الشعائر الحسینیة بین المشروعیة والاتهام بِالبِدعة دراسة فقهِیة

ghaemiyeh.com

اشارة

الشَعائِرُ الحُسَينِيَة بَينَ المَشرُوعِيَة، وَالاِتِّهامِ بِالبِدعَة دِراسَةٌ فِقهِيةٌ

تألیف: الشيخ علي هادي جبر الفتلاوي

الإشرافُ العِلمِیُّ مؤسسة وارث الأنبياء

للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

العطبعة الاولی

1439ﻫ - 2018 م

عدد النسخ1000

اشارة

الشَعائِرُ الحُسَينِيَة

بَينَ المَشرُوعِيَة، وَالاِتِّهامِ بِالبِدعَة

بطاقة فهرسة


مصدر الفهرسة: IQKaPLI ara IQKaPLI rda

رقم تصنيف: LC: BP260.3.F38 H5 2017

المؤلف الشخصي: الفتلاوي، علي هادي جبر 1960م -. مؤلف.

العنوان: الشعائر الحسينية بين المشروعية، والاتهام بالبدعة. دراسة فقهية.

بيان المسؤولية: تأليف: الشيخ علي هادي جبر الفتلاوي.

بيانات الطبعة: الطبعة الأولى.

بيانات النشر: النجف، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية، 1438ﻫ - 2017م.

الوصف المادي: 260 صفحة؛ 24 سم.

سلسلة النشر: مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية.

تبصرة عامة: أشرف على الرسالة الشيخ حسن الفتوني.

تبصرة عامة: أصل الكتاب رسالة ماجستير - جامعة المصطفى(صلی الله علیه و آله و سلم) العالمية، كلية الشهيد الصدر العالمية للفقه والمعارف الإسلامية، 2016م.

تبصرة

ببليوغرافية: يتضمن إرجاعات ببليوغرافية.

تبصرة ببليوغرافية: يتضمن هوامش، لائحة المصادر الصفحات (231-247).

موضوع شخصي: الحسين بن علي الشهيد(علیه السلام)، الإمام الثالث، 4-61 للهجرة.

موضوع شخصي: الحسين بن علي الشهيد(علیه السلام)، الإمام الثالث، 4-61 للهجرة - مأتم العزاء.

مصطلح موضوعي: العقائد.مصطلح موضوعي: الديانات المقارنة.

مصطلح موضوعي: الشعائر الدينية (إسلام).

مصطلح موضوعي: الشعائر الإمامية - شعائر ومراسم مذهبية - دراسة حالة.

مصطلح موضوعي: الشعائر الإمامية - شعائر ومراسم مذهبية - دفع مطاعن.

اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة. قسم الشؤون الفكرية والثقافية. مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية – جهة مصدرة.


تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية المقدسة

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (343) لسنة (2017م)

الشَعائِرُ الحُسَينِيَة بَينَ المَشرُوعِيَة، وَالاِتِّهامِ بِالبِدعَة دِراسَةٌ فِقهِيةٌ

تألیف: الشيخ علي هادي جبر الفتلاوي

الإشرافُ العِلمِیُّ

مؤسسة وارث الأنبياء

للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

جمیع الحقوق المحفوظة

للعتبة الحسينية المقدسة

العطبعة الاولی

1439ﻫ - 2018 م

إصدار

مؤسسة وارث الأنبياء

للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

بسم الله الرحمن الرحیم

تنويه: هذا الكتاب هو جزء من متطلبات نيل شهادة الماجستير

وهي بعنوان: الشعائر الحسينية بين المشروعية والاتهام بالبدعة: دراسة فقهية

تقدم بها الطالب علي هادي جبر الفتلاوي

تحت إشراف الأستاذ المشرف الشيخ حسن الفتوني

قدمت إلى جامعة المصطفى(صلی الله علیه و آله و سلم) العالمية

كلية الشهيد الصدر العلمية للفقه والمعارف الإسلامية، فرع الفقه والأصول

مراجعة وتدقيق

اللجنة العلمية في قسم الرسائل الجامعية في مؤسسة وارث الأنبياء

د. الشيخ عبد الرحمن الربيعي، د. الشيخ علي العبادي،

د. السيد خالد السيساوي، د. الشيخ عدي السهلاني، الأستاذ معروف عبد المجيد

هوية الكتاب

عنوان الكتاب الشعائر الحسينية بين المشروعية والاتهام بالبدعة

المؤلف الشيخ علي هادي جبر الفتلاوي

الإشراف العلمي اللجنة العلمية في مؤسسة وارث الأنبياء

الإخراج الفني حسين المالكي

الطبعةالأولى

المطبعةدار المؤمن

سنة الطبع1439ﻫ - 2018م

عدد النسخ1000

الشكر والعرفان

إن كان ثمة شكر فهو لله سبحانه على أنعامه وأفضاله الدائمة، فله الحمد والمنّة على إتمام هذه الرسالة، وعليه التوكّل ومنه التوفيق وإليه الشكر كما هو به حقيق.

وعلى أساس القاعدة المعرفية التي نستلهمها من القاعدة المعرفية التي لخّصها الإمام الرضا(علیه السلام) بقوله: «من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر الله(عزوجلّ)». نتقدم بالثناء والشكر للعناية الكريمة التي توليها جامعة المصطفى(صلی الله علیه و آله و سلم) العالمية؛ لما قاموا به من تذليل الصعوبات في سبيل الرّقي بالمستوى العلمي للطلاب والباحثين في العلوم الإسلامية، وأخص بالذكر منهم الدكتور أعرافي رئيس الجامعة، وكذا نتقدم بالشكر والعرفان إلى حجة الإسلام والمسلمين الشيخ مهدوي مهر قائم مقام جامعة المصطفى(صلی الله علیه و آله و سلم) العالمية، وكذلك نتقدم بالشكر الجزيل لكلية الشهيد الصدر وعلى رأسها سماحة الشيخ الجواهري والإخوة في الكادر الإداري للكلية؛ لما أبدوه من مساعدة كبيرة في إتمام هذه الرسالة.

ثم أعرج بالشكر الجزيل إلى اللجنة العلمية التي ناقشت هذه الرسالة، وأخص بالذكر الدكتور السيد نذيرالحسني، وشكري الكبير وتقديري إلى المشرف على هذه الرسالة سماحة الشيخ حسن الفتوني الذي آزرني في إيصال هذه الرسالة إلى ما هي عليه الآن، وكان لملاحظاته الدور الكبير في تلافي الأخطاء التي وردت فيها، وأشكر أيضاً مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية بكادرها، وأخص بالذكر الشيخ رافد التميمي؛ لما أبدوه من مساعدة في ذلك.

وأشكر في العراق العتبة الحسينية المقدسة وعلى رأسها المتولي الشرعي لها

سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي؛ لما أبداه من رعاية واهتمام للوصول بهذه الرسالة إلى غرضها، كما أشكر مكتبة العتبة الحسينية المقدسة وأخص بالذكر الأستاذ محمد رزاق؛ لما له من يد كريمة في طبع هذه الرسالة وإخراجها على ما هي عليه، وكذلك شكري للأخ إحسان خضير؛ لما له من يد كريمة في إيصال الرسالة إلى قم المقدسة، وأشكر الأخ السيد حسين عدنان رضوي لجهوده المبذولة التي قام بها من أجل إتمام هذه الرسالة.

الشيخ علي الفتلاوي

مقدمة المؤسّسة

اشارة

إنّ نشر المعرفة، وبيان الحقيقة، وإثبات المعلومة الصحيحة، غاياتٌ سامية وأهدافٌ متعالية، وهي من أهمّ وظائف النُّخب والشخصيات العلمية، التي أخذت على عاتقها تنفيذ هذه الوظيفة المقدّسة.

من هنا؛ قامت الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة بإنشاء المؤسّسات والمراكز العلمية والتحقيقية؛ لإثراء الواقع بالمعلومة النقية؛ لتنشئة مجتمعٍ واعٍ متحضّر، يسير وفق خطوات وضوابط ومرتكزات واضحة ومطمئنة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ القضية الحسينية - والنهضة المباركة القدسية - تتصدّر أولويات البحث العلمي، وضرورة التنقيب والتتبّع في الجزئيات المتنوّعة والمتعدّدة، والتي تحتاج إلى الدراسة بشكلٍ تخصّصي علمي، ووفق أساليب متنوّعة ودقيقة، ولأجل هذه الأهداف والغايات تأسّست مؤسّسة وارث الأنبياء للدراسات التخصّصية في النهضة الحسينية، وهيمؤسّسة علميّة متخصّصة في دراسة النهضة الحسينية من جميع أبعادها: التاريخية، والفقهية، والعقائدية، والسياسية، والاجتماعية، والتربوية، والتبليغية، وغيرها من الجوانب العديدة المرتبطة بهذه النهضة العظيمة، وكذلك تتكفّل بدراسة سائر ما يرتبط بالإمام الحسين(علیه السلام).

وانطلاقاً من الإحساس بالمسؤولية العظيمة الملقاة على عاتق هذه المؤسّسة المباركة؛ كونها مختصّة بأحد أهمّ القضايا الدينية، بل والإنسانية، فقد قامت بالعمل

على مجموعة من المشاريع العلمية التخصّصية، التي من شأنها أن تُعطي نقلة نوعية للتراث، والفكر، والثقافة الحسينية.

المشاريع العلمية في المؤسسة

اشارة

بعد الدراسة المتواصلة التي قامت بها مؤسسة وارث الأنبياء حول المشاريع العلمية في المجال الحسيني تمّ الوقوف على مجموعة كبيرة من المشاريع التي لم يُسلَّط الضوء عليها كما يُراد لها، وهي مشاريع كثيرة وكبيرة في نفس الوقت، ولكل منها أهميته القصوى، إلّا أنّه ووفقاً لجدول الأولويات المعتمد في المؤسسة تمّ اختيار المشاريع العلميّة الأكثر أهميّةوالتي يُعتبر العمل عليها إسهاماً في تحقيق نقلة نوعية للتراث والفكر الحسيني، وهذه المشاريع هي:

الأوّل: قسم التأليف والتحقيق

اشارة

إنّ العمل في هذا القسم على مستويين:

أ - التأليف

ويعنى هذا القسم بالكتابة في العناوين الحسينية التي لم يتمّ تناولها بالبحث والتنقيب، أو التي لم تُعطَ حقّها من ذلك. كما يتم استقبال النتاجات القيمة التي أُلفت من قبل العلماء والباحثين في هذا القسم، ليتم إخضاعها للتحكيم العلمي، وبعد إبداء الملاحظات العلمية وإجراء التعديلات اللازمة بالتوافق مع مؤلفيها يتمّ طباعتها ونشرها.

ب - التحقيق

والعمل فيه قائم على جمع وتحقيق وتنظيم التراث المكتوب عن مقتل الإمام الحسين(علیه السلام)، ويشمل جميع الكتب في هذا المجال، سواء التي كانت بكتابٍ مستقل

أو ضمن كتاب، تحت عنوان: (موسوعة المقاتل الحسينيّة). وكذا العمل جارٍ في هذا القسم على رصد المخطوطات الحسينية التي لم تُطبع إلى الآن؛ ليتم جمعها وتحقيقها، ثمّ طباعتها ونشرها. كما ويتم استقبالالكتب التي تمّ تحقيقها خارج المؤسسة، لغرض طباعتها ونشرها، وذلك بعد إخضاعها للتقييم العلمي من قبل اللجنة العلمية في المؤسسة، وبعد إدخال التعديلات اللازمة عليها وتأييد صلاحيتها للنشر تقوم المؤسسة بطباعتها.

الثاني: مجلّة الإصلاح الحسيني

وهي مجلّة فصلية متخصّصة في النهضة الحسينية، تهتمّ بنشر معالم وآفاق الفكر الحسيني، وتسلّط الضوء على تاريخ النهضة الحسينية وتراثها، وكذلك إبراز الجوانب الإنسانية، والاجتماعية والفقهية والأدبية في تلك النهضة المباركة، وقد قطعت شوطاً كبيراً في مجالها، واحتلّت الصدارة بين المجلات العلمية الرصينة في مجالها، وأسهمت في إثراء واقعنا الفكري بالبحوث العلمية الرصينة.

الثالث: قسم ردّ الشبهات عن النهضة الحسينية

إنّ العمل في هذا القسم قائم على جمع الشبهات المثارة حول الإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة، وذلك من خلال تتبع مضان تلك الشبهات من كتب قديمة أو حديثة، ومقالات وبحوث وندوات وبرامج تلفزيونية وما إلى ذلك، ثم يتم فرزها وتبويبها وعنونتها ضمن جدول موضوعي،ثمّ يتم الرد عليها بأُسلوب علميّ تحقيقي في عدة مستويات.

الرابع: الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين(علیه السلام)

وهي موسوعة علمية تخصصية مستخرجة من كلمات الإمام الحسين(علیه السلام) في

مختلف العلوم وفروع المعرفة، ويكون ذلك من خلال جمع كلمات الإمام الحسين(علیه السلام) من المصادر المعتبرة، ثمّ تبويبها حسب التخصّصات العلمية مع بيان لتلك الكلمات، ثمّ وضعها بين يدي ذوي الاختصاص؛ ليستخرجوا نظريات علميّة ممازجة بين كلمات الإمام(علیه السلام) والواقع العلمي.

الخامس: قسم دائرة معارف الإمام الحسين(علیه السلام) أو (الموسوعة الألفبائية الحسينية)

وهي موسوعة تشتمل على كلّ ما يرتبط بالإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة من أحداث، ووقائع، ومفاهيم، ورؤى، وأعلام وبلدان وأماكن، وكتب، وغير ذلك، مرتّبة حسب حروف الألف باء، وكما هو معمول به في دوائر المعارف والموسوعات، وعلى شكل مقالات علميّة رصينة، تُراعى فيها كلّ شروط المقالة العلميّة، مكتوبة بلغةٍ عصرية وأُسلوبٍ حديث.

السادس: قسم الرسائل والأطاريح الجامعية

إنّ العمل في هذا القسم يتمحور حول أمرين: الأوّل: حول إحصاء الرسائل والأطاريح الجامعية التي كُتبتْ حول النهضة الحسينية، ومتابعتها من قبل لجنة علمية متخصّصة؛ لرفع النواقص العلمية، وتهيئتها للطباعة والنشر، الثاني: حول إعداد موضوعات حسينيّة من قبل اللجنة العلمية في هذا القسم، تصلح لكتابة رسائل وأطاريح جامعية، تكون بمتناول طلّاب الدراسات العليا.

السابع: قسم الترجمة

يقوم هذا القسم بمتابعة التراث المكتوب حول الإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة باللغات غير العربية لنقله إلى العربية، ويكون ذلك من خلال تأييد صلاحيته للترجمة، ثمّ ترجمته أو الإشراف على ترجمته إذا كانت الترجمة خارج القسم.

الثامن: قسم الرصد والإحصاء

يتم في هذا القسم رصد جميع القضايا الحسينيّة المطروحة في جميع الوسائل المتبعة في نشر العلم والثقافة، كالفضائيات، والمواقع الإلكترونية، والكتب، والمجلات والنشريات، وغيرها؛ ممّا يعطي رؤية واضحة حول أهمّ الأُمور المرتبطة بالقضية الحسينية بمختلف أبعادها، وهذا بدوره يكون مؤثّراً جدّاً في رسمالسياسات العامّة للمؤسّسة، ورفد بقيّة الأقسام فيها، وكذا بقية المؤسّسات والمراكز العلمية في شتى المجالات.

التاسع: قسم المؤتمرات والندوات العلمية

ويتمّ العمل في هذا القسم على إقامة مؤتمرات وملتقيات وندوات علميّة فكرية متخصّصة في النهضة الحسينية، لغرض الإفادة من الأقلام الرائدة والإمكانات الواعدة، ليتمّ طرحها في جوٍّ علميّ بمحضر الأساتذة والباحثين والمحقّقين من ذوي الاختصاص، كما تتمّ دعوة العلماء والمفكرين لطرح أفكارهم ورؤاهم القيمة على الكوادر العلمية في المؤسسة وكذا سائر الباحثين والمحققين وكل من لديه اهتمام بالشأن الحسيني، للاستفادة من طرق قراءتهم للنصوص الحسينية وفق الأدوات الاستنباطية المعتمدة لديهم.

العاشر: قسم المكتبة الحسينية التخصصية

وهي مكتبة حسينية تخصّصية تجمع التراث الحسيني المخطوط والمطبوع، أنشأتها مؤسسة وارث الأنبياء، وهي تجمع آلاف الكتب المهمة في مجال تخصصها.

الحادي عشر: قسم الموقع الإلكتروني

وهو موقع إلكتروني متخصص بنشر نتاجات وفعاليات مؤسسة وارث الأنبياء، فهو يقوم بنشر وعرض كتبها ومجلاتها التي تصدرها، وكذا الندوات والمؤتمرات التي تقيمها، وكذا يسلط الضوء على أخبار المؤسسة ومجمل فعالياتها العلمية والإعلامية.

الثاني عشر: القسم النسوي

يعمل هذا القسم ومن خلال كادر علمي متخصص على تفعيل دور المرأة المسلمة في النهضة الحسينية وبأقلام علمية نسوية من الجانب الديني والأكاديمي، كما يعمل على تأهيل الباحثات والكاتبات ضمن ورشات عمل تدريبية وفق الأساليب المعاصرة في التأليف والكتابة.

الثالث عشر: القسم الفني

إنّ العمل في هذا القسم قائم على طباعة وإخراج النتاجات الحسينية التي تصدر عن المؤسسة، وفقاً للبرامج الإلكترونية المتطورة، وذلك من خلال كادر فنيّ متخصص، كما ويعمل على تصميم الأغلفة وواجهات الصفحات الإلكترونية، ومن مهام هذا القسم أيضاً العمل على برمجة الإعلانات المرئية والمسموعة وغيرهما، وسائر الأمور الفنيّة الأخرى التي تحتاجها كافّة الأقسام.وهناك مشاريع أُخرى سيتمّ العمل عليها إن شاء الله تعالى.

قسم الرسائل الجامعية في مؤسسة وارث الأنبياء

اشارة

يتكفّل قسم الرسائل الجامعية بمهمّة نشر الفكر الحسيني المبارك، من خلال تفعيل الدراسات والأبحاث العلمية الحسينية في الأوساط الجامعية والأكاديمية بمستوياتها الثلاثة: البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراه، مضافاً إلى الرُقي

بالمستوى العلمي والتحقيقي للكفاءات الواعدة المهتمّة بالنهضة الحسينية في جميع مجالاتها. وقد تصدّى لهذه المسؤولية نخبة من الأساتذة المحققين في المجال الحوزوي والأكاديمي.

أهداف القسم

الغاية من وراء إنشاء هذا القسم جملة من الأهداف المهمّة، منها:

1 - إخضاع الدراسات والأبحاث الحسينية لمناهج البحث المعتمدة لدى المعاهد والجامعات.

2 - إبراز الجوانب المهمّة وفتح آفاق جديدة أمام الدراسات والأبحاث المتعلّقة بالنهضة الحسينية، من خلال اختيار عناوين ومواضيع حيوية مواكبة للواقع المعاصر.

3 - الارتقاء بالمستوى العلمي للكوادر الجامعية،والعمل على تربية جيل يعنى بالبحث والتحقيق في مجال النهضة الحسينية الخالدة.

4 - إضفاء صبغة علمية منهجية متميزة على صعيد الدراسات الأكاديمية، المرتبطة بالإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة.

5 - تشجيع الطاقات الواعدة في المعاهد والجامعات للولوج في الأبحاث والدراسات العلمية في مختلف مجالات البحث المرتبطة بالنهضة الحسينية، ومن ثمّ الاستعانة بأكفّائها في نشر ثقافة النهضة وإقامة دعائم المشاريع المستقبلية للقسم.

6 - معرفة مدى انتشار الفكر الحسيني في الوسط الجامعي؛ لغرض تشخيص آلية التعاطي معه علمياً.

7 - نشر الفكر الحسيني في الأوساط الجامعية والأكاديمية.

8- تشخيص الأبعاد التي لم تتناولها الدراسات الأكاديمية في ما يتعلّق بالنهضة الحسينية، ومحاولة العمل على إبرازها في الدراسات الجديدة المقترحة.

9 - التعريف بالرسائل الجامعية المرتبطة بالإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة؛

والتي تمّت كتابتها ومناقشتها في الجامعات.

آليات عمل القسم

اشارة

إنّ طبيعة العمل في قسم الرسائل الجامعية تكونعلى مستويات ثلاثة:

المستوى الأوّل: العناوين والمواضيع الحسينية

يسير العمل فيه طبقاً للخطوات التالية:

1 - إعداد العناوين والموضوعات التخصّصية، التي تعنى بالفكر الحسيني طبقاً للمعايير والضوابط العلمية، مع الأخذ بنظر الاعتبار جانب الإبداع والأهمية لتلك العناوين.

2 - وضع الخطّة الإجمالية لتلك العناوين والتي تشتمل على البحوث التمهيدية والفصول ومباحثها الفرعية مع مقدّمة موجزة عن طبيعة البحث وأهميته والغاية منه.

3 - تزويد الجامعات المتعاقد معها بتلك العناوين المقترحة مع فصولها ومباحثها.

المستوى الثاني: الرسائل قيد التدوين

يسير العمل فيه على النحو التالي:

1 - مساعدة الباحث في كتابة رسالته من خلال إبداء الرأي والنصيحة.

2- استعداد القسم للإشراف على الرسائل والأطروحات فيما لو رغب الطالب أو الجامعة في ذلك.

3 - إنشاء مكتبة متخصصة بالرسائل الجامعية لمساعدة الباحثين على إنجاز دراساتهم ورسائلهم، فضلاً عن إتاحة الفرصة أمامهم للاستفادة من مكتبة المؤسسة المتخصّصة بالنهضة الحسينية.

المستوى الثالث: الرسائل المناقشة

يتمّ التعامل مع الرسائل التي تمّت مناقشتها على النحو التالي:

1 - وضع الضوابط العلمية التي ينبغي أن تخضع لها الرسائل الجامعية، تمهيداً

لطبعها ونشرها وفقاً لقواعد ومقررات المؤسسة.

2 - رصد وإحصاء الرسائل الأكاديمية التي تمّ تدوينها حول النهضة الحسينية المباركة.

3 - استحصال متون ونصوص تلك الرسائل من الجامعات المتعاقد معها، والاحتفاظ بها في مكتبة المؤسسة.

4 - قيام اللجنة العلمية في القسم بتقييم الرسائل المذكورة، والبت في مدى صلاحيتها للطباعة والنشر من خلال جلسات علمية يحضرها أعضاء اللجنة المذكورة.

5 - تحصيل موافقة صاحب الرسالة لإجراء التعديلات اللازمة، سواء أكان ذلك من قبل الطالب نفسه أم من قِبل اللجنة العلمية في القسم.

6 - إجراء الترتيبات القانونية اللازمة لتحصيل الموافقة من الجامعة المعنية وصاحب الرسالة على طباعة ونشر رسالته التي تمّت الموافقة عليها بعد إجراء التعديلات اللازمة.

7 - فسح المجال أمام الباحث لنشر مقال عن رسالته في مجلة (الإصلاح الحسيني) الفصلية المتخصصة في النهضة الحسينية التي تصدرها المؤسسة.

8 - العمل على تلخيص الرسائل الجامعية، ورفد الموقع الإلكتروني التابع للمؤسسة بها، ومن ثمّ طباعتها تحت عنوان: دليل الرسائل الجامعية المرتبطة بالإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة.

هذه الرسالة

لقد تناولت هذه الرسالة الجامعية الموسومة ب- (الشعائر الحسينية بين المشروعية والاتهام بالبدعة - دراسة فقهية) موضوعاً مهماً من موضوعات النهضة الحسينية، حيث أن الشعائر الحسينية هي التي تبث الروح في المجتمع الإيماني على الدوام، وهذه الشعائر تحقق عدة أهداف متزامنة، فهي تحفظ شعلة النهضة الحسينية منيرة وهاجة في

المجتمع، وتحافظ على بقاء أهداف النهضة العظيمة، وتركز في الأذهان الحقائق التاريخية التي غيّرت مجرى الأمور، والصراع الذي دار بين الحق والباطل، وهي تذكّر وتؤكّد على ضرورة إصلاح المجتمع، وضرورة نبذ الظلم والوقوف مع العدل والحق، مهما كانت الظروف والنتائج، وببقاء هذه الشعائر تبقى النهضة المقدسة، وببقائها يبقى الإسلام وتبقى تعاليمه الحقة، فأهمية الشعائر الحسينية بأهمية تلك الأهداف والنتائج.

وقد واجهت الشعائر الحسينية مجموعة من الإشكالات والشبهات حالها حال كل فقرات ومفردات الدين الإسلامي، سواء العقائدية منها أو الفقهية، ومن بين أهم تلك الاشكالات هو إشكال: إنّ هذه الشعائر بدعة، وهذا يعنيأنّها ممارسات لا دليل عليها من الشريعة، وإذا كانت بدعة فغايتها الظلال ونتيجتها النار.

ومثل هذه الاتهامات تعتبر حلقة من حلقات تشويه الدين والحقيقة لذلك كان لازماً ان تكون هناك بحوث علمية استدلالية تثبت شرعية الشعائر الحسينية، وتنفي عنها اتهام البدعة من خلال عرض الأدلة والبراهين بروح موضوعية من خلال عرض الآيات القرآنية الروايات وسائر الأدلة الفقهية.

ولأجل تحقيق هذا الغرض المهم كانت هذه الرسالة التي بين يديك عزيزي القارئ.

وفي الختام نتمنى للمؤلف سماحة الشيخ علي الفتلاوي مسؤول قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة الحسينية المقدسة دوام الموفقية والسداد لخدمة القضية الحسينية.

نسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أعمالنا، إنّه سميعٌ مجيبٌ.

اللجنة العلمية في

مؤسسة وارث الأنبياء

للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

مقدمة قسم الرسائل الجامعية

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه، وأشرف بريته محمد وآله الطيبين الطاهرين.

لا يخفى أنّ الصراعَ بين الحقّ والباطل يُعدُّ من السنن الثابتة، وقد عانى المسلمون مآسي هذا الصراع، لا سيّما في فترة الحكم الأموي الذي أدّى بالأمة الإسلامية الرجوع إلى ما قبل شروق أنوار الرسالة، وقد كاد حكمهم يقتلع الدين الإسلامي ويزيله من أذهان المسلمين، لولا انطلاقة سيد الشهداء الإمام الحسين(علیه السلام)، الذي وقف بنهضته المباركة بوجه الطغيان والجبروت.

فكانت النهضة الحسينية المباركة من أعظم الثورات الإصلاحية التي عرفها التاريخ البشري على وجه الكرة الأرضية، وذلك لأنّها استطاعت أن تحفظ الرسالة من الانحراف، وتحيي المبادئ والقيم المقدسة في عقول ونفوس الأجيال المتعاقبة، فهي بحقّ مدرسة أثرت الانسانية بالمبادئ السامية التي تجسّدت في مواقف الإمام الحسين(علیه السلام) ومواقف أصحابه وأهل بيته، كالتضحية والإخلاص والإباء والثبات على المبدأ الحق، وعلو الهمّة والوفاء والعزم والشجاعة، وبذل النفس والنفيس في سبيل الله، وغيرها من القيم النبيلة.ولذلك نجد أنّ الاجيال المتعاقبة من المؤمنين قد اغترفوا من نمير هذه المدرسة الإلهية، واكتسبوا منها العزم على مواجهة التحديات المعاصرة التي تلفّ

بالشيعة من كل حدب وصوب.

ومن هذا المنطلق بادر قسم الرسائل الجامعية في مؤسسة وارث الأنبياء في السعي الحثيث لإدخال الثقافة الحسينية ونشرها في الوسط الجامعي، فقام في اُولى خطواته بجمع الأطاريح والرسائل الجامعية المرتبطة بالنهضة الحسينية، ومراجعتها وتدقيقها واجراء التعديلات اللازمة عليها؛ لتكون مادة بحثية توضع تحت متناول أيدي القرّاء بصورة عامة والباحثين بصورة خاصة.

وهذه الرسالة الموسومة ب«الشعائر الحسينية بين المشروعية والاتهام بالبدعة - دراسة فقهية» من بين الرسائل التي اعتنى بها قسم الرسائل، فقامت اللجنة العلمية في هذا القسم بمراجعتها واجراء بعض التعديلات الضرورية لإظهارها بهذا الشكل الماثل بين يدي القارئ الكريم.

وقد تناول الباحث - مشكوراً - في هذه الرسالة الشعائر الحسينية من الجنبة الفقهية، حيث قدّم أولاً عرضا مفصّلاً عن تاريخية الشعائر وتعريفها في اللغة والاصطلاح، ثمّ عرض النصوص القرآنية التي استدلّ بها على مشروعية الشعائر الحسينية، ثمّ عطف الكلام حول النصوص الروائية التي تدلّ على مشروعية الشعائرالحسينية، بل استحبابها في نظر العقل والعقلاء، ثمّ عقب ذلك بفصل مستقل عالج فيه جميع الشبهات الواردة حول الشعائر الحسينية، وانتهى إلى نتائج مهمّة على هذا الصعيد، من قبيل: أنّ هذه الشعائر ليست مشروعة فحسب بل هي مستحبة شرعا، بل قد ترقّى إلى درجة الوجوب في بعض الاحيان، وأنّ ما اثير حولها من اشكالات وتساؤلات واهية تنمّ عن تعصّب أعمى وجهل مطبق.

قسم الرسائل الجامعية

في

مؤسسة وارث الأنبياء

المقدمة

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على معلّم البشرية وهاديها المصطفى الأمجد أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، الذين جعلهم الله أئمة يهدون بأمره، ويدعون إلى نهجه، ويطبقون شريعته، والسلام على سبط الرسول وريحانته من الدنيا، الإمام أبي الأئمة سيد الشهداء الإمام الحسين(علیه السلام) وعلى أولاده وإخوته وصحبه.

تتضمن هذه المقدمة كليات البحث وهي كالتالي:

مشكلة البحث

يمكن بيان مشكلة البحث من خلال النقاط التالية:

1- كيفية انطباق الشعائر الدينية على الشعائر الحسينية، وبعبارة أخرى ما هو الملاك في جعل الشعائر الحسينية من مصاديق الشعائر الدينية.

2 - بيان الضابطة والملاك الذي على أساسه خرجت الشعائر الحسينية من دائرة البدعة إلى دائرةالمشروعية.

الغاية من البحث

لكي تتّضح الغاية من كتابة البحث نقول: إنّ فرقة النواصب لأهل البيت(علیهم السلام)

تصدّت لتشويه صورة مذهب أهل البيت(علیهم السلام) من خلال اتهام الشيعة بالبدعة والشرك وغيرها من التهم، مستندين في ذلك إلى ما يقوم به الشيعة من شعائر حسينية، فيعمدوا إلى تكذيبهم، فيدعون أنّ هذه الشعائر ليس لها أصل في الدين وليست منه، بل هي بدعة يقوم بها الشيعة.

وأيضاً وقع الالتباس عند بعض محبي أهل البيت(علیهم السلام) حول صحة إقامة هذه الشعائر، ومدى استنادها إلى الشريعة.

كما أنّ هناك أعمالاً يقيمها بعض المحبين لأهل البيت(علیهم السلام) يعدّونها من الشعائر الحسينية، وهي بحاجة إلى دليل واضح يثبت ذلك.

وعلى هذا الأساس فإنّ الهدف والغاية من هذا الموضوع ما يلي:

1- بيان معنى وحقيقة الشعائر الحسينية، وأنها مصداق للشعائر الدينية التي أكّدت الشريعة على ضرورة تعظيمها وإحيائها.

2- بيان مشروعية الشعائر الحسينية من الكتابوالسنة.

3- الرد على من وجّه سهام اتهامه بأن الشعائر الحسينية لا دليل عليها، وأنها بدعة.

الفرضيات

1- إنّ الشعائر الحسينية مصداق للشعائر الدينية

2- توفّر الأدلة على مشروعية الشعائر الحسينية من القرآن والسنة

3- بطلان دعوى من يقول بأن الشعائر الحسينية بدعة.

الدراسات السابقة

تعرّض الكثير من الباحثين للبحث في تاريخ الشعائر الحسينية، نذكر منهم على سبيل المثال:

1- السيد صالح الشهرستاني في كتابه (تاريخ النياحة) وتناول فيه بكاء النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته(علیهم السلام) وأصحابه على الإمام الحسين(علیه السلام) قبل شهادته. وكذلك ما حصل من البكاء من قبل أهل الحجاز والكوفة والشام على الإمام الحسين(علیه السلام) ومصيبته، مضافاً إلى تاريخ النياحة على الإمام الحسين(علیه السلام) في العهد الأموي والعباسي والبويهي والقرون الأخيرة، بيان مواقف الأمويين والعباسيين من النياحة على الحسين(علیه السلام).

2- السيد محسن الأمين العاملي في كتابه (إقناع اللائم على إقامة المآتم) وتعرض لبكاء النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل البيت(علیهم السلام) قبل شهادة الإمام الحسين(علیه السلام)، وبكاء الأئمة الطاهرين بعد شهادته في أزمان مختلفة.

3- الدكتور محمد صالح الجويني في بحثه الموسوم (تأريخ المأتم الحسيني من الشهادة وحتى العصر القاجاري) والدكتور محسن حسام الظاهري في بحثه (تأريخ المآتم الحسينية في العصر القاجاري) والذي سلط الضوء فيه على حقيقة الشعائر الحسينية ومنشئها، وتاريخها، وضرورتها، والهدف من ورائها، والآثار التي تترتّب عليها.

إضافة إلى بعض الكتب التي صدرت مؤخراً كالشعائر الحسينية للشيخ محمد السند، وغيره.

وقد ركّزت الدراسات السابقة على استعراض الأدلة القرآنية والروائية على مشروعية الشعائر الحسينية.

وفي هذه الدراسة تم إضافة بعض التفصيلات في الأدلة وشرحها وعرضها بشكل مبسط، فضلاً على مناقشة الشبهات على الشعائر الحسينية بأسلوب ولغة واضحة وميسّرة.

الجديد في الدراسة

إن البحث في الشعائر الحسينية وإن تناوله كثير من المحققين، وقد استدلوا على مشروعيتها، إلا أن الجديد في هذا البحث هو طرح الموضوع بصورة وفهرسة أخرى،وبلغة واضحة ومفهومة، خالية من التعقيد، مضافاً إلى تنوع الردود والأجوبة في معالجة الإشكالات والاتهامات التي يطرحها البعض من الذين يدعون بأنّ الشعائر الحسينية من البدعة.

والأهم من كل ما تقدم هو بيان أهمية البحث العلمي والحوار العلمي في الدفاع عن المناهج والأساليب ووجهات النظر، وهذا ما حثّ عليه القرآن الكريم كما في قوله تعالى: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ»(1)، ونريد أن نؤكّد لغيرنا من أتباع الأديان الأخرى أنّ لكل منكم شعائره وطقوسه، كما لنا شعائرنا وطقوسنا، فنكون وإياكم على حدٍ سواء، فنكون مصداقاً لقوله تعالى: «ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»(2).

ويجدر الإشارة إلى أننا ذكرنا أكثر من تعريف لغوي لبعض مفردات البحث؛ لكي نستطيع الإشارة إلى وجود رابطة بين المعنى اللغوي للمفردة، وبين الواقع الذي وضعت له المفردة.


1) آل عمران: آية64.

2) الروم: آية28.

الفصل الاول: بحوث تمهيديّة

اشارة

يشتمل هذا الفصل على أربعة مباحث تمهيدية:

المبحث الأول: التعريف بألفاظ العنوان

المبحث الثاني: الشعائر عند أهل الديانات السماوية

المبحث الثالث: لمحة مختصرة حول سيرة الإمام الحسين(علیه السلام)

المبحث الرابع: تاريخ الشعائر الحسينية

المبحث الأول: التعريف بألفاظ العنوان

اشارة

فيه خمسة مطالب:

المطلب الأوّل: الشعائر الحسينية في اللغة والاصطلاح

اشارة

تختلف المفاهيم حسب مواصفاتها، فلموضوع الشعائر مفهومه الخاص، ولموضوع الشعائر الحسينية مفهوم آخر تبعاً لنسبة هذه الشعائر، فإذا أردنا أن نبيّن مفهوم الشعائر الحسينية لا بدّ لنا أولاً من التطرّق إلى ذكر الشعائر في اللغة، ثم في الاصطلاح، ومن بعد ذلك نذكر المراد من الشعائر الحسينية.

المقصد الأول: الشعائر في اللغة

لمعرفة أقوال علماء اللغة في الشعائر نستعرض أقوالهم في ذلك، وهي كما يلي:

1- جاء في كتاب العين للفراهيدي (ت 175ﻫ) قوله:«وشعائر الله مناسك الحج، أي: علاماته»(1).

2- وجاء في كتاب الصحاح للجوهري (ت 393ﻫ): «والشَّعِيرَةُ: البَدَنَةُ تُهْدَى. والشَّعَائِرُ: كُلُّ ما جُعِلَ عَلَماً لطاعَةِ اللهِ [تعالى]»(2).


1) الخليل الفراهيدي، كتاب العين: 1/ 250.

2) الجوهري، الصحاح: 2/ 382-383.

3- جاء في كتاب المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (ت425ﻫ): «مشاعر الحج معالمه الظاهرة للحواس، الواحد مشعر»(1).

المقصد الثاني: الشعائر في الاصطلاح

إنّ الشعائر هي أعم من الأعمال التي تؤدّى في الحج، ولكن غلب مصطلح الشعائر على أفعال الحج؛ كونها ذُكرت في الكتاب الكريم، كما في قوله تعالى: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ» (2)، وقوله تعالى: «وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»(3)، وما جاء في أقوال العلماء عن الشعائر وتعريفها يؤكد أنها عبادات يُتقرب بها إلى الله تعالى، ومنها أفعال وأعمال الحج، ولكي يتضح المطلب نورد أقوال بعض العلماء عن الشعائر، وهي كما يلي:

«إن الشعائر من العبادات التي يعبد الله تعالى بها، فتكون عبادةكغيرها»(4).

«وقال الأزهري: الشعائر المقامة التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها، وقال الجوهري: الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل علماً لطاعة الله، وقال الزجاج: في شعائر الله يعنى بها جميع متعبدات الله التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلاماً»(5).

وقال الطبرسي: ««ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ»، أي: معالم دين الله، والأعلام التي نصبها لطاعته. وقيل: شعائر الله دين الله كله،


1) الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن: 271-272.

2) البقرة: آية158.

3) الحج: آية36.

4) الشهيد الثاني، مسالك الأفهام: 2/ 198، من الهامش.

5) الكاظمي، مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام: 2/ 235، من الهامش.

وتعظيمها التزامها، عن الحسن (فَإِنَّهَا) أي: فإن تعظيمها، لدلالة (يُعَظِّمْ) عليه، ثم حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فقال: (فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) أضاف التقوى إلى القلوب؛ لأنّ حقيقة التقوى: تقوى القلوب»(1).

وينقل العيني في كتابه (عمدة القاري) عن الزجاج: «الشعائر لكل عمل مما تعبد به؛ لأنّ قولهم شعرت به علمته، فلهذا سمّيت الأعلام التي هي متعبدات لله شعائر. وقال الحسن: شعائر الله دين الله تعالى»(2).

وقال الشيخ الطوسي في تفسيره: «والشعائر: المعالم للأعمال، فشعائر الله: معالم الله التي جعلها مواطن للعبادة، وهي أعلام متعبداته من موقف، أو مسعى، أو منحر، وهو مأخوذ من شعرت به، أي: علّمت، وكل معلم لعبادة من دعاء، أو صلاة، أو أداءفريضة، فهو مشعر لتلك العبادة، وواحد الشعائر شعيرة، فشعائر الله أعلام متعبداته»(3).

ويذهب بعض العلماء إلى أنّ بعض الأفعال العبادية التي هي غير الشعائر المصرّح بها في الحج هي من شعائر الله تعالى أيضاً، كما في قول الشيخ الجواهري: «(ويستحب كنس المساجد) قطعاً بمعنى جمع كناستها بضم الكاف وإخراجها لما فيه من تعظيم الشعائر وترغيب المترددين المفضي إلى عدم خرابه»(4).

وقال محقّق كتاب (مسالك الأفهام): «المراد بشعائر الإسلام الأمور التي يختص بشرعه، كالأذان والصلاة وصوم شهر رمضان ونحو ذلك»(5).


1) الطبرسي، تفسير مجمع البيان: 7/ 150.

2) العيني، عمدة القارئ: 9/ 285.

3) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن: 2/ 42.

4) النجفي، جواهر الكلام: 14/ 88.

5) الشهيد الثاني، مسالك الأفهام: 3/ 16.

ويقول الشيخ قاسم محمد العاملي: «الظاهر أن المراد بالشعائر التي هي محل كلام الفقهاء هو كل مظهر من مظاهر الإسلام التي يعرف بها المسلم، ومن أبرزها الصلاة والصيام والحج، وكذلك الآذان والإقامة وغير ذلك، إذ لا يوجد للشعار عند الشارع المقدَّس وضع جديد غير الفهم العرفي»(1).

ويقول صاحب تفسير الأمثل الشيخ ناصر مكارم: «ويمكن القول: إن شعائر الله تشمل جميع الأعمال الدينية التي تذكّرالإنسان بالله سبحانه وتعالى وعظمته، وإن إقامة هذه الأعمال دليل على تقوى القلوب»(2).

وهناك أقوال أخرى للعلماء من المدرستين، أجمعت على أنّ الشعائر أعم من الأعمال التي تؤدى في الحج(3).

المقصد الثالث: الشعائر الحسينية في الاصطلاح

لم أعثر على تعريف محدد للشعائر الحسينية، لكن يمكن تقريبها بأنها كل ما يكون مذكّراً بالإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيته وأنصاره ومواقفه وتضحيته في سبيل اللّه تعالى، مع كونه سائغاً في حدّ ذاته.

وبعبارة أخرى: أنّ مفهوم الشعائر الحسينية لا يختلف عن مفهوم الشعائر بمعناها العام إلّا بلحاظ نسبة الشعائر إلى الإمام الحسين(علیه السلام)، فبناءً على ما تقدم من معنى لغوي للشعائر، نستطيع أن نستخرج للشعائر الحسينية معنى لغوياً مقيداً بما ينسب إلى الإمام الحسين(علیه السلام) إذ لابد لنا من ذكر المعنى اللغوي للشعائر الحسينية


1) العاملي، رسالة في التعرب بعد الهجرة: 133.

2) الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 10/ 344.

3) اُنظر: الشريف الرضي، المجازات النبوية: 182، 227. الفقه الرضوي: 77. المحقق الحلي، شرائع الإسلام. القرطبي، تفسير القرآني: 3/ 180. الجصاص، أحكام القرآن: 1/ 119. الغرناطي الكلبي، التسهيل لعلوم التنزيل: 2/ 39.

حيث إنّها أدرجت كعنوان للمطلب الأول، فنقول:

•

إذا أخذنا الشعائر بمعنى العلامات، فالشعائر الحسينية: هي العلامات التي تدل على أن فاعلها يوالي ويحب الإمام الحسين(علیه السلام).

•

وإذا أخذنا الشعائر بمعنى (كل ما جعل علماً لطاعة الله تعالى) فالشعائر الحسينية: هي كل ما جُعل علماً لطاعة الله تعالى من خلال تعظيم الإمام الحسين(علیه السلام).

•

وإذا أخذنا الشعائر بمعنى (المعالم والمظاهر للحواس) فالشعائر الحسينية: هي الطقوس الظاهرة للحواس التي يمارسها محبو الإمام الحسين(علیه السلام).

وتنقسم الشعائر الحسينية إلى قسمين:

الأول: الشعائر المنصوصة، أي التي جاء بها نص خاص من أهل البيت(علیهم السلام) كالبكاء والحزن والجزع وإقامة المجالس على الإمام الحسين(علیه السلام).

الثاني: الشعائر غير المنصوصة، وهي التي لم يرد فيها نص خاص، لكن يمكن أن تدخل تحت عنوان إحياء أمرهم(علیهم السلام) كاللطم ونحوه بشرط أن لا يدخل تحت عنوان آخر مبغوض للشريعة، وسيأتي تفصيل ذلك في ثنايا البحث.

المطلب الثاني: البدعة في اللغة والاصطلاح

المقصد الأول: البدعة في اللغة

ورد مفهوم البدعة في اللغة: أنه شيء مبتكر ليس له سابقة، فلذا ذكر الخليل في كتابه العين في البَدْعُ أنه:«إحداثُ شيءٍ لم يكن له من قبلُ خلقٌ ولا ذكرٌ ولا معرفةٌ. والله بديعُ السّموات والأرض ابتدعهما، ولم يكونا قبل ذلك شيئاً يتوهّمهما متوهّم، وبدع الخلق. والبِدْعُ: الشيء الّذي يكون أولاً في كل أمر، كما قال الله عزّ وجل:

«قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ»(1). والبِدْعَةُ: اسم ما ابتدع من الدين وغيره. ونقول: لقد جئت بأمرٍ بديع، أي: مبتدع عجيب. وابتدعت: جئت بأمر مختلف لم يعرف ذلك. والبِدْعَةُ: ما استحدثت بعد رسول الله صلى لله عليه وآله من أهواء وأعمال، ويُجْمَع على البِدَع»(2).

وقال الجوهري في الصحاح: «أبْدَعْتُ الشيءَ: اخترعته لا على مثال. والله تعالى بَدِيعُ السَّموات والأرض. والبِدْعَةُ: الحَدَثُ في الدين بعد الإكْمَالِ»(3).

وورد عن ابن فارس في كتابه معجم مقاييس اللغة قوله: «(بدع) الباء والدال والعين أصلان: أحدهما ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر الانقطاع والكلال. فالأول قولهم أبدعت الشيء قولاً أو فعلاً، إذا ابتدأته لا عن سابق مثال، والله بديع السماوات والأرض. والعرب تقول: ابتدع فلان الركي إذا استنبطه. وفلان بدع في هذا الأمر. قال الله تعالى: «قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ» أي ما كنت أول»(4).

المقصد الثاني: البدعة في الاصطلاح

تعريفات البدعة التي ورد ذكرها في المعنى اللغوي تشير إلى أن البدعة هي: الشيء المبتكر الذي لم يسبقه مثال، وتشير إلى أن البدعة هي: ما حدث في الدين بعد الإكمال، أو هي: الأمر المختلف الذي لم يعرف له شبيه، وهذه المعاني وغيرها مما ذكره علماء اللغة لا تبتعد كثيراً عن المعنى الاصطلاحي للبدعة، ولكي يتضح المطلب نورد بعض أقوال العلماء في البدعة:


1) الأحقاف: آية9.

2) الخليل الفراهيدي، كتاب العين: 2/ 54-55.

3) الجوهري، الصحاح: 3/ 437-438. اُنظر: ابن منظور، لسان العرب: 8/ 7.

4) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة: 1/ 209.

يذهب السيد المرتضى (ت436ﻫ) إلى أنّ النقصان في الدين أيضاً مما تتحقق به البدعة فيقول: «البدعة: الزيادة في الدين أو نقصان منه من غير إسناد إلى الدين...»(1).

تشمل عبارة (البدعة) عند أبي شامة المقدّسي (ت665ﻫ): «كُلُّ ما لم يكن في عصر النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) مما فعله، أو أقَرَّ عليه، أو عُلِمَ من قواعد شريعته الإذن فيه وعدم النكير عليه»(2).

ويرى الشاطبي (ت672ﻫ): «البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يُقصد بالسلوك عليها ما يُقصد بالطريقة الشرعية - وقال في مكان آخر - يُقصد بالسلوك عليها: المبالغة في التعبّد لله تعالى»(3).

وقال ابن تيمية (ت726ﻫ): «البِدْعَةُ في الدّين هي ما لميشرّعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب أو استحباب»(4).

وقال ابن حجر العسقلاني (ت852ﻫ) في (فتح الباري): «أصلها ما أُحدِثَ على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السُنَّة، فتكون مذمومة...»(5).

وقال الطريحي (1085ﻫ) في مجمع البحرين: «البدعة: الحدثُ في الدين، وما ليس له أصل في كتاب ولا سُنّة، وإنّما سُمّيت بدعة؛ لأنّ قائلها ابتدعها هو نفسه»(6).

والحاصل: أنّ البدعة هي الزيادة في الدين أو نقصان منه من غير إسناد إلى الدين.


1) الشريف المرتضى، الرسائل: 3/83.

2) السيوطي، الباعث على إنكار البدع والحوادث: 24.

3) الشاطبي، الاعتصام: 1/ 37.

4) ابن تيمية، مجموع الفتاوى: 4/ 107.

5) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري: 5/ 156.

6) الطريحي، مجمع البحرين: 4/ 298-299.

المطلب الثالث: التهمة في اللغة والاصطلاح

اشارة

الكلام في هذا المطلب يكون في مقصدين:

المقصد الأول: التهمة في اللغة

التهمة هي من أخطر ما يفتك بالمجتمع، بل هي من أسباب ارتفاع الثقة بين الناس، ولذا جاء معناها في اللغة مشتملاً على الظن والريبة، وهذا مما يظهر من كتب أهل اللغة:

1.

فقد ورد عن الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتابهالعين قوله: «التُّهمةُ اشتُقّتْ من الوهم، [وأصلُها: وُهْمة]، واتَّهَمْتُه: افتعلته، وأتْهَمْتُهُ، على بناء أفْعَلْتُ، أي: أدخَلْتُ عليه التُّهْمة. ويقال: وَهِمْتُ في كذا، [أي: غَلِطْتُ]. ووَهِمَ يَوْهَمُ وَهَماً، أي: غَلِطَ»(1).

2.

وجاء عن الجوهري في كتابه الصحاح قوله: «وَهِمْتُ في الحساب أوْهَمُ وهْماً، إذا غلطت فيه وسهوت.

ووَهَمْتُ في الشيء - بالفتح - أهِمُ وَهْماً، إذا ذهب وَهْمُكَ إليه وأنت تريد غيره. وتَوَهّمْتُ، أي: ظننت»(2).

3. وقال الفيروز آبادي في كتابه القاموس المحيط: «(الوهم) من خطرات القلب، أو مرجوح طرفي المتردد فيه»(3).

بعد ملاحظة المعنى اللغوي للتهمة ومشتقاتها، يرى الباحث أن التهمة والاتهام منشأهما الغلط الذي يقع فيه من أَسقط التهمة على غيره، فلذ يستوجب


1) الخليل الفراهيدي، كتاب العين: 4/ 100.

2) الجوهري، الصحاح: 5/2054

3) الفيروزآبادي، القاموس المحيط: 4/ 187.

على العقلاء تقصي الحقائق؛ كي لا يقعوا في الغلط في قولهم وفعلهم.

وعند تأمل ما جاء في بعض كتب اللغة يظهر لنا ما يأتي:

1.

قول الخليل الفراهيدي المتقدم «والتهمة اشتقت من الوهم» أي: أنها لا تستند إلى حقيقة، وهذا يستدعي عدمترتيب أثر عليها، كما أنه يدعو إلى التأكد والتأمل قبل إصدار الحكم.

2.

قوله كذلك «وهمت في كذا: أي غلطت»(1)فالغلط هو مخالفة وجه الصواب.

والتهمة لا تستحق الوقوف عندها لما؛ هي عليه من مجانبة الصواب، فلا يجوز تصديقها، ولا يصح نشرها، ولا تبنّيها.

ومجمع القول: إنّ الوهم ومشتقاته أمر يأباه العقلاء، ويأباه الشرع المقدس أيضاً.

المقصد الثاني: التهمة في الاصطلاح

تعرّض العلماء والباحثون إلى تعريف التهمة، فقالوا:

1.

قال الدسوقي (ت1230ﻫ): «ثم إنّه على توجه يمين التهمة، تتوجه ولو كان المدعى عليه ليس من أهل الاتهام، لأن المراد بالتهمة ما قابل التحقيق»(2).

2.

قال في منح الجليل: «إذ كل ما خالف التحقيق فهو تهمة...، ثم قال: أن يمين التهمة أعني المقابلة للمحققة، تتوجه على القول بها، وإن كان المدعى عليه ليس من أهل التهم»(3).


1) الخليل الفراهيدي، العين: 4/ 100.

2) الدسوقي، الشرح الكبير: 4/ 232.

3) صالح بن علي، التهمة وأثرها في الأحكام الفقهية: 29، نقلاً عن منح الجليل: 8/ 570.

3. قال صالح بن علي: «التهمة ضد المحقق، فهي: ما يحصل في النفس من ظن بما نسب إلى إنسان عند وجود القرائن، وما يحصل في النفس: أي يوجد في نفس المتهم، ويقع في خلده من ظن: أي أمر غير محقق، فإن كانت القرائن قوية، فهو ظن غالب، وإن كانت ضعيفة، فهو شك وسوء ظن، وعند وجود القرائن: أي عند وجود الدلالات غير المتيقنة، وإنما هي علامات وأمارات، قد تكون قوية، وقد تكون ضعيفة»(1).

ويرد عليه: إنّ قوله بأن التهمة هي الظن الحاصل نتيجة تأثير الآخرين، وبسبب وجود قرائن تساعد على نشوء هذا الظن، وهذا يعني ضرورة وجود قرائن لها علاقة بجنس التهمة حتى يتكوّن الظن بذلك، ولم يذكر نوع الظن هل هو سيئ أم لا، وهذا مأخذ على التعريف.

