الامام المهدی علیه السلام فی عقیدة أهل السنة- أهل الشیعة - أهل التصوف والعرفان ویلیه کتاب کبوة الواثب

ghaemiyeh.com

اشارة

الامام المهدی علیه السلام

في عقيدة أهل السنة- أهل الشيعة - أهل التصوف والعرفان ويليه كتاب کبوة الواثب

تأليف : محسن بن جمعه بن محمد اللواتي

دارالحجه البيضاء بیرت. لبنان

خیراندیش دیجیتالی : انجمن مددکاری امام زمان (عج) اصفهان

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

جمیع الحقومه محفوظه

الطبعة الأوله

1430ھ/2009 م

الرويس - مفرق محلات محفوظ ستورز - بناية رمال

ص.ب: 14/5479-هاتف: 03/287179-01/541211

تلفاكس: .1/552847-E-mail: almahajja@terranetlb

www.daralmahaja.com info@daralmahaja.com

للطباعه والنسرة الترزيع

بیرت. لبنان

الامام المهدی علیه السلام

الإهداء

بسم الله الرحمن الرحیم

إلى الحقيقة المتفاعلة في حياة أهل العرفان والصوفية، إلى السبب المحمديالموصل بين السماوات والأرض، إلى بذل الروح الكلية والحجاب الأعظم القائم بين الحق والخلق، إلى الختم المنتظر وخاتم الأولياء، إلى مناغي اللطف والمأمور بتصحيح الفطرة الممزقة والمنحرفة عن جادة الحقيقة والشريعة، إلى الحمام وابن متوجي الهمم العالية، إلى مرشد مرشدي وهادي الروحي في غياهب الغيوب، إلى سيدي ومولاي الإمام الحجة محمد بن الحسن المهدي أهدي هذا العمل المتواضع فأرجو القبول سيدي...

تابعكم

محسن بن جمعة محمد اللواتی

التقديم

و إذا كان إهدائي هذا الكتاب لسيدي ومولاي ومرشدي الأعظم إلى ساحات العرفان الإمام الممكن المهدي الهادي، المتحلي بحلية آبائه وحلية الباب المعظم وحلية مدينة علوم الأكوان كلها سيدنا الرسول الأعظم اللهم صلي وسلم وباركعليهم أجمعين. فإن تقديمي أوجهه إلى:

1۔ محبي آل محمد المقتدين بأخذ الشريعة من مصادر أئمة آل البيت عليهم السلام (الشيعة) وممن حزنوا من طرح أحمد الكاتب وتعليقات أحمد المنصور وأقول لهم: إن يكن اعتقادكم اعتقادا نظرية على قاعدة الظن الحسن تصديقة للمتواتر من الأحاديث المقدسة لرسول الله وآل بيته الكرام، وإن خلى ذلك من الشهود الفيضي الحق، فإنكم مع هذا على جادة الصواب والنجاة وفي عين المهدي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام. فلا يهمكم قول الناصب فعيشوا على هذا الاعتقاد الصادق فالقضية حق مع أكثريتكم وأنتم في حصن شفاعتهم.

2- إلى أخوتي من فرق السنة الكرام من أتباع / الشيوخ الشرفاء مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وكل متأثر بالأشعرية، وهم كذلك لأنني استقيت من مصادرهم الكريمة قسم مهم في الكتاب وأقول لهم بوركتم بحب آل محمد.

3- إلى أحبتي السالكين في طريق الله والصوفية المريدين لشيوخ کرام، فالمهدي لهم ملهم ومرشد وإمام، وأقول لهم: لا تستعجلوا المرام فالأمر جلل وهام وإنما طبقوا المنهج العبادي وأطيعوا المرشد، وداوموا على صلاة الليل، ومجالس الذكر والتسبیحات، مسترشدين بالمرشد وملازمة القرآن، داوموا على مصاحبة القرآن خاصة في جنح الليل حتى يفتح لكم مسالکه. حاربوا النفس الأمارة بطهارة المحاولات بطلب المدد حتى الحصول على التزكية والدخول في دوائر الأنوار، زودوا الشوق والدعاء والتوسل والارتباط حتى يمكنكم العزيز الوهاب بلقاء النور الأبهر وسراج الحقيقة المحمدية بشعاع مشكاة نور العلوية.

4. بل أقدمه إلى كل منضجر من الفسق والفجور والظلم من شرفاء البشرية في كل ملل ونحل من أصحاب الفطرة السليمة.

محسن بن جمعة بن محمد اللواتي

مسقط 2008/11/5 م

المدخل والتعريف

إن مدخل وسبب تأليف هذا العمل أتي في الواقع من مشاهدتنا الحلقة من برنامج بلا حدود لبطليه : الضيف عبد الرسول عبد الزهراء عبد الأمير اللاري حيث عرف بأحمد الكاتب المفكر الشيعي، والمناظر مقدم البرنامج الأستاذ أحمد منصور في فضائية الجزيرة الشهيرة بقاعدة واسعة من المشاهدين.

كانت المقابلة ذات ركيزتين : المهدية أو الإمام الثاني عشر المنتظر وولاية الفقيه، مناقشة على الكتاب الذي ألفه الضيف أحمد الكاتب تحت عنوان تطور الفكر الشيعي السياسي من الشورى إلى ولاية الفقيه كما تبين من المناقشة، إلا إن عنصرة جديدة أضيف إلى الموضوع أثناء المناقشة وهو الآراء الشخصية للأستاذ أحمد منصور وإطلاقه أحكامة في أمور لم يحطها بكفايتها وإسكاته من لم يعجبه تدخلهم. فإن ترك الأمر من غير توضيح حيف على هذه القضية المهمة عقائدية.

لذا رأينا أن يكون تدخلنا لوضع هذا الكتاب متفاعلا بتلك العناصرالثلاث في صورة عنوانین:

كتاب الإمام المهدي علیه السلام.

وكتاب كبوة الواثب.

في مجلد واحد، مع اعتذارنا لتأخر الكتاب عن تاريخ المناظرة

الظروفي الشخصية ولكن الموضوع لا يتأثر في التقدم والتأخركما سيتضح.

ومن هنا نبدأ، ولیکن بدؤنا من المهدية ومفهومها عند:

ا- أهل السنة

2 - أهل التشيع

3. أهل التصوف والعرفان

ولكن قبل الولوج إلى ذلك يجب أن نصحح أمرا مغلوطة استظهر في المقابلة وهو شيعية أحمد الكاتب رغم إنكاره وجود الإمام المهدي أصلا.

الفصل الأول: المصطلح الشيعي وعلاقة ( الضيف في المقابلة) أحمد الكاتب به

لقد قدم الأستاذ أحمد الكاتب على أنه مفكر شيعي واسمه عبد الرسول عبد الزهراء عبد الأمير اللاري فأعطي فكرة خاطئة للمشاهد عنه لأنه في الواقع نفي عن نفسه بنفسه صفة هذا المصطلح كما يعرف معاصرة وإنما انتحل نحلة الشيعي الجعفري كما حلاله.

إننا لا نملك ومن مبدأ حرية الرأي والاختيار أن نحجر على الرجل الصفة التي يختارها لنفسه، ولكننا نملك أن نحلل هذه الصفة بصفتها مصطلح يؤدي غرضة معلوماتية يترتب عليه ردود فعل سيكولوجية وافتراضية وتحصيل النتائج وما يترتب على ذلك سلسلة من المفاهيم المبتدعة إذا تفاعلت محتويات المصطلح على أرضية المنتحل له وأصول ثقافاته وانتماءاته وصدق التعبير عن فكره، غير أننا نرى أن المنتحل لهذا المصطلح الشيعي لم يكن يعبر عنه بصدق وهو يعرف ذلك، لأن المصطلح الشيعي يسري على المذهب الاثني عشرية وحتى المصطلح الجعفري يؤدي نفس الغرض والمعلومة إذ ليس هناك جعفرية إلا وهو اثنا عشري والاصطلاحان مترادفان، وأما ما ذهب إليه الكاتب أحمد بأنه

ليس شيعية اثني عشرية بل شيعية جعفرية، كما أن الشيعة فرق مثل الإسماعيلية ...... أمر فيه الكثير من المراوغة لأن شخصا مثل الأستاذ أحمد الكاتب وبمكانته العلمية كما وصف من النقاش أثناء المقابلة لم يكن يتكلم عن أطروحة لفرق الشيعة في العصور البائدة، بل كان النقاش عنعقيدة معاشه يعتقدها أناس يعرفون باصطلاح معروف ويؤدي غرضة علميا معلوماتية، يمكن التعامل معهم بموجبها من الجزم على صحة العقيدة أو إجراء حكم شرعي أو إجراء مقارنات مذهبية بين المذاهب المعاصرة وغيرها سلسلة من الأمور والنتائج والتفاعلات کتبعات المصطلح على صفة محددة ومؤطرة لجماعة المنتحلين له.

فإذا أخذنا هذا الأمر المنطقي والواقعي عن الشيعة فإن التسمية تذهب بطريقة فطرية إلى الشيعة الاثني عشرية المعتقدون بعد رسالة ونبوة الرسول اللهم صلي عليه وآله بإمامة أمير المؤمنين علي وولايته ثم بولاية الإمام الحسن والإمام الحسين ثم الأئمة علي بن الحسين (زین العابدین) ومحمد بن علي (الباقر) وجعفر بن محمد الصادق) وموسی بن جعفر

الكاظم) و(علي بن موسی الرضا) و(محمد بن علي الجواد) و(علي بن محمد الهادي) وحسن بن علي العسكري ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر. أما الإسماعيلية والزيدية والبهرة وغيرهم من المذاهب الموحدة فلا يطلق عليهم الشيعة كتعریف معاصر وإنما بأسماء مذهبهم، فهذا زيدي وذاك علوي وآخر إسماعيلي وهكذا.... وعند الشرح في مجال البحوث التاريخية ولإيضاح موقع هذه المذاهب يشار إليهم أنهم معروفون تاريخيا كفرق الشيعة ؛ ولكن هذا الآن غير متبع ولا مألوف ولا يؤدي إلى المعنى المطلوب في تحديد الهوية أو الحصول على معلوم معين لتحديد مسار التعامل مع صاحب المصطلح، أما ما يخص الأستاذ أحمد الكاتب ومن منطلق حرية الاختيار ومسؤولياته فهو حر أن ينتحل ما يشاء من الطرق أو يبتدع ما يحلو له على قاعدة الاجتهاد الذي يراه

ولكن عليه أن لا يستعير اصطلاح الآخرين ولنا في التاريخ أمثلة، فرغم أن المعتزلة على قاعدة سنية إلا أنهم يسمون بمعتزلة وهكذا... وعليه فإنه يمكنه أن يطلق على نفسه - إن شاء وأكرر إن شاء - بالمتحولي منالمتحولة على غرار المعتزلة.

بعد هذه التوطئة الضرورية نتوكل على الله في الدخول إلى دوائر محیط کلامنا ومركزه، مبتدئين بالمهدية وساحاتها الرحبة بعد أن جزنا أطيان الانتحال بالتشيع واقتراح الخروج منها لغير أهلها.

الفصل الثاني: المهدية عند أهل السنة

اشارة

الموقف من المهدية عند أهل السنة يتنوع في ثلاث جماعات بعد وفاة الرسول الكريم - اللهم صلي عليه وآله - في مسيرة التاريخ الإسلامي.

الأولى : فئة سمعت الأحاديث في الإمام المهدي ووعتها ولكن الموقفها الانقلابي«وما محمدإلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإین مات أو قتل انقلبتم على أعقبکم».

للاستحواذ على الحكم اتجهت إلى وجهتين:

1- وقف نشر الحديث والاكتفاء بالقرآن الكريم مما ضيع حاويةالحديث المساندة للتواتر... وعندما بدأ جمعه في العصور المتأخرة ظهر ما هو قليل متواتر والكثير أحادي وضعيف وحسن ولكن من غیر تواتر أو قليل منه بتواتر ضعيف.

2۔ منع نشر الأحاديث التي تتحدث عن فضائل أهل البيت وإرشاد الرسول بالتمسك بهم، ومنها ما تشير إلى المهدية ذلك في العصر الأموي والعباسي وما صدر فيها من شراء الذمم وبروز علماء الحكام والدولة المعارضين للبيت العلوي، بل النظر إليهم بنظرة

العداوة والترصد والتنكيل بهم ولأشياعهم، ولكون تلك الأحاديث فيها الكثير من صفات الكرامة والشفاعة والوسيلة لفضائل آل محمد المعروفين وهي أمور لا تتسم بالظاهرية على الإطلاق فإن منعها أعطت الطريق بتكوين المدرسة الظاهرية الصرفة ففسرت الأمور الصالح الأوضاع القائمة المعادية للبيت العلوي، مما زاد في منع تناقل الأحاديث في فضائل أهل البيت والتي تتسم بالطاعة لهم وحبهم والاقتداء بهم وأخذ أمور الشريعة من عندهم وتبجيلهم وتوقيرهم وسؤالهم فإنهم مسؤولون وعدم تقدمهم، ومن هذه الأحاديث ترس لاستمرار القيادة في هذا البيت العلوي الطاهر لأن ذلك لا يناسب الخلفاء وعلماء الحكام في هذين العصرين. بدأت الأمور حركية بعد الأحداث الجسام من بعد وفاة الرسول واختلاف المسلمين حول الخلافة من موقف عبد الله بن عمر بن الخطاب رضی الله عنه وتوج بموقف أبي هريرة عندما انحاز إلى جانب معاوية بن أبي سفيان وساعده بأحاديث موضوعة لإبعاد الجماهير المسلمة عن سيدنا أمير المؤمنين علي عليه السلام ، ومنها حديثه المشهور المفتري على سيدنا أبي الحسن عند دخوله الكوفة حاسر الرأس ضاربة صلعته مرارة قائلا : يا أهل العراق أتزعمون أني أكذب على رسول الله وأحرق نفسي بالنار؛ والله لقد سمعت رسول الله يقول الكل نبي حرمة وإن حرمي في المدينة بين العير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدث فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأشهد بأن عليا أحدث فيها ؛ فلما بلغ معاوية ذلك أجازه وأكرمه وولاه المدينة علما بأن أبا هريرة كان يعلم منالحديث أكثر مما حدث نوعة وكما فإنه قال : لو حدثتكم مما أعلمه فيما لا أحدث لقطع هذا البلعوم. ولو حللنا هذا القول استنتجنا ومن غير عناء أنه سمع من الحديث لفضائل آل محمد مما لم يحدث من أمهات

الأحاديث، ومنها أحاديث الإمام المهدي خوفا من قطع بلعومه ذلك من قبل أعداء آل محمد وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان لأنه هو الوحيد في عصره كان يهمه عدم نشر فضائل آل محمد وهو الوحيد كان في إمكانه قطع بلعوم أبا هريرة.

بعدما بدأت وتوثقت مدرسة منهاج الشتم والسب للبيت الرسالي وعلى رأسهم سیدنا علي أمير المؤمنين عليه السلام من عهد معاوية لغاية عهد عمر بن عبدالعزيز الأموي رضی الله عنه، ولكن عاد السب والشتم بعد مقتله رضی الله عنه حتى وصول الإمام أحمد بن حنبل وإصراره على عدم الشتم بل أدخل عليا في الراشدية.

إن هؤلاء الحاقدين المتطاولين على البيت العلوي كانوا يتألفون من :

*الحكام الأمويين والعباسيين.

*مجموعة من علماء الدين (تجاوزة) الذين باعوا أنفسهم لمتاع الدنيا وأعطوا المشروعية للحكام وركزوا الوراثة في الحكم لهم.

الثانية: جموع الجمهور المخدوعين واصطلح عليهم بالسنة والجماعة والتي كانت تقل كثافتها الانقيادية أو تكثر على درجة عنفوان الحكم وحيويته بالبطش أو العطاء وتفعيل الأحاديث الموضوعة التي أشرنا إليها والمساندة للحكم الأموي والعباسي، وعلى ركيزة هذا التأسيس ظهرت السلفية في الماضي واستمرت في الحاضر بحلل متعددة وأطر متنوعة تتشكل حول الحاكم أو الأمير سواء كان الأمير بارة أو فاجرة، ومن هؤلاء السلفية أصول الإخوان المسلمون وما فرغوا من جماعات سلفية متعصبة وأصحاب التكفير والهجرة والقتل، وطالبان التي حولت أفغانستان إلى ساحات القتل والهتكللشيعة، والطاجيك وغيرهم ونشر الجهل والتعصب والتأخر وظلم النساء وغيرهم دليل على ذلك،

ولا ننسى الوهابية وتشريكهم أغلبية المسلمين من غير الفكر الوهابي السلفي التعصبي وسلوكهم حول ضريح الرسول واستعمالهم الأقوال النابية والمؤذية، وسبهم للزوار والحجاج في مكة أو عند البقيع المبارك ، وضربهم الناس وهتكهم حرمة قبور أئمة آل محمد في البقيع بالهدم، وتسويتها بالأرض الغبراء دليل على هذا الفكر المنغلق، إن هذه الجماعات مجتمعة بدرجات متفاوتة على:

• عدم أخذ أمور الشريعة من البيت العلوي.

2- محاربة المدونات عن فضائل البيت العلوي.

3- تأويل أحاديث الرسول في الغدير وغيرها وتفسير آيات الكتاب العزيز تفسيرة مغايرة لأسباب النزول مثل آية التطهير والولاية وغيرها، وخلق أوجه الخلاف في تفسير أحاديث الرسول خاصة تلك التي تتعلق حول الأخذ من مدرسة آل محمد ومنها تحريف الأحاديث حول المهدية والإمام المهدي والنصب لهم بالإنكار والتأويل.

وقد ظهرت في هذه الجماعات شخصيات يتفاوت جهدها حول هذه النقاط الثلاثة كابن تیمیه، وحتى الألباني وابن عبد الوهاب والشيخ ابن الباز. وأسست مؤسسات في العصر الحاضر لهذا الدفع وجامعات ومعاهد والرقابة الصارمةحتى على الجامعات والبحوث حيث تشطب أقلامهم أي أمر محقق و مستقيم لا تتفق وآرائهم في الشريعة أو التاريخ الإسلامي، ومن ثم إعادة كتابة المؤلفات الإسلامية وشطب ما لا يوافق هواهم... وما كبوة الأستاذ أحمد المنصور في هذه المقابلة إلا بتأثير هذه السلفية لموقفه من المهدية، وقوله فيها خلاف بين السنة والشيعة وهي مدرسة معارضة إن لم نقل معادية لمدرسة آل البيت، وفيما يأتي سوف نوضح وندلل على ذلك.

الثالثة : أما غالبية المسلمين من أتباع السنة والجماعة وإن اختلفوا مع الشيعة في قضية النص في الاستخلاف إلا أنهم لم يختلفوا معهم في أخذ الأحكام من البيت العلوي بصورة أسياسية، على أنهم وارثوا العلم عن النبي الكريم اللهم صلي عليه وآله عن طريق سيدنا أمير المؤمنین علي عليه السلام الذي ورث العلم لولديه الإمامين الحسن والحسين، وبالتتابع وبطريقة فضيلة (يهب فضله لمن يشاء سبحانه للأئمة زين العابدین والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري والحجة ابن الحسن عليه السلام وحول كل نجم من هذه النجوم الزاهرة حولق علماء المسلمين، فمن سيدنا أمير المؤمنين على أخذ الكثيرون ومنهم الشيخ حسن البصري رضی الله عنه على سبيل المثال كذلك روي عن الإمام الحسن واستشاره واسترشده، أما الإمام الحسين فأثري حياة الأمة بمواقف المبادئ الشريعة والدفاع عن الفضيلة والاستقامة بكافة أبعادها العدلية والسلوكية، والعرفانية، والإمام زين العابدين أخذ بيد العباد الطهر بروائعه التوحيدية والأحدية والواحدية والفردانية عروجة إلى ساحات المعرفة الحقة والكمال، وهو أول من أعان المسلمين المؤمنين وسهل الهم وأوضح لهم مناهج العرفان، والإمامين الباقر والصادق كان لهما ارتکاز دعائم للشريعة وتعليم أعمدة ما يعرف بأقوام السنة والجماعة ومرجعياتهم العلوم الدينية، وهم لا يقلون حبا ووفاء لأئمة أهل البيت ، فالإمام الشافعي رضی الله عنه نقل عنهم وتغنى بحبهم بل ذهب إلى وضع حبهمجزء من العقيدة وإبطال صلاة من لا يصلي عليهم في التشهد وطلب الشفاعة منهم، والإمام مالك لازم الإمام الصادق سنين وكان يحج معه وقد وصف أحواله عندما كان الإمام الصادق بين يدي الله، كان يقتدي به في كثير من أموره، ويكفي أبو حنيفة النعمان قوله لولا السنتان لهلك نعمان وهي السنتان اللتان لازم وتعلم على يدي الإمام الصادق علیه السلام، أما الإمام أحمد بن حنبل فله مواقف معروفة بالحق المرتبط بحب والاقتداء

بأهل البيت، وهو الذي أوقف السب والشتم لعلي وآل محمد صلی الله علیه وآله التي كانت سنة مؤكدة بعد خطبة الجمعه بين أواسط السنة منذ أن أسس ذلك الطليق معاوية لغاية عصر الإمام أحمد إلا لبعض الوقت أثناء حكم الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، ولكن بعد اغتياله عاد الشتم والسب لآل محمد وعلى رأسهم سیدنا على علیه السلام، وعندما تجرأ الإمام أحمد وأفتی بتحريم السب ثم أفتى بإدخال سيدنا علي في عداد الخلفاء الراشدين احتج السلفيون عليه بسؤالهم عن مستنده في رفع السب وإدخاله بالراشدية ، فكان جوابه: أن الله هو الذي نزهه مما تنسبون إليه، أليس هو من المطهرين بآية التطهير فكيف لي أن أشائه وأخرجه من الراشدية ولا أرفع السب والضيم من عليه، إن شخصيته هي التي أوحت لي فهل أكذبه؟ كذلك من أقواله الماثورة في سيدنا علي علیه السلام أن علي بن أبي طالب حاز على تسعة أعشار من أحاديث الفضل من الرسول، وقد شارك غيره من الصحابة في العشر المتبقي. والإمام موسى الكاظم بسلوكه العبادي والتفرغ لها وسجداته الطويلة وما ترك من تراث عرفاني لبحار الحقيقة نبراسا لمن يريد التعرف إلى جوهر الدين لا ظئا حسنا بل برهانا شهوديا - «وَالسجُد وَاقتَرِب(19)»-فالسجده الواصلة بالمعرفة هي قرب والقرب لابد أن يكون مشهودة، وهذا العلم لم يكن لفئة معينة من الناس بل لكل المسلمين في ساحة العرفان والتصوف من مشكاة آل محمد صلی الله علیه وآله .

أما الإمام الرضا عليه السلام فهو الإمام الذي هيأ المبدأ العرفاني الصوفي أن ينتشر في أوساط المسلمين، فبجانب أصحابه الكبار كأبي الصلت الهوري وغيرهم الذين تلقوا العرفان على يديه، فإنه علم وأشرب مشارب العرفان لخادمه المعروف معروف الكرخي الذي أخذ بيد خال سري القسطي الذي نقل بدوره هذه العلوم إلى سري السقطي ثم إلى جنید والأوشاس الصوفية الكرام كالحلاج والشبلي وغيرهم وصولا إلى كل العصور.

إن أولئك من قواد وشيوخ وثقات المذاهب السنية الكرام أخذوا وآمنوا بما حدث به أئمة أهل البيت علیه السلام ووقروهم وبجلوهم وصدقوهم وتعلموا على يديهم ولم ينكروا ما قالوا من نصوص وما قالوا من أحاديث السيد الإمام المهدي علیه السلام.

وإنني أدعوا الأستاذ أحمد المنصور أن يراجع كتاب ينابيع المودة للشيخ سليمان بن الشيخ إبراهيم الحسيني البلخي القندوزي الحنفي السني المذهب أن يقرأ أحاديث المهدية في هذا الكتاب وسیری مدی مطابقتها ما وردت في المصادر الشيعية، علما بأن تلك الأحاديث التي رواها القندوزي جلبها من المصادر السنية بما يدل على أن غالبية .الشيعة والسنة في عصور أئمة أهل البيت كانوا ملتفون حولهم ويأخذون الأحكام والحديث من مصادرهم.

تلك كانت ثلاث فئات من المحيط السني ومفهومها عن المهدية :

الأولى : مؤسسة الرفض للتقرب من آل البيت والعمل على إبعادهم.

الثانية : جموع التوابع طمعا أو تقليدا حتى تحولوا جموعة من المتعصبين في عصرنا الحاضر بجماهيرهم ومؤسساتهم. الثالثة : السنية الحنفية على مذهب الأئمة الأربعة وأكثرية الطاغية من السنة من توابع هؤلاء الكرام رضی الله عنه أجمعين وهو إمام مالك بن أنس ومحمد إدريس الشافعي وأبو حنيفة النعمان وأحمد بن حنبل وهؤلاء لا فرق بينهم وبين الشيعة في اللاعتقاد في المهدية.

الفصل الثالث: كتاب ينابيع المودة للشيخ سليمان القندوزي

ومن هنا ولإظهار الأدلة على صدق الكلام سوف نغوص في بحار کتاب ينابيع المودة للقندوزي الذي أشرنا إليه فيما يخص الأحاديث من المصادر السنية في الإمام المهدي علیه السلام .

الكتاب : ينابيع المودة للشيخ سليمان البلخي الحنفي السني.

الأحاديث: عن الإمام المهدي.

الصفحة: ستة وثمانين وسبعة وثمانين.

عن كتاب: مشكاة المصابيح.

الرواة: مسلم أربعة أحاديث، إمام أحمد ثلاثة أحادیث،الترمذي ثلاثة أحاديث.

أبو داود أربعة أحاديث، الحمويني حديثة وحدة، ابن جوزي حديثة واحدة.

أبو يعلى حديثة واحدة، البيهقي حديثان، الحاكم حديثة واحدا.

تدور هذه الأحاديث حول ظهور المهدي في آخر الزمان وإقامته للعدل في زمانه ومصاحبة سيدنا عيسى ابن مريم علیه السلام له والصلاة خلفه وظهور الخيرات في زمانه، وإنه من صلب الإمام الحسين.

و من نفس المصدر ...

نقلا من صاحب جواهر العقدین :

*عن مسلم حديثة واحدة.

*عن أبي نعيم أربعة أحاديث.

*عن النسائي حديثة واحدة.

*عن ابن ماجه ستة أحاديث :

*عن البيهقي حديثان.

*عن أبي داود حديثان.

*عن الإمام أحمد حديثا واحدا.

*عن الترمذي ثلاثة أحاديث.

*عن نصیر بن حماد حديثا واحدا.

*عن الطبراني حديثين.

*عن الديلمي ثلاثة أحاديث.

*كل من ابن عساكر والحسن البصري والشافعي والنسائي ومالك والثعلبي وابن المغازلي كل واحد منهم بحديث واحد.

*عن الحاكم حديثين.

*عن الحمويني ثلاثة أحاديث.

تدور هذه الأحاديث حول المهدي وأنه من نسل علي وفاطمة من ولد الإمام الحسين علیه السلام ومن ضمنها أخبار أحوال آل البيت ومدى الظلم والتنكيل الذي سينالهم حتى ظهور المهدي، حيث يعم العدل في زمانه ولا تقوم الساعة إلا من بعد ظهوره ويعم الخير واليسر وتملأ الأرض قسطا وعدلا.

و من نفس المصدر ...

صفحة تسعة وتسعين إلى مائة وثلاثة نقلا عن کتاب فرائد السمطین، عن مجاهد وعن كتاب المناقب تنص الأحاديث بأن الأئمة الاثني عشر وكلهم من قریش وانهم من ولد علي وفاطمة مع نص أسمائهم الشريفة أولهم سيدنا أمير المؤمنين علي وآخرهم الإمام المهدي علیه السلام .

و من نفس المصدر ...

صفحة مائة وأربعة إلى مائة وسبعة في موضوع تحقیق حدیث بعدي اثنا عشر خليفة...

*عن جمع الفوائد بطريقتين.

*للشيخين والترمذي وأبو داود عن عشرین طريقا.

*البخاري عن ثلاثة طرق.

*وفي مسلم تسعة طرق.

*وفي أبي داود ثلاثة طرق.

*وفي الترمذي طريقا واحدة.

*وفي الحميدي ثلاثة طرق.

وقد تحقق لكل أولئك الرواة الأجلاء عندهم صحة الحديث، الخلفاء أو الأئمة بعدي اثني عشر وكلهم من قریش، آخرهم الإمام المهدي من ولد علي وفاطمة من الإمام الحسين وأنهم سفينة النجاة وأتباعهم ومحبتهم فرض والتخلف عنهم هلاك...

وعلى هذه الصفحات تحقیق وتحليل المؤدي إلى صحة الحديث.

*من نفس المصدر ...

صفحة مائة وثمانية عن کتاب فرائد السمطين للشيخ محمد بن إبراهيم الجويني الخراساني الحموي.

*ومن الإصابة عن ابن أبي نعيم.

*وعن طريق الكنجي والشافعي بثلاثة طرق.

*وعن طريق أبي نعيم الطبراني.

ويدور البحث تحقيقا لأحاديث عن آل محمد وتسميتهم وفيها تسمية الإمام المهدي وتحديد الرسول تسميته في ظهوره فيملأ الأرض قسطا وعدلا.

و من نفس المصدر ...

صفحة مائة وإحدى عشرة إلى مائة وأربعة عشر تحقيقا عن ولادته. على هذه الصفحات الثلاث تحقیق حدثي وسرد تاريخي عن حادثة ولادته عجل الله تعالی فرجه من:

*كتاب الغيبة للشيخ محمد بن علي بن حسن.

*فصل الخطاب للشيخ السيد خواجه محمد برسا؛ بهاء الدين محمد شاه نقشبند قدس سره.

*کتاب الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي المكي الشافعي.

إن هذه المصادر الكبيرة المعتبرة تذكر الولادة أي ولادة الإمام المهدي الشريفة حدثة ورعاية من الله تعالی له، وهو بين والده الإمام الحسن العسكري ثم تربيته والانتظار له.

تلك كانت المصادر السنية المعتبرة فيما يتعلق بإيمان غالبية المسلمين العظمی متفقة مع اعتقاد المسلمين الشيعة حول الإمام المهدي ومنها ننتقل إلى ما هو معتقد عند الشيعة.

الفصل الرابع: المهدية عند الشيعة

إن اعتقاد الشيعة بالإمام المهدي وإن كان متفقة مع غالبية أهل السنة إلا أن الإيمان به أتى عن تواتر الأحاديث النبوية عنه، ومن أقوال جميع أئمة أهل البيت عليهم السلام، وعن الطريق المشهود لهم بالتقوى والإيمان، وفضل عند جميع المسلمين من أصحاب الرسول الكريم مثل حذيفة بن اليمان المعروف والثقة بين جميع المسلمين.

أولا : عن حذيفة بن اليمان عن النبي اللهم صلي عليه وآله أنه قال: «المهدي من ولدي، وجهه كالقمر الوردي (إشارة يعرفها العرفاء) الذي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورة، يرضى بخلافته أهل الأرض والسماء»؛ وأحاديث مثل هذا السند المتين الصادق والمتواتر غیر مجروح أو مطعون بصدق الراوي، وبمثل هذه الروايات من الثقات عند الشيعة عشرات سواء عن طريق آل البيت النبوي أو عن طريق أصحاب الرسول مثل حذيفة وسلمان وغيرهم.

