع. إن «هن» المال قليل النفع. لم أنتفع «بهن» المال. لكن يجوز فيها بقلة ، الإعراب بالحروف ، تقول: هذا هنو المال ، وأخذت هنا المال ، ولم أنظر إلى هنى المال.
وإذا كان الإعراب بالحروف بشروطه السابقة هو أشهر اللغات وأسهلها فى الأسماء الستة إلا كلمة : «هن» فإن هناك لغة أخرى تليه فى الشهرة والقوة ؛ هى : «القصر» فى ثلاثة أسماء ؛ «أب» ، و «أخ» ، و «حم» ، دون «ذو» و «هن» و «فم» (2)... ومعنى القصر : إثبات ألف (3)
والحق أن أهل اللغة التي تلزم آخرها الألف لم ينظروا إلى ما يسمى أصل الواو ، ولم يعرفوا قلب الحروف ، ولا أمثال هذا. وإنما نطقوا عن فطرة وطبيعة : فهم يلزمون آخرها الألف بغير تعليل إلا النطق بها.
«ملاحظة» : إذا حذف من الاسم الثلاثى أحد أصوله فإن جاءت همزة الوصل عوضا عن المحذوف لم يصح إرجاعه فى التثنية وجمع المؤنث السالم. أما إذا لم تأت همزة التعويض فالأجود . وقيل الواجب . إرجاعه. إن كان يرجع عند الإضافة. وتطبيقا لهذا الحكم ترجع . في الحالتين السالفتين . اللام المحذوفة من الثلاثى لأنها ترجع عند إضافته ؛ فيقال في : قاض . شج (أب . خ حم أ ....) : قاضيان . شجيان . أبوان . اخوان حموان . لأنه يقال فى الإضافة قاضينا . شجينا . أبوه . أخوه . حموه وشذ : أبان وأخان ...
أما الذي لا يرجع عند الإضافة فلا يرجع عند التثنية ، وجمع المؤنث السالم ، نحو : اسم . ابن يد دم - غد - فم - سنة ... ؛ فيقال : اسمان - ابنان - يدان - دمان - غدان - فمان - سنتان ... وشذ : فمموان ، وفميان. ومن الضرورة قول الشاعر :
فلو أنّا على حجر ذبحتا *** جرى الدميان بالخبر اليقين
وقول الآخر :
يديان بيضاوان عند محلّم
(محلم ، بكسر اللام : اسم رجل) وستجىء إشارة لهذا الضابط عند الكلام على المثنى فى ح من ص 123 فى رقم 1 من ص 149
فى آخر كل من الثلاثة الأولى فى جميع أحوالها ، مع1) الشىء التافه منه.
2) فى الأغلب.
3) وهذه الألف منقلبة عن الواو المحذوفة من آخر كل واحدة ؛ فصارت كألف المقصور (وهو : الاسم المعرب الذى فى آخره ألف لازمة ، كالهدى ، والرضا ، والمصطفى). وهذا جار على أن أصلها : «أبو» ، و «أخو» و «حمو» - كما فى رقم 1 من ص103. تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا. هكذا يقول النحاة.
إعرابها بحركات مقدرة على الألف رفعا ونصبا وجرّا ؛ مثل : أباك كريم ، إن أباك كريم ، أثنيت على أباك. فكلمة : «أبا» قد لزمتها الألف فى أحوالها الثلاث ، كما تلزم فى آخر الاسم المعرب المقصور ، وهى مرفوعة بضمة مقدرة على الألف ، أو منصوبة بفتحة مقدرة عليها ، أو مجرورة بكسرة مقدرة عليها ، فهى فى هذا الإعراب كالمقصور.
وهناك لغة ثالثة تأتى بعد هذه فى القوة والذيوع ، وهى لغة النقص السابقة ؛ فتدخل. فى : «أب» و «أخ» و «حم» ، كما دخلت فى : «هن» ، ولا تدخل فى : «ذو» ولا «فم» إذا كان بغير الميم. تقول كان أبك مخلصا. إن أبك مخلص ، سررت من أبك لإخلاصه ... وكذا الباقى. فأب مرفوعة بضمة ظاهرة على الباء ، أو منصوبة بفتحة ظاهرة ، أو مجرورة بكسرة ظاهرة (1). ومثل هذا يقال فى «أخ» و «حم» كما قيل : فى «أب» وفى «هن».
ومما سبق نعلم أن الأسماء الستة لها ثلاث حالات من حيث علامات الإعراب ، وقوة كل علامة.
الأولى : الإعراب بالحروف ، وهو الأشهر ، والأقوى إلا فى كلمة : «هن» فالأحسن فيها النقص ؛ كما سبق.
الثانية : القصر ، وهو فى المنزلة الثانية من الشهرة والقوة بعد الإعراب بالحروف ، ويدخل ثلاثة أسماء ، ولا يدخل «ذو» ولا «فم» محذوف الميم ؛ لأن هذين الاسمين ملازمان للإعراب بالحرف. ولا يدخل : «هن» (2). .
1) أساس هذه اللغة : مراعاة النقص فى تلك الكلمات الثلاث ، والاعتداد به ؛ فقد كان آخر كل واحدة منها فى الأصل الواو (أبو - أخو حمو) كما فى رقم 3 من ص 102 حذفت الواو تخفيفا ؛ فلا ترجع عند الإضافة ، بل يستغنى عنها فى كل الأحوال. والحق هنا هو ما قلناه فى سابقه ؛ أن التعليل الصحيح هو نطق العرب الفصحاء.
2) نقل بعض النحاة فيها القصر ، أيضا.
الثالثة : النقص ، وهو فى المنزلة الأخيرة ، يدخل أربعة أسماء ، ولا يدخل «ذو» ولا «فم» محذوف الميم. لأن هذين الاسمين. ملازمان للإعراب بالحروف كما سبق.
فمن الأسماء الستة ما فيه لغة واحدة وهو «ذو» و «فم» بغير ميم.
وما فيه لغتان ، وهو «هن».
وما فيه ثلاث لغات وهو أب ، أخ ، حم (1)
وارفع بواو وانصبنّ بالألف *** واجرر بياء - ما من الأسما أصف
من ذاك : «ذو» إن صحبة أبانا *** والفم حيث الميم منه بانا
«أب» ، «أخ» ، «حم» ، كذاك ، وهن *** والنّقص فى هذا الأخير أحسن
وفى «أب» وتالييه يندر .. *** وقصرها من نقصهنّ أشهر
ففى البيت الأول : بيّن الحروف الثلاثة النائبة عن الحركات الأصلية الثلاث ؛ وهى : الواو والألف ، والياء.
وفى البيت الثانى : صرح أن من الأسماء الستة : ذو ، بشرط أن يبين صحبة ، أى : يدل على صحبة ؛ بأن يكون بمعنى : «صاحب». وأن منها «الفم» بشرط أن تبين (أى : تنفصل) منه الميم.
وفى البيت الثالث والرابع : أوضح أربعة. وصرح بأن النقص فى كلمة : «هن» أحسن من الإعراب بالحروف ... وأما أب وأخ وحم فالنقص نادر فيها - مع جوازه - ، ولكن القصر أحسن.
. .1) على ضوء ما تقدم نستطيع أن نفهم قول ابن مالك :
ا - بالرغم من تلك اللغات التى وردت عن العرب ، يجدر بنا أن نقتصر على اللغة الأولى التى هى أشهر تلك اللغات وأفصحها ، وأن نهمل ما عداها ؛ حرصا على التيسير ، ومنعا للفوضى والاضطراب الناشئين من استخدام لغات ولهجات متعددة. وقد يقال : ما الفائدة من عرض تلك اللغات إذا؟
إن فائدتها هى لبعض الدارسين المتخصصين : وأشباههم ؛ إذ تعينهم على فهم النصوص القديمة ، المتضمنة تلك اللّهجات التى لا تروق اليوم محاكاتها ، ولا القياس عليها ، ولا ترك الأشهر الأفصح من أجلها.
ب - جرى العرف على التسمية ببعض الأسماء الستة السالفة ، مثل : أبو بكر - أبو الفضل - ذى النون - ذى يزن ..... فإذا سمى باسم مضاف من تلك الأسماء الستة المستوفية للشروط جاز فى العلم المنقول منها أحد أمرين :
أولهما : إعرابه بالحروف ، كما كان يعرب أوّلا قبل نقله إلى العلمية. كما يصح إعرابه بغير الحروف من الأوجه الإعرابية الأخرى التى تجرى على تلك الأسماء بالشروط والقيود التى سبقت عند الكلام عليها ، أى : أن كل ما يصح فى الأسماء الستة المستوفية للشروط قبل التسمية بها يصح إجراؤه عليها بعد التسمية.
ثانيهما : وهو الأنسب أن يلتزم العلم صورة واحدة فى جميع الأساليب ، مهما اختلفت العوامل الإعرابية ، وهذه الصورة هى التى سمى بها ، واشتهر ، فيقال - مثلا - كان أبو بكر رفيق الرسول عليه السّلام فى الهجرة - إنّ أبو بكر من أعظم الصحابة رضوان اللّه عليهم - أثنى الرسول عليه السّلام على أبو بكر خير الثناء ... فكلمة : «أبو» ونظائرها من كل علم مضاف صدره من الأسماء الستة يلتزم حالة واحدة لا يتغير فيها آخره ، ويكون معها معربا بعلامة مقدرة ، سواء أكانت العلامة حرفا أم حركة على حسب اللغات المختلفة(1)...
1) وإنما كان هذا الوجه أنسب وأولى لمطابقته للواقع الحقيقى ، البعيد عن اللبس ، ولأن بعض المعاملات الرسمية لا تجرى إلا على أساس الاسم الرسمى المعروف (انظر : «ح» من ص 116).
ح - إذا أعرب أحد الأسماء الستة بالحروف ، وأضيف إلى اسم أوله ساكن (مثل : جاء أبو المكارم ، ورأيت أبا المكارم ، وقصدت إلى أبى المكارم) فإن حرف الإعراب وهو : الواو ، أو الألف ، أو الياء - يحذف فى النطق ، لا فى الكتابة. وحذفه لالتقاء الساكنين ؛ فهو محذوف لعلة ، فكأنه موجود. فعند الإعراب نقول : «أبو» مرفوع بواو مقدرة نطقا ، و «أبا» منصوب بألف مقدرة نطقا ، و «أبى» مجرور بياء مقدرة نطقا ؛ فيكون هذا من نوع الإعراب التقديرى بحسب مراعاة النطق. أما بحسب مراعاة المكتوب فلا تقدير (1).
د - من الأساليب العربية الفصيحة : «لا أبا له» (2)... فما إعراب كلمة : «أبا» إذا وقعت بعدها اللام الجارة لضمير الغائب ، أو غيره»؟
يرى بعض النحاة أنها اسم «لا» منصوبة بالألف ، ومضافة إلى الضمير الذى بعدها ، واللام التى بينهما زائدة. ومع أنها زائدة هى التى جرّت الضمير دون المضاف ، فالمضاف فى هذا المثال وأشباهه لا يعمل فى المضاف إليه. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر : «لا».
وفى هذا الإعراب خروج على القواعد العامة التى تقضى بأن المضاف يعمل فى المضاف إليه. وفيه أيضا أن اسم «لا» النافية للجنس وقع معرفة ؛ لإضافته إلى الضمير ، مع أن اسم «لا» المفرد لا يكون معرفة ... و... و...
وقد أجابوا عن هذا إجابة ضعيفة ؛ حيث قالوا : إن كلمة «أبا» ذات اعتبارين ؛ فهى بحسب الظاهر غير مضافة لوجود الفاصل بينهما ، فهى باقية على التنكير ، وليست معرفة ؛ والإضافة غير محضة وإذا لا مانع من أن تكون اسم «لا» النافية للجنس. وكان حقها
1) راجع رقم 1 ص 184 - الآتية.
2) هذا التركيب قد يراد به : المبالغة فى المدح ، وأن الممدوح لا ينسب لأحد ؛ فهو معجزة تولى اللّه إظهارها على غير ما يعرف الشبر ؛ فمثله كعيسى. وقد يراد به المبالغة ، فى الذم وأنه لقيط ، (أى ، مولود غير شرعى). ولكن الأكثر أن يراد به الدعاء عليه بعدم الناصر وكلمة : «أبا» هنا ليست معرفة بالإضافة لأن إضافتها غير محضة - كما سيجىء فى باب الإضافة ح 3 ص 39 م2. فإضافتها كإضافة كلمة : «مثل» فى نحو : مثلك كريم ؛ لأنه لم يقصد نفى أب معين ، بل هو ومن يشبهه : إذ هو دعاء بعدم الناصر مطلقا. وفى باب : «لا» بيان مفيد عن معنى هذا الأسلوب ، وإعرابه.
البناء على الفتح ؛ لكنها لم تبن للاعتبار الثانى ؛ وهو مراعاة الحقيقة الواقعة التى تقضى بأنها مضافة ؛ فنصبت بالألف لهذا ، وصارت معربة لا مبنية.
وكل هذا كلام ضعيف ، ويزداد ضعفه وضوحا حين نراه لا يصلح فى بعض الحالات ، ولا يصدق عليها ، كالتى فى قولهم : «لا أبالى» فقد وقعت كلمة : «أبا» فى الأسلوب معربة بالحرف فإن اعتبرناها مضافة فى الحقيقة لياء المتكلم لم يصح إعرابها بالحرف ، لأن المضاف من الأسماء الستة لياء المتكلم لا يصح إعرابه بالحرف. وإن اعتبرناها غير مضافة أصلا مراعاة للظاهر - بسبب وجود حرف اللام الفاصل - لم يصح إعرابها بالحرف أيضا ، فهى على كلا الاعتبارين لا تعرب بالحرف.
وأحسن رأى من النواحى المختلفة هو اعتبار كلمة : «أبا» اسم «لا» ، وغير مضافة ، بل مبنية على الألف على لغة من يلزم الأسماء الستة الألف دائما فى جميع الحالات ، وأنها خالية من التنوين بسبب هذا البناء.
ويرى بعض النحاة إعرابا آخر هو بناء كلمة «أبا» على فتح مقدر على آخرها منع من ظهوره التعذر ، باعتبار هذه الألف أصلية من بنية الكلمة كالألف التى فى آخر كلمة «هذا» فكلاهما عنده حرف أصلى تقدر عليه علامات البناء ، ولا يعتبره حرفا زائدا جىء به ليكون علامة إعراب.
(راجع حاشية الخضرى ، ج 1 أول باب «لا» النافية للجنس)
والخلاف شكلى ، لا أثر له. وهو يقوم على اعتبار الألف الأخيرة زائدة ، أو أصلية. وسيجىء لهذه المسألة إشارة أخرى فى باب «لا».
ا - أضاء نجم. راقب الفلكىّ نجما. اهتديت بنجم.
ب - أضاء نجمان. راقب الفلكىّ نجمين. اهتديت بنجمين.
تدل كلمة : «نجم» فى الأمثلة الأولى (ا) على أنه واحد ، وحين زدنا فى آخرها الألف والنون ، أو الياء المفتوح ما قبلها ، وبعدها النون المكسورة - دلت دلالة عددية على اثنين ؛ كما فى أمثلة «ب» واستغنينا بزيادة الحرفين عن أن نقول. أضاء نجم ونجم. راقب الفلكى نجما ونجما. اهتديت بنجم ونجم. أى : أننا اكتفينا بهذه الزيادة بدلا من عطف كلمة على نظيرتها الموافقة لها تمام الموافقة فى الحروف والحركات ، والمعنى العامّ. فكلمة : «نجمان» وما أشبهها تسمى : «مثنى» ، وهو :
«اسم يدل على اثنين (1)
إنّ للخير وللشر مدى *** وكلا ذلك وجه وقبل
(أى : مواجهة وطريق واضح) فكلمة «ذا» تدل فى حقيقتها اللغوية على المفرد المذكر ولكنها تدل هنا بمعناها على المثنى ؛ لأنها إشارة إلى ما ذكر من الخير والشر وهذه الدلالة مجازية ؛ لأن دلالة «ذا» على غير المفرد مجازية.
، متفقين ، فى الحروف والحركات ، والمعنى ؛ بسبب زيادة فى آخره (2)تغنى عن العاطف (3)والمعطوف». وهذه الزيادة هى الألف وبعدها نون مكسورة (4)، أو الياء وقبلها فتحة وبعدها نون مكسورة.1) الدلالة على اثنين قد تكون حقيقية وقد تكون مجازية (كما سيجىء فى ج 3 ص 88 باب الإضافة عند الكلام على : «كلا وكلتا») فالحقيقية هى التى تكون بلفظ المثنى الصريح المستوفى للشروط الآتية ؛ مثل : الفارسين - الجنتين ... المحمدين ... وغير هذا مما يدل على مثنى حقيقة لا مجازا ، ولا اشتراكا معنويا بين المثنى وغيره ، كالضمير «نا» فإنه مشترك يصلح من جهة المعنى للمثنى وغيره فى نحو : قمنا ، وذهبنا لزيارة الصديق. وغير الحقيقية هى التى تدل على التثنية توسعا ومجازا ، كقول الشاعر :
2) أى : أن تلك الدلالة هى بسبب الزيادة التى فى آخره.
3) وهو : حرف العطف.
4) سيجىء الكلام على فائدة هذه النون ، وحركتها ، وحكمها عند الكلام على فائدة نون جمع المذكر السالم وحركتها (ص 141).
فليس من المثنى ما يأتى :
(1) ما يدل على مفرد ؛ مثل : نجم ، ورجلان (1).
(2) ما يدل على جمع ؛ مثل : نجوم ، وصنوان (2)، أو على اسم جمع ؛ مثل : قوم ، ورهط.
(3) ما يدل على اثنين (3)، ولكنهما مختلفان فى لفظيهما ، مثل : الأبوين ؛ للأب والأم. أو : مختلفان فى حركات أحرفهما ؛ كالعمر بن : لعمر بن الخطاب ، وعمرو بن هشام ، المعروف : «بأبى جهل». أو مختلفان فى المعنى دون الحروف وحركاتها ؛ كالعينين ؛ تريد بإحداهما العين الباصرة ، وبالأخرى البئر (4)
والخير أن يكون التغليب قياسيا عند وجود قرينة تدل على المراد بغير لبس : كما لو أقبل شخصان معروفان واسم أحدهما : محمد ، والآخر على ؛ فقلت : جاء العليان أو المحمدان لكثرة تلازمهما ، أو شدة تشابههما في أمر واضح. وبهذا الرأى العملى النافع يقول بعض الباحثين القدامى والمحدثين ؛ والأخذ به حسن ومفيد. هذا ، والشائع ، عند العرب تغليب المذكر على المؤنث في التثنية كقولهم : «القمران» فى الشمس والقمر ، والعاقل على غيره ؛ ففى مثل : صالح والعصفور يقال. الصالحان يغردان ولم يغلبوا المؤنث إلا في قليل من الحالات ، أشهرها : ا . قولهم : ضبعان ، يريدون : أنثى الضبع وفحلها. ويقال للأنثى «ضبع» ولفحلها ؛ ضبعان فاختاروا اللفظ الخاص بالأنثى ، وثنوه وأطلقوه عليهما معا ؛ تغليبا للأنثى.
ب . قولهم : فرغت من كتابة رسالتي لثلاث بين يوم وليلة (أى : لثلاث محصورة بين كونها أياما وكونها ليالى). وضابط هذه المسألة : أن يكون معنا عدد تمييزه مذكر ومؤنث ، وكلاهما لا يعقل وهما مفصولان من العدد بكلمة : بين.
وقد غلبنا في المثال السابق التأنيث على التذكير ؛ بدليل أن اسم العدد خال من علامة التأنيث ، وهو لا يخلو منها إلا في حالات أهمها : أن يكون المعدود المذكور متأخرا في الجملة ، مؤنثا حقيقة . بألا يكون معه مذكر . أو مؤنثا تغليبا ؛ بأن يكون معه مذكر ، ليس له الأهمية والتغليب. ومن أمثلته أيضا : قابلت تسعا بين رجل وامرأة ، قرأت عشرا بين كتاب وكراسة ...
ح . المروتان : للصفا والمروة ، وهما جبلان بمكة المكرمة.
والتغليب للمروة المؤنثة. أما «التغليب» في الجمع فيجيء في رقم ١ من هامش ص ١٢٧.
1) بمعنى : ماش (غير راكب) ؛ تقول : علىّ رجلان ؛ أى : ماش ؛ وليس براكب.
2) تقول : بعض الشجر صنوان ؛ مفرده : صنو ، وهو : الشجرة التى تنشأ مع أختها فى أصل واحد ؛ فهما شجرتان ، مشتركتان فى الساق ، وتنفصل كل واحدة عند أعلى الساق.
3) سيجىء فى - ه - من ص 143 أن المثنى قد يكون لفظه فى ظاهره دالا على التثنية ومعناه للجمع.
4) وأمثال هذا ؛ من كل لفظين مشتركين فى الحروف ، والحركات ؛ تريد بأحدهما معنى ، وبالآخر معنى يخالفه على سبيل الحقيقة ؛ كالمثال السابق ، أو على سبيل المجاز ؛ مثل : القلم أحد اللسانين. وتقول جمهرة النحاة : إن ذلك كله مقصور على ما ورد عن العرب ، وسمع منهم : كما أن العمرين والأبوين وغيرهما مقصور عليهم ؛ شأن كل اسمين يراد تثنيتهما مع وجود اختلاف فى مفرديهما ، وأحدهما أهم من الآخر. فقد كان العرب يرجحون الأهم ويغلبونه بإجراء التثنية على لفظه وحده ، ثم يجعلون معنى المثنى شاملا لهما معا ، منطبقا عليهما ، وهذا ما يسمى : «التغليب» وما ورد منه ملحق بالمثنى ، وليس مثنى حقيقة.
فلا يسمى شىء من هذا كله مثنى حقيقة ، وإنما هو ملحق بالمثنى (1)
وشبيه بهذا ما اصطلح عليه النحاة من «الجمع» و «اسم الجمع» وفى رقم (1) من هامش ص 134 تعريف لاسم الجمع - فى حين يطلق اللغويون عليهما اسما واحدا هو : الجمع. وقد يكون المراد عند اللغويين من الاسم المجموع - اثنين ؛ لأن الجمع فى اصطلاحهم يطلق على الاثنين ، كما يطلق على ما زاد على الاثنين. وتؤيد هذا شواهد كثيرة فصيحة ، فى مقدمتها القرآن. قال تعالى : ( وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ ؛ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ) وقوله تعالى : ( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) وقول أبى ذؤيب الهذلى فى رثاء أبنائه الخمسة الذين ماتوا بالطاعون :
العين بعدهمو كأنّ حداقها *** سملت بشوك ؛ فهى عورا تدمع
فأطلق الجمع فى قوله : حداقها - وهى جمع : حدقة - وأراد الاثنين (كما جاء فى حاشية ياسين على التصريح ج 2 أول باب المضاف لياء المتكلم) وانظر رقم 2 من هامش 125
«ملاحظة هامة» : من الضوابط اللغوية ما صرح به النحاة وهو : «كل مثنى فى المعنى يضاف إلى متضمنه - بكسر الميم الثانية المشدة وصيغة اسم الفاعل ؛ أى : إلى ما اشتمل على المضاف) - يجوز فيه الإفراد ، والتثنية ، والجمع. والأفضل الجمع» تقول : تصدقت برأس الكبشين - أو رأسى الكبشين ، أو رءوسهما. وإنما فضل الجمع على التثنية لأن المتضايفين كالشىء الواحد فكرهوا الجمع بين تثنيتهما. وفضل الجمع على الإفراد لأن المثنى جمع فى المعنى والإفراد ليس كذلك فهو أقل منزلة فى دلالته من المثنى - هذا ما قاله النحاة كالصبان ج 3 والخضرى ح 2 فى أول باب التوكيد - وينطبق ما سبق على النفس والعين المستعملتين فى التوكيد ؛ خضوعا للسماع الوارد فيهما ، لا تطبيقا للضابط السالف ؛ فقد قال الصبان فى الموضع المشار إليه : إن إضافتهما ليست لمتضمنهما ، بل إلى ما هو بمعناهما لأن المراد منهما الذات. وسيجىء فى «ز» من ص 145 ضابط آخر أوضحه شارح المفصل وهو يخالف الضابط الذى هنا بعض المخالفة ويبدو أن الرأى الأقوى هو ما قاله شارح المفصل وقد أشرنا لما سبق فى ج 3 ص 408.
ويرى بعض النحاة أن يطلق على الملحق بالمثنى تسمية خاصة به ، هى : «اسم المثنى» فيكون هناك اسم للمثنى ، كما يكون هناك اسم للجمع.
.(4) ما يدل على اثنين متفقين فى المعنى والحروف وحركاتها ولكن من طريق العطف بالواو ، لا من طريق الزيادة السالفة ؛ مثل : أضاء نجم ونجم.
(5) ما يدل على شيئين. ولكن من طريق الوضع اللغوىّ ، لا من طريق تلك الزيادة ، مثل : شفع (ضد فرد ، ووتر). ومثل زوج وزكا ، وهما بمعنى شفع. فكل واحدة من هذه الكلمات تدل دلالة لغوية على قسمين متماثلين متساويين تماما (وهى القسمة الزوجية ضد الفردية). فهى تدل على التثنية ضمنا ، ولكن من غير أن يكون فى آخرها الزيادة السالفة. .
1) النحاة : هم الذين يطلقون اسم : «الملحق بالمثنى» على كل كلمة تعرب إعراب المثنى ، وليست مثنى حقيقيا ؛ بسبب فقدها أحد الشروط الخاصة بالمثنى الحقيقى. ويشترطون فى الملحق أن يكون مسموعا (والحق أنه قد ينقاس - أحيانا - كما فى التغليب). أما اللغويون فيطلقون «المثنى» على كل ما يعرب إعراب المثنى ؛ سواء أكان مثنى حقيقيا أم ملحقا به. فالمسألة مجرد اصطلاح ، ولا مانع من استعمال هذه التسمية أو تلك بشرط مراعاة الأحكام الخاصة بكل عند الاستعمال.
ومثلها : «كلا» فإنها تدل على شيئين متساويين أو غير متساويين ، ولكن من غير زيادة فى آخرها ، فهذه ملحقة بالمثنى.
(6) ما يدل على اثنين ، وفى آخره زيادة ، ولكنها لا تغنى عن العاطف والمعطوف ؛ مثل : كلتا ، اثنان ، اثنتان أو : ثنتان ؛ فليس لواحدة من هذه الكلمات مفرد مسموع عن العرب ، على الرغم من وجود زيادة فى آخرها (1)، ولهذا تعد ملحقة بالمثنى ، وليست مثنى حقيقة.
حكم المثنى : أنه يرفع بالألف نيابة عن الضمة. وبعدها نون مكسورة (2)؛ مثل : يتحرك الكوكبان. وينصب بالياء نيابة عن الفتحة. وهذه الياء قبلها فتحة وبعدها نون مكسورة ؛ مثل : شاهدت الكوكبين. ويجر بالياء نيابة عن الكسرة وقبلها فتحة. وبعدها نون مكسورة ، مثل : فرحت بالكوكبين.
هذا هو أشهر الآراء فى إعرابه وإعراب ملحقاته (3)، (ومنها كلا ، وكلتا ، واثنان ، واثنتان ، أو : ثنتان) (4)
وبهذه المناسبة نذكر أن «كلا» و «كلتا» فى جميع أحوالهما لا يستعملان إلا مضافين لمعرفة دالة على اثنين بغير تفريق . أو لنكرة مختصة كذلك في الصحيح . ولو كانت المعرفة بحسب الظاهر مفردة أو جمعا ؛ فإذا أعربا إعراب المثنى وجب أن تكون هذه المعرفة ضميرا للتثنية على الوجه الذى شرحناه (ولهما أحكام أخرى فى بابى التوكيد والإضافة من الجزء الثالث ليس موضع سردها هنا). أما اثنان واثنتان فلا تجب إضافتهما كما في ص ١٢٢ بل يجوز فيهما الإضافة وعدمها. لكن إذا أضيفا وجب فى . الصحيح . أن يكون مدلولهما مخالفا مدلول المضاف إليه سواء أكان اسما ظاهرا أم ضميرا.
. إلا أن كلا وكلتا لا تعربان بهذه الحروف إلا إذا أضيفتا للضمير ؛ الدال على التثنية سواء أكانتا للتوكيد ، أم لغيره ،1) فلم يرد عنهم : «كلت» ولا اثن ، ولا اثنة ، ولا ثنت ، مع أن الألف فى «كلتا» زائدة والتاء أصلية. وقيل العكس والألف والنون زائدتان فى البواقى.
2) وهذا أشهر اللغات وأفصحها من لغات متعددة : فقليل من العرب يفتحها بعد ألف المثنى ، ومنهم من يضمها بعد الألف ويكسرها بعد الياء فى حالتى النصب والجر.
3) ويدخل فيها المثنى المسمى به ، والمثنى تغليبا ، واثنان ، واثنتان ، وغيرهما أما السبب فى التسمية : بالمثنى فسبب بلاغى : كالمدح ، أو الذم أو التمليح ؛ طبقا للبيان الآتى فى ح من ص 116
4) يجوز إضافة : اثنين واثنتين إلى ظاهر أو ضمير بشرط أن يكون معنى المضاف إليه ومدلوله غير معنى المضاف ومدلوله ؛ فلا يصح أن تقول : جاء اثنا محمد وعلى ؛ للسبب السالف ولا جاء اثناكما ، إذا كان المراد بالمضاف إليه هما الاثنان المخاطبان ؛ لأن معناهما والمراد منهما هو معنى المضاف والمراد منه ، فلا فائدة من إضافة الشىء لنفسه - كما سيجىء فى باب الإضافة ح 3 - ، أما إن كان المراد من «اثنا» خادمين ، أو : كتابين ، أو : شيئين يختلفان فى معناهما وذاتهما عن معنى المضاف إليه ومدلوله - فلا مانع (راجع «و» ، من ص 122)
فإن كانتا للتوكيد وجب أن يسبقهما المؤكّد الذى يطابقه الضمير ، نحو أكرم الوالدين ؛ فإن كليهما صاحب الفضل الأكبر عليك ... وعاون الجدّتين ، فإن كلتيهما أحبّ الناس لك. فالكلمتان ليستا للتوكيد ، وهما معربتان كالمثنى منصوبتان بالياء ،
ونحو : جاء الفارسان كلاهما ، غابت السيدتان كلتاهما ؛ «فكلا» و «كلتا» توكيد مرفوع بالألف ؛ لأنه ملحق بالمثنى ، وهو مضاف و «هما» مضاف إليه ، مبنى على السكون فى محل جر. ونحو : صافحت الفارسين كليهما ، والمحسنتين كلتيهما ، وأثنيت على الفارسين كليهما ، والسيدتين كلتيهما (فكلا وكلتا توكيد منصوب أو مجرور بالياء مضاف ، والضمير مضاف إليه ، مبنى على السكون فى محل جر (1)...
فلو أضيفت كلا أو كلتا لاسم ظاهر (2)لم تعرب كالمثنى ، ولم تكن للتوكيد ، - وأعربت - كالمقصور - على حسب الجملة ، بحركات مقدرة على الألف ، فى جميع الأحوال : (رفعا ، ونصبا ، وجرّا) ، مثل : سبق كلا المجتهدين ، وفازت كلتا لماهرتين ، فكلا وكلتا : فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الألف. ومثل : هنأت كلا المجتهدين ، وكلتا الماهرتين ؛ فكلا وكلتا مفعول به ، منصوب بفتحة مقدرة على الألف. وسألت عن كلا المجتهدين ، وعن كلتا الماهرتين ، فكلا وكلتا مجرورة ، وعلامة جرها الكسرة المقدرة على الألف.
مما تقدم نعلم :
ا - أن كلا وكلتا إذا أضيفتا للضمير تعربان كالمثنى - أى ، : بالحروف المعروفة فى إعرابه - ؛ سواء أكانتا للتوكيد (3)أم لغيره ، ولا بد أن يكون الضمير للتثنية
ب - وأنهما عند الإضافة للظاهر ، لا تكونان كالمثنى ، بل تعربان على حسب
الجملة (فاعلا أو مفعولا ، أو مبتدأ ، أو خبرا ... إلخ) ، وبحركات مقدرة على الألف دائما ، كإعراب المقصور (1)
بالألف ارفع المثنّى ، وكلا *** إذا بمضمر مضافا وصلا
كلتا كذاك. اثنان واثنتان *** كابنين وابنتين يجريان
وتخلف اليا فى جميعها الألف *** جرّا ونصبا بعد فتح قد ألف
أى : أن المثنى يرفع بالألف ، و «كلا» ترفع بالألف إذا وصلت بمضمر ، وهى مضافة إليه «وكلتا» : كذلك. أما «اثنان» و «اثنتان» فملحقتان بالمثنى ويجريان فى إعرابهما على الطريقة التى تجرى فى إعراب : «ابنين وابنتين» وهذان من نوع المثنى الحقيقى يرفعان بالألف. أما فى حالة النصب والجر ، فتحل الياء فى كل ما سبق محل الألف ، فتكون الياء نيابة عن الفتحة وعن الكسرة.
. .1) وإلى ما سبق يشير ابن ملك بقوله :
ا - عرفنا (1)أنه لا يجوز إعراب : «كلا وكلتا» إعراب المثنى إلا بشرط إضافتهما للضمير الدال على التثنية.
لكن يجب التنبه إلى أن تحقق هذا الشرط يوجب إعرابهما إعراب المثنى من غير أن يوجب إعرابهما توكيدا ؛ فقد يتحتم عند تحققه إعرابهما توكيدا فقط ، وقد يمتنع إعرابهما توكيدا ويتحتم إعرابهما شيئا آخر غيره ، وقد يجوز فى إعرابهما الأمران ؛ التوكيد وغيره ، فالحالات ثلاث عند تحققه. ففى مثل : أقبل الضيفان كلاهما ، وأجادت الفتاتان كلتاهما ... يتعين التوكيد وحده.
وفى مثل : النجمان كلاهما مضىء ، والشاعرتان كلتاهما نابغة - يمتنع التوكيد ويتحتم هنا إعرابهما مبتدأين ، وما بعدهما خبر لهما ، والجملة من المبتدأ الثانى وخبره خبر للمبتدأ الأول ؛ (وهو : النجمان ، والشاعرتان). ولا يصح إعراب «كلا وكلتا» فى هذا المثال توكيدا ؛ لكيلا يكون المبتدأ (النجمان - الشاعرتان) مثنى ، خبره مفرد ، إذ يصير الكلام : النجمان مضىء ، الشاعرتان نابغة ؛ وهذا لا يصح (2)
ومثل قول الشاعر :
كلانا غنىّ عن أخيه حياته *** ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
.وفى مثل : النجمان - كلاهما - مضيئان ، والشاعرتان - كلتاهما - نابغتان ... يجوز فيهما أن يكونا للتوكيد. وما بعدهما خبر للمبتدأ. ويجوز فى كل منهما أن يكون مبتدأ ثانيا خبره ما بعده ، والجملة من المبتدأ الثانى وخبره خبر للمبتدأ الأول.
ب - إعراب المثنى وملحقاته بالحروف هو أشهر المذاهب وأقواها ، كما أسلفنا. ويجب الاقتصار عليه فى عصرنا ؛ منعا للفوضى والاضطراب فى الاستعمال الكلامى والكتابى ، وأما اللغات الأخرى فلا يسوغ استعمالها اليوم ، وإنما تذكر للمتخصصين ؛ ليسترشدوا بها فى فهم بعض النصوص اللغوية الواردة عن العرب بتلك اللغات واللّهجات. ومن أشهرها :
(1) إلزام المثنى وملحقاته (غير : كلا وكلتا) الألف فى جميع أحواله ، مع إعرابه بحركات مقدرة عليها ؛ تقول عندى كتابان نافعان ، اشتريت كتابان نافعان ، قرأت فى كتابان نافعان ، فيكون المثنى مرفوعا بضمة مقدرة على الألف ،
ومنصوبا بفتحة مقدرة عليها ، ومجرورا بكسرة مقدرة كذلك ؛ فهو يعرب إعراب المقصور ، والنون للتثنية فى كل الحالات.
(2) إلزام المثنى الألف والنون فى جميع أحواله مع إعرابه بحركات ظاهرة على النون. كأنه اسم مفرد ، تقول عندى كتابان نافعان ، واشتريت كتابانا نافعانا ، وقرأت فى كتابان نافعان ، ويحذف التنوين إذا وجد ما يقتضى ذلك ؛ كوجود «أل» فى أول المثنى. أو إضافته. وكذلك لمنع الصرف إذا وجد مانع من الصرف ... فيرفع معه بالضمة من غير تنوين ، وينصب ويجر بالفتحة من غير تنوين أيضا.
أما «كلا ، وكلتا» ففيهما مذاهب أيضا ؛ أشهرها وأحقها بالاتباع ما سبق فيهما ؛ وهو إعرابهما بالحروف ، بشرط إضافتهما إلى ضمير دالّ على التثنية - علما بأنهما لا تضافان مطلقا - إلى ضمير للمفرد ، نحو : كلاى وكلتاى ، ولا إلى ضمير للجمع ، نحو : كلاهم ، وكلتاهم - ، ولا يضافان إلى الظاهر أيضا ، وإلا أعربا معه كالمقصور.
وهناك من يعربهما إعراب المقصور فى جميع أحوالهما ، أى : بحركات مقدرة على الألف دائما. ومنهم من يعربهما إعراب المثنى فى جميع أحوالهما ، ولو كانت إضافتهما إلى اسم ظاهر مثنى. ولا حاجة اليوم إلى غير اللغة المشهورة.
هذا ، ولفظهما مفرد ، مع أن معناهما مثنى ؛ فيجوز فى الضمير العائد عليهما مباشرة ، وفى الإشارة ، وفى الخبر ، ونحوه - أن يكون مفردا ، وأن يكون مثنى ، تقول : كلا الرجلين سافر ، أو سافرا ، وكلا الطالبين أديب ، أو أديبان ، وكلتا الفتاتين سافرت ، أو سافرتا ، وكلتاهما أديبة ، أو أديبتان ، والأكثر مراعاة اللفظ. كقول الشاعر :
لا تحسبنّ الموت موت البلى *** وإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موت ، ولكن ذا *** أفظع من ذاك ، لذل السؤال
هذا ويتعين الإفراد ومراعاة اللفظ فى مثل : كلانا سعيد بأخيه ؛ من كل حالة يكون المعنى فيها قائما على المبادلة والتنقل بين الاثنين فينسب فيها إلى كل واحد منهما ما ينسب إلى الآخر ، دون الاكتفاء بذكر المعنى المجرد من دلالة المبادلة والتنقل بينهما كالمثال السابق ، وكقولنا : كلانا حريص على المودة ، كلانا محب لبلاده (1) ... بقيت مسألة تتعلق بالإعراب فى مثل : محمد وعلىّ كلاهما قائم ، أو كلاهما قائمان ، فكلمة : «كلاهما» ، فى المثال الأول مبتدأ حتما ، و «قائم» خبره
والجملة خبر الأول ، ولا يصح إعراب «كلا» للتوكيد ، لما يترتب على ذلك من إعراب كلمة «قائم» خبر المبتدأ ، وهذا غير جائز ؛ إذ لا يقال : محمد وعلى قائم ؛ لعدم المطابقة اللفظية. أما فى المثال الثانى فيصح إعرابها مبتدأ أو توكيدا - كما سبق فى فى «ا».
ح - جرى الاستعمال قديما وحديثا على تسمية فرد من الناس وغيرهم باسم ، لفظه مثنى ولكن معناه مفرد ، بقصد بلاغى ؛ كالمدح ، أو الذم ، أو التمليح ... - كما سبق فى رقم 4 من هامش ص 111 - مثل : «حمدان» تثنية : «حمد» ، و «بدران» تثنية «بدر» و «مروان» ، تثنية : «مرو» ؛ وهى : الحجارة البيض الصلبة ، و «شعبان» تثنية «شعب» و «جبران» تثنية «جبر» ، ومثل : محمدين ، وحسنين والبحرين (اسم إقليم عربىّ على خليج العرب ...) فهذه الكلمات وأشباهها ملحقة بالمثنى ، وليست مثنى حقيقيّا. وفى إعرابها وجهان :
أحدهما : حذف علامتى التثنية من آخرها ، وإعرابها بعد ذلك بالحروف ؛ كباقى أنواع المثنى الحقيقى ؛ فتقول سافر بدران (1)
وهناك كلمات أخرى تشبه «كلا» و «كلتا» فى أن لفظها مفرد ومعناها قد يكون مفردا حينا ، وقد يكون مثنى أو جمعا حينا آخر ، مع التذكير أو التأنيث على حسب كل حالة. ومن تلك الكلمات : «كم»، و «من» ، و «ما» ، و «أى» وبعض وسيجيء الكلام عليها من هذه الناحية فى أبوابها ، ومنها : باب الموصول . ص ۳۰۵ وأيضا عند الكلام على الضمير في باب مرجع الضمير. حيث تعرض بعض الصور والأحكام الهامة الخاصة بذلك. أما التطابق بين المبتدأ والخبر فيجي في ض.
، يجب الناس بدرين ، وتحدثوا عن بدرين.والآخر : إلزامها الألف والنون ، - مثل عمران - وإعرابها إعراب ما لا ينصرف بحركات ظاهرة فوق النون ؛ فترفع بالضمة من غير تنوين ، وتنصب وتجر بالفتحة من غير تنوين (2)أيضا.
ولعل الخير فى إباحة وجه ثالث يحسن الاصطلاح على إباحته وإن كنت لم أره لأحد من قدامى النحاة ؛ فإنهم قصروه على جمع المذكر السالم ، هو
إبقاء العلم على حاله - من الألف والنون ، أو الياء والنون - مع إعرابه كالاسم المفرد بحركات إعرابية مناسبة على آخره ، وهذا الوجه وحده أولى بالاتباع ، إذ لا يؤدى إلى اللبس ، لأنه الموافق للواقع ، وليس فى أصول اللغة ما يمنعه بل إن كثيرا من المعاملات الجارية فى عصرنا توجب الاقتصار عليه ، فالمصارف (1)لا تعترف إلا بالعلم المحكىّ ، أى : المطابق للمكتوب نصّا فى شهادة الميلاد ، وفى الشهادة الرسمية المحفوظة عندها المماثلة لما فى شهادة الميلاد ولا تقضى لصاحبه أمرا مصرفيا إلا إذا تطابق إمضاؤه (توقيعه) واسمه المسجل فى تلك الشهادة تطابقا كاملا فى الحروف وفى ضبطها ، فمن اسمه : «حسنين» أو : بدران ... يجب أن يظل على هذه الصورة كاملة فى جميع الاستعمالات عندها ، مهما اختلفت العوامل التى تقتضى رفعه ، أو نصبه ، أو جرّه.
فلو قيل : حسنان ، أو : بدرين ؛ تبعا للعوامل الإعرابيّة لكان كل علم من هذه الأعلام دالّا فى عرف المصرف على شخص آخر مغاير للشخص الذى يدل عليه العلم الأول ، وأن لكل منهما ذاتا وحقوقا ينفرد بها ، ولا ينالها الآخر ، ولن يوافق المصرف مطلقا على أنّ الاسمين لشخص واحد ، ولا على أن الخلاف يتجه للإعراب وحده دون الاختلاف فى الذات. ومثل المصارف كثير من الجهات الحكومية ؛ كالبريد ، وأنواع الرخص ، والسجلات الرسمية المختلفة ...
أما الوجه الأول فقد يوهم أنه مثنى. ولا يأمن اللبس فيه إلا الخبير الذى يعرف أنه مفرد ؛ ويدرك أن العلم المثنى لا يتجرد من «أل» إلا عند إضافته ، أو ندائه ، كما سيجىء ، وهذا غير مضاف ؛ بل إنه قد يضاف (2)فيزداد اللبس قوة. ولا يخلو الثانى من لبس ، أيضا.
د - اشترط جمهور النحاة فيما يراد تثنيته قياسا ثمانية (3)شروط :
1) جمع مصرف ، بكسر الراء : وهو «البنك».
2) يصح إضافة العلم أحيانا إلى المعرفة لداع بلاغى ؛ كقصد تعيينه ، نحو : محمد على ، وفاطمة حسن ، بشرط ألا يكون «المضاف» من أولاد «المضاف إليه» ؛ إذ يترتب على فقد الشرط أن يكون أصل المثالين السابقين - ونظائرهما - : محمد بن على ، وفاطمة بنت حسن ، فحذف المضاف ، وهو : (ابن ، بنت) وأقيم المضاف إليه مقامه. وحذفهما شاذ يقتصر فيه على المسموع. منعا للإلباس - كما نصوا على هذا فى باب الإضافة (انظر ج 3 ص 134 م 96) وتفصيل هذا فى باب العلم من هامش ص 264 حيث الأوجه الجائزة فى العلم.
3) وهى شروط عامة فيه وفى جمع المذكر السالم - كما يجىء فى رقم 3 من هامش ص 127.
(1) أن يكون معربا. فأما هذان ، وهاتان ، واللذان ، واللتان ، فقد وردت عن العرب هكذا معربة - مع أن مفرداتها مبنية ؛ فلا يقاس عليها.
(2) أن يكون مفردا ؛ فلا يثنى جمع المذكر السالم. ولا جمع المؤنث السالم ؛ لتعارض معنى التثنية وعلامتها ، مع معنى الجمعين (1)وعلامتهما. أما جمع التكسير واسم الجمع فقد يثنى كل منهما أحيانا ؛ نحو : «جمالين ، وركبين» فى تثنية : «جمال» و «ركب» ؛ بقصد الدلالة فى التثنية على التنويع ، ووجود مجموعتين متميزتين بأمر من الأمور. وكذلك يثنى اسم الجنس - غالبا - للدلالة السابقة - نحو ، ماءين ، ولبنين. وأكثر النحاة يمنع تثنية جمع التكسير ويقصرونه على السماع كما فى المثالين السالفين - وستجىء الإشارة لهذا فى ص 146. أما التفصيل فمكانه : «باب جمع التكسير» من الجزء الرابع ، ص 505 م 174.
وأما المثنى فلا يثنى ، ولا يجمع ؛ لكيلا يجتمع إعرابان بعلاماتهما على كلمة واحدة. وهذا هو الرأى السائغ الذى يحسن الاقتصار عليه.
لكن لو سمى بالمثنى ، وأريد تثنية هذا المسمّى لم يصح تثنيته مباشرة ، وإنما يصح بطريقة غير مباشرة ، بأن نأتى قبل المثنى بالكلمة الخاصة التى يتوصل بها لتثنيته ؛ وهى «ذو» مختومة ، بعلامة التثنية للمذكر والمؤنث فى حالات الإعراب المختلفة ؛ فيقال للمذكر فى حالة الرفع : «ذوا» ... وفى حالتى النصب والجر : «ذوى ...» مثل : نبغ ذوا حمدان ، وأكرمت ذوى حمدان ، واستمعت إلى ذوى حمدان. فكلمة : «ذوا وذوى» تعرب على حسب حاجة الجملة ، كإعراب المثنى وهما «مضافان» ، والمثنى المسمى به هو : «المضاف» إليه دائما ويحتفظ بكل حروفه ، ثم تجرى عليه أحكام المضاف إليه ؛ من الجرّ ، وغيره.
ويقال للمؤنث فى حالة الرفع : «ذاتا» ، أو : ذواتا ، وفى حالة الجر : «ذاتى ...» أو «ذواتى ...» .. وتعرب هذه الألفاظ على حسب حاجة الجملة كإعراب المثنى. وهى «مضافة» والمسمى به هو «المضاف إليه» الذى يخضع للحكم السالف (2).
(3) أن يكون نكرة ؛ أما العلم فلا يثنى ؛ لأن الأصل فيه أن يكون مسماه
شخصا واحدا معينا ، ولا يثنى إلا عند اشتراك عدة أفراد فى اسم واحد (1)، وهذا معنى قول النحويين : «لا يثنى العلم إلا بعد قصد تنكيره» ، وحينئذ تزاد عليه : «أل» بعد التثنية ؛ لتعيد له التعريف ، أو : يسبقه حرف من حروف النداء - مثل : «يا» ؛ لإفادة التعيين والتخصيص أيضا ، بسبب القصد المتجه لشخصين معينين (2)؛ نحو : يا محمدان ، أو إضافة إلى معرفة ، مثل : حضر محمداك. فلا بد مع تثنية العلم من شىء مما سبق يجلب له النعرف. ؛ لأن العلم يدل على واحد معين. كصالح ، وأمين ، ومحمود (3)، والتثنية تدل على وقوع مشاركة بينه وبين آخر ، فلا يبقى العلم مقصورا على ما كان عليه من الدلالة على واحد بعينه ، بل يشترك معه غيره عند التثنية ، وفى هذه المشاركة نوع من الشيوع ، يناقض التعيين والتحديد الذى يدل عليه العلم المفرد (4). هذا إلى أن العلم المفرد قد صار بعد التثنية إلى لفظ لم تقع (5)به التسمية أولا ...
(4) غير مركب (6)؛ فلا يثنى بنفسه المركب الإسنادى (وهو المكون من مبتدأ وخبر ؛ مثل «على مسافر» علم على شخص ، أو من فعل وفاعل ، مثل : «فتح اللّه - علم على شخص أيضا). وإنما يثنى من طريق غير مباشر ؛ فنأتى بكلمة : «ذو» للمذكر ، و «ذات» للمؤنث ؛ لتوصل معنى التثنية إليه. وهى ترفع بالألف ، وتنصب وتجر بالياء ، وتكون مضافة إلى المركب فى الأحوال الثلاثة ، تقول : جاء ذوا «محمد مسافر» ، وذاتا ... ، أو : ذواتا «هند مسافرة» (7)، وشاهدت ذوى «محمد مسافر» وذاتى ... ، أو : ذواتى «هند مسافرة» : ونظرت إلى
1) لهذا إيضاح فى رقم 2 من هامش ص 264.
2) فى سبب تعريف المنادى المعرف آراء ، منها : أن السبب هو القصد والأقبال ، ومنها : أنه التعريف الذى كان قبل ندائه ، وقيل : التعريف الأول الذى كان قبل النداء قد زال وعاد جديدا بعد النداء .... إلى غير هذا مما يذكره النحاة مفصلا فى أول باب النداء ...
3) قد ينكر العلم لحكمة بلاغية أشرنا إليها مفصلة فى رقم 2 من هامش ص 264.
4) يستثنى من هذا : «جماديان» ؛ تثنية : «جمادى» ؛ علم على الشهر العربى المعروف ، و «عمايتان» لجبلين ، و «أبانان» ؛ لجبلين أيضا ، و «أذرعات» لبلد بالشام ، و «عرفات» الجبل بمكة.
5) راجع شرح المفصل ج 1 ص 46 عند الكلام على المثنى والمجموع من الأعلام.
6) أنواع المركب فى ص 132 وتفصيل الكلام على كل واحد منها سيجىء فى باب العلم ، ص 270 و 278 وما بعدها.
7) كما يجىء فى : «ج» من ص 156.
ذوى «محمد مسافر» وذاتى ... أو : ذواتى «هند مسافرة». والمركب الإسنادى فى كل هذه الحالات مضاف إليه ، مجرور بكسرة مقدرة ، منع من ظهورها حركة الحكاية.
كذلك المركب المزجى : كحضرموت ، اسم بلد عربى ، و «بعلبك» اسم بلد لبنانى ، واسم معبد هناك. أيضا. و «سيبويه» اسم إمام النحاة. فإنه لا يثنى بنفسه مباشرة (1)؛ وإنما يثنى بمساعدة : «ذو ، وذات» بعد تثنيتهما وإضافتهما ؛ تقول : هناك «ذوا» بعلبك ، وذاتا أو : ذواتا بعلبك ، وزرت «ذوى» بعلبك ، وذاتى ، أو ذواتى بعلبك ، ونزلت بذوى بعلبك ، وبذاتى أو : ذواتى بعلبك ، وهكذا ... ومثله المركب العددى ؛ كأحد عشر ، وثلاثة عشر.
ومن العرب من يعرب المركب المزجى بالحرف كالمثنى الحقيقى ؛ فيقول : بعلبكان» و «بعلبكيّن» ، والأخذ بهذا الرأى أسهل وأخف ، لدخوله مع غيره فى القاعدة العامة لإعراب المثنى ؛ فيحسن الاقتصار عليه. وفيهم من يجيز تثنية صدره وحده معربا بالحروف ، ويستغنى عن عجزه نهائيا ؛ فيقول فى حالة الرفع «حضران» فى «حضرموت» ، و «بعلان» فى «بعلبك» ، و «سيبان» فى «سيبويه» وفى حالة النصب والجر يأتى بالياء مكان الألف. ولكن هذا الرأى يوقع فى لبس وإبهام وخلط بين المركب المزجى وغيره ، فيحسن إهماله فى استعمالنا. «أما المركب الإضافى كعبد اللّه» و «عبد العزيز» و «عبد الحميد» ، فلا خلاف فى تتثنية صدره المضاف ، مع إعرابه بالحروف ، وترك المضاف إليه على حاله تقول : هما عبدا اللّه ، وهما عبدا العزيز ، وسمعت عبدى اللّه : وعبدى العزيز ، وأصغيت إلى عبدى اللّه ... إلخ.
أما إذا كان المركب وصفيّا «أى : مكونا من صفة وموصوف ؛ مثل : الرجل الفاضل» - فيثنى الصدر والعجز معا ، ويعربان بالحروف ؛ فتقول : جاء الرجلان الفاضلان ، ورأيت الرجلين الفاضلين ، ومررت بالرجلين الفاضلين وبالرغم من أن هذا هو الرأى الشائع فإنه يوقع فى لبس كبير ؛ إذ لا يظهر معه أنه مثنى ، مفرده مركب وصفى. ولهذا كان من المستحسن تثنيته بالطريقة غير المباشرة ،
1) هذا هو الشائع. وسيجىء هنا - وفى «ب» من ص1. رأى آخر يبيح تثنيته وجمعه مباشرة ، وقد ارتضيناه.
وهى زيادة «ذوا» ، وذوى ، قبله ، وذاتا ، أو ذواتا ... وذاتى ، أو ذواتى ... وبهذا تكون طريقة تثنيته هى طريقة جمعه الآتية (1)...
(5) أن يكون له موافق فى اللفظ موافقة تامة فى الحروف وعددها وضبطها ؛ فلا يثنى مفردان بينهما خلاف فى شىء من ذلك «إلا ما ورد عن العرب ملاحظا فيه «التغليب» كما وضحنا (2).
(6) أن يكون له موافق فى المعنى ، فلا يثنى لفظان مشتركان فى الحروف ، ولكنهما مختلفان فى المعنى حقيقة أو مجازا ، مثل : «عين» للباصرة «وعين» للجارية ، فلا يقال : هاتان عينان ، تريد بواحدة معنى غير الذى تريده من الأخرى.
(7) وجود ثان له فى الكون ، فلا تثنى كلمة : شمس ، ولا قمر ، عند القدامى ؛ لأن كلا منهما لا ثانى له فى الكون فى زعمهم. أما اليوم فقد ثبت وجود شموس وأقمار لا عداد لها ؛ فوجب إهمال هذا الشرط قطعا. إذ لا يوجد فى المخلوقات شىء لا نظير له.
(8) عدم الاستغناء عن تثنيته بغيره ، فلا تثنى - فى الرأى الغالب - كلمتا : «بعض» و «سواء» - مثلا - استغناء عنهما بتثنية جزء ، وسىّ ، فنقول : «جزءان وسيّان» ، ولا تثنى كلمة : «أجمع وجمعاء» فى التوكيد ؛ استغناء بكلا وكلتا فيه. كما لا يثنى العدد الذى يمكن الاستغناء عن تثنيته بعدد آخر ، مثل : ثلاثة وأربعة ؛ استغناء بستة وثمانية (3). ولذلك تثنى مائة وألف ، لعدم وجود ما يغنى عن تثنيتهما. وقد جمعوا الشروط السالفة كلها فى بيتين ؛ هما :
شرط المثنى أن يكون معربا *** ومفردا ، منكرا ، ما ركّبا
موافقا فى اللفظ والمعنى ، له *** مماثل ، لم يغن عنه غيره
وزاد بعضهم شرطا آخر هو : أن يكون فى تثنيته فائدة ؛ فلا يثنى : «كل»
1) فى ص 139.
2) فى هامش ص 109.
3) هذا إن كان المراد من الثلاثة والثلاثة - مثلا - مجموعهما ، فيقال : ستة : بدلا من تثنيتهما. أما إن كان المراد بيان عدد المجموعات من كل فيجوز ؛ كأن تقول : هذه مجموعات أقلام ، عددها ثلاث حزم ، وهذه مجموعات أخرى ، عددها ثلاث حزم أيضا ، والثلاثتان الأوليان مختلفتان عن الثلاثتين الأخريين فى الثمن والجودة ... ثم انظر «د» أول الصفحة الآتية.
ولا يجمع ؛ لعدم الفائدة من ذلك. وكذلك الأسماء التى لا تستعمل إلا بعد نفى عام ، وتقتصر فى الاستعمال عليه ؛ مثل : أحد (1)، وعريب ، تقول : ما فى الدار أحد ، وما رأيت عريبا ... (أى : أحدا)
د - عرفنا أن المثنى يغنى عن المتعاطفين (أى : المعطوف والمعطوف عليه) وأن ما يدل على اثنين من طريق العطف لا يسمى مثنى ؛ مثل : نجم ونجم ؛ ومن هنا لا يجوز إهمال التثنية استغناء بالعطف بالواو ، إلا لغرض بلاغى ، كإرادة التكثير فى مثل : أخذت منى ألفا وألفا ، أو بيان عدد المرات ، وما تحتويه المرة الواحدة ؛ مثل : أرسلت لك الدنانير ، ثلاثة وثلاثة. ثم أرسلت لك كتابا وكتابا (2)... أو : وجود فاصل ظاهر بين المعطوف والمعطوف عليه ، مثل : قرأت كتابا صغيرا ، وكتابا كبيرا ، أو فاصل مقدر ؛ كأن يكون لك أخ غائب اسمه : علىّ ، وصديق غائب اسمه : علىّ ، أيضا ، ثم تفاجأ برؤيتهما معا ، فتقول : علىّ وعلىّ فى وقت واحد!! كأنك تقول : علىّ أخى وعلى صديقى أراهما الآن!!
هذا إن كان العطف بالواو ، فإن كان بغيرها فلا تغنى التثنية - غالبا - لأن العطف بغير الواو يؤدى معانى تضيع بالتثنية ، كالترتيب فى الفاء ، تقول داخل زائر فزائر ، بدلا من دخل زائران ، وهكذا (3).
ه - مما ينطبق عليه تعريف المثنى ، الضمير فى أنتما قائمان ؛ فهو دال على اثنين ، ويغنى عن أنت وأنت ، بما فى آخره من الزيادة الخاصة به ، وهى «ما» ولكنه فى الحقيقة لا يعد مثنى ، ولا ملحقا به ، لسببين :
أولهما : أنه مبنى ، وشرط المثنى أن يكون معربا - كما عرفنا.
وثانيهما : أن الزيادة التى فى آخره ليست هى الزيادة المشروطة فى المثنى.
و - من الملحق بالمثنى : «اثنان» و «اثنتان» (وفيها لغة أخرى : ثنتان) وهما ملحقان به ، فى كل أحوالهما ؛ أى : سواء أكانا منفردين عن الإضافة مثل : جاء اثنان ، جاءت اثنتان ... أم مركبين مع العشرة ؛ مثل : انقضى اثنا عشر يوما ، واثنتا عشرة ليلة (فتعرب اثنا واثنتا على حسب الجملة إعراب المثنى. أما
كلمة : «عشر» وكذا «عشرة» فاسم مبنى على الفتح لا محل له ؛ لأنه بدل من نون المثنى الحرفية (1). أم مضافين إلى ظاهر ، نحو جاءنى اثنا كتبك ، وثنتا رسائلك ، أم أضيفا إلى ضمير ، نحو غاب اثناكما ، وحضرت ثنتاكما ، لكن الصحيح عند إضافتهما للظاهر أو للضمير أن يراد بالمضاف إليه شىء غير المراد من اثنا وثنتا أى : غير المراد من المضاف ؛ فلا يقال حضر اثنا محمود وصالح ، ولا حضر اثناكما ، إذا كان مدلول المضاف إليه فى الحالتين هو مدلول «اثنا» ، أى : مدلول المضاف ، لأنه فى هذه الحالة يؤدى ما تؤديه «اثنان» : و «اثنتان» ومعناه هو معناهما ؛ فالإضافة لا فائدة منها ؛ إذ هى - كما سبق (2)- من إضافة الشىء إلى نفسه ؛ فلا حاجة إليها ، بخلاف ما لو قلنا : جاء اثنا المنزل ، إذا كان المراد صاحبيه ، وجاءت ثنتا المنزل ، إذا كان المراد صاحبتيه ، وجاء اثناكما ، وجاءت اثنتاكما ، والقصد : خادمتا كما ، أو سيارتاكما ... وجاء اثناه واثنتاه ، واثناكم واثنتاكم ... فإن المراد من المضاف هنا غير المراد من المضاف إليه ، وكذلك ما يكون الضمير فيه للمفرد أو الجمع ، نحو : اثناك واثناكم ... وهكذا فلا بد فى المضاف إليه (سواء أكان اسما ظاهرا أم ضميرا) أن يدل على غير الذى يدل عليه المضاف ؛ وهو ؛ الكلمتان : اثنان واثنتان ، وقد سبقت الإشارة لهذا (3)...
ز - إذا أضيف المثنى حذفت نونه ؛ فمثل : سافر الوالدان. من غير إضافة المثنى ، تقول إذا أضفته : سافر والدا علىّ. فإذا أضيف المثنى المرفوع - فقط - إلى كلمة أولها ساكن ؛ مثل : جاءنى صاحبا الرجل ، ومكرما الضيف ... فإن علامة التثنية - وهى الألف - تحذف فى النطق حتما لا فى الكتابة. لكن ما ذا نقول فى إعرابه؟ أهو مرفوع بالألف الظاهرة فى الخط ، أم مرفوع بالألف المقدرة وهى التى حذفت لالتقاء الساكنين (لأنها ساكنة وما بعدها ساكن) والمحذوف لعلة كالثابت؟ يرجح النحاة أن نقول : إنه مرفوع بالألف المقدرة لأنهم هنا يقدمون النطق على الكتابة ويعدون هذه الحالة فى عداد حالات الإعراب التقديرى ، ونرى أنه لا داعى للأخذ بهذا الآن (4).
ح - هناك مفردات محذوفة الآخر ، مثل : أخ ، ويد. أصلهما : أخو ، ويدى. فإذا أريد تثنية هذا النوع فقد يرجع المحذوف حتما أو لا يرجع ، ومما لا يرجع ما حذفت لامه وجاءت همزة الوصل فى أوله عوضا عن لامه المحذوفة ، كالتى فى كلمة «اسم» وكذلك ما لا ترد لامه عند إضافته على حسب القاعدة التالية :
جاء فى شرح المفصل ج 4 ص 151. ما ملخصه :
اعلم أن المحذوف الآخر (أى : محذوف اللام) على ضربين ؛ ضرب يرد إليه الحرف الساقط فى التثنية ، وضرب لا يرد إليه. فمتى كانت اللام المحذوفة ترجع فى الإضافة فإنها ترد إليه - فى الفصيح - عند التثنية. وإذا لم يرجع الحرف المحذوف عند الإضافة لم يرجع عند التثنية ؛ فمثال الأول : أخ وأب ؛ تقول فى تثنيتهما : هذان أخوان ، وأبوان ، ورأيت أخوين وأبوين ، ومررت بأخوين وأبوين ؛ لأنك تقول فى الإضافة ؛ هذا أبوك وأخوك ، ورأيت أباك وأخاك ، وذهبت إلى أبيك وأخيك. فترى اللام قد رجعت فى الإضافة (1)؛ فكذلك فى التثنية ...
ومثال الثانى يدودم ؛ فإنك تقول فى التثنية : «يدان» و «دمان» فلا ترد الذاهب ؛ لأنك لا ترده فى الإضافة. اه. وهذا خير ما يتبع. أما غيره فضعيف لا نلجأ إليه اختيارا(2).
ط - بقيت أحكام تختص بالمثنى ونونه ، وستجىء فى ص 141 وما بعدها ،
ى - سيجىء فى ج 4 ص 457 م 171 باب خاص بطريقة التثنية. وأهمها : تثنية المقصور ، والمنقوص ، والممدود ...
1) لكن : أهذه الواو الظاهرة عند إضافة : «أخ وأب» هى الواو الأصلية التى تعد لام الكلمة ، أم هى واو الأسماء الخمسة؟ رأيان. انظر «د» من هامش ص 137.
2) لهذا الضابط بيان أكمل سيجىء فى «كيفية التنبية والجمع» (ج 4 م 171) وقد عرضه صاحب الهمع (ج 1 ص 44) وكذلك الصبان (ج 4 ص 119 فى آخر باب المقصور والممدود) وقد سبقت الإشارة فى رقم 3 من هامش ص 102 وفى رقم 1 من ص 149.
ا - فاز علىّ. هنّأت عليّا. أسرعت إلى علىّ.
ب - فاز العليون. هنّأت العليين. أسرعت إلى العليين.
نفهم من كلمة : «علىّ» فى القسم الأولى أنه شخص واحد ، ثم زدنا عليها الواو والنون المفتوحة ، أو الياء المكسور ما قبلها ، وبعدها النون المفتوحة ، فصارت تدل على أكثر من اثنين ، كما فى القسم الثانى : «ب». وبسبب هذه الزيادة استغنينا عن أن نقول : فاز علىّ وعلىّ وعلىّ ... و... و... أى : أن زيادة حرفى الهجاء المذكورين أغنت عن عطف كلمتين متماثلتين أو أكثر على نظيرة سابقة ، مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى المعنى والحروف والحركات. فكلمة «العليون» وما يشبهها تسمى : «جمع مذكر سالما» (1)وهو :
«ما يدل على أكثر من اثنين (2)؛ بسبب زيادة معينة فى آخره ، أغنت عن
1) المراد بالسالم : ما سلم فيه صيغة المفرد ؛ وذلك : بأن يبقى المفرد على حاله بعد الجمع لا يدخل حروفه تغيير فى نوعها أو عددها أو حركاتها إلا عند الإعلال فى نحو : المصطفون - القاضون. هذا ، وكلمة «السالم» تعرب صفة للجمع، أو للمذكر ، فتضبط على حسب حالة الموصوف. والأحسن أن تكون صفة للجمع، فتضبط مثله. ومثل هذا يقال فى معنى وضبط كلمة : «سالم» فى جمع المؤنث السالم ؛ ولهذا يسميان : جمعى التصحيح ، لصحة مفردهما فى الغالب عند جمعه عليهما. بخلاف : «جمع التكسير» فإن مفرده لا بد أن يتغير فى الجمع، فكأنما يصيبه الكسر ليدخله التغيير - كما سيجىء فى رقم 2 من هامش ص 135 وفى ص 136 وفى بابه ج 4.
2) هذا فى اصطلاح النحاة. أما اللغويون فقد يطلقون كلمة : «الجمع» على المثنى ، فالجمع عندهم ما دل على اثنين أو أكثر وقد سبق البيان فى 1 من هامش ص 110 وكما يجىء فى بيان يتصل بهذا فى : «ز» من ص 145 وإذا كان جمع المذكر السالم دالا - عند النحاة - على أكثر من اثنين فما حدود هذه الزيادة؟ أتنحصر فى ثلاثة وعشرة وما بينهما ، ولا تزيد على العشرة ، أم تزيد؟ يقول سيبويه إن جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم يدلان - فى الغالب - على عدد قليل لا ينقص عن ثلاثة ، ولا يزيد على عشرة ؛ فهما كجموع القلة التى ينحصر مدلولها فى ثلاثة وعشرة وما بينهما وقال آخرون - ورأيهم الصحيح - إنهما صالحان للأمرين ، ما لم توجد قرينة تعين أحد الأمرين ؛ كالتى تعين الزيادة فى قوله تعالى عن الصالحين : ( ... وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ) وقوله تعالى : ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ، وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ ، وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ ، وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ ) ... و... و... ( أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) وقوله تعالى : ( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي .. ) - وسيجىء هذا فى باب جمع التكسير ج 4 م 172 ص 471. وراجع أيضا خاتمة المصباح المنير ص 954 يعنوان : فصل. الجمع قسمان ...
عطف المفردات المتماثلة فى المعنى والحروف والحركات بعضها على بعض».
فليس من جمع المذكر ما يأتى :
(1) ما يدل على مفرد ؛ مثل : محمود ، أو (محمدين) علما على شخص واحد.
(2) ما يدل على مثنى ، ومنه : المحمودان ... ، أو على جمع تكسير ؛ كأحامد ، جمع أحمد ، أو على جمع مؤنث سالم ، كفاطمات ؛ لخلو هذين الجمعين من الزيادة الخاصة بجمع المذكر السّالم ، ومن الدلالة المعنوية التى يختص بتأديتها.
(3) ما يدل دلالة جمع المذكر ولكن من طريق العطف بالواو ؛ نحو : جاء محمود ، ومحمود ، ومحمود (1)
وهناك بعض حالات يجوز فيها العطف بالواو ، قياسا على التثنية وهى الحالات التي ذكرت . و . من ص ١٢٢ أما العطف بغير الواو فجائز للأسباب المدونة هناك.
.(4) ما يدل دلالة جمع المذكر ، ولكن من طريق الوضع اللغوى وحده ؛ لا من طريق زيادة الحرفين فى آخره ؛ مثل : كلمة : «قوم» إذا كانت بمعنى : الرجال ، فقط.
(5) ما يدل على أكثر من اثنين ، ولكن مع اختلاف فى معنى المفرد ؛ مثل : الصالحون محبوبون ؛ تريد ؛ رجلين يسمى كل منهما : «صالحا» ومعهما ثالث ليس اسمه «صالحا» ، ولكنه تقىّ ، معروف بالصلاح ؛ فأنت تذكره مع الآخرين على اعتبار أنه صالح فى سلوكه لا على أنه شريك لهما فى التسمية.
وقد يكون الاختلاف فى بعض حروف المفرد أو كلها ؛ فلا يصح أن يكون «السعيدون» جمعا لسعد ، وسعيد ، وساعد (أسماء رجال) ، ولا جمعا لمحمود وصالح وفهيم ، كذلك.
1) الوصول إلى معنى جمع المذكر السالم من طريق العطف بالواو غير جائز فى أكثر الأحوال ؛ للاستغناء عنه بالجمع المباشر (أى : بزيادة حرفى الهجاء على المفرد).
وقد يكون الاختلاف فى حركات الحروف (1)، فلا يصح : العمرون قرشيون إذا كان المراد : عمر بن الخطاب ، وعمر بن أبى ربيعة ، وعمرو بن هشام ... (المعروف بأبى جهل).
حكمه : حكم جمع المذكر السالم الرفع بالواو نيابة عن الضمة ، وبعدها النون المفتوحة ، مثل : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) والنصب والجر بالياء المكسور ما قبلها وبعدها النون المفتوحة ، مثل : صادقت المؤمنين ، وأثنيت على المؤمنين.
نوعا جمع المذكر السالم :
الاسم الذى يجمع جمع مذكر سالما نوعان : أحدهما «العلم» والآخر : «الصفة»(2).
ا - فإن كان علما فلا بد أن تتحقق فيه الشروط الآتية (3):
(1) أن يكون علما (4)لمذكر ، عاقل ، خاليا من تاء التأنيث الزائدة (5)، ومن التركيب ، ومن علامة تثنية أو جمع.
1) مثل هذا الجمع وما سبقه مما فيه اختلاف فى معنى المفرد أو حروفه لا يصح إلا من باب : «التغليب» - وقد سبق شرح التغليب ، فى المثنى - رقم 4 من هامش ص 109 - والعرب تغلب المذكر عند الجمع ، ولو كان أقل عددا من المؤنث ، مثل : محمود والزينبات متعلمون. كما تغلب العاقل ولو كان قليل العدد على غيره ؛ مثل : محمود والعصافير يأكلون ، والتغليب المسموع فى الجمع كثير ، يسوغ لنا تفضيل الرأى الذى يجبز القياس عليه ، بشرط أن تقوم قرينة تدل على أن المتكلم قد استخدمه فى كلامه.
2) العلم قد يكون جامدا ؛ أى : يدل على مجرد الذات من غير زيادة شىء عليها ، ولا ملاحظة أمر آخر سواها ؛ مثل : الفضل ، الفتح ، سعد ، أسماء أشخاص. أما الصفة (ويراد بها المشتق ولا يراد بها النعت هنا) فلا تدل على الذات وحدها قبل العلمية ؛ وإنما تدل عليها وعلى شىء آخر معها ؛ مثل : «عالم» ؛ «كامل» ، «نبيل» ، فكل واحدة من هذه الصفات المشتقة قبل العلمية تدل على ذات ومعها شىء آخر ؛ هو : العلم ، أو الكمال : أو النبل ... فإذا صارت علما على شخص تجردت من الوصف الزائد ، وصارت جامدة تدل على مجرد الذات ؛ مثل : (فاضل) علم على شخص ، فإنها لا تدل بعد العلمية إلا على الذات ، ويبقى لها الأمران إذا لم تكن علما ؛ فهى بعد العلمية اسم جامد وإن كانت فى أصلها مشتقة. - كما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص2. (راجع ج 3 ص 144 م 98).
3) وهى غير الشروط العامة الأخرى التى لا بد من تحققها فيه. وتنحصر الشروط العامة فى شروط المثنى التى تقدمت فى «د» من ص 117 فإنها شروط لجمع المذكر السالم أيضا.
4) أى : علم شخص. أما علم الجنس فلا يجمع منه هذا الجمع إلا بعض ألفاظ للتوكيد المعنوى تفيد الشمول - كما سيجىء فى رقم 5 من هامش ص129. مثل : أجمع ، فيقال : أجمعون ، لأنه فى الأصل مشتق ، إذا أصله «أفعل تفضيل» قبل أن يتحول إلى التوكيد.
5) انظر إيضاحها فى ص 132. وكذا حكم المختوم بألف التأنيث إذا أريد جمعه جمع مذكر سالما.
فإن لم يكن علما لم يجمع هذا الجمع ، فلا يقال فى رجل : رجلون (1)، ولا فى غلام ؛ غلامون ...
وإن كان علما لكنه لمؤنث ، لم يجمع أيضا ؛ فلا يقال فى زينب : زينبون ، ولا فى سعاد : سعادون. والعبرة فى التأنيث أو عدمه ليست بلفظه ، وإنما بمعناه ، وبما يدل عليه ، فكلمة : سعاد ، أو زينب ، إن كانت علما لمذكر ، واشتهرت بذلك - فإنها تجمع جمع مذكر سالما ، وكلمة : حامد أو حليم ... إن كانت علما معروفا لمؤنث لم تجمع هذا الجمع.
وإن كان علما لمذكر لكنه غير عاقل (2)لم يجمع أيضا ، مثل : «هلال» وهو علم على : حصان ، و «نسيم» علم على : زورق ...
وكذلك إن كان علما لمذكر عاقل ، ولكنه مشتمل على تاء التأنيث الزائدة مثل : حمزة ، وجمعة ، وخليفة ، ومعاوية ، وعطية ... ، فإنه لا يجمع جمع مذكر (3)، ولا يصح هنا ملاحظة المعنى ؛ لوجود علامة التأنيث فى اللفظ ؛ فيقع بينها وبين علامة جمع المذكر التناقض والتعارض بحسب الظاهر ، كما لا يصح أن تحذف ؛ لأن حذفها يوقع فى لبس ؛ إذ لا ندرى أكانت الكلمة مؤنثة اللفظ قبل الجمع أم لا؟ لهذا اشترطوا خلو المفرد من تاء التأنيث الزائدة كما قلنا ...
وكذلك إن كان مركبا تركيب إسناد ، مثل : فتح اللّه - رام اللّه - رزق اللّه ... ؛ فإنه لا يجمع مباشرة باتفاق ؛ وإنما يجمع بطريقة غير مباشرة ،
1) إلا إذا دخله التصغير ، : مثل : رجيل ، ورجيلون ، أو عند إلحاق ياء النسب بآخره ؛ مثل : إنسانى وإنسانيون وغلامىّ ، وغلاميون ؛ لأن التصغير أو النسب يفيده نوعا من الوصف ، فكأنه مشتق ؛ فيدخل فى قسم الصفة الآتى.
2) ليس المراد بالعاقل أن يكون عاقلا بالفعل ؛ وإنما المراد أنه من جنس عاقل ؛ كالآدميين والملائكة ؛ فيشمل المجنون الذى فقد عقله ، والطفل الصغير الذى لم يظهر أثر عقله بعد. وقد يجمع غير العاقل تنزيلا له منزله العاقل ؛ فيكون جمع مذكر ، وقيل. هو ملحق به ؛ مثل قوله تعالى : ( إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) فالسجود لا يكون إلا من العاقلين ، ولكن اللّه نزل الكواكب والشمس والقمر منزلة العاقلين ؛ لأنها فعلت فعلهم. ومثلها قوله تعالى عن السماء ( فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، قالَتا : أَتَيْنا طائِعِينَ ) - (أتينا طائعين).
3) ويجمع قياسا جمع مؤنث سالما. والكوفيون يجيزون جمعه جمع مذكر سالما بعد حذف تائه ، فقد جاء فى كتاب الإنصاف - ص18. ما نصه : (ذهب الكوفيون إلى أن الاسم الذى فى آخره تاء التأنيث إذا سميت به رجلا - يجوز أن يجمع بالواو والنون ؛ وذلك نحو : طلحة وطلحون ، وإليه ذهب أبو الحسن بن كيسان إلا أنه يفتح اللام ؛ فيقول : «الطلحون» ؛ كما قالوا : «أرضون» ؛ حملا على : «أرضات». وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز). اه والواجب الاقتصار - هنا - على المذهب البصرى لمسايرته الأعم الأفصح ، ولخلوه من اللبس.
بأن تسبقه كلمة : «ذو» مجموعة ويبقى هو على حاله لا يدخله تغيير مطلقا ، فى حروفه ، وحركاته ، مهما تغيرت الأساليب فيقال : «ذوو كذا» رفعا ، «وذوى» نصبا وجرّا ؛ فتغنى عن جمعه كما سيجىء (1)...
أو : مركبا تركيب مزج ، كخالويه ، وسيبويه ، وسعد يكرب ، أو : تركيب عدد ؛ كأحد عشر ، وثلاثة عشر ، وأربعة عشر ... والمشهور فى هذه المركبين عدم جمعهما جمعا مباشرا ؛ فيستعان بكلمة : «ذو» مجموعة على : (ذوو ، وذوى) ؛ فتغنى عن جمعهما ، كما سيجىء أيضا (2)...
أما المركب الإضافى كعبد الرحمن وعبد العزيز فيجمع صدره المضاف ؛ ويبقى العجز (وهو المضاف إليه) على حاله من الجر (3)تقول : اشتهر عبدو الرحمن ، وصافحت عبدى الرحمن ، وسلمت على عبدى الرحمن.
ولا يجمع ما آخره علامة تثنية ، أو علامة جمع مذكر ؛ مثل : المحمدان أو المحمدين (علما على شخص) والمحمدون أو المحمدين علما كذلك (4).
ب - وإن كان صفة (أى : اسما مشتقّا) فلا بد أن تتحقق فيه الشروط الآتية : أن تكون الصفة لمذكر ، عاقل ، خالية من تاء التأنيث ، ليست على وزن أفعل (5)(الذى مؤنثه فعلاء) ، ولا على وزن فعلان (الذى مؤنثه فعلى) ، ولا على وزن صيغة تستعمل للمذكر والمؤنث.
1) فى ص 132.
2) فى ص 132 عند الكلام على جمع المركب حيث تجد رأيا آخر ارتضيناه - وستجىء إشارة أخرى لجمع أنواع المركب فى الجزء الرابع ، آخر. «باب جمع التكسير».
3) بالتفصيل الذى فى ص 133.
4) لأن جمع العلم المشتمل على علامة التثنية يؤدى إلى أن يجتمع فى اللفظ الواحد علامة التثنية مع علامة الجمع ؛ وهذا يؤدى إلى الاختلاف والتعارض بين معنى التثنية وعلامتها ومعنى الجمع وعلامته ، وكذلك جمع العلم المشتمل على علامة الجمع يؤدى إلى أن تتكرر فى العلم المجموع علامة الجمع ، وهذا لا يقع فى العربية. وقد يقتضى الأمر - أحيانا - التسمية بهذا الجمع - أو ملحقاته - ، وفى هذه الحالة لا تزاد علامة للجمع جديدة ، وإنما تترك العلامة السابقة على حالها ؛ ويعرب الجمع بالحركات الظاهرة على النون - وهذا أوضح اللغات المتعددة الواردة فيه ، وسنذكرها فى ص 139 وإذا سمى بهذا الجمع فقد يقتضى الأمر جمع هذا الاسم الذى سمى به. وستجىء طريقة ذلك فى «ب» من ص 140.
5) ليس من هذا وزن «أفعل» الذى كان فى أصله صفة داخلة فى باب «أفعل التفضيل» ثم تركت الوصفية ، وصارت علم جنس يعرب توكيدا معنويا ، يفيد الشمول ، ويصح جمعه جمع مذكر ؛ - طبقا لما سبق فى رقم 4 من هامش ص 127 - ومن ألفاظه : أجمع.
فإن كانت الصفة خاصة بالمؤنث ، لم تجمع جمع مذكر سالما ؛ منعا للتناقض بين ما يدل عليه المفرد ، وما يدل عليه جمع المذكر ، مثل : «مرضع» فلا يقال : مرضعون ، وكذلك إن كانت لمذكر ، ولكنه غير عاقل (1)؛ مثل : صاهل ، صفة «للحصان» أو : ناعب ، صفة للغراب ، فلا يقال : صاهلون ولا ناعبون ، أو : كانت مشتملة على تاء تدل على التأنيث ؛ نحو : قائمة ؛ فلا يصح : قائمتون (2).
وكذلك ما كان على وزن : «أفعل» (الذى مؤنثه ، فعلاء) نحو أخضر ؛ فإن مؤنثه : خضراء ، وأبيض ، فإن مؤنثه : بيضاء ، فلا يقال أخضرون ، ولا أبيضون ، على الأصحّ (3)
لأن هذه الصيغ تقرب من الفعل ... أو لا تقرب ؛ والفعل لا يجمع. كما يقول الصبان وكما يقول شارح المفصل (فى ج ٥ ص ٥٩ و ٦٠ ) ...؟ كل هذه العلل وأشباهها واهية ، وخاصة بعد الوارد الفصيح ، وهو كثير ، وبعد إجازتهم في التفضيل ما كان منها على وزن : «أفعل» دالا على أمر معنوى ؛ نحو : أحمق وأبيض القلب. ونحو : فلان أبيض سريرة من فلان ، أو : أسود سريرة منه ، بمعنى أنه أطيب منه نفسا ، أو أخبث منه ... أو نحو هذا ... (كما سيجيء ء البيان والأدلة في باب : «أفعل التفضيل ج ۳ ص ٣٢٥ م ١١٢) وسيجيء في رقم ٢ من هامش ص ١٤٨ وفى «د» من ص ١٥٦ . أن النحاة يقولون : (ما لا يصح جمعه جمع مذكر سالما لا يصح في مؤنثه أن يجمع جمع مؤنث سالما) ولذا يمنعون تلك الصيغ والألفاظ أن تجمع جمع مؤنث سالما ؛ استنادا إلى الرأى البصري السالف. وقد بان ما فيه ، فلا ينظر إليه في الجمعين.
. ومثله ما كان على وزن فعلان (الذى مؤنثه فعلى) ، مثل سكران وسكرى (4). وكذلك ما كان على صيغة تستعمل للمذكر والمؤنث ، كصيغة ، مفعال كمهذار (5)، ومفعل ؛ كمغشم (6). وفعول (7) ؛ مثل : صبور وشكور ،1) بأن تكون اشتهرت فى العرف بأنها لغير العاقل.
2) لا يصح جمع الصفة المشتملة على تاء التأنيث جمع مذكر سالما ؛ سواء أكانت التاء باقية على دلالتها على التأنيث ، نحو : قائمة ، كاتبة ، خطيبة ، شاعرة ، أم كانت دالة على التأنيث بحسب الأصل ، ثم انتقلت منه وتركته لتأدية معنى آخر ؛ كالمبالغة فى مثل : «علّامة» لكثير العلم و «فهيّامة» لكثير الفهم و «راوية» لكثير الرواية ، وهى حفظ الأخبار والأحاديث. فالتاء فى هذه الكلمات وأشباهها للمبالغة ، ولكنها بحسب وضعها الأول للتأنيث ؛ فيلاحظ الأصل دائما ، ولا عبرة - فى الرأى الراجح - بما طرأ عليه
3) (3 و 3) فى رأى البصريين ومن يؤيدهم. ويخالفهم الكوفيون فلا يتمسكون بشرطى «أفعل» و «فعلان» ومؤنثهما. وأدلتهم وشواهدهم كثيرة مقبولة. ولا معنى اليوم لإهدار رأيهم وخاصة إذا منع لبسا ، وإن كان الأول أكثر وأفصح ؛ وكان ابن كيسان يقول : لا أرى فى الرأى الكوفى بأسا - كما جاء فى المفصل ج 5 ص 59 و60. ورأيه سديد ... فلم المنع؟ أيكون بسبب أن هذه الصفات لا أفعال لها ولا مصادر ، كما قد يتوهم بعض النحاة؟ وتوهمه بعيد عن الحق ، فقد ذكر ابن القطاع فى كتابه : «الأفعال» كغيره من أكثر اللغويين أن لهذه الصفات أفعالا صحيحة ، واردة بكثرة عن العرب. أم.
4) كثير الهذر ؛ وهو : الخلط ، والكلام بما لا يليق.
5) الشجاع الذى لا يمنعه شىء عن قصده.
6) يستعمل للمذكر والمؤنث ، بشرط أن يكون بمعنى : «فاعل» وقبله موصوفه ، أو ما يقوم مقامه بالتفصيل الذى سيجىء فى باب : «التأنيث» - ج 4 ص 437 م 169 ، فإن جعل علما جاز جمعه.
وفعيل (1)؛ مثل : كسير وقطيع ؛ إذ لا يتأتى أن يكون المفرد صالحا للمذكر والمؤنث معا وجمعه لا يكون إلا للمذكر ؛ فيقع اللبس والخلط بسبب هذا.
إلى هنا انتهت الشروط الواجبة فيما يجمع أصالة (2)
وارفع بواو وبيا اجرر وانصب *** سالم جمع عامر ، ومذنب
يشير بعامر : للعلم ، وبمذنب : للصفة.
جمع مذكر سالما. .1) يستعمل للمذكر والمؤنث ، على سبيل الأغلبية الراجحة ، لا على سبيل التحتيم ، بشرط أن يكون بمعنى «مفعول» وقبله موصوفه أو ما يقوم مقامه واستعمال هذه الصيغة فى المذكر والمؤنث هى والصيغ التى قبلها خاضع للتفصيل المدون فى باب التأنيث (ج 4 ص 437 م 169) فإن جعل علما جاز جمعه. ومثله كل وصف آخر يستعمل للمذكر والمؤنث فى الأصل ثم ترك أصله وصار علما
2) وإلى ما سبق يشير ابن مالك بقوله :
ا - اشترطوا (1)فى العلم أن يكون خاليا من تاء التأنيث الزائدة - إلا عند الكوفيين - والمراد بها : التى ليست عوضا عن فاء الكلمة ؛ أو عن لام الكلمة ، لأنها عوض عن أصل فهى كالأصيلة. فالأولى مثل : عدة ، أصلها : وعد ، حذفت الواو ، وعوض عنها تاء التأنيث ، والثانية مثل : مئة. وأصلها : مئو ؛ حذفت الواو وعوض عنها تاء التأنيث.
فإن كانت عوضا عن أصل وجعل اللفظ اسما لمسمى (أى : صار علما) فإنه يجمع قياسا بعد حذفها. ويكون من الجموع الحقيقية ؛ تقول : «عدون» لجمع مذكر ، ومثلها : مئون ؛ أما إذا لم يجعل علما ، فإنه يصح جمعه إن كان محذوف اللام ، مثل : الجيش مئون ، ولكنه يعد من ملحقات جمع المذكر السالم.
أما ألف التأنيث المقصورة أو الممدودة فلا يشترط خلوه منها ، فلو سمينا رجلا بسلمى ، أو : صحراء ، حذفت فى جمع المذكر السالم الألف المقصورة ، وقلبت همزة الممدود واوا ، فيقال : السّلمون والصحراوون (أعلام رجال).
ب - لا يجمع المركب الإسنادى جمع مذكر سالما إلا بطريقة غير مباشرة ؛ - - كما سبق (2)- وذلك بأن نأتى قبله بكلمة : «ذوو» أو : «ذوى» (وهما جمع : «ذو» و «ذى») فنقول : غاب ذوو فتح اللّه ، وأكرمنا ذوى فتح اللّه ، وسلمنا على ذوى فتح اللّه (3). وهذا باتفاق.
أما المركب المزجى فأشهر الآراء أنه لا يجمع إلا بالطريقة السابقة غير المباشرة (4). وهناك رأى آخر يجيز جمعه مباشرة - وكذلك تثنيته - ، فيقال : جاء خالويهون ، وشاهدت خالويهين ، وقصدت إلى خالويهين. ومثله سيبويه ، ومعد يكرب (اسم رجل) وغيرهما من باقى المركبات المزجية ، وهذا الرأى أسهل الآراء. وأجدرها بالقبول ، لدخوله فى الحكم العام لجمع المذكر السالم (5)وبعده من اللّبس. كما سيجىء فى : «ج».
وأما المركب التقييدى ؛ وهو : المركب من صفة وموصوف مثل : محمد الفاضل ، أو من غيرهما ؛ مما لا يعدّ فى المركبات السابقة - فالأشهر أن يقال فى جمعه : ذوو «محمد الفاضل» ، فلا يجمع مباشرة ، وإنما يتوصل إلى جمعه بكلمة (ذوو) رفعا و (ذوى) نصبا وجرّا.
وقد سبق (1)أن قلنا إن المركب الإضافى يجمع صدره دون عجزه. وهذا صحيح إن كان المضاف وحده هو المتعدد ، دون المضاف إليه ؛ كما نقول فى «عبد اللّه» عند الجمع : عبدو اللّه. أما إن تعدد أفراد المضاف وأفراد المضاف إليه معا (كعبد السيد والمضاف والمضاف إليه مصريان مثلا - ، وعبد السيد والمضاف والمضاف إليه شاميان - مثلا - ، وعبد السيد لعراقيين) ، فالواجب جمع المضاف والمضاف إليه معا جمع مذكر سالما ؛ فنقول : عبدو السيّدين ، أو جمع تكسير ، فتقول : عبيد السادة.
ح - سبق (2)أنه يشترط فى الاسم الذى يجمع جمع مذكر سالما ، ما يشترط فى الاسم المراد تثنيته ؛ ومن شروطه : أن يكون معربا ... فلو كان مبنيّا لزوما مثل : هؤلاء ، أو : حذام (على أنها أعلام رجال) لم يجز جمعه مباشرة ، وإنما يجمع بطريق الاستعانة بكلمة : (ذوو) رفعا و «ذوى» نصبا وجرا.
ولما كانت كلمة «سيبويه» و «خالويه» وأشباهها هى من الكلمات المبنية لزوما - كان حقها ألا تجمع جمع مذكر سالما إلا بالاستعانة بكلمة : «ذوو» ، و «ذوى». لكنهما من ناحية أخرى يدخلان فى قسم المركب المزجى وقد آثرنا - فى الصفحة السابقة - الرأى الذى يبيح جمعه مباشرة جمع مذكر سالما.
د - سيجىء - فى ج 4 ص 457 م 171 - باب خاص بطريقة جمع الاسم جمع مذكر سالما ، وأهمها طريقة جمع : المقصور ، والممدود ، والمنقوص جمع مذكر سالما.
ألحق النحاة بجمع المذكر فى إعرابه أنواعا أشهرها : خمسة ؛ فقد كلّ نوع منها بعض الشروط ، فصار شاذا ملحقا بهذا الجمع ، وليس جمعا حقيقيّا ، وكل الأنواع الخمسة سماعىّ ؛ لا يقاس عليه ؛ - لشذوذه - وإنما يذكر هنا لفهم ما ورد منه فى النصوص القديمة.
أولها : كلمات مسموعة تدل على معنى الجمع ، وليس لها مفرد من لفظها ، ولكن لها مفرد من معناها ، مثل كلمة : «أولو» فى قولنا : «المخترعون أولو فضل» ، أى : أصحاب فضل ؛ فهى مرفوعة بالواو نيابة عن الضمة ، لأنها ملحقة بجمع المذكر السالم ؛ إذ لا مفرد لها من لفظها ، ولها مفرد من معناها ، وهو : صاحب. وهى منصوبة ومجرورة بالياء نيابة عن الفتحة أو الكسرة فى قولنا : كان المخترعون «أولى» فضل. وانتفعت من «أولى» الفضل. ومثل هذه الكلمة بسمى : اس جمع (1).
ومن الكلمات المسموعة : أيضا كلمة : (عالمون). ومفردها : عالم ، وهو ما سوى اللّه ، من كل مجموع متجانس من المخلوقات ، كعالم الحيوان ، وعالم النبات ، وعالم الجماد ؛ وعالم المال ، وعالم الطائرات ... إلخ.
وكلمة : «عالم» تشمل المذكر والمؤنث والعاقل وغيره. فى حين أن كلمة : «عالمون» لا تدل إلا على المذكر العاقل ، فهى تدل على معنى خاص بالنسبة لما يندرج تحت كلمة «عالم» (2)، والخاص لا يكون جمعا للعام ؛ لهذا كان
1) هو ما يدل على أكثر من اثنين ، وليس له مفرد من لفظه ومعناه معا ، وليست صيغته على وزن خاص بالتكسير ، أو غالب فيه. ومن الأمثلة : إبل - جماعة - فلك - ... وقد سبقت له إشارة عابرة فى رقم 1 من هامش ص 110. أما البيان الوافى عنه ، وعن حالاته المختلفة وأحكامه ففى ج 4 ص 510 م 174 باب جمع التكسير
2) فدلالتها داخلة فيما يسمى : «العموم الشمولى» مع أن دلالة كلمة : «عالم» داخلة فيما يسمى : العموم البيدلى» الذى هو دلالة الكلمة المفردة على معنى عام ، فإذا جمعت جمع مذكر سالما دلت على معنى خاص بالنسبة لمعناها قبل جمعها. فكلمة : «عالم» تدل على المخلوقات العاقلة وغير العاقلة ، فإذا جمعت جمع مذكر فقيل فيها : «عالمون» صارت مقصورة الدلالة على العاقلين وحدهم.
«عالمون» إما اسم جمع لكلمة : «عالم» وليس جمعا له ؛ وإمّا جمعا له غير أصيل ولكن بتغليب المذكر العاقل على غيره. وفى هذه الحالة لا تكون جمع مذكر سالما حقيقة ؛ لأن اللفظة ليست علما ولا صفة ، وإنما تلحق به كغيرها مما فقد بعض الشروط.
ثانيها : من الكلمات المسموعة ، ما لا واحد له من لفظه ولا من معناه ، وهى : عشرون (1)، وثلاثون ، وأربعون ، وخمسون ، وستون ، وسبعون ، وثمانون ، وتسعون ، وهذه الكلمات تسمى : «العقود العددية» وكلها أسماء جموع أيضا.
ثالثها : كلمات مسموعة أيضا ؛ ولكن لها مفرد من لفظها. وهذا المفرد لا يسلم من التغيير عند جمعه ، فلا يبقى على حالته التى كان عليها قبل الجمع ؛ ولذلك يسمونها ، جموع تكسير (2)
(انظر رقم من هامش ص 125)
، ويلحقونها بجمع المذكر فى إعرابها بالحروف ؛ مثل : بنون ، وإحرّون ، وأرضون ، وذوو ، وسنون وبابه (3). فكلمة : «بنون» : مفردها. «ابن» حذفت منه الهمزة عند الجمع ، وتحركت الباء ؛ وكلمة : «إحرّون» «مفردها : «حرّة» (4)، زيدت الهمزة فى جمعها. «وأرضون» (بفتح الراء) لا مفرد لها إلا : أرض (بسكونها) ؛ فتغيرت حركة الراء عند الجمع من سكون إلى فتح. هذا إلى أن المفرد مؤنث ، وغير عاقل. و «ذوو» فى الجمع مفتوحة الذال ، مع أن مفردها : «ذو» مضموم الذال. «وسنون» مكسورة السين فى1) ولا يقال إن عشرين مفردها : عشر ؛ لئلا يلزم على ذلك صحة إطلاق عشرين على ثلاثين ، وإطلاق ثلاثين على تسعة ، وهكذا ... ، ذلك لأن أقل الجمع النحوى - لا اللغوى - ثلاثة ، من مفرده ؛ فلو كان مفرد العشرين هو : «عشر» لكانت عشرون صادقة على (3* 10) أى : ثلاث عشرات على الأقل ، ومجموعها يساوى ثلاثين. ولو كان مفرد الثلاثين هو : «ثلاث» لكانت الثلاثون صادقة على 3* 3 أى : على تسعة ، وهكذا مما هو ظاهر الفساد ...
2) لأن جمع التكسير هو الذى يتغير فيه صيغة المفرد حتما ، ولا يبقى مفرده سليما عند الجمع ؛ فلا بد فيه من تغيير ؛ إما فى عدد حروفه فقط ، وإما فى حركاته فقط ، وإما فيهما معا. بخلاف جمع المذكر السالم الحقيقى ، فإن صيغة مفرده لا يدخل عليها تغيير بعد الجمع إلا للإعلال ، ونحوه.
3) المراد من باب : «سنة» كل اسم ثلاثى حذفت لامه ، وعوض عنها تاء التأنيث المربوطة ، ولم يعرف له عند العرب جمع تكسير معرب بالحركات ، ولم يعرف له - أيضا - مفرد مذكر ورد عنهم مجموعها بالواو والنون ، أو بالياء والنون. وبالشرط الأخير خرج نحو : «هنة» فإن مذكرها. - وهو : «هن» - ورد عن العرب مجموعا جمع المذكر ، فلو جمعت كلمة. «هنة» جمع مذكر أيضا لالتبس المؤنث بالمذكر.
4) أرض ذات حجارة مجوفة سود ؛ كأنها أحرقت بالنار.
الجمع ، مفتوحتها فى المفرد ، وهو : «سنة» ، فضلا عن أنها لمؤنث غير عاقل أيضا ، - وأصلها «سنة» أو «سنو» ، بدليل جمعهما على «سنهات» و «سنوات» - ثم حذفت لام الكلمة ، (وهى الحرف الأخير منها) ، وعوض عنه تاء التأنيث المربوطة ، ولم ترجع الواو عند الجمع. -
ومن الكلمات الملحقة بهذا الجمع سماعا (1)، والتى تدخل فى باب «سنة» كلمة : عضة ، وجمعها : عضون (بكسر العين فيهما). وأصل الأولى : «عضه ، بمعنى : كذب وافتراء. أو : عضو. بمعنى : تفريق. يقال فلان كلامه عضه ، أى : كذب ، وعمله عضو بين الأخوان ، أى : تفريق وتشتيت ؛ فلام الكلمة هاء ، أو واو. ومثلها «عزة» ، جمعها : عزون (بالكسر فيهما). والعزة : الفرقة من الناس ، وأصلها عزى ؛ يقال : هذه عزة تطلب العلم ... وأنتم عزون فى ميدان العلم. وأيضا : «ثبة» بالضم ، وجمعها : ثبون ، بضم أول الجمع أو كسره. والشّبة «الجماعة» ، وأصلها ثبو ، أو : ثبى ، يقال : الطلاب مختلفون : ثبة مقيمة. وثبة مسافرة ، وهم ثبون (2).
وعلى ضوء ما سبق نعرف السبب فى تسمية تلك الكلمات المسموعة بجمع التكسير ، لأن تعريفه وحده هو الذى ينطبق عليها ، دون غيره من جمعى التصحيح ؛ إذ هو «ما تغيّر فيه بناء الواحد» وقد تغير بناء واحدها (3)
ا . تمرة ، لعدم وجود حذف فيها.
ب . عدةة وزنة ، غير علمين ، لأن المحذوف من كل واحدة هو فاء الكلمة ، فأصل الأولى «وعد» . والثانية : «وزن» ، حذفت الفاء وعوض عنها تاء التأنيث المربوطة. أما إن كانا علمين ، للمذكر فإنه يجوز جمعهما بعد حذف التاء من آخرهما بالصورة التي سبقت في «ا» من ص ١٣٢.
ح . اسم (وأصلها : «سمو». بضم السين وكسرها ، وسكون الميم وأخت وبنت ، وأصلهما : «أخرو». و «بنو» ، على المشهور فيهما ؛ حذفت اللام في الثلاثة ، وعوض عنها الهمزة في أول كلمة : اسم ، وسكنت السين ، وعوضت التاء المفتوحة لا المربوطة في الأخيرتين. وشذ : بنون.
د . يد ، ودم. أصلهما : «يدى» و «دمی» ؛ حذفت اللام ، ولم يعوض عنها شيء وشذ. أبون وأخون ، لأن مفردهما واوى اللام. وقد حذفت الواو التي هي لام الكلمة بغير رد ، ولا تعويض. أما الواو الموجودة فقيل : هي الواو التي ترفع بها الأسماء الستة في لغة من يرفعها بالواو مع . حذف لامها وهى لغة «النقص» التي شرحناها . في ص ١۰۲ و ١٠٤ . فيستعمل اللفظ في حالة جمعه ناقصا كما كان في حالة إفراده وعدم إضافته. ومثل أب وأخ بقية الأسماء الستة على الرأى القائل بأنها وردت عن العرب مجموعة جمع مذكر ؛ أي : هنون ، وحمون ، وذوون ، وفون ... ولا يمنع النحاة أن تكون الواو الأصلية التى هى لام الكلمة قد رجعت عند الجمع ثم حذفت. فأصل الكلمة عند الجمع كما يقولون : «أبوون» ثم حركت الباء بالضمة إتباعا للواو . كما يحصل أحيانا كالإتباع في المفرد المضاف ، نحو : أبي . بعد حذف فتحة الباء. ثم حذفت ضمة اللام ، لثقلها ، وطلبا للتخفيف بحذفها ، فالتقى ساكنان ؛ الواو الأصلية وواو الأسماء الستة ؛ فحذفت الواو الأصلية التى هى لام الكلمة ؛ فأنها رجعت ثم حذفت كما يتخيلون. وهذه الصور الخيالية لا أثر لها فى ضبط الكلمة وصحة المعنى. فالواجب الانصراف عنها وإهمالها ؛ لما فيها من تكلف واضح لا داعى له ... وللحكم السابق بعض تشابه بما سبق في رقم ١ من هامش ص ١٢٤. هـ . شاة ، وشفة ؛ لأن لكل واحدة منهما جمع تكسير مسموعا عن العرب ، ومعربا بالحركات ؛ يقال : في الحقل شياه كثيرة ، وللإبل شفاه غليظة. وأصل شاه : شوه ؛ حركت الواو بالفتح للتخفيف . كما يقولون . فقلبت ألفا ؛ فصارت : شاه ، ثم حذفت الهاء وعوض عنها تاء التأنيث المربوطة فصارت : شاة.
وأصل شفة هو : «شفه» حذفت الهاء ، وعوض عنها تاء التأنيث المربوطة).
.1) لأن باب «سنة» (أى : ما يشبهها ...) سماعى ... وهذه القيود الموضوعة له إنما هى لضبط ما سمع، لا لقياسيته ؛ فالأمر فيه كغيره مسموع.
2) الغالب فى باب «سنة» وأخواتها : أن ما كان منه مفتوح الفاء فى المفرد فإنه يكسر فى الجمع ؛ مثل : سنة وسنين. وما كان مكسور الفاء فى المفرد لم يتغير فى الجمع ؛ مثل : مائة ومئين. وما كان مضموم الفاء يجوز فيه الكسر والضم ، مثل : ثبة وثبين.
3) وكذلك نعرف السبب فى امتناع جمع الكلمات الآتية جمع مذكر سالما ، وفى عدم إدخالها فى ملحقاته.
رابعها : كلمات مسموعة لم تستوف بعض الشروط الأخرى الخاصة بجمع المذكر ؛ فألحقوها به ، ولم يعتبروها جمعا حقيقيّا. ومن هذه الكلمات ، «أهل». فقد قالوا فيها : أهلون. مثل :
وما المال والأهلون إلا ودائع *** ولا بد يوما أن ترد الودائع
فجمعوها مع أنها ليست علما ولا صفة. ومنها : «عالمون» ؛ ليست علما ، ولا صفة أيضا. وقد تكلمنا عنها من وجهة أخرى فيما سبق. ومنها : «وابل» ؛ بمعنى : مطر غزير. يقال : غمر الوابلون الحقول. فجمعوها ، مع أنها ليست علما ولا صفة ، ولا تدل على عاقل ...
خامسها : كلمات من هذا الجمع المستوفى للشروط ، أو مما ألحق به ، ولكن سمى بها (1)
أما طريقة إعراب المسمی به ففي ص 139.
، وصارت أعلاما. فمن أمثلة الأول المستوفى للشروط «حمدون». «وعبدون». و «خلدون» و «زيدون» أعلام أشخاص معروفة قديما وحديثا.1) تصح التسمية بجمع المذكر السالم وغيره من الجموع الأخرى للداعى البلاغى الذى قصده العرب فى جاهليتهم وإسلامهم من التسمية بتلك الجموع وبالمثنى - كما سبق فى «ح» من ص 116 - ، ومن أهم الدواعى المدح ، والذم ، والتمليح ... ومما يؤيد هذا مجىء واو الجماعة فى مخاطبة المولى جل شأنه كالتى فى قوله تعالى حكاية لما يقوله يوم القيامة المعاند الجاحد فضل ربه : «رب ارجعون ؛ لعلى أعمل صالحا فيما تركت» كما يؤيده أن الضمير «نحن» موضوع للمتكلم الذى معه غيره ، أو للمتكلم وحده إذا أراد تعظيم نفسه.
ومثال الثانى : «علّيّون». (اسم لأعالى الجنة) المفرد : علّىّ. بمعنى المكان العالى ، أو عليّة ، بمعنى : الغرفة العالية. وهو ملحق بالجمع ، لأن مفرده غير عاقل.
سادسها : كل اسم من غير الأنواع السابقة يكون لفظه كلفظ الجمع فى اشتمال آخره على واو ونون ، أو ياء ونون ، لا فرق فى هذا بين أن يكون نكرة ؛ مثل : «ياسمين» و «زيتون» أو علما مثل : «صفّين» و «نصيبين» و «فلسطين» (1)
وارفع بواو ، وبيا اجرر وانصب *** سالم جمع عامر ومذنب
وشبه ذين ، وبه عشرونا *** وبابه ألحق ، والأهلونا
أولو ، وعالمون ، علّيّونا *** وأرضون ، شذّ ، والسّنونا
وبابه ، ومثل حين قد يرد *** ذا الباب. وهو عند قوم يطّرد
يريد يشبه ذين : ما أشبه : «عامرا» من كل علم ، مستوف للشروط ، وما أشبه كلمة : «مذنب» ، فى أنه صفة مستوفية كذلك. ثم يقول ألحق به عشرون وبابه. والمراد ببابه أخوات عشرين من العقود العددية التى ذكرناها ، وكذلك أهلون ، وأولو ، وعالمون ، وعليون.
ثم قال : وشذ : أرضون ، وباب سنين ؛ وإنما صرح بشذوذ هذين ، مع أن جميع ملحقات جمع المذكر السالم شاذة ؛ لأن الشذوذ فيهما أقوى ، لفقد كل منهما أكثر الشروط. فكلاهما اسم جنس (وليس علما ولا صفة) ، وكلاهما مؤنث ، وغير عاقل ، ولم يسلم مفرده عند الجمع.
ثم بين أن سنين وبابه قد يعرب إعراب : «حين» ، فتلازمه الياء والنون وتظهر الحركات على النون منونة ، وأن من العرب من يجعل هذا الإعراب الخاص بكلمة : «حين» عاما شاملا لكل جمع مذكر سالم ، سمى به ، ولا يجعله مقصورا على سنين وبابه. ومنهم من يجعله عاما شاملا فيما سمى به ، وما لم يسم به.
.1) وإلى كل هذا يشير ابن مالك بقوله :
ا - بمناسبة النوع الخامس نشير إلى أن التسمية بجمع المذكر السالم معروفة قديما وحديثا (1). كالتسمية بغيره من أنواع المفردات ، والمثنيات ، والجموع. فإذا سمّى به ففيه عدة إعرابات ، يرتبها النحاة الترتيب التالى ، بحسب شهرتها وقوتها :
(1) أن يعرب بالحروف كجمع المذكر السالم ، مع أنه علم على واحد ؛ فيبقى حاله بعد التسمية به كحاله قبلها. تقول فى رجل اسمه سعدون : جاء سعدون. وأكرمت سعدين ، وأصغيت إلى سعدين. وفى هذه الحالة لا تدخله «أل» التى للتعريف ، لأنه معرفة بالعلمية.
(2) أن يلزم آخره الياء والنون رفعا ، ونصبا ، وجرّا ، ويعرب بحركات ظاهرة على النون مع تنوينها (2)- غالبا - تقول فى رجل اسمه محمدين : هذا محمدين ، ورأيت محمدينا ، وقصدت إلى محمدين ، فكلمة : «محمدين» : إما مرفوعة بالضمة الظاهرة ، أو : منصوبة بالفتحة الظاهرة ، أو : مجرورة بالكسرة الظاهرة ، مع التنوين (3)(غالبا فى كل حالة) (4)(فإعرابها - كما يقول النحاة - كإعراب : غسلين (5)وحين). وتلك النون لا تسقط فى الإضافة ؛ لأنها ليست نون جمع ، والأخذ بهذا الإعراب - فى رأينا - أحسن ؛ فى العلم المختوم بالياء والنون. والاقتصار عليه أولى ؛ ليسره ومطابقته للواقع الحقيقى ، فهو بعيد. عن كل لبس ؛ إذ لا يتوهم الماء معه أن الكلمة جمع مذكر حقيقى ؛ وإنما يدرك حين يسمعها أنها علم على مفرد. وهناك سبب هام يقتضى الاقتصار على هذا الرأى فى العلم المختوم بالياء والنون هو : «المعاملات الرسمية» الجارية فى عصرنا على الوجه المببن عند الكلام على التسمية بالمثنى (6)...
1) سبق بيان الغرض من هذه التسمية فى رقم 1 من هامش ص 137.
2) (2 و 2) إن لم يوجد مانع يمنع التنوين ؛ كالأسباب الخاصة بمنع الصرف ؛ ومنها هنا العجمة مع العلمية ؛ مثل : «قنّسرين ، اسم بلد بالشام» ومنها : النداء ، ومنها : «أل» - مطلقا - فى أوله ومنها الإضافة فى آخره.
3) (2 و 2) إن لم يوجد مانع يمنع التنوين ؛ كالأسباب الخاصة بمنع الصرف ؛ ومنها هنا العجمة مع العلمية ؛ مثل : «قنّسرين ، اسم بلد بالشام» ومنها : النداء ، ومنها : «أل» - مطلقا - فى أوله ومنها الإضافة فى آخره.
4) بشرط ألا تزيد حروفه على سبعة : (وهى أقصى ما يصل إليه تكوين الاسم المفرد أصالة فى اللغة العربية) فإن زاد على سبعة بسبب طارئ على أصله أخرجه عن ذلك الأصل ؛ كأن يكون علما منقولا من مثنى ، أو من جمع ... نحو اشهيبابين - لم يعرب بالحركات ؛ وإنما يعرب بالحرف (الياء) الذى فى آخره ؛ ليكون أعرابه بالحرف دليلا على زيادة الياء والنون فيه ؛ فلا يخرج الاسم عن أقصى العدد المألوف من حروف الكلم - ومثل هذا أيضا يراعى فى الآراء التالية.
5) الصديد الذى يسيل من أهل جهنم.
6) فى ص 116
والقصد من سرد الآراء التى تخالف هذا الأحسن والأيسر فهم النصوص القديمة الواردة بها ، دون أن نبيح اليوم استعمالها ؛ ومن الإساءة للغتنا أن نفتح الأبواب المؤدية إلى البلبلة والاضطراب فيما ننشئه من كلام ، وإلى التعسير من غير داع ، فيما نمارسه من شئون الحياة.
ومن العرب من يجرى حكم : «غسلين وحين» منونا - فى الغالب - أو غير منون على «سنين» وبابه كله. وإن لم يكن علما. ومنهم من يجريه منونا على جميع أنواع المذكر السالم وملحقاته كما سبق.
(3) أن يلزم آخره الواو والنون فى كل الحالات ، ويعرب بحركات ظاهرة على النون من غير تنوين (1)فيكون نظير : «هارون» فى المفردات الممنوعة من الصرف.
(4) أن يلزم آخره الواو والنون ، فى كل الحالات ويعرب بحركات ظاهرة على النون ، مع تنوينها (2)فيكون نظير «عربون» (3)من المفردات.
ونرى أن الاقتصار على هذا الإعراب - أو على سابقه - أحسن فى العلم المختوم بالواو والنون ؛ مثل : زيدون ؛ لما سبق فى نظيره المختوم بالياء والنون.
(5) أن يلزم آخره الواو والنون المفتوحة فى جميع الحالات ، ويعرب بحركات مقدرة على الواو.
ب - إذا سمّى بجمع المذكر ، أو بما ألحق به (كالأعلام الواردة فى النوع الخامس (4)، ومنها : حمدون ، خلدون ، عبدون ، زيدون ...) ، وأريد جمع هذا العلم جمع مذكر سالما ، لم يصح جمعه مباشرة - كما عرفنا - وإنما يصح جمعه من طريق غير مباشر ، وذلك بالاستعانة بالكلمة الخاصة التى يجب أن تسبق هذا العلم ، وتلحقها علامة الجمع رفعا ، ونصبا ، وجرّا ، وهذه الكلمة هى : «ذو» دون غيرها ، وتصير فى الرفع : «ذوو» ، وفى النصب والجر : «ذوى» وه «مضافة «، والعلم بعدها هو» المضاف «إليه دائما ، وفيه الإعرابات السابقة فيقال : جاءنى ذوو حمدون ، وصافحت ذوى حمدون ، وأصغيت إلى ذوى حمدون ... فكلمة : «ذوو» و «ذوى» تعرب على حسب حاجة الجملة ، وترفع بالواو ، وتنصب وتجر
1) فهو ممنوع من الصرف ؛ للعلمية وشبه العجمة ؛ لأن وجود الواو النون فى الأسماء المفردة من خواص الأسماء الأعجمية.
2) إن لم يوجد مانع : كالعجمة هنا - أو الإضافة ، أو النداء ، أو «أل» مهما كان نوعها وستأتى فى م 30.
3) المال الذى يدفعه المشترى مقدما فى صفقة ؛ لضمان إتمامها ، وأنه لن يرجع عن شرائها وإلا ضاع ذلك المقدم.
4) فى ص 137.
بالياء وتلك الكلمة هى التى توصل لجمع المسمى به. أما الطريقة إلى تثنية هذا الجمع فهى الطريقة التى تقدمت فى التثنية (1)، ويستعان فيها بكلمة : «ذو» أيضا
ح - سبقت الإشارة (2)إلى أن النون مفتوحة فى جمع المذكر السالم وملحقاته (3)فى أحواله الإعرابية المختلفة ؛ أى : فى حالة رفعه بالواو ، أو نصبه أو جره بالياء ، ولا علاقة لهذه النون بإعرابه. ومن العرب من يكسرها ، ولكن لا داعى للأخذ بهذه اللغة ، منعا للخلط والتشتيت من غير فائدة.
أما نون المثنى وجميع ملحقاته (4)فالأشهر فيها أن تكون مكسورة فى الأحوال الإعرابية المختلفة. وقليل من العرب يفتحها ، ومنهم من يضمها بعد الألف ، ويكسرها بعد الياء ، فى حالتى النصب والجر ، ولا داعى للعدول عن الرأى الأشهر فى الاستعمال ، للسبب السالف (5)
ونون مجموع وما به التحق *** فافتح وقلّ من بكسره نطق
ونون ما ثنّى والملحق به *** بعكس ذلك استعمدوه ؛ فانتبه
كلمة «نون» الأولى مبتدا ، خبره : الجملة الفعلية : «افتح» والفاء التى فى أولها زائدة.
.د - لنون المثنى والجمع وملحقاتهما أثر كبير فى سلامة المعنى ، وإزالة اللبس ؛ ففى قولنا : سافر خليلان : موسى ومصطفى - نفهم أن موسى ومصطفى هما الخليلان ، وأنهما اللذان سافرا ، بخلاف ما لو قلنا : سافر خليلا موسى ومصطفى ؛ بغير النون فإننا قد نفهم الكلام على الإضافة (إضافة : خليلا إلى موسى) ويتبع هذا أن الخليلين هما اللذان سافرا ، دون موسى ومصطفى. وفرق بين المعنيين.
ومثل هذا أن نقول فى الجمع : مررت ببنين أبطال ؛ فالأبطال هم البنون ؛ والبنون هم الأبطال ، فلو حذفت النون لكان الكلام : مررت ببنى أبطال ، وجاز أن نفهم الكلام على الإضافة ؛ إضافة البنين إلى أبطال ؛ فيتغير المعنى.
وكذلك تمنع توهم الإفراد فى مثل : جاءنى هذان ، ورحبت بالداعين للخير ؛ فلو لم توجد النون لكان الكلام : جاءنى هذا ، ورحبت بالداعى للخير ؛ وظاهره أنه .
للمفرد ، وهو غير المراد قطعا.
وتحذف نون المثنى والجمع للإضافة - كما أشرنا - فى الأمثلة السابقة ؛ وهو حذف لازم ؛ كحذفها وجوبا مع «اثنين» و «اثنتين» عند تركيبهما مع عشر ، أو : عشرة ... ؛ فتحل كلمة : «عشر ، أو : عشرة» مكان النون بعد حذفها ، نحو : «اثنا عشر» و «اثنتا عشرة» ؛ فتعرب : «اثنا» و «اثنتا» إعراب المثنى ، وكلمة «عشر أو : عشرة» اسم مبنى (1)على الفتح لا محل له من الإعراب ، لوقوعه موقع نون المثنى التى هى حرف. - كما سبق (2).
وقد تحذف جوازا للتخفيف ؛ إذا كانت فى آخر اسم مشتق (أى : وصف) فى أوله «أل» الموصولة ، و «خيرا» ، قد نصب بعده مفعوله مثل : ما أنتما المهملا واجبا ، - وما أنتم المانعو خيرا ؛ ومنه قراءة من قرأ : «والمقيمى الصلاة» (بنصب كلمات : «الواجب» ، وخيرا ، و «الصلاة» ؛ على أنها مفعول به لاسم الفاعل الذى قبل كل منها) (3). ويجيز سيبويه وآخرون حذف نون ما دل على تثنية أو جمع من أسماء الموصول ؛ نحو : اللذان ، واللتان ، والذين.
وقد تحذف نون الجمع جوازا إذا وقع بعدها لام ساكنة ، كقراءة من قرأ : (غير معجزى اللّه). بنصب كلمة «اللّه» على أنها مفعول به (أصله : معجزين اللّه) ، وقراءة : «وإنكم لذائقو العذاب» بنصب كلمة : «العذاب» على أنها مفعول به أيضا ، وأصلها : «وإنكم لذائقون العذاب».
وأقل من هذا أن تحذف من غير وقوع اللام الساكنة بعدها ؛ كقراءة من قرأ : «وما هم بضارّى به من أحد» وأصلها : «بضارين به».
وقد تحذف النون جوازا لشبه الإضافة فى نحو : لا غلامى لمحمد ، ولا مكرمى للجاهل ، إذا قدرنا الجار والمجرور صفة ، والخبر محذوفا (4).
1) لتضمنه معنى حرف العطف ؛ إذ الأصل : اثنا وعشر ... إلخ.
2) فى «و» من ص 122.
3) إيضاح هذه الحالة فى باب الإضافة - ج 3 م 93 -.
4) أصحاب هذا الرأى يوضحونه بأن الجار والمجرور إذا جعلا صفة لاسم «لا» النافية للجنس صار بهذه الصفة من قسم الشبيه بالمضاف ؛ لأن الصفة من تمام الموصوف ؛ كالمضاف إليه فإنه يتمم المضاف. وإذا صار شبيها بالمضاف جاز عندهم حذف ما فى آخره من التنوين ، أو نون المثنى والجمع كما يحذف من المضاف الأصيل. وسيجىء هذا فى باب «لا» الجنسية آخر الجزء.
حارسا الحقل وأقبل زارعا الحديقة - فإن علامة التثنية (وهى الألف) تحذف نطقا ، لا خطّا. ويرجح النحاة فى إعرابه أن يقال : إنه مرفوع بألف مقدرة ...
وكذلك الشأن فى جمع المذكر ؛ فإنه إذا أضيف حذفت نونه للإضافة ؛ فإن كانت إضافته إلى كلمة أولها ساكن حذفت واوه رفعا ، وياؤه نصبا ، وجرّا ؛ فى النطق ، لا فى الكتابة ؛ تقول : جاء عالمو المدينة ، وكرمت عالمى المدينة ، وسعيت إلى عالمى المدينة (1).
لكن ما إعرابه؟ أيكون مرفوعا بالواو الظاهرة فى الكتابة ، أم بالواو المقدرة المحذوفة فى النطق لالتقاء الساكنين ؛ فهى محذوفة لعلة ، فكأنها موجودة؟
وكذلك فى حالة النصب والجر ؛ أيكون منصوبا ومجرورا بالياء المذكورة أم المقدرة؟ يرتضى النحاة أنه معرب فى جميع حالاته بالحرف المقدر ؛ لأنهم هنا يقدمون النطق على الكتابة ، ويعدون هذه الحالة كحالة المثنى فى أنها من مواضع الإعراب التقديرى (2)، لا الإعراب اللفظى.
ونقول هنا ما سبق أن قلناه فى المثنى : وهو أنه لا داعى اليوم للأخذ بهذا الرأى ، ولن يترتب على إهماله ضرر ؛ لأن الخلاف شكلى لا قيمة له. ولكن الإعراب التقديرى هنا لا يخلو من تكلف ، وقد يؤدى إلى اللبس.
كذلك تقدر الواو رفعا - فقط - فى جمع المذكر السالم إذا أضيف إلى ياء المتكلم ؛ نحو : جاء صاحبىّ. وأصلها : صاحبون لى ؛ حذفت اللام للتخفيف ، والنون للإضافة ؛ فصارت الكلمة صاحبوى. اجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ، قلبت الواو ياء ؛ فصارت الكلمة : صاحبىّ ، ثم حركت الباء بالكسرة ؛ لتناسب الياء ؛ فصارت الكلمة : صاحبىّ. ومثلها جاء خادمىّ ومساعدىّ ، إذ يرتضى النحاة فى إعرابها : «خادمىّ» ، فاعل مرفوع بالواو المقدرة المنقلبة ياء المدغمة فى ياء المتكلم. و «خادم» مضاف وياء المتكلم مضاف إليه ؛ مبنية على الفتح فى محل جر. وكذلك الباقى وما أشبهه.
ويقول فريق آخر : إن إعراب كلمة : «صاحبىّ» وأشباهها هو إعراب
وكذلك فى. لبّيك (1)وسعديك (2)... وأشباههما عند من يرى أن الكاف حرف للخطاب ، وليست باسم.
وقد يحذفان للضرورة فى الشعر :
هذا ، وعلى الرغم من أن حذفهما جائز فى المواضع التى ذكرناها - فمن المستحسن الفرار منه قدر الاستطاعة ؛ منعا للغموض واللبس ، وضبطا للتعبير فى سهولة ، ووضوح ، واتفاق يلائم حالة الناس اليوم. أما المواضع التى يجب فيها حذفهما فلا مفر من مراعاتها.
ه - الأصل (3)فى المثنى أن يدل على اثنين حقيقة. لكن قد يكون اللفظ ظاهره التثنية ومعناه الجمع بشرط وجود قرينة ؛ فيكون ملحقا بالمثنى فى الإعراب فقط ، وليس مثنى حقيقة ؛ لفقد شرط التثنية ؛ ومن ذلك : «ارجع البصر كرّتين» أى : كرّات ؛ لأن المراد التكثير ، والتكثير لا يتحقق بكرتين ، وإنما يتحقق بكرّات. ومثله : حنانيك ... وهذا النوع يجوز فيه التجريد من علاتى التثنية اكتفاء بالعطف ، مثل : أتعبتنا الأسفار ؛ خمس وخمس ، وذهاب وذهاب ورجوع ورجوع ومنه قول الشاعر :
تخدى (4)
«عرائك» ، جمع : عريكة ، وهى : السنام ، «التأويب» السفر طول النهار ، أو : الرجوع من السفر وغيره ، والأحسن هنا : الأول ، والخمس : سفر خمسة أيام. : الخمس ويصح ؛ بكسر الخاء ؛ وهو ترك الإبل ثلاثة أيام ترعى بغير شرب ، ثم ترد الماء فى اليوم الرابع. (كأن تشرب في يوم الخميس . مثلا . وتترك الشرب ثلاثة أيام : بعده ؛ هي : الجمعة ، والسبت ، والأحد ، ثم تشرب في اليوم الرابع ، وهو يوم الاثنين. فإذا احتسبنا اليوم الأول الذى شربت فيه كان يوم الاثنين هو الخامس له. ومن هنا جاء الخمس. بكسر الخاء .
بنا نجب أفنى عرائكها *** خمس وخمس وتأويب وتأويبوقد يغنى التكرار عن العطف (5)؛ كقوله تعالى : ( صَفًّا صَفًّا ) ، وقوله : ( دَكًّا دَكًّا ) .
و - سبق (6)أن قلنا إن المثنى المرفوع إذا أضيف إلى كلمة أولها ساكن ؛ مثل : غاب
1) بمعنى : إجابة منا لك بعد إجابة.
2) بمعنى إسعادا لك بعد إسعاد. أى : مساعدة لك بعد مساعدة ، أو معاونة لك بعد معاونة.
3) ما يأتى هو الذى أشرنا إليه فى رقم 3 من هامش ص 109 حيث قلنا : إن اللفظ قد يكون فى ظاهره للمثنى ، وفى معناه للجمع ... وله صلة أيضا بما فى «د» من ص 122
4) «تخدى» : تسرع. «نجب» جمع : نجيبة ، وهى : الناقة الأصيلة الجيدة.
5) سبق للمسألة إيضاح وتفصيل فى - «د» - من ص 122.
6) فى «ز» من ص 123.
لفظى ، لا تقديرى ؛ لوجود ذات الواو ، ولكن فى صورة ياء. وتغير صورتها لعلة تصريفية لا يقتضى أن نقول إنها مقدرة. والخلاف بين هذين الرأيين لا قيمة له ؛ لأنه خلاف لفظى ، شكلى ، لا يترتب عليه شىء عملى ؛ فلا مانع من اتباع أحد الرأيين. والأول أفضل لموافقته لبعض حالات خاصة أخرى.
ز - جسم الإنسان - وغيره - ذو أعضاء ، وأجزاء ، وأشياء أخرى تتصل به ، منها : ما يلازمه ويتصل به دائما ، فلا ينفصل عنه فى وقت ، ثم يعود إليه فى وقت آخر ؛ كالرأس ؛ والأنف ، والظهر ، والبطن ، والقلب ... ومنها : ما يتصل به حينا ، وينفصل عنه حينا ، ويعود إليه بعد ذلك ؛ كالثوب ، والأدوات الجسمية الأخرى وأشباهها ... فإذا كان فى الجسم شىء واحد لا يتعدد ، ولا ينفصل عنه ، كالرأس ؛ والقلب - ضممت إليه مثله جاز فيه ثلاثة أوجه :
أوّلها : الجمع : وهو الأكثر. نحو : ما أحسن رءوسكما. ومنه قوله تعالى : ( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) وإنما عبروا بالجمع مع أن المراد التثنية ، لأن التثنية فى الحقيقة جمع لغوى (1)؛ ولأنه مما لا يقع فيه لبس ، ولا إشكال ؛ فمن المعلوم ألا يكون للإنسان إلا رأس واحد ، أو قلب واحد ...
ثانيها : التثنية على الأصل وظاهر اللفظ ؛ نحو : ما أحسن رأسيكما ، وأطيب قلبيكما.
ثالثها : الإفراد ؛ نحو ؛ ما أحسن رأسكما ، وأطيب قلبكما. وهذا جائز لوضوح المعنى ، إذ كل فرد له شىء واحد من هذا النوع ، فلا يشكل ، ولا يوقع فى لبس. فجىء باللفظ المفرد ، للخفة.
أما ما يكون فى الجسد منه أكثر من واحد ؛ كاليد ، والرجل ؛ فإنك إذا ضممته إلى مثله لم يكن فيه إلا التثنية ؛ نحو : ما أكرم يديكما ، وما أسرع رجليكما. أما قوله تعالى : ( السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ... ) فإنه جمع ؛ لأن المراد الأيمان : (جمع يمين ، أى : اليد اليمنى) (2).
وأما ما يتصل بالجسم وينفصل عنه من نحو : ثوب ، وغلام فلا يجوز
فيه إلا التثنية إذا ضممت منه واحدا إلى مثله ؛ نحو أعجبت بثوبيكما ... وسلمت على غلاميكما ... إذا كان لكل واحد ثوب وغلام. ولا يجوز الجمع فى مثل هذا ؛ منعا للإيهام واللبس ؛ إذ لو جمع لأوهم أن لكل واحد أثوابا وغلمانا. وهو غير المراد (1). وكذلك لا يجوز الإفراد ؛ للسبب السالف.
ح - سبق الكلام على منع تثنية جمع المذكر وجمعه بطريقة مباشرة فيهما ، وإباحة ذلك عند التسمية به (2)... فهل يجوز تثنية جمع التكسير ، وجمعه؟ فريق قال : إن جمعه مقصور على السماع (3). أما تثنيته فملخص الرأى (4)فيها عنده أن القياس يأبى تثنية الجمع ، وذلك أن الغرض من الجمع الدلالة على الكثرة العددية ، والتثنية تدل على القلة ؛ فهما متدافعان ، ولا يجوز اجتماعهما فى كلمة واحدة. وقد جاء شىء من ذلك - عن العرب - على تأويل الإفراد ؛ قالوا : إبلان ، وغنمان. وجمالان. ذهبوا بذلك إلى القطيع الواحد ، وضموا إليه مثله فثنوه ... وما دام القياس يأباه فالأحسن الاقتصار فيه على السماع (5).
وفريق آخر - كما سيجىء (6)- يميل إلى إباحة الجمع فيما يدل على القلة ، دون ما يدل على الكثرة.
والأفضل الأخذ بالرأى القائل إن الحاجة الشديدة قد تدعو أحيانا إلى جمع الجمع ، كما تدعو إلى تثنيته ؛ فكما يقال فى جماعتين من الجمال : جمالان - كذلك يقال فى جماعات منها : جمالات. وإذا أريد تكسير جمع التكسير روعى فيه ما نصوا عليه فى بابه(7).
د - جمع المؤنث السالم (1)
(1) حضرت سيدة. سمعت سيدة. قرأت مقالة سيدة.
حضرت سيدات. سمعت سيدات. قرأت مقالات لسيدات.
(2) فارت هند. أكرم الوالد هندا. هذه مدرسة هند.
فارت الهندات. أكرم الوالد الهندات. هذه مدرسة الهندات.
(3) عطية طالب ماهر. إن عطية طالب ماهر. لعطية نشاط ظاهر.
العطيات طالبون ماهرون. إن العطيات طالبون مهرة. للعطيات نشاط.
اتسعت السّرادقات. ملأ الناس السرادقات. جلس القوم فى السرادقات.
فى الأمثلة السابقة كلمات مفردة ، تدل كل كلمة منها على شىء واحد مؤنث ، أو مذكر ، (مثل : سيدة ، هند ، عطية ، سرادق ...).
وحين زدنا فى آخرها الألف والتاء المفتوحة (2)صارت تدل على جمع مؤنث ؛ مثل : سيدات ، هندات ، عطيات ، سرادقات ، واستغنينا بهذه الزيادة عن العطف بالواو (3)؛ أى : عن أن نقول : سيدة ؛ وسيدة ؛ وسيدة ... أو هند ، وهند ، وهند ... إلخ. فهذه الكلمات تسمى : الجمع بالألف والتاء الزائدتين ، أو : جمع المؤنث السالم ؛ كما هو المشهور (4). وهو : ما دل على أكثر من اثنين (5)بسبب زيادة
1) سبق فى رقم 1 من هامش ص 125 معنى : «السالم» وضبطها. وسبب تسميته هو وجمع المذكر السالم : بجمعى التصحيح.
2) المتسعة ، غير المربوطة
3) قد يجوز العطف بالواو أحيانا ، أو بغيرها للدواعى التى بيناها فى المثنى وجمع المذكر «و» من ص 122 و 1 من هامش ص 126
4) يفضل كثير من النحاة الأقدمين تسميته : «الجمع بألف وتاء مزيدتين» ، دون تسميته بجمع المؤنث السالم ؛ لأن مفرده قد يكون مذكرا ، كسرادق وسرادقات ، وأحيانا لا يسلم مفرده فى الجمع ؛ بل يدخله شىء من التغيير : كسعدى وسعديات ؛ فإن ألف التأنيث التى فى مفرده صارت ياء عند الجمع. ومثل لمياء ولمياوات ؛ قلبت الهمزة واوا فى الجمع ؛ ومثل : سجدة وسجدات ؛ تحركت الجيم فى الجمع بعد أن كانت ساكنة فى المفرد. وبالرغم من ذلك كله لا مانع من التسمية الثانية ؛ لأنها اشتهرت بين النحاة وغيرهم حتى صارت اصطلاحا معروفا ، وخاصة الآن.
5) ما العدد الذى يدل عليه جمع المؤنث السالم؟ أهو ثلاثة وعشرة وما بينهما فيكون كجمع القلة ، أم يزيد على العشرة؟ بيان هذا فى رقم : 2 من هامش ص 125.
معينة فى آخره ، أغنت عن عطف المفردات المتشابهة فى المعنى ، والحروف ، والحركات ، بعضها على بعض. وتلك الزيادة هى «الألف والتاء» فى آخره.
ومفرد هذا الجمع قد يكون مؤنثا لفظيّا ومعنويّا (1)معا ؛ مثل : سيدة ، وسعدى (2)
ورأى الكوفيين هنا . كرأيهم في جمع هاتين الصيغتين جمع مذكر سالما . أنسب ، وأدلتهم مقبولة ؛ لما سبق أن عرضناه في رقم 3 من ص ١٣٠ ؛ فالأخذ برأيهم سائغ وإن كان الرأى البصرى أقوى.
ولمياء. والجمع ؛ سيدات ، وسعديات ، ولمياوات.وقد يكون مفرده مؤنثا معنويا (3)فقط ؛ بأن يكون خاليا من علامة التأنيث مع دلالته على مؤنث حقيقى ؛ مثل : هند ، وسعاد. والجمع : هندات ، وسعادات.
وقد يكون مفرده مؤنثا لفظيّا فقط ؛ بأن يكون لفظه مشتملا على علامة تأنيث ، مع أن المراد منه مذكر. مثل : عطية ، اسم رجل ، وجمعه : عطيات ، وشبكة ، اسم رجل ، وجمعه : شبكات ... وقد يكون مفرده مذكرا ؛ كسرادق وسرادقات. وحكم هذا الجمع : أنه يرفع بالضمة ، وينصب بالكسرة نيابة عن الفتحة ،
1) ينقسم المؤنث باعتبار معناه إلى حقيقى ؛ وهو : ما يلد ويتناسل ولو من طريق البيض والتفريخ ، كالطيور ، وإلى غير حقيقى ؛ (أى ؛ مجازى) ، وهو ما كان مؤنثا لا يلد ولا يتناسل ، مثل : أرض ، شمس ... وينقسم باعتبار لفظه إلى لفظى ؛ وهو : ما كان مشتملا على علامة تأنيث ظاهرة سواء أكان دالا على مؤنث أم مذكر ؛ مثل : فاطمة وحمزة ومعاوية وشجرة وسلمى وخضراء. وإلى معنوى وهو ما كان لفظه خاليا منها مع دلالته على التأنيث .. نحو : زينب ، وشمس، وأرض ... - وسيجىء بيان هذا فى باب الفاعل ج1. وأشهر علامات التأنيث فى الاسم هى التاء المربوطة فى مثل : أمينة ، وشجرة ... وألف التأنيث المقصورة فى مثل : دنيا. وريا - وعليا - والممدودة فى مثل : خضراء ، وبيضاء ، وأربعاء. وهناك علامات أخرى تلى تلك ؛ كالكسرة فى مثل الضمير : «أنت» ، ... ونون النسوة فى مثل : «أنتن» .. وللتأنيث وعلاماته وأحكامه باب خاص به فى الجزء الرابع.
2) يستثنى من المقصورة عند البصريين ومن معهم : «فعلى» مؤنث : «فعلان» ، مثل : «سكرى» مؤنث «سكران» فلا يقال «سكريات». يستثنى من الممدودة : «فعلاء» مؤنث : «أفعل» ؛ كحمراء ، مؤنث أحمر ؛ فلا يقال : حمراوات» ؛ - لأن النحاة يقولون : ما لا يصح جمعه جمع مذكر سالما لا يصح فى مؤنثه أن يجمع جمع مؤنث سالما - كما سبق فى رقم 3 من هامش ص 130، وفى «ء» من ص 156 - فهاتان لا يجمعان جمع مذكر ولا جمع مؤنث سالمين (إلا عند الكوفيين) ما داما باقيين على الوصفية ؛ فإن صارا اسمين مجردين من الوصفية - جاز جمعهما جمع مذكر أو مؤنث على حسب المعنى. وبسبب هذه الاسمية قيل : «خضراوات» لبعض أنواع النبات ، و «حمراوات» لبعض المدن و «كبريات» و «صغريات» جمع : «كبرى» و «صغرى» اسم موضعين فى مصر .. - انظر : «ب» من ص 129 ؛ لأهميتها وكذا «ا» «من» الزيادة التى تليها فى ص 132 -
3) يستثنى من المؤنث المعنوى ما كان علما لمؤنث على وزن فعال ؛ مثل «حذام» و «رقاش» و «قطام» عند من يقول ببنائها دائما.
ويجر بالكسرة ، كما فى الأمثلة السابقة (1)
ومن النحاة من يعد كلمة : «بنات» جمع تكسير. وحجته أن مفردها : «بنت» قد دخله التغيير عند الجمع ، وهذا شأن المفرد عند جمعه تكسيرا لا جمعا مؤنثا سالما أصيلا (راجع التصريح ج ١. باب الفاعل ، عند الكلام على تأنيث الفعل لأجل فاعله والأكثرية تعتبرها جمع مؤنث.
ومن المستحسن جدا إهمال هذه اللغات ، والاقتصار على أكثر اللغات شيوعا وأشدها جريانا في الأساليب السامية ، وهى اللغة الأولى. وإنما نذكر غيرها ليستعين بمعرفتها المتخصصون في فهم النصوص القديمة ، دون استعمالها. «ملاحظة» بهذه المناسبة نذكر أن المفرد الذى يراد جمعه بالألف والتاء الزائدتين إن كان محذوف اللام بغير تعويض همزة الوصل عنها ، فإن لامه ترجع في الجمع إن كانت ترجع في الإضافة فإن لم ترجع في الإضافة فإنها لا ترجع في الجمع ... أى : أن حكمها من جهة رجوعها في الجمع هو حكم رجوعها عند الإضافة كما سبقت الإشارة فى رقم ٣ من هامش ص ۱۰۲ . والبيان في «ح» من ص ١٢٣
، وأشباهها. كل هذا بشرط أن تكون الألف والتاء زائدتين معا ؛ فإن كانت الألف زائدة والتاء أصلية ؛ - مثل : بيت وأبيات ، وقوت وأقوات ، وصوت وأصوات ، ووقت وأوقات ... - لم يكن جمع مؤنث سالما ، ولم ينصب بالكسرة ؛ وإنما هو جمع تكسير ، ينصب بالفتحة. وكذلك إن كانت ألفه أصلية والتاء زائدة ، - مثل : سعاة (2)أما دعاة ، فأصلها : دعوة ؛ تحركت الواو وانفتح ما قبلها ؛ فقلبت ألفا والفعل «دعا» واوى اللام ؛ تقول : دعوت دعوة ... فالألف هنا أصيلة ، لأنها منقلة عن واو أصلية.
: جمع ساع ، ورماة : جمع رام ، ودعاة : جمع داع ، وأشباهها - ؛ فإنه يدخل فى جموع التكسير التى تنصب بالفتحة.ملحقاته :
ألحق بهذا الجمع نوعان ، أولهما : كلمات لها معنى جمع المؤنث ولكن لا مفرد لها من لفظها ؛ وإنما لها مفرد من معناها ، فهى اسم جمع (3)، مثل «أولات» ومفردها : «ذات» ، بمعنى صاحبة ، فمعنى كلمة : «أولات» هو : صاحبات. تقول : الأمهات
1) مع التنوين فى كل الحالات - إن لم يمنع منه مانع آخر ؛ كالإضافة - وهو تنوين المقابلة الذى سبق إيضاحه فى ص 40 وهناك لغة تنصبه بالفتحة إن كان مفرده محذوف اللام (وهى : الحرف الأخير من أصول الكلمة) ولم ترد هذه اللام عند الجمع ، مثل : سمعت لغات العرب ، وأكرمت بناتهم ؛ لأن المفرد فيهما : لغة ، وبنت ؛ وأصلهما «لغو» و «بنو». حذفت الواو فيهما ، ولم ترجع فى الجمع. فإن ردت اللام فى الجمع مثل : سنوات ، وسنهات ، فى جمع سنة ، وجب نصبه بالكسرة. إلا عند الكوفيين - ورأيهم هنا ضعيف - فإنهم يجيزون نصبه بالفتحة مطلقا ، سواء أحذفت لامه أم لم تحذف.
2) أصل سعاة : سعية ؛ (على وزن فعلة) ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا ، فصارت سعاة ؛ فألفها أصلية ؛ لأنها منقلبة عن حرف أصلى ، وهو الياء التى أصلها لام الفعل : سعى ؛ لأنه يائى اللام ، تقول : سعيت سعيا. ومثلها : رماة ؛ فأصلها : رمية ؛ تحركت الياء وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا ، والفعل رمى يائى اللام أيضا ؛ تقول : رميت رميا.
3) سبق تعريفه فى رقم 1 من ص 134
أولات فضل ، عرفت أولات فضل ، احترمت أولات فضل.
وكلمة : «أولات» مضافة (1)دائما ؛ ولهذا ترفع بالضمة من غير تنوين ، وتنصب وتجر بالكسرة من غير تنوين أيضا ؛ ومثلها : «اللّات» (اسم موصول لجمع الإناث) ، عند من يلحقها بجمع المؤنث (2)، ولا يبنيها على الكسر ، كالإعراب المشهور ، يقول : جاءت اللات تعلمن ، ورأيت اللات تعلمن ، وفرحت باللات تعلمن ؛ فاللات عنده اسم جمع لكلمة : (التى).
ثانيهما : ما سمى به من هذا الجمع (3)وملحقاته ، وصار علما لمذكر أو مؤنث بسبب التسمية ؛ مثل : سعادات ، وزينبات ، وعنايات ، ونعمات ، وأشباهها مما صار علما على رجل أو امرأة. ومثل : عرفات ؛ (اسم مكان بقرب مكة) ، وأذرعات (اسم قرية بالشام). وغير ذلك ، مما لفظه لفظ جمع المؤنث ، ولكن معناه مفرد مذكر أو مؤنث. مثل : سافرت سعادات ، ورأيت سعادات ، واعترفت لسعادات بالفضل. فهذا النوع يعرب بالضمة رفعا ، وبالكسرة نصبا وجرّا ، مع التنوين (4)
يجيب النحاة عن هذا بأن التنوين هنا للمقابلة ، لا للصرف ، لأن الكلمة منقولة من جمع المؤنث ؛ وتنوين المقابلة لا يحذف عند وجود ما يقتضى منع الاسم من الصرف (وقد سبق الرأى في هذا النوع من التنوين ص 40 ) وسيجيء رأى أنسب وأضبط وهو : حذف التنوين منه . إذا كان علما لمؤنث . مراعاة للعلمية والتأنيث المعنوى ؛ مع جره بالفتحة فينطبق عليه حكم الممنوع من الصرف. ويحسن الأخذ بهذا الرأى ، لأنه يمنع اللبس ويزيل الإبهام ، ويجعل المراد واضحا جليا. وهذه وظيفة اللغة ومهمتها وما يرمى إليه الخبير بأسرارها. وستجىء إشارة لهذا الرأى فى «ا» من ص 159.
فى كل الحالات ؛ مراعاة لناحيته الفظية الشكلية التى جاءت على صورة جمع المؤنث السالم ، مع أن مدلولها مفرد.وبعض العرب يحذف التنوين ، وبعضهم يعربه بالضمة رفعا من غير تنوين ،
1) وإضافتها لا تكون إلا لاسم جنس ظاهر (مثل : علم ، فضل ، أدب. أما غير الظاهر فلا تضاف إليه ؛ كالضمير الذى يعود على اسم جنس ؛ فلا يصح الفضل أولاته الأمهات) ومن أمثلة «أولات» قوله تعالى : ( وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ ... ) «فأولات» خبر كان ؛ منصوب بالكسرة ، واسمها : نون النسوة المدغمة مع نون كان. «ويقول النحاة. أصل كان هنا : كون ، بضم الواو بعد تحويل الفعل إلى باب : فعل. استثقلت الضمة على الواو فنقلت منها إلى الكاف بعد حذف الفتحة ، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين!! والتكلف فى هذا ظاهر ، لا داعى له ، فخير منه أن نقول : إن العرب تضم الكاف من «كان» وتحذف الألف عند إسنادها لنون النسوة ، أو لضمير رفع متحرك من غير أن يكون لهذا علة إلا نطقهم.
2) لا داعى للأخذ بهذه اللغة اليوم للأسباب التى نرددها كثيرا.
3) فى رقم 1 من هامش ص 137 بيان السبب فى التسمية بالمثنى وبالجمع.
4) لكن كيف يوجد التنوين فى هذا النوع مع وجود ما يوجب منعه من الصرف ؛ وهو : العلمية والتأنيث المعنوى فى مثل : «سعادات» وأشباهها من كل لفظ على صيغة جمع المؤنث وسمى به مفرده؟ (وقلنا التأنيث المعنوى ، لأن التاء الموجودة تاء مفتوحة ليست هى التى تدل على تأنيث اللفظ ، وإنما الذى يدل على تأنيث اللفظ هو التاء المربوطة التى أصلها هاء).
وينصبه ويجره بالفتحة من غير تنوين فى الحالتين ، أى : يعربه إعراب ما لا ينصرف مراعاة لمفرده ، بشرط أن يكون هذا المفرد مؤنثا فيقول : هذه عرفات ، زرت عرفات ، ووقفت بعرفات. وإذا أراد الوقوف على آخره وقف بالتاء المفتوحة (1)
وما بتا وألف قد جمعا *** يكسر فى الجرّ وفى النّصب معا
كذا : «أولات» ، والذى اسما قد جعل *** كأذرعات فيه ذا أيضا قبل
أى : أن ما جمع بتاء وألف فإنه يكسر فى حالة الجر والنصب ؛ فينصب بالكسرة ، ويجر بالكسرة أيضا. ولا يفهم من كلمة «معا» أن الحالتين تحصلان فى وقت واحد ؛ كما هو مدلول كلمة : «معا» عند أكثر اللغويين القائلين باتحاد زمنها - وإنما المراد مطلق وقوع الحالتين من غير اتفاقهما فى زمن واحد.
و «تا» فى كلمة : «بتا» قد تقرأ منونة كشأن حروف الهجاء عند قصرها ؛ حيث يجب تنوينها على المشهور ؛ بناء على أنها مقصور الممدود ؛ فأصلها : «تاء» فإذا قصرت يقدر إعرابها على الألف المحذوفة ؛ لالتقاء الساكنين (لأنها ساكنة ، والتنوين ساكن) فالألف محذوفة لعلة تصريفية ؛ والمحذوف لعلة كالثابت. نعم إن ترك التنوين للإضافة ، أو لوجود «أل» فى أوله ، أو للوصل بنية الوقف أو للنداء ... - جاز الإعراب المقدر على الألف. وقال بعضهم إن حروف الهجاء إن كانت من غير همزة فى آخرها (مثل با - تا - ثا ... إلخ) فإنها موضوعة من أول الأمر على حرفين هجائيين ، وليست مقصورة من مد ؛ فهى مبنية على السكون دائما من غير تنوين. وهذا أيسر وأوضح.
وأشار فى البيت الثانى : (كذا أولات) إلى النوعين الملحقين بجمع المؤنث السالم ، وأولهما : اسم الجمع ، نحو : «أولات» ، وثانيهما : ما جعل من جمع المؤنث علما على شىء واحد ، فإنه يجرى عليه ذلك الحكم العام.
هذا ، وكلمة : «أولات» فى البيت قد تمنع من التنوين باعتبار أنها علم على تلك الكلمة ومؤنث ؛ فتمنع من الصرف للعلمية والتأنيث ، وقد تنون بإرادة اللفظ لا الكلمة المعينة ؛ فتكون علما على ذلك اللفظ غير مؤنث ؛ فلا يمنع من الصرف.
، فهذه ثلاثة آراء قد يكون أفضلها الأخير (2)فيحسن الاقتصار عليه فى استعمالنا. .(ا) هذا الجمع ينقاس فى ستة أشياء :
أولها : كل ما فى آخره التاء الزائدة (1)مطلقا ؛ أى : سواء أكان علما ، مثل : فاطمة ، أم غير علم ، مثل : زراعة - تجارة. مؤنثا لفظا ومعنى. مثل : حليمة ، رقية ، من أعلام النساء ، أم مؤنثا لفظا فقط مثل : عطية ، حمزة ، معاوية ، من أعلام الرجال. وسواء أكانت التاء للتأنيث كالأمثلة السابقة ، أم للعوض عن أصل ، نحو : عدة ، وثبة ، تقول : فى جمعهما : عدات - ئبات (2)؛ وقد تكون التاء للمبالغة ، نحو علّامة وعلّامات.
ويستثنى مما فيه التاء كلمات منها : امرأة ، وأمة ، وشاة ، وشفة ، وقلة (3)وأمّة ، وملّة (4).
هذا ، ويجب حذف التاء من آخر كل مفرد ، مؤنث ، عند جمعه جمع تأنيث سالما ، لكيلا تتلاقى مع التاء التى فى آخر الجمع. فإن كان الاسم بعد حذفها مختوما بألف لازمة ، أو بهمزة قبلها ألف زائدة - نحو : فتاة ... ، وهناءة ... - روعى فى جمع هذين الاسمين ما يراعى فى جمع المقصور والممدود - مع ملاحظة ما فى رقم 6 من هامش ص 170 ، وكذا «و» فى ص 172 - (وسيجىء الباب الخاص بتثنيتهما ، ج 4 ص 457 م 171).
ثانيها : ما فى آخره ألف التأنيث المقصورة أو الممدودة (سواء أكان علما ، أم غير علم ، لمؤنث أم لمذكر ؛ فمثال المقصورة : «سعدى» وهى علم مؤنث ، «وفضلى» ، وهى غير علم ، وإنما هى صفة لمؤنث ، «ودنيا» إذا كانت علما لمذكر. ومثال الممدودة : «زهراء» ، وهى علم لمؤنث ، و «حسناء» وهى غير علم وإنما هى صفة لمؤنث ، و «زكرياء» علم لمذكر.
1) أى : بشرط أن تكون التاء غير أصلية. وقد سبق الكلام على الأصلية فى ص 149.
2) وأصل عدة ؛ وعد. وأصل ثبة : «ثبو» ؛ فالتاء فى الأول عوض عن فاء الكلمة ، وفى الثانية عوض عن لامها.
3) اسم لعبة للأطفال.
4) لعل السبب فى عدم جمع هذه الكلمات جمع مؤنث سالما - كما يقال - أنها لم تسمع عن العرب. وهو سبب لا ينهض حجة ، ولم يأخذ به بعض النحاة : فأجاز جمعها جمع مؤنث سالما. ورأيه حسن ؛ لجريانه على الأصول اللغوية العامة.
ويستثنى من هذا القسم - عند غير الكوفيين كما سبق (1)- : فعلى ؛ مؤنث «فعلان» ، مثل «سكرى» مؤنث «سكران» ، «وفعلاء» مؤنث : «أفعل» مثل : «خضراء وسوداء» ، وكلتاهما صفة لمؤنث (2)، وليست بعلم.
ثالثهما : كل علم لمؤنث حقيقى (3)وليس فيه علامة تأنيث ، كزينب ، ونوال ، وإحسان ، إلا ما كان مثل : «حذام» عند من يبنيه فى جميع أحواله. - كما سبق (4)-.
رابعا : مصغر المذكر الذى لا يعقل ، مثل : «نهيرات» ، تصغير : «نهر» و «جبيلات» ؛ تصغير «جبل» و «معيدنات» ، تصغير : «معدن». خامسها : وصف المذكر غير العاقل ؛ مثل ؛ هذه بساتين جميلات (5)، زرتها أياما معدودات.
سادسها : كل خماسىّ لم يسمع له عن العرب جمع تكسير (6)؛ مثل : سرادقات وقيصومات - وحمّامات - وكتّانات. واصطبلات - وقطميرات ... فى جمع : سرادق ، وقيصوم (7)، وحمّام ، وكتّان ، واصطبل ، وقطمير (8).
وما عدا تلك الأنواع الستة مقصور على السماع ؛ مثل : شمالات.
وإلى ما سبق يشير بعضهم بقوله عن جمع المؤنث السالم ، وما يقاس فيه وما لا يقاس:
وقسه فى ذى التّا ، ونحو ذكرى *** ودرهم مصغّر ، وصحرا
وزينب ، ووصف غير العاقل *** وغير ذا مسلم للناقل
يريد أنه مقيس فى كل ما هو مختوم بالتاء ؛ مثل : رحمة ونعمة ، أو ألف
1) فى رقم 2 من هامش ص 148.
2) وهذا على الرأى الراجح - عندهم - وهو : أن ما لا يجمع مفرده جمع مذكر سالما لا يجمع جمع مؤنث سالما أيضا. وقد سبق (فى رقم 2 من هامش ص 148) بيان ما فى هذا الرأى. وكذلك فى ب من ص 129.
3) عاقل. أو غير عاقل - على الأصح -
4) فى رقم 10 من ص 73.
5) جميلات مفردها : جميل ، وبساتين مفردها : بستان. وهو مذكر غير عاقل ، فالعبرة بالمفرد ، ومثله : أياما معدودات. المفرد : يوم ، وصفته : معدود.
6) وبعض النحاة لم يشترط كونه خماسيا مكتفيا باشتراط أنه لم يسمع له جمع تكسير. والأفضل عدم الاعتداد برأيه ؛ لمخالفته الأكثرية.
7) نوع من النبات.
8) الشق الذى فى وسط نواة التمر.
التأنيث المقصورة ؛ مثل : ذكرى ، أو الممدودة ؛ مثل : صحراء. وفى مصغر غير العاقل ؛ نحو : دريهم ، فى تصغير : درهم. وفى وصف غير العاقل ، نحو : هذه بساتين جميلات. أما غير هذه الخمسة فمقصور على سماع عن العرب فمن نقل عنهم شيئا أخذنا بما نقل ، وسلمنا به. وقد ترك السادس وهو الخماسىّ الذى لم يسمع له جمع تكسير.
(ب) إذا كان المفرد اسما ، مؤنثا ، ثلاثيّا ، صحيح العين ، ساكنها ، غير مضعفها ، مختوما بالتاء أو غير مختوم بها - وأردنا جمعه جمع مؤنث سالما فإنه يراعى فى جمعه ما يأتى(1):
1 - إن كانت «فاء» الكلمة مفتوحة وجب تحريك العين الساكنة بالفتح فى الجمع أيضا ؛ تبعا للفاء. تقول فى جمع : ظرف ، وبدر ، ونهلة ، وسعدة ، ... (وكلها أسماء إناث) ظرفات ، وبدرات ، ونهلات ، وسعدات. بفتح الثانى فى كلّ.
2 - وإن كانت فاء الكلمة مضمومة ، جاز فى العين ثلاثة أشياء : الضم ، أو الفتح ، أو السكون ؛ تقول فى جمع ، لطف ، وحسن ، وشهرة ، وزهرة (وكلها أسماء إناث) ، لطفات ، وحسنات ، ، وسهدات ، وزهرات ، بضم الثانى فى كلّ ، أو فتحه ، أو تسكينه.
إلا إن كانت «لام» المفرد ياء فلا تضم العين فى الجمع ، مثل : غنية (2)، فلا يقال : غنيات (3). وإنما يقال : غنيات ، أو : غنيات ؛ بفتح النون ، أو سكونها.
3 - وإن كانت فاء الكلمة مكسورة جاز فى العين ثلاثة أشياء ؛ الكسر ، أو الفتح ، أو السكون. تقول فى جمع : سحر ، وهند ، وحكمة ، ونعمة (أسماء إناث) : سحرات ، هندات ، حكمات ، نعمات. بفتح الثانى فى كلّ ، أو كسره ، أو تسكينه ، إلا إذا كان المفرد المؤنث مكسور الفاء ولامه واو
مثل : ، ذروة ، فلا يجوز فى العين إتباعها للفاء للفاء فى الكسر ؛ فلا يقال : ذروات (1)وإنما يقال ذروات (2)أو ذروات بفتح العين أو تسكينها.
ولا بد فى المفرد الذى تجرى عليه الأحكام السالفة أن يشتمل على الشروط الستة التى سردناها. فإن فقد شرط لم يجز إتباع حركة العين لحركة الفاء ؛ ومن ذلك أن تكون الكلمة صفة لا اسما ، مثل : «ضخمة». فلا يقال فيها : ضخمات ، بفتح الخاء. أو تكون اسما غير مؤنث مثل : سعد ، علم ، رجل ، فإنه لا يجمع جمع جمع مؤنث ، ولا تتحرك عينه. أو تكون غير ثلاثية ، مثل : «زلزل» و «عنيزة» (لجاريتين) ، فلا يتغير شىء من حركات حروفهما عند الجمع. أو تكون غير صحيحة العين ؛ مثل «خود» (3)، «وقينة» (4)فلا يتغير شىء من حركات حروفهما عند الجمع ، أو تكون مضعفة العين ، مثل : جنّة وجنات ؛ فلا يتغير شىء من حركات حروفها فى الجمع.
وقد وردت جموع مخالفة لبعض الشروط السالفة ؛ فلا نقيس عليها ؛ لأنها لغة نادرة ؛ أو قليلة لبعض العرب ، أو دفعت إليها ضرورة شعرية. ولهذا البحث مزيد إبانة وتفصيل فى موضعه الخاص من باب : «تثنية المقصور والممدود وجمعهما» ، فى الجزء الرابع (5)...
(ج) إذا كان المفرد مركبا إضافيّا وأريد (6)تثنيته أو جمعه جمع مؤنث سالما فإن صدره هو الذى يثنى ويجمع ، ويبقى عجزه على حاله ، مثل : سيدة الحسن (علم امرأة) يقال فى تثنيته وفى جمعه : سيدتا الحسن ، وسيدات الحسن ، وهذا إن لم يكن صدره المضاف كلمة «ذو» ، أو : كلمة : «ابن» ، أو : «أخ» ونحوهما ... من أسماء ما لا يعقل من الأجناس ، - ومنها : ذو القعدة ، وذو الحجة
وابن لبون ، وابن آوى ، وابن عرس (1)... - فإن كان المضاف أحدها وأريد جمعه فالغالب أن يجمع جمع مؤنث سالما فيقال مثلا : ذوات القعدة ، وذوات الحجّة ، وبنات آوى ، وبنات عرس ... ولا فرق فى ذلك بين اسم الجنس غير العلم الجنسى كابن لبون ، وعلم الجنس كابن آوى. والفرق بينهما أن ثانى الجزأين من علم الجنس لا يقبل : «آل» بخلاف اسم الجنس - كما سيجىء فى ج 4 (2)...
وإن كان مركبا إسناديّا مثل : زاد الجمال (علم امرأة) بقى على حاله تماما ؛ وأتينا قبله بكلمة : «ذاتا» فى التثنية (3)؛ و «ذوات» فى الجمع المؤنث ، تقول : جاءت ذاتا (4)زاد الجمال ، وذوات زاد الجمال. ويجرى الإعراب على ذات» و «ذوات» ؛ دون العلم المركب إسناديّا ؛ فإنه يبقى على حاله تماما ، ويعرب مضافا إليه ، مجرورا بكسرة مقدرة ، منع من ظهورها : الحكاية.
وكذلك نأتى - فى أشهر الآراء (5)- بهذه الكلمات المساعدة التى توصل إلى التثنية إن كان مركبا تركيب مزج مثل : شهرزاد ، اسم امرأة.
د - المفرد الذى لا يصح جمعه جمع مذكر سالما ، لا يصح فى مؤنثه أن يجمع جمع مؤنث سالما. وقد سبق بيان هذا وما فيه (6).
ه - إذا سمى بجمع المؤنث ، أو ملحقاته ، - مثل : سعادات ، عنايات ... - وأريد تثنية هذا المسمى لم يصح تثنيته إلا من طريق غير مباشر بأن نأتى قبله بالكلمة الخاصة التى توصلنا لهذا الغرض ؛ وهى كلمة : «ذاتا (7)» ... رفعا ، و «ذاتى» ... نصبا وجرا. وتعرب كل واحدة منهما على حسب حاجة الجملة إعراب المثنى فترفع بالألف ، وتنصب وتجر بالياء. وهى «المضاف» ، والمسمى به بعدها «مضاف» إليه. وإذا أريد جمع المسمى به جمعا مؤنثا وجب الإتيان قبله بكلمة «ذوات» المضافة ؛ والمسمى هو المضاف إليه.
1) انظر هامش ص 101 لأهميته
2) آخر باب جمع التكسير ، وسبقت الإشارة لهذ فى رقم 1 من هامش ص 101.
3) (3. 3) المفرد : ذات ، وقد يقال عند التثنية : ذواتا.
4) (3. 3) المفرد : ذات ، وقد يقال عند التثنية : ذواتا.
5) (3. 3) المفرد : ذات ، وقد يقال عند التثنية : ذواتا.
6) غالبا ؛ إذ له إعرابات أخرى سنذكر بضعها فى باب العلم. ص 276.
7) فى رقم 2 من هامش ص 148 وكذلك فى رقم 3 من هامش ص 130.
1 - تعلم محمود ،. نافس الطلاب محمودا - فاض الثناء على محمود
أو مصطفى أو مصطفى. أو مصطفى.
2 - تعلم أحمد نافس الطلاب أحمد. فاض الثناء على أحمد.
3 - تعلمت ليلى. نافست الطالبات ليلى. فاض الثناء على ليلى.
4 - صالح أفضل من غيره. عرفت أفضل من غيره. سلمت على أفضل من غيره
صالح أفضل الزملاء. عرفت أفضل الزملاء - سلمت على أفضل الزملاء.
5 - صالح هو الأفضل. عرفت الأفضل. يتساءل الطلاب عن الأفضل
من الأسماء المعربة نوع يعرب بالحركات الظاهرة ، أو المقدرة ، فيرفع بالضمة ، وينصب بالفتحة ، ويجر بالكسرة ؛ مع وجود التنوين فى الحالات الثلاث (1)؛ وهذا النوع المعرب يسمى : «الاسم المنصرف» (2)، أى : الاسم المنون. كأمثلة القسم الأول.
ومن الأسماء المعربة نوع آخر يرفع بالضمة ، وينصب بالفتحة ، ويجر بالفتحة أيضا ، نيابة عن الكسرة ، ولكن من غير تنوين - غالبا - فى الحالات الثلاث ؛ وهذا النوع المعرب يسمى : «الاسم الذى لا ينصرف ؛ أى : لا ينون». ولا فرق فى هذا النوع بين أن تكون حركة آخره ظاهرة ، كأمثلة القسم الثانى ، أو مقدرة كأمثلة القسم الثالث.
والاختلاف بين صورتى المعرب المنصرف وغير المنصرف ، ينحصر فى أمرين ؛ أولهما : أن المنصرف يعرب بالحركات الأصلية الظاهرة ، أو المقدرة رفعا ، ونصبا ،
وجرّا ؛ فالضمة للرفع ، والفتحة للنصب ، والكسرة للجر.
ثانيهما : أنه ينون فى جميع حالاته ، إلا إن وجد مانع آخر يمنع التنوين (1). أما الاسم الذى ينصرف فتتلخص حركات آخره الظاهرة ، أو المقدرة فى أنه يرفع بضمة واحدة من غير تنوين ، وينصب بفتحة واحدة من غير تنوين ، ويجر بفتحة واحدة أيضا من غير تنوين (2)؛ فهو يختلف عن سابقه فى الأمرين ، - فى عدم التنوين ، وفى الجر بالفتحة نيابة عن الكسرة - وإنما يتحقق الاختلاف بشرط ألا يكون مضافا أو مبدوءا (بأل). فإن كان مضافا مثل كلمة : «أفضل» فى القسم الرابع ، أو مبدوءا (بأل) مثل كلمة : «الأفضل» فى القسم الخامس ، وجب جره بالكسرة دون الفتحة ، مع حذف التنوين فى الحالتين أيضا ؛ لأن التنوين لا يوجد فى الاسم المضاف ، أو المبدوء (بأل) مهما كان نوعها (3)
وجرّ بالفتحة ما لا ينصرف *** ما لم يضف ، أو : يك بعد : «أل» ردف
ومعنى «ردف» : تبع «أل» ، وجاء بعدها مباشرة ، من غير فاصل بينهما. وكلمة : «جر» قد تكون فعلا ماضيا مبنيا على الفتح ، وهو مبنى للمجهول ، وقد تكون فعل أمر ؛ فيصح عندئذ فى آخرها ضم الراء أو كسرها ، أو فتحها. فالضم لأن أصلها : اجرر (مثل : انصر) نقلت ضمة الراء الأولى إلى الجيم فحذفت الهمزة ، وأدغمنا الراءين ، وضممنا الراء المشددة إتباعا للجيم. وإن شئنا فتحنا الراء المشددة «جرّ» للخفة ، أو كسرناها ؛ مراعاة للأصل فى التخلص من التقاء الساكنين. وليس هذا مقصورا على كلمة : بل يتبع فى كل فعل أمر على وزنها.
.هذا وللاسم الذى لا ينصرف باب خاص - سيجىء فى الجزء الرابع - تبيّن فيه أسباب المنع من الصرف ، وتوضح أحكامه ، ونقتصر هنا على ما يناسب موضوع الإعراب ، تاركين غيره لذلك الباب. .
1) كأن يكون الاسم مضافا ، أو مبدوءا بأل ، أو غير ذلك مما يمنع التنوين «كالنداء» ، تقول جاء الطبيب ، أو : طبيب المدينة ، ورأيت الطبيب ، أو : طبيب المدينة ، وقصدت إلى الطبيب ؛ أو : طبيب المدينة ؛ إذ يمتنع التنوين مع «أل» ومع الإضافة فى كلمة : «طبيب» كما يمتنع فى مثل : يا طبيب ؛ لمعين أما عند عدم وجود مانع فيجب التنوين.
2) قد ينون الممنوع من الصرف إذا زالت علميته وقصد تنكيره كما سبق - فى رقم 2 من هامش ص 32 ورقم 3 من هامش ص 36 - عند الكلام على التنوين وكما يأتى البيان فى ص 264 ، وفى باب الممنوع من الصرف (ج 4).
3) ستأتى أنواعها فى م 30 - وفى هذا يقول ابن مالك :
(ا) سبقت الإشارة - فى جمع المؤنث السالم ، (ص 150) - إلى أن هذا الجمع وملحقاته عند التسمية به يصح إعرابه إعراب ما لا ينصرف ، كما يصح إعرابه إعراب جمع المؤنث السالم ، مراعاة لأصله وصورته. والإعراب الأول أحسن ، لما سبق هناك.
ب - من المبينات ما يكون ممنوعا من الصرف لانطباق سبب المنع عليه ؛ مثل : سيبويه ؛ فإنه علم (1)مبنى على الكسر وجوبا فى كل حالاته - فى الرأىّ الشائع -. فعند اعتباره ممنوعا من الصرف للعلمية مع التركيب المزجى نقول فى إعرابه فى حالة الرفع : إنه مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها حركة بنائه الأصلى على الكسر. أو إنه مبنى على الكسر فى محل رفع (2).
ونقول فى حالة نصبه : إنه منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها حركة بنائه الأصلى على الكسر ، أو : إنه مبنى على الكسر فى محل نصب (3).
ونقول فى حالة جره إنه مجرور بفتحة مقدرة. منع من ظهورها حركة بنائه الأصلى على الكسر. ولا مانع أن نقول هنا أيضا : إنه مبنى على الكسر فى محل جر. ولكن النحاة يفضلون - بحق - فى حالة الجر الأعراب الأول ، لأنه يوافق الحكم العام للاسم الذى لا ينصرف.
(ح) بعض القبائل العربية يستعمل كلمة : «أم» بدلا من «أل» فيقول : امقمر يستمدّ امضوء من امشمش ، أى : (القمر يستمد الضوء من الشمس) وعلى هذه اللغة لا يمنع الاسم عندهم من الصرف إذا بدىء بكلمة : (أم) المستعملة بدلا من : «أل»(4).
1) هو علم ، مركب مزجى ؛ فينطبق عليه منع الصرف ؛ فوق أنه مبنى لا يدخله تنوين التمكين وقد سبق الكلام على تنوينه فى الكلام على أنواع التنوين ص 34. وسنعود للكلام عليه وعلى إعرابه بمناسبة أخرى فى ص 177 و 279 و 281 وما بعدها.
2) (2. 2) وهذا أوضح وأكثر.
3) (2. 2) وهذا أوضح وأكثر.
4) ليس من السائغ اليوم أن نستعمل «أم» هذه كاستعمال أهلها القدماء ، ولا أن ندخلها فى أساليبنا بدلا من «أل».
ا - العاقل يتكلم بعد تفكير. لن يتكلم العاقل متسرعا. لم يتكلم عاقل فيما لا يعنيه.
ب
(1) أنتما تتكلمان بخير (1). أنتما لن تتكلما إلا بخير. أنتما لم تتكلما إلا بالخير
(2) الحكيمان يتكلمان بخير. الحكيمان لن يتكلما. الحكيمان لم إلا بخير يتكلما إلا بالخير.
(3) أنتم تساعدون المحتاج. أنتم لن تساعدوا المحتال. أنتم لم تساعدوا المحتال.
(4) الأغنياء يشاركون فى النفع. الأغنياء لن يتأخروا - الأغنياء لم يشاركوا فى عن المساعدة. إساءة.
(5) أنت - يا فاطمة - أنت لن تعملى بتوان. أنت لم تعملى بتوان.
تعملين بجد.
إذا كان المضارع صحيح الآخر ، وغير مختوم بضمير بارز (2)، فإنه يعرب بالحركات الأصلية الظاهرة (الضمة فى حالة الرفع ، والفتحة فى حالة النصب إذا سبقه ناصب ، والسكون فى حالة الجزم إذا سبقه جازم). كأمثلة القسم «ا».
أما إذا اتصل بآخره ألف اثنين (وله معها صورتان. إحداهما أن يكون مبدوءا بتاء المخاطب ، والأخرى أن يكون مبدوءا بياء الغائب ، كأمثلة 1 ، 2 من القسم «ب».) أو اتصل بآخره واو الجماعة ، (وله معها صورتان كذلك : أن يكون مبدوءا بتاء المخاطب أو ياء الغائب ، كأمثلة 3 و 4 من «ب») أو اتصل آخره بياء الخاطبة ، (كأمثلة القسم الخامس من «ب») - فإنه فى هذه الصورة الخمس التى يسميها
1) إذا كان الخطاب لمؤنثتين غائبتين جاز أن يكون المضارع مبدوءا بالياء لا بالتاء ، والتاء أكثر ؛ طبقا للإيضاح الآتى فى «ج» من ص 164
2) أى ظاهر. وهذا على الرأى الشائع فى أن ألف الاثنين وواو الجماعة وياء المخاطبة أسماء ، فهى ضمائر يعرب كل منها فاعلا. وهو الرأى الواجب اتباعه اليوم ، خلافا للرأى الضعيف القائل بأنها حروف.
النحاة الأفعال الخمسة - يرفع بثبوت النون (1)فى حالة الرفع ، نيابة عن الضمة ، وينصب فى حالة النصب بحذفها نيابة عن الفتحة ، ويجزم فى حالة الجزم بحذفها أيضا نيابة عن السكون. (أمثلة ، 2 ، 3 ، 4 ، 5).
وهذا معنى قولهم : الأفعال الخمسة هى : «كل مضارع اتصل بآخره ألف اثنين ، أو واو جماعة ، أو ياء مخاطبة».
وحكمها : أنها ترفع بثبوت النون ، وتنصب وتجزم بحذفها. مع ملاحظة أن تلك النون عند ظهورها تكون مكسورة (2)بعد ألف الاثنين ، مفتوحة فى باقى الصور (3)
واجعل لنحو : «يفعلان» النّونا *** رفعا ، وتدعين وتسألونا
وحذفها للنصب والجزم سمه *** كلم تكونى لترومى مظلمه
أى : اجعل ثبوت النون علامة للرفع فى : يفعلان ، وتدعين ، وتسألون. وهى الأفعال المضارعة المشتملة على الضمائر السالفة ؛ فالأول مشتمل على «ألف الاثنين» ، والثانى على «ياء المخاطبة» ، والثالث على «واو لجماعة». واجعل حذف النون سمة ؛ أى : علامة ، لنصبها ، وجزمها.
.«ملاحظة» : إذا كان المضارع معتل الآخر بغير إسناد لضمير رفع بارز - فحكمه سيجىء فى مكانه الخاص (4). فإن كان مسندا لضمير رفع بارز وجب أن تلحقه تغيرات مختلفة ؛ بيانها وتفصيل أحكامها فى الباب المعدّ لذلك (5)، وهو باب : إسناد المضارع والأمر إلى ضمائر الرفع البارزة ؛ بتوكيد ، وغير توكيد ، .
2 - إذا قلت : النساء لن يعفون عن المسىء ؛ فالنون هنا نون النسوة ، وليست نون الرفع التى تلحق بآخر الأفعال الخمسة. كما أن الواو واو أصلية ، لأنها لام الفعل ؛ إذ أصله : «عفا» «يعفو» تقول : النساء يعفون ؛ «يعفو» فعل مضارع مبنى على السكون الذى على الواو. لاتصاله بنون النسوة ، ونون النسوة فاعل مبنى على الفتح فى محل رفع. وتقول «النساء لن يعفون» : «يعفو» : فعل مضارع ، مبنى على السكون لانصاله بنون النسوة ؛ فى محل نصب بلن ، والنون فاعل ... وفى النساء لم يعفون : «يعفو» فعل مضارع مبنى على السكون لاتصاله بنون النسوة ، فى محل جزم ب «لم» ، ونون النسوة فاعل ...
بخلاف قولك : الرجال يعفون ؛ فإن النون هنا علامة للرفع ، والواو ضمير الجمع ، فاعل ، مبنى على السكون فى محل رفع. وأصله : الرجال يعفوون (على وزن : يفعلون) ؛ استثقلت الضمة على الواو الأولى (التى هى حرف علة ، ولام الفعل أيضا) فحذفت الضمة ؛ فالتقى ساكنان ، هما : الواوان. حذفت الواو الأولى ؛ لأنها حرف علة ، ولم تحذف الواو الثانية : لأنها كلمة تامة. إذ هى ضمير ، فاعل ، يحتاج إليه الفعل ، فصار الكلام : «الرجال يعفون» على وزن : «يفعون» ، وعند وجود ناصب أو جازم تحذف النون ، نقول : الرجال لن يعفوا (على وزن يفعوا) ومنه قوله تعالى : ( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) والرجال لم يعفوا ، فحذفت نون الرفع ؛ لوجود أحدهما ، بخلاف نون النسوة ، فإنها لا تحذف - كما سبق.
(ب) عرفنا أن نون الرفع تحذف وجوبا للناصب أو الحازم ؛ كحذفها فى قوله تعالى ( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) ، وقول الشاعر المصرى (1):
لا تقربوا النيل إن لم تعملوا عملا *** فماؤه العذب لم يخلق لكسلان
وقد تحذف لغير ناصب أو جازم ، وجوبا أو جوازا ؛ فتحذف وجوبا إذا جاء بعدها نون التوكيد الثقيلة ؛ مثل : أنتما - يا صاحباى - لا تقصرانّ فى الواجب ، وأنتم - يا رجال - لا تهملنّ فى العمل ، وأنت - يا قادرة - لا تتأخرنّ
1) إسماعيل صبرى المتوفى سنة 1923
عن معاونة البائس ، فحذفت نون الرفع فى الجميع ؛ لتوالى الأمثال (أى : لتوالى ثلاثة أحرف متماثلة زائدة ؛ هى : النونات الثلاث ...) (1)وحذفت معها أيضا واو الجماعة ، وياء المخاطبة دون ألف الاثنين (2)، ولكن عند إعراب المضارع المرفوع نقول : مرفوع بالنون المقدرة ، كما سبق بيان سببه وتفصيله (3).
وتحذف جوازا عند اتصالها بنون الوقاية (4)، مثل : الصديقان يكرماننى ، أو : يكرمانى ، والأصدقاء يكرموننى ، أو : يكرمونى ، وأنت تكرمينى ، أو : تكرمينى.
وكما يجوز حذفها وبقاؤها بغير إدغام عند وجود نون الوقاية يجوز إدغامها فيها ؛ فتصير نونا مشددة ، تقول : الصديقان يكرمانّى ، والأصدقاء يكرمونّى (5)وأنت تكرمينّى(6).
فتلخص من هذا أن نون الأفعال الخمسة لها ثلاثة أحوال عند اتصالها بنون الوقاية : الحذف ، أو الإدغام فى نون الوقاية ، أو الفك مع إبقاء النونين (7).
وهناك لغة تحذف نون الرفع (أى : نون الأفعال الخمسة) فى غير ما سبق ؛ وبها جاء الحديث الشريف «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا (8)» ، أى : لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا. ولا تؤمنون حتى تتحابوا. وقوله أيضا : «كما تكونوا يولّى عليكم» فى بعض الآراء ، وليس من السائغ اتباع هذه اللغة فى عصرنا ، ولا محاكاتها ، وإنما ذكرناها لنفهم ما ورد بها فى النصوص القديمة.
1) (1 و 1) فى رقم 2 من هامش ص 88 شرط امتناع التوالى ، وإيضاحه ، وسبب بقاء ألف الاثنين ..
2) (1 و 1) فى رقم 2 من هامش ص 88 شرط امتناع التوالى ، وإيضاحه ، وسبب بقاء ألف الاثنين ..
3) راجع «ج ود» من ص 88 و 91
4) وهذا رأى سيبويه وفريق معه ... وقال آخرون الذى يحذف هو نون الوقاية. ولكل أدلة كثيرة. والرأى الأول أولى ، ولا سيما إذا عرفنا أن نون الوقاية جاءت لغرض خاص ؛ فحذفها يضيع ذلك الغرض. وتفصيل الكلام على «نون الوقاية» مسجل فى الموضع الخاص بها - ص 252 م 21 ، مع ملاحظة الإشارة السابقة فى «ج» ص 48 وفى رقم 4 من هامش ص 88 ورقم 1 من هامش ص 89 ثم ص 255
5) يجوز هنا أن يحذف الضمير أو لا يحذف ، راجع هامش (ص 88 و 89).
6) يجوز هنا أن يحذف الضمير أو لا يحذف ، راجع هامش (ص 88 و 89).
7) ستجىء الأحوال الثلاثة فى ص 255.
8) أى : تتحابوا.
(ح) يجوز (1)أن تقول : «هما تفعلان» و «هما يفعلان» عند الكلام على مؤنثتين غائبتين ؛ ففى الحالة الأولى تؤنث مراعيا أنك تقول فى المفردة : هى تفعل ؛ بوجود التاء أول المضارع. فكأن الأصل - مثلا - زينب تفعل ؛ لأن الضمير بمنزلة الظاهر المؤنث الذى بمعناه. فإذا قلت : «هما تفعلان» فقد أدخلت فى اعتبارك الحالة السابقة. وإذا قلت : «هما يفعلان» فقد أدخلت فى اعتبارك مراعاة لفظ الضمير الحالى الذى للمثنى الغائب ، والأول أكثر وأشهر ، وفيه بعد عن اللّبس ، فوق ما فيه من مسايرة لقاعدة هامة ؛ هى : أن الفعل يجب تأنيثه إذا كان مسندا لضمير يعود على مؤنث (2)...
1) الإيضاح الآتى هو ما أشرنا إليه فى رقم 1 من هامش ص 160.
2) وقياسا على هذا يجوز فى المضارع المسند لنون النسوة أن يكون مبدوءا بالياء أو بالتاء ، نحو : الوالدات يحرصن على راحة أبنائهن ، أو تحرصن. ويؤيد هذا القياس ما سيجىء (فى «ب» من الجزء الثانى باب الفاعل ص 65 م 66) فقد نصوا هناك على جواز الأمرين صراحة وأن الأحسن تصديره بالياء لا بالتاء ، تبعا للمأثور ، واستغناء بنون النسوة.
ز - المضارع المعتل الآخر (1)
ليس فى الأفعال ما يدخله الإعراب إلا الفعل المضارع أحيانا ، وهو قسمان :
(ا) مضارع صحيح الآخر : مثل : يشكر ، يرتفع ، ينزل ... وهذا يعرب بحركات ظاهرة على آخره فى كل أحواله : (رفعا ، ونصبا ، وجزما) ؛ تقول : يشكر المرء من أعانه ، لن يرتفع شأن الخائن ، لم ينزل مطر فى الصحراء .... ، «فيشكر». مرفوع بالضمة الظاهرة ، و «يرتفع» : منصوب بالفتحة الظاهرة ، و «ينزل» مجزوم بالسكون الظاهر ، أما الجر فلا يدخل الأفعال ، كما هو معلوم.
(ب) مضارع معتل الآخر (2)، وهو ثلاثة أنواع :
1 - معتل الآخر بالألف ، مثل : يخشى ، يرضى ، يرقى. وحكمه : أنه تقدر على آخره الضمة فى حالة الرفع ، مثل : يخشى الصالح ربه ، فيخشى : مضارع مرفوع بضمة مقدره على الألف.
وكذلك تقدر الفتحة على آخره فى حالة النصب ؛ مثل : لن يرضى العاقل بالأذى ؛ فيرضى : مضارع منصوب بفتحة مقدرة على الألف. وسبب التقدير فى الرفع والنصب تعذر ظهور الحركة على الألف واستحالتها.
أما فى حالة الجزم فتحذف الألف. وتبقى الفتحة قبلها دليلا عليها ؛ مثل : لم يرق العاجز ، فكلمة يرق : فعل مضارع مجزوم ، وعلامة جزمه حذف الألف. ومثله المضارع «يلق» فى قول الشاعر :
إذا كنت فى كلّ الأمور معاتبا *** صديقك لم تلق الذى لا تعاتبه
2 - معتل الآخر بالواو ، مثل : يسمو ، يصفو ، يبدو. وحكمه : أنه يرفع
بالضمة المقدرة (1)، مثل : يسمو العالم ، فيسمو : مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الواو. ولكنه ينصب بفتحة ظاهرة على الواو ، مثل لن يصفو الماء إلا بالتنقية. ويجزم بحذف الواو ، وتبقى الضمة قبلها دليلا عليها ، مثل لم يبد النجم وراء السحب نهارا. فالفعل : يبد ، مضارع مجزوم ، وعلامة جزمه حذف الواو.
3 - معتل الآخر بالياء ؛ مثل : يمشى ، يبنى ، ومثل يغضى فى أول البيت (2)التالى:
يغضى حياء ، ويغضى من مهابته *** فلا يكلّم إلا حين يبتسم
وحكمه كسابقه ، يرفع بضمة مقدرة ؛ مثل : يمشى الحازم فى الطريق المأمون ؛ وينصب بفتحة ظاهرة على الياء ؛ مثل : لن يبغى أخ على أخيه. ويجزم بحذف الياء ؛ وتبقى الكسرة قبلها دليلا عليها ، مثل لم يبن المجد إلا العصاميون. ومن أمثلة حذف الألف والياء من آخر المضارع المجزوم قول الشاعر :
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره *** ومن يغو (3)لا يعدم على الغىّ لائما
وملخص ما سبق فى أنواع الفعل المضارع الثلاثة المعتلة الآخر ؛ أنها متفقة فى حالتى الرفع والجزم ، مختلفة فى حالة النصب فقط. فجميعها يرفع بضمة مقدرة ، ويجزم بحذف حرف العلة ، مع بقاء الحركة التى تناسبه ؛ لتدل عليه ، (وهى الفتحة قبل الألف ، والضمة قبل الواو ، والكسرة قبل الياء) أمّا فى حالة النصب فتقدر الفتحة على الألف ، وتظهر على الواو والياء (4)
وأىّ فعل آخر منه ألف *** أو واو أو ياء ، فمعتلّا عرف
فالألف انو فيه غير الجزم *** وأبد نصب ما كيدعو ، يرمى
والرفع فيهما انو واحذف جازما *** ثلاثهنّ تقض حكما لازما
(انو - قدر. أبد - أظهر)
أى : يعرف الفعل المضارع المعتل بأن يكون مختوما بالألف ، أو الواو ، أو الياء. وحرف الألف تقدر عليه الحركات كلها غير الجزم. وأظهر النصب فى المعتل الآخر بالواو كيدعو ، أو الياء ، كيرمى ، مع تقدير الرفع فيهما ، واحذف أحرف العلة الثلاثة فى حالة جزمك أفعالها.
. .(ا) هناك لغة تجيز إبقاء حرف العلة فى آخر المضارع المجزوم ؛ فيكون مجزوما ؛ وعلامة جزمه السكون المقدر على حرف العلة. وهذه لغة تذكر لمجرد العلم بها ؛ لاستخدامها فى فهم النصوص القديمة ، الواردة بها ، لا لتطبيقها فى استعمالنا.
(ب) عرفنا أن المضارع المعتل الآخر يحذف آخره عند الجزم. وهذا بشرط أن يكون حرف العلة أصيلا فى مكانه ، كالأمثلة السابقة ؛ فلا يكون مبدلا من الهمزة. مثل : يقرا الرجل ، أى : يقرأ. ومثل : يوضو وجه علىّ ؛ بمعنى ؛ يحسن ويضىء. وأصله يوضؤ ، ومثل : يقرى الضيف السّلام ؛ بمعنى : يلقيه ، وأصله : يقرئ ؛ فلو كان مبدلا من الهمزة كالكلمات السالفة - لكان خير ما يقال هو : أن المضارع مجزوم بسكون مقدر على الهمزة المنقلبة ألفا ، أو واوا ، أو ياء ، فى تلك الأمثلة وأشباهها ، ولا يحذف حرف العلة.
ومن الأمثلة أيضا : «يبرا» المريض و «يبرو» ، أى : يشفى ؛ وأصلهما : «يبرأ» و «يبرؤ» ؛ بالهمز فيهما. و «يبرى» اللّه المريض. أى : يشفيه ؛ وأصله. يبرئه. ومثل يملا الساقى الإناء ، أى : يملأ. «ويمتلى» الإناء : أى : يمتلىء ، و «يبطو» القطار ؛ أى : يبطؤ ؛ فلا داعى للتفصيل الذى يقوله النحاة ، من أن إبدال حرف العلة من الهمزة ، إن كان بعد دخول الجازم ، فهو إبدال قياسى ، «لسكون الهمزة بسببه. فيكون الجازم قد عمل عمله فيها ؛ وهو : الجزم ؛ ومتى سكنت الهمزة ، كان إبدالها من جنس حركة ما قبلها قياسيا ؛ فتقلب ألفا أو واوا ، أو ياء ، على حسب تلك الحركة ، ولا تحذف هذه الحروف ؛ إذ لا داعى لحذفها ، بعد أن أدّى الجازم عمله ، وفى هذه الحالة تعرب الكلمة مجزومة بسكون مقدر (1)على الهمزة المنقلبة المختفية ... أما إن كان الإبدال من الهمزة قبل الجزم ، فهو إبدال شاذ ، والأفصح عدم حذف حرف العلة أيضا ، ويكون الفعل مجزوما
1) وإنما كان السكون مقدرا لأنه على الهمزة وهى مختفية ، فهو مختف معها ، ويكون ظاهرا حين تظهر ، ولا يصح أن يكون مقدرا على الألف ، أو الواو أو الياء ؛ لأن هذه الحروف قد جاءت بعد أن أدى الجازم عمله ، واستوفى حقه ، كما أوضحنا.
بسكون مقدر على الهمزة المنقلبة المختفية كسابقه. ولا يحذف حرف العلة - مع أن الجازم حين وروده على الفعل لم يكن أمامه الهمزة ، ليؤثر فيها - لأن حرف العلة هذا عارض ، وليس أصيلا ، ولا اعتداد بالعارض عندهم (1)؛
فالفرق بين الحالتين أن الأولى لا يحذف فيها حرف العلة باتفاق ، لما بينوه ؛ وأن الثانية فيها خلاف ، ولكن الأشهر عدم الحذف أيضا.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا فما المانع أن يكون الحكم الفاصل هو عدم الحذف دائما ، لنستريح من تعدد الآراء ، واختلاف الحجج ، من غير أثر واضح؟ هذا هو الأفضل.
1) راجع الصبان آخر باب المعرب والمبنى عند الكلام على المضارع المعتل.
من الأسماء المعربة (1)نوع صحيح الآخر ، مثل : سعاد ، صالح ، جمل ، شجرة ، قمر ، سماء ... وهذا النوع يعرب فى أحواله الثلاثة بحركات ظاهرة على آخره ؛ تقول : صالح محسن ، وإن صالحا محسن ، وحبذا الإحسان من صالح .. وكذا بقية الأمثلة مع مراعاة الأحكام التى شرحناها فى المسائل المختلفة السابقة.
ومنها نوع معتل الآخر جار مجرى الصحيح ، وهو ما آخره ياء أو واو وكلا الحرفين متحرك قبله ساكن ، وقد يكون الحرفان مشددين أو مخففين ؛ نحو : مرمىّ - - مغزوّ - ظبى - دلو ... وحكم آخره من الناحية الإعرابية كحكم صحيح الآخر ، فهو شبيه به فى الحكم
ومن هذا الشبيه أيضا المختوم بياء مشددة للنسب ، ونحوه ، بشرط ألا يكون تشديده بسبب إدغام ياءين : ومن الأمثلة : عبقرىّ - كرسى - شافعىّ ، فخرج نحو : خليلىّ - صاحبىّ - بنىّ - كاتبىّ - (كما فى ج 4 ص 45 م 131).
ومنها نوع معتل الآخر (2)
وقد يكتفى النحاة بتسميته : «المعتل» فقط ؛ لأن المعتل في اصطلاحهم هو معتل الآخر (وهو ما كان حرفه الأصلى الأخير حرف علة) سواء أكان اسما ، أم فعلا. أما الصرفيون فقد جرى اصطلاحهم على أن المعتل هو : ماكان أحد حروفه الأصلية حرف علة ؛ سواء أكان حرف العلة فى الأول ، أم فى الوسط ، أم فى الآخر ، أم فى أكثر من موضع. وسواء أكان ذلك في اسم أم فعل. ولكل حالة من تلك الحالات المختلفة اسم خاص بها ، وحكم معين في علم الصرف. ولم يطلق النحاة ولا الصرفيون اسم المعتل على شيء من الحروف ؛ مع أن بعض الحروف قد يكون معتلا ؛ مثل : إلى ، على ، فى .. والسبب في ذلك أن كلامهم فى المعتل ، وأنواعه ، واسم كل نوع وحكمه . إنما هو من ناحية الإعراب ، وما يتصل به ؛ وهى ناحية لا تتصل بالحروف ، إذ الحروف كلها مبنية كما عرفنا على أنه لا مانع من تسمية الحرف الذى فيه حرف علة «بالمعتل». ولكن لا يصح تسميته المقصور ، ولا بالمنقوص ، ولا بالأسماء الأخرى الخاصة التي أطلقها النحاة أو الصرفيون على أنواع المعتل من الأسماء أو الأفعال ؛ (كالمثال ، والأجوف ، والناقص .. إلخ) لأن هذه التسميات مقصورة عندهم على أنواع المعتل من الأسماء والأفعال وحدهما ومن المقرر أن حرف العلة إن كان ساكنا بعد حركة تناسبه فهو حرف علة ، ومد ، ولين ؛ نحو مساعد ، ومسعود ، وسعيد وإن كان ساكنا بعد حركة لا تناسيه فهو حرف
علة ولين معا ، نحو : جوهر ، وزين. وإن كان متحركا فهو حرف علة فقط ؛ مثل : حور ، وهيف ... (راجع الخضرى ج 2 فى بابى الترخيم والإعلال بالنقل.) وعلى هذا تكون الألف دائما حرف علة ، ومد ، ولين.
ويتردد في كلام النحاة : «الحرف المعل» يريدون به الحرف الذى يخضع لأحكام الإعلال ، وتجرى عليه ضوابطه ، كقلب الياء المتطرفة بعد الألف الزائدة همزة ... و.. . فإن لم يخضع لتلك الأحكام فهو حرف علة فقط ؛ كالفعل الماضي : عور ، أو : هيف وستجىء إشارة لهذا فى ج ۲ هامش ص ٨٦ م ٦٧ .
لا يشبه الصحيح : ومن أمثلته (الرضا ، العلا ،الهدى ، الحمى ...) وأيضا (الهادى ، الداعى ، المنادى ، المرتجى ...) وأيضا (أدكو (1)طوكيو (2)، سمندو (3)قمندو (4)...) وهذا النوع المعتل ثلاثة أقسام على حسب حرف العلة الذى فى آخره :
أولها ؛ المقصور (5): وهو : الاسم المعرب الذى فى آخره ألف (6)لازمة (7)
وإذا كانت الألف لا تفارقه وعلامة الإعراب لا تظهر عليها مطلقا ؛ كما أوضحنا ؛ فلم لا يعتبر مبنيا؟ تقدم جواب هذا في «و» من ص ٩٢.
. وحكمه: أن يعرب بحركات مقدرة على هذه الألف فى جميع صوره ؛ رفعا ؛ ونصبا ، وجرّا ؛ إذ لا يمكن أن تظهر الفتحة أو الضمة أو الكسرة على الألف. ومن أمثلته «إنّ الهدى هدى اللّه». «اتّبع سبيل الهدى». فكلمة : «الهدى» الأولى ، اسم1) اسم بلد مصرى على الساحل الشمالى.
2) حاضرة بلاد اليابان.
3) اسم طائر ، واسم حصن فى (بلغراد).
4) اسم طائر.
5) مما يلاحظ أن النحاة لا يطلقون اسم المقصور والممدود على الاسم إلا إذا كان معربا. بخلاف اللغويين والقراء فإنهما يطلقونهما على المعرب والمبنى ولذا يقولون فى : (أولى وأولاء ، اسمى إشارة) إن الأول مقصور ، والثانى ممدود مع أن الاسمين مبنيان. فالاصطلاح مختلف عند الفريقين ، كما سيجىء فى باب اسم الإشارة ، - رقم 4 من هامش ص 291) وفى رقم 1 من هامش ص 310 وكذا فى رقم 1 من هامش ص 450 م 170 ج 4.
6) وهذه الألف يكون قبلها فتحة دائما كشأن جميع الألفات. فإن جاء بعدها تاء التأنيث مثل : فتاة ، ومباراة .. و.. زال عنه اسم المقصور وحكمه ، وصار إعرابه على التاء - كما فى : «و» من ص172. وسيجىء البيان والإيضاح فى الباب الخاص به من الجزء الرابع ص 461 م 171.
7) لا تفارقه فى حالة من حالات إعرابه الثلاث ؛ الرفع ، والنصب ، والجر ، إلا إذا وجدت علة صرفية تقضى بحذفها ؛ فتحذف لفظا ، ولكنها تعتبر موجودة تقديرا : لأن المحذوف لعلة كالثابت ؛ وذلك كحذفها عند التنوين فى مثل : فتى ، علا ، رضا ؛ فإنها موجودة تقديرا. وهذا معنى قولهم : إن ألف المقصور موجودة دائما ، إما لفظا وإما تقديرا. وعند الوقف يحذف التنوين فى الشائع، فترجع الألف ، ويكون الإعراب مقدرا عليها. وهذا هو الشائع فى الإعراب اليوم ، ولا بأس به ، بل فيه تيسير.
«إن» ؛ منصوبة بفتحة مقدرة على الألف ؛ وكلمة : «هدى» الثانية خبر «إن» ، مرفوعة بضمة مقدرة على الألف أيضا. وكلمة : «هدى» الثالثة مضاف إليه ، مجرورة بكسرة مقدرة على الألف (1)
وللكوفيين رأى آخر يجيز كتابة المقصور الثلاثى بالألف أو الياء إن كان الاسم مضموم الأول أو مكسوره . ولا نتعرض لبيان أن هذا أنسب أم ذاك ، ولكن الذي لا شك فيه أن قواعد رسم الحروف معقدة مضطربة ، في حاجة إلى ضبط وتحديد وتيسير. وهذا من أخص خصائص المجمع اللغوى ؛ لأنه . في هذه الناحية . يمثل الهيئات العلمية مجتمعة ، والبلاد العربية كلها.
.ومن أمثلته : رضا اللّه أسمى الغايات. وإن رضا الناس غاية لا تدرك ، احرص على رضا اللّه ... فكلمة : «رضا» مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة بحركة مقدرة على الألف ... وهكذا كل الأسماء المقصورة (2).
وليس من المقصور ما يأتى :
(ا) الأفعال المختومة بألف لازمة ، مثل : دعا ، سعى ، يخشى ، ارتقى. وإنما هى نوع من الأفعال التى تسمى ناقصة. (ويراد بهذه التسمية هنا : أنها معتلة الآخر).
(ب) الحروف المختومة بألف لازمة ، مثل : إلى ، على ... لأن هذه كتلك ليست أسماء.
(ح) الأسماء المبنيّة المختومة بهذه الألف ؛ مثل : «ذا» و «تا» من أسماء الإشارة. ومثل «إذا» الظرفية و «ما» الموصولة ، وغيرها من الأسماء المبنية.
(د) الأسماء المعربة التى فى آخرها واو ، أو ياء ، مثل : «أدكو» ، «الهادى» ، لأنها ليست معتلة الآخر بالألف.
(ه) المثنى فى حالة الرفع مثل : سافر الوالدان ، والأسماء الستة فى حالة النصب ، مثل : رأيت أباك ؛ لأن الألف فيهما غير لازمة ، إذ تتغير وتجىء مكانها
1) وهى تكتب ياء هنا ، وتكتب فى مواضع أخرى ألفا ؛ تبعا لقواعد الإملاء التى تقضى بأن ألف المقصور الثلاثية إن كان أصلها ياء كتبت ياء ، وإن كان أصلها واوا كتبت ألفا ؛ فلا بد من إرجاع الألف الثلاثية إلى أصلها. أما التى تزيد على ثلاثة فإنها تكتب ياء دائما. وسواء أكتبت ألف المقصور ياء أم ألفا - فإنها فى جميع أحوالها تسمى : ألفا ، ما دام قبلها فتحة. وهذا الرأى هو الشائع اليوم فى رسم الحروف.
2) مع ملاحظته أن الكلمة إن كانت ممنوعة من الصرف - مثل موسى - على اعتباره ممنوعا من الصرف - فإنها تخضع لأحكام المنع المختلفة. ومنها الجر بالفتحة المقدرة بدلا من الكسرة المقدرة ، إن لم يكن هناك مانع.