4. قال الدكتور عبد الله الركبان في كتابه المصباح: «وجاء في النظرية العامة لإثبات موجبات الحدود، عند الكلام على الموانع الخاصة بالشهادة على الحدود. التهمة في هذا المقام أثر خفي نفسي والأمور الخفية النفسية، لا يلغى اعتبارها في الحدود، ويكتفى في الدلالة عليها بأمور ثابتة، تكون مظنة وجودها»(2).

والصحيح من تعريف التهمة: هي الظن السيئ بجهةما، أو شخص ما، بسبب ما نسب إليه، أو لوجود قرائن تساعد على نشوء هذا الظن.

وبناءً على ما تقدم يكون الاتهام هو: إلصاق عيب أو نقص أو قبح بجهة ما، أو شخص ما، نتيجة سوء الظن الناشئ من النسبة، أو نتيجة الفهم الخاطئ للقرائن.


1) المصدر نفسه: 28.

2) الركبان، المصباح: 2/ 19.

المطلب الرابع: الشريعة في اللغة والاصطلاح

المقصد الأول: الشريعة في اللغة
1.

جاء عن الخليل الفراهيدي (ت175ﻫ) في كتابه العين قوله: «شَرَعَ الوارد الماءَ شروعاً وشَرْعاً فهو شارع، والماء مشروع فيه إذا تناوله بفيه...، والشَّريعة والمَشْرَعَة: موضع على شاطئ البحر، أو في البحر، يُهَيَّأ لشُرْب الدَّوابِّ، والجميع: الشرائع، والمشارع...، ونحن في هذا الأمر شَرَعٌ، أيْ: سواء. وتقول: شَرْعُك هذا، أي: حسبك، وأَشْرَعَنِي، أي: أحسبني وأكفاني، والمعنى واحد، وشَرَّعْت الشيء إذا رفعته جداً، وحيتان شُرَّعٌ: رافعة رؤوسها»(1).

2.

قال الجوهري (ت393ﻫ): «الشَّرِيعَةُ: مَشْرَعةُ الماءِ، وهو موردُ الشاربةِ، والشِّرْعَةُ: الشَّرِيعَةُ، ومنه قوله تعالى: «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا» (2)»(3).

3.

قال ابن فارس (ت395ﻫ): «(شرع) الشين والراء والعين أصلٌ واحد، وهو شيء يُفتَح في امتدادٍ يكون فيه، من ذلك الشَّريعة، وهي مورد الشَّارِبة الماء، واشتُقّ من ذلك الشِّرْعة في الدِّين والشَّريعة، قال الله تعالى «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا» (4)، وقال سبحانه: «ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ» (5)»(6).

4.

نقل الراغب الإصفهاني (ت425ﻫ) عن بعضهم قوله: «سُمِّيَت الشريعة


1) الخليل الفراهيدي، كتاب العين:1/252-254.

2) المائدة: آية48.

3) الجوهري، الصحاح: 3/ 510-511.

4) المائدة: آية48.

5) الجاثية: آية18.

6) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة: 3/ 262.

شريعة تشبيهاً بشريعة الماء من حيث إنّ من شرع فيها على الحقيقة المصدوقة روي وتطهّر»(1).

5.

وقال ابن منظور (ت711ﻫ) في كتابه لسان العرب قوله: «والشريعة: موضع على شاطئ البحر تشرع فيه الدوابّ، وهو مشتق من شاطئ البحر، عن كراع، ومنه قوله تعالى: «ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ» (2)»(3).

6.

وجاء عن الفيروز آبادي (ت817ﻫ) في كتابه القاموس المحيط: «وقيل: شرع الأمر: أي جعله مشروعاًمسنوناً»(4).

المقصد الثاني: الشريعة في الاصطلاح

الشريعة: هي مجموعة الأحكام الشرعية التي سنّها الله لعباده، والتي بُلّغت عن طريق الرسل، وتحتوي من الأحكام ما ينظّم علاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بربّه، ثمّ علاقته بأخيه الإنسان وبالجماعة التي يعيش فيها.

فالشريعة نظام عام شامل يتناول كافّة جوانب الحياة.

أمّا الشريعة الإسلامية: عبارة عن مجموعة الأحكام والأنظمة والقواعد الشرعية التي شرّعها الله(عزوجلّ) وارتضاها لعباده، والتي بُلّغت بواسطة خاتم الأنبياء محمّد ابن عبد الله(صلی الله علیه و آله و سلم) (5).

وبعد التأمل في المعنى اللغوي والاصطلاحي لمفهوم الشريعة يظهر ما يلي:


1) الراغب الإصفهاني، المفردات في غريب القرآن: 267-268.

2) الجاثية: آية18.

3) ابن منظور، لسان العرب: 8/ 176.

4) الفيروز آبادي، القاموس المحيط: 3/ 44.

5) السبحاني، مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه: ص422.

إن مفهوم الشرائع في اللغة لا يختلف عنه في الاصطلاح بدليل:

1. قول الفراهيدي في كتابه العين: «والشَّريعة

والشّرائع: ما شرع الله للعباد من أمر الدين، وأمرهم بالتمسك به من الصلاةوالصوم والحج وشبهه، وهي الشِّرْعَةُ والجمعُ: الشِّرَع»(1).

وفيه إشارة إلى أن المعنى اللغوي يطابق المعنى الاصطلاحي أيضاً، إذ إنّ المعنى الاصطلاحي للتشريع هو «كل ما أمر به الله تعالى، وما نهى عنه جميع العباد على حد سواء»، وهذا لا يختلف عن المعنى اللغوي المذكور آنفاً.

2. قول الجوهري في الصحاح: «والشَّريعَةُ: ما شَرَعَ اللهُ تعالى لعبادِهِ من الدِّين. وقد شَرَعَ لهم يَشْرَعُ شَرْعاً، أي: سَنَّ»(2).

وكذلك في الاصطلاح هي ما يستقي الناس الدين منها.

3. قول الفيروز آبادي في كتابه القاموس المحيط: «و(الشريعة) ما شرع الله تعالى لعباده والظاهر المستقيم من المذاهب»(3).

بمعنى أن المشروعية هي: كل ما أذن الشرع بإتيانه أو حثّ عليه.

المطلب الخامس: الفقه في اللغة والاصطلاح

المقصد الأول: الفقه في اللغة:

«الفقه: هو العلم بالشيء والفهم له، وغلب علىالدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم، وقد جعله العرف خاصاً بعلم الشريعة شرّفها الله تعالى،


1) الخليل الفراهيدي، العين: 1/ 252.

2) الجوهري، الصحاح: 3/ 510-511.

3) الفيروز آبادي، القاموس المحيط: 3/ 44.

وتخصيصاً بعلم الفروع منها»(1).

«فقه الأمر، فَقَهاً وفِقْهاً: أحسن إدراكه، يقال: فقه عند الكلام ونحوه: فهمه»(2).

المقصد الثاني: الفقه في الاصطلاح

«اسم الفقه قد استعمل في اصطلاح الفقهاء للدلالة على أحد المعنيين: أحدهما: حفظ طائفة من مسائل الأحكام الشرعية العملية الواردة بالكتاب والسنة وما استنبط منها، سواء أحفظت مع أدلتها أم حفظت مجردة عن هذه الدلائل.

والمعنى الثاني الذي يطلق عليه اسم الفقه: مجموعة هذه الأحكام والمسائل، فإذا ذكرت دراسة الفقه أو فهم الفقه، أو ما ورد في الفقه، أو التأليف في الفقه، أو كتب الفقه أو ما هو من هذا القبيل، فإنّهم لا يعنون إلا هذه المجموعة التي تحتوي على الأحكام الشرعية العملية التي نزل بها الوحي، قطعية كانت أو ظنية، وعلى ما استنبطه المجتهدون على اختلاف طبقاتهم، وعلى ما اهتدى إليه أهل التخريج والوجوه، وعلى ما ظهرت روايته واشتهرت وما لم يكن كذلك، وعلى الأقوال الصحيحة والأقوال الراجحة والأقوال غير الصحيحة والمرجوحة والضعيفة والشاذة، وعلى ما أفتى به أهل الفتوى فيالواقعات والنوازل، وإن لم يقم على استنباط ولم يكن إلّا تطبيقاً للأحكام المقررة، وعلى بعض ما احتيج إليه من مسائل العلوم الأخرى كبعض أبواب الحساب التي ألحقت بالوصايا والمواريث، وعلى ما رآه متأخرو الفقهاء الذين ليسوا من أهل الاجتهاد ولا التخريج من طريق ما سموه تفقهاً، أو استظهاراً أو أخذاً، أو ما أشبه ذلك، فكل هذا الذي ذكرنا قد اندمج


1) ابن منظور، لسان العرب: 9/ 3450.

2) إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط: 2/ 698.

بعضه ببعض وصار فقهاً»(1).

ويطلق علم الفقه أيضاً بمعنيين:

«المعنى الأول: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية، وهذا يعني حصول الإنسان على الأحكام الشرعية معرفة تفصيلية مستخرجة من أدلتها المجملة.

والمعنى الثاني: هو تلك الأحكام الشرعية العملية نفسها، بحيث يعتبر مجموع ما تشتمل عليه مدونات الأحكام، علماً فقهياً»(2).

«وعلم الفقيه هو الاستدلال، والذي هو: عملية يقوم بها الفقيه إقامة الدليل على المطلوب من أحكام الشرع، وأول دليل معتمد موحي بشقيه كتاب الله وسنة رسوله، وقد وضع لذلك طرقاً منهجية ليكون استدلاله بهما على الأحكام استدلالاً سليماً حيث أمكن الاستدلال بهما، ثم استنبط أدوات أخرى عليها المعوّل في الاستدلال واستثمار الأحكام حيث لم يستطع فعل ذلك بدليل الوحي، حتى لاتخلو واقعة من حكم إلى الشرع منسوب، نسبة تقبلها العقول وتطمئن إليها النفوس»(3).

فينتج مما تقدم أنّنا نريد أن ننظر إلى الشعائر الحسينية بالمنظار الفقهي وليس بمنظار آخر، ونفهم حكم هذه الشعائر لكي نبتعد بها عن الاتهام بالبدعة حتى يتسنى لمحبي أهل البيت(علیهم السلام) إقامتها، ولا ندعي أنّنا من الفقهاء المجتهدين، ولا نقول بأنّ رأينا يمثّل الرأي الفقهي الذي يوازي آراء العلماء والفقهاء، بل هي محاولة بحثية للوصول إلى إثبات مشروعية هذه الشعائر، كما أشير في العنوان الرئيسي للبحث.


1) مجموعة من كبار أساتذة الفقه الإسلامي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن الشهيرة ب-(موسوعة جمال عبد الناصر الفقهية): 1/ 11-12.

2) علال الفاسي، الفقه الإسلامي: 15.

3) رشيد سلهاط، الاستدلال الفقهي دراسة تحليلية للعقل الإسلامي، وميلاد عناصر علم أصول الفقه: 95.

المبحث الثاني: الشعائر عند أهل الديانات السماوية

اشارة

وفيه مطالب:

المطلب الأوّل: الشعائر عند المسلمين

اشارة

أمر الله سبحانه وتعالى الناس بتعظيم شعائر دينه القويم؛ لأنّها مظهر من مظاهر الإيمان والتقوى، وبعض هذه الشعائر ترتبط بالمكان، وبعضها يرتبط بالزمان، وبعضها يعدّ من العلامات لطاعة الله تعالى، وهنا مقاصد:

المقصد الاول: تعظيم الله تعالى

إنّ تعظيم الله تعالى أهم واجب على المسلمين، إذ إنّه تعالى خالقهم وربهم ومدبر أمرهم، فاستحق بذلك عليهم التعظيم والطاعة، وحيث إنّه تعالى شرع لهم الشرائع، ونهج لهم المناهج، التي تقربهم إليه، وتسير بهم إلى الغاية القصوى، ألا وهي عبادته جل وعلا لقوله سبحانه: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»(1)فصار لزاماً على الخلق أن يعبدواالله تعالى كل بحسبه وبحسب ما شرع له، فشرع سبحانه لعباده الإيمان بالأصول والعمل بالفروع، كما شرع لهم توقير الأنبياء واحترام الأولياء وتقديسهم، وشرع لهم وجوب الحفاظ على الدين، فقال سبحانه


1) الذاريات: آية56.

في وجوب الإيمان بالأُصول: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ» (1). وقال تعالى: «فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ»(2).

وكذلك حثّت الروايات والأحاديث التي وردت عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته(علیهم السلام) على ضرورة شكر المنعم؛ لكي يؤدي العبد حق مولاه، ولكي ينال الزيادة في النعم، وهذا لا يتم إلّا من خلال تعظيم الله تعالى بأداء فروضه والعمل بنوافله، والانتهاء عن زواجره، وتعظيم شعائره، وحسن طاعته، فلذا جاءت الأحاديث الشريفة تؤكد ذلك:

أ - ما ورد عن سول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في حق الطاعة، قوله: «إِنَّهُ لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ الله إِلَّا بِطَاعَتِه»(3).

ب - ما ورد عن أمير المؤمنين(علیه السلام) في حق الطاعة وذلك من كتاب إلى الحارث الهَمْداني، قوله: «أَطِعِ الله فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ فَإِنَّ طَاعَةَ الله فَاضِلَةٌ عَلَى مَا سِوَاهَا»(4).ج - ما ورد عن أمير المؤمنين(علیه السلام) في حق الشكر لله تعالى، قوله: «لَوْ لَمْ يَتَوَاعَدِ الله عِبَادَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ لَكَانَ الْوَاجِبُ أَلَّا يُعْصَى شُكْراً لِنِعَمِه»(5).

د - ومما يشير إلى تعظيم الله تعالى من خلال تعظيم غيره، قول رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): «إنَّ مِن تعظيم جلال الله عز وجل كرامة ذي الشيبة، وحامل القرآن، والإمام العادل»(6).


1) البقرة: آية62.

2) البقرة: آية186.

3) الكليني، الكافي: 2/74، الحديث2.

4) الشريف الرضي، نهج البلاغة، الكتاب69، من كتاب له إلى الحارث الهمداني (الهمذاني).

5) الريشهري، ميزان الحكمة: 5/ 1968، الحديث 9576.

6) المتقي الهندي، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: 9/ 305، الحديث25507.

ﻫ - ومما يشير إلى أنّ السجود لا يكون إلّا لله تعالى وإن كان فيه تعظيم لغيره من خلقه، كما في قوله تعالى: «وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا»(1)قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام): «مَا سَجَدْتَ بِهِ مِنْ جَوَارِحِكَ فَلَهُ فَلَا تَدْعُو مَعَ الله أَحَداً»(2).

فعند تأمل هذه الأحاديث الشريفة يظهر لنا ما يلي:

1.

إنّ ما ادّخره الله تعالى لعباده من قرة عين لا ينال إلّا بطاعته سبحانه، وأن طاعته تتجسد في الامتثال لما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه، والعمل بما ندب إليه.

2.

إنّ الله تعالى يستحق على عباده الشكر، فلو لم يعبد خوفاً للزم أن يعبد شكراً على نعمه وآلائه، وهذا نوع من التعظيم له تعالى.

3.

إنّ من تعظيم الله تعالى تعظيم عباده الصالحين كحامل القرآن والإمام العادل وغيرهم.

4.

لو وصل تعظيم من يريد الله تعالى تعظيمه إلى حد السجود له - كما في قصة السجود لآدم(علیه السلام) - فهو لا شك تعظيم وسجود لله تعالى وحده لا شريك له، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين(علیه السلام) في الحديث الأخير.

إذن نخرج بنتيجة أنّ تعظيم الله تعالى يتجسد في أعمال أرادها الله تعالى، ومنها تعظيم أولياء الله تعالى وعباده الصالحين.

المقصد الثاني: تعظيم الرسل

أشار تعالى إلى ضرورة الإيمان به وبرسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر، لما في ذلك من فائدة للناس فقال تعالى: «آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ


1) الجن: آية18.

2) ابن الأشعث، الجعفريات (الأشعثيات)، كتاب التفسير: 179.

آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ»(1).

كما أن الله تعالى أمر باحترام الأنبياء والرسل ومحبتهم، وهذا مما لا يخفى على أحد، فلقد ذكر تعالى أكثر من آية تدل على ذلك، وأوجب تعظيمهم وتوقيرهم، كما في قوله تعالى: «لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ...»(2)عزّره: أي أعانه وعظمه وقواه ونصره(3)، وقال تعالى: «لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ»(4).فيتضح من خلال هذه الآيات وجوب تعظيم الرسل وتوقيرهم وطاعتهم، لاسيما خاتم الأنبياء والمرسلين محمد(صلی الله علیه و آله و سلم)، ولأن الخاتم(صلی الله علیه و آله و سلم) معصوم من الزلل منزّه من الخطأ، زكي طاهر بل أخذ على عاتقه تزكية النفوس وتطهيرها كما في قوله تعالى: «رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ»(5).

فنجد فيما ورد من الأمر الإلهي في قوله تعالى: «قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ»(6)وقوله تعالى: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»(7)، وقوله تعالى: «... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ» (8).


1) البقرة: آية285.

2) الفتح: آية9.

3) إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط: 598.

4) المائدة: آية12.

5) الجمعة: آية2.

6) آل عمران: آية32.

7) آل عمران: آية132.

8) سورة الحشر: آية7.

دليلاً واضحاً على تعظيم الرسول الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم)، ووجوب طاعته، والأخذ بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه.

وكذلك أشارت الأحاديث الشريفة أيضاً إلى ذلك، فلقد ورد عنهم(علیهم السلام) ما يشير إلى ذلك كما في هذه الباقة العطرة من الأحاديث والروايات:

أ - مما يشير إلى دور النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) في أمته وتزكيته لنفوس الناس، وهديه لهم، قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام): «فَلَقَدْ صَدَعَ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَبَلَّغَ رِسَالاتِ رَبِّهِ، فَأَصْلَحَ الله بِهِذَاتَ الْبَيْنِ، وَآمَنَ بِهِ السُّبُلَ، وَحَقَنَ بِهِ الدِّمَاءَ، وَأَلَّفَ بِهِ بَيْنَ ذَوِي الضَّغَائِنِ الْوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ، حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين»(1).

ب - مما يشير إلى زكاته ووجوب طاعته ما ورد عن الإمام الصادق(علیه السلام) قوله: «إِنَّ الله أَدَّبَ نَبِيَّهُ(صلی الله علیه و آله و سلم) حَتَّى إِذَا أَقَامَهُ عَلَى مَا أَرَادَ قَالَ لَهُ: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»(2)فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ رَسُولُ الله(صلی الله علیه و آله و سلم) زَكَّاهُ الله فَقَالَ: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (3)فَلَمَّا زَكَّاهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ دِينَهُ فَقَالَ: «... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (4)»(5).

فيتضح مما تقدم ذكره ما يأتي:

1. إنّ طاعة النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) واجبة؛ لما له من حق علينا، ولما يتصف به من العصمة والطهارة التي شهد بها رب العالمين، وهذه الطاعة هي تعظيم له(صلی الله علیه و آله و سلم).

1) الشريف الرضي، نهج البلاغة: خطبة أمير المؤمنين(علیه السلام) بذي قار: 1/ 309. اُنظر: المجلسي، بحار الأنوار: 32/63، الحديث44.

2) الأعراف: آية199.

3) القلم: آية4.

4) الحشر: آية7.

5) المجلسي، بحار الأنوار: 17/8، باب13.

2.

إنّ طاعة النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) تجسد في الأخذ بما أمر به وندب إليه، والانتهاء عما نهى عنه.

3.

إنّ زكاته وعصمته تمنعه من أن يأمر تبعاً للهوى أو للعاطفة أو ميلاً وعبثاً.

وهذا النبي المعصوم من كلّ زلل ورجس وهوى أمربحبّ عترته الطاهرة وطاعتها وتعظيمها بما في ذلك الإمام الحسين(علیه السلام)، وسيأتي لاحقاً ما يشير إلى ذلك.

المقصد الثالث: تعظيم القرآن الكريم

إنّ القرآن يهدي للتي هي أقوم، وهو وسيلة للقرب الإلهي، ولشفاء النفوس وهدي العقول؛ لأنّه مأدبة الله تعالى كما ورد ذلك في الحديث النبوي الشريف: «الْقرْآنُ مَأْدُبَةُ الله فَتَعَلَّمُوا مَأْدُبَةَ القرآن [الله] مَا اسْتَطَعْتُم»(1)، وقال(صلی الله علیه و آله و سلم): «القرآن أفضل كلّ شيء دون الله(عزوجلّ)، فمن وقّر القرآن فقد وقّر الله، ومن لم يوقّر القرآن فقد استخفّ بحرمة الله»(2).

وللقرآن الكريم حرمته التي يجب الحفاظ عليها، وعدم انتهاكها وهذا ما أكدته الاحاديث الشريفة الواردة عن الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته عليهم السلام، فعنه(صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: «إِنَّ لِلهِ حُرُمَاتٍ ثلاث [ثَلَاثاً] مَنْ حَفِظَهُنَّ حَفِظَ اللهُ لَهُ أَمْرَ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْهُنَّ لَمْ يَحْفَظِ اللهُ لَهُ شَيْئاً حُرْمَةَ الْإِسْلَامِ وَحُرْمَتِي وَحُرْمَةَ عِتْرَتِي»(3).

المقصد الرابع: تعظيم الحرم والبيت الحرام

صرّح القرآن الكريم بحرمة مكّة ومكانتها، وأوجب على عموم المسلمين تعظيمها وتكريمها، وذكر القرآن الكريمبعض الأماكن فيها، كأماكن أداء فريضة


1) الشعيري، جامع الأخبار: 40.

2) المصدر نفسه: 41.

3) الصدوق، الخصال: 1/ 146.

الحج، فلذا على جميع المسلمين تقديسها وتعظيمها، وهذه الأماكن هي: الكعبة المشرّفة، والمسجد الحرام، ومقام إبراهيم، والصفا والمروة، وعرفات، والمزدلفة، ومنى، وجمرة العقبة، وغيرها.

ومن الشواهد التي تؤكّد ذلك هي ما أشارت إليه الآيات الكريمة والروايات الشريفة الآتية:

أولاً: قوله تعالى: «وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ»(1).

ثانياً: قوله تعالى: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ»(2).

ثالثاً: قوله تعالى: «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ»(3).

وبعد ملاحظة هذه الآيات الكريمة يظهر لنا مدى اهتمام الشارع المقدّس بتعظيم شعائر الله تعالى؛ لما فيها من مردودات إيجابية على نفس المسلم كالتقوى وقوة الإيمان.

وجاءت الروايات الشريفة تعضد التعظيم الذي حثّ عليه القرآن الكريم كما في قول الإمام الرضا(علیه السلام): «...فَإِذَا بَلَغْتَ الحَرَمَ فَاغْتَسِلْ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ مَكَّة، وَامْشِ هُنَيْهَةً وَعَلَيْكَ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ، فَإِذَا دَخَلْتَ مَكَّةَ وَنَظَرْتَ إِلَى الْبَيْتِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِالَّذِي عَظَّمَكِ وَشَرَّفَكِ وَكَرَّمَكِ وَجَعَلَكِ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ، ثُمَّ ادْخُلِ الْمَسْجِدَ حَافِياً وَعَلَيْكَ السَّكِينَةَ وَالْوَقَار...»(4).


1) البقرة: آية125.

2) البقرة: آية158.

3) الحج: آية32.

4) ابن بابويه القمي، فقه الرضا(علیه السلام): 218.

وروى العامة: أن عمر بن الخطاب حج في خلافته واستلم الحجر، ثم قال: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولو لا أني رأيت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يقبلك لما قبلتك. فقال له شخص من ورائه: إنه يضر وينفع. فالتفت فإذا علي بن أبي طالب(علیه السلام)...»(1).

روى ابن عباس: أن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)، قال «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام إلى يوم القيامة، لم يحل لأحد قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، ولم يحل لي إلاّ ساعة من نهار، وهو حرام إلى يوم القيامة، لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا تلتقط لقطتها إلّا لمعرف»(2).

المطلب الثاني: الشعائر عند اليهود

اشارة

هناك أماكن مقدسة عند اليهود، يتعاملون معها بقدسية واحترام وتعظيم، ويقيمون فيها بعض الأعمال العبادية، ويعدّونها من شعائر الله تعالى، وحيث إنّ الشعائر هي العلامات المنصوبة التي تدل على طاعة الله تعالى، فهذه الأماكن هي علامات دالة على الديانة اليهودية، وهنا مقاصد:

المقصد الأول: القدس الشريف

إنّ هذا المكان المقدّس نال قدسيته منذ القدم، أيقبل ميلاد السيد المسيح(علیه السلام)، ثم حافظ على هذه القدسيّة وإلى يومنا هذا، فهو مكان محترم من قبل الديانات الثلاث: الإسلامية واليهودية والمسيحية، ولكل من هذه الديانات أسبابه التي بموجها يقدّس هذا المكان، فالقدس كونها مدينة مقدّسة لدى اليهود فلابد من


1) العلامة الحلي، أجوبة المسائل المهنائية: 140.

2) النووي، المجموع: 15/ 349.

الإشارة إلى ذلك من خلال ما يأتي:

«يعتقد اليهود أنّ حائط البراق هو من بقايا هيكلهم المزعوم الذي دكه تيطس سنة (70م)، كما أزال هادريان آثاره سنة (135م) بعد هدْم القدس، ويزور اليهود الحائط ويبكون عنده، ويدّعون أنّ هذا الحائط حق لهم، ويوجد العديد من القبور المقدسة لدى اليهود في القدس، منها: قبر النبي زكريا، وقبر قدس الأقداس، كما أنّ هناك العديد من الكنس القديمة ويتراوح عددها بين (15-20) كنيساً أثرياً»(1).

وأشارت الدكتورة عبلة المهتدي(2)في كتابها (القدس تاريخ وحضارة) إلى أنّ داود هو من أسّس مدينة القدس، وجعلها مركزاً للسلطات الدينية والسياسيةوالعسكرية(3).

وذكرت الباحثة ذاتها أنّ داود هو من نقل تابوت العهد من بيت جبرين إلى مدينة القدس؛ ليجعل مدينة القدس المركز الديني للعبرانية(4).

وعند تأمل ما تقدم يتضح لنا أهمية القدس في نظر اليهود، بل هي مكان مقدّس لما فيها من مقدّسات كهيكل سليمان، وحائط المبكى وغيره.

وتسمى القدس بالعبراني (أورشليم) وهو اسم بيت القدس ومعناه (بيت السلام)(5).


1) ردينة جميل عبد المجيد، القدس تاريخ وحضارة: 31-32.

2) عبلة المهتدي حصلت على شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال (الأدب الإنجليزي تخصصاً فرعياً) من الجامعة الأردنية عام 1976، وتفرغت بين عامَي 1983 و2004، لإعداد الدراسات والأبحاث عن تاريخ القدس، ثم التحقت بالجامعة الأردنية منذ عام 2005.

3) اُنظر: عبلة المهتدي، القدس تاريخ وحضارة: 31-34.

4) اُنظر: المصدر نفسه.

5) اُنظر: ابن منظور، لسان العرب: 1/ 203، مادة (أور).

المقصد الثاني: هيكل سليمان(علیه السلام)

إنّ وجود الأمكنة المقدسة لدى المسلمين والتي صارت بمثابة شعائر إلهية تدل على دينهم، لم يكن منحصراً بهم، بل هي موجودة عند الأمم السابقة، فلذا ذكر الباحثون أنّ فكرة بناء هيكل سليمان كانت من أفكار النبي داود(علیه السلام) ثم تركه إلى ولده النبي سليمان(علیه السلام) (1).

وذكرت الدكتورة عبلة أيضاً اختلاف المؤرخين في السبب الحقيقي الذي دعا داود(علیه السلام) لبناء الهيكل فمنهم منقال إنّ السبب هو إرضاء لشعبه، وآخر قال تقليدٌ لليبوسيين، وثالث قال هو السيطرة على القبائل اليهودية...(2).

فيظهر مما تقدم ما يلي:

أ - إنّ هناك أمكنة مقدّسة جعلت مكاناً للعبادة.

ب - إنّ الهيكل هو مركز ديني لليهود.

ج - إنّ الهيكل بني بأمر من الله تعالى.

فإنّ ذلك يؤكد وجود أماكن مقدّسة لليهود يتعبدون فيها، وتعد من شعائرهم.

المقصد الثالث: حائط المبكى

يعتقد اليهود أنّ حائط المبكى الذي «هو عبارة عن زقاق لا يتجاوز عرضه 4.3م وطوله أقل من 50م وتقوم بجواره حارة لليهود، وفيها كنيسان وبيوت قديمة...» هو ما تبقى من هيكل سليمان الذي هدمه (طيطس بمام) «وأن هدريان قد أزال آثاره، وقد سمح العثمانيون لليهود بالتعبد أمام هذا الحائط في القرن


1) اُنظر: عبلة المهتدي، القدس تاريخ وحضارة: 34.

2) اُنظر: المصدر نفسه: 34-35.

السادس عشر ميلادي، فأصبح هذا الموقع مكان عبادة لليهود، ويقوم اليهود المتدينون بأداء شعائرهم الدينية بالبكاء وهز الرأس، ووضع الأوراق بين نتوءات الجدران... الخ»(1).

ولقد ذكر جعفر الخليلي كلاماً آخر عن حائط المبكى،وعقيدة اليهود فيه(2).

المقصد الرابع: قبر ذي الكفل

هو يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن(علیهم السلام)، ومرقده في (قرية الكفل) التابعة إلى محافظة الحلة، ويقع بينها وبين مدينة الكوفة على الضفة الشرقية للفرات، له حرم وأروقة سميكة البناء قديمة الإنشاء، وتظل قبره قبة قديمة مخروطة الشكل، وكانت اليهود تأتي لزيارته في السنة مرة(3).

فيتضح مما تقدم أنّ الشعائر الدينية كانت تقام قبل الإسلام من أهل الديانات السابقة.

المطلب الثالث: الشعائر عند النصارى

اشارة

لا يختلف المسيحيون عن اليهود في اعتقادهم بقدسية القدس، وما فيها من أماكن مقدّسة، فهم يقدسون كل ما يمت لنبي الله عيسى(علیه السلام) وأمه السيدة مريم(علیها السلام)، فلذا جاء في تاريخ القدس ما يلي:

«إنّ بداية الآثار المسيحية في القدس تعود إلى عهد الملكالبيزنطي قسطنطين منذ عام (333م). وهناك (950) أثراً ومكاناً مقدّساً مسيحياً في القدس، بين كنيسة


1) ردينة جميل، القدس تاريخ وحضارة: 26.

2) اُنظر: جعفر الخليلي، موسوعة العتبات المقدسة، قسم القدس: 2/، 202.

3) محمد حرز الدين، مراقد المعارف: 1/ 393.

ودير ومدارس مسيحية، ولكن الأهم في هذه المعالم (60) موقعاً موزعة على مختلف الطوائف المسيحية التي لها آثار ووجود متواصل في القدس، وقد ابتدأ بناء الكنائس منذ بداية محاكمة المسيح»(1).

وقد أقام الرومان كنائس عديدة قرب كنيسة القيامة(2)، ومن هذه الكنائس التي شيّدت:

المقصد الأول: بناء كنيسة القيامة

«شيّدت كنيسة القيامة زمن قسطنطين (335م)، وقد تعاونت معه والدته هيلانة لتحقيق ذلك، فتم بناء كنيسة القيامة في وسط القدس، وتحتوي كنيسة القيامة على قبر المسيح، (حسب الاعتقاد المسيحي)»(3).

فهذه الكنيسة مكان مقدس يحج إليه المسيحيون لزيارتها، ويعملون فيها بعض المراسيم التي تعد من شعائرهم، ولهم اعتقادات كثيرة فيها.

ويذكر جعفر الخليلي(4)رحلة القسيس الإنجليزيومعه مجموعة من المسيحيين للحج إلى بيت المقدس(5).

وذكر كذلك تفاصيل عن الرحلة وإقامة الطقوس في كنيسة القيامة(6).


1) ردينة جميل عبد المجيد، القدس تاريخ وحضارة: 29.

2) اُنظر: المصدر نفسه.

3) المصدر نفسه.

4) جعفر الخليلي (1904 - 2 فبراير 1985): أديب وصحفي عراقي ولد بمدينة النجف، أصدر جريدة الراعي عام 1932م وكانت تلك بداية إصداراته، ثم جريدة الهاتف الأسبوعية الأدبية في عام 1935م، واستمرت بالصدور حتى عام 1954م، توفي في مدينة دبي في 2 فبراير 1985م.

5) اُنظر: جعفر الخليلي، موسوعة العتبات المقدسة، قسم القدس: 2/ 152.

6) اُنظر: المصدر نفسه: 2/ 155-156.

المقصد الثاني: مصلى الشيح

يقوم المسيحيون بطقوس شبيهة بما يقوم به المسلمون الشيعة في تقديس مقدساتهم كالمواكب والمواعظ من الخطباء والدوران بهذه المواكب في الأماكن المقدسة، وهذا ما ذكره جعفر الخليلي في كتابه: موسوعة العتبات المقدسة/ قسم القدس عن إقامة الطقوس في مصلى الشيح، فقال: «ما إن خيّم ظلام ذلك اليوم على البلد حتى أخذ الرهبان والحجاج جميعهم بالاجتماع في (مصلى الشيح) الكائن في الجهة الشمالية من الضريح المقدس بالقرب من مساكن اللاتين، لأجل أن يخرجوا بموكب يدور في الكنيسة، ولكنهم قبل أن يفعلوا ذلك ألقى أحد الرهبان خطبة وعظ بالإيطاليةفي ذلك المصلى»(1).

المقصد الثالث: بناء كنائس أخرى مقدسة

لم يترك المسيحيون مكاناً فيه ذكرى للنبي عيسى(علیه السلام) إلا وأقاموا به المراسيم والتقديس، فلذا ورد في كتاب (القدس تاريخ وحضارة للدكتورة ردينة): «هو الطريق الذي سار فيه السيد المسيح مع الجنود الرومان لصلبه، ويتكون هذا الطريق من (14) مرحلة، تبدأ الأولى من جوار مدرسة راهبات صهيون، وهناك الكثير من الكنائس والأديرة والأضرحة التي تسجل تاريخ قداسة القدس وأهميها بالنسبة للمسيحيين عبر العصور، ولكن ما ذكرناه هو الأهم بالنسبة للمسيحيين»(2).

وذكر الباحث الخليلي أنّ هناك أضرحة للأنبياء وكهفاً جرمياً والمكان الذي حبس فيه الملك صدقيا(3).


1) المصدر نفسه: 2/ 157-158.

2) ردينة جميل عبد المجيد، القدس تاريخ وحضارة: 30.

3) اُنظر: جعفر الخليلي، موسوعة العتبات المقدسة، قسم القدس: 2/ 160.

المبحث الثالث: لمحة مختصرة حول سيرة الإمام الحسين(علیه السلام)

إنّ التعريف بالإمام الحسين(علیه السلام) لا يراد منه التعريف بمجهول الحال، ولا يراد منه إثبات نسب لمغمور من الرجال، بل هو بيان لمقام الإمام(علیه السلام) وتعريف برتبته، وتأكيد لمنزلته، لمن جهل ذلك أو تجاهل متعمداً كما فعل بنو أمية وجيشهم الأعمى الذي غرته الدنيا.

•

اسمه: الحسين بن علي بن أبي طالب(علیه السلام).

•

والده: سيد الأوصياء وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام).

•

والدته: الزهراء البتول والصديقة الشهيدة فاطمة بنت محمد نبي الإسلام (صلوات الله وسلامه عليهما).

•

جدّه لأمّه: رسول الله محمد(صلی الله علیه و آله و سلم).

•

جدّه لأبيه: أبو طالب سيد البطحاء(علیه السلام).

•

ألقابه: الرشيد، الطيب، الوفي، الشهيد، السبط، السيد....

•

ولادته: المشهور في الثالث من شعبان للسنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة.- مقامه وفضله: الإمام الحسين(علیه السلام) هو ممن باهل به رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وفد نجران، وهو ممن نزلت فيهم آية التطهير، وآية المباهلة، وآية المودة في القربى، والخامس من أصحاب الكساء الذين خصّهم الله تعالى بالكرامة والفضل.

وهنالك عدد وافر من الروايات التي وردت عن النبي وأهل بيته(علیهم السلام) التي

تكشف عن المكانة والمنزلة للإمام الحسين(علیه السلام).

ومن هذه الروايات أنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أخذ بيد الحسن والحسين(علیهما السلام) فقال: «من أحبّني وأحبّ هذين وأباهما وأمّهما كان معي في درجتي في الجنّة يوم القيامة»(1).

وروي أيضاً عن سلمان المحمدي: أنّ الحسين(علیه السلام) كان على فخذ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وكان يقبّله ويقول: «أنت السيد ابن السيد أبو السادة، أنت الإمام ابن الإمام أبو الأئمة، أنت الحجة ابن الحجة أبو الحجج تسعة من صلبك، وتاسعهم قائمهم»(2).

وورد في حقه وحق أخيه الإمام الحسن(علیهما السلام) الكثير من أحاديث النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) التي تشير إلى إمامته وحجيته ومحبته، وهي بمثابة أوسمة قلدها رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ولده الإمامالحسين(علیه السلام)، منها:

•

«حسين مني وأنا من حسين»(3).

•

«الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة»(4).

•

«أحب أهل بيتي إليّ الحسن والحسين»(5).

•

«الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وإنهما إمامان إن قاما أو قعدا وأبوهما خيرٌ منهما»(6).


1) الترمذي، سنن الترمذي: 5/ 305، برقم 3816 ابن حنبل، مسند أحمد: 1/ 77.

2) ابن شاذان، مائة منقبة من مناقب أمير المؤمنين والأئمة من ولده(علیه السلام) من طريق العامة: 124، المنقبة الثامنة والخمسون.

3) ابن قولويه القمي، كامل الزيارات: 52، الباب الرابع عشر، الحديث 11.

4) ورد باختلاف يسير: الصدوق، عيون أخبار الرضا(علیه السلام): 1/ 60، الباب السادس النصوص على الرضا(علیه السلام) بالإمامة في جملة الأئمة الاثني عشر(علیه السلام).

5) الشيخ الماحوزي، كتاب الأربعين: 355.

6) الخزاز الرازي، كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر: 38، باب ما جاء عن أبي ذر الغفاري في النصوص على الأئمة(علیه السلام)

•

«حسين سبط من الأسباط»(1).

•

«من أحب أن ينظر إلى أحب أهل الأرض وإلى أحب أهل السماء فلينظر إلى الحسين»(2).

وغيرها من الفضائل الكثيرة التي تؤكد على تعظيم الإمام ووجوب محبته والدفاع عن حرمته.

•

«زوجات الإمام(علیه السلام): ليلى بنت أبي مرة بن مسعود الثقفي، الرباببنت امرؤ القيس، عاتكة، شهر بانويه بنت يزدجرد ملك الفرس»(3).

•

«أولاده(علیه السلام): الإمام زين العابدين علي السجاد(علیه السلام)، علي الأكبر(علیه السلام)، جعفر، عبد الله الرضيع ويقال علي الأصغر، وسكينة، وفاطمة، ورقية»(4).

وحيث إنّ الإمام الحسين(علیه السلام) هو الإمام بعد أخيه الإمام الحسن(علیه السلام)، وهو أبو الأئمة التسعة، وهو حجة الله تعالى على الخلق بعد أخيه الإمام الحسن(علیه السلام)، أوجب الله تعالى طاعته بقوله: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ...» (5).

وأوجب محبته ومودته على الأمة بقوله تعالى: «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» (6).

وعلى الرغم من تأكيد رسول الله(علیه السلام) مودة الإمام الحسين(علیه السلام)، من خلال الروايات المتضافرة، نجد ان الإمام(علیه السلام) تعرض للانتهاك وللظلم وللقتل لا لشيء


1) ابن قولويه القمي، كامل الزيارات: 52، باب الرابع عشر.

2) ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب(علیه السلام): 4/ 73، فصل في معالي أموره.

3) القندوزي الحنفي، ينابيع المودة: 2/142.

4) المصدر نفسه.

5) النساء: آية59.

6) الشورى: آية23.

إلا لخروجه لطلب الإصلاح ونشر الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيحق لنا ولكل حر رافض للظلم ناصر للحق أن يبكي على هذا الوجود المقدس، وهو ما فعله النبي(علیه السلام) وأهل بيته(علیهم السلام)، وحثّوا عليه.

المبحث الرابع: تاريخ الشعائر الحسينية

اشارة

وفيه مطالب:

المطلب الأوّل: بكاء الأنبياء السابقين على الإمام الحسين(علیه السلام)

اشارة

نظراً لضرورة الاختصار في البحث اضطررنا إلى ذكر شاهد واحد من الشواهد التي تشير إلى إقامة الشعائر الحسينية من قبل الأنبياء السابقين، على نبينا وآله وعليهم السلام.

المقصد الأول: بكاء آدم(علیه السلام)

«حينما نظر آدم(علیه السلام) إلى ساق العرش ورأى أسماء الخمسة(علیهم السلام)، ولقّنه جبرئيل(علیه السلام) أن يقول: يا حميد بحق محمد، ويا عالي بحق علي، ويا فاطر بحق فاطمة، ويا محسن بحق الحسن، و يا قديم الإحسان بحق الحسين، فلما ذكر الحسين(علیه السلام) سالت دموعه وخشع قلبه، فقال لجبرئيل: في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي، فأخذ جبرئيل في بيان السبب راثياً للحسين(علیه السلام)، وآدم والملائكة الحاضرونهناك يسمعون ويبكون، فقال: ولدك هذا يصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب،

قال: وما هي؟ قال: يقتل عطشاناً غريباً، وحيداً فريداً، ليس له ناصر ولا معين»(1).

وورد أنّ آدم(علیه السلام) بكى على الحسين(علیه السلام) حين شاهد ذلك في عالم الذر(2).

المقصد الثاني: بكاء نوح(علیه السلام)

«ولما وصلت سفينة نوح(علیه السلام) فوق أرض قتل فيها الحسين(علیه السلام)، ارتجّت السفينة، فخاف نوح الغرق، فقال: إلهي طفت الدنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني في هذه الأرض، فنزل جبرئيل(علیه السلام) بقضية الحسين(علیه السلام)، وقال: يقتل في هذا الموضع، فبكى نوح(علیه السلام)، وأصحاب السفينة، ولعنوا قاتله ومضوا»(3).

المقصد الثالث: بكاء النبي إبراهيم(علیه السلام)

ورد عن الإمام الرضا(علیه السلام) «لما أمر الله عز وجل إبراهيم أن يذبح مكان ابنه إسماعيل(علیه السلام)، الكبش الذي أنزله عليه، تمنّى إبراهيم أن يكون ذبح ابنه إسماعيل(علیه السلام) بيده، وأنه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه، ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده عليه بيده، فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، فأوحي الله(عزوجلّ)إليه يا إبراهيم من أحب خلقي إليك؟ فقال: يا رب ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ من حبيبك محمد(صلی الله علیه و آله و سلم)، فأوحى الله إليه أهو أحب إليك أمنفسك؟ فقال: بل هو أحب إليّ من نفسي، قال تعالى: فولدهأحب إليك أو ولدك؟ قال: بل ولده، قال(عزوجلّ): فذبح ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك، أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟


1) المجلسي، بحار الأنوار: 44/ 245.

2) اُنظر: طاهر آل علكة، رأس الحسين(علیه السلام): 43.

3) المجلسي، بحار الأنوار: 44/ 243.

قال: يا رب بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي، قال: يا إبراهيم، فإن طائفة تزعم أنها من أمة محمد ستقتل الحسين ابنه ظلماً وعدواناً كما يذبح الكبش، ويستوجبون بذلك سخطي، فجزع إبراهيم(علیه السلام) وتوجع قلبه وأقبل يبكي...»(1).

المقصد الرابع: بكاء عيسى بن مريم(علیه السلام)

ولما مر النبي عيسى(علیه السلام) ومعه الحواريون في كربلاء رأوا أسداً كاسراً قد أخذ الطريق، فتقدم عيسى(علیه السلام) إلى الأسد وقال: لم جلست على طريقنا لا تدعنا نمر فيه؟ قال: إني لا أدعكم تمرون حتى تلعنوا يزيد قاتل الحسين(علیه السلام) سبط محمد النبي الأمين، وابن علي الولي سلام الله عليهما(2).

وهناك أنبياء آخرون قد بكوا الإمام الحسين(علیه السلام)، سنذكرهم لاحقاً في مقام الاستدلال على جواز البكاء على الإمام الحسين(علیه السلام) في الفصل الثاني.

المطلب الثاني: بكاء نبينا(صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته وأصحابه على الإمام الحسين(علیه السلام)

اشارة

جاء في التاريخ والسيرة: أن النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته(علیهم السلام) وأصحابه بكوا على الإمام الحسين(علیه السلام)، بل إنّ النبي(علیه السلام) أقام المأتم على مصيبة ولده ومصيبة أهل بيته، وأولى هذه المأساة رعاية كبيرة في أكثر من موطن ومع أكثر من شخص بما في ذلك نساؤه وأهل بيته، ولكي يتضح المطلب يرى الباحث لا بد من تسليط الضوء على ما قام به النبي وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن صلوات الله عليهم وما قام به الأصحاب وزوجات النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)، وهنا مقاصد:


1) الصدوق، الخصال: 58.

2) الصدوق، الأمالي: 479.

المقصد الأول: ذكر النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) لمصيبة ولده الحسين(علیه السلام) وبكاؤه عليه

عاش النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) مع ولده الإمام الحسين(علیه السلام)، ومارس دور المربّي والأب الحاني، بحيث كان يتألم لكل ما يصيبه(علیه السلام) في صغر سنه، وعندما أُخبر من السماء بما سيحل على ولده من بعده بكاه بكاءً مراً، وهذا ما أشارت إليه الروايات الكثيرة والتي نذكر منها ما يلي؛ لبيان تاريخ إقامة الشعائر الحسينية في صدر الإسلام:

قال صاحب العقد الفريد: «ومن حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه - وآله - وسلم، قالت: كان عندي النبي صلى الله عليه - وآله - وسلم ومعي الحسين، فدنا من النبي صلى الله عليه - وآله - وسلم،فأخذته، فبكى فتركته، فدنا منه، فأخذته، فبكى فتركته؛ فقال له جبريل: أتحبه يا محمد؟ قال: نعم، قال: أما إنّ أمتك ستقتله، وإن شئت أريتُك من تربة الأرض التي يقتل بها، فبسط جناحه، فأراه منها، فبكى النبي صلى الله عليه - وآله - وسلم»(1).

وقد ذكر ابن عساكر في كتابه مختصر تاريخ دمشق(2)بكاء النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) على ولده الإمام الحسين(علیه السلام) وكذلك ذكر ذلك الشيخ الطوسي(3).

وهناك الكثير من الروايات التي تؤكد أن النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) ذكر مصيبة ولده الإمام الحسين(علیه السلام) وبكى عليه.

فيظهر مما تقدم أن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ذكر مصيبة الحسين(علیه السلام) وبكى عليه فسنّ بذلك سنة البكاء والحزن على سيد الشهداء(علیهم السلام)، وهذا مما يدعونا أن نواسي رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) بولده الحسين(علیه السلام)


1) الأندلسي، العقد الفريد: 5/ 132.

2) اُنظر: ابن عساكر الشافعي، مختصر تاريخ دمشق: 7/ 134.

3) اُنظر: الطوسي، الأمالي: 324.

المقصد الثاني: بكاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على مصيبة ولده الحسين(علیه السلام)

لم يدع أمير المؤمنين(علیه السلام) مناسبة إلّا وذكر فيها ما سيحل على ولده الإمام الحسين(علیه السلام) وعلى أهل بيته فيكربلاء، ومنها ما ذكره عند ذهابه إلى صفين لقتال الباطل، فلقد ورد عن ابن عساكر وعن الشيخ الصدوق ما يشير إلى ذلك، كما في هذه الرواية:

قال الشيخ الصدوق: «حدثنا محمد بن أحمد السناني، قال: حدثنا أحمد بن يحيى ابن زكريا القطان، قال: حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، قال: حدثنا تميم بن بهلول، قال: حدثنا علي بن عاصم، عن الحسين بن عبد الرحمن، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كنت مع أمير المؤمنين(علیه السلام) في خروجه إلى صفين، فلما نزل بنينوى وهو شط الفرات، قال بأعلى صوته: (يا بن عباس، أتعرف هذا الموضع؟ فقلت له: ما أعرفه، يا أمير المؤمنين، فقال علي(علیه السلام): لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكي كبكائي. قال: فبكى طويلاً حتى اخضلت لحيته وسالت الدموع على صدره، وبكينا معاً، وهو يقول: أوه أوه، مالي ولآل أبي سفيان، مالي ولآل حرب، حزب الشيطان، وأولياء الكفر، صبراً - يا أبا عبد الله - فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم...)»(1).

المقصد الثالث: بكاء الزهراء على ولدها الحسين(علیها السلام)

ذكر العلماء أنّ سيدة نساء العالمين بكت ولدها الإمام الحسين(علیه السلام) عند ولاته، بعد أن أخبرها رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) عن خبره، كما أنها لعنت قاتليه، وتبرّأت من الأمة التي اجتمعتعلى قتله، وهذا ما تشير إليه هذه الرواية: «رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ(صلی الله علیه و آله و سلم) ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ بِقَتْلِ وَلَدِهَا الْحُسَيْنِ وَمَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنَ الْمِحَنِ بَكَتْ فَاطِمَةُ بُكَاءً شَدِيداً،


1) الصدوق، الأمالي: 478-480. اُنظر: ابن عساكر، مختصر تاريخ دمشق: 7/ 133.

وَقَالَتْ: يَا أَبَهْ، مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: فِي زَمَانٍ خَالٍ مِنِّي وَمِنْكِ وَمِنْ عَلِيٍّ، فَاشْتَدَّ بُكَاؤُهَا وَقَالَتْ: يَا أَبَهْ، فَمَنْ يَبْكِي عَلَيْهِ وَمَنْ يَلْتَزِمُ بِإِقَامَةِ الْعَزَاءِ لَهُ؟، فَقَالَ النَّبِيُّ(صلی الله علیه و آله و سلم): يَا فَاطِمَةُ، إِنَّ نِسَاءَ أُمَّتِي يَبْكُونَ عَلَى نِسَاءِ أَهْلِ بَيْتِي، وَرِجَالَهُمْ يَبْكُونَ عَلَى رِجَالِ أَهْلِ بَيْتِي، وَيُجَدِّدُونَ الْعَزَاءَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَإِذَا كَانَ الْقِيَامَةُ تَشْفَعِينَ أَنْتِ لِلنِّسَاءِ وَأَنَا أَشْفَعُ لِلرِّجَالِ، وَكُلُّ مَنْ بَكَى مِنْهُمْ عَلَى مُصَابِ الْحُسَيْنِ أَخَذْنَا بِيَدِهِ وَأَدْخَلْنَاهُ الْجَنَّةَ، يَا فَاطِمَةُ، كُلُّ عَيْنٍ بَاكِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عَيْنٌ بَكَتْ عَلَى مُصَابِ الْحُسَيْنِ، فَإِنَّهَا ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ بِنَعِيمِ الْجَنَّةِ»(1).

وكذلك ورد عن ابن عباس في حديث طويل أنّ السيدة فاطمة الزهراء(علیها السلام) بكت على ولدها الإمام الحسين(علیه السلام) عند ولادة سيد الشهداء(علیه السلام) (2).

المقصد الرابع: بكاء الإمام الحسن على أخيه الحسين(علیه السلام)

من خلال تتبعنا لحياة الإمام الحسن(علیه السلام) وسيرته في كتب التاريخ نقف على ما يشير إلى بكاء الإمام الحسن(علیه السلام) على ما سيحل به وبأخيه الإمام الحسين(علیه السلام) من مصيبة،ولكي نسلط الضوء على ذلك نذكر ما ورد في هذه الرواية الآتية:

«روي أن الحسن(علیه السلام) لما دنت وفاته ونفدت أيامه، وجرى السم في بدنه، تغير لونه واخضر، فقال له الحسين(علیه السلام) مالي أرى لونك [مائلاً] إلى الخضرة؟ فبكى الحسن وقال: يا أخي، لقد صح حديث جدي فيَّ وفيك، ثم اعتنقه طويلاً وبكيا كثيراً، فسئل عن ذلك، فقال: أخبرني جدي، قال: لما دخلت ليلة المعراج روضات الجنان، ومررت على منازل أهل الإيمان، رأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة [إلا أن] أحدهما من الزبرجد الأخضر، والآخر من الياقوت الأحمر، فقلت:


1) البحراني، عوالم العلوم: 534. اُنظر: المجلسي، بحار الأنوار: 44/293.

2) اُنظر: مسند فاطمة: 314. اُنظر: هاشم البحراني، مدينة المعاجز: 3/ 428، برقم 952/ 5.

يا جبرئيل لمن هذان القصران؟ فقال: أحدهما للحسن(علیه السلام)، والآخر للحسين(علیه السلام)، فقلت: يا جبرئيل، فلم لم يكونا على لون واحد؟ فسكت ولم يرد جواباً، فقلت: لم لا تتكلم؟ قال(علیه السلام): حياء منك، فقلت له: سألتك بالله إلا ما أخبرتني، فقال: أما خضرة قصر الحسن(علیه السلام) فإنه يموت بالسم، ويخضر لونه عند موته، وأما حمرة قصر الحسين(علیه السلام)، فإنه يقتل ويحمر وجهه بالدم، فعند ذلك بكيا وضج الحاضرون بالبكاء والنحيب»(1).