ثانيا : عن أصبغ بن نباتة قال : أتيت أمير المؤمنين علي عليه السلام فوجدته متفكرة ینکث الأرض، فقلت : مالي أراك متفكرة يا أمير المؤمنين تنكث في الأرض أرغبت فيها، فقال : لا والله ما رغبت فيها

ولا في الدنيا يوما قط، ولكني فكرت في مولود من نسلي يكون الحادي عشر من ولدي وهو المهدي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورة وظلمة تكون له حيرة وغيبة تضل فيها أقوام ويهتدي بها آخرون، فقلت : يا أمير المؤمنين إن هذا الكائن؟ فقال: نعم، كما أنه مخلوق ... أنى لكم العلم بهذا يا أصبغ.

ثالثا : بسند ينتهي إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب علیه السلام قال لجماعة من شيعته دخلوا عليه ولامه بعضهم على تسليمه السلطة المعاوية بن أبي سفيان : ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم محمد بن الحسن الذي يصلي روح الله عيسى ابن مريم خلفه ، فإن الله يخفي ولادته ويغيب شخصه لئلا يكون في عنقه بيعة وهو التاسع من ولد أخي الحسين يطيل الله في عمره وفي غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون الأربعين، والله على كل شيء قدير.

رابعا : بسند ينتهي إلى الإمام الحسين بن علي علیه السلام في التاسع من ولدي له سنة من يوسف وسنة من موسى وهو قائمنا أهل البيت، وفي رواية أخرى هو قائم هذه الأمة وصاحب الطيبة.

خامسا : بسند ينتهي إلى سعيد بن جبير أن علي بن الحسين (زين العابدین) علیه السلام كان يقول : القائم منا تخفى عن الناس ولادته حتى يقولوا الم لم يولد بعد ليخرج؛ حين يخرج ليس لأحد في عنقه بيعة، كذلك قال: للقائم منا غيبتين الثانية منهما يطول أمدها، حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر من يقول به ولا يثبت عليه إلا من قوي بيقينه وصحت معرفته ولم يجد في نفسه حرجا مما قضى الله عليه.

سادسا: عن محمد بن مسلم الثقفي رواية جاء فيها أنه قال : دخلت على أبي جعفر الباقرعلیه السلام وأنا أريد أن أسأله عن القائم من آل محمد ... فقال لي مبتدأ : يا محمد بن مسلم إن للقائم من آل البيت

محمد علیه السلام سنة من خمسة من الرسل يونس بن متى، ويوسف بن يعقوب، وموسى وعيسى ومحمد - صلی الله علیه وآله - إلى أن قال وإن من علامات خروجه خروج السفياني والشامي وخروج اليماني وصيحة من السماء في شهر رمضان ومناد ينادي من السماء باسمه واسم أبيه.

سابعا : عن السيد بن محمد الحميري ... قلت للصادق جعفر بن محمد علیه السلام : یابن رسول الله قد روى لنا الرواة عن آبائك علیهم السلام في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بمن تقع؟ فقال علیه السلام : إن الغيبة تقع في السادس من ولدي وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله أولهم أمير المؤمنين وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض وصاحب الزمان ... وفي رواية أخرى إذا اجتمع ثلاث أسامي متوالية محمد وعلي والحسن فالرابع هو القائم.

ثامنا : روى الصدوق بسند عن علي بن جعفر الصادق أن أخاه الإمام موسی بن جعفر قال: إذا فقد الخامس من ولدي فالله الله في أديانكم لأنه لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنما هي محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقة.

تاسعا : بسند عن حسين بن خالد عن الإمام الرضا علیه السلام قال: لا دین لمن لا ورع له ولا إيمان من لا تقيه له وإن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية، فقيل له : يابن رسول الله إلى متى، فقال : إلى وقت اليوم المعلوم وهو يوم خروج قائمنا ... فقيل : یابن رسول الله ومن القائم منكم أهل البيت؟ قال: الرابع من ولدي ابن سيد الإماء يطهر به الأرض من كل جور ويقدسها من كل ظلم وهو الذي يشك الناس في ولادته وصاحب الغيبة قبل خروجها، فإذا خرج أشرقت الأرض بنوره ووضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلم أحد أحدة.

عاشرا : بسند عن السيد عبد العظيم الحسني العرفاني المعروف من

نسل الإمام الحسن المجتبى علیه السلام قال : دخلت على سيدي محمد بن علي (الجواد) علیه السلام أريد أن أسأله عن القائم ما هو المهدي أو غيره؟ فابتدأني وقال : يا أبا القاسم منا هو المهدي الذي يجب أن ينظر في غيبته ويطاع ظهوره وهو الثالث من ولدي، والذي بعث محمد - صلی الله علیه وآله - بالنبوة وخصنا بالإمامة لو لم يبقى من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورة وظلمة، وإن الله يصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى إذ ذهب يقتبس نارة فرجع وهو رسول ونبي، وإن أفضل أعمال شیعتنا انتظار الفرج.

إحدى عشر: بسند عن داود بن القاسم الجعفري أنه قال : سمعت أبا الحسن صاحب العسكرعلیه السلام يقول: الخلف من بعدي ابني الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف لأنكم لا ترون شخصه فقلت: فكيف نذكره؟ قال : قولوا الحجة من آل محمد.

اثنا عشر : بسند عن أحمد بن إسحاق الأشعري أنه دخل على أبي محمد الحسن بن علي (العسكري) علیه السلام واسأله عن الخلف من بعده ، فقال له الإمام: ياأحمد إن الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق الله آدم ولا يخليها إلا أن تقوم الساعة من حجة الله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض وبه ينزل الغيث وبه يخرج بركات الأرض، فقلت : يا بن رسول الله فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض مسرعا ودخل البيت ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأن وجهه القمر من أبناء ثلاث سنين وقال : يا أحمد بن إسحاق لولا كرامتك على الله عزوجل وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنه سمي رسول الله وكنيته الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورة، يا أحمد بن إسحاق إن مثله في هذه الأمة مثل الخضر ومثله مثل ذي القرنين والله ليغيبن غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلا من ثبته الله عزوجل على القول بإمامته ووفقه فيها بالدعاء بتعجیل فرجه، وسيرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به ولا يبقى إلا من

أخذ الله عهده لولايتنا وكتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه، يا أحمد هذا أمر من أمر الله وسر من سر الله وغيب من غیب الله فخذ ما أتيتك وكن من الشاکرین.

تلك كانت أسانيد الشيعة المتواترة لديهم وفحواها مكملة للإيمان في مسار الجزم بسبين اثنين:

الأول : إن هذه الأحاديث بأسانيدها المتواترة عن طريق أئمة أهل البيت، أولئك الصادقون الذين وسعت ساحة كافة المسلمين التصديق بهم إلا القليل الشاذ.

الثاني : إن أولئك الأطهار الذين لم يثبت التاريخولا نقطة واحدة سوداء في تاريخهم، ساهموا بفاعلية في إرساء دعائم الدين فهم أنقى المصادر الأمور التشريع وأرفع محلا لنزول الفيوضات لإرشاد الطالبين لقمم التحقيق، عدول أجاويد وأقوياء، لم يردوا صاحب حاجة ولم يدخروا مالا للكنز لأنفسهم، بذلوا النفس والنفيس لرضى الرب وسعادة العبد، لم يعطوا اليد الصاغرة العتاة الحكام ولم يهادنوا ولم يواشوا ولم ينافقوا لهم، بل كانوا الهم نصحاء محذرين ومنذرين من سخط الله ... فكانوا بطبيعة الحال محل تصديق رحب وولاء من المسلمين كافة صلى الله على أصلهم النبي الكريم وعليهم أجمعين.

الفصل الخامس: المهدية عند أهل التصوف والعرفان

إن الاعتقاد في المهدية عند الواصلين من الصوفية والعرفاء إيمان يستند على البرهان الورودي إلهامة أو شهودا، والتصديق عند أتباعهم المريدين فيطريق السير والسلوك لتحقيق الكرامة، في الالتذاذ والأنس بين يدي الله الكريم، والتحقق من سبب الخلق، وهو العبادة ، فالإيمان لديهم أي الاتباع يأتي من التصديق للمرشد الواصل لما يتحققون من الإرشاد ما أشرنا إليهم، وحتى إذا وصلوا شاهدوا وما بعد الشهود ضلال أبدا. إن قضية المهدية عند هؤلاء هي من الحقائق الوجودية ، علما بأن البرهان الورودي الذي أشرنا إليه ليس تحصیل علمي معلوماتي موجود في الكتب وتنقل معلوماته بالدراسة والمذاكرة والمنطق الجدلی ومقارعة الحجج المنطقية بالتفاضل الظني، بل حقيقة معايشته بالبرهان الورودي تأتي عن طريق، على سبيل الإشارة والمثال وليس الشمول والحصر، بعد تمكن الواصل بعون الله وقبوله له، مشهودة في مرآة قلبه وأفئدة صدره وبعد التمكين تتم المعايشة، ذاك فضل يؤتيه الله لمن يشاء في ساحة العزيز وهداية مهدية«مَن یَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِی ۖ وَمَن یُضْلِلْ فَأُولَئِکَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(178)»لأولئك الذين قطعوا حلقات النفس كل حسب حاله ومقامه، من أمارة ولوامة وملهمة والمطمئنة والراضية والمرضية

والكاملة وهي سبعة نفوس أو سبع مجالات من النفس البشرية فلكل نفس في طريق السير والسلوك أنوارها ومناراتها وإلهاماتها وتطوراتها المؤثرة في قلوب المريدين والسالكين حتى يتم قطع الطرق الموصلة إلى الإسلام الكبير بإيمانه وإحسانه وإيقانه فيصل السالك في خدمة المولی إلى يقين يتغنى في رحابه ؛ لو كشف لي الغطاء لما ازددت يقينا لأن براهينه من العزيز الصمد تتلألأ في كل ركن من أركان روحه الطاهرة فتتفيأ كل ناحية من نواحي وجوده بظلاله الوارفة.

تأتي معارف أهل السلوك الصادقين بأنين الندم على الذنب أو الغفلة أو برجفة التحلي الرحماني بعد التخلي بالمجاهدة وفي أوقات مباركة كصلاة الليل الواصلة الموصلة أو عند الجلوس بين يدي المولی الكريم في خلوة بدجيء الليل ذاكرة، بومیض نور حوله أو في صدره أو برؤيا الحق أو بإلهام رحماني أو بومیض برق بالأبيرق في أفق وجوده:

لاح فيترنم شوقا وفرحة لنعمة المعرفة وأنس الوصال ويقول:

أوميض برق في الابيرق لاح ***أم في ربی نجد أری مصباحا

أم تلك ليلى العامرية أسفرت*** ليلا فسيرت المساء صباحا

أو بجذبة حق وعروج روحه إلى الخارج حاوية وجوده المكاني والجسدي بروحه التي جاهد بها للوصول إلى الأعالي، إن معايشة السيد الهمام الإمام ابن الإمام ابن الأئمة الطهر إمامة ونبوة وولاية تأتي أثناء تلك المجالات الخاصة عند خدمة المعبود في دجى الليل وفي كل الأوقات لأجل خدمة للمعبود في عبده، فهو السيد الخادم والمخدوم روحي له الفداء وروح آبائي وأجدادي ومحبيه؛ وحتى نتوقف عن هذا الكلام الجوهري فإننا ندخل في الموضوع بشيء من التفصيل لمعرفة مقام المهدية عند العرفاء والصوفية.

الفصل السادس: المهدية عند ابن العربي

اشارة

عندما يطلع المطلع الباحث على مفهوم المهدية عند الشيخ محيي الدين بن محمد العربي الطائي الحاتمي الأندلسي - قدس الله سره - پری إن معايشته بالسيد الهمام معايشة روحية مستمرة ومهدية لابن العربي، مع أن إشاراته كثيرا ما تكون مرموزة برموز ليس من السهل الغوص في بحارها بالتشويش المعلوماتي المنقولة من قيل وقال من المؤيدين الحسني الظن بصدق النوايا أو ناكر أعمى البصيرة عنيد، ولكن النتيجة الإيجابية تأتي بصفاء الروح وحرارة الحب وتوفيق الإيمان وبالاستنجاد بالله وبتأیید روحي منه سبحانه، لأن المقام مقام العزة ولا يدخل إليه إلا بالإذن والتوفيق والوسيلة؛ وحتى لا يطول الكلام فإننا سوف نعرج إلى ثلاثة آثار من آثار ابن العربي بصورة أساسية، وقد نستشهد ببعض إشاراته في أمكنة أخرى.

اأولا: كتاب عنقاء المغرب له رضی الله عنه:

يتكلم الشيخ في كتابه هذا الصغير في حجمه والقليل بصفحاته والعظیم بمعانيه وحقائقه، عن معايشته للإمام عليه السلام بنشأتية الناسوتية (الإيهاب البشري) والروحانية؛ فحينا يكون الشهود خاتمة للإمامة

المحمدية وحينة خاتمة للولاية وعلية فإننا نقتبس من على الصفحة السادسة من الكتاب تلك المعاني الاستهلالية، يقول الشيخ رضی الله عنه:

وكنت نويت أن أجعل فيه (أي في هذا الكتاب) ما أوضحه ما يستشعرها أهل الذوق والمعرفة عن لقائه بالإمام الهمام فيتكلم عن لقائه في ثوب الإمامة وأخرى في ثوب ختم الولاية، فأشار للأولى بالتجلي المثالي (عالم المثال) في غيبته روحي له الفداء سيدي ومولاي، والأخرى استغراق في بحر الذات الأقدسية في مقام التنزيه، وحتى تتضح الصورة للمتشوقين إلى معرفة هذا الأمر أقتبس من هاتین الصفحتين الموضوع: ومن ذلك هدهد أمين جاء بنبأ يقين وقد تجسد بثلاثة أنوار وأغطيته أسرار، وممن سلم على من أفقه، وأظهر لي بعض خلقه كوكب الأفول في رد إلفه، وقمرة بازغة في حلة الهدايا المشرقة ، فأعطى كل نور حقیقته وأوضح لنا طريقته ، ثم تلاهما الشمس الأكبر والنور الأزهر الذي يجلو السدف وينير الغرف ويزيل الكلف وهو التجلي المثالي والنور الأسالي، فسلم إلي في مغرب الغمى حتى يصل الأجل المسمى، فإذا دنا الأجل واقترب طلع هادية من حيث غرب وهذا هو شمس التوجية ومقام التنزيه ، بأفوله يزول الإشراك وتنحل عقد الإشراك فيفلت صیدها ويرتفع كيدها، وهذا الأفول كله على قسمين لذي عينين فإن جعل أفولها في قلبه فهو على نور من ربه في عالم الغيب، فيبقى له نور قربه، ويكون له نور على نور وسرور وارد على سرور وإن أظلم المحل الأضواء عند أفولها، فهو معری من صفات مقيلها وقد غرق في بحر الذات الأقدسية متجردة عن أثواب صفاتها المعنوية، فانظر إلى هذا السر السني ما أعجبه وإلى هذاالذوق الشهي ما أعجبه وأعذبه وبقيت مع هذا النور الشمسي في مقامه الأقدسي أناجيه أعواما وليالي قمرية وأيامة ، وقد أوضح الله لنا العلامة بأنه خاتم الإمامة المحمدية الجزئية لا الإمامة المطلقة الكلية فمن فهم فليعلم ومن جهل فليقرع الباب وليلزم ما دام هذا النور. هذا هو الشهود للإمام في عهده الاثنا عشرية في حالة

الحلية الغيبية في إحدى أطوارها وصورها العالية في البحر الذات الأقدس كما أشار الشيخ وهو طور أعلى من حالة المثال وقد يتم المزج رحمة لحالة الشيخ وقابليته التلقائية التي لا يمكن أن تصل على مقامات الإمام الهمام بما يناسب مقام الشيخ بالرحمة وقد صاحب هذا الشهود الامتثال «فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)».

أما لقاء الشيخ مع الإمام في صورة طور ختم الأولياء حيث يبين:

ومضت منه ثلاثة شهور تلقاني عند فراقي لهذه الشمس المغربية ، وتركي لها في العصابة اليثربية، الختم برحيقه وأوضح لي التسنیم مزاج طريقه فرأيت ختم أولياء الله حق في مقعد الإمامة الإحاطية والصدق فكشف لي عن سر محتده ، وأمرت بتقبيل يده ورأيته متدلية على الصديق والفاروق، متدانية مع الصادق المصدوق، محاذية له من جهة الأذن قد ألقى السمع لتلقي الأذن، ولو تقدم منشور وخاتماه نور من نور على نور فكان له في ذلك جمع الطهور، ومن عداه في کلابس ثوبي الزور والشمس اليقينية قد قبلت يده مثلي ولحظتها فقال الختم هي من أهلي، ثم نازعنى الحديث وتفتينا بالقديم والحديث والساقي بالمدامة، ويبدأ بساق عرش الإمامة وهو ينعطف على عطفه نشوان ويغازلني مغازلة الهيمان ويقول: زدني برداء الكتم، فإني أنا الختم الأولى بعد ولا حامل العهدي بفقدي تذهب الأول وتلتحق بالأخريات بالأول فكان ما كان مما لست أذكره وظن خيرة ولا تسأل عن الخبر.

وعلى الصفحة الثامنة عشرة والصفحة التاسعة عشرة يتكلم الشيخ عن الختم ويعني به سواء ختم الإمامة أو ختم الولاية كما تتبين المعني فمقام ذلك فوقالصديقية وأهل الولاية فيقول :

فشمس المغرب دون رتبة الصديق فعليك بالكتم كما إن الصديق

ومن دونه تحت لواء الختم ذلك أنوار الغيوب الساطعة في القلوب التي کنينا عنها قد ينالها من ليس بصديق أكبر ولا له ذلك المقام الأخطر الأزهر بل قد ينالها الممكور به المستدرج المغبون. وسر هذا في قوله : «...سَنَستَدرِجُهُم مِن حَيثُ لَا يَعلَمُونَ(182)»والصديقية لا ينالها إلا أهل الولاية ومن كان له عند الله أزلا سابق وعناية، وهي السبيل في نجاة من اتصف بها وتمذهب بمذهبها فلهذا جعلنا الشمس دونها وإليها ركونها، كما أن الختم فوق رتبة الصديق إذا كان الممهد للطريق الذي مشى عليه عتيق؛ فالختم نبوي المحند علوي المشهد فلهذا جعلناه فوق الصديق كما جعله الحق فالأخذ نوره عن مشكاة النبوة أكبر ممن أخذه من مشكاة الصديقين، فبين التابع والصاحب ما بين الشاهد والغائب ولما صح أن الختم متقدم الجماعة يوم قيام الساعة ثبت أن له حشرين وأنه صاحب الختمين ويشركه ذو الأجنحة في حشرية، وينفرد الختم بخاتمية وذو الأجنحة في الإنسان من غلبت عليه الروحانية والتحق بتطهير نفسه بالرتبة الملكية، ولا دفاع عندنا في هذا المقام ونزاع على قدر ارتقائه فيها يكون مع صاحب مثنی وثلاث ورباع، فإن كان أمين الأرواح فيكون له ستمائة جناح ولا حرج عليه ذلك ولا جناح وإنما سميناه خاتمة وجعلناه على الأولياء حاكمة، لأنه يأتي يوم القيامة وفي يده اليمنى محل الملك الأسنی خاتم مثالي جسماني، وفي يده اليسرى محل الإمام الأسري بخاتم نزالي روحاني وقد انتشر باليسار واليمين في زمرة أهلاالتعيين.

وقد انتشر باليسار مع أهل التمكين، خصص بعلمين وخوطب باسمين، فتفطن أيها اللبيب لهذه الأسرار واسعى لضياء هذه الأنوار، ومع ذلك رهن إغلاق وأخذ الميثاق ولما سمعت من ذكره.

تلك كانت إشارة إلى صورتيه ونشأتيه في لقائه مع الإمام الهمام علیه السلام.

وعلى صفحة واحد وستين يقول الشيخ مشيرة إلى وقت الظهورالسيد الهمام صاحب الزمان علیه السلام:

والإمام الأكبر المتبع الذي إليه النهاية والمرجع وتنعقد عليه أمور هذه الأمة أجمع وكل إمام لا يخالف في إمامته إذا ظهر بعلامته وكل إمام تحت أمر هذا الإمام الكبير كما أنه تحت قهر القاهر القدير، فهو الأخذ عن الحق المعطي بحق في حق فلا تخربوه وانصروه ووقروه وعزروه، فإنه إلى هذه المنزلة الشريفة والإشارة بقوله سبحانه «...إِنِيِ جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَهَ»ما وقع الاعتراض عليه، جعل المعترضين سجدة بين يديه فاختص بخزي الأبد من أبي عن السجود، دقق كلمة ظهر في هذا النص (إذا ظهر بعلامته) فالظهور لا يكون إلا لمن كان مخفية غائبة بداهة وظهر.

وعلى الصفحة الثالثة والستون يكشف ابن العربي العلاقة بين البيت النبوي والبيت العلوي واجتماع ذلك في سيدنا الإمام المهدي روحي له الفداء فيقول:

لما كان الحق تعالى الإمام الأعلى المتبع الأولي قال: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم. ولا نال هذا المقام إلا بعد جسم النبي المصطفى الأعظم اللهم صلى عليه وآله الكرام إلا ختم الأولياء الأطولالأكرم وإن لم يكن من إنها اشارة عرفانية علوية - بضم العين وتسكين الام - غيبية الحقائق، كذلك فالعبارة تشير إلى الحديث الشريف - ذرية كل نبي من صلبه وإن ذريتي من صلب علي وفاطمة، والتي تسمى بالعلوية.

ثم على نفس الصفحة ثلاثة وستون والصفحة أربعة وستون يصف الشيخ سيدنا الإمام بأنه عين الله في خلقه ضمن قطعة شعر رصينة.

فمن شرف النبي على الوجود ***ختام الأولياء من العقود

من البيت الرفيع وساكنيه ***من الجسم المعظم في الوجود

وبينتني الحقائق في ذراها ***وفضل الله فيه من الشهود

ولو أن البيت يبقى دون ختم ***لجاء اللص يفتك بالوليد

فحقق يا أخي نظرة إلى من ***حمى بيت الولاية من بعيد

فلولا تكون في أبينا ***لما أمرت ملائك للسجود

فذاك الأقدسي أمام نفسي ***يسمى وهو حي بالشهيد

وحید الوقت ليس له نظير ***فريد الذات من بيت فريد

ولقد أبصرته حقا کریم*** بمشهده علی رغم الحسود

أردت تکتما لما تجارى ***إليه النكر من بيض وسود

في البيت :

ولو أن البيت يبقى دون ختم ***جاء اللص يفتك بالوليد

فالبيت هو الدين الذي أتي به النبي صلی الله علیه وآله واللصوص هم المزورون والوضاعون المدفوعين، ولكن هذا الختم بروحه المهيمنة والأمينة صانت الدين عن الانحراف والانعطاف الكلي، ولهذا المعنى يشير البيت الذي يلي ذلك كدعوة للتحقيق في الأمر، والبيت أردت تكتمة لما تجاري، إشارة الجدال وإنكار متعمد لأحاديث الرسول الكريم اللهم صلي عليه وآله حول الإمام المهدي سيدي ومولاي.

وعلى الصفحة خمسة وستين وجه كلامه للسالكين في السيروالسلوك.

وسيبدو لك أمره ويتضح لك سره ولا ينبئك مثل خبير فتلحق بالسميع البصير وتحقق بالعجز والتقصير ، فلتذكر الآن نسختك من هذا الخليفة البيتي الإمام ثم نسختك عن ختم الأولياء الكرام والختم يكون التمام وهذا يشير بالوضوح إلى التحقيق الوجودي بالإمام (الخليفة البيتي)

بصفة الخليفه الإمام من بيت النبوة، ثم نسخته بعد الغيبة كختم الأولياء عند ظهوره فهو خاتم الإمامة الراشده وهو خاتم الولاية فوق الصديقية.

وعلى الصفحة السادسة والستون يشرح الشيخ الحقيقة الانتسابية وهي نسبة الإنسان للحق ونسبة الإنسان لوالديه فإحداها الأعلى في العالم الأجلي والثانية الأسنى في العالم الأدنى، ركيزة إشارته عن السيد الهمام الإمام صاحب الزمان علیه السلام.فحقيقة الانتسابي البيتي إلى النبي صلی الله علیه وآله و في ختم الإمامة المعصومة والحقيقة الظهورية متى شاء الإله الفرد والرب المعبود له في حقيقة ختم الولاية.

وعلى الصفحة التاسعة والستين وفي ذيل هذه الصفحة يشرح الشيخ إلى كيفية الوصول لمشاهدة حقائق هذه المعاني الراقية في صورها المقدسة الحية في الأرواح المنزهة، بالله العزيز الكريم الباذخ للعطاء ، فيقول :

(إذا فتح العارف مدينته الكبرى بالمجاهدة والمعانات والمكابدة وارتقى إلى فتح مدينة الرسول ففتحها بالتهليل وذلك ينزل الروح الأمين من ربه على قلبه بسرائر غيبه والملائكة من بين يديه ومن خلفه رصدة ، فحينئذ يرجع من حيث جاء مسرورة وقد ترك البلاد دبورة، فتحقق وتخلق والله الموفق) -بروعة السلوك العرفاني، یا رب حقق.

وعلى الصفحة الواحد والسبعين يشرح الشيخ غياب الإمام وظهوره سلام الله عليه : (وإن الختم الذي يحمل لواء الولاية ويكون المنتمي للمقام والغاية أنه كان ختمة لا يعرف، وكان له الأمر لا يرد ولا يصرف في روحانية متجسدة وفردانية متعددة وختم أمرة حسيمة فاستتر وختم أمرة مقامية فظهر، فإنه من جملة أعدائه أتباعه وصحابته وأشياعه). لأن الكثيرين من المتصدقين به في لباس الظن الحسن ليسوا من أصحاب البرهان الشهودي والعطاء التحقيقي، والإنسان عدو ما جهل، أما

أصحاب الأرضية الإيقانية بفضل الشهود العطائي فهم يعرفونه بالمعايشة ويسمعون النداء السماوي لسابقيتهم لمعرفة هذا النداء.

وعلى الصفحة الثانية والسبعون يشرح الشيخ رضی الله عنه على لسان سيدنا عیسی علیه السلام فيقول عن المهدي عليه السلام : إنه الإمام الأعظم والختام لمقام الأولياء الكرام.

ثانيا: وفي ختام التعليق والشرح على اقتباسات كتاب عنقاء المغرب أريد أن أبدي ملاحظتين مهمتين

الأولى : كما يبدو بعض الأحيان وبقراءة غير متأنية وباستقلالية الفقرات بأن الكلام حول الإمامة وختم الولاية إشارات ثنائية، وفي الواقع فإن الأمر ليس كذلك، لذا فإنني أوضحت المقصد تحلية وأبرزته شرحة حتى يتسهل فهم تعبيرات الشيخ في لغته الإشارية والمخفية سواء تقية منه، أو أن هؤلاء الأشاوس لا يرمون الجواهر كالحصى لمن لا يستحقها، أما الذين يستحقونها يفهمونها، وأن قراءة الكتاب مثل عنقاء المغرب تحتاج إلى عناء ولملمة الموضوع من غير استقلالية الفقرات وفهم واوات العطف، فهما ركيزة، ومن الأجدى عدم المرور السريع في القراءة وقد يحتاج التكرار والرجوع فيالقراءة حتى يكون الاستيعاب سليمة وصحيحة تجاه المقصد الذي قصده الشيخ بفك رمزيته وإخفاءاته ذلك بالدعاء إلى الله إلى فهم المعاني الإشارية.

الثانية : كثيرة من كتابات العرفاء تعبر عن المعايشة الشهودية في حالة الجذب الرباني، وأن تعبيراتهم عند حدوث شهود الحقائق تعبر عن حالات قابلية التلقي الروحي عندهم، فهم في هذه الحالة أصحاب الشطح ومختلفين عن أصحاب حالة التمكين، وهذا الأمر قد يوقع القارئ في الحيرة بجانب صعوبة الفهم. وعند قراءتي هذا الكتاب أي عنقاء المغرب قراءة صبورة ومتأنية وبتوفيق الإله المقتدر وفقت في إبراز

بعض الحقائق التي رمي إليها الشيخ محيي الدين العربي، وقد آن الأوان أن نخرج عن شرح مقاصد ضمن دوائر الكتاب ونتعرض إلى أعماله الأخرى منها: شعره الذي سوف نورد بعض أبياته وأنه حدد فيها بما ينجلي كل غموض ويقشع كل مغبوش لمعرفته وتحديده لشخص الإمام. وإننا ندعو التدقيق في ألفاظ البيتين خاصة لفظ (الفاطمي) وكلمة قام أو قاما لموازنة القافية. فالفاطمي معروف في أحاديث الرسول المتواترة وأطروحات الشيعة والصوفية، واعتقاد غالبية أهل السنة أتباع الأئمة مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد رضوان الله عليهم ما عدا المعترضين المتعصبين من السلفية من غير برهان أو دلیل سوى الدافع المتعصب. وأن هذا الفاطمي ليس إلا الإمام المهدي وهو من نسل علي فهو العلوي وزوجته سيدة نساء العالمين فاطمة فهو الفاطمي لذا فلنقرأ البيتين :

إذا دار الزمان على الحروف*** بسم الله فالمهدي قام

إذا دار الحروف عقيب صوم ***فأقرؤوا الفاطمي مني السلام

وكان الإمام الغزالي بعد تصوفه وعودته عن نكران إمامة أئمة أهل البيت يردد هذين البيتين، وعندما كان الناس يذكرونه عن مواقفه السابقة قبل هجره الجميل واعتزاله واعتكافه ومعارضته إمامة أهل البيت وترديده الآن هذين البيتين المثبتين الأئمة البيت الفاطمي فكان رضی الله عنه يرد:

فكان ما كان مما لست أذكره ***هوظئ خيرة ولا تسأل عن الخبر

ولا يعلن بهذا الخبر إلا على أهله !!!!!

حقيقة أخرى أريد أن أوضحها هنا وهي أن أي مسلم ملتزم بظاهر الشريعة من غير تعصب مذهبي ونوى طريق السير والسلوك بتوبة نصوح وإرشاد ولي مرشد مع الالتزام بالمنهج وتكاليف السير والسلوك، فإنه بعد قطعة دوائر الإيمان أو دخوله مقامات الإيمان والتحقق فيها يؤذن له الدخول في أحوال ومقامات الإحسان والتحقق فيها، إن مجال الإحسان

مجال شهودي تكثر فيه إشراقات الصور الشهودية المعرفية وقد قال رسول الله -صلی الله علیه وآله - عندما سأل عن الإحسان: «إن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك والسر»في (إن لم تكن تراه) فهو يراك، وعندما ينعدم إحساس العبد بنفسه ويفني عن خواطر آثار المكتسبات والاعتقاد النقلي التي تحجبه عن (كأنك تراه) إلى حدوث الإحساس بالرؤيا في حالة (يا من قرب من خطرات الظنون وبعد عن لحظات العيون) أو كما هو في (إن لم تكن تراه...) فتدبر !!!

