ghaemiyeh.com
رعایة الإمام المهدی(عج) للمراجع و العلماء الأعلام
تألیف علی الجهرمی
تعریب و تحقیق لجنة الهدی
منشورات دار یاسین
رعایة الامام المهدی (عج) للمراجع و العلماء الأعلام
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأوق
۱4۱4 هـ .۱۹۹۳م
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قیام يوم الدين .
بسم الله الرحمن الرحیم
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه ، في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا .
بسم الله الرحمن الرحیم
كتب في موضوع الإمام المهدي الموعود - عليه الصلاة والسلام - الكثير من الكتب والمصنفات مما يكاد يفوق الحصر . تناول كل واحلي منها دراسة جانب من الجوانب المختلفة لهذا الموضوع المتشعب الأطراف والغائر العمق . فقسم درس موضوع « غيبة إمام العصر (عجل الله تعالى فرجه الشریف )»، وقسم آخر آنبرى لدراسة موضوع « انتظار الفرج » ، في حين اتخذ القسم الآخر من موضوع « الإنتفاع بالإمام الغائب « عليه السلام »، أو « التشرف بلقائه» ، في عصر الغيبة الكبرى محاور الدراساتهم وهكذا .
وخلاصة الأمر أن مختلف الموضوعات المتعلقة بموضوع الإمام المهدي الموعود علیه السلام أخضعت لجهوډ متنوعة من البحث والدراسة والتقصي . إلا أننا لم نصادف حتى الآن كتابا اختص بجمع ما تواتر من الأخبار والقصص والحكايات التي تنبي عن رعاية الإمام المهدي علیه السلام للفقهاء والعظام والعلماء والأعلام، وتشير إلى توجهه إليهم بالخصوص .
وقد اتفق أن توجه أحد طلبة العلوم الدينية بسؤال حول ما يشير من تراثنا الثقافي والتاريخي إلى رعاية الإمام المهدي علیه السلام لخصوص المراجع والمجتهدين وعنايته بهم . وقد اكتفينا حين الإجابة بذكر حادثة الفتوى التي أفتى بها الشيخ المفيد ( رضوان الله عليه ) بخصوص المرأة المتوفاة وجنينها حي ، وبضعة أمثلة أخرى مشابهة لعدم تصدينا حينها لبحث الموضوع بشمولية ودقة .
بيد أنه ونتيجة لأهمية هذا الموضوع ، ارتأينا أن نتابع دراسته وجمع شتاته ، فكانت النتيجة هذا الكتاب الذي بين يدي القارىء الكريم .
وهو علاوة على كونه خطوة على طريق إستيعاب هذا الموضوع فهو كذلك خطة نحو التعرف على بعض أكابر علماء الشيعة ونواب إمام العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف ) في مختلف مراحل عصر الغيبة الكبرى ، الأمر الذي لا يخفى ما سيؤديه من تحقيق عظيم الأثر في بناء الإنسان نتيجة إطلاعه على صفات وسجايا وخلق أعلام کهؤلاء مما يدفعه بالنتيجة إلى التأسي بهم والتمسك بأخلاقهم .
إلا أن أهم ما تفيده هذه الدراسة المتواضعة هي إدراك مدى التصاق مراجع الشيعة وعلمائهم الكبار بالنواحي المعنوية للحياة ، ومدى التفافهم حول إمام الزمان علیه السلام مما شكل أساسا قويا لرسوخ المرجعية في هذا الأمد الطويل ، وجعلها
بالنتيجة تمثل أكثر المراتب المعنوية قداسة لدى الشيعة مما يستتبع ضرورة بقائها بعيدة عن مظاهر الحياة المادية وزخرفها بشكل تام . الأمر الذي يعتبر من أعظم مفاخر الشيعة .
آمل أن يقع هذا العمل المتواضع موقع القبول لدى المولى صاحب الزمان وبقية الله في الأرضين الحجة بن الحسن ( أرواحنا فداه ) وأن يجعلنا مع الذين يشملهم دعاؤه بالخير .
علی کریمی جهرمي
بسم الله الرحمن الرحیم
الحديث في هذا الكتاب على قسمين : يجيب الأول منها على التساؤل حول إمكانية أي شخص كان في التشرف بلقاء الإمام المهدي الغائب ( عليه السلام ) في غيبته الكبرى . ثم وعلى فرض اثبات هذه الإمكانية فهل تحقق هذا الأمر بالفعل أم لا ؟ ثم الحديث حول رعاية صاحب الأمر علیه السلام الخاصة لعلماء الشيعة ومراجعهم المتقين العظام والحوزات العلمية .
والقسم الثاني يتعرض لذكر أسماء بعض العلماء الأعلام والمراجع المرموقين الذين تشرفوا بهذا الشرف الرفيع والكرامة الأهمية البالغة ووفقوا للقاء ولي الله الأعظم الإمام المهدي ( أرواحنا فداه ) أو سمعوا صوته الملكوتي العذب أو شملهم لطفه وعطفه بأية صورة كانت . والله الموفق .
لنبدأ أولا في التأمل بموضوع التشرف بلقاء صاحب الأمر علیه السلام بمنظار عقلي فنتساءل : هل أن هذا الأمر ممكن أم ممتنع ؟ بتعبير أخر هل هذا الأمر بذاته ممكن عقلا أم ممتنع ومحال ؟
لا يخفى حتى على من قل علمه ومعرفته - ناهيك عن المحققين والباحثين والعلماء والمفكرين - أنه ليس من شك أو ريب في عدم استحالة اللقاء بالحجة علیه السلام في حد ذاته كما انه لايستلزم أيضا أمر محالا . فليس اللقاء بصاحب الأمر علیه السلام أمرا محالا بذاته كموضوع « شريك الله » الممتنع عن الإمكان تماما والمستلزم فساد العالم بأسره ، أو كموضوع « الجمع بين النقيضين » الذي لا يمكن تصوره بالمرة .
فالعقل لا يرى مانعا من تصور اللقاء بصاحب الأمر ، علاوة على أن هناك قاعدة معروفة تقول : « أقوى دليل على
إمكان الشيء وقوعه » . أي أن أمرا إذا وقع وأضحت له حقيقة خارجية وتحقيق عيني فإن ذلك بذاته شاهد حي ودليل قاطع على إمكان تحققه ، ولا يبقى بذلك مجال للشك والإرتياب في عدم إمكان تحققه ، والقاريء الكريم سوف يطلع في القسم الثاني من الكتاب على أسماء مجموعة من الأفاضل ممن لا يتسرب إلى النفس أدنی احتمال بعدم صدقهم أو عدم صحة إدعاءاتهم ، تشرفوا بلقاء الإمام المنتظر ( عجل الله تعالى فرجه الشریف ) .
الآن ، وبعد أن تعقلنا أن هناك إمكانية ذاتية في هذا الأمر ، نطرح السؤال الأخر وهو : هل هناك إمكانية لوقوع هذا الأمر أيضا ؟
حيث أن بعض الأمور ، قد تتجاوز المرحلة الأولى ، فهي قد تكون غير ممتنعة بذاتها ، إلا أن وقوعها غير ممكن ، كطيران الإنسان في الفضاء ، فهو ليس ممتنع بذاته ، إذ من الممكن تصور طيران الإنسان في السماء كالطيور غير إنه أمر غير ممكن الوقوع فبناءا على التحققات الخارجية فالإنسان لا يمكنه الطيران في السماء كاليمامة مثلا .
للإجابة على هذا التساؤل ، نقول إن موضوع التشرف بلقاء الإمام المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشريف ) ليس من قبيل ذلك أيضا ، فهو أمر ممکن الوقوع والتحقق في الخارج وليس من إشكال أو محذور عقلي من وقوعه ، بل أن الظن والاعتقاد يميل إلى إمكانية وقوعه وتحققه .
يقول علم الهدى السيد المرتضى - أعلى الله مقامه : « إنا غير قاطعين على أن الإمام لا يصل إليه أحد ولا يلقاه بشر ، فهذا أمر غير معلوم ولا سبيل إلى القطع عليه »(1).
ثم يضيف « فإن قيل ؛ إذا كانت العلة في استتار الإمام وخوفه من الظالمين واتقائه من المعاندین فهذه العلة زايلة في أوليائه وشیعته ، فيجب أن يكون ظاهراً لهم أو يجب أن يكون التكليف الذي أوجب إمامته لطفاً فيه ساقطا عنهم لأنه لا يجوز أن يكلفوا بما فيه لطف ثم يحرموه بجناية غيرهم » ( الجواب) «... إنه غير ممتنع أن يكون الإمام علیه السلام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته من أسباب الخوف فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره . »(2).
أما الشيخ الطوسي - رضوان الله عليه - فيناقش الموضوع
مناقشة لطيفة حينما يثير التساؤل التالي « الأعداء إن حالوا بينه وبين الظهور على وجه التصرف والتدبير فلم يحولوا بينه وبين لقاء من شاء من أوليائه على سبيل الإختصاص ، وهو يعتقد طاعته ويفترض اتباع أوامره ويحكمه في نفسه ؟ » يجيب عنه بالتعرض لاحتمالات عديدة ينتهي بعدها إلى القول : إن الذي يجب أن يجاب به عن السؤال الذي ذكرناه في علة الإستتار عن أوليائه : أنه لا يجب القطع على استتاره عن جميع أوليائه »(1).
كما أن للشيخ الطوسي - رضوان الله عليه - تصريح آخر في رسالة الغيبة أهم وأكثر وضوحا مما ورد أعلاه حيث يقول : « نحن نجوز أن يصل إليه كثير من أوليائه والقائلون بإمامته فينتفعون به »(2).
وفي ذات رسالة الغيبة يصرح في مكان آخر فيقول : «لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه بل يجوز أن يبرز لأكثرهم ولا يعلم كل إنسان إلا حال نفسه »(3).
يقول كذا مقتدى العارفين والعالم العلم السيد بن طاووس - أعلى الله مقامه - وهو يخاطب ابنه في خصوص اللقاء بصاحب الأمر علیه السلام « والطريق مفتوحة إلى إمامك علیه السلام
لمن يريد الله جل شأنه عنايته به وتمام إحسانه إليه »(1).
ويقول أيضا : « وإذا كان علیه السلام غير ظاهر الآن لجميع شیعته فلا يمتنع أن يكون جماعة منهم يلقونه وينتفعون بمقاله وفعاله ويكتمونه کا جرى الأمر في جماعة من الأنبياء والأوصياء والملوك حيث غابوا عن كثير من الأمة لمصالح دينية أو دنيوية أوجبت ذلك » .
المحقق الكبير الآخوند الخراساني ( قدس سره ) يقول في كفاية الأصول : «... قد مر أن مبنى دعوى الإجماع غالبا ، هو اعتقاد الملازمة عقلا ، لقاعدة اللطف ، وهي باطلة ، أو إتفاق بحدس رأيه علیه السلام من فتوى جماعة ، وهي غالبا غير مسلمة ، وأما كون المبنى العلم بدخول الإمام بشخصه في الجماعة ، أو العلم برأيه للإطلاع بما يلازمه عادة من الفتاوی ، فقليل جدا في الإجماعات المتداولة في السنة الأصحاب ، کما لا يخفي . بل لا يكاد يتفق العلم بدخوله علیه السلام على نحو الإجمال في الجماعة في زمان الغيبة وإن احتمل تشرف بعض الأوحدي بخدمته ومعرفته أحيانا »(2).
المحقق المرحوم النائيني ( قدس سره ) يقول في هذا البحث أيضا ضمن رده على المسلك الدخولي : « وأما في زمان
الغيبة فلا يكاد يحصل ذلك عادة ، نعم قد يتفق في زمان الغيبة للأوحدي التشرف بخدمته وأخذ الحكم منه علیه السلام » (1).
كذا فإن سید فقهاء العصر ، حضرة آية الله العظمی الكلبايكاني دام ظله سيل : ماذا ينبغي العمل للتشرف بلقاء صاحب الأمر علیه السلام ؟ فرد بالقول : « إجمالا لا يمكن تحديد سبيل تمكن أي أحد من إلتقاء الإمام علیه السلام، إلا أن العمل بالتكاليف الشرعية والسعي لنيل مرضاته وسروره علیه السلام والقيام بإداء بعض الأعمال كالإعتكاف لأربعين ليلة في مسجد السهلة أو غيره قد تؤدي إلى تشرف البعض برويته حسب ما تقتضي المصلحة » (2).
وبناءا على ما تقدم فإن جميع هؤلاء العظماء من رؤساء الشيعة ومفاخر الأصحاب الإمامية يعتبرون موضوع تشرف بعض الأولياء بلقاء صاحب الأمر علیه السلام أمراً ممكناً تماما .
وناهيك عن كل هذا ، فإننا يمكن أن نثبت الموضوع إستنادا إلى قاعدة اللطف الألهي ، فكما أن أصل الإمامة ، ضروری بناءا على ألطاف ورحمة الله الرحمن الرحيم اللامتناهية مما ترتب عليه جعل الناس تحت رعاية وكفالة إمام معصوم وإتاحة الفرصة أمامهم للتمتع بهديه وإرشاده ، فكذلك الأمر
في حالة إقتضاء المصالح العليا والحكمة المتعالية غياب المعصوم علیه السلام وإستتاره عن الأنظار ، فإن لطف الباري جل شأنه يقتضي عدم حرمان اتباع هذا المعصوم علیه السلام ومحبيه - فيلقاهم بين الحين والآخر ويغدق عليهم من هذا الفيض ومن تلك الرحمة العظمي ، الأمر الذي يستتبع . رغم قلة حدوثه واستثنائيته - إلى بث روح الأمل فيهم مما يؤدي بالتالي إلى بعث قوة جديدة فيهم وإصرار أشد على متابعة السير في طريق نشر دین الله وإعلاء كلمة التوحيد . كما أنه سيكون سببا في رسوخ الإيمان وثبات العقيدة واكتساب القوة في ذات الله تعالى ، مضافا إلى ما سيحل عليه ذات المتشرف باللقاءمن إرشادات إلهية يهديها إليه قطب العالم وحجة الله على العباد ، ومن الآثار التي ستترتب على إحساسه بأنه مشمول بعطف وعناية صاحب الأمر علیه السلام بشكل مستمر .
کما لا يفوقنا أن نذكر بأن المشتاقين المولهين من أهل الولاية حينما يحتملون إمكانية بقائه علیه السلام فإن الشوق والحماس والحب سيدفعهم إلى القيام بكل ما من شأنه تقريبهم من ساحته المقدسة للفوز بذلك الشرف العظيم والإنتهال من منهل هذا الفيض المغداق فيقدمون على عمل الخيرات والميراث والأعمال الصالحة أملا بوصل محبوبهم الحقيقي ورغبة في طي مراحل الطريق بينهم وبين فنائه المقدس فلعلهم يستميلون لطف رعايته الخاصة نحوهم .
ولا شك أن هذا اليسير من اللقاء أو الرعاية مما يتحقق
فعلا وما يحدث دون إطلاع مسبق ، بل ودون التعرف على شخصيته علیه السلام وقت اللقاء، لا يتنافى مطلقا مع كون ولي الأمر علیه السلام غائب مستتر .
والآن أيها القارىء الكريم لنستعرض معا بعض الأدلة التي تقتضي أن يخص العلماء العظام والمراجع المتقين بالرعاية من لدن ولي الأمر ( صلوات الله عليه ) .
١- إن أولئك الذين يعتبرون النخبة الممتازة في المجتمع الديني والواقفين في الصف الأول منه ، والمتسنمين لأعلى مركز في هرم الأمة الإسلامية ممن يعد سمو موقعهم وعلو شأنهم وجلالة قدرهم من البديهات والواضحات ، هم حراس المجتمع الإسلامي وحماة دين الله المرابطين في أهم الخنادق دفاعا عن حريم الإسلام وهم أجل وأسمى عامل في إعلاء كلمة الله وأمنع سد أمام سیل فساد المفسدين والعقائد الملحدة والثقافات المنحرفة والسبب في ثبات أسس الإيمان والعقائد الحقة في المجامع الشيعية ورسوخ مباني الإسلام الأصيل في جسد التشيع .
ولوجودهم وأعمالهم تزداد حقيقة الإسلام جلاء ونصوعا في العالم أجمع وتتوسع رقعة وجوده لتشمل مساحات بشرية أكبر .
إن من هذه صفاتهم لا شك أن يكونوا محلا لاهتمام أئمة الهدی ( عليهم السلام ) وموضعا لعنايتهم ورعايتهم .
وإليك مجموعة من الروايات الشريفة التي تعكس حرص الأئمة الطاهرين ( عليهم السلام ) على العناية بالعلماء الأعلام وحراس الشيعة .
«.. عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري علیه السلام قال : قال علي بن أبي طالب علیه السلام : من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به ، جاء يوم القيامة على رأسه تاج من نور يضيء لجميع أهل العرصات ، وحلة لا تقوم لأقل سليم منها الدنيا بحذافيرها ، ثم ينادي مناد : يا عباد الله هذا عالم من تلامذة بعض علماء آل محمد ، ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله فليتشبث بنوره ليخرجه من حيرة ظلمة هذه العرصات إلى نزهة الجنان . فيخرج كل من كان علمه في الدنيا خيرا ، أو فتح عن قلبه من الجهل قفلا ، أو أوضح له عن شبهة (1).
«.. عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري علیه السلام قال : قال الحسين بن علي علیه السلام : من كفل لنا يتيما قطعته عنا محبتنا باستتارنا ، فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتى أرشده وهداه قال الله عز وجل : أيها العبد الكريم المواسي لأخيه أنا أولى بالكرم منك ، اجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد كل حرف علمه ألف ألف قصر ، وضموا إليها ما يليق بها من سائر النعيم » (2).
«.. وعنه علیه السلام؛ قال : قال جعفر بن محمد الصادق علیه السلام : علماء شیعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته ، يمنعوهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته والنواصب ، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل من جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة ، لأنه يدفع عن أديان محبينا ، وذلك يدفع عن أبدانهم »(1).
«.. وعنه علیه السلام قال : قال علي بن محمد ( عليهما السلام ) : لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم علیه السلام من العلماء الداعين إليه والدالين عليه والذابين عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ، ومن فخاخ النواصب لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله ، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها ، أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل »(2).
والآن ، وبعد كل هذا السمو من المقام ورفعة المنزلة وشموخ المكانة التي خص بها العلماء العظام ومراجع الدين وما اختصوا به من رتبة عالية في زمن الغيبة ، وكل تلك التعبيرات القيمة التي وصفوا بها ، يبعد أن تنقطع الصلة بينهم وبين
صاحب الأمر علیه السلام بشكل تام ويحرم هؤلاء العلماء الصادقين المترفعين عن الهوس والهوى رؤية صاحب العصر والزمان علیه السلام أو سماع صوته المبارك ، أو يحرموا وصول الرسائل والتوصيات الخاصة المتضمنة تقديره علیه السلام هم وثناؤه عليهم ، أو يحرموا حتى دعائه الشريف المستجاب لهم أو إرشاداته وتوجيهاته الغيبية والمعنوية وإمداداته ورحماته وألطافه .
۲- إن العلماء الأعلام ومراجع الدين العظام نصبوا من قبل الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) ومن قبل حجة العصر والزمان علیهم السلام وأوكلت إليهم مهمة النيابة العامة عنه - صلوات الله عليه وهم « حجته علیه السلام على الناس » کما دلت على ذلك الروايات المستفيضة التي نورد ها هنا نماذج منها ليطلع عليها القارىء الكريم .
نقل الشيخ الصدوق - رضوان الله عليه - عن أمير المؤمنين علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: اللهم ارحم خلفائي - ثلاثا - قيل : یا رسول الله ومن خلفاؤك ؟ قال : الذين يأتون بعدي يروون حديثي وسنتي»(1).
واستنادا إلى هذا الحديث الشريف ، فإن العلماء الأعلام
1) (1) وسائل الشيعة : كتاب القضاء ، الباب ۱۱، ج۷ - ج۱۸ / صص۱۰۰ .
ومراجع المسلمين هم خلفاء رسول صلی الله علیه و آله و سلم دون غيرهم. والتأمل في الحديث يكفي لإدراك هذه النتيجة وإن المقصود بمن يأتون بعد الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ویروون حديثه وسنته ليس من يتعهدون فقط بنقل الرواية والحكاية كالببغاء أو جهاز التسجيل دون إدراك معنى الرواية والسنة ومفادها وعمق مراد الرسول الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم منها ودقة قصده، فيقولون ويقرأون فقط . ومن جملة ما يشير إلى إثبات هذا الإدعاء هو عدم إمكانية تصدي أشخاص کهؤلاء لخلافة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم لما يستبطنه هذا الأمر من تحقير وإهانة غير مباشرة لمقام الرسالة وتصغير لشأن الخاتمية ؟
كذلك فإن الرسول الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم قرن في حديثه ، السنة مع الرواية ، والسنة المحرزة المسلم بها، هي موضوع يختص ويحيط به الفقيه والمجتهد الجامع للشرائط لا راوي الخبر غير المحرز للفقاهة المهتم فقط بنقل الألفاظ وحمل العبارات عن الرسول صلی الله علیه و آله و سلم إلى سواه. فتشخيص الصحيح والسقيم والمطلق والمقيد والعام والخاص والمجمل والمفضل والناسخ والمنسوخ والنص والظاهر والأظهر والظاهر ، والتعادل والترجيح والتخيير لا يرتبط بالراوي بل بالمجتهدين الأعلام والمراجع المتقين الذي يهتمون بكل هذه الأمور ويتعهدون ببحث و دراسة كل هذه الموضوعات .
فالمقصود إذن من خلفاء الرسول الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم هم العلماء الأعلام الذين جمعوا الفقاهة والتقوى معا فصاروا المسؤولين
عن إيصال أحكام الله إلى الناس والنموذج الواضح والمصداق البارز لهم هم قطعا الفقهاء المتقين الكبار في عصر الغيبة ، وللقارىء أن يدرك مدى إكرام الرسول الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم وتقديره وحبه لهم من خلال دعائه بالرحمة لهم ثلاث مرات .
من الروايات الأخرى التي تشير إلى هذا المعني ، مقولة عمر بن حنظلة يقول : سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك ؟ قال : من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت ، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتا وإن كان حقا ثابتا له ، لأنه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر الله أن يكفر به ، قال تعالى ( یريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) قلت : فكيف يصنعان ؟ قال : ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاکما ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد ، والراد علينا الراد على الله ، وهو على حد الشرك بالله الحديث (1).
فقد حرم في هذه الرواية الرجوع إلى الحكام والقضاة من
1) (۱) وسائل الشيعة : كتاب القضاء ، الباب ۱۱، ج۱ - ج۱۸ / ص ۹۹.
أهل السنة ممن ارتبطوا ببلاط خلفاء الجور وصدرت الأوامر بالرجوع إلى من هم شيعة أولا ، ورواة لأحاديث أهل البيت ثانيا ، ولهم نظر في الحلال والحرام على منهج أهل البيت ( عليهم السلام ) ثالثا . وجلي أن النظر في الحلال والحرام ومعرفة أحكام الأئمة ( عليهم السلام ) هي بالذات علامات الإجتهاد والفقاهة، وبعبارة أخرى فإن هذه المشخصات الأربعة هي مشخصات علماء الشيعة ومراجع التقليد الأعلام . الذين جعلهم الإمام الصادق علیه السلام - كما في الرواية أعلاه - حكاما على الأمة الإسلامية وعد الإستهانة بالأحكام الصادرة عنهم والرد عليها إستهانة وردا على الأئمة وأحكامهم وبالتالي فهو رد على الله تعالى وهو في النهاية بحكم الشرك بالله .
وفي رواية أخري «عن أبي خديجة قال : بعثني أبو عبد الله علیه السلام إلى أصحابنا فقال : قل لهم : إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداري في شيء من الأخذ والعطا أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق ، أحيلوا بینکم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا ، فإني قد جعلته عليكم قاضيا ، وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر »(1).
وكذا يشير إلى هذا المعني ، التوقيع المبارك الصادر عن
1) (1) وسائل الشيعة : كتاب القضاء ، الباب ۱۱/ من صفات القاضي ج .
صاحب الأمر ( عجل الله تعالى فرجه ) جوابا على كتاب اسحاق بن يعقوب أحد علماء الشيعة ورواة الأخبار الأجلاء الأخيار ، الذي أرسل كتابا فيه عدة رسائل بواسطة محمد بن عثمان العمري سفير الإمام صاحب الزمان علیه السلام فجاءه الجواب وكان مما فيه : «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي وأنا حجة الله عليهم (1).
وبعد كل هذا أليس من المستبعد أن يحرم خلفاء الرسول الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم والعارفين بأحكام أهل البيت (السلام عليهم ) والحكم والقضاة کما عبر عنهم الإمام الصادق علیه السلام، وحجة إمام الزمان علیه السلام على الناس ، من رعاية ولي العصر ورؤيته والتشرف بوصول رسائله إليهم فتبيض وجوههم ، أو أن يحرموا دعاؤه علیه السلام لهم بالخير؟
يبدو أن افتراض حرمانهم من هذا الفيض العظيم بعيد وصعب التصديق ، كما لا يمكن تفسيره بيسر فهم بتصريح الإمام نفسه علیه السلام أرواحنا فداه ، « حجته على الناس » ومظهر وجود المقدس فكيف يمكن تصور حرمانهم من إرشاده واللقاء به واستلام رسائله أو حرمانهم حتى من دعائه المبارك لهم ، فيكونوا بذلك محرومون بمعنى الكلمة من النظر إلى كرامة وجهه المقدس والإصغاء إلى صوته النافذ في سمع القلوب وهو
1) (1) کمال الدین وتمام النعمة ، ص 484 .
يتحدث باللغة الإلهية ، ومن الإنتهال من منبع هذا الفيض والخير .
٣- تصريح صاحب الأمر علیه السلام في الكتاب الصادر عنه إلى الشيخ المفيد - قدس سره - الذي أشار فيه بوضوح إلى شديد اهتمامه وعظيم رعايته الخاصة للعلماء الأعلام ونوابه في عصر الغيبة حينما قال : « إنا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين الذكركم ، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء» (1).
طبيعي أنه لا يبعد أن يكون مقصود الإمام علیه السلام من ذلك رعايته لعموم الشيعة وجميع المنتظرين لظهوره الموعود المبارك ، بل ما أقوى الظن بكون ظاهر الكلام الشريف هو هذا ، غير أن مما لا شك فيه أن أشد المنتظرين له لياقة لذلك وأنسبهم لشموله لهذه الرعاية الغيبية سيكون حتما هو من صدرت الرسالة المباركة وصدرت بإسمه ، أي الشيخ المفيد - رضوان الله عليه - ذاته ومن هو من طبقته وسنه ممن كان للمسلمين ولأهل الدين مرحبا وملاذا . وحارسا، وعن حريم التشيع منافحا ولبدع وانحرافات المبطلين والمنحرفين دافعا . نعم ، أولئك هم من يليق بهم أن يستحوذوا على توجه والتفات صاحب الأمر علیه السلام وحجة الزمان ، ولا شك أن ولي العصر ( عجل الله تعالى فرجه
1) (1) الإحتجاج للطبرسي ، ج۲ ص4۹۷ .
الشريف ) سيذكرهم أكثر من سواهم .
ولا ريب أن من أشكال الرعاية لهم هو التوجه نحوهم وتعظيم شأنهم وعدم إهمال ذكرهم . مما وعد به الكتاب الشريف أعلاه من رؤية شخصية خاصة لهم . وإنه علیه السلام يظهر لهم ويحضر مجالسهم ويلهمهم الحقائق ودقائق الأمور ولطائف المعاني ، ويعينهم بالإشارات والإرشادات الغيبية والتوجيهات القهرية مما يعتبر مظهرا من مظاهر الرعاية .
كذلك فإن الإشراف على أعمالهم وزرع الأمل في قلوبهم وبث العشق والشوق والحماس بل حري أن نقول إيجاد اليقين والإطمئنان في ضمائرهم النقية هو من صور وأشكال ذلك الإهتمام وتلك الرعاية من لدن صاحب الأمر علیه السلام للفقهاء العدول .
4 - إن صدور الكتب والرسائل الشريفة المباركة من صاحب الأمر علیه السلام بإسم الشيخ المفيد ( قدس سره ) أو البعض الآخر من الأعلام ، يعد بحد ذاته دليلا ناصعا وشاهدا حيا على رعاية إمام الزمان علیه السلام للعلماء المتقين والمراجع الحقانيين الزاهدين في الدنيا .
لا يخفى على القارىء العزيز أنه يلزم توفر أساسين لتحقق أي موضوع :
١- وجود المقتضی .
۲- عدم وجود المانع .
وانتفاء أحد الأساسين يكفي لإنتفاء الموضوع برمته . وموضوع اللقاء بإمام العصر علیه السلام الذي نبحثه يحتاج تحققه توفر هذين الأساسين للتمتع بفيض بركات الحضور بين يدي صاحب الأمر علیه السلام أو استجلاب أي من مظاهر رعايته وعنايته علیه السلام . وما مر معنا في الصفحات السابقة كان لإثبات « وجود المقتضى » فقد ثبت لنا أن المقتضي موجود ، فلنتحدث الآن عن « عدم وجود المانع ».
ولنستعرض أولا ما يمكن تصوره من أمور تعد مانع من تحقق اللقاء مما يدفع بالتالي إلى انكار وقوع اللقاء بإمام الزمان علیه السلام وسماع صوته المبارك . وهي كما يلي :
١- منافاة التشرف بلقاء صاحب الأمر علیه السلام مع سريان
مفهوم الغيبة ، أي بناءا على كون الإمام علیه السلام غائبا مستترا وعلى أن هذا العصر هو عصر غيبته علیه السلام ، فإن ذلك يتنافى مع تحقق اللقاء به علیه السلام أو سماع صوته المبارك المقدس ولا ينسجم معه . وبإختصار فإن مقتضى الغيبة هو « قطع الرابطة بشكل تام » .