وقد رثى الإمام الحسن(علیه السلام) أخاه سيد الشهداء(علیه السلام) في حديث طويل(2).

وعند التأمل في هذه الرواية نلمس منه بكاء الإمامالحسن(علیه السلام) على مصيبته ومصيبة أخيه الإمام الحسين(علیه السلام) قبل شهادة الإمام الحسين(علیه السلام)

المقصد الخامس: بكاء الصحابة على الإمام الحسين(علیه السلام)
اشارة

هناك من الصحابة من بكى على الإمام الحسين(علیه السلام) عندما أخبرهم النبي بقتله وبكى فبكوا لبكائه، وهناك من بكى عليه عند خروجه من المدينة، وهناك من بكى عليه بعد شهادته، ولكي يتضح المطلب نورد الروايات الدالة على بكاء هذه الطوائف الثلاث، وهي كما يلي:

أ - بكاء الصحابة عند إخبار النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) بشهادة الإمام الحسين(علیه السلام)

روى عروة، عن عائشة، أنّها قالت: «دخل الحسين بن علي -(علیه السلام)- على رسول الله صلى الله عليه - وآله - وسلم وهو يوحى إليه، فركب على ظهره وهو منكب، ولعب على ظهره، فقال جبريل: يا محمد إن أمتك ستفتن بعدك ويُقتل ابنك هذا من


1) المجلسي، بحار الأنوار: 44/ 145. عبد الله البحراني، عوالم العلوم: 121.

2) اُنظر: الصدوق، الأمالي: 177.

بعدك، ومد يده فأتاه بتربة بيضاء، وقال: في هذه الأرض يقتل ابنك اسمها الطف، فلما ذهب جبريل خرج رسول الله صلى الله عليه - وآله - وسلم إلى أصحابه والتربة في يده، وفيهم أبو بكر وعمر وعلي وحذيفة وعمار وأبو ذر وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة فأخبرنيأن فيها مضجعه(1).

وقد علق السيد الأمين في كتابه بأن الصحابة بكوا على الحسين(علیه السلام) فقال: «ولابد أن يكون الصحابة لما رأوا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يبكي لقتل ولده وتربته بيده، وأخبرهم بما أخبره به جبرئيل من قتله، وأراهم تربته التي جاء بها جبرئيل، أخذتهم الرقّة الشديدة، فبكوا لبكائه، وواسوه في الحزن على ولده، فإنّ ذلك مما يبعث على أشد الحزن والبكاء»(2).

ومما يؤكد قول السيد الأمين أن أمير المؤمنين(علیه السلام) بكى على ولده كما مر في الروايات، ولا شك في بكاء حذيفة وعمار وأبي ذر، وهم من كبار الصحابة.

ب - بكاء الصحابة عند خروج الإمام الحسين(علیه السلام) من المدينة

عند خروج الإمام الحسين(علیه السلام) من المدينة اعترضه ثلة من الصحابة إشفاقاً عليه، ولكنه إمام معصوم لا يرفع قدماً ولا يضعها إلّا بأمر الله تعالى وإذنه وإرادته، وممن اعترضه:

قال ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة: «وسبب خروجه -(علیه السلام) - أنّ يزيد لما استُخلف سنة ستين أرسل لعامله بالمدينة أن يأخذ له البيعة على الحسين، ففر لمكة خوفاً على نفسه، فسمع به أهل الكوفة، فأرسلوا إليه أن يأتيهم ليبايعوه ويمحو


1) الماوردي، أعلام النبوة: 108.

2) الأمين، إقناع اللائم على إقامة المآتم: 90-91.

عنهم ما هم فيه من الجور، فنهاه ابن عباس، وبيّن له غدرهم وقتلهم لأبيه وخذلانهم لأخيه، فأبى، فنهاه أن لا يذهب بأهله، فأبى، فبكى ابن عباس وقال: واحبيباه واحسيناه. وقال له ابن عمر نحو ذلك، فأبى، فبكى ابن عمر، وقبّل ما بين عينيه، وقال: أستودعك الله من قتيل. ونهاه ابن الزبير أيضاً فقال له: حدثني أبي: إن لمكة كبشاً به يستحل حرمتها، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش»(1).

وذكر الشعبي أنّ ابن عمر قد اعتنق الإمام(علیه السلام) عند خروجه إلى كربلاء وبكى(2).

ثم بكت بعض نساء بني عبد المطلب على الإمام الحسين(علیه السلام) عند خروجه، فجاء في كتاب كامل الزيارات لابن قولويه القمي المتوفى (368ﻫ) «عن سعد بن عبد الله بن أبي خلف، عن محمد بن يحيى المعاذي، قال: حدثني الحسين بن موسى الأصم، عن عمرو، عن جابر، عن محمد بن علي (علیهما السلام)، قال: لما همّ الحسين(علیه السلام) بالشخوص عن المدينة، أقبلت نساء بني عبد المطلب، فاجتمعن للنياحة حتّى مشى إليهن الحسين(علیه السلام)، فقال: أنشدكن الله أن تبدين هذا الأمر معصية لله ولرسوله، فقالت له نساء بني عبد المطلب: فلمن نستبقي النياحة والبكاء، فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وعلي وفاطمة ورقية وزينب وأم كلثوم، فننشدك الله، جعلنا الله فداك من الموت يا حبيب الأبرار من أهل القبور، وأقبلت بعض عماته

تبكي»(3).

وبكت بعض زوجات النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم)، نقل الشيخ عبد الله البحراني في كتابه العوالم: «لما عزم على الخروج من المدينة أتته أم سلمة(رضی الله عنه)، فقالت: يا بني، لا تحزني بخروجك إلى العراق، فإني سمعت جدك يقول: يقتل ولدي الحسين(علیه السلام) بأرض


1) ابن حجر العسقلاني، الصواعق المحرقة: 2/ 574.

2) اُنظر: ابن عساكر، مختصر تاريخ دمشق: 7/142.

3) ابن قولويه القمي، كامل الزيارات: 195.

العراق في أرض يقال لها: كربلاء، فقال لها: يا أماه، وأنا والله أعلم ذلك، وإنّي مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بد، وإني والله لأعرف اليوم الذي أُقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي أُدفن فيها، وإني أعرف من يُقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت يا أماه أريك حفرتي ومضجعي. ثم أشار إلى جهة كربلاء، فانخفضت الأرض حتى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره وموقفه ومشهده، فعند ذلك بكت أم سلمة بكاء شديداً، وسلمت أمره إلى الله...»(1).

ج - بكاء الصحابة على الإمام الحسين(علیه السلام) بعد شهادته

ذكر المؤرخون أن بعض الصحابة بكى على الإمام(علیه السلام) بعد شهادته، لاسيما عند حضورهم في مجالس الطواغيت وعند لقاء الركب الحسيني، واطلاعهم على ما فعله الطواغيت برأس الإمام الحسين(علیه السلام)، نذكر منهم:

قال ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ: «فجلس ابنزياد وأذن للناس، فأحضرت الرؤوس بين يديه، وهو ينكت بقضيب بين ثنيّتيه ساعة، فلما رآه زيد بن الأرقم لا يرفع قضيبه، قال: أعل هذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فو الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله، صلى الله عليه - وآله - وسلم، على هاتين الشفتين يقبلهما، ثم بكى، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك، فو الله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك، فخرج وهو يقول: أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمّرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم، فرضيتم بالذلّ، فبعداً لمن يرضى بالذلّ»(2).


1) المجلسي، بحار الانوار: 44/ 331. عبد الله البحراني، عوالم العلوم: 181.

2) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: 4/ 81. اُنظر: ابن حجر العسقلاني، الصواعق المحرقة: 2/578.

«وعن علي بن زيد بن جدعان، قال: استيقظ ابن عباس من نومه فاسترجع، وقال: قتل الحسين والله، فقال له أصحابه: كلا يا بن عباس، كلا، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه - وآله - وسلم ومعه زجاجة من دم، فقال: ألا تعلم ما صنعت أمتي من بعدي؟ قتلوا ابني الحسين، وهذا دمه ودم أصحابه، أرفعها إلى الله(عزوجلّ)، قال: فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه، وتلك الساعة، قال: فما لبثوا إلا أربعة وعشرين يوماً حتى جاءهم الخبر بالمدينة أنه قتل ذلك اليوم وتلك الساعة»(1).

«وعن سلمى قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي، فقلت: مايبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه - وآله - وسلم في المنام، وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفاً»(2).

ويظهر مما تقدم أن ابن عباس وأم سلمة أقاما تعزية على الإمام(علیه السلام)، فضلاً عن البكاء، وهذا نوع من أنواع الشعائر الحسينية.

المطلب الثالث: إقامة الشعائر في العصر الأموي

اشارة

وفيه مقاصد:

المقصد الأول: إقامة الشعائر في العصر الأموي من قبل أهل البيت(علیهم السلام)
اشارة

لا شك أن أول من أقام الشعائر على الإمام الحسين(علیه السلام) هم أئمة أهل البيت(علیهم السلام) الذين طهرهم الله تعالى، وجعل قولهم وفعلهم وتقريرهم حجة على الناس؛ كونهم أئمة المسلمين الذين وجبت طاعتهم، إلا أن الأمة تنكّرت لذلك إلّا بعضاً منها، وهم شيعتهم ومواليهم، وحيث إنّ الأئمة(علیهم السلام) الذين عاصروا الحكم


1) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: 7/ 152. اُنظر: سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: 326، و331-332.

2) ابن عساكر، مختصر تاريخ دمشق: 7/ 153.

الأموي هم الإمام زين العابدين والإمام محمد الباقر والإمام الصادق(علیه السلام)، لذا نأتي على ذكرهم:

أولاً: إقامة الشعائر من قبل الإمام السجاد(علیه السلام)

ورد في كامل الزيارات عن ابن قولويه القمي أنه قال:«حدثني أبي رحمه الله وجامعة مشايخي، عن سعد ابن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن أبي داود المسترق، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله(علیه السلام)، قال: بكى علي بن الحسين على أبيه الحسين بن علي(علیه السلام) عشرين سنة أو أربعين سنة، وما وضع بين يديه طعامٌ إلا بكى على الحسين، حتّى قال له مولى له: جعلت فداك يا بن رسول الله، إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون، إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة لذلك»(1).

ثانياً: إقامة الشعائر من قبل الإمام الباقر(علیه السلام)

ذكر في التاريخ الإسلامي أنّ الإمام الباقر(علیه السلام) عاش مصائب كربلاء وهو بصحبة أبيه الإمام علي بن الحسين(علیه السلام)، ورأى من المصائب والأهوال ما بقي عالقاً في ذهنه الشريف، فكان إذا لقي شاعراً من الشعراء الموالين لأهل البيت(علیهم السلام) طلب منه أن يسمع ما قاله الشاعر في حق جدّه الحسين(علیه السلام)، ما يذكر لنا المسعودي في كتابه مروج الذهب(علیه السلام) فقال: عرض الكميت شعره على أبي جعفر محمد بن علي: «فحينئذ قدم المدينة، فأتى أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، فأذن له ليلاً فأنشده، فلما بلغ من الميمية قوله:

وقتيلٍ بالطَّفِّ غُودِر منهم *** بين غوغاء أُمة وطغَام


1) ابن قولويه القمي، كامل الزيارات: 213-214. اُنظر: الصدوق، الأمالي: 121.

بكى أبو جعفر، ثم قال: يا كميت، لو كان عندنا مال لأعطيناك، ولكن لك ما قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) لحسان بن ثابت: لا زلت مؤيداً بروح القدس ما ذَبَبْتَ عنا أهلَ البيت، فخرج من عنده»(1).

ومما يؤكّد بكاء الإمام الباقر(علیه السلام) على جدّه الحسين(علیه السلام) هو ما ورد من حثّ لشيعته على زيارة الإمام الحسين(علیه السلام) والإقامة عنده والبكاء عليه(2).

ثالثاً: إقامة الشعائر من قبل الإمام الصادق(علیه السلام)

إنّ الروايات التي أشارت إلى بكاء الإمام الصادق(علیه السلام) كثيرة، نكتفي ببعضها:

روى ابن قولويه القمي في كتابه كامل الزيارات: «حدثنا أبو العباس القرشي، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون المكفوف، قال: قال أبو عبد الله(علیه السلام): يا أبا هارون، أنشدني في الحسين(علیه السلام)، قال: فأنشدته، فبكى، فقال: أنشدني كما تنشدون - يعني بالرقة - قال: فأنشدته:

امرر على جدث الحسين *** فقل لأعظمه الزكية

قال: فبكى، ثم قال: زدني، قال: فأنشدته القصيدة الأخرى، قال: فبكى، وسمعت البكاء من خلف الستر»(3).وكذلك بكى الإمام(علیه السلام) عندما أنشده أبو عمارة المنشد، قال: «قال لي: يا أبا عمارة، أنشدني في الحسين(علیه السلام) »، قال: فأنشدته، فبكى، ثم أنشدته فبكى، ثم أنشدته فبكى، قال: فوالله ما زلت أنشده ويبكي حتى سمعت البكاء من الدار... »(4).


1) المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر: 3/ 229.

2) اُنظر: ابن قولويه القمي، كامل الزيارات: 26 و201.

3) المصدر نفسه: 208.

4) المصدر نفسه: 209، و212، و215. اُنظر: الصدوق، الأمالي: 121. اُنظر: الطوسي، مصباح المتهجد: 543.

فيلاحظ مما تقدم من الروايتين أن الإمام الصادق(علیه السلام) ما ذكر المصيبة بشيء من الذكر إلا وبكى لذلك.

المقصد الثاني: إقامة الشعائر في العصر الأموي من قبل غير أهل البيت(علیهم السلام)
أولاً: إقامة المآتم من قبل نساء يزيد

أ - ذكر سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص ما قاله الزهري والشعبي عن بكاء نساء يزيد على مصيبة الإمام الحسين(علیه السلام)، فقال: «قال الزهري: لما دخلت نساء الحسين وبناته على نساء يزيد قمن إليهن وصحن وبكين وأقمن المأتم على الحسين، وقال الشعبي: لما دخلت نساء الحسين على نساء يزيد قلن واحسيناه»(1).

ب - ذكرت بعض الروايات(2)أنّ زوجة يزيد هي من دخلت على عائلة الإمام(علیه السلام) ولما عرفت هوية العائلة، اعترضت على يزيد، واستنكرت فعله، وأقامت العزاء في بيتها مع جواريها ومحبيها، وفي كلتا الصورتين نجد أنّ هناك من أقام العزاء على الإمام(علیه السلام) في دار عدوّه، ليؤكد أحقية الإمام(علیه السلام) وبطلان فعل يزيد، وهذا ما أراده الله تعالى من إعلاء كلمته.

ثانياً: مواقف رثاء لشخصيات مهمة

نقل سبط ابن الجوزي في كتابه (تذكرة الخواص) ما يلي:

«ذكر ابن سعد عن أم سلمة لما بلغها قتل الإمام الحسين(علیه السلام)، قالت: أوَقَدْ فعلوها، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، ثم بكت حتى غشي عليها. وقال الزهري: لما بلغ الحسن البصري قتل الحسين بكى حتى اختلج صدغاه، ثم قال: واذل أمة قتلت


1) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: 335.

2) اُنظر: المجلسي، بحار الأنوار: 45/ 143.اُنظر: عبد الله البحراني، عوالم العلوم: 443

ابن بنت نبيها، والله ليردن رأس الحسين إلى جسده، ثم لينتقمن له جده وأبوه من ابن مرجانة. وقال الزهري: لما بلغ الربيع بن خثيم قتل الحسين بكى، وقال: لقد قتلوا فتية لو رآهم رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) لأحبهم، أطعمهم بيده وأجلسهم على فخذه»(1).

ثالثاً: رثاء الإمام(علیه السلام) بالشعر

ذكر السدي أن أول من رثاه عقبة بن عمرو العبسي فقال:

إذا العين قرت في الحياة وأنتم *** تخافون في الدنيا فأظلم نورها

مررت على قبر الحسين بكربلا *** ففاضت عليه من دموعي غزيرها

وما زلت أبكيه وأرثي لشجوه

ويسعد عيني دمعها وزفيرها

وقال الربيع بن أنس: رثاه عبد الله بن الحر فقال:

يقول أمير غادر أي غادر *** ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمة

ونفسي على خذلانه واعتزاله *** وبيعة هذا الناكث العهد لائمة

فيا ندمي ألا أكون نصرته *** ألا كل نفس لا تسدد نادمة

ولما بلغ ابن زياد هذه الأبيات طلبه فقعد على فرسه ونجا منه.

ومن أبيات وقد مرّ بكربلاء:

كربلا لا زلت كرباً وبلا *** ما لقي عندك أهل المصطفى

كم على تربك لما صرعوا *** من دم سال ومن دمع جرى

يا رسول الله لو أبصرتهم *** وهم ما بين قتل وسبا

إلى آخر القصيدة.


1) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: 338-339.

وذكر المدايني رجلاً أرسل صاحبه لتقصي خبر الإمام الحسين(علیه السلام)، فذهب ورجع باكياً، وأنشد:

والله ما جئتكم حتى بصرت *** في الأرض منعفر الخدين منحوراً

وحوله فتية تدعى نحورهم *** مثل المصابيح بغشون الدجى نوراً(1).

ونقل سبط ابن الجوزي أنّ الشعبي قال: رثى سليمان بن قتة الإمام الحسين(علیه السلام) وقومه الصرعى بكربلاء. وذكر كذلك الكثير ممن رثى الإمام الحسين(علیه السلام) شعراً، منهم: ابن الهبارية، وأبو عبد الله النحوي، وجدّ سبط ابن الجوزي(2).

فمما لا شكّ أنّ الرثاء هو أحد أشكال العزاء الذي يقيمه الناس على موتاهم، وقد ذكر المؤرخون أنّ بعض الشعراء قد قاموا برثاء الإمام(علیه السلام).

رابعاً: إقامة العزاء عند قبر الإمام(علیه السلام) من قبل التوابين

أقام التوابون العزاء عند قبر الإمام الحسين(علیه السلام): «ثمّ ساروا فانتهوا إلى قبر الحسين، فلمّا وصلوا صاحوا صيحةً واحدة، فما رئي أكثر باكياً من ذلك اليوم، فترحّموا عليه وتابوا عنده من خذلانه وترك القتال معه، وأقاموا عنده يوماً وليلة، يبكون ويتضرّعون ويترحّمون عليه وعلى أصحابه، وكان من قولهم عند ضريحه: اللهمّ ارحم حسيناً الشهيد ابن الشهيد، المهدي ابن المهدي، الصديق ابن الصديق، اللهم إنا نشهدك أنا على دينهم وسبيلهم وأعداء قاتليهم وأولياء محبيهم، اللهم إنا خذلنا ابن بنت نبينا، صلى الله عليه - وآله - وسلم، فاغفر لنا ما مضى منّا وتب علينا وارحم حسيناً وأصحابهالشهداء الصدّيقين، وإنّا نشهدك أنا على دينهم وعلى ما


1) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: 341-344.

2) اُنظر: المصدر نفسه.

قتلوا عليه، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، وزادهم النظر إليه حنقاً.

ثم ساروا بعد أن كان الرجل يعود إلى ضريحه كالمودّع له، فازدحم الناس عليه أكثر من ازدحامهم على الحجر الأسود»(1).

المطلب الرابع: إقامة الشعائر في العصر العباسي

اشارة

وفيه مقاصد:

المقصد الأول: إقامة الشعائر من قبل الأئمة(علیهم السلام)
أولاً: إقامة الشعائر من قبل الإمام الصادق(علیه السلام)

عاصر الإمام الصادق(علیه السلام) الحكام الأمويين، وحكام بني العباس أيضاً، فعاش العصرين، العصر الأموي والعصر العباسي، فشارك أباه الإمام الباقر(علیه السلام) في إقامة الشعائر في العصر الأموي، وبعد مضي الإمام الباقر(علیه السلام) استمر الإمام الصادق(علیه السلام) بإقامة هذه الشعائر، وخير دليل على ذلك ما جاء في الروايات ومنها هذه الرواية:

عن محمد بن عبد الله... عن أبي بصير، قال: «كنت عند أبي عبد الله(علیه السلام) أحدثه، فدخل عليه ابنه فقال له: مرحباً، وضمّه وقبّله، وقال: حقّر الله من حقّركم، وانتقم ممن وتركم، وخذل الله منخذلكم، ولعن الله من قتلكم، وكان الله لكم ولياً وحافظاً وناصراً، فقد طال بكاء النساء وبكاء الأنبياء والصديقين والشهداء وملائكة السماء، ثم بكى وقال: يا أبا بصير، إذا نظرت إلى ولد الحسين أتاني ما لا أملكه بما أتى إلى أبيهم وإليهم، يا أبا بصير، إن فاطمة(علیها السلام) لتبكيه وتشهق، فتزفر جهنم زفرة لولا أن الخزنة يسمعون بكاءها وقد استعدوا لذلك مخافة أن يخرج منها


1) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: 178.

عنق أو يشرد دخانها فيحرق أهل الأرض، فيكبحونها ما دامت باكية، ويزجرونها ويوثقون من أبوابها مخافة على أهل الأرض، فلا تسكن حتى يسكن صوت فاطمة»(1).

ثانياً: إقامة الشعائر من قبل الإمام الكاظم(علیه السلام)

روى الإمام الرضا(علیه السلام) ما كان يفعله أبوه الإمام الكاظم(علیه السلام) في يوم عاشوراء، فقال: «إنّ المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه القتال، فاستحلت فيه دماؤنا، وهتك فيه حرمتنا، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا، وأضرمت النيران في مضاربنا، وانتهب ما فيها من ثقلنا، ولم ترع لرسول الله حرمة في أمرنا، إن يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء، وأورثتنا يا أرض كرب وبلاء أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإن البكاء يحط الذنوب العظام، ثم قال(علیه السلام): كان أبي(علیه السلام) إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوميوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين(علیه السلام) »(2).

ثالثاً: إقامة الشعائر من قبل الإمام الرضا(علیه السلام)

ما تقدم في الرواية السابقة يدل صراحة على موقف الإمام الرضا(علیه السلام) من مصيبة كربلاء ومأساتها.

وقد جاء عن الشيخ الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا(علیه السلام) «عن الحسين


1) ابن قولويه القمي، كامل الزيارات: 169-170، 203.

2) الصدوق، الأمالي: 191، ح2.

ابن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدب وعلي بن عبد الله الوراق رضي الله عنهما، قالا: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: دخل دعبل بن علي الخزاعي على علي بن موسى الرضا(علیه السلام) بمرو، فقال له: يا بن رسول الله، إني قد قلت فيك قصيدة، وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك، فقال(علیه السلام): هاتها، فأنشده:

مدارس آيات خلت من تلاوة *** ومنزل وحي مقفر العرصات

فلما بلغ إلى قوله:

أرى فيئهم في غيرهم متقسماً *** وأيديهم من فيئهم صفرات

بكى أبو الحسن الرضا(علیه السلام) وقال له: صدقت يا خزاعي»(1).

رابعاً: إقامة الشعائر من قبل الأئمة الأربعة بعد الإمام الرضا(علیه السلام)

يمكن اعتبار عصر الإمام الجواد(علیه السلام) امتداداً لعصر أبيه الإمامالرضا(علیه السلام) من جهة الحرية النسبية التي كان يتمتع بها الشيعة في عصره، فقد كان المأمون متسامحاً مع الإمام(علیه السلام) وشيعته، ولعل لزواج الإمام(علیه السلام) من ابنته أمّ الفضل مدخلية في هذا التسامح، فكانت المآتم على الإمام الحسين(علیه السلام) تُقام في دور العلويين بشكل علني ودون أيّ ضغط، وقد استمرّت هذه الحالة إلى عهد المعتصم أيضاً، الذي كان يسعى لمراعاة شعور العلويين والموالين لآل البيت(علیهم السلام) إلى حدّ ما، ويسمح لهم بإقامة المناحات على الحسين(علیه السلام) في دورهم وخارجها، سرّاً وعلناً(2).

وهذا ما يشير إليه السيد صالح الشهرستاني بقوله: «ففي عهد الإمام التاسع محمد الجواد التقي، نالت الشيعة بعض الحرية في إقامة شعائرهم الكئيبة الحزينة»،


1) الصدوق، عيون أخبار الرضا(علیه السلام): 2/ 296، برقم 34، وبرقم 35.

2) اُنظر: الشهرستاني، تاريخ النياحة على الإمام الشهيد الحسين بن علي(علیه السلام): 1/ 137.

ثم يقول: «وقد استمرت هذه الحالة على عهد المعتصم الذي كان يسعى لمراعاة شعور العلويين والموالين لأهل البيت(علیهم السلام) وكانت المآتم تقام في دور العلويين علناً، أمّا بعد المعتصم فقد أخذت السلطات تشدد على هؤلاء الأئمة وشيعتهم، غير أن المقيمين لهذه المأتم لم يمتنعوا عن إقامتها سراً في دورهم، ولذا نجد أخبار وروايات إقامة هذه الشعائر المأتمية على عهد هؤلاء الأئمة الثلاثة شحيحة جداً»(1).

ومع ذلك لم يرد عن الإمام الجواد(علیه السلام) في خصوصالمأتم الحسيني شيء يُذكر.

نعم، وردت عنه رواية واحدة يُقارن فيها بين وقعة الطف ووقعة فخٍّ(2).

أما في عصر الأئمة بعد الإمام الجواد(علیه السلام): الإمام الهادي، والإمام العسكري، والإمام المهدي(علیهم السلام) فلم تستقرّ الشعائر الحسينية على حال واحد، بل كانت تقوى وتضعف بحسب الظروف السياسيّة، «فقد كان عهد المتوكل العباسي ومَن بعده عهد قسوة وجور في التعامل مع الشيعة وأئمة أهل البيت(علیهم السلام)، ولم تشهد هذه المرحلة إلّا انفراجات بسيطة لا قيمة لها في سير الأحداث»(3).

وقد استمر هذا الحال إلى ما بعد انقضاء فترة الغيبة الصغرى(329ﻫ)، وظهور الدول الشيعية، كالدولة البويهية في إيران والعراق (332- ﻫ447)، والحمدانية في الموصل وحلب (333-399ﻫ)، والفاطمية في مصر (358-567ﻫ)، حيث دخلت مؤسسة المأتم الحسيني مع مجيء هذه الدول - لا سيما البويهيين - في طور جديد، أضفى عليها الكثير من التغييرات الشكلية والجوهرية، وهو ما لا نريد الخوض فيه فعلاً؛ لخروجه عن حقل دراستنا هذه.

ولا شكّ في بكاء الإمام الحجة(عجل الله تعالی فرجه الشریف) على جدّه الإمام الحسين(علیه السلام) بدل الدموع دماً(4).


1) المصدر نفسه: 136-137.

2) اُنظر: المجلسي، بحار الأنوار: 48/ 65.

3) شمس الدين، واقعة كربلاء في الوجدان الشعبي: 243.

4) اُنظر: المجلسي، بحار الأنوار: 98/ 320.

المقصد الثاني: إقامة الشعائر في العصر العباسي من قبل الشيعة
اشارة

يتنوّع القائمون بالشعائر في هذه الفترة، فتارة تقام على مستوى الأفراد وأخرى على مستوى الجماعات، وفيما يلي لمحة إجمالية حول هذه الشعائر في تلك الفترة:

أولاً: على مستوى الأفراد

روى الشيخ الصدوق «عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد البصري، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، عن مسمع بن عبد الملك كردين البصري قال: قال لي أبو عبد الله(علیه السلام): يا مسمع أنت من أهل؟ العراق أما تأتي قبر الحسين(علیه السلام) ؟ قلت: لا، أنا رجل مشهور عند أهل البصرة، وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة، وعدونا كثير من أهل القبائل من النصاب وغيرهم، ولست آمنهم أن يرفعوا حالي عند ولد سليمان فيمثلون بي، قال لي: أفما تذكر ما صنع به، قلت: نعم، قال: فتجزع، قلت: إي والله، وأستعبر لذلك حتى يرى أهلي أثر ذلك علي، فأمتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي، قال: رحم الله دمعتك، أما إنّك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا ويأمنون إذا آمنا، أما إنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك، ووصيتهم ملك الموت بك، وما يلقونك به من البشارةأفضل، وملك الموت أرق عليك وأشد رحمة، لك من الأُم الشفيقة على ولدها، قال: ثم استعبر واستعبرت معه، فقال: الحمد لله الذي فضلنا على خلقه بالرحمة وخصنا أهل البيت بالرحمة، يا مسمع، إن الأرض والسماء لتبكي منذ قتل أمير المؤمنين(علیه السلام) رحمة لنا، وما بكى لنا من الملائكة أكثر، وما رقأت دموع الملائكة منذ قتلنا، وما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا إلاّ، رحمه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه، فإذا سالت دموعه على خده فلو أنّ قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرها حتى لا يوجد لها حر، وأنّ الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة

لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض، وأنّ الكوثر ليفرح بمحبنا إذا ورد عليه حتى أنه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه»(1).

ثانياً: على مستوى المجتمع الشيعي

قام الشيعة بإقامة الشعائر الحسينية تبعاً لموقف الحكام العباسيين، فكان موقف الحكام العباسيين بين مدّ وجزر، ولكي يتضح الأمر نورد ما ذكره الباحث (محمد باقر موسى جعفر)(2)في كتابه (الشعائر الحسينية في العصرين الأموي والعباسي).

العباسيون الذين غضوا الطرف عن إقامة الشعائر من قبل شيعة أهل البيت(علیهم السلام)
اشارة

ذكر الباحث محمد باقر موسى ما يلي:

1- أبو العباس السفاح العباسي

«امتازت علاقة العلويين مع أبي العباس السفاح بالمهادنة، واتخذ سياسة اللين معهم، فلم تشهد فترة حكمه أي نوع من التصادم وأنه ما حصل في زمانه - السفاح -

بينه وبين الطالبيين من الأشراف شيء، ولا قام عليه أحد منهم، بل قربهم وأحسن إليهم وكانت المحبة صافية بينهم(3). ولذلك تمتع الشيعة في فترة أبي العباس السفاح بفسحة من الحرية في إقامة الشعائر الحسينية، وإقامة العزاء عند قبر الإمام، أو في دورهم ومحافلهم»(4).


1) ابن قولويه القمي، كامل الزيارات: 203-204.

2) باحث إسلامي، بحث الشعائر الحسينية في رسالة ماجستير لعام 2008-2009، ونال بها شهادة الماجستير..

3) اُنظر: العصامي المكي، سمط النجوم العوالي: 3/362.

4) محمد باقر موسى، الشعائر الحسينية في العصرين الأموي والعباسي، رسالة ماجستير لسنة 2008-2009: 368.

2- الأمين العباسي

«أما عن موقف الأمين العباسي (193ﻫ - 198ﻫ/808م - 903م) من الشعائر الحسينية، فالمرجح أنّها شهدت إقبالاً كثيراً؛ إذ لم يكن هنالك أي قيود أو إجراءات اتبعت ضدها، فقد انشغل الأمين عن تتبع العلويين واضطهادهم باللهو والترف، ومن ثم بالفتن والاضطرابات الكثيرة التي واجهته، وقد أشار أبو الفرج الإصفهاني إلىذلك بقوله: (وكانت سيرة محمد - أي في آل أبي طالب - خلاف ما تقدم لتشاغله بما كان فيه من اللهو والإدمان له، ثم الحرب التي كانت بينه وبين المأمون حتى قتل فلم يحدث على أحد منهم في أيامه حدث بوجه ولا سبب)(1). فمن الطبيعي أن تجد الشيعة في ذلك الانشغال متسعاً من الحرية في إقامة الشعائر وزيارة قبر الإمام الحسين(علیه السلام) »(2).

3- المأمون العباسي

«وفي عهد المأمون العباسي (198-218ﻫ/808-833م)، الذي اتبع سياسة اللين والتسامح والاحتواء مع العلويين؛ لامتصاص حالة الحنق والغضب التي كان يعيشها العلويون وشيعتهم تجاه بني العباس، وذلك باتباعه جملة من الإجراءات، منها: إسناد ولاية العهد للإمام علي بن موسى الرضا(علیه السلام) عام (201ﻫ/816م)(3)وتولية أخيه إبراهيم بن موسى بن جعفر(علیه السلام) إمرة الحج عام (202ﻫ/817م)(4)وتزويج ابنتيه أم حبيب من الإمام علي بن موسى الرضا(علیه السلام)، وأم الفضل من الإمام


1) اُنظر: أبو الفرج الإصفهاني، مقاتل الطالبيين: 509.

2) محمد باقر موسى، الشعائر الحسينية في العصرين الأموي والعباسي: 376-377.

3) اُنظر: اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: 3/ 448.

4) اُنظر: المسعودي، مروج الذهب: 4/ 34.

محمد بن علي الجواد(علیه السلام) عام (202ﻫ/817م)(1)، ومن الطبيعي أن تنعكس تلك السياسة على أداء الشعائر الحسينية، حيث تمكن الإمام الرضا(علیه السلام) وأتباعآل البيت من إقامتها دون رقابة أو ضغوط سياسية، كما كان لإقدام المأمون على إظهار قبر الإمام الحسين(علیه السلام) وبنائه بناءً شامخاً ظل شاخصاً حتى عام (232ﻫ/846م) أثر في أداء شعيرة الزيارة لقبر الإمام الحسين(علیه السلام) (2)»(3).

4- المعتصم والواثق العباسي

«لقد كان لسياسية الاحتواء التي اتبعها المأمون مع العلويين ووصيته لولي عهده المعتصم باتباع سياسة اللين والتسامح مع العلويين والتي جاء فيها: (...وهؤلاء بنو عمك من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فأحسن صحبتهم، وتجاوز عن مسيئهم، واقبل من محسنهم، وصلاتهم فلا تغفلها في كل سنة من حملها فإنّ حقوقهم تجبى من وجوه شتى)(4).

أثرت في موقف المعتصم (218-227ﻫ/833 -741م) وولده الواثق(5)(227-232ﻫ/833-346م) من ممارسة الشعائر الحسينية، حيث منح العلويين وأتباعهم نوعاً من الحرية في ممارستها وزيارةقبر الإمام الحسين(علیه السلام)، وكانت وفود الزائرين ترد على عهديهما جماعات وأفراداً على كربلاء وتقوم بدورها من إقامة


1) اُنظر: الطبري، تاريخ الطبري: 5/ 145.

2) اُنظر: النمازي، مستدرك سفينة البحار: 2/ 476.

3) محمد باقر موسى، الشعائر الحسينية في العصرين الأموي والعباسي: 377-378.

4) اُنظر: الذهبي، تاريخ الإسلام: 15/ 26.

5) حتى قيل ما أحسن أحد من خلفاء بني العباس إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق ما مات وفيهم فقير. ابن شاكر الكتبي، عيون التواريخ: 199.

مجالس العزاء على ذلك القبر الطاهر وعلى سائر قبور الشهداء(1)، وقد أشار أبو الفرج الإصفهاني إلى سياسة الواثق التسامحية مع العلويين بقوله: (وكان آل أبي طالب مجتمعين بسر من رأى في أيامه تدور الأرزاق عليهم حتى تفرقوا أيام المتوكل) (2). الأمر الذي لا يستبعد إقامة الشعائر الحسينية في سامراء على عهده»(3).

5 - المنتصر العباسي

«أما المنتصر بالله العباسي الذي تولى الخلافة عام (247ﻫ/861م)، فقد انتهج سياسة مغايرة لسياسة أبيه المتوكل، والذي اتسمت فترة خلافته على الرغم من قصرها بالتسامح، والعطف والإحسان إلى آل أبي طالب، وتمتعت الشيعة بحرية كاملة في زيارة قبر الإمام الحسين(علیه السلام) الذي أعاد بناءه وأقام عليه رسوماً ودلالات لإرشاد الزائرين إليه(4). وهذا ما أشار إليه ابن شهر آشوب بقوله: (أحسن المنتصر سيرته وأعاد التربة في أيامه) (5). وأشار إليهالمسعودي أيضاً بقوله: (وتقدم بالكف عن آل أبي طالب، وترك البحث عن أخبارهم، وأن لا يمنع أحد من زيارة الحيرة وقبر الحسين(علیه السلام)، ولا قبر غيره من آل أبي طالب وترك التعرض لشيعته ودفعه الأذى عنهم)(6). كذلك أمر المنتصر بإعادة أوقاف آل البيت(علیهم السلام) التي صادرها المتوكل من قبل وهذا ما أشار إليه السيوطي بوصفه للمنتصر بأنه: (كان محسناً إلى العلويين وصولاً لهم أزال عن آل أبي طالب ما كانوا فيه من الخوف، والمحنة بمنعهم


1) اُنظر: الشهرستاني، تاريخ النياحة: 2/ 6.

2) اُنظر: أبو الفرج الإصفهاني، مقاتل الطالبيين: 476.

3) محمد باقر موسى، الشعائر الحسينية في العصرين الأموي والعباسي: 378-379.

4) اُنظر: النمازي، مستدرك سفينة البحار: 2/ 476.

5) اُنظر: ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: 2/ 53.

6) اُنظر: المسعودي، مروج الذهب: 4/ 110.

من زيارة الحسين وردّ على آل الحسين فدك)»(1).

6 - الراضي العباسي

«(خرج توقيع الخليفة الراضي الذي أنكر على الحنابلة أفعالهم وتشددهم وعاب عليهم اعتقادهم بقوله:...ثم طعنكم على خيار الأئمة ونسبتكم شيعة آل محمد إلى الكفر والضلال... وإنكاركم زيارة قبور الأئمة وتشنيعكم على زوارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ليس بذي شرف ولا نسب برسول الله وتأمرون بزيارته...) (2)، ومما فسح المجال أمام الشيعة ومحبي آل البيت أن يمارسوا شعائرهم بحرية وأن يقصدوا زيارة قبور الأئمة من غير خيفة ولا وجل وفي أحداث سنة (329ﻫ/941م)،يقول الهمداني:(نصبت القباب بباب الطاق والرصافة لزوار الحائر على ساكنه السلام)(3)، ولعل في الأجواء الأمنية التي فرضتها إجراءات الخليفة أن مكن الزوار بشكل كبير إلى الخروج إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين(علیه السلام) مما استلزم أن تنصب القباب بباب الطاق والذي أتصوره أنها نصبت لتقديم الخدمات لجموع الزائرين المتوجهين لزيارة الحسين(علیه السلام) وأنّ نصب القباب يدل على كثرة وفود الزائرين»(4).

وعند تأمل هذه النصوص يتضح جلياً مدى حرية الشيعة في ممارسة الشعائر في عهد هؤلاء الحكام العباسيين، ولا شك أن هذه الشعائر كانت تحت نظر المعصومين من أهل بيت النبوة(علیهم السلام) مما يضفي عليها الشرعية والمقبولية.


1) محمد باقر موسى، الشعائر الحسينية في العصرين الأموي والعباسي: 389-390.

2) اُنظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ: 7/ 114.

3) اُنظر: الطبري، تكملة تاريخ الطبري: 1/ 121.

4) محمد باقر موسى، الشعائر الحسينية في العصرين الأموي والعباسي: 389-394.

المطلب الخامس: إقامة الشعائر في العصور الأخرى

المقصد الأول: إقامة الشعائر في العصور التي تلت العصر العباسي

بعد التأمّل في كتب التاريخ يظهر لنا أنّ إقامة الشعائر الحسينية بعد العصر العباسي أيضاً كانت بين مد وجزر؛ وذلك بسبب اختلاف الحكومات الحاكمة آنذاك، فكانت إقامة الشعائر خاضعة للظروف السياسية، فإذا تولّىالسلطة من كان شيعياً أو يميل إلى أهل البيت(علیهم السلام) تنتعش في زمنه إقامة الشعائر، وأمّا إذا تولّاها من ليس كذلك، تنحسر هذه الحالة حتى تصل إلى درجة الاندثار.

وهذا ما أشار إليه السيد صالح الشهرستاني في كتابه (تاريخ النياحة) فقال: «وقد استطاع الشيعة في كثير من الأزمان على هذا العهد أن يتنفسوا الصعداء، وأن ينالوا قسطاً وفيراً من حريتهم في إقامة شعائرهم، من النوح وإقامة المأتم على الحسين(علیه السلام)، أما لكون السلطة القائمة شيعية الحكام، أو لكونها مؤلفة من حكام ضعفاء من غير الشيعة لا تستطيع الضغط على هذه الفرقة المسلمة، فمثلاً عندما تولى السلطة على العراق الملوك الصفويون أو غيرهم من الحكام الإيرانيين كان الإقبال على إقامة هذه المآتم والنياحات عظيماً، وكانت حرية الشيعة في إحياء هذه الذكرى الأليمة مضمونة، وقد غالى الشيعة في إقامتها، والعكس بالعكس، كلّما قويت السلطة السنية في العراق كالحكومة العثمانية وقع الضغط على الشيعة، ومنعوا عن إقامة المناحات ومزاولة شعائرهم التقليدية فيها؛ الأمر الذي كان يضطرهم إلى إقامتها وإحياء ذكرياتها سرّاً وداخل البيوت، وفي سراديب الدور، وتحت طائلة الخوف والجزع والتقية، وعلى سبيل المثال أقول: إنّ الشيعة كانوا على زمن الأسرة الإيلخانية، وخاصة على عهد ملكها محمد خدا بنده، المتوفى سنة (715ﻫ)، الذي كان أول من جاهر من ملوك هذه الأسرة بالتشيع لآل البيت، وأول من أمر بتخليد أسماء الأئمة الاثني عشر، فنقشت أسماؤهم

على مسكوكاته، وكذا على عهد ابنه أبي سعيد، وأيضاً على عهد الأسرة الجلائرية، ثم عهد الملوك الصفويين، ومنهم الشاهإسماعيل الذي ناصر الشيعة، وأعلن المذهب الشيعي في إيران والعراق رسمياً، وكذا على عهد بعض السلاطين العثمانيين كالسلطان سليمان القانوني المتوفى سنة (941ﻫ)، الذي زار كربلاء والنجف، وكذا على عهد عدد من الأمراء الشيعة الآخرين، الذين حكموا بعض أنحاء العراق، كدولة بني مزيد في الحلة، وبني شاهين في البطيحة، وبني حمدان وآل المسيب في الموصل ونصيبين»(1).

وعند التأمّل فيما ورد في كتب التاريخ يظهر صحة ما أشرنا إليه، ولكي يتضح الأمر في ذلك لابد من الوقوف على ما جاء في كتب التأريخ التالية:

1- جاء في كتاب (الحوادث الجامعة) لمؤلفه ابن الفوطي (ت723ﻫ) في ذكر حوادث سنة (698ﻫ)(2)، ما يشير إلى الأجواء الاجتماعية والسياسية التي كانت تقام فيها الشعائر الحسينية.

2- ذكر صاحب كتاب (نشوار المحاضرة وأخبار الذاكرة) ما يشير إلى المضايقات التي كان يعيشها الشيعة في إقامة الشعائر الحسينية(3).

3- ذكر صاحب كتاب (لسان الميزان) أن الشاعر الشيعي الناشئ الصغير كان يرثي الإمام الحسين(علیه السلام)،وذلك في سنة (346ﻫ)(4).

وعند التأمل في هذا النص التاريخي يظهر لنا أنّ إقامة الشعائر الحسينية وزيارة الإمام(علیه السلام) في ذلك الوقت غير ممنوعة من قبل السلطة.

4- ذكر المقريزي في كتابه (الخطط المقريزية) ما يشير إلى إقامة الشعائر في مصر


1) الشهرستاني، تاريخ النياحة: 2/ 23-24.

2) اُنظر، ابن الفوطي، الحوادث الجامعة.

3) اُنظر، التنوخي، نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة: 2/ 233.

4) ابن حجرالعسقلاني، لسان الميزان: 4/ 278-279.

من سنة (363-517)(1).

5- ذكر ابن الجوزي (ت547ﻫ) في كتابه (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم) في حوادث السنين (من 353ﻫ إلى 443) أنّ الشيعة في مختلف الأمصار الإسلامية كانت تقيم الشعائر الحسينية تبعاً للحرية التي يحصلون عليها في تلك السنين(2).

المقصد الثاني: إقامة الشعائر الحسينية في العصر الحديث

ذكر السيد الشهرستاني في كتابه (تاريخ النياحة) سعة إقامة الشعائر الحسينية في كل أقطار العالم، فقال: «إنّ إحياء هذه الذكرى الحزينة وإقامة شعائرها التقليدية، قد تعدّت المركز الرئيسي للحادث المحزن - أي العراق - إلى سائر البلدان الإسلامية، وحتى كثير من الأصقاع غير الإسلامية. فإنّ كلّ من جابعواصم وحواضر ومدن الأقطار الإسلامية في أرجاء المعمورة، سيما المجتمعات الشيعية في هذه الأقطار وبالأخص منها العراق، والبلاد العربية الأخرى، والهند، وإيران، وأفغانستان، وغيرها من الأقاليم الآسيوية، وبعض بلدان أفريقيا، وجد المباني الفخمة، والعمارات الكبيرة مقامة، وتدعى عند العرب (الحسينية) وعند الهنود (إمام بهره) وعند الفرس (مأتم سرا أو حسينية أو تكية) وسائر الأقطار تسميها باسمها العربي (الحسينية) وفي هذه المباني التي يوقفها أصحابها على إقامة النياحات فيها على الإمام الحسين(علیه السلام)، ويوقفون عليها أوقافاً كثيرة وصدقات جارية، تنفق إيراداتها وأرباحها على إدارة هذه الحسينية»(3).

وقد ذكر أيضاً السيد هبة الدين الشهرستاني في كتابه (نهضة الحسين) أنه:


1) اُنظر: المقريزي، المواعظ والاعتبار المعروف بالخطط المقريزية: 2/ 329، ح331.

2) ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: 14/ 150، و15/ 320.

3) الشهرستاني، تاريخ النياحة: 2/ 26-27.

«هكذا أصبح المسلمون في اليوم العاشر من محرم كل عام يحتفلون بذكرى (عاشوراء) إحياءً لذكرى شهيد الطفوف الإمام الحسين(علیه السلام) في جميع الأقطار الإسلامية، ويعتبر هذا اليوم عطلة رسمية لدى معظم هذه الدول، ويشترك كثير من رؤساء الدول الإسلامية في مراسيمه».

ثم أشار السيد الشهرستاني إلى أنواع العزاء الذي يقيمه المعزون كل حسب معتقده فيه، فيقول: «ثم إذ يعبّرون في إحيائهم لهذه الذكرى الدامية عن شعورهم نحو الإمام الشهيد، فإنهم يختلفون في هذا التعبير حسب معتقداتهم فيه وفيحركته واستشهاده، وباختلاف مداركهم وعاداتهم، فمنهم من يعتبره عيداً مجيداً؛ لأن الفضيلة فيه قد انتصرت على الرذيلة، وأن الإمام الحسين بموقفه ذاك من يزيد قد أسند تعاليم جده سيد الرسل، وجدد مجد شريعته السمحاء، كما هو الحال لدى المسلمين في الشمال الإفريقي والمغرب العربي الذين يعتزون بهذه الذكرى، ومنهم من يندفع مع العاطفة إلى إيلام نفسه وإيذائها بمختلف الوسائل والأساليب كضرب نفسه بالسلاسل، أو بالتطبير، ظناً منه أن هذا النحو من الإيذاء لمن دلائل المؤاساة أو الاقتداء بأولئك الشهداء، كما هو الحال في بعض أنحاء العراق وإيران والهند والباكستان، ومنه من يحصرها في هودج كبير ضخم كما هوالحال في أمريكا الوسطى وفي مدينة بورت أو اسباين عاصمة في جزيرة ترينيداد الواقعة في البحر الكاريبي من شمال أمريكا الجنوبية، وإلى جانب ما تقدم، تلبّس مدن العتبات المقدسة في العراق وإيران والمساجد المهمة والأماكن المتبركة في الهند والباكستان وغيرها من الأقطار والمناطق التي يتعصب أهلها في الحب والولاء لآل البيت النبوي حلة من السواد كشعار للحزن والحداد، وتبتعد عن مظاهر الزينة والبهرجة ومباعث الأنس والانشراح»(1).


1) الشهرستاني، نهضة الحسين: 177-181.

وعند تأمّل ما ذكره السيد هبة الدين الشهرستاني يظهر أنّ الشعائر الحسينية تجاوزت شعيرة البكاءوالزيارة إلى طقوس أخرى((1)

أ - عاش الباحث فترة لا تقل عن سبع سنوات في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وشارك الشيعة هناك في ممارسة الشعائر الحسينية.

ب - عاش الباحث فترة في الجمهورية العربية السورية، وشارك أيضاً في إقامة الشعائر.

ج - عاش الباحث فترة في كندا وشارك في إقامة الشعائر هناك.

د - خلال سفر الباحث إلى الدول الأخرى كانت له مشاركات في إقامة الشعائر هناك، لاسيما في تركيا وباكستان ولبنان، حيث كانت هذه المشاركات فعالة، إذ أقيم في تركيا خيمة عاشوراء من قبل العتبة الحسينية المقدسة وكان الباحث على رأس الوفد الذي أقام هذه الخيمة في إسطنبول، كما شارك الباحث في الأسبوع الثقافي في باكستان ولبنان، فضلاً عن إلقائه المحاضرات في المجالس الحسينية في الدول الأوربية وغيرها.

ولذا يرى الباحث ما يلي:

1- أن إقامة الشعائر في هذه الدول لابد أن يكون ملائماً لعادات وثقافات وتقاليد تلك الدول، ولا يصح نقل طريقة إقامة الشعائر في دولة لها ثقافتها وتقاليدها الخاصة إلى دولة أخرى تختلف عنها في الثقافة والتقاليد.

2- أن الشعائر من حيث الأصل واحدة ولكنها تختلف من حيث التطبيق وطريقة التعبير والإظهار من دولة إلى أخرى، فما يصح في دولة قد لا يصح ولا يستساغ في دولة أخرى لاسيما إذا كان الهم إيصال الفكر والنهج الحسيني المقدس.

ويتضح مما تقدم ما يلي:

أ - أن ذكرى شهادة الإمام الحسين(علیه السلام) وذكر مصيبته محاطة بالعناية الإلهية وإلا لما شاعت وظهرت بهذه السعة ولاقت المقبولية عند المجتمعات المختلفة.

ب - أن الشعائر الحسينية مدخل لمعرفة سماحة الدين الإسلامي والأخلاق الرفيعة والكمالات العالية.

.

1) وثيقة الباحث: تأكيداً لما تقدم من سرد لتاريخ الشعائر الحسينية يضيف الباحث ما عاشه في ممارسة هذه الشعائر في أكثر من بلد، اجتمع فيه شيعة أهل البيت(علیهم السلام) حيث إنّ الباحث توفق لخدمة الجاليات الإسلامية في كثير من دول العالم، وشارك الجاليات الإسلامية في إقامة هذه الشعائر الحسينية وهي كما يلي:

المطلب السادس: ما ذكره بعض الباحثين في تاريخ الشعائر الحسينية

اشارة

فيما يلي نتعرض لبعض الكتابات والبحوث التي تناولت تاريخ الشعائر الحسينية، والتي تحتاج إلى التعليق عليها ومناقشتها، ومن أهم هذه البحوث ما يلي:

المقصد الاول: ما ذكره الدكتور صالح الجويني
اشارة

قال الباحث الدكتور محمد صالح الجويني(1)، في بحثه الموسوم (تاريخ المأتم الحسيني من الشهادة وحتى العصر القاجاري): «تعد المآتم الحسينية اليوم من أعظم الشعائر الدينية في العالم، وقد أصبحت موضع اهتمام العلماء والمفكّرين، وأثارت تساؤلات عديدة لديهم حول حقيقتها، ومنشئها، وتاريخها، وضرورتها، والهدف من ورائها، والآثار التي تترتّب عليها. وفي هذا المقال، نسعى لتقديم مراجعة مختصرة حول المنشأ التاريخي للمآتم الحسينية. وبناءً على التقاليد المتبعة في المجتمعات البشرية، تقيم عائلة القتيل المأتم عليه، ولم يكن أهل بيت الإمام الحسين(علیه السلام) استثناءً في ذلك، بل اتسعت دائرة مأتم الإمام الحسين لما له من صلة بالنبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ومكانة اجتماعية، حتى أقام له الناس - وخاصّة الصحابة والتابعين - المآتم، وسمّي عام استشهاده (عام الحزن). ومثّلت هذه المآتم التي استمرت حتى مقتل قاتليه، مآتم أهل بيته بصورة خاصة، ولم تأخذ طابع السنّة أو الشعيرة، لكن المهم في بحثنا هو الجهود التي بذلها الأئمة لجعل هذه المآتم شعائر دينية لكافة الناس».

مناقشة الدكتور الجويني
اشارة

1- قوله: «بناءً على التقاليد الاجتماعية.... الخ».


1) باحث متخصص في تاريخ الثورة الحسينية وفي تاريخ إيران.

ومناقشته في ذلك بأن نقول: إقامة العزاء على الإمام الحسين(علیه السلام) لم يكن تقليداً اجتماعياً، بل هو شعيرة دينية دلت الأدلة على استحباب إقامتها، فلا يحق للدكتور أن يغمض عينه عن هذه الحقيقة بعد وضوحها كالشمس في رابعة النهار.

2- للدكتور تعليقة في الهامش يقول فيها: «يجدر بنا التذكير بأنّ لدى العرب سنّة، تقضي بعدم إقامة المأتم على المقتول من قبل أهله حتى يموت قاتله أو يثأرون له، لكي لا تموت روح الانتقام لديهم، أو يضعف عزمهم على ذلك؛ فكانوا يظنّون أن رثاء القتيل والبكاء عليه يطفئ نار الغضب والانتقام».