والواردات الشهودية في مقامات الإحسان، هي بعض حالات قطع السير بالسير والسلوك للسالك الصادق القبول وإن كان مبتدأ، لتثبيته وتهيئتة لمجالات الإيقان، (ولو کشف لي الغطاء لما ازددت يقينا) نعم في مقامات الإحسان الشهودي تكثر فيها الواردات المعرفية شهودة، منها صور حية متفاعلة في سريان المشيئة، مؤدية الدور المناط لها، ومنها صور ميتة لا حياة فيها سوى التخزين والشهادة على صاحبها ، حتى اليوم الموعود والحساب وقد تكون لأشخاص يهتم السالك بها لغلبة المفضول على الفاضل لدي السالك على أرضية المعتقدات المكتسبة المنقولة سواء تاريخية معلوماتية أو التصديقات المذهبية وغيرها، حيث تلعب رغبات المفضولة عند السالكعلى الحقائق الفاضلة من الله سبحانه وتعالى. إن الوصول إلى حقائق الصور المعرفية الواردة في مجال الإحسان (وإن كانت أفضال المولى المعرفية على السالك لا تنحصر على مقام الإحسان وإنما بشتى مسارات الواردات المعرفية - شهود شعوري - أو بومضة نور يستقر في القلب - أو بخفقان القلب - أو باضطراب الكيان كله أو بالهام رحماني - أو بصوت الحق وهكذا)، نحن بصدد الكلام عنها، لأنها المتغلبة بالرؤيا القلبي لإثبات السالك وتيقنه، نعني المرحلة الإحسانية المملؤة بالبراهين المشرقة، للوصول إلى الحقائق الواضحة حسب موقعها من الورود من منطلق الشهود وهي لا تأتي بغتة ولكن بعد كدح وصبر

وعمل متواصل في خدمة المعبود بعبادات لا يفتر العابد التواصل والمواصلة فيها يكون فيها أمره بيد المولى جل وعلا حتى يورث وضوح الرؤيا في الغيبيات الواردة وفرز الفاضل من المفضول والحي من الميت فضلا من الله هداية وسداد. لذا فشرح الشيخ وإشاراته اليتيمة في كتابة بان السيد المهدي علیه السلام هو من العجم وليس من العرب على الصفحة الخامسة والسبعين من الكتاب هو من قبيل ما شرحناه أو كان شهوده في هذا المقام شهودة عالية انغمس في شهودیته انغماسة اطلع على إحدى حقائق سيدنا المهدي في إحدى صوره الروحانية العظمى التي ينتفي فيها العربية والأعجمية. ولكون ابن العربي كان عربية والعرب يطلقون على كل من غير العرب أعجمي والحقيقة التي رآها لم يقدر أن يحددها عربية أطلق عليها بأعجمية، مع أن التسميات المحدودة في هذا المجال غير واردة. أما الحقيقة فإن تلك الصورة كانت في لباس الحقيقة الكونية آفاقية اقتدارية لا تحد بتحديد اسمي أو صفاتي محدود. والسؤال هنا يطرح، كان الرسول الكريم عليه السلام رسولا وآدم منجلد بين الماء والطين فماذا كان أصله علیه السلام عربي أم أعجمي؟! حيث لم تكون عروبة أو عجومة. فالأمر هنا يحتمل احتمالات تأويلية وهي أن الصورة كانت لحقيقة كبرى عظيمة وان ابن العربي في حدود قابلية التلقي لدية وغلبة المفضول المتوارث وأثر المتوارثات المحيطية والمؤثرة بالنقل التاريخي وانحباسه في دائرة العروبة والأعجمية وعدم مقدرته الخروج منها في ذلك الحين فأعطى ذلك التفسير برغم أن بقية الكتاب يتكلم بكاملة وشموليتة عن المهدي في حقیقتین ختم الإمامة وختم الولاية. وقد يكون لأغراض معينة حقيقتها الكتمان وقطع أثر الفتنة في محيطه ووسطه، والله أعلم ولكن الكتاب في جله يناقض ادعاء العجمة والإمام في ناسوتيتة وإيهابه البشري حتى ختم

الإمامة كان عربيا كريما من عرب کرام علیهم السلام .

وللمزيد من التقرب لفهم بعض جوانب حقائق الوجود من ناحية

الشهود الرباني فنقول إن درجة مفهومية المعرفة الحقائق الشهود مرتبطة بحال السالك ومقامه تحت ضلال الفيض الشهودي. فالسالك السائر في مقام التوحيد الذي يرى الله في الخلق حاله أو مقامه مختلف عن الذي خلق لمقام الأحدية الذي يرى الله ما بعد الخلق (الرؤيا هنا رؤيا قلبية) وهذا مقام التنزيه، يختلف عن ما أصبح غائصة في مقام الوحدة والتفريد بقبول وتوفيق من المولى الكريم، وقد يدخل مجال التمكين كما تعبر عنها فقرة من دعاء السالكين (اللهم أرني الأشياء على الحقيقة كما هي عندك) وهنا فالعبد عبد والرب رب لا نسبة ولا تناسب سوى نسبة الخالق الباقي والمخلوق الفاني الذي إن صار وجهة نزه عن الفناء - كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

إن فوق هذا الهرم الذي أشرنا إليه وفي مجالاتها المقدسة تأتي سلسلة الإرشادات من السيد المطاع نبينا ومعه آله والأنبياء والرسل ومن التحقوا من العباد لدائرة أهل البيت مثل سلمان الفارسي

(سلمان منا آل البيت) وهي درجة العباد في القمة.

إذن فالواردات المعرفية لكل مقام في طور مختلف وفهم مختلف وفهمه مختلف من مقام لآخر، ولا تخلو الأمور بتأثير المتوارثات والمكتسبات وتفسيراتها أحيانا، ولكن الوضوح الإيقاني والتمكيني لا يأتي إلا بالإخلاص والصدق وجهد وكد واقتحام العقبات وخدمة متواصلة للله المعبود والشوق إلى لقائه، فيتفضل المفضل بفضله وحبه العبد الصادق ويمكنه برؤية علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين حقائق الوجود بالعلم الرباني اللدني وعندها تهدأ الروح وتترنم.

حواجبنا تقضي الحوائج بيننا*** نحن صموت والهوى يتكلم

أما الملاحظة المهمة التي أريد أن أوضحها فهي أن السالك المسلم بغض النظر عن مذهبه الظاهري إذا أراد الوصول إلى قمم

المعرفة الروحانية أي العرفانية لابد له الالتزام أولا بشعائر الشرع الشريف وزواجره ونواهيه، ومن غير هذا الباب الولوجي فالأمر على المسلم يكون مستحيلا. وبعد تطبيق الشرع عليه الدعاء إلى الله بصدق وتضرع أن يقوده إلى مرشد يطمئن إليه مع البدء بالنوافل خاصة صلاة الليل من غير فتور. وعندما يعلم الله صدق طالبه تتم الأمور بكرامات عجيبة خاصة مسألة الولي المرشد. أما المرشد الأعلى والمهيمن على إرشاد المرشدين هو في هذاالزمان، مولانا صاحب الزمان علیه السلام؛ وكل الأقطاب العرفانيين يقرون بهذا ويتمنون الخروج معه - روحي له الفداء.

ثالثا: الصلاة الأكبرية لابن العربي:

وخير ختام لهذا الباب ، المهدية عند محيي الدين بن العربي هو نقل هذه الصلاة المسماة بالصلاة الأكبرية للشيخ، حصلت عليها بشق الأنفس من شخص حبيب من صوفية مصر، العمدة عبدالفتاح - حرسه الله - حيث کنت ضيفة عليه في بيته بالقلج أو بالألج كما يعبر شعبية من ضواحي القاهرة بمصر المحروسة وكان ضنينة، علي حيث لم يتركني أمس الكتاب الذي قرأ لي منه الصلاة الاكبرية وأنا كتبته بقلمي سماعة منه من كتاب يحطاط عن التداول والانتشار ويحوي أسرارة لا تعطى لأي أحد، ولكوني کنت ذا حظوة عنده وثقة وحفاظا على عهده قرأها لي من الكتاب وأنا أكتبها في مفكرتي كما أسلفت، وهي صلاة عرفانية رفيعة القدر لبعض مقامات الإمام المهدي علیه السلام وقد تكون هذه الصلاة إحدى أوراد محيي الدين الراقية والخاصة وهي تشكل أمله ومطلبه ومناه من الله، ذلك المعايشة مع السيد الهمام المهدي علیه السلام ، وإليكم الصلاة الأكبرية.

الصلاة الأكبرية:

يدعو ابن العربي بهذه الصلاة الأكبرية لله طالبة المعايشة والتحلي بحلية الإمام صاحب الزمان وهي الصلاة التالية :

«اللهم صلي وسلم على محمد وآله أكمل مخلوقاتك، وسيد أهل أرضك وسماواتك، النور الأعظم، والكنز المطلسم، والجوهر الفرد، والسر الممثل، الذي ليس له منطوق، ولا شبه مخلوق، وأرض عن خليفته في هذا الزمان من جنس عالم الإنسان، الروح المتجسد والفرد المتعدد، حجة الله في الأقضية، وعمدة الله في خلقة، منفذ أحكامه بينهم بصدقه، الممد للعوالم بروحانيته، المفيض عليهم من نور نور انیته، من خلقه الله على صورته وأشهده أرواح ملائكته، وخصصه في هذا الزمان ليكون للعالمين إمامة ، فهو قطب قطب دائرة الوجود، ومحل السمع والشهود، فلا تتحرك ذرة في الكون إلا بعلمه ولا تسكن إلا بحكمه، لأنه مظهر الحق ومعدن الصدق، اللهم بلغ سلامي إليهواقفني بين يديه وافض علي من مدده، واحرسني بعدده، وانفخ في من روحه كي أحيا بروحه، وأشهد حقیقتي على التفصيل، فأعرف بذلك الكثير والقليل، وأرى عوالم الغيبية بتجلي بصوري الروحانية، على اختلاف المظاهر لأجمع بين الأول والآخر والباطن والظاهر ، فأكون مع الله آله، بين صفاته وأفعاله ليس لي من الأمر شيء معلوم، وجزء مقسوم فأعبده به في جميع الأحوال بل بحول وقوة ذي الجلال والإكرام.

اللهم يا جامع ليوم لا ريب فيه اجمعني به وعليه وفيه حتى لا أفارقه في الدارين ولا أنفصل عنه في الحالين، بل أكون كأنني إياه في كل أمر تولاه عن طريق الاتباع والانتفاع، لا عن طريق المماثلة والارتفاع، وأسألك بأسمائك الحسنى المستجابة أن تبلغني ذلك منه مستطابة، ولا تردني منك خائبة، ولا ممن لك نائبة، فإنك الواجد الكريم، وأنا العبد العديم وصلي اللهم وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه المنتجبين والحمد لله رب العالمين».

الفصل السابع: بعض إشرقات المهدي عليه السلام حظينا بعلمها

أولا : حدثني بل يحدثني بصدقه شخص أثق به ثقتي بنفسي عن رحلته من الشك إلى اليقين، إذ إنني أعرف هذا الشخص أنه كان من العلمانيين وفكرة كان سببية بعيدة عن الغيبيات والإيمان بها. كانت قراءاته علمية بحتة بتأثير غربي، قرأ الآداب المختلفة واطلع على آراء متباينة وكان من الذين يقرؤون كثيرة، قرأ دواوين وسلامه وموسى وأدباء الغرب والسياسيين وغار في الأدب العربي وتاريخ العرب والأديان، أطلع على الفلسفة اليونانية والفلاسفة القدماء والإسلاميين والمعاصرين عجمة وعربة، وكان يذكر من القدماء الثلاثة العظام سقراط وأرسطو وأفلاطون بجانب أهل السفسطة والإسكندرية، ومن الإسلاميين ابن رشد والفارابي وابن سينا وأبي حامد الغزالي والمعاصرين وليمز جیمز والرورتري وأحمد لطفي السيد (أرسطو العرب) وكان لايتعصب لفكرة معينة ، يخوض غمار كل الأفكار بروح حرة ويناقش مع نفسة ومع بعض الذين مثلة. ولكن أحسست فيه انقلابا غريبة في سلوكه فبجانب سلوكه الإنساني المتحضر الذي اكتسبه من ثقافته الواسعة فإنه أصبح متدينة إلى درجة إذا . سمع غيبة على أحد اشمأز ونصح التجنب عن ذلك. ولكوني قريب منه قربا انطباقية سرد علي قصة التغير الذي طرأ عليه فيقول:

نعم كنت شكاكا لكثرة ما قرأت آراء متباينة عديدة، ومع هذا كنت باحثة في داخل وجداني وفكري عن أجوبة صعبة لمشاكل الفكر والمعرفة، أقارن الأمور بمنطق العلم والمنطق وبمدلولات الاكتشافات العلمية والفكرية النظرية والمقارنات بين الفلسفات الغابرة والمطروحة. ولدت من أبوين مسلمين من صلب أبو مسلم ورحم أم مسلمة يتمذهبون بمذهب التشيع لآل البيت وغذوني بحبهم وكنت أتغنى في صباي ب:

لا عذب الله أمي أنها شربت ***حب الوصي وغذتنيه باللبن

وكان لي والديهوى أبا حسن ***فصرت من ذا وذا أهوى أبا الحسن

ولكن ذلك أهتز وتزلزل عند الاطلاع على مختلف الثقافات والأديان ومقارنة المتوارثات مع المكتسبات الثقافية بأدوار المنطق العلمي والبحث العقلاني. فمسألة الله الواجد والإلة الخالق والمعبود الحي حلت بعد معاناة ومصارعة الأفكار على ضوء الفلسفة اليونانية خاصة الميترافيزيقية فيها، وإثبات ذلك بالاعتقاد بالإله بالفلسفة الإسلامية وبحورها، كذلك ساعدتني قرأتي في الفيزياء من غير تعصب علمي لأن بعض المتعلمين أيضأ متعصبون للعلوم المعاصرة مثلهم مثل أي متعصب الأية فكرة، فالميكروسكوب والسلوك الشاذ عن القانون العام لبعض ظواهر الطبيعة والوصول إلى باب مغلق لبعض التفعيلات المتسلسلة المشكلات الفيزياء كل ذلك وجهتني إلى وجهة الإله المبدع الصانع ثم اهتديت وجدانية إلى الشعور؛ بواجب الوجود قبولا كما بينه الفلاسفة الإسلاميون وبذا طلقت دليل الصنعة - (لابد للمصنوع من صانع) وإن كان الدليل شريفة ولكني طلقته إلى أشرف منه وهو دلیل واجب الوجود. ما عدا هذا الأمر، فإن بقية المتوارثات أصبحت معي في مهب الرياح حيث كانت مقارنة مفهوم الفضيلة بين مكتسبات أمم الغرب بفلسفات التجديد وآراء حقوق البشر وبين المألوف - الحسنة والصدقة لدينا وغيرها كان له أثر في الاهتزاز والزلزال الذي أشرت لك. ولكن نقاء سيرة آل

محمد في وجدانی كان مشرقة لأن روحي الحرة التي لا تتعصب لفكرة مكتسبة بل تنفتح وترتاح إلى كل فكر فاضل يحمل عدلا وإنصافة ونقاء، ذلك كان شعوري تجاه آل محمد الذين لم يثبت التاريخ عليهم ولا نقطة سوداء واحدة، ومع هذا فإن تصارع الأفكار على قاعدة المنطق والحجة كان له شأن في الاعتقاد والتبني أفكار جديدة. فكرة تزيح فكرة ونظرية تبطل نظرية، وهكذا مما قادني إلى الشك والمعارضة في مفهوم الولاء الآل محمد وتكميله للإيمان أو الإمامة المتوارثة لهم وإن كانت بأحادیث متواترة في المصادر الشيعية وغيرها من الأمور الاعتقادية، ولكن مسألة الإمام المهدي كانت أكثر إشكالية ومع هذاكنت أمارس العبادات الشرعية الظاهرية التظاهرية غير مركزة، كنت أشارك في بعض المناسبات الدينية العبادية مع الناس لا أعرف لأي سبب سوى أنني كنت أشعر براحة في ذلك لأني شاركت المجتمع في شعائرهم، وقد كان ربما رياء أو محافظة على السمعة الاجتماعية وعدم التهمة بالإلحاد والكفر لست أدري. ولكن ساعة الانعطاف أتت في ليلة لا تنسى في حياتي بل كانت إنقاذية كما أعتقد الآن ذلك.

في إحدى ليالي القدر الثالث والعشرون من رمضان التي اعتادت جماعتي اللواتية إحيائها في مسجدهم الكبير على ساحل مطرح وقد يكون ذلك سنة 1980 شاركتهم إحيائها وقد يكون الإحياء احتفال عبادي تهجدي وإحيائي بالأدعية المتوارثة في تراث آل البيت علیه السلام ومواليهم، ومن مراسم هذه الليلة دعاء الجوش الكبير الذي يحمل ألف اسم من أسماء الله ودعاء التوسل لله بآل محمد الكرام، ذلك برفع القرآن الكريم على الرأس من قبل جميع الإحيائيين والتوسل لله بالرسول بكلمات بمحمد بمحمد لعدة مرات وقد تكون سبعة ثم بعلي بعلي ... بفاطمة بفاطمة ... مرورا على أسماء بقية أئمة آلالبيت حتى الوصول إلى اسم الإمام المهدي وعند الوصول إلى اسم الإمام المهدي يقوم الجميع قياما

والمصاحف على رؤوسهم. ولكني كما أشرت کنت كثير التشكيك بقضية الإمام المهدي أقول والذي لا إله إلا هو فعندما قام القوم بالتوسل وقوف وهممت القيام معهم مجارات لهم تصلبت رجلاي عن القيام ومنعت من القيام، رغم أنني لم أكن أعاني مرضة بل كنت رياضية قوي البنية، ومكثت مسمرة في الأرض رغم محاولاتي ورغم وضع القرآن على رأسي بيدي اليمني حتى كاد القوم أن ينتهوا من نداء التوسل الله بالمهدي. وبسرعة غريبة أتاني خاطر ينبهني إلى شكوكي بالإمام المهدي عندها تمكنت من القيام في آخر لحظة حيث سرى الدم في عروقي لجسدي السفلي منها قدماي. ولكن أغرب ما عشت في هذه الحادثة أن تجمدي في الأرض لم يشاهده أحد ولم يشعر به أحد وقد غیبت عنهم لأن في مثل هذه الظاهرة دائمة، وكما هي عادة الناس، فهناك من ينبهك للقيام وجرك إليه مساعدة للقيام أو تنبيهة للنسيان، وحتى جاري الذي كنت بجانبه لم يشعر بي، جار عن يميني وجار عن يساري وآخر من خلفي. ناقشت الأمر البيولوجي هذا على ضوء المعطيات الظاهرية للدورة الدموية وأمعنت الفكر في تنميل الأطراف وتأكدت أن التنميل لا يأخذ كل الرجلين والساقين والركبتين والفخذين مرة واحدة حيث المألوف رجلا واحدة مثلا بجانب سؤال كيف ولا أحد انتبه إلى شذوذي عنهم بعدم القيام ولم أكن من العجزة بل في ريعان الرجولة وكنت بالكاد في عمر أربعين سنة؟

بدأت الأسئلة عندي تطرح بإلحاح غريب للمناقشة والوصول إلى الحل بجواب منطقي. كيف حصل هذا؟! ولماذا عند التوسل بالإمام المهدي غل. ثم لماذا تلاشت هذه الظاهرة وكأنها لم تكن بعد شعوري بأن المشكلة في التشكيك بالمهدي ؟! وأكثر من ذلك كيف لم يلاحظ الناس شذوذي هذا حيث لميقوموني أو يساعدوني على القيام. تصارعت هذه الأسئلة في ضميري وكما قلت لك فإنني حر التفكير فليس سلوكي

التعصب أو الاستهتار أو المرور الابتعادي لفكرة أو رأي أو حدث أقابله في رحلة التفكير حتى أدرك الجواب في ضميري. لازمتني تلك الأفكار بعنف، قلبت الأمور ظهر بطن، استعملت كل المعلومات العلمية والمنطقية معي كي أصل إلى جواب استقرائي ولكني فشلت وقبول التفسيرات الغيبية رغم روحي الحرة لم يكن من السهولة بمكان. أثناء هذه المعمعة وبعد بضعة أسابيع أتتني بصورة مجهولة لا أعرف كيف رقعة فيها دعاء توسلي شرح أنه لسيدنا نوح علیه السلام يتوسل بمحمد وإليا وفاطمة وشبير وشبر لإنقاذة من محنة الطوفان. أخذت هذه الرقعة وعرضتها على شخص صوفي ليس شيعيا بل سنيا مصرية لأعرف رأيه فيها. أخذ مني الرقعة ونظر إليها باهتمام وطلب مني تركها له لبعض الوقت. وفي اليوم التالي أعادها لي قائلا : إن هذا الدعاء حق وصدق، فقلت له: ولكن هذا يوافق عقائد الشيعة بالتوسل بالرسول وآل بيته، وضميري يكلمه بصورة غير مسموعة وأنت سني. قال شيعة سنة قضية أنتم تائهون فيها أما نحن الصوفية تجاوزناها إلى شريعة الحب بنور شريعة الرسول و حبه وحب آله من غير تعصب والتشنج والعداوات. رجعت من هذا الرجل وكأن عقدة تريد أن تنحل في، والسؤال المفتاح كان كيف أن رجلا سنی المذهب يؤكد عقيدة التوسل الشيعية بهذا الحماس والحرارة؟ فكان ذلك انعطاف في حياتي غير مجراها حيث دخلت طريق السير والسلوك على يد مرشد يناغي بروحه روح السيد المهدي علیه السلام مناغات العاشق التابع. أما هو أي سيدي المهدي علیه السلام أصبح روحة في حياتي وروحه حافظة لها هداية وأمنا أطلبه متى شئت فيشرف بروحه بساط كليتي متى أشرف وتشرف.

ثانيا : حضرت مجلس مريد وولي. وكان الولی يعمل عاملا بسيطة بمدينة صلالة بمحافظة ظفار العمانية وقد أوقف أوقاته بعد العمل بإرشاد الناس إلى السلوك الصوفي من غير كلل لمریدي طريقته التي يتبعها وهم

باکستانيون حيث نفسه كان باكستانية. كان الحديث عميقة غيبية يتعلق بالولاية والوصول إليها وطريقة خلعها على المريد العابد الذي يصل إلى سدتها....

ثم حضرت مجلسه مرة أخرى حيث أخبرني بأنه أصبح وارثا شيخا لأن شيخه قد رحل إلى جوار ربه وقبل وفاته طلب منه الرجوع إلى باكستان للقيام بالإرشاد لأن عليه تلبية أمر ربه، وأنه بذلك استقال ورجع إلى لاهور. وهنا كانت هذه المحاورة بينه وبين مريد في مجلسه حيث أبدى المريد نيته أن يزور الشيخ، فقال له الشيخ : سوف تلقاني في مكان كيت في باكستان ولكن المريد تفوه أنني عندما أسافر إليك سأعلم سیدنا المهدي عن ذلك وهو يدلني عليك. انفعل الشيخ (شاه جي رشید) وهذا هو اسمه ثم رد، عندها سوف تراني أنتظرك بمطار لاهور. إن هذا الحوار يدل بأن السيد المهدي علي في حياة الصوفية وأهل العرفان حقيقة متفاعلة حية ومرشده، خاصة مع السالكين الصادقين ومرشديهم الكرام علما بأن الشيخ شاه جي هذا سني شافعي.

ثالثا : الإمام في حياتي فهو كلي في كلي وكفى.

فظن خيرة ولا تسأل عن الخبر.

فالخبر صعب مستصعب فإن أردته فأعنه بورع واجتهاد وعفة وسداد.

عندها الطريق والباب إليه مفتوحا به سلام الله عليه برضا الله بالقبول.

وأما القول العام والشامل حول أئمة آل البيت والمهدي آخرهم عند الصوفية : هم أصل المدد، ومنحصر المدد. وإن مدد الإمام المهدي ظاهر واضح لأنهإمام الزمان وهادي الأقوام في هذا الزمان علیه السلام . فالرسول منذر وهو الهاد «...إِنَّمَا أَنتَ مُنِذرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ(7)».

الفصل الثامن: المهدي عند العارف العلامة السيد محمد مهدي بحر العلوم

اشارة

أولا : کشف الإشكال اللغطي عن عرفانية السيد بحر العلوم. لقد ابتليت ساحة التشيع بإنكار العرفان على أنه من ركائز الدين، وفي النهاية منعه في زمن السيد محمد المجلسي بالاتفاق مع شاه عباس الصفوي (سنلقي على تلك الماسات الأضواء في كتاب مستقل إذا وفق الله إلى ذلك من هذا الموقف كثر اللغط حول عرفانية السيد بحر العلوم أو تصوفه. ولكن الحالات التي عاشها هذا السيد العارف الموقر لا تشبه حالات علماء الجهد التحصيلي الكتبي کالفقيه الناقل أو المجتهد المرتكز بطبيعة الحال على المعلوماتالمنقولة من الذي قبله لأن كل تلك الأمور في إطار المعلومات. فكل مکتوب في الكتب وينقل هو في إطار المعلومات تدور حولها البحوث بفكر عقلاني مجرد وبجهد إنساني وصولا إلى الحدس المبدع في حالة الاجتهاد واستنباطاته. ولكن حال السيد محمد مهدي بحر العلوم لم يكن كذلك بل عطاء لدني ووراثي وتكليفي، ولم يكن مجتهدة ناقلا للمعلومات من الكتب بالجهد البشري العقلاني البحت، وإن كان ذلك يبدو لنا في بعض الأحيان عند تصديه

الأمور الشريعة الظاهرة في تنظيم أمور المسلمين. والقصة التالية تلقي الضوء على ذلك. نقل عن المحقق القمي صاحب كتاب القوانين في أصول الفقة بالفارسية وعرب حيث قال: إنه هو والسيد بحر العلوم كانا يتباحثان في الدروس وكان هو يقرر للسيد بحر العلوم مباحثة ولكنه بعد أن هاجر إلى ایران علم اشتهار السيد بحر العلوم بجميع الأصقاع فاستغرب، وعند زيارته العتبات المقدسة بالعراق والكلام هنا للمحقق القمي) قصد السيد بحر العلوم فوجده بحرة مواجأ وعميق العلوم، فسأله قائلا : عندما كنا معا لم تكن لك تلك المرتبة وكنت تستفيد مني ولكنك الآن مثل البحر، فكيف حدث هذا؟ فرد السيد: یا میرزا أي المحقق القمي، هذه من الأسرار أقولها لك ولكن لا تحدث أحدة ما دمت حية واكتمها، قال : قبلت، فقال السيد: كيف لا أصير كذلك وقد ألصقني سيدي أي الإمام المهدي بصدره الشريف في ليلة من الليالي في مسجد الكوفة. إن هذه النقلة عرفانية ليست جهدة ناقلا إنسانية وهي تشبه ضم الأمين جبرائیل علیه السلام لرسولنا الكريم اللهم صلي عليه وآله في نقل العلوم والمعارف مع فارق عظيم بين النقلتين بطبيعة الحال، حيث بلغ جبرائیل السيدنا الرسول أن يقرأ، فقال : لست بقارئ فضمه فأصبح قارئة باسم الرب الذي خلق، خلق الإنسان من علق... مما يدل على عرفانية السيد بحر العلوم وتفقهه کان عطاء لدنيا ومعارفه عطاء من الله وكان مرشده صاحب العصر روحي له الفداء، وهذا هو حال العرفاء والصوفية الواصلين الذين يقطعون السير برضا الله وإرشاد المرشد الولي حيث تتقوى فيهم أجهزة التلقي من الله وحيا أو من وراء الحجب أو إلهامة رحمانية بتأثير الروح القائمة على التربية السلوكية.

ثانيا : لقد أعطى السيد بحر العلوم أمرا غيبية بالهجرة إلى المكة المكرمة للقيام بتنظيم مناسك الحج التي نراها الآن، بعد أن كانت متشعبة كما يبدو ذلك، عن طريق القيام بتعليم الطلاب أصحاب

المذاهب الأربعة أحكام الدين وحسب طريقة كل مذهب الذي ينتمون إليه حتى حاز ثقتهم بترتيب إرساء قواعد تنظيم الحج والعمرة. وكان المال يأتيه غيبا وهذه القصة روت في حاله.

يروي المولی زین العابدين الذي كان يتشرف بخدمة السيد بحر العلوم في مكة وأنه أخبره بنفاذ المال وكان للسيد عادة الذهاب إلى البيت العتيق للطواف بعد الفجر، وفي إحدى الأيام بعد نفاذ المال وبعد رجوع السيد من الطواف جلس يدخن الغليان ولكنه فجأة اضطرب وأمرني أن أرفع الغليان

(الكدو) وأسرع هو إلى الباب، طارحة كل وقارة ومظاهرة كشخصية دينية مهمة، وفتحه واستقبل شخصا أعرابية فأجلسه في مكانه وقعد هو عند الباب في مذلة ومسكنة. تحدثا ساعة وبعدها قام الشخص فقام السيد على أثره ثم أسرع إلى الباب ففتحة ثم قبل يدي الشخص وأركبه على جملة المناخ. رجع السيد متغير اللون ثم ناولني حوالة على صراف قال إنه قاعد قرب جبل صفا وأمرني أن أذهب إليه لجلب المال. فذهبت إليه فوجدته وأعطيته الحوالة. قبل الصراف الحوالة ثم طلب مني إحضار أربعة من الحمالين لنقل قيمة الحوالة وكانت من الريالات الفضية. بعد هذه الحادثة

(والحديث حتى الآن للمولی زین العابدین) تفقدت الصراف لأسلم عليه فلم أجده ولم أجد دكانه فسألت عنه حواليه فقالوا: لا نعهد هنا صرافة أبدا وإنما يقعد هنا فلان، وهو ليس بصراف، فعرفت أنها كرامة وأمر من أسرار الملك المنان وألطاف وليالرحمن. وهذا يدل أن سيدنا الهمام صاحب الزمان عنایته ورعايته لكافة المؤمنين في ساحات الإسلام .

ثالثا : ملاقاته مع الإمام المهدي علیه السلام والاسترشاد به. ذكرت عدة لقاءات له مع السيد الهمام سيدنا الإمام محمد بن الحسن المهدي نذكر بعضها :

ا. لقائه في الحرم الشريف للإمامين الهادي والعسكري بسامراء.

2- لقائة بالسرداب في دجى الليل.

3- لقائه بمكة المكرمة كما ذكرت.

4-القائة به بمسجد الكوفة.

5-القائة به في حرم أمير المؤمنين بنجف.

6- لقائة به في مسجد السهلة المشهور.

إن هذه اللقاءات مذكورة بالتفصيل في كتاب حياة العلامة السيد محمد المهدي بحر العلوم لمؤلفه السيد ياسين الموسوي - دار البهجة - بیروت فليراجع من أراد المزيد من التحقيق.

وفي ختام هذا الفصل «المهدي عند العارف بحر العلوم»، من الفخر والاعتزاز إيراد بعض تعبيراته الشعرية عن الإمام روحي له الفداء.

قالوا سمعنا بالذي قلتم ***فلم يستبن حتی يراه الناظر

قلناله سرا الإله ونوره ***جمعا به فهو الخفي الظاهر

نعم تلك الحالة لمن ألقى السمع وهو شهيد.... وأين هم !!

