ghaemiyeh.com
تاريخ كَرْبَلاء
كريلا ... (التاريخ وَالقَدَاسَة )
الجزء الرابع
السِّيد عبدالصَّاحِب نَاصِر آل نَصرالله
تاريخ كَرْبَلاء
محرر الرقمي: هاجر الصداقت
جميع الحُقوق محفوظةٌ
لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله، على أي نحو، أو بأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكة، أو بالتصوير، أو بالتسجيل، أو خلاف ذلك، إلّا من بعد موافقة كتابية من المؤلف ومقدماً.
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 1527 لسنة 2016
تاريخ كَرْبَلاء
كريلا ... (التاريخ وَالقَدَاسَة )
الجزء الرابع
السِّيد عبدالصَّاحِب نَاصِر آل نَصرالله
بعد أن وفقنا الباري سبحانه وتعالى بتقديم الجزء الثالث من كتابنا هذا، وكنّا قد بحثنا فيه ما يخص كربلاء في الفترات التي عاشتها بأحداثها ووقائعها إلى بداية حكم الوالي المملوكي داود باشا. وسنبحث في هذا الجزء عن تاريخ كربلاء في أيام ولاية داود باشا حيث عاشت المدينة في أيامه أوقاتاً عصيبة حدثت فيها وقائع بالغة الخطورة وقف الكربلائيون أمامه موقفاً متشددًا نتيجة سياسته الخرقاء إتجاه المدينة وأهلها، وبعد محاولاته العديدة لإخضاع المدينة بشتى الوسائل منذ تنمية التفرقة بين رؤسائها بل وجيّش العساكر لإقتحامها في واقعة المناخور، ولكنه فشل في ذلك، وبعد أربع سنوات تمكن عسكره من دخول المدينة، وإستمرت الأوضاع في كربلاء غير مستقرّة لحين سنة 1247ه / 1831م عندما تمكن علي رضا باشا اللاز من دحر داود باشا آخر الولاة المماليك والقبض عليه بأمر من الباب العالي وتم تسييره إلى إسطنبول، وبذلك قد تم إنهاء حكم المماليك في العراق.
وفي الجزء الرابع هذا سنقوم بتفصيل كل ما نستطيع تقديمه عن كربلاء خلال فترة زمنية مهمة من تأريخها المثقل بالأحداث، وتبدأ هذه الفترة من العهد الجديد بعد المماليك والذي يُطلق عليه العهد العثماني الأخير في العراق، وسنقسّم هذه الفترة إلى قسمين: الأول سنبحث فيه في هذا الجزء تاريخ المدينة لغاية سنة 1323 ه / 1905م، أمّا القسم الثاني فسندوّنه في الجزء الخامس الذي سنكمل فيه بقية مواضيع كربلاء حتى انتهاء العهد العثماني عندما تمكنت القوات البريطانية من إحتلال بغداد في آذار سنة 1917م / 1335ه، وبذلك إنسحب العثمانيون من العراق، ولكنه وقع فريسة إحتلال جديد أبغض من سابقه حدثت في أيامه الكثير من الحوادث والوقائع وقد تصدّى أغلب أهل العراق لهذا الإحتلال الذي رسمت له بريطانيا منذ عقود طويلة لتستولي على ثرواته وإخضاع أهله والإستفادة من موقعه الجغرافي المتميّز.
وفي هذه الفترة التي نبحثها في هذا الجزء والممتدة من سنة 1231ه إلى سنة 1323 ه والموافقة لسنة 1816م إلى سنة 1905م والتي تمتد إلى عقود من الزمن، عاشت فيها مدينة كربلاء فترات كأداء من تسلط الحكم العثماني وإستبداده. فقد حدثت فيها أبشع مأساة تشهدها المدينة وهي واقعة نجيب باشا، وتبعتها وقائع دموية أخرى إستبسل فيها الأهالي.
كما أن هذه الفترة شهدت تطورات في الإدارة والحكم وعلى المستوى الإجتماعي والثقافي والعلمي، ولم تخل من التدخل الإيراني نتيجة الصراع المستمر بين الدولتين العثمانية والإيرانية، وهذه التأثيرات الخارجية كانت سبباً للصراعات الفقهية التي شهدتها المدينة وكذلك الحركات الدينية الدخيلة والهدامة التي حاول البعض تأسيسها في كربلاء لتكون منطلقاً لعقائد تلك الحركات، كما أن إزدياد عدد الإيرانيين المقيمين في المدينة في تلك الفترة كان له تأثير كبير على مجريات الأمور أضرّت بسكان المدينة الأصليين، وكانت لمواقف رجال دين ليسوا من العرب وتأثيرهم على العامة، أسباب مؤثرة في عدم الإستقرار في المدينة.
كما شهدت المدينة صراعات ونزاعات داخلية بين الأهالي للوصول إلى تحقيق منافع ومصالح شخصية، وكذلك عندما أرادت فئة صغيرة جداً التحكّم والسيطرة على زمام الأمور وهم ليسوا من بيوتاتها أو أسرها القديمة في كربلاء، وإبعاد الآخرين عن الواجهة ممن كانت جذوره ممتدة في عمق تاريخ المدينة، كل ذلك من أجل السلطة والنفوذ والثروة بعيداً عن الوطنية والمبدئية، والشرعية.
وفي هذا الجزء أيضا يتم تقديم الصور الرائعة والبطولات النادرة والمواقف الوطنية والشريفة للكثير من زعماء وسادات ورؤساء المدينة، وللكثير أيضاً من أهاليها الذين يعتزّون بوطنيتهم وعروبتهم العريقة.
راجين من الله سبحانه وتعالى التوفيق.
المؤلف
إستمرت الأحوال في مدينة كربلاء تتراجع نحو الأسوأ، وكانت المدينة ترنو إلى الاستقرار بوجود حكومة قوية تضبط الأمور، وخاصة عندما بدأ تأثير عصيان عشائر الفرات عليها، وتراجع أعداد الزائرين الوافدين لزيارة العتبات المقدسة حيث كان أغلب سكان المدينة يعتمدون على الزائرين إقتصادياً. فقد قام البعض بالإتصال مع ولاية بغداد يحثها على التدخل وإنهاء الوضع المتردي في المدينة.
حدث أن أُغتيل والي بغداد (سعيد باشا) نهاية سنة 1231ه/ 1816م، فقد تولّى المملوكي داود باشا ولاية بغداد.
كان داود باشا قد وضع كربلاء أمام عينه بسبب ما قامت به المدينة من عصيان و حکمت نفسها دون أن تتمكن الحكومة من إعادة سلطتها عليها.
كان داود باشا رجل قوي ذا حنكة، وله أطماع في البقاء بمنصبه بل كان يطمح بالاستقلال عن الحكومة العثمانية، فكانت خطواته وئيدة في هذا المجال، فقد توجه إلى توحيد العراق تحت حكمه، وكان يعالج مشاكله في العراق من الجانب السياسي والإقتصادي دون أن يعالجها من الناحية الإجتماعية أو المذهبية. وكان يعتبر ان أغلب المشاكل التي تواجهه كان لإيران دورٌ فيها، وخاصة الحوادث التي قامت في مدن العتبات مثل كربلاء والنجف.
ويقول الدكتور عبد العزيز نوار «كانت تشع من النجف وكربلاء والحلة والبصرة روح معادية للمماليك وللأتراك على وجه العموم. وكانت هذه الروح تظهر قوية في الثورات ضد الحكام. تلك الثورات التي كانت تتفجر في كل من كربلاء والحلة والنجف ... وكانت هذه الثورات عنيفة »(1). فأرسل على النجف سنة 1818م حملة أدبت طائفتي الزقرت والشمرت المتمردتين بها» (2).
وعندما سيطر داود باشا على العراق، بعث بعض أتباعه الأشداء لتولي القصبات أمثال (صالح آغا) حاكم المحاويل و (رستم آغا) حاكم الكوفة و (أحمد آغا) متولي المسيب ومنهم قاسم بك. فأرسل (صالح أغا الأندروتي) إلى النجف الذي قضى على ثورة (عباس الحداد) فيها.
وكاتب أهل الحلة فأجابوه مكرهين فأرسل إليهم عساكره فخربوا الديار ودمّروا بساتين الأشجار والنخيل وتم الاستيلاء على الحلة وهدموا أسوارها وإستولوا على السلاح فيها . كما عيّن فتح الله خان حاكمًا لقصبة كربلاء.
ولإنهاء حالة مدينة كربلاء فقام بالتشاور مع أهل المدينة لضمان عودة سلطة الحكومة عليها، مبتعداً عن محاربتها حتى لا يتدخل شاه إيران ويضع المسألة في خانة المذهبية، وبعد موافقة الأهالي قام بالإجراءات التالية:
إستلم (فتح الله خان) حاكمية كربلاء سنة 1234ه وإستمر فيها لحين قتله من قِبل الأهالي سنة 1237ه / (1822م)، نتيجة سوء معاملته الأهالي وفرض الضرائب عليهم ولشدته وقسوته.
إرسال حامية عسكرية إلى كربلاء من الأرناؤوط(1)
ومن إجراءات داود باشا أنه أرسل حامية عسكرية قوامها خمسمائة عسكري من الأرناؤوط بهدف حماية كربلاء، وفي الحقيقة كانت الغاية تواجد قوّة عسكرية لمنع أي عصيان في المستقبل داخل المدينة. وفي تلك الفترة قام الأرناؤوط بأعمال قسرية ضد الأهالي جعلتهم يتحينون الفرص للتخلص منهم ومن أعمالهم التي فاقت التصور من الشدة والعنف، وبتأييد من حاكم المدينة (فتح الله خان) الذي أطلق يدهم وهو يتصور أنه بإخافة الأهالي ستستقر الأمور.
السيد حسين(2)بن مرتضى آل درّاج نقيباً للحائر
بعد وفاة النقيب السيد مرتضى بن محمد علي آل درّاج سنة 1236ه، فقد تولّى النقابة بعده ولده السيد حسين بن مرتضى بن محمد علي بن مرتضى بن عبدالمطلب بن علي بن محمد الدراج، وبعد أن أصدر والي بغداد (داود باشا) بيورلدي بتوليه النقابة في الحائر بتاريخ 23 شوّال سنة 1236ه، وأوصاه بالتعاون مع حاكم المدينة، وكان ذلك في زمن إشتدّت فيه معارضة الأهالي للحكومة، وهذا نص المرسوم (البيورلدي):
1) الأرناؤوط فصيل خاص من الجيش التركي لهم مزايا خاصة ويُختارون بعناية لغرض الشدّة.
2) كان السيد حسين بن مرتضى من أبرز رجالات كربلاء ومن أشهر رؤساؤها، وهو الذي قاد ثوّار كربلاء على الوالي داود باشا في واقعة (المناخور) ، حيث كان له الدور الكبير والمتميز فيها. كما كان الحاكم المطلق لكربلاء حينها ونقيب أشرافها. وقد تسلم سدانة الروضة الحسينية المقدسة من عام 1245ه إلى عام 1247ه (1829 - 1831م) حتى وافته المنية بالطاعون الذي إنتشر في مدينة كربلاء حينها وآل درّاج هم (آل النقيب) في كربلاء، وكانت بأيديهم نقابة الحائر إلى وقت قريب جداً، وإذا ما أعيد تشكيل نقابة الأشراف فسوف لن تخرج منهم لإعتراف السادة الأشراف في كربلاء بأحقيتهم لها. وهم ينتمون إلى السيد محمد الدرّاج (نقيب نقباء العراق) بن سليمان بن كمال الدين ولآل النقيب (دراج) أملاك واسعة في كربلاء وساهم العديد منهم في المجالس الإدارية للمدينة، وكان لهم ديوان عامر ومشهور في كربلاء وهم أولاد عم السادة آل ثابت من آل زحيك في كربلاء.
«زبدة سادة الأشراف الكرام نقيب زاده السيد حسين أفندي زيد شرفه. الباعث لتحرير البيورلدي هو أن والدك السيد مرتضى جلبي إنتقل من دار الفناء إلى دار البقاء وقد وافيت إلى بابنا ورجوت شمول مراحمنا، ولكونك من ذوي القابلية وأرباب الاستحقاق والأولوية فقد شملك لطفنا ووجهنا إليك نقابة أشراف قصبة كربلاء، فينبغي أن تجتهد على السهر على قصبة كربلاء وتُحسِن السيرة والمعاملة مع الأشراف والسادات وتزيدهم رعاية وصيانة بحقهم من التعديات، والموافقة والإمتزاج مع قدوة الأمثال وكيل المتولي ( يعني به وكيل حاكم كربلاء) بكافة المحلات واستجلاء خیر الدعوات لطرفنا مدى الأوقات، وإعلموا أنتم يا شرفاء قصبة كربلاء أن السيد حسين أفندي نقيب عليكم، ينبغي أن تكونوا برضائه وفق ما يراد منكم، ولأجل ذلك حُرر البيورلدي وأصدرناه وأرسلناه بمنّه تعالى، وعند الوقوف على معناه ينبغي أن تعملوا بموجب ما إحتواه وفيه الكفاية.
23 شوال عام 1236 للهجرة المباركة
(داود باشا )
يُذكر بأن حاكم كربلاء ومتوليها (فتح الله خان) كان شديداً على الكربلائيين، وقد أساء التصرف معهم وفرض عليهم الضرائب الباهظة، وقام بالتدخل في جزئيات ما يقوم به أهل المدينة، وأنه لم يكن يعير إهتماماً لقدسية العتبات المقدسة فيها.
كما أطلق يد (اليرمازية) الشقاة و (الأرناؤوط) من جيش الوالي في الضغط على الأهالي وإيذائهم، مما دعا بأهل المدينة إلى رفع الشكاوى والإحتجاج إلى الوالي داود باشا الذي لم يهتم بدوره لهذه الشكاوى بل إلتزم جانب الحاكم.
عند ذلك قرر الأهالي تدبير خطة محكمة ضد حاكم المدينة (فتح الله خان)، وتم قتله ومعه أخيه، وتم حز رأسيهما وطيف بهما في أزقة المدينة. وكانت الحادثة كالتالي كما نقلتها مصادر المدينة وتداولتها:
عندما فكر الكربلائيون بالاستعداد للوثوب ضد المتولي فتح الله خان وجماعته اليرمازية وعسكره من الأرناؤوط، فأعدّوا خطة للإنتقام منه فدعوه إلى وليمة غداء تقام له في إحدى بساتين كربلاء، وعندما حان موعد الوليمة حضر الحاكم راكباً على جواده يحيط به الفرسان من الأرناؤوط وكانوا مدججين بالسلاح وهم في غاية الخيلاء والغرور. وترجلوا في مكان الوليمة الذي كان في بستان يقع في الضواحي الشمالية من المدينة في منطقة (الهيابي).
وإثناء تناول الحاكم وجماعته الطعام هجم عليه ثلاثون رجلاً من الأهالي وكانوا مسلحين بالبنادق والسيوف والعصي. وأطلق النار على الحاكم الذي أصيب برصاصتين وأصيب أخوه الذي كان معه برصاصة واحدة وإشتبك الأهالي معهم، فقد جرّد الحاكم سيفه وهو مصاب وحمل على الأهالي مع فرسانه، فلم يمهلوه الأهالي طويلا حيث هجم عليه رجل يدعى (جاسم) حاملاً سيفاً بيده فأسرع إلى ضرب الحاكم الذي سقط على الأرض وتم حز رأسه، وقتل أخوه أيضا وحزّ رأسه ...
وعند هذا المشهد فقد تفرق شمل فرسانه وهربوا من المكان، وأخذوا رأسيهما وطافوا بهما في أزقة المدينة وإنظم لهم الأهالي وهم يرددون (الهوسات). وكان ذلك في الخامس من محرم سنة 1237ه الموافق 3 تشرين أول 1821م.
فتفرق شمل الجيش (الأرناؤوط) وكذلك (اليرمازية) من الشقاة، وحينها كانت كربلاء تستعد لمناسبة العاشر من محرم في كل سنة، والتي تتطلب المناسبة تهيئة واسعة واستعدادات كبيرة.
عندما علم داود باشا بالأمر قام بإرسال مندوباً عنه إلى علماء كربلاء وطلب منهم مغادرة المدينة لأنه عازم على إجتياح كربلاء.
فعقد العلماء إجتماعاً وقرروا إرسال وفد إلى الوالي داود باشا لمفاوضته وعقد الصلح بينه وبين الكربلائيين، فتم للوفد ما أرادوا ... وعيّن الوالي حاكماً جديداً لقصبة كربلاء. ولكن بالنسبة لداود باشا كان وقع مقتل حاكمه على كربلاء كبيراً في نظره وأخذ يفكر بالإنتقام من أهالي المدينة الذين طالما بادروا بالعصيان وإعتادوا على حكم مدينتهم بأنفسهم، ولكنه قِبل بالصلح والوساطة لأنه كان يستعد للحرب مع إيران حينها، وقد أجّل ما ينوي القيام به إلى ما بعد أن ينتهي من مشاكله مع إيران التي لها تأثير كبير على مدن العتبات وخاصة مدينة كربلاء. وبعد الصلح الذي توسط به العلماء قرر الوالي إجراء تغييرات في إدارة المدينة ومنها:
1- فقد قرر الوالي داود باشا تعيين ( علي أفندي) حاكماً ومتولياً جديداً لقصبة كربلاء خلفاً لحاكمها المقتول فتح الله خان.
2- إعفاء السيد محمد علي بن عباس بن نعمة الله آل طعمة من سدانة الحسين وتعيينه نائباً لمتولي كربلاء علي أفندي (1).
3- تعيين السيد سلطان (2)بن ثابت بن درویش آل ثابت سادناً للعباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ)
1) من المؤسف أن يسعى السيد محمد علي عباس آل طعمة إلى منصب إداري زائل فضّله على منصب السدانة، وتولية السدانة وخاصة لمرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) لا يعادلها منصب نائب المتولي وذلك لشرفية المنصب وعلو شأن متوليه، وهذا ديدن الغافل !!
2) هو السيد سلطان بن ثابت بن درويش بن محمد بن حسين بن ناصر بن ثابت (الذي ينتسب إليه السادة آل ثابت في كربلاء) بن سلطان كمال الدين بن إدريس بن جماز بن نعمة الله بن علي القصير بن أبي القاسم محمد بن يحيى زحيك (الذي يرجع له آل زحيك في كربلاء) بن منصور بن محمد بن یحیی بن أبو الحرث محمد بن السيد عبدالله الحائري (نقيب الطالبيين في العراق وأول من هاجر إلى كربلاء من مقابر قريش في الكاظمية) بن محمد بن أبو الحرث بن علي أبي الحسن المعروف ب (ابن الديلمية) بن أبي الطيب بن الحسين أبو عبدالله القطعي (نقيب النقباء) بن موسى أبو سبحة بن إبراهيم (المرتضى الأصغر) بن الإمام موسى الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). وكان السيد سلطان حاكم كربلاء المطلق في واقعة المناخور، وقد أعقب ولده السيد (سعيد) الذي تولى سدانة الروضة العباسية من سنة 1265ه إلى سنة 1285ه /1848م إلى سنة 1868م ، وكان السيد سعيد متزوجاً من إبنة شاه إيران (فتح علي القاجاري). والسادة آل ثابت في كربلاء لهم تاريخ مجيد وكانوا وما زالوا من وجهاء البلد.
خلفاً لوالده الذي توفي (1)في محرم سنة 1237ه.
4-أن يدفع الكربلائيون (35000) خمسة وثلاثون ألف (قرآن)(2)فضة كضريبة سنوية.
5- إعادة الحامية العسكرية من الأرناؤوط إلى كربلاء بعد أن تفرقت إثناء حادث مقتل حاكم كربلاء فتح الله خان.
6- تسليم قتلة الحاكم السابق إلى الحكومة لمحاكمتهم.
وبهذه الإجراءات إعتقد داود باشا أن يتم الهدوء في مدينة كربلاء، ويؤجل ما يضمره لها بعد إنتهائه من مشاكله مع إيران.
وفقاً للصلح المبرم بين الوالي داود باشا وأهالي كربلاء بوساطة العلماء، قرر الوالي تعيين ( علي أفندي) حاكماً جديداً لكربلاء ليحل محل الحاكم المقتول فتح الله خان، وباشر الحاكم الجديد عمله في منتصف شهر محرم سنة 1237ه/ (23 تشرين أول سنة 1821م)، ولم يستمر في منصبه سوى ثلاثة أشهر حيث تم قتله في ربيع الثاني من نفس السنة.
من إجراءات داود باشا أيضاً تعيين (سادن الحسين) السيد محمد علي بن عباس آل طعمة نائباً للمتولي (الحاكم) علي أفندي كإجراء لمشاركة أهل المدينة في الحكم، حتى يتولى الحاكم ونائبه حفظ الأمن في كربلاء وتهدئة الأمور وتسليم قتلة الحاكم إلى الحكومة. وبهذا التعيين الذي قبل به السيد محمد علي يعني أنه تخلى عن السدانة وأصبحت شاغرة.
ومن الإجراءات التي تمت بعد الصلح أيضاً تعيين السيد سلطان بن ثابت بن درویش بن محمد آل ثابت سادناً للعباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الذي باشر في السدانة في شهر محرم سنة 1237ه.
وعندما أصبحت سدانة الحسين شاغرة عندما أعفي سادنها السيد محمد علي بن عباس وقبوله بمنصب نائب المتولي، فقد تدخل نقيب أشراف كربلاء السيد حسين بن مرتضى النقيب آل دراج وطلب من (الوالي داود باشا) تعيين صهره (زوج ابنته) السيد محمد علي بن السيد محمد موسى (1)الملقب (أبو ردن) سادناً للروضة الحسينية.
وقد وافق داود باشا على شرط أن يتعاون النقيب والسادن الجديد مع متولي كربلاء وحاكمها الجديد (علي أفندي)، وان يوقفا الحرب والعدوان والعصيان، وأن يسلّما قتلة المتولي السابق.
1) هو السيد محمد علي بن محمد موسى شرف الدين بن درويش بن شرف الدين بن عباس بن شرف الدين بن هاشم بن محمد بن شرف الدين الكبير بن طعمة الأول كمال الدين من آل فائز ... لقب السيد ب (أبوردن) لأنه كان يرتدي ثوباً لا يرتديه إلّا الفارس أو الزعيم، وعند عشائر العرب كان الزعيم يرتدي ثوباً فيه اردان طويلة، فعندما يهزّ (ردنه) في المجلس فإن الكل يخضع لرأيه ويقاتلون معه. كان سيدًا جليلا مهاباً شجاعاً ذو رفعة ونفوذ كبير ، وقد صاهر نقيب كربلاء السيد حسين الدراج.
إتضح فيما بعد أن نقيب كربلاء السيد حسين الدراج وسادن الحسين السيد محمد علي أبو ردن والسيد سلطان آل ثابت سادن العباس هم الذين يمسكون بزمام الأمور مور في كربلاء إثناء تلك المرحلة، بعد أن تبين أن لا الحاكم الجديد (علي أفندي) ولا نائبه السيد (محمد علي آل طعمة) الذي فضّل المنصب الإداري الحكومي على سدانة الروضة الحسينية والتي تعتبر منذ عدة قرون هي الموقع الأول في المدينة لما يمتاز شاغل هذا المكان بالأهمية والتميّز ... أن يتمكنا من عمل أي شيء.
ولم يسّلم النقيب ولا السادن الجديد قتلة الحاكم السابق، مما دعا إلى تحرك اليرمازية والأرناؤوط وقتلوا (علي أفندي) وابنه الكبير في ربيع الثاني سنة 1237ه/ 1821م، وفرار ابنه الثاني إلى بغداد. وبعملهم هذا أرادوا أن يحركوا داود باشا وإلقاء تبعة مقتل علي أفندي وابنه على الكربلائيين لإشعال فتيل الفتنة، حتى يعطوا الوالي داود باشا العذر بمهاجمة كربلاء.
واليرمازية هم الشقاة الذين كانوا يتبعون للدولة باطناً، وكانوا في الظاهر يعتبرون أنفسهم بأنهم يقومون بخدمة المدينة وأهلها. وزاد من ذلك شكوى الابن الثاني للحاكم إلى داود باشا مطالباً إيّاه بتأديب الكربلائيين لقتلهم والده!!
بادر علماء كربلاء والنجف وأرسلوا وفداً إلى داود باشا برئاسة المرحوم العلامة الشيخ (موسى بن الشيخ جعفر آل كاشف الغطاء) (1)
وكان توسط الشيخ موسى بطلب من داود باشا لمنع حصول أي تدخل من الحكومة الإيرانية، وكان يتمتع الشيخ لدى الوالي بنقوذ كبير ولا يرد له طلب.
المصلح الكبير، وبعد جهد جهيد تم التوصل إلى عقد الصلح مع الوالي، وساعد وزيره بجهود طيبة لإصلاح1) سبق وأن قام المرحوم الشيخ موسى كاشف الغطاء بدور المصلح بين الحكومة الإيرانية وحكومة داود باشا في بغداد، حيث جرى وقتها اعتداء على أحد الأمراء القاجاريين وهو (الشاه زادة محمد علي میرزا) عندما جاء زائراً إلى كربلاء وبصحبته عائلته، وقد إعتدى عليهم الأرناؤوط وسلبوهم أموالهم وأساءوا إلى حريم الأمير. وتدخلت الحكومة الإيرانية مطالبة الوالي في بغداد الإقتصاص من الجناة.
ذات البين والذي أشار إلى داود باشا بعدم تعيين متولي (حاكم) جديد لقصبة كربلاء وإنّما الاكتفاء بنائب المتولي السيد محمد علي آل طعمة لعله يستطيع تمشية الأمور حسب رغبات الوالي(1).
لكن الأمور لم تهدأ في كربلاء، وعندها قام داود باشا باستعمال طريقة جديدة أو خطة جهنمية للإيقاع بالكربلائيين بعد أن أخذ فتوى من علماء أهل السنّة بأن في مدينة كربلاء (مارقين) ويسبون الخلفاء ويتطاولون على الصحابة مستندا إلى كتاب الشيخ أحمد الإحسائي (2)الموسوم (شرح الزيارة الجامعة). والحقيقة فإن داود باشا عرف عنه شدة ميله الطائفي والمعادي لمنهج أهل البيت وكان يستعمل هذا الأسلوب القذر للوصول إلى غاياته.
بقيت الحالة العامة في كربلاء غير مستقرّة، والفوضى تعم المدينة من أعمال الأرناؤوط ويرمازية داود باشا فترة من الزمن ، وكان حينها داود باشا يخوض حرباً مع إيران إستمرت من عام (1820م إلى عام (1823م) (3)(1237 ه إلى عام 1239ه).
كما أنه كان مشغولاً بثورة أهل الحلة التي دامت وقتاً طويلاً ودارت معارك عديدة فيها (4). وفي سنة 1239ه (1823م) وجّه الوالي داود باشا أنظاره إلى كربلاء، وفي بداية السنة التالية قام بإتخاذ إجراءات عديدة منها:
1) نعتقد بان هذا الأمر كان محاكاً من قبل داود باشا لزيادة التفرقة بين أهالي كربلاء، حيث إن هناك خلافاً حاد وواضح سوف نذكره لاحقاً ضمن حوادث الواقعة بين نائب المتولي من جهة ... والنقيب وسادني الحسين والعباس من جهة ثانية. وما عمل داود باشا ذلك إلّا إتّباع سياسة فرَق تسُد.
2) المرحوم الشيخ أحمد الإحسائي هو رئيس الفرقة الشيخية ومؤسسها ، كان عالماً معروفاً في زمانه، وسيتم الحديث عنه لاحقاً بشكل مفصل.
3) داود باشا والي بغداد: د. عبدالعزيز سلیمان نوار، ص115.
4) راجع تاريخ الحلة : الشيخ يوسف كركوش، ج 1 ص 133 - 136 . منشورات الشريف الرضي.
عندما أخضع داود باشا الحلة بالقوة، قرر محاربة أهل كربلاء، وأشار عليه وزيره بكتمان حقده عليها واللجوء إلى الحيلة ببث الفرقة . فقد عيّن كتخدا البوابين (سليمان آغا كتخدا) متولياً (حاكماً ) لكربلاء جمادي الأولى سنة 1240ه / 1824م(1).
تعيين السيد وهاب(2)بن محمد علي آل طعمة سادنا للحسين (عليه السلام)
قام الوالي داود باشا بإعفاء السيد محمد علي (أبو ردن) الفائزي من سدانة الروضة الحسينية وذلك بداية منه للضغط على أهل المدينة ولِما كان يضمره لهم، وأصدر أمراً بتعيين السيد وهاب بن محمد علي بن عباس آل طعمة سادناً للحسين، وكان والده الذي كان يشغل منصب نائب متولي كربلاء قد توفي في تلك السنة.
وذُكر بأن تعيين السيد وهاب كان بتدخّل من السيد محمد مهدي القزويني(3)والد زوجته. وأن والده السيد محمد علي كان متعاوناً مع الوالي عند استمراره في
1) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي، ج 6 ص 287 . ونعتقد من مجريات الأحداث إن تعيين سليمان كان سنة 1240ه، وأن العزاوي لم يشر إلى مصدر معين.
2) هو السيد وهاب بن محمد علي بن عباس بن نعمة الله بن يحيى بن خليفة بن نعمة الله بن طعمة (الثالث) بن علم الدين الفائزي. وهو الجد الأعلى للسادة آل الوهاب من آل طعمة. أستلم السيد وهاب سدانة العباس وسدانة الحسين وحاكمية كربلاء في فترات مختلفة اثناء الصراعات الدائرة في كربلاء في عهد المماليك وفي واقعة المناخور كان يقف بجانب الوالي داود باشا ضد زعماء كربلاء، مما إضطرهم إلى محاربته ومن ثَمَّ هروبه، بينما نجد أن له موقف مغاير في حادثة نجيب باشا ( غدير دم) حيث وقف مع أبناء بلدته ورؤسائها موقفًا مشرفًا وتعرض بعدها إلى الملاحقة. وسيجد القارئ التفاصيل ضمن سرد الأحداث الخاصة بالوضع في كربلاء إثناء الحوادث التي نحن بصددها.
3) هو السيد محمد مهدي بن محمد باقر بن عبدالكريم بن نعمة الله القزويني الموسوي، هاجر والده محمد باقر وعمه محمد علي من قزوين في إيران سنة 1185ه / 1771م إلى النجف وإنتقل أولادهم إلى كربلاء. والسيد محمد مهدي هو شقيق السيد إبراهيم القزويني (صاحب الضوابط) العلامة المعروف.
منصبه بكربلاء حاكمًا بالوكالة. وكان السيد وهاب شاباً قليل الخبرة مستنداً إلى موقف والد زوجته ومكانته العلمية حينها .
وبهذه التطورات نجد بأن نقيب كربلاء السيد حسين آل دراج لم يُستدرج إلى المؤامرة التي يحوكها داود باشا وبقي صلباً لتمتعه بعقل راجح ودماثة خلق وكرم.
وبقي نفوذه الواسع في الوسط الكربلائي لمحبة أهل المدينة له. وأن متولي كربلاء الجديد (سليمان آغا كتخدا) عندما عيّنه داود باشا في أوائل عام 1240ه / 1823م، لم يخرج النقيب لاستقباله ولم يقابله ... وبعد خمسة أشهر من قدومه بعث النقيب إليه هدية وهنأه بمنصبه الجديد، فأجابه الحاكم بتاريخ 10 شوال من نفس السنة يخبره بوصول الهدية ويشكره عليها، ويطلب منه بناءً على أوامر تلقاها من الباشا بالعفو عمّا سلف شريطة أن ينهج النقيب نهجاً صالحاً ويطيع أوامر الوالي داود باشا.
وجاء في تاريخ العراق بين إحتلالين النص التالي: «في أوائل هذه السنة نصب سليمان أغا كتخدا البوابين. وبعد خمسة أشهر أنفذ نقيب كربلاء هدية إليه وهنأه بمنصبه فكتب إليه جواباً في 10 شوّال يخبره بوصول الهدية وشكره عليها إلّا أنه ذكّره بأن الوزير (الوالي) قد عمّا عما سلف على أن ينهج خير المناهج، وأن يترك ما يؤدي إلى المهالك وأن تصفو البقعة المباركة من الكدورات، إلّا أنه خاب المأمول بما وقع، فحذره ممن إرتكبوا الرذائل، وأوصى أن يخرجوهم من بينهم وإلّا فالعاقبة وخيمة. والمأمول أن يراعى رضا الوزير، وأن يمتثل لأمره ... »(1). لكن الجفاء إستمر بين المتولي والنقيب، لقيام المتولي بالضغط على أهل المدينة ومطالبتهم بالضرائب، فإشتكى النقيب السيد حسين إلى داود باشا على ما يقوم به المتولي، مما إضطر الوالي إلى سحبه من كربلاء. ويبدو أن سحب سليمان أغا من كربلاء كان بداية لتنفيذ داود باشا لمخططه بإخضاع كربلاء بالقوة.
1) تاريخ العراق بين إحتلالين : عباس العزاوي، ج 6 ص 287.
بعد أن سحب داود باشا حاكم كربلاء سليمان أغا قام بخطوة أخرى يبغي منها بذر الفتنة بين المعارضين من رؤساء كربلاء، فقد أسند حاكمية كربلاء إلى السيد سلطان آل ثابت سادن العباس دون أن يعفيه من السدانة، وكان إجراءه هذا محاولة منه لإضعاف نفوذ السيد حسين نقيب الأشراف الذي يتمتع بمكانة مرموقة بين الأهالي، ومن جهة أخرى فهو ضامن لموقف السيد وهاب بن محمد علي آل طعمه سادن الحسين معه، وقد كان السيد النقيب غير راضٍ على تعيين السيد وهاب سادناً للحسين، ولإيجاد ثغرة خلاف بين النقيب والسيد سلطان، وقد خاب ظنّه فيما أراد فقد كان السيد سلطان الساعد الأيمن للسيد النقيب.
فقد إتفق السيد النقيب مع السيد سلطان على مسك زمام الأمور في المدينة، محاولين تهدئة الوضع داخل المدينة، ومنع تجاوزات اليرمازية والأرناؤوط على الأهالي. وفي نفس الوقت إنظم لمساعدتهما بعض رجال الدين من العلماء الكبار وأغلب رؤساء المناطق في المدينة. ووقفا ضد تصرفات سادن الحسين التي إعتبروها طائشة لإعتماده على بعض الحفدة والمريدين له مستنداً إلى إلتزام الوالي له وقد أخذه نزق الشباب مما جعل نفسه بعيداً عن السيد النقيب والسيد سلطان حاكم المدينة، وهذا الخلاف هو بعض ما كان يتمناه الوالي ليكون لديه مبرر للقيام بعمل ما في كربلاء.
وكانت مدن العراق في تلك الفترة تدار من قبل أهلها مثل النجف والحلة وكربلاء وغيرها الكثير، حيث كان فيها الحكم محلي لضعف الدولة العثمانية واستقلال الولاة المماليك عنها وسوء إدارتهم للعراق. وكان همهم الوحيد هو ما تدفعه من المدن مستحقات لمقر الولاية.
وفي حديث ذي صلة، فإن التخاصم بين رجال الدين المتنفذين وكان جلهم من الأصول الإيرانية والمتواجدين والمقيمين في كربلاء، قد أثّر على مجريات الأحداث وتعميق الخصومات وتغليب المصالح الشخصية على الصالح العام. والعمل على تقويض نفوذ وسلطة الآخر والتقرب من رؤساء المدينة بالمصاهرات لغايات يعرفها الناس ولا تنطلي عليهم. وإن مراكز القوى المؤثرة لم يكن يهمها شأن البلد وإنما إثارة الأحقاد والضغائن والحسد وهذا ما كان دائماً ديدن الغرباء والدخلاء، بينما تقع أعباء هذه الخلافات على سكان المدينة العربية الأصيلة وسكانها العرب، وهذا ما سنلاحظه لاحقا بشكل واضح جداً.
ولابد أن نذكر بأن جملة الأحداث في عهد المماليك كان الناس فيها ينقسمون إلى قسمين، قسم قليل ومنهم رجال الدين الإيرانيين وأتباعهم يقفون دائماً مع باشوات العراق (الولاة) الأتراك ومنهم المماليك. والقسم الآخر والأكبر كانوا ضد الحكم التركي المملوكي ويقودهم سادات وأشراف البلد الأصليين، والوطنيين من الكربلائيين ورؤساء العشائر العربية ورؤساء المناطق والمحلات.
أخذ داود باشا يغيّر المناصب في كربلاء، فأساس هذه الأفعال هو خلق التفرقة والشقاق، ولا بد أن بعض رجال الدين أو العلماء كان لهم دور في التأثير على داود باشا، والدليل بأن لداود علاقة خاصة بهم فقد أرسل إليهم وفداً في بداية الأحداث حثهم على مغادرة كربلاء لأنه سوف يقوم بإجتياحها، مما جعلهم قريبين منه وبدا لهم بان الوالي يكنُّ إحتراماً لهم !!
وعندما فرغ داود باشا من حربه مع إيران وتمكنه من القضاء على ثورة أهالي الحلة القريبة من كربلاء، وجّه أنظاره إلى كربلاء، فقد وجد بأن كربلاء ما زالت عصيّة عليه فلابد من إتخاذ قرار حاسم يعيدها إلى سلطة الدولة، فقام بما يلي:
1-إعفاء السيد نقيب الأشراف من تولية النقابة لإضعافه.
2- عزل السيد سلطان آل ثابت من مناصبه.
أسند للسيد وهاب بن محمد علي آل طعمة المناصب الثلاثة المهمة في كربلاء وهي الحاكمية والنقابة والسدانة. وجعله الحاكم المطلق للمدينة.
لم يتمكن السيد وهاب آل طعمة من إنتزاع النقابة من السيد حسين بن مرتضى النقيب، ولا إضعاف مركز السيد سلطان آل ثابت اللذين تمسكا بمناصبهما بالرغم من قرار الوالي الذي كان يعرف جيداً نتيجة قراره الذي اتخذه بدهاء مفرط وحيلة كبيرة لإشعال فتيل الفتنة بين الكربلائيين، وعندها يكون له الواعز للتدخل
العسكري لإخضاع المدينة.
ما زاد الطين بِلّة هو عندما جمع الوالي المناصب الثلاث بيد السيد وهاب محمد علي آل طعمة وهي السدانة والنقابة وتولية قصبة كربلاء. مما دعا ذلك إلى نفور أهل المدينة منه لإنقياده خلف والد زوجته القزويني، وخلف بعض الحفدة والحاشية والمتزلفين المحيطين به، ومن ثَمَّ سقوطه في أحضان داود باشا ليضغط على رؤساء كربلاء.
ولما كان يضمره داود باشا من شر وسوء لأهل كربلاء، فقام بعمل زاد به شقة الخلاف. حيث إستدعى السيد (وهاب آل طعمة) سادن الروضة الحسينية إلى بغداد وتحادث معه طويلاً، وأسند إليه جميع المناصب المهمة في كربلاء. وعاد إلى كربلاء يحمل الفرمان (البيرولدي ) ومعه ثلاثة من (الجوخدارية) وذلك في 15 رمضان 1241ه / 1826م. وكان هؤلاء الثلاثة من العناصر المشكوك فيهم والذي كان السيد وهاب يعتمد عليهم، وكانوا من ارباب السوابق وهم: غزول السالم ومحمد الشامي وابن عيسى مما أثّر ذلك بنفور أهل المدينة من السيد وهاب لانقياده إلى داود باشا وإرتمائه في أحضانه لتفضيله مصلحته الذاتية على مصلحة مدينته وأهلها، وكذلك وقوفه ضد رؤساء وأشراف المدينة. وأخذ ينّفذ ما يمليه عليه الوالي ضد مصلحة الكربلائيين، وزاد هذا النفور إتخاذه حاشية وحفدة فاسقين يحيطون به (1)يعتبرهم الكربلائيون من أهل السوء والمصلحية .
1) مدينة الحسين محمد حسن مصطفى الكليدار ، السلسلة الثالثة ص 209 - ص 210. عن كاشف الإعجاز الذي قال : ( كان متهوراً متسرعاً وينقاد في آرائه إلى موجهيه من الحفدة التي (الصحيح (الذين) يحيطون به، لذا تكالبت عليه نفوس خصومه فثاروا ضد السلطة عندما أولاه المناصب الثلاثة ... » .
وهنا إرتاب السيد النقيب من الأمر ودعا السيد محمد علي موسى أبوردن سادن الحسين المعزول، والسيد سلطان آل ثابت حاكم كربلاء وسادن العباس المعزول أيضاً إلى إجتماع في داره ..
بعدها طلبوا من السيد وهاب أن يسلمهم هؤلاء الثلاثة بإعتبارهم من اليرمازية والشقاة. فعارضهم السيد وهاب، مما دعا بالنقيب الايعاز إلى جماعته بالقبض عليهم، فتصدى السيد وهاب وجماعته لرجال النقيب، وحدثت مشادات، وتطور الأمر إلى نشوب قتال بين الطرفين يوم 20 رمضان 1241ه ولعلع الرصاص في أجواء المدينة (1).
هاجم أهل المدينة دار السيد وهاب وأضرموا فيها النار وقبضوا على السيد وهاب وإعتقلوه في دار النقيب، وتوسط العلامة محمد حسين الشهرستاني (أغا بزرك)، وأنقذ السيد وهاب وحافظ عليه في داره.
فهرب السيد وهاب بصحبة والد زوجته العلامة محمد مهدي القزويني إلى بغداد لإبلاغ داود باشا بما حدث في كربلاء، وأوغل صدر داود باشا على المدينة متناسياً أنه من أبنائها، ووضع مصلحته الشخصية فوق مصلحة مدينته وأهلها. غير مبالٍ للعواقب التي سوف تحدث، يسانده والد زوجته الإيراني الأصل على ذلك. وهذه
1) من المؤسف أن يوعز مؤلف كتاب مدينة الحسين في السلسلة الثالثة منه، أن النقيب إتخذ هذا الإجراء نتيجة عزله عن نقابة الأشراف ... وكأن الموضوع شخصي بين الإثنين، والحقيقة هي أن النقيب أساءه ارتماء السيد وهاب في أحضان الوالي، وإتخاذه أشخاص يرافقونه من الأغراب ومن المشكوك فيهم من النفعية والحفدة والحاشية السيّئة، وكان النقيب وأشراف وسادات ورؤساء كربلاء أكبر من المناصب، وتهمهم مصلحة المدينة واهلها ... ولكن مؤلف (مدينة الحسين) كان يجانب الحقيقة في تحليلة للوقائع بسبب تعصبه العائلي للأسرة التي ينتمي إليها والسيد وهاب المذكور. فيما يحاول تارة مدح النقيب ويصف السيد وهاب بأنه شاب ويلتف حوله حفدة وحاشية ... إلّا أنه مهيب الجانب وكل رؤساء كربلاء يمشون خلفه مهابة له، وقد ذكر ذلك في السلسلة الثالثة ص 209 وص 210 منه ويمكن للقارئ الرجوع لما كتبه عن السيد وهاب وعلاقته بالوالي وعن شخصيته التي نقل عنها نص ما ورد في (كاشف الإعجاز) ، حتى لا تحسب علينا من طرف الإنتقاد ! ! !
الأحداث وقعت بعد خمسة أيام من تعيين الوالي للسيد وهاب بالمناصب الثلاث. مما دعا بداود باشا إلى محاربة أهل مدينة كربلاء بواقعة المناخور التي إبتدأت في 13 شوال سنة 1241ه . أي بعد أقل من شهر من هروب السيد وهاب إلى الوالي في بغداد وحثّه على التدخل العسكري في كربلاء. وكانت نتيجة ذلك معارك إستمرت طويلاً ولم يتمكن داود باشا من السيطرة على كربلاء إلّا بعد سنوات عدة وإليك التفصيل:
هذه الواقعة حدثت في كربلاء في زمن والي بغداد (داود باشا) الذي كان يمثل فترة حكم المماليك، والمعروف عن داود باشا أنه إستلم أيالة بغداد بعد إغتيال (سعيد باشا)، وطمع داود باشا في استقلاله بالعراق، وحكم إلى عام 1247ه الموافق لعام 1831م، أي ما يقارب ثلاث عشرة سنة وإنتهى حكمه عندما زحف (علي باشا اللاز) على بغداد وقبض على داود باشا، وبذلك إنتهى حكم المماليك في العراق.
سمّيت هذه الواقعة بالمناخور نسبة إلى قائد الجيش الذي حاصر كربلاء وقاد الهجوم عليها وهو (سليمان ميرآخور) أمير الإصطبل.
عندما علم النقيب بهروب السيد وهاب آل طعمة إلى بغداد، وهو يعلم مسبقاً ما یکنّه داود باشا من حقد على كربلاء وما سوف يضيفه السيد وهاب إليه من تحريض، فدعا النقيب في اليوم الأول لعيد الفطر ، أي في 1 شوال 1241ه-إلى وليمة غداء ودعا فيها رؤساء البلدة وتداولوا الأمور وما يجب أن يتخذوه من إجراءات لتوقعه بفتنة سوف تحدث، ولابد أن يتشاور مع رؤساء المدينة. فقد تم الأمر باستمرار السيد سلطان آل ثابت على حاكمية كربلاء، وتسلّم السيد محمد علي بن محمد موسى (أبو ردن) سدانة العتبتين.
عقدت عدة إجتماعات في كربلاء على ضوء التصوّر الذي طرحه السيد النقيب، والاجتماعات كانت تناقش فيها كل الاحتمالات وكما يلي:
ضم علماء الدين وجُلّهم من الأصول الإيرانية، وبعض الإيرانيين المقيمين في مدينة كربلاء وبعض رؤساء المناطق. وتم الاجتماع في بيت محمد حسين (آغا بزرك) بن محمد مهدي الشهرستاني(1)، الذي كان يقف بصف النقيب والسيد محمد علي موسى أبو ردن، لأنه وأباه كانوا على خصومة مع السيد محمد مهدي القزويني الساند الأول للسيد وهاب.
وقد ترأس الإجتماع بنفسه وضمّ كلّ من السيد صالح الداماد (2)والسيد محمد بن السيد علي (صاحب الرياض) الطباطبائي (3). والشيخ باقر الكازروني والحاج محمد
1) السيد محمد مهدي الشهرستاني هو محمد مهدي بن أبي القاسم بن روح الله بن جلال الدين الحسن بن المرزا رفيع الدين محمد الصدر بن جلال الدين محمد أبو الفتوح بن زين الدين علي بن صدر الدين. ويقال أن نسبه يرجع إلى موسى أبو سبحة بن إبراهيم المرتضى بن الإمام الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) . ولد في (إصفهان) عام 1130ه- / 1717م، وترعرع في بلدة (شهرستان) وإرتحل إلى كربلاء عام 1188ه-/1774م. درس على يد علماء كربلاء مثل الشيخ يوسف البحراني والشيخ محمد مهدي الفتوني وأجازوه وأصبح من العلماء المقلدين إشترى داراً في الجهة الشمالية من الروضة الحسينية قرب باب السدرة ، وأصبح هذا البيت يسمى ب- (ديوان الشهرستاني). وتوفي سنة 1216ه-/1801م في كربلاء. وكان ابنه العلامة السيد محمد حسين المشهور ب- (أغا بزرك) المتوفي بالطاعون سنة 1247ه- / 1831م ، وكان له دور في واقعة المناخور وكان على خلاف مع السيد محمد مهدي القزويني والد زوجة السيد وهاب طعمة.
2) السيد صالح الداماد هو صالح بن حسن بن السيد يوسف الموسوي. و (داماد) كلمة فارسية تعني (صهر)، وجاء هذا اللقب إليه لأن والده السيد حسن كان صهر العلامة السيد علي الطباطبائي، الذي كان في زمانه من اكابر العلماء والرؤساء الدينيين في كربلاء. كان السيد صالح عالماً فقيهاً غيوراً على بلدة سيد الشهداء، ومن الثوار والمدافعين عن كربلاء في واقعتي المناخور ونجيب باشا (غدير دم)، وبعد واقعة غدير دم تم إلقاء القبض عليه وأخذ أسيراً ونفي إلى كركوك، وتم التوسط له واطلق سراحه وأرسل إلى طهران في زمن ناصر الدين شاه وسمي هناك ب- (مير صالح عرب). ومن مؤلفاته (زهو الرياض) و(المذب في الاصول) وغيرها. توفي سنة 1303ه- / 1885م ودفن في كربلاء.
3) السيد علي الطباطبائي ( صاحب الرياض) هو من مشاهير علماء القرن الثاني عشر الهجري. ولد في الكاظمية سنة 1161ه- / 1748م ، وتتلمذ على علماء عصره وتصدّر للتدريس والفتيا في كربلاء. ومن مؤلفاته (الرياض في فقه الامامية) وهو المؤلف الذي إشتهر به باسم (صاحب الرياض)، وله مؤلفات أخرى. توفي سنة 1231ه- / 1815م ، ودفن في الرواق الشرقي من الحرم الحسيني ما يلي قبور الشهداء. وأعقب ولده الوحيد (محمد) الذي لقب فيما بعد بالسيد (محمد المجاهد) الذي أفتى بمحاربة الروس عندما إندلعت الحرب الإيرانية الروسية حول آذربايجان. ولد السيد محمد سنة 1180ه- / 1766 في كربلاء، وأصبح من العلماء الكبار وتزعَم الطائفة في عصره. ومن مؤلفاته كتاب (المفاتيح) وكتاب (المناهل) وغيرها. وتوفي السيد محمد سنة 1242ه- / 1827م في كربلاء ودفن في مقبرة خاصة تقع في رأس سوق التجار الكبير على مقربة عدة أمتار من شارع الإمام علي. وقد شيّد على قبره ضريح تعلوه قبة خضراء موشاة بالكاشاني (الطابوق الكربلائي). وقد تم إزالة القبر عام 1979م عندما جرت التوسعات الأولى لمشروع ما بين الحرمين، حيث أصبح ضمن الساحة الكبيرة بين الحرمين وإندرس أثره الآن. واعقب ولدين هما السيد حسن والسيد مرزا مهدي.
علي خان(1)رئيس البلوش والحاج أحمد الندّاف، وحضره الأمير الإيراني (حسن خان) الذي كان من أتباع (شاه زادة بلوجرد القزلباشي) الذي كان يسكن كربلاء.
والأمير حسن خان هو الذي جلب معه من إيران السيد كاظم الرشتي (2)الذي کان من أتباع الشيخ أحمد الاحسائي، وأصبح تلميذه الأول وخليفته على معتقده.
1) محمد علي خان هو محمد علي بن الشيخ طالب بن حمود بن صايل السنعوسي. الذي يرجع نسبه إلى قبيلة (شمر) العربية. وكانت ديارهم قديماً في عين التمر (شثاثة) ، وعندما هاجم الوهابيون كربلاء وعملوا ما عملوا بها، نزح الحاج محمد علي الذي لقب فيما بعد (خان) مع بعض أفراد عشيرته من عين التمر وسكن كربلاء في محلة باب النجف، ليكون هو وعشيرته من المدافعين عن المدينة عند تعرّضها إلى غزو أو اعتداء على حرمات العتبات فيها. كان ذا مال وحلال وأسس له ديواناً في محلة باب النجف ملاصقاً لزقاق البلوش من جهة زقاق كدا علي ممتداً إلى شارع الجمهورية الحالي، الذي عاد إلى حفيده الشيخ حمود بن مهدي بن حسين بن محمد علي خان بن الشيخ طالب السنعوسي المتوفى سنة 1936م ، ولازال قائماً بمساحة 910م مربع وقد وضعت الأوقاف يدها عليه سنة 1949م. ولم يعقب الشيخ حمود سوى بنتين والحاج محمد علي خان من أبطال واقعتي المناخور ونجيب باشا (غدیر دم). وكان يقود جمع البلوش الذين التفوا حوله وأصبحوا من اتباعه لبأسه وشدّته ووجاهته حيث كان من رجال كربلاء في زمانه.
2) هو السيد كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي، عالم دين ذاعت شهرته في الأوساط الدينية والاجتماعية والسياسية في كربلاء. نزح من مدينة (رشت الإيرانية) وكان من أبرز تلاميذ الشيخ أحمد الإحسائي مؤسس الفرقة الشيخية، وتابع السيد كاظم دعوته مبشراً بقرب ظهور المهدي، وأسس الطريقة الكشفية وتتلمذ عليه ( علي محمد الشيرازي) مؤسس الحركة البابية. وفي كربلاء كان للسيد كاظم مؤيدون ومناوئون نتيجة أفكاره الجديدة، وأصبح لديه خصوم من علماء الأصولية، وله عدة مؤلفات أبرزها (دليل المتحيرين) وهو الجد الأعلى للسادة آل الرشدي الحاليين في كربلاء. وكانت ولادته سنة 1205ه- / 1790م، ووفاته في كربلاء سنة 1259ه- / 1843م. وأعقب ولدين هما (حسن) الذي أعقب (كاظم) الذي لم يُعقب. أما الثاني فهو السيد الجليل العلامة (أحمد وفي) الذي حل محل والده والمقتول غدراً في كربلاء سنة 1295ه- / 1878م والعقب منه في ولده السيد (قاسم) الذي كان أحد وجوه البلد في بداية القرن العشرين. (وسيتم التفصيل في محله من هذا الكتاب عن الحركة الكشفية والسادة آل الرشدي).
كما حضر الاجتماع الكثير من أبناء كربلاء ذوي الأصول العربية العريقة يصطفون مع الحاج محمد علي خان، وكان حضورهم في هذا الاجتماع له مغزىً خاص لكي لا يمرر المتخاذلون مواقفهم التي تؤثر على حماس أهل المدينة. وذكر في الاجتماع طرح موضوع فتوى علماء بغداد التي اعطوها إلى داود باشا (والتي سبق ذكرها). كان موقف أبناء المدينة الحاضرين في الاجتماع رائعاً، فقد قرروا مقاومة داود باشا وجيشه في حال حصول الاعتداء على مدينتهم والمحافظة على قدسيتها وعتباتها المشرّفة. إلّا أن موقف أغلب علماء الدين كان سلبّياً في الاجتماع، وقرر هؤلاء ترك مدينة كربلاء ومغادرتها إلى الكاظمية (وقد فعلوا ذلك وغادروها قبل الهجوم عليها ) ... !!
كما أن الأمير الإيراني (حسن خان) ومرافقه (كاظم الرشتي) عارضا فكرة مقاومة الوالي داود باشا في حالة محاربته لكربلاء ... ودعوا إلى ضرورة استسلام الكربلائيين (1). مما حدا برئيس البلوش (2)الحاج (محمد علي خان) إلى إخراجهم
1) يتبين من ذلك أثر التدخل الإيراني في أمور المدينة خاصة في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر الميلادي. فماذا يعمل الأمير الإيراني في كربلاء ؟ ، ولماذا إصطحب من إيران السيد كاظم الرشتي معه، ثم ما هذا الموقف المحيّر منهم؟ ... فهل كان لهم الحق في التدخل حسب ما مرَّ علينا، أم أنه مخطط مرسوم بعيد النظر ... ونرجح هذا الأمر لأن مواقف كاظم الرشتي فيما بعد تؤكد ذلك.
2) المشهور عن البلوش أنهم من القومية الفارسية بإعتبارهم يسكنون مناطق جنوب وجنوب شرق إيران بمحاذاة سواحل الخليج العربي، وهي في الغالب صحار من الناحية الجغرافية وتمتد إلى الجانب الغربي من باكستان في إقليم (بلوشستان). وجميع المناطق المذكورة أكانت في إيران أو في باكستان يسكنها أقوام من أصول عربية عريقة ، وهم من أحفاد القبائل العربية التي شاركت جيش (محمد القاسم) عندما توجه من البصرة لفتح السند والهند من جنوب بلاد فارس، وسموا بعد ذلك بالبلوش، فهم ليسوا فرساً على الإطلاق كما يتصور البعض. لأن القومية الفارسية كانت متركزة في وسط إيران الحالية، إذا ما عرفنا أن إيران متكونة من عدة قوميات فالفرس كان مركزهم وسط إيران، وفي الشمال (الترك) الآذريين، وفي الغرب والشمال الغربي (الكرد والجنوب والجنوب الشرقي (البلوش) وهم من أصول عربية. والأفغان في الشرق والشمال الشرقي، وفي أقصى الجنوب الغربي (العرب) حيث تم إحتلال واستيلاء مناطقهم في ثلاثينيات القرن العشرين وبدأت عملية التفريس في مناطق الأحواز ومنها المحمرة وعبادان والحويزة وغيرها. وإشتهر البلوش بشدة بأسهم وشجاعتهم وتمرسهم على القتال نتيجة البيئة الصحراوية والقاسية التي يعيشون فيها. وتكونت لهم الخبرة في بناء القلاع والأسوار التي كانت تحتاجها مناطقهم التي ذكرناها وخاصة القريبة من الخليج. وبعد غزوة الوهابيين سنة 1216ه-/1801م وجد الأمر أن المدينة تحتاج إلى سور جديد ومنيع يحميها من الغزو لتهالك سورها القديم، وكذلك إلى الحماية من قبل رجال ذوي بأس شديد ليساهموا في حمايتها، فتم جلب (2000) ألفي شخص من قبائل البلوش ليقوموا ببناء السور، وليقيموا في كربلاء ليجاوروا الحائر الحسيني ويكونوا من المدافعين عن المدينة وعتباتها مع أهل المدينة في حالة تعرضها إلى الهجوم أو الغزو. وإتخذ البلوش مساكن لهم في ازقتهم المعروفة اليوم بمنطقة البلوش في أطراف محلة باب النجف ملاصقين للسور الجنوبي من الداخل. وإستقروا في المدينة وساهموا بعد ذلك في الوقائع والأحداث التي جرت في كربلاء، وكان جمعهم من أشد الجموع ضراوة وقوّة في واقعتي المناخور ونجيب باشا (غدير دم) وكانوا خلف قيادة الحاج محمد علي خان السنعوسي.