الياء مع المثنى فى حالة نصبه وجره ؛ مثل : أكرمت الوالدين ، وأصغيت إلى الوالدين. وتجىء مكانها الواو أو الياء مع الأسماء الستة فى حالة رفعها وجرها ؛ مثل : أبوك كريم ، استمع إلى أبيك.
(و) أشرنا (1)إلى أن المقصور إذا زيدت بعد ألفه تاء التأنيث - نحو : فتاة ، مباراة ، مستدعاة - يفقد اسمه وحكمه بسبب هذه التاء ، ولا يسمى مقصورا ، لأنه لا يكون مقصورا إلا بشرط انتهائه بألف تقع عليها الحركات الإعرابية مقدرة. ولا يتحقق هذا الشرط إذا وقعت بعد ألفه تاء التأنيث ، إذ تكون هى خاتمة أحرفه ، وعليها تقع الحركات الإعرابية ظاهرة لا مقدرة ؛ ولذا تبقى عند تثنيته للدلالة على تأنيثه ، وتحذف عند جمعه ، ويراعى فى الاسم بعد حذفها ما يراعى فى جمع المقصور (2)- ويجب التّنبه للفرق الواسع بين تاء التأنيث السّالفة والهاء الواقعة ضميرا بعد ألف المقصور فى مثل : «من أطاع هواه أعطى العدو مناه ؛ فهذه الهاء كلمة مستقلة تماما.
ثانيها : المنقوص ؛ وهو : الاسم المعرب الذى آخره ياء لازمة (3)
ولماذا لايعتبر المنقوص من المبينات؟ سبق جواب هذا في «و» من ص 92.
، غير مشددة ، قبلها كسرة ، مثل : العالى ، الباقى ، المرتقى ، المستعلى ...وحكمه : أن يرفع بضمة مقدرة على الياء فى حالة الرفع ، وينصب بفتحة ظاهرة على الياء فى حالة النصب ، ويجر بكسرة مقدرة عليها فى حالة الجر ؛ مثل : الخلق العالى سلاح لصاحبه ، إن الخلق العالى سلاح لصاحبه ، تمسّك بالخلق العالى. فكلمة : «العالى» فى الأمثلة الثلاثة نعت (صفة) ، ولكنه مرفوع فى المثال الأول بضمة مقدرة ، ومنصوب فى المثال الثانى بالفتحة الظاهرة ، ومجرور فى المثال الثالث بالكسرة المقدرة. ومثله : الباقى للمرء عمله الصالح. إن الباقى للمرء عمله الصالح. حافظ على الباقى من مآثر قومك. فكلمة : «الباقى» فى المثال الأول مبتدأ مرفوعة بضمة مقدرة ، وهى فى المثال الثانى اسم «إن» منصوبة بالفتحة الظاهرة ، وهى فى
الثالث مجرورة بكسرة مقدرة ، وهكذا ، فالمنقوص يرفع ويجر بحركة (1)
وإذا كان المنقوص ممنوعا من الصرف وسمى به ؛ مثل : جوار ، وقواض ، علمين مؤنثين . فلا تقدر الكسرة على الرأى المشهور ، وإنما يجر بالفتحة ، لكن أتظهر الفتحة لخفتها في حد ذاتها ، أم تقدر لنيابتها عن الكسرة الثقيلة؟ رأيان أشهرهما الثاني.
مقدرة على الياء ؛ وينصب بفتحة ظاهرة عليها ، كما رأينا.والمنقوص الذى تقدر الضمة والكسرة على يائه وتظهر عليها الفتحة يجب إثبات يائه إن كان غير منون - لسبب يمنع التنوين ؛ كإضافته ، أو اقترانه بأل ، أو تثنيته ، أو جمعه جمع مؤنث سالما (2)- فإن كان منونا لخلوه مما يمنع التنوين ؛ وجب حذف الياء دون التنوين فى حالتى الرفع والجر ، مع تقدير الضمة والكسرة عليها ، ويجب بقاء الياء والتنوين فى حالة النصب ؛ نحو : خير ما يحمد به المرء خلق عال - إن خلقا عاليا يتحلّى به المرء خير له من الثروة والجاه - لا يحرص العاقل على شىء قدر حرصه على خلق عال يشتهر به. فيرفع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة ، وينصب بفتحة ظاهرة على الياء الثابتة مع التنوين ، ويجر بكسرة مقدرة على الياء المحذوفة. وإنما حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع التنوين فى حالتى الرفع والجر ؛ إذ الأصل : (عالين) فى الرفع ، و (عالين) فى الجر ، استثقلت الضمة والكسرة على الياء ، فحذفتا ، فالتقى ساكنان ، الياء والتنوين ، حذفت الياء لالنقاء الساكنين ، فصارت الكلمة : عال ، فى حالتى الرفع والجر - كما سلف -. ومن أمثلة حذف الياء من المنون المرفوع قول الشاعر يمدح كريما :
فهو مدن للجود - وهو بغيض - *** وهو مقص للمال ، وهو حبيب
«ملاحظة» : إذا كانت لام المنقوص محذوفة بغير تعويض همزة الوصل عنها (مثل : شج) فإنها ترجع أولا ترجع فى التثنية وفى جمع المؤنث السالم طبقا للضابط الذى سبق (فى رقم 3 من هامش ص 102 وفى «ح» من ص 123 و 124).
وليس من المنقوص ما يأتى :
(ا) الفعل بجميع أنواعه ، ولا سيما المختوم بياء لازمة ، مثل ينوى محمد التنقل ، ويجرى وراء رزقه ، وكذلك الحرف ؛ ولا سيما المختوم بياء لازمة ؛ مثل : فى.
(ب) الاسم الذى فى آخره ياء مشددة ؛ مثل : كرسىّ.
(ح) الاسم المختوم بياء ولكنه مبنى ؛ مثل : الذى ، التى ... ذى (اسم إشارة).
(د) الاسم المعرب الذى آخر ياء ولكنها غير ملازمة له فى كل حالاته ؛ كالأسماء الستة فى حالة جرها بالياء ؛ مثل : أحسن إلى أخيك ؛ وكذلك المثنى وجمع المذكر السّالم فى حالة نصبهما وجرهما ؛ مثل : أكرم الوالدين ، واعتن بالوالدين ، وصافح الزائرين ، وأسرع إلى الزائرين ؛ فإن الياء فى الأسماء الخمسة لا تثبت ؛ بل تتغير ويحل محلها الواو رفعا ، والألف نصبا. كما أن الياء فى المثنى وجمع المذكر تتغير ، ويحل محلها الألف فى حالة رفع المثنى ، والواو فى حالة رفع جمع المذكر ...
(ه) الاسم المعرب الذى آخره ياء لازمة ، ولكن ليس قبلها كسرة ؛ مثل : ظبى وكرسى ؛ فالياء فى الأولى قبلها سكون ظاهر على حرف صحيح ، وفى الثانية قبلها سكون ظاهر على حرف معتل (1).
ثالثها : الاسم المعرب الذى آخره الحقيقى واو ساكنة لازمة قبلها ضمة. وهذا نوع لا تعرفه اللغة العربية الأصيلة ؛ ولم يسمع عن العرب ، إلا فى بضع كلمات نقلوها عن غيرهم من الأجانب ، منها : «سمندو (2)» ، «قمندو (3)» ، لكن لا مانع من تسمية بعض الأشخاص وغيرهم بأسماء مختومة بتلك الواو ؛ كتسمية شخص أرسطو ، أو خوفو ، أو سنفرو (4)، أو : يدعو ، أو : يسمو ، وتسمية بلد : (أدفو ، وأدكو (5)) ، أركنو (6)، طوكيو (7)، كنغو (8).
1) فكلمة كرسى وأشباهها - ليست من المنقوص لمانعين ، لا لمانع واحد.
2) (2 ، 2) سبق شرحهما فى هامش ص 170 - رقم 3 و 4 - ومنها : هندو ، كما جاء فى الهمع -
3) (2 ، 2) سبق شرحهما فى هامش ص 170 - رقم 3 و 4 - ومنها : هندو ، كما جاء فى الهمع -
4) «خوفو» اسم فرعون من فراعنة مصر فى الدولة الأولى القديمة ، وهو بانى هرم الجيزة الأكبر. و «اسنفرو» واسم فرعون آخر.
5) بلدان أولادهما بصعيد مصر والأخرى بالساحل الشمالى
6) اسم واحة على الحدود المصرية الغربية.
7) اسم حاضرة اليابان - كما سبق -
8) إقليم بوسط إفريقية.
ولما كان هذا النوع غير عربى فى أصله ، ونادرا فى استعمال العرب ، أهمله النحاة ، فلم يضعوا له اسما ، ولا حكما - فيما نعرف (1)
وإذا سميت بالفعل : «يغز» من : «لم يغز» قلت : هذا يغز ، ومررت بيغز ، ورأيت يغزى. إلا أن هذا ترد إليه الواو وتقلب ياء لما تقدم ثم يستعمل استعمال جوار) اه
وفى هذا الكلام . فوق ما فيه من تخيل بعيد . ما يستدعى التوقف والنظر ، كما قلنا في ج ٤ ص ١٦١، ١٦٢ م ١٤٥) لأن الأخذ به يؤدى إلى تغيير صورة العلم تغييرا يوقع في اللبس والإبهام. ويحدث لصاحبه مشقات في معاملاته
... - ولعل الحكم الذى يناسبه فى رأينا هو أن يعرب بحركات مقدرة على آخره فى جميع حالاته (2)فيرفع بالضمة المقدرة على الواو ، وينصب بالفتحة المقدرة عليها ، ويجر بالفتحة المقدرة عليها بدلا من الكسرة (3)، تقول : كان «سنفرو» ملكا مصريّا قديما ، إن «سنفرو» أحد الفراعين ، هل عرفت شيئا عن سنفرو؟. وهذا الحكم يسرى على الكلمات القليلة التى أخذها العرب عن غيرهم ، كما يسرى على الأسماء التى لم يأخذوها ، وكذلك المستحدثة بعدهم للأشخاص والبلاد وغيرها (4)...وليس من النوع الثالث ما يأتى :
(ا) الفعل الذى آخره واو ، مثل : يدعو ، يسمو ، يعلو ، لأن هذه ليست أسماء.
(ب) الاسم الذى ليس معربا ، مثل : هو ... وذو ، بمعنى الذى (نحو جاء ذو قام) (5)...
(ح) الاسم المعرب الذى آخره واو ، ولكنها ليست فى الآخر الحقيقى بل فى الآخر العارض ؛ مثل : يا «ثمو» ويا «محمو» فى ترخيم كلمتى : «ثمود» و «محمود» حين النداء ؛ فإن الآخر الحقيقى هو الدّال ، لا الواو.
1) لم أجد له اسما ولا حكما فيما لدى من المراجع المختلفة ، إلا ما ذكره بعض النحاة ، كالصبان فى آخر باب الممنوع من الصرف ، عند الكلام على المنقوص من الأسماء الممنوعة من الصرف ، فإنه قال ما نصه : «لو سميت بالفعل يغزو ويدعو ، ورجعت بالواو للياء ، أجريته مجرى جوار وتقول فى النصب : رأيت يدعى ويغزى. قال بعضهم : ووجه الرجوع بالواو للياء ما ثبت من أن الأسماء المتمكنة ليس فيها ما آخره واو قبلها ضمة ، فتقلب الواو ياء ويكسر ما قبلها. وإذا سميت بالفعل : «يرم» من : «لم يرم» رددت إليه ما حذف منه ؛ ومنعته من الصرف : تقول : هذا يرم ، ومررت بيرم ، والتنوين للعوض ، ورأيت يرمى.
2) لأن الاسم فى هذه الحالة يكون علما أعجميا ؛ فيمنع من الصرف ، ويجر بالفحتة بدلا من الكسرة إن لم يمنع من ذلك مانع آخر. كالإضافة ، أو : أل ...
3) لأن الاسم فى هذه الحالة يكون علما أعجميا ؛ فيمنع من الصرف ، ويجر بالفحتة بدلا من الكسرة إن لم يمنع من ذلك مانع آخر. كالإضافة ، أو : أل ...
4) وسيجىء حكمه الخاص عند إضافته لياء المتكلم فى الباب الخاص بهذا - ج 3 ص 143 م 69 - كما سيجىء حكمه عند تثنيته وجمعه فى الباب الخاص بذلك ج 4.
5) أما «ذو» التى من الأسماء الستة فالواو فى آخرها غير لازمة ، وأيضا ليست أصلية.
(د) الاسم المعرب الذى آخره واو ، ولكنها ليست لازمة ؛ كالأسماء الخمسة فى حالة الرفع ، مثل : سعد أخوك (1)... فإن هذه الواو تتغير فى حالة النصب ، وتحل محلها الألف ؛ كما تتغير فى حالة الجر وتحل محلها الياء.
(ه) الاسم المعرب الذى آخره واو لازمة ، ولكن ليس قبلها ضمة ؛ مثل : حلو ، خطو ، صحو ، دلو ، صفو ، فإنه من المعتل الجارى مجرى الصحيح (2)فى إعرابه بحركات ظاهرة على آخره رفعا ونصبا وجرا (3)
وسمّ معتلّا من الأسماء ما *** كالمصطفى ، والمرتقى مكارما
فالأول الإعراب فيه قدّرا *** جميعه ؛ وهو الّذى قد «قصرا»
والثان «منقوص» ، ونصبه ظهر *** ورفعه ينوى ، كذا أيضا يجر
.«ملاحظة» سيجىء فى ج 4 ص 457 م 171 باب خاص بطريقة تثنية المقصور والمنقوص والممدود وجمعها جمع مذكر سالما وجمع مؤنث سالما. ر
1) ومثلها واو جمع المذكر السالم المضاف : مثل : جاء عالمو الهندسة ؛ فإن هذه الواو تتغير ، ويحل محلها الياء نصبا وجرا. هذا إلى شىء آخر ، هو : أنه يجوز اعتبار الواو فى الأسماء الستة وفى جمع المذكر خارجة عن أصول الكلمة ، وهذا يبعدها من النوع الثالث.
2) سبق تعريفه وحكمه فى ص 169.
3) وفيما سبق من المعتل وأحكام المقصور والمنقوص يقول ابن مالك :
(ا) عرفنا أن المنقوص تقدر على آخره الضمة ، والكسرة ، وتظهر الفتحة ؛ مثل : أجبت داعى الحق. لكن إذا وقع المنقوص صدر مركب مزجى (1)، فإنه قد يجوز - عند بعض القبائل - فى هذا الصدر أن يعرب إعراب المضاف ، ويعرب ما بعده (وهو : العجز) مضافا إليه ، ممنوعا من الصرف أو غير ممنوع على حسب حالته وما يستحقه. وفى هذه الحالة لا تظهر الفتحة على ياء المنقوص - فى الأشهر (2)- ومن أمثلته عرفت «داعى سلم» ، أو : «معدى كرب» ، أو «صافى هناء» (أسماء أشخاص) ودخلت «سواقى خيل» ، أو : «مرامى سفر» أو «قالى قلا» (أسماء بلاد) فالصدر يعرب إعراب المنقوص من غير أن تظهر عليه الفتحة فى حالة النصب. وهذا هو نوع المنقوص الذى لا تظهر على يائه الفتحة فى حالة نصبه (3)... ومع أن هذا هو المشهور - قديما فى تلك اللغة - فالمناسب لنا اليوم ألا نلجأ إلى الإضافة ؛ لأن ترك الياء فى حالة النصب بدون فتحة ظاهرة قد يدعو للحيرة والإيهام بغير داع ، فالخير ألّا نعربه إعراب المتضايفين ، وإنما الخير أن نستعمله الاستعمال المشهور فى المركب المزجىّ ؛ بأن يكون الإعراب على آخر العجز وحده ، مع ترك الصدر على حاله ، فلا نعربه إعراب المضاف مع المضاف إليه لأن الإعراب على آخر العجز وحده يدل على أن اللفظ مركب مزجىّ.
ومن العرب من يجيز فتح هذه الياء كغيرها من المنقوص ، كما أن منهم من يسكن ياء المنقوص دائما. ولكن من المستحسن عدم الأخذ بهذين الرأيين ؛ للدواعى القوية التى نرددها ، والتى نردفها بأننا حين نذكر عدة آراء مختلفة نذكرها لا لنحاكيها ، - فالمحاكاة اليوم للأشهر وحده - وإنما نذكرها للمتخصصين ؛ ليستعينوا بها على فهم النصوص القديمة التى تشتمل عليها ، إلا إذا أشرنا إلى جواز استعمالها لسبب قوى.
1) تعريف المركب المزجى وأحكامه وكل ما يختص به مدون فى باب العلم ، وسيأتى (ص 270 و 279 و 281 وما بعدهما)
2) ويحسن فى هذه الحالة كتابة الصدر منفصلا عن العجز ؛ ليكون هذا الانفصال دالا على الإضافة ، وموجها إليها ؛ إذ المضاف غير المضاف إليه ؛ فمن حقهما ألا يتصلان فى الكتابة. بخلاف حال المزج ؛ فإنه يقوم على أنهما بمنزلة شىء واحد ؛ ولذا يتصلان كتابة فى الغالب (انظر ص 270 و 282
3) سيجىء البيان أيضا فى ص 282 ج 4 ص 176 م 147
وإذا ختم صدر المركب المزجى بواو ، وأريد إضافة الصدر إلى العجز - اتباعا للرأى السالف - فإن الحركات كلها تقدر على الواو ؛ مثل : «نهرو هند» (1)و «مجدو ملوك» (2)والحكمة فى عدم ظهور الفتحة هو الحرص على بقاء الاسم على حالته الأصلية ؛ ليبقى دالا على صاحبه ، دلالة العلم ، لا دلالة المضاف والمضاف إليه ، لأن الإضافة هنا ظاهرية شكلية فقط. ولم أر من يجيز الإعراب على آخر العجز وحده ، مع ترك الصدر على حاله ، ولا من عرض حكما لهذا النوع من المعتل - كما أسلفنا (3)- لكن حمله على نظيره المركب المزجىّ المختوم صدره بالياء قد يبيح هذا ، بل يجعله أفضل ؛ إذ يدل على أن اللفظ مركب مزجىّ ، مضاف فلا يقع فيه لبس.
(ب) إذا أضيفت كلمة «لدى» (4)
وتفصيل الكلام عليهما في «باب الظروف» ج 2 ص 222 م 79 وج 3 باب الإضافة ص 48 م 94.
للضّمير فإن ألفها تقلب ياء ، مثل : زاد الخير لديك ، فكلمة : «لدى» ظرف منصوب بفتحة مقدرة. لكن أهذه الفتحة مقدرة على الياء الظاهرة ، أم مقدرة على الألف التى كانت فى الأصل ، وانقلبت ياء؟ يفضل النحاة أن يقولوا منصوب بفتحة مقدرة على الألف التى صارت ياء ، وذلك لسببين :أولهما : أن الألف هى الاصل ، فلها الاعتبار الأول.
ثانيهما : أن الياء فى آخر المعربات تظهر عليها الفتحة فى الأغلب ، فإذا جعلنا الفتحة مقدرة على الألف ، بقيت القاعدة السابقة سليمة مطردة ، بخلاف ما لو جعلناها مقدرة على الياء فيكون التقدير مخالفا للأعم الأغلب ، من ظهور الفتحة مباشرة على الياء (5).
(ح) فهمنا من المسائل السابقة (6)، معنى الإعراب الظاهر ، والإعراب المقدر (أى : التقديرى) ، فى الأسماء والأفعال المضارعة. وسواء أكانت علامة الإعراب
ظاهرة أم مقدرة - لا بد أن تلاحظ فى التوابع ، فيكون التابع مماثلا فى علامة إعرابه للمتبوع(1).
وبقى أن نشير هنا إلى أن الإعراب التقديرى لا ينحصر فى تلك المواضع التى سبق الكلام عليها فى المضارع المعتل الآخر ، وفى الاسم المعتل الآخر ؛ لهذا كان من المستحسن أن نجمع هنا ما تفرق من مواضع الإعراب المقدر (2)(التقديرى) التى سبقت ، والتى لم تسبق ، وأن نركزها فى موضع واحد ، ليسهل الرجوع إليها.
فمن هذه المواضع ما تقدر فيه الحركات (الأصلية أو الفرعية (3)) ، ومنها ما تقدر فيه الحروف النائبة عن الحركات الأصلية. (فالحروف تقدر كالحركات). وإليك البيان :
أولا - أشهر المواضع التى تقدر فيها الحركات الأصلية :
1 - تقدر الحركات الثلاث (أى : الضمة ، والفتحة ، والكسرة) على آخر الاسم المقصور ، - مثل المصطفى - فى كل حالاته الثلاث : الرفع ، والنصب ، والجر ، - كما سبق فى ص 170 - وكذلك على آخر الاسم المعتل بالواو ، كما فى ص 175.
2 - تقدر حركتان فقط هما : الضمة ، والكسرة ، على آخر الاسم المنقوص ، فى حالة الرفع والجر ؛ كما سبق فى ص 172.
3 - تقدر الحركات الثلاث على آخر الاسم ، إذا سكن للوقف ، مثل جاء محمد. رأيت محمد (4)، قصدت إلى محمد (بإعراب «محمد» مرفوعة ، أو منصوبة أو مجرورة ، بحركة مقدرة ، منع من ظهورها السكون العارض للوقف). ومثل هذا يقال فى الفعل المضارع صحيح الآخر ، رفعا ، ونصبا ؛ مثل : على يأكل ، علىّ لن يأكل ، : فالفعل
1) انظر رقم 2 من هامش ص 165 ؛ ففيه الإشارة لهذا. وفى ص 81 بيان آخر لفائدة الإعراب التقديرى والمحلى.
2) وهو غير الإعراب المحلى الذى سبق بيانه فى : «ا» من ص 80 والذى ستجىء له إشارة فى ص 282 وأيضا فى ج 2 ص 320 م 89
3) كالفتحة المقدرة النائبة عن الكسرة فى الممنوع من الصرف ، مثل قبلت النصح من هدى (اسم امرأة).
4) عند الوقف فى حالة النصب - فقط - يقلب التنوين ألفا ، وهو المشهور ، فيكون منصوبا بفتحة ظاهرة على الدال ، بعدها ذلك التنوين المنقلب ألفا. أما على اللغة التى تقف بحذف التنوين مطلقا فتكتب «محمد» بسكون الدال.
(يأكل) مرفوع ، أو منصوب ، بحركة مقدرة ، منع من ظهورها السكون العارض للوقف (1). ومن التيسير فى الإعراب واختصار الكلام ، أن نقول فى إعراب «محمد» إنه : مرفوع أو منصوب ، أو مجرور بالحركة الأصلية ، وضبط بالسكون للوقف ؛ وكذلك نقول فى المضارع إنه : مرفوع ، أو منصوب بالحركة الأصلية ، وألزم السكون للوقف. ومثل هذا نقوله فى بقية المواضع الآتية :
4 - تقدر الحركات الثلاث جوازا على الحرف الأخير من الكلمة ، إذا كان مما يدغم فى الحرف الأول من الكلمة التالية ؛ مثال ذلك فى الاسم قراءة من قرأ : «وقتل داوود جالوت» بإدغام الدال فى الجيم ؛ ومثاله فى الفعل : يكتب بكر ، بإدغام الباءين فى بعض اللغات. ومن التيسير لما سبق ، أن نقول : «داوود» ، و «يكتب» مرفوع ، وجاءه السكون العارض لأجل الإدغام.
5 - تقدر الحركات الثلاث جوازا على الحرف الأخير من الكلمة ، إذا سكن للتخفيف (2)؛ كتسكين الحروف الآتية فى الكلام ، نثره ونظمه ، وفى بعض القراءات القرآنية. فقد سكنت الهمزة المكسورة فى قوله تعالى : ( فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ) وسكنت التاء المضمومة فى قوله تعالى : ( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ) وسكنت السين المضمومة فى قوله تعالى : ( قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ ) .
وسكنت الهمزة المكسورة فى آخر كلمة السيّىء من قوله تعالى فى المشركين : ( فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً ، اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) .
وسكنت الراء المضمومة فى قوله تعالى : ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) وكذلك سكنت الراء المضمومة فى قوله تعالى : ( وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا
1) يكون هذا السكون أيضا فى الأسماء المبنية ، والأفعال المبنية ، إذا كان آخر كل منهما متحركا ، وسكن للوقف ، مثل محمد قام ... إلى أين .. بل إنه يوجد فى الحروف المتحركة الآخر.
2) الأصل فى ذلك أن الكلمة الواحدة - أو ما هو بمنزلة الكلمة الواحدة ، كالكلمة التى بعدها الضمير المتصل - إذا اشتملت على ثلاثة أحرف متحركة ؛ نحو : عنق ، وفخذ ، وإبط ... أو أكثر ، جاز تسكين الحرف الثانى المتحرك ؛ تخفيفا ؛ أما التخفيف للوقف فيكون فى آخر الكلمة وقد يجرى التخفيف بين هذه الحروف المتحركة ، وبعض منها فى آخر كلمة سابقة وبعض آخر فى أول التى تليها ؛ كالذى فى كلمة : «السيىء» ويأمر ، ويشعر ... من الآيات. وهذا يسمى : «التخفيف مع الوصل على نية الوقف» ومن أمثلته الآية التى فى «ج» ص 185 (ولهذا إشارة فى الهمع ج 1 ص 54، وفى الجزء الأول من الخضرى والصبان ؛ آخر باب : «المعرب والمبنى». أما البيان والتفصيل ففى ص 6 ج 5 من كتاب إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب ، لياقوت الرومى ، طبعة مرجليوث.)
جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) ومن التيسير أن نقول فى كل كلمة من الكلمات السابقة وأشباهها : إنها مرفوعة ، أو منصوبة ، أو مجرورة ، بالعلامة الأصلية وسكّنت للتخفيف.
6 - تقدر الحركات الثلاث جوازا على الحرف الأخير من الكلمة ، إذا أهملنا حركته الأصلية ، وجعلناها مما ثلة لحركة الحرف الذى يجىء بعده ، كقراءة من قرأ : «الحمدِ لله رب العالمين» ، بكسر الدال ، تبعا لحركة اللام التى جاءت بعدها ، وتسمى هذه الحركة حركة الإتباع ؛ لأننا أتبعنا السابق للّاحق فيها ، ومن الممكن مراعاة التيسير السابق.
7 - تقدر الحركات الثلاث على آخر العلم المحكى (1)من غير تغيير فى حالة من أحواله ؛ رفعا ونصبا وجرّا ، كالعلم المركب تركيب إستاد ؛ مثل : «فتح اللّه» ، «نصر اللّه» ، «علىّ شاعر» (وكل هذه أعلام أشخاص). تقول : جاء «فتح اللّه». شاهدت «فتح اللّه» ذهبت إلى «فتح اللّه» ؛ فتبقى حركة الكلمتين كما هى فى الأصل ، مع إعرابهما معا فى الحالة الأولى فاعلا مرفوعا بضمة مقدرة للحكاية ، وهى غير هذه الضمة الظاهرة ... وإعرابهما فى الحالة الثانية مفعولا به منصوبا بفتحة مقدرة ، منع من ظهورها ضمة الحكاية ، وفى الحالة الثالثة مجرورا ، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره ، منع من ظهورها حركة الحكاية. وكذا البقية.
8 - تقدر الحركات الثلاث على آخر الاسم المضاف لياء المتكلم (2)
(ا) ما كانت فيه الياء محذوفة من غير عوض عنها ، مع وجود ما يدل عليها ؛ كالكسرة قبلها ؛ مثل : يا رب ساعد ، وأصلها : يا ربى.
(ب) ما كانت فيه الياء محذوفة ولكن عوض عنها تاء التأنيث المبنية على الفتح أو على الكسر ؛ مثل : يا أبت (أى يا أبى) فكلمة : «أب» من «أبت» منادى منصوب ؛ لأنه مضاف للياء المحذوفة التى عوض عنها تاء التأنيث ؛ وتاء التأنيث حرف ، إذ الياء لم تنقلب إليها ، كما تنقلب إلى الألف ؛ ولهذا كانت كلمة «أب» منصوبة ، ولكن بفتحة مقدرة ، منع من ظهورها الفتحة التى جاءت لمناسبة تاء التأنيث ، لأن ثاء التأنيث تقتضى فتح ما قبلها. ذلك قولهم ، وهو صحيح دقيق. ولكن من الممكن الاختصار فنقول إنها منصوبة بفتحة ظاهرة.
(ح) ما كانت فيه الياء منقلبة ألفا ، مثل : يا «صاحبا» لا تترك زيارتى. فكلمة «صاحب» منادى مضاف ، منصوب بفتحة مقدرة ، منع من ظهورها الفتحة التى جاءت لمناسبة الألف ؛ ومن التيسير أن نقول منصوب بالفتحة الظاهرة.
ملاحظة : إنما تقدر الحركات الثلاث على المضاف إلى ياء المتكلم ، بشرط ألا يكون مثنى ، ولا جمع مذكر سالما ، ولا منقوصا ، ولا مقصورا. فإن كان مثنى وهو مرفوع ، فإن ياء المتكلم تثبت مفتوحة بعد ألف التثنية الساكنة : نحو : جاء صاحباى.
وإن كان مثنى وهو منصوب أو مجرور فإن ياء المتكلم تثبت في الحالتين مدغمة في ياء التثنية ، ومفتوحة ، نحو رأيت صاحبي (وأصلها . كما سبق . صاحبين لى حذفت النون واللام للإضافة ، أو حذفت النون للإضافة ، واللام للتخفيف ، وأدغمت الياء في الياء مع فتح الثانية منهما).
وإن كان جمع مذكر فإن واوه فى حالة الرفع والإضافة لياء المتكلم موجودة وليست مقدرة ، ولكنها تقلب ياء ، وتدغم الباءان ، مع كسر ما قبلهما ، وفتح ياء المتكلم ؛ مثل : جاء صاحبي ، (وأصله : صاحبون لى حذفت النون واللام للإضافة ، أو حذفت النون للإضافة ، واللام للتخفيف . كما سبق . فصارت : «صاحبوی» اجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ؛ قلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، وكسر ما قبلهما ؛ فصارت صاحبتي. ويكون مرفوعا بالواو التي قلبت ياء كما سبق ؛ وإن كان منصوبا أو مجرورا فإن ياءه تدغم في ياء المتكلم ، التي تتحرك بالفتح ، وقبلهما كسرة مثل أكرمت زائرى ، وسلمت على زائرى ؛ فكلمة (زائرى) (وأصلها : زائرين لى ..) منصوبة أو مجرورة ، وعلامة نصبها وجرها الياء الأولى الساكنة ، المدغمة في ياء لمتكلم المفتوحة ؛ وكلمة زائر : مضاف ، وياء المتكلم : مضاف إليه ، مبنية . على الفتح ، ، . في محل جر. هذا والياء الأولى في مثل كلمة : «زائرى» تختلف عن الياء الأولى في كلمة : «صاحبي» في المثال السابق وهو : «جاء صاحبي» ، لأن الياء الأولى فى كلمة : صاحبي ، منقلبة عن واو ، فهي علامة رفع ، بخلاف الأخرى ، فهى يا الجمع ، علامة للنصب أو الجر.
وإن كان منقوصا ، فإن ياءه تثبت في كل أحواله ، وتدغم فى ياء المتكلم ، التي تتحرك بالفتح ؛ مثل : جاء هادئ ، كلمت هادئ، استمعت إلى هادئ. فكلمة : هادئ مرفوعة ، أو منصوبة ، أو مجرورة ، بحركة مقدرة على الياء الأولى ؛ منع من ظهورها السكون العارض للإدغام ؛ ولا يحسن أن يقال : منع من ظهورها اشتغال المحل بالسكون ، لأن السكون عدم الحركة ، والعدمى عندهم لا يشغل ، إنما الذي يشغل هو الوجودى.
وإن كان مقصورا ثبتت ياء المتكلم بعد ألفه دائما. وفى الباب الخاص بالمضاف إلى ياء المتكلم إيضاح لكل ما سبق . ومكانه ما أشرنا إليه وهو ج ٣ ص ٦٩ م ٩٦ .
،1) الذى نريد أن نحاكى نطقه فى صورته الأصلية التى جاءت عليها أولا. ومن صور الحكاية فى غير العلم ما سبق فى «ج» ص 29
2) للإضافة إلى ياء المتكلم بحث مستقل شامل فى ج 3 ص 69 م 96 ونكتفى هنا بالإشارة إلى أن الإضافة إلى ياء المتكلم تشمل الإضافة الظاهرة إلى ياء المتكلم ، كما تشمل الإضافة المقدرة ، يريدون بالظاهرة ما كانت فيها الياء نفسها ثابتة غير محذوفة ، وغير منقلبة حرفا آخر. مثل كتابى صاحبى. ويريدون بالمقدرة :
مثل : هذا كتابى ، قرأت كتابى ، وانتفعت بكتابى. فكلمة : «كتاب» الأولى خبر مرفوع بضمة مقدرة ؛ منع من ظهورها الكسرة التى جاءت لمناسبة ياء المتكلم. «كتاب» مضاف ، و «ياء المتكلم» مضاف إليه ، مبنى على السكون فى محل جر. وكلمة : «كتاب» الثانية. مفعول منصوب بفتحة مقدرة على آخره ، منع
من ظهورها الكسرة التى جاءت لمناسبة ياء المتكلم ، و «ياء المتكلم» مضاف إليه مبنى على السكون فى محل جر. وكلمة : كتاب» الثالثة مجرورة بالياء ، وعلامة جرها كسرة مقدرة منع من ظهورها الكسرة الظاهرة ، التى جاءت لمناسبة ياء المتكلم ، وياء المتكلم مضاف إليه ...
وبعض النحاة لا يوافق على أن الكسرة فى حالة الجر مقدرة ، وإنما هى الكسرة الظاهرة وهو إعراب أحسن ، إذ لا داعى للتعقيد والإعنات والتطويل ، ويجدر الأخذ بهذا وحده.
ولما كانت ياء المتكلم قد تنقلب ألفا أحيانا ، فتقول ، فى يا «صاحبى» ؛ و «صديقى» : يا «صاحبا» ويا «صديقا ... كانت كلمة : «صاحب» و «صديق» منادى منصوب بفتحة مقدرة ، منع من ظهورها الفتحة التى جاءت لمناسبة الألف ، التى أصلها ياء المتكلم. وصاحب ، وصديق : مضاف ، وياء المتكلم المنقلبة ألفا : مضاف إليه ، مبنى على السكون فى محل جر. ومن الممكن فى هذه الحالة مراعاة التيسير بأن نعرب كلمة «صاحب» و «صديق» منادى منصوب بالفتحة الظاهرة ، مضاف ، وياء المتكلم المنقلبة ألفا : مضاف إليه ... وهو إعراب محمود ؛ لخلوه من الإطانة التى فى سابقه.
9 - يقدر السكون على الحرف الأخير من الفعل ، إذا تحرك للتخلص من التقاء الساكنين ؛ مثل ؛ لم يكن المحسن ليتأخر عن المعاونة. فقد تحركت النون بالكسر ، مع أن الفعل مجزوم بلم ، لأن هذه النون الساكنة قد جاء بعدها كلمة أولها حرف ساكن ، وهو اللام ، فالتقى ساكنان لا يجوز التقاؤهما ، فتخلصنا من التقائهما بتحريك النون بالكسر ، كالشائع فى مثل هذه الحالة ؛ فكلمة : «يكن» مضارع مجزوم ب «لم» ، وعلامة جزمه سكون مقدر ، بسبب الكسرة التى جاءت للتخلص من الساكنين ... ومن الممكن مراعاة التيسير هنا بأن نقول ، مجزوم وحرك بالكسر للتخلص من الساكنين.
10 - يقدر السكون على الحرف الأخير من الفعل ، إذا كان مجزوما مدغما فى حرف مماثل له ، نحو : لم يمدّ العزيز يده ، ولم يفرّ الشجاع. فكل من كلمة : «يمد» ، و «يفر» مجزوم الآخر ، وعلامة جزمه السكون المقدر ، منع من ظهوره
الفتحة التى جاءت للتخلص من الساكنين (1). ويمكن التيسير بالاختصار هنا.
11 - كذلك يقدر السكون على الحرف الأخير من الفعل الذى حرك لمراعاة القافية ، مثل قول الشاعر :
ومهما تكن عند امرىء من خليقة *** وإن خالها تخفى على الناس تعلم
فكلمة «تعلم» مضارع مجزوم فى جواب الشرط ، وعلامة جزمه السكون المقدر ، الذى منع من ظهوره الكسرة التى جاءت لمراعاة القافية ؛ ذلك أن كل الأبيات التى قبل هذا البيت مختومة بميم مكسورة ، فلم يكن بد من كسر آخر الفعل لمراعاة القافية. ولا مانع من التيسير بالاختصار ، بل إنه حسن كحسنه فى كل المواضع التى سبقت.
إلى هنا انته أظهر المواضع التى تقدر فيها الحركات الإعرابية.
ثانيا - أشهر المواضع التى تقدر فيها الحروف النائبة عن الحركات الأصلية هى : 1 - تقدر الحروف التى تعرب بها الأسماء الستة ، إذا جاء بعد تلك الحروف ساكن ، مثل : جاء أبو الفضل ؛ وذلك لحذفها فى النطق فقط - كما تقدم فى «ح» من ص 106 ؛ - أما فى الخط فلا بد من كتابتها. فإن روعى المكتوب فلا تقدير. والأفضل فى النطق أن نقف - عند الإعراب - على آخر كلمة : «أبو» فتظهر الواو ؛ فلا يكون هناك تقدير فى الحالتين ، ونستريح من التشعيب فى القاعدة الواحدة. 2 - تقدر ألف المثنى المضاف إذا جاء بعدها ساكن ، مثل : ظهر نجما الشرق ، وذلك لحذفها فى النطق دون الكتابة - كما سبق (2)أما عند إعراب المكتوب فلا تقدير. وهنا يقال ما قيل فى الحالة السابقة.
3 - تقدر واو جمع المذكر السّالم وياؤه إذا كان مضافا ، وجاء بعدهما ساكن ؛ مراعاة لحذفهما فى النطق : مثل : تيقظ عاملو الحقل مبكرين ، ورأيت عاملى الحقل فى نشاط (3). ولا تقدير عند إعراب المكتوب. وهنا يقال ما قيل فى الحالة الأولى. وشرط التقدير أن يكون جمع المذكر غير مقصور ؛ فإن كان مقصورا
لم تحذف الواو ولا الياء ، لأن ما قبلهما مفتوح دائما ، فلا توجد علامة مناسبة قبلهما ، تدل على الحرف المحذوف ، ولهذا يتحركان (1)فقط ؛ مثل : سافر مصطفو الفصل فى رحلة ؛ (جمع ؛ مصطفى) ، استقبلت مصطفى الفصل (2).
4 - تقدر واو جمع المذكر المضاف إلى ياء المتكلم فى حالة الرفع ؛ مراعاة لحذفها فى النطق ، مثل جاء صاحبىّ ؛ (وقد سبق) (3).
5 - تقدر النون فى الأفعال الخمسة عند تأكيدها ، مثل : لا تكتبنّ فالمضارع مسند إلى واو الجماعة المحذوفة ... وقد سبق التفصيل فى ص 88 وما بعدها.
(ح) قال تعالى : ( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) فكلمة «من» هنا شرطية ، والفعل «يتّق» ؛ مضارع مجزوم ؛ لأنه فعل الشرط ، وعلامة جزمه حذف الياء ؛ «ويصبر» : مضارع مجزوم ، لأنه معطوف عليه ، وقرأ بعض القراء : (إنه من يتّقى ويصبر) بإثبات الياء فى آخر : «يتقى» ، وإسكان الراء فى آخر «يصبر» ، مع عدم الوقف عليها (4). فإثبات الياء إنما هو على اعتبار «من» شرطية و «يتقى» مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف السكون المقدر على الياء تبعا لتلك اللغة ، التى لا تحذف حرف العلّة للجازم ، وإنما تبقيه ، وتحذف الحركة المقدرة عليه فقط : و «يصبر» مضارع مجزوم معطوف عليه. ويصح أن يكون «من» اسم موصول والفعل «يتقى» مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء ، و «يصبر» مضارع معطوف عليه مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها السكون العارض لأجل التخفيف ، أو لأجل نية الوقف فى حالة الوصل (5)(أى : وصل : «يصبر» عند القراءة ، بالكلام الذى بعدها ، وعدم الوقف عليها). وهناك آراء أخرى نرى الخير فى إهمالها.
1) وتكون الحركة بالكسر لأنه الأصل من التخلص فى التقاء الساكنين ، وقد تكون بغيره ، كالضم مع الواو ، أحيانا ... تبعا لاعتبارات أخرى ، مكان تفصيلها : التخلص من التقاء الساكنين.
2) (2 و 2) راجع ص 144.
3) (2 و 2) راجع ص 144.
4) أما عند الوقف على «يصبر» فالتسكين هو الشائع ، فلا إشكال معه.
5) انظر رقم 2 من هامش ص 180.
ا - فى الحديقة رجل - تكلم طالب - قرأت كتابا - مصر يخترقها نهر.
ب - أنا فى الحديقة - تكلم محمود - هذا كتاب - مصر يخترقها نهر النيل.
لكلمة. «رجل» - فى التركيب الأول ، وأشباهها - معنى يدركه العقل سريعا ، ويفهم المراد منه بمجرد سماعها ، أو رؤيتها مكتوبة ، لكن هذا المعنى العقلى المحض والمدلول الذهنى المجرد غير معين ؛ ولا محدّد فى العالم الواقعى ، عالم المحسوسات والمشاهد ، وهو الذى يسمونه : العالم الخارجى عن العقل والذهن.
والسبب : أن ذلك المعنى الذهنى المجرد ؛ أى : «المعنى العقلى المحض» إنما ينطبق فى عالم الحس والواقع على فرد واحد ،. ولكنه فرد له نظائر كثيرة تشابهه فى حقيقته (1)
لكن كيف تنشأ تلك الصورة الذهنية المحضة؟ يجيب عن هذا علماء المنطق بقولهم الذى أشرنا إليه فى صفحتى ٢٢ و ٢٥٩ :
إن الإنسان حين يرى النخلة . مثلا . أول مرة في حياته ، يستخدم حواسه في كشف حقيقتها ، ويسأل عنها غيره ؛ حتى يعرف أنها شجرة ، وأنها تسمى : النخلة ، ويراها مرات بعد ذلك فيقوى إدراكه لها. ثم يرى شجرة «برتقال» على النحو السالف ، وشجرة «ليمون» ، وشجرة «يوسفى» وشجرات أخرى كثيرة ؛ فينته عقله إلى معرفة صفات ذاتية مشتركة بين تلك الأشجار المختلفة النوع، ويرسم العقل من مجموع تلك الصفات صورة خيالية للشجرة - أىّ شجرة كانت - بحيث تنطبق تلك الصورة الخيالية على كل شجرة مهما كان نوعها. فهو قد اهتدى أولا إلى أن الصفات الذاتية المشتركة بين الشجرات الكثيرة هى : الجذور ، والجذوع، والفروع ، والثمر ... ثم أنشأ من مجموعها صورة خاصة لما يسمى : «شجرة». فحين يسمع المرء كلمة «شجرة» يسرع عقله فيدرك المراد منها ، وهو تلك الصورة التى سبق له أن رسمها من مجموع الصفات الذاتية المشتركة ، ولا يدرك سواها ، ولا يخصص شجرة معينة ، كشجرة نخيل ، أو برتقال ، أو ليمون ، أو غيرها ، ولا يستحضر فى داخله - غالبا - غير تلك الصورة الخيالية التى ابتكرها ، وكوّنها من قبل ، والتى يسميها العلماء حينا : «الصورة العقلية المجردة» وحينا : «الصورة الذهنية المجردة» أو : «الحقيقة الذهنية المحضة» أى : التى لا يحتاج العقل فى إدراكها إلى استحضار صورة شجرة معينة ، أو استرجاع نموذج من الشجرات الأولى التى كانت أوصافها الذاتية المشتركة سببا فى تكوين الصورة الذهنية لما يسمى : «شجرة».
فالصورة التي رسمها العقل هي صورة خيالية محضة ، لا وجود لها في عالم الحس والواقع على الرغم من أنه انتزع عناصر تكوينها من نماذج وأشياء محسوسة مشاهدة ، يستقل كل منها بنفسه ، وينفرد عن غيره ، لكنها تتشابه في صفات ذاتية مشتركة بين الجميع . كما سبق. وكل واحد من تلك النماذج والأشياء المتشابهة يسمى : حقيقة خارجية : لأنه المدلول الحسى ، والمضمون الواقعى للحقيقة الذهنية ، مع خروجه عن دائرة الذهن المجردة : بسبب وجوده فعلا في دائرة الحس والمشاهدة ، فكل واحدة من شجر النخيل ، أو البرتقال ، أو الليمون ، أو تصلح أن تكون المدلول الحسى المقصود من كلمة : «شجرة» التي هي حقيقة ذهنية. وإن شئت فقل : إن كل واحد من تلك الأشياء يصلح أن يكون الحقيقة الخارجية التي هي مضمون الحقيقة الذهنية ، ومدلولها المقصود الحقيقة الذهنية تنطبق في خارج الذهن على كل واحد من تلك الأشياء ، وتصدق عليه.
ومما سبق نعلم أن مجموع الصفات الذاتية المشتركة بين أفراد الحقيقة الخارجية هو الذى يكوّن الحقيقة الذهنية المحضة ، وأن مدلول الحقيقة الذهنية المحضة ينطبق على كل فرد من أفراد الحقيقة الخارجية ، ويصدق عليه ، دون تخصيص فرد أو تعيينه ؛ كما سيجيء في هذا الباب عند . الكلام على اسم الجنس وعلم الجنس ص ٢٥٩.
، وتماثله فى صفاته الأساسية ؛ فكأنه فرد واحد متكرر الصور والنماذج المتشابهة التى ينطبق على كل منها معنى : «رجل» ومدلوله ؛ فإن معناه يصدق على : محمد ، وصالح ، وفهيم .... ، وآلاف غيرهم. فهو خال من التحديد الذى يجعل المدلول مقصورا على فرد متميّز من غيره ، مستقل بنفسه ؛ لا يختلط وسط أفراد أخرى تماثله. وهذا معنى قولهم : «مبهم الدّلالة» ؛ أى : أنه ينطبق على فرد شائع بين أفراد كثيرة من نوعه ، تشابهه فى حقيقته ، يصح أن يطلق على كل منها اسم : «رجل»1) يراد بالحقيقة هنا ما أشرنا إليه فى صفحتى 22 و 259 - : مجموعة الصفات الذاتية ؛ أى «الأساسية الأصلية» التى يتكون منها الشىء ، وتميز جنسا من جنس ، ونوعا من نوع : ولولاها لتشابهت أفراد كل ، واختلطت. فحقيقة الإنسان هى ؛ مجموعة الصفات الذاتية الخاصة به ، والتى تميز نوعه من نوع آخر كالطائر مثلا ، وتجعله نوعا مستقلا منفصلا. وتلك الصفات الذاتية فى الإنسان هى : الحيوانية والنطق معا. وحقيقية الحيوان هى : صفاته الذاتية الخاصة به ، والتى تفصل جنسه عن جنس آخر كالنبات ، وتفرق بينهما. وهكذا ... وتلك الصفات الذاتية فى الحيوان هى : الحياة التى مصدرها الروح ، والحركة الاختيارية ... ومن مجموع تلك الصفات الذاتية تنشأ حقيقة الشىء ، وتتكون صورته فى الذهن أيضا.
ويستحيل فى عالم الحس تعيين أحدها ، وتخصيصه وحده بهذا الاسم.
لكن إذا قلت : «أنا فى الحديقة» ، فإن الشيوع يزول ؛ والإبهام يختفى ؛ بسبب تحديد المدلول ، وحصره فى واحد معين ؛ هو : المتكلم ؛ فلا ينصرف الذهن إلى غيره ، ولا يمكن أن ينسب الوجود فى الحديقة لسواه.
وإذا قلنا : تكلّم طالب ؛ فإن كلمة : «طالب» اسم ، له معنى عقلى ، ومدلول ذهنى. ولكن مدلوله الخارجى «أى : الذى فى عالم الحس والواقع ؛ خارجا عن العقل والذهن وبعيدا منهما» ، غير محصور فى فرد خاص يمكن تعيينه وتمييزه من أشباهه ؛ وإنما ينطبق على : حامد ، وحليم ، وسعد ، وسعيد ... وآلاف غيرهم ممن يصدق على كل واحد منهم أنه : «طالب» : ويشترك مع غيره فى هذا الاسم فهو اسم يدل على فرد ، ولكنه فرد شائع بين أشباه كثيرة ، متماثلة فى تلك الحقيقة
التى أشرنا إليها ، والتى يقال لكل فرد منها إنه : «طالب» فمعناه مبهم ؛ ودلالته شائعة ، كما سبق.
لكن إذا قلنا : «تكلم» محمود ؛ فإن الشيوع والإبهام يزولان ؛ بسبب كلمة : (محمود) التى تدل على فرد بعينه ؛ والتى تمنع الاشتراك (1)التام فى معناها ومدلولها.
ومثل هذا يقال فى : «قرأت كتابا» ؛ فإن لفظ : «كتاب» اسم شائع الدّلالة ، غامض التعيين ؛ إذ لا يدل على كتاب خاص يتجه الفكر إليه مباشرة دون غيره من الكتب ؛ فهو يصدق على كتاب حساب ، وكتاب هندسة ، وكتاب أدب ، وكتاب لغة ... ، كما يصدق على كتاب محمود ، وكتاب فاطمة ، وغيرهما ... لكن إذا قلنا : «هذا كتاب» تعيّن الكتاب المراد ، وتحدد المطلوب ، بسبب الإشارة إليه. وأنه هو المقصود دون غيره من آلاف الكتب.
وكذلك يقال فى المثال الأخير : «مصر يخترقها نهر». فأى نهر هو؟ قد يكون نهر النيل ، أو دجلة ، أو الفرات ، أو غيرها من مئات الأنهار التى يصدق على كل منها أنه : «نهر» ؛ لأن الاسم غامض الدلالة ؛ لانطباقه على كل فرد من أمثاله فإذا قلنا : «مصر يخترقها نهر النيل» ؛ زال الشيوع ، واختفى الغموض ؛ بسبب الكلمة التى جاءت بعد ذلك ؛ وهى : «النيل».
فكلمة : رجل ، وطالب وكتاب ، ونهر ، وأشباهها ، تسمى : نكرة ، وهى : «اسم يدل على شىء واحد ، ولكنه غير معين» ؛ بسبب شيوعه بين أفراد كثيرة من نوعه تشابهه فى حقيقته ، ويصدق على كل منها اسمه. وهذا معنى قولهم «النكرة شىء شائع بين أفراد جنسه» (2). ومن أمثلتها غير ما سبق الكلمات التى تحتها خط : سمعت عصفورا - ركبت سفينة كتبت رسالة قطفت زهرة (3)...
أما لفظ «أنا» و «محمود» ، و «هذا» ، و «نهر» ، «والنيل» وأمثال ما فى : «ب»
1) قد تكون كلمة : «محمود» مشتركة بين عدة أفراد ، ولكن هذا الاشتراك محدود ضئيل بالنسبة للشيوع والاشتراك فى النكرة ؛ لا يسلبه التعيين والتحديد جملة ، ولا يجعله غامضا مبهما كالغموض والإبهام اللذين فى النكرة المحضة ؛ مثل كلمة : رجل.
2) ويسميها أيضا بعض العلماء : «اسم الجنس». وسيأتى تفصيل ذلك فى موضعه عند الكلام على العلم.
3) مما يدخل فى حكم النكرة الجمل والأفعال - كما فى رقم 2 من هامش ص 45 وفى 1 من هامش ص 465 وفى 1 من هامش ص 192 -
فيسمى : معرفة ؛ وهى : «اسم يدل على شىء واحد معين» ، لأنه متميز بأوصاف وعلامات لا يشاركه فيها غيره من نوعه. ومن أمثلتها غير ما سبق : سمعت تغريد «عصفورى» - «هذه» سفينة ركبتها ، كتبت «الرسالة» ...
وللنكرة علامة تعرف بها ؛ هى : أنها تقبل دخول : «أل» التى تؤثر فيها فتفيدها التعريف ، أى : التعيين وإزالة ما كان فيها من الإبهام والشيوع. وبهذه العلامة ندرك أن كل كلمة من الكلمات السابقة وهى : رجل ، طالب ، كتاب ...) ، نكرة ، لأنها تقبل دخول «أل» التى تكسبها التعريف. تقول : الرجل شجاع ، الطالب نافع ، الكتاب نفيس ... وقد صارت هذه الكلمات معارف بعد دخول : «أل».
وربما كانت الكلمة فى ذاتها لا تصلح لدخول «أل» عليها مباشرة ، وإنما تدخل على كلمة أخرى بمعناها ، بحيث تصلح كل واحدة منهما أن تحل محل الأخرى ؛ فلا يتغير شىء من معنى الجملة : مثل : كلمة «ذو» ، فإنها بمعنى : «صاحب» ، تقول : أنت رجل ذو خلق كريم ، والمحسن إنسان ذو قلب رحيم ، فكلمة : «ذو» نكرة لا شك فى تنكيرها ؛ مع أنها لا تقبل «أل» التى تفيدها التعريف. ولكنها بمعنى كلمة أخرى تقبل «أل» ، وهى كلمة : «صاحب» (1)التى يصح أن تحل محل كلمة : «ذو».
ومن هنا كانت «ذو» نكرة ؛ لأنها - وإن كانت لا تقبل «أل» - يصح أن تحل محل كلمة ؛ «صاحب» التى تقبل «أل» ، وتقع فى الجملة مكانها ، من غير أن يترتب على ذلك إخلال بالمعنى (2)
وقد تكون «من» و «ما» للشرط ، مثل : من يتقن عمله يدرك غايته. وما تفعل من خير يرجع إليك أثره. ومعناهما كل إنسان يتقن ... وكل شيء تفعله ...
وقد يكونان للاستفهام ؛ مثل : من حضر ؟ وما رأيك؟ ومعناهما أى إنسان حضر؟ وأى شيء رأيك؟ فالأصل في أسماء الشرط والاستفهام أن تقع موقع ذات ، أو زمان ، أو مكان ، أما تضمنهما الشرط أو الاستفهام فأمر زائد على أصل وضعهما . كما سبق في ص ۸۳ عند الكلام على الحرف . ومن تلك الكلمات أيضا أسماء الأفعال النكرات ؛ مثل ؛ «صه» بالتنوين ؛ فإنه واقع موقع «سكوتا» أى موقع : المصدر الدال على الأمر ، أو موقع : اسكت ، الدال على ذلك المصدر ...
.1) كلمة : «صاحب» هنا ليست اسم فاعل بمعنى مصاحب ؛ لأن معناها الأصلى الدال على التجدد والحدوث قد أهمل ، وغلبت عليها «الاسمية» ؛ فصارت أشبه بالأسماء الجامدة ؛ ولذلك لا تعمل. «فأل» الداخلة عليها للتعريف ، وليست الموصولة التى تدخل على اسم الفاعل ونحوه من المشتقات التى تعمل. وجميع المشتقات إذا صارت أعلاما ، فإنها تكون فى حكم الأسماء الجامدة. كما سبق فى رقم 2 من هامش ص 127 و...
2) ومثل : «ذو» كلمات أخرى لا تقبل بنفسها «أل» ، ولكنها تقع موقع كلمات تقبلها ؛ من ذلك : «أحد» التى همزتها أصلية ، وليست منقلبة عن واو ، ومعناها : إنسان ؛ - وغيره - وهذه لا تستعمل إلا بعد نفى. أما التى همزتها منقلبة عن واو وأصلها : «وحد» التى منها كلمة : «واحد» أول الأعداد كالتى فى قوله تعالى : ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ) أى : واحد ؛ فإن هذه التى بمعنى «واحد» تقع بعد النفى والإثبات ، بخلاف كلمة : «أحد» التى همزتها أصلية ، فإنها لا تقع إلا بعد نفى - كما تقدم - كما فى التصريح ج2. أول باب النكرة والمعرفة - ومن ذلك : «عريب» ، و «ديّار» تقول : ما فى البيت أحد ، أو عريب ، أو ديار. ومعنى الجميع ما فى البيت أحد ؛ فهى كلمات لا تستعمل إلا بعد نفى فى الأغلب ، وهى متوغلة فى الإبهام ؛ فلا تكون معرفة ، ولا تقبل «أل» ، لكنها واقعة موقع ما يقبلها ؛ وهو : إنسان ، مثلا ... وكذا «من» و «ما ؛ إذا كانا بمعنى : شىء ، أى شىء ؛ سواء أكان ذلك الشىء إنسانا أم غير إنسان ، تقول : سافرت إلى من مسرور بك ، أى : إلى إنسان مسرور بك ، ولعبت بما مفيد لى. أى : بشىء مفيد لى ؛ فكلمة : «من» و «ما» ، وأشباههما - نكرات ؛ لأنها لا تقبل أل ، ولكنها واقعة موقع ما يقبلها ؛ وهو هنا : إنسان ، وشىء. والدليل على أن الكلمات الثلاث نكرات - وقوع كل منها موصوفة للنكرة فى الأمثلة السابقة.
فعلامة النكرة - كما سبق - أن تقبل بنفسها «أل» التى تفيدها التعريف ، أو تقع موقع كلمة أخرى تقبل : «أل» المذكورة (1).
وبديه أن هذه العلامة لا تدخل المعرفة ، ولا توجد فيها ؛ لأن «أل» تفيد التعريف ، كما أشرنا ، والمعرفة ليست فى حاجة إليه ؛ فقد اكتسبته بوسيلة أخرى سنعرفها. فإن ظهرت «أل» فى بعض المعارف فليست «أل» التى تفيد التعريف ، وإنما هى نوع آخر ؛ جاء لغرض غير التعريف ، سيذكر فى مكانه (2).
1 - الضمير ، مثل : أنا ، وأنت ، وهو ...
2 - العلم ، مثل : محمد ، وزينب ...
3 - اسم الإشارة : مثل : هذا ، وهذه ، وهؤلاء ...
4 - اسم الموصول ، مثل : الذى ، والتى ...
5 - المبدوء بأل المعرّفة (أى : التى تفيد التعريف) ، مثل : الكتاب ، والقلم ، والمدرسة إذا كانت هذه أشياء معينة ...
6 - المضاف إلى معرفة ؛ مثل : بيتى قريب من بيتك وكذلك نهر النيل فى أمثلة «ب» ... وهذا بشرط أن يكون المضاف قابلا للتعريف ؛ فلا يكون من الألفاظ المتوغلة فى الإيهام (3)التى لا تتعرف بإضافة ، أو غيرها ، كلفظ غير ، ومثل - فى
1) على الرغم من أن النحاة ارتضوا هذه العلامة فإن المحققين منهم انتهوا بعد مناقشات طويلة إلى أنها ليست صالحة أحيانا لتحقيق الغرض منها ، وأن العلامة الوافية بالغرض هى استقصاء المعارف ، وما يكون خارجا من دائرتها فهو النكرة حقا ، لأن الوصول إلى النكرة من غير هذا الطريق غير مضمون فوق ما فيه من عسر وتكلف.
2) ستجىء أنواع «أل» فى ص 381 م 30.
3) اللفظ المتوغل فى الإبهام هو الذى لا يتضح معناه إلا بآخر ينضم له ، ويزاد عليه ، ليزيل إبهامه ، أو يخفف من شيوعه ؛ كإضافته إلى معرفة تعرفه أو تخصصه. ولكن الأغلب أنه لا يستفيد التعريف من المضاف إليه المعرفة. وستجىء لهذا إشارة فى : «ا» من ص 399 أما تفصيل الكلام عليه ففى باب الإضافة ج 3 م 93 ولا سيما رقم 3 من هامش ص 21.
أغلب أحوالهما -.
7 - النكرة المقصودة من بين أنواع المنادى (1). مثل : يا شرطىّ ، أو : يا حارس ؛ إذا كنت تنادى واحدا معينا (2)
نكرة قابل «أل» مؤثّرا *** أو واقع موقع ما قد ذكرا
وغيره معرفة ؛ كهم ، وذى *** وهند ، وابنى ، والغلام ، والّذى
يريد : أن النكرة اسم قابل «أل» أى : قابل لفظ «أل» الذى يؤثر فيها التعريف .. (واسم «أل» يراد به هنا : «اللفظ» فهو مذكر ، وقد يراد به فى صيغة أخرى : «الكلمة» فيكون مؤنثا).
، تتجه إليه بالنداء ، وتقصده دون غيره ؛ ذلك أن كلمة : «شرطىّ» وحدها. أو كلمة : «حارس» وحدها ، نكرة ؛ لا تدل على معين. ولكنها تصير معرفة عند النداء ؛ بسبب القصد - أى : التوجه - الذى يفيد التعيين. وتخصيص واحد بعينه ، دون غيره (3)وأقوى الأعلام أسماء الأماكن ، لقلة الاشتراك فيها ، ثم أسماء الناس ، ثم أسماء الأجناس.
وأقوى أسماء الإشارة ما كان للقرب ، ثم ما كان للوسط ، ثم ما كان للبعد.
وأقوى أنواع «أل» التى للعهد ما كانت فيه للعهد الحضورى ، ثم ما كانت فيه للنوعين الآخرين من العهد ، ثم للجنس. (راجع شرح التصريح وحاشيته ، ثم المفصل ح 5 ص 87).
. .1) أنواع المنادى خمسة يتعرف منها بالنداء نوع واحد - فى الرأى الأرجح - هو : النكرة المقصودة دون غيرها. وسيجىء تفصيل الكلام عليها فى باب النداء أول الجزء الرابع.
2) وإلى ما سبق يشير ابن مالك بقوله فى باب «النكرة والمعرفة» :
3) المعرفة تدل على التعيين وفى هامش ص 266 بيان وزيادة إيضاح للمقصود من التعيين والتخصيص ؛ ولكن المعارف تختلف فى درجة التعيين والتعريف ؛ فبعضها أفوى من بعض. وآراء النحاة متضاربة فى ترتيبها من حيث القوة. وأشهر الآراء : أن أقواها بعد لفظ الجلالة وضميره - هو : ضمير المتكلم ، ثم ضمير المخاطب ، ثم العلم ؛ وهو درجات متفاوتة القوة فى درجة التعريف. ويلحق بعلم الشخص فى درجة التعريف العلم بالغلبة ، ثم ضمير الغائب الخالى من الإبهام ؛ (بأن يتقدمه اسم واحد معرفة أو نكرة ، نحو : حسين رأيته ، ورجل كريم لاقيته. فلو تقدمه اسمان أو أكثر ولم يتعين مرجعه بسبب هذا التعدد وعدم القرينة التى تحدده نحو : قام محمود وحامد فصافحته - تسرب إليه الإبهام ، ونقص تمكنه من التعريف) ، ثم اسم الإشارة ، والمنادى (النكرة المقصودة) وهما فى درجة واحدة ؛ لأن التعريف بكل منهما يتم إما بالقصد الذى يعينه المشار إليه ، وإما بالتخاطب كما سيجىء فى «ب» من ص 397 ثم الموصول ، والمعرف بأل ؛ وهما فى درجة واحدة ؛ أما المضاف إلى معرفة فإنه فى درجة المضاف إليه. إلا إذا كان مضافا للضمير ، فإنه يكون فى درجة العلم - على الصحيح.
إن الجملة بنوعيها (1)
وسواء أكانت نكرة أم في حكم النكرة فالخلاف شكلى لا أهمية له. وقد أشرنا للمسألة السالفة في مواضع مختلفة من أجزاء الكتاب . ومنها : ج ۲ . رقم ٣ من : هامش ص ٣١١ م ٨٤ ومنها : ج ۳ ص ٢٤ م ٩٣ وص ٣٤٩ و ٣٥٤ م ١١٤
، وشبه الجملة بنوعيه ، إذا وقع شىء منهما بعد النكرة المحضة (2)ومثل الصفة غيرها من كل ما يخرج النكرة من عمومها وشيوعها الأكمل إلى نوع من التحديد وتقليل أفرادها ، كإضافة النكرة الجامدة إلى نكرة أخرى . كما سيجيء في باب الإضافة . وكوقوعها نعتا لنكرة محضة ، أو وقوعها حالا ، أو غير هذا من سائر القيود.
والمعرفة المحضة هي الخالية من علامة تقربها من النكرة ، كوجود «أل الجنسية» في صدرها.
وإذا كانت النكرة محضة سميت : « نكرة تامة» ، أي : لا تحتاج لشيء بعدها من نعت أو غيره مما يقيد إطلاقها ، ويخفف إبهامها. ومن النكرات التامة : «ما» التعجبية . كما ستجيء في باب التعجب ج ۳ م ۱۰۸ .
وإذا كانت غير محضة سميت : «نكرة» ناقصة وعلى هذا فالنكرة إما تامة ، وإما ناقصة ؛ فهي قسمان من هذه الناحية. وكذلك المعرفة قسمان : «تامة» : وهی التي تستقل بنفسها في الدلالة الكاملة على معين ، كضمير المتكلم ، وكالعلم ... و.. وناقصة وهى التى تحتاج فى أداء تلك الدلالة الكاملة إلى شيء معها ؛ كاسم الموصول ؛ فإنه يحتاج للصلة دائما.
فإنه يعرب صفة ، وبعد المعرفة المحضة (3)ومثل الصفة غيرها من كل ما يخرج النكرة من عمومها وشيوعها الأكمل إلى نوع من التحديد وتقليل أفرادها ، كإضافة النكرة الجامدة إلى نكرة أخرى . كما سيجيء في باب الإضافة . وكوقوعها نعتا لنكرة محضة ، أو وقوعها حالا ، أو غير هذا من سائر القيود.
والمعرفة المحضة هي الخالية من علامة تقربها من النكرة ، كوجود «أل الجنسية» في صدرها.
وإذا كانت النكرة محضة سميت : « نكرة تامة» ، أي : لا تحتاج لشيء بعدها من نعت أو غيره مما يقيد إطلاقها ، ويخفف إبهامها. ومن النكرات التامة : «ما» التعجبية . كما ستجيء في باب التعجب ج ۳ م ۱۰۸ .
وإذا كانت غير محضة سميت : «نكرة» ناقصة وعلى هذا فالنكرة إما تامة ، وإما ناقصة ؛ فهي قسمان من هذه الناحية. وكذلك المعرفة قسمان : «تامة» : وهی التي تستقل بنفسها في الدلالة الكاملة على معين ، كضمير المتكلم ، وكالعلم ... و.. وناقصة وهى التى تحتاج فى أداء تلك الدلالة الكاملة إلى شيء معها ؛ كاسم الموصول ؛ فإنه يحتاج للصلة دائما.
يعرب حالا (4)؛ فمثال الجملة الفعلية بعد النكرة المحضة : حضر غنى «يحسن إلى المحتاج». ومثال الجملة الاسمية حضر غنى «إحسانه غامر». ومثال الظرف : رأيت طائرا «فوق» الغصن. ومثال الجار مع المجرور : رأيت بلبلا «فى قفصه».ومثال الجملة الفعلية بعد المعرفة المحضة : أقبل خالد «يضحك». ومثال الاسمية : أقبل خالد «وجهه مشرق». ومثال الظرف : أبصرت طائرتنا «فوق» السحاب. ومثال الجار مع المجرور : أبصرت طائرتنا «فى وسط» السحاب.
1) الجملة نوعان اسمية وفعلية ، وهى بنوعيها فى حكم النكرات - كما أشرنا فى 2 من هامش ص 45 وفى رقم 3 هامش ص 188 وكذلك الأفعال. وقد ورد هذا فى مراجع مختلفة ؛ منها : حاشية ياسين على التصريح ، أول هذا باب النكرة والمعرفة - حيث قال ما نصه : «أما الجمل والأفعال فليست نكرات ، وإن حكم لها بحكم النكرات. وما يوجد فى عبارة بعضهم أنها نكرات فهو تجوز». ويقول شارح المفصل - ج 3 ص 141 ما نصه : «إن وقوع الجملة نعتا للنكرة دليل على أن الجملة نفسها نكرة ؛ إذ لا يصح أن توصف النكرة بالمعرفة ..»
2) (2. 2) النكرة المحضة : هى التى تكون شائعة بين أفراد مدلولها مع انطباقها على كل فرد ، مثل كلمة «رجل» فإنها تصدق على كل فرد من أفراد الرجال ، لعدم وجود قيد يجعلها مقصورة على بعضهم ، دون غيره. بخلاف : «رجل صالح» فإنها نكرة غير محضة ؛ لأنها مقيدة تنطبق على بعض أفراد من الرجال ؛ وهم الصالحون ، دون غيرهم. فاكتسبت بهذا التقييد شيئا من التخصيص ، والتحديد ، وقلة العدد بسبب الصفة التى يعدها ، والتى جعلتها أقل إبهاما وشيوعا من الأولى.
3) (2. 2) النكرة المحضة : هى التى تكون شائعة بين أفراد مدلولها مع انطباقها على كل فرد ، مثل كلمة «رجل» فإنها تصدق على كل فرد من أفراد الرجال ، لعدم وجود قيد يجعلها مقصورة على بعضهم ، دون غيره. بخلاف : «رجل صالح» فإنها نكرة غير محضة ؛ لأنها مقيدة تنطبق على بعض أفراد من الرجال ؛ وهم الصالحون ، دون غيرهم. فاكتسبت بهذا التقييد شيئا من التخصيص ، والتحديد ، وقلة العدد بسبب الصفة التى يعدها ، والتى جعلتها أقل إبهاما وشيوعا من الأولى.
4) انظر التفصيل والبيان فى ص 194.
أما إذا كانت النكرة غير محضة ، أو المعرفة غير محضة ، فإنه يجوز فيما بعدهما من جمل وشبه جمل أن يعرب «صفة» أو «حالا» ؛ تقول فى الأمثلة السابقة بعد غير المحضة : حضر غنى كريم «يحسن إلى المحتاج» ، وحضر غنى كريم «إحسانه غامر» ، ورأيت طائرا جميلا «فوق» الغصن ، ورأيت بلبلا شجيّا «فى قفصه» ...
ومثال الجملة الفعلية بعد المعرفة غير المحضة : يروقنى الزهر يفوح عطره ، بإدخال «أل الجنسية» على الاسم. ومثال الاسمية بعدها : يروقنى الزهر عطره فوّاح. ومثال الظرف : يروقنى الثمر فوق الأغصان. ومثال الجار مع مجروره : يسرنى الطير على الأغصان ، فوجود «أل» الجنسية» فى أول الاسم جعله صالحا للحكم عليه بأنه معرفة أو نكرة ، على حسب الاعتبار الذى يوجّه لهذا أو لذاك (1).
1) بيان «أل» الجنسية وتوضيح أحكامها فى ص 385
ا - يجوز اعتبار شبه الجملة بنوعيه (الظروف والجار مع مجروره) صفة بعد المعرفة المحضة على تقدير متعلقة معرفة. وقد نص على هذا الصبان - ج 1 أول باب النكرة والمعرفة - حيث قال : «أسلفنا عن الدمامينى جواز كون الظرف (ويراد به فى مثل هذا التعبير : شبه الجملة بنوعيه) بعد المعرفة المحضة صفة ، بتقدير متعلقه معرفة). ا ه. أى : أن المتعلق المعرفة سيكون هو الصفة لمطابقته الموصوف فى التعريف. ولا مانع أن يكون شبه الجملة نفسه هو الصفة إذا استغنينا به عن المتعلّق تيسيرا وتسهيلا - طبقا لما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 347 وما بعدها وفى هامش ص 431 بالإيضاح والشرط المسجلين هناك
وإذا كان شبه الجملة بعد المعرفة المحضة صالحا لأن يكون صفة على الوجه السالف ، وهو صالح أيضا لأن يكون حالا بعدها كصلاحه للوصفية والحالية أيضا بعد النكرة غير المحضة - أمكن وضع قاعدة عامة أساسية هى : «شبه الجملة يصلح دائما أن يكون حالا أو صفة بعد المعرفة المحضة وغير المحضة ، وكذلك بعد النكرة بشرط أن تكون غير محضة - أو يقال : إذا وقع شبه الجملة بعد معرفة أو نكرة فإنه يصلح أن يكون حالا ، أو صفة : إلا فى صورة واحدة هى أن تكون النكرة محضة ؛ فيتعين أن يكون يعدها صفة ليس غير.
ومما هو جدير بالملاحظة أن جواز الأمرين فيما سبق مشروط بعدم وجود قرينة توجب أحدهما دون الآخر ، حرصا على سلامة المعنى. فإن وجدت القرينة وجب الخضوع لما تقتضيه ، كالشأن معها فى سائر المسائل. وإن لم توجد فالحكم بجواز الأمرين سائغ (1)
ب - من الأسماء ما هو نكرة فى اللفظ ، معرفة فى المعنى ؛ مثل : كان سفرى إلى الشام عاما «أول». أى : فى العام الذى قبل العام الذى نحن فيه. ومنه كان وصولى هنا «أول» من أمسس. أى : فى اليوم الذى قبل أمس. فمدلول كلمة : «أول» - فى الأسلوب العربى السابق - لا إبهام فيه ولا شيوع ؛ ولكنه لا يستعمل فيه إلا نكرة ؛ محاكاة للأساليب الفصيحة الناردة وتجرى عليه أحكام النّكرة ، كأن يكون موصوفة نكرة (2)...
ومن الأسماء ما هو معرفة فى اللفظ ، نكرة فى المعنى ، مثل : «أسامة» «أى : أسد» : فهو علم جنس على الحيوان المفترس المعروف ، وهو من هذه الجهة التى يراعى فيها لفظه ، شبيه بالعلم : «حمزة» - وغيره من الأعلام الشخصية - فى أنه لا يضاف ، ولا تدخله «أل» ، ويجب منعه من الصرف ، ويوصف بالمعرفة دون النكرة ، ويقع مبتدأ ، وصاحب حال (1)... ولكنه من جهة أخرى معنوية غير معين الدلالة ؛ إذ مدلوله شائع بين أفراد جنسه ، مبهم : فهو مثل كلمة : «أسد» فى الدلالة (2).
ح - ومن الأسماء صنف مسموع يصلح للحالين بصورته المسموعة عن العرب مثل كلمة : «واحد» فى قولهم : «واحد أمّه». ومثل كلمة : عبد ، فى قولهم : «عبد بطنه» ؛ فكل واحدة منهما يصح اعتبارها معرفة ؛ لإضافتها للمعرفة ، ويصح اعتبارها نكرة منصوبة على الحال عند النصب. ومثلهما : المبدوء «بأل» الجنسية (3)؛ مثل : الإنسان أسير الإحسان ، فهو من ناحية المظهر اللفظى معرفة ؛ لوجود «أل» الجنسية. ومن جهة المعنى نكرة ، لشيوعه ؛ ولأن معناه عام مبهم ؛ فكأنك تقول : كل إنسان ... وكل إحسان ... ؛ فلا تعيين ، ولا تحديد ، فهو صالح للاعتبارين كما سبق ، وستجىء إشارة لهذا فى باب الحال ج 2 ص 311 م 84؟ وفى باب النعت ج 3 ص 380 م 114 (4)
لكنه لم يقيد نوع الوصف بمفرد أو غير مفرد. فهل يجوز وصفه بالمفرد النكرة مع وجود «أل الجنسية»؟ يبدو الأمر غريبا غير معروف لنا. أما وصفه بالجملة أو شبه الجملة فجائز اتفاقا. كما يجوز اعتبارهما حالين. وقد سبق النص على ذلك منقولا عن الصبان والمع وغيرهما فلا اختلاف في اعتبار الجملة وشبهها صفة أو حالا. ولعل الواجب الاقتصار في الوصف عليهما ، دون الوصف بالمفرد لأسباب لغوية أخرى.
؟1) لأن الغالب على المبتدأ وصاحب الحال أن يكونا معرفتين إلا فى مواضع محددة معروضة فى بابيهما.
2) سيجىء الإيضاح الوافى لعلم الجنس ومعناه وأحكامه - فى هذا الباب عند الكلام على العلم بنوعيه ؛ الشخصى والجنسى. (ص 257 وما بعدها)
3) راجع أحكامها فى ص 385 وما بعدها
4) راجع حاشية ياسين (ج 1) أول باب النكرة والمعرفة. وكذلك الهمع ح 1 ص 54، أول هذا الباب حيث قال بعد كلامه على ما فيه : «أل الجنسية» إنه : «من قبل اللفظ معرفة ، ومن قبل المعنى - لشياعه - نكرة ، ولذلك يوصف بالمعرفة اعتبارا بلفظه ، وبالنكرة ؛ اعتبارا بمعناه ...»
الضمير (1)
تعريفه ؛ اسم جامد يدل على : متكلم ، أو مخاطب ، أو غائب. فالمتكلم مثل : أنا (2)، ونحن ، والتاء ، والياء ، ونا ، فى نحو : أنا عرفت واجبى - نحن عرفنا واجبنا ... وأدّيناه كاملا. والمخاطب مثل : أنت ... أنتما ، أنتم ، أنتن ، والكاف وفروعها فى نحو : إن أباك قد صانك ... والغائب (3)مثل : هى ، هو ، هما ، هم ، هن ، والهاء فى مثل : يصون الحر وطنه بحياته (4)
ويقاس على ما سبق : «النجائی» و «النجاءه» ؛ بمعنى : النجاء لى ، والنجاء له ، أو تكون اسم فعل أمر بمعنى : أسرع ؛ أيضا.
وما سبق يقال فى اسم الإشارة الذى فى آخره علامة للخطاب ؛ مثل : ذلك الكتاب ؛ فإن الكاف حرف خطاب ؛ وليست اسما ؛ كالشأن فى كل علامات الخطاب التى فى أسماء الإشارة وبعض ألفاظ أخرى (انظر ص 215 وما بعدها ، ورقم 1 من هامش ص 292 كما سيجىء التفصيل فى باب اسم الإشارة).
وأما أنه جامد (أى : غير مشتق) فلأن بعض الألفاظ المشتقة قد تدل بنفسها وبصيغتها مباشرة على ما يدل عليه الضمير ، مع أنها ليست ضميرا. مثل : كلمة : متكلم ؛ فإنها تدل على التكلم ، ومثل كلمة : مخاطب ؛ فإنها تدل على التخاطب ، ومثل كلمة : غائب ؛ فإنها تدل على الغياب هذا والضمير من الألفاظ التى لا تصلح أن تكون نعتا ولا منعوتا (كما سيجىء فى باب النعت ، ج 3 ص 347)
... وكذا فروعها ...1) الضمير والمضمر : ، بمعنى واحد ، وقد يعبر عنهما فى بعض المراجع القديمة : بالكناية ، والمكنىّ ؛ لأنه يكنى به (أى : يرمز به) عن الظاهر ؛ اختصارا ؛ لأن اللبس مأمون - غالبا - مع الضمير.
2) الغالب فى كتابة الضمير : «أنا» إثبات ألف فى آخره. وأكثر القبائل العربية يثبت هذه الألف أيضا عند الوقف ويحذفها عند وصل الكلام وفى درجه. ومنهم من يحذفها فى الوقف أيضا ، ويأتى بهاء السكت الساكنه بدلا منها ، فيقول عند الوقف : أنه. وقليل منهم يثبت الألف وصلا ووقفا ، ففيها لغات متعددة أقواها وأشهرها إثباتها فى الكتابة دائما ، وعند الوقف ، وحذفها فى وسط الكلام. وقد أدى هذا الخلاف إلى البحث فى أصل الضمير : «أنا» أثلاثى هو : لأن الألف فى آخره أصلية ، أم ثنائى لأنها زائدة جاءت إشباعا للفتحة ، وتبيينا لها عند الوقف؟ رأيان. لكل منهما أثره فى نواح مختلفة ، منها : التصغير والنسب.
3) إذا رفع اسم الفاعل - أو غيره من المشتقات العاملة - ضميرا مستترا وجب أن يكون للغائب دائما ، ويعود على غائب ؛ طبقا للبيان الآتى فى «ط» من ص 243.
4) لا بد فى الضمير من أن يكون اسما ، وجامدا معا. أما أنه اسم فلأن هناك بعض ألفاظ قد تدل على التكلم ؛ أو الخطاب أو الغيبة وليست ضميرا ؛ لأنها ليست اسما ؛ من ذلك قول العرب : «النّجاءك» بمعنى : النجاء لك ، أى : النجاة لك. (النجاء ، مفعول به لفعل محذوف تقديره : اطلب. وسيجىء فى رقم 2 من هامش ص 217 أنه يجوز فيها أن تكون اسم فعل أمر بمعنى : أسرع) فهذه الكاف تدل على الخطاب ، مع أنها ليست ضميرا ؛ إذ لو كانت ضميرا لكانت كالضمير ، لها محل من الإعراب رفعا أو نصبا ، أو جرا ، وهى لا تصلح لشىء من ذلك ؛ إذ لا يوجد فى الكلام ما يقتضى أن تكون فى محل رفع مبتدأ ، أو خبرا ، أو فاعلا ، أو غير ذلك مما يجعلها فى محل رفع... وليس فى الكلام كذلك ما يقتضى أن تكون فى محل نصب. ولا يصح أن تكون فى محل جر : إذ لا يوجد حرف جر يجرها ، ولا يوجد مضاف تكون بعده مضافة إليه فى محل جر ؛ لاستحالة أن يكون مثل هذا المضاف مقرونا بأل ، ولا يوجد سبب آخر للجر. كالتبعية. وإذا ليس لها محل من الإعراب. ويتبع هذا ألا تكون اسما ؛ لأن الاسم له - فى الغالب - محل إعرابى ؛ وكذلك لا تصلح أن تكون فعلا ؛ فلم يبق إلا أن تكون حرفا يدل على الخطاب ، من غير أن يسمى ضميرا.
ويسمى ضمير المتكلم والمخاطب : «ضمير حضور» ؛ لأن صاحبه لا بد أن يكون حاضرا وقت النطق به (1)
فما لذى غيبة أو حضور *** كأنت ، وهو - سمّ يالضّمير
.والضمير بأنواعه الثلاثة لا يثنى ، ولا يجمع. إنما يدل بذاته على المفرد ، المذكر أو المؤنث - أو على المثنى بنوعيه المذكر والمؤنث معا ، أو على الجمع المذكر ، أو المؤنث ، كما يتضح من الأمثلة السالفة. ومع دلالته على التثنية أو الجمع فإنه لا يسمى مثنى ، ولا جمعا.
أقسامه : ينقسم الضمير إلى عدة أقسام بحسب اعتبارات مختلفة :
(ا) ينقسم بحسب مدلوله إلى ما يكون للتكلم فقط ، وللخطاب. فقط ، وللغيبة كذلك. - وقد سبقت الأمثلة - ولما يصلح للخطاب حينا ، وللغيبة حينا آخر ؛ وهو ألف الاثنين ، وواو الجماعة ، ونون النهوة. فمثال ألف الاثنين : اكتبا يا صادقان ، والصادقان كتبا. ومثال واو الجماعة : اكتبوا يا صادقون ، والصادقون كتبوا. ومثال نون النسوة : اكتبن يا طالبات. الطالبات كتبن (2)...
(ب) وينقسم بحسب ظهوره فى الكلام وعدم ظهوره إلى : بارز ومستتر ؛ فالبارز : هو الذى له صورة ظاهرة فى التركيب ، نطقا وكتابة ، نحو : أنا رأيتك .
1) إلى بعض ما سبق يشير ابن مالك بقوله :
2) وعلى ذكر نون النسوة كان القدماء يؤرخون فيقولون فى رسائلهم ومكاتباتهم مثلا. كتبت هذه الرسالة لسبع خلون من رمضان ، أو لخمس بقين منه. فهل يصح أن يقال فى هذا وفى نظائره : لسبع خلت ، أو لخمس بقيت؟ تفصيل هذا فى مكانه الأنسب (ج 4 ص 424 م. حيث بيان الاستعمال الفصيح فى طريقة التأريخ واستخدامه.
فى الحديقة. فكل من كلمة : أنا ، والتاء ، والكاف - ضمير بارز.
والمستتر (1)
والصحيح أن المستتر نوع من الضمير المتصل الذي سيجيء تفصيله : وليس نوعا من المنفصل ، ولا نوعا مستقلا بنفسه يسمى : «واسطة» بين المتصل والمنفصل. (راجع الخضرى وهامش التصريح عند الكلام على الضمير المستتر...
والمستتر ركن أساسى فى الجملة لا يتم معناها بغيره ؛ فلا بد منه ؛ لأنه «عمدة» كما يسمونه ، أي : لا يمكن الاستغناء عنه مطلقا ، (إلا في بعض حالات قليلة كالربط بين الخبر والمبتدأ) وأشباه ذلك وأما غيره فقد يستغنى منه إذا عدم من الجملة.
وبهذه المناسبة يقول النحاة : إن الضمير البارز له وجود فى اللفظ ولو بالقوة ، فيشمل المحذوف في مثل : جاء الذى أكرمت أى : أكرمته لإمكان النطق به ، أو لأنه نطق به أولا ثم حذف. أما الذي استتر فأمره عقلى ؛ إذ لا يمكن النطق به أصلا ، وإنما يستعيرون له المنفصل في مثل : قاتل في سبيل اللّه ؛ فيقولون : إن الفاعل ضمير مستتر تقديره : أنت ؛ وذلك للتقريب. وبهذا يحصل الفرق بين المستتر والمحذوف. هذا إلى أن المستتر أحسن حالا من المحذوف ؛ لأنه يستدل عليه من اللفظ والعقل بغير قرينة الموجود ؛ ولذلك كان خاصا بالعمد. أما المحذوف فلا بد له من القرينة. وهكذا قالوا !!
، ما يكون خفيّا غير ظاهر فى النطق والكتابة ؛ مثل : ساعد غيرك يساعدك ؛ فالفاعل لكل من الفعلين ضمير مستتر تقديره فى الأول : «أنت» وفى الثانى : «هو».والبارز قسمان ، أولهما : المتصل ؛ وهو : «الذى يقع فى آخر الكلمة ، ولا يمكن أن يكون فى صدرها ولا فى صدر جملتها» ؛ إذ لا يمكن النطق به وحده ، بسبب أنه لا يستقل بنفسه عن عامله ؛ فلا يصح أن يتقدم على ذلك العامل مع بقائه على إعرابه السابق قبل أن يتقدم ، كما لا يصح أن يفصل بينهما - فى حالة الاختيار - فاصل من حرف عطف ، أو أداة استثناء ؛ كإلا ، أو غيرهما (2).
ومن أمثلة الضمائر المتصلة بآخر الأفعال ؛ التاء المتحركة ، وألف الاثنين ، وواو الجماعة ، ونون النسوة ، وذلك كله فى مثل : سمعت النصح ، والرجلان سمعا ، والعقلاء سمعوا ، والفاضلات سمعن. فليس واحد من هذه الضمائر بممكن أن يستقل بنفسه فيقع أول الكلمة قبل عامله ، ولا يتأخر عنه مع وجود
1) المستتر فى حكم الحاضر الملفوظ به ، مع أنه غير مذكور فى اللفظ. ولا يسمى محذوفا ، لأن هناك فرقا بين الضمير المستتر والضمير المحذوف ؛ فالمستتر فى حكم الحاضر المنطوق به كما قلنا ، أما المحذوف فإن كان ملفوظا به ثم ترك وأهمل ، فليس فى حكم الحاضر. يدلك على هذا أنهم يقولون : لو سميت شيئا بكلمة : «ضرب» التى استتر فيها الضمير لوجب حكايتها مع الضمير المستتر كما تحكى الجمل ، بغير تغيير مطلقا ؛ ومنها : «ضربته» أما إذا سميت بكلمة : «ضرب» المحذوف منها الضمير اختصارا - والأصل ضربته - فإنها تعرب على حسب الجملة - كما سيجىء فى باب العلم مفصلا (ص 273 ما بعدها ، وفى هامش ص 278) والمستتر لا يكون إلا من ضمائر الرفع، فهو فى محل رفع دائما ، أما المحذوف فيكون فى محل رفع أو نصب أو جر.
2) انظر أول الهامش فى ص 201.
فاصل بينهما (1)
وذو اتّصال منه ما لا يبتدا *** ولا يلى إلّا اختيارا ، أبدا
كالياء ، والكاف ، من «: ابنى أكرمك» *** والياء والها من «سليه ما ملك»
ما لا يبتدأ ، أى : ما لا يبتدأ به. ومثل للمتصل بما يأتى : لضمير المتكلم المجرور المحل بالياء فى «ابنى» ، وللمخاطب المنصوب المحل بالكاف فى : «أكرمك» وللمخاطب وللمرفوع المحل معا بياء المخاطبة ، فى : «سلى». وللغائب المنصوب المحل بالهاء من : سليه.
وبمناسبة «الهاء «التى للغائب نقول إن الأشهر فى حركتها أن تكون مبنية على الضم. إلا إذا كان قبلها كسرة ، أو ياء ساكنة ؛ فيجوز أمران ؛ الحجازيون يضمونها ، وغيرهم يكسرها. وبلغة الحجازيين قرأ القراء : (وما أنسانيه إلا الشيطان) (ومن أوفى بما عاهد عليه اللّه ...) (إذ قال لأهله امكثوا) وقرأ آخرون بالكسر.
وهى فى جميع أحوالها تكون مشبعة الحركة إذا وقعت بعد متحرك ؛ فيمتد الصوت بحركتها حتى يكاد يحدث حرف علة مناسبا تلك الحركة ؛ فبعد الضمة الواو ، وبعد الكسرة الياء. أما إذا كانت متحركة بعد ساكن مطلقا ، إلا الياء فالأحسن ضمها من غير إشباع لحركتها ؛ سواء أكان الساكن صحيحا ، نحو : منه ، أم معتلا بغير الياء ؛ مثل : أباه ، أبوه .. أما الساكن الياء فقد سبق الكلام فيه.
.ثانيهما : المنفصل ؛ وهو الذى يمكن أن يقع فى أول جملته ، ويبتدىء الكلام به ؛ فهو يستقل بنفسه عن عامله ؛ فيسبق العامل ، أو يتأخر عنه مفصولا بفاصل ؛ مثل ؛ أنا ، ونحن ؛ وإياك ... فى مثل : أنا نصير المخلصين. ونحن أنصارهم ، وإياك قصدت ، وما النصر إلا أنا ، وما المخلصون إلا نحن.
هذا ، والضمائر كلها مبنية (2)
وكلّ مضمر له البنا يجب *** ولفظ ما جرّ كلفظ ما نصب
أى : المضمرات كلها مبنية ، لا فرق فى ذلك بين ما يكون محله الجر ، أو محله النصب ، وترك ابن مالك ما يكون محله الرفع بسبب ضيق النظم - وهو مبنى أيضا. فكل ضمير لا بد أن يكون لفظه مبنيا ؛ إما على السكون ، وإما على حسب حركة آخره. ولا بد أن يكون بعد ذلك فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر على حسب حاجة الجملة. وهذا معنى قولهم إن الضمير مبنى اللفظ معرب المحل.
الألفاظ ؛ سواء فى هذا ما ذكرناه وما سنذكره بعد.وينقسم المتصل بحسب مواقعه من الإعراب إلى ثلاثة أنواع :
أولها : نوع يكون فى محل رفع فقط ؛ وهو خمسة ضمائر : التاء المتحركة للمتكلم ؛ نحو : صدقت. وكذلك فروعها (3)
وألف والواو ، والنون ، لما *** غاب وغيره ؛ كفاما ، واعلما
والمراد بغيره : المخاطب ؛ لأنها تكون للغائب والمخاطب ، ولا تكون للمتكلم.
ومن الأمثلة السابقة نعلم أن التاء التى هى ضمير متصل مرفوع - تبنى على الضم إذا كانت للمتكلم ، وتبنى على الفتح إذا كانت للمخاطب المذكر ، وتبنى على الكسر إذا كانت للمخاطبة ؛ وتلزم البناء على الفتح فى الحالة المعينة التى أشرنا لها وستجىء فى ص 215 وتوصل وهى مبنية على الضم بميم وألف ؛ للدلالة على خطاب اثنين أو اثنتين. وكذلك توصل وهى مبنية على الضم ، بميم ساكنة للدلالة على خطاب جمع الذكور ، وبنون مشددة للدلالة على خطاب جمع الإناث. (انظر إعراب الضمائر ص 213).
وإذا ولى الميم الساكنة التى لجمع الذكور ضمير متصل جاز ضم الميم وإشباعها حتى ينشأ : من الإشباع واو ؛ مثل : هذا ضيف أكرمتموه ، ومعى صديق صافحتموه. وجاز إبقاء الميم ساكنة ولكن الأول هو الأكثر والأشهر. فيحسن الاقتصار عليه.
. وألف الاثنين : نحو : المتعلمان صدقا ، .1) يقول ابن مالك :
2) يقول ابن مالك :
3) التاء المتحركة التى للمتكلم هى الأصل ، وتبنى على الضم ؛ مثل : صدقت ، وفروعها الخمسة هى : صدقت ؛ للمخاطب المذكر. صدقت ، للمخاطبة. صدقتما ، للمثنى المخاطب ، مذكرا ومؤنثا. صدقتم ، لخطاب جمع الذكور. صدقتن ، لخطاب جمع الإناث وهناك حالة يجب فيهابناء تاء المخاطبة على الفتح دائما. وستجىء فى ص 215 وقد أشار ابن مالك إلى بعض هذه المواضع بقوله :
وواو الجماعة ، نحو : المتعلمون صدقوا (1). ونون النسوة ؛ نحو : الفتيات صدقن ، وياء المخاطبة ، نحو : اصدقى يا متعلمة (2).
ثانيها : نوع مشترك بين محل النصب ومحل الجر ، إذ لا يوجد ضمير متصل خاص بمحل النصب ؛ ولا ضمير متصل خاص بمحل الجر. وهذا النوع المشترك بينهما ثلاثة ضمائر (3)
وسيجىء عند الكلام على إعراب الضمير فى (ص 213 - وما بعدها) أن الأفضل اعتبار هذا النوع فى محل رفع فى حالة وقوعه بعد «لو لا» فقط ؛ فيكون مبتدأ مبنيا على حركة آخره فى محل رفع. ولا يجوز اعتباره ضمير رفع إلا فى هذه الحالة فقط. وإذا وقع ضمير من هذه الضمائر الثلاثة بعد عسى مثل : «عسانى وعساى أوفق» ؛ أو : عساك أن تفعل الخير ؛ أو : عساه أن يجتنب الإساءة ؛ فإن خير ما يقال هو اعتبار «عسى» حرفا بمعنى : «لعل» من أخوات «إن» والضمير اسمها. كما سيجىء فى باب أفعال المقاربة ، والشروع ، والرجاء.
وبهذه المناسبة نذكر أن الياء في مثل : قومى يا هند ، تختلف عن الياء في نحو : ربى أكرمنى. لأن الياء في : «قومى» للمخاطبة ؛ فهى فاعل في محل رفع. بخلافها في المثال الأخير الذي وقعت فيه للمتكلم في محل جر بالإضافة ؛ وفي محل نصب مفعول به.
كما أن الضمير فى مثل : الرجلان عرفهما على الرجال عرفهم. المسافرات عرفهن . هو ضمير بارز متصل ولا يصح التوهم بأنه هو الذى وقع فى ابتداء جملته ، أو وقع فيها بعد كلمة : «إلا» في مثل : هما عرفا ، وهم عرفوا ، وهن عرفن ، وما عرف إلا هما ، أو هم ، أو هن ؛ لا نتوهم ذلك ؛ لأنه حين تقدم أو حين وقع بعد «إلا» لم يبق على إعرابه الأول مفعولا لعامله ؛ وإنما صار مبتدأ أو : فاعلا ؛ فتغير إعرابه بعد التقدم ؛ فصار نوعا آخر مخالفا للسابق ؛ طبقا لما تقدم في تعريف المتصل . ص ١٩٨ .
؛ ياء المتكلم ، وكاف المخاطب بنوعيه ؛ وهاء الغائب بنوعيه. .1) بعض القبائل العربية يحذف واو الجماعة ؛ اكتفاء بالضمة التى قبلها. قال الفراء فى كتابه «معانى القرآن» ج 1 ص 91 ما نصه : «قد تسقط العرب الواو وهى واو جماعة. اكتفى بالضمة قبلها فقالوا فى ضربوا : قد ضرب ، وفى قالوا : قد قال. وهى فى هوازن وعليا قيس ...» ثم استشهد أيضا بأبيات سمعها منهم كقول قائلهم ... فلو أن الأطبا كان عندى وكان مع الأطباء الأساءة ..... والأساة جمع آس ، وهو هنا من يعالج الجرح.
2) ولا تكون ضمائر إلا عند اتصالها بالأفعال : أما إذا اتصلت بالأسماء مثل : القائمان ، القائمون - فهى حروف دالة على التثنية والجمع.
3) هذه الضمائر لا تكون فى محل رفع ؛ كما ذكرنا ؛ ولكنها قد تقع أحيانا بعد «لو لا» التى للامتناع ؛ والتى لا يقع بعدها إلا المبتدأ ؛ فيقال : «لولاى» لتعبت. «لولاك» لم أحتمل مشقة الحضور أو «لولاها» لضاعت فرصة المعاونة الكريمة. فكيف نعرب هذا الضمير الواقع بعد «لو لا»؟ إن سيبويه يعرب : «لو لا» حرف جر شبيه بالزائد ، وما بعده مجرور لفظا فى محل رفع مبتدأ ، وخبره محذف - كما سيجى «فى ب من ص 218.
فأما ياء المتكلم فمثل : ربى أكرمنى (فالياء الأولى فى محل جر ، لأنها مضاف إليه. والياء الثانية فى محل نصب ، لأنها مفعول به).
وأما كاف المخاطب فيهما فمثل : لا ينفعك إلا عملك ، (فالكاف الأولى فى محل نصب ، لأنها مفعول به ؛ والكاف الثانية فى محل جر ، لأنها مضاف إليه) (1).
وأما هاء الغائب (2)
وكذلك يجب أن يزاد بها «الميم» الدالة على جمع الذكور الغائبين ، والنون المشددة الدالة على جمع الإناث الغائبات ، نحو : خير الناس أنفعهم للناس ، وخير النساء أحرصهن على الكمال. لكن أيكون الضمير هو الهاء فقط والحروف التي بعدها زائدة للفرق بين ضمير المفردة والمفرد وغيرهما ، أم يكون الضمير مجموع الاثنين ، الهاء» والأحرف الزائدة؟ رأيان. والخلاف لفظى لا أثر له من الناحية العملية. والمستحسن مراعاة الأمر الواقع ؛ والأخذ بالرأى الذى يعتبر الضمير هو مجموع الاثنين ؛ لأنه رأى عملى يراعى التفرقة الواقعة فعلا بين ضمير المفردة الغائبة وضمير المفرد الغائب . وغيرهما .. فوق أنه عملى واقعى فيه تيسير. وعلى أساسه يقول أصحابه : الضمير للمفرد المذكر الغائب هو : «الهاء» وحدها ؛ وللمفردة الغائبة «ها» وللمثنى بنوعيه : «هما» ولجمع الذكور : «هم» والجمع الإناث : «هن» والفرق واضح بين الاثنين في ثلاثة أمور في النطق ، وفى الكتابة ، وفى المعنى. وعليه العمل الآن. ولهذا نظير في ص ٣١٣ . وجدير بالملاحظة أن الضمائر الثلاثة السالفة (هما . هم . هن بالاعتبار السالف هي ضمائر متصلة حتما ، ولا يصح اعتبارها من نوع الضمائر المرفوعة المنفصلة أصالة ، لأن المرفوعة أصالة ، كالتي ستجيء في «ح» . ص ٢٠٤ . مركبة البنية في أصلها ، وليست مبنية على حرف واحد زيد على آخره حرف أو حرفان فالفرق بين النوعين كبير برغم ظاهرهما ؛ فأحدهما قد نشأ فردى الصيغة والتكوين ، ثم زيد على آخره حرف أو حرفان ، والآخر قد نشأ من أول أمره مركب الصيغة فهما مختلفان في أصلهما كاختلافهما في كثير من الأحكام.
بنوعيه المذكر والمؤنث فمثل : من يتفرغ لعمله يحسنه.1) قد تقع كاف الخطاب - أحيانا. حرفا مجردا للخطاب ؛ فلا يكون له محل من الإعراب ؛ كالتى فى آخر أسماء الإشارة وبعض الأسماء الأخرى مما سبق (فى رقم 4 من هامش ص 196) ؛ ومما سنفصله عند الكلام على إعراب الضمائر (ص 213 وما بعدها)
2) مما يجب التنبه له : أن هاء المفرد الغائب تكتب مفردة ؛ أى : لا يتصل بها حرف ناشىء من إشباع حركتها ؛ تقول من يتفرغ لعمله يحسنه ، ويحمده الناس على إحسانه وإجادته. أما إن كانت الهاء للغائبة المفردة فيجب فى الأفصح زيادة الألف بعدها متصلة بها ؛ نحو : من تتفرغ لعملها يحمدها الناس على تفرغها ، وإحسانها ، وإجادتها. وكذلك يجب أن يزاد بعدها كلمة : «ما» إن كانت هذه الهاء لضمير الغائب المثنى بنوعيه فى مثل : الوالد والجد هما أحق الناس بالرعاية ولهما أعظم الفضل على أبنائهما. والوالدة والجدة أعطف الناس على أطفالهما. وشفقتهما لا تعدلها شفقة. فالهاء هى الضمير المتصل وبعدها «الميم» حرف عماد ، والألف حرف دال على مجرد التثنية.
أو ؛ من تتفرغ لعملها تحسنه (فالهاء الأولى فى المثالين فى محل جر ، لأنها مضاف إليه ، والثانية فى محل نصب ؛ لأنها مفعول به).
ثالثها : نوع مشترك بين الثلاثة : وهو ؛ (نا) نحو : (ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) فالأولى فى محل جر ، لأنها مضاف إليه ؛ والثانية فى محل نصب ، لأنها مفعول به (1)- كما سبق - والثالثة والرابعة فى محل رفع ؛ لأنها فاعل (2)
للرّفع والنّصب وجرّ : (نا) صلح *** كاعرف بنا : فإنّنا نلنا المنح
والمعنى : صلح الضمير (نا) للأمور الثلاثة ، أى : لأن يكون فى محل جر ، مثل : اعرف بنا (أى : اعترف بقدرنا ، أو : اشعر بنا). ولأن يكون فى محل نصب ، مثل : إننا .. ، ولأن يكون فى محل رفع ، مثل : نلنا.
(ملاحظة) لا يقال : (إن الضمير «الياء» يصلح للأمور الثلاثة مع دلالته على المتكلم فى كل حالة فيكون شبيها بالضمير (نا) ؛ مثل ؛ يفرحنى كونى حريصا على واجبى. فالياء فى الجميع للمتكلم ومحلها فى الأول نصب (لأنها مفعول به) وفى الثانية رفع (لأنها اسم كون ؛ مصدر كان الناقصة) وفى الثالث جر لأنها مضاف إليه. كذلك الضمير : (هم) فى مثل : يفرحهم كونهم حريصين على واجبهم ؛ فإنه ضمير متصل فى الجميع. ومحله نصب فى الأول (لأنه مفعول به). ورفع فى الثانى (لأنه اسم كون ، مصدر كان الناقصة) وجر فى الثالث لأنه مضاف إليه ..) لا يقال إن الضميرين السابقين مثل «نا» لأن «الياء» و «هم» فى الأمثلة المذكورة وأشباهها وقعا فى محل رفع بصفة عارضة ، ناشئة من أن المضاف هنا كالفعل يطلب مرفوعا ؛ لا بصفة أصلية ، والكلام فى الضمير المشترك بين الثلاثة بطريق الأصالة.
.ومما سبق نعلم أن للرفع ضمائر متصلة تختص به ، وليس للنصب وحده أو الجر وحده شىء خاص به. .
روى أبو علىّ القالى فى كتابه : «ذيل الأمالى والنوادر» ص 105 عن بعض الأعراب قول شاعرهم :
فها أنا للعشاق يا عزّ قائد *** وبى تضرب الأمثال فى الشرق والغرب
والشائع (1)دخول : «ها» التى للتنبيه على ضمير الرفع المنفصل الذى خبره اسم إشارة ؛ نحو : «هأنذا» المقيم على طلب العلوم. وغير الشائع دخولها عليه إذا كان خبره غير اسم إشارة ، نحو : هأنا ساهر على صالح الوطن. وهو - مع قلته - جائز ، لورود نصوص فصيحة متعددة تكفى للقياس عليها. منها قول عمر بن الخطاب يوم «أحد» حين وقف أبو سفيان بعد المعركة يسأل : أين فلان ، وفلان ... من كبار المسلمين؟. فأجابه عمر. هذا رسول اللّه عليه السّلام ، وهذا أبو بكر ، وهأنا عمر ... (2)ومنها بيت لمجنون ليلى (3)، ونصّه :
وعروة مات موتا مستريحا *** وهأنا ميّت فى كل يوم
كما روى صاحب الأمالى (4)أيضا البيت التالى لعوف بن محلّم ، ونصّه :
ولوعا ؛ فشطّت غربة دار زينب *** فهأنا أبكى والفؤاد جريح
وقول سحيم من شعراء صدر الإسلام :
لو كان يبغى الفداء قلت له *** هأنا دون الحبيب يا وجع
ويترتب على الحكم الشائع ما صرحوا به من جواز الفصل بين : «ها» التى للتنبيه واسم الإشارة بضمير المشار إليه مثل : هأنذا أسمع النصح ، وهأنتذا تعمل الخير ، وهأنتم أولاء تصنعون ما يفيد. وقد يقع الفصل بغير الضمير قليلا - مع جوازه - كالقسم باللّه فى مثل : ها - واللّه - ذا رجل محب لوطنه ، و «إن» الشرطية فى مثل : ها إن ذى حسنة تتكرّر يضاعف ثوابها. وقد تعاد «ها» التنبيه بعد الفاصل للتقوية ... ، نحو : هأنتم هؤلاء تخلصون.
وينقسم المنفصل بحسب مواقعه من الإعراب إلى قسمين : أولهما ؛ ما يختص بمحل الرفع ، وثانيهما ما يختص بمحل النصب (1).
فأما الذى يختص بمحل الرفع [فاثنا عشر] ، موزعة بين المتكلم ، والمخاطب ، والغائب ، على الوجه الآتى :
(ا) للمتكلم ضميران ، «أنا» للمتكلم وحده ، و «نحن» للمتكلم المعظّم نفسه ، أو معه غيره. (و «أنا» هو الأصل و «نحن» هو الفرع) (2).
(ب) للمخاطب خمسة ؛ أولها ؛ وهو الأصل : «أنت» ، للمفرد المذكر ، ثم الفروع : «أنت» للمخاطبة المؤنثة ، «وأنتما» للمذكر المثنى المخاطب ، أو المؤنث المثنى المخاطب ، «وأنتم» لجماعة الذكور المخاطبين ، «وأنتن» لجماعة الإناث المخاطبات.
(ج) للغائب خمسة ؛ أولها وأصلها : «هو» للمفرد الغائب. ثم فروعه : «هى» (3)، للمفردة الغائبة ، و «هما» للمثنى الغائب : و «هم» لجمع الذكور الغائبين ، و «هن» لجمع الإناث الغائبات (4)؛
فمجموع الضمائر المنفصلة المرفوعة اثنا عشر على التوزيع السالف (5)
«یا لیتنى وهما نخلو بمنزلة ...»
فقد عطف ضمير «هما» الخاص بالرفع على الياء التي هي ضمير نصب.
لكن يكثر نيابتها عن الضمير المنصوب أو المجرور في حالة استعمالها للتوكيد ؛ مثل : سمعتك أنت تخطب ، ومررت بك أنت. وهو استعمال قياسي.
.1) وليس بين الضمائر المنفصلة ما هو مختص بمحل الجر أصالة. (انظر رقم 5 فى هذا الهامش)
2) المراد بالفرع هنا : أن يكون الضمير دالا على معنى زائد لا يوجد فى الأصل. ذلك أن الأصل فى الضمير - عندهم - أن يكون لواحد مذكر ؛ سواء أكان الواحد متكلما ، أم مخاطبا ، أم غائبا ، مثل : (أنا) فما يكون دالا على أكثر من واحد ، أو يكون دالا على التأنيث فهو فرع.
3) الأصل أن تكون الهاء فى : «هو» مضمومة ، وفى : «هى» مكسورة. ويجوز تسكينهما بعد الواو ، أو : الفاء ، أو : ثم ، أو : اللام.
4) تجب ملاحظة الفرق الكبير بين الضمائر الثلاثة (هما - هم - هن) التى هى مركبة البنبة أصالة ، ومنفصلة للرفع حتما ونظائرها التى سبقت فى هامش ص 201
5) وهذه الضمائر الاثنا عشر لا تكون بالأصالة إلا مرفوعة. فأما استعمالها غير مرفوعة فإنما هو بالنيابة عن ضمير الجر أو النصب فى بعض أساليب مسموعة يقتصر عليها ،. ومع أنها مسموعة يحسن ترك استعمالها ، لقبح وقعها على السمع فمن النيابة عن ضمير الجر : «ما أنا كأنت» ، «ولا أنت كأنا» والقبح هنا بسبب وقوع الضمير الخاص بالرفع فى محل جر. ومن النيابة عن ضمير النصب وهو شاذ أيضا فولهم : «يا أنت» وللاضطرار لوزن الشعر فى مثل قول الشاعر :
وأما الضمائر التى تختص بمحل النصب فاثنا عشر ضميرا أيضا ، كل منها مبدوء بكلمة : إيّا (1).
فللمتكلم : «إياى» ، وهو الأصل ، وفرعه : «إيانا» للمتكلم المعظّم نفسه ، أو معه غيره.
وللمخاطب المفرد : «إياك» ، وهو الأصل ، وفروعه : «إياك» ، للمخاطبة ، و «إياكما» ، للمثنى المخاطب ، مؤنثا ، أو مذكرا ، و «إياكم» ؛ لجمع الذكور المخاطبين ، و «إياكن» لجمع الإناث المخاطبات.
وللغائب : «إياه» للمفرد الغائب ، وفروعه : «إياها» للمفردة الغائبة ، و «إياهما» للمثنى الغائب بنوعيه ، و «إياهم» لجمع الذكور الغائبين ، و «إياهن» لجمع الإناث الغائبات.
فللمتكلم اثنان ، وللمخاطب خمسة ، وللغائب خمسة. وليس هناك ضمائر منفصلة تختص بمحل الجر.
هذا وجميع الضمائر المنفصلة تشارك نظائرها المتصلة فى الدلالة على التّكلم ، أو الخطاب ، أو الغيبة ، فلكل ضمير منفصل نظير آخر متصل يماثله فى معناه : فالضمير «أنا» يماثل التاء ، والضمير «نحن» يماثل «نا» ، وهكذا.
وينقسم المستتر إلى قسمين :
أولهما : المستتر وجوبا ، وهو الذى لا يمكن أن يحل محله اسم ظاهر (2)، ولا ضمير منفصل ؛ مثل : إنى أفرح حين نشترك فى عمل نافع. فالفعل المضارع : «أفرح» ، فاعله ضمير مستتر وجوبا ، تقديره : أنا. ولا يمكن أن يخلفه اسم
1) سيجىء الكلام على إعراب «إيا» بملحقاتها المختلفة عند الكلام على كيفية إعراب الضمائر (ص 213 وما بعدها). وهى كثيرة الاستعمال فى أسلوب : «التحذير» بصورة المتعددة التى ستجىء فى بابه الخاص - ج 4 ص 97 م 140، ومن أمثلته : إياك والنميمة ، فإنها تزرع الضغينة - إياك مواقف الاعتذار فإنها مجلبة للذلة ، مضيعة للكرامة ... ويصح : إياك من النميمة - إياك من مواقف الاعتذار ...
2) لا يحل محله اسم ظاهر يرتفع بعامله الذى فى الجملة نفسها قبل أن يحل هذا الاسم الظاهر محل الضمير ؛ فلو قلنا : «نشترك محمد فى عمل نافع» لكان الكلام غير صحيح فى تركيبه ، لأن كلمة : «محمد» لا تقع فاعلا للفعل : «نشترك» ، الذى كان عاملا الرفع فى الضمير السابق «نحن». ولو قلنا : «نشترك» «نحن» ، لكانت : «نحن» هذه توكيدا للضمير المستتر ؛ ولا يصح أن تكون فاعلا مرفوعا بالعامل الموجود ، وهو الفعل «نشترك» فالضمير المستتر وهو «نحن» لم يصلح أن يحل محله اسم ، ظاهر ولا ضمير بارز بحيث يكون كل منهما معمولا للفعل : «نشترك».
ظاهر ولا ضمير منفصل ، إذ لا نقول : أفرح محمد - مثلا - ولا أفرح أنا ، على اعتبار «أنا» فاعلا ، بل يجب اعتبارها توكيدا للفاعل المستتر الذى يشابهها فى اللفظ والمعنى. كذلك الفعل المضارع : «نشترك» فاعله مستتر وجوبا تقديره : «نحن» ولا يمكن أن يحل مكانه اسم ظاهر ولا ضمير منفصل ؛ إذ لا نقول : «نشترك محمد» ولا نقول : «نشترك نحن» على اعتبار كلمة : «نحن» فاعلا ؛ لأنها لو كانت فاعلا لوجب استتارها حتما. ولكنها تعرب توكيدا لضمير مستتر يشابهها فى اللفظ والمعنى.
وثانيهما : المستتر جوازا ، وهو الذى يمكن أن يحل محله الاسم الظاهر أو الضمير البارز ؛ مثل : الطائر تحرّك. النهر يتدفق. فالفاعل فيهما ضمير مستتر جوازا تقديره : هو ، إذ من الممكن أن نقول : الطائر تحرك جناحه ، والنهر يتدفق ماؤه : بإعراب كلمتى «جناح» و «ماء» فاعلا للعامل الموجود وهو : «تحرك» و «يتدفق». ومن الممكن كذلك أن نقول : الطائر ما تحرك إلا هو ، والنهر ما يتدفق إلا هو ... بإعراب الضمير البارز : «هو» فاعلا للعامل الموجود. والمستتر بنوعيه لا يكون إلا مرفوعا متصلا كما سبق.
مواضع الضمير المرفوع المستتر وجوبا. أشهر هذه المواضع تسعة (1)
ومن ضمير الرفع ما يستتر *** كافعل ، أوافق ، نغتبط ، إذ تشكر
ويقول فى الضمير البارز المنفصل المرفوع المحل (وهو الذى يقابل السابق) :
وذو ارتفاع وانفصال : «أنا» ، «هو» *** «وأنت» ... والفروع لا تشتبه
أى لا تشتبه بغيرها بحيث يصعب تمييز بعضها من بعض. ويقول فى الضمير البارز المنفصل المنصوب المحل :
وذو انتصاب فى انفصال جعلا : *** «إياى» ، والتّفريع ليس مشكلا
أى : جعل الضمير «إياى» مثالا للضمير السالف ، وهو للمتكلم ، أما باقى فروعه الخمسة فمعرفتها سهلة وليست أمرا مشكلا.
:1 - أن يكون فاعلا لفعل الأمر المخاطب به الواحد المذكر ، مثل : أسرع لإنقاذ الصارخ ، وبادر إليه. بخلاف الأمر المخاطب به الواحدة ، نحو : قومى ، أو للمثنى ؛ نحو : قوما ، أو الجمع ، نحو : قوموا ، وقمن. فإن هذه الضمائر تعرب .
1) سرد ابن مالك من هذه المواضع أربعة فى قوله :
فاعلا أيضا ، ولكنها ضمائر بارزة.
2 - أن يكون فاعلا للفعل المضارع المبدوء بتاء الخطاب للواحد ؛ مثل : يا بنىّ ، أتعرف متى تتكلم ومتى تسكت؟ بخلاف المبدوء بتاء الخطاب للواحدة ؛ مثل : تتعلمين يا زميلة ، أو للمثنى بنوعيه ، مثل : أنتما تتعلمان ، أو للجمع بنوعيه مثل : أنتم تتعلمون وأنتن تتعلمن ؛ فإن هذه ضمائر رفع بارزة ، وبخلاف المبدوء بتاء الغائبة ، فإنه مستتر جوازا ؛ مثل : الأخت تقرأ (1).
3 - أن يكون فاعلا للفعل المضارع المبدوء بهمزة المتكلم ؛ مثل : أحسن اختيار الوقت الذى أعمل فيه ، وقول الشاعر :
لا أذود الطير عن شجر *** قد بلوت المرّ من ثمره
4 - أن يكون فاعلا للفعل المضارع المبدوء بالنون ؛ مثل نحب الخير ، ونكره الأذى.
5 - أن يكون فاعلا للأفعال الماضية التى تفيد الاستثناء ؛ مثل : خلا - عدا - حاشا. تقول : حضر السياح خلا واحدا - أو : عدا واحدا - أو : حاشا واحدا. ففاعل خلا وعدا وحاشا ضمير مستتر وجوبا تقديره : هو (2)...
6 - أن يكون اسما مرفوعا لأدوات الاستثناء الناسخة ؛ (وهى : ليس ، ولا يكون) تقول : انقضى الأسبوع ليس يوما. انقضى العام لا يكون شهرا. فكلمة «يوما» و «شهرا» خبر للناسخ ، وهى المستثنى أيضا. أما اسم الناسخ فضمير مستتر وجوبا تقديره : هو.
7 - أن يكون فاعلا لفعل التعجب الماضى ؛ وهو : «أفعل» ؛ مثل : ما أحسن
1) إذا كان المضارع مبدوءا بتاء المخاطبة للمفردة ، أو لمثناها ، أو جمعها فليست تاؤه للتأنيث وإنما هى علامة الخطاب المحض ، لوجود ما يدل على التأنيث ، وهو الضمير المتصل بالفعل. ومن الأمثلة أيضا : أنت يا زميلتى لا تعرفين العبث - أنتما يا زميلتىّ لا تعرفان العبث - أنتن يا زميلاتى لا تعرفن العبث. بخلاف التاء التى فى أول المضارع الذى يكون فاعله اسما ظاهرا ، مؤنثا ، للمفردة ، أو لمثناها ، أو جمعها ، نحو : تتعلم عائشة - تتعلم العائشتان - تتعلم العائشات. وكذلك إن كان فاعله ضميرا متصلا للغائبة المفردة ، أو لمثناها ؛ مثل : عائشة تتعلم - العائشتان تتعلمان. فإن كان فاعله ضميرا متصلا لجمع الغائبات (أى : نون النسوة) فالأحسن - وليس بالواجب - تصديره بالياء لا بالتاء ؛ استغناء بنون النسوة فى آخره ؛ نحو الوالدات يبذلن الطاقة فى حماية الأولاد .. وسيجىء البيان فى ج 2 ص 65 م 66 ونائب الفاعل.
2) يعود على بعض مفهوم من الكلام السابق ؛ أى : خلا هو ، أى : بعضهم. وسيجىء إيضاح هذا ، وبسط القول فى المراد منه عند الكلام عليه فى باب الاستثناء (ج 2).
الشجاعة. «فأحسن» فعل ماض للتعجب ، وفاعله ضمير مستتر وجوبا تقديره ؛ هو. «يعود على : ما».
8 - أن يكون فاعلا لاسم فعل مضارع ، أو اسم فعل أمر ، مثل : أفّ من الكذب ، (بمعنى : أتضجر جدا). وآمين. (بمعنى : استجب.)
9 - أو فاعلا للمصدر النائب عن فعله الأمر ؛ مثل ؛ قياما للزائر. فقياما : مصدر ، وفاعله مستتر وجوبا ، تقديره : «أنت» ؛ لأنه بمعنى : قم.
فهذه تسعة مواضع (1)، هى أشهر المواضع التى يستتر فيها الضمير وجوبا ، ولا يكون إلا مرفوعا متصلا - كما أشرنا من قبل. - أما الضمير المستتر فى غير تلك المواضع فاستتاره جائز ، لا واجب.
1) يزيد عليها بعض النحاة : فاعل «نعم» و «بئس» وأخواتهما إذا كان ضميرا مفسرا بنكرة ، مثل : نعم رجلا عمر. ففاعل نعم ضمير مستتر تقديره : هو ، تفسره النكرة التى تعرب بعده تمييزا ، وهى هنا : «رجلا». لكن المعروف أن «نعم» و «بئس» وأخواتهما قد يبرز فاعلهما الضمير أحيانا ؛ مثل : نعمّا رجلين حامد وصالح ، ونعمّوا رجالا ؛ صالح ، وحامد ، وعلى. وقد يبرز وتجره الباء الزائدة نادرا - فلا يقاس عليه - ؛ مثل نعم بهم رجالا. فإن لاحظنا أن هذا الضمير قد يبرز فى بعض الأحيان لم يكن من النوع المستتر وجوبا. وإن لاحظنا أن بروزه قليل أو نادر أمكن الإغضاء عن هذا وعددناه من المستتر وجوبا. ولكن الأول أحسن.
(ا) يعرب الضمير المرفوع المستتر جوازا إمّا فاعلا إذا كان فعله لغائب أو غائبة ؛ كالأمثلة السابقة ، وإما فاعلا لاسم فعل ماض ؛ مثل : البحر هيهات. بمعنى : بعد جدّا ، أى : هو.
ومن أمثلة ذلك أيضا : شتان الصحة والضعف ، بمعنى : افترق الحال بينهما جدّا. فالصحة فاعل. وتقول الصحة والضعف شتان. أى : هما ، فالفاعل ضمير ، تقديره : هما. وتقول هيهات البحر هيهات. وشتان الصحة والضعف شتان. ففاعل «هيهات» الثانية ضمير مستتر جوازا تقديره : «هو» يعود على البحر ، بشرط أن تكون الجملة المكونة من : «هيهات» الثانية وفاعلها توكيدا للجملة التى قبلها ، فيكون الكلام من توكيد الجمل بعضها ببعض. أما لو جعلنا لفظة : «هيهات» الثانية وحدها توكيدا للأولى فإنها لا تحتاج إلى الفاعل (1)، ويكون الكلام من نوع توكيد اسم الفعل وحده بنظيره. واسم الفعل ؛ كالفعل إذا وقع أحدهما - وحده بدون فاعل - توكيدا لفظيّا فإنه لا يحتاج لفاعل (2)، وكذلك يقال فى : «شتان» فى الحالتين.
(ب) وإما مرفوعا لأحد المشتقات المحضة : (كاسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشبهة ، نحو : على نافع ، أو مكرم ، أو فرح) ؛ ففى كل واحدة من هذه الصفات المشتقة ضمير مستتر جوازا ، تقديره : «هو» (3)ويكون الضمير المرفوع بها فاعلا ، إلا مع اسم المفعول ، فيكون نائب فاعل.
أما المشتقات غير المحضة (وهى التى غلبت عليها الاسمية المجردة من الوصف بأن صارت اسما خالصا لشىء) فإنها لا تتحمل ضميرا ؛ كالأبطح ، والأجرع أسماء أماكن ، ومثلهما : الأبيض ، والأرحب ، والمسعود ، والعالى ، أسماء قصور ، والمفتاح ، والملعقة ، والملعب ...
ومن المشتقات المحضة : «أفعل التفضيل» (4). والغالب فيه أنه يرفع الضمير
المستتر ، ولا يرفع الظاهر - قياسا - إلا فى المسألة التى يسميها النحاة مسألة : «الكحل» وقد يرفعه نادرا - لا يقاس عليه - فى مثل : مررت برجل أفضل منه أبوه باعراب كلمة : «أبو» فاعلا (1). وكذلك يرفع الضمير البارز نادرا فى لغة من يقول : مررت برجل أفضل منه أنت ، بإعراب «أنت» فاعلا ، حملا لها على الفاعل الظاهر فى مسألة «الكحل». ولو أعرب «أنت» مبتدأ ، خبره : أفضل ، لجاز ولم يكن أفعل التفضيل رافعا للضمير.
بناء على ما تقدم لو لاحظنا أنه لا يرفع الظاهر إلا قليلا ولا الضمير البارز إلا نادرا فإن الضمير المستتر فيه يكون من نوع المستتر وجوبا مع الإغضاء عن تلك القلة والندرة ، وإن لاحظنا الواقع من غير نظر للقلة والندرة قلنا : إنه مستتر جوازا.
تلخيص ما سبق من أنواع الضمائر :
(ا) ينقسم الضمير باعتبار مدلوله إلى ثلاثة أقسام : متكلم ، ومخاطب وغائب.
(ب) ينقسم الضمير باعتبار ظهوره فى الكلام وعدم ظهوره إلى قسمين بارز ، ومستتر.
ينقسم الضمير البارز إلى قسمين : منفصل. ومتصل.
1 - بارز منفصل فى محل رفع ، وهو : اثنا عشر ضميرا ، للمتكلم اثنان ، هما : «أنا» وفرعه «نحن». وللمخاطب : «أنت» وفروعه الأربعة. وللغائب : «هو» وفروعه الأربعة.
2 - بارز منفصل فى محل نصب ، وهو اثنا عشر ضميرا ؛ للمتكلم اثنان «إياى» وفرعه «إيانا». وللمخاطب «إياك» وفروعه الأربعة. وللغائب «إياه» وفروعه الأربعة.
ولا يوجد ضمير بارز منفصل فى محل جر.
(ب) ينقسم الضمير البارز المتصل باعتبار محله الإعرابى إلى ما يأتى :
1 - بارز متصل فى محل رفع ؛ وهو خمسة : التاء المتحركة - ألف الاثنين -
1) أما بإعراب آخر صحيح فلا يكون نادرا.
واو الجماعة - ياء المخاطبة - نون النسوة.
2 - بارز متصل صالح لأن يكون فى محل نصب حينا ، وفى محل جر حينا آخر ، وهو ثلاثة : ياء المتكلم ، والكاف ، والهاء.
3 - بارز متصل ، صالح لأن يكون فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، هو : «نا».
ولا يوجد ضمير بارز متصل فى محل نصب فقط ، أو فى محل جر فقط.
(ا) مستتر وجوبا وله جملة مواضع ، أشهرها : تسعة (1).
(ب) مستتر جوازا وله مواضع غير السالفة.
ويتضمن الرسم الآتى كل ما سبق.
الصورة
تقسيم آخر للضمير بحسب محله الإعرابى :
ينقسم إلى خمسة أقسام. 1 - مرفوع متصل. 2 - مرفوع منفصل.
3 - منصوب متصل. 4 - منصوب منفصل. 5 - مجرور ، ولا يكون إلا متصلا.
1) سبقت فى ص 206.
الضمير المفرد (1)، والضمير المركب
الغرض من الضمير - كما عرفنا - الدلالة على المتكلم ، أو المخاطب ، أو الغائب ، مع الدلالة على الإفراد ، أو التثنية ، أو الجمع ، والتذكير ، أو التأنيث فى كل حالة.
غير أن بعض الضمائر يقوم بهذه الدلالة مستقلا بنفسه ، معتمدا على تكوينه وصيغته الخاصة به ، غير محتاج إلى زيادة تلازم آخره ، لتساعده فى أداء مهمته ، فصيغته مفردة (بسيطة) وذلك كالياء ، والتاء ، والهاء ، فى نحو : إنى أكرمت من أكرمت. فالياء وحدها تدل على المتكلم المفرد ، وكذلك التاء فى : «أكرمت» الأولى. أما التاء الثانية فتدل على المخاطب المفرد ، المذكر أو المؤنث على حسب ضبطها ، وأما الهاء فتدل على المفرد المذكر الغائب.
فكل ضمير من الثلاثة - وأشباهها - كلمة واحدة ، انفردت بتحقيق الغرض منها ، وهو التكلم ، أو الخطاب ، أو الغيبة ، مع التذكير أو التأنيث ، ومع الإفراد ، دون الاستعانة بلفظ يلازم آخرها.
ومثلها : «نحن» فى : نحن نسارع للخيرات - فإنها لفظة واحدة فى تكوينها ، وصيغة مستقلة بنفسها فى أداء الغرض منها ؛ وهو : «التكلم مع الدلالة على الجمع ، أو على تعظيم المفرد ، ولم يتصل آخرها اتصالا مباشرا بما يساعدها على ذلك الغرض.
وبعضا آخر من الضمائر يقوم بتلك الدلالة ؛ ولكن من غير أن يستقل بنفسه فى أدائها ، بل يحتاج لزيادة لازمة تتصل بآخره : لتساعده على أداء المراد ؛ فصيغته مركبة ، وتكوينه ليس مقصورا على كلمة واحدة. وذلك مثل الضمير : «إيا» فإنه لا يدل على شىء مما سبق إلا بعد أن تلحقه زيادة فى آخره ؛ تقول : ياى - إياك - إياكما - إياكم - إياكن ... ولو لا هذه الزيادة ما أدى مهمته ، ومثله : أنت ، نقول : أنتما ، أنتم ، أنتن ... وهكذا.
1) أى : أنه كلمة واحدة ، وليس كلمتين أو أكثر. ويسمونه : «البسيط».
قلنا : إن الضمائر كلها مبنية ؛ فعند إعرابها لا بد أن نلاحظ أمرين :
أولهما : موقع الضمير من الجملة ، أهو فى محل رفع ؛ كأن يكون مبتدأ فى مثل : أنت أمين ، أم فى محل نصب ، كأن يكون مفعولا به فى مثل : زارك الصديق ، أم فى محل جر ؛ كأن يكون مضافا إليه فى مثل : كتابى مثل كتابك؟
ثانيهما : حالة آخر الضمير ؛ أساكنة هى ؛ مثل : أنا ، أم متحركة مثل : التاء فى : أحسنت؟.
فإذا عرفنا هذين الأمرين أمكن إعراب الضمير بعد ذلك ؛ فإذا كان الضمير مبنيّا على السكون فقد يكون فى محل رفع ؛ لأنه مبتدأ فى مثل : أنا مسافر ، أو لأنه فاعل فى مثل : «نا» من «سافرنا» وقد يكون فى محل نصب ؛ لأنه مفعول به. مثل : «نا» فى حامد «أكرمنا». وقد يكون فى محل جر فى مثل : «نا» من أقبل علينا ... وهكذا باقى مواضع الرفع ، والنصب ، والجر.
وإذا كان الضمير متحركا فإنه يبنى على نوع حركة آخره ؛ فيبنى على الضم ، أو الفتح ، أو الكسر ، على حسب تلك الحركة. ويكون معها فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب موقعه من الجملة - كما سبق - ، أهو مبتدأ ، أم فاعل ، أم مفعول ، أم مضاف إليه ، أم غير ذلك ، فكلمة : «نحن» فى مثل : نحن أصدقاء ، مبنية على الضم فى محل رفع ؛ لأنها مبتدأ. والكاف فى مثل : أكرمك الوالد ، مبنية على الفتح فى محل نصب ، لأنها مفعول به. والهاء فى مثل : محمد قصدت إليه ؛ مبنية على الكسر فى محل جر ... وهكذا يقال فى كل ضمير يتكون من لفظة واحدة لا يتصل بآخرها زيادة ، كالتى أشرنا إليها من قبل.
فإن كان الضمير غير مقتصر على نفسه بل فى آخره تلك الزيادة (1)اللّازمة مثل : (إياك - إياكما - إياكم - إياكن - أنت - أنتما - أنتم - أنتن) فإن
1) هى الزيادة التى تتصل بآخر الضمير : «إيا». وسبق بيانها فى ص 1. ومثلها الزيادة التى تتصل بآخر الضمير : «التاء» ، وسبق بيانها فى رقم 3 من هامش ص 199.
الأنسب اليوم إدماج الضمير والزيادة الحتمية معا عند الإعراب ، وعدّهما بمنزلة كلمة واحدة ، بحيث لا نعتبر أن الضمير فى «إياكما» و «أنتما» هو كلمة : «إيا» وحدها ، «وأن» وحدها .... وأن الكاف ، أو التاء ، حرف خطاب مبنى على الفتح لا محل له من الإعراب ، وما بعدها حرف دال على التثنية ، أو على جمع المذكر ، أو جمع المؤنث. فمن المستحسن رفض هذا التجزىء رفضا قاطعا ، وأن نتبع النحاة الداعين إلى اعتبار كلمة : «إيا» مع ما يصحبها لزوما هما معا : «الضمير» ، وأنهما فى الإعراب كلمة واحدة. وكذلك : «أنتما» وباقى الفروع. وهذا الرأى الحسن يناسبنا اليوم ؛ لما فيه من تيسير وتخفيف ، واختصار ، وليس فيه ما يسىء إلى سلامة اللغة وفصاحتها ؛ فنقول فى كل من : أنت - أنتما - أنتم - أنتن - إياك - إياكما - إياكم - إياكنّ ، ونظائرها - إن الكلمة كلها بملحقاتها ضمير مبنى على كذا فى محل كذا (1).
1) لهذا نظير فى رقم 1 من هامش ص 201.
قد يتعين أن تكون «الكاف» حرف خطاب مبنيّا ؛ فلا محل له من الإعراب (1).
أى : أنها لا تكون ضميرا. وذلك فيما يأتى :
(1) فى مثل : أرأيتك الحديقة ، هل طاب ثمرها مبكرا؟ أرأيتك الزراعة ؛ أتغنى عن الصناعة؟ ومعنى «أرأيتك» : أخبرنى ، الحديقة ... أخبرنى الزراعة ... وإليك الإيضاح :
كاف الخطاب الحرفية قد تتصل بآخر الفعل : «رأى» فيصير «رأيت» بشرط أن تسبقه همزة الاستفهام ، وأن يجىء بعد الكاف اسم منصوب ، ثم جملة استفهامية. وهو فعل ماض ، فاعله التاء المتصلة بآخره ، المبنية على الفتح دائما (2)، فى محل رفع. لأنها فاعل. وتقع بعدها «الكاف» حرف خطاب ؛ يتصرف وجوبا على حسب المخاطبين (3)، ولا تتصرف التاء ... فنقول للمخاطبة : أرأيتك ، وللمثنى بنوعيه : أرأيتكما» ، وللجمع المذكر : أرأيتكم ، وللجمع المؤنث : أرأيتكن. ومعنى «أرأيتك : أخبرنى» ، كما سبق. وهى إما منقولة من : رأيت ، بمعنى : «عرفت» أو بمعنى : أبصرت ، فتحتاج لمفعول واحد فى الحالتين ، وإما منقولة من : «رأيت» بمعنى : علمت ؛ فتحتاج إلى مفعولين. وسواء أكانت منقولة من هذه أم من تلك فإنها فى أصلها جملة خبرية بمعنى ما تقدم ، ثم صارت بعد النقل وبعد أن لازمتها همزة الاستفهام جملة إنشائية. طلبية ، لها معنى جديد ؛ هو ؛ أخبرنى ، أى : طلب الاستخبار ، وهو : طلب معرفة الخبر. وعلى أساس هذين الاعتبارين يكون إعراب ما يأتى بعدها ؛ فإن لاحظنا أن أصلها : عرفت ، أو أبصرت - كان الاسم المنصوب بعدها مفعولا به لها ، وتكون الجملة الاستفهامية بعدها مستأنفة. وعلى اعتبار أن أصلها : «علمت» يكون ذلك الاسم المنصوب بعدها مفعولا به أول ، وتكون جملة الاستفهام التى بعده فى محل نصب ، تغنى عن المفعول الثانى. وإن لاحظنا حالتها الحاضرة ، وأنها الآن جملة إنشائية طلبية ؛ بمعنى «أخبرنى» ،
ولم نلتفت إلى الأصل الأول - فإن الاسم المنصوب بعدها يكون منصوبا على نزع الخافض (1)، والجملة الاستفهامية بعده مستأنفة ؛ فكأنك تقول فى الأمثلة السابقة وأشباهها : أخبرنى عن الحديقة ؛ هل طاب ثمرها مبكرا؟ أخبرنى عن الزراعة ؛ أتغنى عن الصناعة؟
وجدير بالتنويه أن الاستعمال السابق لا يكون إلا حين نطلب معرفة شىء له حالة عجيبة ؛ وأن يكون بالصورة المنقولة عن فصحاء العرب ؛ فيبدأ الأسلوب - كما قلنا - بهمزة الاستفهام ؛ يتلوها جملة : «رأيتك» ؛ فاسم منصوب ؛ فجملة استفهامية تبين الحالة العجيبة التى هى موضع الاستخبار. فلا بد أن يشتمل الأسلوب على هذه الأمور الأربعة ، مرتبة على حسب ما ذكرنا. غير أن الاستفهام فى الجملة المتأخرة قد يكون ظاهرا كما مثل ؛ وقد يكون مقدرا هو وجملته ؛ كما فى قوله تعالى : ( أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ، لَئِنْ أَخَّرْتَنِ ... ) إلخ ، فالتقدير : «أرأيتك هذا الذى كرمت علىّ ، لم كرمته على؟.
وقد يحذف الاسم المنصوب الذى بعد : «أرأيتك» إذا كان مفهوما ، نحو قوله تعالى : ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللّهِ ) أى : قل أرأيتكم المعارضين إن أتاكم عذاب اللّه.
هذا إن قصد الاستخبار والتعجب - أما إن بقى الفعل «رأى» من «رأيت» على أصله اللغوى الأول بمعنى : «عرفت» أو بمعنى : «أبصرت» أو بمعنى : «علمت» وجاءت قبله همزة الاستفهام فى الحالتين فإن التاء اللاحقة به تتصرف ، وتعرب فاعلا ، وتعرب الكاف المتصلة به ضميرا مفعولا به ، وتتصرف على حسب حال المخاطب ؛ فتقول : «أرأيتك ذاهبا ، أرأيتك ذاهبة» أرأيتكما ذاهبين ، أرأيتكم ذاهبين ، أرأيتكن ذاهبات - فتكون «الكاف» وحدها ، أو هى وما اتصلت به من علامة تثنية أو جمع - ضميرا مفعولا به أول ، والاسم المنصوب بعد ذلك هو المفعول الثانى. هذا إذا كانت. «رأى» بمعنى : «علم» التى تنصب مفعولين. أما إذا كانت «رأى» تنصب مفعولا واحدا فالضمير هو مفعولها ، والاسم المنصوب بعده حال.
1) توضيحه وبيان حكمه فى ج 2 ص 133 م 71 (طريقة تعدية الفعل الثلاثى اللازم).
وسيجىء فى أول الجزء الثانى (1)تفصيل الكلام على الفعل : «رأى» من ناحية معناه وتعديته إلى مفعول أو أكثر.
2 - فى اسم الفعل الذى يقوم معنى وعملا مقام فعل لا ينصب مفعولا به ، مثل : حيّهل ؛ بمعنى : أقبل. والنّجاء. بمعنى : أسرع ، ورويد ، بمعنى تمهل ... ؛ فقد ورد عن العرب قولهم : حيّهلك ، والنّجاءك ، ورويدك ، فالكاف هنا حرف خطاب ؛ ولا يصح أن يكون ضميرا مفعولا لاسم الفعل ؛ لأن أسماء الأفعال هذه لا تنصب مفعولا به ؛ لأنها تقوم معنى وعملا مقام أفعال لا تنصب مفعولا به. وكذلك لا يصح أن تكون الكاف ضميرا فى محل جر مضافا إليه ؛ لأن أسماء الأفعال مبنية ، فلا يكون واحد منها مضافا (2).
3 - فى بعض أفعال مسموعة عن العرب يجب الاقتصار عليها ؛ مثل : «أبصر» فى : أبنصرك محمدا ، بمعنى : أبصر محمدا. ولا يمكن أن تكون الكاف هنا مفعولا به ؛ لأن هذا الفعل لا ينصب إلّا مفعولا واحدا ؛ وقد نصبه ؛ ونعنى به : «محمدا» ولأن فعل الأمر لا ينصب ضميرا للمخاطب الذى يتجه إليه الأمر. ومثل : «ليس» فى لستك محمدا مسافرا.
ومثل : نعم وبئس فى : نعمك الرجل محمود ، وبئسك الرجل سليم ؛ وذلك لأن الفعل : «نعم» «وبئس» لا ينصب مفعولا به.
ومثل : حسب فى قولهم : جئت ، وما حسبتك أن تجىء ؛ لأن الكاف لو أعربت ضميرا لكانت المفعول الأول «لحسب» ، ولكان المفعول الثانى هو المصدر المؤول (أن تجىء) ويترتب على ذلك أن يكون المصدر المؤول خبرا عن الكاف ، باعتبار أن أصلهما المبتدأ والخبر (لأن مفعولى : حسب ؛ أصلهما المبتدأ والخبر) وإذا وقع المصدر المؤول هنا خبرا عن الكاف ترتب عليه الإخبار بالمعنى عن الجثة ؛ وهو ممنوع عندهم فى أغلب الحالات(3).
4 - بعض حروف مسموعة يجب الاقتصار عليها ؛ مثل : كلّا ، بلى ، تقول : كلّاك ، أنت لا تخالف الوعد؟. ويسألك سائل : ألست صاحب فضل
عليك؟ فتجيب : بلاك. أى : بلى لك. (أنا موافق لك فى أنك صاحب فضل).
(ب) كيف نعرب الضمير الواقع بعد : «لو لا» إذا كان من غير ضمائر الرفع؟ وكيف نعرب الضمير الواقع بعد : «عسى» إذا كان من فير ضمائر الرفع أيضا؟ أشرنا فى رقم 2 من ص 211 إلى أن «ياء» المتكلم ، و «كاف» الخطاب ، و «هاء» الغالب ، ضمائر مشتركة بين محلى النصب والجر ، ولا تكون فى محل رفع. فما إعراب كل منها إذا وقع بعد كلمة : «لو لا» الامتناعية التى لا يقع بعدها إلا المبتدأ ؛ مثل : لولاى ما حضرت - لولاك لسافرت. -. الطائرة سريعة ؛ لولاها لتأخرت ، وفضل الطيران عظيم ؛ لولاه لاحتملنا مشقات عظيمة ... فما إعراب هذا الضمير الواقع بعد : «لو لا» فى الأمثلة السابقة وأشباهها؟
نعيد ما سبق (1)، وهو أن أيسر وأوضح ما يقال فى الضمائر الثلاثة أنها - وإن كانت لا تقع فى محل رفع - تصلح بعد «لو لا» خاصة أن تقع فى محل رفع ، فيعرب كل ضمير منها مبتدأ مبنيّا على الحركة التى فى آخره فى محل رفع ، وخبره محذوف. وهذا الرأى فوق يسره ووضوحه يؤدى إلى النتيجة التى ترمى إليها الآراء الأخرى ، من غير تعقيد - وفى مقدمتها رأى : سيبويه الذى يجعل : «لو لا» فى هذه الأمثلة وأشباهها حرف جر شبيه بالزائد ، وما بعدها مجرور بها لفظا مرفوع محلا ؛ لأنه مبتدأ ، ونكتقى بالإشارة إلى تعدد الآراء من غير تعرض لتفاصيلها المرهقة المدونة فى المطولات. وكذلك قلنا فيما مضى (2): إذا وقع ضمير من تلك الثلاثة بعد «عسى» التى للرجاء ، والتى هى من أخوات كان ، ترفع الاسم وتنصب الخبر ، نحو : عساى أن أدرك المراد ، أو : عسانى ، أو : عساك أن توفق فى عمل الخير. وعساه أن يرشد إلى الصواب ... فخير ما يقال فى إعرابها : أن «عسى» حرف رجاء ؛ بمعنى : «لعل» تنصب الاسم وترفع الخبر ، وليست فعلا من أخوات كان. وهذا أيسر وأوضح من باقى الآراء الأخرى الملتوية.
ح - ضمير الفصل :
من أنواع الضمير نوع يسمى : «ضمير الفصل» (1). وهو من الضمائر السابقة ، ولكن له أحكام خاصة ينفرد بها دون سواه. وإليك أمثلة توضحه.
1 - «الشجاع الناطق بالحق يبغى رضا اللّه». ما المعنى الأساسى الذى نريده من هذا الكلام ، بحيث لا يمكن الاستغناء عنه؟ أهو : الشجاع يبغى رضا اللّه؟ فتكون جملة : «يبغى رضا اللّه» ركنا أساسيّا فى الكلام ؛ لأنها خبر ، لا يتحقق المعنى الأصلى إلا بوجودها ، وانضمامها إلى المبتدأ ، كلمة : «الشجاع» وما عداهما فليس أساسيّا ، وإنما هو زيادة تخدم المعنى الأصلى وتكمله (فتعرب الناطق : صفة) ... أم المعنى الأساسى هو : «الشجاع ، الناطق الحق»؟ فكأننا نتحدث عن الشجاع ونعرفه بأنه : الناطق بالحق ؛ فتكون كلمة : «الناطق» ، هى الأساسية والضرورية التى يتوقف عليها المعنى المطلوب ، لأنها خبر لا يستقيم المعنى الأصلى ولا يتمّ بدونه ، وما جاء بعدها فهو زيادة تكميلية ؛ تخدم المعنى الأصلى من غير أن يتوقف وجوده عليها ، ومن الممكن الاستغناء عنها.
الأمران جائزان ، على الرغم من الفارق المعنوى بينهما. ولا سبيل لتفضيل أحدهما على الآخر ؛ لعدم وجود قرينة توجه لهذا دون ذاك.
لكن إذا قلنا : الشجاع - هو - الناطق بالحق ، يبغى رضا اللّه. فإن الأمر يتغير ؛ بسبب وجود الضمير : «هو» : فيتعين المعنى الثانى وحده ، ويمتنع الأول ، ويزول الاحتمال الذى كان قائما قبل مجىء الضمير.
2 - «إن الزعيم الذى ترفعه أعماله تمجده أمته». ما المعنى الأساسى فى هذا الكلام؟ أهو تعريف الزعيم بأنه : «الذى ترفعه أعماله»؟ فيكون هذا التعريف ركنا أصيلا فى الكلام ، لا يمكن الاستغناء عنه بحال ، وما بعده متمم له ، وزيادة طارئة عليه ، يمكن الاستغناء عنها ، وتعرب «الذى» اسم موصول خبر «إن» ... أم هو القول بأن : «الزعيم تمجده أمته»؟ فتكون هذه الجملة الفعلية هى عصب الكلام ، لا يقوم المعنى إلا بها ، «لأنها خبر» ولا يتحقق المراد إلا بوجودها مع كلمة الزعيم ، وما عداها فزيادة طارئة لا أصيلة (وتعرب كلمة : «الذى» اسم موصول ، صفة)؟
1) أو : ضمير العماد ؛ كما سيجى فى ص 221.
الأمران متساويان ؛ يصح الأخذ بأحدهما أو بالآخر بغير ترجيح. لكن إذا قلنا : «إن الزعيم - هو - الذى ترفعه أعماله» امتنع الاحتمال الثانى ، وتعين المعنى الأول بسبب وجود الضمير الدال على أن ما بعده هو الجزء الأساسى المتمم للكلام ، وأن الغرض الأهم هو الإخبار عن الزعيم بأنه : ترفعه أعماله. وما عدا ذلك فزيادة فرعية غير أصيلة فى تأدية المراد. (فتكون كلمة : «الذى» هى الخبر وليست صفة).
3 - «ليس المحسن المنافق بإحسانه ، يخفى أمره على الناس». فما المعنى الأصيل فى هذا الكلام؟ أهو القول أن المحسن لا يخفى أمره على الناس فيكون نفى «الخفاء» هو الغرض الأساسى ، وما عداه زيادة عرضية (وتعرب كلمة : «المنافق» صفة)؟
أم القول بأنه : (ليس المحسن ، المنافق بإحسانه)؟ فمن كان منافقا بإحسانه فلن يسمى : محسنا. فقد نفينا صفة الإحسان عن المنافقين ، فتكون كلمة «المنافق» جزءا أصيلا فى تأدية المعنى ؛ (لأنها خبر ليس) وما عداها تكملة طارئة.
الأمران جائزان ، إلا إذا قلنا ليس المحسن - هو - المنافق ؛ فيتعين المعنى الثانى وحده لوجود الضمير : «هو» ، القاطع فى أن ما بعده هو الأصيل وهو الأساسى ؛ لأنه خبر.
4 - يقول النحاة فى تعريف الكلام : «الكلام اللفظ المركب المفيد ...» أتكون كلمة : «اللفظ» أساسية فى المعنى المراد ؛ لأنها خبر ، أم غير أساسية ؛ لأنها بدل من الكلام ، وما بعدها هو الأساسى؟ الأمران متساويان. فإذا أتينا بكلمة - هو - تعين أن تكون كلمة «اللفظ» خبرا لا بدلا.
فالضمير - هو - وأشباهه يسمى : «ضمير الفصل» ؛ لأنه يفصل فى الأمر حين الشك ؛ فيرفع الإبهام ، ويزيل اللبس ؛ بسبب دلالته على أن الاسم بعده خبر لما قبله ؛ من مبتدأ ، أو ما أصله المبتدأ ، وليس صفة ، ولا بدلا ، ولا غيرهما من التوابع والمكملات التى ليست أصيلة فى المعنى الأساسى ، كما يدل على أن الاسم السابق مستغن عنها ، لا عن الخبر. وفوق ذلك كله يفيد فى الكلام معنى الحصر والتخصيص (أى : القصر المعروف فى البلاغة).
تلك هى مهمة ضمير الفصل - لكنه قد يقع أحيانا بين مالا يحتمل شكّا
ولا لبسا ؛ فيكون الغرض منه مجرد تقوية الاسم السابق ، وتأكيد معناه بالحصر. والغالب أن يكون ذلك الاسم السابق ضميرا ؛ كقوله تعالى : ( وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ) وقوله : ( كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) ، وقوله : ( إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ ... ) ففى المثال الأول قد توسط ضمير الفصل (نحن) بين كلمتى «نا» و «الوارثين» ، مع أن كلمة : «الوارثين» خبر كان منصوبة بالياء ولا يصح أن تكون صفة ، إذ لا يوجد موصوف غير «نا» التى هى ضمير ، والضمير لا يوصف. وفى المثال الثانى توسط ضمير الفصل (أنت) بين «التا» و «الرقيب» ، مع أن كلمة : «الرقيب» منصوبة ؛ لأنها خبر «كان» ولا تصح أن تكون صفة للتاء ، لأن الضمير لا يوصف كما قلنا ، وكذلك الشأن فى المثال الثالث الذى توسط فيه ضمير الفصل «أنا» بين «الياء» (1)وكلمة : «أقل» التى هى المفعول الثانى للفعل : «ترى» ولا يصح أن تكون صفة للياء ، لأن الضمير لا يوصف. و. و. وهكذا وقع ضمير الفصل قبل مالا يصلح صفة ، بل قبل مالا يصلح صفة ، ولا تابعا من التوابع أو المكملات.
وإذا كان البصريون يسمونه : «ضمير الفصل» فالكوفيون يسمونه بأسماء أخرى تتردد أحيانا فى كتب النحو : فبعضهم يسميه : «عمادا» ؛ لأنه يعتمد عليه فى الاهتداء إلى الفائدة. وبيان أن الثانى خبر لا تابع. وبعضهم يسميه : «دعامة» ؛ لأنه يدعم الأول ، أى : يؤكده ، ويقويه ؛ بتوضيح المراد منه ، وتخصيصه وتحقيق أمره بتعيين الخبر له ، وإبعاد الصفة ، وباقى التوابع وغيرها ؛ إذ تعيين الخبر يوضح المبتدأ ويبين أمره ، لأن الخبر هو المبتدأ فى المعنى.
يشترط فيه ستة شروط : (اثنان فيه مباشرة. واثنان فى الاسم الذى قبله ، واثنان فى الاسم الذى بعده) فيشترط فيه مباشرة :
(1) أن يكون ضميرا منفصلا مرفوعا.
(2) أن يكون مطابقا للاسم السابق فى المعنى ، وفى التكلم ، والخطاب ،
1) هى محذوفة. والأصل : إن ترنى ...
والغيبة ، وفى الإفراد ، والتثنية والجمع ،. وفى التذكير ، والتأنيث ، كالأمثلة السابقة ، ومثل : «العلم هو الكفيل بالرقى ، يصعد بالفرد إلى أسمى الدرجات. والأخلاق هى الحارسة من الزلل ، تصون المرء من الخطل» - «النّيران هما المضيئان فوق كوكبنا ، يسبحان فى الفضاء» - «العلماء هم الأبطال يحتملون فى سبيل العلم ما لا يحتمله سواهم» - «الأمهات هن البانيات مجد الوطن يقمن الأساس ويرفعن البناء» ... وهكذا. فلا يجوز : كان محمود أنت الكريم ، ولا ظننت محمودا أنت الكريم : لأن الضمير «أنت» ليس معناه معنى الاسم السابق «محمود» ، ولا يدل عليه ؛ فلا يكون فيه التأكيد المقصود من ضمير الفصل ، ولا يحقق الغرض. وكذلك لا يجوز كان المحمودان أنت الكريمان. ولا إن هندا هو المؤدبة ، وأمثال هذا مما لا مطابقة فيه ... ويشترط فى الاسم الذى قبله :
(1) أن يكون معرفة.
(2) وأن يكون مبتدأ ، أو ما أصله المبتدأ ؛ كاسم «كان» وأخواتها ؛ واسم «إن» وأخواتها ، ومعمول «ظننت» وأخواتها. كالأمثلة السابقة ، ومثل : «الوالد هو العامل على خير أسرته يراقبها ، والأم هى الساهرة على رعاية أفرادها لا تغفل» - «كان اللّه هو المنتقم من الطغاة لا يهملهم» - «إن الصناعة هى العماد الأقوى فى العصر الحديث تنمو عندنا» - «وما تفعلوا من خير تجدوه عند اللّه هو خيرا وأعظم أجرا».
وسبب اشتراط هذا الشرط أن اللبس يكثر بين الخبر والصفة ؛ لتشابههما فى المعنى ؛ إذ الخبر صفة فى المعنى - بالرغم من اختلاف كل منهما فى وظيفته وإعرابه ، وأن الخبر أساسى فى الجملة دون الصفة -. فالإتيان بضمير الفصل يزيل اللبس الواقع على الكلمة ، ويجعلها خبرا ، وليست صفة ، لأن الصفة والموصوف لا يفصل بينهما فاصل إلا نادرا. نعم قد يقع اللبس بين الخبر وبعض التوابع الأخرى غير الصفة ، ولكنه قليل ، أما مع الصفة فكثير.
ويشترط فى الاسم الذى بعده :
(1) أن يكون خبرا لمبتدأ ، أو لما أصله مبتدأ.
(2) أن يكون معرفة ، أو ما يقاربها فى التعريف «وهو : : أفعل التفضيل
المجرد من أل والإضافة. وبعده : من» فلا بد أن يتوسط بين معرفتين ، أو بين معرفة وما يقاربها. ومن أمثلة ذلك غير ما تقدم.
(1) العالم هو العامل بعلمه ؛ ينفع نفسه وغيره.
(2) إن الثروة هى المكتسبة بأشرف الوسائل ؛ لا تعرف دنسا ، ولا تقرب خسة.
(3) ما زالت الكرامة هى الواقية من الضعة ، تدفع صاحبها إلى المحامد ، وتجنبه مواقف الذل.
ومن أمثلة توسطه بين معرفة وما يقاربها :
(1) النبيل هو أسرع من غيره لداعى المروءة ، يلبى من يناد.
(2) الشمس هى أكبر من باقى مجموعتها ؛ لا تغيب.
(3) الموت فى الحرب أكرم من الاستسلام ، والاستسلام هو أقبح من الهزيمة ، لا يمحى عاره.
فلا يصح كان رجل هو سباقا ؛ لعدم وجود المعرفتين معا. ولا كان رجل هو السباق ؛ لعدم وجود المعرفة السابقة ؛ ولا كان محمد هو سباقا ؛ لعدم وجود المعرفة الثانية ، أو ما يقاربها.
أما اشتراط أن يكون ما بعده معرفة فلأن لفظ ضمير الفصل لفظ المعرفة ، وفيه تأكيد ؛ فوجب أن يكون المدلول السابق الذى يؤكده هذا الضمير معرفة ، كما أن التأكيد كذلك ، ووجب أن يكون ما بعده معرفة أيضا ؛ لأنه لا يقع بعده - غالبا - إلا ما يصح وقوعه نعتا للاسم السابق. ونعت المعرفة لا يكون إلا معرفة. ولكل ما سبق وجب أن يكون بين معرفتين. أما ما قارب المعرفة - وهو أفعل التفضيل المشار إليه - فإنه يشابه المعرفة فى أنه مع «من» لا يجوز إضافته ، ولا يجوز دخول «أل» عليه ؛ فأشبه العلم من نحو : محمد ، وصالح ، وهند ، فى أنه - فى الغالب - لا يضاف ، ولا تدخل عليه أل. هذا إلى أن وجود (من) بعده يفيده تخصيصا ، ويكسبه شيئا من التعيين والتحديد يقربه من المعرفة. هكذا قالوا ، ولا داعى لشىء من هذا ؛ لأن السبب الحقيقى هو استعمال العرب ليس غير ، ومجىء كلامهم مشتملا على ضمير الفصل بين المعرفة وما شابهها.
انسب الآراء وأيسرها هو الرأى الذى يتضمن الأمرين التاليين :
(1) أنه فى الحقيقة ليس ضميرا «بالرغم من دلالته على التكلم ، أو الخطاب ، أو الغيبة» ؛ وإنما هو حرف خالص الحرفية ؛ لا يعمل شيئا ؛ فهو مثل «كاف» الخطاب فى أسماء الإشارة ، وفى بعض كلمات أخرى ؛ نحو : ذلك ، وتلك ، والنجاءك «وقد سبقت الإشارة إليها فى هذا الباب (1)» فمن الأنسب أيضا تسميته : «حرف الفصل» ، ولا يحسن تسميته «ضمير الفصل» إلا مجازا : بمراعاة شكله ، وصورته الحالية ، وأصله قبل أن يكون لمجرد الفصل.
(2) أن الاسم الذى بعده يعرب على حسب حاجة الجملة قبله ، من غير نظر ولا اعتبار لحرف الفصل الموجود ؛ فيجرى الإعراب على ما قبل حرف الفصل وما بعده من غير التفات إليه ؛ فكأنه غير موجود ؛ لأنه حرف مهمل لا يعمل ، والحرف لا يكون مبتدأ ولا خبرا ، ولا غيرهما من أحوال الأسماء. وإذا كان غير عامل لم يؤثر فى غيره.
لكن هناك حالة واحدة يكون فيها اسما ، ويجب إعرابه وتسميته فيها : ضمير الفصل ؛ وهى نحو : «كان السّباق هو علىّ» (برفع كلمة : السبّاق ، وكلمة : علىّ).
لا مفر من اعتبار : «هو» ضميرا مبتدأ مبنيّا على الفتح فى محل رفع وخبره كلمة : «علىّ» المرفوعة ، والجملة من المبتدأ والخبر فى محل نصب خبر : «كان». وبغير هذا الاعتبار لا نجد خبرا منصوبا لكان. ومثل هذا يقال فى كل جملة أخرى لا يمكن أن يتصل فيها الاسم الثانى بالأول بصلة إعرابية إلا من طريق اعتبار الفاصل بينهما ضميرا مبتدأ على نحو ما تقدم.
وإن اتباع ذلك الرأى الأنسب والأيسر لا يمنع من اتباع غيره -. لكنه يريحنا من تقسيم مرهق ، وتفصيل عنيف يردده أصحاب الآراء ، والجدل ، متمسكين بأنه ضمير ، وأنه اسم إلا فى حالات قليلة ، من غير أن يكون لآرائهم مزية تنفرد بها دون سواها ، وسنعرض بعض تفريعاتهم ليأخذ بها من يشاء ، ولنستعين بها على فهم الأوجه الإعرابية الواردة فى صور قديمة مأثورة مشتملة على ذلك الضمير.
1) فى هامش ص 196 ، و 217
إنهم يقولون إن ضمير الفصل اسم ؛ فلا بد له - كباقى الأسماء - من محل إعرابى ، إلا إذا تعذر الأمر ؛ فيكون اسما لا محل له من الإعراب كالحرف ، أو هو حرف. ويرتبون على هذا الأصل فروعا كثيرة معقدة ، ويزيدها تعقيدا كثرة الخلاف فيها ، وإليك بعض هذه التفريعات. (ونحن فى غنى عن أوضحها وغير الأوضح بما اقترحناه من التيسير المفيد) :
(1) «العقل هو الحارس» : إذا كان الاسم الواقع بعد ضمير الفصل مرفوعا جاز فى الضمير أن يكون مبتدأ خبره الاسم المتأخر عنه : «الحارس» والجملة منهما معا خبر المبتدأ الأول (العقل).
ويجوز عندهم إعراب آخر : أن يكون ضمير الفصل اسما لا محل له من الإعراب - أو حرفا - فكأنه غير موجود فى الكلام ، فيعرب ما بعده على حسب حاجة الجملة من غير اعتبار لوجود ذلك الضمير ؛ فتكون كلمة : «حارس» هنا مرفوعة خبر المبتدأ. وهم يفضلون الإعراب الأول ؛ لكيلا يقع الضمير مهملا لا محل له من الإعراب من غير ضرورة.
ومثل ذلك يقال مع إن وأخواتها ؛ مثل : إن محمدا هو الحارس ، لأن الاسم الذى بعد الضمير مرفوع.
(2) «كان محمد هو الحارس» «ظننت محمدا هو الحارس». إذا وقع ضمير الفصل بعد اسم ظاهر مرفوع ، وبعده اسم منصوب - لم يجز فى الضمير عندهم إلا اعتباره اسما مهملا ، لا محل له من الإعراب ، كالحرف ، أو هو حرف وما بعده خبر كان أو مفعول ثان للفعل : «ظننت» أو أخواتهما. أما إذا كانت كلمة : «الحارس» وأشباههما مرفوعة (لأنه يجوز فيها الرفع) فالضمير عندئذ مبتدا ، وما بعده خبر له ، والجملة منهما فى محل نصب خبر : «كان» ، أو مفعولا ثانيا للفعل : «ظننت» ، أو لأخواتهما (1).
(3) «كنت أنت المخلص». إذا توسط ضمير الفصل بين اسمين ، السابق
1) يقول سيبويه إن كثيرا من العرب يجعلون «هو» وأخواته فى هذا الباب اسما مبتدأ ، وما بعده مبنيا عليه (أى خبره) وحكى عن «رؤبة» أنه كان يقول : أظن زيدا هو خير منك. وحكى أن كثيرا من العرب كانوا يقولون ؛ وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمون. (راجع كتاب سيبويه ، ج 1 ص 395).
منهما ضمير متصل مرفوع ، والمتأخر اسم منصوب - جاز فى ضمير الفصل أن يكون اسما لا محل له من الإعراب ، كالحرف أو هو حرف ، وما بعده يعرب على حسب حاجة ما قبله ، فهو هنا منصوب خبر كان. وجاز فى ضمير الفصل أن يكون توكيدا لفظيّا للتاء (لأن الضمير المنفصل المرفوع يؤكد كل ضمير متصل كما سبق) وتكون كلمة : «المخلص» خبرا لكان منصوبا.
(4) إذا كانت كلمة «المخلص» فى المثال السابق مرفوعة وليست منصوبة وجب فى ضمير الفصل أن يكون مبتدأ خبره كلمة : «المخلص» ، والجملة منهما فى محل نصب خبر «كان». ومثل هذا يقال فى كل ما يشبه الفروع السابقة.
وهناك فروع وأحوال أخرى متعددة ، نكتفى بالإشارة إليها ، إذ لا فائدة من حصرها هنا بعد أن اخترنا رأيا سهلا يريحنا من عنائها. فمن شاء أن يطلع عليها فليرجع إليها فى المطولات (1).
(د) ضمير الشأن ، أو : ضمير القصة ، أو ضمير الأمر ، أو ضمير الحديث ... أو ضمير (2)المجهول ...
من الضمائر نوع آخر له اسم من الأسماء السالفة ، وأحكام محدودة ؛ والاسم أول أشهر فالذى يليه. وبيانه :
العرب الفصحاء - ومن يحاكيهم اليوم - إذا أرادوا أن يذكروا جملة اسمية ، أو فعلية ، تشتمل على معنى هام ، أو غرض فخم ؛ يستحق توجيه الأسماع والنفوس إليه - لم يذكروها مباشرة ، خالية مما يدل على تلك الأهمية والمكانة ؛ وإنما يقدمون لها بضمير يسبقها ؛ ليكون الضمير - بما فيه من إبهام (3)وتركيز ، وبخاصة إذا لم يسبقه مرجعه - مثيرا للشوق ، والتطلع إلى ما يزيل إبهامه ، باعشا للرغبة فيما يبسط تركيزه ؛ فتجىء الجملة بعده ؛ والنفس متشوقة لها ، مقبلة عليها ، فى حرص ورغبة. فتقديم الضمير ليس إلا تمهيدا لهذه الجملة الهامة. لكنه يتضمن معناها تماما ، ومدلوله هو مدلولها ؛ فهو بمثابة رمز لها ، ولمحة أو إشارة موجّهة إليها.
ومن أمثلة ذلك :
1 - أن يتحدث فريق من الأصدقاء عن غنى افتقر ، فيقول أحدهم : وارحمتاه!! لم يبق من ماله شىء ؛ فيقول الثانى : حسبه أن أنفقه فى سبيل الخير. ويقول الثالث : من كان يظن أن هذه القناطير تنفد من غير أن يدخر منها شيئا يصونه من ذل الفاقة ، وجحيم البؤس؟ فيقول الرابع متأوها : يا رفاقى ، «هو : الزمان غدار ، وهى : الأيام خائنة».
فالغرض الذي يرمى إليه الرابع من كلامه : بيان غدر الزمان ، وخيانة الأيام. أو : تقلب الزمان. وهو غرض هام ؛ لما يتضمن من عبرة وموعظة والتماس عذر للصديق. وقد أراد أن يدل على أهميته ، ويوجه النفس إليه ؛ فمهد له بالضمير ؛ «هو» و «هى» من غير أن يسبقه شىء يصلح مرجعا ؛ فيثير الضمير بإبهامه هذا ، وغموضه ، شوق النفس ، وتطلعها إلى ما يجىء بعده. وتتجه بشغف إلى ما سيذكر. ولن يزيل غموض الضمير ويوضح المراد منه إلا الجملة التى بعده ؛ فهى التى تفسره ؛ وتجليه. فهو رمز لها ؛ أو كناية عنها ، وهى المفسرة للرمز ، المبينة لمدلول الكناية.
والرمز ومفسره ، والكناية ومدلولها - من حيث المعنى شىء واحد (ولذلك يعرب الضمير هنا مبتدأ ، وتعرب الجملة خبرا عنه من غير رابط ؛ لا تحادهما فى المعنى). ومثل ما سبق نقول فى بيت الشاعر :
هو : الدّهر ميلاد ، فشغل ، فمأتم *** فذكر كما أبقى الصّدى ذاهب الصوت
2 - أن تسير فى حديقة ، فاتنة ، بهيجة ؛ فتستهويك ؛ فتقول : «إنه - الزهر ساحر» «إنها - الرياحين رائعة» ، أو : «إنه - يسحرنى الزهر» «إنها - تروعنى الرياحين». فقد كان فى نفسك معنى هام ، وخاطر جليل - هو : «سحر الزهر» ، أو : «روعة الرياحين». فأردت التعبير عنه بجملة اسمية أو فعلية ، ولكنك لم تذكر الجملة إلا بعد أن قدمت لها بالضمير (إنه ... إنها ...) لما فى الضمير - ولا سيما الذى لم يسبقه مرجعه - من إبهام وإيحاء مركزين ؛ يثيران فى النفس شوقا وتطلعا إلى استيضاح المبهم ، وتفصيل المركّز. وهذا عمل الجملة بعده ، فإنها تزيل إبهامه ، وتفسر إيحاءه ، وتبسط تركيزه : فتقبل عليها النفس ، متشوقة ، متفتحة.
3 - يشتد البرد فى إحدى الليالى ، وتعصف الريح ؛ فيقول أحد الناس : هذا برد قارس ، لم أشهده قبل اليوم فى بلادنا ، فيقول آخر : لقد شهدت مثله
كثيرا ، ولكن عصف الريح لم أشهده. ويجادلهما ثالث ، فيقول : «هو : نظام الكون ثابت» و «إنه ؛ الجو خاضع لقوانين الطبيعة» و «إنها ؛ الطبيعة ثابتة القوانين» فالضمير (هو ... والهاء ... وها) رمز وإيحاء إلى الجملة الهامة التالية التى هى المدلول الذى يرمى إليه ، والغرض الذى يتضمنه. فكلاهما فى المعنى سواء.
فكل ضمير من الضمائر التى مرت فى الأمثلة السابقة - ونظائرها - يسمى : «ضمير الشأن» عند البصريين ؛ ويسميه الكوفيون : «الضمير المجهول» : لأنه لم يتقدمه مرجع يعود إليه. وهو : «ضمير يكون فى صدر جملة بعده تفسر دلالته ، وتوضح المراد منه ، ومعناها معناه».
وإنما سمى ضمير الشأن لأنه يرمز للشأن ، أى : للحال المراد الكلام عنها ، والتى سيدور الحديث فيها بعده مباشرة. وهذه التسمية أشهر تسمياته ، كما يسمى : «ضمير القصة» ، لأنه يشير إلى القصة «أى : المسألة التى سيتناولها الكلام.» ويسمى أيضا : ضمير الأمر ، وضمير الحديث ؛ لأنه يرمز إلى الأمر الهام الذى يجىء بعده ، والذى هو موضوع الكلام والحديث المتأخر عنه.
ولهذا الضمير أحكام ، أهمها ستة ، وهى احكام يخالف بها القواعد والأصول العامة ؛ ولذلك لا يلجأ إليه النحاة إذا أمكن اعتباره فى سياق جملته نوعا آخر من الضمير (1)
ومضمر الشان اسما انو إن وقع *** موهم ما استبان أنّه امتنع
.أولها : أنه لا بد أن يكون مبتدأ ، أو أصله مبتدأ ، ثم دخل عليه ناسخ ، كالأمثلة السابقة. ومثل : ( قُلْ هُوَ : اللّهُ أَحَدٌ ) ، فقد وقع فى الآية مبتدأ.أو مثل قول الشاعر :
وما هو من يأسو الكلوم (2)ويتّقى *** به نائبات الدهر - كالدائم البخل .
فقد وقع اسما ل «ما» الحجازية. ومثل قول الشاعر :
علمته «الحقّ لا يخفى على أحد» *** فكن محقّا تنل ما شئت من ظفر
ثانيها : أنه لا بد له من جملة تفسره ، وتوضح مدلوله ، وتكون خبرا له - الآن أو بحسب أصله (1)- مع التصريح بجزأيها ؛ فلا يصح تفسيره بمفرد ، بخلاف غيره من الضمائر ، ولا يصج حذف أحد طرفى الجملة ، أو تقديره.
ثالثها : أن تكون الجملة المفسّرة له متأخرة عنه وجوبا ومرجعه يعود على مضمونها (2)
وعودته علی متأخر إحدی المسائل التي يصح فيها إرجاع الضمير علی متأخر لفظا ورتبة، وسيجيء بيانها، في ص 234.
فلا يجوز تقديمها كلها ، ولا شىء منها عليه ؛ لأن المفسّر لا يجىء قبل المفسّر (أى : أن المفسّر لا يجىء قبل الشىء الذى يحتاج للتفسير).رابعها : أن يكون للمفرد ؛ فلا يكون للمثنى ، ولا للجمع مطلقا. والكثير فيه أن يكون للمفرد المذكر ، مرادا به الشأن ، أو : الحال ، أو : الأمر. ويجوز أن يكون بلفظ المفردة المؤنثة عند إرادة القصة ، أو : المسألة ؛ وخاصة إذا كان فى الجملة بعده مؤنث عمدة (3)؛ كقوله تعالى : ( فَإِذا هِيَ ؛ شاخِصَةٌ ) (4)أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا» ، وكقوله تعالى : ( فَإِنَّها ؛ لا تَعْمَى الْأَبْصارُ ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) ومثل : «هى ؛ الأعمال بالنيات» و «هى ؛ الأم مدرسة».
خامسها : أنه لا يكون له تابع ؛ من عطف ، أو توكيد ، أو بدل ، أما النعت فهو فيه كغيره من أنواع الضمير ؛ لا يكون لها نعت ، ولا تكون نعتا لغيرها.
1) كأن يسبقها ناسخ. ومن هذه النواسخ «أن» المخففة من الثقيلة ، و «كأن» المخففة كذلك - كما سيجىء فى ص فى باب «إن».
2) من هنا نعلم أن : «ضمير الشأن» لا يكون له مرجع متقدم يوضحه ؛ وإنما مرجعه يجىء بعده ، وهو مضمون الجملة التى تليه : فهى التى توضحه وتفسره. فلو كان الذى يفسره مفردا لم يكن ضمير الشأن. ففى مثل عرفته عليا ، أو : ربه طالبا - لا يكون الضمير هنا للشأن.
3) وقد اشترط - بحق - أكثر البصريين هذا الشرط لتأنيثه. والعمدة - كما سبق فى ص3. : جزء أساسى فى الجملة لا يمكن الاستغناء عنه ؛ كالمبتدأ وكالخبر ، أو : ما أصله المبتدأ أو الخبر. وكالفاعل ونائبه.
4) متجهة فى الفضاء ممتدة ، لا تتحرك ولا تتغير.
سادسها : أنه إذا كان منصوبا - بسبب وقوعه مفعولا به لفعل ناسخ ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر - وجب إبرازه واتصاله بعامله ؛ مثل : ظننته ؛ «الصديق نافع» - حسبته «قام أخوك» ، فالهاء ضمير الشأن ، فى موضع نصب ، لأنها المفعول الأول لظننت. والجملة بعدها فى محل نصب ، هى المفعول الثانى.
أما إذا كان مرفوعا متصلا فإنه يستتر فى الفعل ، ويسنكنّ فيه ؛ مثل : ليس خلق اللّه مثله. ففى «ليس» ضمير مستتر حتما ؛ لأن «ليس» و «خلق» فعلان ؛ والفعل لا يعمل فى الفعل مباشرة ؛ فلا بد من اسم يرتفع بليس (1)فلذلك كان فيها الضمير المستتر (2). ومثله : كان على عادل. وكان أنت خير من محمد. ففى «كان» فى الحالتين ضمير مستتر تقديره : «هو» ، أى : الحال والشأن ويعرب اسما لها. والجملة بعدها خبر ، ومفسرة له. وهكذا ... ومنه قول الشاعر :
إذا متّ كان الناس صنفان ؛ شامت *** وآخر مثن (3). بالذى كنت أصنع
ومثله :
هى الشفاء لدائى لو ظفرت بها *** وليس منها (شفاء الداء مبذول)
ففى «كان» و «ليس» ضمير الشأن ، تقديره : «هو» ، يفسره (الناس صنفان) و (شفاء الداء مبذول) (4).
(ه) مرجع الضمير (5):
الضمائر كلها لا تخلو من إبهام وغموض (6)
. مثلا . لا يدرى المدلول كاملا ؛ أهو : نحن العرب ، أم نحن الأدباء ، أم نحن الزراع ... وبسبب هذه الشائبة من الغموض ، ولا سيما إذا كان الضمير للغائب ، ولم يوجد ما يوضحه ، وجب الاختصاص . أو غيره . لإزالتها ؛ وللاختصاص باب يجيء في ج ٤.
أما النحاة فيطلقون الإبهام على نوعين من الأسماء دون غيرهما ؛ هما : أسماء الإشارة ، وأسماء الموصول ، وله معنى خاص فيهما. وهم يفرقون بين الضمير والمبهم ؛ على الوجه الذي سنبينه فى «ح» من ص ۳۰٥ ورقم ٣ من هامش ص ٣٠٦.
- كما عرفنا - سواء أكانت1) إلا على اعتبارها حرف نفى لا يعمل ، وهو هنا حسن. ولهذا الأسلوب إيضاح يجىء فى باب «كان» حيث الكلام على الفعل : «ليس»
2) ومن هذا ما مثل به «المبرد» من قولهم : «ليس لقدم العهد يفضل القائل ، ولا لحدثان عهد يهتضم المصيب. ولكن يعطى كل ما يستحقه». والمراد بقدم العهد : كبر السن. ومعنى يهتضم : يظلم.
3) مادح.
4) رفع كلمة : «صنفان» وكلمة : «مبذول» وعدم نصبهما - فى كلام العربى الفصيح - دليل على أنهما خبرا المبتدأ والجملة فى محل نصب خبر كان ، واسمها ضمير الشأن.
5) قد يكون المرجع متعددا - كما سيجىء -
6) المراد بالإبهام هنا : معناه اللغوى ، وهو : الخفاء والغموض ؛ فإن من يسمع : «نحن» مثلا - لا يدرى المدلول كاملا ؛ أهو : نحن العرب ، أم نحن الأدباء ، أم نحن الزراع .. وبسبب هذه الشائبة من الغموض ، ولا سيما إذا كان الضمير للغائب ، ولم يوجد ما يوضحه ، وجب الاختصاص - أو غيره - لإزالتها ؛ وللاختصاص باب يجىء فى ج 4.
للمتكلم ، أم للمخاطب ، أم للغائب ؛ فلا بد لها من شىء يزيل إبهامها ، ويفسر غموضها. فأما ضمير المتكلم والمخاطب فيفسرهما وجود صاحبهما وقت الكلام ؛ فهو حاضر يتكلم بنفسه ، أو حاضر يكلمه غيره مباشرة. وأما ضمير الغائب فصاحبه غير معروف ؛ لأنه غير حاضر ولا مشاهد ؛ فلا بد لهذا الضمير من شىء يفسره ، ويوضح المراد منه. والأصل فى هذا الشىء المفسّر الموضّح أن يكون - فى غير ضمير الشأن - متقدما على الضمير ، ومذكورا قبله (1)
فإن كان المضاف هو كلمة : «كل» أو «جميع » فالغالب عودته على المضاف إليه ، كما نص عليه الصبان عقب الموضع السالف.
ويشترط لعودته على أقرب مذكور ألا تقوم قرينة تدل على أن المرجع هو لغير الأقرب ، فإن وجدت وجب النزول على ما تقتضيه : كالشأن معها في كل الحالات ، إذ عليها وحدها المعول. ولها الأفضلية. ففى مثل : عاونت فتاة من أسرة تاريخها مجيد ، يعود الضمير على : «أسرة» ؛ لأنها أقرب مرجع للضمير ، ولا يصح بمقتضى الأصل السالف عودته إلى : «فتاة» بخلاف : عاونت فتاة من أسرة مجاهدة، فقدت عائلها وهي طفلة فالضمائر عائدة على : فتاة مراعاة لما يقتضيه المعنى.
ومثل : اعتنيت بغلاف كتاب تخيرته. فالضمير عائد على المضاف ؛ مراعاة للأكثر ، بخلاف : تخيرت غلاف كتاب صفحاته كثيرة ، لقيام القرينة الدالة على عودته للمضاف إليه وستجيء إشارة للحكم السالف في مناسبة أخرى من ص ٢٣٦ عند الكلام على تعدد المراجع.
وإذا حذف المضاف الذي يصح حذفه ، جاز . وهو الأكثر . عدم الالتفات إليه عند عودة الضمائر ونحوها مما يقتضى المطابقة ، فكأنه لم يوجد ، ويجرى الكلام على هذا الاعتبار. وجاز مراعاته كأنه موجود ، مع أنه محذوف. وقد اجتمع الأمران في قوله تعالى : (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنا بَياتاً ، أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) ، والأصل : وكم من أهل قرية ؛ فرجع الضمير : «ها» مؤنثا إلى «القرية» ، ورجع الضمير : «هم» مذكرا لاعتبار المحذوف وملاحظته ولا تناقض بين الاثنين ؛ لأن الوقت مختلف. وتفصيل هذا الحكم مع عرض أمثلته المختلفة مدون في باب الإضافة ج ٣ ص ١٣٩ م ٩٦ ج ٣ ص ١٣٩ م ٩٦.
1) الغالب أن يكون المتقدم المذكور هو - فى مكانه - أقرب شىء للضمير يصلح مرجعا ؛ ولذا يقولون إن الضمير يعود على أقرب مذكور ، إلا أن كان قبله متضايفان والمضاف ليس كلمة «كل» ولا «جميع» فالأكثر رجوعه إلى المضاف دون المضاف إليه (راجع الصبان ج 1 ، باب المعرب والمبنى ، عند الكلام على : «كلا وكلتا».
ليبين معناه أولا ، ويكشف المقصود منه ، ثم يجىء بعده الضمير مطابقا له ؛ - فيما يحتاج للمطابقة ؛ كالتأنيث والإفراد وفروعهما .. - فيكون خاليا من الإبهام والغموض. ويسمى ذلك المفسر الموضّح : «مرجع الضمير».
فالأصل فى مرجع الضمير أن يكون سابقا على الضمير وجوبا. وقد يهمل هذا الأصل لحكمة بلاغية ستجىء (1). ولهذا التقدم صورتان.
الأول : التقدم اللفظى أو الحقيقى ؛ وذلك بأن يكون متقدما بلفظه وبرتبته (2). معا ؛ مثل : الكتاب قرأته ، واستوعبت مسائله. والأخرى : التقدم المعنوى ويشمل عدة صور ؛ منها :
(1) أن يكون متقدما برتبته مع تأخير لفظه الصريح ، مثل نسق حديقته المهندس. فالحديقة مفعول به ، وفى آخرها الضمير ، وقد تقدمت ومعها الضمير على الفاعل مع أن رتبة الفاعل أسبق.
(2) أن يكون متقدما بلفظه ضمنا ، لا صراحة ، ويتحقق ذلك بوجود لفظ آخر يتضمن معنى المرجع الصريح ، ويرشد إليه ؛ ويشترك معه فى ناحية من نواحى مادة الاشتقاق. مثل قوله : تعالى : ( اعْدِلُوا ؛ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) فإن مرجع الضمير : «هو» مفهوم من «اعدلوا» ؛ لأن الفعل يتضمنه ، ويحتويه ، ويدل عليه ، ولكن من غير تصريح كامل بلفظه ؛ إنه «العدل» المفهوم ضمنا من قوله : «اعدلوا» واللفظان : «اعدلوا» و «العدل» مشتركان فى المعنى العام. وفى ناحية من أصل الاشتقاق. ومثل هذا : «من صدق فهو خير له. ومن كذب فهو شر عليه» فمرجع الضمير فى الجملة الأولى «الصدق» ، وهذا المرجع مفهوم من الفعل : «صدق». كما أن مرجع الضمير فى الجملة الثانية هو : «الكذب» ، وهو مفهوم من الفعل : «كذب» وكلا الفعلين قد اشتمل على المرجع ضمنا لا صراحة ، لاشتراكهما مع المرجع الصريح فى معناه وفى
1) فى ص 234.
2) التقدم اللفظى أن يكون المرجع مذكورا نصا قبل الضمير ؛ مثل : الوالد فضله عميم. والتقدم فى الرتبة أن يكون ترتيب المرجع فى تكوين الجملة متقدما على الضمير ، وسابقا عليه ؛ بحسب الأصول والقواعد العربية ؛ فرتبة الفاعل متقدمة على المفعول ، ورتبة المبتدأ سابقة على الخبر ، ورتبة المضاف قبل المضاف إليه .. وهكذا ..
ناحية من أصل الاشتقاق ... ومن ذلك أن تقول للصانع : أتقن ؛ فهو سبب الخير والشهرة. أى : الإتقان ، وتقول للجندى : اصبر ؛ فهو سبب النصر ، أى : الصبر (1)
إذا نهى السفيه جرى إليه *** وخالف ، والسفيه إلى خلاف
أى : جرى إلى السفه.
.(3) أن يسبقه لفظ ليس مرجعا بنفسه ولكنه نظير للمرجع (أى : مثيله وشريكه فيما يدور بشأنه الكلام) ، مثل : لا ينجح الطالب إلا بعمله ، ولا ترسب إلا بعملها. ومثل قوله تعالى : ( وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ ... ، ) أى : من عمر معمّر آخر.
(4) أن يسبقه شىء معنوى (أى : شىء غير لفظى) يدل عليه ، كأن تجلس فى قطار ، ومعك أمتعة السفر ، ثم تقول : يجب أن يتحرك فى ميعاده. فالضمير «هو» - فاعل المضارع : يجب - والضمير «الهاء» لم يسبقهما مرجع لفظى ، وإنما سبقهما فى النفس ما يدل على أنه القطار. وقد فهم من الحالة المحيطة بك ، المناسبة لكلامك ، وهذه الحالة التى تدل على المرجع من غير ألفاظ تسمى : «القرينة المعنوية» أو «المقام» (2)
أماوىّ ، لا يغنى الثّراء عن الفتى *** إذا حشرجت يوما ، وضاق بها الصدر
أى : حشرجت النفس ؛ بمعنى حلول الوقت الذى تخرج فيه الروح.
.ومثل هذا أيضا أن تقول لمن ينظر إلى مجلة حسنة الشكل : إنها جميلة وقراءتها نافعة. فالضمير «ها» راجع إلى المجلة ، مع أن هذا المرجع لم يذكر بلفظ صريح ، أو ضمنى ، أو غيرهما من الألفاظ ، ولكنه عرف من القرينة الدالة عليه. ومثله أن تتجه إلى الشرق صباحا فتقول : أشرقت ، أو تتجه إلى الغرب آخر النهار فتقول : غربت ، أو : توارت بالحجاب ، تريد الشمس فى .
الحالتين ، من غير أن تذكر لفظا يدل عليها. ومثله : أن تقف أمام آثار مصرية فاتنة ، فتقول : ما أبرعهم فى الفنون. تريد قدماء المصريين ... وهكذا.
(و) عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة :
عرفنا المواضع التى يكون مرجع الضمير فيها لفظا متقدما ، ومعنويّا كذلك. غير أن هناك حالات يجب فيها عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ؛ لحكمة بلاغية (1). وتسمى : «مواضع التقدم الحكمى» (2)وأهمها ستة :
1 - فاعل نعم وبئس وأخواتهما ، إذا كان ضميرا ، مستترا ، مفردا ، بعده نكرة تفسره ؛ أى : تزيل إبهامه ، وتبين المراد منه ؛ (لأنه لم يسبق له مرجع ولذا تعرب تمييزا) ؛ نحو : نعم رجلا صديقنا. فنعم فعل ماض ، فاعله ضمير مستتر تقديره : هو يعود على «رجلا» (3).
2 - الضمير المجرور بلفظ : «رب». ولا بد أن يكون مفردا ، مذكرا ، وبعده نكرة تفسره (أى : تزيل إبهامه الناشىء (4)من عدم تقدم مرجع له (5)، وتوضح
1) أهمها : الإجمال ثم التفصيل بعده ؛ بقصد التفخيم بذكر الشىء أولا مبهما ثم تفسيره بعد ذلك ؛ فيكون شوق النفس إليه أشد ، وتطلعها إلى التفسير أقوى ، فيكون إدراكه وفهمه أوضح ، بسبب ذكره مرتين مجملا فمفصلا ، أو مبهما فمفسرا.
2) لأن المرجع فيها تأخر لنكتة بلاغية ، فهو فى حكم المتقدم. وهذه المواضع يذكرها بعض النحاة فى باب : «الفاعل» ، ولكن الأنسب ذكرها ، حيث الكلام على الضمير ، وكل ما يتصل به.
3) إنما يكون هذا حيث لا يوجد مرجع سابق ؛ فلو وجد مرجع (مثل : الأمين نعم رجلا) وجب أن يكون الفاعل ضميرا مستترا (وجوبا أو جوازا ، طبقا لما سبق فى رقم 1 من هامش ص 208) يعود على السابق وهو : «الأمين» فى المثال.
4) وبسبب إبهامه الناشىء من عدم تقدم مرجع له فإنه .. قد يسمى : «الضمير المجهول» كما سيجىء فى ج 2 ص 400 م 90 عند الكلام على الحرف «رب» فى باب حروف الجر - وانظر هذا الاسم فى ص4. .
5) هذا قول النحاة. والتعليل الحقيقى هو السماع من أفواه العرب. وفى إعراب المثال المذكور أقوال أيسرها : أن «رب» ، حرف جر شبيه بالزائد ، و (الهاء) مجرورة به مبنية ، وعلامة جرها كسرة مقدرة منع من ظهورها الضمة التى هى حركة البناء الأصلى. فى محل رفع مبتدأ! (لأن «الهاء» ضمير جر ينوب فى هذا الموضع «بعد رب» عن ضمير رفع ؛ مثل : هو) «صديقا» تمييز «يعين على الشدائد». الجملة من الفعل والفاعل فى محل رفع خبر المبتدأ. أما بقية الآراء فى هذا المثال وأشباهه وفى مجرور «رب» فمفصلة بوضوح فى آخر الجزء الثانى عند الكلام على «رب» وأحكامها.
المقصود منه ، ولذا تعرب تمييزا) نحو : ربه صديقا ؛ يعين على الشدائد. فالضمير «الهاء» عائد على «صديق». وإنما دخلت «ربّ» على هذا الضمير - مع أنها لا تدخل إلا على النكرات - لأن إبهامه بسبب عدم تقدم مرجعه مع احتياجه إلى ما يفسره ويبينه ، جعله شبيها بالنكرة.
3 - الضمير المرفوع بأول المتنازعين ؛ مثل : يحاربون ولا يجبن العرب. فالضمير فى : «يحاربون» (وهو الواو) عائد على متأخر (وهو العرب). (وأصل الكلام : يحارب ولا يجبن العرب) : فكل من الفعلين يحتاج إلى كلمة : «العرب» لتكون فاعلا له وحده ، ولا يمكن أن يكون الفاعل الظاهر مشتركا بين فعلين. فجعلناه فاعلا للثانى ، وجعلنا ضميره فاعلا للأول (1).
4 - الضمير الذى يبدل منه اسم ظاهر ليفسره ؛ مثل : سأكرّمه ... السّبّاق فكلمة : «السّبّاق» - بدل من الهاء ، وجاءت بعدها لتفسرها. ومثل : احتفلنا بقدومه ... الغائب. فالغائب بدل من الهاء ؛ لتوضحها.
5 - الضمير الواقع مبتدأ ، وخبره اسم ظاهر بمعناه ، يوضحه ، ويفسر حقيقته ؛ فكأنهما شىء واحد من حيث المعنى. مثل : هو النجم القطبى (2)
هو الحظّ ، حتى تفضل العين أختها *** وحتى يكون اليوم لليوم سيّدا
وقوله :
هو البين ، حتى ما تأنّى الحزائق *** ويا قلب ، حتّى أنت ممّن أفارق
(ما تأنّى الحزائق : ما تتمهل الجماعات المرتحلة).
؛ أتعرف فائدته ؛ فكلمة «هو» مبتدأ ، خبره كلمة النجم المتأخرة عنه.6 - ضمير الشأن (3)، والقصة ، مثل : إنه ؛ المجد أمنية العظماء - إنها رابطة العروبة قوية لا تنفصم. فالضمير فى «إنه» و «إنها» ضمير الشأن أو القصة .... ومن كل ما سبق نعلم أن ضمير الغائب لا بد أن يكون له مرجع ؛ وهذا المرجع .
(ز) تعدد مرجع الضمير :
الأصل فى مرجع ضمير الغائب (أى : مفسّره) أن يكون مرجعا واحدا ، فإن تعدد الأصل فى ما يصلح لذلك ، واقتضى المقام الاقتصار على واحد تعين أن يكون المرجع الواحد هو : الأقرب فى الكلام إلى الضمير. نحو : حضر محمد وضيف ؛ فأكرمته. فمرجع الضمير هو «الضيف» ، لأنه الأقرب فى الكلام إليه ، ولا يمكن عودته على المرجعين السابقين معا ؛ لأنه مفرد ، وهما فى حكم المثنى ؛ فالمطابقة الواجبة مفقودة - وسيجىء الكلام عليها - ونحو : قرأت المجلة ورسالة ؛ بعثت بها إلى صديق. فمرجع الضمير هو : «الرسالة» ، لأنها الأقرب ، وللسبب السالف أيضا ، وهو : فقد المطابقة. وإنما يعود الضمير على الأقرب فى غير صورتين ؛ إحداهما : أن يوجد دليل يدل على أن المرجع ليس هو الأقرب ؛ مثل : حضرت سعاد وضيف فأكرمتها.
والثانية : أن يكون لأقرب مضافا إليه ؛ فيعود الضمير على المضاف (1)، بشرط ألا يكون كلمة «كلّ» ، أو «جميع» ، مثل : زارنى والد الصديق فأكرمته. أى : أكرمت الوالد. إلا إن وجد دليل يدل على أن المقصود بالضمير هو المضاف إليه لا المضاف ؛ فيجب الأخذ بالدليل ؛ مثل : عرفت مضمون الرسالة ثم طويتها ؛ لأن تأنيث الضمير دليل على أن مرجعه هو المضاف إليه المؤنث ، لا المضاف ، ومثله قرأت عنوان الكتاب ثم طويته ، أى : «الكتاب» ؛ لأنه الذى يطوى. وحصدت قمح الحقل ثم سقيته ؛ لأن الحقل هو الذى يسقى ، لا القمح المحصود. وأقبل خادم خى فأمره بالرجوع إلى السوق ؛ لشراء بعض الحاجات ؛ لأن الخادم لا يأمر ، وإنما يؤمر. وكذلك إن كان المضاف هو كلمة : «كل» أو «جميع» فالأغلب عودته على المضاف إليه (2).
وإذا تعدد المرجع من غير تفاوت فى القوة - وهو التفاوت الذى يكون بين المعارف فى درجة التعريف ، وشهرته - وأمكن عود الضمير إلى مرجع واحد فقط ، وإلى
أكثر ؛ من غير أن يقتضى الأمر الاقتصار على واحد ، نحو : جاء الأقارب والأصدقاء وأكرمتهم - فالأحسن عود الضمير على الجميع ، لا على الأقرب وحده. ومما تجدر الإشارة إليه فى هذا الموضع - وفى غيره ، من سائر مسائل اللغة - أن الذى يجب الأخذ به أوّلا ، والاعتماد عليه ؛ إنما هو الدليل الذى يعين مرجع الضمير ويحدده ؛ فالدليل - أى : القرينة - لها وحدها القول الفصل فى الإيضاح هنا ، وفى جميع المواضع اللغوية الأخرى.
وإذا كان للضّمير مرجعان أو أكثر مع التفاوت فى القوة - وجب أن يعود على الأقوى. طبقا للبيان المفضّل الذى سيجىء فى رقم 9 من ص 241.
(ح) التطابق (1)بين الضمير ومرجعه (2):
عرفنا أن ضمير الغائب لا بد له من مرجع. وبقى أن نعرف أن التطابق واجب بين ضمير الغائب ومرجعه. على الوجه الآتى : - وهذا يراعى فى التطابق المطلوب فى صور كثيرة ؛ كالتى بين المبتدأ وخبره (3)، والنعت ومنعوته ، والحال وصاحبها ... ونحو هذا مما يقتضى المطابقة -.
1 - إن كان المرجع مفردا مذكرا أو مؤنثا وجب - فى الرأى الأصح - أن يكون ضمير الغائب مطابقا له فى ذلك ، نحو : النائم تيقظ ، أى : «هو». والغائب حضر أبوه ، كذلك. والغريبة عادت سالمة ، أى : «هى». والطالبة أقبل والدها ... فضمير الغائب قد طابق مرجعه فى الأمثلة السابقة ؛ إفرادا وتذكيرا وتأنيثا.
وكذلك إن كان المرجع مثنى فى الحالتين.
2 - إن كان المرجع جمع مذكر سالما وجب فى الرأى الأغلب - أن يكون
1) التطابق أنواع مختلفة ؛ منها ما يكون بين الضمير ومرجعه ؛ كالذى سيذكر هنا ، ومنها ما يكون بين المبتدأ وخبره ، وسيجىء فى بابهما - ص 410 وما بعدها - ومنها ما يكون بين النعت ومنعوته ، وسيذكر فى بابه أيضا ح 3 - ... وهكذا يذكر كل فى بابه.
2) فى ص 231.
3) فى هامش ص 314 مواضع يجوز فيها تأنيث الضمير ، وتذكيره ؛ مراعاة للفظ الموصول أو معناه وكذلك تجىء أنواع هامة. من المطابقة بين المبتدأ والخبر فى الباب الخاص بهما - كما أشرنا - ص 410 م34. وما بعدها فى الزيادة والتفصيل.
ضميره واو جماعة ؛ مثل : المخلصون انتصروا. ولا يصح أن يكون غير ذلك ، كما لا يصح - فى الأفصح - أن يتصل بالفعل وشبهه علامة تأنيث ؛ فلا يقال المخلصون فازت ، ولا المخلصون تفوز ، ولا فائزة ، أى : «هى» ؛ بضمير المفردة المؤنثة على إرادة معنى : «الجماعة» من المخلصين. فكل هذا غير جائز فى الرأى الأعلى. الذى يحسن الاقتصار عليه.
3 - إن كان المرجع جمع مؤنث سالما لا يعقل فالأفضل أن يكون ضميره مفردا مؤنثا ؛ مثل : الشجرات ارتفعت. أى : «هى». والشجرات سقيتها ... وهذا أولى من قولنا : الشجرات ارتفعن ، والشجرات سقيتهن ، بنون الجمع المؤنث مع صحة مجيئها.
وإن كان المرجع جمع مؤنث للعاقل فالأفضل أن يكون ضميره نون جمع المؤنث (أى : نون النسوة) فى جميع حالاته (أى : سواء أكان المرجع جمع مؤنث سالما مثل : الطالبات حضرن ، وأكرمهن العلماء ، أم جمع تكسير للمؤنث ؛ مثل : الغوانى تعلمن ؛ فزادهن العلم جلالا) (1)وكل هذا أولى من قولنا : الطالبات حضرت ، وأكرمها العلماء ، والغوانى تعلمت ؛ وزادها العلم جلالا. حيث يكون الضمير مفردا مؤنثا ، مع صحة مجيئه بدلا من نون النسوة.
4 - إن كان المرجع جمع تكسير مفرده مذكر عاقل - جاز أن يكون ضميره واو جماعة ؛ مراعاة للفظ الجمع ، وأن يكون مفردا مؤنثا ، مع وجود تاء التأنيث فى الفعل وشبهه ؛ نحو : الرجال حضروا ، أو : الرجال حضرت ، أو الرجال حاضرة. ويكون التأنيث على إرادة معنى الجماعة.
فإن كان مفرده مذكرا غير عاقل ، أو مؤنثا غير عاقل ، جاز فى الضمير أن يكون مفردا مؤنثا ، وأن يكون «نون النسوة» الدالة على جمع الإناث. نحو :
1) ذلك أن جمع المؤنث منه ما يكون سالما (أى : لم يتغير مفرده عند جمعه) ويسمى : «جمع لمؤنث السالم» ، ويكون فى آخره الألف والتاء الزائدتان ، ومنه ما يتغير مفرده عند الجمع ؛ فيكون جمع تكسير للمؤنث ولا يكون فى آخره الألف والتاء ، الزائدتان. وبسبب ما تقدم اختلف النحاة فى مثل كلمة : «بنات» أهى جمع تكسير ؛ لأن مفردها - وهو «بنت» يتغير فيه حركة أوله عند جمعه السالف - أم هو جمع مؤنث سالم ؛ لوجود الألف والتاء الزائدتين فى آخره؟ رأيان تفصيل الكلام عليهما فى ج 2 باب الفاعل ...
«الكتب نفعت» أو : نفعن ، والزروع أثمرت ، أو : أثمرن ، والليالى ذهبت ؛ أو : ذهبن.
ومع أن الأمرين - فى صورتى المفرد غير العاقل - جائزان فإن الأساليب الفصحى تؤثر الضمير المفرد المؤنث إذا كان جمع التكسير دالّا على الكثرة وتأتى بنون النسوة إذا كان دالّا على القلة (1)؛ فيقال : قضيت بالقاهرة أياما خلت ؛ من شهرنا. إذا كان المنقضى هو : الأكثر. أو : خلون ، إذا كان المنقضى هو الأقل. ويقولون : هذه أقلام تكسرت ، وعندى أقلام سلمن إذا كان عدد المكسور هو الأكثر.