وهذا الكلام ليس صحيحا بشكل تام ، وبالنتيجة فلا يمكن عده مانع من تحقق اللقاء فغياب الإمام علیه السلام هو بمعنى حضوره المطلق بلا قيد أو شرط بمعنى أنه لا يمكن تصور تحقق اللقاء به علیه السلام من قبل أي شخص كان في جميع الأحوال وفي أي زمان ومكان ، لا أن باب اللقاء مسدود بالكامل وأن الروابط مقطوعة تماما وليس من سبيل إلى الوصول إلى حجة الله على خلقه لايّ كان ، والشيعة لم تفهم من معنى غيبة الإمام هذا المعنى على الإطلاق ، بل إن استنتاج معنى كهذا يعد تحجرا في فهم الألفاظ ويدلل على ضيق في أفق الفهم وقصور في حركة الذهن وانتقاله في حركة التفكير .
۲- إذا سلمنا بفتح باب الملاقاة في الغيبة الكبرى وقبلنا بأن التشرف بالحضور بين يدي ولي الله الأعظم علیه السلام أمر میسور فلن يكون هناك فرق بين الغيبة الكبرى والغيبة الصغرى ، على إعتبار أن البعض من الخواص كان يلتقي الإمام علیه السلام في غيبته الصغرى . فالقبول بتشرف عدة معدودة من الأفراد وإن قل عددهم في الغيبة الكبرى يجعل الأمر سيان
في الغيبتين ولا حاجة بعدها لتقسيم غيبة الإمام علیه السلام إلى صغری و کبری .
وهذا الإشكال أيضا ليس إشكالا معضلا ولا يستدعي إنكار تشرف البعض بلقاء صاحب الزمان علیه السلام لأن الفرق بين الغيبة الصغرى والكبرى يكمن في وجود السفراء الأربعة في الغيبة الصغرى ، المعروفين بأسمائهم وصفاتهم وخصائصهم ، بل وحتى في ترتيبهم الواحد بعد الآخر ، ينوبون عنه ويتصلون به علیه السلام، خلافا لما هو واقع في الغيبة الكبرى . فمع أن جميع الفقهاء ، الجامعون للشرائط والمجتهدون العدول الأتقياء موضعا الرعاية وتوجه الإمام علیه السلام بشكل خاص إلا أن موضوع الملاقاة والتشرف بالحضور بين يديه ليس بالأمر الميسور لأي كان ولم يعرف البعض من التقاه - إبتداءا - باسمه أو بصفة أو علامة معينة ، نعم ، قد يشتهر عند ذلك بعد اللقاء . كذلك فإن من غير اللازم أن تختلف الغيبة الكبرى عن الصغرى من جميع النواحي ، فقد يكفي الفرق بينهما من جانب واحد.
٣- العبارة الواردة في آخر توقيع صدر عن صاحب الأمر علیه السلام في أواخر الغيبة الصغرى إلى آخر سفیر من. سفراءه الأربعة وهو ( علي بن محمد السمري ) . وإليك نص الكتاب .
بسم الله الرحمن الرحیم
يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك ،
فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام ، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك ، فقد وقعت الغيبة التامة ، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره ، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب ، وامتلاء الأرض جورا .
وسيأتي إلى شيعتي من يدعي المشاهدة ، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . »(1).
وقد جاد علي بن محمد السمري بروحه الطاهرة بعد ستة أيام من وصول هذا الكتاب الشريف .
ولتوضيح مدلول هذا الكتاب نقول :
لقد صرح الكتاب الشريف بأن «من ادعى المشاهدة » بعد الغيبة الصغرى ، أي على امتداد الغيبة الكبرى لإمام العصر والزمان علیه السلام « فهو كذاب مفتر» ، ليس ( كاذبا ) وانما ( كذاب ) أي ممتهن للكذب ، وقد توقع الكتاب مجيء البعض إلى الشيعة وادعاء ملاقاة الإمام علیه السلام.
وينبغي القول بأنه لا دلالة في هذا الكتاب الشريف على عدم امكانية التشرف بلقياه علیه السلام وأفضل دليل على ذلك هو
1) (۱) احتجاج الطبرسي : ج / ص4۷۸ وفيه : ... وسيأتي إلى شيعتي من يدعي المشاهدة . وكذلك في بحار الأنوار ج5۲ / ص ۱5۱ .. باب من ادعى الرؤية في الغيبة الكبرى .
إدعاء البعض ممن نقلوا هذه الرواية أنفسهم الرؤية والمشاهدة ! ومن جملتهم المرحوم السيد بحر العلوم کما سیمر بنا لاحقا إن شاء الله عندما نصل إلى موضوع توضيح هذا الأمر . لذا وبناءا على ما ورد من إثبات إمكانية التشرف بلقاء الإمام علیه السلام يجب حمل هذا التوقيع المبارك على معان أخرى وتفسيره بما ينسجم مع ذلك. ولتحقيق هذا الغرض، يمكن ذكر النكات الهامة التالية :
أولا : يمكن حمل معنى الكلام الوارد في التوقيع على أنه يشير إلى أولئك الذين يدعون علاوة على المشاهدة معرفة الإمام عليه السلام حين المشاهدة أيضا ، وباختصار فإن النفي والإثبات لا يكون مرتبطا بموضوع واحد ، بل إن النفي يرتبط بكل حالة ارتبطت فيها المشاهدة بالمعرفة والتشخيص على أن هذا المشاهد هو صاحب الأمر علیه السلام. في حين يرتبط الإثبات بكل مشاهدة تمت دون معرفة الإمام علیه السلام أثناء الملاقاة ، وعليه فإن ما يجب أن يرد ويكذب هو إدعاء الملاقاة ومعرفة الإمام علیه السلام أما رؤيته دون معرفته أثناء اللقاء فأمر ممکن بل و واقع أيضاً .
غير أن هذا التفسير لا يبدو صحيحا وتامة خصوصا إذا علمنا أن بعض الأكابر صرحوا بالقول أنهم عرفوا الإمام علیه السلام أثناء التقائهم به علیه السلام کما سیمر بنا في بعض القصص التي سننقلها حول تشرف البعض بلقاء الإمام علیه السلام .
ثانيا : يمكن أن يكون المعنى المراد من التوقيع الشريف هم
أولئك الذين يقرنون ادعاءهم بلقياه مع ادعاء النيابة أو الوساطة أو البابية وادعاء استمرار الإتصال والإرتباط به علیه السلام. فمن ليس لديه ادعاء سوى التشرف برؤية طلعته البهية وعلى نحو الأحيان والإستثناء لا يمكن اعتباره مفتر كذاب وبذلك فإن التوقيع الشريف يمنع من صياغة البدع وادعاء البابية والوساطة وبالنتيجة فهو يمنع من انحراف المجتمع وجميعنا نعلم كثرة الكذابين والمنحرفين ممن ادعوا البابية لإمام الزمان علیه السلام وأضلوا طوائف من المسلمين وشوهوا مفاهيمهم عن الدين وحرفوها خلال هذه المدة التي جاوزت الألف عام من بدء الغيبة الكبرى للإمام علیه السلام .
وقد استدل العلامة المجلسي (قدس سره) بهذا الأمر وحده بعد إيراده التوقيع المبارك فقال : لعله محمول على من يدعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه علیه السلام إلى الشيعة على مثال السفراء لئلا ينافي الأخبار التي مضت وستأتي فيمن رآه علیه السلام والله يعلم(1).
ثالثا : يمكن أن يكون المقصود من « المشاهدة » في التوقيع الشريف هو ادعاء المشاهدة الإختيارية أي أن يدعي أحدهم : أن الملاقاة والمشاهدة تتم بناءا على إرادته وفي أي وقت وفي أي
1) (۱) في بحار الأنوار ج 5۲ /ص ۱5۱ . باب من ادعى الرؤية في الغيبة الكبرى .
مكان أراد ، وطبيعي أن أحدا لم يسمع بادعاء كهذا من الأخبار والصلحاء والعلماء من الذين التقوا الإمام علیه السلام، بل إنهم حتى لم يحتملوا حدوث هذا الأمر مع غيرهم .
وبناءا على ما تقدم فإن التوقيع لا ينفي حدوث المشاهدة مطلقا ، بل إنه بصدد نفي المشاهدة المطلقة غير المقيدة بقيد أو شرط .
رابعا : يقول المحدث الأجل المرحوم الحاج الميرزا النوري ( قدس سره ) بعد إيراده نص الرسالة : « وهذا الخبر بظاهره ينافي الحكايات السابقة وغيرها مما هو مذكور في البحار والجواب عنه من وجوه :
الأول : إنه خبر واحد مرسل ، غير موجب علما ، فلا يعارض تلك الوقائع والقصص التي يحصل القطع عن مجموعها بل ومن بعضها المتضمن لكرامات ومفاخر لا يمكن صدورها من غيره علیه السلام ، فكيف يجوز الإعراض عنها لوجود خبر ضعيف لم يعمل به ناقله ، وهو الشيخ في الكتاب المذكور [ الطوسي في كتاب الغيبة ] كما يأتي كلامه فيه ... »(1).
وما نراه نحن هو أن عبارات التوقيع الشريف ذاتها ، تفيد بأن الكلام إنما يتوجه إلى الكذابين والخائنين وأصحاب البدع كما هو واضح من عبارة « وسيأتي إلى شيعتي من يدعي
1) (1) جنة المأوى ، المطبوع مع البحار : ج5۳ / ص۳۱۸ .
المشاهدة » فبملاحظة العبارة بتأمل يظهر بجلاء أن المدعي ليس من الشيعة بل أنه يأتي إليهم بالكذب والغش لتحقيق مقاصد مغرضة ، فيدعي الملاقاة والمشاهدة ، وهو عادة يأتي مصرا متذرعا بأغلظ الإيمان على صدق إدعائه ؛ ونعلم جميعا أن أكابرنا ممن تشرفوا بملاقاته علیه السلام لم يكن لديهم وليس لديهم أدنى سوء قصد أو غرض في ما نقلوه من المشاهدات أو الأحداث في الملاقاة . بل إنهم كانوا وما يزالون العشاق الصاحب الأمر ع السفر والسعاة في خدمة العقيدة المحمدية الأصيلة ، وهم تلك النخبة من الأطهار الذين أبوا وامتنعوا أحيانا بل في أغلب الأحيان عن ذكر أو شرح ما رأوه وشاهدوه ابتداءا ، ولم ينبسوا ببنت شفة دون توصية من أحد على ذلك ، وفي الأصل فهم لا يتحدثون عن أنفسهم وليسوا بصدد إثبات الكرامة لأنفسهم أو إعلاء شأنهم بين الناس .
وعليه فإن التوقيع المذكور لا ينطبق على علماء الشيعة ، فنقلهم للقصص التي تفيد رؤيتهم هم أو غيرهم له علیه السلام ليس فيها إثبات لادعاء أو مدعی ما . بل إنهم ينقل هذه القصص والأحداث إنما يعبرون عن رسوخ . اعتقادهم وثباته بولي العصر علیه السلام، كما أن هدفهم من نقلها إلى الآخرين إنما هو ترسيخ الإعتقاد بالغيب وبوجود إمام العصر والزمان وجعله أكثر ثباتا ووضوحا.
بذا نكون قد أجبنا على جميع الإشكالات التي يعتقد أنها
تمنع من أثبات الأمر، وبذا يتضح أن أي واحد من هذه الأمور الثلاثة ليس فيه ما يحتمل لمنع وقوع الأمر .
إذن وبعد الذي ذكرناه آنفا من الأمور لإثبات « المقتضى » والتي كان كل واحد منها يصلح لإثبات إمكانية اللقاء بولي العصر علیه السلام، مضافا إلى علمنا بأن المقتضى إذا لم يكن من مانع يمنع من تحقق اقتضائه فإنه سيترك آثاره في الواقع وبالنتيجة سیثبت امكان إلتقاء الإمام علیه السلام في زمن الغيبة الكبرى وينتفي ما يجعله أمرا مستبعدا .
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن جل هدفنا من هذا الكتاب هو إثبات أن مراجع التقليد الأتقياء والعلماء العظام الزاهدين كانوا على الدوام موضعا للعناية الخاصة من قبل إمام العصر - أرواحنا فداه - سواء أكانت هذه العناية والرعاية على شكل لقاء أو اظهار للتقدير أو تقديم للشكر أو الدعاء بالخير أو الإرشاد والتوجيه أو تصحيح الإشتباهات والأخطاء إلى غير ذلك - ولسنا بصدد مجرد إثبات موضوع اللقاء وإمكانية التشرف بالحضور في حضرته صاحب الأمر علیه السلام. وما قمنا بعرضه من الأمور في الصفحات السالفة حول موضوع اللقاء والتشرف بالرؤية وما سقناه من الأدلة والبراهين على ذلك ليس إلا لأن اللقاء هو أحد مظاهر الرعاية والعناية التي يحظى بها العلماء الأعلام من لدن ولي الأمر علیه السلام، وكان لزاما علينا إثبات إمكانية تحققه حتى لا نتعرض للتجريح والانتقاد وتثار علينا
الإشكالات حينما نتعرض - لاحقا - إلى ذكر القصص التي ورد فيها ذكر حصول اللقاء والتشرف برؤيته علیه السلام، وإلا فإننا نقلنا بعض القصص ۔ کما سيلي ذكره - التي لم تقع أحداث اللقاء فيها للعلماء أنفسهم وإنما وقعت مع أشخاص آخرين من سائر الناس غير أنها انطوت على إشارات ونكات يستفاد منها رعاية الإمام علیه السلام للعلماء ، لذا فقد أوردناها مع أنها أشارت إلى تشرف غير العلماء بلقاء الإمام علیه السلام.
خلاصة الأمر : أن الهدف من البحث الأنف هو إزالة اللبس أو الإيهام والشك الذي قد يثار عند الإطلاع على القصص التي سنذكرها لاحقا .
وبذا ينتهي القسم الأول من الكتاب . ونتابع معا الآن القسم الثاني منه والذي خصصناه لذكر بعض الموارد التي تجلت فيها رعاية صاحب الأمر علیه السلام للعلماء الأعلام والمراجع العظام - أعلى الله مقامهم - من تحرروا من قيود المادة وأسرها أو الشهرة والسمعة وأطواقهما .
« ابن بابویه » أحد رؤساء المذهب المعروفين وأحد أبرز المحدثين والفقهاء العظام ، وهو والد الشيخ الصدوق يشترك معه في هذا اللقب وإن كان اللقب بالأبن ألصق . فهو الصدوق الأول « علي بن الحسين بن موسی بن بابویه » مدفنه في قم ، أما الصدوق الثاني فهو نجله البار ( محمد بن علي ) المدفون في مدينة « الري » بالقرب من حرم الشاه عبد العظيم الحسني . ويستفاد من الأخبار المأثورة عن الصدوق الأول - هذا الفقيه الكبير - أنه كان محط عناية صاحب الأمر علیه السلام .
يقول الشيخ الصدوق - الثاني - في كتابه « إكمال الدين » : «وحدثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسود رضي الله عنه قال : سألني علي بن الحسين بن موسی بن بابویه رضي الله عنه بعد موت محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمان علیه السلام أن يدعو الله عز وجل أن يرزقه ولدا ذكرا ، قال : فسألته فأنهى
ذلك ، ثم أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيام أنه قد دعا لعلي بن الحسين وأنه سيولد له ولد مبارك ينفع الله به وبعده أولاد .
قال أبو جعفر محمد بن علي الأسود رضي الله عنه وسألته في أمر نفسي أن يدعو الله لي أن يرزقني ولدا ذكرا فلم يجبني إليه وقال : ليس إلى هذا سبيل ، قال : فولد لعلي بن الحسين رضي الله عنه محمد بن علي وبعده أولاد، ولم يولد لي شيء .
قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه : كان أبو جعفر محمد بن علي الأسود رضي الله عنه كثيرا ما يقول لي - إذا رآني اختلف إلى مجلس شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه ، وأرغب في كتب العلم وحفظه : ليس بعجب أن تكون لك هذه الرغبة في العلم ، وأنت ولدت بدعاء الإمام علیه السلام (1).
كما ينقل الشيخ الطوسي هذه الرواية فيقول : « قال ابن نوح : وحدثني أبو عبد الله الحسين محمد بن سورة القمي رحمه الله حين قدم علينا حاجا ، قال : حدثني علي بن الحسن بن يوسف الصائغ القمي ومحمد بن أحمد بن محمد الصيرفي المعروف بابن الدلال وغيرهما من مشايخ أهل قم أن علي بن الحسين بن موسی بن بابویه كانت تحته بنت عمه محمد بن
1) (1) إكمال الدين - الشيخ الصدوق ج۲ /ص۵۰۳.
موسی بن بابویه فلم يرزق منها ولدا .
فكتب إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه أن يسأل الحضرة علیه السلام في أن يدعو الله أن يرزقه أولاداً فقهاء ، فجاء الجواب :
« إنك لا ترزق من هذه وستملك جارية ديلمية وترزق منها ولدین فقيهين ».
قال : وقال لي أبو عبد الله بن سورة حفظه الله : ولأبي الحسن بن بابویه رحمه الله ثلاثة أولاد ، محمد والحسين فقيهان ماهران في الحفظ ، ويحفظان ما لا يحفظ غيرهما من أهل قم ، ولهما أخ اسمه الحسن وهو الأوسط مشتغل بالعبادة والزهد ، لا يختلط بالناس ولا فقه له .
قال ابن سورة : كلما روى أبو جعفر ، وأبو عبد الله ابنا علي بن الحسين شيئا يتعجب الناس من حفظهما ويقولون لهما : هذا الشأن خصوصية لكما بدعوة الإمام لكما ، وهذا أمر مستفيض في أهل قم »(1).
ويعقب صاحب منتخب الأثر بعد إيراد الحديث أعلاه ، ويقول : « ورواه أيضا في موضع آخر عن جماعة عن محمد بن علي بن الحسين الصدوق وأخيه أبي عبد الله الحسين بن علي
1) (1) غيبة الطوسي : ص۳۰۸، ج ۲۶۱ ، وكذا في منتخب الأثر ص ۳۸5.
عليهما الرحمة ، ونقل ما نقلناه عن كمال الدين وزاد في آخره ( وقال أبو عبدالله بن بابویه عقدت المجلس ولي دون العشرين فربما كان يحضر مجلسي أبو جعفر محمد بن علي الأسود فإذا نظر إلى إسراعي في الأجوبة في الحلال والحرام يكثر التعجب لصغر سني ثم يقول : لا عجب لأنك ولدت بدعاء الإمام عليه السلام (1).
كذلك ورد في مقدمة معاني الأخبار أن حسين بن عبد الله يقول بأن الشيخ الصدوق يقول : لقد ولدت بدعاء صاحب الأمر ويفتخر بذلك »(2).
وكذا فإن المحقق البحراني يقول : « بأن الشيخ الصدوق رضوان الله عليه ولد قدس سره هو وأخوه بدعوة صاحب الأمر ( صلوات الله وسلامه عليه ) على يد السفير الحسين بن روح (3).
كما يقول القاضي نور الله بعد ذكره للصدوق الأول : علي بن الحسين « علي بن الحسين بن موسی بن بابويه القمي أبو الحسن شیخ القميين في عصره ومتقدمهم وفقيههم وثقتهم ، كان قدم العراق واجتمع مع أبي القاسم بن روح رحمه الله ، وسأله مسائل ، ثم كاتبه بعد ذلك على يد علي بن جعفر
الأسود ، يسأله أن يوصل له رقعة إلى الصاحب علیه السلام ويسأله فيها الولد ، فكتب إليه : قد دعونا الله لك بذلك وسترزق ولدین ذکرین خیرین ، فولد له أبو جعفر وأبو عبد الله من أم ولد ، وكان أبو عبد الله الحسي بن عبد الله يقول : سمعت أبا جعفر يقول : أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر علیه السلام ويفتخر بذلك »(1).
كما نقل المحقق الشوشتري عن الغضائري عن الشيخ الصدوق أنه كان يقول دوما : «أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر عليه السلام ويفتخر بذلك »(2).
وأود أن أشير هنا إلى استغرابي لما ينقله المحقق الكبير الشيخ أسد الله الشوشتري في ترجمة حياة الشيخ الصدوق من القول : « وهو مثل أخيه ولد بدعاء الإمام العسكري أو الإمام صاحب الزمان أو بدعاء کليهما »(3)رغم كثرة وتواتر الأخبار کما رأينا على أنه ولد بدعاء الصاحب علیه السلام، ويبدو أن الأمر قد التبس على صاحب « مقابس الأنوار » نتيجة وجود رسالة من الإمام العسكري : علیه السلام أرسلت إلى ابن بابویه والد الشيخ
الصدوق يقول له فيها : «... وجعل من صلبك أولادا صالحين » فظن أن الصدوق - رضوان الله عليه - ولد بدعاء الإمام العسكري علیه السلام.
أحد أهم المؤلفات التي تركها رئيس المحدثين الشيخ الصدوق - رضوان الله عليه - كتابه « إكمال الدین وتمام النعمة » الذي خصه بموضوع صاحب الأمر علیه السلام وناقش وحلل وأثبت فيه وجود الإمام غائبا مستترا مستعينا في ذلك بالروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام ، فرد على الشبهات المثارة حول هذا الموضوع . ويستفاد مما أورده هذا العالم والمرجع الشيعي الكبير من كلام في نفس الكتاب أن هذا الكتاب قد ألف بالأمر المبارك الصادر عن الحجة بن الحسن علیه السلام، فقد كتب في مقدمته حول الدافع الذي دفعه إلى تأليف الكتاب قائلا : « إن الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا : إني لما قضيت وطري من زيارة علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه رجعت إلى نيسابور وأقمت بها ، فوجدت أكثر المختلفين إلي من الشيعة قد حيرتهم الغيبة ، ودخلت عليهم في أمر القائم علیه السلام الشبهة ، وعدلوا عن طريق التسليم إلى الأراء والمقائیس ( كذا ) ، فجعلت أبذل مجهودي
في إرشادهم إلى الحق وردهم إلى الصواب بالأخبار الواردة في ذلك عن النبي والأئمة صلوات الله عليهم ، حتى ورد إلينا من بخاری شيخ من أهل الفضل والعلم والنباهة ببلد قم ، طالما تمنيت لقاءه واشتقت إلى مشاهدته لدينه وسديد رأيه واستقامة طريقته ، وهو الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمد بن الحسن بن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت القمي - أدام الله توفيقه - وكان أبي يروي عن جده محمد بن أحمد بن علي بن الصلت - قدس الله روحه - ويصف علمه وعمله وزهده وفضله وعبادته ، وكان أحمد بن محمد بن عيسى في فضله وجلالته يروي عن أبي طالب عبد الله بن الصلت القمي - رضي الله عنه - وبقي حتى لقيه محمد بن الحسن الصفار وروى عنه ، فلها أظفرني الله تعالى ذكره بهذا الشيخ الذي هو من أهل هذا البيت الرفيع شكرت الله تعالى ذكره على ما يسر لي من لقائه وأكرمني به من إخائه وحباني به من وده وصفائه ، فبينما هو يحدثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخاری من كبار الفلاسفة والمنطقيين كلاما في القائم علیه السلام قد حيره وشككه في أمره لطول غيبته وانقطاع أخباره ، فذكرت له فصولا في إثبات كونه علیه السلام ورويت له أخبارا في غيبته عن النبي والأئمة عليهم السلام سكنت إليها نفسه ، وزال بها عن قلبه ما كان دخل عليه من الشك والإرتياب والشبهة ، وتلقى ما سمعه من الآثار الصحيحة بالسمع والطاعة والقبول والتسليم ، وسألني أن أصنف (له ) في هذا المعنى كتابا ، فأجبته إلى ملتمسه ووعدته
جمع ما ابتغى إذا سهل الله لي العود إلى مستقري ووطني بالری .
فبينا أنا ذات ليلة أفكر فيما خلفت ورائي من أهل وولد وإخوان ونعمة إذ غلبني النوم فرأيت كأني بمكة أطوف حول بيت الله الحرام وأنا في الشوط السابع عند الحجر الأسود استلمه وأقبله ، وأقول «أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة » فأری مولانا القائم صاحب الزمان - صلوات الله عليه - واقفا بباب الكعبة ، فأدنو منه على شغل قلب وتقسم فكر فعلم علیه السلام ما في نفسي بتفرسه في وجهي ، فسلمت عليه فرد عليّ السلام ، ثم قال لي : لم لا تصنف كتابا في الغيبة حتى تكفي ما قد همك ؟ فقلت له : يا ابن رسول الله قد صنفت في الغيبة أشياء ، فقال علیه السلام : ليس على ذلك السبيل ، آمرك أن تصنف ( ولكن صنف ) الآن كتابا في الغيبة واذكر فيه غيبات الأنبياء ( عليهم السلام ) .
ثم مضى صلوات الله عليه ، فانتبهت فزعا إلى الدعاء والبكاء والبث والشكوى إلى وقت طلوع الفجر ، فلما أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلا لأمر ولي الله وحجته ، مستعينا بالله ومتوكلا عليه ومستغفرا من التقصير ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب »(1).
1) (1) إكمال الدين : الصدوق ج۱ /ص ۲ - 4.
أحد الذين شملتهم الرعاية الخاصة والألطاف المغدقة لإمام الزمان علیه السلام من العلماء العظام ومراجع الشيعة الكبار المرموقين ، نابغة عالم التشيع والعالم النحرير المرحوم الشيخ المفيد رضوان الله عليه ، المولود سنة 336 هـ . ق والمتوفي سنة 4۱۳ هـ. ق عن سن ناهز السبعة والسبعين . فقد شمله المدد الغيبي من لدن إمام العصر ونالته يد الرعاية والعطف عدة مرات . وسنتعرض فيما يأتي إلى ثلاثة قصص تحكي كل واحدة منها عن مدى تلك الرعاية والعطف من قبل الصاحب علیه السلام لهذا الرجل العظيم .
فمن جملة فيوض الألطاف والعناية الخاصة من قبل بقية الله الأعظم علیه السلام بالشيخ المفيد رسالتين وصلت أحدهما إلى فخر الشيعة وعلمها الشامخ في أواخر شهر صفر سنة
4۱۰ هـ.ق والثانية يوم الخميس ۲۳ ذي الحجة سنة 4۱۲ هـ . ق ، طفحت كلاهما بإظهار اللطف والمحبة وعبرت عن بالغ الإحترام لهذا العالم التقي .
وإليك أيها القارىء الكريم نص الرسالتين كما أوردهما الطبرسي في احتجاجه والبحار عنه .
الأولى : « للأخ السدید ، والولي الرشيد ، الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان أدام الله إعزازه من مستودع العهد المأخوذ على العباد .
بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد، سلام عليك أيها المولى المخلص في الدين المخصوص فينا باليقين ، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله الصلاة على سيدنا ومولانا نبينا محمد وآله الطاهرين ونعلمك أدام الله توفيقك لنصرة الحق وأجزل مثوبتك على نطقك عنا بالصدق ، أنه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة وتكليفك ما تؤديه عنا إلى موالينا قبلك ، أعزهم الله بطاعته وكفاهم المهم برعايته لهم وحراسته .
فقف أمدك الله بعونه على أعدائه المارقين من دينه ، على ما نذكره ، واعمل في تأديته إلى من تسكن إليه بما ترسمه إن شاء الله ، نحن وإن كنا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين حسب الذي أراناه الله تعالى لنا من الصلاح ، ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين فإنا يحيط علمنا بأنبائكم ، ولا يعزب عنا شيء من أخباركم ، ومعرفتنا بالزلل
الذي أصابكم ، مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعا ، ونبذوا العهد المأخوذ منهم وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون .
إنا غير مهملين لمراعاتكم ، ولا ناسين لذكركم ، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء فاتقوا الله جل جلاله ، وظاهرونا على انتیاشکم من فتنة قد أنافت عليكم ، يهلك فيها من حم أجله ، ويحمى عليه من أدرك أمله ، وأمارة لأزوف حركتنا ومباثتكم بأمرنا ونهينا ، والله متم نوره ولو كره المشركون .
اعتصموا بالتقية من شب نار الجاهلية ، يحششها عصب أموية تهول بها فرقة مهدية ، أنا زعيم بنجاة من لم يرم منها المواطن الخفية، وسلك في الطعن منها السبل الرضية ، إذا حل جمادى الأولى من سنتكم هذه ، فاعتبروا بما يحدث فيه واستيقظوا من رقدتكم لما يكون من الذي يليه ، ستظهر لكم من السماء آية جلية ومن الأرض مثلها بالسوية ، ويحدث في أرض المشرق ما يحزن ويقلق ، ويغلب من بعد على العراق طوائف عن الإسلام مراق ، يضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق .
ثم تنفرج الغمة من بعده ، ببوار طاغوت من الأشرار ، یسرّ بهلاكه المتقون الأخيار ، ويتفق لمريدي الحج من الآفاق ، ما يأملونه على توفير غلبة منهم واتفاق ، ولنا في تيسير حجهم
على الإختيار منهم والوفاق ، شأن يظهر على نظام واتساق . فيعمل كل امرىء منكم ما يقرب به من محبتنا وليتجنب ما يدنيه من كراهيتنا ، وسخطنا ، فإن امرءاً يبغته فجأة حين لا تنفعه توبة ، ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبه ، والله يلهمك الرشد ، ويلطف لكم بالتوفيق برحمته .
نسخة التوقيع باليد العليا على صاحبها السلام :
هذا كتابنا إليك أيها الأخ الولي ، والمخلص في ودنا الصفي ، والناصر لنا الوفي ، حرسك الله بعينه التي لا تنام ، فاحتفظ به ولا تظهر على خطنا الذي سطرناه بماله ضمناه أحدا ، وأد ما فيه إلى من تسكن إليه ، وأوص جماعتهم بالعمل عليه إن شاء الله ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين »(1).