ويقول جواد علي في كتابه المفصّل في تاريخ العرب: «وكانت العرب لا تندب قتلاها ولا تبكي عليها حتى يثأر بها، فإذاقتل قاتل القتيل، بكت عليه وناحت».

والشاهد على ذلك «منع البكاء على القتلى من مشركي قريش في غزوة بدر». لكن خالف أهل بيت النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) وبنو هاشم سنّة العرب هذه، وأقاموا المأتم في تلك الفترة، لكنّ امتناعهم عن الزينة، يدلّ على تأثرهم بسنّة العرب هذه في إحياء ذكرى القتلى مع تعديل عليها، وهو البكاء والرثاء، حيث قاموا به ولم يقم به العرب»(1).

أقول: إنّ النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) بكى على الإمام الحسين قبل شهادته، وسنّ ذلك فسنّته هي الحق، وما سواها باطل.

وحيث إنّنا لا يهمّنا رأي الدكتور الجويني في البحث، اكتفينا بما تقدم، واستفدنا من سرده التاريخي للشعائر.

فقد أشار الدكتور الجويني في بحثه إلى تاريخ الشعائر وفق المراحل الآتية:

المرحلة الأولى:

1- ذكر الجويني المآتم التي أقامها أهل البيت(علیهم السلام) وقت مصرع الإمام الحسين(علیه السلام).


1) مجموعة من الباحثين، جدل ومواقف: هامش ص21.

2- ذكر بكاء أهل الكوفة على سبايا آل البيت(علیهم السلام)، والمآتم التي أقيمت في الشام عند وصول السبايا إليها.

3- ذكر المأتم الذي أقيم عند قبر الإمام(علیه السلام) بعد عودةالسبايا إلى كربلاء.

4- ذكر المأتم الذي أقامته السيدة أم سلمة، والمأتم الذي أقامه أهل المدينة، لاسيما بني هاشم كابن عباس ومحمد ابن الحنفية ونساء بني هاشم.

5- ذكر المأتم الذي أقامته السيدة أم البنين(علیها السلام) على الإمام وأولادها الشهداء(علیهم السلام).

6- ذكر بكاء آل عبد المطلب وبعض الصحابة والتابعين وحزنهم على الإمام الحسين(علیه السلام).

7- ذكر بكاء التوابين عند قبر الإمام الحسين(علیه السلام).

8 - ذكر ارتداء أهل البيت(علیهم السلام) زي الحداد على الإمام الحسين(علیه السلام).

المرحلة الثانية: الإعداد من قبل أئمة أهل البيت(علیهم السلام)

ذكر فيها الإعداد من قبل الأئمة(علیهم السلام) لسنّ المآتم كشعيرة دينية، وتناول ما قام به كل من الإمام السجاد والإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الكاظم والإمام الرضا (عليهم أفضل الصلاة والسلام) من حثّ على إقامة الشعائر بالقول والفعل معاً(1).

ثم ذكر كذلك الكيفية التي قام بها الأئمة(علیهم السلام) لإحياء يوم عاشوراء، فقال: «وردنا عن أئمة أهل البيت(علیهم السلام) ما يبيّن كيفيةإحياء ذكرى عاشوراء، منها:

1- الاهتمام بشهر محرم.

2- استقبال يوم عاشوراء من أول يوم من محرّم بالحزن والأسى.


1) اُنظر: مجموعة باحثين، جدل ومواقف: 28.

3- ذروة الحزن والبكاء في يوم عاشوراء.

4- الاهتمام البالغ بهذا اليوم، فأعظم مصاب قد وقع فيه.

5- اعتباره يوم مصاب وحزن.

6- الحرص على زيارة قبر الحسين في هذا اليوم.

7- بدء هذا اليوم بالسلام على الإمام ولعن قاتليه وإهداء الصلاة له، ثمّ إقامة المأتم في البيت، والبكاء والنواح بشكل جماعي إن لم تتسنّ زيارة القبر.

8 - التوقف عن العمل في هذا اليوم.

9- إقامة مجالس العزاء في البيوت والبكاء فيها.

10- استذكار مصاب الإمام الحسين، ولو على انفراد.

11- تخيّل الواقعة.

12- ارتداء زيّ الحداد.

13- الامتناع عن الملذات والأكل والشرب حتى الغروب».

المرحلة الثالثة: ما بعد مرحلة التأسيس

ذكر الجويني في المرحلة الثالثة ما حصل بعد مرحلة التأسيس لهذه الشعيرة، فقال: «ونعني ما بعد التأسيس لهذه الشعيرة، وحتى أواسط القرن الرابع حيث أخذت طابعاً رسمياً».

لم يتوقف الشيعة عن إقامة المأتم الحسيني فيالبيوت والمجالس الخاصّة، على الأقل كما كان يفعل الإمامان، الباقر والصادق (علیهما السلام).

وذكر في بحثه موقف بعض حكام بني العباس الإيجابي إزاء الإمام الحسين(علیه السلام) وشيعته، فقال: «وقد ورد أنّ الخليفة العباسي المنتصر، دعا الناس لزيارة كربلاء كما كانت تقام في الماضي، وذلك في عام 248ﻫ».

وذكر في هذه المرحلة عن إقامة الشعائر في مرحلة الغيبة الصغرى أيضاً.

المرحلة الرابعة: في عهد الحكومات الشيعية

ذكر الباحث أنّ المأتم الحسيني أخذ طابعاً رسمياً في عهد الحكومات الشيعية، فقال: «أخذ المأتم الحسيني طابعاً رسمياً مع قيام الحكومات الشيعية في العالم الإسلامي، فقد حكم البويهيون في إيران، والفاطميون في شمال إفريقيا، وأخذا بالتوسع في مطلع القرن الرابع، فكان البويهيون يحكمون إيران عدا المناطق الشرقية، كما يحكمون وسط العراق في منتصف هذا القرن، وقد أحكم الفاطميون سلطتهم على الشمال الشرقي من إفريقيا ومصر والشام وفلسطين».

كما ذكر أنّ المأتم أقيم في كل من بغداد ومصر كشعيرة وسنّة تقام في يوم عاشوراء.

المرحلة الخامسة: من القرن السادس إلى العهد الصفوي

ذكر الباحث فيها أنّ الشيعة أقاموا شعيرة العزاء علىالإمام الحسين(علیه السلام) في القرن السادس إلى العهد الصفوي، فقال: «مع بداية القرن السادس، كانت الدولة السلجوقية تحكم كلاً من إيران والعراق، أما مصر فكانت تحكمها الدولة الإسماعيلية الشيعية. أما الدولة السلجوقية فقد قلّلت من حدّة مضايقاتها، فكسب الشيعة قدراً من الحرية لممارسة طقوسهم في إقامة المآتم الحسينية».

وعن إقامة الشعائر في القرن السابع قال: «تزامن القرن السابع مع ظهور دولة الخوارزمشاهيين في الشرق، وسقوط السلاجقة في بغداد، وانتعاش الخلافة العباسية مجدّداً. وما ورد من تقارير تاريخية عن هذا القرن، يبيّن استمرار المآتم الحسينية كما القرون السابقة».

وأمّا عن إقامتها في القرن الثامن، فقال: «حكم البلاد في مطلع هذا القرن

غازان خان الذي أصبح شيعياً...، أعطى الشيعة الحرية الكاملة في ممارسة شعائرهم، منها إقامة المآتم الحسينية».

وأمّا ما ورد عن إقامة الشعائر في القرن التاسع ذكر أنّ الحكومة آنذاك كانت تهتمّ بالشيعة وتحترم أئمتهم، مما أكسب الشيعة قدراً من الحرية في ممارسة طقوسهم.

المرحلة السادسة: العهد الصفوي

ذكر الباحث انتعاش إقامة الشعائر الحسينية في العهد الصفوي، فقال: «ومع اعتلاء الشاه إسماعيل الصفوي العرش عام 907ﻫ في تبريز، أصبح التشيّع المذهب الرسمي، وهمّت السلطة بنشر شعائره وتقاليده، وقد نظم حسين فدائي النيسابوريكتاب روضة الشهداء في عهده، وجعل منه ملحمة دينية قدمها للملك، وقد كان كتاب روضة الشهداء يقرأ في البلاط الصفوي أيام محرم وعاشوراء»(1).

وذكر أنّ المآتم تطورت من حيث الكمية والكيفية، إلى دخولها في التقاليد الشعبية والوطنية.

المقصد الثاني: ما ذكره الدكتور ظاهري
اشارة

تعرّض الدكتور محسن حسام ظاهري للبحث عن تأريخ المآتم الحسينية في العصر القاجاري، فقال: «أولى ملوك القاجار اهتماماً منقطع النظير بالطقوس والتقاليد والشعائر الدينية».

ثم قال في موضع آخر: «لكن مما لا شكّ فيه، أنّ تديّن القاجار لم يتجاوز الظاهر...، ولقد أدّت المبالغة في هذا الأمر إلى تشويه صورة الدين وطقوسه».

وأشار:أنّ آغا محمد خان مؤسس السلالة القاجارية صنع ضريحاً مذهّباً


1) اُنظر: مجموعة باحثين، جدل ومواقف: 57.

للإمام علي(علیه السلام) (1).

وأشار كذلك إلى أنّ «فتوى الميرزا القمي المشهورة بحلّية إقامة التشابيه شهدت رواجاً واسعاً لها في هذه الفترة»(2).

ثمّ أشار إلى سبب شيوع المآتم الحسينية، فقال:«وبسبب اعتقاد الملك ووزيره شاعت المآتم الحسينية، خاصة التشابيه، وإقامة خيم العزاء في عهدهم»(3).

وقال أيضاً: «يقول أحد السوّاح الروس، في تقريره عن شهر محرم في طهران...، يجتمع في الليل كثير من المعزّين مّرةً أخرى في هذه الخيم، ويوقدون المشاعل، ويبكون لساعتين أو ثلاث أو حتى طوال الليل، يلطمون ويصرخون (يا حسين). بل يشتّد الحماس ببعضهم أحياناً حتى يجرح نفسه جروحاً عميقةً بأدوات حادّة؛ ويتعالى الصراخ في شوارع طهران»(4).

وذكر أيضاً أنّ «أهمّ ما يميّز هذا العصر رواج المآتم الحسينية، وخاصة التشابيه والتمثيل، بشكل لا نظير له»(5).

كما أنّه أكّد أنّ لتأسيس خيمة عزاء الدولة وما يوليها الملك من اهتمام، كان له الدور المهم في إشاعة التشابيه في ذلك الوقت(6).

وأشار إلى موقف العلماء إزاء التشبيه بقوله: «وانحصرت مخالفة العلماء والفقهاء حسب الظاهر بأمور كحرمة تشبيه المعصومين وحرمة تشبّه الرجل بالمرأة


1) اُنظر: مجموعة باحثين، جدل ومواقف: 58.

2) المصدر نفسه.

3) المصدر نفسه: 60.

4) المصدر نفسه: 61.

5) المصدر نفسه: 62.

6) اُنظر: المصدر نفسه: 65.

والمرأة بالرجل»(1).

وذكر أيضاً «أهمّ ما امتازت به طقوس المأتم في العصرالقاجاري رواج التطبير والضرب بالموس، وإن كانت هذه التقاليد رائجة منذ سنين، لكنها اتسعت وشاعت في هذه الفترة بشكل غير مسبوق»(2).

وقال عن الشعائر في عصر ناصر الدين القاجاري: «يجب الاعتراف بأنّ الملك ناصر الدين كان أكثر ملوك القاجار اهتماماً بالشعائر المذهبية الشيعية. وظهرت تقاليد أخرى غير التطبير في طقوس المأتم الحسيني كرواج رسومات تمثّل أهل البيت(علیهم السلام) وخاصة الإمام علياً(علیه السلام)...، وإيقاد الشموع في خيمة العزاء»(3).

كما أشار إلى وقوع الانقسام الشيعي في قضية التطبير وأمثاله.

وأشار كذلك إلى دور الفاضل الدربندي في إشاعة التطبير...، وإلى اتخاذ بعض العلماء المعارضة ضد التيار الذي أدخل الروايات الكاذبة وأشاعها.

وأشار إلى دور آخر سلاطين القاجار في حالة العزاء الحسيني(4).

وأشار إلى أنّ بعض العلماء والفقهاء رفضوا التشابيه من جهة ما يلحق التوهين بذوات أهل البيت(علیهم السلام).

مناقشة ما طرحه الدكتور ظاهري

1- قوله «لقد أدّت المبالغة في هذا الأمر إلى تشويه صورة الدين وطقوسه».


1) اُنظر: المصدر نفسه: 66.

2) المصدر نفسه: 69.

3) المصدر نفسه: 77-78.

4) اُنظر: المصدر نفسه.

يظهر من عبارته الأمور التالية:

أ - إنّ الاهتمام بالطقوس والشعائر إذا لم يصل إلى حد المبالغة فيه لا يؤدي إلى تشويه صورة الدين، ولا مانع من إقامة هذه الشعائر حينئذ.

ب - لم يذكر الباحث الدكتور ظاهري حدود المبالغة وأين حصلت في أفعالهم.

2- قوله «لكن مما لا شك فيه، أنّ تدين القاجار لم يتجاوز الظاهر...»، هذا دون أن يذكر دليلاً على ذلك، مما لا يشعر بالقبول.

3- قوله «عن العزاء في عصر تأسيس الدولة القاجارية» يظهر منه ما يأتي:

أ - منشأ تذهيب الأضرحة كان في العصر القاجاري.

ب - إنّ فتوى الميرزا القمي في جواز إقامة التشابيه تشعر بأنّ منشأ إقامة التشابيه، يضامن وقت العهد القاجاري.

4- قوله «وبسبب اعتقاد الملك.... الخ» يظهر منه ما يأتي:

أ - إنّ التمثيل يتم من خلال نصوص مسرحية مكتوبة، وهذا يشعر باحتمال وقوع تحريف لبعض أجزاء الواقعة.

ب - إنّ بناء خيمة للعزاء لم تكن وليدة الحاجة فيالوقت الحاضر، بل لها جذور تاريخية من العهد القاجاري.

ج - ما أشار إليه من جرح بعض الناس لأنفسهم بأدوات حادة للتعبير عن عواطفهم، أيضاً لها جذور تاريخية من العصر القاجاري.

5- قوله «وأهم ما يميّز هذا العصر... الخ» يشير إلى أنّ مواكب التشابيه تركّزت بقوة في سلوك المعزين ومنذ تلك الفترة.

6- قوله «وقد لعب تأسيس خيمة... الخ» يظهر منه أنّ عامة الناس تنجذب بقوة إلى التمثيل لما له من وقع في قلوبهم دون النظر إلى دليله ومستنده، وهذا مما يؤثر سلباً في مجالس الرثاء الحسيني.

7- قوله «انحصرت مخالفة العلماء والفقهاء - حسب الظاهر - بأمور كحرمة تشبيه المعصومين... الخ»؛ يظهر منه أنّ التحريم ينصب على ما فيه توهين لأدوات المعصومين وإظهارهم بمظهر لا يليق بهم.

8 - قوله «رواج التطبير في العهد الناصري القاجاري... الخ» يظهر منه أن منشأ التطبير قبل ذلك العهد، لكنه اتّسع وراج بكثرة في العصر القاجاري.

9- قوله «مظاهر جديدة أخرى في العصر القاجاري: الرسومات والشموع... الخ» يظهر منه أنّ الكثير من الطقوس نشأت في العصر القاجاري، وأخذت في الاستمرار إلى وقتنا الحاضر.

ومرادنا من هذه التعليقات بيان ضرورة الرجوع إلىالعلماء الأعلام في تحديد الموقف الشرعي من هذه الطقوس والممارسات، لاسيما إذا كنا نعتقد أنّها أعمال عبادية يبحث فاعلها عن الثواب الأخروي فيها.

الفصل الثانی: الأدلة على مشروعية الشعائر الحسينية

اشارة

يشتمل هذا الفصل على أربعة مباحث:

المبحث الأول: الشعائر الحسينية من شعائر الله تعالى

المبحث الثاني: الأدلة القرآنية على مشروعية الشعائر

المبحث الثالث: الأدلة الرواذئية على مشروعية الشعائر الحسينية

المبحث الرابع: آراء وفتاوى العلماء في الشعائر الحسينية

المبحث الأوَّل: الشعائر الحسينية من شعائر الله تعالى

اشارة

إنّ الشعائر التي هي أفعال وأعمال إذا كانت نسبتها إلى الله تعالى فهي (شعائر الله) وإذا كانت نسبتها إلى غيره فهي بحسب ما تنسب إليه.

فالشعائر التي نسبت إلى الله تعالى وسميت ب-(شعائر الله) هي لا تختص بمناسك الحج أو ببعض العبادات، بل هي تشمل كل معالم الدين، وكل ما ينشر نهج الشريعة، وهذا ما أشارت إليه الأقوال المتقدمة في الفصل السابق، فلذا يجد الباحث أن شعائر الله تتعدى إلى أفعال وأعمال أخرى غير التي ذكرت في القرآن الكريم، كالأنبياء والأولياء، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: «... لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ»(1)، «وَعَزَّرْتُمُوهُمْ» فالتعظيم للأنبياء لكونهم من شعائر الله تعالى، هذا ما أشار إليه صاحب المعجمالوسيط في اللغة «عزره: عظّمه ووقره، وأعانه وقواه ونصره»(2)، وفي التنزيل العزيز: «لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ...»(3)، وقوله تعالى:


1) المائدة: آية12.

2) إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط: 598.

3) الفتح: آية9.

«فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ...» (1).

وعلى هذا الأساس تكون الشعائر التي لها علاقة بالله تعالى هي شعائر إلهية وجب تعظيمها، ولهذا فالأنبياء والأولياء الذين جاءوا بدين الله تعالى وبلّغوه إلى الناس وبذلوا الغالي والنفيس من أجل تثبيته والحفاظ عليه هم مما يجب تعظيمهم؛ كونهم مرتبطين بالله تعالى أيما ارتباط، فلهذا يصح أن ندعي أن تعظيم الأنبياء والأولياء الدالين على الله تعالى والمرشدين لطريقه القويم والهادين لنهجه المستقيم هو تعظيم لشعائر الله تعالى.

فالإمام الحسين(علیه السلام) الذي هو ولي من أولياء الله تعالى يكون من شعائر الله تعالى.

ولبيان أن الشعائر الحسينية من شعائر الله تعالى التي يجب تعظيمها نذكر هذين المطلبين التاليين:

المطلب الأول: بيان المراد من شعائر الله تعالى

اشارة

إنّ للشعائر مفهوماً عاماً تندرج تحته الكثير منمصاديق الطاعة؛ لما عرفنا من أن الشعائر هي علامات طاعة الله تعالى، وهذا ما تقدم في المعنى اللغوي لها، إذ يقول الجوهري في كتاب الصحاح «والشعائر...، كل ما جعل علماً لطاعة الله تعالى» وكذلك قال غيره(2)، وأيضاً جاء في المعنى الاصطلاحي لها عن النراقي في عوائد الأيام، قال: «الشعائر هي علامات طاعة الله وأعلام دينه»(3).

ولتوضيح ذلك ينبغي استعراض الأقوال في عمومية وخصوصية الشعائر:


1) الأعراف: آية157.

2) الجوهري، الصحاح: 2/382.

3) النراقي، عوائد الأيام: 26-35.

الأقوال في عمومية وخصوصية شعائر الله
اشارة

وفي المقام قولان:

القول الأول: إنّ شعائر الله مختصة بمناسك الحج

ذكر النراقي في العوائد أنّ المراد من الشعائر في آيات القرآن، هو خصوص مناسك الحج(1).

القول الثاني: شعائر الله تشمل عموم علامات الدين

ذهب أكثر الفقهاء إلى أنّ الشعائر حقيقة لغوية تنطبق على كلّ شيء جُعِل علامة للدين.

قال الشيخ الطوسي: «الشعائر: المعالم للأعمال، فشعائرالله: معالم الله التي جعلها مواطن للعبادة...، فشعائر الله أعلام متعبّداته»(2).

وذهب السيّد البجنوردي في القواعد الفقهية إلى أنّ «المراد من حرمات الله وشعائر الله مطلق ما هو محترم في الدين، وتطبيقها على مناسك الحجّ ومشاعره من باب تطبيق الكلّي على بعض مصاديقه»(3).

وقال الفخر الرازي: «وأما شَعائِر اللهِ فهي أعلام طاعته، وكلّ شي‌ء جُعِل علماً من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله...، ومنه الشعائر في الحرب، وهو العلامة التي يتبيّن بها إحدى الفئتين من الأُخرى»(4).


1) النراقي، عوائد الأيام: 23.

2) الطوسي، التبيان: 2/ 42.

3) البجنوردي، القواعد الفقهية: 2/ 297.

4) الفخر الرازي، التفسير الكبير: 4/ 135.

الشواهد على عمومية الشعائر لعلامات الدين
اشارة

من الشواهد على أن الشعائر تنطبق على ما يصدق عليه علامات الدين، هو تطبيق الفقهاء للشعائر على غير مناسك الحج.

إذا تتبعنا كلمات الفقهاء في الكتب الفقهية المختلفة، يتضح أنّهم عدّوا أُموراً كثيرة من مصاديقالشعائر، وفيما يلي نُشير إلى عدّة منها:

الشاهد الأوّل: بناء القبور للمعصومين(علیهم السلام) والعلماء

قال المحقّق الأردبيلي: «فالكراهة - بعد الاندراس... - غير بعيد، ثمّ ­إنّه قيل: إنّ ­قبور المعصومين(علیهم السلام) مستثنىً من ذلك، لتعظيم شعائر الله»(1).

وقال السيّد العاملي في مبحث كراهة بناء القبور: «وكيف كان فيُستثنى من ذلك قبور الأنبياء والأئمة(علیهم السلام)...، لا يبعد استثناء قبور العلماء والصلحاء أيضاً؛ استضعافاً لخبر المنع، والتفاتاً إلى أنّ في ذلك تعظيماً لشعائر الإسلام»(2).

وقال الفيض الكاشاني في نفس المبحث: «وقبور الأنبياء والأئمة(علیهم السلام) مستثناة عن ذلك...، وربّما يلحق بها قبور العلماء والصلحاء؛ استضعافاً لخبر المنع وتعظيماً لشعائر الإسلام»(3).

الشاهد الثاني: وجوب احترام المكتوبات الدينية

قال المحدّث البحراني في الحدائق: «ما يحرم الاستنجاء به...، وجوب إكرام التربة المشرّفة وحرمة إهانتها...، وما كُتب عليه شي‌ء من علوم الدين فلدخوله في


1) الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان: 2/ 501.

2) العاملي، مدارك الأحکام: 2/ 150.

3) الفيض الكاشاني، مفاتيح الشرائع: 2/ 172.

الشعائر المأمور بتعظيمها في قوله تعالى: «وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ»(1)»(2).

وغير ذلك من المصاديق التي لا يسع المقام لذكرها.

ومما تقدم يتّضح أنّ شعائر الله تعالى هي كل طاعة يصدق عليها أنّها من علامات القرب الإلهي، فلذا صار مثل كنس المسجد، من شعائر الله تعالى أيضاً، كما صرح بذلك صاحب جواهر الكلام(3)، وصارت كل علامة تدل على طاعة الله تعالى هي شعيرة من شعائر الله تعالى، كالأذان والصلاة والصوم، وهذا يؤيده قول صاحب المسالك، إذ يقول: «المراد بالشعائر الأمور التي تختص بشرعه، كالأذان والصلاة وصوم شهر رمضان ونحو ذلك...»(4).

المطلب الثاني: الشعائر الحسينية من مصاديق الشعائر الدينية

اشارة

لا يخفى أنّ من أهم وأوضح مصاديق وتطبيقات الشعائر الدينية هي الشعائر الحسنية، وذلك لأن الشعائر الحسينية من أوضح علائم الإمام الحسين(علیه السلام)، ونهضته المباركة، وما تحمله من أهداف سامية وغايات نبيلة، وما لها من أبعاد عديدة جعلت منها قضية الإسلام الأولى، التي أعادت لهذا الدين رونقه وحيويته، بعد أن كاديفقدها بتسلّط يزيد وأذناب بني أمية على مقاليد السلطة، وتصرفهم بمقدرات أمة محمد(صلی الله علیه و آله و سلم).

كلمات اللغويين والفقهاء الدالة على أنّ الشعائر الحسينية من الشعائر الدينية

1- قال الشهيد الثاني «إن الشعائر من العبادات التي يعبد الله تعالى بها فتكون


1) الحج: آية32.

2) البحراني، الحدائق الناضرة: 2/ 46.

3) اُنظر: الجواهري، جواهر الكلام: 14/ 88.

4) الشهيد الثاني، مسالك الأفهام: 306.

عبادة كغيرها»(1)، وإنّنا نأتي بالشعائر الحسينية على أنّها عبادة.

2- وقال الأزهري: «الشعائر المقامة التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها»(2)، وإنّنا نرى أنّ الشعائر الحسينية قد ندب الله تعالى إليها، وأمر بالقيام عليها، وهذا ما فهمناه من لسان الروايات التي ورد فيها كلام المعصومين(علیهم السلام) وفعلهم.

3- وقال الجوهري: «الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل علماً لطاعة الله، وقال الزجاج في شعائر الله يعنى بها جميع متعبداته التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلاماً»(3)، والشعائر الحسينية صارت علماً لطاعة الله تعالى.

4- وقيل: «شعائر الله دين الله كله، وتعظيمها التزامها، عنالحسن»(4)فإنّ الشعائر الحسينية هي من دين الله تعالى ويستحب تعظيمها.

5- ومن قال: «إن الشعائر: دين الله، قال: «لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ» أي: الأجر والثواب».

ومن قال: «إن الشعائر: هي الدين كله»(5)فإنّ في الشعائر الحسينية منافعاً كثيرة سواء على مستوى الدنيا أو على مستوى الآخرة، وسيأتي بيان فوائد الشعائر الحسينية على مستوى الدنيا والآخرة.

6- «والظاهر أن المراد بالشعائر التي هي محل كلام الفقهاء هو كل مظهر من مظاهر الإسلام التي يعرف بها المسلم، ومن أبرزها الصلاة والصيام والحج وكذلك


1) اُنظر: الشهيد الثاني، مسالك الأفهام: 2/ 198.

2) اُنظر: الكاظمي، مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام: 2/ 235، من الهامش.

3) المصدر نفسه.

4) المصدر نفسه.

5) المصدر نفسه.

الآذان والإقامة وغير ذلك»(1)فإنّ الشعائر الحسينية مظهر يعرف به المسلمون الشيعة، ومثلها كمثل الصلاة والصوم وغيره.

7- «وشعائر الله: معالمه التي جعلها مواطن للعبادة، وكل معلم لعبادة من دعاء أو صلاة أو غيرهما فهو مشعر لتلك العبادة، وواحد الشعائر: شعيرة، فشعائر الله: أعلام متعبداته من موقف أو مسعى أومنحر، من شعرت به، أي: علمت»(2)فنعلم أنّ كربلاء أو المشاهد المشرفة أو الحسينيات التي أقامها المسلمون الشيعة هي مواطن لأداء الشعائر الحسينية.

8 - «ويمكن القول: إن شعائر الله تشمل جميع الأعمال الدينية التي تذكر الإنسان بالله سبحانه وتعالى وعظمته، وإن إقامة هذه الأعمال دليل على تقوى القلوب»(3)فلا شك أنّ الشعائر الحسينية هي مما يذكر بالله تعالى وعظمته، وإنّما تقام من قبل الشيعة لأنّ القيام بها نوع من أنواع التقوى.

9- «فالشعائر هي المعالم للقرب، قال الله تعالى: «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ»(4)»(5)وكذلك نعلم أنّ الشعائر الحسينية هي إنّما تقام للتقرب إلى الله تعالى ليس إلّا.

ومن جميع هذه الكلمات يتضح أنّ الشعائر الحسينية من مصاديق شعائر الله تعالى.


1) المصدر نفسه.

2) المصدر نفسه.

3) مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 10/ 344.

4) الحج: آية32.

5) الجصاص، أحكام القرآن: 1/ 119.

الشواهد على أنّ الشعائر الحسينية من شعائر الله تعالى
الشاهد الاول: انطباق أهداف الشعائر الحسينية على أهداف شعائر الله تعالى
اشارة

لكي يتضح هذا الشاهد ينبغي اولا بيان الاهداف وغايات شعائر الله تعالى، ثم بيان اهداف النهضة الحسينية، وعندئذ سيتضح التقاء الاهداف والغايات معا:

أ: أهداف شعائر الله تعالى

ذكر علماء اللغة والاصطلاح خواصاً للشعائر، إذ إنّ خلوّ الشعيرة من هذه الخواص لا يجعلها شعيرة من شعائر الله تعالى، بل هي مجرد فعل قريب من البدعة إذا لم يكن بدعة من البدع، ولكي نقف على هذه الخواص لابد لنا من ذكر أقوال علماء اللغة والاصطلاح في الشعيرة وهي كما يأتي:

1- إنّ الشعائر علماً لطاعة الله تعالى، فلذا قال الجوهري «والشعائر: أعمال الحج، وكل ما جعل علماً لطاعة الله»(1).

2- إنّ الشعائر فعل ظاهر للحواس، ويؤيد ذلك قول الراغب «ومشاعر الحج معالمه الظاهرة للحواس... »(2).

3- إنّ الشعائر مما يتقرب بها إلى الله تعالى، ويؤيد ذلك قول ابن منظور «وشعائر قربان، بها يتقرب...»(3).

4- إنّ الشعائر مندوب إليها مأمور بها من قبل الله تعالى، ويؤيد ذلك قول الفيروز آبادي «شعائره معالمه التي ندب إليها وأمر بالقيام بها»(4).


1) الجوهري، الصحاح: 2/ 382-383.

2) الراغب الاصفهاني، المفردات: ص71-272.

3) ابن منظور، لسان العرب: 4/ 479.

4) الفيروز آبادي، القاموس المحيط: 2/ 59-60.

5- إنّ الشعائر فيها خير لفاعلها، ويؤيّد ذلك قول الطريحي «وجعلناها من شعائر الله لكم فيها خير»(1).

6- إنّ الشعائر هي من حرمات الله تعالى وحدوده فلا يحل تجاوزها، يؤيّد ذلك ما نقله الطريحي في كتابه مجمع البحرين عن الشيخ أبي علي فقال: «قوله:

«لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ» قال الشيخ أبو علي: اختلف في معنى شعائر الله على أقوال: منها لا تحلو حرمات الله ولا تتعدوا حدوده...»(2).

7- إنّ الشعائر هي الأعمال الدينية التي تذكّر الإنسان بالله تعالى(3).

ب: أهداف وغايات النهضة الحسينية

على صعيد أهداف النهضة الحسينية يتشعب الكلام وتتكثر فروعه، فقد تجلت أهداف النهضةالحسينية بعدة مظاهر وصور، يمكن الوقوف عليها من خلال حركة الإمام الحسين(علیه السلام)، ومجمل شعارات الثورة وخطاباتها، ومن هذه الأهداف:

أولاً: الإصلاح الاجتماعي، فالحسين(علیه السلام) لما رأى الأمة سائرة نحو الانحراف والسقوط الاجتماعي؛ نتيجة تسلط الظالمين والطغاة، وانزواء الخيرين والصالحين عن مواقع التغيير والإصلاح؛ فصار لزاماً عليه أن يطلق صرخة الإصلاح المدوّية، والتي ما زال يتردد صداها حتى يومنا هذا؛ وذلك في قولته المشهورة: «... وإني لم أخرج أَشِراً ولا بَطراً، ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنّما خَرَجْتُ لطَلب الإصلاح في أمّة جدّي رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المُنكَر، وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب عليهما السلام...»(4).


1) الطريحي، مجمع البحرين: 3/ 346-350.

2) المصدر نفسه.

3) مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 10/ 344.

4) المجلسي، بحار الأنوار: 44/329.

فمن خلال كلمة الإصلاح الواردة في كلام الإمام(علیه السلام) يتضج أنّ المعروف يشمل المعروف الفردي والاجتماعي والفكريّ والعقديّ والاقتصاديّ والسياسيّ والحقوقيّ وغيره. والمنكر كذلك، بل وكلّما هو مبغوض شرعاً، فإنّه يتناول كلّ المحرمات في كلّ الأبواب، والمعروف يتناول كلّ الأوامر الشرعيّة وجوباً وندباً ورجحاناً.

ثانياً: إن النهضة الحسينية هدفها الدفاع عن إمامة أهل البيت(علیهم السلام) الإلهية، والاعتراض على الغاصبين لها بدونوجه حقٍ، وهو ما جاء في كلامه(علیه السلام) حينما دعاه الوليد بن عتبة- وهو في المدينة- لبيعة يزيد، فقال(علیه السلام): «إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون، أينا أحق بالخلافة والبيعة» (1).

ومن الواضح أن هذه الإدانة والاعتراض هو إدانة لكل مشروع الخلافة الغاصب الذي كانت نتائجه أن يعتلي شخص مثل يزيد - بهذه المواصفات - منصب الخلافة وإمرة المسلمين، وفي الوقت نفسه، فإن إباءه(علیه السلام) لبيعة يزيد، ونكيره لخلافته يؤدي إلى نوع من التبليغ والنشر لمفهوم الإمامة والدعوة إلى إمامتهم(علیهم السلام).

وعلى هذا الأساس كانت نهضته(علیه السلام) بشكل بارز مَعلَماً لإمامتهم وولايتهم الإلهيّة الحقّة.

ثالثاً: سعي الإمام الحسين(علیه السلام) لإقامة الحكومة الإلهية عند توفر الظروف ووجود الناصر، فعندما بايعه أهل الكوفة، وأرسلوا إليه الكُتب للقدوم إليهم، و استنصروه، رأى الإمام(علیه السلام) وجوب إجابتهم؛ لأنّ المعصوم(علیه السلام) إذا وَجد مَن ينهض


1) ابن طاووس، اللهوف على قتلى الطفوف: 17.

به بمقدار العُدّة الكافية والعدد وجب عليه النهوض، كما يقول أمير المؤمنين(علیه السلام) في نهج البلاغة:«أَمَا والَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْ لا حُضُورُ الْحَاضِرِ وقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، ومَا أَخَذَ الله عَلَى الْعُلَمَاءِ، أَلا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ ولا سَغَبِ مَظْلُومٍ، لأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، ولَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا، ولأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِه أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ» (1).

رابعاً: الإباء والعزة والكرامة، وعدم الخنوع والاستسلام والذل للظلم والعدوان، مهما كان العدد قليلاً والعُدة بسيطة، فالموت بعزة وشرف أعلى وأشرف من الحياة بذلّ وهوان «وإني لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا برما»(2)، وقال(علیه السلام): «ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت، وحجور طهرت، ونفوس أبية، وأنوف حمية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام»(3).

بالإضافة إلى وجود أهداف وغايات أخرى كثيرة للنهضة الحسينية، يدركها الباحثون والعلماء، وأخرى لم يدركوها بعد، وستبقى هذه النهضة على مر الدهور والأزمان بعث للإسلام من جديد.

إنّ المحافظة على تلك الأهداف والغايات السامية وإبقاءها خالدة في ضمير الأمة، ولضمان استمراريةتأثيرها وتفاعلها في المجتمع المسلم، إنّما يتحقق في ظلّ مراسم وطقوس وممارسات مختلفة وواعية، تحكي معالم هذه النهضة وتبرز جوانبها، وتعمل على إحيائها بشتى الطرق والوسائل الحسية، فتكون - بحق - علامة على نشر وإعلان وبثّ مبادئ وأهداف ورسالة هذه النهضة الإصلاحية المباركة.


1) الشريف الرضي، نهج البلاغة بتحقيق صبحي الصالح: 50.

2) ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: 3/ 224.

3) ابن نما الحلي، مثير الأحزان: 50. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 3/ 249 - 250.

ومن هنا يتضح أن اهداف الشعائر الحسينية تلتقي مع أهداف الشعائر الدينية، لذا تكون واحدة من مصاديقها، ومن هنا يجب إحياؤها وتجديدهما.

الشاهد الثاني: الرابطة بين مشتقات مادة (شعر) وبين الشعائر الحسينية

قبل بيان وجه الشبه نذكر ما جاء في كتاب القاموس المحيط للفيروز آبادي لمادة (شعر) فقال: «و(شَعَرَ) به كنَصَرَ وكرم شعراً وشعراً وشعرة مثلثة وشِعرى وشُعرى وشُعوراً وشُعورة ومشعوراً ومشعورة ومشعوراء، علم به وفطن له وعقله وليت شعري فلاناً، وله وعنه ما صنع، أي: ليتني شعرت، وأشعره الأمر وبه أعلمه، والشعر غلب على منظوم القول لشرفه بالوزن والقافية، وإن كان كل علم شعراً.

وأشعرة وشعر وشاعرها وشعرها نام معها في شعار، واستشعره لبسه، وأشعره غيره ألبسه إياه، وأشعر الهمّ قلبي لزق به وكل ما ألزقته بشيء أشعرته به، والقوم نادوا بشعارهم أو جعلوا لأنفسهمشعاراً، والبدنة أعلمها وهو أن يشقّ جلدها أو يطعنها حتى يظهر الدم، والشعيرة البدنة المهداة.

وشعائر وهنة تصاغ من فضة أو حديد على شكل الشعيرة تكون مساً كالنصاب النصل، وأشعرها جعل لها شعيرة، وشعار الحج مناسكه وعلاماته، والشعيرة والشعارة والمشعر معظمها أو شعائره معالمه التي ندب الله إليها وأمر بالقيام بها، والمشعر الحرام، وتكسر ميمه بالمزدلفة وعليه بناء اليوم ووهم من ظنه جبيلاً بقرب ذلك البناء(1).

فلذا نجد أنّ بعض المفردات التي اشتُقت من مادة (شعر) كمفردة شعار


1) اُنظر: ابن منظور، لسان العرب: 4/ 412. الفيروزآبادي، القاموس المحيط: 2/ 59-60.

ومشعر وشعرت والشعر وشواعر الإنسان ومشاعره واستشعر فلان خوفاً، وأشعرته فشعر وأشعر قلوبكم، لها نحو من الارتباط بالشعائر الحسينية، وذلك على النحو الآتي:

1- قوله: «أنت الشعار دون الدثار، تصفه بالقرب والمودة»(1)يشير إلى وجود شبه بين (الشعار) وبين (الشعائر) فكلاهما يدل على وجود المودّة، فتعظيم الشعيرة تدل على مودة من نسبت إليه الشعيرة، سواء كانت هذه النسبة إلى الله تعالى، فنقول: (شعائر الله) أو نسبة إلى الإمام الحسين(علیه السلام) فنقول: (الشعائر الحسينية).2- وقوله: «فالشعر في الأصل اسم للعلم الدقيق»(2)فهذا يعني أنّه لا يكون الشاعر الذي ينظم القصائد في رثاء الميت إلّا فطناً وذكياً ودقيقاً في معرفته لعوامل نجاح قصيدته في حق من قيل في حقه الرثاء، ولذا لابد للشاعر الحسيني من دقة المعلومة وصدقها كي لا يخرج العمل عن عنوان الشعائر الدينية.

3- قوله: «والمشاعر الحواس....، ومشاعر الحج معالمه الظاهرة للحواس...»(3)فيظهر من هذا النص أن ممارسة الشعائر لابد أن تكون مادية ظاهرة للحواس؛ لكي تدل على تعظيم فاعلها لصاحب الشعائر.

4- قوله: «وشواعر الإنسان ومشاعره...»(4)مشاعر الإنسان تجاه الإمام الحسين(علیه السلام) سبب في تخليده وتعظيم شعائره.

5- قوله: «حديث علي(علیه السلام) لأهل الكوفة: أنتم الشعار تحت الدثار....»(5)يريد


1) الفراهيدي، العين: 4/ 482.

2) اُنظر: المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير: 1/ 1175.

3) الراغب الاصفهاني، المفردات: 271.

4) الفيروز آبادي، القاموس المحيط: 2/ 59.

5) اُنظر: ابن منظور، لسان العرب: 4/ 412.

به أنتم الخواص دون العامة، وكذلك محبو الإمام الحسين(علیه السلام) يعظمون شعائره؛ لأنهم من خواص محبيه، والقريبين إليه دون عامة المسلمين.

6- قوله «وشعار القوم في الحرب: علامتهم... » فكما أنللحرب شعاراً يدل على الأفراد كذلك إقامة الشعائر الحسينية تدل على شيعة الحسين،(علیه السلام) وأصبحت شعاراً لهم بين الطوائف الإسلامية وغيرها.

7- قوله «واستشعر فلان خوفاً: أي أضمره...»(1)فاستشعار القلب بحب الإمام(علیه السلام) يدعو إلى تعظيم شعائره، وتعظيم شعائره يدعو إلى الشعور بتقوى الله تعالى ووجوب طاعته.

8 - قوله عن الشعراء: «أي: لا يتبعهم على كذبهم وباطلهم...»(2)أي: أن الشاعر ينبغي أن يكون صادقاً في وصفه، مهذباً في كلماته، لا يخالف دين الله، ولا يعصي أمر الله، فهذا أحق أن يتّبع ويُسمع له، وكذلك الشاعر الحسيني ينبغي أن يكون كذلك عند وصفه مصائب الإمام الحسين(علیه السلام) وعند رثائه.

9- قوله في العين: «أشعر فلان قلبي هماً، أي: ألبسه بالهم حتى جعله شعاراً للقلب»(3)فيه إشارة إلى ما يصيب قلب محب الإمام الحسين(علیه السلام) من الهم والحزن لما جرى عليه(علیه السلام) من المصائب.

10- قوله في العين: «المشعر، موضع المنسك من مشاعرالحج»(4)فيه إشارة إلى كربلاء المقدسة كونها موضع إقامة الشعائر الحسينية في عاشوراء.

11- قول الجوهري: «والشعائر: أعمال الحج، وكل ما جعل علماً لطاعة الله


1) اُنظر: الجوهري، الصحاح: 2/ 699.

2) اُنظر: الطريحي، مجمع البحرين: 2/154.

3) الفراهيدي، العين: 1/ 251.

4) المصدر نفسه.

تعالى»(1)فيه إشارة إلى أنّ أعمال يوم عاشوراء هي كأعمال الحج، وهي عَلَم لطاعة الله تعالى؛ لما فيها من نيّة قربى إلى الله تعالى؛ ولما فيها من تنويح يعبِّر عن الولاء للإمام(علیه السلام).

12- قول ابن منظور: «وتقول للرجل استشعر خشية الله، أي: اجعله شعائر قلبك»(2)فيه إشارة إلى أن تعظيم الشعائر الحسينية ناشئ مما يشعر به الموالي من خشية الله تعالى فيتقرب إليه تعالى بتعظيم شعائر الإمام الحسين؛(علیه السلام) ليكون شفيعاً له عند الله تعالى.

13- قوله: «وشعائر قربان، بها يتقرب»(3)كذلك الشعائر الحسينية هي مما يتقرب بها إلى الله تعالى.

14- ما ذكره ابن منظور «ومنه الحديث: أن جبريل أتى النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: مر أمتك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج.. »(4)فيه إشارة إلى أن رفع الأصوات عند أداءالشعائر الحسينية والهتاف باسم الإمام الحسين(علیه السلام) هو أيضاً من الشعائر الحسينية.

15- ما نقله ابن منظور عن الزجاج «وقال الزجاج في شعائر الله: يعني بها جميع متعبدات الله التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلاماً لنا.. »(5)كأنه يشير إلى القول أن الشعائر الحسينية هي أيضاً من متعبدات الله تعالى، وقد أشعر الله تعالى هذه الشعائر لنا - كما سيأتي في أدلة إثباتها -.


1) الجوهري، الصحاح: 2/ 698.

2) ابن منظور، لسان العرب: 4/ 409.

3) المصدر نفسه: 4/ 414.

4) المصدر نفسه.

5) المصدر نفسه.

16- قول الطريحي: «ومنه حديث أولياء اتخذوا القرآن شعاراً.. »(1)وهكذا الموالون للإمام الحسين(علیه السلام) اتخذوا شعائره شعاراً أمام الشعارات الباطلة.

ومن هذه الكلمات يتضح أن الشعائر الحسينية هي أيضاً من متعبدات الله تعالى، وقد أشعرها الله تعالى وأمر بإقامتها والحفاظ عليها، كما سيتضح.

الشاهد الثالث: الشبه بين المعنى اللغوي لشعائر الله ومادة (شعر) وبين الشعائر الحسينية

1- هناك شبه بين الشعائر التي يؤتى بها من قبل الناس في الحج، وبين الشعائر الحسينية التي تقام في عاشوراء مثلاً، وهي قيام مجموعة بأمر ما قربة إلى اللهتعالى، ووحدة هذه المجموعة، إذ إنّهم مرتبطون ببعضهم البعض، فهؤلاء جمعتهم شعائر يعظمونها في مكة، وأولئك جمعهم شعائر يعظمونها في مكانهم.

2- وقوله: «شعائر الله مناسك الحج، أي: علاماته» أي أن الفاعل لهذه الشعائر يشير إلى أن هذه علامات دين الله تعالى وفاعلها من الحجاج الذين يؤدون هذه الفريضة، وهم محل رضا الله سبحانه، ولا ضير في فعلهم، وهكذا من يؤدي الشعائر الحسينية قربة إلى الله تعالى، هو محل رضا الله تعالى، ولا ضير في فعله.

3- قوله: «والشعيرة من شعائر الحج، وهو أعمال الحج والسعي والطواف والذبائح، كل ذلك شعائر الحج» فهذه الشعائر مع كونها أفعالاً مادية بحتة، لا قيمة لها لولا نسبتها إلى الله تعالى، فكسبت بذلك عظمتها من العظمة الإلهية؛ وكذلك الشعائر الحسينية لولا ارتباطها بالإمام الحسين(علیه السلام) لا تكون سوى أفعال قد يعاب على فاعلها فعلها.


1) الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين: 3/ 349.

4- قوله: «أي: جعلناها لكم وجعلناها من شعائر الله لكم فيها خير...» فشعائر الله تعالى بجعل من الله تعالى، لا من غيره فتخرج عن كونها بدعة، وفي تعظيمها خير للفاعل، وهكذا الشعائر الحسينية هي من جعل الله تعالى بدليل ما ورد على لسان رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته وأصحابه الأخيار لاسيما في جواز البكاء على الحسين(علیه السلام) - كما سيأتي بحثه لاحقاً -.

وفي ممارستها خير كثير لفاعلها في الدنيا كالارتباط بالإمام الحسين(علیه السلام)، وهذا الارتباط يحث المرتبط على التخلق بأخلاق الإمام الحسين(علیه السلام) كالتضحية في سبيل الله والثورة ضد الظالمين والصبر على البلاء، وأما في الآخرة فسينال الأجر العظيم والثواب الواسع والدرجة الرفيعة.

5- قوله: «لا تحلّوا حرمات الله ولا تتعدوا حدوده....» أي: أن توهين الشعائر وعدم احترامها يعد تجاوزاً على حرمات الله تعالى وتعدياً على حدوده، وهكذا يعد توهين الشعائر الحسينية وعدم احترامها تجاوزاً وتعدياً على حدود الله تعالى.

ومما تقدم يتضح أنّ الشعائر الحسينية من شعائر الله تعالى.

المبحث الثاني: الأدلة القرآنية على مشروعية الشعائر

المطلب الأول: الآيات التي تضمنت لفظ الشعائر صراحة

اشارة

لقد تناول المفسرون هذه الآيات في تفاسيرهم بشكل مفصل، ولكننا نأخذ منه محل الحاجة؛ لإثبات مشروعية إقامة الشعائر، وهو كما يأتي:

الآية الأولى: آية الصفا والمروة

قوله تعالى: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ»(1).

وفيما يلي إليك بعض كلمات الأعلام في تفسير هذه الآية، وهي وإن ذكرت الصفا والمروة، لكنها عامة لكل ما يصدق عليه علامة وشعيرة للدين:

1- ما ذكره صاحب مجمع البيان من المعنى اللغوي للصفا والمروة(2)، وكذا معنى الشعائر، فقال: «والشعائر: المعالم للأعمال. وشعائر الله: معالمه التي جعلها مواطن للعبادة، وكلمعلم لعبادة من دعاء أو صلاة أو غيرهما فهو مشعر لتلك العبادة. وواحد الشعائر: شعيرة. فشعائر الله: أعلام متعبداته من موقف أو مسعى أو منحر من شعرت به، أي: علمت»، كما أشار الشيخ الطبرسي إلى معنى


1) البقرة: 158.

2) اُنظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن: 1/ 443.

الحج والعمرة في اللغة والاصطلاح، فقال: «والحج في اللغة: هو القصد على وجه التكرار. وفي الشريعة: عبارة عن قصد البيت بالعمل المشروع من الإحرام والطواف والسعي والوقوف بالموقفين وغير ذلك. والعمرة: هي الزيارة، أخذ من العمارة، لأن الزائر يعمر المكان بزيارته، وهي في الشرع: زيارة البيت بالعمل المشروع»، ثم ذكر تفسير الآية الكريمة، فقال: «والمعنى: لمّا ذكر سبحانه امتحان العباد بالتكليف والإلزام مرة، وبالمصائب والآلام أخرى، ذكر سبحانه أنّ من جملة ذلك أمر الحج، فقال: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ»، أي: إنهما من أعلام متعبداته. وقيل: من مواضع نسكه وطاعاته، عن ابن عباس. وقيل: من دين الله، عن الحسن. وقيل: فيه حذف، وتقديره الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله. وذكر كذلك ما ورد عن الإمام الصادق(علیه السلام) عن سبب تسمية الصفا والمروة، وعن سبب نزول الآية»(1).

فيظهر مما تقدم:

أ - إنّ الشعائر هي أعم من شعائر الحج، بل هي كل معلم للعبادة، وهي من دين الله.

ب - إنّ تعمير المكان بالزيارة هو أيضاً من الشعائر.ج - إباحة السعي بين الصفا والمروة، وهذا العمل مصداق من مصاديق تعظيم شعائر الله تعالى التي أوجبها على عباده.

ومثل ما تقدم عن الطبرسي ما جاء في تفسير الميزان، في تفسير قوله تعالى: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ»: «الصفا والمروة موضعان بمكة يأتي الحجاج بينهما بعمل السعي»، وأشار إلى المعنى اللغوي للصفا والمروة والحج


1) المصدر نفسه: 1/ 445.

والعمرة كما ذكره الشيخ الطبرسي(1).

2- ذكر العلامة الطباطبائي أنّ الطواف ليس فقط هو الدوران حول الشيء، بل هذا الدوران مصداق من مصاديق الطواف، ولذا سمّي السعي بالطواف(2).

وذكر العلامة في تفسير هذه الآية ما يأتي:

أ - إنّ الصفا والمروة معلّمان بعلامة الله تعالى، وهما من الشعائر الجعلية وليست التكوينية، فلذا صارا معبدين لعبادته.

ب - قوله تعالى: «فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا» هو للإيذان بأصل تشريع السعي بينهما لا لإفادة الندب.

ج - إنّ الله تعالى يحب السعي بين الصفا والمروة -وهذا ظاهر - ولكنه يعني الوجوب كقوله تعالى: «وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ظاهره الاستحباب وواقعه الوجوب(3).

د - وذكر عن الإمام الصادق(علیه السلام) «إن الصفا والمروة من شعائر الله تعالى وليس من صنع المشركين كما كان يظن المسلمون ذلك»(4).

فيظهر مما تقدم:

أ - إنّ الله تعالى أجاز السعي، بل أوجبه بين الصفا والمروة كونهما من شعائر الله تعالى التي جعلها للمسلمين.

ب - إنّ الطواف الذي يقوم به الزائرون في مراقد الأئمة الأطهار(علیهم السلام) صحيح كون مفهوم الطواف أعم من الطواف حول الكعبة.


1) اُنظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: 1/ 382.

2) اُنظر: المصدر نفسه: 1/ 384.

3) اُنظر: المصدر نفسه: 1/ 382.

4) اُنظر: المصدر نفسه: 1/ 385.

ج - إنّ الله تعالى يجعل من بعض الأماكن موضعاً لعبادته، وقد يأتي هذا في نص قرآني أو في السنة الشريفة.

د - قوله: (ليس السعي من صنع المشركين) فيه إشارة إلى رفض البدعة وإقرار السنّة.

3- ما جاء في تفسير الطبري من أنّ الصفا والمروة هما الجبلان اللذان في الحرم دون غيرهما. قال في تفسير قوله تعالى: «مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ »: «فإنه يعني من معالم الله التي جعلها- تعالى ذكره - لعباده معلماً ومشعراً يعبدونه عندها، إما بالدعاء وإما بالذكر وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها»(1).

يظهر من قوله هذا ما يأتي:

أ - إن السعي من شعائر الله تعالى، ولكن الشعائر لم تكن محصورة بالسعي، بل تتعداه إلى غيره من دعاء أو ذكر أو غيرها من الأعمال، وما يحصل في المشاهد المشرفة لأهل البيت(علیهم السلام) بما فيها مشهد الإمام الحسين(علیه السلام) من دعاء وصلاة وزيارة، هو مصداق من مصاديق الشعائر.

ب - إنّ تحديد المكان من قبل الله تعالى لإقامة العبادات المطلوبة يعني إلزام العباد بالعمل في هذا المكان دون غيره، فلا يحق لأحد أن يختار مكاناً تبعاً لهواه أو لاستحسانه، بل عليه التقيد بما ذكره الشرع سواء كان ذلك عن طريق النص القرآني أو السنة الشريفة.