5 - إن كان المرجع اسم جمع (2)غير خاص بالنساء ؛ مثل : «ركب وقوم» جاز أن يكون ضميره واو الجماعة ؛ وأن يكون مفردا مذكرا. تقول : الركب سافروا ، أو : الركب سافر ، أو : الركب مسافر - القوم غابوا ، أو : القوم غاب ، أو : القوم غائب. فإن كان خاصّا بالنساء - مثل : نسوة ، نساء - جرى عليه حكم المرجع حين يكون جمع مؤنث للعاقل. - وقد سبق فى رقم 3 -
6 - وإن كان المرجع اسم جنس جمعيّا جاز فى ضميره أن يكون مفردا مذكرا أو مؤنثا (3)، نحو قوله تعالى : ( أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ) أى : «هو». وقوله تعالى : ( أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ) ، أى : هى.
7 - إن كان مرجع الضمير متقدما ، ولكنه يختلف فى التذكير أو التأنيث مع ما بعده مما يتصل به اتصالا إعرابيّا وثيقا - جاز فى الضمير التذكير أو التأنيث ، مراعاة للمتقدم أو للمتأخر (4)، مثل : الحديقة ناضرة الزرع ، وهى منظر فاتن ، أو : وهو منظر فاتن ، ومثل : الزرع رعايته مفيدة ، وهو باب من أبواب الغنى ، أو : وهى باب من أبواب الغنى. وأسماء الإشارة تشارك الضمير فى هذا الحكم
1) ومثل جمع القلة العدد الذى يدل عليها ، وكذلك مثل جمع الكثرة العدد الذى يدل عليها أيضا (وإيضاح هذا وبيان سببه ، فى ج 4 ص 424 م 167 - وراجع الصبان ج 4 فى آخر باب العدد).
2) وهو - كما سبق - فى ص 134 كلمة معناها معنى الجمع ولكن ليس لها مفرد من لفظها ومعناها معا ، وليست على وزن خاص بالتكسير ، أو غالب فيه مثل : ركب ، رهط - قوم - نساء - جماعة - وفى هذا الحكم خلاف قوى ذكره «الصبان» فى باب العدد ج 4.
3) وقد سبقت إشارة وافية لهذا وبيان مفيد لا غنى عنه - مع بعض اختلاف - ، وذلك عند الكلام على اسم الجنس الجمعى ص 21 وفى هذا الحكم - كسابقه - خلاف قوى أشار إليه «الصبان» فى باب العدد ج 4.
4) وهذا فى غير المتضايفين وقد سبق حكم الضمير العائد على أحدهما فى رقم 1 من هامش ص 231 وفى ص 236.
(كما سيجىء فى بابها (1). وفى باب (2)المبتدأ ...) نحو : الصناعة غنى وهذه مطلب حيوىّ أصيل. أو : وهذا ...
8 - إذا كان المرجع : «كم» جاز أن يرجع إليها الضمير مراعى فيه لفظها ، أو مراعى فيه معناها (3).
بيان ذلك : أن لفظ : «كم» اسم مفرد مذكر ، ولكن يعبّر به عن العدد الكثير ، أو القليل ، المذكر ، أو المؤنث : فلفظها من ناحية أنه مفرد مذكر - قد يخالف أحيانا معناها الذى يكون مثنى مؤنثا ، أو مذكرا ، وجمعا كذلك بحالتيه. فإذا عاد الضمير إلى : «كم» من جملة بعدها جاز أن يراعى فيه ناحيتها اللفظية ؛ فيكون مثلها مفردا مذكرا ، وجاز أن يراعى فيه ناحيتها المعنوية إن دلّت على غير المفرد المذكر ؛ فيكون مثنى ، أو جمعا ، مؤنثا ، أو مذكرا فيهما. تقول : كم صديق قدم للزيارة! بإفزاد الضمير وتذكيره ، مراعاة للفظ «كم». وتقول ؛ كم صديق قدما ، أو : قدموا ؛ بتثنية الضمير ، أو جمعه ؛ مراعاة لما يقتضيه المعنى. وكذلك تقول : كم طالبة نجح ، بمراعاة لفظ : «كم» ، أو : كم طالبة نجحت ونجحتا ، ونجحن ؛ بمراعاة المعنى.
وهناك كلمات أخرى تشبه «كم» فى الحكم السابق ، منها : «كلا» و «كلتا». وقد سبق الكلام عليهما من هذه الناحية (4). ومنها «من» ، و «ما» و «كلّ» و «أىّ». وكذلك كلمة : «بعض» فى صور معينة. تقول : من سافر فإنه يفرح ، ومن سافرا ... ، ومن سافروا ... ، ومن سافرت ، ومن سافرتا ... ومن سافرن ... وكذلك : ما تفعل من خير يصادفك جزاؤه - ... ما تفعلا ... ما تفعلوا ... ما تفعلى ... ما تفعلن ...
كل رجل سافر ، كل رجلين سافر ، أو : سافرا ، كل الرجال سافر ، أو : سافروا. كل متعلمة سافرت ، أو : سافر ، كل متعلمتين سافر ، أو : سافرتا. كل المتعلمات سافر ، أو : سافرن. ومن مراعاة الجمع قول جرير :
وكلّ قوم لهم رأى ومختبر *** وليس فى تغلب رأى ولا خبر
أىّ رجل حضر. أىّ رجلين حضر ، أو : حضرا ... أىّ الرجال حضر ، أو : حضروا ، أىّ كاتبة حضر ، أو حضرت ، أىّ كاتبتين حضر ، أو حضرتا ، أىّ الكاتبات حضر ، أو : حضرن.
بعض الناس غاب ، أو : غابت ، أو ، غابا ، أو غابتا ، أو : غابوا - أو : غبن. وهكذا باقى الصور الأخرى التى تدخل تحت الحكم السالف وينطبق عليها (1).
وكذلك يجوز اعتبار اللفظ أو المعنى فى المحكىّ بالقول ، ففى حكاية من قال : «أنا قائم» يصح : قال محمود أنا قائم ، رعاية للفظ المحكى ، كما يصحّ : «قال : محمود هو قائم» ؛ رعاية للمعنى وحال الحكاية ؛ لأن محمودا غائب وقت الحكاية. وكذا لو خاطبنا شخصا بمثل : أنت بطل ، وأردنا الحكاية فيصح : «قلنا لفلان أنت بطل» ، كما يصح : «قلنا لفلان هو بطل» (2).
ومع أن مطابقة الضمير للفظ المرجع أو لمعناه جائزة ، وقياسية فى الحالات السابقة - فإن السياق أو المقام قد يجعل أحدهما أنسب من الآخر أحيانا. والأمر فى هذا متروك لتقدير المتكلم الخبير ، وحسن تصرفه على حسب المناسبات التى قد تدعوه لإيثار اللفظ أو المعنى عند المطابقة على الرغم من صحة الآخر.
«ملاحظة» : بمناسبة الكلام على مطابقة الضمير للفظ المرجع أو لمعناه ، نشير إلى ما سيجىء فى ص 314 وهامشها من صور هامة - غير التى سبقت - يجوز فيها الأمران ، أو يتعين أحدهما دون الآخر ... أو ...
أما المطابقة بين المبتدأ وخبره فتجىء فى ص 410 م 34 - كما أشرنا فى رقم 1 من هامش ص 237 -.
9 - إذا كان للضمير مرجعان أو أكثر مع التفاوت فى القوة ، عاد على الأقوى (3). والمرد بالتفاوت فى القوة التفاوت الذى يكون بين المعارف فى درجة التعريف
وشهرته ؛ وهى التى أشرنا إليها عند بدء الكلام على المعرفة والنكرة. فالضمير أعرف (1)من العلم ، والعلم أعرف من الإشارة ... وهكذا (2). بل إن الضمائر متفاوتة أيضا ؛ فضمير المتكلم أعرف من ضمير المخاطب. وضمير المخاطب أعرف من ضمير الغائب ...
فإذا صلح للضمير مرجعان ؛ أحدهما ضمير متكلم ، والآخر ضمير مخاطب - قدّم المتكلم - فى الرّأى الأصح - ؛ مثل : أنا وأنت سافرنا ؛ ولا يقال : أنا وأنت سافرتما ؛ إلا قليلا ، لا يحسن الالتجاء إليه فى عصرنا. وإذا كان أحد المرجعين للمخاطب والآخر للغائب قدّم المخاطب ، نحو : أنت وهو ذهبتما ؛ ولا يقال : أنت وهو ذهبا ، إلا قليلا يحسن البعد عنه.
وإذا كان أحدهما ضميرا والآخر علما أو معرفة أخرى روعى الضمير ، نحو : أنا وعلى أكلنا ؛ ولا يقال - فى الرأى الأفضل - أكلا ، وتقول : أنا الذى سافرت ، وهو أفضل من : أنا الذى سافر ... وتتجه إلى اللّه فتقول : أنت الذى فى رحمتك أطمع ، وهو أفضل من : أنت الذى فى رحمته أطمع ، وهكذا (3). ولا داعى لترك الأفضل إلى غيره وإن كان جائزا هنا ؛ لأن الأفضل متفق عليه ؛ وفى الأخذ به مزية التعبير الموحّد الذى نحرص عليه لمزاياه ، إلا إن اقتضى غيره داع قوىّ.
(10) الغالب فى الضمير بعد : «أو» التى للشك أو للإبهام أن يكون مفردا ؛ مثل : شاهدت المرّيخ أو القمر يتحرك. أما بعد «أو» التنويعية (التى لبيان الأنواع والأقسام) ، فالمطابقة ، كقوله تعالى : ( ... إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللّهُ أَوْلى بِهِما ) (4)...).
وبهذه المناسبة نذكر أن للضمير العائد على المعطوف والمعطوف عليه معا ،
أو على أحدهما ، أحكاما هامّة لا يمكن الاستغناء عن معرفتها ، وكلها مختص بالمطابقة وعدمها ، وهى موضحة تفصيلا فى باب العطف (ج 3 ص 525 م 122).
(ط) اختلاف نوع الضمير مع مرجعه :
قد يختلف نوع الضمير مع مرجعه فى مثل : أنا عالم فائدة التعاون ، وأنا مؤمن بحميد آثاره ، فالضمير فى كلمتى : «عالم ومؤمن» مستتر يتحتم أن يكون تقديره : «هو» فما مرجعه؟
يجيب النحاة : إن أصل الجملة : أنا رجل عالم فائدة التعاون ، وأنا رجل مؤمن بحميد آثاره ، فالضمير للغائب وهو عائد هنا على محذوف حتما ، ولا يصح عودته على الضمير «أنا» المتقدم ، كما لا يصح أن يكون الضمير المستتر تقديره : «أنا» بدلا من : «هو» ؛ لأن اسم الفاعل لا يعود ضميره إلا على الغائب (1)، وهذا يقتضى أن يكون الضمير المستتر للغائب أيضا.
وقد يختلف الضمير مع مرجعه إذا كان الضمير هو العائد فى الجملة الواقعة صلة. طبقا للتفصيل الذى سيجىء فى باب اسم الموصول ولا سيما الذى فى «ب» ص 343.
1) راجع حاشية الخضرى ج 1 باب : «ظن وأخواتها» عند الكلام على أحكام : «التعليق» وقد أشرنا لهذا (فى رقم 4 من هامش 21 م 21 ج 2) و (فى ص 191 ح 3 باب اسم الفاعل.102 ص 205 والظاهر أن هذا الحكم ليس مقصورا على اسم الفاعل بل يسرى على غيره من باقى المشتقات المتحملة ضميرا مستترا. فيجب أن يكون للغائب ، ويعود على غائب.
تقدم (1)أن للرفع ضمائر تختص به ؛ بعضها متصل ؛ كالتاء المتحركة ؛ و «نا» فى مثل : سعيت إلى الخير ، وسعينا. وبعضها منفصل ، ولكنه يؤدى ما يؤديه المتصل من الدلالة على التكلم ، أو الخطاب ، أو الغيبة ؛ مثل : «أنا» ؛ فإنها ضمير منفصل يدل على التكلم ، كما تدل عليه تلك «التاء» ، ومثل : «نحن» ؛ فإنها ضمير منفصل يدل على المتكلم المعظم نفسه ، أو جماعة المتكلمين ؛ كما يدل عليه : «نا» ، تقول : أنا أمين على السر ، ونحن أمناء عليه ... وللنصب كذلك ضمائر تختص به ، منها المتصل ، كالكاف فى مثل : صانك اللّه من الأذى ، ومنها المنفصل الذى يؤدى معناه ؛ مثل : إياك ، فى : نحو : إياك صان اللّه ، ومنه : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) أما الجر فليس له ضمائر تختص به - كما عرفنا -. لكن هناك ضمائر متصلة مشتركة بينه وبين غيره. كالكاف ، والهاء ... إلى غير ذلك مما سبق إيضاحه وتفصيله ، ولا سيما ما يدل على أن الضمير مع اختصاره وقلة حروفه يؤدى ما يؤديه الاسم الظاهر ، بأكثر.
ونزيد الآن أن الكلام إذا احتاج إلى نوع من الضمير - كالضمير المرفوع ، أو المنصوب - وكان منه المتصل والمنفصل ، وجب اختيار الضمير المتصل ، وتفضيله على المنفصل الذى يفيد فائدته ؛ ويدل دلالته ؛ لأن المتصل أكثر اختصارا فى تكوينه وصيغته ، فهو أوضح وأيسر فى تحقيق مهمة الضمير ، فنقول : بذلت طاقتى فى تأييد الحقّ ، وبذلنا طاقتنا فيه ، ولا تقول : بذل «أنا.» ، ولا بذل «نحن». وتقول : كرّمك الأصدقاء ؛ ولا تقول : كرّم «إياك» الأصدقاء. وتقول فرحت بك ، ولا تقول : فرح أنا بأنت.
فالأصل العام الذى يجب مراعاته عند الحاجة للضمير هو : اختيار المتصل
1) فى ص 199 وما بعدها.
ما دام ذلك فى الاستطاعة ، ولا يجوز العدول عنه إلى المنفصل ، إلا لسبب (1). هذا هو الأصل العام الواجب اتباعه فى أكثر الحالات (2)
وفى اختيار لا يجىء المنفصل *** إذا تأتّى أن يجىء المتّصل
.غير أن هناك حالتين يجوز فيهما مجىء الضمير «منفصلا» مع إمكان الإتيان به «متصلا».
الحالة الأولى : أن يكون الفعل - أو ما يشبهه (3)- قد نصب مفعولين (4)ضميرين ، أولهما أعرف من الثانى ؛ فيصح فى الثانى أن يكون متصلا وأن يكون منفصلا. نحو : الكتاب أعطيتنيه ، أو : أعطيتنى إياه ، والقلم أعطيتكه ، أو : أعطيتك إياه. فالفعل : «أعطى» هو من الأفعال التى تنصب مفعولين ، وقد نصبهما فى المثالين ، وكانا ضميرين ؛ ياء المتكلم ، وهاء الغائب فى المثال الأول ، وكاف المخاطب وهاء الغائب فى المثال الثانى. والضمير الأول فى المثالين أعرف (5)من الثانى فيهما ؛ فصحّ فى الثانى الاتصال والانفصال. ومثل ذلك. أن تقول : الخير سلنيه (6)وسلنى إياه. والخير سألتكه ، وسألتك إياه.
وبهذه المناسبة نشير إلى حكم هامّ يتصل بما نحن فيه ، هو : أنه إذا اجتمع ضميران ، منصوبان ، متصلان ، وأحدهما أخصّ من الآخر (أى : أعرف منه ، وأقوى درجة فى التعريف). فالأرجح تقديم الأخصّ منهما. تقول : المال أعطيتكه ، وأعطيتنيه ، فتقدم الكاف على الهاء فى المثال الأول ؛ لأن الكاف للمخاطب ، والهاء للغائب ، والمخاطب أخصّ من الغائب. وكذلك تقدم الياء فى المثال الثانى على الهاء أيضا ؛ لأن الياء للمتكلم وهو أخصّ من الغائب. ومن .
1) وسنذكر هنا حالتان يجوز فيهما الاتصال والانفصال ، ثم نذكر - فى الزيادة والتفصيل ص 248 - أهم الأسباب. المجبة للانفصال فى ص 205 و
2) وفى هذا يقول ابن مالك :
3) شبه الفعل (أى : المشتق) هو : ما يشترك معه فى أصل الاشتقاق ، ويعمل عمله - غالبا - كاسم فاعله ، واسم مفعوله و...
4) لأنه من الأفعال التى تنصب مفعولين ، مثل «ظن» وأخواتها .. (وانظر رقم 6 من هامش ص 247).
5) أى : أقوى منه فى درجة التعريف والتعيين. وقد عرفنا أن ضمير المتكلم أعرف من ضمير المخاطب ، وضمير المخاطب أعرف من ضمير الغائب ، وأوضحنا هذا بإسهاب. (فى رقم 3 من هامش ص 191).
6) أى : اسألنى إياه.
غير الأرجح أن تقول أعطيتهوك (1)وأعطيتهونى (2)
وقدّم الأخصّ فى اتّصال *** وقدّمن ما شئت فى انفصال
. فإن كان أحد الضميرين مفصولا جاز تقديم الأخص وغير الأخص عند أمن اللبس ؛ تقول : الكتاب أعطيتكه أو أعطيته إياك ، وأعطيتنيه أو أعطيته إياى. بخلاف : الأخ أعطيتك إياه ، فلا يجوز تقديم الغائب ؛ خشية اللبس ، لعدم معرفة الآخذ والمأخوذ منهما ؛ فيجب هنا تقديم الأخص ؛ ليكون تقديمه دليلا على أنه الآخذ. فكأنه فى المعنى فاعل ، والأصل فى الفاعل أن يتقدم (3).وقد اشترطنا فى الحالة الأولى أن يكون الضميران منصوبين ، وأولهما أعرف من الثانى.
(ا) فإن لم يكن الضميران منصوبين ؛ بأن كان أولهما مرفوعا والثانى منصوبا - وجب وصل الثانى بعامله إن كان عامله فعلا (4) ؛ نحو : النظام أحببته.
(ب) وإن كان أولهما منصوبا والثانى مرفوعا - وجب فصل المرفوع ؛ إذ لا يمكن وصله بعامله مع قيام حاجز بينهما ؛ وهو الضمير المنصوب. نحو : ما سمعك إلا أنا.
(ح) وإن كانا منصوبين ، وثانيهما أعرف - وجب فصل الثانى ، مثل : المال سلبه إياك اللص. وكذلك إن كان مساويا للأول فى درجة التعريف بأن وقع كل منهما للمتكلم ؛ مثل : تركتنى لنفسى ؛ فأعطيتنى إياى ، أو : .
1) الواو التي بعد الضمير هي واو الإشباع التي تنشأ من إطالة الضمة. والغالب كتابة هذه الواو إذا وقع بعدها ضمير آخر متصل ، كالذى هنا. وهذه اللغة . وإن كانت جائزة . لا يحسن استخدامها ، ولا ترك الأرجح الشائع فى الأساليب العالية ، لأجلها.
2) وإلى ما تقدم يشير ابن مالك بقوله :
3) وجب وصله بعامله الفعل ، ولو كان المتقدم غير الأعرف : مثل أكرمتك ، وأكرمونا فإن كان عامله اسما جاز الأمران ؛ سواء أكان الأول مرفوعا أو مجرورا ؛ كفرحت بإكراميك أو إكرامى إياك (لأن الياء فاعل المصدر ، مجرور بالإضافة فى محل رفع). أو كان مرفوعا فقط ، ولا يكون إلا مستترا ؛ مثل : أنا المكرمك ، أو المكرم إياك ؛ بناء على أن الكاف مفعول به لا مضاف إليه ، وإلا تعين الوصل ؛ لأن الضمير المجرور لا يكون إلا متصلا. وكذلك يجب الوصل فى : «أنا مكرمه» من غير أل ؛ لتعين الإضافة فيه. فإن دخل التنوين على الوصف تعين الفصل ؛ مثل : أنا مكرم إياه (راجع الخضرى).
للخطاب ، مثل : أعطيتك إياك ، أو للغائب مع اتفاق لفظمها ؛ مثل ؛ أعطيته إياه (1)، ولا يجوز اتصال الثانى ؛ فلا تقول أعطيتنينى ، ولا أعطيتكك ، ولا أعطيتهوه ، إلا إن كانا لغائبين واختلف لفظهما ؛ فيجوز وصل الثانى. نقول : سأل أخى عن القلم والكتاب فأعطيتهماه ، ومنحتهماه (2)
وفى اتّحاد الرّتبة الزم فصلا *** وقد يبيح الغيب فيه وصلا
، أو أعطيتهما إياه ، ومنحتهما إياه (3)...الحالة الثانية : أن يكون الضمير الثانى منصوبا بكان أو إحدى أخواتها (4)(لأنه خبر لها) فيجوز فيه الوصل والفصل ؛ نحو ؛ الصديق «كنته» أو : كنت إياه ، والغائب ليسه محمد (5)أو ليس محمد إياه (6)
وكذلك يجيزون الأمرين ويختلفون فى الترجيح إن كان العامل الناصب للضميرين فعلا - أو ما يشبهه - يتعدى إلى مفعولين ، الثانى منهما خبر فى الأصل ؛ مثل : ظن ؛ وخال ، وأخواتهما الناسخة. تقول : الصديق ظننتكه ، أو ظننتك إياه ، وخلتنيه ، وخلتنى إياه ؛ فابن مالك ومن معه يختارون الاتصال ، وغيرهم يختار الانفصال.
وكذلك اختلفوا فى الأرجح إن كان الضمير الثانى منصوبا بكان أو إحدى أخواتها ... و... وكل هذا الخلاف لا خير فيه ، وهو مرهق بغير فائدة : فقد ثبت أن الوصل والفصل فى المسائل السابقة واردان عن العرب الفصحاء بكثرة تبيح القياس ؛ فلا داعى لهذا التشعيب الذى أشار إليه ابن مالك بقوله :
وصل أو افصل هاء سلنيه ، وما *** أشبهه. فى : «كنته» الخلف انتمى
كذاك : «خلتنيه». واتّصالا *** أختار ، غيرى اختار الانفصالا
فهو يقول : إنه يجوز الوصل والفصل فى «هاء» سلنيه ، وما أشبه سلنيه ؛ من كل فعل غير ناسخ - أو شبهه - نصب ضميرين ، أولهما أخص من الثانى ... ولم يبين ابن مالك الخلاف الذى فى المسألة السالفة ، واكتفى ببيان الخلاف فى مثل : كنته ، وأنه انتمى ، أى : اشتهر ، وكذلك فى خلتنيه من كل فعل ناسخ ينصب مفعولين. وصرح بأنه يختار الاتصال ، وأن غيره يختار الانفصال.
. .1) يلاحظ أن أحد الضميرين هو : «الهاء» ، والآخر هو كلمة : «إياه» كلها على الرأى الذى سبق تفصيله (فى ص و 205 فى آخر ص : 214). ولما كانت الهاء فى كلمة «إياه» هى التى تدل وحدها على الغيبة كان شأنها شأن الهاء الأولى فى الدلالة ، وكان لفظهما متفقا ولا أهمية لزيادة «إيا» فى إحداهما ؛ إذ لا تؤثر هذه الزيادة فى دلالة الضمير.
2) وإلى هذا يشير ابن مالك بقوله :
3) إن لم يوجد فى الكلام إلا ضمير واحد منصوب واستغنى عن الآخر باسم ظاهر فالأرجح وجوب الوصل : نحو : الكتاب أعطيته عليا.
4) سواء أكان الاسم ضميرا كالمثال : (الصديق كنته ، أو : كنت إياه) أم غير ضمير ؛ نحو : الصديق كانه محمد. ومحل جواز الوجهين فى كان وأخواتها مخصوص بغير الاستثناء. أما فيه فيجب الفصل : نحو : الرجل قام القوم ليس إياه ، ولا يكون إياه (لأن ليس ويكون هنا فعلين للاستثناء ناسخين أيضا) فلا يجوز «ليسه» ولا «يكونه» كما لا يجوز : إلاه. فكما لا يقع المتصل بعد «إلا» لا يقع بعد ما هو بمعناها. أما تفصيل الكلام على استعمال هذين الفعلين فى الاستثناء فموضعه : باب الاستثناء - ح 2 ص 276 م 83 -.
5) هذا المثال ليس من النوع الذى سبق الكلام عليه فى رقم (4) لأن «ليس» هنا ليست للاستثناء.
6) فى هذه المسألة والتى قبلها تختلف آراء النحاة ، وتتشعب من غير داع ، ولا فائدة ؛ فمنهم من يقول بجواز الفصل والوصل على السواء ، وذلك حين يكون العامل الناصب للضميرين فعلا ، أو ما يشبهه ، غير ناسخ ، فينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر مثل : سأل ، سل ... أعطى - يعطى ... وهذا الرأى هو الأشهر. ومنهم من يقول إن الوصل واجب ، ولا يجوز الفصل إلا للضرورة.
زيادة وتفصيل :
عرفنا أن الغرض من الضمير هو الدلالة على المراد مع الاختصار ، ولذا وجب اختيار المتصل دون المنفصل الذى يؤدى معناه ؛ كلما أمكن ذلك. إلا فى حالتين سبق الكلام عنهما (1). وهما اختياريتان ؛ يجوز فيهما الاتصال والانفصال.
لكن هناك حالات أخرى يتعذر فيها مجىء الضمير متصلا ؛ فيجىء منفصلا وجوبا. وتسمى حالات الانفصال الواجب. وأشهرها :
1 - ضرورة الشعر ؛ مثل قول الشاعر يتحدث عن قومه :
وما أصاحب من قوم فأذكرهم
إلا يزيدهم حبّا إلىّ هم (2)
2 - تقديم الضمير على عامله لداع بلاغى ، كالحصر (القصر) والضمير المتصل لا يمكن أن يتقدم بنفسه على عامله ؛ فيحل محلّه المنفصل الذى بمعناه. ففى مثل : نسبحك ، ونخافك يا رب العالمين - لا نستطيع عند الحصر أن نقدم الكاف وحدها ، لذلك نأتى بضمير منصوب بمعناها ، وهو : «إياك» فنقول : إياك نسبح ، وإياك نخاف.
3 - الرغبة فى الفصل بين الضمير المتصل وعامله بكلمة «إلا» ، لإفادة الحصر. وهذا الفصل لا يتحقق إلا إذا أتينا بالضمير منفصلا ؛ مثل : ربّنا ما نعبد .
إلا إياك ، ولا نهاب إلا إياك.
وقد يكون الحصر بغير «إلا» فلا يقع الفصل بكلمة توجب الانفصال ، ولكن ينفصل الضمير ؛ مثال ذلك ، الحصر بإنما (1)فى قول الشاعر :
أنا الذائد الحامى الذّمار وإنما *** يدافع عن أحسابهم أنا ، أو : مثلى
ومن أمثلة الفصل للقصر : إن الأبطال نحن ، «فنحن» ضمير منفصل خبر إن ، ولا يمكن اتصاله بعامله (إن) ؛ وذلك لأن خبرها لا يتقدم على اسمها.
4 - أن يكون عامله اللفظى محذوفا ؛ مثل : إياك والكذب. فأصل : «إياك» هو : أحذّرك ، أو : أخوّفك. حذف الفعل وحده ، وبقى الضمير «الكاف» وهو ضمير متصل لا يستقل بنفسه ؛ فحذفناه ، وأتينا مكانه بضمير منفصل يؤدى معناه ، ويستقل بنفسه ، وهو : إياك. وقد سبق (2)بيان إعرابه ، كما سبق (3)أنه وفروعه كثير الاستعمال فى أسلوب : «التحذير» بصوره المتعددة التى ستجىء فى بابه الخاص - ج 4 ص 97 م 140 -.
5 - أن يكون عامله معنويّا ؛ مثل : أنا صديق وفىّ ، وأنت أخ كريم. فالضمير : «أنا» ، و «أنت» ، مبتدأ مرفوع بالابتداء. والابتداء عامل معنوى ، لا وجود له فى اللفظ ؛ فلا يمكن وصل الضمير به.
6 - أن يكون عامله حرف نفى ، مثل : الخائن غادر ؛ فما هو أهلا للصداقة. فالضمير «هو» اسم «ما» الحجازية ، وهى العاملة فيه الرفع ؛ ولكنها من الحروف التى لا يتصل بآخرها الضمير ولا غيره (4)
إن هو مستوليا على أحد *** إلّا على أضعف المجانين
:7 - أن يكون الضمير تابعا لكلمة تفصل بينه وبين عامله ؛ مثل : نحن نكرم العلماء وإياكم : فالضمير : «إياكم» معطوف ؛ فهو تابع يتأخر عن متبوعه ، والمعطوف عليه : «العلماء» هو المتبوع الذى يجب تقدمه عليه. وقد فصل المتبوع ن
بين الضمير : «إياكم» وعامله : «نكرم». ومثله قوله تعالى : ( يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ) وقول القائل فى مدح عمر (1)رضى اللّه عنه :
مبرّأ من عيوب الناس كلّهم *** فاللّه يرعى أبا حفص وإيّانا
8 - أن يقع الضمير بعد واو المصاحبة (وتسمى : واو المعية) مثل : حضر الرفاق ، وسأسافر وإياهم إلى بعض الأقاليم.
9 - أن يكون فاعلا لمصدر مضاف إلى مفعوله (فيفصل المفعول به بين الضمير الفاعل وعامله). مثل : بمساعدتكم نحن انتصرتم (2)؛ فكلمة : «مساعدة» مصدر مضاف إلى مفعوله «الكاف». وفاعله كلمة : «نحن».
10 - أن يكون مفعولا به لمصدر مضاف إلى فاعله ؛ مثل : سررت من إكرام العقلاء إياك.
11 - أن يقع بعد إما ، مثل كتب : إما أنت ، وإما هو.
12 - أن يقع بعد اللام الفارقة (3)، مثل :
إن وجدت الصديق حقّا لإيا *** ك ، فمرنى ؛ فلن أزال مطيعا
13 - أن يكون منادى - عند من يجيز نداء الضمير - مثل : يا أنت. يا إياك.
14 - أن يكون الضمير منصوبا وقبله ضمير منصوب ، والناصب لهما عامل
1) وكنيته : «أبو حفص» وكلمة «أبا حفص» هى التى فصلت (فى البيت التالى) بين التابع المعطوف وعامله ، أى : بين الضمير «إيانا» وبين عامله : «يرعى» الذى يجىء بعده المتبوع ، أى : المعطوف عليه.
2) أى : انتصرتم بسبب المساعدة التى قدمناها نحن.
3) إذا خففت إن المشدة فالأكثر إهمالها ؛ فلا تنصب الاسم ولا ترفع الخبر ، والأكثر أن يجىء بعدها اللام ، لتدل على أنها المخففة المهملة ، وليست المشددة العاملة ؛ مثل : إن صالح لقائم. وهذه اللام تسمى : «الفارقة» ؛ لأنها التى تفرق بين نوعى «إن» المشددة العاملة ، والمخففة المهملة ، وقد يجعلها بعض النحاة نوعا من لام الابتداء. وسيجىء الكلام عليها فى باب المبتدأ والخبر ، عند الكلام على مسوغات الابتداء بالنكرة ، وأيضا فى آخر باب : «إن».
واحد مع اتحاد رتبتى الضمير ؛ مثل : علمتنى إياى (1)، علمتك إياك ، وعلمته إياه.
15 - أن يكون الضمير مرفوعا بمشتق جار على غير من هو له ، مثل : محمد علىّ مكرمه هو (2).
زيادة نون الوقاية (1)
من الضمائر المتصلة : «ياء المتكلم» ، وتسمى - أحيانا - : «ياء النفس» وهى مشتركة بين محلى النصب والجر ؛ مثل : زرتنى فى حديقتى. فإن كانت فى محل نصب فناصبها إما فعل أو اسم فعل ، أو حرف ناسخ ؛ - مثل : «إن» أو إحدى أخواتها - وإن كانت فى محل جر فقد تكون مجرورة بحرف جر ، أو تكون مجرورة بالإضافة ، لأنها مضاف إليه.
(ا) فإن كانت منصوبة بفعل ، أو باسم فعل ، أو بما الحق بهما - عند كثير من النحاة (2)- وهو الحرف : «ليت» (وهذا حرف ناسخ من أخوات إنّ) وجب أن يسبقها مباشرة نون مكسورة تسمى : «نون الوقاية» (3). فمثال الفعل : ساعدنى أخى ، وهو يساعدنى عند الحاجة ، فساعدنى فما أقدرك على المساعدة الكريمة. فقد توسطت نون الوقاية بين الفعل وياء المتكلم ، ولا فرق بين أن يكون الفعل ماضيا ، أو مضارعا ، أو أمرا. ولا بين أن يكون متصرفا ، أو جامدا. ومثال اسم الفعل : «دراك» ، و «تراك» ، و «عليك» بمعنى : أدرك ، واترك ، والزم. فيجب عند مجىء ياء المتكلم أن نقول : دراكنى ، وتراكنى ، وعليكنى. بمعنى أدركنى ؛ واتركنى ، والزمنى. ومثال ليت : ليتنى أزور أنحاء الدنيا - ليتنى أستطيع معاونة البائسين جميعا.
هذا حكم نون الوقاية فى الأحوال السابقة. وقد حذفت سماعا من آخر بعض الأفعال ، ومن آخر «وليت» حذفا نادرا لا يقاس عليه : مثل ، هنا رجل ليسى ؛ أى : غيرى. وليتى أعاون كل محتاج ؛ بمعنى ليتنى. وقد تحذف فيهما للضرورة ، مثل قول الشاعر :
1) وقد تسمى : «نون العماد».
2) إلحاق نون الوقاية بالحرف «ليت» واجب عند هذا الفريق ، وشائع فى الغالب عند غيره.
3) لأنها فى استعمالها الغالب تقى الفعل الصحيح الآخر - أى : تصونه - من وجود كسرة فى آخره عند إسناده لياء المتكلم أما المعتل الآخر ؛ مثل : دعا ، فإنه محمول عليه. وتقى كذلك ما تتصل به غير الفعل من تغيير آخره عند اتصالها به. ولأنها تمنع اللبس ؛ فمثل : أكرمنى أخى ، أو يكرمنى ، أو : أكرمنى - لم توجد النون المتوسطة بينه وبين ياء المتكلم لقلنا : أكرمى أخى ، يكرمى أخى ، أكرمى. فيترتب على ذلك وجود كسرة فى آخر الفعل ؛ والكسر لا يدخل الأفعال ؛ كما يترتب على ذلك أن يلتبس. أحيانا - فعل الأمر المتصل آخره بياء المتكلم بفعل الأمر المسند لياء المخاطبة ؛ مثل : أكرمى. فلا ندرى المراد. وقد يلتبس الفعل الماضى بالمصدر مثل : نظرى محمود معافى ؛ فلا ندرى أكلمة : «نظر» فعل ماض ، أم مصدر. وأصح تعليل : أنه استعمال العرب.
عددت قومى كعديد (1)الطّيس (2)*** إذ ذهب القوم الكرام ليسى
وقول الآخر :
كمنية جابر إذ قال ليتى *** أصادفه (3)، وأفقد كلّ مالى
وإن كانت منصوبة بالحرف «لعل» جاز الأمران ، والأكثر حذف النون نحو : لعلى أدرك آمالى ، ولعلنى أبلغ ما أريد.
وإن كانت منصوبة بحرف ناسخ آخر (غير : ليت ، ولعلّ) جاز الأمران على السواء ، تقول : إننى مخلص ؛ وإنى وفىّ. لكننى لا أخلص للغادر. أو : لكنى لا أخلص للغادر. وتقول .. سررت من أننى سباق للخير ، أو : من أنى سباق ... : وهكذا الباقى من الأحرف الناسخة الناصبة ...
(ب) وإن كانت ياء المتكلم مجرورة بحرف جر فإن كان حرف الجر «من» أو «عن» وجب الإتيان بنون الوقاية ، وحذفها شاذ أو ضرورة ؛ تقول منّى الصفح ، ومنّى الإحسان ، وعنّى يصدر الخير والإكرام ، بخلاف «منى» ، و «عنى».
وإن كان حرف الجر غيرهما وجب حذف النون مثل : لى فيك أمل ، وبى نزوع إلى رؤيتك ، وفىّ ميل لتكريمك (4)
وقبل : «يا النّفس» مع الفعل التزم *** نون وقاية ، وليسى قد نظم
و «ليتنى» فشا. وليتى ندرا *** ومع «لعلّ» اعكس ، وكن مخيّرا
فى الباقيات ، واضطرارا خفّفا *** «منّى» و «عنّى» بعض من قد سلفا
.(ح) وإن كانت الياء مجرورة بالإضافة. والمضاف هو كلمة ساكنة الآخر ؛ مثل : «لدن» (بمعنى : عند) ، أو : كلمة «قد» ، أو : «قط» (وكلاهما بمعنى : حسب ، أي : كاف) (5)
وإذا كانا اسمين - كما وصفنا - وأضيفا إلى ياء المتكلم ، فإن الأحسن الإتيان بنون الوقاية فاصلة بين المضاف والمضاف إليه.
وقد تكون كل منهما - وهى مخففة الآخر - اسم فعل مضارع ، مبنى على السكون ، بمعنى : يكفى ، وفى هذه الحالة يجب الإتيان بنون الوقاية ؛ لتفصلهما عن ياء المتكلم ، نحو : قدنى ، وقطنى ... أما «قد» التى هى حرف فى مثل : قد اعتدل الجو ، و «قط» التى هى ظرف للماضى فى مثل : ما فعلته «قط» فلا يتصلان بياء المتكلم ...
فالأصح إثبات النون ؛ مثل : قد .1) كعدد.
2) الرمل الكثير.
3) الضمير مذكر ، لأنه عائد على عدو يتحدث عنه ، ويرغب فى مقاتلته.
4) وفيما سبق يقول ابن مالك مقتصرا على الفعل وحده وبعض الحروف الناسخة :
5) تقول : قدنى المال ، وقطنى. أى : حسبى ؛ بمعنى : كافينى ، وتكون الدال مخففة بالسكون. وكذلك الطاء. وهما فى هذه الحالة اسمان ، مبنيان على السكون فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر على حسب حالة الجملة التى يقعان فيها. (أما «حسب» : فإنها معربة فى هذا المثال ، لامبنية. وفى ج 3 ص 120 م 95 من باب الإضافة تفصيل الكلام على أنواعها ، وأحكامها المختلفة).
بلغت من لدنّى عذرا. ومثل ، قدنى من مواصلة العمل المرهق ، وقطنى من إهمال الرياضة المفيدة. ويجوز بقلة حذف النون فى الثلاثة ؛ تقول : لدنى ، قدى - قطى ؛ وهو حذف لا يحسن (1)
وفى لدنّى : لدنى قلّ. وفى : *** «قدنى وقطنى» : الحذف أيضا قد يفى
بالرغم من جوازه.فإن كان المضاف كلمة أخرى غير الثلاث السابقة وجب حذف النون ، مثل : هذا كتابى أحمله معى حينا ، وحينا أدعه فى بيتى فوق مكتبى.
يستخلص مما تقدم أن إثبات نون الوقاية وعدم إثباتها مرتبط بحالات ياء المتكلم المنصوبة محلا ، أو المجرورة محلا. وبنوع العامل الذى عمل فيها النصب ، أو الجر :
(1) فإن كانت هذه الياء منصوبة ، وناصبها فعل ، أو اسم فعل - وجب إثبات نون الوقاية قبلها.
(2) وإن كانت هذه الياء منصوبة وناصبها حرف ناسخ هو : «ليت» وجب إثبات النون. فإن كان الحرف الناسخ هو : «لعل» جاز الأمران ، والأفصح الإثبات ، وإن كان غيرهما جاز الأمران على السواء.
(3) وإن كانت الياء مجرورة بحرف وعامل الجر هو : «من» ، أو : «عن» وجب إثبات النون. وإن كان حرفا آخر غيرهما وجب الاستغناء عنها بحذفها.
(4) وإن كانت مجرورة بالإضافة والمضاف أحد الكلمات الثلاث : لدن - قد - قطّ - جاز الأمران ، ولكن الأفصح إثبات النون. وفى غير هذه الثلاثة يجب الحذف. ى
1) وقد أشار ابن مالك إلى الحالة السابقة من ناحية مجىء نون الوقاية وعدم مجيئها ، بقوله :
(ا) عرفنا مما سبق أن نون الوقاية واجبة فى آخر الأفعال الناصبة لياء المتكلم. ومن تلك الأفعال المضارع ، سواء أكان فى آخره نون الرفع ؛ (وهى : نون الأفعال الخمسة) أم كان مجردا منها ؛ مثل : أنت تعرفنى صادق الوعد ، وأنتم تعرفوننى كذلك. ولم تعرفونى مخلفا. فإذا اجتمعت نون الأفعال الخمسة ونون الوقاية جاز أحد الأمور الثلاثة الآتية :
1 - ترك النونين (نون الرفع ونون الوقاية) على حالهما من غير إدغام (1)؛ تقول أنتما تشاركاننى فيما يفيد - أنتم تشاركوننى فيما يفيد - أنت تشاركيننى فيما يفيد ، وهكذا ...
2 - إدغام النونين (2)، تقول فى الأمثلة السابقة : أنتما تشاركانّى ... ، وأنتم تشاركنّى ، وأنت تشاركنى (3)...
3 - حذف إحدى النونين ؛ تخفيفا ، وترك الأخرى : تقول : أنتما تشاركانى وأنتم تشاركونى ... ، وأنت تشاركينى ؛ بنون واحدة فى كل ذلك (4).
(ب) هناك بعض أمثلة مسموعة ، وردت فيها نون الوقاية فى آخر اسم الفاعل ، واسم التفضيل ؛ فمن الأول قوله عليه السّلام لليهود : هل أنتم صادقونى؟ ولو حذف
1) وهو جعلهما نونا واحدة مشددة.
2) وهو جعلهما نونا واحدة مشددة.
3) بحذف واو الجماعة ، وياء المخاطبة ، لالتقاء الساكنين. والأصل : تشاركونىّ وتشاركينىّ ، وحذف الضميران للسبب الذى شرحناه تفصيلا فى ص 88 وما بعدها. مع مراعاة الهوامش هناك وما فيها من بيان ، وملاحظة ما يتصل بهذه المسألة فى فى «ح» من ص 48 وفى «ب» من ص 162.
4) فى تعيين نوع النون المحذوفة جدل طويل ؛ أهى نون الأفعال الخمسة أم نون الوقاية؟والأيسر - وهو الذى يساير القواعد العامة أيضا - أن نقول عند الإعراب : إن النون الموجودة هى نون رفع الأفعال الخمسة ؛ بشرط أن يكون المضارع مرفوعا ؛ فيقال فى إعرابه إنه مرفوع بثبوت النون ... أما إذا كان منصوبا أو مجزوما فالنون الموجودة هى نون الوقاية ، والمحذوفة هى نون رفع الأفعال الخمسة حتما ؛ فيقال فيه منصوب أو مجزوم بحذف النون ، والنون الموجودة هى نون الوقاية. وفى غير ما سبق يتساوى أن تكون المحذوفة هذه أو تلك ؛ فلا أثر لشىء من ذلك فى ضبط كلمات الجملة وفهم معناها. (انظر ص 163).
النون لقال صادقىّ (1). ومثله قول الشاعر :
وليس الموافينى (2)- ليرفد (3)- خائبا *** فإنّ له أضعاف ما كان أمّلا
وقوله :
وليس بمعيينى - وفى الناس ممتع - *** صديق إذا أعيا علىّ صديق
ولو حذفت النون لقيل : الموافىّ والمعيىّ ، ومثال اسم التفضيل قوله عليه السّلام : غير الدجّال أخوفنى عليكم (4). وروى : أخوفى عليكم (أى : غير الدجال أخوف الأمور التى أخافها عليكم ...)
والشائع أن هذه الأمثلة لا يقاس عليها ؛ لقلتها لكن الرأى السديد : أنه يجوز أحيانا إذا وجد داع (5)
أما في صورها الأخری التي لا لبس فيها عند اتصال أحدهما بياء المتكلم فلا داعي لنون الوقاية ، وبحب الأخذ بالرأي الذي يمنعها.
.(ح) إذا كان الفعل مختوما بنون النسوة لم يغير ذلك من لزوم نون الوقاية قبل ياء المتكلم ؛ مثل : النساء أخبرننى الخبر ، هن يخبرننى. أخبرننى يا نسوة.
1) فيكون أصلها : صادقون لى ؛ حذفت اللام للتخفيف ، والنون للإضافة ؛ فصارت : صادقوى ، اجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ؛ فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء فى الياء ؛ فصارت صادقىّ ؛ ثم قلبت ضمة القاف ، كسرة لتناسب الياء.
2) الذى يقصدنى ويأتى إلى.
3) لينال العطاء والهبة. (الرّفد : العطاء).
4) المعنى : غير الدجال أخوف عندى من الدجال المعروف لديكم بصفاته ، إذ يمكنكم أن تحترسوا منه ، وتتقوا ضرره. أما غيره فيستتر أمامكم ، فيخدعكم. (وفى الدجال وما يتصل بحقيقته ، وغيرها مطاعن كثيرة).
5) إن كانت تلك الأمثلة قليلة لا تكفى للمحاكاة ، والقياس عليها - فهناك اعتبار آخر له أهميته ؛ هو : أن زيادة نون الوقاية فى بعض صور من اسم الفاعل واسم التفضيل قد تزيل - أحيانا - اللبس وتمنع الغموض ؛ وهذا غرض تحرص على تحقيقه اللغة ، وتدعو إليه. ففى مثل : «من صادقى؟» - إذا كانت مكتوبة - قد نقرؤها من إضافة المفرد إلى ياء المتكلم الساكنة ، أو من إضافة جمع المذكر إلى ياء المتكلم المدغمة فى ياء الجمع ؛ فتكون الياء مشددة مفتوحة. ولا يزيل هذا اللبس إلا نون الوقاية ، فوق ما تجلبه من خفة النطق. وفى هذه الحالة وأشباهها تكون النون مرغوبة بل مطلوبة ؛ عملا بالأصل اللغوى العام الذى يدعو للفرار من كل ما يوقع فى لبس جهد الاستطاعة.
(ا) (محمود - إبراهيم) (فاطمة - أمينة) (مكة - بيروت) (بردى - دجلة).
(ب) رجل - شجرة - إنسان - حيوان - معدن ...
(ح) أسامة (للأسد). ثعالة (للثعلب). شيوة (للعقرب) ذؤالة (للذئب) ...
كل كلمة فى القسم الأول : (ا) تدل بنفسها مباشرة (1)على شىء واحد ، معيّن بشكله الخاص ، وأوصافه المحسوسة التى ينفرد بها ، وتميزه من باقى أفراد نوعه. فكلمة : «محمود» تدل بذاتها على فرد واحد له صورة معينة ، ووصف حسىّ ينطبق عليه وحده دون غيره من أفراد النوع الإنسانى. وكذلك إبراهيم ، وفاطمة وأمينة ، وغيرها.
وكلمة : مكة ، أو : بيروت ، أو : أشباههما من البلاد - تدل على شىء واحد محسوس ؛ هو : بلد معين ، له خصائصه ، وأوصافه الحسية التى لا تنطبق على سواه ، ولا تحمل إلى الذهن صورة غيره. وكذلك الشأن فى بردى ، ودجلة وغيرهما من الأنهار المعينة.
فكل كلمة من الكلمات السالفة إنما تدل بلفظها وبحروفها الخاصة بها على معنى واحد ، معين ، ينطبق على فرد واحد «أى : تدل على مسمى بعينه» وهى لا تحتاج فى دلالتها عليه إلى معونة لفظية أو معنوية تأتيها من غيرها ، بل تعتمد على نفسها فى إبراز تلك الدلالة.
أما كلمات القسم الثانى فتدل الواحدة منها على معنى معين ، ولكنه معنى غير مقصور على فرد واحد ينحصر فيه ؛ وإنما ينطبق على أفراد كثيرة مشتركة معه فى النوع ، فهو صالح لكل منها ، لا يختص بواحد دون آخر ، أى : أنه شائع بينها ، كما سبق أن قلنا فى النكرة (2). فكلمة : رجل أو شجرة ... أو غيرهما
من سائر النكرات تدل على مدلول واحد ، لفرد واحد ، ولكن هذا الفرد شائع ، له نظائر وأشباه كثيرة قد تبلغ الآلاف ... ، ويصلح كل منها أن يكون هو المقصود ، وليس بعضها أولى من بعض فى ذلك ، فإذا أردنا لهذه الكلمة أن تدل على مدلول واحد معين لا ينطبق على غيره وجب أن نضم إليها زيادة لفظية أو معنوية تجعل مدلولها مركزا فيه وحده بغير شيوع ، كأن تقول : رأيت رجلا فى النادى ، فصافحت الرجل. أو هذا رجل ، أو : أعجبنى هذا. مشيرا إلى شىء حسى أو معنوى معروف متميّز ، أو : أكرمت الذى زارك. فوجود «أل» فى كلمة «الرجل» بالطريقة السالفة جعلتها تدل على معين. ووجود الإشارة الحسية أو المعنوية جعلت كلمة : «هذا» تدل على معين. ووجود صلة الموصول - وهى لفظية - جعلت كلمة : «الذى» تدل على معين. ووجود قرينة التكلم أو الخطاب جعلت ضميرهما يدل على معين. وهكذا ؛ فلو لا الزيادة التى انضمت إلى كل واحدة ما حصل التعيين والتخصيص ... ومن هنا يتضح الفرق بين كلمات القسم الأول التى هى نوع من المعرفة يسمى : «العلم الشخصى» (1)أو «علم الشخص» وكلمات القسم الثانى التى هى نكرة قبل وجود الزيادة التى انضمت إليها. ثم صارت بعدها نوعا من أنواع المعرفة. فكلمات القسم الأول تستمد من ذاتها وحدها التعيين والتحديد ، بخلاف الثانية. وهذا معنى قولهم فى تعريف العلم :
«إنه اللفظ الذى يدل على تعيين مسماه تعيينا مطلقا» ، أى : غير مقيّد بقرينة تكلم ، أو خطاب ، أو غيبة ، أو إشارة حسية ، أو معنوية ، أو زيادة لفظية ؛ كالصلة ... او غير ذلك من القرائن اللفظية أو المعنوية التى توضح مدلوله ، وتحدد المراد منه. فهو غنى بنفسه عن القرينة ، لأنه علم (2)مقصور على مسماه ، وشارة خاصة به وافية فى الدلالة عليه. وكل كلمة من كلمات القسم الثانى
1) لأن مدلوله فى الغالب شىء مشخص ، أى : مجسم ، محسوس ، متميز من غيره. وقد يكون شيئا ذهنيا ؛ كالعلم الذى يسمى به الجنين المنتظر ولادته ، وكالعلم الدال على قبيلة معينة ؛ بحيث يراد به مجموع من وجد فيها ومن سيوجد ، فإن هذا المجموع لا وجود له إلا فى الذهن فقط ، ولا وجود له فى خارج الذهن ، إذ لا يقع تحت الحس. وهذا النوع يسمى : العلم الذهنى ، أى : الموضوع لمعين فى الذهن فقط ، متخيل وجوده فى خارجه.
2) علامة.
وأشباهها تسمى نكرة (1)
ولكن كيف ينشأ في الذهن هذا المعنى المجرد؟ وكيف تتكون تلك الحقيقة الذهنية فيه فتنطبق على أفراد كثيرة؟ كيف يدرك العقل معنى : شجرة . مثلا . إدراكا مجردا؟ ومن أين يصل إلى هذا؟ وكيف؟
يقولون . كما أشرنا في صفحتى ٢٢ و ١٨٦ . إن أصناف النبات الكبير متعددة ؛ كالنخل ، والبرتقال ، والليمون ... وقد رأى المرء النخلة مرات ، وفى كل مرة يحس ويدرك شيئا من أوصافها. ثم رأى البرتقال كذلك ، ثم الليمون ... ثم .. ثم. وبعد تعدد المرات في أزمنة متباينة . كشف العقل في تلك الأشياء صفات مشتركة ، وانتزع من مجموع تلك الصفات المشتركة معنى مجردا واحدا ، ينطبق في خارج الذهن على كل فرد من الأفراد السابقة ، وعلى مئات وآلاف غيرها تشبهها في تلك الأوصاف التي عرفها. فماذا نسمى المعنى العقلى الخالص؟ أو : ما اسم الحقيقة الذهنية المحضة التي ولدتها تلك المشاهدات ، كي نميزها من المعانى الذهنية الأخرى الكثيرة؟ سميناها : «شجرة». فكلمة : «شجرة» هي اسم لشيء أدركه الذهن من صفات مشتركة بين أفراد خارجة عنه ، لا وجود لها في داخله ، وإنما هي في خارجه ؛ فليس في الذهن شجرة حقيقية لنوع من أنواع النبات ، وإنما هى . كما شرحنا . بارزة في خارجه. فكلمه : «شجرة» اسم يدل على جنس يدرك العقل معناه تخيلا. أما حقيقته الواقعية المجسمة ، المنطبقة على أفراده . فهى فى خارج الذهن. ومتى انتزع العقل المعنى المجرد أمكنه بعد ذلك أن يدرك مدلوله من غير حاجة . في الغالب . إلى استرجاع صورة حقيقية لفرد من أفراده. وما يقال عن «شجرة» يقال عن كل معنى عام عقلى آخر ، أي : أن العقل يدرك المراد منه من غير حاجة إلى استحضار صورة من صور أفراده.
وإليك كلمة : «إنسان» أيضا ، فقد رأى المرء محمودا ، وحاتما ، وأمينا ، وفريدة ، ومية ... وتكررت مشاهدته لهذه الأفراد ، واستخدام حواسه فيها ؛ حتى استطاع العقل بعد ذلك أن ينتزع من الصفات المشتركة بينها معنى واحدا ذهنيا للإنسان ، له أفراده ومدلولاته الحقيقية الكثيرة ليست في داخل الذهن ؛ وإنما هي في العالم الخارجي الحسى البعيد عن النطاق الداخلي للذهن. فهو معنى واحد عام يدل على جنس (أى : صنف) له أفراده المتعددة البعيدة عن داخل العقل ، وعن منطقة الذهن التى لا تحتوى فى داخلها شيئا حسيا وصار العقل بعد ذلك لا يحتاج - غالبا - فى إدراك المراد منه إلى استرجاع صورة لفرد من أفراده؟ فما اسم المعنى الذى انتزعه العقل ؛ ليمثل هذا الجنس، ويدل عليه ، ويميزه من الأجناس الأخرى؟ اسمه : «إنسان».
كذلك أدرك العقل مجموع الصفات المشتركة بين على ، وأسد ، وعصفور ، وحصان ... وكون منها معنى ذهنيا واحدا ولكنه عام يمثل جنسا (أى : صنفا) له فى خارج العقل أفراد حقيقية كثيرة ، وهذا المعنى العقلى العام يسمى : «حيوانا».
وكذلك أدرك العقل من مجموع الصفات المشتركة بين حديد وذهب وفضة ... معنى ذهنيا عاما لجنس اسمه : معدن». ومن ... و... وهكذا. فالمعاني الذهنية العامة كثيرة ، وهى معان مجردة ؛ إذ لا يكون معها في داخل الذهن مدلولاتها الحسية الحقيقية التى فى خارجه. فإذا كان الذهن يدرك معنى «رجل» و «إنسان» و «معدن» فهل يضم في داخله نماذج حقيقية لكل واحد من هذه؟ لا.
ولما كانت المعاني الذهنية التي تمثل الأجناس متراكمة ، متزاحمة في داخله . وجب أن يكون لكل جنس اسم خاص به ، يميزه من غيره ؛ فلهذا اسم : «شجرة» ، ولذاك اسم : «إنسان» ، ولثالث اسم : «حيوان» ، ولرابع اسم : «معدن» والخامس اسم : «جماد» .. وهكذا .. فكلمة «شجرة» اسم الجنس معين ، أي : لمعنى ذهنى متميز ، وكذا البواقي. فاسم الجنس اسم موضوع ليدل على معنى ذهنى واحد ، ولكنه معنى عام ، مجرد ، له أفراد حقيقية ، كثيرة في خارج الذهن. وهذا معنى تعريفهم : «أنه يدل على الماهية بغير نظر إلى أفرادها . غالبا .». يريدون بالماهية : الحقيقة الذهنية المجردة ، أو : المعنى العقلى الخالص. وبذلك الاسم تتميز المعانى الذهنية بعضها من بعض ؛ أي : يتميز جنس من باقي الأجناس الأخرى. من كل ما تقدم نعلم أن اسم الجنس عندهم هو اسم للمعنى الذهنى المجرد ، وأن النكرة هي مدلوله الخارجي الذي ينطبق عليه ذلك المعنى فعلا ؛ أي : هي نفس الفرد الشائع ... إلخ. هذا هو الفرق بينهما عند من يراه وهو فرق فلسفى متعب فى تصوره ، ليس وراءه فائدة عملية.
واسم الجنس ثلاثة أقسام سبق الكلام عليها في الباب الأول (ص ٢٢ وما بعدها).
ويسوقنا الكلام عن النكرة وعن اسم الجنس إلى شيء ثالث لا مناص من إيضاحه هنا ؛ وهو : «علم الجنس». فما المراد منه؟ وما مدلوله؟ وما أحكامه؟
أطلنا الكلام فى اسم الجنس ، وكررنا له الأمثلة ، وانتهينا من كل ذلك إلى أنه الاسم الموضوع للمعنى العقلى العام المجرد ، أي : للحقيقة الذهنية المحضة ... وأننا حين نسمع ، أو نقرأ . كلمة «شجرة» ، أو : إنسان ، أو : معدن ... نفهم المراد منها سريعا من غير أن يستحضر العقل . في الغالب . صورة معينة للشجرة ؛ كالنخلة ، أو صورة معينة للإنسان ؛ كحسين ، أو : صورة معينة للمعدن ؛ كذهب ، فقد استغنى العقل عن تلك الصورة بعد مشاهداته الأولى الكثيرة ، وصار يدرك المراد حين يسمع اسم الجنس إدراكا مجردا ، أي : خاليا من استحضار صورة فرد من أفراد ذلك الجنس ومن غير حاجة . فى الغالب . إلى استرجاع . شكله وهيئته ، كما شرحنا.
لكن هناك بعض الصور العقلية (أى : الصور الذهنية) لأجناس لا يمكن . بحال . أن يدركها العقل وحدها من غير أن يتخيل صورة فرد أى فرد . من ذلك الجنس . ، ولا يمكن . مطلقا . أن يفهم المراد منها من غير أن يستحضر صورة لواحد . أى واحد . تنطبق عليه : مثال ذلك كلمة : أسامة ؛ فإن معناها «أسد» لكن لا يدرك العقل معناها إلا مصحوبة بصورة «أسد» ؛ فالحقيقة الذهنية هنا ليست مجردة من صورة فرد ؛ وإنما يلازمها حتما صورة تنطبق عليه. وكذلك كلمة : «ثعالة» فإن معناها : «ثعلب» ولكن العقل لا يفهم هذا المعنى منعزلا ولا منفصلا عن مصاحبة صورة «الثعلب». وذلك على خلاف كلمة «أسد» وثعلب وأشباههما وبعبارة أخرى ؛ كلمة : «أسد» و «ثعلب» وأشباهها تدل في .
عالم الحس والواقع على مئات وآلاف من ذلك الحيوان المتوحش. فإذا تخيلنا صورة ذهنية لواحد من فصيلة : الأسد - مثلا - وقد رسم العقل تلك الصورة فى دائرته ، بحيث جعلها رمزا يدل على تلك الفصيلة ووضعنا للرمز علما خاصا به (أى : اسما مقصورا عليه) ليدل عليه ؛ وينطبق على كل فرد من أفراد تلك الفصيلة ، فإن هذا العلم يسمى : «علم الجنس». أى : علما يدل على ذلك الجنس، ويرشد لكل فرد من أفراده. ومما يوضح هذا المعنى ويقربه إلى الفهم (وإن كان ليس علم جنس) ما نعرفه فى عصرنا الحالى من تمثال الجندى المجهول ؛ فإننا حين نسمع : «الجندى المجهول» يتجه عقلنا مباشرة إلى صورة ذلك الجندى ويستحضر الذهن تمثاله المعين الذى يرمز له ، وهو تمثال واحد ، ورمز مفرد. ولكنه ينطبق فى عالم الحس والواقع على الآلاف من الجنود القتلى المجهولين. ويجب أن نتنبه إلى أن ذلك الفرد القتيل غير معين وأنه شائع بين أفراد جنسه ؛ فهو فى المعنى كالنكرة. وفى هذا يقول بعض النحاة : إن علم الشخص واقع على الأشخاص ؛ كمحمد ، وعلى ، فالعلم فيه يخص شيئا بعينه ، لا يشاركه فيه غيره. وعلم الجنس يخص كل شخص من ذلك الجنس يقع عليه ذلك الاسم ؛ نحو : أسامة ، وثعالة ؛ فإن هذين الاسمين يقعان على كل ما يقال له : «أسد» و «ثعلب». وإنما كان العلم هنا للجنس ولم يكن كالأناسى لأن لكل واحد من الأناسى حالة مع غيره ؛ من بيع، وشراء ، أو زراعة ، أو غير ذلك ؛ فاحتاج إلى اسم يخصه دون غيره ، ليكون الاسم دليلا على صاحبه ومميزا له من غيره .. وأما هذه السباع التى لا تثبت ولا تستقر بين الناس - فلا تحتاج إلى أسماء ، أو ألقاب لتميز أفراد الجنس الواحد بعضها من بعض. فإذا لحقها اسم ، أو لقب لم يكن ذلك خاصا بفرد دون آخر ، وإنما كان متجها لكل واحد من أشخاص ذلك الجنس ؛ فإذا قلت : أسامة أو ثعالة ... فكأنك قلت هذا الضرب ، أو هذا الجنس الذى رأيته أو سمعت به من السباع ... فهذه الألفاظ معارف ، إلا أن تعريفها أمر لفظى. وهى من جهة المعنى نكرات ؛ لشيوعها فى كل واحد من الجنس وعدم انحصارها فى شخص بعينه دون غيره. فكأن اللفظ موضوع لكل شخص من هذا الجنس، فوضع اللفظ للفرد الشائع جملة بمنزلة العلم ، بالرغم من هذا الشيوع ... ومراعاة الواقع الصريح فى أن الفرد شائع غير معين جعله بمنزلة النكرة. ومن هنا كان لعلم الجنس اعتباران أحدهما لفظى يدخله فى عداد العلم (والعلم هو نوع من المعارف) والآخر معنوى يدخله فى عداد النكرة. ولكل منهما آثاره التى ستعرفها وسيجىء إيضاح آخر عند الكلام على القسم الثالث الذى فى رأس هذه الصفحة. (راجع المفصل ح 1 ص 34 وما بعدها).
.1) وقد سبق تعريفها وإيضاحها فى أول باب : «النكرة والمعرفة» ص 186 والنكرة تسمى أيضا : «اسم جنس» عند جمهرة كبيرة من النحاة لا ترى فرقا بينها وبين اسم الجنس فإن كانت لمعين فهى النكرة المقصودة ؛ وإن كانت لغير معين فهى النكرة غير المقصودة - كما سيجىء فى باب «النداء» ج 4 - وفى هذا الرأى تخفيف وتيسير من غير ضرر ؛ فيحسن الأخذ به. أما غيرهم فيرى فرقا بين الاثنين ، يوضحه بقوله الذى سبق أن لخصناه فى الباب الأول (فى ص 22) ، عند الكلام على اسم الجنس، وفى هذا الباب عند الكلام على النكرة. (هامش ص 186). ومضمونه : أن النكرة هى نفس الفرد الشائع بين أشباهه ، وهى المدلول الحقيقى المراد من اللفظ ؛ وليست معناه الخيالى المجرد ، القائم فى الذهن. وأما اسم الجنس فهو الاسم الموضوع لذلك المعنى الذهنى المجرد ؛ ليدل عليه من غير تذكر - فى الغالب - لفرد من أفراده الخارجية ، ولا استحضار لصورته فى دائرة الذهن ، ومن غير ربط - فى الغالب - بين اللفظ ومدلوله الحقيقى ؛ فكلمة : «رجل» مثلا ، إن أريد منها الجسم الحقيقى المعروف ؛ المكون من الرأس، والجذع ، والأطراف ، فهى النكرة ؛ وتنطبق على كل جسم حقيقى به تلك الأجزاء الثلاثة بفروعها. أما إن أريد منها المعنى القائم فى الذهن لكلمة : «رجل» ، وهو المعنى الخيالى الذى يخلقه العقل ، ويتصوره بعيدا عن صورة صاحبه ، وعن استحضار هيئة فرد من الأفراد التى تنطبق عليها تلك الصورة - فهى اسم الجنس، ومدلوله هو المعنى المجرد ، أو : الحقيقة الذهنية المجردة ، أو : المعنى الخيالى العام. ويوضحون ذلك بأن المعنى المجرد ، أو : الحقيقة الذهنية المجردة ، أو : المعنى الخيالى العام - متعدد الأصناف فى داخل الذهن ؛ فلا بد أن يكون لكل صنف اسم يميز، من الآخر ؛ فتلك الأصاف الذهنية التى هى المعانى المجردة ... تسمى : الأجناس، ويسمى الذى يميز كل واحد : «اسما للجنس» أو «اسم الجنس» أى : الاسم الموضوع لهذا الجنس ؛ ليفرق بينه وبين جنس آخر ؛ كما وضع «رجل» اسما للصنف المعروف من المخلوقات ، ليتميز من صنف آخر كالشجر ، والطيور.
أما أمثلة القسم الثالث فهى لنوع آخر يختلف فى دلالته عن النوعين السابقين ؛ يسمى : (علم الجنس) (1).
ولتوضيحه نقول ؛ إذا دخلت حديقة الحيوان فرأيت الأسد ، ومنظره الرائع المهيب ، وشاهدت ما يغطى عنقه ، وينسدل على كتفيه ؛ من شعر غزير ، كثيف ، يسمى : اللّبد ، وما ينبت فوق فمه من شعر طويل ؛ كأنه الشارب ؛ فسميت الأسد بعد ذلك : «صاحب اللّبد» أو «أبو الشوارب» ، فهذه التسمية تحمل الذهن عند إطلاقها وعند سماعها على تخيل صورة للأسد حتما ، وعلى تذكر مثال له ، من غير أن تكون تلك الصورة أو المثال مقصورة على الأسد الذى كان فى الحديقة ؛ بل تنطبق عليه وعلى غيره من أمثاله. فهذا الاسم الذى وضعته للصورة هو علم يدل عليها ؛ وعلى كل صورة مثلها من أفراد صنفها. أى : أنه شارة
1) تكلمنا عليه بإضافة ، وبمعالجة آخرى فى هامش الصفحة التى قبل هذه مباشرة.
ورمز لتلك الصورة التى لا تمثل فردا بعينه ، وإنما تمثل الصنف كله ، أى : تمثل ما يسمونه : «الجنس» كله ؛ فتنطبق على كل فرد من أفراد ذلك الجنس ؛ وهذا معنى قولهم : «إنه علم للجنس» ، أو : «علم الجنس» ، ومثل هذا يقال يقال عن كلمة : «أسامة». فقد أطلقت أول مرة على أسد معين لداع دعا إلى هذه التسمية. فإذا قيلت بعد ذلك لم يفهم العقل معناها فهما مجردا من غير تخيل صورة فرد - أىّ فرد - من ذلك الحيوان المفترس ، بل لا بد أن يحصل مع الفهم تخيل صورة تمثل أسدا غير معين ، أى : لا بد مع الإدراك من ذلك التخيل الذى يعيد إلى الذهن صورة تمثل المراد ، وينطبق عليها الاسم ، فهذا الاسم هو الذى يسمى : علما للجنس كله ، أو : علم الجنس.
ومثل هذا أن ترى الفيل وخرطومه فتسميه : (أبو الخرطوم) فهذا علم للفيل ينطبق على الفرد الذى أمامك ، وعلى كل نظير له ، فهو علم لواحد غير معين من الأفيال. فإذا كان اسم الجنس هو اسم يدل على الحقيقة الذهنية المجردة أى : الخالية من استرجاع الخيال لصورة فرد منها - كما سبق (1)- فإن علم الجنس يدل على تلك الحقيقة ، مركزة فى صورة كاملة ويقترن بها ، و؛ يستعيدها الخيال لفرد غير معين من أفراد ذلك الجنس فهى تصدق على كل فرد. فكأن هذا العلم موضوع لكل فرد من أفراد تلك الحقيقة الذهنية العقلية. ولذا قالوا فى تعريف علم الجنس ، إنه : اسم موضوع للصورة التى يتخيلها العقل فى داخله لفرد شائع من أفراد الحقيقة الذهنية. ومن أمثلته أيضا - غير ما سبق فى «ج» : «ابن دأية» ؛ للغراب و «بنت الأرض» : للحصاة ، «وابنة اليم» ؛ للسفينة ...
1) فى هامش ص 259 وما بعدها.
له عدة أقسام باعتبارات مختلفة :
(ا) فينقسم باعتبار تشخص (1)معناه وعدم تشخصه إلى علم شخص ، وإلى علم جنس (2).
(ب) وينقسم باعتبار لفظه إلى علم مفرد ، وعلم مركب.
(ح) وينقسم باعتبار أصالته فى العلمية وعدم أصالته إلى مرتجل ، ومنقول.
(د) وينقسم باعتبار دلالته على معنى زائد على العلمية أو عدم دلالته - إلى اسم ، وكنية ، ولقب.
تلك هى أشهر أقسامه (3)، ولكل منها أحواله الخاصة التى نفصلها فيما يلى :
التقسيم الأول :
يتضمن انقسام العلم باعتبار تشخص معناه وعدم تشخصه إلى علم شخص ، وعلم جنس.
علم الشخص :
«هو ، اللفظ الذى يدل على تعيين مسماه تعيينا مطلقا» وقد شرحنا هذا شرحا وافيا (4)، وأوضحنا المراد من «الإطلاق».
وله حكم معنوى وأحكام لفظية. فأما حكمه المعنوى : فالدلالة على فرد مشخص معين (5)- فى الغالب - ويكون هذا الفرد من بين ما يأتى من الأنواع :
1) أى : اعتبار أن مسماه شخص له وجود حقيقى ، محسوس ، وليس أمرا ذهنيا بحتا (أى : أنه لا يكون حقيقة عقلية مجردة) وهذا فى الغالب (انظر هامش ص 258 حيث البيان ثم ص 259).
2) وهناك نوع آخر من العلم يسمى : «العلم بالغلبة» ومكان الكلام عليه ص 393 وهو فى قوة العلم الشخصى من ناحية التعريف. أما فى غيرها فبينهما نوع اختلاف أوضحناه هناك.
3) وهناك قسم العلم المقرون «بكلمة» : «أل» لزوما أو غير لزوم ، وأحكام كل : وستجىء فى ص 389.
4) فى ص 257 وما بعدها.
5) والصحيح أن العلم لا يفقد علميته عند تصغيره.
1 - أفراد الناس ، مثل على ، وسمير ، وشريف ، ونبيلة ، وغيرهم من أفراد الأجناس التى لها عقل ، وقدرة الفهم ، كالملائكة ، والجن ، مثل : جبريل ، وإبليس ... 2 - أفراد الحيوانات الأليفة التى يكون للواحد منها علم خاص به ، مثل : «برق» ، علم لحصان ، و «بارع» علم لكلب ، و «فصيح» علم على بلبل و «مكحول» علم على ديك ...
3 - أشياء أخرى لها صلة وثيقة بحياة الناس وأعمالهم : كأسماء البلاد ، والقبائل ، والمصانع ، والبواخر ، والطائرات ، والنجوم ، والعلوم ، والكتب ، وغيرها من كل ماله ارتباط قوىّ بمعايش الناس ، وله اسم خاص به لا يطلق على غيره ... مثل : مصر ، دمشق ، حلب (أسماء بلاد). ومثل : تميم ، طىّ ، غطفان ، ... (أسماء قبائل عربية قديمة). ومثل : زامر ، وألبا ، وفرد (أسماء مصانع مسماة بأسماء أصحابها). ومثل : محروسة - عناية - قاصد خير ... (أسماء بواخر). وغير ذلك مما يشبهها من كل مدرسة ، أو معبد ، أو ملجأ ، أو طائرة ، أو مؤسسة ... بشرط أن يكون لكل منها اسم خاص يعرف به ، ولا يشاركه فيه سواه. وهذه الأشياء المعينة المحددة التى تدل عليها الأعلام تسمى : «المدلولات» ، أو : «الحكم المعنوى» لعلم الشخص (1)
اسم يعيّن المسمّى مطلقا *** علمه ؛ كجعفر ، وخرنقا
وقرن ، وعدن ، ولاحق *** وشذقم ، وهيلة ، وواشق
فجعفر : علم رجل. وخرنق : علم امرأة. وقرن : علم قبيلة ، وعدن : علم بلد. ولا حق : علم فرس. وشذقم : علم جمل ، وهيلة : علم شاة ، وواشق : علم كلب. وسيجىء كلامه. على علم الجنس بعد. فى ص 268
.وأما أحكامه اللفظية فكلها أثر من آثار أنه معرفة ؛ فلذا لا يضاف ، ولا يعرّف بأل ، لعدم حاجته لشىء من ذلك (2)
والأصل فى العلم الخاص أنه لا يجوز إضافته أيضا ؛ لأن الإضافة لا تفيده شيئا من التعريف أو التخصيص ، لأنه معرفة بنفسه ، فليس فى حاجة جديدة إليها. ولا يجوز أن تدخله «أل» المعرفة ؛ ونحوها ، لأنه فى غنى عنها. لكن إذا وجد داع بلاغى - كما قلنا - فإنه يجرى مجرى النكرات ، وسائر الأسماء المبهمة الشائعة ؛ فتدخله «أل» المعرفة ، ويضاف ؛ كقول النابغة الجعدىّ يهجو الأخطل :
ألا أبلغ بنى خلف رسولا *** أحقّا أنّ أخطلكم هجانى
وقد يكون الغرض البلاغى تقليل الاشتراك ، وزيادة التعين والتحديد والإيضاح ، ومنه قول الشاعر :
علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم *** بأبيض ماضى لشّفرتين يمانى
وسيجىء كلام على هذا البيت فى ج 3 باب الإضافة ص 38 م 93
وقول الآخر : :
باعد أمّ العمرو من أسيرها *** حرّاس أبواب على قصورها
وأنشد ابن الأعرابى :
يا ليت أمّ العمرو كانت صاحبى *** مكان من أنشا على الركائب
وقول الأخطل :
وقد كان منهم حاجب وابن أمّه *** أبو جندل والزّيد زيد المعارك
وقول الآخر :
باللّه يا ظبيات القاع قلن لنا *** ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر
وفيما سبق يقول شارح المفصل ج 1 ص 44 ، 45 ، ما ملخصه :
(العلم الخاص لا يجوز إضافته ، ولا إدخال لام التعريف عليه ؛ لاستغنائه بتعريف العلمية عن تعريف آخر. إلا أنه ربما شورك فى اسمه ، أو وقع الاعتقاد بذلك ؛ فيخرج عن أن يكون معرفة ، ويصير من طائفة كل واحد منها له اسمه ، ويجرى مجرى الأسماء الشائعة التى تحتاج إلى إيضاح وتعيين. نحو رجل ، وفرس ؛ فحينئذ يمكن إضافته ، وإدخال الألف واللام عليه ؛ كما يقع ذلك فى الأسماء الشائعة. فالإضافة نحو : زيدكم وعمركم. وعلا زيدنا يوم النقا رأس زيد كم ... ونحو : يا ليت أم العمرو كانت صاحبى ... ونحو : يزيد سليم ، وعمر الخير ، ومضر الحمراء ، وأنمار الشاة ، وربيعة الفرس ... وهذه الأعلام متى أضيفت فقدت التعريف بالعلمية ؛ واكتسبت تعريفا آخر يفيدها الإيضاح ؛ هو التعريف بالإضافة ، وصارت مثل «أخيك» ، و «غلامك» فى تعريفها بالإضافة ... هذا إن أضيف العلم لمعرفة ، أما إذا أضيف إلى نكرة فهو نكرة ؛ نحو : مررت بمحمد رجل ، وعلى امرأة. إلا أنه يحدث فى المضاف عندئذ نوع تخصيص ؛ لأنك جعلته ، «محمد رجل» ، ولم تجعله «محمدا» شائعا فى المحمدين ، كما أنك إذا قلت ، «غلام رجل» - استفيد منه أنه ليس لامرأة ... اه راجع. أيضا رقم 3 من هامش ص 285 الآتية ، و - الخضرى ، عند الكلام على شروط المثنى. مما سبق يتبين أن الاستعمال الشائع الآن غير صحيح ؛ حيث يضاف العلم إلى اسم الوالد ؛ والوالدة ، نحو : محمد على ، ومحمود حامد ، وزينب صالح ، وفاطمة كامل ، وأمينة عائشة ... و. وأشباهها فالأعلام الأولى : هنا (محمد - محمود - زينب - فاطمة - أمينة ...) هى أعلام لأبناء مضافة إلى أعلام الوالد أو الوالدة. ومن المحتم أن تتوسط بينهما كلمة : «ابن» وابنة ، ولا يصح حذف إحداهما مطلقا ؛ ولو كان الحذف قائما على اعتبار كل منهما مضافا محذوفا أقيم المضاف إليه مقامه ؛ لأن هذا الحذف يوقع فى اللبس ؛ إذ لا دليل معه يدل على أن المضاف من أولاد المضاف إليه ، ولهذا نصوا - فى باب الإضافة - على منع حذف المضاف إذا كان لفظة «ابن» ومثلها : ابنة (راجع ج 4 م 96 ص 134).
لكن ما المراد بالإيضاح في جانب المعارف ، وبالتخصيص في جانب النكرات؟ أشار لهذا صاحب «المفصل». فيما سبق وفيما يجيء.
فالمراد بالإيضاح هو : رفع الاحتمال وإزالة والاشتراك فى المعرفة. والمراد بالتخصيص : تقليل الاحتمال والاشتراك فى النكرة. بيان ذلك : أننا حين نقول : سافر محمود . مثلا . «فمحمود» علم يشترك فيه عدة أشخاص ؛ فلا ندرى من منهم الذي سافر. فإذا قلنا : سافر «محمود الحديقة» أو : «محمود البيت ، أو محمودنا» فقد زال الاحتمال ، وارتفع الاشتراك بسبب إضافته لمعرفة ؛ كما لو أتينا بعده بنعت . مثلا . فقلنا سافر محمود العالم.
وإذا كانت إضافته إلى نكرة فإن الاحتمال لا ينقطع ، والاشتراك لا يزول ، وإنما يخف أمرهما ويقل كما سبق في : محمد رجل ... وقد يحصل الاحتمال ويبقى الاشتراك بعد إضافة العلم إلى المعرفة ؛ ولكن هذا قليل لا يلتفت إليه (راجع التصريح وهامشه في أول باب النعت).
ثم قال صاحب شرح المفصل في المكان السابق :
وأما إدخال «أل» على العلم فقليل جدا فى الاستعمال ، وإن كان القياس لا يأباه كل الإياء ؛ لأنك إذا قدرت فيه التنكير ، وأنه ليس له مزية على غيره من المسمين به جرى مجرى : «فرس» و «رجل» ، ولا تستنكر أن تدخل عليه «أل» وقد جاء في الشعر وما أقله ... اه.
هذا وقد ينكر العلم الممنوع من الصرف مثل : جاء أحمد . ، ورأيت أحمدا . ومررت بأحمد إذا كان هذا الاسم مشتركا بين عدة أفراد كل منهم يسمى : بأحمد ، ولا تقصد فردا معينا ، وقد سبق بيان هذا في تنوين التمكين في رقم ٢ من هامش ص ۳۲ و ۳ من هامش ص ٣٦. ، ويرى بعض النحاة أن العلم إذا إضيف لا يفقد علميته ؛ بل تبقى وإنما يكتسب من الإضافة زيادة إيضاح على إيضاحه السابق ، تفيده تعيينا ، وتمنع أثر الأشتراك عنه ؛ كالذي في قول العرب : هذا جميل بثنية وقيس ليلى. والخلاف لفظى شكلى ؛ لا أثر له. وإن كان الرأى الأول هو الذي يساير القواعد النحوية العامة.
. وهو يقع مبتدأ ؛ مثل : –1) وإلى بعض ما سبق يشير ابن مالك إلى أنواع علم الشخص بقوله فى أول باب العلم.
2) قد يكون من الدواعى البلاغية ؛ (كالمدح والذم كما أشرنا فى رقم 2 من هامش ص 119) ما يقتضى تنكير العلم ؛ إما تنكيرا صريحا ، نحو : رأيت محمدا من المحمدين ، و (ما من زيد كزيد بن ثابت) وإما تنكيرا ملحوظا ؛ أى : «مقدرا» كقول أبى سفيان : لا قريش بعد اليوم. وقول بعض العرب : (لا بصرة لكم). (فوقوعه فيهما اسم «لا» ، دليل على تنكيره ؛ لأن اسمها المفرد نكرة). وإذا نكر العلم جاز إضافته بشرط أن تكون الإضافة لغير أبيه ؛ منعا للألباس ، وجاز أن تدخله «أل» المعرفة أو غيرها مما يعرفه ، وأن يثنى ، وأن يجمع ، من غير أن تلحقه بعد التثنية والجمع «أل» التى تعرفه ؛ فيبقى على تنكيره. أما العلم الباقى على علميته فإنه عند تثنيته وجمعه يفقد التعريف ؛ لمشاركة غيره له فى اسمه ، وصيرورته بلفظ لم يقع به التسمية فى الأصل ؛ فإذا أردنا إرجاع التعريف له زدنا عليه ما يفيده التعريف ، مثل : «أل» ؛ فكلمة مثل : محمد ، هى علم ؛ فهى معرفة. فإذا ثنى أو جمع قيل : محمدان ، محمدون - وكلاهما نكرة ؛ طبقا لشروط التثنية والجمع فإذا أردنا تعيينه وتعريفه زيدت عليه «أل» - مثلا - كى تجعله معرفة. وقد أوضحنا هذا فى رقم 3 من ص 118
محمود نابه ، ويقع صاحب حال متأخرة عنه ومتقدمة ؛ مثل : جاء حامد مبتسما ؛
لأن الغالب فى المبتدأ وصاحب الحال أن يكونا معرفتين - ويمنع من الصرف إن وجد مع العلمية سبب آخر للمنع ، كالتأنيث فى مثل : أصغيت إلى فاطمة. ويكون نعته معرفة مثله ، ولا يصح أن يكون نكرة.
تعريفه :
اسم موضوع للصورة الخيالية التى فى داخل العقل ، والتى تدل على فرد شائع
من أفراد الحقيقة الذهنية (1).
حكمه المعنوى : أكثر ما يتجه إليه معناه هو : الدلالة على واحد غير معين ؛ نشأنه فى هذه الدلالة كشأن النكرة. ولكن هذا الواحد الشائع يكون من بين الأشياء الآتية المسموعة عن العرب :
1 - حيوانات غير أليفة ؛ كالوحوش ، والحشرات السامة ؛ وجوارح الطيور ، ومنها : (أبو الحارث وأسامة) وهما : للأسد ، (وأبو جعدة وذؤالة) وهما : للذئب. (وشبوة وأمّ عريط) ، وهما : للعقرب (وثعالة ، وأبو الحصين) ، وهما : للثعلب.
2 - بعض حيوانات أليفة (2)؛ ومنها : هيّان بن بيّان ؛ للإنسان المجهول نسبه وذاته. ومثله : طامر بن طامر ، وأبو المضاء ، للفرس. وأبو أيوب ، للجمل وأبو صابر ، للحمار ، وبنت طبق ، للسلحفاة (3). وأبو الدّغفاء ، للأحمق ، من غير تعيين شخص بذاته.
3 - أمور معنوية (4)(أى ؛ ليست محسوسة ؛ فهى تخالف النوعين السابقين) مثل : أم صبور ، علم للأمر الصعب الشديد. ومثل : سبحان ، علم للتسيج ، وأم قشعم ، علم للموت ، وكيسان ، علم للغدر ، ويسار (على وزن : فعال ، وهو وزن للمؤنث هنا) علم للميسرة ، أى : اليسر. وفجار ؛ علم للفجرة. (أى : الفجور ، وهو الميل عن الحق) وبرّة ؛ علم للمبرة. (أى : البرّ).
هى الأحكام اللفظية الخاصة بقسيمه : «علم الشخص» ؛ فهما متشابهان فيها ؛ فلا يجوز (5)فى علم الجنس أن يضاف ، ولا أن تدخل عليه «أل»
1) سبق شرح هذا بإفاضة فى ص 260 وما بعدها.
2) مجىء علم الجنس من هذا النوع قليل بالنسبة للنوعين الآخرين ؛ لأن الأشياء المألوفة توضع الأعلام للفرد منها ، لا للجنس.
3) وقد تستعمل للحية.
4) انظر ص 269.
5) الأشياء التالية كلها لا تجوز ؛ بشرط بقائه على علميته فإن. نكر جاز إضافته ، واقترانه بأل ، ووصفه بالنكرة ، وعدم منعه من الصرف. وهى أمور تجرى فى علم الشخص ؛ طبقا لما بيناه عند الكلام عليه.
المعرّفة ؛ فلا تقول : أسامة الحديقة فى قفص ، ولا الأسامة فى قفص. وهو يقع مبتدأ ؛ مثل أسامة مفترس ؛ ويكون صاحب حال متأخرة (1)عنه ؛ مثل : زأر أسامة غاضبا. ويمنع من الصرف إن وجدت علة أخرى مع العلمية ، كالتأنيث فى مثل : أسامة ملك الوحوش ؛ فتمتنع كلمة : «أسامة» من الصرف للعلمية والتأنيث (2)ويجب أن يكون نعته معرفة مثل : أسامة القوىّ ملك الوحوش. ولا يصح أن يكون نكرة (3)
ووضعوا لبعض الأجناس علم *** كعلم الأشخاص لفظا وهو عمّ
من ذاك : «أمّ عريط» للعقرب *** وهكذا : «ثعالة» للثّعلب
ومثله : «برّة» ؛ للمبرّه *** كذا : «فجار» ، علم للفجره
- أى : أن العرب وضعوا علم جنس لبعض الأجناس ، وهو كعلم الأشخاص لفظا ، أى : فى الأحكام اللفظية. أما فى الحكم المعنوى فكلاهما يدل على فرد واحد ، غير أن علم الشخص يدل على فرد واحد متعين ، وعلم الجنس يدل على فرد واحد غير متعين. وهذا هو المراد من قول ابن مالك أنه : عم. بصيغة الفعل الماضى ، يريد : أن مدلوله عم الأفراد : بحيث يصدق مدلوله على كل فرد ، دون فرد بذاته ؛ فهو عام شائع من جهة مدلوله. و «فجار» علم للمؤنث ؛ ولذا قال علم : للفجرة ؛ لا الفجور ، فالتاء فيها ليست للمرة ، وتأنيث الوحدة ؛ وإنما هى التاء الدالة على حقيقة الشىء ؛ أى : ذاته الأساسية الشائعة فى ضمن أفراده.
. - فى الرأى الصحيح.وفيما سبق من الأحكام المعنوية واللفظية بيان وتفسير لقول النحاة : حكم علم الجنس أنه نكرة معنى ، معرفة لفظا. .
1) لأن مجيئها متأخرة عنه دليل على أنه معرفة ؛ إذ الحال المتأخرة لا يكون صاحبها نكرة - فى الغالب - إلا فى أحوال معينة. أما إذا تقدمت الحال فإن صاحبها قد يكون معرفة ؛ مثل : أقبل ضاحكا الضيف ، وقد يكون نكرة ؛ مثل : أقبل ضاحكا ضيف.
2) ومثلها : ثعالة للثعلب ، وبرة للمبرة. وسبحان وكيسان ، للعلمية وزيادة الألف والنون وكلمة : «أوبر» فى «بنات أوبر» - نوع من الكمأة. - للعملية ووزن الفعل .... وهكذا.
3) وإلى ما سبق يشير ابن مالك بقوله فى آخر باب العلم.
1 - استعمل العرب علم الجنس فى أمور معنوية - كما سبق (1)- غير أن بعض تلك الأمور قد استعملوه حينا علم جنس ؛ فتجرى عليه الأحكام اللفظية الخاصة بعلم الجنس ؛ فهو معرفة من هذه الجهة ، وحينا استعملوه كالنكرة تماما ؛ فلا يلاحظ فيه تعيين مطلقا. والطريق إلى معرفة هذا النوع هو السماع المحض عن العرب. ومن أمثلته : فينة (بمعنى ؛ وقت) و «بكرة» و «غدوة» وهما بمعنى أول النهار ، و «عشية» بمعنى آخر النهار. فهذه الكلمات تستعمل بغير تنوين ؛ فتكون معرفة ؛ مثل : قضينا فينة فى الحديقة أى : الفينة المعينة من يوم معين. وتقول ؛ فلان يتعهدنا بكرة : أى : البكرة المحددة الوقت واليوم.
وكذا. «غدوة وعشية» بغير تنوين ؛ تريد بكل منهما وقتها ويومها المحددين. فأنت تقصد الأوقات المعينة التى تبينها هذه الأسماء السابقة (2).
أما إذا قلتها بالتنوين فلست تريد واحدة ، معينة ، محددة فى يوم محدد - وإنما تريد «فينة» أىّ فينة ، من يوم أى يوم ، و «بكرة» أىّ بكرة أيضا ، وهكذا الباقى ...
وفى الأثر المروى : (للمؤمن ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة) فدخول أل دليل على أن الكلمة قبلها كانت نكرة. ويترتب على هذا الاختلاف فى المراد الاختلاف فى الأحكام اللفظية التى عرفناها ، والتى تطبق على الكلمات باعتبارها علم جنس ، ولا تطبق عليها باعتبارها نكرات ، ولا يعرف هذا فى النوعين الآخرين من علم الجنس ؛ فهما معرفتان ، وحكمهما من جهة اللفظ حكم علم الجنس.
التقسيم الثانى :
وهو يتضمن انقسام العلم باعتبار لفظه إلى علم مفرد ، وعلم مركب. فالمفرد : ما تكوّن من كلمة واحدة ، مثل : صالح ، مأمون ، حليمة ، (أعلام أشخاص). والمركب : ما تكون من كلمتين أو أكثر. وهو ثلاثة أقسام :أولها : المركب الإضافى : ويتركب من مضاف ومضاف إليه ؛ مثل : عبد العزيز ، وسعد اللّه ، وعزّ الأهل ...
وثانيها : المركب الإسنادى (1): ويتركب إما من جملة فعلية ؛ - أى : من فعل مع فاعله أو مع نائب فاعله - ، مثل : (فتح اللّه) و (جاد الحقّ) و (سرّ من رأى) وإما من جملة اسمية ؛ أى : من مبتدأ مع خبره مثل : (الخير نازل) و (السيد فاهم) و (رأس مملوء) وكلها أسماء أشخاص معاصرين ، إلا (سرّ من رأى) فإنها اسم مدينة عراقية.
وثالثها : المركب المزجىّ : وهو ما تركب من كلمتين امتزجتا (أى : اختلطتا ؛ بأن اتصلت الثانية بنهاية الأولى.) حتى صارتا كالكلمة الواحدة (2)؛ من جهة
1) المركب الإسنادى هو : ما انضمت فيه كلمة إلى أخرى على وجه يفيد حصول شىء أو عدم حصوله ، أو طلب حصوله - كما أوضحنا ذلك فى ص 27 - فالإسناد هو نسبة الحصول أو عدمه ، أو طلبه ، لشىء. أى : التحدث عن ذلك الشىء بما ينسب إليه ؛ سلبا ، أو إيجابا ، أو طلبا. ولا يتأتى هذا إلا بجملة فعلية أو اسمية. - أو ما فى حكم كل منهما - وللأقدمين ومن جاء بعدهم أعلام كثيرة مركبة تركيبا إسناديا. ونحن فى عصرنا الحاضر نحاكيهم فى ذلك ، بل نفوقهم فى الإكثار ؛ حتى لقد نعرف اليوم كتبا مختلفة من أسمائها : «يسألونك» و «اسألونى». و «المعركة قادمة». و «جاء النصر» و «نحن هنا» ومن الأعلام : «حيدرأباد» لبلد فى الهند.
2) لا يكون المركب المزجى إلا من كلمتين فقط ، كما يفهم من التعريف. ولا يصح مزج أكثر منهما ، ومتى امتزجتا صارتا كلمة واحدة ذات شطرين كل شطر منهما بمنزلة الحرف الهجائى الواحد من الكلمة الواحدة (كما نص على هذا شارح المفصل ج 4 ص 116) والأصل قبل التركيب أن يكون لكل واحدة منهما معنى معين يخالف معنى الأخرى ، أما بعد التركيب المزجى فإن كان هذا التركيب من النوع الذى تتركز فيه علامات الإعراب أو البناء على آخر الثانية فقط (وسيجىء فى ص 278 وما بعدها ؛ كسيبوبه ، وبعلبك ، وغيرهما من الأمثلة المعروضة هنا ، ونظائرها) زال المعنى الأصلى لكل منهما نهائيا ، ولا يصح ملاحظته ، إذ ينشأ من المزج معنى جديد مستحدث لا صلة له بالمعنى السابق لهما أو لإحداهما. أما إن كان هذا المركب. المزجى من النوع الذى سيجىء فى ص 281 وهو الذى يبنى على فتح الجزأين ؛ (المركبات العددية ؛ مثل : ثلاثة عشر ، وأربعة عشر ... أو : المركبات الظرفية ، نحو صباح مساء ، .. أو : الحالية ؛ نحو فلان جارى بيت بيت ، أى ملاصقا .. أو باقى المركبات الأخرى التى تبنى على فتح الجزأين معا ؛ طبقا للأحكام المدونة فى أبوابها ...) فإن المعنى بعد التركيب يرتبط ارتباطا وثيقا بالمعنى الذى كان لكل كلمة قبل مزجها بأختها ، إذ يتكون المعنى الجديد من معناهما السابق ، مع بعض زيادة تنضم إليه دون إلغاء للسابق ، أو إهمال لملاحظته فى تكوين المعنى المستحدث ، فأساس المعنى الجديد هو معناهما القديم مع ضم زيادة إليه. وهذا النوع يلاحظ فيه قبل المزج أنه على تقدير : «واو العطف» بين الكلمتين وأنهما فى حكم المتعاطفين ؛ فمعناه بملاحظتها قبل التركيب هو معناه الجديد بعد المزج ، ولكنه بغير ملاحظتها (راجع شرح المفصل ج 1 ص 65 وج 4 ص 124).
أن الإعراب أو البناء يكون على آخر الثانية وحدها - غالبا - أمّا آخر الأولى فيبقى على حاله قبل التركيب (1). ومن أمثلته : بر سعيد (اسم مدينة مصرية) رامهرمز ، وطبرستان ، وجردستان ؛ من أسماء البلاد الفارسية (2)ومثل : نيويرك ، وقاليقلا (3)، وجردنستى (4)وبعلبكّ (5)وسيبويه (6)، وبرزويه (7)ونفطويه (8)، وخالويه (9)، ومثل (10): (السّلاحدار ، والخازندار ، والبندقدار). فالعلم إما مفرد ، وإما مركب تركيب إضافة ، أو تركيب إسناد ، أو مزج (11).
التقسيم الثالث :
هو يتضمن انقسام العلم باعتبار أصالته فى العلمية وعدم أصالته ، إلى مرتجل ، ومنقول. فالمرتجل : ما وضع من أول أمره علما ، ولم يستعمل قبل ذلك فى غير العلمية. ومثاله : الأعلام التى اخترعها العرب أول مرة لمسميات
1) سيجىء الكلام على حكمه فى ص 279 و 281 وكذلك فى ج 4 باب الممنوع من الصرف ص 175 م 147.
2) فالأولى مكونة من : رام ، وهرمز ؛ وهى اسم مدينة فارسية ، واسم رجل أيضا. والثانية من : طبر ، وستان ، ومعنى ستان : مكان ، والثانية من : جرد ، وستان.
3) اسم بلد بالشام.
4) اسم حى مشهور من أحياء وسط القاهرة ، على النيل.
5) بلد بلبنان الآن. وأصله : «بعل» (اسم صنم) و «بك» (اسم رجل يعبده) ، ثم صارا اسما واحدا للبلد.
6) كلمة فارسية مركبة من : «سيب» بمعنى : تفاح ، و «ويه» بمعنى : رائحة. فالمراد «رائحة التفاح» وقد تقدم المضاف إليه على المضاف ، كما هو الشأن فى اللغة الفارسية وبعض اللغات الأعجمية ، وصار مركبا مزجيا ، علما على الإمام النحوى الأكبر المتوفى حول سنة 180 ه.
7) لقب أحمد بن يعقوب الأصفهانى من أئمة الحديث الشريف.
8) اسم عالم لغوى كبير. وأصل «النفط» ما تسميه العامة : «زيت البترول».
9) اسم عالم لغوى كبير ، وأديب نحوى ، فى القرن الرابع الهجرى.
10) الأسماء الآتية هى من الأعلام المشهورة فى عصرنا. وترجع فى أصلها إلى دولة «المماليك» التى حكمت مصر سنوات طوالا. وكانت تطلق على مكان السلاح ، أو المشرف على شئونه اسم : «السلاحدار» وعلى المشرف على شئون الخزن : «الخازندار» وعلى شئون البندق : «البندقدار» بتقديم المضاف إليه على المضاف فى تلك الألفاظ كالشأن فى اللغة الفارسية. وبعض اللغات الأخرى - كما تقدم - إذ الأصل : دار السلاح ، ودار الخازن ، ودار البندق ... وعند تقديم المضاف إليه على المضاف يصير التركيب مزجيا بعد أن كان إضافيا ، ويحسن فى التركيب المزجى وصل الكلمتين خطا إن كان الحرف الأخير من الصدر مما يوصل بغيره ، فيكون هذا الاتصال الخطى دليلا على المزج.
11) وليس من أنواع المركب هنا : العلم المركب الوصفى ؛ وهو الذى يتألف من موصوف وصفة ؛ مثل : الطالب المؤدب ... ؛ فكلاهما يعد من قبيل المفرد فى أحكامه. - كما سيجىء بيانه فى رقم 1 من هامش ص 279
عندهم ؛ ومنها : أدد (علم رجل) وسعاد (1)(علم امرأة) وفقعس علم للأب الأول لقبيلة عربية معروفة. ومثل : الأعلام التى يخترعها الناس لمسميات خاصة عندهم ، من غير أن يكون لها عند العرب الخلّص وجود سابق ، مثل : «جين» ، علم على بلد. و «رسح» علم على جبل. «وبحن» علم على شجرة معينة. وغير ذلك من الأعلام التى يبتكرونها فى عصر من العصور ، على حسب رغبتهم وأذواقهم (2)
وإذا صارت الكلمة علما مرتجلا أو منقولا ، خضعت للضوابط والأحكام العامة التي تجرى عليه في الإعراب أو البناء ، وفى التذكير والتأنيث ، وفى منع الصرف وعدمه ، وفى الأفراد والتثنية وجمع التصحيح ، وباقى الأحكام المختلفة ، ويجرى عليها في جموع التكسير ما يجرى على نظائرها. فإن لم يكن لها نظائر فعل ما يقاربها ؛ طبقا لما تقضى به الضوابط العامة. وفى كتاب الهمع (ج ٢ ص ۱۸۳ باب التكسير) طريقة جمع الأعلام المرتجلة والمنقولة .
ويريدون بالمنقول - وهو الأكثر - أحد شيئين :أولهما : العلم الذى لم يستعمل لفظه أول الأمر علما مطلقا ؛ وإنما استعمل أوّلا فى شىء غير العلمية ، ثم نقل بعده إلى العلمية ؛ مثل : حامد ، محمود فاضل ، أمين ... ؛ فقد كانت قبل العلمية تؤدى معنى آخر ، ثم انتقلت منه إلى العلمية.
وثانيهما : العلم الذى استعمل أول أمره علما لفرد فى نوع ، ثم صار علما لفرد فى نوع آخر يخالف الأول ؛ مثل : «سعاد» علم امرأة ؛ ثم صار علم قرية ، لا علم امرأة.
1 - والنقل قد يكون من اسم منفرد اللفظ ؛ فيشمل : ما هو منقول من معنى من المعانى العقلية الخالصة التى يسمّون كلّا منها : (الحدث المجرد) مثل : فضل ، وسعود ، ومجد ، وهيبة ؛ أعلام أشخاص - وما هو منقول من اسم عين ، أى : من ذات مجسّمة محسوسة ؛ مثل : غزال ، وقمحة ، وزيتون وفيل ... أعلام أشخاص ... وما هو منقول من اسم مشتق ؛ مثل : صالح ، ونبيل ، ومحمد ، ومفتاح.
1) إذا كان العلم مرتجلا «كسعاد» مثلا - ثم سميت به امرأة ثانية وثالثة ... و... لم يخرج - بسبب تكرار التسمية - عن أنه مرتجل ما دام النوع لم يختلف. أما إذا اختلف النوع فإن الاسم الثانى والثالث و... و... و... لا يكون مرتجلا ؛ بل يكون منقولا : كتسمية إنسان بأسامة ؛ فإن «أسامة» مرتجل بالنسبة للأسد ، ومنقول بالنسبة للإنسان.
2) ومما يلاحظ أن وضع الأعلام المرتجلة ليس مقصورا على العرب الخلص - وكذا المنقولة - وإنما هو حق لهم ولغيرهم ، فى كل زمان ومكان.
2 - وقد يكون النقل من الفعل وحده (1)
أما النقل من الفعل وحده فليس نقلا من جملة. ويعرب الفعل فى هذه الحالة إعراب الممنوع من الصرف ، للعلمية مع وزن الفعل مثلا ؛ كما هو الحال هنا ، أو : للعلمية مع سبب آخر إن وجد. ومن أمثلة الفعل الماضى وحده : «شمر» علم على شخص ، وعلم على فرس أيضا. ومن أمثلة المضارع وحده «يشكر» علم نوح عليه السّلام ، وعلم قبيلة وجبل صغير بالقاهرة عند القلعة. ومن أمثلة الأمر : «أسكت» بضم الهمزة علم على صحراء عربية. وهذه الهمزة للقطع ، مع أنها فى الأصل للوصل ؛ لأن همزة الوصل - كما سيجىء البيان فى ص 275 - وفى هامش ص 381 - إن وجدت فى لفظ ليس علما ثم صار علما - فإنها تصير همزة قطع).
فإن احتمل النقل أن يكون من جملة فعلية ومن فعل وحده مثل : «أسكت» كان حمله على الفعل وحده أولى ؛ لأن النقل من الجملة مخالف للأصل ؛ فلا يلجأ إليه إلا بدليل وقرينة ؛ كما فى كلمه «يزيد» فى قولى الشاعر :
نبّئت أخوالى بنى يزيد *** ظلما علينا لهم فديد
فإن رفع كلمة : «يزيد» دليل على أن النقل من جملة فعلية ، فعلها : «يزيد» وفاعلها : ضمير مستتر تقديره ؛ هو. إذ لو كان النقل من الفعل وحده لوجب أن يقول : يزيد ؛ فيكون مجرورا بالفتحة ؛ لأنه مضاف إليه ، ممنوع من الصرف ؛ للعلمية ووزن الفعل.
(نبئت : أخبرت. أى : أخبرنى العارفون. «الفديد» : الصياح. «ظلما» مفعول لأجله ، لفعل محذوف تقديره : يصيحون «علينا» : جار ومجرور متعلق بالفعل المحذوف. «ولهم فديد» مبتدأ وخبر. والجملة فى محل نصب حال. و «نبئت» أصل فعله : «نبأ» فعل ماض ينصب ثلاثة مفاعيل : أولها قد صار نائب فاعل بعد حذف الفاعل وبناء الفعل للمجهول. وثانيهما «أخوالى». والثالث الجملة من الفعل المحذوف وفاعلها «وهى جملة : يصيحون».
؛ من غير أن يكون معه فاعل ظاهر ، أو ضمير مستتر ، أو بارز ، ومن غير أن يلاحظ الفاعل أو يقدّر بوجه من الوجوه ؛ فيشمل المنقول من فعل ماض مثل : شمّر ، وجاد وصفا ، (أسماء أشخاص). أو : من فعل مضارع ؛ مثل : يزيد (2)، وتميس (3)، وتعز (4)وتغلب (5)، ويشكر (6)«ويشكر» لا تستطيع الوفاء *** وتعجز يشكر أن تغدرا
. أو : من فعل أمر ، مثل : سالم ، وسامح (7).3 - وقد يكون النقل من جملة ، إما اسمية ؛ مثل : «علىّ أسد» ، و «ما شاء اللّه» (8).
1) النقل إذا كان من فعل مع فاعله الظاهر ، أو فاعله الضمير المستتر ، أو البارز فإنه يعد نقلا من جملة فعلية ؛ فتعرب إعراب المركب الإسنادى ؛ حيث تخضع للحكاية التى سيجىء بيانها فى هذا الباب (ص 278)
2) علم على رجل.
3) علم على أمرأة.
4) علم لمدينة باليمن.
5) علم لقبيلة عربية.
6) علم لنوح عليه السّلام ، أو : لجبل كما سبق - فى رقم 1 من هذا الهامش - ولقبيلة عربية هجاها الشاعر بقوله :
7) كلاهما اسم رجل.
8) أى : الذى شاءه اللّه ، وأراده.
و «نحن هنا» اسم كتاب ... ، وإما جملة فعلية ، مثل : فتح اللّه ، زاد الخير ، وأطرقا (اسم بلد. وصحراء ببلاد العرب) والنقل هنا من جملة فعلية ؛ لظهور الفاعل الضمير البارز.
4 - وقد يكون النقل من حرف ؛ كتسمية شخص بكلمة : «ربّ» ، أو : إن ... وقد يكون من حرفين ، مثل : ربما ، إنما.
5 - وقد يكون من حرف واسم مثل : بهناء ، ومثل : الحارث (اسم قبيلة عربية).
6 - أو حرف وفعل مثل : اليزيد (1)
ومنه منقول ، كفضل ، وأسد *** وذو ارتجال ، كسعاد ، وأدد
... د1) وإلى بعض ما سبق يشير ابن مالك بقوله :
إذا كان العلم منقولا من لفظ مبدوء بهمزة وصل فإن همزته بعد النقل تصير همزة قطع - كما أشرنا (1)- نحو : «إستقبال» علم امرأة ، و «أل» علم على الأداة الخاصة بالتعريف أو غيره ، بشرط أن تكتب منفردة مقصودا بها ذاتها ؛ فنقول : «أل» كلمة ثنائية ، و «أل» فى اللغة أنواع من حيث المدلول ... ، ومثل : يوم الإثنين ، بكتابة همزة : «إثنين» لأنها علم على ذلك اليوم (2)
وباضطرار خص جمع «يا» و «أل» ... وكذلك التصريح ، والخضرى فى هذا الموضع نفسه. وللخضرى تعليل قوى نصه :
«ما بدىء بهمزة الوصل فعلا كان أو غيره يجب قطعها في التسمية به : لصيرورتها جزءا من الاسم فتقطع فى النداء أيضا : ولا يجوز وصلها لأصالتها ، كما في لفظ الجلالة ؛ لأن له خواص ليست لغيره ...» اه ... فلا التفات إلى ما نقله الصبان عن غيره في موضع آخر.
... ومثل : «أسكت» علم على صحراء ...التقسيم الرابع :
وهو يتضمن انقسام العلم باعتبار دلالته على معنى زائد على العلمية أو عدم دلالته ، إلى : اسم ، ولقب ، وكنية. فأما الاسم هنا (1)فهو : علم يدل على ذات معينة مشخّصة ، دون زيادة غرض آخر من مدح ، أو ذمّ ... ، مثل : سعيد ، كامل ؛ مريم ، بشينة ، وأشباهها ؛ من كل ما يكون القصد منه أمر واحد ؛ هو : مجرد الدلالة على ذات المسمى وتعيينها وحدها ، دون غيرها ، ودون إفادة شىء يتصل بها ؛ كمدح أو ذم.
وأما اللقب فهو : علم يدل على ذات معيّنة مشخصة ، مع الإشعار - بمدح أو ذمّ ؛ إشعارا مقصودا بلفظ صريح (2)
وهذا أهم من تلك الدلالة ؛ إذ يمكن الوصول إليها من طريق آخر ، هو طريق الاسم ؛ فإنه يكاد يكون مقصورا عليها وحدها ، ومختص بها. وأما الكنية فإنها تدل معه على المسمى ، وتدل . على المدح والذم كاللقب : . طبقا لما أسلفنا . ولكن . ، من طريق التعريض ، لا من طريق التصريح ؛ لأن المتكلم حين يكنى عن شخص فيقول عنه : «أبو على» ـ مثلا . أو : «أم هانئ» . ... ولا يصرح بالاسم أ أو باللقب ، فإنما يرمى من وراء ذلك إلى تعظيمه ، أو تحقيره بعدم ذكر اسمه ؛ تعظيما وتقديسا ، أن يجرى اللسان به ، أو : تحقيرا ، وزراية ، وأنه لا يستحق الذكر. وقد يجىء التعظيم أو التحقير ضمينا أيضا ، ولكن من ناحية أن المضاف يكتسبه من المضاف إليه ؛ مثل : أبو الفوارس ، وأبو لهب ، وأم الدواهي (القنبلة الذرية) فقد فهم المدح ، أو الذم ، في الكنية فهما ضمنيا ، كشف عنه المضاف إليه. وقد يراد بالكنية التفاؤل بأن يعيش صاحبها حتى يكون أبا أو أخا .. لفلان. وقد يراد التشاؤم . ومما سبق نعلم أن كلا من اللقب
والكنية يؤدى أمرين معا ؛ هما :
ا . الدلالة على مسمى معين
ب . والمدح أو الذم. غير أن اللقب يدل عليهما بلفظ صريح مقصود ، وأن الكناية تدل عليهما من طريق ضمنى ، فيه التعريض ، وليس فيه التصريح المكشوف. وهذا هو الفارق بينها وبين اللقب. وشيء آخر ؛ هو : أن الاسم واللقب قد يدلان معا بلفظهما على مدح ظاهر ، أو ذم واضح : نحو : الحسين الصادق . الحطيئة الأجرب . ومعنى الحطيئة : القصير . وفى مثل هذه الصورة يكون الاسم هو ما وضعه الوالدان . ونحوهما . أولا دالا على المسمى : ليكون اسما له ابتداء ، مهما كان ذلك. وما استعمل في ذلك المسمى بعد وضع هذا الاسم الأول فإن كان مشعرا بمدح أو ذم فلقب ، وإن كان مصدرا باب أو أم ونحوهما مما سردناه فكنية. فاعتبار الإشعار بالمدح أو الذم ، وملاحظة التصدير بأب أو أم ، أو نحوهما مما ذكرناه إنما يكون بعد وضع اللفظ الدال على الذات أولا ، أى : بعد وضع الاسم -
راجع الصبان ، ج 1 أول باب الكلام وما يتألف منه عند قول ابن مالك : «قال محمد هو ابن مالك ...» فإن لم يعرف الموضوع ابتداء والسابق من الاسم واللقب فالأحسن اعتبار المتقدم هو الاسم والمتأخر هو اللقب ، والكنية هى المصدرة بأحد الألفاظ المعروفة ، (أب - أم ...).
؛ مثل : (بسّام ، الرشيد ، جميلة) (السفاح ، صخر ، عرجاء).1) أى : فى باب المعارف ، لا فى باب تقسيم الكلمة ؛ حيث الاسم يقابل هناك الفعل ، والحرف.
2) لأن كل واحد من القسمين الآخرين للعلم (وهما : الاسم والكنية) لا يخلو من مدح أو ذم ، ولو من ناحية بعيدة. غير أن المعول عليه فى اللقب - فوق دلالته على الذات المعينة - هو أن يدل على المدح أو الذم بلفظ صريح يشعر بأحدهما إشعارا واضحا قريبا. فليس المراد من اللقب مجرد الدلالة على الذات ، وإنما المقصود منه أمران معا ؛ الدلالة على المسمى المعين ، والإشعار بمدحه أو ذمه.
وأما الكنية فهى علم مركب تركيبا إضافيّا (1)
نجوت وقد بلّ المرادىّ سيفه *** من ابن أبى شيخ الأباطح طالب
- والمرادى هو قاتل على رضى اللّه عنه.
، بشرط أن يكون صدره (وهو المضاف) كلمة من الكلمات الآتية : (أب ، أمّ) ، (ابن ، بنت) (أخ ، أخت) (عمّ ، عمة) (خال ، خالة) ، مثل : الأعلام الآتية : (أبو بكر ، أبو الوليد) (أم كلثوم ، أمّ هانئ) ، (ابن مريم ، بنت الصديق) (أخو قيس ، أخت الأنصار) ، وهكذا (2)... وليس منه : أب لمحمد ، وأم لهند ، وغيرهما من كل مالا إضافة فيه على الوجه السابق.وكل قسم من الأقسام الثلاثة السالفة قد يكون مرتجلا أو منقولا ، مفردا أو مركبا ، إلا الكنية فإنها لا تكون إلا مركبة.
الأحكام الخالصة بالتقسيمات السالفة ، وتتركز فى النواحى الأربعة
الآتية :
أولها : الأحكام الخاصة بإعراب العلم المفرد ، والعلم المركب.
ثانيها : الأحكام الخاصة بالترتيب بين الاسم ، والكنية ، واللقب ، إذا اجتمع من هذه الأعلام اثنان ، أو ثلاثة.
ثالثها : الأحكام الخاصة بإعراب ما يجتمع منها.
رابعها : الأحكام المعنوية وبقية الأحكام اللفظية الأخرى التى تتصل بعلم الشخص وعلم الجنس. .
1) والكنية - مع تركيبها الإضافى - معدودة من قسم العلم الذى معناه إفرادى ؛ فكل واحد من جزأيها لا يدل بمفرده على معنى يتصل بالعلمية. ولهذا حين يقع بعدها تابع كالنعت مثلا فى قولنا : جاء أبو الفوارس الشجاع ، فإن النعت ، وهو هنا كلمة : «الشجاع» - يعتبر فى المعنى نعتا للاثنين معا ، أى : للمضاف والمضاف إليه ، ولا يصح أن يكون نعتا لأحدهما فقط ؛ وإلا فسد المعنى. ولكنه يتبع فى الإعراب المضاف وحده. أى : أن لفظه تابع فى حركة إعرابه للمضاف ، وأما معناه فواقع على المضاف والمضاف إليه معا. - راجع التصريح ج 2 آخر باب الإضافة ، عند الكلام على الشاهد الذى فى قول معاوية حين سلم من الطعنة ومات منها على بن أبى طالب :
2) وما سبق يقتضى أن يكون المضاف إليه غير لقب للمضاف ؛ فلا يصح فى الكنية أن يكون عجزها (وهو المضاف إليه) لقبا لصدرها ؛ (وهو المضاف) لأن الشىء لا يضاف إلى نفسه - فى الأغلب - كما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 285.
(ا) فأما العلم المفرد ، كحامد ، وسعيد ، وسميرة ، وعبلة ... فإنه يخضع فى إعرابه وضبط آخره لحاجة الجملة المشتملة عليه ؛ فقد يكون مبتدأ ، أو : خبرا ، أو فاعلا ... أو مفعولا ، أو مجرورا بالإضافة ، أو بالحرف ، أو غير ذلك ؛ فيرفع ، أو ينصب ، أو يجر على حسب ما تقتضيه الجملة. تقول : حامد أديب ، إن حامدا أديب. أعجبت بأدب حامد ؛ فتضبط كلمة : «حامد» بالضبط المناسب لموقعها (1)
«قال الرضى في باب العلم إذا نقلت الكلمة المبنية وجعلتها علما لغير ذلك اللفظ فالواجب الإعراب» ثم قال صاحب التصريح ما نصه : «فعلى هذا تقول في : كيف ، وهؤلاء ومنذ ، ... أعلاما : ياكيف ، ويا هؤلاء وياكم ، بضمة ظاهرة فهي متجددة للنداء)»
كالشأن فى كل الأسماء المنفردة.وأما العلم المركب : فإن كان تركيبه إضافيا ، كعبد اللّه - أعرب صدره وهو المضاف - كإعراب المفرد السابق (أى : على حسب حاجة الجملة ؛ فيكون مبتدأ ، أو خبرا ، أو فاعلا ، أو مفعولا ، أو غير ذلك.) ويبقى المضاف إليه على حالته ؛ وهى الجر دائما. تقول : عبد اللّه شاعر ، فاز عبد اللّه ، صاحبت عبد اللّه ، سارعت إلى عبد اللّه ؛ فالمضاف - وهو كلمة : عبد - تغيرت حركة آخره بتغير حاجة الجمل ، وبقى المضاف إليه مجرورا لم يتغير.
وإن كان تركيبه إسناديّا (مثل : فتح اللّه ... - الخير نازل) بقى على حاله قبل التسمية ؛ فلا يدخله تغيير مطلقا ، لا فى ترتيب حروفه ، ولا فى ضبطها ثم يجرى عليه ما يجرى على المفرد فيعرب على حسب حاجة الجملة التى تحتويه ؛ فيكون مبتدأ ، وخبرا ، وفاعلا ، ومفعولا ، وغير ذلك على حسب ما تقتضيه تلك الجملة. إلا أن آخره يظل على حاله ملتزما حركته الأولى قبل العلمية فى جميع تلك الحالات مهما تغيرت الجمل ؛ فكأنه كلمة واحدة تلازمها علامة واحدة للإعراب ، لا تتغير فى الرفع ، ولا فى النصب ، ولا فى الجر ، تقول : «فتح اللّه» نشيط. جاء «فتح اللّه». صاحبت «فتح اللّه» رضيت عن «فتح اللّه». فالعلم : (فتح اللّه) فى الجملة الأولى : مبتدأ ، مرفوع ، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره للحكاية (2)
(راجع مزية الحكاية في رقم ١ من هامش ص ۳۰ ثم من هامش : «ا» من ص ٤٤ م ٦٢ ح ٢) حيث الإيضاح المناسب. وإنما كانت الضمة مقدرة هنا وفي كل حالات الرفع لأن الضمة الموجودة حاليا هي الضمة التي كانت في العلم قبل أن يكون مبتدأ ؛ تترك مكانها لتحل فيه الضمة الخاصة بالمبتدأ.
.1) هذا الحكم عام ؛ يشمل الكلمة المبينة إذا نقلت من معناها ، وصارت علما ، فقد جاء فى التصريح ، ج 2 أول باب المنادى ما نصه :
2) الحكاية الأصيلة معناها : أن نردد اللفظ بحالته الأصلية ، ونعيد نطقه أو كتابته بالصورة التى سمعناها أو قرأناها ، من غير أن نغير شيئا من حروفه أو حركاته ، مهما غيرنا الجمل والتراكيب ويجوز أن نردده بمعناه إن لم تمنع مانع دينى أو غيره كإرادة النص عليه من غير إدخال تغيير فيه.
وفى المثال الثانى : فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره للحكاية ، وفى الثالث : مفعول به ، منصوب ، وعلامة نصبه فتحة مقدرة للحكاية ، وفى الرابع : مجرور ، وعلامة جره كسرة مقدرة للحكاية ؛ فهو لا يتأثر بالعوامل تأثرا ظاهرا ، وإنما يتأثر بها تأثرا تقديريا.
ويقال فى المثال الثانى : «الخير نازل» حضر. إن «الخير نازل» حضر ، سلّم على «الخير نازل» ، وهكذا فى كل مثال آخر من أمثلة المركب الإسنادى ، وملحقاته (1)فإنه يكون معربا تقديرا لأجل الحكاية (2).
وإن كان تركيبه مزجيّا غير مختوم بكلمة : (ويه) ، مثل : رامهرمز ونيويرك ... فإنه يعتبر كالكلمة الواحدة ؛ فيعامل من ناحية الإعراب معاملة المفرد ، فيكون على حسب جملته ؛ مبتدأ ، أو خبرا ، أو فاعلا ، أو مفعولا ، ... أو غير ذلك ؛ لكنه يرفع بالضمة من غير تنوين ، وينصب ويجر بالفتحة فى الحالتين من غير تنوين (3). تقول : رامهرمز جميلة ، إن رامهرمز جميلة ، سمعت
1) يدخل فى هذه الملحقات : العلم المنقول من حرفين ؛ مثل : ربما ، إنما .. والعلم المنقول من حرف واسم ؛ مثل : إن الرجل ... ، أو : من حرف وفعل ؛ مثل : لن يسافر ؛ فكل علم من هذه الأعلام وأشباهها ليس مركبا إسناديا ؛ لأنه ليس جملة. ولكنه عند الإعراب يحكى كالمركب الإسنادى. أما العلم المركب من موصوف وصفة ؛ مثل : «محمد الفاضل» فقد اعتبره أكثر النحاة ملحقا بالمفرد ، فتجرى على الموصوف حركات الإعراب على حسب الجملة ، وتتبعه الصفة فى تلك الحركات. ولعل الأفضل أن يكون ملحقا فى حكمه بالمركب الإسنادى فيحكى ؛ منعا من اللبس ومنع اللبس محن أهم الأغراض التى تحرص عليها اللغة. وكذلك قالوا فى التمسية بمثل : «عالم أبوه» ومثل (مكرم محمدا) فإن كلمة «عالم» و «مكرم» تعرب حسب العوامل التى قبلها أما كلمة : «أبوه» و «محمد» إبقيان على حالهما. والأفضل أيضا أن يجرى على هذا النوع حكم المركب الإسنادى ؛ منعا من اللبس، فلا إن كانت الأساليب الصحيحة تخالفه ، فيجب اتباعها ، والقياس عليها. ولكنى لم أهتد إلى شىء مسموع عن العرب من تلك الأساليب ...
2) هناك آراء أخرى فى طريقة إعرابه أهملناها ، لاعتبارات شتى ؛ فى مقدمتها ؛ أنها لا تلائم الحياة الحاضرة ، ولا تساير الأساليب المنتشرة اليوم.
3) لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتركيب المزجى ؛ فيرفع بالضمة ، وينصب بالفتحة ، ويجر بالفتحة أيضا ، من غير أن يدخله التنوين مطلقا ؛ فى حالة من تلك الحالات ما دام علما. - كما سبق فى «ب» من ص159. فإن خرج من العلمية جاز تنوينه على الوجه الذى أوضحناه فى رقم 2 من هامش ص 32.
برامهرمز ، فتتغير حركة الحرف الأخير وحده تبعا لحالة الإعراب ، ويبقى غيره على حالته الأولى.
فإن كان تركيبه مزجيّا مختوما بكلمة : «ويه» (مثل : حمدويه - خالويه) كان كسابقه خاضعا لحاجة الجملة ؛ فيكون مبتدأ ، أو خبرا ، أو فاعلا ، أو : مفعولا ... إلخ ، إلا أن آخره فى كل هذه الأحوال يكون مبنيّا على الكسر - فى المشهور - تقول : خالويه - عالم جليل - وإن خالويه عالم جليل - ولخالويه شهرة فائقة ... فقد وقعت كلمة : «خالويه» مبتدأ ، واسما لإن ، ومجرورة باللام ، ولم تتغير حالة آخرها بتغير الجمل ؛ بل لزمت البناء على الكسر ؛ فهى مبتدأ مبنية على الكسر فى محل رفع. وهى اسم إنّ مبنية على الكسر فى محل نصب ، وهى مجرورة باللام مبنية على الكسر فى محل جرّ (1)... وهكذا فى الأحوال التى تشابه ما سردناه.
1) هذا الإعراب فى الحالات الثلاث هو الأوضح والأسهل - كما قلنا فى ص 120 ومعه إعراب آخر ؛ ففى حالة الرفع نقول : مرفوع بضمة مقدرة ، منع من ظهورها حركة البناء الأصلى على الكسر. وفى حالة النصب منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها حركة البناء الأصلى على الكسر. وفى حالة الجر مجرور بفتحة مقدرة منع من ظهورها حركة البناء الأصلى على الكسر ... نقول هذه العبارات أو ما يماثلها فى تأدية المراد.
من أنواع المركب المزجى ما يستعمل غير علم ؛ كالمركب العددى ، أى : الأعداد المركبة ، وهى ؛ أحد عشر ، وتسعة عشر ، وما بينهما. فكل واحد منها مبنى دائما على فتح الجزأين فى جميع أحواله ، وفى كل التراكيب. ويقال فى إعرابه : مبنى على فتح الجزأين فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب حالة الجملة. ما عدا اثنى عشر ، واثنتى عشرة ؛ فإنهما يعربان إعراب المثنى. فاثنا واثنتا ترفعان بالألف فى حالة الرفع ، وتنصبان وتجران بالياء فى حالتى النصب والجر. أما كلمة : «عشر ، وعشرة» فهى اسم مبنى على الفتح لا محل له ، لأنها بدل من حرف النون فى المثنى. ويقال هذا فى إعرابهما - كما سبق (1)- وسيجىء تفصيل الكلام على هذا فى الباب الخاص بالعدد ، بالجزء الرابع.
وكالظروف المركبة ، مثل : (صباح مساء) فى مثل : (والدى يسأل عنا صباح مساء) أى : دائما. وكالأحوال المركبة فى مثل : «أنت جارنا بيت بيت» ، أى : ملاصقا ، وهذه الأعداد ، والظروف ، والأحوال - مبنية على فتح الجزأين فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب حالتها من الجملة ؛ تقول فى الأعداد : جاء أحد عشر رجلا ، وأبصرت أحد عشر رجلا ، ونظرت إلى أحد عشر رجلا. وتقول : أنا أسأل عنك «صباح مساء» أى : دائما. فهو ظرف مبنى على فتح الجزأين فى محل نصب. وتقول : أخى جارى «بيت بيت» فهو مبنى على فتح الجزأين فى محل نصب ، حال ، فيكون اللفظ المركب مبنيّا على فتح الجزأين فى محل رفع ؛ لأنه فاعل - مثلا ، أو شىء آخر يكون مرفوعا - ، وفى محل نصب لأنه مفعول به ، أو ظرف ، أو حال ، أو : شىء آخر منصوب ، وفى محل جر ؛ لأنه مجرور. فآخر كل كلمة من الكلمتين يلزم حركة واحدة لا تتغير ؛ هى الفتحة. وحكم هذا المركب هو البناء على الفتح ؛ فهو شبيه بالمركب المزجى المختوم بكلمة (ويه) حيث يلزم آخره حركة واحدة هى البناء أيضا ، ولكن على الكسر - على المشهور - فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب حالة الجملة. وهذا الإعراب فى الأمثلة
1) فى «و» من ص 122 ، وفى : «د» من ص 141.
السابقة نوع مما يسمونه الإعراب : «المحلّى» (1)حيث يكون للكلمة حالة لفظية ظاهرة ، حلت محل أخرى غير ظاهرة ، ولكنها ملحوظة برغم عدم ظهورها ؛ فتراعى فى التوابع وغيرها ، وهو غير «الإعراب التقديرى» الذى سبق الكلام عليه (2).
وما ذكرنا من حكم المركب المزجى بأنواعه المختلفة هو الذى يحسن الأخذ به ، والاقتصار عليه وحده فى استعمالنا ؛ لأنه أشهر الآراء وأقواها ... والاقتصار عليه يمنع الفوضى فى ضبط الكلمات ، ويريحنا من جدل أهل المذاهب المختلفة. وعلى الرغم من هذا سنذكر بعض الآراء الأخرى ، لا لاستعمالها ؛ ولكن ليستعين بها من يشاء فى فهم النصوص القديمة التى وردت بها ، واشتملت عليها.
فمن تلك الآراء أن المركب المزجى غير المختوم بكلمة : (ويه) يجوز فيه البناء على الفتح فى جميع حالاته. نقول : هذه بعلبكّ. إن بعلبكّ جميلة. لم أسكن فى بعلبكّ ، فتكون مبنية على الفتح دائما فى محل رفع ، أو نصب ، أو جرّ.
ومنها : أنه يجوز إعرابه إعراب المتضافين (3)؛ فيكون صدره - وهو المضاف - معربا على حسب حالة الجملة ، ويكون عجزه - وهو المضاف إليه - مجرورا أبدا ؛ تقول ؛ هذه بعل بك. إن بعل بكّ جميلة. لم أسكن فى بعل بك.
وفى هذه الحالة - وحدها - يحسن فى الكتابة فصل المضاف من المضاف إليه ، وعدم وصلهما خطّا. بخلاف أكثر الحالات الأخرى. كما أن المضاف فى هذه الحالة إن كان معتل الآخر فإنه يظل ساكنا دائما ، ولا تظهر عليه الحركة ؛ بل تقدر ؛ مثل : عرفت «معدى كرب» ، فكلمة «معدى» مفعول منصوب بفتحة مقدرة على الياء ؛ مع أن الفتحة تظهر على الياء دائما ، ولكنها لا تظهر هنا ، لثقلها مع التركيب - كما سبق البيان (4)-.
1) ومن أنواعه أيضا جميع الأسماء المبنية ؛ كأسماء الإشارة ، والموصول ، والضمير ، وبعض الأفعال المبنية ، كالماضى الواقع فعل شرط أو جوابه ؛ فإنه مبنى فى محل جزم. وكذلك بعض الجمل كالتى تقع خبرا ، أو صفة ، أو حالا ... - انظر البيان فى ص 80 ثم 178
2) فى ص 178
3) والإضافة هنا غير محضة للأسباب الموضحة فى موضعها الأنسب ، وهو باب الإضافة ، ج 3 ص 39 م 93 وفى باب الممنوع من الصرف 176 م 147
4) عند الكلام على المنقوص فى ص 177.
أما المركب المزجى المختوم بكلمة : (ويه) فقد أجازوا فيه حالة أخرى غير البناء على الكسر ، هى إعرابه كالممنوع من الصرف ، فيرفع بالضمة ، وينصب ويجر بالفتحة ، من غير تنوين فى الحالات الثلاث ؛ مثل : سيبويه إمام نحوىّ كبير ، عرفت سيبويه ، وتعلمت من سيبويه.
(ب) أما الترتيب بين قسمين (1)فيلاحظ فيه ما يأتى :
1 - لا ترتيب بين الاسم والكنية ، فيجوز تقديم أحدهما وتأخير الآخر ، مثل : أبو الحسن علىّ بطل ، أو : علىّ أبو الحسن بطل.
2 - لا ترتيب بين اللقب والكنية ؛ فيجوز تقديم أحدهما وتأخير الآخر ؛ مثل : الصّدّيق أبو بكر أول الخلفاء الراشدين ، أو : أبو بكر الصديق أول الخلفاء الراشدين.
3 - يجب الترتيب بين الاسم واللقب ؛ بحيث يتقدم الاسم ويتأخر اللقب (2).
مثل : عمر الفاروق هو الخليفة الثانى من الخلفاء الراشدين ، وهذا الترتيب واجب إن لم يكن اللقب أشهر من الاسم ؛ فإن كان أشهر جاز (3)الأمران ؛ مثل : المسيح (4)عيسى بن مريم رسول كريم ، أو : عيسى بن مريم المسيح رسول كريم. ذلك أن «المسيح» أشهر من «عيسى». ومثل : السفّاح عبد اللّه أول خلفاء العباسيين ، أو : عبد اللّه السفاح ... ومن أجل ذلك كثر تقديم ألقاب الخلفاء والملوك على أسمائهم.
ومما سبق نعلم أن الترتيب عند اجتماع قسمين (5)غير واجب إلا فى حالة واحدة (6)
واسما أتى ، وكنية ، ولقبا *** وأخرن ذا إن سواه صحبا
يريد : أن العلم ثلاثة أنواع ؛ فيأتى اسما ، أو : كنية ، أو : لقبا. ثم أشار إلى أن هذا (أى : اللقب) يتأخر إن صحب سواه من القسمين الآخرين ؛ بأن اجتمع مع الاسم أو الكنية. ولكن هذا الرأى يخالف المشهور ؛ من أن اللقب لا يتأخر إلا مع الاسم فقط ، دون الكنية - بالشرط الذى قدمناه - ولو أنه قال : «وأخرن ذا إن سواها صحبا» لكان أحسن ، وأوفق فى بيان أن المراد تأخير اللقب إن صحب شيئا سوى الكنية.
هى حالة اجتماع الاسم واللقب ؛ فيجب تأخير اللقب عنه بشرط ألا يكون أشهر من الاسم ؛ فإن كان أشهر جاز الأمران. ة.1) أما حكم الترتيب عند اجتماع الثلاثة فيجىء فى ص 287.
2) أما حكم الترتيب عند اجتماع الثلاثة فيجىء فى ص 287.
3) وتأخير اللقب عن الاسم واجب - بشرطه - سواء أوجد مع الاسم كنية أم لم توجد.
4) وهناك صورة أخرى لا يجب فيها تقديم الاسم وتأخير اللقب ؛ هى : أن يكون اجتماعهما على سبيل إسناد أحدهما للآخر. أى : الحكم على أحدهما بالآخر سلبا أو إيجابا. ففى هذه الحالة يتأخر المحكوم به ، ويتقدم المحكوم عليه. فإذا قيل : من زين العابدين؟ فأجبت : زين العابدين على - فهنا بتقدم اللقب ؛ لأنه المعلوم الذى يراد الحكم عليه بأنه على ، ويتأخر الاسم ، لأنه محكوم به ... وإذا قيل : من على الذى تمتدحونه؟ فأجبت : على زين العابدين. فيتقدم الاسم هنا ؛ لأنه المعلوم الذى يراد الحكم عليه ، ويتأخر اللقب ، لأنه محكوم به. وهكذا - انظر رقم 7 من هامش ص 401 ورقم 2 من هامش ص 449. فعندنا صورتان لا يجب تأخير اللقب فيهما.
5) معانى المسيح كثيرة : منها : أنه يمسح الباطل ويزيله.
6) وإلى ما سبق يشير ابن مالك بقوله :
(ح) أما إعراب قسمين عند اجتماعها فيتّبع فيه ما يأتى :
1 - إن كان القسمان مفردين (1)مثل : «علىّ سعيد» جاز اعتبارهما متضابفين (2)فيكون الأول هو المضاف ، ويضبط ويعرب على حسب حاجة الجملة. ويكون الثانى هو المضاف إليه ، وهو مجرور دائما ؛ تقول : غاب علىّ سعيد ، عرفت علىّ سعيد ، وسألت عن علىّ سعيد (3)
فإذا أضفت الاسم إلى اللقب صار كالاسم الواحد ، وسلب ما فيه من تعريف العلمية ؛ كما إذا أضفته إلى غير اللقب ؛ نحو : «زيدكم» ، فصار التعريف بالإضافة ، وجعلت الألقاب معارف ؛ لأنها جرت مجرى الأعلام ، وخرجت عن التعريف الذى كان لها بالألف واللام قبل التلقيب . أى : إن وجدا من قبل . ؛ كما أنا إذا قلنا : «الشمس» كان معرفة بالألف واللام ، وإذا قلنا : «عبد الشمس» . كان من قبيل الأعلام. فالعلم يفقد التعريف بالعلمية عند إضافته إلى اللقب ويكتسب تعريفا جديدا بالإضافة. وكل هذا بشرط إضافته إلى اللقب)... اه ثم راجع رقم ٢ من هامش ص ٢٦٤ .
، وجاز عدم إضافتهما فيعرب الأول ويضبط على حسب حالة الجملة ويكون الثانى ثابعا له (4)فى جميع حركات الإعراب ؛ فتكون كلمة : «سعيد» مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة تبعا للكلمة1) وفى هذه الحالة لا بد أن يكون أحدهما اسما والآخر لقبا ؛ إذ لا دخل للكنية فى الإفراد ؛ لأنها لا بد أن تكون مركبة تركيبا إضافيا كما سبق فى ص 277. ولا بد أن يكون المضاف إليه معها غير لقب للمضاف ؛ إذ الشىء لا يضاف - فى الأغلب - إلى نفسه ، طبقا للبيان السابق فى رقم (2) من هامش ص 277.
2) بشرط ألا يمنع من الإضافة مانع. كوجود «أل» فى العلم الأول منهما ؛ مثل ؛ (السعد المقنع) اسم رجل ، ولقبه ؛ فلا يجوز إضافة «السعد» إلى المقنع ؛ لأن الإضافة المحضة تمتنع فيها «أل» من المضاف. كما تمتنع الإضافة إذا كان المضاف والمضاف إليه بمعنى واحد ؛ كما يبدو هنا فى ظاهر الأمر ، ولكنهما مختلفان تأويلا ؛ فأحدهما يراد به الاسم المجرد ، والآخر يراد به المسمى ؛ - كما سيجىء فى باب الإضافة ج 3 ص 35 م93. والحاجة إلى هذا التأويل فى هذا الوجه جعلت الإعراب على الوجه التالى أفضل ؛ لخلوه منه. وهذا النوع من إضافة الاسم إلى المسمى ؛ (أى : إلى اللقب).
3) جاء فى ص 23 ج 1 من شرح المفصل ما ملخصه : إذا لقبت علما مفردا بمفرد أضفت العلم إليه ، نحو : سعيد كرز. كان اسمه : «سعيدا» ، ولقبه «كرزا». فلما جمع بينهما أضيف العلم إلى اللقب. وكذلك. «قيس قفة ، وزيد بطة».
4) فيعرب الثانى بدلا من الأول ؛ بدل كل من كل ، أو يعرب عطف بيان ، أو توكيدا لفظيا بالمرادف ؛ فهذه الإعرابات الثلاثة جائزة. إلا إن منع من البدل مانع مما ذكروه فى فى بابه ؛ فيمتنع ويبقى الإعرابان الآخران. هذا وإعراب الثانى تابعا للأول على وجه من الأوجه الثلاثة ، قوى لا تأويل فيه ، فهو خير من الإعراب فى الحالة الأولى ؛ حالة اعتبارهما متضابقين لما فيها من التأويل الذى أشرنا إليه فى رقم (2) .
الأولى ؛ وهى علىّ. ولا دخل للكنية هنا لأن الكنية مركبة تركيبا إضافيّا ، فتدخل فى الأحوال الثلاثة الآتية الخاصة بالمركب الإضافى ، ولا تدخل فى المفرد الذى نحن بصدده - كما أشرنا من قبل -.
2 - وإن كان القسمان ، مركبين معا تركيب إضافة ؛ مثل : «عبد العزيز سعد اللّه» فإن المضاف الأول ، وهو : «عبد» يضبط ويعرب على حسب حاجة الجملة ، ويكون المضاف الثانى ، وهو : «سعد» تابعا له (1)فى حركات إعرابه.
3 - وإن كان الأول هو المفرد والثانى هو المركب تركيب إضافة ؛ مثل : «على زين العابدين» - أعرب المفرد على حسب حالة الجملة ، وجاء المضاف الذى بعده تابعا له فى حركته ؛ تقول : علىّ زين العابدين شريف. إن عليّا زين العابدين شريف. وما ذا تعرف عن علىّ زين العابدين؟
ويجوز شىء آخر ؛ أن يكون الأول المفرد مضافا ؛ يضبط ويعرب على حسب حاجة الجملة ، وأن يكون المضاف إليه هو صدر الثانى ؛ تقول : علىّ زين العابدين شريف ، إن علىّ زين العابدين شريف. ماذا تعرف عن علىّ زين العابدين ؛ فتكون كلمة : «علىّ» معربة على حسب العوامل ، ومضافة. وتكون كلمة : «زين» مضافة إليها مجرورة.
(4) إن كان الأول هو المضاف والثانى هو المفرد ؛ مثل : زين العابدين علىّ - فإن صدر الأول ؛ أى : المضاف ، يضبط ويعرب على حسب حاجة الجملة ، ويعرب المفرد تابعا له ، تقول : زين العابدين علىّ شريف ، إن زين العابدين عليّا شريف ، عطفت على زين العابدين علىّ.
أما المركب المزجى وملحقاته ، والمركب الإسنادىّ فلا يعتد بتركيبهما فى هذا الشأن وإنما يعتبر كل منهما بمنزلة المفرد عند اجتماعه بقسم آخر وتجرى عليه أحكام المفرد السابقة (2).
1) فيعرب بدل كل من كل ؛ أو عطف بيان ، أو توكيدا لفظيا بالمرادف ؛ بالإيضاح الذى سبق فى رقم 4 من هامش الصفحة الماضية.
2) مع ملاحظة الحالة الإعرابية الخاصة بكل منهما - كما شرحناها فى ص 277 وما بعدها - فالمركب الإسنادى يلزم آخره حركة واحدة ؛ رفعا ، ونصبا. ، وجرا ، بسبب الحكاية. والمركب - ... المزجى المختوم بكلمة «ويه» يلزم آخره حالة واحدة ؛ وهى : البناء على الكسر - فى الأغلب -. وإن لم يكن مختوما بكلمة «ويه» : رفع بالضمة من غير تنوين ، ونصب وجر بالفتحة من غير تنوين فيهما ؛ لأنه ممنوع من الصرف - فى الأشهر -. وهذه هى الأحكام الإعرابية التى يجمل الاقتصار عليها الآن ، وترك ما عداها مما يدخل فى باب اللّهجات التى لا تناسب حاضرنا ... ويلاحظ كذلك أن الثانى فى الصور السالفة كلها يجوز فيه «القطع» المشار إليه فى رقم 1 من هامش ص 288
وإلى هنا ينته الكلام على الترتيب والإعراب (1)
وإن يكونا مفردين فأضف *** حتما ، وإلّا أتبع الذى ردف
يريد : إذا اجتمع قسمان من أقسام العلم ، وكانا مفردين ، مثل : سعيد محمود - وجب عنده إعرابهما متضايفين ؛ فالأول - وهو المضاف - يعرب على حسب حالة الجملة ، والثانى يعرب مضافا إليه مجرورا. هذا رأى ابن مالك ، وقد عرفنا البيان الشافى فى ذلك ؛ حيث أوضحنا أن الإضافة ليست واجبة ، وإنما هى جائزة كالإتباع : بل الإتباع أفضل.
ثم يقول : إن لم يكونا مفردين ؛ بأن يكونا معا مركبين تركيب إضافة ، أو يكون الأول مركبا إضافيا والثانى مفردا ، أو العكس - فإن الأول يعرب على حسب حاجة الجملة ، والثانى يكون تابعا له فى حركة الإعراب (فيكون : بدلا ، أو عطف بيان ، أو توكيدا لفظيا بالمرادف) ومعنى «الذى ردف» أى : الذى جاء ردفا للأول ، أى : بعده ، متأخرا عنه.
ثم أشار إلى نوعين من أنواع العلم ؛ هما : المركب الإسنادى والمزجى ؛ فقال :
وجملة ، وما بمزج ركّبا *** ذا إن بغير : «ويه» تمّ - أعربا
أى : أن التركيب الأسنادى وهو المراد بقوله «جملة» وكذلك المركب المزجى غير المختوم بكلمة : «ويه» فإنهما يعربان على حسب حاجة الجملة. وقد شرحنا طريقة إعرابهما ، وإن لم يوضحها الناظم ، كما شرحنا طريقة إعراب المركب المزجى المختوم بويه. ثم أشار إلى المركب الإضافى من غير أن يذكر حكمه بقوله :
وشاع فى الأعلام ذو الإضافة *** كعبد شمس ، وأبى قحافه
وعبد شمس : علم على جد معاوية ، وأبو قحافة : علم على والد أبى بكر الصديق. وفى هذا البيت والذى قبله إشارة إلى الأنواع الثلاثة للعلم المركب ، وهى : العلم المنقول من جملة ، وهو المركب الإسنادى ، والعلم المركب تركيبا مزجيا ، والعلم المركب تركيبا إضافيا.
بين قسمين عند اجتماعهما. أما إذا اجتمعت الأقسام الثلاثة : (الاسم ، والكنية ، واللقب) فيراعى فى الترتيب بينها ما سبق إيضاحه ؛ حيث يجوز تقديم بعضها على بعض. إلا اللقب فلا يجوز تقديمه - فى أكثر حالاته - على الاسم (2)؛ ففى مثل : عمر بن الخطاب الفاروق - يجوز أن تقدم أو تؤخر ما شئت من الاسم ، أو : الكنية ، أو اللقب. إلا صورة واحدة لا تجوز ؛ وهى : تقديم كلمة «الفاروق» على «عمر». .وكذلك يراعى فى الإعراب بين الأول والثانى ما سبق أيضا. أما الثالث فيكون تابعا للأول فى حركاته (1)
وفى مثل : عرفت سعدا . زغلول . يجوز فى كلمة : (زغلول) الرفع ؛ فتكون مقطوعة عن حركة الأول غير تابعة له ؛ فتعرب خبرا لمبتدأ محذوف ، تقديره : هو ، مثلا. وفى مثل : سمعت عن سعد . زغلول . يجوز فى كلمة (زغلول) الرفع ، أو النصب ، على القطع السالف ، كما يجوز فيها الجر على أنها تابعة له وملخص ما سبق فى القطع أنه : مخالفة الثاني والثالث لحركة الاسم الأول. فإذا كان الأول مرفوعا جاز في غيره النصب ، فقط على القطع ، مع إعراب المقطوع مفعولا به لفعل محذوف. وإذا كان الأول منصوبا جاز في الباقي الرفع مع إعرابه خبر مبتدأ محذوف. وإذا كان الأول مجرورا جاز في الباقي الرفع أو النصب أو الجر مع إعرابه في كل حالة بما يناسبها.
أما الغرض من القطع ومن العدول عن الإعراب الذى أوضحناه للتابع. إلى الإعراب الآخر الذي أوضحناه هنا أيضا ، فغرض بلاغى ؛ هو بيان أن المقطوع يستحق اهتماما خاصا ؛ لرفعة شأنه ، أو حقارة منزلته. وقد أوضحنا القطع . بتفصيل مناسب . والغرض البلاغى منه في باب المبتدأ والخبر لمناسبة أقوى ؛ وهى : مناسبة حذف المبتدأ وجوبا ص ٤٦٣ م ٣٩ أما موضعه الأصيل وبيانه الأكمل فباب النعت من الجزء الثالث. ص ٣٧٥ م ١١٥.
.د - هذا ، وما يخص الأقسام السالفة من الأحكام المعنوية وباقى الأحكام اللفظية الأخرى فقد سبق الكلام عليها (2).
1) ويجوز فيه أيضا ما يسمى : (القطع) وهو جائز فيه وفى غيره على التفصيل الآتى : إذا اجتمع قسمان من أقسام العلم أو ثلاثة ، فإنه يجوز دائما فى الثانى والثالث - إن وجد - : (القطع) وهو المخالفة للأول فى حركته ، والانفصال عنها إلى حركة الرفع ، أو النصب ؛ بشرط أن يكون الرفع أو النصب غير موجود فى الأول ؛ فإن كان الأول مرفوعا جاز أن تقطع ما بعده إلى النصب ، وإن كان منصوبا جاز أن تقطع ما بعده إلى الرفع. وإن كان الأول مجرورا جاز فيما بعده القطع إلى الرفع. أو النصب ، زيادة على الجر .. تقول فى : سعد زغلول : اشتهر سعد - زغلولا - بالخطابة ، فيجوز قطع كلمة : «زغلول» عن الرفع. أى : عن أن تكون مثل الأول فى حركته ، وعن أن تكون تابعا له. وإنما تكون منصوبة ، مفعولا به لفعل محذوف تقديره : أعنى ، أو : أريد ... أو نحو ذلك.
2) فى صفحتى 263 و 266 وما بعدهما.
اسم الإشارة (1)
تعريفه : اسم يعين مدلوله تعيينا مقرونا بإشارة حسية إليه ؛ كأن ترى عصفورا فتقول وأنت تشير إليه : «ذا» رشيق ؛ فكلمة : «ذا» تتضمن أمرين معا ، هما : المعنى المراد منها : (أى : المدلول) ، وهو : : جسم العصفور ، والإشارة إلى ذلك الجسم فى الوقت نفسه. والأمران مقترنان ؛ يقعان فى وقت واحد (2)؛ لا ينفصل أحدهما من الآخر.
والغالب أن يكون المشار إليه (وهو : المدلول) شيئا محسوسا (3)كالمثال السابق.
وكأن تشير بأحد أصابعك إلى كتاب ، أو قلم ؛ أو سيارة ، وتقول : ذا كتاب - ذا قلم - ذى سيارة. وقد يكون شيئا معنويّا ، كأن تتحدث عن رأى ، أو : مسألة فى نفسك ، وتقول : ذى مسألة تتطلب التفكير - ذا رأى أبادر بتحقيقه ...
تنقسم أسماء الإشارة بحسب المشار إليه إلى قسمين ؛ قسم يجب أن يلاحظ فيه المشار إليه من ناحية أنه مفرد ، أو مثنى ، أو جمع (4)... ، مع مراعاة التذكير ، والتأنيث ، والعقل (5)، وعدمه فى كل ذلك (6). وقسم يجب أن يلاحظ فيه المشار إليه أيضا ، ولكن من ناحية قربه ، أو بعده ، أو توسطه بين القرب والبعد (7).
1) اسم الإشارة اسم مبهم كما سيجىء البيان فى «ج» من ص 305 وفى رقم 3 من هامش ص 306
2) انظر ص 86.
3) مما تجب ملاحظته أن الإشارة نفسها لا بد أن تكون حسية. أما مدلولها - وهو المشار إليه - فقد يكون حسيا وهو الأصل ، وقد يكون معنويا.
4) إذا كان المشار إليه اسم جنس جمعيا فله حكم خاص سبق بيانه فى رقم 3 من هامش ص 21 وفى رقم 6 من ص 239.
5) والمراد بالعاقل : من له قدرة على الفهم ، والتعلم والحكم ، بأصل طبيعته ؛ ولو فقد تلك القدرة لسبب عارض. وقد يعبر النحاة أحيانا «بالعالم» بدلا من : العاقل.
6) إذا اختلف المشار إليه فى التذكير والتأنيث مع المراد الأصيل منه جاز فى اسم الإشارة التذكير والتأنيث ؛ مراعاة لأحدهما ؛ نحو : القطن محصول أساسى عندنا. وهذه الثروة يجب العنابة بها ، أو : وهذا ثروة يجب العناية بها. ومثل : كتاب البخلاء للجاحظ زاد أدبى رائع وهذه مزية يسعى وراءها الأديب ، أو : وهذا مزية يسعى وراءها الأديب ومن الأمثلة قوله تعالى : ( فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ ) - وقد أشرنا لهذا فى رقم 7 من ص 239 وسيجىء فى ص 414.
7) تقدير القرب والبعد والتوسط متروك للعرف الشائع عند المتكلم ومن معه.
فالقسم الأول خمسة أنواع :
(ا) ما يشار به للمفرد المذكر مطلقا ؛ (أى : عاقلا أو غير عاقل) : وأشهر أسمائه «ذا» (1)
هذلؤه الدّفتر خير دفتر *** فى يد قرم ماجد مصدّر
مع الاقتصار فى استعمالنا على «ذا» كما سبق.
. نحو : ذا طيار ماهر - ذا بلبل صدّاح (2)ولقد سئمت من الحياة وطولها *** وسؤال هذا الناس كيف لبيد
.(ب) ما يشار به للمفردة (3)المؤنثة - عاقلة وغير عاقلة - وهو عشرة ألفاظ ؛ خمسة مبدوءة بالذال هى : ذى - ذه - ذه - بكسر الهاء مع اختلاس (4)كسرتها - ذه - بكسر الهاء مع إشباع الكسرة (5)نوعا - ذات (6)
والغالب فيها الضم ، فهى إشارة مبنية على الضم فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر على حسب موقعها فى جملتها.
.وخمسة مبدوءة بالتاء ، هى : تى - تا - ته - ته ، بكسر الهاء مع اختلاس الكسرة - ته (7)- بكسر الهاء مع إشباع الكسرة نوعا. تقول : ذى الفتاة .
1) «ذا» هو الأشهر. ويحسن الاقتصار عليه حرصا على التيسير والإيضاح ، وترك ما عداه مما هو مسموع بقلة عند العرب ؛ مثل : «ذاء» ، بهمزة مكسورة. و «ذائه» بهمزة مكسورة دائما ، بعدها هاء مكسورة كذلك ، و «ذاؤه» بهمزة وهاء مضمومتين دائما. و «آلك» - للبعيد - بهمزة ممدودة هى اسم الإشارة ، بعدها لام مكسورة للبعد ، فكاف للخطاب (أى : ذلك). فهذه الألفاظ الواردة لإشارة المفرد المذكر خمسة ؛ سردناها لنستعين بمعرفتها على فهم ما ورد منها فى الكلام القديم ، مثل قول القائل :
2) المفرد إما أن يكون مفردا حقيقة كالمثالين المذكورين ، أو حكما ؛ كالإشارة إلى جمع ، أو فريق ؛ مثل : هذا الجمع مسارع للخيرات ، هذا الفريق غالب. وأيضا فى مثل : الصيف حار ، والشتاء بارد. أما الخريف فبين ذلك : أى : بين المذكور من الحار والبارد. ومما وقعت الإشارة به للجمع حكما قول الشاعر :
3) سواء أكانت مفردة حقيقة كما مثل ، أم حكما : مثل الفرقة والجماعة - على الوجه المتقدم فى رقم 2 -
4) الاختلاس هو : النطق بالحركة خفيفة سريعة ، مع عدم إطالة الصوت بها.
5) الإشباع إيضاح الحركة ، مع تقويتها وإطالة الصوت بها ؛ حتى ينشأ من ذلك حرف علة مناسب لها ؛ - كالواو بعد الضمة ؛ والياء بعد الكسرة - وهو حرف علة زائد يقال له : حرف إشباع. ويجوز كتابتها مع الإشباع هكذا : «ذهى» بإثبات الياء الناشئة من إطالة الصوت بالكسرة.
6) ومن التيسير أن نجعلها كلها اسم إشارة ، ولا نتابع الرأى القائل : إن اسم الإشارة هو «ذا» وحدها ، وإن التاء للتأنيث.
7) ويجوز إثبات الياء الناشئة من الإشباع هكذا «ته».
شاعرة ... تى الفتاة محسنة ... وكذا الباقى منهما (1)
بذا لمفرد مذكر أشر *** بذى ، وذه ، تى ، تا ، على الأنثى اقتصر
أى : أشر للمفرد المذكر بكلمة : «ذا» واقتصر فى الإشارة إلى الأنثى على كلمة : «ذى» و «ذه» و «تى» و «تا». ولم يذكر الباقى.
.(ح) ما يشار به للمثنى المذكر مطلقا - أى : عاقلا وغير عاقل - ، وهو لفظة واحدة : «ذان» رفعا ، وتصير : «ذين» نصبا وجرّا (2)
و «ذان ، تان» ، للمثنّى المرتفع *** وفى سواه «ذين». «تين». اذكر تطع
أى : للمثنى فى حالة رفعه صيغتان ؛ هما : ذان ، وتان ، ولم يوضح المشار إليه بهما وقد عرفناه : («ذان» للمثنى المذكر المرفوع ، و «تان» للمثنى المؤنث المرفوع) ، وفى سوى الرفع يقال فيهما : «ذين» بالياء والنون. ويجوز تشديد النون ، وعدم تشديدها فى : (ذان ، وتان) وكذلك فى (ذين وتين) لكن عند تشديدها فى الأخيرتين تتحرك الياء بالفتحة. أى : أنها تتحرك بالفتحة فى حالتى نصبهما وجرهما إذا شددت النون - وستجىء الإشارة لهذا فى هامش ص 309.
. تقول : ذان عالمان ، إنّ ذين عالمان ، سلمت على ذين ، فيعرب كالمثنى ، أى : «ذان» : مبتدأ مرفوع بالألف. «ذين» : اسم : «إنّ» منصوب بالياء. «ذين» ، مجرور بعلى ، وعلامة جره الياء أيضا.(د) ما يشار به إلى المثنى المؤنث مطلقا ، وهو لفظة واحدة : «تان» رفعا «وتصير : تين» نصبا وجرّا ؛ تقول : تان محسنتان ؛ إن تين محسنتان ، فرحت بتين المحسنتين. «تان» مبتدأ مرفوع بالألف. «تين» اسم : «إن» منصوب بالياء. «تين» مجرور بالباء ، وعلامة جره الياء.
(ه) ما يشار به للجمع مطلقا (مذكرا ومؤنثا ، عاقلا وغير عاقل) هو لفظة واحدة : «أولاء» (3)
وبأولى أشر لجمع مطلقا *** والمدّ أولى ...
. ممدودة فى الأكثر ، أو : أولى مقصورة ؛ مثل : أولئك الصناع نافعون. ومثل : «إن السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسئولا» (4)والمقصود بالمد في البيت السالف (فى رقم ۳) الإشباع الذى شرحناه في رقم ٥ من هامش ص ٢٩٠ وهو المد الصرفى الذى يقضى بوجود همزة في آخر الكلمة بعد ألف المقصور. أما الهمزة التي فى أول كلمة : «أولى» فلا يصح إشباعها عند النطق بها ، بالرغم من أن قواعد الإملاء توجب زيادة واو بعدها في الكتابة للفرق بينها وبين كتابة : «الأولى» التي هي اسم موصول - كما ستجيء في رقم ١ من هامش ص ۳۱۰ . وهذه العلة لا تثبت اليوم على التمحيص. وقد آن الوقت لإعادة النظر في قواعد الإملاء على يد المختصين بهذه الشئون ولا سيما المجمع اللغوى.
.1) يقول ابن مالك :
2) يقول ابن مالك :
3) يقول ابن مالك :
4) المد والقصر عند اللغويين والقراء - كما سبق عند الكلام على المقصور فى رقم 5 من هامش ص 170 وكما يجىء فى رقم 1 من هامش ص 310 وكذا رقم 1 من هامش ص 450 م 170 ج4. يكون فى المعرب وفى المبنى كما نرى هنا فى كلمة : «أولاء» أما عند النحاة فمقصوران على المعرب.
أما القسم الثانى من أسماء الإشارة ، وهو الذى يلاحظ فيه المشار إليه من ناحية قربه ، أو بعده ، أو توسطه بين القرب والبعد ؛ فإنه ثلاثة أنواع :
(ا) الأسماء التى تستعمل فى حالة قربه. هى : كل الأسماء السابقة الموضوعة للمفرد ، والمفردة ، والمثنى والجمع ، بنوعيهما ، من غير اختلاف فى الحركات أو الحروف ، ومن غير زيادة شىء فى آخرها.
(ب) الأسماء التى تستعمل فى حالة توسطه للدلالة على أن المشار إليه متوسط الموقع بين القرب والبعد ، هى : بعض الأسماء السابقة بشرط أن يزاد فى آخر اسم الإشارة الحرف الدال على التوسط ، وهذا الحرف هو : «كاف الخطاب الحرفية (1). فإنها وحدها - بغير اتصال لام البعد بها - هى الخاصة بذلك. وهى تلحق الآخر من بعض أسماء الإشارة ، دون بعض آخر ؛ فتلحق آخر أسماء الإشارة التى للمفرد المذكر ، والتى للمثنى ، والتى للجمع بنوعيهما ؛ نحو : ذاك المكافح محبوب - ذانك المكافحان محبوبان - تانك الطبيبتان رحيمتان - أولئك المقاومون للظلم أبطال ، أو : أولاك (بمد كلمة : «أولاء» وقصرها).
1) هذه الكاف حرف مبنى ، وليست ضميرا ؛ فلا يصح أن يكون اسم الإشارة مضافا ؛ وهى مضاف إليه ؛ لأنها حرف كما قلنا ؛ ولأن اسم الإشارة بجميع أنواعه - حتى المثنى منه - لا يضاف ، لأنه (ما عدا المثنى) مبنى - كما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 301 - ، والمبنى فى أكثر حالاته لا يضاف. ومع أن هذه الكاف حرف خطاب فإنها فى غير كلمة : «هنا» الآتية فى ص295. تتصرف (كما تتصرف الكاف الاسمية التى هى ضمير خطاب على حسب المخاطب) فتكون الحرفية مبنية على الفتح للمخاطب المفرد ، المذكر ، وعلى الكسر للمخاطبة نحو : ذاك - ذاك. وتلحقها علامة التثنية ، وميم جمع المذكر ، ونون النسوة ؛ نحو : ذاكما - ذاكم - ذاكن. وهذا هو «التصرف الكامل» وهو أشهر اللغات وأسماها ، ويحسن الأخذ به وحده ؛ لأنه يساعد على زيادة الإيضاح ومنع اللبس. وهناك لغة أخرى لا تلحق بها علامة ، وتبنيها على الفتح لكل أنواع المخاطب المذكر ، وعلى الكسر لكل أنواع المخاطب المؤنث. وهذا هو «التصرف الناقص». وهو فى درجته أقل من الأول. ويلى هذا «عدم تصرفها» مطلقا. فتبنى على الفتح فى جميع أحوال الخطاب.
وكذلك تلحق ثلاثة من أسماء الإشارة الخاصة بالمفرده المؤنثة ، هى : (تى - تا - ذى) ؛ نحو : تيك الدار واسعة ... ولا تلحق آخر السبعة الأخرى التى للمفردة المؤنثة ، فباستبعاد هذه السبعة تكون بقية أسماء الإشارة التى للقرب صالحة للتوسط أيضا
«ملاحظة» : هذه الكاف تلحق اسم إشارة للمكان وهو يعتبر فى الوقت نفسه ظرفا من ظروف المكان ؛ ونعنى به الظرف : «هنا» - وسيجىء أيضا إيضاحه قريبا (1)- ؛ نحو : هناك فى أطراف الحديقة دوح ظليل.
ولا تلحق آخر اسم الإشارة إذا كان مبدوءا بحرف التنبيه : «ها» وبينهما فاصل ؛ كالضمير فى مثل : هأنذا محب للانصاف ؛ فلا يقال فى الأفصح : هأنذاك - كما سيجىء (2)-.
وخلاصة ما تقدم أن الأسماء التى للمتوسط هى الأسماء السابقة التى للقرب. ولكن بشرط زيادة «كاف» الخطاب الحرفية فى آخر الاسم للدلالة على التوسط ؛ تقول : ذاك الطائر مغرد ... ، تيك الغرفة واسعة ... وبشرط أن كاف الخطاب الحرفية لا تدخل فى اسماء الإشارة الخاصة بالمفردة المؤنثة إلا فى ثلاثة : «تى» و «تا» و «ذى» ولا تدخل فى السبعة الأخرى - على الصحيح -. وهذا هو الموضع الثانى الذى لا تدخله تلك الكاف(3).
(ح) الأسماء التى تستعمل فى حالة بعده.
لا سبيل للدلالة على أن المشار إليه بعيد إلا بزيادة حرفين فى آخر اسم الإشارة ، هما : لام فى آخره تسمى : «لام البعد» يليها «كاف الخطاب» الحرفية حتما ، ولا توجد «لام البعد بغيرها. وهذه اللام تزاد فى آخر بعض الأسماء دون بعض : فتزاد مع «الكاف» فى آخر أسماء الإشارة التى للمفرد ؛ نحو : ذلك الكتاب لا ريب فيه. وفى آخر ثلاثة من الأسماء التى لإشارة المفردة (وهى الثلاثة التى تدخلها «كاف» الخطاب الحرفية دون السبعة الأخرى التى لا تدخلها) ؛ نحو : تلك الصحارى ميادين أعمال ناجحة. وتزاد فى آخر كلمة : «أولى» المقصورة التى هى اسم إشارة للجمع
مطلقا ، نحو : أولا لك المغتربون فى طلب العلم جنود مخلصون ، دون «أولاء» الممدودة التى اسم الإشارة للجمع - فى الرأى الأرجح - فلا يقال : أولاء لك (1)المغتربون مخلصو ...
ولا تزاد فى اسم الإشارة الذى للمثنى المؤنث أو المذكر. ولا فى اسم الإشارة المبدوء بحرف التنبيه : «ها» ، والمختوم ب «كاف» الخطاب الحرفية ؛ فلا يصح فى مثل : «هذاك وهاتاك» أن يقال : هذا لك ، ولا هاتا لك ... على اعتبار «اللام» فيهما للبعد ، و «الكاف» حرف خطاب.
ومما سبق يتبين أنه لا يجوز زيادة لام البعد وحدها بغير «كاف» الخطاب الحرفية بعدها ، ولهذا يمتنع زيادة «لام البعد : فى آخر الأسماء الخالية من تلك «الكاف» إما لأن «الكاف» لا تدخلها مطلقا ؛ كالأسماء السبعة التى لإشارة المفردة ، وإما لأنها تدخلها ولكن اسم الإشارة خال منها عند الرغبة فى إلحاق لام البعد بآخرها. وإن شئت فقل : إن أسماء الإشارة التى تستعمل فى حالة البعد لا بد أن يزداد فى آخرها حرفان معا : لام تسمى : لام البعد (2)، وحرف الخطاب (الكاف) بعدها ؛ نحو : ذلك السّبّاح بارع. وهذه اللام لا توجد وحدها بغير كاف الخطاب ؛ فيجوز إلحاقها بآخر أسماء الإشارة التى للمفرد والمفردة بشرط وجود تلك الكاف. ويمتنع إلحاقها بأسماء الإشارة التى لا تدخلها الكاف مطلقا (3)، أو التى تدخلها ، ولكنها غير موجودة فيها عند الرغبة فى إلحاق اللام. وكذلك يصح إلحاق هذه اللام بكلمة «أولى» المقصورة ، دون الممدودة ، - على الأرجح - ودون المثنى بنوعيه أيضا.
ويصح أن تدخل : «ها» التى هى حرف تنبيه (4)على اسم الإشارة الخالى من كاف الخطاب ؛ مثل : هذا ، هذه ، هذان ، هؤلاء ... وقد تجتمع مع الكاف بشرط عدم الفاصل - كالضمير - بين «ها» واسم الإشارة. ؛ نحو هذاك - هاتاك ... لكنهما إذا اجتمعا لم يصح مجىء لام البعد معهما ، فلا يجوز
1) هذه اللام تكسر إن كان قبلها ساكن ، نحو : «ذلك» و «تالك» ... وقد تسكن ؛ فيحذف ما قبلها من ساكن آخر ؛ كالياء ، أو الألف فى اسمى الإشارة : تى وتا. تقول : تلك ، وتلك ...
2) هذه اللام تكسر إن كان قبلها ساكن ، نحو : «ذلك» و «تالك» ... وقد تسكن ؛ فيحذف ما قبلها من ساكن آخر ؛ كالياء ، أو الألف فى اسمى الإشارة : تى وتا. تقول : تلك ، وتلك ...
3) وهى الأسماء السبعة التى أشرنا إليها فى الحالة الثانية «ب».
4) سميت بذلك لأن المراد منها : إما تنبيه الغافل إلى ما بعدها ، وتوجيهه إلى ما سيذكر. وإما إشعار غير الغافل إلى أهمية ما بعدها ، وجلال شأنه ؛ ليتفرغ له ويقبل عليه.
هذا لك (1)
.......
ولدى البعد انطقا
بالكاف حرفا دون لام ؛ أو : معه *** واللّام إن قدّمت «ها» ممتنعه
. وهذا موضع آخر من المواضع التى تمتنع فيها لام البعد (2)(ا) أسماء الإشارة السبعة التى للمؤنث ، وهى التى لا تدخلها الكاف أيضا. (ب) أولاء ممدودة (ج) اسم الإشارة المثنى ؛ مذكرا ومؤنثا. (د) اسم الإشارة المبدوء بها التنبيه ، والمختوم بكاف الخطاب. (ه) اسم الإشارة الذى ليس فى آخره كاف الخطاب.
.وتمتنع الكاف إن فصل بين «ها» التنبيه واسم الإشارة فاصل (3)؛ كالضمير فى نحو : هأنذا (4)مخلص. فلا يصح الإتيان بالكاف بعد اسم الإشارة وهذا هو الموضع الثانى الذى لا تدخله كاف الخطاب (5)، وإذا لا تدخله لام البعد أيضا.
بقى من أسماء الإشارة التى من القسم الثانى كلمتان : هنا ، و : «ثمّ» وكلتاهما تفيد الإشارة مع الظرفية (6)التى لا تتصرف (7). فأما : «هنا» فهى اسم إشارة إلى المكان القريب ، مثل : «هنا العلم والأدب». وقد يزاد فى أولها حرف التنبيه : «ها» نحو : هاهنا الأبطال ؛ فهى فى الحالتين سواء.
وبسبب دلالتها على المكان مع الإشارة دخلت فى عداد ظروف المكان أيضا ، فهى اسم إشارة وظرف مكان معا وهى ظرف مكان لا يتصرف ، فلا تقع فاعلا ، ولا مفعولا ، ولا مبتدأ ، ولا غير هذا مما لا يكون ظرف مكان. ولا تخرج عن الظرفية إلا لشبه الظرفية (8). وهو معها الجر بالحرف «من» أو «إلى» ، نحو : سرت من هنا إلى هناك. .
1) يشير ابن مالك إلى الكاف واللام فى البعد وعدمه قائلا : (مع العلم بأنه يقصر كلامه على القريب والبعيد ويهمل الوسط ؛ لأنه يدخله فى البعيد) :
2) المواضع التى تمتنع فيها اللام خمسة هى :
3) كما سبق فى ص 293.
4) أصله : (ها أناذا) ولكن قواعد رسم الحروف تقضى بكتابته متصل الحروف : «هأنذا».
5) والموضع الأول هو أسماء الإشارة السبعة التى للمؤنث ؛ وقد سبق الكلام عليها وكذلك لا تدخل على اسم الإشارة : «ثمّ» - كما سيجىء - ولا على اسم الإشارة المنادى : نحو : يا هذا ، كما هو مبين فى باب المنادى ، ج 4 ، وسبقت الإشارة إليه فى رقم 2 من هامش 293.
6) إذا وقع الظرف : «ثم» خبرا يجب تقديمه على المبتدأ ، وكذلك الظرف «هنا» إذا سبقه حرف التنبيه «ها» كما سيجىء فى ص 453 - وهذا رأى صاحب الهمع (ح 1 ص 102 ، ومن نقل عنه - كالصبان - عند كلامهما على تقديم الخبر) بحجة أن «ها» التى للتنبيه واجبة الصدارة كما يقول «الهمع» والرأى وحجته ضعيفان مدفوعان بالأدلة القوية المؤيدة بالسماع أيضا وهى مدونة فى ص 55 من مجلة المجمع اللغوى القاهرى الجزء الثامن عشر ، والظاهر : أن الأغلب - لا الواجب - فى الظرف «هنا» المسبوق بالتنبيه هو تقديمه على المبتدأ ، ويصح تأخيره كما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 304.
7) توضيحها فى رقم 1 من ص 302.
فإذا زاد على آخرها الكاف المفتوحة للخطاب (1)وحدها أو مع «ها» التنبيه صارت مع الظرفية اسم إشارة للمكان المتوسط ؛ مثل : هناك ، أو : «ها هناك» فى الحديقة الفواكه. وإن اتصل بآخرها كاف الخطاب المفتوحة واللام صارت مع الظرفية اسم إشارة للمكان البعيد ؛ مثل : هنالك فى الصعيد أبدع الآثار. وفى هذه الصورة تمتنع «ها» التنبيه ، لأن «ها» التنبيه لا تجتمع مع لام البعد - كما أشرنا -.
وقد يدخل على صيغتها بعض تغيير ، فتصير اسم إشارة للمكان البعيد ؛ من ذلك : هنّا ، هنّا ، هنّت - هنّت ... فهذه لغات فيها ، وكلها تفيد مع الظرفية الإشارة للمكان البعيد.
وأما الأخرى : «ثمّ» فاسم إشارة إلى المكان البعيد ؛ مثل : تأمل النجوم فثم الجلال والعظمة. وهى (2)
وبهنا أو : ها هنا أشر إلى *** دانى المكان ، وبه الكاف صلا
فى البعد. أو بثمّ فه ، أو : هنّا *** أو بهنالك ، انطقن ، أو هنّا
يقول : أشر إلى المكان القريب بكلمة : هنا ، من غير «ها» التى للتنبيه ، أو مع «ها» التنبيه ؛ فتقول : «ها هنا».
أما عند الإشارة إلى البعد فصل الكاف بكلمة : «هنا». و «هاهنا» ، أو : جىء باسم إشارة آخر يفيد البعد ؛ وهو : ثم ، أو : هنّا أو : هنالك .. ولا تخرج هذه الظروف (ثم وكذا هنا ، باستعمالاتها المختلفة) من الظرفية إلا إلى شبه الظرفية ، وهو : الجر بالحرف : «من» ، أو إلى (انظر رقم 1 من هامش ص 302.
كسابقتها ظرف مكان لا يتصرف ، إلا أن «ثمّ» للبعيد خاصة ، ولا تلحقها «ها» التنبيه ، ولا كاف الخطاب ، وهما اللذان قد يلحقان نظيرتها. وقد تلحقها - دون نظيرتها - تاء التأنيث المضبوطة - غالبا - بالفتح ؛ فيقال ثمّة (3). .1) ولا بد أن تكون هذه الكاف معها مفردة ومفتوحة ، مهما تغير المخاطب ؛ ولذلك يسمونها : كاف الخطاب غير المتصرفة. أما الكاف مع غيرها فقد سبق فى رقم 1 من هامش ص 292 أنها تكون متصرفة كاملة التصرف ؛ وهذا هو الأحسن. وقد تكون ناقصة النصرف فى رأى آخر ، وقد تكون غير متصرفة مطلقا فى رأى ثالث.
2) يشير ابن مالك إلى ما سبق بقوله :
3) من العرب من يسكن هذه التاء ، ومنهم من يستغنى عنها فى حال الوقف فقط. ومنهم من يستغنى عنها بهاء ساكنة يثبتها فى حال الوقف فقط : ويسمونها : «ها السكت». ومنهم من يبقى هاء السكت فى الوصل أيضا ؛ فيجعل الوقف والوصل سيان. وكل هذه لهجات نحن فى غنى عنها اليوم مكتفين بالكلمة مجردة من كل زيادة ، أو مع زيادة التاء المربوطة ، المتحركة بالفتحة ؛ منعا للآراء الكثيرة التى لا داعى لها فى حياتنا القائمة ، ولا أثر لها إلا العناء والإبهام. وحسب المتخصصين - وحدهم - أن يعرفوا هذه اللغات لفهم النصوص القديمة دون استعمالها.
ومما تقدم نعلم أن المكان باعتباره وعاء ، أى : ظرفا - يقع فيه أمر من الأمور ومعنى من المعانى - قد اختص وحده باسمين من أسماء الإشارة ؛ فلا يشار إليه باعتباره وعاء وظرفا إلا بواحد منهما. ومن أجل هذا كانا فى محل نصب على الظرفية (1)لا يفارقها أحدهما إلا إلى الجر بمن أو إلى. أما بقية أسماء الإشارة فتصلح لكل مشار إليه ، مكانا أو غير مكان. إلا أن المشار إليه إذا كان مكانا فإنه لا يعتبر ظرفا ؛ مثل هذا مكان طيب ، وتلك بقعة جميلة ، فكل واحدة من كلمتى : «مكان». و «بقعة» مشار إليه ، دال على المكان ، ولكنه لا يسمى ظرفا.
وفى الجدول الآتى بيان أسماء الإشارة فى الأنواع الخمسة السابقة (2)؛ وهى التى يلاحظ فيها المشار إليه من ناحية إفراده ، وتثنيته ؛ وجمعه ، مع التذكير ، والتأنيث ، العقل ، وعدمه ، فى كل حالة ، وكذلك مع القرب ، والتوسط ، والبعد :
الصورة
الصورة
عند اختيار اسم من أسماء الإشارة لا بد أن نعرف أولا : حالة المشار إليه من ناحية : (إفراده ، أو : تثنيته ، أو : جمعه) و (تذكيره ، أو تأنيثه) (عقله ، وعدم عقله) ثم نعرف ثانيا : حالته من ناحية : (قربه ، أو توسطه ، أو بعده).
(ا) فإذا عرفنا حالته من النواحى الأولى تخيرنا له من أسماء الإشارة ما يناسب ؛ فالمشار إليه إن كان مفردا مذكرا - عاقلا أو غير عاقل - كرجل وباب ، نختار له : «ذا» ، مثل : ذا رجل أديب ، ذا باب محكم. فكلمة «ذا» اسم إشارة ، مبنى على السكون فى محل رفع ، لأنها مبتدأ فى هذه الجملة ، وقد تكون فى محل نصب أو جرّ فى جملة أخرى ، فمثال محلها المنصوب : نجح العلماء فى إرسال القذائف إلى القمر ؛ فنزلت على سطحه ، وإن ذا من عجائب العلم. وقول الشاعر :
أيها الناس ، إن ذا العصر عصر ال *** علم ، والجدّ فى العلا ، والجهاد
ومثال محلها المجرور قول الآخر :
ولست بإمّعة (1)فى الرجال *** أسائل عن ذا ، وذا ، ما الخبر؟
فهى مبنية دائما. ولكنها فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب موقعها من الجمل.
وإن كان المشار إليه مفردة ، مؤنثة عاقلة أو غير عاقلة - مثل : فتاة وحديقة - فاسم الإشارة المناسب لها هو : «ذى» أو إحدى أخواتها مثل : ذى غرفة بديعة - ذى فتاة ماهرة ... وهى اسم إشارة مبنية دائما على السكون فى محل رفع ، لأنها مبتدأ ، هنا ، أما فى جملة أخرى فمبنية أيضا ، ولكن فى محل رفع ، أو نصب ، أو جرّ ، على حسب موقعها من الجملة.
وإن كان المشار إليه مثنى مذكرا - للعاقل أو غيره - مثل : فارسين - وقلمين -
1) الإمعة : من لا أهمية له ، ولا رأى ، وإنما يسأل غيره عن كل شىء ، ويتابعه بغير تفكير.
فاسم الإشارة المناسب له : «ذان» رفعا ، و «ذين» نصبا وجرا ؛ فيعرب (1)كالمثنى ؛ تقول : ذان فارسان ، حاكيت ذين الفارسين ، اقتديت بذين الفارسين - ذان قلمان جميلان ، اشتريت ذين القلمين ، كتبت بذين القلمين ؛ فاسم الإشارة هنا معرب مرفوع بالألف فى حالة الرفع ، ومنصوب ومجرور بالياء فى حالتى النصب والجر. وكذا فى كل جملة تشبه هذه.
فإن كان المشار إليه مثنى مؤنثا - للعاقل أو غيره - (ومنه : فصيحتان ، وردتان ...). فاسم الإشارة الذى يناسبه هو : «تان» رفعا ، و «تين» نصبا وجرّا ، فيعرب إعراب المثنى ؛ تقول : تان فصيحتان ، إن تين فصيحتان ، أصغيت إلى تين الفصيحتين. وتان وردتان - شممت تين الوردتين ، حرصت على تين الوردتين ؛ فاسم الإشارة (2) هنا كسابقه - معرب إعراب المثنى. وكذا فى كل جملة أخرى.
وإن كان جمعا للعاقل أو غيره مثل : الطلاب - الأبواب - أتينا باسم الإشارة المناسب ؛ وهو «أولاء» ممدودة أو مقصورة ، تقول : أولاء الطلاب نابهون ، أولاء الأبواب مفتحة. واسم الإشارة هنا ممدود مبنى على الكسر فى محل رفع ؛ لأنه مبتدأ. أما فى جملة أخرى فيكون مبنيّا أيضا ولكنه فى محل رفع ، أو نصب. أو جر على حسب موقعه من الجملة التى يكون فيها. ومثله : «أرلى» المقصورة. إلا أنها فى جميع أحوالها مبنية على السكون فى محل رفع أو نصب أو جر على حسب موقعها من الجملة.
وإن كان المشار إليه مكانا أتينا بكلمة : «هنا» وهى إشارة وظرف مكان معا
1) من الخير التيسير باتباع هذا الرأى القائل : بأنهما يعربان إعراب المثنى ، بالرغم من أن مفرد كل منهما مبنى قبل تثنيته ، والمبنى لا يثنى ولا يجمع ... وحجة هذا الرأى أن العرب الفصحاء أدخلت عليهما الألف والياء ؛ وهما العلامتان الدالتان على التثنية ؛ فلا داعى لإغفال الواقع بجعل الكلمتين مبنيتين على الألف رفعا ، وعلى الياء نصبا وجرا ، كما يرى فريق آخر من النحاة ؛ لأن الأخذ برأيه يبعدنا من مراعاة الظاهر السهل الذى يناسبنا اليوم. وإذا أخذنا بالتيسير المشار إليه وجب أن نلاحظ أن كل كلمة من الكلمات السابقة (أى : «ذان» ، و «ذين» ، و «تان» و «تين») لا يصح إضافتها إلى كلمة بعدها ؛ لأن الإضافة المحضة تفيد المضاف تعريفا أو تخصيصا. واسم الإشارة معرفة ؛ فلا تفيده الإضافة شيئا. هذا ، إلى أن جميع أسماء الإشارة - ما عدا المثناة - مبنية ، والمبنى من أسماء الإشارة لا يضاف - غالبا -. فالكاف الواقعة فى مثل «ذانك» و «تانك» رفعا ، ونصبا ، وجرا حرف خطاب (وقد تكلمنا عنه فى رقم 1 من هامش ص 292) ، وليست ضميرا مضافا إليه ؛ إذ لو كانت ضميرا مضافا إليه لحذفت نون المثنى من المضاف منهما ، ومن مثل قوله تعالى : ( فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ ) .
فهى مبنية على السكون - أو غيره على حسب لغاتها - فى محل نصب (1)؛ لأنها ظرف غير متصرف - كما سلف - تقول ؛ هنا موطن العلم ؛ أى : فى هذا المكان. وقد يكون قبلها «ها» التى للتنبيه وحدها ، نحو : ها هنا ، أو هى والكاف المفتوحة نحو : ها هناك. وقد يلحقها الكاف واللام معا بشرط عدم وجود «ها» التى للتنبيه.
ومثلها. «ثمّ» فهى اسم إشارة للبعد وظرف مكان معا - ولا يتصرف - ، مبنية على الفتح فى محل نصب (2)تقول : ثمّ مقر السماحة. أى : هناك. ويجوز أن تلحقها تاء التأنيث المفتوحة فتقول : ثمّة ميدان للتسابق الأدبى. ولما كانت «ثمّ» تفيد البعد بنفسها لم يكن هنا داع لأن تلحقها الكاف ولا اللام.
ومما تقدم نعلم :
أن كل مشار إليه له اسم إشارة يناسبه ؛ وكل اسم إشارة مقصور على مشار إليه بعينه ، وأن جميع أسماء الإشارة مبنية ؛ إما على السكون أو غيره ، ولكنها فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر على حسب تصرفها ، وموقعها من الجملة. وليس فيها معرب إلا كلمتان ؛ هما : «ذان» للمذكر المثنى «وتان» للمؤنث المثنى ؛ فيعربان إعراب المثنى ؛ فيرفعان بالألف ، وينصبان ويجران بالياء ، ومع أنهما معربان ، فإنهما لا يضافان - كما سبق (3)- فشأنهما فى ذلك كشأن المبنى من أسماء الإشارة ؛ لا يجوز إضافة شىء منه مطلقا.
(ب) وإذا عرفنا حالته فى ناحية قربه أو بعده أو توسطه لم يتغير شىء من طريقة إعراب الأسماء السابقة. فإن وجد فى آخر واحد منها كاف الخطاب الدالة على التوسط (نحو ذاك ... هناك) قيل فيها : «الكاف» حرف خطاب ، مبنى لا محل له من الإعراب. وإن وجد معها لام البعد أحيانا ، مثل : «ذلك» - وهذه
1) بشرط ألا يسبقها حرف الجر «من» أو : «إلى» - كما تقدم فى ص 295 - ، فإن سبقها فهى فى محل جر ، لأنها لا تخرج عن الظرفية إلا لشبه الظرفية ، وهو الجر بالحرف : «من» أو : «إلى». ومن المعلوم أنها ظرف غير متصرف. والظرف غير المتصرف لا يترك النصب على الظرفية إلا إلى شبهها ، وهو الجر بالحرف : «من». لكن الظروف الثلاثة : (هنا - ثمّ - أين) قد تجر بالحرف : «إلى» أيضا. (راجع الصبان فى هذا الموضع). ويزاد على الثلاثة السالفة الظرف : «متى» ، إلا أنه قد يجر بالحرف «حتى» أيضا - كما سيجىء فى رقم 3 من هامش ص305. وفى ح 2 باب الظرف م 79.
2) بالشرط السالف فى رقم 1 من هذا الهامش ، فهو يسرى عليها كزميلتيها.
3) فى رقم 1 من هامش ص 292.
اللام لا توجد منفردة عن الكاف - كما أشرنا (1)- قيل فيها : اللام حرف للبعد ، مبنى على الكسر فى نحو : ذلك ، وعلى السكون فى نحو : تلك ... لا محل لها من الإعراب. وإن وجد فى أول اسم الإشارة «ها» التى للتنبيه ؛ مثل : «هذا» قيل فيها : حرف تنبيه مبنى على السكون لا محل له. (مع ملاحظة أن الكاف بعد كلمة : «هنا» حرف خطاب لا يتصرف مطلقا فهو مبنى على الفتح دائما ، أما بعد غيرها فيجوز أن تتصرف(2).
(ا) للمناسبة هنا وللأهمية نلخص ما ذكرناه وأيدناه بالنصوص المسموعة الصحيحة فى ص 203 وهو أنه : يجوز الفصل بين : «ها» التى للتنبيه واسم الإشارة بضمير المشار إليه ؛ مثل : هأنذا أسمع النصح ، وهأنت ذا تعمل الخير ، وهأنتم أولاء تصنعون ما يفيد ... وقد يكون الفصل بغير الضمير قليلا ؛ كالقسم باللّه ؛ نحو : ها - واللّه - ذا الرجل محب لوطنه. وكذلك «إن» الشرطية - مثل ها - إن - ذى حسنة تتكرر يضاعف ثوابها ... وقد تعاد «ها» التنبيه بعد الفصل ، لتوكيد التنبيه وتقويته ؛ مثل : ها أنتم هؤلاء تحبون العمل النافع.
والشائع هو دخول : : «ها» التى للتنبيه على ضمير الرفع المنفصل الذى خبره اسم إشارة ، نحو : هأنذا المقيم على طلب العلوم. ومن غير الشائع - مع صحته طبقا للبيان والأمثلة المتعددة التى فى ص 203 - دخولها إذا كان خبره غير اسم إشارة ، نحو : هأنا ساهر على صالح الوطن.
ويستأنس لهذا أيضا - وإن كان فى غنى عنه لكنه فى معرض التخصيص - بما جاء فى الصبان والخضرى معا فى باب الحال عند الكلام على العامل المضمن معنى الفعل ، كتلك ، وليت ، وكأن ، وحرف التنبيه ... حيث قالا فى التمثيل لحرف التنبيه : (هأنت زيد راكبا ...) ا. ه وهذا لمجرد الاستئناس فقط فقد سقت الأمثلة الفصحة الواردة عمن يستشهد بكلامه من العرب.
«ملاحظة» يتعين أن يكون اسم الإشارة المبدوء بكلمة : «ها» التى للتنبيه مبتدأ فى مثل : هذا أخى. لأن «ها» التنبيهية لها الصدارة (1)بشرط أن تنصل باسم الإشارة مباشرة لا يفصل بينهما ضمير ، فإن فصل الضمير بينهما فى مثل : «هأنذا» فالضمير هو المبتدأ ، واسم الإشارة هو الخبر. ويجوز : «هذا أنا» ولكن الأول
1) قلنا فى رقم 6 من هامش ص 295 إن هذا رأى صاحب الهمع (ج 1 ص 102 ومن ردده ؛ كالصبان) وإن الحكم بتقديم اسم الإشارة المبدوء بحرف التنبيه «ها» ، تقديما واجبا على الخبر هو حكم مدفوع بأدلة قوية يؤيدها السماع ؛ طبقا للبيان والإيضاح المذكورين هناك. والظاهر أن تقديمه على الخبر أكثر لا واجب.
أحسن وأسمى فى الأساليب الأدبية العالية - كما ستجىء الإشارة لهذا فى رقم 8 من ص 454 ، وتكملتها فى رقم 3 من هامش ص 455.
(ب) عرفنا (1)أن كلمة «هنا» اسم إشارة للمكان القريب ، وظرف مكان معا. وقد تقع : «هناك» و «هنالك» و «هنّا» المشددة - أسماء إشارة للزمان ؛ فتنصب على الظرفية الزمانية ؛ مثل قول الشاعر :
وإذا الأمور تشابهت وتعاظمت *** فهناك يعترفون أين المفزع
أى : فى وقت تشابه الأمور. وكقوله تعالى عن المشركين (2): ( يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ... ) إلى أن قال : ( هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ ) ، أى : فى يوم حشرهم.
وكقول الشاعر :
«حنّت نوار ولات هنّا حنّت *** وبدا الذى كانت نوار أجنت».
أى : ولات فى هذا الوقت حنين (3).
(ح) يطلق النحاة على أسماء الإشارة وأسماء الموصول اسما خاصّا ؛ هو «المبهمات» ، لوقوعها على كل شىء ؛ من حيوان ، أو نبات ، أو جماد ، وعدم دلالتها على شىء معين ، مفصّل مستقل إلا بأمر خارج عن لفظها ؛ فالموصول لا يزول إبهامه إلا بالصلة ، نحو : رجع الذى غاب ، كما سيجىء (4). واسم. الإشارة لا يزول إبهامه إلا بما يصاحب لفظه من إشارة حسية كما عرفنا. ولذلك يكثر بعده مجىء النعت ، أو البدل ، أو عطف البيان ؛ لإزالة إبهامه ، ومنع اللبس عنه ؛ تقول ؛ جاء هذا الفضل. جاء هذا الرجل (5).
1) فى ص 295.
2) فى سورة : يونس ، ورقم الآية 28 ، وما بعدها.
3) «لات» فى الشاهد : مهملة ، لا تعمل عمل «لا». بسبب تقديم الخبر وهو : «هنا». ولا يصح أن تكون : «هنا» اسمها : لأنها ظرف غير متصرف - كما سبق فى ص3. ولا تخرج عن الظرفية إلا لشبهها ، وهو هنا الجر بالحرف «من» أو : «إلى» ... فلا تكون اسما لناسخ ، ولا غير ذلك ، ولانها معرفة ، و «لات» لا عمل لها فى المعرفة. (ومما يلاحظ أن خروجها عن الظرفية قد يكون إلى الجر بالحرف «إلى» وهذا لا يكون فى غيرها وغير «ثم» ، و «أين» ومثلها : «متى» لكن هذا الظرف قد يجر بالحرف : «حتى» أيضا - دون بقية الظروف غير المتصرفة ؛ فإنها - غالبا - لا تخرج إلى الجر بهذا الحرف كما سبق فى رقم 1 من هامش ص 302). وسيجىء الكلام على هذا الشاهد عند الكلام على : لات ص 548.
4) فى رقم 3 من هامش ص 306.
5) إذا كان ما بعد اسم الإشارة مشتقا فإعرابه نعتا هو الأفضل. أما إذا كان جامدا فالأفضل إعرابه بدلا ، أو عطف بيان - لما سيجىء فى بابهما ج5. كل ذلك ما لم يوجد مانع.
الموصول قسمان : اسمى ، وحرفى. وسنبدأ بالأول (1).
تعريفه : نقدم له بالأمثلة الآتية :
(ا) فرح الذى ... - سمعت الذى ... - أصغيت إلى الذى ...
(ب) فرح الذى (حضر والده) - سمعت الذى (صوته مرتفع) - أصغيت إلى الذى (فوق المنبر).
(ح) وقفت التى ... - احترمت التى ... - لم أشهد التى ...
(د) وقفت التى (تخطب) - احترمت التى (خطبتها رائعة) - لم أشهد التى (أمام المذياع).
فى كل جملة من جمل القسم الأول : «ا» كلمة : «الذى» فما معناها؟ وما المراد منها؟ إنها اسم مسماه ومدلوله غير واضح : فلا ندرى أهو : سعد ، أم على أم ، سمير ، أم غيرهم من الرجال؟ ولا نعرف أهو حيوان آخر؟ أم نبات ، أم جماد؟ وما عسى أن يكون بين أفراد الحيوان ، أو النبات ، أو الجماد؟ إذا هو اسم غامض المعنى (2)، مبهم (3)
والقسم الثاني من المبهمات هو : اسم الموصول كالذى ، والتي ، ومن ، وما ... وكلها معارف بصلاتها ؛ فبيانها بما بعدها أيضا. إلا أن أسماء الإشارة تبين باسم الجنس. والموصولات تبين بالجمل بعدها . أو أشباه الجمل .. والذى يدل على أنها معارف أنه يمتنع دخول علامة النكرة عليها ؛ وهى : «رب» وأنها توصف بالمعارف ؛ نحو : جاءني الذي عندك العاقل ، وتقع أيضا وصفا للمعارف نحو : جاءنى الرجل الذى عندك. وكلها مبهمة ؛ لأنها لا تخص مسمى دون مسمى - كما كانت أسماء الإشارة كذلك ... اهـ.
والاسم المبهم كما أوضحناه هنا . يختلف عن اسم الزمان المبهم الذى يجيء إيضاحه في مكانه المناسب من الأجزاء التالية ، ومنها ج ۲ ص ٢٠٥م ٧٨ وكذلك يختلف عن المنادى المبهم والمراد به نداء «أى» وأية» و «اسم الإشارة . كما سيج في باب المنادى ج4
الدلالة. ولهذا الغموض والإبهام أثرهما فى غموض المعنى الكلىّ للجملة وإبهامه.1) لأنه أحد المعارف التى نحن بصددها. أما الثانى فحرف ؛ لا دخل له بالمعارف ، فليس مجال الكلام عليه هنا. ولكنه يذكر للمناسبة بينه وبين الأول. وسيجىء فى ص 368.
2) خفى المعنى.
3) أشرنا فى رقم 1 من هامش ص 31 إلى أن المراد بالمبهم فى باب الموصولات هو : المجمل الذى لا تفصيل فيه ولا استقلال ، ولا تعيين ، ولا تحديد. (كما جاء فى حاشية التصريح) وقد سبق فى «ج» من آخر الصفحة الماضية أن أسماء الإشارة تسمى هى والموصولات : «الأسماء المبهمة» ، وأوضحنا هناك سبب التسمية ، وأنه وقوعها على كل شىء ؛ من الحيوان ، أو النبات ، أو الجماد ، من غير تعيين وتفصيل لذلك الشىء إلا بأمر خارج عن لفظها. جاء فى المفصل ج 5 ص 86 ما ملخصه : إنه حين يقال بين المعارف أسماء مبهمة فالمراد بها ضربان فقط ؛ أسماء الإشارة والموصولات - كما ألمحنا فى رقم 5 من هامش ص 230... والفرق بين المضمر والمبهم أن ضمير الغائب يبين بما قبله فى الغالب - وهو الاسم الظاهر الذى يعود عليه المضمر ؛ نحو قولك : محمد مررت به. - والمبهم الذى هو اسم الإشارة يفسر بما بعده ، وهو : الجنs. كقولك : هذا الرجل ، وهذا الثوب ، ونحوه. والمعنى بالإبهام : وقوعها على كل شىء من حيوان ، ونبات ، وجماد ، وغيرها ، ولا تخص مسمى دون مسمى. هذا معنى الإبهام فيها. لا أن المراد به التنكير ؛ ألا ترى أن هذه الأسماء معارف ؛ لما ذكرناه.
لكن حين أتينا بعد ذلك الاسم المبهم الغامض بجملة اسمية ، أو فعلية تشتمل على ضمير يعود عليه ، أو بشبه جملة (1)- رأينا المعنى قد اتضح ، وزال الغموض والإبهام عنه ، كما فى القسم الثانى «ب».
وكذلك الشأن فى قسم «ج» حيث اشتملت كل جملة فيه على اسم غامض مبهم هو : «التى» ؛ وقد امتد الغموض منه إلى المعنى الكلى للجملة ؛ فجعله غامضا. لكن هذا العيب اختفى حين أتينا بعد الاسم : (التى) بجملة مشتملة على ضمير يعود عليه ، أو بشبه جملة ؛ فزال عنه الإبهام أولا ، وعن الجملة تبعا له ، كما فى القسم «د».
فكلمة «الذى» و «التى» وأشباههما تسمى : «اسم موصول». وهو : اسم مبهم يحتاج - دائما (2)- فى تعيين مدلوله ، وإيضاح الماد منه - إلى أحد شيئين بعده ؛ إما : جملة (3)وإما شبهها ، ولا بد فى الجملة من ضمير يعود عليه ، أو ما يغنى عن الضمير.
ألفاظ الموصول الاسمى :
ألفاظه قسمان : مختص ، وعام (ويسمى : مشتركا).
1) شبه الجملة هو : الظرف والجار مع مجروره. وهنا نوع خاص آخر سيجىء فى ص 347 هو الصفة الصريحة وتكون صلة «أل» الموصولة. ولا تكون صلة لغيرها ولا تدخل فى شبة الجملة إلا فى هذه الصورة. انظر رقم 2 من هامش ص 321
2) فتخرج - مثلا - النكرة الموصوفة بجملة ؛ نحو : «واتقوا يوما ترجعون فيه إلى اللّه» ؛ لأن حاجتها إلى الجملة ليست دائمة : وإنما هى مؤقتة بمدة وصفها فقط ، لا فى سائر أحوالها.
3) وهذه الجملة أو ما يقوم مقامها توصل به ؛ ولذلك سمى موصولا ؛ فهو موصول بها ، أو وهى مصولة به.
فالمختص : ما كان نصّا فى الدلالة على بعض الأنواع دون بعض ، مقصورا عليها وحدها ، فلنوع المفرد المذكر ألفاظ خاصة به ، ولنوع المفردة المؤنثة ألفاظ خاصة بها ، وكذلك للمثنى بنوعيه ، وللجمع بنوعيه.
والعام أو المشترك : ما ليس نصّا فى الدلالة على بعض هذه الأنواع دون بعض ، وليس مقصورا على بعضها ؛ وإنما يصلح للأنواع كلها.
وأشهر الألفاظ الخاصة ثمانية ، موزعة على الأنواع الآتية :
اللفظ المختص
النوع الذى يستعمل فيه
1 - الذى (1).....
ويختص بالمفرد المذكر ؛ سواء أكان عاقلا ، أم غير عاقل ؛ تقول : الذى كتب الرسالة منشئ - الذى يتلألأ فى السماء نجم.
وكلمة : «الذى» مبنية على السكون دائما فى كل أحوالها. غير أنها تكون فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب موقعها من الجملة.
2 - التى (2).....
وتختص بالمفردة المؤنثة ، عاقلة كانت أم غير عاقلة ؛ تقول : التى رسمت الصورة بارعة - التى أنارت الكون شمس كبيرة.
وكلمة «التى» مبنية على السكون دائما فى كل أحوالها ؛ وتكون فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب موقعها من الجملة.
3 - اللّذان .....
واللّذين (3)
ويختص بالمثنى المذكر ؛ عاقلا أو غير عاقل.
ففى حالة الرفع تحذف الياء من الاسم المفرد وهو : «الذى» ونجىء بعلامتى التثنية (الألف والنون المكسورة). وفى حالة النصب والجر نحذف الياء أيضا من ذلك المفرد ، ونجىء بعلامتى التثنية ؛ وهى : الياء المفتوح ما قبلها والنون المكسورة بعدها ؛ نحو : نجا اللذان استعدا.
اللفظ المختص
النوع الذى يستعمل فيه
عاونت اللّذين استعدا ، قصدت إلى اللّذين استعدا. ونحو : العلم والمال هما اللذان يبنيان الأمم - إن اللّذين شاهدتهما صديقان كريمان - بادرت إلى اللّذين شاهدتهما.
والأحسن أن تكون «اللذان» و «اللتان» معربتان إعراب المثنى ، وأن تكون نونهما مكسورة من غير تشديد فى جميع أحوالها (1)
وإلى ما سبق يشير ابن مالك.