من الإجتماع، حتى طردهم من كربلاء لنيّاتهم المحبطة لحالة الحماس التي كانت تسود المدينة.
كما أن أهل المدينة يعلمون بإمكانية تعاون (كاظم الرشتي) مع داود باشا...
وقرر المتواجدون الأصلاء من أهالي كربلاء الوقوف مع السيد حسين النقيب آل دراج (نقيب كربلاء) بإعتباره زعيم ورائد لهم.
عقد الاجتماع الثاني في دار السيد محمد علي بن محمد موسى شرف الدين (أبوردن) وضم هذا الاجتماع جميع خدّام الروضتين المقدستين الحسينية والعباسية وفي مقدمتهم السيد مرتضى بن باقر بن حسن بن محمد أمين (1)(رئيس السادة آل سيد أمين الفائزيين الملقبون بآل جلوخان من آل فائز ) . والسيد محمد بن أحمد بن خليفة بن
1) هو المرحوم السيد مرتضى بن باقر بن حسن بن محمد أمين بن علي بن كاظم بن حسن بن علم الدین بن طعمة الثاني بن شرف الدين بن طعمة كمال الدين الفائزي. وهو جد السادة آل سيد أمين والذين يلقبون ب- (آل جلوخان الفائزيين) وهم غير آل جلوخان من آل سيد يوسف من قبيلة (زحيك).
نعمة الله بن طعمة (1)(جد السادة المعروفين اليوم بآل الشروفي وآل خيمكة)، وكان السيد محمد متزوجاً من شقيقة السيد محمد علي أبو ردن. وحضر الإجتماع الزعيم الكربلائي المرحوم السيد إبراهيم الزعفراني (2). ومن عشائر كربلاء غير العلوية حضره كل من الشيخ علي أبو شتيوي (3)
1) هو المرحوم السيد محمد بن أحمد بن خليفة بن نعمة الله بن طعمة الثالث بن علم الدين بن طعمة الثاني بن شرف الدين بن طعمة الأول كمال الدين الفائزي. وكان السيد محمد متزوجاً من شقيقة السيد محمد علي (أبو ردن) بن محمد موسى شرف الدين. كان رحمه الله وجيهاً شجاعاً كريماً، وهو الجد الأعلى لآل (خيمكّة) من آل طعمة متولي سدانة المخيم الحسيني، و(آل الشروفي) من آل طعمة. أعقب السيد محمد ولديه السيد سلطان والسيد مصطفى. ومن السيد سلطان كان أعقابه آل خيمكة، ومن السيد مصطفى كان اعقابه آل الشر وفي، فآل الشروفي وآل خيمكة هم فخذ واحد من السادة الأشراف آل طعمة الفائزيين. ومن أحفاد السيد محمد هو المرحوم السيد مصطفى بن محمد علي بن مصطفى بن السيد محمد المذكور ، وقد تولى نيابة سدانة الروضة الحسينية وترأس عشيرته في حياته.
2) السيد إبراهيم الزعفراني هو إبراهيم (أبو مصطفى) بن هاشم بن مصطفى بن هاشم بن مصطفی بن مرتضى بن علي بن محمد بن العلامة السيد قاسم (الرضوي) بن إبراهيم بن شاہ میر بن شكر الله بن نعمة الله بن قريش بن عطاء الله بن كمال الدين (الجد الأعلى) للسادة الآلوسيين في بغداد وآلوس... ويرجع نسبه إلى موسى المبرقع بن الإمام الجواد بن الإمام الرضا بن الإمام موسى الكاظم عليهم السلام. وقد تولى عدد من آل الزعفراني سدانة الروضة الحسينية، ولقبوا بهذا الاسم لتعاطيهم قديماً تجارة الزعفران، وفي راي آخر هو انهم كانوا يضعون الزعفران على الرز المطبوخ عندما يقدمونه في ولائمهم. وكانوا يسكنون في محلة باب الطاق، ولازال في كربلاء (طاق) باسمهم يسمى طاق الزعفراني، وكذلك زقاق في المحلة يحمل اسمهم لوجود دورهم فيه. كان السيد إبراهيم الزعفراني من رؤساء كربلاء ومن أبرز أبطال واقعتي المناخور ونجيب باشا (وسيتم ذكر دوره في الحادثتين لاحقاً).
3) هو علي بن جعفر بن محمد علي بن معيبد بن مهلهل الخفاجي وهو أحد أبطال كربلاء في واقعة المناخور، فقد كان فارساً مغواراً ، وكان رئيس جمع محلة باب بغداد (باب العلوة) في تلك الواقعة. والمتوفي سنة 1293ه- / 1876م بعد واقعة علي هدلة ولم يكن له عقب وآل معيبد هم نفسهم (آل عمران) الذين ينتسبون إلى قبيلة خفاجة العربية، وقد سكنوا كربلاء في القرن الحادي عشر الهجري. وأول من سكن منهم هو المرحوم معيبد بن مهلهل الخفاجي. وبرز منهم رجال أفذاذ لهم مواقف مشهودة في الحوادث التي مرّت بكربلاء، وشارك العديد من رجالات هذه الأسرة في الحركات الوطنية لما يمتلكونه من حس وطني وصلابة في المواقف و (عمران) بن موسى (الذي تلقب أحفاده باسمه اليوم) هو ابن أخ علي أبو شتيوي. وإشتهر من آل معيبد المرحوم الحاج عبد (أبو ذان) بن حمود وهو ابن أخ علي أبو شتيوي أيضاً، وهو من المعمرين في كربلاء وكانت له إهتمامات في التاريخ والفقه واللغة والإصول، ويعتبر في زمانه من أدباء المدينة، وأعقب ولده المرحوم (كاظم أبو ذان) الذي كان من وجهاء كربلاء ومن رجال ثورة العشرين، وقد نفي من قبل الإنكليز مع أحرار كربلاء إلى جزيرة هنجام، والمتوفي سنة 1385ه / 1965م من دون عقب.
الخفاجي (رئيس آل معيبد) والشيخ طعمة العيد (1)السعدي (رئيس بني سعد).
والشيخ حسون (رئيس عشيرة الوزون) (2)وغيرهم الكثير ... وقد عزم الجميع على مقاتلة داود باشا وجيشه في حالة اعتداءه على مدينتهم المقدسة. وقد إقترح عليهم السيد محمد علي أبو ردن الذي دعاهم إلى بيته بأن ينتخبوا النقيب السيد حسين آل دراج قائداً لهم على أن يطيعوا أوامره، فوافقوا بالإجماع على ريادة النقيب لهم.
عقد في دار النقيب السيد حسين آل دراج، وحضرت هذا الإجتماع الأسر العلوية في كربلاء من آل زحيك وهم آل النقيب (درّاج) ، وآل ثابت وآل الإشيقر وآل سيد
1) طعمة العيد هو طعمة بن عيد بن علي بن سليمان السعدي. كان من أبطال كربلاء ومن رؤساءها وخاصة في واقعتي المناخور ونجيب باشا. وهو رئيس عشيرة بني سعد. وعشيرة (بني سعد) في كربلاء من العشائر الكبيرة والمهمة، وأول من سكن المدينة منهم في أوائل القرن الثاني عشر الهجري هو الشيخ علي بن سليمان السعدي جد طعمة العيد. ولبني سعد ماضٍ مجيد ولهم الرياسة والوجاهة في المدينة. وإشتهر منهم فيما بعد الشيخ علوان الجار الله وكان من رؤساء كربلاء ومن أبطال واقعة حمزة بيك، وكان من المشاركين في ثورة العشرين، وهو علوان بن جار الله بن طعمة بن عيد بن علي بن سليمان السعدي.
2) الوزون، بطن من قبيلة خفاجة، ولهم تاريخ مجيد في كربلاء من خلال مواقفهم الوطنية وخاصة في وقائع كربلاء ضد الأتراك، كذلك ضد الاحتلال الإنكليزي، وخاصة في ثورة العشرين وبعدها. وبرز منهم أفذاذ مثل عمر وعثمان ولدا علوان بن فليح بن جدوع ونفي عمر المتوفى سنة 1931م وأخوه عثمان المتوفى سنة 1938م من قبل الإنكليز إلى جزيرة هنجام. وكان لهم موقف في واقعة حمزة بيك. وأنتخب عثمان نائباً عن كربلاء في البرلمان. ومن الوزون من إستشهد في واقعة حمزة بيك أمثال مرهون بن حسن الوزني ومحمد ظاهر الوزني ... كما برز من الوزون في النصف الثاني من القرن العشرين أمثال دندح وحسين وعباس الحمادي والوزون عشيرة معروفة وكبيرة في كربلاء وكانت لهم منطقة باسمهم في محلة باب بغداد (باب العلوة)، بل سميت المحلة باسمهم في بعض الأوقات ولازال فيها زقاق لحد الآن يسمى (عكَد الوزون) وكان يترأسهم أيام واقعة المناخور المرحوم الشيخ حسون الوزني. ولهم تواجد في باب السلالمة وفي محلة العباسية. ولا يزال لهم ثقل كبير في كربلاء.
يوسف. ومن العشائر العربية غير العلوية من سكنة مدينة كربلاء امثال آل العوّاد والسلاميين ورئيسهم محمد بن حمزة، والكبيسات برئاسة الشيخ حاجم، وكذلك من خفاجة ومنهم الطهامزة والوزون، ومن عشيرة الحميرات، والكثير من أهالي كربلاء.
وخلاصة ما دار في الاجتماعات الثلاث التي سادتها الحماسة، والعقد على مواجهة أي خطر يداهم المدينة، وإبعاد المتخاذلين وخاصة الإيرانيين الذين سكنوا كربلاء وتنعموا بها ممن وقف ضد الدفاع عنها ...
فقد أعلم النقيب بذلك فأقام وليمة كبيرة في ديوانه الكبير الواقع قرب باب قبلة الإمام الحسين، دعا إليها الكربلائيون على إختلاف طبقاتهم، وسبق الوليمة أجتماع عام تمخض عنه ما يلي:
1- إجتماع الرأي على أن يكون السيد النقيب الحاكم العام لكربلاء، وينوب عنه ابن عمّه السيد حسن بن محمد كنعان (1).
2-تعيين السيد سلطان بن ثابت آل ثابت حاكماً إداريّاً، ويتولى فض المنازعات العشائرية والامور الإدارية في كربلاء.
3- إسناد سدانة الروضتين الحسينية والعباسية إلى السيد محمد علي أبو ردن.
4- تعيين رؤساء الأطراف (المحلات) بمثابة قادة ميدانيين، ويكونوا مسؤولين حماية أطرافهم.
5- تم إتخاذ قرارات مهمة جداً لمواجهة الموقف في حالة الهجوم على كربلاء، مثل تأمين السلاح والعتاد وتهيئة المواد الأولية لذلك ... وكذلك تهيئة التموينات مثل الطعام والماء في حالة حدوث حصار على المدينة.
6- الاهتمام الجدي بتقوية وترصين سور وأبواب المدينة على وجه السرعة. وتهيئة السور والأبواب كنقاط للدفاع والهجوم.
1) السيد حسن هو ابن السيد محمد كنعان بن حسن بن عباس بن بهاء الدين بن أحمد بن محمد الدرّاج. إستشهد والده مع ابن عمه السيد علي بن مرتضى النقيب في واقعة الوهابيين سنة 1216ه-.
إتُخذت إجراءات عديدة تحسباً للمواجهة، فكان لمدينة كربلاء سور قائم يحيط بالبلدة، ويرتفع السور عن ما جاوره من مباني داخل القصبة ويشرف كذلك على ضواحي المدينة من الخارج. وكانت الضواحي تكثر فيها البساتين وتحيط بالمدينة خلا الطرق التي تتجه إلى أبواب السور الستّة. وكان على جانبي كل باب بناء أشبه بالحصن المحكم، وفي هذه الحصون المقامة على الأبواب كان يتحكم الرجال ليل نهار للحراسة وتجنب المباغتة من الخارج. فأخذت الاستعدادات الكاملة وقسمّت الأبواب الستة على مجاميع من سكان البلدة.
وكل باب عليه مجموعتان أو أكثر، وعلى كل مجموعة رئيس يتولى قيادة المجموعة، وهم متهيأون للدفاع عن البلدة وخلفهم سكان المدينة الذين بدأوا استعداداتهم لمواجهة المخاطر على شكل مجاميع من الأفراد داخل كل طرف أو محلة، علماً وكما ذكرنا في مكان آخر من هذا الكتاب إلى أن المحلات كانت تسمى بأسماء أبواب السور. وأخذت المجاميع المرابطة على السور والأبواب بإشعال النيران مساءً ويتعاقبون على الحراسة.
كان عليها فريقان الأول بقيادة الفارس المغوار ( علي أبو شتيوي). أمّا الفريق الثاني هو فريق (البركة) أو (البرجة) ويقوده (سلطان بن حياوي)(1).
1) البرجة، زقاق معروف في محلة باب بغداد حالياً، وعهو الزقاق الأول للداخل إلى المدينة القديمة من الجهة اليمنى وتتفرع من هذا الزقاق عدة أزقة ويقع قرب السور، وقسم من دور الزقاق ملاصقة إلى السور، وهذا الزقاق يعرف قديماً ب- (بُركة ماء الحاج حبيب الحافظ). وسلطان حياوي هو من بني تميم وكان من سراكيل ((المطلق الشرقي) كما ورد في مخطوطة للشيخ كاظم أبو ذان.
كان عليها فريقان، يقود الأول ( محمد بن حسين الحداد) (1)والثاني يقوده محمود الشيخ صالح (2)، ويقوم هذان الفريقان بحراسة الساحة أو (الفسحة)(3).
وكان عليها فريقان الأول يقوده (حسين بن شناوة)، والثاني (جمع البلوش) ويقوده الحاج محمد علي خان. وكان هذا الجمع (هو أعظم جموع البلد قدراً وقوّة وأشجعها قلباً وأثبتها قدماً وأقواها حزباً وأبعدها رعباً وأسبقها موقفاً ) (4).
وكان به جمع كبير وفريق واحد يقوده المرحوم السيد مرتضى بن السيد باقر آل سيد أمين الفائزي.
على هذا الباب كانت ثلاث فرق موكلة بحراسته، الفريق الأول من (النصّة) ويقوده حمد بن عنون. والفريق الثاني هو جمع الكبيسات (5)وقائدهم سالم بن عبد.
1) محمد بن حسين الحداد كان يعمل وكيلاً للنقيب السيد حسين الدراج وهو عربي الأصل من أهل كربلاء، وقد عينه النقيب فيما بعد مختاراً لمحلة باب الخان.
2) محمود الشيخ صالح ينتمي إلى بني تميم، كان مزارعاً ويسكن باب الخان وبستانه في المطلق الشرقي.
3) الفسحة، منطقة معروفة حالياً في مدينة كربلاء ، وكانت خارج السور في فضاء يمتد على شكل مثلث ... تبدأ منطقة الفسحة من السور وتنتهي بالمقبرة القديمة لمدينة كربلاء (منطقة ابن الحمزة)، والفسحة اليوم تقع خلف (سيفي حسيني) رباط طائفة البهرة.
4) مدينة الحسين السيد محمد حسن الكليدار السلسلة الثالثة ص231 .
5) هاجر الكبيسات من قصبة (كبيسة) من الأنبار بداية القرن العاشر الهجري إلى كربلاء لظروف عملهم وإستقرّوا في باب الطاق وسمي زقاقهم ب- ( عكّد الكبيس)، وفيه حمّام باسمهم وكذلك (طاق) يحمل اسمهم أيضاً. ومن أشهر رجالهم قديماً الحاج حاجم الكبيس، وعرف منهم المرحوم الحاج حمودي الوكيل المتوفي عام 1382ه- / 1961م ، وكبيرهم اليوم هو التقي الورع الحاج ، محمد حسين بن حمود الوكيل، ولهم مصاهرات عديدة مع بيوتات علوية وغير علوية أشهرها مع السادة آل قفطون خدّام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) .
والفريق الثالث هو فريق (البزّارة) ويقوده السيد إبراهيم الزعفراني وهو أقوى الفرق أو الجموع الثلاثة.
وكان المكلف عليها خمسة فرق الأولى فرقة (السلالمة) ويقودها محمد بن حمزة رئيس السلاميين(1). والثانية فرقة (الوزون) يقودهم الشيخ حسون الوزني. أمّا الفرقة الثالثة كانت فرقة الكسبة وأصحاب الحوانيت ويقودهم حسن بن يوسف الجادر. أمّا الفرقة الرابعة فهي فرقة (الطهامزة) (2)
وقد إستلم آل الهر مختارية باب السلالمة سنوات طويلة.
ويقودها محمد شامي. والفرقة الخامسة وهي1) السلالمة عشيرة عربية قديمة تقيم في كربلاء وهم من قبيلة (شمّر) أسلم ومنهم من قبيلة الخزرج. ومن أكبر محلات كربلاء سميت باسمهم والتي كانت جزء من محلة آل فائز القديمة وللسلاميين دور كبير في المجتمع الكربلائي من حيث كثرتهم ومساهماتهم الفعالة في الأحداث التي مرّت بها كربلاء، كما كانت لهم مواقف بطولية ووطنية على مرّ التاريخ برز منهم رجال أفذاذ تصدروا الواجهة في المدينة منهم الشيخ حمزة الكليدار السلامي، الذي إستلم سدانة الروضة العباسية، وكان ابنه محمد بن حمزة من أبطال واقعة المناخور . وبرز منهم الشيخ نايف البرغش الذي كان رئيسهم والمقتول في حادثة خان الحماد سنة 1917م. وبرزت من السلاميين بيوت عديدة إحتلت الواجهة وكانت لها في كربلاء الوجاهة والرئاسة.
2) الطهامزة ، فرع من قبيلة ( خفاجة) العربية العريقة ، أخذوا هذا الاسم من تواجدهم قديماً في منطقة (الطهمازية) الواقعة في أطراف مدينة الحلة، وعلى النهر المعروف باسم المنطقة وكان يسمى قديماً نهر (طهماسب). والطهامزة بيوتات كثيرة إستقرت في محلة باب السلالمة منذ القرن الثاني عشر الهجري، وأشهر بيوتاتهم هم (آل الهر) وكان أول من هاجر منهم إلى كربلاء هو الشيخ أحمد الحائري الشهير ب- (الهر). ونبغ منهم علماء وشعراء وقد ساهموا في الكثير من الوقائع التي حدثت في كربلاء. برز منهم الشاعر البصير الشيخ قاسم الهربن محمد علي بن أحمد الحائري المتوفي سنة 1276ه- /1859م، والشاعر الشيخ كاظم الهر بن صادق بن محمد علي الحائري، والخطيب الشاعر الشيخ محمد علي بن قاسم الهر، والفقيه الشاعر الشيخ جعفر بن صادق الهر والشيخ جواد بن كاظم الهر، ومحمد علي بن سلطان الهر المقتول من قبل الأتراك مدافعاً عن كربلاء. والشيخ محمد صادق بن جعفر بن صادق الهر والمعروف باسم (صبري الهر) وهو من اعلام كربلاء ومن الوطنيين. كذلك الشيخ مجيد بن حميد الهر. وترأس بيت الهر المرحوم عبد بن عزيز بن سلطان بن مهدي الهر ومن بعده ولده الحاج علوان.
أشد الفرق ضراوة في الحروب وهي فرقة عشيرة بني سعد ويقودهم الشيخ (طعمة العيد السعدي).
وكانت هناك مجاميع أخرى من المتطوعين يكون مقرهم داخل البلدة وفي مدرسة حسن خان(1)، وكانت هذه الجموع تسمى بجموع علي الأكبر تيمناً بالابن الأكبر للإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ... وهم يحملون السلاح كما أنهم رماة جيدون يقودهم حسين الحداد والسيد إبراهيم الشالجي(2).
وقد صنع الكربلائيون مدفعاً سموه (الحسيني) أو (اليتيم)، كما تنقل الروايات بأن للنساء دورٌ مهم في الواقعة وقبلها، وكان دورهن يتمثل في بث روح الحماسة بين الرجال وتضميد الجرحى.
من ذلك نجد بأن المدينة إستعدت استعداداً رائعاً، ولوحظت ثلاثة أمور قبل بدء الواقعة هي:
1 - إنقياد أهل المدينة تحت لواء وقيادة السيد حسين النقيب ومعاونيه، فإمتلكوا قيادة موحدة ذات شجاعة ورأي سديد.
2- خروج العناصر المتخاذلة، وممن خافوا من المواجهة، أو من الذين إرتبطوا بالوالي داود باشا لغايات مصلحية أو تآمرية من مدينة كربلاء إلى خارجها ... فبذلك أمنت المدينة من خطرهم، ومما زاد من تلاحم أهل المدينة وقد تناسوا الخلافات المناطقية والعشائرية وإتحدوا ضد الخطر المحدق بمدينتهم.
1) هي من المدارس الدينية المشهورة في كربلاء، وتقع في الناحية الشمالية الشرقية من الروضة الحسينية، وكانت ملاصقة ل- (الصحن الصغير) وهو مقابر البويهيين.
2) بيت الشالجي سادة أجلاء من العلويين الذين ينتمون إلى الإمام محمد الجواد عليه السلام. وقد سكنوا مدينة كربلاء منذ عدة قرون، إشتهر منهم قديماً السيد محمد علي الشالجي والسيد حسن بن محسن الشالجي، والسيد إبراهيم بن محمد بن مرتضى الشالجي وهو من أبطال (المناخور) والذي كان يلقب بالطوبجي والمقتول مع أخيه السيد خليل في صحن العباس عند دخول داود باشا كربلاء. وبرز منهم السيد حسون (عبدالحسين) بن صالح بن مهدي بن عبود الشالجي.
3- تخبرنا المصادر المتناثرة والكثيرة، وكذلك الروايات المتناقلة عن الأسلاف بأن أغنياء كربلاء لم يبخلوا بصرفهم الأموال من أجل إعداد المؤونة للقتال...من تهيئة السلاح والبارود والطعام لمواجهة الأزمة.
وبعد هذه الصورة عن استعدادات كربلاء وما بدت عليه قبل إسبوعين سبقا واقعة المناخور والتي سنورد معاركها لاحقاً.
وجّه داود باشا جيشاً إلى كربلاء وكان أكثره من الأعراب من عشيرة قشعم، ويقوده عدة قادة منهم (صفوك) رئيس عشيرة الجربة (الجرباء)، كذلك (الحاج جعفر) رئيس عشائر (عقیل)، و (حسام آغا).
كما إعتمد داود باشا على بعض العشائر المقيمة بالقرب من كربلاء. ونزل الجيش الذي كان تعداده عدة آلاف (إختلف المؤرخون في موضوع عدده، فمنهم من ذكر إثني عشر ألف راجل وفارس، ومنهم من قال أقل أو أكثر من هذا العدد) في منطقة (بدعة الصافي) وتقع في شمال كربلاء وعلى طريق كربلاء – بغداد الحالي، وتبعد
حوالي (3 كم) عن المدينة القديمة، وذلك في 13 شوال سنة 1241ه- / 1826م.
دارت عدة معارك بينهم وبين الكربلائيين، وكانت الغلبة لأهل المدينة. وعندما أصيب (صفوك) في المعارك، وعدم تمكن الجيش من التقدم على كربلاء، فعقد داود باشا لواء حملته إلى (سليمان ميرآخور) أمير الاصطبل، وسميت تلك الواقعة باسم (المناخور ) على لفظة أهل المدينة. وكان سليمان هذا متمرساً بالقتال مشهوراً بالشدّة، فقد نقل معه جنوداً من فرق أرسلها له الوالي داود باشا من البرطلية والأرسية والتركية والبوسنية.
وتبين من ذلك أن الإعداد لهذه الحملة كان كبيراً وكان داود باشا جاداً في إيذاء أهل مدينة كربلاء وإخضاعهم ليكونوا عبرة لبقية المدن التي تقل أهمية عن
مدينة كربلاء. ويستحسن أن نذكر المعارك التي شهدتها حملة المناخور على كربلاء، وننقلها للقارئ الكريم حسب ما إطلعنا على ذكرها في مختلف المصادر التي ذكرت هذه الواقعة.
1 - معركة القنطرة (1)
فإن ما جاء به مؤلف مدينة الحسين من أن القنطرة البيضة من منشآت الصفويين غير صحيح.
وإنما إعمارها كان في زمن الصفويين وليس هم الذين بنوها حيث كان جدنا السيد يونس حيًّا سنة 1019ه- / 1610م.
إشتبك الكربلائيون مع جيش داود باشا خارج سور المدينة بإتجاه باب بغداد، مبتعدين عن السور بحدود 600 متر وعلى نهر الحسينية قرب قنطرة (أم حُدَيبَة)، وقد أسر الجيش المدعو (عباس رجب) وأرسلوه إلى بغداد مع (رأس) أخيه الذي قتل في المعركة وحُزّ رأسه!! ... وسُجن عباس في بغداد عدة اشهر واطلق سراحه بفدية دفعها أحد الخيّرين خسر الجيش في هذه المعركة ثمانية عشر قتيل، وعند الظلام عاد الكربلائيون إلى داخل سور المدينة.
1) هذه الواقعة حدثت خارج بستان السيد ضياء الدين (بستان ضُوَيْ) قرب قنطرة (أم حديبة) الواقعة على نهر الحسينية والتي تربط بساتين (مال يونس) وهي (بساتين آل نصر الله باسم جدهم السيد يونس بن جميل بن علم الدين بن طعمة الثاني بن شرف الدين بن طعمة الول كمال الدين الفائزي) وطريق مدخل المدينة. والقنطرة قائمة لحد الآن وقد أصابها التصدع في الجهة المقابلة لخزان الماء القديم لمشروع ماء (أغا حسن ضياء الدين الكليدار). وما أورده مؤلف مدينة الحسين في السلسلة الثالثة وفي هامش الصفحة 250 ليس صحيحاً، حيث ذكر (القنطرة البيضة) وهي القنطرة القديمة والمشهورة ... وعدم الصحة في ذلك هو أن القنطرة البيضة بعيدة جداً عن سور المدينة وأبوابها، بحيث تزيد المسافة عن سبعة كيلومترات بحيث لا يمكن للكربلائيين قطع هذه المسافة في ذلك الوقت وأمامهم جيش يحاصر المدينة من جميع أطرافها، كما أن طريق القنطرة البيضة يحاذي نهر الحسينية ومحاطا بالبساتين كثيفة الأشجار والنخيل وأحببنا أن ننوه بأن القنطرة البيضة والتي سميت (بيضاء ) لأنها كانت مجصصة بالجص الأبيض والنورة، بناها السيد يونس بن جميل بن علم الدين الفائزي، وهو الجد الأعلى للسادة آل نصرالله، وأوقفها العبور الزائرين والوافدين إلى قبر جده، وعليها منارتان. وجددها حفيده السيد جواد بن كاظم بن نصرالله (سادن الحسين)، وقد منحني عمنا المرحوم السيد كاظم (الشرع) بن محمد علي آل نصرالله عام 1993م وثائقها، وجلبها في ديوان الروضة الحسينية وقد تم تصويرها.
قام الجند بسرقة بساتين المشمش وقلعوا أشجارها، فهرع إليهم أهل كربلاء وقاتلوهم في أراضي (مقاطعة الوسطاني) وقتل من الجند خمسة أفراد وجرح الكثير، ولا توجد خسائر تذكر لأهل المدينة. وعادوا إلى البلدة وهم ينشدون الأهازيج الشعبية.
كانت من أشد المعارك، حيث إن منطقة الهيابي تقع في أراضي الجعفريات (الغاضرية سابقاً) وهذه الأراضي تقع شمال المدينة وعلى طريق بغداد القديم (وهو ليس طريق الحسينية والعطيشي وإنما طريق عون القديم) ...
وهذه المعركة غيّرت الكثير من مجريات القتال وحصار كربلاء، أبلى الكربلائيون فيها بلاء حسنا دفاعاً عن مدينتهم. بدأت المعركة من ساعات الصباح الأولى إلى ما بعد الظهر، وأعطى الطرفان خسائر في الأفراد من قتلى وجرحى ..
ويقال بأن الجثث غطّت أراضي (الحر الكبير) والهيابي و الودَي)(1). وقد إنهزم الجند بعد تكبدهم خسائر لم يكونوا يتوقعوها، ورجع الأهالي إلى المدينة بالأهازيج، وعند رجوعهم قتلوا جنديين من الجيش وحزّوا رأسيهما، وطافوا بهما في أسواق المدينة وأزقتها...
في هذه المعركة أصيب صفوك قائد الحملة مما دعا بداود باشا بتسليم القيادة إلى سلیمان ميراخور، وجعل مقره في مقاطعة (الحر الكبير) ، وجلب معه عدة مدافع وقام بقطع الماء عن مدينة كربلاء، ووجه مدافعه عليها وبدأ برمي المدينة بالقنابل من جهة (باب السلالمة).
1) مقاطعتا الحر الكبير والؤدَي مقاطعتان زراعيتان تقعان شمال و شمال غرب الهيابي.
بعد أن قصفت المدينة بالمدافع، هاجت جماهير كربلاء فهجموا على جند الميراخور خارج أسوار المدينة من جهة باب السلالمة، وإستولوا على أحد مدافعهم وأخذوا ميرة المدفع وأوقعوا بالجند خسائر كبيرة. فهذه أول مرّة يصطدم الكربلائيون بالجيش النظامي للمناخور ... وعند المساء رجعوا إلى داخل أسوار المدينة باهازيجهم الشعبية.
كانت هذه المعارك الأربعة تشبه حرب العصابات حيث إن أبناء المدينة يعرفون طرق البساتين التي تحيط بالمدينة، فيقومون بالخروج متسللين بين البساتين ويباغتون فيها جيش داود باشا.
سميت هذه المعركة ب- (الأطواب) حيث وجّه المناخور مدافعه نحو المدينة وأمطرها بوابل من القنابل تزيد على الأربعين. ويقال بأنها لم تنتج عن خسائر على أهل المدينة، وفي نفس الوقت أغار على المدينة الجند والعشائر الموالية إليهم عدة مرّات ومن عدة إتجاهات، وقد تصدّى لهم الكربلائيون من داخل المدينة وأوقعوا بالمهاجمين خسائر فادحة، ولم يستطع الجيش أقتحام المدينة ... وقتل من الأهالي شخص واحد وجرح أربعة، ودامت المعركة زهاء ست ساعات، تراجع الجند عن أسوار المدينة وكفوا عن القتال.
إنتصر الكربلائيون بهذه المعركة أيضاً، وكان لواء عشيرة (الوزون) قد أبلى بلاء حسناً وهو الذي صدّ معظم غارات الجند.
ومعركة الأطواب هذه سميت بواقعة (باخية)، وباخية هي إمرأة كربلائية كانت تملأ الأرض بزغاريدها وتنتقل بين المقاتلين لرفع حماسهم وكانت تستهزأ بقنابل الأتراك ... والجدير بالذكر نجد بأن المراة الكربلائية كان لهادور مهم في رفع
المعنويات للرجال، ويقال بأن إحداهن وهي بنت أخت (طعمة العيد) رئيس بني سعد واسمها (ضاحية)، حُمل إليها زوجها جريحاً إلى بيته فقالت ساخرة:
«أطبخوا إله شلّة وكعت عليه جرزلة » وذلك يدل على ما كانت تتمتع به المرأة الكربلائية من بسالة ومعنويات عالية تشاطر الرجال وترفع من معنوياتهم.
بدأت منذ بزوغ الشمس حيث إستعمل أهل المدينة مدافعهم والجند كذلك وكانت هذه المعركة في جنوب المدينة. في بداية المعركة دمّر مدفع الجند من قبل الكربلائيين وإستمر السجال بين الفريقين المهاجمين وأهل كربلاء المدافعين عن مدينتهم ودام القتال إلى حلول الظلام ولم يتمكن الجيش من التفوق ودخول الأسوار، وبذلك كان يوم نصر آخر لأهل كربلاء، وقد جرح منهم أربعة أشخاص إثنان من بني سعد والآخر من الوزون والرابع من البلوش ... وأما جرحى بني سعد فقد مات أحدهما في اليوم الأول، والثاني فقد مات بعد يومين، متأثرين بجراحهم.
7- معركة البردية (1)
خرج الكربلائيون إلى عدوهم من أبواب السور في منطقة (باب النجف) إلى خارج البلدة، في منطقة ينتشر فيها نبات البردي، وقاتلوا ببسالة وغنموا منهم مدفعين
1) البردية: منطقة معروفة خارج سور المدينة من ناحية باب المخيم وباب النجف، وهي المنطقة الحالية التي يمرّ بها نهر الهنيدية ضمن أراضي السادة آل النقيب، وفي حيّهم المعروف بذات الاسم وكان يمر بها المنزل الرئيسي للمدينة، وكان نهر الهنيدية يجتاز المبزل من خلال أنبوب عريض القطر يسمى (البوري الأحمر) في البردية. فهي المنطقة المحصورة من مخيم الحسين الحالي إلى الشارع الذي أقيم مكان المبزل والذي يسمى شارع بيت المحافظ وسميت بالبردية لكثرة نبات البردي فيها، والكثير من الأهالي في العقدين الخامس والسادس من القرن العشرين الميلادي كانوا يطلقون عليها البريدية لبرودتها في أيام الصيف.
وعلى عدد من الخيول والمؤن ... وفرّ الجند بعد القتال ورجع أهل البلدة بالأهازيج إلى داخل السور منتصرين، ودامت المعركة نهاراً بطوله.
كانت هذه المعركة من أعظم معارك واقعة المناخور، فعندما شعر قائد الأتراك (الميرآخور) بعجزه عن إقتحام المدينة، إستنجد بالعشائر المحيطة بكربلاء، وهناك بعض العشائر كان ديدنها دوماً أن تصطف مع المعتدي لغايات ومصالح نفعية وذاتية تتنكر في تعاونها عن قيم العروبة والرجولة والتماسك الواجب ضد الأجنبي أو المحتل ... وعند دعوة الميراخور للعشائر فقد إستجابت له عشائر بني حِسن(1)بعد أن أغرى رؤساءها بالأموال والهدايا، وضمن رئيس هذه العشائر للقائد التركي فتح كربلاء وإقتحامها، وسيجعلون عاليها سافلها ... فهجموا على كربلاء من جهة (طرف المخيم) حيث تمكنوا من التقدم وعبور الأنهار والبساتين والموانع التي كانت في طريقهم ...
ولمّا علم أهل المدينة بذلك صمموا على الخروج لهم مهما كلّف الأمر، وقاد أهل المدينة في هذه المعركة السيد مرتضى بن السيد باقر آل سيد أمين الفائزي، فالتحم الجمعان خارج السور ... أهل المدينة المكلفين بالدفاع عن طرف المخيم، يقابلهم جند الأتراك وعشائر بني حسن، وكانت صولة عزوم للكربلائيين، وكان للمدفع الذي صنعوه (الحسيني أو اليتيم) دور كبير في المعركة ...
1) للأسف الشديد أن نرى عشائر بني حسن كانت لها مواقف غير مشرّفة مع أهل كربلاء، فطالما شاركت هذه العشائر بمهاجمة المدينة وإعترضت أبناءها ... وساعدت من أراد الاعتداء عليها وتدخلت في نزاعات أهلها لتحقيق مصالح مادية، ولهذه العشائر مع أهل كربلاء خلافات دائمة تصالحا بعد ذلك على أن يتعهد بنو حسن وأقسموا عن طريق رؤسائهم بعدم الاعتداء على كربلاء، ولكنهم نقضوا عهدهم وإتفقوا مع قائد الحملة طمعاً في الغنائم كما كان ديدنهم لمرات عديدة. وعشائر بني حسن هم عدة عشائر متحالفة فيما بينها تحادد سكنها مناطق قريبة من كربلاء بإتجاه الهندية وخان الحماد.
إشتركت الأطراف الأخرى بالقتال مثل باب النجف وباب الطاق ... لأن الهجوم على المدينة كان من عدة مناطق، وبعد وقت قصير من بدء المعركة فرّت عشائر بني حسن أمام شدة وصمود أهل كربلاء، وتبعهم جند الترك وعبروا نهر الهنيدية وإختبئوا خلفه مما دعا الجند بإطلاق القنابل من مدافعهم لحماية مؤخرة الجيش المنسحب والعشائر الهاربة.
رغم ذلك فقد حاول الجند الإلتفاف والهجوم على كربلاء من عدة محاور فتصدى لهم بني سعد من جانب طرف باب الطاق، ومن باب النجف الفرق المتواجدة فيه فأظهروا بطولة فائقة في هذه المعركة التي إنتهت بخيبة الجيش والعشائر المهاجمة معه وإنتصار أهل المدينة حيث أذاقوهم الهزيمة المنكرة مخلفين وراءهم قتلى وجرحى...
وكانت خسائر الكربلائيين قليلة جداً، وعادوا إلى داخل البلدة منتصرين ألهبوا المدينة بأهازيجهم.
9 - معركة الأمان (1)
عندما علم داود باشا بأن كربلاء باتت عصية عليه وعلى جيشه، إضطر إلى التفكير بإصدار العفو والأمان على الكربلائيين والكف عن قتالهم. ولكن الميرآخور أراد أن يستغل الأمان الذي أراد إصداره داود باشا وأن يدخل المدينة عنوةً وغدرا ... وذلك يبرهن على مقدار حقده لهذه المدينة وأبنائها، فعمل المتاريس وخبأ جنده خلفها وأمر الفرسان بالتقدم نحو المدينة وكان ذلك يوم 15 ذي القعدة سنة 1241ه- / 1825م.
1) ذكر السيد عبدالرزاق الحسني في كراسه (تسخير كربلاء) المطبوع في بيروت عام 1978م في هوامش الصفحات 10 ، 11 ، 12 ، 13 بان المعارك والمواقع كانت ثمانية فقط هي: واقعة القنطرة، وواقعة المشمش والهيابي والأطواب وواقعة الخيمكّاه والبردية وواقعة بني حسن وأخيراً واقعة الأمان. حيث دمج بعض الوقائع بمعركة واحدة. وقد جاء في كتاب نزهة الأخوان فى وقعة بلد المفتول العطشان (مخطوط) أن المعارك كانت تسعة كما ذكرناها ، لأن مؤلف الكتاب كان قد عاش تلك الأحداث.
لكن الكربلائيين كانوا لهم بالمرصاد، فخرج إليهم أبطال المدينة يتقدمهم محمد بن حسين الحدّاد (1)وقد حمل معه المدفع الكربلائي (الحسيني أو اليتيم) وهجم على الجند وأخذ يرشقهم بمدفعه ومعه أهل المدينة، ولعلع الرصاص وإشتبك الجانبان، وبدأ الجنود برمي القنابل من مدافعهم ولكن الكربلائيين باغتوهم ودمروا مدفعاً للجند وقتلوا منهم فارساً وجندياً على وجه السرعة ما أدى إلى فرار الجنود خلف متاريسهم وتعقبهم الكربلائيون وقتلوا منهم خمسة وأربعين فارساً وجرحوا ستين رجلاً وقيل أكثر من ذلك.
وبعد أن إنسحب جيش الميراخور رجع أهل المدينة وقد أفشلوا خطة قائد الجيش الغادرة وهم منصورون وإلتف حولهم سكان المدينة يهنئونهم على بسالتهم وبطولتهم المتناهية.
ولم يتمكن الجيش من الإشتباك مع أهل كربلاء أو الإغارة على المدينة مرة أخرى، إلى أن وصل قرار العفو من داود باشا إلى الميرآخور وذلك في 19 ذي الحجة سنة 1241ه-. بذلك أوقفت الأعمال الحربية بين الطرفين، وسمح الكربلائيون إلى عدد كبير من الجند بالدخول إلى المدينة لغرض زيارة المشهدين فيها. وإشترط أهل المدينة عليهم بأن يدخلوا من دون سلاح وتم ذلك ... فرحّب بهم أبناء المدينة، فعاد الجيش إلى بغداد.
الخلاصة ... أن المشاكل بدأت بفترة من الزمن قبل دخول شهر شوّال سنة 1241ه-، ومنذ الأول من شوال بدأت الاستعدادات الجدية لمواجهة الخطر المحدق بالمدينة، وبدأت المعارك من تاريخ 13 شوال 1241ه- وإستمرت إلى نهاية آخر معركة في 15 ذي القعدة أي لمدة شهر ويومين... ولكن انتهاء العمليات الحربية وإنسحاب الجيش تم في 19 ذي الحجة من نفس العام.
1) والده حسين الحداد الذي كان وكيل السيد حسين النقيب (دراج) ومن رجاله.
وبذلك إنتهت الوقائع والمعارك التي سميت باسم (المناخور) أو الميرآخور على اسم قائد الجيش ... ولكن هل انتهى كل شيء بانسحاب الجيش إلى بغداد؟ ... يبدو أن الأمر لم ينته إلى هذه الحالة بل حدثت هناك أمور ما بعد الواقعة تجعلنا نضطر إلى الوقوف عندها قليلاً.
عندما أصدر داود باشا العفو والأمان، وأوقف الحركات العسكرية على كربلاء، وسحب الجيش إلى بغداد وسرّح قادته من رؤساء العشائر الموالية له مثل (صفوك الجربا) و (الحاج جعفر شيخ العقيليين)، وكان يعتقد بأن المدينة وأهلها سوف يدخلون في طاعته ... لكن ذلك لم يحدث حيث تعلق أهل كربلاء بالنصر الذي أحرزوه، ولم يقبلوا أن يقدموا التنازلات إلى المماليك حكام العراق. وكان داود باشا يعرف ذلك جيداً وهو يصدر العفو، وفي نفس الوقت نراه يحث عشائر الشامية على أن يقوموا بالضغط على كربلاء ويفرضوا الحصار عليها، ويقطعوا طريق السابلة بين النجف وكربلاء.
وأمر عشائر بني حسن والبعيج ليشنّوا الغارات على كربلاء وينهبوا أموال الخارجين والداخلين منها وإليها. مثل ما وقع يوم الجمعة المصادف 22 ذي الحجة 1241ه- (أي بعد ثلاثة أيام من إنسحاب الجيش)، حيث قام 150 رجلاً من عشيرة البعيج بسرقة 400 رأس من الماشية عائدة إلى عشيرة الوزون ترعى في أراضي الحر الكبير ... ولمّا علم الكربلائيون بذلك هبّوا مسرعين يتقدمهم محمد بن حمزة السلامي ومعه خمسة وعشرين فارساً وتبعهم ثلاثون آخرون من عشيرة بني سعد، وتتبعوا الجناة السارقين والحقوا بهم في أراضي (الكَاضي) (1)، وإشتبك الفريقان
1) الكّاضي: أو القاضي مقاطعة زراعية معروفة تقع في الشمال الغربي من مدينة كربلاء، تحدها أراضي الحر الكبير والودي شرقًا، وأراضي الكمالية من الشمال والغرب.
وإحتدم القتال بينهما، فإنهزم البعيج تاركين الماشية المنهوبة وكل ما كانوا يملكون ...
وعاد الكربلائيون بالماشية والغنائم إلى المدينة وهم يرددون الأهازيج.
بعد فترة من ذلك عزم داود باشا على إعداد حملة جديدة لفتح كربلاء وإخضاعها مرة أخرى، وهذه المرّة فقد إعتمد على عشائر العقيل من القصيم والإحساء تحت لواء (محمد البسام) وعيّنه قائدًا جديداً ليقوم بمحاصرة كربلاء ومن ثُمَّ دخولها عنوة وإخضاعها له.
فإتخذ محمد البسام صدر نهر الحسينية مقراً له ولعسكره، وأرسل داود باشا آمر حرسه (طابورآغاسي) وأمر بسد مجرى نهر الحسينية ليقطع الماء عن كربلاء، لكن الكربلائيون صبروا على ذلك وإعتمدوا على الآبار فترة طويلة.
وإشتد الحصار على كربلاء، وبلغ أن العشائر المناصرة لداود باشا مثل البعيج وبني حسن قد دخلت مع جيش الوالي الذي يقوده محمد البسام وقد تهيأوا للهجوم على كربلاء.
هنا طلب بعض العلماء في كربلاء من الزعماء الثلاثة... النقيب السيد حسين الدراج والسادن السيد محمد علي أبو ردن وحاكم كربلاء السيد سلطان آل ثابت بالتفاوض مع قائد الحملة لتجنيب المدينة الويلات والكوارث. وأرسلوا إلى القائد محمد البسام بشروطهم وقد تم قبولها، فقد خرج السيد محمد علي أبو ردن سادن الروضتين مندوباً عن الكربلائيين، وإجتمع بالقائد محمد البسام في (المسيّب) وقد بالغ القائد في إحترامه وتكريمه وبقي عدة أيام يتردد خلالها رجال الوالي داود باشا بينه وبين الوالي في بغداد لوضع بنود الصلح...
وقد وافق أخيراً داود باشا وأبقى الجميع في مناصبهم وأصدر أمراً بتعيين السيد حسين آل درّاج نقيباً للحائر المقدس. كما عيّن السيد سلطان آل ثابت حاكماً لكربلاء. والسيد محمد علي أبو ردن سادناً للروضة الحسينية فقط. وإشترط على الكربلائيين برجوع السيد وهاب بن محمد علي آل طعمة إلى كربلاء وتعيينه سادناً للروضة
العباسية ... فقبل الكربلائيون رغم موقفهم من السيد وهاب الذي فضّل الوقوف مع داود باشا ضد أبناء المدينة. وخلع عليهم داود باشا الهدايا وعيّن على كربلاء وكلاء له من عشائر عقيل والإحساء لحراسة كربلاء وصيانة الأمن، وكان عقد الصلح في يوم 25 محرم سنة 1242ه-.
عندما عُقد الصلح بين أهالي كربلاء والوالي داود باشا، كان من شروط الوالي تعيين السيد وهاب بن محمد علي آل طعمة سادناً للعباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ). فقد باشر بمنصبه بعد أيام من عقد الصلح وذلك يعني أنه باشر في الأيام الأخيرة من شهر محرم سنة 1242 ه- / (1826م) (1).
بعد هذه الواقعة التي إنتهت في الشهر الأول من عام 1242ه-، فهل إنتهت المشاكل في كربلاء، وهل أدّت كربلاء فروض الطاعة إلى والي بغداد المملوكي داود باشا، وهل تركها ترفل بالأمان بعد أن تم الصلح بينه وبين قادة كربلاء وأبنائها؟ ...
لنتعرف الآن: ماذا حدث في إثناء توقف العمليات الحربية والصلح الذي تم في 25 محرم 1242ه- إلى نهاية عام 1244ه-، المصادفة لعام 1826م إلى 1828م.
حاول داود باشا لمرّتين متواليتين الدخول إلى كربلاء عنوة لإخضاعها بالقوة بعد واقعة المناخور فلم يتمكن من ذلك، وكان نصيبه الفشل فإعتمد إسلوباً آخر إعتقد بأنه قد يكون مجدياً لإخضاع المدينة وسيطرته عليها. فإعتمد إسلوب (فرّق تسُد) كسياسة بدأها منذ عقد الصلح فأسس بداية التفرقة عندما ضغط إثناء الصلح
1) أخطأ سلمان هادي طعمة في كتابه مرقد الحسين والعباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) في ص 308 منه عندما ذكر بأن السيد وهاب تولى سدانة الروضة العباسية سنة 1243ه- ، والصحيح هو ما ذكرناه أعلاه، لأن الصلح بين الاهالي والوالي تم في 25 محرم 1242ه-، وكان الشرط الذي أصّر الوالي عليه هو تعيين السيد وهاب سادناً للعباس، فمن غير المعقول أن يباشر توليته سدانة العباس بعد سنة من الصلح !!
على المفاوض الكربلائي بأن يعيد السيد وهاب آل طعمة إلى كربلاء وتعيينه سادناً للروضة العباسية، وهو يعلم (كما ذكرنا سابقاً) بأن السيد المذكور خرج من كربلاء مع صهره السيد محمد مهدي القزويني قبل واقعة المناخور، وأن قادة كربلاء كانوا على خلاف معه . نضف إلى ذلك الخلاف العقائدي الذي كان يدور في كربلاء بين العلماء الإصوليين وغيرهم من الشيخية والكشفية والإخبارية.
وهذه الخلافات كانت بطبيعتها فقهية محضة، ولكن داود باشا إلتزم بعض من هؤلاء ضد الإصوليين وكان الغرض من ذلك هو إحداث إنقسام أو شرخ في البنية العامة للمجتمع ... إلى غير ذلك من الأمور. مور فتوّج إجراءاته بفرض حصار شديد على كربلاء، وأول عمل قام به هو قطع مجرى نهر الحسينية ومنع وصول المياه إلى قصبة كربلاء وري بساتينها. وذلك القطع تم من (القنطرة البيضة)، فقام بتحويل مجرى النهر إلى الأراضي المنخفضة ... وبهذا العمل أقدم على إغراق البساتين المحيطة بكربلاء، وأتلف كافة المزروعات، وبدأت شحة المياه تؤثر على الكربلائيين ليس على بساتينهم أو مزارعهم فحسب، بل على حاجتهم الماسة للماء وإدامة وتيرة حياتهم، مما إضطر أهل المدينة الإعتماد على الآبار رغم عدم صلاحية مياهها، ولكنهم صبروا على ذلك رغم تلك العذابات.
وزاد داود باشا من إجراءاته التعسفية بأن أوعز إلى العشائر مثل (العقيل) بقيادة رئيسهم (مشوّح) بتطويق كربلاء من جميع الجهات وقطع السابلة عنها، ومنع الدخول إليها والخروج منها، ليحل الجوع والدمار بأهلها حتى يرضخوا للاستسلام .... ودامت هذه الحالة على الكربلائيين المتحصنين داخل مدينتهم حتى نهاية سنة 1243ه- / 1827م ، إذا ما أضفنا أن الوالي بإجراءاته الحصارية منع حتى رعاة الأغنام من رعي أغنامهم خارج البلدة.
إن قطع الماء عن كربلاء يعني قطع عصب الحياة فيها ، وأدى إلى حصول الجفاف بالأراضي الزراعية وخاصة البساتين، وإشتد العطش على أهل المدينة بسبب الشحة الكبيرة حتى في الآبار التي حفروها داخل البلدة. دعا ذلك كله إلى إزدياد هياج أهل المدينة وإمتعاضهم من هذه الحالة التي طالت عليهم، بالإضافة إلى شدة الحصار المفروض على المدينة وتدهور الحالة المعيشية فيها والنقص الكبير في مواد التموين.
بدأ الكربلائيون بتنظيم صفوفهم مرة أخرى للخروج من هذه الأزمة القاتلة والخانقة في الحقيقة، فعقدوا عدة إجتماعات متوالية ليتخذوا قراراً حول الحالة، فإجتمع رؤساء المدينة الشرفاء ورؤساء عشائرها وأطرافها (محلاتها) من العرب الأصلاء وقرروا ان يواجهوا الجيش الذي يحاصر المدينة، والذي يقوده (مشوّح) رئيس العقيل وتسانده بعض العشائر القريبة من كربلاء ... وتم الإتفاق على المواجهة مهما كلّف الأمر، وطرد القوّة التي تحاصر المدينة والتي منعت المياه من الجريان في نهر الحسينية.
فخرج عدد كبير من شجعان المدينة يتقدمهم رؤساء عشائرها في جنح الظلام من أبواب السور، وتوجهوا إلى منطقة السداد وبدأوا بفتحها، وكان قسم آخر يقاتل بعنف لطرد الجنود من مواقعهم وقد قتلوا منهم عدداً كبيراً ... وتم للكربلائيين فتح السداد وإنهمرت المياه في مجرى النهر كسابق عهدها لتروي أرض كربلاء.
ومن رؤساء العشائر الذي كان له دورٌ بارزٌ في هذه الإشتباكات هو المرحوم الشيخ (مال الله آل عواد ) (1)الذي قُتل في هذه المعركة، وقد قتله المدعو (كنينّ) رئيس
1) هو: مال الله بن عبد النبي بن محمد بن عبدالعزيز بن عبيد بن عواد وهو رئيس آل العواد الذين لهم تاريخ نضالي عريق في مدينة كربلاء. وآل العواد هم من لب قبيلة شمّر (إجعفر) من عبدة، وكان سكنهم في محلة باب بغداد (باب العلوة). وهو الجد الأعلى لأبطال كربلاء الشجعان (عبدالكريم وعبد الرحمن وعبد الجليل) أولاد الحاج عبدالرزاق بن حمادي بن مال الله المذكور. وهذا البيت له مجد سابق في الرجولة والتضحية والبسالة في كل الوقائع التي مرّت بكربلاء، وخاصة في واقعة المناخور وغدير دم (نجيب باشا) وحمزة بيك وعلي هدلة وثورة العشرين وغيرها.
عشيرة الكَوام من المسعود الذي كان وعشيرته يساندون جيش داود باشا، وفي نفس المعركة قُتل أخوه (عبدالعزيز العواد) وابن عمّه (هادي).
عندما رأى آل العواد قتل رئيسهم وأخيه وابن عمه، فتجمعوا يساندهم أهل كربلاء وقاموا بهجوم على عشيرة الكَوام من المسعود ودامت معركة طاحنة فيما بينهم. فإستطاع آل عواد من قتل (كنين) رئيس الكَوام وأخذوا بثأرهم وأمعنوا في ذلك وواصلوا المعركة حتى الصباح ....
كان النصر والغلبة حليف الكربلائيين، وفرَّ جند داود باشا والعشائر المتعاونة مع الجند وقائدها (مشوّح) ، كذلك إنسحب مشوّح إلى سدة الهندية تاركين خلفهم الأسلحة والمعدات التي غنمها الكربلائيون، وقفلوا راجعين إلى بلدتهم وهم يحملون قتلاهم ويهزجون بأهازيج النصر ... وإستقبلهم السيد (محمد علي أبو ردن) سادن الروضة الحسينية ونحر أمامهم الذبائح...
وفي اليوم الثاني أقام أهل المدينة مجالس العزاء على أرواح الشهداء من الكربلائيين، وخاصة الشيخ مال الله آل عواد وأخيه وابن عمّه ... وكانت هذه المعركة قد وقعت في أوائل عام 1244ه- / 1828م(1)
ما أورده مؤلف تراث كربلاء غير صحيح لأن مال الله آل عواد أستشهد عام 1244ه- في أعقاب حادثة المناخور وقبل واقعة نجيب باشا التي حدثت عام 1258ه-. وقد إعتمدنا صحة ذلك على ما يلي:
أ. كتب الحاج سليم العواد (أبو علاء) مخطوطاً عن تراث آل العواد، وذكر حادث مقتل مال الله العواد عام 1244ه-.
ب. عام 1294ه- يصادف عام 1877م ، وكان في هذا التاريخ احفاد الشيخ مال الله على قيد الحياة منهم حفيده الحاج عبدالرزاق والد عبدالكريم وعبدالرحمن وعبدالجليل الذين شاركوا في ثورة العشرين وقبلها في واقعة حمزة بيك التي حدثت عام 1334ه-. فالشيخ مال الله هو الجد الرابع لهؤلاء، فإذا أخذنا الفارق الزمني فعليه نستبعد أن يكون الشيخ مال الله حيًّا في التاريخ الذي ذكره السيد سلمان، ولعله وقع في إلتباس نتيجة موقع حدوث الواقعة أو المعركة ... حيث إن الحادثة الأولى التي ذكرناها (معركة نهر الحسينية) والحادثة التي ذكرها السيد سلمان (حادثة الاشيقر وأبو هر) كانتا في نفس المنطقة وهي (القنطرة البيضة).
ت. ذكر مؤلف كتاب مدينة الحسين في السلسلة الثالثة في الصفحات 268 و 269 التاريخ الصحيح ...
علماً أن السلسلة الثالثة من كتاب مدينة الحسين صدرت عام 1969م فيما صدر كتاب تراث كربلاء عام 1964م إلا أن مؤلف مدينة الحسين لم يذكر هذا الإختلاف في التاريخ ... وعليه وددنا التنبيه والتصحيح.