السيد المهدي علیهم السلام في حياة العارف المتمكن السيد آية الله العظمى على حسين القاضي قدس سره العالي

إن معايشة السيد القاضي رضوان الله علية لمولانا الهمام صاحب الزمان علیه السلام لم تكن معايشة مناسبة بل معايشة مداومة، بل تعدى ذلك إلى تمكين بعضمريدية إلى رؤية الإمام الكريم روحي له الفداء وقصة الشيخ الآملي وملاقاته مع صاحب الزمان تدل على هذا التمكين.

لقد طلب الشيخ الآملي التشفع لرؤية مولانا المهدي فأعطاه بعض الأوراد وطلب منه مداومتها لمدة معدودة ومحدودة. قام الأملي بذلك. ولكن حين حان وقت اللقاء ولهيبه التجلي النوراني العظيم لم يتحمل

الشيخ الآملي المناسبة وترجي إيقاف اللقاء، ولكن نفس هذا الشيخ الجليل تمكن من اللقاء فيما بعد، بعد أن تأهل لمثل هذه النعمة نعمة اللقاء بسيدنا الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه بفضل السيد علي حسين القاضي ومكانته الراقية وتمكينه من الله لمثل هذه المناسبات وهذا العطاء العظيم. إن هذه القصة بتفاصيلها موجودة في كتاب قدوة العارفین سيرة السيد حسن المسقطي تأليف السيد تقي حسين الموسوي العارف المعروف بتأليفاته العرفانية منها السماوات السبع. كذلك في كتاب قدوة العارفين - إعداد عبد الرحمن حاتم - دار الهادي.

الفصل التاسع: المهدي عند عرفاء الفرق الإسلامية الأخری

اشارة

عند العارف بالله الشيخ ناصر بن سالم بن عديم الرواحي العماني (الأباضي) عبر عنها في قصيدته المقصد الأسنى وهو إظهار دين الله على يد قائم مولاه - في ديوانه - ديوان أبي مسلم القسم السادس ص 152.

القصيدة:

في المقصد الأسني وهو إظهار دين الله على يد قائم مولاه.

متى تخفق الرايات فوق مؤزر

مظفرة تجري بجيش مظفر

إلهي أيد قائم الحق وانصر


وعجل بنصر منك للدين مظهر

وعن كيد من عاداك غير مكید


متى يتجلى الله بالعدل مشرقا

يقيم به برا وليا موفقا

يرافقه نصرا من الله أشرقا

يقوم بأرباب الديانات والتقى

ويسطع نور الحق بعد خمود


متى السمحة البيضاء ترقي سماءها

متى ع زة الإسلام تحمي فناءها

متى فطرة التوحيد تلقي رجاءها

وتنشر أعلام العلوم لواءها

بأسياف عدل لم تلق بغمود


سيوف اقتدار حاکمات بوارق

قواصل حکم بالرقاب لواصق

بأنوار عدل الله زهر شوارق

يدبرها ماضي العزيمة حاذق

بأنفاذ أمر الله غير مؤود


همام يعم الكون بالقسط عادلا

اله عصمتا جد وجد تعادلا

بفارق سلطان من الله صائلا

تذل له الآساد حتی النقادلا

تذاد عن المرعی باطلس جيد


تجسم من نور التقى حشو درعه

حريص على أصل الجهاد وفرعه

يراقب نور الله في رحب ذرعه

أمين على دين الاله وشرعه

خليفته المأمون خیر رشید


بذل له وعر الأعادي وسهلها

على خطة عدل ولله عدلها

يجلى بها عن فترة الدهر جهلها

به قرت الدنياعيونا وأهلها

على العدل والإحسان منه شهودي


الشرح:

أولا العنوان : إظهار دين الله على يد قائم مولاه والقائم لا يطلق إلا على الإمام المهدي.

قائم آل محمد.

الحجة القائم.

الإمام القائم.

ثانيا : كلمة إظهار والإظهار يكون للمتخفي.

ثالثا: فإن القصيدة تجسد الإطار المهدية كما حدد في تبيان أحاديث الرسول لها وكما هو معتقد عند جميع فرق المسلمين لمقاصد أحاديث الرسول الكريم اللهم صلي عليه وآله من تبيان لظهوره وجيشه وراياته الخفاقة وإقامة العدل بعد أن عم الجور وإحياء الشريعة والدين . ودخول أصحاب الديانات الأخرى تحت راياته. فلنشير إلى التسلسلالخامس من القصيدة :

همام يعم الكون بالقسط عادلا

له عصمتاچ وجد تعادلا

بفارق سلطان من الله صائلا

تذل له الآساد حتى النقادلا

تذاد عن المرعى بأطلس جيد

لاستيفاء معاني هذه الأبيات يراجع أحاديث الرسول عن الإمام المهدي في هذا الكتاب المذكور من كتاب ينابيع المودة للقندوزي الحنفي. فمعانی العدل والقسط والهمة والسلطان وخضوع الأمر له واضحة هناك بجانب الإشارة إليه كمعصوم في جده الكريم رسول الله اللهمصلي عليه وآله وفي عمله الذي صور بكلمة جد وهي صورة بلاغية في قمة معاني كمال الفعل في إطار الجدية، إن العديد من الأوصاف والملكات والمزايا التي منحت للإمام الهمام من الكريم الوهاب وذكرت عنه ووصفته في النقل متجسدة في هذه الإبداعية الشعرية التي لا يمكن أن يؤلفها إلا عارف سالك مشاهد، وهذا ما ينطبق على الشيخ ناصر بن سالم الرواحي قدس سره.

انبلاجة الصامت

وهو الشيخ الصوفي بشير محمد بشير الصامت السوداني. إن هذا الشيخ في صوم دائم عن الكلام وإن عطاؤه الروحي مرهون بالصوم عن الكلام لذا تراه لا يرد إلا كتابة على لوح صغير. التقيت به عدة مرات وفي إحداها فاتحته عن قصدي في تأليف كتاب عن الإمام المهدي وطلبت منه المساهمة العرفانية منه لكونه هو وغيرهم من العرفاء تحت حيطته علیه السلام كتب على اللوح أن هذا الأمر يحتاج إلى أذن منه (روحي له الفداء) انتظرت شهورة مراجعة له حتى في إحدى المرات قال لي: أتي الإذن (بكتابته على اللوح) ثم بدأ يكتب عليه وأنا أنقل على قرطاسة بعدها أمضاها بخطه والكتابة هي:

نعم هي إجازة واضحة من القطب الأعلى ودعم من أولي الشأن وأصحاب القدم المعلي، والذين لهم الباع واليد الطولى في كشوفات التجلي الروحاني وأرواحهم متصلة الاتصال الأزلي، وهم المحبوبون في رحاب الله ورحاب حبیب الله المصطفى صلى الله عليه وسلم وآل بيته البررة الكرام نور الأرض وامتداد نور النبوة لهداية الناس حتى يظهر منقذ البرية الإمام الحق المهدي قدس الله سره. نعم وهو المذكور في رسالة القطب الكبير الشيخ الحسيني الحبشي النمر رضی الله عنه ونسأل الله التوفيق للشيخ الأستاذ محسن على هذا الجهد العظيم والذي به سينال المدد والرضا ورفع المقام بإذن الله مع جميع السادة رضی الله عنه.

ه صفر 14/16- 3-2005م

التوقيع بالاسم:

بشير محمد بشير الصامت

السوداني

مسك مسك الختام

تلك رسالة من الشيخ الجليل السيد العلوي الهاشمي محمد إسماعيل الليثي الملقب بالنمر من شرفت مدينة طنطا المصرية بسكناه فيها، وقد تشرف هو بمن رقد فيها من الواصلين أصحاب الحقائق الربانية من نسل آل محمد لاسيما القطب الرباني الشيخ السيد أحمد البدوي الملقب بأبي العرب.

لقد سألت شيخي المساهمة في الكتاب هذا وقرأت عليه المقدمة التي كتبتها إهداء وتقربا من سيدي وولي وإمامي المهدي فأثنى عليها ومن ثم كان من نتيجته تلبيته الطلب الرسالة الآتية :

والحمد لله رب العاملين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين..

الأستاذ/ محسن جمعة اللواتي طلبت مني المساهمة في كتاب : الإمام المهدي عليه السلام .. ومن وجهة نظر الصوفية والعرفاء)، والذي تنوي تأليفه..

وماذا عساي أن أقول عن هذا الإمام الهمام؛ فحقيقة الإمام تبيانها منظوربتأكيدات أحاديث الرسول الكريم - اللهم صلي عليه وآله الأطهار -.. وحقيقة حقيقته مبينة في القرآن المنزل لأصحاب النقل والعرفاء..

ونتائج المحصلة السالبة في حياة المسلمين داعمة لحاجة وضرورة

ظهوره الميمون؛ لتصحيح النتيجة البائسة المذلة، إلى عز الدين والمسلمين، في إطار إسلامنا هذا الذي أتی به لنا الرسول الكريم - اللهم صلي عليه وآله الأطهار - ، ومدعمة بالقرآن الحكيم والسنة العترة التي ضيعنا الاتباع بها ولها..

أما دور هذا الإمام الطاهر في حياة الصوفية والعرفاء؛ فإليك يا ولدي :

إن دوره - عجل الله فرجه - في حياتنا يتمثل بالسببية المتصلة بین السماء والأرض.. فهو الملهم المقدس لأرواحنا في عروجها لاستكمال المعرفة..

وهو - علیه السلام - المربي البدل الأعظم، والمتحلي بحلية آبائه وأجداده المتحلين بحلية باب مدينة العلم والمعرفة وجده المقدس الكريم - اللهم صلي عليه وعليهم أجمعين -..

ومن أراد أن يتحقق ؛ فإن عليه التزام طريق السلوك العرفاني؛ لأن الكلمات تتوقف ولا تعبر عن جوهر المعاني ؛ لأن اللغة قاصرة عن أن تظهر معاني:

التوحيد، والوحدة، والواحدية، والفردانية..

هذا هو دور السيد الهمام الإمام ابن الإمام، السيد / محمد بن الحسن العسكري - أرواحنا لتراب مقدمه الفداء - وإننا ننتظره بفارغ الصبر من غير شك أو ريبة لأن حقيقته عندنا لحق، وظاهره كظهور الحياة بكل مكوناتها التي نتعامل معها ؛ بل بظهور أبرك وأزهر، وأبهر،وأفعل..

إذا فلا يبقى بعد ذلك شك فيه إلا لمرتد عن الإيمان؛ وإن كان مسلما..

فالمهدي هو هذا الإمام المقدس الطاهر / محمد بن الحسن العسكري ؛ كما قلت استنتاجا.. واستقراء.. وشهودة مؤكدا.

وصل اللهم على سيدنا محمد

وآله الطيبين الطاهرين

والحمد لله رب العالمين

الشريف الحسيني

السيد / محمد بن إسماعيل الليثي الحسيني (الشهير بالنمر)

الأربعاء بتاريخ 29 رمضان 1423 ه الموافق 4 ديسمبر 2002م

71

صورة كف العباس علیه السلام

كتاب كبوة الواثب

المؤلف

محسن جمعة محمد اللواتي

المقدمة

في هذا الكتاب سنتكلم على عدة مواضيع طرقت في المقابلة مع أحمد الكاتب بإدارة أحمد المنصور وقد بوبناها تحت اصطلاح الكبوات المفرد كبوة) في إطار فصول مرتبطة بموضوع الكبوة :.

الأولى والثانية: حول أسلوب مدير الحوار الأستاذ أحمد المنصور.

والثالثة : حول ولاية الفقية.

والرابعة : العصمة.

والخامسة : التشكيك في نهج البلاغ.

وقد يكون هناك تطرق لعلم الغيب أو الغيب.

إن أسلوب أحمد المنصور في هذه المقابلة كان أسلوب رئيس القسم مع موظفيه المساكين بعقلية وثبية بدافع الهيمنة قد يكون مردها بفعل الوسط العربي اللاديمقراطي وقيود الماضي المكبل بأدبيات التقديس الموضوعة وقد انطلت على العقل العربي بصورة مهيمنة.

الفصل الأول: الكبوة الأولى

كانت هذه الكبوة كما نحسها مع الأخ محمد أحمد من الولايات المتحدة الأمريكية عند تدخله متصلا طارحة وجهة نظره أن يكون في مكان أحمد الكاتب رجلا شيعية لكون القضية ذي أهمية قصوى عند الشيعة، ولأن أحمد الكاتب لم يقدر أن يحدد هويته الشيعية المعروفة ، فأحيانا يقول إنه شيعي ولكن غير إمامي وتارة يدعي أنه شيعي جعفري ولكن ليس باثني عشرية والشيعة فرق كالزيدية والإسماعيلية وهكذا.... ((وهذا ما فندناه في كتابنا السابق الإمام المهدي، ضمن هذا المجلد وقلنا ليس هناك شيعية في عصرنا الحاضر إلا وهو اثني عشرية من خلال الواقع المعاش، فقضية الإمام المهدي محمد بن حسن علیه السلام هي قضية شيعية اثني عشرية بحتة، فالأجدر أن ينالها للاستفادة رجلا ينتمي إلى الاثنا عشرية)) هذه كانت وجهة نظر المتدخل محمد أحمد من الولايات المتحدة الأمريكية ولكن أسلوب الأستاذ أحمد منصور بالرد عليه كان أسلوبة استبدادية حيث سكت المتداخل بقوله لا تتكلم على ضيفي ونحن تعرف شغلنا؟!! فهل هذا أسلوب حر في المناقشة خاصة أن الضيف قدم، أنه باحث شيعي ولكنه تحفظ في تحديد الهوية الشيعية المعروفة بل أنكرها على نفسه، أفلا يحق للمتدخل أن يطرح تلك الوجهة من النظر

ويستفاد من طرحه في المناقشة بدلا أن يسكت. فأقول إذا كان المشاهد والسامع في حاجة إلى مشاهدة الفضائية فإن الفضائية أيضا في حاجة إلى من يشاهدها في حالة البحث عن الحقيقة من خلال المناقشة لمختلف الآراء والعقول، وإن اختلفت الأمور الآن فإن الكثير من الفضائيات ترتب مع الاتصالات مسبقة لمن يتبنى وجهتها .

الفصل الثاني: الكبوة الثانية

في هذه الكبوة مع الشيخ سعيد النعماني من طهران عندما عبر عن نظریه ولاية الفقيه وجزمها بأنها نظرية إسلامية وليست مذهبية شيعية بدوافع معينة...... فبدلا السماح له لشرح وجهة نظرة والاستفادة منه قطع الأستاذ أحمد المنصورعليه كلامه قائلا أنت تهدم 13 قرنا من الحكم الذي لم يكن أغلب الحكام أو الخلفاء فقهاء بل سیاسیون..... فكان رد الشيخ النعماني له أنه لا يهدم13 قرنة ولكن فقهاء جميع المذاهب الأحرار وأصحاب النظرة الفطرية المجردة) يؤكدون ذلك إلى ضرورة ولاية الفقية وهم فقهاء لهم مكانتهم من علماء السنة مثل إمام الحرمین معالي عبد الملك بن عبدالله الجويني الشافعي حيث يقول: - إذا كان صاحب الأمر الحاكم مجتهدة فهو المتبوع الذي يستتبع الكافة باجتهاده ، أما إذا كان سلطان الزمان أي الحاكم لم يبلغ مبلغ الاجتهاد فالمتبعون العلماء والسلطان نجدتهم وشوكتهم وقوتهم، فعالم الزمان في المقصود الذي نحاوله (يحاورة) والفرد الذي (نزاوله) کنبي الزمان كذلك الفقية السنهوري فقد حكم بأن المرشح للولاية العامة يجب أن يصل إلى مرتبة الاجتهاد في الفقة.

إن حكم الأستاذ أحمد على الشيخ سعيد النعماني حيث أشار بأن

ولاية الفقيه مبدأ إسلامي... إنه يهدم 13 قرنا من الحكام والخلفاء... فأقول بعد أن هبت رياح الحرية ومطالبة المجتمع الإنساني إناطة اللثام عن المفاهيم التي قمعت الحريات والناس وتحركت فضائيات الإعلام النشر آراء عديدة حول قضايا الإنسان منها التاريخية والسماح بتحليل أحداثه لمعرفة دوافعه وكان من المأمول أن تساهم فضائية الجزيرة بركائز إمكانياتها الواسعة بروح حرة بتحليل تلك الأحداث لمعرفة الايجابية منها والسلبية، لأن الحالة الراهنة للأمة تحتم ذلك للحكم على الحالة الراهنة في ساحة الأمة. فالدين الواحد أصبح أديان (مذاهب) والمرجع أصبح مراجع، والحس الحضاري متدني، والتقدم التقني مفقود، وفاعليات التنمية المحلية معدومة، ناهيك عن استمراريتها كالفقر والمرض والأمية والعوز وظلم المرأة لا سيما المجتمعات في هذه الأمة، وهنا فإنني أطرح تساؤلات للأستاذ أحمد المنصور لتوضيح الأمر للقارىء الكريم فأقول أليست 13 قرن من الحكم نفسها كانت تحمل في طياتها معاول هدم لمصادرة الشورى كما جاء فيالقرآن الكريم، وحق الجماهير کمبدأ.

إن المعروف بعد وفاة الرسول الكريم اللهم صلي عليه وآله وصحبه مباشرة حيث جسده الشريف المقدس مسجي من غير دفن، قام الصراع على الحكم.... ولكن سوف نمسك الخيط من عهد سیدنا عثمان ابن عفان رضی الله عنه أنه كان لين الجانب بطبعه فاستغل الأمويون أخواله هذا الجانب وورطوه في أمور جسام أدت إلى قتله. سلط الطليق مروان بن حكم الأموي على رقاب المسلمين ونرى أن أمور الخلافة العثمانية أصبحت في يده فتماد في تجاوزاته حتى وصلت الأحوال في وسط المجتمع الإسلامي في مركز الخلافة إلى الثورة على الخليفة... ثم جرى ماجرى بعدها ! وفي دائرة هذه التجاوزات أسال الأخ أحمد المنصور عن بعض الأحداث وليست كلها، لذا هل النعماني في تدخله كان يهدم 13 قرنا....؟ أم أن الهدم كان مضمرة استاتيكية بتعقب ديناميكي في

مؤشر بیان الهدم حتى أوصلنا ما أوصلنا إليه من التأخر والحاجة بل حاجات. وعليه فإننا سوف نذكر بعض الأحداث التي بدأت بهدم قيم الحرية والعدل.

1- عندما وصلت الأمور في عهد سیدنا عثمان رضی الله عنه على ما وصلت إليه من ظلم وفساد بفعل التسلط الأموي ومن معاوني الخليفة وولاته في الأمصار مثل مروان بن الحكم و ولید بن عقبة (والي الكوفة) ومعاوية بن أبي سفيان (والي الشام) وعبيد وغلمان الخليفة وجلاوزة التعذيب والضرب لديه ، استفحل الإنكار على الخليفة مما أدى ذلك إلى النصح له والتشديد عليه. ومن نصائح الصحابة له أن يترك سدة الخلافة اليختار المسلمون لهم خليفة غيره لأن الأمر وصل إلى حالة لاتطاق من تجاوزات وهتك الحرمات فكان رده رضی الله عنه - لن أكن لأخلع سربالا سربلني الله - كما جاء في الطبري ص112 ج الخامس وهنا أسأل الأخ المنصور، لأنني لا أفهم كيف خلع هذاالسربال من قبل الله على الخليفة، فمجريات وأحداث التاريخ مدونة فيما يتعلق بتخلیفه رضی الله عنه إنني أدعو أحمد المنصور أن ينظر إلى هذا الجانب بعين فاحصة وتحليل منصف وبروح حرة وذهنية محايدة .

ومع هذا فإننا نمسك عن التفاصيل لتلك الحقبة الحساسية الناس تجاهها ونشير إلى دور مروان بن الحكم الأموي في عهد سیدنا عثمان حيث استغل هذا الأموي تراخي الخليفه له، فكانت من جرائها مآساة ابن مسعود وعمار بن یاسر وأبا ذر الغفاري ورسالة الغدر في حق المصريين الذين كانوا يحملون رسالة الخليفة إلى واليه بمصر بالعزل حتى صارت تلك الرسالة سببا في رجوع المصريين من نصف الطريق إلى المدينة وكانت الفتنة وقتل الخليفة، (فإنني أدعو الأخ أحمد منصور أن يطلع على هذه الأحداث في الفتنة الكبرى لطه حسين وغيرها من كتب التاريخ الإسلامي). ثم تمضي الأيام والخلص من أصحاب محمد اللهم

صلي عليه وآله وصحبه يشعرون بمعول الهدم ماذا يفعل بالجسم الفضيل المبادئ الإسلام ومنهم عبر بأهات مريرة... آهه معروفة وممزوجة بالألم... آه لو تعلمون ماذا أحدثنا !!؟ بعد أن أخفق الحق بمنع نشره وسمح اللباطل أن ينتشر ليصبح عقيدة لدى السذج من الناس بما وضعت من أحاديث موضوعها مفبرك من قبل المؤسسة الإعلامية لمعاوية بن أبي سفيان الأموي. ثم يستمر ركب الهدم فتشتعل حرب الجمل بتحريض من الصحابيين طلحة والزبير لأم المؤمنین عائشة رضی الله عنها فتندلع الفتنة فتبتلع نفوس عديدة من الصحابة الحاملين روح أحاديث الرسول بين جنباتهم، وكانت الحرب من القسوة بمكان واللامبدئية، لأنها قامت ضد الخليفة مزکی و منتخب بایعه المسلمون من شتى الأمصار في المدينة، إذ هجم بعض أصحاب الجمل على مقر الوالي ونهب بیت المال واعتدوا على عمال المقر، أما الوالي فأخذ وعذب ثم نتف شعر لحيته حتىأصبح أمردة وهو شيخ كبير السن وقد أدمي وجهه واسمه الصحابي عثمان بن حنیف رضی الله عنه ،وقد قضت هذه الحرب على العديد من وجوه المسلمين وحاملي الأحاديث. ثم تمضي الأيام وتأتي الحرب الضروس (صفین) ويحدث ما يحدث من تقتيل وغدر وبيع الذمم قادها الطليق معاوية بن سفيان وشریکه بالإثم عمر بن العاص داهي الدهات فكانت کالهشيم تحرق وقد قضت على العديد من الصحابة الكرام أصحاب المبادئ والقيم مثل عمار بن یاسر وأويس القرني وغيرهم.

وتمضي معاول الهدم لقيم الإسلام هدمة وتحريفة فيرحل الطاهر المطهر سیدنا أمير المؤمنين علي إلى الرفيق الأعلى غدرة بالقتل بعد أحداث أليمة فيتولى الطليق معاوية زمام الخلافة فيحولها إلى الإمارة ومنها تنشأ في المجتمع الإسلامي أول منظمة إرهابية ضد خصوم الحاكم حيث قضى على البعض من البقية الباقية من أصحاب محمد الرسول اللهم صلي عليه وآله وعترته فسمم الإمام الحسن بن علي بن أبي

طالب علیه السلام وأرسلت جنود العسل المسموم إلى العديد من الخصوم ضد معاوية فقضوا به وعندما كانت تأتيه الأخبار بفعل العسل السام فيهم كان يتندر ضاحكة مطلقة قولته المشهورة - إن لله جنود من عسل - وعندما قتلوا الصحابي الجليل العارف محمد بن أبي بكر رضی الله عنه، ووضعوه في بطن حمار مقتول وحرقوه معه. سلط الحجاج بن يوسف الثقفي على رقاب المسلمين كذلك عمر بن العاص صاحب خدعة رفع المصاحف كذبة في الصفين، ومروان بن الحكم وغيرهم من العتات) والقتلة. وبقتلهم الأزياء من الصحب والآل، فإنهم هدموا العدل والحرية وأسسوا أساس الجور والقمع في المجتمع الإسلامي فبعد الحر وأعدم الغيور. أثيرت غرائز طلاب الدنيا بعطاءات الأمير الخليفة، واشتريت الضمائر الضعيفة من المنتسبين للصحب والأتباع بعطاء الأموي، وبدأت مطبعة الأحاديث الموضوعةتوضع وتؤلف وتكتب لتثبيت الحكم الأموي الأميري المتوارث ثم يخلف على رقاب المسلمين أمثال یزید بن معاوية.... فيقوم بأعمال شنيعة تشكل (ثلمة ممجوجة) في التاريخ الإسلامي حيث قتل السبط المطهر الإمام الحسين بن علي من الزهراء البتول حفيد النبي اللهم صلي عليهم أجمعين وسبیت حریم آل البيت ورحلت إلى الشام سبايا، ثم أبيحت مدينة الرسول للجيش الأموي وهتكت الحرمات وحملت النساء سفاحا قهرة وظلمة. هوجمت الكعبة ورميت بالمنجنیق حتى أحرق ردائها، ثم قتل عبدالله بن زبير وعلق على الصليب. ثلاث جرائم ارتكبها هذا الخليفة أو الأمير في ثلاث سنوات وهي عمر ملکه لا مثيل لها بها. استمرت عملية هدم الإسلام بمعاول ممن بطاقتهم الشخصية مسلمين ثم يمشي الركب وقد تحول الأمر ملك يتوارثه الطغاة من بني أمية الطلقاء عدا المستقيم عمر بن عبد العزيز رضی الله عنه ولكنه قتل من قبلهم وسالت دماء المسلمين، تغيرت الأمور وابتدعت واخترعت الأحاديث الموضوعة لتثبيت الحكم الأموي بشراء ذمم علماء الحكام،

انطلت الكذبة للأحاديث الموضوعة على القاعدة ودهماء المسلمين رغم أن هذه الأحاديث هادمة لنقاء الإسلام الفطري وممجدة للأمراء:

•تمجيد الأمير الطاغية.

•قبول فساده (بارة أو فاجرة).

•قبول عدم عدله وجوره.

•التوقف عن الطعن فيه وإن كان جائرة أو فاسدة.

حتى إذا ذهب الأمويون وأتى العباسيون وشاعر آل محمد يقول فيهم:

والله مافعلت أمية فيهم *** معشار مافعلت بنوا العباس

وفي كيلا العهدين شيدت القصور الباذخة، اقتنيت الجواري ووسائل البذخ والفجور والتملك اللامحدود لدى الأمراء وأعوانهم، كذلك وسائل الترف والمجون، وخططت المؤامرات ضد الخصوم وقمعت المعارضة واضطهدت، اشتريت ضمائر العلماء المستعدين لبيع دينهم حتىإذا وصلت الخلافة (الملك) إلى العثمانيين لم تتغير الأمور إلى التقوى بل زاد البذخ وتحولت الفتوحات الدينية في النهاية إلى الفتوحات الغازية الملكية، مما أدى بأوروبا الوقوف المعادي ومن ثم انحصار الإسلام وطرد المسلمين منها، والأمصار التي ظلت مسلمة استقلت من جلدة العروبة محتفظة بالإسلام مثل إيران والأمصار ما بعد النهرین والبلدان التي لا تعاني الردة، فكان إسلامها عن طريق روح الإسلام لا عن طريق فتوحات الملوك والأمراء مثل جنوب شرق آسيا وأفريقيا والتي أسلمت عن طريق العلماء المجاهدين بالقول الحسن وغالبيتهم أهل التصوف والعرفان لما يترك المنهج الصوفي في نفس الإنسان من اطمئنان يرتاح له القلب، فهؤلاء سواء علماء الشريعة

أولئك الذين جمعوا الشريعة والحقيقة من عرفاء الصوفية كانوا رجال الإسلام لا ملوك الإسلام.

إنني أدعو الأستاذ أحمد منصور أن يستنطق العصور التي تكلمنا فيها وإن كان بالإيجاز ليسمع (أنات) المظلومين والثكالى والأيتام كأتباع ابن نويرة والأرامل والأيتام التي تركت بعد قتل الرجال من قبل (جيش) خالد ابن الوليد على أنهم مرتدون رغم صلاة ابن نويرة وقومه مع جيش خالد، وقد أثبت التاريخ، كانت لابن نويرة وجهة نظره في دفع الزكاة ووعد أن يأتي إلى المدينة للبحث فيها مع أولي الأمر، ثم أنات العلوین وذراريهم كذا أتباع آل محمد، وليست واقعة كربلاء المتجددة في سردها سنه بعد سنه بعيدة عن ضمير الأمة في أنات أرامل وثكالى المعارضين للحكم الأموي والعباسي والعثماني والأيوبي والقرمطي وبنو بوية مسجلة في الكتب التي قل أن تقرأ للاعتبار وتصحيح المسار. وكانت المؤشرات البيانية من التعذيب والمعانات بالقتل والسجن والتشريد تتذبذب برضی الخليقة أو سخطه أو حظوة المتقربين إليه أو سخط المبعدين. وقد تسمع أنات الأشاعرة في عهد المعتزلة وقربهم من الخليفة وقد تسمعالعكس من آنين المعتزلة عندما انقلب الدهر عليهم لصالح الأشاعرة وحظوتهم من الخليفة أو الأمير. أما الشيعة وأتباع آل البيت فأناتهم أطفالا ورجالا وشيوخا ونساء لم تنقطع حتى الآن فإرهاب الظلمة الظالمين الطالبان وجيش الصحابة الباكستاني وسجل صدام حسين في قتلهم لم يدخل النسيان بل ولن تنسى لا للانتقام بل للاعتبار وتصحيح المسار، إن الآراء المعتقدة والمعوجة عن الإسلام النقي الطاهر) مسؤولة عن إسالة دماء المسلمين، ثم عليه استنطاق سجل أنين المعارضين وآهات الثكالی وحرقة الأيتام وآلام العهود عديده، فهل هناك هدم أكثر من هذا الهدم للإسلام وقيمه الفطرية التي تورث السعادة الأمن والعدل في الدنيا قبل الآخرة.