والثانية : « من عبدالله المرابط في سبيله إلى ملهم الحق ودليله :
بسم الله الرحمن الرحيم ، سلام عليك أيها الناصر للحق الداعي إلى كلمة الصدق ، فإنا نحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو ، إلهنا وإله آبائنا الأولين ونسأله الصلاة على نبينا وسيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين .
1) (۱) بحار الأنوار : ج5۳ / ص ۱۷4 ، وكذلك الإحتجاج للطبرسي : ج۲ ص4۹۸.
وبعد : فقد مكنا نظرنا مناجاتك عصمك الله بالسبب الذي وهبه لك من أوليائه وحرسك من كيد أعدائه ، وشفعنا ذلك الآن من مستقر لنا ، ينصب في شمراخ من بهماء صرنا إليه آنفا من غماليل ألجأ إليه السباريت من الإيمان ، ويوشك أن يكون هبوطنا منه إلى صحصح من غير بعد من الدهر ، ولا تطاول من الزمان ، ويأتيك نبأ منا بما يتجدد لنا من حال ، نتعرف بذلك ما تعتمده من الزلفة إلينا بالأعمال والله موفقك لذلك برحمته .
فلتكن حرسك الله بعينه التي لا تنام أن تقابل بذلك ، ففيه تبسل نفوس قوم حرثت باطلا لاسترهاب المبطلين وتبتهج لدمارها المؤمنون ، ويحزن لذلك المجرمون .
وآية حركتنا من هذه اللوثة حادثة بالحرم المعظم ، من رجس منافق مذمم ، مستحل للدم المحرم ، يعمد بكيده أهل الإيمان ، ولا يبلغ بذلك غرضه من الظلم لهم والعدوان ، لأننا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء ، فليطمئن بذلك من أولياءنا القلوب وليثقوا بالكفاية منه ، وإن راعتهم هم الخطوب ، والعاقبة الجميل صنع الله سبحانه تكون حميدة لهم ، ما اجتنبوا المنهي عنه من الذنوب .
ونحن نعهد إليك أيها الولي المخلص المجاهد فينا الظالمين ، أيدك الله بنصره الذي أيد به السلف من أولياءنا الصالحين ، أنه من اتقى من إخوانك في الدين وخرج عليه بما
هو مستحقه كان آمنا من الفتنة المطلة ، ومحنها المظلمة المضلة ، ومن بخل منهم بما اعاره الله من نعمته ، على من أمره بصلته ، فإنه يكون خاسرا بذلك لأولاده وآخرته ، ولو أن أشیاعنا وفقهم الله لطاعته ، على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم ، لما تأخر عنهم اليمن بلقانا ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا ، على حق المعرفة وصدقها منهم بنا ، فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ، ولا نؤثره منهم ، والله المستعان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
وصلواته على سيدنا البشير النذير ، محمد وآله الطاهرين وسلم ، وكتب في غرة شوال من سنة اثنتي عشرة واربعمائة .
نسخة التوقيع باليد العليا صلوات الله على صاحبها ، هذا کتابنا إليك أيها الولي الملهم للحق العلي باملائنا وخط ثقتنا فأخفه عن كل أحد ، وأطوه واجعل له نسخة يطلع عليها من تسكن إلى أمانته من أولياءنا ، شملهم الله ببركتنا ( ودعاءنا ) إن شاء الله ، والحمد لله والصلاة على سيدنا محمد وآلة الطاهرین»(1)(2).
[ وللتوضيح فإن الشاسع : البعيد. والإنتياش :
التناول . وحم : قدر يحمي : من الحماية والدفع : حش النار : أوقدها . الشمراخ : رأس الجبل . بهماء : مجهولة . الغماليل ، جمع غملول : الوادي أو الشجر أو كل مجتمع أظلم وتراكم من شجر أو غمام أو ظلمة . السباریت ، جمع السبروت : المكان القفر لا نبات فيه ، والفقير أيسلت فلآنا : أسلمته للهلكة . اللوثه : الإسترخاء والبطء ](1).
ولا شك بعد هذا أن القارىء الكريم يتفق معي في أن وضوح مدى العناية الخاصة والألطاف السابقة من قبل بقية الله الأعظم - أرواحنا فداه - للشيخ المفيد ودعائه المتكرر في التوقيعين المباركين الصادرين إلى هذا العالم الفريد والمجتهد الكبير ، إنما تعبر بجلاء عن ما كان هذا العالم الجليل مشمولا به من العناية الخاصة من قبل الصاحب علیه السلام ، بل إن أصل صدور التوقيع إليه مرتين يعتبر بحد ذاته دليلا على الموقع المتميز الذي رفعه إليه صاحب الأمر علیه السلام.
بقي أن نذكر بأن تصريحات بعض العلماء تنبي عن احتمال وجود توقيع ثالث صادر إلى الشيخ المفيد ، كما يشير إلى ذلك ما ذكره المحقق الكبير الشيخ أسد الله الشوشتري من القول : « يجمع علماء الإمامية على صدور التوقيعات المعروفة إلى الشيخ
1) (1) المعاني أعلاه ثقلت من التوضيحات التي أوردها المجلس رضوان الله عليه في ذيول الرسائل .
المفيد من صاحب الأمر علیه السلام (1).
ثم يضيف : « وتتضمن تلك التوقيعات فضائل قيمة يختص بها هذا العالم الجليل »(2).
كذلك يقول المرحوم التکابني « لم يخرج من صاحب الأمر علیه السلام توقيع أيام الغيبة الكبرى عدا ما خرج للشيخ المفيد »(3).
من الحكايات المعروفة المشهورة حكاية فتوى الشيخ المفيد في قضية « المرأة المتوفاة وفي بطنها جنين حي » ثم إصلاح الفتوى من قبل الناحية المقدسة ، وبالإطلاع على هذه الحادثة يتضح لنا مدى التسديد والرعاية التي شمل بها ولي الله الأعظم علیه السلام الشيخ المفيد .
يذكر المرحوم الميزرا محمد التنكابني رحمة الله عليه هذه الحادثة كما يلي : « وفد أحد القرويين إلى مجلس الشيخ المفيد وسأله عن إمرأة حامل ماتت وجنينها حي في بطنها ، هل تدفن هكذا ، أم تشق بطنها ويستخرج الطفل منها؟ فأجاب الشيخ : إدفنوها هكذا . فخرج الرجل عائدا أدراجه ، وفي
أثناء الطريق ، رأى فارسا مسرعا يتبعه ، وحين وصل إليه ترجل وقال له : يا رجل الشيخ المفيد يقول : شقوا بطن هذه المتوفاة واخرجوا الطفل ثم ادفنوها . والتزم القروي بهذا التصحيح .
وبعد مدة أخبر الشيخ المفيد بما جرى ، فقال : إنه لم يرسل أحدا ولا شك أن هذا الفارس هو صاحب الزمان علیه السلام وهذا يعني أننا نخبط خبط العشواء في فتاوانا ، فما أحرى أن لا نفتي بشيء بعد الآن . وبالفعل التزم بيته لا يغادره حتى جاءه التوقيع من صاحب الأمر علیه السلام « عليكم الإفتاء وعلينا تسديدكم وعصمكم من الخطأ ، فما كان من الشيخ المفيد إلا أن عاود الجلوس على منبر الفتيا (1).
بعد الذي أوردنا لا يبقى ما يشكك في أن فقد عالم بهذا القدر وهذه الجلالة ورجل بهذا الشموخ سيترك أقسى أثر على الحجة بن الحسن علیه السلام ويصيبه بالحزن ويدفعه إلى رثائه وتأبينه .
نقل الشهيد المرحوم القاضي نور الله الشوشتري ( قدس سره ) وغيره من العلماء في كتبهم أن بضعة أبيات من الرثاء
1) (1) قصص العلماء : ص 3۹۹ ( النسخة الفارسية ) .
اشتهرت بعد وفاة الشيخ المفيد تنسب إلى صاحب الأمر علیه السلام ، وإن الناس حينها رأت هذه الأبيات مكتوبة على قبره - رضوان الله عليه -
تقول الأبيات :
لا صوت الناعي بفقدك أنه * يوم على آل الرسول عظیم
إن كنت قد غيبت في جدث الثرى * فالعلم والتوحيد فيك مقيم
والقائم المهدي يفرح كلها * تليت عليك من الدروس علوم (1)
فما أرق هذا الرثاء وما أعظم المرتبة التي رقي إليها المفيد رضوان الله عليه حتى يقول فيه الصاحب علیه السلام ما قال من الأبيات التي ضمنها المعاني والمضامين العاليات وعبر بها عن والحزن العظيم لسماع خبر وفاته حتى عد يوم وفاته يوم عظيم وشديد على آل الرسول لأنهم فقدوا حارسا للدين ومقيما لأساس التوحيد في حين أنه يفرح لما يسمع مما يتلى عليه من العلوم .
1) (۱) مجالس المؤمنين : ج ۱ / ص4۷۷ ومقابس الأنوار ص ۷. وجنة المأوى المطبوع مع البحار ج5۳ / الحكاية ۲5 / ص ۲5۵ .
يندر أن يظهر بين العلماء في مختلف العصور عالم بجلالة قدر السيد ابن طاووس وعلو شأنه وعظمة مقامه المعنوي ، فهو قدوة العارفين وصاحب النفس الزكية الطاهرة قدس الله سره الشريف .
توفي السيد ابن طاووس سنة 664 هـ . ق ، وكان ذا علاقة حميمة وشديدة بصاحب الأمر علیه السلام، وانطوت نفسه الطاهرة على أسرار عظيمة بهذا الخصوص .
يقول المحدث النوري - قدس سره - ما مؤداه : « يبدو من جملة بعض العبارات الواردة في كتب السيد ابن طاووس خصوصا کتاب «کشف المحجة » بأن باب الملاقاة بينه وبين صاحب الأمر كان مفتوحا (1).
1) (۱) مستدرك الوسائل ( الطبعة الحجرية ) ج۳، ص46۹.
يقول السيد ابن طاووس : «كنت أنا بسر من رأى فسمعت سحرأ دعائه علیه السلام فحفظت منه من الدعاء لمن ذكره من الأحياء والأموات [ وابقهم أو قال : وأحيهم في عزنا ملكنا ( كذا ) وسلطاننا ودولتنا ] وكان ذلك في ليلة الأربعاء ثالث عشر ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وستمائة »(1).
ويعلق البعض على مقولة السيد ابن طاووس هذه بالقول : يتضح أن الحجة بن الحسن علیه السلام كان في وقت السحر ذاك يؤدي صلاة الليل التي يستحب فيها الدعاء لأربعين مؤمنا ، وذلك بلحاظ قوله « وابقهم أو واحيهم » في عزنا ملكنا وسلطاننا ودولتنا » .
ثم تأمل أيها القارىء العزيز في ما يقوله السيد ابن طاووس : « من الدعاء لمن ذكره من الأحياء والأموات » أفلا ترى منها كيف كان هذا العالم العارف مواظبا على ما يحفظ حالته في البقاء على الخلوص المعنوي لمدة طويلة حتى استطاع أن يتأهل ويليق للإنتهال من منهل الصفاء والفيض بكل تلك المعاني حتى سمع ما سمع من ولي العصر علیه السلام!
1) (۲) مهج الدعوات للسيد ابن طاووس : ص۲۹6 .
العلاقات الحميمة المستمرة بين السيد ابن طاووس وولي العصر عليه السلام
ضمن مجموعة من الوصايا الأبوية القيمة التي سطرها هذا العالم الجليل لولده محمد يقول السيد ابن طاووس : « واعلم یا ولدي محمد زین الله جل جلاله سرائرك وظواهرك بموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه أنني كنت لما بلغتني ولادتك بمشهد الحسين علیه السلام في زيارة عاشوراء إلا أنك ولدت بطالع السعد والإقبال يوم تاسع محرم سنة ثلاث وأربعين وستمائة يوم الثلاثاء بعد مضي ساعتين وخمس دقايق من ذلك النهار كما قدمناه في خطبة هذه الرسالة فقمت بين يدي الله جل جلاله مقال الذل والإنكسار والشكر لما شرفني به من ولادتك من المسار والمبار وجعلتك بأمر الله جل جلاله عبد مولانا ( المهدي) علیه السلام ومتعلقا عليه وقد احتجناكم مرة عند حوادث حدثت لك إليه ورأيناه في عدة مقامات في منامات وقد تولى قضاء حوائجك بإنعام عظيم في حقنا وحقك لا يبلغ وصفي إليه فكن في موالاته والوفاء له وتعلق الخاطر به على قدر مراد الله جل جلاله ومراد رسوله ومراد آبائه عليهم السلام ومراده علیه السلام منك ، وقدم حوائجه على حوائجك عند صلاة الحاجات ، والصدقة عنه قبل الصدقة عنك وعمن يعز عليك ، والدعاء له قبل الدعاء لك ، وقدمه علیه السلام في كل خير يكون وفاء له ، ومقتضيا لإقباله عليك وإحسانه إليك ، واعرض حاجاتك عليه كل يوم
الاثنين ويوم الخميس، من كل أسبوع بما يجب له من أدب الخضوع »(1).
حتى يقول له في مقطع آخر : «ومما أقول لك يا ولدي محمد ملا الله جل جلاله عقلك وقلبك من التصديق لأهل الصدق ، والتوفيق في معرفة الحق : إن طريق تعریف الله جل جلاله لك بجواب مولانا المهدي صلوات الله وسلامه عليه على. قدراته جل جلاله ورحمته »(2).
کاشف الرموز للشيخ عز الدين حسن بن أبي طالب اليوسفي المعروف بالآبي ، أحد تلامذة المرحوم المحقق صاحب الشرایع ، كتب شرحا لكتاب أستاذه « المختصر النافع » سماه « کشف الرموز » ، يقول في معرض تعليقه على إحدى المسائل الخلافية بين العلماء والمتعلقة بالعلاقة الزوجية فبعضهم كان يقول بحليتها والبعض الآخر بحرمتها ، يقول : وكان فاضل منا شريف يذهب إليه ( يعني : التحريم ) ، ويدعي أنه سمع ذلك مشافهة عمن قوله حجة »(1).
ولا يخفى القارىء الكريم أن قول المجتهد لا يعتبر حجة بالنسبة للمجتهد الأخر ، فها هو حجة بالنسبة للمجتهد هو قول الإمام المعصوم علیه السلام ، وبذا يتضح أن هذا العالم الفاضل كان قد سمع من الإمام علیه السلام، وبما أنه قال مشافهة فهذا يعني أنه سمع من بقية الله الأعظم علیه السلام بالخصوص .
1) (1) مستمسك العروة الوثقی : ج14/ص6۲.
آية الله العظمى العلامة المرحوم حسن بن يوسف المشهور بالعلامة الحلي »، أحد أبرز علماء الشيعة وفقهائهم في القرن الثامن الهجري ، توفي سنة ۷۲6 هـ . ق ، يعد رأس ورئيس الإمامية وقد طوق أعناق المسلمين - خصوصا الفقهاء والعلماء الأعلام ، ومراجع الشيعة العظام - بطوق من الفضل على مر العصور ، وذلك بما ترکه من تأليف ومصنفات قيمة .
أشتهر بين الناس وفي الكتب المختصة أمر رعاية ولي العصر علیه السلام لهذا الفقيه والعالم العلم وعنايته به وإمداده إياه .
يقول « السيد الشهيد القاضي نور الله الشوشتري في مجالس المؤمنين في ترجمة آية الله العلامة الحلي قدس سره أن من جملة مقاماته العالية ، أنه اشتهر عند أهل الإيمان أن بعض
علماء أهل السنة ممن تتلمذ عليه العلامة في بعض الفنون ألف كتاب في رد الإمامية ، ويقرأ للناس في مجالسه ويضلهم وكان لا يعطيه أحدا خوفا من أن يرده أحد من الإمامية ، فاحتال رحمه الله في تحصيل هذا الكتاب إلى أن جعل تتلمذه عليه وسيلة الأخذه الكتاب منه عارية ، فالتجأ الرجل واستحيي من رده وقال : إني آليت على نفسي أن لا أعطيه أحداً أزيد من ليلة ، فاغتنم الفرصة في هذا المقدار من الزمان ، فأخذه منه وأتی به إلى بيته لينقل منه ما تيسر منه .
فلما اشتغل بكتابته وانتصف الليل ، غلبه النوم ، فحضر الحجة عليه السلام وقال : ولني الكتاب وخذ في نومك فانتبه العلامة وقد تم الكتاب باعجازه علیه السلام (1).
يقول المرحوم الميرزا التنكابني رحمة الله عليه : اشتهر بين الناس أمر لقاء الصاحب علیه السلام للعلامة ، ونحن ننقل عن الآخوند ملا صفرعلي اللاهيجي الذي حكى لي نقلا عن استاذه المرحوم المبرور السيد محمد بن السيد على صاحب « المناهل » حيث قال : « بينها كان العلامة الحلي ممتطيا حماره
1) (۱) مجالس المؤمنين ج۱ ص۵۷۳ ، وكذلك في جنة المأوى المطبوع مع البحار ج 53 / الحكاية ۲۲ / ص ۲5۲ .
قاصداً زيارة سيد الشهداء علیه السلام - كعادته في ليلة الجمعة - وفي يده سوط صغير يستحث به مطيته ، إذا برجل عربي يلتحق به في أثناء الطريق ويماشيه دون دابة ، وما كان إلا أن انشغلا بالحديث فيما بينهما، حتى أدرك العلامة فضل هذا الرجل وعلمه فانتقلا إلى الحديث حول المسائل العلمية الفقهية ، وبعد أن اتضح للعلامة تبحر هذا الرجل وسمو مقامه في ميدان العلم والفضيلة عرج يسأله عما أعضل عليه من المسائل والرجل يجيب حتى بلغ أن أفتي الرجل في مسألة بفتوى أنكرها العلامة قائلا : ليس لدينا حديث يطابق هذه الفتوى ، فقال الرجل : قد أورد الشيخ الطوسي في التهذيب حديثا في هذا الباب ، أرجع إلى كتابه وستجد الحديث في الصفحة كذا ، في السطر كذا . فتحير العلامة في هوية هذا الرجل ؟ فسأله : أيمكن رؤية صاحب الأمر في عصر الغيبة الكبرى أم لا؟ وفي هذا الأثناء سقط السوط من يد العلامة ، فانحنى الرجل وتناوله من الأرض ووضعه بين يدي العلامة وهو يقول : كيف لا يمكن رؤية صاحب الأمر علیه السلام في حين أن يده في يدك ؟ فترجل العلامة عن حماره دون اختيار وهوى يريد تقبيل أقدام الصاحب علیه السلام فأغمي عليه وبعد أن أفاق لم ير أحدا فعاد إلى البيت ، ومن فوره رجع إلى كتاب التهذيب للشيخ الطوسي وبحث عن الحديث الذي ذكره له علیه السلام فوجده في ذات الصفحة وذات الأسطر التي ذكرها ، فكتب على حاشية التهذيب : « هذا الحديث الذي أشار إليه صاحب الأمر علیه السلام
بذكر الصفحة والسطر » .
يقول المرحوم التنكابني : « يقول الآخوند اللاهيجي : أنا رأيت هذا الكتاب بعيني وشاهدت في حاشية الحديث خط العلامة الحلى بالمضمون السابق(1).
1) (۱) قصص العلماء ( فارسی ) : ص ۳5۹ ( النص مترجم لعدم حصولنا على النسخة العربية - المترجم ) .
الشيخ إبراهيم القطيفي أحد أبرز العلماء والمجتهدين الشيعة ، عاصر المحقق الثاني ، يقول المرحوم السيد محسن الأمين في ترجمته في «أعيان الشيعة » : «لم أقف على سنة وفاته ، إلا أنه كان حيا في سنة 944 هـ.ق ، وخلف أثارا علمية وكتب وتصانیف عديدة » .
ورد عن بعض أهل البحرين أن هذا الشيخ دخل عليه الإمام الحجة علیه السلام في صورة رجل يعرفه الشيخ فسأله : أي الآيات من القرآن في المواعظ أعظم ؟
فقال الشيخ : (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة أعملوا ما شتم إنه بما تعملون بصير) (1).
1) (*) سورة فصلت : الآية 40.
فقال : صدقت يا شيخ ثم خرج منه ، فسأل أهل البيت : خرج فلان ؟
فقالوا : ما رأينا أحدة داخلا ولا خارج (1).
1) (۱) ریاض العلماء : /1/ ص۱۸. والكنى والألقاب ج۳/ ص 61. وفوائد الرضوية ص6 . وجنة المأوى المطبوع مع البحار : ج5۳ / الحكاية ۲4/ ص ۲5۵ « والنص منه ».
المقدس الأردبيلي المتوفي سنة ۹۹۳هـ.ق من النجوم اللامعة في سماء الفضيلة والعلم التي سما التشييع بوجود أمثالهم ، مجتهد كبير ومحقق بارع له أفكار بديعة ونظرات دقيقة ، وكان مما رفعه إلى أعلى المراتب وأرفعها بين العلماء مضافا إلى علمه ورعه وتقواه وزهده ، وهو من الذين تشرفوا بلقاء صاحب الأمر أرواحنا فداه وممن شملتهم ألطافة الخفية كما سيمر بنا .
يقول المحدث المعروف السيد الجزائري « وقد حدثني أوثق مشايخي علما وعملا أن هذا الرجل - وهو المولى الأردبيلي - تلميذا من أهل ( تفريش ) اسمه میر علام ( فیض الله خ . ل) وقد كان بمكان من الفضل والورع . قال ذلك التلميذ : إنه قد كانت لي حجرة في المدرسة المحيطة بالقبة الشريفة ، فاتفق إني فرغت من مطالعتي وقد مضى جانب كثير من الليل ، فخرجت من الجحرة انظر في حوش الحضرة وكانت الليلة شديدة الظلام
فرأيت رجلا مقبلا على الحضرة الشريفة ، فقلت : لعل هذا سارق جاء ليسرق شيئا من القناديل ، فنزلت وأتيت إلى قربه فرأيته وهو لا يراني فمضى إلى الباب ووقف ، فرأيت القفل قد سقط وفتح له الباب الثاني ، والثالث على هذا الحال ، فأشرف على القبر فسلم وأتي من جانب القبر رد السلام ، فعرفت صوته فإذا هو يتكلم مع الإمام علیه السلام في مسألة علمية ، ثم خرج من البلد متوجها إلى مسجد الكوفة فخرجت خلفه وهو لا يراني ، فلما وصل إلى محراب المسجد سمعته يتكلم مع رجل آخر بتلك المسألة ، فرجع ورجعت خلفه فلما بلغ إلى باب البلد أضاء الصبح فأعلنت نفسي له وقلت له : يا مولانا كنت معك من الأول إلى الآخر ؛ فاعلمني من كان الرجل الأول الذي كلمته في القبة ومن الرجل الآخر الذي كلمك في مسجد الكوفة ؟ فأخذ علي المواثيق أني لا أخبر أحدا بسره حتى يموت . فقال لي : يا ولدي إن بعض المسائل تشتبه علي فربما خرجت في بعض الليل إلى قبر مولانا أمير المؤمنين علیه السلام وكلمته في المسألة وسمعت الجواب ، وفي هذه الليلة أحالني على مولانا صاحب الزمان علیه السلام وقال لي : إن ولدنا المهدي هذه الليلة في مسجد الكوفة فأمضي إليه وسله عن هذه المسألة ، وكان ذلك الرجل هو المهدي »(1).
1) (1) الأنوار النعمانية : ج۲ / ص۳۰۳.
الآخوند ملا محمد تقي المجلسي - قدس سره - ولد سنة ۱۰۰۳ هـ . ق وتوفي سنة ۱۰۷۰هـ. ق أحد أبرز علماء الشيعة في القرن الحادي عشر ، ومؤلف الشعر الجليل « روضة المتقين » ، يوصف بنفس نقية طاهرة قدسية وقد شملته أنوار العناية المهدوية .
وليتابع القارىء الكريم الحادثتين أدناه مما نقله المجلسي الأول بقلمه ولسانه .
يقول رضوان الله عليه : «.. ولما وفقني الله تعالى لزيارة أمير المؤمنين علیه السلام وشرعت في حوالي الروضة المقدسة في المجاهدات وفتح الله تعالى علي ببركة مولانا صلوات الله عليه أبواب المكاشفات التي لا تحتملها ( كذا ) العقول الضعيفة ، رأيت في ذلك العالم ( وإن شئت قلت بين النوم واليقظة ) عندما۷۷
كنت في رواق عمران جالسا أني بسر من رأي ورأيت مشهدهما في نهاية الإرتفاع والزينة ورأيت على قبرهما لباسا أخضر من لباس الجنة لأنه لم أر مثله في الدنيا ورأيت مولانا ومولى الأنام صاحب العصر والزمان علیه السلام جالسا ، ظهره على القبر ووجهه إلى الباب فلما رأيته شرعت في هذه الزيارة [ الزيارة الجامعة ] بالصوت المرتفع كالمداحين فلا اتممتها قال صلوات الله عليه : نعمت الزيارة . قلت : مولاي روحي فداك زيارة جدك ؟ ( وأشرق إلى نحو القبر) فقال : نعم أدخل فلما دخلت وقفت قريبا من الباب فقال صلوات الله عليه : تقدم فقلت : مولاي أخاف أن أصير كافرة بترك الأدب . فقال صلوات الله عليه : لا بأس. إذا كان بإذننا . فتقدمت قليلا وكنت خائفا مرتعشا فقال : تقدم ، حتى صرت قريبا منه صلوات الله عليه ، قال : اجلس . قلت : أخاف مولاي ، قال ، صلوات الله عليه : لا تخاف .
فلما جلست جلسة العبيد بين يدي المولى الجليل قال صلوات الله عليه : استرح واجلس مربعا فإنك تعبت جئت ماشيا حافيا ، والحاصل إنه وقع منه صلوات الله عليه بالنسبة إلى عبده ألطاف عظيمة ومكالمات لطيفة لا يمكن مدها ونسيت أكثرها .
ثم انتبهت من تلك الرؤيا وحصل في اليوم أسباب الزيارة بعد کون الطريق مسدودة في مدة طويلة وبعدما حصل الموانع العظيمة ارتفعت بفضل الله وتيسر الزيارة بالمشي والحفا كما قاله
الصاحب علیه السلام (1).
يقول سماحته : وأما ما انكشف لهذا الضعيف وهو سندي وتواتر عني أنت كنت في أوائل البلوغ طالبا لمرضاة الله تعالى ساعيا في طلب رضاه ولم يكن لي قرار إلا بذكر الله تعالى إلى أن رأيت بين النوم واليقظة أن صاحب الزمان (صلوات الله عليه ) كان واقفا في الجامع القديم في أصبهان قريبا من ( باب الطنبي ) الذي الأن ( مدرسي ) ( كذا ) ، فسلمت عليه صلوات الله عليه وأردت أن أقبل رجله علیه السلام فلم يدعني وأخذني فقبلت يده وسألته عنه مسائل ( كذا ) قد أشكلت علي ( منها ) أني كنت أوسوس في صلواتي وكنت أقول : إنها ليست كما طلبت مني وأنا مشتغل بالقضاء ولا يمكنني صلوة الليل وسألت عنه شيخنا البهائي - رحمه الله - فقال : صل صلوة الظهر والعصر والمغرب بقصد القضاء وصلوة الليل وكنت أفعل هكذا .
فسألت عن الحجة (كذا) ، أصلى صلوة الليل ؟ فقال علیه السلام : صلها ولا تفعل كالمصنوع الذي كنت تفعل ،
1) (۱) روضة المتقين : ج5 / ص450 .
إلى غير ذلك من المسائل التي لم يبق في بالي ثم قلت : يا مولاي لا يتيسر لي أن أصل أخدمتك كل وقت فأعطني كتابا أعمل عليه دائما ، فقال علیه السلام : أعطيت لأجلك كتابا إلى مولانا محمد التاج وكنت أعرفه في النوم ، فقال صلوات الله عليه : رح وخذه منه فخرجت من باب المسجد الذي كان مقابلا لوجهه علیه السلام إلى جانب دار البطيخ ( محلة من أصبهان ) فلما وصلت إلى ذلك الشخص رآني قال لي : بعثك الصاحب علیه السلام إلي ؟ قلت : نعم ، فأخرج من جيبه كتابا قديما فتحته. ظهر لي أنه كتاب الدعاء فقبلته ووضعته على عيني وانصرفت عنه متوجها إلى الصاحب علیه السلام فانتبهت ولم يكن معي ذلك الكتاب فشرعت في التضرع والبكاء والجوار (كذا) لفوت ذلك الكتاب إلى أن طلع الصبح فلما فرغت من الصلوة والتعقيب وكان في بالي أن مولانا محمد هو الشيخ وتسميته بالتاج لإشتهاره من بين العلماء ، فلما جئت إلى مدرسه ( كذا ) وكان في جوار المسجد الجامع فرأيته مشتغلا بمقابلة الصحيفة وكان القاري السيد الصالح أمير ذو الفقار الجربادقاني فجلست ساعة حتى فرغ منه .