.1) ورد في كتاب (تراث كربلاء) لسلمان هادي طعمة في الصفحة 275 عندما ذكر حادثة (الإشيقر وأبو هر) بأن ممن إستشهد في هذه الحادثة هو (مال الله آل عواد) وقد قتله (كنين) رئيس عشيرة الكوام من المسعود فأخذ ثأره بعد ذلك، وكانت هذه الحادثة أي الاشيقر وأبو هر في عام 1294ه-/1877م.
وبعد معركة الحسينية أمر داود باشا أن يكون مقر جيشه وقائده (مشوّح) في سدة الهندية، بعيدًا عن الكربلائيين الذين باتوا يتربصون للجند في البساتين، فقام الوالي بإصدار أمره هذه المرّة وقطع المياه عن كربلاء من صدر ناظم الحسينية عندما يتفرع مباشرة من نهر الفرات ... وعادت مأساة العطش على الكربلائيين ومزروعاتهم.
وكما ذكرنا سابقاً أن الوالي إعتمد على أساليب أخرى منها دس (طابور خامس) جواسيس يعملون داخل المدينة، ومنها عمد إلى تجديد الفتنة بين العلويين (قادة المدينة) ولكن النقيب والسيد سلطان آل ثابت والسيد محمد علي أبو ردن كانوا يعرفون جيداً مآرب الوالي، وكان بعض الشقاة من اليرمازية (مرتزقة داود باشا) يقومون بأعمال مخالفة لما كان الشرفاء من أبناء المدينة وزعمائها يدعون إليه، وكان تأثير اليرمازية كبيراً في تهبيط عزائم الكربلائيين وهم يصورون للناس بأنهم تحت إشارة وأمر زعماء كربلاء، ولكن ذلك عكس ما كان بخلدهم. وكثيراً ما قدمت شكاوى من اهل البلدة إلى رؤسائها يشكون إليهم أعمال هؤلاء، ولكن الوضع قد تغيّر ... وإشتد ذلك في رمضان سنة 1244ه- / 1828م.
نقيب كربلاء السيد حسين آل دراج أصبح جليس البيت بسبب مرض أصابه في عينه ... والسيد محمد علي أبو ردن سادن الحسين كان قد توفي قبل حلول رمضان سنة 1244ه- / 1828م ... ومقتل أحد القادة الكربلائيين في صحن العباس وهو السيد إبراهيم بن محمد بن مرتضى الشالجي ... وإصطفاف سادن العباس السيد وهاب آل طعمة أصلاً مع الوالي ... وبقي السيد سلطان آل ثابت وبعض السادة من
آل ثابت وآل الشروفي وآل نصرالله وآل النقيب وبعض رؤساء العشائر يواجهون مؤامرات هؤلاء الشقاة من جهة، والحصار الذي ضربه الوالي على كربلاء وقطعه الماء من ناظم النهر في سدة الهندية، وكانت بحق أيام عصيبة
وبتخطيط من داود باشا إلى بعض أعوانه لتهييج الناس وخروجهم للإصطدام بالجيش لتكون هناك معركة فاصلة يلعب بها الطابور الخامس من الجواسيس داخل المدينة دوراً متفق عليه من جهة، والحصار الذي ضربه الوالي إضافة إلى أن أهل المدينة ضاقوا ذرعاً خلال هذه السنوات مما جرى عليهم، فإستعدوا للخروج وفتح النهر من
ناظمه مهما كلف الأمر.
لكن النقيب وبعض الرؤساء لم يوافقوا على ذلك لإعتقادهم بأن هناك مكيدة سوف تحصل، إلّا أن الكثيرين لم ياخذوا بنصائحه فتهيأوا للخروج بتاثير اليأس الذي رافقهم من الحصار ولم يعلموا بأن هناك من أرسل إلى (مشوّح) يخبره بالتأهب للحالة !! وإتفق الكربلائيون أخيراً بمقاتلة جيش الوالي مهما كلف الأمر لفتح ناظم الحسينية ورفع الحصار عن كربلاء.
بتاريخ 21 رمضان سنة 1244ه- وهو اليوم الذي يصادف ذكرى استشهاد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، خرج الكربلائيون حاملين السلاح وهاجموا جند الوالي عند سدة الهندية وهزموهم ثم إنقسموا إلى قسمين ... القسم الأول أخذ على عاتقه فتح ناظم صدر الحسينية ومعهم ما يقارب المائتي شخص من المسلحين على السد الترابي ليحرسوا إخوانهم الذين بدأوا بفتح السد الترابي، الذي أعاق دخول المياه من الفرات إلى نهر الحسينية بآلات حفر من (المساحي) و (القزمات)، وفتحوا السدة وجرى الماء مرة أخرى في نهر الحسينية ..
وقسم آخر أخذ يتابع فلول الجند المنهزمين... وبحركة إلتفاف من قائد الجند (مشوّح) وتخاذل البعض من الذين كانوا متفقين مسبقاً مع داود باشا من اليرمازية وغدرهم بالكربلائيين، فقد دارت الدائرة على أهل كربلاء لعدم إلمامهم بفنون الحرب النظامية، فإتجهوا متراجعين صوب مدينتهم وهم يقاتلون بشدة إثناء الإنسحاب.
وعند دخولهم المدينة زحفت جموع الجند بمساعدة مرتزقة داود باشا نحو المدينة، ودخلوها عنوة في 22 رمضان سنة 1244ه- / آذار 1829م، (وقد لعب السيد وهاب آل طعمة دوراً في هذا الإحباط وللأسف !!).
ساد الإضطراب المدينة ... فأرسل النقيب الذي كان مريضاً حينها من يفاوض قائد الحملة (مشوّح)، لكن الأخير لم يبال بأحد ولم يحرك السيد وهاب آل طعمة سادن العباس المعين من قبل الوالي ساكناً، ولم يتدخل لإنقاذ مدينته وكان بإمكانه ذلك، لكنه كان في الحقيقة متشفياً !! فقام مشوّح بإلقاء القبض على السيد النقيب بالرغم من مرضه، وأرسل إلى داود باشا في بغداد وتم سجنه هناك لعدة أشهر، ثم أطلق سراحه بتوسط نقيب بغداد وأعيد إلى كربلاء.
كان أحد رجال الدين في كربلاء قد وثّق واقعة المناخور في مخطوط له لم يذكر فيه اسمه وبقي المؤلف مجهول الاسم وعنوان هذا المخطوط: «نزهة الأخوان في وقعة بلد المقتول العطشان » ، وقد إطلعنا على النسخة الموجودة في مكتبة معهد الدراسات العليا التابعة لجامعة بغداد، وبعد الإطلاع عليها وجدنا فيها المعلومات التي إحتجنا إليها في توثيق وبحث واقعة المناخور وقد أوردناها في سياق الحديث عن الواقعة. ومن أهم الملاحظات التي تأكدنا منها هي الأسباب الحقيقية لحدوث الواقعة ومنها:
1- أن كربلاء كانت منقسمة بين أكثرية معتدلة من سادات ووجهاء البلد ورؤساء العشائر فيها، يقابلهم تيّار سلطوي يمثله شاب لم يكن حينها أهلاً ليتولى سدانة
الروضة الحسينية لصغر سنه الذي لم يصل إلى سن الرشد، ملتزماً من بعض الأشخاص الإيرانيين الذي تربطه بهم علاقة المصاهرة وديدنه الوقوف أمام زعماء البلد ذوي الجاه والخبرة والمقبولية في الأوساط العامة.
وكان هذا الشخص هو السيد وهاب محمد علي آل طعمة الذي أشار إليه مؤلف المخطوط بالاسم وأسماء من كانوا يساندونه، والغريب في الأمر نجد من يقوم بتحقيق هذا الكتاب من أحد كتّاب كربلاء وهو من أسرة السيد وهاب ليقوم بالتلاعب بمفردات المخطوط ولم يأت على ذكر اسمه ولكنه كان مجبراً على التدوين الآخر، والقارئ اللبيب والمتتبع الجاد يعرف جيداً بأن الخلاف الذي كان في كربلاء بين فئة قليلة يتزعمها السيد وهاب وبين الغالبية العظمى المتمثلة بالنقيب السيد حسين بن مرتضى الدراج آل النقيب والسيد محمد علي موسى أبو ردن (سادن الحسين فيما بعد) والسيد سلطان آل ثابت متولي المدينة أو حاكمها ويساندهم رؤساء المناطق والأعيان، ودليلنا على ذلك ننقله على لسان محقق الكتاب الذي كان يتجاوز اسم المسبب، وللقارئ النص التالي : « إعلم أن أهل كربلاء أعيا أمرهم الحكام فأفسدوا تدابيرهم وكل جهة أرادوها وقصدوها، من افتراق البلد فرقتين فإن أهل البلد لم يزل ولا يزال إتحادهم كلمتهم وإتفاق ألسنتهم، وتواطؤ قلوبهم، وإذا حصل بينهم إختلال جزئي أو كلي مشى الكبير على الصغير وأصلحه خوفاً من تسلط الحكام عليهم والظفر لهم، فبقوا على هذه برهة من الزمن إلى أن ظهر فيهم شخص متلبس شيطان، وكان من كبراء أهل الفساد ومنبع إختلال العباد فتان غير وفي في الصداقة والأخوان، طمع في الرياسة وحسد بعض الساسة، وكراهة لآخرين وخوف الباقين، فبدد كلمتهم وشتت ألسنتهم وفرقهم وإغتر به الأعيان، وإمتاز ببعض من لم يكن بالاستقبال ومن لم يكن لهم قوة دفع إذا ظهر منهم فساد وإخلال ولاسيما إذا كان بعض أعرابياً وإستقل بصحبتهم فلبس عليهم أمره فجلبهم بلسانه وطمعه وكانت النفوس طالبة للرياسة حتى إستولى
عليهم وجعل يغدو ويروح إليهم وكان مساعداً له على ذلك البعض (لم يذكر أسماؤهم)، كما قال الشاعر:
إن هو مستولياً على أحد*** إلّا على ضعف المجانين
فصارت البلاد فرقتين، وإمتاز هو بفرقته، والبلد كلها بفرقة أخرى، وأفتن فرقته مع أهل البلد فوقع بينهم ما وقع، من العداوة والقتل إلى أن تحصّن بحصنه، وأخذ يرمي بالأتفاق ( يعني البنادق) بحيث صار الرصاص عن البلد من الفرقتين كالبرد المنهمر ، وكان كله برداً وسلاماً، لم يصب إلّا ثلاثة أشخاص شخصان ماتا دفعة، أحدهما من أتباعه والآخر من أتباع غيره، والثالث مكوّر (مصاب) فلما أبصرهم أهل البلد أنهم على القتال مصرون وعلى المحاربة مقيمون شدّوا له حزام الهمة مقاتلين، ولم يقم على القتال ساعة واحدة حتى أخرجوه من حفرته قهراً وأبعدوه عن داره ومحلته نهراً، فإلتجأ إلى دار غير داره، ومحلة غير محلته ... ».
فمن هو هذا الشخص والتاريخ يذكر أنه السيد وهاب بعينه!! إلى أن يذكر المؤلف المجهول والذي شارك في التدخل لإصلاح ذات البين حيث يقول: «... وكان ذلك الشقي أحد ممن كاتب الحكام (لم يتعاون مع داود باشا غير السيد وهاب) وساعده بعض الأعجام (العجم من الإيرانيين وكان أولهم محمد مهدي القزويني والد زوجته) منهم محمد حسن خان من أتباع الشاهزادة بلوجرد مسكناً ومن قزلباط أصلاً وفي الهاوية مدفناً إن شاء الله بأن هذا أوان توجه العساكر إلى البلاد (يقصد بها كربلاء) ووقعت أوان نيل المراد ...».
من ذلك ومن سير الوقائع فإن المعني كان السيد وهاب لا غيره.
2- جمیع ما أورده الكاتب المجهول قد ذكرناه في شرحنا للواقعة إلّا إنه دوّن أموراً أخرى تتعلق بمعجزات حدثت أيام الواقعة، وذكر شهادات لأشخاص لم يعلن عن جميع أسمائهم رأوا أحلاما في منامهم تتحدث عن تدخل أميرالمؤمنين الإمام
علي والحسين والعباس وزين العابدين عليهم السلام جميعاً في تحقيق النصر على العساكر وحفظ بلد الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) من الخراب رغم كثرة القنابل التي أطلقها العسكر على المدينة، وقد أشاد المؤلف المجهول بزعماء البلد وقد أكثر من مديح المرحوم السيد محمد علي بن محمد موسى أبوردن سادن الحسين وسمّاه بسيد السادات، كما مدح السيد نقيب الأشراف السيد حسين بن مرتضى آل دراج النقيب، وابن عمّه ونائبه السيد حسن ، وكذلك أثنى على السيد سلطان آل ثابت بإعتبارهم زعماء البلد، كما ذكر أسماء أبطال الواقعة من رؤساء المناطق و من السادة ورؤساء العشائر.
كما ذكر خسائر أهل المدينة والعسكر ومن والاهم، فقد ذكر بأن عدد القتلى من أهل المدينة وساكنيها كانوا ثلاثة عشر دفنوا جميعهم في رواق الحرم الحسيني وبعض الجرحى التي كانت جروحهم خفيفة. أمّا القتلى من العساكر فقال بأنهم يبلغون مائتين وستين رجلاً وقيل ثلاثمائة وستين، وقيل أكثر. أمّا الجرحى فلم يتمكن من حصرهم وحسب ما نُقل إليه بأن عددهم كان كثيراً نُقلوا إلى المسيّب وبغداد. وذكر قصيدة نسبها للملا عبد الجليل وهو من شعراء كربلاء وصف بها الواقعة من خمسة وثمانين بيتاً إبتدأها بالبيت التالي:
شأن الزمان مقبلٌ مدبرُ*** يوماً ويوم ميسرٌ معسرُ
بعد أن تحقق لداود باشا ما أراد ولكن بعد أربع سنوات من حصار المدينة ومحاربتها ... أراد تهدئة الأمور فأمر بإجراء التعيينات الجديدة التي كانت لا تخلو من مكيدة لتفرقة الكربلائيين. فقد عيّن السيد حسين النقيب سادناً للروضة الحسينية، وأسند وكالة نقابة الحائر إلى السيد سلطان آل ثابت. وعيّن السيد وهاب آل طعمة متولياً لقصبة كربلاء وكالة لحين تعيين حاكم جديد لها.
تسلم السيد سلطان بن ثابت بن درویش آل ثابت حاكمية كربلاء سنة 1240 ه- / (1824م) وإستمر حاكماً مطلقاً على المدينة لمدة تزيد على أربع سنوات دارت خلالها معارك المناخور. وعندما دخل جيش داود باشا كربلاء في 22 رمضان 1244ه- (آذار (1829م)، أعفاه الوالي من الحاكمية وأسندها إلى السيد وهاب محمد علي طعمة، وأناط بالسيد سلطان نقابة الحائر وكالة لتعيينه النقيب سادناً للحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). بالإضافة لإستلام السيد سلطان سدانة العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
من ضمن إجراءات داود باشا بعد دخول جيشه كربلاء، فقد أصدر أمراً بتعيين السيد حسين بن مرتضى نقيب أشراف المدينة وزعيمها سادناً للحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وقد إستمر في سدانة الروضة الحسينية لحين وفاته رحمه الله بمرض الطاعون سنة 1247ه- / (1831م).
وبقيت هذه الحالة إلى أن إنقضت أيام المماليك، وتم القبض على داود باشا من قبل (علي رضا باشا اللاز) الذي حاصر بغداد وحارب داود باشا، وتم أسره وإرساله إلى (إسطنبول)، وكان ذلك في عام 1247ه- / 1831م.
ومن قرارات الوالي أيضاً تعيين السيد وهاب محمد علي عباس آل طعمة متولياً لقصبة كربلاء وكالة لحين تعيين حاكم (متولي) جديد للمدينة.
وبذلك إنتهت مأساة كربلاء التي استمرت عدة سنوات بعد أن وقف أهل کربلاء الأصلاء مدافعين عن مدينتهم وعروبتهم من طيش الولاة المماليك الطغاة وأعوانهم في المدينة.
في سنة 1245ه- / (1829م) تم الانتهاء من بناء مدرسة (السردار حسن خان ساري أصلان) في كربلاء، والتي أصبحت من أهم وأكبر المدارس الدينية في كربلاء.
والسردار حسن خان كان قائد جيوش الشاه عباس ميرزا القاجاري، وقد إختلف مع الشاه بعد انتهاء الحرب الروسية الإيرانية سنة 1242ه- / .(1826م) .
وعلى أثر هذا الخلاف ترك إيران ولجأ إلى العراق وإتخذ كربلاء مستقراً له ليجاور قبر الامام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وذلك سنة 1244 ه- بعد انتهاء معارك واقعة المناخور.
جلب أمواله ورافقه بعض أتباعه ومنهم شقيقه السردار محمد حسين خان. وقام السردار حسن خان بشراء الأملاك في كربلاء وكذلك شقيقه، ومن الأملاك التي إشتراها حسن خان أربعة دور تقع شمال شرق الروضة الحسينية وهذه الدور كانت مجاورة للمدرسة التي بناها سنة 1180ه- وأكملها سنة 1183ه- والد الشاه محمد خان (مؤسس الدولة القاجارية). وقام السردار ببناء مدرسة كبيرة على الدور التي إشتراها ودمج معها المدرسة القديمة التي كانت تحتاج إلى ترميمات بسبب التصدعات التي حدثت فيها ولعدم استيعابها إزدياد طلبة العلم. وقد حاددت مدرسة السردار حسن خان الجديدة سور صحن الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) حيث بنى مسجداً وشيّد مقبرة له ولأسرته في واجهتها الأمامية الملاصقة للصحن الشريف، وأصبحت مساحة المدرسة والمسجد والمقبرة بحدود ثلاثة آلاف متر مربع.
إنتهى البناء نهاية سنة 1245ه-، وكان بناء المدرسة بتصميم هندسي رائع وجميل، وفيها قاعات للدروس وغرف لإيواء الأساتذة والطلاب، وقد جرت عليها فيما بعد عدة أضافات وأصبحت من أكبر الصروح العلمية في مدينة كربلاء، حيث تخرج منها علماء كبار وأساتذة متفقهون. وفي إثناء مشاريع توسيع شوارع كربلاء ومنها الشارع الذي يدور حول الصحن الحسيني فتم تهديم القسم الأكبر من المدرسة. (وسيتم التطرق إليها في فصل المدارس الدينية في كربلاء لاحقاً).
خارطة قديمة توضح موقع مدرسة السردار حسن خان في الشمال الشرقي من الروضة الحسينية. ويظهر على يمين الصحن منشآت مقابر قريش أو (الصحن الصغير) وأمامه من جهة اليمين يظهر جامع الصافي
في سنة 1245ه- (1829م) قام الوزير اللكناهوري (جلال الدولة) بزيارة مدينة كربلاء وقبر الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) (1). وجلال الدولة هو مهدي علي خان بن حيدر بن محمد مقيم اللكناهوري، شقيق السلطان آصف الدولة يحيى المتوفى سنة 1212ه-. ويقال بأنه إثناء عودته إلى بلده الهند مع قافلة من الهنود هاجمتهم جماعة من التركمان وهم في إيران ونهبوا جميع أموالهم.
1) مدينة الحسين: السلسلة الرابعة ص 16.
فاجأ الطاعون العراق في شهر أيلول سنة 1830م (1246ه-)، وكان قد إنتشر في تبريز وكركوك وإجتاح كردستان وتقدم ببطئ نحو بغداد، ولم تُفلح إجراءات وقف الوباء التي إتخذها داود باشا والي بغداد، وبدأ الناس يفرّون من بغداد. وقد إشتد الوباء في 10 نیسان 1831م وصاحبه فيضان نهر دجلة وكان قبل هذا التاريخ قد وصل الوباء إلى مدينة كربلاء التي وفد إليها الكثير من الهاربين منه، وفتك هذا المرض الخطير بخلق كثير من أهالي كربلاء، وتوفي به عدد لا يستهان به من العلماء والشخصيات الإجتماعية المؤثرة في المدينة.
وبعد نهاية شهر أيار سنة 1831م) (أواخر شهر رمضان 1247ه-) خفّت وطأة الطاعون وبدأ إنحسار المرض وعادت الحياة في المدينة تدريجياً بعد أن أصاب أهاليها الخوف والرعب من كثرة عدد الوفيات والمعاناة التي عاشوها في ظلّه.
ومن أبرز الشخصيات التي أصابها المرض وفتك بهم هم المرحوم السيد النقيب حسين بن مرتضی آل دراج سادن الروضة الحسينية المقدسة وزعيم كربلاء في واقعة المناخور. وتوفي بالمرض العالم الجليل الشيخ محمد شريف بن حسن علي المازندراني الشهير ب- (شريف العلماء). وكذلك العالم الجليل الشيخ خلف بن عسكر الزوبعي الحائري. والعلامة الشيخ إسماعيل اليزدي الحائري، وغيرهم الكثير.
كان السيد وهاب محمد علي آل طعمة يشغل منصب حاكمية كربلاء بالوكالة كما ذكرنا ذلك سابقاً، وبعد وفاة السيد حسين بن مرتضى النقيب سادن الحسين بالطاعون سنة 1247ه-، أصدر الوالي داود باشا في أواخر أيام حكمه أمراً بإسناد سدانة الحسين
للسيد وهاب، وقد إستمر فيها لغاية سنة 1258ه- عندما إقتحم جيش الوالي محمد نجيب باشا كربلاء في واقعته الدموية الشهيرة.
أوجد المماليك من خلال سوء إدارتهم، الخلافات التي إستمرت في مدينة كربلاء لسنوات طوال، بل ما زالت آثارها موجودة لحد الآن نتيجة التغيير الإجتماعي الذي أوجدوه في المدينة منذ تلك الفترة.
وللحقيقة فإن للمماليك فضل واحد نعتبره مهم جداً، هو إن مواقفهم في كربلاء أوجدت عند الكربلائيين روح التصدي والمقاومة، وقد سجّل التاريخ للكربلائيين صفحات ناصعة قدموها لمواقفهم الباسلة ضد الأجنبي والمحتل، بل ضد الباغي والمعتدي، وأعطوا صورًا للتلاحم بين أبناء المدينة.
كان داود باشا قد أخذ يقوم بأعمال عديدة (ليست من إهتمامنا في البحث) أدّت إلى مخاوف الدولة العثمانية من توسع نفوذه ومن ثُمَّ استقلاله بالعراق، فقد وجهت أنظارها إليه وقررت ضرورة القضاء عليه وعلى حكم المماليك في العراق.
فوجهت إليه (علي رضا باشا اللاز) ليقوم بالمهمة. وتمكن من القبض على داود باشا وتسييره إلى إسطنبول، وبذلك إنتهى عهد المماليك في العراق وبدأ عهد جديد لا يخلو من الحوادث والنكبات وسوء الإدارة. وهذا العهد بدأ ء الإدارة. وهذا العهد بدأ من سنة 1247ه- إلى سنة 1335 ه- / (1831 - 1917م).
دام حكم ( علي باشا) في العراق بعد أن قضى على المماليك إحدى عشرة سنة.
وصار الولاة يأتون بعده تباعاً، ولكن بعد انتهاء حكم المماليك وانتهاء ولاية علي باشا، نجد بأن الولاة الذين جاءوا بعده إلى بغداد بتعيين من الدولة العثمانية، كان قسم منهم قد أساء الإدارة والتصرف. فحدثت مرة أخرى حوادث في كربلاء، وقف الكربلائيون فيها موقف المتصدي للأتراك.
عدا فترة حكم الوالي المصلح (مدحت باشا)، لكن لم تَدُم فترة حكمه التي بدأت من سنة 1285ه- / 1869م، وإنتهت قبل أن يتم سنته الثالثة في بغداد. فقد شمل هذا الوالي كربلاء بإصلاحاته، ولكن جاء بعده من أهملوا ما بدأ به مدحت باشا، حتى حصل الإنقلاب العثماني سنة 1326 ه- / 1908م.
بدأ الكربلائيون بالتصدي للأتراك مرة ثانية، ونشأ نتيجة هذا الموقف تحالفات وتكتلات بين الكربلائيين أنفسهم، وبينهم وبين العشائر المجاورة لهم، والتي كان لها دورٌ في كلّ الأحداث التي شهدتها المدينة.
عندما طالت فترة المماليك في العراق وقد تبيّن للباب العالي أنهم يتجهون إلى الإستقلال في العراق على خطى محمد علي باشا والي مصر، فقررت القضاء على حكمهم في العراق وإعادة سيطرة نفوذ الدولة المركزية على شؤون العراق. فقررت تعيين (علي رضا باشا اللاز) والياً على بغداد على أن يصطحب معه جيشاً لإنهاء ولاية داود باشا المملوكي على بغداد، والذي لم يسلّمها الأخير بسهولة إلّا بعد حصار بغداد وتقدم جيش علي رضا اللاز وتمكنه في النهاية من إلقاء القبض على الوالي داود باشا وتسييره إلى إسطنبول لترى الحكومة المركزية رأيها فيه.
سُيّر داود باشا إلى إسطنبول في شهر ربيع الثاني 1247ه-، وقد حذّره علي رضا باشا أن لا يتحرك بحركة إثناء سفره لأنه أمَرَ المحافظين بأنه إذا حصلت حركة إنقاذ أو هرب فلا يتأخر في قتله. ولذا منع من أي عمل طائش مثل هذا فإنه يضرّ به. ويقول عباس العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين عن وثيقة تاريخية لم يُعرف مؤلفها وسمّاها (التاريخ المجهول) وفيها:
«أما هذا الوزير - داود باشا - فقد إنقضت أيامه عند خلاص الطاعون من بغداد، وأما وقائعه فما تُذكر لقبحها ، ولمزيد ظلمه - قبحه الله – وليس له مادة حسنة كي يعتني المؤرخون بذكرها حتى لو أننا نذكر تعدّيه على عبادالله لأفضى إلى كفره وإنكاره. وأسس أشياء من الظلم ما تخطر في قلب فرعون. وكان بخيلاً جداً مع زيادة
أمواله، يغصب الناس أموالهم ظلماً وعدواناً، والحال سيّر إلى إستنبول بأمر السلطان محمود، سيّره علي باشا مهاناً كما ذهب الحمار بأم عمرو... »(1).
وبدخول علي رضا باشا بغداد منتصراً في ليلة الخميس 8 ربيع الأول سنة 1247 ه- / 1831م فقد إنتهى عهد المماليك في العراق، وعادت ولاية بغداد تحت النفوذ المباشر لسلطة الدولة العثمانية المركزية، وقد إستمرت هذه الفترة من حكم العراق إلى سنة 1917م عندما تمكن الإنكليز من إحتلال بغداد، وبهذا الإحتلال فقد إنتهى الحكم العثماني على العراق.
بمغادرة داود باشا العراق وانتهاء حكمه فيه، فقد إنتهى دور المماليك في العراق.
وكان داود باشا هو الذي نظّم حملة المناخور في كربلاء.
حلّ الوالي علي باشا اللاز محل داود باشا، فقد بدأ هذا الوالي الجديد بإعطاء مدينة كربلاء مقداراً كبيراً من إهتمامه إثناء ولايته... وكانت المدينة في ظل حكم داود باشا قد أصابها الأذى والإهمال والكثير من الخطوب والحوادث، حتى أن أهل المدينة والساكنين فيها قد إنقسموا فيما بينهم نتيجة سياسة داود باشا التعسفية تجاه المدينة ونشاطه الكبير في زيادة حالة التفرقة بين أبنائها. فقد كان إهتمام علي باشا اللاز بمدينة كربلاء له دواعي عديدة منها أنه رغب حسب ما نُقل عنه بسعيه لإصلاح ما فسد من أمورها، ومحاولته تجميع شتات أبنائها، والأهم من ذلك إدعائه بأنه يميل إلى محبة آل البيت لأنه كان بكتاشي الطريقة (2).
1) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي، ج7 ص 11 – ص12.
2) الطريقة البكتاشية هي طريقة صوفية سميت باسم الحاج ( بكتاش ولي) وهو السيد محمد العارف بأمر الله الذي يقال بأن نسبه يرجع إلى الإمام موسى الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). والمولود في (نيسابور) في إيران والمهاجر إلى تركيا، وهو الذي أثر على الإنكشارية الذين يعملون بالخدمة في الجيش التركي. وأتباع طريقته إتبعوا الغلو في معتقداتهم. وتوفي الحاج بكتاش ودفن في تركيا ولازال قبره يزار وهو برعاية أصحابه ومريديه ... وقد شرحنا في هذا الكتاب تفصيل عن البكتاشية ومؤسسها وتكيتهم في كربلاء.
وذكر بعض المؤرخين بأنه في بداية حكمه لم يمسسها بسوء، وقد هدأت الحالة فيها وهذا الهدوء جلب العديد من الأشقياء من إيران وغيرها من البلدان ليلجأوا إليها وزاد عددهم وسموا ب- (اليرمازية). وأخذ هؤلاء بالقيام بأعمال سلب واعتداء وتحدي للسلطة، وقد ضجّ أهل المدينة بهم مما حمل علي باشا اللاز لإتخاذ إجراءات
شديدة للتخلص منهم(1).
والحقيقة ان علي باشا اللاز لم يكن هدفه الذي نقل عنه صحيحاً، بل كانت له أهداف أخرى وكان غرضه المال والنفوذ، فجلب إلى كربلاء حامية عسكرية من أفراد مناوئين عقائدياً لعقائد أهل المدينة من (بني سالم) و(الكبيسات). وضاعف الضرائب على أهلها، بل وتركها ترفل بمشاكلها وضياع الأمن فيها.
في سنة 1247ه- توفي السيد حسين بن مرتضى النقيب آل دراج زعيم كربلاء ونقيبها السابق والذي كان يشغل لحين وفاته سدانة الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فقد أنيطت نقابة الحائر بابن عمّه السيد حسن بن محمد كنعان بن حسن بن عباس بن بهاء الدين بن أحمد بن السيد محمد الدراج، بعد أن تنازل عنها السيد سلطان آل ثابت الذي كان قد تولاها وكالة منذ سنة 1244ه- بأمر من داود باشا بعد نهاية أحداث كربلاء في المناخور وتوابعها من المعارك. ودخول جيشه للمدينة وإخضاعها. وإكتفى السيد سلطان بسدانة الروضة العباسية.
ففي سنة 1247ه-/ 1831م أصدر الوالي علي رضا باشا اللاز الذي أنهى فترة حکم داود باشا (بيورلدي) بإسناد النقابة للسيد حسن وإستمر فيها لحين وفاته سنة 1251ه-/ 1835م.
1) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي، ج7 ص 65.
1 - تبرع شاه إيران فتح علي القاجاري قبل وفاته بسنة واحدة بعمل ضريح (مشبك) على قبر أبي الفضل العباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ومن الفضة الخالصة. وقد تم إتمام العمل ونصب الضريح سنة 1249ه- / 1833م
2- كما تبرع في نفس الوقت بإكساء إيوان الذهب على الباب الرئيسية المطلة على طارمة الروضة الحسينية المقدسة، وقد تم إتمام العمل في ضريح العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وفي الروضة الحسينية في زمن ولده الشاه محمد القاجاري.
3-تبرعت (جان خانم) کبرى بنات الشاه فتح علي القاجاري بإنشاء دار للضيافة في الروضة الحسينية، وعينت رواتب لطلاب العلوم الدينية.
4- وفي سنة 1250ه- تبرعت زوجة الشاه محمد القاجاري بتجديد بناء المسجد الواقع في الجهة الشرقية في الصحن الحسيني (مسجد مرجان) وأشرف على العمل العلامة السيد كاظم الرشتي.
5- وفي سنة 1250 ه- أيضاً تبرعت إحدى زوجات الشاه فتح علي القاجاري بتذهيب قاعدتي المئذنتين في الروضة الحسينية.
في سنة 1250ه- / 1834م زار نظام الدولة سليمان خان الأفشاري قائد الجيش الإيراني كربلاء والمراقد المقدسة فيها.
كان نظام الدولة على علاقة وثيقة بالسيد كاظم الرشتي رئيس الكشفية، وكان متأثراً به وبأفكاره وحضر مجالسه في كربلاء، وإثناء وجوده تبرع بمبالغ طائلة لبناء مسجد وحسينية في كربلاء، وإشترى بستاناً كبيراً جعل ريعه لإطعام الفقراء وأوصى أن يدفن في الحسينية التي يتم تشييدها. ولعلاقته بالسيد الرشتي فقد أوكل إليه المهمة والإشراف على ما تبرع به، ويقال بأنه خصص الحسينية للزائرين الكشفيين دون غيرهم.
زار مدينة كربلاء الدبلوماسي الإنكليزي المستر (جيمس بيلي فريزر) سنة 1250ه- / 1834م، في رحلة دبلوماسية بدأها من إسطنبول إلى إيران ثم العراق الذي زار فيه عدّة مدن منها كربلاء. وزيارته كانت بعد انتهاء حكم داود باشا آخر الولاة المماليك.
وعن رحلته إلى كربلاء (1)كتب عن الحرب الشعواء التي شنها داود باشا وهي (واقعة المناخور) ، ويشرح تمرد المدينة بسبب حكم الوالي المتعسف والظالم والذي لم يتمكن من إخضاعها، وتحدث عن توقف الأعمال الحربية بعد عدة سنوات، وسماح الكربلائيين إلى عدد كبير من الجنود بالدخول إلى المدينة لغرض زيارة المشهدين وبشرط عدم دخولهم بأسلحتهم، كما تحدث عن قادة المدينة والذي كان يتقدمهم وهو السيد حسين بن مرتضى النقيب آل درّاج.
كما ذكر المشاكل الأمنية التي صادفها إثناء رحلته والخطر الذي كان يداهم الزوّار وخصوصاً الإيرانيين الذين كانت أعمال التسليب تطالهم لضعف الأمن، كما ذكر عن وجود المتمردين في مدن العتبات ومنها كربلاء على وجه الخصوص لضعف الحكومة وعدم السيطرة عليهم. ويقول فريزر في إحدى رسائله:
ومن الحقائق التي تدل على ضعف الحكومة التركية التام في هذه الولاية انّ جميع العتبات التي لها قدسية خاصة تقريباً قد جُعلت ملاذاً لشر الناس في المجتمع وأكثرهم تفاهة، ولا تزال في وضعها هذا حتى الآن. ومن المحتمل أن يكون هذا قد نشأ عن طبيعة الحماية يستغلها في الدرجة الأولى أسوأ الخارجين على القانون من الناس بطبيعة الحال. لكنه على كل إمتياز لا يسمح (المتولي) ورجال الدين أو خدّام الحضرة للسلطات الزمنية أن تتعرض له. وهكذا يتجمع أصحاب السوء وقد يدفعون الكثير من المال من أجل الحصول على الحماية حتى يكون في مقدورهم الهيمنة
1) رحلة فريزر إلى بغداد سنة 1834 / ترجمة جعفر الخياط، ص 175 - ص 177.
عليها كما هي محلة الشيخ عبد القادر (باب الشيخ) ببغداد نفسها. وقد حصل مثل هذا الوضع كذلك في النجف وكربلاء معاً، ولكن بمقياس أوسع وحالة أسوأ بكثير.
إذ إزداد عدد المتمردين المتجمعين هناك بحيث لم يعد من الممكن لحاكم المنطقة ولا السلطة الباشا أن تسيطر عليهم (1)...
بعد وفاة السيد سلطان بن ثابت بن درویش آل ثابت، تولى نجله السيد سعيد بن سلطان سدانة الروضة العباسية سنة 1250ه- / 1834م وسرعان ما بدأ النزاع على السدانة حيث أخذ يطالب بها السيد حسين بن حسن بن محمد من آل السيد يوسف بحجج شتى، وأخذ يقدم الطلبات على أنه أحق بالسدانة بإعتبار أنّ عمّه السيد محمد موسى الذي أستشهد في غارة الوهابيين كان سادناً للحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وإستشهد والده وعمّه الآخر في الغارة نفسها.
إستمر النزاع على سدانة العباس بين السادن السيد سعيد بن سلطان والسيد حسين بن حسن، وتدخلت الحكومة في النزاع وعيّنت شخصاً ثالثاً وهو السيد محمد بن جعفر آل طعمة (2)ليقوم بمهام السدانة وكالة لحين النظر في النزاع من قبل عاصمة الدولة (الاستانة)، وبعد شهرين تقريباً وصل قرار الدولة بتثبيت السيد سعيد بن سلطان آل ثابت سادناً للعباس.
1) راجع كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات) ص 142 - ص 146 ، وفيه التفصيل الكامل عن الرحلة، مشفوعاً بهوامش توضيحية على ما دونه فريزر في رحلته.
2) المرحوم السيد محمد بن جعفر بن مصطفى بن أحمد آل طعمة لم يكن سادناً في العباس كما ذكره سلمان طعمة في كتابه تاريخ مرقد الحسين والعباس ص 309 وبدون دليل ومصدر، بل كان يقوم بمهام السدانة لحين فض النزاع والذي لم تستمر وكالته إلّا مدة وجيزة كما يقول مؤلف مدينة الحسين في ص88 من السلسلة الأولى.
كانت العلاقة بين السيد سعيد بن سلطان آل ثابت سادن العباس والسيد وهاب بن محمد علي آل طعمة سادن الحسين غير جيدة وكانت بينهما خصومة قديمة وتنافس، وفي الفترة التي كان فيها (السيد وهاب) حاكماً على المدينة بالوكالة وفي نفس الوقت كان متولياً على سدانة الحسين، فقد إستغل علاقته بالوالي علي باشا اللاز وتحريضه ضد السيد سعيد آل ثابت، وفي نفس الوقت كان السيد وهاب يلتزم السيد حسين بن حسن بن محمد علي آل سيد يوسف نكاية بالسيد سعيد، فتمكنا سويّة بإقناع الوالي ورشوته بعزل السيد سعيد وقد تم لهم ذلك، عندما أصدر الوالي (بيولردي) في 25 جمادي الأولى سنة 1254ه- (1)بعزل السيد سعيد (2)وتعيين السيد حسين بن حسن بن محمد علي الذي لقّب نفسه فيما بعد ب- (آل الوهاب) وسارت أسرته على ذلك اللقب لحد الآن، وهم غير آل الوهاب الفائزيين من آل طعمة.
في 25 جمادي الأولى سنة 1254 ه- / 1838م تولى السيد حسين بن حسن بن محمد علي بن محمد بن موسى آل السيد يوسف من ذرية الحسين القطعي بن موسى الثاني (أبو سبحة) بن إبراهيم المرتضى الأصغر بن الامام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ). وهو أول من لقّب نفسه ب- (الوهاب) كما ذكرنا ذلك سابقاً.
لم يستمر في سدانته حيث تم عزله سنة 1256ه- بعد أن قدّم السيد سعيد آل ثابت شكاواه إلى الحكومة وقد أيدّه في سعية عدد من السادة، وأعيد السيد سعيد إلى
1) من المجموعة الخطية للمرحوم السيد محمد سعيد بن محمد علي آل ثابت.
2) أخطأ سلمان طعمة عندما ذكر في كتابه تاريخ مرقد الحسين والعباس ص 309 عندما ذكر أن الفرمان (والصحيح هو بيورلدي لأن الفرمان من السلطان والبيورلدي من الوالي) الذي صدر للسيد حسين في سنة 1254ه- بعد عزل السادن السابق محمد بن جعفر آل طعمة، والسيد سلمان يعرف جيداً بأن السيد محمد جعفر لم يكن سادناً وإنما تولى الوكالة فترة قصيرة سنة 1250ه- كما يقول الكليدار في مدينة الحسين ص 88 كما أن السيد سلمان عندما ذكر سدانة محمد جعفر لماذا لم يذكر أنها إستمرت إلى سنة 1254ه- !!
السدانة. ولم يستقر للسيد حسين بال حتى سعى مرة أخرى لنيل السدانة بذهابه إلى الإستانة عاصمة الدولة العثمانية، وبتوصية من والي بغداد محمد نجيب باشا الذي كان يشجع الخلاف في مدينة كربلاء بعد واقعته الشهيرة عام 1258ه-.
فقد تم عزل السيد سعيد مرة أخرى سنة 1259 ه- وإناطة السدانة بالسيد حسين مرة أخرى. ولكثرة المشاكل التي حدثت من قبله في الفترة الثانية من توليته تم عزله بشكل نهائي من السدانة وإعادتها إلى السيد سعيد بن سلطان آل ثابت مرة أخرى سنة 1265ه- / (1849م) .
تولّى السيد محسن بن محمد كنعان بن حسن بن عباس بن بهاء الدين بن أحمد بن السيد محمد الدراج نقابة الأشراف في كربلاء بعد وفاة شقيقه النقيب السيد حسن في سنة 1251 ه- 1835م. وقد إستمر في النقابة لغاية سنة 1258 ه- بعد واقعة نجيب باشا بشهرين ونصف حيث تم إعفائه من قبل الوالي الذي ألغى نقابة كربلاء نتيجة أحداث كربلاء وإخضاعها بالقوة كما سيتم شرح ذلك لاحقاً. وكان يُعتبر من قبل السادة الأشراف في كربلاء هو النقيب بدون منازع لحين وفاته سنة 1273ه- / 1856م.
وسنذكر تفصيل إستمراره في النقابة في الفصل الخاص بنقباء الحائر.
في أواخر أيام حكم المماليك وداود باشا كان السيد وهاب بن محمد علي آل طعمة حاكماً أهلياً لكربلاء بالوكالة، وعندما توفي سادن الحسين السيد حسين بن مرتضى النقيب بمرض الطاعون سنة 1247ه- أصدر داود باشا أمراً بإسناد السدانة إلى السيد وهاب آل طعمة، وبقي في نفس الوقت حاكماً مؤقتاً على كربلاء لحين تعيين حاكم جديد من قِبِل الحكومة.
وفي فترة 10 سنوات من حكم الوالي علي باشا اللاز لولاية بغداد مرّت علينا أسماء لمتولي كربلاء في مصادر متفرقة لم تؤكد الفترات الزمنية التي مرت على تولية كل من هذه الأسماء، ورغم البحث الطويل في المصادر والوثائق التي حصلنا عليها وجدنا بأن في هذه الفترة التي حكم أهل كربلاء مدينتهم بشيء من الاستقلال الذاتي حتى بوجود متولين معينين من قِبل الحكومة، وفي الحقيقة كانت هذه الفترة من حياة مدينة كربلاء زاخرة بالأحداث والصراعات. وكانت المشاكل مستمرة بين الأهالي والحكومة العثمانية، وشهدت تنامي نفوذ بعض الشقاة واليرمازية كما يسميهم البعض ، وكثرت تجاوزات أفراد الحامية الموكلة بضبط الأمن في كربلاء حيث قاموا بالسلب وأخذ الأتاوات ومضايقة الأهالي والزائرين وكل ذلك كان يحدث والوالي لم يعر أي إهتمام بالمدينة.
فقد وردت في بعض المصادر أن متولي كربلاء في هذه السنوات العشر هم:
1- السيد وهاب بن محمد علي آل طعمة، المعيّن من قِبل داود باشا، كما عُيّن سادناً للحسين بعد وفاة السيد حسين النقيب سنة 1247ه- ، وقد إستمر بتولي حاكمية المدينة إلى سنة 1253ه-.
2-جاء في كتاب مدينة الحسين في الصفحة 46 من مستدركات السلسلة الرابعة انّ السيد حسين بن حسن آل الوهاب (1)إستلم حاكمية كربلاء سنة 1254ه-. ولم يذكر مؤلف الكتاب المذكور المصدر الذي إعتمد عليه، أو أية وثيقة تؤكد ذلك.
كما لم يوجد مصدر آخر يؤكد الموضوع.
1) هو السيد حسين بن حسن بن محمد علي بن محمد بن حسين بن موسى من آل السيد يوسف بن أبي المعالي محمد، من ذرية (موسى أبو سبحة) بن إبراهيم المرتضى الأصغر بن الامام موسى الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). وكان والده السيد حسن قد أستشهد مع أخواه السيد محمد موسى (سادن الحسين) والسيد حسين في غزوة الوهابيين على كربلاء سنة 1216ه-، وعلى أثر إستشهاد والده وأعمامه في هذه الواقعة فقد لقب نفسه ب- (الوهاب) وأخذ يُعرف أحفاده بهذا اللقب في كربلاء وهم ليسوا من آل الوهاب الفائزيين. كان قد تسلّم سدانة العباس وعُزل عنها.
فقد ذكر السيد محمد حسن الكليدار بأن السيد حسين كان حاكماً لكربلاء من سنة 1254ه- إلى سنة 1259ه-، وهذا خطأ واضح لأن واقعة نجيب باشا حدثت سنة 1258 ه- ، وبعدها بمدة عيّن الوالي صادق بك حاكماً لكربلاء، وهذا الأمر لا يقبل الشك حيث ذكرته المصادر التاريخية والرسمية في نفس الوقت.
كما أن السيد حسين لم يُذكر أبداً في حادثة نجيب باشا لا من بعيد ولا من قريب ولم يكن له دور حتى في المقاومة مع أبناء المدينة أو مع الطرف الآخر. كما أنه من المعروف أن السيد حسين تم تعيينه سادناً للعباس سنة 1254ه-، والأدهى من ذلك يؤكد السيد الكليدار بأنه إستلم سدانة العباس من سنة 1251ه- إلى سنة 1265ه- كما جاء في السلسلة الأولى من كتابه ص88 في موضوع سدانة العباس (الخازن العاشر).
والأمر الآخر من أخطاء الكليدار قوله في نفس الصفحة أن (عبداللطيف البكتاشي) كان متولياً من سنة 1255 ه- إلى سنة 1257 ه! ثم تبعه وكالة (يوسف سنان باشا)، وبعد ذلك مباشرة يذكر بأن حاكم كربلاء سنة 1257ه- إلى سنة 1258 ه- هو السيد وهاب بن محمد علي آل طعمة !!!
هذا التخبط في التواريخ والأسماء يدل على عدم متابعة المؤلف من ناحية وإفتقاره للمنهجية العلمية في البحث من ناحية أخرى، كما أن ذلك يُعد من الأخطاء التدوينية وللأسف نجد البعض يأخذ بها بدون وعي ودراسة.
3-من الأرشيف العثماني وجدنا بأن (عبداللطيف القاضي) وهو من البكتاشية قد إستلم حاكمية كربلاء سنة 1255ه- وإستمر في منصبه لحين طرده من كربلاء بداية سنة 1257ه-.
4- بعض المصادر تؤكد بأن السيد وهاب بن السيد محمد علي آل طعمة تولى حاكمية كربلاء سنة 1257ه- بالإضافة إلى سدانة الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
5 - جاء في دليل الخليج للوريمر بأن علي رضا باشا اللاز عندما حاصر كربلاء وخرج إليه زعماؤها للتفاوض، فرض عليهم مبلغ 70 ألف قرآن، وتعيين حاكم جديد للمدينة من قِبله وهو (سعيد بن عبدالوهاب) من عائلة بغدادية عريقة (1).
بعد كل ما أوردناه عن حاكمية كربلاء خلال السنوات العشر من حكم والي بغداد علي باشا اللاز، يمكننا أن نؤكد أسماء الذين إستلموا حاكمية كربلاء أصالة أو وكالة وحسب دراستنا لأوضاع المدينة والمصادر التي ذكرت ما يخص الحاكمية في ذلك الوقت وكما يلي:
كان حاكماً لكربلاء بالوكالة بأمر من داود باشا، وقد عيّنه الوالي داود في أواخر أيام حكمه سادناً للحسين خلفاً للسيد النقيب حسين بن مرتضى الذي توفي بالطاعون سنة 1247ه-، فجمع بين الحاكمية والسدانة، وبقي حاكماً لكربلاء بالوكالة لغاية سنة 1254ه- . ولاصحة لما جاء في السلسلة الرابعة من كتاب مدينة الحسين ص 315 - ص 316 ، عندما ذكر عن السيد وهاب ما يلي:
«وعند حصار كربلاء من قبل الوزير علي رضا باشا خرج على رأس الوفد المفاوض مع الوالي وتكفل بدفع الكربلائيين الضريبة التي كانت مفروضة عليهم، وعند ذاك أسند الوالي إليه منصب تولي المشهدين في كربلاء وكانت كربلاء في عهده يتمتع (والصحيح تتمتع) بالحكم الذاتي وكان ذلك بتاريخ سنة 1252ه- وبقي يشغل هذا المنصب حتى عام 1254ه- ... » . وعدم صحة ما ذكره السيد الكليدار في مدينة الحسين يأتي من أمرين: أولهما: أن السيد وهاب كان متولياً لقصبة كربلاء بالوكالة منذ سنة 1244ه- بعد انتهاء كامل وقائع المناخور. وليس منذ سنة 1252ه-.
1) دليل الخليج (القسم التاريخي) ج. ج . لوريمر. ج 4 ص 1985.
وثانيهما: إن الحصار الذي فرضه علي باشا اللاز كان سنة 1257ه- حسب ما جاء في كتاب تاريخ العراق بين إحتلالين في حوادث سنة 1257ه- / 1821م. ص 58 . وهذا ما سنبحثه لاحقاً.
عزل الوالي علي باشا السيد وهاب آل طعمة من تولية كربلاء سنة 1254ه-، وعيّن السيد حسين بن حسن بن محمد علي حاكماً لكربلاء.
ذكر ذلك مؤلف مدينة الحسين في السلسلة الرابعة ص 316 - ص318 بأن الوالي أصدر (بيورلدي) مُعنوَن إلى السيد وهاب آل طعمة هذا نصّه: « عزيزنا السيد عبد الوهاب: نحيطكم علماً بمقتضى المصلحة قد وجهنا تولية قصبة كربلاء والنقابة (1)إلى عهدة سيد حسين جلبي وهاب زادة وفوضنا حاله لطرفه إعتباراً من سنة 1254ه- أيلولي وحيث إنه منصوبنا وتقوية أموره وشاغله مطلوبنا وأنت معدود خادمنا فينبغي أن تتفق مع المولى إليه وتكون بمعاونته ومظاهرته على المصلحة كما هو المجزوم فيك وفيه الكفاية - التوقيع علي رضا باشا في 25 جمادي الأول سنة 1254ه-».
نقلنا النص الوارد في كتاب مدينة الحسين نصّا مع الأخطاء الواردة فيه، ولم يذكر المؤلف المصدر الذي ذكر هذا البيورلدي. وبعد ذلك يقول الكليدار في ص 318 من نفس السلسلة ما يلي:
«وبعد هذا التاريخ بقي السيد عبد الوهاب محتفظاً بسدانة الروضة الحسينية غير أن العلاقات بينه وبين الوالي قد تحسنت فأعيد إليه ثانية منصب قائمقامية كربلاء سنة 1256ه- إضافة إلى السدانة وبقي محتفظاً بمناصبه حتى واقعة – نجيب
1) بالنسبة للنقابة نؤكد جازمين بأن السيد حسين بن حسن بن محمد علي لم يستلمها مطلقاً، لأن النقابة كانت بيد السيد محسن بن محمد كنعان بن حسن بن عباس بن بهاء الدين من آل دراج وقد إستلمها بعد وفاة أخيه السيد حسن بن محمد كنعان بموجب بيورلدي أصدره الوالي علي رضا باشا في 7 شوال سنة 1251ه- وبقي نقيباً في كربلاء لحين عزله من قبل محمد نجيب باشا سنة 1258ه-، ولكن أهالي كربلاء إستمروا بتأييده كنقيب لحين وفاته سنة 1273ه-، وهذا ما سنبحثه في فصل نقباء الحائر .
باشا - سنة 1258ه- حيث خرج من كربلاء هارباً من بطش الوزير التركي متوجهاً إلى المسيب ومنها إلى عشيرة الخزاعل...»
وهذا الكلام غير دقيق أيضاً لأنه يخالف ما ذكره مؤلف مدينة الحسين نفسه في موضعين من كتابه في السلسلة الرابعة منه عندما ذكر في ملحق المستدركات ص46 أن متولي قصبة كربلاء من سنة 1255ه- إلى سنة 1257ه- هو عبداللطيف البكتاشي ثم تبعه وكالة يوسف سنان باشا. وذكر الحاكم عبداللطيف أيضا في ص158 من السلسلة الرابعة بأنه كان الحاكم وكان طوع بنان الأعراب من الكبيسات (وهم من أفراد الحامية) المفسدين «الذين لا يتورعون عن إرتكاب المحرمات وديدنهم أخذ الأتاوة (الخاوة) من الزوار والسابلة وأهل البلد يخافون على أنفسهم وأن حاكم البلد (عبداللطيف القاضي) طوع بنانهم ولا يستطيع أن يعارض ما يفعله هؤلاء اليرمازية ». فكيف يذكر مؤلف مدينة الحسين ويناقض ما سطّره في كتابه.
والحقيقة انّ الأهالي طردوا الحاكم سنة 1257ه- وإمتنعوا عن دفع الضريبة مما دعا بالوالي إلى محاصرة كربلاء فخرج إليه السيد وهاب وآخرين وإتفق السيد مع الوالي على دفع الضريبة مضاعفة ودخول حامية داخل المدينة، فخوله الوالي القيام بمهمة الحاكمية سنة 1257ه- وبقي فيها لحين هروبه من كربلاء سنة 1258ه-.
بعد سنة قضاها السيد حسين بن حسن بن محمد علي متولياً لقصبة كربلاء لم يتمكن من إدارة شؤونها بسبب حبّه المفرط للزعامة وإبتعاده عن الأهالي، فهو لم ينجح في عمله كحاكم مثل ما فشل في إدارة الروضة العباسية وتم عزله عنها بسبب المشاكل التي ثارت ضدّه في حينه، فقد أصدر الوالي في شوّال سنة 1255ه- بتعيين عبداللطيف القاضي وهو بكتاشي الانتماء على حاكمية كربلاء وبقي في منصبه إلى سنة 1257ه- وكان من الضعف بمكان عدم قدرته على ضبط الأمور في المدينة مما
أثار ذلك حفيظة الأهالي وطردوه منها وإمتنعوا عن دفع الضريبة للحكومة وكان مقدارها 35000 قرآن.
ورد في كتاب دليل الخليج (القسم التاريخي) ج 4 ص 1985 أن الوالي علي باشا اللاز عندما حاصر كربلاء وخرج إليه وفد من أهالي كربلاء قد فاوضهم على دفع الضريبة مضاعفة وقرر تعين شخص اسمه سعيد بن عبد الوهاب وهو من عائلة بغدادية عريقة ليكون حاكماً على كربلاء. وللحقيقة والأمانة نقول: بأن ما ورد في کتاب دليل الخليج لرويمر هو خطأ واضح ناتج عن الترجمة، فالمقصود هو (سيد) بدل (سعيد) وعبد الوهاب هو اسم السيد وهاب.
وعليه فإن السيد وهاب بن محمد علي آل طعمة إستلم حاكمية كربلاء ووقف مع زعماء كربلاء في ثورتهم ومواجهتهم للوالي محمد نجيب باشا في واقعة غدير دم الشهيرة بواقعة نجيب باشا، ومن جرّائها هرب من كربلاء حيث كان مطلوباً مع آخرين سيتم ذكرهم عند الحديث عن الواقعة لاحقاً.
كانت كربلاء عندما إستلم ولاية بغداد علي باشا اللاز تحكم نفسها، بنفسها، وكان السيد وهاب محمد علي آل طعمة هو الحاكم للمدينة بعد أن نصبه الوالي داود باشا عليها، وكان علي باشا اللاز يعرف أوضاع كربلاء جيداً، وفي عهده أراد أن يخضعها لسلطته مباشرة وتعيين حاكم لها من قِبله.
و في الحقيقة لم يكن الوالي يهتم بهذا الأمر عدا إهتمامه بما يعود لخزينة ولايته من أموال يزيد بها أموال الولاية ويبعد نفسه عن الدخول في مشاكل ومعارك جديدة مع أهل المدينة.
وحدث أن ثارت في أوائل حكمه عشائر الهندية التي إمتنعت عن دفع الضرائب السنوية فأرسل لها جيشا وتم إخضاعها على أن تدفع ما عليها للولاية.
بعد إنهاء موضوع ثورة عشائر الهندية توجه إهتمام الوالي علي رضا باشا اللاز صوب كربلاء فحاصرها. وكان سبب الحصار إن أهالي المدينة منعوا الوالي من دخولها حتى لو كان يريد الزيارة، فقرر محاصرتها وإخضاعها بالقوة وإنهاء الحكم المحلي السائد فيها.
يقول لوريمر في كتابه دليل الخليج:
«وقد منع علي رضا باشا الخلف المباشر لداود باشا من الدخول إلى كربلاء حتى كحاج (أي زائر للعتبات). ويظهر أنه بعد أن حصل على مبلغ من المال وبعد قبول الأهالي بمرشح حسن الأخلاق زكّاه الباشا ويدعى سعيد عبد الوهاب، وهو من عائلة عريقة في بغداد. ليصبح والياً على المدينة، أذعن الباشا وقبل الوضع الاستقلالي الراهن للمدينة» (1).
وقد تفاوض معه رؤساء كربلاء وأعيانها، وتم الإتفاق على ما يلي:
1- كانت كربلاء تدفع ضريبة سنوية مقدارها 35000 قرآن سنوياً، فإشترط الوالي أن تكون الضريبة مضاعفة وقد قبل حاكم المدينة بذلك.