موصول الاسماء : الّذى ، الأنثى : الّتى *** واليا إذا ماثنيا لا تثبت
بل ما تليه أوله العلامه *** والنّون إن تشدد فلا ملامه
والنّون من ذين وتين شدّدا *** أيضا وتعويض بذاك قصدا
يقول : ألفاظ الموصول الاسمى هى : «الذى». ولم يذكر أنها للمفرد المذكر ، مكتفيا بالمقابلة التالية ؛ حيث يقول إن الأنثى : (أى : المفردة) لها : «التى». ثم أوضح أن الياء فى كلمتى : «الذى» و «التى» لا تثبت ، ولا تبقى عند تثنيتهما فتحذف ، ويجىء بعد الحرف الذى وليته - أى : جاءت بعده - علامتا التثنية ؛ وهما الألف والنون رفعا ، أو الياء والنون نصبا وجرا. وصرح بأن تشديد النون فى التثنية لا لوم فيه ، وكذلك تشديد النون فى «ذين» و «تين» اسمى إشارة جائز أيضا - كما سبق فى - فى رقم 2 من هامش ص 291 - وأن التشديد فى هذه النونات كلها هو تعويض عن الياء التى حذفت من غير داع لأجل التثنية. وهذا تعليل يجب إهماله. لأن العلة الصحيحة هى استعمال العرب ليس غير.
- رفعا ونصبا ، وجرا .1) هذا هو الأشهر الذى يحسن الاقتصار عليه. ويجوز أن تكون مكسورة أيضا مع التشديد ، ولكنها فى حالة النصب والجر تقتضى فتح الياء قبلها ؛ تقول : اللذانّ ، اللّذينّ .. فتكون فى التشديد وعدمه كنون «ذان» و «تان» اسمى الإشارة حيث يصح فيهما الأمران كما أسلفنا. - فى رقم 2 من هامش ص 291 - تقول فى حالة الرفع : ذان - تان - أو : ذانّ - تانّ. وفى حالتى النصب الجر : ذين - تين - أو ذينّ - وتينّ. فالنون فى كل الأمثلة السابقة صالحة للتشديد وعدمه لكنها عند النصب والجر تستلزم عند التشديد فتح الياء قبلها.
اللفظ المختص
النوع الذى يستعمل فيه
4 - اللتان - اللتين
ويختص بالمثنى المؤنث ؛ عاقلا : وغير عاقل.
وينطبق عليه كل ما سبق فى : «اللذان» ؛ من حيث حذف ياء المفرد ، وزيادة علامتى التثنية وإعرابه إعراب المثنى ، ومن حيث تشديد النون وعدم تشديدها ؛ تقول ؛ اللتان تحسنان عملهما تفوزان - أعرف اللتين فازتا - أكبرت شأن اللتين فازتا ...
5 - الألى (1)، مقصورة او : الألاء. ممددوة
للعقلاء من جمعى المذكر والمؤنث ، تقول : سرنى الألى هاجروا فى طلب العلم ، أو الألاء .... وراقتنى «الألى» ، خدمن بلادهن بإخلاص ... أو : الألاء. ومن أمثلتها لجمع المذكر قول الشاعر يمدح :
هم الألى وهبوا للمجد أنفسهم فما يبالون مالاقوا إذا حمدوا ... والألى بالقصر مبنية على السكون. أما الممدودة فمبنية على الكسر ، وكلاهما فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب الجملة.
6 - الّذين (2)
للجمع المذكر العاقل ؛ تقول : الذين ينقادون للغضب يلاقون شر العواقب.
وكلمة : «الذين» لا تتغير حالتها رفعا ولا نصبا ولا جرّا ؛ لأنها اسم مبنى على الفتح دائما فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر على حسب موقعها من الجملة. وهذا الرأى وحده هو الأولى بالاتباع (3).
1) من الواضح أن :» الألى «اسم جمع (وهو ما يدل على معنى الجمع وليس له مفرد من لفظه ... - انظر رقم 1 من هامش ص 134) وليست جمعا ، إذا لا ينطبق عليها شروطه. وتكتب بغير واو بعد الهمزة. بخلاف» أولى «اسم إشارة ؛ فإن الواو تلزمها بعد الهمزة - كما فى هامش ص292. . وقد سبق القول : - فى رقم 5 من هامش ص 170 ورقم 4 من هامش ص 291 وكذا رقم 1 من ص 450 م 170 ج4. أن النحاة لا يطلقون المقصور والممدود إلا على الأسماء المعربة وحدها من هذين النوعين. أما اللغويون والصرفيون فيطلقونهما على المعرب وعلى المبنى منهما. وبرأيهم جرى التعبير هنا وفى اسم الإشارة أيضا.
2) ليست جمع مذكر لأنها لا تنطبق عليها شروطه فهى ملحقة به ، وتكتب بلام واحدة.
3) يحسن إهمال الرأى الآخر الذى يعربها إعراب جمع المذكر فى كل حالاتها ؛ فيرفعها بالواو والنون (اللذون). وينصبها ويجرها بالياء والنون ؛ فيقول ندم اللذون أهملوا - ورأيت الذين انتصروا يسخرون من الذين هزموا.
اللفظ المختص
النوع الذى يستعمل فيه
7 ، 8 - الّلات ، أو : الّلاتى.
والّلاء ، أو : اللائى
وتختص بجمع المؤنث للعاقلة وغير العاقلة ، تقول : الّلات سبقن فى الميدان العملى كثيرات ، ومنهن اللّاء اشتهرن بالاختراع ... أو اللاتى أو : اللائى. وامتلأ البحر بالسفن اللات تشقه طولا وعرضا ، وهى محملة بالبضائع المتنوعة اللاء تنتقل بين أطراف المعمورة ... أو اللاتى أو : اللائى (1)
جمع الّذى : «الألى» ، «الّذين» مطلقا *** وبعضهم بالواو رفعا نطقا
يريد : أن كلمة «الذى» تجمع جمعا لغويا - وهو الذى يدل على مطلق التعدد ، ولو لم تنطبق عليه شروط الجمع النحوية - على «ألى» ، وعلى «الذين». «فالذى» يستعمل للمفرد المذكر ، ويقابل المفرد المذكر جمع المذكر ، وله كلمتان : «الألى» و «الذين» ولم يتعرض لتفصيل ما يختص به كل اسم منهما ، واكتفى بأنهما للجمع. وزاد أن «الذين» للجمع مطلقا ؛ أى : فى جميع حالاتها من الرفع ، والنصب ، والجر ، وأن بعض العرب يجعله كجمع المذكر السالم ؛ فيأتى فيه بالواو رفعا ، ويعربه فى هذه الحالة ، وكذا فى حالتى النصب والجر ، وعلامتهما موجودة وهن الياء والنون.
ويقول ابن مالك مشيرا ؛ إلى ما مر فى 7 و 8 :
باللّات واللّاء : «التى» قد جمعا *** والّلاء كالّذين نزرا وقعا
أى : أن «التى» وهى اسم موصول للمفردة المؤنثة مطلقا تجمع على «اللات» ، «واللاء» جمعا لغويا يدل على مجرد التعدد - كما سبق - ، لا جمعا نحويا ، إذ أنها ليست مستوفية لشروط الجمع النحوى. فإذا كانت كلمة : «التى» للمفردة المؤنثة فالذى يقابلها ويحل محلها فى جمع المؤنث هو : «اللات» و «اللاء». ولم يذكر أنهما بالياء فى آخرهما وبغير الياء أيضا. ثم بين أن كلمة : «اللاء» قد تستعمل - قليلا - للعقلاء مكان كلمة : «الذين» وتحل محلها لجمع المذكر من الناس فتقول : جاء اللاء زرعوا الحقل ؛ أى : الذين.
.(واللات واللاء مبنيتان على الكسر. أما اللاتى واللائى فمبنيتان على السكون). وكلها فى محل رفع ، أو : نصب ، أو : جرّ ، على حسب موقعها من الجملة
وإلى هنا انته الكلام على المشهور من الألفاظ المختصة الثمانية. ويلاحظ أن كل واحد منها مبدوء «بأل» الزائدة لزوما ؛ فلا يمكن الاستغناء عنها (2)
و كل ما تقدم فخيالي محض لايعرف العربي الأصيل عنه شيئا.أما التعليل الحق فهو كلام العرب وحده.
وأنها جميعا مبنية ما عدا ألفاظ التثنية ؛ فيحسن إعرابها. .1) وإلى ما سبق فى (4) ، (5) يقول ابن مالك.
2) فى الأشهر الأفصح ويقول شارح المفصل : (ج 1 ص 413) ما نصه : - باختصار قليل - (... إذا ثبت أن : «أل» لا تفيد هنا - فى باب اسم الموصول - التعريف كان زيادتها لضرب من إصلاح اللفظ ؛ وذلك أن : «الذى» وأخواته مما فيه «أل» إنما دخل توصلا إلى وصف المعارف بالجمل ، وذلك أن الجمل نكرات ، ألا ترى أنها تجرى أوصافا على النكرات ، نحو قولك : مررت برجل أبوه زيد ، ونظرت إلى غلام قام أخوه ، وصفة النكرة نكرة. فلما كانت تجرى أوصافا على النكرات لتنكرها أرادوا أن تكون فى المعارف مثل ذلك ؛ فلم يسغ أن تقول : مررت بزيد أخوه كريم ، وأنت تريد النعت لزيد لأنه قد ثبت أن الجمل نكرات ، والنكرة لا تكون وصفا للمعرفة. ولم يمكن إدخال «أل» التى للتعريف على الجملة لأن «أل» هذه من خواص الأسماء ، والجملة لا تختص بالأسماء إلا أن لفظ «الذى» قبل دخول «أل» لم يكن على لفظ أوصاف المعارف فزادوا فى أوله «أل» ليحصل لهم بذلك لفظ المعرفة الذى قصدوه ، فيتطابق اللفظ والمعنى ...)» اه. وقد سبقت الإشارة لبعض ما سبق فى هامش ص 101.
أما ألفاظ القسم العام (وهو المشترك) فأشهرها : ستة ، لا يقتصر واحد منها على نوع مما سبق فى القسم الخاص ؛ وإنما يصلح لجميع الأقسام من غير أن تتغير صيغته اللفظية (1). فكل اسم من الموصولات المشتركة ثابت على صورته ، لا يتغير مهما تغيرت الأنواع التى يدل عليها ؛ لأنه مبنى ، وبناؤه على السكون ، إلا لفظة : «أىّ» فإنها قد تبنى ، وقد تعرب ، - كما سيجىء فى ص 327 -
ولما كان كل اسم من هذه الأسماء المشتركة صالحا للأنواع المختلفة كان الذى يوضح مدلوله ويميز نوع المدلول هو ما يجىء بعده من الضمير ، أو غيره من القرائن التى تزيل أثر الاشتراك (2).
وإليك الألفاظ الستة ، ونواحى استعمالها :
(ا) من (3): أكثر استعمالها فى العقلاء ، نحو : خير إخوانك من واساك ، وخير منه من كفاك شرّه. وقول الشاعر :
ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه *** على نائبات الدهر حين تنوب
وتكون للمفرد بنوعيه ، والمثنى والجمع بنوعيهما : تقول : غاب من كتب ، ومن كتبت - ومن كتبا ، ومن كتبتا ، ومن كتبوا ، ومن كتبن.
وقد تستعمل فى غير العقلاء فى الأحوال الآتية :
(ا) إذا كان الكلام يدور فى شىء له أنواع متعددة ، مفصلة بكلمة :
1) أى : مادته المكونة من الحروف وضبطها ...
2) سيجىء توضيح هذا وتفصيله عند الكلام على صلة الموصول ، والرابط ص 337 م 27 -
3) يتردد ذكرها أحيانا فى اصطلاح النحاة باسم «من» المعرفة الناقصة ، يريدون : «من التى هى اسم موصول. ومثلها : «ما» الموصولة ؛ حيث يطلق عليها اسم. - ما» المعرفة الناقصة ، - كما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 316
«من» وفى تلك الأنواع العاقل وغيره ، مثل : الحيوانات كثيرة مختلفة ؛ فيها من ينطق بفصيح الكلام ؛ كالإنسان ، ومن يغرد بصوت عذب ؛ كالبلبل ، ومن يصيح بصوت منكر ؛ كالبومة ....
(ب) إذا وقع من غير العاقل أمر (1)لا يكون إلا من العقلاء ، فعندئذ نشبهه بهم ، وننزله منزلتهم (2)فى استعمال : «من». كأن تسمع البلبل يشدو بلحن شجىّ واضح التنغيم ، فتقول : أطربنى «من» يغنى فى عشه بأطيب الأناشيد. وكأن ترى القمر يشرف عليك كإنسان ينظر إليك : فتقول : إن من يطل علينا من برجه العالى بين الكواكب والنجوم يصغى إلى مناجاتى وهمسى ... وكالغريب الذى يقول للطيور المسافرة : هل فيكن من يحمل سلامى إلى أهلى وخلّانى ...
(ح) أن يكون مضمون الكلام متجها إلى شىء يشمل العاقل وغيره ، ولكنك تراعى أهمية العاقل ؛ فتغلبه على سواه. مثل : أيها الكون العجيب ، من فيك ينكر قدرة اللّه الحكيم؟
كلمة : «من» سواء أكانت موصولة أم غير موصولة ؛ من الكلمات المفردة المذكرة من ناحية لفظها ، ولكنها من ناحية معناها قد تكون غير ذلك. ومن هنا يصح أن يعود الضمير عليها مفردا مذكرا (1)
وإذا كانت «من» موصولة ومعناها هو المفرد المذكر ، فهى مثل : «الذى»» إلا أن «من» لا تكون في أحد الآراء القوية . صفة ، ولا موصوفة ؛ بخلاف «الذي» ؛ تقول : رجع الطائر الذي هاجر ، وجاء الذي رحل الظريف ، فتقع كلمة : «الذى» صفة وموصوفة ؛ بخلاف. «من». . راجع ص ٣٤٠
، مراعاة للفظها - وهو الأكثر (2)ا. أن يحصل لبس من مراعاة لفظها ؛ نحو : أعط من سألتك ؛ فلا يجوز من . سألك.
ب . أن يكون في مراعاة اللفظ وقوع في قبح ؛ نحو : من هي حمراء خادمتك. بمعنى : «من هي حمراء . هي خادمتك» فيجب مراعاة المعنى ؛ فلا يقال : من هو حمراء جاريتك ، لكيلا تكون كلمة : حمراء» المؤنثة خبرا عن الضمير المذكر.
وكذلك العكس في نحو : من هو أحمر «جاريتك» ؛ فلا يقال : من هي أحمر جاريتك ؛ لكيلا يكون الخبر (وهو كلمة أحمر ) مذكرا ، والمبتدأ الضمير مؤنثا.
وكذلك لا يجوز : من . هو أحمر . جاريتك ؛ لأن المبتدأ والخبر : (هو أحمر) متطابقان فى التذكير وهما صلة الموصول. ولكن اسم الموصول (من) مفرد مذكر ، وخبره «جارية» مؤنث. ولا مانع من هذا. لو لا أن الموصول مع صلته كالشيء الواحد ، والصلة هنا متطابقة في التذكير لكن خبر الموصول مؤنث وهو بمنزلة الخبر عن الصلة ؛ فيقع التخالف الممنوع : فكأنك أخبرت عن المذكر بمؤنث.
وقد يراعى المعنى كثيرا بعد مراعاة اللفظ ؛ نحو قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ).
وقد يراعى اللفظ ، ثم المعنى ، ثم اللفظ ؛ نحو قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً ، أُولِئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعُها ، كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً. فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) . وستجىء الإشارة لهذا في رقم ١ من هامش ص ٣٤٠
أما . مراعاة المعنى أولا ثم اللفظ فالأفضل اجتنابه.
-. ويجوز فيه مراعاة المعنى المراد وهو كثير (3) ؛ فمن الأول قوله تعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ )ففاعل «يؤمن» مفرد مذكر ؛ مراعاة للفظ «من». ومن الثانى قوله تعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ) وقول الفرزدق :
تعال ، فإن عاهدتنى لا تخوننى *** نكن مثل من - يا ذئب - يصطحبان
فالفاعل فى الآية واو الجماعة ، وفى البيت ألف الاثنين وكلاهما ضمير عائد إلى «من» مراعاة لمعناها :
وقد اجتمع الأمران فى قوله تعالى : ( بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ، فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. ) فالضمائر فى الشطر الأول من الآية مفردة مذكرة ؛ مراعاة للفظ : «من». بخلافها فى الشطر الثانى فإنها للجمع ؛ مراعاة لمعنى : «من» وقوله تعالى : ( وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ ... )
ففاعل الفعل : «يقنت» ؛ ضمير مفرد ، مذكر ؛ مراعاة للفظ : «من» أما الضمائر بعده فللجمع المؤنث : أو للمفردة ؛ مراعاة لمعنى : «من».
2 - «ما» وأكثر استعمالها فى غير العاقل (1)، وتكون للمفرد بنوعيه ، والمثنى والجمع بنوعيهما (2)؛ تقول : أعجبنى ما رسمه «علىّ» وما رسمته «فاطمة» - وما رسماه - وما رسمتاه - وما رسموه - وما رسمنه. وقد تكون للعاقل فى مواضع :
(ا) إذا اختلط العاقل بغيره ، وقصد تغليب غير العاقل لكثرته : نحو قوله تعالى : ( يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) وقول الشاعر :
إذا لم أجد فى بلدة ما أريده *** فعندى لأخرى عزمة وركاب
(ب) أن يلاحظ فى التعبير أمران مقترنان ؛ هما : ذات العاقل ، وبعض صفاته ، معا ؛ نحو أكرم ما شئت من المجاهدين والأحرار. فكأنك تقول : أكرم من الرجال من كانت ذاته موصوفة بالجهاد ، أو بالحرّية ؛ فأنت تريد أمرين مجتمعين : الذات ، ووصفا آخر معها ، ولا تريد أحدهما وحده. ومثل : صاحب ما تريد من الطلاب ؛ العالم ، والمخلص ، والصالح. تريد أن تقول : صاحب من كانت ذاته موصوفة بالعلم ؛ ومن كانت ذاته موصوفة بالإخلاص ، ومن كانت ذاته موصوفة بالصلاح. فالمقصود أمران : الذات ومعها شىء آخر من الأوصاف الطارئة عليها.
(ح) المبهم أمره ؛ كأن ترى من بعد شبحا لا تدرى أهو إنسان أم غير إنسان ؛ فتقول : إنى لا أتبين ما أراه ، أو لا أدرك حقيقة ما أراه ... وكذلك لو علمت أنه إنسان ولكنك لا تدرى أمؤنث هو أم مذكر؟ ومنه قوله تعالى على لسان مريم : ( إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي ... )
1) قد يتردد ذكرها فى اصطلاح النحاة أحيانا باسم : «ما» المعرفة الناقصة ؛ يريدون التى هى اسم موصول. كما يطلق على «من» الموصولة اسم المعرفة الناقصة أيضا - كما سبق فى رقم 3 من هامش ص312. وهى غير «ما» التى تعدّ حرف موصول (انظر ص 371 ورقم 2 من هامش ص 372).
2) لما كانت «ما» من الموصولات المشتركة التى لفظها مفرد مذكر ، ومعناها قد يكون غير ذلك جاز فى الضمير العائد إليها أن يكون مطابقا للفظها أو لمعناها ، كالذى سبق فى - من» الموصولة - ص 314 -.
(ا) تصلح (من) و (ما) للأمور الخمسة الآتية :
1 - اسم موصول : مثل : قوله تعالى : ( ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ، وَما عِنْدَ اللّهِ باقٍ. )
وقول الشاعر :
إن شرّ الناس من يبسم لى *** حين ألقاه ، وإن غبت شتم
2 - اسم استفهام ، مثل : من عندك؟ ما معك من المال؟
3 - اسم شرط ، مثل : من يعمل سوءا يجز به - وما تصنع من خير تجد جزاءه خيرا.
4 - نكرة موصوفة ، مثل : رب من نصحته استفاد من نصحك (أى : ربّ إنسان نصحته استفاد ...) ورب من معجب بك ساعدك. ورب ما كرهته تحقق فيه نفعك (أى : رب شىء كرهته) وربّ ما مكروه أفاد (1)... ومن هذا قول الشاعر :
الصّدق أرفع ما اعتزّ الرّجال به *** وخير ما عوّد ابنا فى الحياة أب
والغالب : فى «من» إذا كانت نكرة موصوفة أن تصلح لأن يحل محلها كلمة : «إنسان» ، ولا بد أن يقع بعدها صفة ، فإن لم يقع بعدها صفة فهى نكرة غير موصوفة ، وتسمى : تامة. وتكون أيضا - بمعنى : إنسان.
كما أن الغالب فى «ما» التى هى نكرة موصوفة أن تصلح لأن يحل محلها كلمة : «شىء» ولا بد أن يقع بعدها صفة لها. وإن لم يقع بعدها صفة فهى نكرة غير موصوفة ، بمعنى : شىء ، أيضا ، وتسمى : تامة.
5 - نكرة تامة (أى : غير موصوفة) - وهى التى سبقت الإشارة إليها - مثل.
رب من زارنا اليوم. ربّ ما غرّد مساء. أى : ربّ إنسان زارنا ، ورب شىء غرّد. فالجملة الفعلية - فى المثالين فى محل رفع ، خبر.
1) والدليل على أن «من» و «ما» فى الأمثلة السابقة نكرة موصوفة أنهما مجرورتان برب ؛ وهى لا تجر - غالبا - إلا النكرات. وبعدها جملة ، والجملة بعد النكرة صفة (هذا ولا توصل كلمة «ما» النكرة الموصوفة بكلمة : «رب» فى الكتابة).
(ب) تختص «ما» دون «من» بمعان أخرى ؛ منها السبعة الآتية :
1 - التعجب ؛ مثل : ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا.
2 - النفى ؛ مثل : ما الخائن صديق ، أو : صديقا. وقول العرب : ما ذهب من مالك ما وعظك (1).
3 - أن تكون كافة ؛ وهى التى تدخل على العامل فتكفّه (أى : تمنعه عن العمل ، وتتركه معطلا) كأن تدخل على حرف جر ، أو على ناسخ ، أو نحوهما ، فلا يعمل ؛ مثل : ربما رجل زارنا نفعناه - ربما يود المهمل لو كان سبّاقا. إنما الأمم الأخلاق. ويجب فى الكتابة وصل «رب» بكلمة : «ما» الكافة ؛ لأن الذى يفصل هو «ما» النكرة الموصوفة ؛ كما سبق.
4 - أن تكون زائدة (أى : يمكن حذفها فلا يتأثر المعنى) وتقع كثيرا بعد : «إذا» الشرطية ؛ مثل : إذا ما المجد نادانا أجبنا ... أو بعد غيرها مثل : قوله تعالى : ( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ ) وقوله : «مما (2)خطيئاتهم أغرقوا ... 5 - مصدرية ظرفية (أى : تسبك مع ما بعدها بظرف ومصدر معا كما سيجىء البيان آخر هذا الباب) (3)، مثل : الصانع يربح ما أجاد صناعته. أى : مدة إجادته صناعته. وقول الشاعر يفتخر :
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا *** وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
أى : مدة سيرنا.
6 - أن تكون مصدرية غير ظرفية (أى : تسبك مع ما بعدها بمصدر فقط كما سيجىء فى آخر الباب) (4). مثل : كوفئ المخلصون بما أخلصوا ، أى : بإخلاصهم. 7 - أن تكون مهيئّة. (وهى التى تدخل على كلمة غير شرطية. فتهيئها وتعدها لمعنى الشرط وعمله) كدخول «ما» على «حيث» ، فى مثل : حيثما تصدق تجد لك أنصارا.
8 - أن تكون مغيّرة ... (وهى التى تدخل على أداة شرطية ؛ فتغيرها إلى
1) «ما» الأولى نافية أما الأخيرة فتصلح موصولة ، ونكرة موصوفة ، والكلام مثل قديم ، يقال للحزبن الذى أضاع ماله ؛ سدى ؛ فيتعلم بعد ذلك الحذر ، ويبالغ فى الحيطة ؛ فلا يضيع منه شىء ويحافظ على ماله. فضياع ماله بسبب إهماله كان الوسيلة الناجحة لصيانته ؛ فكأنه لم يضيعه سدى
2) أى : بسبب خطئياتهم.
3) ص 371.
4) ص 372
غير الشرط ، كدخول «ما» على «لو» فى مثل : «لوما» تحافظ على الميعاد. فقد تغيرت «لو» بسبب : «ما» ، وانتقلت هنا من الشرط إلى التحضيض.
9 - أن تقع صفة ، مثل : لأمر ما غاب القائد. فالمراد ؛ لأمر أىّ أمر. وهذه قد يعبر عنها : «بالإبهامية». ويتفرع على الإبهام إما الحقارة ؛ نحو : أعط فلانا شيئا ما. تريد شيئا تافها حقيرا ، وإما التفخيم ؛ نحو : لأمر ما ، هرب الحارس ، تريد لأمر عظيم هرب ... وإما النوعية ؛ نحو : عاون عليّا معاونة ما. تريد : نوعا من المعاونة.
ويقول بعض المحققين من النحاة : إنها فى كل المواضع السابقة الخاصة بالصفة ليست صفة ؛ وإنما هى زائدة ؛ تفيد التنبيه ؛ وتقوية المعنى ، ويرى أن هذا أولى. وحجته : أنه ليس فى كلامهم نكرة جامدة وقعت نعتا إلا وبعدها كلمة تماثل الموصوف تماما ؛ نحو : مررت برجل أىّ رجل ، وأكلنا فاكهة أىّ فاكهة. فالحكم عندهم على «ما» المذكورة بالاسمية واقتضاء الوصفية - حكم بما لا نظير له ؛ فيجب اجتنابه ؛ كما يقولون.
وهذا الخلاف شكلى ، لا قيمة له. والرأيان سيان ، وما دامت تؤدى غرضا معينا. فلا أهمية بعد ذلك لجعلها حرفا زائدا - وهو الأسهل - أو اسما يعرب صفة.
3 - ... «أل» وتكون للعاقل وغيره (1)؛ مفردا وغير مفرد ؛ نحو : جاءنى الكاتب ، أو : الكاتبة ؛ أو : الكاتبان ، أو الكاتبتان ، أو : الكاتبون ، أو : الكاتبات. ولا تكون موصولة إلا إذا دخلت على صفة صريحة (2)
وليست حرف موصول ؛ لأنها لا تؤول مع ما بعدها بمصدر ؛ ولأنها قد تدخل قليلا على الجملة : و «أل» المعرفة لا تدخل على الجملة. هذا إلى أمور أخرى دعت إلى اعتبارها اسم موصول ؛ أهمها أمران : أولهما : وجود ضمير بعدها لا مرجع له سواها ؛ والضمير لا يعود إلا على اسم ؛ نحو : قد أفلح المؤمن ؛ وخاب الجاحد. ففي كلمة : «المؤمن» ضمير تقديره : «هو» ؛ لا مرجع لـه إلا (أل) التي : بمعنى «الـذي» هنا. وكذلك تقديره في كلمة : «الجاحد» .. وكقوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ..) وقوله : (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً ..) ففى : «المؤمنون» ضمير تقديره : «هم» يعود على «أل». وفى «العاديات» ضمير تقديره : «هي» أو «هن» ، يعود على «أل». ولا مرجع لكل ضمير سوى أل». ولا يمكن أن يكون اسم الفاعل في الأمثلة السابقة وأشباهها خاليا من الضمير لأسباب قوية دونها النحاة ، وأثبتوا بها أن أكثر المشتقات يحمل ضميرا مستترا. كما سبقت الإشارة في رقم ٢ من ص ٢٨).
ثانيهما : أن هذه الأسماء التي دخلت عليها «أل» قد يعطف عليها الفعل أحيانا ؛ نحو قوله تعالى : (إِنَّ الْمُصَّدِقِينَ وَالْمُصَّدِقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ...) وقوله تعالى : (وَالْعَادِياتِ ضَبْحَا) إلى قوله : (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً.) فالفعل : «أقرض» في المثال الأول معطوف على «المصدقين». والفعل : «أثار» في الجملة الثانية معطوف على «العاديات». والفعل لا يعطف إلا على فعل مثله ، أو على ما يشبه الفعل . كما سيجيء في ج ٤ باب العطف . والمعطوف عليه هنا ليس بفعل ؛ فلم يبق إلا أنه يشبه الفعل ، لأنه أحد مشتقاته ... ومن ثم كانت «أل» الداخلة على المشتقات الصريحة المشبهة للفعل اسم موصول . وليست حرفا . ليعود عليها الضمير من المشتق.
والمراد هنا بالمشتقات الصريحة : اسم الفاعل ، واسم المفعول ، اتفاقا ؛ لأنهما يدلان على الحدث والتجدد كالفعل. أما الصفة المشبهة وباقى المشتقات فتدل على الثبوت ؛ فهى بعيدة من الفعل ، قريبة من الأسماء الجامدة. ومن ثم كانت «أل» الداخلة على «أفعل التفضيل» للعهد ، وليست موصولة ، كما ستجىء الإشارة في رقم ٣ من هامش ص ٣٨٣ ويجيء البيان في باب أفعل التفصيل ج ٣ م ١١٢
هذا ، ولا تكون «أل» اسم موصول إذا وجد في الكلام ما يدل على أنها للعهد» فتكون حرف تعريف ، لا اسم موصول ؛ مثل : قابلت مخترعا ؛ فأكبرت المخترع. واستشرت طبيبا ؛ فعملت بمشورة الطبيب. فكلمة : «أل» في «المخترع» و «الطبيب» للعهد ؛ فهي أداة تعريف فقط. وتفصيل الكلام على « أل» التي للعهد في ص ۳۸۱ أما الداخلة على المشتقات التي تعمل عمل الفعل فهى اسم موصول كما سبق . إذ لو كانت حرفا لكانت من خواص الأسماء كما يقولون ، فلا يكون المشتق بعدها شبيبا بالفعل يعمل عمله ، وإنما يكون مجرد اسم فقط ، يدل على الذات وحدها.
؛ فتكون1) ولفظها مفرد مذكر ولكن معناها قد يكون غير ذلك. ولا يراعى فى الضمير العائد عليها إلا المعنى ؛ خوفا من اللبس.
2) ليست «أل» هذه للتعريف - فى الأشهر ؛ وإنما هى لضرب من إصلاح اللفظ وتزيينه ؛ لأن اسم الموصول يتعرف بصلته. وكثير من أسماء الموصول مجرد من «أل» مع أنه معرفة ؛ فتعريفه جاء من صلته ؛ لا من «أل». ولو كانت للتعريف لمنعت من إعمال اسمى الفاعل والمفعول إذا كانا بمعنى الحال أو الاستقبال ؛ إذ تبعدهما - كما يقولون - عن شبه الفعل ؛ وتقربهما من الجوامد ؛ لأنها من خصائص الأسماء» ؛ والأصل فى الأسماء الجمود ؛ بسبب وضعها للذوات والجامد لا يعمل بخلاف الفعل وما يشبهه. لكن يقول شارح المفصل (ج 6 ص 61) إنها اسم موصول تفيد التعريف مع كونها بمعنى : «الذى» - كما سنشير فى رقم 1 من هامش ص 334. -
الصفة مع مرفوعها هنا من قسم شبه الجملة الواقع صلة ؛ كما مثل ، ونحو : إن العاقل الأريب (1)يحتال للأمر حتى يفوز به ، والعاجز الضعيف يتوانى ويتردد حتى يفلت منه.
هذا ، ومع أن «أل» اسم موصول ، وتعتبر كلمة مستقلة - فإن الإعراب لا يظهر عليها ؛ وإنما يظهر على الصفة الصريحة المتصلة بها (2)
أما صلتها فقد اختاروا إدخالها فى نوع الشبيه بالجملة ، واعتبارها منه وليست من نوع الجملة. وبهذا الرأى يوجد نوع جديد من شبه الجملة ، خاص بصلة : «أل» وحدها ، إذ المعروف أن شبه الجملة - كما أشرنا فى رقم 1 من هامش ص 307 نوعان فقط ، هما : الظرف ، والجار مع مجروره. فهذا الرأى يحدث قسما ثالثا لشبه الجملة. وهو - على ما به - أيسر الآراء ، وأنسبها وأقلها مغامز. - كما سيجىء فى ص 351
، التى تعرب مع مرفوعها صلة لها.4 - «ذو» وتكون للعاقل وغيره ؛ مفردا وغير مفرد (3)
فقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا *** هلمّ ، فإن المشرفىّ الفرائض
أظنك - دون المال - ذو جئت تبتغى *** ستلقاك بيض للنفوس قوابض
(المشرفى : السيف - الفرائض : المطايا المفروضة.)
ولفظها مفرد مذكر فى جميع حالاته ، لكن معناها قد يكون غير ذلك ؛ فيراعى فى الضمير العائد عليها لفظها أو معناها. وللقبائل التى تستعملها مذاهب مختلفة ؛ أشهرها ما ذكرنا هنا. ومنهم من يجعل واوها ألفا ، ويزيد عليها تاء التأنيث فتصير : «ذات» ؛ لتكون بعد الزيادة مثل : «التى» فى الدلالة على المفردة المؤنثة. ولكن تمتاز : «ذات» بأنها تدل بصيغتها الحالية على المثنى المؤنث أيضا ، وبأنها تجمع على : «ذوات» لتدل على الجمع المؤنث كما تدل عليه : «اللواتى». وهى فى الحالات السابقة كلها مبنية على الضم. وفى هذا يقول بن مالك :
وكالّتى أيضا لديهم : «ذات» *** وموضع «اللّاتى» أتى «ذوات»
ومن المستحسن. ترك «ذو» بلهجاتها المختلفة ؛ لغرابتها فى عصرنا ، وعدم الحاجة الحافزة لاستعمالها وحسبنا أن نذكرها هنا لندركها حين تتردد فى النصوص القديمة. وقد وردت فى بعض تلك النصوص مستعملة استعمالا دقيقا أوضحناه فى باب الإضافة ج 3 م 93 ومثلها : «ذات» وكذلك فى ج 2 باب الظرف ص 210 و 215 و 219 م 79.
؛ نحو : زارنى ذو تعلّم .1) العاقل.
2) أطال النحاة القول فى إعراب : «أل» الموصولة التى هى اسم مستقل ؛ أتكون مبنية على السكون فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب جملتها؟ أم تكون : «أل» معربة بحركات مقدرة وليست مبنية؟ وما إعراب الصفة بعدها فى الحالتين؟ وما نوع صلتها كذلك؟ ... وخير ما انتهوا إليه. أنها مع الصفة التى بعدها بمنزلة الشىء الواحد ؛ فكأنهما المركب المزجى ؛ يظهعر إرابه على الجزء الأخير منه (راجع هامش التصريح فى هذا الموضوع ، والخضرى عند الكلام على بيت ابن مالك : وصفة صريحة صلة «أل» ... إلخ).
3) وهى نوع آخر يخالف «ذو» التى بمعنى «صاحب» ، إحدى الأسماء الستة ، والتى سبق الكلام عليها فى ص 100. وتستعمل «ذو» اسم موصول ، مبنى على السكون المقدر على الواو فى محل كذا - وهذا عند بعض القبائل العربية ، ومنها ؛ طى ، دون بعض آخر. ومن أمثلتها قول معدان الطائى :
وذو تعلمت. وذو تعلّما. وذو تعلمتا ، وذو تعلموا ، وذو تعلّمن (1)
و «من» و «ما» و «أل» ، تساوى ما ذكر *** وهكذا «ذو» عند طيّئ شهر
أى : أن كل واحد من هذه الأسماء (من - ما - أل) يساوى الثمانية الماضية كلها فى الاستعمال من ناحية أنه وحده صالح لكل ما صلحت له الثمانية من الأنواع مع عدم تغير لفظه
وكذلك «ذو» عند بعض القبائل التى منها طيىء - كما سبق. ثم قال عن طيىء :
وكالّتى أيضا لديهم : «ذات» *** وموضع «اللّاتى» أتى : «ذوات»
وقد أوضحنا معنى البيت عند الكلام على «ذو».
. وهى مبنية على السكون المقدر على الواو ، فى محل رفع ، أو نصب ، أو جرّ. على حسب موقعها من جملتها5 - «ذا». وتكون للعاقل وغيره. مفردا وغير مفرد (2)؛ نحو : ماذا رأيته؟ ماذا رأيتها؟ ماذا رأيتهما؟ ماذا رأيتهم؟. ماذا رأيتهن؟. ويصح وضع : «من» مكان : «ما» فى كل ما سبق ، ومنه قول الشاعر :
من ذا يعيرك عينه تبكى بها *** أرأيت عينا للبكاء تعار؟
وقول الآخر (3):
من ذا نواصل إن صرمت حبالنا *** أو من نحدّث بعدك الأسرارا
فكلمة : «ما» أو : «من» اسم استفهام مبتدأ. مبنى على السكون فى محل رفع. و «ذا» اسم موصول بمعنى : الذى - أو غيره - خبر ، مبنى على السكون فى محل رفع. ولا تكون ذا موصولة إلا بثلاثة شروط :
أولها : أن تكون مسبوقة بكلمة : «ما» أو : كلمة : «من» الاستفهاميتين ؛ كما فى الأمثلة السابقة. فلا يصح : ذا رأيته ، ولا ذا قابلته ... ويغلب أن تكون للعاقل إذا وقعت : بعد «من» ولغير العاقل إذا وقعت بعد : «ما».
ثانيها : أن تكون كلمة «من» أو «ما» مستقلة بلفظها وبمعناها - وهو الاستفهام غالبا (4)- ، وبإعرابها ؛ فلا تركّب مع «ذا» تركيبا يجعلهما معا كلمة واحدة فى إعرابها (وإن كانت ذات جزأين) وفى معناها أيضا - وهو الاستفهام غالبا (5)- كما فى نحو : ماذا السديم؟ ماذا عطارد؟ من ذا الأول؟ من ذا النائم؟ فكلمة : .
«ماذا» كلها - اسم استفهام ومثلها كلمة : «من ذا» (1).
وفى حالة التركيب التى وصفناها تسمى : «ذا» ملغاة إلغاء حكميا (2)لأن وجودها المستقل قد ألغى - أى : زال - بسبب التركيب مع «ما» أو «من» الاستفهاميتين ، وصارت جزءا من كلمة استفهامية بعد أن كانت وحدها كلمة مستقلة تعرب اسم موصول.
ثالثها : ألا تكون «ذا» اسم إشارة ، فلا تصلح أن تكون اسم موصول ؛ لعدم وجود صلة بعدها ، وذلك بسبب دخولها على مفرد ؛ نحو : ماذا المعدن؟ ماذا الكتاب؟ من ذا الشاعر؟ من ذا الأسبق (3)
ومثل «ما» : «ذا» بعد : «ما» استفهام *** أو «من» إذا لم تلغ فى الكلام
أى : أن «ذا» تشبه «ما» فى أنها صالحة لجميع الأنواع مع عدم تغير لفظها ، وذلك بشرط أن تقع بعد «ما» التى للاستفهام ، أو : «من» التى للاستفهام أيضا. واكتفى بهذا الشرط ، وترك باقى الشروط لضيق النظم ، وقد ذكرناها.
؟تريد : ما هذا المعدن؟ ما هذا الكتاب؟ من هذا الشاعر؟ من هذا الأسبق؟ .
(ا) عرفنا أن «ذا» قد تركب مع «ما» أو «من» الاستفهاميتين ، فينشأ من التركيب كلمة واحدة فى إعرابها - وإن كانت ذات جزأين - وفى معناها وهو الاستفهام غالبا ، مثل : ماذا الوادى الجديد؟ من ذا المنشئ لمدينة القاهرة؟ وتسمى «ذا» : الملغاة إلغاء حكميّا ؛ لا حقيقيّا ؛ لأنها من حيث الحقيقة والواقع موجودة فعلا. ولكن من حيث اندماجها فى غيرها ، وعدم استقلالها بكيانها ، وبإعراب خاص بها - تعدّ غير موجودة.
أما إلغاؤها الحقيقى فيكون باعتبارها كلمة مستقلة بنفسها ، زائدة ، يجوز حذفها وإبقاؤها. ويترتب على تعيين نوع الإلغاء بعض أحكام ؛ منها :
أن كلمة : «ذا» فى الإلغاء الحقيقى لا يكون لها محل من الإعراب ، فلا تكون فاعلا ، ولا مفعولا ، ولا مبتدأ ، ولا غير ذلك ؛ لأنها لا تتأثر بالعوامل ؛ ولا تؤثر فى غيرها - شأن الأسماء الزائدة عند من يجيز زيادتها ، وهم الكوفيون وتبعهم ابن مالك - بخلافها فى الإلغاء الحكمى ؛ فإنها تكون جزءا أخيرا من كلمة ، وهذه الكلمة كلها - بجزأيها - مبنية على السكون دائما فى محل رفع - أو نصب ، أو : جر ، على حسب موقعها من الجملة ، (مبتدأ ، وخبرا ، وفاعلا ، ومفعولا ... إلخ). ومما تصلح فيه لنوعى الإلغاء قول الشاعر :
من ذا الّذى ما ساء ق *** طّ ومن له الحسنى فقط
وفى الإلغاء الحقيقى يجب تقديم «من» و «ما» الاستفهاميتين فى أول جملتهما حتما ، كالأمثلة السابقة ؛ لأن الاستفهام الأصيل له الصدارة فى جملته. بخلاف الإلغاء الحكمى ، فيجوز معه الأمران : إمّا تقديم الاستفهام بكامل حروفه فى جزأيه على عامله ، وإما تأخيره عنه ، فلا يكون للاستفهام وجوب الصدارة ؛ وفى هذه الصورة يعرب معمولا متأخرا لعامل متقدم عليه ؛ تقول : ماذا صنعت ، أو صنعت ما ذا؟ (1)
وفى هذا النص اقتصار على التركيب مع «ما» الاستفهامية. أما النصوص الأخرى . كالتى فى الصبان . فصريحة في : «من» و «ما» الاستفهاميتين ، وغيرهما مما سيجيء في : «ب».
...1) راجع الصبان ، ج 1 ، باب الموصول ، عند الكلام على : «ذا» الموصولة. وجاء فى حاشية ياسين على التوضيح ج 2 باب النواصب ، عند الكلام على : «كى» ما نصه : (قال ابن مالك : إن «ما» الاستفهامية إذا ركبت مع : «ذا» لا يلزم صدريتها ؛ فيعمل ما قبلها فيما بعدها ؛ رفعا نحو : كان ما ذا؟ أو نصبا كقول أم المؤمنين أقول ما ذا؟ ...».
وفى الإلغاء الحقيقى تحذف ألف «ما» الاستفهامية فى حالة الجر مثل : عمّ «ذا» سألت؟ تطبيقا للقاعدة المعروفة ؛ (وهى : حذف ألف «ما» الاستفهامية عند جرها). بخلاف الإلغاء الحكمى لأن أداة الاستفهام فيه هى «ماذا» وليست «ما».
(ب) لا يقتصر إلغاء «ذا» على تركيبها مع «ما» أو «من» الاستفهاميتين فذلك هو الغالب - كما قلنا (1)- ؛ فقد يقع الإلغاء بتركيبها مع «ما» أو «من» الموصولتين ، أو النكرتين الموصوفتين ؛ فتنشأ كلمة واحدة هى : «ماذا» أو : «من ذا» فنعربها اسم موصول ، أو نكرة موصوفة. فالأولى مثل قول الشاعر :
دعى ما ذا علمت سأتقيه *** ولكن بالمغيّب خبّرينى
فماذا ، كلها اسم موصول مفعول «دعى». وصلته جملة : «علمت» لا محل لها. ويرى «الفارسى» وأصحابه أن «ماذا» نكرة موصوفة. مفعول «دعى» وليست موصولة : لأن «ماذا» كلمة واحدة ، ولكنها مركبة من شطرين ؛ والتركيب كثير فى أسماء الأجناس - ومنها النكرة الموصوفة - ، قليل فى أسماء الموصول ، وتكون جملة : «علمت» فى محل نصب صفة النكرة. أى : دعى شيئا علمته.
مما تقدم نعلم أننا إذا أردنا إعراب مثل : «ماذا رأيته فى المعرض»؟ أو : «من ذا رأيته؟» جاز لنا أن نجعل «ماذا» و «من ذا» بشطريهما كلمة واحدة ، اسم استفهام مبتدأ. وأن نجعل «ما» أو «من» استفهام مبتدأ و «ذا» زائدة لا محل لها من الإعراب. ويجوز أن تكون «ذا» فى الحالتين السالفتيين اسم موصول بمعنى الذى ، خبر. ويجوز فى أمثلة أخرى أن تكون «ماذا» و «من ذا» بشطريهما موصولتين أو نكرتين موصوفتيين على حسب ما أوضحنا ... و... و...
ويظهر أثر الإلغاء وعدمه فى توابع الاستفهام ؛ كالبدل منه ؛ وفى الجواب عنه. ففى مثل : ماذا أكلت؟ أتفاحا أم برتقالا؟ بنصب كلمة ؛ «تفاح» يكون النصب دليلا على أن الإلغاء هنا حكمى (2)؛ لأن «ماذا» مفعول مقدم «لأكلت». أما لو قلنا : ماذا أكلت؟ أتفاح أم برتقال؟ فإن كلمة «التفاح»
المرفوعة يصح أن تكون بدلا من «ذا» الواقعة خبرا عن كلمة : «ما» فلا يكون هنا إلغاء.
وكالمثال السابق فى صحة الرفع والنصب كلمّة : «نحب» فى قول الشاعر :
ألا تسألان المرء ما ذا يحاول؟ *** أنحب فيقضى ، أم ضلال وباطل؟
ومثله من ذا أكرمت؟ أمحمدا أم محمودا؟ ، بنصب الاسمين أو برفعهما على الاعتبارين السالفين.
أما الجواب عن الاستفهام ففى مثل : ماذا كتبت فى الرسالة؟ فتجيب : خيرا ، أو : خير. فالنصب على البدلية من «ماذا» التى هى مفعول به مقدم لكتبت ، ويكون فى الكلام إلغاء. والرفع على البدلية من كلمة «ذا» بمعنى «الذى» على اعتبارها خبر «ما» فلا يكون فى الكلام إلغاء. ومنه قوله تعالى : ( يَسْئَلُونَكَ : ما ذا يُنْفِقُونَ؟ قُلِ : الْعَفْوَ ) - أى : الزيادة - بالنصب وبالرفع وقوله تعالى : ( ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟. قالُوا : خَيْراً ، ) أو خير.
(ح) فى نحو قوله تعالى : ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ ... ) يصح فى كلمة : «ذا» الإلغاء الحقيقى أو الحكمى. وفى الحالتين تكون كلمة : «الذى» خبرا. ويصح أن تكون «ذا» اسم موصول بمعنى «الذى» خبر «من». وتكون كلمة : «الذى» الموجودة توكيدا لفظيّا لكلمة : «ذا» التى هى اسم موصول بمعناها.
«ملاحظة» : يصح فى بعض الصور التى سبقت (فى : ا وب وج) إعرابات أخرى لا حاجة إليها هنا.
6 - «أىّ» وتكون للعاقل وغيره. مفردا ، وغير مفرد ؛ تقول ؛ يسرنى أىّ هو نافع. يسرنى أىّ هى نافعة. يسرنى أىّ هما نافعان. يسرنى أىّ هما نافعتان. يسرنى أىّ هم نافعون. يسرنى أىّ هن نافعات.
وتختلف «أىّ» فى أمر البناء والإعراب ؛ عن باقى أخواتها من الموصولات المشتركة ، فأخواتها جميعا مبنية ، أما هى فتبنى فى حالة واحدة ، وتعرب فى غيرها. فتبنى إذا أضيفت (1)وكانت صلتها جملة اسمية ، (2)صدرها - وهو المبتدأ - ضمير محذوف ؛ نحو : يعجبنى أيّهم مغامر. سأعرف أيّهم مغامر. سأتحدث عن أيّهم مغامر. والأصل : أيهم هو مغامر. فإن لم يتحقق شرط من شروط بنائها وجب إعرابها. ولهذا تعرب فى الحالات الآتية.
(ا) إذا كانت مضافة ، وصلتها جملة اسمية ، بشرط أن يكون صدر هذه الجملة (وهو ؛ المبتدأ) ضميرا (3)مذكورا ؛ نحو : سيزورنى أيّهم (هو أشجع) - سأصافح أيّهم (هو أشجع) - وسأقبل على أيّهم (هو أشجع).
(ب) إذا كانت غير مضافة وصلتها جملة اسمية ذكر فى الكلام صدرها الضمير ، مثل : سيفوز أىّ (هو مخلص) - سنكرم أيّا (هو مخلص) - سنحتفى بأىّ (هو مخلص).
(ح) إذا كانت غير مضافة ، وصلتها جملة اسمية لم يذكر صدرها الضمير ؛ نحو : سيسبق أىّ خبير ، وسوف نذكر بالخير أيّا محسن ، ونعنى بأىّ بارع (4)
«أىّ» كما ، وأعربت ما لم تضف *** وصدر وصلها ضمير انحذف
ومعنى البيت : «أى» مثل «ما» الموصولة فى أن كلا منهما اسم موصول. صالح للمفرد وغير المفرد ، والعاقل وغيره. لكن الحقيقة أن بينهما بعض فروق ؛ منها : أن «ما» مبنية دائما ، وأنها لغير العاقل فى الأغلب. أما «أى» فتبنى فى حالة واحدة وتعرب فى عدة حالات غيرها ، وأنها للعاقل وغير العاقل ...
. .1) ليس بين الأسماء الموصولة المشتركة وغير المشتركة ما يجوز إضافته إلا «أى». فى بعض حالاتها. وسيجىء فى الزيادة - ص 329 - بعض الأحكام الخاصة بها.
2) وهى المبتدأ مع خبره ، أو ما يغنى عن الخبر.
3) لا فرق فى هذا الحكم وما بعده بين أن يكون صدرها ضميرا كما مثلنا - أو غير ضمير - كما سيجىء فى «د» - ؛ نحو : سيزورنى أيهم محمود خير منه. ولكن الضمير هو الأعم الأغلب ؛ حتى اقتصر عليه أكثر النحاة.
4) وفى «أى» وأحوالها يقول ابن مالك.
(د) وتعرب أيضا إن كان صدر صلتها اسما ظاهرا ؛ نحو : تزور أيّهم (محمد مكرمه). أو : فعلا ظاهرا ، نحو : سوف أثنى على أيّهم يتسامى بنفسه ، أو فعلا مقدرا ، نحو : سأغضب على أيّهم عندك (1)
وإنما وجب أن يكون المحذوف . في باب الموصول . فعلا لتكون الصلة جملة فعلية ؛ إذ لا بد أن تكون جملة فعلية. إلا صلة «أل» فإنها لا تكون إلا صفة صريحة مع مرفوعها . كما سبق في رقم ٢ من هامش ص ۳۲۰ . وصلة «أل» هذه تعد قسما من أقسام الشبيه بالجملة ، وهو قسم خاص بها وحدها. أما في غير باب الموصول فيكون الشبيه بالجملة أمران. الظرف والجار مع مجروره. ويكون كلاهما عند التعلق إما متعلقا بفعل محذوف وإما باسم مشتق بمعنى ذلك المحذوف ، كما سيجيء هنا في هامش ص ٣٤٧ باب المبتدأ والخبر ص ٤٣١.
.1) والفعل هنا مقدر : لأن «عند» ظرف ، ولا يتعلق الظرف - وكذا والجار مع مجروره - فى باب الموصول إلا بفعل محذوف تقديره : «استقر» - مثلا - ، والجملة من الفعل والفاعل لا محل لها صلة.
يسوقنا الكلام على «أىّ» إلى سرد أنواعها المختلفة (1). وهى ستة - كلها معربة إلا «أىّ» التى تكون وصلة للنداء ، وإلا واحدة من حالات «أىّ» الموصولة ، وقد سبقت.
1 - موصولة. والمستحسن أن يكون عاملها مستقبلا ، ومتقدما عليها. ويجب أن تضاف لفظا ومعنى ، معا ، أو معنى فقط - بأن يحذف المضاف إليه بقرينة ، طبقا للبيان الذى فى باب الإضافة (2)- ، وأن تعرب أو تبنى ، على حسب ما شرحنا. وإذا أضيفت فإضافتها إلى المعرفة أقوى وأفضل. ويحسن الاقتصار على هذا الرأى. وتجب مراعاة لفظها فى الضمير العائد إليها ، وفى كل ما يتعلق بالمطابقة.
2 - أن تكون اسم شرط معربة ؛ فتضاف إما للنكرة مطلقا (3)؛ نحو : أىّ حكيم تصادق أصادق ، وأىّ رفاق تصاحب أصاحب .... وإما لمعرفة بشرط أن تكون المعرفة دالة على متعدّد صراحة أو تقديرا أو عطفا بالواو (4)؛ فمثال التّعدد الصريح : أىّ الأشراف تساير أساير. ومثال التعدد المقدّر - وهو الذى يلحظ فيه ما يكون فى الفرد الواحد من أجزاء متعددة (5) ، مثل : أىّ محمد تستحسن أستحسن. تريد : أىّ أجزاء محمد تستحسن أستحسن. ومثل التعدد بالعطف بالواو : أيى وأيك يتكلم يحسن الكلام ، بمعنى : أينّا ...
وإضافتها واجبة لفظا ومعنى معا ، أو معنى فقط ، لحذف المضاف إليه بقرينة - طبقا لما سيجىء فى باب الإضافة (6).
3 - أن تكون اسم استفهام ، معربة ، فتضاف إما للنكرة مطلقا (7) ؛ نحو : أىّ كتاب تقرؤه؟ وأىّ صحف تفضلها؟ ... وإما لمعرفة بشرط أن تكون المعرفة دالة على متعدد صريح ، أو مقدر ، أو عطفا عليها بالواو معرفة مفردة (8) ؛ نحو : أىّ
1) سيجىء الكلام مفصلا هاما على الاستفهامية ، والشرطية ، والنعتية ، والحالية فى المكان المناسب لها من ج 3 باب الإضافة ، م 95 - أما التى تكون وصلة للنداء ففى باب النداء أول الجزء الرابع.
2) أى : سواء أكانت للمفرد ، أم لغيره.
3) المراد : عطف معرفة مفردة - وهى التى لا تدل على متعدد - على نظيرتها.
4) وكذلك ما قد يكون له من أنواع مختلفة ، مثل : أى المعدن تتخيره أوافق عليه. تريد : أى أنواع المعدن ...
الرجال أحق بالتكريم؟ ونحو : أىّ علىّ أجمل؟ تريد : أىّ أجزاء علىّ أجمل؟ ونحو : أبى وأيك فارس الأحزاب؟.
وإضافة «أىّ» الاستفهامية واجبة لفظا ومعنى معا ، أو معنى فقط ؛ بحذف المضاف إليه ؛ لقرينة ، كما سيجىء فى ج 3 - باب الإضافة.
4 - أن تكون اسما معربا ، نعتا يدل على بلوغ المنعوت الغاية الكبرى فى مدح أو ذم ، ويشترط أن يكون المنعوت نكرة - فى الغالب (1)- وأن تكون «أىّ» مضافة لفظا ومعنى إلى نكرة مذكورة بعدها ، مشاركة للمنعوت فى لفظه ومعناه ، نحو : استمعت إلى عالم أىّ عالم. فإذا أضيفت إلى نكرة وكانت هذه النكرة اسما مشتقّا كان المدح المقصود أو الذم هو المعنى المفهوم من المشتق ؛ أى : المعنى المجرد الذى يدل عليه هذا المشتق ؛ فإذا قلنا : رأينا فارسا ، أىّ فارس ... فالمعنى المقصود من المدح ، هو : «الفروسية» المفهومة من المشتق (فارس) وإذا قلنا : احترسنا من خائن أىّ خائن ... فالمعنى المراد من الذم هو «الخيانة» المفهومة من المشتق (خائن). أما إذا أضيفت إلى نكرة غير مشتقة فإن المدح أو الذم يشمل جميع الأوصاف التى يصح أن توصف بها هذه النكرة ؛ فمن يقول لآخر : إنى مسرور بك ؛ فقد رأيتك رجلا أىّ رجل ، ... فكأنما يقول : رأيتك رجلا جمع كل الصفات التى يمدح بها الرجل. ومن يقول عن امرأة أساءت إليه : إنها امأة أىّ امرأة .. فإنما يقصد أنها جمعت كل الصفات التى تذم بها المرأة.
والأغلب فى النكرة التى هى المضاف ، والتى ليست مصدرا - لأن المصدر قد يحذف وتنوب عنه صفته - أن تكون مذكورة فى الكلام ، ومن الشاذ الذى لا يقاس عليه ورود السماع بحذفها فى قول القائل : إذا حارب الحجاج أىّ منافق ... يريد : منافقا أىّ منافق.
1) لأنه يصح - مع قلته - أن يكون معرفة. ويترتب على هذا أن يتبعه فى التعريف المضاف إليه بعد «أى» فيكون معرفة مثله ولا يصح أن يتخالفا فى هذا وسيجىء البيان فى ح1. باب الإضافة والنعت ص 91 و 99 م 95 وما بينها ، ثم فى ص 378 م 114 و 394 م ومنه يتضح صحة الأسلوب الشائع فى مثل : استراح المسافر أى استراحة ، وتمتع أى تمتع ، بشرط أن يكون المصدر محذوفا فى هذه الأساليب وثابت عنه «أى» التى كانت فى الأصل نعتا له. وهو : استراحة أى استراحة ، وتمتعا أى تمتع. كما سيجىء فى ج 2 ص 175 م 75 فى بيان حذف المصدر.
ويقول النحاة : «إن هذا فى غاية الندور» (1)فلا يصح محاكاته ، ثم يزيدون التعليل : أن الغرض من الوصف «بأىّ» هو المبالغة فى المدح أو الذم ، والحذف مناف لهذا فمن المحتم عندهم ذكر الموصوف ، الذى ليس بمصدر ، وإضافتها لفظا ومعنى معا.
5 - أن تكون حالا بعد المعرفة ، دالة على بلوغ صاحبها الغاية الكبرى فى مدح أو ذم. ويشترط أن تكون مضافة لنكرة مذكورة بعدها ؛ نحو : أصغيت إلى علىّ أىّ خطيب ، فلا بد من إضافتها لفظا ومعنى معا.
6 - أن تكون وصلة لنداء ما فيه «أل» ، نحو : يأيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم. وهذه مبنية قطعا.
ولكل نوع من الأنواع السابقة أحكام هامة - لفظية ومعنوية - مفصلة فى الأبواب الخاصة به ، ولا سيما بابى «الإضافة والنداء» غير أن الذى عرضناه الآن للمناسبة العابرة هو أحكام موجزة ، عرفنا منها : أن «أيّا» الشرطية والاستفهامية يضافان إلى النكرة تارة كما يضافان إلى المعرفة تارة أخرى. ولكن بشرط.
كما عرفنا أن كلمة : «أى» الواقعة نعتا ، أو حالا تضاف للنكرة دون المعرفة فى الأغلب (2)نحو : فرحت برسالة أىّ رسالة. انتصر محمود أىّ قائد. وأما التى هى وصلة لنداء ما فيه «أل» فلا تضاف مطلقا ، وهى مبنية. وكذلك «أى» الموصولة فإنها مبنية فى إحدى حالاتها التى أوضحناها. أما بقية أنواع «أى» ؛ من شرطية ، واستفهامية ، ... و... فمعربة.
ولما كانت «أى» الشرطية والاستفهامية تضاف للنكرة حينا وللمعرفة حينا آخر على الوجه السالف - كانت عند إضافتها للنكرة بمنزلة كلمة : «كل» المراد منها المضاف إليه كاملا ؛ فيراعى فيما يحتاج معها للمطابقة - كالخبر ، والضمير ... عود الضمير عليها مراعاة المعنى - غالبا - فيطابق المضاف إليه ، تذكيرا ، وتأنيثا ؛ وإفرادا ، وتثنية ، وجمعا ؛ تقول ؛ أى غلام حضر؟ أى غلامين
حضرا؟ أى غلمان حضروا؟ أى فتاة سافرت؟ أى فتاتين سافرتا؟ أى فتيات سافرن؟
أما عند إضافتها إلى معرفة فتكون بمنزلة كلمة : «بعض» ، المراد منها بعض أجزاء المضاف إليه ؛ فيراعى فى عود الضمير عليها وفى كل ما يحتاج للمطابقة معها أن يكون مطابقا للفظ المضاف ، وهو : «أى» فيكون مفردا ، مذكرا كلفظها. وهذا هو الغالب : فنقول : أى الغلامين حضر؟ ... أى الغلمان حضر؟ وهكذا الباقى (1). كما تقول ذلك عند الإتيان بلفظ : «كل وبعض» ...
ويرى بعض النحاة أنه لا مانع فيهما من مراعاة اللفظ أو مراعاة المعنى ، فيجوز عنده الأمران. وفى هذا تيسير محمود لا يمنع من الأخذ به مانع ، فنستريح من التقسيم وآثاره إلا أن الأول أفصح وأقوى.
1) إيضاح هذا كله - ولا سيما تذكير لفظة «أى» وتأنيثها - فى موضعه المناسب ، وهو باب الإضافة ج 3 ص 91 م 94 م 954.
وإلى هنا انته الكلام على الألفاظ الستة العامة (أى : المشتركة).
ويتلخص كل ما سبق من الألفاظ المختصة والمشتركة فى الجدول الآتى :
اللفظ المختص / النوع الذي يصلح له / حكمه من ناحية الاعراب والبناء
1 – الذي .... / المفرد المذكر مطلقا (أي : عاقلا ، وغير عاقل) / مبنى على السكون في محل ... على حسب جملته.
2 – الذي .... / المفردة المؤنثة ، مطلقا / مبني على السكون في محل ... على حسب جملته
3 – اللذان - الذين / المثنى المذكر ، مطلقا / الأحسن أن يعرب إعراب المثنى
4 – اللتان – اللتين / المثنى المؤنث مطلقا / الأحسان أن يعرب اعراب المثنى
5 – الألتي أو : الألاء / الجمع المذكر والمؤنث مطلقا / مبني على السكون في محل ... على حسب جملته
6 – الذين / الجمع المذكر العاقل / مبني على الفتح في محل ... على حسب جملته.
7 – اللات ، اللاتي واللأء – اللأئي / الجمع المؤنث بنوعيه / اللات. واللاء مبنيتان على الكسر في محل ... علي حسب الجملة.
واللاتي وللأئي مبنيتان على السكون في محل ... على حسب الجملة.
فللمفرد المذكر لفظة واحدة ، وكذلك لمثناه ، وكذلك جمعه ، فالمجموع ثلاثة ألفاظ.
وللمفردة المؤنثة لفظة واحدة ، وكذلك مثناها. أما جمعها فله لفظتان مختومتان بالياء ، أو غير مختومتين. فهذه أربعة.
وللجمع بنوعيه لفظة واحدة ، تستعمل مقصورة أو ممدودة. فمجموع الألفاظ كلها ثمانية.
اللفظ العام / النوع الذي يصلح له / حكمه من ناحية الاعراب والبناء
1 – من .... / أكثر استعماله في العقلاء أفرادا ، وتثنية ، وجمعا وقد يستعمل في غيرهم أيانا / مبني على السكون في محل ... على حسب الجملة.
2 – ما .... / أكثر استعماله في غير العقلاء إفرادا ، وتثنية ، وجمعاً. وقد يستعمل في غيرهم / مبني على السكون في محل ... على حسب الجملة.
3 – أل (1).... / يستعمل في جميع الأنواع ، ويشترط في صلته أن تكون صفة صريحة : (اسم فاعل أو : اسم مفعول فقط) (2)/ مبني على السكون. ولكن يحسن إعرابه ، وألا يظهر الإعراب عليه ، وانما يكون على الصفة الصريحة المتصلة به. باعتبارها بمنزلة كلمة واحدة – كما شرحنا – (3)
4 – ذو .... / يستعمل في جميع الأنواع / مبني على السكون في محل ... على حسب الجملة.
5 – ذا .... / يستعمل في جميع الأنواع بثلاثة شروط/ مبني على السكون في محل على حسب الجملة.
6 – أيّ .... / يستعمل في جميع الأنواع / مبني على الضم في حالة واحدة ويعرب في غيرها.
1) هى اسم موصول. وهل تفيد ما دخلت عليه التعريف أولا تفيده؟ رأيان سبق بيانهما فى رقم 2 من هامش ص 320، فصاحب المفصل (ج 6 ص 61) يقول إنها تفيد التعريف ، وغيره يخالفه. وهى مغايرة للنوع الداخل على أسماء الموصول ، - كالذى ، والتى - فهذا النوع زائد زيادة لازمة ، كما يقول صاحب المفصل وغيره وكما جاء بتفصيل أشمل فى حاشية ياسين على التصريح ، أول باب النكرة والمعرفة
2) وهذان النوعان متفق عليهما. أما الصفة المشبهة ففيها خلاف شديد. وسيجىء بيان لهذا فى ص 347.
3) فى رقم 2 من هامش ص 321 وفى ص 351.
(ا) جميع الأسماء الموصولة المختصة مبنية ، إلا اسمين للمثنى ؛ هما : «اللذان» «واللتان». وما عدا هذين الاسمين يلاحظ فى إعرابه موقعه من الجملة ، أفاعل هو ، أم مفعول به ... ، أم مبتدأ ، أم خبر ... أم غير ذلك؟ فإذا عرفنا موقعه ، وحاجة الجملة إليه - نظرنا بعد ذلك إلى آخره ؛ أساكن هو أم متحرك؟ فإذا اهتدينا إلى الأمرين ؛ (موقعه من الجملة ، وحالة آخره) قلنا فى إعرابه : اسم موصول مبنى على السكون ، أو على حركة كذا ، فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب الجملة ؛ «فالذى» مبنية على السكون دائما ، ولكنها فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر على حسب موقعها من الجملة ؛ ففى مثل : سافر الذى يرغب فى السياحة ، مبنية على السكون فى محل رفع ، لأنها فاعل. وفى مثل : ودعت الذى سافر - مبنية على السكون فى محل نصب ؛ لأنها مفعول به. وفى مثل : أشرت على الذى سافر بما ينفعه - مبنية على السكون فى محل جر بعلى.
ومثل هذا يقال فى باقى الأسماء الموصولة المختصة ؛ سواء منها ما كان مبنيّا على السكون أيضا ؛ وهو : «التى» ، و «أولى» مقصورة ، واللاتى ، واللائى. أو مبنيّا على الكسر ؛ وهو : «أولاء» ، و «اللات» و «اللاء «. أو مبنيّا على الفتح وهو : «الذين (1)».
أما الاسمان الخاصّان بالتثنية ؛ وهما : «اللّذان» و «اللّتان» ، رفعا. و «اللّذين» و «اللّتين» ، نصبا وجرا ، فالأحسن - كما سبق - أن يكونا معربين كالمثنى ؛ فيرفعان بالألف ، وينصبان ويجران بالياء.
(ب) وجميع الأسماء الموصولة العامة (أى : المشتركة) مبنية كذلك ؛ إلا (أىّ) ؛ فإنها تكون مبنية فى حالة ، وتكون معربة فى غيرها ، على حسب ما أوضحنا. والأساس الذى نتبعه فى الموصولات العامة هو الأساس الذى بيناه فى الموصولات المختصة ؛ بأن ننظر أوّلا إلى موقع اسم الموصول المشترك من جملته ؛ أمبتدأ هو ، أم خبر ، أم فاعل ، أم مفعول ... أو ...؟ فإذا عرفنا موقعه
1) ومن ينطقون بها بالواو رفعا يعربونها ويجعلونها فى حكم الملحق بجمع المذكر ، فيقولون : اللذون حضروا كرماء. إن الذين حضروا كرماء. أسرعت إلى الذين حضروا. فهى فى المثال الأول مبتدأ مرفوع بالواو ، وفى المثال الثانى اسم «إن» منصوب بالياء ، وفى الثالث مجرور بإلى ، وعلامة جره الياء ...
نظرنا إلى آخره ؛ أساكن هو أم متحرك؟ فإذا أدركنا الأمرين قلنا عنه : إنه مبنى على السكون أو على حركة «كذا» فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر. لأنه مبتدأ ، أو خبر ، أو فاعل ، أو مفعول به ، أو مضاف إليه ... أو ... أو ...
فكلمة «من» مبنية على السكون دائما ، ولكن فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، ففهى فى مثل ، قعد «من» حضر - مبنية على السكون فى محل رفع ؛ لأنها فاعل. وهى فى مثل : آنست «من» حضر - مبنية على السكون فى محل نصب ؛ لأنها مفعول به. وهى فى مثل : سعدت «بمن» حضر - مبنية على السكون فى محل جر ؛ لأنها مجرورة بالياء.
وهكذا يقال فى : «ما» و : «ذو» وفى : «ذا» الواقعة بعد «ما» أو «من» الاستفهاميتين (1).
أما «أل» الموصولة (2)فالأحسن ألا نطبق عليها الأساس السابق ؛ فلا ندخل فى اعتبارنا أنها مبنية ، ولا ننظر إلى آخرها ؛ وهو اللام - وإنما ننظر معها إلى الصفة الصريحة التى بعدها ، ونجرى على الصفة وحدها حركات الإعراب ؛ ففى مثل : إن الناصح الأمين خير معوان فى ساعات الشدة ، يلجأ إليه المكروب فينقذه بصائب رأيه - نقول : «الناصح» اسم إن منصوب ، «الأمين» صفة منصوبة. «المكروب» فاعل مرفوع (3).
1) نحو : ماذا قرأته؟ من ذا رأيته؟ فما أو من ، اسم استفهام مبتدأ مبنى على السكون فى محل رفع ، وذا : اسم موصول خبر مبنى على السكون فى محل رفع - كما قلنا آننا (ص 322 وما بعدها).
2) وقد سبق أنها لا بد أن تتصل بصفة صريحة ، تكون هى ومرفوعها ، صلة «أل» وفى هذه الحالة تعتبر الصلة من قسم شبه الجملة. كما تعتبر «أل» مع الصفة بمنزلة «المركب المزجى» يجرى الإعراب على آخر الجزء الثانى منه.
3) ولا داعى لأن نعتبر «أل» فى مثل هذه المواضع كلمة مستقلة بنفسها ؛ كى لا نقع فى كثير من التعقيد المرهق أشرنا إلى بعضه فيما سلف وسيجىء أيضا فى 348.
الموصولات كلها - سواء أكانت اسمية أم حرفية - مبهمة (1)المدلول ، غامضة ، المعنى ، كما عرفنا. فلا بد لها من شىء يزيل إبهامها وغموضها ، وهو ما يسمى : «الصلة». فالصلة هى التى تعين مدلول الموصول ، وتفصّل مجمله ، وتجعله واضح المعنى ، كامل الإفادة. ومن أجل هذا كله لا يستغنى عنها موصول اسمى ، أو حرفى. وهى التى تعرّف الموصول الاسمى. - فى الصحيح -
الصلة نوعان : جملة (اسمية أو : فعلية) وشبه جملة. والجملة هى الأصل (2).
فأما النوع الأول - وهو الجملة بقسميها - فمن أمثلتها قول الشاعر يصف إساءة أحد أقاربه :
ويسعى إذا أبنى ليهدم صالحى *** وليس الذى يبنى كمن شأنه الهدم
ولا يتحقق الغرض منها إلا بشروط ، أهمها :
1 - أن تكون خبرية (3)
ويقابلها الجملة الإنشائية ، وهى التى يطلب بها إما حصول شيء ، أو عدم حصوله ، وإما إقراره والموافقة عليه ، أو عدم إقراره فلا دخل للصدق والكذب فيها. وهي قسمان : إنشائية طلبية ؛ أي : يراد بها طلب حصول الشيء أو عدم حصوله. ويتأخر تحقق وقوع معناها عن وجود لفظها. وتشمل الأمر ، والنهى ، والدعاء ، والاستفهام. والتمنى (مثل : ليت) ، والعرض ، والتحضيض .... كما هو مدون فى المصادر الخاصة بالبلاغة.
وإنشائية غير طلبية ؛ وتشمل جملة التعجب . عند من يرى أنها ليست خبرية . وجملة المدح أو الذم ، وجملة القسم نفسه ، لا جملة جوابه ، و «رب» ، و «كم الخبرية» ، وصيغ العقود التى يراد إيقاعها ، وإقرارها ؛ كقولك لمن طلب منك أن تبيع أو تهب له كتابا - مثلا - : بعت ، أو وهبت لك ما تريد .. كما يشمل الترجى ؛ مثل : لعل ، وأفعال الرجاء ؛ مثل : عسى. ولكن الصحيح وقوع «عسى» فعل صلة وأكثر أنواع الإنشاء غير الطلبى يتحقق معناه بمجرد النطق بلفظه ، ومنه ألفاظ البيع والهبة .. والجملة الخبرية التى تقع صلة إنما تسمى خبرية بحسب أصلها الأول فقط ، قبل أن تكون صلة ، فإذا صارت صلة فلا تسمى خبرية ، لخلوها من المعنى المستقل بنفسه ؛ إذ لا يكون فيها حكم مستقل بالسلب أو الإيجاب يقتصر عليها وحدها ؛ بل هى لذلك لا تسمى : «كلاما» ، أو «جملة» مطلقا ، فعدم تسميتها جملة خبرية من باب أولى. ومثلها الجملة الواقعة صفة ، أو خبرا ، أو حالا ؛ فكل واحدة من هذه الجمل تسمى : «جملة» حين تكون فى أول أمرها مستقلة بنفسها ، وبمعناها المقصود لذاته. فإذا فقدت استقلالها وصارت متممة معنى فى غيرها (بأن تقع صلة ، أو صفة ، أو خبرا ، أو حالا ، أو ...) فلا تسمى جملة ، ولا كلاما ؛ كما سبق - فى رقم 1 من هامش ص15. : إذ ليس لها كيان معنوى مستقل.
هذا ومن الجمل التي تصح أن تقع صلة ، الجملة الخبرية الواقعة جوابا للقسم ، بشرط أن تكون كغيرها من الجمل . مشتملة على رابط يربطها بالموصول ، كما سيجيء . نحو : أحب الذي أقسم باللّه . باللّه . لقد ساعد الضعيف. وكذلك الجملة الخبرية الواقعة جوابا للشرط ؛ نحو : أكرم الذى إن تكرمه يعرف فضلك. بشرط وجود رابط فيها ، أو في الجملة الشرطية ، أو فيهما معا. فمثال الرابط في الجملة الجوابية فقط : الصاحب النبيل الذى إن يتغير الزمن لا يتغير خلقه ومثال الرابط فى الجملة الشرطية فقط : اعمل الذى إن تعمله يفرح العقلاء. ومثال الرابط فيهما : ليس الناصح الذى إن ينصح يعلن أمام الناس العيوب. نعم إن جملة القسم نفسها إنشائية ، فلا تكون صلة ؛ إنما الصلة هى الجملة الواقعة جوابا له ؛ فإنها خبرية ، دون جملة القسم ؛ فإنها . كما سبق . إنشائية ، لمجرد التأكيد. (انظر رقم ٢ من ص ٣٤١ حيث بيان الأشياء التى يجوز أن تفصل بين الموصول وصلته).
لفظا ومعنى ، وليست للتعجب ؛ نحو ؛ اقرأ الكتاب1) أى : لا تدل على شىء مفصل معين (وقد سبق توضيح معنى المبهم فى «ج» ص 305 وفى 3 من هامش ص 306
2) لما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 347.
3) وهى الجملة التى يكون معناها صالحا للحكم عليه بأنه صدق أو كذب ؛ من غير نظر لقائلها ، من ناحية أنه معروف بهذا أو بذاك. ومن أمثلتها أن يقول قائل : نزل المطر أمس. أو حضر والدى اليوم. أو يحضر الغائبون غدا. فكل جملة من هذه الجمل عرضة لأن توصف بأنها صادقة أو كاذبة فى حد ذاتها ، أى : بإغفال قائلها ؛ فكأنه مجهول تماما من ناحية اتصافه بالصدق والكذب. وهذا معنى قولهم : إن الجملة الخبرية هى التى تحتمل الصدق والكذب لذاتها. أى : بدون نظر لقائلها ؛ فلا نحكم على جملة خبرية بأنها صادقة فقط ، لأن قائلها معروف بالصدق ، ولا كاذبة فقط ؛ لأن قائلها مشهور بالكذب.
الذى «يفيدك». بخلاف : اقرأ الكتاب الذى «حافظ عليه» لأن جملة ؛ «حافظ عليه» ، إنشائية ، وليست خبرية. وبخلاف : مات الذى «غفر اللّه له» لأن جملة : «غفر اللّه له» خبرية فى اللفظ دون المعنى ؛ إذ معناها طلب الدعاء للميت بالغفران ؛ وطلب الدعاء إنشاء ، لا خبر. وبخلاف : هنا الذى «ما أفضله» ؛ لأن الجملة التعجبية إنشائية - فى رأى كثير من النحاة - برغم أنها كانت خبرية قبل استعمالها فى التعجب. ويلحق بالخبرية - هنا - الإنشائية التى فعلها : «عسى».
وقد يصح فى : «أن» - وهى من الموصولات الحرفية - وقوع صلتها جملة طلبية : نحو : كتبت لأخى بأن داوم. على أداء واجبك. وهذا مقصور على «أن» (1)دون غيرها من الموصولات الاسمية والحرفية.
2 - أن يكون معناها معهودا مفصلا للمخاطب (2)، أو بمنزلة المعهود المفصّل.
فالأولى مثل : أكرمت الذى قابلك صباحا ؛ إذا كان بينك وبين المخاطب عهد فى شخص معين. ولا يصح غاب الذى تكلم ، إذا لم تقصد شخصا معينا عند السامع.
والثانية : هى الواقعة فى معرض التفخيم ، أو معرض التهويل ؛ مثل : يا له من قائد انتصر بعد أن أبدى من الشجاعة ما أبدى!! ويا لها من معركة قتل فيها من الأعداء من قتل!!. أى : أبدى من الشجاعة الشىء الكثير المحمود. وقتل فى المعركة الكثير الذى لا يكاد يعد. ومثل هذا قوله تعالى : ( فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. ) أى : الكثير من العلم والحكمة ... وقوله تعالى : ( فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ. ) أى ؛ الهول الكثير ، والبلاء العظيم.
والمعول عليه فى ذلك كله هو الغرض من الموصول ؛ فإن كان الغرض منه أمرا معهودا للمخاطب جاءت صلته معهودة مفصلة. وإن أريد به التعظيم أو التهويل جاءت مبهمة بمنزلة المفصلة.
3 - أن تكون مشتملة على ضمير يعود على اسم الموصول - غالبا (1)- ويطابقه ؛ إما فى اللفظ (2)والمعنى معا. وإما فى أحدهما فقط على التفصيل الذى سنعرفه. وهذا الضمير يسمى : «العائد ، أو : الرابط» لأنه يعود - غالبا - على الموصول ، ويربطه بالصلة. ولا يكون إلا فى الموصولات الاسمية دون الحرفية (3)، ويجب أن تكون مطابقته تامة ؛ بأن يوافق لفظ الموصول ومعناه. وهذا حين يكون الموصول اسما مختصّا ؛ فيطابقه الضمير فى الإفراد ، والتأنيث ، وفروعهما ؛ نحو : سعد الذى أخلص ، واللذان أخلصا ، والذين أخلصوا. والتى أخلصت ، واللتان أخلصتا ، واللاتى أخلصن. ومن هذا قول الشاعر :
أمنزلتى منىّ. سلام عليكما *** هل الأزمن اللّاتى مضين رواجع
أما إن كان الاسم الموصول عامّا (أى : مشتركا) فلا يحب فى الضمير
1) لأنه قد يعود على غيره جوازا فى نحو : أنا الذى سافرت - كما سيجىء البيان فى «ب» من الزيادة - ص 343.
2) وذلك بأن يكون لفظ الموصول خاصا بنوع واحد يقتصر عليه ، كأن يدل على المفرد المذكر وحده ، أو على المفردة وحدها ، أو مثنى أحدهما ، أو جمعه. وعند ذلك يطابقه الضمير ، فيكون مثله للمفرد المذكر ، أو المفردة المؤنثة أو لمثنى أحدهما ، أو لجمع أحدهما.
3) لأن الموصول الحرفى يحتاج إلى صلة حتما ، ولا يحتاج إلى رابط.
مطابقته مطابقة تامة : لأن اسم الموصول العام : لفظه مفرد مذكر دائما ، كما أسلفنا (مثل : من - ما - ذو ...) ولكن معناه قد يكون مقصودا به. المفردة ، أو المثنى ، أو الجمع. بنوعيهما ، ولهذا يجوز فى العائد (أى : الرابط). عند أمن اللبس ، وفى «غير أل» : مراعاة اللفظ ، وهو الأكثر ، ومراعاة المعنى وهو كثير (1)أيضا - بالتفصيل الذى عرفناه - تقول شقى من أسرف ... فيكون الضمير مفردا مذكرا فى الحالات كلها ؛ مراعاة للفظ «من» ، ولو كان المراد المفردة ، أو المثنى ، أو الجمع بنوعيهما. وإن شئت راعيت المعنى ، فأتيت بالرابط مطابقا له ؛ فقلت : من أسرفت. من أسرفتا - من أسرفوا - من أسرفن. فالمطابقة فى اللفظ أو فى المعنى جائزة فى العائد على اسم الموصول المشترك. إلا إن كان اسم الموصول المشترك «أل» فتجب المطابقة فى المعنى وحده ؛ لخفاء موصوليتها بغير المطابقة - كما سبق عند الكلام عليها.
وقد يغنى (2)عن الضمير فى الربط اسم ظاهر يحل مكان ذلك الضمير ، ويكون بمعنى الموصول ؛ نحو : اشكر عليّا الذى نفعك علم علىّ ، أى : علمه. ونحو قول الشاعر العربى :
فيا ربّ ليلى أنت فى كلّ موطن *** وأنت الّذى فى رحمة اللّه أطمع
أى : فى رحمته أطمع (3)
صنت نفسى عمّا يدنّس نفسى *** وترفّعت عن جدا كلّ جبس
(أى : عن عطاء كل لئيم دنىء.) والأصل عما يدنسها. وهذا على اعتبار «ما» موصولة.
ويرى بعض النحاة : أن جملة الصلة قد تخلو من الرابط إذا عطفت عليها بالفاء أو الواو ، أو ثم - جملة أخرى مشتملة عليه ؛ مثل. الذى يشتد الكرب فيصبر شجاع - التى يتحرك القطار وتجلس عاقلة - الذى لاحت الفرصة ثم اغتنمها ، حازم. فجملة الصلة فى هذه الأمثلة خالية من الرابط : اكتفاء بوجوده فى الجملة المتأخرة المعطوفة على الأولى. وهذا رأى مقبول تؤيده الأساليب الكثيرة المسموعة. (راجع الصبان ج 1 ، باب المبتدأ ، عند الكلام على الخبر الجملة ، ورابطه).
. .1) ويجوز مراعاة المعنى بعد مراعاة اللفظ ، ويجوز العكس ، كما يجوز مراعاة اللفظ ، ثم المعنى ، ثم اللفظ - كما فى رقم 2 من هامش ص 314 - ... كل ذلك مع أمن اللبس. فإن حصل لبس من مراعاة اللفظ وجب مراعاة المعنى ؛ نحو : أنصف من أنصفتك. فلا يصح من أنصفك إذا كان المراد أنثى. ومثل اللبس. قبح الإخبار بمؤنث عن مذكر ، نحو : من - هى حمراء - أمتك. وكذا فى باقى المواضع الأخرى التى سبقت إليها الإشارة التفصيلية فى رقم 2 من هامش 314.
2) لسبب بلاغى : كالاستعطاف ، أو التلذذ ، أو زيادة الإيضاح.
3) ويصلح أن يكون منه قول الشاعر البحترى :
(ا) هناك شروط أخرى فى جملة الصلة ؛ أهمها :
1 - أن تتأخر وجوبا عن الموصول (1)؛ فلا يجوز تقديمها ، ولا تقديم شىء منها عليه.
2 - أن تقع بعد الموصول مباشرة ؛ فلا يفصل بينهما فاصل أجنبى ؛ (أى : ليس من جملة الصلة نفسها). وألا يفصل بين أجزاء الصلة فاصل أجنبى أيضا ؛ ففى مثل : اقرأ الكتاب الذى يفيدك فى عملك ، وأرشد إليه غيرك ... ، لا يصح اقرأ الكتاب الذى - غيرك - يفيدك فى عملك ، وأرشد إليه ، لوجود فاصل أجنبى بين الموصول وصلته ، وهو كلمة : «غير» التى هى من جملة أخرى غير جملة الصلة. ولا يصح اقرأ الكتاب الذى يفيدك - غيرك - فى عملك ، وأرشد إليه ، لوجود فاصل أجنبى لم يفصل بين الموصول وصلته ؛ وإنما تخلل جملة الصلة ، وفصل بين أجزائها مع أنه ليس منها ... وهكذا.
لكن هناك أشياء يجوز الفصل بها بين الموصولات الاسمية وصلتها إلا «أل» فلا يجوز الفصل بينها وبين صلتها مطلقا. وكذلك يجوز الفصل بها بين الموصول الحرفى «ما» وصلته - فى رأى قوىّ - دون غيره من باقى الموصولات الحرفية.
فأما الأشياء التى يجوز أن تفصل بين هذه الأنواع من الموصولات وصلتها فهى : جملة القسم ؛ نحو غاب الذى «واللّه» قهر الأعداء (2). أو جملة النداء بشرط أن يسبقها ضمير المخاطب ؛ نحو : أنت الذى - يا حامد - تتعهد الحديقة ، أو بالجملة المعترضة ؛ نحو : والدى الذى - أطال اللّه عمره - يرعى شئونى ، أو بجملة الحال ، نحو : قدم الذى - وهو مبتسم - يحسن الصنيع.
وكذلك يجوز تقديم بعض أجزاء الصلة الواحدة على بعض بحيث يفصل المتقدم بين الموصول وصلته ، أو بين أجزاء الصلة ، إلا المفعول به ؛ فلا يصح تقديمه على عامله إن كان الموصول حرفيا غير : «ما» (3)تقول : تفتح الورد الذى - العيون - يسرّ
1) سواء أكان اسميا أم حرفيا.
2) انظر آخر رقم 3 من هامش ص 337 ورقم 1 من ص 611.
3) إذا اشتملت صلة الموصول الحرفى على مفعول به ففى تقديمه على عامله خلاف رددته المطولات : ومنها : «الصبان» فقد ذكر - فى ج 2 آخر باب الفاعل عند الكلام على امتناع تقدم المفعول به على عامله - أنه يمتع تقديمه إن كان عامله واقعا فى صلة حرف مصدرى ناصب ، بخلاف غير الناصب ، فيجوز عجبت مما زهرا تفتح ... ثم قال : «ومنهم من أطلق المنع» اه.
ببهائه. أو تفتح الورد الذى - ببهائه - يسرّ العيون. تريد فيهما : تفتح الورد الذى يسر العيون ببهائه.
والفصل بتلك الأشياء على الوجه الذى شرحناه - جائز فى الموصولات الاسمية إلا «أل» ، غير جائز فى الموصولات الحرفية (1)إلا «ما» ؛ كما قلنا ؛ فيصح أن تقول : فرحت بما الكتابة أحسنت ، أى : بما أحسنت الكتابة. (بإحسانك الكتابة).
ولما كان الفصل بين الموصول وصلته غير جائز إلا على الوجه السالف امتنع مجىء تابع للموصول قبل مجىء صلته ؛ فلا يكون له قبلها نعت ، ولا عطف بيان ، أو نسق ولا توكيد ، ولا بدل ، وكذلك لا يخبر عنه قبل مجىء الصلة وإتمامها. لأن الخبر أجنبى عن الصلة ، وكذلك لا يستثنى من الموصول ؛ فلا يصح : (رجع الذى - غير الضار - ينفع الناس) ؛ ولا يصح : (يحترم العقلاء الذى محمدا - يفيد غيره) ، ولا : (نظرت إلى الذى - والحصن - سكنته) ، ولا : (رأيت التى - نفسها فى الحقل) ، ولا : (جاء الذين - الذى فاز - فازوا). ولا : (الذى سباح ماهر - عبر النيل) ولا : (وقف الذين - إلا محمودا - فى الغرفة) تريد : رجع الذى ينفع الناس غير الضار. ويحترم العقلاء الذى (أى : محمدا) يفيد غيره. ونظرت إلى الذى سكنته والحصن ، ورأيت التى فى الحقل نفسها. وجاء الذى فاز. والذى عبر النيل سباح ماهر - ووقف الذين فى الغرفة إلا محمودا.
ويفهم من الشرط السابق شىء آخر. هو : أنه لا يجوز تقدم الصلة ولا شىء من مكملاتها على الموصول ، وهذا صحيح ، إلا أن يكون المكمل ظرفا ،
1) سبب ذلك هو : النهج العربى المسموع ، الذى يجعل «أل» مع صلتها (وهى : الصفة الصريحة) كالكلمة الواحدة. وكذلك الموصولات الحرفية - غير ، «ما» فى رأى قوى - لشدة امتزاج الموصول الحرفى بصلته ؛ لتأويله معها بمصدر ؛ فهو مع صلته أقوى امتزاجا من الاسمى. أما الموصول الحرفى : «ما» فقد وردت منه أمثلة تبيح الفصل عند فريق كبير.
أو جارّا مع مجروره - فيجوز التقديم عند أمن اللبس (1)نحو : أمامنا الذى قرأته رسالة كريمة. أى : الذى قرأته أمامنا رسالة كريمة. ومثل : الغزالة هى - فى حديقتك - التى دخلت. أى : الغزالة هى التى دخلت فى حديقتك.
3 - ألا تستدعى كلاما قبلها ؛ فلا يصح : كتب الذى لكنه غائب ، ولا : تصدّق الذى حتى ما له قليل ؛ إذ «لكن» لا يتحقق الغرض منها (وهو : الاستدراك) إلا بكلام مفيد سابق عليها ، وكذلك : «حتى» لا بد أن يتقدمها كلام مفيد تكون غاية له.
4 - ألا تكون معلومة لكل فرد ؛ فلا يصح شاهدت الذى فمه فى وجهه ، ولا حضر من رأسه فوق عنقه (2).
(ب) إذا كان اسم الموصول خبرا عن مبتدأ ، هو ضمير متكلم أو مخاطب ، جاز أن يراعى فى الضمير الرابط مطابقته للمبتدأ فى التّكلم أو الخطاب ، وجاز مطابقته لاسم الموصول فى الغيبة ؛ تقول : أنا الذى حضرت ، أو : أنا الذى حضر. وأنت الذى برعت فى الفن ، أو : أنت الذى برع فى الفن ؛ فالتاء فى الصورة الأولى يراد بها المبتدأ : (أنا) ولا تعود على اسم الموصول. وهو فى هذه الحالة يعرب خبرا ؛ ولا يحتاج لرابط يعود عليه من الصلة ؛ اكتفاء واستغناء بالتاء المراد بها المبتدأ ؛ فيكون المبتدأ والخبر هنا كالشىء الواحد. أما فى الصورة الثانية فالضمير فى الصلة للغائب فيعود على اسم الموصول. ومثل ذلك يقال فى
1) فقد وردت أمثلة لذلك فى الكلام الفصيح - وفى مقدمته القرآن الكريم - تؤيد هذا الرأى الكوفى الذى يرتضيه بعض أئمة البصريين ، كالمازنى والمبرد ، وتخالف الرأى الذى يعارضه معارضة أساسها التكلف فى التأويل. ومنها قوله تعالى : ( وَكانُوا. فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ) وقوله تعالى : ( وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) وقوله تعالى : ( «وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) فكلمة «أل» فى الآيات السالفة ، اسم موصول ، صلته المشتق ، وقد تقدم على اسم الموصول الجار والمجرور وهما من مكملات الصلة. وقد أول كثير من النحاة تلك الآيات ونظائرها ، فجعلوا الجار والمجرور متعلقان بمحذوف متقدم عليهما يشبه الموصول وصلته المذكورين بعد ؛ فقالوا إن التقدير هو : (وكانوا من الزاهدين فيه من الزاهدين) (وقاسمها إنى من الناصحين لكما من الناصحين) (وأنا من الشاهدين على ذلكم من الشاهدين) وهذا التأويل مرفوض ، إذ لا حاجة تضطرنا إليه وإلى إخراج الآيات المتعددة. وغيرها - عن ظاهرها التركيبى العالى. وقد قال المبرد فى الكامل (ج 1. . ص 29) «إنى أختار هذا الرأى ، وإنه رأى المازنى أيضا».
2) مع ملاحظة الفرق بين هذا وما سبق فى رقم 2 من ص 338.
الحالتين اللتين وقع فيهما المبتدأ ضمير المخاطب ، وخبره اسم موصول. كما يقال أيضا فى حالة ثالثة ؛ هى : أن يكون المبتدأ ضمير متكلم أو مخاطب ، وله خبر موصوف باسم موصول ؛ فيجوز فى الرابط أن يكون للتكلّم أو للخطاب ؛ مراعاة للمبتدأ ، ويجوز فيه أن يكون للغيبة ؛ مراعاة لاسم الموصول. تقول : أنا الرجل الذى عاونت الضعيف ، أو أنا الرجل الذى عاون الضعيف - وأنت الرجل الذى سبقت فى ميدان الفنون ، أو : أنت الرجل الذى سبق فى ميدان الفنون (1).
وإنما يجوز الأمران فى الحالات السابقة ونظائرها بشرطين :
أولهما : ألا يكون المبتدأ الضمير مشبها بالخبر فى تلك الأمثلة ؛ فإن كان مشبّها بالخبر لم يجز فى الربط إلا الغيبة ؛ نحو : أنا فى الشجاعة الذى هزم الرومان فى الشام. وأنت فى القدرة الذى بنى الهرم الأكبر ؛ تريد ؛ أنا فى الشجاعة كالذى هزم الرومان فى الشام ، وأنت فى القدرة كالذى بنى الهرم الأكبر. فالمبتدأ فى المثالين مقصود به التشبيه ، لوجود قرينة تدل على ذلك ؛ هى : أن المتكلم والمخاطب يعيشان فى عصرنا ، ولم يدركا العصور القديمة.
وثانيهما : ألا يكون اسم الموصول تابعا للمنادى : «أىّ» ، أو : أيّة ، فى مثل : يأيّها الذى نصرت الضعيف ستسعد ، ويأيتها التى نصرت الحق ستفوزين فلا يصح أن تشتمل الصلة على ضمير خطاب فى رأى بعض النحاة ، دون بعض آخر. وملخص المسألة - كما سيجىء فى ج 4 ص 36 م 30 باب أحكام تابع المنادى - هو أنه لا بد من وصف ؛ «أى وأيّة» ، عند ندائهما بواحد من أشياء معينة محددة ، منها : اسم الموصول المبدوء «بأل» وقد اشترط الهمع (ج 1 ص 175) أن يكون الموصول مبدوءا بأل ، وأن تكون صلته خالية من الخطاب ، فلا يقال يأيها الذى قمت. فى حين نقل الصبان (ج 3 أول باب تابع المنادى) - صحة ذلك قائلا ما نصه : (ويجوز يأيها الذى قام ، ويأيها الذى قمت) ، والظاهر أن الذى منعه الهمع ليس بالممنوع ، ولكنه غير الأفصح الشائع فى الكلام المأثور ؛ بدليل ما قرره النحاة ونقله الصبّان فى الموضع المشار إليه ونصّه : (الضمير فى تابع
1) راجع ما سبق فى هذا عند الكلام على تعدد مرجع الضمير رقم 9 من ص 241)
المنادى يجوز أن يكون بلفظ الغيبة ؛ نظرا إلى كون لفظ المنادى اسما ظاهرا ، والاسم الظاهر من قبيل الغيبة ، وبلفظ الخطاب نظرا إلى كون المنادى مخاطبا ، فعلمت أنه يجوز أيضا : يا زيد نفسه أو نفسك. قاله الدمامينى. ثم قال : ويجوز يأيها الذى قام ، ويأيها الذى قمت) اه كلام الصبان نصا.
وكل ما سبق تقريره فى العائد من حيث التكلم أو الخطاب أو الغيبة يثبت لكل ضمير قد يجىء بعده ويكون بمعناه ؛ نحو : أنا الذى عاهدتك على الوفاء ما عشت. أو أنا الذى عاهدك على الوفاء ما عاش (1)، وقد يختلفان كما فى قول الشاعر :
نحن الذين بايعوا محمدا *** على الجهاد ما بقينا أبدا
هذا ، وبالرغم من جواز المطابقة وعدمها فى الصور السابقة - فإن مطابقة الرابط لضمير المتكلم أفصح ، وأوضح ؛ فهى أولى من مراعاة الموصول الغائب ، وكذلك مطابقته للمخاطب أولى من اسم الموصول الغائب ؛ وزيادة الإيضاح غرض لغوىّ هامّ لا يعدل عنه إلا لداع آخر أهم.
وسيجىء فى باب أحكام تابع المنادى (فى الجزء الرابع) أن الضمير المصاحب لتابع المنادى يصح فيه أن يكون للغائب أو للمخاطب ، وأن هذا الحكم عام يسرى على توابع المنادى المنصوب اللفظ وغير المنصوب ، إلا صورة واحدة مستثناة وقع فيها الخلاف. وتطبيقا لذلك الحكم العام نقول : يا عربا كلكم ، أو : كلهم ... ويا هارون نفسك ، أو : نفسه ، خذ بيد أخيك - يا هذا الذى قمت أو قام أسرع إلى الصارخ.
أما الصورة المستثناة التى وقع فيها الخلاف فهى التى يكون فيها المنادى لفظ. (أىّ ، أو : أية) والتابع اسم موصول ، فلا يجوز عند فريق من النحاة أن تشتمل صلته على ما يدل على خطاب ؛ فلا يصح : يأيها الذى حضرت ، ويصح عند غيره - كما سلف -
ح - يجيز الكوفيون جزم المضارع الواقع فى جملة بعد جملة الصلة ، بشرط أن تكون الجملة الفعلية المشتملة على هذا المضارع مترتبة على جملة الصلة كترتب
1) وكما يراعى هذا فى رابط جملة الصلة يراعى بصورة أقوى فى رابط جملة الخبر ، والنعت والحال - كما سيجىء فى ص 332 وما بعدها.
الجملة الجوابية على الجملة الشرطية حين توجد أداة الشرط التى تحتاج للجملتين ، فكأن الموصول بمنزلة أداة الشرط ، والجملتان بعده بمنزلة جملة الشرط وجملة الجواب. ففى مثل : من يزورنى أزوره ... يجيزون ؛ من يزورنى أزره ؛ بجزم المضارع : «أزر» على الاعتبار السالف. لكن حجتهم هنا ضعيفة ، والسماع القوى لا يؤيدهم ، ولهذا يجب إهمال رأيهم ، والاكتفاء من معرفته بفهم المسموع الوارد ، دون محاكاته - كما سيجىء فى الجوازم (1).
1) ج 4 ص 350 م 157
وأما النوع الثانى وهو : «شبه الجملة» فى باب الموصول فثلاثة أشياء (1): الظرف - والجار مع المجرور - والصفة (2)الصريحة. ويشترط فى الظرف والجار مع المجرور أن يكونا تامّين ، أى : يحصل بالوصل بكل منهما فائدة (3)
الأولى : أن يكون هذا المتعلق المحذوف شيئا يدل على مجرد الوجود العام ، والحضور المطلق دون زيادة معنى آخر. ويسمون هذا : «الاستقرار العام» أو «الكون العام» ومعناهما مجرد الوجود ففى نحو : (تكلم الذى عندك) لا يفيد الظرف : «عند» شيئا أكثر من الدلالة على وجود الشخص وجودا مطلقا ؛ من غير زيادة شيء آخر على هذا الوجود ؛ كالأكل ، أو الشرب ، أو القراءة ، أو غيرها. وهذا هو : «الاستقرار «العام أو الكون العام ، كما قلنا ولا يحتاج فى فهمه إلى قرينة أو غيرها. وكذلك نحو : (سكت الذى فى الحجرة) أى : الموجود في الحجرة وجودا مطلقا ، غير مقيد بزيادة شيء آخر ؛ كالنوم ، أو الضحك ، أو المشى ... وكذلك غيرهما من الأمثلة. ولما كان هذا الكون العام واضحا ومفهوما بداهة وجب حذفه إن وقع صلة : لعدم الحاجة إليه في كشف المراد ؛ فهو محذوف كالمذكور. وكذلك يحذف وجوبا إن وقع خبرا ، أو صفة. أو حالا ، كما سنعرف.
الثانية : أن يكون متعلقهما أمرا خاصا محذوفا لوجود ما يدل عليه. ويظهر المتعلق الخاص في المثالين السابقين بأن نقول : تكلم الذى وقف عندك» و «سكت الذي نام في الحجرة». فكلمة : «وقف» أو «نام» تؤدى معنى خاصا ؛ هو : الوقوف ، أو : النوم ، ولا يمكن فهمه إلا بذكر كلمته في الجملة ، والتصريح بها ؛ فليس هو مجرد حضور الشخص ووجوده المطلقين ؛ وإنما هو الوجود والحضو المقيدان بالوقوف أو بالنوم ... ولهذا لا يصح حذف المتعلق الخاص إلا بدليل يدل عليه ؛ مثل : قعر صالح في البيت ، ومحمود في الحديقة ؛ فتقول : بل صالح ا الذي في الحديقة. تريد : بل صالح الذي قعد في الحديقة. فإن حذف المتعلق الخاص بغير دليل كان الظرف والجار مع المجرور غير تأمين ؛ فلا يصلحان للصلة ؛ مثل : هدأ الذي أمامك ، أو : منك. تريد : هدأ الذى غضب أمامك ، أو غضب منك ... ومثل غاب الذي اليوم أو الذى بك ... تريد : غاب الذى حضر اليوم، والذي استعان بك ... هذا وظرف المكان هو الذي يكون متعلقه في الصلة كونا عاما واجب الحذف ، أو كونا خاصا واجب الذكر إلا عند وجود قرينة فيجوز معها حذفه أو ذكره. أما ظرف الزمان فلا يكون متعلقه إلا خاصا ؛ فلا يجوز حذفه إلا بقرينة ، وبشرط أن يكون الزمن قريبا من وقت الكلام ؛ نحو: نزلنا المنزل الذى البارحة ، أو أمس ، أو آنفا ، أي : في أقرب ساعة ووقت منا) تريد : الذي نزلناه البارحة ، أو أمس أو أنفا. فإن كان زمن الظرف بعيدا من زمن الإخبار بمقدار أسبوع مثلا ، لم يحذف العامل. فلا تقول : نزلنا المنزل الذى يوم الخميس أو يوم الجمعة. إذا كان قد مضى نحو أسبوع ... ولم يحدد النحاة الزمن القريب أو البعيد ؛ ولكن قد يفهم من أمثلتهم أن القريب : ما لم يتجاوز يومين ، وأن البعيد ما زاد عليهما. وربما كان عدم التحديد مقصودا منه ترك الأمر للمتكلم والسامع.
وشبه الجملة بنوعيه يسمى : «مستقرا» . بفتح القاف . حين يكون متعلقه كونا عاما ، ويسمى : «لغوا» حين يكون متعلقة كونا خاصا مذكورا ، أو محذوفا لقرينة . وشرح هذا في ص ٤٣٢ .
؛ تزيل إبهام الموصول ، وتوضح معناه من غير حاجة لذكر متعلقهما ؛ نحو : تكلم الذى1) كل واحد من هذه الثلاثة يسمى : شبه جملة ، ولا يسمى جملة. - وفى ص 431 وهامشها بيان واف بسبب التسمية - والأصل فى صلة الموصول أن تكون جملة - كما سبق فى ص337. ؛ سواء أكانت فعليه أم اسمية ؛ لأن الجملة وحدها هى التى تزيل الإبهام ؛ فتحقق الغرض من الصلة. وليس واحد من الثلاثة التى تشبهها - بجملة حقيقية. ولهذا وجب فى الظرف وفى الجار مع مجروره إذا وقع أحدهما صلة أن يكون متعلقا بفعل محذوف ؛ ليكون الفعل مع فاعله الذى استقر فى شبه الجملة - بعد حذف الفعل - هما الصلة فى الحقيقة ؛ وإن كان الأيسر والأسهل اعتبارهما الصلة الملحوظة. أو الصلة بحسب الأصل ، مع اعتبار الظرف والجار مع مجروره الصلة بحسب الواقع الحالى. ولا ضرر فى هذا الاعتبار ما دامت الجملة الفعلية عند حذفها قد تركت اختصاصها لشبه الجملة بعدها ، فحمل الضمير الذى كان فيها ، وغيره مما قرره النحاة على الوجه الذى سردناه (فى ص 431). وعلى هذا يكون ما يدور على الألسنة اليوم عند الإعراب من أن الظرف ، أو الجار مع مجروره ، هو الصلة ، أمرا سائغا مقبولا - فوق أنه رأى لبعض القدامى أيضا ، يحمل طابع التيسير والاختصار. فإن وقع أحدهما خبرا ، أو نعتا ، أو حالا ، جاز تعلقه بمحذوف هو فعل ، أو اسم مشتق استقر مرفوعه فى شبه الجملة بعد حذف هذا المشتق ؛ فلا يتحتم تعلقه بفعل محذوف مع فاعله ؛ كما يتحتم فى الصلة وكما يتحتم فى القيسم الذى يحذف عامله - كما سنعرف - ويجوز التيسير والاختصار أيضا بجعل شبه الجملة نفسه هو الخبر ، أو النعت ، أو الحال أما الصفة الصريحة فهى اسم مشتق بمعنى الفعل ، وله مرفوع خاص به ، يجىء بعده ، كما أن الفعل كذلك. ولكن المراد بالصفة الصريحة هنا لا يشمل - كما سيجىء البيان فى ص1. إلا نوعين من الأسماء المشتقة ؛ هما : اسم الفاعل مع مرفوعه ، واسم المفعول مع مرفوعه كذلك ؛ ؛ فكلاهما يشبه الفعل فى المعنى وفى الاحتياج إلى مرفوع بعده ، ولهذا سمى شبيها بالجملة. والنحاة يقولون : إن الصفة الصريحة مع مرفوعها لا تسمى شبيهه بالجملة إلا حين تقع صلة «أل». وبالرغم من أنها تسمى شبيهة بالجملة - هنا فقط - فإنها فى قوه الجملة معنى ، أى : من جهة المعنى - وهذا الرأى هو الذى رجحه الصبان - كما تكون فى قوة الجملة حين تقع خبرا. ويعدها بعض النحاة جملة حين تكون خبرا ، كما سيجىء فى باب المبتدأ - رقم 5 من هامش ص404. وهذه الصفة مع مرفوعها لا محل لها من الإعراب - على الصحيح - حين تكون صلة «أل» ؛ كما أن جملة الصلة لا محل لها من الإعراب. وعلى هذا ؛ إذا ذكر شبه الجملة فى غير باب الموصول لم ينصرف إلا للظرف ، والجار مع مجروره ، دون الصفة الصريحة.
2) سيجىء فى باب المبتدأ رقم 5 من هامش ص 404 أن بعض النحاة يعدها جملة ، كما أشرنا هنا فى رقم 1.
3) أوضح علامة تدل على وجود الفائدة المطلوبة من الظرف ومن الجار مع مجروره هى أن يفهم متعلقهما المحذوف بمجرد ذكرهما. ويتحقق هذا فى صورتين.
عندك ، وسكت الذى فى الحجرة. فكل من الظرف : (عند) والجار مع المجرور : (فى الحجرة) ، تام. وكلاهما يتعلق حتما (1)بفعل لا بشىء
1) لأن الصلة . لغير أل . كما قلنا لا بد أن تكون جملة (للسبب الذى فى رقم ١ من هامش الصفحة السابقة ، ووقوع الظرف أو الجار مع المجرور ليس قائما على أساس أنه بنفسه الصلة ، وإنما على أساس تعلقه بفعل يكون هو وفاعله الصلة في الحقيقة. ولا يصح في هذه الصلة التى لغير : «أل» أن يكون الظرف أو الجار مع المجرور متعلقا باسم مشتق أو شبهه يكون خبرا لمبتدأ محذوف ؛ ويكون التقدير مثلا : تكلم الذى هو كائن عندك ، أو في الحجرة ؛ لا يصح ذلك لأن شرط الحذف من الصلة . كما هو مدون في ص ٣٥٥ و ٣٥٧ . ألا يصلح الباقي بعد الحذف لأن يكون صلة. والباقى هنا . وهو الظرف أو الجار مع المجرور . صالح لذلك. أما في غير الصلة فالظرف والجار مع مجروره إذا تعلقا بمحذوف ، جاز أن يكون فعلا وأن يكون مشتقا مع مرفوعه ؛ كما إذا وقعا خبرا ، أو صفة ، أو حالا ... وفريق من النحاة يرى أن الظرف وحده ، أو الجار مع المجرور ، هو الصلة دون الحاجة إلى متعلقهما. لكن إذا عرفنا أن وظيفتهما المعنوية في الجملة لا تتحقق إلا مع قيام عامل فيهما يكملان معناه . أمكننا أن نستريح إلى ما يقوله أصحاب الرأى الأول من وجود عامل محتوم لهما وأن هذا العامل المحتوم هو في الصلة فعل يتعلقان به ، فيحذف حينا ، أو يذكر حينا على حسب ، أحكامه الخاصة به . . وقد أوضحنا هذا في باب حروف الجر في الجزء الثاني.. غير أننا في عصرنا نعرب الظرف أو الجار مع المجرور صلة ، وخبرا ، وحالا ، وصفة ، من غير أن نذكر فى الكلام أن كلا منهما متعلق بمحذوف ، ومن غير إنكار لأمر هذا المحذوف ، وإنما نهمله اعتمادا على شهرته ومعرفته ، وأنه لا حاجة لترديده مع الاقتناع بوجوده. وهذا حسن مقبول ، ويتفق مع رأى بعض الأئمة ممن يقولون إن اختصاص الفعل فى الصلة قد انتقل لشبه الجملة كما انتقل إليه أيضا ضمير الفعل. (وقد أشرنا لهذا فى هامش ص 347 وسيجىء تفصيله فى هامش ص 431 حيث قلنا فى تلك الصفحة لا غنى عن الرجوع إلى الإيضاح التام الذى فى ج 2 ص 203 م 78 وص 343 وما بعدها م 89).
آخر ، وهذا الفعل محذوف وجوبا - لأنه كون عامّ (1)- تقديره : استقرّ ، أو حلّ ، أو نزل ... وفاعله ضمير مستتر يعود على اسم الموصول ، ويربط بينه وبين الصلة. فالأصل فى المثالين السابقين : تكلم الذى استقر عندك ، وسكت الذى استقر فى الحجرة. وهكذا ...
«ملاحظة» ؛ إذا وقع الظرف نفسه صلة «أل» - بأن دخلت عليه مباشرة ، كصنيع بعض القبائل العربية فى مثل قولهم : سررت من الكتاب المعك ؛ يريدون : الذى معك - فإنّ تعلق الظرف فى هذه الحالة لا يكون إلّا بصفة صريحة ، تقديرها : «الكائن» ، أو : نحو هذا التقدير. لأن صلة : «أل» لا بد أن تكون صفة صريحة ، ولا يصح التعلق بفعل - كما سنعرف (2)- ...
أما الصفة (3)
وعلى ضوء ما تقدم نفهم معنى قولهم : إن المشتق هو ما دل على ذات وصفة ، أي : ذات ؛ وشيء آخر اتصفت به تلك الذات ؛ بأن فعلته هي مباشرة ، أو لم تفعله هي وإنما وقع عليها ، أو التصق بها بطريقة ما ، كما أشرنا.
والمشتقات الأصيلة ثمانية ، (يجيء شرحها في الجزء الثالث ص ٧٣ م ٩٧ وما بعدها) ؛ اسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشبهة ، وأفعل التفضيل ، واسم الزمان ، واسم المكان ، واسم الآلة ، والمصدر الميمى. (ومنها ؛ الأفعال أيضا. ولكل مشتق باب يحوى أحكامه المختلفة. والذي يعنينا الآن أن كل واحد من هذه المشتقات يشبه . في الغالب . الفعل المضارع الذي يشترك معه في الاشتقاق من مصدره ؛ «فقـائم» يشبه «يقوم» وكلاهما مشتق من «القيام» و «مكرم» يشبه «يكرم» ؛ وكلاهما مشتق من الإكرام» و «ملعب» يشبه «يلعب» وكلاهما مشتق من «اللعب» وهكذا. والمشتق -
الصريحة فالمراد بها : الاسم المشتق الذى يشبه الفعل فى التجدد1) سبق - فى رقم 1 من هامش ص 347 - أنه لا بد أن يكون العامل المحذوف «فعلا» إذا تعلق به شبه الجملة الواقع صلة لموصول غير «أل» كما يجب تقديره فعلا فى جملة القسم ، لأن جملة الصلة لموصول غير «أل» وجملة القسم لا يكونان إلا فعليتين - كما سيجىء فى وج 2 باب الظرف ص 202 م 78
2) هنا وفى ص 350.
3) لا يراد بالصفة هنا النعت ، وإنما يراد بها الاسم المشتق من المصدر للدلالة على شيئين معا ؛ هما : ذات ، وشىء فعلته تلك الذات ، أو وقع عليها من غيرها ، أو اتصل بها بنوع من الاتصال نحو : قائم ، مكرم ، ملعب. فكلمة : «قائم» تدل على شيئين : (ذات) (فعلت القيام) ، وكلمة : «مكرم» تدل على شيئين أيضا : (ذات) (حصل لها الإكرام) ... و «ملعب» تدل على شيئين : (ذات ، أى : مكان) (حصل فيه اللعب) وهكذا ... والأحسن أن يقال : «معنى وصاحبه» لأن صاحبه فى أحيان قليلة يكون غير ذات ولا مشخص.
والحدوث (1)، شبها صريحا ؛ أى : قويّا خالصا (بحيث يمكن أن يحل الفعل محله) ولم تغلب عليه الاسمية الخالصة. وهذا ينطبق على اسم الفاعل - ومثله صيغ المبالغة - واسم المفعول ؛ لأنهما - باتفاق - يفيدان التجدد والحدوث ؛ مثل قارئ ، فاهم : ، زرّاع ، مقروء ، مفهوم (2)... ، وتكون الصفة الصريحة مع فروعها صلة «أل» خاصة ؛ فلا يقعان صلة لغيرها ، ولا تكون «أل» اسم موصول مع غيرهما على الأشهر (3)
وإنما قلنا : «على الأشهر» ، لأن بعض القبائل العربية قد يدخل «أل» على الجملة المضارعية ؛ فتكون هذه الجملة هى الصلة. ومن أمثلتها ؛ قول الشاعر :
ما أنت بالحكم الترضى حكومته *** ولا الأصيل ولا ذو الرّأى والجدل
أى : الذى ترضى حكومته. (مع ملاحظة أن «أل» الداخلة على تاء المضارع يجوز إدغامها فى التاء وعدم إدماغها ، بخلاف «أل» الحرفية - وسيجىء الكلام عليها فى ص 383 - فإنها تدغم فى التاء عند دخولها عليها فى مثل : التمر - التراب - التبر ... وغيرها من الأسماء أو الأفعال ، كدخولها على مضارع مبدوء بالتاء ، وقد صار علما مجردا. (أى : اسما محضا لا يدل على معنى الفعل ، ولا على زمنه) مثل الأعلام «تشكر» و «تسعد» و «تعز» نقول : التشكر ، والتسعد ، والتعز ...).
ومنهم من يدخلها على الجملة الاسمية ويجعل هذه الجمله صلة ، مثل : قول الشاعر :
من القوم الرّسول اللّه منهم *** لهم دانت رقاب بنى معدّ
أى : من القوم الذين رسول اللّه منهم. أو على الظرف ويجعله صلة ، نحو قول الشاعر :
من لا يزال شاكرا على المعه *** فهو حر بعيشة ذات سعه
أى : الذى معه. والظرف «مع» متعلق هنا بصفة صريحة ، محذوفة تقديرها : «الكائن» معه ؛ لأن صلة «أل» لا بد أن تكون كذلك ، ولا يصح تعلقه فى هذا المثال وأشباهه بفعل محذوف للسبب السالف ؛ فهو مستثنى من وجوب تعلق شبه الجملة بفعل محذوف يكون مع فاعله صلة - كما أشرنا فى ص 349 -.
«وأل» فى الأمثلة السابقة كلها اسم موصول بمعنى الذى - أو أحد فروعه - مبنى على السكون فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب موقعه من الجملة (فهى مثل «الذى» تماما أو «التى» وفروعهما ، فى أمثله أخرى) وما بعدها من جملة فعلية أو اسمية هو صلة الموصول لا محل له. فإن جاء بعدها ظرف فهو متعلق بصفة صريحة محذوفة ، هى مع فاعلها صلة الموصول لا محل له ، ولا يصح تعلقه بفعل - لما قلنا - وقد ذكرنا هذه الأمثلة وإعرابها ، والأحكام الخاصة بها - لا لنستعملها ولكن لنفهم نظائرها التى قد تمر بنا فى النصوص القديمة ، من غير أن يكون ذلك داعيا للرضا عن استعمالها اليوم ؛ لقلة (المأثور) منها ، ونفور الذوق البلاغى الحديث من استعمالها ، وانصراف الكثرة عنها قديما وحديثا فالخير فى تركها مهجورة.
. تقول : انتفع القارئ - سما الفاهم - اغتنى .1) لذلك يقولون عنها إنها اسم فى اللفظ ، فعل فى المعنى ، ويعطف عليها الفعل ؛ مثل قوله تعالى : ( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللّهَ ... )
2) أما الصفة المشبهة ففيها خلاف عنيف - عرضوه فى أول باب : «الإضافة» عند الكلام على المضاف الذى يشبه : «يفعل» ، والإضافة المحضة وغير المحضة. ووجه منعها أن تكون صلة : «أل» ومخالفتها لاسم الفاعل واسم المفعول الأصليين أنها لا تؤول بالفعل ، لأنها للثبوت ، والفعل للتجدد والحدوث ومن ثم كانت «أل» الداخلة على اسم التفضيل ليست موصولة. ووجه الجواز مشابهتها الفعل فى رفعها الاسم الظاهر.
3) بشرط دلالتهما على الحدوث. فلو قامت قرينة على أنهما للدوام وجب اعتبار «أل» التى فى صدرهما للتعريف ؛ لأنهما مع الدوام يعتبران «صفة مشبهة» ؛ كالمؤمن ، والمهندس ، والصانع.
الزّراع ، المقروء قليل ، ولكن المفهوم كثير ... ومثل المرتجى والخائب فى قول الشاعر :
الصدق يألفه الكريم المرتجى *** والكذب يألفه الدنىء الخائب
ولما كانت الصفة المشبهة الصريحة مع مرفوعها (1)هى التى تقع صلة «أل» وتتصل بها اتصالا مباشرا ولا ينفصلان حتى كأنهما كلمة واحدة - كان المستحسن إجراء الإعراب بحركاته المختلفة على آخر هذه الصفة الصريحة دون ملاحظة «أل» ؛ فهو يتخطاها ؛ برغم أنها اسم موصول (2)مستقل ، وأن صلته هى شبه الجملة المكون من الصفة الصريحة مع مرفوعها. فالصفة وحدها هى التى تجرى عليها أحكام الإعراب ، ولكنها مع مرفوعها صلة لا محل لها. والأخذ بهذا الإعراب (3)أيسر وأبعد من التعقيد الضارب فى الآراء الأخرى.
فإن غلبت الاسمية على الصفة صارت اسما جامد ، ولم تكن «أل» الداخلة عليها اسم موصول ، مثل الأعلام : المنصور ، والهادى ، والمأمول ، والمتوكل ... من أسماء .
1) لا بد أن يرفع اسم الفاعل فاعلا ، وأن يرفع اسم المفعول نائب فاعل ، وقد يحتاج كل منهما بعد ذلك إلى مفعول به أو أكثر. وربما لا يحتاج فشأنهما فى الحاجة إلى المفعول كشأن فعلهما. وبيان هذا وتفصيله مدون فى بابهما ج 3
2) وهل تفيد التعريف أو لا تفيده؟ رأيان سبق تفصيل الكلام عليها فى رقم 2 من هامش ص 320 ورقم 1 من هامش ص 334
3) وقد سبق هذا فى رقم 2 من هامش ص 321 وفى 3 من ص 334 ... وهو رأى لبعض النحاة القدامى.
الخلفاء العباسيين ؛ ومثل : الحاجب ؛ لما فوق العين. والقاهرة ، والمنصورة ، والمعمورة ، من أسماء البلاد المصرية (1)
وكلّها يلزم بعده صله *** على ضمير لائق مشتمله
وجملة أو شبهها الذى وصل *** به ؛ كمن عندى الذى ابنه كفل
وصفة صريحة صلة : «أل» *** وكونها بمعرب الأفعال قل
أى : كل الموصولات يحتاج بعده إلى صلة دائما ؛ ولا فرق فى هذا بين الموصولات الاسمية ، والحرفية. ثم قال : إن الصلة لا بد أن تشتمل على ضمير لائق ؛ أى : مطابق للموصول. وقد عرفنا أن هذا الرابط خاص بصلة الموصول الاسمى دون الحرفى. ثم بين أن الذى يوصل به (أى : الذى يكون صلة) هو الجملة ، أو شبه الجملة. وأتى بمثال واحد فيه موصولان ؛ أحدهما صلته شبه جملة ، والآخر صلته جملة. والمثال هو : «من عندى الذى ابنه كفل» ، أى : الذى عندى هو الذى ابنه كفل (أى : كان موضع الرعاية). فكلمة «من» اسم موصول مبتدأ ، وصلته شبه الجملة : «عند» ، وخبره : الذى ، اسم موصول أيضا. وصلته جملة اسمية هى : (ابنه كفل).
ثم أشار فى البيت الثالث إلى أن صلة «أل» لا تكون إلا الصفة الصريحة. وقد شرحناها - وأن دخولها على الفعل المعرب ؛ وهو المضارع - قليل ؛ فيكون هو وفاعله صلة. ومن أمثلته البيت الذى سبق فى هامش ص 350 - وهو :
ما أنت بالحكم الترضى حكومته *** ولا الأصيل ولا ذى الرأى والجدل
. ل1) وفى الصلة وشروطها وما يتصل بها يقول ابن مالك بإيجاز :
يقتضى المقام أن نعرض لمسائل هامة تتصل بما نحن فيه. منها : تعدد الموصول ، والصلة - حذفها - حذف الموصول - اقتران الفاء بخبر اسم الموصول ، والتفريعات المتصلة بذلك - حذف العائد (ولهذا بحث مستقل فى 357).
وإليك الكلام فى هذه المسائل.
(ا) تعدد الموصول والصلة :
1 - قد يتعدد الموصول (1)من غير أن تتعدد الصلة ؛ فيكتفى موصولان أو أكثر بصلة واحدة. ويشترط فى هذه الحالة أن يكون معنى الصلة أمرا مشتركا بين هذه الموصولات المتعددة ، لا يصح أن ينفرد به أحدها ، دون الآخر ، وأن يكون الرابط مطابقا لها باعتبار تعددها. مثل : فاز بالمنحة «الذى» «والتى» أجادا ، وأخفق «الذين واللاتى» أهملوا. ففى المثال الأول وقعت الجملة الفعلية : (أجادا) صلة لاسمى الموصول : «الذى» و «التى». ولا يصح أن تكون صلة لأحدهما بغير الآخر ؛ لاشتراكهما معا فى معناها ؛ ولأن الرابط مثنى لا يطابق أحدهما وحده ، وإنما لوحظ فيه أمرهما معا (2). وكذلك الشأن فى المثال الآخر.
2 - قد تتعدد الموصولات وتتعدد معها الصلة ؛ فيكون لكل موصول صلته ؛ إما مذكورة فى الكلام ، وإما محذوفة (3)
أي : ما عدا النساء وذكرهن. يريد كل شيء سهل يسير ، قد يحتمله الحر ، ويصبر عليه . ما خلا التعرض لنسائه ، والتحدث عنهن ... وهذه أمثلة مسموعة بكثرة تبيح القياس عليها ؛ بقرينة تدل على المحذوف ، ولا تدع مجالا لخفائه . كما سنعرف . فكلمة : «ما» هنا موصول حرفى.
. جوازا ، وتدل عليها صلة أخرى مذكورة ، بشرط أن تكون المذكورة صالحة لواحد دون غيره ؛ فلا تصلح لكل موصول1) بنوعيه الاسمى والحرفى.
2) مع مراعاة التغليب فى بعض نواحى المطابقة ؛ كالتذكير فى المثالين المذكورين. والتغليب جائز عند وجود قرينة ، (كما أوضحنا فى رقم 4 من هامش ص 109 وفى رقم 1 من هامش ص 127).
3) لا يجوز حذف صلة الموصول الحرفى إلا إذا بقى معمولها ؛ مثل : أما أنت منطلقا انطلقت ، أى : لأن كنت منطلقا انطلقت. فحذفت «كان» وبقى معمولها ... كما هو موضح فى آخر باب كان عند الكلام على حذفها ص 526 - ومثل قولهم : «كلّ شىء مهه ما ، النساء وذكرهنّ»
من تلك الموصولات المتعددة ؛ نحو : عدت «الذى» و «التى» مرضت. وسارعت بتكريم «اللائى» و «الذين» أخلصوا للعلم. فالصلة فى كل مثال صالحة لأحد الموصولين فقط ؛ بسبب عدم المطابقة فى الرابط ؛ فكانت صلة لواحد ، ودليلا على صلة الآخر المحذوفة جوازا. فأصل الكلام عدت الذى مرض ، والتى مرضت. وسارعت بتكريم اللائى أخلصن ، والذين أخلصوا. وهذا نوع من حذف الصلة جوازا ، لقرينة لفظية تدل عليها(1)...
وقد تحذف الصلة لوجود قرينة لفظية أيضا ولكن من غير أن يتعدد الموصول ؛ مثل : من رأيته فى المكتبة؟ فتجيب : محمد الذى ... أو : سعاد التى ...
وقد تحذف الصلة من غير أن يكون فى الكلام قرينة لفظية تدل عليها وإنما تكون هناك قرينة معنوية يوضحها المقام ؛ كالفخر ، والتعظيم ، والتحقير ، والتهويل ... فمن أمثلة الفخر أن يسأل القائد المهزوم البادى عليه وعلى كلامه أثر الهزيمة ، قائدا هزمه : من أنت؟ فيجيبه المنتصر : أنا الذى ... أى : أنا الذى هزمتك. فقد فهمت الصلة من قرينة خارجية ، لا علاقة لها بألفاظ الجملة. ومثل : أن يسأل الطالب المتخلف زميله الفائز السابق بازدراء : من أنت؟ فيجيب الفائز : أنا الذى ... أى : أنا الذى فزت ، وسبقتك ، وسبقت غيرك ... ومنه قول الشاعر يفاخر :
نحن الألى ... فاجمع جمو *** عك ثمّ وجّههم إلينا
أى : نحن الذين اشتهروا بالشجاعة ، والبطولة ، وعدم المبالاة بالأعداء.
ومن التحقير أن يتحدث الناس عن لص فتاك ، أوقعت به حيلة فتاة صغيرة وغلام ، حتى اشتهر أمرهما. ثم يراهما اللص ؛ فيقول له أحد الناس : انظر إلى التى والذى ... أى : التى أوقعت بك. والذى أوقع بك ...
وقد وردت أساليب قليلة مسموعة عند العرب ، التزموا فيها حذف الصلة ؛
1) وما ذكرناه فى النوعين السالفين يوضح قول النحاة : (قد ترد صلة بعد موصولين أو أكثر ، مشتركا فيها ، أو مدلولا بها على ما حذف. فالاشتراك فيما إذا ناسبت الصلة جميع ما قبلها من الموصولات. والدلالة فيما إذا لم تناسب إلا واحدا منها). ثم قالوا : إن القسم الأول يدخل فى قسم الصلة الملفوظة وإن الثانى يدخل فى قسم الصلة المحذوفة أو التى فى النية.
كقولهم : عند استعظام شىء وتهويله : «بعد اللّتيا (1)والّتى ، يريدون بعد اللتيا كلّفتنا ما لا نطيق ، والتى حملتنا مالا نقدر عليه - أدركنا ما نريد.
مما تقدم نعلم أن حذف الصلة فى غير الأساليب المسموعة جائز عند وجود قرينة لفظية ، أو معنوية ؛ سواء أكانت الموصولات متعددة ، أم غير متعددة بشرط ألا يكون الباقى بعد حذفها صالحا لأن يكون صلة.
3 - يجوز حذف الموصول الاسمى غير «أل» إذا كان معطوفا على مثله ، بشرط ألا يوقع حذفه - فى لبس ؛ كقول زعيم عربىّ : «أيها العرب ، نحن نعلم ما تفيض به صدور أعدائنا ؛ من حقد علينا ، وبغض لنا ، وأن فريقا منهم يدبر المؤامرات سرّا ، وفريقا يملأ الحواضر إرجافا (2)، وفريقا يعد العدة للهجوم علينا ، وإشعال الحرب فى بلادنا ، ألا فليعلموا أن من يدبّر المؤامرات ، ويطلق الإشاعات. ويحشد الجيوش للقتال - كمن يطرق حديدا باردا. بل كمن يضرب رأسه فى صخرة عاتية ، ليحطمها ؛ فلن : يخدشها وسيحطم رأسه».
فالمعنى يقتضى تقدير أسماء موصولة - محذوفة - ؛ وإلا فسد ؛ فهو يريد أن يقول : من يدبّر المؤمرات ، ومن يطلق الإشاعات ، ومن يحشد الجيوش ... ذلك لأنهم طوائف متعددة ، ولن يظهر التعدد إلا بتقدير «من». ولولاها لأوهم الكلام أن تلك الأمور كلها منسوبة لفريق واحد ؛ وهى نسبة فاسدة. ولهذا يجب عند الإعراب مراعاة ذلك المحذوف ، كأنه مذكور ، ومثله قول حسان فى أعداء الرسول عليه السّلام :
فمن يهجو رسول اللّه منكم *** ويمدحه وينصره سواء
فالتقدير ؛ من يهجو رسول اللّه ، ومن يمدحه : ومن ينصره سواء. ولو لا هذا التقدير لكان ظاهر الكلام أن الهجاء والمدح والنصر - كل أولئك من فريق واحد. ومن هذا قوله تعالى (3): ( قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) ، أى : والذى أنزل إليكم ، لأن المنزل إلى المسلمين ليس هو المنزّل إلى غيرهم من أهل الكتاب.
أما الموصول الحرفى فلا يجوز حذفه. إلا «أن» فيجوز حذفها ؛ مثل قوله تعالى : ( يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) وقد يجب. ولهذا الحذف - بنوعيه - تفصيلات موضعها الكلام على «أن» الناصبة (1).
ب - قد يقترن الخبر الذى مبتدؤه اسم موصول بالفاء وجوبا أو جوازا ، أو الذى مبتدؤه متصل باسم الموصول بنوع من الاتصال على الوجه الذى يجىء بيانه وتفصيله فى مكانه المناسب من باب المبتدأ والخبر تحت عنوان : مواضع اقتران الخبر بالفاء ص 484 م 41 وما بعدها. ومنها نعلم مواضع زيادة «الفاء» فى صلة الموصول بنوعيه بسبب إبهامه وعمومه.
1) فى الجزء الرابع ، باب : إعراب الفعل «النواصب».
لا بد لكل موصول من صلة. فإن كان اسميّا وجب أن تشتمل صلته على رابط ؛ هو : الضمير ، أو ما يقوم مقامه ، كما أسلفنا.
وهذا الضمير الرابط قد يكون مرفوعا ؛ مثل «هو» فى نحو : خير الأصدقاء من هو عون فى الشدائد ... ، أو منصوبا ، مثل «ها» فى نحو : ما أعجب الآثار التى تركها قدماؤنا ، أو مجرورا ؛ مثل : «هم» فى نحو : أصغيت إلى الذين أصغيت إليهم.
والرابط فى كل هذه الصور - وأشباهها - يجوز ذكره فى الصلة كما يجوز حذفه ، بعد تحقق شرط عام ، هو : وضوح المعنى بدونه ، وأمن اللبس (ومن أهمّ مظاهر أمن اللبس ألا يكون الباقى بعد حذفه صالحا صلة) (1). غير أن هناك شروطا خاصة أخرى تختلف باختلاف نوع الضمير يجب تحققها قبل حذفه ، سواء أكان اسم الموصول هو «أىّ» أم غيرها. وفيما يلى التفصيل :
(ا) إن كان الضمير الرابط مرفوعا لم يجز حذفه إلا بشرطين : أن تكون الصلة جملة اسمية ، المبتدأ فيها هو الرابط ، وأن يكون خبره مفردا (2)
ومنها: ألا يكون معطوفا عليه ، نحو: تكلم الذي هو وحامد عالمان؛ كي لا يقع حرف العطف.
فى الصدارة ، وفوق ذلك ليس له معطوف عليه ظاهر ، ولكيلا. يقع المثنى خبرا عن مفرد ، فى الصورة الظاهرية إن حذف حرف العطف مع الضمير الرابط ؛ وهو أمر يستقبحونه من حيث الشكل والمظهر كما سبق.
ومنها : ألا يكون بعد «لو لا» ؛ نحو : حضر الذى لو لا هو الخرجت ؛ لوجوب حذف الخبر العام بعد لو لا فأصل الكلام : لو لا هو موجود ؛ فإذا حذف معه المبتدأ كان الحذف كثيرا مجحفا ؛ لشموله الجملة كاملة. ومنها : ألا يكون بعد حرف نفى ؛ نحو : سكت الذي ما هو جاهل.
ومنها : ألا يكون محصورا بإلا أو إنما ؛ نحو : كتب الذى ما في الغرفة إلا هو ، أو : كتب الذى إنما في الغرفة هو. فمجموع الشروط سبعة.
. كأن يسألك سائل.1) وقد يصح الاستغناء عنه ، فى بعض حالات كما سبق فى «ب» من ص 343 وكما سيجىء فى «ا» من ص 363. والمراد بالاستغناء هنا : أنه غير ملاحظ مطلقا ؛ لا لفظا ولا تقديرا بخلاف العائد المحذوف أو المستتر فإنه ملاحظ.
2) لأن الخبر المفرد لا يصلح أن يكون صلة بعد حذف المبتدأ ، وأيضا لأنه يدل على المحذوف ، ويرشد إليه. هذا ويختلف معنى الإفراد باختلاف موضوعات النحو ؛ فيراد به فى موضوع الخبر : ما ليس جملة ، ولا شبه جملة. وقد اقتصرنا على أهم الشروط لحذف العائد المرفوع. وهناك شروط أخرى لحذفه ؛ منها ألا يكون معطوفا ؛ مثل : رأيت الذى حامد وهو صديقان. فالمعطوف هنا ليس مبتدأ ولكنه معطوف على المبتدأ ؛ فهو فى حكمه. وحذف المعطوف يؤدى إلى بقاء الحرف العاطف بدون المعطوف ؛ وهو ممنوع - إلا فى مسائل معدودة ، سردناها فى - ج 3 - باب العطف ، وهى غير التى نحن بصددها ، كما يؤدى حذف العاطف والمعطوف معا ، إلى إظهار الكلام بصورة الإخبار بالمثنى عن المفرد ؛ وهى صورة معيبة فى مظهرها ، كما يقولون!!
كيف نفرّق بين ماء النهر وماء البحر؟ فتجيب : الأنهار التى عذبة الماء ، والبحار التى ملحيّة الماء. تريد : الأنهار ، التى هى عذبة الماء ، والبحار التى هى ملحية الماء. ومثل : أن يسأل : ما أوضح فارق بين النجم والكوكب؟ فتقول : النجم الذى مضىء بنفسه ، والكوكب الذى مستمد نوره من غيره. أى : النجم الذى هو مضىء بنفسه ... والكوكب الذى هو مستمد ...
فإذا استوفى الضمير المرفوع الشرطين الخاصّين ومعهما الشرط العام جاز حذفه (1)
ا . أن تكون الصلة جملة فعلية ، أو شبه جملة ؛ مثل : أشرق الذي يملأ نوره الفضاء. ومثل : سقى النهر النبات الذي في الحقول ؛ لأن كلا منهما صالح لأن يقع بنفسه صلة ، مع خلوه مما يدل على أن هناك مبتدأ محذوفا بخلاف الخبر المفرد ؛ فإنه غير صالح أن يكون صلة ، ولأنه يشعر بحذف المبتدأ ، كما سبق.
ب . أن تكون الصلة جملة اسمية لكن الرابط فيها ليس مبتدأ ؛ مثل : يتحرك الكوكب الذى إنه القمر ؛ لأن الرابط فيها اسم «إن» المنصوب. ومثل : يتحرك الكوكب الذي شكله مستدير : ؛ لأن الرابط مجرور بالإضافة فليس مبتدا ...
ح . أن تكون الصلة جملة اسمية ، الرابط فيها مبتدأ ضمير ، ولكن خبره ليس بمفرد : بأن يكون الخبر جملة فعلية ؛ مثل : دهشت من القرود التي هي «تحاكي الإنسان». أو جملة اسمية ، مثل : دهشت من القرود التي هي حركاتها كحركة الإنسان. أو شبه جملة ؛ مثل : دهشت من التي هي أمامك. فكل ذلك لا يجوز فيه حذف الرابط ؛ لأن الخبر يصلح أن يكون صلة بعد حذف المبتدأ الرابط ، وليس في الخبر ما يدل على المحذوف. بخلاف المفرد ، لأنه لا يصلح أن يكون صلة ، ولأنه يشعر بحذف المبتدأ ، كما عرفنا.
، والأحسن عند الحذف أن تكون صلته طويلة (أى : ليست مقصورة عليه وعلى خبره المفرد ، وإنما يكون لها مكملات ؛ كالمضاف إليه ، أو المفعول ، أو الحال ، أو النعت ، أو غير ذلك ...) ، نحو : نزل المطر الذى مصدر مياه الأنهار ، ونحو : برعت مصانعنا التى الرجاء العظيم. أو التى رجاؤنا فى الغنى قريبا ... ونحو : اشتد الإقبال على التعليم الذى كفيل بإنهاض الفرد والأمة ... ويجوز أن1) وإذا لا يصح الحذف فى الحالات الآتية :
نقول : نزل المطر الذى حياة ، وبرعت مصانعنا التى الأمل ، واشتد الإقبال على التعليم الذى سعادة.
والأساليب العالية لا تجنح كثيرا إلى حذف العائد المرفوع ؛ فإن جنحت إليه اختارت - فى الغالب - طويل الصلة (1).
(ب) إن كان الرابط ضميرا منصوبا لم يجز حذفه إلا بثلاثة شروط خاصة - غير الشرط العام - هى : أن يكون ضميرا متصلا (2)، وأن يكون ناصبه فعلا تامّا ، أو وصفا تامّا ، وأن يكون هذا الوصف لغير صلة : «أل» (3)التى يعود عليها الضمير ؛ مثل : ركبت القطار الذى ركبت ، أى : ركبته ، وقرأت الصحيفة التى قرأت ، أى : قرأتها وقول الشاعر يصف مدينة :
بها ما شئت من دين ودنيا *** وجيران تناهوا فى الكمال
أى : ما شئته : وقول الآخر :
ومن ينفق الساعات فى جمع ماله *** مخافة فقر فالذى فعل الفقر
أى : فعله ... ومثل : اشكر اللّه على ما هو موليك ، واحمده على ما أنت المعطى. أى : موليكه (والأصل : موليك إياه) ، والمعطاه (4)
أو مجىء الحال منه متأخرة أو متقدمة مثل : هند التي كلمت واقفة ، أو : هند التي واقفة كلمت. أي : كلمتها.
.ومثل : الذى أنا معيرك - كتاب. والذى أنت المسلوب - المال. أى : الذى أنا معيركه كتاب ، والذى أنت المسلوبه - المال (5)
ومما سبق تعلم أنه لا يصح الحذف في الحالات الآتنة :
ا . أن يكون الضمير المنصوب منفصلا. نحو : أقبل الربيع الذى إياه أحب. بتقديم الضمير ؛ لأنه لو تأخر لا تصل بالفعل وجوبا فصار : أحبه ؛ تطبيقا لقاعدة عدم فصل الضمير الذي يمكن وصلة . وقد سبقت في ص (٢٤٣ ولو حذف وهو متقدم لالتبس بالمحذوف المتأخر ، لعدم القرينة الدالة على تقدمه.
ب . أن يكون الضمير منصوبا بفعل ناقص ؛ مثل : قابلت الذى كانه محمود (الهاء خبر مقدم وليست اسم كان ؛ لأن اسم كان مرفوع ، والهاء لا تكون مرفوعة ؛ لأنها ليست من ضمائر الرفع). أو بوصف ناقص ؛ مثل : حضر الذى أنا كائنه ؛ لعدم وجود ما يدل على المحذوف ويعينه.
ح - أن يكون الضمير منصوبا بحرف ؛ مثل : اشتد الحر الذى كأنه اللّهب ؛ لأنه الضمير اسم كأن.
د - أن يكون اسم الموصول الذى يعود عليه الرابط هو «أل» نحو : المكرمها علىّ فاطمة. فإن عاد على غيرها جاز حذفه ؛ نحو : جاءت التى أنا المكرم ، أى : المكرمها.
ه - أن يكون حذفه سببا فى اللبس وغموض المعنى ؛ نحو : رأيت من عرفته فى القطار ؛ فلو قلنا : رأيت من عرفت فى القطار لم يعرف المحذوف أهو : ضمير للغائب المذكر أم المؤنث؟ أهو للمثنى أم الجمع ...؟ فقد يكون أصل المحذوف واحدا مما يأتى : عرفته ، عرفتها. عرفتهما. عرفتهم.
عرفتهن. ومثله : رأيت من كلمته فى داره ؛ فلو حذف الضمير المنصوب لكان فى الكلام ضمير آخر يتم به الربط ، ولكن يقع بسببه اللبس والغموض ؛ فلا ندرى أهناك حذف أم لا.
هذا وحذف العائد المنصوب بالفعل أكثر فى الأساليب الأدبية المأثورة من المنصوب بالوصف.
.1) إلا الأسلوب الذى يشتمل على : «لا سيما» ؛ فيجب فيه حذف صدر الجملة ولو كانت قصيرة ؛ فى نحو ؛ أنزلوا الناس منازلهم ، ولا سيما العالم ؛ إذا كانت «ما» اسم موصول ، «العالم» خبرا لمبتدأ محذوف تقديره : هو. أى : ولاسى الذى هو العالم. (وسيجىء فى ص 363 الإيضاح التام فى إعراب لا سيما ، وأسلوبها).
2) ولو جوازا كبعض الأمثلة التالية. فالمراد ألّا يكون واجب الانفصال.
3) منصوب صلة «أل» لا يجوز حذفه إن عاد إليها ؛ لأنه يدل بوجوده على اسميتها الخفية. ففى حذفه ضياع الدليل. فإن عاد إلى غيرها جاز حذفه ؛ كما سيجىء فى «د» من رقم 5.
4) إذا حذف العائد المنصوب (المستوفى للشروط) فلا مانع من توكيده ؛ نحو : شربت الماء الذى أحضرت نفسه ؛ أى : أحضرته نفسه. أو من العطف عليه ؛ نحو : سافر الذى ودعت وصالحا.
5) من : أعارك محمود كتابا. فالذى هو معيركه : كتاب. وسلب اللص عليا المال ، فالذى علىّ مسلوبه : المال. (كتاب : خبر للمبتدأ «أنا». المال : خبر للمبتدأ «الذى»).
فإن فقد شرط لم يصح الحذف (1)
أىّ «كما» وأعربت ما لم تضف *** وصدر وصلها ضمير انحذف
وبعضهم أعرب مطلقا. وفى *** ذا الحذف أيّا غير أىّ يقتفى
(يريد : غير أى يقتفى أيا ، ويتبعها فى حذف صلتها) ...
إن يستطل وصل ، وإن لم يستطل *** فالحذف نزر ، وأبوا أن يختزل
(الوصل هنا : هو الصلة. يختزل : يختصر بسبب الحذف).
إن صلح الباقى لوصل مكمل
...
ثم انتقل فى الشطر الثانى من البيت السابق إلى الكلام على حذف العائد المنصوب قائلا :
.... *** والحذف عندهم كثير منجلى
فى عائد متّصل ، إن انتصب *** بفعل ، أو وصف ، كمن نرجو يهب
أى : من نرجوه يهب.
.(ح) وإن كان الرابط ضميرا مجرورا - والشرط العام متحقق - فإما أن يكون مجرورا بالإضافة ، أو بحرف جر ؛ فالمجرور بالإضافة يجوز حذفه إن كان المضاف اسم فاعل ، أو اسم مفعول (2). وكلاهما للحال أو الاستقبال (3)؛ مثل : -
1) وقد أشار ابن مالك إلى حذف العائد المرفوع والمنصوب إشارات موجزة بعد كلامه على «أى» الموصولة ، وأنها مثل «ما» الموصولة ، وأنها تعرب إلا إن أضيفت ، وحذف صدر صلتها الضمير فتبنى. ثم قال : إن من العرب من يعربها فى كل الحالات ، وإن باقى الموصولات يقتفى «أيا» فى الحذف. أى : يتبعها ويكون مثلها فى حذف صدر صلتها الضمير ، وإن هذا الحذف كثير إن استطالت الصلة ، ونزر (أى : قليل عنده إن لم تستطل. كل ذلك بشرط ألا يصلح الباقى لأن يكون صلة. يقول :
2) مما ينصب فعله مفعولين فى الأصل ، ليكون أحدهما نائب فاعل لاسم المفعول ، والثانى هو المضاف إليه لفظا.
3) مع استيفائه بقية الشروط اللازمة لإعماله ، وهى مدونة فى بابه - ج 3 -
يفرح الذى أنا مكرم الآن أو غدا ، (أى : مكرمه). ويرضينى ما أنا معطى الآن أو غدا (أى : معطاه (1)
ا . المضاف غير الوصف (المشتق) ؛ نحو : تألم الذي غاب أهله.
ب . المضاف الذى هو اسم فاعل ، أو اسم مفعول ، وكلاهما للماضى ؛ فلا يعمل ، نحو : أكملت بالأمس ما كنت بانيه : ومثل فرح السائل بما كان معطاه.
) ومثلهما : جادت مصنوعاتنا ، فالبس منها ما أنت لابس غدا (2)، واطلب منها ما أنت طالب بعد حين ، (أى : لابسه ... وطالبه) - إن يسلبنى اللص بعض المال أتألم لما أنا مسلوب (أى : مسلوبه).والمجرور بالحرف يجوز حذفه بشرط أن يكون اسم الموصول مجرورا بحرف يشبه ذلك الحرف (3)فى لفظه ، ومعناه ، ومتعلّقه (4). وإذا حذف الرابط حذف معه الحرف الذى يجره ؛ مثل : سلّمت على الذى سلّمت ، (أى : سلّمت عليه وانتهيت إلى ما انتهيت. (أى : إلى ما انتهيت إليه.)
وقد يكون حرف الجر غير داخل على اسم الموصول وإنما على موصوف باسم الموصول. نحو : مشيت على البساط الذى مشيت ؛ أى : عليه ، وسرت فى الحديقة التى سرت ؛ أى : فيها (5)
(ب) وأن يكون هذا الحرف الجار كالحرف الذى يجر الرابط لفظا ، ومعنى ، ومتعلقا ؛ (والمتعلق هو : العامل ، ويكفى فيه هنا التشابه) فلا يجوز حذف الرابط عند اختلاف حرفى الجر. فى شىء من هذا ؛ كاختلاف لفظهما ومعناهما معا ؛ نحو : رغبت عن الذى أنت راغب فيه ؛ أو : فى لفظهما دون معناهما ؛ نحو : جلست بالحجرة التى أنت جالس فيها (لأن معنى «الباء» و «فى» الظرفية) أو فى معناهما دون لفظهما ؛ نحو : مررت بالذى مررت به على محمود. والمراد : مررت بالذى مررت معه على محمود ؛ فالباء الأولى بمعنى : الإلصاق ، والثانية بمعنى المصاحبة (مع) ، أو اختلاف متعلقهما ، نحو رغبت فى الذى أنت زاهد فيه.
(ح) ألا يكون الرابط عمدة.
(د) ألا يكون الرابط محصورا.
(ه) ألا يكون حذفه موقعا فى لبس.
هذا ، ويجيز بعض النحاة حذف الرابط المجرور إذا تعين المحذوف ولم يوقع فى لبس ، تطبيقا للقاعدة العامة التى تنص على أن ما لا ضرر فى حذفه لا خير فى ذكره. ويكتفون من الشروط بهذا ، ويذكرون من أمثلته قوله تعالى : ( ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللّهُ عِبادَهُ ) ، أى : به. وقول الشاعر :
ومن حسد يجور على قومى *** وأى الدهر ذو لم يحسدونى
أى الذى لم يحسدونى فيه ... وهذا رأى حسن والأخذ به فى جميع الشئون اللغوية مقصد بلاغى قويم.
.1) فلا يجوز الحذف فيما يأتى :
2) الدليل على أن اسم الفاعل للمستقبل هنا وجود فعل الأمر قبله : وهو للمستقبل. وأيضا وجود كلمة : «غدا» بعده. كما أن أداة الشرط دليل على الاستقبال فى المثال الذى بعده ؛ إذ أدوات الشرط الجازم تجعل زمن الفعل بعدها مستقبلا حتما ولو كان الفعل الواقع بعدها ماضيا. (ما لم يمنع من ذلك مانع مما تقدم عند الكلام على زمن الفعل المضارع ص 54.
3) لأن اسم الموصول هو نفس ضميره فى المعنى ؛ فإذا حذف الضمير ومعه حرف الجر كان فى الكلام ما يدل عليهما.
4) وهو العامل فيهما ؛ يحيث يكون المتعلق فى كل منهما مشابها الآخر ، إما فى لفظه ومعناه معا ؛ كالأمثلة المذكورة ، وإما فى معناه فقط ؛ مثل : فرحت بالذى سررت. أى : به. ويجوز أن يكون أحد المتعلقين فعلا ماضيا والآخر مضارعا من مادته أو أمرا كذلك ... ويجوز أن يكون أحدهما فعلا ، والآخر وصفا (مشتقا) من المادة نفسها بمعناه ...
5) وقد يكون داخلا على مضاف إلى اسم الموصول نحو سلمت على صديق الذى سلمت. أى : الذى سلمت عليه. أو داخلا على مضاف للموصوف باسم الموصول ؛ نحو : سلمت على صديق الرجل الذى سلمت. أى : عليه ... وقد اكتفينا بذكر أشهر الشروط ، وبقى منها : ألا يكون الضمير عمدة (لأن العمدة لا يمكن الاستغناء عنه) فلا حذف فى مررت بالذى مرّ به (لأن الجار والمجرور نائب فاعل ؛ ونائب الفاعل عمدة لا تستغنى عنه الجملة) وألا يكون الضمير محصورا ؛ فلا تحذف فى : مررت بالذى ما مررت إلا به. وألا يكون حذفه موقعا فى لبس (وهذا شرط عام فى جميع ما يحذف - كما سبق - فلا حذف فى مثل رغبت فى الذى رغبت فيه ، لأن الكلام مع الحذف يصير رغبت فى الذى رغبت. فلا ندرى المقصود بعد الحذف ؛ أهو : رغبت فيه أم عنه. والمعنيان مختلفان. فمجموع شروط حذف العائد المجرور بالحرف خمسة ؛ هى : (ا) أن يكون الموصول مجرورا بحرف جر.
تلك حالة حذف العائد المجرور ، وهى كثيرة فى الأساليب العالية (1)
كذاك حذف ما بوصف خفضا *** كأنت قاض. بعد أمر من : قضى
كذا الّذى جرّ بما الموصول جرّ *** كمرّ بالذى مررت ؛ فهو برّ
أى : كذلك يجوز حذف الرابط المجرور إذا كان عامله وصفا (بالتفصيل الذى سبق) ومن أمثلته ، كلمة : «قاض» الواقعة بعد فعل أمر ، ماضيه «قضى» يشير إلى قوله تعالى : ( فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ ) ، أى : ما أنت قاضيه. وهذا هو النوع الأول من العائد المجرور الذى يكون عامله وصفا مضافا. أما النوع الثانى فهو العائد المجرور بما جر الموصول ، أى : بحرف جر كالذى جر الموصول : لفظا ، ومعنى ، وتعلقا ... إلخ. نحو : مر بالذى مررت : أى به ...
. .1) وفى حذف العائد المجرور يقول ابن مالك :
ا - قد يستغنى الموصول عن العائد كما فى بعض الصور التى سلفت (1).
ب - الكلام فى : «ولا سيما (2)، وأخواتها» معناها ، وإعرابها فى جملتها. يتضح معنى «ولا سيما» من الأمثلة التالية :
المعادن أساس الصناعة ؛ ولا سيما الحديد. - تجود الزروع بمصر ؛ ولا سيما القطن - نحتقر الأشرار ؛ ولا سيما الكذّاب ...
فالمثال الأول يتضمن : أن الصناعة تقوم على أساس ؛ هو : المعادن ؛ كالنحاس ، والرصاص ، والفضة ... وكالحديد أيضا. فالحديد يشاركها فى وصفها بأنها : «أساس». ولكنه يختلف عنها فى أن نصيبه من هذا الوصف أكثر وأوفر من نصيب كل معدن آخر.
وفى المثال الثانى حكم بالجودة على ما ينبت فى مصر ، من قمح ، وذرة وقصب ، و... ومن قطن أيضا ؛ فهو يشاركها فى الاتصاف بالجودة ؛ ولكنه يخالفها فى أن نصيبه من هذه الجودة أوفى وأكبر من نصيب كل واحد من تلك الزروع.
وفى المثال الثالث نحكم بالاحتقار على الأشرار ؛ ومنهم اللص ، والقاتل ، والمنافق ... ومنهم الكذاب - أيضا - فهو شريكهم فى ذلك الحكم ، وينطبق عليه الوصف مثلهم. ولكن نصيبه منه أكبر وأكثر من نصيب كل فرد منهم.
مما سبق نعرف أن الغرض من الإتيان بلفظ : (ولا سيما) هو : إفادة أن ما بعدها وما قبلها مشتركان قى أمر واحد ، ولكن نصيب ما بعدها أكثر وأوفر من نصيب ما قبلها. ولذا يقول النحاة : إن «لا سىّ» ، معناها : لا مثل (3)... يريدون : أن ما بعدها ليس مماثلا لما قبلها فى المقدار الذى يخصه من الأمر المشترك
بينهما ؛ وإنما يزيد عليه فى ذلك المقدار ؛ سواء أكان الأمر محمودا ، أم مذموما (1).
أما إعرابها فى جملتها وإعراب الاسم الذى بعدها فقد يكفى جمهرة المتعلمين علمها أن : «ولا سيّما» لا تتغير حركة حروفها مهما اختلفت الأساليب ، وأن الاسم الذى بعدها يجوز فيه الأوجه الثلاثة : «الرفع ، والنصب ، والجر» سواء أكان نكرة أم معرفة (2). وأن فيها عدة لغات صحيحة (3)لا يمنع من استعمال إحداها مانع. ولكن أكثرها فى الاستعمال الأدبى هو : (ولا سيّما) ؛ فيحسن الاقتصار عليه ؛ لما فى ذلك من المسايرة للأساليب الأدبية العالية التى تكسب اللفظ قوة فى غالب الأحيان ، وفى هذا القدر كفاية لمن يبتغى الوصول إلى معرفة الطريقة القويمة فى استعمالها ، من غير أن يتحمل العناء فى تفهم الإعرابات المختلفة. أما من يرغب فى هذا فإليه البيان :
الاسم الواقع بعد : (ولا سيما) إما أن يكون نكرة ، وإما أن يكون معرفة ؛ فإن كان نكرة جاز فيه الأوجه الثلاثة كما سبق ، تقول :
1 - اقتنيت طرائف كثيرة ، ولا سيّما : أقلام ، أو أقلاما ، أو أقلام.
2 - اشتريت طيورا بديعة ، ولا سيما ؛ عصفور ، أو : عصفورا ، أو : عصفور.
3 - قصرت ودى على المخلصين ؛ ولا سيّما واحد ، أو واحدا ، أو : واحد.
وإن كان الاسم الواقع بعدها معرفة فالصواب جواز الأوجه الثلاثة أيضا ، كما فى الأمثلة التالية :
1 - أتمتع برؤية الأزهار ، ولا سيما : الورد ، أو : الورد ، أو : الورد.
2 - شاهدت آثارا رائعة ، ولا سيما : الهرم ، أو : الهرم ، أو : الهرم.
3 - ما أجمل الكواكب فى ليل الصيف : ولا سيما : القمر ، أو : القمر أو : القمر.
1) وبسبب هذه المخالفة فى المقدار يذكر بعض النحاة لفظ «ولا سيما» فى باب المستثنى ؛ لما فى الاستثناء من مخالفة ما بعد الأداة لما قبلها فى إثبات الحكم ، أو نفيه. فبين المخالفتين نوع تشابه من بعض الوجوه دون بعض ؛ إذ المخالفة بعد «ولا سيما» تكون فى المقدار وحده. مع الاشتراك فى الأمر نفسه. أما فى الاستثناء فالمخالفة تقع فى الحكم كله ؛ نفيا أو إيجابا. ولا مشاركة فيه بين ما وقع بعد الأداة وما وقع قبلها. وبعض آخر يذكرها (أى : ولا سيما) فى باب الموصول ؛ لاشتمالها على «ما» التى يصح أن تكون اسم موصول.
2) يعارض فريق من النحاة فى نصب المعرفة ، ومن التيسير الأخذ بالرأى الآخر. راجع المطولات ؛ ومنها شرح الكافية ، ج 1 ص 249، وحاشية الصبان ، ج 2 - فى آخر باب الاستثناء عند الكلام على «لا سيما» - والهمع. فى هذا الباب أيضا (ج 1 ص 234).
3) منها الاستغناء عن الواو فقط ، أو الاستغناء عنها وعن «لا» معا. ومنها تخفيف الياء فى كل لغاتها.
وفيما يلى الإعراب تفصيلا :
الكلمة / إعرابها فى حالة الرفع / فى حالة النصب / فى حالة الجر
و / للاستئناف (1)... / «و» كالسابق ... / «و» كالسابق
لا / نافية للجنس ، حرف لا محل لها من الإعراب. / «لا» كالسابق ... / «لا» كالسابق
سيّما / سىّ : / سىّ : اسم لا مبنى (2)على الفتح فى محل نصب / (سىّ) اسم «لا» منصوب لأنه مضاف فى هذه الصورة «ما» زائدة (أفلام) : مضاف إليه مجرور
اسمها منصوب ، لأنه مضاف - «ما» اسم موصول (3)، مبنى على السكون فى محل جر مضاف إليه. (ويحتاج لصلة) / «ما» زائدة حرف مبنى على السكون لا محل له من الإعراب
أقلام / خبر لمبتدأ محذوف وجوبا (4)تقديره : «هو» والجملة من المبتدأ والخبر لا محل لها من الإعراب صلة الموصول وخبر «لا» محذوف ، تقديره مثلا : موجود ؛ ... / أفلاما : تمييز (5)منصوب أما خبر «لا» فمحذوف تقديره : موجود ... أو ما يشبه هذه الكلمة / وخبر لا محذوف ، تقديره: موجود ، أو ما يشبهها
1) وهذا أيسر الآراء وأوضحها. ويصح أن تكون للحال والجملة بعدها (من لا واسمها وخبرها) فى محل نصب حال. كما يصح أن تكون عاطفة ، والجملة بعدها معطوفة على الجملة قبلها. لكن لا داعى للإعرابات المختلفة ؛ ففى الأول الكفاية والسهولة.
2) وكما يصح هنا أن تكون «ما» اسم موصول ، يصح أن تكون نكرة موصوفة بمعنى : «شىء» ، والجملة بعدها صفة لها فى محل جر. والخبر محذوف
3) مبنى وليس معربا ؛ لأنه غير مضاف ولا شبيه بالمضاف. واسم «لا» يكون معربا فى هاتين الحالتين فقط.
4) سبق (فى رقم 1 من هامش ص 359) عند الكلام على حذف العائد أنه واجب الحذف فى (لا سيما) ولو لم تطل الصلة.
5) لكلمة : (سى) أو لكلمة : «ما» على أنها نكرة تامة ، وليست زائدة ، وهو الأحسن. والنكرة التامة لا تحتاج إلى صفة بعدها. لكونها بمعنى : شىء ، أى شىء ؛ وهذا يجعلها صالحة لأن يراد منها : رجل - عصفور - طائر - أسد .. وغير ذلك مما يناسب جملتها. على الوجه السابق فى ص 317.
ولا سيما كلمة : عصفور وكلمة : واحد ...
كالذى سبق فى نظائرها تماما.
يجرى عليهما الإعراب السابق فى كلمة : «أقلام» رفعا ، ونصبا ، وجرّا.
وإعراب المعرفة فى حالتى الرفع والجر كإعراب النكرة فيهما. أما فى حالة النصب فتعرب النكرة تمييزا كما أوضحنا ، وتعرب المعرفة مفعولا به. ففى مثل : أتمتع برؤية الأزهار ولا سيما الورد - يصح أن يكون الإعراب كما يلى :
الواو للاستئناف. (لا) نافية للجنس. (سىّ) اسمها منصوب ومضاف. (ما) نكرة تامة بمعنى : شىء ، وهى مضاف إليه. مبنية على السكون فى محل جر. وخبر لا محذوف تقديره : موجود مثلا - و (الورد) مفعول به لفعل محذوف تقديره : أخص : أو : أعنى ... والفاعل مستتر وجوبا تقديره : أنا. ومثل هذا يقال فى كلمة : الهرم ، والقمر ، وأشباههما.
وقد تقع الحال المفردة أو الجملة بعد : (ولا سيما) نحو : أخاف الأسد ، ولا سيما غاضبا ، أو : وهو غاضب ... وقد تقع الجملة الشرطية بعدها ، وغير الشرطية ، أيضا ؛ نحو : النمر غادر ، ولا سيما إن أبصر عدوه (1).
أما أخوات : «ولا سيما» (2)فقد نقل الرواة منها : «لا مثل ما» و «لا سوى ما ...» - فهذان يشاركان : «لا سيما» فى معناها ، وفى أحكامها الإعرابية التى فصّلناها فيما سبق.
1) وقد يقع بعدها الظرف والجملة الفعلية مطلقا ؛ الشرطية ، وغير الشرطية أيضا - كما جاء فى حاشية الجزء الأول من الأمير على المغنى ، عند الكلام على : «أى» - الشرطية - والذى يعنينا من الأمثلة السابقة وأشباهها هو النص على جواز وقوع الحال المفردة والحال الجملة بعدها ، وكذلك وقوع الجمل ، ومنها : جملة الشرط ، أما الإعراب فأمر ثانوى عرضت له المطولات. وملخص ما قالوا فى الحال : «سى» اسم : «لا» مبنية على الفتح فى محل نصب ، ولا تحتاج إلى خبر ؛ (كشأنها فى مثل : ألا ماء ، أى : أتمنى ماء) و «ما» كافة. «غاضبا» حال من مفعول الفعل المقدر هنا ؛ وهو : أخصه (لأن معنى «سيما» هنا : خصوصا) أى : أخصه بزيادة الغضب فى هذه الحالة. ومثل ذلك فى الحال الجملة. أما فى الجملة الشرطية فجواب الشرط مدلول عليه بالفعل المقدر ؛ أى : إن غضب أخصه بزيادة خوفى. (راجع الصبان ج 2 فى آخر باب المستثنى - كما قدمنا - ففيه التفصيل). وبقية المراجع التى أشرنا إليها فى رقم 2 من هامش ص 364.
2) ما يأتى مذكور بمناسبة أخرى فى الجزء الثانى ص 274 م 83.
ومنها : «لا تر ما ...» و «لو تر ما ...» وهما بمعناها ، ولكنهما يخالفانها فى الإعراب ، وفى ضبط الاسم بعدهما ، فهذان فعلان لا بد من رفع الاسم الذى يليهما. ولا يمكن اعتبار «ما» زائدة وجر الاسم بعدها بالإضافة ؛ لأن الأفعال لا تضاف. والأحسن أن تكون : «ما» موصولة وهى مفعول للفعل : «تر» وفاعله ضمير مستتر ، تقديره : أنت. والاسم بعدها مرفوع - وهذا هو الوارد سماعا - على اعتباره خبر مبتدأ محذوف ، والجملة صلة.
وإنما كان الفعل مجزوما بعد : «لا» - لأنها للنهى. والتقدير فى مثل : «قام القوم لا تر ما علىّ» ... ، هو : لا تبصر أيها المخاطب الشخص الذى هو علىّ فإنه فى القيام أولى منهم.
أو تكون : «لا» للنفى ، وحذفت الياء من آخر الفعل سماعا وشذوذا ، وكذلك بعد «لو» سماعا. والتقدير : لو تبصر الذى هو علىّ لرأيته أولى بالقيام. والجدير بنا أن نقتصر فى استعمالنا على «ولا سيما» لشيوعها قديما وحديثا.
عرفنا أن الموصولات قسمان ؛ اسمية وقد سبق الكلام عليها ، وحرفية وهى خمسة (1): «أن» ، (مفتوحة الهمزة ، ساكنة النون أصالة (2).) و «أنّ» الناسخة (المشددة النون ؛ أو الساكنة النون للتخفيف) و «ما» ، و «كى» ، و «لو». وكلا القسمين لا بد له من صلة متأخرة عنه ، لا يصح أن تتقدم عليه هى أو شىء منها - ، - كما أوضحنا -. أما الفصل بين الموصول الحرفى ، أو الاسمىّ ، وصلته ، وكذا الفصل بين أجزاء الصلة فقد سبق الكلام عليه (3)(وهو بحث هام).
ولكن بين الموصول الاسمى والحرفى فروق ، أهمها ستة :
الأول : أن الموصولات الاسمية - غير أىّ - لا بد أن تكون مبنية (4)فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب موقعها من الجملة ؛ وذلك شأن كل الأسماء المبنية. بخلاف الموصولات الحرفية ، فإنها مبنية أيضا ؛ ولكن لا محل لها من الإعراب ؛ - شأن كل الحروف - فلا تكون فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ؛ مهما اختلفت الأساليب.
الثانى : أن صلة الموصول الاسمى لا بد أن تشتمل على العائد ؛ أما صلة الحرفى فلا تشتمل عليه مطلقا.
الثالث : أنّ الموصول الحرفىّ لا بد أن يسبك مع صلته سبكا ينشأ عنه مصدر يقال له : «المصدر المسبوك» أو «المصدر المؤول» ، يعرب على حسب حاجة الجملة - كما سنبينه بعد (5)-. ولهذا تسمى الموصولات الحرفية : «حروف السبك» وتنفرد به دون الموصولات الاسمية.
الرابع : أن بعض الموصول الحرفىّ (وهو الحرف المصدرى) لا يوصل بفعل جامد - كما سيجىء (1)- مثل : «لو» ، وكذلك : «ما» المصدرية ، إلّا مع أفعال الاستثناء الجامدة الثلاثة ؛ وهى : (خلا - عدا - وكذا : حاشا ، فى رأى) فهذه الثلاثة مستثناة من الحكم السالف ، أو لأنها متصرفة بحسب أصلها فجمودها عارض طارئ لا أصيل. والمصدر المؤول معها مؤول بالمشتق ، ... أى : مجاوزين (2). الخامس : أن الموصول الاسمى - غير «أل» يجوز حذفه على الوجه الذى قدّمناه (3)، أما الحرفىّ فلا يحذف منه إلا : «أن» الناصبة للمضارع ، فتحذف جوازا أو وجوبا ، طبقا لما هو مبين عند الكلام عليها فى النواصب (ج 4) وهى فى حالتى حذفها تسبك مع صلتها كما تسبك فى حالة وجودها(4).....
السادس : أن الموصول الحرفى «أن» يصح - فى الرأى المشهور - وقوع صلته جملة طلبية ، دون سائر الموصولات الاسمية والحرفية (5).
وفيما يلى شىء من التفصيل الخاص بالموصولات الحرفية الخمسة :
(ا) أن. - ساكنة النون أصالة - ولا تكون صلتها إلا جملة فعلية ، فعلها كامل التصرف ؛ سواء أكان ماضيا ؛ نحو : عجبت من أن تأخر القادم. أم مضارعا ؛ نحو : من الشجاعة أن يقول المرء الحقّ فى وجه الأقوياء ، وقول الشاعر :
إنّ من أقبح المعايب عارا *** أن يمنّ الفتى بما يسديه
أم أمرا (6)، نحو : أنصح لك أن *** بادر إلى ما يرفع شأنك ،
وهى فى كل الحالات تؤول مع صلتها بمصدر يستغنى به عنهما ، ويعرب على حسب حاجة الجملة ، فيكون مبتدأ ، أو فاعلا أو مفعولا به ، أو غير ذلك ، طبقا لتلك الحاجة وقد
1) فى رقم 4 و 5 من هامش ص 372.
2) راجع الصبان عند الكلام عليها فى باب الاستثناء. وسيجىء هذا فى ج 2 باب الاستثناء - م 83 وباب الحال م 84.
3) فى ص 355.
4) وقد يتعين تقديرها فى بعض الأساليب السماعية ، حيث لا مفر من التقدير ، مثل : يعجبنى يحضر الأخ. وهو تركيب له بعض نظائر نادرة مسموعة ، لا يقاس عليها ، لندرتها. فلو لم تقدر «أن» لوقعت جملة : «يحضر الأخ» فاعلا للفعل «يعجب» ، أو لكان الفاعل مقدرا بقول ، أو غيره وكلا الأمرين لا يرضاه جمهور النحاة.
5) كما سبق فى ص 338.
6) وفى هذه الحالة تكون جملة الصلة قد وقعت طلبية. وهو جائز فى : «أن» وحدها من الموصولات الحرفية. أما الموصولات الاسمية فيشترط فى صلتها أن تكون خبرية - كما سبق هنا وفى رقم 3 من ص 337) وعلى هذا ليس من الموصولات بنوعيها ما يجوز أن تكون صلته طلبية إلا : «أن» مفتوحة الهمزة ساكنة النون أصالة ، كما تبين فى الفرق السادس.
يسد مسد المفعولين أيضا. ولكنها لا تنصب إلا المضارع (1)
ووصل «أن» بالماضى ، وعدم تغييرها زمنه أمر متفق عليه ؛ أما وصلها بالأمر ففيه خلاف ؛ فسيبويه يجوزه ؛ بدليل دخول الجار عليها فى نحو : كتبت إليه بأن قم ، أو : كتبت إليه بألا تقم (أصلها : «أن لا» ثم أدغمت «النون» فى «لا» الناهية) وحرف الجر لا يدخل إلا على الاسم فتؤول (أن) مع صلتها بمصدر طلبى ؛ أى : بمصدر يفيد الأمر أو النهى ... فيكون التقدير : كتبت إليه بالأمر بالقيام ، أو بالنهى عن القيام ... وغير سيبويه يقول إن كل موضع وقع فيه الطلب (سواء أكان أمرا أم غيره) ، هو صالح لأن تكون «أن» فيه تفسيرية ؛ بمعنى : «أى» المفسرة. وذلك إذا لم يوجد حرف جر ظاهر قبل «أن» ؛ كقوله تعالى : ( إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ ... ) وقوله تعالى : ( فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ ... ) وقوله : ( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ... ) فهى فى كل هذه الأمثلة تفسيرية إن لم يقدر قبلها الجار ؛ لانطباق وصف التفسيرية عليها (ذلك الوصف الذى يتلخص فى أمور ثلاثة مجتمعة ؛ هى : وقوعها مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه ، وخلوها من حرف جر ، ووقوع جملة بعدها) ولا حاجة إلى تقدير حرف الجر عند عدم وجوده ظاهرا فى الكلام ؛ إذ ما الداعى لتقديره ، واعتبارها مصدرية لا مفسرة؟ أما إن وجد قبلها حرف جر ظاهر فهى زائدة عند أصحاب الرأى السالف ، ففى مثل كتبت إليه بأن قم أو بألا تقم. (أصلها : أن لا تقم ...) يكون أصل الكلام كتبت إليه «بقم» أو بلا «تقم» ؛ زيدت «أن» منعا لصورة ظاهرية شكلية مكروهة وهى : دخول حرف الجر على الفعل ظاهرا : وإن كان فى الواقع اسما بسبب قصد لفظه ... (اه ، نقلا عن الخضرى ج 1 أول باب الموصول ، بتصرف يسير).
والخلاف بين الرأيين شكلى لا أثر له في تكوين المفرد ، أو الجملة ، أو ضبط حروفهما ، فكلا الرأيين يبيح هذا الاستعمال ، ويرضى عن الأسلوب ، ويعده فصيحا ؛ وهذا هو الأهم. فلا مانع يمنع بعد د ذلك من الأخذ بأحد الرأيين عند الإعراب إذ لا ترجيح بينهما.
، وتخلص زمنه للاستقبال المحض ولا تنفصل منه بفاصل .. (2). ولا تغير زمن الماضى ولا تكون للحال فدلالتها الزمنية إما للماضى وإما للمستقبل (3)...وليس من هذا النوع ما يقع بعده جملة اسمية (4)مسبوقة بما يدل على يقين ، نحو : علمت «أن» ؛ محمد لقائم ، أو جملة فعلية فعلها جامد : نحو : أعتقد أن ليس الظالم بمستريح النفس ، فإنّ هذين من النوع الثانى (الذى تكون فيه «أن» مخففة من «أنّ» المشددة النون) (5)...
1) أما الماضى والأمر فلا تنصبهما لفظا ولا محلا. بخلاف (إن) الشرطية : فإنها لما قلبت الماضى إلى الاستقبال ناسبها أن تعمل فى محله. فأن المتصلة بالماضى أو الأمر هى الناصبة للمضارع وإن كانت بقية النواصب لا تدخل إلا على المضارع.
2) انظر رقم 1 من هامش ص 518.
3) كما سيجىء البيان فى ج 3 باب إعمال المصدر ص 176 م 99.
4) تكون هى الصلة وتسبك معه بمصدر.
5) «ملاحظة» - يقول النحاة : لم يرد فى الكلام الفصيح وقوع «أن» المصدرية بنوعيها المخففة والناصبة للضارع مع صلتها مبتدأ يستغنى عن الخبر بحال سدت مسده. ولا بعد «كان» «وإن» الناسختين بغير فاصل من خبرهما. ولا بعد «لا» النافية للجنس غير المكررة. وهذا الحكم ينطبق على «ما» المصدرية وصلتها أيضا وسيجىء البيان فى ج 3 باب إعمال المصدر. م 99 ص 177.
(ب) «أنّ» المشددة النون. وتتكون صلتها من اسمها وخبرها ؛ نحو : سرّنى أنّ الجو معتدل ، ويستغنى عن الثلاثة بعد صوغ المصدر المنسبك بطريقته الصحيحة. ومثلها : (أن) المخففة النون الناسخة (1)؛ حيث تتكون صلتها من اسمها وخبرها. ولكن اسمها لا يكون - فى الأفصح - إلا ضميرا محذوفا ، وخبرها جملة ؛ نحو : أيقنت أن علىّ لمسافر (2)؛ (ومنه المثالان السالفان فى الكلام على «أن»). ويستغنى عن الثلاثة بعد صوغ المصدر المؤول بطريقته الصحيحة ، ويعرب المصدر فى النوعين على حسب الجملة ؛ فيكون فاعلا ، أو مبتدأ ، أو مفعولا به ، أو غير ذلك ... وقد يسدّ مسد المفعولين إن وجد فى الجملة ما يحتاج لهما.
(ح) «كى» (3). وصلتها لا تكون إلا جملة مضارعية (وتنصب المضارع) نحو : أحسنت العمل لكى أفوز بخير النتائج. ومنها ومن صلتها معها يسبك المصدر المؤول الذى يستغنى به عنهما ، ويعرب على حسب حاجة الجملة ، وحاجتها لا تكون هنا إلا لمجرور باللام دائما ...
(د) «ما» ، وتكون مصدرية ظرفية (4)؛ نحو : سأصاحبك ما دمت مخلصا ، أى : مدة دوامك مخلصا ، وسألازمك ما أنصفت ، أى : مدة إنصافك. وقول الشاعر :
1) انظر رقم 5 من الصفحة السابقة.
2) الأصل : أيقنت أنه على لمسافر. وهذا الضمير هو ضمير «الشأن» أو ضمير «القصة» الذى سبق الكلام عليه تفصيلا فى الضمائر ، ص226. «وأن» المخففة لها مواضع وأحكام مكان الكلام عليها باب «إن وأخواتها» ومن أشهر مواضعها أن تقع بعد ما يدل على اليقين ... أو يقع بعدها فعل جامد .. أو فعل للدعاء ... أو ... ص 613.
3) وهى مثل «أن» المصدرية عملا ومعنى ، ولكن لا بد أن يسبقها لام الجر لفظا أو تقديرا لكى نعتبرها مصدرية خالصة. (إذ يجوز حذف حرف لام الجر قبلها ، فتكون مقدرة). وسيجىء تفصيل الكلام على «كى» وأنواعها وأحكامها فى ج 4 ص 227 م 148.
4) وهى المصدرية الزمانية : لأن الزمان يقدر قبلها ؛ فيذكر قبلها كلمة : «زمان» أو مدة ... أو وقت ... أو نحو ذلك من كل ما يفيد معنى الزمن. ويرى فريق من النحاة أن الأفضل تسميتها بالمصدرية الزمانية ، بدلا من تسميتها المشهورة (المصدرية الظرفية). وحجته : أن التسمية الأولى وحدها هى التى تشمل نحو قوله تعالى : ( كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ) إذ التقدير : كل وقت أضاءته لهم ... فالزمان المقدر «مضاف» إليه مجرور ، والمجرور بالإضافة لا يسمى ظرفا. ومن المضاف إليه - وهو المصدر المؤول - اكتسب المضاف ، وهو كلمة : «كل» الظرفية الزمانية. وكلمة : «كل» منصوبة بجوابها : «مشوا» وسيجىء فى باب «كان» ص 510 إيضاح أكمل ، يتناول «ما» المصدرية الظرفية بمناسبة الكلام هناك على : «ما دام».
المرء ما عاش ممدود له أمل *** لا تنته العين حتى ينته الأثر (1)
ومصدرية غير ظرفية (2)
وقد يختلط الأمر . على غير الفطن . بين «ما» التي هي اسم موصول والتي هي حرف موصول في مثل : أعجبنى ما صنعت وسرنى ما لبست : إذ يجوز أن تكون «ما» اسم موصول فيهما ، والعائد محذوف تقديره : ما صنعته ، وما لبسته ، كما يجوز أن تكون «ما» حرف موصول ، ولا شيء محذوف ، والتقدير ؛ أعجبنى صنعك ، وسرنى لبسك. وهذا صحيح في المثالين السابقين وأشباههما ؛ حيث يجوز الأمران عند عدم وجود قرينة توجه إلى أحدهما دون الآخر ؛ كأن يكون المصنوع والملبوس أمرا معينا معروفا ، والحديث متجه إلى ذاته ومادته ؛ فتكون «ما» اسم موصول. أما إن كان المراد التحدث عن المعنى المجرد ، أي : الحدث ، وهو الصنع نفسه ، أو اللبس . فإن «ما» حرف موصول.
وهناك حالة يتعين فيها أن تكون «ما» حرف موصول ؛ هي : أن يكون الفعل بعدها لازما ، أو يكون متعديا قد استوفى مفعوله ؛ مثل : (وضاقت عليهم الأرض بما رحبت) و (يسر المرء ما ذهب الليالى ...) لأن الفعل بعدها لازم ؛ فلو كانت اسم موصول لم نجد عائدا ، ولا يصح تقدير ضمير. ومثله : أعجبنى ما قمت ؛ للسبب السابق أيضا ، ومثل : سرنى ما قرأت الصحف . وما كتبت الرسائل ؛ فالفعل فيهما متعد قد استوفى مفعوله ، ولا يصح فيه تقدير ضمير مفعول آخر. (وسيجيء في باب : «كان» ص ٥١٠ . كلام عن «ما» المصدرية الظرفية بمناسبة البحث في : ما دام ، كما أشرنا في رقم ٤ من هامش الصفحة السابقة).
، مثل : : فزعت مما أهمل الرجل ؛ أى : من إهمال الرجل ... ودهشت مما ترك العمل ، أى : من تركه العمل. وقول العرب : «أنجز حرّ ما وعد (3)،وكلاهما تكون صلته فعلية ماضوية (4)؛ كالأمثلة السابقة ، أو مضارعية (5) ؛ نحو : لا أجلس فى الحديقة ما لم تجلس فيها. أى : مدة عدم جلوسك فيها. وإنى أبتهج بما تكرم الأخوان ، أى : بإكرامك الإخوان ومثل قول الشاعر :
1) أى : لا تنته العين من التطلع إلى الأشياء التى تدعو للأمل إلا بانتهاء الأجل.
2) علامتها أن يصلح فى مكانها «أن» المصدرية. لكنها لا تنصب المضارع كما تنصبه (أن) و «أن» المصدرية الداخلة على الماضى لا تغير زمنه ، بل تتركه على حاله ، وتخلص زمن المضارع للمستقبل. ولا تدل على الحال مطلقا. بخلاف «ما» المصدرية بتوعيها فتصلح للأزمنة الثلاثة على حسب المعنى والقرينة. ، والأكثر أن تكون للحال. وراجع الملاحظة رقم 5 من هامش ص 370 - والبيان فى رقم 3 من هامش ص 379)
3) أى : وعده. وهذا مثل قديم يقال بهذه الصيغة الخبرية لمدح من وعد فأنجز كما يقال لمن وعد ولم ينجز، يقصد تحريضه وحثه على الإنجاز.
4) إذا وقعت صلة : «ما» المصدرية الظرفية جملة ما ضوية فعلها : «دام» الناسخ وجب أن تكون هى وصلتها معمولة لفعل مضارع قبلها - كما سيجىء البيان عند الكلام عليها فى ص 510 (5) بشرط أن يكون الفعل الماضى والمضارع متصرفين ولو تصرفا ناقصا كما فى الفعل : «دام» عند من يقول بأن لها مضارعا ومصدرا ناسخين مثلها ، وهو قول مرجوح يحسن إهماله ، لضعفه - كما سيجىء عند الكلام على شروط عملها فى موضعها الأصيل ، وهو باب «كان» - وإذا ارتضينا الرأى القائل بعدم تصرفها مطلقا وجب عدها من الأفعال القليلة الجامدة التى تلزم المضى وتدخل عليها «ما المصدرية غير الظرفية» و «ما المصدرية الظرفية» فإنهما قد يوصلان بالفعل الجامد (خلا - عدا - ومثلهما : «حاشا» فى رأى.) فى الاستثناء - كما سبق فى ص370. أما وصلهما بالأمر فممتنع.
والمرء ما لم تفد نفعا إقامته *** غيم حمى الشمس ؛ لم يمطر ولم يسر
أو جملة اسمية (1)؛ نحو : أزورك ما الوقت مناسب ، ويرضينى ما العمل نافع ؛ أى : أزورك مدة مناسبة الوقت ، ويرضينى نفع العمل. ولكن الأكثر فى المصدرية الظرفية أن توصل بالجملة الماضوية ، أو بالمضارعية المنفية بلم ؛ كالأمثلة السابقة. ويقلّ وصلها بالمضارعية التى ليست منفية بلم ؛ مثل : لا أصيح ما تنام ، أى : لا أصيح مدة نومك.
ومن الحرف المصدرى «ما» وصلته ينشأ المصدر المؤول الذى يستغنى به عنهما.
ويصح الفصل - مع قلته - بين «ما» المصدرية بنوعيها ، وما دخلت عليه (2)دون غيرها من الموصولات الحرفية.
(ه) «لو» (3)، وتوصل بالجملة الماضوية ، نحو : وددت لو رأيتك معى فى النزهة. وبالمضارعية : نحو : أود لو أشاركك فى عمل نافع (4)
وقد توالى فى الآية السابقة . وأشباهها . حرفان مصدريان ، وهما لا يتواليان إلا لتوكيد لفظى . كما سبق في رقم ١ ، وهو غير متحقق هنا . ولذا يعرب المصدر المؤول من : «أن ومعموليها» فاعلا لفعل محذوف تقديره : «ثبت» . مثلا . كما يعرب المصدر المؤول من : «لو» والفعل : «ثبت» وفاعله ، مفعولا للفعل : «يود» قبله. ويجوز غير هذا مما يحال الكلام عليه باب : «لو» ج ٤.
، ولا توصل بجملة فعلية أمرية. ولا بد أن يكون الفعل الماضى أو المضارع تام التصرف. ومنها ومن صلتها يسبك المصدر المؤول الذى يستغنى به عنهما.1) بشرط ألا تكون مبدوءة بحرف مصدرى آخر لأن الحرف المصدرى لا يدخل على نظيره لغير توكيد لفظى - كما سيجىء فى رقم 4 من هذا الهامش وفى رقم 3 من هامش ص 582 - أما مثل : لا أخون الأمانة ما أن فى السماء نجما ؛ فإن المصدر المؤول من أن ومعموليها فى محل رفع فاعل لفعل محذوف تقديره : ثبت. أى : ما ثبت وجود نجم فى السماء ، والفعل والفاعل صلة : «ما». والتقدير مدة ثبوت نجم فى السماء. وقد يجوز - فى رأى - أن يكون «أن» وصلتها فى محل مصدر مؤول مبتدأ ، خبره محذوف ، تقديره : ثابت. والمبتدأ والخبر صلة ما.
2) وفى الفصل بالمفعول به خلاف ما تقدم فى ص 141 و 142.
3) الأكثر فى «لو» المصدرية أن تقع بعد «ود» و «يود» ، وما بمعناهما ؛ كأحب ، ورغب ، واختار. ولا تحتاج لجواب ؛ كما سيجىء فى بابها الخاص - ح4. وتخلص زمن المضارع بعدها للمستقبل المحض ولكنها لا تنصبه - كما سيجىء فى ص 379 -.
4) وقد توصل بالجملة الاسمية ؛ نحو قوله تعالى : ( وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ ) ولكن وصلها بالجملة الاسمية - على جوازه - قليل بالنسبة لوصلها بالماضى والمضارع المتصرفين ..
(ا) من حروف السّبك - عند فريق كبير من النحاة - «همزة التسوية» وهى التى تقع بعد كلام مشتمل على لفظة : «سواء» ، ويلى الهمزة جملتان ، ثانيتهما مصدرة بكلمة : «أم» الخاصة بتلك الهمزة. ومن الأمثلة قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ، لا يُؤْمِنُونَ ، ) فالهمزة مسبوكة مع الجملة التى بعدها مباشرة بمصدر مؤول يعرب هنا فاعلا ، والتقدير : إن الذين كفروا سواء - بمعنى : متساو - إنذارك وعدمه عليهم ؛ فهم يعربون كلمة : «سواء» خبر : «إن» «والمصدر المؤول» فاعل لكلمة : سواء ، التى هى بمعنى اسم الفاعل : «متساو». وقيل إن الجملة تسبك هنا بمصدر من غير سابك ؛ كما سبكوه فى المثل العربى : «تسمع بالمعيدى خير من أن تراه» ؛ برفع المضارع «تسمع» فى إحدى الروايات ؛ فقالوا فى سبكه : سماعك بالمعيدى ... من غير تقدير «أن» قبل السبك ، وكما يقدرون فى كل ظرف زمان أضيف إلى جملة بعده ، كالذى فى قوله تعالى : ( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً ... ، ) فقد قالوا : التقدير : «ويوم تسيير الجبال» - من غير وجود حرف سابك (1)...
(ب) كيف يصاغ المصدر المنسبك من حرف مصدرى مع صلته؟
للوصول إلى المصدر المؤول نتبع الخطوات الأربع التالية إن كان الحرف المصدرى هو : «أن» ، أو : «أنّ» ، كما فى الأمثلة المعروضة ، أما إن كان غيرهما فيجرى عليه ما جرى على هذين تماما ، وفيما يلى البيان :
1) راجع الصبان ج 2 أول باب الاستثناء. وسيجىء البيان فى ج 3، باب العطف عند الكلام على : «أم» ص 471 م 118 - ولها إشارة فى ج 3 - ص 26 م 93 و 68 م 94.
1 - نستخرج المصدر الصريح لخبر «أنّ» فى الجمل المشتملة على «أنّ» ، أو للفعل الذى بعد «أن» الناصبة فى الجمل المشتملة على الفعل ؛ فنجده فى الأمثلة المعروضة : «كثرة» - «نهضة» - «نفع».
شاع (أنّ الفواكه كثيرة فى بلادنا) شاع (أن تكثر ، الفواكه) فى بلادنا
عرفت (أن الصناعة ناهضة) بمصر عرفت (أن تنهض الصناعة) بمصر
2 - نضبط ذلك المصدر الصريح على حسب حاجة الجملة هكذا : «كثرة» .. (مرفوعة فى القسم الأول) ، «نهضة» ..
(منصوبة القسم الثانى) ، «نفع» (مجرورة فى القسم الثالث) ؛ لأن الأول محتاج لفاعل. والثانى محتاج لمفعول به ، والثالث محتاج إلى مجرور.
آمنت ب (أن الإذاعة نافعة) آمنت ب (أن تنفع الإذاعة)
3 - نذكر بعده اسم «أنّ» فى الجمل التى كانت مشتملة على «أنّ». و : نذكر الفاعل فى الجمل التى كانت مشتملة على «أن» الناصبة والفعل ؛ فيكون : كثرة الفواكه ، نهضة الصناعة ، نفع الإذاعة.
4 - نضبط ذلك الاسم الذى وضعناه بعد المصدر الصريح - بالجر ، ونعربه مضافا إليه ؛ فتكون الجمل بعد السبك : شاع كثرة الفواكه - عرفت نهضة الصناعة بمصر - آمنت بنفع الإذاعة!.
وبإتمام الخطوة الرابعة تتم عملية سبك المصدر المؤول ؛ وتظهر الجملة فى شكلها الجديد ؛ فتغنى عن «أنّ» و «أن» وعن صلتهما السابقة.
وعند السبك لا ندخل تغييرا فى الباقى من الجملة إلا على اسم «إنّ» أو فاعل الفعل بالطريقة التى أوضحناها. أما ما عداهما مما لم يحذف فيبقى على حالته الأولى.
ومثل هذا يتبع حين يكون الحرف المصدرى هو : «أن» المخففة من الثقيلة أو : «لو» ، أو : «كى» ، أو : «ما».
وقد يقتضى الأمر فى بعض الأمثلة عملا زائدا على ما سبق ؛ ففى مثل : سرنى أن تسبق ... تنته الجملة بعد إجراء الخطوات الأربع السابقة إلى : سرنى (سبق أنت) فيقع فاعل الفعل المضارع «مضافا إليه» بعد استخراج المصدر الصريح - كما قدمنا - ولما كان هذا الفاعل (الذى صار مضافا إليه) ضميرا مرفوعا دائما ، ولا يمكن أن يكون مجرورا - وجب أن نضع بدله ضميرا بمعناه ؛ يصلح أن يكون مجرورا ، هو : كاف المخاطب ، فنقول ، سرنى سبقك ... وهكذا ... يجرى التغيير والتبديل على كل ضمير آخر لا يصلح للجرّ كالذى فى قول الشاعر :
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى *** عدوّا له ما من صداقته بدّ
حيث يكون المصدر المؤول المضاف : (رؤية هو) ، ثم يقع التبديل المشار فيصير : رؤيته ... مسألة أخرى ؛ قلنا فى تحقيق الخطوة الأولى : إننا نأتى بمصدر صريح لخبر الناسخ (أنّ) أو بمصدر الفعل الذى دخلت عليه «أن» ... فإن كان خبر الحرف المصدرى : (أن) اسما جامدا ؛ نحو : عرفت أنك أسد ، أو ظرفا ، أو جارا مع مجروره ؛ نحو : عرفت أنك فوق الطيارة ، أو عرفت أنك فى البيت - فإننا نأتى فى الجامد بلفظ مصدر عام هو : «الكون» ، مثبتا ، أو : قبله كلمة : «عدم» التى تفيد النفى ، إن كان الكلام منفيا ، ويحل لفظ «الكون» محل المصدر الصريح المطلوب ويقوم مقامه ، ويتم باقى الخطوات ؛ فنقول : عرفت كونك أسدا. ونأتى بالاستقرار أو الوجود فى الظرف والجار مع المجرور ؛ أى : عرفت استقرارك فوق الطيارة ، أو فى الدار.
ويصح فى الجامد شىء آخر هو : أن نزيد على آخره ياء مشددة مع التاء فتكون هذه الزيادة مفيدة للمصدرية ، وتجعله بمنزلة المصدر الصريح ، فنقول ؛ عرفت أسديّتك ، كما نقول : فروسيّتك ووطنيّتك ، وهو ما يسمى المصدر الصناعى (1)...
وإن كان الفعل الذى فى الجملة جامدا ليس له مصدر صريح : مثل «عسى» فى قولنا : (شاع أن يتحقق الأمل ، وأن عسى الكرب أن يزول) ففى هذه الحالة يؤخذ المصدر الصريح من معنى الفعل الجامد : «عسى» (ومعناها
1) للمصدر الصناعى بحث مستقل فى الجزء الثالث - ص 156 م 98 -
الرجاء) أو مما بعده ويضاف إلى ما يناسبه ؛ فنقول : شاع تحقق الأمل ، ورجاء زوال الكرب.
وإذا كان الفعل بنوعيه الجامد وغير الجامد - للنفى مثل قوله تعالى : ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) أتينا بما يفيد النفى ؛ ككلمة : «عدم» فنقول : وعدم كون شىء للإنسان إلا سعيه.
وهكذا نحتال للوصول إلى المصدر الصريح مثبتا أو منفيّا ، على حسب ما يقتضيه الكلام : بحيث لا يفسد المعنى ، ولا يختل ولا يتغير ما كان عليه قبل السّبك من نفى أو إثبات.
(ج) لماذا نلجأ فى الاستعمال إلى الحرف المصدرى وصلته ، ثم نؤولهما بمصدر - ولا نلجأ ابتداء إلى المصدر الصريح؟ لم نقول - مثلا - : يحسن أن تأكل ، ولا نقول : يحسن أكلك؟
إن الداعى للعدول عن المصدر الصريح إلى المؤول أمور هامة تتعلق بالمعنى أو بالضوابط النحوية. فمن الأولى :
1 - الدلالة على زمان الفعل ؛ سواء أكان ماضيا نحو : الشائع ان حضرت ، أم مستقبلا ؛ نحو : الشائع أن تحضر. فلو قلنا - أول الأمر - الشائع حضورك ، لم ندر زمن الحضور ؛ أمضى ، أم لم يمض؟ - كما سيجىء فى «د» -
2 - الدلالة على أن الحكم مقصور على المعنى المجرد للفعل ؛ من غير نظر لوصف يلابسه ، أو لشىء آخر يتصل به ؛ نحو : أعجبنى أن أكلت ، أى مجرد أكلك لذاته ؛ لا لاعتبار أمر خارج عنه ؛ ككثرته ، أو قلته ، أو : بطئه ، أو سرعته ، أو حسن طريقته ، أو قبحها ... ولو قلنا : أعجبنى أكلك ... لكان محتملا لبعض تلك الأشياء والحالات.
3 - الدلالة على أن حصول الفعل جائز لا واجب ، نحو : ظهر أن يسافر إبراهيم. فالسفر هنا جائز. ولو قلنا : ظهر سفر إبراهيم لساغ أن يسبق إلى بعض الأذهان أن هذا الأمر واجب.
4 - الحرص على إظهار الفعل مبنيا للمجهول ؛ تحقيقا للغرض من حذف فاعله. وذلك عند إرادة التعجب من الثلاثى المبنى للمجهول ؛ ففى مثل : عرف الحق ، يقال : ما
أحسن ما عرف الحق. وكذلك فى حالات أخرى من التعجب يجىء بيانها فى بابه - ح 3 -
ومن الثانية الفروق الآتية بين المصدر المؤول والمصدر الصريح :
1 - أنه لا يصح وقوع المصدر المؤول من «أن» والفعل مفعولا مطلقا مؤكدا للفعل ؛ فلا يقال : فرحت أن أفرح. فى حين يصح أن يؤكّد الفعل بالمصدر الصريح ؛ مثل : فرحت فرحا.
2 - لا يصح أن يوصف المصدر المؤول ؛ فلا يقال : يعجبنى أن تمشى الهادئ ، تريد : يعجبنى مشيك الهادئ. مع أن الصريح يوصف.
3 - قد يسد المصدر المؤول من «أن» والفعل مسد الاسم والخبر فى مثل : عسى أن يقوم الرجل ؛ على اعتبار «عسى» ناقصة (1)، والمصدر المؤول من «أن» والمضارع وفاعله يسد مسد اسمها وخبرها معا. وليس كذلك الصريح.
4 - قد يسد المصدر المؤول من «أن» والفعل مسد المفعولين فيما يحتاج إلى مفعولين ؛ مثل : «حسب» فى قوله تعالى : ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا .. ) وليس كذلك الصريح. ومثل هذا يقال فى : «أنّ» و «أن» الناسختين - أى :المشدّدة والمخففة - مثل قول الشاعر :
فإنك كالليل الذى هو مدركى *** وإن خلت أن المنتأى (2)عنك واسع
5 - يصح أن يقع المصدر المؤول خبرا عن الجثة من غير تأويل فى نحو : علىّ إما أن يقول الحق وإما أن يسكت ؛ لاشتماله على الفعل والفاعل والنسبة بينهما بخلاف المصدر الصريح.
(د) من المعلوم (3)أن المصدر الصريح (مثل ، أكل - شرب - قيام - قعود) لا يدل على زمن مطلقا ، وكذلك المصدر المؤول الذى يكون نتيجة سبك الحرف المصدرى وصلته ؛ فإنه - وقد صار مصدرا - لا يدل بنفسه على زمن
1) فى رأى فريق كبير من النحاة ، دون فريق - كما سيجىء فى رقم 2 من هامش ص 563 - ورأيه أنسب.
2) المنتأى : النأى والبعد ، أو مكانهما. والبيت من قصيدة للنابغة الذبيانى يمدح بها النعمان ويعتذر له عن وشاية وصلته ، ويصفه هنا بأنه واسع السلطان والنفوذ ، لا يستطيع أحد أن يخرج من دائرة نفوذه ، أو يفر من سطوته ، كالليل لا يفر منه أحد.
3) مما سبق فى رقم 1 ص 377.
مطلقا. ولكن تبقى الدلالة على الزمن ملحوظة ، ومستفادة من العبارة الأصلية التى سبك منها ؛ فكأنه يحمل فى طيه الزمن الذى كان فى تلك العبارة قبل السبك. أما هو فلا يدل بذاته المجردة على زمن. وبالرغم من هذا لا يمكن معه إغفال الزمن السابق على السبك ، وخاصة بعد أن عرفنا أن ذلك الزمن قد يكون سببا من أسباب اختيار المصدر المؤول دون الصريح ؛ ففى نحو : شاع أن نهض العرب فى كل مكان - نقول : «شاع نهوض العرب فى كل مكان» ، فيكون زمن النهوض ماضيا على حسب الزمن الذى فى الأصل قبل التأويل ، لا على حسب المصدر المؤول ذاته ؛ فإنه مجرد من الزمن. أما فى مثل : «الشائع أن ينهض العرب فى كل مكان» فيكون المصدر المؤول هو : «الشائع نهوض العرب» ، أيضا فيكون زمن النهوض هنا مستقبلا ؛ مراعاة للزمن الذى فى العبارة الأولى. لهذا كان المصدر المؤول من «أن» وصلتها ملاحظا فيه الزمن الماضى أو المستقبل على حسب نوع الفعل الذى دخل فى السبك ؛ أماض هو فيلاحظ المضى بعد التأويل؟ أم مضارع فيلاحظ الزمن بعد التأويل مستقبلا؟ ولا يكون للحال ، لأن المضارع المنصوب «بأن» يتخلص للاستقبال ، ولا يكون للحال (1). ومثلها : «لو» المصدرية فإنها بمعناها تخلص زمنه للاستقبال وإن كانت لا تنصبه - كما تقدم عند الكلام عليها (2)- وكذا : «ما» المصدرية فإنها لا تنصبه ، وإذا دخلت على جملة مضارعية كان المصدر المنسبك منها ومن صلتها للحال - غالبا - وقد تكون لغيره (3)
(مقتضى كلام الشارح أن : «ما» لا تقدر مع الماضى ولا المستقبل ، وليس كذلك. بل هى صالحة للأزمنة الثلاثة) وهذا نص كلام الصبان - ثم قال الخضرى : (إلا أن يقال إنهم خصوها. بذكر الحال ، لتعذره مع «أن» ولأن دلالة : «أن» مع الماضى على المضى ومع المضارع على المستقبل أشد من دلالة : «ما» عليهما).