لقد تطرقنا لأزمنة الأمويين والعباسين فيما يتعلق باضطهاد المعارضة، وإن كان يسيرة مما ذكر في المجلدات من مؤلفات التاريخ وأسفاره، ونتطرق الآن ولو بالإيجاز لعهد العثمانيين الأتراك. إن عهد هؤلاء ليس أقل بذخة في بناء القصوروالقلاع، وقسوة وعنفة للمعارضة خاصة مع من ليسوا من مذهبهم وجنسهم من العرب والعجم ولنستنطق مدن العراق منها بالأخص مدينة النجف الاشرف بصورة أساسية وبالتركيز في زمن السليم الأول.... مما تقشعر منه الضمائر. إن أنين المضطهدين في مسار حكم الأمراء والخلفاء في تاریخ الخلافة والأمارة الإسلامية كان أمرا ظاهرة ومألوفة... بل العكس هو الصحيح والشاذ وقد يكون هنا، أنين المضطهدين في آواخر الحكم الصفوي للمعارضين كذلك، أنين الفاطمين عند إزاحة الملك صلاح الدين الأيوبي حكم الفاطمين من على مصر واستئصال مذهب التشيع عنوة، وقتل الناس وقسرهم ليتمذهبوا بالشافعية بل ذهب إلى عزل الرجال من نسل العلويين عن النساء وإيقاف نسلهمحتى تقزمت أعدادهم فكبرالرجال وشاخوا وعقمت العلويات عن الإنجاب، ثم تحالف مع الصليبين حتى كاد أن يتزوج أخيه من أخت الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد والتي رفضت هذه المصاهرة ثم مصالحتة مع الصليبين ليتركوا له القدس الشريف ويترك لهم الساحل الفلسطيني بمدنها العريقة حيفا ويافا وغيرها، ثم قسم الملك بين ورثته إمارات ودويلات وأورثها لهم بما فيها القدس والتي سلمت للصليبين فيما بعد من قبل وارثها من الملك صلاح الدين الأيوبي . إن هذه الحقائق وغيرها بحكم الغلبة غمت على جماهير المسلمين عمدة وأظهر بدلها التبجيل والتقديس والإشادة لهذا التاريخ الذي نحن نتابعة. والأندلس والفتوحات لم تغرب عن البال والذاكرة وما تحدثت عنها الكتب ولكن الذي نسأله أين الأندلس..؟ وأين البقية من

المسلمين فيها؟ قرأنا عن القصور والمجون والموشحات والرقصات والجواري وغيرها... حتى قالت أم الخليفة

الهارب إلى البر الإفريقي لابنها الخليفة

أبك كالنساء ملكا مضاعا ***لم تحافظ عليه مثل الرجال

وحتى ذلك الخليفة الذي لبى نداء العربية المضطهدة (وامعتصماه) كان مخمورة والذين قاموا إلى نجدتها هم حماة الثغور والمرابطين وليس الخليفة الذي عاد إلى خمره ومجونه وقولته المشهورة يتردی صداها المؤذي لضمير المسلم النقي (اليوم أمر وغدة خمر) انظر كتاب الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبين - لمؤلفه حسن الأمين الطبعة الثانية - إنتاج من دار بيروت الجديده - وياليت حجم أمرهم كحجم خمرهم وتاريخ المعتصم في القهر والفجور معروف، ونحن نسأل عندما كان الخليفة يملأ معدته بالخمر ماذا كان حال المسلمين العاديين والمحاربين سواء الذين يقاتلون أو يعاقون؟ماذا كان يحل بالأيتام والأرامل والناس المرهقة كواهلهم من الضرائب والعشور في حين المخمورون يعملون ليل نهار وبزبانية معطات (مبني للمجهول) للمحافظة على الملك والخراج بتكميم الأفواه بالقهر والعطاء ومصادرة الشورى. وقد ينبري أحدهم بالقول إنني أتكلم في أمور تاريخية مضت فأقول فقط إنني أذكر الأخ أحمد المنصور أن تلك الأحقاب الثلاثة عشرة قرن لم تكن تحمل في طياتها الشورى واستمراريته من يسر وحرية وسلوك حضاري دیني نقي، وأن حالتنا الحالية تقول ذلك ولكن من الناحية الأخرى إن التذكير بها قد يفيد تقويمها وتقييم الحياة المتناثرة بها سلبا حتى وصل الأمر إلى التفرقة في العدل والإفتاء بالقتل والسفك والتكفير والظلم الجائر فلعل الضمير ينتبه إلى ما هو أفود في بناء الحياة من قبول الآخر وإقامة التنمية بالعدل ونبذ الظلم والتفرقة وتحديد الخطوط.

إن الذي ذكر في هذه السفرة) ليس شيئا جديدة واستنباط ذهنية أو إخراج حديثة للأحداث التي تمت في المسيرة الإنسانية بل مذكورة ومعروفة ومعلومة، ومسلم به بكثرة ما كتب عنها وبحث في فحواها، ولكن غلف ذلك بإضفاء القدسية على أبطالها وهذا لايقود إلى تحررا لإنسان ومساواته لما تتضمن تلك الحقبات من توجيهات أصبحت کعقائد مصدقة تتفاعل ويؤخذ بها في التطبيقات الاجتماعية والدينية مع الأسف.

فإذا سلمنا أن هذا الوضع هو وضعنا ومورثنا المقدس لا يمكن مسه أو تحليله فلننظر إلى الحالة الاجتماعية التي نحن فيها من جميع الجوانب تأخر حضاري ومشاحنات فئوية قتل، تکفیر، محدودية الإبداع إن لم يكن توقفه فعلي من نلحق هذا، فالتلاحقات ليست من فراغ فالفراغ عدم.... فلا بد أن نربط ذلك بذلك المورث وعندها نحكم بكل التفكير الفطري بأن إسلامنا يحمل في طياته الفشل وعوامل عدم استمرارية الحياة أو تجديده، نعم تلك هي ثلاثة عشر قرنا بمجمله. إذا نحن في مشكلة حتى في العقيدة لأننا نحمل كل الفشل على الإسلام؟ ! ولكن هل الأمر كذلك.

إن الخطأ ليس في العقيدة وملتزماتها الرائعة ولكن الخطأ في الفقه والجانب الذي عطل القرآن كقول فخر الرازي إن السنة تختزل القرآن والسنة أصبحت سنن وعلى هذا الأمر بني الفقه عليه بالاجتهادات المدفوعة، منفعة لأمر أو تعصب لرأي أو طلبا للكرسي أو الشهرة أو تصديقا أعمى للموروث وعصمته.

وحتى لا يطول بنا المقام في التحليل والمؤشرات نرجع إلى أصل الإسلام ونستنبط معانيه الفطرية البسيطة الشاملة، كان ذلك نبراسا للفطرة الفاضلة السليمة وألا يكون (المحاکات) للأوجه التي تريد الدوافع الاستناد عليها. لذا فإننا سوف نحتكم إلى البسيط الذي يحاكي الفطرة

من غير تعقيدات التأويلية للمذاهب الظاهرية وهذا ما أمرنا القرآن الأخذ به.

•«یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْیَاءَ إِن تُبْدَ لَکُمْ تَسُؤْکُمْ»

•إن الله يأمركم أن تذبحوه بقرة (عندما بدأت المجادلة) اتتخذنا هزوة... ماهي........ ما لونها...... تشابه علينا وبه ضاع الأمرالبسيط بذبح البقرة إلى تحديدات اللون والحجم والحالة..)

•نفس اسم الله من البساطة إذ لا يؤول ولا يفسر من حيث التركيب اللفظي أو الحرفي وإنما الإيمان به كما هو وهو الاسم الذي يتعلق به تسليمة وإيمانا وعدم التخلق به كبقية الأسماء الحسنى المباركة.

فمن هذا المنطلق سندخل إلى معاني القرآن وما نحن نفهمه بفطرتنا، وهذا ليس حرام بل القرآن هو خطاب عام للإنسان والإنسانية وإلا لم نؤمر بقراءته وترتيله وتتدبر آياته وأخذ عموم لفظه لعالمية مخاطبته.

يقول القرآن الكريم «لَّا یَأْتِیهِ الْبَاطِلُ مِن بَیْنِ یَدَیْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ »:

اولا:

«وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِیعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ ».فماذا نرى هل نرى نحن جميعا معتصمون بالحبل الواحد؟ معتصمين به بفعاليات الخلق الإسلامي بالعلم والعمل له نتائج إيجابية بصورة شمولية ترتقي إلى الهدف الإسلامي ونقائه وعفته؟ في وحدة أرشدنا إليها قرآننا؟.... کلا !... بل نری:

•الفرقة في التمذهب وشيع وطوائف وفرق.

•دولا وأقاليم.

•أقطارة وأسماء جغرافية مصورة.

•تكفير وتشكيك وتشريك.

•فتاوى القتل والتبديع والإبادة والتهجير والتحريم من الحقوق، والتي أباحت في إحدى الدول أخذ الجزية من بعض الفرق الإسلامية على أنهم مشركون كفرة وكان ذلك إلى عهد قريب.

وقد وصل أثر فتاوى التكفير والإشراك إلى خطط التطهير المذهبي بالإبادة والتهجير، فليمعن الأستاذ أحمد المنصور النظر والفكر في الفتاوى التي أباحت دماء المسلمين الشيعة الخارجين عن دائرة الاعتقادات الفرعية لطالبان ومحاربتهم للهزارا والطاجيك والأزبك وغيرهم، الأمر الشريعة وأمر أمير المؤمنين وإبادتهم. فليمعن الفكر أيضا فيما عملت مثل هذه الفتاوی من قتل وذبح ورش المصلين بالرصاص وقتلهم وإبادتهم في المساجد والحسينيات في باكستان من قبل المنتسبين لجيش الصحابة الظلامين وحكمهم على تهجير الشيعة وتطهيرهم عرقية ومذهبية إلى خارج باكستان. والبرامج الرمضانية في الفضائية المستقلة تعطينا صورة واضحة عن الحضيض الأموي والمتعشش في السلفية الأموية.

ثانيا:

«...وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِینَ وَلَکِنَّ الْمُنَافِقِینَ لَا یَعْلَمُونَ »[المنافقون : الآية: 8] وهذا حق وصدق ولكن أين العزة في أواسط المسلمين؟ الإذلال واضح على وجه كل مسلم ومسلمة؟ ذل مصادرة الحريات (الشوری) ذل السواد من قبل النافذين المؤدي إلى الإملاق، والآن ذل كل مسلم بالهيمنة الإملائيةبعنجهية لا تعرف اللين والأخلاق من قبل الجموح الأمريكي، ذل المحرومين من التوزيع العادل للثروة

العباد، وهذا نحن لا نتكلم عن إقليم أو قطعة أرض إسلامية معينه بل المشكلة عامة، الذل والجهل والفقر والصحة العليلة بدنية أو نفسية، ذل التأخر والحاجة، داخل الخلل الاجتماعي وخارجا استجداء للمعونات وغيرها..... ذل الجهل التقني ووسائل الإنتاج وغيرها من أدوات تيسير الحياة الحرة الكريمة بعيده عن الإملات، أمة لا وزن لها ولا مساهمة لها على خارطة الاختراعات والإبداع في ساحات الأدب الحر الخلاق على الساحة الإنسانية. ألايطرح ذلك سؤال أين کوامن هدم العزة والاعتصام كما يشير ويدعو إليه الدين الحنيف حقا؟ أليس ثلاثة عشر قرنا أشرنا إليها كانت تحمل معاولها؟

ثالثا:

قال سبحانه وتعالى «...وَأَمْرُهُمْ شُورَی بَیْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ »[الشورى الآية : 38] فلنطبع تحت كلمة الشورى عدة خطوط ثم لو فسرنا هذه الآية وما تحمل من كلمة (الشوری) بتفسير لغوي باستشعار فطري الذي ركزه الله في ضمائرنا، وفي حالة توقف الوحي والهداية اللدنية وعلى قاعدة عموم اللفظ لعالمية القرآن وكونيته - المحفوظ. نستشف بل نستنبط أن توکیل أمر تنظيم الأمة موكل على الأمة وأفرادها في حالة مشورة عامة اعتمادا على المدلل «وَأَمْرُهُمْ شُورَی بَیْنَهُمْ »وبالبداهة إشراك كافة المجتمعات الإنسانية في هذه الشورى قرية كانت أو مدينة أم القرى وصولا للعاصمة. تجتمع القرية بمجتمعها الصغير وتتشاور لانتخاب ممثلها المرسل إلى تجمع المنطقة وهكذا وصولا إلى التمثيل المركزي للشورى العامة والذي يقوم بتنظيم أمر الحياة مع الطبقة الحاكمة حتى تتم الشورى العامة بتنظيم أمر الحياة تشريعا وتنفيذا وعدلا، هذا ما نفهمها من أمر الشورى بينهم، وهذا لا يقول بداهة الأمر بيد أصحاب الحل والعقد المفروضة فرضة کنتيجة الصراعات على الحكم فيما بينهم ومنهم عسكريون الذين لا

يعرفون شيئا عن الإدارة المدنية المجتمعية التي تطلب معرفة وكياسة لأجل سلامة المجتمع وعدله ورفاه. فهل طبق مبدأ الشورى المحسوس والمستشعر في الضمير الفطري بداهة. وبمعنى القرآني الشفاف، البسيط في تعبيره الواسع في قاعدته العريضة وهو الإنسان بكل أعداده وصولا إلى كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. إذا خضنا في ساحات القرآن ورياضه وعرصاته وحضراته نری:

• تباشير السعادة على قواعد التقوى، بألة العدل في إطار الأخلاق والفضيلة والعمل المجدي الصالح، من لدن رب کریم. ولكننا نفتقد في حياتنا هذه السعادات لما ملئ علينا من التغبش والشقاء للعوامل التي تكلمنا عنها والتي تحمل معاول هدم لے 13 قرنة (ياسي أحمد) لأن المقدمات في تطبيقها كانت خاطئة فالنتيجة أتت منحرفة سالبة في معطياتها لأن الإسلام حرف ليلائم خدمة ومصلحة طبقة من المسلمين معينة من الخلفاء الأمويين والعباسيين وما خلفوا من الخلفاء اللاحقيين في كل أصقاع دنيا الإسلام. منهم العثمانيون وغيرهم .......

ومن هذا فإننا في حاجة إلى التذكير بتلك الأحداث على حقيقتها المتفاعلة في حركة التاريخ، لا أن نقول لأي متدخل لتصحيح المفهوم الخاطئ أنك تهدم 13 قرنا..... لأن اللاعبين في تلك الأزمنة لا يمكننا أن نخلع عليهم خلعة العصمة والتقوى على الإطلاق، لذا فإن عملهم كان فيها نقاط سالبة كثيرة ومصيرية بالنسبة لمسيرة الأمة. فالحركة والحدث الإيجابي يؤول إلى نتيجة إيجابية وتبنى عليها تصورات أحداث مستقبلية، والتي نطلق عليها خطط العملالمستقبلي، وهكذا تنبلج بذلك سلسلة من المستجدات في حركة مستمرة من الإيجابيات تؤثر في نماء الحركة الإنسانية سكانة، أو ثروة أو سلوكا متحضرة مستندة إلى أخلاقيات اجتماعية للمحافظة على مسيرة الحياة المسالمة ونقائها بروح حره، وأما إذا كانت الأحداث عكس ذلك خاصة فيما يخص بمصادرة

الحريات والعدل إذا لابد أن نتصور نتائج سلبية ذل وظلم. إن البكاء على الأطلال لا يجدي نفعا إذا كان بكاء لأجل البكاء ولكن إذا كان تذکیر للتصحيح فهو المراد. والذي لا يجدي نفعا افتراض التحصين والعصمة القرون أساس بنائها كان تطلعات المناكب ثم رمي أسباب تأخرنا على المؤامرات الخارجية، وأن لا يخلو الأمر من بعضها، ولكن لم تطلب منا المؤامرة أن نقمع الشوری كما جاءت في القرآن الكريم، ولم تطلب منا المؤامرة فتاوى التكفير والقتل وإلا وطوقراطية..... فإن ذلك حدث منذ أمد بعيد وليس وليد الصراعات المعاصرة التي لعبت المؤامرات فيها دورة، فالذي عبرنا عنه من الأحقاب كان الإسلام فيها قوية وكانت الثغور فيها تحرس من قبل المرابطين، ثم ما العلاقة بين فتاوى التكفير والإبادة بالعامل الخارجي، ومن شاهد الرمضانيات التراويحية خاصة البرامج المشاركة السلفية يرى إلى أي حضيض نزلوا الإسلام في بحيرات من الدم حيث كان الجواب حول التكفير المحاور السلفي أو عند السلفين أن علماء الشيعة في بلد معين كفرة مشرکون لأنهم سمعوا الهداية (السلفية) ولم يعوها، وأن الأتباع من الشيعة في ذلك البلد تبعوا علمائهم فهم كفرة مشركون، أما سائر الشيعة الخارجين من ذلك البلد إذا سمعوا الهداية السلفية) ورفضوها فهم خارجين عن الملة، لأن علمائهم كذلك فلو أعددنا هؤلاء فهم لا يقلون عن 300 مليون يضاف إليهم السالكين الصوفيين فهم من زوار قبر النبي والأولياء ويطلبون الشفاعة والوسيلة منهم، فهم أيضا مشركون وقد يزيد عددهم، من جميع المذاهب عن 400 مليون مسلم تخمينة، من المغرب بشمول أفريقيا ثم الجزيرة العربية والهلال الخصيب إلى إيران وتركيا وآسيا الصغرى ومن آسيا الجنوبية كل تلك الأجواء تشدو بأناشيد العشقالإلهي والتوسل بالنبي وآله وأوليائه ، ثم إذا تدرجنا إلى البقية الباقية من أصحاب المذاهب السنية الأربعة الوسطية المتاثرة بالأشعرية فإنهم يبجلون الأولياء ويحضرون حضارات

الذكر، منهم الشوافع والموالك والأحناف وبعضهم الحنابلة. أما الإمام الشافعي والبصيري والغزالي رضوان الله عليهم فهم في قمة الانحراف عندهم أولائك مشركون بالتوحيد، كفرة أصحاب النار لأنهم إما صوفيين أو متوسلین بآل بيت الرسول كالشافعي رضوان الله عليه. فإذا أضيف هؤلاء حسب اعتقاد السلفية إلى 700 مليون مسلم فمن يبقى مؤمنة موحدة يدخل الجنة - وا..... لسوء حظ الجنان التي ستظل خالية إلا من بعض البشر وهم السلفية.

الفصل الثالث: الكبوة الثالثة

اشارة

في الواقع فإن هذه الكبوة تشمل على 3 تدحرجات وهي :

ا. في مفهوم المهدية.

2- في العصمة.

3- في فرص الهيمنة على البرنامج وإسكات المتدخل.

الأولى : - في رد الأخ أحمد المنصور للمتدخل شفيق جرادة من لبنان وهو يشرح مفهوم المهدية الإسلامي، قال المنصور لشفيق لا تخلط بين مفهوم المهدية عند الشيعة والسنة فهو مختلف وعندما أراد الشخص أن يوضح الفكرة أنبرى له أحمد بقوله أنا لا أترك لك الكلام على عواهنه أو اطلاقة وأنا الذي أدير البرنامج... سبحان الله هل هذه العلاقة جيدة بين المشاهد المستمع المشارك لإثراء الموضوع وبين مقدم البرنامج الذي يجب أن يكون محايدة ومنصفة لآراء الناس لا أن يكون طرفا فيها وهذه من تدحرجات في الكبوة الثالثة. فيما يتعلق بالمهدية فقد شرحنا ذلك في كتابنا الإمام المهدي علیه السلام من هذا الكتاب في المجلد المشترك. ونضيف عليه أن نكران الاتفاق بين السنة والشيعة حول مفهوم المهدية غير صحيح وأنما الاتفاق بين السنة والشيعة أمر مؤكد ولكن الاختلاف

مع السلفية، وحتى هؤلاء منهم من أقر وطلب عدم التكابر فيه في بيت الله الحرام بمكة حيث كان شيخ يطرح هذا الأمر على المستمعين قائلا إن الاتفاق العام حول مفهوم المهدية عام وموحد وطلب من السلفية أصحاب مذهبه عدم التكابر في نكرانه، لأن ذلك لا يجدي. وفيما يتعلق بقوله أي الأخ أحمد المنصور عن العصمة وانحصارها في الرسول الكريم وهي في الواقع محصورة في أمور التبليغ عند السلفية وليست عامة، فسنرد عليها تباعة. فيما يتعلق بإسكات المستمع المشاهد، فنترکه للتاريخ يحكم عليه، لأن الأمر نتاج فكر تسلطي لمحيط أوساطنا غزلته وحاكته الوضعيات الفارضة على الناس السكوت والطاعة العمياء ورفض الغير.

إذا فلنرجع إلى مسار عنوان الكتاب الذي محتوياته بالتسلسل المواضيع - ولاية الفقيه - العصمة - التشكيك في نهج البلاغة.

الفصل : ولاية الفقيه

ولاية الفقيه في رأي، استنباط لاستحداث منصب من الضروريات الحكم الإسلامي من المعطيات الفقهيه سوف نكتشفها في هذه الكبوة.

لقد طال الجدل في المقابلة بين أحمد الكاتب وأحمد المنصور في ولاية الفقيه وإن كان الاثنان طاغيان فيها إلا أن الكاتب أجهد نفسه في دحضها والتقليل من سندها. فعلينا إلقاء الضوء على المسألة برمتها وشمولها في أصالة الولاية التي أوجد منها قاعدة ولاية الفقيه، واعتقادها وضروراتها في مجال تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية. لقد ربطت ولاية الفقيه بعصر النراقي أي قبل نيف ومائة سنة، ورغم إقرار أحمد الكاتب بأن الفقهاء هم الذين كانوا يجيزون حكام القاجار والصفويين الحكم بعد معرفة صلاحهم أي أن الولاة هم الفقهاء فالولاية الفعلية كانت بين الفقهاء. علما بأن صفي الدين الأردبيلي كان من حکام الصفويين كان نفسه الولي الفقيه لاجتماع العلوم الحوزوية للشريعة والمعارف الحقيقية فيه، أي اجتمعت علوم الشريعة والحقيقة فيه فهو الولي الفقيه والحاكم الشرعي كذلك السيد إسماعيل ابنه، ولكن عندما بردت حرارة علوم الحقيقة في أسلافه رويدا رويدا لانشغالهم في مسائل الحكم والشؤون السبية الدنيوية وإن كان على أحكام الشريعة الظاهرية ، تحولوا إلى وضع ضرورة حصولهم على دعم الفقهاء وإجازتهم وهذا نوع من ولاية الفقيه.

ولاية الفقيه في أصالتها الإسلامية :

الولاية في حقيقة الأمر من مكونات التحقيق للخلافة الإلهية في حال الوصول إليها - «وَإِذْ قَالَ رَبُّکَ لِلْمَلَائِکَةِ إِنِّی جَاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً »وفي المفهوم الظاهري والعملي في ممارسة الحياة الإسلامية أمر متنوع لا ارتباط الولايةلظاهرية الأمر وليس على منحة محققه من الله القائمة على خدمته العبادية التي تورث اليقين فقط، فالمفاهيم الظاهرية في الولاية متنوعة كولاية رب الأسرة على الأسرة وولاية رب العمل في محيط العمل أو ولاية الأمير الحاكم للأمة... أما الولاية المنحية للأولياء الذين وصلوا إلى اليقين «وَاعْبُدْ رَبَّکَ حَتَّی یَأْتِیَکَ الْیَقِینُ (99)»أو ولاية اصطفائية كولاية الأنبياء والرسل والأوصياء وبعض العباد فذلك اصطفاء واختيار وانتجاب. إن مستند الولاية لدى كافة المسلمين والشيعة بصفة محددة على الآية الكريمة «إِنَّمَا وَلِیُّکُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِینَ آمَنُوا الَّذِینَ یُقِیمُونَ الصَّلَاةَ وَیُؤْتُونَ الزَّکَاةَ وَهُمْ رَاکِعُونَ (55)»والتي بإجماع الأمة (شذ عنه بعض السلفية نزلت في سيدنا أمير المؤمنین علي عندما تصدق بخاتمه وهو راكع والذي تشير إليه الآية وهم راكعون أي في الركوع والمناسبة معروفة. وللصوفية في هذا شأن غيبي عظيم بارتباط الولاية بسيدنا علي ال نتوقف هنا الولوج فيه من حيث هو باب مدينة العلم. فالظاهرية من أهل السنة والجماعة والسلفية هم متفقون بمفهوم الولاية فهو مفهوم نقلي تبلور مع السنة على مر الأيام بمجادلات فقيه من أفواه الرجال بمقارنات وحجج عدة، أما مفهوم السلفية فقد وضع في زمن بدء الدولة الأموية بالطريقة الوضعية المعروفة وهي ولاية الأمير (أولو الأمر) أما عندما الشيعة فالولاية مبنية على استرشاد غيبي تفسير الآية الولاية فهي من الله ورسوله ثم سيدنا علي ثم للورثة الأصفياء الأئمة أهل البيت انتهاء إلى الإمام المهدي..... وبعد ذاك العصر تحورت الولاية في العلماء الأولياء الذين جمعوا بين علوم

الشريعة والفتح الرباني، فتح العلوم اللدنية كما يعبر عنه بالعلم العرفاني بمنهج السير والسلوك حيث كان العالم مرجعا للشريعة وولية للحقيقة انجذبت إليهم جموع الشيعة، وكان هناك من امتهن فقط وظيفة علم الشريعة لصعوبة علوم العرفان، ولكن العالم الولي كان أكثر انجذابة للناس خاصة الأتقياء والأصفياءبالفطرة منهم لما يمتع به الأولياء من صفاء النية وكرامة الولاية فحديثهم حديث قلبي مع العقل وليس العقل فقط. فكانت هناك مجالس الذكر وحوزات الفقراء كما كانت تسمى في النجف تربي العرفاء وحوزات علم الشريعة كما هي الآن تخرج علماء الشريعة حتى أغلقت وحوربت حوزات الفقراء الاشتراك الصوفية مع العرفاء في حقائق المكاشفات الواردات اللطائف الواردة على القلب للعلوم اللدنية الإلهية بحجة أن هذا الأمر سني الطابع، وفي إيران كان العرفان العملي المنهجي مألوفة لغاية عصر العباس الصفوي، وكان أسلافه بدءا من السيد الأردبيلي ثم ابنه حيدر، وقد يكون فيمن خلفوه، من الحكام الأولياء جمعوا الشريعة مع الحقيقة (الولاية) ولكن على مر الأيام انشغل الصفويون بشؤون الحكم وانغمسوا فيه وقد يكون أثر الحروب وغزوها لإيران أدى إلى هذا الانشغال، بردت حرارة التوجه العرفاني لديهم، وفي عصر شاه عباس الصفوي رأى بطلان تلك الطريقة والاكتفاء بعناصر الشريعة الظاهرية، فحصل على تأكيد العلامة السيد محمد المجلسي رحمه الله ، وفي جلسة ضمته مع السيد الأمير محمد داماد والشيخ البهائي وهذان الولیان اعتراضا على ذلك وحذرا وأكدا أن جوهر التشيع في بحور العرفان ولكن جهدهم ونصحهم ذهبت أدارج الرياح فحورب العرفان على أنه تصوف سني وتوقف. تمسك به القليلون بصورة الفردية ممن انجذبوا إلى الله وهم المطلوبون، وسبقت لهم الحسنى أو طالبين وهم قلة وكلهم خائفون أن يتكلموا في هذا المجال حتى لايحاربوا أو يتهموا بالتصوف. كذلك حوربت الولاية

الروحية في الأواسط السنية من قبل الأشعرين من السنة والسنة السلفية وكفرت الأخيرة الصوفية واتهمتها بالكفر والزندقة، ولكن الأولياء المحظوظون العاشقون الله في الأواسط السنية لم يستسلموا بل استمروا في منهجهم العبادي للسير والسلوك فعند الوصول إلى الولاية وعندها يفرغ الولي المرشد نفسه للأخذ بيد الحياري من البشر بفضل عون الله ونوره بأنفاس ورشحات سیدنا المصطفى وآله المتحلين بحليته إلى جادة النور والوحدانية الحقة، فولاية الولي لیست کولايةالفقيه فالفقيه يتعلم نقلا من الموجود ثم يجتهد ولكن الولي المحفوف بالكرامات يجهد نفسه حتى يفنيها في خدمة الله، عبادة وتفكرة ليل نهار حتى يأتيه اليقين بقبول الله له. وتخلع عليه الولاية ويمنح تأييد الإرشاد للعباد. عند شعور العلماء والمراجع في الساحة الشيعية بالفراغ الروحي الكبير بعد توقف النشاط العرفاني (الصوفي )العملي، وانحصر في الأفراد الخائفين عن نشر العلوم التوحيدية وصولا إلى التفريد، توجه علماء الشيعة(المرجعية) لملا هذا الفراغ إلى الفلسفة القديمة ومزج منطقها ومقولاتها ونظرياتها وجدلیاتها لمواءمة الفكر الإسلامي، وهذا الفكر المبتدع الجديد والبديل للعرفان العملي جعل الأمر لا يخرج عن دائرة الجدلیات العقلانية والتي نهايتها عقال، لأن العرفان الحق قائم على منهج عبادي مسترشد بمرشد ولي أخذ الله بیده بعد اقتحام العقاب فمنح الولاية وما يتبعها من العلوم الربانية والهداية الإلهية اللدنية بالواردات القلبية . فالعلوم المنقولة تعالج أمورها بالعقل أما علوم الولاية فترد على القلب كما أنزل القرآن على قلب الرسول فالأمر مفارق مختلف وفي الكل خیر ولكن فارق الخير كبير. لذا نقول إن مبدأ الولاية، ولاية العارف أو ولاية الفقيه مبدأ إسلامي. اما ولاية الفقيه في الأوساط الشيعية حاليا فهي بين معارض وموافق ولكل فريق حجتهم، ففي إيران وفق عليه على أنها حالة ضرورية لمواجهة المعضلات المعاصرة عند حدوثها

كي لا ينهار البناء السياسي الاجتماعي عند عدم حسمها بالحلول المطلوبة ولكن هذه الولاية أيضا لبت بجانب الضرورات أن جعلت النظام الإسلامي قائم على أسس فقهية على القرآن والأحاديث وآراء الفقهاء المؤيدة لها، وعلى ما في التجربة الانسانية من سابقة أعانت وتعين المجتمعات الديمقراطية القائمة على صوت المواطنين وضرورته إلى الشخص الحاسم في الأزمات الخطيرةلوضع حد لانهيار المجتمع أو حدوث ضرر فادح للنسيج الاجتماعي أو هدم قيم المبادئ التي يقوم عليه النظام السياسي والاجتماعي فالهند نموذج على ذلك، كذلك بريطانيا وحتى الولايات المتحدة، وأن يكن لرئيسها سطوة تمكنه استعمال سلطاته بطريقة غاشمة إلا أن الكونجرس له أن يتدخل للجم جموح الرئيس بوسائل مختلفة.

النظام البريطاني: فالملكة تملك مفاتيح الأمان عند تأزم الحالة بإقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة.

النظام الهندي: كبير القضاء في المحكمة العليا مع رئيس الجمهورية يمكنهم إقالة الحكومة وإعلان انتخابات جديدة.

أما في إيران فولاية الفقيه محكومة بضوابط وبأهلية ضابطة لشروط البناء الإسلامي وبعملية الانتخاب، ولكون ولاية الفقيه في المقابلة نقدت من قبل أحمد الكاتب بطريقة سلبية وسطحية وللانصاف يجب الرد عليها ردة نقدية إيجابية فالمصدر الذي يمكننا حصول الضوء منه هو دستور الجمهورية الإسلامية، في إيران. ففي المادة 107 من الدستور تنص بعد قيادة الإمام الخميني التي انبثقت من إرادة الأمة الإيرانية

(شاهدها العالم وسجلها التاريخ) فإن تعيين القائد بعد ذلك يتم من قبل الخبراء المنتخبين بموجب المادة الخامسة والمادة 109 من الدستور ففي المادة الخامسة هناك توصيفة للقائد المرجو تعينه أن يكون :

*فقیها.

*عادة تقية.

*بصيرة بأمور العصر.

*شجاعة قادرة على التدبير والإدارة.

أم في المادة 109 فهناك (3) فقرات بالتوصيف يجب مراعاتها في التعيين.

ا- الكفائة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف الأواب. أي أن يكون الفقيه مرجعة موثوقة به عندما يؤدي دوره حسب الدستور.

2 - العدالة والتقوى في القيادة.

3- الرؤية السياسية الصحيحة والكفاءة الاجتماعية والإدارية.

ولقد قرأنا النقد والجدل والتطاول على ولاية الفقيه (القائد) في المفهوم الإيراني فيما يتعلق بأمر التعينات لكونها ليست في إطار انتخابي صرف من الجماهير. لكون النظام إسلامي، وللإسلام في بحور معارفة رجالا متخصصون فالتصنيفات المؤهلية من الضرورة إيجادها حتى لا ينحرف النظام بالاجتهادات الفردية أو الدوافع الشخصية الأنانية أو بإسناد خارجي تأمري عن جادة الاختيار الشعبي وهو النظام الإسلامي، ومع هذا فإن وجود رابط انتخابي شاده إلى العملية الانتخابية ظاهر يحقق المطالب النظام الإسلامي المرضى عليه في المجتمع الإيراني.