2- إرسال حامية عسكرية إلى المدينة تتولى ضبط الأمن فيها قوامها خمسمائة عسكري.
ووافق الحاكم ومن معه بذلك.
3-تعيين حاكم جديد للمدينة.
وبهذه الشروط يتكفل الوالي بترك المدينة، وينهي الحصار المفروض عليها.
وقد جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين عن (التاريخ المجهول) ما يلي: « وفي أيام علي باشا اللاز - حاصرها وخرج إليه سادات البلد وعلماؤهم، وتكفلوا له بزيادة
1) دليل الخليج (القسم التاريخي) ج. ج. لوريمر، ج4 ص 1985.
الإيراد، فإرتحل عنهم، وكان ذلك الوزير لا يبالي بعصيانهم، ومرامه الدراهم، وقد أدوا له سبعين ألف قران المثل إثنين - عمّا يؤدونه إلى داود باشا، فرضي وتركهم »(1).
وللوقوف على تاريخ حصار كربلاء من قبل علي باشا اللاز والإختلاف في تدوين ما جرى وكيفية التفاوض وقبول الوالي إنهاء الحصار والشروط المتفق عليها بين الأهالي والوالي، ففي تاريخ العراق بين إحتلالين جاء في حوادث سنة 1257ه- / 1841م عن الوالي علي باشا وفي عنوان كربلاء - المنتفق في أيامه جاء ما نصّه: (كان أمله مصروفاً إلى الاحتفاظ بالحالة، ومن ثَمَّ تعرف درجة ضعفه فلا يرغب أن يحرك ساكناً... فرضى من كربلاء بمبلغ سبعين ألف قرآن وهكذا كان أمره مع المنتفق»(2).
ذلك يدّل على أن حصاره لكربلاء وإتفاقه مع الأهالي كان سنة 1257ه-، أي قبل عزله بسنة واحدة تقريبًا.
يبدو انّ مدينة كربلاء لم تسلم من الصراعات الفقهية والعقائدية بين الأصوليين وهم الأكثرية في كربلاء وبعض الفرق الفقهية التي تختلف عن الأصوليين في بعض العقائد. وكربلاء كانت تضم الكثير من المرجعيات الدينية، ويدب فيها النشاط العلمي والفكري والأدبي، وتتصدر مدرسة كربلاء الدينية في القرن الثاني عشر والثالث عشر للهجرة المرجعية الدينية الشيعية لكثرة المراجع من العلماء فيها وكثرة المدارس الدينية المتواجدة فيها، وفي العهد المملوكي والفوضى التي كانت تعيشها كربلاء بسبب ضعف الحكومة، والتدخل الإيراني القاجاري خاصة في زمن الشاه فتح علي القاجاري الذي أقحم نفسه في دعم الصراعات العقائدية داخل المذهب الواحد لأغراض لا تبتعد عن السياسة وفرض النفوذ والرغبة في التدخل بشؤون العراق من خلال دفعه شخصياً للكثير من رجال الدين للتوجه إلى العراق والإستقرار في مدن العتبات المقدسة وخاصة كربلاء، وكان ذلك واضحاً من إستدعائه للشيخ أحمد الإحسائي وتقديم الدعم له، وتشجيعه بالرجوع إلى العراق وبالذات إلى كربلاء لنشر أفكاره الجديدة، وفي نفس الوقت نجده يشجع آخرين للذهاب إلى كربلاء للوقوف أمام الأفكار الجديدة مثل البرغاني وغيره، كما سنجد من ذلك الكثير عندالحديث عن الصراع العقائدي هذا.
عاشت مدينة كربلاء صراعاً قبل هذا الوقت بين الأصوليين والإخباريين وكان الحكام القاجاريون في إيران هم الذين أوقدوا جذوة الصراع عندما قرّبوا الإخباريين ومن ثُمَّ دفعوهم إلى كربلاء، وحدث ما حدث.
وتتكرر الحالة مرة أخرى، ولكن الصراع هذه المرّة بين (الإصوليين والإخباريين) الذين توحدوا ضد (الشيخية والكشفية) فقد أخذ طابعاً عدائياً آخراً ألاَ وهو التشهير والتكفير بل والتقاتل الذي وصل بين أتباع الفريقين، فظهرت المدينة في حالة غليان شديد يقوده علماء الدين من الطرفين.
كان الصراع قائماً بين الأصوليين والأخبارية بعد منتصف القرن الثاني عشر الهجري، وبقي السجال بينهما قائماً لحين العقد الرابع من القرن الثالث عشر الهجري، وعندما لمع علامّة كبير عربي الأصل مثل الشيخ أحمد الإحسائي وملأت شهرته الآفاق، فاستشاط من لم يعجبه الحال من العلماء وجلّهم من الإيرانيين غضباً من شيخ ينتسب إلى البداوة العربية ويصل إلى مرتبة متقدمة من العلوم المتنوعة، فهنا توحد الأصوليون والإخباريون على السواء ضده، ونسوا خلافاتهم، ولا تبتعد هذه الوقفة منهم عن الحسد والريبة منه لأن البساط سينسحب من تحتهم ويقل أتباعهم، والأموال التي كانت تردهم من الخمس وغيرها، فكوّنوا جبهة ضدّه وقاموا بتلفيق التهم عليه بشتى الوسائل، إلى أن وصل الأمر إلى تمسك أتباع الإحسائي به، وإبتعد عنه من تأثر بمناوئيه.
يقول محمد حسن الطالقاني في ذلك: « ولاتزال الصراعات بينهم (يعني بهم الأصوليين والإخباريين) عجيبة ومخيفة، تكاد تكون كل الصراعات الطائفيّة والملّية والنحلية تتصاغر عند هذا الصراع الشيعي - الشيعي. إلّا أن هذا الصراع خمد فترة إثر خروج عدو مشترك للجميع ، وهو عدو شيعي إمامي ولكن له فكر آخر، وهذا الفكر
هو (الفكر الشيخي) أتباع أحمد الإحسائي...
ويقول الطالقاني ... تألق نجم الإحسائي فتلقفته الأوساط العلمية بقبول حسن، وعُرف بغزارة العلم وسمو الفكر وعلو الثقافة وأشير عليه بالأنامل، وأجمع الكل على ورعه وتقواه وترسله وزهده في الزعامة الدينية ومتع الحياة كافة، ولذلك كثُر الإقبال عليه وعظم في نفوس العامة على إختلاف طبقاتهم، واخذت رياسته بالتوسع رغم إعراضه عنها، وأوشكت شهرته تغطي العلماء المعاصرين له، فلم يهن ذلك على بعضهم، بل ضاقوا به ذرعاً وإمتلأت صدورهم عليه حقداً وصمموا على دكّه، غير أن المد الشعبي ومكانته الجماهيرية كانت ترهبهم، فلزموا الصمت، إلّا أنهم بدأوا يعملون في الخفاء للإطاحة به ...
ومن هنا وجد كلّاً من الأصوليين والإخباريين، أن الإحسائي قد خرج كمارد من قمقم سحري، وقد هددهم في معاشهم وخمسهم ومكانتهم عند العامة، ففضوا إشتباكهم ! وقررو الإتحاد في وجه الخصم الجديد.
يقول الطالقاني ... ضاق القوم ذرعاً بالرجل وفكروا في الخلاص منه طويلاً حتى إهتدوا إلى ما إهتدوا إليه زملاؤهم علماء كربلاء من قبل، ورأوا أن الطريق الوحيد للإطاحة به وتفريق الناس عنه هي إثارة زوبعة حوله، وذلك عمل يحسنونه ويعرفون كيفية التمهيد له والوصول إليه، كل ذلك يجري في الخفاء والإحسائي مترسل في سيرته وحديثه، لا يعرف ما يبيّت له القوم ولا يخطر له على بال...
وللأسف الشديد نجد هذا الإسلوب طالما حدث وقام به رجال الدين مع خصومهم سواء كانوا من الشيعة أو من غيرهم والأمثلة كثيرة على ذلك.
يقول الطالقني أيضاً ... وكان علماء كربلاء قد صمموا على تكفير كل عالم يرأس ويتزعم ويخافون تقدمه، وقد كفّروا عدداً من العلماء ولكنهم لم ينجحوا مما إضطرهم إلى الخجل ... ويضيف أيضاً في موضوع التخطيط على إسقاط الإحسائي ... تبودلت الآراء وتكررت المشورة بين علماء إيران وكربلاء، وكان أكثر علماء العراق يومئذٍ وإلى اليوم من الإيرانيين، فالإيرانيون في الغالب ينظرون إلى العرب نظرة ازدراء وإحتقار
ويعتقدون بتخلفهم الذهني، فكيف يروق لهم ان يأتي رجل من أطراف الإحساء ومن أبناء الصحراء ويتفوق عليهم في بلادهم ويحظى بإقبال ملكهم وشعبهم؟ ولكن ذلك قد حصل بالرغم منهم وأجبرهم على الإعتراف بتفوقه وتقدمه... وقد اجمعت الكلمة على الوقيعة بالإحسائي ولكن من يوري الشرارة الأولى...
في مكان آخر يقول الطالقاني عن موقف البرغاني الذي أخذ على عاتقه بداية التصدي للإحسائي حيث قال ... وبدأ البرغاني يعمل للإنتقام من الإحسائي والوقيعة به، وأخذ يتحيّن الفرص ويتسقّط كلامه للحصول على مدخل يلج منه، وممسك يتذرع به، وحانت الفرصة للبرغاني أن يلعب لعبته ويحقق رغبته فأضاف إلى الآراء بعض الكفريات ونشرها بين العوام، ونسب الإحسائي إلى تضليل العوام بآرائه وغلوّه في الأئمة وكفره وإنتشرت اخبار تكفير الإحسائي في بقية المدن الإيرانية، وواصل الإحسائي سفره إلى خراسان، وكلما مرَّ بمدينة وجد الإنقسام حوله واضحاً، ففريق يتجاهله ويعرض عنه وآخر يبالغ في تعظيمه تعصّباً، وكتب البرغاني الشهيد الثالث إلى علماء كربلاء بأنه كفّرَ الإحسائي وطلب متابعتهم في ذلك، فإستجابوا وإرتفعت الأصوات معلنة كُفْره، وصار الناس في حيرة مما حدث، ثم سادت الخصومة وتوسع الخلاف، وظهر لدى الشيعة مبدأ جديد، وقبرت خلافات الإخباريين والأصوليين وحلّت محلها الشيخية وخصومها.
عند ذلك توالت التكفيرات ضد الشيخية من العلماء وكان منهم السيد علي الطباطبائي والسيد إبراهيم القزويني والدربندي والشريعة مداري والمازندراني وغيرهم، وكان جميعهم من الإيرانيين أصلاً. ويقول الطالقاني في مكان آخر .
ظل الإحسائي يعمل من جانبه على رتق الفتق وإخماد الفتنة، ويدعو إلى جمع الكلمة وعدم شق عصا المسلمين وتفريق صفوفهم، ويحذر من الإختلاف لأنه يضعف الشيعة ويشمت بهم اعداءهم، وظل خصومه من جانبهم يغذون التفرقة وينمون دواعي الإختلاف، وكان أن قاموا بعمل أبشع من كل ما عملوا، وتصرف
أقبح من سائر ما إرتكبوا... رفعوا إلى الوالي العثماني في بغداد (داود باشا) كتاب الإحسائي شرح الزيارة الجامعة الكبيرة، وأطلعوه على مواضع منه فيها تعريض وطعن في أبي بكر وعمر ... ولما أوغروا صدر الوالي أراد هذا قتله (1).
أخذ الإحسائي يرد على مؤاخذات خصومه بإسلوب علمي وحجج منطقية ويُفسّر أقواله المشتبه بها، ونفى عنه التهم الملفقة، وتبرأ علناً من كل ما يخالف عقائد الشيعة الإمامية وإنه لم يقل في مجلس أو يسجله في كتاب ما أتهم به، ودعا القوم مرارا للإجتماع والمداولة ولكنه لم يلق أُذناً صاغية، ولم يُلتفت إلى طلبه ... وبيّن الإحسائي على ما حدث له في كربلاء وإلى ما وصل إليه القوم من إسفاف وإجحاف وظلم واعتداء كصرف الأموال لشراء الذمم وإستئجار الأعوان للتنكيل به وبث الإشاعات ضده.
وسيتم الحديث تفصيلياً ضمن السرد الوثائقي بعد أن نعرف ماهي الأفكار الشيخية ومن ثَمَّ الكشفية التي تأسست على إثر الشيخية، وعن علاقة (البابية) ومن ثُمَّ البهائية من الشيخية والكشفية والتي إعتبر البعض أن البابية أسست على الكشفية وإن البهائية هي الحصيلة الأخيرة للبابية، ولا يخفى بأن البهائية خرجت في النهاية عن شريعة الإسلام وأسست لها ما يشبه الديانة المستقلة. وسنذكر في النهاية هل هناك علاقة بين (البابية والبهائية) وبين (الشيخية والكشفية) أم إنعدامها، بعد أن نتحدث عن الشيخية والكشفية.
طريقة أو (فرقة) من الشيعة الإمامية الإثني عشرية كما يسميها البعض، أسسها الشيخ أحمد الإحسائي، وسميت بالشيخية على اسم مؤسسها (الشيخ) أحمد، ويرفض الشيخية تسميتها بفرقة أو طريقة إنما يطلقون عليها (المدرسة الشيخية) لتعدادها مع
1) راجع كتاب الشيخية نشأتها وتطورها: محمد حسن الطالقاني من ص 93 إلى ص112.
المدرستين الأصولية والإخبارية، وفي قناعتنا أنها مدرسة من المدارس الفقهية لدى الشيعة الإمامية الإثني عشرية. فهي ليست مذهباً أو فرقة وإنما لهذه المدرسة وجهة نظر في بعض (الفروع) بالإضافة إلى إبتعادها عن الرأي والإجتهاد.
وعند الشيخ أحمد الأدلة في إستنباط الأحكام الشرعية هي أربعة كما عند الأصوليين وهي الكتاب والسنة والعقل والإجماع.
ويُقلّد أتباعها من يرونه الأفضل في حمل وإستيعاب أحكام الشريعة ولا يبتعدون كثيراً عن الأصوليين والإخباريين.
فهم يرون ماجاء في الكتاب وسنة الرسول ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وما ورد عن الأئمة من آل البيت الأطهار منهاجاً لا يختلف عن غيرهم، رغم إنهم أتهموا من قِبل مناوئيهم بأمور لابد لنا من تقديمها مع تبيان رد الشيخية على ما اتهموا به.
وقبل الحديث عن عقائد الشيخية علينا أن نتحدث عن مؤسس هذه المدرسة (الشيخ أحمد الإحسائي) وعن تلميذه وخليفته (السيد كاظم الرشتي)، لأنهما عاشا في كربلاء وإنتشرت أفكارهما فيها، وشهدا الصراع المحتدم الذي جرى بينهما وبين الأصوليين، وما رافق هذا الصراع من أحداث.
هو الشيخ أحمد بن زين الدين بن إبراهيم بن صقر بن إبراهيم بن داغر بن راشد بن وهيم بن شرموخ آل صقر المطيرفي الإحسائي البحراني، المولود في الإحساء في شهر رجب من عام 1166ه- / 1753م.
إرتحل الشيخ أحمد إلى كربلاء ودرس فيها على يد علمائها من الأصوليين ومنهم العلامة السيد علي الطباطبائي ( صاحب الرياض) ، وأكمل دراسته العلمية على يده في رجب عام 1212ه- / 1797م.
الشيخ أحمد الإحسائي بريشة المصور الخاص للشاه فتح علي القاجاري
ترك الشيخ أحمد الإحسائي كربلاء إثر واقعة الوهابيين عام 1216ه-/ 1802م قاصداً (خراسان)، ومنها عاد إلى البصرة وعمل مدّرساً دينياً فيها، وبدأ يعلن عن أفكار كان يختزنها تتعمق في ظواهر الشريعة، مبنيّة على طريقة (الكشف) وعلى الرؤيا والإلهام في المنام
وإتفق أن سمع به الشاه الإيراني فتح علي القاجاري، فأرسل إليه، ولبّى الدعوة الشيخ أحمد ووصل إلى (طهران) وقابل الشاه فيها، ثم إتخذ مدينة (يَزْد) مقراً له ،ولمدرسته، وبدأ يبث فيها أفكاره الجديدة.
ثم دعاه (محمد علي ميرزا) ابن الشاه فتح علي القاجاري إلى (كرمنشاه) حيث بقي فيها برعاية الشاهزادة محمد علي، وأعلن في كرمنشاه علميته حيث إنه سبق وأن أخذ الإجازة بالرواية والتدريس من علماء النجف وكربلاء. وممن أجازه من مراجع التقليد هم:
1- العلامة والمجتهد الأكبر في زمانه الشيخ جعفر كاشف الغطاء حيث قال في إجازته (ان العالم العامل والفاضل الكامل زبدة العلماء العاملين وقدوة الفضلاء الصالحين الشيخ أحمد بن المرحوم المبرور الشيخ زين الدين قد عرض علي نبذة من أوراق تعرض فيها لشرح بعض كتاب تبصرة المتعلمين لحجة الله على العالمين ورسالة صنفها في الرد على الجبريين مقوياً فيها لرأي العدليين فرأيت تصنيفاً رشيقاً قد تضمن تحقيقاً وتدقيقاً قد دل على علو قدر مصنفه وجلالة شأن مؤلفه فلزمني أن أجيزه بعدما إستجازني).
2 - العلامة السيد علي الطباطبائي (صاحب الرياض) حيث قال في إجازته (إن من أغلاط الزمان وحسنات الدهر الخوان إجتماعي بالأخ الروحاني والخل الصمداني العالم العامل والفاضل الكامل ذي الفهم الصائب والذهن الثاقب الراقي أعلى درجات الورع والتقوى والعلم واليقين مولانا الشيخ أحمد بن الشيخ زين الدين الإحسائي دام ظله العالي).
3- العلامة السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي وقال في إجازته (وكان ممن أخذ بالحظ الوافر الأسنى وفاز بالنصيب المتكاثر الأهنى زبدة العلماء العاملين ونخبة العرفاء الكاملين الأخ الأسعد الأمجد الشيخ أحمد بن زين الإحسائي زيد فضله ومجده وعلا في طلب العُلا جدّه).
4- العلامة السيد الميرزا محمد مهدي الشهرستاني حيث قال في إجازته : (إن الشيخ الجليل والعمدة النبيل والمهذب الأصيل العالم الفاضل والباذل الكامل المؤيد المسدد الشيخ أحمد الإحسائي أطال الله بقاه وأقام في معارج العز وادام إرتقاه ممن رتع في رياض العلوم الدينية وكرع من حياض زلال سلسبيل الأخبار النبوية قد إستجازني... فسارعت إلى إجابته وإنجاح طلبته لما كان إسعاف مأموله فرضاً لفضله وجودة فطنته).
5- كما أجازه العلامة الشيخ حسين الدرازي البحراني حيث قال في إجازته (وهو العالم الأمجد ذو المقام الأنجد الشيخ أحمد بن زين الإحسائي ذلل الله له شوامس المعاني وشيّد به قصور تلك المباني وهو في الحقيقة حقيق بأن يُجيز لا يجاز لعراقته في العلوم الإلهية على الحقيقة لا المجاز ...).
وممن أخذ منه جمع من العلماء الكبار، وأخذوا الإجازة منه وهم:
1 - الشيخ محمد إبراهيم الكرباسي.
2- الشيخ محمد حسن صاحب (الجواهر).
4- الشيخ أحمد النراقي.
5- السيد عبدالله شبر .
6- ويقال بأن العلامة الكبير الشيخ مرتضى الأنصاري صاحب (المكاسب) كانت له إجازة من الشيخ الإحسائي.
إنتقل مرّة أخرى إلى كربلاء عام 1237 ه- / 1822م بعد وفاة محمد علي ميرزا بن فتح علي شاه القاجاري في كرمنشاه.
عندما إستوطن كربلاء إنشغل بتدريس أصول الكافي للكليني والإستبصار للطوسي وتفرّغ للعلم والأدب، حيث إهتم بالأصول والفروع وعلم الحديث ... فإلتف حوله مريدون وأتباع تأثّروا بعلمه وأفكار جديدة كان يتلوها على طلّابه، مما دعا بعض العلماء الأصوليون المعاصرون له ان يقفوا منه موقف المعارض لأفكاره.
وما ذكره المرحوم العلامة العربي الكبير الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء بحق الشيخ أحمد الإحسائي في كتابه (الآيات البينات) عندما ترجم الإحسائي دليل واضح، حيث قال: «... كان العارف الشهير الشيخ أحمد الإحسائي في أوائل القرن الثالث عشر ، وحضر على السيد بحر العلوم وكاشف الغطاء (1)وله منهما إجازة تدل
1) يقصد به العلامة الكبير الشيخ (جعفر كاشف الغطاء) المتصدي للمرجعية في زمانه.
على مقامه عندهم وعند سائر علماء ذلك العصر. والحق أنه رجل من أكابر علماء الإمامية وعرفائهم، وكان على غاية الورع والزهد والإجتهاد في العبادة كما سمعناه ممن نثق به ممن عاصره ورآه، نعم له كلمات في مؤلفاته مجملة متشابهة لا يجوز من أجلها التهجم والجرأة على تكفيره ».
وفي إحدى المناظرات التي جرت بينه وبين أحد العلماء الكبار في كربلاء وهو الشيخ محمد تقي البرغاني (الشهيد الثالث) (1)
كان من جهابذة العلماء النابهين ومن المحققين. ولد في برغان من قرى الري وقام بتحصيل العلم في قزوين ثم هاجر إلى إصفهان وتخرج على علمائها، ثم إرتحل إلى الحائر الحسيني الشريف (كربلاء) وتتلمذ على يد العلامة السيد علي الطباطبائي (صاحب (الرياض) وبقي فترة طويلة في كربلاء ومنها رجع إلى قزوين وتقلد الزعامة الروحية فيها. وكان يروي عن أستاذه صاحب الرياض وعن الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء، ومن مؤلفاته كتاب منهج الإجتهاد في شرح شرايع الإسلام من الطهارة إلى الديّات بأربع وعشرون مجلداً، وكتاب عيون الأصول وكتاب مجالس المتقين. وقد حارب (البابية) وأفتى بكفرهم على رؤوس الأشهاد . وقام نفر منهم بطعنه وهو في المسجد يتهيأ لصلاة الفجر، وبعد يومين من الجراحات العميقة التي تلقَاها من قاتليه توفي ودفن في مقبرة (شاهزادة حسين في قزوين)، وكانت حادثة قتله سنة 1264ه- / 1848م. رثاه العلامة الشيخ درويش علي بن حسين بن علي بن محمد البغدادي المولود سنة 1220ه- والمتوفى سنة 1277ه- بقصيدة منها:
فلا غرو في قتل (التقي) إذا قضى*** قضى وهو محمود النقيبة والأصل
له أسوة بالطهر (حيدرة) الرضا*** وقاتله ضاهى ابن ملجم بالفعل
أمام مجموعة من العلماء الإمامية. وقد تحاوروا معه في أفكاره الجديدة وعقيدته في (المعراج) وكذلك في (البعث)، فلم يرُق للشيخ محمد تقي البرغاني ما سمعه من الشيخ الإحسائي، فأعلن بأنه ضالٌّ عن الشريعة الإمامية الأصولية، وتم تكفيره أمام الجميع، وقد تبعه علماء الأصولية. وإتهموه بأن عقيدته أفسدت من إتبعه ما أدى إلى ظهور الفتن داخل مدينة كربلاء.كما إتهموه بأنه السبب في نشوب المعارك الدامية التي حدثت بين أتباعه وخصومه، والتي أدت بالنهاية إلى فراره من كربلاء وسافر بأهله بعد أن باع كل ما يملك قاصداً
1) هو العلامة محمد تقي بن محمد البرغاني القزويني المعبّر عنه بالشهيد الثالث طوراً وبالرابع تارة.
حج بيت الله الحرام، وترك في كربلاء تلميذه وخليفته السيد كاظم الرشتي. ومغادرته كربلاء كانت قبل واقعة المناخور.
والشيخ أحمد الاحسائي هو مؤسس الفرقة الشيخية، وعلى ضوء ذلك وبعد وفاته أسس تلميذه السيد كاظم الرشتي (الكشفية) التي هي إمتداد للشيخية، والتي إعتبرها تطوراً في فكرها ومعتقدها ... وسوف نأتي إلى بحثها لاحقاً في هذا الفصل من الكتاب لأنهما تأسستا في عهد المماليك في العراق.
فإن الشيخ أحمد الإحسائي إضطر إلى مغادرة كربلاء بعد أن وصل إلى أسماع الوالي المملوكي (داود باشا) بأنه يطعن بالخلفاء الراشدين عدا الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، رغم أن الشيخ كانت له صلات جيدة بداود باشا...
سافر بكامل أهل بيته إلى الحجاز تاركاً تلميذه وخليفته السيد كاظم الرشتي في كربلاء. وتوفي الشيخ أحمد الإحسائي بعد نزوحه للحجاز بفترة قصيرة بمرض الإسهال في قرية (هدية) قرب المدينة المنورة في شهر ذي القعدة عام 1242ه- / 1826م ودفن بالمدينة رحمه الله. وقد مدحه تلميذه المرحوم السيد كاظم الرشتي في كتابه (دليل المتحيرين) وبالغ في مدحه وشرح رغبة أستاذه بمجاورة مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ومما قاله:
«فلمّا إستقر به الجلوس بعد مدة مديدة، حامت عليه الشبهات والأقاويل وإحتدم الصراع بين الشيخ الذي إدعى الرؤيا والإلهام والكشف في المنام، وأن رسول الله (صَلَّی اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) جاءه في الرؤيا الصادقة فأمدّه من ريقه الشريف وسقاه منه إلى أن إرتوى. فتعلم من العلوم والأسرار وأشرقت من أفق قلبه مطالع الأنوار وبين سائر المجتهدين من رجال العلم والفقه والقضاء والفتوى،... إلخ ». وذكر تلميذه ایضاً بمواقف علماء الدين الأصوليين مع أستاذه وإستمر في مدحه بشكل مسهب، كما وجّه إنتقاداً للعلماء المناوئين لأستاذه.
عندما نقرأ كتاب السيد كاظم الرشتي (دليل المتحيرين) وهو يتحدث عن أستاذه الشيخ أحمد الإحسائي نجد فيما سطّر في الكتاب الكثير من الكلمات والأفكار المبهمة، لكونها باطنية وغير مفهومة وما يدل من كلامه أنه متأثر بأستاذه الإحسائي بشكل كبير، فانظر ماذا يقول الرشتي في دليل المتحيّرين: « ... والعجب أنه في كل كلماته جمع ما كان في الكل، بل في كل جزء من أجزاء كلامه ما كان في الكل أن لاحظت في الكل البعض، فالبعض إجمال وبيان وإن لاحظت الأول مع الآخر لم يتم المقصود باوضح التبيان وإن لاحظت المتوسطين في الأول يظهر لك كل موجود وإن لاحظتها في الثاني ينكشف لك كل مفقود وإن لاحظتها بالإفتراق يدلك على الإجتماع وإن نظرت بالإجتماع يدلك على الإفتراق، ولعمري إن هذا الكلام مطابق لكتاب التدويني الذي إجتمع فيه خبرنا كما كان في الكل، ثم قلت لا عجب فإن المرء مخبوء تحت لسانه والكلام على مقدار عقل المتكلم وسعة معرفته وإحاطته وهو أعلا الله مقامه ومتعنا بفيضاته ورفع أعلامه، قد شرب من شراب المعرفة وتجرع كؤوس المحبة فسكر فلا يرى الصحو أبداً... لا نتكلم إلّا على ما يمكننا معرفته وإدراكه ويكتم ما عنده من الأسرار ويصون في قلبه الشريف تلك الأنوار. وهذا ما إنعقدت عليه ضرورة الإسلام من أن الظاهر لا يعارض النص وإن كل أحد إذا بيّن مراده يصدق لأنه أعلم بما في قلبه وأدرى بما عنده والكلام يجري على المجازات والكنايات والإستعارات ويجوز للعالم ان يجري كلامه كيف شاء ولا لوم عليه ولا عيب ... ».
وقد إتهم علماء الدين الأصوليين الشيخ الإحسائي بأن عقيدته أفسدت من إتّبعه ما أدى ذلك إلى ظهور الفتن داخل مدينة كربلاء، وإتهموه بأنه السبب في نشوء المعارك الدامية التي حدثت بين أتباعه وخصومه، والتي أدّت بالنهاية إلى فراره من كربلاء، وسافر بأهله وعياله وأبنائه وزوجاته، بعد أن باع كل ما عندهم من المصوغات والحلي والأملاك قاصدًا حج بيت الله الحرام بعد أن ترك في كربلاء تلميذه وخليفته الرشتي.
ومن مؤلفات الشيخ أحمد المشهورة كتابه (شرح الزيارة الجامعة الكبرى)، وكتاب (العصمة والرجعة)، و (حياة النفس) ، و (شرح العرشية والمشاعر) للملا صدر الدين الشيرازي، و (الرجعة) وغيرها من الكتب والرسائل والحواشي.
إنتقد الكثير من العلماء أفكار الشيخ الإحسائي وردّوا عليه بكتب معروفة منها كتاب (هدية النملة) للميرزا محمد رضا الهمداني، وكتاب (ظهور الحقية على فرقة الشيخية) للسيد محمد مهدي الكاظمي القزويني، وغيرها من الكتب والمنشورات.
و من أشد الكتب والرسائل على الشيخية هو ما كان يصدره الشيخ محمد بن محمد مهدي الخالصي، فقد كان هناك صرعاً محتدماً بين المدرسة الخالصية في الكاظمية وبين أتباع المدرسة الشيخية ووصل الخلاف بينهم لحد أن أتهِمَ الشيخية بمحاولة إغتيال الشيخ محمد الخالصي. فمن تلك الكتب والمنشورات كتاب (رسالة الشيخية والبابية) أو (الشيخية والبابية أو المفاسد العالمية) للشيخ محمد بن محمد مهدي الخالصي (1)، فقد ناقش فيه كتاب (إرشاد العوام) وإستخرج منه المثالب على المدرسة الشيخية ... وغيرها من الكتب...
ومن المعاصرين ذكر عنهم مؤلف كتاب ( حقيقة البابية والبهائية) النص التالي: «ويسندون إليه انه كان لا يعتقد بقيامة الجسد ويؤولون علامات الساعة تأويلات باطنية تتفق مع مسلكهم في إنكار البعث والقيامة (2). ويذكر هؤلاء العلماء أن الشيخية يقولون أن الحقيقة المحمدية تجلت في الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم تجلياً ضعيفاً ثم تجلت أقوى في محمد والأئمة الإثنى عشر، ثم إختفت زهاء ألف سنة وتجلّت في الشيخ أحمد الإحسائي والسيد كاظم الرشتي ثم تجلت في كريم خان
1) الشيخية والبابية : من منشورات ديوان النشر والترجمة والتأليف لجامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير في الكاظمية، الدورة الثانية، العدد الثاني، مطبعة المعارف، بغداد.
2) هذا المقطع أشار إليه مؤلف حقيقة البابية والبهائية معتمداً في أحد مصادره على (مطالع الأنوار) ص33، وبالعودة للمصدر لم نجد في تلك الصفحة أي إشارة لما سطّره، وهذا مأخذ على المؤلف.
الكرماني وأولاده إلى أبي قاسم خان. وهذا التجلي هو أعظم التجلّيات لله. والأنبياء والأئمة والركن الرابع من الشيخ أحمد الإحسائي إلى ما بعده هم شيء واحد يختلفون في الصورة ويتحدون في الحقيقة التي هي الله ظهر فيهم. ويعتقدون أن محمداً رسول الله، وأن الأئمة الإثني عشر هم أئمة الهدى. ومعنى الرسالة والإمامة عندهم أن الله تجلى في هذه الصورة، فمنهم رسول ومنهم إمام. ويعتقدون أن اللاحقين هم أفضل من السابقين.
وعلى ذلك فالشيخ أحمد في رأي أصحابه أعظم من الأنبياء والمرسلين ويعتقد هؤلاء بالرجعة ويفسرونها بأن الله بعد أن غاب عن صور الأئمة، رجع وتجلى تجلياً أقوى في الركن الرابع الذي هو الشيخ أحمد ومن يأتي بعده» (1)
إن المؤلف حاول في كتابه هذا جمع المثالب وخاصة على الشيخية والكشفية، محاولاً تحميل مسؤولية تكوين البابية والبهائية عليهما ، معتمداً على خصومهما بدون دراسة واقعية وحقيقية لمنطق العقائد، ويستشف من كتابه هذا هو نقد الفكر الشيعي من خلال إستغلال نشوء الصراعات العقائدية فيه، والمعروف عن الدكتور محسن عبدالحميد بأنه من المتشددين طائفياً من خلال إنتمائه للإخوان المسلمين، وكنا نجده يحمل أفكاراً عروبية متهجماً على الصهيونية اليهودية والإمبريالية والصليبية في المؤتمرات الإسلامية التي كنا نحضرها سوية قبل الإحتلال الأمريكي للعراق، وفي مقدمة كتابه هذا وفي ص 5 منه وتحديداً في المقدمة عن زميل بهائي له فيقول : (( أنه لا يتجاوب معنا في كثير من القضايا الجوهرية التي تتصل بتراثنا، ومعالم حياتنا الجديدة، ومشاكل أمتنا القائمة. وفي مقدمتها الإستعمار المتكالب علينا والصهيونية اليهودية الفاغرة فاها لإبتلاعنا، وتذويب شخصيتنا، وتشكيكنا في لغتنا، وتحريفنا عن حقائق شريعتنا ... ))، وبعد الإحتلال (الأمريكي الصليبي الصهيوني اليهودي) في سنة 2003م نجده من أوائل المتعاونين مع سلطات الإحتلال، وأصبح عضواً في مجلس الحكم الذي أوجده الإحتلال! فما عدا مما بدا ؟ وحسناً فعل سماحة العلامة السيد علي عبدالله الموسوي بالرد على كتابه هذا بكتاب سماه (حقائق علمية وتاريخية) قبل صدور الطبعة الرابعة، ولكن الدكتور محسن لم يشر إلى ماجاء بالرد العلمي والموثق لسماحة السيد بل إكتفى بالإشارة للرد في ص32 ناعثاً الرد بأنه جاء بإسلوب غير علمي ... والحقيقة ان المؤلف لم يتمكن من الرد على السيد الموسوي للحقائق الواردة فيه !!
1) حقيقة البابية والبهائية : الدكتور محسن عبدالحميد، ص 31 من ط4 1980م. ونقول:
السيد كاظم الرشتي عالم دين ذاعت شهرته في الأوساط الدينية والإجتماعية والسياسية في كربلاء خصوصاً وعلى نطاق العراق وإيران عموماً، وكان من رجال القرن الثالث عشر الهجري.
إختلف الكثير من الرواة في ترجمته، وأصبح في حينه على قدر كبير من الشهرة، وكان له مؤيدوه ومناوئوه في أن واحد بسبب الظروف التي مرّت بكربلاء من وقائع وأحداث ونشوء فرق مذهبية وتعاملات سياسية مع الدولة في ذلك الوقت.
يجمع المؤرخون على أن السيد كاظم هو من أهل (رشت) الإيرانية الواقعة شمال إيران وعلى مقربة من بحر قزوين. ولد في رشت سنة 1205ه- / 1790م.
صورة السيد كاظم الرشتي كانت إلى وقت قريب معلقة في ديوانه
جاء إلى كربلاء وكان من تلامذة الشيخ أحمد الإحسائي مؤسس الفرقة الكشفية، وعند وفاة أستاذه الإحسائي فقد قام مقامه وأسس (الطريقة الكشفية). وتوفي السيد كاظم الرشتي في كربلاء سنة 1259 ه- / 1843م ، وهذا ما لم يختلف عليه أحد، وكانت وفاته بعد واقعة نجيب باشا (غدير دم) بسنة واحدة.
وكان للسيد كاظم حينها مواقف تتناقض مع مواقف أهل المدينة حيث كان أقرب إلى الوالي الجزّار الظالم محمد نجيب باشا من أهل المدينة التي أوته وأعلت شأنه، ولأغراض سياسية وشخصية سنذكرها عند شرحنا للواقعة.
جاء في القاموس الإسلامي: « هو السيد كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي من فقهاء الشيعة الإمامية إرتحل إلى العراق وسكن كربلاء، وكان الرشتي من تلامذة الإحسائي الذي تنسب إليه الطريقة الشيخية فتابع دعوته مبشراً بقرب ظهور المهدي، وأسس ما عُرف بالطريقة الكشفية وتتلمذ عليه (علي محمد الشيرازي) مؤسس الحركة البابية (1).
ذكر السيد عبدالرزاق الحسني في كتابه (البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم) جانباً من حياة السيد كاظم وعن هويته عندما ترجم للشيخ الإحسائي ما نصّه: «كان السيد كاظم الرشتي في مقدمة طلاب الإحسائي لأنه كان قد تلقّى دروسه الإعتقادية على هذا الشيخ نفسه ومع انه كان من أشد أنصاره فإنه لم يَرَ رأي شيخه بعد وفاته وأخذ ينفرد من بعده بآراء وافكار تختلف إختلافاً جوهرياً عن أفكار أستاذه الإحسائي. امّا اصل السيد كاظم الرشتي فمن (رشت) إحدى مدن إيران الشهيرة وكانت ولادته فيها سنة 1205ه- / 1790 م، ولمّا بلغ الثامنة عشرة من عمره كان يقطن اردبيل قريباً من قبر الشيخ صفي الدين أبي إسحاق جد الشاهات الصفويين، وفي سنة 1231ه- جاء إلى طهران لملاقاة الشيخ أحمد الإحسائي والتتلمذ عليه، ثم رافقه إلى كربلاء ودرس عليه، ولما عزم الإحسائي على السفر إلى بيت الله الحرام
1) القاموس الإسلامي: أحمد عطية الله، القاهرة ، مكتبة النهضة المصرية، 1963م.
أودع أمر تلامذته الكثر إلى السيد الرشتي، فلمّا تلقى هذا السيد نبأ وفاة شيخه حزن عليه حزناً عميقا ووجد نفسه محاطاً بخصوم يحصون عليه أنفاسه ويهزأون تعاليمه وأفكاره، فإستعان بالحاج محمد باقر الرشتي (أحد علماء إيران يومئذٍ) لتثبيت مقامه.
ولمّا وصل السيد علي محمد الملقّب ب- (الباب) إلى كربلاء إنخرط في حلقة دروس السيد كاظم الرشتي وتشيّع بآرائه وأفكاره. وتوفي الرشتي في عام 1259ه- / 1843م في كربلاء ودفن بها وذلك قبل أن يعلن الباب دعوته البابية بسنة واحدة» (1).
وذكره العلامة المرحوم الشيخ أغا بزرك الطهراني في موسوعته (طبقات أعلام الشيعة) حيث قال:
«السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي الحائري (المتوفى بها سنة 1259ه-)، أرشد تلاميذ الشيخ أحمد الإحسائي، وحاله أشهر من أن يُذكر. له تصانيف كثيرة منها شرح الخطبة النطنجية، واللوامع الحسينية، وأصول العقائد ودليل المتحيرين، وشرح قصيدة عبد الباقي العمري (2)اللامية في مدح الإمام الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، كلها مطبوعة وطبع جملة من رسائله في مجلدين، وذكر هو نفسه فهرس تصانيفه في عدّة أوراق، أورده في (نجوم السماء) بعينه، يربو مجموعها (من الكتب والرسائل) على مائة وخمسين »(3).
لم يقف أحد عن نسب السيد كاظم الصحيح، وكل ما قيل عن نسبه كان محل شك وإعتراض لدى الغالبية، وقد ترجمه أتباعه وذكروا بأن اسمه هو: السيد كاظم بن قاسم بن حبيب الحسيني الرشتي. ولكن حاله كان حال الكثير من الإيرانيين
1) البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم عبدالرزاق الحسني، ص 10.
2) هو عبدالباقي بن سليمان العُمري الموصلّي المولود في الموصل سنة 1204ه-/1790م والمتوفى بها سنة 1278ه-/1861م. شاعر مشهور وله قصائد كثيرة يمدح فيها آل البيت (عَلَيْهُم السَّلَامُ)، وله ديوان شعر ومؤلفات منها نزهة الدهر في تراجم فضلاء العصر . تقلد عدة مناصب في الموصل وبغداد.
3) طبقات اعلام الشيعة: الشيخ أغا بزرك الطهراني، ج 12 ص 269 وص 270 .
الذين قدموا العراق، إما لينهلوا مناهل العلم والمعرفة ويتفقهوا في الدين، أو إن قدومهم كان لأغراض أخرى تدخل السياسة والمخططات طويلة الأمد إحدى نواحيها. وكل ما يُعرف عن السيد الرشتي هو أنه أحد طلاب العلم هاجر إلى كربلاء مع أستاذه الإحسائي، وقد إرتبط بعلاقة قوية مع الأمير القاجاري (علي خان) الذي كان يسكن كربلاء حينها، وقد إختلفت الآراء أيضاً حول سكن وإقامة هذا الأمير في كربلاء، فمن قائل يقول أنه إختلف مع الحكم القاجاري وهو منهم، ومن آخر يقول بأنه مدفوع للإقامة في كربلاء، بتلك الحجة لأغراض سياسية تتعلق بالتدخل الإيراني في العراق، وسيتم ذكره في الوقائع التي حدثت في كربلاء لاحقاً وسوف نبيّن سبب تواجده في كربلاء !! وأصبح السيد الرشتي التلميذ المتميز والمقرب لدى الشيخ الإحسائي، ومن ثَمَّ أصبح خليفته بعد هجرته ووفاته.
إكتسب السيد الرشتي مكانته العلمية في كربلاء، وإشتهر من خلال طريقته التي ابتدعها وهي الكشفية ... وكذلك كان شديد الإلتزام والعلاقة بالوالي العثماني مهما كان سلوك الوالي، فمن خلال الوقائع التي حدثت في كربلاء نراه كان قريباً بشكل دائم مع (الحكومة)، ومواقفه هذه لم تكن مرضية من قبل أهل مدينة كربلاء، وخاصة موقفه الأخير في واقعة نجيب باشا التي سنتحدث عنها وعن موقف السيد منها ضد الأهالي، ونتيجة مواقفه هذه فقد أخذ منه الكربلائيون مواقف مناوئة ...
وطالما وقفت المؤسسة الدينية الأصولية في كربلاء ضده وضد أفكاره التي إعتبروها خارجة عن نطاق الفقه والأصول ...
وربما كان هذا الموقف هو الذي جعل بالسيد كاظم أن يقف مع الوالي العثماني.
ومما يثير الإستغراب هو إن الحكم كان لمماليك الدولة العثمانية، وهو إيراني ومن أتباع ومؤيدي الأسرة التي كانت تحكم إيران وهم (القاجاريين)، وكانت له علاقة وثيقة بابن شاه إيران، وعلاقته بالأمير القاجاري في كربلاء، ولا يخفى على أحد بأن في وقته كان هناك صراعاً مستديماً بين الإيرانيين والأتراك !!
ومما يزيد فضولنا حيرة في بعض الأحايين هو أن مبدأ (إطاعة أولي الأمر) يلتزم به الشيخية والكشفية حتى الآن فنجدهم على علاقات متينة مع الحكومات في مختلف الحقب التي مرت على العراق. ويمكن أن يكون موقف الرشتي مبني على هذا المبدأ الذي لا نعرف هل هو من أصل تعاليم الشيخية أو الكشفية، أو وفق مصطلح التقية الموجود لدى الكثير من الشيعة.
كما وجّهت إنتقادات شديدة إلى الشيخ أحمد الإحسائي وتلميذه الرشتي، بل صبّوا جام تهجمهم على السيد كاظم الرشتي وإتهموه بإتهامات شتى منها التشكيك أصلاً بإسلامه، بل وبعمالته إلى روسيا التي كانت تعادي إيران أيام القاجاريين حيث قال أحد المنتقدين عن السيد كاظم الرشتي : « بأنه قسيس نصراني تسلل بين المسلمين وإرتدى زيّهم وأعلن بأنه مسلم شيعي إثني عشري وبثَّ دسائسه من وراء ستار الغش والتضليل »(1).
الذي جاء بعد الشيخ الإحسائي هو تلميذه السيد كاظم الرشتي، ولم يتوقف الأخير رغم أنه تلميذه وابنه الروحي في عقيدته، فقد خالف أستاذه في بعض أفكاره ومفاهيمه، ووصل به المآل لأن يؤسس ويبتدع طريقة جديدة سميّت بالفرقة (الكشفية)، ونعتقد بأن الكثير من الشبهات والإنتقادات التي وُجهّت إلى الشيخية كان سببها الأكبر هو تلميذه الرشتي الذي غالى في شيخه وأستاذه من ناحية، وإبتداعه بعد موت أستاذه طريقة جديدة أسندها إلى أفكار الشيخية، والذي يطلع بشكل واسع على أفكار الشيخية سيجد بسهولة أن الكشفية ومؤسسها خرجوا أصلاً عن الكثير من مفاهيم الشيخ أحمد الإحسائي، وإذا ما قيل بأن الشيخية هي السبب في ظهور البابية ومن ثُمَّ البهائية فقد إبتعد عن الصواب، لإعتقاد البعض بأن الكشفية هي التي تتحمل هذا الإتهام لأن السيد كاظم الرشتي صرّح باقوال له بظهور الباب كما سيرد
1) الشيخ محمد بن العلّامة المجاهد الشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير: في بحث عن الشيخية والبابية. ونعتقد بأن هذا النعت جاء نتيجة الصراع بين المدرسة الخالصية في الكاظمية مع أتباع الشيخية.
ذلك، ولكن العامة يجمعون بين أفكار الشيخية والكشفية وهناك اصلاً فرق شاسع خاصة فيما نُسب لمن جاء بعد الرشتي مثل الكرماني وجوهر وغيرهما.
أصبح للسيد كاظم أتباع ومريدون، إنتشروا في عدة أماكن من العراق وإيران.
وقد ترك السيد كاظم الرشتي أتباعه بعد وفاته وهم في صراع مع الأصوليين، مما دعا بأحد أتباعه وهو الميرزا كريم خان الكرماني لأن يؤسس الطريقة (الركنيّة)، وجاء بعده الشيخ حسن جوهر، والميرزا محمد باقر أسلم الأسكوني وحفيده أغا علي، وكل هؤلاء من الإيرانيين!
ويقول البعض أن من نتائج هذه العقائد - الشيخية - والكشفية – والركنية – هو ظهور (البابية) التي أسست فيما بعد ل- (البهائية)، ولو أن الشيخية والكشفية ينكرون علاقتهم بذلك. وعلى كل حال كان السيد سبباً في بعض الأحداث والخلافات العقائدية.
وقد توفي يوم عرفة التاسع من ذي الحجة 1259ه- / الموافق 30 كانون أول 1843م بعد واقعة نجيب باشا بسنة واحدة والذي لم يترك فيها أثراً حسنا إتجاه أهالي كربلاء.
يذكر أتباعه بأنه في سنة 1259 ه- توجه السيد كاظم إلى زيارة الإمامين العسكريين (عَلَيْهُما السَّلام) في سامراء ولما رجع إلى بغداد لزيارة الإمامين الكاظمين (عَلَيْهما السَّلام) إستدعاه نجيب باشا والي بغداد وعظمه وأكرمه في الظاهر إلّا أنه سقاه السم في القهوة، فلما رجع السيد كاظم من عنده إلى منزله تقيأ كبده وغشي عليه فحمل إلى كربلاء بسرعة، وبعد ليلتين أو ثلاث توفي ودفن في الرواق المتصل بقبور الشهداء مما يلي رجلي الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) في الحضرة الحسينية. ونحن لا نعتقد بصحة ما ورد حول موضوع السم، لأن من قالوا به أرادوا أن يبعدوا موضوع التعاون الكبير بين السيد والوالي ضد أهالي كربلاء وخاصة في واقعة غدير دم (واقعة نجيب باشا) وهذا شيء مفروغ منه وقد وثّقته الوقائع التاريخية. أما مكان دفنه فلم يكن داخل الحضرة الحسينية وإنما كان في الصحن على يمين ( الكشوانية) المؤدية إلى ضريح الشهداء، وهذا
ما يؤكده المعمرون وتناقل عنهم، ويقال بأن بعض الأشخاص قاموا بنبش قبره بعد أيام من وفاته. أعقب السيد كاظم الرشتي ولده المرحوم السيد أحمد وفي الذي قُتل عند أحد أبواب الصحن الحسيني وهو متوجه إلى بيته وذلك في عام 1295ه- / 1878م، وقد إحتل مكان والده في ترأسه للطريقة، واعقب السيد أحمد وفي ولداً واحداً هو السيد قاسم الذي اعقب ثلاثة أولاد هم السيد محمد مهدي والسيد أحمد وفي والسيد فيضي، ولهؤلاء أبناء وأحفاد في كربلاء يلقبون اليوم بآل (الرشدي). والمعروف عن السادة آل فائز من آل نصرالله وآل طعمة وآل ضياء الدين كانت مواقفهم ضد السيد كاظم وتشاء الصدف أن يصاهر أحفاده هذه البيوتات الثلاث.
الشيخية يعتقدون بأن الأئمة الإثنى عشر هم أول المخلوقات وهم في الحقيقة حال الذات الإلهية واللوح المحفوظ والإنسان لا يستطيع معرفة ذات الله إلّا بواسطتهم.
وعن الشيخ الإحسائي أنه يعتقد بأن الرسول الكريم ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وآل بيته الأطهار عليهم السلام بأنهم (العلّة المادية لجميع المخلوات).
فقد جاء في كتاب (إحقاق الحق للأسكوئي الحائري أن الشيخ الإحسائي قال: «فالعلّة الفاعلية بهم والعلة المادية منهم أي من شعاعهم وظلّهم، والعلّة الصورية بهم على حسب قوابل الأشياء من خير وشر، والعلّة الغائبة هي ان الأشياء خلقت من أجلهم »(1).
ويقول الشيخية بأن الله عِلمان، الأول هو عين الذات الإلهية، والثاني هو علم وجود الأشياء المعلومة. والإمام من الأئمة الإثني عشر هو الباب المؤدي إلى هذا العلم. والعِلمين هذين يعتبرونهما علمٌ حادث وعلمٌ قديم . والعلم الحادث يعني انه
1) إحقاق الحق: موسى الأسكوئي الحائري، ص 283 .
لم يكن ثم كان ... وهذا مخالف لرأي علماء المسلمين (الأصوليين)، حيث يقولون بأن الله عالمٌ بكل شيء فلا قديم في علمه ولا جديد.
والشيخية يقولون بأن للإنسان جسدين : يتكون الأول من (المادة) التي لا تفنى، فإن عناصر هذه المادة تفنى في القبر عندما يتحلل الجسم أو الجسد.
أمّا الثاني فهو (الجسد) الذي يتكون من الأشياء غير المرئية، ويبقى هذا الجسد غير المرئي يحيا في الأرض وهو الذي يدخل الجنة أو النار. وأن الجسد الأول هو الذي ترتديه الروح وعند الموت تخرج منه. وعندما يبعث الله من في القبور، فتدخل الروح في الجسد الثاني غير المرئي ويستعدان للحساب بعد أن كانا تطهرا للقاء اليوم الموعود.
ويعتقدون بأن المادة تأتي من العدم وتعود إلى العدم، وهي موجودة في الماضي كما هي موجودة في المستقبل، والمادة هي الجوهر الذي بسببه وُجِدَت الأعراض لتكوّن العالم بقدم الأزمان.
كما أن الشيخية يعارضون كثرة الأحاديث التي يعتبرونها قد تجاوزت الحد، وهم بذلك يكونون على النقيض من فرقة (الإخبارية) الذين يتمسكون بالأخبار فقط.
وللشيخية رأي في الإسراء والمعراج، حيث يقولون بأن الرسول ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) عندما عرج إلى السماء تحلل جسمه من عناصره الأربعة وهي: التراب، الماء، الهواء، النار، قبل الوصول إلى فلك القمر، وعندما رجع أخذها مرة أخرى فعاد جسمه ...
ويقول الأصوليون ان الشيخية بذلك يخالفون منطوق الآية الكريمة من سورة الإسراء: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ...» لأن قُدْرَة الباري سبحانه وتعالى لا تمنع من عروجه إلى السماء وعودته كما هو ... وليس بمستصعب على الله سبحانه وتعالى جلّت قدرته
هذا الأمر.
وفي موضوع العصمة للإمام المعصوم فينقل السيد كاظم الرشتي عن أستاذه بأن الإمام هو ذو المشيئة في العالم، لأنه هو (نفس (الله) فإذا جاء بالقرآن الكريم أن عيسى (روح الله) فلا مانع من القول بأن الإمام المعصوم هو نفس الله).
وهذا يخالف معتقد العلماء الأصوليين من الإمامية حول العصمة...حيث يقولون بأن المعصوم يفعل الواجب مع قدرته على تركه... ويترك المُحرّم مع قدرته على فعله، ولكنه (أي الإمام المعصوم) لم يترك واجباً ولم يفعل محرّماً. ويؤكد علماء الدين الإمامية الأصوليون بأن الإمام هو إنسان كامل لا يمتاز بشيء عن أفراد البشر، إلّا أنه أفضل من كل أحد في زمانه.
والشيخية لها طرق في تفسير بعض آيات القرآن خضعت لإنتقادات الكثير من علماء الدين الأصوليين في المذهب الإمامي وحتى من غير المذهب، فقد إعتبروا التفاسير هذه (باطنية) وتعتمد على (التأويل ) لإسناد وجهات نظر وعقائد الشيخية.
حيث إنّ بعض الآيات فُسّرت من قبلهم بإشارة أنها تخص النبي والإمام علي وبقية الأئمة عليهم الصلاة والسلام.
فقد جاء في كتاب الرجعة للإحسائي عن الزيارة الجامعة بأن الإحسائي فَسّر الآية الكريمة: «يَسْأَلُونَكَ عَن السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً» بأن ذلك يعني غيبة الإمام المهدي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) والساعة التي يظهر فيها (1).
ويُفسر الآية الكريمة: « وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا ....». والآيات هم أميرالمؤمنين الإمام علي والأئمة عليهم السلام، معتمداً على رواية تقول بأن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ) هو الذي فسّر الآية بهذا المنطوق.
1) كتاب الرجعة: الشيخ الإحسائي، ص 9 عن الزيارة الجامعة ص 298 .
ولا نستغرب من حالة التفسيرات هذه فلم ينفرد الشيخية بها، ولو تعمقنا في البحث نجد بأن الكثير من علماء الشيعة فسّروا آيات عدة وذكروا بأن المقصود فيها هم الأئمة علي وأولاده عليهم السلام...
ونقل عن الشيخية بأنهم يستندون إلى أحاديث الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ) والتي منها أنه عليه السلام قال « أن الله لم يجعل لأحد مثل الذي خلقنا منه نصيب، وقد جعل الملائكة المقربين خداماً وعبيداً للأئمة (1).
وعلى هذا الإستناد يقول الشيخ الإحسائي بأن محمدًا ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) وآل بيته (عَلَيْهُم السَّلام) السبب الأعظم لوجود هذا العالم ، وإنهم مخلوقون من نور الله، فهم ليسوا مثل بقية البشر أو ليسوا من جنسهم) فقد أذن الله لهم بأن يكونوا المتصرفين في شؤون العالم ...
فيُنسب إلى الإحسائي قوله بأن حال النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) والأئمة (عَلَيْهُم السَّلامُ) هذا يعني أنهم المخيون والمميتون (2)...!!
وليس دفاعاً عن الشيخية ... فللحقيقة نذكر بأن الكثير من المتصدين لعقائد الشيخية ولغرض الإيقاع بها ونقدها، فقد تجنوا عليها وعلى مؤسسها المرحوم الشيخ أحمد الإحسائي كثيراً بل حاولوا إلصاق بعض التهم التي تخرجهم من الملّة لغايات نتجت بسبب الصراع الذي أخذ صورة الأكثرية والأقلية من جهة، ومن جهة أخرى وليس من باب التجنّي، فإن السبب الأكثر أهمية في تشويه سمعة الإحسائي وإبطال عقائده وإنكارها هو انّ الشيخ أحمد الإحسائي عالم مجتهد (عربي) الأصل والتوجه،
1) راجع إحقاق: الحق من ص 263 إلى ص 275.
2) هذا الغلو لم ينفرد به الإحسائي في حالة صحة قوله، بل إن هناك الكثير من الأحاديث المنسوبة إلى الإمام جعفر الصادق هي مختلقة من قبل المغالين ولو راجعنا كتاب (بحار النوار) للمجلسي لوجدنا الكثير من الأحاديث المشكوك في صحتها، وقد تصدى لها الباحثون لتهذيبها في عصرنا الحالي.