.أما «كى» فالمصدر المنسبك منها ومن صلتها مستقبل الزمن ، وذلك على
1) وقد سبق أن النواصب والجوازم والسين وسوف ... تخلص المضارع للاستقبال (راجع ص 55).
2) فى ص 373.
3) جاء فى شرح المفصل ج 8 ص 144 ما يقطع بأن زمن المصدر المنسبك من «أن» وصلتها الجملة الفعلية يكون إما ماضيا ، وإما مستقبلا على حسب نوع الفعل الذى فى صلتها. أما زمن المصدر المنسبك من «ما» وصلتها فمعناه الحال. فهل يكون للحال دائما ولو كان الفعل ماضيا؟ الأمر غامض. والرأى أنه للحال ما لم تقم قرينة على غيره ، فيراعى ما تدل عليه القرينة وهذا يوافق ما جاء فى الجزء الثانى من حاشيتى الصبان والخضرى ، أول باب : «إعمال المصدر» ففى الخضرى - وهو مضمون كلام الصبان أيضا - ما نصه :
أساس أنها لا تدخل إلا على المضارع فتنصبه - وتخلصه للزمن المستقبل فقط ، وذلك شأن النواصب كلها - فيلاحظ الاستقبال فى المصدر المؤول منها ومن صلتها.
وأما «أنّ» (المشددة النون) فالمصدر المنسبك منها ومن صلتها يكون على حسب دلالة الصلة ؛ فقد يكون مستقبلا إذا كان خبرها دالا على ذلك ؛ كالمضارع الخاص بالاستقبال لوجود قرينة ، فى مثل ؛ أعرف أن محمدا يسافر غدا ؛ وهى كلمة ؛ «غد» وقد يكون دالا على الحال لوجود قرينة ؛ فى مثل : أعرف أن عالما يقرأ الآن ؛ وهى كلمة : «الآن» وقد يكون دالا على الماضى نحو شاع أن العدو انهزم. وقد يكون خاليا من الدلالة الزمنية فى مثل : المحمود أن الجو معتدل والمعروف أن الصدق فضيلة.
المعرّف بأل (1)
1 - زارنى صديق - زارنى صديق ؛ فأكرمت الصديق.
2 - اشتريت كتابا - اشتريت كتابا ؛ فقرأت الكتاب.
3 - تنزهت فى زورق - تنزهت فى زورق ؛ فتهادى الزورق بى.
كلمة : «صديق» فى المثال الأول مبهمة : لأنها لا تدل على صديق معين معهود ؛ فقد يكون محمدا ، أو : عليّا ، أو : محمودا ، أو : غيرهم من الأشخاص الكثيرة التى يصدق على كل واحد منهم أنه : «صديق» ، فهى نكرة. لكن حين أدخلنا عليها «أل» دلت على أن صديقا معينا - هو الذى سبق ذكره - قد زارنى دون غيره من باقى الأصدقاء.
ومثلها كلمة : «كتاب» فى المثال الثانى ، فإنها مبهمة لا تدل على كتاب معيّن ؛ بل تنطبق على عشرات ومئات من الكتب ؛ فهى نكرة ؛ والنكرة لا تدل على معين - كما عرفنا - لكن حين أدخلنا عليها : «أل» وقلنا : «الكتاب» صارت تدل على أن كتابا معينا - هو الذى سبق ذكره - قد اشتريته. ومثل هذا يقال فى كلمة : «زورق» ؛ فإنها نكرة لا تدل على زورق معروف.
وحين أدخلنا عليها «أل» صارت تدل على واحد معين تنزهت فيه. فكل كلمة من الكلمات الثلاث وأشباهها كانت فى أول أمرها نكرة ، ثم صارت بعد ذلك معرفة ؛ بسبب دخول : «أل» عليها. لهذا قال النحاة : إن «أل» التى من الطراز السابق أداة من أدوات التعريف ؛ إذا دخلت على النكرة
1) إذا كانت «أل» مستقلة بنفسها كما فى هذا العنوان الذى لم تتصل فيه باسم بعدها - كانت همزتها همزة قطع ؛ يجب إظهارها نطقا وكتابة ؛ لأن كلمة «أل» فى هذه الحاله تكون علما على هذا اللفظ المعين. وهمزة العلم قطع. فى الرأى الأنسب - ولو كان العلم منقولا من لفظ آخر بشرط أن تصير جزءا ملازما له ؛ مثل : الرجل مسافر ، علم على إنسان - كما نصوا على هذا فى باب النداء ، (وكما سبق فى باب العلم - رقم 1 من هامش ص 273 ، والبيان فى رقم 2 من هامش ص 275).
جعلتها (1)معرفة ؛ كالأمثلة السابقة ونظائرها.
وليس مما يناسبنا اليوم أن نذكر آراء القدماء فى كلمة «أل» التى هى حرف للتعريف ؛ أهى كلها التى تعرّف ، أم اللام وحدها ، أم الهمزة وحدها ...؟ فإن هذا الترديد لا طائل وراءه بعد أن اشتهر الرأى القائل بأنهما معا (2)
«أل» حرف تعريف ، أو : «اللّام» فقط *** فنمط عرّفت ، قل فيه : النّمط
يريد : أن «أل» للتعريف إذا كانت مركبة من الهمزة واللام معا ؛ أو : أن التعريف يكون باللام وحدها ، والهمزة للوصل. فإذا أردت تعريف كلمة : «نمط» التى هى نكرة فقل فيها : النمط ؛ بإدخال «أل» عليها. والنمط : بساط كالنوع الذى يسميه العامة «الكليم». وكذلك الجماعة من الناس تتشابه فى الأمر ... أما كلمة : «فقط» فقد قال «الخضرى» فى هذا الموضع ما نصه : «الفاء» لتزيين اللفظ ، «قط» بمعنى : حسب. وهى حال من «اللام» فى بيت ابن مالك. أى حال كونها حسبك ، أى : كافيتك عن طلب غيرها. وقيل الفاء فى جواب شرط مقدر ، و «قط» خبر لمحذوف (فالتقدير : إن عرفت هذا فقط ، أى فهى حسبك. أو اسم فعل ؛ بمعنى : «انته» أى : إذا عرفت ذلك فانته عن طلب غيرها.) فهى مبنية على السكون فى محل نصب ، حال ، أو : فى محل رفع ، خبر ، أو : لا محل لها ؛ لأنها اسم فعل.
وجاء فى ص 21 من حاشية الألوسى على القطر ، ما نصه :(«فقط ، أى : «فحسب» ولم تسمع منهم إلا مقرونة بالفاء ، وهى زائدة ، وكذا ، فحسب .... وفى المطول : أن «قط» من أسماء الأفعال بمعنى : انته. وكثيرا ما تصدر بالفاء تزيينا للفظ ، وكأنه جزاء شرط محذوف. وفى كتاب المسائل لابن السيد : وإنما صلحت الفاء فى هذه لأن معنى : أخذت درهما فقط ، أخذت درهما فاكتفيت به ا ه ومنه يعلم أنها عاطفة ، ومن المطول أنها فصيحة ؛ ولكل وجهة. اه)» أما : «حسب» فتفصيل الكلام عليها فى الجزء الثالث ؛ باب الإضافة ص 120 م 94 حيث البيان الكامل لأحكامها.
. ولكن الذى يناسبنا ترديده هو ما يقولونه من أن كلمة «أل» عدة أقسام (3)منها : .1) هناك نكرات لا تتعرف ؛ بل تبقى على تنكيرها ؛ ومنها : كلمة : «غير» ، و «مثل» وأشباههما مما يسمى : «نكرات متوغلة فى الإبهام» (انظر رقم 5 من هامش الجدول الذى فى ص 78 و 79). ويجىء الكلام عليها فى باب الإضافة أول الجزء الثالث.
2) دفعنا إلى هذه الإشارة الموجزة ، والاكتفاء بها - ما نجده فى بعض المراجع المطولة - ومنها المراجع اللغوية التى لا غنى لجمهرة المثقفين عنها - أنها تقول : «اللام» بدلا من : «أل» فلا يدرى غير الخبير ما تريده من «اللام». فالقاموس - مثلا - يقول فى مادة. «الجرول» ما نصه : (والجرول كجعفر : الأرض ذات الحجارة و.. و.. و.. وبلا «لام» لقب الحطيئة العبسى). فأى لام يقصد؟ أهى الأولى أم الأخيرة؟ إنه يقصد الأولى التى للتعريف والتى قبلها همزة الوصل. ولا يدرك هذا إلا اللغوى ... ومن أراد معرفة تلك الآراء مفصلة فليرجع إلى مظانها ، فى مثل : حاشية الصبان ، والتصريح ، وغيرهما ، وهى آراء لا جدوى وراءها اليوم ، كما قلنا. وإلى ما سبق يشير ابن مالك بقوله :
3) إذا ذكرت «أل» فى الكلام مطلقة (أى : لم يذكر معها ما يدل على نوعها). كان المراد منها : «أل المعرفة» لأنها المقصودة عند الإطلاق. أما إذا أريد غيرها فلا بد من التقييد ، وترك الإطلاق ؛ فيقال : «أل» «الموصولة» - مثلا - أو : الزائدة ...
الموصولة وهى اسم - فى الرأى الأرجح - وقد سبق الكلام عليها فى الموصولات (1). ومنها المعرّفة ، ومنها الزائدة. وفيما يلى بيان هذين القسمين.
(ا) «أل» المعرّفة ؛ (أى : التى تفيد التعريف).
وهى نوعان ؛ نوع يسمى : «أل» العهدية (أى : التى للعهد) ونوع يسمى : «أل» الجنسية ، وكلاهما حرف (2).
فأما «العهدية (3)» فهى التى تدخل على النكرة فتفيدها درجة من التعريف تجعل مدلولها فردا معينا بعد أن كان مبهما شائعا. وسبب هذا التعريف والتعيين يرجع لواحد مما يأتى :
1 - أن النكرة تذكر فى الكلام مرتين بلفظ واحد (4)، تكون فى الأولى مجردة من «أل» العهدية ، وفى الثانية مقرونة «بأل» العهدية التى تربط بين النكرتين ، وتحدد المراد من الثانية : بأن تحصره فى فرد واحد هو الذى تدل عليه النكرة الأولى (5)
لهذا يقول النحاة : إن فائدة «أل العهدية» التنبيه على أن مدلول ما دخلت عليه هو مدلول النكرة السابقة ، المماثلة لها في لفظها ، الخالية من «أل». فلو قلنا : نزل مطر فأنعش مطر زروعنا ؛ بتنكير كلمة : «مطر» في الحالتين لوقع فى الوهم أن المراد من كلمة : «مطر» الثانية ، مطر آخر غير الأول ، مع أن المراد منهما واحد. ولذلك لا ينعت الاسم المعرف بأل العهدية ؛ لأنه يشبه الضمير ، وواقع مع «أل» موقعه كما سبق. وما قيل في كلمتى «مطر» يقال في كلمتى : «سيارة» ، وكلمتى : «رسول». ونظائرها ... ولما كانت الثانية بمنزلة الضمير ، والأولى بمنزلة مرجعه ساغ اعتبار الثانية معرفة ، مع أن الأولى نكرة : كالشأن في مثل : جاء ضيف فأكرمه الوالد. فكلمة : «ضيف» نكرة ، لا تدل على واحد معين ، أما الضمير : «الهاء» فمعرفة تدل على معين ، مرجعه النكرة ، برغم أن معنى الضمير هو معنى مرجعه تماما ، ولم يمنع ذلك أن يكون الضمير معرفة ، ومرجعه نكرة. وذلك أن الضمير قد أوصلنا إلى شيء واحد مع أن هذا الشيء الواحد ينطبق على أفراد كثيرة. ومثل هذا يقال فيما دخلت عليه «أل» العهدية التي نحن بصددها ؛ فإن الاسم الأول نكرة ؛ فهى لا تدل على معين ، أما الاسم الثاني الذي دخلت عليه فمعرفة ؛ لأن معناها مراد به الاسم الأول ، ومحصور فيه ، برغم أنه نكرة تدل على أفراد متعددة.
. كالأمثلة الأولى ، ونحو : نزل مطر ؛ فأنعش المطر زروعنا. أقبلت سيارة ، فركبت1) فى ص 320.
2) ويجب إدغامه فى التاء إذا وقعت بعده ، طبقا للبيان الذى سبق فى رقم 3 من هامش ص 350.
3) من هذا النوع «أل» الداخلة على «أفعل التفضيل» فإنها لا تكون إلا للعهد - كما سيجىء البيان فى بابه - ج 3 م 112 ص 336 عند الكلام على القسم الذى به «أل». وكما سبقت الإشارة فى رقم 2 من ص 320 -
4) قد يكون اللفظ السابق مذكورا صراحة كالأمثلة المعروضة ، وقد يكون كناية ؛ نحو قوله تعالى فى سورة مريم : ( وَلَيْسَ ، الذَّكَرُ كَالْأُنْثى. ) فالذكر تقدم قبل ذلك مكنيا عنه بقول مريم ( إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ... ) أى : منقطعا لخدمة بيت المقدس - على حسب ما كان شائعا فى زمنها. وهذا النذر خاص بالذكور عندهم إذ ذاك.
5) فإن النكرة الثانية بمنزلة الضمير ، والأولى مرجع الضمير ، و «أل» هى الرابطة بينهما ، الدالة على اتصال الثانية بالأولى اتصالا معنويا. ويدل على أن الثانية بمنزلة الضمير والأولى بمنزلة مرجعه أنك فى مثل : نزل مطر فأنعش المطر زروعنا - قد تستغنى عن : «أل» وعن كلمة : «مطر» الثانية ؛ اكتفاء بالضمير المستتر فى الفعل ، والذى قد يغنى عنهما ؛ حيث تقول : نزل مطر فأنعش زروعنا.
السيارة. وقوله تعالى : ( كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ) . فكل كلمة من الثلاث : (مطر - سيارة - رسول) وأشباهها قد ذكرت مرتين ؛ أولاهما بغير «أل» فبقيت على تنكيرها ، وثانيتهما مقرونة بأل العهدية التى وظيفتها الربط بين النكرتين ربطا معنويّا يجعل معنى الثانية فردا محدودا محصورا فيما دخلت عليه وحده ، والذى معناه ومدلوله هو النكرة السابقة ذاتها. وهذا التحديد والحصر هو الذى جعل الثانية معرفة ؛ لأنها صارت معهودة عهدا ذكريّا ، أى : معلومة المراد والدلالة ؛ بسبب ذكر لفظها فى الكلام السابق ذكرا أدى إلى تعيين الغرض وتحديده بعد ذلك ، وأن المراد فى الثانية فرد معين (1)؛ هو السابق ، وهذا هو ما يسمى : «بالعهد الذّكرى».
2 - وقد يكون السبب فى تعريف النكرة المقترنة بأل العهدية هو أن «أل» تحدد المراد من تلك النكرة ، وتحصره فى فرد معين تحديدا أساسه علم سابق فى زمن انته قبل الكلام ، ومعرفة قديمة فى عهد مضى قبل النطق ، وليس أساسه ألفاظا مذكورة فى الكلام الحالى. وذلك العلم السابق ترمز إليه «أل» العهدية وتدل عليه ، وكأنها عنوانه. مثال ذلك ؛ أن يسأل طالب زميله : ما أخبار الكلية؟ هل كتبت المحاضرة؟ أذاهب إلى البيت؟ فلا شك أنه يسأل عن كلية معهودة لهما من قبل ، وعن محاضرة وبيت معهودين لهما كذلك. ولا شىء من ألفاظ السؤال الحالية تشير إلى المراد إلا : «أل» ؛ فإنها هى التى توجه الذهن إلى المطلوب. وهذا هو ما يسمى : «العهد الذهنى» أو : «العهد العلمى».
3 - وقد يكون السبب فى تعريف تلك النكرة حصول مدلولها وتحققه فى وقت الكلام ، بأن يبتدئ الكلام خلال وقوع المدلول وفى أثنائه ؛ كأن تقول : (اليوم يحضر والدى). - (يبدأ عملى الساعة) - (البرد شديد الليلة) ... تريد من «اليوم» و «الساعة» و «الليلة» ؛ ما يشمل الوقت الحاضر الذى أنت فيه خلال الكلام. ومثل ذلك : أن ترى الصائد يحمل بندقيته فتقول له : الطائر. أى : أصب الطائر الحاضر وقت الكلام. وأن ترى كاتبا يحمل بين أصابعه قلما فتقول له : الورقة. أى : خذ الورقة الحاضرة الآن. وهذا هو «العهد الحضورى» (2).
فأنواع العهد ثلاثة : «ذكرىّ» ، و «ذهنىّ أو علمىّ» ، و «حضورى». وللثلاثة رمز مشترك يدخل على كل نوع منها هو : «أل». وتسمى : «أل» التى للعهد ، أو : «أل» العهدية (1). فإذا دخلت على النكرة جعلتها تدل على فرد معين دلالة تقترب من دلالة العلم الشخصى بذاته لا برمز آخر (2). ولهذا كانت «أل» العهدية تفيد النكرة درجة من التعريف تقربها من درجة العلم الشخصى ، وإن لم تبلغ مرتبته وقوته ؛ وإنما تجعلها فى المرتبة التى تليه مباشرة.
وأما : «أل الجنسية» فهى الداخلة على نكرة تفيد معنى الجنس المحض من غير أن تفيد العهد (3). ومثالها ؛ النجم مضىء بذاته ، والكوكب يستمد الضوء من غيره ... فالنجم ، والكوكب ، والضوء ، معارف بسبب دخول «أل» على كل منها ، وكانت قبل دخولها نكرات (وشأن النكرات كشأن اسم الجنس (4)، لا تدل على واحد معين) وليس فى الكلام ما يدل على العهد.
ولدخول «أل» هذه على الأجناس سميت : «أل» «الجنسية». وهى أنواع من ناحية دلالتها المعنوية ، ومن ناحية إفادة التعريف.
1) أى : التى لتعريف صاحب العهد ؛ وهو : الشىء المعهود ؛ سواء أكان واحدا أم أكثر ؛ ففى التركيب كلمتان محذوفتان. بقى شىء يتعلق بإفادتها التعريف وهو فى رقم 3 من هامش ص 393
2) لأن علم الشخص معرفة بصيغته ؛ لا برمز آخر ، ولا بشىء خارج عن مادته. بخلاف النكرة التى جاءها التعريف من «أل» فإن «أل» أجنبية منها ، وخارجة عن صيغتها.
3) يقول النحاة : إذا دخلت «أل» على اسم مفرد أو غير مفرد ، وكان هناك معهود مما شرحناه فهى للعهد. وإن لم يكن هناك معهود فهى للجنس. (انظر رقم 3 من هامش ص 388).
4) إيضاح ذلك : أن كلمة : «نجم» - مثلا - تدل على معنى شائع مبهم ؛ يصدق وينطبق على كل جرم سماوى مضىء ؛ من غير حصر النجم فى واحد معين ، فهو يصدق على هذا ، وذاك ، وعلى آلاف غيرهما. وهذا معنى النكرة واسم الجنس (كما سبق إيضاحه بإسهاب فى ص 22 وهامش ص 186 و 259) فهى تدل على واحد غير معين ولا محدد ، أى : على واحد شائع بين أمثاله ، لا يمكن تخصيصه بالتعيين ، من بين أفراد جنسه. (أى : أفراد صنفه ونظائره) فإذا أدخلنا «أل» على كلمة : «نجم» وهو فرد من أفراد جنسه كانت لتعريف الجنس كله ، لا لتعريف ذلك الفرد الواحد ؛ لأن تعريف الفرد الواحد يقتضى أن ترى النجوم كلها واحدا واحدا ، وترى إضاءة كل واحد بذاته ، ثم تقول بعدها : النجم مضىء بذاته. ولما كانت تلك الرؤية الشاملة المحيطة بكل النجوم أمرا مستحيلا لا يقدر عليه مخلوق - كان دخول «أل» على كلمة : «نجم» وقولنا : «النجم» معناه أن كل واحد من هذا الجنس الذى عرفناه بعقولنا دون أن تحيط بأفراده الحواس. مضيئا بذاته ؛ فكأنها تعرف الجنس ممثلا فى فرد واحد من أفراده ، يغنى تعريفه عن تعريفها ، وينوب عنها فى ذلك. أو كأنها تعرف فردا يدل على الجنس كله ، ويرمز إليه. وهكذا يقال فى باقى الأمثلة - راجع رقم 3 من هامش ص 388.
1 - فمنها التى تدخل على واحد من الجنس فتجعله يفيد الشمول والإحاطة بجميع أفراده إحاطة حقيقية ؛ لا مجازا ولا مبالغة (1)، بحيث يصح أن يحل محلها لفظة «كل» فلا يتغير المعنى ؛ نحو : النهر عذب ، النبات حى ، الإنسان مفكر ، المعدن نافع ... فلو قلنا : كل نهر عذب ، كل نبات حى ، كل إنسان مفكر ، كل معدن نافع ... بحذف «أل» فى الأمثلة كلها ووضع كلمة : «كلّ» مكانها - لبقى المعنى (2)على حالته الأولى.
وما تدخل عليه «أل» من هذا النوع يكون لفظه معرفة ؛ تجرى عليه أحكام المعرفة (3)، ويكون معناه معنى النكرة المسبوقة بكلمة : كل ؛ فيشمل كل فرد من أفراد مدلولها ، مثل كلمة «الملك» فى قول الشاعر :
إذا الملك الجبّار صعّر خدّه (4)*** مشينا إليه بالسيوف نعاتبه
2 - ومنها التى تدخل على واحد من الجنس ، فتجعله يفيد الإحاطة والشمول ؛ لا بجميع الأفراد ، ولكن بصفة واحدة من الصفات الشائعة بين تلك الأفراد ؛ وذلك على سبيل المجاز والمبالغة ؛ لا على سبيل الحقيقة الواقعة ؛ نحو : أنت الرجل علما ، وصالح هو الإنسان لطفا ، وعلىّ هو الفتى شجاعة. تريد : أنت كل الرجال من ناحية العلم ، أى : بمنزلتهم جميعا من هذه الناحية ، فإنك جمعت من العلم ما تفرق بينهم ؛ ويعدّ موزعا عليهم بجانب علمك الأكمل المجتمع فيك ؛ فأنت تحيط بهذه الصفة (صفة العلم) إحاطة شاملة لم تتهيأ إلا للرجال كلهم مجتمعين. وكذلك صالح من ناحية الأدب ؛ فهو فيه بمنزلة الناس كلهم ؛ نال منه ما نالوه مجتمعين. وكذلك على ؛ بمنزلة الفتيان كلهم فى الشجاعة ؛
1) وعلامتها : أن يصح الاستثناء مما دخلت عليه ؛ لأن المستثنى لا بد أن يكون أقل أفرادا من المستثنى منه ؛ نحو ( إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) ومن العلامات أيضا أن يصح نعته بالجمع ؛ نحو ؛ قوله تعالى : ( أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ، ) ونحو قولهم : أهلك الناس الدينار الحمر ، والدرهم البيض ، فكأنه قال : الدنانير والدراهم.
2) وهذه تسمى : «أل الاستغراقية» ؛ لأنها تدل على أن المعنى يستغرق جميع أفراد الجنس أى : يحيط بأفراده إحاطة شاملة حقيقية. ومثلها «أل» فى النوع الثانى ، الدالة على أن الجنس يستغرق صفة من الصفات على سبيل المجاز والمبالغة - كما سيجىء فى هامش الصفحة التالية -.
3) فيكون مبتدأ ، ويكون نعتا للمعرفة ، ويكون صاحب حال. وغير ذلك مما يغلب عليه أن يكون معرفة لا نكرة ...
4) صعّر خده : أماله وحوله عن ناحية الناس ؛ كى لا يراهم ؛ ترفعا منه ، وكبرا.
أدرك وحده من هذه الصفة ما توزع بينهم ، ولم يبلغوا مبلغه إلا مجتمعين. وكل هذا على سبيل المبالغة والادعاء (1).
وحكم ما تدخل عليه «أل» من هذا النوع كحكم سابقه لفظا ومعنى.
3 - ومنها التى لا تفيد نوعا من نوعى الإحاطة والشمول السابقين ؛ وإنما تفيد أن الجنس يراد منه حقيقته القائمة فى الذهن ، ومادته التى تكوّن منها فى العقل بغير نظر إلى ما ينطبق عليه من أفراد قليلة أو كثيرة ، ومن غير اعتبار لعددها. وقد يكون بين تلك الأفراد ما لا يصدق عليه الحكم. ، نحو : الحديد أصلب من الذهب ، الذهب أنفس من النحاس. تريد : أن حقيقة الحديد (أى : مادته وطبيعته) أصلب من حقيقة الذهب (أى : من مادته وعنصره) من غير نظر لشىء معين من هذا أو ذاك ؛ كمفتاح من حديد ، أو خاتم من ذهب ؛ فقد توجد أداة من نوع الذهب هى أصلب من أداة مصنوعة من أحد أنواع الحديد ؛ فلا يمنع هذا من صدق الحكم السالف الذى ينص على أن الحديد فى حقيقته أصلب من الذهب فى حقيقته من غير نظر إلى أفراد كل منهما - كما سبق - إذ أنك لا تريد أن كل قطعة من الأول أصلب من نظيرتها فى الثانى ؛ لأن الواقع يخالفه ومثل هذا أن تقول : الرجل أقوى من المرأة ، أى : أن حقيقة الرجل وجنسه من حيث عنصره المتميز - لا من حيث أفراده - أقوى من حقيقة المرأة وجنسها من حيث هى كذلك ، من غير أن تريد أن كل واحد من الرجال أقوى من كل واحدة من النساء ، لأنك لو أردت هذا لخالفك الواقع. وهكذا يقال فى : الذهب أنفس من النحاس ، وفى : الصوف أغلى من القطن ، وفى : الفحم أشد نارا من الخشب ... وفى الماء ، والتراب ، والهواء ، والجماد ، والنبات. تقول : الماء سائل : أى : أن عنصره وطبيعته من حيث هى مادة تجعله فى عداد السوائل ، من غير نظر فى ذلك إلى أنواعه ، أو أفراده ، أو شىء آخر منه ؛ فتلك حقيقته ؛ أى : مادته الأصلية التى قام عليها. وتقول : التراب غذاء النبات ، أى : أن عنصره وطبيعته كذلك ؛ فهى حقيقته الذاتية ، وماهيته التى عرف بها من حيث
1) ولذا يصح إحلال كلمة : «كل» محل «أل» على سبيل المجاز - كما سبق فى رقم 2 من هامش ص 386 «والحصر» هو الذى يفيد أنهم جميعا لم يبلغوا درجته فى الصفة.
هى. وتقول : الهواء لازم للأحياء ؛ أى : أن عنصره ومادته وحقيقته كذلك ... وهكذا.
وتسمى «أل» الداخلة على هذا النوع «أل» التى للحقيقة ، أو : للطبيعة ، أو للماهية (1)فلا علاقة لها بالإحاطة بالأفراد ، أو بصفاتهم ، أو بعدم الإحاطة.
وتفيد ما دخلت عليه نوعا من التعريف يجعله فى درجة علم الجنس (2)لفظا ومعنى.
فمعانى «أل الجنسية» إما إفادة الإحاطة والشمول بكل أفراد الجنس حقيقة ، لا مجازا ، وإما إفادة الإحاطة والشمول لا بأفراد الجنس ؛ وإنما بصفة من صفاته وخصائصه على سبيل المبالغة والادعاء (3)
وجاء في شرح المفصل . ج ۹ ص ۱۹ ، عند الكلام على : «أل» وأقسامها .
ما نصه (فأما تعريف الجنس فأن تدخل اللام (أى : أل) على واحد من الجنس لتعريف الجنس جميعه ، لا لتعريف الشخص منه . أى : الفرد الواحد منه . وذلك نحو قولك : الملك أفضل من الإنسان ، والعسل حلو ، والخل حامض ، و أهلك الناس الدرهم والدينار فهذا التعريف لا يكون عن إحاطة ؛ لأن ذلك متعذر ؛ لأنه لا يمكن أحدا أن يشاهد جميع هذه الأجناس (أى : جميع أفرادها) وإنما معناه أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة أفضل من كل واحد من الجنس الآخر ، وأن كل جزء من العسل الشائع في الدنيا حلو ، وأن كل جزء من الخل حامض) اه.
والمجاز ، وإما بيان الحقيقة الذاتية ، دون غيرها.1) وعلامتها : ألا يصلح وضع كلمة : «كل» بدلها ، لا حقيقة ولا مجازا ، لأن المقصود من الحقيقة ليس الدلالة على الأفراد ، قليلة كانت الأفراد أم كثيرة ، وإنما المقصود شىء آخر هو ما ذكرناه.
2) قد سبق الكلام على علم الجنس ودرجته (فى ص 266 وما بعدها).
3) راجع رقم 4 من هامش ص 385 - وقد جاء فى كليات أبى البقاء ص 66 عند الكلام على «أل» ما نصه : إذا دخلت «أل» فى اسم ، فردا كان أو جمعا وكان ثمة معهود ، فإنها تصرف إليه. وإن لم يكن ثمة معهود فإنها تحمل على الاستغراق عند المتقدمين (يريد أنها تشمل جميع أفراد الجنس فردا فردا ، أو صفة شاملة من صفاته - كما شرحنا - ، وعلى) الجنس عند المتأخرين (يريد أنها تدل على صنف من الجنس يكون كافيا للدلالة على باقى الجنس، ونموذجا يغنى عن رؤية الباقى ؛ فكأنه نموذج - عينة - للجنس) إلا أن المقام عندهم إذا كان خطابيا يحمل على كل الجنس وهو الاستغراق. وإذا كان استدلاليا أو لم يمكن حمله على الاستغراق فإنه يحمل على أدنى الجنس (يريد على فرد واحد فقط) ، حتى يبطل الجمعية ، ويصير مجازا عن الجنس كله. فلو لم نصرفه إلى الجنس وأبقيناه على الجمعية يلزم إلغاء حرف التعريف من كل وجه ؛ إذ لا يمكن حمله على بعض أفراد الجمع، لعدم الأولوية ؛ إذ التقدير أن لا عهد ؛ فيتعين أن يكون للجنس. فحينئذ لا يمكن القول بتعريف الجنس مع بقاء الجمعية ؛ لأن الجمع وضع لأفراد الماهية ، لا للماهية من حيث هى ، فيحمل على الجنس من طريق المجاز.
هى التى تدخل على المعرفة أو النكرة فلا تغير من تعريفها أو تنكيرها (1). وربما أفادتها شيئا آخر ، - كما سيجىء -. فمثال دخولها على المعرفة : المأمون بن الرشيد من أشهر خلفاء بنى العباس. فالكلمات «مأمون» ، و «رشيد» و «عباس» ، معارف بالعلمية قبل دخول «أل». فلما دخلت عليها لم تفدها تعريفا جديدا. ومثال دخولها على النكرة ما سمع من قولهم : «ادخلوا الأول فالأول ...» وأشباهها. فكلمة «أول» نكرة لأنها حال (2)ولم تخرجها «أل» عن التنكير.
و «أل الزائدة» نوعان ، كلاهما حرف ؛ (3)نوع تكون فيه زائدة لازمة وهى التى اقترنت باسم معرفة كبعض الأعلام منذ استعماله علما ؛ فلم يوجد خاليا منها منذ علميته ... (4)ولا تفارقه بعد ذلك مطلقا. (برغم زيادتها) كبعض أعلام مسموعة عن العرب لم يستعملوها بغير «أل» ؛ مثل : السموءل (5)، واليسع (6)، واللات (7)والعزّى (8). وكبعض الظروف المبدوءة بأل ، مثل : «الآن» (9)للزمن الحاضر ، وبعض
1) لأن المراد بالزائدة هنا ما ليست موصولة ، وليست للتعريف ، ولو كانت غير صالحة للسقوط.
2) «أول» السابقة ، حال منصوبة ، والثانية معطوفة عليها بالفاء التى تفيد الترتيب. وزيدت فيها «أل» شذوذا فى النثر ؛ كما تزاد فى النظم للضرورة. والأصل ادخلوا أول فأول ، أى : ادخلوا مرتّبين - كما سيجىء فى رقم 5 من هامش الصفحة التالية -.
3) ويجب إدغامه فى التاء إذا وقعت بعده مباشرة ؛ طبقا للبيان الذى سبق فى رقم 3 من هامش ص 350.
4) وهذا يشمل ما وضع من أول أمره علما مقرونا «بأل» ، ولم يستعمل فى غير العلمية ؛ من قبل ؛ كالسموءل ، وما كان مجردا فى أصله من «أل» ثم صحبته عند انتقاله إلى العلمية ولازمته معها من أول لحظة - ؛ كالنضر والنعمان.
5) اسم شاعر جاهلى ، مشهور بالوفاء.
6) اسم نبى.
7) اسم صنم للعرب فى الجاهلية.
8) اسم صنم للعرب فى الجاهلية (وهى ؛ مؤنث أعز).
9) ظرف زمان منصوب. وقد يجر بمن قليلا ؛ فهو معرب. وهذا الرأى أوضح وأيسر من الرأى القائل بأنه مبنى على الفتح دائما. وإذا كان معربا ومعناه الزمن الحاضر فكلمة «أل» فيه للعهد الحضورى ؛ فتكون معرفة ، وليست زائدة (راجع ص 384). وإيضاح الكلام على هذا الظرف مدون فى باب الظرف ، ج 2 ص 226 م 79.
أسماء الموصولات المصدرة بها ، كالتى ، والذى ، والذين ، واللاتى ... ومن الزائدة اللازمة «أل» التى للغلبة ، وسيجىء بيانها (1)...
ونوع تكون فيه زائدة عارضة (أى : غير لازمة) فتوجد حينا وحينا لا توجد ؛ وهذا النوع ضربان : ضرب اضطرارى يلجأ إليه الشعراء وحدهم عند الضرورة ؛ ليحافظوا على وزن الشعر وأصوله ؛ كقول القائل :
ولقد جنيتك (2)أكمؤا وعساقلا *** ولقد نهيتك عن بنات الأوبر (3)
فقد أدخل الشاعر «أل» على كلمة : «أوبر» مضطرا ؛ مع أن العرب حين تستعملها علم جنس تجردها من «أل» ؛ فتقول : بنات أوبر. ومثل قول الشاعر :
رأيتك لمّا أن عرفت وجوهنا *** صددت وطبت النفس يا قيس عن عمر (4)
فقد أدخل الشاعر «أل» على كلمة : «النفس» التى هى تمييز ، والتمييز - على المشهور - لا تدخله «أل» ، وكان الأصل أن يقول : طبت نفسا. ولكن الضرورة (5)الشعرية قهرته (6)
وقد تزاد لازما كاللّات *** والآن ، والّذين ، ثمّ الّلاتى
ولاضطرار ، كبنات الأوبر *** كذا ، وطبت النفس يا قيس السّرى
والسرى أصلها : السرىّ : بتشديد الياء ، ومعناها الشريف.
.وضرب اختيارى يلجأ إليه الشاعر وغير الشاعر لغرض يريد أن يحققه هو : لمح الأصل ؛ وبيانه : أن أكثر الأعلام منقول عن معنى سابق كان يؤديه قبل .
1) فى ص 393.
2) «جنيتك» ؛ أى : جنيت لك ، وجمعت. «الأكمؤ» : جمع ، مفرده : كمء ؛ وهو نبات فى البادية ، له ثمر يجنيه العرب. وقد سبق أول الكتاب - ص 21 - أن كلمة : «كمء» تكون مفردا أيضا لكلمة : «كمأة» التى هى اسم جنس جمعى. ولكن هنا لم يفرق بينه وبين واحده بالتاء فى المفرد كما هو الكثير ، وإنما وقعت التاء فى اسم الجنس الجمعى. «العساقل» : جمع مفرده : عسقول (على وزن عصفور) نوع أبيض ، كبير من الكمأة ، ويسميه بعض الناس : شحمة الأرض.
3) بنات «أوبر» علم على نوع من الكمأة ، ردىء الطعم. له زغب كلون التراب.
4) يقول لما رأيت - يا قيس - وجوهنا (أى : زعماءنا) وأكابرنا ، تسليت عن صديقك عمرو الذى قتلناه ، وطبت نفسا.
5) ويلحق بهذا النوع زيادتهما فى النثر شذوذا ، فى مثل : ادخلوا الأول فالأول ، كما سلف فى ص 389.
6) وفيما سبق من الزيادة اللازمة وغير اللازمة يقول ابن مالك :
أن يصير علما ، ثم انتقل إلى العلمية ، وترك معناه السابق ؛ مثل : عادل ، ومنصور ، وحسن ؛ فقد كان المعنى السابق لها - وهى مشتقات - : ذات فعلت العدل. أو وقع عليها النصر ، أو اتصفت بالحسن ، ولا دخل للعلمية بواحد منها ... ثم صار كل واحد بعد ذلك علما يدل على مسمّى معين ، ولا يدل على شىء من المعنى السابق ؛ فكلمة : عادل ، أو : منصور ، أو : حسن ، أو : ما شابهها - قد انقطعت صلتها بمعناها السابق بمجرد نقلها منه إلى الاستعمال الثانى.
وهو : العلمية ، وصارت بعد العلمية اسما جامدا لا ينظر إلى أصله المشتق.
فإذا أردنا ألا تنقطع تلك الصلة المعنوية ، وأن تبقى الكلمة المنقولة مشتملة على الأمرين معا ، وهما : معناها الأصلى السابق ، ودلالتها الجديدة وهى : العلمية ، فإننا نزيد فى أولها : «أل» لتكون رمزا دالا على المعنى القديم تلميحا ؛ فوق دلالته على المعنى الجديد ، وهو : العلمية مع الجمود ؛ فنقول : العادل ، والمنصور ، والحسن ، فتدل على العلمية بذاتها وبمادتها واعتبارها جامدة ، وتدل على المعنى القديم «بأل» التى تشير وتلمح إليه. ولهذا تسمى : «أل التى للمح الأصل». ومن هنا دخلت فى كثير من الأعلام المنقولة الصالحة لدخولها ؛ لتشير إلى معانيها القديمة التى تحوى المدح أو الذم ، والتفاؤل ، أو التشاؤم ؛ نحو ؛ الكامل ، المتوكل ، السعيد ؛ الضحاك ، الخاسر ، الغراب ، الخليع ، المحروق ... وغير ذلك من الأعلام المنقولة قديما وحديثا (1).
والنقل قد يكون من اسم معنوى جامد ؛ كالمصادر فى مثل : الفضل ، والصلاح والعرفان ... وقد يكون من اسم عين جامد ؛ كالصخر ، والحجر ، والنعمان (2)، والعظم ... وقد يكون من كلمات مشتقة فى أصلها كالهادى ، والحارث ، والمبارك والمستنصر ، ويهمل هذا الاشتقاق بعد العلمية فتعدّ من الجامد - كما سبق - فالأعلام السابقة يجوز أن تدخلها «أل» عند إرادة الجمع بين لمح الأصل والعلمية ، كما يجوز حذفها عند الرغبة فى الاقتصار على العلمية وحدها. والأعلام فى الحالتين جامدة.
أما من ناحية التعريف والتنكير فوجود «أل» التى للمح الأصل وحذفها سيان.
والأعلام كلها صالحة لدخول «أل» هذه ، إلا العلم المرتجل (2)؛ كسعاد ، وأدد ، وإلا العلم المنقول الذى لا يقبل «أل» بحسب أصوله ؛ إما لأنه على وزن فعل من الأفعال ؛ والفعل لا يقبلها ؛ مثل : يحين ، يزيد ، تعز ، يشكر ، شمّر ... ، وإما لأنه مضاف ؛ والمضاف لا تدخله «أل» ؛ نحو : عبد الرءوف ، وسعد الدين ، وأبو العينين.
من كل ما سبق نعلم أن أشهر أنواع «أل» هو : الموصولة ، والمعرفة بأقسامها ، والزائدة بأقسامها.
العلم بالغلبة (1)
المعارف متفاوتة فى درجة التعريف - كما سبق (2)- ؛ فبعضها أقوى من بعض وعلم الشخص أقوى من المعرف «بأل» العهدية ، وأقوى من المضاف لمعرفة. غير أن كل واحد من هذين قد يصل فى قوة التعريف إلى درجة علم الشخص ، ويصير مثله فى الأحكام الخاصة به ، ولبيان ذلك نقول :
إن كلّا من المعرف «بأل» العهدية والمضاف قد يكون ذا أفراد متعددة ؛ فالكتاب - مثلا - ينطبق على عشرات ، ومئات وألوف من الكتب (3)، وكذلك النجم ، والمنزل ، والقلم ... وكتاب سعد ، يصدق على كل كتاب من كتبه المتعددة ، ومثله : قلم عمرو ، وثوب عثمان ...
غير أن فردا واحدا من أفراد المعرف «بأل» أو المضاف قد يشتهر اشتهارا بالغا دون غيره من باقى الأفراد ؛ فلا يخطر على البال سواه عند الذكر ؛ بسبب شهرته التى غطت على الأفراد الأخرى ، وحجبت الذهن عنها. ومن أمثلة ذلك : المصحف ، الرسول ، السّنّة ، ابن عباس (4)، ابن عمر ، ابن مسعود ؛ فالمراد اليوم من المصحف : كتاب اللّه وقرآنه الكريم ... ومن الرسول : النبى محمد
1) هو أن يغلب معنى اللفظ عند إطلاقه على فرد من مدلولاته ، دون ياقى الأفراد ؛ بسبب شهرة الأول ، كما سنشرحه. وهو يعد من ناحية التعريف فى درجة العلم الشخصى ، كما فى الصفحة التالية ، وكما سبق فى رقم 2 من هامش ص 263.
2) فى رقم 3 من هامش ص 191.
3) المراد من «أل» العهدية هذه أنها كانت عهدية بحسب أصلها قبل أن تكون للغلبة ، أما بعد أن تصير للغلبة فزائدة لازمة. وقد يقال : إن : «أل» العهدية أداة تعريف فكيف يكون مدلولها متعددا حين تكون للعهد؟ أجاب النحاة : (إن «أل» العهدية تدخل على كل فرد عهد بين المتخاطبين على البدل - أى : على التبادل - فمصحوبها كل فرد بينهما على البدل ، فمثلا لفظ «العقبة» المعرف بأل العهدية وضع فى الأصل ليستعمل فى كل فرد عهد بينهما على البدل فخصصته الغلبة بعقبة : «أيله» - وهى على الحدود الشرقية لمصر -) راجع الصبان فى هذا.
4) كانت كلمة : «ابن» فى هذه الأمثلة وأشباهها ، معرفة ؛ لأنها مضافة إلى معرفة. ولكن العلم بالغلبة (الشهرة) هو مجموع الكلمتين المضاف والمضاف إليه معا ، وصار تعريفه بالعلمية الغالبة ، - كما سيجىء فى رقم 3 من هامش الصفحة التالية - وزال التعريف السابق.
عليه السّلام ، ومن السنة : ما ثبت عنه من قول ، أو فعل ، أو تقرير (1). كما أن المراد من : ابن عباس هو : عبد اللّه ، بن عباس ، بن عبد المطلب (2)... دون باقى أبناء العباس. وكذلك المراد من : ابن عمر ، هو : عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ، دون إخوته من أولاد عمر. وكذلك المراد من : ابن مسعود ، هو : عبد اللّه بن مسعود أيضا دون إخوته. وكانت تلك الكلمات فى الأصل قبل اشتهارها ، معرفة ؛ لاشتمالها على نوع من التعريف ، ولكنها لا تبلغ فيه درجة العلم الشخصىّ ؛ إذ ليست أعلاما شخصية. فلا تدل على واحد بعينه ؛ إذ الأصل فى كلمة : «المصحف» أن تنطبق على كل غلاف يحوى صحفا. وفى كلمة : «الرسول» أن تنطبق على كل إنسان أرسل من جهة إلى جهة معينة. وفى كلمة : «السنة» أن تنطبق على كل طريقة مرسومة ، وفى كلمة : «ابن فلان» أن تنطبق على كل ابن من أبناء ذلك الرجل. لكن اشتهرت كل كلمة مما سبق - بعد التعريف - فى فرد ، واقتصرت عليه ؛ بحيث إذا أطلقت لا تنصرف لغيره ؛ فقوى التعريف فيها ، وارتفع إلى درجة أرقى من الأولى ؛ تسمى : درجة العلم بالغلبة (أى : التغلب بالشهرة) وهى درجة تلحقه بالعلم الشخصى (3)
أما العلم بالغلبة فقد كان أول أمره معرفة «بأل» العهدية ، أو بالإضافة ولم يكن علما في ابتداء أمره فنزلت غلبته (أى : شهرته) منزلة الوضع ؛ فصار بها علما شخصيا. وحين تصل الكلمة إلى درجة العلم بالتغلب تلغى درجة التعريف السابقة وتحل محلها الدرجة الجديدة.
فى كل أحكامه. فمظهر الكلمة أنها معرفة «بأل» أو بالإضافة ، ولكن حقيقتها أنها معرفة بعلمية الغلبة. وهى فى درجة علم الشخص - كما قلنا - وتلغى معها الدرجة القديمة. ومن أمثلة العلم بالغلبة : المدينة (4)، العقبة (5)، الهرم (6)... مجلس1) ما يقره (أى : يوافق عليه) بالسكوت ؛ كأن يرى شخصا يقول قولا ، أو يعمل عملا بشرط أن تكون الأقوال أو الأعمال من الشئون المتصلة بالدين - ؛ فيسكت ، ولا يظهر ما يدل على المعارضة ؛ فيكون سكوته موافقة ضمنية ؛ تسمى : «تقريرا».
2) جد الرسول عليه السّلام.
3) قال النحاة ؛ إن العلم قسمان ؛ علم بالوضع ؛ فيشمل علم الشخص وعلم الجنس ، وعلم بالغلبة ، وهو ما شرحناه وأهم فارق بينهما أن العلم الوضعى يعين مسماه تعيينا مطلقا من أول لحظة وضع فيها على مسماه ، ووقع فيها الاختيار على لفظه ليكون رمزا على ذلك المسمى ؛ مثل إبراهيم ، فإنه يدل على صاحب ذلك الاسم ابتداء من تلك اللحظة التى وقع عليه الاختيار فيها ليدل على إبراهيم.
4) مدينة الرسول عليه السّلام.
5) اسم بلد على الحدود الشرقية المصرية.
6) بناء بمصر ، أثرى ، ضخم ، مرت عليه آلاف السنين من غير أن تؤثر فيه تأثيرا يذكر.
الأمن (1)، جمعية الأمم (2)، إمام النحاة (3)... وغيرها مما هو علم بالغلبة (4): كالنابغة ، أو الأعشى ، أو الأخطل ... وأصل النابغة : الرجل العظيم ، وأصل الأعشى : من لا يبصر ليلا ، وأصل الأخطل : الهجّاء ، ثم غلب على كل ما سبق الاستعمال فى العلمية وحدها.
و «أل» فى الأعلام السابقة - ونظائرها - قسم من «أل» الزائدة اللازمة - كما أشرنا - (5)ولكنه قسم مستقل ، يسمى : «أل» التى للغلبة ، وبالرغم من من أنها زائدة ، ولازمة لا تفارق الاسم الذى دلت عليه - فإنها تحذف وجوبا عند ندائه ، أو إضافته ؛ مثل : يا رسول اللّه قد بلغت رسالتك. هذا مصحف عثمان ؛ يا نابغة ، أسمعنا من طرائفك ... فشأنها فى الحالتين المذكورتين من جهة الحذف وعدمه شأن «أل» المعرفة (6)
وقد يصير علما بالغلبه *** مضاف أو مصحوب «أل» ؛ كالعقبه
وحذف «أل» ذى ، إن تناد أو تضف *** أوجب. وفى غيرهما قد تنحذف
أى : قد يصير «المضاف» أو : «المعرف بأل» علما بالغلبة ، لا بكونه علم شخص ولا علم جنس. (وهذا نوع آخر من العلم يخالفهما كما سبق أن أشرنا). وحذف «أل» ذى (أى : هذه) واجب فى حالتين : إذا نودى الاسم المبدوء بها ، أو أضيف. وأشار بقوله : «وفى غيرهما قد تنحذف» إلى أن «أل» الدالة على العلم بالغلبة وردت محذوفة فى غير الحالتين السابقتين : (النداء ، والإضافة) فقد قال بعض العرب : هذا عيّوق طالعا. وهذا يوم إثنين مباركا ، بدلا من «العيوق» علم على نجم خاص ، و «الإثنين» علم على اليوم الأسبوعى المعروف. وهذا الحذف شاذ لا يصح القياس عليه.
- فى الرأى الأرجح -أما العلم بالغلبة إذا كان مضافا ، فإن إضافته تلازمه ولا تفارقه فى نداء ، ولا فى غيره : تقول فى النداء : يابن عمر قد أحسنت ، ويا بن عباس قد .
1) مؤسسة عالمية قائمة الآن ، تضم مندو بين رسميين عن الدول الكبيرة ، ينظرون فى الشئون الدولية الهامة.
2) مؤسسة عالمية قائمة الآن ، تضم مندو بين رسميين عن الدول الكبيرة ، ينظرون فى الشئون الدولية الهامة.
3) سيبوبة (توفى حول سنة 180 ه).
4) ويراد به - كما قلنا - كل اسم معناه متعدد بحسب وضعه الأصلى ، ثم غلب استعماله فى فرد معين من أفراد ذلك المعنى المتعدد ، لا يراد غيره عند الإطلاق ؛ فصار خاصا بسبب ذلك التعيين الناشىء من الشهرة.
5) فى ص 389 وفى رقم 3 من هامش ص 393.
6) ف «أل» المعرفة لا تبقى كذلك عند الإضافة أو النداء لكن يجب ملاحظة أن : «أل» التى للغلبة لا تثبت مطلقا مع حرف النداء ، فلا يتوصل لنداء ما هى فيه بكلمة : «أى» أو : كلمة : «ذا» كما يتوصل لنداء ما فيه «أل» الجنسية مما ليس علما بالغلبة ، فلا يصح : يأيها النابغة ولا ياذا النابغة كما يصح يأيها الرجل وياذا الرجل (راجع حاشية الصبان ج 1 فى هذا الموضع). وفى العلم بالغلبة يقول ابن مالك :
أفدت الناس بفقهك ، ويا بن مسعود قد حققت لنا كثيرا من أحاديث الرسول ...
وإذا اقتضى الأمر إضافته (1)
باللّه يا ظبيات القاع قلن لنا *** ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر
وقول الآخر :
علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم *** بأبيض ماضى الشّفرتين يمانى
ومن إضافة العلم بالغلبة ؛ أهلا بابن عمرنا. ومرحبا بابن عباسنا.
وقد أدخلو «أل» على العلم المضاف إليه قليلا ، ومع قلته يجوز إذا قدرت فيه التنكير - كما سبق - لأن الأصل فى المعارف ألا تضاف. قالوا : يا ليت أم العمرو كانت بجانبى ... فالغرض من إضافة العلم : هو الإيضاح ، (ويراد به إزالة الاشتراك اللفظى الناشىء من إطلاق العلم على أفراد كثيرة : بحيث لا يطلق بعد الإيضاح إلا على واحد فى الغالب. وقد سبق أن ألمحنا لهذه المسألة فى رقم 2 من هامش ص 117 ثم فصلنا الكلام عليها فى رقم 2 من هامش ص 264.
وبهذه المناسبة نعيد ما قلناه هناك من أن الإضافة إلى المعرفة تفيد الإيضاح على الوجه الذى شرحناه ؛ وهو : رفع الاحتمال والاشتراك فى المعرفة ، أما الإضافة إلى النكرة فإنها تفيد التخصيص. ويراد به تقليل الاشتراك فقط ، ولا تفيد إزالته ورفعه ؛ فإذا قلت : «كتاب رجل» فإن الذى ينطبق عليه هذا المعنى أقل كثيرا مما ينطبق عليه لفظ : كتاب ، بغير إضافة. (راجع ما سبق فى تلك الصفحات).
*** فإنه يضاف مع بقائه الإضافةالأولى (2)، تقول : أنت ابن عمرنا العادل ، وهذا ابن عباسنا زعيم الفتوى. .
1) أشرنا فى باب العلم (رقم 2 من هامش ص 264) إلى أن علم الشخص قد يكون متعددا يشترك فى التسمية به عدد كثير ؛ فمثل : محمد ، ومحمود ، وصالح ، وغيرهم من الأعلام الشخصية قد يسمى بكل منها عدة أفراد - ونقول هنا إن العلم بالغلبة قد يقع فيه ذلك ؛ مثل ابن زيدون ... وابن خلدون ... وابن هانئ ؛ والنابغة ... فإن كل واحد منها علم بالغلبة على شاعر معين ، أو عالم كبير. وقد يشترك معه فى التسمية آخرون. وهذا الاشتراك والتعدد فى الأعلام بنوعيها يجعلها غامضة نوعا ، ويجعل تعيين المراد بها غير كامل ، وفى هذه الحالة يجوز إضافة العلم إلى معرفة - إن لم يمنع من الإضافة مانع - ؛ رغبة فى الإيضاح وإزالة كل أثر للغموض والإبهام. فمن إضافة علم الشخص. ما ورد عن العرب من قولهم جميل بثينة ، وعمر الخير ، ومضر الحمراء ، وربيعة الفرس ، وأنمار الشاة ، ويزيد سليم ، وقول الشاعر :
2) إن لم يمنع من الإضافة مانع ؛ كأن يكون المضاف الجديد منونا ، أو فيه «أل» فإن كان كذلك وجب حذفها قبل الإضافة ...
إذا أريد تعريف العدد «بأل» فإما أن يكون مضافا (1)، أو مركبا (2)
إلا اثنی عشر؛ واثنتی عشرة: فيعربان كالمثنی دائما. وقد سبقت طريقة إعرابهما في ص 122 و 141 ،
، أو مفردا (3)، أو معطوفا (4). فإذا كان العدد مضافا وأردنا تعريفه «بأل» فالأحسن إدخالها على المضاف إليه وحده - أى : على المعدود - ؛ نحو : عندى ثلاثة الأقلام ، وأربع الصحف ، ومائة الورقة ، وألف (5)القرش. وعندئذ يكتسب المضاف التعريف من المضاف إليه فى هذه الإضافة المحضة (6). والكوفيون يجيزون إدخال «أل» عليهما معا ويحتجون بشواهد متعددة ، تجعل مذهبهم مقبولا ، وإن كان غير فصيح (7)...1) ويسميه بعض النحاة «مفردا» وهذه التسمية أحسن من تسميته : «مضافا» وهو يشمل : «ثلاثة» وعشرة وما بينهما. ويضاف غالبا لجمع مجرور ؛ كما يشمل مائة ، وألفا ، ومركباتهما ، وتضاف غالبا لمفرد مجرور (والأحكام المفصلة الخاصة بالعدد مسجلة فى بابه بالجزء الرابع).
2) وهو يشمل : «أحد عشر وتسعة عشر» وما بينهما. وهما كلمتان بمنزلة كلمة واحدة ؛ يقال فى إعرابها : مبنية على فتح الجزأين فى محل رفع، أو نصب أو جر ؛ على حسب حالة الجملة.
3) ويسميه بعض النحاة «عقدا» وهذه أفضل من تسميته : «مفردا». وهو 3. 30 ، 40 ، 50 ، 60 ، 70 ، 80 ، 90.
4) وهو يشمل كل عدد مكون من اسمين ؛ أحدهما ؛ معطوف عليه ، والآخر معطوف بالواو مثل : واحد وعشرون ... سبع وثلاثون ... خمس وأربعون.
5) جرى بعض الكتاب على إدخال : «أل» على العدد دون المعدود ؛ فيقولون : الألف قرش مثلا. وقد أعلنت الحكومة عن مشروع رسمى لنشر بعض الكتب القديمة النفيسة ، أسمته : «مشروع الألف كتاب» ويدور جدل قديم وحديث حول صحة هذا الاستعمال أو خطئه. وقد ورد مثله فى أحاديث للرسول عليه السّلام. منها قوله : «... وأتى بالألف دينار» ونقل الصبان (فى الجزء الأول من حاشيته آخر باب المعرف بأل) نص الحديث. وورد غيره فى شواهد : «التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح» - باب : الاستعانة باليد .. - قوله عليه السّلام : «ثم قرأ العشر آيات» .. كما ورد فى نصوص أخرى تصلح للاستشهاد ، وورد فى استعمال كثير ممن يستأنس بكلامهم وإن لم يكونوا من أهل الاستشهاد ... فلكل ما سبق يجوز قبوله مع الاعتراف بأنه غير مستحسن ، وأن الخير فى تركه. ويقول الشهاب الخفاجى فى حاشيته على «درة الغواص» إن ابن عصفور قال : «هو جائز على قبحه» ، وجاء فى حاشية ابن سعيد على الأشمونى : رفضه «الألف دينار» قائلا بأنه مرفوض وإن أجازه قوم من الكتاب كما نقل ابن عصفور ، هذا والذين يرفضونه يتأولون النصوص الواردة به بتكلف ظاهر لا داعى له.
6) فى ح 3 ص 12 م 93 تفصيل الكلام على : الإضافة المحضة وغير المحضة ، وأن الكوفيين يجيزون فى الإضافة المحضة إدخال «أل» على المضاف إذا كان عددا بشرط دخولها على المضاف إليه (أى : على المعدود) أيضا مع إيضاح ذلك كله والرأى فيه.
7) فى ح 3 ص 12 م 93 تفصيل الكلام على : الإضافة المحضة وغير المحضة ، وأن الكوفيين يجيزون فى الإضافة المحضة إدخال «أل» على المضاف إذا كان عددا بشرط دخولها على المضاف إليه (أى : على المعدود) أيضا مع إيضاح ذلك كله والرأى فيه.
وإذا كان العدد مركبا فالأحسن إدخالها على الجزء الأول منه ؛ نحو : قرأت الأحد عشر كتابا ، وسمعت الخمس عشرة أنشودة ...
وإذا كان مفردا - أى : أنه من العقود - دخلت عليه مباشرة ؛ نحو : فى حديقتنا العشرون كرسيّا ، والثلاثون شجرة ، والأربعون زهرة ...
وإذا كان معطوفا فالأحسن دخولها على الاسمين لتعريفهما معا ؛ نحو : أنفقت الواحد والعشرين درهما ، وكتبت الخمسة والعشرين سطرا ...
وإذا كان المضاف إليه - وهو المعدود - معرفا «بأل» فإن المضاف يكتسب منه التعريف فى الإضافة المحضة كما سبق ، سواء أكانا متصلين لا فاصل بينهما ، نحو : هذه ثلاثة الأبواب ، ومائة اليوم ، وألف الكتاب (1)- أم فصل بينهما اسم واحد ؛ نحو : هذه ثلاث قطع الأبواب ، وخمسمائة الألف - أم اسمان ، نحو : هذه ثلاث قطع خشب الأبواب ، وخمسمائة ألف الدرهم - أم ثلاثة أسماء ؛ نحو : هذه ثلاث قطع خشب صنوبر الأبواب ، وخمسمائة ألف درهم الرجل - أم أربعة ، نحو : هذه ثلاث قطع خشب صنوبر صناعة الأبواب ، وخمسمائة ألف درهم صاحب البيوت ... ويسرى التعريف من المضاف إليه الأخير إلى ما قبله مباشرة ، فالذى قبله ... وهكذا حتى يصل إلى المضاف الأول ، فيكون معرفة كالمضاف إليه ، وما بينهما. وهذا حكم كل إضافة محضة ؛ طالت بسبب الفواصل المضافة أم قصرت ، فإنك تعرّف الاسم الأخير ؛ فيسرى تعريفه إلى ما قبله ، فالذى قبله ، ... وهكذا حتى يصل إلى المضاف الأول (2). غير أن كثرة الإضافات المتوالية معيبة من الناحية البلاغية ؛ فلا نلجأ إليها جهد استطاعتنا.
بقى من أنواع المعارف السبع نوعان ، سبق الكلام عليهما (1)بما ملخصه :
ا - أن النكرة التى تضاف لمعرفة - مثل : قلمى شبيه بقلمك - قد تكتسب منها التعريف ، وتصير فى درجتها. أى : أن المضاف قد يكتسب التعريف من المضاف إليه ، ويرقى فى التعريف إلى درجته. إلا إذا كانت النكرة مضافة إلى الضمير فإنها تكتسب منه التعريف ، ولكنها ترقى فى التعريف إلى درجة : «العلم» - فى الرأى الصحيح - لا إلى درجة الضمير.
وإنما يكتسب المضاف من المضاف إليه التعريف على الوجه السالف إذا كان المضاف لفظا غير متوغل فى الإبهام ؛ فإن كان متوغلا فيه لم يكتسب التعريف - فى أكثر حالات استعماله - بإضافة ، أو غيرها ؛ كالأسماء : مثل - غير - حسب (2)...
ب - أن من أنواع المنادى نوعا واحدا يكتسب التعريف بالنداء ، وهذا النوع الوحيد ، هو : «النكرة المقصودة ، مثل : يا شرطى ، أو يا حارس ... إذا كنت تنادى واحدا منهما معينا تقصده دون غيره. ذلك أن كلمة : «شرطىّ» وحدها ، أو : كلمة ، «حارس» وحدها نكرة ، لا تدل فى أصلها قبل النداء على فرد معين» ، ولكنها تصير معرفة بعد النداء ، بسبب القصد الذى يفيد التعيين ، وتخصيص واحد بعينه ، دون غيره.
ودرجة هذا المنادى فى التعريف هى درجة اسم الإشارة ؛ لأن تعريف كل منهما يتم بالقصد الذى يعينه المشار إليه فى اسم الإشارة والتخاطب فى المنادى النكرة المقصودة - كما سبقت الإشارة فى هامش رقم 1 من ص 142.
(ا) الشموس متعددة - الأقمار كثيرة - المحيطات خمس.
(ب) أمرتفع البناء - ما حسن الظلم - ما مكرم الجبان.
فى القسم الأول : (ا) كلمات تحتها خط ، كل واحدة منها اسم ، مرفوع ، فى أول الجملة ، خال من عامل (1)
ا. أصلى لا يمكن الاستغناء عنه ؛ وإلا فسد المعنى المقصود ومن أمثلته : المضارع ، وأدوات النصب ، والجزم ، وبعض حروف الجر ...
ب . زائد ؛ وهو الذي يمكن الاستغناء عنه من غير أن يترتب . فى الغالب . على حذفه فساد المعنى المقصود ؛ كبعض الحروف الزائدة فى الجر ؛ مثل «الباء» و «من» وغيرهما من باقى الحروف التي لا تجيء بمعنى جديد ، وإنما تزاد لمجرد تقوية المعنى ، وتوكيده كما سبق في ص (٦٥ ولا يحتاج حرف الجر الزائد مع مجروره إلى متعلق.
ح . شبيه بالزائد ؛ وينحصر في بعض حروف الجر ؛ ويؤدى معنى خاصا لا يمكن الاستغناء عنه. . ولكنه مع ذلك لا يحتاج مع مجروره إلى متعلق بخلاف حروف الجر الأصلية ؛ فإن كل حرف منها لا بد له مع مجروره من متعلق. ومن أمثلة الشبيه بالزائد : «رب» ؛ وهي تفيد التقليل أو التكثير. و «لعل» ؛ وهي تفيد الترجي ، «ولو لا» ـ في رأى . وهي تفيد الامتناع . فحرف الجر الأصل يؤدى معنى جديدا خاصا لا يمكن الاستغناء عنه ؛ ولا بد له مع مجروره من متعلق يتعلقان به وحرف الجر الزائد لا يؤدى معنى خاصا جديدا ، وإنما يفيد تقوية المعنى القائم ، ولا يحتاج مع مجروره إلى متعلق ؛ فهو مخالف للأصلى من ناحيتين أما حرف الجر الشبيه بالزائد فيشبه الأصلى من ناحية أنه يؤدى معنى خاصا جديدا ، ويخالفه من ناحية أنه مع مجروره لا يحتاجان إلى متعلق يتعلقان به ؛ كما أنه يشبه الزائد من ناحية عدم التعلق ، ويخالفه من ناحية أنه يؤدى معنى خاصا جديدا ، والزائد لا يؤدى معنى خاصا جديدا ولا يحتاج لتعليق (وتفصيل هذا يجىء فى مكانه الأنسب ، وهو حروف الجر ، آخر الجزء الثاني ص ٣٢٠ م ٨٩).
ومن العوامل ما هو لفظى ؛ أي : يظهر في النطق وفى الكتابة ؛ كالعوامل التي سبقت ، ومنها ما هو معنوى يدرك بالعقل لا بالحس ؛ كالابتداء.
والعوامل بنوعيها اللفظية والمعنوية ليست في الحق والواقع هي التي تؤثر بنفسها ؛ وإنما الذي يؤثر ويحدث حركات الإعراب هو المتكلم. ولكن النحاة نسبوا إليها العمل والتأثير ؛ لأنها المرشدة إلى تلك الحركات اللازمة لكشف المعانى (كما أوضحنا هذا بتفصيل تام في هامش ص ٤٧) ولا بأس بما صنعوا.
لفظى أصيل ، وبعده كلمة تتمم المعنى الأساسى للجملة : (أى : تتضمن الحكم بأمر من الأمور لا يمكن1) العامل هو : ما يدخل على الكلمة فيؤثر فى آخرها ؛ بالرفع ، أو النصب ، أو الجر ، أو الجزم ؛ كالفعل فإنه يؤثر فى آخر الفاعل ؛ فيجعله مرفوعا ، وفى آخر المفعول فيجعله منصوبا ، وكالجازم ؛ فإنه يؤثر فى آخر المضارع ؛ فيجعله مجزوما. وكحرف الجر ؛ فإنه يؤثر فى آخر الاسم ؛ فيجعله مجرورا ، وهكذا. (انظر ما سبق فى ص 67). والعامل ثلاثة أنواع :
أن تستغنى الجملة عنه فى إتمام معناها الأساسى ، كالحكم على الشموس بالتعدد ؛ وعلى الأقمار بالكثرة ، وعلى المحيطات بأنها خمس ...) ذلك الاسم يسمى : «مبتدأ» والكلمة الأخرى تسمى : «خبر» المبتدأ.
وفى القسم (ب) أمثلة لمبتدأ أيضا ، ولكنه غير محكوم عليه بأمر ؛ لأنه وصف (1)يحتاج (2)إلى فاعل بعده ، أو نائب فاعل ؛ يتمم الجملة ، ويكمل معناها الأساسى ؛ مثل : كلمتى : «البناء» «والظلم» فإنهما فاعلان للوصف (3)ومثل كلمة : «الجبان» ؛ فإنها نائب فاعل له (4). وقد استغنى الوصف بمرفوعه عن الخبر.
مما سبق نعرف أن المبتدأ : اسم مرفوع فى أول جملته (5)، مجرد من العوامل اللفظية الأصلية ، محكوم عليه بأمر. وقد يكون وصفا مستغنيا بمرفوعه فى الإفادة وإتمام الجملة. والخبر هو : اللفظ الذى يكمل المعنى مع المبتدأ (6)، ويتمم (7)
ولزيادة الإيضاح نسوق المثال الآتي: أن يعرف المخاطب شخصا مثل : إبراهيم بعينه واسمه ، ولكنه لا يعرف أنه زميله فى الدراسة ؛ فتقول : إبراهيم زميلك ، جاعلا المبتدأ هو المعروف له ، والخبر هو المجهول له ، المحكوم به - وذلك شأن الخبر فى الأغلب كما قدمنا ؛ أن يكون هو الشىء المجهول للمخاطب وأنه المحكوم به - فلا يصح أن تقول : زميلك إبراهيم بغير قرينة تدل على تقديم الخبر. أما إذا عرف زميلا له ولكنه لا يعرف اسمه وأردت أن تعين له الاسم فإنك تقول : زميلك إبراهيم ؛ جاعلا المعلوم له هو المبتدأ ، والمجهول له المحكوم به هو الخبر ، فلو عكس الأمر فى إحدى الصورتين السالفتين لانعكس المعنى تبعا لذلك واختلف المراد ؛ إذ يصير المحكوم به محكوما عليه والعكس.
لما سبق لا يصح أن يكون معنى الخبر المفرد هو معنى المبتدأ ، سواء أكان موافقا له فى اللفظ أم غير موافق. لكن إذا دل الخبر على زيادة معنى ليست فى المبتدأ ، وقامت القرينة على هذه الزيادة - صح وقوعه خبرا ولو كان مماثلا للمبتدأ فى لفظه ، فيصح أن يقال : والد محمد والد ، إذا قامت القرينة على أن المراد : أنه والد عظيم ، أو رحيم ، أو نحو ذلك ، كما يصح أن يقال : كتاب على صاحبه على ، إذا قامت القرينة على أن المراد : أنه على العالم ، أو الخبير ، أو غير هذا مما يجعل معنى الخبر جديدا ليس مستفادا من المبتدأ وتوابعه. وعلى هذا الأساس يقال : المال مال - الحرب حرب ، الجد جد - الشمس منيرة - كل هذا بشرط قيام القرينة على أن المراد من الخبر معنى جديد - كما قلنا - غير معنى المبتدأ وتوابعه. ويصح أن يكون من هذا قول الشاعر يحن إلى وطنه :
بلاد كما كنّا وكنّا نحبها *** إذ الأهل أهل والبلاد بلاد
وقول الآخر :
الحرّ حرّ عزيز النّفس ثوى *** والشمس فى كل برج ذات أنوار
«ملاحظة» :
قد يتمم الخبر - بنفسه - الفائدة مع المبتدأ ، وهذا هو الأصل الأغلب ؛ لأنه المحكوم به على المبتدأ ؛ كما عرفنا. وقد يتممها فى بعض الأحيان بمساعدة لفظ آخر يتصل به نوع اتصال ، كالنعت فى قوله تعالى يخاطب المعارضين : ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ ) أى : ظالمون. وقوله : ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) وقول الشاعر :
نقول فيرضى قولنا كلّ سامع *** ونحن أناس نحسن القول والفعلا
فالذى تمم الفائدة الأساسية هو النعت ، لا الخبر ، لأن معنى الخبر معلوم بداهة فى الأمثلة السالفة من ضمير التكلم أو التخاطب ، فكلاهما قد دل بذاته وبصيغته المباشرة على حقيقة صاحبه وهى : «قوم» أو : «أناس» فهذ الخبر من النوع الذى يكمل هو وتابعه مجتمعين الفائدة الأساسية مع المبتدأ على الوجه المشار إليه فى : «ا» و «ب» من ص 484 وتجىء له إشارة أخرى فى ج 3 باب النعت ومثل البيت السابق قول الآخر :
ونحن أناس نحبّ الحديث *** ونكره ما يوجب المأثما
وما ينطبق على خبر المبتدأ ينطبق على خبر النواسخ أيضا ، كقول الشاعر :
ولا خير فى رأى بغير رويّة *** ولا خير فى رأى تعاب به غدا
إذ لا تتحقق الفائدة من : «نحن أناس» - ولا من : «لا خير فى رأى» فهذا فى البيت غير صحيح المعنى بغير انضمام الصفة إليه ، - وهى شبه الجملة فى الشطر الأول ، والجملة فى الشطر الثانى ومن النوع الذى نحن بصدده : المبتدأ اسم الشرط ؛ فإن خبره - فى الارجح - هو الجملة الشرطية. وهذه لا تتمم المعنى إلا بالجملة الجوابية المترتبة عليها كما أشار لهذا «الصبان» فى ج 1 باب الكلام وما يتألف منه عند بيت ابن مالك :
والأمر إن لم يك النّون محل *** فيه ، هو اسم ، نحو : صه وحيّهل
وسيجىء عنه البيان فى ج 4 ص 337 م 157 باب الجوازم والأحكام الخاصة بحملتى الشرط والجواب.
1) كررنا أن المراد بالوصف هنا : «المشتق» وهو : ما أخذ من كلمة أخرى - يغلب أن تكون مصدرا - وتفرع منها ، مع تقارب بينهما فى المعنى والحروف. ويجب أن يكون فى هذا الباب نكرة ؛ لأنه بمنزلة الفعل ، والفعل فى حكم النكرة - كما رددنا فى رقم 1 من هامش ص 192 وغيرها - وهناك ما يقوم مقام الوصف وسيذكر فى ص 406.
2) ذلك لأن بعض أنواع الوصف يشبه الفعل فى أنه يرفع بعده فاعلا أو نائب فاعل ؛ وذلك بشروط معينة ... فاسم الفاعل يرفع فاعلا ، واسم المفعول يرفع نائب فاعل ، وهكذا ... مثل أحاضر ضيفك؟ أمحبوس اللص؟
3) الوصف فى الأول اسم فاعل ، وفى الثانى صفة مشبهة.
4) لأن الوصف اسم مفعول ؛ فهو يحتاج إلى نائب فاعل - كما سبق فى رقم 2 وكما سيجىء فى رقم 3 من هامش ص 410 -.
5) غالبا.
6) أين الخبر فى قولهم : فلان. وإن كثر ماله - لكنه بخيل ..؟ انظر الإجابة فى : «و» من ص 408.
7) وإنما كان الخبر متمما المعنى الأساسى للجملة ، لأنه حكم صادر على المبتدأ. أى : أن المبتدأ هو الشىء المحكوم عليه ، والخبر هو الشىء المحكوم به (أى : هو الحكم) وهذا يقتضى - فى الغالب - أن يكون المبتدأ معلوما للمتكلم وللسامع معا قبل الكلام ؛ ليقع الحكم على شىء معلوم ، وأن الخبر يكون مجهولا للسامع، لا يعرفه إلا بعد النطق به ، أو أنه هو موضع الاهتمام به والتطلع إليه دون المبتدأ. والرغبة فى إعلان هذا المجهول ، وكشف أمره ، ونسبته إلى المبتدأ - هى الداعية للنطق بالجملة الاسمية كلها. ولذا يقول المحققون : إن الأساس الصحيح بين المبتدأ والخبر والاهتداء إلى تمييز كل منهما بدون خلط إنما يقوم بينهما على الفارق المعنوى السابق ؛ فما كان منهما معلوما قبل الكلام ، ولا يساق الحديث لإعلانه وإبانته للسامع فهو المبتدأ (أى : المحكوم عليه) ولو جاء لفظه متأخرا فى الجملة ، وما كان منهما مجهولا للسامع، ويريد المتكلم إعلامه به وإذاعته له فهو الخبر أى : المحكوم به ، ولو جاء لفظه متقدما. فإن لم يوجد عند السامع علم سابق بأحدهما ، ولم توجد قرينة دالة على التمييز بينهما وجب تقديم المبتدأ ، وتأخير الخبر ، ليكون الترتيب دالا ومرشدا على كل منهما ويرتفع اللبس.
معناها الأساسى. (بشرط أن يكون المبتدأ غير وصف). ومن هنا كان المبتدأ نوعين ؛ نوعا يحتاج إلى خبر حتما - وقد يتحتم أيضا أن يكون هذا الخبر جملة أو شبهها كما سيأتى (1)- ، ونوعا لا يحتاج إلى خبر (2)، وإنما يحتاج إلى مرفوع بعده يعرب فاعلا أو نائب فاعل (3). ولا بد فى هذا النوع أن يكون وصفا (4)منكّرا (5)، وأن يكون رافعا لاسم بعده (6)
أما رفعه الضمير المستتر فكثير من النحاة يمنعه : نحو أقائم محمد أم قاعد؟. وذلك على اعتبار أن كلمة «قاعد» معطوفة على قائم ؛ فهى مبتدأ مثلها ، يحتاج إلى فاعل يكون ضميرا بارزا ، وهو هنا غير بارز. وفريق آخر يجيزه مستترا ، ورأيه أحسن. لأن الأخذ به - هنا - أيسر ، ولا ضرر فيه ولا تكلف.
يتمم المعنى (7)؛ فإن لم يتمم المعنى لم يعرب الوصف مبتدأ مستغنيا بمرفوعه بالصورة السالفة ؛ ففى مثل : ما حاضر والده علىّ - لا يتم المعنى بالاقتصار على الوصف مع مرفوعه ؛ أى : ما حاضر والده. وفى هذه الحالة يعرب الوصف (وهو كلمة : «حاضر») ل1) ...
2) لا يحتاج المبتدأ إلى خبر إن كان هذا المبتدأ وصفا ناسخا يعمل ؛ لأن اسم الناسخ يغنى عن خبر هذا المبتدأ الناسخ (انظر البيان فى رقم 1 من هامش ص 511. وسيجىء فى رقم 3 من هامش ص 406 صورة أخرى هى أن الناسخ «مثل : «ليس» ويحتاج لخبر منصوب فيغنى عنه - أحيانا اسم مرفوع وسنشير لهذا فى «ه» من ص 408.
3) وقد يكون نائب الفاعل شبه جملة.
4) ولو تأويلا - كما سيجىء فى «ب» من ص 406 وفى «د» من ص 407 حيث بعض الصور الأخرى -.
5) ولا يحتاج تنكيره لمسوغ (كما سيجىء فى رقم 2 من هامش ص 440).
6) سواء أكان ظاهرا ؛ نحو أمقاتل على؟ أم ضميرا بارزا - كما سيجىء فى ص 412 - نحو أمقاتل أنت؟ أم ضميرا متصلا مجرورا بحرف جر ؛ نحو : فلان مغضوب عليه. فالضمير المجرور نائب فاعل فى محل رفع. وعند التساهل والتيسير يقال فى الإعراب : الجار والمجرور نائب فاعل - كما فى رقم 4 من هامش ص 420 -
7) لأن الوصف هنا بمنزلة الفعل ، والاسم المرفوع به بمنزلة الفاعل أو نائب الفاعل ؛ وكلاهما يتمم معنى الجملة. ودليل المشابهة بين الوصف والفعل أن الوصف لم يرد مصغرا ، ولا منعوتا ولا معرفا. وكذلك لم يرد فى الأعم الأغلب - مثنى أو مجموعا - وإن كان من القليل الجائز إعمالها ، كما سيجىء فى ج 3 ص 205 م 102 باب اسم الفاعل
إعرابا آخر ؛ كأن نجعله خبرا مقدما ، و «والده» فاعله ، و (على) مبتدأ (1)مؤخر ...
والأكثر فى الوصف الواقع مبتدأ أن يعتمد على نفى ، أو استفهام ؛ بأن يسبقه شىء منهما كالأمثلة السالفة فى «ب» (2)ويجوز - بقلة - ألا يسبقه شىء منهما ؛ نحو : نافع أعمال المخلصين ، وخالد سير الشهداء.
ولا فرق بين أن يكون المبتدأ اسما صريحا ؛ كالأمثلة السالفة - وأن يكون اسما بالتأويل ؛ نحو «أن تقتصد» أنفع لك ، «وأن تجنتب» الغضب أقرب للسلامة. أى : اقتصادك ... واجتنابك (3)، وكقول الشاعر :
فما حسن أن يعذر (4)المرء نفسه *** وليس له من سائر الناس عاذر
هذا ، والمبتدأ مع خبره أو مع مرفوعه الذى يستغنى به عن الخبر نوع من الجملة الاسمية (5)
ا - اسمية ، وهى : التى تكون مبدوءة باسم بدءا أصيلا ؛ كالجملة المكونة من المبتدأ مع خبره ، وكالمبتدأ الوصف مع مرفوعه الذى يغنى عن الخبر ، وكاسم الفعل مع مرفوعه أيضا.
وبهذه المناسبة يقول النحاة : إن الوصف مع مرفوعه ولو كان اسما ظاهرا ، يعد من قبيل المفرد ، لا الجملة ، إلا الوصف الواقع مبتدأ مستغنيا بمرفوعه عن الخبر فإنه فى حكم الجملة ، وأما الوصف الواقع صلة : «أل» فالأرجح أنه شبه جملة ، (كما سبق عند الكلام على صلة الموصول رقم 1 من هامش 347) وليس جملة ، ولكنه فى قوتها معنى. والخلاف لفظى ؛ لا أثر له من حيث المعنى ؛ فلا داعى للاهتمام به. وقد سبق بيان لهذا فى الموضع المشار إليه
ب - فعلية وهى التى تكون مبدوءة بفعل ؛ (ومنها الجملة المبدوءة بحرف النداء). وقد أشار ابن مالك إلى كثير من الأحكام السابقة الخاصة بالمبتدأ بقوله فى باب عنوانه : المبتدأ والخبر :
مبتدأ زيد ، وعاذر خبر *** إن قلت : زيد عاذر من اعتذر
وأوّل مبتدأ والثانى *** فاعل أغنى ؛ فى : أسار ذان؟
وقس ، وكاستفهام النفى ، وقد *** يجوز نحو : فائز أولو الرشد
أي : إن قلت : (زيد عاذر من اعتذر ؛ بمعنى ؛ أنه قابل عذر من اعتذر) فزيد مبتدأ ، و «عاذر » خبر . وإن قلت : أسار هذان؟ فإن : «سار» - وهو الاسم الأول ، مبتدأ ، و «ذان» . وهو الاسم الثاني . فاعل أغنى عن الخبر ؛ لأن المبتدأ وصف مسبوق هنا باستفهام. ثم قال : قس على هذا المثال أشباهه ؛ من كل وصف معتمد على استفهام ، أو نفى ويجوز . بقلة . ألا يسبقه شيء منهما ؛ نحو : فائز أولو الرشد ؛ فلا يتغير الإعراب
. اب1) ويصح إعراب «على» مبتدأ مؤخر ، و «والده» مبتدأ ثان ، والوصف : «حاضر» خبر مقدم للمبتدأ الثانى ، والمبتدأ الثانى وخبره خبر الأول.
2) تقييدهم الاعتماد بالنفى والاستفهام يدل على أن الاعتماد على غيرهما لا يكفى فى تحقيق الأكثر والأفصح : كما فى مثل : محمود قائم أبواه فإعراب «قائم» مبتدأ ، غير فصيح ، بالرغم من اعتماده على المبتدأ المخبر عنه ؛ كما قال صاحب المغنى - راجع حاشية الصبان ، ج 1 فى هذا الموضع - أما الاعتماد فى باب اسم الفاعل - وأمثاله - فيختلف عما هنا فى أسبابه وأنواعه وأحكامه ، كما سيجىء فى بابه ج 3
3) فالمصدر المؤول من أن والفعل والفاعل فى محل رفع مبتدأ.
4) المصدر المؤول المبتدأ هو ؛ عذر المرء نفسه ، ويصح إعرابه فاعلا للوصف «حسن» : قبله. ويصح أيضا إعرابه خبرا للوصف.
5) الجملة - كما سبق فى الباب الأول - ما تركبت من جزأين أساسيين يؤديان معنى مفيدا. وهما يسميان : طرفى الجملة ، أو ركنيها. (راجع ص 15) والجملة قسمان :
(ا) عرفنا أن العوامل الأصلية لا تدخل على المبتدأ ، أما غير الأصلية (وهى الزائدة وشبه الزائدة) فقد تدخل ؛ فمثال الزائدة «من» فى قوله تعالى : ( هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ ) (1)اللّهِ) ، ومثال شبه الزائدة : «ربّ» فى مثل : ربّ قادم غريب أفادنا. فكلمة : «من» حرف جر زائد ؛ دخل على المبتدأ ؛ فجرّه فى اللفظ ، دون المحل. ولذلك نقول فى إعرابه : إنه مبتدأ مجرور بمن فى محل رفع (2).
وكذلك كلمة : «قادم» فإنها مبتدأ مجرور فى اللفظ بحرف الجر الشبيه بالزائد ، وهو : «ربّ» - فى محل رفع (3).
1) يعرب النحاة كلمة «غير» فى هذه الآية إما صفة لخالق ، (التى هى مبتدأ مجرورة فى اللفظ ، مرفوعة فى المحل) والخبر محذوف ؛ فالتقدير : هل من خالق غير اللّه «لكم» ، وإما خبر المبتدأ ولا يعربونها فاعلا يغنى عن الخبر ؛ بحجة أن الوصف الذى له فاعل يغنى عن الخبر بمنزلة الفعل ، والفعل لا تدخل عليه «من» الزائدة ؛ فكذا ما هو بمنزلته. وهذا رأى أساسه التخيل والتوهم ؛ فلا داعى للأخذ به ؛ كى لا تخرج هذه الحالة من القاعدة العامة بغير حجة مقبولة.
2) ومن أمثلة ذلك : (بحسبك علم ، فإنه أمضى سلاح ، وكافيك بحسن الخلق ؛ فإنه غنى دائم) فالباء فى كلمتى : «حسب» و «حسن» حرف جر زائد ، وما بعدها مجرور بها فى محل رفع مبتدأ. «وحسبك» بمعنى «كافيك» وكلاهما بمعنى : يكفيك. وقد سبقت إشارة إلى استعمال : «فحسب» فى هامش ص 382 أما تفصيل الكلام عليها ففى ج 3 باب الإضافة ، ص 120 م 2. ومن الأمثلة أيضا : ناهيك بدين اللّه ؛ فالباء حرف جر زائد ، و «دين» مجرور بها فى محل رفع مبتدأ ، وخبره كلمة : «ناهى ...» والمعنى دين اللّه ناهيك عن طلب غيره ؛ لكفايته. وهذه الكلمة متوغلة فى الأبهام (انظر ج 3 م 93) وفى الأمثلة السابقة إعرابات أخرى ليس مكانها هنا. ومن مواضع زيادة «باء الجر دخولها على المبتدأ بعد «إذا» الفجائية ، نحو خرجت فإذا بالصديق قادم - كما جاء فى المغنى عند الكلام على : «باء الجز» وكذلك دخولها على المبتدأ الضمير فى مثل : كيف بك عند اشتداد الكرب. والأصل كيف أنت ... فلما زيدت الباء وجب تغيير الضمير «أنت» لأنه ضمير مقصور على الرفع. فأتينا بدله بضمير يؤدى معناه ويصلح لدخول حرف الجر ، وهو : «كاف» المخاطب ، مجروره بالباء لفظا فى محل رفع مبتدأ - وسيجىء البيان فى باب حروف الجر ج 2 م 90 عند الكلام على الباء.
3) تقدم فى هامش 400 الكلام على حرف الجر الأصلى ، والزائد ، والشبيه بالزائد.
(ب) الوصف الذى له مرفوع يستغنى به عن الخبر هو الوصف المشتق الجارى مجرى فعله فى كثير من الأمور ، وأوضحها : المشاركة فى الحروف الأصلية ، وحركاتها وسكناتها ، وفى عمله ومعناه ... كاسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشتبهة ، وكذا اسم التفضيل ؛ فإنه قد يرفع الظاهر فى مثل : ما رأيت ورقة أحسن فى سطورها الخطّ منه فى ورقة محمود. فيقال هنا عند وقوعه مبتدأ : هل أحسن فى سطور هذه الورقة الخطّ منه فى سطور غيرها؟
ويلحق بالوصف ما أوّل به ؛ من كل جامد تضمن معناه ؛ مثل : أأسد الرجلان؟
بمعنى أشجاع الرجلان؟. والمنسوب ؛ نحو : أعربىّ الشاعران. أى : أمنسوب الشاعران للعرب؟ و «ذو» بمعنى صاحب ؛ نحو : أذو علم القادمان؟ بمعنى : أصاحب علم القادمان؟ والمصغر ؛ نحو : أصخير المرتفعان ؛ لأنه بمعنى : صخر صغير. فكل هذه الأنواع المؤولة تجرى مجرى المشتق فى أن لها مرفوعا فى بعض الأحيان (1)تستغنى به عن الخبر(2)
(ح) قلنا إن الوصف يسبقه فى الأكثر نفى ، أو استفهام ؛ فالنفى قد يكون بالحرف ؛ نحو : ما غائب الشاهدان ، أو بالفعل ؛ نحو : ليس محبوب الغادرون (3)
جاء في حاشية الصبان هنا . عند الكلام على إعراب الوصف الواقع بعد أداة النفى «ليس» . ما يقرب نصه (إدخال اسم «ليس» فيما نحن فيه هو باعتبار كونه مبتدأ في الأصل. وكذا يقال فى خبر «ما» الحجازية وكذلك إدخال الفاعل . ونائبه . فيما نحن فيه ، هو باعتبار كونه مغنيا عن خبر مبتدأ فى الأصل. وكذا يقال فى خبر «ما» الحجازية ، ثم في إغناء الفاعل . أو نائبه عن خبر «ليس» أو «ما» إغناء مرفوع عن منصوب. ولا ضرر فى ذلك. ويظهر أنه لا يقال : هذا الفاعل أو نائبه . في محل نصب باعتبار إغنائه عن خبر : «ليس» ، او «ما» ، لأنه ليس للأداة «ما» أو «ليس» في هذه الحالة خبر حل محله الفاعل . أو نائبه . ، بل الذي تستحقه بعد اسمها فاعل . أو نائبه . لاسمها). اه بتصرف قليل يوضح ما غمض من بعض ألفاظ قليلة.
.1) انظر رقم 6 من هامش ص 403
2) انظر رقم 5 من هامش ص 419.
3) «ليس» فعل ماض. «محبوب» اسمها مرفوع، وأصله مبتدأ ، «والغادرون» نائب فاعل «لمحبوب» ، مرفوع بالواو ، ويغنى عن خبر ليس (فهو من المواضع التى يغنى فيها المرفوع - مع بقائه مرفوعا - عن المنصوب - وقد أشرنا لهذا فى آخر رقم 2 من هامش ص 403 - كما أشرنا هناك إلى صورة أخرى ، هى : أن المبتدا لا يحتاج إلى خبر إن كان هذا المبتدأ وصفا ناسخا يعمل على الوجه الذى يوضحه المثال الذى فى رقم 2 من هامش ص 514.
أو بالاسم ؛ نحو : غير نافع (1)
غيرلاه عداك فاطّرح اللّه *** و ، ولا تغترر بعارض سلم
غير مأسوف على زمن *** ينقضى بالهم والحزن
فالجار والمجرور (على زمن) ذئب فاعل للوصف (مأسوف ، اسم المفعول) يغنى عن الخبر.
مال حرام. وغيرها من أدوات النفى التى تدخل على الأسماء. بخلاف ما لا يدخل عليها ؛ مثل : لم ، ولمّا ، ولن ، فإنها أدوات نفى مختصة بالمضارع. وقد يكون النفى لفظيا ؛ لوجود لفظه كما سبق ، أو معنويا فى نحو : إنما قائم الحاضرون ، لأنه فى قوة : ما قائم إلا الحاضرون. وإذا نقض النفى بإلا لم يتغير الحكم السابق ؛ نحو : ما قائم إلا الحاضرون.وكذلك الاستفهام قد يكون بالحرف نحو : أحافظ الصديقان العهد؟ هل عالم أنتما الخبر؟ أو بالاسم ؛ نحو : كيف جالس الضيوف؟ ومن مكرم الآباء! ومتى قادم السائحون؟.
وقد يكون الاستفهام مقدرا يدل عليه دليل ؛ نحو : واقف الرجلان أم قاعدان؟ فوجود «أم» دليل على أنها مسبوقة باستفهام ؛ شأن «أم» التى لطلب التعيين. (وكلمة «كيف» حال من الفاعل وهو «ضيوف». مبنية على الفتح فى محل نصب (2). و «من» مفعول به لكلمة : مكرم ، مبنى على السكون فى محل نصب. و «متى» ظرف لكلمة «قادم» مبنى على السكون فى محل نصب).
(د) سبق أن المبتدأ الذى يستغنى بمرفوعه عن الخبر مقصور على نوع معين من المشتقات (أى : من الوصف) ؛ وعلى الجامد المؤول بالمشتق وقد سبقت أمثلته. ومن أمثلته أيضا بعض أساليب سماعية وقع فيها المبتدأ اسما جامدا ليس له خبر ؛ وإنما له اسم مرفوع يغنى عن الخبر ؛ وذلك لتأول الجامد بالمشتق ، .
1) «غير» مبتدأ ، مضاف. «نافع» مضاف إليه مجرور. «مال» فاعل ، لنافع ، يغنى عن الخبر ، لأن المعنى : ما نافع مال حرام ، فأنزلنا : «غير نافع» منزلة : «ما نافع» ؛ لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة الشىء الواحد ، ولهذا لا يقال : إن الوصف هنا - وهو كلمة : «نافع» ليس مبتدأ ومثل ما ورد من قول الشاعر :
2) فى رقم 3 من هامش ص 461 أوجه إعراب : «كيف».
كقولهم : لا نولك أن تفعل كذا ... يريدون : ما متناولك أن تفعل ... أى : ليس متناولك هذا الفعل ، فليس هو الذى تتناوله. والمراد لا ينبغى ولا يليق بك تناوله. فكلمة : «نول» جامدة ؛ لأنها مصدر بمعنى : التناول ، ولكنها مؤولة بالمشتق ؛ إذ معناها : متناول ، فهى بمعنى اسم المفعول ، وتعرب مبتدأ ، بمعنى : متناول ، والمصدر المؤول من أن والفعل والفاعل : (أن تفعل) فى محل رفع نائب فاعل لها. ولا مانع من أن تكون كلمة «نول» مبتدأ والمصدر المؤول فى محل رفع خبره. وبهذا لا تحتاج إلى تأويل.
وكذلك وردت أساليب أخرى قليلة (لا يجوز القياس عليها) وقع فيها المبتدأ وصفا لا خبر له ، ولا مرفوع يغنى عن الخبر ، منها ؛ أقل رجل يقول ذلك. والمراد ؛ قلّ رجل يقول ذلك (1)؛ أى : صغر شأنه وحقر. فقيل إن المبتدأ لا يحتاج هنا إلى خبر ، وجملة : (يقول ذلك) صفة «لرجل» النكرة ؛ لأن حاجة النكرة إلى الصفة أشد من حاجة المبتدأ إلى الخبر ؛ فتفضّل الصفة على الخبر ؛ فتغنى عنه. وقيل السبب هو : أن المبتدأ ليس مبتدأ فى المعنى ؛ إذ الكلام ليس مقصودا به التفضيل ؛ وإنما المعنى : قلّ رجل يقول ذلك ؛ فهو مبتدأ فى ظاهره ، فعل فى معناه وحقيقته ؛ فيكتفى بالمضاف إليه الذى هو فاعل فى الأصل ، ويستغنى به عن الخبر. وقيل : إنه مبتدأ والجملة هى الخبر ؛ والأخذ بهذا الرأى وحده أوفق ؛ لمسايرته الأصل العام الذى يقضى بأن للمبتدأ خبرا ، أو مرفوعا يغنى عنه. على أن هذا الأسلوب سماعى لا يجوز القياس عليه ، فذكره ليفهمه من يراه فى النصوص المسموعة ؛ فيقتصر عليها فى الاستعمال.
ه - أشرنا فى (رقم 2 من هامش ص 403) إلى المبتدأ الذى لا يحتاج لخبر إن كان هذا المبتدأ وصفا ناسخا يعمل ؛ كالمثال الذى فى رقم 1 من هامش ص 511 كما أشرنا فى رقم 3 من هامش ص 406 إلى الناسخ الذى يحتاج لخبر منصوب فيستغنى عنه بمرفوع.
و - إذا كان الخبر هو الذى يتمم الفائدة مع المبتدأ - على الوجه المشروح
1) ومن معانيه أيضا نفى الجنس ، أى : لا رجل يقول ذلك وهو من الألفاظ الملازمة للابتداء - كما سيجىء فى «ج» من هامش ص 495 -.
فيما تقدم (1)فأين الخبر فى مثل : فلان - وإن كثر ماله - لكنه بخيل؟ وهذا تعبير يتردد على ألسنة بعض السابقين من المولدين الذين لا يستشهد بكلامهم ، ومثله : فلان - وإن كثر ماله - إلا أنه بخيل. وكلا التعبيرين ظاهر القبح والفساد بالرغم مما حاوله بعض متأخرى النحاة - كما نقل الصبان (2)- من تأويله تأويلا غير مستساغ ، ليصحح الأول على أحد اعتبارين :
أولهما : أن جملة الاستدراك هى الخبر ، بشرط اعتبار المبتدأ مقيدا بالقيد المستفاد من الجملة الشرطية التى بعده ، فكأن المراد : فلان مع كثرة ماله بخيل ... أو فلان الكثير المال بخيل ، والتكلف المعيب ظاهر فى هذا.
ثانيهما : أن يكون الخبر محذوفا والاستدراك منه ، أى : فلان دائب العمل وإن كثر ماله لكنه بخيل. وهذا الوجه المعيب ينطبق على المثال الثانى أيضا (3).
تطابق (1)المبتدأ الوصف مع مرفوعه ، وعدم تطابقه ...
إذا كان المبتدأ وصفا متقدما (2)فله مع مرفوعه حالتان ؛ إحداهما : أن يتطابقا فى الإفراد ، والتثنية ، والجمع ، والأخرى : ألا يتطابقا.
(ا) فإن تطابقا فى الإفراد مع تقدم الوصف (مثل : أحاضر القلم؟ - ما مهزوم الحقّ) جاز أن يعرب الوصف المتقدم مبتدأ والاسم المرفوع به فاعلا ، أو نائب فاعل ، على حسب نوع الوصف (3)، وجاز أن يعرب الوصف خبرا مقدما. والاسم المرفوع بعده مبتدأ مؤخرا. ففى المثال الأول يجوز أن تكون كلمة : «حاضر» مبتدأ ، وكلمة : «القلم» فاعل أغنى عن الخبر. ويجوز أن تكون كلمة : «حاضر» خبرا مقدما. والقلم مبتدأ مؤخرا.
وفى المثال الثانى يصح أن تكون كلمة : مهزوم ؛ مبتدأ «والحق» نائب فاعل أغنى عن الخبر. كما يجوز أن تكون كلمة : «مهزوم» خبرا مقدما و «الحق» مبتدأ مؤخرا.
والمطابقة فى الإفراد على الوجه السابق الذى يبيح الإعرابين المذكورين تقتضى المطابقة فى التذكير والتأنيث حتما ؛ فإن اختلفت فى مثل : «أمغرد فى الحديقة عصفورة»؟ وجب إعراب الوصف مبتدأ ، والاسم المرفوع بعده فاعله أو نائب فاعل على حسب نوع الوصف (4)، ولا يصح إعراب الوصف خبرا مقدما
1) المراد به : التماثل فى الإفراد ، والتثنية ، والجمع ، وما يصحب ذلك من التأنيث ، والتذكير وقد سبقت صور هامة منه (فى : «ح» من ص 236) وهى غير الآتية هنا ، وفى ص 411. والتطابق أنواع : يذكر كل نوع فى الباب الذى يناسبه ، كما قلنا فى 2 من هامش ص 237.
2) لأن الوصف المتأخر لا يصح أن يسبقه مرفوعه ، إذ الوصف بمنزلة الفعل فى هذا ؛ والفعل لا يتقدم عليه مرفوعه (الفاعل ، أو نائب الفاعل).
3) فالاسم المرفوع باسم الفاعل وصيغ المبالغة ، أو بالصفة المشبهة ، أو بأفعل التفضيل - يعرب فاعلا ، والمرفوع باسم المفعول يعرب نائب فاعل - كما سبق فى رقم 2 من هامش ص 401 - ولا يجيزون تطبيق هذا الحكم على نحو : (هل من خالق غير اللّه ..) لما تقدم فى رقم 1 من هامش ص3. وهناك الرد عليه.
4) ويعرب نائب فاعل حين يكون الوصف اسم مفعول - كما أشرنا فى رقم 3 -
والاسم المرفوع مبتدأ مؤخرا ؛ وذلك لعدم تطابقهما فى التأنيث ؛ إذ لا يصح أن نقول : أعصفورة مغرد فى الحديقة.
ومما يجوز فيه الأمران أيضا : أن يكون الوصف أحد الألفاظ التى يصح استعمالها بصورة واحدة فى الإفراد والتأنيث وفروعهما من غير أن تتغير صيغتها ؛ مثل كلمة : «عدو (1)» ، فيصح : اللص عدو - اللصان عدو - اللصوص عدو - اللصة عدو - اللصتان عدو - اللصات عدو ... فمثل هذه الكلمة التى يصح فيها أن تلزم صورة واحدة فى جميع الأساليب يجوز فيها إذا وقعت مبتدأ وبعدها اسم مرفوع : (مثل : أعدو اللص - أعدو اللصان - أعدو اللصوص - ....) أن يكون هذا الاسم المرفوع بها فاعلا لها أو نائب فاعل ، على حسب نوع الوصف. كما يجوز أن يكون الوصف خبرا مقدما والمرفوع بعده مبتدأ مؤخرا. فهذه مسألة أخرى يجوز فيها الأمران (2). ومثلها المصدر الذى يصح أن يستعمل بلفظ واحد فى استعمالاته المختلفة ؛ مثل : أحاضر عدل - أحاضران عدل - أحاضرون عدل ... و...
وإن تطابقا فى التثنية أو الجمع (مثل : ما السابحان المحمدان - ما السابحون المحمدون) ، فالأحسن - فى رأى جمهرة النحاة (3)- أن يعرب الوصف خبرا مقدما والاسم المرفوع بعده مبتدأ مؤخرا (4)
والثّان مبتدأ وذا الوصف خبر *** إن فى سوى الإفراد طبقا استقر
يريد بالثانى : الاسم المرفوع بعد الوصف ؛ فيعرب مبتدأ مؤخرا ، ويعرب الوصف خبرا مقدما بشرط أن يكون ذلك الاسم طبقا ، (أى ؛ مطابقا) للوصف فى غير الإفراد ، بأن يطابقه فى التثنية والجمع. ونحن لا نوافق النحاة القدامى على رأيهم هذا ؛ لأن حجتهم واهية ؛ فهم يقولون إن الوصف فى هذه الصورة لو أعرب مبتدأ وما بعده فاعله أو نائب فاعله ؛ لترتب على ذلك أن يكون الوصف مثنى ، أو مجموعا ، والوصف عندهم إذا رفع اسما بعده ، يكون بمنزلة الفعل ؛ والفعل لا يثنى ولا يجمع ؛ فكذلك ما هو بمنزلته. ونقول هنا ما قلناه من قبل - فى رقم 1 من هامش ص 405 - ؛ وهو أن أساس رأيهم التوهم والتخيل : والقياس الجدلى ، لا اليقين ، ولا الظن القوى ، أو ما يدانيه ، ولا القياس الحقيقى على ما نطقت به العرب ، ففيه ما فيه من تحكم لا داعى له ؛ فقد تكلم العرب الفصحاء بمثل هذا الأسلوب كثيرا ، ولم يقولوا لأحد إن الوصف مبتدأ أو غير مبتدأ ، ولم يقولوا فى المرفوع بعده إنه يجب أن يكون مبتدأ والوصف خبره ... لم يقولوا شيئا من ذلك ولم يتعرضوا للناحية الإعرابية. فكل حقهم وحق اللغة علينا ألا نخالف نهج هذا الأسلوب عند الصياغة كما ورد عنهم. وألا نخرج عن طريقتهم فى تكوينه. وضبط مفرداته. أما ما عدا ذلك من الأسماء ، والتسميات والإعرابات - فلا شأن لهم به ، وإنما هو شأن المعنيين بالدراسات اللغوية والنحوية فى العصور المختلفة.
وقد ترتب على رأى النحاة القدامى تعدد التقسيم فى مطابقة الوصف ، وكثرة الأحكام ، فكان هناك التطابق فى الإفراد ، وله حكمان ، وهناك التطابق فى التثنية والجمع ، ولكل حكمه. والرأى السمح الذى يرتضيه العقل أن التطابق فى الإفراد كالتطابق فى التثنية وفى الجمع ؛ فما يجوز فى حالة الإفراد يجوز فى غيره عند التطابق. وبذلك ندخل التطابق كله فى قسم واحد متفق فى حكمه ، ونستغنى عن التطابق فى حالتى التثنية والجمع وعن حكمه المستقل. ولن يترتب على ذلك ضرر فى طريقة صوغ الأسلوب ، ولا فى ضبط كلماته وحروفه ، ولا فى معناه ، كما قلنا. وفوق هذا فرأينا يساير بعض اللّهجات الصحيحة التى تناقض حجة النحاة فى قولهم : «إن الفعل لا تلحقه علامة تثنيته ولا جمع ، وأن ما يشبهه يسير على منواله» ذلك أن بعض القبائل العربية الفصيحة يخالف هذا ؛ فيلحق بالفعل علامة التثنية والجمع. - كما سيجىء فى ج 2 باب الفاعل وأحكامه - فالرأى بتوحيد التطابق رأى فيه تيسير فوق مسايرته للعقل والنقل.
.1) ومن الكلمات التى قد تستعمل بلفظ واحد فى الأساليب المختلفة : صريح ، ومحض (فى مثل : هذا عربى محض ، أى : خالص العروبة ، وعربيان محض ، وعرب محض) ورسول ، وصديق - وقنعان ، بضم القاف وسكون النون (رجل قنعان ، أى : يقنع الناس بكلامه ، ويرضون برأيه) وامرأة قنعان ، ونسوة قنعان .. كل ذلك بغير تثنية ولا جمع ، ولا تأنيث ..) ودرع دلاص ، أى : براقة ، بلفظ واحد فى الاستعمالات كلها إلى غير ذلك من الألفاظ التى ورد كثير منها فى آخر الجزء الثانى من : «المزهر» للسيوطى.
2) ومن الكلمات التى قد تستعمل بلفظ واحد فى الأساليب المختلفة : صريح ، ومحض (فى مثل : هذا عربى محض ، أى : خالص العروبة ، وعربيان محض ، وعرب محض) ورسول ، وصديق - وقنعان ، بضم القاف وسكون النون (رجل قنعان ، أى : يقنع الناس بكلامه ، ويرضون برأيه) وامرأة قنعان ، ونسوة قنعان .. كل ذلك بغير تثنية ولا جمع ، ولا تأنيث ..) ودرع دلاص ، أى : براقة ، بلفظ واحد فى الاستعمالات كلها إلى غير ذلك من الألفاظ التى ورد كثير منها فى آخر الجزء الثانى من : «المزهر» للسيوطى.
3) وقيل هو واجب ؛ لما سيجىء فى رقم 3 بعد هذا مباشرة.
4) وفى هذا الرأى يقول ابن مالك :
(ب) وإن لم يتطابقا فإن كان الوصف مفردا ومرفوعه مثنى أو جمعا (مثل : أعالم المحمدان؟ أمحبوب المحمدون؟) صح التركيب فى هذه الصورة الخالية من المطابقة ، ووجب إعراب الوصف مبتدأ ، وإعراب مرفوعه فاعلا أو نائب فاعل - على حسب حاجة الوصف - أغنى عن الخبر ، ولا يجوز أن يكون مرفوعه مبتدأ لئلا يترتب على ذلك أن يكون المبتدأ مثنى أو جمعا والخبر مفردا ؛ وهذا لا يجوز ويتساوى فى هذا الحكم أن يكون مرفوع الوصف اسما ظاهرا. وضميرا بارزا (1)
خليلىّ ، ما واف بعهدى أنتما *** إذا لم تكونا لى على من أقاطع
فليس من اللازم أن يكون مرفوع الوصف اسما ظاهرا ، فقد يكون ضميرا مستترا أو بارزا ، وقد يكون ضميرا متصلا مجرورا بحرف جر ؛ كالمثال الذى سبق فى رقم 6 من هامش ص 403 و 4 من هامش ص 420.
...أما فى غير هذه الصورة فلا يصح التركيب ؛ ويكون الأسلوب فاسدا. فمن الصور الفاسدة : أن يكون الوصف مثنى والاسم المرفوع مفردا ؛ مثل : ما قائمان محمد ، أو يكون الوصف مثنى والاسم المرفوع جمعا ؛ نحو : أقائمان المحمدون؟. أو يكون الوصف جمعا ، والاسم المرفوع مفردا ، مثل : أحاضرون محمد؟ أو يكون الوصف جمعا والاسم المرفوع مثنى ؛ نحو : أحاضرون .
1) ومن أمثلة الضمير البارز قول الشاعر :
الرجلان ... وهكذا كل صورة تخلو من المطابقة الصحيحة.
من كل ما تقدم يمكن تلخيص الحالات الإعرابية الخاصة بالمبتدأ الوصف فى ثلاث(1):
الأولى : وجوب إعرابه مبتدأ يرفع فاعلا ، أو نائبه - إذا لم يطابق ما بعده. وهذه الحالة مقصورة على أن يكون الوصف المتقدم مفردا ، والاسم المرفوع بعده مثنى أو جمعا ؛ نحو : أسابح المحمودان؟ - أسابح المحمودون؟
الثانية : وجوب إعرابه خبرا (2)مقدما والاسم المرفوع بعده مبتدأ مؤخرا ، وذلك عند تطابقهما فى التثنية أو فى الجمع ؛ نحو : أنائمان الرجلان؟ أنائمون الرجال؟
الثالثة : جواز الأمرين إن تطابقا فى الإفراد ، وما يقتضيه. (3)مثل أقارىء الجندىّ؟ وفى بعض مسائل سبقت الإشارة إليها (4).
1) مع مراعاة المحكوم عليه والمحكوم به ، فهذه المراعاة واجبة دائما ولها الاعتبار الأول ، وتقضى بأن يكون المحكوم عليه هو المبتدأ ، والمحكوم به هو : الخبر - وقد شرحنا هذا فى هامش ص - 401
2) وذلك رأى كثير من النحاة ، ورأينا جواز الأمرين ؛ لما بسطناه فى رقم 3 من هامش ص 411
3) ما لم يمنع مانع آخر كما سبق توضيحه فى ص 410. وكمراعاة المحكوم والمحكوم عليه.
4) فى ص 411.
(ا) هناك أنواع أخرى من المطابقة الواجبة ، أو الجائزة ، أو الممنوعة فيجب أن يكون الخبر مطابقا للمبتدأ فى الإفراد ، والتذكير ، وفروعهما (1)
الكبر والحمد ضدّان. اتفاقهما *** مثل اتفاق فتاء السّنّ والكبر
(الفتاء : الشباب). وقد يكون تعدد المبتدأ بمراعاة معطوف محذوف ، نحو : راكب الناقة طليحان - بالبيان الذى فى أول ص 453.
؛ بشرط أن يكون الخبر مشتقّا لا يستوى فيه التذكير والتأنيث ، وأن يكون جاريا على مبتدئه. ومن الأمثلة : محمود غائب ، المحمودان غائبان ، المحمودون غائبون. فاطمة غائبة. الفاطمتان غائبتان ، الفاطمات غائبات ... فلا تطابق فى مثل : زينب إنسان ، ولا مثل : أتعرف الدنيا خداعة؟ وهى إقبال وإدبار ؛ لعدم اشتقاق الخبر. ولا فى : هذا جريح ؛ لأن الخبر وصف يستوى فيه المذكر والمؤنث (وسيجىء فى باب التأنيث من الجزء الرابع تفصيل هذه المسألة) ولا فى : سعاد كريم أبوها ؛ لأن الخبر جار على غير مبتدئه.وإذا كان المبتدأ جمعا لما لا يعقل جاز فى خبره أن يكون مفردا مؤنثا ، أو جمعا سالما مؤنثا ، أو جمع تكسير للمؤنث ، أو جمع تكسير للمذكر ؛ مراعاة لمفرده المذكر غير العاقل - إن لم يمنع من الجموع السالفة مانع آخر - نحو : العقوبات رادعة ، أو رادعات ، أو روادع - البيوت عالية ، أو عاليات ، أو عوال ، أو : أعال ، جمع أعلى.
فإن كان المبتدا جمع مؤنث للعاقل جاز فى خبره أن يكون مفردا مؤنثا ، أو جمع مؤنث سالما ، أو جمع تكسير للمؤنث ؛ نحو المتعلمات نافعة ، أو نافعات ، أو نوافع. وقد سبق لهذا - ولحالات أخرى - بيان عند الكلام على تطابق الضمير ومرجعه (2)
ويجىء له بيان أيضا فى ج 3 ص 362 - باب النعت - وفيه بيان بعض المراجع التى أخذ منها.
.وقد يذكّر المبتدأ لمراعاة الخبر ؛ كقوله تعالى : ( فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ )
والإشارة المثناة راجعة إلى اليد والعصا قبل هذه الآية (1)، وهما مؤنثتان ، ولكن المبتدأ هنا مذكر لتذكير الخبر ، ومثله قوله تعالى : ( فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ ... ) فاسم الإشارة : (هذا) مذكر ، مع أن المشار إليه - وهو : الشمس - مؤنث ، فحق الإشارة إليها أن تكون باسم إشارة للمؤنث مثل : «هذه». قال الزمخشرى : «فإن قلت : ما وجه التذكير؟ قلت : جعل المبتدأ مثل الخبر ، لكونهما عبارة عن شىء واحد ؛ كقولهم : «ما جاءت حاجتك»؟ (2)أى : ما صارت حاجتك؟ - ومن كانت أمّك؟ ... - ومثل هذا ينطبق على الآية السابقة وهى : (هذا ربى). على أن التذكير فى هذه الآية واجب ، لصيانة «الرب» عن شبهة التأنيث لو قيل : «هذه ربى». ألا تراهم قالوا فى صفة «اللّه» : «علّام» ، ولم يقولوا : «علّامة» - وإن كان «العلّامة» أبلغ - ؛ احترازا من علامة التأنيث. اه ببعض اختصار
ومن تأنيث المبتدأ المذكر مراعاة لتأنيث الخبر قراءة من قرأ قوله تعالى : ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) بالتاء فى أول المضارع : «تكن» لتأنيث اسم الناسخ ؛ وهذا الاسم هو المصدر المنسبك المتأخر ، وهو فى أصله مذكر ، ولكنه أنّث موافقه للخبر المتقدم ، وبسبب تأنيث هذا الخبر أنّث الفعل «تكن».
وإذا كان الخبر دالّا على تقسيم أو تنويع جاز عدم مطابقته للمبتدأ فى الإفراد وفروعه ؛ نحو : الصديق صديقان ، مقيم على الود والولاء ، وتارك لهما ، والإخاء إخاءان ، خالص لله ، أو لمغنم عاجل. وكقولهم : المال أنواع ؛ محمود الكسب ، محمود الإنفاق ؛ وهذا خيرها. وخبيث الثمرة خبيث المصرف ؛ وهذا شرّها ، وما اجتمع له أحد العيبين وإحدى المزيتين ؛ وهو بمنزلة بين المنزلتين السالفتين.
وقد تختلف المطابقة بين المبتدأ المتعدد الأفراد والخبر المفرد إذا كان المبتدأ متعدد الأفراد حقيقة ، ولكنه ينزّل منزلة المفرد ؛ بقصد التشبيه ، أو المبالغة ، أو نحوهما ؛ سواء أكان بمنزلة المفرد المذكر أم المؤنث ، وقد اجتمعا فى قولهم :
المقاتلون فى سبيل اللّه رجل واحد وقلب واحد ، وهم يد على من سواهم ، وقولهم : التجارب مرشد حكيم ، والمنتفعون بإرشاده قلعة ترتدّدونها الشدائد ، ومن أمثلة التعدّد الحقيقى أيضا ، قول الشاعر :
المجد والشّرف الرّفيع صحيفة *** جعلت لها الأخلاق كالعنوان
وقد يختلفان تذكيرا وتأنيثا ، ولكن مع إفراد المبتدأ وعدم تعدده وسبب الاختلاف - كسابقه - المبالغة ، أو التشبيه ونحوهما ؛ مثل : الشدة مرب حازم ، والتجربة معلم نافع ، واللص هيابة ، والمؤرخ نسّابة. وقد يختلفان كذلك إذا كان المبتدأ اسم جنس جمعيّا على الوجه الذى سبق تفصيله (1)
ومن الخبر الذى يجوز فيه التذكير والتأنيث كلمتا : «أحد. وإحدى» المضافتين ، إذا كان المضاف إليه لفظا يخالف المبتدأ فى التذكير أو التأنيث ؛ فيجوز فى الكلمتين موافقة المبتدأ ، أو الخبر ، مثل : المال أحد السعادتين ، أو : إحدى السعادتين ، بتذكير «أحد» مراعاة للمبتدأ المذكر (المال) وبالتأنيث مراعاة للمضاف إليه المؤنث ، وهو كلمة : السعادتين. ومثل : الكتابة أحد اللسانين ، أو إحدى اللسانين ، بالتأنيث أو التذكير ، طبقا لما سلف (2).
وقد يكون الخبر مؤنثا والمبتدأ مذكرا مضافا إلى مؤنث ؛ فيستفيد التأنيث من المضاف إليه ، أو العكس ؛ (بأن يكون الخبر مذكرا والمبتدأ مؤنثا مضافا إلى مذكر ؛ فيستفيد منه التذكير). ويشترط فى الحالتين أمران (3)
ا - أن يكون المبتدأ المضاف صالحا للحذف ، وللاستغناء عنه بالخبر من غير أن يفسد المعنى.
ب - وأن يكون المبتدأ المضاف كلّا للمضاف إليه ، أو جزءا منه ، أو مثل الجزء ... و...
ومن أمثلة اكتساب المضاف من المضاف إليه التأنيث قول الشاعر :
وما حبّ الديار شغفن قلبى *** ولكن حبّ من سكن الديارا
ومن أمثلة اكتساب المضاف التذكير من المضاف إليه قولهم : رؤية الفكر عواقب الأمور مانع له من التسرع
وهناك حالات هامة من المطابقة وأحكامها المختلفة أشرنا إليها فيما سبق (1).
ح - الغالب أن البدل يرتبط به ما بعده ، ويعتمد عليه ، فيطابقه فى حالتى التذكير والتأنيث وغيرهما ، نحو : إن الغزال عينه جميلة ، وإنّ الفتاة جفنها فاتر ، بنصب كلمتى «عين» و «جفن» - وهما بدلان - وتأنيث خبر «إن» فى المثال الأول ، وتذكيره فى الثانى. ولو لا أن الملاحظ هو البدل - وأنه بمنزلة المبدل منه - لوجب التذكير فى الأول ، والتأنيث فى الثانى. ولا مانع من العدول عن البدل فيما سبق إلى المبتدأ فى الكلمتين ، ولعله الأحسن ؛ لبعده عن اللبس الناشئ من البدل. ولا بد عند مراعاة الغالب من عدم وجود قرينة تمنع منه ، وتدل على غيره. ومن غير الغالب قول الشاعر :
إن السيوف غدوّها ورواحها *** تركت هوازن مثل قرن الأعضب (2)
فقد جاء الفعل «ترك» مؤنثا مراعاة لاسم : «إن» ، لا للبدل (3)...
وبمناسبة الكلام على المبتدأ والخبر وأنهما مرفوعان ، بحث النحاة - كعادتهم - عن العامل الذى يوجد الضمة فى كل منهما. ولما لم يجدوا قبل المبتدأ عاملا لفظيّا يوجدها ، قالوا إن العامل معنوى ؛ هو ؛ وجود المبتدأ فى أول الجملة ؛ لا يسبقه لفظ آخر ؛ وسموا هذا العامل المعنوى : الابتداء. فالمبتدأ عندهم مرفوع بالابتداء. أما الخبر فعامل الرفع فيه هو : المبتدأ ؛ أى : أن الخبر مرفوع بالمبتدأ. هذا رأى من عدة آراء لا أثر لها فى ضبط كل منهما ، ولا فى وضوح معناهما ، ومعنى الكلام. فالخير فى إهمالها ، وتناسيها ، والاقتصار على معرفة أن المبتدأ مرفوع ، والخبر مرفوع كذلك (1)
ورفعوا مبتدا بالابتدا *** كذاك رفع خبر بالمبتدا
. ا1) يقول ابن مالك فى تلك القاعدة التى لا فائدة منها اليوم :
عرفنا أن الخبر جزء أساسىّ فى الجملة ؛ يكملها مع المبتدأ الذى ليس بوصف (1)
والخبر الجزء المتمّ الفائده *** كاللّه برّ والأيادى شاهده
(اللّه بر) مبتدأ وخبر ، وكذلك : «الأيادى» مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الياء «وشاهدة» خبر مرفوع. ولم يصرح ابن مالك بأن الخبر يكمل الجملة بشرط أن يكون مع المبتدأ ؛ لضيق النظم ، والاكتفاء بالمثالين.
ويتمم معناها. وهو ثلاثة أقسام : مفرد ، وجملة. وشبه جملة (2).القسم الأول : الخبر المفرد :
وهو ما كان كلمة واحدة ، أو بمنزلة الواحدة (3)(أى : ليس جملة ، ولا شبه جملة) وهو إما جامد (4)، فلا يرفع ضميرا مستترا (5)
هذا ويجرى على الجامد المؤول بالمشتق كثير من أحكام المشتق ، لا تجرى عليه إلا بعد التأويل ...
فيه ، ولا بارزا ، ولا اسما ظاهرا ؛ مثل : كلمتى : «كرة» و «نهر» فى قولنا : الشمس كرة ، الفرات نهر ، ومثل كلمتى «إقبال» «وإدبار» فى قول الشاعر يصف ناقته التى فقدت وليدها :1) لأن الجزء الذى يكمل الجملة مع المبتدأ الوصف لا يسمى خبرا ؛ وإنما يسمى - كما سبق - مرفوع الوصف ؛ سواء أكان المرفوع فاعلا ، أم نائب فاعل. ويقول ابن مالك فى الخبر :
2) يراد به فى هذا الباب أمران ، هما : الظرف والجار مع مجروره ، أما فى صلة الموصول فيراد به هذين ، وأمر ثالث ، هو : الصفة الصريحة التى تقع صلة «أل» على التفصيل الذى ذكرناه فى ص 347 و 431.
3) ما هو بمنزلة الواحدة يشمل أنواع الاسم المركب ؛ كالمركب المزجىّ والعددى الذى يلحق به فى مثل : هذه نيويورك - أنتم أحد عشر ، والإسنادى فى مثل : هذا (جاد ، اللّه) .. ولا يدخل الإضافى.
4) أى : ليس مشتقا. ويذكر هنا كثيرا : الوصف بمعنى : المشتق.
5) إلا عند التأويل ، مثل : قلب الظالم حجر. أى : قاس لا يلين. يد الشجاع حديد. أى : قوية. ولا يصح التأويل بالمشتق إذا أريد بالجامد ذاته الأصلية حقيقة أو مبالغة ؛ كأن ترى أسدا حقيقيا فتقول : هذا أسد ، أو : ترى شجاعا فتقول على المبالغة والأدعاء المجازى : هذا أسد. كما لا يجوز التاويل إذا أريد التشبيه البليغ فى : هذا أسد ؛ أى : هذا كالأسد فى الشجاعة. وقد سبق بيان الجارى مجرى المشتق ، وأنه مثل : هذا أسد ، أى : شجاع ، وكذا المنسوب ، و «دو» بمعنى : صاحب ، والمصغر .. راجع «ب» من ص 406
ترتع (1)ما رتعت ، حتّى إذا ادّكرت (2)*** فإنما هى إقبال وإدبار (3)
فالخبر فى الأمثلة السابقة فارغ من الضمير المستتر ، وغير رافع لضمير بارز أو لاسم ظاهر بعده.
وإما مشتق (4)
الرفق يمن. وخير القول أصدقه *** وكثرة المزح مفتاح العداوات
لم يتحمل ضميرا. وكذلك ما كان على صيغة الزمان أو المكان ، نحو : ملعب ، ومطعم ، ومجلس ، وموعد ... فإنه لا يتحمل الضمير إذا وقع خبرا ... إنما يتحمله المشتق الجارى مجرى الفعل كما قلنا وذلك بشرط ألا يرفع اسما ظاهرا بعده ، نحو : أصالح غائب والده؟ أو ضميرا بارزا ، نحو : أصالح ذاهب أنت إليه؟ ففى الحالتين لم يرفع الوصف ضميرا مستترا ؛ لوجود فاعله منطوقا به فى اللفظ ، والوصف لا يرفع فاعلين مطلقا. وكذلك إذا رفع ضميرا متصلا مجرورا ؛ مثل : الخائن مغضوب عليه ؛ فالضمير المجرور بحرف الجار فى محل رفع نائب فاعل ، برغم أننا - للتيسير كما أشرنا فى رقم 6 من هامش ص 403 - نقول : الجار مع مجروره نائب فاعل ، والمشتق : «مغضوب» فارغ من الضمير ؛ إذ ليس للمشتق إلا مرفوع واحد ، وقد استوفاه ، وهو : البارز.
والضمير المستتر فى الوصف واجب الاستتار كما قلنا. إلا فى الصور الأخرى التى توجب إبرازه ؛ كالحصر فى مثل : على ما قائم إلا هو ، وكجريان الوصف على غير ما هو له مع عدم أمن اللبس. كما سيجىء فى ص 421 - ويعرب فى هاتين الحالتين فاعلا أو نائب فاعل على حسب نوع المشتق.
(وصف) فيرفع ضميرا مستترا وجوبا ، أو يرفع ضميرا بارزا ، أو : اسما ظاهرا بعده ؛ مثل : الهرم مرتفع - الآثار غالية. أى : مرتفع هو. وعالية هى (5)، فقد تحمل المشتق ضميرا مستترا وجوبا يعود على المبتدأ ؛ ليربط الخبربه ارتباطا معنويا. ومثل : ما راغب أنتم فى الظلم؟ فقد رفع الوصف ضميرا بارزا بعده. ومثل : الورد فاتن ألوانه ، ساحر أنواعه. فكل من الوصفين : (فاتن ، وساحر) قد وقع خبرا ، ورفع بعده اسما ظاهرا. فلا بد فى الخبر المشتق من أن يرفع ضميرا مستترا وجوبا ، أو ضميرا بارزا (6)أو يرفع اسما ظاهرا بعده. .1) ترعى
2) تذكرت
3) يريد ، مقبلة ومدبرة ، من شدة الحزن عليه.
4) المشتق الذى يتحمل الضمير. هو ما سبقت الإشارة إليه فى ص 406 - من أنه الذى يجرى مجرى فعله فى كثير من أموره ، كالمشاركة فى حروفه الأصلية وفى حركاته ، وسكناته ، وعمله ؛ كاسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشبهة ، وأفعل التفضيل ... وكذلك ما تضمن معنى ذلك المشتق ؛ كالمنسوب ، والمصغر ، و «ذى» بمعنى : صاحب - كما فى ص 406 -. أما المشتق الذى لا يجرى مجرى الفعل ولا يتأول به فإنه لا يتحمل ضميرا ؛ كاسم الآلة ، واسم الزمان ، أو المكان ؛ فكلمة «مفتاح» اسم مشتق من الفتح ، فإذا وقع خبر فى مثل قول الشاعر :
5) إذا ظهر مثل هذا الضمير بعد المشتق فالأحسن إعرابه توكيدا للضمير المستتر لا فاعلا.
6) إن وجد داع يقتضى إبرازه كما سبق.
ومن المشتق (الوصف) ما يعرب على حسب الظاهر خبرا للمبتدأ ، مع أن معناه فى الواقع لا ينصبّ على ذلك المبتدأ ، ولا ينسب إليه مباشرة : مثل : البنت الأب مكرمته هى. «فالبنت» مبتدأ أول. و «الأب» : مبتدأ ثان. «مكرمة» خبر المبتدأ الثانى ، مع أن معنى هذا الخبر منصبّ على المبتدأ الأول وحده ، لأن البنت هى المكرمة ؛ أى : المنسوب لها الإكرام ، دون المبتدأ الثانى.
ومثل : الشفيق الأمّ مساعدها ، هو. فكلمة «الشفيق» : مبتدأ أول ، و «الأم» مبتدأ ثان. و «مساعد» : خبر المبتدأ الثانى. مع أن معنى هذا الخبر - وهو : مساعد - واقع على الأول ، ولا حق به دون المبتدأ الثانى ... ، وهكذا كل وصف وقع خبرا عن مبتدأ غريب عن معنى ذلك الخبر ، وعن مدلوله. وهذا الخبر يقول عنه النحاة : «إنه جار على غير صاحبه. أو : جار على غير من هو له».
ولما كان هذا الخبر مشتقّا كان لا بد أن يرفع ضميرا أو اسما ظاهرا. غير أن الضمير هنا يجوز إبرازه ، كما يجوز استتاره ، بشرط أن يكون المبتدأ المنسوب إليه الخبر والمحكوم عليه حقيقة ، واضحا لا يشتبه بغيره عند الاستتار ؛ أى : بشرط أمن اللبس ، كما فى الأمثلة السابقة.
وهناك أمثلة للوصف الواقع خبرا يصلح فيها أن يكون جاريا على من هو له وعلى غير من هو له ، فيقع اللبس فى المراد : نحو : (الفارس الحصان متعبه) فكلمة : «الفارس» مبتدأ ، و «الحصان» مبتدأ ثان «ومتعب» خبر الثانى وفيه ضمير مستتر ، والجملة منهما خبر الأول. فما المراد من هذا المثال؟ أتريد الحكم على الحصان بأنه يتعب الفارس ؛ فيكون الخبر جاريا على من هو له ، أم نريد الحكم على الفارس بأنه يتعب الحصان ؛ فيكون الخبر جاريا على غير من هو له؟ الأمران محتملان مع اختلافهما فى المعنى. وهذه هى حالة اللبس ، حيث لا قرينة ترجح أحدهما على الآخر. فإن كان المراد هو المعنى الأول الذى يقتضى جريان الخبر على من هو له وجب استتار الضمير مراعاة للأصل السابق ؛ ليكون استتاره دليلا على ذلك المعنى ؛ فنقول : «الفارس الحصان متعبه». وإن كان المراد هو المعنى الثانى الذى يقتضى
جريان الخبر على غير من هو له وجب إبراز الضمير منفصلا ؛ ليكون إبرازه دليلا على جريانه على غير من هو له ؛ فنقول (الفارس الحصان متعبه هو) (1). فالضمير : «هو» عائد على الفارس ، المنسوب إليه «أنه متعب» ، والمحكوم عليه بذلك الحكم. والضمير : «الهاء» المتصل بالخبر. وهو الهاء فى آخر كلمة : «متعبه» عائد إلى المبتدأ الثانى).
ومثل : الكلب الثعلب مخيفه. «الكلب» ؛ مبتدأ ؛ أول. «الثعلب» : مبتدأ ثان ، «مخيف» : خبر الثانى ، وهو مضاف ، والهاء مضاف إليه. فما المراد؟ قد نريد الحكم على الثعلب بأنه يخيف الكلب ؛ فيكون الخبر جاريا على صاحبه ، ويجب استتار الضمير ؛ مراعاة للأصل السابق ؛ ليكون استتاره دليلا على جريانه على صاحبه. وقد نريد المعنى الثانى ؛ وهو جريانه على غير صاحبه ؛ فيجب إبراز الضمير منفصلا ؛ ليكون إبرازه شارة على هذا المعنى ؛ فنقول : الكلب الثعلب مخيفه هو. ويكون الضمير البارز عائدا على «الكلب» وهو المحكوم عليه حقيقة بالخبر ؛ أى : بأنه المخيف. أما الضمير الثانى (وهو الهاء المتصلة بالخبر) فعائدة على المبتدأ الثانى (2).
وخلاصة ما تقدم :
1 - أن الخبر الجامد لا يتحمل الضمير إلا عند التأويل الذى يقتضيه السياق (3)؛ وأما المشتق فيتحمله.
1) فى حالة اللبس وجريان الخبر على غير من هو له ، يتعين أن يكون الضمير البارز فاعلا أو نائب فاعل على حسب نوع الوصف ؛ لأن جريانه على غير صاحبه يمنع استتاره ، ويوجب إبرازه منفصلا ؛ فيستمر فاعلا أو نائب فاعل كما كان قبل إبرازه ؛ إذ ليس للوصف إلا مرفوع واحد ، فإذا كان ضميرا مستترا وطرأ ما يوجب إبرازه منفصلا بقيت له حالة الفاعلية أو النيابة عن الفاعل ، ولا يعرب توكيدا للضمير المستتر. ولا مانع أن يحل اسم ظاهر محل الضمير ليمنع اللبس، نحو : الفارس الحصان متعبه الفارس.
2) مثل هذا : قائد الجيش راجيه هو - ... ساكن الحصن حارسه هو - ... زميلة البنت مرشدتها هى - ... معلمة الطفلة محبوبتها هى ... فالضمير البارز فى الأمثلة السابقة أصله مستتر ، مرجعه المضاف أو المضاف إليه ، فيحصل اللبس، لعدم تعيين المرجع. ولذا يجب إبراز الضمير لمنع ذلك اللبس. نعم الأكثر فى الضمير أن يعود للمضاف ، لكن ، قد يعود للمضاف إليه أحيانا كما سبق فى «ز» من ص 235 فإذا برز الضمير تعين إرجاعه للمضاف.
3) على الوجه الذى سبق فى ص 406 و 407.
2 - إذا جرى الخبر المشتق على غير من هو له وكان اللبس مأمونا جاز استتار الضمير وجاز إبرازه.
3 - وإن لم يؤمن اللبس وجب إبرازه (1).
هذا ، ومن المستحسن عدم محاكاة الأساليب المشتملة على النوع الأخير ، وعدم صياغة نظائر لها ؛ منعا لاحتمال ألا يفهم المراد منها ؛ بالرغم من كثرة ورودها فى الكلام العربى الأصيل ، كما يستحسن إهمال الرأى الذى يوجب إبراز الضمير فى حالة أمن اللبس ، لمجافاته الأصول اللغة العامة.
القسم الثانى الخبر الجملة (2):
الجملة : كلمتان أساسيتان لا بد منهما للحصول على معنى مفيد ؛ كالفعل مع فاعله أو نائب فاعله ؛ فى مثل : فرح الفائز ، وأكرم النابغ. وتسمى هذه الجملة : «فعلية» ؛ لأنها مبدوءة - أصالة - بفعل. وكالمبتدأ مع خبره ، أو ما يغنى عن الخبر فى مثل : المال فاتن. وهل الفاتن مال؟ وتسمى هذه الجملة : «اسمية» «لأنها مبدوءة» أصالة (3)باسم ؛ فالجملة إما «اسمية» ، وإما «فعلية» وكل واحدة منهما قد تقع خبرا (4)؛ فتكون هنا فى محل رفع (5)؛ نحو : الصيف
1) إلا إن حل محله اسم ظاهر يزيل اللبس. - كما سبق فى رقم 1 من هامش الصفحة الماضية - ومما يلاحظ أن وجوب الإبراز ليس خاصا بضمير الخبر المفرد عند اللبس. بل يشمل ضمير الخبر الواقع جملة ؛ نحو : محمد صالح أكرمه. كذلك ما يحتمل أن يكون مفردا أو جملة (كمتعلق الظرف والجار مع مجروره) ، نحو : حامد محمود عنده ، أو فى حديقته. كما أن اللبس وإبراز الضمير ليس مقصورا على الخبر ؛ بل يشمل أشياء أخرى ، كالحال فى مثل : ركب عادل الحصان متعبه هو ، وكالنعت ؛ فى مثل : مر عادل بصديق مكرمه هو ، وكالصلة فى مثل : عادل الحصان النافعه هو. وإذا وقعت جملة فعلية مكان واحد من الثلاثة كان الفعل فى كل منها كالوصف الواقع خبرا ...
2) سبق فى ص 403 أن الخبر يكون جملة أو شبهها وجوبا فى مسائل معينة سيجىء بيانها فى «ج» من ص 430.
3) بأن يكون تقدمه أصليا لا طارئا لسبب بلاغى : كتقدم المفعول على فعله فى مثل : محمدا أكرمت ؛ فإن هذا التقدم ليس أصيلا.
4) وإذا صارت خبرا لم يصح تسميتها جملة إلا على حسب أصلها السابق ، (طبقا للبيان الذى سبق فى رقم 1 من هامش ص 15 ورقم 3 من هامش ص 337) ، هذا ولا يخرج الكلمة عن الصدارة الأصلية أن يسبقها حرف عامل ؛ مثل : «ما» الحجازية ، و «لا» النافية للجنس ، و «إن» ، أو غير عامل مثل : «ما» و «لا» النافيتين ... فالعبرة بما يقع بعد هذه الأدوات من فعل ، فتكون الجملة فعلية ، أو اسم ، فتكون اسمية.
5) إذا وقعت الجملة خبرا كانت نائبة عن المفرد ؛ لأنها واقعة موقعه ؛ إذ المفرد هو الأصل ، والمركب فرع منه. لذلك يحكم على موضعها هنا بالرفع ؛ على معنى أنه لو وقع المفرد - الذى هو الأصل - موقعها لكان مرفوعا. فعند الإعراب نقول : (الجملة من : «المبتدأ والخبر» أو من «الفعل والفاعل» - فى محل رفع خبر المبتدأ) ...
يشتد حره. الشتاء يقسو برده. الربيع جوّه معتدل. الخريف جوه متقلب. وقد اجتمعت الجملتان فى قول الشاعر :
البغى يصرع أهله *** والظلم مرتعه وخيم (1)
ويشترط فى الجملة الواقعة خبرا أن تشتمل على رابط (2)يربطها بالمبتدأ ، إلا إن كانت بمعناه ، كما سيجىء (3). وهذا الرابط - كالضمير فى الجمل السالفة - ضرورى ؛ ولولاه لكانت جملة الخبر أجنبية عن المبتدأ ، وصار الكلام مفككا لا معنى له ؛ لانقطاع الصلة بين أجزائه ؛ فلا يصح أن نقول : محمد يذهب علىّ ، وفاطمة يجىء القطار ... لفساد التركيب ، واختلال المعنى بفقد الرابط. والروابط أنواع كثيرة منها :
1 - الضمير الراجع إلى المبتدأ ، وهو أصل الروابط وأقواها (وغيره خلف عنه) ، سواء أكان ظاهرا ؛ مثل : الزارع «فضله كبير» أم مستتر (أى : مقدر) مثل : الأرض ، تتحرك» ، وقولهم : مخالفة الناصح الأمين تورث الحسرة ، وتعقب الندامة ، أم محذوفا (4)
وقد يكون الضمير المجرور محذوفا مع حرف الجار ؛ لوجود نظير لهما يسبقهما فيدل عليهما ؛ نحو : اعمل بنصحى ؛ فإن الذى أنصحك به أنت مفلح. أى : مفلح به.
ومن المعلوم ما يكون ضميرا مرفوعا ؛ نحو : قراءة من قرأ قوله تعالى : (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) .. على اعتبار : «إن» مخففة من الثقيلة ، واسمها محذوف وخبرها جملة : أى : إن هذان لهما ساحران.
والذي دعا لذلك دخول اللام على كلمة : «ساحران» التي هي الخبر ؛ فلو كانت ، «إن» حرفا بمعنى نعم . كما يقول بعضهم . وهذان مبتدأ مرفوع بالألف و «لساحران» خبره مرفوع بالألف . لترتب على ذلك دخول اللام على خبر المبتدأ ؛ وهو ضعيف عندهم. بخلاف دخولها على المبتدأ نفسه ؛ فقدروا دخولها على مبتدأ محذوف ضمير. إلى غير ذلك من كل موضع يحذف فيه الضمير ؛ لوجود ما يدل عليه.
هذا والضمير المحذوف غير الضمير المستتر كما أوضحنا ذلك من قبل . في هامش ص ١٩٨ .
للعلم به مع ملاحظته ونيته ؛ مثل :1) المرتع هنا : المرعى ، أى : النبات الذى ترعاه الحيوانات. والأصل : مكان الرعى. الوخيم. السيىء الضار.
2) هناك شروط أخرى ستجىء فى الزيادة ص 428 وفى تلك الصفحة نص صريح على جواز وقوع الجملة الإنشائية خبرا.
3) فى ص 426.
4) بشرط أن يكون معلوما. ومن المعلوم ما ينصب بفعل ؛ نحو : الطيور الأليفة جميلة ، وكل أحب ، أى : أحبه. وما ينصب بوصف ؛ نحو : الكتاب أنا معطيك ، أى : معطيكه. ومن المعلوم ما يجر بمشتق ؛ كاسم الفاعل فى نحو : الآثار أنا زائر ؛ أى : زائرها ، وما يجر بحرف جر يدل على التبعيض ، ولا يبقى بعد حذف الضمير المجرور ؛ نحو : السكر رطل بدرهمين ؛ أى : رطل منه. أو يدل على الظرفية ؛ نحو : الدهر يومان ؛ فيوم نفرح ، ويوم نحزن ؛ أى : نفرح فيه ، ونحزن منه.
الفاكهة «أقه بعشرة قروش» أى : أقة منها. وحجارة الهرم «حجر بوزن عشرة» أى : حجر منها. والورق «اللون لون اللبن». اللون منه. والثوب «الرائحة رائحة الزهر» أى : الرائحة منه.
ويشترط فى الضمير أن يكون مطابقا للمبتدأ السابق فى التذكير ، والتأنيث والإفراد ، والتثنية ، والجمع (1).
2 - الإشارة إلى المبتدأ السابق ؛ نحو : الحرية «تلك» أمنيّة الأبطال ، والإصلاح «ذلك» مقصد المخلصين (2). ومنه قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ... )
3 - إعادة المبتدأ السابق ؛ بقصد التفخيم ، أو التهويل ، أو التحقير. والإعادة قد تكون بلفظه ومعناه معا ؛ نحو : الحرية ما الحرية (3)؟ والحرب ما الحرب؟ والسارق من السارق؟ وقد تكون بمعناه فقط ؛ نحو : السيف ما المهند؟ والأسد ما الغضنفر؟ وعلىّ من أبو الحسين؟ بشرط أن يكون أبو الحسين كنية علىّ. والمراد بهما شخص واحد.
4 - أن يكون فى الجملة الواقعة خبرا ما يدل على عموم يشمل المبتدأ السابق وغيره ؛ نحو : أما جبن المحارب فلا جبن فى بلادنا ، وأما هربه فلا هرب عندنا. والعربىّ نعم البطل ... فعدم الجبن أمر عام يشمل جبن المحارب وغير المحارب ، وكذلك
1) مع مراعاة صور المطابقة المختلفة التى تكلمنا عليها فى «ح» من ص 237 ، وفى هذا الباب ص 410 و 411 وما بعدها. ومع مراعاة ما سبق أن أشرنا إليه - فى رقم 1 من هامش ص345. إذا كان المبتدأ ضميرا للمتكلم - أو للمخاطب - متعدد الأخبار ، وأحد الأخبار جملة فعلية ؛ فإن الضمير الرابط يصح أن يكون للمتكلم ، أو للغائب ؛ مثل : أنا صادق أحب الإنصاف ، أو يحب الإنصاف. ولا يتغير الحكم إن جعلنا الفعلية السابقة - ونظائرها - نعتا ، لا خبرا. وكذلك لا يتغير إن جعلناها حالا ، بشرط أن يكون صاحب الحال معرفة ، مثل : أنا الصادق أحب الإنصاف ، وأنت الصادق تحب الإنصاف ومراعاة التكلم والخطاب فى كل الصور السالفة هى الأبلغ والأسمى.
2) وبشرط إعراب اسم الإشارة مبتدأ ثانيا. ويجوز فيه إعرابات أخرى لا يكون فيها الخبر جملة.
3) «الحرية» : مبتدأ أول : «ما» اسم استفهام ، مبتدأ ثان ؛ مبنى على السكون فى محل رفع «الحرية» : خبر الثانى ، والجملة من الثانى وخبره فى محل رفع خبر المبتدأ الأول.
عدم الهرب فى بلادنا يشمله ويشمل غيره ... والبطل الممدوح بكلمة : «نعم» يشمل العربى وغيره.
5 - أن يقع بعد جملة الخبر الخالية من الرابط جملة أخرى معطوفة عليها بالواو ، أو الفاء ، أو ثم ، مع اشتمال المعطوفة على ضمير يعود على المبتدأ السابق ؛ فيكتفى فى الجملتين بالضمير الذى فى الثانية (1)فمثال الواو : الزارع نبت الزرع وتعهده - الطالب بدأت الدراسة واستعد لها (2)
وإنما كان العطف بالواو غالبا لأنها هي التي تفيد مطلق الجمع دون حرف العطف الأخری.
... ومثال الفاء : الصانع تيسرت أسباب الصناعة فأقبل غير متردد ، والعامل كثرت ميادين العمل فوجد الرزق مكفولا (3). ومثال ثمّ : القمر طلعت الشمس ثم اختفى نوره ، والنجوم انقضى النهار ثم أشرق ضوءها.6 - أن يقع بعد جملة الخبر الخالية من الرابط أداة شرط حذف جوابه لدلالة الخبر عليه ، وبقى فعل الشرط مشتملا على ضمير يعود على المبتدأ ؛ مثل الوالد يترك الأولاد الصياح إن حضر - الضيف يقف الحاضرون إن قدم.
تلك أشهر الروابط. ويجوز أن تستغنى جملة الخبر عن الرابط إن كانت هى نفس المبتدأ فى المعنى (4)؛ بحيث يتضمن أحدهما المعنى الذى يتضمنه الآخر تماما (5)؛ كأن يقول رجل لزميله ؛ ما رأيك فى التجارة؟ فيجيب : رأيى. «التجارة
1) ومثل هذا يصح فى كل جملة أخرى تحتاج للرابط ؛ كالصلة ، والصفة ، والحال.
2) وقد تكون الجملة الخبرية الخالية من الرابط مشتملة على اسم قد عطف عليه بالواو اسم آخر يشتمل على ضمير يعود على المبتدأ الأول. نحو الضيعة شرب القمح وزرعها. الورد تحركت فروع الأشجار وفروعه ... وقد تكون الجملة الثانية نعتا وفيها الضمير : نحو : الورد قطفت واحدة أحبها. وقد تكون مشتملة على عطف بيان فيه الضمير ؛ نحو : على صاحبت محمودا أخاه.
3) أما العكس وهو عطف جملة بالفاء خالية من الضمير على جملة الخبر المشتملة عليه - فجائز ؛ نحو : قوله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ) . برغم أن الجملة المعطوفة على جملة الخبر بمنزلة الخبر تستحق الضمير.
4) هذا الاستغناء جائز لا واجب كما قلنا ؛ فلا مانع أن يكون فى هذه الجملة المتفقة فى معناها مع معنى المبتدأ رابط ، إن أمكن ، سواء أكان ضميرا ... وهو الغالب - أم غير ضمير.
5) كل خبر ولو كان مفردا ، هو فى الحقيقة نفس المبتدأ فى المعنى ؛ كما يتبين من مثل : «المطر نازل» ؛ فإن النازل هو : المطر ، والمطر هو : النازل ، فكلاهما يتضمن الآخر من جهة المعنى ، غير أن المقصود بالخبر الواقع جملة تتحد مع المبتدأ فى المعنى - هو : كل جملة مخبر بها عن مبتدأ مفرد ، يدل على معنى تلك الجملة ، ويحوى مضمونها ؛ فهو فى ظاهره لفظ مفرد ، ولكنه ينطوى على معنى الجملة وعلى مضمونها. ومن أمثلته : قول ، كلام ، حديث ، نطق ... وأيضا ضمير الشأن .. وقد تقدم موضوعه فى ص 226.
غنى» (1). فالجملة الواقعة خبرا مطابقة فى معناها للمبتدأ فى معناه ومدلوله ؛ فكلاهما مساو للآخر فى المضمون ؛ فالرأى هو : «التجارة غنى» و «التجارة غنى» هى : «الرأى». ومن أمثلة ذلك : أن يتكلم متكلم فيسأله الآخر ما ذا تقول؟ فيجيب : قولى «الذليل مهين» (2). كلامى «الكرامة تأبى المهانة» فجملة الخبر فى كل مثال هى نفس المبتدأ السابق فى المعنى ، والمبتدأ السابق فى كل مثال يتضمن معنى الجملة الواقعة خبرا ، فكلاهما يتضمن معنى الآخر ، ودلالته (3)
ومفردا يأتى ، ويأتى جمله *** حاوية معنى الّذى سيقت له
وإن تكن إيّاه معنى اكتفى *** بها ؛ كنطقى : اللّه حسبى ، وكفى
أى : أن الخبر قد يكون مفردا ، وقد يكون جملة. ويشترط فى الجملة أن تكون حاوية معنى المبتدأ الذى سيقت لإتمام الفائدة معه. أى : تكون مشتملة على معناه ... ويتحقق هذا الشرط بالربط بينهما بالضمير ، أو ما يخلفه. فإن كانت الجملة هى المبتدأ فى المعنى (بالطريقة التى شرحناها) اكتفى بها من غير رابط ؛ مثل : (نطقى ؛ اللّه حسبى) فالمبتدأ يتضمن معنى الخبر الجملة - والخبر الجملة يتحد فى المعنى مع المبتدأ. وفى مثل هذه الصورة يصح الاستغناء عن الرابط.
(وكلمة : «معنى» فى بيت ابن مالك منصوبة على أنها : تمييز أى : من جهة المعنى. وكلمة : «كفى» المراد منها : وكفى به ؛ أى : باللّه. حذف الجر الزائد وحده وهو «الباء» فانفصل الضمير الذى كان مجرورا فى محل رفع ، ثم استتر مرفوعا فى الفعل «كفى» ، وصار تقديره : هو.) ثم قال :
والمفرد الجامد فارغ ، وإن *** يشتقّ فهو ذو ضمير مستكن
أى : أن الخبر المفرد نوعان ؛ فالجامد منه فارغ من الضمير ، والمشتق ليس بفارغ ؛ بل فيه ضمير مستكن ؛ أى : مستتر. ثم قال :
وأبرزنه مطلقا حيث تلا *** ما ليس معناه له محصّلا
أى : أبرز الضمير الرابط مطلقا (سواء أمن اللبس أم لم يؤمن. وهذا مذهب البصريين) إن وقع الخبر بعد مبتدأ ليس معنى الخبر محصلا له ؛ بأن يكون الخبر جاريا على غير من هو له. فالمراد من كلمة : «ما» المبتدأ. والضمير فى : «معناه» يعود على الخبر. أى : أبرز الضمير مطلقا حيث يقع الخبر بعد مبتدأ لا يكون هذا الخبر محصّلا له. أى : لا يكون حاويا لمعناه ، ولا جاريا عليه.
ومذهب البصريين فيه تضييق من غير داع ؛ حيث يوجب إبراز الضمير مطلقا ، مع أنه لا داعى لوجوب الإبراز عند أمن اللبس.
. .(ا) اشترطنا (1)فى جملة الخبر وجود رابط ، - بالتفصيل الذى أوضحناه - ويشترط فيها أيضا أن تكون غير ندائية ؛ فلا يصح : محمد (يا هذا ...). وأن تكون غير مبدوءة بكلمة «لكن» : أو «حتى» : أو «بل» ؛ لأن كل واحدة من هذه الكلمات تقتضى كلاما مفيدا قبلها ، فالاستدراك بكلمة : «لكن» (2)لا يكون إلا بعد كلام سابق. وكذلك الغاية بكلمة : «حتى» والإضراب بكلمة : «بل» (3)
(«لا يسوغ الإخبار بجملة ندائية ، نحو : زيد يا أخاه ، ولا مصدرة بلكن ، أو : بل ، أو : حتى ، بالإجماع فى كل ذلك)».
.ويجوز فى جملة الخبر أن تكون قسمية (4)؛ نحو : القوى واللّه ليهزمن عدوه ، وأن تكون إنشائية ؛ سواء أكانت إنشائية طلبية ؛ نحو : الحديقة نسقها ، أم غير طلبية مثل : الصديق لعله قادم. العادل نعم الوالى ، والظالم بئس الحاكم.
(ب) فى الأساليب التى يكون فيها الخبر جملة معناها هو معنى المبتدأ مثل : (لامى : «الجو معتدل») (حديثى : «يجىء الفيضان صيفا»). (قولى : «نشر التعليم ضرورى») ، (خطبتى : «التوحد قوة»). (مقامى : «احذروا الخائنين») ... يجوز إعرابان :
أولهما : أن تعرب الجملة الاسمية أو الفعلية مجزأة على حقيقتها جزأين (مبتدأ : وخبرا ، أو فعلا وفاعلا) ثم يكون مجموع الجزأين فى محل رفع خبر
1) فى ص 424.
2) بسكون النون ؛ فتكون للاستدراك والابتداء ؛ ولا تعمل شيئا : أما بتشديد النون فتكون للاستدراك ، وتعمل عمل «إن». وفى كلتا الحالتين لا بد أن يسبقها كلام يحصل بسببه الاستدراك. وقد وردت بعض أساليب قليلة وقعت فيها لكنّ (بالتشديد) فى صدر جملة الخبر ؛ مثل : «محمود وإن كثر ماله لكنه بخيل». فقيل لا مانع أن تكون الجملة خبرا مع تصدرها بلكن ، وقيل إن الخبر محذوف والاستدراك منه ؛ وأصل الكلام مثلا : محمود وإن كثر ماله لا يتوانى ، لكنه بخيل. والأسلوب على كلا الإعرابين معيب - كما سبق البيان فى : «و» من ص2. بعيد من الأساليب الصحيحة. الواردة فى الكلام الفصيح : فلا يقاس عليه.
3) وفى هذا يقول السيوطى فى الهمع (ج 1 ص 96) ما نصه :
4) إذا كانت الجملة القسمية ذاتها نوعا من الإنشاء غير الطلبى تبعا للرأى القائل بهذا - دخلت فى عداد هذا النوع الآتى بعد.
المبتدأ السابق ؛ ففى مثل : (كلامى : الجو معتدل) نقول : «كلام» مبتدأ مضاف ، والياء مضاف إليه مبنى على السكون فى محل جرّ ، «الجو» مبتدأ ثان. «معتدل» خبره ، والجملة من الجزأين فى محل رفع خبر المبتدأ الأول. وفى مثل : (حديثى : يزداد الفيضان صيفا) نقول : «يزداد» مضارع مرفوع. «الفيضان» فاعل مرفوع «صيفا» ظرف منصوب ، والجملة من الجزأين (الفعل والفاعل) فى محل رفع خبر المبتدأ. فلكل جزء من أجزاء الجملة وجود مستقل ، وإعراب خاص به وحده ؛ ثم يكون مجموع الجزأين معا هو خبر المبتدأ السابق.
ثانيهما : أن ننظر إلى تلك التى كانت فى الأصل جملة نظرتنا إلى شىء واحد ليس مجزأ ، وليس له كلمات مفردة ؛ فكأنه كتلة واحدة ليس لها أجزاء ، أو أنه كلمة واحدة مهما تعددت الكلمات ، فهى من قبيل المركب الإسنادى الذى ننطق فيه بالألفاظ على حسب ضبطها الأصلىّ - قبل أن تكون خبرا أو شيئا آخر - ؛ من غير تغيير شىء من حروفها أو ضبطها. ثم نقول عنها كلها الآن : إنها خبر مرفوع بضمة مقدرة على آخره لأجل الحكاية ؛ (وهى - كما سبق (1)ترديد اللفظ الأصلى وترجيعه على حسب هيئته الأولى - غالبا - ؛ حروفا وضبطا). ويكون الخبر فى هذه الحالة من قبيل الخبر المفرد. لا الجملة ؛ فنقول فى إعراب : (كلامى : «الجوّ معتدل» «كلام» مبتدأ مضاف. والياء مضاف إليه. «الجوّ معتدل» كلها خبر مرفوع بضمة مقدرة. على آخره (2)، منع من ظهورها حركة الحكاية). ونقول فى مثل : (حديثى «يظهر الفيضان صيفا») حديث» مبتدأ مضاف ... الياء مضاف إليه ... «يظهر الفيضان صيفا» كلها خبر مرفوع بضمة مقدرة على آخره ؛ منع من ظهورها حركة «الحكاية» ... وهكذا.
وقد يقع العكس كثيرا ؛ فيكون المبتدأ جملة بحسب أصلها (3)، ولكنها
1) فى رقم 2 من هامش ص 278.
2) نقول : إنها مقدرة مع وجود ضمة ظاهرة فى آخر كلمة : «معتدل» ؛ لأن هذه الضمة الموجودة لم تجىء لأجل الخبر المحكى ؛ وإنها كانت قبل مجيئه. وستبقى فى باقى الأحوال ؛ كجالتى النصب ، والجر ، فالضمة الخاصة بالخبر المحكى غير ظاهرة فى النطق ؛ وإنما هى مقدرة.
3) مثل هذا المبتدأ لا يعد جملة ؛ فإن المبتدأ فى أصله لا يكون جملة ؛ وإنما يعد على إرادة لفظه المحكى. أما الخبر إذا كان جملة هى نفس المبتدأ فى المعنى فيجوز فيها إعرابان كما عرفنا ؛ أحدهما : اعتبار الجملة مجزأة جزأين ، كل منهما له إعرابه ، ومجموع الجزأين هو الخبر. وثانيهما اعتبارها جملة محكية ؛ لا ينظر فيها إلى تجزئة ؛ فتعرب كلها خبرا محكيا.
صارت محكية. والخبر مفرد يتضمن معناها ، كأن يقول قائل : أريد أن تدلنى على آية قرآنية ، وعلى مثل قديم ، وعلى حكمة مأثورة. فتجيب : ( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً ) آية قرآنية. (إن أخاك من واساك) مثل قديم. (ربّ عيش أهون منه الحمام) حكمة من حكم المتنبى. فالآية كلها من أولها إلى آخرها مبتدأ مرفوع ، بضمة مقدرة منع من ظهورها حركة الحكاية. وكلمة : «آية» هى الخبر. وكذلك (إن أخاك من واساك) كلها من أولها إلى آخرها مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره ، منع من ظهورها حركة الحكاية ، والخبر كلمة : «مثل» وكذا يقال فى : «رب عيش أهون منه الحمام».
وكما تتكون الجملة المحكية من مبتدأ وخبره تتكون من فعل وفاعله ، ومن غير ذلك. والمهم فى الألفاظ المحكية أن تكون دائما بصورة واحدة فى جميع الحالات الإعرابية ، ولكنها مع ذلك فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ؛ على حسب موقعها الإعرابىّ.
ح - أشرنا (1)إلى أنواع من المبتدأ تحتاج إلى خبر حتما وإلى وجوب أن يكون هذا الخبر جملة - ويلحق بها نوع يجب أن يكون خبره شبه جملة (جارّا مع مجروره) - وأشهر تلك الأنواع المحتاجة لجملة : أسماء الشرط الواقعة مبتدا (2)، وكذا : ضمير الشّان (3)، و «كأيّن (4)الخبرية الشبيهة بكم الخبرية ، والمخصوص بالمدح والذم إذا تقدّم ، والمنصوب على الاختصاص ؛ فإنه يجب فيه أن يتقدم عليه اسم بمعناه يعرب مبتدأ ، ويعرب الاسم المنصوب على الاختصاص مفعولا به لفعل محذوف تقديره : أخصّ - مثلا - والجملة خبر عن ذلك المبتدأ. ويجب أن يكون خبر «ما» التعجبية جملة ، وكذلك خبر المبتدأ الملازم للابتداء سماعا ؛ نحو : طوبى للمؤمن ؛ فإن خبره لا يكون إلا جارا مع مجروره وهما شبهيان بالجملة ... - ومثله وقولهم فى المدح : لله درّ فلان ... وغير هذين مما سيجىء (5).
القسم الثالث - الخبر شبه الجملة :
يريد النحاة بشبه الجملة هنا أمران (1)؛ أحدهما : الظرف بنوعيه الزمانىّ والمكانىّ ، والآخر : حرف الجر مع مجروره. فالخبر قد يكون ظرف زمان ؛ نحو : الرحلة «يوم» الخميس. والرجوع «ليلة» السبت. وقد يكون ظرف مكان ؛ نحو : «الحديقة «أمام» البيت ، والنهر «وراءه» ؛ فكلمة «يوم». و «ليلة» وما يشبههما ظرف زمان ، منصوب ، فى محل رفع (2)
«واعلم أنك إذا قلت : «زيد عندك» فعندك ظرف منصوب بالاستقرار المحذوف ؛ سواء أكان فعلا أم اسما ، وفيه ضمير مرفوع ، والظرف وذلك الضمير في محل رفع بأنه خبر المبتدأ. وإذا قلت : «زيد في الدار» أو : «من الكرام» فالجار والمجرور في موضع نصب بالاستقرار ، على حد انتصاب «عندك» إذا قلت : زيد «عندك». ثم الجار والمجرور والضمير المنتقل في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ ..) اه هذا ، وهو يشير بقوله (الجار والمجرور في موضع نصب بالاستقرار ... إلخ) إلى ما هو معروف في الاصطلاح النحوى من أن المجرور أصله مفعول به في المعنى ، وحرف الجر أداة لتوصيل أثر الفعل إليه فاعتبار الظرف هو الخبر من غير أن يتعلق بشيء آخر وكذلك اعتبار الجار مع مجروره هو الخبر . مذهب قديم من عدة مذاهب (سجلتها المراجع النحوية ؛ كالمفصل والصبان) وقد سجلنا رأى صاحب المفصل. والأخذ به يريحنا من بحوث جدلية مضنية ، وتقسيمات متعددة ؛ لا نفع لها اليوم وليس فيها إلا العناء العقلي الذي تضيق به الناشئة. وسنعرض لبعض تلك البحوث بقليل من التفصيل ؛ لا للأخذ بها ، ولكن ليقف عندها المتخصصون وقفة الفاحص.
شبه الجملة . في هذا الباب . هو الظرف والجار مع مجروره وسمى شبه جملة ، لأن كلا منهما قد يدل على جملة ومعناها. وأساس هذا التعليل عندهم أن الظرف أو الجار الأصلى مع مجروره ليس هو الخبر في الحقيقة ، وإنما الخبر الحقيقي لفظ آخر محذوف ، يتعلق به الظرف ، والجار الأصلى مع المجرور ، إذ لا بد أن يتعلقا بفعل أى فعل لا فرق بين المتعدى واللازم ، والجامد والمتصرف ، والتام والناقص كما سيجىء البيان فى ج2. باب حروف الجر) أو بما يشبه الفعل ؛ من اسم فعل ، أو من مشتق يعمل عمل الفعل ، أو من جامد مؤول بالمشتق. وبهذا التعلق الواجب يتم المعنى. (وقد يتعلقان - أحيانا - بالنسبة أى : بالإسناد طبقا لما هو مبين فى : «ب» من الزيادة ص 436). والمحذوف قد يكون فعلا مع فاعله ، وهذا أمر متعين متحتم إذا وقع شبه الجملة فى جملة الصلة لموصول اسمى غير «أل» ، أو لجملة القسم لأن جملة الصلة للموصول الاسمى غير «أل» وكذا جملة القسم لا بد أن تكون كل واحدة منهما فعلية - كما سبق فى رقم 1 من هامش صفحتى 347 و 348، وكما سيجىء فى ج 2 باب الظرف ص 200 م 78 وباب حروف الجر ص 325 م 89 - لكن التعلق يكون بالفعل وحده ، وقد يكون فى غيرهما شيئا آخر مما سبق ، ففى مثل «الكتاب فوق الكتب» و «الولد فى البيت» - يكون تقدير الكلام مثلا : الكتاب «استقر» ، أو : «مستقر» فوق المكتب. والولد «استقر» أو : «مستقر» فى البيت ، ونحو ذلك من فعل محذوف ، أو غيره مما تقدم ، فيدل على مجرد الوجود والاستقرار ، من غير معنى زائد على هذا الوجود المطلق. الذى يسمونه : «الكون العام». أى : الوجود العام الخالى من شىء آخر معه ؛ كالنوم ، أو : القراءة ، أو اللعب ... فلا يصح عندهم أن يكون التقدير : الولد نام - أو : ناثم - فى البيت. ولا : الكتاب تحرك أو متحرك فوق المكتب ، لأن كل واحد من هذه الألفاظ يدل على الوجود مع زيادة شىء آخر ؛ كالوجود ومعه النوم للولد ، والوجود ومعه التحرك للكتاب وهكذا ... أى : أنه وجود مقيد بشىء آخر يزيد عليه ، وليس بالوجود المطلق المجرد. مثل هذا الوجود ، المقيد يسمى : «كونا خاصا» يجب ذكره : إلا أن دلت قرينة عليه عند الحذف. وقد دفعهم إلى هذا التقدير للكون العام المحذوف ، واعتباره كالملفوظ - ما يتمسكون به - بحق - من أن الظرف والجار الأصلى مع المجرور لا بد أن يتعلقا بعامل - كما قلنا - يتممان معناه ، ويعمل فيهما. فأين العامل الذى يؤثر فيهما ، ويتعلقان به إذا كان المبتدأ جامدا فى نحو : الغزال فى الحديقة ، وكثير من الأمثلة المشابهة؟ لذلك يقولون فى الإعراب : الظرف أو الجار الأصلى مع مجروره متعلق بمحذوف خبر ؛ سواء أكان المحذوف فعلا مع فاعله (أى : جملة فعلية) مثل استقر ، أو أو ثبت ، أو : كان التى بمعنى : و «وجد» : وهى ، كان التامة - أم كان مفردا أى : اسما مشتقا ؛ مثل : مستقر ، أو : كائن (المشتقة من «كان» التامة) أو موجود - أو شيئا آخر يصلح عاملا - فليس الخبر عندهم فى أصله هو الظرف نفسه ، أو الجار الأصلى مع المجرور مباشرة ، وإنما الخبر فى الأصل هو المحذوف الذى ينوونه ، ويتعلق به كل واحد من هذين. ولما كان كل منهما صالحا لأن يتعلق بالفعل المحذوف ، ويدل عليه بغير خفاء ولا لبس. كان شبه الجملة بمنزلة النائب عنهما ، والقائم مقامهما. والفعل مع فاعله جملة ؛ فما ناب عنها وقام مقامها فهو شبيه بها ؛ لذلك أسموه : «شبه الجملة». وأوجبوا حذف متعلقه إن كان كونا عاما وقع خبرا ، أو صفة. أو حالا ، وكذلك إن كان صلة موصول اسمى غير «أل» لكن يجب مع الصلة - لغير «أل» - ان يكون المحذوف فعلا ولا يصح أن يكون اسما مشتقا - أو غيره مما يشبه الفعل - كما عرفنا عند الكلام عليها ؛ لأن صلة الموصول الاسمى غير - «أل» - يجب أن تكون جملة فعلية ، ومثلها جملة القسم التى حذف منها عاملها ...) ثم زادوا فقسموا كلا من الظرف والجار الأصلى مع المجرور إلى مستقر : (بفتح القاف) وإلى : «لغو» يريدون بالمستقر : ما كان متعلقه المحذوف كونا عاما يفهم بدون ذكره. وسمى «مستقرا» لأمرين ؛ لاستقرار معنى عامله فيه ، أى : فهمه منه. ولأنه حين يصير خبرا - مثلا - ينتقل إليه الضمير من المحذوف ويستقر فيه. وبسبب هذين الأمرين يجب حذفه حتما.
ويريدون باللغو : ما كان كونا خاصا. وسمى كذلك لأن وجوده ضئيل الأثر مع وجود عامله ؛ إذ لا يستقر فيه معنى ذلك العامل. ولا يتحمل ضميره. وفى هذه الحالة يكون العامل الملفوظ به في الجملة هو الخبر حتما ويجب ذكره ، ولا يجوز حذفه إلا لقرينة . كما في الأمثلة . التي ستجىء .. ولو حذف لوجودها لكان هو الخبر أيضا مع حذفه ؛ فلا يصح في حالتي ذكره أو حذفه أن يكون الظرف أو الجار مع مجروره خبرا ، ولا في موضع رفع خبرا. وهذا نوع من التشدد لا داعى له إذ لا مانع أن نعرب الظرف اللغو خبرا في الحالة التي يحذف فيها عامله المعروف كما أعربنا زميله المستقر. والكون العام واجب الحذف ؛ إذ لا فائدة من ذكره ؛ لوجود ما يدل عليه غير خفاء ولا لبس ، ولانتقال الضمير منه إلى شبه الجملة - كما قلنا - كما أن الكون الخاص يجب ذكره حتما لعدم وجود ما يدل عليه عند حذفه ؛ فإن وجدت قرينة تدل عليه وتعينه صح حذفه ، مثل : الفارس فوق الحصان ، أى راكب. فوق الحصان ، ومن لى بفلان؟ أى : من يتكفل لى بفلان. والبحترى من الشعراء ؛ أى : معدود منهم. ومثل قوله تعالى فى القصاص : ( الْحُرُّ بِالْحُرِّ ) على تقدير : «مقتول» لأن تقدير الكون العام فى الأمثلة السالفة لا يؤدى المعنى المراد. والمتعلق الخاص المحذوف لوجود قرينة تدل عليه هو عندهم الذى يعرب خبرا - كما سبق - لا شبه الجملة. وبالرغم من حذفه فإنه لا يخرج الظرف - فى رأيهم - عن اعتباره لغوا ، ولا يتنافى مع ما هو ثابت له من أنه : «كون خاص» ؛ فالمعول عليه عندهم فى الحكم باللغو راجع إلى خصوص الكون ، وأنه ليس بعام ؛ سواء ذكر الكون الخاص أم حذف ، وفى الاستقرار إلى عموم الكون ، وأنه ليس بخاص ، وينتقلون بعد هذا إلى تقسيمات ، وتفريعات شاقة ، وأدلة جدلية مرهقة فى إثبات تلك الأقسام والفروع، وفى المفاضلة بين أن يكون المتعلق المحذوف فعلا أو اسما .. وغير هذا مما لا حاجة إليه اليوم ، ولا ضرر من إهماله. بل الخير فى إهماله وفى ترك ما نقلناه عنهم ، وما لم ننقله ، وفى الاقتصار على إعراب الظرف والجار الأصلى مع المجرور خبرا فى محل رفع، كما شرحنا أول هذا الموضوع وكما هو رأى بعض السابقين. ولا داعى للتشدد فى البحث عن العامل مع عدم الحاجة إليه ؛ ولا فى الخضوع له ، وركوب الشطط لإظهار آثاره ؛ لأن المعنى جلى كامل بدونه. إذ ذلك التشدد وذلك الخضوع هو الجانب المعيب فى نظرية العامل النافعة الجميلة. وإذا أخذنا بهذا الرأى السهل اليسير كان تسمية الظروف والجار مع مجروره : شبه جملة ، إنما هى من قبيل الإبقاء على التسمية القديمة ، ومراعاة أصلها السابق ، أو لأن كلا من الظرف والجار الأصلى مع مجروره ليس مفردا فى الحقيقة بل هو مركب ؛ إذ يحمل معه الضمير المستتر الذى انتقل إليه من المحذوف على الوجه الذى بسطناه. وإتماما للبحث ، وإنصافا للنحاة نذكر أن رأيهم فى وجوب تعلق «شبه الجملة» سديد ، وأن حجتهم فى تحتيم ذلك التعلق قوية - وإيضاحها فى ج 2 ص 203 م 78 وص 343 وما بعدها م 89 وتتخلص هنا فى أن الخبر هو المبتدأ معنى وكذلك المبتدأ هو الخبر معنى ؛ كما فى مثل : «على الخطيب» فالخطيب فى هذه الجملة هو على ، وعلى هو الخطيب ، فكلاهما من جهة المعنى هو الآخر ، وكذلك الشأن فى كل مبتدأ وخبر على النسق السالف الوارد فى الاستعمال العربى. فلو أردنا بغير تعلق تطبيق هذا الضابط العام الصحيح على الخبر شبه الجملة لم ينطبق ، بل يفسد المعنى معه ولا يصلحه إلا التعلق على الوجه الذى يذكره النحاة ؛ ففى مثل : على أمامك لا يصح أن يكون الظرف (أمام) هو على ولا أن يكون على هو : «الأمام» نفسه إذا المعنى فى كل منهما مخالف للآخر تمام المخالفة ولا يصلحه إلا أن يكون الظرف متعلقا بشىء آخر غير المبتدأ ؛ هو «كائن» ، أو «موجود» أو نحوهما.
وما يقال في الظرف يقال في الجار الأصلى مع المجرور إذ لا فائدة منهما الا بمتعلقهما : كالظرف بنوعيه فإنه لا يستقل بنفسه في إحداث معنى جديد ، لأنه وعاء . كالوعاء الحسى . لا بد له من مظروف ، (أي : من شيء يقع فيه) وهذا المظروف هو ما يسمى : «المتعلق» وهو الذى لا بد أن يقع في الظرف ، وإلا فسد المعنى بغيره تماما. وقد أوضحنا هذا بإسهاب وتفصيل في مكانه المناسب . ج ۲ ص ۲۰۳ م ۷۸ باب الظرف وكذلك في ص ٣٤٣ وما بعدها م ۸۹ واستيفاء الموضوع على الوجه الحميد يقتضى الرجوع إلى ذنبك الموضعين.
؛ لأنه خبر المبتدأ. وكلمة1) أما فى اسم الموصول فشبه الجملة ثلاثة أشياء سردنا تفصيلها فى ص 347 وسيجىء كلام خاص بالجار مع مجروره ، فى باب الحال ج 2 ص 100 م 68.
2) وهذا رأى حسن بارع - أشرنا إليه فى رقم 1 من هامش ص 347 - سجله شارح كتاب المفصل فى ج 1 ص 90 ، 91 عند الكلام على أقسام الخبر. وإنما كان فى محل رفع لأن الأصل أن يكون الخبر مفردا مرفوعا ، إذ المفرد «بسيط» و «البسيط» أصل المركب ؛ فجاء الظرف والجار مع المجرور وحلا فى محل ذلك الأصل ؛ فمجيئها طارئ عرضى والمسألة شكلية ، بحتة ، ولا أثر لها من الناحية العملية التحقيقية : فلو قلنا : «ظرف منصوب خبر المبتدأ» أو جار مع مجروره خبر المبتدأ ، من غير أن نزيد شيئا - ما حصل قصور ، ولا وقعنا فى خطأ. لكن قد يكون الأخذ بالإعراب الأول أنسب ؛ لأنه أوضح ظهورا ، لمراعاة الأصل ، والغالب فيه .. وإليك النص الذى سجله شارح المفصل : (اعلم أنك لما حذفت الخبر الذى هو : «استقر» أو «مستقر» ، وأقمت الظرف مقامه - على ما ذكرنا - صار الظرف هو الخبر ، والمعاملة معه (أى : أن الآثار اللفظية والمعنوية فى الجملة قد انتقلت إليه) وهو مغاير المبتدأ فى المعنى ، ونقلت الضمير الذى كان فى الاستقرار إلى الظرف ، وصار مرتفعا به ، كما كان مرتفعا بالاستقرار ، ثم حذفت الاستقرار ، وصار أصلا مرفوضا لا يجوز إظهاره ؛ للاستغناء عنه بالظرف. وقد صرح ابن جنى بجواز إظهاره. والقول عندى أنه بعد حذف الخبر الذى هو الاستقرار ، ونقل الضمير إلى الظرف. لا يجوز إظهار ذلك المحذوف ؛ لأنه قد صار مرفوضا. فإن ذكرته أولا وقلت : زيد استقر عندك - لم يمنع منه مانع.
«أمام» و «وراء» وما يشبههما - ظرف مكان منصوب فى محل رفع ؛ لأنه خبر
المبتدأ. وقد يكون الخبر جارّا مع مجروره ؛ نحو ، النشاط فى السباحة. السكّر من القصب ؛ فالجار مع المجرور فى محل رفع خبر المبتدأ. ومنه قول الشاعر :
للعيد يوم من الأيام منتظر *** والناس فى كل يوم منك فى عيد
ويشترط فى الظرف الواقع خبرا ، وفى الجار مع المجرور كذلك - أن يكون تامّا ، أى : يحصل بالإخبار به فائدة بمجرد ذكره. ويكمل به المعنى المطلوب
من غير خفاء ولا لبس ، كالأمثلة السابقة. فلا يصلح للخبر منهما ما كان ناقصا ؛ مثل : محمود اليوم .. أو حامد بك ؛ لعدم الفائدة. أما حيث تحصل الفائدة فيصح وقوعهما خبرا ؛ ويكون كل منهما هو الخبر مباشرة ؛ أى : أن شبه الجملة نفسه يكون الخبر (1)
وأخبروا بظرف أو بحرف جر *** ناوين معنى كائن أو استقر
أى : أن الظرف والجار مع مجروره قد يقع كل منهما خبرا لا بنفسه ، ولكن بمتعلقه على حسب رأيهم الذى تناولناه بالبحث والتمحيص فى هامش ص 431 ، فلا بد من تعلقه - عندهم - بعامل يحذف - فى الأغلب - ، وهذا العامل قد يكون فعلا ؛ مثل : «استقر» أو : «ثبت» أو «وجد» - أو «كان ؛ (بمعنى : وجد ... ولا تكون هنا إلا تامة) وقد يكون المحذوف اسما مشتقا ؛ مثل : مستقر ، أو كائن (بمعنى موجود ، من «كان» التامة). فإذا وقع الخبر شبه جملة فليس هو الخبر فى رأيهم وإنما الخبر ما قبله من جملة فعلية ، فعلها محذوف ، وفاعلها ضمير استقر فى شبه الجملة ، أو من مفرد مشتق. علما بأن العامل فى الخبر إنما هو الفعل وحده من غير فاعله ، وكذلك هو المشتق من غير الضمير المستتر فيه الذى استقر فى شبه الجملة بعد حذف المشتق مع أن المحذوف هو الفعل مع فاعله ، والمشتق مع ضميره.
- فى الرأى المختار.بقيت مسألة تتعلق ببيان نوع الظرف التام الذى يصلح أن يكون خبرا. فأما ظرف المكان فيصلح - فى الغالب - أن يقع خبرا عن المبتدأ المعنى وعن المبتدأ الجثة (2)؛ فمثال الأول ؛ العلم عندك - الحق معك. ومثال الثانى : الكتاب أمامك - الشجرة خلفك. ولا بد فى ظرف المكان أن يكون خاصّا (3)لكى يتحقق شرط الإفادة ؛ كالأمثلة السالفة ؛ فلا يصح أن يكون عامّا ؛ مثل : العلم مكانا ، أو الكتب مكانا ؛ لعدم الإفادة.
وأما ظرف الزمان فيصلح أن يقع خبرا عن المبتدأ المعنى فقط ، بشرط أن تتحقق الإفادة ؛ كأن يكون الزمان خاصّا (4) ، لا عامّا ؛ مثل : السفر صباحا ، والراحة ليلا. بخلاف : السفر زمانا ، الفضل دهرا ، الأدب حينا ، لعدم الإفادة. 6
1) يقول ابن مالك :
2) هذا تعبير النحاة يريدون بالمعنى : الأمر غير المحسوس ، أى : الذى لا يكون جسما نحسه بإحدى الحواس الخمس ، كالبصر ... ، وإنما يكون شيئا مفهوما بالعقل ، مثل : العلم ، الذكاء ، الأدب ، النبل ، الشرف ... أما الجثة فالجسم الذى نحسه بالبصر ، أو بغيره من الحواس ؛ ومنه. الشجرة المنزل ، القلم .. ويشترط كثير من النحاة فى الظرف أن يفيد فائدة جديدة إذا وقع خبرا عن المبتدأ المعنى. ويريدون بالفائدة الجديدة : ألا تكون أمرا معروفا للمخاطب ، أو مستمرا ، فالجديد مثل : المقابلة ظهرا. وغيره مثل : طلوع الشمس يوم الجمعة ، لعدم استفادة السامع شيئا جديدا كان جاهلا به. وفريق لا يشترط ذلك فى الظرف ولا فى الخبر عامة : بل يكتفى بمجرد الإفادة ولو كانت معلومة قبل سماع الخبر ؛ مثل الشمس منيرة. وقد يكون الرأى الأول هو المقبول ؛ لأن الغرض من الكلام الإفادة الجديدة وإلا كان عبثا.
3) وذلك بتحديده ، أو : بتقييده بقيد بعده. مما هو مذكور فى «ج» من ص 436
وهو لا يصلح أن يكون خبرا عن الجثة إلا قليلا ؛ وذلك حين يفيد أيضا ؛ فلا يصح : الشجرة يوما - البيت غدا ؛ لعدم الإفادة. ويصح : القطن صيفا. القمح شتاء ، لتحقق الفائدة ؛ إذ المراد : ظهور القطن صيفا. وظهور القمح شتاء. ومنه قولهم : الهلال الليلة. والرطب شهرى ربيع.
ومجمل الأمر أن ظرف المكان يصلح - فى الغالب - خبرا للمبتدأ بنوعيه : المعنى والجثة ، وأن ظرف الزمان يصلح فى الغالب خبرا للمبتدأ المعنى دون الجثة ، إلا إن أفاد ؛ وهذه الإفادة تحقق فى الظرف بنوعيه حين يكون خاصّا لا عامّا. فالمعول عليه فى الإخبار بالظرف هو الإفادة (1)
ولا يكون اسم زمان خبرا *** عن جثّة. وإن يفد فأخبرا
«ملاحظة» : بهذه المناسبة نشير إلى موضع آخر من المواضع التى يصح أن يقع المعنى فيها خبرا عن الجثة ، هو : خبر أفعال الرجاء ، وبعض أخواتها من أفعال المقاربة ؛ مثل : الوالد عسى أن يحضر ...
. .1) وسيجىء توضيحها فى «ح» من الصفحة التالية. وفى هذا يقول ابن مالك باختصار :
ا - من الألفاظ الملازمة للابتداء (1)كلمة : «طوبى (2)، وهذه الكلمة لا يكون» خبرها إلا الجار مع مجروره ، - كما سبق (3)- نحو طوبى : للصّالح.
ب - شبه الجملة لا بد أن يتعلق بعامله على الوجه الذى شرحناه (4). فإن لم يوجد فى الكلام عامل يصح التعلق به صح أن يكون تعلقه بالإسناد نفسه (أى : بالنسبة الواقعة بين ركنى الجملة) ، كقول ابن مالك فى باب «الاستثناء» من ألفيته. خاصا بالأداتين «خلا وعدا» :
وحيث جرّا فهما حرفان
فالظرف : «حيث» متعلق بالنسبة (أى : بالإسناد) المأخوذة من قوله : «فهما حرفان» ، أى : تثبت حرفيتهما حيث جرّا.
أما وجود الفاء هنا فله بيان أوضحناه عند إعادة الكلام فى هذه المسألة فى الجزء الثانى : (بابى الظرف وحروف الجر).
(ح) قلنا : إن ظرف الزمان لا يقع خبرا عن الذات (الجثة) إلا بشرط أن يفيد (5)، وهذه الإفادة تتحقق بأحد الثلاثة الآتية :
الأولى : أن يتخصص ظرف الزمان إما بنعت ؛ مثل : نحن فى يوم طيب ، أو : نحن فى أسبوع سعيد. وإما بإضافة ؛ مثل : نحن فى شهر شوال ... وإما بعلمية مثل : نحن فى رمضان ؛ ويجب جر الظرف الزمانى فى هذه الصور الثلاث بفى ؛ ويكون الجار مع المجرور فى محل رفع خبرا. ولا يسمى فى حالة جره - أو رفعه - ظرفا. كما سيجىء.
الثانية : أن يكون المبتدأ الذات مما يتجدد ؛ بأن يظهر فى بعض الأوقات دون بعض ؛ فله مواسم معينة يظهر فيها ثم ينقطع ، ثم يظهر ... وهكذا ... فيكون شبيها بالمعنى ، مثل : البرتقال شهور الشتاء ، والبطيخ شهور الصيف. الهلال الليلة. وفى هذه الحالة يجوز نصب ظرف الزمان ، أو جره بفى. وهو فى الحالتين فى محل رفع خبر.
الثالثة : أن يكون المبتدأ الذات صالحا لتقدير مضاف قبله تدل عليه القرائن ؛ بحيث يكون ذلك المضاف أمرا معنويّا مناسبا ؛ كأن يلازم المرء بيته يوما للراحة ، فيعرض عليه صديقه الخروج لنزهة بحرية ، فيعتذر قائلا : البيت اليوم ، والبحر غدا.أى : ملازمة البيت اليوم ، ونزهة البحر غدا. ومثله : الكتاب الساعة ، والحديقة عصرا. أى : قراءة الكتاب الساعة ، ومتعة الحديقة عصرا ... وفى هذه الصورة يكون الظرف منصوبا فى محل رفع خبرا.
والحالات الثلاث (1)السابقة قياسيّة ؛ يصح محاكاتها ؛ وصوغ الأساليب الحديثة على مقتضاها.
لكن كيف نعرب الظرف الزمانى فى غير تلك الأحوال الثلاثة؟ وكيف نعرب المكانى؟ وكيف نضبطهما؟
إن الأصل فى الظرف أن يكون منصوبا مباشرة ، أو فى محل نصب (2):
1 - فإن كان الظرف للزمان ووقع خبرا عن معنى ليس للزمان - جاز رفعه ، ونصبه ، وجره بفى ، ويكون المرفوع هو الخبر مباشرة ، ويكون المنصوب ، أو المجرور مع حرف الجر ، فى محل رفع ، هو : الخبر. تقول : الصوم شهر ، أو : شهرا ، أو فى شهر. والراحة يوم ، أو يوما ، أو فى يوم. والأكل ساعة ، أو ساعة ، أو فى ساعة. (أى : زمن الصوم ... وزمن الراحة ... وزمن الأكل) لكن
1) زاد بعض النحاة على الأمور الثلاثة السابقة أمورا أخرى ؛ نرى من الميسور إدخالها وإدماجها فيما سبق. من ذلك أن يكون اسم الزمان «مضافا إليه» ، والمضاف اسم معنى يفيد العموم ؛ مثل أكلّ يوم ثوب تلبسه. أو يكون اسم الزمان خاصا ، والمبتدأ المعنى عاما ؛ مثل نحن فى شهر كذا ؛ أو يكون المبتدأ عاما والزمان مسئولا به عن خاص مثل : فى أى الشهور نحن ...
2) الظرف الذى يكون فى محل نصب هو الظرف المبنى أصالة ؛ مثل : «حيث» أو المبنى فى بعض الحالات ؛ مثل : قبل ، وبعد ..
الأحسن الرفع مباشرة إن كان الزمان نكرة والمبتدأ المعنى يعم ذلك الزمان كله أو أكثره ؛ نحو : الصوم يوم ، والسهر ليلة.
2 - إن كان الظرف زمانيّا من أسماء الشهور ووقع خبرا عن مبتدأ هو معنى وزمان ، تعين رفع الخبر ، مثل : أول السنة المحرم ، وشهر الصوم رمضان.
3 - وإن لم يكن هذا الخبر الظرف من أسماء الشهور. ولكنّ المبتدأ يتضمن عملا - جاز الرفع والنصب ؛ مثل : الجمعة اليوم ، أو السبت اليوم ، أو العيد اليوم ، لتضمنها (1)معنى الجمع ، والقطع ، والعود. ومنه : اليوم يومك ؛ لتضمنه معنى : شأنك الذى تذكر به. فإن لم يتضمن عملا ؛ كالأحد.
والاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، والخميس - كان الرفع أحسن.
4 - وإن كان الظرف للزمان ، ووقع خبرا للمبتدأ الذات فى الحالات التى يصح وقوعه خبرا فيها ؛ لإفادته ، وقد سبقت فى «ا» - فحكمه كما سبق هناك.
5 - وإن كان الظرف للمكان ، ووقع خبرا عن ذات ، أو معنى. وكان متصرفا (2)- جاز رفعه ونصبه ؛ مثل : الكبار جانب ، أو : جانبا ، والأطفال جانب ، أو جانبا. (برفع كلمة : «جانب». أو : نصبها) والرجل أمامك ، والدار خلفك (برفع أمام ، وخلف ، أو نصبهما) ومثل : العلم ناحية والعمل ناحية ، برفع كلمة : «ناحية» أو نصبها.
1) لأن فى الجمعة معنى الاجتماع ، وفى السبت معنى : القطع ، وفى العيد معنى العود ؛ أى : الرجوع ؛ لأنه يرجع كل عام ، وفى الأضحى معنى ؛ التضحية ... وفى الفطر معنى : الإفطار ... يكون العمل واقعا فى الظرف.
2) الظرف المتصرف هو : ما يترك النصب على الظرفية إلى حالات إعرابية أخرى غير الجر بالحرف ؛ فكأن يكون مبتدأ ، أو فاعلا ، أو مفعولا به .. مثل يوم ، وشهر ، وساعة ... تقول : يوم العيد قريب ، وجاء يوم الصوم ، وانتظر يوم النصر ... وغير المتصرف هو : الذى بترك لا الظرفية أبدا ؛ (مثل ؛ قط ؛ وهى ظرف يستغرق الزمن الماضى بعد نفى. ومثل : عوض ، وهى ظرف يستغرق الزمن المستقبل بعد نفى) أو : يتركها إلى حالة تشبهها ؛ وهى : الجر بمن - غالبا - مثل : النصر من عند اللّه أو بالحرف : «إلى» أيضا ؛ مثل كلمة : أين ، ومثل «هنا» - وهى اسم إشارة وظرف مكان معا كما تقدم فى أسماء الإشارة - فى نحو إلى هنا تتجه الأنظار ومثلها : ثم ، وهى إشارة للبعيد وظرف مكان فهذه الظروف الثلاثة تجرها «من» أو إلى -.
فإن كان غير متصرف مثل «فوق» وجب نصبه (1)؛ نحو : الكتاب فوق المكتب.
6 - إذا قلت : ظهرك خلفك ، جاز رفع الظرف المكانى : «خلف» ونصبه. أما الرفع فلأن الخلف فى المعنى هو : الظهر. فالخبر هو اسم محض معناه معنى المبتدأ ، وأما النصب فعلى الظرفية الواقعة خبرا. وكذلك ما يشبه ما سبق من الظروف المكانية ، نحو : نعلك أسفل رجلك ، والركب أسفل منك. وقد سبق أن الظرف المكانىّ المخبر به إذا كان غير متصرف ، يجب نصبه ؛ مثل : رأسك فوقك ، ورجلاك تحتك ؛ لأن «فوق» و «تحت» ظرفين للمكان غير متصرفين.
7 - إذا كان الظرف الزمانى غير متصرف : مثل : «ضحوة» يراد بها ضحوة معينة ليوم معين - وجب النصب ؛ مثل : العمل ضحوة.
8 - إذا كان الظرف بنوعيه متصرفا ، محدود المقدار ، ووقع خبرا عن المبتدأ الذات - جاز فى الظرف الرفع ، والنصب ، بشرط أن يكون المبتدأ الذات على نية تقدير مضاف قبله ، يدل على البعد والمسافة ، مثل : المدرسة منى ميل أو ميلا.
المدينة منى يوم أو يوما ، أى : بعد المدرسة ... وبعد المدينة ... ، إذا قلت هذا - مثلا - قبل ابتداء السير. فإن كان المقصود أن المدرسة أو المدينة من أشياء تبعد عما سرنا ميلا تعين النصب على الظرفية ، وكان الخبر هو الجار والمجرور : «منى» بخلاف الرفع فإنه على تقدير : بعد مكانها منى ميل ، مثلا ...
9 - من الأساليب الواردة عن العرب : حامد وحده. يريدون : أنه فى موضع التفرد ، وفى مكان التوحد ؛ فيجوز إعراب : «وحد» ظرفا منصوبا فى محل رفع خبر (2).
«ملاحظة» : إذا ترك الظرف النصب على الظرفية ، إلى الرفع أو إلى الجر فإنه لا يكون ظرفا ، ولا يسمى بهذا الاسم.
إذا قلنا : الطيار شجاع - الوطنى مخلص - العربىّ كريم ... حكمنا على الطيار بالشجاعة ، وعلى الوطنى بالإخلاص ، وعلى العربى بالكرم. أى : حكمنا على المبتدأ بحكم معين ؛ هو : الخبر. فالمبتدأ فى هذه الجمل الاسمية - و - نظائرها محكوم عليه دائما بالخبر ، والمحكوم عليه لا بد أن يكون معلوما ، ولو إلى حدّ مّا ، وإلا كان الحكم لغوا لا قيمة له ؛ لصدوره على مجهول (1)، وصارت الجملة غير مفيدة إفادة تامة ، مثل : زارع فى القرية ... صانع فى المصنع ... يد متحركة ... جسم مسرع ... وغيرها مما لا يفيد الإفادة الحقيقية المطلوبة ؛ بسبب عدم تعيين المبتدأ ، أو عدم تخصيصه. أى : بسبب تنكيره تنكيرا تامّا ؛ لهذا امتنع أن يكون المبتدأ نكرة (2)إذا كان غير وصف ، لأنها شائعة مجهولة فى الغالب. فلا يتحقّق معها الغرض من الكلام ؛ وهو : الإفادة المطلوبة ، فإن هذه الإفادة هى السبب أيضا فى اختيار المعرفة لأن تكون هى المبتدأ حين يكون أحد ركنى الجملة معرفة والآخر نكرة (3)؛ مثل : شجرة المتحركة. لكن إذا أفادت النكرة الفائدة المطلوبة صح وقوعها مبتدأ.
وقد أوصل النحاة مواضع النكرة المفيدة حين تقع مبتدأ إلى نحو أربعين موضعا. ولا حاجة بنا إلى احتمال العناء فى سردها ، واستقصاء مواضعها ، ما دام الأساس الذى تقوم عليه هو : «الإفادة» فعلى هذا الأساس وحده يرجع الحكم على صحة الابتداء بالنكرة ، أو عدم صحته ، من غير داع لحصر المواضع أو
1) سبق إيضاح هذا فى رقم 7 من 401
2) إنما يمتنع أن يكون المبتدأ نكرة إذا كان له خبر. أما إذا كان وصفا له فاعل أو نائب فاعل يغنى عن الخبر فلا يكون إلا نكرة (كما سبق فى ص 403) ، ولا يحتاج لمسوغ ؛ لأن المبتدأ فى هذه الحالة يكون محكوما به ، بمنزلة الفعل ، لا محكوما عليه. والفعل فى مرتبة النكرة كما فى هامش ص 188 و 401.
3) إلا فى مسألتين يجوز فى كل منهما الابتداء والخبرية ؛ هما : «كم». و «أفعل التفضيل» ، فى مثل كم مالك؟ وخير من على محمود.
عدّها (1)هذا إلى أن تلك المواضع الكثيرة يمكن تجميعها وتركيزها فى نحو أحد عشر تغنى عن العشرات التى سردوها. وإليك الأحد عشر.
1 - أن تدلّ النكرة على مدح ، أو ذم ، أو تهويل ؛ مثل : (بطل فى المعركة. خطيب على المنبر) - (جبان مدبر. جاسوس مقبل) - (بلاء فى الحرب ، جحيم فى الموقعة).
2 - أن تدل على تنويع وتقسيم ؛ مثل رأيت الأزهار ، فبعض أبيض ، وبعض أحمر ، وبعض أصفر ... عرفت فصل الخريف متقلبا ؛ فيوم بارد ، ويوم حارّ ، ويوم معتدل. وقول الشاعر :
فيوم علينا ، ويوم لنا *** ويوم نساء ، ويوم نسرّ
3 - أن تدل على عموم ؛ نحو : كلّ محاسب على عمله. وكلّ مسئول عما يصدر منه ؛ فمن (2)يعمل مثقال ذرّة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرّا يره.
4 - أن تكون مسبوقة بنفى ، أو استفهام ؛ مثل : ما عمل بضائع ، ولا سعى بمغمور. فمن (3)
ليس شىء أعزّ عندى من العل *** م ؛ فما أبتغى - سواه أنيسا
هذا ، ومن مسوغات الابتداء يا لنكرة أن يدخل عليها ناسخ - أى ناسخ - فتصير اسما له ، ولا تسمى مبتدأ - كما سيجىء فى رقم 11 من وص 443 ص 492. وص 495
منكر هذا؟ وقول من طالت غربته :وهل داء أمرّ من التّنائى؟ *** وهل برء أتمّ من التّلاقى؟
5 - أن تكون النكرة متأخرة ، وقبلها خبرها ؛ بشرط أن يكون مختصّا (4)؛ .
1) وكذلك فعل سيبويه والمتقدمون ؛ ولهذا يرى بعض النحاة بحق ألا داعى لهذا الشرط ؛ لأنه مفهوم بداهة ، إذ لا يتكلم عاقل بغير ما يفيد ، وإلا عرض نفسه وكلامه للحكم عليه بما لا يرضاه. أما المتأخرون فتوقعوا أن يخطىء كثير مواضع الإفادة فحاولوا أن يدلوهم عليها ؛ بحصر مواضعها ، واستقصائها ؛ فأطالوا بغير حاجة ، أو اختصروا مع الإخلال.
2) «من» شرطية. وهى تفيد العموم ؛ كباقى أدوات الشرط ، وكأسماء الاستفهام التى تقع مبتدأ ، مثل : أى جاء؟ - من هنا؟ ومثل هذا الشرط والاستفهام يدل على العموم بنفسه مباشرة ؛ لا بكلمة أخرى سبقته.
3) المبتدأ هنا اسم استفهام نكرة ، فلا يحتاج لمسوغ آخر. ولا مانع أن تكون أداة النفى ناسخة فيصير المبتدأ النكرة اسمالها ، ولهذا يصح اعتبارا «ما» و «لا» اللتين فى هذا المثال عاملتين ومثلهما «ليس» فى قول الشاعر :
4) المقصود بالاختصاص هنا : أن يكون المجرور فى الخبر الواقع جارا مع مجروره ، وأن يكون المضاف إليه فى الخبر الواقع ظرفا ، وأن يكون المسند إليه فى الخبر الواقع جملة ، أن يكون كل واحد مما سبق صالحا بنفسه لأن يكون مبتدأ ؛ فلا يجوز فى إنسان ترفع. ولا عند عند رجل إباء ، ولا ولد له ولد رجل ...
سواء أكان ظرفا ، أم جارّا مع مجروره أم جملة ، ؛ مثل : عند العزيز إباء ، وفى الحرّ ترفع وقول الشاعر :
وللحلم أوقات ، وللجهل (1)مثلها *** ولكنّ أوقاتى إلى الحلم أقرب
ومثل : نفعك بره والد ، وصانك حنانها أمّ.
6 - أن تكون مخصّصة بنعت (2)، أو بإضافة ، أو غيرهما مما يفيد التخصيص ؛ نحو : نوم مبكر أفضل من سهر ، ويقظة البكور أنفع من نوم الضحا ، وقول العرب : أحسن الولاة من سعدت به رعيته ، وأشقاهم من شقيت به ، وشر البلاد بلاد لا عدل فيها ، ولا أمان ، وقولهم : ويل للشّجىّ من الخلىّ (3).
7 - أن تكون دعاء ؛ نحو : سلام على الخائف - شفاء للمريض - عون للبائس ؛ بشرط أن يكون القصد من النكرة فى كل جملة هو الدعاء.
8 - أن تكون جوابا ؛ مثل : ما الذى فى الحقيبة؟ فتجيب : كتاب فى الحقيبة.
9 - أن تكون فى أول جملة الحال ، سواء سبقتها واو الحال ، مثل : قطعت الصحراء ، ودليل يهدينى ، وركبت البحر ليلا وإبرة ترشد الملاحين. أم لم تسبقها ؛ نحو كلّ يوم أذهب للتعلم ، كتب فى يدى.
10 - أن تقع بعد الفاء الداخلة على جواب الشرط ؛ وهى التى تسمى : فاء
1) الغضب والانتقام.
2) إذا لم يكن النعت مخصصا نحو : واحد من الناس فى الحديقة - لم يكن مسوغا. والنعت قد يكون ملفوظا به نحو : زائر كريم أمامنا. وقد يكون مقدرا لقرينة معنوية تدل عليه ؛ مثل : أنتم أيها الحاضرون - فزتم جميعا بالبطولة ، وطائفة لم تفز بها. أى : طائفة من غيركم .. وقد يكون معنويا ؛ بألا يقدر فى الكلام ، وإنما يستفاد من نفس النكرة بقرينة لفظية ؛ نحو : وليد نابغ ؛ لأن التصغير فى كلمة : «وليد» يقوم مقام النعت ؛ إذ معنى التصغير : ولد صغير. ومثله صيغ التعجب ، نحو : ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... ؛ لأنه بمنزلة شىء عظيم حسّن الدين والدنيا. لهذا كان التعجب من المسوغات. وقد أدمج بعضهم الإضافة فى نوع آخر ؛ هو : العمل ، وسيجىء (فى رقم 12 من ص 444) ؛ لأن المضاف يعمل الجر فى المضاف إليه.