4- جاء في تفسر الرازي في تفسير هذه الآية: أنّ هناك أربع مسائل أشار فيها إلى أنّ السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم، وإنّهما علمان للجبلين المخصوصين، ولابد من حمل الشعائر على موضع العبادات والنسك، وأشار إلى أنّ


1) الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري): 2/ 54-56.

قوله تعالى: «فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» معناه «لا إثم عليه والذي يصدق عليه أنّه لا إثم في فعله يدخلتحته الواجب والمندوب والمباح، ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة عن الآخر بقيد زائد، فإذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب، أو ليس بواجب؛ لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة على خصوصية من الرجوع إلى دليل آخر»(1).

فيظهر مما يتقدم جواز إقامة هذه الشعيرة قربة إلى الله تعالى.

الآية الثانية: آية لا تحلوا شعائر الله

قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ»(2).

وهنا مجموعة من الأقوال لعلماء التفسير:

1- تقدم في الآية السابقة كلام من مجمع البيان عن معنى الشعائر. وأمّا ما يخصّ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ...) فقد قال: «أي: صدقوا الله ورسوله، فيما أوجب عليهم (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ)، اختلف في معناها على أقوال:

أحدها: إن معناه لا تحلّوا حرمات الله، ولا تتعدوا حدود الله، وحملوا الشعائر على المعالم، أي: معالم حدود الله، وأمره ونهيه، وفرائضه، عن عطاء، وغيره.

وثانيها: إن معناه لا تحلّوا حُرَم الله وحملوا الشعائر على المعالم،أي: معالم حُرَم الله من البلاد، عن السدي.


1) اُنظر: الفخر الرازي، التفسير الكبير: 2/ 174-177.

2) المائدة: آية2.

وثالثها: إن معنى شعائر الله: مناسك الحج، أي: لا تحلّوا مناسك الحج فتضيّعوها، عن ابن جريج، وابن عباس.

ورابعها: ما روي عن ابن عباس: أن المشركين كانوا يحجّون البيت، ويهدون الهدايا، ويعظّمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجّهم، فأراد المسلمون أن يغيّروا عليهم، فنهاهم الله عن ذلك.

وخامسها: إن شعائر الله هي: الصفا، والمروة، والهدي من البدن، وغيرها، عن مجاهد. وقال الفراء: كانت عامة العرب لا ترى الصفا والمروة من شعائر الله، ولا يطوفون بينهما، فنهاهم الله عن ذلك.

وسادسها: إن المراد لا تحلّوا ما حرّم الله عليكم في إحرامكم.

وسابعها: إن الشعائر هي العلامات المنصوبة للفرق بين الحل والحرم، نهاهم الله سبحانه أن يتجاوزوها إلى مكة بغير إحرام، عن أبي علي الجبائي.

وثامنها: إن المعنى لا تحلّوا الهدايا المشعّرة، أي: المعلّمة، لتهدى إلى بيت الله الحرام، عن الزجاج، والحسين بن علي المغربي، واختاره البلخي. وأقوى الأقوال هو القول الأول»(1).

يظهر منه: أنّ الله تعالى حرّم حرماته وحدوده، فلا يجوز لأحد أن يحلها، فيلزم من هذا المنطوق مفهومٌ ألا وهو احترام حرمات الله تعالى وحدوده وتعظيمها.

ومن حرمات الله تعظيم أنبيائه وأوليائه، ومنهمالإمام الحسين(علیه السلام) من خلال تعظيم شعائره.

2- جاء في تفسير الميزان قوله: «قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ


1) الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن: 3/ 262-264.

وَرِضْوَانًا»، خطاب مجدد للمؤمنين، يفيد شدة العناية بحرمات الله تعالى.

والإحلال هو الإباحة الملازمة لعدم المبالاة بالحرمة والمنزلة، ويتعين معناه بحسب ما أضيف إليه، فإحلال شعائر الله عدم احترامها وتركها، وإحلال الشهر الحرام عدم حفظ حرمته والقتال فيه»(1).

وحيث إنّ تعظيم النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته(علیهم السلام) من حرمات الله التي لا يجوز الاستهانة بها، ويحرم توهينها، فلذا يصح أن نقول: يحرم الاستهانة بشعائر الإمام الحسين(علیه السلام)؛ لأنّها من شعائر الله تعالى.

3- جاء في تفسير الطبري قوله: «اختلف أهل التأويل في معنى قول الله: «لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ»، فقال بعضهم: معناه: لا تحلوا حرمات الله، ولا تتعدوا حدوده. كأنهم وجهوا الشعائر إلى المعالم، وتأولوا لا تحلوا شعائر الله: معالم حدود الله، وأمره، ونهيه، وفرائضه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: ثنا حبيب المعلم، عن عطاء أنه سئل عن شعائر الله، فقال: حرمات الله: اجتناب سخط الله، واتباع طاعته، فذلك شعائر الله.

وقال آخرون: معنى قوله: لا تحلوا حرم الله. فكأنهم وجهوا معنىقوله: شعائر الله: أي معالم حرم الله من البلاد. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ» قال: أما شعائر الله فحرم الله.

وأولى التأويلات بقوله: «لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ» قول عطاء الذي ذكرناه من توجيهه معنى ذلك إلى: لا تحلوا حرمات الله، ولا تضيعوا فرائضه؛ لأنّ الشعائر جمع شعيرة، والشعيرة، فعيلة، من قول القائل: قد شعر فلان بهذا الأمر، إذا علم به،


1) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: 5/ 165.

فالشعائر: المعالم من ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلام: لا تستحلوا أيها الذين آمنوا معالم الله، فيدخل في ذلك معالم الله كلها في مناسك الحج، من تحريم ما حرم الله إصابته فيها على المحرم، وتضييع ما نهى عن تضييعه فيها، وفيما حرم من استحلال حرمات حرمه، وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه، لأنّ كل ذلك من معالمه وشعائره التي جعلها أمارات بين الحق والباطل، يعلم بها حلاله وحرامه وأمره ونهيه.

وإنما قلنا ذلك القول أولى بتأويل قوله تعالى: «لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ» لأنّ الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم حدوده، وإحلالها نهياً عاماً من غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء، فلم يجز لأحد أن يوجه معنى ذلك إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها، ولا حجة بذلك كذلك»(1).

يظهر منه:

أ - إن شعائر الله تعالى هي حرماته، وفي قول آخر هيمعالم حدود الله وأوامره ونواهيه وفرائضه.

ب - «لَا تُحِلُّوا»: تأتي بمعنى لا تتعدوا ولا تضيعوا، فيلزم من هذا المنطوق مفهوماً ألا وهو تعظيم حرمات الله تعالى.

4- جاء في تفسير الرازي قوله: «واختلف المفسرون في المراد بشعائر الله، وفيه قولان: الأول: قوله: «لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ»: أي لا تخلوا بشيء من شعائر الله وفرائضه التي حدها لعباده وأوجبها عليهم، وعلى هذا القول فشعائر الله عام في جميع تكاليفه غير مخصوص بشيء معين، ويقرب منه قول الحسن: شعائر الله دين


1) الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 6/ 65-67.

الله. والثاني: أن المراد منه شيء خاص من التكاليف»(1).

يظهر منه: أنّ شعائر الله تعالى هي أعم من أعمال الحج، بل هي جميع تكاليف الله تعالى وبذلك تكون شاملة للشعائر الحسينية من معالم الدين وتكاليفه التي يجب الحفاظ عليها.

الآية الثالثة: آية تعظيم الشعائر

وهي قوله تعالى: «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ»(2).

1- جاء في مجمع البيان قوله: « (ذَلِكَ) أي: الأمر ذلك الذي ذكرناه (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ) أي: معالم دين الله، والأعلام التي نصبها لطاعته. وقيلشعائر الله: دين الله كله. وتعظيمها:

التزامها، عن الحسن (فَإِنَّهَا)أي: فإن تعظيمها لدلالة تعظيم عليه، ثم حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فقال: (فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) أضاف التقوى إلى القلوب؛ لأنّ حقيقة التقوى تقوى القلوب. وقيل: أراد صدق النية. «لَكُمْ فِيهَا» أي: في الشعائر (مَنَافِعُ) »(3).

ومن قول الطبرسي يظهر صراحة جواز - بل استحباب - تعظيم الشعائر الحسينية، كونها من شعائر الله تعالى.

2- جاء في تفسير الميزان قوله: «قوله تعالى: «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ»، (ذَلِكَ) خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك الذي قلنا، والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة، وشعائر الله الأعلام التي نصبها الله تعالى لطاعته، كما قال: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ»، وقال: «وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ


1) الفخر الرازي، التفسير الكبير: 6/ 130.

2) الحج: آية32.

3) الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن: 7/ 150.

مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ» الآية. وقوله: فإنها من تقوى القلوب، أي: تعظيم الشعائر الإلهية من التقوى، فالضمير لتعظيم الشعائر المفهوم من الكلام، ثم كأنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فأرجع إليه الضمير.

وإضافة التقوى إلى القلوب للإشارة إلى أن حقيقة التقوى - وهي التحرز والتجنب عن سخطه تعالى والتورع عن محارمه - أمر معنوي، يرجع إلى القلوب وهي النفوس، وليست هي جسد الأعمال التي هي حركات وسكنات، فإنها مشتركة بين الطاعة والمعصية كالمس في النكاح والزنا، وإزهاق الروح في القتل قصاصاً أو ظلماً، والصلاة المأتيبها قربة أو رياء وغير ذلك، ولا هي العناوين المنتزعة من الأفعال كالإحسان والطاعة ونحوها»(1).

يظهر منه ما يأتي:

أ - كلما يعدّ علماً لطاعة الله تعالى فهو من الشعائر.

ب - إنّ تعظيم الشعائر هو من أعمال الجوارح التي تنبثق من تقوى القلوب.

ج - كلّ عمل عبادي يقوم به العبد ظاهرياً وليس معه نيّة القربة إلى الله تعالى فهو باطل أو رياء.

3- جاء في تفسير الطبري قوله: «حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، قال: الوقوف بعرفة من شعائر الله، وبجمع من شعائر الله، ورمي الجمار من شعائر الله، والبدن من شعائر الله، ومن يعظمها فإنها من شعائر الله في قوله: «وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ» فمن يعظمها «فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ».

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: «قال ابن زيد، في قوله: «وَمَنْ


1) الطباطبائي، محمد حسين، الميزان تفسير القران: 14/ 374-375.

يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ» قال: الشعائر: الجمار، والصفا والمروة من شعائر الله، والمشعر الحرام والمزدلفة، قال: والشعائر تدخل في الحرم، هي شعائر، وهي حرم.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن تعظيم شعائره، وهي ما جعله أعلاماً لخلقه فيما تعبدهم بهمن مناسك حجهم، من الأماكن التي أمرهم بأداء ما افترض عليهم منها عندها والأعمال التي ألزمهم عملها في حجهم: من تقوى قلوبهم لم يخصص من ذلك شيئاً، فتعظيم كل ذلك من تقوى القلوب، كما قال جل ثناؤه، وحق على عباده المؤمنين به تعظيم جميع ذلك. وقال: إنها من تقوى القلوب، وأنّثَ ولم يقل: فإنه، لأنه أريد بذلك، فإن تلك التعظيمة مع اجتناب الرجس من الأوثان من تقوى القلوب، كما قال جل ثناؤه: إن ربك من بعدها لغفور رحيم، وعني بقوله: فإنها من تقوى القلوب فإنها من وجل القلوب من خشية الله، وحقيقة معرفتها بعظمته وإخلاص توحيده»(1).

يظهر منه ما يأتي:

أ - إنّ تعظيم الشعائر يتصف بأنّه عمل قلبي قبل أن يكون جوارحياً.

ب - إنّ تعظيم الشعائر يقتضي اجتناب الرجس القلبي والالتزام بتوحيد الله تعالى.

وهذا ما يقوم به محبو الإمام الحسين(علیه السلام) عند تعظيم شعائره.

4- جاء في تفسير الرازي قوله: ««ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ». قال صاحب الكشاف: «ذَلِكَ» خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر والشأن ذلك، كمايقدم الكاتب جملة من كلامه في بعض المعاني فإذا أراد الخوض في معنى


1) الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 17/ 184.

آخر، قال: هذا، وقد كان كذا، والحرمة ما لا يحل هتكه، وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها يحتمل أن يكون عاماً في جميع تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصاً فيما يتعلق بالحج، وعن زيد بن أسلم: الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمشعر الحرام، وقال المتكلمون: ولا تدخل النوافل في حرمات الله تعالى: «فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ» أي: فالتعظيم خير له؛ للعلم بأنه يجب القيام بمراعاتها وحفظها، وقوله: «عِنْدَ رَبِّهِ» يدل على الثواب المدّخر؛ لأنه لا يقال عند ربه فيما قد حصل من الخيرات، قال الأصم: فهو خير له من التهاون بذلك»(1).

يظهر مما تقدم من تفسير هذه الآية ما يلي:

أ - إن التعظيم مرتبط بكل شعائر الله تعالى؛ لأن الشعائر هي دين الله كله، وهي أعم من شعائر الحج.

ب - إن تعظيم الشعائر هو الالتزام بها وعدم تضييعها.

ج - في هذا التعظيم هناك منافع للفاعل فلا يصح تجاهلها.

د - إن هذا التعظيم هو نوع من أنواع التقوى.

ﻫ - إضافة التقوى إلى القلوب للإشارة إلى أن التقوى ترجع إلى القلوب لاسيما إذا عرفنا «إنما الأعمال بالنيات».

والنتيجة: أن الآية شاملة للشعائر الحسينية؛ لأنها من شعائر دين الله كله، وأنها من تقوى القلوب لذا يجب تعظيمها.


1) الفخر الرازي، التفسير الكبير: 12/ 32.

المطلب الثاني: الآيات التي تقتضي تعظيم الإمام الحسين(علیه السلام) بإقامة شعائره

اشارة

فيما يلي نستعرض عدد من النصوص القرآنية التي توجب تعظيم الإمام الحسين(علیه السلام) من خلال تعظيم شعائره، ومن هذه النصوص:

الآية الأولى
اشارة

قوله تعالى - وهو أمره تعالى بمقاتلة أئمة الكفر -: «وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ»(1). ثم أشار إلى الصنف الآخر من الأئمة الذين يجب طاعتهم واحترامهم فقال: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ»(2). واتفقت الأمة على أن الإمام الحسين(علیه السلام) من أئمة الهدى الذين يهدون بأمر اللهتعالى، فقد ورد عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) : «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُما إِمَامَانِ إِنْ قَامَا أَوْ قَعَدَا وَأَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا»(3).

تقريب الاستدلال

إنّ تعظيم شعائر الإمام الحسين(علیه السلام) يعد تعظيماً له عرفاً كما هو واضح، وتعظيمه(علیه السلام) يعد من أبرز مصاديق الآية المباركة، فالنتيجة: أنّ الآية المباركة تدل على لزوم إقامة شعائر الإمام الحسين(علیه السلام).

وبتقريب آخر: إنّ الله تعالى بيّن وظيفة الإمام(علیه السلام) الذي يمثل الامتداد الطبيعي


1) التوبة: آية12.

2) الأنبياء: آية73.

3) الخزاز الرازي، كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر: 38، باب ما جاء عن أبي ذر الغفاري في النصوص على الأئمة(علیهم السلام).

للنبي(صلی الله علیه و آله و سلم)، ألا وهي «القيادة العامة الشاملة لكلّ الجوانب الماديّة والمعنوية، والظاهرية والباطنية، والجسميّة والروحية للناس»(1).

فالإمام هو الذي ينفّذ ما جاء به النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) «سواء كان هذا التنفيذ عن طريق تشكيل حكومة عادلة أو بدون ذلك، فهم في هذه المرحلة مربّون للناس، ومعلّمون لهم، ومنفذون للأحكام والبرامج في سبيل إيجاد بيئة طاهرة نزيهة إنسانية»(2)، فدور الإمام «الإيصال إلى المطلوب، والهداية التشريعية والتكوينية، فالإمام من هذه الناحيةكالشمس التي تنمي الكائنات الحيّة بأشعّتها تماماً»(3). بدليل قوله تعالى «يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا»، ثم حدد وظائف أخرى ألا وهي: ««وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ» وهذا الوحي يمكن أن يكون وحياً تشريعياً، أي: إننا جعلنا كل أنواع أعمال الخير وأداء الصلاة وإعطاء الزكاة في مناهجهم الدينية؛ ويمكن أيضاً أن يكون وحياً تكوينياً، أي: إننا وهبنا لهم التوفيق والقدرة والجاذبية المعنوية من أجل تنفيذ هذه الأمور»(4).

الآية الثانية
اشارة

قوله تعالى: «لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ»(5).


1) مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 10/ 129.

2) المصدر نفسه.

3) المصدر نفسه.

4) المصدر نفسه: 129-130.

5) آل عمران: آية28.

تقريب الاستدلال

لكي يتضح الاستدلال بالآية المباركة على وجوب تعظيم الإمام الحسين(علیه السلام) من خلال تعظيم شعائره، ينبغي استعراض بعض كلمات المفسرين في الآية المباركة:

أ - ورد في مجمع البيان «نهى المؤمنين عن مولاة الكافرين؛ لتكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه المؤمنين دون أعدائه الكافرين...، أي: لا ينبغي للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء لنفوسهم؛ وأن يستعينوا ويظهروا المحبة لهم»(1).«فالأولياء جمع ولي وهو الذي يلي أمر من ارتضى فعله بالمعونة والنصرة، ويجري على معنيين: أحدهما: المعين بالنصرة، والآخر: المعان»(2).

فلذا لابد من إعانة المؤمن بالنصرة، وحيث إنّ الإمام الحسين(علیه السلام) سيد المؤمنين وجب إعانته بالنصرة في زمانه وحياته، ونصرة نهضته بتعظيم شعائره وبيان مظلوميته؛ ليبقى نبراساً لغيره، ومصباح هدىً للسائرين على نهجه في رفض الظلم ومحاربة الطغاة.

ب - وجاء في تفسير الميزان عن العلامة الطباطبائي قوله: «الأولياء جمع ولي من الولاية، وهي في الأصل ملك تدبير أمر الشيء، ثم استعمل وكثر استعماله في مورد الحب؛ لكونه يستلزم غالباً تصرف كل من المتحابين في أمور الآخر لإفضائه إلى التقرب والتأثر عن إرادة المحبوب وسائر شؤونه الروحية»(3).

ويقول العلامة الطباطبائي أيضاً: «فاتخاذ الكافرين أولياء هو الامتزاج الروحي بهم بحيث يؤدي إلى مطاوعتهم والتأثر منهم في الأخلاق وسائر شؤون


1) الطبرسي، مجمع البيان: 2/221.

2) المصدر نفسه.

3) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: 3/ 174.

الحياة... »(1).

وإذا تبين ذلك نقول: لو لم يكن هناك تأثير للكافرين على المؤمنين بما يبعدهم عن إيمانهم لما نهاهم اللهتعالى، وكذلك لو والى المؤمنون المؤمنين لحصل الامتزاج الروحي معهم أيضاً ولترتبت عليه آثاره الإيجابية، فمولاة الإمام الحسين(علیه السلام) كونه من سادة المؤمنين يقتضي الامتزاج مع روحه(علیه السلام) والتأثر بأخلاقه وسائر شؤون حياته، فهذا لا تناله هذه الأجيال إلاّ من خلال إحياء شعائره وذكراه.

الآية الثالثة
اشارة

قوله تعالى: «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»(2).

تقريب الاستدلال

قبل الولوج في بيان الاستدلال لابد من القول: إنّ هنالك علاقة بين المؤمنين من نصرة ومولاة وتعاون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودوامهم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله، وهذا هو هدف النهضة الحسينية، وما أشار إليه الإمام الحسين(علیه السلام) بقوله «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر...»(3)فلا شك في كون هذا العمل هو طاعةلله ولرسوله(صلی الله علیه و آله و سلم) فلذا لابد من نصرة الإمام الحسين(علیه السلام) في ذلك، فلقد نصره على ذلك


1) المصدر نفسه.

2) التوبة: آية71.

3) العلامة المجلسي، بحار الأنوار: 44/329.

من كان معاصراً له من المؤمنين الذين فازوا بالحضور معه في كربلاء، وأما الأجيال المتأخرة عن عصره لا يمكن لها النصرة إلّا من خلال إقامة الشعائر الحسينية وإحياء نهج الإمام ونهضته، وذلك يتم بما تقوم به من زيارة ورثاء وحضور عند قبره والبكاء على مظلوميته، والجزع والحزن لأجله.

وهذا ما ذكره الطبرسي في تفسير هذه الآية، حيث قال: ««وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ» أي: بعضهم أنصار بعض، يلزم كل واحد منهم نصرة صاحبه وموالاته، حتى إن المرأة تهيء أسباب السفر لزوجها إذا خرج، وتحفظ غيبة زوجها، وهم يد واحدة على من سواهم«يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ» وهو ما أوجب الله فعله، أو رغّب فيه عقلاً أو شرعاً «وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» وهو ما نهى الله عن فعله وزهد فيه، عقلاً أو شرعاً. «وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، أي: يداومون على فعل الصلاة، وإخراج الزكاة من أموالهم ووضعها حيث أمر الله تعالى بوضعها فيه، ويمتثلون طاعة الله ورسوله، ويتبعون إرادتهما ورضاهما«أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ» أي: الذين هذه صفتهم يرحمهم الله في الآخرة»(1).

الآية الرابعة
اشارة

قوله تعالى: «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ»(2).


1) الطبرسي، مجمع البيان: 5/ 68.

2) الحج: آية30.

تقريب الاستدلال

المقدمة الأولى: إن الآية المباركة تدل على وجوب تعظيم حرمات الله تعالى، وحرمة انتهاك حرمتها.

وهذا ما ذكره عدة من الأعلام:

أ - قال الطبرسي: «التعظيم خير له عند ربه في الآخرة، والحرمة ما لا يحل انتهاكه»(1).

ب - قال العلامة الطباطبائي: «الحرمة ما لا يجوز انتهاكه ووجب رعايته...، وقوله: «وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» ندب إلى تعظيم حرمات الله، وهي الأمور التي نهى عنها وضرب دونها حدوداً منع عن تعدّيها واقتراف ما وراءها، وتعظيمها الكف عن التجاوز إليها»(2).

ج - قال ناصر مكارم الشيرازي: كما يجب الانتباه إلى أن «حُرُمَاتِ» جمع (حرمة) وهي في الأصل الشيء الذي يجب أن تحفظ حرمته، وألا تنتهك هذه الحرمة»(3).

المقدمة الثانية: إن عترة النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) من حرمات الله تعالى، كما أشارت لذلك جملة من الروايات، من قبيل ما ورد عنأبي سعيد الخدري، أنه قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) : «إن لله حرمات ثلاث من حفظهن حفظ الله له أمر دينه ودنياه، ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله له شيئاً: حرمة الإسلام وحرمتي، وحرمة عترتي»(4).

المقدمة الثالثة: إنّ الإمام الحسين(علیه السلام) هو من سادة العترة الطاهرة كما هو


1) الطبرسي، مجمع البيان: 7/ 107-108.

2) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: 14/ 372-373.

3) مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 10/ 339.

4) الصدوق، الخصال: 146، ح173.

واضح.

المقدمة الرابعة: إن تعظيم شعائر الإمام الحسين(علیه السلام) هو تعظيم له عرفاً.

النتيجة: يجب تعظيم شعائره وإحياء ذكره وذكر مظلوميته(علیه السلام).

الآية الخامسة
اشارة

قوله تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (1).

تقريب الاستدلال:
المقدمة الأولى: إن الحب يتعلق بالله تعالى حقيقة

وهذا ما ذكره السيد الطباطبائي في ذيل تفسير قوله تعالى: «يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ» فقال: «إن الحب يتعلق بالله تعالى حقيقة، خلافاً لمن قال إنّ الحب يتعلق بالأجسام والجسمانيات، ولا يتعلق به سبحانه حقيقة»(2).وذكر أنّ الحب يلازمه الاتباع، ثم قال «ليس من اتبع الله في بعض أمره دون بعض بمتّبع»، وذكر أيضاً: «واشتداد هذا الحب ملازم لانحصار التبعية من أمر الله، ولذلك مدح المؤمنين بقوله: «وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ»»(3).

المقدمة الثانية: قرر الله تعالى لرسوله حباً كما قرر لنفسه

هذه المقدمة ذكرها العلامة الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: «أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» وأكد أنّ حب الرسول الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) هو حب لله تعالى، وأن أثر هذا الحب الذي هو (الاتباع) عين اتباع الله تعالى فإنّ الله تعالى هو الداعي إلى إطاعة


1) آل عمران: آية31.

2) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: 1/ 405.

3) المصدر نفسه: 1/ 406

رسوله والأمر باتباعه، فلذا قال «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ» وقال تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» (1).

المقدمة الثالثة: لزوم حب الإمام الحسين(علیه السلام) وتعظيمه؛ كونه ولياً من أولياء الله تعالى

وهذا ما ذكره العلامة الطباطبائي بقوله: «وكذلك اتباع كل من يهتدي إلى الله باتباعه، كعالم يهدي بعلمه، أو آية تعين بدلالته، وقرآن يقرب بقرائته ونحو ذلك فإنها كلها محبوبة بحب الله، واتباعها طاعة تعد مقربة إليه»(2).وفي موضع آخر قال: «وبان أيضاً أن حب مَن حبه مِن حب الله، واتباعه اتباع الله كالنبي وآله والعلماء بالله، وكتاب الله وسنة نبيه، وكل ما يذكر الله بوجه، إخلاص لله ليس من الشرك المذموم في شيء»(3).

المقدمة الرابعة: التقرب إلى الله تعالى بحب الإمام الحسين(علیه السلام) وتعظيمه من تقوى الله

وهذه المقدمة ذكرها العلامة الطباطبائي بقوله: «التقرب بحبه واتباعه تقرب إلى الله، وتعظيمه بما يعد تعظيماً من تقوى الله، قال تعالى: «وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» والشعائر هي العلامات الدالة، ولم يقيد بشيء مثل الصفا والمروة وغير ذلك، فكل ما هو من شعائر الله وآياته وعلاماته المذكرة له فتعظيمه من تقوى الله، ويشمله جميع الآيات الآمرة بالتقوى»(4).

وخلاصة هذه المقدمات: أنّ العلامة الطباطبائي يرى أنّ الاتباع والولاية


1) المصدر نفسه.

2) المصدر نفسه: 407.

3) المصدر نفسه: 407-408.

4) المصدر نفسه.

والحب أمور مرتبطة بعضها بالبعض الآخر(1).

فيظهر مما تقدم ما يأتي:

1- إنّ الحب يتعلق بالله تعالى حقيقة لا مجازاً.

2- إنّ حب من يحبه الله تعالى هو عين حب الله تعالى.3- إنّ اتباع من يحبه الله تعالى هو اتباع لله تعالى.

4- إنّ التقرب ممن يحبه الله تعالى واتباعه هو تقرب إلى الله تعالى.

5- وتعظيم من يحبه الله تعالى هو من تقوى الله تعالى لأنّه من شعائر الله تعالى.

النتيجة: إنّ حب الإمام الحسين(علیه السلام) وتعظيمه كونه ولياً من أولياء الله تعالى، هو من باب تعظيم شعائر الله تعالى، والتعبير عن هذا الحب بالفرح لفرحه أو الحزن لحزنه أو البكاء على مصيبته هي من شعائر الله تعالى، وهذه الأمور هي عين الشعائر الحسينية، فاتضح مما تقدم أنّ الشعائر الحسينية من شعائر الله تعالى، فلا شك في استحباب إقامتها، فضلاً عن جواز ذلك.

ب: قال الطبرسي: «بيّن سبحانه أن الإيمان به لا يجري إلا إذا قارنه الإيمان برسوله فقال: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ» كما تزعمون «فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» أي إن كنتم تحبون دين الله فاتبعوا ديني يزدد لكم حباً، وقيل: إن كنتم صادقين في دعوة محبة الله تعالى فاتبعوني فإنكم إن فعلتم ذلك أحبكم الله تعالى ويغفر لكم»(2).

ومما ذكره الطبرسي يظهر ما يأتي:

أ - إنّ حبّ الله تعالى يقتضي اتباع دينه، فلا حبّ دونطاعة.


1) اُنظر: المصدر نفسه: 3/ 160.

2) الطبرسي، مجمع البيان: 2/ 224.

ب - ومن دين الله تعالى اتباع دين النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) ومن دين النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) حب عترته(علیهم السلام) وتعظيمها وحفظ حرمتها، وهذا ما يتجسّد في إحياء ذكرى الإمام الحسين(علیه السلام) من خلال إقامة شعائره.

المبحث الثالث: الأدلة الروائية على مشروعية الشعائر الحسينية

اشارة

لقد بلغت الروايات التي أشارت إلى فضل الإمام الحسين(علیه السلام) ومطلوبية احترامه وتعظيمه في حياته وزيارته والبكاء عليه بعد شهادته، بلغت حد الاستفاضة، ولكي يتضح حكم إقامة الشعائر يحتاج الباحث إلى الوقوف على بعض هذه الروايات.

المطلب الأول: الأحاديث والروايات التي تدل على حب الإمام الحسين(علیه السلام)

اشارة

إن الروايات والأحاديث كثيرة في حب وفضل الإمام الحسين(علیه السلام) ومنزلته عند جدّه المصطفى(صلی الله علیه و آله و سلم) وعند المسلمين، لا سيما صحابة النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)، ومنها ما يلي:

المقصد الأول: الأحاديث والروايات الدالة على حبه(علیه السلام) بالاشتراك مع غيره

1- عن أنس بن مالك، قال: سئل النبي(صلی الله علیه و آله و سلم): «أيّ أهل بيتك أحب إليك؟ قال: الحسن والحسين»(1).

2- عن علي(علیه السلام) أنه قال: «إنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أخذ بيد حسن وحسين، وقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة». أخرجه أحمد،


1) ابن شهر اشوب، مناقب آل ابي طالب: 2/ 44.

والترمذي، وقال: «كان معي في الجنة». وقال: حديث غريب.

3- وعنه قال: «أخبرني رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أنّ أوّل من يدخل الجنة أنا، وفاطمة، والحسن والحسين. قلت: يا رسول الله، فمحبّونا؟ قال: من ورائكم». خرجه أبو سعد(1).

4- عن يعلى بن مرة قال: «جاء الحسن والحسين يستبقان إلى رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فجاء أحدهما قبل الآخر، فجعل يده في عنقه فضمّه إلى بطنه(صلی الله علیه و آله و سلم)، وقبّل هذا، ثمّ قبل هذا، ثم قال: إني أحبهما فأحبوهما، أيها الناس، الولد مبخلة، مجبنة، مجهلة». أخرجه أحمد، والدولابي(2).

5- عن عبد الله، قال: «كان رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يصلّي والحسن والحسين يتواثبان على ظهره، فباعدهما الناس، فقال(صلی الله علیه و آله و سلم): دعوهما، بأبي هما وأمي، من أحبني فليحب هذين». خرّجه أبو حاتم(3).

6- عن إسرائيل، قال: سمعت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: «من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني». خرّجه أبو سعيد في شرف النبوة(4).

المقصد الثاني: الأحاديث والروايات الدالة على حبه(علیه السلام) بمفرده

1- عن أبي هريرة، قال: «أبصرت عيناي، وسمعت أذناي رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وهو آخذ بكفّي حسين وقدماه على قدمي رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وهو يقول: ترق عين بقة، قال


1) المصدر نفسه:45-46.

2) المصدر نفسه: 46-47.

3) المصدر نفسه: 47.

4) المصدر نفسه.

فرقي الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، ثمّ قال له رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): افتح فاك، ثم قبله، ثم قال: اللهم إني أحبه فأحبه»(1).

2- قال يونس بن أبي إسحاق: «بينما عبد الله بن عمر جالس في ظل الكعبة إذ رأى الحسين(علیه السلام) مقبلاً فقال: هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم»(2).

وهناك روايات كثيرة عند الفريقين ذكرها صاحب كتاب فضائل الخمسة من الصحاح الستة، تشير إلى حب وفضل الإمام الحسين(علیه السلام) (3).

النتيجة:

1- إن النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) يحب ولده الإمام الحسين(علیه السلام) حباً كبيراً، مما يشير ذلك إلى ضرورة تعظيم الإمام الحسين(علیه السلام) واحترامه وحبه، وهذا مما يدخل السرور على قلب رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) بخلاف توهين الإمام وانتهاك حرمتهوبغضه الذي يدخل الأذى والألم والحزن على قلب النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وحيث إنّ المسلمين مأمورون بتعظيم النبي وتوقيره، وقد نهوا عن إلحاق الأذى به،(صلی الله علیه و آله و سلم) بل صرح القرآن بلعن من يؤذي رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) كما في قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا»(4). وقوله تعالى: «... وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا»(5).


1) الطبري، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: 2/ 43.

2) العسقلاني، الإصابة في معرفة الصحابة: 2/69.

3) اُنظر: الفيروز آبادي، فضائل الخمسة من الصحاح الستة: 3/ 322.

4) الأحزاب: آية57.

5) الأحزاب: آية53.

2- قوله(صلی الله علیه و آله و سلم) في الحديث المتقدم «فأحبوهما» وقوله في الحديث الخامس «من أحبني فليحب هذين» أمر ظاهر في وجوب المحبة للحسنين (علیهما السلام) وهذا بدوره يقتضي الحزن والبكاء لفراقهم، ونزول المصائب عليهم وهذا ما تقتضيه الفطرة السليمة، وإلاّ لا يوجد عاقل يقول بمحبة شيء عظيم ثم لا يحزن ولا يبكي لفراقه، كما أن تحصيل محبة النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) أمر واجب أمر به الشرع بل جعل محبته فوق محبة كل شيء كما في قوله تعالى: «قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ»(1). وحيث إنّ محبة النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) مرتبطة بمحبة الحسنين (علیهما السلام) صارت محبتهما واجبة أيضاً تقتضي الحزن والبكاء والجزع لهما.

3- روى أبو زهير بن الأقمر. قال: «قال رجل من الأزد:سمعت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يقول للحسن بن علي: «من أحبني فليحبه، فليبلغ الشاهد منكم الغائب»، ولولا عزمة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ما حدثتكم. أخرجه أحمد»(2).

فقوله(صلی الله علیه و آله و سلم) «فليبلغ الشاهد منكم الغائب» فيه دلالة على استحباب التبليغ بمحبة الإمام الحسن(علیه السلام)، ومن الواضح أن هذا الاستحباب لا يختص بالحسن(علیه السلام) بل يشمل الإمام الحسين(علیه السلام)؛ لما مر من قوله(صلی الله علیه و آله و سلم) في الحديث الثالث: «مَن أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة»، فالتبليغ بمحبتهم يقتضي توارثها بين الأجيال الحاضرة والغائبة، وتسليمها واستلامها يداً بيد، وهذا ما يجوّز عقد المجالس والاحتفالات للتبليغ بذلك.


1) التوبة: آية24.

2) الطبري، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: 2/ 48.

المطلب الثاني: الروايات الدالة على حث النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة(علیهم السلام) على زيارة الإمام الحسين(علیه السلام)

المقصد الأول: ما نقل عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) في الحثّ على الزيارة

1- قال الإمام الحسن(علیه السلام): «يا رسول الله ما لمن زارنا؟ فقال: يا بني من زارني حياً (أو ميتاً) أو زار أخاك حياً أو ميتاً (كان حقاً) عليّ أن أستنقذه من النار»(1).

2- وروي أن الحسين بن علي(علیهما السلام) قال لرسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم):«يا أبتاه، ما جزاء من زارك؟ فقال(صلی الله علیه و آله و سلم): من زارني حياً أو ميتاً أو زار أباك أو زار أخاك أو زارك، كان حقاً علي أن أزوره يوم القيامة، وأخلّصه من ذنوبه»(2).

المقصد الثاني: ما ورد عن الأئمة(علیهم السلام) في الحثّ على الزيارة

1- ما روي عن الإمام الباقر(علیه السلام): «من زار الحسين يوم عاشوراء حتى يظل عنده باكياً، لقي الله عز وجل يوم القيامة بثواب ألفي ألف حجة وألفي ألف عمرة وألفي ألف غزوة، وثواب كل حجة وعمرة وغزوة كثواب من حج واعتمر وغزا مع رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ومع الأئمة الراشدين(علیهم السلام) ». قال الراوي: قلت: جعلت فداك، فما لمن كان في بعد البلاد وأقاصيها ولم يمكنه المصير إليه في ذلك اليوم؟ قال: «إذا كان ذلك اليوم برز إلى الصحراء أو صعد سطحاً مرتفعاً في داره، وأومأ بالسلام واجتهد على قاتله بالدعاء، وصلى بعده ركعتين، يفعل ذلك في صدر النهار قبل الزوال، ثم ليندب الحسين(علیه السلام) ويبكيه ويأمر من في داره بالبكاء عليه، ويقيم في داره مصيبته بإظهار الجزع عليه، ويتلاقون بالبكاء بعضهم بعضاً بمصاب الحسين(علیه السلام)،


1) البحراني، الحدائق الناضرة: 433.

2) الصدوق، الهداية: 256.

فأنا ضامن لهم إذا فعلوا ذلك على الله(عزوجلّ)جميع هذا الثواب»(1).

2- روي عن الإمام الصادق(علیه السلام)، أنه قال: «من زار الحسين بن علي(علیه السلام) لا أشراً، ولا بطراً، ولا رياءً، ولا سمعة محصت ذنوبه، كمايمحص الثوب في الماء، فلا يبقى عليه دنس، ويكتب له بكل خطوة حجة، وكلما رفع قدمه عمرة»(2).

3- قال الرضا(علیه السلام): «من زار الحسين(علیه السلام) فقد حجّ واعتمر»(3).

4- عن محمد بن مسلم في حديث طويل، قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي(علیهما السلام): «هل تأتي قبر الحسين؟، قلت: نعم، على خوف ووجل، فقال: ما كان من هذا أشد فالثواب فيه على قدر الخوف، ومن خاف في إتيانه آمن الله روعته يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، وانصرف بالمغفرة، وسلمت عليه الملائكة وزاره النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ودعا له، وانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء واتبع رضوان الله»(4).

وورد عن الأئمة(علیهم السلام) الكثير من الروايات التي تحث على زيارة الإمام الحسين(علیه السلام) (5).

المطلب الثالث: الروايات التي أجازت الجزع على الإمام الحسين(علیه السلام)

اشارة

الجزع في اللغة: «نقيض الصبر، وهو انقطاع المنّة عن حمل ما نزل»(6).

الجزوع: «ضد الصبور على الشر، والجزع نقيض الصبر»(7).


1) ابن قولويه القمي، كامل الزيارات: 325-326.

2) الفيض الكاشاني، الوافي: 14/ 1468.

3) الحر العاملي، هداية الأمة إلى أحكام الأئمة: 5/ 482، ح8.

4) ابن قولويه القمي، كامل الزيارات: 245.

5) اُنظر: المصدر نفسه: 122.

6) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة: 1/ 453.

7) ابن منظور، لسان العرب: 8/ 55.

الجزع ليس حراماً ما لم يصل إلى حد الاعتراض على فعل الله تعالى بعباده، فمصائب الدنيا وبلاياها قد تصيب المؤمن فيجزع، أي: يقل صبره على المصيبة، أو يضعف قلبه عن حملها، إلا أنه لم يخرج عن حدود المؤمنين، وقد يلاحظ العبد ما للصابرين من مقام فيسترجع ويصبر محتسباً مذعناً لله تعالى، وهذا هو ديدن المؤمنين، فلا شك أن النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته أكثر الناس بلاء وأعظمهم مصيبة وأشدهم أذى، حتى ورد عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: «ما أوذي نبي مثلما أوذيت»(1).

المقصد الأول: ما ورد من جزع في سيرة أهل البيت(علیهم السلام) على الإمام الحسين(علیه السلام)
اشارة

نعلم أنّ أهل البيت(علیهم السلام) هم أولى الناس بمقام الصابرين، وسادة الناس في الفضائل، لاسيما فضيلة الصبر، فلذا لابد أن نحمل كلمة (جزع) على شدة ألمهم وحزنهم الكبير مع التسليم لأمر الله تعالى، وهذا ما نلمسه في روايات الجزع الآتية:

أ - جزع النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)

قال ابن قولويه القمي: حدثني أبي - رحمه الله تعالى -،قال: حدثني سعد بن عبد الله بن أبي خلف، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(علیه السلام)، قال: «إن جبرئيل(علیه السلام) أتى رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، والحسين(علیه السلام) يلعب بين يديه، فأخبره أن أمته ستقتله، قال: فجزع رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال: ألا أريك التربة التي يقتل فيها، قال: فخسف ما بين مجلس رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) إلى المكان الذي قتل فيه الحسين(علیه السلام) حتى التقت القطعتان، فأخذ منها، ودحيت في أسرع من طرفة عين، فخرج وهو


1) الفخر الرازي، التفسير الكبير: 4/ 175. الفيض الكاشاني، الوافي: 2/ 235.

يقول: طوبى لك من تربة وطوبى لمن يقتل حولك»(1).

ب - جزع فاطمة(علیها السلام)

إبن قولويه عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله(علیه السلام)، قال: «دخلت فاطمة(علیها السلام) على رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وعيناه تدمع، فسألته: ما لك، فقال: إن جبرئيل(علیه السلام) أخبرني أن أمتي تقتل حسيناً، فجزعت وشق عليها، فأخبرها بمن يملك من ولدها، فطابت نفسها وسكنت»(2).

المقصد الثاني: ما ورد من حث على الجزع على الإمام(علیه السلام)

1- روي سعد بن عبد الله، عن أبي عبد الله الجاموراني،عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي عبد الله(علیه السلام)، قال: سمعته يقول: «إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع، ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي (علیه السلام)، فإنه فيه مأجور»(3).

2- عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد البصري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن مسمع بن عبد الملك كردين البصري، قال: قال لي أبو عبد الله(علیه السلام): «يا مسمع، أنت من أهل العراق؟ أما تأتي قبر الحسين(علیه السلام) ؟ قلت: لا، أنا رجل مشهور عند أهل البصرة، وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة، وعدونا كثير من أهل القبائل من النصاب وغيرهم، ولست آمنهم أن يرفعوا حالي عند ولد سليمان فيمثلون بي،


1) ابن قولويه القمي، كامل الزيارات: 27-28.

2) المصدر نفسه: 25.

3) المصدر نفسه: 201-202.

قال لي: أفما تذكر ما صنع به؟ قلت: نعم، قال: فتجزع؟ قلت: إي والله، وأستعبر لذلك حتى يرى أهلي أثر ذلك عليّ، فأمتنع من الطعام حتّى يستبين ذلك في وجهي، قال: رحم الله دمعتك، أما إنك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا...»(1).

فإذا بلغ الجزع درجة يستطيع الإنسان التعبير عنه بالصراخ أو البكاء أو حتى اللطم، فهذا أمر مشروع طالما امتدحه المعصوم(علیه السلام).وما صدر من بكاء وحزن وجزع من أهل البيت(علیهم السلام) على الإمام الحسين(علیه السلام) دليل على جواز واستحباب هذه الشعيرة.

المطلب الرابع: الروايات الدالة على استحباب البكاء على الإمام الحسين(علیه السلام)

أولاً: دلالة فعل المعصوم على جواز البكاء على الإمام الحسين(علیه السلام)
أ - الروايات التي تشير إلى بكاء الأنبياء على الإمام الحسين(علیه السلام)

تقدمت هكذا روايات في الفصل الأول، وهي تدل بدورها على جواز البكاء، وهنالك روايات أخرى دلت على بكاء النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل البيت(علیهم السلام) على الإمام الحسين(علیه السلام) وهي كالآتي:

1- قال ابن هبة الله بن نما الحلي: «وقد روي عن زوجة العباس بن عبد المطلب، وهي أم الفضل (لبابة بنت الحارث) قالت: رأيت في النوم قبل مولده كأنّه قطعة من لحم رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) قطعت ووضعت في حجري، فقصصت الرؤيا على


1) المصدر نفسه: 203-204.

رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: إن صدقت رؤياك فإن فاطمة ستلد غلاماً، وأدفعه إليك لترضعيه. فجرى الأمر على ذلك، فجئت به يوماً فوضعته في حجره فبال، فقطرت منه قطرة على ثوبه(صلی الله علیه و آله و سلم) فقرصته فبكى، فقال كالمغضب: مهلاً يا أم الفضل، فهذا ثوبي يغسل وقد أوجعت ابني،قالت: فتركت ومضيت لآتيه بماء، فجئت فوجدته(صلی الله علیه و آله و سلم) يبكي، فقلت: ممّ بكاؤك يا رسول الله؟ فقال: إنّ جبرئيل أتاني فأخبرني أن أمّتي تقتل ولدي هذا»(1).

2- قال ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق: «حدث عبد الله بن يحيى، عن أبيه: أنه سافر مع علي ابن أبي طالب، وكان صاحب مطهرته، فلما حاذوا بنينوى، وهو منطلق إلى صفين، نادى علي: صبراً أبا عبد الله، صبراً أبا عبد الله بشط الفرات، قلت: ومن ذا أبو عبد الله؟ قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه - وآله - وسلم وعيناه تفيضان، فقلت: يا نبي الله أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل قبلُ، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، وقال: هل لك أن أشمك من تربته؟ قال: قلت: نعم، فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم يسعني أملك عينيّ أن فاضتا»(2).

3- ورد في تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي الحنفي أنه قال: «وقد روى الحسن بن كثير وعبد خير، قالا: لما وصل علي(علیه السلام) إلى كربلاء وقف وبكى، وقال: بأبي أغيلمة يقتلون ها هنا، هذا مناخ ركابهم، هذا موضع رحالهم، هذا مصرع الرجل، ثمّ ازداد بكاؤه»(3).


1) ابن نما الحلي، مثير الأحزان: 31-32.

2) ابن عساكر، مختصر تاريخ دمشق: 7/ 133.

3) المرعشي، شرح إحقاق الحق: 27/ 295.

4- ما رواه ابن قولوية من قول الإمام الصادق(علیه السلام) لأبي بصير من أنّ فاطمة(علیها السلام) تبكي ولدها: «يا أبا بصير، إن فاطمة لتبكيه...، أما تحب أن تكون فيمن يسعد فاطمة؟ فبكيت حين قالها، فما قدرت على النطق من البكاء»(1).

ولقد تقدمت الإشارة إلى بكاء الأئمة(علیهم السلام) جميعاً في الفصل الأول(2).

ثانياً: الروايات التي تحثّ على البكاء على الإمام الحسين(علیه السلام)

هناك الكثير من الروايات التي تحثّ على البكاء على الإمام الحسين(علیه السلام)، نذكر منها ما يأتي:

1- عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(علیه السلام)، قال: «كان علي بن الحسين(علیه السلام) يقول: «أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين(علیه السلام) حتى تسيل على خده بوّأه الله تعالى بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً، وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خديه فيما مسّنا من الأذى من عدوّنا في الدنيا بوّأه الله منزل صدق، وأيما مؤمن مسّه أذى فينا فدمعت عيناه حتى تسيل على خده من مضاضة أو أذى فينا صرف الله من وجهه الأذى، وآمنه يوم القيامة من سخط النار»(3). وهذه الرواية صحيحة السند(4).2- عن أبي عبد الله(علیه السلام)، قال: «من ذكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذبابة، غفر الله ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر»(5). وهي صحيحة السند(6).

3- عن الإمام الرضا(علیه السلام)، أنّه قال: «يا بنَ شَبيب، إن كنتَ باكياً لشيء فَابْكِ


1) ابن قولويه القمي، كامل الزيارات: 83.

2) اُنظر: المصدر نفسه: 213، و325. الطوسي، مصباح المتهجد: 536. الصدوق، الأمالي: 121.

3) الصدوق، ثواب الأعمال وعقابها: 83.

4) السند، الشعائر الحسينية: 329.

5) الحر العاملي، وسائل الشيعة: 14/ 501.

6) السند، الشعائر الحسينية: 326.

للحسين بن عليّ(علیه السلام)، فإنّه ذُبح كما يُذبح الكَبش، وقُتِل معه من أهلِ بيته ثمانيةُ عشر رجلاً، ما لهم في الأرض شَبيهٌ..، ولقد بكت السماواتُ السبع والأرَضُونَ لقتله»(1).

النتيجة

أ - إن ذكر مصيبة الإمام الحسين(علیه السلام) والبكاء علىها شعيرة من الشعائر الحسينية نشأت قبل الإسلام، بل هي منذ الخلق الأول للبشرية.

ب - إن هذه الشعيرة مارسها سادة البشر، وسادة العقلاء، وسادة المتشرّعة، فاكتسبت هذه الشعيرة مشروعية ممارستها.

ج - إن قضية كربلاء ومصيبة الإمام الحسين(علیه السلام) قضية إلهية، ينبغي الإطلاع عليها من زمن آدم(علیه السلام) إلى يوم يبعثون؛ لما فيها من إشارة إلى:

أولاً: إن هذه التضحية في سبيل الله تعالى وبهذاالحجم هي أسوة لمن يريد الثبات على المبادئ، ولمن يريد إعلاء كلمة الله تعالى دون أن تأخذه في الله لومة لائم.

ثانياً: ينبغي للمؤمن الذي يملك الجاه والمال والرفعة والمساحة الاجتماعية أن لا يبالي بكل هذا إذا دعت الضرورة للدفاع عن الدين وسلامته، فليترك كل ذلك وراء ظهره ويبادر للدفاع.

ثالثاً: إن الأنبياء والأوصياء منذ الخلق الأول سائرون على نهج واحد وطريق مستقيم إلى اليوم المعلوم، وهو طريق ذات الشوكة، فعلى أنصارهم وأتباعهم مراعاة ذلك.

رابعاً: أطلع الله تعالى أنبياءه على ما سيجري للإمام الحسين(علیه السلام)؛ ليكون ذلك


1) الصدوق، عيون أخبار الرضا(علیه السلام): 1/ 268، ح58.

في علمهم وثقافتهم، ولكي يربّوا أقوامهم على مثله، مما يدل على مشروعية التبليغ في قضية الإمام الحسين(علیه السلام).

خامساً: إن البكاء على انتهاك الحق، وقتل رموزه حسرة وجزعاً هو من أخلاق الأنبياء، مما يدل على مشروعيته.

سادساً: إن إخبار الله تعالى الأنبياء بقضية الإمام الحسين(علیه السلام) ومصيبته مع علمه ببكائهم رخصة منه تعالى في البكاء على ضياع الحق، بل هو أمر مستحب ينبغي التمسك به.

د - يتجلّى في معرفة مأساة كربلاء موقف الموالاة لأولياء الله والبراءة من أعدائهم، وهذا ما نستفيده منلعن القاتل على لسان الأنبياء(علیهم السلام).

ﻫ - إن النبي الخاتم(صلی الله علیه و آله و سلم) أفضل الأنبياء كافة حتى في نوع البلاء لما في ذلك من صبر كبير على هذا البلاء، فينال مقام الصابرين بأعلى درجاته، وهذا تفسير قوله(صلی الله علیه و آله و سلم) : «ما أوذي نبي مثلما أوذيت»(1).


1) الفيض الكاشاني، الوافي: 2/ 235. الفخر الرازي، التفسير الكبير: 4/ 175.

المبحث الرابع: آراء العلماء وفتاواهم في الشعائر الحسينية

المطلب الأول: قاعدة تعظيم الشعائر وسعة معناها عند العلماء

1- ذكر العلماء والباحثون مفاداً لقاعدة تعظيم الشعائر(1)، وهو وجوب تعظيم شعائر الله تعالى، إذا كان تركه مستلزماً لهتكها وإهانتها.

وحيث إنّ مفهوم الشعائر لم يأخذ معنى خاصاً مجعولاً من قبل الشارع فلذا يبقى على المعنى اللغوي الذي وُضع له(2).

ويظهر من هذا: أنّ الشعائر الحسينية هي مصداق من مصاديق شعائر الله تعالى، فتدخل تحت عموم «وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ».

ولذا ذكر بعض الباحثين ما يؤيد هذا المعنى فقال: «وذلك أنه يتضح على ضوء دراسة هذه القاعدة:

أولاً: إنّ هذه المجالس - مجالس مواليد النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة(علیهم السلام) ووفياتهم - من مصاديق تعظيم شعائر الله في ارتكازالمتشرعة.

ثانياً: يثبت بها استحباب هذه المجالس، بل وجوبها إذا خيف من تركها عن اندراس معالم الدين والمذهب ومحوها»(3).


1) اُنظر: السند، الشعائر الحسينية: 22.

2) اُنظر: العبادي، أجوبة شبهات الشعائر الحسينية: 16.

3) المازندراني، دليل الهدى في فقه العزاء: 63.

2- قد ذكر العلماء أنّ للفظ الشعائر معنى واسعاً ورد في لسان نصوص الكتاب والسنة، وهذا ما أشار إليه صاحب كتاب دليل الهدى، فقال: «جعل السيد الرضي في كلمة (لا إله إلا الله) وما يتبعها من الأذكار والعبادات من شعائر الإسلام، حيث قال: (هذه الكلمة وما يتبعها من شعائر الإسلام)». وقال: «الصلاة أفضل شعائر الإسلام وأظهر معالم الإيمان.

وعن علي بن بابويه في الفقه الرضوي: وكذلك جميع الفرائض المفروضة على جميع الخلق، إنما فرضها الله على أضعف الخلق قوة، مع ما خص أهل القوة على أداء الفرائض في أفضل الأوقات وأكمل الفرض، كما قال الله(عزوجلّ): «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ».