وفي زمانه لا مكان لبروز العلماء العرب في الفقه والشريعة أمام العلماء غير العرب وخاصة من الإيرانيين، ودليلنا هو علميّة وعلو شأن الإحسائي في زمانه.
فإن الشيخ أحمد الإحسائي رحمه الله كان عالماً ومفكراً وأديباً يُشار إليه بالبنان رغم أنه يُعتبر من المغالين ... فكانت علومه تتوسع عن نطاق الفقه والأدب، وتصل إلى الطب والهندسة والرياضيات والفلك. ولا يفوتنا أن نذكر بأن الشيخ أحمد الإحسائي كان له مجلس كبير ينعقد في الرواق الشرقي من الحرم الحسيني الشريف، وهذا المجلس مُعَدّ أصلاً للتدريس داخل الحرم.
أوردنا بشكل موجز بعض معتقدات الشيخية التي بحثنا عنها في كتب العامة، ولا بد لنا أن نعرف عقائد الشيخية من أهلها ،وعلمائها، فالمدرسة الشيخية دافعت بكل قوة عن جميع الإتهامات التي وجّهت إليها ، وجاهد رؤساؤها بتبيان عقائدهم التي بعد أن أوضحوها في كتب ورسائل عديدة إلا أن خصومهم إتهموهم بإعلان الظاهر وأبقوا معتقداتهم باطنية ولم يفصحوا بكل مالديهم.
ونحن في هذا الصدد ننقل ما تم ذكره عن الشيخية ولا بد لنا أن نوجز ما ذكره أصحابهم عنها، وفي البداية نذكر ما ورد عن سماحة السيد علي عبدالله الموسوي ومن ثُمَّ نتطرق إلى موضوع العقائد في نظرهم. يقول سماحة السيد:
«يعتقد أبناء هذه الطائفة وعلماؤها في أصول دينهم بمعرفة الله وحده، لا شريك له في ذاته ولا صفاته ولا في أفعاله ولا في عبادته. ويعتقدون أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيرا. ويعتقدون بسائر الأنبياء الذين جاءوا قبله من لدن آدم حتى الخاتم. ويعتقدون بالأئمة الإثني عشر الذين أولهم علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وآخرهم القائم بن الحسن العسكري (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أنهم حجج الله في أرضه وخلفاء رسوله في أمته، وإنهم لا يزادون على عددهم ولا ينقصون عنهم، وإنهم عباد مكرمون لا يسبقون الله ورسوله بالقول وهم بأمره يعملون. ويعتقدون أن أولياءهم أولياء الله وأن أعداءهم أعداء الله ، هذا في أصول الدين... أمّا في فروعه
فإنهم يعملون بالقرآن وبسنّة النبي محمد ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) وبأخبار أهل البيت (عَلَيْهُم السَّلام) ولا يتجاوزون عن ذلك، ولا يجيزون الرأي والإجتهاد وما قال قوم في دين الله ليس له برهان، وتقلّد هذه الفرقة من علمائها الذين تعتقد أنه راو صادق القول يروي عن أهل البيت (عَلَيْهُم السَّلام) ولا يقول بشيء من هوى نفسه» (1).
يقول أبو القاسم الإبراهيمي: « أن الشيخية لم يأتوا بشرع جديد وكتاب جديد ونبي جديد وأئمة جديدة، وما عبدوا إلهاً آخر ولم يشركوا بالله ولم يدعوا الإلوهية لأحد، وهم رجال مسلمون مؤمنون بما آمنتم به کافرون بما كفرتم به، مطيعون الله وللرسول ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) مصدقون بكل ما جاء به النبي معتقدون بالمعاد واليوم الآخر، متبعون للأئمة الإثني عشر صلوات الله عليهم ولا يغالون فيهم ولا يدعون في حقهم الربوبية نعوذ بالله ويقرّون لهم كل فضل ممكن سوى الربوبية. ولا ينكرون فضائلهم وولايتهم ولا يدعون الإمامة لأحد غيرهم، والشيخية يوالون أولياء آل محمد ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) ويعادون أعداءهم وأعداء شيعتهم ومحبيهم، والشيخية يعتقدون أنه لا يجوز لأحد من المسلمين أو غيرهم سواء كان عالماً أو جاهلاً أو فقيهاً أو مجتهداً أو أيّاً كان القول في دين الله ودين الإسلام سواء كان في الفصول أو الفروع بعقله وفكره ونظره من دون أن يكون مأخوذاً من الأئمة (عَلَيْهُم السَّلَامُ) والنبي ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) ... » (2).
أما في أصول الدين لدى الشيخية فهي في خمسة أبواب وخاتمة، فقد قسّمها الشيخ الإحسائي وجرى فيها مجرى الأصوليين حيث قال في رسالة (حياة النفس): «فالباب الأول في وجوب معرفة الله سبحانه ووجوب الإعتقاد بأنه قديم دائم أبدي حي عالم قادر مختار مريد سميع بصير واحد لا شريك له محيط بكل شيء ء متسلط على كل شيء ليس كمثله شيء لا نسبة بينه وبين شيء لا يحل في شيء ولا يتّحد
بشيء، وتستحيل عليه الرؤية في الدنيا والآخرة ولا يدرك بشيء من الحواس الظاهرة والباطنة والباب الثاني في العدل. والثالث في النبوّة والرابع في الإمامة وإثباتها للأئمة الإثني عشر ووجوب الإعتقاد بأن القائم المنتظر حي موجود. والخامس في المعاد ووجوب الإعتقاد في الحشر وإنطاق الجوارح للشهادة وتطاير الكتب والميزان والصراط وحوض الكوثر والجنة والنار ووجوب الإعتقاد أن كل ما ينطق به القرآن وجاء به محمد ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) من أحوال الموت والحشر والثواب والعقاب حق، والخاتمة الإعتقاد بالرجعة وذكر شطر من أشراط الساعة» (1).
ومعتقد الشيخية بإعتبارها مدرسة فكرية لها رأي في المدارس الأخرى مثل المدرسة الصوفية، التي يقول فيها الإحسائي منتقداً، أن الصوفية كانوا يتكلمون في الحقائق التي عرفوها بعبارة تخالف الشرع ظاهراً وتنافي الإيمان بل الإسلام في اللفظ ... وكانت لديهم طرق يخالفون فيها الشريعة منها :
إن منهم من يترك العمل مدعياً بالوصول، وأن العمل يشغل من هو بين يدي الملك، ولا يعلم أن إستحضار ذلك هو الذي بين يدي الملك وهو القلب، والعمل بالجوارح هي خدمتها للملك وكونها بين يديه وكذلك الحركات والبصر.
فإن العبادة والخدمة مقسمة على الجوارح والقلب واللسان والأعراض كالحركات وغيرها فأيها لم يقم بما كلّف به لم يشكر...
ويتطرق الإحسائي إلى الصوفية الذين يستمعون إلى الملاهي والألحان المطربة والتي يعتقدون أن النفس خلقت من حركة الأفلاك فإذا سمعت هذه الأصوات طربت فإنصرفت عن هذا العالم فصافحت الملائكة وصعدت إلى الملكوت.... إلخ، فيقول الإحسائي إن الملاهي والأصوات المطربة قد حُرّمت لأن الغناء فضلات نفسانية عجزت النفس عن إبرازها في ألفاظ دالّة فأخرجتها الحاناً.
1) رسالة (حياة النفس) في كتاب (جوامع الكلم) / الشيخ أحمد الإحسائي، ج 5 ص 15، مطبعة الغدير في البصرة سنة 1430ه-.
وللشيخية موقف مماثل من المدارس الفلسفية مثل مدرسة الملاصدرا والفلاسفة من أتباع ابن سينا والإستشراقيين، وسبب هذا الموقف هو تطرق هؤلاء إلى مسائل الربوبية ... فتعتقد الشيخية أن منابعها تعتمد على متون وبيانات الأئمة الأطهار، ولا يؤمنون لما ذهب إليه هؤلاء بأن الخلق من الله سبحانه بالنسخ، وهذا المذهب عند أهل البيت كفر وزندقة.
أمّا موقف الشيخية من (البابية)، فيقول علماء الشيخية بأنهم أفتوا بكفر البابية ولعنوا الباب (علي محمد الباب)، وأول من وقف منهم ضد البابية هو (محمد كريم الكرماني) الذي كتب (الرد على الباب المرتاب) و (إزهاق الباطل) و(الشهاب الثاقب) وغيرها من الرسائل، كما قام غيره بالرد على البابية. ويذكر بعضهم:
إن كان قد حضر الميرزا علي محمد الذي لقّب نفسه بالباب درس السيد كاظم الرشتي أياماً قلائل في كربلاء، فلا يؤاخذ الأستاذ بجنون تلميذه ولا تلصق بدعته به كما لا تلصق بدع من ضل من المسلمين بالنبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) أو بدع من ضل من أصحاب الأئمة بالأئمة (عَلَيْهُم السَّلام)، وأن الرشتي كان يدرّس في الحضرة الحسينية ويمكن لأي داخل أن يجلس ويستمع بغض النظر عن وجهة تقليده، فإذا مال بعض الشيخية أو ممن تظاهر بأنه شيخي إلى الباب وصاروا بابية فلا يجوز نسبة ذلك إلى عموم الشيخية.
ومن هنا نستشف أن الشيخية وكما يقولون هُم بأن لا علاقة لهم بالبابية من قريب أو بعيد لأن (الباب) نفسه في كتابه (البيان) قد حارب الشيخية ورئيسها الإحسائي وتلميذه الرشتي وحرّم النظر في كتبهم ونهى أتباعهم عن معاشرتهم، والشيخية يدّعون بأنهم أول من ردَّ على البابية وكانوا هم السبب فيما بعد بإعدامه.
وعليه فإن من يقول بأن الشيخية والكشفية هم الأساس في نشوء البابية والتي أسست عن طريقها البهائية فقد أخطأ إذا إستندنا إلى صحة ما يقول علماء الشيخية.
وعن الخلاف بين الشيخية من جهة والأصوليين والإخباريين من جهة أخرى، فيؤكد الشيخية أن مسائل الدين تحتاج إلى النظر والفكر والإستدلال عليها، وإنما يستدل عليها بالكتاب والسنّة وهما عربيان، فلابد من معرفتهما، ولا يعرفان إلّا بعلم (العربية) سواء بتعلم الكتب النحوية أو معاشرة العرب. ففي الكتاب والسنة ألفاظ لابد أن يبحث الإنسان عنها لأن فيها أمر ونهي وعام وخاص وناسخ ومنسوخ وبيانات لا تعرف إلاّ بعلم الكلام، فهذا كلّه هو (علم الأصول) الذي يحتاج إليه الإخباري والأصولي. ويقول الشيخية بأن الفقه لا يُعرف إلّا بعلم الأصول، فمن غاص في هذا العلم لابد وأن أخرج شيئاً، وهم بين مخطئ ومصيب سواء سمّوا أنفسهم أصوليين أو إخباريين فلا يجوز قدح قوم خاص وتصلّب لقوم خاص، كلهم أصوليون لابد من تفقههم من علم الأصول، وكلهم إخباريون يراجعون الأخبار.
فهناك إختلاف في الطرق التي سلكها علماء المدارس الثلاث. فالأصوليون في علم أصول الفقه جوّزوا العمل بالأدلّة الظنّية، بينما الشيخية يحرمون العمل بها لأن العمل بالظن حرام بأدلة الكتاب والسنة، بينما الأصوليون يقولون نعمل بباب الظن من باب الضرورة لأن باب العلم قد إنسدَّ علينا بعد غيبة الإمام الثاني عشر وهم في هذا صادقون (على تعبير الشيخية)، بينما يقول الشيخية بأن علماءهم إستطاعوا أن يسلكوا طريقاً أوصلهم إلى حصول العلم واليقين كما أثبتوه في كتبهم الأصولية.
ويقولون إذا حصل خطأ في طريق طلب العلم لا يبعث على الخروج من الإيمان!
أمّا في مسألة (المعاد) التي يتهمهم بها خصومهم، فيقول الشيخية إن الإنسان له جسدان: الأول يتألف من العناصر الزمانية وهو كالثوب يلبسه الإنسان ويخلعه ولا لذة له ولا ألم ولا طاعة ولا معصية. أما الجسد الثاني فهو الجسد الباقي وهو الطينة التي خُلِق منه، ويبقى في قبره إذا أكلت الأرض الجسد العنصري وتفرق كل جزء منه ولحق بأصله، فالنارية تلحق بالنار والهوائية تلحق بالهواء والمائية تلحق بالماء والترابية تلحق بالتراب. فهذا الجسد هو في القبر بعد أن يتحلل من عناصره، لم تره أبصار أهل الدنيا فيعتمدون على حديث للإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يشبّه هذا الجسد بسحالة الذهب في دكان الصائغ، فهذه السحالة من الذهب لا تُرى إلّا بعد غسل الصائغ للتراب بالماء فيصفيه ويستخرجها ( أي سحالة الذهب). فيقولون كذا الجسد هذا يبقى في قبره هكذا فإذا أراد الله سبحانه بَعث الخلائق فيمطر على كل الأرض مطراً من ماء بحر تحت العرش أبرد من الثلج وله رائحة كرائحة المني، فيكون وجه الأرض بحراً واحداً فيتموج بالرياح وتتصفى الأجزاء، وكل شخص تتجمع أجزاء جسده في قبره على هيئة ما كانت بنيته في الدنيا، فإذا نفخ في الصور تطايرت الأرواح كل روح إلى قبر جسدها فتدخل فيه فتنشق الأرض عنه كما تنشق الكمأة فإذا هم قيام ينظرون. فهذا الجسد هو الذي يقوم للحساب (1).
أمّا عن (المعراج) فيقول الشيخية بأن النبي (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم) صعد ليلة المعراج بجسمه الشريف مع ما فيه من البشرية الكثيفة وبثيابه التي عليه ولم يمنعه ذلك عن إختراق السماوات (2)...
وجاء في دليل المتحيرين للرشتي : أن رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) إنما عرج بهذا الجسم الدنيوي الذي كان مع الناس بل بثيابه ولباسه ونعله، وصعد إلى السماء
وخرق الحُجُب والسرادقات، ووصل إلى العرش وصعد إلى مقام قاب قوسين (1).
ويقول الشيخية مسألة المعراج مختلف فيها، إلّا أن الشيعة الإمامية أجمعوا على أن المعراج جسماني ولكن الكيفية مختلف فيها.
أمّا بالنسبة ل- (الحلولية) فيقول الشيخية معتمدين على الشيخ الإحسائي الذي يقول في كتابه (حياة النفس) في أصول العقائد: « ويجب أن يُعتقد أنه سبحانه لا يحل في شيء ولا يتحد بغيره أمّا أنه سبحانه لا يحل في شيء فلأن الحلول عبارة عن قیام موجود بموجود آخر على سبيل التبعية كقيام الأعراض بالأجسام أو على سبيل الظهور كقيام الأرواح بالأجسام فلو فرض أنه حال بشيء لكان محتاجاً إليه ومتقوماً به فيكون حادثاً» (2).
وفي موضوع (الغلو) الذي رُميت الشيخية به، فإن مشايخ الشيخية يؤكدون عكس ذلك فيقول أحدهم: «القول أن محمداً وآل محمد ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) شركاء ووكلاؤه، أو أن أمر الخلق والرزق والموت والحياة مفوض إليهم، وأمثال هذه الكلمات كفرٌ البتّة فمن قال بذلك فهو مغال، ومشائخنا يعتقدون في الأئمة الأطهار في كل مكان بأنهم عبادالله ويعتقدون أن قدرتهم بقدرة الله وإن علمهم بتعليم الله وفضيلتهم بعطاء الله »(3).
ويقول آخر: «غاية ما هناك إنا قلنا فيهم والحمدلله ما هو إجماعي الشيعة وبعض أهل التسنن من أن محمداً وآله صلوات الله عليهم أول ما خلق الله والقرآن والأخبار المتواترة تشهد بذلك » (4).
أمّا السيد كاظم الرشتي فيقول في (الحجة البالغة) في بيان إعتقاده بالأئمة (عَلَيْهُم السَّلام) ما نصّه :
« إنهم حجج الله على الخلق وأن الله لم يفوّض إليهم أمر خلقه «بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ* لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ* وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهُ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ » (1). وكل من إدّعى فيهم غُلوّاً بمعنى أنه يدعي فيهم الإستقلال والشراكة مع الله أو تفويض الأمور إليهم بإعتزال الله، أو يعتقد انهم أفضل من رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) أو يساوون في جميع المزايا والأحوال، فذلك هو الغلو والإرتفاع الذي مُعتِقدُه كافر بالله ».
ويقول سماحة السيد علي عبدالله الموسوي: « في الحقيقة أن من المستحيل عقلاً أن يكون الحادث قديماً، والله قديم ومحمد وآل محمد (عَلَيْهُم السَّلام) عباد مخلوقون لا يملكون من أنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا حياة ولا نشوراً، وتصور ذلك المستحيل مستحيل »(2).
وفي موضوع (الركن الرابع) الذي هو من نقاط الخلاف الرئيسية بين الشيخية ومناوئيهم، فالمعروف عن أصول الدين لدى غالبية الشيعة الإثني عشرية عُدّت بخمسة وهي: «التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد يوم القيامة ».
وهنا يقول الشيخية بأن هذا العَدّ وإن كان صحيحاً في جميع معانيه، ولكن لم يرد بهذا التعداد نص من الأئمة المعصومين (عَلَيْهُم السَّلام)، فبعض العلماء عددوها بثلاث مثل المحقق الطوسي في (قواعد العقائد)، والعلامة الحلي في كتابه (كشف الفوائد)
والشهيد الثاني في (حقائق الإيمان). ومنهم من عدّها أربعة، وكان هذا الإختلاف على العصور والأزمان في تعداد أصول الدين لا في معانيها.
والشيخية يقولون بأن أصول الدين أربعة:
الأول: معرفة الله سبحانه بجميع صفاته ومن جملة صفات الله (العدل).
الثاني: الإعتقاد بالنبي (صَلَیّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وبما جاء به من عندالله ومن جملة ما جاء به من عندالله (المعاد).
الثالث: الإعتقاد بالأئمة الإثني عشر الذين أولهم أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم الحجة المنتظر.
الرابع: ولاية أولياء آل محمد والبراءة من أعدائهم.
في بداية نشوء الشيخية فإن الشيخ الإحسائي عدّها خمسة، وكذلك تلميذه الرشتي ولكنه في كتابه (الحجة البالغة) ذكر أن أركان الإيمان أربعة وهي التي ذكرناها أعلاه وقد سار عليها الشيخية على خلاف مؤسسها الشيخ الإحسائي.
وجملة أقوال الشيخية في (الركن الرابع) نوجزها بما يلي: قَصَدَ علماء الشيخية بالركن الرابع بالإضافة لما تقدم وعلى رأي الرشتي أن الركن الرابع هم (الشيعة) معتمداً على أحاديث الأئمة وأخبارهم (نوالي من والوا ونعادي من عادوا ونجانب من جانبوا).
أما الكرماني فيقول: إن المعنى بالركن الرابع هو الإعتراف بأن أولياء آل محمد هم أولياء الله ويجب ولايتهم، وأعداء آل محمد هم اعداء الله ويجب معاداتهم. ويعني الكرماني بذلك أن الركن الرابع هم (علماء الشيعة) إي هم (أولياء الأئمة الأطهار) الذين يجب معرفتهم لتقليدهم وأخذ المسائل منهم فإنهم من (الإيمان) لأن الناس بعد الإمام إما فقيه ومجتهد أو آخذ عنهم ومقلّد، ومن لم يكن مجتهداً يجب عليه أن يعرف فقيهاً ويقلده.
وعلى ذلك نستخلص من أن الشيخية يعتبرون الركن الرابع هو رابع أركان الدين والمذهب فهو من .(الإيمان). وهذا المعنى سنورده عند الحديث عن الكشفية ومقالة السيد الرشتي في الركن الرابع، وهذا الموضوع هو من المواضيع الخلافية بين الشيخية والأصوليين الذين إعتبروا أن الركن الرابع يصل بالشيخية إلى تمجيد الأشخاص (كبار مشايخهم) ووضعهم في مصافي الأئمة، بل يصل الأمر إلى جعلهم في هالة من القدسية التي تخرجهم بالتالي عن نطاق المعتاد، وفي الحقيقة لم نجد عن الشيخ الإحسائي ما يؤيد هذه المقالة، وإنما هي قد أبتدعت بعده.
هذا التوسع في شرح عقائد الشيخية الذي إضطررنا إلى البحث فيه، لمعرفة سبب الخلاف والصراع الذي حدث في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، كان لزاماً علينا طرحه بسبب الصراع والأحداث التي وقعت في كربلاء في ذلك الوقت، والتي أعطت بعدا ما زالت آثاره باقية إلى هذا الوقت.
وخلاصة القول فإننا نقلنا ما ذكره المؤرخون عن الشيخ أحمد الإحسائي وعقائد الشيخية والذين كانوا من أتباعه ... وجانبنا الكثير من الأقوال والأحاديث التي ذكرت ما يخص الشيخ لأننا لا نؤيد ولا نعارض في بحثنا هذا ... ولكن ننقل للقارئ ما نعتقد بأنه مفيداً للمعرفة وخاصة إذا ما كان ذلك إستمراراً للبحث عن أحوال كربلاء في ذلك الوقت .
هي نتاج الشيخية، ومؤسس الكشفية هو السيد كاظم الرشتي تلميذ الإحسائي الذي يقول: « وأمّا المنسوبون إلى هذا الجناب قطب الأقطاب (يعني نفسه) المسمون بالكشفية، لأن الله سبحانه قد كشف غطاء الجهل والبصيرة في الدين عن بصائرهم وإنجلت ظلمة الريب والشك عن ضمائرهم وأسرارهم، فالكشفية هم الذين كشفت
أبصارهم الغشاوة وعن قلوبهم الزيغ والغباوة وكشفت عن قلوبهم ظلمة الشكوك والشبهات بالبراهين والتجليات » (1).
كانت للسيد كاظم الرشتي فلسفة خاصة رآها من جانبه هي الأوفق والأصلح لما يعتقده في ظواهر الدين، فقد إلتجأ إلى التأويل والتفسير في ظاهر الدين، حيث جاء في كتابه (دليل المتحيرين) بأن التأويل يُقسّم إلى عدة أقسام منها الظاهر الظاهر والباطن الباطن وتأويل التأويل وباطن التأويل.
وكان يعتقد بأن الروح المدركة للحقائق هي التي توصل الإنسان من خلال جوارح الجسم المادي إلى المعرفة. وقسّم هذه الروح إلى عدة أقسام منها (النباتية) التي تظهر عنده منذ ولادته إلى بلوغه العشرين من العمر وهي قوّته التي تولدت نتيجة غذاءه ... والأخرى هي الروح (الحيوانية) التي تشمل حواسه الخمس ... والثالثة هي الروح (الإنسانية) التي تظهر عند الإنسان في سن الكمال، وهو بلوغ الأربعين سنة من عمره.
وهذه الروح الأخيرة تكون متفاوتة عند البشر من كل مليون نطفة قد تكون واحدة متكاملة أو كاملة والباقيات ناقصة، والسر في هذه النطفة الكاملة يظهر الشخص وفيه الروح الكاملة التي تتركز فيه الأركان الأربعة لتتغلغل به ... أي في بدنه.
فيكون مدركاً وحسن الصورة والمظهر، وبذلك يكون هذا الشخص متمكناً من معرفة إمام زمانه لأنه إذاعرف هذا الإمام يعني أنه عرف الرسول ومعرفة الرسول هي معرفة الله ...
فالإمام هنا هو (الركن الأول) حيث تتجلى فيه ذات الله والرسول ... أمّا (الركن الثاني) في الإنسان الكامل يتمركز في (عقله)، وبذلك تتكون فيه خواص الرضا والتسليم والخشوع والإنقياد والخوف والصبر ... أمّا (الركن الثالث) فيكون
1) دليل المتحيرين السيد كاظم الرشتي، ص112.
مرکزه (صدر) الإنسان فيكتسب بذلك الأخلاق الحميدة والإبتعاد عن كل ماهو قبيح ... ويبقى (الركن الرابع) في الإنسان الكامل والذي يتمركز في (البدن).
وهذه الأركان الأربعة إذا ما وجدت وإكتملت في الإنسان الكامل فسوف تظهر فيه القوى الخارقة ويكون وليّاً من الأولياء، ويتصف بالعلم والحكمة، وسبب ذلك هو إتحاد الذات مع بعض من مثل هذه الأجسام.
فالإنسان الذي تكتمل فيه الأركان الأربعة يكون هو الذي تتجلى فيه شخصية (الحقيقة المحمدية) والتي يقول عنها السيد الرشتي إنها تتمثل بالإمام المهدي والشخصية التي تمثل (الحقيقة المحمدية) هي أصلاً الركن الرابع، فالإمام هو القوة أو العلة الفاعلة فتتجلى أمامه الإلهامات الربانيّة وتنكشف له (الأسرار الإلهية).
فإن طريقة السيد الرشتي سميت ب- (الكشفية) عن تلك الأسباب والإستنتاجات، فالإنسان الذي تنكشف له كل هذه الحقائق والأسرار تتجلى فيه الذات بأجلى مظاهرها ... حيث يقول السيد الرشتي: « فعن طريق التجليات والكشف، حصلتُ على العلم والقطع بحقيقة الأشياء، وعندما أكثرت الأسئلة عن الأئمة الأطهار إنكشف لي ملكوت الأرضين والسماوات ومشاهدة الأيام وملاحظة الأسماء والصفات بانحاء التجليات في نقطة (البدأ) لأن الأكوان كلها مرتكزة في نقطة أسرار البسملة، وكل ما في البسملة هو ( الباء) وكل ما في الباء هو النقطة التي تحت الباء وانا هذه النقطة ».
نقل البعض عن الكشفية بأنها تعتقد بأن فاطمة الزهراء عليها السلام هي أشرف من سائر الأنبياء وخاصة (أولي العزم)، وقد خلق الله فيها إشعاعات إنتقلت إلى (أبيها) الرسول (صَلَّی اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وزوجها الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ومنه إنتقلت إشعاعاتها إلى أولاده ومنهم إلى بعض شيعتهم ومواليهم الخلّص. ويعللون ذلك
بالقول بأن كل ما تقدم يوضح الحقيقة المحمدية، لأن هؤلاء من مظاهر ذات الله نتيجة إتحاد الجوهر الإلهي بالجوهر الجسماني وبالتداخل. فبذلك يكون الإمام هو (علّة فاعلية) لأنه يقوم مقام العلّة المادية والصورية الغائبة. وعليه فالكون كان قد تكوّن من نقطة ذات الله ، وهذه النقطة ظهرت من إشعاعات فاطمة الزهراء حتى وصلت إلى الأئمة.
وعندما ذكرنا موضوع الغلو عند شرح عقائد الشيخية لم نجد صراحة ما يشير إلى هذه المقالة، وقد نقلناها لأن الرأي الشائع لدى العامة يقول بذلك ... وللحقيقة نقول فإن الكشفية إذا أوردت هذه المقالة فلم تأت بجديد لأن الكثير من الشيعة وعن طريق بعض العلماء الأصوليين وكذلك الإخباريين يؤيدون ذلك، بل إن الكثير ممن يرتقي المنابر الحسينية يتحدثون بمثل ذلك !!
أورد مؤلف مدينة الحسين نقلاً عن دليل المتحيرين من نسخة بقلم (الحاج إسماعيل ترك) وهو تلميذ الرشتي الذي فرغ من كتابة هذه النسخة من كتاب دليل المتحيرين يوم الأربعاء من جمادي الأولى سنة 1262ه- ما نصّه: « وعليه فمن لم يكن في قلبه محبة – الركن الرابع - (أي السيد الرشتي) لا تنفعه حسنة وإن صام الدهر وقام ليالي عمره وأفنى حياته في العبادة وفي فعل الخير، وإن المسلمين اليوم كلهم کفار عبّاد أوثان والصوفية فهم نحتوا الأقطاب ومرشديهم وعبدوهم، والإمامية الأصوليون إتخذوا المجتهدين وعبدوهم بتقليدهم لهم – إلّا الكشفية فإنهم عبدوا الله الواحد الذي تجلّى في صور مختلفة فهم الموحدون» (1).
فلينظر المتتبع ، ألا يُشم من ذلك شيئاً من رائحة التزوير وقد يكون النقل فيه بائناً وواضحاً من تلميذ الرشتي، لأن أتباع الرشتي لو كانوا يعتقدون بالأصوليين كونهم هم التابعين للأصل فما كانوا على خلاف معهم، والأصل هو الأساس والمحْدَث هو المشكوك فيه.
1) في النسخة القديمة والموجودة لدينا من دليل المتحيرين لا يوجد فيها هذا النص !!
لو راجعنا ما ذكره مؤلف كتاب مدينة الحسين في س4 ص 28 وغيرها، حيث أطال مؤلفه بنقل ماهو منسوب إلى السيد الرشتي أو ما قيل عنه، ونعتقد إن ماجاء في مقال المؤلف الكليدار كان إنتقاداً كبيراً لا محل له، إذا ما عرفنا أن الصراع العقائدي في نهاية القرن الثاني عشر وجميع سنوات القرن الثالث عشر الهجري، هو صراع أو صراعات فقهية كانت أطرافها كلها من علماء دين إيرانيين، ساعد البعض منهم الساسة والملوك والأمراء لغايات عديدة ذكرنا قسماً منها وسوف نذكر بشيء من التفصيل هذه الخلافات العقائدية وتأثيرها الإجتماعي والسياسي على المجتمع الكربلائي واغراضها ومبتغاها . فنجد الكثير ممن كتب عن هذه الأمور قد إنحاز إلى هذا الطرف أو ذاك بدون أن يتمعن في الأسباب والموجبات لهذا الخلاف. ونعتقد بأن الكاتب يجب أن ينقل الحقيقة من مصادر عدة ويقوم بتحليل الوقائع بنفس مستقل غير متأثر بأحد. وهنا يجب أن ننقل حقيقة هي أن كل ما قيل عن الشيخية أو الكشفية كان في أحيان عديدة مجافي للحقيقة، وربما قام البعض بإضافة أشياء كثيرة عن أمور لم يقلها السيد كاظم الرشتي ولا أستاذه ويمكن حتى الذين جاءوا بعدهما، وهذا ليس دفاعاً عنهم فأنا لست شيخيّاً ولا كشفيّا ... وقد يُلاحظ القارئ لكتاب دليل المتحيرين شيئاً من هذا القبيل، بحيث يقوم السيد الرشتي بنقل ما قام به البعض ضدّه وما قالوه ويذكره في كتابه ... ونستنتج من ذلك إلى أخطاء وأمور قام بها السيد كاظم الرشتي كانت نتيجة الهجمة التي شُنّت عليه ، مما دعاه على إتخاذ مواقف توالي (الحاكم السياسي) أو الوالي أو المتولي (حاكم المدينة)، ليبعد عنه وعن اتباعه غوائل كثيرة إعترضت سيرته ومريديه واتباعه، ولو أننا نسجل عليه تعاونه مع السلطة ضد الأهالي ولكن الذي لديه أفكار يجب أن تكون له الحجة الدامغة على إقناع الغير بالدليل القاطع، وليس بتحشيد الصفوف والتقاتل وخلق الأزمات ... ونعود إلى
البداية فيبقى لنا أن نقول بأن كل ما ورد نابع عن رأي الناقل وميوله وإتجاهاته.
ولتوكيد إعتقادنا بأن التزوير والنقل بائناً وواضحاً في ما ذُكِرَ آنفاً، ننقل الحادثة التالية: صعد السيد كاظم الرشتي المنبر في الروضة الحيدرية في النجف الأشرف بعد صلاة الظهر يوم 8 ذي الحجة (يوم التروية ) عام 1248ه- / 1832 م حيث قال: «أيها الناس ان رسول الله ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) عرج بجسمه على السماء بل بثيابه ونعله، وأن الخلق يوم القيامة يُحشرون بأبدانهم واجسادهم الدنيوية المرئية المحسوسة في الدنيا، وأن الله هو العالم بالأشياء كلها قبل إيجادها ومع وجودها فلا تتفاوت له الأحوال ولا يوصف بالإنتقال ولا يعتريه زوال ولا إضمحلال، فمن إعتقد بهذا فميزانه رجيح يستحق ثواب الله وهذا هو الإعتقاد الصحيح...
وأردف قائلاً: أن الإمام عليّاً وأخاه رسول الله وأولاده المعصومين وزوجته (فاطمة) عليهم السلام أمناء الله وأبواب رحمته ومقاليد مغفرته ومفاتيح جناته، وما الإمام علي وأولاده الأئمة المعصومين إلّا - علل فاعلية – عالمون بالأشياء كلّها، أيها الناس هذا إعتقادي وعليه إنعقد ضميري وبه أدين في سرّي وعلانيتي »(1).
فهل الذي قام به السيد كاظم وقاله في صحن أميرالمؤمنين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) كان للتهدئة أم هي الحقيقة بعينها؟ وبعد مقالة السيد هذه طلب العلامة الشيخ حسن كاشف الغطاء الإجتماع به وبيان صدق نيته ... ولم يقبل الرشتي بالإجتماع وإنما أرسل أحد أتباعه إلى الشيخ حسن يخبره بما نصّه: « أمّا أن يكون ملتبساً عليك أمري، مشتبهاً عليك حالي، أو متيقناً بضلالي وإن قلبي ينافي لساني، فإن كان كذلك فأنا أظهرت لك ما أدين الله به واعتقده، فيجب عليك القبول والتصديق بنص من الله حسب ما جاء بكتابه العزيز: (ولا تقولوا لمن ألقى السلام عليكم لست مؤمناً) فإن كنتَ تشُك وإني أسلك النفاق فلا يجوز لك كشف الباطن ... ».
وعليه فنحن أمام حالتين، إما حقيقة وصدق السيد الرشتي وما أوردناه عنه ولو كان فيه جانباً من الصحة، ولكن لا يصل لحد ان يقوم البعض بتكفيره وإعتباره مارقاً
1) دليل المتحيرين: السيد كاظم الرشتي، ص79.
عن الدين والملّة ... أو أن يكون كلام السيد مداهنة، وما نُقِل عنه كلّه صحيح من قبل تلامذته ومعارضيه، فإنه يعني بذلك تهدئة الأمر عليه وتخفيف وطئة خصومه منه.
وأنظر لمؤلف مدينة الحسين ماذا يقول: « ونرى من خلال الأحداث أن العلماء المناوئين له قد تريّثوا عن كشف نيّاته من باب الإحتياط لتظاهره في إظهار الشعائر كأحد المسلمين » (1).
1) مدينة الحسين: السلسلة الرابعة ص 50 . ونأسف لهذه العبارة التي أوردها المؤلف فهي تؤكد بأن تحليله كان بعيداً عن الإستقلالية والحياد في نقل الصورة الحقيقية للأمور.
في هذا المبحث سنقوم بتدوين دعوة البابية التي كان مؤسسها علي محمد رضا الشيرازي يحضر حلقات الدراسة الدينية عند السيد كاظم الرشتي في كربلاء، وسيتم فيه شرح التأثير الفكري عليه والوسائل التي تم بموجبها إقناعه بأنه سيكون الباب لظهور الحجة القائم المنتظر، والتي كانت لا تخلو من تدخلات أجنبية غايتها إحداث فجوات في الدين والشريعة.
حلَّ بكربلاء سنة 1255ه- / 1839م الجاسوس الروسي (كينازد الغوركي) الذي كان يتخفى بزي طلاب العلم ويحمل اسم مستعار هو (الشيخ عيسى اللنكراني).
والروسي كوركي هذا أرسلته الحكومة الروسية إلى إيران ليعمل وكيلاً في السفارة الروسية للتجسس وفي مهمة سياسية الغرض منها دراسة وتهيئة الأمور لإحداث إنشقاق في الدين الإسلامي. وتم إختياره لإلمامه باللغة الفارسية قراءة وكتابة. وتم توجيهه بتعلم اللغة العربية، وقد حصل على معلم خاص يدفع له تومانين شهرياً واسمه الشيخ محمد المازندراني أحد تلامذة العلامة أحمد الكَيلاني الذي كان من كبار علماء إيران حينها، وبقي يراجعه في منزله لمدة سنتين تعلم فيها اللغة العربية، وتوطدت علاقته بمعلمه الشيخ محمد وطلب منه دراسة الفقه والاصول على يديه، وأخذ يصحبه معه إلى مجلس العلامة الكَيلاني ويستمع له، وأقنع معلمه بأنه مهتم
بالدين الإسلامي وإن هذا الدين هو الحق والإيمان الصحيح للإنسان يتوطد به، مما جعل معلمه يشير عليه ويقنعه بأن يُسلم فوافق بدهاء وتخطيط على أن لا يتمكن من الختان بحجة خوفه من السفير الروسي إذا علم بذلك فيتسبب في هلاكه، فقبل معلمه الشيخ محمد بذلك وإزدادت العلاقة بينهما وأخذ يمدّه بالأموال، وقام الشيخ محمد بتزويجه إبنة أخيه اليتيمة. وعندما كان يصحبه إلى مجلس الكَيلاني فقد تعرف على مريديه ومنهم الميرزا علي (الذي أصبح الباب) والميرزا حسين علي نوري (البهاء فيما بعد) والميرزا يحيى (شقيق البهاء).
كان ينقل المعلومات التي يحصل عليها إلى السفارة الروسية حيث كان كل شيء يتم بعلمها. وتمكن هذا الشخص من التقرب من البلاط الإيراني خاصة في فترة محمد شاه القاجاري الذي خلف فتح علي قاجار، وأخذ ينقل للبلاط آراء بعض رجال الدين بالشاه، وأخذ يلعب أدواراً خطيرة خاصة عندما تسبب بإبعاد الصدر الأعظم الإيراني ومن ثَمَّ تصفيته من قبل الشاه نتيجة معلومات نقلها للشاه بأن صدره الأعظم متفق مع العلامة أحمد الكيلاني وعدم رضا الاثنين على الشاه معتمداً على معلومة حصل عليها من صديقه حسين علي نوري (بهاء الله) الذي كان يتجسس على أستاذه الكيلاني. ولم يتمكن الشاه من القضاء على الكيلاني لمنزلته الروحية بين الناس، فأخذ هذا الجاسوس على عاتقه أمر الكيلاني، فقد كلّف صديقه حسين علي نوري بوضع السم لأستاذه وقتله. كل ذلك كان لأمرين أولهما التخلص من الصدر الأعظم لشكّه بأنه مدفوع من الإنكليز ضد الشاه، وكانت حينها حرب مخابراتية بين الإنكليز والروس. وثانيهما ساعد الشاه بالتخلص من العلامة أحمد الكيلاني ليتقرب أكثر من البلاط الإيراني. وقد إعترف هذا الجاسوس بذلك في مذكراته.
تم توجيهه من قِبَل حكومته الروسية بالذهاب إلى كربلاء لإحداث شرخ في وحدة المسلمين من خلال إنخراطه بتحصيل العلوم الاسلامية وتشكيل علاقات وإيجاد أعوان له يساعدونه في مهمته.
فوصل كربلاء سنة 1255ه- ( بداية سنة 1839م) متنكراً باسم الشيخ عيسى اللنكراني، وإستأجر داراً في المدينة وأخذ يحضر مجالس درس السيد كاظم الرشتي رئيس الكشفيين وبإعترافه فإن السيد كاظم الرشتي لم يكن مطمئناً بوجوده في مجلسه، رغم أنه لم يبادر بما يبعث الشك والريبة!!
كان يسكن بجواره السيد علي محمد الشيرازي (الباب فيما بعد) وكان من تلاميذ الرشتي، وقد وجده في درجة عالية من الذكاء وأحواله المادية جيدة وهو مواظب على تحصيل العلوم الدينية بشكل كبير، فتقرب إليه ووثّق علاقته به شخصيّاً وأصبح لا يفارقه.
وهذا الجاسوس هو الذي وضع فكرة (نيابة الحجة الغائب) في ذهن السيد علي الذي عارض الفكرة ولكنه أقنعه بأمور (لا يتسع المجال لتفصيلها هنا لغرض الاختصار).
وفي مذكراته يقول هذا الجاسوس « في أحد الأيام وفي مجلس السيد كاظم الرشتي سأل أحد الطلاب وكان من أهل تبريز السيد كاظم قائلاً: أين يقيم صاحب الزمان الامام المهدي ؟ فأجابه السيد كاظم كيف لي أن أعلم، ويحتمل أن يكون الآن بين ظهرانينا غير أني لا أعرفه» (1).
المهم والمختصر في الموضوع أن هذا الجاسوي الروسي والذي سمّى نفسه بالشيخ عيسى اللنكراني هو الذي وضع فكرة نيابة الامام المهدي وأقنع السيد علي بضغط
1) هذا الجواب يمكن أن يقوله أيَّ واحد من علماء الشيعة الامامية الاثنى عشرية الذين يؤمنون بغيبة الامام المنتظر ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، لأنهم يعتبرونه حي ويمكن أن يوجد في أي مكان، كما الخضر ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). وإجابة السيد كاظم هذه تدل دلالة واضحة على أن السيد كاظم لم يكن يشير إلى (الباب) حسب أقوال البعض من مناوئيه ، والذين اتهموا السيد كاظم والكشفية أيضاً بأنهم وراء فكرة الباب. وبذلك تتولد لدينا القناعة الكاملة بأن السيد كاظم رئيس الكشفية وقبله الشيخية ليست لهم علاقة بالبابية نهائياً كما أشرنا إلى ذلك سابقاً. وأن كل من يؤكد بأن الشيخية هي التي أسست للبابية ومن ثَمَّ للبهائية فهو واهم ولم يتابع الحقيقة الكاملة والملابسات التي جرت في ذلك الوقت بتفاصيلها، فالشيخية براء من البابية والبهائية.
كبير وبوسائل متعددة أن يكون هو الباب لمعرفة المهدي وقد تقبل الباب هذا الأمر شيئاً فشيئاً، وأخذ الجاسوس يسميه وينادية ب- (صاحب الامر والزمان) تارة وبالمهدي تارة أخرى، وأخذ ينفق الاموال لتصديق هذا المهدي!! ويعقد معه مجالس خاصة لذات الأمر. فالفكرة بدأت في كربلاء، وسافر بعدها السيد علي محمد الشيرازي إلى البصرة ومنها إلى بوشهر ومن ثَمَّ إلى شيراز لنشر دعوته، وكان على إتصال دائم بسيده الجاسوس هذا حيث يتبادلون الرسائل والرسل لتلك الغاية الخبيثة.
وخلال السنوات التي قضاها الجاسوس الروسي المسمّى (عيسى اللنكراني) في كربلاء والعتبات المقدسة وفي مدن أخرى كان يزورها في الصيف، حيث كان يغادر كربلاء لشدة الحرارة فيها ويتوجه إلى الشام ومدن عثمانية أخرى ويعود إلى كربلاء، فقد وجد جوّاً جديداً ومناسباً لإحداث البلبلة في صفوف المسلمين، وتكفل وبأمر من حكومته أن يقوم بالصرف ماديّاً لما يلزم بخصوص الدعوة البابية.
عندما غادر علي محمد الشيرازي كربلاء كان يراسل هذا الجاسوس ويوقع رسالته ب- (باب العلم ونائب العصر).
كان الجاسوس الروسي يرفع تقارير شهرية إلى حكومته بواسطة صديق له يسكن بغداد اسمه محمد الأذربيجاني حيث يرسلها باسم عيسى اللنكراني.
وقام في كربلاء ببث الدعاية بظهور صاحب الزمان والإمام المنتظر، وبدأ يشك به عدد من طلاب السيد كاظم الرشتي وهم من أهل الشام، وقد علموا بما يقوم به خاصة بعد وفاة السيد كاظم الرشتي سنة 1259ه- وأرادوا أن يمسكوا بوثيقة رسالة تدينه فعلم بنيّاتهم وإتهمهم بأنهم عملاء للإنكليز في مذكراته، فقد إضطر بشكل خفي للهروب من كربلاء سنة 1260 ه- / 1844م أي بعد وفاة السيد كاظم الرشتي بسنة واحدة، فقد غادر كربلاء إلى روسيا عن طريق (تبريز) متنكراً بزي واسم شرطي اسمه (علي محمد).
كافأته حكومته للمعلومات التي كان يزودهم بها، وللأعمال التي قام بها في إيران والعراق. وبعد ذلك عينته في زمن ناصر الدين شاه سفيراً لها في طهران، وكان له دور بارز في القضاء على (الباب) لعدم إفتضاح أمره، كما إنه تمكن من تخليص حسين علي نوري (خليفة الباب والبهاء فيما بعد) وآخرين معه من السجن من خلال علاقاته مع البلاط الإيراني، وإرسالهم إلى بغداد ومدّهم بالأموال لتنشيط عمل الدعوة البهائية فيما بعد.
هي من الدعوات الباطنية التي ظهرت في أواسط القرن الثالث عشر الهجري، ومؤسس البابية هو ( علي محمد رضا الشيرازي) الذي عُرف ب- (الباب). وقد تأثر في بداية شبابه بتعاليم الشيخ أحمد الإحسائي ومن بعده بالسيد كاظم الرشتي، وقد ذكر جميع الذين كتبوا عن البابية بأن السيد كاظم الرشتي كان يبشّر مريدية بظهور (الموعود)، وهل ياترى كان المقصود به (الباب) كما يقول البابية والبهائية، أم كان السيد كاظم يبشِّر بظهور الحجة المهدي عليه السلام وقد طال الجدال حول ذلك، وما نُسب للرشتي من أقوال لا نريد البحث فيها لرأينا الخاص بها وقد تكون ملفقة، وإنتشرت الدعوة البابية بشكل كبير في إيران، وإنتقلت دعوته إلى بعض المفاصل في كربلاء، وصاحبتها مشاحنات وخلافات بين الأوساط الدينية في كربلاء.
فالباب الذي هو علي محمد رضا الشيرازي قد إدّعى في ابتداء أمره أنه (رسول المهدي المنتظر ) . ثم قال أنه (المهدي نفسه)، وأخيراً إدّعى أنه (نبي). فقد أفتى العلماء بقتله. وفي إيران دارت معارك وحروب دامية عندما وقفت الحكومة القاجارية أمامها بشدة وقسوة، وكان ناصر الدين شاه شديداً عليهم حتى وصل الأمر إلى قتل الباب وملاحقة أتباعه، وكان ذلك سبب في إغتيال الشاه فيما بعد.
عندما تم إعدام الباب في تبريز فرَّ قسم من أتباعه ووصلوا بغداد لينجوا بأنفسهم من أيدي الإيرانيين فكان رئيس البابية بعد الباب والذي هرب إلى العراق قد إستقر
في بغداد وظهر فيها والذي أطلق على نفسه اسم (بهاء الله) وقد إدعى (الإلوهية).
والمهم في الأمر أن البابية أسست إلى البهائية وهذه خرجت كليّا عن الإسلام وأسست ديانة خاصة لها محافلها التي تشبه في تعاليمها بمحافل الماسونية.
ومن قال بأن الشيخية أسست البابية فهو واهم كليّاً لأن الشيخية تتقاطع مع أفكار البابية، وانتماء بعض الشيخية إلى البابية في بداية ظهورها لا يعني بالضرورة أن تكون للبابية علاقة بالشيخية، فالطريقة الشيخية أسمى وأرفع من الأفكار والعقائد التي بنت البابية على أساسها فكرتها الباطنية الضالّة، والتي أحدثت إنقساماً في الشريعة الإسلامية وأسست إلى الضلال والكفر بعقيدة الإسلام بإعتقاد إلوهية (بهاء الله) وتحريفه للدين الإسلامي الحنيف من خلال نسف أركانه وفروعه وكل ما يتعلق بخصوصه.
وجاء في كتاب (حقائق علمية وتاريخية) أن الشيخية تنكر دخول دعوة الباب ويقولون أن أكثر علماء الشيخية قد حاربوا (الباب) وحكموا عليه بالكفر.
ولد علي محمد رضا الشيرازي في أول محرم سنة 1235ه-/ 20 تشرين أول 1819م) بمدينة شيراز جنوب إيران، في بيت يدعي إنتسابه إلى أهل بيت النبي (صلوات الله علیهم)(1). في صباه توفي والده الذي كان يعمل بالتجارة، وكفله خاله (المرزة علي الشيرازي) أحد تجار شيراز. ومنذ طفولته أو كله خاله إلى بعض المشايخ لتعليمه القراءة والتهذيب، وكان عزوفاً عن الدرس إلّا إنه أطاع رغبة خاله فتعلم من العربية شيئاً قليلاً، ومن النحو الفارسي بعض مبادئه، بيد انه برع في حسن الخط وسر رعة الكتابة، ولما رأى خاله أنه لا يرغب في التعليم والتحصيل فقد أشركه معه في تجارته (2). رحل
إلى ميناء (بوشهر) على الخليج العربي بعد كساد التجارة في شيراز، وإفتتح متجراً لبيع الأقمشة، وهناك إتصل به أحد تلامذة السيد كاظم الرشتي ويدعى (جواد الكربلائي الطباطبائي)، وبدأ يلقي على مسامعه أفكار سمعها من الشيخ الإحسائي والسيد الرشتي عن الغائب المنتظر (1). ويوهمه بأن سيماه ومحياه تنطبق على الموعود الذي أخبر الشيخ والسيد بقرب ظهوره (2)
والثانية: قد تكون هذه من افتراءات المعادين للشيخية والكشفية من الأصوليين الذين حاربوا أفكار الشيخ وتلميذه الرشتي، والذي يطّلع على أفكار الشيخ أحمد الإحساني لا يجد نصِّا يؤكد ظهور الباب كونه الموعود. ولم نقرأ فيما سطره الرشتي حقيقة ونصَّا على ذلك أيضاً لأنه لا يمكنه الخروج على أفكار أستاذه فقد جاء التأكيد على ظهور الباب في كتابات البابيين والمستشرقين الأجانب والبهائيين لا غيرهم، ولكل له مبرراته وأهدافه. وما نقوله ليس دفاعاً عن الشيخ الإحسائي أو عن السيد الرشتي، بل نعتقد بأنها الحقيقة التي ظل يتلاعب بها الكثير من الكتّاب والمؤلفين للأسف.
.أخذ علي محمد رضا الشيرازي يقوم بأعمال وأفعال أخذت تصيبه بالذهول والوجوم وقد تؤثر على عقله، فإرتأى خاله إرساله إلى النجف وكربلاء للإستشفاء بزيارة مشاهد الأئمة الأطهار. وفي كربلاء أخذ يحضر مجلس السيد كاظم الرشتي ويدرس آراء وأفكار الشيخية، وكان الرشتي حينها يبشر أتباعه بإقتراب الأوان من ظهور المهدي المنتظر، فأخذ يشعر الشيرازي بأنه ستحل فيه روح المهدي الغائب
1) في الحقيقة أن الجاسوس الروسي هو الذي وضع الفكرة في رأس الشيرازي بكربلاء.
2) لا نعتقد من خلال دراستنا لأفكار الشيخ الإحسائي والسيد الرشتي في جميع كتبهما ومؤلفاتهما أنهما قصدا بظهور الباب كونه الموعود المنتظر، وخاصة ما نسب للسيد كاظم على أنه قصد ظهور الموعود بينهم الآن فهو يعرفه وسوف يظهر عن قريب كما جاء في كتابات البابية والبهائية وخاصة ما جاء في مطالع الأنوار. وسبب عدم إعتقادنا هو أن فكرة (المهدية) لدى الشيعة هي حتمية ظهور المنقذ والمخلص الذي سيملأ الأرض قسطا وعدلا بعد أن ملأت ظلماً وجورا وذلك في آخر الزمان، وأن المهدي المنتظر هو الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) عليه السلام لا غيره، والشيخية والكشفية ليس لديهم أدنى خلاف على ذلك، أمّا ربط ظهور الموعود (الباب) بأفكار الشيخ والسيد قد تكون متأتية من جهتين، الأولى البابية التي أرادت أن تسند ظهور الموعود على أنه الإمام الغائب ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) أو وكيله الذي يهيئ لظهور آخر يتمثل (بالبهاء). والبهائية الذين تحججوا بأن الشيخ والسيد أثبتوا ضرورة ظهور الباب وكيلاً عن الغائب الذي أعلنه فيما بعد (الباب) بأنه بهاء الله.
حيث لم تغب عنه كلمات (جواد الكربلائي الطباطبائي) الذي قابله في بوشهر، وأوحى له بأن سمات الغائب تنطبق عليه !!
بقي الشيرازي فترة عدة أشهر في كربلاء وتعرف على الكثير من مريدي السيد الرشتي، ورجع عائداً إلى شيراز بعد أن وثّق علاقته بالسيد الرشتي، وبقي مستمراً على مراسلته لحين وفاة السيد كاظم الرشتي سنة 1259ه- (1). وبعد وفاة الرشتي ذكرت الكثير من المصادر بأنه أنتخب زعيماً للشيخية وأصبح (ركناً رابعاً) (2)، وقد نازعه في رئاسة الشيخية (محمد كريم خان الكرماني) أحد تلامذة الرشتي الذي إدّعى النيابة الخاصة للإمام الغائب وعرف أتباعه باسم (الكريم خانية أو الكرمانية). ونازع الشيرازي أيضاً (الميرزا شفيع) أحد تلامذة الرشتي أيضاً.
في الخامس والعشرين من عمره أي في جمادي الأولى سنة 1260ه- / 1844م أعلن المرزة علي محمد الشيرازي أنه (باب) إلى الإمام الغائب، وأول من آمن به الملا حسين البشروئي الذي لقّبه الشيرازي ب- (باب الباب). وأخذ الشيرازي يقول: «أنا - أنا الموعود، أنا الذي دعوتم باسمه ألف سنة، والذي قمتم على ذكره والذي دعوتم الله عز وجل أن يعمل بمجيئه، الحق أقول أنه يجب على أهل الشرق والغرب معاً أن يطيعوا كلمتي وأن يبايعوني » وعدّ هذا اليوم عيدا يسمّى (عيد المبعث)!!!
وإجتمع حوله (ثمانية عشر) شخصاً من كبار تلامذة الرشتي وسماهم (حروف الحي) وهم الملا حسين البشروئي والملا حسن (أخوه) والملا باقر الصغير (ابن عمه) والملا علي البسطامي والملا خدا بخشي القوجاني المعروف بملا علي الرازي والملا حسين بجستاني والسيد حسين اليزدي والمرزا محمد روضخاني اليزدي وسعيد الهندي والملا أحمد أبدال المراغي والملا محمد الخوئي والملا جليل الرومي والملا باقر التبريزي
والملا يوسف الأردبيلي والمرزا هادي القزويني والمرزا علي البارفروشي وزرين تاج (قرة العين) الملقبة بالطاهرة ومحمد علي البارفروشي الملقب ب- (القدوس).
وأعطاهم تقاليد معتقده وأرسلهم إلى مختلف جهات إيران وتركستان والعراق (كربلاء والنجف) يبشرون بدعوته وأوصاهم بكتمان اسمه حتى يظهره هو بنفسه.
بعد أن إدّعى أنه الباب إلى الامام الغائب أعلن بأن الله رفعه من أن يكون هو الواسطة للامام الغائب فاعتقد بأنه المهدي وأن جسم المهدي المنتظر قد حلّ فيه. وقد تم إعتقاله سنة 1261ه- في إيران وتم تهريبه من السجن من قِبل أتباعه ووصل إلى إصفهان، وفيها إدعى النبوة وأن الله أنزل عليه كتاباً يسمى (البيان) وأنه أشير إليه بالآية الكريمة: « خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ» ، فالانسان هو والبيان الكتاب المنزل ، عليه (1). وكان البابيون يسمونه (الرب) ويخاطبونه بحضرة الرب الأعلى.
تم إعتقاله في سجن (ماه كو) تسعة أشهر ونُقل إلى قلعة (جهريق)(2)، ومنعوا إتصال أي أحد به، ولكن دعوته البابية باقية ومنتشرة وكثُرَ أتباعها وعظم شأنها، حتى أصبحت خطراً يهدد الدولة الايرانية، فاجمعت الحكومة على إستئصال البابيين، وإبتدأت سلسلة طويلة من المعارك الدموية، والمجازر البشرية بينها وبينهم وجي بالباب من سجنه إلى (تبريز) حيث أعدم رمياً بالرصاص في 28 شعبان 1266ه-/ 9 تموز 1850م) (3).
وبعد هذا الموجز عن البابية ووجود الباب في كربلاء قبل إعلان دعوته وما آل إليه أمره، قدّمناه لغرض التطرق إلى أن البابية قد إنتشرت في كربلاء بين رجال دين كانوا أصلاً من أتباع الشيخ الإحسائي والسيد الرشتي، وذلك لا يعني أن الشيخية
أسست إلى البابية كما ذكرنا سابقاً، وإنما الأجواء حينها وخاصة بعد وفاة الرشتي ساعدت بعض مريديه بالإيمان بهذه العقيدة الهدامة التي كانت نتيجتها ظهور البهائية كديانة خارجة عن الاسلام.