3) هذا مثل من أمثال العرب يقال لفارغ البال ، المرتاح الخاطر ، الذى يسخر بالحزين ، أو يزيد آلامه. (والويل : الهلاك. والشجى : الحزين المهموم. والخلى : الخالى من الهموم). المبتدأ النكرة هو كلمة : «ويل» ، وخبره شبه الجملة (للشجى) ، وقد تعلق شبه الجملة الأخير (من الخلى) بالمبتدأ : «ويل» بمعنى : «هلاك» فهو فى حكم المصدر معنى ؛ فيصح التعلق به ؛ ويستفيد بالتعلق نوعا من التخصيص يبيح الأبتداء به. ويصح أن يكون المسوغ للابتداء به هو التهويل أو التعميم.
الجزاء ؛ مثل : مطالب الحياة كثيرة ؛ إن تيسّر بعض فبعض لا يتيسّر ، والآمال لا تنفد ؛ إن تحقق واحد فواحد يتجدد.
11 - أن يدخل عليها ناسخ - أىّ ناسخ - وفى هذه الحالة لا تكون مبتدأ ، وإنما تصير اسما للناسخ ، ومن ثم يصحّ فى أسماء النواسخ أن تكون فى أصلها معارف أو نكرات - كقولهم : كان إحسان رعاية الضعيف ، وإنّ يدا أن تذكروا الغائب (1)...
1) سبقت الإشارة لهذا فى رقم 3 من ص 441 - وستجىء إشارة أخرى عند الكلام العام على النواسخ ص 495.
(ا) قلنا إن مسوغات الابتداء بالنكرة كثيرة ؛ أوصلها النحاة إلى أربعين ، بل أكثر. وبالرغم من كثرتها بقيت نكرات أخرى قد تعرب مبتدأ ، مع أنها لا تدخل تحت مسوغ مما ذكروه ؛ نحو : «مذ» و «منذ» فهما نكرتان فى اللفظ ؛ فى نحو : ما رأيته «مذ» أو «منذ» يومان ، وإن كان بعض النحاة يعتبرهما معرفتين معنى ؛ إذ المعنى : أمد انقطاع الرؤية يومان مثلا (1)..
على أن تلك الكثرة من المسوغات قد فتحت الباب أمام كل نكرة لتدخل منه إلى الابتداء ، حتى صار من العسير الحكم على نكرة ، أىّ نكرة ، بأنها لا تصلح أن تكون مبتدأ. كما صار الرأى القائل : «إن المبتدأ لا يكون نكرة إلا إن أفادت» - رأيا لا جديد فيه ؛ لدخوله تحت أصل لغوى عام : هو : «ما يستحدث معنى أو يزيد فى غيره لا يطعن فى وجوده ، ولا يستغنى عنه ، وما لا فائدة منه لا خير فى ذكره».
وتأييدا لكلامنا وتوفية للبحث - نذكر أهم تلك المسوغات ؛ ليؤمن المتردد أنها أبواب مفتوحة تتسرب منها النكرات كلها إلى الابتداء. وقد سبق منها أحدى عشر. وفيما يلى الباقى مع الاقتصار على ما يغنى عن غيره ، وما يمكن إدماج غيره فيه. (2)
12 - أن تكون النكرة عاملة ؛ سواء أكانت مصدرا ؛ نحو : إطعام مسكينا طاعة ، أم وصفا عاملا (3)، نحو : متقن عمله يشتهر اسمه. ومن العمل أن تكون مضافة ؛ لأن المضاف يعمل الجر فى المضاف إليه ؛ مثل : كلمة خير تأسر النفس ...
13 - أن تكون النكرة أداة شرط ؛ نحو ؛ من يعمل خيرا يجد خيرا.
1) راجع الخضرى عند الكلام على الموضع الرابع من مواضع تأخير الخبر. وستجىء لهذا إشارة فى ص 453 و 457 وفى رقم من ص1. وكذلك فى ج 2 ص 377 و 397.
2) ومن شاء مزيدا فليرجع إلى حاشيتى الصبان والخضرى ، وإلى الهمع ...
3) عند من يقول بأنه يعمل بغير أن يسبقه نفى أو استفهام. أما من يشترط للعمل تقدم النفى أو الاستفهام فإن وجود أحدهما مسوغ للابتداء بالنكرة.
14 - أن يكون فيها معنى التعجب - كما سبق (1)- ؛ نحو : ما أبرع جنود المظلات.
15 - أن تكون محصورة ؛ نحو : إنما رجل مسافر.
16 - أن تكون فى معنى المحصور - بشرط وجود قرينة تهيّىء لذلك - نحو : حادث دعاك للسفر المفاجئ ، أى : ما دعاك للسفر المفاجئ إلا حادث. ويصح فى هذا المثال أن يكون من قسم النكرة الموصوفة بصفة غير ملحوظة ، ولا مذكورة ... أى : حادث خطير دعاك إلى السفر.
17 - أن تكون معطوفة على معرفة ؛ نحو : محمود وخادم مسافران.
18 - أن تكون معطوفة على موصوف ، نحو : ضيف كريم وصديق (2)حاضران.
19 - أن يكون معطوفا عليها موصوف ، نحو : رجل وسيارة جميلة أمام البيت.
20 - أن تكون مبهمة قصدا ، لغرض يريده المتكلم ؛ نحو : زائرة عندنا.
21 - أن تكون بعد لو لا ؛ نحو : لو لا صبر وإيمان لقتل الحزين نفسه.
22 - أن تكون مسبوقة بلام الابتداء ؛ نحو : لرجل نافع (3)
أما أثرها النحوى فهو : أن لها الصدارة فى جملتها - غالبا - ، وأنها إذا دخلت على المضارع خلصته للزمن الحالى ؛ نحو : إن العصفور ليغرد ، أى : الآن. هذا إن لم توجد قرينة على الاستقبال كالتى فى قوله تعالى : ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) وقوله تعالى فى سورة يوسف على لسان والده : ( إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ ... ) فالمضارع للاستقبال فى المثالين ؛ لوجوده قرينة تحتم ذلك ؛ هى أن يوم القيامة لم يجىء بعد ؛ وأن والد يوسف عليه السّلام قال الجملة السابقة لأبنائه قبل أن يذهبوا بأخيهم يوسف. وهذا معنى قول النحاة : (لام الابتداء الداخلة على المضارع تعينه للحال إن كان مبهما أى : خاليا من قرينة ، تدل على أنه للمستقبل أو غيره).
ولها مواضع تدخلها جوازا. وكثير منها يدور حوله الخلاف. والذى نستصفيه من كل تلك المواضع الجائزة هو ما يأتى : - وهو تلخيص لما سيجىء مفصلا فى مكانه من باب «إن»؟
ا - المبتدأ ، نحو : (ولعبد مؤمن خير من مشرك) (ولأنتم أشد رهبة). وقول الشاعر :
وللكف عن شتم اللئيم تكرّما *** أضرّ له من شتمه حين بشتم ب - الخبر المتقدم على المبتدأ ، نحو : لحاضر جوابك ، ولصائب رأيك.
ح - خبر إن المشددة دون أخواتها ؛ بشروط أربعة : أن يتأخر عن اسمها ، وأن يكون مثبتا ، وأن يكون غير ماض متصرف ، وغير جملة شرطية. فيصح أن يكون مفردا ؛ نحو : إن الكلام لدليل على عقل صاحبه. ونحو : إن ربى لسميع الدعاء ... ويصح أن يكون جملة مضارعية نحو : إن السياحة لتفيد علما ، وخلقا ، وتجربة. ومنه قوله تعالى فى أهل الديانات المختلفة : ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ... ) وقوله عليه السّلام. «إن العجب ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» والأولى - وقيل الواجب - أن يكون المضارع خاليا من حرف تنفيس (السين ، أو سوف) لكيلا يقع التعارض بين ما تدل عليه لام الابتداء - وهو حالية المضارع - وما يدل عليه حرف التنفيس - وهو الاستقبال - ولهذا بيان آخر سيجىء فى ص 599 فإن وجدت اللام مع حرف التنفيس فهى للقسم غالبا. ويصح أن يكون جملة ما ضوية فعلها غير متصرف - (إلا «ليس» ؛ لأنها للنفى) مثل : إن الأمين لنعم الرجل ، وإن الخائن لبئس الإنسان ، وإن المتوانى لعسى أن ينشط. فإن كان فعلها متصرفا صح دخولها ؛ بشرط أن يكون مقترنا بكلمة : «قد» ؛ لأنها تقرب الماضى من الحال وإلا كانت اللام للقسم ؛ نحو : إن القدماء من العرب لقد قاموا بأعظم الرحلات نفعا ، وإنهم لقد أفادوا من جاء بعدهم. والمشهور عند النحاة أن لام الابتداء لا تدخل على الجملة الفعلية إلا فى خبر إنّ (المشددة النون المكسورة الهمزة) دون غيرها ودون الجمل الفعلية الأخرى التى ليست خبرا لها ، إذ تكون فيها للقسم غالبا ، أو للزيادة أو غيرها ... ويصح أن يكون جملة اسمية ، فتدخل على المبتدأ فيها - وهو الأحسن - أو على الخبر ؛ نحو : إن البحر لهو عالم كعالم الجو واليابسة ، أو : إن البحر هو لعالم .... ويصح أن يكون شبه جملة ظرفا أو جارا مع مجروره) نحو : إن الذخيرة الأدبية لعندك ، وإن القلم لفى يدك.
د - اسم «إن» إذا تقدم عليه الخبر ؛ نحو : إن عند الكهول لتجربة ، وإن فيهم لحكمة.
وإذا دخلت على الاسم المتأخر لم يجز دخولها على الخبر.
ه - معمول خبر «إنّ» بشروط أربعة مجتمعة ؛ أن يتوسط هذا المعمول بين الاسم والخبر : نحو : إن الصديق لنصحك سامع ؛ وأن يكون الخبر صالحا لدخول اللام كالمثال السابق ؛ فإن لم يكن صالحا لم يجز ؛ نحو : إن الصديق لينصحك سمع ، وأن يكون الخبر خاليا منها ، وألا يكون هذا المعمول حالا أو تمييزا ؛ فلا يصح إن الطائر لمتلفتا واقف ، وإن وجهك لسرورا فياض ...
و - ضمير الفصل (ويسمى عمادا ، وقد سبق تفصيل الكلام عليه فى الضمائر ص 219) نحو : إن هذا لهو القصص الحق ؛ بإعراب كلمة : «هو» ضمير فصل وليست مبتدأ. وإذا دخلت على ضمير الفصل لم يصح دخولها على الخبر.
وقد أشار ابن مالك - فى باب إن وأخواتها - إلى بعض الصور السالفة بقوله :
وبعد ذات الكسر تصحب الخبر *** لام ابتداء : نحو : إنّى لوزر
أى : بعد «إن» ذات الكسر (وهى : المكسورة الهمزة المشددة النون) - تصحب لام الابتداء الخبر ؛ نحو : إنى لوزر للمحتاج ؛ أى : ملجأ ، وناصر له. فكلمة «وزر» خبر إن المكسورة ، وقد دخلت عليها لام الابتداء. ثم قال : ولا يلى ذى اللام ما قد نفياz ولا من الأفعال ما كرضياz وقد يليها مع «قد» ؛ كإنّ ذاz لقد سما على العدا مستحوذ
يقول : إن هذه اللام لا يليها الكلام المنفى ، ولا يليها من الأفعال ما هو مثل : «رضى».
يريد به الفعل الماضى ، المتصرف ، غير المسبوق ب «قد» ، فإن سبق «بقد» جاز أن يليها ؛ مثل : إن ذا (أى : هذا) لقد سما على العدا مستحوذا ؛ أى : مستوليا على كل ما يريده ... وأشار إلى مواضع أخرى بقوله :
وتصحب الواسط معمول الخبر *** والفصل ؛ واسما حلّ قبله الخبر
أى : أن لام الابتداء تدخل فى معمول الخبر إذا كان المعمول واسطا (أى : متوسطا بين الخبر والاسم). وكذلك تدخل على ضمير الفصل الواقع بين اسم «إن» وخبرها وكذلك تدخل فى اسم «إن» إذا تقدم عليه الخبر. وقد تقدم شرح ذلك كله والتمثيل للحالات المختلفة جميعا. على أننا سنعود إليه مرة أخرى فى موضعه الخاص من باب : «إن» كما أشرنا.
. م1) فى رقم 2 من هامش ص 442
2) هذه ليست مبتدأ ولكنها معطوفة على المبتدأ ، فهى بمنزلته.
3) هى لام مفتوحة فائدتها توكيد مضمون الجملة المثبتة ، وإزالة الشك عن معناها المثبت. ولذلك لا تدخل على حرف النفى ، ولا فعل النفى ، ولا على المنفى بأحدهما : (وإن كانت تدخل على المنفى باسم ؛ نحو : إن المنافق لغير مأمون الصداقة) وسميت لام الابتداء لأن أكثر دخولها على المبتدأ ، أو على ما كان أصله مبتدأ ؛ نحو لوالدك أشفق الناس عليك ، وإن عنده لخبرة ليست لك ؛ فاستعن برأيه. وإذا دخلت هذه اللام على الخبر فقد يسميها النحاة : «اللام المزحلقة» ؛ لأنها زحلقت من مكانها الذى تكثر فيه إلى مكان بعده غالبا.
23 - أن تكون مسبوقة بكلمة : «كم» الخبرية ؛ نحو : كم صديق زرته (1)فى العطلة فأفادنى كثيرا.
24 - أن تكون مسبوقة بإذا الفجائية ؛ نحو : غادرت البيت فإذا مطر.
25 - أن يكون مرادا بها حقيقة الشىء وذاته الأصلية ، نحو : حديد خير من نحاس (2)
ولا يجوز الابتدا بالنّكره *** ما لم تفد : كعند زيد نمره
وهل فتى فيكم؟ ، فما خلّ لنا *** ورجل من الكرام عندنا
ورغبة فى الخير خير ، وعمل *** برّ يزين ، وليقس ، ما لم يقل
يشير بالمثال الأول : (عند زيد نمرة) إلى جواز وقوع المبتدأ نكرة ؛ (والنمرة ؛ ما نسميه الآن : الشال من الصوف.) ، والمسوغ هو تقديم الظرف المختص : «عند». ويشير فى البيت الثانى إلى مسوغ الاستفهام فى : «هل فتى»؟ والنفى فى «ما خل لنا». والنعت فى «رجل من الكرام» ويشير فى البيت الأخير إلى النكرة العاملة مثل : «رغبة فى الخير» «فرغبة» : مصدر «فى الخير» : متعلق به ؛ فهو بمنزلة معموله ، أى : بمنزلة مفعوله. أى : «من رغب الخير» أو تكون مضافة ؛ مثل : عمل بر ... ثم يشير بقياس ما لم يذكر على ما ذكره.
. .للخبر من ناحية تأخّره عن المبتدأ وتقدمه ثلاث حالات ، أن يتأخر وجوبا ، وأن يتقدم وجوبا ، وأن يجوز تأخره وتقدمه.
فأما تأخره وتقدمه جوازا فهو الأصل الغالب ؛ نحو : السحاب بخار متكاثف - البرق شرارة كهربية - الكتاب صديق أمين - قول الشاعر :
أفى كل عام غربة ونزوح *** أما للنّوى من ونية فتريح
ففى هذه الأمثلة وأشباهها يصح تقديم الخبر وتأخيره (1)...
أما تأخره وجوبا ؛ ففى مواضع أشهرها :
1 - أن يكون المبتدأ والخبر معا متساويين (2)
وأما تقارب المعرفتين . وقد يسمى أحيانا تفاوتهما في الدرجة ؛ لما بينهما من اختلاف غير واسع . فمعناه أن يكونا من نوع واحد مع اختلافهما في درجة ذلك النوع ؛ كضمير المتكلم مع ضمير المخاطب. أو ضمير المخاطب مع ضمير الغائب ، أو أن يكونا من نوعين مختلفين ولكنهما متقاربان ؛ كالعلم مع ضمير المخاطب ؛ فإن العلم يقاربه ، أو كالعلم الشخصى مع المعرف «بأل العهدية» فإن المعرف بها يقاربه وتقارب النكرتين معناه أن إحداهما مختصة والأخرى غير مختصة ؛ فهى قريبة من أختها إلى حد ما. (قد يسمى أيضا تفاوتا ؛ لوجود اختلاف بينهما وإن كان يسيرا).
أو متقاربين فى درجة تعريفهما أو تنكيرهما ، بحيث يصلح كل منهما أن يكون مبتدأ ؛ نحو : أخى شريكى -1) ومما يجوز فيه الأمران مخصوص «نعم وبئس» فى مثل : نعم الفارس على ، فيجوز تأخير «على» عن الجملة الفعلية التى قبله وإعرابه مبتدأ خبره تلك الجملة الفعلية السابقة ، ويجوز تقديمه عليها مع إعرابه مبتدأ وهى خبره. ويشترط فى هذا المخصوص وفى إعرابه السالف شروط تفصيلية مكانها ج 3 ص 307 م1. باب نعم وبئس.
2) سبق فى باب المعارف أن أنواعها تتفاوت فى درجة التعريف وقوته ؛ فنوع أقوى من نوع آخر ؛ فالضمير أقوى من العلم ، والعلم أقوى من اسم الإشارة ... وهكذا. بل إن النوع الواحد قد يتفاوت فى درجة تعريفه وقوته ؛ فضمير المتكلم أقوى من ضمير المخاطب ، وضمير المخاطب. أقوى من ضمير الغائب ... وهكذا على الوجه المفصل هناك (فى رقم 2 من هامش ص 191) ...
أستاذى رائدى فى العلم - مكافح أمين جندى مجهول - أجمل من حرير أجمل من قطن ...
ففى هذه الأمثلة وأشباهها يجب تأخير الخبر ؛ لأن تقديمه يوقع فى لبس ؛ إذ لا توجد قرينة (1)تعينه ، وتميزه من المبتدأ ؛ فيختلط المحكوم به بالمحكوم عليه ؛ ويفسد المعنى (2)
ولزيادة الإيضاح نسوق المثال الآتى ، أن يعرف المخاطب شخصا مثل : «إبراهيم» بعينه واسمه ، ولكنه لا يعرف أنه زميله فى الدراسة ؛ فتقول : إبراهيم زميلك. جاعلا المبتدأ هو المعروف له ، والخبر هو المجهول له ، المحكوم به وذلك شأن الخبر غالبا . كما قدمنا . أن يكون هو الشيء المجهول للمخاطب ، وأنه المحكوم : به ؛ فلا يصح أن تقول ؛ زميلك إبراهيم ، بغير قرينة تدل على تقديم الخبر . أما إذا عرف زميلا له ، ولكنه لا يعرف اسمه ، وأردت أن تعين له الاسم ، فإنك تقول : زميلك إبراهيم. جاعلا المعلوم له هو المبتدأ ، والمجهول له المحكوم به هو الخبر. فلو عكس الأمر في إحدى الصورتين لانعكس المعنى ؛ تبعا لذلك ، واختلف.
تبعا لذلك. فإن وجدت قرينة معنوية أو لفظية تدل على أن المتقدم هو الخبر وليس المبتدأ جاز التقديم ؛ فمثال «المعنوية» : أبى أخى فى الشفقة والحنان ... فكلمة : «أب» خبر مقدم ؛ وليست مبتدأ ؛ لأن المراد : أخى كأؤ ... ، أى : الحكم على الأخ بأنه كالأب فى الشفقة والحنان ، ولا يعقل العكس. فالمحكوم عليه هو : «الأخ» ؛ فهو المبتدأ ، والمحكوم به هو : «الأب الذى يشابهه الأخ. فالأب هو الخبر ولو تقدم ؛ لأن القرينة المعنوية تميزه وتجعله هو الخبر ؛ فصح التقديم لوجودها.ومثل : الجامعة فى التعليم البيت. «فالجامعة» خبر مقدم ، «والبيت» مبتدأ مؤخر ؛ فهو المحكوم عليه بأنه مشابه للجامعة ؛ إذ لا يعقل العكس. ومثل : نور الشمس نور الكهربا. ضوء القمر ضوء الشموع ... الأسد فى الغضب القطّ فى الثورة. الجبل الهرم فى الضخامة. هذا العالم فى براعته هذا الطالب فى
1) كررنا أن القرينة هى العلامة التى تدل على المعنى وتوجه إليه ، وتزيل عنه الغموض واللبس فإن كانت لفظا سميت : لفظية. وإن كانت غير لفظ سميت معنوية أو عقلية. وقد تقسم فى مواضع أخرى إلى حسية ؛ وهى : التى تدرك بإحدى الحواس ؛ فتشمل اللفظية ، وإلى غير حسية وهى التى تدرك بالعقل ... كما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 460 -
2) أوضحنا أول هذا الباب - رقم 7 من هامش ص 401 - معنى المحكوم عليه ، والمحكوم به. ولما كان الغالب فى الأول - وهو المبتدأ - أن يكون شيئا معلوما للسامع، وأن يكون الثانى - وهو الخبر - مجهولا له ، وجب عند اللبس تأخير الثانى (أى : الخبر) ، إذ لو تقدم وأعربناه مبتدأ لا نقلب المحكوم به المجهول محكوما عليه معلوما. وصار المعلوم مجهولا ، وجاء الحكم فى الحالتين مخالفا للمراد ، وهذا فساد معنوى. وفى الموضع السالف بيان شاف مفيد.
تعلمه ... وهكذا ... ومثال القرينة «اللفظية» : حاضر رجل أديب. فكلمة «حاضر» هى الخبر ؛ لأنها نكرة محضة (1)والنكرة التى بعدها (وهى : رجل) نكرة غير محضة ؛ لأنها مخصصة بالصفة بعدها ؛ فهى أحق بأن تكون المبتدأ بسبب تخصصها (2).
2 - أن يكون الخبر جملة فعلية. فاعلها ضمير مستتر يعود على المبتدأ : نحو : الكواكب «تتحرك» ، فالجملة الفعلية المكونة من الفعل المضارع وفاعله. خبر المبتدأ. فلو تقدم الخبر وقلنا : تتحرك الكواكب - لكانت «الكواكب» فاعلا ، مع أننا نريدها مبتدأ ، وليس فى الكلام ما يكشف اللبس. بخلاف ما لو كان الفاعل اسما ظاهرا أو ضميرا بارزا ، نحو : تتحرك كواكبها السماء - قد أضاءا النجمان ... ؛ فتعرب الجملة الفعلية هنا ؛ (تتحرك كواكبها) خبرا متقدما ؛ لاشتمالها على ضمير يعود على المبتدأ «السماء» فرجوع الضمير إلى كلمة : «السماء» دليل على أنها متأخرة فى الترتيب اللفظى فقط ، دون الترتيب الإعرابى (وهذا يسمى : الرتبة (3)) ؛ لأن الضمير لا يعود على متأخر لفظا ورتبة إلا فى مواضع (4)ليس منها هذا الموضع. فكلمة : «السماء» متأخرة فى اللفظ. لكنها متقدمة فى الرتبة. وأصل الكلام : السماء تتحرك كواكبها ؛ فكلمة : «السماء» مبتدأ. وحاز تقديم الخبر عليها مع أنه جملة فعلية لأن اللبس مأمون ؛ إذ فاعلها اسم ظاهر. وليس ضميرا مستترا يعود على ذلك المبتدأ (5)
قد ثكلت أمّه من كنت واحده *** أو كان منتشبا فى برثن الأسد
...وتعرب الجملة الفعلية الثانية خبرا مقدما ، والنجمان مبتدأ. ولا لبس فيه ، لأن وجود الضمير البارز (وهو ألف الاثنين) وإعرابه فاعلا - فى اللغات الشائعة د
1) أى : غير متخصصة بنعت ، أو إضافة ، أو نحوهما - كما سبق.
2) لما عرفناه من أن المبتدأ يكون هو المعرفة ، أو النكرة المتخصصة عند اجتماع أحدهما مع النكرة المحضة. وهذا بشرط ألا تقوم قرينة تعارضه.
3) الترتيب الإعرابى أو الرتبة ، يجعل لبعض الألفاظ الأسبقية فى الجملة دون بعض ؛ فالمبتدأ أسبق من الخبر ، والفعل أسبق من الفاعل ، والفاعل أسبق من المفعول ، والمضاف أسبق من المضاف إليه .. ، وهكذا. وقد تكون هناك أسباب لمخالفة هذا الأصل أحيانا. على حسب ما هو موضح فى مواضعها.
4) سردناها عند الكلام على الضمير فى ص 233.
5) وتنطبق هذه الصورة على قول حسان :
عند العرب - أوجب أن يكون «النجمان» مبتدأ ، لا غير ؛ إذ لا يوجد ما يحتاج إلى فاعل ، ومن ثمّ كان اللبس مأمونا (1)...
وكما يقع اللبس بين المبتدأ والفاعل الضمير المستتر على الوجه السابق ، يقع بين المبتدأ ونائب الفاعل إذا كان ضميرا مستترا أيضا ؛ نحو : البيت أقيم. وكذلك بين المبتدأ وفاعل اسم الفعل. إذا كان الفاعل ضميرا مستترا ؛ نحو : القمر هيهات. وقد يلتبس المبتدأ لو تأخر بالتوكيد ؛ نحو : أنا سافرت ؛ فلو تأخر المبتدأ الضمير لكان توكيدا للتاء. فبسبب اللبس يمتنع التقديم فى كل ما سبق (2)...
3 - أن يكون الخبر محصورا فيه المبتدأ (3)
وإذا كانت أداة الحصر (القصر) «بما» فالمقصور عليه هو المتأخر في جملتها؛ وإذا كانت الأداة «إلا» فالمقصور عليه هو الواقع بعدها مباشرة.
بإنما ، أو إلا ؛ مثل : إنما البحترىّ شاعر - إنما المتنبى حكيم - ما النيل إلا حياة مصر - ما الصناعة إلا ثروة. فلا يجوز تقديم الخبر ؛ كى لا يزول الحصر ، فلا يتحقق المعنى على الوجه المراد.4 - أن يكون الخبر لمبتدأ دخلت عليه لام الابتداء (4)؛ نحو : لعلم مع تعب خير من جهل مع راحة ؛ لأن لام الابتداء لها الصدارة فى جملتها ؛ فيجب تقديمها مع ما دخلت عليه ؛ وهو المبتدأ.
5 - أن يكون المبتدأ اسما مستحقّا للصدارة فى جملته ؛ إما بنفسه مباشرة ،
1) ومن نوع الخبر الذى يجب تأخيره الجملة الفعلية الواقعة خبرا «عن ما» التعجبية - كما سيجىء فى ص 452
2) وهذا على اعتبار أن الفعل - فى اللغات الشائعة - لا تلحقه علامة تثنية ولا جمع ، وأن حمل الكلام على الكثير الشائع أحسن وأصح. أما على اللغة القليلة التى تجيز إلحاق هذه العلامة به فاللبس مخوف غير مأمون ، فلا يجوز التقديم ، والخير فى ترك التقديم فى هذه الصورة ، مبالغة فى الابتعاد عن شبهة اللبس.
3) أى : أن المبتدأ يكون منقطعا للخبر ، محصورا فيه وحده. وقد يختصرون فيقولون «محصورا» فقط. وبيان الحصر يتضح من التمثيل الآتى : إذا أردنا قصر شىء على شىء ؛ بحيث يكون أحدهما مختصا بالآخر ؛ منقطعا له. أى : متفرغا له كل التفرغ - سميت هذه العملية : «حصرا» ، أو «قصرا». كأن تريد قصر «البحترى» على الشعر ، وانقطاعه له فتقول : إنما البحترى شاعر. فقد قصرنا «البحترى» على الشعر ؛ أى : جعلناه مختصا به منقطعا له دفن غيره من العلوم والفنون الأخرى. ولا بد فى الحصر (القصر) من شىء محصور ، ومن محصور فيه ذلك الشىء ، ومن علامة حصر. فالبحترى فى المثال السابق هو «المحصور» ، ويسمى «المقصور» أيضا. والشعر هو المحصور فيه ، ويسمى : «المقصور عليه». كل ذلك ما لم تمنع قرينة. وعلامة الحصر هى : «إنما». وقد تكون «إلا» كما فى المثالين الآخرين أو غيرهما ، وقد يختصرون أحيانا فيقولون المحصور ؛ يريدون : المحصور فيه ؛ بشرط أن يكون الغرض واضحا لا لبس فيه. وللقصر طرق معينة متعددة ، وعلامات خاصة ، لها موضعها فى «علم المعانى».
4) سبق الكلام عليها فى هذا الباب ص 445 ولها باب خاص فى ص 595 و 597
كاسماء الاستفهام ، وأسماء الشرط ، وما التعجبية ، وكم الخبرية (1)... ؛ مثل : من القادم؟ وأىّ شريف تصاحبه أصاحبه - ما أطيب خلقك!! كم صديق عرفت فيه الذكاء!! وإما بغيره ؛ كالمضاف إلى واحد مما سبق ؛ فالمضاف إلى اسم استفهام نحو : صاحب من القادم؟ والمضاف إلى اسم شرط نحو : غلام أىّ رجل شريف تعاونه أعاونه. والمضاف إلى كم الخبرية نحو : خادم كم صديق عرفت فيه الذكاء (2)
والأصل فى الأخبار أن تؤخّرا *** وجوّزوا التّقديم إذ لا ضررا
فامنعه حين يستوى الجزءان *** عرفا ونكرا عادمى بيان
أى : امنع التقديم إذا استوى المبتدأ والخبر فى التعريف والتنكير ، وعدما البيان الذى يوضح أن أحدهما هو المبتدأ ، وأن الآخر هو الخبر. («وعرفا ونكرا» ، منصوبين على نزع الخافض - أو على التمييز) ثم قال :
كذا إذا ما الفعل كان الخبرا *** أو قصد استعماله منحصرا
أو كان مسندا لذى لام ابتدا *** أو لازم الصّدر ؛ كمن لى منجدا؟
ومعنى البيت الأخير : أن الخبر يمتنع تقديمه إذا كان مسندا لصاحب لام ابتداء ؛ أى : إذا كان مسندا ، والمسند إليه مبتدأ مصدرا باللام التى تدخل على المبتدأ للدلالة على الابتداء. وكذلك يمتنع تقديمه إذا كان المبتدأ لازم الصدارة ؛ أى : لا يكون إلا فى صدر جملته.
. .(ا) هنا مواضع أخرى يجب فيها تأخير الخبر ؛ أشهرها ما يأتى :
1 - ما ورد مسموعا من مثل : راكب الناقة طليحان (1). (أى : متعبان ؛ أصابهما الإعياء والإرهاق ، وأصله : راكب الناقة والناقة طليحان ؛ من كل مبتدأ مضاف ، أخبر عنه بخبر مطابق فى التثنية أو الجمع للمضاف مع المضاف إليه من غير عطف شىء ظاهر على المبتدا ؛ كالمثال السابق. ونحو : مهندس البيت جميلان - ونحو : خادم الطفلين لاعبون ؛ أى : مهندس البيت والبيت جميلان ، وخادم الطفلين والطفلان لاعبون. فالمعطوف على المبتدأ محذوف لوضوح المعنى. والخبر هنا واجب التأخير. لكن أيجوز القياس على تلك الأساليب التى حذف فيها حرف العطف والمعطوف على المبتدأ ؛ لوضوح المعنى؟ الأحسن الأخذ بالرأى القائل بجوازه بشرط وجود قرينة واضحة تدل على المحذوف : لأن هذا الرأى يطابق الأصول اللغوية العامة التى تقضى بجواز الحذف عند قيام قرينة جلية تدل على المحذوف ، وتمنع خفاء المعنى ؛ كما رددنا هذا كثيرا (2)...
2 - أن يكون الخبر مقرونا بالفاء (3)؛ نحو : الذى ينصحنى فمخلص. فإن تقدم الخبر وجب حذف الفاء.
3 - أن يكون الخبر مقترنا بالباء الزائدة ؛ نحو : ما شريف بكاذب.
4 - أن يكون الخبر طلبا ؛ نحو : المحتاج عاونه ، والبائس لا تؤلمه.
5 - أن يكون الخبر عن «مذ» أو «منذ» ، بجعلهما مبتدأين معرفتين فى المعنى ؛ نحو : ما سافرت مذ أو منذ شهران ؛ (إذ المعنى : زمن انقطاع الرؤية شهران (4).
6 - ضمير الشأن الواقع مبتدأ ؛ نحو : قل (هو : اللّه أحد).
7 - المبتدأ المخبر عنه بجملة هى عينه فى المعنى نحو : (كلامى : «السفر مفيد») (قولى : «العمل نافع»).
8 - اسم الإشارة المبدوء بكلمة : «ها» التنبيه ، فى جملة اسمية ؛ نحو : هذا أخى. وهذا رأى كثير من النحاة ، ومن الميسور رفضه بالأدلة التى
سبقت (1)والتى تجعل تقديم المبتدا هنا مستحسنا ، لا واجبا. وإنما يتعين - عند أصحاب ذلك الرأى - أن يكون اسم الإشارة فى الجملة الاسمية هو : المبتدأ ولا يكون خبرا ، بحجة أن : «ها» التنبيه تتطلب الصدارة ، بشرط أن تتصل باسم الإشارة مباشرة ، لا يفصل بينهما ضمير ، فإن فصل بينهما الضمير فى مثل ؛ «هأنذا» فالضمير هو المبتدأ واسم الإشارة هو الخبر. ويجوز : هذا أنا. ولكن الأول أحسن وأولى ؛ لكثرة الأساليب الأدبية الواردة به (2).
9 - المبتدأ الذى للدعاء ؛ نحو : سلام عليكم ، وويل للأعداء.
10 - المبتدأ الذى له خبر متعدد يؤدى مع تعدده معنى واحدا ؛ مثل : الفتى نحيف سمين - الرمان حلو حامض ؛ لأنه لا يجوز تقديم الخبر المتعدد الذى يؤدى معنى واحدا ، ولا تقديم واحد مما تعدد (3).
11 - المبتدأ التّالى : أمّا : نحو : أما صالح فعالم ؛ لأن الفاء لا تقع بعد «أما» مباشرة. ولأن الخبر الذى تدخل عليه لا يتقدم على المبتدا - كما سلف -
12 - المبتدأ المفصول من خبره بضمير الفصل ، نحو : الشجاع هو الناطق بالحق غير هياب :
13 - المبتدأ إذا كان ضمير تكلم أو خطاب ، وقد أخبر عنه بالذى وفروعه مع وجود بعده الضمير مطابقا للتكلم ، أو الخطاب ؛ نحو : أنا الذى أساعد الضعيف. أنتما اللذان تساعدان الضعيف.
14 - ويجب تقديم المبتدأ وتأخير الحبر فى باب الإخبار عن : «الذى» ، نحو : الذى صافحته محمد.
15 - المبتدأ إذا كان ضمير متكلم أو مخاطب ، وقد أخبر عنه بنكرة معرفة بأل ، بعدها ضمير مطابق للمبتدأ فى التكلم والخطاب ، نحو : أنا السيف أمزق الضلال ، أنت الجندى تدافع عن الوطن.
16 - إذا كان المبتدا اسم موصول وجب تأخير الخبر عنه وعن الصلة معا (4).
ملاحظة : يجب تقديم كل اسم أو فعل سبقته أداة عرض ، أو تمن ، أو رجاء ، أو نفى ، أو طلب.
17 - ويجب تأخير الخبر ، إذا كان جملة فعلية ماضوية والمبتدأ «ما» التعجبية ؛ نحو : ما أقدر اللّه أن يدنى المتباعدين (1).
(ب) أثار النحاة والبلاغيون جدلا مرهقا حول بعض الحالات التى يكون فيها المبتدأ والخبر متساويين فى التعريف والتنكير ، أو متقاربين فيهما ؛ من غير لبس فى المعنى. ويدور الجدل حول معرفة الأحق منهما بأن يكون المبتدا. وإذا ظهر الأحق فهل يجوز الإغضاء عن أحقيته بجعله خبرا وجعل الخبر مبتدأ؟ وقد سبق (2)بيان المراد من التساوى والتقارب فى التعريف والتنكير.
بالرغم من جدلهم المرهق (3)؛ فإن الجواب السديد يتلخص فى أن المعوّل عليه فى جواز تقديم المبتدأ على الخبر ليس التساوى أو التقارب فى درجة التعريف والتنكير ؛ وإنما المعول عليه وحده هو وجود قرينة تدل على أن هذا هو المحكوم عليه ، (أى : أنه المبتدأ) ، وذلك هو المحكوم به ، أى : الخبر ، على حسب المعنى ؛ بحيث يتميز كل من الآخر ، دون خلط أو اشتباه. فمتى وجدت القرينة التى تمنع الخلط واللبس جاز تقديم أحدهما وتأخير الآخر على حسب الدواعى (4). وإن لم توجد القرينة وجب تأخير الخبر حتما من غير أن يكون للتساوى أو التقارب دخل فى الحالتين. فلا بد من مراعاة حال السامعين من ناحية قدرتهم على إدراك أن هذا محكوم عليه فيكون مبتدأ ، وأن ذاك محكوم به فيكون خبرا. فإذا وقع فى وهم المتكلم أن التمييز غير ممكن ، وأن اللبس محتمل - وجب إزالته ؛ إما بالقرينة التى تبعده وتبدده ، وإما بالتزام الترتيب ؛ فيتقدم المبتدأ ويتأخر الخبر ؛ ليكون هذا التقدم دليلا على أنه المبتدأ ، ووسيلة إلى تعينه ؛ لموافقته للأصل الغالب فى المبتدأ.
1) سبقت الإشارة لهذا فى ص 452
2) فى هامش ص 448.
3) وقد عرض لبعضه صاحب المفصل ، وكذا الصبان بإيجاز فى الجزء الأول باب المبتدأ والخبر عند الكلام على مواضع تأخير الخبر وجوبا. وكذلك التصريح وهامشه فى الموضع السابق أيضا : وكذلك المغنى أول الباب الرابع.
4) إلا فى الحالة التى أشرنا إليها فى رقم 8 من ص 453 وهى حالة اسم الإشارة المقرون بكلمة «ها» التنبيه ، مع معرفة أخرى إذ يتعين أن يكون اسم الإشارة هو المبتدأ ؛ لأن حرف التنبيه لا بد أن يتصدر - عند فريق من النحاة دون فريق ، طبقا للبيان المفصل الذى فى رقم 6 من هامش ص 295 - إلا إن كانت المعرفة الأخرى ضميرا ؛ ففى هذه الحالة يحسن أن يكون هو المبتدأ الذى تسبقه (ها) التنبيه ، واسم الإشارة يجىء بعده خبرا نحو : «هأنذا». وقد يجوز مراعاة القاعدة العامة بتقديم الإشارة أيضا فى هذه الصورة مع تأخير الضمير ؛ نحو : هذا أنا ، ولكن الأول أكثر فى الأساليب الأدبية المعروفة. (انظر ص 304).
1 - أن يكون المبتدأ نكرة محضة ، ولا مسوغ للابتداء به إلا تقدم الخبر المختص ؛ ظرفا كان ، أو حارّا مع مجروره (1)؛ أو جملة ؛ فمثال شبه الجملة : عندك كتاب - على المكتب قلم ... فإن كان للمبتدأ مسوغ آخر جاز تقديم الخبر وتأخيره ؛ نحو : عندك كتاب جميل - على المكتب قلم نفيس ؛ ويجوز : كتاب جميل عندك ، وقلم نفيس على المكتب. ومثال الجملة : قصدك ولده محتاج. فلا يجوز تقديم المبتدأ ؛ وهو : «محتاج» ؛ لأنه نكرة محضة ، ولأن المبتدأ النكرة إذا تأخر عنه خبره الجملة أو شبه الجملة فقد يتوهم السامع أن المتأخر صفة ، لا خبر (2).
3 - أن يكون المبتدأ مشتملا على ضمير يعود على جزء (3)من الخبر ؛ نحو :فى الحديقة صاحبها. فكلمة : «صاحب» مبتدأ ، خبره الجار مع المجرور السابقين ؛ (فى الحديقة). وفى المبتدأ ضمير يعود على الحديقة التى هى جزء من الخبر. ولهذا وجب تقديم الخبر ؛ فلا يصح : صاحبها فى الحديقة ؛ لكيلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ؛ وهو ممنوع هنا. ومثل ذلك : «فى القطار ركّابه» فكلمة : «ركاب» مبتدأ خبره الجار مع المجرور السابقين. وفى المبتدأ ضمير يعود على : «القطار» وهو جزء من الخبر. ويجب تقديم الخبر ؛ فلا يصح :
1) سبق الكلام على النكرة المحضة فى رقم 2 من هامش 192 وعلى الظرف المختص ، وكذا الجار مع مجروره فى ص 433 وفى رقم 4 من هامش 441. وكذا الرأى فى المبتدا النكرة فى ص 444
2) كل هذا كلام القائلين بأن المبتدأ لا يكون نكرة إلا بمسوغ. وسردوا عشرات من المسوغات لا تترك نكرة بغير أن تصلح للابتداء ؛ كما أوضحنا فيما سلف (ص 440 وما بعدها) ، وانتهينا منه إلى أنه لا قيمة لهذا التوهم ولا داعى لبقاء تلك القاعدة ، وعندئذ يكون الموضع الأول من مواضع تقديم الخبر هو : (أن يكون المبتدأ نكرة محضة ، ويراد تخصيصه ، بتقديم خبره الظرف أو الجار مع المجرور المختصين ، أو الجملة). أما دعوى التوهم فخيالية لا مجال لها ما دامت الجملة الاسمية قد أدت الفائدة.
3) عبارة النحاة : «يعود على الخبر». ولكن الصحيح أنه يعود على جزء من الخبر كما فى المثال ، إذ الضمير عائد على المجرور وحده ، وهو جزء من الخبر ؛ لأن الخبر الجار مع مجروره.
ركّابه فى القطار ؛ لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ؛ وهو ممنوع هنا كما قلنا. وهكذا ...
3 - أن يكون للخبر الصدارة فى جملته ؛ فلا يصح تأخيره. ومما له الصدارة أسماء الاستفهام ؛ نحو : أين العصفور؟ فكلمة : «أين» اسم استفهام ، مبنى على الفتح فى محل رفع ، خبر مقدم ، و «العصفور» مبتدأ مؤخر. ونحو : متى السفر؟ فكلمة : «متى» اسم استفهام مبنى على السكون فى محل رفع خبر مقدم ، و «السفر» مبتدأ مؤخر. ومثل هذا : كيف الحال؟ من القادم؟ ...
وكذلك الخبر الذى ليس اسم استفهام بنفسه ولكنه مضاف إلى اسم استفهام ؛ نحو ؛ ملك من السيارة؟ ؛ وصاحب أىّ اختراع أنت؟
ومما له الصدارة «مذ ومنذ» عند إعرابهما ظرفين خبرين متقدمين فى مثل : ما رأيت زميلى مذ أو منذ يومان. ولو أعربناهما مبتدأين لوجب تقديمهما أيضا (1).
4 - أن يكون الخبر محصورا (2)فى المبتدأ بإلا أو إنما ؛ نحو : ما فى البيت إلا الأهل ، إنما فى البيت الأهل ؛ فلا يجوز تأخير الخبر وتقديم المبتدأ ، لكيلا يختل الحصر المطلوب ، ويختلف المراد (3)
ونحو عندى ادرهم ولى وطر *** ملتزم فيه تقدم الخبر
ويشير بهذا البيت إلى الموضع الأول. (والوطر هو : الغرض والحاجة) ثم قال :
كذا إذا عاد عليه مضمر *** ممّا به عنه مبينا يخبر
يشير إلى الموضع الثانى ، وهو : تقديم الخبر إذا عاد عليه مضمر (أى : ضمير) من المبتدأ الذى يخبر عنه بخبر ، وهذا الخبر يبيّن ويفسر الضمير العائد إليه (وفى البيت كثير من التعقيد ، والضمائر الملتوية فى مراجعها.) و «مما» أى : من المبتدأ الذى .. و «به» بالخبر - حالة كون الخبر مبينا - وعنه : (عن المبتدأ ..) ثم أشار إلى الموضع الثالث فالرابع بقوله :
كذا إذا يستوجب التّصديرا *** كأين من علمته نصيرا؟
وخبر المحصور قدّم أبدا *** كما لنا إلّا اتّباع أحمدا
يريد أن يقول : كذلك يجب تقديم الخبر إذا كان من الألفاظ التى تستوجب التصدير ، أى : تستحقه وجوبا ؛ نحو : أين من علمته نصيرا؟ «فأين» : اسم استفهام خبر مقدم ... إلخ. «من» : اسم موصول مبنى على السكون فى محل رفع مبتدأ مؤخر ... وكذلك يجب تقديم خبر المحصور فيه ، أى : خبر المبتدأ الذى وقع فيه الحصر (فالخبر محصور ، والمبتدأ محصور فيه) مثل : ما لنا إلا اتباع أحمد.
. .(ا) من المواضع التى يجب فيها تقديم الخبر :
1 - أن يكون لفظة «كم» الخبرية (1)؛ نحو : كم يوم غبابك!! أو أن يكون مضافا إليها ، نحو : صاحب كم كتاب أنت!!
2 - أن يكون قد ورد عن العرب متقدما فى مثل من أمثالهم ؛ نحو : فى كل واد بنو سعد ؛ لأن الأمثال الواردة لا يصح أن يدخلها تغيير مطلقا ، (لا فى حروفها ، ولا فى ضبطها ، ولا فى ترتيب كلماتها). - كما سيجىء فى ص 471 -
3 - أن يكون المبتدأ مقرونا بفاء الجزاء ؛ نحو : أمّا عندك فالخير.
4 - أن يكون الخبر اسم إشارة ظرفا للمكان ؛ نحو : هنا (2)وثمّ فى مثل : هنا النبوغ ؛ وثمّ العلم والأدب.
5 - أن يكون تأخير الخبر مؤديا إلى خفاء المراد من الجملة ، أو مؤديا إلى الوقوع فى لبس ؛ فمثال الأول : لله درك (3)، عالما ، فالمراد منها : التعجب. ولو تأخر الخبر وقلنا : درك لله - لم يتضح التعجب المقصود. ومثال الثانى : عندى أنك بارع ، من كل مبتدأ يكون مصدرا مسبوكا من «أنّ» (مفتوحة الهمزة مشدودة النون) ومعموليها : وهى «أنّ» التى تفيد التوكيد. فلو قلنا : أنك بارع عندى - لكان التأخير سببا فى احتمال اللبس فى الخط بين «أنّ» المفتوحة الهمزة المشددة النون و «إنّ» المكسورة الهمزة المشددة النون ، وسببا فى احتمال لبس آخر أقوى ، بين «أنّ» المفتوحة الهمزة المشددة التى معناها التوكيد ، والتى تسبك مع معموليها بمصدر مفرد - و «أن» التى بمعنى «لعل» ، وهذه مع معموليها جملة فلا تسبك معهما بمصدر مفرد ، وفرق كبير فى الإعراب بين المفرد والجملة ، وفى
1) أما الاستفهامية فلها الصدارة أصالة كأسماء الاستفهام السابقة. فكم بنوعيها واجبة الصدارة.
2) هذا ما صرح به فريق من النحاة ، كصاحب «الهمع» - ج 1 ص 102 - ولكن السماع الكثير يخالفه فى الظرف : «هنا». - كما أوضحنا هذا بإضافة فى رقم 6 من هامش ص 295 -
3) الدر : اللبن. والمقصود من هذه الجملة المدح والتعجب معا ؛ بسبب ما يدعيه المتكلم من أن اللبن الذى ارتضعه المخاطب ونشأ عليه هو لبن خاص من عند اللّه هيأه خاصة لإعداد هذا المخاطب إعدادا ممتازا ينفرد به (راجع ج 2 رقم 2 من هامش ص 18 م 60). وهذا الأسلوب قد التزم فيه العرب تقديم الخبر ؛ فلا يصح تأخيره
المعنى بين التوكيد ، والترجى أو الظن ... فقد صار اللبس محتملا لفظا وكتابة ومعنى بسبب تأخير الخبر ، ولو تقدم لامتنع اللبس ، إذ الحكم الثابت «لإن» المكسورة الهمزة المؤكّدة ، و «أنّ» المفتوحة الهمزة التى بمعنى «لعل» أن كلا منهما مع معموليه جملة ، وأن كلا منهما لا يجوز تقديم معمول خبره عليه ؛ سواء أكان المعمول ظرفا أم غير ظرف (1). ولهذا يسهل الاهتداء إلى إعراب الظرف فى المثال السابق ، وأشباهه ، وأنه خبر وليس معمولا للخبر متقدما عليه ؛ إذ لو لم نعربه خبرا واعتبرنا الحرف : «أنّ» توكيد (وهى المفتوحة الهمزة ، المشددة النون) لكان المصدر المؤول منها ومن معموليها مبتدأ ، ولا نجد له خبرا ؛ وهذا لا يصح. ولو اعتبرناها بصورتها هذه بمعنى : «لعل» لم يصح تعليق الظرف المتقدم بخبرها إذ لا يجوز تقديم شىء من معمولات خبرها عليها - كما قلنا -. وكذلك لو اعتبرناها «إن» المكسورة الهمزة ، المشددة النون ، للتوكيد. فلم يبق بدّ من إعراب ذلك الظرف خبرا متقدما. فتقدمه - أو غيره من المعمولات - يحتم أمرين :
(ا) تعيين نوع «أنّ» التى بعده ؛ فتكون للتوكيد ، مفتوحة الهمزة مشددة النون.
(ب) أنه خبر متقدم وليس معمولا لخبرها.
كما أن تأخيره يوجب أمرين :
(ا) اعتبار «أن» (مفتوحة الهمزة ، مشددة النون) بمعنى «لعل» أو كسر همزتها مع تشديد نونها لتكون للتوكيد.
(ب) إعرابه فى الصورتين معمولا للخبر وليس خبرا.
ولا شك أن كل اعتبار من الاعتبارات السالفة يؤدى إلى معنى يخالف الآخر.
هذا وإنما يكون تقديم خبر «أنّ» واجبا على الوجه الذى شرحناه بشرط عدم وجود «أما» الشرطية. فإن وجدت جاز تأخير الخبر (2). إذ المشددة المكسورة الهمزة. وكذا التى بمعنى : «لعل» لا يقعان بعدها (3)...
وغاية القول : أنه يجب تقديم الخبر فى كل موضع يؤدى فيه تأخيره إلى لبس ، أو خفاء فى المعنى أو فساد فيه.
1) كما هو مبين فى رقم 3 من هامش ص 576 - وفى «و» من ص 587
2) تقول : أما عندى فأنك فاضل. أو : أما أنك فاضل فعندى.
3) لأنه لا يجوز الفصل بينها وبين الفاء التى بعدها بجملة اسمية مصدرة ب «إن» مكسورة الهمزة ولا «أنّ» التى بمعنى : «لعل» - كما سيجىء فى رقم 3 من هامش ص 574 وسيجىء فى ج 4 ص 379 م 161 تفصيل الكلام على : «أما» وأحكامها.
يحذف كل منهما جوازا أو وجوبا فى مواضع معينة ؛ فيجوز حذف أحدهما إن دل عليه دليل ، ولم يتأثر المعنى بحذفه (1)؛ فمثال حذف المبتدأ جوازا أن يقال : أين الأخ؟ فيجاب : فى المكتبة. فالجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره : «الأخ». وأصل الكلام : «الأخ فى المكتبة». حذف المبتدأ جوازا ؛ لوجود ما يدل عليه ، مع عدم تأثر المعنى بحذفه. ومن الأمثلة أيضا أن يقال : كيف الحال؟ فيجاب ... «حسن». فكلمة : «حسن» خبر لمبتدأ محذوف تقديره : «الحال». وأصل الجملة : «الحال حسن» حذف المبتدأ جوازا ؛ لوجود ما يدل عليه ، مع عدم تأثر المعنى بحذفه ... وهكذا (2).
ومثال حذف الخبر جوازا أن يقال : من فى الحقل؟ فيجاب : «علىّ». فكلمة «على» مبتدأ مرفوع ، والخبر محذوف تقديره : «فى الحقل». وأصل الكلام. «علىّ فى الحقل». حذف الخبر جوازا لوجود ما يدل عليه ، مع عدم تأثر المعنى بحذفه. ومثله : ماذا معك؟ فيقال : «القلم» ، فكلمة : «القلم» مبتدأ مرفوع ،
1) هذا الحذف تطبيق لقاعدة لغوية عامة ، تشمل المبتدأ والخبر وغيرهما ؛ ومضمونها. أن الحذف جائز فى كل ما يدل الدليل عليه ؛ بشرط ألا يتأثر المعنى أو الصياغة بحذفه تأثرا يؤدى إلى عيب وفساد. ويريدون بالدليل : القرينة الحسية (ومنها اللفظية) أو العقلية التى ترشد إلى لفظ المحذوف ومعناه ، وإلى مكانه فى جملته. وقد سبقت الإشارة لهذا فى رقم 1 من هامش ص449 - ويريدون بعدم تأثر المعنى : بقاءه على حاله قبل الحذف ؛ فلا ينقص ، ولا يصيبه لبس ، أو خفاء - انظر «ا» من ص 444.
2) يكثر حذف المبتدأ جوازا فى جواب الاستفهام ؛ نحو : ما الحديد؟ فيقال : معدن. أى : هو معدن. ومنه قوله تعالى : ( ما أَدْراكَ ما هِيَهْ؟ نارٌ حامِيَةٌ ) أى : هى نار حامية ... وقوله : ( أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ؟)(... النَّارُ ... ) أى : هو النار. وكذلك بعد الفاء الداخلة على جواب الشرط ؛ نحو : من يعمل صالحا فلنفسه ... أى : فعمله لنفسه. وكذلك بعد القول : مثل : الآية الكريمة التى تسجل كلام الكفار عن القرآن بأنه أساطير الأولين وهى : ( قالُوا : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ .. ) أى : (هو : أساطير الأولين). وقد يحذف جوازا فى غير هذه المواضع ؛ مثل قوله تعالى : ( سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها. ) وقوله : ( بَراءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ... ) أى : هذه ...
والخبر محذوف تقديره : «معى». وأصل الكلام : «القلم معى» ، ومثل : خرجت فإذا الوالد (1).
وقد يحذف المبتدأ والخبر معا بالشرط السابق ؛ نحو : المحسنون كثير ؛ فمن يساعد محتاجا فهو محسن ، ومن يساعف مستغيثا فهو محسن ، ومن يشهد شهادة الحق ... أى : من يشهد شهادة الحق فهو محسن. فجملة : (هو محسن) مبتدأ وخبر وقد حذفا معا. جوازا (2)
وفى هذا المثال يصح أن يكون المحذوف هو الخبر وحده ، والتقدير ، «ومن يشهد شهادة الحق محسن». فتكون كلمة : «محسن» خبر «من» ولا تكون «من» الشرطية ؛ وإنما تكون اسم موصول مبتدأ ، مبنى على السكون فى محل رفع «يشهد» مضارع مرفوع ، وفاعله ضمير مستتر جوازا تقديره : هو .. والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول والخبر محذوف. تقديره «محسن»
. ومن ذلك : من يخلص فى أداء واجبه فهو عظيم ، ومن ينفع وطنه فهو عظيم ، ومن يخدم الإنسانية ... أى : فهو عظيم (3)وحذف ما يعلم جائز ؛ كما *** تقول : زيد ، بعد : من عندكما؟
وفى جواب : كيف زيد؟ قل ، دنف *** فزيد استغنى عنه إذ عرف
ومعنى البيت الأول : أن الحذف جائز فى كل ما يعلم ؛ فيشمل حذف المبتدأ وحده ، وحذف الخبر وحده ، وحذفهما معا ، وغيرهما. والشرط فى ذلك كله أن يكون المحذوف معلوما ؛ ولن يكون معلوما إلا إذا وجد دليل يدل عليه مع عدم تأثر المعنى بحذفه ، ولم يذكر ابن مالك هذا الشرط اكتفاء بشرط العلم ؛ لأن المحذوف لن يكون معلوما حقا إلا إذا وجد الشرط المذكور. وضرب مثالا لحذف الخبر هو : أن يسأل سائل : من عندكما؟ فتقول : «زيد». التقدير «زيد عندنا» ؛ فحذف الخبر وهو «عندنا» ؛ للعلم به على الوجه السالف.
وأتى في البيت الثانى بمثال لحذف المبتدأ ؛ أن يسأل سائل : كيف زيد؟ فيكون الجواب : «دنف» أي : شديد المرض «فدنف» خبر المبتدأ الذى استغنى عنه فحذف ، وأصل الجملة : زيد دنف. وقد ردد في كلامه اسم : «زيد» على عادة قدامى النحاة في كثرة ترديده خلال أمثلتهم ، هو ، وعمرو ، وبكر ، وخالد .. حتى صار التمثيل بهذه الأسماء بغيضا ؛ لابتذاله يتحاشاه . بحق . أهل البلاغة والمقدرة الفنية.
وبهذه المناسبة نشير إلى أن كلمة : «كيف» أو «كى» ـ كما ينطقها بعض العرب . هي في أكثر استعمالاتها : إما اسم مبنى على الفتح ، معناه الاستفهام عن حالة الشيء ، والسؤال عن هيئته الطارئة عليه ، دون السؤال عن ذاته وحقيقته ، وإما اسم معرب ، لا يدل على استفهام ، وإنما يدل على الحال المجردة ، والهيئة المحضة ، بأن يكون بمعنى «الكيفية». وإما شرطية غير جازمة. فلها حالات ثلاث لا تكاد تخرج عنها. ولكل حالة أحكامها التي نوضحها فيما يلى.
ا . فالاستفهامية لها الصدارة في جملتها. وهي مبنية على الفتح وجوبا في كل مواقعها المختلفة باختلاف الأساليب التي تحتويها. وضابط إعرابها أن ننظر إلى العامل بعدها ؛ فإن كان محتاجا إليها باعتبارها جزءا أساسيا لا يستغنى عنه فإنها تعرب على حسب حاجته ، فتكون خبرا في مثل : كيف أنت؟ لأن العامل الذى بعدها مبتدأ يحتاج للخبر ؛ فهي الخبر له ، مبنية على الفتح في محل رفع. وكذلك هي الخبر في مثل : كيف بك ؛ وكيف به ، . بالإيضاح الذي سبق في رقم ٢ من هامش ص ٤٠٥ . وفى مثل : كيف كنت؟ تعرب خبرا «لكان» ، مبنية على الفتح أيضا في محل نصب ؛ لاحتياج «كان» لخبر. وفى مثل : كيف ظننت الضيف؟ تكون مبنية على الفتح في محل نصب ، مفعولا ثانيا للفعل : «ظن» - وهو من الأفعال التي تحتاج المفعولين ، أصلهما المبتدأ والخبر . فإن كان ما بعدها غير محتاج لها احتياجا أساسيا على الوجه السالف بقيت مبنية على الفتح أيضا. ولكن في محل نصب دائما ؛ إما لأنها حال ؛ نحو : كيف حضر الضيف (أى : حضر الضيف في أي حال ؛ وعلى أى هيئة) وإما لأنها مفعول مطلق ؛ نحو أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ؟» «فكيف» مفعول مطلق. والمعنى : فعل ربك بأصحاب الفيل أي فعل...
فهي في كل ما سبق اسم استفهام مبنى على الفتح في محل رفع ، أو نصب على حسب حاجة العامل ، ولا تكون في محل جر مع بقائها استفهامية إلا سماعا في بعض أمثلة نادرة لا يقاس عليها ؛ منها قولهم : على كيف تبيع الأحمرين؟ ولسيبويه رأى آخر حسن في معنى «كيف» الاستفهامية ، وفى إعرابها. وقد اضطرب النحاة في شرحه إلى أن تناوله «الخضرى» في حاشيته فأزال عنه الغموض والخفاء ، وكشف بشرحه السبب في استحسان صاحب «المغنى» وتأييده لذلك الرأى. وملخصه : أن معنى : «كيف» الاستفهامية عند سيبويه شيء واحد ، هو السؤال عن الحال والهيئة الطارئة على الأمر المسئول عنه ، وأن من يقول : كيف محمد؟ وكيف الجو ؟ يريد : في أى حال ؛ محمد؟ وعلى أى حال الجو؟ فمعناها اللفظى الدقيق هو : . في أى حال؟ ، أو : على أى حال ؛ بحيث تستطيع أن تحذف لفظها وتضع مكانه هذا الذى بمعناه ، فلا يتأثر المراد. وهذا معنى قول سيبويه إنها : «ظرف» مبنى على الفتح ؛ . لأن كلمة : «ظرف» يراد منها أحيانا الجار مع مجروره ثم هو يريد الظرفية المجازية ؛ كالتي في مثل : فلان في حالة حسنة ولا يريد الظرفية الحقيقية النحوية التي تقتضى أن يكون الظرف منصوبا على الظرفية ؛ إذ لا تدل هنا على زمان أو مكان ، وإنما يريد ما قدمناه من نحو : في أى حال . وعلى أي هيئة ... . وبهذا تكون «كيف» عنده مبنية على الفتح في محل رفع أو نصب ، على حسب حاجة العوامل ، ولا تكون في محل جر ، ولا مقصورة على النصب للظرفية أو لغيرها.
وهذا الرأى قريب من سابقه ، وحسن أيضا . كما قلنا . وفى كل ما تقدم راجع المغنى والهمع ، فى مبحث : «كيف» وكذا الصبان والخضرى وحاشية ياسين في باب المبتدأ والخبر . ج ١ . عند بيت ابن مالك : وفى جواب : كيف زيد؟ قل : دنف ... ثم في أول باب «أعلم وأرى»
ب . والتي تجردت عن الاستفهام، وتخلصت لمعنى الحال المجرد (أى : كانت بمعنى : «الكيفية» لا تكون اسما مبنيا ، وإنما تكون اسما معربا مفعولا به فقط . مجردا عن معنى السؤال ، وليس له وجوب الصدارة فيعرب مفعولا به منصوبا لعامل قبله كالذي قيل أيضا في آية : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ) حيث أعربها بعض النحاة مفعولا به منصوبا ، مضافا إلى الجملة الفعلية بعده ، ثم تأويل هذه الجملة الفعلية بالمصدر . طبقا لما هو موضح في باب الإضافة ج ٣ خاصا بالجملة الواقعة مضافا إليه . كتأويل الجملة بالمصدر في قوله تعالى (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) بإضافة كلمة «يوم» إلى الجملة بعده. فالمعنى : أرني كيفية فعل ربك بأصحاب الفيل. ومثله التأويل في الآية الأخرى وهى : قوله تعالى : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ..؟) وفي الآيتين آراء أخرى ولكن ما عرضناه أوضح وأيسر تطبيقا ، وليس فيه ما يعارض حكما مطردا ، أو قاعدة أصيلة. أي : أرنى كيفية إحيائك الموتى.
ج . والشرطية : اسم شرط غير جازم . على الأرجح . يقتضى بعده فعل شرط وجوابه. ولا بد أن يكون الفعلان متفقين في اللفظ والمعنى بعدها. نحو : كيف تكتب أكتب ، ولا يجوز : كيف تكتب أقرأ ... وتفصيل الكلام على هذا الاستعمال وحكمه مدون في موضعه الخاص من الجزء الرابع . باب الجوازم ص ٣٣٤ م ١٥٦.
.1) «إذا» هنا للمفاجأة ، أى : للدلالة على هجوم الشىء ، ووقوعه بغتة. و «إذا الفجائية» لا بد أن يسبقها كلام ، ولا تحتاج إلى جواب ، ولا بد أن تكون المفاجأة فى الزمن الحالى ؛ (لا المستقبل ولا الماضى) ، وأن تقترن بها الفاء الزائدة للتوكيد. والمراد بالزمن الحالى أن وقوع المعنى بعدها ووقوع المعنى قبلها مقترنان ، بأن يتحقق وقوعهما معا فى وقت واحد ، ولو كان ماضيا ؛ نحو : خرجت أمس فإذا النسيم منعش (وسيجىء كلام على إعراب «إذا» فى ص 592 - ثم راجع ج 2 ص 225 م 79) فتقدير المثال : خرجت فإذا الوالد موجود ؛ وهذا على اعتبار أن «إذا» الفجائية حرف. - مراعاة للأسهل - أما على اعتبارها ظرف زمان أو مكان فهى الخبر ؛ أى : ففى الوقت أو فى المكان الوالد.
2) فكلمة : «من» اسم شرط جازم مبنى على السكون فى محل رفع مبتدأ. «يشهد» فعل مضارع فعل الشرط مجزوم ، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره : هو ؛ والجملة من الفعل والفاعل فى محل رفع خبر المبتدأ. «شهادة» مفعول مطلق منصوب ، ومضاف ، «الحق» مضاف إليه مجرور «فهو محسن» الفاء داخلة على جواب الشرط. «هو» مبتدأ مبنى على الفتح فى محل رفع ، «محسن» خبره مرفوع ، والجملة من المبتدأ والخبر فى محل جزم جواب الشرط.
3) وقد أشار ابن مالك إلى الحذف السابق فقال :
ذاك هو الحذف الجائز (1)، أما الواجب فللمبتدأ مواضع ، وللخبر أخرى. وفيما يلى البيان :
مواضع حذف المبتدأ وجوبا ، أشهرها أربعة :
(ا) المبتدأ الذى خبره فى الأصل نعت ثم ترك أصله وصار خبرا. بيان هذا : أن بعض الكلمات يكون نعتا خاصّا بالمدح كالذى فى نحو : ذهبت إلى الصديق الأديب ، أو بالذم كالذى فى ، نحو : ابتعدت عن الرجل السفيه ، أو : بالترحم (2)كالذى فى نحو : ترفق بالضعيف البائس. فكلمة «الأديب» و «السفيه» و «البائس» نعت مفرد (3)، تابع للمنعوت فى حركة الإعراب ، مجرور فى الأمثلة السابقة.
لكن يجوز إبعاده عن الجرّ إلى الرفع أو النصب بشروط (4). وعندئذ لا يسمى
1) ويمتنع حذف الجزأين معا ، أو أحدهما إذا وقعت جملتهما خبرا عن ضمير الشأن (وقد سبق تفصيل الكلام عليه فى الضمائر - ص 226 - نحو : ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ. )
2) إظهار الرحمة والحنان
3) النعت المفرد كالخبر المفرد ، وكالحال المفردة - ما ليس جملة ، ولا شبه جملة.
4) ستجىء مفصلة فى موضعها الأنسب ، وهو : باب النعت ، ج 3 ص 375 م 15.
ولا يعرب فى حالته الجديد «نعتا» (1)وإنما يكون فى حالة الرفع خبرا لمبتدأ محذوف وجوبا تقديره : هو - مثلا - فيكون المراد : ذهبت إلى الصديق ؛ «هو الأديب» ابتعدت عن الرجل ؛ «هو السفيه. ترفق بالضعيف «هو البائس».
ويكون فى حالة النصب مفعولا به لفعل محذوف وجوبا مع فاعله ، تقديره : «أمدح» ، أو : «أذم» ، أو : «أرحم» ، على حسب معنى الجملة. والفاعل فى هذه الأمثلة ضمير مستتر وجوبا تقديره : أنا. فالمراد : أمدح الأديب ... أذم السفيه ... أرحم البائس.
ومن الأمثلة : أصغيت إلى الغناء الشجىّ (2)، فزعت من رؤية القاتل الفتاك ، أشفقت على الطفل اليتيم. فكلمة «الشجىّ» نعت مفرد مجرور ؛ تبعا للمنعوت. وتفيد المدح. وكلمة : «الفتاك» نعت مفرد مجرور ؛ تبعا للمنعوت ، وتفيد الذم. وكذلك : «اليتيم» ، إلا أنها تفيد الترحم. فتلك الكلمات الثلاث وأشباهها - من كل نعت مفرد مجرور يفيد المدح ، أو الذم ، أو الترحم - قد يجوز إبعادها عن الجر ، إلى الرفع أو : النصب ؛ فلا تعرب نعتا مفردا مجرورا ؛ وإنما تعرب فى حالة الرفع خبرا لمبتدأ محذوف وجوبا تقديره : «هو» ويكون المراد : «هو الشجى». «هو الفتاك». «هو اليتيم» كما تعرب فى حالة النصب مفعولا به لفعل محذوف وجوبا مع فاعله ، تقديره : أمدح ... أو : أذم ... أو : أرحم ... ، على حسب الجملة ؛ فالمراد : أمدح الشجىّ ... أذمّ الفتاك ... أرحم اليتيم(3)
وقد يكون القصد من القطع تقوية التخصيص ؛ إذا كان وقوعه بعد نكرة ؛ نحو : مررت بأسد في قفصه زائر أو زائرا. أو : تقوية الإيضاح إذا كان وقوعه بعد معرفة ؛ نحو : أصغيت لعلى الشاعر ؛ فيكون الحذف فيهما جائزا.
هذا وليس من اللازم فى النعت المنقطع أن يكون مجرورا في الأصل تبعا للمنعوت ، بل يجوز أن يكون مرفوعا في حالته الأولى ، أو منصوبا ؛ تبعا لذلك المنعوت. فإن كان المنعوت مرفوعا جاز في نعته المرفوع النصب على القطع ، ولا يجوز الرفع ؛ منعا للالتباس ؛ لأنه إن رفع فلن يعرف أنه مقطوع. وإن كان المنعوت منصوبا جاز قطع النعت إلى الرفع فقط ؛ ولا يجوز قطعه إلى النصب : منعا للالتباس كذلك. أما إذا كان المنعوت مجرورا فيجوز قطعه إلى الرفع ، أو النصب ، كما سبق ؛ إذ لا لبس مع أحدهما.
وقد قلنا : إن المنصوب بعد القطع لا يعرب نعتا ؛ فقد دخل في جملة جديدة مستقلة بإعرابها ؛ لأنها . فى الرأى الشائع . جملة مستأنفة إنشائية من نوع الإنشاء غير الطلبى). فلو ظهر الفعل المحذوف حذفا واجبا لأوهم أن الكلام خبرى. وقد حمل على حذف الفعل وجوبا ، حذف المبتدأ ... وجوبا أيضا. ولا يجوز القطع إلا إذا كان المنعوت معرفة ، أو نكرة خاصة. كما أن الفعل والمبتدأ يكون حذفهما واجبا مع النعت المقطوع الذى أصله للمدح أو الذم أو الترحم. أما غيره فالحذف جائز ، لا واجب . كما تقدم ، وكما سيجيء في باب النعت ، وقد سبقت إشارة لبعض هذا فى رقم ١ من هامش ٢٨٨ عند . الكلام على بعض أحكام العلم.
.1) قد يسمى نعتا مقطوعا ، أو : منقطعا ؛ بمعنى : أنه منقطع عن أصله ، وتارك لاسمه الأول وحكمه السابق. انظر ما يأتى فى رقم 3 من الهامش
2) الذى يسر ويفرح.
3) قلنا : إن تلك الكلمات وأشباهها لا تعرب نعتا إلا حين تكون تابعة للمنعوت فى حركة إعرابه. أما حين تخالفه إلى الرفع أو النصب فلا تكون نعتا ؛ لأن صلتها الإعرابية به تنقطع ؛ لدخولها فى جملة جديدة مستأنفة فى الرأى الشائع ؛ لا صلة بينها وبين الجملة السابقة من ناحية الإعراب ؛ فكلتاهما مستقلة بنفسها فيه. نعم إن تلك الكلمة التى كانت فى الأصل : «نعتا» قد تسمى : «النعت المقطوع» أو : «المنقطع» ولكن تسميتها بالنعت لم يلاحظ فيها حالتها الجديدة ؛ وإنما لوحظ فيها حالتها القديمة التى تركتها ؛ فهى تسمية مجازية باعتبار ما كان ، لا باعتبار ما هو متحقق الآن. أما الوصف بالمقطوع، أو : المنقطع فملاحظ فيه أنها صارت فى حالتها الجديدة ، وإعرابها المستحدث - مقطوعة عن إعرابها السابق ، وعن حركتها الأولى. بل إن جملتها الجديدة مستأنفة لا محل لها من الإعراب كما أسلفنا ؛ فليس بين الجملتين صلة إعرابية ؛ بالرغم من أن الغرض من الجملة الجديدة هو إنشاء المدح ، أو الذم ، أو الترحم. أو غيره مما كان يدل عليه النعت قبل قطعه ... - أما السبب في تحويلها من نعت مفرد في جملة إلى خبر مرفوع ، أو إلى مفعول به ، في جملة جديدة مستقلة بنفسها ، لا صلة في الإعراب بينها وبين سابقتها. فسبب بلاغي ؛ ذلك أنهم حين يرون أهمية هذه الكلمة ، وجلال معناها ، وأن هذا المعنى جدير بالتنويه ، وتوجيه الأبصار والأسماع إليه يحولونها عن سياقها المألوف ، وإعرابها الطبيعي ؛ بقطعها وجوبا من جملتها ، وإدخالها في جملة جديدة ؛ الغرض منها إنشاء المدح ، أو الذم ، أو الترحم ؛ فتكون دلالة الجملة الجديدة على تحقيق المراد أقوى وأظهر من دلالة الكلمة المفردة.
وإذا كان النعت مرفوعا فى الأصل جاز قطعه إلى النصب ، ذا كان منصوبا جاز قطعه إلى الرّفع وإذا كان مجرور جاز قطعه للرفع أو النصب ، والذى يتصل بموضوعنا هو : النعت المقطوع إلى الرفع حيث يعرب بعد القطع خبرا لمبتدأ محذوف وجوبا ولا يجب الحذف إلا بشرظ أن يكون أصل النعت للمدح ، أو الذم ، أو الترحم ، دون غيرها - كما سبق -.
2 - المخصوص بالمدح أو الذم.
وبيانه : أن فى اللغة أساليب للمدح ، وأخرى للذم ، وكلاهما يؤلّف بطريقة معينة ، وصور مختلفة ، مشروحة فى أبوابها (1)النحوية. فمن أساليب المدح : أن تقول فى مدح زارع اسمه حليم : «نعم الزارع حليم». وفى ذم صانع اسمه سليم : «بئس الصانع سليم» ... فالممدوح هو «حليم» ويسمى : «المخصوص بالمدح» والمذموم هو : «سليم» ويسمى : «المخصوص بالذم». ومثلهما : «نعم الوفى
1) مثل باب نعم وبئس وما جرى مجراهما. وسيجىء فى الجزء الثالث.
حامد» أو : «بئس المختلف وعده زهير». فالممدوح هو : «حامد» ، ويسمى ، «المخصوص بالمدح» والمذموم هو : «زهير» ويسمى : «المخصوص بالذم» فالمخصوص - فى الحالتين - يقع بعد جملة فعلية ، مكونة من فعل خاصّ - يدل على المدح ، أو على الذم ، - وفاعله. وقد يتقدم المخصوص عليهما ؛ فنقول : «حليم نعم الزارع» ... «سليم بئس الصانع». وله صور وإعرابات مختلفة ؛ يعنينا منها الآن إعرابه إذا وقع متأخّرا ؛ فيجوز إعرابه خبرا ، مرفوعا ، لمبتدأ محذوف وجوبا تقديره : «هو» (1)فيكون أصل الكلام : «نعم الزارع هو حليم». «بئس الصانع هو سليم».
3 - أن يكون الخبر صريحا فى القسم (الحلف). وصراحته تتحقق بأن يكون معلوما فى عرف المتكلم والسامع أنه يمين ؛ نحو : فى ذمتى لأسافرن. - بحياتى لأخدمن العدالة. تريد : فى ذمتى يمين (2)، أو عهد ، أو ميثاق ... بحياتى يمين ، أو عهد ، أو ميثاق ...
4 - أن يكون الخبر مصدرا يؤدى معنى فعله ، ويغنى عن التلفظ بذلك الفعل - فى أساليب معينة ، محدّدة الغرض ؛ محاكاة للعرب فى ذلك - ؛ كأن يدور بينك وبين طبيب ، أو مهندس ، أو زارع ... كلام فى عمله ، فيقول عنه : «عمل لذيذ». أى : عملى عمل لذيذ. وهذه الجملة فى معنى جملة أخرى (3)فعلية ، هى : «أعمل عملا لذيذا». فكلمة : «عملا» مصدر ، ويعرب مفعولا مطلقا للفعل الحالى : (أعمل) وقد حذف الفعل وجوبا ؛ للاستغناء عنه بالمصدر الذى يؤدى معناه ، وللتمهيد لإحلال جملة اسمية محلّ هذه الجملة
1) هذا هو الشائع. ولنا رأى أيسر وأوضح وسنذكره فى مكانه من باب نعم وبئس. .. - ج 3 -
2) المراد : فى ذمتى وفى رقبتى ما يتعلق باليمين ، ويتصل بالقسم ؛ كالسفر مثلا ، أو خدمة العدالة ؛ لأن كلا منهما هو مضمون اليمين والقسم ، والغرض منها ؛ ولذلك يسمى : «جواب اليمين» أو «جواب القسم». وهو الذى يستقر فى الذمة ، ويتعلق بالرقبة ، وليس اليمين أو العهد أو الميثاق. وإنما كان حذف المبتدا واجبا هنا لأنه واجب التأخير بسبب تنكيره ، وقد وجد ما يدل عليه عند حذفه ؛ وهو : جواب القسم.
3) يوضح هذا الحكم ما سيجىء فى ج 2 م 76 ص 178 - موضوع حذف عامل المصدر وإقامة المصدر المؤكد مكانه. على الرغم من أن المصدر هناك منصوب فى أكثر حالاته ، وهو هنا مرفوع.
الفعلية ... (1)وصار المصدر مرفوعا بعد أن كان منصوبا ؛ ليكون خبرا لمبتدأ محذوف ؛ فتنشأ جملة اسمية تؤدى المعنى الأول تأدية أقوى وأبرع من السابقة (2). ومن الأمثلة أن يقول السباح وقد قطع أميالا : «سباحة شاقة» أى : سباحتى سباحة شاقة. وهذه الجملة فى معنى : أسبح سباحة شاقة. فكلمة : «سباحة» مصدر منصوب ، لأنه مفعول مطلق للفعل : «أسبح» ، ثم حذف الفعل وجوبا ؛ استغناء عنه بوجود المصدر الذى يؤدى معناه ؛ ثم رفع المصدر ليكون خبرا لمبتدأ محذوف ؛ فتنشأ جملة اسمية جديدة ، تكون أقوى وأبرع فى تأدية المعنى من الجملة الفعلية الأولى.
ومن الأمثلة أيضا أن يقول السعيد : شكر كثير. حمد وافر ... وأن يقول المريض أو المكدود : صبر جميل -. أمل طيب ... وأن يقول الولد لوالده الذى يطلب شيئا : سمع وطاعة ... أى : أمرى وحالى سمع وطاعة (3).
1) قلنا «فى معنى جملة أخرى» ، لنفر من قول القائلين : إن أصل الكلام «أعمل عملا لذيذا» ثم تناولوا هذا الأصل بالحذف والزيادة والتأويل ... مما لم يعرفه العرب ، ولم يخطر ببالهم. فلكى يكون الكلام صادقا صائبا معا قلنا : فى معنى جملة أخرى.
2) لأن هذه جملة اسمية ؛ والجملة الأسمية تفيد الثبوت والدوام. بخلاف الأولى.
3) إنما يكون المحذوف وجوبا هو المبتدأ حين يكون المقصود هو قيام المصدر مقام فعله نهائيا على الوجه السالف. ووجود قرينة تدل على هذا. فإن لم يكن المقصود ما سبق نحو : صبر جميل ، وأمل طيب ، وباقى الأمثلة الأخرى - تغير الحكم فجاز أن يكون المحذوف هو المبتدأ ؛ أى : صبرى صبر جميل ... وأن يكون المحذوف هو الخبر ؛ أى : صبر جميل أحسن من غيره ، أو أنسب لى ، أو أليق بك ... وإذا جاز فى المحذوف أن يكون هو المبتدأ أو الخبر فأيهما أولى بالذكر؟ أطال النحاة من غير داع ؛ والأولى بهذا أو ذاك ما له سبب لذكره ، أو لحذفه.
(ا) هناك مواضع أخرى - غير الأربعة السالفة - يجب فيها حذف المبتدأ ؛ منها :
1 - الاسم المرفوع بعد «لا سيما» ؛ فى مثل : أحب الشعراء ، ولا سيما «شوقىّ» بإعراب «شوقىّ» خبرا لمبتدأ محذوف وجوبا تقديره : هو (1).
2 - بعد المصدر النائب عن فعل الأمر : من مثل : «سقيا لك» (2)... و «رعيا لك» ... ومثلهما فى قول الشاعر :
نبّئت نعمى على الهجران عاتبة *** سقيا ورعيا لذاك العاتب الزارى
وغيرهما من كل مصدر ينوب عن فعل الأمر نيابة تغنى عن لفظه ومعناه ، وبعد المصدر ضمير مجرور لمخاطب. فأصل : «سقيا لك» «اسق يا رب» ... «الدعاء لك يا فلان». وأصل «رعيا لك» «ارع يا رب» ... «الدعاء لك يا فلان» ، فالمصدر نائب عن لفظ فعل الأمر وعن معناه ، وبعده المخاطب المجرور. والجار مع المجرور خبر لمبتدأ محذوف. ولا يصح أن يكون هذا الجار مع مجروره متعلقا بالمصدر : (سقيا ورعيا) ، لأن هذا التعلق مخالف للأصول العامة
1) سبق فى آخر باب الموصول (ص 363) ، التفصيل فى إعراب : «لا سيما - وأخواتها - وإعراب الاسم الذى بعدها ، وطريقة استعمال أسلوبها. ومن ذلك التفصيل نعلم أن الاسم الذى بعدها يجوز فيه الرفع والجر إن كان معرفة - ويجوز فيه الرفع، والنصب ، والجر ، إن كان نكرة. وقلنا هناك التحقيق : أن الأوجه الثلاثة جائزة فى الاسم الذى بعدها ؛ سواء أكان معرفة ، أم نكرة .. كما قلنا أيضا : إذا كان الاسم الذى بعدها يجوز فيه الأوجه الثلاثة فما الداعى إلى كد الذهن بمعرفة إعراباتها ، وتفصيل كل إعراب؟ الحق أنه لا داعى لذلك ؛ فالمهم - وهو حسبنا - أن نعلم الغرض الصحيح من أسلوبها ، وطريقة استعمالها ، وأن كل اسم بعدها يجوز فيه الحركات الثلاث ، من غير تعرض لتوجيه كل حركة ، أو إعراب ذلك الاسم وإعرابها.
2) «سقيالك». هو : دعاء موجه لله أن يسقى المخاطب. وليس الغرض أن يسقيه بالماء حقا وإنما الغرض من السقى الإنعام الغامر ، والرضا الأكمل. «والرعى» دعاء بالرعاية. وهذه اللام فيهما ، تسمى : «لام التبيين» ، لأنها تبين أن ما بعدها مفعول معنوى - لا نحوى - كهذا المثال ، وأن ما قبلها فاعل معنوى كذلك. وقد تبين العكس ؛ (أى : أن ما بعدها فاعل معنوى - لا نحوى - وما قبلها مفعول كذلك ؛ نحو : قولك للحاقد : بؤسا لك ، - كما سيجىء فى هامش الصفحة التالية ، وفى ج 2 باب حروف الجر عند الكلام على اللام -.
فى تكوين الجملة (1)
ومما يستحق التنويه أن الضمير الواقع بعد ذلك المصدر (وهو ضمير الخطاب المجرور) له اتصال معنوى بالجملة الأولى ، مع أنه في جملة بعدها مستقلة عنها في الإعراب ، ذلك وسبب الاتصال المعنوى : أنه قد يكون هو المقصود من الأولى ، والذى ينصب عليه ما فيها من دعاء أو غيره ؛ فكأنه من جهة المعنى . لا من جهة الإعراب . مفعول به. فمعنى «سقيا لك». اسق يا رب فلانا ... فمن فلان هذا؟ أين هو في الكلام؟ لا يتحقق إلا فى المخاطب الواقع بعد اللام فظاهره أنه مجرور باللام ، ولكنه في حقيقته المعنوية بمنزلة المفعول به ؛ مع أنه لا يعرب مفعولا به ؛ إذ لا بد من اعتبار الكلام جملتين عند الإعراب . كما أوضحنا ..
كذلك : رعيا لك» معناها : ارع يا رب فلانا. فمن فلان؟ أين هو في الكلام؟ لا وجود له من حيث المعنى إلا في الضمير المخاطب بعد اللام ؛ فظاهره أنه مجرور بها ، ولكنه في حقيقته المعنوية بمنزلة المفعول به ، مع أنه لا يعرب مفعولا ... إذ لا بد من اعتبار الكلام جملتين عند إعرابه ، كما سبق ... وفى بعض الأساليب الأخرى قد يكون ذلك الضمير المجرور بمنزلة الفاعل من جهة المعنى مع أنه لا يصح إعرابه فاعلا ؛ نحو : «بؤسا لك» أيها العدو ، أو :. «سحقا لك» ، أو : «بعدا لك».
تخاطب عدوا ، أو من يخون أمانته ، مثلا ... وتدعو عليه. وأصل الكلام : «أبؤس» ؛ في الدعاء عليه بالبؤس ؛ . وهو : المرض والفقر .. و «اسحق» ؛ فى الدعاء عليه بالسحق ، وهو : الهلاك.
وابعد ، في الدعاء عليه بالبعد : وهو ؛ الهلاك أيضا. فكأنك تقول بؤست ، وسحقت وبعدت ، أي : صرت بائسا ، ساحقا ، باعدا ؛ فالضمير المجرور بعد اللام هو الذي حل محل الفاعل في المعنى لا في الإعراب وصار مؤدبا معناه غير أنه فى مثل هذه التراكيب التي يكون فيها الضمير المجرور فاعلا في المعنى لا يكون التركيب مشتملا على خطابين لمخاطبين مختلفين ، وإنما يكون مشتملا على خطابين بلفظين مختلفين ، والمخاطب واحد فيهما ، فإن. «بؤسا» لك «سحقا» لك «وبعدا» لك - معناها (بؤست ، الدعاء لك). (سحقت. الدعاء لك) (بعدت - الدعاء لك) فتاء الخطاب وكاف الخطاب فى كل جملة هما لمخاطب واحد ، مع اختلاف صيغتهما فى اللفظ ، بخلاف : «سقيا» ؛ فإن المخاطب فيها غير المخاطب فى الضمير المجرور ، وهو الكاف بعدها.
وبالرغم من اتحاد الخطابين في مثل : «بؤسا» ... فإن الجار والمجرور بعدها يعرب خبرا لمبتدأ محذوف ، وجوبا ، تقديره : الدعاء .. والكلام يشتمل على جملتين ؛ لا جملة واحدة. وليس الجار مع المجرور هنا متعلقا بكلمة : «بؤسا» ، أي : بالمصدر ؛ لأن التعدى باللام يكون للمفعول به ، ولا يكون للفاعل المعنوى ، كالذى هنا. فالمانع هنا من التعليق مخالف للمانع مع الضمير الذي يكون بمعنى المفعول به ، وفى الحالتين لا بد أن يكون الكلام جملتين عند الإعراب.
وما سبق من التفصيل مقصور على المصدر النائب عن فعل الأمر ، وبعده المجرور ضمير المخاطب. فإن ناب المصدر عن غير الأمر ، نحو : شكرا لك كثيرا ، أي : أشكر لك شكرا ، أو كان المجرور اسما ظاهرا ، أو ضميرا غير ضمير المخاطب ، نحو : سقيا للأمين ورعيا له . فاللام حرف لتقوية العامل ؛ فتكون حرف جر زائد ، وما بعدها مجرور بها في محل نصب ؛ لأنه مفعول للمصدر. أو ليست بزائدة فالجار بالمجرور متعلقان بالمصدر ، فكأنك تقول : اسق يا رب الأمين ، وارعه.
وللبحث تتمة وتقسيم ليس مكانه هنا ؛ وإنما مكانه : باب المفعول المطلق . ج ۲ . وباب حروف الجر . ج ۲ . عند الكلام على لام الجر التي معناها : «التبيين».
ومن كل ما تقدم يتضح ما ذكرناه من سبب تسمية تلك اللام : «لام التبيين».
بقى إيضاح ما أشرنا إليه من فاعل المصدر النائب عن فعل الأمر ؛ كالمصدر : «سقيا» ونظائره ... أفاعله ضمير مستتر فيه تقديره : هو ؟ أم فاعله محذوف ...؟ قال الصبان ، ج ۲ . أول باب إعمال المصدر . إن فاعله هنا ضمير مستتر تقديره : «أنت». مع أنه سجل في باب الفاعل . ج ۲ . عند الكلام على مواضع حذف الفاعل . أن الفاعل يحذف جوازا «حين يكون عامله مصدرا ؛ مثل : ضربا زيدا ، وقوله تعالى : (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ..) بناء على ما ذكروه من عدم تحمله الضمير لجموده ،. ثم فال : «وذهب السيوطى إلى أنه في مثل ذلك يتحمل الضمير لأن الجامد إذا تأول بالمشتق تحمل الضمير. وضربا زيدا في معنى : «اضرب» و «إطعام» في معنى : «أن تطعم». وهذا تأويل بالمشتق.» اه. فالمفهوم أن هناك رأيين أقواهما أن فاعله مستتر فيه كفاعل فعل الأمر تماما والآخر أنه محذوف ، وأن المصدر نائب عن فعل الأمر وفاعله معا ، والخلاف شكلى.
.1) تقضى تلك الأصول بأن الجملة الواحدة لا يصح أن تجمع فى وقت واحد بين صيغتين مختلفتين لخطاب اثنين مختلفين ؛ كأن تكون إحدى الصيغتين فعل أمر ، أو ما ينوب عنه ، والخطاب فيها متجها لشىء ، وتكون الصيغة الأخرى مخالفة للأولى فى لفظها وفى المخاطب الذى تتجه إليه. فلو تعلق الجار والمجرور بالمصدر لفسد المعنى ؛ لأن المصدر فى مثل : «سقيا» نائب عن فعل الأمر : «اسق» - وله فاعل كفعل الأمر ، وفاعله مستتر فيه تقديره : «أنت» ويصح أن يقال : أنه محذوف تقديره : «أنت» طبقا للبيان الذى سنذكره بعد ؛ فهو يتضمن كفعله مخاطبة «اللّه» بالدعاء ، فى الوقت الذى يتضمن فيه الضمير المجرور مخاطبة شىء آخر تدعو اللّه له ، وبهذا تشتمل الجملة الواحدة على الخطابين اللذين لا يجتمعان ؛ لأن اجتماعهما يفسد المعنى (إذ يكون التقدير : اسق يا ألله لك. فيؤدى هذا إلى أن : اللّه منه السقى ، وله السقى ، والشطر الثانى فاسد) ولهذا قالوا - بحق - : إن «سقيالك» وما هو على نمطها ليس جملة واحدة ، وإنما هو جملتان ؛ إحداهما : «سقيا» ؛ فكلمة : «سقيا» مصدر نائب عن فعل الأمر ويعرب مفعولا مطلقا منصوبا ، وفاعله مستتر فيه أو محذوف - كما تقدم ، وكما يجىء - وتقديره فى الحالتين : «أنت» والأخرى : «لك». فالجار : مع مجروره خبر لمبتدأ محذوف وجوبا تقديره : الدعاء ... وأصل الجملة الثانية : الدعاء لك ؛ وأصل الكلام كله : سقيا (بمعنى : اسق يا ألله) الدعاء لك أيها المخاطب الذى أدعو اللّه لك.
3 - بعد ألفاظ مسموعة عن العرب مثل : (من أنت؟. محمد) وهو أسلوب يقال حين يتحدث شخص حقير بالسوء عن شخص عظيم اسمه : محمد ... والتقدير : من أنت؟ مذكورك محمد ... أو : مذمومك محمدّ. أى : من أنت؟ وما قيمتك بالنسبة للشخص الذى تذكره بالسوء ؛ وهو محمد؟. فالمثل يتضمن تحقيرا للمغتاب ، وتعظيما لمحمد. فمحمد خبر لمبتدأ محذوف تقديره : مذكورك ... أو مذمومك (أى : الشخص الذى تذكره فى حديثك أو تذمه فيه). ولما كان هذا الأسلوب قد ورد بغير مبتدأ صار من الواجب التزامه
والإبقاء عليه بغير زيادة أو نقص ؛ لأنه بمنزلة المثل ؛ والأمثال لا تتغير مطلقا (1). وقد ورد ذلك الأسلوب بالنصب أيضا : (من أنت؟ محمدا). التقدير : (من أنت؟ تذكر محمدا ، أو تذم محمدا) ؛ فتكون الكلمة المنصوبة مفعولا به لفعل محذوف.
ومن الأساليب المسموعة أن يقال : «لا سواء» عند الموازنة بين شيئين. والتقدير : لا هما سواء ، أو : هذان لا سواء ؛ بمعنى : لا يستويان. فكلمة : «سواء» خبر مبتدأ محذوف وجوبا تقديره : «هما» أو : «هذان».
ويرى فريق من النحاة أن الحذف فى المسألتين جائز لا واجب. والأخذ بهذا الرأى أنسب فيما نصوغه من أساليبنا. أما الوارد المسموع عن العرب نصّا على أنه مثل من أمثالهم فيجب إبقاؤه كما ورد عنهم.
1) لا فى حروفها ، ولا فى ضبطها ، ولا فى ترتيب كلماتها كما سبق فى رقم 2 من ص 458.
مواضع حذف الخبر وجوبا ، أشهرها خمسة :
1 - أن يقع الخبر كونا عامّا (1)والمبتدأ بعد «لولا (2)الامتناعية» ، نحو : لو لا عدل الحاكم لقتل الناس بعضهم بعضا. ولو لا العلم لشقى العالم. ولو لا الحضارة ما سعد البشر ... أى : لو لا العدل موجود ... لو لا العلم موجود ... لو لا الحضارة موجودة ... فالخبر محذوف قبل جواب : «لو لا» ...
ومن هذه الأمثلة وأشباهها يتضح أن الخبر يحذف وجوبا بشرطين : وقوعه كونا عامّا ، ووجود لو لا الامتناعية قبل المبتدأ. فإن لم يتحقق أحد الشرطين أو هما معا تغير الحكم ؛ فإن لم توجد «لو لا» فإنّ حكم الخبر من ناحية الحذف وعدمه كحكم غيره من الأخبار كلها ؛ وقد سبق الكلام عليها. وإن لم يقع كونا - عامّا بأن كان خاصّا - وجب ذكره ؛ نحو : لو لا السفينة واسعة ما حملت مئات الركاب. لو لا الطيار بارع ما نجامن العاصفة ؛ فكلمة : «واسعة» وكلمة : «بارع» - خبر من نوع الكون الخاص الذى لا دليل يدل عليه عند حذفه ، فيجب ذكره ؛ فإن دل عليه دليل جاز فيه الحذف والذكر ؛ نحو : الصحراء قحلة لعدم وجود الماء بها ؛ فلولا الماء معدوم لأنبتت - دخل اللص الحديقة لغياب حارسها ؛ فلولا الحارس غائب لخاف اللص. - اضطرب البحر من شدة الهواء. فلولا الهواء شديد ما اضطرب. فكل من : «معدوم» و «غائب» و «شديد» قد وقع خبرا ، وهو كون خاص ، فيجوز ذكره وحذفه ؛ لوجود ما يدل عليه عند الحذف (3).
2 - أن يكون لفظ المبتدأ نصّا فى القسم (4)، نحو : لعمر اللّه (5)لأجيدنّ عملى - لأمانة اللّه لن أهمل واجبى - لحياة أبى لا أنصر الظالم - لأيمن اللّه لأسرعنّ للملهوف ... فالخبر محذوف فى الأمثلة كلها قبل جواب القسم. وأصل
1) أى : يدل على مجرد الوجود العام من غير زيادة عليه. وقد سبق شرح هذا فى ص هامش 431.
2) «لو لا» التى هى حرف امتناع لوجود ، بخلاف «لو لا التحضيضية» ، فلا يليها المبتدأ. ومثل : «لو لا» الامتناعية : «لو لا» التى تفيد الامتناع أيضا ، فيجب حذف الخبر بعدها.
3) ما ذكرناه من حكم الخبر بعد : «لو لا» هو أصفى مذاهب النحاة ، وأحقها بالقبول ؛ لمسايرته الأصول اللغوية العامة.
4) بحيث يغلب استعماله فى القسم غلبة واضحة فى الاستعمال ؛ فيدرك السامع أنه قسم قبل أن يسمع المقسم عليه.
5) لحياة اللّه : فهو حلف بوجود اللّه.
الكلام لعمر اللّه قسمى ... لأمانة اللّه قسمى ... لحياة أبى قسمى ...
لأيمن اللّه قسمى (1)... ومن الأمثلة قول الشاعر :
لعمرك ما الأيام إلا معارة (2)*** فما اسطعت (3)من معروفها فتزوّد
فالمبتدأ فى كل مثال كلمة صريحة الدلالة على القسم ، غلب استعمالها فيه فى عرف السامع لها ، ولذلك حذف خبرها ؛ (وهو : قسمى) لأنها تدل عليه ، وتغنى عنه ، ولا يصح أن يكون المحذوف فى الأمثلة السابقة هو المبتدأ.
وهناك سبب آخر قوى يحتم أن يكون المحذوف هو الخبر ؛ ذلك السبب وجود لام الابتداء فى أول كل اسم ؛ إذ يدل وجودها على أن المذكور هو المبتدأ دون الخبر ؛ لأن الغالب عليها أن تدخل على المبتدأ لا على الخبر ؛ ليكون لها الصدارة الحقيقية. فإن لم يكن المبتدأ نصّا فى اليمين ، أو لم توجد لام الابتداء - لم يكن حذف الخبر واجبا ، وإنما يكون جائزا ، نحو : عهد اللّه قسمى لا أرتكب ذنبا. أمر الدين قسمى لا أفعل إساءة ؛ بإثبات الخبر أو حذفه.
3 - أن يقع الخبر بعد المعطوف بواو تدل دلالة واضحة على أمرين مجتمعين ، هما : العطف ، والمعية (4)؛ نحو : الطالب وكتابه ...
ولبيان هذا نسوق المثال الآتى : إذا أقمت فى بلد تراقب أهله ؛ فرأيت الفلاح يلازم حقله ، والصانع يلازم مصنعه ، والتاجر متجره ، والملّاح سفينته ، والطالب معهده ، وكل واحد من أهلها يتفرغ لشأنه ، لا يكاد يتركه. ثم أردت أن تصفهم. فقد تقول : شاهدت أهل البلد عاكفين على أعمالهم ، منصرفين لشئونهم ؛ (الفلاح وحقله) - (الصانع ومصنعه) - (التاجر ومتجره) - (الملاح وسفينته) - (الطالب ومعهده) - (كل رجل وحرفته) (5)
أو : محمد وحرفته، وعلي وحرفته، وهكذا.
. فما معنى كل جملة من1) أيمن اللّه : بركته. (انظر «ج» من هامش ص 494).
2) سلفة ترجع لصاحبها بعد حين.
3) أى : استطعت.
4) معنى المعية هنا : مشاركة ما بعد الواو (وهو المعطوف) لما قبلها (وهو المعطوف عليه) فى أمر بحيث يجتمعان فيه ، ولا يراد أن ينفرد أحدهما به. وعلامة الواو التى تفيد الأمرين معا : (العطف والمعية) وتكون نصا فى المعية - أن يصح حذفها ، ووضع كلمة «مع» مكانها فلا يتغير المعنى ؛ بل يزداد وضوحا. والواو هنا غير التى ينصب الاسم بعدها على أنه مفعول معه طبقا لما سيجىء فى بابه - ج2. وهى غير «واو المعية» المشار إليها فى رقم 1 من هامش الصفحة الآتية.
5) نشير هنا إلى إشكال يورده النحاة فى مثل هذا التركيب ويجيبون عنه ؛ هو : أنه لا يصح عود الضمير إلى «كل» وإلا صار المعنى كل رجل وحرفة كل رجل مقترنان ، وهذا يؤدى إلى : كل رجل يقارن حرفة كل رجل) كما لا يصح عودته إلى «رجل» ؛ وإلا كان المعنى : (كل رجل يقارن حرفة رجل واحد ، أى : كل رجل وحرفة رجل واحد مقترنان) والمعنيان فاسدان. والجواب أن كلمة : «كل» فى قوة افراد متعددة ؛ فكأنك تقول : أفراد متعددة. فالضمير العائد عليها أو على ما أضيفت إليه (مثل : رجل) يكون من مقابلة الجمع بالجمع، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضى القسمة آحادا ، كما فى قولك ركب القوم دوابهم ؛ إذ معناه ركب كل واحد من القوم دابته. فكذلك هناك ؛ ويكون المعنى : كل فرد وحرفته مقترنان.
هذه الجمل؟ معناها (الفلاح وحقله متلازمان) - (الصانع ومصنعه متلازمان) وهكذا الباقى ...
وإذا تأملت تركيب واحدة منها (مثل : الفلاح وحقله) عرفت أنها مركبة من مبتدأ ؛ هو : «الفلاح». بعده واو تفيد أمرين (1)معا ، هما : العطف ، والمعية ، وبعد هذه الواو يجىء المعطوف على المبتدأ ، ويشاركه فى الخبر ، ثم يجىء بعده الخبر. لكن أين الخبر الواقع بعد المعطوف؟ إن الخبر محذوف نفهمه من الجملة ؛ وهو كلمة : «متلازمان» أو : «متصاحبان» أو : «مقترنان» أو : ما يدل على الملازمة والمصاحبة التى توحى بها الواو التى بمعنى : «مع» وتدلّ عليها فى وضوح ظاهر للسامع. ومثل هذا يقال فى الأمثلة الأخرى. فإن لم تكن الواو نصّا فى المعية لم يكن حذف الخبر واجبا ؛ وإنما يكون جائزا عند قيام دليل يدل عليه ؛ نحو : الرجل وجاره مقترنان ، أو : الرّجل وجاره ، فقط ؛ لأن الاقتصار على المتعاطفين يفيد الاشتراك والاصطحاب. أما جواز ذكر المحذوف فلأن الواو هنا ليست نصّا فى المعية ، إذ الجار لا يلازم جاره ، ولا يكون معه فى الأوقات كلها ، أو أكثرها.
4 - الخبر الذى بعده حال تدل عليه ، وتسد مسده ، من غير أن تصلح فى المعنى لأن تكون هى الخبر ؛ نحو : «قراءتى النشيد مكتوبا». وذلك فى كل خبر لمبتدإ ، مصدر ، وبعد هذا المصدر معموله ، ثم حال ، تدل على الخبر المحذوف وجوبا ، وتغنى عنه ، ولا تصلح (2)فى المعنى أن تكون خبرا لهذا المبتدأ ... (3)؛ كالمثال
1) وهذه الواو التى للمعية والعطف معا لا تدخل هنا إلا على الاسم المعطوف بها ، ولا تدخل على فعل ، فهى غير نظيرتها الأخرى التى تفيد المعية والعطف مجتمعين مع دخولها على مضارع يجب نصبه بأن مضمرة بشرط أن يكون مسبوقا بنفى أو طلب محض على الوجه الموضح فى ج 4 باب إعراب الفعل - مثل لم يتصدق النبيل فيفتخر. وهى غير «واو المعية» المشار إليها فى رقم 4 من هامش الصفحة السابقة.
2) حقيقة لا مجازا ؛ لأنها قد تصلح من باب المجاز إذا وجدت له علاقة وقرينة.
3) تتخلف الشروط المذكورة فى حالة تجىء فى «ب» من ص 478.
السالف. فكلمة «قراءة» مبتدأ ، وهى مصدر مضاف ، والياء مضاف إليه ، «النشيد» مفعول به للمصدر ، فهو المعمول للمصدر - «مكتوبا» حال منصوب ولا تصلح أن تكون خبرا لهذا المبتدأ ؛ إذ لا يقال : قراءتى مكتوب. وإنما الخبر ظرف محذوف مع جملة فعلية أضيف لها ، والتقدير ؛ قراءتى النشيد إذا كان مكتوبا ، أو إذ كان مكتوبا (1)وقد حذف الخبر الظرف بمتعلّقه ، ومعه المضاف إليه ؛ لوجود ما يدل عليه ، ويسد مسده فى المعنى ؛ وهو ؛ الحال التى صاحبها الضمير ، الفاعل ، المحذوف مع فعله.
ومثله : مساعدتى الرجل محتاجا ، أى : إذا كان أو إذ كان محتاجا. «فمحتاجا» حال لا تصلح من جهة المعنى أن تكون خبرا لهذا المبتدأ ، إذ لا يقال : مساعدتى محتاج (وصاحب هذه الحال هو الضمير الفاعل المحذوف مع فعله). و «الرجل» مفعول به للمصدر - فهو معموله - ومثل هذا يقال فى شربى الدواء سائلا ، وأكلى الطعام ناضجا - .. و...
فإن كانت الحال صالحة لوقوعها خبرا للمبتدأ المذكور وجب رفعها لتكون هى الخبر ؛ فلا يصح إكرامى الضيف عظيما ، بل يتعين أن نقول : إكرامى الضيف عظيم ... بالرفع على الخبر (2)
أما إعراب هذا التركيب فموضع جدل عنيف يثير الدهش والأسف ، لعدم جدواه. ويقول صاحب الهمع (ج ۱ ص ١٠٤) إن مسألة الحال التي تسد مسد الخبر : (مسألة طويلة الذيول ، كثيرة الخلاف ، وقد أفردتها قديما بتأليف مستقل) ، ثم عرض . كغيره . للقليل من تلك الآراء المختلفة فلم يزدنا بسردها وبجدل أصحابها إلا دهشا ، وأسفا بل استنكارا لطول الذيول ، وكثرة الخلاف ، والتأليف المستقل فيما لا غناء فيه.
لنترك هذا لنقول إن الإعراب الذى ذكرناه هو أحد تلك الآراء المتعددة والذين ارتضوه أكثر من غيرهم ، ويوجبون أن يكون الظرف (إذ . أو : إذا) متعلق بمحذوف هو الخبر الأصيل وأن هذا الظرف مضاف إلى جملة فعلية بعده ، وهو والجملة محذوفان وجوبا ؛ لدلالة الحال على ذلك المحذوف وسدها مسد الخبر ؛ فلا حاجة لذكره معها. ولا يقبلون أن يكون الظرف بمتعلقه هو الخبر مع وجود الحال ولا يقبلون شيئا يكون هو الخبر بل يحتمون أن تقوم الحال مقام الخبر المحذوف وتغنى عن ذكره ؛ زاعمين أنه لو كان فى الجملة خبر أصيل واقتصرت الحال على إعرابها حالا مجردة ليست قائمة مقام الخبر لترتب على هذا أن يفصل الخبر بين هذه الحال وعاملها المبتدأ المصدر ، والفصل بين المصدر وعامله بأجنبى - وهو هنا الخبر - ممنوع عندهم ، ويضمون إلى هذا أدلة جدلية وهمية نرى الخير فى إهمالها وفى إعراب الظرف المحذوف بمتعلقه هو الخبر مباشرة ، أو الخبر لفظ آخر محذوف يناسب السياق وتدل عليه القرينة مع إعراب الحال المذكورة حالا أصيلة لا تسد مسد الخبر ولا غيره. وهذا رأى كثير من الكوفيين وبعض البصريين كالمبرد ؛ فقد جاء فى كتابه «الكامل» (ج 2 ص 78) حين قال الفرزدق لآخر : «حكمك مسمّطا» - وهذه الجملة ، كما يقول النحاة من الأمثلة التى وقعت فيها الحال سادة مسد الخبر سماعا ، لأن هذه الحال صالحة لوقوعها خبرا - ما نصه :
إعرابه أنه أراد : لك حكمك مسمطا» واستعمل هذا فكثر حتى حذف . أى : الخبر ، وهو لك . استخفافا ، أى : للخفة) لعلم السامع بما يريد القائل ؛ كقولك : الهلال واللّه. أى : هذا الهلال. وأغنى عن قوله : «هذا» - القصد والإشارة. وكان يقال لرؤبة : كيف أصبحت؟ ويقول : خير عافاك. اللّه. فلم يضمر حرف الخفض ولكنه حذف لكثرة الاستعمال. والمسمط : المرسل غير المردود ...) اه . فنرى من هذا أنه قدر الخبر المحذوف لكثرة الاستعمال جارا ومجرورا ، ولم يجعل الحال سادة مسده ولعل هذا الرأى هو الأفضل ، ليسره ووضوحه وخلوه من التكلف والتعقيد ، ولا مانع من قبول ما ارتضوه على أن يكون رأيهم في المنزلة الثانية بعد الرأى الذي عرضناه.
ومن تكلفهم وتعقيدهم أنهم يوجبون أن يكون صاحب الحال هو الضمير فاعل الفعل المحذوف (كان التامة ، أو ما يماثلها) وهذا الضمير عائد على معمول المصدر. فلم لا يكون صاحب الحال هو معمول المصدر مباشرة بدلا من الضمير العائد على المعمول (الذى هو كلمة : النشيد . الرجل . الدواء .. فى الأمثلة السالفة وأشباهها ؟ يمنعون هذا الإعراب السهل الواضح بحجة أضعف مما سبق ، فيقولون : لو كان صاحب الحال هو المعمول للمصدر مباشرة لأدى ذلك إلى أن تجيء الحال في ترتيبها المكانى بعد ذلك المعمول ؛ ان يكون المصدر متقدما ، يليه معموله ، وبعدهما الحال ؛ لأن الثلاثة كتلة متماسكة ، تلتزم الترتيب السابق ، ولا يفصل بينها فاصل ، وهذا الترتيب والتماسك يوجبان . عندهم . أن يجيء الخبر بعدها جميع فكيف تسد الحال مسد خبر ذكرت قبله ، ولم يحذف قبل مجيئها ليخلى مكانه لها فتحل به؟ يتعللون بهذا مع أن الضمير ومرجعه بمثابة شيء واحد.
ذلك بعض جدلهم بإيجاز كبير ، وهو نوع من الجدل الذي يضيع فيه الوقت والجهد بغير طائل. وقد حل وقت نبذه. ومن شاء أن يلم به فليرجع إلى المطولات التي اشتملت عليه كالهمع (ج ١ ص ١٠٤) ولا علينا أن نعرب الحال في الأمثلة السالفة ونظائرها «حالا» مستقلة بنفسها ليست قائمة مقام الخبر ، . كما قلنا . وأن الخبر هو الظرف بمتعلقه أو : هو لفظ غير الظرف يصلح خبرا ، وقد حذف للعلم به ، وأن صاحب الحال هو معمول المصدر مباشرة ، وليس الضمير العائد على ذلك المعمول. ولا داعى لبذل الجهد الضائع في إخضاع كلام عربي بليغ لضوابط لا تنطبق عليه ؛ ولسيطرة «العامل» فيما لا نفع فيه ، على حين يجب أن تخضع الضوابط والعوامل لفصيح الكلام العربى المسموع عنهم في هذا الأسلوب.
...1) نجىء بكلمة : «إذ» حين يكون الغرض من الكلام الزمن الماضى ؛ لأن «إذ» تستعمل فى الغالب ظرفا للماضى. ونجىء بكلمة «إذا» حين يكون الغرض الزمن الحالى ، أو المستقبل ، أو المستمر ، لأن «إذا» تستعمل ظرفا فى كل هذا - غالبا - «وكان» فى المثالين تامة ، وفاعلها مستتر تقديره : «هو» صاحب الحال. والخبر المحذوف هو الظرف : «إذ أو إذا» وهو مضاف والجملة الفعلية التى بعده مضاف إليه ، وقد حذفت معه.
2) قد يخطر على البال السؤال عن السبب فى استعمال هذا الأسلوب ، وإيثاره ، مع أنه قد يبدو غريبا. ويجيب كثرة النحاة بأنه يفيد معنى دقيقا خاصا ؛ هو قصر هذا المبتدأ على الحال - غالبا - أى : حصر معنى هذا المبتدأ فى الحال ؛ فكان الناطق بمثال من تلك الأمثلة السالفة - ونظيرتها - يقول : قراءتى النشيد لا تكون إلا فى حال كتابته ، أما فى غيرها فلا أقرؤه - مساعدتى الرجل مقصورة على حالة احتياجه ، أما فى غيرها فلا أساعده. وهكذا ... وعندهم أننا لو لم نصطنع هذا الأسلوب بطريقته المأثورة عن العرب لحرمنا ما يحققه من الغرض المعنوى السالف الذى يقررونه فى أكثر الصور.
هذا ، وتتلخص جميع مواضع حذف الخبر - التى سبقت - فى العلم بالمحذوف لوجود ما يدل عليه ، أو ما يغنى عنه فى المعنى لا فى الإعراب.
5 - حذفه من بعض أساليب مسموعة عن العرب ؛ منها : حسبك ينم الناس (1).
1) أصل الكلام ، حسبك السكوت ينم الناس. (ومعنى حسبك : «كافيك» ، فتكون اسما عاديا معربا ، أو بمعنى : «يكفيك» فتكون : اسم فعل مضارع - (وقد تقدم الكلام عليها فى الضمير ص 253 وسيجىء البيان الأوضح فى ج 3 ص 60 م 94 باب الإضافة) وفى هذا المثال يصح أن تكون اسما مبتدأ مرفوعا ، مضافا ، والكاف مضاف إليه ؛ مبنى على الفتح فى محل جر - السكوت خبر مبتدأ.
«ملاحظة» : بقيت حالة سبقت الإشارة إليها (1)، وهى التى يكون فيها المبتدأ متقدما - مباشرة - على أداة شرطية ، فإن اقترن ما بعدهما بالفاء ، أو صلح لمباشرة الأداة الشرطية - كان هو الجواب للأداة الشرطية - فى الرأى الأرجح - وكان خبر المبتدأ محذوفا وجوبا ؛ نحو : الطفل إن يتعلم فهو نافع ، - الصانع إن يتقن صناعته يستفد مالا وجاها.
فدخول «الفاء» على الجملة الاسمية دليل على أن هذه الجملة جواب للشرط ، وليست خبرا ؛ لكثرة دخول الفاء على الجملة الجوابية دون الخبرية. ، وجزم المضارع : «يستفد» دليل على أنه جواب الشرط وعلى صلاحه لمباشرة الأداة ، وأن الجملة المضارعية ليست خبرا (2)
والأمر - إن لم يك للنون محل *** فيه ، هو اسم ؛ نحو : صه ، وحيّهل
...فإن لم يقترن ما بعدهما بالفاء ، أو لم يصلح لمباشرة الأداة ، كان خبرا ، والجواب محذوفا ؛ نحو : الطفل إن يتعلم هو نافع - الصانع إن يهمل صناعته ليس يستفيد. ل
لا فرق فى المصدر الواقع مبتدأ بين أن يكون صريحا كالأمثلة السابقة وأن يكون مؤولا ؛ مثل : أن أقرأ النشيد مكتوبا. أن أساعد الرجل محتاجا. وكذلك لا فرق فى الحال بين المفردة كالتى سبقت ، والظرف ، نحو : قراءتى النشيد مع الكتابة - أكلى الطعام مع النضج - ، والجملة الاسمية نحو : قراءتى النشيد وهو مكتوب ، أو : الفعلية مضارعية وغير مضارعية ؛ نحو : مساعدتى الرجل يحتاج ، أو : مساعدتى الرجل وقد احتاج.
وليس من اللازم أن يكون المبتدأ نفسه هو المصدر فقد يكون المبتدأ أفعل تفضيل مضافا إلى المصدر - الصريح ، أو المؤول - الذى وصفناه ، نحو : أحسن قراءتى النشيد مكتوبا. أكمل مساعدتى الرجل محتاجا. أحسن ما أقرأ النشيد مكتوبا - أكمل ما أساعد الرجل محتاجا.
(ب) من الأساليب الصحيحة محمد والفرس يباريها ، أو : محمد وهند تسابقه ... ونحو هذا من كل أسلوب يشتمل على مبتدأ ، بعده معطوف بواو العطف ، ثم يجىء بعد ذلك المعطوف شىء ينسب حصوله للمعطوف ، أو المعطوف عليه ، ويقع أثره المعنوى على الآخر الذى لم ينسب له الحصول ، ففى المثال الأول نرى المبتدأ هو : «محمد» ، وبعده المعطوف بالواو هو : «الفرس» ، وبعده الفعل «يبارى» الذى ينسب حصوله للمبتدأ «محمد» ، ولكن يقع أثره على الفرس ، فكأنك تقول : محمد يبارى الفرس ... وفى المثال الثانى : المبتدأ هو «محمد» أيضا ، وبعده المعطوف بواو العطف ؛ وهو : «هند» والفعل الذى بعده هو : «تسابق» وينسب حصوله للمعطوف «هند» ، ولكن يقع أثره المعنوى على المبتدأ ؛ فكأنك تقول : هند تسابق محمدا ... فأين خبر المبتدأ فى المثالين السابقين وأشباههما؟
خير الآراء فى ذلك أن الخبر محذوف ، والتقدير والفرس يباريها - مسرعان ... محمد وهند تسابقه متنافسان ... ويجوز أن تكون الواو واو الحال والجملة بعدها حال أغنت عن الخبر (1)...
1) هذا الإعراب - كما سيجىء هنا - يؤدى إلى إهمال الشروط التى اشترطها ، أكثر النحاة فى المبتدأ الذى يستغنى بالحال عن خبره. وقد عرفناها فى رقم 4 من ص 474.
والأول أحسن ؛ لاعتبارين ؛
«أولهما» : مطابقته لقاعدة عامة ؛ هى : أن الأصل فى المبتدأ أن يكون له خبر أصيل ، لا شىء آخر - كالحال - يسدّ مسدّه ، وأن هذا الخبر الأصيل يصح حذفه لدليل.
«ثانيهما» : أنه يصلح لكل التراكيب التى تتصل بموضوعنا. ومن هذه التراكيب ما يكون فيه المبتدأ غير مستوف للشروط التى تجعله يستغنى بالحال عن الخبر كالمثالين المعروضين هنا ، وأشباههما .... (1)
وبعد «لو لا» غالبا - حذف الخبر *** حتم ، وفى نصّ يمين ذا استقر
فهذا البيت يتضمن موضعين من مواضع حذف الخبر وجوبا ؛ أحدهما : بعد. «لو لا» والآخر الخبر الذى يكون مبتدؤه نصا فى اليمين. ويريد بقوله : «غالبا» ، أى فى أغلب الآراء وأكثرها ؛ لأن هناك آراء أخرى غير هذا. ففى الآراء الغالبة لكثرة النحاة أن حذفه «حتم» ، أى : واجب. وهذا الحكم بالوجوب استقر ؛ أى : ثبت فى حالة أخرى هى حالة الخبر الذى يكون لمبتدأ نص فى اليمين. ثم قال :
وبعد واو عيّنت مفهوم مع *** كمثل : كلّ صانع وما صنع
وقبل حال لا يكون خبرا *** عن الّذى خبره قد أضمرا
يريد بالبيت الأخير : أن الخبر يحذف وجوبا قبل حال لا تصلح أن تكون خبرا للمبتدأ الذى خبره قد أضمر .. أى : قد حذف وقدّر ، وضرب مثالين لتلك الحال ؛ أحدهما فيه المبتدأ مصدر .. والآخر فيه المبتدأ أفعل التفضيل المضاف. فيقول :
كضربى العبد مسيئا ، وأتم *** تبيينى الحقّ منوطا بالحكم
أى : أتم .....
.1) لم يتعرض ابن مالك فى ألفيته لمواضع حذف المبتدأ - وقد ذكرناها من قبل فى ص 460 و 463 - واقتصر على مواضع حذف الخبر الواجب حيث يقول :
تعدد الخبر (1)
يكثر أن يكون للمبتدأ الواحد خبران أو أكثر (2)؛ مثل : المتنبى شاعر ، حكيم. فكلمة «المتنبى» مبتدأ ، و «شاعر» خبر ، و «حكيم» خبر ثان. وكذلك : «شوقىّ» شاعر ، ناثر ، حكيم ؛ فكلمه «شوقىّ» مبتدأ و «شاعر» خبر ، و «ناثر» خبر ثان ، و «حكيم» خبر ثالث. وهكذا يتعدد الخبر.
غير أن هذا التعدد ثلاثة أنواع :
أولها : أن يتعدد الخبر لفظا ومعنى ، بحيث يكون كل واحد مخالفا للآخر فى هذين الأمرين ؛ نحو : بلدنا زراعىّ ، صناعىّ - صحيفتنا علمية ، أدبية ، سياسية ... فكلمة «بلد» مبتدأ ، بعده خبران ، مختلفان ، لفظا ومعنى ، وكل معنى مقصود لذاته. وكلمة «صحيفة» مبتدأ ، وبعدها ثلاثة أخبار ؛ كل واحد منها على ما وصفنا. ونحو قوله تعالى : ( وَهُوَ الْغَفُورُ ، الْوَدُودُ ، ذُو الْعَرْشِ ، الْمَجِيدُ ، فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. )
وحكم هذا النوع أنه يجوز فيه عطف الخبر الثانى (3)وما بعده على الخبر الأول ، فيصح فى الأمثلة السابقة أن نقول : بلدنا زراعىّ وصناعىّ - صحيفتنا علمية ، وأدبية ، وسياسية ... - معهدنا علمىّ ، وأدبىّ ، ورياضىّ ، وثقافىّ ... بإثبات حرف العطف أو حذفه فى كل الأمثلة ؛ فعند إثباته يعرب ما بعده معطوفا على الخبر الأول (4)دائما. ومع أنّ ما بعد الخبر الأول هو خبر فى المعنى والتقدير فإننا
1) سيجىء (فى «ب» من ص 485) تعدد المبتدأ ، وإن كان ابن مالك لم يتعرض له.
2) لأن الخبر حكم على المبتدأ ؛ ولا مانع أن يحكم على الشىء الواحد بحكم أو حكمين أو أكثر.
3) بواو العطف أو بغيرها من أدوات العطف على حسب المعنى. وعند تعدد الأخبار بغير عطف ، يجوز. عند عدم المانع - تقديمها كلها أو بعضها ، على المبتدأ. أما مع العطف فيجوز تقديمها جميعا أو تاخيرها جميعا.
4) كما هو حكم المعطوف بالواو ، ولهذا الحكم تفضيل مدون فى مكانه من باب العطف ج 3.
لا نسميه عند الإعراب (1)خبرا. أما عند حذف العطف فيسمى اللفظ المتعدد : خبرا ، ويعرب خبرا.
ثانيها : أن يتعدد الخبر فى اللفظ فقط وتشترك الألفاظ المتعددة فى تأدية معنى واحد ، هو المعنى المقصود ، وذلك بأن تكون الألفاظ مختلفة ؛ لكل منها معنى خاص يخالف معنى الآخر -. ولكنه معنى غير مقصود لذاته ؛ وإنما المعنى المقصود لا يتحقق إلا بأن تنضم هذه المعانى المتخالفة ، بعضها إلى بعض ، لتؤدى وهى مجتمعة معنى جديدا لا ينشأ إلا من مجموعها ، كأن ترى رجلا ليس بالقصير ولا الطويل. فتقول : (الرجل طويل قصير) تريد أنه «متوسط» فكل من كلمتى : «طويل» و «فصير» لها معنى خاص يخالف الآخر ، ولكنه ليس مقصودا لذاته ؛ وإنما المقصود منه أن ينضم إلى المعنى الآخر لينشأ عن انضمامهما معنى جديد ، هو : «متوسط» وهو المعنى المراد ، الذى لا يفهم من إحدى الكلمتين منفردة ؛ وإنما يفهم منهما معا ؛ برغم أن كل واحدة منهما تسمى : خبرا (2)، وتعرب خبرا ، ولها معنى خاص ، ولكنه غير مقصود ، كما قلنا. ومثل : الطفل سمين نحيف ، أى : معتدل. ومثل : الفاكهة حلوة مرة ، أى : متغيرة الطعم ، أو متوسطة ، بين الحلاوة والمرارة ، وهكذا ...
ولهذا النوع ضابط يميزه ؛ هو : أن المعنى المراد يتحقق ويصلح حين نجعل الألفاظ المتخالفة كتلة واحدة هى الخبر ، ويفسد إذا جعلنا بعضها هو الخبر دون بعض.
على أننا عند الإعراب لا بد أن نعرب كل واحد خبرا ، ونسميه خبرا ، - كما قلنا - ونعلم أنه (3)يشتمل على ضمير مستتر يعود على المبتدأ ، وهو غير الضمير المستتر الذى يحويه المعنى الجديد الناشىء من المعانى الفردية غير المقصودة.
وحكم هذا النوع أنه لا يجوز فيه العطف ؛ لأن الخبرين أو الأخبار شىء واحد من جهة المعنى ، والعطف يشعر بغير ذلك (1). كما لا يجوز أن يفصل فيه بين الخبرين أو الأخبار فاصل أجنبى ، ولا أن يتأخر (2)المبتدأ عن تلك الأخبار أو يتوسط فيها.
ثالثها : أن يتعدد الخبر فى لفظه ومعناه ولكن تعدده فى هذه الحالة يكون تابعا لتعدد المبتدأ فى نفسه حقيقة أو حكما. ويوصف المبتدأ بأنه متعدد فى نفسه حقيقة حين يكون ذا فردين أو أفراد ، أى : حين يكون مثنى أو جمعا ؛ نحو : الصديقان مهندس ، وطبيب. ونحو : السباقون غلام ، وشاب ، وكهل. ففى المثال الأول تعددت أفراد الخبر فكانت فردين ، يستقل كل منهما عن الآخر ؛ تبعا لتعدد أفراد المبتدأ المثنى ؛ إذ يشمل فردين. وفى المثال الثانى تعددت أفراد الخبر فكانت ثلاثة أفراد - على الأقل - تبعا للأفراد المقصودة من المبتدأ الجمع. فالمبتدأ المثنى فى المثال السابق فى قوة مبتدأين لكل منهما خبر ، والمبتدأ الجمع فى قوة ثلاث مبتدءات لكل منها خبر ... وهكذا.
ويوصف المبتدأ بأنه متعدد حكما حين يكون منفردا (أى : شيئا واحدا) ولكنه ذو أجزاء وأقسام ؛ نحو : جسم الإنسان رأس ، وجذع ، وأطراف. ونحو : البيت غرفة للضيوف ، وغرفة للأكل ، وغرفة للقراءة ، وغرف للنوم. ونحو : حديقة الحيوان جزء للوحوش ، وجزء للطيور ، وجزء للقردة ... و... و...
والفرق بين هذا النوع وسابقه أن المبتدأ فى النوع السابق لا بد أن يكون ذا فردين أو أفراد ، وكل فرد له كيان مستقل كامل ، يتركب من أجزاء متعددة. أما فى هذا النوع فالمبتدأ فرد واحد ، لكن له أجزاء ، ومن هذه الأجزاء مجتمعة يتكون الفرد الواحد.
وحكم هذا النوع أنه يجب فيه عطف الخبر الثانى والثالث وما بعدهما ، على الأول (3)
وأخبروا باثنين أو بأكثرا عن واحد ؛ كهم سراة شعرا ...
يريد : أن العرب أخبروا بخبرين أو أكثر عن مبتدأ واحد ؛ كما في المثال الذي ساقه ، فكلمة «هم» مبتدأ «سراة» خبر أول : «شعرا» ، أي : شعراء ، خبر ثان ، مرفوع بضمة مقدرة على الألف والسراة : جمع سرى ؛ وهو : الشريف.
؛ بشرط أن يكون حرف العطف الواو ، ومتى عطف الخبر زال عنه اسم1) لأن العطف - غالبا - يقتضى المغايرة ؛ فالمعطوف غير المعطوف عليه من جهة المعنى ، إلا حين تقوم قرينة قوية على توافقهما فى المعنى ، وأن العطف للتفسير.
2) سبقت الإشارة لهذا فى رقم 10 من مواضع وجوب تأخير الخبر ص 454.
3) مع صحة تقديم الأخبار كلها على المبتدأ وتأخيرها كلها عنه ، وإلى تعدد الخبر يشير ابن مالك إشارة مختصرة بقوله :
الخبر ، وسمى عند الإعراب معطوفا (1).
هذا وتعدد الخبر ليس مقصورا على نوع الخبر المفرد ؛ بل يكون فيه (نحو : المجلات طبية ، هندسية ، زراعية ، تجارية ، ...) ويكون فى الجملة ؛ (نحو : العصفور يغرد ، يتحرك ؛ يطير ، يتلفت - الصيف نهاره طويل ، ليله قصير). وفى شبه الجملة ؛ (نحو : الطائر أمامك ؛ قربك.) وقد يكون مختلطا ؛ (نحو : هو أسد يزأر). فكلمة : «أسد» خبر. وكذلك جملة : «يزأر» ، (ونحو : الأسد يكشر عن أنيابه ، غاضب ، عابس). فجملة ؛ (يكشر ...) خبر ، وكذلك كلمة : غاضب ، وكلمة : عابس.
ا - وقد تكون واجبة العطف.
ب - وقد تكون ممتنعة العطف.
ح - وقد يجوز فيها العطف وعدمه.
1) مع أنه فى المعنى خبر ؛ لما سبق من أن المعطوف على الخبر خبر ... ويصح فى مثل هذه الجملة أن تكون نعتا - كما سيجىء فى الزيادة التالية :
(ا) من الأخبار المتعددة ما لا يصلح أن يكون نعتا للخبر الأول ؛ نحو : المجلات طبية ، هندسية ، زراعية ؛ لأن المعنى يفسد مع النعت ، إذ يؤدى إلى أن الطية صفتها هندسية ، زراعية ؛ وهو غير المقصود. ومثل : الأسد يكشر عن نابه ، غاضب ؛ إذ لا يوجد فى الكلام ما يصلح أن يكون منعوتا. وكثير من الأخبار المتعددة يصلح أن يكون نعتا للخبر الأول ؛ مثل : هو أسد يزأر ؛ فجملة : «يزأر» تصلح أن تكون فى محل رفع خبرا ثانيا ، أو نعتا للخبر الأول. ومثلها : الحطيئة شاعر مخضرم (1)، هجّاء. فيجوز فى كل من «مخضرم» و «هجاء» أن تكون خبرا ، وأن تكون نعتا لكلمة : «شاعر».
ونحو : ولّادة [الأندلسية] أميرة شاعرة ، كاتبة ، موسيقية ؛ فيجوز فى كل واحدة من الكلمات الثلاث الأخيرة أن تكون خبرا بعد الخبر الأول ، وأن تكون نعتا للخبر الأول.
ومن الألفاظ ما يجب أن يكون نعتا ولا يصلح خبرا ؛ وذلك حين يمنع مانع معنوى أو لغوىّ ، نحو : حامد رجل صالح ، أو علىّ رجل يفعل الخير ؛ لأن الخبر لا بد أن يتمم الفائدة الأساسية - كما عرفنا - ولم يتممها هنا لعدم إفادة الإخبار بالأول إلا مع النعت ؛ لأن رجولته مستفادة من اسمه ، لا من الخبر وهذا من نوع الخبر الذى يتمم الفائدة بتابعه (2)... ولذلك كان الأحسن فى قوله تعالى : ( كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) أن تكون كلمة : «خاسئين» خبرا ثانيا ، لا نعتا ؛ لان جمع المذكر السالم لا يكون نعتا لغير العاقل إلا بتأول لا داعى له هنا ...
ومثل قول النحاة : الفاعل ، اسم ، مرفوع ، متأخر عن فعله ، دال على من فعل ذلك الفعل ، أو قام به ... فيجب أن يكون الخبر هو كلمة : «اسم» فقط ، وما بعده صفات له ، وليست أخبارا ؛ لأن الخبر يجب أن يتم به المعنى الأساسى
1) المخضرم : من أدرك عصرين مختلفين من العصور التاريخية. لكن أكثر استعماله فى كل من أدرك الجاهلية وأول الإسلام. والحطيئة من هذا النوع.
2) راجع هامش 402. حيث الكلام على الخبر المحتاج للنعت. وفيها إشارة إلى صورة تدخل فى نوع الخبر الذى يتمم الفائدة بتابعه هى صورة المبتدأ الذى يكون اسم شرط ، فالراجح أن خبره هو الجملة الشرطية.
مع المبتدأ ، وهنا لا يتم بواحد مما جاء بعد الخبر الأول ، إذ الفاعل لا يتم معناه ولا تتضح حقيقته بأنه مرفوع فقط ، أو متأخر فقط ... أو ... فقط. وإنما يتم معناه وتتضح حقيقته بأنه اسم موصوف بصفات معينة ؛ مجتمعة هى : الرفع ، مع التأخير ، مع الدلالة ... فكلمة : «اسم» هى التى تعرب وحدها خبرا ؛ لأنها مع تلك القيود التى نسميها نعوتا - تكمل المعنى مع المبتدأ ، وتتمم الفائدة. ومثل هذا يقال فى تعريف المبتدأ ، وتعريف الخبر ، والمفعول ، وكل تعريف من التعريفات العلمية المشتملة على ألفاظ وقيود تصلح أن تكون أخبارا أو نعوتا لو لا المانع السابق.
(ب) قد يتعدد المبتدأ. وأكثر ما يكون ذلك فى صورتين : يحسن عدم القياس عليهما فى الأساليب الأدبية والعلمية التى تقتضى وضوحا ودقة ؛ لأنهما صورتان فيهما تكلف ظاهر ، وثقل جلىّ. وقيل إنهما موضوعتان (1)فلا يصح القياس عليهما.
الأولى : صالح ، محمود ، هند ، مكرمته من أجله. حيث تعددت المبتدءات متوالية ، مع خلو كل منها من إضافته لضمير ما قبله. ثم جاءت الروابط كلها متوالية بعد خبر المبتدأ الأخير. ولإرجاع كل ضمير إلى المبتدأ الذى يناسبه نتبع ما يأتى :
1 - أن يكون أول خبر لآخر مبتدأ ، ويكون الضمير البارز فى هذا الخبر راجعا إلى أقرب مبتدأ قبل ذلك المبتدأ الذى أخبر عنه بأول خبر.
2 - ثم يكون الضمير البارز الثانى للمبتدأ الذى قبل ذلك. وهكذا ... فترتب الضمائر مع المبتدءات ترتيبا عكسيّا. ففى المثال السابق نعرب كلمة «مكرمته» خبرا عن «هند» ، والضمير الذى فى آخر : «مكرمته» وهو الهاء يعود إلى : «محمود» ، والضمير الذى فى آخر : «أجله» ، وهو : الهاء أيضا يعود إلى : «صالح» ، ويكون المراد : محمود هند مكرمته من أجل صالح ، أو ؛ هند
1) نقل السيوطى فى الجزء الأول من كتابه : «الهمع» - ص 108 - ، عند الكلام على تعدد الخبر والمبتدأ ما قاله أبو حيان فى هذه الصور وأمثالها من : (أنها من وضع النحاة ، للاختبار والتمرين ، ولا يوجد مثلها فى كلام العرب البتة) اه. ولهذا يحسن عدم استخدامها.
مكرمة محمود من أجل صالح. وذلك بوضع الاسم الظاهر مكان الضمير العائد إليه.
الثانية : فى مثل محمد ، عمه ، خاله ، أخوه قائم ، حيث تعددت المبتدءات وكان الأول منها مجردا من إضافته للضمير. أما كل مبتدأ آخر فمضاف إلى ضمير المبتدأ الذى قبله. فمعنى الجملة السابقة ، أخو خال عم محمد - قائم - فنضع مكان كل ضمير الاسم الظاهر الذى يفسر ذلك الضمير العائد عليه.
وفى الأمثلة السابقة للصورتين ما ينهض دليلا على أن استعمال هذه الأساليب معيب ، والفرار منها مطلوب.
الخبر مرتبط بالمبتدأ ارتباطا معنويّا قويّا (1). ويزيده قوة بعض الروابط اللفظية ؛ كالضمير العائد عليه من الخبر ، وكغيره مما عرفناه ، ولهذا كان الغالب عليه أن يخلو من الفاء التى تستخدم للربط (2)فى بعض الأساليب الأخرى. فمن أمثلة الخبر الخالية من الفاء : العمل وسيلة الغنى - النظافة وقاية من المرض - التجارة باب للثروة ...
ومن الألفاظ التى ليست خبرا ولكنها تحتاج - أحيانا - إلى الفاء الرابطة بينها وبين ما سبقها : جواب اسم الشرط (3)المبهم (4)الدال على العموم ؛ (لكونه لا يختص بفرد معين ؛ وإنما هو شائع) ؛ مثل : من يعمل خيرا فجزاؤه خير. فكلمة «من» اسم شرط ، يدل على العموم ، وبعده فعل الشرط مستقبل الزمن ؛ وهو (5): (يعمل) ، ثم يليه جملة اسمية هى جواب الشرط ، أى : نتيجته المترتبة عليه ، التى يتوقف حصولها فى المستقبل أو عدم حصولها على وقوعه أو عدم وقوعه ، وهى : «جزاؤه خير». وقد اقترنت هذه الجملة الاسمية بالفاء ؛ فربطت بينها وبين جملة الشرط. ودل هذا الارتباط على اتصال بين الجملتين ، وأن الثانية منهما نتيجة للأولى. ولو لا الفاء الرابطة لكان الكلام جملا مفككة ، لا يظهر بينها اتصال. ومثل هذا كل أسماء الشرط الأخرى الدالة على الإبهام والعموم ، والتى لها جملة شرطية ، تليها جملة جواب مقرون بالفاء ...
1) لأن الخبر محكوم به ، والمبتدأ محكوم عليه ، كما عرفنا ؛ فلا وجود لأحدهما - من هذه الناحية - بدون الآخر.
2) لأنها تدل على السببية والتعقيب.
3) فى هامش ص 64 و 477 الكلام على المبتدأ الذى يليه أداة شرط. وبيان الخبر والجواب.
4) فى ص 186 معنى : «الإبهام» - ثم فى ص 305 و 306 وهامشهما بيان المبهم من الأسماء خاصة ، ومعنى إبهامه.
5) فعل أداة الشرط الجازمة مستقبل الزمن دائما ، ولو كان فعلا ماضيا فى اللفظ ؛ لأن كل أدوات الشرط الجازمة - وبعضا من الشرطية غير الجازمة - تجعل فعل الشرط الماضى فى اللفظ مستقبل الزمن من حيث معناه ، وكذلك فعل الجواب. (راجع ص 56).
والخبر - مفردا أو غير مفرد - قد يقترن بالفاء وجوبا فى صورة واحدة ، وجوازا فى غيرها (1)، إذا كان شبيها بهذا الجواب الشرطى ، بأن يكون نتيجة لكلام قبله ، مستقبل الزمن ، وفى صدر هذا الكلام مبتدأ يدل على العموم والإبهام ؛ نحو : الذى يصادقنى فمحترم : «فالذى» اسم موصول مبتدأ ، وهو يدل على الإبهام والعموم ، وبعده «يصادفنى» كلام مستقبل المعنى (2)، له نتيجة مترتبة على حصوله وتحققه ، هى الخبر : (محترم) وقد دخلت الفاء على هذا الخبر ؛ لشبهه بجواب الشرط فى الأمور الثلاثة السالفة التى هى : (وجود مبتدأ دال على الإبهام والعموم ، كما يدل اسم الشرط المبتدأ على الإبهام والعموم) و (وجود كلام بعد المبتدأ مستقبل المعنى ؛ كوجود جملة الشرط بعد أداة الشرط) و (ترتّب الخبر على الكلام السابق عليه ؛ كترتب جواب الشرط على جملة الشرط - وهذا مهم).
ومن الأمثلة : رجل يكرمنى فمحبوب - من يزورنى فمسرور ... وهكذا كل خبر تحققت فيه الأمور الثلاثة ؛ سواء أكان خبرا مفردا ، أم جملة ، أم شبه جملة. فالقاعدة العامة فى اقتران الخبر بالفاء هى : مشابهته لجواب الشرط فى فى تلك الأمور الثلاثة ، مع خلو الكلام من أداة شرط بعد المبتدأ ، لكبلا يلتبس الخبر بجواب الشرط.
وقد تتبع النحاة مواضع المشابهة فوجدوها تتركز فى موضعين لا تكاد تخرج عنهما ، مع خلو كل موضع من أداة شرط بعد المبتدأ.
الأول : كل اسم موصول عامّ وقعت صلته جملة فعلية مستقبلة المعنى ، أو وقعت ظرفا ، أو جارّا مع مجروره بشرط أن يكون شبه الجملة بنوعيه متعلقا
1) كما سيجىء فى ص 490.
2) ليس من اللازم أن يكون مستقبل اللفظ أيضا كالأمثلة الماضية ؛ وإنما يكفى أن يكون مستقبل المعنى فقط دون اللفظ ؛ نحو : قوله تعالى : ( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) و «ما» فى الآية موصولة ، وليست شرطية ؛ بدليل قراءة من قرأ : (وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم) فالفعل. «أصاب» ماض فى اللفظ ، مستقبل فى المعنى ، لأن المراد أن كل شىء يصيبنا فى المستقبل هو نتيجة لعملنا ، وليس المراد الكلام على شىء سبق.
بمضارع مستقبل الزمن (1).
الثانى ؛ كل نكرة عامة ، وصفت بجملة فعلية ، مستقبلة المعنى ، أو بظرف ، أو بجار مع مجروره على الوجه السالف الذى يقضى بتعليق شبه الجملة بمضارع مستقبل الزمن.
وإذا اقترن الخبر بالفاء وجب تأخيره عن المبتدا ؛ كالأمثلة التى أوضحناها ، فإن تقدم وجب حذف الفاء (2).
1) والصلة بالظرف والجار مع مجروره ليست فعلا ملفوظا دالا على المعنى المستقبل ، ولكنها تتضمن فعلا مقدرا ؛ لأن كلا منهما - بحسب الأصل - متعلق بفعل محذوف يمكن تقديره فعلا مضارعا مستقبلا ، مثل : «يستقر» أو ما بمعناه. وبعد حذف هذا المتعلق حل الظرف أو الجار مع مجروره محله ، فكلاهما بمنزلة الفعل (راجع المفصل ج 1 ص 100 وكذا سبق هنا فى شبه الجملة ص 340) ، وقد يكون فى الكلام قرينة أخرى تدل على أن معناه لا يتحقق إلا فى المستقبل.
2) كما سبق فى رقم 2 من ص 453.
لم يكتف النحاة بالتركيز الذى أشرنا إليه وإنما عرضوا للتفصيل ، وعدّ المواضع المختلفة التى تقع فيها المشابهة - بشرط استيفاء كل منها الشروط الثلاثة السالفة ، مبالغة منهم فى الإبانة والإيضاح. وإليك بيانها بعد التنبيه إلى أن كثيرا منها مع صحته لا تستسيغه أساليبنا الحديثة العالية. فخير لنا ألا نستعمله قدر الاستطاعة ، وأن نعرف هذه المواضع لنفهم بها كلام السابقين.
1 - خبر المبتدأ الواقع بعد «أمّا» الشرطية. نحو : أما الوالد فرحيم. وهذا الموضع يجب فيه اقتران الخبر بالفاء دون باقى المواضع (1)؛ فيجوز فيها الاقتران وعدمه ، والاقتران أكثر.
2 - أن يكون المبتدأ اسم موصول صلته جملة فعلية زمنها مستقبل ، تصلح أن تكون جملة للشرط (2): نحو : الذى يستريض فنشيط.
3 - أن يكون المبتدأ اسم موصول صلته ظرف ؛ نحو : الذى عندك فأديب.
ولا بد أن يكون شبه الجملة فى هذه الصورة وفيما يليها متعلقا بمضارع مستقبل الزمن كما سلف (3)
4 - أن يكون المبتدأ اسم موصول صلته جار مع مجروره ، نحو الذى فى الجامعة فرجل.
5 - أن يكون المبتدأ نكرة عامة بعدها جملة فعلية زمنها مستقبل ، صفة (4)لها ؛ نحو : رجل يقول الحق فشجاع.
6 - أن يكون المبتدأ نكرة عامة ، بعدها ظرف ، صفة لها ؛ نحو : طالب مع الأستاذ فمستفيد.
1) هذا الموضع لا يذكره بعض النحاة هنا ؛ لأن اقتران الخبر فيه بالفاء إنما هو لأجل : «أمّا» المتضمنة معنى الشرط ، وليس لشبه المبتدأ بأداة الشرط فى الإبهام والعموم.
2) الجملة الفعلية التى تصلح أن تكون للشرط هى التى لا يكون فعلها فعل طلب - كالأمر أو النهى - ولا فعلا جامدا ؛ مثل : ليس أو عسى ، ولا فعلا مسبوقا بأداة شرط نحو قوله تعالى : ( وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ ... ) ولا بما ؛ ولا لن ، النافيتين ، ولا قد ، ولا السين ، ولا سوف ، ولا رب ، ولا القسم ... ولا غير هذا يجىء مما تفصيله فى مكانه الخاص ؛ وهو باب الجوازم. (ج 4).
3) انظر الإيضاح فى رقم 2 من هامش ص 488.
4) بشرط أن تكون الجملة الفعلية مستقبلة الزمن ، صالحة لأن تقع شرطية.
7 - أن يكون المبتدأ نكرة عامة ، بعدها جار ومجرور ، صفة لها ؛ نحو : طالب فى المعمل فمنتفع.
8 - أن يكون المبتدأ مضافا إلى موصول صلته جملة فعلية مستقبلة الزمن ، تصلح أن تكون جملة للشرط ؛ نحو : كتاب الذى يتعلم فمصون.
9 - أن يكون المبتدأ مضافا إلى موصول صلته ظرف ؛ نحو قلم الذى أمامك فجيد.
10 - أن يكون المبتدأ مضافا إلى موصول صلته جار مع مجروره ؛ نحو : مرشدة التى فى البيت فخبيرة.
11 - أن يكون المبتدأ لفظ «كل» (أو ما بمعناها ؛ مثل جميع) مضافا إلى نكرة موصوفة بجملة (1)فعلية بعدها ، نحو : كل رجل يهمل فصغير.
12 - أن يكون المبتدأ لفظ «كل» (أو ما بمعناها) ، مضافا إلى نكرة موصوفة بظرف ، نحو : كل وطنى أمام الوطن فمخلص. وقول الشاعر :
كلّ سعى سوى (2)الذى يورث الفو *** ز فعقباه حسرة وخسار
13 - أن يكون المبتدأ لفظ «كل» (أو ما بمعناها) مضافا إلى نكرة موصوفة بجار ومجرور ؛ نحو : كل فتاة فى العمل فنافعة.
14 - أن يكون المبتدأ موصوفا باسم موصول صلته جملة فعلية مستقبلة الزمن تصلح للشرط ، نحو : الزميل الذى يعاونك فرياضى.
15 - أن يكون المبتدأ موصوفا باسم موصول صلته ظرف : نحو : الزائرة التى معك فمثاليّة.
16 - أن يكون المبتدأ موصوفا باسم موصول صلته جار مع مجروره ؛ نحو : الرائد الذى فى الرحلة فأمين.
17 - أن يكون المبتدأ مضافا إلى اسم موصوف بموصول صلته جملة (3)فعلية ؛ نحو : خادم الرجل الذى يزرع فنافع.
18 - أن يكون المبتدأ مضافا إلى اسم موصوف بموصول صلته ظرف ؛ نحو : كاتب الرسالة التى معك فقدير.
19 - أن يكون المبتدأ مضافا إلى اسم موصوف بموصول صلته جار مع مجروره ؛ نحو : مؤلف الكتب التى فى الحقيبة فعظيم.
وفى جميع الأمثلة السابقة يجوز أن يكون الخبر مفردا ، أو جملة ، أو شبه جملة. ولا بد من خلو الجملة بعد المبتدأ من أداة شرط - كما سبق.
تلك هى أشهر الصور التى يقترن فيها الخبر بالفاء - وجوبا فى واحدة. وجوازا فى الباقى - لغرض هام ، هو : النص على مراد المتكلم من ترتب الخبر على الكلام الذى قبله ، وإبانة أن الخبر نتيجة مترتبة على ما سبقه.
ولو فقد شرط من الثلاثة التى بيناها لامتنع دخول الفاء على الخبر ؛ فمثال فقد العموم : سعيك الذى تبذله فى الخير محمود. ومثال فقد الاستقبال. الذى زارنى أمس مشكور. ومثال الجملة الفعلية الواقعة صلة أو صفة وهى غير صالحة لأن تقع شرطية لاشتمالها على ما ، أو : لن ، أو : قد ، أو ... أو : إلخ. الذى لن يزورنى مسىء ... ومثل هذا يقال فى الصفة أو الصلة التى لم تستوف الشروط.
وقد تدخل الفاء جوازا - ولكن بقلة - فى الخبر الذى مبتدؤه كلمة «كل» إما مضافة لغير موصوف أصلا ؛ نحو : كل نعمة فمن اللّه ، وقول الشاعر (1):
وكلّ الحادثات وإن تناهت *** فمقرون بها الفرج القريب
وإمّا مضافة لموصوف لكن غير ما سبق (2)نحو : كل أمر مفرح أو مؤلم فنتيجة لعمل صاحبه.
وإذا كان المبتدأ «أل» الموصولة وصلتها (3)صفة صريحة مستقبلة الزمن - جاز الإتيان بالفاء فى الخبر نحو : الصانع والصانعة فنافعان. المخترع والمخترعة فمفيدان. ومنه قوله تعالى : ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ... ) وفريق من النحاة منع دخول الفاء فيما سبق ، وأوّل الآية. وهذا رأى لا يصح الأخذ به مع وجود آية كريمة تعارضه ، كما لا يصح تأويل الآية لتوافقه. فالصحيح دخولها على الخبر ولو كان أمرا أو نهيّا.
بقى أن نعرف أن المبتدأ الذى يشبه اسم الشرط فيما سبق إذا دخل عليه ناسخ - غير إنّ ، وأنّ ، ولكنّ - فإن الناسخ يمنع دخول الفاء على خبره. أما إنّ ، وأنّ ، ولكنّ ، فلا تمنع ؛ فيجوز معها دخول الفاء : مثل قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ ) وقوله تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ) وقول الشاعر :
فو اللّه ما فارقتكم قاليا (1)لكم *** ولكنّ ما يقضى فسوف يكون
وإذا عطفت على المبتدأ الذى خبره من الأنواع السابقة المقرونة بالفاء ، أو على ما يتصل به من صلة ، أو صفة ، ونحوها - وجب تأخير المعطوف عن الخبر ؛ إذ لا يجوز الفصل بينه وبين مبتدئه بالمعطوف ، ففى مثل : الذى عندك فمؤدب ، لا يصح أن يقال : الذى عندك والخادم فمؤدب ، أو فمؤدبان ، وهكذا ...
1) كارها.
نواسخ الابتداء : كان وأخواتها (1)...
معنى الناسخ : الجملة الاسمية فى مثل «الرياحين متعة» - تتكون من اسمين مرفوعين ، يسمى أولهما : المبتدأ ، وله الصدارة فى جملته - غالبا -. ويسمى الثانى : خبرا كما هو معروف. ولكن قد يدخل عليهما ألفاظ معينة تغير اسمهما ، وحركة إعرابهما ، ومكان المبتدأ من الصدارة فى جملته ، ومن هذه الألفاظ : كان ، إنّ ... ظنّ ... مثل : كان العامل أمينا ، وقول الشاعر :
وإذا كانت النفوس كبارا *** تعبت فى مرادها الأجسام
فيصير المبتدأ اسم «كان» مرفوعا وليس له الصدارة ، ويصير خبره خبر كان منصوبا (2)
و «كان» الناسخة وأخواتها من الأفعال التي تعمل عملها لا ترفع فاعلا ، ولا تنصب مفعولا به ، ولا تحتاج لأحدهما ما دامت ناسخة. غير أن هذه الأفعال الناسخة تؤنث لتأنيث اسمها ، بالشروط والطرق التى يؤنث بها الفعل التام لتأنيث فاعله. وقد ذكرناها فى موضعها الخاص من ج ٢ ص ٦٥ م ٦٦.
. ومثل ؛ إنّ العامل أمين ؛ فيصير المبتدأ اسم «إن» منصوبا ، وليس له الصدارة ، ويصير خبره خبر «إن» مرفوعا. ونقول : ظننت العامل أمينا فيصير المبتدأ والخبر مفعولين منصوبين للفعل : «ظننت» وليس للمبتدأ الصدارة. وتسمى الكلمات التى تدخل على المبتدأ والخبر فتغير اسمهما وحركة إعرابهما ومكان المبتدأ : «النواسخ» ، أو : نواسخ الابتداء ؛ لأنها تحدث نسخا ، أى : تغييرا1) المراد بأخواتها : نظائرها من الكلمات التى تشابهها فى العمل ، وتخالفها فى اللفظ ؛ سواء أكانت مع أختها من جنس واحد ، فهما فعلان ؛ مثل : كان - أضحى - ظل ... أم كانتا من جنسين مختلفين. فإحداهما فعل ، مثل : «كان» و «ليس» والأخرى حرف ؛ مثل : «ما» الحجازية التى تعمل عملها.
2) التسمية بالاسم وبالخبر هى مجرد اصطلاح نحوى ؛ لا مناسبة له فى الجملة ؛ فمثل : «كان على غائبا» ، نعرب كلمة : «على» اسم «كان» ، مع أنه فى الحقيقة اسم للذات المعينة ؛ وليس اسما «لكان». ولا علما عليها ؛ لأننا لا نسميها باسم جديد خاص. كما نعرب «غائبا» خبر «كان» مع أنه فى الحقيقة والواقع خبر عن :. «على» ، وليس خبرا عن : «كان» لأنها ليست مبتدأ فنجىء لها بخبر. غير أن الاصطلاح النحوى جرى بما سبق. وقد يكون المراد. الاسم المصاحب لكان ، الملابس لها ، والمراد بالخبر : أنه خبر بحسب الأصل.
على الوجه الذى شرحناه (1)
ا . المبتدأ الذى له الصدارة الدائمة في جملته بحيث لا يصح أن يتقدم عليه شيء ؛ كأسماء الشرط ، وأسماء الاستفهام ، وكم الخبرية ، والمبتدأ المقرون بلام الابتداء ... ويستثنى من هذا النوع الذى له الصدارة فى جملته . ضمير الشأن فيجوز أن تدخل النواسخ عليه (وقد تقدم عليه الكلام في باب الضمير ص ٢٢٦).
وكذلك يستثنى المبتدأ إذا كان اسم استفهام أو مضافا لاسم استفهام ؛ فيجوز أن تدخل عليه «ظن وأخواتها» مع استيفائهما الفاعل ، ومع تقديم اسم الاستفهام وجوبا على الناسخ ، نحو : أيهم ظننت أفضل ، وغلام أيّهم ظننت أفضل. ولا تدخل هنا ، «كان» ، ولا «إن» ولا أخواتهما ؛ لأن الاسم في بابي «كان وإن» لا يتقدم على العامل ، وأما الخبر فيجوز أن يتقدم في بابي «كان وظن وأخواتهما إذا كان اسم استفهام ، أو مضافا إلى اسم استفهام ، نحو : أين كنت ؟ وأين ظننت محمودا ... ، ، بشرط ألا يمنع من التقدم مانع سيجيء عند الكلام على تقدم خبر «كان». أما خبر «إن» وأخواتها فلا يتقدم.
ب . المبتدأ الذى يجب حذفه ، وخبره نعت مقطوع. وقد تقدم الكلام عليه في ص ٤٦٣ .
ج . كلمات معينة لم تقع إلا مبتدأ فى الأساليب الواردة التي لا يجوز تغيير هيئتها ؛ لأنها جرت مجرى الأمثال ، والأمثال لا تتغير ؛ كالكلمات الملازمة للابتداء. في نحو : لله در الخطيب ، ونحو أقل رجل يفعل ذلك ، (وقد سبق الكلام عليهما في باب المبتدأ . ص ٤٣٠ و ٤٠٨) ، ونحو : «ما» التعجيبة. في مثل ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا. وهذا النوع يسمى : «اللازم للابتداء بنفسه» (أى : بسبب مزية في نفسه امتاز بها ؛ وهى : أن العرب خصته بالابتداء فلم تستعمله إلا مبتدأ). وكل هذا يسمى : «الاسم غير المتصرف في استعماله ؛» لأنه مقصور على ضبط واحد ، وطريقة واحدة فى الاستعمال ، لا يتجاوزها. وليس من اللازم أن يكون مرفوعا ، فمن أنواعه ما هو مقصور على النصب - أو غيره - كالمنصوب على المصدرية لداع ؛ كنيابته عن فعل الأمر في مثل : «سقيا ورعيا» ، وقد سبق الكلام عليهما في ص ٤٦٩) ، فليس أصله المبتدأ الذى يصلح لدخول النواسخ عليه.
ومما يتصل بهذا المبتدأ : «المقصور . في الغالب . على معنى واحد لا يستعمل في غيره» ؛ كالدعاء أو القسم ، أو غيرهما ، مع ملازمته صيغة واحدة لا تتغير صورتها ، ومع ملازمته الإفراد ؛ فلا يكون مثنى ، ولا جمعا ؛ كقولهم في الدعاء : طوبى للأمين ، ولا يكون الخبر لكلمة : «طوبى» إلا الجار مع مجروره ، (كما سبق في ص ٤٣٦) . ومن أمثلته أيضا قول على . رضى اللّه عنه . طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس. وويل للخائن ، وسلام على المصلح ، واللفظان الأخيران يستعملان في غير الابتداء أحيانا . كما سيجيء البيان في موضعه المناسب ، ج ٢ ص ١٨٨ م ٨٦ . وقولهم فى القسم : أيمن اللّه لألتزمن الإنصاف . ولهذا القسم بيان يتصل بتركيبه في رقم ٢ من ص ٤٧٢ ..
د . اللازم للابتداء بسبب غيره ، كالاسم الواقع بعد لو لا » الامتناعية ، وإذا الفجائية ... فإنهما لا يدخلان إلا على المبتدأ ؛ مثل : لو لا العلوم ما تقدمت الحضارة ، ومثل : خرجت فإذا الأصدقاء.
ولا مانع من دخولها على المبتدأ النكرة (2)... فيصير اسما لها ؛ إذ لا يشترط فى اسمها أن يكون معرفة فى الأصل.ومما سبق يتبين أن النواسخ بحسب التغيير (3)الذى تحدثه ثلاثة أنواع : نوع يرفع اسمه وينصب خبره - فلا يرفع فاعلا ، ولا ينصب مفعولا - مثل : «كان
1) لا تدخل النواسخ. على المبتدأ إذا كان واحدا مما يأتى :
2) كما سبق فى رقم 3 من هامش ص 441 وفى رقم 11 من ص 443.
3) أما النواسخ بحسب صيغتها وتكوينها اللفظى فثلاثة أنواع أيضا ، أفعال ، مثل : كان وأخواتها ، وأسماء وهى المشتقات من مصادر تلك الأفعال التى يمكن الاشتقاق منها ؛ مثل كان ، وأصبح ، وأمسى ... وحروف مثل : «ما» الحجازية من أخوات كان ... ومثل إن وأخواتها.
وأخواتها» ، ونوع ينصب اسمه ويرفع خبره ؛ مثل : «إن وأخواتها» ، ونوع ينصب الاثنين ولا يستغنى عن الفاعل ؛ مثل : «ظن وأخواتها». ولكل نوع أحواله وأحكامه المفصلة فى بابه الخاص. وكلامنا الآن على : «كان» وأخواتها من الأفعال الناسخة التى تعمل عملها (1)، وتسمى أيضا : الأفعال الناقصة (2).
وفيما يلى بيان أشهرها ، وشروط عمله ، ومعنى كل فعل :
إنها ثلاثة عشر فعلا (3)
هذا والأفعال السبعة الأولى كاملة التصرف نسبيا . إذ يجيء من مصدرها أكثر المشتقات . «وليس» جامدة بالاتفاق ، و «دام» جامدة على الأصح. والأربعة الباقية ، ناقصة التصرف كما سيجيء في ص ٥١٣.
؛ كان - ظل - بات - أصبح - أضحى - أمسى - صار - ليس - زال - برح - فتئ - انفك - دام. وكل هذه الأفعال تشترك فى أمور عامة ، أهمها :أنها لا تعمل إلا بشرط أن يتأخر اسمها عنها (4)، وأن يكون خبرها غير إنشائى ؛ فلا يصح : كان الضعيف عاونه (5). وأن يكون الاسم والخبر مذكورين معا ،
1) ولها نظائر أخرى من الحروف تعمل عملها سيجىء الكلام عليها فى ص 537.
2) سميت «ناقصة» لأن كل فعل منها يدل على حدث ناقص (أى : معنى ناقص) لأن إسناده إلى مرفوعه لا يفيد الفائدة الأساسية المطلوبة من الجملة الفعلية إلا بعد مجىء الاسم المنصوب ، فالاسم المنصوب هو الذى يتمم المعنى الأساسى الناقص ، ويحقق الفائدة الأصلية للجملة. وهذا يخالف الأفعال التامة ؛ فإن المعنى الأساسى يتم بمرفوعها ؛ «فكان» الناقصة مثلا تدل مع اسمها على حصوله ووجوده وجودا مطلقا (وهو ضد العدم) وهذا معنى غير مراد ، ولا مطلوب ، فإذا جاء الخبر تعين المعنى المطلوب ، وتحدد. و «صار» مع اسمها تدل على تحوله ، وانتقاله من حالته ، من غير بيان لحالته الجديدة. ولا توضيح لما انته إليه أمره ، والخبر هو الذى يعين ويوضح. و «أصبح» مع اسمها تدل على دخوله فى وقت الصباح ، وليس هذا هو المقصود ، فإذا جاء الخبر كان كفيلا بتحقيق المراد. وهكذا ... وليس السبب فى تسميتها «ناقصة» أنها تتجرد للزمان وحده ، ولا تدل معه على حدث (معنى) كما يقول بعض النحاة ، فهذا الرأى مدفوع بأدلة كثيرة جاوزت العشرة وسجلتها المطولات (وقد أشار إلى بعضها بإيجاز محمود ، ومنطق سليم صاحب حاشية الأمير على المغنى فى الباب الثالث من المجلد الثانى عند الكلام على تعلق الظرف والجار والمجرور بالفعل الناقص).
3) غير الأفعال التى بمعنى : «صار» ، وستذكر بعدها فى ص 505 ، وغير «أفعال المقاربة» وما يتصل بها. ولها باب مستقل - فى ص556. ، وغير أفعال أخرى قليلة الشهرة ؛ لقلة استعمالها فى الأساليب الناقصة ؛ مثل : أفتأ ؛ بمعنى : فتىء ...
4) وسيأتى هذا عند الكلام على حكم معموليها من ناحية التقديم والتأخير - ص 515.
5) لا فرق فى المنع بين الإنشاء الطلبى ؛ مثل : كان والدك احترمه ، وغير الطلبى مثل : كانت صحتى «يحفظها اللّه «أو : يكون مالى» أدامه اللّه» على أن تكون الجملة الأخيرة فى المثالين دعائية : فهذه الأمثلة واشباهها مما وقع فيها الخبر جملة. إنشائية - لا يصح اعتبار «كان» فيها ناسخة. وللإنشاء بنوعيه إيضاح فى رقم 3 من هامش ص 337.
ولا يصح - مطلقا - حذفهما معا ، ولا حذف أحدهما. إلا «ليس» ، فيجوز حذف خبرها ، وإلا «كان» فيجوز فى أسلوبها أنواع من الحذف. وسيجىء البيان عند الكلام عليهما.
وألا يتقدم الخبر عليها إذا كان اسما متضمنا معنى الاستفهام ؛ وهى مسبوقة بأحد حرفى النفى : «ما» أو : «إن» ؛ فلا يقال : أين ما يكون الصديق؟ ولا أين إن يكون الصديق؟ ولا أين ما زال العمل؟ لأنّ «ما» و «إن» النافيتين لهما الصدارة فى كل جملة يدخلان عليها ؛ فلا يصح أن يسبقهما شىء من تلك الجملة ، وإلا كان الأسلوب فاسدا(1)...
وأن صيغتها حين تكون بلفظ الماضى ، وخبرها جملة فعلية مضارعية - لا بد أن يماثلها زمن هذا المضارع ؛ فينقلب ماضيا (2)- عند عدم وجود مانع - ؛ ففى مثل : أصبح العصفور يغرد - يكون زمن المضارع «يغرد» ماضيا ، مع أن الفعل مضارع ، ولكنه - هو وكل الأفعال المضارعة - يتابع زمن الفعل الماضى الناسخ ، بشرط عدم المانع الذى يعينه لغيره - كما أشرنا -.
وأن أخبارها لا تكون جملة فعلية ماضوية ، ما عدا «كان» فإنها تمتاز بصحة الإخبار عنها بالجملة الماضوية (3)
ب . أما في غير تلك الأفعال فالمستحسن غاية الاستحسان . وإن لم يبلغ حد الوجوب . هو اقتران الخبر بالحرف : «قد» إن كان الفعل الناسخ وفعل الخبر ماضيين معا ، أو مضارعين معا. فمتى تماثل في نوعهما الفعلان . الفعل الناسخ والفعل الذى فى خبره . فالمستحسن تصدير الخبر بالحرف ، «قد».
وتمتاز «كان» بجواز مجىء «قد» وعدم مجيئها فى الحالات السالفة ، كما تشهد بهذا النصوص العالية الفصيحة.
...1) راجع منع هذا التقدم فى ص 516.
2) كما سبق هذا عند الكلام على أحوال المضارع من ناحية دلالته الزمنية - ص 58 -.
3) راجع حاشية الألوسى على «القطر» ص 34. غير أن المراجع الأخرى تضطرب فى هذا الحكم ، وتختلف اختلافا واسعا (تبدو صور منه فى حاشية ياسين على التصريح ، ج 3. أول هذا الباب ، وفى الهمع ج 1 ص 113 ...) وخير ما يستخلص من تلك الآراء هو : ا - ما قاله الهمع ؛ ونصه (شرط ما تدخل عليه : «صار» وما بمعناها ، و «دام» و «زال» وأخواتها - ألا يكون خبره فعلا ماضيا (يريد جملة ماضوية) فلا يقال : صار زيد علم ، وكذا البواقى ... ؛ لأنها تفهم الدوام على الفعل ، أو اتصاله بزمن الإخبار ، والماضى يفهم الانقطاع ؛ فتدافعا. وهذا متفق عليه ...) اه.
أما فى غير الأمور المشتركة السالفة فلكل فعل معناه الخاص مع معموليه (1)وشروطه الخاصة التى سنعرضها فيما يلى :
كان : نفهم معناها من مثل : كان الطفل جاريا ؛ فهذه الجملة يراد منها إفادة السامع أن الطفل موصوف بشىء ؛ هو : «الجرى» ، وأن الجرى فى زمن ماض ؛ بدليل الفعل : «كان».
ولو قلنا : يكون الطفل جاريا - لكان المراد إفادة السامع أن الطفل موصوف بشىء ؛ هو : «الجرى» ، وأن الجرى فى زمن حالى أو مستقبل ، بدليل الفعل المضارع : «يكون».
ولو قلنا : كن جاريا - لكان المراد إفادة السامع أن المخاطب موصوف بتوجه طلب معين إليه ؛ هو ؛ مباشرة الجرى ، أى : مطالبته بالجرى فى المستقبل ؛ بدليل فعل الأمر : «كن».
مما سبق نفهم المراد من قول النحاة : «كان» مع معموليها تفيد مجرد اتصاف اسمها بمعنى خبرها اتصافا مجردا (2)فى زمن يناسب صيغتها. فإن كانت صيغتها فعلا ماضيا فالزمن ماض ، بشرط ألّا يوجد ما يجعله لغير الماضى. ، وإن كانت صيغتها فعلا مضارعا فالزمن صالح للحال والاستقبال (3)بشرط لا يوجد ما يجعله لغيرهما ، وإن كانت صيغتها فعل أمر فالزمن مستقبل ؛ إن لم يوجد ما يجعله لغيره -.
وقد تستعمل «كان» الناسخة بمعنى : «صار» (4)فتأخذ أحكامها ، وتعمل
1) لأن الفعل وحده بدون معموليه لا يحقق الغرض ؛ لأنه يدل على مجرد حصول شىء غير معين ولا محدد - فى زمن خاص! ولا يدل على أكثر من هذا ؛ كالصبح فى : أصبح ، والمساء فى ، أمسى ، والضحا : فى أضحى ... ويكون الزمن ماضيا أو حالا أو مستقبلا على حسب نوع الفعل الناسخ. أما الفعل مع معموليه فيدل على اتصاف الاسم بمعنى الخبر فى زمن معين ، انصافا ينشأ عنه أن تؤدى الجملة معناها المطلوب كاملا واضحا.
2) اتصافا مجردا ؛ أى : لا زيادة معه ؛ لأنها لا تدل بصيغتها على نفى ، أو دوام ، أو تحول ، أو زمن خاص ؛ كالصباح ، والمساء ، والضحا ، ولا على غير ذلك مما تدل عليه أخواتها. حقا إنها تدل على الزمن الماضى أو غيره ، ولكن دلالتها عليه مطلقة ؛ إذ لا تقييد. فيها بالصباح ، أو المساء ، أو غيرهما.
3) بشرط أن يكون المضارع حقيقيا ؛ أى : غير مصحوب بما يجعل زمنه للماضى فقط : مثل :«لم» ، أو للمستقبل فقط ؛ مثل : سوف ، أو للحال مثل : «ما» النافية.
4) سيجىء فى ص 504 الكلام على «صار» ، وشروطها ، ومعنها الذى هو : التحول والانتقال من حالة إلى أخرى ...
عملها بشروطه ؛ مثل : جمد الماء فكان ثلجا - احترق الخشب فكان ترابا (1).
وقد تستعمل بمعنى : «بقى على حاله ، واستمر شأنه من غير انقطاع ولا تقيّد بزمن (2)» نحو : كان اللّه غفورا رحيما.
وقد تستعمل تامة (3)، وتكثر فى معنى : حصل وظهر (أىّ : وجد) فتكتفى بفاعلها ؛ نحو : أشرقت الشمس فكان النور ، وكان الدفء ، وكان الأمن. أى : حصل وظهر.
وما تقدم من الأحكام للفعل الماضى : «كان» يثبت لباقى أخواته المشتقات ؛ كالمضارع ، والأمر ، واسم الفاعل. و. و..
هذا ، وتضم الكاف من الفعل الماضى : «كان» عند اتصاله بضمائر الرفع المتحركة ؛ كالتاء ، ونون النسوة ، طبقا للبيان الذى سلف مفصلا (4).
وبقى من أحكام «كان» أربعة أخرى سيجىء الكلام عليها مفصلا فى موضعه من آخر هذا الباب ؛ وهى : أنها تقع زائدة (5)، وأن الحذف يتناولها كما يتناول أحد معموليها (6)، أو هما معا ، وأن نون مضارعها قد تحذف (7)، وأن خبرها قد ينفى. وهذا الأخير يجىء الكلام عليه مع باقى الأخبار الأخرى المنفية (8).
1) ومنه قوله تعالى ( وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً ، وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ، ) أى :«صارت» فيهما ؛ لأن المعنى يقتضى هذا.
2) سبقت إشارة لهذا فى ص 52.
3) الفعل التام - كما سبق فى رقم 2 من ص 496 - هو ما يكتفى بمرفوعه فى إتمام المعنى الأساسى للجملة.
4) فى رقم 1 من هامش ص 150.
5) ص 524.
6) ص 527.
7) ص 532.
8) ص 534.
(ا) إذا وجد نفى قبل «كان» الماضية والمضارعة وكان خبرها جملة مقترنة «بإلا» الاستثنائية الملغاة - جاز أن يقترن بالواو ؛ كقول الشاعر :
ما كان من بشر إلا وميتته *** محتومة ؛ لكن الآجال تختلف
لأن النفى قد نقض هنا ب «إلا». والنفى ونقضه شرطان - على الصحيح - لزيادة الواو فى الجملة الواقعة خبر : «كان» أو مضارعها - كما تقدم -.
وهذه الواو تسمى «الواو الداخلة على خبر الناسخ» وتدخل أيضا فى خبر «ليس بالشرط السالف كما سيجىء (1)
هذا عند الأخفش وابن مالك. وغيرهما لا يجيز اقتران الخبر بالواو أصلا. وحملوا ما ورد من ذلك على أنه حال ، والفعل تام لا ناقص ، أو محذوف الخبر للضرورة) اه.
. وقد سمعت (2)قليلا فى خبر غيرهما من النواسخ. ولا يصح القياس على هذا القليل.وبرغم أن وجودها جائز فى غير القيل مما ذكرناه. فإن الخير - كما يرى كثير من النحاة - فى العدول عنها ؛ حرصا على الدقة فى التعبير ، وبعدا عن اللبس الذى قد ينشأ بين هذه الواو والواو الأخرى التى للحال - أو غيره -. ولكل منهما معنى يخالف معنى الأخرى (3). والبراعة تقتضى الإبانة التامة. وتجنب أسباب اللبس والاشتباه ؛ نزولا على حكم البلاغة.
1) جاء فى الصبان ج 2 باب : «لا» النافية للجنس عند بيت ابن مالك : «وركب المفرد فاتحا ...» ما نصه : (قال الرودانى : قولهم إن خبر الناسخ تدخله الواو ... ، غير مسلم على إطلاقه. وحاصل ما فى التسهيل والهمع أن الخبر إن كان جملة بعد «إلا» لم يقترن بالواو ، إلا بعد «ليس وكان» المنفية ، دون غيرهما من النواسخ. وبغير «إلا» يقترن بالواو بعد «كان» وجميع أخواتها ، لا بعد جميع النواسخ.
2) راجع الصبان ج 1 فى هذا الموضع آخر باب «كان» وفى ج 2 منه ، أول باب : لا» ، النافية للجنس.
3) ولعل هذا كان السبب فيما ذهب إليه بعض النحاة الأقدمين من عدم إباحة استعمال هذه الواو ، وفى تأويل النصوص القديمة المشتملة عيها تأويلا يتجه مرة إلى اعتبار الواو للحال ، والجملة بعدها فى محل نصب حال ، وخبر الناسخ محذوف. ومرة إلى أنها زائدة شذوذا ... و... و... ونحن فى غنى عن هذا كله بتركها ، وعدم القياس على المسموع منها. (راجع ص 508 ورقم 1 من هامش ص 626).
(ب) من الأساليب الأدبية الشائعة : «كائنا ما كان» ، و «كائنا من كان» ؛ فى مثل : سأفعل ما يقضى به الواجب ؛ كائنا ما كان. وسأحقق الغرض الكريم كائنا ما كان ... أى : سأفعل ذلك مهما جدّ وكان ذلك الواجب ؛ وذلك الغرض. ومثل : سأرد الظالم : «كائنا من كان» - سأكرم النابغ «كائنا من كان» ... أى : سأفعل ذلك مهما كان الإنسان الظالم ، أو النابغ.
أما إعرابه فمتعدد الأوجه : وأيسر ما يقال وأنسبه هو : «كائنا» حال منصوب ، واسمه (1)ضمير مستتر تقديره : «هو» يعود على الشىء السابق ، و «ما» أو «من» نكرة موصوفة مبنية على السكون فى محل نصب خبر «كائن».
و «كان» فعل ماض تام ، وفاعله ضمير مستتر يعود على «ما» أو «من» والجملة من الفعل والفاعل فى محل نصب صفة «ما» أو «من». والتقدير النحوىّ : سأفعل ذلك كائنا شيئا كان. أو : كائنا إنسانا كان. أى : سأفعل ذلك كائنا أىّ شىء وجد أو أىّ إنسان وجد.
ومن الأساليب المرددة فى كلام القدامى الفصحاء - برغم غرابتها اليوم - قولهم : «ربما اشتدت وقدة الشمس على المسافر فى الفلاة ؛ فكان مما يغطىّ رأسه وذراعيه ، وربما ثارت الرمال ؛ فكان مما يحجب عينيه ومنخرية ...» يريدون : فكان ربما يغطى رأسه - وكان ربما يحجب عينيه ومنخريه ، أى : يغطيهما (2)
ثم قال الباحث المعاصر :
1 - وشواهد هذا الاستعمال كثيرة فى الحديث والشعر ؛ منها - غير ما تقدم - قول رافع فى البخارى فى باب الحرث والزرع :(«كنا نكرى الأرض بالناحية ، منها مسمى لسيّد الأرض ، قال فمما يصاب ذلك وتسلم الأرض ، ومما تصاب الأرض ويسلم ذلك ...). ومنها قول ابن عباس الوارد فى صحيح مسلم فى كتاب تعبير الرؤيا («إن رسول اللّه كان مما يقول لأصحابه : «من رأى منكم رؤيا فليقصّها أعبرها له»). ومنها قول البراء بن عازب :(«كنا إذا صلينا خلف رسول اللّه مما نحب أن نكون عن يمينه.») ومنها :
وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة *** على رأسه تلقى اللسان من الفم
ثم قال الباحث : تعرض لهذا اللفظ السيرافى فى شرح كتاب سيبويه بما نصه : (قال سيبويه : اعلم أنهم مما يحذفون الكلم وإن كان أصله فى الكلام غير ذلك ...) ، قال السيرافى : (أراد : ربما يحذفون ... وهو يستعمل هذه الكلمة كثيرا فى كتابه. والعرب تقول : أنت مما تفعل كذا ... أى :ربما تفعل. وتقول العرب أيضا : «أنت مما أن تفعل. أى : أنت من الأمر أن تفعل ؛ فتكون «ما» بمنزلة الأمر - أى : الشىء - و «أن تفعل» بمنزلة الفعل ؛ (أى : مصدر تقديره : «فعل» ، أى : بمنزلة هذا اللفظ) ويكون «بأن تفعل» ، فى موضع رفع بالابتداء ، وخبره : «مما» وتقديره : أنت فعلك كذا وكذا من الأمر الذى تفعله ...») اه. وكلام السيرافى - كما نقله الباحث - لم يوضح الأسلوب الأخير المشتمل على : (أن تفعل)
2 - ومن السيرافى أخذ ابن هشام فى كتابه المغنى عند الكلام على معانى : «من» ، فقال عن العاشر من معانيها (مرادفة : «ربما» وذلك إذا اتصلت «بما» كما فى قول الشاعر أبى حية النميرى :
وإنا لمما نضرب الكبش ضربة *** على رأسه تلقى اللسان من الفم
قاله السيرافى وفريق غيره من النحاة وخرجوا عليه قول سيبويه : «واعلم أنهم مما يحذفون الكلم ...». والظاهر أن «من» فيهما ابتدائية ، و «ما» مصدرية ، وأنهم جعلوا كأنهم خلقوا من الضرب مثل خلق الإنسان من عجل.) اه.
وفى كلامه هذا احتمال مخالفتهم فى أن جعلوها بمنزلة : «ربما» ، لأن : «ربما» لا تتعين للتكثير ، واحتمال أنه فسر كلامهم بحمله على إرادة التكثير كما فسر آخرون.
وقد أشار ابن هشام - كبعض من سبقوه - إلى كيفية الحذف التى اعتورت هذا التركيب ، وأبقت فيه معنى التكثير ، أو معنى «ربما» ، أو غير ذلك ، كما هو واضح من كلامهم حيث يظهر ترددهم فى منشأ معنى التكثير ؛ أمنشؤه الحرف «من» كما يرى ابن هشام ، أم الحرف («ما» كما يرى غيره؟ 3 - وينبغى التنبه إلى أن هذا التركيب إذا استعمل هذا الاستعمال يجىء فى موضع خبر المبتدأ ويجىء فى موضع خبر «كان» ؛ .... ويكون فى موضع الحال .... و... فمن ظن اختصاص ذلك بخبر «كان» فقد وهم. والتنبه إلى أن أصل استعماله فى هذا المعنى ألا يصرح معه بلفظ الكثرة ، فما وقع فيه لفظ كثير فهو جار مجرى التفسير من الراوى ، أو مجرى التأكيد من القائل ؛ لخفاء دلالة التركيب على التكثير ، ومثاله قول سمرة بن جندب : «كان رسول اللّه مما يكثر أن يقول لأصحابه هل رأى أحد منكم رؤيا ...؟» ، وقول أبى موسى : «وكان رسول اللّه كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء».
والتنبه إلى أن قول السيرافى : وتقول العرب أيضا «أنت مما أن تفعل ...» - غريب ، لا يعرف شاهده من فصيح الكلام ؛ فضلا عن كون الحرف «أن» فيه غير واقع موقعا ، مع ما فيه من اجتماع ثلاثة أحرف متوالية من أحرف المعانى ، وهى : «من» و «ما» و «أن» سواء أجعلت «ما» مصدرية أم زائدة. وإلى هنا انته كلام الباحث ، بعد الاستغناء عن بضع كلمات منه.
هذا ويوضح ما سبق أيضا ما جاء فى كتاب سيبويه - ج 1 ص 476» - أن «من» الجارة إذا كفّت بالحرف «ما» الزائد قد تكون بمعنى : «ربما» واستشهد بالبيت السالف.
...1) لأنه اسم فاعل من «كان» الناقصة فيعمل عملها.
2) تصدى لهذا الأسلوب عالم جليل معاصر من تونس - هو : الأستاذ محمد الطاهر عاشور العضو المراسل بالمجمع اللغوى القاهرى - وخصه ببحث فى الجزء التاسع من مجلة المجمع (ص 116) عرض فى الجلسة الحادية عشرة من الدورة الثامنة عشرة ووافق عليه المجمع وقرر أن ذلك أسلوب لغوى يراد منه الكثرة ، وقد يدل على القلة أحيانا. والبحث نفيس هام وملخصه مع الإيجاز هو : أن بعض المركبات استعملت استعمال كلمة مفردة ؛ كالذى ورد فى صحيح البخارى عن ابن عباس ونصه : «كان رسول اللّه يعالج من التنزيل شدة إذا نزل عليه الوحى ، وكان مما يحرّك لسانه وشفتيه ...) وقد أهمل ابن الأثير فى كتابه : «النهاية» ، معنى قوله : «مما يحرك لسانه وشفتيه» وفسره عياض فى كتابه : «المشارق» بأن معناه : «كثيرا ما يحرك به لسانه وشفتيه» وبعد أن فسره روى عن أحد الأئمة من شراح الحديث ما يأتى : «فى مثل هذا كأنه يقول : هذا من شأنه ودأبه ؛ فجعل «ما» كناية عن ذلك ، ثم أدغم «النون» ، وروى عن آخر أن (معنى : «مما» هنا هو : «ربما» وهذا من معنى ما تقدم ؛ لأن «ربما» تأتى للتكثير أيضا. وفى مسلم ، فى حديث : النجوم أمنة السماء : «وكان كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء» ... تكون «مما» هنا بمعنى : «ربما» التى للتكثير ، وقد تكون فيها زائدة) اه.
ظل : تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها طول النهار ، فى زمن يناسب صيغتها (1). نحو : ظل الجو معتدلا
وتستعمل كثيرا بمعنى : «صار» عند وجود قرينة ؛ فتعمل بشروطها (2)؛ نحو قوله تعالى : ( وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا ، ) أى : صار (3). وقد تستعمل تامة فى نحو : ظل الحر ؛ بمعنى : دام وطال ...
شروط عملها : لا يشترط لها وللمشتقات أخواتها سوى الشروط العامة التى سلفت.
أصبح : تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها صباحا ، فى زمن يناسب صيغتها. مثل أصبح الساهر متعبا. وتستعمل كثيرا بمعنى : «صار» فتعمل بشروطها (4)؛ مثل : أصبح النّفط دعامة الصناعة ؛ وإنما كانت بمعنى : «صار» فى هذا المثال وأشباهه لأن المراد ليس مقصورا على وقت الصبح. وإنما المراد التحول من حالة قديمة إلى أخرى جديدة ليست خاصة بالصباح.
وقد تستعمل - بكثرة - تامة فى نحو : أيها السارى (5)قد أصبحت. أى : دخلت فى وقت الصباح (6). وشروط عملها هى الشروط العامة ؛ فهى مثل : «ظل».
أضحى : تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها وقت الضحا ، فى زمن يناسب صيغتها ... مثل : أضحى الزارع منكبّا على زراعته. وتستعمل كثيرا بمعنى : «صار» فتعمل بشروطها (7) فى مثل : أضحى الميدان الصناعى مطلوبا. وإنما كانت بمعنى : «صار» لأن المعنى ليس على التقيد بوقت الضحا أو غيره - وإنما على التحول والانتقال من حالة إلى أخرى.
وقد تستعمل تامة فى مثل : أضحى النائم ؛ أى : دخل فى وقت الضحا.
شروط عملها : هى الشروط العامة التى سبقت ؛ فهى مثل : «ظل».
1) شرحنا معنى مناسبة الزمن للصيغة فى ص 498.
2) وهى الصفحة التالية.
3) لأن وجهه لم يكن مسودا قبل البشرى ؛ وإنما تحول من لونه الأصلى إلى السواد بعد ولادة البنت.
4) وهى الصفحة التالية.
5) المسافر ليلا.
6) وقد وردت زائدة هى «وأمسى» فى كلام عربى قديم نصه : الدنيا ما أصبح أبردها ، وما أمسى أدفأها والمراد : ما أبردها ، وما أدفاها. وهذا لا يقاس عليه كما سيجىء فى رقم 1 من هامش الصفحة الآتية وفى ص 526 ؛ وإنما نذكره لنفهمه ونفهم نظيره مما قد يمر بنا فى أثناء قراءة النصوص القديمة.
أمسى : تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها ، مساء فى زمن يناسب صيغتها ؛ مثل : أمسى المجاهد قريرا. وتكون كثيرا بمعنى : «صا» فتعمل بشروطها ؛ مثل : اقتحم العلم الفضاء المجهول : فأمسى معلوما ؛ أى : صار معلوما ؛ لأن المراد ليس التقيد بوقت المساء ، وإنما المراد التحول والانتقال. وتستعمل تامة فى مثل : أمسى الحارس. أى : دخل فى وقت المساء (1).
شروط عملها هى الشروط العامة : كظل :
بات : تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها طول الليل ؛ فى زمن يناسب صيغتها ؛ مثل : «بات القادم نائما ، وقول الشاعر.
أبيت نجيّا للهموم كأنّما *** خلال فراشى جمرة تتوهّج
وتكون تامة ، فى مثل : بات الطائر ؛ بمعنى : نزل ليقضى الليل فى بعض الأمكنة.
صار : تفيد مع معموليها تحوّل اسمها ، وتغيّره من حالة إلى حالة أخرى ينطبق عليها معنى الخبر ؛ مثل : صارت الشجرة بابا. أى : تحولت الشجرة (وهى اسم : صار) من حالتها الأولى إلى حالة جديدة ، سميت فيها باسم جديد ، هو :«باب» (وهو ؛ الخبر) ، ومثل : صار الماء بخارا ؛ فقد تحول الماء (وهو : اسم : صار) ، من حالته الأولى إلى حالة جديدة يسمى فيها : «بخارا» وهو الخبر. وتستعمل تامة فى مثل : صار الأمر إليك ؛ بمعنى ؛ انتقل إليك. وفى مثل : إلى اللّه تصير الأمور ، أى : ترجع ...
شروط عملها : يشترط فيها وفى الأفعال التى بمعناها :
(1) الشروط العامة.
(2) ألا يكون خبرها جملة فعلية فعلها ماض ، فلا يصح صار الجالس وقف ، ولا صار المتكلم سكت (2).
1) قلنا فى رقم 5 من هامش الصفحة السالفة عند الكلام على «أصبح» : إنها هى «وأمسى» قد تزادان كما فى العبارة القديمة ، «الدنيا ما أصبح أبردها ، وما أمسى أدفأها» ، وقلنا : إن هذا لا يقاس عليه ... كما سيجىء فى ص 526
2) لأن خبر «صار» لا بد أن يكون معناه متصلا وممتدا إلى وقت الكلام ؛ فإذا قلنا : صار الماء بخارا ، وصار السباح يقفز. فلا بد أن يكون البخار والقفز موجودين عند النطق بهذا الكلام. فلو كان الخبر جملة ماضوية لدل على انقطاع المعنى قبل النطق بهذا الكلام ؛ فيفسد المراد. (انظر ما يتصل بهذا فى رقم 3 من هامش ص 497).
ويشترك مع صار فى المعنى. والعمل ، والشروط ، أفعال أخرى - غير التى سبقت - أشهرها أحد عشر ، كل منها يصح أن تحل «صار» محله ، واستعماله قياسىّ مثلها.
1 - آض ، مثل : آض الطفل غلاما. وآض الغلام شابّا : بمعنى : «صار» فيهما.
2 - رجع ، مثل : قوله عليه السّلام : «لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض».
3 - عاد ، مثل :
عاد البلد الزراعى صناعيّا.
4 - استحال ، مثل : استحال الخشب فحما.
5 - قعد ، مثل : قعدت المرأة مكافحة فى الميادين المختلفة. 6 - حار ، مثل :
وما المرء إلا كالشّهاب وضوئه *** يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
7 - ارتد ، مثل قوله تعالى : ( أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً. )
8 - تحول ، مثل : تحول القطن نسيجا ، وتحول النسيج ثوبا رائعا.
9 - غدا : مثل غدا العمل الحرّ مرموقا. وقول الشاعر :
إذا غدا ملك باللّهو مشتغلا *** فاحكم على ملكه بالويل والحرب (1)
10 - راح : مثل : راح المرء مقدّرا بما يحسنه.
11 - جاء ، فى مثل : ما جاءت حاجتك؟ فقد ورد هذا الأسلوب فى الأساليب الصحيحة المأثورة بنصب كلمة : «حاجة» ، ومعناه : ما صارت حاجتك.؟ والمراد : أىّ حاجة صارت حاجتك؟ وإنّما نصبت كلمة «حاجة» لأنها خبر «جاء» التى بمعنى : صار ، واسمها ضمير يعود على «ما» الاستفهامية التى تعرب مبتدأ مبنية على السكون فى محل رفع ، والجملة من «جاء ومعموليها» فى محل رفع خبرها (2).
1) الخراب والنهب.
2) ويصح القياس على هذا الأسلوب فيقال : ما جاءت رسالتك - ما جاءت سفارتك ومفاوضتك ... من غير التقيد بكلمة «حاجة» ؛ فيصح إحلال كلمة أخرى محلها على حسب المعنى ، كما يجوز ضبط «حاجة» ونظائرها بالرفع فتكون اسم «جاء» و «ما» الاستفهامية خبرها ، مقدما فى محل نصب. والمعنى أى شىء صارت إليه حاجتك.
وقد سبق بيان الأفعال الأخرى الناسحة التى يكثر استعمالها بمعنى : «صار» وبشروطها (وهى : كان - ظل - أصبح - أضحى - أمسى).
ليس : تفيد مع معموليها نفى اتصاف اسمها بمعنى خبرها فى الزمن الحالىّ (1)نحو : ليس القطار مقبلا. فالمراد نفى القدوم عن القطار الآن. ولا تكون للنفى فى الزمن الحالى إلا عند الإطلاق ، أى : عند عدم وجود قرينة تدل على أن النفى واقع فى الزمن الماضى ، أو فى المستقبل : فإن وجدت قرينة تدل على أنه واقع فى أحدهما وجب الأخذ بها ؛ نحو : ليس الغريب مسافرا أمس ، أو : ليس سافر (2)
ويرى القرطبي : (في مقدمة تفسيره في باب الرد على من طعن في القرآن ، ص ۷۰) أن التركيب السابق ضعيف ؛ لأن «ليس» لا تنفى الماضى ، والوارد منه هو قولهم : «أليس قد خلق اللّه مثلهم» ، بدخولها على الماضى المقرون بقد ، و «قد» تقربه من الحال.
الغريب ، أو : زرعت الحقول ليس حقلا ... (3)فوجود كلمة : «أمس» ، أو. وجود الفعل الماضى (4)بعدها ، أو قبلها - دليل على أن النفى للماضى ... أما فى نحو : ليس الغريب مسافرا غدا ، أو قوله تعالى فى عذاب الكافرين يوم القيامة : ( أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ، ) فيكون النفى متجها للمستقبل ؛ لوجود قرينة لفظية فى المثال ؛ وهى كلمة : «غد» الدالة عليه ولوجود قرينة عقلية فى الآية تدل عليه أيضا ، هى : أن يوم القيامة لم يأت حتى الآن. وقد يكون المراد منها نفى الحكم نفيا مجردا من الزمن ؛ كقول العرب : ليس لكذوب مروءة ، ولا لحسود راحة ، ولا لسيئ الخلق سؤدد.1) الحال ، هو زمن الكلام. وبالرغم من أنها لنفى الحال كثيرا - وقد تكون لنفى الزمن الماضى أو المستقبل بقرينة - فإنها عند الإعراب تعرب فعلا ماضيا فى كل أحوالها ، وكذلك لو كانت للنفى المجرد من الزمن.
2) هذا الأسلوب غير شائع فى الكلام القديم ، فلا داعى لمحاكاته ، والفعل والفاعل فيه ، فى محل نصب خبر «ليس» ، واسمها ضمير الشأن محذوف - وقد سبق هذا عند الكلام على ضمير الشأن ؛ ص 230 - وقلنا الأحسن فى هذا الأسلوب ونظائره مما يقع فيه فعل بعد «ليس» مباشرة أن تكون هى حرف نفى مهمل (أى لا يعمل ؛ فليس له اسم ، ولا خبر) وهذا الإعراب أيسر وأنسب لمثل هذه الصيغة ؛ لأن وقوع الفعل تاليا الفعل الذى من نوعه قليل فى الكلام الفصيح إذا كان التالى لغير توكيد لفظى. وإهمالها فى هذه الصورة يوافق لغة تميم التى تهملها فى كل الأحوال ، وبلغتهم : «ليس الطيب إلا المسك». ولكن لا يحسن الأخذ اليوم برأى تميم ، إلا فى الصورة التى أشرنا إليها.
3) «ليس فى هذا المثال فعل من أفعال الاستثناء ، كما سيجىء فى بابه ج 2.
4) ويفهم من هذا صحة وقوع الفعل الماضى فى خبرها. ولكنه قليل - كما سلف فى رقم4. ويستحسن أن يكون هذا الماضى مقرونا لتقربه من الحال ، كما سبق فى رقم 3 من هامش ص 497 ، أما الاعتراض. بأن : «ليس» لنفى الزمن الحالى ، فيلزم من الإخبار عنها بالماضى تناقض - فقد أجاب «النحاة» عنه بأنها تكون لنفى الحال فى الجملة غير المقيدة بزمان ، أما المقيدة به فنفيها على حسب القيد.
شروط عملها ؛ وأحكامها :
(1) هى الشروط العامة.
(2) لا تستعمل تامة.
(3) لا يجوز تقدم خبرها عليها فى الرأى الأرجح (1).
(4) يجوز حذف خبرها ، إذا كان نكرة عامة ؛ نحو : ليس أحد. أى : ليس احد موجودا ، أو نحو ذلك .... ويجوز جره بالباء الزائدة ، بشرط ألا تكون أداة استثناء (2)؛ وبشرط ألا ينتقض النفى بإلا ؛ نحو : ليس الغضب بمحمود العاقبة. وقول الشاعر :
وليس بمغن فى المودة شافع *** إذا لم يكن بين الضلوع شفيع
فإن نقض النفى بإلا لم يصح جر الخبر بالباء الزائدة ؛ فلا يجوز ليس الغثى إلا بغنى النفس ... (3)
(5) لا يصح وقوع «إن» الزائدة بعدها (4)...
وبقى من أحكام «ليس» حكم يتعلق بخبرها المنفى ، سيجىء الكلام عليه مع بقية الأخبار المنفية (5)...
1) راجع مواضع تقدم الخبر هنا فى ص 515.
2) لأنها لو كانت أداة استثناء لكانت بمعنى : «إلا» ، والمقترن «بإلا» لا يزاد فى أوله «الباء» - كما سيجىء فى رقم 2 من هامش 550 ، ومثلها «لا يكون» الاستثنائية.
3) انظر رقم 3 من هامش ص 406 حيث الكلام على الناسخ (مثل : ليس) الذى يحتاج إلى خبر منصوب فيستغنى عنه بمرفوع.
4) راجع الصبان ، والهمع - أول باب «ما» الحجازية.
5) ص 534.
(ا) أشرنا فيما سبق (1)إلى أنه يجوز فى خبر «ليس» ما جاز فى خبر «كان» الماضية والمضارعة المسبوقة بالنفى ، من اقترانه بالواو حين يكون جملة موجبة (2)، بسبب اقترانها بكلمة : «إلا» ؛ كقول الشاعر :
ليس شىء إلّا وفيه إذا ما *** قابلته عين البصير اعتبار
وتسمى هذه الواو : خ خ الواو الداخلة على خبر الناسخ كما - عرفنا.
ونقول هنا ما قلناه فى «كان» : من أن الأحسن العدول عن زيادتها ، برغم أن وجودها جائز ؛ حرصا على دقة التعبير ، وبعدا عن اللبس الذى قد ينشأ بين هذه الواو والأخرى التى للحال أو لغيره ... فلكل واحدة موضع تستعمل فيه ومعنى تؤديه ، وتركها يريحنا مما قال بعض النحاة الأقدمين من تأويل للنصوص المشتملة عليها ، وتكلف لا داعى له.
(ب) لا تقع «إن» الزائدة بعد «ليس» (3)- كما أشرنا فى الصفحة السالفة - فلا يصح أن يقال : ليس إن الكذوب محترما ، مع أنه يجوز زيادتها بعد «ما» النافية المهملة التى معناها معنى «ليس» ، مثل : ما إن الضعف محمود. أما وقوعها بعد «ما» الحجازية فيبطل عملها (4).
(ح) قد يقع بعد خبر «ليس» و «ما» معطوف مشتق ، له أحكام مختلفة تجىء فى «ب» من ص 554.
زال : تدل بذاتها وصيغتها على النفى ، وعدم وجود الشىء ؛ من غير أن تحتاج فى هذه الدلالة للفظ آخر ؛ فإذا وجد قبلها نفى أو شبهه (وهو النهى والدعاء) انقلب معناها للإثبات (1)؛ مثل : ما زال العدو ناقما. أى : بقى واستمر ناقما. وفى هذه الحالة تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى الخبر اتصافا مستمرّا لا ينقطع ، أو مستمرّا إلى وقت الكلام ، ثم ينقطع بعده بوقت طويل أو قصير ؛ كل ذلك على حسب المعنى. فمثال المستمر الدائم : ما زال اللّه رحيما بعباده - ما زال الفيل كبير الأذنين ... ومثال الثانى : لا يزال الحارس واقفا. لا يزال الخطيب متكلما.
ومثالها مع النهى : لا تزل (2)بعيدا عن الطغيان. ومع الدعاء (وأدواته هنا : «لا» ، أو : «لن») لا زال الخير منهمرا عليك فى قابل أيامك - لا يزال التوفيق رائدك فى كل ما تقدم عليه - لن تزال عناية اللّه تحرسك فيما يصادفك من مكايد ... ، بشرط أن يكون القصد من كل ذلك الدعاء للمخاطب ...
ولا تستعمل زال تامة (3)... ويشبهها فى الدلالة على النفى بذاتها ، وصيغتها ، وفى اشتراط أداة نفى قبلها ، أو شبهه للعمل - أخوات لها فى هذا ، هى : (فتئ - برح - انفك (4)
لا ينى الحبّ شيمة ، الحبّ ما دا *** م ؛ فلا تحسبنّه ذا ارعواء
وقوله :
إذا رمت ممّن لا يريم متيّما *** سلوّا فقد أبعدت من رومك المرمى
وسيأتى الكلام على الثلاثة).شروط إعمالها :
1 - يشترط فيها الشروط العامة. ى
1) لأن نفى النفى إثبات. والنهى والدعاء يتضمنان فى المعنى نفيا ؛ لأن المطلوب بهما ترك شىء ؛ وهذا الترك نفى.
2) فى هذا المثال وأشباهه تكون «لا» ناهية مع تضمنها معنى النفى - كما سبق فى رقم 1 - وهى لا تدخل إلا على المضارع دائما ، فإذا كان المضارع بعدها فعلا ناسخا من هذه الأربعة (زال - فتىء - برح - انفك) كان متضمنا للنفى مع تضمنها للنهى ؛ فيصير المعنى فى المثال : أنهاك عن عدم البعد عن الطغيان. أى : أنهاك عن الطغيان. ومثلها «لن» التى للدعاء فإنها خاصة بالمضارع. بخلاف «لا» الدعائية ؛ فإنها تدخل على الماضى والمضارع.