وقال المحقق الحلي في الشرايع: ويجب المهاجرة عن بلد الشرك على من يضعف عن إظهار شعائر الإسلام، مع المكنة والهجرة باقية ما دام الكفر باقياً.

وقال العلامة الحلي في الاستدلال لإثبات وجوب صلاة العيد: ولأنّها من شعائر الدين الظاهرة وأعلامه، فتكون واجبة على الأعيان كالجمعة. وقال: الجماعة مشروعة في الصلاة المفروضة اليومية بغير خلاف بين العلماء كافة، وهي من جملة شعائر الإسلاموعلاماته. وقال الشهيد: يجوز تعظيم المؤمن بما جرت به عادة الزمان....، لدلالة العمومات عليه، قال تعالى: «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ...» (1).

وفي البحار: قال في كنز العرفان: اتفق المفسرون على أنّ المراد بالنداء، الأذان، ففيه دليل على أنّ الأذان والنداء إلى الصلاة مشروع بل مرغوب فيه من شعائر الإسلام.


1) الحج: آية30.

وقال كاشف الغطاء: المحترمات وهي على أقسام، منها: ما يستتبع التكفير فيلزم منه عدم التطهير، كالاستنجاء بحجر الكعبة وثوبها وكتابة القرآن - كأنه كذا إهانة لا يقصد الشفاء - وأسماء الله وصفاته المقصود نسبتها إليه وإن لم تكن مختصّة به، وأسماء النبي وكتب الأنبياء وأسمائهم، وأثواب عليها أسماء الله، وماءٌ غسيل به مثلاً يقصد الشفاء وماء زمزم بقصد الإهانة...، ويحتمل إلحاق كتب أخبارنا والزيارات والدعوات ونحوها، وأسماء أئمتنا، والتربة الحسينية، وضرائح الأئمة وأبعاضها وأبعاض ثيابها والقناديل مع قصد الإهانة...، والظاهر تسرية الحكم إلى أعاظم الصحابة وأكابر الشهداء كالعباس(علیه السلام) وباقي شهداء كربلاء»(1).

فيظهر مما تقدم: استحباب تعظيم الشعائر عند بعض العلماء ووجوب تعظيمها عند البعض الآخر، والذي يعنينا من كل ذلك هو جواز العمل بالشعائر الحسينية.ويظهر من أقوال العلماء أنّ الشعائر التي يجب تعظيمها أو يستحب ذلك، أعم من الشعائر في الحج:

1- كما يُفهم ذلك من قول صاحب الحدائق الناظرة الذي يقول: «ويمكن الاستدلال عليه - على حرمة دخول الجنب من المشاهد المشرفة والأضرحة المقدسة - بظاهر آية تعظيم شعائر الله»(2).

2- وكما يفهم من قول صاحب زبدة البيان الذي يقول: «فعلى هذا يحمل الشعائر على المعالم، أي حدود الله وأوامره ونواهيه... «وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ» أي دينه»(3).


1) المازندراني، علي أكبر دليل الهدى في فقه العزاء: 77-79.

2) البحراني، الحدائق الناظرة: 3/ 52.

3) المقدس الأردبيلي، زبدة البيان: 380.

3- وكما يفهم من عوائد الأيام، فقال: «ثم لا يخفى: أن مطلب التعظيم لشعائر الله، أي: جميع أفراده بجميع أفرادها وإنْ لم يثبت وجوبه، ولكن استحبابه ورجحانه لأجل أنه من شعائر الله، ومنسوب إليه، مما لا شك فيه ولا شبهة تعتريه، والظاهر انعقاد الإجماع عليه...»(1).

4- وكما في غنائم الأيام، حيث قال: «وأَلحق جماعة بالمسجد: الأضرحة المقدسة، والمصاحف المشرفة، وآلاتها الخاصة، كالجلد والفرش ونحوهما، لاحترامها، ولزوم تعظيم شعائر الله، وذلك الاستدلال وإن كان لا يخلو عن تأمل، ولكن الأحوط ما ذكروه»(2).

فينتج مما تقدم أنّ الشعائر الحسينية هي مصداقكالمصاديق الأخرى التي يجوز العمل بها، بل يستحب ذلك.

المطلب الثاني: فتوى الشيخ النائيني حول الشعائر وتعليقات العلماء عليها

المقصد الأوّل: فتوى الشيخ النائيني(رحمة الله علیه)

بسم الله الرحمن الرحيم، إلى البصرة وما والاها: بعد السلام على إخواننا الأماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته. قد تواردت علينا في (الكرادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمّنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرّر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:

الأولى: خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق


1) النراقي، عوائد الأيام: 31.

2) أبو القاسم القمي، غنائم الأيام: 1/ 436.

والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم، وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينيّة إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله من غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلَّتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شي‌ء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى المواكب العزائية، ويكونكالناظر إلى الأجنبيّة حال الصلاة في عدم بطلانها.

الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور، إلى الحد المذكور، بل وإن تأدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى، وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه لم يكن ذلك موجباً لحرمته، ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره، ثم تبين ضرره منه، لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين، ولاسيّما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينيّة - ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة -.

الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإماميّة باتّخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون، وإن تضمّنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى، فإنّا وإن كنّامستشكلين سابقاً في جوازه، وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات، لكنا لما

راجعنا المسألة ثانياً اتضح عندنا أن المحرّم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زيّ الرجال رأساً وأخذاً بزيّ النساء دونما إذا تلبس بملابسها مقداراً من الزمان بلا تبديل لزيه، كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى، نعم يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرمات الشرعية، وإن كانت - على فرض وقوعها - لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.

الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته، فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية ونحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالم. 5 ربيع الأول سنة 1345 ﻫ، حرره الأحقر محمد حسين الغروي النائيني.

المقصد الثاني: تعليقات العلماء الأعلام على فتوى النائيني
(1) السيّد ميرزا عبد الهادي الشيرازي

نص ما كتبه سماحة المغفور له آية الله العظمى‌السيّد ميرزا عبد الهادي الشيرازي:

بسم الله تعالى، ما ذكره(قدس سره)، في هذه الورقة، صحيح إن شاء الله تعالى. الأقل عبد الهادي الحسيني الشيرازي.

(2) السيد الحكيم(قدس سره)

نص ما كتبه سماحة آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم الطباطبائي:

بسم الله الرحمن الرحيم، وله الحمد، ما سطره أُستاذنا الأعظم(قدس سره) في نهاية المتانة، وفي غاية الوضوح، بل هو أوضح من أن يحتاج إلى أن يعضد بتسجيل فتوى الوفاق، والمظنون أن بعض المناقشات إنما نشأت من انضمام بعض الأُمور من باب

الاتفاق التي ربما تنافي مقام العزاء ومظاهر الحزن على سيّد الشهداء،(علیه السلام) فالأمل بل اللازم الاهتمام بتنزيهها عن ذلك، والمواظبة على البكاء والحزن من جميع من يقوم بهذه الشعائر المقدّسة، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. 2 محرم الحرام 1367، محسن الطباطبائي الحكيم

(3) السيد الخوئي(قدس سره)

نص ما كتبه سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي:

بسم الله الرحمن الرحيم، ما أفاد شيخنا الأستاذ(قدس سره) في أجوبته هذه عن الأسئلة البصرية هو الصحيح، ولابأس بالعمل على طبقه، ونسأل الله تعالى أن يوفق جميع إخواننا المؤمنين لتعظيم شعائر الدين والتجنب عن محارمه. الأحقر أبو القاسم الموسوي الخوئي

(4) السيد الشاهرودي(قدس سره)

نص ما كتبه سماحة آية الله العظمى السيد محمود الشاهرودي:

بسم الله الرحمن الرحيم، ما حرّر هنا شيخنا العلامة قدّس الله تربته الزكية من الأجوبة عن المسائل المندرجة في هذه الصحيفة هو الحق المحقق عندنا، ونسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين لإقامة شعائر مذهب الإمامية، والرجاء من شبان الشيعة - وفقهم الله تعالى - أن ينزّهوا أمثال هذه الشعائر الدينيّة من المحرّمات التي تكون غالباً سبباً لزوالها، إنه ولي التوفيق. 30 ذي الحجة الحرام سنة 1366 ﻫ، محمود الحسيني الشاهرودي.

(5) آية الله المظفر(قدس سره)

نص ما كتبه سماحة آية الله الشيخ محمد حسن المظفر:

بسم الله وله الحمد، ما أفاد قدّس الله سرّه صحيح لا إشكال فيه، والله الموفق.

محمد حسن ابن الشيخ محمد المظفر.

(6) السيد الحمّامي(قدس سره)

نص ما كتبه سماحة آية الله العظمى السيد حسن الحمّامي الموسوي:

بسم الله الرحمن الرحيم، ما أفتى به الشيخ قدّس الله سرّه صحيح شرعاً إن شاء الله تعالى. الأحقر حسين الموسوي الحمامي.

(7) الشيخ كاشف الغطاء(قدس سره)

نص ما كتبه سماحة آية الله الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء:

بسم الله الرحمن الرحيم، ما أفاده أعلى الله مقامه من ذكر فتاواه صحيح إن شاء الله. محمد الحسين آل كاشف الغطاء.

(8) الشيخ محمد كاظم الشيرازي

نص ما كتبه سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد كاظم الشيرازي.

بسم الله الرحمن الرحيم، ما أفتى به أعلى الله مقامه صحيح. الأحقر محمد كاظم الشيرازي.

(9) السيد الكلبايكاني(قدس سره)

نص ما كتبه سماحة آية الله السيد جمال الدين الكلبايكاني.

بسم الله الرحمن الرحيم، ما حرّره شيخنا الأُستاذأعلى الله مقامه في هذه الورقة صحيح ومطابق لرأيي. الأحقر جمال الدين الموسوي الكلبايكاني

(10) آية الله المرعشي

ترجمة نص ما صرّح به آية الله السيد كاظم المرعشيّ في تعليقه على استفتاء حول ما أفتى به سماحة آية الله النائيني(قدس سره) فيما يرتبط بإقامة الشعائر الحسينية: بسم

الله الرحمن الرحيم، ما أفتى به سماحة الأستاذ المحقق المرحوم آية الله العظمى النائيني(قدس سره) في رجحان وجواز إقامة عزاء أبي عبد الله الحسين(علیه السلام) بصورها المختلفة، في أعلى مراتب الصحة، ولا يشوبه شك ولا ترديد إلّا من أعداء الدين، وإغواء الشياطين، وعلى محبي أهل البيت ومواليهم وشيعتهم، أن لا يقعوا عرضة لهذه التسويلات، بل عليهم أن يشتدّوا في مقابل ذلك حماساً ونشاطاً في إقامة الشعائر الحسينيّة، وخصوصاً مجالس التعزية والقراءة، فإنها توجب الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة، والله هو الهادي إلى الطريق المستقيم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 1شعبان المعظم 1401 ﻫ، سيد كاظم المرعشي.

(11) آية الله المرعشيّ

ترجمة نص ما تفضل به سماحة آية الله السيّد مهدي المرعشيّ من الجواب على استفتاء حول ما أفتى به آية الله النائيني(قدس سره) فيما يتعلق بإقامة الشعائر الحسينيّة: بسم الله الرحمن الرحيم، إقامة عزاء سيد الكونين أبي عبد الله الحسين (روحي وأرواح العالمين له الفداء) فرع مضي‌ء من الأنوار الملكوتية، وشعار مبارك من الشعائر الإلهية.

وقد أثبت التاريخ أن مذهب التشيع هو المذهب الوحيد من بين المذاهب الإسلامية، الذي استطاع عبر إقامة الشعائر الحسينيّة تحكيم موقعية الدين الإسلامي المبين، والترويج لأحكام سيد المرسلين، ونشر المذهب الجعفري وإيصال صداه إلى العالم الإسلامي، وإحياء القسط والعدل، وإدانة الظلم والعدوان، وإبادة المفسدين والظالمين وأعوانهم في القرون الماضية، وكذلك في الحاضر، وسيظل ويبقى في القرون الآتية. وإن ما أفاده الأستاذ سماحة آية الله العظمى الحاج ميرزا حسين النائيني(قدس سره) في هذا المجال إنما هو في الحقيقة نفحة من نفحات الرحمان، فقد صدر من أهله ووقع في محله، وعلى المؤمنين أن يسعوا غاية جهدهم في متابعة ما

أفتى به سماحته، وتطبيقه كاملاً وبحذافيره، دون أي تقصير. والسلام على من اتبع الهدى، 9 شعبان المعظم 1401 ﻫ، سيد مهدي المرعشي.

(12) آية الله المدد(قدس سره)

نص ما كتبه سماحة آية الله السيد علي مدد الموسوي القايني.

بسم الله الرحمن الرحيم، ما رقمه الأُستاذ الأعظم طاب ثراه هو الحق الذي لا يشك فيه إلا المرتابون. الأحقر الجاني علي مدد القايني.

(13) آية الله النوري

ترجمة نص ما أجاب به آية الله الشيخ يحيى النوري من طهران، في سؤال عن نظره بالنسبة إلى فتوى آية الله النائيني(قدس سره) فيما يتعلّق بإقامة الشعائر الحسينيّة: بسم الله الرحمن الرحيم، ما أفتى به أُستاذ الفقهاء والمجتهدين، المرحوم آية الله النائيني (أعلى الله مقامه) هي فتوى جامعة ومقبولة. 25/ ذي حجة الحرام/ 1397 هجرية، العبد يحيى النوري(1).

ومما تقدم يتضح أنّ الاعلام ذهبوا إلى أن كلّ مظهر من مظاهر العزاء إذا صدق عليه عنوان الحزن و الجزع لمصاب أهل البيت(علیهم السلام) فهو من الأُمور المستحبّة.


1) اُنظر، السند، محمد، الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجديد: 425-434.

الفصل الثالث: اتهامات الشعائر الحسينية بالبدعة وأجوبتها

اشارة

المبحث الأوّل: نماذج من مصاديق الاتهامات على الشعائر الحسينية

المبحث الثاني: أجوبة الاتهامات عقلاً ونقلاً

تقدم في الفصل الأول أنّ البدعة هي الزيادة في الدين أو نقصان منه من غير إسناد إلى الدين.

ومن الجدير بالذكر أنّ الحديث عن البدعة يمتد إلى ذكر شروطها وأقسامها، وأدلة القائلين بالتقسيم، وموقف العلماء من هذا التقسيم، ثم يتفرع عليه ذكر أسباب نشوء البدعة، وهل أن البدعة نقص أو زيادة في الدين؟ أو هي ابتكار أمور ليس لها علاقة بالدين وإدخالها في الدين؟ وما هو دور العلماء إزاء أهل البدع؟ وغير ذلك مما يطول الحديث عنه، وفيما يلي نذكر مقدمتين تمهيديتين لتوضيح بعض الأمور المرتبطة بالبدعة:

المقدمة الأولى: أسباب الاتهام بالبدعة

لابد لكل اعتقاد أو معرفة أو موقف من سند يستند عليه ذلك الاعتقاد أو تلك المعرفة أو ذلك الموقف، وموقف الاتهام بالبدعة، ورمي الآخرين بها لابد له من أسباب هي بمثابة الدافع لذلك، ولكي نعرف سبب الاتهام بالبدعة لابد من الوقوف على أسباب ذلك، وهي كما يلي:

1- الجهل والفهم السطحي لسلوك الآخرينوممارساتهم، يبعث على اتهام الآخرين بالمبتدعة.

2- التعصب والتقديس الأعمى للسلف يجعل كل فعل مخالف لسيرتهم بدعة وإن كان مستنداً إلى سند علمي.

3- بغض الآخرين ومعاداتهم يبعث على اتهام أفعالهم بالبدعة وإن كانت

مستندة إلى أدلة شرعية وحجج رصينة.

4- الجمود على فهم النصوص، ورمي فهم الآخرين بالخطأ، مما يبعث على تفسير الأمور تفسيراً قاصراً يقود إلى الاتهام بالبدعة.

5- التقليد الأعمى لرأي القائلين بالبدعة، وترديد كلامهم دون إخضاعه لطاولة التحقيق والتحليل العلمي.

6- عدم الاطلاع على الأدلة النقلية لمشروعية الشعائر، وإصدار الأحكام تبعاً للفهم الخاص والعقل الشخصي.

المقدمة الثانية: شروط البدعة وأثرها في دفع الاتهام

اشارة

بناءً على ما تقدم من المعنى اللغوي والاصطلاحي تبين أن البدعة تتقوم بثلاثة أمور، هي:

1- البدعة شيء مبتكر ليس له مثال سبقه.

2- اختصاص البدعة بالأمور الشرعية.

3- عدم وجود أصل أو دليل شرعي على الفعل الحادث.

وفيما يلي تفصيل لهذه الأمور الثلاثة وبالنحو الآتي:

1- البدعة شيء مبتكر ليس له مثال سبقه

اتفقت كلمة اللغويين والعقلاء على أن الشيء المبتكر هو شيء مبتدع نشأ على غير مثال سابق، بل ذهب الفلاسفة إلى أن «الإبداع: إيجاد الشيء من عدم، فهو أخص من الخلق»(1)، ولذا يتضح أن البدعة هي إحداث أمر لا أصل له، ولا منشأ ولا يتفرع عن شيء، وإلّا لا يسمى بدعة؛ لأن ما كان له أصل أو أساس فهو شيء


1) إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط: 43.

متولد من أصله أو أساسه، وقد يسمى استنباط على مستوى المفهوم، وأما على مستوى المصداق فهو خلق جديد، وهذا هو الكون الذي خلقه الله تعالى دون مثال سابق، بل أبدعه البديع جل وعلا.

2- اختصاص البدعة بالأمور الشرعية

لا يتعدى مفهوم البدعة إلى غير الأمور الشرعية، فالتطور الحاصل في طرق العيش ووسائله، وتطور أنظمة الحياة من بلد لآخر، واختلاف العادات والسلوكيات لا يخضع لمفهوم البدعة المشهور، وما يقوم به البعض من أصحاب العقول المتحجرة بتوسيع مفهوم البدعة وتطبيقه على سلوكيات الحياة وعادات الناس كقولهم «إن التدخين بدعة فهو حرام» هذا القول هو بدعة بعينه، لقدجاء في دائرة المعارف الإسلامية «وتطور كلمة البدعة وانقسم الناس حياله إلى فريقين: الأول محافظ، والآخر: مجدد، وكان أتباع الفريق المحافظ أول الأمر الحنابلة بنوع خاص، ويمثلهم الآن الوهابيون، وهذا الفريق آخذ بالزوال، ويذهب هذا الفريق إلى أنه يجب على المؤمن أن يأخذ بالاتباع (اتباع السنة)، وأن يرفض الابتداع، وفريق يسلم بتغير البيئة والأحوال»(1).

فهذا يدل على وجود فرقة تفهم البدعة فهماً مناقضاً للقرآن والسنة، وتحاول إعطاءها معنى واسعاً شاملاً ومناقضاً لمنطق العقل وسنة الخلق، وهذا يعني تطبيق مفهوم البدعة على كل أمر حادث في حياة المسلمين ويشمل كل شؤون الحياة تحت تبرير الحرص على الدين والتقيد باتباع السنة النبوية، وهذا فهم مغلوط وتفكير سقيم يجر إلى الانزواء، ويعزل الشريعة عن حياة الناس(2).


1) دائرة المعارف الإسلامية: 3/ 456.

2) مركز الرسالة، البدعة مفهومها وحدودها: 29-30.

«ولكي يتضح مفهوم البدعة بشكل صحيح وبيان الفرق بينه وبين الفهم الخاطئ للبدعة ذكر صاحب كتاب البدعة جملة من الحوادث والروايات لرجال وأشخاص فهموا البدعة على أنّها كل أمر حادث لم يكن في عهد الرسول«(صلی الله علیه و آله و سلم).

1- جاء في (الاعتصام) أنّ أبا نعيم الحافظ روى عن محمد بنأسلم أنه وُلد له ولد، قال - محمد بن القاسم الطوسي - فقال: اشترِ لي كبشين عظيمين، ودفع لي دراهم فاشتريت له، وأعطاني عشرة أخرى، وقال لي: اشتر بها دقيقاً ولا تنخله، واخبزه، قال: فنخلت الدقيق وخبزته، ثم جئت به، فقال: نخلت هذا؟! وأعطاني عشرة أخرى، وقال اشترِ به دقيقاً ولا تنخله، واخبزه، فخبزته وحملته إليه، فقال لي: يا أبا عبد الله، العقيقة سُنّة، ونخل الدقيق بدعة، ولا ينبغي أن يكون في السُنّة بدعة، ولم أحب أن يكون ذلك الخبز في بيتي بعد أن كان بدعة.

2- وروي أن رجلاً قال لأبي بكر بن عياش: كيف أصبحت؟ فما أجابه، وقال دعونا من هذه البدعة.

3- وروي عن أبي مصعب صاحب مالك أنه قال: قدم علينا ابن مهدي - يعني المدينة - فصلّى ووضع رداءه بين يدي الصف، فلمّا سلّم الإمام رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكاً، وكان قد صلّى خلف الإمام، فلمّا سلّم، قال: من ها هنا من الحرس؟ فجاءه نفسان، فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه، فحُبس، فقيل له: إنّه ابن مهدي، فوجّه إليه وقال له: أما خفتَ الله واتّقيته أن وضعت ثوبَك بين يديك في الصف، وشغلت المصلّين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئاً ما كنا نعرفه، وقد قال النبي صلى الله عليه - وآله - وسلم: من أحدث في مسجدنا حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؟ فبكى ابن مهدي، وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبداً في مسجد النبي صلى الله عليه - وآله - وسلم، ولا في غيره.

4- ويقول ابن الحاج: وقد منع علماؤنا رحمة الله عليهم المراوح،إذ إنّ اتخاذها في

المساجد بدعة!!!

5- ويقول أيضاً: إنّ المصافحة بعد الصلاة بدعة، وينبغي له - يقصد إمام الجماعة - أن يمنع ما أحدثوه من المصافحة بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، وبعد صلاة الجمعة، بل زاد بعضهم في هذا الوقت فعل ذلك بعد الصلوات الخمس، وذلك كله بدعة!!»(1).

ويقول في المصدر نفسه: «إنّ هذا الفهم الخاطئ (للبدعة) لم يتأت من فراغ، بل جاء من الاعتقاد بنظرية غريبة، وهي أنّ البدعة هي ما لم يكن موجوداً في القرون الثلاثة بعد رحيل النبي(صلی الله علیه و آله و سلم).

يقول صاحب الهديّة السنية: ومما نحن عليه، أنّ البدعة - وهي ما حدثت بعد القرون الثلاثة - مذمومة مطلقاً خلافاً لمن قال: حسنة وقبيحة، ولمن قسّمها خمسة أقسام، إلّا إن أمكن الجمع بأن يقال: الحسنة ما عليها السلف الصالح شاملة للواجبة والمندوبة والمباحة، وتكون تسميتها بدعة مجازاً، والقبيحة ما عدا ذلك شاملة للمحرمة والمكروهة، فلا بأس بهذا الجمع....

إنّ هذه النظرية الشاذة الغريبة اعتمدت حسب ما يبدو على روايات وردت في فضل أصحاب النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)، فقد روى البخاري عن عمران بن الحصين، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه - وآله - وسلم: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً، (ثم إنّ بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون،ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السِّمَنُ)». وروى أيضاً عن عبد الله أنّ النبي صلى الله عليه - وآله - وسلم قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة


1) اُنظر: مركز الرسالة، البدعة مفهومها وحدودها: 29-30.

أحدهم يمينه، ويمينه شهادته»، قال: قال إبراهيم: «وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار»(1).

فهذه الروايات تجعل الصحابة طبقات مقدسة ويصل التقديس إلى أتباعهم وأتباع أتباعهم، فكل من خالف سيرتهم ونهجهم وسلوكهم فهو صاحب بدعة، وهذا مما يكذبه القرآن والسنة الشريفة والتاريخ الذين يشهدون ويصرحون بعدم قدسية الصحابة أو أتباعهم، وبناءً على ذلك لا يصح أن نجعل سلوكيات السلف وسيرتهم ميزاناً للتميز بين البدعة والسنة، بل إنّ الميزان الحقيقي هو القرآن والسنة الشريفة الصحيحة، على أن ما يقع خارج إطارهما وليس له أصل فيهما فهو بدعة مردودة، ولكن نحتاج إلى فهم صحيح للقرآن الكريم، وهذا لا يتم إلّا عن طريق العترة الطاهرة كونها معصومة من الفهم الخاطئ، ولقد ذكر العلماء الأدلة على أن البدعة تختص بالأمور الشرعية(2).

3- عدم وجود أصل أو دليل على الفعل الحادث

إن الأمر الحادث الذي يقع ضمن دائرة الدين ولم يوجد له أصل في مصادر الشريعة أو لم يدل عليه دليل فهو ليس من الدين بشيء، وهو ما يصدق عليه عنوان (البدعة) أما ما كان له أصل في الشريعة أو دليل يدل عليه لم يصح تسميته بالبدعة وإن كان وقوعه بعد حياة النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)؛ لوجود المعصوم الذي هو حجة على الناس بعد رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، فكل أمر دل عليه دليل عام أو خاص فهو من الشريعة ويصح العمل به طالما لم ينسخ أو يقيد أو يخصص، وما تقدم في المعنى اللغوي والاصطلاحي يؤكد ذلك(3).


1) المصدر نفسه: 31-32.

2) السبحاني، البدعة مفهومها، حَدُّها وآثارها ومواردها: 32-37.

3) مركز الرسالة، البدعة مفهومها وحدودها: 29-30.

المبحث الأوَّل: نماذج من مصاديق الاتهامات على الشعائر الحسينية

اشارة

دأبت العقول المتحجرة على كيل الاتهامات لكل من يخالفها الرأي متذرعة بفهم سطحي لآيات القرآن الكريم، وبروايات موضوعة تخالف السنة النبوية الصحيحة، وتجانب العقل والمنطق، فتارة ترمي طرفاً بالبدعة وأخرى ترميه بالزندقة، وثالثة ترميه بالكفر وهكذا.

وعندما رأت هذه العقول الجاهلة بعض الطقوس التي تمارسها الفرقة الناجية التي اتبعت العترة الطاهرة في ممارستها لذلك، أو اهتدت بإرشاداتهم وتوجيهاتهم، أو التزمت بأوامرهم وحثهم على إقامة العزاء وممارسة الشعائر الحسينية قربة إلى الله تعالى، حيث إنّ هذه الشعائر هي من شعائر الله تعالى التي يستحب تعظيمها للوصول إلى التقوى، رفعت هذه العقول عقيرتها صارخة بأعلى صوتها متهمة للمؤمنين بالبدعة، والإحداث في أمور الدين والمؤمنون من ذلك براء، ولكي نسلط الضوء على هذه الاتهامات اخترنا ثلاثة نماذج من مصاديق الاتهام الكثيرة، وهي:

النموذج الأول: إقامة المأتم والبكاء على الحسين(علیه السلام) مخالف للسنة

اشارة

اعتمدت هذه الفرقة المتحجرة في اتهامها هذا على روايات صدرت عن بعض أفراد السلف الذين يتكلمون تبعاً لفهمهم ومزاجهم الخاص ورأيهم الشخصي إذا

صحت هذه الروايات، أو أن هذه الروايات وضعت على لسان هؤلاء الأفراد من السلف؛ لكي تكون ذا حجية عند المجادلة والمناظرة، وعلى كلتا الصورتين، هذا الاتهام مردود بكتاب الله تعالى وسنة نبيه(صلی الله علیه و آله و سلم)، وسيأتي رد هذا الاتهام لاحقاً، ولكي يسلط الباحث الضوء على نصوص الاتهامات يذكر ما يلي:

أولاً: كلام ابن تيمية

تقدم في مقدمة هذا الفصل الإشارة إلى أسباب الاتهام بالبدعة، وبيّن هناك أن الجهل والفهم السطحي لسلوك الآخرين وممارساتهم يبعث على اتهام الآخرين بالبدعة، كما بينا أن بغض الآخرين ومعاداتهم مما يدفع الباغض إلى اتهام من يبغضه بالبدعة، وهذا ما سنلاحظه عند تأملنا ما ورد عن ابن تيمية.

قال ابن تيمية في كتابه منهاج السنة النبوية: «ومن حماقتهم إقامة المأتم والنِّياحة على من قد قتل من سنين عديدة، ومن المعلوم أن المقتول وغيره من الموتى إذا فعل مثل ذلك بهم عقب موتهم كان ذلك مما حرّمه الله ورسوله، فقد ثبت في الصحيحعن النبي صلى الله عليه - وآله - وسلم أنه قال: (ليس منّا من لَطَمَ الخدود وشقّ الجيوبَ ودعا بدعوى الجاهلية)، وثبت في الصحيح عنه أنه بريء من الحالقة والصّالقة والشّاقة. وهؤلاء يأتون من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعوى الجاهلية، وغير ذلك من المنكرات بعد موت الميت بسنين كثيرة، ما لو فعلوه عقب موته لكان ذلك من أعظم المنكرات التي حرمها الله ورسوله، فكيف بعد هذه المدة الطويلة! ومن المعلوم أنه قد قُتل من الأنبياء وغير الأنبياء ظلماً وعدواناً من هو أفضل من الحسين، قُتل أبوه ظلماً وهو أفضل منه، وقُتل عثمان بن عفان وكان قتله أول الفتن العظيمة التي وقعت بعد موت النبي صلى الله عليه - وآله - وسلم، وترتب عليه من الشر والفساد أضعاف ما ترتب على قتل الحسين، وقُتل غير هؤلاء

ومات وما فعل أحد - لا من المسلمين ولا غيرهم - مأتماً ولا نياحة على ميت ولا قتيل بعد مدة طويلة من قتله، إلا هؤلاء الحمقى الذين لو كانوا من الطير لكانوا رَخَماً، ولو كانوا من البهائم لكانوا حُمُراً»(1).

وعند تأمل قوله هذا يظهر منه ما يأتي:

1- قوله: «ومن حماقاتهم إقامة المأتم والنياحة على من قد قتل من سنين عديدة... »؛ إنه اتهم الشيعة بالحماقة رغم علمه أن فيهم من العلماء والعقلاء ما لا يستطيع أن يصل إلى رتبتهم.2- وقوله: «ومن المعلوم أنّ المقتول وغيره من الموتى إذا فعل مثل ذلك بهم عقب موتهم كان ذلك مما حرمه الله ورسوله»؛ وفي قوله هذا أما عمى أو تعامي؛ لأنه قد تقدم بكاء النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) على ولده قبل شهادته وبكاء أهل البيت(علیهم السلام) وبكاء بعض الصحابة بعد شهادته، فلو كان صحيحاً ما يقول لما فعله هؤلاء، وهم أتقى وأعلم بالحلال والحرام من ابن تيمية، وما قوله هذا إلا دليل على جهله أو تجاهله.

3- قوله: «إلا هؤلاء الحمقى الذين لو كانوا من الطير لكانوا رَخَماً، ولو كانوا من البهائم لكانوا حُمُراً»؛ فيه تجاوز وتعد على فئة مؤمنة، وهذا يدل على سوء خلقه لاسيما إذا عرفنا أن القرآن الكريم عبّر عن المتقاتلين بالمؤمنين بما في قوله تعالى: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (2)ثم عبر عن هؤلاء بالإخوة فقال: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ


1) ابن تيمية، منهاج السنة النبوية: 1/ 87-88.

2) الحجرات: آية9.

تُرْحَمُونَ»(1)فأين خلق ابن تيمية من خلق القرآن الكريم؟

ثانياً: كلام عبد الرحمن آل الشيخ

قال عبد الرحمن آل الشيخ في كتابه فتح المجيد: «في صحيح مسلم: عن أبي هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه - وآله - وسلم قال: اثنتان في الناس هُما بهم كفر: الطعن في النّسب،والنّياحة على الميت).

وقوله (والنياحة على الميت) أي رفع الصوت بالندب وتعداد فضائل الميت، لما فيه من التسخط على القدر المنافي للصبر، كقول النائحة: واعضداه، واناصراه، ونحو ذلك. وفيه دليل على أن الصبر واجب، وأن من الكفر ما لا ينقل عن الملة. ولهما عن ابن مسعود مرفوعاً: (ليس منا من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب...). وهذا من نصوص الوعيد، وقد جاء عن سفيان الثوري وأحمد كراهية تأويلها؛ ليكون أوقع في النفوس؛ وأبلغ في الزجر، وهو يدل على أن ذلك ينافي كمال الإيمان الواجب.

قوله (من ضرب الخدود) وقال الحافظ: خُص الخد لكونه الغالب، وإلا فضرب بقية الوجه مثله.

قوله (وشق الجيوب: هو الذي يدخل فيه الرأس من الثوب، وذلك من عادة أهل الجاهلية حزناً على الميت)»((2).

لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) ولا غيره؛ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين(3).


1) الحجرات: آية10.

2) آل الشيخ، فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: 318-319.

3) دليل الهدى، عن صحيفة الشرق الأوسط المطبوع بتاريخ 31/12/1999.

النموذج الثاني: تعمير قبر الإمام الحسين(علیه السلام) وزيارته شرك وتبديل لدين الله

اشارة

اعتادت هذه الفرقة المتحجرة أن تؤذي جميعالمسلمين الذي لا يقولون بقولها، لاسيما الشيعة الذين ساروا وفق نهج أئمتهم، والتزموا أوامرهم وانتهوا بنهيهم، فلذا جعلت هذه الفرقة زيارة الأنبياء والأئمة شركاً وبدعة لم يأت بها الله تعالى، فقالت على لسان أئمتها:

أولاً: كلام ابن تيمية

1- قال: «وكذلك الرافضة غلوا في الرسل، بل في الأئمة، حتى اتخذوهم أرباباً من دون الله، فتركوا عبادة الله وحده لا شريك له التي أمرهم بها الرسل، وكذّبوا الرسول فيما أخبر به من توبة الأنبياء واستغفارهم، فتجدهم يعطلون المساجد التي أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فلا يصلون فيها جمعة ولا جماعة، وليس لها عندهم كبير حرمة، وإن صلّوا فيها صلّوا فيها وحداناً، ويعظّمون المشاهد المبنية على القبور، فيعكفون عليها مشابهة للمشركين، ويحجّون إليها كما يحجّ الحاجّ إلى البيت العتيق، ومنهم من يجعل الحج إليها أعظم من الحج إلى الكعبة، بل يسبّون من لا يستغني بالحج إليها عن الحج الذي فرضه الله على عباده، ومن لا يستغني بها عن الجمعة والجماعة. وهذا من جنس دين النصارى والمشركين الذين يفضّلون عبادة الأوثان على عبادة الرحمن»(1).

ثم يتمادى ابن تيمية ليسخر من علماء الطائفةليقول: «فقد صنّف شيخهم ابن النعمان، المعروف عندهم بالمفيد - وهو شيخ الموسوي والطوسي - كتاباً سماه: (مناسك المشاهد) جعل قبور المخلوقين تحج كما تحج الكعبة البيت الحرام الذي


1) ابن تيمية، منهاج السنة النبوية: 1/ 288.

جعله الله قياماً للناس، وهو أول بيت وضع للناس فلا يُطاف إلا به، ولا يصلى إلّا إليه، ولم يأمر الله إلا بحجه»(1).

ويتهم ابن تيمية الشيعة بأنهم ممن بدل دين الله تعالى فقال: «والله أمر في كتابه بعمارة المساجد، ولم يذكر المشاهد، فالرافضة بدّلوا دين الله فعمّروا المشاهد، وعطّلوا المساجد، مضاهاة للمشركين، ومخالفة للمؤمنين»(2).

بل يصرح بأن البناء على القبور لم يشرّع من قبل النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) يعني أنه بدعة فيقول: «وأنه لم يشرع لأمته أن يبنوا على قبر نبي ولا رجل صالح، لا من أهل البيت ولا غيرهم، لا مسجداً ولا مشهداً»(3).

ويصرح أيضاً بأن الزيارة بدعة فيقول: «السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر بها رسول الله صلى الله عليه - وآله - وسلم، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعله فهو مخالف للسنةولإجماع المسلمين»(4).

وسيأتي الرد عليه في المطلب الثاني.

ثانياً: كلام ابن قيم الجوزية

يعرّض ابن قيم الجوزية بمن يزور قبور الأنبياء أو الأئمة(علیهم السلام) فيقول: «فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به، والإقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به، والتوجّه إليه، بعكس هديه صلى الله عليه - وآله - وسلم، فإنه هدي


1) المصدر نفسه: 289.

2) المصدر نفسه: 291.

3) المصدر نفسه: 291.

4) السيفي، مسلك الوهابية في موازين العقل والكتاب والسنة: 43-44.

توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم، وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعوا الميت، أو يدعوا به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وأصحابه، تبيّن له الفرق بين الأمرين»(1).

فالواضح من كلامه انه يتهم الزوار بالشرك.

ثالثاً: كلام عبد الرحمن آل الشيخ

أ- قول عبد الرحمن آل الشيخ الذي نص على أن: «بسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد... » علق ابن باز فقال: «فإن أول من فعل ذلك العبيديون الذين زعموا كذباً أنهم فاطميون. شيدوا للحسين -(علیه السلام) -وبرأه الله منهم ومن شيعتهم ومحبيهم - قبراً بالقاهرة؛ ورفعوا عليه قبة عظيمة، وبنوا له المسجد المشهور الذي بالقاهرة، يقام فيه من الأعمال الشركية ما يغضب الله ورسوله وآل بيته وكل من في قلبه حب الله ورسوله والإيمان بالصحيح. وقد صنف كثير من العلماء السالفين في بيان كذب أولئك العبيديين وبيان نحلتهم الكافرة الفاجرة، وأنهم كانوا يظهرون الرفض ويبطنون الكفر»((2).

ب - يصرّح آل الشيخ بأن زيارة قبر النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) بدعة فقال: «ودل الحديث على أن قبر النبي صلى الله عليه - وآله - وسلم لو عبد لكان وثناً، لكن حماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس فلا يوصل إليه، ودل الحديث على أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور والتوابيت التي عليها، وقد عظمت الفتنة بالقبور لتعظيمها وعبادتها، وقوله: (اشتد غضب الله على الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فيه تحريم البناء على


1) ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد: 1/ 422.

2) آل الشيخ، فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: 204.

القبور، وتحريم الصلاة عندها، وأن ذلك من الكبائر)(1).

رابعاً: كلام محمد بن إسماعيل الصنعاني

قال الصنعاني في كتابه تطهير الاعتقاد: «فإن هذه القباب والمشاهد التي صارت أعظم ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه، غالب من يعمرها هم الملوك والسلاطين والرؤساء والولاة، إما على قريب لهم أو على من يحسنونالظن فيه من فاضل أو عالم أو صوفي أو فقير أو شيخ كبير...، والأمر ما ثبت في الأحاديث النبوية من لعن من أسرج على القبور وكتب عليها وبنى عليها»(2).

نماذج أخرى من الاتهامات والإشكالات على الشعائر الحسينية

إنّ الشعائر والطقوس التي تقام باسم الإمام الحسين(علیه السلام) كثيرة ومتعددة حسب اختلاف الزمان والمكان والأعراف، وقد تعددت الشعائر الحسينية إلى أشكال وصور «فمن تقسيمات الشعائر الحسينية: الخطابة، الشعر، الكتابة، الرثاء، التمثيل - التشبيه، المسرح، الفيلم -، العزاء بأقسامه: من اللطم، وضرب السلاسل، والتطبير والمواكب المختلفة...، فأشكال وصور العزاء الحسيني كثيرة جداً»(3).

وعندما ينظر الناس إلى هذه الشعائر ويضعونها في ميزان الشرع دون علم منهم بآلية الوزن، سيرمونها بالبدعة لاسيما إذا اتسعت وتكثرت بمرور الأيام واختلاف الأعراف.

وقبل الولوج في ذكر الاشكالات الأخرى على الشعائر الحسينية نود أن نتعرض إلى الجهات التي تصدر منها هذه الإشكالات، وهذه الجهات هي:


1) آل الشيخ، فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: 212-213.

2) المصدر نفسه: 218.

3) السند، الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجديد: 220.

أ - الطوائف الأخرى سواء كانت إسلامية أو غيرها.

ب - طائفة خاصة متعصبة ميزانها لصحة الأفعال وعدمها فهمها الخاص الذي يتصف بالسطحية وعدم اعتماد الدليل الصحيح.

ج - يصدر أحياناً من وسط الطائفة الشيعية تأثراً بأفكار الغير وجرياناً على طريقتهم في النقد، أو تسرعاً في إطلاق الأحكام. ولا شك في عدم أحقية هذه الجهات في إطلاق الاتهام دون علم أو رجوع إلى أهل العلم والاختصاص.

وفي المقام نتعرض لعدد آخر من الاشكالات والاتهامات على الشعائر الحسنية:

الإشكال الأول: وهو الذي يوجه النكير والانتقاد إلى الرسوم والشعائر، معتمداً على مبنى معين وقاعدة محددة، هي: أن كل شعيرة ورسم وطقس يُتّخذ، ينبغي أن يكون جعله واتخاذه من الشارع نفسه، وإلّا فهو بدعة وضلال، وافتراء على الله سبحانه.

الإشكال الثاني: أن الشارع المقدس لو فوض أمر الشعائر والطقوس وأوكلها إلى العرف والمتشرعة، لنتج من ذلك أنهم سيتحولون إلى مشرعين، حيث فوض أمر التشريع إليهم، وهذا التفويض غير صحيح وهو ممتنع.

الإشكال الثالث: لو أوكل الشارع المقدس أمر الشعائر والرسوم الدينية إلى العرف، لنتج من ذلك تحليل الحرام، وتحريم الحلال.

الإشكال الرابع: وهذا من سنخ الإشكالين السابقين،وهو: لو أننا جعلنا اتخاذ الشعائر والرسوم والطقوس بيد العرف، للزم من ذلك العبث بثوابت الشريعة الناتج من قبل العرف والمتشرعة بسبب اختلاف الظروف الزمنية والبيئية.

الإشكال الخامس: لا وجه في تخصيص صلاحية المتشرعة باتخاذ الشعائر والرسوم والطقوس الدينية في أبواب خاصة، وعدم تسويغ ذلك في أبواب أخرى.

الإشكال السادس: الهتك والإساءة لمباني الإسلام وأركان الشريعة ومعاني

الدين والمذهب العالية الشامخة؛ فقد يقال بأن مقتضى هذا الرسم أوالطقس أو الشعيرة التي أوكلناها إلى العرف، قد لا تناسب مجريات العصر، ولا تتفق مع لغة العصر، وقد يكون فيها إساءة لذات المضامين الشامخة والتعاليم الإسلامية الفاضلة.

الإشكال السابع: لزوم الضرر من بعض الطقوس، خصوصاً بعض الشعائر الحسينية أو غيرها، ويجب شرعاً دفع الضرر بكل درجاته ومراتبه وأشكاله.

وسيأتي الجواب على هذه الإشكالات في المبحث اللاحق.

المبحث الثاني: أجوبة الاتهامات عقلاً ونقلاً

المطلب الأوّل: أجوبة الاتهام عقلاً

اشارة

قبل الولوج في بيان الأجوبة من خلال العقل ينبغي تقديم مقدمتين:

المقدمة الأولى: حجية العقل في رد الاتهام

إن من أوضح الواضحات هو ما للعقل من دور في تقريب العبد إلى خالقه جل وعلا، فيتضح من خلال ذلك حجية العقل الذي هو ملاك التكليف، وملاك سيادة الإنسان على غيره من المخلوقات، لكن لكي تتضح هذه الحجية لابد لنا من الإشارة إلى ذلك فنقول:

إن علماء أصول الفقه أشاروا إلى حجية العقل في كتبهم من خلال ذكر الدليل العقلي الذي يقابل الدليل النقلي في إثبات أمر ما، وهذا ما ورد في كتاب أصول الفقه للشيخ محمد رضا المظفر.

الدليل العقلي: «هو كل حكم للعقل يوجب القطع بالحكم الشرعي، وبعبارة ثانية هو: كل قضية عقلية يتوصل بها إلى العلمالقطعي بالحكم الشرعي»(1).

ثم قال في مكان آخر «إننا نقصد من الدليل العقلي حكم العقل النظري


1) المظفر، أصول الفقه: 3/ 105.

بالملازمة بين الحكم الثابت شرعاً أو عقلاً وبين حكم شرعي آخر، لحكمه باستمالة التكليف بلا بيان...»(1).

ثم يشير الشيخ المظفر إلى حجية العقل من خلال قوله: «إنّ هذه الملازمات وأمثالها أمور حقيقية واقعية يدركها العقل النظري بالبداهة أو بالكسب؛ لكونها من الأوليات والفطريات التي قياساتها معها، أو لكونها تنتهي إليها فيعلم بها العقل على سبيل الجزم. وإذا قطع العقل بالملازمة - والمفروض أنّه قاطع بثبوت الملزوم - فإنّه لابد أن يقطع بثبوت اللازم وهو - أي اللازم - حكم الشارع. ومع حصول القطع فإنّ القطع حجة يستحيل النهي عنه، بل به حجية كل حجة»(2).

وورد أيضاً في كتاب أصول الفقه الإسلامي للأستاذ محمد مصطفى شلبي قوله: «وهذه الأدلة العشرة تتنوع إلى نوعين: نقلية وعقلية.

فالنقلية: هي التي يكون طريقها النقل، ولا دخل للمجتهد في تكوينها وإيجادها، وعمله قاصر على فهم الأحكام منها بعد ثبوتها.

والعقلية: وهي التي يكون للعقل دخل في تكوينها، وبعبارةأخرى: هي التي يكون للمجتهد عمل في تكوينها، وهي القياس والاستحسان والاستصلاح»(3).

والحاصل مما تقدم ما يلي:

أوّلًا: إنّ حكم العقل بشي‌ء في المستقلّات العقلية أو في غيرها يكشف عن كون الحكم عند الشرع كذلك، شريطة أن يكون العقل قاطعاً و يكون المدرَك حكماً عاماً، كما هو الحال في الأَمثلة المتقدّمة.


1) المصدر نفسه: 3/ 106.

2) المظفر، أصول الفقه: 3/ 106.

3) شلبي، أصول الفقه الإسلامي: 1/ 62.

ثانياً: إذا أدرك العقل وجود المصلحة أو المفسدة في الأَفعال إدراكاً نوعياً يستوي فيه جميع العقلاء، كوجود المفسدة في استعمال المخدرات، ففي مثله يكون حكم العقل ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي.

ثالثاً: استكشاف ملاكات الأحكام و استنباطها بالسبر و التقسيم، ثمّ استكشاف حكم الشرع على وفقه أمر محظور، لعدم إحاطة العقل بمصالح الأحكام و مفاسدها، و سوف يوافيك عند البحث عن سائر مصادر الفقه عدم العبرة بالاستصلاح الذي عكف عليه مذهب المالكية.

يترتب على حجّية العقل في المجالات الثلاثة، أعني:

1- الملازمات العقلية.

2- الحسن و القبح العقليين.3- المصالح و المفاسد العامتين.

تترتب على حجية العقل ثمرات فقهية كثيرة، منها: أنه حجة في رد الإشكالات والاتهامات على الشعائر الحسينية، كما سيتضح.

المقدمة الثانية: العقل ميزان الأفعال والأقوال
اشارة

تقدم الكلام عن حجية العقل، وصلاحيته في كونه ميزاناً توزن به الأفعال والأقوال، وكونه قوة نميز من خلالها الحق عن الباطل، وعند تأمل الآيات القرآنية الكريمة التي أشارت وصرحت بأهمية العقل وضرورته للوصول إلى معرفة الكثير من الحقائق، يسلم المتأمل بدور العقل في حسم الخلاف العلمي، ودوره في رفع الاختلاف الفكري، وعند الوقوف على ما ورد في السنة الشريفة عن العقل يجد الواقف أن العقل من أهم الطرق التي تثبت بها أمهات المسائل، فالعقل هو رأس

الفضائل كلها، بل هو الدليل على دين الرجل وهذا ما صرح به الرسول الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم): «لا دين لمن لا عقل له»(1).

فلا يصح من المسلم أن يلغي دور العقل أو يجمد حركته بحجة التعبد بالشرع فقط، ناسياً أن كثيراً من المسائل الشرعية، بل إنّ أصول الدين لم تثبت لو لميكن للعقل دور في إثباتها.

وحيث إنّ الدين يتكون من ثلاثة أقسام من حيث المعرفة، فقسم لا يعرف إلا بالعقل كمعرفة الله تعالى، وقسم لا يعرف إلا بالنقل كالمغيبات وما يتعلق بالحياة الآخرة، وقسم ثالث يشترك فيه العقل والنقل(2)، فلذا يجد الباحث أن للعقل دوراً كبيراً في رد الاتهام عند الشعائر وبما يلي:

الجواب الأول: الشعائر أفعال معبرة عن الحب

إذا أراد المرء أن يعبر عن حبه لإنسان آخر بأية طريقة لا ضرر فيه عليه أو على أحد من الناس، فهذا مما لا يرفضه العقل ولا الشرع، فإذا نظرنا إلى أن هذه الأفعال هي وسيلة تعبير عن حب من يقوم بها لسبط النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) دون أن يلحظ فيها الحالة الدينية ستكون حينئذ أفعالاً خارجة عن عنوان البدعة؛ لأنها لا تعد من الأمور الشرعية، بل هي عواطف ومشاعر تكنها النفس ويترجمها الجسد.

الجواب الثاني: التأسي بالأسوة الحسنة

يحكم العقل بحكم الشرع، ويوافق الشرع حكم العقل في ضرورة التأسي بالأسوة الحسنة، فإذا اتخذالمرء شخصاً أسوة في فعل ما أو طريقة ما، لابد أن يتأسى


1) النمازي، مستدرك الوسائل: 11/ 208.

2) مجموعة مؤلفين، مكانة العقل في الفكر العربي: 25.

به، وحيث إنّ النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) هو الأسوة الحسنة التي أمرنا الله تعالى باتخاذها أسوة كما في قوله تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ...»(1)، فيجب التأسي بأفعاله وأقواله.

وهذا التأسي بالأسوة قد يدخل تحت عنوان قاعدة «وجوب رجوع الجاهل إلى العالم» أيضاً فالذي يجهل صحة فعل ما أو عدم صحته فليرجع إلى من يعلم ذلك، وحيث إنّ النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) هو مصداق العالم الأكمل فالرجوع إلى سيرته وسنته يضع السائر على الطريق الصحيح، وعند تأمل سيرة النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) وسنته يجد المتأمل أنّ النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) بكى على ولده الحسين(علیه السلام)، وأقام المآتم عليه كما مر ذلك، وحث على إقامة المآتم والبكاء عليه أيضاً، فيكون التأسي بهذه الأفعال، والامتثال لأوامر النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) عملاً خارجاً عن عنوان البدعة لعدم انطباق شروط البدعة عليها، ولعدم انطباق مفهومها عليه.

الجواب الثالث: تجديد العزاء رد على الظالمين

لا شك أن الإمام الحسين(علیه السلام) خرج ثائراً على الحاكم الظالم الفاسق الذي تسلم مقاليد التسلط والحكم على الأمة بطريقة غير شرعية، وسفك دمه من قبل جيشالحاكم، هذا الجيش الذي انغمس في الضلال وكان قائده العمى، فبخروج الإمام الحسين(علیه السلام) رافضاً للظلم طالباً للإصلاح، رسالة صريحة وواضحة يبعثها الإمام إلى الأمة النائمة في زمانه، وإلى الأجيال المتعاقبة، يحثها فيها على رفض الظلم وطلب الإصلاح، ويحفزها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصار بهذا رمزاً يحتذى به، فلكي تسير الأمة الواعية على نهجه لابد من ذكر تفاصيل ثورته، ولابد من


1) الأحزاب: آية21.

التعبير عن رفض الأمة لما سقط عليه من الظلم ولما أصابه من المأساة، فيكون إحياء الذكرى تجديداً للعهد على السير وفق رؤيته وطبق منهجه، فصار إحياء طقوس عاشوراء في كل موسم علامة وشعيرة تدل على أن الأمة ترفض الظلم وتبغي الإصلاح، الذي أمرنا الله تعالى به، ولتكن هذه الطقوس جرس إنذار للحاكم الظالم في كل زمان ومكان، وهذا مما دفع الحكام الظالمين إلى محاربة هذه الشعائر خوفاً على مناصبهم، فلذا يحكم العقل بضرورة إحياء هذه الذكرى لإرعاب الظالمين ولإيقاظ النائمين.

الجواب الرابع: فقدان المستشكل إلى الدليل

مما تسالم عليه العقلاء وأيّده الشرع المبين أن من يدعي دعوة عليه أن يأتي ببينة ودليل على أحقيتها وصحتها، وإلّا لا قيمة لدعواه، فلذا جاء في السنةالشريفة «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» فمن قال بتحريم الشعائر ووصفها بأنها بدعة لابد أن يأتي بدليل على ذلك.

فإذا كانت البدعة هي إدخال ما ليس من الدين في الدين، أيٍ أن البدعة عمل لا دليل عليه من الشارع ولا أصل لها في الشرع، فلا يصح أن نرمي الشعائر بالبدعة دون أن يثبت لها أن هذه الشعائر لا أصل لها في الدين، بل العكس هو الصحيح إذ إنّ الشعائر لها أصل وعليها دليل من الشرع، والقائل بأنها بدعة لا دليل لديه إلّا بعض الموضوعات التي لا روح فيها.