والظاهر أنه كان في سند الصحيفة لكن للغم الذي كان لي ( كذا ) لم أعرف كلامه ولا كلامهم وكنت أبكي فذهبت إلى الشيخ وقلت له : رؤياي وأنا أبكي لفوات الكتاب فقال الشيخ : أبشر بالعلوم الإلهية والمعارف اليقينية وجميع ما كنت تطلب دائما وكان أكثر صحبتي مع الشيخ في التصوف وكان
مائلا إليه فلم يسكن قلبي وخرجت باكيا متفكرا إلى أن ألقي في روعي أن أذهب إلى الجانب الذي ذهبت إليه في النوم ، فلما وصلت إلى ( دار البطيخ ) رأيت رجلا صالحا كان اسمه ( آقا حسن ) ويلقب بـ( تاجا ) فلما وصلت إليه وسلمت عليه قال : يا فلان الكتب الوقفية التي عندي كل من يأخذه من الطلبة لا يعمل بشروط الوقف وأنت تعمل بها تعال وأنظر إلى هذه الكتب وكلما تحتاج إليه خذه ، فذهبت معه إلى بيت كتبه فأعطاني أول ما أعطى الكتاب الذي رأيته في النوم فشرعت في البكاء والنحيب ، وقلت : يكفيني .
وليس في بالي أني ذكرت له النوم ( كذا ) أم لا، وجئت عند الشيخ وشرعت في المقابلة مع نسخته التي كتبها جد أبيه من نسخة الشهيد ، وكتب الشهيد نسختها من نسخة عميد الرؤساء ( رضي الدين أبو منصور هبة الله بن حامد الحلي اللغوي الفقيه ) وابن السكون( أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن على الحلي ) وقابلها مع نسخة ابن أدريس بواسطة أو بدونها وكانت النسخة التي أعطانيها الصاحب علیه السلام أيضا مكتوبة من خط الشهيد وكانت موافقة غاية الموافقة حتى في النسخ التي كانت مكتوبة على هامشها وبعد أن فرغت من المقابلة شرع الناس في المقابلة عندي وببركة اعطاء الحجة صلوات الله عليه صارت الصحيفة الكاملة في جميع البلاد كالشمس طالعة في كل بيت وسيما في أصبهان فإن أكثر الناس لهم الصحيفة المتعددة وصار أكثرهم صلحاء وأهل الدعاء
( كذا ) وكثير منهم مستجابو الدعوة .
وهذه الآثار معجزة من الصاحب علیه السلام والذي أعطاني الله تعالى من العلوم بسبب الصحيفة لا أحصيها وذلك فضل الله علينا وعلى الناس والحمد لله رب العالمين (1).
1) (۱) روضة المتقين : ج14 / ص 419 .
الفقيه المحدث الجليل محمد بن الحسن المعروف بالشيخ الحر العاملي ، من علماء الشيعة الكبار ، ألف ما ينيف على السبعين مصنفا في مختلف العلوم الإسلامية ، أهمها وأشهرها کتاب وسائل الشيعة المطبوع في عشرين مجلدا والشامل لأحاديث الأحكام في الكتب الأربعة : [التهذيب - الإستبصار - الكافي - من لا يحضره الفقيه ] ، وقد صنف کتابه بجمع الأحاديث المتعلقة بكل باب من أبواب الفقه مع بعضها فقدم بذلك خدمة جليلة للفقهاء والمجتهدين ، وقد صدر الأبواب بعناوین تعبر عن فتاواه في المواضيع المختلفة . توفي سنة ۱۱۰4 هـ . ق .
وقد شملته يد العناية المهدوية منذ نعومة أظفاره ومنذ أوائل بداية حياته العملية حتى قال رضوان الله عليه : قد رأيت من المهدي علیه السلام معجزات في النوم مرارا »(1).
1) (1) إثبات الهداة : ج3/ الباب الثالث والثلاثون / ص۷۱۰/ ج۱6۵ . وفي جنة المأوى المطبوع مع البحار ج5۳ / الحكاية ۳۸ ص ۲۷4 .
شفاؤه من مرضه في العاشرة من عمره على يد صاحب الأمر علیه السلام:
يقول الحر العاملي - قدس سره - « کنت في عصر الصبا ( كذا ) وسني عشر سنين أو نحوها ، أصابني مرض شديد جدا اجتمع أهلي وأقاربي وبكوا أو تهيأوا للتعزية وأيقنوا أني أموت تلك الليلة فرأيت النبي صلی الله علیه و آله و سلم والأئمة الإثني عشر عليهم السلام وأنا فيما بين النائم واليقظان فسلمت عليهم صلوات الله عليهم ، وصافحتهم واحدا واحدا وجرى بيني وبين الصادق علیه السلام كلام لم يبق في خاطري ، إلا أنه دعا لي فلما سلمت على صاحب الزمان علیه السلام وصافحته بكيت وقلت : يا مولاي أخاف أن أموت في هذا المرض ولم أقض وطري من العلم والعمل ، فقال لي : لا تخف فإنك لا تموت في هذا . المرض بل يشفيك الله وتعمر عمرا طويلا ، ثم ناولني قدحا كان في يده فشربت منه وأفقت في الحال وزال عني المرض بالكلية ، وجلست فتعجب أهلي وأقاربي ولم أحدثهم بما رأيت إلا بعد أيام (1).
1) (1) إثبات الهداة : ج۳ / الباب الثالث والثلاثون / ص۷۱۰/ ج۱6۵ . وفي جنة المأوى المطبوع مع البحار ج 5۳ / الحكاية ۳۸ ص۲۷4 .
« صاحب الزمان عليه السلام والوحيد البهبهاني
محمد باقر البهبهاني أحد علماء القرن الثالث عشر الهجري ، ولد سنة ۱۱۱۸ هـ . ق . في أصفهان وتوفي سنة ۱۲۰6 أو ۱۲۰۸ هـ . ق . في كربلاء ودفن بالقرب من الشهداء في حرم الحسين علیه السلام.
يعجز القلم عن وصف وتعداد الخدمات التي قدمها هذا المجتهد الكبير والمرجع العظيم الشأن والمساعي التي بذلها في سبيل إعلاء كلمة الدين ونشر مذهب الإمامية الحق وإحياء آثار الشريعة المحمدية .
خلف العديد من الكتب والمصنفات المحققة ، ويعد تلامذته من أفضل وأجل المجتهدين والعلماء ، منهم المرحوم التراقي والسيد بحر العلوم والشيخ جعفر النجفي وصاحب الرياض وصاحب القوانين .
بلغ أسمى المراتب المعنوية وانتهل من فيض الرعاية الإلهية لولي العصر أرواحنا فداه .
وليتابع معي القارىء الكريم هذه القصة التي نقلت عن « معدن الأسرار».
يقول سماحة الوحيد البهبهاني : في أوائل أيام استقراري في كربلاء ، كنت ارتقي المنبر لوعظ الناس وإرشادهم ، وذات يوم جرى أثناء حديثي أن ذكرت حديثا شريفا كنت قرأته في کتاب الخرارج للراوندي ، مؤداه « أن على الناس عدم تكرار القول لماذا لا يظهر صاحب الأمر ، لأنه لا طاقة لهم على مسلکه فهو يلبس الخشن من الثياب ويأكل خبز الشعير».
وعلقت على الحديث بالقول : إن غيبة صاحب الأمر علیه السلام من ألطاف الله الخفية بنا ، لأننا لا نملك القدرة على تحمل أوامره .
حينها ضج الحضور وصاروا ينظر الواحد منهم إلى الآخر ويتمتم بكلمات تعبر عن عدم رضاهم على ما قلت حتى تزايد الأمر إلى الحد الذي أخافني مما حدا بي إلى اختصار الحديث ومغادرة المجلس متوجه نحو المنزل . ثم دخلت البيت وأغلقت الباب ورائي .
ولم تمض ساعة حتى طرق الباب .. وحينما سألت : من الطارق ؟ أجاب الرجل : أنا فلان الذي يأخذ لك سجادتك إلى المسجد ، ففتحت الباب وتناولت السجادة منه وألقيتها دون اكتراث في صالة الدار .
ففاجئني بالقول : أحمل سجادتك بإحترام أيها المرتد ، اللوم يتوجه إلينا نحن الذي قبلنا الإقتداء بك كل هذه المدة وضيعنا عباداتنا ! فحملت السجادة بعد أن أغلقت الباب .
ثم أحكمت اغلاق الدار مخافة أن أتعرض إلى اعتداء ،ثم جلست متحيرا أفكر في الأمر وفي كلام هذا الرجل .
ولم يمض من الليل إلا نصفه أو دون حتى طرق الباب مرة أخرى . فسألت من الطارق ؟.
فأجاب وإذا به ذات هذا الرجل يلتمس ويتوسل أن أفتح له الباب معتذرا عما بدر منه ويقسم علي بأغلظ الإيمان أن أفتح له الباب ، غير أني كنت مترددا خشية أن يقدم على إرتكاب أي عمل أرعن . حتى أقسم وأظهر عجزه ، مما دفعني إلى قبول كلامه والإعتقاد بصدقه ، ففتحت الباب ، وما أن فعلت حتى ألقى بنفسه يريد تقبيل قدمي ، فقلت له : يا مسلم ! أين هذا التصرف ومحاولة تقبيل أقدامي ، من ذلك التصرف واتهامي بالإرتداد قبل ساعة ؟
فقال : لا تلمني ، فما أن غادرت من عندك وعدت إلى المنزل وصليت المغرب والعشاء ونمت حتى رأيت في المنام أن صاحب الأمر علیه السلام قد ظهر ، فأسرعت نحوه لأكون في خدمته ، فقال لي علیه السلام : فلان . العباءة التي على كتفيك ، من أموال فلان وأنت لا تدري ، وعليك أن تردها إلى صاحبها فرددتها ، ثم قال : هذا الثوب للشخص الفلاني وأنت اشتريته
من شخص آخر . وعليك إعادته إلى صاحبه ، فاعدته ، ثم أمر بأوامر أخرى أجبرتني على توزيع ما أملك من ملابس ، ثم ما أن جاء إلى منزلي حتي تصرف بذات الطريقة ففرق أثاث المنزل ثم الدواب التي أملكها ثم البستان وسائر ما عندي ، ثم أردف قائلا : زوجتك التي عندك ، أختك من المرضاع وأنت لا تدري ، وعليك أن تردها إلى أهلها ، فرددتها وفي تلك الأثناء جاء ولدي ( قاسم علي ) نحونا، وما أن رآه الصاحب علیه السلام حتى قال : إن هذا الصبي جاء من تلك المرأة وهو ابن حرام ، فخذ هذا السيف وأضرب عنقه ، حينها تميزت غضبا وقلت محتداً : والله ما أنت بسيد ولا أنت من ذرية آل محمد ناهيك عن أن تكون صاحب الأمر علیه السلام، وما أن تلفظت بذلك حتى استيقظت من النوم ، وعلمت أن لا طاقة لنا على إطاعة أوامره علیه السلام، وصح عندي ما قلت وأنا نادم على ما بدر مني فعلا أو قولا وأرجو أن تغفر لي وتعفو عني(1).
1) (۱) خزينة الجواهر : ص ۵۷۰. الحكاية ۳۲، من حكايات أصول الدين .
السيد مهدي المعروف ببحر العلوم ، ولد عام ۱۱55 هـ . ق ، وتوفي سنة ۱۲۱۲هـ. ق، من أعاظم فقهاء ومراجع الشيعة ، بلغ مقاما ساميا من جلالة القدر وعلو الشأن ، حتى أن المرحوم الشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي كان يضع على حنك عامته بعض التراب المأخوذ من نعلي السيد بحر العلوم .
علاوة على تسنم السيد بحر العلوم مرتبة عالية في العلم والفقه فقد ارتقى أرفع الدرجات في سلم المقامات المعنوية ، حتى كان يدعى بصاحب الكرامات . يقول المحدث القمي « ما تواتر نقله عنه - رضوان الله عليه - إنه تشرف مرارا برؤية صاحب العصر ( عجل الله فرجه )، نقل عنه کرامات باهرة ، إلى الحد الذي جعل صاحب الجواهر يقول عنه «صاحب الكرامات الباهرة والمعجزات القاهرة »(1)إلى غير ذلك .
1) (۱) فوائد الرضوية : ص6۷۶.
وقد نقلت الكتب المختصة العديد من الحكايات والقصص حول ملاقاة السيد بحر العلوم لصاحب الزمان علیه السلام ، اخترنا البعض لإيراده هنا حتى يطلع عليه القارىء الكريم .
أورد المحقق النوري هذه الحكاية في جنة المأوى فكتب « حدثني الأخ الصفي المذكور عن المولى السلماسي رحمه الله تعالى ، قال : كنت حاضرا في محفل إفادته ، فسأله رجل عن إمكان رؤية الطلعة الغراء في الغيبة الكبرى ، وكان بيده الآلة المعروفة لشرب الدخان المسمى عند العجم بغليان فسکت عن جوابه وطأطأ رأسه وخاطب نفسه بكلام خفي اسمعه فقال ما معناه : ما أقول في جوابه ؟ وقد ضمني صلوات الله عليه إلى صدره ، وورد ، أيضا في الخبر تکذیب مدعي الرؤية ، في أيام الغيبة » تكرر هذا الكلام . ثم قال في جواب السائل : إنه قد ورد في أخبار أهل العصمة تكذيب من أدعي رؤية الحجة عجل الله تعالى فرجه ، واقتصر في جوابه عليه من غير إشارة إلى ما أشار إليه »(1).
1) (1) جنة المأوى المطبوع مع البحار : ج43 / الحكاية العاشرة / ص ۲۳6 .
« وبهذا السند على المولى السلماسي قال : صلينا مع جنابه في داخل حرم العسكريين علیه السلام فلما أراد النهوض من التشهد إلى الركعة الثالثة ، عرضته حالة فوقف هنيئة ثم قام .
ولما فرغنا تعجبنا كلنا ، ولم نفهم ما كان وجهه ، ولم يجترء أحد منا على السؤال عنه إلى أن أتينا المنزل وأحضرت المائدة ، فأشار إلي ببعض السادة من أصحابنا أن أسأله منه ( كذا ) ، فقلت : لا وأنت أقرب منا فإلتفت رحمه الله إلي وقال : فيم تقاولون ؟ قلت وكنت أجسر الناس عليه ( كذا ) : إنهم يريدون الكشف عما عرض لكم في حال الصلاة ، فقال : إن الحجة عجل الله تعالى فرجه ، دخل الروضة للسلام على أبيه علیه السلام فعرضني ما رأيته من مشاهدة جماله الأنور إلى أن خرج منها »(1).
يضيف المحقق النوري في جنة المأوى « ما حدثني به العالم
1) (۱) جنة المأوى المطبوع مع البحار : ج5۳ / الحكاية العاشرة / ص ۲۳6 . والنجم الثاقب : الحكاية ۷5 .
العامل ، والعارف الكامل غواص غمرات الخوف والرجاء وسياح فيافي الزهد والتقى صاحبنا المفيد ، وصديقنا السدید ، الأغا علي رضا بن العالم الجليل الحاج المولى محمد النائيني ، رحمهما الله تعالى ، عن العالم البدل الورع التقي صاحب الكرامات ، والمقامات العاليات ، المولى زين العابدین بن العالم الجليل المولى محمد السلماسي رحمه الله تلميذ آية الله السيد السند والعالم المسدد فخر الشيعة وزينة الشريعة العلامة الطباطبائي السيد محمد مهدي المدعو ببحر العلوم أعلى الله درجته ، وكان المولى المزبور من خاصته في السر والعلانية .
قال : كنت حاضرا في مجلس السيد في المشهد الغروي إذ دخل عليه لزيارته المحقق القمي صاحب القوانين في السنة التي رجع من العجم إلى العراق زائرا لقبور الأئمة علیه السلام وحاجا لبيت الله الحرام . فتفرق من كان في المجلس وحضر للإستفادة منه ، وكانوا أزيد من مائة وبقيت ( كذا ) ثلاثة من أصحابه أرباب الورع والسداد البالغين إلى رتبة الاجتهاد .
فتوجه المحقق الأيد إلى جناب السيد وقال : إنكم فزتم وحزنم مرتبة الولادة الروحانية والجسمانية وقرب المكان الظاهري والباطني ، فتصدقوا علينا بذكر مائدة من موائد تلك الخوان ، وثمرة من الثمار التي جنيتم من هذه الجنان ، كي ينشرح به الصدور ، ويطمئن به القلوب .
فأجاب السيد من غير تأمل ، وقال : إني كنت في الليلة
الماضية قبل ليلتين أو أقل - والترديد من الراوي - في المسجد الأعظم بالكوفة ، لأداء نافلة الليل عازما على الرجوع إلى النجف في أول الصبح ، لئلا يتعطل أمر البحث والمذاكرة - وهكذا كان دأبه في سنين عديدة - .
فلما خرجت من المسجد ألقي في روعي الشوق إلى مسجد السهلة ، فصرفت خيالي عنه ، خوفا من عدم الوصول إلى البلد قبل الصبح ، فيفوت البحث في اليوم ولكن كان الشوق يزيد في كل آن ، ويميل القلب إلى ذلك المكان ، فبينا أقدم رجلا وأؤخر أخرى ، إذا بريح فيها غبار كثير ، فهاجت بي وأمالتني عن الطريق فكأنها التوفيق الذي هو غير رفيق ، إلى أن ألقتني إلى باب المسجد . فدخلت فإذا به خاليا من العباد والزوار ، إلا شخصاً جليلا مشغولا بالمناجاة مع الجبار ، بكلمات ترق القلوب القاسية ، وتسح الدموع من العيون الجامدة ، فطار بالي ، وتغيرت حالي ، ورجفت ركبتي ، وهملت دمعتي من استماع تلك الكلمات التي لم تسمعها أذني ، ولم ترها عيني ، مما وصلت إليه من الأدعية المأثورة ، وعرفت أن الناجي ( كذا ) ينشؤها في الحال ، لا إنه ينشد ما أودعه في البال .
فوقفت في مكاني مستمعا متلذذا إلى أن فرغ من مناجاته ، فالتفت إليّ وصاح بلسان العجم : « مهدي بيا» ، أي : هلم یا مهدي ، فتقدمت إليه بخطوات فوقفت ، فأمرني بالتقدم
فمشيت قليلا ثم وقفت ، فأمرني التقدم وقال : إن الأدب في الإمتثال ، فتقدمت إليه بحيث تصل يدي إليه ، ويده الشريفة إلي وتكلم بكلمة .
قال المولى السلماسي رحمه الله : ولما بلغ كلام السيد إلى هنا أضرب عنه صفحا ، وطوى عنه کشحا وشرع في الجواب عما سأله المحقق المذكور قبل ذلك . عن سر قلة تصانيفه ، مع طول باعه في العلوم فذكر له وجوها فعاد المحقق القمي فسأل عن هذا الكلام الخفي فأشار بيده شبه المنكر بأن هذا سر لا يذكر (1).
وفي الحكاية الرابعة والخمسين يقول النوري رحمه الله « حدثني العالم الفاضل الصالح الورع في الدين الميرزا حسين اللاهيجي المجاور للمشهد الغروي أيده الله ، وهو من الصلحاء الأتقياء ، والثقة الثبت عند العلماء ، قال : حدثني العالم الصفي المولى زين العابدين السلماسي المتقدم ذكره قدس الله روحه أن السيد الجليل بحر العلوم ، أعلى الله مقامه ، ورد يوما في حرم أمير المؤمنين عليه آلاف التحية والسلام فجعل
1) (۱) جنة المأوى المطبوع مع البحار : ج5۳ / الحكاية 9/ ص۲۳4 . والنجم الثاقب ، حكاية ۸۳.
يترنم بهذا المصرع :
جه حوش است صوت قرآن * زتو دل ریا شنیدن(1)
فسئل رحمه الله عن سبب قراءته هذا المصرع ، فقال : لما وردت في الحرم المطهر رأيت الحجة علیه السلام جالسا عند الرأس يقرأ القرآن بصوت عال ، فلما سمعت صوته قرأت المصرع المزبور ولما وردت الحرم ترك قراءة القرآن ، وخرج من الحرم الشريف »(2).
السيد مهدي القزويني من العلماء الأعلام والفقهاء الشيعة العظام المشهورين ، له تصانيف كثيرة ، كما أنه بلغ مرتبة سامية من الخلوص وإدراك المعاني ، توفي عام ۱۳۰۰هـ.ق في شهر ربيع الأول بعد عودته من الحج .
شملته ألطاف إمام الزمان علیه السلام، بل يستفاد من الحكايات المروية بهذا الخصوص أن الصاحب علیه السلام كان يخصه بتوجه و اهتمام خاصين .
وقد نقل المحدث الكبير المرحوم الحاج النوري رضوان الله عليه ثلاثة قصص عند السيد مهدي القزويني نورد اثنتين منها ونضعهما بين يدي القارىء الكريم .
يقول المحدث النوري « حدثني جماعة من الأفاضل الكرام ، والصلحاء الفخام ، منهم السيد السند والحبر المعتمد ، زبدة العلماء الأعلام ، وعمدة الفقهاء العظام ، حاوي فنون الفضل والأدب ، وحائز على معالي الحسب
والنسب الميرزا ( صالح ) دام علاه ابن سید المحققين ونور مصباح المجاهدين ، وحيد عصره وفريد دهره سيدنا المعظم السيد مهدي المتقدم ذكره أعلى الله مقامه ، ورفع في الخلد أعلامه وقد كنت سألت عنه سلمه الله أن يكتب لي تلك الحكايات الآتية المنسوبة إلى والده المعظم التي سمعتها من الجماعة فإن أهل البيت أدرى بما فيه ، مع ما هو عليه من الإتقان والحفظ والضبط والصلاح والسداد والإطلاع ، وقد صاحبته في طريق مكة المعظمة ذهابا وإيابا فوجدته - أيده الله - بحرا لا ينزح وکنزا لا ينفذ ، فكتب إلي مطابقا لما سمعته من تلك العصابة .
وكتب أخوه العالم النحرير ، وصاحب الفضل المنير، السيد الأمجد السيد ( محمد ) سلمه الله تعالى في آخر ما كتبه : سمعت هذه الكرامات الثلاثة ( كذا ) سماعا من لفظ الوالد المرحوم المبرور عطر الله مرقده . وصورة ماكتبه : [ وهذه الحكاية الأولى] .
بسم الله الرحمن الرحيم : حدثني بعض الصلحاء الأبرار من أهل الحلة قال : خرجت غدوة من داري قاصدا داركم لأجل زيارة السيد أعلى الله مقامه [ يعني : السيد مهدي القزويني ] فصار ممري في الطريق على المقام المعروف بقبر السيد ذي الدمعة فرأيت على شباكه الخارج إلى الطريق شخصا بهي المنظر يقرأ فاتحة الكتاب ، فتأملته فإذا هو غريب الشكل ،
وليس من أهل الحلة .
فقلت في نفسي : هذا رجل غريب قد اعتني بصاحب هذا المرقد ، ووقف وقرأ له فاتحة الكتاب ، ونحن أهل البلد نمر ولا نفعل ذلك ، فوقفت وقرأت الفاتحة والتوحيد ، فلما فرغت سلمت عليه ، فرد السلام وقال لي : يا علي أنت ذاهب لزيارة السيد المهدي ؟ قلت : نعم ، قال : فإني معك .
فلما صرنا ببعض الطريق قال لي : يا علي لا تحزن على ما أصابك من الخسران وذهاب المال في هذه السنة ، فإنك رجل امتحنك الله بالمال فوجدك مؤديا للحق ، وقد قضيت ما فرض الله عليك ، وأما المال فإنه عرض زائل يجيء ويذهب ، وكان قد أصابني خسران في تلك السنة لم يطلع عليه أحد مخافة الكسر ، فاغتممت في نفسي وقلت : سبحان الله كسري قد شاع وبلغ حتى إلى الأجانب ، إلا أني قلت له في الجواب : الحمد لله على كل حال ، فقال : إن ما ذهب من مالك سيعود إليك بعد مدة وترجع كحالك الأول ، وتقضي ما عليك من دیون .
قال : فسكت وأنا مفكر في كلامه حتى انتهينا إلى باب دارکم ، فوقفت ووقف ، فقلت : ادخل يا مولاي فأنا من أهل الدار فقال لي : أدخل أنت أنا صاحب الدار ، فامتنعت فأخذ بيدي وأدخلني أمامه فلما صرنا إلى المسجد وجدنا جماعة من الطلبة جلوسا ينتظرون خروج السيد - قدس سره - من
داخل الدار لأجل البحث . ومكانه من المجلس خال لم يجلس فيه أحد احتراما له ، وفيه كتاب مطروح .
فذهب الرجل، وجلس في الموضع الذي كان السيد قدس سره يعتاد الجلوس فيه ثم أخذ الكتاب وفتحه ، وكان الكتاب شرائع المحقق قدس سره ثم استخرج من الكتاب کراریس مسودة بخط السيد قدس سره ، وكان خطه في غاية الضعف لا يقدر كل أحد على قراءته ، فأخذ يقرأ في تلك الكراريس ، ويقول للطلبة : ألا تعجبون من هذه الفروع وهذه الكراريس ؟ هي بعض من جملة كتاب مواهب الأفهام في شرح شرائع الإسلام وهو كتاب عجيب في فنه لم يبرز منه إلا ست مجلدات من أول الطهارة إلى أحكام الأموات .
قال الوالد أعلى الله درجته : لما خرجت من داخل الدار رأيت الرجل جالسا في موضعي فلما رآني قام وتنحى عن الموضع فألزمته بالجلوس فيه ، ورأيته بهي المنظر ، وسیم الشكل في زیّ غريب ، فلما جلسنا أقبلت عليه بطلاقة وجه وبشاشة ، وسؤال عن حاله واستحييت أن أسأله من هو وأين وطنه . ثم شرعت في البحث فجعل الرجل يتكلم في المسألة التي نبحث عنها بكلام كأنه اللؤلؤ المتساقط فبهرني كلامه فقال له بعض الطلبة : اسكت ما أنت وهذا ، فتبسم وسكت .
قال رحمه الله : فلما انقضى البحث قلت له : من أين كان مجيئك إلى الحلة ؟ فقال : من بلد السليمانية ، فقلت : متى
خرجت ؟ فقال : بالأمس خرجت منها ، وما خرجت منها حتى دخلها نجيب باشا فاتحا لها عنوة بالسيف وقد قبض على أحمد باشا الباباني المتغلب عليها ، وأقام مقامه أخاه عبد الله باشا ، وقد كان أحمد باشا المتقدم قد خلع طاعة الدولة العثمانية وادعي السلطنة لنفسه في السليمانية .
قال الوالد قدس سره : فبقيت مفكرا في حديثه وأن هذا الفتح وخبره لم يبلغ إلى حكام الحلة ، ولم يخطر لي أن أسأله كيف وصلت إلى الحلة وبالأمس خرجت من السليمانية ، وبين الحلة والسليمانية ما تزيد على عشرة أيام للراكب المجد .
ثم أن الرجل أمر بعض خدمة الدار أن يأتيه بماء فأخذ الخادم الإناء ليغترف به ماء من الجب فناداه لا تفعل ! فإن في الإناء حيوانا ميتا فنظر فيه ، فإذا فيه سام أبرص میت فأخذ غيره وجاء بالماء إليه فلما شرب قام للخروج .
قال الوالد قدس سره : فقمت لقيامه فودعني وخرج فلما صار خارج الدار قلت للجماعة هلا أنكرتم على الرجل خبره في فتح السليمانية . فقالوا : هلا أنكرت عليه ؟
قال : فحدثني الحاج على المتقدم بما وقع له في الطريق وحدثني الجماعة بما وقع قبل خروجي من قراءته المسودة وإظهار العجب من الفروع التي فيها .
قال الوالد أعلى الله مقامه : فقلت : أطلبوا الرجل وما
أظنكم تجدونه هو والله صاحب الأمر روحي فداه فتفرق الجماعة في طلبه فما وجدوا له عينا ولا أثرا فكأنما صعد في السماء أو نزل في الأرض .
قال: فضبطنا اليوم الذي أخبر فيه فتح السليمانية فورد الخبر ببشارة الفتح إلى الحلة بعد عشرة أيام من ذلك اليوم ، وأعلن ذلك عند حکامها بضرب المدافع المعتاد ضربها عند البشائر عند ذوي الدولة العثمانية .
قلت : الموجود فيما عندنا من كتب الأنساب أن اسم ( ذا الدمعة ) : حسين ، ويلقب أيضا بذي العبرة ، وهو ابن زید الشهير ابن علي بن الحسين ( عليهما السلام ) ويكنى بأبي عاتقة ، وإنما لقب بذي الدمعة لبكائه في تهجده في صلاه الليل ، ورباه الصادق علیه السلام فأرثه علما جماً وكان زاهداً عابداً ، وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائة ، وزوج ابنته بالمهدي الخليفة العباسي وله أعقاب كثيرة ، ولكنه سلمه الله أعرف بما کتب . »(1).
« قال سلمه الله : حدثني الوالد أعلى الله مقامه قال : لازمت الخروج إلى الجزيرة مدة مديدة لأجل إرشاد عشائر بني
1) (۱) جنة المأوى المطبوع مع البحار : ج5۳ / الحكاية 44 / ص۲۸ . والنجم الثاقب : الحكاية 93.
زبيد إلى مذهب الحق - وكانوا كلهم على رأي أهل التسنن ، وببركة هداية الوالد قدس سره وإرشاده ، رجعوا إلى مذهب الإمامية كما هم عليه الآن - وهم عدد كثير يزيدون على عشرة الآف نفس وكان في الجزيرة مزار معروف بقبر الحمزة بن الكاظم ، يزوره الناس ويذكرون له کرامات كثيرة ، وحوله قرية تحتوي على مائة دار تقريبا .
قال قدس سره : فكنت استطرق الجزيرة وأمر عليه ولا أزوره لما صح عندي أن الحمزة بن الكاظم مقبور في الري مع عبد العظيم الحسني فخرجت مرة على عادتي ونزلت ضيفا عند أهل تلك القرية ، فتوقعوا مني أن أزور المرقد المذكور فأبيت وقلت لهم : لا أزور من لا أعرف ، وكان المزار المذكور قلت رغبة الناس فيه لإعراضي .