3) انظر رقم 7 من هامش ص 514 حيث الكلام على مبتدا ناسخ (مثل : زائل) لا يحتاج إلى خبر إن كان هذا المبتدأ وصفا ناسخا يعمل : لأن اسم الناسخ يغنى عن خبر المبتدأ ...
4) ومثلها : (وإن كان قليل الاستعمال) «ونى» ، و «رام» التى مضارع «يريم» وكلاهما بمعنى : «زال» الناسخة. ومن شواهد استعمالها :
2 - أن يسبقها نفى (1)أو نهى أو دعاء ؛ كالأمثلة التى سبقت. ولا فرق فى النفى بين أن يكون ظاهرا ؛ مثل : لا زال الغنى ثمرة الجدّ ، وأن يكون مقدرا لا يظهر فى الكلام ، ولكن المعنى يكشف عنه ، والسياق يرشد إليه ؛ مثل : تاللّه يزال الشحيح محروما متعة الحياة حتى يموت. أى : تاللّه لا يزال. وحذف النفى قياسى بشرط أن يكون بالحرف : «لا» وأن يكون الفعل مضارعا فى جواب قسم (2).
3 - ألا يكون خبرها جملة فعلية ماضوية ؛ فلا يصح : ما زال المسافر غاب : لأن زال تفيد مع معموليها استمرار المعنى إلى وقت الكلام ثم ينقطع بعده - كما سبق - أولا ينقطع. والخبر إذا وقع جملة فعلية ماضوية كان منافيا هذا ، ومعارضا له : لدلالته على الماضى وحده دون اتصال بالحال أو المستقبل (3).
4 - ألا يقع خبرها بعد : «إلا» ؛ فلا يصح ما زال النجم إلا بعيدا : لأن النفى نقض وزال بسبب : «إلا».
5 - أن يكون مضارعها هو : «يزال» التى ليس لها مصدر مستعمل. أما : «زال» التى مضارعها : «يزيل» ومصدرها «زيل» - فليست من الأفعال الناسخة ، وإنما هى فعل تام ، متعد ، إلى مفعول به ، ومعناها : ميز وفصل. تقول «زال» التاجر بضاعته زيلا : أى : ميّزها وفصلها من غيرها. وكذلك : «زال»
1) سواء أكان النفى بالحرف مثل «ما» أم بفعل موضوع للنفى ، مثل «ليس» ؛ تقول : ليس ينفك العزيز مكرما ، أو بفعل طارئ عليه النفى ؛ مثل : «قلّما» ؛ فى نحو : قلما يبرح الأنبياء لوامر اللّه. فكلمة : «قلما» هنا تركت معنى التقليل ، وصارت ، بمعنى «ما» النافية ، لوجود قرينة أدل على ذلك ؛ هى : أن الأنبياء لا تبرح مطلقا ؛ إذ لا يصح أن يقال : إنها قد تترك أوامر اللّه تبعض الأحيان. أو بفعل يتضمن معنى النفى ويستلزمه ؛ كالفعل ؛ «أبى» ؛ بمعنى : امتنع وكره ، مثل أبيت أزال أستغفر اللّه ؛ لأن معنى : «أبيت» لم أفعل ، أو باسم مثل : غير ، فى نحو : غير منفك العالم أسير علمه.
2) يصح أن تحذف أداة النفى قبل «زال» وأخواتها الثلاث بالشرطين المذكورين ؛ لأن العرب تحذف أحيانا «لا» النافية فى جواب القسم ، مع ملاحظتها وتقديرها فى المعنى ؛ لأن اللبس عندئذ بين المنفى والموجب ، مأمون. إذ لو كان الجواب غير منفى فى المعنى والتقدير لوجب أن يكون المضارع مؤكدا باللام والنون معا ؛ جريا على الأغلب والأقوى فى جواب القسم. ومن أمثلة حذف «لا» قوله تعالى : ( تَاللّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ ... ) أى : لا تفتأ. جاء فى أمالى أبى القاسم الزجاجى - ص2. فى بيت ليلى الأخيلية ترثى توبة ، وصدره : «أقسمت أبكى بعد توبة هالكا ...» ما نصه : «(تريد : لا أبكى بعد توبة هالكا ...) والعرب تضمر «لا» النافية فى جواب القسم مع ملاحظتها فى المعنى ؛ لأن الفرق بينه وبين الموجب قد وقع بلزوم الموجب اللام والنون ؛ كقولك : واللّه الأخرجن. قال اللّه عز وجل : ( تَاللّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ .. ) أى : لا تفتأ تذكر يوسف)» اه.
3) راجع ما يتصل بهذا فى رقم 3 من هامش ص 497.
التى مضارعها : «يزول» ومصدرها : «الزوال» فإنها ليست من النواسخ ؛ وإنما هى فعل لازم ، معناه : هلك وفنى ... مثل : زال سلطان الطغاة زوالا ؛ بمعنى : هلك وفنى هلاكا ، وفناء. وقد يكون معناها : انتقل من مكانه ، مثل : زال الحجر ؛ أى : انتقل من موضعه ...
وسيجىء آخر هذا الباب حكم خاص بخبرها المنفى ، وخبر أخواتها عند الكلام على الأخبار المنفية عامة (1).
فتئ : تشترك مع «زال» فى كل أحكامها ، أى : فى معناها ، وفى شروطها. إلا الأخير ؛ - لاختلاف المضارع فيهما وإلا وقوع : «فتىء» تامة فى بعض الأساليب - دون زال - ومنها : فتئ الصانع عن شىء. بمعنى : نسيه.
برح : تشترك مع «زال» فى كل أحكامها ، أى : فى معناها ، وفى شروطها. إلا الأخير ؛ لاختلاف المضارع فيهما ؛ وإلا وقوع «برح» تامة ؛ مثل قوله تعالى : ( وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ ... ، ) أى : لا أذهب ، ولا أنتقل.
انفكّ : تشترك مع «زال» فى كل أحكامها إلا فى الشرط الأخير ؛ لاختلاف المضارع فيها. وإلا استعمال : «انفك» تامة. بمعنى : انفصل ؛ مثل : فككت حلقات السلسلة فانفكت ، أى : انفصلت ...
دام : تفيد مع معموليها استمرار المعنى الذى قبلها مدة محددة ؛ هى مدة ثبوت معنى خبرها لاسمها ؛ نحو : يفيد الأكل ما دام المرء جائعا : ويضر ما دام المرء ممتلئا. ففائدة الأكل تدوم بدوام وقت معين ، محدد ، هو : وقت جوع المرء. والضرر يدوم كذلك بدوام وقت معين ، محدود ، هو : وقت الامتلاء ، ولا بد فى دوام ذلك الوقت المحدد من أن يستمر ويمتد إلى زمن الكلام.
شروط إعمالها :
1 - يشترط فيها الشروط العامة.
2 - أن تكون بلفظ الماضى (2)- فى الرأى الأرجح - وقبلها ما المصدرية الظرفية (3)
فإن تقدم على «دام» «ما» المصدرية فقط كانت فعلا تاما ، بمعنى : بقى واستمر . نحو : يسرنى ما دمت ، أي : دوامك. ومثله : يسرنى ما دمت شجاعا ، أي : يسرنى دوامك شجاعا. ولا يصح أن تكون «ما» مصدرية ظرفية في هذا المثال ؛ فليس المراد يسرني المدة ، وإنما المراد : يسرنى الدوام ، وفرق كبير بين الاثنين : لأن الذي يسر هو الدوام ، لا المدة ... وكذلك إن سبقتها «ما» النافية كانت فعلا تاما ، بمعنى : بقى واستمر طويلا. نحو : ما دام الضيف. أى : لم يبق ولم يستمر . وكذلك إن لم تسبق مطلقا بلفظة «ما» النافية أو غير النافية ، نحو : دام الظلم فأهلك أعوانه ، ونحو : دام محمد صحيحا (صحيحا حال منصوبة ، وليست خبرا).
ومن المفيد أن نشير إلى أن الفعل «دام» قد يكون ناقصا أو غير ناقص مع تقدم «ما» المصدرية الظرفية عليه ؛ فليس من اللازم نقصانه عند وجودها ؛ فقد يكون تاما لا يعمل كما في قوله تعالى : (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) ، فالمعول عليه في الحكم بالنقصان أو عدمه هو السياق والقرينة. واشتراط «ما» المصدرية الظرفية إنما هو لصحة العمل لا لوجوب العمل ؛ بمعنى أنها لا يمكن أن تعمل بغير أن يتحقق الشرط. لكن وجود الشرط لا يستلزم حتما أن تعمل ، فمع وجوده يجوز إهمالها وإعمالها على حسب المعنى ؛ إذ لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط (كما يقول علماء المنطق) ، ولكن لا يوجد المشروط بدون وجود الشرط ؛ كالرؤية لا تكون إلا بوجود العين. لكن وجود العين لا يقتضى الرؤية ؛ إذ يصح أن تكون العين مغلقة ، أو نائمة ، أو محتجبة عن الإبصار لسبب..
. وإذا أسندت لضمير رفع متحرك وجب ضم الدال ، وحذف الألف1) ص 534.
2) تبعا للرأى الأرجح ، كما سيتضح فى رقم 1 من هامش الصفحة التالية.
3) هى التى تؤول مع ما بعدها بمصدر ، مع نيابتها عن ظرف زمان بمعنى : «مدة» أو وقت أو زمن ، او نحو هذا من كل ما يدل على الزمان ، ويكون هذا المصدر المؤول معمولا للمضارع الذى قبلها ؛ مثل : أشاركك ما دمت أمينا. وقد سبق الكلام عليها وعلى المصدر المؤول ، فى الموصول الحرفى (ص 373) ولتقريب فهمها يفترضون أن أصل الجملة : أشاركك مدة ما دمت أمينا ، فكلمة «مدة» ظرف زمان مضاف. وكلمة «ما» مصدرية تسبك مع الجملة التالية لها بمصدر ؛ تقديره «دوامك». وهذا المصدر المؤول هو المضاف إليه. ثم حذف الظرف المضاف ، وناب عنه المضاف إليه ، وهو : «ما» مع الجملة التى تليها ، وصار هذا المضاف إليه منصوبا على الظرفية ؛ لنيابته عن الظرف المحذوف ، كما ناب ، المصدر الصريح عن الظرف فى مثل. قابلتك غروب الشمس ؛ أى : وقت غروب الشمس، فقد حذف الظرف المضاف ، وناب المصدر المضاف إليه عنه ؛ فصار منصوبا.
3 - أن يسبقهما معا كلام تتصل به اتصالا معنويا ، بشرط أن يكون جملة فعلية مضارعية (1)
أما قوله تعالى : (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ ما دُمْتُ حَيًّا)، فلهم فيه كلام يخرجه عما نحن فيه . ويمد أشرنا لهذا الشرط فى رقم ٤ من هامش ص ٣٧٢. واشتراط مضيها هو الأرجح . كما قلنا . ويعارض فيه بعض النحاة ، محتجا بأن لها مضارعا ناسخا هو : «يدوم» ولها مصدر ناسخ كذلك. (راجع الصبان في هذا الموضع. وهذا الرأى ضعيف مردود ، لقيامه على فهم نظرى محض لا تؤيده الشواهد والصحيح أنها فعل ماض جامد إذا سبقته «ما» المصدرية.
.4 - ألا يكون خبرها جملة فعلية ماضوية ؛ لأن دام مع معموليها تفيد استمرار المعنى إلى وقت الكلام ، والجملة الماضوية تفيد انقطاعه فيقع التنافى (2).
5 - ألا يتقدم خبرها عليها وعلى «ما» ؛ لأن «ما» المصدرية الظرفية لا يسبقها شىء من صلتها التى تسبك معها بمصدر. أما توسطه بينها وبين «ما» فجائز.
ومما سبق نعلم أن جميع أفعال هذا الباب تستعمل ناقصة وتامة إلا ثلاثة أفعال تلتزم النقص ؛ وهى : فتئ - زال - ليس - كما نعلم أن كل فعل ناقص (ناسخ) لا يعمل إلا بشروط مفصّلة ؛ فلا يكفى الاقتصار على ما يذكره كثير من النحاة من تقسيم هذه الأفعال الناسخة ثلاثة أقسام مجملة ؛ بحسب ما يلزم لها من شروط أولا يلزم ، حيث يقولون :
(ا) قسم يعمل بدون شرط وهو ثمانية أفعال :
كان - أصبح - أضحى - أمسى - ظل - بات - صار - ليس.
(ب) قسم يعمل بشرط أن يسبقه نفى ، أو شبه نفى ، وهو أربعة أفعال : زال - برح - فتئ - انفك.
(ح) قسم يعمل بشرط أن يسبقه «ما» المصدرية الظرفية وهو فعل واحد : «دام» ... لأن هذا التقسيم غير سلم ، لاعتباره القسم الأول غير محتاج إلى شروط ، ولأنه ترك فى القسمين الأخيرين شروطا هامة لا يصح إهمالها. وقد عرفنا تفصيلها (1)
ترفع كان المبتدا اسما والخبر *** تنصبه ؛ ككان سيّدا عمر
أى : كان عمر سيدا ، ويذكر أخواتها بقوله :
ككان : ظلّ ، بات ، أضحى ، أصبحا *** أمسى ، وصار ، ليس ، زال ، برحا
فتئ ، وانفكّ ، وهذى الأربعه *** لشبه نفى ، أو لنفى متبعه
أى : أن الأربعة الأخيرة فى الترتيب تتبع نفيا أو شبه نفى ، ومعنى تتبعه : تليه وتجىء بعده ؛ (فلا بد أن نتبعها النفى ، أى : نذكرها بعده) ثم قال :
ومثل كان : «دام» مسبوقا بما *** كأعط - ما دمت مصيبا درهما
أى : أن الفعل : «دام» فى العمل مثل «كان» فى عملها بشرط أن يسبقه «ما» المصدرية الظرفية ، ولم يذكر أنها «مصدرية ظرفية» لضيق الوزن الشعرى ؛ فاكتفى بمثال يحويها ؛ وهو : أعط درهما - ما دمت مصيبا ، أى : مدة دوامك مصيبا الدرهم ، أو مصيبا المحتاج.
.بقى أن نعود إلى مسألة أشرنا إليها من قبل ؛ هى : أن النسخ ليس مقصورا على الأفعال الماضية وحدها ، بل يشملها ويشمل ما قد يكون معها من مشتقات إن وجدت ؛ فتعمل بالشروط التى للماضى.
وتفصيل هذا أن الأفعال الناسخة ثلاثة أقسام :
(ا) قسم جامد ، أى : لا يتصرف مطلقا ، ولا يوجد منه غير الماضى ، .
1) ويشير ابن مالك إلى عمل «كان» بقوله :
وهو فعلان : «ليس بالاتفاق ، و «دام» (1)فى أشهرها الآراء.
(ب) قسم يتصرف تصرفا شبه كامل ؛ فله الماضى ، والمضارع ، والأمر ، والمصدر ، واسم الفاعل ، دون اسم المفعول وباقى المشتقات ؛ فإنها لم ترد فى استعمال الفصحاء. ؛ وهو سبعة : (كان - أصبح - أضحى - أمسى - بات - ظل - صار) فمن أمثلة «كان» للماضى : كان الوفاء شيمة الحر ، وللمضارع : يكون الكلام عنوان صاحبه ، وللأمر : كونوا أنصار اللّه. وللمصدر قول العرب : كونك شريفا مع الفقر خير من كونك دنيئا مع الغنى. وقول الشاعر :
ببذل وحلم ساد فى قومه الفتى *** وكونك إيّاه عليك يسير
ولاسم الفاعل :
وما كلّ - من يبدى البشاشة كائنا *** أخاك إذا لم تلفه لك منجدا
وهكذا. وبقية الأفعال السبعة مثل «كان» فى هذا التصرف الشبيه بالكامل والذى يسمونه أحيانا : «الكامل نسبيّا».
(ح) قسم يتصرف تصرفا ناقصا ؛ وهو الأربعة المسبوقة بالنفى ، أو شبهه. (أى : زال - برح - فتئ - انفك) فهذه الأربعة ليس لها إلا الماضى ، والمضارع ، واسم الفاعل ؛ مثل : لا زالت الأمطار مورد الأنهار. ولا تزال الأنهار عماد الحياة. وليس النيل زائلا (2)
فهذا نوع من المبتدأ الناسخ ؛ يستغنى عن خبر المبتدأ ؛ اكتفاء باسم الناسخ مع بقاء خبر الناسخ على حاله من الضبط الذى يستحقه باعتباره خبر الناسخ. وقد أشرنا لهذه الصورة فى رقم 3 من هامش ص 509.
عماد الزراعة فى بلادنا (3)وغير ماض مثله قد عملا *** إن كان غير الماض منه استعملا
أى : أن الفعل غير الماضى إن وجد واستعمل من الماضى فإنه يعمل مثله ؛ فغير الماضى يشمل المضارع والأمر وكذا يشمل ما يوجد من المشتقات الأخرى. هذا الأصل وأنه لا يصح فى كلمة : «مثل» النصب على أنها حال من من فاعل : «عمل» إلا للضرورة ، أو رأى ضعيف ، لما يترتب على هذا من تقديم معمول الفعل المسبوق بالحرف : «قد» وهو ممنوع فى القول الأصح كما سبق فى رقم 4 هامش ص 49 نقلا عن الخضرى.
. .1) انظر رقم (1) من هامش ص 512.
2) لو قلنا : ما زائل النيل عماد الزراعة فى بلادنا - فأين خبر المبتدأ الذى هو كلمة «زائل»؟ أيكون خبره الاسم والخبر معا أم أحدهما؟ الراجح - عند الصبان - أن خبره هو اسمه فقط ؛ فتكون كلمة «النيل» اسم «زائل» وفى الوقت نفسه خبر له باعتباره مبتدأ. ولا اعتراض بأن خبر المبتدأ لم يتمم الفائدة الأساسية ، لأن عدم إتمامه الفائدة ناشىء من أمر عرضى هو نقصان المبتدأ. (راجع الصبان فى هذا الباب عند بيت ابن مالك : «وغير ماض مثله قد عملا ...»)
3) وفى هذا يقول ابن مالك :
الترتيب - فى هذا الباب - واجب بين الناسخ واسمه ؛ فلا يجوز تقديم الاسم على عامله (1). أما الخبر فإن كان جملة خالية من ضمير يعود على اسم الناسخ ، فالأحسن تأخيره عن الناسخ واسمه ؛ ذلك لأن تقدمه - فى هذه الصورة - على الناسخ أو توسطه بين الناسخ واسمه ، غير معروف فى الكلام العربى الفصيح (2).
ويجب تأخيره عنهما إن كان جملة مشتملة على ضمير يعود على اسم الناسخ ؛ كالضمير الذى فى الجملة الفعلية : «توسعه» من قول أعرابى ينصح صديقه : «دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره ، وإن كان عندك - اعتذاره (3)فليس من حكى عنك نكرا (4)توسعه فيك عذرا (5)».
وأما الخبر الذى ليس جملة (وهو المفرد وشبه الجملة) فله ست حالات :
الأولى : وجوب التأخر عن الاسم ، وذلك :
1 - حين يترتب على التقديم لبس لا يمكن معه تمييز أحدهما من الآخر (6)نحو : كان شريكى أخى - صار أستاذى رفيقى فى العمل - باتت أختى طبيبتى ... فلو تقدم الخبر لأوقع فى لبس لا يظهر معه الاسم من الخبر. والفرق بينهما كبير ؛ لأن أحدهما محكوم عليه ؛ وهو : الاسم ، والآخر محكوم به ، وهو : الخبر.
2 - حين يكون الخبر واقعا فيه الحصر ؛ كأن يكون مقرونا بإلا المسبوقة بالنفى ؛ نحو : ما كان التاريخ إلا هاديا. أو «بإنما» ؛ مثل : إنما كان التاريخ
1) كما أشرنا فى ص 496.
2) هذا كلامهم. وبالرغم من أنه غير معروف فى الكلام المأثور ، يجيز بعض النحاة تقديمه المبتدأ. لكن القياس غير مستحسن بعد أن تبين لهم أن الكلام العربى لم يرد به تقدم الخبر الجملة. قياسا على خبر
3) العذر لفعله.
4) أمرا مستقبحا.
5) تزيده ما يقنعه ويرضيه.
6) بأن يكونا معرفتين معا أو نكرتين معا ... على الوجه الذى تقدم فى المبتدأ والخبر ص 448).
هاديا ؛ لأن المحصور فيه : «بإلا» يجب اتصاله بها متأخرا عنها ، والمحصور فيه : «بإنما» يجب تأخيره. فلو تقدم المتأخر فى الصورتين تغير المقصود ، وفات الغرض الهام من الحصر.
الثانية : وجوب التقدم على الاسم فقط ، (فيتوسط الخبر بينه وبين العامل الناسخ) وذلك حين يكون الاسم مضافا إلى ضمير يعود على شىء متصل بالخبر ؛ مع وجود ما يمنع تقدم الاسم على الأداة ؛ مثل يعجبنى أن يكون للعمل أهله (1)فلا يصح : (يعجبنى أن يكون أهله للعمل) ؛ لما فى هذا من عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ، وهو ممنوع فى مثل هذا.
الثالثة : وجوب التقدم على العامل الناسخ وذلك حين يكون الخبر اسما واجب الصدارة ؛ كأسماء الاستفهام و «كم» الخبرية ... نحو : أين كان الغائب؟ وقول الشاعر :
وقد كان ذكرى (2)للفراق يروعنى *** فكيف أكون اليوم؟ وهو يقين
وكم مرة كانت زيارة المعالم المشهورة!! ويشترط فى هذه الحالة ألا يكون العامل الناسخ مسبوقا بشىء آخر له الصّدارة مثل : «ما» النافية ... لأن الخبر الذى له الصدارة لا يدخل على ماله الصدارة (3)
هذا ما يقوله النحاة. ولكن السبب الحقيقى هو عدم استعمال العرب الفصحاء للأسلوب المشتمل على أداتين لهما الصدارة. (راجع رقم ٣ من هامش الصفحة الآتية)
، فلا يصح : أين ما كان الغائب؟ ولا : أين ما زال البستانى؟ وكذلك لا يصح أن يكون العامل الناسخ «ليس» ؛ لأنّ خبرها لا يجوز أن يسبقها فى الرأى الأرجح (4).1) هذا المثال هو الذى يوضح الحالة الثانية توضيحا دقيقا ؛ لوجود «أن» المصدرية فيه ؛ لأن وجودها يمنع تقديم شىء عليها من جملتها التى تليها ، كما تمنع تقديم شىء يفصل بينها وبين الفعل الذى دخلت عليه لتنصبه ؛ فلا يصح تقديم الخبر عليها ، أو على الفعل الذى تنصبه ، كما لا يصح تأخيره عن الاسم ؛ لأن فى الاسم ضميرا يعود على شىء متصل بالخبر ؛ فتقديمه ممنوع ، وتأخيره ممنوع ؛ فلم يبق إلا توسطه بين الاسم وعامله الناسخ. أما أمثلة النحاة من نحو : كان غلام هند بعلها) فلا يوجب الاقتصار على توسط الخبر : (غلام) بين الاسم والعامل الناسخ لجواز أن يتقدم الخبر على الناسخ فى هذا المثال وأشباهه من غير ضعف. فأمثلتهم المشار إليها لا تصلح للتوسط الواجب وحده
2) تذكرى.
3) لكيلا يجتمع شيئان لكل منهما الصدارة ؛ فيقع بينهما التعارض ، ولا يمكن تفضيل أحدهما على الآخر. و «ما» النافية من الأدوات التى لها الصدارة - كما سيجىء فى رقم 3 من هامش ص517. ؛ فلا يحوز تقديم الخبر ولا غيره من جملتها عليها. وكذا كل ماله الصدارة كالاستفهام ؛ وأسماء الشرط ؛ وغيرهما.
4) كما أشرنا فى ص 507 وفى رقم 3 من هامش ص 519 وإذا كانت للاستثناء مع النسخ لم يجز تقديم خبرها عليها بالاتفاق. ومثلها : «لا يكون» الناسخة الاستثنائية.
الرابعة : وجوب التوسط بين العامل الناسخ واسمه ، أو التأخر عنهما معا ؛ وذلك حين يكون العامل مسبوقا بأداة لها الصدارة ، ولا يجوز أن يفصل بينها وبين العامل الناسخ فاصل. ومن أمثلته : الاستفهام «بهل» فى : هل أصبح المريض صحيحا؟ فيجب تأخره كهذا المثال ، أو توسطه فنقول : هل أصبح صحيحا المريض.
الخامسة : وجوب التوسط بين الناسخ واسمه ، أو التقدم عليهما ، وذلك :
1 - حين يكون الاسم مضافا لضمير يعود على شىء متصل بالخبر ؛ فمثال التوسط : أمسى (فى البستان) حارسه ، وبات (مع الحارس) أخوه (1). ومثال التقدم عليهما (2): فى البستان أمسى حارسه ، ومع الحارس بات أخوه. فقد توسط الخبر أو تقدم ؛ لكيلا يعود الضمير الذى فى الاسم على شىء متأخر لفظا ورتبة ، وهو لا يجوز هنا.
2 - حين يكون الاسم واقعا فيه الحصر كأن يكون مقرونا بإلا المسبوقة بالنفى ؛ فمثال التوسط ؛ ما كان حاضرا إلا على ، ومثال التقدم على العامل ما حاضرا (3)كان إلا على : لأن تقديم المحصور فيه يفسد الحصر.
السادسة : جواز الأمور الثلاثة (التأخر ، والتقدم على العامل ، والتوسط بينه وبين الاسم) فى غير ما سبق ؛ نحو : كان الخطيب مؤثرا. أو كان مؤثرا الخطيب ، أو مؤثرا كان الخطيب. ومثله : كان خلق المرء سلاحه ، ويجوز : كان
1) ليس فى هذه الحالة ما يمنع من تقديم الخبر على الناسخ. ولهذا صح توسطه وتقدمه. بخلاف الحالة الثانية التى سبقت ؛ وهى التى يجب فيها تقدم الاسم على الخبر وحده ؛ إذ لا بد فيها من وجود مانع يمنع تقدم الخبر على الناسخ.
2) بشرط ألا يكون قبل العامل شىء له الصدارة ؛ فإن وجد شىء له الصدارة وجب تقديم الخبر على العامل وحده دون أن يتقدم على ماله الصدارة ، إلا أن يكون هناك ما يمنع توسط الخبر بين العامل وماله الصدارة ، كحالة الاستفهام بهل ؛ فى مثل : هل كان السفر طيبا.
3) إذا كان العامل مسبوقا «بما» النافية فإنه لا يجوز تقديم الخبر عليها وعلى العامل معا ؛ لأن لها الصداره. لكن يجوز تقديمه على العامل وحده دون «ما» ، أى : يجوز أن يتوسط بينهما كما سبق - فى رقم 3 من هامش الصفحة السالفة - فإن كان النّانى حرفا آخر ، مثل : «لم» أو «لا» أو «لن» أو غيرها جاز أن يتقدم عليه الخبر ؛ نحو مستريحا لم يصبح السهران - منصورا لا يزال الحق - مخلصا لن يكون الكذاب. متقنا لن يكون المهمل.
سلاحه خلق المرء (1)، كما يجوز : سلاحه كان خلق المرء.
فأحوال الخبر الستة تتلخص فيما يأتى إذا كان غير جملة :
1 - وجوب تأخيره عن الناسخ واسمه معا.
2 - وجوب تقديمه عليهما معا.
3 - وجوب توسطه بينهما.
4 - وجوب تقديمه على العامل الناسخ أو التوسط بينه وبين الاسم.
5 - وجوب توسطه ، أو تأخره.
6 - جواز تأخره ، أو تقدمه ، أو توسطه.
وتلك الأحوال والأحكام تنطبق على جميع أخبار النواسخ فى هذا الباب إلا الأفعال التى يشترط لإعمالها أن يسبقها نفى ، أو شبهه ، وإلا «دام» التى يشترط لإعمالها أن يسبقها «ما» المصدرية الظرفية ، وإلا «ليس» كما سبقت الإشارة إليها. فهذه ثلاثة أشياء لكل واحد منها صور ممنوعة ، وإليك البيان.
فأما الأفعال التى يشترط أن يسبقها نفى أو شبهه فتنطبق عليها الأحكام السابقة إلا حالة واحدة هى وجود النافى «ما» ، فلا يجوز تقديم الخبر عليه ؛ لأن «ما» النافية لها الصدارة كما سبق (2)؛ فلا يصح : متكلما ما زال محمود ، ولكن يصح تقدمه على العامل الناسخ وحده دون حرف النفى : «ما» فيصح : ما متكلما زال محمود. كما يصح تقدمه على حروف النفى الأخرى ؛ (مثل. لا ، ولم ، ولن ...) أما بقية الصور الأخرى من التقديم والتأخير فشأن هذه الأفعال التى لا تعمل إلا بسبق نفى أو شبهه ، كشأن غيرها.
وأما «دام» فتنطبق عليها الأحوال والأحكام السابقة إلا حالة واحدة لا تجوز ؛ وهى تقدم الخبر عليها وعلى «ما» المصدرية الظرفية ، ففى مثل : «سأبقى فى
1) والضمير هنا عائد على متأخر لفظا فقط. دون رتبة ، لأنه عائد على : «خلق» الذى هو اسم : «كان» والاسم متقدم على الخبر فى الرتبة.
2) فى رقم 3 من هامش ص 517 ومثلها : «إن» فى أرجح الآراء. ومنع تقديم الخبر على أحد حرفى النفى : «ما» و «إن» عام ، يشمل خبر الأفعال الناسخة التى لا بد أن يسبقها نفى أو شبهه ، مثل. زال ، كما يشمل خبر الأفعال الناسخة التى لا يشترط أن يسبقها ذلك ، مثل : «كان» المسبوقة بأحد حرفى النفى ، بل إنه يشمل كل جملة أخرى مبدوءة بأحدهما فلا يجوز تقديم شىء من هذه الجملة على أحدهما.
البيت ما دام المطر منهمرا» لا يصح أن يقال : (سأبقى فى البيت منهمرا ما دام المطر) ؛ لأن «ما» المصدرية الظرفية لا يصح أن يتقدم عليها شىء من الجملة التى بعدها (وهى الجملة التى تقع صلة لها) لكن يجوز أن يتقدم الخبر على «دام» وحدها فيتوسط بينها وبين «ما» المذكورة (1)
هذا وبينهما فرق من جهة أخرى : فأن المصدرية تنصب المضارع ؛ فلا يجوز الفصل بينهما بالخبر أو بغيره ، محاكاة للوارد الفصيح من كلام العرب وما المصدرية لا تنصبه إن دخلت عليه ؛ فيجوز الفصل بينهما بالخبر.
؛ ففى المثال السابق يصح أن نقول : سأبقى فى البيت ما منهمرا دام المطر. وفى مثل ؛ اقرأ فى الكتاب ما دامت النفس راغبة ؛ لا يصح أن نقول : اقرأ فى الكتاب راغبة ما دامت النفس ، ويصح أن نقول ، اقرأ فى الكتاب ما راغبة دامت النفس ... وهكذا (2)وفى جميعها توسّط الخبر *** أجز ، وكلّ سبقه دام حظر
كذاك سبق خبر : «ما» النّافيه *** فجئ بها متلوّة لا تاليه
يريد : أن جميع النواسخ السابقة يجوز فيها توسط الخبر بين الناسخ واسمه. ولم يذكر شروط ذلك ، ولا تفصيله. ثم قال : إن كل النحاة حظر (أى : منع) سبق خبر «دام» عليها ، ولم يبين أهذا المنع خاص بتقديمه عليها وحدها دون «ما» المصدرية الظرفية التى تسبقها ، أم بتقديمه عليهما معا؟ وقد أسلفنا أن الممنوع هو تقديمه عليهما معا. أما توسطه بينهما فليس بممنوع. ثم قال : كذلك منع كل النحاة سبق الخبر وتقدمه على «ما» النافية ؛ لأن لها الصدارة فى جملتها ؛ فلا يسبقها شىء منها. ويجب أن تكون متلوة ؛ أى : سابقة ، يتلوها غيرها ، ويجىء بعدها. ولا يصح أن تكون تالية غيرها ، ولا أن تجىء بعده.
.وأما «ليس» فتنطبق عليها جميع الأحوال والأحكام السابقة أيضا (3)إلا حالة واحدة وقع فيها الخلاف بين النحاة وهى الحالة التى يتقدم فيها الخبر عليها ؛ ففريق منع ، وفريق أجاز (4)
وهذا كلام غير مقبول بعد الاعتراف بأن الكلام العربى لم يرد به تقديم.
ويقول ابن مالك فى منع تقدم خبر «ليس» ، وأن المنع هو المختار ، وفى تعريف الفعل التام (أى : الذى ليس بناسخ) وفى بيان الأفعال التامة.
ومنع سبق خبر «ليس» اصطفى *** وذو تمام ما برفع يكتفى
وما سواه ناقص ، والنقص فى *** «فتىء» ، «ليس» ، «زال» ، دائما قفى
اصطفى : اختير ... أى : أن المختار منع تقديم خبر «ليس» عليها. وأن الفعل التام هو : الذى يكتفى بمرفوعه ، والناقص هو : الذى لا يكتفى بمرفوعه. وجميع أفعال هذا الباب تستعمل تامة وناقصة إلا ثلاثة ليس ، فتىء ، زال ؛ فإن النقص فيها لازما قفى ، أى : تبعها ، ولازمها ، ولا يتركها وقد سبق التفصيل.
(هذا وكلمة : «ليس» الأولى مقصود لفظها ، وهى مفعول به للمصدر : «سبق» وهذا المصدر مضاف لفاعله : خبر).
والاقتصار على المنع أولى.1) فى ص 370 وفى رقم 1 من هامش ص 515 و... أنه لا يجوز الفصل بالخبر - أو بغيره - بين أن المصدرية والفعل الذى تنصبه ؛ فى حين يجوز الفصل به بين «ما المصدرية الظرفية» والفعل الذى دخلت عليه ؛ (طبقا لما سلف فى 341) مع أن كل واحد منهما حرف مصدرى لا يجوز أن يسبقه شىء من الجملة التى يدخل عليها - وهى الجملة التى يسبك معها بمصدر.
2) إلى بعض ما سبق يشير ابن مالك بقوله :
3) بشرط ألا تكون للاستثناء ؛ فإن كانت للاستثناء لم يجز تقديم خبرها عليها اتفاقا. ومثلها : «لا يكون» الناسخة الاستثنائية. - كما سبق فى رقم 4 من هامش ص 516.
4) حجة الفريق الأولى أنه لم يرد على ألسنة العرب التقديم ؛ فلا يسوغ لنا مخالفتهم. وحجة الفريق الثانى أنه ورد تقديم معمول الخبر عليها فى الكلام الفصيح ، ومنه قوله تعالى عن عذاب الكفار : ( أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ) . فكلمة «يوم» ظرف للخبر : «مصروفا» فهذا الظرف المعمول للخبر قد تقدم على «ليس» ؛ فتقدمه يشعر بجواز تقدم الخبر!!
(ا) عرفنا مما تقدم حكم الخبر المفرد وشبه الجملة ، من حيث تقدمه وحده على عامله الناسخ ، أو توسطه بينه وبين اسمه ، أو تأخره عنهما ، وبقى للموضوع بقية تتصل بتقديم معمول هذا النوع من الأخبار على عامل الخبر ؛ وهى أن الخبر يمتنع تقديمه وحده على الناسخ إذا كان الخبر قد رفع اسما ظاهرا ؛ ففى مثل : «كان الرجل نبيلا مقصده» و «بات المغنى ساحرا صوته» لا يصح : «نبيلا كان الرجل مقصده» - ولا ساحرا بات المغنى صوته (1)؛ لأنه لا يجوز تقديم الخبر وحده دون معموله المرفوع - كما قلنا - فإن تقدم مع معموله المرفوع جاز ؛ فيصح : «نبيلا مقصده كان الرجل». «ساحرا صوته بات المغنى» فإن كان معمول الخبر منصوبا نحو : «أضحى الرجل راكبا الطيارة» جاز تقديم الخبر وحده على العامل الناسخ لكن مع قبح (2). نحو : الطيارة أضحى الرجل راكبا.
وإن كان المعمول ظرفا أو جارّا مع مجروره جاز تقديم الخبر وحده بغير قبح ، ففى مثل ؛ ظل الفتى عاملا يوما ، وأمسى قرير العين فى بيته - يقال : يوما ظل الفتى عاملا ، وفى بيته أمسى قرير العين.
(ب) يتصل بمسألة تقديم معمول الخبر مسألة توسط هذا المعمول بين الناسخ واسمه ، ففى مثل : كان القادم راكبا سيارة : وكان المسافر راكبا سفينة ... نعرب كلمة : «سيارة» وكلمة : «سفينة» - وأمثالهما - مفعولا به لخبر : «كان» فكل واحدة منهما معمولة لذلك الخبر ، وليست معمولة للفعل «كان». فهل يجوز تقديم ذلك المعمول وحده على الاسم بحيث يتوسط بينه وبين كان ؛ فنقول : كان سيارة القادم راكبا؟ وكان سفينة المسافر راكبا؟ لا يجوز ذلك ، لأنه مخالف للنهج العام الذى تسير عليه الجملة العربية فى نظام تكوينها المأثور ، وطريقة ترتيب
كلماتها. وذلك النهج يقتضى ألا يقع بعد العامل - مباشرة معمول لغيره (1)، مثل :أقبل القطار يحمل الركاب ، نعرب كلمة : «الركاب» مفعولا به للفعل : «يحمل» وهذا الفعل هو ، عاملها ؛ فهى وثيقة الصلة به ، وليست أجنبية منه ، فلا يصح أن نقدمها ونضعها بعد عامل آخر ؛ هو : «أقبل» لأنها أجنبية عنه ؛ فلو قلنا : أقبل الركاب القطار يحمل - لكان هذا الأسلوب بعيدا عن الصواب ؛ مخالفته النسق الصحيح الوارد فى تركيب الجملة ؛ وهو النسق الذى تدل عليه تلك القاعدة العامة التى أشرنا إليها ، والتى ملخصها : «أنه لا يجوز أن يلى العامل - مباشرة - معمول لعامل آخر». أو : «لا يصح أن يلى العامل - مباشرة - معمول أجنبى عنه».
ولا فرق فى المعمول المتقدم بين أن يكون معمولا لخبر «كان» ، أو لغيرها من النواسخ ، وغير النواسخ ، ولا بين أن يكون المعمول مفعولا أو غير مفعول ... إلا الظرف والجار مع مجروره ، فإنه يجوز أن يلى عاملا آخر غير عامله. والقاعدة - كما أسلفنا - لا تختص بعامل ، ولا تقتصر على معمول ، وهى مستمدة من الأساليب الكثيرة الفصيحة وعلى أساسها بنى الحكم السابق.
هذا إذا تقدم المعمول وحده بدون الخبر كالأمثلة السابقة ، أو تقدم ومعه الخبر ، وكان المعمول هو السابق على الخبر ؛ ففى مثل : كان الطالب قارئا الكتاب ، لا يصح أن يقال : كان الكتاب الطالب قارئا. أما لو تقدما معا وكان الخبر هو السابق فالأحسن الأخذ بالرأى الذى يبيحه ؛ لمسايرته الأساليب الفصيحة المأثورة (2)فيصح أن نقول : كان قارئا الكتاب الطالب.
غير أن هناك حالة واحدة يصح فيها تقديم معمول الخبر وحده ، أو مع الخبر ، متقدما عليه ، أو متأخرا عنه ؛ هى - كما سبق - : أن يكون المعمول شبه جملة (أى : ظرفا ، أو : جارا مع مجروره) ، نحو : بات الطير نائما على الأشجار ؛ وأصبح الطّلّ مترا كما فوق الغصون ، فيصح أن يقال :
1) وبناء على هذه القاعدة العامة لا يصح فى باب : «كان» وأخواتها أن يتوسط بين العامل (الناسخ) واسمه المرفوع - معمول لعامل آخر إذا كان المعمول ليس شبه جملة. وإنما قلنا : العامل ومرفوعه ؛ إذ لا يمكن أن يتم التوسط الممنوع هنا إلا بين العامل ومرفوعه ؛ لأنهم يشترطون أن يقع التوسط الممنوع بعد العامل مباشرة ، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان الفاصل الأجنبى بين الناسخ واسمه المرفوع.
2) وقد تستدعيه بعض الحالات البلاغية. كل ذلك مع مراعاة الأحوال والشروط العامة لتقديم خبر الناسخ ، وقد اوضحناها فى ص 515.
بات على الأشجار الطير نائما - وأصبح فوق الغصون الطّلّ مترا كما ... وهكذا (1)
ولا يلى العامل معمول الخبر *** إلّا إذا ظرفا أتى ، أو : حرف جر
أى : أن معمول الخبر لا يتقدم وحده أو مع الخبر فيقع بعد العامل مباشرة ؛ لأن هذا التقدم ممنوع ، إلا فى حالة واحدة ، هى : أن يكون المعمول ظرفا أو حرف جر مع مجروره ، و (ظرفا أتى - أى : أتى ظرفا ، بمعنى : وقع ووجد). والمراد بحرف جر : أن يكون مع مجروره لأن حرف لجر وحده لا أثر له فى الجملة.
. وقد وردت أمثلة قليلة مسموعة تقدم فيها معمول الخبر وحده ، مع أنه ليس شبه جملة ؛ فتناولها النحاة بالتأويل والتكلف لإدخالها تحت قاعدة عامة تصونها من مخالفة القاعدة السابقة. والأحسن إغفال ما قالوه ، - إذ لا يرتاح العقل إليه (2)ومضمر الشّأن اسما انو إن وقع *** موهم ما استبان أنّه امتنع
يريد : آنو ضمير الشأن وقدره بعد الناسخ مباشرة ، إن وردت لك بعض أمثلة توهمك ، وتخيل لك أنها التى استبان منعها ؛ أى : ظهر منعها.
- والحكم على تلك الأمثلة القليلة بالشذوذ ؛ فلا يصح القياس عليها. .1) وفيما سبق بقول ابن مالك :
2) إذا رأوا فى الكلام المسموع أسلوبا مثل : صار - الصحف - المتعلمة تقرأ ، أعربوها بتقديرات مختلفة : أشهرها ما يأتى : «صار» فعل ماض. اسمه ضمير الشأن المستتر ، وهو كالظاهر فى الفصل. «الصحف» مفعول به للفعل «تقرأ». وبهذا الإعراب لا يكون المعمول عندهم قد وقع بعد العامل مباشرة ؛ لوجود ضمير الشأن المستتر فاصلا بينهما ، كما قلنا. «المتعلمة» مبتدأ مرفوع. «تقرأ» : فعل وفاعل. وهذه الجملة الفعلية خبر المبتدأ ، والجملة من المبتدأ والخبر فى محل نصب خبر الناسخ : صار. وفى هذا تكلف ظاهر ، وإضعاف لبناء الجملة. وكان الواجب أن يقبلوا مثل هذا الأسلوب ، أو يرفضوه. أما التكلف والتأويل فلا يعرفه العرب على هذه الطريقة ، ولا محل له اليوم. والأحسن أن نختار رفضه. وفيما سبق يقول ابن مالك :
«كان» ثلاثة أنواع : تامة ، وناقصة ، وقد عرفناهما - وزائدة ، وقعت فى كثير من الأساليب المأثورة بلفظ الماضى ، مع توسطها بين شيئين متلازمين (1)؛ كالمبتدأ والخبر فى مثل : القطار - كان - قادم. أو الفعل والفاعل فى مثل : لم يتكلم - كان - غيرك ، أو الموصول وصلته فى مثل : أقبل الذى - كان - عرفته ، أو الصفة والموصوف فى مثل : قصدت لزيادة صديق - كان - مريض ، أو المعطوف والمعطوف عليه فى مثل : الصديق مخلص فى الشدة - كان - والرخاء ، أو حرف الجر ومجروره فى مثل : القلم على - كان - المكتب ، أو بين «ما» التعجبية وفعل التعجب (2)فى مثل : ما - كان - أطيب كلامك ، وما - كان - أكرم فعلك ... وقول الشاعر :
ما كان أسعد من أجابك آخذا *** بهداك ، مجتنبا هوى وعنادا
وقد وردت زيادتها بلفظ المضارع قليلا مع توسطه بين شيئين متلازمين فى مثل ؛ أنت - تكون - رجل نابه الشأن ... غير أن هذه القلة لم تدخل فى اعتبار النحاة ؛ فقد اشترطوا للحكم بزيادة : «كان» شرطين ؛ أن تكون بصيغة الماضى ، وأن تكون متوسطة بين شيئين متلازمين ، على الوجه السالف.
لكن إذا وقعت : «كان» زائدة ، فما معنى زيادتها؟ وكيف نعربها؟ وأ قياسيه تلك الزيادة ، أم الأمر مقصور فيها على السماع؟
أما معنى زيادتها فأمران ؛ أولهما ؛ أنها غير عاملة ، فلا تحتاج إلى معمول من فاعل ، أو مفعول أو اسم وخبر ، أو غيرهما ؛ إذ ليس لها عمل (3)؛ وليست
1) أى : لا يوجد أحدهما بدون الآخر - ولو تقديرا - إذ لا يمكن أن يستقل بنفسه واحد منهما وتوسطها بينهما يقتضى أنها لا تقع فى أول الجملة أو آخرها ؛ فلا بد أن تكون حشوا بين متلازمين.
2) سيجىء فى : «باب التعجب» إشارة لزيادتها - ج 3 ص 118 م 108.
3) يرى بعض النحاة أنها ليست بزائدة ، وإنما هى ملغاة فقط. - انظر هامش ص 62 ولا أثر لهذا الخلاف اللفظى فى التسمية ، إذ لا يترتب عليه شىء فى المعنى والصياغة.
معمولة لغيرها. وهذا شأن كل فعل زائد.
وثانيهما : أن الكلام يستغنى عنها ، فلا ينقص معناه بحذفها ، ولا يخفى المراد منه ، وكل فائدتها أنها تمنح المعنى الموجود قوة ، وتوكيدا ؛ فليس من شأنها أن تحدث معنى جديدا ، ولا أن تزيد فى المعنى الموجود شيئا إلا النقوية. فحين نقول : الوالد عطوف ، فإننا نريد من هذه الجملة نسبة العطف والحنان إلى الوالد ، وإلصاقهما بذاته : فلو قلنا ؛ واللّه الوالد عطوف. أو ، إن الولد عطوف ... لم يزد المعنى شيئا ، ولم ينقص ؛ ولكنه استفاد قوة وتمكنا ؛ بسبب القسم ، أو : «إنّ» وأشباههما. ومثل هذا يحصل من زيادة «كان» حين نقول : الوالد - - كان - عطوف. وفرق كبير بين كلمة تنشئ معنى جديدا ، أو تزيد فى المعنى القائم. وكلمة أخرى لا تنشئ معنى جديدا ولا تزيد فى المعنى الموجود ، ولكنها تقتصر على تأكيده وتقويته. لهذا تجردت كلمة : «كان» عند زيادتها من الحدث الذى يكون فى الفعل ؛ فلا تحتاج إلى فاعل ، ولا إلى اسم ، وخبر ، ولا لشىء آخر مطلقا ؛ لأن الذى يحتاج لذلك إنما هو الفعل الذى له حدث ، ومنه : «كان» التامة أو الناقصة. أما الزائدة فمخالفة لهما فى ذلك ؛ فهى مقصورة على نفسها حين تكون بصيغة الماضى.
والراجح أنها تدل على الزمن الماضى إذا كانت بصيغته. ولا سيما إذا توسطت بين «ما» التعجبية وفعل التعجب ؛ فى مثل : ما - كان - أحسن صنيعك. وما - كان - أرقّ حديثك ؛ فإنها فى هذه الصورة تدل على الزمن الماضى (1). إذ المراد أن الحسن والرقة كانا فيما مضى (2)ولا تدل على غيره ، ولا تحتاج لفاعل. ولا لشىء آخر ، كما لا يحتاج إليها عامل ليؤثر فيها.
أما قياسية استعمالها أو الاقتصار فيها على السماع فالأنسب الأخذ بالرأى
1) والسبب هو أن فعل التعجب لا يكون إلا بصيغة الماضى ، ومع أنه بصيغة الماضى لا يدل على زمن المضى ؛ لأنه صار مع التعجب إنشاء لمجرد التعجب ، مسلوب الدلالة على الماضى ، ولا أثر للزمن فيه. فلما دخلت عليه : «كان» بقيت محتفظة بدلالتها الزمنية الأولى ، وصار فعل التعجب معها واقعا فى الماضى دالا عليه وإن سلب بغيرها المضى.
2) راجع شرح المفصل ج 7 ص 105 وقد سبق - فى هامش ص 62 - أن نقلنا كلامه الخاص بزيادة «كان».
القائل بقياسيتها فى التعجب وحده ، دون غيره من باقى الحالات ؛ منعا للخلط ، وفرارا من سوء الاستعمال (1)
وقد تزاد «كان» فى حشو ؛ كما *** كان أصحّ علم من تقدّما
يريد بالحشو : التوسط بين شيئين متلازمين.
، وهذان عيبان يتوقاهما الحريص على لغته ، الخبير بأسرارها.وقد وردت زيادة بعض أخواتها ، كأصبح ، وأمسى ، فى قولهم : الدنيا ما أصبح (2)أبردها ، وما أمسى - أدفأها. يريدون : ما أبردها وما أدفاها ... والأمر فى هذا وأشباهه مقصور على السماع لا محالة. .
ليس بين «كان» وأخواتها ما يجوز حذفه وحده ، أو مع أحد معموليه ، أو معموليه معا - إلا : «ليس» «وكان». فأما «ليس» فيجوز حذف خبرها على الوجه الذى شرحناه عند الكلام عليها (1).
وأما «كان» فقد اختصت - وحدها - من بين أخواتها بأنها تعمل وهى مذكورة أحيانا ، أو محذوفة أحيانا أخرى. والأصل أن تذكر مع معموليها ليقوم كل واحد من الثلاثة بنصيبه فى تكوين الجملة وتأدية المعنى المراد. لكن قد يطرأ على هذا الأصل ما يقتضى العدول عنه ، لأسباب بلاغية تدعو إلى حذف واحد أو أكثر. وصور الحذف أربعة ؛ حذف «كان» وحدها ، أو حذفها مع اسمها فقط ، أو حذفها مع خبرها فقط ، أو حذفها مع معموليها. وهذه الصور الأربع شائعة فى الكلام الفصيح شيوعا متفاوتا يبيح لنا محاكاته ، والقياس عليه. (ومن تلك الصور صورتان تحذف : «كان» فيهما وجوبا ، لوجود عوض عنها ؛ كما سنعلم).
وبقى حذف خبرها وحده أو اسمها وحده ، وكلاهما وهذا ممنوع فى الرأى الأصح عند جمهرة النحاة.
1 - فأما حذفها وحدها دون معموليها أو أحدهما فبعد «أن» المصدرية فى كل موضع أريد فيه تعليل شىء بشىء ؛ مثل. «أمّا أنت غنيّا فتصدّق» ؛ فأصل هذه الجملة فيما يتخيلون لتوضيحها (2): تصدّق ؛ لأن (3)كنت غنيّا.
1) ص 507.
2) إنما كان ذلك - وهو حسن - من تخيل النحاة بقصد الإيضاح والتقريب ؛ لأن العرب الأوائل حين تكلموا بمثل هذا الأسلوب لم يدر بخلدهم شىء من هذا الحذف والتقدير والتعليل ؛ إنما نطقوا سليقة وطبعا ، بغير اعتماد على تحويل وتأويل ، أو مراعاة لقواعد المنطق ، وغيره مما لم يعرفوه فى عصورهم السابقة على وضع القواعد النحوية.
3) فاللام هنا لبيان العلة والسبب ، فما بعدها علة وسبب لما قبلها. فكأن السبب فى أمرك الشخص بالصدقة هو : غناه.
ثم حذفت اللام الجارة ، تخفيفا ؛ لأن هذا جائز وقياسى قبل «أن» (1)؛ فصارت الجملة : تصدق أن كنت غنيّا. ثم تقدمت «أن» وما دخلت عليه (أى : تقدمت العلة على المعلول) فصارت الجملة : «أن كنت غنيّا تصدّق». ثم حذفت : «كان» وأتينا بكلمة : «ما» عوضا عنها ، وأدغمناها فى «أن» ؛ فصارت : «أمّا». والحذف هنا واجب ، لوجود العوض عن «كان». وبقى اسم «كان» بعد حذفها ؛ وهو : تاء المخاطب. ولما كانت التاء ضميرا للرفع متصلا ؛ لا يمكن أن يستقل بنفسه - أتينا بدله بضمير منفصل ، للرفع ، يقوم مقامه ، ويؤدى معناه ؛ وهو : «أنت» فصارت الجملة : أما أنت غنيّا فتصدق. ثم زيدت : «الفاء» فى المعلول (2)؛ فصارت الجملة : أما أنت غنيا فتصدق. ومثلها : أما أنت قويّا فاعمل بجدّ. وأما أنت شابّا فحافظ على شبابك بالحكمة (3)...
ويجب عند محاكاة هذا الأسلوب - اتباع طريقته فى تركيب الجملة ، وترتيبها ، ولا سيما مراعاة الخطاب (4).
2 - وأما حذفها مع اسمها دون خبرها فجائز وكثير بعد «إن» و «لو» الشرطيتين ، فمثاله بعد «إن» : المرء محاسب على عمله ؛ إن خيرا يكن الجزاء خيرا ، وإن شرّا يكن الجزاء شرّا (5)؛ فالأصل : المرء محاسب على عمله ؛ إن كان العمل خيرا يكن الجزاء خيرا ، وإن كان العمل شرّا يكن الجزاء شرا ؛ فقد حذفت «كان» مع اسمها.
1) يجوز حذف حرف الجر قياسا مطردا قبل : «أنّ وأن» عند أمن اللبس ... - وتفصيل الكلام على هذا الحذف فى موضعه المناسب وهو باب تعدى الفعل ولزومه (ج 2 ص 135 م 71).
2) تشبيها له بجواب الشرط فى ترتبه على ما قبله.
3) من هذه الأمثلة وما سبقها من الشرح والتحليل يتضح أن شروط حذف «كان» ستة شروط مجتمعة : ان تقع صلة لأن المصدرية ، وأن تسبق «أن» المصدرية بحرف الجر الذى يفيد التعليل (كاللام) ، وأن يحذف حرف الجر ، وأن تتقدم العلة على المعلول مع اقترانه بالفاء ، وان تجىء «ما» عوضا عن «كان» المحذوفة ، ثم تدغم فى أن ... ثم نجىء بضمير منفصل للمخاطب يحل محل الضمير المتصل ، ويكون بمعناه ، ويغنى عنه.
4) بالرغم من قياسية هذا الأسلوب وإيضاح مرماه بعد ذلك الشرح ، يحسن اجتنابه فى عصرنا الذى لا يستسيغ مثله ؛ لغرابته ، وتعقيده.
5) لا فرق فى الحذف بين «إن» التى تدل على : «التنويع» (أى : تعدد الأنواع بعدها) كما فى المثال. والتى لا تدل على تنويع ؛ مثل قولك للعابس : تبسم ، وإن حزينا ، أى : وإن كنت حزينا ولكن الحذف بعد «التنويعية» أشهر وأوضح. ويحسن الاقتصار عليه لذلك ، مع أن الثانى صحيح أيضا.
ومثال حذفهما «لو» الشرطية : تعود الرياضة ولو ساعة فى اليوم ، واحذر الإرهاق ولو برهة قصيرة. فالأصل : تعود الرياضة ولو كانت الرياضة ساعة فى اليوم ، واحذر الإرهاق ، ولو كان الإرهاق برهة قصيرة ... فحذفت «كان» مع اسمها وبقى الخبر (1).
3 - وأما حذفها مع خبرها دون اسمها فجائز - مع قلته ، بالنسبة للحالة السالفة - بعد : «إن» و «لو» الشرطيتين أيضا ؛ فمثاله بعد «إن» (2): المرء محاسب على عمله ؛ إن خير فخير (3)وإن شرّ فشرّ. الأصل : المرء محاسب على عمله ؛ إن كان فى عمله خير فجزاؤه خير ، وإن كان فى عمله شرّ فجزاؤه شر ... ومثاله بعد «لو» : أطعم المسكين ولو رغيف. أى : ولو كان فى بيتكم رغيف ، أو : ولو يكون عندكم رغيف.
4 - وأما حذفها مع معموليها فواجب بعد «إن الشرطية» أيضا ، ولكن فى أسلوب معين ، مثل : «اذهب إلى الريف صيفا ، إمّا لا». والأصل : «اذهب إلى الريف صيفا إن كنت لا تذهب إلى غيره». حذفت «كان» وهى فعل الشرط ، مع اسمها ، ومع خبرها ، دون حرف النفى الذى قبله ، وأتينا بكلمة : «ما» عوضا عن «كان» وحدها (4)؛ وبسبب العوض كان حذفها واجبا ؛ فلا تجتمع مع كلمة : «ما». وأدغمت فيها النون من «إن» الشرطية ؛ فصار الكلام :
1) «كان» فيهما بلفظ الماضى. ويصح أن تكون فيهما أو فى أحدهما بلفظ المضارع، على تقدير : إن يكن العمل خيرا يكن الجزاء خيرا ، وإن يكن العمل شرا يكن الجزاء شرا ، وهكذا فى كل مثال ، علما بأن الماضى إذا وقع فعل شرط جازم ، أو جوابه فإنه يكون للزمن المستقبل ؛ فظاهره أنه ماض لكن زمنه مستقبل - كما عرفنا فى ص 51 -.
2) وهذه تخالف «إن» التفصيلية التى يجىء الكلام عليها فى ج 3 ص 597 ج م 125.
3) فى مثل هذا التركيب يصح فى الاسمين بعد «إن» أربعة أشياء ؛ رفعهما معا نحو : إن خير فخير ؛ أى : إن كان فى عمله خير فجزاؤه خير ، ويصح نصبهما معا على تقدير : إن كان عمله خيرا فهو يلاقى خيرا ، ويصح نصب الأول ورفع الثانى ، أى كان عمله خيرا فجزاؤه خير ، ويصح رفع الأول ونصب الثانى ، أى : إن كان عمله خيرا فالجزاء يكون خيرا ... وهذا الوجه أضعف الأربعة لكثرة الحذف فيه ... ومن الممكن التخفيف والتيسير والاختصار بمعرفة الأوجه الأربعة مجملة دون احتمال العناء فى الإعراب التفصيلى لكل حالة ، فيكفى أن يقال إن الاسمين يجوز رفعهما معا ، أو نصبهما معا ، أو رفع الأول ونصب الثانى أو العكس ؛ إذ الغرض من الإعراب التفصيلى هو الوصول إلى سلامة النطق ، وصحة الضبط المؤدى إلى صحة المعنى المراد وهذا يتحقق بمعرفة القاعدة الإجمالية التى ذكرناها.
4) أما اسمها وخبرها فقد حذفا بغير تعويض.
«إمّا (1)
وسواء أكانت التقدير هذا أم ذاك أم غيرهما ، وسواء أكانت الهمزة مكسورة أم مفتوحة فالذى يجب الالتفات إليه أن هذه التأويلات والتقديرات - على تعقيدها - لا أهمية لها ؛ وإنما المهم هو معرفة الأسلوب من ناحية صياغته ، وطريقة تركيبه ، ودقة استعماله فى موضعه الذى استعمله العرب فيه ؛ بحيث لا نخطىء فى صياغته ، ولا طريقة استعماله ، ولا فهم المراد منه ، وهذا أمر يسير لا نحتاج معه إلى شىء من ذلك الإرهاق.
لا». وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه ، وتقديره : «فافعل هذا».ومثل ما سبق أن تقول لآخر : «ساعد المحتاج ببعض المال» ؛ فيجيب : «ليس عندى ما يزيد على حاجتى». فتقول : «ساعده بالمعاملة الكريمة إما لا». فأصل الكلام : ساعده بالمعاملة الكريمة إن كنت لا تملك غيرها ... وجرى على الجملة من الحذف والتقدير ما جرى على سابقتها ، مما يفترضونه للتيسير والإيضاح كما بيناه ...
وحذف «كان» هنا واجب كما سلف ؛ لوجود عوض عنها ؛ فهو الموضع الثانى من موضعى الحذف الواجب بسبب العوض ، ولا يصح الجمع بين العوض ، والمعوّض عنه - والموضع الأول بعد «أن» المصدرية السابقة - أما فى غيرهما فالحذف جائز.
ومن الأمثلة الشائعة لحذف كان مع معموليها - بعد «إن» من غير تعويض ؛ قولك لآخر : أتسافر وإن كان البرد شديدا؟ فيجيب : نعم ، وإن ... أى : أسافر وإن كان البرد شديدا. ومثله : أتعطى السائل وإن كان أجنبيّا؟ فتجيب : وإن ... أى : أنا أعطيه ، وإن كان أجنبيّا (2)
ويحذفونها ويبقون الخبر *** وبعد : «إن» و «لو» ، كثيرا ؛ ذا اشتهر
أى : إنهم يحذفون «كان» مع اسمها ويبقون الخبر ، وهذا الحذف قد اشتهر بعد «إن» و «لو» الشرطيتين على الوجه الذى فصلناه. ثم أشار إلى موضع آخر بقوله :
وبعد أن تعويض : «ما» عنها ارتكب *** كمثل : أمّا أنت برّا فاقترب
يريد : قد ارتكب (أى : حصل تعويض : «ما» عن : «كان» المحذوفة الواقعة بعد : «أن» المصدرية. وضرب لها مثلا هو : «أما أنت برا فاقترب» أصله : اقترب لأن كنت برا. أى : صاحب خير ومعروف ، ثم جرى الحذف ، والتعويض ، والتقديم ، والتأخير ، والزيادة كما شرحنا.
. .1) يرى بعض النحاة أن الأصل فى هذه الجملة وأشباهها لا يشتمل على : «كان» ولا معموليها ، وإنما أصل التركيب : افعل هذا إما لا تفعل غيره ... فلفظ «إما» مركب من إن الشرطية المدغمة فى «ما» الزائدة للتأكيد ، و «لا» نافية لفعل الشرط. ثم حذف فعل الشرط وفاعله وحذف الجواب أيضا لدلالة ما قبله عليه ، وصارت الجملة افعل هذا إما لا ... هذا إن كانت الهمزة مكسورة ، أما إن كانت مفتوحة فأصل الكلام : اذهب إلى الريف لأن كنت لا تذهب إلى غير الريف ، ثم جرى التأويل الذى أشرنا إليه فى القسم الأول (رقم «ا» من الحذف الواجب).
2) وقد أشار ابن مالك إلى بعض مواضع الحذف باختصار قائلا :
ومما سبق نعلم : أنّ «كان» تحذف جوازا فى حالتين ، ووجوبا فى حالتين أخريين ، تجىء «ما» عوضا عنها فى كل منهما ، ولا يجوز إرجاع «كان» مع وجود العوض عنها فى حالتى حذفها وجوبا. أما فى الحالتين الجائزتين فحذفها وإرجاعها سواء.
(ا) ورد فى الكلام القديم حذف كان مع اسمها بعد : «لدن» : كأن يسألك سائل : متى كان الاجتماع؟ فتجيب : يوم الخميس من لدن عصرا إلى المغرب. أى ؛ من زمن كان الوقت عصرا إلى المغرب ... وهذا حذف لا يقاس عليه. وإنما عرضناه هنا ليفهم حين يرد فى كلام القدماء.
(ب) قد وردت كان وحدها محذوفة فى كلام قديم مع بقاء اسمها وخبرها ومنه :
أزمان «قومى» والجماعة كالذى *** لزم الرّحالة أن تميل مميلا
أى : أزمان كان قومى مع الجماعة. فكلمة : «قوم» اسم «كان» المحذوفة و «الجماعة» مفعول معه ، و «كالذى» خبرها. والسبب فى تقدير «كان» أن المفعول معه لا يقع - فى الأكثر - إلا بعد جملة مشتملة على لفظ الفعل وحروفه ، أو على معناه دون حروفه (1).
1) قالوا : إن مراد الشاعر هو وصف ما كان من استواء الأمور واستقامتها قبل عثمان رضى اللّه عنه. فشبه حال قومه فى تماسكهم وتلازمهم ، وعدم تنافرهم - بحال راكب لزم الرحالة (وهى : سرج من جلد لا يخالطه خشب) خوف أن يميل مميلا ، أى : ميلا.
إذا دخل جازم على الفعل المضارع من : «كان» فإنه : يجزمه ، وتحذف الواو التى قبل النون (1). نحو : لم أكن من أعوان الشر ، ولم تكن من أنصاره ، وكقول علىّ : لا تكن عبد غيرك ، وقد جعلك اللّه حرّا. وأصل الفعل بعد الجازم : لم أكون - لم تكون - لا تكون فهو مجزوم بالسكون على النون ؛ فالتقى ساكنان ؛ الواو والنون ؛ فحذفت الواو - وجوبا - للتخلص من التقائهما ؛ فصار الفعل ؛ لم أكن - لم تكن - لا تكن ... ومثل هذا يقال فى الفعل : «يكن» من قول القائل :
إذا لم يكن فيكنّ ظلّ ولا جنى *** فأبعد كنّ اللّه من شجرات
ويجوز بعد ذلك حذف النون : تخفيفا ؛ فنقول : لم أك - لم تك ، وكقول الشاعر :
فإن أك مظلوما فعبد ظلمته *** وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب (2)
وهذا الحذف جائز كما قلنا ؛ سواء أوقع بعدها حرف هجائى ساكن (3)؛ نحو : لم أك الذى ينكر المعروف ، ولم تك الصاحب الجاحد - أم وقع بعدها حرف هجائى متحرك ، نحو : لم أك ذا منّ ، ولم تك مصابا به. إلّا إن كان الحرف المتحرك ضميرا متصلا فيمتنع حذف النون ؛ نحو : الشبح المقبل علينا يوحى بأنه صديقى الغائب ؛ فإن يكنه فسوف نسعد بلقائه ، وإن لم يكنه فسوف نأسف. أى : إن يكن إياه ... وإن لم يكن إياه (4).
1) وهى الواو التى أصلها عين الكلمة.
2) البيت من قصيدة للشاعر الجاهلى : «النابغة الذبيانى» يمدح بها النعمان بن المنذر» ويعتذر له عن وشاية بلغته. (العتبى : الرضا. - يعتب : يزيل أسباب العتاب بالرضا ، وقبول العذر)
3) عند من يبيح ذلك ، كابن مالك ، ومن معه. ورأيه أنسب.
4) ملخص شروط حذف النون ستة : كونها فى مضارع ، مجزوم ، وجزمه بالسكون عند اتصاله فى النطق بما بعده (أى : فى حالة الوصل ، لا الوقف ؛ لأنها فى حالة الوقف ترجع وتظهر). وليس بعده ساكن عند من يشترط هذا ؛ - كسيبويه. وغيره لا يشترط هذا - ولا ضمير متصل.
وتسرى الأحكام السالفة على المضارع الذى ماضيه «كان» الناقصة ، كالأمثلة التى سبقت ، والذى ماضيه «كان» التامة ؛ نحو : صفا الجو ، واعتدل ، فلم تكن سحب ، ولم يكن برد ... بإثبات النون أو حذفها. أى : لم توجد سحب ... و (1)
ومن مضارع لكان منجزم *** تحذف نون ، وهو حذف ما التزم
يريد : أن المضارع من : «كان» مطلقا (سواء أكانت تامة. أم ناقصة) عند جزمه تحذف منه النون ؛ حذفا غير ملتزم ، أى : لم تلتزمه العرب ولم تتمسك به باطراد. وإنما فعلته حينا وتركته حينا. ونحن نتابعها فيما فعلت.
...وبهذه المناسبة نشير إلى أمرين :
أولهما : ما تقتضيه القواعد اللغوية من حذف «الألف» من عين الفعل : «كان» ، ومن حذف «الواو» من عين مضارعه وأمره ، بشرط أن تكون الأفعال الثلاثة ساكنة الآخر ؛ كقوله تعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. ) وقوله تعالى : ( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) وقوله تعالى ( بَلِ اللّهَ فَاعْبُدْ ، وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ. ) وقول الشاعر :
إذا كنت ذا رأى فكن ذا عزيمة *** فإنّ فساد الرأى أن تتردّدا
ثانيهما : وجوب ضم الكاف من الماضى عند إسناده لضمير رفع متحرك (2)، كما فى بعض الأمثلة السالفة ، وتطبيقا للبيان الذى سبق من قبل (3). .
إذا دخلت أداة نفى على فعل من أفعال هذا الباب (غير «ليس» ، و «زال» وأخواتها الثلاثة) فإن النفى يقع على الخبر ؛ فتزول نسبته الراجعة إلى الاسم ؛ ففى مثل : ما كان السارق خائفا - وقع النفى على الخوف ، وسلبت نسبته الراجعة إلى السارق ؛ فإذا أردنا إثبات هذا الخبر ، وجعل نسبته موجبة مع وجود أداة النفى (1)- أتينا قبله بكلمة : «إلّا» فنقول : ما كان السارق إلا خائفا ؛ لأنها تنقض معنى النفى ، وتزيل أثره عن الخبر متى اقترنت به. وفى مثل قول الشاعر :
لم يك معروفك برقا خلّبا (2)*** إن خير البرق ما الغيث معه
وقع نفى خلابة البرق على المعروف. فإذا أريد إثباتها قيل : لم يك معروفك إلا برقا خلّبا. كل هذا بشرط ألا يكون الخبر من الكلمات التى ينحصر استعمالها فى الكلام المنفى وحده ، مثل : يعيج (3)؛ فإن كان منها لم يجز اقترانه بكلمة : «إلا» ؛ ففى مثل : ما كان المريض يعيج بالدواء ، لا يقال : ما كان المريض إلا يعيج بالدواء. وفى : ما كان مثلك أحدا (4)، لا يقال : ما كان مثلك إلا أحدا.
فإن كان الفعل الناسخ هو : «ليس» (وهى معدودة من أدوات النفى) (5)فالحكم لا يتغير (من ناحية أن المنفى بها هو الخبر ، وأنه إذا قصد إيجابه وبقاء نسبته إلى الاسم وضعنا قبله : «إلا» ، وأنه إذا كان من الألفاظ التى لا تستعمل إلا فى
1) بسبب بلاغى ؛ كالحصر مثلا.
2) البرق الخلب : الذى لا مطر بعده. وهذا لا خير فيه للبلاد التى ترتوى بالمطر.
3) بمعنى : ينتفع ؛ نحو : ما يعيج فلان بالدواء ، أى : ما ينتفع به. لا التى بمعنى : أقام ، أو وقف أو رجع، أو غيرها مما لا يلازمه النفى. ومثل : «يعيج» كلمة : أحد ، وديّار ، وكلاهما بمعناها ، وكذا : عريب ... فهذه كلها لا تستعمل إلا فى كلام منفى ؛ نحو : ما فى البيت أحد ، أو : ما فيه ديار ، أو : ما فيه عريب.
4) بشرط أن تكون الهمزة أصلية ... وهذا غالب فى غير كلمة «أحد» بمعنى «واحد» التى يصح استعمالها فى الإثبات والنفى. (راجع رقم 2 من هامش ص 189 حيث الإيضاح لكلمة : أحد).
5) الكلام عليها فى ص 506.
كلام منفى لم يجز اقترانه بإلا). ومن الأمثلة : ليس الخطيب عاجزا ؛ فقد انصب النفى على «العجز» وزالت نسبته الراجعة إلى الخطيب. فإذا أردنا إبطال النفى عن الخبر ، ومنع أثره فى معناه - أتينا قبله بكلمة : «إلا» فقلنا : ليس الخطيب إلا عاجزا ، لأنها تنقض النفى ، وتوقف أثره ؛ فيصير المراد معها هو الحكم على الخطيب بالعجز ، وهو حكم يناقض السابق. أما فى مثل : ليس المريض يعيج بالدواء ، فلا يصح اقتران الخبر بإلا ؛ فلا يقال : ليس المريض إلا يعيج بالدواء. فشأن «ليس» كشأن «كان» المسبوقة بالنفى ؛ حيث لا يصح أن يقال فيها : ما كان المريض إلا يعيج بالدواء ؛ كما سبق.
فإن كان الفعل الناسخ هو : «زال» أو إحدى أخواتها الثلاث ، (وكلها لا بد أن يسبقه (1)نفى ، أو شبهه) - فخبرها مثبت غير منفى ؛ لأن كل واحدة منها تفيد النفى وقبلها نفى ، ونفى النفى إثبات ؛ فمثل : ما زال المال قوة ، فيه إثبات لاستمرار القوة للمال ، وحكم موجب بنسبتها إليه ، يمتد من الماضى إلى وقت الكلام ؛ فالنفى : فى كلمة : «زال» وأخواتها مسلوب ومنقوض بالنفى الذى قبلها مباشرة. والمعنى فى جملتها موجب ، وخبرها مثبت ، كما قلنا - فلا يقترن بكلمة «إلا» ؛ فلا يصح ما زال المال إلا قوة ؛ فشأنه شأن خبر : «كان» الخالية من نفى قبلها ؛ فكلا الخبرين موجب (مثبت).
وإذا كان خبر الناسخ منفيّا على الوجه السالف جاز أن يدخل عليه حرف الجر الزائد : «الباء» نحو : ليس الحلم ببلادة (2)، وما كان الحليم ببليد يحتمل المهانة ، أى : ليس الحلم بلادة ، وما كان الحليم بليدا ؛ يحتمل المهانة. فزيدت «باء الجر» فى أول الخبر المنفى فى المثالين - وأشباههما - لغرض معنوى ؛ هو : توكيد النفى وتقويته (3).
1) انظر رقم 4 من هامش ص 509.
2) وتعرب كما يأتى : «الباء» حرف جر زائد. «بلادة» مجرورة بحرف الجر الزائد وعلامة جرها ، الكسرة فى محل نصب ؛ لأنها خبر «ليس» أيضا ؛ فكلمة : «بلادة» مجرورة فى اللفظ بحرف الجر الزائد ، ومنصوبة محلا أو تقديرا ؛ لأنها خبر أيضا. والجار الزائد مع مجروره لا يتعلقان بشىء.
3) ذلك أن باء الجر لا تزاد هنا إلا فى الخبر المنفى ؛ فوجودها دليل على وجود النفى وإعلان عنه ، وإزالة شبهة غيابه. فكأن النفى بها قد تكرر. هذا وقد سبق فى أول الكتاب فائدة الحرف الزائد ص 65.
وليست زيادتها مقصورة على أخبار بعض النواسخ دون بعض ، وإنما هى جائزة فى جميع تلك الأخبار ؛ بشرط أن تكون منفية (1)، فلا يصح زيادتها فى خبر : «زال» وأخواتها الثلاث ؛ لأن الخبر فيها موجب (أى : مثبت) كما عرفنا.
ومع أن زيادتها مباحة بالشرط السالف فإنها متفاوتة فى الكثرة بين تلك الأخبار فتكثر فى خبر : «ليس» ، نحو قوله تعالى : ( أَلَيْسَ اللّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ؟ ) وقول الشاعر :
ولست بهيّاب لمن لا يهابنى *** ولست أرى للمرء مالا يرى ليا
ثم فى خبر : «ما» الحجازية ؛ نحو قوله تعالى : ( وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) وقوله : (وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون) ثم فى خبر «كان».
وإذا تقدم الخبر فتوسط بين الناسخ واسمه جاز إدخال ؛ «باء» الجر الزائدة على الاسم المتأخر ؛ ففى نحو : ليس الشجاع متهورا - يصح أن يقال : ليس متهورا بالشجاع. وفى نحو : ما كان الجود إسرافا - يصح أن يقال : ما كان إسرافا بالجود.
ومن المستحسن ألا نلجأ لهذه الزيادة فى اسم الناسخ إلا حيث يتضح أمرها ، وتشتد الحاجة إليها.
1) زيادتها جائزة فى المنفى من أخبار بعض الأفعال النواسخ ؛ فتدخل أخبار «كان» وأخواتها إلا «لا يكون» الاستثنائية ، وإلا «زال» ، و «فتئ» و «برح» ؛ و «انفك» ؛ لأن أخبار هذه الأربعة موجبة - كما تقدم - ا ، وتزاد فى مضارع : «كان» بشرط أن يكون منفيا بحرف النفى : «لم» ؛ نحو : كلمتنى فلم أكن بمشغول عنك ؛ ولم تكن بمنصرف عنى. فالباء حرف جر زائد ، وما بعدها مجرور بها فى محل نصب - كما سيجىء البيان فى ص550 - وتزاد أيضا فى أخبار «ما» الحجازية وأخواتها - وتزاد فى المفعول الثانى من مفعولى : «ظن وأخواتها» ، نحو : ما ظننت المؤمن بجبان. أما زيادتها فى غير هذه المواضع، فالأحسن البعد عن استخدامه ، والاقتصار فيه على المسموع دون محاكاته ، أو القياس عليه. (انظر ص 550).
(ما - لا - لات - إن)
من الحروف نوع يشبه الفعل : «ليس» فى معناه ، وهو : النفى (1)، وفى عمله ؛ وهو : النسخ (2)فيرفع الاسم وينصب الخبر. وبهذه المشابهة يعد من أخوات : «ليس». مع أنها فعل وهو حرف ، كما يعد من أخوات : «كان» لمشابهته إياها فى العمل فقط. وأشهر هذه الحروف أربعة : ما - لا - لات - إن.
فأما الحرف الأول : «ما» فبعض العرب - كالحجازيين - يعمله ، وبعض آخر - كبنى تميم - يهمله (3). وهو يفيد عند الفريقين نفى المعنى فى الزمن الحالى عند الإطلاق (4). تقول : ما الشجاع خوافا ، أو ما الشجاع خواف ؛ بالإعمال أو الإهمال. ومثل هذا فى قول الشاعر :
وما الحسن فى وجه الفتى شرفا له *** إذا لم يكن فى فعله والخلائق
وقول الآخر :
لعمرك ما الإسراف فىّ طبيعة *** ولكنّ طبع البخل عندى كالموت
لكن الذى يحسن الأخذ به فى عصرنا هو الإعمال ، لأنه اللغة العالية ، لغة القرآن ، وأكثر العرب ، ولا داعى للأخذ باللغة الأخرى ؛ منعا للبلبلة ، وتعدد
1) سبق فى ص 506 أن «ليس» فعل ينفى المعنى فى الزمن الحالى عند الإطلاق ، أى : عند عدم وجود قرينة تبين نوع الزمن أو التجرد منه ؛ فإن وجدت لزم الأخذ بمدلولها. ومثلها الحروف : «ما» و «إن» ؛ و «لات» ، و «لا» العاملة عمل : «ليس» ؛ أما المهملة فيجىء تفصيل الكلام عليها فى هامش ص 554. فالحروف الأربعة تشبه «ليس» فى أمر معنوى مشترك ؛ وهو نفى المعنى فى الزمن الحالى عند الإطلاق.
2) سبق شرح النسخ ومعناه عند بدء الكلام على النواسخ ، ص 494.
3) وسواء أكان عاملا أم مهملا فله الصدارة فى جملته بشرط دلالته على النفى - راجع الصبان فى باب ظن وأخواتها عند الكلام على الأدوات التى يقع بها التعليق ؛ لصدارتها - وسيجىء البيان فى ج 2 ص 24 م 61 -.
4) انظر ص 50 وهامشها رقم 1 حيث البيان الذى يوضح معنى «ما» النافية وأثرها فى الزمن الحالى وغيره ، وكلام صاحب المفصل فى هذا.
الآراء من غير فائدة (1)...
وتشتهر العاملة باسم : «ما الحجازية». ويشترط لإعمالها خمسة شروط مجتمعة(2):
(ا) ألا تقع بعدها كلمة : «إن» الزائدة (3)؛ فيصح الإعمال فى مثل : ما الحق مغلوبا ، ولا يصح فى مثل : ما إن الحق مغلوب (4).
(ب) ألا ينتقض نفيها عن الخبر بسبب وقوع «إلا» بعدها (5)؛ فتعمل فى مثل : ما الجو منحرفا ، ولا تعمل فى مثل : ما الجو إلا منحرف ؛ وقول الشاعر :
إذا كانت النعمى تكدّر بالأذى *** فما هى إلا محنة وعذاب
لأن الخبر مثبت هنا بسبب «إلا» التى أبطلت النفى عنه ، ولا يضر نقضه عن المعمول ؛ نحو : ما أنت متكلما إلا بصواب.
(ح) التزام الترتيب بين اسمها وخبرها الذى ليس شبه جملة ، فلا يصح تقديم الخبر الذى ليس شبه جملة على الاسم ؛ ولهذا تعمل فى مثل : ما المعدن حجرا ، وتهمل فى مثل : ما حجر المعدن ؛ لتقدم خبرها على اسمها. فإن كان الخبر شبه جملة جاز إعمالها وإهمالها عند تقدمه ومخالفته الترتيب ؛ مثل : ما للسرور «دواما ،» وقول الشاعر :
1) وإنما أشرنا إلى الرأى الآخر هنا لينتفع به المتخصص فى فهم ما يصادفه من النصوص القديمة التى تطابقه.
2) هناك بعض شروط أخرى تركناها ؛ إما لاندماجها فى غيرها ؛ وإما لأنها متكلفة غير مقبولة ؛ فلا داعى للإعنات بها. من ذلك اشتراطهم ألا يبدل من خبرها المنفى بدل «موجب» بسبب اصطحابه «إلا» نحو : ما العدو شىء إلا شىء لا يعبأ به. فكلمة «شىء» الأولى خبر المبتدأ ، والثانية بدل منها. مرفوع. وهو موجب لوقوعه بعد «إلا». ووقوع البدل موجبا يقتضى عندهم أن يكون المبدل منه موجبا أيضا. ثم يقولون ، كيف يكون المبدل منه موجبا مع أنه خبر «ما» النافية التى تنفى معنى الخبر؟ فيقع التناقض الذى لا مفر منه إلا باشتراط ذلك الشرط الذى نرى إهماله ، وعدم التعويل عليه ؛ لأمرين : أولهما. أن دليلهم منقوض بدليل جدلى مثله ، لا نريد أن نعرضه ؛ منعا لإطالة المناقشة الجدلية بغير فائدة. وثانيهما - وهو الأهم - أن بعض أئمة النحاة - كسيبويه - لم يشترطه ؛ لأن صورا كثيرة من الكلام الفصيح تخلو منه. وهذه هى حجة قاطعة ، وفيها تيسير.
3) سبقت الإشارة لهذا فى «ب» من ص 508.
4) إن كانت «إن» ليست زائدة وإنما هى لتأكيد النفى لم يبطل العمل ، بشرط وجود فاصل لفظى بين الحرفين ، أو قرينة أخرى تدل على أنها للتأكيد ؛ طبقا للبيان الذى فى رقم 4 من هامش الصفحة الآتية. وقد سبق فى ص 508 أنه لا يصح وقوع «إن» الزائدة ، بعد «ما» النافية العاملة ولا بعد «ليس» كما صرح بهذا الصبان وصاحب الهمع فى أول باب : «ما» الحجازية.
5) أو وقوع «لكن» ، أو : «بل» ، كما سيجىء ، فى ص 539 ، وخرج النقض بكلمة «غير» فإنه لا يبطل عمل : «ما» ؛ نحو : ما الإساءة غير بلاء لصاحبها ، (بنصب كلمة «غير»).
وما للمرء خير فى حياة *** إذا ما عدّ من سقط المتاع (1)
بالإعمال أو الإهمال فى كل ذلك ؛ فعند الإهمال يكون شبه الجملة فى محل نصب ؛ خبر «ما» ، وعند الإهمال يكون فى محل رفع ؛ خبر المبتدأ (2).
(د) ألا يتقدم معمول الخبر على الاسم ، بشرط أن يكون ذلك المعمول المتقدم غير شبه جملة ؛ ففى مثل : ما العاقل مصاحبا الأحمق - لا يصح الإعمال مع تقدم كلمة : «الأحمق» على الاسم ؛ لأنها معمول للخبر ، وليست شبه جملة ، فيجب الإهمال فتقول : ما ، الأحمق - العاقل مصاحب ، فإن كان المعمول المتقدم شبه جملة جاز الإعمال والإهمال ، نحو : ما فى الشرّ أنت راغبا وما عندك فضل ضائعا ، ويجوز ... راغب ، وضائع (3)
كذلك يمتنع تقديم معمول الخبر على الخبر ؛ ومعمول الاسم على الاسم إذا كان المعمول فى الصورتين غير شبه جملة ؛ فلا إعمال فى نحو : ما العاقل - الصواب - تارك ، ولا فى نحو : ما الشطط راكب «آمن» والأصل : ما العاقل تارك الصواب. وما راكب الشطط آمن. فإن كان شبه جملة جاز تقديمه.
.(ه) ألا تتكرر «ما» ، فلا عمل لها فى مثل : «ما» «ما» الحرّ مقيم على الضيم ؛ لأن كلمة : «ما» الأولى للنفى ، وكلمة «ما» الثانية للنفى أيضا ؛ فهى قد نفت معنى الأولى ، ونفى النفى إثبات (4)فتبتعد «ما» الأولى عن النفى ، وينقلب معنى الجملة إلى إثبات ، وهو غير المراد (5)
إعمال ليس أعملت : «ما». دون : «إن *** مع بقا النّفى ، وترتيب زكن
سجل فى هذا البيت ثلاثة شروط لإعمال : «ما» عمل ليس ؛ وهى : ألّا توجد بعدها «إن» الزائدة ، وألا ينتقض النفى بسبب تكرارها نافية ، أو بوقوع حرف نفى آخر بعدها يزيل عن خبرها معنى النفى ، أو بدخول إلا - أو غيرها - على الخبر مما يزيل عنه النفى ، وأن يبقى الترتيب بين اسمها وخبرها ؛ فلا يتقدم الخبر على الاسم. (وكلمة زكن معناها : علم) ، ثم يقول :
وسبق حرف جرّ أو ظرف كما *** بى أنت معنيّا أجاز العلما
أى : أن العلماء أجازوا تقديم الخبر إذا كان حرف جر مع مجروره ؛ مثل : ما بى أنت معنيا ، ومثاله هذا يصلح لتقديم شبه الجملة المعمول للخبر ، لا لتقديم الخبر لكن جواز تقديمه يؤذن بصحة تقديم الخبر شبه الجملة أيضا. أو كان ظرفا ، مثل : ما عند العاجز حيلة ، وذلك بناء على ما استنبطوه من كلام العرب.
. .1) سقط المتاع : هو المتاع المهمل المتروك ، لعدم فائدته.
2) لا يظهر للإعمال أو الإهمال أثر فى هذه الأمثلة وأشباهها ، وإنما يظهر الأثر فيما يجىء بعدها من توابع ؛ - كالعطف مثلا ، على الخبر - فعند الإعمال يكون التابع منصوبا كخبر «ما» المنصوب ، وعند الإهمال بكون التابع مرفوعا كخبر المبتدأ.
3) للسبب العام الموضح فى رقم 2 من هامش 521.
4) فإن تكررت وكانت لتأكيد النفى فى الأولى ، لا لإزالته صح الإعمال - مع ضعفه ، حتى قيل بشذوذه - وذلك بأن تكون «ما» الثانية توكيدا لفظيا للأولى يقوى نفيها ، ولا يزيله مع ملاحظة أن هذا التوكيد اللفظى ضعيف أو شاذ ، كما قلنا ، لعدم وجود فاصل بين حرفى النفى ، كما تقتضى ضوابط التوكيد اللفظى - التى منها : أن توكيد الحروف التى ليست للجواب يقتضى تكرار الحرف الأول ومعه لفظ آخر يفصل بينه وبين الثانى الذى جاء للتوكيد - وستأتى فى ج 3 ص 430 م 116 - هذا ، والذى يدل على أن الثانية تفيد نفيا جديدا يزيل الأول أو أنها تفيد نفيا يؤكد الأول - إنما هو القرائن اللفظية - ومنها الفاصل اللفظى - أو المعنوية. هذا ، ومع التكرار لا يصح أن توجد «ما» فى الجملة الواحدة أكثر من مرتين ؛ إحداهما : الأولى ، والثانية تكرار لها.
5) وقد عرض ابن مالك لبعض ما سبق من الشروط تاركا بعضا آخر حيث يقول :
(ا) إن كان حرف العطف مما يقتضى أن يكون المعطوف موجبا (أى : مثبتا) مثل : «لكن» و «بل» - وجب رفع المعطوف (1)
وأما «بل» فإنها تكون حرف عطف بعد النفى وغيره ولا تعطف إلا المفردات على الصحيح. فإذا كانت بعد نفى ، أو نهى كان شأنها شأن : «لكن» فى أنها تتركه على حاله فيما قبلها ؛ أى : تقر معناه المنفى ولا تغيره ، وتثبت نقيضه لما بعدها ؛ نحو : ما أهنت نبيلا بل حقيرا. فقد انتفى حكم الإهانة عن النبيل وثبت حكم الإهانة للحقير. أما إن كانت بعد كلام موجب ، أو بعد أمر ، فإنها تفيد الإضراب أى العدول عن الحكم السابق ، ونقله إلى ما بعدها ، وترك ما قبلها كالمسكوت عنه ، أى : تركه غير محكوم عليه بشىء ، نحو : غرد العصفور ، بل البلبل. وفى ص 542 ما يزيد الأمر وضوحا.
؛ مثل : ما الفضل مجهولا لكن معروف ؛ وما الإحسان منكورا بل مشكور ؛ فيجب الرفع فى كلمتى : «معروف» و «مشكور» وأشباههما ؛ محاكاة لنظائرهما فى الكلام الفصيح المأثور (2). وتعرب كلا منهما خبرا لمبتدأ محذوف ؛ فكأن أصل الكلام. ما الفضل مجهولا لكن هو معروف. وما الإحسان منكورا بل هو مشكور. ويتعين فى هذه الحالة إعراب كل واحدة من «لكن» و «بل» حرف ابتداء ،1) تفصيل ذلك : أن «لكن» تكون حرف عطف بثلاثة شروط ؛ أن يسبقها نفى ، أو نهى. وألا تكون مقترنة بالواو قبلها ، وأن يكون معطوفها مفردا ، لا جملة. ومثالها : ما أغضبت السباق ، لكن المتأخر. فإذا كان ما قبلها منفيا كالمثال السابق تركته منفيا على حاله ، وأقرت معناه المنفى ، ولم تغيره ، وأثبتت نقيضه لما بعدها ؛ ففى العبارة السابقة انتفى الحكم بالغضب على السباق ، ووقع الحكم بالغضب على المتأخر. وفى مثل : ما غابت فاطمة لكن زينب - انتفى الحكم بغياب فاطمة ، وثبت الحكم بغياب زينب. وهكذا نرى الحكم المنفى قبل : «لكن» يبقى منفيا على حاله ، ويثبت نقيضه لما بعدها ... و... و... فإن فقد شرط لم تصلح عاطفة ، ووجب أن تكون حرف ابتداء محض ، واستدراك وأن تدخل على جملة جديدة لا على مفرد.
2) هذا هو التعليل الصحيح لوجوب الرفع. أما ما زاد عليه من أنه خبر مبتدأ محذوف ، وأنه لا يصح العطف و... و... مما قيل بعد ذلك فهو تحليل وتعليل منطقى ؛ ابتكره النحاة : لإيضاح الحكم السابق ، وضبط حدوده ؛ منعا للخطأ. وقد أحسنوا فيه ، وإن لم يعرف العرب الأوائل شيئا عنه.
ولا يصح إعرابها حرف عطف ، لما يترتب على ذلك من أن يكون المعطوف جملة على حسب التقدير السابق ، ولا يصح أن يكون المعطوف بهما جملة.
ولو جعلنا المعطوف بهما مفردا ولم نلاحظ التقدير السابق لوجب أن يكون منصوبا ومنفيّا ، تبعا للخبر المعطوف عليه ؛ لأن المعطوف المفرد يشابه المعطوف عليه فى حركات الإعراب ، وفى النفى ، والإثبات ، والعامل فيهما واحد ، وهنا يقع التعارض بين المعطوف عليه والمعطوف ؛ فالأول منفى «بما» ومعمول لها. والثانى معمول لها أيضا وموجب ؛ لوقوعه بعد : «لكن» أو : «بل». المسبوقين بنفى. و «ما» لا تعمل فى الموجب ، ومن هنا يجىء التعارض أيضا ؛ وهو يقضى بمنع العطف ولو كان عطف مفرد على مفرد (1)
وهذا كلام مردود ، لأنه نظرى فقط ، فوق أنهم يغتفرون فى الثوانى ما لا يغتفرون في الأوائل. وسجل النحاة هذا في مواضع متعددة ، كالذي في الصبان ، ح ۲ باب «الاستثناء عند الكلام على تعذر البدل من اللفظ في الاستثناء التام غير الموجب. وكالذي في همع الهوامع ج ۱ ص ٢١٥ ، وقد أشرنا لهذا في ج ٢ ص ٢٤٧ م ٨١.
والواجب أن يرجعوا للكلام العربي ، ويعرضوا لحالته ، ثم يستنبطوا منه الحكم الواقع. ولا نعرف أنهم فعلوا. ولهذا نجيز الجر والنصب ، وإن كان الرفع هو الأقوى.
، ويقضى بالرفع. والأحسن أن يكون رفعه خبرا لمبتدأ محذوف.ومما تقدم نعلم أن الكلام فى حالة : «ا» لا يشتمل على عطف مطلقا ؛ فلا عاطف ، ولا معطوف عليه ، ولا حرف عطف (2).
(ب) أما إن كان حرف العطف لا يقتضى أن يكون المعطوف موجبا وإنما يقتضى أن يشابه المعطوف عليه فى حركات إعرابه ، ونفيه ، وإثباته : كالواو والفاء ... فإنه يجوز فى هذه الحالة نصب المعطوف ورفعه ، مثل : ما أنت قاسيا وعنيفا على الضعيف ، أو : «عنيف» بنصب كلمة : «عنيفا» ؛ لأنها معطوفة على خبر «ما» المنصوب. وبرفعها لأنها معطوفة على خبر «ما» باعتبار
1) إذا كان خبر «ما» مجرورا بالباء الزائدة مثل : ما النجم بمظلم ، لكن مضىء - أو بل مضىء - وجب الرفع أيضا دون النصب والجر. ويقول النحاة : لا يصح الجر عطفا على لفظ الخبر المجرور بالباء الزائدة. ولا النصب ، عطفا على محله. وحجتهم أن الباء «عملت» الجر فى المعطوف عليه ، فهى العاملة أيضا فى المعطوف تبعا لذلك ؛ لأنه يشابه المعطوف عليه فى حركات الإعراب. فالعامل فيهما واحد ، والمعطوف هنا موجب كما سبق. وهى لا تدخل على الموجب وإنما تزاد بعد النفى.
2) وقد كان التعبير فى أول الأمر بحرف العطف والمعطوف عليه تعبيرا مجازيا ؛ روعى فيه الأصل والصورة الظاهرية التى تشبه صورة العطف ، وإن كان الواقع والحقيقة أنه لا أثر للعطف هنا.
أصله الأول قبل مجىء «ما» ؛ فقد كان خبرا مرفوعا للمبتدأ (1)
ورفع معطوف بلكن ، أو : ببل *** من بعد منصوب ب «ما» الزم - حيث حل
ومعنى البيت واضح بعد تقديره على الوجه التالى : والزم رفع معطوف بلكن أو ببل من بعد منصوب «بما» حيث وجد ذلك المنصوب. والمراد بمنصوب «ما» خبرها. و («من بعد منصوب» ؛ جار ومجرور متعلقان بكلمة. «رفع»).
. ويحسن الاقتصار على الأول ؛ ليكون الأسلوب متّسقا مؤتلفا ... (2)وتلخيص ما تقدم فى : «ا وب» هو : أن رفع المعطوف جائز مع كل عاطف وأما نصبه فمقصور على بعض حروف العطف دون بعض آخر يقتضى إيجاب المعطوف مثل : لكن وبل ... (3)4
1) وإلى ما سبق يشير ابن مالك بقوله :
2) ما سبق هو حكم العطف على خبر «ما» فى نوع من الأساليب. وهناك أساليب أخرى تشمل على : «ما» ، أو «ليس» ، لها أحكام خاصة بالمعطوف بعد الخبر ، ستجىء فى : «ب» من ص 554
3) ما سبق هو حكم العطف على خبر «ما» فى نوع من الأساليب. وهناك أساليب أخرى تشمل على : «ما» ، أو «ليس» ، لها أحكام خاصة بالمعطوف بعد الخبر ، ستجىء فى : «ب» من ص 554
(ا) إنما عرض النحاة للعطف على خبر «ما» دون العطف على أخبار غيرها من النواسخ الأخرى التى لا يشترط فيها عدم نقض النفى ، لأن «ما» يشترط فى عملها ألا ينتقض نفى خبرها. فإن انتقض لم تعمل كما سبق. والحرفان («لكن» ، و «بل») من حروف العطف ، ينقض كل منهما النفى عن المعطوف بعده. ويجعله موجبا ، مع أن المعطوف عليه منفى. ولما كان المعطوف على خبر «ما» بمنزلة خبرها - وجب أن يكون ذلك المعطوف منفيّا كالخبر المعطوف عليه ؛ لكى تعمل فيه «ما» النصب. غير أن المعطوف هنا موجب لوقوعه بعد «لكن» ، أو «بل» فالنفى منقوض عنه ، وصار موجبا. ولهذا لم يصح نصبه ، لأنه بمنزلة الخبر - كما قلنا - و «ما» لا تعمل فى الموجب.
وقياسا على ما سبق (1)يجرى هذا الحكم على كل ناسخ آخر ، (مثل : إن - لا ، وسيجىء الكلام عليهما) مما يشترط فى إعماله ألا ينتقض النفى عن خبره فعند العطف على خبره ينطبق عليه الحكم السالف.
(ب) أنسب الآراء ، أنه لا يجوز حذف «ما» الحجازية وحدها ، أو مع أحد معموليها ، أو معهما. كما لا يجوز حذف معموليها ولا أحدهما.
(ح) إذا دخلت همزة الاستفهام على «ما» الحجازية لم تغير شيئا من أحكامها السابقة.
1) لم أر فى الكتب المتداولة نصا على هذا القياس ، ولكنه الذى يساير الأصل العام الذى عرضوه.
وأما الحرف الثانى - : «لا» فهو للنفى (1). وفريق من العرب - كالحجازيين - يعمله عمل : «ليس» ويجعل النفى به منصبّا مثلها على الزمن الحالى عند عدم قرينة تدل على زمن غيره. وفريق آخر - كالتميميين - يهمله. تقول : لا معروف ضائعا ، أو : لا معروف «ضائع» ، بالإعمال أو الإهمال. والمهم عند إعمالها هو فهم معناها ، وإدراك أثرها المعنوى فى الجملة ، ليحسن استخدامها على الوجه الصحيح (2)وفيما يلى الإيضاح.
(ا) لا رجل غائبا - تشتمل هذه الجملة على كلمة : «لا» النافية وبعدها اسم مفرد مرفوع ، وبعده اسم منصوب. فما الذى تفيده هذه الجملة؟
تفيد هذه الجملة التى يكون فيها اسم : «لا» مفردا - أى : غير مثنى وغير مجموع - احتمال أمرين : نفى الخبر (وهو : الغياب) عن رجل واحد ، ونفى الغياب عن جنس الرجل كله ؛ فردا فردا ؛ فلا غياب لواحد أو أكثر.
ولو قلنا : لا رجلان غائبين ، ولا رجال غائبين - لكان الأمر محتملا نفى الغياب عن اثنين فقط ، أو عن جماعة فقط ، ومحتملا أيضا نفى الغياب عن جنس الرجل كله ؛ فردا فردا ؛ بحيث لا يخلو واحد من الحكم عليه بعدم الغياب.
(ب) لا طائر موجودا - تفيد هذه الجملة التى يكون فيها اسم «لا» مفردا أى : غير مثنى وغير مجموع - ما أفادته التى قبلها من احتمال أمرين ؛ نفى وجود طائر واحد ، ونفى وجود جنس الطائر كله ؛ فردا فردا ؛ فلا وجود لطائر واحد ، ولا أكثر. ولو قلنا : لا طائران موجودين ، ولا طيور موجودة - لكان النفى
1) إذا كانت مثل : «ليس» فى معناها وعملها أفادت النفى فى الزمن الحالى إلا إن دلت قرينة على أن النفى لزمن آخر - كما تقدم فى رقم 1 من هامش ص 537 -. أما المهملة فإن دخلت على فعل ماض فإنها تنفى معناه فى زمنه الخاص به وإن دخلت على مضارع فإنها - فى الرأى الراجح - تخلص زمنه للمستقبل ، وتنفى معناه فى هذا الزمن المستقبل.
2) «لا» المهملة من ناحية أثرها المعنوى فى الجملة تشبه «لا» العاملة عمل «ليس» ؛ فهما متشابهان فى المعنى مختلفان فى العمل ؛ فإحداهما تعمل ، والأخرى لا تعمل ، وسواء أكانت «لا» عاملة أم مهملة فهى من أدوات النفى التى لها الصدارة فى جملتها - فى الرأى الصحيح - بشرط ألا تكون زائدة. - راجع الصبان ، ج 2 باب : ظن وأخواتها ، عند الكلام على الأدوات التى يقع بسببها التعليق لصدارتها ، وسيجىء هذا فى ج 2 ص 24 م 61.
إمّا واقعا على طائرين فقط ، وإما واقعا على جماعة فقط ، وإما على الجنس كله واحدا واحدا ؛ بحيث لا يخلو طائر من الحكم عليه بعدم الوجود.
مما سبق نعلم أن : «لا» النافية التى تعمل عمل : «كان» لا تدل على نفى الجنس كله فرد فردا دلالة قاطعة لا تحتمل معها أمرا آخر ؛ وإنما تدل - دائما - على احتمال أمرين (1)، فإن كان اسمها مفردا دلت على نفى الخبر عن فرد واحد ، أو على نفيه عن كل فرد من الأفراد. وإن كان اسمها مثنى أو جمعا دلت أيضا على احتمال أمرين ؛ إمّا نفى الخبر عن المثنى فقط ، أو عن الجمع فقط ، وإمّا نفيه عن كل فرد من أفراد الجنس. فدلالتها على نفى الخبر تحتمل هذا ، وتحتمل ذاك فى كل حالة. وليست نصّا (2)فى أمر واحد.
ومن أجل أنها تحتمل نفى الخبر عن الفرد الواحد إذا كان اسمها مفردا سميت : «لا» التى لنفى الواحد ، أو : «لا» التى لنفى الوحدة ، أى : الواحد أيضا.
والذين يعملونها يشترطون لذلك شروطا خمسة (3).
أولها : أن يكون اسمها وخبرها نكرتين ؛ مثل : لا مال باقيا مع التبذير.
فإن كان أحدهما معرفة أو كلاهما - لم تعمل (4)
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى *** فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
ويجوز أن يكون خبرها جملة فعلية أو شبه جملة ؛ لأنهما يكونان فى حكم النكرة - كما سبق فى رقم 1 من هامش ص 46 وفى 1 من هامش ص 192 وفى 3 من هامش ص 188 ...
.ثانيهما : عدم الفصل بينها وبين اسمها وهذا يستلزم الترتيب بين معمونيها ، .
1) ما لم توجد قرينة تمنع الاحتمال ، وتعين أحدهما.
2) إذا أردنا النص على أن النفى يقع على كل فرد من أفراد اسم «لا» أى : يقع على أفراد الجنس واحدا واحدا ، من غير احتمال آخر - أتينا بالحرف الذى يدل على ذلك ، وهو : «لا» النافية للجنس ؛ بشرط أن يكون اسمها مفردا. وهى من أخوات «إنّ» تنصب مثلها الاسم وترفع الخبر. (وسيجىء الكلام عليها فى بابها الخاص ، آخر هذا الجزء ص 622) ، فإن لم يكن اسمها مفردا بأن كان مثنى أو جمعا كانت فيهما هى و «لا» العاملة عمل ليس - سواء ؛ فيقع الاحتمال بين أن يكون الخبر منفيا عن الاثنين فقط ، أو عن الجماعة فقط ، وأن يكون منفيا عن كل فرد من أفراد الجنس. فالفرق بين نوعى «لا» العاملة إنما يتحقق حين يكون اسمهما مفردا.
3) مع ملاحظة ما لا يصح أن يدخل عليه الناسخ ، وقد سبق فى رقم 3 من هامش ص 495.
4) فلا يصح : لا السلاح مأمونا فى يد الطائش. لا سلاح المأمون فى يد الطائش ، لا السلاح المأمون إذا كان فى يد الطائش ... فمثل هذه تراكيب غير صحيحة ؛ بسبب إعمال «لا» مع فقدها شرطا من شروط الإعمال. إلا عند الكوفيين ؛ فإنهم لا يشترطونه ، وبمذهبهم قال المتنبى :
فيجب تأخير الخبر ، وكذلك تأخير معموله عن الاسم ، كى لا يفصل بينها وبين اسمها فاصل ؛ نحو : لا حصن واقيا الظالم (1).
ثالثها : ألا ينتقض النفى بإلا ؛ تقول ؛ لا سعى إلا مثمر ، ولا يصح نصب الخبر(2).
رابعها : عدم تكرارها ؛ فلا تعمل فى مثل : لا ، لا مسرع سبّاق. إذا كانت «لا» الثانية لإفادة نفى جديد (3).
خامسها : ألا تكون نصّا فى نفى الجنس (4)- كما شرحنا - وإلا عملت عمل : «إنّ» :
تلك هى الشروط الحتمية لعمل «لا» وهى نفسها شروط لعمل «ما» مع زيادة شرطين فى عمل «لا» وهما : أن يكون اسمها وخبرها نكرتين ، وألا تكون نصّا فى نفى الجنس (5).
وحذف خبرها كثير فى جيد الكلام ؛ ومنه أن تقول للمريض ؛ لا بأس ؛ أى : لا بأس عليك. وفلان وديع لا شكّ. أى : لا شكّ فى ذلك ، أو فى وداعته ...
«ملاحظة» : لا يتغير شىء من الأحكام السالفة إذا دخلت همزة الاستفهام على «لا» سواء أكان الاستفهام باقيا على حقيقته ، أم خرج إلى معنى آخر
1) فلا يصح : «لا واقيا حصن الظالم» لتقديم الخبر. ولا يصح : لا - الظالم - حصن واقيا ؛ لتقديم معموله وحده. ولا يصح : لا - واقيا الظالم - حصن بتقديمهما معا. إلا أن كان معمول الخبر شبه جملة فيجوز تقديمه وحده ؛ نحو : لا - فى العمل حازم مهملا. - ولا ساعة الجد عاقل متوانيا.
2) ومن أثر هذا أنه إذا عطف على خبرها بالحرف ، «لكن» أو : «بل» لم يجز العطف بالنصب ووجب رفع المعطوف لما سبق بيانه فى ص 540 وفى الزيادة ص 543.
3) فإن تكررت وكانت الثانية مفيدة لنفى جديد يزيل النفى السابق ، وليست توكيدا للأولى - فإنها لا تعمل ؛ لأن نفى النفى إثبات ؛ فتبتعد عن معناها الأساسى فى مثل : لا لا مكافح مسرور. وإن كانت الثانية توكيدا للأولى - مع قلته ، بسبب عدم الفاصل بينهما جاز إعمالها : نحو : لا لا حاسد مستريحا. وقد عرفنا أن الذى يدل على أن الثانية للتوكيد أو لإفادة نفى جديد - هو : القرائن اللفظية أو المعنوية. ولا تتكر إلا مرة واحدة بحيث لا تشتمل الجملة منها على أكثر من اثنين. (انظر رقم 4 من هامش ص 539 ففيه ما يتصل بهذا).
4) راجع «لا» النافية للجنس آخر هذا الجزء 622.
5) لم يذكر من شروط «لا» عدم وقوع : «إن» الزائدة بعدها كاشتراطه فى «ما» لما هو معروف من عدم وقوع : «إن» الزائدة بعد «لا» والصحيح أنّ «لا» بنوعيا العاملة والمهملة ، هى من حروف النفى التى لها الصدارة - (راجع الصبان فى باب ظن وأخواتها عند الكلام على أدوات التعليق التى لها الصدارة). وسيجىء البيان فى ج 2 ص 24 م 61.
كالتوبيخ .. أو الإنكار ... ، مثل : ألا إحسان للفقير من هذا الرجل الغنى (1)
وأعط «لا» مع همزة استفهام *** ما تستحقّ دون الاستفهام
حيث صرح بأن دخول همزة الاستفهام على «لا» بنوعيها لا يغير من أحكامهما ، على الوجه الآتى : فى ص 642.
...أما الحرف الثالث : «إن» فهو لنفى الزمن الحالى عند الإطلاق ، وإعماله وإهماله سيّان (2). ولكن الذين يعملونه يشترطون الشروط الخاصة بإعمال «ما» (3)النافية إلا الشرط الخاص بعدم وقوع «إن» الزائدة بعدها ؛ إذ لا تقع «إن» الزائدة بعد «إن» النافية أيضا ؛ نحو : إن الذهب رخيصا (بمعنى : ما الذهب رخيصا) أو : إن الذهب رخيص. ففى المثال الأول تعرب «إن» حرف نفى ناسخ بمعنى : ما ، وبعدها اسمها وخبرها. وفى المثال الثانى : «إن» حرف نفى مهمل ، وبعدها مبتدأ مرفوع ، ثم خبره المرفوع (4). ومن أمثلة إعمالها ، قول الشاعر :
إن المرء ميتا بانقضاء حياته *** ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا
وهى فى حالتى إعمالها وإهمالها لنفى الزمن الحالى ، ما لم تقم قرينة على غيره. - كما تقدم -
وأما الحرف الرابع : «لات (5)» فهو لنفى الزمن الحالى عند الإطلاق .
1) راجع الخضرى ج 1 باب : «لا النافية» للجنس عند بيت ابن مالك
2) إذا كانت عاملة وجب دخولها على جملة اسمية - كالشأن فى النواسخ كلها - أما إذا كانت مهملة فيجوز دخولها على الاسمية والفعلية ؛ فمن أمثلة المهملة الداخلة على الاسمية قوله تعالى : ( إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ) ومن أمثلة الداخلة على الفعلية قوله تعالى : ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، ) وقوله : ( إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ) .
3) ويراعى فى العطف على خبر «إن» ما سبق فى العطف على خبر «ما» (ص 539 والزيادة التى فى ص 542).
4) ويجوز هنا ما يجوز فى «ما» من صحة نقض النفى عن معمول الخبر ، دون الخبر ، نحو : ما أنت قارئا كتبا إلا النافعة.
5) يقول النحاة : إن أصلها «لا» ثم زيد عليها التاء لتأنيث اللفظ ؛ كالتاء فى «ربت» و «ثمت». غير أن التاء فى «لات» متحركة بالفتح دائما. وزيادتها تفيد مع تأنيث اللفظ توكيد النفى وتقويته. هذا كلام النحاة ملخصا من آراء متعددة لا يستريح العقل لواحد منها ، ولا إلى أن التاء زيدت على كلمة : «لا» ؛ لأن العرب الأوائل نطقوا بكلتا الكلمتين (لا ، ولات) مستقلة ، ولم يذكروا أن إحداهما أصل للأخرى ، ولم يكن لهم علم بشىء مما اصطلح عليه النحاة بعدهم ، وبنوا عليه أحكامهم ، فمن الخير ترك الآراء المتشعبة ، والاقتصار على اعتبار : «لات» كلمة واحدة معناها النفى ، وعملها هو عمل «كان» وليس فى هذا ما يسىء إلى اللغة فى تركيب كلماتها ، ولا ضبط حروفها ، ولا أداء معانيها على الوجه الصحيح المأثور الذى يجب الحرص عليه وحده أشد الحرص ، ولا سيما إذا كان فى اتباعه تيسير ومسايرة للعقل والواقع. وقد آن الوقت للتحرر من تلك الآراء الجدلية التى لا حاجة إليها اليوم.
ويشترط لعملها (1):
(ا) الشروط الخاصة بعمل «ما» (2)إلا الشرط الخاص بعدم وقوع : «إن» الزائدة بعدها ؛ إذ لا تقع «إن» الزائدة بعد : «لات».
(ب) ثلاثة شروط أخرى ؛ هى : أن يكون اسمها وخبرها كلمتين دالتين على الزمان (3)، وأن يحذف أحدهما دائما ، والغالب أنه الاسم. وأن يكون المذكور منهما نكرة ؛ مثل : سهوت عن ميعادك ، ولات حين سهو. أى : ولات الحين (4)
وخير من هذا كله أن يكون الشرط هو : تنكير ما يذكر صريحا من معموليها ؛ وهذه عبارة بعض النحاة الأقدمين ؛ وتريحنا من الجدل الذى لا داعى له ، ومن تحقق الشرط في التركيب اللفظى ، دون التقديرى ، وأمثال هذا...
حين سهو. وإعرابها : «لا» نافية ؛ تعمل عمل : «ليس». التاء للتأنيث اللفظى (5)واسمها محذوف تقديره : الحين ، أو : الوقت ، أو : الزمن ... «حين» خبرها ، منصوب بالفتحة الظاهرة ، مضاف. «السهو» مضاف إليه مجرور. ومثل : تسرعت فى الإجابة ، ولات حين تسرّع. أى : وليس الحين حين تسرّع ، أو ليس الوقت وقت تسرع. والإعراب كالسابق.1) مع ملاحظة ما لا يصح أن يدخل عليه الناسخ. - وقد سبق بيانه فى رقم 3 من هامش ص 392 -
2) وقد سبقت فى ص 537 - ويراعى فى العطف على خبرها ما سبق فى العطف على خبر «ما» (ص 539 وفى الزيادة ص 532).
3) مثل كلمة : «حين» - وهى أكثر الكلمات التى استعملها العرب معمولة للحرف : «لات» ومثل : «ساعة» و «أوان» و «ووقت» وغيرها مما يدل على الزمن.
4) كلمة : «الحين» هنا معرفة (مع أن : «لات» لا تعمل إلا فى النكرات) لأن المنفى فى المثال هو «حين» معين ، معروف ؛ وهو الذى سها فيه المخاطب. فالتقدير : لات حين سهوك حين سهو : أى : ليس زمن سهوك زمن سهو : بمعنى : أن زمن سهوك لا يصح ولا يصلح أن يكون زمن سهو. فاشتراط التنكير فى معموليها معا - كما ينص عليه أكثر النحاة - إنما يتحقق فى التركيب اللفظى الذى يشتمل على المعمولين مذكورين فيه صراحة ؛ أما فى التقدير فلا يشترط ذلك (كما فى تقدير المثال السابق).
5) أو : لات - كلها - حرف نفى مبنى على الفتح لا محل له ، وهذا أحسن ... ، اعتمادا على ما تقدم فى رقم 5 من هامش الصفحة السابقة.
(ا) وردت «لات» فى بعض الكلام العربى القديم مهملة لا عمل لها ؛ فهى متجردة للنفى المحض. ومنه قول الشاعر :
ترك الناس لنا أكنافهم *** وتولّوا ، لات لم يغن الفرار
فهى هنا حرف نفى ، مؤكد بحرف نفى آخر من معناه ، هو : «لم» وهذا الاستعمال مقصور على السماع لا يجوز اليوم محاكاته. وإنما عرضناه لنفهم نظائره فى الكلام القديم حين تمر بنا ، ومنه قول القائل :
لهفى عليك للهفة من خائف *** يبغى جوارك حين لات مجير
فهى حرف نفى مهمل. «ومجير» فاعل لفعل محذوف أو مبتدأ خبره محذوف
(ب) حكم العطف على خبر : «لات» نفسه كحكم العطف على خبر «ما». وقد تقدم (فى ص 540 و 543) فيتعين الرفع إن كان حرف العطف يقتضى إيجاب ما بعده ، (مثل : لكن وبل) ، تقول : سئمت ولات حين سآمة ، بل حين صبر ، أو لكن حين صبر. فإن كان حرف العطف لا يقتضى إيجاب ما بعده (كالواو) جاز النصب والرفع ، تقول : رغبت فى الراحة أياما ، ولات حين راحة ، وحين استجمام ، بنصب كلمة «حين» المعطوفة أو رفعها.
(ح) من أسماء الإشارة : «هنّا» وهى فى أصلها ظرف مكان كما عرفنا فى باب أسماء الإشارة (1). وقد وقعت فى الكلام العربى القديم بعد كلمة : «لات» كقول القائل : (حنّت نوار ولات هنّا حنّت) (2)... وخير ما يقال فى إعرابها : إن «لات» حرف نفى مهمل (أى : لا عمل له) و «هنا» اسم إشارة للمكان ، منصوب على الظرفية ، خبر مقدم «حنت» حن : فعل ماض ، قبله «أن» مقدرة. والتاء للتأنيث ، والفاعل مستتر تقديره : هى. والمصدر المؤول من الفعل والفاعل و «أن» المقدرة قبل «حنت» فى محل رفع مبتدأ مؤخر. وخبره اسم الإشارة الظرف المتقدم. (هنّا). وهذا أسلوب يحسن الوقوف فيه عند السماع ، والبعد عن محاكاته.
تقدم أن «باء» الجر تزاد فى مواضع (1)، منها : أخبار الأفعال الناسخة إذا كانت تلك الأخبار منفية ؛ (فلا تزاد فى أخبار «ما زال» وأخواتها الثلاثة ؛ لأن أخبارها موجبة) وأن الغرض من تلك الزيادة هو تأكيد النفى وتقويته ، كما عرفنا.
ومن تلك المواضع : خبر «ليس» (2)؛ ويكثر فيه زيادة الباء ؛ نحو : ليس الحازم بمتواكل. فالباء زائدة ، «ومتواكل» مجرورة بها فى محل نصب خبر «ليس». ومنها. «ما» العاملة والمهملة ، فيكثر فى خبرها المنفى زيادة الباء ؛ نحو : ما العربى ببخيل ، وما العربى بهياب الشدائد. وأصل الكلام ما العربى بخيلا. ما العربى هيابا ، فالباء حرف جر زائد ، وما بعدها مجرور فى محل نصب خبر : «ما» إن كانت عاملة ، أو فى محل رفع خبر المبتدأ ، إن كانت : «ما» مهملة (3)
هذا ، والذى يدل على أن زيادة «الباء» هي في خبر العاملة أو المهملة ما يكون للخبر من توابع فإن ضبط التابع بغير الجر يدل على نوع الخبر ، وأنه خبر للعاملة أو للمهملة.
. ومن الأمثلة ، قوله تعالى : ( وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ، ) وقول الشاعر :أقصر - فؤادى - فما الذكرى بنافعة *** ولا بشافعة فى ردّ ما كانا
1) فى ص 535 إيضاح مناسب لبعض مواضع زيادة الباء ، وسبب الزيادة ، وأنها قد تزاد فى الاسم إذا توسط الخبر بينه وبين الناسخ.
2) بشرط ألا تكون أداة استثناء وألا ينتقض النفى «بإلا» ؛ فإن كانت أداة استثناء فهى بمعنى «إلا» فلا يزاد فى خبرها الباء. ومثلها «لا يكون» أداة الاستثناء. - كما سبق فى ص 507 -
3) بشرط ألا يكون إهمالها بسبب نقض النفى فى خبرها ، فإن كان بسببه لم تدخل عليه الباء الزائدة ؛ لأن الكلام يصير مع نقض النفى موجبا ؛ فلا يصح زيادة الباء فى مثل : ما أنت إلا ناصح. وهناك شرط آخر لزيادة : «الباء» فى خبر «ما» ؛ هو : أن يكون الخبر من الألفاظ التى تقبل الإيجاب والتى لا يقتصر استعمالها على المعانى المنفية ؛ فلا تزاد «البا» فى كلمة أحد ، وعريب وديّار ، فى نحو : ما مثلك أحد ... فلا بد لزيادة الباء فى خبر «ما» من تحقق الشرطين السابقين. (انظر ص 534 و 535 وهامشهما).
وقد تزاد أحيانا بعد خبر : «لا» (1)، نحو : لا جاه بخالد. ولا سلطان بباق. وأصل الكلام : لا جاه خالدا ، ولا سلطان باقيا. (والإعراب كالسابق) ...
وقد تقدم (2)أنها تزاد فى خبر المضارع من «كان» (3)، بشرط أن يكون منفيّا بحرف النفى : «لم» ؛ نحو : كلمتنى فلم أكن بمشغول عنك ، ولم أكن بمنصرف عن حديثك. أى : لم أكن مشغولا عنك ، ولم أكن منصرفا عن حديثك. فالباء حرف جر زائد ، وما بعدها مجرور بها فى محل نصب : خبر «أكن» ، وأنها قد تزاد أيضا فى المفعول الثانى من مفعولى : «ظن وأخواتها» ، نحو : ما ظننت المؤمن بجبان.
أما زيادتها فى بقية الأفعال والحروف الناسخة ، أو فى خبر المبتدأ ، أو فى غير ما سبق - فمقصور على السماع (4)
وبعد : «ما» و : «ليس» جرّ البا الخبر *** وبعد : «لا» ونفى : «كان» قد يجر
أى : جرت «الباء» الخبر بعد : «ما» وبعد : «ليس». ثم قال : وقد يجر الخبر بعد «لا» التى هى من أخوات «ليس» وبعد : «كان» المنفية ؛ لأن نفيها ينصب على خبرها (بشرط أنها غير الاستثنائية) - كما شرحنا - ثم قال :
فى النكرات أعملت كليس ، «لا» *** وقد تلى : «لات» و «إن» ذا العملا
أى : أعملت : - «لا» فى النكرات عمل «ليس» ؛ فترفع الاسم وتنصب الخبر ؛ بشرط أن يكونا نكرتين معا. ثم قال : وقد تتولى : «لات» و «إن» هذا العمل ؛ فترفع كل منهما الاسم ، وتنصب الخبر ولم يذكر شروطا. ثم عاد فقال :
وما للات فى سوى حين عمل *** وحذف ذى الرّفع فشا. والعكس قل
يريد : أن : «لات» لا تعمل فى سوى «الحين» ، أى : الزمن ، فلا بد أن يكون اسمها وخبرها لفظين دالين على الزمن ، ولا بد من حذف أحدهما. كما عرفنا ، ولكن حذف الاسم صاحب الرفع هو الفاشى ؛ أى : الشائع ، والعكس قليل ؛ وهو حذف الخبر ، وبقاء الاسم.
. .1) سواء أكانت عاملة عمل «ليس» أم عاملة عمل» إن.
2) فى رقم 1 من هامش ص 536.
3) ما عدا (لا يكون) الاستثنائية ؛ لأن الباء لا تزاد فى خبرها ، ولأنها لا بد أن تكون للغائب ، وقبلها : «لا» النافية.
4) يقول ابن مالك فى كل ما سبق من زيادة الباء ومن الكلام على : (لا - ولات) ما يأتى باختصار : (وقدم الكلام على زيادة الباء قبل أن يتكلم على لا - ولات ، وكان الواجب التأخير عنهما).
يتردد فى مواطن مختلفة من كتب النحو ما يسمى ؛ «العطف على التوهم» ؛ وهو نوع يجب الفرار من محاكاته (1)- قدر الاستطاعة - ولتوضيحه نسوق المثالين التاليين :
(ا) «ليس المؤمن متأخرا عن إغاثة الملهوف». فكلمة : «متأخرا» خبر «ليس» ، وهو منصوب. ويجوز - كما عرفنا (2)- أن تزاد باء الجر فى أول الخبر ؛ فنقول : «ليس المؤمن بمتأخر عن إغاثة الملهوف». ؛ فتكون كلمة : «متأخر» فى الظاهر مجرورة بالباء الزائدة ، لكنها فى التقدير فى محل نصب ، لأنها خبر «ليس».
فإذا عطفنا على الخبر المجرور بالباء الزائدة كلمة أخرى. بأن قلنا : ليس المؤمن بمتأخر وقاعد عن إغاثة الملهوف - فإنه يجوز فى المعطوف - وهو كلمة : «قاعد» مثلا - الجر تبعا للمعطوف عليه المجرور فى اللفظ ، كما يجوز نصبه ، تبعا للمعطوف عليه المنصوب محلا ، لأنه خبر «ليس». فالمعطوف فى المثال السابق يجوز نصبه تبعا لمحل الخبر. كما يجوز جره تبعا للفظ الخبر المجرور بالباء الزائدة المذكورة فى الجملة ، والتى يجوز زيادتها فى مثل هذا الخبر.
لكن إذا خلا الخبر منها فكيف نضبط المعطوف عليه؟ أيجوز النصب والجر مع عدم وجودها كما كانا جائزين عند وجودها؟ يقول أكثر النحاة : نعم. ففى المثال السابق يصح أن نقول : ليس المؤمن متأخرا وقاعدا عن إغاثة الملهوف. أو : ليس المؤمن متأخرا وقاعد ... بنصب كلمة : «قاعد» أو جرها ؛ فالنصب لأنها معطوفة على الخبر المنصوب مباشرة ؛ ولا عيب فى هذا. والجر لأنها معطوفة على خبر منصوب فى التقدير ؛ على تخيل وتوهم أنه مجرور بالباء الزائدة ؛ فكأن المتكلم قد تخيل وجود الباء الزائدة مع أنها غير موجودة بالفعل. وتوهم أنها
ظاهرة فى أول الخبر ؛ مع أن توهمه غير صحيح. ومن العجب أن يتوهم ويتخيل ما لا وجود له ، ويبنى عليه آثارا. وهذا أمر يجب الفرار منه - كما قلنا - ؛ لما فيه من البعد ، والعدول عن الطريقة المستقيمة الواضحة إلى أخرى ملتوية ، لا خير فيها. فإن قهرتنا بعض الأساليب القديمة على الالتجاء إليه وجب أن نقتصر عليه فى الوارد ، ونحصر أمره فى المسموع من تلك الأساليب ، دون أن نتوسع فيها بالمحاكاة والقياس ، إذ لا ضرورة تلجئنا إلى محاكاتها. وهذا الرأى السديد لبعض النحاة الأقدمين (1)
مشائيم ، ليسوا مصلحين عشيرة *** ولا ناعب إلا بيين غرابها
حيث عطف : «ناعب» بالجر على : «مصلحين بتوهم أو المعطوف عليه مجرور بالباء ، وأن التقدير بمصلحين وأيضا ورد هذا البيت ومعه آخر فى «الكامل للمبرد» ج 1 ص 279 للاستشهاد بكل منهما على الحكم السالف.
تستريح النفس إليه وحده ، ولا فرق فيه بين العطف على خبر «ليس» أو «ما» أو غيرهما من الأخبار التى تزاد فى أولها الباء جوازا (2)...مثال آخر :
ما المحسن منانا بإحسانه. كلمة : «منانا» - خبر «ما» منصوبة ، ويجوز أن تزاد «باء» الجر فى خبر : «ما» الحجازية على الوجه المشروح فى زيادتها - فيقال : ما المحسن بمنان بإحسانه. فتكون كلمة : «منان» مجرورة فى الظاهر بالباء الزائدة ، ومنصوبة المحل ، لأنها خبر «ما» ؛ فإذا عطفنا على هذا الخبر المجرور كلمة أخرى (3)، جاز فى المعطوف إما الجر تبعا للخبر المجرور لفظه ، وإما النصب أيضا تبعا للخبر المنصوب محله ؛ فيقال ما المحسن بمنان وذاكر إحسانه أو : «ذاكرا» إحسانه ؛ بجر كلمة : «ذاكرا» ، أو نصبها.
فإذا لم تكن «باء» الجر الزائدة مذكورة فى أول الخبر فكيف نضبط .
1) وقد تردد فى مراجع وأبواب مختلفة ، منها شرح الأشمونى ، آخر باب حروف الجر ، ومنها كتاب تنزيل الآيات ، شرح شواهد الكشاف ص 16 عند بيت الشاعر :
2) والكلام على هذا النوع من الجر يذكرنا نوعا آخر من الجر يجب التشدد فى إهماله ، وفى ترك استعماله والاقتصار فيه على المسموع وحده ، لوضوح فساده وإفساده ؛ هو الجر بالمجاورة. وسيجىء تفصيل الكلام عليه (فى ح 2 ص 272 م 82 وفى ص 338 م 89 باب حروف الجر) (وفى ج 2 ص 8 م 93 باب الإضافة).
3) وكان حرف العطف غير : «لكن» و «بل» ... (راجع ص 540 السابقة ...).
المعطوف؟ يقول أكثر النحاة : إن العسطف عند عدم وجود باء الجر الزائدة فى الخبر كالعطف مع وجودها ، فيجوز النصب فى المعطوف تبعا للنصب اللفظى فى الخبر المعطوف عليه ؛ كما يجوز الجر فى المعطوف تبعا لتوهمهم الجر فى الخبر المعطوف عليه ، وافتراضهم أن ذلك الخبر مجرور بالباء الزائدة ؛ مع أنها غير موجودة ، فى الكلام.
وهو توهم لا يصح الالتفات إليه اليوم ، ولا الأخذ بما يرتبونه عليه ... لما أوضحناه. ويتساوى فى هذا خبر «ليس» وخبر «ما» وغيرهما من الأخبار التى يجوز فى أولها زيادة باء الجر ؛ كما قلنا.
(ب) إذا وقع بعد خبر «ليس» أو خبر «ما» - مشتق معطوف ، فكيف نضبطه؟ لهذا صور يعنينا منها ما (1)يأتى :
أولا : أن يكون المشتق المعطوف على خبرها وصفا (2)عاملا وبعده اسم مرفوع ، سببىّ (3)له ، نحو : «ليس المستعمر أمينا ، ولا صادقا وعده» أو : «ما المستعمر أمينا ولا صادقا وعده». فيجوز فى الوصف المعطوف وهو كلمة : «صادق» ما يجوز فيه لو كان غير رافع اسما بعده ؛ وعلى هذا يصح فى كلمة : «صادق» النصب بعطفها على الخبر المنصوب مباشرة وهو كلمة : «أمينا» كما يصح فيها الجر عطفا على الخبر المجرور على حسب توهم النحاة أن الخبر مجرور بباء زائدة غير ظاهرة فى اللفظ ... وهو توهم وتخيل سبق رفضه فى : «ا» أما الاسم السببى المرفوع بعد الوصف المعطوف فيعرب فى الحالة السالفة فاعلا (4)له (وقد يعرب أحيانا نائب فاعل فى جملة أخرى إذا كان الوصف الرافع له اسم مفعول). وفى المثال السابق بصورتيه يلتزم الوصف الإفراد فلا يثنى ولا يجمع - فى رأى أكثر النحاة - ...
ويصح أن يكون الوصف مرفوعا مبتدأ - لا معطوفا - وأن يكون السببى بعده مرفوعا به يغنى عن الخبر (سواء أكان المرفوع فاعلا أو نائب فاعل) ، وفى هذه الصورة يلتزم الوصف الإفراد أيضا. ويكون الوصف مع مرفوعه معطوفا على الجملة قبله (5).
ويصح أن يكون السببى مبتدأ متأخرا والوصف خبرا مرفوعا متقدما - لا معطوفا وفى هذه الحالة يتطابقان ؛ إفرادا وتثنية وجمعا ، وتذكيرا ، وتأنيثا ؛ نحو : ليس علىّ مهملا ولا مقصر أخوه - ليس على مهملا ولا مقصران أخواه - ليس على مهملا ولا مقصرون إخوانه (1)... - وكذلك لو كان الناسخ «ما» بدلا من «ليس» ، ثانيا : أن يكون المعطوف وصفا أيضا وقبله : «ليس» ومعمولاها ولكن بعده اسم أجنبى. فيعطف الأجنبى على اسمها ، ويرفع مثله. ويعطف الوصف على خبرها ، وينصب مثله ، تقول ليس محمود حاضرا ، ولا غائبا (2)حامد ، فكلمة : «حامد» معطوفة على الاسم : «محمود» مرفوعة مثله. وكلمة «غائبا» معطوفة على الخبر «حاضر» منصوبة مثله.
فإن كان خبر «ليس» مجرورا بالباء الزائدة جاز أيضا جر الوصف ؛ تقول : ليس محمود بحاضر ، ولا غائب حامد ؛ بجر كلمة : «غائب» لأنها معطوفة على الخبر المجرور لفظه بالياء الزائدة ؛ ويجوز فى الحالتين السالفتين رفع الأجنبى على أنه مبتدأ ، خبره الوصف المتقدم ؛ فيتطابقان. وتكون الجملة الثانية معطوفة على الأولى ثالثا : أن يكون المعطوف وصفا قبله «ما» ومعمولاها ؛ وبعده اسم أجنبى ؛ فيجب رفع الوصف الواقع بعد خبرها ؛ سواء أكان خبرها منصوبا ، أم مجرورا بالباء الزائدة ؛ نحو : ما محمود حاضرا ولا غائب حامد (3). أو : ما محمود بحاضر ولا غائب حامد.
1) ويتعين العطف فى هذه الصورة ، وأن يكون عطف جملة على جملة.
2) فى هذا المثال معطوفان ، ومعطوفان عليهما ؛ وحرف عطف واحد ، هو : الواو ، وهذا عطف جملة على جملة - أى : ليس محمود حاضرا وليس حامد غائبا. أو : عطف مفردين بالواو على نظيرين لهما سابقين ، فتكون كلمة : «غائبا» معطوفة بالواو على كلمة : «حاضرا» وكذلك كلمة : «حامد» معطوفة بالواو أيضا على كلمة ، «محمود» ، ومن اختصاص الواو أن تعطف معطوفين بالصورة السابقة. لكن من أى أنواع العطف هذا؟ أعطف مفرد على مفرد أم جملة على جملة؟ قولان ، سنوضح أمرهما والصواب منهما فى باب العطف - ح2. ولكن المناسب هنا أن العطف عطف جملة على جملة ...
3) السبب الحقيقى هو أن أساليب العرب الفصحاء جرت على هذا. لكن النحاة يذكرون السبب أن خبر : «ما» لا يتقدم على اسمها ؛ فكذلك خبر ما عطف على اسمها ، لأن كلمة : «حامد» معطوفة على : «محمود» التى هى اسم «ما» فكأن كلمة : «حامد» اسم : «ما» بسبب أنها معطوفة على الاسم ، وكلمة «غائب»» معطوفة على كلمة : «حاضر» التى هى خبر «ما» ؛ فإنها خبر بسبب ذلك العطف. وقد تقدم ما هو بمنزلة الخبر على الاسم فلا تعمل فيه : «ما» ؛ لفقد الترتيب. فالأحسن فى إعراب الوصف فى هذه الحالة أن يكون خبرا مقدما والمرفوع بعده مبتدأ ، والجملة معطوفة على الجملة التى قبلها ، فهى عطف جمل.
أفعال المقاربة - معناها :
فى جملة مثل : «الماء يغلى» ، يفهم السامع بسبب وجود الفعل المضارع : أن الماء فى حالة غليان الآن (1)، أو : أنه سيكون كذلك فى المستقبل (2). فإذا قلنا : «كاد الماء يغلى» - اختلف المعنى تماما ؛ إذ نفهم أمرين ، أن الماء اقترب من الغليان اقترابا كبيرا ، وأنه لم يغل بالفعل ، أى : أنه فى حالة إن استمرت زمنا قليلا فسيغلى. والسبب فى اختلاف المعنى الثانى عن الأول هو وجود الفعل : «كاد» فى الجملة الثانية ، وأنه ماض (3)
وقد يكون الزمن في : «كاد» وفى خبرها مقصورا على الماضى وحده ، أو على المستقبل ، حين تقوم القرينة القاطعة على أن المراد المقاربة فيما مضى ، أو فيما يستقبل ، مثل : كاد القطار يتأخر أمس. يكاد المريض يغادر المستشفى غدا (راجع في كل ما سبق ج ٧ ص ١١٥ من شرح المفصل : الأفعال المقاربة).
.وكذلك الشأن : فى : «القطار يتأخر» إذ نفهم من الجملة أن القطار يباشر التأخر الآن ، أو فى المستقبل. فإذا قلنا : «كاد القطار يتأخر ...» تغيّر المعنى ، وفهمنا أمرين ؛ أنه اقترب من التأخر جدّا ، وأنه - بالرغم من ذلك - لم يتأخر فى الواقع. أى : أنه فى حالة ، إن طال زمنها قليلا يقع فى التأخر. والسبب فى اختلاف المعنى الثانى عن الأول وجود الفعل الماضى : «كاد».
ومثل ما سبق : «الكأس تتدفق ماء» فالمعنى : أن الماء يفيض منها الآن. أو مستقبلا. فإذا قلنا : «كادت الكأس تفيض ماء» تغير المعنى ، وانحصر فى أنها اقتربت كثيرا من التدفق ، وأنها لم تتدفق بالفعل ، وهذا التغير بسبب وجود الفعل الماضى : «كاد».
1) وقت الكلام ، وهو : الزمن الحالى.
2) الزمن بعد الكلام.
3) يلاحظ هنا أن المضارع فى خبرها ينقلب زمنه قريبا جدا من الحال - كما سبق فى ص 54 وسيجىء فى رقم 6 من هامش ص 557 - ، كما أن زمنها الماضى ينقلب ماضيا قريبا من الحال ؛ ليتوافق زمن الفعل مع زمن خبره ؛ فإذا قلت : كاد المطر ينزل ، فالمراد قرب زمن نزوله من الحال ، وأنه لم ينزل فعلا.
من الأمثلة السابقة - وأشباهها - يتبين أن الفعل : الماضى «كاد» يؤدى فى جملته معنى خاصّا ، هو الدلالة على التقارب بين زمن وقوع الخبر والاسم (1)، تقاربا كبيرا مجردا ؛ (أى : لا ملابسة (2)فيه ، ولا اتصال). ومن أجل ذلك سميت «كاد» (3)فعل : «مقاربة». ولها إخوة تشاركها فى تأدية هذا المعنى. ومن أشهر أخواتها - كرب - أوشك (4)- مثل : كرب الليل ينقضى - أوشك الصبح يقبل ، بمعنى : «كاد» فيهما. وكلها بمعنى : «قرب».
عملها :
أفعال المقاربة أفعال ناقصة (أى : ناسخة) ترفع المبتدأ اسما لها ، وتنصب الخبر ، فلا ترفع فاعلا ، ولا تنصب مفعولا ما دامت ناسخة (5)، فهى من أخوات «كان». غير أن الخبر فى أفعال المقاربة لا بد أن يشتمل على :
(1) فعل مضارع (6)، ومرفوعه (من فاعل ، أو نائبه ...) ضمير فى الغالب.
(2) وأن يكون هذا المضارع مسبوقا بأن المصدرية (7)
هذا كلام السابقين. وخير منه أن تكون «أن» مصدرية ناصبة ويغتفر فى هذا الباب كله الإخبار بالمعنى عن الجثة فنستريح من تكلف التأويلات البصرية السالفة ، كما نستريح من تكلف التأويلات الكوفية التى تجعل المصدر المؤول بدل اشتمال من الاسم المرفوع السابق ، ويجعلون : «عسى» فعلا تاما معناه : «التوقّع». ففى مثل : عسى على أن يحضر ... يكون التقدير : عسى على حضوره ، أى : يتوقع على حضوره ويكون الغرض من «البدل» هو التفصيل بعد الإبهام الداعى للتشويق.
مع الفعل :1) هما هنا : اسمها وخبرها ، وسنعرفهما. فهذه الأفعال جاءت لتفيد قرب زمن وقوع الخبر من الاسم قربا كبيرا - وقد يقع الخبر أو لا يقع، بل قد يستحيل وقوعه ، نحو قوله تعالى : ( يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ... )
2) أى : أن كلا منهما يظل منفصلا عن الآخر ؛ لا يخالطه ، ولا يصل به فعلا ، ولا يندمج فيه مباشرة.
3) التى مضارعها : «يكاد» ، لا التى مضارعها : يكيد ؛ بمعنى يمكر ويسىء.
4) ومنها : «ألمّ» وقد ورد فى الأثر : لو لا أنه شىء قضاه اللّه لألم أن يذهب بصبره. ومنها : «أولى» ... ولا داعى لاستعمال الغريب من أفعال هذا الباب من غير حاجة.
5) مع ملاحظة أنها لا تدخل على الأشياء التى لا تدخل عليها النواسخ ، وقد سبق بيانها فى رقم 1 من هامش ص 495.
6) يكون زمن هذا المضارع ماضيا قريبا من الحال عند استعمال «كاد» أو إحدى أخواتها بلفظ الماضى - كما سبق فى رقم 3 من هامش ص 556 - ؛ فهو مضارع فى اللفظ وفى الإعراب ، ماض قريب من الحال فى الزمن ، مثلها ؛ لأن المضارع الواقع مع مرفوعه فى خبر كاد الماضية أو إحدى أخواتها يكون زمنه مثلها ، - كما سبق - بالرغم من إعرابه فعلا مضارعا.
7) نترك للنحاة اختلافهم فى نوع «أن» الداخلة فى أخبار هذا الباب كله (كأخبار أفعال الرجاء والمقاربة ...) فأكثرهم يميل إلى أنها حرف نصب غير مصدرى ، وأن فائدته تخليص المضارع للزمن المستقبل ، دون زمن آخر. فهم يرفضون أن تكون مصدرية ؛ بحجة أنها لو كانت مصدرية لوجب أن تسبك مع الجملة المضارعية بعدها بمصدر مؤول يكون خبرا للناسخ ، فيترتب على ذلك الإخبار بالمعنى عن الجثة ، وهو ممنوع. ففى مثل : عسى محمود أن يجود ، يقع المصدر المؤول من أن والمضارع وفاعله خبر «عسى» فى محل نصب ؛ فيكون التقدير : عسى محمود جوده. فيقع «جود» - وهو أمر معنوى - خبرا عن «عسى» ، وهو فى الحق خبر عن محمود ؛ لأن اسم عسى وخبرها أصلهما المبتدأ والخبر ، ولا يجوز أن يكون المبتدأ جثة وخبره امرا معنويا ، ولا يبيح ذلك ناسخ قبلهما. وقال فريق آخر : لا مانع من اعتبار «أن» الداخلة فى أخبار هذا الباب هى الناصبة المصدرية ، والمصدر المنسبك منها ومن المضارع مع فاعله - هو خبر الناسخ ؛ إما على سبيل المبالغة ، وإما على تقدير مضاف قبله ، أو قبل اسم الناسخ ، فيكون التقدير فى المثال السابق : عسى محمود صاحب جوده ، أو عسى حال محمود جوده ...
«أوشك» وغير مسبوق بها مع الفعل : «كاد» أو : «كرب» ، نحو : أوشك المطر أن ينقطع ، وكاد الجو يعتدل ، وكرب الهواء يطيب. ويجوز - قليلا - العكس ، فيتجرد خبر : «أوشك» ، من «أن» ويقترن بها خبر «كاد» و «كرب» ، ولكن الأول هو الشائع فى الأساليب العالية التى يحسن الاقتصار على محاكاتها. ومن النادر أن يكون الخبر غير جملة مضارعية. ولا يصح محاكاة هذا النادر ، بل يجب الوقوف فيه عند المسموع (1)
فأبت إلى فهم وما كدت آيبا *** وكم مثلها فارقتها وهى تصفر
(أبت) رجعت (فهم) : اسم قبيلة. (تصفر) ، أى : تخلو من كل شىء فيها ... والنادر المسموع هو مجيئه مفردا. أما الجملة الماضوية ، أو الاسمية ، أو شبه الجملة - فلم يسمع عن العرب.
.وعمل أفعال المقاربة ليس مقصورا على الماضى منها : بل ينطبق عليه وعلى المشتقات الأخرى ، وهى محدودة ؛ أشهرها ثلاثة ؛ مضارع للفعل : «كاد» ، ومضارع للفعل : «أوشك» ، واسم فاعل له ، نحو : يكاد العلم يكشف أسرار الكواكب - يوشك القمر أن يتكشف للعلماء - أنت موشك أن تنته إلى خير.
والأكثر أن تستعمل «كاد» و «كرب» ناسختين (2). أما «أوشك» فيجوز .
أن تقع تامة ؛ بشرط أن تسند إلى «أن» والفعل المضارع الذى فاعله (أو مرفوعه) ضمير مستتر : نحو : القوىّ أوشك أن يتعب ؛ فالمصدر المؤول من «أن» والفعل المضارع وفاعله فى محل رفع فاعل «أوشك» التامة (1). ومثله قول الشاعر :
إذا المجد الرفيع تواكلته (2)*** بناة السّوء أوشك أن يضيعا (3)
وهى فى حالة تمامها تلزم صورة واحدة لا تتغير ، مهما تغير الاسم السابق عليها فلا يتصل بآخرها ضمير رفع مستتر أو بارز : تقول : القويان أوشك أن يتعبا. الأقوياء أوشك أن يتعبوا. القوية أوشك أن تتعب. القويتان أوشك أن تتعبا. القويات أوشك أن يتعين ... بخلاف ما لو كانت ناقصة ؛ فيجب أن يتصل بآخرها ضمير رفع يطابق الاسم السابق فى التذكير ، والتأنيث ، وفى الإفراد ، وفروعه : فتقول فى الأمثلة السابقة : (أوشك) - (أوشكا) - (أوشكوا) - (أوشكت) - (أوشكتا) - (أوشكن) فإن وقع بعد المضارع اسم مرفوع ظاهر نحو : أوشك أن يفوز القوىّ - جاز فى أوشك أن تكون تامة ، وأن تكون ناقصة (4).
1) ويجوز - فى هذا المثال - أن تكون ناقصة ، اسمها ضمير يعود على «القوى» وخبرها المصدر المؤول بعدها.
2) اتكل بعضهم على بعض فى إقامته وحراسته ، أو : أهملوه.
3) الألف زائدة فى آخر المضارع ، للشعر.
4) فعلى اعتبارها تامة تكون كلمة : «القوى» فاعلا للمضارع ، والمصدر المؤول فاعلا «لأوشك» وعلى اعتبارها ناقصة ، يكون الاسم الظاهر المرفوع : «القوى» ، اسمها ، والمصدر المؤول خبرها. ويجوز إعرابات أخرى. وستجىء لهذا إشارة عند الكلام على أفعال الرجاء ، ص 563.
(ا) «كاد» كغيرها من الأفعال فى أن معناها ومعنى خبرها منفى إذا سبقها نفى ، ومثبت إذا لم يسبقها نفى ، خلافا لبعض النحاة ؛ فمثل : «كاد الصبى يقع» معناه : قارب الصبى الوقوع. فمقاربة الوقوع ثابتة. ولكن الوقوع نفسه لم يتحقق. وإذا قلنا : ما كاد الصبى يقع. فمعناه : لم يقارب الوقوع فمقاربة الوقوع منتفية. والوقوع نفسه منفى من باب أولى ، ومثل هذا يقال فى بيت المعرّى :
إذا انصرفت نفسى عن الشىء لم تكد *** إليه بوجه - آخر الدهر - تقبل (1)
إذا غيّر النأى المحبين لم يكد *** رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
إنه صحيح بليغ. لأن معناه : إذا تغير حب كل محب لم يقترب حبى من التغير ، وإذا لم يقاربه فهو بعيد منه ، فهذا أبلغ من أن يقول : «لم ييرح» ، لأنه قد يكون غير بارح مع أنه قريب من البراح ، بخلاف المخبر عنه بنفى مقاربة البراح. (رسيس الهوى : أوله وشدته). وكذا قوله تعالى : ( إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها : ) هو أبلغ فى نفى الرؤية من أن يقال لم يرها. لأن من لم ير ، قد يقارب الرؤية. بخلاف من لم يقارب ... (راجع الأشمونى والصبان).
(ب) تعد أفعال المقاربة من أخوات «كان» الناسخة كما عرفنا. ولكن أفعال المقاربة تخالفها فيما يأتى :
1 - خبرها لا بد أن يكون مصدرا مؤولا من جملة مضارعية - فى الأصح - مسبوقة بأن أو غير مسبوقة ، على التفصيل السابق ، وفاعل المضارع لا بد
أن يكون - فى الأرجح - ضميرا يعود على اسمها : وقد ورد رفعه السببىّ (2)فى حالات قليلة ، لا يحسن القياس عليها ، مثل : كاد الطلل تكلمنى أحجاره.
2 - خبرها لا يجوز أن يتقدم عليها.
3 - إذا كان الخبر مقترنا «بأن» لم يجز - فى الأشهر (3)- أن يتوسط بينها
1) وقد قالوا فى بيت ذى الرمة :
2) أى : الاسم الظاهر ، المضاف لضمير اسمها.
3) فى هذا الرأى المنسوب للشلوبين ومن معه - تضييق ، بالرغم من أنه الأفصح. وهناك رأى للمبرد ، والفارسى ، والسيرافى ، ومن معهم - يبيح التوسط. وفى هذا الرأى تيسير ، وإزالة للتفرقة بين الخبر المقرون ، وغير المقرون بها ، ولكنه غير الأفصح ، وسيجىء الإشارة لهذا فى رقم 1 من هامش ص 563.
وبين اسمها ، أما غير المقترن فيجوز كما فى خبر كان.
4 - يجوز حذف الخبر إن علم ، نحو : من تأنى أصاب أو كاد ، ومن عجل أخطأ أو كاد ، وهو كثير فى خبر «كاد» قليل فى خبر «كان» ومع قلته جائز بالتفصيل الذى سبق فى موضعه (1)...
5 - لا يقع فعل من أفعال المقاربة زائدا.
(ح) يرى بعض النحاة أن «أوشك» ليست من أفعال المقاربة ، وإنما هى من أفعال الرجاء التى سيجىء الكلام عليها فى هذا الباب (2). مستشهدا ببعض أمثلة مأثورة تؤيده. ولا داعى للأخذ برأيه اليوم ، بعد أن شاع اتباع الرأى الآخر الذى يخالفه ، وتؤيده أيضا شواهد فصيحة قديمة ، تسايرها أساليبنا الحديثة. وإنما ذكرنا الرأى الأول ليستعين به المتخصصون على فهم النصوص القديمة.
ما معنى كلمة : «شرع» و «أخذ» فى مثل : شرع المغنّى يجرّب صوته ، ويصلح عوده ، وأخذ يوائم بين رنات هذا ، ونغمات ذاك؟
معنى : «شرع» أنه ابتدأ فعلا فى التجربة ودخل فيها ، وباشرها ، وكذلك معنى كلمة «أخذ» فهى تفيد أنه ابتدأ فعلا فى المواءمة والتوفيق بين الاثنين. وكذلك فى مثل : أعدّ الطعام : فشرع المدعوون يتوجهون إلى غرفته ، وأخذ كل منهم يجلس فى المكان المهيأ له ... أى : ابتدءوا فى الذهاب إلى الغرفة ، وباشروا الانتقال إليها فعلا ، كما ابتدءوا فى الجلوس ومارسوه. ومرجع هذا الفهم إلى الفعل : «شرع» ، «وأخذ» ، فكلاهما يدل على ما سبق ، ولهذا يسميه النحاة : «فعل شروع» يريدون : أنه الفعل الذى يدل على أول الدخول فى الشىء (1)، وبدء التلبس به ، وبمباشرته.
وأشهر أفعال الشروع : شرع - أنشأ - طفق - أخذ - علق - هبّ - قام - هلهل - جعل (2)...
هذه الأفعال جامدة لأنها مقصورة على الماضى (3)، إلا «طفق» (4)و «جعل» فلهما مضارعان. وعملها الدائم هو رفع المبتدأ ونصب الخبر بشرط أن يكون المبتدا مما يدخل عليه النواسخ (5)، فلا ترفع فاعلا ولا تنصب مفعولا ما دامت ناسخة ؛ فهى من أخوات «كان» الناقصة. ولا تكون تامة حين إفادتها معنى : «الشروع» - كما أوضحناه - إلا أنّ خبر أفعال الشروع لا بد أن يكون :
1) أى : دخول الاسم فى الخبر.
2) هذا الفعل قد يكون بمعنى الظن ، أو : التحويل ، فينصب مفعولين. وقد يكون بمعنى : خلق ، وأوجد ؛ فينصب مفعولا به واحدا ؛ كما سيجىء فى ج 2 م 60 باب ظن وأخواتها.
3) لما كانت هذه الأفعال الماضية دالة على الشروع ، كانت ماضية فى الظاهر فقط ، ولكن زمنها للحال ، وزمن المضارع الواقع فى خبرها مقصور على الحال أيضا ؛ ليتوافقا فيتلاءم معناهما. ويقول النحاة : إن هذا هو السبب فى عدم اقتران خبرها «بأن» المصدرية ؛ إذ «أن» المصدرية تخلص زمن المضارع للاستقبال ، وأفعال الشروع تدل على الزمن الحالى : فيقع التعارض بين زمنيهما.
4) من باب ضرب وعلم وفرح.
5) سبق - فى رقم 3 من هامش ص 495 ما لا تدخل عليه.
(1) جملة مضارعية فاعلها (أو : مرفوعها) ضمير.
(2) المصارع فيها غير مسبوق «بأن» المصدرية ، كالأمثلة السابقة.
(3) لا يجوز فى هذه الأفعال تقدم الخبر عليها ، كما لا يجوز توسطه بينها وبين الاسم (1).
(4) ويجوز حذف خبرها إن دل عليه دليل.
أفعال الرجاء (2)- معناها :
يتضح معناها من مثل : اشتد الغلاء ؛ فعسى اللّه أن يخفف حدّته - زاد شوق الغريب إلى أهله ، فعسى الأيام أن تقرب بينهم - تطلّع الرحالة إلى كشف المجاهل ؛ فعسى الحكومة أن تهيئ له الوسائل ...
ففى المثال الأول : رجاء وأمل فى اللّه أن يخفف شدة الغلاء. وفى الثانى : رجاء وأمل أن تقرب الأيام بين الغريب وأهله. وفى الثالث كذلك : أن تعدّ الحكومة للرحالة الوسائل ... ففى كل مثال رجاء وأمل فى تحقيق شىء مطلوب يفهم من الفعل المضارع مع مرفوعه ، والكلمة التى تدل على الرجاء والأمل هى : «عسى». ولهذا تعد من أفعال الرجاء التى يدل كل فعل منها على : «ترقب الخبر ، والأمل فى تحققه ووقوعه». (والخبر المرتقب هنا هو : ما يتضمنه المضارع مع مرفوعه ، كما سبق). ومن أشهرها : عسى - حرى - اخلولق.
عملها :
هى أفعال ماضية فى لفظها (3)، جامدة (4)، الصيغة والأغلب أنها ترفع الاسم وتنصب الخبر - إن كانا صالحين لدخول النواسخ - فهى من الأفعال الناقصة
1) هذا رأى الشلوبين ومن معه ، وفيه تضييق. والأنسب الأخذ بالرأى الآخر الذى يبيح التوسط ، وهو منسوب للمبرد ، والسيرافى والفارسى - كما سبق فى رقم 3 من هامش ص560. .
2) الرجاء أو الأمل ، معناه : الطمع فى إدراك شىء محبوب ، مرغوب فيه ، وانتظار وقوعه ، وهو الرجاء المتوقع. وقد يدل بعض الأفعال على الإشفاق ، وهو : الخوف من أمر مكروه ، ومنه ، (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) - كما سيجىء ، فى ص568. وإذا وقعت عسى ولعل فى كلام اللّه كان لها معنى آخر هو المذكور فى رقم 1 هامش ص 575.
3) هى ماضية فى اللفظ ولكن زمنها هنا مستقبل ، إذ لا يتحقق معناها إلا فى المستقبل ولذلك كان زمن المضارع الواقع فى خبرها مستقبلا فقط ، ليتوافقا.
4) فى آخر الزيادة والتفصيل - ص 569 - بيان عن : «حرى».
(أى : الناسخة) أخوات «كان». وخبرها - فى الأفصح - مضارع مسبوق : بأن (1)، وفاعله ضمير ، لكن يجوز فى خبر «عسى» أن يكون مضارعه غير مسبوق بأن ، نحو : عسى الأمن يدوم. كما يجوز أن يكون فاعل هذا المضارع سببيّا ، أى : اسما ظاهرا مضافا لضمير اسمها ؛ نحو : عسى الوطن يدوم عزّه.
المكتوب بالأخر هو :
حكمها (2):
يجب تقديم هذه الأفعال على معموليها. كما يجب - فى رأى دون (3)آخر - تأخير الخبر المقرون بأن عن الأسم. ويجوز حذف الخبر لدليل وقد تقدم أن والأغلب فى استعمال هذه الأفعال أن تكون ناقصة. لكن يجوز فى «عسى» «واخلولق» أن تكونا تامتين ، بشرط إسنادهما إلى «أن» والمضارع الذى مرفوعه ضمير يعود على اسم سابق. دون إسنادهما إلى ضمير مستتر أو بارز ؛ فلا بد لتمامهما أن يكون فاعلهما مصدرا مؤولا من «أن» وما دخلت عليه من جملة مضارعية ، ولا يصح أن يكون ضميرا ، نحو : الرجل عسى أن يكون. ونحو : الزرع اخلولق أن يتفتح ، فالمصدر المؤول فى المثالين فاعل (4)وفى هذه الحالة لا يكون فى «عسى» و «اخلولق» ضمير مستتر. (وهذا التمام خاص بهما وبأوشك من أفعال المقاربة ، كما سبق). وفى حالة التمام تلزم «عسى» وأختها حالة واحدة لا تتغير مهما تغير الاسم السابق - لأن فاعلهما مذكور بعدهما - ... نقول : الرجل عسى أن يقوم - الرجلان عسى أن يقوما - الرجال عسى أن يقوموا ... وهكذا.
أما عند النقص فى : «عسى» و «اخلولق» ، فلا بد أن يتصل بآخرهما ضمير مطابق للاسم السابق فتكونا ناقصتين. فإن لم يتصل بهما ضمير ، وأسندتا إلى : «أن» والمضارع الذى فاعله ضمير ، فهما تامتان ، - كما سلف -
1) صرح الصبان فى آخر باب التعجب - ج 3 - بأنه لا يصح إحلال «أن» (مفتوحة الهمزة ، مشددة النون) محل «أن» ساكنه النون فى خبر «عسى». مع أن كلا منهما حرف مصدرى. والظاهر أن الأمر يسرى على «عسى» وأخواتها.
2) انظر رقم 1 من هامش الصفحة الآتية ، و «ب» من ص 568.
3) انظر رقم 1 من هامش الصفحة الآتية ، و «ب» من ص 568.
4) ويرى بعض النحاة فى الثلاثة أن المصدر المؤول سد مسد المعمولين ، فهى عنده - دائما - أفعال ناقصة.
والمصدر المؤول فاعلهما. ففى حالة النقص نقول : الرجل عسى أن يقوم - الرجلان عسيا أن يقوما - الرجال عسوا أن يقوموا. البنت عست أن تقوم. البنتان عستا أن تقوما - النساء عسين أن يقمن ... و...
فإن كان فاعل المضارع (أو مرفوعه) اسما ظاهرا جاز فى كل منهما أن تكون تامة ، وأن تكون ناقصة ؛ فعند التمام يكون المصدر المؤول من «أن» والمضارع مع مرفوعه الظاهر - فاعلا للناسخ ، وعند النقص لا يكون الاسم الظاهر المتأخر مرفوعا للمضارع ، بل يصير هو اسم الناسخ ويكون الخبر هو : المصدر المؤول من «أن» والمضارع مع مرفوعه (1)
وهناك إعرابات أخرى فى الحالتين سيجىء بعضها فى الزيادة ، وفيما سبق يقول ابن مالك :
ككان «كاد» و «عسى» لكن ندر *** غير مضارع لهذين خبر
وكونه بدون «أن» بعد «عسى» *** نزر ، و «كاد» الأمر فيه عكسا
أى : أن «كاد» و «عسى» مثل : كان فى العمل ، كلاهما يرفع الاسم وينصب الخبر ، لأنهما من الأفعال الناقصة. ومن النزر ، (أى : من القليل جدا) أن يكون خبرهما غير جملة مضارعية. ثم بين أن الجملة المضارعية الواقعة خبرا عن «عسى» - لا تخلو من «أن» المصدرية - فيكون المصدر المؤول هو الخبر - والعكس فى الجملة المضارعية الواقعة خبرا عن كاد. فالأكثر عدم اقترانها «بأن» ، ثم قال :
وكعسى «حرى». ولكن جعلا *** خبرها حتما بأن متّصلا
وألزموا اخلولق : «أن» مثل : حرى *** وبعد : «أوشك» انتفا : «أن» نزرا
يريد : أن «حرى» كعسى ، كلاهما من أفعال الرجاء معنى وعملا. غير أن «حرى» لا يخلو خبرها من «أن» المصدرية ، فمن المحتم أن يتصل بها. وكذلك «اخلولق» ؛ فقد «أوجبوا» اتصالها «بأن» مثل ؛ «حرى». أما «أوشك» فيلزمها «أن» وقد تحذف نادرا ، ولا يقاس على هذا النادر ، كما لا يقاس على النزر فى كل ما سبق (هذا ، والألف فى آخر الفعل : «جعل» - زائدة).
ثم قال :
ومثل «كاد» فى الأصح «كربا» *** وترك «أن» مع ذى «الشروع» وجبا
كأنشأ السائق يحدو ، وطفق *** كذا : «جعلت» ، و «أخذت» و «علق»
يريد : أن «كرب» مثل : «كاد» فى معناها ، وهو : المقاربة ، وفى عملها ، وفى عدم اتصال خبرها «بأن» فى الأغلب. ثم عرض لترك «أن» مع ذى الشروع ؛ أى : مع الفعل صاحب الشروع ؛ فأوجب الحذف ، وعد من أفعال الشروع ، أنشأ ، وطفق : وجعل ، وأخذ ، وعلق ، ومثل للأول بقوله : أنشأ السائق يحدو ؛ أى : يغنى.
ثم قال :
واستعملوا مضارعا «لأوشكا» *** و «كاد» لا غير ، وزادوا «موشكا»
أى : أفعال هذا الباب كلها جامدة ، ليس لها مشتقات ، إلا «كاد» فلها مضارع وإلا «أوشك» فلها مضارع أيضا. وقد ورد لها اسم فاعل قليلا حيث سمع : موشك ، ولا مانع من استعماله.
الفاعل أو ما يغنى عن الفاعل. .1) وهذا الإعراب مبنى على رأى المبرد ، والسيرافى ، والفارسى ، وغيرهم من القائلين بجواز توسط الخبر بين فعل الرجاء واسمه. وفى الأخذ به توسعة وتيسير ، دون رأى الشلوبين وغيره ممن يمنعون التقديم وإن كان المنع هو الأفصح.
وكل هذا يصح فى : «اخلولق» أيضا (1)
بعد عسى ، اخلولق ، أوشك ، قد يرد *** غنى ب «أن يفعل» عن ثان فقد
يريد «بأن يفعل» كل جملة مضارعية مسبوعة بأن المصدرية ؛ فهو لا يريد «أن يفعل» ذاتها ، وإنما يريد ما هو على صياغتها ونمطها ، فتستغنى بها تلك الأفعال الثلاثة عن الثانى اللازم لها ؛ وهو الخبر. فالمراد أنها تستغنى بالمصدر المؤول عن الخبر ، فلا تحتاج إليه ؛ فهى تكتفى بمرفوعها ، وتكون تامة لا ناقصة.
. .1) وهذا هو ما قصد إليه ابن مالك بقوله :
إذا وقعت «عسى» ومثلها : «اخلولق» و «أوشك» بعد اسم ظاهر مرفوع (1)وليس بعدها فى الجملة اسم ظاهر ولا ضمير بارز ؛ مثل : الصديق عسى أن يحضر.
جاز أمران :
ا - أن تخلو «عسى» من ضمير مستتر فيها أو بارز ، فتكون تامة. فاعلها هو المصدر المؤول بعدها من «أن» والمضارع مع مرفوعه المستتر ، والجملة من «عسى» ومرفوعها فى محل رفع خبر المبتدأ الذى قبلها وهو : (الصديق). ونحو : المحمدان عسى أن يتقدما. المحمدون عسى أن يتقدموا. البنات عسى أن يتقدمن.
ب - وجاز أن تكون ناقصة ، فتشتمل على ضمير مستتر أو بارز هو اسمها يعود على المبتدأ السابق عليها ويطابقه فى التذكير والتأنيث ، وفى الإفراد وفروعه ، وخبرها هو المصدر المؤول من «أن» والمضارع مع مرفوعه المستتر أو البارز. والجملة منها ومن اسمها وخبرها فى محل رفع خبر المبتدأ الذى قبلها (2)
وجرّدن «عسى» أو ارفع مضمرا *** بها إذا اسم قبلها قد ذكرا
؛ مثل : محمد عسى أن يحضر - المحمدان عسيا أن يحضرا - المحمدون عسوا أن يحضروا - النساء عسين أن يحضرن ... - كما تقدم -.أما إذا تأخر ذلك الاسم المرفوع بحيث يقع بعد المضارع المسبوق بأن المصدرية كما فى المثال : عسى أن يحضر الوالد - فيجوز أربعة أوجه (3).
الأول - أن يكون الاسم المتأخر مبتدأ (وهو مع تأخره فى اللفظ متقدم فى الرتبة). «عسى» فعل ماض تام ، وفاعله هو المصدر المؤول من «أن» ومن المضارع مع مرفوعه المستتر ، والجملة من «عسى» وفاعلها فى محل رفع خبر المبتدأ المتأخر.
الثانى : أن يكون الاسم المتأخر مبتدأ مع تأخره. «عسى» فعل ماض ناقص ، اسمها ضمير مستتر تقديره : «هو» يعود على المبتدأ ، المتأخر فى اللفظ ، المتقدم فى الرتبة ، ويطابقه ؛ وخبرها هو المصدر المؤول من «أن» والمضارع
مع مرفوعه المستتر. والجملة من «عسى» واسمها وخبرها فى محل رفع خبر المبتدأ المتأخر.
الثالث : أن تكون «عسى» تامة وفاعلها هو المصدر المؤول بعدها من «أن» والفعل المضارع مع مرفوعه ، ومرفوعه هو الاسم الظاهر بعده. (الوالد).
الرابع : أن تكون «عسى» ناقصة واسمها هو : الاسم الظاهر المتأخر (الوالد).
وخبرها هو المصدر المؤول من أن والفعل المضارع ومرفوعه المستتر.
وتشترك «اخلولق» و «أوشك» مع «عسى» فى كل ما سبق من الحالات (1)...
(ب) سبق أنه (2)لا يجوز فى أفعال الرجاء أن يتقدم خبرها عليها ، كما لا يجوز (3)- فى رأى - أن يتوسط بينها وبين اسمها إن كان المضارع مقترنا «بأن». ويجوز حذف خبرها للعلم به.
والأكثر فى «عسى» أن تكون للرجاء. وقد تكون للإشفاق (أى : الخوف من وقوع أمر مكروه) مثل قوله تعالى : ( وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) - كما سبق فى رقم 2 من هامش ص 563 وكما يجىء فى رقم 1 من هامش ص 575.
(ح) إذا أسند الفعل : «عسى» لضمير رفع لمتكلم أو لمخاطب جاز فتح السين وكسرها ؛ نحو : عسيت (4)أن أسلم من المرض ، وعسيت أن تفوز بالغنى ، وعسيتما ... وعسيتم ... وعسين ... والفتح أشهر (5)
والفتح والكسر أجز فى السّين من *** نحو : عسيت ، وانتقا الفتح زكن
أى : أن الفتح والكسر جائزان فى مثل : «عسيت» حين يتصل بها ضمير رفع المتكلم ، أو المخاطب كما شرحنا ، «زكن» انتقاء الفتح (بمعنى : علم اختياره عن العرب) ، وأنه أفضل عندهم من الكسر.
.(د) فى مثل : عسانى أزورك - عساك تزورنى ، عساه يزورنا من كل تركيب وقع فيه بعد «عسى» الضمير : «الياء» أو «الكاف» أو «الهاء» وهى ضمائر ليست للرفع - تكون : «عسى» حرفا للرجاء (6)، بمعنى : «لعل» وتعمل .
1) انظر رقم 3 من هامش ص 564 ، ورقم 1 من هامش ص 565 خاصا بهذا الإعراب.
2) فى ص 564.
3) وهذا على غير الرأى الذى أشرنا إليه فى رقم 1.
4) وإسناده لهذه التاء التى هى ضمير - دليل من الأدلة التى يعتمد عليها أصحاب الرأى القائل بأن «عسى» فعل ماض ، وليست حرفا. أما بقية أفعال هذا الباب فلا خلاف فى أنها فعل.
5) وفى هذا يقول ابن مالك :
6) وفى هذه الحالة لا تقع بعدها «ما» الزائدة.
عملها ، وهذا أيسر الآراء كما سبق (1). ويجوز اعتبار «عسى» من أخوات «كان» وهذا الضمير فى محل رفع اسمها. ولا يكون كذلك فى غير هذا الموضع والأفضل الإعراب الأول ، والاقتصار عليه أحسن.
(ه) فى مثل : عسى أن يتلطف الطبيب مع المريض - يوجب النحاة إعراب كلمة : «الطبيب» فاعلا للفعل : «يتلطف». ولا يجيزون أن تكون مبتدأ متأخرا ، ولا اسما لعسى الناقصة ، ولا غير ذلك (2). وحجتهم فى المنع أن إعرابها بغير الفاعلية للفعل : «يتلطف» يؤدى إلى وجود كلمة أجنبية فى وسط صلة «أن» فمن الخطأ إعراب أن «مصدرية» «يتلطف» مضارع منصوب بها ، وفاعله ضمير مستتر تقديره : «هو» يعود على «الطبيب» المتأخر فى اللفظ ؛ دون الرتبة ؛ وعلة الخطا أن كلمة : «الطبيب» سواء أكانت مبتدأ متأخرا ، أم اسما لعسى ، قد وقعت غريبة بين أجزاء صلة «أن» لأنها ليست من تلك الصلة ، وفصلت بين تلك الأجزاء. ولا يجوز الفصل بأجنبى فى تلك الصلة. ومثل هذا قالوا : فى إعراب كلمة : «ربّ» ، فى قوله تعالى : ( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) مع إعراب : «مقاما» ظرف.
و - من الاستعمالات الصحيحة وقوع اللفظ : «حرى» اسما منونا مع ملازمته الإفراد والتذكير فى جميع حالاته ؛ نحو : الصانع حرى أن يكرم - الصانعان حرى أن يكرما - الصانعون حرى أن يكرموا - الصانعة حرى أن تكرم - الصانعتان حرى أن تكرما - الصانعات حرى أن يكرمن ... ولفظ : «حرى» فى كل الاستعمالات السابقة مصدر معناه : جدير وحقيق ؛ فهو مصدر بمعنى الوصف ، والأحسن أن يكون مصدرا لفعل تام متصرف ليس من «أفعال الرجاء» هو الفعل : حرى - يحرى - حرى. وقد يجىء من هذا الفعل التام المتصرف وصف مشتق على : «حرىّ» (وزان : غنىّ) ، وعلى : حر (وزان : صد بمعنى : ظمآن) وهذان الوصفان هما صفتان مشبهتان ولا يلتزمان صيغة واحدة ، وإنما تلحقهما علامة التثنية والجمع ، والتذكير والتأنيث فيقال : المكافح حرىّ أو حر أن يفوز - المكافحان حريّان ، أو حريان أن يفوزا - المكافحون حريّون أو حريون أن يفوزوا - المكافحة حريّة أو حرية ... المكافحتان حرّيتان أو حريتان ... المكافحات حريّات أو حريات ...
الحروف الناسخة (1): «إنّ» ، وأخواتها
يراد بالحروف الناسخة هنا - سبعة أحرف (2)لا شك فى حرفيتها ، وهى :
الصورة(3)
(5. 5) تختص «ليت» و «لعل» دون أخواتهما بأنهما لا يكونان إلا فى أسلوب إنشائى كما سبق فى رقم 3 من هامش ص 337 وكما يجىء عند الكلام عليهما فى رقم 1 و 3 من هامش 574.
1) تقدم معنى الناسخ فى أول باب : «كان» وأخواتها ص 494. وبيان ما لا يصح دخول الناسخ عليه.
2) يزاد عليها : «عسى» بشرط أن تكون للرجاء (أى : بمعنى : «لعل») وبشرط أن يكون اسمها ضميرا ، وقد سبق تفصيل الكلام عليها فى أفعال الرجاء ص 563 و 568.
3) يجوز تخفيف النون فى الحروف الأربعة : المختومة بالنون المشددة ، (وهى : إنّ - أنّ - - كأن - لكن) ويترتب على هذا التخفيف أحكام تنشأ عنه. وسيجىء ذكرها تفصيلا فى بحث خاص بها ، ص 610.
وكل واحد من هذه السبعة يدخل على المبتدأ والخبر بأنواعهما وأحوالهما ؛ فيتناولهما بالتغيير فى اسمهما ، وفى شىء من ضبط آخرهما ؛ إذ يصير المبتدأ منصوبا ، ويسمى : اسم الناسخ ، ويبقى الخبر مرفوعا ، ويسمى ؛ خبر الناسخ ، كالأمثلة المذكورة (1)
أولها : أن هذه النواسخ حروف : أما «كان» وأخواتها فمنها الأفعال ، مثل : كان ، وأصبح ، وأضحى ... ومنها الحروف مثل : ما - لا - لات ، إن ... ومنها الأسماء وهى المشتقات التى تعمل عمل تلك الأفعال.
ثانيها : أن هذه النواسخ تنصب الاسم وترفع الخبر. أما تلك فترفع الاسم ، وتنصب الخبر.
ثالثها : أن هذه الحروف لازمة التصدير ؛ (أى : لا بد أن تكون فى صدر جملتها) إلا «أنّ» (المفتوحة الهمزة المشددة النون) ؛ فيجوز أن يسبقها شىء من جملتها ؛ - كما سيجىء - فى ص 576 وفى «ب» من ص 583 ، ويجب أن تكون مع معموليها جزءا فى الإعراب من جملة أخرى.
أما «كان» وأخواتها فليست لازمة التصدير ...
.ولكل واحد من تلك الحروف معنى خاص يغلب فيه ؛ فالغالب فى : «إنّ» و «أنّ» : التوكيد (2)
وقد تكون «إن» - مكسورة الهمزة - بمعنى : «نعمء» ، فتعتبر حرف جواب محض لا يعمل شيئا ، كقول الشاعر :
قالوا : كبرت. فقلت : «إنّ» ، وربما *** ذكر الكبير شبابه فتطرّبا
أى : فحزن - وقول الآخر :
ويقلن شيب قد علا *** ك ، وقد كبرت. فقلت : إنّه
الهاء لسكت.
ويجوز أن يقع المصدر المنسبك من «أن» (المفتوحة الهمزة المشددة النون) ومعموليها اسما لهذه الأحرف الناسخة ، بشرط أن يتأخر ؛ ويتقدم عليه الخبر شبه الجملة ؛ نحو : إن عندى أنك مخلص ، وكأن فى نفسى أنك تشعر بهذا ، ولعل فى خاطرك أنك أحب الأصدقاء إلى ... ، وهكذا. فالمصدر المؤول هو اسم للحرف الناسخ (كما سيجىء فى «ب» من ص 583).
بقى السؤال عن معنى : «مما» وإعرابها فى قول الشاعر :
وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة *** على رأسه تلقى اللّسان من الفم
والإجابة عن هذا موضحة مفصلة فى ص 501 وهامشها.
، وفى : «لكنّ» الاستدراك (3)ومن الآيات المشتملة على «لكن» قوله تعالى : (ولكنَّا هُوَ اللّهُ رَبِّي) وأوضح الآراء فيها أن تقدير الكلام : لكن (بسكون النون) أنا هو اللّه ربى. فحذفت الهمزة تخفيفا ، وأدغمت النون في النون ؛ فصارت : لكنا بنون مشددة بعدها ألف).
و «لكن» مشددة النون . هي التي تعد من أخوات «إن» في العمل. أما : «لكن» مخففة النون (أى : الساكنة النون فليست من أخوات «إن» ولا من النواسخ. بالرغم من أن معناها : «الاستدراك» أيضا. كما سيجيء في ج ٣ باب العطف.
ولا بد أن1) تختلف هذه النواسخ عن «كان : وأخواتها» فى أمور ثلاثة :
2) المراد : توكيد النسبة ، أى : توكيد نسبة الخبر للمبتدأ ، وإزالة الشك عنها أو الإنكار ؛ فكلا الحرفين فى تحقيق هذا الغرض بمنزلة تكرار الجملة ، ويفيد ما يفيده التكرار ؛ ففى مثل : إن المال عماد العمران ؛ تغنى كلمة «إن» عن تكرار جملة : «المال عماد العمران» ، ومن الخطأ البلاغى استخدامها إلا حيث بكون الخبر موضع الشك أو الإنكار. والتأكيد بهما يدل على أن خبرهما محقق عند المتكلم ، وليس موضع شك. ولا يستعملان إلا فى تأكيد الإثبات. (انظر ما يقتضيه معنى التوكيد فى «أن» - ص 583 «ا») وقد تكون «أن» - مفتوحة الهمزة - للترجى مثل ... «لعل» فى معناها وسيجىء الكلام على حكمها فى رقم 3 من هامش فى ص 576.
3) هو إبعاد معنى فرعى يخطر على البال عند فهم المعنى الأصلى لكلام مسموع أو مكتوب ، ومثال ذلك قولنا : «هذا غنى» فيخطر بالبال أنه محسن بسبب غناه ، فإن كان غير محسن أسرعنا إلى إزالة الخاطر بمجىء ما يدل على ذلك ، مثل كلمة : «لكن» وبعدها المعمولان ، فنقول : «هذا غنى لكنه غير محسن». ومثل : الكتاب رخيص ، فيقع فى الخاطر أنه قليل النفع. فإن كان غير ذلك بادرنا بمجىء كلمة : «لكن» مع معموليها لإزالة هذا الوهم ؛ فنقول : «الكتاب رخيص ، لكنه كبير النفع ...» وهكذا ، فلا بد أن يكون قبلها كلام يتضمن معنى أصليا يوحى بمعنى فرعى ناشىء منه. وهذا المعنى الفرعى هو الذى يراد إبعاده بكلمة : «لكنّ» ، ويعبر النحاة عن هذا بقولهم فى الاستدراك إنه : «تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته ، أو إثبات ما يتوهم نفيه». وهذا يقتضى أن يكون المعنى بعدها مخالفا للمعنى الفرعى الذى يفهم مما قبلها ، ومغايرا له. وتقع بعد النفى والإثبات. فإن كان المعنى الفرعى الذى قبلها موجبا كان ما بعدها منفيا فى معناه ، وإن كان المعنى الفرعى قبلها منفيا فى معناه كان ما بعدها موجبا ، فمعناها ينبئ عن المغايرة والمخالفة بين ما بعدها وما قبلها. من غير حاجة إلى أداة نافية فى أحدهما ولا يصح أن تكون الجملة الاسمية بعدها خبرا عن مبتدأ أو عن ناسخ قبلها - ولا غير خبر أيضا - كما سنعرف. واستعمال «لكنّ» فى الاستدراك هو الأعم الأغلب. ومن الجائز استعمالها فى بعض الأحيان لمجرد تأكيد المعنى ، كما كان يستعملها الفصحاء ؛ مثل : «لو اعتذر المسىء لتناسيت إساءته ؛ لكنه لم يعتذر» فهى هنا لتأكيد عدم الاعتذار ، وهو مفهوم بدونها من كلمة : «لو» التى تفيد نفى معنى الكلام المثبت بعدها.
يسبقها كلام له صلة معنوية بمعموليها (1). وفى : «كأن» : التشبيه (2)
ومن الأساليب الفصيحة المسموعة قولهم : «كأنك بالفرج آت ؛ وبالشتاء مقبل». «وكأنك بالدنيا لم تكن ، وبالآخرة لم تزل» وقد تعددت الآراء فى المراد. ومنها فى الأسلوب الأول : التعبير عن قرب مجىء الفرج ، وقرب إقبال الشتاء. وفى الثانى خطاب متجه إلى المحتضير : كأن الدنيا لم تكن (أى : لم توجد) أو كأنك لم تكن بالدنيا ، لقصر المدة فيها فى الحالتين ، وكأنك فى الآخرة - تتوهم أنك لم تزل عن الدنيا ولم تبارحها. وقد اختلف النحاة كذلك فى إعراب تلك الأساليب إعرابا يساير معنى واضحا ؛ ومما ارتضوه فى الأسلوب الأول أن يكون معنى «كأن» هنا : التقريب. والكاف اسمها. وأصل الكلام. كأن زمانك آت بالفرج. ثم حذف المضاف ، وهو كلمة : «زمان». أما الخبر فهو كلمة : «آت» مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة. والجار والمجرور : (بالفرج) متعلق بالخبر : (آت). وبالشتاء - الواو حرف عطف ، والجار مع مجروره متعلق بكلمة : مقبل ؛ المعطوفة على كلمة «آت» السابقة ؛ فأصل الكلام : كأنّ زمانك آت بالفرج ، ومقبل «بالشتاء».
وارتضوا فى الأسلوب الأخير أن يكون الخبر محذوفا فيهما. وجملة : «لم تكن» ، وكذلك جملة. «لم تزل» فى محل نصب حال. والأصل : كأنك تبصر بالدنيا حالة كونك لم تكن بها (لأنك تبصرها فى لحظة مغادرتها) وكأنك تبصر بالآخرة فى حالة كونك لم تزل (أى : فى حالة لم تزل عن الدنيا ، ولم تغادرها نهائيا).
وهناك إعرابات أخرى كل منها يساير معنى معينا ، فتختلف الإعرابات باختلاف المعانى التى يتضمنها كل أسلوب. (راجع حاشية الصبان ج 1 عند الكلام على : كأن). ولعل الإعراب الواضح الذى يساير معنى واضحا فى المثالين الأولين هو : افتراض أصلهما : كأنك آت بالفرج ومقبل بالشتاء ، وهذا مع مسايرته المعنى يفيد القرب الذى سيق الأسلوب شاهدا عليه. لأن المخاطبة دليل القرب.
ولا مانع من اعتبار : كأن للقرب أو للشعيه. فإن كانت للقرب فمعناها ظاهر ، وإن كانت للتشبيه فالمراد «كأنك شخص أو شىء آت بالفرج ، ومقبل بالشتاء. فالمشبه به محذوف. وعلى هذا أو ذاك - «الكاف» اسمها : «آت» خبرها. ب «الفرج» جار ومجرور متعلق بالخبر. و «مقبل» «الواو» - حرف عطف «مقبل» معطوف على : «آت». وب «الشتاء» جار ومجرور متعلق بكلمة : «مقبل» وما يقولونه فى تأييد إعرابهم المخالف مردود وضعيف (كالذى ورد فى المغنى والتصريح وحواشيهما عند الكلام على : كأن).
كما يصح فى المثال الأخير : اعتبار كلمة «كأن» للتشبيه (تشبيه المخاطب فى هذه الحالة بنفسه فى حالة أخرى ؛ فالمشبه والمشبه به شخص واحد ، ولكن فى حالتين مختلفين ، وهذا أمر جائز عندهم كما أسلفنا. أى : كأنك فى حالة وجودك بالدنيا شبيه بنفسك فى حالة عدم وجودك بها.) «فالكاف» اسمها ، والجار والمجرور ؛ (بالدنيا) متعلق بالفعل : «تكن» فكلمة : «لم» حرف جزم. «تكن» تامة بمعنى «توجد» فعل مضارع مجزوم بها. والفاعل : أنت ، والجملة فى محل رفع خبر : «كأن». (فالمراد : كأنك عند الاحتضار لم توجد بالدنيا ، فأنت فى حالتك هذه تشبه نفسك فى حالة عدم وجودك فيها ؛ فالحالتان سيان). و «بالآخرة» الواو حرف عطف. الجار والمجرور حال مقدم من الضمير فاعل الفعل المضارع : «تزل» المجزوم بالحرف : «لم» (فالمراد : كأنك لم توجد بالدنيا ولم تزل عنها فى حالة وجودك بالآخرة ؛ لأنك على بابها. والجملة الفعلية الثانية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة).
ويرى فريق آخر قصر التشبيه فى : «كأن» على الحالة التى يكون فيها خبرها جامدا ؛ مثل : «كأن البخيل حجر». أما فى غيره فهى للتحقيق ، أو : التقريب ، أو الظن ... ومن أمثلة التحقيق عندهم قوله تعالى : ( وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ، ) إذ المعنى هنا محقق قطعا. ولا مجال فيه للتشبيه. ومثله قول الشاعر المتغزل :
كأننى حين أمسى لا تكلمنى *** متيّم أشته ما ليس موجودا
وهذا رأى حسن ولكن جمهرتهم لا يخرجونها عن التشبيه ، وحجتهم ما ذكرنا من أن المشبه به قد يكون محذوفا. وقد يكون هو المشبه أيضا ، ولكن فى حالة أخرى كما سبقت الإشارة ؛ ففى مثل : «كأن عليا يلعب» : المراد : كأن عليا شخص يلعب ، أو : كأن عليا فى حال عدم لعبه يشبه عليا فى حالة لعبه. أى : كأن هيئته فى غير لعبه كهيئته فى اللعب (راجع الجزء الأول من الهمع ص 133) ، وقد قلنا : إن الأخذ بهذا الرأى أحسن عند عدم القرينة ، إبعادا للخلاف ، واختصارا نافعا فى القواعد. أما مع القرينة فلا ، كالآية. والتأويل فى الآية - ونظائرها - عسير ، لأن القرينة تدل على أنها للتحقيق.
قد يكون أصل المضارع فى : (كأنك فى الدنيا لم تزل ...) هو : «يزول» من «زال» التامة ، بمعنى ؛ فنى وذهب. فالزاى مضمومة. وقد يكون أصله : «يزال». من : «زال» ، يزال» الناسخة مثل : لا يزال الحر مكرما ، بمعنى : بقى واستمر ، فالزاى مفتوحة. والمعنى منها يخالف ما سبق ، وفيه بعد ، أى : أن الآخرة باقية خالدة تنتظر .
؛ وفى :1) أى : لا بد أن تتوسط بين جملتين كاملتين ، بينهما نوع اتصال معنوى ، - لا إعرابى - بحيث تكون فى صدر الثانية منهما ، ولا يصح فى الجملة الثانية المصدرة بها أن تقع خبرا - أو غيره - عن شىء سابق على «لكنّ» ، كما أشرنا - راجع رقم 3 من هامش ص 571 - أما ما ورد فى كلام السابقين المولدين من نحو : فلان وإن كثر ماله - لكنه بخيل ، أو : إلا أنه بخيل فقد سبق بيان الرأى فيه (وص 408).
2) المراد : تشبيه اسمها بخبرها فيما يشتهر به الخبر. والتشبيه بها أقوى من التشبيه بالكاف ؛ فمثل : كأن الجمل فيل فى الضخامة ، أقوى فى التشبيه من : «الجمل كالفيل فى الضخامة». ولا يليها - فى الغالب - إلا المشبه. أما «الكاف» و «مثل» .. و... وأضرابهما فيليها المشبه به فى الأكثر ، على الصورة التى فصلها البيانيون فى كل ذلك. واستعمالها فى التشبيه مطرد فى سائر أحوالها عند جمهرة النحاة. ولكن فريقا يقول : إنها لا تكون للتشبيه إلا حين يكون خبرها اسما أرفع من اسمها قدرا. أو أحط منه ؛ نحو : كأن الرجل ملك. أو : كأن اللص قرد. أما إذا كان خبرها جملة فعلية ، أو ظرفا ، أو جارا مع مجروره ، أو صفة من صفات اسمها - فإنها للظن ؛ نحو : كأن محمودا وقف ، أو واقف ، أو عندك ، أو فى الدار ... لأن محمودا هو نفس الواقف ، ونفس المستقر عندك ، أو فى الدار ... والشىء لا يشبه بنفسه. ويقول الذين يرونها للتشبيه باطراد : إنها فى الأمثلة السابقة ونظائرها - جارية على أداء مهمتها الأصلية ؛ وهى : التشبيه باعتبار أن المشبه به محذوف ، فالأصل : كأن محمودا شخص وقف ، أو شخص واقف ، أو شخص عندك ، أو شخص فى البيت ... أو باعتبار المشبه به هو نفس المشبه ، ولكن فى حالة أخرى له. ولا مانع عندهم من تشبيه الشخص فى حالة معينة - بنفسه فى حالة أخرى تخالفها ، فيكون المراد : كأن محمودا فى حاله وهو غير واقف شبيه بنفسه وهو واقف ... والخلاف شكلى ، ولكن هذا الرأى أنسب لأنه عام ينطبق على كل الحالات ، ويريحنا من التشتيت والخلاف ، وتشعيب القواعد. والأخذ بهذا الرأى أو ذاك إنما يكون حيث لا توجد القرينة التى تعين المراد. فإن وجدت وجب الأخذ بها.
«ليت» التمنى (1)
وتختص «ليت» بأسلوب يلتزم فيه العرب حذف خبرها ، هو قولهم : «ليت شعرى ......» ومع حذفهم الخبر فيه باطراد يلتزمون أن يذكروا اسمها وأن يكون هذا الاسم ؛ كلمة : «شعر» مضافة إلى ياء المتكلم ، وبعدها الخبر المحذوف وجوبا ثم تذكر بعده جملة مصدرة باستفهام ؛ نحو : ليت شعرى ... أمقيم أخى أم ظاعن؟ ليت شعرى أراغب صديقى فى الزيارة أم كاره؟ ... يريدون ، ليت شعرى عالم بجواب هذا السؤال .... أو : مخبرا بجوابه. أما فى غير تلك الحالة وكذا فى باقى الأخبار فيجوز حذف الخبر وحده لدليل ؛ عملا بالقاعدة اللغوية التى تبيح عند أمن اللبس - حذف ما لا يتأثر المعنى بحذفه - كما سيجىء فى ص 580.
وتختص «ليت» - كذلك - بالاستغناء عن اسمها وخبرها إذا دخلت على «أن» (المفتوحة الهمزة المشددة النون) إذ يسد المصدر المؤول من «أن» ومعموليها مسد معمولى «ليت» ، مثل : ليت أن الصحة دائمة. وقيل : إنّ الخبر محذوف ، والتقدير : ليت دوام الصحة حاصل ... وسواء أكان هذا أم ذاك فالذى يعنينا أنها تدخل على «أن» ومعموليها ؛ فيتم الكلام ، ويستقيم المعنى من غير حاجة إلى زيادة أخرى ؛ فلا أهمية للخلاف فى الإعراب ؛ إذ الغرض الوصول إلى التعبير السليم الذى يؤدى إلى المعنى المقصود ، وهو هنا غير متوقف على طريقة الإعراب.
وكذلك تختص - فى الرأى الأرجح - بعدم دخول «سوف» على خبرها ؛ فلا يصح : ليت الصحة سوف تدوم ؛ لأن سوف لا تدخل إلا على ما يمكن تحقيقه وإدراكه من كل شىء ليس فيه استحالة ، ولا بعد ، وهذا نقيض ما تفيده «ليت» - فى الغالب -.
. وفى : «لعل» (2)الترجى (3)تأنّ ولا تعجل - بلومك صاحبا *** لعلّ له عذرا وأنت تلوم
وقد تكون للاستفهام ؛ كقوله تعالى : ( وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. ) وقد تكون للظن ... وجميع هذه المعانى قياسية الاستعمال وإن تفاوتت فى الكثرة. والأسلوب الذى تتصدره «لعل» إنشائى ، شأنها فى هذا شأن : «ليت» دون باقى إخواتهما - كما سبق فى رقم 3 هامش ص 337 ورقم 5 من هامش ص 570.
والتوقع. وقد تكون للإشفاق. .1) هو الرغبة فى تحقق شىء محبوب حصوله ؛ سواء أكان تحققه ممكنا مثل : ليت الجو معتدل ، أم غير ممكن ؛ مثل : ليت القتيل يعود حيا. ولا يصح أن يكون فى أمر محتوم الوقوع ؛ مثل : ليت غدا يجىء. والتمنى معنى إنشائى. ولهذا كان الأسلوب الذى تتصدره «ليت» إنشائيا كما سبق - فى رقم 3 من هامش 337 -.
2) فى «لعل» المسندة لسياء المتكلم لغات كثيرة ، ولهجات متعددة نقلها صاحب الأمالى (أبو على القالى فى الجزء الثانى - ص 136 -) ، قال ما نصه : بعض العرب يقول لعلى ، وبعضهم لعلى ، وبعضهم علىّ ، وبعضهم علنىّ ، وبعضهم لعنىّ ، وبعضهم لعنّنى ، وبعضهم لعلنا ، وبعضهم لأننى ، وبعضهم لأنى ، وبعضهم لونّى) اه ، وفى لسان العرب لغات أخرى.
3) معنى الترجى : انتظار حصول شى مرغوب فيه ، ميسور التحقق. ولا يكون إلا فى - الأمر الممكن. ومثله التوقع. أما الإشفاق فلا يكون إلا فى الأمر المكروه المخوف ؛ مثل : لعل النهر يغرق الزرع والبيوت. وخبرها غير مقطوع بوقوعه ، ولا متيقن ، فهو موضع شك ؛ بخلاف خبر «إن» و. «أن» - كما سبق - وقد تكون للتعليل ؛ كقوله تعالى : ( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ ... ) . وقول الشاعر :
شروط إعمالها (1)
وينفرد خبر «لعل» بجواز تصديره «بأن» المصدرية ؛ نحو : لعل أحدكم أن يسارع فى الخيرات فيلقى خير الجزاء ... (ولا مانع فى هذه الحالة أن يقع المعنى خبرا عن الذات كوقوعه خبرا لعسى ... وقد سبق الكلام عليها فى باب أفعال المقاربة رقم 7 من هامش ص 557).
وإذا وقعت «لعل» أو «عسى» فى كلام اللّه تعالى لا يكون معناها الرجاء ، أو الإشفاق ؛ لاستحالة ذلك عليه. وإنما يكون معناها التحقيق حينا ، وحينا الرجاء أو الاشفاق منسوبا إلى الذى يدور بصدده الكلام ، لا إلى المولى جل شأنه. (انظر رقم 2 من هامش 563).
:ا - يشترط لعملها ألا تتصل بها : «ما» الزائدة. فإن اتصلت بها «ما» الزائدة (2)- وتسمّى : «ما» الكافّة - منعتها من العمل ، وأباحت دخولها على الجمل الفعلية بعد أن كانت مختصة بالاسمية. إلا : «ليت» فيجوز إهمالها وإعمالها (3)
ووصل «ما» بذى الحروف مبطل *** إعمالها. وقد يبقّى العمل
أى : أن اتصال «ما» الزائدة بهذه الحروف يبطل عملها. وقد يبقى العمل - اختيارا - فى «ليت» وحدها دون أخواتها ، فى الرأى الأحسن.
عند اتصالها بكلمة «ما» السالفة ؛ فيجب الإهمال فى مثل : إنما الأمين صديق (4)، ولكنما الخائن عدوّ ، وفى مثل قول الشاعر يصف حصانا ببياض وجهه ، وسواد ظهره :وكأنما انفجر الصباح بوجهه *** حسنا ، أو احتبس الظلام بمتنه (5)
ويجوز الأمران مع : «ليت» مثل : ليتما علىّ حاضر ، أو : ليتما عليا حاضر ، وهى فى الحالتين مختصة بالجمل الاسمية.
1) يشترط فى اسمها وخبرها ما يشترط فى اسم كان وخبرها مما تقدم ذكره من شروط عامة فى ص 498 ؛ مع زيادة شروط أخرى. سنذكرها هنا.
2) يشترط أن تكون «ما» حرفا زائدا ليمنع هذه الحروف الناسخة من العمل. فإن لم يكن حرفا زائدا لم يمنعها مثل «ما» الموصولة فى نحو : إن ما فى القفص بلبل. (أى : إن الذى فى القفص بلبل) ومثل «ما» الموصوفة فى نحو : إن ما مطيعا نافع ، أو إن ما يطيع نافع ، (أى : إن شيئا مطيعا أو يطيع - نافع. فكلمة : «ما» فى المثالين ليست كافة (أى : ليست مانعة) للحرف الناسخ عن العمل ، ويجب فصلها فى الكتابة منه. بخلاف الزائدة فيجب وصلها بآخره فى الكتابة.
3) وفى هذا يقول ابن مالك فى بيت سيجىء فى ص 601.
4) إذا اتصلت - ما» الزائدة بأحد الحرفين الناسخين : «إن» أو «أن» ، منعتهما من العمل ، وصار كل واحد منهما بعد هذه الزيادة أداة من أدوات الحصر ؛ تزيد توكيد المعنى قوة وضوحا. (وقد سبقت الإشارة للحصر فى ص 451) مثل : إنما أنت كبير الهمة ، أو : عرفت أنما أنت كبير الهمة ؛ فقد قصرنا المخاطب على صفة معينة ؛ هى كبر الهمة ؛ وحصرنا أمره فيها. وتأويل «أن» (المفتوحة الهمزة المشددة النون) مع معموليها بمصدر مؤول تختفى عند ظهوره لا يمنع من إفادتها الحصر عند اتصالها بما الزائدة ، لأن إفادة الحصر تتم قبل التأويل وسبك المصدر. (راجع الصبان ج 1 عند الكلام على «ما» الزائدة المتصلة بهذه الحروف).
5) بظهره.
ب - يشترط فى اسمها شروط ، أهمها :
ألا يكون من الكلمات التى تلازم استعمالا واحدا ، وضبطا واحدا لا يتغير ؛ كالكلمات التى تلازم الرفع على الابتداء ، فلا تخرج عنه إلى غيره ؛ ككلمة : «طوبى» وأشباهها (1)- فى مثل : طوبى للمجاهد فى سبيل اللّه. - فإنها لا تكون إلا مبتدأ.
وألا يكون من الكلمات الملازمة للصدارة فى جملتها ، إما بنفسها مباشرة ؛ كأسماء الشرط ، و : «كم» ... ، وإما بسبب غيرها (2)؛ كالمضاف إلى ما يجب تصديره ؛ مثل : صاحب من أنت؟ فكلاهما لا يصلح اسما.
والسبب : هو أن هذه الحروف الناسخة ملازمة للصدارة فى جملتها (ما عدا «أنّ» (3)فإذا كان اسم واحد منها ملازما للصدارة وقع بينهما التعارض. ولهذا كان من شروط إعمالها - أيضا - أن يتأخر اسمها وخبرها عنها.
وألا يكون اسمها فى الأصل مبتدأ واجب الحذف ؛ كالمبتدأ الذى خبره فى الأصل نعت ، ثم انقطع عن النعت إلى الخبر (4)
ومثله قول الشاعر :
إنّ من يدخل الكنيسة يوما *** يلق فيها جآذرا وظباء
أى : إنه من يدخل يلق ....
وحذف ضمير الشأن فى هذا الباب كثير بقرينة تدل عليه وعلى المراد ؛ (كما هو مشروط عند كل حذف) ومنه الحديث ... إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون. أى : إنه ....
؛ نحو : عرفت محمودا .1) وكالكلمات التى تلازم النصب على المصدرية ، أو الظرفية. وقد مر بيانها فى بدء الكلام على «كان» وأخواتها ص 494.
2) مما مر بيانه فى بدء الكلام على «الكلام على «كان» وأخواتها ص 495.
3) إذا كانت «أنّ» للترجى - أى : مثل : «لعل» التى تفيد هذا المعنى - وجب أمران ؛ أن تلازم صدر جملتها ، وأن تكون الجملة فى هذه الصورة اسمية حتما ، ولا يصح اعتبار «أنّ» حرفا مصدريا يؤول مع معموليه بمصدر مفرد. كما لا يصح - وهى بمعنى : «لعلّ» - أن يتقدم عليها أحد معموليها ، ولا معمول أحدهما - وقد سبق هذا فى ص 485.
4) سبق أن أوضحنا المراد بالنعت المقطوع وسببه ... فى ص 463 ، وسيجىء تفصيل الكلام عليه فى الباب الخاص بالنعت ح 3 - ويستثنى من المبتدأ الواجب الحذف ضمير الشأن فى مثل : «إن من يرض عن الشر يلق سوء الجزاء» إذ الأصل : إنه من يرض ... أى : إنه الحال والشأن (وقد تقدم الكلام على ضمير الشأن ص 226) فهذه الهاء فى الأصل نائبة عن مبتدأ هو : الحال والشأن. ولا يصح أن تكون كلمة «من» اسم «إن» لأن «من» شرطية ؛ والشرط له الصدارة ، فلا يسبقه ناسخ ، هذا إلى أن المضارعين بعدها مجزومان.