المطلب الثاني: أجوبة الاتهام نقلاً

اشارة

تقدم الكلام في الأدلة التي تدل على مشروعية بعض الشعائر في القرآن الكريم والسنة الشريفة، وآراء العلماء، وهذا بذاته يكفي في نفي الاتهام بالبدعة الموجه إلى بعض الشعائر، إلاّ أن الباحث يرى في سوق الأدلة الأخرى كمال

البحث، ولأن البدعة هي الأمر الحادث الذي لا أصل له في الدين ولا دليل عليه من الشريعة، سيكون الفعل الذي يؤتى به بعنوان الشعائر الحسينية فعلاً صحيحاً إذا كان له أصل في الدين أو عليه دليل من الشريعة، وهذا يتطلب الوقوف على بعض الأفعال التي أخذت عنوان الشعائر.قبل ذكر الأدلة التي دلت على جواز الشعائر الحسينية، لابد أن من تقديم عدد من المقدمات:

المقدمة الأولى: الضابطة في إطلاق الشعيرة على العمل

تقدم الكلام عن أن الشعائر هي علامات طاعة الله تعالى، وكل عمل فيه هذه الصفة - أيٍ كونه علامة تدل على طاعة الله تعالى - يصح تسميته بالشعيرة، فكل عمل صار علامة على طاعة الله تعالى، أو هو مما يتقرب به إلى الله تعالى، وهو مما حث عليه الشارع أو له أصل في الشرع، فهو شعيرة يجوز العمل بها.

المقدمة الثانية: عدم انحصار الشعائر في شعائر الحج

تقدم الكلام أن الشعائر غير محصورة في شعائر الحج، وتقدم أن شعائر الحج هي مصداق من المصاديق للشعائر، وما يؤيد سعة معنى الشعائر ما جاء عن العلماء في المدرستين من أنّ الشعائر أوسع من ما ذكر في فريضة الحج(1).

المقدمة الثالثة: تشخيص العرف لبعض المفاهيم

أوكل الشارع إلى العرف مسألة تشخيص بعض المفاهيم، ولكي تتضح هذه المقدمة لابد من بيان أمور،فنقول:


1) اُنظر: العبادي، أجوبة الشبهات حول الشعائر الحسينية: 19-25.

1- العرف: هو ما تعارف عليه الناس، من قول أو فعل(1)، وقد يكون العرف أحياناً مرجعاً في استكشاف الحكم الشرعي، حيث أوكل الشارع إلى العرف تشخيص بعض المفاهيم كلفظ الإناء والصعيد والقرء، وللعرف دور في استكشاف مراد المتكلم عند إطلاق اللفظ.

فلذا صار للعرف مدخلية في تشخيص المواضيع العرفية (كالبيع) الذي أحله الشارع أو (الغناء) الذي حرمه، وهناك أمور فقهية أوكل الشاعر أمر تشخيصها إلى العرف(2).

2- إن العرف لا يتصرف في حكم الشعيرة، وإنما في بيان مصداقها، أي: أن ما اتخذه المسلمون شعيرة وصار في عرفهم علامة تدل على معنى من المعاني الإسلامية.

3- ما صار في عرف المسلمين شعيرة فهو يدخل تحت عموم قوله تعالى «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ»(3).

فينتج مما تقدم:

أ - إن العرف لا يتصرف في الحكم.ب - للعرف دور في تشخيص مصداق الشعيرة.

ج - كل ما عرف في عرف المسلمين كشعيرة فهو يدخل تحت عموم الشعائر.

د - كل ما استجد من عناوين للشعائر يدخل تحت عموم الشعائر.

فإذن: إذا اتسعت الأعمال التي فيها علامة على طاعة الله تعالى وتعددت مع


1) اُنظر: عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه: 99. كاشف الغطاء، مصادر الحكم الشرعي والقانون المدني: 47.

2) اُنظر: العبادي، أجوبة الشبهات حول الشعائر الحسينية: 33 بالهامش.

3) الحج: آية32.

انطباق شروط الشعيرة عليها فهي من الشعائر.

المقدمة الرابعة: الأدلة على جواز عمل الشعائر

عند البحث والتأمل في القرآن والسنة الشريفة يتضح لنا مدى مشروعية الشعائر الحسينية، وقد تقدم الدليل على بعض هذه الشعائر كالبكاء والحزن وذكر المأتم، ولا بأس بذكر المزيد مما يدل على إباحة هذه الأفعال، وذكر الأدلة على الشعائر الأخرى التي لم تذكر في الأبحاث السابقة، ولا شك عند ذكر الدليل على إباحة ومشروعية هذه الشعائر سينتفي الاتهام بالبدعة بناءً على التقابل في التعريف، فكل ما لا أصل له في الدين ولا دليل عليه فهو بدعة، وكل ما له أصل في الدين أو دل عليه الدليل فهو ليس ببدعة، وهذا التقابل مأخوذ من منطوق ومفهوم التعريف.

ويمكن إدراج بعض هذه الشعائر تحت الأدلة الخاصّةبها والدالة صراحة على جواز القيام بها، ودرج البعض الآخر تحت الأدلة العامة.

المقصد الأول: أجوبة اتهامات وإشكالات ابن تيمية وغيره

أولاً: الجواب على الاتهام القائل بأنّ إقامة المأتم مخالف للسنة

تقدم هذا المعنى عن ابن تيمية وغيره(1).

الجواب:

1- تقدم في الفصل الأول ما يشير إلى أن النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته(علیهم السلام) وبعض أصحابه أقاموا المآتم على الإمام الحسين(علیه السلام) ولا شك أنّ فعل النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) هو السنة بعينها بالإضافة إلى قوله وتقريره.


1) اُنظر: ص 131 - 134 من البحث.

ولمزيد من التوضيح نورد المآتم التي أقامها النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) على ولده الإمام الحسين(علیه السلام)، وهي كما يلي:

أ - «لما ولد الحسين أتت به أسماء النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)، فأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثم وضعه في حجره وبكى، فلما سألته أسماء عن سبب بكائه، أجاب: على ابني هذا، فقالت: إنه ولد الساعة! قال: تقتله الفئة الباغية، لا أنالهم الله شفاعتي، ثم أمرها أن لا تخبر فاطمة الزهراء، فإنها قريبة عهد بولادته»(1).

وهذا أول مأتم يقام على الحسين(علیه السلام)، وهو ساعةولادته، فرسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يبكي عليه ويقيم مراسم العزاء.

ب - عن أم الفضل، مرضعة الحسين(علیه السلام): «أنها دخلت يوماً على رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فوضعت الحسين في حجره، فرأت عينا رسول الله تهريقان من الدموع، فلما سألته عن السبب، قال: أتاني جبرائيل فأخبرني: أنّ أمّتي ستقتل ابني هذا، فقالت أم الفضل: هذا! فقال: نعم»(2).

ج - لما أتت على الحسين(علیه السلام) من مولده سنتان كاملتان، خرج النبي في سفر، فلما كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ودمعت عيناه، فسئل عن ذلك فقال: «هذا جبرائيل يخبرني عن أرض بشاطئ الفرات، يقال لها: كربلاء، يقتل فيها ولدي الحسين...»(3).

د - حينما تكرر إخبار جبرائيل والملائكة النبي بما يجري على الحسين، وفي أزمنة مختلفة وفي أماكن متفرقة، والنبي(صلی الله علیه و آله و سلم) يخبر من حوله بما يجري على الحسين، ويبكي


1) القندوزي الحنفي، ذخائر العقبى لذوي القربى: 3/ 119.

2) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين: 3/ 176.

3) الخوارزمي، مقتل الحسين: 1/ 163.

ويقيم مأتماً عليه. في بيت أم سلمة.. وعائشة.. وزينب بنت جحش.. وفي دار أمير المؤمنين.. وفي مجمع من الصحابة.. وفي داره.. , وفي أماكن أخرى كثيرة، أقام النبي المأتم، وأخرج ما أعطاه جبرائيل من تربة كربلاء، وشاهدهاكثيرون، وهم يبكون(1).

ﻫ - لما أخبر جبرائيل النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) بما سيجري على الحسين وأعطاه من تربة كربلاء شيئاً، خرج والتربة بيده وهو يبكي، وأخبر عائشة بما يجري على الحسين، ثم خرج إلى الصحابة وأخبرهم أيضاً وهو يبكي(2).

و - في اللحظات الأخيرة للنبي(صلی الله علیه و آله و سلم) قبل موته، ضمّ الحسين(علیه السلام) إلى صدره، وقال في حقه كلمات طيبة، ثم أغمي عليه، فلما أفاق قال: «إن لي ولقاتلك يوم القيامة مقاماً بين يدي ربي وخصومة...»(3).

ز - شهد النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) قتل الحسين(علیه السلام)، كما رأته أم سلمة في المنام، وعلى رأسه ولحيته التراب، فلما سألته عن حالته، قال: «شهدت قتل الحسين آنفاً»(4).

ح - بعد قتل الحسين(علیه السلام) نزل الأنبياء عند مقتله، وهم يعزون رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) بولده، وكثر البكاء والنحيب عنده(5).

2- إن الحزن والبكاء ذكرهما القرآن الكريم وأجازهما، وأيدتهما السنة، كما وضحنا ذلك فيما تقدم.

3- إنّ اتهام ابن تيمية ناشئ من بغضه للشيعة،فضلاً عن جهله واعتماده على


1) اُنظر: المتقي الهندي، كنز العمال: 13/ 111.

2) الهيثمي، مجمع الزوائد: 9/ 187.

3) الخوارزمي، مقتل الحسين: 1/ 173.

4) الترمذي، صحيح الترمذي: 13/ 193.

5) الشبلنجي، نور الأبصار: 125.

روايات غير صحيحة.

ثانياً: الجواب على الاتهام القائل بأنّ النياحة على الميت كفر

تقدم معنى هذا الإتهام في الكلام السابق لعبد الرحمن آل الشيخ(1)، والذي قال فيه: «النياحة على الميت: أي رفع الصوت بالندب وتعداد فضائل الميت لما فيه من السخط على القدر... وإنّ من الكفر ما لا ينقل عن الملة».

وجوابه بما يلي:

1- قوله تعالى: «وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ»(2)، أليس في ذلك ندب على يوسف وتأوه وحزن؟ وأما بكاء يعقوب وحزنه ما شهد به القرآن الكريم مع أن يوسف(علیه السلام) حي يرزق كما في قوله تعالى: «وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ»(3).

2- ورد أن النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) كان إذا ذكر السيدة خديجة(علیها السلام) يبكي ويعدد فضائلها، وهذا ما ذكرته المصادر، وقد ثبت أنه(صلی الله علیه و آله و سلم) قال لعائشة حين قالت له: «قد رزقك الله خيراً منها: - قال(صلی الله علیه و آله و سلم) -: لا والله ما رزقني الله خيراً منها، آمنت بي حين كذبني الناس، وأعطتني مالها حين حرمني الناس»(4).

3- بكاء سيدة نساء العالمين على أبيها رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وندبه بيا أبتاه، فهو دليل


1) اُنظر: ص 172، تحت عنوان: (ثانياً: كلام عبد الرحمن آل الشيخ).

2) يوسف: آية84.

3) يوسف: آية84-86.

4) اُنظر: البهوتي، كشاف القناع: 5/ 31.

على صحة الفعل وجوازه، ولا شك أن السيدة الزهراء(علیها السلام) لا تفعل ما فيه كفرٌ كما يقول آل الشيخ.

فعن أنس بن مالك، قال: قالت فاطمة لما قبض رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): «يا أبتاه، من ربه أدناه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل أنعاه يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه» هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه(1).

ثالثا: الجواب على الإشكال القائل بأنّ زيارة القبور بدعة

وهو قول ابن قيم الجوزية وعبد الرحمن آل الشيخ (2).

الجواب: وردت أحاديث كثيرة في جواز زيارة القبور وبنائها عن طريق الجمهور، وهي كما يأتي:

أ - عن بريدة، قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): «قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة» رواه الترمذي وصحّحه. وعن أبي هريرة، قال: «زار النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) قبر أمه فبكى وأبكى من حوله...، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» رواه الجماعة(3).ب - عن عبد الله بن أبي مليكة: «أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن، فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) عن زيارة القبور؟ قالت: نعم كان نهى عن زيارة القبور، ثم أمر


1) الحاكم النيسابوري، مستدرك الوسائل: 3/ 59.

2) اُنظر: ص 135 من البحث.

3) الشوكاني، نيل الأوطار: 4/ 164. الألباني، أحكام الجنائز: 178.

بزيارتها» رواه الأثرم في سننه(1).

ج - عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال: «ألا أحدثكم عن عائشة، أنها قالت: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ؟ قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظهر أنه قد رقدت، فأخذ رداءه رويداً، وانتعل رويداً، وفتح الباب [رويداً]، فخرج، ثم أجافه رويداً، فجعلت درعي في رأسي واختمرت، وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على أثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، وأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته، فدخلت، فليس إلا أن أضجعت، فدخل فقال، مالك يا عائش حشياً رابية؟ قالت: قلت: لا شيء [يا رسول الله]، قال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته [الخبر]، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم، فلهزني في صدري لهزة أوجعتني، ثمقال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟! قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، [قال]: نعم، قال: فإنّ جبريل أتاني حين رأيت فناداني - فأخفاه منك، فأجبته، فأخفيته منك، ولم يكن ليدخل عليك، وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي - فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم


1) الشوكاني، نيل الأوطار: 4/ 165.

للاحقون»(1).

وأمّا ما ورد من أحاديث عن التوسّل بالنبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) فكثيرة، ليس هنا محل ذكرها.

وعند تأمل ما ورد من أحاديث في زيارة القبور يتضح أنّ زيارة القبور أمر مباح، ويستحب أن يسلّم على أصحابها، وأن يستغفر لهم، وما يصنعه الشيعة عند زيارة قبور أئمتهم(علیهم السلام) هو السلام والاستغفار والدعاء؛ فأين هي البدعة في ذلك؟!

وأمّا ما ورد من أحاديث في زيارة القبور عند مدرسة أهل البيت(علیهم السلام) فلا حاجة لذكرها؛ لأنّ واقعهم يؤكّد ذلك.

وما يثير الاستغراب أن البعض اتهم الشيعة بأنهم لا يصلون جمعة ولا جماعة، ويحجّون إلى قبور - أئمتهم كماتقدم -(2).

والجواب:

أ - إن الشيعة لم يتخذوا أحداً من المخلوقين رباً، وإن صلاتهم الجمعة والجماعة قائمة، ولكن مما يؤسف له أن ابن تيمية مات قبل أن يحصل هذا التطور التكنولوجي، ومع ذلك نجد أن ما تبثه القنوات الفضائية من صلاة جمعة وجماعة كافي لتكذيب ابن تيمية فضلاً عن ما ورد في فقه صلاة الجمعة والجماعة في كتب الشيعة الذي يدل على أنها من التكاليف العبادية التي يقوم بها الشيعة.

ب - إن الشيعة يحجون البيت الحرام وهذا لا ينكره أحد، فهو من الوجدانيات التي يخبره عنها أتباعه الوهابية، فهو لا يستحق الوقوف عنده، فلذا نقول له ولأتباعه عليكم بمطالعة كتب الشيعة الحديثية والفقهية، وسوف تعلمون


1) الألباني، أحكام الجنائز: 181.

2) اُنظر: ص 134 من البحث.

حرص الشيعة على الحج وأركانه وأجزائه.

المقصد الثاني: أجوبة الاتهامات الواردة حول الشعائر التي تندرج تحت الأدلة الخاصة

اشارة

فيما يلي نتعرض لأجوبة الاتهامات والإشكالات الواردة على الشعائر الحسينية:

أولاً: الجواب على الإشكالات والاتهامات الواردة حول البكاء والحزن
اشارة

هنالك عدة أجوبة على هذه الاتهامات والإشكالات على البكاء والحزن على الإمام الحسين(علیه السلام)،من هذه الأجوبة:

الجواب الأول: القرآن يجيز الحزن والبكاء على فراق المحبوب

إن الحزن والتألم على فراق المحبوب أمر فطري تسالم عليه العقلاء فضلاً عن المتشرعة، ومن أدنى تأمل في القرآن الكريم والسنة الشريفة يظهر جواز الحزن على فراق المحبوب، لاسيما إذا كان هذا المحبوب ولياً من أولياء الله تعالى.

وقد ذكرت الآيات الكريمة حزن النبي يعقوب(علیه السلام) وبكاءه على ولده النبي يوسف(علیه السلام) مع احتمال رؤيته في يوم ما؛ لأن يوسف حي يرزق، ولكن مكانه خفي على يعقوب(علیه السلام) لحكمة إلهية، وهذا ما أشار إليه السيد محسن الأمين في كتابه إقناع اللائم على إقامة المآتم، فقال: «من أدلة جواز البكاء على الحسين(علیه السلام) مانص عليه القرآن الكريم من بكاء يعقوب لفراق ولده يوسف، وهو حي في دار الدنيا، حتى ذهب بصره، وحتى قيل له: «وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ

وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ» (1).

وروى الطبري في تفسيره عدّة روايات مسندة فيها:أنّ يوسف لمّا سأل جبرئيل ما بلغ من حزن أبيه يعقوب قال: «حزن سبعين مثكلة أو ثكلى، فسأله عن أجره، فقال: أجر سبعين شهيداً أو مائة شهيد...قال: فتراني ألقاه أبداً؟ قال: نعم، فبكى يوسف لما لقي أبوه بعده، ثم قال: ما أبالي ما لقيت، إنّ الله أرانيه»(2).

وروى الطبري في تفسيره أيضاً بسنده عن الحسن - هو الحسن البصري - قال: «كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب إلى يوم رجع ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه، يبكي حتى ذهب بصره. قال الحسن: والله ما على الأرض يومئذ خليقة أكرم على الله من يعقوب صلى الله عليه وسلم»(3).

وفي تفسير الرازي: روي أن يوسف(علیه السلام) سأل جبرئيل: هل لك علم بيعقوب؟ قال: نعم، قال: وكيف حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى - وهي التي لها ولد واحد ثمّ يموت -، قال: فهل له فيه أجر؟ قال: نعم، أجر مائة شهيد - إلى أن قال -: وروي انّ ملك الموت دخل على يعقوب(علیه السلام) فقال له: جئت لتقبضني قبل أن أرى حبيبي؟ فقال: لا، ولكن جئت لأحزن لحزنك، وأشجو لشوجك(4).

وجاء فيه ايضا: «إنّ جبرئيل(علیه السلام) دخل على يوسف حينما كانفي السجن، فقال: إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك، فوضع يده على رأسه وقال: ليت أمّي لم تلدني، ولم أك حزناً على أبي»(5).


1) يوسف: آية84.

2) الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 13/63.

3) المصدر نفسه: ص64.

4) اُنظر: الفخر الرازي، التفسير الكبير: 18/194.

5) المصدر نفسه: 195، 196.

وفي الكشاف: «قيل: ما جفّت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.

وعن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أنه سأل جبرئيل(علیه السلام): ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟ قال: وجد سبعين ثكلى، قال: فما كان له من الأجر؟ قال: أجر مائة شهيد، وما ساء ظنّه بالله ساعة قط»(1).

الجواب الثاني: الروايات العامة الدالة على جواز الحزن والبكاء على فقد المحبوب

سبق ذكر الروايات التي أشارت إلى حزن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) وبكائه على ولده الإمام الحسين(علیه السلام) في الفصل الأول من البحث، فيكتفى به كدليل على مشروعيته، وعدم كونه بدعة كما يزعمون، ولا بأس بذكر أدلة أخرى تدل على مشروعية الشعائر وجوازها، وهي كالآتي:

1.

قالت أُم سلمة: «فَلَمَّا ذَكَرْنَا خَدِيجَةَ بَكَى رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه و آله و سلم)، ثُمَّ قَالَ: خَدِيجَةُ وَأَيْنَ مِثْلُ خَدِيجَةَ صَدَّقَتْنِي حِينَ كَذَّبَنِي النَّاسُوَآزَرَتْنِي عَلَى دِينِ اللهِ وَأَعَانَتْنِي عَلَيْهِ بِمَالِهَا...»(2).

2.

«آخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بينه و بين زيد بن حارثة و هاجر إلى المدينة، وأول لواء عقده رسول اللّه(صلی الله علیه و آله و سلم) حين قدم المدينة لحمزة، و شهد بدراً و أبلى فيها بلاءً عظيماً مشهوراً، و شهد أحداً و قتل بها، و مثّل به المشركون، و بقرت هند بطن حمزة سلام اللّه عليه، فأخرجت كبده، فجعلت تلوكها، فلما شهده النبيّ صلّى اللّه عليه و آله اشتد وجده عليه، و روي أنّه(صلی الله علیه و آله و سلم) وقف عليه، و قد مثّل به، فلم ير منظراً كان أوجع لقلبه منه، فقال: رحمك اللّه أي عم، فلقد كنت وصولاً للرحم،


1) الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: 2/339.

2) الأربلي، كشف الغمة في معرفة الأئمة: 1/360.

فعولاً للخيرات. و روي عن جابر، قال: لما رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حمزة قتيلاً بكى، فلما رأى ما مثّل به شهق»(1).

3- عنْ محْمود بْن لبيد، قال: «انْكسفت الشّمْس يوْم مات إبْراهيم ابْن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال النّاس انْكسفت الشّمْس لموْت إبْراهيم ابْن النّبي(صلی الله علیه و آله و سلم)، فخرج رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) حين سمع ذلك، فحمد الله وأثْنى عليْه، ثمّ قال: أمّا بعْد، أيّها النّاس، إنّ الشّمْس والْقمر آيتان منْ آيات الله لا تنْكسفان لموْت أحد ولا لحياته، فإذا رأيْتمْ ذلك فافْزعوا إلى الْمساجد، ودمعتْ عيْناه، فقالوا يا رسول الله، تبْكي وأنْت رسول الله، فقال: (إنّما أنا بشرٌ تدْمع الْعيْن ويفْجع الْقلْب ولا نقول مايسْخط الرّبّ، يا إبْراهيم إنّا بك لمحْزونون)»(2).

4- جاءت الرواية: «أن أبا طالب لما مات جاء علي(علیه السلام) إلى رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فآذنه بموته، فتوجّع عظيماً وحزن شديداً»(3).

كما أن في حزنه وبكائه على عمه أبي طالب وزوجته السيدة خديجة وبكائه على عمه حمزة وولده إبراهيم وحزنه عليهما الكفاية في جواز الحزن والبكاء على الميت.

الجواب الثالث: الروايات الدالة على جواز البكاء والحزن على الإمام الحسين(علیه السلام)

تقدم ذكر الأحاديث والروايات التي تدل على جواز البكاء والحزن على الإمام الحسين(علیه السلام)، بل على استحباب ذلك.


1) الطبرسي، الاحتجاج على أهل اللجاج: 1/ 136.

2) النوري، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: 2/463، ح2470.

3) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 14/76.

ثانياً: الجواب على الإشكالات والاتهامات الواردة حول لبس السواد
اشارة

اتفق العقلاء على أن اللباس الأسود يمثل الحزن على فقدان المحبوب، ووافقهم على ذلك أهل الدين والشرع، بل جاء في الروايات: أن أهل البيت(علیهم السلام) لبسوا السواد في مصائبهم.

الأدلة العامة على جواز لبس السواد

هناك عدد كبير من الروايات العامة التي دلت على جواز لبس السواد، منها:

أ - لبس الحسنان السواد على أبيهما بعد شهادته، عن الأصبغ بن نباتة، أنه قال: «دخلت مسجد الكوفة - بعد قتل أمير المؤمنين - ورأيت الحسن والحسين(علیهما السلام) لابسي السواد»(1).

ب - قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: «وكان خرج (الحسن بن علي(علیه السلام) ) إليهم - على الناس بعد شهادة أبيه - وعليه ثبات سود»(2).

ج - لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح حزناً على سيد الشهداء(علیه السلام)، كما ورد ذلك في كتاب المحاسن للبرقي، بسنده عن عمر بن علي بن الحسين(علیه السلام)، قال: «لما قتل الحسين بن علي(علیه السلام) لبسن نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكن لا يشتكين من حر ولا برد، وكان علي بن الحسين(علیه السلام) يعمل لهن الطعام للمأتم»(3).

د - روى الصفار في بصائر الدرجات عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن عيسى بن عبد الله وثابت، عن حنظلة، عن أبي عبد الله(علیه السلام)، قال: خطب رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يوماً بعد أن صلى الفجرفي المسجد، وعليه قميصة سوداء، وذكر(علیه السلام) أنه


1) المامقاني، مجمع الدرر في المسائل الاثني عشر.

2) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 16/ 22.

3) البرقي، المحاسن: 2/ 402.

توفي(صلی الله علیه و آله و سلم) في ذلك اليوم. وفي سيرة ابن هشام: «كان على رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) قميصة سوداء حين اشتد به وجعه»(1).

ﻫ - روى الكليني بسنده عن سليمان بن راشد، عن أبيه، قال: «رأيت علي بن الحسين(علیه السلام) وعليه دراعة سوداء وطيلسان أزرق»(2).

و - روى الشيخ في الغيبة بسنده إلى كامل بن إبراهيم: «أنّه دخل على أبي محمد الحسن العسكري(علیه السلام)، فنظر إلى ثياب بياض ناعمة، قال: فقلت في نفسي: ولي الله وحجته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الإخوان وينهانا عن لبس مثله؟ فقال(علیه السلام) متبسماً: يا كامل، وحسر عن ذراعيه، فإذا مسح أسود خشن على جلده، فقال: هذا لله، هذا لكم»(3).

الأدلة الخاصة على جواز لبس السواد على الإمام الحسين(علیه السلام)

توجد روايات عديدة تدل على جواز لبس السواد على الإمام الحسين(علیه السلام)، منها:

أ - ما جرى في الشام على قافلة سيد الشهداء(علیه السلام) بعدما أذن لهم يزيد بالرجوع وطلبوا منه النوح على الحسين(علیه السلام): «فلم تبق هاشمية ولا قرشية إلا ولبست السواد علىالحسين وندبوه»(4).

ب - سكينة بنت الحسين ترى الزهراء(علیها السلام) في المنام وهي تندب الحسين وعليها ثياب سود. يذكر ذلك المحقق النوري في المستدرك حيث تقول سكينة(علیها السلام):


1) الصفار، بصائر الدرجات: 304-305.

2) الكليني، الكافي: 6/ 449.

3) العاملي، وسائل الشيعة: 3/ 351.

4) المصدر نفسه: 327.

«... فإذا بخمس نسوة قد عظم الله خلقتهن، وزاد في نورهن وبينهن امرأة عظيمة الخلقة ناشرة شعرها، وعليها ثياب سود، وبيدها قميص مضمخ بالدم إلى أن ذكرت أنها كانت فاطمة الزهراء(علیها السلام)»(1).

ج - في مقتل أبي مخنف: «عندما أخبر نعمان بن بشير بقتل الحسين(علیه السلام)، فلم يبق في المدينة مخدرة إلا وبرزت من خدرها، ولبسوا السواد، وصاروا يدعون بالويل والثبور»(2).

وأمّا الروايات الواردة في باب لباس المصلي، فهي تشير إلى أن لباس السواد هو لباس الأعداء، ولباس أهل النار، ولباس بني العباس، ولذا نجد أنّ فتوى كثير من العلماء تذهب إلى كراهة لبس السواد خصوصاً في الصلاة(3).

ولكن لا شك أن لبس السواد على الإمام الحسين(علیه السلام) هو من شعائر من أراد إظهار الحزن عليه، فهو غيرمشمول بالكراهية الواردة هناك.

ثالثاً: الجواب على الإشكالات والاتهامات الواردة حول المشي لزيارة الحسين(علیه السلام)

لقد ذكر العلماء والباحثون الأدلة الكافية على جواز العمل بهذه الشعيرة، وأفردوا لذلك المؤلفات التي تشير إلى ذلك(4).


1) المصدر نفسه: 328.

2) أبو مخنف، مقتل أبي مخنف: 222.

3) اُنظر: السند، الشعائر الحسينية: 382.

4) اُنظر: الاصطهباني، نور العين في المشي إلى زيارة الحسين(علیه السلام). واُنظر: الساعدي، المشي لزيارة الإمام الحسين(علیه السلام) وباقي الأئمة(علیهم السلام)، مقال منشور في مجلة الإصلاح الحسيني العدد الثالث، 2013م.

وقد ذكرت الكثير من الروايات الدالة على جواز هذه الشعيرة، وسنشير هنا إلى بعض منها:

أ - عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة، قال: قال أبو عبد الله(علیه السلام): «من خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين بن علي(علیه السلام) إن كان ماشياً كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحى عنه سيئة، حتى إذا صار في الحائر كتبه الله من المفلحين المنجحين، حتى إذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين، حتى إذا أراد الانصراف أتاه ملك فقال: إنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يقرؤك السلام ويقول لك: استأنف العمل فقد غفر لك ما مضى»(1).

ب - عن جابر المكفوف، عن أبي الصامت، قال: سمعت أبا عبد الله(علیه السلام) وهو يقول: «من أتى قبر الحسين(علیه السلام) ماشياً كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة، ومحا عنه ألف سيئة، ورفع له ألفدرجة، فإذا أتيت الفرات فاغتسل وعلق نعليك وامش حافياً، وامش مشي العبد الذليل، فإذا أتيت باب الحائر فكبر أربعاً، ثم امش قليلاً، ثم كبر أربعاً، ثم ائت رأسه فقف عليه، فكبر أربعاً وصل عنده، واسأل الله حاجتك»(2).

رابعاً: الجواب على الإشكالات الواردة على لعن قاتل الحسين(علیه السلام)
اشارة

وردت كلمة اللعن ومشتقاتها في كثرة من الآيات الكريمة، وهي تشير إلى لعنة الله تعالى، ولعنة الملائكة ولعنة الناس، ولعنة اللاعنين، بالإضافة إلى ما ورد من متفرقات أخرى لهذه الكلمة، فبلغ عدد الآيات التي ذكرت ذلك ستاً وثلاثين آية، ووردت في السنة الشريفة أكثر من أربعمائة حديث عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم).

1- اللعن في اللغة

قال الجوهري: «اللعن: الطرد والإبعاد من الخير»(3).


1) ابن قولويه القمي، كامل الزيارات: 139.

2) المصدر نفسه: 140.

3) الجوهري، الصحاح: 6/ 2196.

وقال ابن منظور: «(اللعن) الإبعاد والطرد من الخير»(1).

2- اللعن في الاصطلاح
اشارة

قال ابن الأثير: «وأصل اللعن، الطرد والإبعاد من الله، ومنالخلق السب والدعاء»(2).

قال الطبري في تفسيره: «واللعنة والفعلة، من لعنه الله بمعنى أقصاه وأبعده وأسحقه. وأصل اللعن الطرد، فمعنى الآية من قوله تعالى: « ...يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» إذاً: (أولئك يبعدهم الله منه ومن رحمته ويسأل ربهم اللاعنون أن يلعنهم؛ لأنّ لعنة بني آدم وسائر خلق الله ما لعنوا أن يقولوا (اللهم العنه) إذ كان معنى اللعن هو ما وصفنا من الإقصاء والإبعاد)»(3).

وحيث إنّنا لا نريد أن نتوسع في إثبات صحة لعن يزيد وجيشه وأصحابه، بل وصحة لعن من أعانه على جريمته ومن أسس لها، نكتفي بما يأتي:

أ - النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل البيت يلعنون قاتل الحسين(علیه السلام)

قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث طويل في ذيل الآية: «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ»: «...أَلَا وَلَعَنَ اللهُ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ وَمُحِبِّيهِمْ وَنَاصِرِيهِمْ، وَالسَّاكِتِينَ عَنْ لَعْنِهِم...»(4).

وعن داود الرقي، قال: «كنت عند أبي عبد الله(علیه السلام) إذا استسقى الماء، فلما


1) ابن منظور، لسان العرب: 13/ 387.

2) ابن الاثير، النهاية في غريب الحديث والاثر: 4/ 255..

3) الطبري، تفسير الطبري: 2/ 58.

4) التفسير المنسوب للإمام العسكري(علیه السلام): 370، ح258.

شربه رأيته قد استعبر واغرورقت عيناه بدموعه، ثم قال لي: يا داود، لعن الله قاتل الحسين(علیه السلام)، وما من عبد شرب الماء فذكرالحسين(علیه السلام) وأهل بيته، ولعن قاتله، إلا كتب الله عز وجل له مائة ألف حسنة، وحط عنه مائة ألف سيئة، ورفع له مائة ألف درجة، وكأنما أعتق مائة ألف نسمة، وحشره الله عز وجل يوم القيامة ثلج الفؤاد»(1).

قال الحاكم: «عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن موهب، قال: سمعت علي بن الحسين، يحدث عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): ستة لعنتهم ولعنهم الله وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت ليذل من أعز الله ويعز من أذل الله، والتارك لسنتي، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والمستحل لحرم الله»(2).

ب - رأي علماء الجمهور في لعن بعض الأفراد ومنهم يزيد:

1- قال ابن حجر في الصواعق المحرقة: «الخوارج لعنهم الله»(3).

2- قال أبو حنيفة: «لعن الله عمرو بن عبيد، هو فتح على الناس الكلام»(4).

3- صرح جماعة من علماء السنة بجواز لعن يزيد بن معاوية، منهم:

أ - عبد الرحمن بن الجوزي (ت 597ﻫ)، وألّف بذلك كتاباًصرح فيه بجواز لعن يزيد وكفره، أسماه «الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد».

ب - القاضي أبو يعلى الموصلي.

ج - التفتزاني.


1) الكليني، الكافي: 6/ 391.

2) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين: 3/ 128، ح3991.

3) ابن حجر العسقلاني، الصواعق المحرقة: 186.

4) أبو العز، صرح العقيدة الطحاوية: 524.

د - جلال الدين السيوطي.

ﻫ - العلامة أبو الفضل شهاب الدين الآلوسي البغدادي(1).

وصرح الذهبي بحق الحجاج قائلاً: «وكان ظلوماً، جباراً، ناصبياً، خبيثاً، سفاكاً للدماء... فنسبه ولا نحبه، بل نبغضه في الله، فإنّ ذلك من أوثق عرى الإيمان»(2).

وجاء في إجابة ابن تيمية للمغولي بولاي: «ما تقولون في يزيد؟ فقلت: لا نسبه ولا نحبه فإنه لم يكن رجلاً صالحاً فنحبه ونحن لا نسب أحداً من المسلمين بعينه، فقال: أفلا تلعنونه؟ أما كان ظالماً أما قتل الحسين؟ فقلت له: نحن إذا ذكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله نقول كما قال الله في القرآن «أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» ولا نحب أن نلعن أحداً بعينه، وقد لعنه قوم من العلماء، وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد، لكن ذلك القول أحب إلينا وأحسن، وأما من قتل الحسين أو أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً»(3).وقال الفخر الرازي: «إنّ لعن من يستحق اللعن من القول الحسن، والله أعلم»(4).

ج - النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) يلعن من يتعدى على حرمة المدينة المنورة

قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن


1) الآلوسي، روح المعاني: 12/ 227-229.

2) الذهبي، سير أعلام النبلاء: 4/ 343.

3) ابن تيمية، مجموع الفتاوى: 2/ 253.

4) الفخر الرازي، التفسير الكبير: 2/ تفسير سورة البقرة، آية 89.

زائدة، عن سليمان، عن أبي هريرة، عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: «المدينة حرم فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين...»(1).

وروى ابن أبي شيبة: عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): «من أخاف أهل المدينة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين...»(2).

3- الذين يستحقون اللعن

هناك فئات كثيرة ذكرتها الآيات الكريمة والروايات الشريفة تستحق اللعن، نذكر منها:

أ - الكافرون.

ب - الكاذبون.

ج - القاتل بالعمد.

د - الذين يؤذون النبي(صلی الله علیه و آله و سلم).ﻫ - الظالمون.

و- المنافقون والمنافقات.

ز- الذين يكتمون الحق.

4- اللاعنون

واللاعنون هم الذين يطلقون اللعنة على غيرهم، وهم:

أ - الله تبارك وتعالى.

ب - الملائكة.


1) النيسابوري، صحيح مسلم، 493، ح3348.

2) ابن شيبة، المصنف: باب57، 6/ 409.

ج - الناس.

وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (1).

بعد هذه المقدمة يحق لنا أن نقول: إنّ ما قام به يزيد وولاته وجيشه من قتل الإمام الحسين(علیه السلام) تتجسد فيه جميع الصفات التي استحق أصحابها عليها اللعن:

1- إن قول يزيد المشهور:

لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل

يدل على كفره الصريح، فيكون مصداقاً لقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».

2- إنّ يزيد وأصحابه من الكاذبين؛ وذلك بادعائهم حبّ النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) مع التجاوز على ذريته بالقتل والسبيوغيرها من الأفعال الشنيعة التي تناقض المدعى، فيكونوا مصداقاً لقوله تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ» (2).

3- إنّ يزيد وأصحابه من المنافقين؛ لأنّهم أضمروا بغض النبي وعترته أهل بيته(علیهم السلام)، وأظهروا الإيمان به وحبّه، فصاروا مصادقاً لقوله تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ»(3).


1) البقرة: آية161.

2) آل عمران: آية61.

3) التوبة: آية68.

4- إنّ يزيد وأصحابه ممن آذى رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في ذريته؛ وذلك بقتلهم الإمام الحسين(علیه السلام) وأصحابه، فأصبحوا مصداقاً لقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا» (1).

5- إنّ يزيد وأصحابه ممن قاموا بالقتل العمد للمؤمنين؛ وقد تحقق ذلك في كربلاء، وفي المدينة المنورة، ومكة المكرمة - كما ورد ذلك في كتب التاريخ - فكانوا مصداقاً لقوله تعالى: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا» (2).

6- إنّ يزيد وأصحابه ظالمون للإمام الحسين(علیه السلام) وأصحابه، بل ظالمون لكثير من المسلمين؛ وهذا عند تجاوزهم حدود الله تعالى باعتدائهم على سيد شباب أهل الجنة ظلماً وعدواناً، وباعتدائهم على المسلمين في مدينة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في واقعة الحرة، فصاروا مصداقاً لقوله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» (3).

7- إنّ يزيد وأصحابه كتموا الحق، بل خالفوه؛ وذلك بنهجهم المنحرف عن الإسلام واتهامهم بأنّ الذين قتلوا في كربلاء من الخارجين، وهذا ما أعانهم عليه فقهاء السوء، فجعلوا الإمام الحق الحسين(علیه السلام) خارجياً، ويزيد بن معاوية هو إمام المسلمين، فصاروا هم وفقهاؤهم مصداقاً لقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ»(4).


1) الأحزاب: آية57.

2) النساء: آية93.

3) هود: آية18.

4) البقرة: آية159.

المقصد الثالث: أجوبة الاتهامات الواردة حول الشعائر التي تندرج تحت الأدلة العامة

اشارة

فيما يلي عدد من الأجوبة على الاتهامات على الشعائر الحسينية التي تندرج تحت الأدلة العامة، منها:

أولاً: الجواب على الإشكالات والاتهامات الواردة حول لدم الصدور (اللطم) وندب الميت
اشارة

إنّ اللطم من الأعمال التي تندرج تحت روايات استحباب الجزع والحزن، والتعبير عن ذلك يختلف باختلاف الأعراف والعادات.

وقد أثيرت شبهات حول مشروعية اللطم، كونه بدعة وفيه ضررٌ على النفس وإيذاء لها، أو هو مما يلحق التوهين والسخرية بالمذهب.وأجيب عن ذلك بما يلي:

1- إنّ البدعة إدخال ما ليس من الدين في الدين، أو نفي أو إنكار أو جحود ما ثبت بالأدلة الصحيحة، ومن الواضح أن اللطم ليس مصداقاً لأيّ من المعنيين المذكورين(1).

2- ليس في اللطم ضرر معتد به عند الناس، قال الشيخ كاشف الغطاء، في (المواكب الحسينية): «قد بلغنا من العمر ما يناهز الستين، وفي كل سنة تقام نصب أعيننا... وما رأينا شخصاً مات أو تضرر، ولا سمعنا به في الغابرين»(2).

وقال السيد الخوئي(رحمة الله): «اللطم، وإن كان من الشديد، حزناً على الحسين(علیه السلام) من الشعائر المستحبة؛ لدخوله تحت عنوان الجزع الذي دلت النصوص المعتبرة على رجحانه، ولو أدى بعض الأحيان إلى الإدماء واسوداد الصدر، ولا دليل على حرمة كل إضرار بالجسد، ما لم يصل إلى حد الجناية على النفس، بحيث يعد ظلماً لها، كما


1) اُنظر: العبادي، أجوبة الشبهات حو الشعائر الحسينية: 89-90.

2) النراقي، مستند الشيعة: 15/ 17.

أنّ كون طريقة العزاء حضارية أو لا، ليس مناطاً للحرمة والإباحة، ولا قيمة له في مقام الاستدلال»((1).

لو فرضنا أنّ في اللطم ضرراً على النفس، لكن حرمة ذلك مختص بمن يعتقد أنّ قيامه بهذا العمل يلحق ضرراً على نفسه، فيكون اللطم حراماً على ذلك الشخص فقط؛وذلك لأنّ المرفوع بقاعدة الضرر في العبادات هوا لضرر الشخصي، لا النوعي الغالبي، كما هو واضح لمن تتبع كلمات الفقهاء في الموارد المتفرقة(2).

إننا نستغرب من الذين يذهبون إلى حرمة اللطم حزناً وجزعاً على الحسين(علیه السلام) بذريعة إيذاء النفس، في الوقت الذي يجيزون ممارسة الرياضات العنيفة، مثل المصارعة والجودة والكراتيه والكونكفو، وسباق الخيل والدراجات البخارية والسيارات والزوارق السريعة، والتزلج في المناطق الخطرة مع القفز من الارتفاعات العالية، إلى غير ذلك من فنون رياضات هذا العصر وغيرها، مع ما تسببه من الآلام الشديدة والجراحات والرضوض والكسور غير البالغة(3).

3- إن كثيراً من العلماء والمراجع، من السلف إلى المعاصرين، أقروا وأمضوا هذه الشعائر، بما فيها اللطم، وحكموا بجوازها واستحبابها، كالشيخ الحر العاملي، والشيخ مرتضى الأنصاري، والشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، والشيخ جعفر الشوشتري، والحاج ملا علي الكني، والشيخ فضل الله النوري، والآخوند كاظم الخراساني، والميرزا النائيني، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، والشيخ عبد الكريم


1) التبريزي، صراط النجاة: 3/ 443.

2) مجموعة من العلماء، الشعائر الحسينية: ص80.

3) اُنظر: العبادي، أجوبة الشبهات حول الشعائر الحسينية: 95-100.

الحائري اليزدي، وآخرين(1).

ونذكر نموذجاً لذلك وهو مقطع من فتوى الميرزا النائيني في جواز اللطم، حيث قال: «...لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوى جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور، إلى الحد المذكور، بل وإن تأدّى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى»(2).

4- لا يخفى أن منشأ الهتك والستر الذي يُدّعى أنه يلزم من إقامة الشعائر الحسينية، المتضمنة للطم، هو استهزاء الآخرين - سواء كانوا من المذاهب الأخرى أو من قبل الملل الأخرى أو من أبناء نفس المذهب - بهذه الشعائر(3).

ولكي يتضح الأمر جليّاً نقول:

اللدم هو اللطم، وهذا ما أشار إليه صاحب كتاب المعجم فقال «لدم الشيء لدماء: ضربه - وفلاناً - لطمه أو ضربهبشيء.. ويقال لدمت المرأة صدرها ووجهها.. »(4).

ولطم الصدور في المأتم الحسيني إظهاراً للحزن والجزع أكثر من مجرد البكاء، ودلت عليه الأدلة من الفريقين، وهذا مما يخرجه عن كونه بدعة؛ لما عرفنا من معنى البدعة، ولكي يتضح المطلب نذكر بعضاً من هذه الأدلة.


1) فتاوى علماء الدين حول الشعائر الحسينية: 21-24.

2) المصدر نفسه.

3) اُنظر: العبادي، أجوبة الشبهات حول الشعائر الحسينية: 101-105.

4) إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط: 821.

الأوّل: أدلة الجمهور

أ - عن زيد بن أبي عتاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: «توفي رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، بين سحري ونحري وفي دولتي، ولم أظلم فيه أحداً، فعجبت من حداثة سني أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبض في حجري فلم أتركه على حاله حتى يغسل، ولكن تناولت وسادة فوضعتها تحت رأسه ثم، قمت مع النساء أصيح وألتدم، وقد وضعت رأسه على الوسادة وأخرته عن حجري»((1).

ب: عن يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير، عن أبيه عبّاد، قال: سمعت عائشة تقول: مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه - وآله - وسلّم بين سحري ونحري وفي دولتي، لم أظلم فيه أحدا، فمن سفهي وحداثة سنّي أنّ رسول اللّه قبض وهو في حجري، ثمّ وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النّساء وأضرب وجهي»(2).

ج - عن أنس بن مالك، قال: «قالت فاطمة لما قبض رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): يا أبتاه من ربه أدناه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه» لم يروه عن ابن جريج إلا أبو قرة(3).

الثاني: أدلة مدرسة أهل البيت(علیهم السلام)

أ - روى الشيخ الطوسي في التهذيب عن الإمام الصادق(علیه السلام) أنّ عموم الفاطميات شققن جيوبهنّ، ولطمن خدودهن على الإمام الحسين(علیه السلام)، قال: «وَقَدْ شَقَقْنَ الْجُيُوبَ وَلَطَمْنَ الْخُدُودَ الْفَاطِمِيَّاتُ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(علیه السلام) وَعَلَى مِثْلِهِ تُلْطَمُ


1) ابن سعد، الطبقات الكبرى: 2/ 262.

2) ابن حنبل، مسند أحمد: 43/ 368.

3) الطبراني، المعجم الصغير: 2/ 112.

الْخُدُودُ وَتُشَقُ الْجُيُوبُ»(1).

ب - روي عن الإمام علي بن الحسين(علیهما السلام) أنّ زينب(علیها السلام) لمّا سمعت الحسين(علیه السلام) ينشد:

يا دهر أفٍ لك من خليل *** كم لك بالإشراق والأصيل

لطمت وجهها، وهوت على جيبها وشقّته، وخرّت مغشية عليها»(2).

ج - قال الإمام الرضا(علیه السلام) من حديث طويلٍ له: «...يا ابن شبيب إن سرّك أن تكون معنا في الدّرجات العلى من الجنان فاحزن لحزننا وافرح لفرحنا وعليك بولايتنا، فلو أنّ رجلا أحبّ حجرا لحشرهاللّه عزّ وجلّ معه يوم القيامة»(3).

ويعدّ اللطم تعبيراً عن الحزن على مصاب الإمام الحسين(علیه السلام).

ثانياً: الجواب على الإشكالات الواردة حول الإنفاق على زائري قبور المعصومين(علیهم السلام)

عند تأمل الروايات التي ذكرت استحباب أفعال البر والخير يظهر للمتأمل جواز الإنفاق من أجل الميت على محبيه أو على أصدقائه وكل من له علاقة بالميت، وما ورد في الصحيحين يظهر منه ذلك، فقد ورد عن عائشة أنها قالت: «ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه - وآله - وسلم ما غرت على خديجة، هلكت قبل أن يتزوجني، لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدى في خلائلها منها ما يسعهنّ»(4).

وعن عائشة قالت: «ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه - وآله - وسلم إلّا


1) الطوسي، تهذيب الأحكام: 8/ 325، ح1207.

2) المجلسي، بحار الأنوار: 45/ 2.

3) الصدوق، عيون أخبار الرضا(علیه السلام): 1/ 268، ح58.

4) البخاري، صحيح البخاري: 5/ 121.

على خديجة، وإني لم أدركها، وكان رسول الله صلى الله عليه - وآله - وسلم إذا ذبح الشاة فيقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة، قالت: فأغضبته يوماً فقلت: خديجة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه - وآله - وسلم: إني قد رزقت حبها»(1).وإذا نظرنا إلى أن الإنفاق بعنوان صدقة يصل ثوابها إلى الميت، يكون الإنفاق من طعام أو شراب على محبي الإمام الحسين(علیه السلام) وزواره الفقراء جائز، بل مستحب وليس ببدعة، وهذا ما أشار إليه مسلم في صحيحه فقال: «حدثنا محمد بن بشر، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه - وآله - وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي افتلتت بها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم»(2).

بل هنالك بعض الأدلة الخاصة التي تدل على استحباب الإطعام في مأتم الإمام الحسين(علیه السلام)، فقد ورد في المحاسن عن الحسن بن طريف بن ناصح، عن أبيه، عن الحسين بن زيد، عن عمر بن علي بن الحسين، قال: «لما قتل الحسين بن علي(علیه السلام) لبسن نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكن لا يشتكين من حرّ ولا برد، وكان علي ابن الحسين(علیه السلام) يعمل لهن الطعام للمأتم»(3).

ثالثاً: الجواب على الإشكالات الواردة حول الإنفاق على التشابيه في المراسم الحسينية

التشبيه: التمثيل((4). أشبه الشيء الشيء: ماثله، شبّه الشيء بالشيء مثله.

تعددت طرق توصيل المعلومة في الوقت الحاضر، ولم تقتصر على الكلام أو


1) النيسابوري، صحيح مسلم: 8/ 53، باب فضائل خديجة، ح6228-75.

2) المصدر نفسه: 4/ 328.

3) المصدر نفسه: 353.

4) إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط: 471.

الكتابة، بل تجاوزت ذلك إلى الأفعال المحسوسة، فكان التجسيم والمرسم والتصوير الفتوغرافي والتصوير السينمائي كفيلاً بإيصال ما يراد إيصاله إلى المتلقي، فلو أردنا أن ننقل مقطعاً تاريخياً ذكره القرآن الكريم عن الأنبياء وأممهم إلى من لا يستطيع القراءة ولا يستطيع الاستماع، فليس لدينا إلا ما يمكن رؤيته بالعين وإدراكه بعد ذلك، وخير ما يؤدي هذا الدور هي الصورة السينمائية، ولكن لابد لهذه الصورة أن تكون ممثلة إما بأشخاص كارتونية فتكون فلماً كارتونياً أو بأشخاص حقيقيين فتكون صورة سينمائية، وهذا ما يقتضيه التطور والتقدم التكنلوجي.

فبعد هذه المقدمة نستطيع القول إنّ تمثيل أي قصة تاريخية أمر فني وعلمي؛ لما في ذلك من فائدة في توصيل هذه القصة، كما أن علماء التربية وعلماء النفسأكدوا أن الصورة الممثلة لها وقع في النفس، وتأثير في القلب لا ترتقي إليه الكلمة المجردة أو المكتوبة، ولذا نجد القرآن الكريم عندما يخبر عن نبي من الأنبياء(علیهم السلام) وعن أمته يترك للقارئ أو السامع تخيّل هذه القصة وتصورها في الذهن، فتخرج الصور الذهنية مختلفة بحسب اختلاف إدراك وفهم القراء لما قرأوه أو سمعوه، ولكن لو كانت الصورة خارجية لكانت أكثر تأثيراً في نفوس الناس، ولذا نجد أن القرآن الكريم أكد هذا المعنى عندما أشار إلى قصة قتل عيسى(علیه السلام)، فإنها تمت بطريقة التشبيه حيث إنّ الله تعالى جعل لعيسى(علیه السلام) شبيهاً يشبه عيسى(علیه السلام) إلى درجة اقتناع الأعداء بأنه هو، فأوقعوا عليه القتل وصلبوه، وهذا ما ذكره القمي في تفسيره عن أبي جعفر(علیه السلام) (1). وكما أن القرآن الكريم ذكر تمثّل الملك لمريم(علیها السلام) بشراً سوياً


1) القمي، تفسير القمي: 1/ 111. الحويزي، تفسير نور الثقلين: 2/ 169.

لإيصال ما أُرسل به، كما في قوله تعالى: «... فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا»(1). وذكرت كتب التاريخ أن الوحي عندما كان ينزل على رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يتمثل بدحيّ الكلبي أحياناً.

وبناء على ما تقدم فالتشبيه والتمثيل لا يكون بحسب الباطن والجوهر وإنما بحسب الظاهر والصورة،فإن قام جمع من محبي الإمام الحسين(علیه السلام) بتمثيل الواقعة وتوصيلها إلى أذهان الناس فهو من باب ترجمة الكلمة أو القصة إلى صورة محسوسة؛ لتقع وتؤثر في نفوس الناس، وتوضح بشاعة الجريمة التي وقعت على الإمام الحسين(علیه السلام)، فتغرس في النفوس رفض الظلم، وموالاة الحق، وهذا لعمرك ما جاء به الدين الإسلامي الحنيف وجميع الأديان السماوية التي سبقته، فلا بدعة في البين، بل هو إحياء لأمر أهل البيت(علیهم السلام) الذي حث عليه المعصومون(علیهم السلام). وهي مما يندرج تحت عموم «أحيوا أمرنا»، وأيضاً تحت عموم روايات الجزع والحزن على الإمام الحسين(علیه السلام).

وأمّا ما يقوم به المحبون من أعمال يعدّونها شعائر حسينية فهي مما يرجع فيها إلى العلماء الأعلام كونها من الأمور الفقهية التي تحتاج إلى رأي أهل الاختصاص في ذلك.

أما ما يقع في جواب الإشكال السابع - وهو لزوم الضرر من بعض الطقوس، خصوصاً بعض الشعائر الحسينية أو غيرها، ويجب شرعاً دفع الضرر بكل درجاته ومراتبه وأشكاله - فإنّنا نقول نحن لا نلتزم بقولهم: «يجب شرعاً دفع الضرر بكل درجاته ومراتبه وأشكاله» لما يلي:

1- إنّ بعض الطقوس ليس فيها ضرر معتد به عند الناس، لاسيما إذا لاحظنا


1) مريم: آية17.