ومما نود أن نشير له هو أن جميع الذين آمنوا بالباب في كربلاء هم من رجال الدين الإيرانيين، وهؤلاء أثّروا على بعض المقيمين من الأعاجم في كربلاء. وكانت نتيجة ذلك وقوع الصدام بين معتقدي البابية فيما بينهم من جهة وبينهم وبين الأصوليين من جهة أخرى، وقد إشتد ذلك الأمر عندما حلّت بكربلاء (قرة العين) والتي هي من حروف الحي تدعو إلى إعتناق البابية، مما أثار ذلك الكثير من المشاكل والصدامات داخل مدينة كربلاء إلى أن تم إخراجها من المدينة إلى بغداد، ومن ثُمَّ ترحيلها إلى إيران وقد لاقت مصيرها قتلاً بعد حين.
بمغادرة داود باشا العراق وانتهاء حكمه فيه، فقد إنتهى دور المماليك في العراق.
وكان داود باشا هو الذي نظّم حملة المناخور في كربلاء.
حلّ الوالي علي باشا اللاز محل داود باشا، فقد بدأ هذا الوالي الجديد بإعطاء مدينة كربلاء مقداراً كبيراً من إهتمامه إثناء ولايته ... وكانت كربلاء في ظل حكم داود باشا قد أصابها الأذى والإهمال والكثير من الخطوب والحوادث، حتى أن أهل المدينة والساكنين فيها قد إنقسموا فيما بينهم نتيجة سياسة داود باشا التعسفية تجاه المدينة ونشاطه الكبير في زيادة حالة التفرقة بين أبنائها.
فقد كان إهتمام علي باشا اللاز بمدينة كربلاء له دواعي عديدة منها أنه رغب حسب ما نقل عنه بسعيه لإصلاح ما فسد من امورها، ومحاولته تجميع شتات أبنائها، والأهم من ذلك إدعائه بأنه يميل إلى محبة آل البيت لأنه كان بكتاشي الطريقة. وذكر بعض المؤرخين بأنه في بداية حكمه لم يمسسها بسوء، وقد هدأت الحالة فيها وهذا الهدوء جلب العديد من الأشقياء من إيران وغيرها من البلدان لأن يلجأوا إليها وزاد عددهم وسموا ب (اليرمازية). وأخذ هؤلاء بالقيام بأعمال سلب واعتداء وتحدي للسلطة، وقد ضجّ أهل المدينة بهم مما حمل علي باشا اللاز لإتخاذ إجراءات شديدة للتخلص منهم (1).
1) ذكر الأستاذ عباس العزاوي في كتابه تاريخ العراق بين إحتلالين الجزء السابع ص 65 – نقلا عن مؤلف عراقي مجهول في مخطوطة له: « وفي أيام علي باشا اللاز، حاصرها وخرج إليه سادات البلد وزعماؤها، وتكفلوا له بزيادة الإيراد، فإرتحل عنهم ، وكان ذلك الوالي لا يبالي بعصيانهم ومرامه الدراهم، وقد أدّوا له سبعين ألف قرآن، المثل إثنين، عمّا كانوا يؤدونه إلى داود باشا، فرضي وتركهم ».
والحقيقة أن علي باشا اللاز لم يكن هدفه الذي نقل عنه صحيحاً، بل كانت له أهداف أخرى وكان غرضه المال والنفوذ، فجلب إلى كربلاء حامية عسكرية من أفراد مناوئين عقائدياً لعقائد أهل المدينة من (بني سالم) و (الكبيسات). وضاعف الضرائب على أهلها، بل وتركها ترفل بمشاكلها وضياع الأمن فيها.
ولمّا طالت أيام الباشا اللاز وكثُرت سوءاته، نقل من بغداد إلى الشام ليحل محله والٍ جديد.
بعد نقل الوالي علي باشا اللاز إلى الشام، تم إحلال والي الشام محله وهو محمد نجيب باشا الذي كان من المقربين إلى السلطان العثماني، والمعروف عن هذا الوالي بأنه كان حاد الذكاء، صارماً وشديد القسوة، وينتمي إلى أسرة كبيرة ومعروفة في إسطنبول. وقد إمتدت ولاية محمد نجيب باشا على العراق من عام 1258ه- إلى عام 1265ه- وذلك موافق للأعوام الميلادية من سنة 1842م إلى 1848م.
وجد هذا الوالي مدينة كربلاء عصية على سلطة الدولة، وإن أهلها لا ترهبهم القوة النظامية التركية، ولم تأت الحملات التي أعدّها الولاة العثمانيون عليها بأي نوع من تهدئة أحوالها، حيث فشلت في إخضاع المدينة وأهلها. فأراد نجيب باشا أن يفرض سلطة القانون وخاصة في مدن العتبات المقدسة.
المعروف عن هذا الوالي تعصبه المذهبي الشديد وقد أظهر ذلك من خلال تعامله مع الأحداث التي سوف نبحثها لاحقاً. فقرر أن يزور كربلاء ليتعرف على أحوالها وعلى العلماء وأصحاب الرأي والمتنفذين فيها قبل أن يقدم على أي عمل ويضع
خططه لاحقاً، ويبدو إنه كان مُقرراً على عمل يجب أن يقوم به مهما كانت الظروف والأحوال، ويستخدم خبرته وذكاءه وشدته لتحقيق ما يجول في خلده.
وهو يعدُّ لهذه الزيارة وصلته أخبار بأن المدينة رفضت تموين حامية المسيب الحكومية والقريبة من كربلاء وخاصة بالأرزاق التي كانت الحامية بأمس الحاجة إليها في عام 1258ه- / 1842م.
أراد من زيارته المقبلة أن يحسم هذا الأمر أيضاً، فأرسل إلى مدينة كربلاء من يبلّغ سراتها وسادتها ورؤساءها بأنه يروم زيارتها ... فقد فوجئ بأن أهل كربلاء طلبوا منه تحديد عدد الأشخاص الذين سيرافقونه في الزيارة، بل أصرّوا على أن لا يزيدوا على ستة أشخاص. مما أثار هذا الأمر ضغينتة وإعتبر ذلك إستهزاءً بهيبة الحكومة، مما زاده تصميماً على وجوب إخضاع هذه المدينة العصية.
بداية وللأسف الشديد فقد نقل الكثير ممن كتبوا عن أوضاع كربلاء في ذلك التاريخ أموراً تجافي الحقيقة تماماً بل أخذوا بعض الثغرات والأخطاء على مسيرة البعض من أهلها ونشروه على وجه العموم، وإعتبروا أن الشقاة واليرمازية هم من أجج الموقف والوضع في مدينة كربلاء، من خلال أعمالهم البعيدة عن الأخلاق والسير الحسنة، وربطوا كل تلك الأمور بأشخاص هم بعيدون عن هذه المساوئ وإعتبر وهم من العصاة والفجرة والمعتدين على الناس والذين لا تؤمن شرورهم مثل المرحوم السيد (إبراهيم الزعفراني) الذي قيل عنه إنه إيراني ترأس أوباش المدينة وسفهاءها والعكس هو الصحيح
فقد كان السيد إبراهيم الزعفراني عربي الأصل ومن عائلة علوية تسكن مدينة كربلاء منذ عدة قرون ويرجع نسبه إلى الإمام الرضا عليه السلام، وقد تسلم عدد من أسرته سدانة الروضة الحسينية قديماً.
ولكن هل كان هناك شقاة ومفسدين؟ نقول نعم ولكن كان لأهل المدينة مواقف مشهودة ضدهم، وأغلب هؤلاء كانوا من الفارين من إيران، وكان الكثير منهم يتبع هذا العالم الديني أو ذاك، ويأتمرون بأمرهم إذا ما عرفنا بأن تلك الفترة كانت تشهد صراعات فقهية وعقائدية ومذهبية، وإختلافات واسعة في أوساط طبقة رجال الدين، وكان الغالبية العظمى منهم من غير العرب ومن المقيمين في كربلاء بحجة ترأسهم المرجعية أو مجاورتهم لمرقد الحسين أو إستغلالهم للمدارس الدينية الحوزوية.
كما لا يبتعد عن الذهن تدخل الدولة القاجارية في إيران بشؤون هذه المدينة المقدسة كما كان الدور الصفوي الذي سبق القاجاريين. وما تواجد الأمير (علي شاه القاجاري) وهو أحد أبناء (فتح علي شاه - ملك إيران) في كربلاء وإتخاذه المدينة سكناً وقيامه بلعب أدوار مشبوهة بالتعاون مع السيد كاظم الرشتي وهما اللذان
تعاونا بشكل كامل مع نجيب باشا وساعداه على إستباحة كربلاء وتدميرها!
لابد لنا أن نعطي صورة مقربة لما كانت عليه أوضاع المدينة المقدسة في تلك الفترة الهامة جداً من تاريخها، وتلك الفترة قد طبعت بأحداثها وتأثيراتها أموراً ظلّت تين مدينة كربلاء منها إلى يومنا الحاضر ، وأثرت في الجانب الديموغرافي على كربلاء، وكادت أن تؤثر على أصالتها وعروبتها بل وحتى على قدسيتها عندما سمح البعض لنفسهم أن يكونوا فيها أسياداً وهم غرباء عنها موطناً وعراقة، بل أشاعوا فيها الإنقسام الديني العقائدي وأظهروا فيها من العقائد ما يخالف الإصول.
وكل ذلك كان مخططاً له مسبقاً لأغراض تدخل السياسة في غالبيتها أولاً، و تهديم المعتقدات الأصولية للشريعة الإسلامية، وكذلك سحب البساط من رؤسائها العرب وسادتها ورؤساء عشائرها وبيوتاتها العريقة وبأساليب جهنمية .... ولكن المدينة العربية العريقة المقدسة تمسكت أخيراً بعروبتها وبترأس أهلها الحقيقيين لها ... وإليك الصورة الكاملة:
1- كانت مدينة كربلاء في ذلك الوقت تتمتع بنوع معين من الحكم الأهلي، وكانت تدفع إلى الحكومة في بغداد الضريبة المتفق عليها بعد أن زيدت ضعفاً عمّا كانت عليه. وكان يحكم كربلاء حاكم من أهلها وهو السيد وهاب آل طعمة الذي عينه داود باشا لهذا المنصب بعد أن كان له دور مناقض إلى زعماء كربلاء في واقعة المناخور، والذي ربط مصيره بالوالي داود باشا.
وبعد انتهاء واقعة المناخور التي إنتصر فيها الكربلائيون على العسكر التركي، وتم الصلح بين رؤسائها وداود باشا، فقد فُرض السيد وهاب على أهل المدينة ولم يكونوا قابلين به لمواقفه السابقة وتأثير والد زوجته رجل الدين الإيراني الأصل عليه، ومساندته له من خلال علاقاته مع الوالي. فقد كان للسيد وهاب وهو يرأس الحكم الأهلي للمدينة بعض الجماعات التي تؤيده حفاظاً على مصالح ذاتية في مبتغاها. وتم عزله من الحاكمية وأعيد إليها بالوكالة سنة 1257ه-.
في نفس الوقت كان أهل كربلاء ورؤساؤها غير مرتاحين من حاكم المدينة لأنه قَبِل أن يدفع ضعف الضريبة إلى الوالي (علي باشا اللاز)، وهذه الضريبة بدأت تثقل كاهل الناس في كربلاء، ومن ناحية أخرى فقد إتفق السيد وهاب طعمة مع الوالي (نجيب باشا) على أن تُدْخِل الحكومة إلى المدينة حامية عسكرية قوامها خمسمائة جندي، وهذا ما كان يريده نجيب باشا لكي يسير على خطته التي رسمها لإخضاع المدينة وكسر شوكة أهلها الذين كانوا ينبذون الحكم والتسلط التركي.
وموافقة السيد وهاب كانت لها دواعي عديدة منها بقاءه في منصبه أو أن يستمر دوره بقيادة المدينة رغماً عن أهلها الذين لم ينسوا مواقفه السابقة ضدهم.
وقد تعلق بعض (اليرمازية) والشقاة به وساروا بمعيته وبدأوا بإيذاء بعض الأهالي، بينما وقف الأكثرية من أهل المدينة وهم من بيوتاتها العربية وعشائرها المعروفة ضد كل هذه الإجراءات، وقد تحمسوا وأبدوا الشجاعة والوقوف
ضد إجراءات الحكومة ومنعوا دخول الحامية العسكرية، وتماسكوا فيما بينهم وإستعدوا لأي مواجهة من قبل الأتراك ضدهم.
2- كانت تعصف بمدينة كربلاء في تلك الأيام خلافات عقائدية ومذهبية، وهذه الخلافات أخذت شكل الصراع الخطير من خلال ظهور عقائد فكرية وآراء مذهبية جديدة إختلف العلماء ورجال الدين على أثرها، فمنهم من إنحاز إلى العقائد الجديدة، وأمّا الأغلبية فقد حاولت جاهدة على أن تبقى القواعد الفقهية الأصولية القديمة على حالها، بإعتبار ان كل جديد يعتبر خارجاً عن نطاق الفقه والأصول، بل هو بداية لتخريب المعتقد الأساسي للشيعة الامامية الاثني عشرية. فظهرت معتقدات (الاخبارية) كفكرة حديثة نازعت الاصوليين في موضوع المقلد والمجتهد، أو المرجع الذي يتولى منصب الإمام أو الرئيس الديني.
وطُرحت في الساحة العلمية مؤلفات للفكرة الحديثة والتي لا تؤمن بالتقليد والاجتهاد، بينما ردَّ عليهم الاصوليون بنقض رأيهم ودخلت هذه المباحث والردود في أصول علم الكلام والفلسفة وغيرها من المواضيع، لأن غالبية رجال الدين والعلماء من كلا الطرفين هم من الإيرانيين الذين تزعموا الرئاسات الدينية في كربلاء، فكان تأثير أفكار علماء إيران بالذات عليهم واضحاً بل لنقل إنه كان مسبق التخطيط.
لقد ظهر في أواخر القرن الثاني عشر الهجري والقرن الثالث عشر الهجري الموافق للقرن التاسع عشر الميلادي ذلك التناحر العقائدي الذي أحدث الانقسام داخل المدينة، ولأن اغلب سكانها شيعة إمامية فهم يضعون رجال الدين في موضع كبير من القدسية والأهمية، وبدأ رجال الدين يجمعون الأتباع والمقلدين، وقد ساهموا بشكل أو بآخر على عدم إستقرار الأوضاع في كربلاء.
كان الشيخ (أحمد الاحسائي) قد أسس فرقته المعروفة ب- (الشيخية) بعد أن بدأ الاعلان عن معتقده في إيران وكربلاء والنجف . وسكن مدينة كربلاء في
بداية القرن الثالث عشر الهجري، وكان له فيها محافل للتدريس وله مؤلفات يتداولها قسم من طلابه وغيرهم من طلاب العلم، وكانت على درجة من الغموض والإبهام لما يستعمله الشيخ الاحسائي من مفردات وعبارات معقدة، بل أعتبرت أفكاره باطنية وصعبة الفهم مما جعل الكثير بأن يشككوا فيها وإعتبروها معتقداً جديداً يُعدّ خارجاً عن الدين وغير ملائم للمذهب وبعيداً عن قواعد وأصول الامامية.
رغم ذلك كان هناك من يلازم درسه وأصبح له أعوان يترددون عليه ومنهم من أخذ ببث الدعاية له ونشر أفكاره وقد سمي هؤلاء بالشيخية. كان من أقرب تلاميذه إليه وأكثر الدعاة لفكرته هذه ومن أشد أنصاره هو السيد كاظم الرشتي الذي هاجر من مدينة رشت في إيران إلى كربلاء وإتخذها سكناً، وقد كان له فيما بعد تأثير كبير بعد وفاة أستاذه الشيخ الاحسائي الذي إرتحل من كربلاء قبل وفاته بمدة قصيرة إلى المدينة المنورة. وبقي في كربلاء تلميذه (الرشتي) يدعو إلى تطبيق نهج أستاذه الذي كان موضع شك من قبل علماء الدين وحتى أهل المدينة.
بعد وفاة الاحسائي ترأس الفرقة الشيخية السيد كاظم الرشتي وقد جاء بأمور وعقائد جديدة قد يختلف بها حتى مع أستاذه الاحسائي وسميت طريقته الجديدة ب- (الكشفية). وهنا فقد إزدادت الخلافات العقائدية بشكل كبير وكثر المخالفون للسيد كاظم الرشتي، وظهرت في كربلاء نزاعات حادة وكانت حديث الناس والمجالس، وقد ألقت هذه النزاعات بظلها على مستوى الأمن والأوضاع العامة في المدينة، وخاصة عندما إرتمى السيد كاظم بأحضان الحكومة والوالي التركي بشكل خاص، مما جعل غالبية رجال الدين الاصوليين بأن يقفوا مع أهل المدينة في محنتهم الجديدة مع الأتراك.
3- إضافة لذلك فقد كان رجال الدين من المجتهدين الاصوليين مختلفين فيما بينهم حول الزعامة الدينية، وكل واحد منهم له أتباع ومريدين، ووصل الخلاف في بعض الأحيان إلى التخاصم والتنازع !! ، وكأمر طبيعي فإن هذا الخلاف سيولّد إختلافاً بين الأهالي، فظهرت في كربلاء التكتلات المناطقية وكذلك الخصومات وتعمقت بين البعض من الذين يميلون إلى الأتراك وبين الغالبية التي كان موقفها الدائمي ضد الحكومة التركية وكل من يتعاون معها. وكان موقف الأهالي وحماسهم الجارف لا يمكن إيقافه عند حد وهم يسمعون أخبار الحكومة وما تريد فعله بمدينتهم لاخضاعها.
4- كان هناك أمرا غريباً يستدعي التأمل، هو وجود الأمير (علي القاجاري) في كربلاء. حيث بدأ القيام بأدوار مستغربة فيها كونه أولاً إيراني يسكن فيها، وإنه من الأسرة القاجارية الحاكمة في إيران. ومن ناحية ثانية كان وثيق الصلة بالسيد كاظم الرشتي وملازما له على الدوام وتذكر بعض المصادر بأن الأمير القاجاري هو الذي إستصحب كاظم الرشتي معه عندما قدم من إيران!...
والأغرب من ذلك هو إتصال الأمير القاجاري بالوالي نجيب باشا ومعهم السيد الرشتي !! ... فما هي صلة الأمير القاجاري بالوالي العثماني ؟!! بل ماهي علاقة الصلة والتعاون على ما سنذكره عند شرح الواقعة بين هؤلاء الإثنين وهما إيرانيا الأصل بالوالي العثماني ...
فإن مدينة كربلاء مدينة عربية عراقية تتبع لولاية بغداد، وكان الحكم العثماني هو الذي يحكم العراق، والكل يعلم بالخلاف الدائمي بين العثمانيين والحكومات الإيرانية المتعاقبة ..
ربما كان ذلك لأسباب قد يكون منها وجود بعض الهاربين من إيران في كربلاء، وقد يكونوا هؤلاء متمردين على القاجاريين، أو إن إيران ما زالت تعتبر مدن العتبات في العراق ومنها كربلاء ذات أهمية خاصة عندهم وهي الباب الذي يستخدمونه
للتدخل بالشأن العراقي الذي لم يَغِب عن بال الإيرانيين والتاريخ لم يغفل ذلك ...
أو أن الغرض هو إحداث شرخ في العقائد والمذاهب من خلال نشر عقائد جديدة تتسبب بعدم الاستقرار.
هذا هو الوضع العام في مدينة كربلاء، والتي كانت لا تزال تئن من وطأة سنوات معارك واقعة المناخور. فالوضع العام مرتبكٌ فيها، وتعدد مصادر القوى بالمدينة وهم أي الأهالي يتوجسون خشية مما يضمره الوالي نجيب باشا ضد المدينة، وفي نفس الوقت لم يكن أهل المدينة على إستعداد للخضوع والخنوع للحكومة لتجربتهم الطويلة معها ومع ولاتها القساة الظلمة الذين إستباحوها أكثر من مرة.
فمن ذلك كله أخذ الكربلائيون بإعداد العدة لمواجهة أي خطر، بل بدأوا بالاستعداد التام وأخذ كل الاحتياطات لغرض الدفاع عن المدينة، وكان سكانها العرب الأصليون هم دائماً الذين يدافعون عنها، وفي أحلك الظروف نجد بأن المقيمين فيها من غير العرب في مأمن بل في حلّ من الدفاع عنها رغم إنهم كانوا من أحد تلك الأسباب والمشاكل التي تدور في كربلاء. وبدأ رؤساء المدينة بالتهيؤ، وساندهم رجال أشداء من أمثال السيد إبراهيم الزعفراني.
أراد نجيب باشا أن يُعلِم سكان مدينة كربلاء بأنه عازم على إعادة النظام والقانون وسيطرة الحكومة على مدينتهم. فقد صمم على إجتثاث التمرد في كربلاء وإن تطلب الأمر هتك حرمتها وإمتهان كرامة ساداتها ووجهائها ورؤسائها ... فقد قام بما يلي:
2- وهو في المسيب أرسل رسائل إلى بعض رؤساء كربلاء وكذلك إلى المجتهدين من رجال الدين في المدينة يطلب فيها مساعدته على إدخال جيشه إلى المدينة
وينذرهم بوجوب خضوع المدينة إلى سلطة الحكومة التي يمثلها الوالي، وأن يتم نزع سلاح الأهالي خلال شهر واحد وإلّا فإن على المدينة وأهلها أن يعرفوا مصيرهم. وكان ذلك تهديداً صريحاً من الوالي، ويفهم منه بأنه عازم على إقتحامها بأي شكل من الأشكال.
3- تم إرسال أحد وجهاء بغداد مندوباً عنه إلى السيد كاظم الرشتي والأمير علي شاه القاجاري، وذلك يدل على أن هناك إتفاقاً مسبقاً بين هؤلاء وبينه على ما يدور بخلده وقد إستعمل الرشتي والقاجاري لكي يوصلا تهديده إلى أهل المدينة، وكان ذكيّاً في هذه الخطوة لأنه يعلم بأن المدينة لا يقودها هذان وأنهما غير محترمَين من قبل أهلها.
4- إتفاقه مع الحاكم الأهلي للمدينة السيد وهاب طعمة بأن يدخل حامية قوامها خمسمائة جندي داخل كربلاء وهو يعلم جيداً بأن الغالبية لم تكن مع الحاكم الأهلي وانّ أهل المدينة لن يقبلوا بذلك، حتى يكون قد ألقى الحجة وهي سياسة ذكية من رجل ذي خبرة وحنكة ويعرف كيف يدير خططه.
5- إتصاله بقناصل (إيران وبريطانيا وفرنسا وروسيا) وبعض الشخصيات الإيرانية القاطنة في كربلاء، وطلب مساعدتهم لإصلاح ذات البين بينه وبين الكربلائيين، وإنقاذ الموقف من التردي، وكأنهُ أراد بحركته هذه أن يظهر نفسه وكأنه غير مسؤول عن ما سيحدث من أزمة سياسية بين الدولتين العثمانية والايرانية فيما إذا قرر المضي في تنفيذ خطته (1). و«كانت الحكومات البريطانية والروسية والفرنسية تستغل تلك الفرق لتثبيت أقدامها وتحقيق مصالحها» (2).
6 - إستغلال نجيب باشا للصراع المذهبي والعقائدي الذي كان يعصف بالمدينة وكان سبباً في حصول الاضطرابات داخلها. وكان هذا الصراع الذي تحدثنا عنه
قبل قليل يصب في مصلحة الوالي الذي لابد له من الاستفادة منه، بل ساهم في مساندته لطرف دون آخر بشكل خفي. حيث أرسل إلى السيد كاظم الرشتي رسالة يطلب فيها أن يهدئ الثورة الفكرية وأن ينصح السيد كاظم السيد كاظم الأهالي بالاعتدال ويطلب منهم أن يخضعوا لأمر الوالي نجيب باشا وحكمه، على أنهم لو فعلوا ذلك فسوف يكفل لهم حياتهم ويؤمنهم، وسوف يأمر بالعفو العام وأن يبذل جهده لراحتهم. وإذا رفضوا فإنه ينذرهم أن حياتهم في خطر وسوف ينزل عليهم العقاب الصارم.
وكما قلنا فإن نجيب باشا يعلم بأن تأثير السيد كاظم ضعيفاً على أهل المدينة وسوف يواجه من قِبل العلماء الذين يعارضون الرشتي وعقائده، وسوف يقوم هؤلاء بتحريض الأهالي ضده وضد الأتراك، وبذلك يكون الوالي نجيب باشا هو المستفيد وهو الماضي قدماً لتحقيق خطته المسبقة.
ولم يتلق الوالي أي بوادر من أهل المدينة تبين خضوعهم وموافقتهم على ما أراد منهم، والحقيقة ان ذلك كان ما يتمناه ليطبق خطته ويفتك بالمدينة ويخضعها بالقوة، فقد شرع بتطبيق الصفحة الثانية من خطته:
كان لا يزال الوالي محمد نجيب باشا في (المسيّب) والتي إتخذها مقراً لقيادة عملياته، فقد هيأ قوة كبيرة للهجوم على كربلاء قوامها ثلاث كتائب من المشاة، وكتيبة واحدة من جنود (السباه) الحكومية، وعزز هذه القوة بعشرين مدفعاً، وضمّ إلى القوّة المهاجمة بعض المقاتلين (الأكراد) حيث إستدعاهم من كردستان العراق وأوكل قيادة الأكراد إلى (أحمد باشا بابان). وأضاف إلى قوّاته مجاميع من القبائل العربية التي كانت تعمل مع قوات الحكومة التركية وخاصة عشائر (العبيد) وغيرهم. وأعطى قيادة جيشه لكل من الفريق سعدالله باشا والفريق مصطفى باشا وکرد محمد باشا.
وقد أمر محمد نجيب باشا قادته بأن يقودوا الجيش بإتجاه كربلاء وذلك في يوم الخميس 13 ذي القعدة سنة 1258 ه- الموافق 15 كانون أول سنة 1842م.
زحف الجيش مسرعاً نحو كربلاء وضرب حصاراً واسعاً على المدينة التي كان يحيطها سور منيع ذو عدة أبواب فقد أحاطت القوة بالمدينة بشكل كامل. ولم تقتحم المدينة مباشرة بل إكتفت بضرب الحصار عليها ومنع الداخلين والخارجين منها، كما قطعوا الماء عن الأهالي، ومُنع الناس من الخروج إلى بساتينهم أو أعمالهم خارج سورها.
كانت البساتين المشتملة على أشجار النخيل والحمضيات ملاصقة تقريباً بسور المدينة إلّا في مناطق قليلة ومتفرقة. وكان المدافعون عن المدينة قد إتخذوا مواقع لهم على سور المدينة وهم يراقبون تحركات الجند وإنتشارهم خارج السور، وهم يتخذون مواقع تحيط بالمدينة. وقد ضاق بأهل المدينة الحصار المضروب عليها وقد إشتدّ عليهم، مما إضطرهم إلى شرب المياه من الآبار التي هي أصلاً تحتوي على مياه غير صالحة للشرب، ولجأ سكان المدينة إلى التقشف والتقتير في الأرزاق، وإستمر هذا الضنك لمدة ثلاثة وعشرين يوماً .
حاول بعض المتنفذين في المدينة إيجاد حل لهذا الوضع المتأزم بإرسال وساطات إلى قادة الجند لإصلاح ذات البين وبشروط مشرفة، لكن ذلك كله أصيب بالفشل مما دعا بزعماء ورؤساء المدينة لأن يجتمعوا ويتداولوا في الأمر.
كان البعض وخاصة من رجال الدين رغم الاختلاف العقائدي بينهم وبعض من والاهم من المتمردين والضعفاء، فقد إستقر رأيهم على ضرورة عرض الطاعة وخضوع المدينة لسلطة الحكومة ... بينما عارض البعض الآخر وهم رؤساء كربلاء وزعماؤها وساداتها الرأي لقناعتهم بأن الجيش التركي شاءوا أم أبوا سوف يدخل
المدينة بل ويهين أهلها ورؤساءها والأكثر من ذلك تدميرها. لكنهم مع ذلك وافقوا على مفاتحة قادة الحملة كما طرح الفريق الأول.
وعندما أرسلوا مندوبين عنهم للعسكر الذي يحيط بالمدينة، فقد رفض قادته قبول إستسلام الكربلائيين إلّا بشروط قاسية كان أشدّها تسليم بعض عائلات زعماء كربلاء ورؤسائها إلى الجيش كرهائن ومن ثُمَّ ينفذون شروط الهدنة.
رفض أهل المدينة هذه الشروط الصعبة وإعتبروا ذلك إهانة لهم وخشيتهم من أن تهان أعراضهم، وبذلك إعتبروها مسألة شرف، علماً بأن الكثير من العوائل التي طلبَتْ تعود إلى أُسر محافظة في المدينة يقود أفرادها الأهالي.
كان رفض الأهالي بكل إباء وشجاعة وإعتبروا ذلك دفاعاً عن شرفهم وأعراضهم وهم على يقين بأن لا قبَلَ لهم من التصدي للجيش النظامي الذي يمتلك الأسلحة الحديثة والمدافع، والمُدرّب بشكل جيد، وأن الجيش بعدده وعدّته يفوق تصوراتهم السابقة.
قرر زعماء المدينة عقد إجتماع موسع في الروضة الحسينية ضمّ رؤساء كربلاء وساداته من العوائل العلوية المعروفة وزعماء المناطق والشجعان من أبناء العوائل والعشائر فيها، وكان من رجال الدين الحاضرين في الإجتماع العلامة السيد إبراهيم القزويني (صاحب الضوابط)، والسيد صالح الداماد ، ومن رؤساء البلد ووجوهها السيد وهاب بن محمد علي آل طعمة الذي كان الحاكم الأهلي وفي نفس الوقت كانت سدانة الروضة الحسينية بعهدته، والسيد محسن بن محمد کنعان آل دراج نقیب أشراف كربلاء، وعميد أسرة آل نصر الله الفائزي السيد علي (الشهير بالطويل) ابن السيد جواد (كليدار الحسين (السابق) ابن السيد كاظم بن السيد نصر الله، والزعيم العلوي السيد إبراهيم بن هاشم بن أحمد بن مصطفى الشهير بالزعفراني، ومن رؤساء
القبائل العربية بني سعد ورئيسهم يومئذ طعمة بن عيد، والشيخ علي رئيس قبيلة آل کشمش (1)وغيرهم من العشائر القاطنة في كربلاء (2).
وقرروا ما يلي:
1 - إجلاء ما يقدرون عليه من العوائل عن المدينة من بعض الأبواب الجانبية فيها والتي يعرف الكربلائيون جيداً كيف يتسللون خارج السور وإيداعها عند القبائل العربية المجاورة للمدينة.
2- قرروا الاستنجاد بالقبائل من خلال رؤسائها من آل فتلة وبني حسن واليسار (طي) وغيرهم لمحاولة المساعدة وإنقاذ المدينة بهذه القبائل.
3- قرر أهل المدينة الاستعداد للدفاع عنها وعن أموال الناس وأعراضهم وأنفسهم مهما كلف الأمر إلى أن يفعل الله ما يريد.
4- قُسّمت المدينة مناطقيّاً على مجاميع للدفاع عنها بكل ما يملكون من قوّة وشجاعة وبسالة.
من نتائج هذا الاجتماع ظهر تلاحم أبناء المدينة بشكل كبير جداً، وأفرز الاجتماع كذلك المتخاذلين والمصلحيين وأصحاب الأطماع ليرسموا لهم دور جديد بالمدينة في المستقبل. كذلك لبّى رؤساء العشائر طلب أهل المدينة وساعدهم الأهالي بالتسلل داخلها، وإنظموا إلى سكان المدينة وإتخذوا إستعداداتهم للمشاركة في القتال، وقدّرهم بعض المؤرخين بألفين من المقاتلين والفرسان.
ظلّ أهل المدينة يراقبون تحركات العسكر من فوق سور المدينة وهم سور وهم يتخذون مواضع عليه، وأخذوا الاحتياطات الكاملة لكل طارئ، وكان الحماس والهياج بين الأهالي أخذ مأخذاً عظيماً في رفع المعنويات.
ساهم الأغنياء من أبناء كربلاء بتوفير الطعام والمستلزمات القتالية، وإعتبروا ذلك جهاداً ودفاعاً عن مدينتهم المقدسة وسكانها وشيوخها ونساءها وأطفالها.
في نفس الوقت أخذ أهل المدينة بمراقبة المشكوك فيهم داخلها مثل السيد كاظم الرشتي وأتباعه ومريديه وبعض المتخاذلين.
«كتب السيد كاظم الرشتي رسالة إلى قائد الجيش الوالي نجيب باشا، وأفهمه حقيقة الموقف، فأجابه القائد مرّة أخرى طالباً منه إعادة النصح للأهالي، وأنه سيفتح ابواب المدينة في ساعة معيّنة، ولا يؤمن أحد فيها إلّا من التجإ إلى منزل السيد (يقصد منزل الرشتي)، ولمّا وصلت الرسالة قام بنشرها في كافة أنحاء المدينة فقابلوها بالاستهزاء والسخرية. ولمّا أُخبر بذلك قال (أي السيد كاظم) إنّ موعدهم الصُبح أليس الصبح بقريب؟ - وفي الفجر في الساعة المعينة هاجمت القوات المرابطة القلعة، وهدّموا الأسوار ، وأستبيحت المدينة قتلاً ونهباً، وهرب الكثيرون ملتجئين إلى حرم المقام الحسيني، وإلتجأ آخرون إلى مقام العباس، وهرع إلى منزل السيد كاظم أحباؤه ومعارفُه، وإزداد عددهم بدرجة أنه إضطر إلى إضافة المنازل المجاورة لمنزله ». هذا ما نقله صاحب كتاب مطالع الأنوار (1)الذي كان من (البهائية)
وهنا لنا وقفة قبل سرد الحوادث وطبيعة الهجوم... نقول:
لماذا كتب محمد نجيب باشا بأن الذي يكسب (الأمان) هو من يلتجئ إلى منزل السيد؟ ولم يذكر من يلتجئ إلى حرم الحسين أو حرم العباس عليهما السلام، وكأن منزل كاظم الرشتي أفضل من هاتين الروضتين المقدستين. وكان بالفعل فقد دخل الجيش وإستباحوا حرم الحسين وإستطاع البعض متوسلاً بعدم قتل من فيه فقتلوا إلّا القليل، بينما إجتاحوا حرم العباس وقتلوا جميع من فيه بدون رحمة!!
1) مطالع الأنوار (تاريخ نبيل) كتاب عن البابية والبهائية من تأليف محمد زرندي، ص28.
أَلاَ يعني ذلك أن الأمر كان متفقاً عليه بين الرشتي والوالي ... ونُذكّر القارئ الكريم بالإهزوجة المشهورة (دار السيد مأمونة) هي دليل على صحة ذلك وليس إفتراءً على الرشتي. وما سوف نورده بعد الحادث يؤكد ذلك أيضاً.
نعود إلى سرد وقائع الهجوم على المدينة، حيث قرر قائد الحملة أن يبدأ الهجوم وقد إتخذ إجراءات قبل شن الهجوم، فقد أمر بقطع أشجار البساتين المحيطة بالمدينة ليكون الطريق فسيحاً أمام الجند، بحيث لم تبق نخلة واحدة بينهم وبين السور.
بينما هم يقومون بذلك قام الأهالي بمواجهتهم من أعلى السور وأخذوا يرمون الجند ومخيماتهم بالرصاص وكان الجند يردّون عليهم بالمثل إلى أن تم الانتهاء من عملهم بجرف البساتين والأشجار.
هنا أصدر قائد الحملة أمراً إلى قائد المدفعية بأن يبدأ بهدم سور المدينة وفتح ثغرات فيه مهما كلف الأمر ، ليتمكن الجنود من الدخول إليها عبر تلك الثغرات وعن طريق تسلق السور، وبدأت المدفعية برشق عدّة إطلاقات على وسط المدينة لإحداث التخلخل في المقاومة المتكونة من أبطال المدينة ومن أفراد القبائل الذين استنفروا للمساعدة.
في فجر يوم الخميس 11 ذي الحجة سنة 1258ه- الموافق ليوم 12 كانون الثاني 1843م وكان مصادف لليوم الثاني من عيد الأضحى، بدأ الجيش التركي برشق سور المدينة بالقنابل بشكل مكثف، وقد استطاعوا فتح ثغرة كبيرة في السور من الناحية الجنوبية للمدينة وتحديداً في منطقة باب النجف.
وفي نفس الوقت كانت مجاميع أخرى من الجند تحاول التسلق على السور في نفس المنطقة، رغم مقاومة الأهالي الشديدة فقد تمكن الجيش من الدخول من الثغرة التي فتحت في السور، وفي ذات الوقت تسلقت أعداد كبيرة السور وقاموا بالسير فوقه وسلاحهم معهم ... وكان الرتلان يطلقان النار على من يجدوه من الأهالي وبكثافة شديدة وأخذوا يتقدمون داخل المدينة.
إشتد حماس الكربلائيين المدافعين عن مدينتهم، ووقفوا يتصدون للجنود الأتراك بكل بسالة وإندفاع وعلى إختلاف طبقاتهم، فكانوا في تلك الأثناء متضامنين ضد الخطر الذي يداهمهم وأوقعوا بالجيش إصابات كثيرة والنار تطلق على الجند من سطوح المنازل وزوايا الحارات.
وإستمرت المعركة وقتاً طويلاً شملت اغلب مناطق المدينة. وكان الجند والعساكر الأتراك ومن معهم قد أكثروا من وحشيتهم وبطشهم، بحيث عندما وجدوا استبسال الكربلائيين وشدة بأسهم زادهم ذلك وحشية ولم يراعوا لشيخ أو طفل أو إمرأة حرمة، وإزدادت دفعات القوات الداخلة إلى المدينة وإندفعوا في دروبها وأسواقها وأزقتها، وتمكنت بوحشيتها أن تسيطر على كربلاء وعلى الوضع العام فيها ... وبدأ تراجع المدافعين أمام ضغط الجند المتواصل وبدأوا بالاختباء في الدور، وقد إحتمى الناس بصحن الإمام الحسين وصحن العباس، آملين الاحتماء بهما كونها مراقد مقدسة لينجوا من بطش الأتراك ... بينما إحتمى آخرون بمنزل السيد كاظم الرشتي وما جاوره من منازل وهؤلاء كانوا من أتباع السيد.
وتفاقم الوضع بالمدينة سوءاً وإمتلأت الدروب والطرقات بالجثث ورائحة الموت بكل مكان. وبعد أن سيطرت قوّات الحكومة على المدينة، فقد أخذت بالشروع في القتل العام والسلب والنهب والتخريب بشكل فظيع، وإستباح الجند كربلاء لمدة تقارب الخمس ساعات ... هدرت خلالها الدماء البريئة وذهب الشيوخ والنساء والأطفال ضحايا وبدون رحمة.
كانت كل هذه الأعمال تجري أمام أنظار الوالي نجيب باشا الذي دخل مع الجند وقادته إلى المدينة. ولم ينجُ من القتل العام إلّا الذين احتموا بدار السيد كاظم الرشتي والدور التي ضُمّت إلى داره. وتقدّم رتلان من الجنود أحدهما نحو صحن العباس والآخر إلى صحن الحسين بغرض إقتحامها، وكان الوالي مع الجند المتجهين إلى حرم الحسين، فإقتحموا أبواب الصحن وبدأوا بإطلاق النار على المحتمين به.
فخرج إليهم (الحاج مهدي كمونة) وهو يلطم وجهه ومعه بعض أتباعه، حاسرين رؤوسهم وهم حفاة، وقد طلبوا الأمان من الوالي مؤكدين تعاونهم التام معه (1).
«وأكّد مهدي كمونة للوالي بأنه وأتباعه لم يخلعوا الطاعة ولم يخالفوا الجماعة فلا يصح أخذ الأبرياء بذنوب المفسدين والفوضويين فترّحم علينا بالأمان والإطمئنان »(2).
من ذلك يتبين من قول الحاج مهدي كمونة بأنه وأتباعه يتبرؤون من المفسدين والفوضويين (وكأن أهل الدينة والمدافعين عنها هم مفسدون وغوغاء!!) ورجاه الأمان. وقد يكون إن ما نقل عن الحاج مهدي كمونة هو لتخليص البلد والعتبات من زيادة في الدمار والقتل والله أعلم.
ذكر البعض أن مهدي كمونة وقع على أقدام الوالي وقبل (عجز) فرسه!!، وهنا أمر الوالي بالأمان للمحتمين بصحن الحسين بعد أن قتل عدد من الناس داخل الصحن.
أمّا الرتل الآخر فقد إتجه إلى صحن العباس الذي إزدحم فيه أكثر أهالي المدينة مستجيرين به وخائفين من بطش الجند، فتبعهم قائد الحملة ولمّا وجد أبواب الصحن مغلقة، أمر الجنود بقلع أحد الأبواب وتم ذلك ودخل الجنود عنوة.
بدأوا بعملية في غاية الوحشية بحيث تم قتل كل من كان مستجيراً بصحن العباس من اطفال ونساء وشيوخ وعجز !! وتحول الصحن والحرم إلى جحيم لا
يطاق، ولم يبق من يواجه الجند فالجميع قتلوا صبراً ودون رحمة أو شفقة ... ولم يبال الجند بقدسية المكان ولم يراعوا حرمة ولا ذمّة.
بعد عمليات القتل والاستباحة والسلب والنهب أمر هذا الوالي المجرم بإعلان الأمان ووقف العمليات، وتم إنتشار الجند في كل نواحي المدينة وأزقتها ودروبها، وباتت المدينة تئن من وطئة الفاجعة، وكأن القيامة قد حلّت ورائحة الموت بهم تفوح من كل نواحيها، والناس في ذهول تام غير مصدقين بما جرى عليهم وعلى مدينتهم... وبدأوا في الحال بلملمة جراحهم وهم ما زالوا غير مطمئنين من الوضع العام، وأخذوا بإنتشال قتلاهم وجرحاهم.
خرج الوالي من المدينة حيث يعسكر الجيش خارجها ليستريح في مقره، وفي الليل عاد الوالي إلى المدينة وقد دخلها من (باب بغداد) أي من الجهة الشمالية للمدينة حيث خيّم معسكره، وتجول فيها وكانت مدينة أموات. وقد إرتاب من منظر القتلى في الدروب والأزقة وخاصة في الروضتين الحسينية والعباسية، وكان مهدي كمونة يبدي له التخضع والذلة ليستجلب عطفه
وخرج الوالي من المدينة إلى خارج السور والجند ما زالوا يجوبون طرقاتها بأسلحتهم. فقام مهدي كمونة وأتباعه بتنظيف صحن وحرم الحسين والعباس من جثث القتلى ودمائهم ...
في الصباح عاد الوالي محمد نجيب مرة أخرى ودخل المدينة ممتطياً فرسه ومعه قادة جنده والعساكر خلفهم، وإتجه إلى صحن الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ودخله بفرسه وعلى يمينه يسير ماشياً السيد كاظم الرشتي، ومن يساره الحاج مهدي كمونة، وهما يزهوان وكأنهما كانا فخورين بتدمير المدينة وأنهار الدماء التي جرت فيها. وكأن حال الرشتي في مسيره يقول: « ألم أقل بأن موعدكم الصبح... أليس الصبح بقريب» !! ... وإلى المتتبع أن يحلل ما بين السطور ... ويقال بأن الوالي طاف بالصحن و (أدّى واجب الزيارة بأدب وإحتشام !!)، ونحن نستغرب من هذا النقل
اللا مسؤول وبهذا الاسلوب ... فأين كان أدبه وإحتشامه يوم أمس عندما إستباح المدينة وقتل أبناءها وإستهان بالحرمين الشريفين؟!!
وتوجه إلى (تكية) آل الددة ، لأنه كان في الأصل (بكتاشياً)، ومعه الملا (علي الخصي) ورئيس زبيد ( وادي الشفلّح) الذي شاركت عشيرته مع عشائر العبيد في الهجوم على كربلاء، وكان معهم بعض وجوه بغداد الذين زحفوا مع الوالي على المسيب وكربلاء. ثم سأل الوالي عن السيد وهاب آل طعمة سادن الحسين، فقيل له أنه (هرب)، فأمر بعزله ونصب الحاج مهدي كمونة سادناً للحسين (1)
وفي كتابنا بيوتات كربلاء القديمة ص 195 كنّا قد أوردنا نصَّاً عن مؤلف كتاب مدينة الحسين محمد حسن الكليدار في السلسلة الأولى منه ص 81 ، حيث ذكر بأن النص ورد عن مخطوط باسم سلاسل الذهب للعلامة محمد صادق بحر العلوم نقلاً عن الحجة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كتابه الطبقات العنبرية (حسب قول السيد الكليدار)، ولأننا عند نقلنا النص لم نطلع على مخطوطة بحر العلوم ولا على كتاب الشيخ كاشف الغطاء حينها ، وإثناء إعدادنا لبحثنا هذا عن تاريخ كربلاء وحصولنا على كتاب الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء تبيّن لنا عدم دقة النص الوارد عن كتاب مدينة الحسين الذي أخطأ مؤلفه بعنوان كتاب كاشف الغطاء حيث ذكر انه الطبقات العنبرية بينما اسمه الصحيح (العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية) وهو كتاب عن تاريخ المرجعية الدينية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين. وعلى هذا الأساس ندرج إدناه النص الوارد في العبقات العنبرية في ص 309 وص 310 من الطبعة الأولى بتحقيق الدكتور جودت القزويني، حيث يقول العلامة كاشف الغطاء وهو يتحدث عن واقعة نجيب باشا: « وامسى المساء والناس بين قتيل وجريح ومفقود وهارب إلّا من إستجار بالحرم (يقصد حرم الحسين فقط لأن كل الذين لاذوا بحرم العباس قد قتلوا) ودار السيد كاظم. وباتوا تلك الليلة ولم يهدأ للسالم الباقي جفن، والحاج مهدي ومن معه يحرس الحرم ويتعاهد من فيه . فلما أصبح الصباح دخل الوالي راد الضحى إلى البلد ومعه رؤساء عسكره يتقدمهم (الفريق) ممتطياً جواده متقلداً سيفه والعسكر خلفه ،وأمامه، فإضطرب الباقون حتى وافي (الصحن) فترجل هو ومن كان راكبًا ودخل من باب الجنوب أي( باب القبلة) وإستقبله الحاج مهدي ومن معه وأخذ (اليَتَك) فقبله فدخل الصحن بهيئة مرهبة وأبهة حسنة و الطبل) يُضْرَبُ أمامه،ومضى على رسله وأمراؤه خلفه وإمتلأ الصحن بالعسكر، وإلى جنبه الأيمن السيد كاظم والأيسر الحاج مهدي، والخدمة بيدهم القرآن العظيم وأعلام الروضة حتى دخل الحرم، وقد أخلي له، فدار في الروضة بتمام الأدب، ثم خرج مما يلي حبيب بن مظاهر (رحمه الله) وأمّ (التكية) وصاحبها السيد محمد درويش. وكان معه من مشايخ الأعراب وادي الشفلح رئيس زبيد، والملا علي الخصي الظالم الظلوم الغشوم وغيرهم، ومن معتبري بغداد جماعة. فلما إستقرَّ به الجلوس أمر مناديه أن ينادي بالأمان في الأزقة والأسواق. ثم التفت إلى الحاج مهدي وأظهر الرضا منه. ثم سأل عن (الكليدار) فقيل: هَرَبَ، فعزله في الوقت ونصب الحاج مهدي كليداراً . ثم إستخرج ورقة فيها أسماء العصاة ممن سعى بهم إليه الناس بالفساد، فقيل: هربوا ، فأمر بالتفتيش عليهم. وقبض على السيد صالح الداماد وكبّله بالحديد وقبض على جماعة أخر ممن أتهم بالخروج على الدولة، ثم ركب إلى مخيمه وبات الليلة الأخرى ... ».
.1) بقي أهل المدينة يتناقلون موضوع تنصيب مهدي كمونة سادناً للحسين وإلى وقت قريب، أن مهدي كمونة كان متخاذلاً وضد رغبة أهل المدينة، وكان قد مدّ خيطاً بينه وبين الوالي منذ مدة وكان يرأس بني أسد وأتباعه جلهم من الإيرانيين القاطنين في كربلاء، وكان حلمه الوحيد هو الاستحواذ على السدانة، وهو بعيد عنها لأن السدانة لها الشرفية الكبرى في المدينة، وهو أصلاً لم يكن من أبناء المدينة القدماء ، وقيل بأنه قبل إلْيَة فرس الوالي فقال له بما أكافئك على موقفك، فأجابه: « أن أكون سادناً للحسين » !! ...
يذكر السيد عبدالرزاق الحسني في كتابه (تسخير كربلاء) ما نصّه: « ثم إستخرج (أي الوالي) ورقة في جيبه وفيها أسماء المسؤولين – بنظر الحكومة – وطلب البحث عنهم وتسليمهم، وقد قبض فعلاً على الرئيس السيد إبراهيم الزعفراني، فكبل بالأصفاد وأرسل إلى بغداد حيث أودع السجن فلبث فيه أياماً وتوفي بالتدرن الرئوي، كما قبض على السيد صالح الداماد وأبعد إلى كركوك ثم شفع فيه السيد علي النقيب فأخلي سبيله. كذلك طورد بعض السراة أضراب (أمثال) السيد عبدالوهاب الطعمة سادن الروضتين، وعلي كشمش وطعمة العيد، وبعض السادة من آل نصر الله والنقيب، ثم عيّن حاكماً على كربلاء (1)وأمر بإبقاء ستمئة جندي كحامية فيها، وعاد إلى المعسكر، ومن ثَمَّ فارق المدينة إلى النجف» (2).
1) لم تذكر المصادر التي كتبت عن الحادثة اسم الحاكم الذي عيّنه محمد نجيب باشا على كربلاء، كما أن الوثائق العثمانية لم تذكر ذلك، وما جاء به مؤلف مدينة الحسين في ص 46 من مستدركاته في ج 4 على أن الحاكم هو (صادق بك) وهذا غير صحيح لأن الأخير تم تعيينه سنة 1260ه- حسب الأرشيف العثماني لرئاسة الوزراء التركية (قلم مكتوبي الصدارة)، ويمكن أن تكون كربلاء وضعت بأمرة أحد قادته لضبط الأمن فيها.
2) تسخير كربلاء: عبدالرزاق الحسني، ص 39 .
وفي اليوم التالي فارق الوالي محمد نجيب باشا كربلاء متوجهاً إلى النجف الأشرف ويداه ملطختان بدماء الكربلائيين. بعد إستباحته للمدينة المقدسة بالقوّة وسَفك الدماء فيها وأسَرَ وَنَهَب تركها الوالي محمد نجيب وهي تلملم جراحها متوجهاً إلى النجف يرافقه قادة الجيش والأمراء وأكثر من ثلاثة آلاف من جنوده، مزهوّاً بما قا به وليُعلم أهل النجف والمدن والعشائر في الفرات بأن من يتصدى للحكم العثماني سيكون مصيره مشابهاً لما حلّ بكربلاء!! والنجف كانت قد شهدت مشاكل لم تسيطر عليها الحكومة.
وصل الخبر إلى أهالي النجف، وأقبلوا إلى دار الشيخ حسن كاشف الغطاء (1).
وكان عنده جمع من العلماء والوجهاء، وأخبروه أن الوالي بلغ نصف الطريق فقال ووافقه الجماعة: «إنّا نفتح الباب ونُخرِجُ الناس لإستقباله ونُظهر الطاعة والإنقياد، وأنا أدعوه بعسكره لينزل عندي، فإن أجاب فيا حبذا إذا دُفعَ البلاء بذلك عن أهل النجف، وإن إمتنع خرجنا إليه وإستعنا بالله تعالى عليه» (2)
تحقيق الدكتور جودت القزويني.
.وتفرق الجماعة وأصبح الصباح فجاء الخبر أن نجيب باشا قصد جامع الكوفة، ومنه يأتي إلى النجف، فأرسل إليه الشيخ كاشف الغطاء السيد جواد شبّر يدعوه إلى النزول عنده في النجف.
1) هو الشيخ حسن بن الشيخ الأكبر جعفر (كاشف الغطاء) بن خضر الجناجي النجفي، ولد في النجف سنة 1201ه-، وهو أصغر من أخويه الجليلين العلامة الشيخ موسى والعلامة الشيخ علي، وأكبر من أخيه العلامة الشيخ محمد. كان الشيخ حسن من أعاظم فقهاء الإمامية ومشاهير علماء الطائفة الأعلام في عصره، وموقفه مع الوالي نجيب باشا ودفع غائلته عن النجف بحسن تدبيره وصرفه عن محاربة باقي المدن ورجّح له العودة إلى بغداد من أشهر مؤلفاته كتاب (أنوار الفقاهة) بعدة مجلدات، وشرح مقدمات (كشف الغطاء) في أصول الفقه لوالده، وغيرها ... توفي رحمه الله ليلة الأربعاء 28 شوال (وقيل) ذي القعدة سنة 1262 ه- ودفن مع والده في مقبرته الخاصة بمحلة العمارة من محلات النجف.
2) العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية: الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء ص 311 - ص312.
وقبل أن يعطي الوالي إجابته على الدعوة، سأل من كان معه مثل الملّا علي الخصي والشيخ وادي الشفلّح شيخ عشائر زبيد وبعض أفندية بغداد عن الشيخ حسن كاشف الغطاء فعرّفوه به وبإخوته وأبيه وعظّموا أمره عنده، ونصحوا الوالي بقبول الدعوة والنزول عند الشيخ حسن فإنه أصلح مكان للضيافة، فوافق الوالي وسأل السيد جواد قائلاً: وهل يحصل في النجف من اليرمازية والمفسدين مثل ما كان في كربلاء؟، فأجابه السيد جواد: لا بل كلّ مفسد ولى هارباً من سطوتك.
وعاد السيد جواد وأخبر الشيخ حسن بموافقة الوالي النزول عنده، فأمر الشيخ بالخروج لإستقبالهم، فخرج الأهالي والعلماء ومعهم العلم الحيدري، والقرآن المجيد لإستقباله ، فوصل موكب الوالي وعندما رأى العلم الحيدري والمستقبلين من العلماء والأشراف حافون به ألقى الله في قلبه الرعب، فدخل المرقد الشريف للإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) زائراً وطاف حول القبر.
وبعد خروجه من الحرم وجد الشيخ حسن في إستقباله ومعه ما يقارب خمسمائة من السادات والعلماء والطلبة وقد ملأوا الصحن الشريف، فإستعظمه الوالي وأكبره ومشى معه والناس خلفهم إلى الدار.
وفي صباح اليوم التالي جلسوا في مدرسة كاشف الغطاء وإجتمع العلماء وأخذ الوالي يعتذر من وقعة كربلاء وقال إن أهالي كربلاء حملونا على العقوق فوقع ما وقع.
فقال الشيخ حسن رحمه الله للوالي : إن الله حتّم على نفسه الرحمة والعفو عن المذنب وأمر الأمراء بالعدل والإنصاف، والآن أسترحم منك أن تطلق من أسَرْتَهُ من أهل كربلاء، وتعطي الأمان للمنهزمين ليرجعوا إلى أهلهم.
كما صرفه عن مهاجمة مدن الفرات وقراه ... فوافق الوالي وأمر بذلك غير أنه :قال أربعة أو خمسة لا يدخلون كربلاء ولا يبقون في العراق منهم السيد صالح الداماد، والسيد إبراهيم الزعفراني.
أقام نجيب باشا عند الشيخ حسن وجيشه البالغ ثلاثة آلاف جندي ضيفاً ثلاثة أيام، إرتحل بعدها عائداً إلى بغداد (1).
«وقد أرخت واقعة نجيب باشا وهجومه على كربلاء بحساب الجمل بالكلمتين (غدیر دم) ويقابل ذلك السنة 1258ه- / (1843م) وصادف ذلك اليوم الثاني لعيد الأضحى في السنة المذكورة ».
ورد عن الواقعة ذُكر في عدة مصادر، وكان من أهم تلك المصادر هو دليل الخليج (القسم التاريخي) لمؤلفه ج . ج . لويمر، وقد صغناه بالإسلوب الذي نعتقد بأنه يوصل القارئ الكريم إلى سبب الحادثة ووقائعها.