العالم (1).
ح - ويشترط فى خبرها ألا يكون إنشائيّا (2)، (إلا الإنشاء المشتمل على : «نعم» و «بئس» وأخواتهما من أفعال المدح والذم) فلا يصح : إن المريض ساعده. وليت البائس لا تهنه ... ويصح : إن الأمين نعم الرجل ، وإن الخائن بئس الإنسان.
وكذلك يشترط فى خبرها إذا كان مفردا أو جملة - أن يتأخر عن اسمها ، فيجب مراعاة الترتيب بينهما ؛ بتقديم الاسم وتأخير الخبر ، نحو : إن الحقّ غلّاب - إن العظائم كفؤها العظماء - إن كبار النفوس ينفرون من صغائر الأمور ، وقول الشاعر :
إن الأمين - إذا استعان بخائن - *** كان الأمين شريكه فى المأثم
فلو تقدم هذا الخبر لم تعمل ، بل لم يكن الأسلوب صحيحا. وهذا الشرط يقتضى عدم تقدمه على الناسخ من باب أولى.
أما إذا كان الخبر غير مفرد وغير جملة ، بأن كان شبه جملة : (ظرفا أو جارا مع مجروره). فيجوز أن يتقدم على الاسم فقط ، فيتوسط بينه وبين الناسخ عند عدم وجود مانع : نحو ؛ إن فى السماء عبرة (3)
لإنّ أنّ ، ليت ، لكنّ ، لعل *** كأنّ - عكس ما لكان من عمل
كإنّ زيدا عالم بأنّى *** كفء ، ولكنّ ابنه ذو ضغن
يقول : لإن - وما تبعها من الحروف المذكورة بعدها - عكس ما ثبت من العمل لكان وأخواتها «فكان» ترفع الاسم وتنصب الخبر وهذه الحروف تعمل عكسها : تنصب الاسم وترفع الخبر ، ووضح هذا بأمثلة فى البيت الثانى ، هى : إن زيدا عالم بأنى كفء ، ولكن ابنه ذو ضغن (أى : حقد) فعرض أمثلة لحروف ثلاثة هى : إن ، أن ، لكن ... هذا ويتردد فى كلام النحاة القدماء - وغيرهم - اسم «زيد» «عمرو» «بكر» «خالد» ، وهى أسماء عربية صحيحة ، ولكنها شاعت فى استعمالاتهم حتى صارت مبتذلة ؛ فيحسن العدول عنها فى استعمالنا قدر استطاعتنا ، كما أشرنا لهذا كثيرا.
ثم قال :
وراع ذا الترتيب. إلا فى الّذى *** كليت فيها ، أو : هنا - غير البذى
يريد : أن مراعاة هذا الترتيب الوارد فى أمثلته بين المعمولين أمر واجب ؛ فيتقدم الاسم ويتأخر الخبر وجوبا إلا فى مثل ؛ ليت فى الدار غير البذى (أى : البذىء ؛ وهو : الوقح) ، ومثل : ليت هنا غير البذىء ؛ من كل تركيب يقع فيه خير إن وأخواتها ظرفا أو جارا مع مجروره. وقد اقتصر على بيان هذه الحالة التى يجوز فيها التقديم ، ولم يذكر تفصيل المواضع التى يجب فيها التقديم والتى يجب فيها التأخير ...
، وإن فى دراستها عجائب. وقول الشاعر :إنّ من الحلم ذلّا أنت عارفه *** والحلم عن قدرة فضل من الكرم .
1) برفع كلمة : «العالم» على أنها خبر مبتدأ محذوف. وكانت فى الأصل نعتا ثم تركته ، وصارت خبرا ؛ إذا الأصل «عرفت محمودا العالم» بنصب العالم على أنها صفة ، ثم قطعت عن النعت إلى الخبر للأسباب التى أشرنا إليها فى ص 463.
2) سواء أكان الإنشاء طلبا أم غير طلب (راجع رقم 3 من هامش ص 337 ويجوز فى خبر «أن» المخففة أن يكون جملة دعائية - كما سيجىء فى ص 615 - كقراءة من قرأ بتخفيف النون (أى : تسكينها) ، قوله تعالى : ( وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْها ) ويقول «الرضى» لا أرى مانعا من وقوع الجملة الطلبية خبرا عن «إنّ» و «لكنّ» مع قلته. ولا داعى للأخذ برأيه القليل.
3) فيما سبق يقول ابن مالك فى باب عنوانه : إن إخواتها :
ومثل : إن هنا رفاقا كراما ، وإن معنا إخوانا أبرارا. وقولهم فى وصف رجل : كان واللّه سمحا سهلا ، كأنّ بينه وبين القلوب نسبا ، أو : بينه وبين الحياة سببا. فإن وجد مانع لم يجز تقدمه ؛ كوجود لام الابتداء فى نحو : إن الشجاعة لفى قول الحق : حيث لا يجوز تقديمه وفيه لام الابتداء (1)...
وهناك حالة يجب فيها تقديمه ؛ هى : أن يكون فى الاسم ضمير يعود على شىء فى الخبر الجار والمجرور ؛ مثل : إن فى الحقل رجاله ، وإن فى المصنع عماله. فاسم الناسخ (رجال وعمال) مشتمل على ضمير يعود على بعض الخبر (2)؛ (أى : على الحقل ، والمصنع) ، ولو تأخر الخبر لعاد ذلك الضمير على متأخر فى اللفظ وفى الرتبة معا ؛ وهو ممنوع هنا (3)
وإذا وقع المصدر المؤول من «أن مع معموليها» مبتدأ ؛ وكان تأخير خبره فى هذه الصورة مؤديا إلى اللبس ، وجب تقديم هذا الخبر ؛ مثل : عندى أنك فاضل.
أما سبب اللبس وما يترتب عليه فقد تقدم فى رقم 5 من ص 458 حيث مواضع تقديم خبر المبتدأ وجوبا.
.ومما تقدم نعلم أن للخبر - فى هذا الباب - ثلاثة أحوال من ناحية تقديمه ، أو تأخيره على الاسم. .
1) ومن الموانع أن يكون الحرف الناسخ هو : «عسى» (التى بمعنى : لعل) أو الحرف : لا» - كما سيأتى فى بابها ص 626 - فلا يجوز تقديم خبر هذين الحرفين مطلقا.
2) لأن الخبر هو الجار مع مجروره ، والضمير عائد على المجرور وحده ؛ فهو عائد على بعض الخبر - كما سبق أن أوضحناه.
3) وهناك حالة أخرى يجب فيها تقديم خبر أن (المفتوحة الهمزة المشددة النون) ستجىء فى : «ب» من ص 583.
الأولى : وجوب تأخيره إذا لم يكن شبه جملة. وكذلك إن كان شبه جملة جارا مع مجروره ، ولا يعود على المجرور ضمير من الاسم.
الثانية : وجوب تقديمه إذا كان شبه جملة ، جارا مع مجروره ، وكان الاسم مشتملا على ضمير يعود على المجرور (أى : على بعض الخبر الجار مع مجروره).
الثالثة : جواز الأمرين إذا كان شبه جملة ، - غير ما سلف - ولم يمنع من التقدم مانع.
أما معمول الخبر (مثل : إن المتعلم قارئ كتابك ، وإنه منتفع بعلمك ،) فلا يجوز تقدمه على الحرف الناسخ ، لكن يجوز تقدمه على الخبر مطلقا (أى : سواء أكان المعمول شبه جملة ، أم غير شبهها ، فتقول : إن المتعلم - كتابك - «قارئ ، وإنه - بعلمك - منتفع. ففى الجملة الأولى تقدم المعمول : «كتابك» وليس بشبه جملة ؛ وفى الثانية تقدم المعمول شبه الجملة ، وهو الجار والمجرور : «بعلم».
كما يصح تقديم معمول الخبر على الاسم والتوسط بينه وبين الناسخ فى حالة واحدة ، هى : أن يكون المعمول شبه جملة ؛ نحو : إن فى المهد الطفل نائم - إن بيننا الودّ راسخ.
ويؤخذ من كل ما سبق : أنه لا يجوز أن يفصل بين الحرف الناسخ واسمه فاصل إلا الخبر شبه الجملة الذى يصح تقديمه ، أو معمول لخبر إذا كان المعمول شبه جملة أيضا الجملة كذلك ، كما لا يجوز أن يتقدم على الحرف الناسخ اسمه ، أو خبره ، أو معمول أحدهما.
ا - قد يحذف الحرف الناسخ مع معموليه أو أحدهما ، ويظل ملحوظا تتجه إليه النية ؛ كأنه موجود. وأكثر ما يكون الحذف فى إنّ (المكسورة الهمزة المشدّدة النون) ، ومنه قول تعالى : ( أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) بناء على أن التقدير : تزعمون أنهم شركائى. وقد تحذف مع الخبر ويبقى الاسم ، وقد تحذف وحدها ويبقى اسمها وخبرها ، وقد يحذف أحدهما فقط (1)، وكل ذلك مع ملاحظة المحذوف ولا يصح شىء مما سبق إلا إذا قامت قرينة تدل على المحذوف مع عدم تأثر المعنى بالحذف ، وهذه قاعدة لغوية عامة أشرنا إليها من قبل (2)) ؛ هى جواز حذف ما لا يتأثر المعنى بحذفه. بشرط أن تقوم قرينة تدل عليه).
وقد يجب حذف خبر «إن» إذا سدّ مسده واو المعية ، نحو : إنك وخيرا ، أى : إنك مع خير ، أو سد مسده الحال ، نحو : قول الشاعر :
إنّ اختيارك ما تبغيه ذا ثقة *** باللّه مستظهرا بالحزم والجدّ
أو مصدرا مكررا ؛ نحو : إن الفائدة سيرا سيرا.
وتختص : «ليت» بالاستغناء عن معموليها ، وبأحكام أخرى سبقت شروطها وتفصيلاتها فى رقم 1 من هامش ص 574.
ب - الأنسب الأخذ بالرأى القائل بجواز تعدد الخبر فى هذا الباب على الوجه الذى سبق إيضاحه فى تعدد خبر المبتدأ ص 480 ؛ لأن التعدد هنا وهناك أمر تشتد إليه حاجة المعنى أحيانا.
ح - من العرب من ينصب بهذه الحروف المعمولين ؛ كما تنطق الشواهد الواردة به. لكن لا يصح القياس عليها فى عصرنا ؛ منعا لفوضى التعبير والإبانة ، وإنما نذكر رأيهم - كعادتنا فى نظائره - ليعرفه المتخصصون فيكشفوا به ، فى غير حيرة ولا اضطراب - ما يصادفهم من شواهد قديمة وردت مطابقة له مع ابتعادهم عن محاكاتها.
لهمزة «إنّ» ثلاثة أحوال ، وجوب الفتح ، ووجوب الكسر ، وجواز الأمرين.
يجب فتحها فى موضع واحد ، هو : أن تقع مع معموليها جزءا من جملة مفتقرة إلى اسم مرفوع ، أو منصوب ، أو مجرور ، ولا سبيل للحصول على ذلك الاسم إلا من طريق مصدر منسبك من «أنّ» مع معموليها. ففى مثل : شاع أن المعادن كثيرة فى بلادنا. سرنى أنك بارّ بأهلك - لا نجد فاعلا للفعل : «شاع» ولا للفعل : «سرّ» مع حاجة كل فعل للفاعل ، ولا وسيلة للوصول إليه إلا بسبك مصدر مؤول من : «أنّ» مع معموليها ؛ فيكون التقدير : شاع كثرة المعادن فى بلادنا - سرنى برّك بأهلك (1)وكذلك الفعل : «زاد» فى قول القائل :
لقد زادنى حبّا لنفسى أننى *** بغيض إلىّ كل امرئ غير طائل (2)
وفى مثل : عرفت أن المدن مزدحمة - سمعت أن البحار ممتلئة بالأحياء ... نجد الفعل : «عرف» محتاجا لمفعول به ، وكذلك الفعل : «سمع». فأين المفعولان؟ لا نتوصل إليهما إلا بسبك مصدر مؤول من : «أن» مع معموليها ؛ فيكون التقدير : عرفت ازدحام المدن - سمعت امتلاء البحار بالأحياء.
وفى مثل : تألمت من أن الصديق مريض - فرحت بأن العربىّ مخلص للعروبة ... ، نجد حرف الجر : «من» ليس له مجرور ، وكذلك حرف الجر : «الباء» وهذا غير جائز فى العربية. فلا مفر من أن يكون المصدر المنسبك من «أنّ» مع معموليها فى الجملة الأولى هو المجرور بالحرف : «من» وفى الجملة الثانية هو المجرور «بالباء». والتقدير : تألمت من مرض الصديق - وفرحت
بإخلاص العربىّ للعروبة ... وهكذا كل جملة أخرى تتطلب اسما لها ، ولا سبيل لإيجاده إلا من طريق مصدر منسبك من «أنّ» مع معموليها.
ومن الأمثلة غير ما سبق : «حقا ، أنك متعلم رفع لقدرك» - «المعروف أن التعلم نافع». فالمصدر المؤول فى الجملة الأولى مبتدأ ، والتقدير : تعلمك رفع لقدرك ، أما فى الجملة الثانية فهو خبر ، والتقدير : المعروف نفع التعلم.
ومثله المصدر المؤول بعد : «لو لا» حيث يجب فتح همزة «أنّ» نحو : لو لا أنك مخلص لقاطعتك. والتقدير : لو لا إخلاصك حاصل لقاطعتك.
ومما سبق نعلم أن المصدر المؤول يجىء لإكمال النقص ، فيكون فاعلا ، أو نائبه ، أو مفعولا به (1)، أو مبتدأ ، أو خبرا (2). وقد يكون غير ذلك (3).
كما نفهم المراد من قول النحاة : يجب فتح همزة : «أن» إذا تحتم تقديرها مع معموليها بمصدر يقع فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر (4)
وهمز : «إنّ» افتح لسدّ مصدر *** مسدّها ، وفى سوى ذاك اكسر
أى : افتح همزة «إن» لسد المصدر مسدها مع معموليها.
. .ا - «أنّ» - مفتوحة الهمزة ، مشددة النون - معناها التوكيد - كما شرحنا (1)- وهى مع اسمها وخبرها تؤول بمصدر معمول لعامل محتاج له ، فمن الواجب أن يكون الفعل - وغيره مما هى معمولة له - مطابقا لها فى المعنى ؛ بأن يكون من الألفاظ الدالة على العلم واليقين (2)؛ لكيلا يقع التعارض والتناقض بينهما (أى : بين ما يدل عليه العامل ، وما يدل عليه المعمول) وهذا هو ما حرت عليه الأساليب الفصيحة حيث يتقدمها ما يدل على اليقين والقطع : مثل : اعتقدت ، علمت ، ووثقت ، تيقنت ، اعتقادى ... ولا يقع قبلها شىء من ألفاظ الطمع ، والإشفاق ، والرجاء ... مثل : أردت ، اشتهيت ، وددت ... وغيرها من الألفاظ التى يجوز أن يوجد ما بعدها أو لا يوجد ؛ والتى لا يقع بعدها إلا «أن» الناصبة للمضارع. وهذه لا تأكيد فيها ولا شبه تأكيد ؛ فتقول أرجو أن تحسن إلى الضعيف ، وأرغب أن تعاون المحتاج. وكالتى فى الآية الكريمة : ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ. )
وما ذكرناه فى «أنّ» المشدّدة يسرى على : «أنّ» المفتوحة الهمزة المخففة من الثقيلة ؛ فكلاهما فى الحكم سواء ، نحو قوله تعالى : ( عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى. )
ومن الألفاظ ما لا يدل على اليقين ولا على الطمع والإشفاق ولكن يقع بعده «أن» المشددة والمخففة الناسختان كما يقع بعده «أن» التى تنصب الفعل المضارع.
وذلك النوع من الألفاظ هو ما يدل على الظن ؛ مثل : ظننت ، وحسبت ، وخلت.
ومعنى الظن : أن يتعارض الدليلان ، ويرجح أحدهما الآخر. وقد يقوى الترجيح فيستعمل اللفظ بمعنى اليقين ؛ نحو قوله تعالى : ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ، ) وقد يضعف حتى يصير مشكوكا فى وجوده : كأفعال الرجاء والطمع وألفاظهما الأخرى (3)...
ب - لا تكون «أنّ» (المفتوحة الهمزة. المشدة النون) مستقلة بنفسها مع معموليها : فلا بد أن تكون معهما جزءا من جملة أخرى (4) ... غير أنه لا يجوز
أن يقع المصدر المؤول من : «أن ومعموليها» اسما لأختها المكسورة الهمزة (1). فإذا أريد ذلك وجب الفصل بينهما بالخبر ، فيتقدم بشرط أن يكون شبه جملة (2). نحو : إن عندى أن التجربة خير مرشد. إن فى الكتب السماوية أن الرسل هداة للناس ... وقد سبق أنه يجوز وقوع «أنّ» مع معموليها اسما للأحرف الناسخة - ومنها : أن - (أى : أن يكون المصدر المؤول اسما للحرف الناسخ) بشرط أن يتقدم عليه الخبر شبه الجملة.
ح - أشرنا - فى ص 181 - إلى بعض مواضع المصدر المؤول من «أنّ ومعموليها». وقد يقع فاعلا لفعل ظاهر كما رأينا أو مقدر ؛ نحو : اسمع ما أنّ الخطيب يخطب. أى : ما ثبت أن الخطيب يخطب ، (مدة ثبوت خطبته) وذلك لأن «ما» المصدرية الظرفية لا تدخل - فى أشهر الآراء - على الجملة الاسمية المبدوءة بحرف مصدرى (3). ومثلها العبارة المأثورة : «لا أكلم الظالم ما أنّ فى السماء نجما. أى : ما ثبت أن فى السماء نجما ...»
ومن الفعل المقدر أيضا أن يقع ذلك المصدر المؤول بعد : «لو» الشرطية ؛ نحو : لو أنك حضرت لأكرمتك. فالمصدر المؤول فاعل محذوف ، والتقدير : لو ثبت حضورك ... لأن «لو» شرطية لا تدخل إلا على الفعل فى الرأى المشهور. والأخذ به أولى من الرأى القائل : إن المصدر المؤول مبتدأ خبره محذوف وجوبا ، أو مبتدأ لا يحتاج إلى خبر. لأن فيهما تكلفا وبعدا (4).
وقد يقع ذلك المصدر نائب فاعل ، نحو قوله تعالى : ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ... ، ) وقد يقع خبرا عن مبتدأ الآن ، كالأمثلة
1) أشرنا لهذا فى رقم 2 من هامش ص 571.
2) راجع شرح المفصل ج 8 ص 71. ويذكرون فى سبب المنع أن كل واحدة منهما تفيد التوكيد وحرف التوكيد لا يدخل مباشرة على نظيره. هذا إلى أن دخول إن المكسورة على أختها قد يوقع فى الوهم أن المفتوحة الهمزة أضعف فى إفادة التوكيد من المكسورة الهمزة ؛ فجىء بهذه لتجبر الضعف ، مع أنهما متساويان وكل هذا تعليل متكلف ومصنوع، وإنما التعليل الحق هو محاكاة العرب الفصحاء ...
3) إذ الحرف المصدرى لا يدخل على نظيره لغير توكيد لفظى. (كما سبق فى رقم 1 من هامش ص 373).
4) بيان الأسباب فى ج 2 ص 122 م 69 باب : «الاشتغال» - وفى باب : «لو» من الجزء الرابع.
السالفة ، أو بحسب الأصل : نحو : كان عندى أنك مقيم. لكن يشترط فى المبتدأ الذى يقع خبره هذا المصدر المؤول ، ثلاثة شروط :
1 - أن يكون اسم معنى ؛ نحو : الإنصاف أنك تسوّى بين أصحاب الحقوق ؛ فلا يصح : الأسد أنه ملك الوحوش ، بفتح الهمزة. بل يجب كسرها - كما سيجىء (1)-.
2 - وأن يكون غير قول (2)؛ فلا يجب الفتح فى مثل : قولى : أن البطالة مهلكة.
3 - وأن يكون محتاجا للخبر المؤول من «أنّ» ومعموليها ليكمل معه المعنى الأساسى للجملة ، من غير أن يكون المبتدأ داخلا فى معنى الخبر ؛ (أى : من غير أن يكون معنى الخبر صادقا عليه) ، نحو : اعتقادى أنك نزيه. فكلمة : اعتقادى. مبتدأ يحتاج إلى خبر يتمم المعنى الأساسى. فجاء المصدر المؤول ليتممه. والتقدير : «اعتقادى نزاهتك» ، فالخبر هنا يختلف فى معناه عن المبتدأ اختلافا واضحا. فإن كان المصدر المؤول من : «أن مع معموليها» ليس هو محط الفائدة الأصلية ، (أى : ليس المقصود بتكملة المعنى الأساسى ؛ كأن يكون معناه منطبقا على المبتدأ وصادقا عليه) فإنه لا يعرب خبرا ، بل الخبر غيره. كما فى المثال السابق وهو : «اعتقادى أنك نزيه» إذا لم يكن القصد الإخبار بنزاهته والحكم عليه بها ، وإنما القصد الإخبار بأن ذلك الاعتقاد حاصل واقع ؛ فيكون المصدر المؤول مفعولا به للمبتدأ ، والخبر محذوف ؛ والتقدير - مثلا - اعتقادى نزاهتك حاصل أو ثابت ... ، والمصدر المؤول فى هذا المثال ينطبق على المبتدأ ، ويصدق عليه ؛ لأن النزاهة هنا هى : الاعتقاد ، والاعتقاد هو النزاهة ... و...
وقد يقع المصدر المؤول مفعولا لأجله ؛ نحو : زرتك أنى أحبك ، أو مفعولا معه ، نحو : يسرنى قعودك هنا ، وأنك تحدثنا. أو مستثنى ؛ نحو : ترضينى أحوالك ، إلا أنك تخلف الميعاد. ويقع مضافا إليه بشرط أن يكون المضاف مما يضاف إلى المفرد ، لا إلى الجملة ؛ مثل : سرنى عملك غير أن خطك ردىء. أى : غير رداءة خطك. فإن كان المضاف مما يضاف إلى الجملة وحدها وجب كسر الهمزة ؛ مثل : حضرت حيث إنك دعوتنى ، بكسر همزة : «إن»
مراعاة للرأى الذى يحتم إضافة «حيث» للجمل ، دون الرأى الآخر الذى يبيح إضافتها لغير الجملة.
ومثل المواضع السابقة ما عطف عليها ؛ نحو قوله تعالى : ( ..... اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ، وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ ... ) فالمصدر المؤول وهو «تفضيلى» معطوف على المفعول به : «نعمة» ، وكذلك ما أبدل منها ؛ نحو قوله تعالى : ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ، أَنَّها لَكُمْ ... ، ) فالمصدر المؤول ، وهو : استقرارها وكونها ... بدل من إحدى. وهكذا ...
ولا يكون هذا المصدر المؤول مفعولا مطلقا ، ولا ظرفا ، ولا حالا ، ولا تمييزا ولا يسد مسد «مفعول به» أصله خبر عن ذات (1)، نحو : ظننت القادم إنه عالم. فلو فتحت الهمزة لكان المصدر المؤول من : «أنه عالم» ؛ مفعولا ثانيا للفعل : «ظننت» مع أن أصل هذا المفعول خبر عن كلمة : «القادم» فيكون التقدير «القادم علم» فيقع المعنى خبرا عن الجثة (2)، وهذا مرفوض هنا إلا بتأويل لا يستساغ مع أنّ.
د - من الأساليب الفصيحة : «أحقّا أنّ جيرتنا استقلّوا (3)... يريدون ؛ أفى حق أن جيرتنا استقلوا. فكلمة : «حقّا» ظرف زمان (4)- فى الشائع - ، والمصدر المنسبك من «أنّ» مع معموليها مبتدأ مؤخر. ولهذا وجب فتح همزة «أن». أى : أفى حق استقلال جيرتنا.
ويصح أن تكون كلمة ؛ «حقّا» ، مفعولا مطلقا لفعل محذوف تقديره : حقّ (بمعنى : ثبت) والمصدر المنسبك فاعله ، أى : أحق حقّا استقلال جيرتنا؟ وأحيانا يقولون : «أما أنّ جيرتنا استقلوا». فكلمة : «أما» (بتخفيف الميم) (5)بمعنى : حقّا ، ويجب فتح همزة «أن» بعدها.
1) جثة.
2) المانع الحق : هو استعمال العرب الفصحاء ، وكراهتهم فتح الهمزة فى مثل هذا الموضع.
3) بمعنى : أحقا أن جيراننا ارتحلوا. والجيرة جمع : جار.
4) كما فى الخضرى والتصريح ، آخر باب الظرف - والظرفية هنا مجازية. وبيان هذا فى باب الظرف ج 2 ص 221 م 79.
5) إذا كانت «أما» - مخففة الميم - حرف استفتاح وجب كسر همزة : «إن» بعدها. - كما سيجىء فى ص 588 وفى رقم 3 من ص 595.
وخير ما ارتضوه فى إعرابها : أنها مركبة من كلمتين ؛ فالهمزة للاستفهام. «ما» ظرف ، بمعنى : شىء. ويراد بذلك الشىء : «حق» فالمعنى : «أحقّا» وكلمة : «أما» مبنية على السكون فى محل نصب ، وهى خبر مقدم ، والمصدر المؤول مبتدأ مؤخر (1).
ه - قد يسدّ المصدر المؤول من أنّ ومعموليها مسد المفعولين إن لم يوجد سواه ، نحو : ظننت أن بعض الكواكب صالح للسكنى. وكذلك فى كل موضع تحتاج فيه الجملة إلى ما يكمل نقصها فلا تجد غيره ، مع عدم مانع يمنع منه ...
و - أشرنا من قبل (2)إلى وقوع : «أنّ» المفتوحة الهمزة المشددة النون - للترجى ، فتشارك «لعل» فى تأدية هذا المعنى وتحتاج إلى جملة اسمية بعدها ؛ فترفع المبتدأ وتنصب الخبر ولا بد أن يكون لها الصدارة فى جملتها. ولا يصح أن تسبك مع ما بعدها بمصدر مؤول ؛ فهى تخالف «أنّ» المفتوحة الهمزة ، المشددة النون التى معناها التوكيد فى أمور : فى المعنى ، وفى وجوب الصدارة ، وفى منع السبك بمصدر مؤول.
يجب كسر همزة : «إن» فى كل موضع لا يصح أن تسبك فيه مع معموليها بمصدر ؛ فيجب الكسر فيما يأتى :
(1) أن تكون فى أول جملتها حقيقة ، نحو : ( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ، ) وقول الشاعر يمدح محسنا :
يخفى صنائعه ، واللّه يظهرها *** إن الجميل إذا أخفيته ظهرا
وتعتبر فى أول جملتها حكما إذا وقعت بعد حرف من حروف الاستفتاح (1)؛ مثل : ألا ، وأما (2)، نحو : ألا إن إنكار المعروف لؤم - أما إن الرشوة جريمة من الراشى والمرتشى. ومثلهما الواو التى للاستئناف ، كقول الشاعر :
وإنى شقىّ باللئام ولا ترى *** شقيّا بهم إلا كريم الشمائل
وكذلك كل واو أخرى تقع بعدها جملة تامة.
فإن سبقها شىء من جملتها وجب الفتح ، نحو : عندى أن الدّين وقاية من الشرور.
(2) أن تقع فى جملة الصلة ، بحيث لا يسبقها (3)شىء منها ؛ نحو : أحترم الذى (إنه عزيز النفس عندى.) ، وكذلك فى أول جملة الصفة التى موصوفها اسم ذات (4)؛ نحو : أحبّ رجلا (إنه مفيد). وفى : أول جملة الحال أيضا ؛ نحو : أجلّ الرجل (إنه يعتمد على نفسه) وأكبره (وإنه بعيد من الدنايا).
(3) أن تقع فى صدر جملة جواب القسم وفى خبرها اللام ؛ سواء أكانت جملة القسم اسمية ؛ نحو : لعمرك إن الحذر لمطلوب ، أم كانت فعلية فعلها
1) حرف يدل على بدء الكلام ، والتنبيه على أن هذا الكلام هام ومؤكد عند المتكلم.
2) (انظر رقم 3 من ص 593) ، ثم «ب» من ص 644. وفى رقم 5 من هامش ص 4586
3) فإن وقعت حشوا (... كأن سبقها شىء من جملة الصلة) لم تكسر ؛ نحو : جاء الذى عندى أنه فاضل. ومنه : لا أفعله ما أنّ فى السماء نجما. أى : ما ثبت أن فى السماء نجما - وقد سبق بيان هذا فى «ح» من ص584. وكذا فى جملة الصفة والحال التاليين.
4) لأنها لو فتحت لوقع المصدر المؤول صفة لاسم الذات ؛ فيحتاج إلى تأويل لا داعى له لأنه لا يكون نعتا إلا بهذا التأويل المصنوع.
مذكور ؛ نحو : أحلف باللّه إن العدل لمحبوب. أو غير مذكور ، نحو : واللّه إن الظلم لوخيم العاقبة.
فإن لم تقع فى خبرها اللام لم يجب (1)كسر الهمزة إلا إذا كانت جملة القسم جملة فعلية فعلها محذوف ؛ نحو : واللّه إن السياحة مفيدة.
يتضح مما سلف أن الكسر واجب فى كل الحالات التى تظهر فيها اللام فى خبر «إنّ». وكذلك فى الحالة التى تحذف فيها تلك اللام من الخبر بشرط أن تكون جملة القسم فعلية ، قد حذف فعلها.
(4) أن تقع فى صدر جملة محكيّة بالقول (لأن المحكىّ بالقول لا يكون إلا جملة ، - فى الأغلب - بشرط ألا يكون القول بمعنى الظن) (2). فتكسر وجوبا فى مثل : قال عليه السّلام : (إن الدّين يسر). ويقول الحكماء : «إن المبالغة فى التشدد مدعاة للنفور» ، (فقل للمتشددين : «إن الاعتدال خير») ، وكذلك فى الشطر الثانى من بيت الشاعر :
تعيّرنا أنّا قليل عديدنا *** فقلت لها : إنّ الكرام قليل
فإن وجد القول ولم تكن محكية به بل كانت معمولة لغيره لم تكسر ، نحو : أيها العالم ، أخصّك القول ؛ أنك فاضل ؛ أى : لأنك فاضل ؛ فالمصدر المؤول معمول للام الجر ، لا للقول. وكذلك لا تكسر إن كان القول بمعنى : الظن ، بقرينة تدل على هذا المعنى فيعمل عمله فى نصب مفعولين. - نحو : أتقول المراصد أن الجو بارد فى الأسبوع المقبل؟ أى : أتظن (3)(فتفتح مع أنها مع معموليها معمولة للقول ؛ لأن القول هنا بمعنى «الظن» ينصب مفعولين فيكون المصدر المؤول منها ومن معموليها فى محل نصب يسدّ مسدّ المفعولين) ...
(5) أن تقع بعد فعل من أفعال القلوب (4)وقد علّق عن العمل ، بسبب
1) وإنما يجوز الأمران ؛ طبقا للبيان الذى سيجىء فى مواضع الفتح والكسر ص 592.
2) ولا الاعتقاد أيضا. فلا بد من أمرين ؛ أن تكون الجملة معمولة للقول ، وأن «القول» ليس بمعنى : «الظن ولا الاعتقاد».
3) الدليل على أن القول هنا بمعنى «الظن» أن المراصد حين تتكهن بما سيقع فى المستقبل - ولا سيما المستقبل البعيد - لا تملك الدليل القاطع على صحته ، وعلى أنه سيتحقق حتما ، فقد يقع أو لا يقع. أما تفصيل الكلام على القول بمعنى الظن وأحكامه. فيجىء فى ج 2 باب ظن وأخواتها.
4) سيجىء فى باب ظن وأخواتها تفصيل الكلام على أفعال القلوب التى تنصب مفعولين. والذى يعنينا الآن هو : «الأفعال القلبية» المتصرفة التى يلحقها التعليق ؛ (وهو ترك العمل لفظا دون معنى ، لمانع فتكون فى ظاهرها غير ناصبة للمفعولين - أو لأحدهما - بسبب ذلك المانع. ولكنها فى الحكم والتقدير ناصبة. نحو : «ظننت لطائر مفرد» فالجملة من : (طائر مغرد) مكونه من مبتدأ وخبر ، فى محل نصب. قد سدت مسد المفعولين للفعل : «ظننت» ولم ينصبهما لفظا لاعتراض ما له صدر الكلام وهو هنا : لام الابتداء. وأشهر أفعال القلوب التى يلحقها التعليق : رأى - علم ، - وجد - درى ... وهذه أفعال تدل على اليقين. وخال - ظن - حسب - زعم - عد - حجا - جعل ... وهذه أفعال تدل على الرجحان.
وجود لام الابتداء فى خبرها ؛ نحو : علمت إن الإسراف لطريق الفقر. فإن لم يكن فى خبرها اللام (1)فتحت أو كسرت : نحو : علمت إن الرياء بلاء - بفتح الهمزة ، أو كسرها (2).
(3)أن تقع خبرا عن مبتدأ اسم ذات ؛ نحو : الشجرة إنها مثمرة (4)وقد يدخل على هذا المبتدأ ناسخ ؛ ومنه قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ، وَالَّذِينَ هادُوا ) (5)، وَالصَّابِئِينَ (6)، وَالنَّصارى ، وَالْمَجُوسَ (6) ، وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا - إِنَ (7)اللّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ (8)
أى : اكسر همزة «إن» إذا وقعت فى ابتداء جملتها ، أو حيث تكون مكملة لليمين ، بأن تقع فى صدر جملة جواب القسم على التفصيل الذى شرحناه. ثم قال :
أو حكيت بالقول ، أو حلّت محل *** حال ؛ كزرته ، وإنّى لذو أمل
وكسروا من بعد فعل علّقا *** باللّام ، كاعلم إنّه لذو تقى
...» ى1) يقول النحاة إن السبب فى التعليق هو وجود لام الابتداء ؛ لأن لها الصدارة فى جملتها فتمنع ما قبلها أن يعمل فيما بعدها. وهنا تأخرت اللام عن مكانها ؛ لوجود «إن» التى لها الصدارة. والعلة الحقيقية فى تأخيرها هى السماع عن العرب.
2) - كما سيجىء فى رقم 3 من ص 593 - فالفتح على اعتبار الفعل غير معلق ، والكسر على اعتباره معلقا ، وأداة التعليق هى : «إنّ» مكسورة الهمزة ، إذ لها الصدارة فى جملتها ، وكل ماله الصدارة يعد من أدوات التعليق - كما عرفنا - راجع الصبان ج 2 فى هذا الموضع.
3) الذين يعبدون النار.
4) لو فتحت لكان المصدر المؤول خبرا عن الجثة ، والتقدير ، الشجرة إثمارها. وهو غير المعنى المطلوب ولا يتحقق هنا إلا بتكلف لا داعى له.
5) كانوا يهودا.
6) المتنقلين بين الأديان ، أو : هم عبدة النجوم.
7) فكلمة «الذين» الأولى ، أصلها مبتدأ قبل دخول الناسخ : «إن» ثم صارت اسمه. وجملة إن اللّه يفصل بينهم ؛ (وهى مكونة من إن ومعموليها) - فى محل رفع خبر «إن» الأولى.
8) وفى مواضع كسر همزة «إن» يقول ابن مالك : فاكسر فى الابتدا ، وفى بدء صله *** وحيث «إنّ» ليمين مكمله
ا - يعدّ بعض النحاة مواضع أخرى للكسر ، منها : أن تقع «إنّ» بعد كلمة «كلّا» التى تفيد الاستفتاح ؛ نحو : قوله تعالى : ( كَلَّا ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ... )
أو يقع فى خبرها اللام من غير وجود فعل للتعليق ؛ نحو : إن ربك لسريع العقاب.
أو تقع بعد «حتى» التى تفيد الابتداء نحو : يتحرك الهواء ، حتى إن الغصون تتراقص - تفيض الصحراء بالخير ، حتى إنها تجود بالمعادن الكثيرة.
والتوابع لشىء من ذلك ؛ نحو : إن النشاط محمود وإن الخمول داء ... والحق أن هذه المواضع ينطبق عليها الحكم الأول ، وهو أنها واقعة فى صدر جملتها ؛ فلا يمنع من الحكم لها بالصداره أن يكون لجملتها نوع اتصال معنوى - لا إعرابىّ - بجملة قبلها ؛ كمثال : «حتى» السابق ... «وكلّا» ، فى بعض الأحيان. أما اتصالها الإعرابىّ فيمنع كسرها إن كان ما قبلها محتاجا إلى المصدر المؤول منها مع معموليها احتياجا لا مناص منه ، كما سبق.
(1) أن تقع بعد كلمة : «إذا» الدالة على المفاجأة (1)، نحو : استيقظت فإذا إن الشمس طالعة ، وفتحت النافذة ، فإذا إن المطر نازل. فالكسر على اعتبار : «إذا» حرف - تبعا للرأى الأسهل - مع وقوع «إن» فى صدر جملتها الاسمية المصرّح بطرفيها ؛ بأن يذكر بعدها اسمها وخبرها. والفتح على اعتبار «إذا» حرف أيضا والمصدر المؤول من «أنّ» مع معموليها فى محل رفع مبتدأ ، والخبر محذوف ، والتقدير : استيقظت فإذا طلوع الشمس حاضر ، وفتحت النافذة فإذا نزول المطر حاضر ... ويجوز اعتبار «إذا» الفجائية ظرف زمان أو مكان أيضا ، خبرا مقدما. والمصدر المنسبك من «أنّ» ومعموليها مبتدأ مؤخر ، والتقدير ففى المكان أو فى الوقت طلوع الشمس ، أو نزول المطر ...
(2) أن تقع فى صدر جملة القسم ، وليس فى خبرها اللام ؛ بشرط أن تكون جملة القسم اسمية ؛ نحو : لعمرك إن الرياء فاضح أهله ، أو فعلية فعلها مذكور ؛ نحو : أقسم باللّه أن الباغى هالك ببغيه. بفتح الهمزة وكسرها فيهما ، (فإن كان فعل القسم محذوفا فالكسر واجب - كما سبق (2)- ؛ نحو : باللّه إن الزكاة طهارة للنفس). فالكسر بعد جملة القسم الاسمية فى المثال الأول هو على اعتبار : «إنّ» فى صدر جملة ؛ لأنها مع معموليها جملة الجواب لا محل لها من الإعراب. والفتح هو على اعتبار المصدر المؤول منصوب على نزع الخافض ، وشبه الجملة سد مسد جواب (3)القسم ، لا محل له. والتقدير : لعمرك قسمى على فضيحة الرياء أهله. وكذلك فى المثال الثانى بعد فعل القسم المذكور ، فالكسر على اعتبار «إن»
مع معموليها جملة الجواب لا محل لها ، والفتح على اعتبار المصدر المؤول مجرورا بحرف جرّ محذوف (1)
وأصل جواز الفتح والكسر راجع . كما جاء في الهمع . إلى الخلاف في جملة القسم والمقسم عليه ؛ أإحداهما معمولة للأخرى فيكون المقسم عليه مفعولا به أو بمنزلة المفعول به لفعل القسم ، أم لا ؟ فمن قال : «نعم» فتح ؛ لأن هذا حكم «إن» إذا وقعت مع معموليها مفعولا به. ومن قال : «لا» ، وأن جملة القسم تأكيد للمقسم عليه من غير عمل فيه ، كسر. ومن جوز الأمرين أجاز الوجهين.
؛ والتقدير : أقسم باللّه على هلاك الباغى ببغيه. ويكون الجار مع المجرور قد سد مسد جملة الجواب ؛ وأغنى عنه - كما سبق -.(3) أن تقع بعد فعل من أفعال القلوب ، وليس فى خبرها اللام ، - طبقا لما تقدم بيانه (2)- ؛ نحو : علمت أن الدّين عاصم من الزلل.
(4) أن تقع بعد فاء الجزاء (3)، نحو : من يرض عن الجريمة فإنه شريك فى الإساءة. فكسر الهمزة على اعتبار «إنّ» مع معموليها جملة فى محل جزم جواب أداة الشرط : «من». وفتح الهمزة على اعتبار المصدر المؤول من أن ومعموليها فى محل رفع مبتدأ ، خبره محذوف ، أو خبر مبتدؤه محذوف. والتقدير : من يرض على الجريمة فشركته فى الإساءة حاصلة ، أو : فالثابت شركته فى الإساءة ...
1) أى : بتقدير حرف جر نزع من مكانه وحذف ؛ فنصب الاسم المجرور بعده ، ليكون نصبه بغير عامل نصب دليلا على المحذوف ، هذا تقديرهم الإعرابى الشائع. ولا مانع أن يكون المصدر المؤول مبتدأ خبره محذوف ، والجملة جواب القسم مباشرة.
2) فى رقم 5 من ص 587.
3) هى الفاء الواقعة فى صدر جواب الشرط وجزائه ، (أى : فى صدر النتيجة المترتبة على تحقق فعل الشرط). ليس من اللازم أن تكون هذه الفاء داخلة فى جواب أداة شرط ؛ فقد تكون داخلة على شىء يشبه الجواب لأداة تشبه الشرط فى العموم والإبهام ؛ كاسم الموصول ، وغيره مما سبق بيانه (فى ص 356) ومن الأمثلة قوله تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ .... ) فيجوز فى «أن» الثانية الفتح أو الكسر. و «ما» موصولة وليست شرطية : لأن الشرطية لها الصدارة فلا تدخل عليها النواسخ ؛ والعائد محذوف ؛ والتقدير : غنمتموه .. فعلى كسر همزة «إن» تكون جملتها هى الخبر ، وعلى الفتح يكون المصدر المؤول منها مع معموليها. مبتدأ خبره محذوف ، أى : فكون خمسه لله ثابت ، أو يكون خبرا لمحذوف ، أى : فالواجب كون خمسه لله ، والجملة خبر «إن» الأولى (راجع حاشية الخضرى فى هذا الموضع).
(5) أن تقع بعد مبتدأ هو قول ، أو فى معنى القول (1)، وخبرها قول ، أو فى معناه أيضا ، والقائل واحد ، نحو : قولى : «إنى معترف بالفضل لأصحابه ، وكلامى : إنى شاكر صنيع الأصدقاء». فقولى - وهو المبتدأ - مساو فى مدلوله لخبر «إن» وهو : معترف بالفضل ، وخبر «إن» مساويه فى المدلول كذلك ؛ فهما فى المراد متساويان ، وقائلهما واحد ، وهو : المتكلم.
كذلك : «كلامى» ، مبتدأ ؛ معناه معنى خبر «إن» : (شاكر صنيع الأصدقاء) وخبر «إن» معناه معنى المبتدأ ؛ فالمراد منهما واحد ، وقائلهما واحد. وهمزة «إنّ» فيهما يجوز كسرها عند قصد الحكاية ؛ أى : ترديد الألفاظ ذاتها فتكون «إن» مع معموليها جملة. وقعت خبرا. ومع أنها محكية بالقول نصا تعرب فى محل رفع خبر المبتدأ ، ويجوز فتح الهمزة ذا لم تقصد «الحكاية» ؛ وأنما يكون المقصود هو التعبير عن المعنى المصدرىّ من غير تقيد مطلقا بنصّ العبارة الأولى المعينة ، ولا بترديد الجملة السابقة بألفاظها الخاصة فيكون المصدر المؤول من أن مع معموليها فى محل رفع خبر المبتدأ ، والتقدير : قولى ، اعترافى بالفضل لأصحابه ، وكلامى ، شكرى صنيع الأصدقاء.
فإن لم يكن المبتدأ قولا أو ما فى معناه وجب الفتح ، نحو : عملى أنى أزرع الحقل. والمصدر المنسبك خبر المبتدأ. ويجب الكسر إن لم يكن خبر «إن» قولا أو ما فى معناه ، مثل كلمة : «مستريح» فى نحو : قولى إنى مستريح. أو لم يكن قائل المبتدأ وخبر «إن» واحدا ؛ فلا يتساوى مدلول المبتدا والخبر ، ولا يتوافقان. ؛ نحو : كلامى إن المريض يصرخ. ففى هاتين الحالتين يجب كسر الهمزة ، وتكون «إنّ» مع معموليها جملة فى محل رفع خبر المبتدأ (2)
بعد إذا فجاءة ، أو قسم *** لا لام بعده - بوجهين نمى
(يريد : نمى (أى : نقل عن السابقين) الوجهان ، هما : لفتح والكسر) بعد إذا فجاءة ، وبعد قسم لالام فى جملة جوابه ، ثم قال :
مع تدو «فا» الجزا وذا يطّرد *** فى نحو : «خير» القول إنّى أحمد
أى : ومع تلو فاء الجزاء ، فكلمة : «مع» معطوفة على كلمة «بعد» ، التى فى أول البيت السابق بحرف العطف المحذوف ؛ وهو : الواو. يريد : بعد إذا فجاءة ، ومع تلو فاء الجزاء ، ثم قال : إن هذا الحكم بجواز الأمرين مطرد فى كل أسلوب على شاكلة : «خير القول إنى احمد» وهى الحالة الرابعة - التى شرحناها. ويلاحظ فى أمثاله أن المبتدأ كلمة ؛ خبر) ليس قولا ، ولكنه مضاف للقول فهو بمنزلته ..
... .ا - سرد بعض النحاة مواضع أخرى يجوز فيها الأمران ، ومن الممكن الاستغناء عن أكثرها ؛ لفهمها مما سبق. فمما سردوه.
(1) أن تقع «أنّ» مع معموليها معطونة على مفرد لا يفسد المعنى بالعطف عليه. نحو : سرّنى نبوغك ، وإنك عالى المنزلة. فيجوز فتح همزة : «أنّ» فيكون المصدر المؤول معطوفا على نبوغ ، والتقدير : سرنى نبوغك وعلو منزلتك. والمعنى هنا لا يفسد بالعطف. ويجوز كسر الهمزة فتكون «إن» فى صدر جملة مستقلة. ومثال ما يفسد فيه المعنى بالعطف فلا يصح فتح الهمزة : لى بيت ، وإن أخى كثير الزروع. فلو فتحت الهمزة لكان المصدر المؤول معطوفا على «بيت» والتقدير : لى بيت وكثرة زروع أخى ، وهو معنى فاسد ، لأنه غير المراد إذا كان المتكلم لا يملك شيئا من تلك الزروع. ومثله ما نقله النحاة : «إن لى مالا. وإن عمرا فاضل» إذ يترتب عليه أن يكون المعنى : إن لى مالا وفضل عمرو. وهو معنى غير المقصود.
(2) أن تقع بعد «حتى» ، فتكسر بعد «حتى» الابتدائية - كما سبق (1)- فى مثل : تتحرك الريح حتى إن الغصون تتراقص ... لوقوعها فى صدر جملة. وتفتح إذا وقعت بعد «حتى» العاطفة ، أو الجارة ، نحو : عرفت أمورك حتى أنك مسابق ، أى : حتى مسابقتك ، بالنصب على العطف ، أو بالجر والأداة فيهما : «حتى».
(3) أن تقع بعد «أما» (المخففة الميم) ، نحو : أما إنك فصيح ، فتكسر إن كانت «أما» حرف استفتاح وتفتح إن كانت بمعنى : «حقّا» - كما سبق (2)-.
(4) أن تقع بعد. لا جرم ، نحو : لا جرم أن اللّه ينتقم للمظلوم (3).
1) فى ص 591.
2) فى «د» من 586 وفى رقم 5 من هامشها
3) فالفتح على اعتبار «لا» زائدة ، أو ليست بزائدة ، وإنما هى حرف جواب لنفى المعنى السابق عليها إذا كان المتكلم غير موافق عليه ، و «جرم» فعل ماض بمعنى : «وجب». والمصدر المؤول من أن مع معموليها فاعل للفعل : «جرم». وهذا إعراب سيبويه وعليه اقتصر. أما الفراء فيقول : معنى : «لا جرم» «لا بد» فلا نافية للجنس و «جرم» اسمها ، مبنى على الفتح فى محل نصب ، والمصدر المنسبك من «أن» ومعموليها مجرور بحرف جر محذوف ، والخبر محذوف أيضا - وهو متعلق الجار ومجروره - والتقدير : لا جرم من أن اللّه ... إلخ. وهو يجيز كسر الهمزة ويقول فى سببه : إن بعض العرب يجريها مجرى اليمين ؛ بدليل وجود اللام فى قولهم : «لا جرم لآتينك» والأحسن فى هذه الحالة أن نعرب «لا» نافية للجنس و «جرم اسمها متضمنة القسم ، وجملة : «لآتينك» هى : جواب القسم ، وأغنت عن الخبر. (راجع حاشية الصبان فى هذا الموضع من جواز فتح الهمزة وكسرها) ، وستجىء الإشارة لهذا والإفاضة فى القسم وجوابه - فى موضعه المناسب من الجزء الثانى وهو : باب حروف الجر عند الكلام على حروف القسم.
(5) أن تقع فى موضع التعليل ، نحو قوله : (إنا كنا ندعوه من قبل ، إنه هو البر الرحيم) قرئ بفتح الهمزة ، على تقدير لام التعليل ؛ أى : لأنه هو البر الرحيم. وقرىء بكسر الهمزة على اعتبار : «إن» فى صدر جملة جديدة. ومثه قوله تعالى : ( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ. إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ. ) فالفتح على تقدير لام التعليل ، أى : لأن صلاتك سكن لهم ، والكسر على اعتبار : «إنّ» فى صدر جملة جديدة ...
(6) وقوعها بعد «أى» المفسرة ؛ نحو : سرنى ابتداعك المفيد ، أى : أنك تبتكر شيئا جديدا نافعا.
(7) أن تقع بعد حيث الظرفية ، نحو : أزورك حيث إنك مقيم فى بلدك بفتح الهمزة وبكسرها ، فالفتح على اعتبار الظرف : «حيث» داخله على الفرد المضاف إليه وهو المصدر الأول. والكسر على اعتبارها داخلة على المضاف إليه الجملة ، وهذا هو الأفصح ؛ إذ الأغلب فى «حيث» أن تضاف للجملة.
لام الابتداء (1)، فائدتها ، ومواضعها
حين نقول : أصل الماس فحم ، أو : بعض الحيوانات برّىّ بحرىّ - قد يشك السامع فى صدق الكلام ، أو ينكره ؛ فنلجأ إلى الوسائل التى ترشد إليها اللغة لتقوية معنى الجملة ، وتأكيد مضمونها ، وإزالة الشك عنها أو الإنكار. ومن هذه الوسائل تكرار الجملة. لكن التكرار قد تنفر منه النفس أحيانا. فنعدل عنه إلى وسائل أخرى لها مزية التكرار فى تأكيد معنى الجملة ، كالقسم ، أو : «إنّ» فنقول : واللّه أصل الماس فحم. إن بعض الحيوانات برّى بحرىّ. أو :لام الابتداء وتدخل على المبتدأ كثيرا (ولهذا سميت : لام الابتداء) ، نحو : لرجل فقير يعمل ، أنفع لبلاده من غنى لا يعمل. ليد كاسبة خير من يد عاطلة. وتدخل على غيره ، كخبر «إنّ» ، نحو : إنّ أبطال السّلام لخير من أبطال الحرب. وهكذا باقى الوسائل التى تؤكد مضمون الجملة ، وتقوى معناها.
وهذه اللام مفتوحة ، وفائدتها : توكيد مضمون الجملة المثبتة ، وإزالة الشك عن معناها المثبت ؛ بالتفصيل الذى أوضحناه فيما سبق (2)، وأوضحنا معه آثارها النحوية ، والمعنوية.
ولها مواضع تدخلها جوازا ، وأشهرها ما يأتى :
(1) المبتدأ ، كالأمثلة السابقة. وكقول الشاعر :
وللبين خير من مقام على أذى *** وللموت خير من حياة على ذلّ
(2) الخبر المتقدم على المبتدأ ؛ نحو : لصادق أنت.
(3) خبر إنّ (المكسورة الهمزة ، المشددة النون) - دون أخبار أخواتها فى فى الرأى الأصح ؛ نحو : إن الشتاء لفصل النشاط (3)، وإنه لموسم السياحة فى بلادنا
1) سبقت الإشارة إليها والتمثيل لها وبيان آثارها النحوية والمعنوية فى ص 445 لمناسبة طارئة ، ونعود لتفصيل الكلام عليها هنا ؛ مجاراة لكثير من النحاة ، اختاروا هذا الموضع للتفصيل. ولكن لا غنى عن الرجوع إلى الموضع السابق الذى انفرد ببعض الأحكام.
2) سبقت الإشارة إليها والتمثيل لها وبيان آثارها النحوية والمعنوية فى ص 445 لمناسبة طارئة ، ونعود لتفصيل الكلام عليها هنا ؛ مجاراة لكثير من النحاة ، اختاروا هذا الموضع للتفصيل. ولكن لا غنى عن الرجوع إلى الموضع السابق الذى انفرد ببعض الأحكام.
3) قد تسمى فى نحو هذا المثال : باسم اللام «المزحلقة». ولا يعنينا بعد ذلك ما يقولونه فى سبب التسمية من : أن مكانها فى الأصل الصدارة فى الجملة الاسمية. فلما شغل المكان بكلمة : «إن». ولها الصدارة أيضا ؛ كلام الابتداء. وتفيد التوكيد مثلها ، وتمتاز بأنها عاملة - تقدمت وزحلقت اللام إلى الخبر. والسبب الحق هو استعمال العرب.
وقول الشاعر :
إنّا - على البعاد والتّفرّق - *** لنلتقى بالفكر إن لم نلتق (1)
وبعد ذات الكسر تصحب الخبر *** لام ابتداء ، نحو : إنّى لوزر
يريد «بذات الكسر» : صاحبة الكسر ، وهى : «إن» المكسورة الهمزة. و «وزر» أى : ناصر وملجأ لمن يستعين بى.
ولكن يشترط فى خبر «إنّ» الذى تتصدره لام الابتداء ما يأتى :
أن يكون متأخرا عن الاسم ، فلا يجوز دخولها فى مثل : إن فيك إنصافا ، وإن عندك ميلا للحق ؛ وذلك لتقدم الخبر (2).
وأن يكون مثبتا ؛ فلا يصح : إن العمل لما طال بالأمس. أو : إن العمل لما نفعه قليل. بل يجب حذفها قبل «ما» النافية وغيرها من أدوات النفى (3)الداخلة على خبر «إن».
ألا يكون جملة فعلية فعلها ماض ، متصرف. غير مقرون بكلمة : «قد (4)» ؛ فلا يصح : «إن الطيارة لأسرعت ... (5)
ويقول النحاة فى التفرقة بين اللامين : إذا جاءت «إن» وبعدها اللام المصاحبة لمضارع مؤكد بنون التوكيد أو الداخلة على الماضى المتصرف الخالى من : «قد». فإن هذه اللام تكون لام قسم مقدر داخلة على جوابه ، وليست لام ابتداء ؛ مثل : إن الحازم ليبتعدن عن المساوى - إن الكفء لنال جزاءه والسبب فى الحالة الأولى منع التعارض بين لام الابتداء التى تخلص زمن المضارع للحال - ونون التوكيد التى تخلصه للمستقبل. والسبب فى الحالة الثانية : أن لام الابتداء - والزمن معها للحال - لا تدخل على الماضى المتصرف الخالى من «قد» ، منعا لتعارض الزمنين بينهما. أما المقترن «بقد» فإنها تقرب زمنه من الحال - كما عرفنا فى ص 49 - فلا يتعارض مع لام الابتداء وهاتان الصورتان يمتنع فيهما كسر همزة : «إن» إذا تقدم عليها عامل يطلب العمل فى موضعها مع معموليها ؛ تقول : علمت أن الحازم ليبتعد عن المساوى. وعلمت أن الكفء لنال جزاءه. لأن هذه اللام - كما سبق - للقسم ، وليست للابتداء ؛ فهى فى موضعها المتأخر المناسب لها ، غير ملحوظ فيها التقديم قبل مجىء : «إن» ذلك التقديم الذى هو أصلها. بخلافها فى مثل : علمت أن الحازم لمبتعد عن المساوى ؛ فإنها تكسر معها ؛ لأن هذه اللام للابتداء ، وهى من الأدوات التى لها الصدارة ، فتعلق الفعل وتوجب كسر همزة «إن» كشأن ماله الصدارة.
وهى مقدمة فى الأصل والنية ، وإنما تأخرت للعلة السابقة ، وهى : أنها تفيد توكيد الجملة ، و «إن» كذلك ؛ فبقيت هذه ؛ لأصالتها وقوتها بالعمل ، وتأخرت تلك ؛ كما يقال ، .... وستأتى فروق أخرى بين اللامين.
» بل يجب حذف لام الابتداء. فإن ن.1) وقد أشار ابن مالك إلى هذا الموضع بقوله :
2) عرفنا (فى ص 577) أن الخبر فى هذا الباب لا يتقدم إلا إن كان شبه جملة.
3) مثل : لم ، لن ، لا ، لما ... فدخول لام الابتداء عليه غير مسموع. وهذا هو التعليل الصحيح. فوق أن دخولها على هذه الأدوات المبدوءة باللام يثقل النطق بها.
4) يشترط فى الجملة أيضا ألا تكون شرطية ؛ لأن هذه اللام لا تدخل على أداة الشرط ولا على فعله ولا على جوابه.
5) فى هذا المثال : «إن الطيارة لأسرعت» يجب حذف اللام على اعتبارها للابتداء ويجوز إبقاؤها على أنها فى جواب قسم ، ويجب أن تقوم قرينة دالة على هذا أو ذاك ، لأن بين المعنيين اختلافا واضحا ؛ وإلا كانت صياغة الأسلوب غير مسايرة للمعنى ، فيقع من الفساد فى التعبير ما يجب توقيه.
كان الخبر جملة فعلية فعلها ماض غير متصرف جاز - فى غير ليس - دخول اللام وعدم دخولها ؛ نحو : إن القطار لنعم وسيلة السفر ، أو نعم وسيلة السفر ... وإن إسراع السائق لبئس العمل ، أو بئس العمل. بإدخال اللام على «نعم» ، و «بئس» أو عدم إدخالها ...
وكذلك يجوز إن كان الفعل ماضيا متصرفا ، ولكنه مقرون بكلمة : «قد» فتصحبها اللام أو لا تصحبها ؛ نحو : إن العلم لقد رفع صاحبه ، أو : رفع ... أما إن كان الخبر جملة فعلية فعلها مضارع مثبت (1)فيجوز دخول اللام على المضارع المثبت سواء أكان متصرفا أم غير متصرف تصرفا (2)كاملا ، إلا فى حالة واحدة وقع فيها الخلاف ؛ هى التى يكون فيها مبدوءا بالسين ، أو سوف. فلا يصح - فى الرأى الأحق - أن تقول : «إن الطائرة لستحضر ، أو : لسوف تحضر» بل يجب حذف اللام من هذا المضارع (3)(4)
ولا بلى ذى اللام ما قد نفيا *** ولا من الافعال ما كرضيا
وقد يليها مه : «قد» ، كان ذا *** لقد سما على العدا مستحوذا
أى : لا يقع بعد هذه اللام الخبر المنفى ؛ سواء أكان جملة فعلية أم اسمية كما مثلنا. وكذلك لا يليها الخبر إذا كان جملة فعلية ، فعلها ماض ، مثل : «رضى» فى أنه ماض ، مثبت ، متصرف ، غير مقرون بكلمة : «قد» فإن كان مقرونا بكلمة : «قد» جاز أن يليها ؛ مثل : إن ذا لقد سما على العدا مستحوذا ، أى : غالبا ، مستوليا على ما يريد.
المبدوء بالسين ، أو سوف .1) أما المنفى فالأكثر والأفصح الذى يجب الاقتصار عليه هو عدم دخولها عليه : كقوله تعالى ( إِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.* )
2) غير متصرف تصرفا كاملا مثل الفعل : يدع ويذر ، على الرأى القائل : بأنه لا ماضى لهما ، ولا مصدر. أما المضارع الذى لا يتصرف مطلقا فلا وجود له.
3) لو دخلت عليه لوقع تعارض واضح ، لأن لام الابتداء تجعل زمن المضارع للحال. أما «السين» أو «سوف» فتجعل زمنه للمستقبل ؛ فلو اجتمعتا فى أول المضارع لاجتمع فيه علامتان متعارضتان ؛ إحداهما تدل على زمنه للحال ، والأخرى تدل - فى الوقت نفسه - على أن زمنه للمستقبل. لكن قد يصح تلاقيهما معا واجتماعهما على اعتبار آخر ؛ هو : أن تكون اللام للقسم ؛ ففى المثال السابق : إن الطائرة لستحضر ، أو لسوف تحضر ... يكون المعنى : إن الطائرة واللّه لستحضر ، أو لسوف تحضر ... فاللام لا تجعل زمن المضارع هنا للحال ، وإنما تجعله للمستقبل بقرينة السياق ، فلا تعارض بينها وبين السين أو سوف - وهذا فرق آخر بين اللامين غير ما فى الصفحة السابقة ، ومن المهم إدراك الفرق بين الأسلوبين ، فلكل منهما معنى يخالف الآخر ؛ فليس الأمر مجرد احتيال لإدخال اللام أو عدم إدخالها ، وإنما الأمر الذى له الاعتبار الأول هو المعنى وحده ؛ فإن اقتضى أن يتضمن الكلام قسما جاز إدخال اللام على الجملة المضارعية المبدوءة بالسين أو سوف ، الواقعة جوابا. وإن لم يقتض قسما لم يجز إدخال اللام على تلك الجملة ؛ وإلا كانت اللغة عبثا.
4) وف شروط الموضوع الثالث من مواضع لام الابتداء يقول ابن مالك باختصار :
ومن أمثلة (1)دخولها قوله تعالى فى أهل الديانات المختلفة : ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، ) وقوله عليه السّلام : «إن العجب (2)ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب).
وإن كان الخبر جميلة اسمية جاز دخول اللام على مبتدئها - وهو الأنسب - أو على خبره ؛ نحو : إنّ الكهربا لأثرها عميق فى حياتنا ... أو : إنّ الكهربا أثرها لعميق فى حياتنا.
(3)معمول خبر «إنّ» بشرطين : أن يكون هذا المعمول متوسطا بين اسمها وخبرها (4)أو غيرهما من الكلمات الأخرى التى دخلت عليها «إنّ» ، وأن يكون الخبر خاليا من لام الابتداء ، ولكنه صالح لقبولها. ففى مثل : إن الشدائد مظهرة أبطالا ، وإن المحن صاقلة نفوسا ، يصح تقديم معمول الخبر مقرونا بلام الابتداء ؛ فنقول : إن الشدائد - لأبطالا - مظهرة ، وإن المحن - لنفوسا - صاقلة. فإن تأخر المعمول لم يجز إدخال اللام عليه ؛ كما فى المثالين السابقين قبل تقديمه. وكذلك لا يجوز إدخالها عليه إن كان الخبر مشتملا عليها ، ففى مثل : إن العزيز ليرفض هوانا - لا يصح : إنّ العزيز لهوانا ليرفض (4). .
1) سبق بيان موجز عن لام الابتداء ، ومعه بعض هذه الأمثلة فى رقم 2 من هامش ص 445.
2) الكبر والاختيال.
3) ولا يجوز دخولها أيضا على المعمول المتقدم إن كان حالا ؛ ففى مثل : إن السائح قد عاد إلى بلده مسرورا ، لا يصح : إن السائح لمسرورا قد عاد إلى يلده. ومثله ، التمييز والمستثنى ، والمفعول معه دون باقى المعمولات. وكل هذا هو أنسب الآراء.
4) سواء أتقدم الاسم كالأمثلة المذكورة ، أم تقدم الخبر شيه الجملة نحو : إن عندى لفى البيت ضيوفا ويجوز أن يتقدم على المعمول المقرون باللام معمول آخر خال منها ؛ نحو : «إن عندى لفى الحديقة ضيفا قاعد». فالمراد : أن يتوسط المعمول المقترن باللام بين الألفاظ الواقعة بعد «إن».
وكذلك لا يجوز إدخالها عليه إن كان الخبر الخالى منها غير صالح لها ؛ كأن يكون جملة فعلية ، فعلها ماض ، متصرف ، غير مقرون بكلمة «قد» ؛ ففى مثل : إنّ الحرّ رضى كفاحا - لا يصح أن نقول : إن الحرّ لكفاحا رضى.
يريد أن لام الابتداء تدخل على الواسط ؛ أى : المتوسط. إذا كان معمولا لخبر «إن» وبعباره أخرى : تدخل لام الابتداء على معمول الخبر إذا كان المعمول متوسطا بين اسم إن وخبرها ، أو بين غيرهما مما يقع بعدها. وكذلك تدخل الفصل ، أى : ضمير الفصل ... وتدخل اسم «إن» بشرط أن يحل الخبر قبله ، بمعنى : يتقدم عليه. ثم أشار بعد ذلك إلى بيت سبق شرحه فى مكان أنسب (ص 575) هو :
ووصل : «ما» بذى الحروف مبطل *** إعمالها. وقد يبقّى العمل
يريد : أن اتصال : «ما» التى هى حرف زائد - بهذه الحروف الناسخة ، - غير الحرف : ليت - يبطل عملها فقط دون معناها ، ومتى بطل عملها صارت غير مختصة بالدخول على الجمل الاسمية ، فتصلح للدخول عليها وعلى الجمل الفعلية أيضا. (ولا بد من وصلها فى الكتابة بالحرف الذى قبلها).
ولكن العمل قد يبقى فى : «ليت» وحدها ، على القول الأرجح الذى يحسن الاقتصار عليه ؛ فيجوز فى «ليت» التى بعدها «ما» الحرفية الزائدة - أن تكون عاملة ، وأن تكون مهملة. وهى فى الحالتين لا تدخل إلا على الجملة الاسمية - كما سبق - و «ما» الزائدة هذه تسمى : «ما» الكافة. - لأنها كفت - أى : منعت - تلك الحروف عن العمل. ولا تقع بعد «لا» التى للجنس ، ولا «عسى» التى بمعنى : لعل.
ضمير الفصل (2)؛ نحو : إن العظمة لهى الترفع عن الدنايا ، وإن العظيم لهو البعيد عن الأدناس. وإذا دخلت على ضمير الفصل لم تدخل على الخبر.(6) اسم «إن» بشرط أن يتأخر ويتقدم عليه الخبر (3)شبه الجملة ؛ مثل : إن أمامك لمستقبلا سعيدا ، وإن فى العمل الحرّ لمجالا واسعا ، وقول الشاعر يخاطب زوجته :
إن من شيمتى لبذل تلادى (4)*** دون عرضى. فإن رضيت فكونى (5)
وإذا دخلت على الاسم المتأخر لم تدخل على الخبر (5). .
1) وقد أشار ابن مالك إلى الموضع الرابع والخامس والسادس بقوله : وتصحب الواسط : معمول الخبر *** والفصل ، واسما حلّ قبله الخبر
2) سبق تفصيل الكلام على معناه وحكمه وكل ما يتصل به فى باب الضمير ص 226 وهو هنا يتوسط بين اسم «إن» وخبرها.
3) وقد يبقى الخبر متأخرا ولكن يتقدم معموله على الاسم ، نحو : إن فى الدار لضيفا منتظر.
4) مالى الأصيل الذى ليس طارئا.
5) فداومى على حياتك معى.
إن الأقمار دائرت فى الفضاء ، والشموس.
إنّ الشعر محمود فى مواطن - والنثر.
إنّ الإهمال مفسد للأعمال - والجهل.
إنّ الحديد دعامة الصناعة - والنّفط
كيف نضبط الأسماء التى تحتها خط ، وهى : (الشموس - النثر - الجهل - النّفط ...) وأشباهها من كل اسم تأخر عن «إن» ومعموليها ، وكان معطوفا على اسمها (1)........
يجوز أمران ، النصب والرفع. ويكفى معرفة هذا الحكم من غير تعليل (2). وبالرغم من جواز الأمرين فالنصب هو الأوضح والأنسب (3)؛ لموافقته الظاهرية لاسم «إنّ» ، أى : للمعطوف عليه ؛ فلا عناء معه ولا شبهة.
فإن تأخر خبر «إنّ» وتوسط ذلك المعطوف بينه وبين اسمها - فالأحسن اتباع الرأى القائل بجواز الأمرين أيضا ، وبعدم وجوب النصب (4)
وجائز رفعك معطوفا على *** منصوب «إنّ» بعد أن تستكملا
أى : إذا استكملت «إن» معموليها جاز العطف على اسمها - إن اقتضى المعنى ذلك - ويصح فى هذا المعطوف أن يكون منصوبا ، أو مرفوعا ، أما سبب النصب والرفع فيجىء اللام عليه فى هامش الصفحة التالية.
. ومع عدم وجوبه فهو الأوضح والأنسب ؛ كما سبق.1) قد يكون العطف على غير اسمها مع بقاء الحكم الآتى ؛ وهو ؛ جواز النصب والرفع كما سنعرف.
2) لا داعى للاهتمام بتعليله ، وبمعرفة الآراء المختلفة فى سبب النصب والرفع ؛ إذ المقصود الأول من النحو ضبط الألفاظ ضبطا صحيحا يوافق المعنى. وهذا الغرض يتحقق هنا بمعرفة الحكم السالف ، والاكتفاء به ، لأنه مستنبط من الكلام العربى الأصيل. وحسب المتعلمين هذا.
3) وحبذا الاقتصار عليه فيما ننشىء من أساليب ؛ فتساير الضبط الواضح ، الذى يسهل إدراك سببه وتوجيهه. وما يقال فى عطف النسق من جواز الأمرين وإيثار النصب ، يقال فى النعت ؛ وعطف البيان ، والتوكيد ، والبدل ؛ مثل : إن محمودا ، قائم الفاضل - أو : إن محمودا ، قائم أبو البركات أو : أبا البركات ، أو إن محمودا ، قائم نفسه ، أو : إن الرايتين قد استحسنتهما ، ألوانهما - بالنصب والرفع فى كل الأمثلة السالفة ؛ متابعة للرأى الأحسن.
4) وقد تعرض ابن مالك للحالة الأولى وحدها ؛ وهى حالة العطف بعد مجىء الخبر ، فقال
وفيما يلى بعض الأمثلة :
إن القاهرة ودمشق حاضرتان عظيمتان إن مكة والمدينة بلدان مكرّمان إنّ العدالة والنصفة كفيلتان بالأمن والرخاء إن الظلم والاستبداد مؤذنان بخراب العمران
من التيسير الحسن إجازة النصب والرفع فى كل كلمة من : (دمشق - المدينة - النصفة - الاستبداد ...) وأشباهها ، مع الاقتصار ، على معرفة هذا الحكم دون تعليله
فيكون الحكم فى الحالتين واحدا والقاعدة مطردة (1)
تعليل النصب عند تأخر المعطوف عن الخبر والاسم معا :
في المثال الأول (إن الأقمار دائرات فى القضاء ، والشموس) يجوز أن تكون «الشموس» بالنصب معطوفة على «الأقمار» منصوبة مثلها. و «دائرات» خبر عن المعطوف مع المعطوف عليه. فأصل الكلام إن الأقمار والشموس دائرات في الفضاء» فالعطف من نوع عطف الكلمة الواحدة على الكلمة الواحدة ؛ ويسمونه : «عطف المفرد على المفرد» ، كما في : «إن الرسم والتصوير لغتان عالميتان» بعطف كلمة : «التصوير» على كلمة الرسم.
ويجوز أن يكون أصل الكلام : إن الأقمار دائرات ، فى الفضاء ؛ وإن الشموس دائرات ... فحذفت «إن» الثانية مع خبرها لدلالة ما قبلها عليها (وقد سبق في ص ٥٨٠ الإشارة إلى هذا الحرف وصوره أحواله وكلمة : «الشموس» اسم «إن» المحذوفة مع خبرها ؛ فتكون الجملة الاسمية الثانية المكونة من «إن المحذوفة ومن اسمها وخبرها ، معطوفة على الجملة الاسمية الأولى المكونة من «إن» المذكورة ومعموليها. والعطف هنا عطف جملة على جملة (راجع ص ٦٧) من الجزء الثامن من شرح المفصل وهذا هو الإعراب الدقيق. لكن من التيسير في مثل هذه الصورة إعراب «الشموس» معطوفة على اسم «إن» مباشرة مع إرادة التقدير السالف.
وفى المثال الثاني : (إن الشعر محمود فى مواطن ، والنثر ) . يجوز في كلمة : النثر » النصب ولكن على اعتبار أنها اسم «إن » المحذوفة مع خبرها ؛ فأصل الكلام ؛ إن الشعر محمود في مواطن وإن النثر محمود فى مواطن .. فحذفت «إن» الثانية مع خبرها ، والعطف هنا عطف جملة اسمية (مكونة من «إن» الثانية ومعموليها) على الجملة الاسمية السابقة المكونة من «إن» المذكورة ومعموليها. ولا يصح في هذا المثال ما صح في سابقه من عطف المفرد على المفرد (بعطف كلمة : «النثر» على كلمة : «الشعر» التى هى اسم «إن») ؛ لأن العطف على اسم «إن» مباشرة يؤدى هنا إلى تقرير مرفوض ، إذ يجعل أصل الكلام : إن الشعر والنثر محمود في مواطن. فيقع الخبر غير مطابق ؛ لأنه مفرد ، واسم إن مع ما عطف عليه متعدد في حكم المثنى ، فتضيع المطابقة اللفظية الواجبة بين المبتدأ والخبر ، أو : بين ما أصله المبتدأ والخبر ؛ إذ لا يصح أن يقال : «إن الهواء والماء ضرورى للحياة بإعراب كلمة : «الماء» معطوفة على : «الهواء» عطف مفردات ... وهذا يقال أيضا فى المثال الثالث : (إن الإهمال مفسد للأعمال والجهل) فالنصب جائز على اعتبار عطف الجملة على الجملة ؛ فيكون التقدير : إن الإهمال مفسد للأعمال وإن الجهل مفسد ... ولا يصح أن يكون عطف مفرد على مفرد ؛ كى لا يؤدى إلى عدم المطابقة اللفظية ؛ بجعل التقدير : إن الإهمال والجهل مفسد للأعمال ... وهكذا كل أسلوب آخر يشبه هذا الأسلوب. أما حيث لا مانع من عطف المفردات فيجوز مراعاته ، أو مراعاة عطف الجمل كما فى المثال الأول ... تعليل الرفع عند تأخر المعطوف أيضا عن الخبر والاسم معا :
يرى بعضهم أن سبب الرفع في كلمة : (الشموس . النثر . الجهل . النفط) وأشباهها . هو اعتبار كل واحدة منها ، مبتدأ خبره محذوف ، يفسره خبر «إن» والجملة الاسمية التالية ، المكونة من المبتدأ وخبره المحذوف معطوف على الجملة الاسمية الأولى المكونة من «إن» ومعموليها ، فأصل الكلام إن الأقمار دائرات والشموس دائرات) . إن الشعر محمود في مواطن (والنثر محمود في مواطن ...) وهكذا ... فالعطف عطف جملة على جملة. ويرى آخرون أن هذه الكلمات المرفوعة معطوفة على الضمير المستتر في خبر «إن» وخاصة إن كان الخبر مشتقا وبينه وبين المعطوف فاصل ، لأن الخبر المشتق يحوى الضمير المستتر بغير تأويل ، ولان وجود الفاصل يرضى القائلين بأنه : لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل . ومنه المستتر . المستر إلا مع فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه (وهو الضمير). فكلمة. «الشموس» يجوز رفعها ؛ لأنها معطوفة على الضمير المستتر في «دائرات» وتقدير الضمير : هي. والفاصل بينهما موجود. وكلمة. «النثر» يجوز رفعها باعتبارها معطوفة على الضمير المستتر في كلمة : محمود ، وتقديره : هو . والفاصل موجود أيضا. وكلمة : «الجهل» معطوفة على الضمير المستتر في كلمة : «مفسد». وتقديره : هو ، والفاصل موجود ، وهكذا ... فالعطف عطف مفردات.
ويرى فريق ثالث أن العطف إنما هو على اسم «إن» مباشرة ؛ باعتباره في الأصل مبتدأ مرفوعا قبل مجيء الناسخ ؛ فيجوز الرفع مراعاة لذلك الأصل بشرط ألا يتعارض مع المطابقة المطلوبة بين معمولى إن.
ولكل فريق من الثلاثة . وغيرهم . أدلة في تأييد مذهبه ، وفى الرد على معارضيه. لكن الحق أن كثيرا من الأساليب العربية الفصيحة ينطبق عليها بعض الآراء دون بعض.
ننتقل بعد ذلك إلى الحالة الثانية التي يتأخر فيها الخبر ويتقدم عليه المعطوف ؛ فيتوسط بينه وبين اسم «إن». وقد قلنا : إنه يجوز فيها الرفع والنصب أيضا. ولو لم نأخذ بهذا الرأى لوقعنا في لجة غامرة من التمحل ، والجدل ، والتأويل الذي لا خير فيه ، والذى يمتد إلى القرآن الكريم ، والكلام الفصيح من غير داع مستساغ وتوجيه النصب هنا يحتاج لمزيد من اليقظة والإدراك ، كما سيتبين مما يأتي :
تعليل النصب :
في مثل : (إن القاهرة ودمشق حاضرتان (...) يجوز نصب دمشق» على اعتبار واحد هو أنها معطوفة على اسم «إن» المنصوب ، والخبر هو : «حاضرتان» فالعطف عطف مفرد على مفرد ، ولا يجوز أن يكون عطف جملة على جملة بإعراب دمشق» منصوبة اسم «إن» المحذوفة مع خبرها الذى يدل عليه خبر «إن» الموجودة ؛ إذ يكون التقدير : إن القاهرة حاضرتان . وإن دمشق حاضرة . فتختل المطابقة اللفظية. هذا إلى أننا سنعطف جملة على جملة لم تكمل ولم تتم. والأمران ممنوعان.
ولو أعربنا كلمة «حاضرتان» خبر «إن» المحذوفة لكان التقدير : «إن القاهرة حاضرة وإن دمشق حاضرتان» وهو فاسد ؛ لاختلال المطابقة اللفظية ، كفساده فى مثل : محمود وصالح غائبان ، فلو أعربنا كلمة. «صالح» مبتدأ خبره محذوف - لكان التقدير : محمود - وصالح غائب - غائبان ... والفساد واضح هنا كوضوحه لو أعربنا كلمة : «صالح» مبتدأ ، خبره كلمة : «غائبان» والتقدير : محمود غائب وصالح غائبان.
والأمر بالعكس لو قلنا : إن القاهرة ودمشق حاضرة ، إذ يصح أن تكون دمشق منصوبة إما : على اعتبارها اسم «إن» المحذوفة ، وحدها ، وكلمة : «حاضرة» المذكورة خبرها. ويكون خبر «إن» المذكورة محذوف تقديره : عاصمة. مثلا .. فالأصل : إن القاهرة عاصمة ... وإن دمشق حاضرة ؛ فالجملة الاسمية الثانية معطوفة على الجملة الاسمية الأولى. والعطف عطف جمل ، ولا يصح أن يكون عطف مفردات ؛ لما يترتب عليه من تقدير يجعل أصل الجملة : «إن القاهرة ودمشق حاضرة فتختل المطابقة اللفظية . كما تختل في مثل : حامد وأمين قائم . بعطف أمين على : «حامد» . ؛ فيقع المفرد خبرا عن المثنى أو ما في حكمه ؛ وهذا ممنوع.
وإما على اعتبارها اسم «إن» المحذوفة مع خبرها أيضا وأصل الكلام : إن القاهرة حاضرة وإن دمشق «حاضرة» فتقدمت الجملة الثانية ، واعترضت بين اسم «إن» الأولى وخبرها ، فهي جملة معترضة ، وليست معطوفة ؛ إذ لا يصح عطف جملة على جملة إلا بعد أن تتم الجملة الأولى ، وهى المعطوف عليها.
ومما سبق نعرف أن النزول على حكم المطابقة اللفظية أمر محتوم ؛ فحيث تحققت وتحكمت . كالمثال الأولى . . وجب اعتبار العطف عطف مفردات ، وحيث اختلت كالمثال الثاني . وجب اعتباره عطف جمل ، أو اعتبار الجملة الثانية غير معطوفة ، وإنما هي جملة معترضة تقدمت من تأخير ففصلت بين اسم إن وخبرها. وقد تكون مستأنفة إن اقتضى المعنى ذلك.
تعليل الرفع :
في المثال الأول ونظائره من نحو : إن العدالة والنصفة كفيلتان بالأمن والرخاء ، يجوز رفع كلمة : «النصفة» على أنها معطوفة على اسم «إن» باعتبار أصله مبتدأ مرفوعا قبل مجيء الناسخ . ، والخبر هو كلمة «كفيلتان» ، فالعطف عطف مفردات لمطابقة الخبر لاسم «إن» مع المعطوف ولا يصح أن يكون عطف جمل ، بإعراب كلمة : «النصفة» مبتدأ خبره محذوف ، لما يلزم عليه من فساد الأسلوب لفساد المطابقة ؛ كما شرحنا. ولما يلزم عليه أيضا من . عطف جملة على جملة أخرى لم تكمل.
فلو قلنا : إن العدالة والنصفة كفيلة بالأمن والرخاء ، لجاز الرفع على اعتبار كلمة : «النصفة» مبتدأ خبره ، كلمة : «كفيلة» الموجودة ، وخبر «إن» محذوف. . بعد اسمها . تقديره : كفيلة أو ضامنة ... أو ... ، وتقدير الكلام : إن العدالة كفيلة بالأمن ، والنصفة كفيلة بالأمن فيكون الكلام عطف جملة اسمية لاحقة على نظيرتها السابقة ، كما يجوز إعراب كلمة : «كفيلة» الموجودة خبر «إن». أما خبر المبتدأ فمحذوف تقديره : كفيلة . مثلا . فتكون الجملة المكونة من المبتدأ والخبر جملة اعتراضية بين اسم «إن» وخبرها ، ولا يجوز أن تكون معطوفة ؛ لما سبق من أنه لا يجوز عطف جملة على جملة إلا بعد أن تتم الأولى وهي التي عطف عليها.
هذا ولا اعتداد برأى من يرفض الرفع في الصور التي لا مطابقة فيها . وغيرها . فيمنع أن يقال : إن العدالة والنصفة كفيلة ... كما يمنع أن يقال : إن محمدا وعلى قائم. فلو أخذنا برأيه لاعترضتنا أمثلة ناصعة الفصاحة من القرآن الكريم. والكلام العربي الصحيح ، ولم نجد بدا من التمحل المعيب ، والتأويل البغيض. وكيف يوجب كثير من النحاة النصب. وحده . عند العطف بعد الاسم وقبل مجيء خبر «إن» مع مجىء الرفع فى قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ، وَالَّذِينَ هادُوا ، «وَالصَّابِئُونَ ، وَالنَّصارى - مَنْ آمَنَ بِاللّهِ ...؟ ) فكلمة الصابئون : وقعت بعد العاطف وقبل خبر «إن» وهو : «من آمن» واسم «إن» هو كلمة : «الذين» ومثلها قراءة من قرأ قوله تعالى : ( إِنَّ اللّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ... ) برفع كلمة «ملائكة» بعد العاطف وقبل خبر «إن» وكذلك قول الشاعر :
فمن يك أمسى بالمدينة رحله *** فإنّى وقيّار بها لغريب
فكلمة «قيار» (وهى اسم حصان الشاعر) مرفوعة بعد العاطف وقبل خبر «إن». وغير هذا من الشواهد المتعددة. كيف يقبلون أن تؤول الآية لتطابق القاعدة ولا يتصرفوا فى القاعدة تصرفا صريحا يساير الآية ، مع اعتقادهم أن القرآن أفصح كلام عربى وأعلاه؟ ولم التمحل فى الأمثلة العربية الأخرى - وهى كثيرة - وترك القاعدة بغير إصلاح؟ وهل يصير الأسلوب الفاسد صالحا بمجرد التأويل والنية الخفية من غير تغيير يطرأ على ظاهره؟
ثم هم لا يبيحون التأويل إلا فى الأمثلة المسموعة التى تخالف قاعدتهم ، أما الأمثلة التى هى من كلام المحدثين ففاسدة - فى رأيهم - فسادا ذاتيا ؛ فلا يجوز قبولها ، ولا التماس التأويل فيها. وهم يؤولون المرفوع فى الأمثلة السالفة وأشباهها بما نعتبره حكما عاما غير مقصور على الوارد المسموع ، فيؤولون المرفوع فى الآية الأولى وفى البيت بأنه مبتدأ - خبره محذوف ، والجملة معترضة - بين اسم إن وخبرها ، لتقدم المبتدأ وخبره عن مكانهما ، وتوسطهما بين اسم «إن» وخبرها. فأصل الآية - عندهم : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) - ( وَالصَّابِئُونَ ) كذلك - (من آمن منهم) - وأصل البيت : فإنى - وقيار غريب - لغريب ويفضلون أن تكون الجملة فى المثالين اعتراضية لا معطوفة ، فرارا من العطف قبل تمام الجملة المعطوف عليها ، إن جعل من عطف الجمل ، وفرارا من تقدم المعطوف على المعطوف عليه إن عطف المرفوع على الضمير المستتر فى الخبر فهم يؤولون البيت بتأويل الآية الأولى وحدها فيجعلون كلمة : «غريب» المشتملة على لام الابتداء خبر «إن» ولا يجعلونها خبرا لكلمة «قيار» لأن دخول لام الابتداء على خبر المبتدأ ضعيف. فخبره هنا محذوف ؛ والتقدير «وقيار غريب» أو «وقيار مثلى» والجملة منهما اعتراضية.
أما فى الآية الثانية فيلتمسون تأويلا آخر ، فيجعلون خبر «إن» هو المحذوف ، ويجعلون الاسم المرفوع مبتدأ خبره المذكور بعده ، والتقدير عندهم : إن اللّه يصلى على النبى ، وملائكته يصلون على النبى ، إذ لا يصلح فى هذه الآية التقدير الأول الذى صلح لسابقتها ، لما يترتب عليه من أن يكون التقدير ؛ إن اللّه يصلون على النبى ؛ فتختل المطابقة اللفظية بين اسم «إن» وخبرها ، وهى لازمة كما قلنا ، فإن لم يوجد ما يعين أحد التأويلين فهما - عندهم - جائزان.
كل هذا عناء لا مسوغ لاحتماله ، يريحنا منه الأخذ بالرأى الذى يبيح الأمرين الرفع والنصب بالتوجيه الذى شرحناه ، فوق ما فيه من راحة أخرى ؛ إذ يجعل القاعدة واحدة مطردة ؛ فيسوى بين العطف بعد مجىء خبر «إن» وقبل مجيئه.
على أننا نقول : حسب الناس فى المسألة السابقة أن يحاكوا أساليب القرآن ، والكلام العربى الفصيح ، فلا نرهقهم بالتأويلات المختلفة وفهمها. ومن شاء أن يؤول كلامهم بعد قبوله كما أؤل القرآن ، فليفعل.
وعلى ضوء ما سبق يمكن الوصول إلى حكمين :
أولهما : فساد التركيب فى مثل : «إن محمدا وإن عليا منطلقان ؛ لاشتماله على خبر واحد لمتعاطفين ، تكررت فيهما «إن» فيكون معمولا لعاملين مختلفين ، هما : «إن» الأولى و «إن» الثانية وهو بهذه الصورة غير جائز (راجع الهمع ج 1 ص 135).
ثانيهما . توجيه الأسلوب الآتي . تطبيقا على سبق . :
«إن رجلا وغلاما حاضران». فكلمة «غلاما» منصوبة على أنها معطوفة عطف مفردات على اسم «إن» المنصوب لفظه ولو قلنا : إن رجلا وغلام حاضران ، لكانت كلمة «غلام» مرفوعة ؛ لأنها معطوفة عطف مفردات على اسم «إن» باعتبار أصله المبتدأ قبل أن يصير اسم «إن» وكلمة : «حاضران» هي الخبر في الحالتين ؛ لأنها مثنى ؛ فهي مطابقة للمعطوف والمعطوف عليه معا.
أما إذا لم تطابق في مثل : إن رجلا وغلاما حاضر. تريد : إن رجلا حاضر ، وإن غلاما حاضر ، مع قيام قرينة تدل على هذا المراد . فالأصول اللغوية العامة لا تمنع هذا الأسلوب ؛ وإن منعته طائفة نحوية . ؛ فيصح أن تكون كلمة. «حاضر» خبر «إن» المذكورة. وكلمة «غلاما» اسم «إن» المحذوفة مع خبرها ، والجملة الثانية معترضة.
وكذلك إن لم يتطابق فى مثل : إن رجلا وغلام حاضر . فكلمة حاضر» خبر «إن» المذكورة وغلام» مبتدأ خبره محذوف والتقدير : إن رجلا حاضر ، وغلام حاضر ، وتكون الجملة الثانية معترضة . أيضا . بين اسم إن وخبرها.
ويجوز في المثال الأول : إن رجلا وغلاما (حاضر) اعتبار كلمة : «حاضر» خبر «إن» محذوفة وحدها. وخبر المذكورة محذوف أيضا ، والجملة الثانية معطوفة على الأولى عطف جمل. ومما يجب التفطن له أن كل واحد من هذه الاعتبارات لا يصح الالتجاء إليه بداعي التمحل المحض في تصحيح كلمة لم يتضح في السياق مرماها المعنوى ، ولا مهمتها في توضيح المراد ولا يصح ، تلمس التصويب لمن نطق بها عفوا ، على غير هدى لغوى يؤدى إلى المعنى المقصود ؛ وإلا صارت اللغة لعبا ولهوا. وإنما نلجأ إليه حين يكون هو الوسيلة لتحقيق المعنى المراد ؛ لقيام قرينة تفرضه وتأبى سواء.
وبالرغم من الاعتبارات السالفة فمن الحكمة ألا نلجأ إلى استعمال تلك الأساليب ما وجدنا مندوحة للبعد عنها. ومن الخير أن نكتفى فى العطف على اسم «إن» بضبط المعطوف منصوبا فقط ، سواه. أكان العطف قبل مجيء الخبر أم بعده ، لأن هذا هو المسلك الظاهر ، والنهج الواضح الذى يعد اتباعه من أهم مقاصد البلغاء. ما لم يوجد مقصد أسمى يدعو للعدول عنه ؛ كاقتضاء المقام أن يكون العطف عطف جمل ، لا عطف مفردات ؛ لأن الأول يؤدى غرضا غير الذي يؤديه الثاني.
، سواء أكان المعطوف متقدما على الخبر متوسطا بينه وبين الاسم ، كهذه الأمثلة ، أم متأخرا عنهما معا ، كالأمثلة الأولى.1) فتنطبق - فى يسر ووضوح - على الحالتين السالفتين ، وعلى أحوال أخرى أتعبت كثرة النحاة فى توجيهها ، لعدم أخذهم بهذه القاعدة السليمة ، فلو أن هذه الكثرة لم تشدد بغير داع لاستراحت وأراحتنا من التعقيد المتعب. ولم يختلف النحاة فى حكم الحالة الأولى التى يقع فيها المعطوف متأخرا عن : «إن» ومعموليها ، وإنما اختلفوا فى تعليل النصب والرفع، وفى توجيه كل منهما ؛ وهو خلاف تشعبت الأدلة فيه. ولما كانت الغاية المقصودة هى - كما قلنا - معرفة الحكم نفسه ، وقد عرفناه ، فلا حاجة بعده لاحتمال مشقة التعليل. وبالرغم من هذا نلخصه فى وضوح ودقة للمتخصصين :
هذا (1)، وكل ما قيل فى حكم المعطوف بعد استكمال «إن» خبرها ، وقبل استكمالها - يقال أيضا بعد حرفين من أخواتها ، هما : أنّ (المفتوحة الهمزة ، المشددة النون) و «لكنّ» المشددة النون ، سواء أكان العطف قبل استكمالهما الخبر أم بعده ، فالحروف الثلاثة الناسخة : (إنّ - أنّ - لكنّ) مشتركة فى الحكم السالف. تقول : علمت أنّ طائرة مسافرة وسيارة ، أو علمت أن طائرة وسيارة مسافرتان ، ينصب كلمة : «سيارة» ورفعها ، مع تقدمها على الخبر وحده ، أو تأخرها عنه. كما تقول الفواكه كثيرة فى بلادنا ، لكنّ التفاح قليل. والبرقوق. أو لكنّ التفاح والبرقوق قليلان ، بنصب كلمة : «البرقوق» أو رفعها مع التقدم على الخبر وحده أو التأخر عنه.
أما «ليت» و «لعل» و «كأن» فلا يجوز معها فى المعطوف إلا النصب ؛ سواء أوقع بعد استكمالها الخبر أم قبل استكمالها. مثل : ليت الأخ حاضر والصديق ، أو ليت الأخ والصديق حاضران ؛ بنصب كلمة : «الصديق» فى الحالتين. ومثل : لعل العلاج مفيد والدواء ، أو : لعل العلاج والدواء مفيدان. بنصب كلمة : «الدواء» فيهما. ومثل : ليت الصحة دائمة والثروة ، أو : ليت الصحة «والثروة» دائمتان. بنصب كلمة : الثروة فيهما (2)
وألحقت بإنّ «لكنّ» ، و «أن» *** من دون «ليت» ، و «لعل» وكأن
أى : ألحق «بإن» فى الحكم السابق الخاص بالعطف - حرفان من أخواتها ؛ وهما : «أن» (المفتوحة الهمزة ، المشددة النون) و «لكن» ، بتشديد النون ، وخالفها ثلاثة أخرى ؛ هى : «ليت» و «لعل» ، و «كأن» وقد فصلنا ذلك الحكم.
وفى بيت ابن مالك خففت النون فى «أن» و «كأن» لضرورة الشعر التى جعلت النون ساكنة فيهما.
. .ونستخلص مما تقدم :
ا - أن المعطوف على اسم من أسماء هذه الحروف الناسخة يجوز فيه النصب مطلقا ، (أى : سواء أكان الحرف الناسخ هو : «إن» أم غيره من أخواته ؛ وسواء أكان العطف بعد استكماله الخبر أم قبل استكماله ومجيئه) إلا «لا» الجنسية فللعطف على اسمها أحكام خاصة تجىء فى بابها (1).
ب - امتياز : إنّ ، وأنّ ، ولكنّ - دون أخواتها - بجواز شىء آخر هو صحة رفع المعطوف على اسمها ؛ سواء أكان المعطوف متوسطا بين الاسم والخبر أم متأخرا عن الخبر.
1) ص 637.
تخفيف الحروف المشددة الناسخة (1): (إنّ ، أنّ ، كأنّ ، لكنّ)
فأما «إنّ» (المكسورة الهمزة ، المشددة النون) فيجوز فيها التخفيف بحذف النون الثانية المفتوحة ، وإبقاء الأولى ساكنة. وعندئذ تصلح «إن» للدخول على الجمل الاسمية والفعلية ، بعد أن كانت مع التشديد مختصة بالنوع الأول.
(ا) فإن خففت ودخلت على جملة اسمية جاز إبقاء معناها وعملها وسائر أحكامها التى كانت لها قبل التخفيف (2)، وجاز إبقاء معناها دون عملها فتصير مهملة ملغاة. مثل : إن جريرا لشاعر أموىّ كبير ، أو : إن جرير لشاعر أموى كبير. ومثل : إن أبا حنيفة لإمام عظيم ، أو : إن أبو حنيفة لإمام عظيم. بنصب كلمتى. جريرا و «أبا» على الإعمال ، وبرفعهما على الإهمال ... وإهمالها أكثر فى كلام العرب ، ويحسن - اليوم - الاقتصار عليه.
وإذا أهملت - مع دخولها على جملة اسمية - وجب مراعاة ما يأتى :
(1) أن يكون اسمها قبل إهمالها - اسما ظاهرا لا ضميرا ؛ مثل : إنّ بغداد لبلد تاريخى مشهور.
(2) أن تشتمل الجملة التى بعدها على لام الابتداء ؛ لتكون رمزا للتخفيف ، ودالة على أنها ليست النافية ، ولذا قد تسمى : اللام الفارقة (3)
(ا) فعند دخول «إن» المخففة على جملة اسمية فإن اللام تدخل على الخبر عند الإهمال.
(ب) وعند دخول «إن» المخففة على جملة فعلية فإن الإهمال واجب ، ويكون الفعل بعدها ناسخا كما سيجىء فى ص612. وتدخل اللام على خبره الحالى ، أو على خبره. بحسب الأصل ؛ فالأول نحو : إن كنت لناصرا المظلوم. والثانى : إن ظننتك لطموحا. فإن كان غير ناسخ - وهذا قليل لا يصح القياس عليه اليوم - دخلت على فاعله إن كان اسما ظاهرا ، أو ضميرا بارزا ؛ نحو : إن يزينك لنفسك ، وإن يشينك لهيه. (فكلمة : «نفس» اسم ظاهر ، فاعل للفعل : «يزين» ، وكلمة : «هى» ضمير بارز فاعل للفعل يشين ، والهاء التى فى آخر الضمير هاء للسكت. والمراد : إن نفسك هى التى تزينك ، وهى التى تشينك ، أى : تعيبك - انظر «ا» من ص 613 -
فإن اجتمع الفاعل والمفعول به دخلت على السابق منهما ، نحو : إن أحسن لكاتب عمله.
أو : إن أحسن لعمله كاتب. وإنما تدخل على السابق منهما بشرط ألا يكون ضميرا متصلا (ظاهرا أو مستترا) فإن كان ضميرا متصلا لم تدخل عليه اللام ودخلت على المتأخر : مثل : إن عظمت لعالما نافعا ، وإن مدحت لإياه ، والعاقل إن مدح العظيما. (فقد دخلت اللام على المفعول به مع تأخره) لأن الفاعل في المثالين الأولين ضمير متصل بارز ، وفى الأخير ضمير متصل مستتر.
؛ لأنها تفرق بين المخففة والنافية ؛ مثل : إن تونس لرجالها عرب. ويجوز تركها والاستغناء عنها متى وجدت قرينة واضحة تقوم مقامها فى تبيين نوع «إن» ، وأنها المخففة.1) هذا هو البحث الذى أشرنا فى رقم 3 من هامش ص 570.
2) إلا العمل فى الضمير ؛ فإن العمل فيه مقصور على المشددة ؛ تقول : إنك عدو الطغيان بتشديد «إن». ولا يجوز التخفيف فى اللغة المستحسنة التى هى حسبنا اليوم.
3) هذه لام الابتداء فى الرأى الراجح ، وتجىء عند التخفيف. ولكن مكانها يختلف باختلاف التراكيب على الوجه التالى:
وليست النافية ، لكن عدم تركها أفضل (1). ولا فرق فى القرينة بين أن تكون لفظية فى أو معنوية ، والمعنوية أقوى. ومن القرائن اللفظية أن يكون الخبر فيها منفيّا مثل : إن المجاملة لن تضرّ صاحبها. فكلمة «إن» مخففة ، وليست نافية ؛ لأن إدخال النفى على النفى لإبطال الأول قليل فى الكلام الفصيح : إذ يمكن مجىء الكلام مثبتا من أول الأمر ، من غير حاجة إلى نفى النفى المؤدى للإثبات بعد تطويل. ومثال القرينة المعنوية : إن العاقل يتبع سبيل الرشاد. إن المحسن يكون محبوبا. إن الاستقامة تجلب الغنى ؛ إذ المعنى يفسد على اعتبار «إن» للنفى فى هذه الأمثلة .. ومن هذا النوع قول الشاعر :
أنا ابن أباة الضّيم من آل مالك *** وإن مالك كانت كرام المعادن
فلو كانت «إن» للنفى لكان عجز البيت ذمّا فى قبيلة مالك ، مع أن صدره لمدحها (2)
ومما يلاحظ أننا لو أردنا إدخالها في المثال السالف لكان الأنسب إدخالها على كلمة : «كرام» دون الفعل : «كان» ؛ لأنها لا تدخل على ماض ، متصرف ، خال من «قد» ـ كما سبق . في ص ٥٩٨ . سواء أكانت «إن» عاملة أم غير عاملة. هذا وكلمة «أباة» جمع «آب» بمعنى : كاره. و «مالك» اسم قبيلة عربية ؛ سميت باسم زعيمها ، والشاعر يتباهي في صدر البيت بأنه من أسرة ذلك الزعيم ، وأنها تكره الضيم ؛ أى : (الذل) وأنها قبيلة كريمة الأصول. فكلمة «مالك» الأولى اسم للزعيم ، والثانية اسم القبيلة ؛ ولهذا أنث الفعل معها.
.(3) أن يكون الخبر من النوع الذى يصلح لدخول اللام عليه وقد سبق (3)بيانه.
(ب) وإن خفّفت ودخلت على جملة فعلية وجب الإهمال (1)، وأن يكون الفعل بعدها ناسخا (2)
وتجىء اللام فى خبر الناسخ الحالى ، أو خبره بحسب الأصل (كما سبق فى ب من هامش ص 610).
؛ مثل : الحرية عزة ، وإن كانت لأمنية النفوس الكبيرة ، وقول أعرابىّ لأحد الفتيان : رحم اللّه أباك ، إن كان ليملأ العين جمالا ، والأذن بيانا ، ومثل : إن يكاد الذليل ليألف الهوان. ومثل : إن وجدنا المنافق لأبعد من إكبار الناس وتقديرهم (3)وخفّفت : «إنّ» فقلّ العمل *** وتلزم اللّام إذا ما تهمل
وربّما استغنى عنها إن بدا *** ما ناطق أراده معتمدا
أى : إذا خففت «إن» قل إعمالها وكثر إهمالها. وإذا أهملت لزم مجىء اللام بعدها ، وقد شرحنا ما يتعلق بمجيئها.
ثم أوضح فى البيت الثانى أن هذه اللام قد يمكن تركها ، والاستغناء عنها إن بدا (أى : ظهر) المراد الذى أراده المتكلم ، معتمدا فى ظهوره على قرينة توضحه - ومعنى (بدا ما ناطق أراده) ظهر الذى أراده الناطق - ثم قال :
والفعل إن لم يك ناسخا فلا *** تلفيه - غالبا - بإن ذى موصلا
«ذى» بمعنى : هذه ، يريد : أن الفعل إن لم يكن من الأفعال الناسخة فإنك - غالبا - لا تلفيه (أى : لا تجده) فى الكلام الفصيح متصلا بالحرف «إن» المخففة فلا يقع بعدها مباشرة (وكلمة : «غالبا» تعرب ظرف زمان أو مكان. فالمعنى : انتفى فى غالب الأزمنة ، أو فى غالب التراكيب وجود الفعل غير الناسخ متصلا مباشرة بالحرف «إن» المخففة).
. .1) ولا داعى للأخذ بالرأى القائل بأعمالها ، واعتبار اسمها ضمير الشأن المحذوف. وهو رأى مقبول أيضا.
2) مثل كان وأخواتها. (ومن أخواتها : أفعال المقاربة وما يتصل بها ...) ومثل : ظن وأخواتها - ويشترط فى هذا الفعل الناسخ ألا يكون نافيا ؛ مثل : «ليس» ، ولا منفيا ؛ مثل : ما كان ، ما زال ، ما برح ، لن أبرح ، لن أفتأ ... وأن يكون غير داخل فى صلة ، مثل : ما دام ،
3) وفيما سبق يقول ابن مالك :
ا - من الأمثلة العربية المسموعة : إن يزينك لنفسك ، وإن يشينك لهيه. وقد سبق (1)، ومنها إن قنّعت كاتبك لسوطا (2). وقول الشاعر :
شلّت (3)يمينك إن قتلت لمسلما *** حلّت عليك عقوبة المتعمد
وهى أمثلة يستشهد بها النحاة على وقوع الأفعال غير الناسخة بعد «إنّ» إذا خففت. ولا داعى لمحاكاة هذه الأمثلة القليلة. وحسبنا أن نتبين معناها ، والغرض الذى نستعملها فيه ، دون القياس عليها من هذه الناحية.
ب - بمناسبة تخفيف «إنّ» يعرض النحاة للقواءات التى فى قوله تعالى : ( وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ ، ) وتوجيه كل قراءة. وإليك بعض ذلك.
(1) ( وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ ) بتشديد النون ، وتخفيف «ما» ، فيكون الإعراب : «كلّا» اسم إن. «لما» ؛ اللام لام ابتداء ، «ما» زائدة ؛ لتفصل بين اللامين. ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) اللام للابتداء ؛ لتوكيد الأولى ، والجملة بعدها خبر «إنّ».
ويصح إعراب آخر : «كلّا» اسم إن المشددة. «لما» اللام لام الابتداء.
«ما» : اسم موصول خبر «إنّ» مبنى على السكون فى محل رفع. ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) اللام للقسم ، والجملة بعدها لا محل لها من الإعراب جواب قسم محذوف ؛ وجملة القسم وجوابه صلة «ما» ، والتقدير : «لما واللّه لنوفّينّهم (4)». وجملة القسم وإن كانت إنشائية - هى لمجرد التأكيد. والصلة فى الحقيقة جوابه. أى : (وإنّ كلا للّذين واللّه ليوفينهم) لهذا لا يقال إن جملة القسم هنا إنشائية مع أن جملة الصلة لا تكون إلا خبرية (5).
1) فى «ب» من هامش ص 610.
2) أى : إنك قنعت كاتبك سوطا ، بمعنى : ضربته على رأسه بالسوط ، فأحاط به إحاطة القناع برأس المرأة.
3) يدعو عليه بشلل يمينه ؛ فالجملة دعائية.
4) انظر ص 341 حيث الأشياء التى يجوز الفصل بأحدها بين الموصول وصلته.
5) راجع الصبان فى هذا الموضع ، ثم ما يتصل بهذا فى ص 337 و 341 السابقتين.
(2) ( وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ ) بتخفيف «إن» و «ما» مع إعمال «إن» كأصلها. والإعراب لا يختلف عما سبق ؛ فيصح هنا ما صح هناك.
(3) (وإن كل لما ليوفينهم ...) بتخفيف «إن» و «ما». فكلمة «إن» مهملة. كل : مبتدأ. وما بعد ذلك يصح فيه الأوجه السالفة فى الصورة الأولى مع ملاحظة أن الأخبار هنا تكون للمبتدأ.
(4) ( وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ ) بتخفيف «إن» وتشديد «لمّا» والإعراب يجرى على على اعتبار «إن» حرف نفى ، و «لما» أداة استثناء بمعنى : «إلا» و «كلّا» مفعول به لفعل تقديره : أرى - مثلا - محذوف ، و ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) اللام للقسم ، والجملة ، بعدها جوابه ؛ أى : ما أرى كلّا إلا واللّه ليوفينهم.
(5) ( وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ ) بتشديد «إنّ» و «لمّا» والأحسن اعتبار «لما» حرف جزم ، والمجزوم محذوف ، والتقدير : (وإن كلا لما يوفوا أعمالهم) .. ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) اللام للقسم ، والجملة بعدها جوابه ، والقسم وجوابه كلام مستأنف.
وعلى ضوء ما تقدم نعرب قوله تعالى : ( وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ) فعند تشديد «لما» تكون بمعنى «إلا» ، و «إن» المخففة حرف نفى. «كل» مبتدأ ، جميع : خبره ، «محضرون» نعت للخبر ، مرفوع بالواو ، «لدى» ظرف متعلق به ، مضاف ، «نا» مضاف إليه مبنى على السكون فى محل جر. وعند تخفيف «ما» يكون الإعراب ، كما يأتى :
«إن» مهملة «كل» مبتدأ. «لما» اللام لام الابتداء ، «ما» زائدة ، «جميع» مبتدأ ثان (1)«محضرون» خبر الثانى ، والثانى وخبره خبر الأول. «لدينا» «لدى» ظرف متعلق بكلمة «محضرون». «نا» مضاف إلى الظرف. ويجوز فى هذه الآية وسابقتها إعرابات وتوجيهات أخرى (2).
وأما «أنّ» (مفتوحة الهمزة ، مشددة النون) فيجوز فيها التخفيف بحذف النون الثانية المفتوحة ، وترك الأولى ساكنة ؛ نحو : أيقنت أن «(علىّ شجاع).
ويتحتم اعتبار «أن» مخفّفة من الثقيلة متى وجدت علامة مما يأتى :
1 - أن تقع بعد ما يدل على اليقين (1)والقطع ، مثل : أيقن ، تيقّن ، جزم ، علم ، اعترف التى بمعنى : علم ، أو : أقرّ ، اعتقادى ، لا شكّ ... وغيرها من الأفعال أو الألفاظ التى تفيد اليقين (2)؛ نحو. أيقنت أن عدل من اللّه كلّ جزائه. وقول الشاعر :
أأنت أخى ما لم تكن لى حاجة؟ *** فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
2 - أن تدخل على فعل جامد ، أو ربّ ، أو حرف تنفيس ؛ نحو : اعتقادى أن ليس لشفقة الوالدين مثيل ؛ وقول الشاعر :
وإنى رأيت الشمس زادت محبة *** إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
ومثل :
أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلة *** كأن دجاها من قرونك ينشر
وقول الناصح لسامعيه :
فإن عصيتم مقال اليوم فاعترفوا *** أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار
3 - أن يقع بعدها فعل دعاء ، نحو أطال اللّه عمرك ، وأن هيّأ لك المستقبل السعيد.
4 - أن تكون داخلة على جملة اسمية مسبوقة بجزء أساسى من جملة - لا بجمله كاملة - بحيث يكون المصدر المؤول من : «أن» المخففة والجملة الاسمية التى
1) انظر ص 583.
2) أما التى تقع بعد ما يدل على الظن (مثل : ظن ، زعم ، خال ، ... والظن معناه : ترجيح أحد الأمرين) فإنها صالحة لأن تكون مخففة ، وأن تكون مصدرية ناصبة للمضارع بعدها. ويعينها لأحدهما وجود قرينة لفظية تقضى بالتعيين ، فوجود الفاصل ، أو رفع المضارع بعدها - قرينة لفظية على أنها المخففة. ونصب المضارع بعدها قرينة لفظية على أنها المصدية الناصبة له. فإن لم تكن مسبوقة بما يدل على اليقين أو الظن فهى المصدرية الناصبة للمضارع حتما ؛ كالتى تقع بعد ما يفيد الرغبة أو الإشفاق ، أو الطمع أو التوقع ؛ نحو : أود إن أشارك فى كل عمل نافع. أخشى أن يشتد البرد - أرجو أن أهنىء الزملاء بما يسرهم - يسرنى أن يزورنى العلماء. (انظر «ا وب» من ص 369 و 583، وستجىء لأنواع «أن» المختلفة بيان شامل فى باب النواصب (ج 4 ص 220 م 148).
دخلت عليها - مكملا أساسيا للجزء السابق. كقوله تعالى : ( وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. ) فالمصدر المؤول خبر المبتدأ : «آخر» (1).
وقول الشاعر :
كفى حزنا أن لا حياة هنيئة *** ولا عمل يرضى به اللّه - صالح
فالمصدر المؤول فاعل : «كفى» (2).
ويترتب على التخفيف أربعة أحكام ، يوجب أكثر النحاة مراعاتها :
أولها : إبقاء معنى : «أنّ» وعملها على حالهما الذى كان قبل التخفيف.
ثانيها : أن يكون اسمها ضميرا (3)محذوفا ، ويغلب أن يكون ضمير شأن (4)محذوف كالمثال السابق ؛ وهو : أيقنت أن (علىّ شجاع) (5).
ثالثها : أن يكون خبرها جملة ؛ سواء أكانت اسمية أم فعلية ؛ نحو : علمت أن حاتم أشهر كرام العرب ، وأيقنت أن قد أشبهه كثيرون.
رابعها : وجود فاصل - فى الأغلب - بينها وبين خبرها إذا كان جملة (6)فعلية ، فعلها متصرف ، لا يقصد به الدعاء. والفاصل أنواع.
(ا) إما «قد» (7)نحو : ثبت أن قد ازدهرت الصناعة فى بلادنا ، ونحو قول الشاعر :
شهدت بأن قد خطّ ما هو كائن *** وأنّك تمحو ما تشاء وتشبت
(ب) وإما أحد حرفى التنفيس (8)مثل : أنت تعلم أن سأكون نصير الحق.
1) سيجىء للآية مناسبة أخرى فى رقم : «ا» ص 617.
2) راجع ما سبق فى ص 583.
3) سواء أكان لمتكلم ، أم مخاطب ، أم غائب ، ومنه قوله تعالى : ( أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ) التقدير عند سيبويه : أنك يا إبراهيم.
4) سبق الكلام على ضمير الشأن تفصيلا فى ص 226 وما بعدها.
5) اسم «أن» ضمير محذوف تقديره «هو». أى : الحال والشأن - والجملة الاسمية بعده فى محل رفع، خبر : «أن» المخففة.
6) هذا الفاصل قد يزيد فى توضيح نوعها ، ويؤكد أنها المخففة من الثقيلة ، وليست المصدرية الناصبة للمضارع.
7) تدخل هنا على الماضى فقط.
8) وهما : «السين» و «سوف» ويدخلان على المضارع المثبت فقط. وقد سبق الكلام عليهما فى ص 53.
قول الشاعر :
وإذا رأيت (1)من الهلال نموّه *** أيقنت أن سيصير بدرا كاملا
وقول الآخر :
واعلم - فعلم المرء ينفعه - *** أن سوف يأتى كل ما قدرا
(ح) وإما حرف نفى من الحروف الثلاثة التى استعملها العرب فى هذا الموضع ؛ وهى (2): (لا - لن - لم). نحو : أيقنت أن لا (3)يغدر الشريف. وأن لن يحيد عن الحق. ووثقت أن لم ينصر اللّه المبطلين. ومن الأمثلة قوله تعالى : (وحسبوا (4)أن لا تكون فتنة) فى قراءة من رفع «تكون». وقوله : ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، ) وقوله تعالى : ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ. )
(د) وإما «لو» والنص عليها فى كتب النحاة قليل مع أنها كثيرة فى المسموع ؛ نحو : أوقن أن لو أخلصنا لبلادنا لم يطمع الأعداء فينا.
ومما تقدم (5)نعلم أن الفصل غير واجب (6)فى الحالات الأخرى التى منها :
(ا) أن يكون الخبر جملة اسمية نحو قوله تعالى : ( وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ ) (7)الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» ، ونحو : الثابت أن انتقام من اللّه يحلّ بالباغى. إلا عند إرادة النفى نحو : عقيدتى أن لا كاذب محترم ؛ ومنه : أشهد أن لا إله إلا اللّه.
1) وفى بعض الروايات : إن الهلال إذا رأيت نموه ...
2) وتدخل «لا» على الماضى والمضارع دون «لم» و «لن» فيختصان بالمضارع. وزاد الرضى «ما» وجعلها مثل «لا».
3) فى هذه الصورة - وأشباههما - يجب فصل «أن» ، وإظهار النون فى الكتابة دون النطق.
4) بشرط أن تكون بمعنى : اعتقدوا :
5) لخص بعض النحاة الفواصل السابقة ومواضعها فقال : (الفعل إما مثبت وإما منفى ، وكل منهما إما ماض ، وإما مضارع. فالمثبت إن كان ماضيا ففاصله : «قد» وإن كان مضارعا ففاصله أحد حرفى التنفيس. والمنفى. إن كان ماضيا ففاصله : «لا» فقط ، وإن كان مضارعا ففاصله : «لا» ، أو : «لن» أو : «لم». وأما «لو» فانها فى الامتناع شبيهة بالنافى فتدخل على الماضى والمضارع). وقد سبق فى رقم 2 من هذا الهامش أن : «الرضى» جعل «ما» مثل «لا».
6) وإنما هو جائز فى الأنواع التى ستذكر : إن لم يوجد مانع ؛ إذ لا تدخل «أن» المصدرية الناصبة للمضارع على هذه الأنواع ؛ فلا مجال لخوف اللبس بينها وبين المخففة ، ومتى أمن اللبس كان الفصل جائزا لا واجبا.
7) على اعتبارها مخففة لا مفسرة وقد سبقت مناسبة أخرى للآية فى ص 616 م.
(ب) أن يكون الخبر جملة فعلية فعلها جامد ؛ نحو قوله تعالى : ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) ونحو : وثقت أن ليس للكرامة مكان فى نفوس الأدنياء.
(ح) أن يكون الخبر جملة فعلية ؛ فعلها متصرف ، ولكن قصد به الدعاء (1)كالذى رواه أعرابى عن أخيه الواقف يدعو : أسأل ربى التوفيق لما يرضيه ، ودوام العافية علىّ - ونظر إلىّ وصاح - : وأن كتب اللّه لك الأمن والسلامة ما حييت ، وأن أسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة فى تابل أيامك ، وأن أهلك كلّ
باغ يتصدّى لإيذائك.
وفى الرسم التالى بيان للصور السالفة :
الصورة (2)
وإن تخفّف «أنّ» فاسمها استكن *** والخبر اجعل جملة من بعد «أن»
تضمن هذا البيت حكمين من أحكامها الأربعة التى تترتب على التخفيف ؛ أولهما : أن اسمها استكن أى : استتر واختفى ؛ لأنه لا يظهر فى الكلام ، وإنما يكون ضميرا محذوفا. ولم يذكر أنه ضمير ، لضيق الشعر. وثانيهما : أن خبرها يكون جملة ، وأوضح بعد ذلك ما يكون فى الجملة الفعلية الواقعة خبرا ، حيث تكلم عن فعلها قائلا :
وإن يكن فعلا ولم يكن دعا *** ولم يكن تصريفه ممتنعا
فالأحسن الفصل بقد ، أو : نفى ، أو : *** تنفيس ، أو : لو. وقليل ذكر «لو»
أى : إن يكن صدر الجملة فعلا ، لا يراد منه الدعاء ، ولم يكن جامدا ، فالأحسن الفصل بينه وبين «أن» المخففة بفاصل من الفواصل التى سردها فى البيت الأخير.
(إن يكن فعلا ... يريد إن يكن الخبر فعلا. والفعل وحده لا يكون الخبر ، وإنما الخبر الجملة المكونة من الفعل والفاعل معا. ففى التعبير تساهل. أو : المراد : إن يكن صدر الجملة فعلا).
.
ورد فى بعض النصوص القديمة - اسم «أن» المخففة من الثقيلة ضميرا بارزا ، لا ضميرا محذوفا. ومعه الخبر جملة فعلية أو مفرد. من ذلك قول الشاعر يخاطب زوجته :
فلو أنك فى يوم الرّخاء سألتنى *** طلاقك ، لم أبخل وأنت صديق
فقد وقعت «الكاف» اسم : «أن» وخبرها جملة : سألتنى. ومثل قول الآخر :
لقد علم الضيف والمرملون (1)*** إذا اغبرّ أفق (2)وهبّت شمالا (3)
بأنك ربيع (4)وغيث مريع *** وأنك هناك تكون الثّالا (5)
ففى البيت الثانى تكررت «أن» المخففة مرتين ، واسمها ضمير «بارز» فيهما ، وخبر الأولى مفرد ، وهو كلمة : «ربيع» ، وخبر الثانية جملة فعلية هى : «تكون الثمال». وقد وصفت هذه الأمثلة الشعرية بأنها شاذة ، أو بأنها لضرورة الشعر ، كما وصفت نظائرها النثرية بأنها شاذة. فالواجب أن نقتصر على الكثير الشائع الذى سردنا قواعده وضوابطه ، منعا للاضطراب فى التعبير ، دون محاكاة هذه الشواهد التى تخالفها ، والتى نقلناها ، ليعرفها المتخصصون فيستعينوا بها على فهم ما قد يكون لها من نظائر قديمة. دون أن يحاكوها.
1) الفقراء. المفرد : مرمل.
2) المراد : اسودت الدنيا فى عين الإنسان : من شدة بؤسه وحاجته.
3) أى : هبت الريح شمالا. فكلمة : «شمالا» حال منصوبة. وصاحب الحال هو الضمير المستتر ، فاعل الفعل : «هب». وهبوب الشمال البادرة العاصفة فى بعض المواسم والبقاع قد يكون باعث فزع، ودليل قحط.
4) كالربيع موسم النضرة ، والفواكه ، ونمو الزروع ، ونضجها ؛ فأنت - مثله - محبوب نافع. «مريع» خصيب. والغيث الخصيب ، هو : المطر الغزير الذى يكون من آثاره إنبات الزرع، والخصب الكثير.
5) الثمال : الذى يغيث المحتاج ، ويعين من يستعين به.
وأما «كأنّ» فيجوز تخفيف نونها المشددة (بحذف الثانية المفتوحة ، وإبقاء الأولى ساكنة) ويترتب على التخفيف أمور ؛ منها :
(ا) أن معناها لا يتغير ، وإعمالها واجب.
(ب) أن اسمها - فى الأغلب - يكون ضميرا للشأن ، أو لغير الشأن ؛ فمثال الأول. كأن عصفور سهم فى السرعة (1)، أى : كأنه (الحال والشأن) عصفور سهم. ومثال الثانى : يدقّ البرد (2)النافذة ، وكأن حجر ، أى : كأنه حجر (3). ولو قلنا : يدق البرد النافذة وكأن «حجر» صغير يدق - لجاز الاعتباران (4)وقد اجتمعت المشددة والمخففة فى قوله تعالى يصف المضلّل عن سبيله : ( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها ؛ كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً ) (5).
(ح) أن خبرها لا بد أن يكون جملة إذا وقع اسمها ضمير شأن (6)
وصدر مشرق النّحر *** كأن ثدييه حقّان
ولا يقاس على هذا.
. فإن كانت اسمية فلا حاجة لفاصل بينها وبين «كأن» مثل : كأن سّبّاح فى سباحته سمكة فى انسيابها. وإن كانت فعلية (7)، فالأحسن الفصل بالحرف : «قد» قبل الماضى المثبت ، وبالحرف : «لم» قبل المضارع المنفى ، نحو : كأن قد هوى الغريق فى البحر ؛ كصخرة هوت فى الماء ، وكأن لم يكن بين الغرق والنجاة وسيلة للإنقاذ. .1) فاسم «كأن» ضمير الحال والشأن المحذوف. وخبرها الجملة الاسمية بعدها. ولا يصح هنا أن يكون اسمها ضميرا لغير الحال والشأن ؛ لعدم وجود مرجع سابق يعود عليه.
2) ما جمد من قطرات المطر ، وصار قطعا ثلجية صغيرة.
3) فاسم «كأن» ضمير محذوف ليس ضمير شأن ، لعدم وجود جملة بعده تفسره ، وهى جملة لازمة له كما سبق فى شرحه - ص 226 وما بعدها -.
4) أى : يجوز اعتبار الضمير للشأن ؛ لوجود جملة بعده تفسره ، وعدم اعتباره للشأن ، لوجود ما يصلح قبله أن يكون مرجعا له.
5) الوقر هنا : ثقل السمع ، أو : الصمم. وأول الآية : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وَيَتَّخِذَها هُزُواً ، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ. وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ... )
6) لأن ضمير الشأن - كما قلنا - لا بد له من جملة بعده تفسره. وهذه الحالة وحدها هى التى يجب فيها وقوع خبر : «كأن» المخففة جملة. أما باقى الحالات فيجوز أن يكون جملة أو غير جملة وفى بعض أمثلة قليلة مسموعة جاء اسم «كأن» المخففة اسما ظاهرا ، كقول الشاعر :
7) فعلها غير جامد ، وغير دعائى.
وأما «لكنّ» فيجوز تخفيف نونها المشددة (فتحذف الثانية المفتوحة ، وتبقى الأولى ساكنة).
ويترتب على التخفيف وجوب إهمالها ، وزوال اختصاصها بالجملة الاسمية ؛ فتدخل على الاسمية ، وعلى الفعلية ، وعلى المفرد ، ويبقى لها معناها بعد التخفيف وهو : الاستدراك (1). ومن الأمثلة قول الشاعر :
ولست أجازى المعتدى باعتدائه *** ولكن بصفح (2)القادر المتحلم
وأما «لعل» فلا يجوز تخفيف لامها المشددة (3)
وخفّفت «كأنّ» فنوى *** منصوبها ، وثابتا أيضا روى
فقد اقتصر على الإشارة إلى تخفيفها وإلى أن اسمها ينوى ؛ أى : يطوى فى النفس ؛ فيكون ضميرا ولا يكون ظاهرا. وقد يكون ظاهرا ثابتا فى الكلام. وهذا قليل ، سبق مثاله.
. .المسألة 56 : «لا» النافية للجنس
«لا» (1)- النافية للجنس
نسوق بعض الأمثلة لإيضاح معناها :
حين نقول : لا كتاب فى الحقيبة ؛ بإدخال : «لا» على جملة اسمية - فى أصلها - ، ورفع كلمة : «كتاب» - التى للمفرد) يكون معنى التركيب محتملا أمرين :
أحدهما : نفى وجود كتاب واحد فى الحقيبة ، مع جواز وجود كتابين أو أكثر فيها.
والآخر : نفى وجود كتاب واحد ، وما زاد على الواحد ؛ فليس بها شىء من الكتب مطلقا. فالتركيب محتمل للأمرين ، ولا دليل فيه يعين أحدهما ، ويمنع الاحتمال.
وكذلك حين نقول : لا مصباح مكسورا ، (بإدخال : «لا» على جملة اسمية - فى أصلها - ورفع كلمة : «مصباح» التى للمفرد) فإن التركيب يحتمل أمرين :
أحدهما : نفى وجود مصباح واحد مكسور ، ولا مانع من وجود مصباحين مكسورين ؛ أو أكثر.
والآخر : نفى وجود مصباح واحد مكسور وما زاد على الواحد أيضا. فلا وجود لشىء من جنس المصابيح المكسورة. فالتركيب يحتمل نفى الواحد المكسور فقط ، كما يحتمل نفى الواحد وما زاد عليه.
ومثل هذا يقال فى : لا سيارة موجودة ، بإدخال «لا» على جملة اسمية الأصل ، ورفع كلمة : «سيارة» - التى للمفردة) حيث يحتمل التركيب الأمرين : نفى وجود سيارة واحدة ، دون نفى سيارتين وأكثر ، ونفى وجود شىء من جنس السيارات مطلقا ، فلا وجود لواحدة منها ؛ ولا لأكثر.
مما سبق نعلم : أن ، «لا» فى تلك الأمثلة - وأشباهها - تدل على نفى
1) يلاحظ ما لا يصح أن يدخل عليه الناسخ ، وقد سبق فى رقم 3 من هامش ص 495 - والصحيح أن «لا» ، النافية غير الزائدة لها الصدارة فى جملتها ، سواء أكانت نافية مهملة ، أم نافية عاملة عمل «ليس» أو عمل «إن» وقد سبقت الإشارة لهذا فى رقم 2 من هامش ص 544 وتجىء أيضا فى رقم 4 من هامش ص 625 وفى ج 2 ص 25 م 61.
يحتمل وقوعه على فرد واحد فقط ، أو على فرد واحد وما زاد عليه. ولمّا كان النفى بها صالحا لوقوعه على الفرد الواحد سماها النحاة : «لا» - التى لنفى الوحدة (أى : الواحد) وهى إحدى الحروف الناسخة (1)التى تعمل عمل «كان» الناقصة.
فإذا أردنا أن تدل الأمثلة السابقة وأشباهها على النفى الصريح (2)العام (3)وجب أن نضبط تلك الألفاظ ضبطا آخر ؛ يؤدى إلى هذا الغرض ؛ فنقول : لا كتاب فى الحقيبة ؛ - لا مصباح مكسور - لا سيارة موجودة ، فضبط تلك الكلمات المفردة بهذا الضبط الجديد - وهو بناء الاسم على الفتح ، ورفع الخبر ، كما سيجىء - يجعل النفى فى كل جملة صريحا فى غرض واحد ؛ لا احتمال معه لغيره ، كما يجعله عامّا ؛ ينصبّ على كل فرد ؛ فيقع على الواحد ، وعلى الاثنين ، وعلى الثلاثة ، وما فوقها ، ولا يسمح لفرد أو أكثر بالخروج من دائرته.
ومثل هذا يقال فى نحو : لا مهملا عمله فائز - لا راغبا فى المجد مقصّر ... ونحوهما مما يقع فيه الاسم منصوبا بعد : «لا» وليس مرفوعا ، والخبر هو المرفوع - على الوجه الذى سنشرحه - فهى تنفى الحكم عن كل فرد من أفراد جنس الشىء الذى دخلت عليه نفيا صريحّا وعاما ؛ كما قلنا : وهذا مراد النحاة بقولهم فى معناها :
«إنها تدل على نفى الحكم عن جنس اسمها نصّا (4)». أو : «إنها لاستغراق (5)حكم النفى لجنس اسمها كله نصّا.» ويسمونها لذلك ؛ «لا» - النافية للجنس (6)
وبهذا الاسم ترد في بعض الكتب القديمة ، وتختص به ، لقوة دلالتها على النفى المؤكد أكثر من أدوات النفى الأخرى.
والنفى بها قد يكون مطلق الزمن أى : لا يقع على زمن معين. وإنما يراد منه مجرد نفى النسبة بين معموليها ، وسلب المعنى بغير تقيد بزمن خاص. نحو : لا حيوان حجر . لا وفاء لغادر... وقد يراد بها نفى المعنى في زمن معين حين تقوم قرينة كلامية أو غير كلامية تدل على نوع الزمن ويكثر أن يكون الحال - كقوله تعالى : ( لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ... ) وكأن يسأل سائل : أفى المزرعة الآن أحد؟ فيجاب : لا أحد فيها. وقد يكون الزمن مستقبلا ، كقوله تعالى عن يوم القيامة ( لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ) أو ماضبا - كقول الشاعر :
تعزّ فلا إلفين بالعيش متّعا *** ولكن لو رّاد المنون تتابع
وغير هذا من الأمثلة التى سيجىء بعض منها. فإن لم توجد قرينة فالغالب الحال.
». أى : التى قصد بها التنصيص على استغراق النفى لأفراد الجنس1) سبق تفصيل الكلام عليها مع أخواتها فى ص 544 وقد اقتضى المقام هناك الإشارة إلى «لا» النافية للجنس ، دون التفصيل الذى مكانه هنا.
2) أى : القاطع الذى لا مجال معه للاحتمال السالف.
3) الذى يشمل نفى المعنى عن الفرد الواحد ، وعما زاد عليه.
4) أى : بغير احتمال لأكثر من معنى واحد.
5) يراد بالاستغراق : الشمول الكامل الذى يتناول كل فرد من أفراد الجنس ، دون أن يترك أحدا.
6) ويسميها بعضهم : «لا» التى للتبرئة ؛ لأنها تدل على تبرئة جنس اسمها كله من معنى الخبر.
كله. تمييزا لها من : «لا» التى لنفى الوحدة ؛ فليست نصّا فى نفى الحكم عن أفراد الجنس كله ؛ وإنما تحتمل نفيه عن الواحد فقط ، وعن الجنس (1)
وتسوقنا المناسبة إلى بيان أمر هام ؛ هو : أن المراد من النفى لا يختلف فى نوعى «لا» (النافية للجنس ، والنافية للوحدة) إذا كان اسمهما مثنى أو جمعا : نحو : لا صالحين خائنان ، أو ؛ لا صالحين خائنون. ونحو : لا صالحان خائنين ، ولا صالحون خائنين. فالنفى فى هذه الصور لا يختلف من جهة احتماله أن يكون واقعا فى كل صورة على الجنس كله فردا فردا ، وأن يكون واقعا على القيد الخاص بالاثنينية أو بالجمعية. فالفرق الصحيح بين المراد من النفى فى نوعى : «لا» إنما يظهر فى موضع واحد ، هو الموضع الذى يكون فيه اسمها مفردا ؛ - لا مثنى ولا جمعا - فيكون النفى فى «لا» النافية للجنس نصا وشاملا ، ويكون فى الأخرى محتملا أمرين. أما عند تثنية اسميهما أو جمعه فالنفى لا يختلف باختلاف نوعهما ؛ فيكون محتملا فى كل منهما نفى الحكم عن الجنس كله ، ونفى قيد التثنية ، أو قيد الجمع كما قلنا ، فمؤداه واحد عند تثنية الاسم أو جمعه ، ولكنه مختلف عند إفراد الاسم.
وصفوة القول فى هذا المقام. أن «لا» العاملة بنوعيها لا يختلف المراد منها إذا كان اسمها مثنى أو جمعا ؛ إذ يكون المراد محتملا نفى الحكم عن الجنس كله فردا فردا ، ونفى القيد الخاص بالتثنية أو بالجمع ، دون غيرهما. أما إذا كان الاسم مفردا فالفرق بين النوعين يكون كبيرا ، فالتى لنفى الجنس تنفى الحكم عن كل فرد من أفراده على سبيل التنصيص والشمول ، والتى لنفى الوحدة يدور الأمر فيها بين نفى الحكم عن أفراد الجنس كله ، أو نفيه عن فرد واحد منه ؛ فالنفى فيها محتمل لأمرين ...
كله ؛ على ما عرفنا. .1) لهذا يصح أن يقال مع «لا» التى لنفى الوحدة حين يكون اسمها مفردا : لا كتاب فى الحقيبة ؛ بل كتابان ، أو : بل كتب فيها : فيكون القصد نفى المعنى عن الفرد الواحد دون ما عداه. ولا يصح أن يقال هذا مع «لا» النافية للجنس حين يكون اسمها مفردا.
«لا» النافية للجنس حرف ناسخ من أخوات : «إنّ» (1)ينصب الاسم : ويرفع الخبر. ولكنها لا تعمل هذا العمل إلا باجتماع شروط ستة :
أولها : أن تكون نافية. فإن لم تكن نافية لم تعمل (2)مطلقا.
ثانيها : أن يكون الحكم المنفى بها شاملا جنس اسمها كله ، (أى : منصبّا على كل فرد من أفراد ذلك الجنس). فإن لم يكن كذلك لم تعمل عمل «إنّ (3)» ، : نحو : لا كتاب واحد كافيا .... إذ أن كلمة : «واحد» قد دلت دلالة قاطعة على أن النفى ليس شاملا أفراد الجنس كله. وإنما هو مقصور على فرد واحد.
ثالثها : أن يكون المقصود بها نفى الحكم عن الجنس نصّا - لا احتمالا - فإن لم يكن على سبيل التنصيص لم تعمل عمل «إنّ» (4)كالأمثلة السالفة أول البحث.
رابعها : ألا تتوسط بين عامل ومعموله (5)(بأن تكون مسبوقة بعامل قبلها يحتاج لمعمول بعدها) كحرف الجر فى مثل : حضرت بلا تأخير (6)وقول الشاعر :
متاركة السّفيه بلا جواب *** أشدّ على السّفيه من الجواب
1) ومن الفوارق بينهما صحة وقوع : «ما» الزائدة بعد : «إن» وأخواتها على الوجه السابق فى بابهما ، ولا يصح وقوعها بعد : «لا».
2) كأن تكون اسما بمعنى ، غير ؛ نحو : فعلت الخير بلا تردد ، أو : تكون زائدة ؛ فلا تعمل شيئا فى الحالتين ، ولا تختص بالدخول على الجمل الاسمية ؛ ومن الأمثلة للزائدة قوله تعالى مخاطبا إبليس : ( ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ... ) وقوله : ( لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ ... ) ومثل ؛ «لا» الثانية فى قوله تعالى : ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ... ) أو تكون ناهية فتختص بجزم المضارع.
3) وعملت عمل ليس ؛ نحو : لا قلم مكسورا ، أو أهملت وتكررت ، نحو : لا قلم مكسور ، ولا كتاب ضائع. (واختيار هذه أو تلك خاضع لما يقتضيه المعنى المراد).
4) وعملت عمل ليس ؛ نحو : لا قلم مكسورا ، أو أهملت وتكررت ، نحو : لا قلم مكسور ، ولا كتاب ضائع. (واختيار هذه أو تلك خاضع لما يقتضيه المعنى المراد).
5) فلها الصدارة المباشرة فى جملتها ، - كالشأن فى جميع أنواع «لا» النافية غير الزائدة كما أشرنا فى رقم 1 من هامش ص 622 ورقم 4 من هامش 625.
6) تعرب «لا» اسم بمعنى : «غير» مجرور بكسرة مقدرة على الألف. و «لا» مضاف و «تأخير» مضاف إليه مجرور. وهذا أوضح إعراب. ويجوز أن تكون «لا» حرف نفى باقية على حرفيتها. وقد تخطاها حرف الجر «الباء». وعمل الجر مباشرة فى كلمة «تأخير» التى بعدها. وهى فى هذه الصورة ليست بزائدة ، بالرغم من أن العامل تخطاها ، لأن المعنى يفسد على زيادتها.
خامسها : أن يكون اسمها وخبرها نكرتين (1)
لا خير فى وعد إذا كان كاذبا *** ولا خير فى قول إذا لم يحن فعل
(ويلاحظ هنا فى إعراب «لا» ومعموليها ما يجىء فى رقم 3 من هامش الصفحة التالية). وقول الآخر :
فلا مجد - فى الدنيا - لمن قل ماله *** ولا مال - فى الدنيا - لمن قل مجده
(ب) الجملة الفعلية (لأنها فى معنى النكرة ، وبمنزلتها ؛ كما جاء فى التصريح فى هذا الباب ، عند آخر الكلام على شروطها - وكما فى أبواب أخرى ، والبيان فى رقم 1 من هامش ص 192) ، وقد اشتملت الأساليب الفصحى على أمثلة للجملة الفعلية ، نقلوا منها البيت السابق (فى ص 624) :
تعزّ فلا إلفين بالعيش متّعا *** ولكن لورّاد المنون تتابع
ومنها :
يحشر الناس لا بنين ولا آ *** باء إلا وقد عنتهم شئون
فجملة «متعا» فى البيت الأول فى محل رفع خبر : «لا» ، وكذلك جملة : «عنتهم شئون» فى البيت الثانى. والواو التى قبل هذه الجملة هى التى تزاد فى خبر الناسخ. ما لم نأخذ بالرأى الذى يشترط فى «لا» العاملة عمل «إن» ألا ينتقض نفيها بإلا. فإن أخذنا به - وهو الأشهر ، كما سيجىء فى هامش الصفحة الآتية - كانت الواو للحال ، والجملة بعدها حالية. والخبر محذوف (وقد سبق فى ص 500 وفى 508 أن هذه الواو تدخل فى خبر «كان» المنفية إذا سبقته «إلا» الناقصة للنفى ، ومثله خبر «ليس» المسبوق بإلا على الوجه الذى أوضحناه. وقيل تدخل فى خبر غيرهما كالبيت السابق ، وكقول : الحماسى : «فأمسى وهو عريان.» وقولهم : «ما أحد إلا وله نفس إمارة».
فإن لم يكونا كذلك لم تعمل : مطلقا (2)ولا تعد من أحوات «إنّ» ولا «ليس» ؛ كالتى فى قول الشاعر :لا القوم قومى ، ولا الأعوان أعوانى *** إذا ونا (3)يوم تحصيل العلا وانى
سادسها : عدم وجود ناصل بينها وبين اسمها. فإن وجد فاصل أهملت (أى : لم تعمل شيئا) وتكررت ؛ نحو : لا فى النبوغ حظ لكسلان ، ولا نصيب (4). وهذا الشرط يستلزم الترتيب بين معموليها (5)فلا يجوز أن يتقدم .
1) إلا فى أمثلة مسموعة يجىء الكلام عليها فى الزيادة والتفصيل (ص 631) ويدخل فى حكم النكرة أمران : (ا) شبه الجملة بنوعيه. (الظرف والجار مع مجروره) وذلك على اعتبار شبه الجملة نفسه هو الخبر (كما تقدم فى ص 431 وما بعدها) أو على اعتبار أن متعلقه نكرة محذوفة ، هى الخبر ، كقولهم : لا قوة فوق الحق ، ولا أمان مع الطغيان. وقول الشاعر :
2) لأن التعريف فيه تحديد وتعيين ؛ وهذا يناقض أنها لنفى الجنس كله بغير تحديد ولا تعيين.
3) تباطأ وأهمل فإن لم يكن اسمها نكرة أهملت ووجب تكرارها : نحو لا علىّ مقصر ، ولا حامد. ومثل : لا البخل محمود ، ولا الإسراف مقبول ، وإن يكن لم خبرها نكرة وجب إهمالها ، والغالب تكرارها أيضا. نحو : لا إنسان هذا ولا حيوان.
4) ومع تكرارها وعدم إعمالها - بسبب وجود فاصل - يظل معناها هو نفى الجنس كله نصّا ، بشرط وجود النكرتين بعد هذا الفاصل ، فعدم إعمالها فى هذه الحالة لا يخرجها عن أنها من الناحية المعنوية لنفى الجنس كله بشرط دخولها على النكرتين ... بعد الفاصل.
5) لأن تقديم الخبر أو معموله على الاسم سيؤدى إلى الفصل بين «لا» واسمها وهو ممنوع. ومن باب أولى لا يصح تقديم الخبر أو معموله عليها ؛ لأن ما يقع فى حيّز النفى (أى : فى مجاله ودائرته) لا يجوز أن بتقدم على أداة النفى ؛ فلها الصدارة حتما - كما سبق فى ص 543 وفى رقم 1 من هامش ص 622 ، وفى رقم 4 من هامش ص 625 - لكن هل يجوز أن يتقدم معمول الخبر على الخبر وحده؟ يجيب بعض النحاة : نعم.
الخبر - ولو كان شبه جملة - على الاسم. فإن تقدم مثل : لا لهازل هيبة ولا توقير - لم تعمل مطلقا.
وكذلك لا يجوز تقدم معمول الخبر على الاسم ؛ ففى مثل : لا جندىّ تارك ميدانه ... لا تعمل حين نقول ، لا ميدانه جندىّ تارك.
فإذا استوفت شروطها وجب إعمالها (1): (إن اقتضى المعنى ذلك ؛ سواء أكانت واحدة ، أم متكررة - على التفصيل الذى سنعرفه).
حكم اسم «لا» المفردة ؛ (أى : المنفردة التى لم تتكرر). لهذا الاسم حالتان :
الأولى : أن يكون مضافا (2)أو شبيها بالمضاف (3)
والشبيه بالمضاف يجب أن يكون معربا ومنونا. إلا أن وجد مانع من التنوين. وأجاز فريق من غير.
البصريين عدم تنوينه ؛ محتجا بقوله تعالى : ( وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ) ، لأن المعنى عنده : «ولا جدال فى الحج مقبول» فالجار والمجرور من متممات اسم «لا» والخبر محذوف ؛ فلا تعلق للجار والمجرور به وكذلك قوله عليه السّلام : (لا مانع لما أعطيت ، ولا معطى لما منعت) لأن المعنى عنده على حذف الخبر ، والجار والمجرور من متممات اسم «لا» فهما متعلقان به ، لا بالخبر - وقد أجيب عن هذين وأمثالهما بأن الخبر المحذوف ، موضعه قبل الجار والمجرور ، والأصل : «ولا جدال حاصل فى الحج» ، ولا مانع مانع لما أعطيت ؛ فالجار مع المجرور. متمم للخبر المحذوف ، متعلقان به. وهذا تكلف مردود ؛ لتكراره فى فصيح الكلام ، وبالرغم منه يحسن التزام التنوين - لأنه الأكثر والأشهر الذى تتوحد عنده الألسنة -.
ولا يدخل شيء من التوابع الأربعة (كالنعت ما عدا صورة العطف السابقة ...) في الأشياء التي تكمل المعنى ؛ وتجعل الاسم بسببها شبيها بالمضاف : لأن الاسم غير عامل فيها. . انظر رقم ٢ من هامش ص ٦٣٩ .
. وحكمه وجوب إعرابه ، مع نصبه بالفتحة ، أو بما ينوب عنها. فمن أمثلة المضاف :لا قول زور نافع ......
كلمة : (قول) اسم «لا» ، منصوبة بالفتحة ، لأنها اسم مفرد : ومضاف.
لا أنصار خير متنافرون ......
كلمة : (أنصار) اسم «لا» ، منصوبة بالفتحة لأنها جمع تكسير ، ومضاف.
لا ذا أدب نمام .....
كلمة : (ذا) اسم «لا» ، منصوبة بالألف نيابة عن الفتحة ؛ لأنها من الأسماء الستة ، مضافة.
لا نصيحتى إخلاص أنفع من نصح الوالدين
كلمة : (نصيحتى ...) اسم «لا» ، منصوبة بالياء نيابة عن الفتحة ؛ لأنها ، مثنى مضاف.
لا خائنى وطن سالمون ....
كلمة : خائنى ...) اسم «لا» ، منصوبة بالياء نيابة عن الفتحة ، لأنها جمع مذكر ؛ مضاف
لا مهملات عمل مكرمات ..... كلمة : (مهملات) اسم «لا» ، منصوبة بالكسرة نيابة عن الفتحة : لأنها جمع مؤنث سالم مضاف.
1) الشروط الستة منها أربعة فى «لا» مباشرة ، هى : (كونها للنفى - للجنس - للتنصيص - عدم توسطها بين عامل ومعموله) وواحد فى معموليها ؛ هو : (تنكيرهما معا) وواحد فى اسمها هو : اتصاله بها مباشرة). وزاد بعضهم شرطا فيها ، هو : ألا ينتقض نفيها بإلا - طبقا للأشهر - كما سبق فى رقم 1 من هامش ص 626 -
2) إما لنكرة وإما لمعرفة بشرط ألا يكتسب منها التعريف ؛ بسبب توغله فى الإبهام ؛ ككلمة : «مثل» نحو : لا مثل محمود مؤدب ... و «غير» وسواهما مما لا يكتسب التعريف غالبا - كما أوضحنا فى رقم 5 من هامش الجدول الذى فى ص 78 و 79، وكذا فى رقم 1 من هامش ص 382 - لأن : «لا» لا تعمل فى معرفة.
3) هو الذى يجىء بعده شىء يكمل معناه ، بشرط أن يكون ذلك الشىء التالى : إما مرفوعا باسم «لا» ؛ نحو : لا مرتفعا شأن خامل ، وإما منصوبا به ؛ نحو : لا متعهدا أموره مقصر (ويلحق بهذا النوع : الأسماء المعطوف عليها التى ليست علما ، نحو لا سبعة وأربعين غائبون ، وتمييز العقود وغيرها. نحو : لا عشرين رجلا متكاسلون) وإما جارا ومجرورا متعلقين به ؛ نحو : لا متواكلا فى عمله محمود. فإن كان مجرورا بالإضافة فإنه يكون من المضاف لا من الشبيه بالمضاف ، كما عرفنا.
ومن أمثلة الشبيه بالمضاف :
لا مرتفعا قدره مغمور ...
كلمة (مرتفعا) اسم «لا» منصوبة بالفتحة
لا بائعا دينه بدنياه رابح ...
(بائعا)
لا خمسة وعشرين غائبون ...
(خمسة)
لا ساعيا وراء الرزق محروم ...
(ساعيا)
لا قاعدا عن الجهاد معذور ...
(قاعدا)
لا سائقين طيارة غافلان ...
(سائقين) بالياء ؛ لأنها مثنى
لا حارسين بالليل نائمون
... (حارسين) لأنها جمع مذكر
لا راغبات فى الشهرة مستريحات
(راغبات) بالكسرة ؛ لأنها جمع مؤنث سالم
ومن الأمثلة السالفة يتضح الإعراب مع النصب بالفتحة مباشرة فى المفرد (1)وفى جمع التكسير ، (ومثله : اسم الجمع ، كقوم ، ورهط (2). إذا كانا من الحالة الأولى المذكورة) ، وبما ينوب عن الفتحة وهو : الألف ، فى الأسماء الستة ، والياء فى المثنى وجمع المذكر السالم ، والكسرة فى جمع المؤنث السالم.
الثانية : أن يكون مفردا (ويراد بالمفرد هنا : ما ليس مضافا ولا شبيها بالمضاف ، واو كان مثنى ، أو مجموعا) وحكمه : وجوب بنائه على الفتح (3)
ومن المعلوم أنه حين بنائه على الفتح لا يدخله التنوين وأنه يكون دائما في محل نصب : فلفظه مبنى على الفتح أو ما ينوب عن الفتحة ، ومحله النصب. دائما. ولهذا يراعى أحيانا . في التوابع . كما سيجيء ..
1) الذى ليس بمثنى ولا جمع.
2) سبق - فى رقم 1 من هامش ص 134 - بيان موجز عن اسم الجمع ، وقلنا : إن البيان الوافى موضعه ج 4 ص 510 م 73 - باب جمع التكسير.
3) وهناك حالة يبنى فيها على الضم ستجىء فى «ب» من الزيادة - ص 631 - ويعللون سبب البناء على الفتح بأنه تركيب «لا» مع اسمها بحيث صارا كالكلمة الواحدة فأشبها الأعداد المركبة ك (خمسة عشر وغيرها). لكن السبب الحق هو استعمال العرب.
أو ما ينوب عنه (1)
وهناك آراء أخرى تقتضى الفائدة الإلمام بها (وقد ذكرناها تفصيلا عند ا الكلام على هذا الأسلوب ومعناه في ص (١٠٦) وكل رأى يواجه باعتراض. وانته الأمر إلى أن الأفضل اعتبار كلمة : «أبا» اسم «لا» مبنية على فتح مقدر على الألف (كما جاء في الخضرى في أول باب «لا») ، على لغة القصر التي تلزم الألف فيها آخر الأسماء الستة. وعلى أساسها لا تكون كلمة «أبا» فى الأسلوب السالف معربة. أما الخبر فالجار والمجرور بعدها.
ومن الأساليب المسموعة . بكثرة . أيضا قولهم : لا غلامى لك» «بالتثنية» و «لا خادمى لك» (بالجمع) على اعتبار أن نون المثنى ونون الجمع قد حذفت كلتاهما للإضافة ، وأن المثنى والجمع منصوبان ؛ لأنهما مضافان. فكيف يعدان من نوع المضاف مع وجود اللام فاصلة بين المضاف والمضاف إليه ؛ وهذا لا يجوز فى رأى المعترضين ؛ وقد أجيب بأن النون لم تحذف للإضافة ، وإنما حذفت للتخفيف ؛ فالكلمتان مبنيتان على الياء ، لا معربتان ، والجار والمجرور بعدهما خبر . وقيل : إن الكلمتين شبيهتان بالمضاف بسبب اتصال «لك» بهما. والنون محذوفة للتخفيف. وخبرهما محذوف ... إلى غير ذلك من الإجابات. ومن الواجب ألا نحاكى هذا الأسلوب برغم أن بعض النحاة يبيحه ، . كما سيأتى فى باب الإضافة (ج ٣ ص ١٠ . م ٩٣) لأن الأخذ به في عصرنا يبعد اللغة عن خص خصائصهها ، وهو : الإبانة ، والوضوح ، والفرار من اللبس.
فيبنى على الفتح مباشرة إن كان مفردا أو جمع تكسير أو اسم جمع ؛ مثل : لا عالم متكبر - لا علماء متكبرون - لا قوم للسفيه.ويبنى على الياء نيابة عن الفتة إن كان مثنى أو جمع مذكر سالما ؛ نحو : لا صديقين متنافران - لا حاسدين متعاونون.
1) ولا تنوب الألف هنا عن الفتحة ؛ لأن الألف تنوب عنها فى نصب الأسماء الستة ، حين تكون مضافة. والإضافة - فى الأغلب - تتعارض مع حالة البناء التى نحن بصددها. ولهذا اضطربت آراء النحاة أمام الأسلوب الفصيح الوارد عن العرب من قولهم : لا أبالك ... حيث وقع اسم «لا» منصوبا بالألف مع أنه مفرد (أى : غير مضاف) ؛ فقالوا فى تأويله : إن «أبا» مضاف للكاف ، منصوب بالألف بغير تنوين ؛ لأنه مضاف ، واللام زائدة. والخبر محذوف. والتقدير : لا أباك موجود. ومع أنه مضاف - ليس معرفة ؛ لأن إضافته غير محضة ؛ فهى كالإضافة فى قولنا : «غيرك» ، و «مثلك» ، ونحوهما مما لا يفيد المضاف تعريفا. وذلك القائل لم يقصد نفى أب معين ، وإنما يقصد نفيه ومن يشبهه ؛ إذ هو - غالبا - دعاء بعدم الناصر ، والإضافة غير المحضة ليس مقصورة على إضافة الوصف العامل إلى معموله ؛ فلم تعمل «لا» فى المعرفة. وإنما زيدت اللام بين المضاف والمضاف إليه لكراهية إدخال : «لا» على المضاف إليه الذى يشبه فى صورته الظاهرية المعرفة ، دون حقيقته المرادة.
ويبنى على الكسرة نيابة على الفتحة إن كان جمع مؤنث سالما ، نحو : لا والدات قاسيات.
ومع أنه مبنى فى الحالات السالفة ، هو فى محل نصب دائما. أى : مبنى لفظا منصوب محلا (1).
1) وبهذه المناسبة نشير إلى ما نسمعه اليوم من بعض الواهمين المتسرعين الذين يطلبون الأخذ برأى قديم ضعيف ملخصه : وضع اسم «لا» بأنواعه الثلاثة (المفرد ، والمضاف ، والشبيه بالمضاف) تحت حكم واحد هو : «الإعراب والنصب» وأن يقال فى إعراب الاسم المفرد : «إنه منصوب بغير تنوين» ويزعمون - خاطئين - أن فى هذا تيسييرا واقتصارا على حكم واحد شامل بدل حكمين مختلفين. فكيف غاب عن بالهم ما فى هذا الرأى من الخطل والفساد؟ ذلك أن اللغة فى مصطلحاتها المشهورة ، لا تعرف اسما معربا بغير تنوين ، إلا الممنوع من الصرف للأسباب المعروفة ، أو لداع آخر ؛ كالإضافة ، أو البناء أو بعض صور النداء ... فالأخذ بذلك الرأى يوجد فى اصطلاحات اللغة قسما جديدا لا تعرفه من الأسماء المعربة الممنوعة من التنوين. على أن هذا القسم الجديد يحتاج - كما يقولون - إلى التصريح بأنه : «معرب منصوب بغير تنوين». وهذا حكم خاص به يختلف عن حكم النوعين الآخرين. فأين - إذا - الاختصار والاقتصار على حكم واحد كما يتوهمون؟ وكيف خفى عليهم أن النصب هنا بغير تنوين معناه «البناء» على الفتح؟ وشىء آخر هام لم يفطنوا له ، هو أن بناء الاسم المفرد على الفتح فى محل نصب يقتضى أن يراعى محله حتما فى بعض التوابع فيؤثر فيها كما عرفنا - وكما سيجىء فى ص1. فتصير منصوبة منونة - عند عدم المانع - تبعا لمحله فقط وقد غاب عنهم هذا.
(ا) سبق (فى ص 626) أن من شروط إعمالها : تنكير معموليها. وقد وردت أمثلة فصيحة وقعت فيها عاملة مع أن اسمها معرفة. من ذلك قوله عليه السّلام : إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده. ومن ذلك قولهم : قضية ولا أبا حسن (1)لها. وقولهم : لا أميّة (2)فى البلاد ، وقولهم : لا هيثم (3)الليلة للمطىّ. وقولهم : يبكى على زيد ولا زيد مثله ... وغير هذا من الأمثلة المسموعة. وقد تناولها النحاة بالتأويل (4)
ومن تأويلاتهم : أن المعرفة كان قبلها مضاف محذوف ملحوظ ، وهو نكرة. ثم أقيم المضاف إليه مقامه ؛ فيقدرون في لا كسرى ... أو : لا قيصر بعده ... لا مثل كسرى ، ولا مثل قيصر ... لا مثل أبي حسن ... ولما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه صار الكلام : لا كسرى ، لا قيصر ، لا أبا حسن ... وعلى كل تأويل اعتراض ، أو أكثر سجلته المطولات.
والحق أن مثل هذا التأويل اتعال لا خير فيه ، لعدم مسايرته الحقيقة الناطقة بأن بعض العرب قد يعمل : «لا» مع تعريف اسمها.
كى يخضعوها لشرط التنكير. وهو تأويل لا داعى لتكلفه مع ورود تلك الأمثلة الصريحة ، الدالة على أن فريقا من العرب لا يلتزم التنكير. فعلينا أن نتقبل تلك النصوص بحالها الظاهر دون محاكاتها ، ونقتصر فى استعمالنا على اللغة الشائعة المشهورة التى تشترط الشروط التى عرفناها ؛ توحيدا لأداة التفاهم ، ومنعا للتشعيب بين المتخاطبين بلغة واحدة.ب - قلنا إن حكم اسم «لا» المفرد هو البناء على الفتحة ، أو ما ينوب عن الفتحة. وقد يصح بناؤه على الضمة العارضة فى حالة واحدة ، هى أن يكون الاسم كلمة :
«غير» - ونظيراتها - فتكون كلمة : «غير» مبنية على الضمة الطارئة فى محل نصب ،
1) هى كنية : على بن أبى طالب ؛ والد الحسن والحسين. وهذه عبارة نثرية من كلام عمر بن الخطاب ، صارت مثلا فى الأمر العسير يتطلب من يحله.
2) علم على الرجل الذى تنسب إليه الدولة الأموية.
3) اسم لص ، أو اسم سائق إبل.
4) من ذلك قولهم : إن المراد من المعرفة هنا - نكرة ، فالمراد من : قيصر ، وأبا حسن ، وأمية ، وهيثم ، وزيد - شخص ، أى شخص ، مسمى بهذا الاسم. فحين تقول : لا كسرى أو : لا قيصر بعده ، تريد : لا مسمى بهذا الاسم ، وحين نقول «لا أبا حسن لها : أى : لا مسمى بهذا الاسم لها ، أو لا فيصل لها ، وهكذا ... فالكلمة معرفة فى الظاهر ، ولكنها نكرة تأويلا. وهذا مسوغ لعمل «لا» عندهم.
بشرط أن تكون مضافة مسبوقة بكلمة : «لا - أو : ليس» - وبشرط أن يكون المضاف إليه محذوفا قدنوى معناه على الوجه المفصّل فى مكانه من باب الإضافة (1)نحو : قطعت ثلاثة أميال لا غير - أو ليس غير - أى : لا غيرها ، أو ليس غيرها مقطوعا.
والنحاة يقولون فى إعراب هذا : إنه مبنى على فتح مقدر ، منع من ظهوره الضم العارض للبناء أيضا - فى محل نصب. وفى هذا تكلف وتطويل يدعوهم إليه رغبتهم فى إخضاع هذا النوع لحكم المفرد بحيث يكون الحكم (وهو البناء على الفتح فى محل نصب) عاما مطردا. لكن لا داعى لهذا التكلف ، إذ لا مانع من أن يقال : إنه مبنى على الضمّ - مباشرة - فى محل نصب ، كما فى الصبان والخضرى ، عند كلامها على أحكام : «غير» فى باب الإضافة وستجىء فى الموضع الذى أشرنا إليه.
1) ج 3 ص 55 م 95.
الصورة(1)
يجوز فى هذا الاسم المفرد المعطوف أحد ثلاثة أشياء (2):
أولها : البناء (3)على الفتح ، أو ما ينوب عن الفتحة ؛ فنقول فى المثال الأول : لا خير مرجوّ ولا نفع. على اعتبار «لا» المكررة نافية للجنس. «نفع» اسمها ، مبنى على الفتح فى محل نصب - وخبرها محذوف (4)تقديره :
1) عرفنا - فى ص 628 - أن المراد بالمفرد هنا : ما ليس مضافا ولا شبيها بالمضاف ؛ فيدخل فى المفرد بهذا المعنى ، المثنى والجمع. وإذا تكررت والاسم غير مفرد فالحكم يجىء فى رقم 1 من هامش ص 637
2) ولكل إعراب معنى خاص به.
3) وفى حالة البناء لا يدخله التنوين ؛ كالشأن فى كل مبنى.
4) ومما هو جدير بالتنويه أن خبر المكررة قد يكون محذوفا كهذا المثال ، وأن العطف فيه من نوع عطف الجملة على الجملة ، خضوعا لقاعدة المطابقة. وقد يكون الخبر مذكورا والعطف عطف جملة على جملة كقولنا : لا خير مرجو من الشرير ولا نفع مرجو منه ، ومثله : لا كرامة لمنافق ، ولا شرف لكذاب ، وقولهم : اللّهم لا شكاية من قضائك ، ولا استبطاء لجزائك ، ولا كفران لنعمتك ، ولا مناصبة لقدرتك وقد يكون الخبر صالحا للاثنين معا كالمثال الثانى (لا تقدم ولا رقى مع الجهالة). فالظرف من حيث المطابقة صالح للاثنين ، فالعطف عطف مفردات إن جعلنا الظرف خبرا عن المعطوف عليه والمعطوف معا. أما إن جعلناه خبرا لأحدهما فقط ، وخبر الثانية محذوفا فالعطف عطف جمل. فلا بد قبل الحكم على نوع العطف (بإنه عطف جمل أو عطف مفردات) من النظر أولا إلى الخبر ، ومطابقته ، أو عدم مطابقته للمعطوف والمعطوف عليه معا ، وأنه صالح للإخبار به عنهما ، أو غير صالح. وهذه من الأمور التى تتطلب يقظة وإدراكا تامين.
مرجوّ (1). - مثلا - والجملة الاسمية الثانية معطوفة على الجملة الاسمية الأولى ، فعندنا جملتان
ونقول فى المثال الثانى : لا تقدم ولا رقىّ مع الجهالة ؛ فتكون كلمة : «رقىّ» اسم ، «لا» الثانية على الاعتبار السابق ، ولكن خبرها وخبر الأولى هو الظرف : «مع» فإنه يصلح خبرا لهما.
ونقول فى الثالث : لا نهر فى الصحراء ولا بحر. فيجرى على هذا المثال ما جرى على الثانى.
ثانيها : الإعراب (2)مع نصبه بالفتحة أو ما ينوب عنها. فنقول فى المثال الأول : لا خير مرجوّ من الشرير ، ولا نفعا ، بإعرابه منصوبا. وهذا على اعتبار : «لا» الثانية زائدة لتوكيد النفى ؛ فلا عمل لها. وكلمة. «نفعا» معطوفة بحرف العطف على محل اسم «لا» الأولى ؛ لأن محله النصب. (فهو مبنى فى اللفظ ، لكنه منصوب المحل ، كما سبق) (3).
ونقول فى المثال الثانى : لا تقدم ولا رقيّا مع الجهالة. على الاعتبار السابق أيضا ؛ فتكون «لا» المكررة زائدة لتوكيد النفى ، «رقيا» معطوفة على محل اسم «لا» الأولى. وخبر «الأولى» هو الظرف : «مع».
ونقول فى المثال الثالث : لا نهر فى الصحراء ولا بحرا ؛ كما قلنا فى الأول تماما.
ثالثها : الإعراب مع رفعه (4)بالضمة ، أو بما ينوب عنها ؛ فنقول فى المثال لأول : لا خير مرجوّ من الشرير ، ولا نفع. برفع كلمة : «نفع» على اعتبار «لا» الثانية زائدة لتوكيد النفى ؛ فلا عمل لها. و «نفع» مبتدأ مرفوع ، خبره محذوف ، والجملة الاسمية الثانية معطوفة على الجملة الاسمية الأولى.
ويصح اعتبار «لا» الثانية عاملة عمل «ليس» وكلمة : «نفع» اسمها
1) فى مثل هذا المثال وأشباهه لا يمكن اعتبار كلمة : «نفع» المبنية معطوفة على كلمة : «خير» المبنية ، واكتسبت منها البناء. لا يمكن ذلك ، لأن البناء لا ينتقل إلى التوابع، ولا يراعى فيها إن كان سببه بناء المتبوع - كما فى «ح» من هامش ص 637 وفى «ا» من ص 638 -.
2) الإعراب يقتضى تنوينه. إلا إن وجد ما يمنع التنوين ، كمنع الصرف ..
3) فى ص 630.
4) ومع تنوينه أيضا ، إلا إن وجد ما يمنع التنوين ؛ كمنع الصرف.
مرفوع ، والخبر محذوف ، والجملة من «لا» الثانية ومعموليها معطوفة على الجملة الأولى.
ويصح اعتبار «لا» الثانية زائدة لتوكيد النفى ، وكلمة : «نفع» معطوفة على «لا» الأولى مع اسمها (1)، لأنهما بمنزلة المبتدأ المرفوع : فالمعطوف عليهما معا يكون مرفوعا أيضا.
ويجرى على المثالين الأخيرين ما جرى على المثال الأول ؛ حيث يصح فى كلمتى رقىّ ، و «بحر» الرفع على أحد الاعتبارات الثلاثة السابقة.
«ملاحظة» : إذا تكررت «لا» وكل واحدة مستوفية الشروط ، مفردة الاسم ؛ وكانت الأولى لنفى الوحدة (أى : عاملة عمل ليس) جاز فى اسم المكررة بعد عاطف ، أمران : أن يكون معربا مرفوعا بالضمة أو بما ينوب عنها ، وأن يكون مبنيّا على الفتح أو ما ينوب عن الفتحة ؛ مثل : لا قوىّ ولا ضعيف أمام القانون. أو : لا قوىّ ولا ضعيف أمام القانون.
(ا) فالرفع - فى هذا المثال - إما على اعتبار «لا» المكررة زائدة لتوكيد النفى ، والاسم بعدها معطوف على اسم الأولى ؛ فالمعطوف مرفوع كالمعطوف عليه ، والخبر عنهما هو الظرف : (أمام). وإما على اعتبار «لا» المكررة زائدة للنفى أيضا ، والاسم بعدها مبتدأ (2)، وإما على اعتبار «لا» المكررة عاملة عمل «ليس» والمرفوع بعدها اسمها (3).
وإنما جاز الرفع على هذين الاعتبارين ، ولم يجز النصب لأن النصب إنما يجرى على اعتبار أن «لا» المكررة زائدة ، والاسم الذى بعدها معطوف على محل اسم الأولى ، المبنى لفظا المنصوب محلا ، ولما كان اسم الأولى هنا مرفوعا ، وليس مبنيّا على الفتح
1) أو على اسم : «لا» وحده عند بعض النحاة - فى هذه الصورة وأشباهها مما يأتى - باعتباره مبتدأ فى الأصل. ولا أثر للخلاف بين الرايين.
2) وخبره هو الظرف : «أمام» وخبر الأولى محذوف. أو العكس ؛ فيكون الظرف خبر الأولى وخبر الثانية هو المحذوف. وعلى كلا الاعتبارين تكون الجملة الاسمية الثانية معطوفة على الجملة الاسمية الأولى.
3) والخبر هنا ونوع العطف كالحالة السابقة.
لفظا. كان غير منصوب محلا ؛ فلا يجوز العطف على محله (1)
عمل «إنّ» اجعل «للا» فى نكره *** مفردة جاءتك ، أو مكرّره
يريد : اجعل عمل «إن» من اختصاص «لا» النافية للجنس المكررة وغير المكررة ؛ فتعمل النصب فى الاسم ، والرفع فى الخبر ، بشرط أن يكون ما تعمل فيه نكرة ، فلا يجوز أن يكون اسمها أو خبرها معرفة ، ومن باب أولى لا يجوز أن يكونا معرفتين ، ثم قال :
فانصب بها مضافا ، أو مضارعه *** وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه
وركّب المفرد فاتحا ؛ كلا *** حول ، ولا قوّة. والثّان اجعلا
مرفوعا ، أو منصوبا ، أو مركّبا *** وإن رفعت أوّلا لا تنصبا -
عرض فى هذه الأبيات لأحكام اسم «لا» فقال : انصبه بها ؛ (لأنها العامل الذى يعمل فيه النصب) وذلك حين يكون مضافا ، أو مضارعا له ، أى : مشابها للمضاف. وبعد ذلك الاسم المنصوب اذكر الخبر رافعا إياه. ويؤخذ من هذا البيت أمران.
أولهما : أن اسم : «لا» يكون معربا منصوبا حين يقع مضافا ، أو شبيها بالمضاف.
وثانيها : أن الخبر يرفع بشرط أن يجىء بعد الاسم ، غير متقدم عليه ، فلا بد من الترتيب بينهما بحيث يتقدم الاسم ويتأخر الخبر. ولم يتعرض لبقية الشروط.
وأوضح بعد ذلك حكم الاسم الذى ليس مضافا ولا شبيها به ؛ وهو : الاسم المفرد ؛ فقال : «ركب المفرد فاتحا» أى : ركبه مع «لا» ، فاتحا إياه ، بأن تجعله مبنيا على الفتح ؛ بسبب التركيب. (لأنهم يجعلون سبب البناء هو تركيبه مع «لا» تركيبا جعل الكلمتين بمنزلة كلمة واحدة ؛ مثل : خمسة عشر ، وغيرها من الأعداد المبنية على الفتح ، من أجل تركيبها) ومثال المفرد المبنى كلمة : «حول» ، وكلمة «قوة» فى نحو : لا حول ولا قوة أمام قدرة اللّه. وهو مثال أيضا لاسم «لا» المكررة. وبين أن حكم هذا الاسم الرفع أو النصب أو التركيب مع «لا» فيكون مبنيا معها على الفتح. (أى : أن اسم «لا» المكررة إذا كان مفردا يجوز فيه ثلاثة أشياء الرفع ، أو النصب ، أو البناء على الفتح). ثم أوضح أن هذه الثلاثة جائزة حين يكون اسم «لا» الأولى غير مرفوع فإن كان مرفوعا - لأنها عاملة عمل «ليس ، أو مهملة ؛ لعدم استيفائها الشروط - لم يجز فى اسم «لا» المكررة إلا الرفع أو البناء على الفتح ، ولم يجز فيه النصب ، وقد شرحنا ذلك كله وعرضنا لأسبابه.
.ب - والبناء على على الفتح على اعتبار «لا» المكررة نافية للجنس ، إلى هنا انته الكلام على أحكام اسم «لا» المكررة حين يكون مفردا بعد كل واحدة. وهى أحكام تسرى على اسم «لا» المكررة (2)مرة أو أكثر ، بشرط .
1) إلى كل الأحكام السابقة يشير ابن مالك إشارة موجزة بقوله :
2) فى مثل : قصدتك يوم لا حر ولا برد ... يجوز جملة إعرابات ، منها : رفع كلمتى : «حر ، وبرد» على اعتبار «لا» ملغاة ، أو عاملة عمل «ليس». ومنها : بناء الكلمتين على الفتح باعتبار «لا» عاملة عمل «إن» - والخبر فى فى كل الصور السالفة محذوف. ومنها جر الكلمتين باعتبار «لا» اسم بمعنى «غير» وهو مضاف ونعت ، منعوته كلمة : «يوم» مع تنوين يوم. والمضاف إليه هو الكلمتان المجرورتان. - راجع الصبان ج 2 باب الإضافة ، عند الكلام على «إذ» -.
استيفاء كل واحدة شروط العمل ، وإفراد اسمها ؛ كما عرفنا (1)
ا . أن تكون الأسماء كلها مضافة أو شبيهة بالمضاف ؛ نحو : لا زارع حقل ، ولا بستانى حديقة هنا ، فيجوز في الاسم بعد المكررة إما النصب على اعتبارها نافية للجنس ، وهو اسمها منصوب بها ، وخبرها محذوف ، أو : هو المذكور ، وخبر الأولى محذوف ، والجملة الاسمية الثانية معطوفة على الأولى في الحالتين. وإما النصب أيضا لكن على اعتبارها زائدة لتوكيد النفى ، وهو معطوف على اسم الأولى المنصوب. والظرف ؛ «هنا» خبر عنهما (والعطف عطف مفردات ؛ لأن المعطوف ليس جملة ، وكذلك المعطوف عليه). وإما الرفع على اعتبار «لا» مهملة : وبعدها مبتدأ. أو على اعتبارها عاملة عمل : «ليس» وهو اسمها ، والخبر في الحالتين محذوف أو هو المذكور. والجملة الاسمية الثانية معطوفة على الجملة الاسمية الأولى (وعند اعتبار المذكور خبرا يكون الخبر الآخر محذوفا).
ب . أن يكون الاسم بعد الأولى مضافا أو شبيها بالمضاف ، وبعد المكررة مفردا مثل : لا عمل خير ولا بر أولى من إكرام الوالدين ؛ فيجوز في الاسم المفرد بعد المكررة أن يكون اسمها مبنيا على الفتح ؛ لأنها نافية للجنس وخبرها محذوف أو هو المذكور وخبر الأخرى هو المحذوف ، والجملة الاسمية الثانية معطوفة على الجملة الاسمية الأولى.
ويجوز فيه النصب عطفا على اسم الأولى المنصوب (عطف مفردات) ويجوز فيه الرفع على اعتبار» «لا» نافية للوحدة وهو اسمها. أو على اعتبارها مهملة وهو مبتدأ ، والخبر في الحالتين محذوف أو هو مذكور وخبر الأخرى هو المحذوف ، والجملة فيهما معطوفة على الجملة الاسمية الأولى.
ح . أن يكون الاسم بعد الأولى مفردا وبعد المكررة مضافا أو شبيها به ، نحو لا بر ولا عمل خير أولى من إكرام الوالدين ... فالاسم بعد الأولى مبنى وبعد المكررة يجوز فيه النصب عطفا على محل اسم اسم الأولى ، وتكون «لا» المكررة زائدة لتوكيد النفى ، أو : أن الثانية نافية للجنس والاسم بعدها منصوب بها ، والخبر محذوف أو مذكور وهى مع جملتها معطوفة على الأولى مع جملتها. وهنا العطف عطف جمل.
ويجوز رفعه على أنه اسم لا العاملة عمل «ليس» ، أو على أنه مبتدأ وهى مهملة ، وفى الحالتين يكون الخبر محذوفا أو مذكورا على حسب الجملة ، والعطف فيهما عطف جمل. هذا ولا تراعى حالة البناء في اسم الأولى لأن البناء لا يراعى في التوابع . كما سبق. في رقم ١ من هامش ص ٦٣٤ ويأتي في «ا» من ص ٦٣٨
ومن المفيد التنويه مرة أخرى بأن اعتبار العطف عطف جمل أو عطف مفردات ، إنما يتوقف على الخبر المذكور ، أهو خبر للأولى وحدها فيكون خبر الثانية محذوفا ويكون العطف من نوع عطف الجمل ، أم أنه خبر للثانية وحدها ؛ فيكون خبر الأولى هو المحذوف ، والعطف عطف جمل أيضا؟ أو أنه صالح لهما معا (كما إذا كان شبه جملة) فيصح أن يكون العطف عطف مفردات ، أو جمل ؛ نحو : لا سيارة ولا طيارة هنا. فإن جعلنا الظرف خبرا لأحدهما فقط فالعطف عطف جمل. فمن المهم التنبه لهذا كله ، وإلى مطابقة الخبر وعدم مطابقته.
.حكم المعطوف على اسم «لا» بغير تكرارها (2):
إذا لم تتكرر : «لا» الجنسية وعطف على اسمها جاز فى المعطوف النكرة الرفع أو النصب فى جميع الحالات (أى : سواء أكان مفردا أم غير مفرد ، وسواء أكان اسمها - وهو المعطوف عليه - ، مفردا أم غير مفرد ، ومن أمثلة ذلك :
(ا) لا كتاب وقلم فى الحقيبة. أو : لا كتاب وقلما فى الحقيبة. فيجوز فى المعطوف أمران :
الرفع على اعتبار أن كلمة : «قلم» ، معطوفة على «لا» مع اسمها ، وهما بمنزلة المبتدأ المرفوع ، فالمعطوف عليهما مرفوع أيضا. أو : على الاسم وحده باعتباره مبتدأ فى الأصل - وهذا أحسن -
والنصب على اعتبار أن كلمة : «قلم» معطوفة على محل اسم «لا» المبنى ، لأنه مبنى فى اللفظ لكنه منصوب المحل ، فيجوز العطف عليه بمراعاة محله ، لا لفظه (لأن البناء لا يراعى فى التوابع ، كما سبق) (1).
(ب) لا كتاب هندسة وقلم رصاص فى الحقيبة ، يجوز فى المعطوف الأمران : الرفع على الاعتبار السالف ، والنصب على العطف على لفظ اسم «لا» المنصوب.
(ح) لا كتاب حساب وقلم أو قلما فى الحقيبة. يجوز فى المعطوف الأمران الرفع والنصب على الاعتبارين السالفين فى : «ب».
(د) لا كتاب وقلم رصاص ، فى الحقيبة. يجوز فى المعطوف الأمران : الرفع أو النصب على الاعتبارين السالفين فى : «ا».
فإن كان المعطوف معرفة لم يجز فيه إلا الرفع على اعتباره مبتدأ (2)...
وعلى ضوء الصور والأساليب السالفة - إفرادا وتركيبا - تضبط الصور الأخرى التى لم نعرضها هنا. ويجب مراعاة الخبر بدقة ، ليظهر المعنى ، وليمكن تمييز نوع العطف إن وجد (3).
حكم المعطوف على اسم «لا» المكررة :
يتبع المعطوف عليه ، (أى : يتبع اسمها) فى إعرابه رفعا ونصبا دون أن يتبعه فى البناء كما عرفنا.
1) فى رقم 1 من هامش ص 634 وفى آخر «ح» من هامش ص 637.
2) لأن اسم : «لا» بنوعيها لا يكون معرفة ، وعند عطفة على اسم الأولى يكون بمنزلة الاسم مع عدم صلاحيته لذلك ؛ بسبب تعريفه. هكذا يعللون. والعلة الصحيحة هى نطق العرب ، واستعمالهم ؛ فلو لم يلتزم العرب الرفع لم يكن للتعليل قيمة.
3) سيجىء فى هامش ص 640 بيت ابن مالك الخاص بهذا العطف.
لا تاجر خداع ناجح
لا سيارة مسرعة مأمونة
لا كتابة ، رديئة ممدوحة
كيف نضبط الكلمات التى تحتها خط وهى : (خدّاع - مسرعة - رديئة)
وأشباعها من كل كلمة وقعت نعتا ، مفردا ، لاسم : «لا» النافية للجنس ، المفرد ولم يفصل بين النعت والمنعوت فاصل (1)؟
يجوز فى ضبط هذا النعت أحد أمور ثلاثة :
(ا) بناؤه على الفتح أو بما ينوب عن الفتحة ؛ كالشأن فى اسم : لا (2)، فنقول : لا تاجر خداع ناجح - لا سيارة مسرعة مأمونة - لا كتابة رديئة ممدوحة.
(ب) إعرابه منصوبا بالفتحة ، أو بما ينوب عنها ؛ مراعاة لمحل اسم «لا». فنقول : لا تاجر خداعا ناجح - لا سيارة مسرعة مأمونة - لا كتابة رديئة ممدوحة.
(ح) إعرابه مرفوعا بالضمة أو بما ينوب عنها. على اعتباره نعتا لكلمة : «لا» مع اسسها ؛ وهما معا بمنزلة المبتدأ المرفوع ؛ فنعتهما مرفوع كذلك. أو لاسمها وحده (3)تقول :
1) فالشروط ثلاثة. أن تكون الكلمة : نعتا مفردا (أى : ليست مضافة ، ولا شبيهة بالمضاف) - وأن يكون اسم : «لا» مفردا ، وألا يفصل بين النعت والمنعوت فاصل. هذا ، والنفى ينصب فى الحقيقة على النعت. وسيجىء فى الزيادة : «ا» ص1. أسلوب خاص يشتمل على نوع من النعت له حكم يختلف عما سيذكر هنا.
2) على تخيل أنه ركب مع اسم «لا» قبل مجيئها كتركيب خمسة عشر ، وغيرها من الأسماء المركبة التى صارت بمنزلة كلمة واحدة ، وبنيت على فتح الجزأيين بسبب التركيب. ولا يصح أن يكون بناء النعت هنا تبعا لبناء اسم «لا» ؛ لما تقرر من أن بناء المتبوع لا ينتقل إلى التابع. كما أن وجود نعت لاسم «لا» المفرد لا يخرج الاسم عن حالة الإفراد - كما سبق فى آخر رقم 3 من هامش ص 627 - ؛ لأنه لا عمل له فى النعت.
3) باعتبار أصله مبتدأ.
لا تاجر خداع ناجح - لا سيارة مسرعة مأمونة - لا كتابة رديئة ممدوحة (1)
ومفردا نعتا لمبنىّ يلى *** فافتح أو : انصبن ، أو : ارفع تعدل
يريد : أن النعت المفرد ، الذى يلى اسم «لا» المبنى ، يجوز فيه الفتح ، أو النصب. وإن شئت ؛ فارفعه ؛ تكن بذلك عادلا بين الرفع وغيره. أو تكن عادلا بين الثلاثة (والفاء فى : «فافتح وائدة لتحسين اللفظ ، فلا تمنع من تقدم معمول ما دخلت عليه. مثل كلمة : «مفردا» هنا).
. فإن اختل شرط من الشروط السالفة لم يصح بناء النعت على الفتح ، وصحّ أن يكون مرفوعا أو منصوبا. فإذا كان النعت غير مفرد ، مثل : لا تاجر خدّاع الناس ناجح ، لا يجوز أن يكون النعت (وهو : خداع) مبنيّا على الفتح (2)ويجوز أن يكون مرفوعا أو منصوبا على الاعتبار الذى أوضحناه سالفا (فى : «ب وج») وإن كان المنعوت غير مفرد ، مثل : لا تاجر خشب خداع ناجح ، لم يجز البناء على الفتح أيضا (3)وغير ما يلى ، وغير المفرد *** لا تبن ، وانصبه ، أو الرّفع اقصد
يقول : إذا كان النعت لا يلى المنعوت ؛ لوجود فاصل بينهما ، أو كان أحدهما أو كلاهما غير مفرد - فلا تبن النعت ، بل انصبه ، أو اقصد إلى الرفع ؛ فأنت مخير بين النصب والرفع - دون البناء.
ثم أشار بعد ذلك إلى حكم العطف على اسم «لا» التى لم تتكرر ؛ فقال : إن حكم المعطوف هو كحكم النعت المفصول. ذلك الحكم الذى يقضى باختبار النصب أو الرفع دون اختيار البناء. وقد شرحنا حكم ذلك العطف تفصيلا ، ويقول فيه ابن مالك :
والعطف إن لم تتكرّر : «لا» احكما *** له بما للنعت ذى الفصل انتمى
انتمى ، أى : انتسب. واحكما ، أصلها : احكمن ؛ بنون التوكيد الخفيفة ، وقلبت ألفا عند الوقف.
، وجاز الرفع أو النصب كسابقه.وكذلك الحكم إن وجد فاصل بين النعت والمنعوت ؛ مثل لا تاجر وصانع خدّاعان ناجحان. فلا يجوز بناء كلمة ، «خداعان» بل يجب رفعها أو نصبها. ومما يلاحظ أن المنعوت إذا كان غير مفرد بأن كان مضافا أو شبيها بالمضاف) فإنه سيجىء بعده ما يفصل بينه وبين النعت حتما. .
1) وفى هذه الأحكام يقول ابن مالك :
2) لأن بناءه على الفتح يقوم على تخيل أنه مركب مع اسم «لا» كتركيب الأسماء التى يقتضى التركيب بناءها على فتح الجزأين ؛ كسبعة عشر ، وغيرها من الأعداد والأسماء المركبة - كما أوضحناه فى رقم 2 من هامش الصفحة 639 - وهذا التركيب لا يكون إلا بين كلمتين فقط. فإذا كان النعت غير مفرد ، أو كان المنعوت غير مفرد - ترتب على هذا أن يقع التركيب بين أكثر من كلمتين ، وهذا مرفوض. وكذلك الشأن لو وجد فاصل بين النعت والمنعوت ؛ فإنه سيؤدى إلى قيام التركيب بين أكثر من كلمتين.
3) وإلى النعت غير المستوفى للشروط يشير ابن مالك بقوله :
البدل النكرة (وهو الصالح لدخول : «لا») كالنعت المفصول ، نحو ؛ لا أحد ، رجلا ، وامرأة فيها. بالنصب أو الرفع ، ولا يجوز بناؤه على توهم تركبه مع المبدل منه ، لأن البدل على نية تكرار العامل : «لا» ، فيقع بين البدل والمبدل منه فاصل مقدر يمنع من ذلك التركيب الوهمى. وأجازه بعضهم لأن هذا الفاصل - وهو «لا» - يقتضى الفتح (1).
فإن كان البدل معرفة وجب رفعه (2)، نحو لا أحد محمد وعلىّ فيها. وكذا يقال فى عطف البيان.
وأما التوكيد فالأفضل فى اللفظىّ منه أن يكون جاريا على لفظ المؤكّد من ناحية خلوه من التنوين. ويجوز رفعه أو نصبه. وأما المعنوى فيمتنع هنا تبعا للرأى الشائع القائل : إنه لا يتبع نكرة ؛ لأن ألفاظه معارف. أما على الرأى القائل إنه يتبعها فيتعين رفعه ، لعدم دخول «لا» على المعرفة (3).
(ا) دخول همزة الاستفهام على «لا» النافية للجنس (1).
إذا دخلت همزة الاستفهام على : «لا» النافية للجنس صار الأسلوب إنشائيّا ، ولم يتغير شىء من الأحكام السالفة كلها. - وهذا أوضح الآراء وأيسرها - يتساوى معه أن تكون «لا» مفردة ، ومكررة ، وأن يكون الاسم مفردا وغير مفرد ، منعوتا وغير منعوت ، معطوفا وغير معطوف ... إلى غير ذلك من سائر الأحكام التى أوضحناها.
ولا فرق فيما سبق بين أن تكون الهمزة للاستفهام الصريح عن النفى المحض (أى : دون قصد توبيخ أو غيره ...) ؛ نحو : ألا رجل حاضرا (2)؟ أو للاستفهام المقصود به التوبيخ (3)؛ نحو : ألا إحسان منك وأنت غنى؟. أو للاستفهام المقصود به التمنى (4)؛ نحو ألا مال (5)فأساعد - المحتاج (6)
وأعط «لا» مع همزة استفهام *** ما تستحقّ دون الاستفهام
؟1) وكذلك على «لا» التى لنفى الوحدة كما تقدم فى رقم 1 من هامش ص 547 منقولا عن الخضرى ...
2) إذا كان السؤال عن عدم حضور أحد من الرجال.
3) ولا يسمى الآن استفهاما ؛ فقد تحول عنه إلى الغرض الجديد ؛ (من التوبيخ ، أو التمنى ، أو : غيرهما) وتسميته استفهاما إنما هى بحسب أصله قبل أن يتحول.
4) انظر الزيادة والتفصيل ص 643.
5) الخبر محذوف ؛ تقديره ، موجود. (راجع ما يأتى فى الزيادة والتفصيل - 643 - خاصا بكلمة : «ألا» التى للتمنى).
6) وفيما سبق يقول ابن مالك :
(ا) من الأساليب الصحيحة فى التمنى : «ألا ماء ماء باردا». فكلمة «ماء» الثانية نعت (1)للأولى : فهو مبنى على الفتح ، لأنه بمنزلة المركب المزجىّ مع اسم «لا» ويجوز نصبه ، ولكن يمتنع رفعه عند سيبويه ومن معه - على مراعاة محل (لا) مع اسمها ، وأنهما بمنزلة المبتدأ ، ويجوز عند المازنى ومن وافقه.
وعلى هذا ، تكون «ألا» التى : للتمنى محتفظة عند بعض النحاة - بجميع الأحكام الخاصة التى كانت لكلمة : «لا» قبل دخول الهمزة. وقبل أن يصبرا كلمة واحدة للتمنى. وإذا لم يكن خبرها مذكورا فهو محذوف. ويخالف فى هذا فريق آخر كسيبويه فيرى أنها حين تكون للتمنى - لا تعمل إلا فى الاسم ؛ فلا خبر لها ؛ لأنها صارت بمنزلة : أتمنى. فقولك : «ألا ماء» ، كلام تام عنده ؛ حملا على معناه ، وهو : أتمنى ماء. فلا خبر لها لفظا ولا تقديرا ، واسمها هنا يكون بمنزلة المفعول به. ولا يجوز إلغاء عملها فى الاسم ، كما لا يجوز الوصف ولا العطف بالرفع مراعاة للابتداء ؛ كما أشرنا. ولا يقع هذا الخلاف فى النعوت الأخرى. التى سبق حكمها - فى ص 639 والرأى الأول - مع عيبه - أفضل ؛ لأنه مطرد يساير القواعد العامة ؛ فلا داعى للأخذ بالرأى الثانى.
ويتعين تنوين كلمة : «باردا» ، لأن العرب لم تركب أربعة أشياء (2)تركيبا مزجيا ، ولا يصح إعراب كلمة : «ماء» الثانية توكيدا ولا بدلا ؛ إذ يكون مقيدا بالنعت الآتى بعده ، والأول مطلق ؛ فليس مرادفا له حتى يؤكده ، ولا مساويا له حتى يبدل منه بدل مطابقة.
لكن جوز بعضهم التوكيد فى قوله تعالى : «(لنسفعن بالناصية ناصية كاذبة) فكذا هنا. وجوز بعضهم أن يكون عطف بيان ؛ لأنه يجيز أنّ يكون أوضح من متبوعه (3)
والذي يمكن استصفاؤه من الجدل العنيف وما يتضمنه من اعتراضات ودفعها هو صحة الإعرابات السالفة كلها وأن أحسنها إعراب الكلمة الثانية نعتا موطئا كما سيجىء فى باب النعت من الجزء الثالث ص 370 م 114 طبقا لما أشرنا.
.1) لجواز النعت بالجامد الموصوف بالمشتق ، مثل : مررت برجل رجل صالح وهو من النعت الذى يسمى نعتا موطئا ؛ أى : ممهدا (إذ يحصل به التمهيد للنعت بالمشتق الذى بعده) ، وسيجىء بيان هذا فى موضعه الخاص - وهو باب النعت ج 3 ص 370 م 114.
2) راجع ص 281 حيث المركب المزجى.
3) الخلاف شديد بين النحاة فى كل إعراب من هذه الإعرابات (وتراه ملخصا فى آخر باب «لا النافية للجنس» فى الجزء الأول من التصريح والصبان وموجزا فى حاشية الخضرى)
(ب) قد ترد كلمة : «ألا» للاستفتاح والتنبيه (بقصد توجيه الذهن إلى كلام هام مؤكد عند المتكلم ؛ يجىء بعدها). وهى كلمة واحدة. لا عمل لها ، فتدخل على الجملة الاسمية والفعلية ؛ نحو : ( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) وقوله : ( أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ) فقد دخلت على «ليس» كما تجىء وهى كلمة واحدة للعرض (1)، والتحضيض ؛ فتختص بالجملة الفعلية ؛ فمثال العرض : ألا تشاركنى فى الرحلة الجميلة. ومثال التحضيض ألا تقاوم أعداء الوطن.
ح - يجرى على خبر «لا» ما يجرى على سائر الأخبار ، من جواز الحذف - وكثرته - إن دلّ دليل. وليس من اللازم لجواز الحذف أن يكون الخبر هنا شبه جملة فقد يكون شبه جملة كقول الشاعر :
إذا كان إصلاحى لجسمى - واجبا *** فإصلاح نفسى لا محالة أوجب
اى : لا محالة فى ذلك. وقول الآخر :
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم *** ولا سراة (2)إذا جهّالهم سادوا
أى : ولا سراة لهم إذا جهّالهم سادوا. وقد يكون جملة ؛ كان يقال : هل من جاهل يصلح للسيادة؟ فيجاب : لا جاهل. أى : لا جاهل يصلح للسيادة ... وقد يكون مفردا كالأمثلة الآتية بعد :
والدليل على الحذف قد يكون مقاليا ؛ كأن يقال : من المسافر؟ فيجاب : لا أحد. أى : لا أحد مسافر. وقد يكون الدّليل مفهوما من المقام والحالة الملابسة ؛ كأن يقال للمريض : لا بأس ، أى : لا بأس عليك. وللسارق : لا نجاة ، أى : لا نجاة لك. وبغير الدليل لا يصحّ الحذف (3)
وشاع فى ذا الباب إسقاط الخبر *** إذا المراد مع سقوطه ظهر
...ومن الأساليب التى حذف فيها الخبر : «لا سيما» وقد سبق الكلام عليها. فى ص 363 - ر
ومنها : لا إله إلا اللّه (1)؛ ومنها : لا ضير (2). ومنها : لا ضرر ولا ضرار (3).
ومنها : لا فوت (4)...
وقد يحذف الاسم لدليل ، نحو : لا عليك. أى : لا بأس عليك.
د - بمناسبة الكلام على : «لا» يتعرض بعض النحاة لتفصيل الكلام على الأسلوب الذى يشتمل على : «لا جرم» واعتبار «لا» زائدة. أو غير زائدة. وقد سبق تفصيل هذا فى رقم 4 من ص 595.
ه - إن جاء بعد «لا» جملة اسمية صدرها معرفة ، أو صدرها نكرة لم تعمل فيها - بسبب وجود فاصل ، مثلا - أو جاء بعدها فعل ماض لفظا ومعنى (5)لغير الدعاء - وجب تكرارها فى أشهر الاستعمالات. فمثال الاسمية التى صدرها معرفة قوله تعالى : ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ، وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ) (6)
1) يصح فى كلمة : «اللّه» فى هذا المثال - كما سيجىء فى الصفحة التالية ، الرفع ، إما باعتبار أنها بدل من «لا» مع اسمها ؛ لأنهما فى حكم المبتدأ ، إذ هما فى محل رفع بالابتداء عند سيبويه ... و... وإما باعتبار أنها بدل من اسم «لا» قبل دخول الناسخ عليه ، فقد كان فى أصله مبتدأ قبل مجىء «لا» وإما باعتبارها بدلا من الضمير المستتر فى الخبر المحذوف - وهذا هو الرأى الشائع. وتقدير الضمير «هو» ؛ فتكون كلمة : «اللّه» بدلا منه : ويصح نصب كلمة : «اللّه» على الاستثناء ؛ لأن الكلام تام غير موجب ؛ فيجوز فيه البدلية والنصب - كما هو معروف فى أحكام المستثنى - (راجع الصبان ج 2 أول باب الاستثناء. حيث عرض الآراء السالفة) وقالوا لا يجوز فى لفظة : «اللّه» وأشباهها - أن تكون بدلا من لفظ «إله» لأنه مستثنى منه منفى ، والمستثنى هنا موجب بسبب وقوعه بعد «إلا» ، والعامل المشترك الذى عمل فيهما معا هو : «لا». فيترتب على هذا الإعراب أن تكون «لا» قد عملت فى الموجب - لأن العامل فى البدل هو العامل فى المبدل منه ، عند أكثرهم - ، وهى لا تعمل فى الموجب. هذا سبب المنع عند أكثرهم. لكن آخرين يقولون بالجواز ؛ بحجة أنه يغتفر فى الثوانى ما لا يغتفر فى الأوائل - طبقا للبيان الذى يجىء فى باب الاستثناء -.
2) لا ضرر.
3) لا ضرار : لا ضرر ولا معارضة ولا مخالفة بغير حق.
4) لا فوات ، ولا ضياع وقت أو غيره.
5) الماضى لفظا ومعنى هو - كما تقدم فى ص 49 - ما كانت صيغته كالماضى وكذلك معناه فإن كان زمنه للحال أو الاستقبال فهو ماضى اللفظ دون المعنى ، ومنه : لا غفر اللّه للقاتل : فإنه فعل ماض للدعاء ، والدعاء يجعل معناه مستقبلا وفى هذه الحالة لا يجب تكرار «لا».
6) إن كانت الجملة الاسمية دعائية لم يجب معها تكرار «لا» ولو كانت هذه الجملة مستوفية للشروط ؛ كقولك للمحسن : لا فقر يصيبك.
ومثال النكرة التى لم تعمل فيها قوله تعالى : ( لا فِيها غَوْلٌ ) (1)وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ(2)...)
ولم تعمل هنا لوجود فاصل. ومثال الماضى قوله تعالى : ( فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ... ) وفى الحديث : إن المنبتّ (3)لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
(و) إذا وقعت كلمة «إلّا» بعد «لا» جاز فى الاسم المذكور بعد «إلا» الرفع والنصب. نحو : لا إله إلا اللّه ، - بالرفع أو النصب ، ولا سيف إلا ذو الفقار. أو ذا الفقار فالنصب على الاستثناء ، والخبر محذوف قبل «إلّا». والرفع على البدل ؛ إما من محل «لا» مع اسمها ؛ وإما على البدل من الضمير المستتر فى الخبر المحذوف ، وإما من محل اسم «لا» بحسب أصله الأول ؛ فقد كان مبتدأ ، وقد أوضحنا هذا قريبا (4).
(ز) إذا لم تعمل : «لا» بسبب دخولها على معرفة ، أو لوجود فاصل بينها وبين اسمها - فالواجب عند الجمهور تكرارها - كما تقدم -.
ويلزم تكرارها مع اقترانها (5)بالواو العاطفة إذا وليها مفرد منفى بها وقع خبرا أو نعتا ، أو حالا ؛ نحو : علىّ لا قائم ولا قاعد ، ومررت برجل لا قائم ولا قاعد ، ونظرت إليه لا قائما ولا قاعدا.
وتتكرر أيضا إذا دخلت على الماضى لفظا ومعنى ، وكان لغير الدعاء - كما سلف - ، نحو : محمود لا قام ولا قعد. وقد يغنى عن تكرارها حرف نفى آخر ؛ وهذا قليل ؛ مثل لا أنت أبديت رأيك ولم تظهر غرضك. ومنه وقول الشاعر : (... فلا هو أبداها ولم يتجمجم (6)) ولم تتكرر فى نحو : لا نولك أن تفعل كذا ... لأنه بمعنى : لا ينبغى (7)...
1) صداع وضرر ، أو سكر.
2) تسلب عقولهم.
3) الذى انقطع عن رفاقه فى السفر ، بسبب إرهاقه دابته فى الإسراع حتى عجزت ، فسبقه الرفاق
4) فى رقم 1 من هامش الصفحة السالفة.
5) راجع الصبان أيضا ج 3 آخر باب النعت.
6) من كلام زهير فى معلقته.
7) فكأنها دخلت على المضارع ؛ فلا يجب تكرارها وقد سبق الكلام على هذا الأسلوب ومعناه فى ص 407 وسيجىء أيضا فى الصفحة التالية -
فلم يبق شىء لا تتكرر فيه وجوبا سوى المضارع ؛ نحو : حامد لا يقوم (1)
وثانيهما : أن تكون بمعنى : «غير» . مع أحد ثلاثة شروط.
أولها : أن تدخل على لفظة : «شيء » سواء انجرت بالإضافة ؛ نحو : هو شيء أو بحرف الجر ، أى حرف كان ، نحو : كنت بلا شيء ، وغضب ، من لا شيء ، أو انتصبت ، نحو : نك ولا شيئا ، أو ارتفعت ، نحو أنت ولا شيء.
وثانيها : أن ينجر ما بعد «لا» بباء الجر قبلها ، نحو : كنت بلا مال ، ولا ينجر إذا لم يكن «شيء» إلا بها من بين حروف الجر.
وثالثها : أن يعطف ما بعد «لا» على المجرور بكلمة «غير» كقوله تعالى : (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) ... اه. راجع التصريح هنا.
...1) قال الرضى : (يجب تكرير «لا» المهملة الداخلة على غير لفظ الفعل إلا فى موضعين ؛ أحدهما : أن تكون داخلة على الفعل تقديرا. وكذلك إذا دخلت على منصوب بفعل مقدر ؛ نحو : لا مرحبا أى : لا لقيت مرحبا. أو : لا رحب موضعك. أو على اسمية بمعنى الدعاء ؛ نحو : لا سلام على الخائن لأن الدعاء بالفعل أولى ، فكأنه قيل «لا» لا سلم سلاما ، ولذا دخلت على : «نولك» كما مر - يشير إلى ما ذكر فى الصفحة السابقة ، وفى ص 407 من قولهم : لا نولك أن تفعل كذا ، بمعنى : لا ينبغى لك ، ... والنول : العطية وهو مبتدأ وما بعده مصدر مؤول خبره. وقيل فاعل سد مسد الخبر على اعتبار أن «النول» بمنزلة الوصف الذى له مرفوع يسد مسد الخبر - وإنما لم تتكرر «لا» فى هذه المواضع لأنها إذا دخلت على الفعل لم يجب تكريرها إلا إذا كان الفعل ماضيا غير دعاء ؛ نحو قوله تعالى : ( فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى. )