بعض العبادات التي لا تخلو من مشقة وتعب دون أن يصل ذلك إلى درجة الضرر المحرم.

2- ليس كل ضرر يوجب الحرمة، وهذا ما أشار إليه العلماء بقولهم:

أ - قال المحقق النراقي: «الضابط في التحريم: ما يحصل به الضرر، والضرر الموجب للتحريم يعم الهلاك وفساد المزاج والعقل والقوة وحصول المرض أو الضرر في عضو»(1).

ب - قول المحقق الخوئي: «ولا دليل على حرمة كل إضرار بالجسد، ما لم يصل إلى حد الجناية على النفس، بحيث يعد ظلماً لها...»(2).

3- الضرر الشخصي دون النوعي هو ما يلاحظ عند إقامة الشعائر، فإذا كان الضرر يقع على شخص ما دون غيره يحرم عليه ذلك دون أن يعمّ ذلك على الجميع.

4- عند تأمل سيرة أهل البيت(علیهم السلام) نلاحظ وقوعهم في الأذى نتيجة قيامهم ببعض العبادات كتورم قدمي رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) والسيدة الزهراء(علیها السلام) وقطع اللحم الميت عن الإمام السجاد(علیه السلام) وتورم أقدام الإمامين الحسنين(علیهما السلام) عند سيرهم مشياً إلى بيت الله الحرام، فهذا وغيره ينفي وجوب دفع الضرر بكل درجاته ومراتبه.

5.لقد حثّ أهل البيت(علیهم السلام) على زيارة الإمام الحسين(علیه السلام) مع الخوف واحتمال وقوع الضرر.

6. إنّ الضرر الذي يقع على إنسان يريد تحقيق الأهداف السامية أو الدفاع عن المبادئ والقيم العالية لا يعدّ حراماً، بل هو واجب أحياناً أو مستحب أحياناً أخرى.

1) النراقي، مستند الشيعة: 15/ 17.

2) التبريزي، صراط النجاة: 3/ 443.

الجواب على النماذج والإشكالات الأخرى الواردة على الشعائر الحسينية

تقدم في المبحث السابق عدد من الإشكالات على الشعائر الحسينية من قبيل أن كل شعيرة ورسم وطقس يتخذ، ينبغي أن يكون جعله واتخاذه من الشارع نفسه، وإلّا فهو بدعة وضلال. وأن الشارع المقدس لو فوّض أمر الشعائر والطقوس وأوكلها إلى العرف والمتشرعة، لنتج من ذلك أنهم سيتحولون إلى مشرّعين، حيث فوّض أمر التشريع إليهم، وهذا التفويض غير صحيح وهو ممتنع، بل ينتج من ذلك تحليل الحرام، وتحريم الحلال.

مضافاً إلى لزوم العبث بثوابت الشريعة الناتج من قبل العرف والمتشرعة بسبب اختلاف الظروف الزمنية والبيئية.

بل لا وجه في تخصيص صلاحية المتشرعة باتخاذ الشعائر والرسوم والطقوس الدينية في أبواب خاصة، وعدم تسويغ ذلك في أبواب أخرى.

وكذلك لزوم الهتك والإساءة لمباني الإسلام وأركان الشريعة ومعاني الدين والمذهب العالية الشامخة؛فضلاً عن لزوم الضرر من بعض الطقوس، خصوصاً بعض الشعائر الحسينية أو غيرها، ويجب شرعاً دفع الضرر بكل درجاته ومراتبه وأشكاله، كما تقدم بالتفصيل.

والجواب

عند التأمل في هذه الإشكالات الواردة يظهر لنا ما يلي:

أ - إنّ منشأ الإشكالات هو التوهم بأنّ العرف ليس له مدخلية في التشريع.

ب - إنّ أهل العرف سيتحوّلون إلى مشرعة بدلاً عن الشارع المقدس.

ج - لو صارت التشريعات بيد العرف لحلّت الفوضى في الشريعة.

ولذا أقول: إنّ هذه الإشكالات صدرت عن أصحابها لوقوعهم في توهّم واضح ألا وهو أنّ العرف سيحلّ بدلاً عن الشارع في تشريع بعض الأمور،

وسيحلل ويحرّم دون الرجوع إلى الشارع، وهذا التوهم مردود بما يلي:

1- أوكل الشرع إلى العرف(1)تشخيص بعضالمفاهيم كلفظ (الإناء والصعيد والقرء) وغيرها، فلذا صار للعرف مدخلية في تشخيص المواضيع العرفية، وبيان مصاديق المفهوم العام كما في قوله تعالى: «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا» وترك تشخيص مصاديق البيع للعرف، أو قوله(صلی الله علیه و آله و سلم) بحرمة (الغناء) وترك تشخيص مصاديق الغناء للعرف.

2- إنّ العرف لا يتصرف في حكم الشعيرة وإنّما في بيان مصداقها، أي: تشخيص ما اتخذه المسلمون شعيرة وصارت في عرفهم علامة تدل على معنى من المعاني الإسلامية.

3- كلّ ما صار في عرف المسلمين شعيرة فهو يدخل تحت عموم قوله تعالى: «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ».

فينتج من ذلك أنّ الشعائر الحسينية هي مما صارت في عرف المسلمين شعائر يجوز العمل بها، فضلاً عن استحباب ذلك.


1) العرف هو: ما تعارفه الناس وساروا عليه، من قول أو فعل أو ترك. (عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه:99)، نقلاً عن (الشيخ علي العبادي، أجوبة الشبهات حول الشعائر الحسينية: 32). وقال الشيخ كاشف الغطاء: «العرف هو ما تعارف بين الناس، فعله أو قوله، وهو المسمى بالعادة العامة، ويسمى بالسيرة، مع عدم ردع الشارع عنه».

الخاتمة

لكل بحث خاتمة يشير الباحث من خلالها إلى ما توصّل إليه من نتائج، وهي كما يلي:

1- كان البحث محاولة لمعالجة مشكلات حصلت في الوسط الإسلامي حول الشعائر الحسينية.

2- إنّ هناك شعائراً تقوم بها الأديان الأخرى كما يقوم المسلمون بأداء شعائرهم، مما يدل على أنّ تعظيم الشعائر أمر مستحب، فضلاً عن جوازه.

3- إنّ تاريخ إقامة الشعائر الحسينية يمتد وجوده الى التشريع الأول في زمن آدم(علیه السلام).

4- إنّ إقامة الشعائر الحسينية من قبل المعصومين كالأنبياء والأئمة(علیهم السلام) يدل على استحباب إقامتها، فضلاً عن جوازها.

5- إنّ هناك رابطة بين المعنى اللغوي للشعائر والمعنى المقصود من الشعائر الحسينية.

6- أجمع العلماء وأهل الاختصاص على جواز بل استحباب إقامة الشعائر الحسينية وإن اختلف الكلام في بعضها.

7- إنّ العرف له مدخلية في تشخيص مصاديقالشعائر الحسينية دون بيان الحكم لذلك إذ أنّ بيان الحكم من شأن الشارع المقدس.

8- إنّ منشأ الاتهام الموجه ضد الشعائر الحسينية هو إما الجهل أو التعصّب الأعمى أو النصب لأهل البيت(علیهم السلام).

9- إنّ الشعائر الحسينية هي من شعائر الله تعالى؛ فإنّ تعظيمها هو تعظيم لشعائر الله تعالى.

10- إنّ هذا البحث هو مشاركة في رد الاتهام مع ما سبقه من بحوث، ومع ما سيلحقه من بحوث.

التوصيات

يوصي الباحث بعض التوصيات للنهوض بالحقل العلمي الخاص بالنهضة الحسينية، وهو ما يأتي:

•

من الجدير بالاهتمام حثّ الدارسين والباحثين على اختيار الكتابة في النهضة الحسينية، وتناولها بشيء من التفصيل، ويكون ذلك على مستوى الدراسات العليا، الماجستير والدكتوراه.

•

يجدر بالكليات الإنسانية الكتابة في الدراسات العليا عن النهضة الحسينية بحقولها المختلفة، كالكتابة عن النهضة الحسينية من الناحية النفسية، أو العسكرية أو الاجتماعية، أو الأخلاقية أو العقائدية وغير ذلك.

•

يجدر بمؤسسات الترجمة أن تعمد إلى ترجمة ما يدور حول النهضة الحسينية إلى لغات متعددة لاسيما اللغات غير المشهورة، وإيصال ما تم ترجمته إلى أهل تلك اللغات.

•

أن تعتمد جامعة المصطفى أو غيرها البحوث فيالنهضة الحسينية للترقية والترفيع في الدرجات العلمية، كما هو معمول به في غيرها.

المصادر والمراجع

• القرآن الكريم، كتاب الله المجيد.

1.أجوبة الشبهات حول الشعائر الحسينية، الشيخ علي العبادي، مطبعة قم، قم المقدسة - إيران.

2.أجوبة المسائل المهنائية، الحسن بن يوسف بن علي المطّهر (العلامة الحلّي)، مطبعة الخيّام، 1401ﻫ، قم المقدسة - إيران.

3.الاحتجاج على أهل اللجاج، الطبرسي، أحمد بن علي، المكتبة الحيدرية، الشريف الرضي، 1425ﻫ، قم المقدسة - إيران.

4.الاحتجاج، الطبرسي، أحمد بن علي، المكتبة الحيدرية، الشريف الرضي، 1425ﻫ قم المقدسة - إيران.

5.إحقاق الحق وإزهاق الباطل، الشوشتري، نور الله بن شريف الدين، كتاب بفروشي إسلامي، 1408ﻫ، طهران - إيران.

6.أحكام الجنائز وبدعها، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، 1412ﻫ - 1992م، الطبعة الأولى، بيروت - لبنان.

7.أحكام القرآن، الجصاص، أحمد بن علي، دار الفكر، بيروت - لبنان.

8.أحيوا أمرنا، جعفر مرتضى العاملي، طبع ونشر: المركز الإسلامي للدراسات، الطبعة الثانية، 1430ﻫ، بيروت - لبنان.

9.الاستدلال الفقهي دراسة تحليلة للعقل الإسلامي وميلاد عناصر علم أصول الفقه، رشيد سلهاط، دار النفائس، الطبعة الأولى، 1429ﻫ، عمان - الأردن.

10.الإصابة في تمييز الصحابة وبهامشه الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر القرطبي، شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن حجر العسقلاني، دار صادر، الطبعة الأولى، 1328ﻫ، بيروت - لبنان.

11.أصول الفقه الإسلامي، محمد مصطفى شلبي، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 1985م، بيروت - لبنان.

12.أصول الفقه، محمد رضا المظفر، إسماعيليان، الطبعة الثانية عشرة، 2004م، قم المقدسة - إيران.

13.الاعتصام، أبو إسحق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي الغرناطي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، 1426ﻫ، بيروت - لبنان.

14.أعلام النبوة، أبو الحسن علي بن محمد الماوردي الشافعي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1406ﻫ، بيروت - لبنان.

15.إقناع اللائم على إقامة المآتم، محسن الأمين العاملي، طبع ونشر: مؤسسة المعارف الإسلامية، الطبعة الأولى، 1418ﻫ، بيروت - لبنان.

16.إقناع اللائم على إقامة المآتم، محسن الأمين العاملي، مؤسسة المعارف الإسلامية، الطبعة الأولى، 1418ﻫ، قم المقدسة - إيران.

17.أمالي الشيخ الطوسي، الطوسي، محمد بن حسن بن علي، تحقيق: بحر العلوم, محمد صادق, مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية، 1981م، بيروت - لبنان.

18.أمالي الصدوق، ابن بابويه، محمد بن علي بن حسين، تقديم: الأعلمي، حسين، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الخامسة، 1410ﻫ، بيروت - لبنان.

19.الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مكارم الشيرازي، ناصر، مطبعة الأميرة، الطبعة الأولى، مصححة وملونة، 1426ﻫ، بيروت - لبنان.

20.الباعث على إنكار البدع والحوادث، عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن أبي شامة، مطبعة النهضة الحديثة، الطبعة الثانية، 1401ﻫ - 1981م، مكة المكرمة - المملكة العربية السعودية.

21.بحار الأنوار الجامع لدرر أخبار الأئمة الأطهار(علیهم السلام)، محمد باقر المجلسي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية 1403ﻫ، بيروت - لبنان.

22.البدعة حدها وآثارها ومواردها، جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق(علیه السلام)، الطبعة الأولى، 1416ﻫ، بيروت - لبنان.

23.البدعة مفهومها وحدودها، مركز الرسالة، الطبعة الأولى، 1418ﻫ، قم المقدسة -

إيران.

24.بصائر الدرجات في فضائل آل محمد(علیهم السلام)، طليعة النور، 1426ﻫ، قم المقدسة - إيران.

25.تاريخ الإسلام (الإمام الحسين(علیه السلام) في التراث الإسلامي)، شمس الدين محمد الذهبي، تحقيق: الدكتور عمر عبد السلام تدمر، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، 1418ﻫ، بيروت - لبنان.

26.تاريخ الطبري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 2008م، بيروت - لبنان.

27.تاريخ النياحة على الإمام الشهيد الحسين بن علي(علیهما السلام)، الشهرستاني، صالح، تحقيق: الشيخ نبيل رضا علوان، دار الزهراء، الطبعة الأولى، 1998م، بيروت - لبنان.

28.تاريخ اليعقوبي، اليعقوبي، أحمد بن إسحاق بن جعفر، تحقيق: محمد صادق بحر العلوم، المكتبة الحيدرية، الطبعة الرابعة، 1394ﻫ، النجف الأشرف - العراق.

29.تاريخ مدينة دمشق (الإمام الحسين(علیه السلام) في التراث الإسلامي)، ابن عساكر،

مركز الأبحاث العقائدية، الطبعة الأولى، قم المقدسة - إيران.

30.التبيان في تفسير القرآن، الطوسي، محمد بن حسن بن علي، تقديم: آغا بزرك الطهراني، وجعفر السبحاني، مؤسسة النشر الإسلامي، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، 1409ﻫ، قم المقدسة - إيران.

31. تذكرة الخواص، العلامة سبط ابن الجوزي، دار العلوم، الطبعة الأولى، 1425ﻫ، بيروت - لبنان.

32.التسهيل لعلوم التنزيل، أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي، تحقيق: محمد سالم هاشم، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، 1428ﻫ، بيروت - لبنان.

33.تفسير القمي، أبو الحسن علي بن إبراهيم القمي، تحقيق: محمد الصالحي الانديمشكي، ذوى القربى، الطبعة الثانية، 1431ﻫ، قم المقدسة - إيران.

34.التفسير الكبير، فخر الدين الرازي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، طهران - إيران.

35.التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري(علیه السلام)، تحقيق: السيد علي عاشور، الطبعة الأولى، 2005م.

36.تفسير نور الثقلين، الحويزي، عبد علي بن جمعة العروسي، تحقيق: علي عاشور، مؤسسة التاريخ العربي، الطبعة الأولى، 2001م، بيروت - لبنان.

37.تقديم: كاشف الغطاء، عباس علي جعفر، مؤسسة آل البيت(علیهم السلام) لإحياء التراث، 1407ﻫ، قم المقدسة - إيران.

38.تهذيب الأحكام، المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، مؤسسة الأعلمي، 1426ﻫ، بيروت - لبنان.

39.التهمة وأثرها في الأحكام الفقهية، صالح بن علي بن صالح العقل، الدار التدمرية، الطبعة الأولى، 2010ﻫ، الرياض - المملكة العربية السعودية.

40.ثواب الأعمال وعقابها، الشيخ الصدوق، دار الأضواء، 1422ﻫ، بيروت - لبنان.

41.جامع الأخبار، تاج الدين محمد بن محمد الشعيري، الطبعة الأولى.

42.جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري، محمد بن جرير بن يزيد، تحقيق: شاكر, محمود، تصحيح: علي عاشور، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 1421ﻫ، بيروت - لبنان.

43.الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، تحقيق: عماد زكي البارودي - خيري سعيد، المكتبة التوفيقية، الطبعة الأولى، القاهرة - مصر.

44.جدل ومواقف في الشعائر الحسينية، مجموعة مؤلفين، دار الهادي، الطبعة الأولى، 1999م، بيروت - لبنان.

45.الجعفريات (الأشعثيات)، ابن الأشعث، محمد بن محمد، مكتبة النينوى الحديثة، الطبعة الأولى، طهران - إيران.

46.حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، دار الفكر، 2009م، بيروت - لبنان.

47.الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، البحراني، يوسف بن أحمد بن إبراهيم، تحقيق: محمد تقي الإيرواني، تقديم: عبدالعزيز الطباطبائي، تصحيح: يوسف البقاعي، دار الأضواء، الطبعة الثالثة، 1413ﻫ، بيروت - لبنان.

48.الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة، أبو الفضل عبد الرزاق بن الفوطي البغدادي، تحقيق: د. مصطفى جواد، الدار العربية للموسوعات، الطبعة الأولى، 2013م، بيروت - لبنان.

49.الخصال، محمد بن علي الصدوق، تحقيق: الشيخ علي أكبر الغفاري، مؤسسة

النشر الإسلامي، الطبعة السادسة، 1424ﻫ، قم المقدسة - إيران.

50.دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، الطبعة الأولى، 1370ش - إيران.

51.دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام عند أهل بيت رسول الله عليه وعليهم أفضل السلام، النعمان بن محمد التميمي المغربي، مؤسسة النور للمطبوعات، الطبعة الأولى، 2005م، بيروت - لبنان.

52.دليل الهدى في فقه العزاء، علي أكبر السيفي المازندراني، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1429ﻫ، قم المقدسة - إيران.

53.ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري، دار المعرفة، الطبعة الأولى، بيروت - لبنان.

54.رأس الحسين(علیه السلام)، طاهر آل عكلة، دار السلام، الطبعة الأولى، 1430ﻫ، بيروت - لبنان.

55.رسالة في التعرب بعد الهجرة، قاسم مصري العاملي، دار الغدير، الطبعة الأولى، 2003م، قم المقدسة - إيران.

56.رسائل الشريف المرتضى، علم الهدى، علي بن حسين، دار القرآن، الطبعة الأولى، 1989ﻫ، قم المقدسة - إيران.

57.رفيع الدين النائيني، محمد بن حيدر، تحقيق: علامة ضياء الدين، مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي(علیه السلام) العامة، 1412ﻫ، إصفهان - إيران.

58.روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، أبو الثناء شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي، تحقيق: أبي عبد الرحمن فؤاد بن سراج عبد الغفار، المكتبة التوفيقية، الطبعة الأولى، 2008م، القاهرة - مصر.

59.روضة الواعظين، الفتال النيسابوري، محمد بن حسن بن علي، تحقيق: مجتبى الغرجي، دليل ما، الطبعة الأولى، 1423ﻫ، قم المقدسة - إيران.

60.زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، جمعية إحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأولى، 1418ﻫ، الكويت.

61.زبدة البيان في براهين أحكام القرآن، المقدس الأردبيلي، أحمد بن محمد، تحقيق: محمد باقر البهبودي، المكتبة المرتضوية، الطبعة الأولى، 1965م، طهران - إيران.

62.سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، العاصمي، عبد الملك بن حسين ابن عبد الملك، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1419ﻫ، بيروت - لبنان.

63.سنن الترمذي، الترمذي، تحقيق وتصحيح: عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر لسنة 1403ﻫ، الطبعة الثانية، بيروت - لبنان.

64.سير أعلام النبلاء، الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، تحقيق: مصطفى عبد القادر العطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1425ﻫ، بيروت - لبنان.

65.شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي (المحقق الحلي)، تحقيق: عبد الحسين محمد علي بقال، إسماعيليان، الطبعة الأولى، 1993م، قم المقدسة - إيران.

66.شرح ابن عبد الوهاب، محمد عبد الوهاب بن سليمان، محشي: ابن باز، عبد العزيز عبد الله عبد الرحمن، الريان، الطبعة الأولى، 1419ﻫ، بيروت، لبنان.

67.شرح العقيدة الطحاوية، صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد بن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي، تحقيق: أحمد شاكر، مطبعة وزارة الشؤون الإسلامية، والأوقاف والدعوة والإرشاد، الطبعة الأولى، 1418ﻫ، الرياض - المملكة العربية السعودية.

68.شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، 1426ﻫ، بغداد - العراق.

69.الشعائر الحسينية في العصرين الأموي والعباسي، الباحث جعفر موسى، رسالة ماجستير لعام 2008 - 2009، جامعة الكوفة - العراق.

70.الشعائر الحسينية من المظلومية إلى النهوض، شفيق جرادي، طبع ونشر: دار المعارف الحكمية، الطبعة الأولى، 1428ﻫ، بيروت - لبنان.

71.الشعائر والشعارات الحسينية، محمد مهدي الآصفي، طبع ونشر: مجمع أهل البيت(علیهم السلام)، الطبعة الأولى، 1427ﻫ، بغداد - العراق.

72.الصحاح، الجوهري، إسماعيل بن حماد، تحقق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، الطبعة الثانية، 1399ﻫ، بيروت - لبنان.

73.صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، بيت الأفكار الدولية، الطبعة الأولى، 1419ﻫ، الرياض - المملكة العربية السعودية.

74.صحيح مسلم، محي الدين النووي الشافعي، تحقيق: الدكتور محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 1420ﻫ، بيروت، لبنان.

75.صراط النجاة، جواد التبريزي، دار الصديقة الشهيدة(علیها السلام)، الطبعة الثانية، 2004ﻫ، قم المقدسة - إيران.

76.الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة، أحمد بن حجر الهيثمي المكي، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، مكتبة القاهرة، الطبعة الأولى، القاهرة، مصر.

77.الطبقات الكبرى، محمد بن سعد بن منيع الزهري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 1416ﻫ، بيروت - لبنان.

78.العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، 1965م، بيروت - لبنان.

79.علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، نوابع الفكر، الطبعة الأولى، 2000م.

80.عمدة القاري في شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني، تحقيق: محمد أحمد

الحلاق، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 1424ﻫ، بيروت - لبنان.

81.العناوين، مير عبد الفتاح الحسيني المراغي، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية، 2004م، قم المقدسة - إيران.

82.العنوان فتاوى علماء الدين حول الشعائر الحسينية، مؤسسة المنبر الحسيني، طبع 2009م، بيروت - لبنان.

83.عوالم العلوم والمعارف والأحوال من الآيات والأخبار والأقوال، البحراني، هاشم بن سليمان، مدرسة الإمام المهدي(عج)، 1405ﻫ، قم المقدسة - إيران.

84.عوائد الأيام في بيان قواعد استنباط الأحكام، أحمد مهدي النراقي، دار الهادي، الطبعة الأولى، 2000م، بيروت - لبنان.

85.العين، مجموعة مؤلفين، تحقيق: د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي، دار الهجرة، الطبعة الأولى، 1405ﻫ، قم المقدسة - إيران.

86.عيون أخبار الرضا(علیه السلام) الصدوق، محمد بن علي مطبعة نشر جهان، 1420ﻫ، الطبعة الأولى، طهران - إيران.

87.عيون التواريخ، الكتبي، محمد شاكر، تحقيق: فيصل السامر، وداود، نبيلة عبد المنعم، دار الرشيد للنشر، الطبعة الأولى، 1400ﻫ، بغداد - العراق.

88.غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام، أبو القاسم القمي، تحقيق: عباس تبريزيان، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، 1996م، قم المقدسة - إيران.

89.فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد، بيت الأفكار الدولية، الطبعة الأولى، 2004م، عمان - الأردن.

90.فتح المجيد، عبد الرحمن بن الحسن، تحقيق: عبود الشالجي، الطبعة الأولى، 1391ﻫ، بيروت - لبنان.

91. فضائل الخمسة من الصحاح الستة، حسيني الفيروز آبادي، مرتضى محمد محمد باقر، مكتبة الفيروزآبادي، الطبعة السابعة، 1413ﻫ، قم المقدسة - إيران.

92.الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي، نشر إحسان، الطبعة الثالثة، طهران - إيران.

93.الفقه الإسلامي ومقارنته بالفقه الأجنبي، علال الفاسي، مؤسسة علال سعيد، الطبعة الثانية، 1423ﻫ، الرباط - المغرب.

94.فقه الرضا(علیه السلام)، علي بن بابويه القمي، تحقيق: مؤسسة آل البيت(علیهم السلام)لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1406ﻫ، قم المقدسة - إيران.

95.فقه الشعائر الدينية، فاضل الصفار، مكتبة ابن فهد الحلي، الطبعة الأولى، 2013م، كربلاء المقدسة - العراق.

96.القاموس المحيط، الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، المعد: المرعشلي، محمد عبد الرحمن، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، 2003م، بيروت - لبنان.

97.القدس تاريخ وحضارة، ردينة جميل عبد المجيد، مكتبة الفلاح، الطبعة الأولى، 2004م، الكويت.

98.القدس، عبلة المهتدي الزبدة، دار نعمة، الطبعة الثالثة، 1425ﻫ، عمان - الأردن.

99.الكافي، الكليني، محمد بن يعقوب، دار الكتب الإسلامية، سنة 1407ﻫ، الطبعة الرابعة، طهران - إيران.

100.كامل الزيارات، ابن قولويه القمي، أبو القاسم جعفر بن محمد، دار المرتضوية لسنة 1397ﻫ، الطبعة الأولى، النجف الأشرف - العراق.

101.كامل الزيارات، ابن قولويه، جعفر بن محمد بن جعفر، مطبعة الرضا(علیه السلام)، الطبعة الأولى، 2008م، بيروت - لبنان.

102.الكامل في التاريخ (تاريخ ابن الأثير)، عز الدين أبو الحسن علي الشيباني (ابن الأثير)، تحقيق: مكتب التراث، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، 2009م، بيروت - لبنان.

103.كتاب الأربعين، الشيخ الماحوزي، تحقيق: السيد مهدي رجائي، طبع مطبعة أمير لسنة 1417ﻫ، الطبعة الأولى، قم المقدسة - إيران.

104.كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق: الدكتور مهدي المخزومي، والدكتور إبراهيم السامرائي، دار الهجرة، الطبعة الأولى، 1405ﻫ، قم المقدسة - إيران.

105.كتاب المحاسن، البرقي، أحمد بن محمد بن خالد، المطبعة الحيدرية، الطبعة الأولى، 1384ﻫ، النجف الأشرف - العراق.

106.كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، - بالخطط المقريزية - المقريزي، تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي بن عبد القادر، تحقيق: عبد العزيز جمال الدين، مكتبة مدبولي، الطبعة الأولى، 1998م، القاهرة - مصر.

107.كتاب الهداية في الأصول والفروع، الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي، تحقيق: مؤسسة الإمام الهادي(علیه السلام)، الطبعة الأولى، 1426ﻫ، قم المقدسة - إيران.

108.كشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس البهوتي الحنبلي، تحقيق: أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1997م، بيروت - لبنان.

109.كشف الغمة في معرفة الأئمة، الأربلي، علي بن عيسى بن أبي الفتح، تحقيق: علي آل كوثر، المجمع العالمي لأهل البيت(علیهم السلام)، الطبعة الأولى، 1426ﻫ، بيروت - لبنان.

110.كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر، الخزاز الرازي، علي بن محمد،

منشورات بيدار لسنة 1401ﻫ، قم المقدسة - إيران.

111.كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، المتقي، علي بن عبد الملك حسام الدين، تحقيق: الدمياطي، محمود عمر، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، 1424ﻫ، بيروت - لبنان.

112.لسان العرب، ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي، تصحيح: عبد الوهاب، أمين محمد، والعبيدي، محمد صادق، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، مصححة وملونة، 1431ﻫ، بيروت - لبنان.

113.لسان الميزان، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، دار البشائر الإسلامية، الطبعة الأولى، 1423ﻫ، بيروت - لبنان.

114.مائة منقبة من مناقب أمير المؤمنين والأئمة من ولده(علیهم السلام)من طريق العامة، ابن شاذان، محمد بن أحمد، مطبعة مدرسة الإمام المهدي(عج) لسنة 1407ﻫ، الطبعة الأولى، قم المقدسة - إيران.

115.مثير الأحزان، نجم الدين جعفر بن محمد بن نما الحلي، دار العلوم، الطبعة الأولى، 1423ﻫ، بيروت - لبنان.

116.المجازات النبوية، الشريف الرضي أبو الحسن محمد الحسيني الموسوي، تحقيق: كريم سيد محمد محمود، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 2007م، بيروت - لبنان.

117.مجمع البحرين، فخر الدين الطريحي، تحقيق: أحمد علي الحسيني، دار الثقافة العربية، الطبعة الأولى، النجف الأشرف - العراق.

118.مجمع البيان في تفسير القرآن، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، تحقيق: غسان شديد، دار القاريء، الطبعة الأولى، 1430ﻫ، بيروت - لبنان.

119.مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، الهيثمي علي بن أبي بكر بن سليمان نور الدين،

تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، 1422ﻫ - 2001م، الطبعة الأولى، بيروت - لبنان.

120.المجموع شرح المهذب، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار الفكر، 2008م، بيروت - لبنان.

121.مجموعة الفتاوى، تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني، تحقيق: عامر الجزار - أنور الباز، دار الوفاء - دار ابن حزم، الطبعة الثانية، 2001م، المنصورة.

122.مختار الصحاح، الحنفي الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، تصحيح: نجوى أنيس، وحلاق، محمد، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الرابعة، 1426ﻫ، بيروت - لبنان.

123.مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر (الإمام الحسين(علیه السلام) في التراث الإسلامي)، ابن منظور، تحقيق: أحمد حموش - محمد العمر، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1405ﻫ، دمشق - سوريا.

124.مدينة المعاجز أو معاجز أهل البيت(علیهم السلام)، هاشم البحراني، تحقيق: علاء الدين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الأولى، 1423ﻫ، بيروت - لبنان.

125.مراقد المعارف في تعيين مراقد العلويين والصحابة والتابعين والرواة والعلماء والأُدباء والشعراء، حرز الدين، محمد، تحقيق: حرز الدين؛ محمد، 1971م.

126.مروج الذهب ومعدن الجوهر، المسعودي، علي بن الحسين بن علي، تحقيق: يوسف البقاعي، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، بيروت - لبنان.

127.مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، فاضل الجواد الكاظمي، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، الطبعة الرابعة، 2008م، قم المقدسة - إيران.

128.مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام، الشهيد الثاني، تحقيق: حسن محمد

آل قبيسي العاملي، مؤسسة البلاغ، الطبعة الأولى، 1993م، بيروت - لبنان.

1.مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، النوري، حسين بن محمد تقي بن علي محمد، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، ط1، 1416ﻫ.

129.مستدرك سفينة البحار، علي نمازي الشاهرودي، تحقيق: الشيخ علي النمازي الشاهرودي، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الأولى، 1429ﻫ، بيروت - لبنان.

130.المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، 1422ﻫ، بيروت - لبنان.

131.مستند الشيعة في أحكام الشريعة، النراقي أحمد بن المولى محمد مهدي، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، الطبعة الأولى، 1984م، قم المقدسة - إيران.

132.مسلك الوهابية في موازين العقل والكتاب والسنة، علي أكبر السيفي المازنداني.

133.مسند أحمد، ابن حنبل، أحمد، دار صادر، بيروت - لبنان.

134.مسند فاطمة الزهراء(علیها السلام)، حسين شيخ الإسلامي التويسركاني، دار الصفوة، الطبعة الثانية، 1428ﻫ، بيروت - لبنان.

135.مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، الطبرسي، علي بن حسن بن الفضل، تحقيق: مؤسسة آل البيت(علیهم السلام)، نشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1423ﻫ، قم المقدسة - إيران.

136.مصادر الحكم الشرعي والقانون المدني، نشر من قبل: د.ن، الطبعة الأولى، 1410ﻫ.

137.مصباح المتهجد، الشيخ الطوسي، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الأولى، 2004م، بيروت - لبنان.

138.المصنف في الأحاديث والآثار، أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى 1409ﻫ، الرياض - المملكة العربية السعودية.

139.المعجم الوسيط، إبراهيم أنيس, وعبد الحليم منتصر وآخرون، مجمع اللغة العربية، الطبعة الثانية، قم المقدسة - إيران.

140.معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الدار الإسلامية، 1410ﻫ، بيروت - لبنان.

141.المغني في أصول الفقه، جلال الدين أبو محمد عمر بن محمد الخبازي، تحقيق: محمد مظفر بقا، جامعة أم القرى، الطبعة الأولى، 1403ﻫ.

142.المفردات في غريب القران، أبي القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني، مكتبة مطبعة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الأخيرة، 1961م، القاهرة - مصر.

143.مقاتل الطالبيين، أبو الفرج علي بن الحسين بن الهيثم الأصفهاني، المطبعة الحيدرية، الطبعة الأولى، 1353ش، النجف الأشرف - العراق.

144.مقتل الإمام الحسين بن علي(علیه السلام)، أبو مخنف لوط بن يحيى بن سعيد الغامدي الأزدي الكوفي، تحقيق: كامل سلمان الجبوري، دار المحجة البيضاء، الطبعة الأولى، 1420ﻫ، بيروت - لبنان.

145.مقتل الإمام الحسين(علیه السلام)، الخطيب الخوارزمي، أبو المُؤيَّد المُوَفَّق بن أحمد المكي أخطب خوارزم، تحقيق: الشيخ محمد السَّماوي.

146.المقنع، الصدوق محمد بن علي بن الحسين القمي، تحقيق: مؤسسة الإمام الهادي(علیه السلام)، الطبعة الأولى، 2005م، قم المقدسة - إيران.

147.المقنعة، المفيد، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الرابعة،

1996م، قم المقدسة - إيران.

148.مكانة العقل في الفكر الإسلامي، مجموعة مؤلفين، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثالثة، 2004م، بيروت - لبنان.

149.مكانة العقل في الفكر العربي، صالح أحمد العلي، بحث الندوة الفكرية التي نظمها المجمع العلمي العراقي.

150.مناقب آل أبي طالب(علیهم السلام)، أبو جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب السروي المازندراني، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الأولى، 1430ﻫ، بيروت - لبنان.

151.المنتخب للطريحي، فخر الدين الطريحي النجفي، الشريف الرضي، الطبعة الثالثة، 1422ﻫ، قم المقدسة - إيران.

152.المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (الإمام الحسين(علیه السلام) في التراث الإسلامي)، جمال الدين بن علي الجوزي، تحقيق: الدكتور سهيل زكار، دار الفكر، الطبعة الأولى، بيروت - لبنان.

153.منح الجليل شرح مختصر خليل، محمد بن أحمد بن محمد عليش، أبو عبد الله المالكي، دار الفكر، 1409ﻫ - 1989م، بيروت - لبنان.

154.منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام (ابن تيمية)، تحقيق: محمد أيمن الشبراوي، دار الحديث للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 2004م، القاهرة - مصر.

155.المواقف في علم الكلام، القاضي عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، عالم الكتب، الطبعة الأولى، بيروت - لبنان.

156.موسوعة العتبات المقدسة، الخليلي، جعفر صادق، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الثانية، 1987م، بيروت - لبنان.

157.موسوعة الفقه الإسلامي المقارن (موسوعة جمال عبد الناصر الفقهية)،

مجموعة باحثين، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الطبعة الأولى، 1966م، القاهرة - مصر.

158.ميزان الحكمة، محمد الريشهري، دار الحديث للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1422ﻫ، بيروت - لبنان.

159.الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، محمد حسين، تصحيح: كلانتري, إلياس، عباس علي حسين ترجمان، المعد: عادل عبد الجبار الشاطي، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الثالثة، 1393ﻫ، بيروت - لبنان.

160.نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي.

161.نهج البلاغة، علي بن أبي طالب(علیه السلام)، جمع: الشريف الرضي، محمد بن حسين ابن موسى، مكتبة الرضي، 1410ﻫ، قم المقدسة - إيران.

162.نهضة الحسين(علیه السلام)، هبة الدين الحسيني الشهرستاني، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، 1969م، بيروت - لبنان.

163.نور الأبصار في مناقب آل النبي المختار، مؤمن بن حسين مؤمن الشبلنجي، الطبعة الأولى.

164.نور العين في المشي إلى زيارة قبر الحسين(علیه السلام)، محمد حسن الاصطهباناتي، دار الميزان، الطبعة الأولى، 1416ﻫ، بيروت - لبنان.

165.هداية الأُمة إلى أحكام الأئمة، محمد بن الحسن الحر العاملي، مجمع البحوث الإسلامية، الطبعة الأولى، 1412ﻫ، مشهد المقدسة - إيران.

166.الوافي، محمد محسن الفيض الكاشاني، مكتبة الإمام علي(علیه السلام)، الطبعة الاولى، 1406ﻫ، اصفهان - ايران.

فهرس المحتويات

الشكر والعرفان. 7

مقدمة المؤسّسة. 9

قسم الرسائل الجامعية في مؤسسة وارث الأنبياء 17

مقدمة قسم الرسائل الجامعية. 21

المقدمة. 21

مشكلة البحث.. 21

الغاية من البحث.. 21

الفرضيات.. 22

الدراسات السابقة. 22

الجديد في الدراسة. 24

الفصل الاول: بحوث تمهيديّة

المبحث الأول: التعريف بألفاظ العنوان.. 27

المطلب الأوّل: الشعائر الحسينية في اللغة والاصطلاح. 27

المقصد الأول: الشعائر في اللغة. 27

المقصد الثاني: الشعائر في الاصطلاح. 28

المقصد الثالث: الشعائر الحسينية في الاصطلاح. 30

المطلب الثاني: البدعة في اللغة والاصطلاح. 31

المقصد الأول: البدعة في اللغة. 31

المقصد الثاني: البدعة في الاصطلاح. 32

المطلب الثالث: التهمة في اللغة والاصطلاح. 34

المقصد الأول: التهمة في اللغة. 34

المقصد الثاني: التهمة في الاصطلاح. 35

المطلب الرابع: الشريعة في اللغة والاصطلاح. 37

المقصد الأول: الشريعة في اللغة. 37

المقصد الثاني: الشريعة في الاصطلاح. 38

المطلب الخامس: الفقه في اللغة والاصطلاح. 39

المقصد الأول: الفقه في اللغة: 39

المقصد الثاني: الفقه في الاصطلاح. 40

المبحث الثاني: الشعائر عند أهل الديانات السماوية. 43

المطلب الأوّل: الشعائر عند المسلمين. 43

المقصد الاول: تعظيم الله تعالى. 43

المقصد الثاني: تعظيم الرسل. 45

المقصد الثالث: تعظيم القرآن الكريم.. 48

المقصد الرابع: تعظيم الحرم والبيت الحرام.. 48

المطلب الثاني: الشعائر عند اليهود. 50

المقصد الأول: القدس الشريف.. 50

المقصد الثاني: هيكل سليمان(علیه السلام). 52

المقصد الثالث: حائط المبكى.. 52

المقصد الرابع: قبر ذي الكفل.. 53

المطلب الثالث: الشعائر عند النصارى.. 53

المقصد الأول: بناء كنيسة القيامة. 54

المقصد الثاني: مصلى الشيح.. 55

المقصد الثالث: بناء كنائس أخرى مقدسة. 55

المبحث الثالث: لمحة مختصرة حول سيرة الإمام الحسين(علیه السلام). 57

المبحث الرابع: تاريخ الشعائر الحسينية. 61

المطلب الأوّل: بكاء الأنبياء السابقين على الإمام الحسين(علیه السلام). 61

المقصد الأول: بكاء آدم(علیه السلام). 61

المقصد الثاني: بكاء نوح(علیه السلام). 62

المقصد الثالث: بكاء النبي إبراهيم(علیه السلام). 62

المقصد الرابع: بكاء عيسى بن مريم (علیه السلام).... 63

المطلب الثاني: بكاء نبينا(صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته وأصحابه على الإمام الحسين(علیه السلام) 63

المقصد الأول: ذكر النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) لمصيبة ولده الحسين(علیه السلام) وبكاؤه عليه. 64

المقصد الثاني: بكاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على مصيبة ولده الحسين(علیه السلام) 65

المقصد الثالث: بكاء الزهراء على ولدها الحسين(علیها السلام) 65

المقصد الرابع: بكاء الإمام الحسن على أخيه الحسين(علیه السلام).... 66

المقصد الخامس: بكاء الصحابة على الإمام الحسين(علیه السلام). 67

أ - بكاء الصحابة عند إخبار النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) بشهادة الإمام الحسين(علیه السلام). 67

ب - بكاء الصحابة عند خروج الإمام الحسين(علیه السلام) من المدينة. 68

ج - بكاء الصحابة على الإمام الحسين(علیه السلام) بعد شهادته. 70

المطلب الثالث: إقامة الشعائر في العصر الأموي.. 71

المقصد الأول: إقامة الشعائر في العصر الأموي من قبل أهل البيت(علیهم السلام). 71

أولاً: إقامة الشعائر من قبل الإمام السجاد(علیه السلام). 72

ثانياً: إقامة الشعائر من قبل الإمام الباقر(علیه السلام). 72

ثالثاً: إقامة الشعائر من قبل الإمام الصادق(علیه السلام). 73

المقصد الثاني: إقامة الشعائر في العصر الأموي من قبل غير أهل البيت(علیهم السلام) 74

أولاً: إقامة المآتم من قبل نساء يزيد. 74

ثانياً: مواقف رثاء لشخصيات مهمة. 74

ثالثاً: رثاء الإمام(علیه السلام) بالشعر 75

رابعاً: إقامة العزاء عند قبر الإمام(علیه السلام) من قبل التوابين. 76

المطلب الرابع: إقامة الشعائر في العصر العباسي.. 77

المقصد الأول: إقامة الشعائر من قبل الأئمة(علیهم السلام). 77

أولاً: إقامة الشعائر من قبل الإمام الصادق(علیه السلام). 77

ثانياً: إقامة الشعائر من قبل الإمام الكاظم(علیه السلام). 78

ثالثاً: إقامة الشعائر من قبل الإمام الرضا(علیه السلام). 78

رابعاً: إقامة الشعائر من قبل الأئمة الأربعة بعد الإمام الرضا(علیه السلام). 79

المقصد الثاني: إقامة الشعائر في العصر العباسي من قبل الشيعة. 81

أولاً: على مستوى الأفراد. 81

ثانياً: على مستوى المجتمع الشيعي.. 82

العباسيون الذين غضوا الطرف عن إقامة الشعائر من قبل شيعة أهل البيت(علیهم السلام). 82

1- أبو العباس السفاح العباسي.. 82

2- الأمين العباسي.. 83

3- المأمون العباسي.. 83

4- المعتصم والواثق العباسي.. 84

5 - المنتصر العباسي.. 85

6 - الراضي العباسي.. 86

المطلب الخامس: إقامة الشعائر في العصور الأخرى.. 87

المقصد الأول: إقامة الشعائر في العصور التي تلت العصر العباسي.. 87

المقصد الثاني: إقامة الشعائر الحسينية في العصر الحديث.. 89

المطلب السادس: ما ذكره بعض الباحثين في تاريخ الشعائر الحسينية 92

المقصد الاول: ما ذكره الدكتور صالح الجويني. 92

مناقشة الدكتور الجويني.. 92

المرحلة الأولى: 93

المرحلة الثانية: الإعداد من قبل أئمة أهل البيت(علیهم السلام). 94

المرحلة الثالثة: ما بعد مرحلة التأسيس.... 95

المرحلة الرابعة: في عهد الحكومات الشيعية. 96

المرحلة الخامسة: من القرن السادس إلى العهد الصفوي.. 96

المرحلة السادسة: العهد الصفوي.. 97

المقصد الثاني: ما ذكره الدكتور ظاهري.. 97

مناقشة ما طرحه الدكتور ظاهري.. 99

الفصل الثانی: الأدلة على مشروعية الشعائر الحسينية

المبحث الأوَّل: الشعائر الحسينية من شعائر الله تعالى.... 105

المطلب الأول: بيان المراد من شعائر الله تعالى.. 106

الأقوال في عمومية وخصوصية شعائر الله... 107

القول الأول: إنّ شعائر الله مختصة بمناسك الحج.. 107

القول الثاني: شعائر الله تشمل عموم علامات الدين. 107

الشواهد على عمومية الشعائر لعلامات الدين. 108

الشاهد الأوّل: بناء القبور للمعصومين(علیهم السلام) والعلماء 108

الشاهد الثاني: وجوب احترام المكتوبات الدينية. 108

المطلب الثاني: الشعائر الحسينية من مصاديق الشعائر الدينية. 109

كلمات اللغويين والفقهاء الدالة على أنّ الشعائر الحسينية من الشعائر الدينية 109

الشواهد على أنّ الشعائر الحسينية من شعائر الله تعالى. 112

الشاهد الاول: انطباق أهداف الشعائر الحسينية على أهداف شعائر الله تعالى 112

أ: أهداف شعائر الله تعالى.. 112

ب: أهداف وغايات النهضة الحسينية. 113

الشاهد الثاني: الرابطة بين مشتقات مادة (شعر) وبين الشعائر الحسينية. 116

الشاهد الثالث: الشبه بين المعنى اللغوي لشعائر الله ومادة (شعر) وبين الشعائر الحسينية 120

المبحث الثاني: الأدلة القرآنية على مشروعية الشعائر. 123

المطلب الأول: الآيات التي تضمنت لفظ الشعائر صراحة. 123

الآية الأولى: آية الصفا والمروة. 123

الآية الثانية: آية لا تحلوا شعائر الله... 127

الآية الثالثة: آية تعظيم الشعائر 131

المطلب الثاني: الآيات التي تقتضي تعظيم الإمام الحسين(علیه السلام) بإقامة شعائره 135

الآية الأولى.. 135

تقريب الاستدلال. 135

الآية الثانية. 136

تقريب الاستدلال. 137

الآية الثالثة. 138

تقريب الاستدلال. 138

الآية الرابعة. 139

تقريب الاستدلال. 140

الآية الخامسة: 141

تقريب الاستدلال: 141

المبحث الثالث: الأدلة الروائية على مشروعية الشعائر الحسينية. 145

المطلب الأول: الأحاديث والروايات التي تدل على حب الإمام الحسين(علیه السلام) 145

المقصد الأول: الأحاديث والروايات الدالة على حبه(علیه السلام) بالاشتراك مع غيره 145

المقصد الثاني: الأحاديث والروايات الدالة على حبه(علیه السلام) بمفرده. 146

النتيجة: 147

المطلب الثاني: الروايات الدالة على حث النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة(علیهم السلام) على زيارة الإمام الحسين(علیه السلام) 149

المقصد الأول: ما نقل عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) في الحثّ على الزيارة. 149

المقصد الثاني: ما ورد عن الأئمة(علیهم السلام) في الحثّ على الزيارة. 149

المطلب الثالث: الروايات التي أجازت الجزع على الإمام الحسين(علیه السلام). 150

المقصد الأول: ما ورد من جزع في سيرة أهل البيت(علیهم السلام) على الإمام الحسين(علیه السلام) 151

أ - جزع النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)... 151

ب - جزع فاطمة(علیها السلام)..... 152

المقصد الثاني: ما ورد من حث على الجزع على الإمام(علیه السلام). 152

المطلب الرابع: الروايات الدالة على استحباب البكاء على الإمام الحسين(علیه السلام) 153

أولاً: دلالة فعل المعصوم على جواز البكاء على الإمام الحسين(علیه السلام). 153

أ - الروايات التي تشير إلى بكاء الأنبياء على الإمام الحسين(علیه السلام). 153

ثانياً: الروايات التي تحثّ على البكاء على الإمام الحسين(علیه السلام). 155

النتيجة. 156

المبحث الرابع: آراء العلماء وفتاواهم في الشعائر الحسينية. 159

المطلب الأول: قاعدة تعظيم الشعائر وسعة معناها عند العلماء 159

المطلب الثاني: فتوى الشيخ النائيني حول الشعائر وتعليقات العلماء عليها 162

المقصد الأوّل: فتوى الشيخ النائيني(رحمة الله علیه)... 162

المقصد الثاني: تعليقات العلماء الأعلام على فتوى النائيني.. 164

(1) السيّد ميرزا عبد الهادي الشيرازي 164

(2) السيد الحكيم(قدس سره) 164

(3) السيد الخوئي(قدس سره) 165

(4) السيد الشاهرودي(قدس سره) 165

(5) آية الله المظفر(قدس سره) 165

(6) السيد الحمّامي(قدس سره) 166

(7) الشيخ كاشف الغطاء(قدس سره) 166

(8) الشيخ محمد كاظم الشيرازي 166

(9) السيد الكلبايكاني(قدس سره) 166

(10) آية الله المرعشي 166

(11) آية الله المرعشيّ 167

(12) آية الله المدد(قدس سره) 168

(13) آية الله النوري 168

الفصل الثالث: اتهامات الشعائر الحسينية بالبدعة وأجوبتها

المقدمة الأولى: أسباب الاتهام بالبدعة. 171

المقدمة الثانية: شروط البدعة وأثرها في دفع الاتهام.. 172

1 - البدعة شيء مبتكر ليس له مثال سبقه. 172

2 - اختصاص البدعة بالأمور الشرعية. 173

3. عدم وجود أصل أو دليل على الفعل الحادث.. 176

المبحث الأوَّل: نماذج من مصاديق الاتهامات على الشعائر الحسينية 177

النموذج الأول: إقامة المأتم والبكاء على الحسين(علیه السلام) مخالف للسنة. 177

أولاً: كلام ابن تيمية. 178

ثانياً: كلام عبد الرحمن آل الشيخ.. 180

النموذج الثاني: تعمير قبر الإمام الحسين(علیه السلام) وزيارته شرك وتبديل لدين الله 181

أولاً: كلام ابن تيمية. 181

ثانياً: كلام ابن قيم الجوزية. 182

ثالثاً: كلام عبد الرحمن آل الشيخ.. 183

رابعاً: كلام محمد بن إسماعيل الصنعاني.. 184

المبحث الثاني: أجوبة الاتهامات عقلاً ونقلاً.. 187

المطلب الأوّل: أجوبة الاتهام عقلاً. 187

المقدمة الأولى: حجية العقل في رد الاتهام.. 187

المقدمة الثانية: العقل ميزان الأفعال والأقوال. 189

الجواب الأول: الشعائر أفعال معبرة عن الحب.. 190

الجواب الثاني: التأسي بالأسوة الحسنة. 190

الجواب الثالث: تجديد العزاء رد على الظالمين. 191

الجواب الرابع: فقدان المستشكل إلى الدليل.. 192

المطلب الثاني: أجوبة الاتهام نقلاً. 192

المقدمة الأولى: الضابطة في إطلاق الشعيرة على العمل.. 193

المقدمة الثانية: عدم انحصار الشعائر في شعائر الحج.. 193

المقدمة الثالثة: تشخيص العرف لبعض المفاهيم.. 193

المقدمة الرابعة: الأدلة على جواز عمل الشعائر 195

المقصد الأول: أجوبة اتهامات وإشكالات ابن تيمية وغيره. 195

أولاً: الجواب على الاتهام القائل بأنّ إقامة المأتم مخالف للسنة. 195

ثانياً: الجواب على الاتهام القائل بأنّ النياحة على الميت كفر 198

ثالثا: الجواب على الإشكال القائل بأنّ زيارة القبور بدعة. 199

المقصد الثاني: أجوبة الاتهامات الواردة حول الشعائر التي تندرج تحت الأدلة الخاصة. 202

أولاً: الجواب على الإشكالات والاتهامات الواردة حول البكاء والحزن. 202

الجواب الأول: القرآن يجيز الحزن والبكاء على فراق المحبوب.. 202

الجواب الثاني: الروايات العامة الدالة على جواز الحزن والبكاء على فقد المحبوب.. 204

الجواب الثالث: الروايات الدالة على جواز البكاء والحزن على الإمام الحسين(علیه السلام). 205

ثانياً: الجواب على الإشكالات والاتهامات الواردة حول لبس السواد. 206

الأدلة العامة على جواز لبس السواد. 206

الأدلة الخاصة على جواز لبس السواد على الإمام الحسين(علیه السلام). 207

ثالثاً: الجواب على الإشكالات والاتهامات الواردة حول المشي لزيارة الحسين(علیه السلام) 208

رابعاً: الجواب على الإشكالات الواردة على لعن قاتل الحسين(علیه السلام). 209

1- اللعن في اللغة. 209

2- اللعن في الاصطلاح. 210

أ - النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل البيت يلعنون قاتل الحسين(علیه السلام). 210

ب - رأي علماء الجمهور في لعن بعض الأفراد ومنهم يزيد: 211

ج - النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) يلعن من يتعدى على حرمة المدينة المنورة. 212

3- الذين يستحقون اللعن. 213

4- اللاعنون. 213

المقصد الثالث: أجوبة الاتهامات الواردة حول الشعائر التي تندرج تحت الأدلة العامة 216

أولاً: الجواب على الإشكالات والاتهامات الواردة حول لدم الصدور (اللطم) وندب الميت 216

الأوّل: أدلة الجمهور 219

الثاني: أدلة مدرسة أهل البيت(علیهم السلام). 219

ثانياً: الجواب على الإشكالات الواردة حول الإنفاق على زائري قبور المعصومين(علیهم السلام). 220

ثالثاً: الجواب على الإشكالات الواردة حول الإنفاق على التشابيه في المراسم الحسينية 221

الجواب على النماذج والإشكالات الأخرى الواردة على الشعائر الحسينية. 225

الخاتمة. 227

التوصيات.. 229

المصادر والمراجع.. 231

فهرس المحتويات 249