ثم ركبت من عندهم وبت تلك الليلة في ( قرية المزيدية ) ، عند بعض ساداتها ، فلما كان وقت السحر جلست لنافلة الليل وتهيأت للصلاة ، فلما صليت النافلة بقيت أرتقب طلوع الفجر ، وأنا على هيئة التعقيب إذ دخل علي سيد أعرفه بالصلاح والتقوى ، من سادة تلك القرية فسلم وجلس .
ثم قال : يا مولانا بالأمس تضيفت أهل القرية الحمزه ، ومازرته ؟ قلت : نعم . قال : ولم ذلك ؟ قلت : لأني لا أزور من لا أعرف ، والحمزة بن الكاظم مدفون بالري ، فقال : رب مشهور لا أصل له ، ليس هذا قبر الحمزة بن موسى
الكاظم وإن اشتهر أنه كذلك بل هو قبر أبي يعلى حمزة بن القاسم العلوي العباسي أحد علماء الإجازة وأهل الحديث ، وقد ذكره أهل الرجال في كتبهم وأثنوا عليه بالعمل والورع .
فقلت في نفسي : هذا السيد من عوام السادة ، وليس من أهل الإطلاع على الرجال والحديث ، فلعله أخذ هذا الكلام عن بعض العلماء ، ثم قمت لأرتقب طلوع الفجر ، فقام ذلك السيد وخرج وأغفلت أن أسأله عمن أخذ هذا لأن الفجر قد طلع ، وتشاغلت بالصلاة .
فلا صلیت جلست للتعقيب حتى طلع ( كذا ) الشمس وكان معي جملة من كتب الرجال فنظرت فيها وإذا الحال کما ذکر فجاءني أهل القرية مسلمين علي وفي جملتهم ذلك السيد فقلت : جئتني قبل الفجر وأخبرتني عن قبر ( الحمزة ) أنه ( أبو يعلى حمزة بن القاسم العلوي ) فمن أين لك هذا وعمن أخذته ؟ فقال : والله ما جئتك قبل الفجر ولا رأيتك قبل هذه الساعة ، ولقد کنت ليلة أمس بائتا خارج القرية - في مكان سماه - وسمعنا بقدومك فجئنا في هذا اليوم زائرين لك .
فقلت لأهل القرية : الآن لزمني الرجوع إلى زيارة الحمزة فإني لا أشك في أن الشخص الذي رأيته هو صاحب الأمر علیه السلام ، قال : فركبت أنا وجميع أهل تلك القرية لزيارته ، ومن ذلك الوقت ظهر هذا المزار ظهورا تاما على وجه صار بحيث تشد الرحال إليه من الأماكن البعيدة .
قلت : في رجال النجاشي : حمزة بن القاسم بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب علیه السلام أبو يعلى ، ثقة جلیل القدر من أصحابنا كثير الحديث له کتاب «من روی عن جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) من الرجال » وهو كتاب حسن .
وذكر الشيخ الطوسي أنه يروي عن سعد بن عبد الله ويروي عنه التلعکبري رحمه الله إجازة فهو في طبقة والد الصدوق »(1).
1) (۱) جنة المأوى المطبوع مع البحار : ج5۳ / الحكاية 45 / ص ۲۸6 . والنجم الثاقب : الحكاية 94.
لقد أسلفنا القول بأن العلماء الأعلام ومراجع التقليد العظام هم نواب صاحب الأمر علیه السلام ووكلائه ، وفي الحكاية التي سنوردها هنا يصرح الصاحب علیه السلام لأحد العلماء بهذا الأمر ويمضي الحقوق الشرعية المدفوعة إليهم . ولأهمية هذه الحكاية علق عليها صاحب النجم الثابت بالقول : « لو لم يكن في هذا الكتاب سوى هذه الحكاية المتقنة الصحيحة لكفى لما فيها من الفوائد العظيمة ، خصوصا أنها وقعت في عصر قريب من عصرنا .
وليتابع القارىء الكريم نص الحكاية كما أوردها المحقق النوري في جنة المأوی بعد إيراد مقدمة نوردها كما هي :
« وقال أدام الله أيام سعادته [ السيد محمد بن حیدر الكاظمي - أحد تلامذة الشيخ الأنصاري ] في كتابه إلى : حكاية أخرى اتفقت لي أيضا وهي أني منذ سنين متطاولة كنت أسمع بعض أهل الديانة والوثاقة يصفون رجلا من کسبة أهل
بغداد أنه رأی مولانا الإمام المنتظر سلام الله عليه ، وكنت أعرف ذلك الرجل ، وبيني وبينه مودة ، وهو ثقة عدل ، معروف بأداء الحقوق المالية ، وكنت أحب أن أسأله بيني وبينه ، لأنه بلغني أنه يخفي حديثه ولا يبديه إلا لبعض الخواص ممن يأمن إذاعته ( كذا ) خشية الإشتهار ، فيهزأ به من ينكر ولادة المهدي وغيبته أو ينسبه العوام إلى الفخر وتنزيه النفس ، وحيث أن هذا الرجل في الحياة لا أحب أن أصرح باسمه خشية کراهته .
وبالجملة فإني في هذه المدة كنت أحب أن أسمع منه ذلك تفصيلا حتى اتفق لي أني حضرت تشييع جنازة من أهل بغداد في أواسط شهر شعبان من هذه السنة ، وهي سنة اثنتين وثلاثمائة بعد الألف من الهجرة النبوية الشريفة في حضرة الإمامين : مولانا موسی بن جعفر وسيدنا محمد بن علي الجواد سلام الله عليها وكان الرجل المزيور في جملة المشيعين ، فذكر ما بلغني من قصته ، ودعوته وجلسنا في الرواق الشريف ، عند باب الشباك النافذ إلى قبة مولانا الجواد علیه السلام ، فكلفته بأن يحدثني بالقصة ، فقال ما معناه :انه في سنة من سني عشرة السبعين ، كان عندي مقدار من مال الإمام علیه السلام عزمت على إيصاله إلى العلماء الأعلام في النجف الأشرف ، وكان لي طلب على تجارها فمضيت إلى زيارة أمير المؤمنين سلام الله عليه في إحدى زياراته المخصوصة واستوفيت ما أمكنني إستيفاؤه من الديون التي كانت لي وأوصلت ذلك إلى متعددين من العلماء
الأعلام من طرف الإمام علیه السلام لكن لم يف بما كان علي منه ، بل بقي على مقدار عشرین تومانا فعزمت على إيصال ذلك إلى أحد علماء مشهد الكاظمين فلما رجعت إلى بغداد أحببت أداء ما بقي في ذمتي على التعجيل ، ولم يكن عندي من النقد شيء فتوجهت إلى زيارة الإمامين ( عليهما السلام ) في يوم خميس ، وبعد التشرف بالزيارة ، دخلت على المجتهد دام توفيقه وأخبرته بما بقي في ذمتي من مال الإمام علیه السلام وسألته أن يحول ذلك على تدريجا ورجعت إلى بغداد وفي أواخر النهار حيث لم يسعني لشغل كان لي ، وتوجهت إلى بغداد ماشيا لعدم تمكني من كراء دابة .
فلا تجاوزت نصف الطريق رأيت سيدا جليلا مهابا متوجها إلى مشهد الكاظمين ( عليهما السلام ) ماشيا ، فسلمت عليه فرد علي السلام ، وقال لي : يا فلان - وذكر اسمي - لم لم تبق هذه الليلة الشريفة ليلة الجمعة في مشهد الإمامين ( عليهما السلام ) وأرجع إلى مهمك غدا إن شاء الله .
فارتاحت نفسي إلى كلامه ، ورجعت معه منقادا لأمره ، ومشيت معه بجنب نهر جار تحت ظلال أشجار خضرة نضرة ، متدلية على رؤوسنا ، وهواء عذب ، وأنا غافل عن التفكر في ذلك ، وخطر ببالي أن هذا السيد الجليل سماني باسمي مع أنه ( كذا ) لم أعرفه ، ثم قلت في نفسي : لعله هو يعرفني وأنا
ناس له .
ثم قلت في نفسي : إن هذا السيد كأنه يريد مني من حق السادة وأحببت أن أوصل إلى خدمته شيئا من مال الإمام الذي عندي ، فقلت له : يا سيدنا عندي من حقكم بقية ، لكن راجعت فيه جناب الشيخ الفلاني لأؤدي حقكم بإذنه - وأنا أعني السادة - فتبسم في وجهي ، وقال : نعم ، وقد أوصلت بعض حقنا إلى وكلائنا في النجف الأشرف أيضا . وجرى على لساني أني قلت له : ما أديته مقبول ؟ فقال : نعم . ثم خطر في نفسي أن هذا السيد يقول بالنسبة إلى العلماء الأعلام « وكلائنا » واستعظمت ذلك ، ثم قلت : العلماء وكلاء على قبض حقوق السادة وشملتني الغفلة .
ثم قلت : يا سيدنا قراء تعزية الحسين علیه السلام يقرأون حديثا أن رجلا رأى في المنام هودجا بين السماء والأرض فسأل عمن فيه ، فقيل له : فاطمة الزهراء وخديجة الكبرى ، فقال : إلى أين يريدون ؟ فقيل : زيارة الحسين علیه السلام في هذه الليلة ليلة الجمعة ، ورأي رقاعا تتساقط من الهودج ، مکتوب فيها أمان من النار لزوار الحسين علیه السلام في ليلة الجمعة ، هذا الحديث صحيح ؟ فقال علیه السلام : نعم زيارة الحسين علیه السلام في ليلة الجمعة أمان من النار يوم القيامة .
قال : وكنت قبل هذه الحكاية بقليل قد تشرفت بزيارة مولانا الرضا علیه السلام فقلت له : يا سيدنا قد زرت الرضا على بن
موسی ( عليهما السلام ) وقد بلغني أنه ضمن لزواره الجنة ، هذا صحيح ؟ فقال علیه السلام : هو الإمام الضامن ، فقلت : زيارتي مقبولة ؟ فقال علیه السلام : نعم مقبولة .
وكان معي في طريق الزيارة رجل متدين من الكسبة ، وكان خليطا لي وشريكا في المصرف ، فقلت له : يا سيدنا إن فلانا كان معي في الزيارة زيارته مقبولة ؟ فقال : نعم ، العبد الصالح فلان بن فلان زيارته مقبولة ، ثم ذكرت له جماعة من کسبة أهل بغداد كانوا معنا في تلك الزيارة وقلت : إن فلانا و فلانا وذكرت أسمائهم كانوا معنا، زيارتهم مقبولة ؟ فأدار علیه السلام وجهه إلى الجهة الأخرى وأعرض عن الجواب، فهبته وأكبر ته وسكت عن سؤاله .
فلم أزل ماشيا معه على الصفة التي ذكرتها حتى دخلنا الصحن الشريف ثم دخلنا الروضة المقدسة من الباب المعروف بباب المراد ، فلم يقف على باب الرواق ، ولم يقل شيئا حتى وقف على باب الروضة من عند رجلي الإمام علیه السلام ، فوقفت بجنبه ، وقلت له : يا سيدنا اقرأ حتى أقرأ معك ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا أمير المؤمنين ، وساق على باقي أهل العصمة ( عليهم السلام ) حتى وصل إلى الإمام الحسن العسكري علیه السلام.
ثم التفت إلي بوجهه الشريف ، ووقف مبتسما وقال : أنت إذا وصلت إلى السلام على الإمام العسكري ما تقول ؟
فقلت : أقول : السلام عليك يا حجة الله یا صاحب الزمان ، قال : فدخل الروضة الشريفة ، ووقف على قبر الإمام موسی علیه السلام والقبلة بين كتفيه .
فوقفت إلى جنبه ، وقلت : يا سيدنا زر حتى أزور معك ، فبدأ علیه السلام بزيارة أمين الله الجامعة المعروفة تزار بها وأنا أتابعه ، ثم زار مولانا الجواد علیه السلام، ودخل القبة الثانية قبة محمد بن علي ( عليهما السلام ) ووقف يصلي فوقفت إلى جنبه متأخرا عنه قليلا ، احتراما له ، ودخلت في صلاة الزيارة فخطر ببالي أن أسأله أن يبات ( كذا ) معي تلك الليلة لأتشرف بضيافته وخدمته ، ورفعت بصري إلى جهته ، وهو بجنبي متقدما علي قليلا فلم أره .
فخففت صلاتي ، وقمت وجعلت اتضح وجوه المصلين والزوار لعلي أصل إلى خدمته ، حتى لم يبق مكان في الروضة والرواق إلآ ونظرت فيه ، فلم أر له أثراً أبداً ، ثم انتبهت وجعلت أتأسف على عدم التنبه لما شاهدته من كراماته وآياته من انقيادي لأمره [ مع ] ما كان لي من الأمر المهم في بغداد ، ومن تسميته إياي مع أني لم أكن رأيته ولا عرفته ، ولما خطر في قلبي أن أدفع إليه شيئا من حق الإمام علیه السلام وذكرت له أني راجعت في ذلك المجتهد الفلاني لأدفع إلى السادة بإذنه قال لي ابتداء منه : نعم وأوصلت بعض حقنا إلى وكلائنا في النجف الأشرف .
ثم تذكرت أني مشيت معه بجنب نهر جار تحت أشجار مزهرة متدلية على رؤوسنا ، وأين طريق بغداد وظل الأشجار الزاهرة في ذلك التاريخ ، وذكرت أيضا أنه سمي خليطي في سفر زيارة مولانا الرضا الشريف عند سؤالي إياه عن حال جماعة من أهل بغداد من السوقة كانوا معنا في طريق الزيارة ، وكنت أعرفهم بسوء العمل ، مع إنه ليس من أهل بغداد ، ولو كان مطلعا على أحوالهم لولا أنه من أهل بيت النبوة والولاية ، ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق .
ومما أفادني اليقين بأنه المهدي علیه السلام انه لما سلم على أهل العصمة ( عليهم السلام) في مقام طلب الأذن ، ووصل السلام إلى مولانا الإمام العسكري علیه السلام، التفت إلي وقال لي : انت ما تقول إذا وصلت إلى هنا؟ فقلت : أقول : السلام عليك يا حجة الله یا صاحب الزمان ، فتبسم ودخل الروضة المقدسة ثم افتقادي إياه في صلاة الزيارة لما عزمت على تکليفة [ كذا ] بأن أقوم بخدمته وضيافته تلك الليلة ، إلى غير ذلك مما أفادني القطع بأنه هو الإمام الثاني عشر صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين والحمد لله رب العالمين (1).
قلت : ثم سألته أيده الله تعالى عن اسمه وحدثني غيره أيضا أن اسمه الحاج علي البغدادي وهو من التجار وأغلب
1) (۱) جنة المأوى المطبوع مع البحار : ج5۳ / الحكاية 5۹ / ص ۳۱۲. والنجم الثاقب : الحكاية ۳۱ .. بتفاوت يسير» .
تجارته في طرف جدة ومكة وما والها ، بطريق المكاتبة ، وحدثني جماعة من أهل العلم والتقوى من سكنة بلدة الكاظم علیه السلام بأن الرجل من أهل الصلاح والديانة والورع ، والمواظبين على أداء الأخماس والحقوق وهو في هذا التاريخ طاعن في السن أحسن الله عاقبته » .
خاتم المجتهدين المرحوم الشيخ مرتضى الأنصاري الدزفولي ، ولد في ذي الحجة عام ۱۲۱4هـ.ق وتوفي في جمادى الآخرة عام ۱۲۸۱ هـ . ق.
شمس سماء الفقه والتحقيق وله تألق خاص بين كواكب العلم والتقوى . تحدث بفقهه ومقامه الرفيع الخاص والعام ، فاق في ورعه ورقيه المعنوي وكسب الكمالات النفسية علماء عصره ، وأقرت له الشيعة والسنة بالرفع وسمو المقام المعنوي ، عرف في محافل العلم بالنبوغ والإستثنائية ، وبين أهل التقوى والزهد بملائكية خصاله وأخلاقه . نستشهد في هذا الخصوص بكلمتين قيلتا عنه ، إحداهما قالها أحد أساتذته الكبار والثانية قالها أحد المحققين من تلامذته المشهورين .
أما أستاذه فهو المرحوم الشيخ علي بن الشيخ جعفر کاشف الغطاء ، الذي تتلمذ الشيخ الأنصاري على يديه سنين طويلة ، يقول للشيخ جعفر الشوشتري « كل شيء سماعه
أعظم من عيانه إلآ شيخكم الشيخ مرتضى الأنصاري ، فإن غيابه من سماعه فإن عيانه أعظم من سماعه (1).
وأما تلميذه فهو المرحوم الحاج میرزا حبیب الله الرشتي الذي تفوق على مئات الطلبة الذين درسوا على يد الشيخ الأنصاري من العلماء والمجتهدين ، حتى أنه كان يقرر الدرس لزملائه بعد انهاء الشيخ الأنصاري درسه ، كان يقول عن شيخه الأنصاري و هو تالي العصمة علما وعملا »(2).
نقلت عن الشيخ الأنصاري کرامات كثيرة وشملته أيضاً ألطاف الحجة علیه السلام ورعايته وإمداده وتوجهه المعنوي الخاص ، واستنادا إلى القرائن والشواهد المنقولة فإن الشيخ قد تشرف برؤية صاحب الأمر ، وقد عده الشيخ محمود العراقي - وهو أحد تلامذته - من الزمرة التي تشرفت برؤية الإمام فقال : « السابع عشر من هذه الطائفة ، شيخنا الأعظم واستاذنا الأفخم وسنادنا الأكرم الشيخ مرتضى التستري الأنصاري - قدس سره - ثم يقول : « إن ما رأي من المنامات والكرامات وما سمع حول هذا الرجل العظيم الشأن ( يعني : الشيخ الأنصاري ) . كما سنذكر في خاتمة الكتاب - تبعث على القطع بأن هذا الرجل الصالح حصل على هذا المقام وفاز بهذا الإكرام
إن لم نقل أن أغلب أموره صدرت عن الرأي المنير والإذن الخاص للناحية المقدسة »(1).
ثم ينقل شاهدا على هذا الأمر فيقول : نقل المرحوم الميرزا حسن الآشتياني زيد توفيقه وهو من أفاضل تلامذة الشيخ فقال : بينما كنت ومجموعة من الطلبة في خدمة الشيخ الأستاذ متوجهين نحو الحرم المطهر لأمير المؤمنين علیه السلام صادف أن التقانا شخص أثناء عبورنا بعد دخول الصحن الشريف ، وسلم على الشيخ وتقدم نحوه يصافحه ويقبل يده ، بعض الأخوة المرافقين ولأجل تعريف الشيخ بهذا الشخص قالوا : هذا الشخص هو فلان وهو ماهر في ( جفريا الرمل ) ويخبر عن الضمير المضمر ، وما أن سمع الشيخ هذا الكلام حتى تبسم ، ثم ولغرض امتحان هذا الشخص قال : لقد أضمرت ضميرة فإن كنت تعرفه فأخبرني ؟ فقال هذا الشخص بعد تأمل قليل : لقد أضمرت في نفسك سؤالا تقول فيه « هل رأيت أنا صاحب الأمر أم لا؟».
وبمجرد سماع الشيخ ذلك ظهرت عليه علامات التعجب وإن لم يصرح بذلك . فقال الرجل : ألم يكن ما أضمرہ جناب
1) (۱) دار السلام : يقول المؤلف ص ۲۹۰ . وبالبحث في الطبعة التي عندنا لم نعثر على المطلب لصعوبة البحث فيه والمكتوب أعلاء بالمعنى وليس نصا .
الشيخ هو هذا ؟ فسكت الشيخ ولم يجب . فأصر هذا الرجل على استيضاحه فقال الشيخ مقرا : طيب ، قل هل رأيته أم لم أره ؟ فقال : نعم رأيته مرتين إحداهما في السرداب الشريف والثانية في مكان آخر، وهنا تحرك الشيخ بسرعة كمن يريد عدم كشف المزيد من هذا الموضوع» (1).
أحد أحفاد الشيخ الأنصاري ينقل حكاية هامة في معرض حديثه عن صفات الشيخ وأخلاقه وأحواله نقلا عن السيد البهبهاني الذي ينقل بواسطتين عن أحد تلامذه الشيخ الأنصاري فيقول : « تشرفت في إحدى المرات بزيارة كربلاء في إحدى الزيارات المخصوصة . وبعد منتصف احدى الليالي خرجت قاصدا الذهاب إلى حمام السوق . ولأن الفصل كان شتاءا والأزقة مليئة بالطين حملت معي مصباحاً صغيراً ، وفي أثناء الطريق رأيت من بعيد شخصاً ظننت انه « الشيخ الأنصاري » فإتجهت نحوه وبإقترابي تأكدت أنه الشيخ فتحيرت في سبب خروجه في هذا الوقت المتأخر وفي وضع الطرقات هذا مع ما هو عليه من ضعف البصر ، فتبعته عن كثب مخافة
1) (۱) دار السلام : يقول المؤلف ص ۲۹۰ . وبالبحث في الطبعة التي .. عندنا لم نعثر على المطلب لصعوبة البحث فيه والمكتوب أعلاه بالمعنى وليس نصة .
تعرضه إلى مكروه ، حتى وصل إلى باب خربة فوقف وابتدأ بقراءة الزيارة الجامعة وهو على حالة خاصة من الخشوع والتوجه ، ثم دلف داخل الحربة فلم أر بعدها شيئا ، غير أني كنت أسمع صوته وكأنه يحدث شخصا آخر ، ثم تركته وتوجهت إلى الحمام وبعدها نحو الحرم المطهر لسيد الشهداء علیه السلام فرأيت أن الشيخ قد سبقني .
وبعد انتهاء مراسم الزيارة عدت إلى النجف الأشرف ، وبمجرد تشرفي بزيارة الشيخ انتهزت الفرصة وسألته عما رأيته تلك الليلة فأنكر ابتداءا كل شيء، ولكن بعد أن رأى شدة اصراري عليه أجاب قائلا : يؤذن لي أحيانا بالتشرف برؤية إمام العصر ( عجل الله تعالی فرجه الشریف ) وكنت ذهبت إلى ذلك المنزل - الذي لن تعثر عليه . وقرأت الزيارة الجامعة - للإستئذان بالملاقاة مرة ثانية للحصول على الأجوبة على مسائلي من الإمام علیه السلام .
ثم أردف الشيخ قائلا : عليك بإخفاء هذا الأمر وعدم إفشاءه لأحد مادمت أنا على قيد الحياة »(1).
ينقل سماحة المرحوم الحاج حسين الفاطمي القمي عن
1) (۱) حياة وشخصية الشيخ الأنصاري ( فارسي ) : ص106.
والده سماحة المرحوم حجة الإسلام السيد إسحاق القمی رضوان الله عليهما أنه قال : في الفترة التي كنت مقيما في النجف الأشرف . رأيت في المنام أنه قد بشر بظهور القائم المهدي علیه السلام . فسعيت نحوه بشوق ووله لرؤيته ، فرأيته على ظهر جواد والشيخ الأنصاري واقف إلى جانبه وهو يأمره بأوامر معينة ، وما أن وقع نظره المبارك علیه السلام علي أنا العبد الحقير حتى قال - ثلاث مرات . : والله ، الشيخ الأنصاري نائبنا ؟ ، بعد ذلك التفت الشيخ مرتضي نحوي وقال : خذ هذا الجص والأجر لتعمير المسجد الفلاني . ثم استيقظت من النوم .
وفي صباح اليوم التالي حضرت درس الشيخ ، وبعد الدرس تصدى المرحوم الحاج میرزا حبیب الله الرشتي لتقرير درس الشيخ ، وكان صديقا حميما له ، فنقلت له بعد « تقریر الدرس » ما رأيت فقال : أقصص رؤياك لجناب الشيخ الأنصاري لعله يهديك شيئا . ولكني استأت قليلا مما أثارته في نفسي طرفة الشيخ الرشتي ، فلم أحدث الشيخ بها.
وبعد مضي مدة ، صادفت زيارة خاصة لسيد الشهداء ، وكانت عادة الشيخ الأنصاري أن يزور مع صلاة الفجر تفاديا لزحمة الزوار ، فرأيته هناك وكان مشغولا بأداء النوافل . فتذكرت أمر الرؤيا واستخرت الله في اخباره فجاءت الإستخارة مشجعة . فنقلت له الأمر ، فبكى المرحوم الشيخ بعد سماعه تفصيل المنام وسألني : حقاً صاحب الأمر قال عني هكذا ؟
قلت : نعم . :
قال : أو ما عرفت منه ما هي أوامره الشريفة ؟ قلت : لا . فسجد شكرا لله ، ثم قال : أن أخذ الجص والأجر لتعمير المسجد معناها أنك تقوم بالتبليغ في ناحية مساعدتي .
لذا فحينما قررت العودة إلى ایران اجازني في الوكالة عنه رضوان الله عليه »(1).
1) (۱) جامع الدرر : ج۲ / ص4۰۹ . ( المكتوب أعلاه بالمعنى وليس نصا) المترجم .
من الأعلام البارزة في سماء الروحانية والمرجعية في القرن الأخير ، آية الله المجدد ومظهر الكمالات والفضائل المرحوم الحاج الميرزا محمد حسن الشيرازي ، المولود في الخامس عشر من جمادى الأولى سنة ۱۲۳۰هـ. ق والمتوفي في شعبان سنة ۱۳۱۲ هـ. ق.
الميرزا الشيرازي أحد أبرز وأفضل تلامذة الشيخ الأنصاري وأحد أساطين الفقه والتقوى والمتخلق بأفضل وأرق أخلاق الإسلام وأهل العرفان .
وقد أثارت الفتوى التاريخية لهذا المرجع العظيم الشأن في تحريم ( التبغ ) ، بعد إبرام الإتفاقية المذلة بين الحكومة الإيرانية آنذاك والإنجليز دهشة وحيرة العام والخاص . وشكلت منعطفا تاريخيا مضيئا يدعو إلى الفخر والاعتزاز في تاریخ مرجعية الشيعة .
واستنادا إلى ما نقل وما توافر من القرائن المؤيدة لذلك فإن
هذا الرجل العظيم كان مشمولا بالعناية والرعاية الخاصة من قبل ولي الله الأعظم علیه السلام وموضع لتسديده وتأييده علیه السلام
إحدى الفتاوى المجلجلة والمثيرة للحيرة والدهشة ، بل أعظم فتاواه ، تلك الفتوى التاريخية الفعالة النافذة في تحريم ( التبغ ) والتي أدت إلى إلغاء الإتفاقية الإستعمارية في تفويض إمتياز تصنيع التبغ وتسويقه إلى الإنجليز .
لقد كانت هذه الفتوى من القوة والنفوذ إلى درجة أنها تركت آثارها في بلاط الملك ذاته رغم قصرها وبساطتها ، تأمل في نصها لترى :
« بسم الله الرحمن الرحيم : استعمال التبغ اليوم بأي نحو كان في حكم محاربة إمام الزمان علیه السلام » .
وسوف ترى أيها القارىء الكريم ، إن تأثير هذه الفتوى ونفوذها إنما كان بسبب استنادها إلى الدعم والمدد الإلهي ، لأنها كانت تحت نظر وإشراف ولي العصر والزمان وبأمره علیه السلام .
فقد كتب حضرة آية الله الحائري - أعلى الله مقامه - مؤسس الحوزة العلمية في قم - يقول : ينقل السيد حسين الحائري الفشاركي ابن شقيق المرحوم السيد محمد الفشارکي قائلا : بعد قضية ( امتياز التبغ ) كان المرحوم الميرزا الشيرازي
يجمع الفضلاء من طلبته وغيرهم في مضيفه ليلا ، ويتدارس معهم أبعاد قضية امتياز التبغ والمصالح المترتبة على إصدار حكم التحريم وما يستتبع إصدار الفتوى من آثار إلى غير ذلك ، ويكتب ويجمع ما كتب حول ذلك ويذهب به إلى غرفته ويطالعه ويتأمل فيه بدقة ويعلق عليه أحيانا .
وقد بلغ البحث والنقاش بين الحضار أن قال البعض : نخاف أن تتعرض حياة الميرزا الشيرازي إلى الخطر لما للأجانب من نفوذ خصوصا وأن الإمتیاز مهم جدا بالنسبة لهم ، لذا فإن علينا أن نستعد لمسائلة الباري جل وعلا إيانا حول ذلك إذا وقع للميرزا مكروه لا سمح الله .
المرحوم الفشاركي «عم ناقل الرواية » كان يعتقد بشدة أن لا أهمية لحياة الميرزا في مقابل المصالح الدينية العليا ، لذا فقد نهض بعد سماع الحوار ودخل غرفة الميرزا وحده وبعد أداء مراسم التحية والإحترام ، قال للميرزا : أنت أستاذنا ولك في عنقي حق يفرضه کونك استاد ومعلم ومربي إلى ما سوى ذلك من الحقوق ، ولكن اسمح لي أن أتحدث معك بحرية لعدة دقاق دون الأخذ بنظر الاعتبار هذه الحقوق .
فأجاب الميرزا بما عرف عنه من أدب جم : تفضل یا أخي .
فقال المرحوم الفشاركي بصراحة ومباشرة : ما الذي يعطلك يا سيد من إصدار فتواك ؟ أتخاف أن تتعرض حياتك
للخطر ؟ ما أفضل أن تختم حياتك المليئة بالخدمات والمساعي في سبيل نشر الإسلام وتربية العلماء بنيل الشهادة فتبلغ أقصى درجات السعادة ، وتكون بعد ذلك مبعثا لفخرنا واعتزازنا .
فقال الميرزا : صحيح يا أخي ، أنا أيضا أعتقد بذلك ، ولكني كنت أريد لهذه الفتوى أن يصدرها غيري ، وقد ذهبت اليوم إلى السرداب المطهر فحصل المراد فكتبت الفتوى وأرسلتها (1).