أولا :- إن الولي الفقيه ينتخب من قبل مجلس الخبراء - فالأمرانتخابي

ثانيا : - مجلس الخبراء نفسه ينتخب من قبل مجلس صياغة الدستور - فالأمر انتخابي أيضا.

ثالثا : - مجلس صياغة الدستور مشکل بالكيفية التالية :

*6أعضاء من الفقهاء العدول العارفين لمقتضيات العصر وقضايا الساعة - يختارهم القائد الذي هو منتخب وهذا من وظائفه کتوظيف رئيس الوزراء مثلا.لذا فالأمر لا يخلوا من الارتباط الانتخابي.

*6من الأعضاء الحقوقين المسلمين من ذوي الاختصاص في مختلف فروع القانون يرشحهم رئيس القضاء ولكن يجب أن يصادق عليهم مجلس الشورى المنتخب شعبية، لذا فإن مجلس صياغة الدستور يشكل عن طريق مصادقة البرلمان بترشيح رئيس القضاء بالإضافة إلى الأعضاء المرشحين من قبل القائد، فالأمر له علامة انتخابية بشكل من الأشكال وهذه التشكيلة المراد بها المحافظة على الإطار الإسلامي للدولة والمجتمع، الاختيار الذي صوت عليه الشعب الإيراني.

أن ما يمكن الجدال عليه هو بجانب قضايا التي يراد لها الحسم فيما يتعلق بسلامة الجمهورية الإسلامية عند انحرافها عن جادة المبادئ الإسلامية فإن هناك وظائف أخرى أنيطت لمسؤولية القائد أو الولي الفقيه خاصة التعينات في الأجهزة التنفيذية وهي في كثير من البلدان من مهام رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء، ذلك نظرا لحداثة التجربة للحكم الإسلامي في الزمن المعاصر، وإبعاد تلك المراكز عن دور المصارعين السياسيين المختلفة مشاربهم بالفسيفساء المجتمع الإيراني سلامة للنهج الإسلامي والدولة الإسلامية، مع أن الأمر قد يتغير في مسار التطبيق الديمقراطي الشوري بنضج التجربة والتأكد من سلامة

المسيرة الإسلامية وعدم تجاوزها وهي خطوط حمراء بالتعبير المعاصر. ولكن الذي يؤخر هذا التغيير في مهام الولي الفقيه وهي أحدى عشرة | مهمة هو موقف الأمريكي المعادي المتحامل على هذا النظام، فإذا كانت هناك خطوط حمراء يجب عدم تجاوزها في الإطار الإسلامي في إيران، كذلكلكل نظام خطوط حمراء، فمثلا هناك عدة خطوط حمراء في أمريكا نفسها في النظام الأمريكي والقواعد التي يرتكز عليها البناء الاقتصاد الاجتماعي الأمريكي منها :

*عدم جواز للشيوعية في أمريكا ومنعها بشتى الوسائل منها العنف والمحاربة الاجتماعية.

*اقتصاد السوق بأوسع مفهومه الاستهلاكي.

*الصناعة القائمة على المبادرة الفردية.

*الملكية الرأسمالية الغير محددة مع ضوابط.

كذلك البلد الشيوعي مثل الصين لهم خطوطهم الحمراء وبريطانيا والفاتيكان وغيرهم فلماذا هذا التحامل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

إن الولايات المتحدة الأمريكية تتحمل وزر أي تأخر في التغيير الإيجابي على قاعدة الشوری بعداوتها المعلنة ومقاطعاتها وعقوباتها التقنية والاقتصادية وحصارها السياسي ومصادرة أموال الإيرانيين، مما يحفز الإيرانيين تحمل الصعاب والدفاع عن بلدهم خاصة أن أمريكا ولمصلحة إسرائيل تحارب إيران محاربة لا هوادة فيها فيما يخص المسألة النووية السلمية والتي هي حق جميع الناس على الكرة الأرضية. علما فإن في النظام الإسلامي الإيراني، البرلمان أقوى من الكونجرس الأمريكي أمام الرئيس، فالرئيس الإيراني لايملك تلك الصلاحيات التي يمكنه تحدي مجلس الشورى البرلمان، ولكن الرئيس الأمريكي يملك

من الصلاحيات يمكنه أن يحول الدنيا إلى خراب ودمار، والكونجرس لا يمكنه أن يوقفه لأن لديه (الفيتو) عليه والتأثير على الرئيس قد يأخذ شهورة ومدة طويلة في حين حل الدمار بالناس، في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان والصومال وغيرها، مآسيها آتية من المواقف والأخطاء الأمريكية في معالجة الأمور، أساس تلك السلطات الهائلة للرئيس الأمريكي، فلو أخذناعهد السيد بوش لرأينا جموحة ودوافع عديدة متنوعة بها ينطلق لمعالجة الأمور منها شخصية تتعلق بعقيدته المحافظة ومنها انطلق إلى محاربة الإسلام كما أعلنها وإن سحبها، ولكن إعلانها ينم عما بداخله كذلك موقفه من النووي الإيراني السلمي، إن رأي في النووي الإيراني أنه آمن على البشرية في اتخاذ قرارتها من الولايات المتحدة الأمريكية التي أنتجت القنابل النووية استعملتها في هيروشيما ونجازاكي، واليورانيوم المنضب في العراق وربما في أماكن أخرى واستعملت إسرائيل ذلك في لبنان كما أشارت الصحف وهو من عطاءات الأمريكية الإسرائيل بجانب العنقوديات والخارقات الذكية، أنتجت القنابل، وهي ترفض الاتفاقيات المتعلقة الحد والقضاء على الأسلحة النووية بل مستمرة في التخزين والتجارب بل صنع القنابل النووية التكتيكية وتصنيع الأسلحة وتجريبها على العرب كما حدث في لبنان من قبل الإسرائليين وهي التي أعطتها. ولندلل كيف أن إيران آمن من أمريكا وأعقل منها في أخذ القرارات الإبادية للبشرية .

أولا :- إيران أعلنت أنها لاتنوي امتلاك القنابل النووية لأن دينها يمنع ذلك.

ثانيا : - هناك سابقة حدثت عندما امتلك صدام حسين، الرئيس العراقي الذي أعدم، السلاح الكيميائي الذي ساعدته في امتلاكه أمریکا وبعلم وبتغطية منها تقدم عددا من خبراء الأسلحة إلى الإمام الخميني الراحل بمشروع تجهيز الجيش بهذا السلاح لاستعماله ضد جيوش

صدام. ما دام هو البادي بذلك فإن كلمة السيد الخميني صارمة ومدوية عندما قال : لا نحن لسنا بصدد إبادة البشر اصبروا وتحملوا والله معكم، ولقد استعمل صدام الأسلحة الكميائية ضد الإيرانيين بتغطية أمريكية وحتى الدفاع عنها بعد استعمالها ومحاولة اتهام الإيرانيين بها، وماذا بعد أذية الأمريكيين للإيرانيين وحكمهم القائم في حالة الحسم للقضايا المصيرية للنهج الإسلامي على ولاية الفقيه هناك اتهامات يقابلها إجراءات الأذى وخلق الفتن لهاومن المآخذ هي حقوق الأقليات.

من يقرأ دستور الجمهورية الإسلامية يعلم أن هناك أقليات من اليهود والمسيحين وزارا دشتين (المجوس) وبهائية، أما اليهود والمسيحيون والزرادشت فلهم الحقوق وحرية العقيدة مثلهم مثل المسلمين، بل هناك بعض الامتيازات الاستثنائية. فبجانب حقهم في الاقتراع العام في انتخاب مجلس الشورى ولاحتمال أن لا يأتي منهم أحد في العملية العامة لقلة عددهم اعطو حقا إضافية أن يختاروا ممثلا لهم بالإضافة لكل فرقة منهم في الاختيار العام أما البهائيون، فهم في المفهوم الإسلامي مرتدون عن الإسلام، حيث كانوا مسلمين ثم تخلوا عنه، والحركة البهائية معروفة وهم يعاملون من هذا المنطلق، ومع هذا لا أحد يقيم عليهم حدا أو يعترضهم ولهم أعدادة في إيران خاصة في منطقة يزد كما أفهم، والذي يعقد مسألتهم هي نفس أمريكا لتبنيهم وزجهم الوقوف ضد وطنهم، ومع هذا فإن مسألتهم حلها لا يأتي من الضغوط والعداوات والتشدد كما تعمل أمريكا ولكن بالحوار والبحث عن مخارج فقهية على أنهم ظاهرة وجودية واقعة لم تختار لنفسها هذا الدين ولكن ورثتها من سلفهم فأمر الارتداد على أسلافهم.. لست أدري هل هذا قد يكون مخرجا فقهية وأنا لست بفقيه، ولكن كما نعلم ففي الفقه الإسلامي مخارج اجتهادية للمعضلات الاجتماعية وأهل العلم الديني هم المرجع ولكن يجب أن لا تزجهم أمريكا في عداواتها

وتحرشاتها ضد وطنهم، وقد تحل المعضلة بشكل أو آخر وحسب علمي فإن ليس هناك اضطهاد مباشر على وجودهم وأتمنى أن لا يكون، إن مسألة البهائية عقدية أو فقهية إسلامية ولن تحل إلا بمخرج ديني إسلامي. بما أن ولاية الفقيه مصدرها ولاية الولي بالأصل فمفهوم هذه الولاية أي ولاية الفقيه وتطبيقاتها شرحناها حيث الضرورة وهنا نلخصها كما هي عند أهلها.

الولاية أو ولاية الفقيه في الدولة الإسلامية الإيرانية. أنه مبدأ اجتهادي تطور لضرورات مسيرة حياة المجتمع الإنساني في إيران في إطار إسلامي والمحافظة عليه، ومن الانطلاق منه لبناء الاستقرار الضروري للتنمية، اقتصادية أو إنسانية علمية وفكرية، وهذا الابتداع اجتهد على قواعد الشورى أو متدرج على سلم الشوری کما بینا، إلا أن هذا النظام فيما يخص صلاحيات رئيس الجمهورية محكوم بمراقبة البرلمان وخاضع له وبناء عليه أي أنه مبدأ متطور اجتهادي فيمكن أن ينال التطور والتحديث هذا المبدأ عندما يطمئن النظام الإسلامي على سلامة وأمن النظام الذي رضي الشعب الإيراني به ويمكن إحداث تطور وتحديث وتحوير فيه، شريطة عدم تدخل خارجي مثل تدخل الأمريكي الصارم والقاسي في شؤون هذه الجمهورية الإسلامية الفتية، ولا أقول أساس النظام الإسلامي بل تنظيم المهام فيه حتى مسؤوليات الولي الفقيه بالحوار والتعايش.

إذا فولاية الفقيه مبدأ اجتهادي تطور لضرورات مسيرة حياة المجتمع الإسلامي بغية وضع الضوابط لاستقرار هذا المجتمع للتوجه إلى البناء والنماء الاقتصادي والفكري في إيران، وهذا هو التصور في ابتداعه وقد أرسى على قواعد الشورى، أو متدرج على سلم الشوری وهو ما شرحناه عند الكلام عن النظام الإسلامي في إيران كذلك استرشادة على آراء العلماء المؤيدين لمثل هذا الرأي الولائي للفقيه. أما وضع الولاية عند جميع الفرق فهو في الأطر التالية.

1.

عند ظاهرية أهل السنة وهم على مبدأ الأشاعرة بصورة عامة فإن الولاية للحاكم الأمير بشروطها المعروفة ويشاركهم السلفية، ورغم أن هناك في أواسط السنة آراء واضحة مثل رأي الجويني والسمهوري بأن الولي أو الحاكم يجب أن يكون فقيها. أو أن الحاكم إن لم يكن فقيها فيجب أن يكون مفوضة ومدعومة من قبل الفقيه المجتهد بالولاية في الأصل له يعطيها للحاكم الداعم لهاأي للمجتهد في تسير الحكم الشرعي.

2.

عند الشيعة الظاهرية فليس لها وضوح قاطع معترف به إجماعا لذا أخذ مسار الإقرار بها اجتهادية مع وجود معارضين له من العلماء السلف والمعاصرين للدوافع المرجعية التنوع المراجع..........؟ أما في إيران فابتدع باسم ولاية الفقيه للحفاظ على النسيج والطابع الإسلامي للدولة على قاعدة الاجتهاد الشرعي وضرورات الحكم ومسيرة الحياة بالمفهوم الفقهي الإسلامي.

3.

أما الولاية عند الصوفية السنة وعرفاء الشيعة فحقيقتها شهودية ومنحة إلهية مرتبطة بالكرامة والعطاء الرباني، وعند صوفية أهل السنه أكثر وضوحا لتكامل منهاج السير والسلوك بإرشاد الولي المرشد وحضور مجالس الذكر والدروس في حضرته وطاعته عند الاطمئنان على صدقه ومحفوفته من الله بالكرامة والتأييد، وفي هذا المضمار نذكر قصيدة عرفانية نوردها هنا لمولانا أمير المؤمنین علي علیه السلام المتعلقة في بعض جوانبها بالولي ووجود صحبته وأوصاف الولي.

4.

لم يزل سيدي بالحمد معروفة*** لم يزل سيدي بالجود موصوفا

5.

وكان إذ ليس نور يستضاء به ***ولا ظلام على الآفاق معكوفا

6.

فربنا بخلاف الخلق كلهم ***وكل ماكان في الأوهام موصوفا

7.

فمن يرده على التشبيه ممتثلا***يرجع أخا حصر بالعجز مكتوفا

5. وفي المعارج يلقى موج قدرته*** موجة يعارض طرف الروح مکفوفا

6.فاترك أخا جدل في الدين منعمقة ***قد باشر الشك فيه الرأي مأووفا

7.

واصحب أخا ثقة حبا لسيده ***وفي الكرامات من مولاه محفوفا

8.

أمسى دليل الهدى في الأرض مبتسما*** وفي السماء جميل الحال معروفا

هذه القصيدة ذكرت في كتاب (الروح المجرد) ترجمة الحياة العارف الولي الحاج السيد هاشم الموسوي الحداد لمؤلفه العلامة العارف من مريدي السيد هاشم، آية الله السيد محمد حسين الحسيني الطهراني ص 6-7 نقلا من بحار الأنوار للعلامة السيد محمد المجلسي نور الله مقامة.

هامش آخر. يرجى التدقيق في الأبيات 6 و7 و8 بروح مجردة طلبا للحقيقة من لسان سيدنا ومولانا أمير المؤمنين أمير الأولياء عليه أفضل الصلاة والسلام لأنها إشارة ناصعة إلى الولي (أخا ثقة) حبا لله والذي يحفه بالكرامة حتى يمسي دليل الهدى في الأرض ونجمة معروفة في السماء وهذا حال الأولياء المرشدين

الفصل الرابع: الكبوة الرابعة

العصمة : عندما ذكرت العصمة على لسان شقيق الجرادة من لبنان کمتدخل أسكت بقول الأستاذ أحمد المنصور بأن لا عصمة بعد الرسول فكيف يكون الإمام معصومة ثم أقفل الكلام في الموضوع فكان هو المحاور والمحاور يتدخل ويرد والبقية على مسرح الدمى يجب أن تتحرك باصابعه.

ماذا أقول في الطرح المذكور، لقد صغرت عطاءات الكريم في نظر بعض المسلمين خاصة السلفية فحددوها بموازین محدودة ظاهرية رتبت لهم بدهاء غريب وانطلت عليهم فصغرت فيها منح الرحمن لعباده فحرمت العصمة منه سبحانه وتعالى لمن يشاء من خلقة، بل ذهب حكمهم إلى تحديد عصمة الرسول في التبليغ مقولة أموية موضوعة التصغير شأنه الكريم عداوة حملته بنو أمية في قلوبهم وضمائرهم للبيت الهاشمي الفاضل لأحقاد دفينة بانت في المعاملة السيئة والجائرة لآله وعترته وأتباعهم.

ومن هنا نرى أن نجعل تدخلنا إلى مفهوم العصمة بدلائل فطرية ووجودية في العديد من الظواهر تعم الوجود كله فلولاها لانهار الوجود فمثلا :

1.

كانت نسبة الوفيات بين أطفال البشر عالية جدا ولكن ولما اكتشف المصل المكون للمناعة من الأمراض السارية وحصن الأطفال بها أصبحوا في عصمة من وفيات الأطفال إلا ما ندر، إذا الأطفال فهم في إطار عصمة من هذه الناحية. 2 - التقي الصالح الملتزم بأحكامالشريعة ومنتبه لها رجاء طاعة الله واتقاء من نار جهنم والدخول إلى الجنة كما وعد الله للمتقين، فهو في عصمة من غضب الله وعقابه عکسا لغير ملتزم بالشرع، كذلك فإن التقي في عصمة من العقوبات القصاصية لارتكاب المخالفات الموجبه للقصاص كالسرقة والبهتان ورمي المحصنة و... و.... في حين الجنات المذنبين معرضين للعقوبات فالأول معصوم أما الآخرفلا.

2.

ابن سيدنا نوح استعمل كلمة العصمة ولو في غير تقدير صحيح ولكنه استعملها (ساوي إلى جبل يعصمني من الماء) ولكنه لم يكن معصوما لعصيانه الله ولو ركب السفينة مع سيدنا نوح لكان في عصمة من الغرق.

3.

الإنسان القانع في كسبه فيتحرك صرفة وادخارة في محدودية ذلك الكسب أو الدخل فهو في عصمة عن النتائج الشنيعة التي يواجهها الغير قنوع المتحايل الذي يخدع ويسرق ثم يواجه المشاكل والسجن والتشتت وغيرها من العقوبات، فالأول معصوم والثاني معرض للمكروه لسرقة سرقها أو دين عجز عن سداده وتحايله على الناس.

4.

إننا نعتصم بملابسنا التقينا الحر أو البرد وتكسبنا الحشمة والاحترام ونعتصم ببيوتنا رجاء الخصوصية الشخصية وحرية التملك والحركة فيها ولوظائف اجتماعية عديدة، وهكذا بقية العصم فإنها قانون عام

كوني فالكون برمته معصوم بقوی جبارة جبروتية عن أن ينهار وحتى أرضنا هذه في عصمة من الأشعة الكونية وفوق البنفسجية ودون الحمراء والجاماوالأكسس بغلاف جوي محكم الذي أحكمها مبدع الخلق البديع الحكيم.

فهل بعد كل ذلك نستكثر على الله أن يعطي العصمة لعبد عبده وخدمه وأطاعه وقضى الحياة في ملازمة أوامره، وقضى جل حياته مرتبطة به موحدة ومفردة له قائمة بفروضه ونوافله حتى يحبه سبحانه وتعالى ويعطيه كرامة العصمة. وهناك قصة طريفة أحكيها واجهتني أحداثها. كنت راجعة في إحدى الأيام من صنعاء اليمن السعيد (لابد من صنعاء وإن طال السفر) إلى وطني عن مهمة كانت علي قضائها وكان الرجوع عن طريق مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، وقبل توجه الطائرة مطار جدة انعطفت إلى مطار حديدة لتحمل مزيدا من الركاب، ركب الناس منها وفيهم رجل وقور مقتبل على مرحلة الشيخوخة مودعة الأربعينات من عمره فجلس بجانبي. تخابرنا وحبينا بعضنا البعض ولكن بعد برهة تحول الأمر إلى ذلك الكلام الدعائي البراق الذي يطلقه الوهابيون لا واسطة بيننا وبين الله ، ولا حجاب ولا وسيلة وو...... کم وددت أن لا أسمع هذا الكلام السخيف الذي ينم عن جهل التفسير وتحليل ظواهر الوجود وقوانين الفطرة، لأن مثل هذا الطرح الظني لا يؤدي إلى معرفة ، استغربت من إقحام الشيخ الوقور على كلا منا نحن العرب من التحية وأخبار البلدان إلى الدعاية للمذهبية السلفية، ولكوني أعلم عن مذاهب أهل يمن السعيد فهم إما زيدية أو الشافعية. سألت الرجل إلى أي مذهب من مذاهب أهل اليمن ينتمي إليه؟ لأن الطرح السابق منه لا يمثل محتوى الزيدية المذهبية أو محتوى الشافعية، قال إنه شافعي المذهب من حديدة، قلت له: ولكن الطرح الذي وعظتني به يغایر فكر الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضوان الله عليه فهو يقر

بالوسيلة ويدعو الله لرفع الحجب وهو صوفي الميل وكان يقر بالوسيلة ويتوسلبالرسول، وآل البيت ويرجو شفاعتهم وكان يقول بالواسطة شأنه شأن بقية أئمة المسلمين من أتباع السنة والجماعة عدا السلفية المتعصبة ومنها الوهابية وهم قلة في العدد كثرة في الدعاية والكلام. رد علي بأنه يعرف كلام الشافعي وهذه (خربطة) التي تكلم عنها وهذا كلام هراء. أمام هذا الكلام لم أقدر أن أحاوره لأنه أغلق على نفسه باب المناقشة ، ولكنه في الواقع أورثني هما وشفقة عليه فلجأت إلى الله الملهم أن يعينني في أمري وأمره. مضي الوقت ثقيلا حتى إذا قربنا 20 دقيقة عن مطار جدة أذيعت علينا نشرة أخبار الطقس في مطار جدة منها أن درجة الحرارة هناك قد تصل 44 درجة مئوية قلت للجالس بجنبي (ایش رأيك) ياشيخ عند النزول في مطار جدة أدعوك إلى خلع ملابسك وجزمتك حتى تغدو عارية ومن غير نعال ثم تمشي مشيا على القار إلى مبنى المطار، غضب الشيخ وكاد أن يصفعني فبادرته لا تزعل قل ماشئت اشتمني قل لي إنني مجنون وأنا أقبله... ولكني أتوقع منك جواب العقال المقنع التفحمني على ما قلته لك... سكت الرجل وشعر بأن الأمر جدي لا هزل ولا استهزاء منه فقال : إذا خلعت ملابسي وغدوت عارية سوف يحسبوني الناس مجنونة وقد يضربوني الشرطة وقد أساق إلى مستشفى المجانين وأفقد احترامي ووقاري، أما إذا خلعت جزمتي فرجلي سوف تحترق وأضفت وقد تتقرح من حرارة إسفلت أرض المطار، قال : نعم يامجنون وقبل أن أدعه يسترسل بسبي وقد يقوم بضربي قلت له: ياشيخ (هداك الله) إذا كان سبب ووسيلة الوقار لديك هذه الثياب التي قد أتي قماشها من بلدان غير مسلمة وقد تكون كافرة بفهمك واعتصام رجليك من الحرق والأذي يأتي بفعل انتعالك هذه الجزمة التي قد صنعت من جلد عنزة جرباء مريضة فهذا تقبلها ولا مناص لك منها، أما الوسيلة والتشفع بالرسول الكريم للارتقاء واعتصام من المخاطر في غياهب الغيوب التي

لاتعرف طرقها وتجهلها جهة بفعل حجبك ونكرانك فإنك تنكرها وتقومبالدعاية بين المسلمين ضدها جهة. إن الوسيلة والشفاعة والاعتصام بها أكدها الطيبون من علماء الإسلام الواصلين منهم السيد الكريم المطلبي الشيخ محمد بن إدريس الشافعي حول الله مقامه إلى روضة من رياض الجنة حيث له شعر التشفع بآل محمد من حيث الوسيلة، بل إنه أبطل الصلاة الإسلامية إن لم يصلى فيها على محمد وآل محمد... نظر إلى الرجل وكأنه راجع نفسه وبانفعال ضرب بيديه على رأسه في حركة نادمة وقال : ماذا نعمل ففي كل يوم من أيام الجمع تسمع هذا الكلام لا عصمة الأشفاعة لاوسيلة ولا حجب وقد تأثرنا بها فكان ماكان من حديثي لك ولكن الحمد لله الآن على هذا التوضيح الذي أوضحته.

نعود إلى كبوة العصمة التي كبابها أحمد منصور، إذا كان الإنسان بفكره وعمله قادر أن يخلق لنفسه عصمة كثيرة ذكرناها كعصمة وفيات الأطفال، وعصمة اتقاء الحر والبرد والاحتراق، وعصمة من الجروح والقروح بالجزمة وغيرها من العصم فهل نستكثر على المولى الكريم أن يعصم عباده الذين فنوا في خدمته وعبادته منهم اصطفاهم واختارهم وانتجبهم وطهرهم تطهيرة. وهم محمد وآل محمد ومن دخل دائرتهم. فالعصمة فضل وخلعة وليست صفة من صفات الله بل خلقها سبحانه ليخلعها على من يشاء من عباده، ولمزيد من الشرح والتوضيح فإننا نلجأ إلى القرآن الكريم لنرى كيف أن العصمة هو عطاء يخلع الله على من يشاء من عباده وبالخصوص الأنبياء والرسل وعلى رأسهم رسولنا الخاتم صلی الله علیه وآله وبالتبعية آله المطهرون بحكم الطهارة التامة بكلمة (تطهيرا). وعلينا أن نستنبط ذلك من الآيات الكريمة بكل فطرتها البيسطة بماذا يشير إليه القرآن الكريم فيما يتعلق بضرورة عصمة الرسول الكريم عصمة مطلقة وليست فقط في التبليغ؟ لقد قلنا فيما مضى إن نفي العصمة عن غير الرسول وتفريغ عصمته وتحديدها في التبليغ عن الوحي حركة أموية لعداوتها للبيت الهاشمي الكريم والتاريخ مملؤ

بالأدلة وبتحليل الأحداث يقود إلى تلك النتيجة وذلك ترسيخا لحكمهم وإرجاع الفضل لأنفسهم بشراء ضمائر الوضاعيين فماذا يقول القرآن الكريم في هذا المضمار.

ا. من طبائع الأمور أن المكلف في تنفيذ مهمة يجب أن يدرب تدريبا يمكنه تنفيذ الأوامر واتقان الصنعة ومنها نقول هل أن رسولنا الكريم أرسل إلينا وهو لم يهيئ لاستقبال أوامر الله عن طريق الوحي (بجبرائیل) وجبرائيل لم يكن إلا رسول يحمل أوامر المالك المملوكة الذي لابد قد تهيأ واتقن في نشأته لاستقبال ذلك الوحي وتنفيذ التعليمات التي كان يعرف مقاصدها ومطالبها وكيفيتها المنفذة وهذا بديهي بالمتدرب أجادته الصنعة.

2.«یَا أَیُّهَا النَّبِیُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاکَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِیرًا (45)وَدَاعِیًا إِلَی اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِیراً»

[الأحزاب، الآيتان: 45 و46].«إِنَّا أَرسَلنَاکَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا هُوَ [الفتح، الآية: 45]، هل يكون شاهدة ومبشرة ونذيرا وداعية وسراجا منيرة وهي تكاليف ووظائف آفاقية من غير أن يعصم من الزلل والخطأ فأي نوع من التكاليف هذه ، حاشا لله أن يكلف ولا يعصم. وهو من أسمائه العاصم وكم دعوا المسلمون بأدعية فيها طلب العصمة ونادوه یا عاصم «فَکَیْفَ إِذَا جِئْنَا مِن کُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِیدٍ وَجِئْنَا بِکَ عَلَی هَؤُلَاءِ شَهِیدًا (41) یَوْمَئِذٍ یَوَدُّ الَّذِینَ کَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّی بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا یَکْتُمُونَ اللَّهَ حَدِیثًا»[النساء، الآيتان: 41 و43]

نرى أمام هاتين الآيتين فإنها تحمل الشهادة على الشهود قبل عهده الناسوتي في إيهاب الإنسانية اللهم صلي عليه وآله وبعد عهده الناسوتي وتشير حقائق حياته قبل ولادته الإنسانية وبعد رحيله البشرى وهو دليل على عظم تكوينه القديم واستمرار حياته الأبدية الخالدة في علم الله وأنه حسب الآيتين الكريمتين :

أولا : إن الرسل السابقين هم شهود على أممهم وأن رسولنا الكريم هو على هؤلاء شهيدا عندما يأتي الله جامعة الخلائق قيامة أو حشرة فكيف يكون شهيدة إن لم يكن حيا شاهدا ناظرة للأحداث والأفعال حيث فاقد الشيء لا يعطيه.

ثانيا : إن هذا الاقتدار الشهودي والوظيفة الرئيسية الجامعة قد حصنت بالعصمة وإلا كيف يمكن اعتماد شهادة شاهد احتمال خطئه وارد حاشا الله من الظلم والحيف، وهذه الآية تدل دلالة واضحة مؤكدة استمرار حياته بعد رحيله واتصاله بالخلق اتصالا كونية حيوية متفاعلا،ومن هنا فالمسلمون يتوسلون به ويطلبون منه الشفاعة وقضاء الحاجة وهم على بصيرة وحق بأن كل ذلك تفضل وإعطاء من الله له ومن كرم الكريم عدم حجر من يتكرم عليه بالبذل والعطاء.

ثالثا : هناك نذير من الله إلى من عصوا الرسول حيث قالوا ليس كل ما قال الرسول ملزم إلا في التبليغ عن الوحي وأن عصمته فقط في التبليغ لذا عصوه خارج ذلك الإطار، دللو على ذلك خطأه في منع تلقيح النخيل، قصة مفبركة في مصانع الزور الأموي على رسولنا الكريم ولكن الآية واضحة إذ تقول من عصوا الرسول فقد كفروا ويوم الشهادة الكبرى یودون لو تسوى بهم الأرض. فلنراجع الآيتين بإمعان لأن عصيان الرسول عام وليس طاعته محدودة في تبيان الآيتين، إن في القرآن الكريم آيات تدل على عصمة الرسول بوضوح وفي العديد من الآيات والدلالات وإن إسرائه ومعراجه تدل على اختلاف خلقه، ذلك للخروج إلى الفضاء الخارجي يحتاج الإنسان أطنانا من الحديد والمواد العازلة من تأثيرات المحيط الكوني خارج الغلاف الجوي وأن أي خلل في ذلك الصندوق الذي يسافرون فيه إلى الفضاء القريب نسبيا لا إلى الآفاق البعيدة يهوي بهم إلى التهلكة في حين هذا الرسول الكريم أسري به وعرج به وهو في وضعه العادي وما ينطبق عليه ينطبق على نفسه، وهو حسب آية المباهلة سیدنا أمير المؤمنين علي علي ومن يتحلون بحليته من آلهومن دخل دائرة

أهل البيت بإخلاص العبودية والحب. ولإلقاء الضوء على المزيد من عصمة الرسول نتوقف على بعض آیات سورة النجم

بسم الله الرحمن الرحيم :«وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَی (1)»قسما بالنجم الهاوي، ولأهمية هذا القسم أتت بعده لما أقسم له من الفعاليات القوية منحت لشخص رسولنا الكريم.

«مَا ضَلَّ صَاحِبُکُمْ وَمَا غَوَی (2)»-تحمل العصمة المطلقة فلنتدبیر.

«وَمَا یَنطِقُ عَنِ الْهَوَی (3)»-كل نطقة حق وفي إطار العصمة.

«إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْیٌ یُوحَی (4)»-إذا كان نطقه وبصيغة المضارع في إطار العصمة فإنه في اتصال مع الوحي مستمرة، والوحي يكون ملكا رسولا أو إلهام إلهي أو اتصال من وراء حجب.