ولكننا سوف نؤجل ما نتج عنها من أمور وأحداث بعد أن نثبّت ما قاله شاهد عيان وثّق الحادثة بإرجوزة تضم (260) بيتاً نظمها بالفارسية في محرم من عام 1259ه- / 1843م أي بعد شهر من حدوثها، وهو الميرزا زكي حسين الهندي، الذي إختفى يوم الواقعة في دار الأمير علي شاه بن فتح علي شاه القاجاري حيث قال (ما تم ترجمته) : « في يوم 17 ذي القعدة سنة 1842/1258م وصل إلى خارج كربلاء ستة آلاف جندي تركي يقودهم سعد الله باشا (2)مرسلين من قبل والي بغداد نجيب باشا وبعد أن خيّموا أرسل القائد رسلاً إلى البلدة لمقابلة العلماء والأشراف ورؤساء القبائل المقيمين في كربلاء أضراب السيد إبراهيم الزعفراني وطعمة العيد
1) راجع تفصيل وصول الوالي نجيب باشا إلى النجف في كتاب العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية للشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء من ص 311 إلى ص 315 . وقد تم النقل عنه بتصرف مختصرين ما ذكره عن زيارة نجيب باشا إلى النجف الأشرف، أما النصوص التي وردت عن الوالي والسيد جواد شبر والشيخ حسن كاشف الغطاء، فقد نقلناها من المصدر نصّاً. وكذلك كتاب (النجف الأشرف مدينة العلم والعمران) للأستاذ محمد كاظم الطريحي من ص 285 إلى ص28.
2) كان سعد الله باشا هو قائد القوة الأولى التي أرسلت بإتجاه كربلاء، فالمعروف بأن العمليات برمتها كانت بقيادته ويساعده مصطفى باشا وکرد محمد باشا.
رئيس بني سعد وعلي كشمش والسيد صالح الداماد، والنقيب (لم يذكر اسمه) (1)ورئيس أسرة آل نصر الله (لم يذكر اسمه) (2).
وكان يتزعم هؤلاء السيد عبدالوهاب آل طعمة حاكم كربلاء وكليتار (كليدار أو سادن) الحرمين الشريفين فأيد الرسل لهؤلاء النصح والكف عن العصيان فلم تؤثر فيهم بل أصروا على الطغيان فرجع الرسل خائبين.
فأرسل السيد عبد الوهاب آل طعمة السيد كاظم الرشتي وعلي شاه القاجاري لمواجهة قائد الحملة والوالي وأقنعاهما بسحب الجيش من كربلاء والكف عن إرسال الجند لإثارة الحرب فلم يؤثرا فيهما، وعندها أنذر نجيب باشا العلماء والأشراف والأهليين من العجزة والأطفال والنساء للخروج من المدينة.
وعلى إثر ذلك فتح الأهليون النار على الجنود يوم 20 ذي القعدة ففرّ القائد سعدالله باشا مع جنده هاربين. وعلى إثر هذا الخذلان، أمر نجيب باشا أن تستخدم المدافع والخمبارات (قنابل يدوية) ضد الأهليين فدخل الأهلون إلى داخل المدينة وأقفلوا أبواب السور وصاروا يرمون الجنود من أعالي السور بالحجارة والطلقات النارية فلما ضايقتهم المدافع والخمبارات إستنجدوا بالعشائر والمعدان من آل فتلة واليسار والكبيسات وغيرهم فأنجدتهم بثلاثة آلاف مقاتل غير أن هؤلاء ما كادوا ينزلون البلدة حتى شرعوا في نهب أهلها بدون رأفةٍ ولا شفقة.
عاد سعدالله باشا فجعل سور المدينة هدفه فصوّب المدافع والخمبارات نحوه فأحدث فيه عدة فتحات من جهة باب النجف وباب الخان حتى تمكن الجند من دخول البلدة وعندها أصدر نجيب باشا الأمر بقتل كافة الأهلين ونهب أموالهم فيما عدا ثلاثة أماكن جعلها مأمنًا للنساء والأطفال والمسنين الأبرياء وهذه الأماكن هي: حرم الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) المحاط بالجند، دار علي شاه القاجاري، ودار السيد كاظم الرشتي.
فدخل الجيش المدينة وتزاحم الناس على دار الرشتي بحيث إختنق ستون شخصاً من هؤلاء وإستمرت إستباحة البلدة ثلاثة أيام بلياليها قتل الكثير من السادة والأشراف والأبرياء من اللاجئين من راجات الهند والأفغان والباكستان وشاهزادات إيران بحيث بلغ القتلى ثمانية عشر ألفاً.
وعند ظهر اليوم الثالث دخل عدد من الجنود دار علي شاه القاجاري للإعتداء على النسوة فخرجت إحداهن حاسرة الرأس حافية القدمين ودخلت إلى صحن الحسين حتى دنت من نجيب باشا وهو على صهوة جواده ونادته قائلة: (أهكذا يعمل بأبناء الملوك ياباشا) فأصدر الوالي أمره بوقف المجزرة وعاد إلى بغداد تاركاً بعض الجنود في كربلاء وعيّن لها حاكماً تركيّاً وقاضيا ».
هذا ما ثبّته الميرزا زكي حسين وكان يميل إلى الأمير القاجاري وإعتبر المرأة الفارسية التي خاطبت الوالي هي التي أوقفت المجزرة (ويقال بأنها كانت أميرة قاجارية) وعلى الرغم مما قيل فإن هناك توحيدًا مقرباً لوصف الحادثة، وما يهم في شهادة (شاهد العيان هذا) هو تأكيدنا بأن الرؤساء الذين ذكرناهم وذكرهم الشاهد هم من أشراف ورؤساء مدينة كربلاء وليسوا من الشقاة والمفسدين كما ذكر البعض وللأسف.
كانت الخسائر كبيرة جداً في القتلى والجرحى والأموال والأطعمة من مخازن الكربلائيين، وقد إختلف المؤرخون في حجم هذه الخسائر لأسباب كثيرة منها سياسية أو عاطفية أو مذهبية.
فمنهم من قال أنّ القتلى كانوا يزيدون على الأربعة وعشرين ألف شخص، مابين رجل وإمرأة وطفل، ومنهم مات سحقاً بالأرجل لازدحامهم إثناء الهروب. وسلب الجيش من الأموال والأطعمة من مخازن الكربلائيين حسب دفاتر التجار سبعة عشر
ألف (طغار ) أي ما يساوي 34 طن من الحنطة والرز عدا غيرها من الحبوب، وقد جاء ذلك في مخطوط اسمه (الدر المنثور ) للسيد حسين السيد أحمد البراقي.
أما الشيخ حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى عام 1262ه-/ 1847م فقد ذكر عنه في (العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية) بأن عدد القتلى كان زيادة على عشرين ألف رجل وإمرأة وصبي، وحسب ما نقل إليه شهود عيان بأنه كان يوضع في القبر الأربعة والخمسة إلى العشرة ، ويهال عليهم التراب بلا غسل ولا كفن، وذكر أيضاً انّ البيوت قد حوت على الكثير من الجثث ووجدوا أمواتاً في السراديب.
بينما يذكر العلامة الشيخ أغا بزرك الطهراني أنّ عدد القتلى إثنا عشر ألفًا (1).
وفي كتاب (مقالة على الشيخية) ذُكر نصّاً : « وقتل فيها قريباً من تسعة آلاف شخص أغلبهم من الفرس ». ومنهم من أزاد وأقل، لأن الكثير مما كتب عن هذه الواقعة لم يكن يعتمد على إحصائيات مضبوطة. بينما ذكر في موسوعة العتبات المقدسة نصّاً : « وتقدّر الروايات المعتدلة أن عدد القتلى بلغ أربعة آلاف نسمة بين الأهالي وخمسمئة من الجيش المهاجم» (2).
كان لهذه الحادثة أصداء واسعة في داخل العراق وخارجه، وأعتبرت القضية في غاية الأهمية بمجال حقوق الإنسان، بل دعت إلى أن تكون دولية من خلال إهتمام الدول الكبيرة بها. ولعل هذه الدول لها مآرب في إهتماماتها بالواقعة، ولكن مواقفها كان له التاثير السياسي الكبير على مجريات الأمور وخاصة على مستوى الأطماع والتدخلات والخلافات مع الحكومة التركية. فقد بعث السفير الإنكليزي في الاستانة (إسطنبول) عاصمة الدولة التركية آنذاك مندوباً عن حكومته إلى كربلاء هو الكولونيل (فارنت)
ليتأكد من صحة عدد الضحايا. بينما طلب السفير الروسي في الاستانة إلى المندوب البريطاني (فارنت) أن يمثل الجانب الروسي في التحقيق. أمّا الحكومة التركية فقد أوفدت (نامق باشا) للقيام بمهمة تقصي الحقائق، محاوِلةً تهدئة الأمور.
وقد جاء في تقرير الكولونيل (فارنت) المؤرخ في 15 أيّار عام 1843م بأن عدد القتلى لم يزد عن خمسة آلاف نسمة، ثلاثة آلاف منهم قتلوا داخل المدينة وكان معظمهم من العرب. وإن آلافاً من الإيرانيين فرّوا من البلدة قبل أن تقتحمها قوّات الحكومة التركية، وكان من بين القتلى ثلاثة من الهنود وآخر يحمل الجنسية الروسية.
أمّا المندوب العثماني (نامق باشا) فقّر عدد القتلى في المدينة بحوالي (250) بينهم مئة وخمسون إيرانيّاً، وإدعى ان خسارة الجيش العثماني بلغت 400 قتيل و 200 جريح !!!
ومن الطبيعي أن يذكر نامق باشا ذلك لكي يدافع عن حكومته، ويُظهر بأن خسائرهم كانت أكثر من خسائر أهل المدينة والمقيمين فيها ... فهل يعقل ذلك؟...
بهذه الأعداد وتتم السيطرة على المدينة، وإذا كان ذلك صحيحاً لكانت القوة المهاجمة قد فشلت ولم تسيطر على المدينة، وإن كل ما قيل عن الحادث كان هواء في شبك!!
كان الشاه (محمد القاجاري) على عرش إيران عند حدوث الواقعة، وما أن وصلت أخبار كربلاء حتى ثار الرأي العام فيها ونادى العلماء وخطباء المنابر بالثأر للقتلى ولاستباحة المدينة ومقدساتها.
كان الشاه محمد وقتها مريضاً ، وكُتم عنه الأمر وبعد شفائه أحيط علماً بما جرى فغضب بشدّة وأقسم أن ينتقم من الحكومة العثمانية. وقد أصدر أوامره للجيش بالتهيؤ ، ومن المعلوم بأن العلاقات بين الدولتين الإيرانية والعثمانية كانت متوترة على الدوام. وتدّخل سفيرا روسيا وبريطانيا بمجهود كبير لتهدئة الوضع والحالة المتوترة
بين الدولتين، ومع ذلك قدمت الحكومة الإيرانية إلى الباب العالي (السلطان العثماني وكان وقتها السلطان عبد المجيد الثاني) ما يلي:
1- أن يعلن الباب العالي (السلطان العثماني) عدم رضاه، وعدم موافقته على حملة نجيب باشا على كربلاء، وأن الوالي لم يحصل على التصريح بذلك.
2- أن يعلن السلطان العثماني أسفه لإسالة الدماء في كربلاء.
3- أن يدفع السلطان العثماني تعويضا لمنكوبي الحادثة في كربلاء.
4- أن يعيد نجيب باشا ما تخرّب من العتبات المقدسة.
5-أن يحكم بالعدل ويحمي الفرس في المدينة والحجاج إليها.
6-أن يهدد نجيب باشا بالعزل إن هو أساء التصرف فيما بعد.
7-أن تعلن هذه المقررات لجميع السفراء (1).
وافقت الحكومة العثمانية على هذه الأمور ما عدا الأمر السادس المتعلق بتهديد نجيب باشا بالعزل، إذ إعتبرته تدخلاً في شؤون الدولة الداخلية.
ولنا رأي في هذه النقاط السبعة، وخاصة في الفقرة 5 منها، وكأن شاه إيران من كل ما حدث كان يهمه (الفرس ) الإيرانيين دون غيرهم والساكنين في كربلاء منهم والزائرين الإيرانيين الذين يفدون إليها.
وكان الأجدر به أيضاً أن يطلب محاسبة نجيب باشا من قبل السلطان العثماني على فعلته تلك، ومن ناحية أخرى كان على الشاه سحب ومحاسبة الأمير الإيراني علي القاجاري ورجال الدين الإيرانيين الذين كانوا أصلا متعاونين مع نجيب باشا ومنهم كاظم الرشتي مع العلم بأن السلطان العثماني وحكومته عندما قبلوا بالفقرات الستة الأخرى، كان ذلك إعترافاً صريحاً منها عن الخطأ في شن الحملة، لا أن يقال إذا أساء التصرف فيما بعد. وعلى كل حال فإن السياسة لها مداخلاتها، والمصالح تلعب دورها بشكل أو بآخر.
1) راجع كتاب (تاريخ العراق الحديث) الدكتور عبدالعزيز سلیمان نوار، ص337.
وللأسف الشديد بل ومن المؤلم حقاً أن يقوم شاعر مشهور في حينه وهو (عبدالغفار الأخرس) (1)بأن يُنظم قصيدة طويلة يفتخر ويمجد فيها ما قام به الوالي محمد نجيب باشا ، مشيداً بقسوته وبطشه !! ومن خلال ما جاء بالقصيدة بدا الأخرس متشفياً بما سال من الدم أنهاراً في كربلاء وكأنه ليس عربياً ولا عراقياً، وخاصة عندما يهنئ هذا السفاح بما قام به.
بل يفتخر به لأنه قتل الناس في عيد الأضحى!! وكانت قصيدته في الحقيقة وصفاً لعذاب أهل كربلاء، ويؤكد فيها ما ذكرناه عن الواقعة المأساة ... وللضرورة بمكان إرتأينا أن نذكرها وفي نفس الوقت نمتلئ أسىً وحزناً لما ورد فيها ... يقول:
لقد خفقت في النحر ألوية النصر*** وكان إنمحاق الشر في ذلك النحر
وفتحٌ عظيم بعلم الله أنه*** ليستصغر الأخطار من نوّب الدهر
علت كلمات الله وهي عليةٌ*** بحدِّ العوالي والمهندة البتر
تبلّج دين الله بعد تعنتٍ*** ولاحت أسارير العناية والبشر(2)
محا البغي صمصام الوزيركما محا*** دجى الليل في أضوائه مطلع الفجر
وكرَّ البلا في (كربلاء) وأصبحت*** مواقف للبلوى ووقفاً على الضُرّ
غداة أبادت مفسدي أهل كربلا*** وكرّت مواضيه بها أيما كرّ
فدانت و ما دانت لمن كان قبله*** من الوزراء السابقين إلى الفخر
وما أدركوا منها مراماً ولا منىً*** ولا ظفروا منها بلبٍ ولا قشر
وحذرهم من قبل ذلك بطشه*** وأمهلهم شهراً وزاد على الشهر
ولو يَصْبر الوزير عليهمو*** لقیل به عجز وما قيل عن صبر
1) هو عبدالغفار بن السيد عبدالواحد المعروف بالأخرس ، المولود في مدينة الموصل عام 1220ه- / 1805م، وقد سكن بغداد سنوات طويلة، وإرتحل إلى مدينة البصرة، وعندما بلغ السبعين من عمره توفي في البصرة عام 1290ه- ودفن في مقبرة الحسن البصري بالزبير .
2) وهنا يشير أن الإسلام قد تقطّب وكأن مدينة كربلاء وأهلها ونزلائها غير مسلمين.
وصال عليهم عند ذلك صولة*** ولا صولة الضرغام بالبيض والسمر
وسار بجيش والخميس عرمرم*** فاليل إذ يسري وكالسيل إذ يجري
من الترك لم تترك على الأرض مفسداً*** يعود بها نظم المفاسد في نثر
وقد أفسدوا شر الفساد بأرضهم*** إلى أن أتاهم منه بالفتكة البكر
رمتهم بشهب الموت منه مدافعٌ*** لها شررٌ في ظلمة الليل كالقصر
رأوا هول يوم الحشر في موقف الردى*** وهل تنكر الأهوال في موقف الحشر
فدمر هم تدمير عادٍ لبغيهم*** بصاعقة لم يبق للقوم من أثر
ألم ترهُم صرعى كأن دماءهم*** تسيلُ كما سالت معتقةُ الخمر
وكم فئة قد خامر البغي قلبها*** على أنها صيدت بإحبولة الحصر
فراحت بها الأجساد وهي طريحة*** تداسُ على ذنب جنَته لدى الوزر
فإن مراد الله جارٍ على الورى*** ولابد أن يُجرى ولابد أن يجري
تجول المنايا بينهم بجنودها*** بحيث مجال الحرب أضيق من شبر
تلاطم فيها الموج من دمِ*** تلاطم موج البحر في لجّة البحر
فلاذوا بقبر ابن النبي محمد*** فهل سرّ في تدمير هم صاحبُ القبر
فإن تركوا لا يترك السيف قتلهم*** وإن ظهروا باءوا بقاصمة الظهر
سیول دم القتلى غداة أبادهم*** تسيل بهاتيك الأزقة والجُدر
ولا برحت أيّامه الغرّ غرّة*** تضى ضياء الشمس في طلعة الظهر
ولازال في عيدٍ جديدٍ مؤرخاً*** ( فقد جاء يوم العيد بالفتح والنصر)
أي سنة 1258ه-.
وأنا أدوّن كلمات قصيدة الأخرس هذه، خطر على بالي ما جاء بزيارة الإمام الحسين الشهيد عليه السلام في إحدى فقراتها من زيارة وارث... ( لعن الله أمة
أسرجت وألجمت وتنقبت وتهيأت لقتالك يا أبا عبدالله ... » وكأني بهذا الشاعر قد فاق من أسرج وألجم وتنقب وتهيأ لقتال المسلمين في كربلاء. هذه المدينة العربية المسلمة العريقة التي تضم بين حناياها رفاة سيد شباب أهل الجنة سبط الرسول وريحانته الإمام الحسين، وأخيه قمر بني هاشم أبي الفضل العباس بن علي عليهما السلام، الذين ضحّوا مع أصحابهم وأهل بيتهم بأرواحهم على مذبح الحرية لتستمر جذوة الإسلام متقدة، وقد تناسى هذا الشاعر إستباحة حرميهما وتدنيسهما وإراقة الدم فيهما.
الأكثر عجباً ما أنشده أبو الثناء الآلوسي الذي كان قاضي العسكر في حينه، وهو علوي النسب، وبدلاً من أن يكون له موقف في حماية مرقد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ومرقد العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) واللائذين بهما نراه متشفياً بالأرواح التي زُهقت فيقول مادحاً محمد نجیب باشا:
أحسيْن دنّس طيب مرقدك الألى*** رفضوا الهدى وعلى الضلال ترددوا
حتى جرى قلم القضاء بطهرها*** يوماً فطهرها النجيب محمدُ
وأجابه فضيلة الشيخ عزيز الحاج شريف النجفي عندما قال:
إخسأ عدو الله إن نجيبكم*** رفض الهدى وعلى العمى يترددُ
ولئن به وبك البسيطةُ دنّست*** فأبشر يُطهرها المليك محمدُ
وللشاعر الأديب الحاج الملا محمد التبريزي (نظام العلماء)، ردّ آخر جاء فيه:
تباً لأشقى الأشقياء نجيبكم*** نصب الحسين وفي لظى يتجلدُ
لا تعجبوا مما أتى إذ قد*** أتى بصحيفة ملعونة يتقلّدُ
بعد هذا السرد التاريخي السريع الذي اعتقدنا بأنه من الأفضل المرور عليه، لوجود جانب من الأهمية التي توصلنا إلى دراسة واقع كربلاء، وخاصة منذ العهد الأموي إلى بداية القرن العشرين الميلادي. نرى بأن هذه الفترات كان لها التأثير الكبير
على مدن العراق وخاصة مدينة مثل كربلاء. حيث بدأ الجدال الطائفي والمذهبي وكذلك العنصري فيها. ويشير الدكتور علي الوردي في كتابه لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث، بأن طبيعة (البلوى) التي أبتليَ بها المجتمع العراقي من جرّاء الحروب التي نشبت بين العجم والروم (الأتراك) ، لم يقتصر أثرها على تخريب الحضارة، بل ساهمت في تخريب العقول.
فنجد بأن ما حصل من تناحر بين الإيرانيين والأتراك كان له التأثير الكبير سياسياً وإجتماعياً وإقتصادياً ومذهبياً على مدينة كربلاء. كما أن تخلف الوعي العام والصحي بشكل خاص، وحصول الكوارث نتيجة الأوبئة التي إنتشرت، كان لها التأثير البالغ على الحياة العامة للكربلائيين. مما أدّى في بعض الأحيان نتيجة التخلف هذا وسوء الإدارة من قبل الحكومة، والضغط المتزايد على الأهالي، إلى إستلام الكربلائيين إدارة مدينتهم بأنفسهم، ونتيجة لذلك فقد ظهرت أسر وعوائل حاولت الإستئثار بالحكم والسلطة فيها تارة بالقوة وأُخرى بالتحالفات. مما أوجد إنقسامات كثيرة داخل مدينة كربلاء رافقتها أحداث مؤسفة، ظلّت الأجيال تتناقلها فيما بعد، وأسست التفرقة والتباعد بين أبنائها. ولا يخفى على المتتبع إلى أن عوامل التأثير الديني، والإنقسامات
التي حصلت بين رجال الدين من نواحي فقهية زادت من التوترات في المدينة.
كما أن تزايد الأعاجم على السكن في كربلاء، وتأثير الحكومات الإيرانية المباشر على المدينة، وتدخلها في شؤون البلدة لإعتبارات سياسية تارة، ومذهبية تارة أُخرى جعل المشاكل تتفاقم في كثير من الأحيان. إضافة إلى ذلك التطورات السياسية والمذهبية التي حدثت في تخوم الجزيرة العربية وتفاقم خطر الوهابيين وغزوهم لمناطق عديدة ولمدن من العراق تقع على حافة البادية، وكان نصيب كربلاء منها كبير ومؤلم.
كما أن الخلافات التي نشأت بين العشائر داخل المدينة من جهة، والإختلاف الذي يقع بين العلويين أنفسهم من سكان المدينة القدماء من جهة أخرى، وبين فئات عشائرية تبغض العلويين، مما حدا بعشائر أخرى تساند العلويين وكذلك بين عشائر
تحيط بالمدينة كانت تتحين الفرص لإيذاء المدينة لمصالح مادية وسلطوية ... فنلاحظ بأن كربلاء عاشت أطوار من الزمن بصراعات داخلية وصراعات خارجية، ولكن في نهاية الأمر نلاحظ ذوبان هذا الإختلاف عندما يَذْهَم خطر خارجي على المدينة.
نقدم للقارئ الكريم وثيقة لا تقبل الشك حول تعاون السيد كاظم الرشتي مع الحكومة العثمانية ضد أهالي كربلاء في واقعة محمد نجيب باشا الدموية التي سالت من جرّائها أنهار من دماء أبناء كربلاء، وأمام هذه الوثيقة الدامغة يقف المرء محتاراً غير مصدّق بأن يقف شخص إحتضنته المدينة وأجلّته وإحترمته كرجل دين قِدم من إيران وتسبب بعدة نكبات وخلافات في المدينة المقدسة والوثيقة عبارة عن إفادة أدلى بها السيد كاظم الرشتي أمام لجنة تقصّي الحقائق الدولية أشاد فيها بالوالي محمد نجيب باشا مؤيداً له خطواته في إستباحة كربلاء، ومن ثَمَّ إعتبر سادات ورؤساء كربلاء وزعماءها الذين قادوا العصيان ضد الحكم العثماني بأنهم من الأشرار !!، وذكر وساطته وغيره من المتعاونين مع الحكومة بأنها فشلت، وأن السفير الإيراني في بغداد لم تصدر منه تعليمات لخروج العجم من المدينة رغم أنه وغيره قد غادروا المدينة إلى العسكر العثماني. كما أكّد في إفادته بالوثيقة الثناء والشكر لممثل الدولة العثمانية في التحقيق (نامق باشا) الذي بحث وإستقصى حسب ادعاء الرشتي، كما أكّد بأن قائد الحملة هو سعد الله باشا الذي أمر سرعسكره (رئيس العسكر) بإقتحام المدينة، كما دوّن لقاء نامق باشا بالسفير الإيراني الذي إلتقاه في كربلاء بعد الحادثة. والمهم في الأمر ومن خلال هذه الوثيقة يتأكد تعاون الرشتي مع الحكومة العثمانية ورجالها، ويبين موقفه المضاد من أهالي المدينة. وللقارئ نص وصورة الوثيقة بخط السيد كاظم الرشتي:
المعروض بعد أداء الدعاء الواجب المفروض لدى الساحة العلية العلياء والسدة بهيئته النوراء ظل الله على العباد والبلاد وسيفه القاطع لأعناق ذوي الإلحاد لا برحت
سلطنته مدى الأعوام وما زالت دولته خالدة خلود الأيام بمحمد وآله الكرام أما بعد فالذي ينهيه الداعي لدوام العتبة العليّة وقوام الشوكة السنيّة مما علم به ووضح عنده وصحَّ لديه وقعة قصبة كربلاء المشرّفة هو ان حضرة الوزير الأفخم والدستور المكرّم حضرة الحاج محمد نجيب باشا أدام الله تعالى اجلاله لما نزل صدر الهندية لسدّها لم يزل يظهر للمتشرفين بخدمته ارادة التصرف بالقصبة المشرّفة على وجه لا يكون فيه نزاع ولا قتال ولا هتك أعراض ونهب أموال ولم يبرح يلهج بذلك حتى تبيّن لأهل القصبة ذلك فخرج جماعة منها خوفاً من توجّه العسكر المنصور لكن الأغلب من العرب والعجم تأخّروا عن ذلك لعدم إخبار سفير الدولة الإيرانية وغيرهم إيّاهم ولعدم أمرهم بالخروج لأنه هو المراجع في إصلاح أمر العجم وحيث لم يأتِ منه خبر حصل لهم التراخي فتثاقلوا عن الحركة لكنهم في غاية التشويش والإضطراب فإستدعوا الداعي لدوام الدولة القاهرة أن أتشرّف بخدمة حضرة الوزير الأفخم أيده الله تعالى واستدعى في حضرته ما يصلح شأنهم ويقتضي سلامتهم فتشرّفت بخدمته واستدعيت ذلك في حضرته فأظهر ما أراده أدام الله اجلاله في التصرف في البلاد وإصلاح شأن العباد على وجه لا يكون فيه فساد فوجّه العسكر المنصور إلى القصبة بسدادية حضرة الأفخم سعدالله باشا وأصدر الأمر إلى أهالي القصبة وفوّض إلى سرعسكر أمر مراجعتهم فنزل بساحتهم وعاودهم مؤكداً وكرر الحجة عليهم حردداً بواسطة الداعي فلم يَفد ذلك الإنذار ولم يتمكن أهل الصلاح من العرب والعجم وساير الأمم في الخروج لممانعة الأشرار وعدم قابليتهم لدفع أولئك الفجّار إلى أن فُتحت عنوة ووقع ما وقع مما يقتضي دخول العسكر في بلدة إذا فُتحت بالغلبة فعند التمكن صاح المنادي بالأمان وحصل الإطمئنان وخلصت الرعية من طغيان أولئك الأشرار رافعين أكف الإبتهال إلى ذي الجلال يسئلون الله دوام تلك الحضرة السامية العلية في كل بكرة وعشية ما زالت محميّة برب البرية وتفصيل الأمر موكول ببيان الأفخم الأشيم حضرة نامق باشا دام مجده فإنه إستكشف فاستقصى وإستفسر فتحرّى ثم أنه قد إتفق حضور سفير دولة إيران في
القصبة المشرفة وأراد حضرة نامق باشا الإجتماع معه ليبيّن له مباينة فإستمع منه مع ما تحقق الداعي لديه بعد التفحّص التام الكامل وتحقيق الأمر له بحضور جماعة العلماء والسّادات فإمتنع ولم يحضر معه... عه... والدعاء.
الداعي لدوام الدولة العلية
کاظم ابن قاسم الحسيني الرشتي
هذه الوثيقة أخذ عنها صورة طبق الأصل الحاج (محمد أمين) كما مثّبت على يمين الوثيقة مع ختمه.
صورة الوثيقة بتوقيع السيد كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي (1)
1) الأرشيف العثماني، دائرة مكاتبات عموم الولايات الملف 37 ، حفظت الوثيقة برقم 38 سنة 1266ه- / (1850م).
من الواضح أن أحداث كربلاء التي جرت في واقعة نجيب باشا كانت لها أسباب أكبر أهمية من الأسباب التي نقلها المؤرخون عن الواقعة، وبإعتقادنا ان هناك أمور كانت أكبر من الأسباب التي ذكرت وليس هذا البحث مجال للخوض فيها عدا إنه من الواجب أن نورد تلميحاً صغيراً ألا وهو توتر العلاقات العثمانية الإيرانية وأسباب ذلك التوتر جاء نتيجة عدة عوامل منها سياسية ومذهبية وجغرافية وأطماع توسعية من كلا الدولتين على حساب شعب لا يقوى الوقوف بوجه دولتين قويتين في المنطقة تتصارعان لبسط نفوذهما على العراق ومنه كربلاء.
فكربلاء تعد قطعة هامة من العراق، وقد لعبت دوراً رئيسياً في العلاقات بين الدولتين العثمانية والإيرانية فيما بين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر الميلادي.
وبنظر الدولة العثمانية فإن مدينة كربلاء مقدسة عند الشيعة وتتقبل السيادة الشيعية عليها بسهولة، فإرتأت إبعاد إيران عنها وبالأخص من الناحية السياسية والعسكرية والدينية، وهذا الإجراء كانت له مسبباته، طالما انّ إيران كانت تستغل موضوع الزوّار الإيرانيين وكذلك رعاياها المقيمين في مدن العتبات المقدسة وبالأخص كربلاء بالإضافة إلى دفع إيران الكثير من علماء الدين إليها وتدخّل
الدولة الإيرانية المباشر في إيقاد الصراعات العقائدية كما لاحظنا ذلك عند الصراع بين الأصوليين والمدرسة الإخبارية، كذلك مع الشيخية والكشفية.
في نفس الوقت كانت الإدارة العثمانية الكلاسيكية تعمل جاهدة على تأمين إرتباط الأهالي في مدينة كربلاء بالدولة العثمانية حتى إذا تطّلب الأمر إستعمال القوة.
بالرغم من أن الدولة العثمانية تمكنت من بسط نفوذها في كربلاء لعدة قرون من خلال إعطاء الأهمية اللازمة للعلماء الشيعة وإظهار الحب والإحترام لآل البيت عليهم السلام والإهتمام بكل ما هو ديني، وقد لاحظنا ذلك من زيارات بعض سلاطين آل عثمان للمدينة وكذلك ولاتهم والأعمال القيّمة التي قاموا بها في تعمير المراقد المقدسة في المدينة والكثير من الإصلاحات والتعميرات التي تخص المدينة والأهالي، محاولة بذلك تطبيق المساوات فيما هو ديني سواء أكان للشيعة أو لأهل السنة لأنها تدرك جيداً أهمية ذلك كونها دولة تتمسك بالمعتقدات السنّية.
مقابل كل ذلك كان العامل المذهبي (الشيعي) هو الذي ضمن لإيران بسط نفوذها في المنطقة بإعتبار إنها تتمسك بالمعتقدات الشيعية !!
ولا يبتعد العامل الغربي المتمثل بإنكلترا وروسيا عن الموضوع برمتّه الذي إبتدأ بالنشاطات التجارية إلى أن وصل الأمر بالأوربيين أن يقوموا بالتدخلات السياسية والعسكرية في بعض الأحيان.
وعندما كان يحدث إضطراب في العلاقات بين إنكلترا وروسيا كان ذلك مدعاة لزيادة التوتر بين العثمانيين والإيرانيين. حتى أن أحداث واقعة نجيب باشا كانت لها تأثيرات واضحة في عقد مباحثات الهدنة والصلح التي بدأت بعد الواقعة بتدخل من روسيا وإنكلترا وفرنسا.
ولمعرفة أحوال كربلاء بعد واقعة نجيب باشا الذي نجح في إخماد ثورة أهالي كربلاء، فقد قام الوالي بتأسيس سلطة للدولة في كربلاء، وقام نجيب باشا بتعيين القائمقام والموظفين الآخرين اللازمين لها، وقام بنفي الأشخاص الذين كانوا يديرون القصبة،
وأعاد تأسيس الإدارة المدنية والأمنية من جديد، وسعى لتطبيق تلك الإجراءات في النجف الأشرف لكونها قصبة تابعة لكربلاء. ومن تلك الإجراءات يتضح أن كربلاء في البداية تشكلت على هيئة قائمقامية. كما تم تأسيس مجلس إدارة في كربلاء.
كما أن التعليمات التي وردت من السلطة العثمانية إلى القائمقام والموظفين الرسميين أن يلتفتوا بإنتباه إلى العلماء الشيعة بإعتبار ان معظم الأهالي الذين يعيشون في كربلاء هم من الشيعة، وعندما يتم إختيار أي موظف رسمي من القائمقام إلى بقية الموظفين أن يكونوا من الأشخاص الذين كانت لهم وظائف سابقة في مناطق قريبة من كربلاء ويعرفون المنطقة بشكل كامل، وذلك يتبيّن مدى الحذر والحساسية التي تصرفت على إثرها الحكومة العثمانية.
بعد واقعة نجيب باشا تقرر تأسيس مجلس إدارة في كربلاء سمّي ب- (مجلس كربلاء المعلّى) يرأسه القائمقام الذي سيتم تعيينه وكانت مهام المجلس هي العمل على التنظيمات الإدارية اللازمة في المنطقة والعمل على إستتباب الأمن بها والسعي لحل المشكلات ومخاطبة ولاية بغداد عند الضرورة، وكان هذا المجلس يضم بعض كبار الموظفين في كربلاء وبعض الوجهاء والأعيان في المدينة
ذكرنا موقف الحاج مهدي كمونة إثناء الواقعة ،وبعدها، فقد قرر الوالي نجيب باشا تعيينه سادناً للحضرة الحسينية. وهو الحاج مهدي بن محمد بن الشيخ عيسى كمونة من آل مراد الأسديين، وكان الشيخ عيسى أول من هاجر إلى كربلاء من الكوفة، فقد إستمر الحاج مهدي بتوليته للسدانة من نهاية سنة 1258ه- / 1842م لحين وفاته سنة 1272ه- / 1855م ، وتولاها بعده شقيقه الميرزا محمد حسن.
بعد واقعة نجيب باشا قررت الحكومة العثمانية بناء سراي جديد (قشلة) ليكون داراً للحكومة المحلية في كربلاء ومحلاً لإستقرار العسكر، وذلك على السور المؤدي إلى النجف (قرب باب النجف). كما تقرر بناء دار للحاكم بجنب القشلة (السراي).
والبناء الجديد أقيم على الجانب الذي تم تهديمه من السور إثناء إجتياح جيش نجيب باشا ودخول الجنود إلى المدينة بعد أن تم رمي السور بالمدافع وتم قلع أشجار النخيل القريبة من السور.
وعندما إكتمل البناء نقل حاكم المدينة مقرّه إلى البناية الجديدة التي كانت عبارة عن ثلاثة أقسام. قسم لدائرة الحاكم والموظفين الإداريين، وهذا القسم كان يواجه أزقة ودروب المدينة في محلة باب النجف. وبجنبه دار الحاكم ومقر إستراحته، والقسم الثالث الخلفي هو بمثابة مقر أو قشلة تضم العسكر وهذا القسم يواجه خارج المدينة ويشرف على الجانب الجنوبي الشرقي منها وأحد أطرافه ملاصق لباب النجف.
كان لهذه البناية بابان كبيران الأول يطل على داخل المدينة وبمواجهة سوق علاوي باب النجف والثاني يطل على خارج السور بالقرب من إحدى بوابات السور وهي ( باب النجف). بقي هذا البناء قائماً لسنوات طويلة لحين إنتقال حاكم المدينة (المتصرف) إلى السراي الجديد الذي تم تشييده في زمن مدحت باشا بعد أن أسس محلة العباسية على طراز حديث خارج سور المدينة.
وعندما تم نقل دار الحكومة إلى السراي الجديد، خصصت بناية السراي القديم إلى بلدية كربلاء وأصبحت تشغلها إلى بداية ستينيات القرن العشرين، وتم خلال الفترة التي شغلت البلدية البناية إلغاء قشلة العسكر وأصبحت حديقة تسمّى ب- (الميدان) حيث كانت تقام فيها الإحتفالات في مختلف المناسبات، ومن ثُمَّ تم نصب خزان جديد للماء في حديقة الميدان الذي بقي قائماً إلى أن تم إزالته بعد أن إنتقلت بلدية كربلاء إلى بنايتها الجديدة في شارع العباس.
موقع السراي (القشلة) على سور محلة باب النجف
عندما إحتل السلطان العثماني (سليمان القانوني) بغداد سنة 941ه- / 1534م قُسّم العراق إلى خمس ولايات هي: بغداد والبصرة وشهرزور والموصل والإحساء، وكانت بغداد هي المركز. والولاة يعينون من قبل الباب العالي، أما حكّام السناجق التابعة للولايات فيتم تعيينهم من قبل الوالي بمصادقة إسطنبول.
ولمّا عاد السلطان سليمان القانوني إلى عاصمته عيّن (جلال زادة) الذي كان معه في حملته على العراق والياً على بغداد.
وقسّم جلال زادة التقسيمات الإدارية لبغداد إلى خمس عشرة منطقة، كانت من بينها (كربلاء) باسم (مشهد حضرة الإمام الحسين)، وكذلك النجف باسم (مشهد عليّ) أو الآستانة المقدسة العلوية، ولكن المدينتين لم تأخذا شكل (سنجق)(1)وإنما كانتا تتبعان لبغداد مباشرة لأهميتهما ووجود الأضرحة والمزارات فيهما. وعلى ذلك أيضاً كانت كربلاء والديوانية والحلة ولفترات طويلة تتبع لبغداد لقرب هذه المدن من بغداد.
إستمرت كربلاء على وضعها لحين إصدار الدولة العثمانية اللوائح التنظيمية لإدارة الولايات والسناجق (الألوية) التابعة لها، وكانت كربلاء تدار من قِبل حاكم يعيّن لها من الوالي وفي الفترات التي تنقطع علاقتها بالولاية يتم حكمها من الإمارات التي تخضع كربلاء لحكمها، أو من قِبل أهاليها حيث يتم تكليف شخص يدير شؤونها.
كانت مهمة محمد نجيب باشا عندما أسندت إليه ولاية بغداد خلفاً لواليها (علي رضا باشا اللاز) الذي قضى على المماليك في العراق، هي تطبيق المركزية والإصلاحات الإدارية وإستتباب الأمن التي تنادي بها الدولة العثمانية، فقد بدأ حين إستلامه الولاية بتطبيق إصلاحات التنظيمات والسياسة المركزية في العراق، وكان همُّ الوالي نجيب باشا إستتباب الأمن وإزالة الضعف الإداري الذي كان في زمن المماليك والذي لم يتمكن الوالي الذي كان قبله من معالجة الأمور، رغم ذلك فقد واجه (نجيب باشا) صعوبات أخّرت الإصلاحات والمركزية ومن الصعوبات هي:
1- ردود فعل الأهالي من الإصلاحات.
2- المشاكل الأمنية ومنها ثورات المدن والعشائر.
3-سعي إيران لتحقيق آمالها في المنطقة مستفيدة من الوضع العام في ولاية بغداد (2).
1) السنجق يتكون من عدّة أقضية ، وسمّي فيما بعد ب- (لواء) . واللواء يتكون من أقضية.
2) جاء في كتاب (كربلاء في الأرشيف العثماني) ص 281 ما نصه: (( إن المساعي التي بذلت في ولاية بغداد وكربلاء خاصة في الفترة من عام 1843 - 1849م كانت تهدف للتوصل إلى نتيجة بخصوص مشكلة الحدود، ووضع الشيعة الذي كان موضوعاً للنزاع مع إيران، ولإستتباب الأمن، أكثر من البحث عن عمل تنظيمات جديدة )).
وبعد حملته على كربلاء، تمكن نجيب باشا من تأسيس سلطة للدولة في كربلاء، حيث قام بتعيين القائمقام (1)والموظفين الآخرين، بعد أن نفى الذين كانوا يديرون القصبة كما سعى لتطبيق تلك الإجراءات في النجف الأشرف لكونها قصبة تابعة لكربلاء (2). فبدأت الحكومة بإختيار القائمقام الذي سيتولى سلطته في كربلاء على أسس معيّنة ومدروسة منها ان الذين يعيشون في كربلاء هم من الشيعة، وأن علماء الشيعة يتواجدون معهم، وللدور الذي لعبه علماء الدين الذي لفت إنتباه الإداريين، فلا بد من تعيين قائمقامين يتمكنون من التعايش بشكل جيد مع الشيعة، فتصرفت بحذر وحساسية نسبية في هذا الموضوع، لذا كانت تختار القائمقامين لكربلاء من الأشخاص الذين كانت لهم وظائف سابقة في مناطق قريبة من كربلاء، ويعرفون المنطقة بشكل عام (3).
من الذين زاروا مدينة كربلاء وأشادوا بعمرانها المستشرق والرحّالة الروسي (إيليا نيكولا بيرزين) وذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي،
1) لم يذكر أي مصدر كتب عن حادثة نجيب باشا عن اسم القائمقام الذي عيّنه الوالي قبل مغادرته كربلاء متوجهاً إلى النجف، ولا حتى في السجلات الرسمية لولاية بغداد، أو سالنامات الدولة العثمانية، ونعتقد أنه كلّف أحد قادته الذين شاركوه بالحملة ليقوم بمهام القائمقام لحين استتباب الأمن في المدينة والسيطرة عليها بشكل كامل من جميع النواحي، عند ذلك يتم رسمياً تعيين قائمقام للمدينة وهذا ما حصل بعد سنة وثلاثة أشهر تقريباً من الحادثة حيث ذكرت الوثائق الرسمية اسم القائمقام وهو (محمد صادق بك) وفي الوثائق (صادق بك) في 27 ربيع الأول 1260ه- / 1844م.
2) الأرشيف العثماني برئاسة الوزراء التركية دائرة معروضات اللجان 33/4 في 11 صفر 1301ه-.
3) كربلاء في الأرشيف العثماني، ص289.
وتحديداً في سنة 1259ه- / 1843م. وكان بيرزين قد دخل العراق من البصرة التي وصلها في شهر تموز من عام 1843م.
تكتسب زيارة (بيرزين) إلى كربلاء أهمية كبرى لكون زيارته هذه جاءت إثر (حملة نجيب باشا) الدامية التي حدثت في بداية سنة 1843م، نهاية سنة 1258ه-.
تلك الواقعة التي نتجت عن إنتفاضة المدينة المقدسة ضد السلطات التركية.
وقد أورد (بيرزين) في دراسة له عنوانها (كربلاء) نشرها في مجلة (دراسات الأرض والرحلات) في موسكو سنة 1858م / 1275ه- حول أبنية كربلاء، عدة ملاحظات عيانية قائلاً :
«توازي مدينة كربلاء بسعتها مدننا التي هي مراكز أقضية، أمّا عدد السكان فهو أكثر بكثير مما عندنا، وذلك لأن الشوارع في البلدان الشرقية أضيَق بكثير من أزقتنا، والبيوت تبنى غالباً متلاصقة الواحدة بالأخرى، ولا وجود للساحات والميادين في المدينة، ويحيط بها سور من الطابوق المجفف بأشعة الشمس، ويتألف من صفين، الصف العلوي يكون بمثابة مدارج ومشارف، وأمّا الصف السفلي فيتكون من أقسام خالية ومكشوفة يفصل بعضها عن البعض بالحواجز، وتكون هذه الفروع مأوى للفقراء الذين لا سكن لهم كما هي الحال في بغداد تماماً » (1).
وبمناسبة حديثه عن السور في النَص الذي أورده بيرزين ... نقول:
إن الطريقة التي بني فيها سور كربلاء بعد غزوة الوهابيين التي حدثت في 18 ذي الحجة سنة 1216ه- / 1801م، كانت على شكل سور يحيط بالمدينة بتصميم يختلف عن سابقه الذي كان من صف واحد ذو سمك يزيد على المتر الواحد وفيه أبراج، ومن السور تنفتح خمسة أبواب في محيطه تؤدي إلى خارج المدينة.
1) مجلة دراسات الأرض والرحلات: إيليا نيكولا ،بيرزين، موسكو - 1858 .
أما التصميم الجديد بعد الغزوة الوهابية فقد تم بناء السور بشكل محكم وبصفين.
الصف الأمامي يرتفع بمقدار تسعة أمتار، وبعرض يقارب الأربعة أقدام، وتم فتح ستة أبواب في محيطه بدلاً من خمسة.
أما الصف الثاني من السور فكان أوطئ من السور الأمامي، وبينهما مسافة تزيد عن ثلاثة أمتار. وتكون البيوت ملاصقة للسور الواطئ الذي لا يزيد إرتفاعه عن سبعة أمتار. وبين السورين كان الفضاء يستغل مأوى لمن لا سكن له، وفيه شيدت السلالم للسور الأمامي. والفضاء كان يستغل لأغراض الدفاع، ومستودع للمؤونة والسلاح.
بعد سنة واحدة من واقعة نجيب باشا على كربلاء توفي السيد كاظم الرشتي في 9 ذي الحجة سنة 1259ه- / 1844م (1). كانت وفاته بكربلاء ودُفن في الروضة الحسينية. ويقول أتباعه بأن السيد كاظم ذهب إلى سامراء لزيارة الإمامين العسكريين علي الهادي والحسن العسكري عليهما السلام، ومن سامراء رجع إلى الكاظمية لزيارة الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد عليهما السلام، وهو في بلدة الكاظمية إستدعاه والي بغداد نجيب باشا إليه فذهب السيد كاظم لزيارة الوالي الذي عظّمه وأكرمه، ويقولون أنه سُقي السُّم في القهوة بأمر من الوالي، وعند عودته إلى الكاظمية تقيأ كبده وغشي عليه ، فحُمِل على عجل إلى كربلاء وبعد يومين من وصوله إليها توفي رحمه الله.
وفي رواية أخرى وردت في كتاب مطالع الأنوار والمسمّى ب- (تاريخ نبيل) عن مؤلفه محمد زرندي حيث قال: كان السيد في كل سنة في شهر ذي القعدة يسافر من كربلاء إلى الكاظمين ... وصل في رابع يوم من الشهر إلى مسجد (براثه) الكائن
1) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 7 ص 69 . والصحيح الموافق ليوم السبت 30 كانون أول 1843م وليس 1844 .
في الطريق العام ما بين بغداد والكاظمين وقت صلاة الظهر فأمر المؤذن أن يؤذن بالصلاة، ووقف تحت نخلة مواجهة للمسجد وما كاد يتم الصلاة حتى ظهر بغتة أعرابي وإذ إقترب من السيد عانقه قائلاً (منذ ثلاثة أيام كنت أرعى غنمي في المرعى المجاور إذ أخذتني سِنة من النوم، فرأيت محمداً رسول الله يقول لي هذه الكلمات «إسمع أيها الراعي كلماتي وإحفظها في قلبك لأنها وديعة الله أؤديها إليك لتحفظها، وإذا وفيت بالأمانة يكون أمرك عظيماً، وإذا أهملتها يحل بك عذاب شديد، وإسمع فهذه الوديعة التي أعطيها لك امكث قريباً من مسجد براثة وفي اليوم الثالث من هذه الرؤيا سيحضر أحد ذريتي وهو السيد كاظم مصحوباً بأصحابه، ويقفون ساعة الظهر تحت النخلة بقرب الجامع، وبمجرد أن تراه اهدي له تحياتي، وقل له عني إفرح لأن ساعة فراقك قد جاءت فبعد الفراغ من زيارتك في كاظمين ور ورجوعك إلى كربلاء فهناك بعد ثلاثة أيام أي في يوم عرفة تطير إليّ ولا يمضي زمن كبير حتى يظهر من هو الحق ويضيء الأرض بأنوار وجهه » فبدت على وجه السيد كاظم إبتسامة بعد أن وصف الراعي الرؤيا وقال ( لا شك عندي في رؤياك) فحزن أتباعه لذلك حزناً عميقاً ، ولكنه إلتفت إليهم قائلاً : أليست محبتكم لي لأجل من نحن ننتظره جميعاً، أفلا تحبون أن أذهب حتى يظهر لكم الموعود ... وكانت هذه العبارة متداولة وقد سمعتها من نحو عشرة أشخاص ممن كانوا حاضرين وقتها. ومع ذلك فكثير ممن شاهدوها بأعينهم رفضوا الإعتراف بالحق وأنكروا رسالته.
وإنتشرت ذكرى هذه الحادثة الغريبة في أقاصي البلاد، وأوجبت الحزن والأسى في قلوب محبي السيد كاظم، فكان يهدئ روع قلوبهم المضطربة ويثبتهم في إيمانهم ويشعل فيهم نار الحمية والحماس. وأكمل حجّه (زيارته للكاظمين) بكل كمال ووقار وعاد إلى كربلاء، وعند وصوله وقع مريضاً طريح الفراش، وأشاع أعداؤه لمجرد التضليل أن حاكم بغداد أعطاه سمّاً، لأن الحاكم بنفسه كان كثير الإعتقاد في السيد ويضع فيه ثقته ويعتبره أكبر رئيس ديني أكبر رئيس ديني مثقف، وذا إطلاع تام وخلق مجيد.
وفي يوم عرفه سنة 1259 هجرية في سن الستين (1)من عمره ودّع السيد كاظم هذا العالم طبقاً لرؤيا ذلك الراعي البسيط وترك وراءه جماعة من الأصحاب المخلصين زهدوا في الدنيا وما فيها، وإنتشروا في البلاد يبحثون عن القائم الموعود، ودُفنت بقاياه المقدسة في مقام الإمام الحسين، وأحدثت وفاته ضجة كبيرة في كربلاء كالتي قامت في السنة السالفة في مساء يوم عرفة إذ جاءت عساكر الترك منصورة وإقتحمت أبواب القلعة وقتلوا عدداً غفيراً من الأهالي، وكان منزله إذ ذاك أي قبل وفاته بسنة واحدة ملجأ للاجئين إليه وأصبح منزله منزل الأحزان والأسى لأصحابه الذين كانوا يندبون وفاته وينوحون لفراقه (2).
هذه الرواية نقلها محمد زرندي في كتابه مطالع الأنوار وهو كتاب يبحث عن تاريخ البابية والبهائية لأنه كان واحداً منهم، ونعتقد بأن هذه الرواية هي من مستلزمات الدعاية للبابية حول القائم الموعود.
والمرويات القديمة عن أهل المدينة ومن المناوئين للسيد كاظم فقد أشاعوا بأن وفاته بعد سنة من واقعة نجيب باشا وهو في قمة رجولته حيث لم يبلغ الستين من العمر، كانت ( حوبة ) (3)
فلا تَدْخُلَنَّ الدَهْرَ قَبْرَكَ حَوْبَةٌ*** يقومُ بِها يَوْمَا عَلَيْكَ حَسِيبُ
القتلى الذين سقطوا شهداء في كربلاء قبل سنة من وفاته لتعاونه مع الحكومة والوالي محمد نجيب ضد أهالي المدينة!!1) ذكرنا سابقاً عند ترجمته بأن ولادته حسب المصادر كانت سنة 1204ه-، وعند وفاته كان عمره 56 سنة وليس في الستين كما ذُكر في النص أعلاه.
2) مطالع الأنوار (تاريخ نبيل) / محمد زرندي، ص 33 - ص 36 .
3) جاء في معجم المعاني الجامع حَوْبَة، جمعها حَوْبات وحَوَبات، والحُوبَةُ مَن يأثمُ الإِنسان في عقوقه. وجاء في تاج العروس للزبيدي إنَّ الحُوبةُ تعني (الإثْمُ) والحُوبُ : الهلاك. ومفهوم الحوبة عند العامة تعني (لعنة الحق الضائع) أو (العاقبة الأخلاقية)، أي أنه إذا ظلم شخص شخصاً آخر ولم ينصفه، فإذا أصيب بقدر معيّن أو إنتكاسة يقال عنه (حوبة فلان)، ومفهومها قديماً يعني الإثْم. والسبيل الوحيد للتخلص من الحوبة يكون عن طريق التوبة والإستغفار، وقد جاء في أقوال الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ): « حُسْنُ التَّوْبَةِ يَمْحُو الحَوْبَةِ » . ويقول الشاعر المُخبَّل السعدي وهو من المخضرمين في الجاهلية والإسلام:
وقد دُفن في الروضة الحسينية عند مدخل رقم 6 المقابل لباب الشهداء وقبره في الصحن الشريف ملاصقاً لجدار الحرم. وبعد واقعة حمزة بك قام فخري كمونة بأعمال شنيعة في كربلاء سيتم ذكرها في هذا الجزء من الكتاب ومنها قيامه بنبش قبر السيد كاظم الرشتي !!
وجاء في مقالة عن الشيخية للمستشرق نيقولاس ج 2 ص 31 ما يلي:
«وهناك (أي بوفاة السيد كاظم) ينتهي تاريخ الشيخية أو على الأقل تاريخ وحدتها، وإنقسمت بعد وفاة الشيخ إلى شعبتين أحدهما تحت اسم البابية، وإنتشرت بقوة كبيرة كالقوة التي أوجدها الشيخ أحمد، ومنها ظهر الظهوران اللذان تنبأ عنهما، وأمّا الطائفة الأخرى صارت تحت رئاسة كريم خان القاجاري الكرماني الذي إستمر في منازعته مع الشيعة وهو دائماً يتستر تحت ستار الشيعي الإثني عشري الكامل. أمّا الباب في نظر كريم خان فهو ضال هو وأتباعه. وأما كريم خان فهو في نظر البابيين الدجّال الذي تنبأ عنه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ )) .
أعقب السيد كاظم الرشتي ولده العلامة السيد أحمد وفي الرشتي الذي قام مقام والده في رئاسة الكشفية، وقُتل سنة 1295ه- في كربلاء عند باب السدرة من الصحن الحسيني.
لازال أعقاب السيد كاظم في كربلاء ويلقبون بآل الرشدي وهم ذرية السيد قاسم الرشدي بن السيد أحمد وفي بن السيد كاظم الرشتي. والسادة آل الرشدي لهم مكانتهم الطيبة في المدينة وإلى وقت قريب كان ديوانهم مشهور في كربلاء (1).
1) أعقب السيد قاسم الرشدي رحمه الله ثلاثة أولاد هم: السادة محمد مهدي وأحمد وفيضي، والعقب من السيد محمد مهدي في ثلاثة أولاد هم السادة محمد صالح وحيدر وطالب ، والعقب من السيد أحمد في ولده السيد علي، أمّا العقب من المرحوم السيد فيضي فكان في ولديه السيد حسام والسيد حسين ولجميع هؤلاء أحفاد وأولاد...
صورة وردت في مطالع الأنوار يشير أحد مريدهم إلى قبر السيد كاظم الرشتي بعصاه ويقف بقربه
مجموعة من خدم الروضة الحسينية
كان السيد إبراهيم القزويني (صاحب الضوابط) من كبار علماء كربلاء، وفي سنة 1260ه- / 1844م أفتى بعدم السماح لطائفة البهرة والأغاخانية من دخول كربلاء، ووصفهم بالنجاسة بحجة عدم إغتسالهم الجنابة وغيرها من الأمور.
كان البهرة يفدون لزيارة الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وهم ممنوعون من دخول المدينة، فينزلون في منطقة الجعفريات قرب مقام الإمام جعفر الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فكانوا يقفون خارج سورها عند نهر الحسينية ويقرأون الزيارة وهم واقفون على قنطرة (أم حديبة) الواقعة على طريق مدخل باب بغداد.
وبعد وفاة السيد إبراهيم القزويني سنة 1263ه- / 1847م سُمح لهم بالدخول إلى المدينة وزيارة العتبات فيها.
بعد سنة وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوماً مرت على حادثة نجيب باشا، أصدر والي بغداد محمد نجيب باشا أمراً بتعيين (محمد صادق بك) حاكماً لكربلاء بدرجة (قائمقام) في 27 ربيع الأول سنة 1260ه- / 1844م(1)، وهو من أهالي الحلّة، وإستمر في منصبه سنة وعشرة أشهر تقريباً. وبتعيين محمد صادق بدرجة قائمقام على كربلاء، فهو دليل على أن المستوى الإداري لكربلاء هو (قضاء) تابع لبغداد، ولم يتحوّل إلى (لواء) سنجق.
في سابقة لم تحدث من قبل، فقد تسلقت إلى الواجهة العلمائية في كربلاء إمرأة إيرانية تدعى (قُرّة العين)، أخذت ترتقي المنبر ويلتف حولها من آمن بأفكارها الجديدة وبدأ تأثيرها عليهم كبيراً فأصبحوا من أتباعها، يحضرون مجالسها التي كانت على الدوام محل نقاش وشبهة وخلاف لدى بقية علماء الدين في كربلاء.
أحدث وجودها في كربلاء إضطراب الأحوال العامة، وإحتدم بين المهتمين بالصراعات العقائدية والفقهية حينها، حيث ظهرت حركات جديدة على الساحة منها القرّتية ومنها تفرعت الكوهرية والركنية وتوسعت إلى الدعوة للبابية.
وجرت بسبب وجودها مشاكل إضطرّتها في النهاية إلى مغادرتها المدينة إلى بغداد، وبقائها في بيت العلامة أبي الثناء الآلوسي إلى أن تم ترحليها من قبل السلطات في بغداد إلى إيران، وفيها قامت بالدعوة للباب جهاراً، وفي النهاية تم قتلها بصورة بشعة والتخلص منها.