يضيف سماحة آية الله الحاري في مذكراته ، بعد عدة صفحات قائلا : « بمناسبة ذكر قضية التبغ المذكورة في الصفحة (۳۰) السابقة ، أقول ، يستفاد من تلك القضية أن المرحوم الميرزا الشيرازي الكبير كانت له طريق مفتوحة. إلى صاحب الأمر ، وهنا أنقل حكاية أخرى تثبت هذا المعنى .
نقل لي العبد الصالح الحاج روح الله الخاتمي ، نقلا عمن يثق هوبه ، عن والده الذي كان ثقة الميرزا ووكيله في كربلاء .
قال : لقد اعتاد والدي أن يرسل ما يجتمع لديه من
1) (1) مذكرات حضرة آية الله الحائري ( المعاصر) دامت برکاته : ص۳۰ ( مخطوط ).
إستفتاءات وحقوق أسبوعيا إلى الميرزا ، وكان الميرزا يجيب عليها كل أسبوعين مرة .
وقد كتب الميرزا مرة إليه « عليك أن تكون أكثر دقة في صرف الحقوق » ثم يسوق بعد ذلك ما دعاه إلى كتابه هذه العبارة فيقول ، إنه رأى في عالم المنام أن حجة العصر ( عليه وعلى آبائه التحية والثناء ) ورد إلى الحرم الشريف وأمره بجلب دفتره الذي كان يثبت فيه جميع الحقوقة المصروفة من السهم المبارك ومن وصلت إليه الحقوق ، فحمل دفتره وجاء ممتثلا بحضرة الصاحب علیه السلام بتأدب وطاعة .
فقال الإمام علیه السلام : إقرأ ما فيه فقرأ الميرزا مثلا عشرة موارد ، كان الإمام يرد على أغلبها بالقول : غير مقبول . ما أذكره أنه قبل ثلثها فقط .
فقال المرحوم الميرزا للإمام علیه السلام : سيدي أنا لا أحسن أكثر من هذا ، مرني أسلم هذا الدفتر لمن شئت ثم اتبعه فيما يقول . فتبسم الإمام علیه السلام. وقال : أنت موجود ، ولكن عليك أن تكون أكثر دقة ، وأعمل بما تعتقد أنه الأصلح وما تراه مناسبة .
لذا فيما أنك وكيلي في كربلاء أرجو الإلتزام بالدقة أكثره»(1).
1) (1) مذكرات حضرة آية الله الحائري ( مخطوط ) : ص۳6.
نقل المرحوم « انما بزرك الطهراني » رضوان الله عليه مجموعة من الكرامات حول الميرزا الشيرازي إحداها تناسب المقام .
يقول نقلا عن أحد تلامذة السيد الميرزا واسمه سید حسن الصدر أنه قال : إن الشيخ عبد الكريم آل محي الدين - الذي يعد أمين سر الميرزا وأهل بيته وأمين صندوقه ، والذي لم يعمر أكثر من شهر واحد بعد وفاة الميرزا - قال : حكت لي والدتي يوما : إنها رأت في المنام أن صاحب الأمر علیه السلام أرسل في طلبك واصطحبك معه لحج بيت الله الحرام .
يقول الشيخ عبد الكريم : مضت مدة ونسيت أمر الرؤيا . حتى فوجئت أن حجة الإسلام الميرزا الشيرازي أرسل أحدا يطلبني ، فذهبت إليه ووقفت معه على باب منزله وبعد السلام والتحية قال الميرزا : أريد الذهاب إلى الحج تأتي معي ؟ قلت : لا مانع يمنعني .
فأعطاني ورقة كتب فيها ما يلزمنا لسفرنا ثم أخرج مقدارا من المال ودفعه إلي قائلا : هييء لوازم السفر بهذا المال وتجهز للسفر معنا .
فذهبت لتهيئة لوازم السفر ووفقنا الله للحج معه تلك
السنة ، وبعد عودتنا من الحج تذكرت تلك الرؤيا التي رأتها والدتي ، فعظم شأن السيد الميرزا في نفسي وصرت كثير التردد على مجلسه .
ومضت الأيام ، حتى قالت لي والدتي ذات يوم : رأيت فيك رؤيا حسنة .
قلت : خير إن شاء الله .
قالت : رأيت أن صاحب الأمر علیه السلام أرسل في طلبك وأمرك بتعمير بيت له في النجف ، وقد امتثلت أنت لأمره ونفذت ما أراد .
يقول الشيخ عبد الكريم : ولم تمر سوى أيام حتى أرسل السيد حجة الإسلام الميرزا في طلبي ، وقال : طلبتك لأمر هام ، ثم أضاف : أردت أن تعمر لي البيت الفلاني في النجف - وكان قريبا من بيت العلامة الأنصاري . فامتثلت وقمت بما يلزم حتى تم تعميره ، ونسيت كذلك أمر الرؤيا التي رأتها والدتي . حتى تذكرت ذلك فزاد إخلاصي لذلك السيد الجليل قلبا وقالبا (1).
1) (۱) هدية الرازي إلى الإمام الشيرازي : ص ۱۹۱ . المكتوب أعلاه بالمعنى، وليس النص ، إذ لم أعثر على الكتاب المترجم ) .
يعد المرحوم السيد محمد الفشاركي المتوفي سنة ۱۳۱۶ ه.ق في النجف الأشرف من أعاظم العلماء والمجتهدين ومن أبرز المحققين ، رأس الحوزة العلمية في سامراء ، وتتلمذ على يديه تلامذة أضحوا بعد ذلك نجوما زاهرة في سماء العلم والتحقيق والفقه .
كان رحمه الله من أجل وأفضل المربين ومن أكثر المدرسين أهلية ، صرف جل اهتماماته ، وكرس نفسه لتعليم الطلاب والعلماء وتربيتهم وتهذيبهم ، وقد وفق في هذا السبيل أیما توفيق .
کما طوی رضوان الله علیه مراحل رفيعة في تصفية مرآة نفسه من الكدر والكدورة ، وتهذيب الروح فبلغ مقاما ساميا في هذا المجال .
وكما مر معنا فقد متعه الله بلطف وعناية صاحب الأمر علیه السلام ونال منه علیه السلام من التوجيه والإرشاد ما يغبط
عليه . بل أن هذا المدد والعناية خلصاه في أحلك الظروف وأعقدها وأشدها حساسية ، كما حصل على حلول ما أشكل عليه من المسائل العلمية من الناحية المقدسة .
ونقدم بين يدي القارىء الكريم نموذجين من العناية المهدوية لهذا العبد الصالح .
ينقل المرحوم آية الله الحاج حسن فريد المحسني عن المرحوم حجة الإسلام الشيخ محمد رضا الأزقداني الآراكي فيقول : حينما توفي آية الله العظمى السيد الميرزا في ( سامراء ) أيقن الجميع أن السيد الأستاذ الفشارکي سيصلي على جنازته الشريفة فتكون مرجعيته أمرا مسلما به .
ولكن بعد تهيئة الجنازة للصلاة عليها تعذر العثور على السيد الفشاركي وبقي الجمع بإنتظاره فترة طويلة ولكن دون جدوى .
وبعد يأسهم من حضوره ، اضطروا إلى الصلاة على الجنازة ، واحتملوها وتحركوا صوب النجف الأشرف لدفنها ، فإذا بالسيد الفشاركي قد سبقهم إلى هناك ، في حال يرثى لها من الحزن والألم ، وقد احمرت عيناه من كثرة البكاء .
فبادره البعض بالقول : أين كنت يا سيدنا ، ولم لم تأت للصلاة على الجنازة حتى يتضح التكليف للآخرين !
فقال : أنا أيضا حسبت الأمر هكذا ، ورأيت أن في قلبي ميلا للرئاسة ، لذا ذهبت إلى مكان ما وتوسلت بحضرة ولي الله الأعظم علیه السلام وأقسمت عليه أن يخرج هذا الميل من قلبي ، وقد استجاب لي وقبلني . وليصبح الآن من شاء مرجعا ورئيسا» (1).
ينقل آية الله الحاج الشيخ مرتضى الحائري عن المرحوم الحاج حسن فريد الأراكي فيقول :
حينما كان الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري في أراك ، وفد عليه أحد الفضلاء من عراق العرب وكان على ما يبدو من تلامذة المرحوم السيد محمد الفشاركي والمرحوم فريد الآراكي المرحوم الحاج مصطفى الذي كان يعد من علماء الشيعة البارزين .
فحكى : إن السيد الفشاركي كان مشغول الفكر في مسألة أعضلت عليه ،وكان يتباحث حولها مع أمثال الميرزا محمد تقي ممن عرف عنه دقة النظر وحصافة الرأي ، ولكن دون جدوى حيث بقيت معضلة دون حل ، لذا فقد قرر الخروج إلى الصحراء المحيطة بمدينة سامراء وجلس في حفرة خلفها السيل حتى لا يراه أحد فيزاحمه ، وراح يفكر في حل المسألة .
1) (۱) گنجينة دانشمندان « خزينة العلماء » : ج 6 / ص ۱۰۷ .
وفجأة ظهر أمامه رجل يرتدي زيا عربيا وقال : بماذا تفكر ؟
فأجابه السيد الفشارکي وقد بدا عليه الإمتعاض لظهور هذا المتطفل من ناحية ولعدم امكانية طرح المسألة بتعقيداتها على شخص من العوام من جهة أخرى : في المسألة الفلانية .
فأجابه العربي : ألست تفكر هكذا ، فيثور أمامك الأشكال الكذائي ثم تتحير في الجواب ؟
ثم استرسل يشير إلى جميع العقد والإشكالات التي تثور أمام الحل حتى وصل إلى النقطة التي أعضلت على سماحة السيد الفشاركي ، فقال : إن العيب والخلل هو كذا ، أو أن منشأ الإشكال هو كذا ، وفورا أحلت المعضلة . وكما ظهر هذا الرجل اختفى فجأة .
وما من شك في أنه إما صاحب الأمر علیه السلام أو أحد أصحابه أو أتباعه .
أما اسم ناقل القصة الذي وفد إلى اراك فأظن - ولست متأكدا - أنه الشيخ محمد رضا القدريجانی(1)»(2).
يعد المرحوم نور الدين الأراكي المولود سنة ۱۲۷۸هـ.ق في أراك والمتوفي سنة ۱۳4۱ هـ.ق من مراجع الشيعة الكبار المرموقين ، عاش في آراك وتوفي فيها ودفن هناك ليصبح قبره اليوم مزاراً يشدّ إليه الرحال .
حضر دروس المرحوم الحاج الميرزا حسين الطهراني والمرحوم الآخوند الخراساني واستفاد منهما ثم رجع إلى آراك وأصبح مرجعا للتقليد وملجأ للناس في مختلف أمورهم ، وهو من جملة من شملهم صاحب الأمر علیه السلام بلطفه وعطفه .
ينقل سماحة الأستاذ آية الله الأراكي دام ظله بان مکاشفه حصلت لهذا المرجع العظيم التقى فيها صاحب الأمر علیه السلام عامله فيها الصاحب علیه السلام بمنتهى الحنو واللطف مظهرا له البشاشة والتبسم وقائلا لهذا العبد الصالح : أنت أويس الزمان .
وقد نظم سماحته ما حدث في هذه المكاشفة شعراً ،
والقصيدة متداولة الآن بين الناس ، ولعل السبب في وصفه الإمام علیه السلام سماحته بأنه « أويس الزمان » هو كون هذا العالم الجليل من أهل العبادة والخشوع وإحياء الليل كأويس القرني رحمه الله ، فناقل هذه المكاشفة وصف سماحته بأنه بكاء الليل والإسحار(1).
1) (۱) مقدمة تفسير القرآن والعقل .
ولد المرحوم الحاج السيد عبد الحسين الموسوي اللاري سنة ۱۲64 هـ . ق في النجف الأشرف ، وتوفي سنة ۱۳4۲ هـ. ق في مدينة جهرم . وكان من كبار العلماء ومراجع التقليد في محافظة فارس .
وفي الأصل فإن السيد عبد الحسين من أهالي مدينة دزفول، غير أنه عاش في النجف الأشرف منذ ولادته وحتى إنهاء مراحل تحصيله الدراسي . وقد تتلمذ على أيدي علماء عظام وزعماء مرموقين في ذلك الوقت من أمثال المرحوم الميرزا الشيرازي والمرحوم الحاج الشيخ محمد حسين الكاظميني والمرحوم الحاج الشيخ لطف الله المازندراني والمرحوم الشيخ محمد الايرواني ، والعارف الكبير المرحوم الآخوند الملا حسين قلي الهمذاني رضوان الله عليهم أجمعين فنال مرتبة شامخة في العلم والتقوى .
وبناء على طلب تقدم به أهالي مدينة ( لار) إلى الميرزا الشيرازي عرضوا فيه حاجتهم إلى مبلغ يقوم بأمر الهداية
والإرشاد في المدينة ، وقع اختيار الميرزا الشيرازي على المرحوم السيد عبد الحسين اللاري ، فطلب منه التوجه إلى تلك المنطقة ، فامتثل سماحته وذهب ليقيم في مدينة ( لار ) ما يناهز الخمس وعشرين عاما ، انتقل بعدها إلى مدينة جهرم لمتابعة عملية إرشاد الناس وإعلاء مباني الإسلام حتى وافاه الأجل بعد خمسة أعوام في تلك المدينة ، فدفن هناك ، ومرقده مزار عظیم اليوم في مدينة جهرم .
كان يتمتع رحمه الله بقداسة خاصة . وتفيد الأخبار المأثورة أن صاحب الأمر علیه السلام قد شمله هو الآخر بلطف وعناية خاصة ، بل أنه علیه السلام كان يساعده في حل ما أشكل عليه من مسائل أحيانا .
ينقل المرحوم الشيخ عبد الحميد المهاجري أحد الخطباء والعلماء المتقين وأحد أئمة الجماعة في مدينة جهرم ممن كان لهم كبير الأثر في تهذيب النفوس وتربية المؤمنين ، عن أحد الثقات الأكابر أنه قال : ذهبت سنة ۱۳4۲ هـ . ق إلى مدينة كرمان وحللت ضيفا على حضرة آية الله الحاج الميرزا محمد رضا الكرماني ، وبينما نحن جلوس ليلا إذ دخل علينا سلطان الواعظين حاملا خبر وفاة آية الله ( اللاري ) فتأثر آية الله الكرماني أشد التأثر لهذا المصاب ثم قال : لقد صحبت هذا الرجل الكبير في السفر إلى مكة المكرمة ، وقد أفاض علي بعظيم بركاته وفيوضاته ، ولمست آثار کرامته الرفيعة والحق أني لم التق
أحدا بجلالة قدرة وعظمة شأنه ورفعة مقامه وسمو منزلته ووفور حكمته وتبحره في العلوم وصواب رأيه وصفاء باطنه .
وفي إحدى الليالي كنا جلوسا نتجاذب أطراف الحديث ، إذ قال سماحته لقد أشكلت على مسألة إلا أنه لم يذكرها ، حتى إذا جاء منتصف الليل انشغل بالصلاة والذكر وراح بعد ذلك يحلق في سماء وصال صاحب الأمر علیه السلام ، وقد رأيت بريق أنوار المشاهدة التي جذبته وسمعت صوتا يحدثه إلا أني لم أفهم حرفا مما قيل ، فكأنما تعطلت حواسي بشكل تام .
وبعد الإفتراق وانتهاء الوصال قال سماحته : لقد حل صاحب الأمر مسألتي ، غير أني أقسم عليك بوجوده المقدس علیه السلام أن لا تحدث بهذا الأمر ما دمت أنا على قيد الحياة . وقد حفظت هذا الأمر مطويا عليه قلبي إلى هذا ، حتى سمعت ما حل بالروحانية من مصاب بوفاته فحدثتكم بالأمر .
ثم أخذته نوبة من البكاء ، وأمر بعد أن هدأ بإقامة مجلس العزاء(1).
1) (1) الشجرة الطيبة ( فارسی ) : ص ۱۰
المرحوم الحاج میرزا حسين نجل الحاج میرزا خلیل الطهراني المولود في سنة ۱۲۳۰ هـ ق والمتوفي بين الطلوعين يوم الجمعة العاشر من شوال سنة ۱۳۲6 هـ. ق، أحد كبار الفقهاء ، ومن خريجي مدرسة صاحب الجواهر والشيخ مرتضى الأنصاري .
أصبح بعد وفاة المرحوم الميرزا الشيرازي من أهم مراجع التقليد ، كما أنه كان أحد الروحانيين الثلاثة الذين نهضوا للمطالبة بالملكية الدستورية بدلا عن الملكية المستبدة لرضا باشا : وهم : سماحته والمرحوم الآخوند الخراساني والمرحوم الشيخ عبد الله المازندراتي .
كان سماحته رحمه الله من أهل المواظبة على العبادة والذكر حتى أنه رحل عن هذا العالم وهو في حال الصلاة في مسجد السهلة بالكوفة .
أما المرحوم الميرزا محمد حسين النائيني : فقد ولد في شهر ذي العقدة سنة ۱۲۷6هـ. ق وتوفي في جمادی سنة
۱۳5۵ هـ. ق.
محقق كبير ومرجع علم وأحد البارزين من علماء القرن الأخير ، تتلمذ العديد من كبار العلماء و مراجع العصر على يديه ، وكان الكثير من خواص المؤمنين من معاصريه يقلدونه ويرجعون إليه .
نالت آراؤه ونظرياته العلمية الدقيقة في الفقه والأصول وفي ترسیم مباني الحكومة الإسلامية والسياسة الإسلامية إعجاب المحافل العلمية ولفتت انتباه المفكرين وأهل البحث والتحقيق .
ساهم هذا العالم الجليل في الحركة الدستورية التي قام بها علماء الشيعة بدور فعال . له كتاب قيم سماه ( تنبيه الأمة وتنزيه الملة ) أوضح فيه الخطوط العامة للحكومة الإسلامية بشكل دقيق . ويقول المرحوم الآخوند الخراساني رضوان الله عليه مقرضا هذا الكتاب : إن الرسالة الشريفة «تنبيه الأمة وتنزيه الملة » أجل من المدح والتمجيد ».
وفي هذا الكتاب أورد سماحته بعض ما رآه من المنامات التي تشير بوضوح إلى ما كان هو والمرحوم الميرزا حسين الطهراني يتمتعان به من العناية واللطف الخفي من لدن الحجة بن الحسن - أرواحنا فداه - لا ، بل يشير ، بوضوح إلى أن صدور الكتاب المزبور قد تم تحت إشرافه ( صلوات الله عليه ) .
يقول سماحته : رأيت في المنام قبل عدة ليال سماحة المرحوم آية الله الحاج میرزا حسين الطهراني قدس سره نجل المرحوم حاجی میرزا خلیل طاب رمسه . وبمجرد تنبهي إلى أنه كان قد فارق الحياة أمسكت بطرف ثوبه المبارك ورحت أسأله أسئلة حول الموت ونشأة البرزخ والآخرة فأمتنع عن الجواب . ثم سألته عن مسائل أخرى فأمكن من الإجابة عليها نقلا عن صاحب الأمر علیه السلام وبعد أن أنهى الجواب عليها ، سألته ؛ ماذا قال صاحب الأمر علیه السلام حول جهودك في الحركة الدستورية ؟ فكان خلاصة جوابه أن قال : قال الإمام علیه السلام : إن اسم الحركة الدستورية جديد ، وإلا فالقضية قديمة . ثم ذكر مثالا يتضمن التشبيه بالماء - لم يبق في ذاكرتي - ثم أضاف : يقول الإمام علیه السلام: إن الحركة الدستورية كان كإصدار الأمر كحاضنة أو جارية سوداء اللون يداها ملوثتان أيضأ ، بغسل يديها ».
ويا له من مثال مبارك دقيق ومطابق للواقع ، وكم هو سهل ممتنع حيث لم يخطر على بال أحد ، لذا فهو مضافا إليه قرائن أخرى تعد علائم على صدق الرؤيا .
سواد الجارية إشارة إلى أصل غصبية الحكم ، وتلوث اليد، إشارة إلى ذلك الغصب الزائد بالإستبداد ، والحركة الدستورية أمر بإزالة هذا الغصب الزائد ، لذا فقد شبه بغسل
اليد الغاصبة .
يعود سماحته ويتابع في آخر الكتاب ذكر بقية هذه الرؤيا فيكتب قائلا : من المناسب أن نختتم الكتاب بذكر الرؤيا المار ذكرها سابقا حول رؤية المرحوم آية الله الحاج میرزا حسین الطهراني ( قدس سره ) مما يرتبط بذات هذا الكتاب :
عند البدء في كتابة هذه الرسالة ، كان المقرر أن يكون هناك فصلين آخرين علاوة على هذه الفصول الخمسة ، وكنا قد خصصناها لإثبات نيابة الفقهاء العدول في عصر الغيبة في إجراء وإقامة ما يتعلق بسياسة أمور الأمة والفروع المتعلقة بإحتمالات ذلك وكيفيته ، فكان الأصل أن مجموع فصول الرسالة سبعة .
في الرؤية المذكورة ، وبعد التفصيل الذي ذكرناه من تشبيه الحركة الدستورية بغسل يد الجارية السوداء على لسان ولي العصر علیه السلام أرواحنا فداه ، سألت سماحته : هل أقدم على طباعة الرسالة التي بين يدي أم لا؟
فأجاب : نعم اطبعها عدا موضعين فيها » .
وبالقرائن اتضح لي إن المراد بالموضعين هو ذينك الفصلين الذين تم التعرض فيهما - وبإستدلال علمي - إلى ما ذكرنا مما لا يتناسب عرضه على عامة الناس . لذا أسقطت الفصلين وقصرت الرسالة على هذه الفصول الخمسة »(1).
1) (۱) تنبيه الأمة : ص 95.
ولد هذا العالم في محرم سنة ۱۳۰۳ هـ . ق في أصفهان وتوفي في التاسع عشر من ذي الحجة سنة ۱۳۹۰ هـ . ق في المشهد المقدس للإمام الرضا علیه السلام . أنهى دراسته العليا في النجف الأشرف على يد المرحوم السيد محمد کاظم اليزدي صاحب العروة الوثقى والمرحوم النائيني المار ذكره . وقد اهتم كثيرا بدراسة الفلسفة وبذل في ذلك جهودا كبيرة ، حتى أنه لم يتخل عن دراستها في مرحلة إنشغاله بدراسة الفقه والأصول . کما اشتغل بتحصيل العلوم العرفانية على يد السيد أحمد الكربلائي تلميذ المرحوم الآخوند حسين قلي الهمداني . غير أنه استاء بعد ذلك من قواعد الفلسفة بعد أن رأی عدم انسجامها مع الآيات القرآنية والروايات الشريفة . ولما ضاقت به السبل ولم يجد من يلجأ إليه ويطرح عليه مشكلته لحلها ، لجأ إلى صاحب الأمر بقية الله الأعظم علیه السلام والتوسل به فلازم مسجد السهلة وأماكن أخرى وكان دائم الإستعانة به علیه السلام .
يقول سماحته : کنت مرة قرب قبر هود وصالح ( عليهما السلام ) في حال من التضرع والتوسل بحضرة الحجة بن الحسن ( عليهما السلام ) فتراءى لي وأنا غير نائم وهو يقف وعلى صدره صفحة بيضاء مؤطرة بإطار مذهب مكتوب في وسطها باللون الأخضر المشع نورا « طلب المعارف من غيرنا أهل البيت مساوق لأفكارنا ». كذلك فقد كان مكتوبا على ذات الصفحة أسفل تلك العبارة وبخط أدق « وقد أقامني الله وأنا الحجة بن الحسن ». وقد انتفعت بهذه الرسالة المباركة أيما نفع ، فقد أضاءت جوانب نفسي وأحسست بالنورانية تملأ قلبي بمجرد أن انتبهت إلى نفسي »(1).
1) (۱) مقدمة أبواب الهدی : ص 46 .
ولد المرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري سنة ۱۲۷۶ هـ . ق وتوفي سنة ۱۳۵5 هـ . ق ، من أشهر المراجع والمجتهدين في القرن الأخير ، وإليه يرجع الفضل في تأسيس الحوزة العلمية في قم فهو واضع اللبنة الأولى لهذه المؤسسة العلمية الواسعة العظيمة .
عرف عنه طهارة النفس ونقاء السريرة .
ويكاد المتأمل في الظروف السائدة أن تأسيس الحوزة العلمية وما أحاط فترة مرجعية الشيخ الحائري ، أن يدرك دون كثير جهد وعناء ، أن هذا العلم الشامخ قد أقدم على تأسيس هذه المؤسسة العظيمة استنادا إلى ما يتمتع به من معنويات عالية من جهة وما لا بد أن يكون قد شمله من الألطاف الخاصة من قبل حضرة بقية الله الأعظم علیه السلام حتى وفق لوضع الحجر الأساس لهذه المؤسسة المتعددة التشكيلات .
ولا شك أن ذلك تم تحت إشراف ونظر صاحب
الأمر علیه السلام ودعمه ومدده الخفي وتأيداته التي لا ريب أنها شملت الحوزة العلمية المباركة أيضا .
يقول سماحة المرجع المرموق حضرة آية الله العظمى السيد الكلبايكاني دام ظله الوارف - والذي عاصر تأسيس الحوزة العلمية في قم منذ البداية :
إن المرحوم الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري كان أساسا في أراك سنة ۱۳۹۷ هـ . ق ، وكان قد أسس حوزة هناك ، إلا أنه عندما قدم إلى قم زائرا تلك السنة قرر البقاء هنا وحينها أرسل إلي رسالة لا زالت محفوظة عندي يقول فيها : « إذا رغبتم المجيء إلى قم فليس متعذرا الحصول على خبز شعير تأكله معا » . فتحركت أنا بناء على رسالته تلك متوجها إلى قم .
ولم تمض سوى مدة بسيطة حتى حل شهر رمضان ، وكان وضع الروحانية سيئة للغاية لأن الحقوق الشرعية لم تكن تصل إلى قم بإنتظام بعد .
أحد السادة المحترمين من أهل العلم كان قد سافر خارج
قم للتبليغ وبقيت عائلته تعاني عسر الحال وضيق ذات اليد . فجاءني أحد الروحانيين وطلب مني رجاء الشيخ عبد الكريم الحائري دفع مرتب هذا السيد لإيصاله إلى عائلته . فنقلت الأمر بدوري إلى الحاج الشيخ محمد تقي البافقي (1)مسؤول توزيع المرتبات آنئذ ، فقال : إن ما لدي من المال قليل جدا وإذا أردت توزيعه على الطلبة فلن يكون نصيب الواحد منهم أكثر من ( ريالين ) مثلا .
في السابع عشر من شهر رمضان المبارك كنت نائما في غرفتي في المدرسة الفيضية ، فرأيت في عالم الرؤيا أني جالس مع المرحوم الحاج میرزا مهدي البروجردي رضوان الله عليه في
1) (۱) آية الله الحاج الشيخ محمد تقي البافقي اليزدي ، عالم كبير ومجاهد صلب ، ولد سنة ۱۲۹۲ هـ . ق ودرس على يد المرحوم السيد كاظم اليزدي والأخوند الخراساني ، وهو عالم فاضل بحق ، ورجل صادق ، دؤوب، بذل مساعي كثيرة في سبيل تسهيل إقامة الشيخ الحائري في قم وفي سبيل تيسير عملية تأسيس الحوزة العلمية فيها ، وله دور هام في ذلك . له في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أسلوب فريد ، فهو على درجة عالية من الشجاعة ، فقد جعل البهلوي الخبيث والعائلة المالكة هدفا لحملاته الخطابية المنتقدة اللاذعة ، وأطلق صرخته بوجه الظلم دون المبالاة بأي شيء ، وفي شهر رمضان المبارك عام ۱۳46 هـ.ق ، وبعد انتقاده تلك العائلة الفاسدة المنحلة من على المنبر ، داهمت قوات الشرطة المكان وأنزلته من على منبره واقتيد إلى طهران وسجن هناك ثم أفرج عنه ووضع تحت الإقامة الجبرية حتى وافاه الأجل سنة ۱۳6۵ هـ . ق.
داخل حجرتي - غير أنها كانت في الرؤيا أوسع قليلا - مستقبلين القبلة ، وكان في الغرفة مصباحان مضائين ، وفجأة أقبل علينا رجل مهيب ووقف قبالة الميرزا البروجردي وقال : حاج میرزا مهدي ! ، إن الرسول الأكرم ( صلی الله علیه و آله و سلم ) يبلغك أن تقول للشيخ عبد الكريم : لا تضطرب فنتيجة لبكاء صاحب الأمر علیه السلام فقد أرسلت الأموال إلى قم. ثم استيقظت من النوم ولم أحدث الشيخ عبد الكريم برؤياي غير أني قصصتها للمرحوم الحاج میرزا هداية الله وحيد الكلبايكاني (1)
والملفت للنظر هو أن سماحته عندما أعاد علي قصة الرؤيا التي كان قد رآها قبل ما يزيد على خمس وستين عاما وحينما بلغ الحديث عن بكاء صاحب الأمر عليه السلام ، لم يتمكن سماحته من منع نفسه من البكاء وظهر عليه التأثر الشديد .
.بعد مدة مدة قصدني بعض الأخوة من جديد بهدف حل مشكلة ذلك السيد المبلغ والإهتمام بأمر عائلته فحدثت الشيخ
146
1) (1) اليوم هو الفاتح من شهر ربيع الأول ۱405 هـ. ق، وقد طلبت من سماحة السيد الكلبايكاني أن يقص علي الرؤيا التي رآها مرة ثانية لكي أراعي الأمانة في النقل بشكل كامل ، وقد استجاب سماحته لذلك وقال : اليوم الذي رأيت في المنام كان يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان سنة ۱۳4۰ أو ۱۳4۱ هـ . ق حيث كنت قد قدمت قريبا إلى قم ولم أكن مطلعا تماما على وضع الحاج الشيخ الحائري . كما ذكر لي اسم ذلك السيد الذي كان قد سافر للتبليغ وهو حي يرزق ، ويؤم إحدى الجماعات في طهران .