«عَلَّمَهُ شَدِیدُ الْقُوَی (5)»-كما يصطلح عليه هو سيدنا جبريل ولكن قواه من الله الشديد المحال فهل ينال هذه الشدة الصمدية مس أو تدخل من الشيطان في فعل الرسول المعصوم بالعلم اللدني الحقيقي بقوة شادة إلى الله. إن من تجاوز الصراط المستقيم من العباد يكون معصومة وليس للشيطان عليه من سبيل فكيف الذي شد إلى حبيبه يكون غير معصومة

مطلقا.

«ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَی (6)»هذا هو وصف لسيدنا جبريل وهو ذو شدة وعظمة قد يزلزل كيان رائيه ولكنه أمام الصورة الناسونية لرسولنا الكريم يتمثل بدحية الكلبي وهذا معنى ذو مرة فاستوی. ولانريد أن ندخل في المجال العرفانيالتأويلي لأنه مجال يعقد على العقول ولكن نعبر ماهو مألوف ومصدوق في إطار النقل مع بعض التأويل المعقول.«وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَی (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّی (8)»الله أكبر، فالمكان الأفق الأعلى والعبد في الأفق الأعلى حقيقته ليست مؤطرة بالإطار البشري الناسوتي وإلا انفجر وهلك، ثم دنوه وتدليه فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده

ما أوحي تعبير ضامر لعظمة هذا الوحي المباشر، وفي هذه المناسبة الكريمة بعظمتها وشدة هذا الكرم، الراكز في قلب الرسول الكريم، اللهم صلي عليه وآله فالأفق الأعلى واقتدارات هذا الأفق ثم دنوه وتدليه على المحل الأسنى للعظمة الإلهية ثم إيمائه إلى كل العلوم واطلاعه على الأزل والحال والأبد، أفلا يترك هذا العطاء في نفس الرسول الكريم أثرة حتى يشغل بالخطأ وهو قد انغمس فناء في أنوار ذاته القدسية، فلا محل في حياته لشيء سوى رضى ذلك المحبوب، فلا ذنب له في حياته أبدا وإنما هو العصمة وصاحب العصمة روحي له الفداء وتأكيدا على ما عبرنا تأتي الآية لتقول. «مَا کَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَی (11)»-فلندقق كلمة الفواد وما رأي فهل هذا غاب عن بال الرسول وعقله وقلبه حتى يخطىء؟ إذا كان طبيب يقوم بعملية خطيرة للمريض تحضره جميع المعلومات التي درسها وتدبر بأمرها وجربها فيقوم بعملية ناجحة يكمل به واجبه من غير خطأ فكيف بالرسول وهو ما رأی من الآيات الكبرى ألا تذكره بعدم الخطأ والذنب وهل هناك عصمة فوق هذه العصمة، والآية «أَفَتُمَارُونَهُ عَلَی مَا یَرَی (12)»وهي تدل سابقا ولاحقا بأن القوم كانوا أصحاب الجدال فعندما روحي له الفداء، كان يخبرهم عن بعض ما يشاهده ولا يوافق معطياتهم الرغبية كانوا يجادلونه وقد انتقل هذا الجدال عن عصمته سلام الله عليه وآله حتى الآن على ضوء الأحاديث الموضوعة في العهد الأموي لتقزيم قدر بني هاشم والرسول الكريم بطبيعة الحال. ونعود إلىساحة القرآن لنقرأ . «وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَی (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَی (14)عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَی (15)إِذْ یَغْشَی السِّدْرَةَ مَا یَغْشَی (16)مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَی (17)لَقَدْ رَأَی مِنْ آیَاتِ رَبِّهِ الْکُبْرَی (18)».

لست أدري كيف تقرأ هذه الآيات عن الرسول وكيف لا يعطي بعض حقه من قبل السلفية فلنشاهد بعيون وجداننا محرکین القلب إلى معاني هذه الآيات. نعم لقد رآه نزلة أخرى، بعد أن رأه بالأفق الأعلى

عند محل سدرة المنتهي عندها جنة المأوى، مأوى الرسول ومخدع الأسرار ولقاء سيده ومولاه ثم نرى ماذا حدث؟ إذ يغشى السدرة ما يغشى لقد أغشيت هذه السدرة المقدسة بالنور الذاتي يعمي أمام غشيتها كل بصر وبصيرة، ولكن بصيرة الرسول بفضل العطاء الذي خصصه المولى القدير الكريم لعبده قوي للشهود، لذا مازاغ البصر وما طغی فكان شاهدة بكليته ما شاهد، فكانت تلك آيات ربه الكبرى أي کبری الآيات فهل بعد هذا الشهود نستكثر عليه العصمة، لقد خسر الظالمون خسرانة مبينا. مما يحز بالنفس وصف الرسول مخطأ وقابلا للخطأ والزلل في حين أن السلفيين يحكمون بصورة عملية بعصمة الصحابة، وإنني أرد هنا بعض أحاديث العصمة المفبركة أبان حكم الظلمة الأمويين والعباسيين.

1- إذا ذكر أصحابي فامسكوا - يدل على أنهم أعطوا العصمة.

2.

أصحابي كلهم عدول - العصمة من الظلم وفي طبقات الصحابة وهم كثر ومصنفون في من رأ الرسول وسمع منه ومن رأى من رأي الرسول ومن سمع الرسول ومن سمع من سمع الرسول منهم فأدخل في الصحابة بعشرات الآلاف معاوية وابنه يزيد وأمثالهم من الظلمة تحت هذه المظلة مظلة العصمة.

3.

أصحابي كالنجوم فبمن اقتدیتم اهتديتم - عصمة منزة وصلت إلىالاقتداء بهم كلهم حسب ترتيبات ابن سعد.

4.

من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني (كأنهم لا يخطؤون وهم معصومون. والأمثلة كثيرة في عصمة الصحابة ولكن عن الرسول فهو خطأ إلا في التبليغ عن الوحي والله إنه ظلم بین.

ولا حول ولا قوة إلا بالله هذه الأحاديث ومثلها وضعت لارساء حكم الطغات الأمويين والعباسيين وغيرهم. بعيدة عن هذه العصمة

اللصحابة فإنهم أصحاب مبجلون ومحترمون وعلينا احترامهم والرضی عنهم رضی الله تعالى عنهم، وليس لأحد أن يتطاول عليهم إن أراد للإسلام صلاحة وسلامة غير أننا يجب أن نفرق بينهم وبين البغاة الذين حولوا الخلافة إلى الملك.

بقي أن نقول - يقول الله مخاطبة للشيطان الرجيم «إِنَّ عِبَادِی لَیْسَ لَکَ عَلَیْهِمْ سُلْطَانٌ »أي إنهم جازوا الصراط إلى الحماية الجبروتية بالعصمة كما يقول التفسير الصوفي، فإذا كان هذا شأن العباد أي الذين بالسير والسلوك خدموا رب العالمين بالعبادة المتواصلة حتى أتاهم اليقين وجاوزوا الصراط فعصمهم الله عن اتباع الغواية الشيطانية من الشهوات والآثام والذنوب من الكبائر والصغائر فكيف بالرسول وهو رئيس هؤلاء العباد لا تناله الغلفة أبدا !؟

وختاما لهذه الكبوة نريد أن نفرض كبوة احتمالية عن علم الغيب لو ذكر، كما يعتقده غالبية المسلمين كخاصية لرسولنا الكريم، لكان رد الأخ أحمد منصور ربما، لا يعلم الغيب إلا الله وليس الرسول بعالم اللغيب. إن الاطلاع على الغيب أمر نسبي وعلى درجات متفاوته فشهودي أنا، غیب فلان وشهود فلان غيبي أنا، والمحقق للجريمة تكون جذور الجريمة عنه غيب قبل التحقيق وعند التحقيق والتحقق يصبح هذا الغيب شهودة يقدمه دلية للقاضي للحكم. والمؤمن بفراسته يرى الغيب وسيدنا عمر بإشارة من مولانا أمير المؤمنينعلى رأي سارية على بعد آلاف الكيلومترات فلماذا نستكثر على الرسول إذا تفضل المولى عليه مفاتيح الغيب وهو مالكه والقادر على العطاء والتصرف بملکه جلت قدرته وهناك حادثة طريفة مرت بي حول كشف الغيبي.

كنت مدعوة في إحدى الأندية من قبل شخصية مرموقة على شرف ضيف لبناني وعند تواجدنا داخل النادي أوقفتنا لافتة تعلن عن وجود ساحر هندي يقوم باستعراض في قاعة المسرح فانعطفنا إليها وجلسنا

وبعد وقت قصير بدأ العرض السحري من إخراج حمام وببغباوات من كيس صغير ومناديل ملونة عديدة من حيز صغير وحركات وحيل سحرية عديدة ، وبعد هذا الفصل توجه الساحر إلى المشاهدين وخاطبهم قائلا أريد منكم أن تذكروا شيئا كاسم أو رقم في أنفسكم وأنا سأكشف لكم ما ضمر، ثم فجأة أشار إلي قائلا أقترح عليك ذلك، سخرت منه ثم ضمرت في داخلي رقم هاتف قديم كان في منزلي وقد ألغي وهو 702718 فما كان منه إلا صعد على خشبة المسرح، وكانت هناك سبورة فكتب عليها هذا الرقم ثم سألني أليس هو الرقم قلت : نعم وهذا صحيح فانفعل الحضور بالتصفيق لأنهم كانوا يعرفون أن لا علاقة لي بالساحر ونحن ضيوف عابرین والساحر زائر عابر هندي لإقامة الاستعراضات. اندهشت في الواقع من هذه الحادثة وغمرتني واقعتها في حيرة وأسئلة كثيرة، مثلا كيف اطلع هذا الساحر على ما كان في ذاكرتي وضميري وكيف اطلع على شيء بالنسبة له غيبة؟ مضت الأيام ورزقني الله بهداية طريق السير والسلوك العرفان الصوفي سألت مرشدي في الطريق عن كيفية استحواذ الساحر علي حتى عرف مافي ضميري، تبسم شيخي الكريم ثم قال : قبل دخولك طريق العرفان كان لك قرین ماس في نفسك لأن لكل إنسان قرين والساحر له قرين ولكنه عن طريق العلوم السحرية مسيطر على قرينه، وفي هذه الحالة فإنه يسخر قرینه للارتباط بقرينك هو فيك ومطلع على ما يجري فيك وعن طريق اتصال القرينين يحصل الساحر على ماهو غيب فيك، ثم استطرد سيدي الشيخ قائلا ولكن الآن لا يمكن أن تتم هذه المسألة معك لأن لا قدرة لقرينك عليك بفعلالمنهج السلوكي المرتبط بروح المصطفى والمتحلين بحلته والتسبيح بالأسماء الحسنی، لأن طبيعة الجن (القرين) النارية لا تصمد أمام قوى الأنوار الإلهية فلا تتم مثل هذه الأمور على السالكين في طريق الله. أرجع وأقول إذا كان ساحر هندي بفعل العلوم السحرية

النجسة كان في إمكانه الاطلاع على أمر غيبي وإظهاره فلماذا نستكثر على الرسول المنذر والإمام الهادي أفنى حياته في خدمة الله منحة كشف الغيب أو على آله والأولياء الذين يرون الغيب بالبصيرة بنور الله ومنحه الهامة الكريم لعصمة أحبته وعبيده وخدامه تلك هي فراسة المؤمن.

الفصل الخامس: الكبوة الخامسة

اشارة

التشكيك في كتاب نهج البلاغة :

عندما ذكر نهج البلاغة انبرى الأستاذ أحمد منصور بقولة إن هناك تشكيك فينهج البلاغة ثم أغلق الموضوع وأسلوبه يقول قف ولا تناقش.

لو أن هذا الصد أتی من سلفي متعصب ومتأثر بأموية طليقة لهان الأمر، لأنه شيء معروف ولكن أن يأتي من رجل في موقع المقابلة وليس المواجهة فإنه يضع علامات السؤال والاستغراب والألم؟!

نظرت في وجه الشاب الأستاذ أحمد منصور وتفرست فيه فرأيت أنه في الأربعينات تخمينة وفكرت في محيط حياته المعايشة المرتبطة بعمله والفكر الذي يقود هذا العمل فاستنتجت أنه صحفي مثقف وقد يحتاج عمله مطالعات كثيرة وقراءة تقارير متنوعة للزمن المعاصر حتى يواجه عمله وهو عمل لا يمكنه أن يكون فيه باحثا متفرغة للبحث، ولا يناسب صحفي مثقف عليه تبعات العمل اليومي، فكيف يتسنى له خوض محیط عظيم في عمق الماضي لأشخاص مثل سیدنا أمير المؤمنين علي ورجالاته الذين رباهم مثل دعمبل وتمار وكميل بن زیاد وابن حنیف

وحسن البصري من عرفاء الأمة واتقيائها.... والغوص في أفاق كبار المفكرين والفلاسفة مثل ابن أبي الحديد والشريف الرضي وأئمة المذاهب الذين لم يطعنوا في أصالة نهج البلاغة، ومع هذا فهو يود الطعن فيه؟! ولكن والحالة هذه، يطرح سؤال هل هذا من أثر آراء السلفية والفكر السلفي عند الأستاذ حتى وصل إلى النفور من السيد أمير المؤمنين علي، أيها السيد المحترم ألا يكفي قول مولانا الرسول الكريم اللهم صلي على محمد وآله في سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (أنا مدينة العلم وعلي بابها ومن أراد المدينة فليأتها من بابها) ألا يؤهله بإبداع عمل مثل ما جاء في نهج البلاغة، وقد تكون الشقشقية أزعجت الأستاذ فكان الباعث للتشكيك ولكن تلك هي حقائق التي تكلم عنها سيدنا علي عليه السلام وأقرها التاريخ وأجمع عليه المسلمون، ولكنها أولت وأدخلت مخارج اللغة والتأويل عليها لإبعادها عن توجهاتها الفطرية البسيطة المطلوبة لمسيرة حياة المسلمين المرتكزة على 3مبادئ عظام التي انحرفت مسيرة المسلمين عنها وهي العدل (الفضيلة والأخلاق والعبادة. ومع هذا يضل الإجماع على حادثة الغدير راكزة في الأرض والتاريخ ولن يقدر أحد أن يزيغها وإن أولت. وعلى أي حال لا نريد أن نسترسل في هذا المسار وإنما موضوعنا إلقاء الضوء على أصالة نهج البلاغة وانتسابه لمولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام .

في هذا المدخل من الطبيعي أن نتعرض للشارحين للنهج على مدار التاريخ وآرائهم وتقبلهم الذي سيبان في عملهم الشارح لكلام سيد البلاغة، وولي الأولياء بالمفهوم الصوفي العرفاني. استنادا للآية الكريمة «إِنَّمَا وَلِیُّکُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِینَ آمَنُوا الَّذِینَ یُقِیمُونَ الصَّلَاةَ وَیُؤْتُونَ الزَّکَاةَ وَهُمْ رَاکِعُونَ (55)»الآية التي نزلت في سيدنا أمير المؤمنين في مناسبة اعطاءه الزكاة في صورة خاتم وهو راكعة، الحدث المعروف والمتفق عليه إجماعh.

وفي هذا المدخل لابد من الرجوع إلى حديث أنا مدينة العلم وعلى بابها ومن أراد المدينة فلياتها من بابها ونتسأل أي نوع من العلوم التي تحويها المدينة. هل العلوم التي كانت سائدة وهي محدودة في التنجيم والسحر وبعض المهن المتعلقه بالحياة مثل حدوة الفرس أو التجارة..... إلى آخره. بطبيعة الحال لا ليست تلك ولكن ومن منطق النبوة هي علوم الاستخلاف. «وإذ قال رثك المملكة إلى جاعل في الأرض خليفه»الآيه، ثم خلقنا على صورته ومن روحه وعلى يديه ، إن تلك المدينة دخولها لتحقيق تلك الخلافة وأوجه صور الله الخيرة الفاضلة وقدرات روحه العظيمة وبفاعليات صنعة يديه سبحانه وتعالى وهي ملكات كونية آفاقية تحقق للسالك ملكات الاستخلاف الإلهي له بالعبودية وإرشاد روح الولي، وهذا المرشد الأعظم إلى مدينة الاستخلاف الرساليوبابها سيدنا الإمام أمير المؤمنين علي، ولكن الحجر على تفهم هذه المعاني أتت من الآراء السلفية الأموية عندما قزموا قدر الرسول والآيات والأفعال التي منح الله لرسوله، في الإطار البشري المحدود في دائرة الحواس الخمسة، ومنها قزموا معاني أحاديث الرسول بل أحاطوها بأحاديث موضوعة في زمن الأمويين وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان بالتعاون مع الزبانية التي اشتراها بالعطايا الكثيرة، لذا فإن كل الاعتراضات من الأخ أحمد منصور وحكر الكلام والتعبير لنفسه يعد من الآراء السلفية مع الأسف. وهذه النتيجة للفهم المحدود لذات الرسول ظلما له صلى الله عليه وآله وصحبة ولأنفسنا فكيف نحدده وقد جعله الله رحمة للعالمين بالآية الكريمة وما أسألك إلا خم إلينا وعند فحص المعاني الآفاقية لهذه الآية من حيث تهيئته حتى يكون رحمة للوجود كله بكلمة (العالمين) فهل يرسل الرحمة للعالمين في وجود مثل وجودنا نأتي من رحم الأم ونحتاج كذا سنين للرعاية وكذا سنين للتعليم، أنه سيدي ومولاي سبقت له من ربه الحسنى ودرب على واجبات

وإمكانيات الرحمة وتفاعيلها للمخلوقات وقد يأتي سلفي ويقول كيف يمكن أن يكون كذلك قبل وجوده أو ولادته على الأرض فنقول اقرؤوا الآية التي تشير إلى نبي الله عيسى وهو في أول لحظات وجودة في المهد ماذا قال«فَأَشَارَتْ إِلَیْهِ ۖ قَالُوا کَیْفَ نُکَلِّمُ مَن کَانَ فِی الْمَهْدِ صَبِیًّا (29) قَالَ إِنِّی عَبْدُ اللَّهِ آتَانِیَ الْکِتَابَ وَجَعَلَنِی نَبِیًّا (30) وَجَعَلَنِی مُبَارَکًا أَیْنَ مَا کُنتُ وَأَوْصَانِی بِالصَّلَاةِ وَالزَّکَاةِ مَا دُمْتُ حَیًّا (31)»سورة مريم. كذلك في سورة آل عمران «إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِکَةُ یَا مَرْیَمُ إِنَّ اللَّهَ یُبَشِّرُکِ بِکَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِیحُ عِیسَی ابْنُ مَرْیَمَ وَجِیهًا فِی الدُّنْیَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِینَ (45)وَیُکَلِّمُ النَّاسَ فِی الْمَهْدِ وَکَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِینَ (46)»إننا نتحقق من هاتين الآيتين الكريمتين الآتي.

1- عيسى علیه السلام في عهد الطفولة في لحظات الولادة وقد تكلم عن ملكاته المعروفة لديه في ماضية حيث كان عابدة لله وأتاه الكتاب وجعله نبيا .....

2- بشرت الملائكة مريمة عن أوصاف عیسی من الوجاهة عند الله في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد.... هل الكلام عن مخلوق متخيل لم يوجد أم عن وجود فعلي قائم ينتظر الأمر إليه في المهمة.

فببشارة الملائكة، ونطقه هو في المهد نستدل على وجود سابق متفاعل في الرسالة والنبوة والاختيار والاختبار... فإذا كان هذا شأن العبد الكلمة فماذا بالنسبة للعبد الحبيب خاتم الأنبياء وأشرف المرسلين الشاهد الشهيد النور الهادي البشير، وعندما حدث ذلك التقزيم لقدر الرسول سري بذلك وعم على حديثه واقتداراتها وفعالياتها ومنها هذا الحديث أنا مدينة العلم وعلى بابها ومن أراد المدينة فليأتها من بابها . فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله ونعم المحاسب ولو فکرنا جيدا ما قلنا على ضوء الآيات الصفاتية للرسول وقدرات تلك الصفات وثمناها لا منا بأن نهج البلاغة بل أكثر من ذلك هو من أعمال

سیدنا أمير المؤمنين لذا ودعما لذلك علينا تقييم وتثمين الشخصيات التي شرحت وساهمت في الشرح وتعتبر بمثابة مراجع لتقيم أصالة النهج في الشروح للطابع الخاص السامي المميز لكلام سيدنا أمير المؤمنین علي علیه السلام ، فقد حاول الكثير من العلماء والأدباء والفلاسفة على مختلف نحلهم ومللهم على مر العصور أن يفردوا لكلام أمير المؤمنين علي كتبا و مباحث وشروحة خاصة بدواوين مستقلة بقي بعضها وذهب الكثير منها على مر الأيام، منهم شرح نصر المزاحم صاحب صفين، وأبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي وأبومخنف لوط بن يحيى الأزدي ومحمد بن عمر الواقدي وأبو الحسن علی بن محمد المدائني وأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ وأبو الحسن علی بن الحسين المسعودي وأبو عبدالله محمد بن سلامة القضائي وعبدالواحد بن محمد بن عبدالواحد التميمي ورشيد الدين محمد المعروف بالوطواط وعز الدين عبدالحميد بن أبي الحديد وغيرهم. كما جاء في مقدمة شرح نهج البلاغة الابن أبي الحديد المعتزلي. إن تلك الشروح كانت المرجع والسند للشروحات العظيمة كشرح ابن أبي الحديد وشرح شیخ محمد عبدو. إلا أن أعظم هذه التجميعات رفعة وأعلاها شأنا وأحسنها أبوابة وأبعدها صيتا وشأوا هو مجموعة ما اختاره الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي رضی الله عنه جمعها من العديد من المصادر، مثل كتاب البيان والتبيين للجاحظ والمقتضب للمبرد وكتاب المغازي لسعيد بن يحيي الأموي وكتاب الجمل للواقدي والمقامات في مناقب أمير المؤمنين لأبي جعفر الإسكافي وتاريخ ابن جرير الطبري وحكاية أبي جعفر محمد بن علي الباقر ورواية اليماني عن أحمد بن قتيبة، وما وجد بخط هشام بن الكلبي وخبر ضرار بن حمزة الصدائي ورواية حجيفة وحكاية ثعلب عن أبي الإعرابي، وغيرها من المصادر الأصيلة وقريبة لعصر الحافظين والناقلين عن سيدنا أمير المؤمنین.

لقد ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي فيما يتعلق بالشكوك التي أثيرت حول کلام مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام هذا نصه:

«وكثير من أرباب الهوى يقولون إن كثيرا من نهج البلاغة».

کلام محدث وضعه قوم من فصحاء الشيعة وربما عزوا بعضه إلى شريف الرضي أو غيره وهؤلاء عمت العصبية أعينهم فضلوا عن المنهج الواضح وكبو بنيات الطريق ضلالا وقلة معرفة بأساليب الكلام.

والآن نعود إلى لب موضوع التشكيك كما جاء على لسان أحمد منصور وسابقا كما شكك الآخرون كما أشار ابن أبي الحديد عند رده على هذا التشكيك ردة واضحة حلل فيه نفسية الشاكين المتعصبين.... ومن هنا سوف ننتقل لدعوتنا لمن ألقى السمع وهو شهيد إلى شرح الإمام محمد عبده لدلالة الأصالة المنسوبة لنهج البلاغة إلى سيدنا أمير المؤمنين سواء من تعبیرات للحقائق التي اكتشفها في النهج أو بالإشارة إلى من ساهموا في مقدمات عديدة لكتابة نصوصهم في هذه المقدمات.

أولا :- في استهلالية مقدمة شرح الإمام محمد عبده رحمه الله يقول الأستاذ الكبير والشيخ الجليل وهو بأنه وبصورة غير مقصودة سنحت له قراءة النهج الذي جمعه الشريف الرضي رضی الله عنه...... بقوله (وبعد أوفي لي القدر بالاطلاع کتاب (نهج البلاغة) مصادفة بلا تعمد أصبته على تعبير حال وتبلبل بال وتزاحم إشغال وعطلة في الأعمال فحسبته تسلية وحيلة من التخلية فتصفحت بعض صفحاته وتأملت جمة من عباراته من مواضع مختلفات وموضوعات متفرقات فكان يخيل إلي في كل مقام أن حروبة شبت وغارات شنت وأن للبلاغة دولة وللفصاحة صولة وأن للأوهام عرامة (معنى في غزارة سيل عرم) وللريب دعارة وأن جحافل الخطابة وكتائب الذرابة (فصاحة اللسان) في عقود نظام وصفوف الانتظام وتنافح بالصقيح الأبلج والقويم الأملج (السيوف والرماح) تمتلج

المهج برواضع الحجج فتفل من دعارة الوسواس ونصيب مقاتل الخوانس والباطل منكسر ومرج الشك في خمود....

وأحيانا كنت أشهد أن عقلا نورانية لا يشبه خلقا جسدانية فصل عن الموكب الإلهي واتصل بروح الإنسان فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى ونما به إلى مشهد النور الأجلى وسكن به إلى أعمار جانب التقديس بعداستخلاصة من شوائب التلبيس وأنا ، كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة أولياء أمر الأمة يعرفهم مواقع الصواب ويبصرهم مواضع الارتياب ويحذرهم مزالق الاضطراب ويرشدهم إلى دقائق السياسة ويهديهم طرق الكياسة ويرتفع بهم إلى منصات الرياسة ويصعدهم شرف التدبير ويشرف بهم على حسن المصير هذا هو الاستهلال والغور فيه انکشاف للغمة وانبعاث إلى النور وقشع السحب الارتياب ووقوف على منصة البرهان.

ثانيا : - في مقدمة السيد الشريف الرضي كما نقلها في شرحه الشيخ محمد عبده رضی الله عنه فإن من المفيد والانصاف قراءتها والتمعن في لغة العصر الذي شرح وجمع وشرح بها النهج والتحسس خلجات النفس ولغة العقل المتفاعل المرتبط بالحدث والإحداث ذلك للحصول على استقراء وراحة ضمير في الحكم على أصالة النهج وميلاده من رحم وجدان الشريف ابن الشرفاء سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام.

ثالثا: - تمهيد الأستاذ عبده حسن الزيات لشرح النهج للشيخ محمد عبده لقد قسم الزيات تمهيده لحقول النهج إلى أربعة علاقات.

ا. علاقة الإنسان بربه.

2.

علاقة الإنسان بنفسه.

3.

علاقة الإنسان بغيره.

4. السياسة والدولة (باب متشعب وموسع).

أن القراءة في هذه المقدمة (التمهيد) تعطي معرفة واسعة عن بعض الآفاق الفكرية لمولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام .

رابعا : - أيضا في مجال المقدمات لشرح نهج البلاغة لسيدي الإمام محمد عبده مقدمة العلامة الأديب المرحوم عباس محمود العقاد اصطلح عليها ملتقى النفوس البشرية. آثرنا نقل الصفحة الأولى من هذا الباب كاملة لأهميتها ولشمولية الإحساس لدى العقاد تجاه سيدنا أمير المؤمنين علي علیه السلام.(ص43من النهج مقدمة العقاد).

ملتقى النفوس البشرية :

في كل ناحية من نواحي النفوس البشرية ملتقى بسيرة علي بن أبي طالب - لأن هذه السيرة تخاطب الإنسان حيثما اتجه إليه الخطاب البليغ من سيرة الأبطال والعظماء، وتثير فيه أقوى ما يثيره التاريخ البشري من ضروب العطف ومواقع العبرة والتأمل. في سيرة علي ملتقى بالعاطفة المشبوبة والإحساس المتطلع إلى الرحمة والإكبار. لأنه الشهيد أبو الشهداء يجري تاريخة وتاريخ أبنائه في سلسلة طويلة من مصارع الجهاد والهزيمة ويتراؤون للمتتبع من بعيد واحدة بعد واحد شيوخة جللهم وقار الشيب ثم جللهم السيف الذي لايرحم أو فتيانا عوجلوا وهم في نظرة العمر يحال بينهم وبين متاع الحياة بل يحال بينهم أحيانا وبين الزاد والماء وهم على حياض المنية جياع ظماء. في سيرة علي بن أبي طالب ملتقى بالخيال حيث تحلق الشاعرية الإنسانية في الأجواء أو تغوص في الأغوار فهو الشجاع الذي نزعت به الشاعرية الإنسانية منزع الحقيقة ومنزع التخيل واشترك في تعظيمه شهود العيان وعشاق الأعاجيب. وتلتقي سيرته بالفكر كما يلتقي بالخيال والعاطفة لأنه صاحب آراء في التصوف والشريعة والأخلاق سبقت جميع الآراء في الثقافة الإسلامية.

وللذوق الأدبي أو الذوق الفني ملتقى بسيرته كملتقى الفكر والخيال والعاطفة لأنه كان أديبة بليغا له نهج من الأدب والبلاغة يقتدى به المقتدون وقسط من الذوق مطبوع يحمده المذوقون، وإن تطاولت بينه وبينهم السنون فهو الحكيم الأديب والخطيب المبين والمنشأ الذي يتصل إنشاؤه بالعربية ما تصلت آيات الناثرين والناظمین.

ثم يتكلم العقاد رحمه الله عن صفات أمير المؤمنين بأبلاجة هاشمية فميلاده في الكعبة حيث لم يسبقه أحد ولن يلحق به أحد، وعن صفاته الفاضلة على قاعدة من الأخلاق والفضيلة منها المروءة والإباء والترفع عن الصغائر والكبائر من سوء الفعل وردود الفعل. فالنبل والاعتداد بالنفس من غير غرور والترفع والإيثار بالنفس كما فعلها في ليلة مبيت ليلة هجرة الرسول من مكة إلى المدينة، وعدم التكلف وهي صفات أصحاب المبادئ الشريفة فالزهد والعبادة ومعرفة طرقها الراقية المؤدية إلى رؤية الآيات في الآفاق، ثم التواضع من غير تكلف الذي لم يكن له بد منه لتشجيع الغير مخاطبته والتعامل معه، لأن مثله وما أتي من أفعال عظيمة في الذود عن الإسلام ونبي الإسلام ومن الشجاعة والمنطق المفعم والإقدام على المكارة بعاطفة العقيدة والحفاظ عليها وإن كلفه التنازل عن حقة الشخصي وحق آل بيته كما قال في كتاب له إلى عثمان ابن حنيف الأنصاري في نهج البلاغة - بلي كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله، وما أصنع بفدك وبغير فدك والنفس مظانها في غير جدث تنقطع في ظلمتها أثارها وتغيب أخبارها وحفرة لو زيد من فسحتها وأوسعت يدا حافرها لا ضغطها الحجر والمدر وصب عليه التراب المتراكم، وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر وتثبت على جوانب المزلق............ وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو والذراع من العضدثم علمه الغزير والمعرفة بدقائق الأمور الظاهرة والباطنه كل ذلك ولد لدى الناس تجاهه هيبة وترددة في الإقدام

عليه فكان التواضع مع صفة للدعابة لابد منها لتذليل الردود الفعل الهيابة لدى الناس تجاهه حتى يتقدموا إليه وأن يتعاملوا معه، الصفة التي عابها عليه البعض وأخذوها ذريعة لإقصائه عن حقه وموقعه. لسنا ندري ماذا كانوا ينتظرون منه؟... أيكون فظا غليظ القلب حتى يلبس لباسهم مع هذا فإنه كان شديدة في الحق فعلا ونصحاً.