محمد تقي البافقي بالموضوع مجددا فقال لي : تعال لنذهب سوية إلى ساحة الشيخ . فذهبنا ، وصادف وصولنا مع قيام سماحة الشيخ من مضيفه للدخول إلى المنزل لكنه ما أن رآنا حتى توقف وقال : ها ، ألكما حاجة ؟ فقلت : إن وضع عائلة السيد الفلاني الذي سافر للتبليغ يرثي له ، ونريد مرتبه لإيصاله إليهم ، فالتفت صوب الشيخ البافقي وقال : ادفع مرتبه ، ثم التفت نحوي وقال : بلغني أمر الرؤيا التي رأيتها وهي رؤيا صادقة ، فقد وصلنا مقدار من الحقوق .
عائلة المرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري من العوائل المحترمة الجليلة القدر . يستفاد من بعض الحكايات والرؤى المنقولة أنها كانت ولا زالت محطا لنظر رعاية الإمام علیه السلام ، وفيما يأتي نورد ذكراً لبعض تلك الحكايات نقلا عن المجتهد الكبير الحاج الشيخ مرتضى الحائري ، نجل المرحوم الشيخ عبد الكريم الحائری رضوان الله عليه .
١- کتب ساحته : تذكرت حكاية وقعت معي أنا ، ولعل ذلك كان بعد عام واحد من وفاة الوالد رحمه الله وأعلى مقامه ، حيث وصلنا إلى البيت مبلغ من المال خصص منه على ما أعتقد مبلغ ستمائة تومان لي ، وأربعمائة تومان لأخي الأصغر ، وكنا حينها في أمس الحاجة إلى المال ، والقضية غريبة من جهتين : الأولى ، أننا لم نعرف مصدر المال حتى اليوم ، والثانية ، إن أخي كان صغيرا ، أو أنه في بداية شبابه وتحت تكفلي أنا ، ولم تكن العادة قد جرت حتى ذلك الوقت على
تخصيص مبلغ ما له .
کما أظن أن قرائن - لا أذكرها الآن - اشعرتنا حينها بأن المال مرسل من قبل صاحب الأمر علیه السلام (1).
٢- ويقول سماحته : لم يكن يعجبني ما يقوم به بعض أهل العلم والتحقيق والتدقيق في هذه الأمور من زيارة حضرة فاطمة المعصومة ( عليها السلام ) من أعلى جانب الرأس الشريف . وذلك لعدة أسباب :
أولها ، أن التطوع بالسلام حسب الإعتبار العرفي يجب أن يكون من أمام الشخص المحترم وليس من أعلى رأسه وفي مواجهة القبلة ، بحيث أن الجسد الشريف يقع على الجانب الأيسر ، وحسب اطلاعي فإن ذلك لم يرد في أي نوع من أنواع السلام .
وثانيها ، لخصوصية في ضريح السيدة المعصومة ، حيث أن قبرها منحرف قليلا ، حيث أن وجهها الطاهر سيقع عند الوقوف في ذلك الموضع خلف رأس الضريح .
على أية حال رأيت في المنام ذات ليلة أن ثلاثة من رجال الصحراء كان أحدهم صاحب الأمر علیه السلام - کما ألقي في روعي في ذلك العالم - كانوا يقفون خلف الرأس الشريف بمواجهة القبلة إلى جانب الرأس الشريف ويقرأون الزيارة -
1) (1) مذكرات آية الله الحائري ( مخطوط ) : ص 65.
أقصد أن الأمر كان يبدو هكذا وإلا فأنا لم أسمع ما كانوا يقولون - .
وبعد أن استيقظت راجعت رواية ( سعد ) التي تعد دليلا على استحباب زيارة السيدة المعصومة ( عليها السلام ) فقرأت فيها ( عند الرأس مستقبلا القبلة ) أي إلى جانب الرأس بمواجهة القبلة وليس أعلى الرأس مع الأخذ بنظر الاعتبار عرفية السلام الذي ينبغي أن يكون الإنسان في حال أداه مواجها للجسد الطاهر ، وهو ما ينطبق تماما على ذلك الموضع الذي كان يقف فيه صاحب الأمر علیه السلام ومرافقيه في الرؤيا(1).
٣- يضيف سماحته : في زمان الشاه السابق ( محمد رضا بهلوي ) ، قدمت إحدى النساء اللائي كن نائبات في مجلس الشورى الوطني لائحة إلى المجلس حول تشريع قانوني يخص النساء ، وكانت فيها أكثر من مخالفة صريحة للإسلام .
وكان قد عقد مجلس للفاتحة - على ما أظن - على روح المرحوم الحاج أحمد الروحاني نجل المرحوم حاج سید صادق المعروف ، وكما جرت العادة فقد انبرى حينها عدد من القراء لقراءة القرآن عبر مكبرات الصوت ، فحدث أن ذهبت إلى محل جلوس القاريء وتناولت اللاقطة منه وابتدأت بالحديث حول تلك اللائحة بشكل استدلالي مستند إلى الشريعة المطهرة وإلى
1) (۱) المرجع السابق ذاته .
المصالح والمفاسد الإجتماعية ، وكان حديثا محكما وقويا من حيث قوة الدليل فرددت بقوة على تلك اللائحة . وفجأة لاحظنا أن موضوع اللائحة لم يتابع لفترة طويلة من الزمن ، وأذكر أني رأيت ليلتها في المنام كأني كنت في مكة وبالأخص في المسجد الحرام في مكان الطواف ، وأذن لي بلقاء صاحب الأمر علیه السلام الذي كان يقف قريبا من الحجر الأسود . ثم تقدم نحوي وكنت أنا الآخر أتقدم نحوه ولعله كان معه شخص أو اثنين أيضا ، ولم يكلمني كما أني لم أكلمه ، وما كان منه إلا أن ابتسم ابتسامة محببة وناولني يده المباركة أقبلها فقبلتها ولم يكن مرتديا عمامة أو لباسا فاخرا، بل كان يبدو عليه سيماء أهل الصحراء ومن عانى من البرد والحر ، غير هذا لا أذكر شيئا من الرؤيا .
كذلك أذكر حول هذه الحادثة أن المرحوم الحاج میرزا أسد الله التوسلي تغمده الله بواسع رحمته قال لي بعد ليلتين من الحادثة - على ما أظن - : يبدو أن خطابك ترك أثرا ، لأنه كان خالصا لوجه الله تعالى .
ولكني إلى الآن لا أدري هل كان حدیثی خالصا لله أم أنه كان دفاعا عن الحق ! . غير أني أظن - وجدانا - أن تصرفي لم يكن هادفا كسب الوجاهة لدى الناس(1).
4 - ثم يكتب في مكان آخر من المذكرات : كنت متوعكا
1) (1) مذكرات أية الله الحائري ( تخطوط ) : ص ۱۲۰.
في إحدى السنوات ، وذات ليلة وعندما كنت نائما في باحة الدار ، رأيت أحدا في عالم المنام يقول لي اذهب إلى مشهد ونفقتك على الإمام علیه السلام، وقد ألقي في روعي في ذلك العالم أن المقصود من الإمام علیه السلام صاحب الأمر وليس الإمام الرضا علیه السلام، وكان الوقت صيفا فبادرت بالذهاب إلى مشهد وبقيت هناك شهرين ونصف تقريبا حتى نفد ما عندي من المال خلالها ولم يصادف ما أشعرني بالتكفل بالمصاريف سوى مرة وجدت ورقة نقدية فيها بالقرب من بهو مسجد ( جوهرشاد ) حتى قررت العودة ، فذهبت أولا لبيع نسخة نفيسة من كتاب وسائل الشيعة بخط مؤلف الكتاب ، تمثل سدس الكتاب الكامل ، وكانت هذه النسخة ملكا للمرحوم ( السيد الأستاذ محمد الحجة ) والد زوجتي ، وبعيد وفاته ورثت زوجتي هذا السدس ، وكنت قد أخذتها معي إلى مشهد أساسا لبيعها متحف الإمام الرضا علیه السلام .
على كل حال بعتها على ما أذكر بمبلغ ألف وخمسمائة تومان ، فصار هذا المال - المتعلق بزوجتي أساسا - معي وكنت محولا في الإستقراض منه ، فأخذت منه مقدارا وذهبت لشراء تذكرة العودة من محطة القطار .
وقريب موعد السفر ، ذهبت لوداع الإمام علیه السلام ثم عرجت على منزل المرحوم ابن عمي المحترم الحاج (حسين علي الدارکر ): لتسديد مبلغ کنت مدينة به إليه ، وأثناء الطريق كنت أحدث نفسي على سبيل المزاح ولعلني كنت أتمتم
بصوت فأقول : ماهذه الزيارة التي تعهد الإمام علیه السلام بدفع تكاليفها فهآنذا وقد نفد ما عندي حتى لجأت إلى الإستقراض من مال زوجتي !
وصادف مروري من أمام منزل المرحوم الحاج ( السيد محمد هادي الميلاني ) دون أن أقصد ذلك ، فانقدح في ذهني زيارته دون وجود ارتباط بين ما كنت أحدث به نفسي وبين قرار الزيارة ، حيث تذكرت أن السيد ( محمد حسن الجزائري ) هو النجل الأكبر للحاج سید صدر الدين الجزائري ، لما للسيد صدر الدين من محبة في نفسي وقد كان يفرض محبته على الآخرين بطريقة عجيبة ، فهو متدین ملتزم وطاهر القلب صاف النفس صريح عطوف غمره الله برحمته الواسعة . وكان نجله – الذي ذكرنا - يغدق محبته هو الآخر على الآخرين بشكل غریب ، مثلا كنت إذا ذهبت لزيارتهم في طهران فإنه يخرج لمشايعتي إلى مسافة طويلة من زقاقهم ، ومرة رافقني - على سبيل المشايعة - من منزل والده في سوق عباس آباد وحتى شارع ( اغدام ) ، وقد كان هذا الشاب الذي يمتاز بخفة الروح والبشاشة تعرض إلى حادث اصطدام مؤسف بالسيارة ترکه طريح الفراش مدة ، حتى إذا تحسنت حاله قليلا ذهب إلى مشهد لقضاء فترة النقاهة هناك ، فحل ضيفا على منزل المرحوم الميلاني ، فهو منزل خالته وأخته من الرضاع أيضا .
وكنت آنذاك حدثت نفسي بالمرور على بيت السيد الميلاني قاصدا السؤال عن حال هذا السيد المحترم لعلي أوفق لنقل خبر
طيب حول تحسن حالته إلى والده المحترم في طهران . وبالفعل عرجت عليهم وجعلتها زيارة قصيرة لضيق الوقت حتي أني رفضت الجلوس في مضيفهم وقد وقعت الزيارة موقعا طيبا جدا من نفس السيد الجزائري والسيد محمد علي نجل السيد الميلاني ونسيب السيد الجزائري وابن خالته .
فقلت لهما : إني لست قادما لأمر ، جئت فقط للسؤال عن حالة السيد محمد حسن ، لعلي أزف لوالده خبر طيباً عن تحسن حالته ، غير أن هؤلاء السادة لم يسمحوا لي بالمغادرة سريعا وأصروا على بقائي لحين رجوع السيد الميلاني ، وكنت أعتذر أنا الأخر بأني لا أريد ازعاجه ، ويكفي فقط إبلاغه تحياتي ، ثم أن علي الذهاب الآن إلى محطة القطار ، وبينما أنا أغادر البيت إلى الخارج إذا بالسيد الميلاني قد وصل عائدا إلى البيت - وأظن أننا تقابلنا - في وسط باحة الدار وسلمت عليه وصافحته واعتذرت أيضا واستودعته الله لما كنت عليه في العجلة من أمري ، حيث أني لم أكن قد أنهيت موضوع تسديد القرض لابن عمي . وأصر ( أبناء الخالة ) على مرافقتي إلى محطة القطار فخرجنا معا ، ومررت في الأثناء على منزل ابن عمي ودفعت المبلغ ثم توجهنا صوب محطة القطار سوية .
وعند وصولنا عبرت لهما عن بالغ شكري وتقديري وشعوري بالخجل نتيجة مزاحمتي اياهما ولأني لا أحب التشريفات بطبعي ، ثم ودعتهما وصعدت القطار ، وقريبا من
ساعة حركة القطار ، صعد السيد محمد على إلى القطار ووضع مظروفا في يدي وغادر دون أن ينتظر أي رد فعل مني ، وبسرعة نزل من القطار الذي تحرك فور نزوله مما حرمني فرصة الرفض أو التعبير عن شكري على الأقل . وبعد تحرك القطار فتحت المظروف وإذا به يحتوي على مبلغ من المال مع ورقة ، كتب فيها « إن هذا المبلغ ليس من قبلي » أو « ليس من مالي واعتذر عن قلة كميته » إلا أنه من السهم المبارك للإمام » أو « أنه من طرف الإمام علیه السلام » .
وحتى ذلك الوقت لم يصادفني أن أحداً يعتذر عن كمية المال حينما يعطيني .
على أية حال فقد كان المبلغ كافيا لتسديد ما بذمتي من المال لزوجتي ، وإعادتي إلى البيت وأذكر أنه زاد من المبلغ نصف تومان دفعتها إجرة لعربة أوصلتني قريب المنزل . وقد لفت هذا ( النصف تومان ) نظري إلى صدق الرؤيا التي هتف فيها شخص قائلا : اذهب وتکاليف سفرك يدفعها الإمام . وقطعا دون أن أكون رتبت في العلل والأسباب (1).
1) (۱) مذكرات آية الله الحائري ( مخطوط فارسي ) : ص ۵۲.
و من جملة العلماء الأعلام والمراجع العظام الذين استحوذوا على اهتمام الجميع خلال القرن الأخير المرحوم السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني - أعلى الله مقامه الشريف.
ولد سماحته سنة ۱۲۸4 هـ . ق وتوفي في التاسع من شهر ذي الحجة الحرام سنة ۱۳65 هـ . ق . ويعد من المراجع الذين ثنيت لهم الوسادة لما شهدته من مرجعيته من اتساع في دائرتها ، ولما تميز به سماحته من شهرة ورفعة في مقامه المعنوي . واستنادا إلى الأخبار المأثورة تحريرا أو شفاها فإن سماحته نال شرف توجه إمام العصر علیه السلام إليه ، مما متعه بالعنايات والمدد المعنوي الخاص لبقية الله الأعظم علیه السلام .
كتب أحد الكتاب المعاصرين حول السيد أبو الحسن الأصفهاني قائلا : وصل السيد أبو الحسن الأصفهاني کتاب من صاحب الأمر بواسطة ثقة الإسلام الحاج الشيخ محمد الكوفي الشوشتري الذي حج إلى مكة ما يزيد على الأربعين مرة وأصل
الكتاب موجود في منزل السيد رحمه الله علیه السلام .
ويضيف في بيان سبب صدور ذلك التوقيع المبارك قائلا : بعد وفاة نجل السيد أبو الحسن أراد سماحته ترك المرجعية والزعامة والإعتزال في البيت فخرج التوقيع الشريف من الناحية المقدسة بواسطة المرحوم ثقة الإسلام والمسلمين زين العلماء الصالحين الحاج الشيخ محمد الكوفي الشوشتري أن « اجلس في دهليز بيتك ولا ترخ سترك .... نحن ننصرك »(1).
وقد نقل هذا التوقيع بصيغة أخرى في بعض الكتب وكما يلي « أرخص نفسك واجعل مجلسك في الدهلیز واقض (2)حوائج الناس نحن ننصرك »(3).
كذلك يقول حضرة آية الله الحاج مرتضى الحائري دامت برکاته نقلا عن ( أحد العلماء المعاصرين ) بأنه اعترض على السيد أبو الحسن الأصفهاني بخصوص إجازاته الكثيرة في الأمور الحسبية والشرعية والتي كان سماحته يصدرها فقط للمنع من تغيير لباس الروحانية . حيث أن الشاه رضا بهلوي ، ألزم الجميع بارتداء لباس موحد عبارة عن بنطال وسترة . ونوع خاص من القبعات الصغيرة التي كان هو نفسه يرتديها ، ثم
اتبع ذلك بإلزام الجميع - باستثناء الروحانيين - بارتداء قبعة من نوع ( شابو ).
غير أن الروحانيين كانوا يسعون للحصول على وثيقة تؤيد انتمائهم إلى سلك الروحانية ، لذا فقد بادر السيد أبو الحسن الأصفهاني إلى إصدار وكالات للكثير من الروحانيين في الأمور الحسبية والشرعية لإثبات ذلك دون أن يتضايق من كثرة ذلك . وكان سماحة - العالم المعاصر - قد اعترض على السيد الأصفهاني معللا اعتراضه بأن الإجازات ستفقد قيمتها واحترامها . فأجابه السيد الأصفهاني في رده على ذلك بالقول : « لقد وردنا أمر مكتوب من صاحب الأمر علیه السلام » ويبدو أنه وصله بواسطة الشيخ محمد الكوفي ، وقد بحثوا عن هذا الكتاب في ذلك الوقت - بعد وفاته - غير أنهم لم يعثروا على أصله ، إلا أن مضمونه كان «أن مسؤولية السيد هي القيام بذلك العمل »(1).
1) (۱) مذكرات آية الله الحائري ( مخطوط ) : ص ۱۳۱ .
ولد المرحوم الحاج حسن الطباطبائي القمي رضوان الله عليه سنة ۱۲۸۲ هـ.ق. وتوفي سنة ۱۳66 هـ . ق ويعد من كبار المراجع ومن أهل التقوى المتميزين في هذا القرن ، ويتمتع بنفس قدسية عجيبة ، وعلى ما ذكر فقد كان رضوان الله عليه مشمولا برعاية حضرة ولي الأمر علیه السلام ، وهذا الأمر بالذات كان بالنسبة له مدداً أساسية ومسندا عظيما يسنده في مواجهة المصاعب والمشكلات في حياته .
سافر إلى طهران ليقدم اعتراضا شخصيا على الشاه رضاخان الخائن بعد أن يحاول اللقاء به ، إلا أنه لم يوفق في تحقيق مطالبه ، كما منع من العودة إلى مشهد المقدسة . وفي محاولة للضغط عليهم طلب تركه للعودة إلى مشهد أو تزويده بجواز سفر لكي يتوجه إلى العتبات المقدسة في العراق . فوافق رضا خان على طلبه فوراً وأمر بإصدار جوازات سفر له ولعائلته ، وأثناء طي معاملته مراحلها الروتينية قام أحد المسؤولين بتقديم صك مصر في مفتوح وطلب إليه كتابة أي مبلغ يراه ضروريا لسفره ، إلا أنه أجابه : أنا لا آخذ من أموال
الحكومة .
فرد عليه المسؤول : أخبرونا أنك لا تملك شيئا ، وقد كنت تحت الإقامة الجبرية لمدة يتعذر معها اتصالك بأحد لتهيئة ما تحتاج من المال ، لذا بادرنا إلى تقديم هذا العرض ونحن حاضرون لما تأمر .
فأجاب سماحته : أنا أحد رعايا إمام الزمان علیه السلام، ولم أحرم حتى اليوم من فيض رحمته ولطفه علیه السلام ومساعدته لي بتوفير ما يلزمني لمعيشتي ، وهو اليوم لن ينساني أيضا . وحتى لو تطلب الأمر أن يرعى عبيده وخدامه بألطاف خفية وطرق إعجازية فهو علیه السلام لن يقصر حتما .
ولا بد أن هذا الكلام قد قوبل بالسخرية والاستهزاء من قبل أولئك الأرجاس .
وتشاء رعاية الباري عز وجل أن يكون رئيس قسم الشرطة في مدينة الري قد أصبح من مريدي هذا الرجل الصالح بعد أن كان مسؤولا عن متابعته في فترة الإقامة الجبرية مما ترك في نفسه آثارا طيبة وجعلته مستعدا لمساعدته . فبادر إلى زيارة بعض تجار السوق في طهران وأخبرهم عن استعداده لإيصال أي مبلغ متيسر لسماحة الحاج القمي بالإستفادة من موقعه الرسمي . وبعد أن جمع التجار ما يقارب الألف تومان من الحقوق الشرعية ، ودفعوها إليه ، بادر إلى إخفاء المبلغ داخل جواربه وذهب لمقابلة سماحته ، ولا يخفى على القارىء العزيز
مدى القلق والخوف اللذين عانى منهما ذلك الضابط للقيام بتلك المجازفة التي قد تعرض حياته ومستقبله للخطر ، ويروي هوما جرى بنفسه فيقول : كنت قلقا وخائفا بشدة فلو أن أمري کشف ووجهت إلى تهمة مساعدة السيد لكنت تعرضت إلى عقوبات قانونية قاسية من قبل نظام الديكتاتور رضا خان » .
على أية حال فإن المبلغ المذكور وصل بالنتيجة إلى المرحوم آية الله القمي فقال : كنت مطمئنا أن إمام الزمان علیه السلام لن يتخلى عن رعيته في ظروف كهذه »(1).
1) (۱) مجلة نور العلم ( فارسية ) الدورة الثانية ، رقم ۱، ص ۸۸ .
ولد الزعيم الإسلامي ومرجع الشيعة العظيم المرحوم الحاج حسين البروجردي - أعلى الله مقامه - سنة ۱۲۹۲ هـ.ق وتوفي في سنة ۱۳۸۰ هـ . ق .
بلغ مقاما ساميا بين رجال العلم ومرتبة رفيعة بين أهل الورع والتقوى في القرن الأخير . وقد ساهمت جهوده في دفع الحوزة العلمية إلى الأمام في ميدان السعي العلمي وإثراء التراث الفكري ونشر الإسلام في خارج البلاد .
خلف آثارا علمية وعملية بالغة الأهمية ارتبطت باسمه رضوان الله عليه شخصيا . وكان سماحته قدس الله أسراره زعيما حكيما ومرجعا شديد الإحتياط في الدين ، ورعاً تقياً ، وما أحرى أن ينبري الباحثون لدراسة حياته الحافلة من مختلف جوانبها حتى تعم الفائدة جميع المسلمين .
كان سماحته على جانب عظيم من صفاء النفس ونقاء السريرة ، نسبت إليه كرامات عديدة ، تجلى فيها امداد ید
الهداية والتسديد واللطف المهدوي الخاص ، وذلك في مختلف جوانب حياته وخصوصا في أمور مرجعيته .
ينقل المرحوم الشهيد دستغيب - رضوان الله عليه - عن أحد الثقاة من أهل العلم أنه قال :
رأى المرحوم الشيخ النهاوندي ليلة في عالم الرؤيا أنه ذاهب لزيارة المشهد الرضوي المقدس ثم رأي عند دخوله الحرم الشريف أن صاحب الأمر علیه السلام يقف من جهة أعلى الرأس الطاهر ، فتوجه نحوه بنية أخذ الأذن في التصرف بنسبة من سهم الإمام علیه السلام إضافة إلى ما لديه من الأذونات في ذلك من مراجع التقليد ، فوصل إلى حضرة صاحب الأمر علیه السلام وبعد تقبيل يده المباركة سأل الإمام :
فأجابه علیه السلام : كل شهر المبلغ الفلاني ( محي المقدار من ذهن القائل ) .
وبعد عدة سنوات صادف أن كان الشيخ النهاوندي ذاهبا لزيارة المشهد الرضوي في الوقت الذي كان المرحوم آية الله البروجردي موجودا هناك للزيارة أيضا .
وذات يوم صادف دخول الشيخ النهاوندي إلى الحرم وتوجهه نحو جهة الرأس الشريف فرأى سماحة آية الله البروجردي جالسا هناك في نفس الموضع الذي رأى فيه
الحجة علیه السلام في عالم الرؤيا ، فخطر في باله أنه قد استجاز أغلب المراجع في التصرف بنسبة من سهم الإمام ، فلا بأس باستجازة البروجردي في ذلك أيضا ، فتوجه نحوه وطلب إليه ذلك فأجازه البروجردي قائلا : لك الحق في التصرف بالمبلغ الفلاني شهريا - وكان عين ما حدده له الإمام علیه السلام في عالم الرؤيا - وبعد مدة تذكر الشيخ النهاوندي ذلك الطيف الذي طاف عليه قبل سنين فأدرك أنه قد تحقق بالفعل بتمامه سوى أن البروجردي كان في مكان الإمام علیه السلام .
وللشهید دستغيب تعليق لطيف أورده في ذيل هذه الحكاية من المناسب إيراده هنا أيضا : يقول سماحته : يتضح من هذه القصة أن على الشيعة أن يعرفوا قدر الفقيه العادل في زمن غيبة الإمام علیه السلام وأن يعتبروه نائبا لإمامهم علیه السلام، وأن يوقروه ويرجعوا إليه لمعرفة مسؤولياتهم الشرعية وأحكام دينهم ، وأن يتعاملوا مع أحكامه وفتاواه تعاملهم مع أحكام الإمام علیه السلام وكلنا مطلعون على ما ورد في قصة الحاج على البغدادي المذكورة في كتاب مفاتیح الجنان من أن الحجة علیه السلام قال للحاج علي البغدادي : إن المراجع في النجف الأشرف - يعني الشيخ مرتضى الأنصاري والشيخ محمد حسين الكاظميني والشيخ محمد حسين الشروقي - هم وكلائي ومقبول ما أوصلته إليهم من حقي(1).
1) (۱) القصص العجيبة : القصة ۸۸. ( النص أعلاه مترجم إذ لم نطلع على النسخة العربية ).
يقول أستاذنا الكبير آية الله الحائري : من جملة الحكايات العجيبة التي وقعت سابقة والتي تابعتها بنفسي قضية المدعو ( الأشكاني )، فقد سمعت أن هذا الرجل كان يلتقي الإمام علیه السلام ، فقررت الذهاب لزيارته وبالفعل ذهبت عصر أحد الأيام برفقة الحاج الشيخ ( عبد الوهاب الروحي ) صديقي لخمسين عاما ، وشقيقي الحاج مهدي سلمهما الله تعالى من الآفات والبليات لزيارة ذلك الرجل ، وكان منزله في الشارع المؤدي إلى محطة القطار .
وما أن حللنا في داره حتى وجدنا أنفسنا أمام شیخ نوراني الوجه تلوح في محياه علائم الصدق والصلاح وحين دخولنا رأينا جهاز المذياع الذي كان يملكه موضوعا في غرفة الضيوف مما يشير إلى عدم اهتمامه بالمظاهر وعدم سعيه وراء الشهرة والسمعة والوجاهة . فسألناه عن ما ينقل من موضوع التقائه صاحب الأمر علیه السلام.
فقال : أنا رجل من أهل مدينة ( خوي ) ، كنت عسكريا أخدم في الجيش ، وقد أوفدت أيضاً للدراسة في المدرسة العسكرية في تركيا وخدمت فترة طويلة في الجيش وكنت أحضر المجالس الحسينية باستمرار ، فصادف مرة أن ذكر الخطيب عملا عباديا إذا قام المسلم بأدائه وفق لرؤية الصاحب علیه السلام
فحفظت ما قال وقمت بأدائه ووفقت لرؤيته علیه السلام وعرضت عليه حاجاتي ... ثم بادر فورا إلى ذلك العمل العبادي دون حرج أو تردد .
بعدها سألته أنا : هل رأيت الإمام معاينة ؟ .
فأجابني بما يشير إلى أنه قد رآه على سبيل المكاشفة إذ أنه قال : كنت جالسا على الأرض بالقرب من أحد الكراسي ثم تغيرت الأوضاع فجأة ورأيته وسألته قضاء ما عندي من الحاجات ، وكنت أراه أحيانا في المنام . ومن جملة ذلك أنني حينما قدمت إلى قم بنية مجاورة السيدة المعصومة ، كنت أتسلم شهريا مبلغ خمسمائة تومان - راتبا تقاعديا ، فأردت أن أعرف تكليفي الشرعي وكنت متحيرا في أمر الرجوع إلى أحد المرجعين المشهورين تلك الأيام وهما : آية الله البروجردي والمرحوم آية الله السيد محمد حجت التبريزي ، فقد كان بعض أهل العلم والخيرة يرجحون الأول ، في حين رجح البعض الآخر منهم الرجوع إلى الثاني ، فقمت بأداء تلك الأعمال العبادية والتقيت صاحب الأمر علیه السلام في المنام ، وكان البروجردي موجوداً أيضا إلا أنه لم يكن يرى صاحب الأمر علیه السلام . فقال الإمام علیه السلام : ارجع إلى هذا مشيرا إلى البروجردي . فقمت وسلمت للبروجردي بعض المال فأخذه مني ووضعه - ربما - في جيبه الأيمن وابتسم قليلا .
وبالفعل ذهبت بعد أيام إلى سماحة البروجردي واقتربت
منه وكان بنفس الوضعية التي رأيته عليها في المنام ، وحينما سلمته ما بذمتي من حقوق أخذها ووضعها في جيبه الأيمن أيضاً تماما ، كما حدث في المنام وابتسم بنفس الطريقة .
وبعد أن أتم هذه الحكاية سألته مجددا : أية خصوصية أخلاقية تتمتع بها أنت ؟
فقال : أنا لم أترك الصلاة مطلقا وفي مختلف الظروف کما أني لم أظلم أحدا قط .
من الحكايات الغريبة التي تحكي رعاية الإمام عليه السلام لمثل التقوى والورع آية الله البروجردي ، المكاشفة التي حصلت للمرحوم الشيخ أحمد الفقيهي حينما كان طريح الفراش ، وقد نقلها بعد ذلك إلى بعض العلماء الأعلام أثناء زيارتهم له لعيادته والاطمئنان على صحته ، فقال سماحته :
رأيت شخصا بزي عربي مقبلا نحوي ، فتضايقت في داخلي قليلا لأني سأجبر على الحديث باللغة العربية التي لا أحسنها تماما . على أية حال جاء وجلس بالقرب مني وبعد السلام والتحية حملني رسالة لأية الله البروجردي ، ولکي ننقل نص الحديث نعتمد على ما ورد في اللقاء الذي تم مع آية الله
الصافي وتحدث فيه عن موضوع المهدي علیه السلام، اللقاء الذي نشر قسم منه تحت عنوان «لقاء مع آية الله الصافي الكلبايكاني » ولحسن الحظ فإنه قد عرج أثناء حديثه على ذكر ما ينفع في موضوع کتابنا هذا . فحينما سأله أحدهم : ما مدى الإرتباط الموجود بين صاحب الأمر علیه السلام وبين المراجع والعلماء ، وما يقومون به من استلام الحقوق والإرشاد والوعظ لجماهير الأمة ؟.
قال سماحته : إجمالا ، وكما ذكرنا في كتابنا « جواب على عشرة أسئلة ، فإن الإمام ( عجل الله تعالى فرجه الشریف ) يمارس مهام إمامته وزعامته في عصر الغيبة الكبرى أيضا ، وهناك العديد من الأدلة والشواهد على أن الإمام علیه السلام يقوم بإنجاز بعض الأعمال ما اقتضت الضرورة والمصلحة في ذلك (ثم يورد سماحته شاهدا من نهج البلاغة ويتابع ) قائلا : إن الإمام يعتني بمراجع التقليد وقادة الشيعة والنواب العامين بصور مختلفة من الأخذ بأيديهم أو تسديدهم أو رعايتهم ، وليس الأمر كما يتوهم البعض من حرمان العلماء والنواب من إمداد الإمام علیه السلام ورعايته ما دام غائبا ، وهناك الكثير من الحكايات والقصص التي تشير إلى خلاف هذا التصور کفتوى الشيخ المفيد في قضية المرأة المتوفاة وجنينها حي، وكتشرف العالم الفاضل المرحوم الشيخ أحمد الفقيهي القمي المعاصر الذي نقل إلى آية الله العظمى السيد محمد رضا الكلبايكاني - مد ظله - أنه كلف بنقل رسالة إلى حضرة آية الله العظمى
البروجردي بهذا المعنى « أبلغ السيد حسين البروجردي أننا مطلعون على زحماته أو خدماته ( والترديد من آية الصافي ) في حفظ آثار الشريعة ، ونسأل الله له التوفيق (1).
كان المرحوم الحاج حسين نظام من سكنة مدينة قم ، وقد اشتهر عنه من بين الخطباء الآخرين إخلاصه وتقواه ، وقد التحق بالرفيق الأعلى قبل عامين .
نقل مرة في أحد مجالسه الخطابية - وكان المؤلف حاضرا في ذلك المجلس - حكاية تشير إلى علوم مقام البروجردي وسمو منزلته لدى إمام الزمان علیه السلام ، وما دمنا قد جمعنا شتات هذا الموضوع في كتابنا هذا فمن الأنسب أن لا تفوتنا هذه القصة . ولكن ليكون نقلنا للقصة بدقة ، نورد هنا نص ما كتبه المرحوم حسين نظام في بعض أوراقه الشخصية ، حصلنا على نسخته التي قام باستنساخها نجله المحترم .
کتب سماحته رحمه الله تحت عنوان : الرد على العلماء رد على إمام الزمان علیه السلام يقول : أنا شخصيا كنت قد سمعت بأذني اثنين من کسبة السوق وهما يذكران السيد البروجردي بسوء ويکیلان له بذيء السباب والشتائم .
1) (1) مجلة راية شعبان : سنة ۱۳۹۹ ق. ص 55 .
ولم تمض مدة على ذلك حتى جاءني الحاج السيد علي البهبهاني الذي كان يسكن قم ، في السابق ، قبل أن ينتقل إلى طهران وقال : أخي نظام ! رأيت مناما .
قلت : خير ، تفضل قل .
قال : رأيت في المنام كأن صاحب الأمر علیه السلام قد ظهر من غيبته وقد اتخذ من منطقة « بستان الهندسية » منزلا له . والمكان المذكور دائرة الماء حاليا - فذهبت إلى هناك وإذا بمخيم عامر قد ضربت أطنابه هناك ، في وسطه خيمة كبيرة اتخذها الصاحب علیه السلام مقرا له ، فتوجهت صوبها ، وما أن رأيت الإمام علیه السلام حتى سلمت عليه ، وإذا به يستل سيفا ويدفعه إلي قائلا : اذهب واقتل فلان وفلان وعد .
وما أن وصل السيد البهبهاني في حديثه إلى هذه الفقرة ، حتى بادرته بالقول : سیدنا ! هما فلان وفلان ؟.
وإذا به ينهض من مجلسه ويقبلني وهو يقول : نعم ، نعم ، ولكن ما أدراك أنت ؟.
فقلت : إنهما شتما السيد البروجردي وتجاسرا عليه .
فصار يردد : نعم ، نعم ، انهما هما بالفعل(۱) .
رأى العبد الصالح الحاج أبو القاسم الكوبائي أيده الله تعالى في المنام رؤيتين صادقتين حول المرحوم آية الله البروجردي قدس سره ، نسوقهما للقارىء الكريم نقلا عن نص رسالة كتبها سماحته ردا على رسالة أرسلها إليه آية الله الصافي طلب فيها إليه تدوين المنامين وإرسالهما إليه وذلك بتاريخ ۱۳64/4/16 هـ .ش، وإليك نص رسالته الجوابية :
سماحة آية الله الصافي دامت برکاته .
حسب ما أمرتم ، يصلكم شرح عن المنام الأول ، أما المنام الثاني حول حيثية سامراء فسنرسله إليكم خلال الأسبوع القادم إن شاء الله . .
غير أن ما أود الإشارة إليه أولا هو أني لم أتعود خلال الثلاث وثمانين عاما من عمري على رؤية الأحلام ، وإذا كنت قد رأيت شيئا في المنام سابقا فإني أنساه بمجرد استيقاظي من
النوم ، وخلال هذه المدة المديدة لم أر سوى ذينك المنامين ، وناهيك عن أني كتبتهما إلا أني أشعر وكأنهما نقشا على صفحة قلبي نقشا ، ورغم تطاوي السنين فإن تفصيلاتهما واضحة جلية أمامي تماما .
وكنت قد عزمت على عدم نشرهما ما دمت على قيد الحياة ، إلا أن بلوغي هذه السن وما أعانيه من مرض يشعرني بقرب المنية ولا أرى في العمر من بقية تستحق .
واعتذر عن تضييع وقتكم الشريف والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أبو القاسم الكوبائي
بناءاً على رسالة وردتني من سماحة آية الله العظمى الحاج حسين البروجردي ( قدس سره ) تشرفنا في شهر ربيع الثاني سنة ۱۳66 هـ . ق أنا وحجة الإسلام والمسلمين الحاج الشيخ حسين على صديقين دامت برکاته بزيارة السيد البروجردي - أعلى الله مقامه - في قم . وتحدثنا حول موضوع الأساتذة والطلاب المحترمين في أصفهان ، وطلبنا منه امدادنا برواتب شهرية للأخوة هناك ، فأجابنا إلى ذلك وجعلني مسؤولا عن توزيع المرتبات .
وبعد عودتنا إلى أصفهان تم تدارس أمور الطلبة
والمدرسين وتحديد العزاب منهم والمتزوجين وتم تنظيم كل ذلك وإرساله إلى سماحته - قدس سره .
فأجاب على رسالتنا تلك بتحديد الضوابط والموازين في توزيع الرواتب وكان من ضمنها أنه طلب قطع الراتب عن كل روحاني يعمل في السلك الوظائفي للدولة . وبناءا على هذا ، كلفت المدعو : فخر الأنصاري - والذي كان محلا لثقة الطلاب واطمئنانهم - القيام بتوزيع الرواتب شهريا فكان يأتيني كل شهر لأخذ مبلغ الرواتب وتوزيعه بين الطلبة في تسع عشرة مدرسة علمية كانت موجودة في أصفهان ، طبق جداول معدة سلفا وطبقا للضوابط التي حددها آية الله البروجردي - قدس سره - ، وكان يتم حذف اسم الطلاب الموظفين لدى الدولة من جداول الرواتب .
ومرت عدة سنوات على هذه الحال ، حتى جاءني أحد طلاب مدرسة ( كاسه جران ) في أحد الأيام وكان اسمه قد شطب من كشوفات الرواتب نتيجة التحاقه بعمل في إحدى الوظائف الحكومية ، وطالبني بدفع راتبه إليه .
فأجبته : إنها أوامر حضرة آية الله البروجردي التي تقتضي حذف أسماء من يعملون بوظيفة حكومية ، فثارت ثائرته ولم يكفه شتم آية الله البروجروي وسبه والتجاسر على مقامه الرفيع بل انه توجه نحوي بذات بذاءة اللسان وهجم قاصداً ضربي .
فقلت له : إنني مستقيل من هذه المسؤولية بدءا من هذه
الساعة ، حتى أني نتيجة لتصاعد الموقف لعنت نفسي إذا أنا عاودت توزيع الرواتب مرة أخرى .
وجمعت سجلات الطلبة للمدارس التسعة عشر وتوجهت إلى قم ، وبكرت في صباح اليوم التالي إلى منزل حضرة آية الله البروجردي ( قدس سره ) ، فعلمت حال وصولي انه مجتمع بآية الله المرعشي النجفي - مد ظله - فدخلت عليهما وناولته السجلات بعد التحية والسلام ، فراح يقلب صفحات السجلات واحدا واحدا وهو يبدي ارتياحه لنظمها وحسن ترتيبها ، ويعرضها بين الحين والآخر على آية الله المرعشي ، ولم أتمكن من الحديث في الأمر لماأخذني من هيبته وجلاله - قدس سره - لذا اعتذرت من سماحتهما وخرجت ، ثم قمت بشرح الأمر ( للحاج محمد حسين الأحسن ) ورجوته تکلیف شخص آخر بتوزيع الرواتب بدلا عني في أصفهان . ثم رجعت إلى اصفهان في اليوم نفسه .
وبعد أسبوعين ، عادت السجلات ومعها رسالة السيد البروجردي يأمرني فيها بتوزيع الرواتب إلا أني لم أذعن للأمر ورحت - ولمدة ثلاثة أشهر - أرسل كل ما يجتمع لدي من الحقوق الشرعية إلى قم ونتيجة تكرار شكوى الأخوة هناك ، وصلت إلى رسالة أخرى تطالبني بتوزيع الرواتب إلا أني لم ألتزم أيضا .
وفي ليلة الخامس من شهر رجب المرجب سنة
۱۳۷۳ هـ . ق رأيت في المنام كأني في النجف الأشرف ، وأن أحد رفاقي في النجف جاءني وقال : تعال معي نذهب لرؤية ( سيد العراقين ) فقلت : حسنا ، وذهبنا إلى بيت في محله ( الخویش ) ، وبعد دخولنا الصالة ، رأينا سلماً من عدة درجات يفضي إلى غرفة كبيرة ملأى بالزائرين . وكان في الجهة الأخرى من الغرفة باب يفضي إلى غرفة أخرى يقف على بابها رجل مسن أشيب الشعر ، معتم بعمامة بيضاء يميل لونها إلى الإصفرار قليلا . وكان يشرف على ادخال الزائرين واحدا بعد واحد إلى الغرفة الأخرى .
وحينما رأيت ذلك ، ندمت على أني جئت مع رفيقي لما رأيت من شدة الإزدحام ، وما توقعته من التأخير في وصول النوبة لنا. وفجأة خرج ذلك الرجل المسن إلى تلك الغرفة الكبيرة ونادي باسمي ففرحت كثيرا ، ودخلت الغرفة الأخرى فوجدت في صدر مجلسها سيدا نورانيا على رأسه عمامة سوداء متكئا على وسادة إلى جنبه فذهبت إلى جواره محاولا تقبيل يده فلم يسمح لي ، إلا أنه وضع يده بعد ذلك على الوسادة فقبلتها . ثم التفت نحوي وقد تغير وجهه وقال : لماذا لا تدفع الرواتب لعساکري ؟ فمنعتني هيبته التي وقعت في نفسي موقعا عظيما من شرح الحال ، واكتفيت بالقول : ليس لدي حقوق . فقال : كم تحتاج من المال شهريا ؟ فقلت : عشرون ألف تومان . وكان أمامه قلم فتناوله وراح يكتب على ورقة خضراء ، تشبه الصكوك الخاصة بمصرف الجيش فكتب عليها
مبلغ ( 14560) أربعة عشر ألف وخمسمائة وستون تومانا . ثم دفع الورقة إلي وقال : اذهب الساعة وعاود دفع المرتبات فقبلت يده ثم تراجعت بإتجاه الباب قليلا قليلا حتى وصلت إلى جوار الرجل المسن فاستيقظت من النوم .
وبادرت فورا إلى كتابة ما رأيت مخافة نسيانه .
وفي الصباح وطبق العادة ، ذهبت إلى مكتبي ، وقبل الظهيرة بساعتين تقريبا جاءني الحاج الميرزا ( علي أكبر النابش ) الذي كان موضع ثقة مسؤولي مصانع ( الوطن ) ، وقال : عندما كان الحاج ( الكازروني ) يجري عمليةجراحية في طهران ، نذر لله أنه إذا شفي من مرضه فإنه سيدفع المرتبات
الخاصة بالطلبة في أصفهان لشهر واحد.
فقلت له : أنا تركت هذه المسؤولية ، ثم بادرت إلى الإتصال بالشيخ فخر الأنصاري وقلت للحاج الميرزا : أعطه المبلغ حتى يدفع المرتبات . فقال : لقد أمرني الكازروني تلفونيا بدفع المبلغ إليك ، ثم أخرج من جيبه صكا أخضر اللون بمبلغ (14560) أربعة عشر ألف وخمسمائة وستون تومانا وهو يقول : لقد بعنا مقدارا من محصول الجوز الخاص ببستان الكازروني الذي ورثه عن والده ، ولكن المبلغ مضمون بادرت فورا إلى جلبه إليكم وسوف أجلب الباقي غدا إن شاء الله .
وحينما نظرت إلى الصك رأيته ورقة خضراء مسحوبة على مصرف ( سبه ) تماما كتلك التي رأيتها في المنام .
الورقة الخضراء وتطابق المبلغ جعلاني أعتقد بصدق الرؤيا ، وأنها أمر علي إطاعته ، لذا دفعت الصك فورا إلى المتصدي لتوزيع المرتبات وابتدأ بعد جلب المال بتوزيع الرواتب في تلك الساعة .
وفي الغد ، جاءني ببقية المال وتم استيعاب الجميع .
الملفت في الأمر ، أننا كنا قبل ذلك التاريخ نعاني دوما من نقص في مقدار المرتبات فسده بالإستعانة ( بقم ) ، ولكن منذ ذلك اليوم وتلك الرؤيا وحتى وفاة آية الله البروجردي صار الوضع أننا نقوم بدفع المرتبات دون نقص ، بل قد يفيض عندنا فائض في بعض الأشهر فنرسله إلى ( قم ) . ولم يحدث أبداً أن عدم وجود المال في أول الشهر لدفع المرتبات والحمد لله ، فقد استمر دفع المرتبات حتى وفاته - قدس سره - وحتى بعد ذلك ظلت المرتبات جارية حيث كان الإمام الخميني - قدس ظله - قد التزم بدفع المرتبات نيابة عنه . الأمر الذي عرضني إلى الإعتقال من قبل ( السافاك ) مدة من الزمن ، ومما دفعني بالتالي إلى أن أرجو المرحوم آية الله الحاج حسين الخادمي أن يدفع المرتبات باسمه ، وكنت أرسل إليه ما يتوفر لدي من الحقوق الشرعية لهذا الغرض . بعد ذلك التزم سماحة حضرة آية الله العظمى الحاج سيد أحمد الخوتساري ( قدس سره ) حتى هذا الشهر الذي يعقب وفاته بمدة من الزمن فإن المرتبات لا زالت جارية في أصفهان .
ثم كتب سماحة الكوبائي يقول : في عام ۱۳4۰ هـ.ق كنت قد أخذت وكالة من المرحوم آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني بإستلام الحقوق الشرعية ، وكان المفروض أن أقوم بإرسال المال المجتمع عندي إلى النجف الأشرف ، إلا أن إرسال المال كان عملية عسيرة للغاية . حيث كان إرسال عشرة دنانير عراقية يعرضني للإستجواب من قبل قوات الشرطة .
وذات مرة كنت مسافرا إلى النجف الأشرف فأمر سماحة السيد أبو الحسن الأصفهاني نجله السيد حسين بالسعي لإستصدار إقامة لي في العراق حتى أتمكن من التنقل بين العراق وإيران بسهولة ويسر ، وبالفعل قام السيد حسين بمتابعة الأمر واستصدر موافقة من المسؤولين العراقيين على إقامتي ، ثم أتممت أنا الأمر بإصدار جواز الإقامة من السفارة الإيرانية في العراق . وحينما تم أمر الإقامة صرت أسافر إلى العراق مرتين أو ثلاث في العام ، حاملا معي ما أتمكن من الحقوق الشرعية بهدف ایصالها إلى سماحة السيد أبو الحسن . وكنت أقيم فترة تواجدي في النجف في منزل سماحته .
وفي شهر ذي الحجة الحرام سنة ۱۳۶5 هـ.ق توفي سماحته وانتقلت المرجعية إلى سماحة آية الله البروجردي ، ولعلمه بأني أحمل إقامة رسمية في العراق كلفني بذات المهمة وكنت أوصل الحقوق إلى الشيخ نصر الله الخلخالي في
النجف ، واستمرت الحال على سابقتها فكنت أسافر سنويا عدة مرات إلى العتبات المقدسة وطبيعي أني كنت أسافر وحيدا في الغالب .
وفي إحدى تلك الرحلات تشرفت بزيارة سامراء وبقيت هناك عدة أيام لإستحساني الجو هناك . وكان الشيخ عبد الصاحب وكيل المرحوم آية الله الأصفهاني مقيما هناك فأقمت في منزله عدة أيام .
وفي إحدى هذه الليالي احتجت لغسل واجب ولخجلي من إيقاظ صاحب المنزل ، خرجت قبيل آذان الفجر للإستحمام في الحمام العمومي . وصادف أن كانت تلك الليلة ممطرة وباردة الهواء مما جعل الطرقات موحلة ، مما جعلني أعاني الأمرين حتى وصلت إلى الحمام . ولما وصلت فوجئت بأنه ما زال مغلقا ، فجلست عند بابه انتظر مجيء صاحبه ما يقرب من النصف . ساعة ، وبعد أن وصل وفتح الباب دخلت وكانت المرة الأولى التي أذهب فيها إلى حمام عام في سامراء . فوجدت أن خزان مياهه متعفن ولا يرغب الإنسان بالإستحمام بمائه ، وقد كان الميرزا الشيرازي قد قام رحمه الله ببناء حمامين في سامراء ، أغلق أحدهما نتيجة تداعيه ، وكان الثاني يفتح أول الصبح للنساء ثم يتحول للرجال وعدا ذلك لم يكن هناك حمام آخر .
على أية حال ، كان في ذلك الحمام حوض كبير مليء بالماء البارد ، خصوصا تلك الأيام من الشتاء فاضطررت إلى
الإرتماس فيه بسرعة وخرجت بعد أن لبست ملابسي وذهبت للصلاة في الحرم الشريف ثم عدت إلى المنزل فسرت في بدني حمى شديدة ألزمتني الفراش ، وحكيت للشيخ عبد الصاحب ما جرى ثم أنهكتني الحمى حتى عجزت عن الكلام ، وقبيل الظهيرة وبعد تدهور حالتي ذهب الشيخ عبد الصاحب وأتاني بطبيب أجنبي كان يأتي سنويا إلى سامراء ويبقى عدة أشهر هناك . وما أن رآني الطبيب وفهم أني غريب ووحيد أمر بجلب الدواء فورا وراح يسقيني بنفسه ، وكنت في حالة شبيهة بالإغماء غير أني سمعته يقول لصاحب المنزل : إن حالته سيئة ، ثم غادر .
وفي تلك الأثناء وبعدما آلت إليه حالتي سالت عبراتي ورحت أتوسل بصاحب الأمر علیه السلام ونذرت لله أن أسعى في بناء حمامين للنساء وللرجال في سامراء إن تحسنت حالتي .
وبقي صاحب الدار يمرضني طوال تلك الليلة حتى الثلث الأخير من الليل حيث استيقظت وأنا غارق في عرق كثير أنقع الفراش الذي أنام عليه فبادر الحاج عبد الصاحب إلى تغيير الفراش وعدت إلى النوم ، ثم استيقظت صباحا فوجدت نفسي أستطيع النهوض فصليت ثم جلست أعقب ، ولما رآني الحاج عبد الصاحب على هذه الحال تعجب كثيرا وذهب من فوره لجلب الطبيب الذي لم يصدق تحسن حالتي بهذه السرعة ، وسألني : ها ! ماذا حصل ؟ فقلت : لقد نضحت عرقا كثيرا
في المساء وحالتي الآن على ما يرام ولله الحمد .
ومرت على يومان أو ثلاثة بقيت أثناءها ملازما للبيت نقاهة ، فزارني فيها السيد الشهرستاني والميرزا نجم الدين وسيد هادي والسيد الكميلي ، فانتهزت الفرصة وشرحت لهم ما نذرت ، وما أنا عليه من استعداد لتعمير الحمام الكبير الذي سبقت الإشارة إلى خرابه وإغلاقه - إلا أنهم ارتأوا أن التعمير والترميم لا ينفع حيث أن الحكومة كانت تخطط لتخريب المنطقة التي كان الحمام فيها بكاملها لبناء دوار بالقرب من الحرم فنصحوني بشراء أرض في إحدى مناطق سامراء ، ثم استجازة آية الله البروجردي بنقل ما يمكن الإستفادة منه من المواد المستعملة في الحمام الكبير بعد هدمه وبناء حمام جدید ، فبادرت إلى كتابة شرح للقضية وأرسلته مع أحد الذاهبين إلى قم ليوصله إلى سماحته وطلبت أن يكون الجواب فوريا .
وقام الأخوة من فورهم بالبحث عن أرض مناسبة فعثروا على قطعة أرض مساحتها بحدود الألف متر مربع ومن ثم شرائها بمبلغ قدره ( ۱۲ ) إثنا عشر ألف تومان دفعها اثنان من تجار أصفهان ، وفي تلك الأثناء وصل الجواب من آية الله البروجردي إيجابيا فسافرت إلى أصفهان وأوكلت مهمة رسم تصاميم الحمام إلى الحاج حسين شريف المعار وبعد اتمامه العمل ذهبنا أنا وهو ومجموعة من العمال مع كميات من مواد البناء إلى سامراء وشرعنا بالعمل ، وصرت أعاود الذهاب
إليهم في سامراء کل شهرين أو ثلاثة ، وبحمد الله تم انجاز بناء الحمامين خلال ثمانية أشهر، وكانت مجهزة بأحسن الإمكانيات من الخزانات والمرشات . ثم قدمت تقريرا بالموضوع إلى آية الله البروجردي ، وكان سماحته قد أرسل ما تيسر من المساعدات لإتمام الأمر . وتفصيل ذلك موجود في کتاب تاریخ سامراء مع ميزانية بالمصاريف والأموال المستلمة لذلك الغرض .
بعد ذلك أوكل إلى حضرة آية الله البروجردي بناء حمامين آخرين في سامراء ، فاشترينا ألفي متر مربع من الأرض خصصنا ألف ومائتي متر مربع منها لبناء حمامين وثمانمائة متر مربع لبناء حسينية مخصصة لإقامة الزوار .
وابتدأت بإعداد المقدمات للعمل ، وتقبل الحاج الميرزا حسین شریف المعمار مسؤولية الحسينية وابتدأنا العمل طبقة للمخطط .
وذات يوم كان الجميع في الطابق الثالث مشغولين في رفع الحديد المطلوب للبناء وكنت حاضرا يومها ، فأطل المرحوم حسین شریف المعمار برأسه ينادي على أحدهم برفع الحديد فزلت قدمه وإذا به يهوي من الأعلى فوق الحديد الذي كان يملأ المكان وقد ذهلنا جميعا وتجمدت الدماء في عروقنا وانهارت أعصابنا تماما ، إلا أنه نادي : لا شيء ، لا شيء، وقام من فوره ومشي وهو يقول : حينما هویت من الأعلى ناديت ( یا
صاحب الزمان : أغثني ) ، فأحسست أن أحدا قلبني وجعل رجلاي إلى الأسفل ثم أجلسني بهدوء على الحديد .
خلاصة الأمر أنه لم يتعرض حتى لجرح طفيف !
وفي ليلة الرابع عشر من شهر رمضان ۱۳۷6 هـ ق وبعد أن تم انجاز مبنى الحسينية ولم يبق سوى طلاء جدرانها ، رأيت في المنام - وكنت في أصفهان - رأيت كأني في سامراء وفي ذات تلك الحسينية غير أنها كانت أوسع حجما حيث أصبحت تقارب مدرسة ( الحدائق الأربعة ) في أصفهان حجما . وتشابهت غرفها معها أيضا سوى أن حجر السيراميك الذي كانت المدرسة مفروشة به كان في المنام ذهبا . وكنت في البدء واقفا على بابها ، ورأيت ذات السيد العظيم الشأن الذي رأيته في المنام الأول في النجف الأشرف ، رأيته . دخل الحسينية ووقف في باحتها وقال لي : أعطني الكشف الذي يضم أسماء الأشخاص الذين ساهموا في دعم هذا المشروع ورغم أني في الواقع لم أكن أعددت کشفا بذلك إلا أنني أعطيته ورقة كان فيها أسماء المتبرعين والمساهمين . وإذا بهم جميعا محيطين به فرفع يده علیه السلام ونادي باسم آية الله البروجردي ودعا له بدعائين ثم انتقل إلى الجميع واحدا واحدا يدعو لهم بالدعائين ، حتى وصل إلى آخر شخص كان قد تبرع بعشرة تومانات ودعا له بذینك الدعائين أيضا . ولم يبق من كلمات الدعائين في ذاكرتي - ثم استدار ناحية القبلة وتوجه نحو المتبرعين وقال : اذهبوا كل
إلى غرفته وكأن تلك الغرف كانت كل واحدة منها معينة لأحد المتبرعين فذهب كل واحد إلى غرفته .
وكان من بين الحاضرين الحاج محمد حسين المعتمدي الذي كان له اليد الطولى في تقديم المساعدات فدخل هو الآخر غرفته الخاصة ، ومررت أنا من أمام غرفته فنادى على فاتجهت نحوه ، فقال : أنظر ، يا لها من غرف جميلة ، فيها باب ينفتح على بستان ، ثم فتح بابا في غرفته وإذا به يطل على بستان من أجمل ما رأته عيناي ، مملوء بالورود والرياحين ، فرشت منه ثلاثة أمتار مربعة تقريبا بأفخر أنواع السجاد وحوطت المساحة بأشجار مثمرة متدلية الأغصان يقطف الإنسان منها ما يشاء دون عناء ، ثم رأيت هناك رجلا وامرأة فسألته عنهما فقال : هما أبي وأمي وكنت لم أر والده ووالدته من قبل - وحينما رویت له ما رأيت ووصفت له شكلهما أيد تلك الصفات .
على أية حال حينما خرجت من عنده - في الرؤيا - قصدت الصعود إلى الطابق الثاني لكي أراه فرأيت شخصا مختبئا تحت السلم وحينما نظرت إليه عرفته فهو المتصدي لحراسة المبنى وكنت غير راض عنه لأسباب فسألته حينما رأيته : ماذا تفعل هنا ؟ فقال : لقد أعطوني هذا المكان أنا الآخر . حينها استيقظت من النوم .
ينقل حضرة آية الله الأراكي دام ظله عن المرحوم نور الدين الأراكي رضوان الله عليه أن شخصا من الفضلاء كان طالبا يدرس عند صاحب الجواهر ويحضر درسه ويستفيد منه ، فطلب بعد مدة من صاحب الجواهر أن يجيزه في الإجتهاد ، ولما كان صاحب الجواهر ممتنعا عن اعطاء إجازة الإجتهاد لأي أحد ، كتب له كتابا امتدحه فيه دون أن يشير إلى اجتهاده . وبعد استلامه الكتاب قام هذا الشخص بإضافة كلمة الإجتهاد على ذلك الكتاب وتوجه إلى مدينته واشاع بينهم خبر اجتهاده فصار ينظر إليه على أنه مجتهد ، ودرج الناس على معاملته بإجلال وإكبار ، إلا أحد الرقاعين فكان لا يعبأ به إذا صادفه أو صار في طريقه ، الأمر الذي أثار حفيظة ذلك المعمم وحيرته . فقرر ذات يوم أن يقوم بزيارة ذلك الرقاع لعله يستطيع استمالته نحوه ، وبالفعل ذهب إليه ، وما إن وصل وسلم عليه حتى أجابه الرقاع : عليك السلام یا مدلس ، فأثار ذلك امتعاضه فقال : لماذا ؟ ما الذي حصل؟ وأي تدلیس قمت به أنا ؟
فأجابه : لقد دسست في كتاب العبد الصالح . فسأله : ومن أين عرفت بذلك .
فقال الرقاع : لقد تشرفت بالحضور لدى أحد الأوتاد المتصلين بصاحب الأمر وأخبرني أن حديثا جرى بينه وبين صاحب الأمر علیه السلام حولك فقال له الإمام علیه السلام بأنك دسست ودلست في كتاب العبد الصالح وسوف تلبث في جهنم أحقابا ، فخجل الرجل واشتد هلعه مما جنى على نفسه . ثم عزم أن يترك الأبهة والهيبة والمقام الذي هو فيه ويذهب للتكفير عن خطيئته ، فراح يطوف القرى والبلدان حاملا معه رسالة عملية لأحد المجتهدين يحدث الناس منها ويجيب على مسائلهم ويبين لهم أحكام دينهم