ثم يطرق العقاد باب دائرة كونية تشع فيها نجوم تشكلت من حياة ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه حيث أشار أن عليا ولد مسلمة، فالكعبة ميلاده وحجر الرسول كان مهده فهو لم يركع لصنم قط فنال صفة (كرم الله وجه) وقد استوعب كافة أوجه الشريعة طبقها على نفسه قبل أن يطبقها على غيره فكان ناصحة من خلالها الخلفاء السابقين عليه والفضل معترف له، فنصح نفسه وأهل بيته وأصحابه بل أعدائه ودلهم على التقوی.... ثم ينهي الأستاذ عباس محمود عقاد مقدمته - ملتقى النفوس البشرية - بالتعرض للناحية السياسية للإمام عليه السلام بتحليل رائع لكل الأحداث التي مرت في عهده فحلل فيها ما جرى في زمانه ، ومن الجدير بالذكر بأن كل تعامل سیدنا علي مع الأحداث کان على ركيزة من الفروسية والأخلاق والفضيلة والحق والعدل أي على ركيزة المبادئ كل المبادىء الشرعية والإنسانية، وإن كان خصمة على نقيض ذلك، إن قراءة هذه المقدمات على صفحات المقدمات لشرح النهج للشيخ الجليل محمد عبده تعطى الإنسان ذو التفكير الفطري الحر الغير متأثر بمذاهب النقل والعصبيات فكرة تكون نبراسا للانصاف تجاه شخصية مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام ولتذوق نبع الصفاء والنقاء والطهر والفضيلة والمعرفة يقتدي بها،ومن ثم الحكم المنصف على نهج البلاغة ونبذ عفونة الشك والريبة والطعن عليه وعلى انتسابه لسيدي علي علیه السلام لأن المقدمين للنهج ليسوا من رعاء القوم بل في قمة الفطرة السليمة والأنفس الحرة المتحررة من العصبيات ومؤثرات الوضعيات وبحورا من

العلم وروح التقصي والبحث في آفاق العلم والمعرفة لا يرقى إليهم إلا الأفراد في كل زمان ومكان، فهم في الصف الأول من العبقرية والنفوس الحرة. بعد هذا نرى محاولة الولوج في المحيط العظيم والمتلاطم من آفاق سیدنا أمير المؤمنين والاستشراف من رشحاته الكريمة بحمد من الله العظيم وفضله. إننا وما يهمنا هنا أن نلمس جانبين من جوانب سيدنا أبي تراب وهو في الواقع من المتفضلين بالله بافضال عظام حتى أصبح روحي له الفداء نفس رسول الله بحكم آية المباهلة وباب مدينة العلم والجانبان هما .

1- جانب التمكين الاقتداري.

2 - الجانب الكمالات العرفاينة.

أما جوانب التمكين في شخص سيدنا أمير المؤمنين فهي كثيرة وتتجاوز ملكات مادية ونفسية، وقد كتب عنها الكثيرون وسيكتبون ولكن الذي نود إلقاء الضوء عليه هو التمكين الاقتدار العرفاني في المصطلح العرفاء والصوفية، ولتقريب الفهم، للتمكين العرفاني، كبعض ملکات سیدنا أمير المؤمنين أسرد هذا الحوار الذي دار بيني وبين مرشدي وشيخي فضيلة السيد محمد إسماعيل الليثي أبو نمر القطب صاحب طنطا بمصر المحروسة وشیخ طريقة الصفاء المحمدي. فقد أهديت لي في إحدى الأيام کراسة بعنوان خطبة البيان المنسوبة لسيدنا أمير المؤمنين علي وفيها الكثير من الأمور الغيبية وانتحال صفات الأسماء الحسنى وإضفاء ملكة الاقتدارات العجيبة وغريبة على لسان سیدنا علي. سألت شيخي المبجل عن الخطبة المنسوبة لسيدنا علي فرد قدسسره أن خطبة البيان حالة صوفية شخصية تحدث للسالكين الصادقين في حالة الجذب بعد الكدح في طريق السير والسلوك ومحاربة النفس بالعبادات وتكاليفها حتى يقبلهم المولی جل علاه فيجذبهم إلى قرب الشهود الآخاذ. وهذا الكلام هو في حالة الجذب

عندما يجعل الله العبد عبدة ربانية فيحف بالكرامات فيمشي على الرطب واليابس تحت تأثير هيمنة اسم المهيمن عليه وغيرها من مؤثرات الجذب الإلهي والشهود المبين، وخطبة البيان حالة صوفي عرفاني نسبت لمولانا أمير المؤمنين للترويج لمكانة مولانا أمير المؤمنين لدى العرفاء، لأنه هو الموصل إلى مدينة العلم والمعرفة الآفاقية صلى الله عليه وآله وصحبه، وتلك الحالة حالة حق لا باطل فيها. ولا تفسر تفسيرة ظاهرية الذي لاشغل لنا فيه. ولكن سادتنا الهداة وهذا عين كلامه - فهم فوق الشطح وفي مقامات التمكين ومن هو في مقام التمكين مثلهم فلا شطح في كلامهم، يعبرون عن الحقائق بلغة تمكينية بوضوح عرفاني تدل عن مقاماتهم العالية في محل القرب من الله ، والعرفاء يعرفون كلامهم ويستخرجون الاستنباطات كل حسب حاله ومقامه. وسادتنا، محمد وآل محمد في قمة التمكين على الاطلاق. فكرت في كلام شيخي رضوان الله عليه كثيرة واستلهمت منه ما آفاء الله علي في حق محمد وآل محمد في مجال التوحيد والأحدية والوحدة والتفريد من معرفة أحوالهم التمكينية، لسنا بصدد الكلام عنها هنا ولكن طعن الأستاذ أحمد منصور بإعلانه التشكيك في نهج البلاغة حملني على البحث عن خصائص التمكين لبعض کلام سیدنا امیر المؤمنين علي علیه السلام في نهج البلاغة نفسه، وقد وفقني الله إلى ذلك في وصية أمير المؤمنين لابنه السبط الطاهر الإمام حسن بن علي المجتبی) علیه السلام بلغة واضحة لابن الظاهر فيها مجال العلم والمعلومات وللسالك المتفضل عليه المولى الكريم استلهام المعرفة المحجوبة عن الغالبية«وَإِن تُطِعْ أَکْثَرَ مَن فِی الْأَرْضِ یُضِلُّوکَ عَن سَبِیلِ اللَّهِ ۚ إِن یَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا یَخْرُصُونَ ذُکِرَ»

[سورة الأنعام الآية : 119]. ذلك السالك المتعبد في دجى الليل المرتبط بأنوار روح آل محمد التي تحول ظلامه نورة وضياء من رشحات نور المصطفى عليه وعلى آله السلام

وكما يقول مولانا علي - يا نور المستوحشين في الظلم، فلنعود إذا الإيضاح هذا الكلام من تعبير شطحي، لا لوم عليه، وما قاله سيدنا و مولانا أمير المؤمنين تعبيرة لنفس الحالة بلغة التمكين، فلنأخذ سيدي عمر بن الفارض في بعض شطحاته في شعره المسمى التائية الكبرى أونظم السلوك. ثم نجري المقارنة على الشطح والتمكين :

وشفع وجودي في شهودي ظل في ***اتحادي وترا في تيقظ غفوتي

وإسراء سرى عن خصوص حقيقة*** إلى کسیری في عموم الشريعة

ولم أله باللاهوت عن حكم مظهري*** ولم آنس بالناسوت مظهرحكمتي

فعني على النفس العقود تحكمت ***ومني علي الحس الحدود أقيمت

وجاءني مني رسول عليه ما ***عنت عزيز بي حريص لرأفة ولما

فحكمي من نفسي عليها قضيته ***تولت أمرها ماتولت

ومن عهد عهدي قبل عصر عناصري*** إلى دار بعث قبل إنذار بعثة

إلى رسولا كنت مني مرسلا ***وذاتي بآياتي علي استدلت

وهكذا ... إلى أن قال

وفي شهدت الساجدين لمظهري*** محققت أني كنت آدم سجدتي

وعاينت روحانية الأرضين في*** ملائك عليين أكفاء سجدتي

وآخر محو جاء ختمي بعده ***كأول صحو لارتسام بعدة

وكيف دخولي تحت ملكي كأولياء ***ملكي وأتباعي وحزبي وشيعتي

تلك كانت بعض أبيات من التائية الكبرى أو نظم السلوك للعارف المتسهلك في فيوضات رب الجمال وهو ابن الفارض، أن هذه الأبيات هي في حالة الجذب وبهيمنة الاسم المهيمن على العبد فلا اسم له أو رسم أو شعور بالوجود لنفسه، وإنما حياته في ذلك المقام، كلها لا إله إلا الله حيا قيومة موجودة كما قال سيدنا أبو الشهداء الإمام الحسين عليه السلام مخاطبا الله - ألغيرك من الظهور ماليس لك، متی غبت فتحتاج إلى دليل.... کلام إشاري منه عليه سلام اللهالأحوال ومقامات العارفين

المستهلكين في الله. نعم ذلك كان حال ابن الفارض فنسب إلى نفسه ما نسب شطحة لا لوم عليه وذلك فضلا پوتيه الله لمن يشاء، ولو دققنا في الأبيات الأربعة الأخيرة مما نقلنا واستشففنا المعاني لرأينا انتحاة السجده لآدم ومعاينة الملائكة العليين وهم أكفاء سجدته ثم دخول الأولياء تحت ملکه فهم أتباعه وحزبه وشیعته أي هو جب الكل.

وللمقارنة نرى جنس هذا الكلام لمولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام وعند التدقيق في معاني تعبيرات أبي الحسن المطهر لمقارنتها لكلام ابن الفارض لرأينا المثلية ولكن بفرق الأحوال، فهناك الشطح وهنا التمكين والفرق بين الحالتين شاسع كالفرق بين تلميذ يحبو ومعلم يرشد برصانة مع أن كل كلام أمير المؤمنين علي كرم الله وجه في تمكين إلا أننا لابد أن نأخذ مثالا عن أحد أعماله العظيمة ذاك من وصيته سلام الله عليه لابنه الإمام الحسن المجتبي علیه السلام كما جاء على الصفحة 556 من نهج البلاغة شرح الإمام محمد عبده رحمه الله.

الوصية

أي بني إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدرة ونفعه من ضره فاستخلصت لك من كل أمر نخيلة وتوخيت لك جميلة وصرفت عنك مجهولة ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر مقتبل الدهر ذو نية سليمة ونفس صافية، وإن ابتدئك بتعليم كتاب الله وتأويله وشرائع الإسلام وأحكامه وحلاله وحرامه لا أجاوزك إلى غيره أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم، فكان أحكام ذلك علي ما كرهت من تنبيهك له أحب إلي من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به الهلکه ورجوت أن يوفقك الله فيه لرشدك وأن يهديك لقصدك فعهدت إليك وصيتي هذه. ثم تتابع الوصية بالنصائح التي أقل ما يقال عنها تزكية النفس زكية وصولا إلى الكمال المتجانس مع النفس الواحدة وهي حقيقة عرفانية لأبناء الظاهر فيها شأن، وهو الذي خلقكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع، ومنهنا تأتي إلى عملية المقارنة بين التعبير الشطحي الابن الفارض والتعبير التمكيني لسيدنا علي كرم الله وجهه.

إنني أرجو أن يلتفت بعناية إلى كلمة (جب أو يجب) معناه

الاحتواء حتى يكون المحتوى والمحتوى في استشعار متحد كما يقول الصوفية إن الرسول يجب آله، عند الصلاة عليه من لا يتعمد الصلاة البتراء أو عدم تبينها.

ففي تعبير ابن الفارض يقوم رضوان الله عليه كما ذكرنا :

وفي شهدت الساجدين لمظهري*** فحققت أني كنت أدم سجدتي

الشرح:

هنا في شهوده في نفسه (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) تفاعلت معه حقائق صور سجود الملائكة لآدم فجب فيها أمرة من الله وفضلا منه فاتحدت حقيقته بحقيقتها فعبر عنها كذلك ونفس المعنى تحقق له في البيت :

وعاينت ورحانية الأرضيين في*** ملائك عليين أكفاء سجدتي

وآخر محو جاء ختمي بعده ***كأول صحو لارتسام بعدتي

وكيف دخولي تحت ملكي كأولياء ***ملكي وأتباعي وحزبي وشيعتي

وهذه تحمل معنى التأمل الذي قاده إلى المحو فكان أول صحوة متسم فيما عایشه بعده من كمال المعرفة ثم كيف جب الرئاسة حتى رأی نفسه ملكا لرعيته الأولياء في صورة حزبه وأتباعه وشیعته، أي أهم ما يستفاد منه ما جب فيها من أحوال الأولين والملأ الأعلى واستمر معه ذلك في سيرة إلى الله راجعة إليه بتلك الملكات أنه لم يقدر الكتمان الكلي وذلك أيضا مرادة من الله فأطلق الشطح وإن لم يفسح السر جهارة....؟!

كذلك وللمقارنة نرجع إلى كلام سيدنا الشهيد وأبو الشهداء أسد الله الغالب علي بن أبي طالب على سيده ومعلمه الرسول وعلى آله أفضل الصلاة والرضوان. تكلم ابن الفارض بالانبهار وتكلم مولانا

الإمام بالتمكين وقد جب سلام الله عليه الأوليين والآخرين بكلمات رصينة مقتضبة ولكنها جامعة لصلب الموضوع العرفاني : أي بني إني وإن لم أكن عمرت من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم وفكرت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأني بما انتهى إلى من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم. كذلك فكلمات سرت تشير إلى السير والسلوك العرفاني والآثار هي مرور السائر في طريق الله في مختلف الآفاق وسكانها وعمرت الأولين والآخرين هي إشارة جب أولئك وملكاتهم حتى سبقهم واطلع على أحوالهم ومقاماتهم وفيهم أرواحة عظيمة للأنبياء والرسل والملائكة والعباد الأولياء وأقطابهم وصديقيهم ومبتدئيهم والواصلين منهم. بعدها ينعطف سيدنا أمير المؤمنین إلى إرشاد ابنه السيد المجتبى طريق السلوك العرفاني يتزكية النفس بالاكتفاء بعلم الشريعة وأحكامه. من حلال وحرام أشار إليه أن لا يتجاوزها والتركيز على التأويل الذي يعلمه الكتاب الله لأن العلوم الظاهرة وجدلیاتها أساسها الهوى والرأي المخترع المؤدي إلى الاختلاف والانشغال المؤدي إلى هوة الغفلة المانعة والانشغال عن الحقيقة والعلوم اللدنية. كذلك استعمل كلمة الصفو والكدر وهي حالات القبض والبسط عند السالكين في طريق السير والسلوك وإحساس الإمام لروح الحسن عليه السلام الصافية ونيته السليمة التي لا بد منها لتزكية النفس المؤدية إلى الرقي العرفاني، لأن أصحاب نفوس الكدورات والرغبات لا يمكنهم الولوج إلى المعارج الرفيعة القريبة للحق والحاصلة على معرفة الحق كذلك كلمة التأويل التي استعملها سيدنا باطنية الحركة، والمعنى مقابل التفسير وهي ظاهرة الحركة والمعنى،فالأولي لمعرفة ساحات الباطن والعلوم الغيبية أما الثانية التعلم والاحاطة لأحكام الشريعة الظاهرية ، كذلك استعمل سيدنا علي كرم الله وجهه كلمه (رشدك ومقصدك) فالرشد للإرشاد إذ لابد للواصل من ولي مرشد فكان سلام الله عليه وليا مرشداً

المريده السيد الإمام حسن المجتبى، أما مقصدك، هو مقصد السالك في سیره وسلوكه وكدحه وكده إلى لقاء الله في شهود جمیل مقدس سعيد. وللخروج من ساحة الاستشعار الغيبي الذوقي إلى ساحة الشهود السافر ذلك ما تكلم به سیدنا علي عليه السلام أثناء معايشته الجسد المطهر للنبي عند انتقاله إلى الرفيق الأعلى. حسب ما جاء على ص 450 من نهج البلاغه شرح الشيخ الجليل محمد عبده تحت عنوان:

إن هذا العارف الممكن وهو ولي الأولياء وقطب الأقطاب ومرشدهم ومعلمهم سيدنا أمير المؤمنين قد عایش الوصول إلى الحق وشهود محبوبه الجميل وشهود الحقائق المحمدية السافرة وهو نفسها، عبر عنها في رائعته الإعجازية مع روح الرسول يوم انتقاله إلى الرفيق الأعلى اللهم صلي عليهم أجمعين.

ومن كلام له علیه السلام:

ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلی الله علیه وآله إني لم أرد على الله وعلى رسوله ساعة قط. ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنتکس فيها الأبطال وتتأخر فيها الأقدام نجدة أكرمني الله بها.

ولقد قبض رسول الله صلی الله علیه وآله وأن رأسه لعلى صدري ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي، ولقد وليت غسله صلی الله علیه وآله والملائكة أعواني فضجت الدار والأفنية مط يهبط وملأ يعرج وما فارقت سمعي هيمنة منهم يصلون عليه حتىواريناه في ضريحة. فمن ذا أحق به مني حيا وميتا فانفذوا على بصائركم ولتصدق نياتكم في جهاد عدوكم فهو الذي لا إله إلا هو أني لعلى جادة الحق وأنهم على مزلة الباطل أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم.

الشرح والمنافشة:

1.

المستحفظون - بفتح الفاء - الذين أودعوا من قبل الرسول أمانة السر، ومن الأسرار التي علموا بها سر باب مدينة المعرفة الكاملة لجميع الآفاق والخلق وأن مفاتيح المدينة أودعت لعلي فهو الباب والعرفاء والسالكون يعرفون ذلك عملا وشهودا.

2.

فالإمرار فهي عملية حركية متتابعة أي مر الشخص على فلان ثم توجه إلى سبيله ثم انعطف إلى بيت صديقه أو مرت الوثيقة على المدير ثم رفعت للوزير بعده وجهت لصاحب العلاقة. ولو دققنا في كلمة الإمرار لرأينا أنها تتضمن معنى الاستمرارية في الحركة إلى الهدف ولقد بين القرآن الكريم هذا المعنى في العديد من الآيات كحركة للمرور والاستمرار مثلا :

-«أَوْ کَالَّذِی مَرَّ عَلَی قَرْیَةٍ وَهِیَ خَاوِیَةٌ عَلَی عُرُوشِهَا »[البقرة: 259]بطبيعة الحال مر عليها ولم يستوطنها لأنها خاوية على عروشهاولما تركها أخبر عن خوائها.

-«فَلَمَّا کَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ کَأَن لَّمْ یَدْعُنَا إِلَی ضُرٍّ مَّسَّهُ »[يوسف، الآية : 12] أي مر من حالة الضر إلى حالة المنفعة وأمان من الخطر.

-«وَیَصْنَعُ الْفُلْکَ وَکُلَّمَا مَرَّ عَلَیْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ »[هود،الآية : 12] أي مروا على نوح ساخرين وهم في حركة استمرارية مارین.

«وَتَرَی الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِیَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ »[النمل: 88] یشیرإلى حركة استمرارية مر السحاب.

وهناك عشرات الآيات تتضمن الحركة والاستمرار والتحول من حال إلى حال.

أما في حالة وضع السائل على الوجه فيقال له غسل أو مسح أو رش أو الامراغ يتبدد بعدها السائل أو ينشف، أما كلمة ((فامررت) الإمرار التي استعملها أمير المؤمنين تتضمن المرور والتحول إلى حالة أخرى أي الارتفاع إلى الرفيق الأعلى بدلالة ما كان يحدث من هيمنة الملائكة نزولا وصعودة والصلاة عليه ومعاونته في الغسل والتكفين، ولكن الرواة الذين لا علم لهم بالعلوم الباطنية والاقتدارات الكشفية أخطؤوا ترجمتهم وتفسيرهم واستنباطهم من جميع النواحي سواء في ربط کلام سیدنا علي علیه السلام بالمناسبة أو ترجمتهم اللغوية لتفسير النفسي، فقالوا والإمرار مسحة لأنهم فاقدون الواردات الوجدانية على مرآة قلوبهم وأفئدتهم فتخبطوا حياري، وأولوا الأمر بأنه كان استفراغ أي ما يستفرغ من باطن الإنسان عن طريق الفم (الزوع) أي من فم الرسول إلى يد علي علیه السلام، ولكن سيدي أمير المؤمنين يتكلم عن النفس أي الروح وبعد أن قبضت روحه الطاهرة وهذا الكلام يعرفه كل واحد، وإن كان مبتدءا في فهم العربية. إذا وعلى ما تقدم علينا نشرح کلام سیدنا امیر المؤمنين على ما يمنحنا الله بتوفيق منه إلهامة لغور عالم المعاني التي عایشهاسيدنا الأمير الولي.

أولا : - قبض الرسول على صدره يقفل كل جدل غيره.

ثانيا : - سالت نفسه أي روحه في كفه وقد استعمل القرآن الكريم كلمة النفس مرادفة لكلمة الروح بل تعدى إلى تسمية النفس بكلية الوجود للأرواح الإحاطية مثل نفس أولل العزم من الرسل والنفس الإلهية المنزهة المباركة الله، في محاورة حين خاطب الله نبيه عيسى ابن مریم علیه السلام بكلامة : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الإلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي (أي نفس عیسی) ولا أعلم ما في نفسك (إشارة إلى الجليل) إنك أنت علام الغيوب).

ثالثا: - والذي عبر عنه السيد أبو الحسن علي علیه السلام هو حال روح الرسول المقدسة وهي حالة فريدة، نعم من يرى النبي محبة نومة، ويراه السالك في طريق العرفان بصورة معينة، ويراه العارف ملهمة ومرشدة، ويراه الواصل نورة، وبصور متعددة لحقائقه، روحي وروح أهلي وأسرتي وذريتي له الفداء، ولكن أن يرى روحه باستحواذ الشمولية في سيلان في كف علي فإن هذه الحالة ليست إلا للخالق الذي أوجد الروح والكل في قبضته ونفس الرسول صاحب الحجاب الأعظم والسر الأعلى الرؤوف الرحيم البشير النذير والشاهد على الشهود، وعلى سلام الله عليه لانه نفسه صلی الله علیه وآله بحكم آية المباهلة وهذه الحالة العرفانية هي في قمة حالات التمكين الكاملة منحة من الله مالك الملك للنبي ونفسه الكريمة لم تعبر عنها هكذا أبدا كما عبر عنها سيدنا أمير المومنین لا قبة ولا بعدة، يضاف إلى هذا الشهود الأعلى المقدس لروح نبينا الكريم، كان الأمير المؤمنين في هذه المناسبة شهود وسمع آخر وهو عند غسله للرسول رؤية الملائكة وهم يعاونوه تشريفة لهم وضجيج واكتظاظ الدار بالملائكة الهابطة والعارجة وسمعه هيمنتهم وهم يصلون عليه وحتى وري ضريحة المقدس. وما دمنا في دوحة أبي الحسن عليه السلام التي منح من الله سبحانه وتعالي دوحة المعرفة الآفاقية واقتطفنا من ثمار بعض أغصانها الندية ثمارة من المعرفة الحسية الذوقية في وصيته لابنه المجتبى، ثم من المعرفة الشهودية السافرة أثناء تجهيزه للجسد الطاهر للسيدنا ومولانا الرسول أبي البتول اللهم صلی الله علیه وآله .وفرغنا في التحدث عنها علينا عدم الاكتفاء، فثمار الدوحة لا مقطوعة ولا ممنوعة، في التحدث إلى بعض رشحاته الأخرى عندما يذكر المستفحظين من أصحاب الرسول الخاص الذين أودع بعض أسراره لديهم فيذكر أصحابه سلام الله عليه بمنطقية مشابهة على قاعدة العرفان والمعرفة الحقة فيصفهم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين واستلانوا ما ستعوره

المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه آه آه شوقا إلى رؤيتهم وكأنني أحس عميقة أن سيدي الأمير الايتأوه بالشوق إلى الماضين بل الشوق حتى إلى عترة الرسول التي كانت في الأصلاب الطاهرة، لأن مثله في حالة الاستواء الكلي فالماضي والحاضر والمستقبل في استواء وشهود في ذاته المباركة فاشتاق إلى رؤية تلك النفوس الطاهره من أبنائه وعترته الذين ورثوا الولاية من مشكاة الخلافة فكانوا خلفاء وأولياء. وأي نفس لا تحن إلى رؤيتهم سلام الله عليهم. إن هذه انبلاجة عرفانية صرفة لجانب من حقائق أرواح محمد وآل محمد.

ماذا يمكن لمثلي الضعيف الحقير أن يقول في هذا الكلام المشهود الذات عليه السلام الهجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وليس البصر، إن الأمر متعلق بالقلب خارج عن الحواس الخمسة الظاهرة نعم القلب بدوائر الوجدان التي تسبح إلى الآفاق وتعكس العوالم كلها في قلب المؤمن المحسن والموقن ثم ماذا............ باشروا روح اليقين، كانك تقول إن روح القانون أوسع من نطق القانون لأن روح القانون يجب مقاصد التشريع لسلسلة من الاحتمالات أثناء الحكم، كذا أقول وإن كان الفرق شاسع لا يقاسي ولكننا نتعرض لها تجاوزة لتقريب الأمر لعقولنا القاصرة الخاضعة لقوى الضغط الجوي والتحولات الكيمائية الفيزيائية وتيار الكهربائي العصبي وانجذاب الممغنط لجاذبية الأرض ولو اختلت أية هذه القوى لتخلخل العقل وهلك فأقول إن روح اليقين كما عبر عنها سيدي الأكبر أسد الله الغالب كرم الله وجهه يجب، يحوي علم اليقين وعين وحق اليقين لأن للعلم والعين والحق واليقين أرواحة معنوية لليقين وأن الروح الكلية لليقين هو ما عبر عنه السيد علیه السلام وقد يعبر عن روح اليقين بحق اليقين كتدرج للعلم والعين والحق.

اللؤلؤة السوداء :

ذاك جانب من الصور المعنوية لمولانا علي اللولوة السوداء وهي عبارة عن مكمن الأسرار ولكنها تشع ضياء بهيجة وأنوارة درية. قلة من الواصلين لها أناء والنادرين من العباد والأشاوس يقدرون التحمل لثقل وارداتها لثقل الحقيقة عليهم، وذلك هو الفضل يعطيه لمن يشاء ذلك ما أتلمس وأنا الضعيف الفقير القاصر عندما تمعنت فيما يأتي من الأمير سلام الله عليه من رشحات الغيب:

سبحانك أي عين تقوم نصب بها نورك، وترقى إلى نور ضياء قدرتك، وأي فهم يفهم ما دون ذلك إلا إبصارة كشفت عنها الأغطية وهتكت عنها الحجبالعمية، فرقت أرواحها إلى إطراف أجنحة الأرواح، فناجوك في أركانك وولجو بين أنوار بهائك ونظروا من مرتقی التنزية إلى مستوى كبريائك، فسماهم أهل الملكوت زوارة ودعاهم أهل الجبروت عمارة. نعم هذه لؤلؤة الأسرار السوداء، خزينة أسرار المعرفة تشع نورة من المعرفة لمن يتحملها وهم لها أهل. وللعلم أن اللؤلؤة السوداء هي من أندر اللألئ أدونها الزرقاء وأدون منها البيضاء كذا في طريق السير والسلوك فإن النور الأسود يرى في أعلى مراقي طريق السير والسلوك عندما يتفضل المولی جلت قدرته إعانة السالك الصادق في التحقيق في حلقة النفس المرضية فإن أنوارها سوداء جميلة جدا.

الختام

وفي ختام كتابنا هذا كبوة الواثب نذكر محاورة عرفانية لعلوم الحقيقة الأبدية والأزلية التي منحت لسيدنا أمير المؤمنين نفس الرسول وهبه المولى خلعة لخادم الرسول والرسالة وسيد الإمامة والولاية.

سأل کمیل بن زياد النخعي رضی الله عنه وهو من أصحاب أمير المؤمنین الواصلين إلى بحور الحقيقة عن الحقيقة بحقيقتها السافرة:۔

کمیل - ما الحقيقة يا أمير المؤمنين.

الأمير - ما لك والحقيقة يا کميل.

کمیل - ألست صاحب سرك سيدي.

الأمير - بلی ولكن يرشح عليك ما يطفح مني.

کمیل - أو مثلك يخيب سائلا.

فرد أمير المؤمنين :

الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير إشارة.

کمیل - زدني بيانا.

الأمير - محو الموهوم وصحو المعلوم.

کمیل - زدني بيانا سيدي.

الأمير - هتك الستر لغلبة السر.

کمیل - زدني بيانا.

الأمير - نور يشرق من صبح الأزل على هياكل التوحيد آثاره کمیل - زدني بيانا الأمير - اطف السراج فقد طلع الصبح

إنني أحس في هذا الحوار عطف أمير المؤمنين علي علیه السلام على کمیل بن زیاد بجانب دفعة روحانية جاذبة له لتمكين فهم الحوار الغيبي حتى المعايشة، كذلك أحس شوقا عارمة وتطلعة حارة للهداية إلى الحقيقة من رشحات علي عليه السلام مندفعا إليه الصحابي الجليل کمیل بن زیاد النخعي نالها من علي بإخلاصه. اللهم اجعلنا مخلصين لمحمد وآل محمد ومتقربين بهم إليك إنك کریم قديرعليم.

الفهرس

الامام المهدي عليه السلام

الإهداء ...5

التقديم ...7

المدخل والتعريف ...9

الفصل الأول: المصطلح الشيعي وعلاقة (الضيف في المقابلة) أحمد الكاتب به ...11

الفصل الثاني: المهدية عند أهل السنة ...15

للاستحواذ على الحكم اتجهت إلى وجهتين : ...15

الفصل الثالث: كتاب ينابيع المودة للشيخ سليمان القندوزی ...23

الفصل الرابع : المهدية عند الشيعة ...27

الفصل الخامس: المهدية عند أهل التصوف والعرفان ...33

الفصل السادس: المهدية عند ابن العربي ...35

الصلاة الأكبرية ...47

الفصل السابع: بعض إشرقات المهدي عليه السلام حظينا بعلمها...49

الفصل الثامن: المهدي عند العارف العلامة السيد محمد مهدي بحرالعلوم ...55

السيد المهدي عل في حياة العارف المتمكن السيد آية الله العظمى علي حسين القاضي قدس سره العالي ...58

الفصل التاسع: المهدي عند عرفاء الفرق الإسلامية الأخرى ...61

الشرح ...63

انبلاجة الصامت ...64

مسك مسك الختام ...67

كبوة الواثب

كتاب كبوة الواثب ...73

المقدمة ...75

الفصل الأول: الكبوة الأولى ...77

الفصل الثاني: الكبوة الثانية ...79

الفصل الثالث: الكبوة الثالثة ...95

الفصل - ولاية الفقيه ...97

ولاية الفقيه في أصالتها الإسلامية ...98

النظام البريطاني ...101

النظام الهندي ...101

الفصل الرابع : الكبوة الرابعة ...111

الفصل الخامس: الكبوة الخامسة...125

ملتقى النفوس البشرية ...132

الوصية ...139

ومن كلام له علیه السلام ...142

الشرح والمنافشة ...143

اللؤلؤة السوداء ...147

الختام ...149

الفهرس ...151