1) الأرشيف العثماني برئاسة الوزراء، قلم مكتوبي الصدارة 11/25 لسنة 1260 ه-. وكربلاء في الأرشيف العثماني، ص 381. وقد أخطأ محمد حسن الكليدار في تاريخ توليه المنصب كما جاء في مستدركات ج 4 ص 46 من كتابه مدينة الحسين. لأنه ليس الحاكم الذي تم تنصيبه بعد حادثة نجيب باشا مباشرة.
وُلِدت قرّة العين في مدينة قزوين بإيران سنة 1229ه- / 1814م في أسرة دينية معروفة هناك وهم آل البرغاني. كان أبوها الملّا محمد صالح البرغاني(1)من المجتهدين، وعمّها الملا محمد تقي البرغاني (الشهيد الثالث) (2)كبير علماء قزوين وقتذاك.
سُمّيت ب- (زرین تاج) ومعناه بالفارسية (التاج الذهبي) كونها ذات شعر أشقر، وقيل ان اسمها الحقيقي هند وكنيتها (أم سلمة) ... تميزت بجمالها المبهر وذكائها المفرط، وكانت تحضر درس أبيها وعمها على الطلبة من وراء ستار.
برز نبوغها عندما أخذت تشارك في المجادلات الكلامية والفقهية بين رجال أسرتها، وكان أبوها يقول عنها « لو كانت ولداً لكانت أضاءت بيتي وخلفتني ».
1) الملا محمد صالح البرغاني القزويني المولود في قزوين سنة 1200ه- / 1786م هاجر إلى كربلاء ليتلقى العلوم الدينية حيث كانت من مراكز العلم، وبعد أن أنهى تحصيله العلمي عاد إلى قزوين وأصبح من العلماء المجتهدين، وبعد مقتل ابنته قرة العين بعدة سنوات وتحديداً سنة 1269ه- / 1853م هاجر إلى كربلاء وقد إشترى داراً في عكّد معاوية (زقاق ماوّية) كما يسمى قديماً القريب من صحن الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، وأخذ يُدرّس في مدرسة (حسن خان)، وتوفي سنة 1272 ه- / نهاية سنة 1855م ودفن في الرواق الغربي في الحائر الحسيني، بقي آل البرغاني في كربلاء ويسمون اليوم ببيت العطار، ومنهم الشاعر توفيق حسن العطار، وأخوه محمد حسين الذي كان موظفاً في بلدية كربلاء وغيرهم.
2) الملا محمد تقي البرغاني المعروف بالشهيد الثالث طوراً وبالرابع تارة كما ورد في شهداء الفضيلة كان أكبر مجتهد في زمانه بقزوين، وهو الذي أفتى بكفر الشيخيين وتصدى للحركة البابية وأفتى بكفرهم فقاموا بقتله وهو يصلي في المسجد فجراً. وبمقتله فقد قام الأهالي في قزوين بمتابعة الكشفيين والبابيين، وقد إتهم بالتحريض على قتله كل من إبنة أخيه قرة العين والشيخ صالح الكريماوي والملا إبراهيم المحلاتي، حيث قامت السلطات بسجن قرة العين، أمّا صالح الكريماوي فقد سيق إلى طهران وأعدم في الميدان وسط المدينة، أما الملا إبراهيم المحلاتي وآخرين فقد هجم عليهم الناس فقطعوا أجسامهم إرباً إربا، وبمقتل الملا محمد تقي البرغاني فقد أطلق عليه لقب الشهيد الثالث، أما لقب الشهيد الأول فقد أطلق على الشيخ الامام محمد بن الشيخ جمال الدين مكي بن محمد بن حامد بن أحمد العاملي النبطي الجزيني المستشهد سنة 786ه- / 1384م. أما لقب الشهيد الثاني فقد أطلق على الشيخ الامام زين الدين بن الشيخ الامام نور الدين علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين بن تقي الدين بن صالح بن شرف الجبعي العاملي الشامي المعروف بابن الحجة المستشهد سنة 965ه- / 1558م.
كان أهل قزوين حينها منقسمين بين الشيخية (بشت سري) وخصومهم من الأصوليين (بالا سري) (1)، وهذا الإنقسام وُجد في أسرتها بحيث كان عمها الملّا محمد تقي من خصوم الشيخيين بينها عمها الآخر (الملا علي) كان من الشيخيين.
تزوجت من ابن عمها الملّا محمد بن الملا محمد تقي وهي في الرابعة عشر من عمرها (2)
وبعد الزواج قرر زوجها السفر إلى كربلاء لطلب العلم، فسافرت معه ونزلا ببيت في محلة المخيم قرب (الخيمكَة ) (3). ومكثا في كربلاء ثلاث عشرة سنة رزقا فيها ولدين هما إبراهيم وإسماعيل (وقيل الثاني اسمه صالح)، ولم تَخلُ حياتهما في كربلاء من الخصام والنفرة، فكانت تميل إلى أفكار السيد كاظم الرشتي، بينما زوجها يميل إلى التيار الأصولي المعارض لأفكار الرشتي وعقائده. وفي سنة 1257ه-/ 1841م عاد الزوجان إلى قزوين وفيها رزقا بولد ثالث أسمياه (إسحاق). وهي في قزوين أصدر
1) ال- بشت سري) ال- (بالا سري) لفظتان فارسيتان تعني الأولى (خلف الرأس) والثانية (أعلى الرأس)، والبشت سريه هم الشيخيون ومن يوالونهم من الكشفية والقرنية والركنية والكوهرية فكانوا لا يجيزون الصلاة في الحرم الحسيني في مكان يقع أعلى الرأس الشريف، أما البالا سرية فكانوا يجيزون الصلاة أعلى الرأس الشريف وهم الأصوليون، وإثناء الصراع بين الأصوليين والشيخيين كانت هاتان العبارتان تطلق على كل واحد منهما وأصبحت لفظة التعريف على كل منهما.
2) يذكر الملّا محمد هادي القزويني السوخته جناري أن قرة العين إقترنت من دون علم والدها بشاب جميل يدعى (رافائيل) وهو نصراني آثوري، كان والده بائع للخمور في قزوين، فعلم أهلها وأرادوا قتلها فإلتجأت إلى بيت الشيخ إسحاق حكيم باشي الذي توسط لها عند عمها ليقبل توبتها، ولما كانت تحمل في أحشائها طفلاً من زوجها الآثوري فمكثت في بيت الحكيم باشي إلى أن وضعت حملها ورزقت بمولود أسمته إسحاق على اسم الحكيم باشي، ثم أجبروها على فراق بعلها الآثوري وزوجوها ابن عمها !! ، ونعتقد بأن هذه المرويات من جملة الأمور التي كانوا يطعنون بها قرة العين، والحديث عن إباحيتها وتصرفاتها اللاأخلاقية، فقد قيل عنها الكثير، ولا يمكننا التوسع في ذلك لأنه خارج عن نطاق بحثنا.
3) الخيمة...هي التسمية التي تطلق على (المخيم الحسني) الذي يقع قرب الصحن الحسيني من جهته الجنوبية الغربية، وكان يطلق لفظ (خيمكَاه) أي محل الخيام، والمخيم الحسيني هو رمز لموضع الخيام عند نزول الامام الحسين كربلاء. وأول لفظ للخيمكاه أطلق على المكان الذي خيّم به نادر شاه عندما زار كربلاء سنة 1156ه-.
عمّها والد زوجها فتوى بتكفير الشيخيين، بينما هي إزدادت تعلقاً بمبادئ الشيخية وأفكارهم وكذلك بالسيد كاظم الرشتي وقامت بمراسلته للإستفسار منه عن بعض الأمور والمعاني الغامضة عليها، وكان يجيبها السيد الرشتي على إستفساراتها ويخاطبها ب- (قُرة العين) وهو اللقب الذي عُرفت به فيما بعد.
عندما بلغت التاسعة والعشرين من العمر قررت أن تترك زوجها وأولادها وتهاجر إلى كربلاء لتكون قريبة من السيد كاظم الرشتي. وصلتها سنة 1259ه- / 1843م في قمة نضوجها الفكري، وعند وصولها كربلاء فوجئت بأن السيد كاظم الرشتي قد توفي قبل عدة أيام من وصولها فشاركت في مأتمه يلفّها الحزن الشديد على فقده.
في كربلاء قامت قرة العين بإلقاء الدروس على طلاب السيد كاظم الرشتي من على منبره ومن وراء ستار، وقد أُعجب بها الكثير من طلاب الرشتي من الكشفية فمالوا إليها. وكان حينها أتباع الرشتي منقسمين على أنفسهم، ورؤساء المنقسمين هم:
1 - الآخوند الملّا حسن گوهر.
2- ميرزا كريم خان الكرماني.
3-الآخوند ملا حسين كنجة.
4- الآخوند ملّا أحمد ترك الخراساني.
وكان الحاج محمد حسين محيط زادة الكرماني (المسؤول عن أهل بيت السيد كاظم الرشتي) يبدي محاولات لتوحيد المختلفين ولكن بدون جدوى.
وجدت قرة العين هذه الحالة فإستغلتها وكوّنت لها مجموعة من المعجبين بها أمثال الآخوند الملّا حسين بشرَوَيْه والآخوند الملّا علي البسطامي، وبحثت معهما عن الشخص الذي يجب أن يخلف السيد كاظم الرشتي.
إثناء ذلك كان الصراع محتدماً في صفوف الكشفية، فخرج بشرويه والبسطامي إلى شيراز للبحث عن الركن الرابع الذي يمثل السيد الرشتي، علماً بأن الرشتي كان يدعو
أصحابه بقرب ظهور المهدي الموعود لمرور ألف سنة على غيبة الإمام المهدي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وكان قد أعطى بعض المواصفات لظهوره ويُحتَمل أن يكون موجوداً ولا يعرف به أحد!! إلتقى بشرويه والبسطامي بشاب اسمه ( علي محمد الشيرازي) الذي أقنعها بأنه المهدي الموعود ولقّب نفسه ب- (الباب) و آمنا به فجعل الملّا حسين بشرويه بمقام (باب الباب)، وأنعم !! على الآخوند علي البسطامي بلقب (أميرالمؤمنين)، والمؤمنون يعني بهم الذين يؤمنون بدعوة الباب على أنه الموعود والمنتظر. رجع البسطامي إلى كربلاء سنة 1260ه- / 1844م وإلتقى قرة العين وبشّرها بظهور الباب، وسلّمها رسالة من بشرويه يدعوها إلى إعلان الدعوة للباب وأخذ البيعة له.
عندما سَرَت هذه الدعوة في كربلاء، إحتدم الصراع العقائدي بين الكشفية أنفسهم وتزعّم الصراع البسطامي ومعه قرة العين، وحدثت في كربلاء فتن ومشاكل بين الأهالي نتيجة هذا الأمر، وتدخل الأصوليون من علماء المدينة ووقفوا بوجه هذه الدعوة الضالّة وحرّضوا السلطات الحكومية المحلية في كربلاء على إعتقال البسطامي وقد تم لهم ذلك وسُفّر إلى بغداد مخفوراً. وأُقيمت له في بغداد محاكمة أمر بها الوالي محمد نجيب باشا على أن يحضرها بنفسه ودعا الوالي علماء من السنة والشيعة لمناجزة ومحاججة البسطامي على دعوته للباب.
حضر المناجزة وفد من علماء النجف برئاسة المرحوم العلامة الشيخ حسن آل كاشف الغطاء، ومن كربلاء وفد برئاسة المرحوم العلامة السيد إبراهيم القزويني (صاحب الضوابط) وكان معه الشيخ حسن كوهر مؤسس الفرقة الكوهرية في كربلاء. وترأس علماء بغداد المرحوم العلامة أبي الثناء الآلوسي.
بعد المناجزة وبحضور الوالي تم رد دعوة ،الباب وحكموا على دعواه ومن يقتدي به بالكفر والقتل. وبناءً على ذلك تم نفي البسطامي داعية الباب من العراق إلى إيران. بعد نفيه إتفق أتباعه وأعوانه والمصدّقون بدعوة الباب بأن تتزعم حركتهم قرة العين في كربلاء، حيث قامت بإلقاء الدروس على مريدي البابية وكان منهم:
1 - الآخوند الملا باقر التبريزي.
2- الآخوند الملّا إبراهيم المحلاتي.
3- الشيخ صالح الكريمي.
4- السيد محمد الكلبايكاني.
5- - السيد حسن اليزدي.
6 - الملا حسن السجستاني.
7- الميرزا جواد الشيرازي.
8- الشيخ سلطان بن حسن سلطان الكربلائي الخفاجي.
وغيرهم من الأتباع ، وكان جميعهم من الإيرانيين عدا الشيخ يرانيين عدا الشيخ سلطان فهو العربي الوحيد بينهم. وكان هؤلاء من خواصها، فكانت تجالسهم وهي سافرة دون حجاب مما جعل بعض مريديها المتدينين يظهرون إحتجاجهم على فعلها هذا.
نتيجة لبعض أفعالها وإشتداد الخلافات بين الكشفية أنفسهم تم طردها من بيت السيد كاظم الرشتي، فأخذت ترتقي المنبر خلف الصحن الحسيني، وتصرّح بأفكارها الجديدة وتعليمات الباب، فهجم عليها جموع الكشفية من أتباع حسن کَوهر وعلى رأسهم ولده (علي) ومنعوها من صعود المنبر . ونتيجة الضغط عليها وحدوث المشاكل في المدينة قررت مغادرة كربلاء إلى الكاظمية في رجب سنة 1261ه-، وأخذت تتنقل بين الكاظمية وبغداد وبعد ستة أشهر عادت إلى كربلاء، لكن المشاكل بقيت مستمرّة مما إضطرها إلى مغادرة كربلاء مع حاشيتها، وفي بغداد أخذت تلقي الدروس من وراء ستار.
بتحريض من رئيس الكشفيين حسن کَوهر الذي كانت له صلة بالوالي محمد نجيب باشا، فقد كتب الوالي إلى إسطنبول عاصمة الدولة بشأنها وما تقوم به، وأمر بحبسها في بيت العلامة أبي الثناء الآلوسي لحين ورود إجابة إسطنبول، وبعد شهرين وهي في بيت الآلوسي توسط البعض لها فوصل الأمر أخيراً من إسطنبول بإطلاق سراحها
وإخراجها من العراق، فغادرت بغداد إلى كر منشاه ومنها إلى همدان وحضرت إجتماع دشت بهشت وعادت إلى قزوين وشاركت كما يقال بقتل عمّها ووالد زوجها، إلى أن وصل بها الأمر أن تقضي نحبها مقتولة بصورة بشعة وإنتهت حياتها، وحينها كانت الحكومة القاجارية مستمرة في ملاحقة أتباع الباب في جميع أنحاء إيران. وصفوة القول حول القرّتية والصراع الذي نشب في كربلاء بوجود قرة العين، كان نتيجة الأفكار الظلامية الجديدة التي نشأت إثناء الدعوة البابية التي إعتبرها العلماء خروجاً عن مبادئ الإسلام وتعاليمه وأخلاقياته، وإن هذه الأفكار بعيدة عن مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، بل هي تشويه لصورة المذهب لدى الغير، بدليل ان البابية خرجت بشكل نهائي عن الإسلام، والأسوأ من ذلك أن البابية مهّدت لظهور البهائية التي أصبحت ديانة جديدة تتصافى مع الماسونية واليهودية. وأن قرة العين كانت من أكثر دعاة البابية تحمساً وتأييداً حتى لُقّبت بالطاهرة والصدّيقة بإعتبار حلول روح فاطمة الزهراء عليها السلام فيها، وأصبحت من حروف الحيّ، وقد مجّدها البهائيون بعد البابيين ولم يطلقوا عليها إلّا لقب الطاهرة.
صورة قرة العين رسمها (مشكين قلم) وهو الرقيب الإنكليزي الذي وضعه الإنكليز لمراقبة البابيين وحضور دروسهم، وكان خطاطاً ورساماً ماهراً ويجيد العربية والفارسية والهندية والإنكليزية واسم مشكين (مير نصير علي)
لم نتطرق إلى أفكارها وما كانت تعتقد به وما كانت تقوم بفعله إثناء فترة الصراع، لأن ذلك يحتاج إلى بحث مطوّل يجده القارئ الكريم في بحث آخر لنا. فقد إختلفت الآراء حول قرة العين بين مؤيد لها ومخالف بشدة، وقد أكثر المخالفون من ذمّها ونعتوها بأبشع الصفات والإنحلال الأخلاقي ونسبوا لها ما لم يرتضيه المسلم المتمسك بدينه (1).
في سنة 1259ه- / 1843م وصل كربلاء الأمير منير الدولة محمد علي شاه ابن ملك أودة في لكناهور الهند واجد علي شاه وولي عهده، وكان بصحبته زوجته (تاج دار باهو) ويرافقه الكثير من أتباعه وخدمه.
بقي في كربلاء قرابة الثلاث سنوات قام خلالها بأعمال خيرية عديدة منها تبرعه بكري نهر الحسينية، وتمديد طول نهر يتفرع من نهر الحسينية في الجهة الغربية من كربلاء كان يسمّى بنهر الحيدرية، وبعد أن وسعه وزاد من طول مجراه أصبح اسمه نهر الهنيدية، ورمم إيوان الذهب الذي يتوسط الطارمة القبلية في حرم الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، كما قام بتغليف الباب الرئيسية لحرم الحسين في إيوان الذهب بالفضة المنقوشة، كما قام ببعض الترميمات في الروضة العباسية، وأهدى تاجاً من الذهب مرصعاً بالأحجار الكريمة واللؤلؤ إلى حرم الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
إشترى منير الدولة عدة عقارات تقع شمال غرب الروضة الحسينية وتبعد عن باب السدرة للصحن بحدود 170م تقريباً وأنشأ عليها حسينية للزائرين الهنود
1) تم إيجاز الحوادث بشكل كبير، حيث كانت الغاية هو الحدث الذي حصل في كربلاء وهو مضمون بحثنا هذا ، والمعلومات الواردة أعلاه تم إعتمادها من لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث للدكتور علي الوردي ج. ومن كتاب مطالع الأنوار لمحمد زرندي، وأعلام النساء لعمر رضا كحالة ج 4 ص 192 - 204 . والبابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم لعبد الرزاق الحسني ص 77 وما بعدها.
سُمّيت رباط الهنود و (إمام بارة)، وبجنب الرباط أو الحسينية بنى داراً لزوجته سمّي باسمها (تاج دارباهو).
التاج الذي أهداه منير الدولة لحرم الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وقد ثبتناه في جرد سنة 2000م برقم 31 ولا
زال في خزانة الروضة الحسينية
هذا الصرح (الحسينية وبيت تاج درباهو) كان في غاية الروعة في الفن والإتقان، وصرف عليهما من الأموال الطائلة بحيث أصبح هذا الصرح معلماً وآية في فن العمارة والريازة الإسلامية لا مثيل لها في العراق.
صورة لإحدى غُرف (تاج دار باهو)
ومن رباط الهنود (أمام بارة ) كانت تخرج مواكب عزاء الهنود وخاصة في العشرة الأولى من المحرم في كل سنة، حيث كانت العادة إخراج حصان يدعى عند الهنود (ذي الجناح) وتحيطه الطبول والأعلام وبمراسيم خاصة تصاحبها التشابيه لتمثيل واقعة عاشوراء، وفي ذلك الوقت أوجد الهنود طريقة ضرب الظهر بالسلاسل الحديدية (الزنجيل) التي تنتهي بالسكاكين، وهي عادة مقززة للغاية وكانت قد أخذت من العادات الهندوسية لتعذيب النفس.
بیت (تاج دار باهو) من الداخل
إستغرق بناء الحسينية (أمام بارة) وبيت تاج درباهو زهاء الثلاث سنوات، وبعدها غادر كربلاء متوجهاً إلى إسطنبول (الاستانة) حيث إلتقى بالسلطان عبدالحميد العثماني، ومنها ذهب إلى أوربا، وتوفي في لندن ونُقل جثمانه إلى كربلاء سنة 1312ه- ودُفن فيها. وكان قد ترك زوجته في كربلاء عندما غادرها إلى الإستانة، وعندما توفيت في كربلاء دون عقب دفنت في حرم الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) بالقرب من قبر حبيب بن مظاهر الأسدي.
وبالنسبة إلى الحسينية والبيت فقد هدّم قسم كبير منهما عندما تم فتح شارع السدرة، أما النفائس التي كانت موجودة من معلقات وتحفيات فقد تعرضت لعبث العابثين، ولم تهتم الحكومة حينها بالحفاظ على ذلك الصرح الجميل حتى أزيل بشكل نهائي فيما بعد، وضاع جزء مهم من تراث المدينة الذي لم تمتد إليه الأيادي لتنقذه من الخراب.
إنتشر في العراق وباء الطاعون في منصف سنة 1261ه-/ (1845م)، وفي نفس الوقت إجتاح الوباء كربلاء وحصد الكثير من الأرواح في ظل غياب الرعاية الصحية وطرق الوقاية من الأمراض الفتاكة. وإستمر الوباء سارياً حتى نهاية سنة 1262ه- / 1846م. ومن الذين توفوا بسببه السيد إبراهيم القزويني (صاحب الضوابط)، الذي كان يتقدم علماء الدين في المدينة. وقد ذكر وفاته بالوباء سنة 1262ه- العلامة أغا بزرك الطهراني في طبقات أعلام الشيعة (1).
وفي أيام إنتشار الوباء في كربلاء توفي السيد وهاب بن محمد علي بن عباس آل طعمة الذي كان قد إستلم سدانة العتبتين المقدستين وحاكمية كربلاء وهو في عز الشباب (2)
نقول :أولاً : إذا كان عمر السيد وهاب 16 عاماً عندما تولى سدانة الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) فهذا مخالف للعرف حيث إن الذي يتولى السدانة يجب أن يكون بالغ سن الرشد وإلّا يُنصب وصياً عليه لحين بلوغه سن الرشد، وعلى ذلك كان إعتراض رؤساء كربلاء على تنصيبه لصغر سنه في وضع متدهور تمر به المدينة ضد الحكم العثماني (المماليك) . ثانياً : إذا كان عمره 16 عامًا وتولى السدانة سنة 1240 ه- يعني أنه مولود سنة 1224ه-، وتوفي سنة 1262 ه- فيكون عمره حين وفاته (38) عاماً وليس (48) عام !!
. وقد وافاه الأجل في طريق النجف يوم 7 رمضان 1262ه-، ونُقل جثمانه إلى كربلاء حيث تم تشييعه فيها ودُفن في الروضة الحسينية.1) طبقات أعلام الشيعة (الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة) العلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني، ج 10 ص 10 ، وفيه التأكيد على إنتشار وباء الطاعون.
2) ذكر مؤلف مدينة الحسين في السلسلة الرابعة ص 320 ما يلي: (( تولى السيد عبد الوهاب السدانة سنة 1240 ه- وعمره 16 عاماً فيكون تاريخ ولادته سنة 1224ه- وتاريخ وفاته كما هو معلوم سنة 1262ه- فبذلك عاش 48 عامًا قضاها في الحروب والكفاح من أجل إسعاد أهل مدينته كربلاء )).
ومن الذين توفوا جرّاء وباء الطاعون السيد أحمد الددة الحسيني متولي التكية البكتاشية في كربلاء وهو من أحفاد السيد صادق بن جعفر الددة، والسيد صادق هذا حفيد الجد الأعلى لأسرة السادة آل الددة السيد عبد المؤمن الذي أسس التكية البكتاشية في صحن الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) .
والسيد أحمد الددة الحسيني كان يُسمّى ب- (بسريك صان) حيث قام الرئيس الأعلى للطريقة البكتاشية في تركيا بتنصيبه متولياً على التكية في كربلاء، وكانت وفاة السيد أحمد بالطاعون سنة 1261ه- / 1845م بعد شهرين من إنتشاره في كربلاء.
وهو والد السيد محمد تقي الملقب ب- (الدرويش) (متولي التكية) بعد والده.
كانت كربلاء بعد منتصف القرن الثالث الهجري تعاني من شحة المياه، فقام المرحوم الحاج حبيب الحافظ (1)بإنشاء (بركة ماء) في محلة باب بغداد لتزويد الأهالي بالماء، وكانت المياه تُنقل لهذه البركة من نهر الحسينية.
1) بيت الحافظ أسرة كربلائية ترجع إلى قبيلة (خفاجة) العربية. كان موطنهم الأصلي في مدينة (الشطرة) ونزحوا منها إلى الكاظمية في القرن الثاني عشر الهجري، ومنها إرتحل المرحوم (حافظ بن رويعي الخفاجي) إلى كربلاء مطلع القرن الثالث عشر الهجري وإتخذها سكنا له بعد أن إشترى في أطرافها بعض الأملاك الزراعية. وأعقب من الأولاد ثلاثة هم سالم وشبيب وحبيب وإشتهر في كربلاء منهم الحاج حبيب بن حافظ بن رويعي الذي أصبح حينذاك من الملاكين المعروفين في المدينة، وعُرف بمبراته الخيرية الكثيرية. وكان الحاج حبيب الحافظ عضواً في مجلس إدارة كربلاء سنة 1287ه-/ (1870م). وتوفي سنة 1295 ه- / 1878م) وأعقب من الأولاد محمد وشبيب وصالح. ومن أبرز من ظهر من بيت الحافظ بعده هو السياسي العراقي المعروف المرحوم عبد المهدي بن صالح بن حبيب الحافظ الذي كان عضواً في مجلس المبعوثان ممثلاً عن كربلاء في إسطنبول. وهو من مؤسسي فرع حزب الإتحاد والترقي في كربلاء، وعُيّن سنة 1321ه- (1904م) رئيساً لبلدية كربلاء إلى سنة 1324 ه- / (1907م) حيث مثَل كربلاء في المجلس بإسطنبول، وقد ترجمنا آل الحافظ في كتابنا (بيوتات كربلاء القديمة) ص 314 - ص 316 وفيه التفصيل.
وما زالت المنطقة التي تم إنشاء البُركة فيها تسمّى (البرجة) وتمثل إلى الآن أحد أزقة محلة باب بغداد (باب العلوة)، والمنطقة تبدو لحد الآن منخفضة عن ما جاورها من أزقة المحلة. وتسمّى أيضاً (برجة حبيب الحافظ).
إستمر محمد صادق بك قائمقاماً لكربلاء إلى سنة 1262ه-، حيث تم تعيين طلعت باشا (محمد طلعت أغا ) خلفاً له في سنة 1262ه- / 1845م(1). وقد ورد اسمه في دفتر المصروفات الخاص بعام 1845م حيث كان مسجلاً بأن قائمقام كربلاء والنجف (طلعت باشا) وراتبه 6750 ،قرش، وهذا المستمسك وَرَدَ في كتاب كربلاء في الأرشيف العثماني (2).
في سنة 1263ه- / 1846م أهدى السلطان العثماني عبدالمجيد بن السلطان محمود شمعدانين هيكلهما من الفضة وفي أعلى كل واحد منهما قاعدة من الذهب عیار 12 وزنها 4 كغم، وفي منتصفهما زخارف بأوراق ذهبية، وقاعدة كل شمعدان
1) الأرشيف العثماني برئاسة الوزراء التركية، دفاتر المصروفات المالية برقم 5393 الصفحة 2 لسنة 1262ه- / 1845م.
2) راجع كربلاء في الأرشيف العثماني، ص 289 وص 381. ذُكر في مستدركات السلسلة الرابعة من كتاب مدينة الحسين لمحمد حسن الكليدار بأن السيد أحمد بن عبدالله القربي من أسرة آل الحكيم الكربلائية كان قائمقاماً لكربلاء من سنة 1262ه- إلى 1264ه- / 1846م. 1848م)، وهذا يناقض الوثائق الرسمية الواردة في سالنامة ولاية بغداد والمراسيم التي أصدرها الوالي على شكل (بيورالدي)، ولم يذكر الكليدار المصدر الذي إعتمد عليه، كما أخطأ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف بذكره (القريي) في ص 357 من كتابه (الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق) لأنه لم يذكر المصدر أيضاً، ونعتقد أنه إعتمد على ما جاء في (مدينة الحسين) لأنه أخذ الكثير من هذه المعلومات منه كما مبين في نفس الصفحة من كتابه وبدون تمحيص وتأكد.
قطرها يزيد عن 40 سم محفوفة بدائرها بأوراق ذهبية عيار 21 . وتم إهداء مثليهما إلى الروضة الحيدرية في النجف الأشرف.
في فترة حكم الوالي العثماني محمد نجيب باشا الذي دامت مدته من سنة 1258ه- / 1842م إلى سنة 1265ه- / 1848م، وفي خضّم الصراع حول تصاعد المصالح الملاحية للشركات البريطانية في العراق، فقد ذكر الدكتور عبدالعزيز سليمان نوار في كتابه (المصالح البريطانية في أنهار العراق، وهو يتحدث عن موقف الوالي نجيب باشا من موضوع الملاحة في نهري دجلة والفرات ورفضه رفع أي علم غير العلم العثماني على السفن والبواخر التي تغادر البصرة شمالاً في نهري دجلة والفرات، فقد وقعت الحادثة التالية التي ذكرها في النص الذي أورده المؤلف أعلاه بكتابه المذكور وهي: « ... ثم قام أحد تجار كربلاء (1)ببناء باخرة لحسابه في بمباي (2)من طراز سكونر، وأطلق عليها اسم (الكربلائية). وكان في إستطاعة هذه الباخرة أن تبحر في المحيط الهندي إلى الخليج العربي ثم إلى شط العرب ونهر دجلة إلى بغداد مباشرة دون توقف.
1) لم نتعرف وللأسف على اسم التاجر الكربلائي رغم بحثنا الطويل عنه لكي نذكره للقارئ الكريم. وعلى هذا الحال فإن ما يهمنا في طرح هذه الواقعة هو إن في كربلاء حينها كان هناك من التجار وأصحاب رؤوس الأموال يتمكنون من القيام بمثل هذه الأعمال والمشاريع الكبيرة ، علماً بأن المواد والبضائع كانت تأتي من الخارج كمستوردات وكذلك الصادرات العراقية مثل التمور والرز والجلود كانت تتم في مينائي الفرات المهمين جداً في ذلك الوقت وهما مرسى السفن في الكوفة والآخر في طويريج، والإثنان قريبان جداً من كربلاء، ومن هذين المينائين تمر البضائع عن طريق كربلاء إلى مدن أعالي الفرات التي لم تتمكن السفن من وصولها.
2) بمباي... أو بومباي، مدينة جنوب الهند على المحيط الهندي مشهورة بصناعة السفن، وهي العاصمة الإقتصادية للهند ومن أكبر مدنها.
أي أنها باخرة محيطية نهرية في أن واحد تعمل تحت علمها البريطاني. وصعدت هذه الباخرة فعلاً حتى البصرة. وهناك أنجزت الباخرة ومُنعت من متابعة رحلتها شمالاً إلّا إذا أنزلت علمها البريطاني ورفعت العلم العثماني. وكانت هذه هي أوامر نجيب باشا، وأضيف إلى ذلك ضرورة دفع تلك الباخرة لضريبة الطلبية التي يجمعها بعض شيوخ العشائر من كل سفينة تمر بهم حيث إن هؤلاء الشيوخ أخذوا هذه الضريبة بالالتزام. وعندما علم رولنسون (1)بذلك أصرّ على حق الباخرة في الملاحة إلى بغداد مباشرة وتحت علمها الخاص وان بغداد - وليس البصرة-هي الميناء الجمركي للسفن المحيطية التي تبحر في نهر دجلة...»(2). والمشكلة الحقيقية هي ليست الضريبة فقط، وإنما إصرار الوالي محمد نجيب باشا على رفع العلم العثماني على أي باخرة تبحر من البصرة شمالاً نحو بغداد « فتمسك نجيب بموقفه ولم يسمح بإبحار الباخرة الكربلائية إلى ماوراء البصرة إلّا إذا أنزلت العلم البريطاني ورفعت العلم العثماني وكان رولنسون نفسه يرفض أن تصعد الباخرة نهر دجلة إلّا إذا رفعت العلم البريطاني » (3).
من المفارقات الغريبة أن يقوم (أحمد شكري) ابن محمد نجيب باشا والي بغداد بالتبرع لبناء سقاية (خزان ماء للشرب) في الجهة الجنوبية من الصحن الحسيني
الشريف، مقابل التكية البكتاشية (على يمين الداخل للصحن من باب قبلة الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وقد بدأ العمل في السقاية في شهر شوال سنة 1263ه-، وتم إفتتاحه في بداية شهر محرم سنة 1264ه- / 1847م. ووجه الغرابة في الموضوع أنّ والده الوالي وقبل تاريخ بناية السقاية بخمس سنوات تقريباً قام بإستباحة مدينة كربلاء في واقعته الشهيرة، وسالت فيها أنهاراً من الدماء، كما أستبيح حرم العباس (عَلَيْهِ السَّلام)، وقُتل كل من لاذ فيه من الأهالي، وكذلك صحن الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) الذي دخله الوالي وهو يمتطي فرسه غير آبه بحرمة المكان!، فيقوم ابنه ببناء السقاية وكان لا يزال والده واليا على بغداد!!
وقد أشاد حينها الشاعر عبد الباقي العمري وأرخ هذا العمل بقصيدة كتبت على جوانب السقاية بالكاشي الملوّن، مذكورة في ديوانه الترياق الفاروقي ومنها:
أحمد من أنشأ هذا السبيل *** وروق المنهل لابن السبيل
ماهو إلّا ذو العلا أحمد *** شكري له يستقصي جيلاً فجيل
نجل محمد النجيب الذي *** في الوزراء ما له من عديل
إلى أن يقول:
أجرى له وقفاً وفي ما جرى *** قد نال أجراً وثوابا جزيل
ورق لما راق تاريخه *** لأحمد الحوض مع السلسبيل
كان الخلاف بين الدولتين الايرانية (القاجارية) والعثمانية على أشدّه وخاصة بعد حادثة نجيب باشا في كربلاء سنة 1258ه- / 18842م.
كانت الدولة العثمانية قد بدأت مساعيها بإتخاذ إجراءات تتعلق بالزوّار والتجار الإيرانيين. وقبل توقيع معاهدة أرض روم الأولى سنة 1823م فقد درست مشاكل الزوار والتجار وأرسلت متخصصين لتذليل تلك المشاكل.
لكن الوالي نجيب باشا وضع دولته في موقف صعب إتجاه الدولة الايرانية التي كانت قد وقعّت معها معاهدة سنة 1823م ، وذلك عندما قام بعمل تنظيمات جديدة عندما تولّى ولاية بغداد، أخلّت بالإجراءات التي إتخذتها الدولة العثمانية عندما أرسلت موظفين لتسهيل وحل المشاكل المنوّه عنها.
فكانت إجراءات نجيب باشا صارمة وصعبة للغاية إلّا أنها كانت ذات بنية تسمح بسوء الإستعمال، ولهذا بدأت شكاوى التجار والزوّار تتزايد من جديد، وكانت الحكومة العثمانية تخشى من تلك الشكاوى الجديدة ومن المشكلات الجديدة المحتمل ظهورها (1).
في الحقيقة أن الدولتين العثمانية والايرانية كانتا على غير وفاق، فقد كان الإيرانيون يسعون دائماً بالضغط على العثمانيين بشتى الوسائل والتُهم، مقابل ذلك كانت الدولة العثمانية تحاول جاهدة عدم الدخول في مشاكل وأزمات مع أنها كانت تعتبر مدن العتبات المقدسة في العراق وخاصة كربلاء هي تحت سلطتها وأن ساكنيها من الرعايا العثمانيين، ويجب على المقيمين من الإيرانيين والزوّار والتجار مراعاة أنظمة وقوانين الدولة العثمانية، يقابل ذلك أن الإيرانيين من المقيمين وغيرهم كانوا يشتكون على
1) كربلاء في الأرشيف العثماني: ديلك ،قايا، ص 244 - ص 245.
الدوام من إجراءات الحكومة العثمانية، وذلك لا يخلو من تدخّل وإيعاز من دولتهم، وهو جزء من الصراع الدائم بين الدولتين.
كانت مخاوف العثمانيين من التدخّل الإيراني في مدن العتبات على أساس مذهبي.
فقد أخذتهم الريبة من الزوار والتجار خاصة في أوقات توتر العلاقات، وكذلك الخوف من تحريض الإيرانيين للأهالي الشيعة المحليين أو عمل دعاية ضد الدولة العثمانية، كما أن ملوك إيران فرضوا حظرًا على زيارة الأراضي العثمانية ومنها كربلاء في فترة الإضطرابات بين الدولتين.
وأي تطور سلبي في الموقف سيؤدي إلى نزاع عسكري كان يتجنبه العثمانيون.
وفي نفس الوقت كانت الحكومة العثمانية تؤكد على أنها الدولة المعنية بشؤون رعاياها وما على الأجانب إلّا الإلتزام بقوانينها.
وبعد عقد إتفاقية أرضروم الثانية سنة 1847م / 1263ه-، فقد أعيد النظر بالتنظيمات التي أصدرها محمد نجيب باشا، وإتفقت الدولتان على بنود عديدة منها ما يخص كربلاء وهي:
1 - أن تتعهد الدولة العثمانية بتوطين الأمراء الإيرانيين الفارين في بورصة بتركيا، كما تعهدت بتسليم الفارين الآخرين.
2- أن تتعهد الدولة العثمانية بإتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين زيارة الزوّار الإيرانيين إلى العتبات المقدسة، وحمايتهم إثناء زيارتهم وتجارتهم.
3- أن يتم تعيين قناصل إيرانيين في المناطق التي يتواجد فيها الإيرانيون مثل كربلاء والنجف والكاظمية وحمايتهم .
وطبقاً لهذه المعاهدة فقد تشكلت لجنة لتحديد الحدود من ممثلين عثماني وإيراني وآخرين إنكليزي وروسي للمشاركة في أعمال اللجنة. وكان من ضمن أعمال تلك اللجنة أيضاً « إحصاء لعدد الزوّار والتجار الإيرانيين الوافدين إلى كربلاء من إيران، وأماكن إستراحتهم ».
كان الإيرانيون في كربلاء على عدة أنواع وهم:
1-المقيمون الذين سكنوا كربلاء وبقوا رعايا أجانب لدى الدولة العثمانية.
2- علماء الدين وطلاب العلم الذين يأتون إلى كربلاء لتحصيل العلوم الدينية في مدارسها الدينية، فمنهم من إستقر بها، ومنهم من يُكمل دراسته ويغادرها.
3-الأمراء الفارون من إيران وهم من الأسرة الحاكمة، وكانت لهؤلاء أهمية خاصة لدى العثمانيين لمحاولة الإستفادة منهم ضد دولتهم.
4 - الأعداد الغفيرة من الزوّار الذين يفدون لزيارة العتبات المقدسة.
5- التجار الإيرانيون الذين لهم مصالح تجارية بين إيران والعراق، وهؤلاء على قسمين: قسم يأتي في شهر محرم وفي أيام الزيارات المخصوصة للإستفادة من التجمع الشيعي التقليدي في كربلاء. والقسم الثاني الذي يحمل بضاعته ويمر بكربلاء وهو متجه إلى بلاد الشام والحجاز ومصر، ومروره بكربلاء ذهاباً وإياباً لغرض الزيارة وتصريف قسم من بضاعته.
6- الموظفون الإيرانيون في القنصلية الإيرانية ومعلمو المدرسة الايرانية في كربلاء.
كل صنف من هؤلاء كانوا يمثلون مشكلة من عديد المشاكل المستمرة بين الإيرانيين والعثمانيين، فسياسة الدولتين الواحدة إتجاه الأخرى تتأثر سلباً وإيجاباً باستعصاء حل المشاكل أو حلها ودياً ودبلوماسياً.
فالمقيمون كانت مشاكلهم في رعويتهم وأملاكهم التي إشتروها في كربلاء في حالات البيع والشراء، فهل هم محسوبين من الأجانب أم من الأهالي؟ وكيفية تصرفهم بأموالهم (المنقولة وغير المنقولة). فقوانين الدولة العثمانية صارمة في هذا المجال، ومن الطبيعي أن يرفض المقيمون أي تدخل ويعارضون إجراءات الحكومة، وهو ما سوف نتطرق إليه لا حقاً خاصة في موضوع رعويتهم.
والأمر الآخر هو موضوع علماء الدين الشيعة من الإيرانيين الذين يسكنون كربلاء، فكان للحكومة العثمانية رأي بهم ، فتارة تمنع إزدياد عددهم لخوفها من تحريك الأهالي ضدّها، وتارة تُشجع قسم منهم وتضعهم تحت رعايتها لتأثيرهم على الشعب الإيراني فيما إذا إحتاجتهم الحكومة العثمانية لأمر ما يخص النزاع الدائم بين الدولتين. وأصبح لهؤلاء نفوذ كبير في كربلاء وفي مدن العتبات الأخرى في العراق.
أما موضوع الأمراء الفارين من إيران وهم من الأسرة الحاكمة، فقد إحتضنتهم الحكومة العثمانية ورحبت بهم كلاجئين وقامت بصرف رواتب لهم وإهتمت بسكنهم وإقامتهم ووفرت لهم حياة كريمة تناسب مكانتهم، وذلك يدخل في مجال السياسة العامة للعثمانيين حيث كان بإستطاعتها تحريكهم وقت ما تشاء ضد دولتهم عندما تسوء العلاقة بين الدولتين. وكان العديد من هؤلاء يقيمون في كربلاء.
وبالنسبة للزوّار فكانت أغلب مشاكلهم حول تسهيل دخولهم، والرسوم التي يدفعونها في أماكن متعددة في الحدود وعند عبورهم القناطر والجسور، وإجبارهم على سلوك طريق واحد فقط وتحصيل قرش واحد من كل شخص كضريبة لهذا الطريق، والضرائب التي تؤخذ منهم على أمتعتهم. ومن أهم شكاواهم ضعف الأمن في طريق سيرهم إلى كربلاء وعند نزولهم في أماكن الإستراحة في الخانات والمنازل، فكثيراً ما كانوا يتعرضون للسلب والنهب وكانت تؤخذ منهم مبالغ من قِبل متعهدي الخانات والمنازل، وكان الزوّار يتحججون بأن بعض تلك المنازل والخانات بناها متبرعون من الإيرانيين مع ذلك يدفعون مبالغ عن نزولهم بها، فطالما قدمت شكاوى بهذا الخصوص من قبل الدولة الايرانية على ما يلقاه رعاياها من الزوار من صعوبات حتى يتمّوا زيارتهم إلى كربلاء وبقية العتبات، مطالبة الحكومة العثمانية بحمايتهم ووضع حد لإستغلالهم. إضافة إلى ذلك موضوع نقل جنائز الموتى التي تجلب من إيران لدفنها في كربلاء والنجف. فكان الإيرانيون يشتكون من موا مواقع الحجر الصحي ورسوم نقل الجنائز وغيرها من الصعوبات.
أمّا موضوع التجار فهو موضوع شائك وأغلب التجار الوافدين إلى كربلاء كان لهم تأثير من خلال البازار الإيراني على حكومتهم. فكانوا ينقلون معاناتهم عندما يأتون بتجارتهم إلى العراق أو من خلال نقل بضائع من العراق إلى إيران، فالرسوم الكمركية والضرائب كانت مشكلتهم الكبرى مع الحكومة العثمانية وسوء معاملة الموظفين الإداريين.
ومن اللطيف أن نذكر بأن أعداد لا بأس بها من الإيرانيين كانوا يدخلون العراق بصفة متسولين أو دراويش أو مجانين وهم ليسوا كذلك، وإن ما يقومون به من أجل إعفائهم من الرسوم والضرائب، وكم من هؤلاء دخل بتلك الهيئة وحقيقته تخالف الواقع، فقد كان منهم من تبعثه الدولة الايرانية على شكل جواسيس أو مخبرين، وذلك لم يكن خافياً على السلطات العثمانية في العراق.
هذه الأوضاع بمجموعها كانت تشكل أسباب مهمة في إستمرار النزاع الإيراني العثماني وكانت كربلاء في وسط تلك الأزمات. فمن خلال موافقة الدولتين التوقيع على معاهدة أرضروم سنة 1847م كان لابد من حل تلك الإشكالات حتى يتم إنهاء المشاكل والشكاوى المستمرة ضد الحكومة العثمانية منذ العهد الصفوي ودخول العراق تحت الحكم العثماني.
عيّنت الدولة العثمانية (أحمد وفيق أفندي) سفيراً لها في طهران، وقد سجّل هذا السفير جميع الأمور التي يشكو منها الزوار والتجار الإيرانيون وغيرهم، وقدّم بعض المقترحات لحلها منها:
1- إنه في حالة تحصيل نقود تذكرة من الزوار على الحدود فقط، ستقل شكاوى الإيرانيين بنسبة كبيرة.
2- وعن سلوك الطريق الواحد، فقد إقترح أن يُترك للزوّار حرية إختيار الطريق الذي يسلكونه وليست هناك ضرورة لتحصيل أية ضرائب على الطريق، ولو تم إصلاح وترميم الجسور وبناء الجسور الجديدة في هذا الطريق الاجباري، فإنَّ
الزوار والتجار سيختارونه بالطبع وبالتالي فإن إعتراضهم على الأجرة المأخوذة منهم سيكون أقل (1).
3-إقترح السفير عمل تنظيم جديد لاستحصال مبالغ عن إيجار وشراء القبور في النجف وكربلاء ، حتى يُبعد إستغلال المتعهدين.
4- إقترح أيضاً بعدم أخذ إيجار من نزلاء الخانات وأن تباع لهم الحاجات الأساسية بالسعر المناسب.
5-طلب من حكومته إعادة النظر في تحصيل الضريبة على (التُرب والمسابح الطينية) التي تعتبر مقدسة عند الإيرانيين لأنها مأخوذة من تراب كربلاء.
6- إقترح إلغاء الضريبة على الأمتعة الشخصية.
7- أمّا بخصوص الرعايا الإيرانيين الذين يعيشون في كربلاء وكيفية التعامل مع أموال المتوفين منهم، والدعاوى بين الإيرانيين أنفسهم في حال حدوث خلاف بينهم، فقد كان الإيرانيون يطلبون أن ينظر إثنان من علماء الدين الإيرانيين في كربلاء لحل الدعاوى بين الإيرانيين. فإقترح السفير بأن لا يكون هناك مانع طالما إنّ مضمون الدعاوي لن يضرّ بالدولة العثمانية . أمّا بالنسبة للأموال المنقولة التي يتركها المتوفي الإيراني فيرى عدم تدخل الإدارة العثمانية بها، أمّا الاموال غير المنقولة فالأنسب ولمصلحة الدولة أن يتولى إدارتها الضباط الموجودون في كربلاء أو في البلدة التي كان يقيم فيها الإيراني المتوفى (2).
1) كربلاء في الأرشيف العثماني: ديلك قايا، ص 248. مع العلم أن قرار الحكومة العثمانية سلوك طريق واحد يرجع إلى ضمان السيطرة على الإيرانيين أكثر من جمع الضرائب منهم. وكذلك لضمان أمن الزوار والتجار وناقلي الجنائز.
2) الاموال المنقولة هي الأشياء التي يمكن نقلها من محل إلى آخر، وتشمل النقود والعروض والحيوانات والمكيلات والموزونات وغيرها. ولهذه شروحات موسعة لدى كل بلد حسب قوانينها. والأموال غير المنقولة مثل العقارات (دور وأراضي وبساتين) وغيرها من الأمور التي لا يمكن نقلها إلى مكان آخر.
8-إلغاء تحصيل أموال من الزوار طوال فترة إنتظارهم إثناء تطبيق الحجر الصحي في بعض المناطق.
هذه المقترحات التي قدّمها السفير أحمد وفيق أفندي والتي دعت ولاية بغداد أن تفاتح بها العاصمة (إسطنبول) متعهدة بأنها ستحمي الزوار وإنها ستعمل جاهدة على إستتباب الأمن وحماية الزوار والتجار وإنها ستُعيد النظر في الضرائب.
وافقت الدولة العثمانية على أغلب المقترحات المقدمة، وقد تغيّرت حالة الشكاوى إلى الأفضل.
الكثير من الإيرانيين أخذوا يشترون الأراضي والأملاك في كربلاء، وكانت نسبة تلك الأملاك تزداد بشكل كبير حتى أصبحت نسبتها تؤثر بزيادتها على ما يملكه أهالي كربلاء العرب. ولم تكن هناك ضوابط إدارية حول شراء الإيرانيين للعقارات أو بيعها أو إنتقالها بالإرث إلى غير ذلك. والإيرانيون الذين يملكون العقارات في كربلاء على نوعين. منهم من كان لا يزال من الرعايا الإيرانيين التابعين إلى دولتهم إيران ولكنهم يقيمون في كربلاء. والنوع الآخر من الإيرانيين الذين إنتقلوا إلى التبعية العثمانية.
وموضوع تملك الإيرانيين من النوعين كان من المشاكل بين الدولتين. فقد كان العثمانيون قلقين من إمتلاك الرعايا الإيرانيين أو الإيرانيين الذين إنتقلوا إلى التبعية العثمانية في كربلاء أملاكاً فيها وكانت نسبة تواجدهم 10٪ من مجموع سكان كربلاء ولكن نسبة إمتلاكهم تزيد عن 50٪ مما يملكه سكان كربلاء العرب. وكانت الدولة الايرانية تسعى دائماً إلى تشجيع الرعايا العثمانيين من ذوي الاصول الايرانية على شراء الاملاك والعقارات في كربلاء لبسط نفوذها على المدينة. وكان العثمانيون يخشون ذلك لأن إمتلاك الإيرانيين نسبة كبيرة من العقارات في كربلاء سوف يؤدي إلى مطالبة الدولة الايرانية وإدّعائها بأحقيتها بالمدينة!!
فقد خططت الدولة العثمانية لشراء تلك الاراضي والأملاك الخاصة بالإيرانيين لإبعاد الشك والمخاوف من تدخل إيران بسببها. ولكن والي بغداد أشار إلى عدم قدرة خزينة الولاية المرهقة بسبب حادثة كربلاء (واقعة نجيب باشا)، والتعويضات التي قدمتها للأهالي. فعلى ذلك سعت الدولة العثمانية إلى تشجيع رعاياها العثمانيين من العرب في كربلاء بشراء الأملاك غير المنقولة التي يمتلكها الإيرانيون في كربلاء وغيرها من المدن كما وضعت ضوابط إدارية تحد من تملك الإيرانيين ووجهت بمعاقبة أي موظف يقوم بتسهيل عمليات البيع للايرانيين أو غض النظر عن تطبيق توجيهات الدولة تلافياً لتأثيرات إيران المحتملة.
ولكن الدولة العثمانية سمحت للأمراء الإيرانيين الموجودين تحت حمايتها، أو غضّت النظر عنهم بإمتلاك الأراضي وممارسة كل الحقوق المتعلقة بذلك من بيع وشراء ورهن وما إلى ذلك كي تستخدمهم كأداة سياسية ضد إيران وقت الحاجة.
وهذا التصرف أثار بقية الإيرانيين بسبب التفرقة في المعاملة بين الأمراء والأهالي الإيرانيين.
وبسبب ترغيب الإيرانيين القاطنين في كربلاء بالدخول في التبعية العثمانية لتقليل عدد الإيرانيين، فقد سمحت الدولة العثمانية لمن إستقر في مدينة كربلاء منذ 40 - 50 سنة والذين يرغبون بأن يكونوا رعايا عثمانيين فإنها ستسمح لهم بمعاملتهم بنفس الطريقة التي يعامل بها الأمراء في الامتلاك ونقل الملكية إلى الأبناء بالإرث. فأصدرت الدولة العثمانية قراراً بعدم مسّ الأراضي والأملاك الخاصة بالأشخاص الذين سينتقلون إلى التبعية العثمانية، ويتم التعامل معهم بشيء من الليونة.
ولمّا لم تتمكن الحكومة من نزع الأراضي والأملاك الموجودة في كربلاء من أيدي الإيرانيين، فقد أمرت سنة 1848م / 1264 ه- ببيع جميع الأراضي والأملاك التي يمتلكها الأجانب أو الإيرانيون ( عدا الأمراء أو من يتحول إلى الرعاية العثمانية) في بغداد وكربلاء والنجف والكاظمية والبصرة إلى الحكومة أو رعاياها من العرب في
غضون ثلاثة أشهر وأصدرت الدولة أيضاً قراراً ينص بأن إمتلاك الرعايا الأجانب والإيرانيين الأملاك في الدولة العثمانية محظور شرعاً وعهداً وشرطاً وقانونًا. ولأن مطالبة الإيرانيين ببيع أملاكهم غير المنقولة في فترة قصيرة سيؤدي إلى حدوث ردود فعل عنيفة، فقد أمرت الحكومة بمنحهم سعراً أعلى لتلك الأملاك وحث الموظفين لإقناع أصحاب تلك الأملاك ببيعها.
فقام الإيرانيون الذين لا يريدون بيع أملاكهم في كربلاء بجعلها وقفاً للإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) أو لمصالح العتبتين المقدستين في كربلاء، وفي هذه الحالة يمكنهم الإستفادة منها بإعتبارهم المتولين عليها وهم الذين أوقفوها.
إستمرت عملية بيع أراضي وأملاك الإيرانيين بعد ذلك لعدة سنوات أخذت فيها الدولة الايرانية بالتدخل في الموضوع حتى وصل بها الأمر إلى الطلب من الدولة العثمانية بأن يكون رعاياها في الأراضي العثمانية (مزدوجي الجنسية) وهذا ما رفضه العثمانيون.
فأصدرت الدولة العثمانية قراراً بحظر شراء الإيرانيين الموجودين في كربلاء وبقية المدن أي أراض جديدة، وإذا ما توفي أحد الإيرانيين الذين إشتروا أملاك من قبل فيمنع إنتقالها مجدداً إلى أحد الإيرانيين، بل تشجيع بيعها للرعايا العثمانيين من العرب من سكان المدينة. كما تم حظر بيع الطابوق ومواد البناء الأخرى لترميم أملاك الإيرانيين. وقد عاقبت الحكومة من يتساهل في أمر البيع للإيرانيين من الموظفين والإداريين الذين لم يطبقوا تعليمات الدولة، وكان من هؤلاء المعاقبين حاكم كربلاء (قورابي أفندي) الذي تم عزله من وظيفته في كربلاء لذلك السبب.
وبالنسبة إلى دعاوى الإيرانيين والنظر بها، فكان موظفو الحكومة العثمانية هم الذين ينظرون فيها، فكان أن إتفقت الدولتان بأن ينظر الإداريون العثمانيون في دعاوى الإيرانيين الموجودين في كربلاء، مقابل ذلك يكون هناك مراقبون من الجانب الإيراني.
نُقِل طلعت باشا من كربلاء وتم تعيين (نوري بك) بدلاً عنه وذلك في 23 ربيع الثاني سنة 1264ه- (1)/ 1848م وبدرجة قائمقام. وفي زمانه جرت أحداث خطيرة في كربلاء عندما حدث تمرد في الحامية العسكرية المرابطة في كربلاء، وإختل النظام في المدينة وحدثت إنتهاكات من قبل الجنود المتمردين ضد أبناء المدينة والمقيمين الأجانب فيها وخاصة الإيرانيين، وإستدعى ذلك سحبه إلى بغداد لعدم تمكنه من السيطرة على الوضع في كربلاء، كما سيرد ذلك لاحقاً.
السيد سعيد(2)بن سلطان آل ثابت سادناً للعباس
في سنة 1265ه- / 1849م إستلم السيد سعيد بن سلطان بن ثابت بن درویش ومن احفاد السيد ثابت بن كمال الدين من آل زحيك سدانة العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مرّة أخرى، وهو من سادة البلد، وكان والده حاكماً لمدينة كربلاء سنة 1242ه-/ (1826م)، وسادناً للعباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، وهو من قادة واقعة المناخور.
وإستمر السيد سعيد في السدانة قرابة العشرين عاماً وكان متزوجاً من كريمة شاه إيران (فتح علي قاجار)، وتوفي سنة 1285ه-، ودُفن بالقرب من ضريح حبيب بن مظاهر الأسدي في الحرم الحسيني.
1) الأرشيف العثماني برئاسة الوزراء التركية، قلم مكتوبي الصدارة، 117/20 في 23 ربيع الثاني 1264ه-. وكربلاء في الأرشيف العثماني، ص 381 . ويذكر الدكتور عماد عبدالسلام رؤوف في كتابه (الأسر الحاكمة) أن بيوراولدي من محمد نجيب باشا إلى قائمقام كربلاء في 21 شوال 1262ه- في الهامش (9) من ص 357 من كتابه، بينما الوثائق العثمانية تخالف ذلك.
2) هو السيد سعيد بن سلطان (حاكم كربلاء) بن ثابت بن درويش بن محمد بن حسين بن ناصر بن نعمة الله بن ثابت (الذي سُميّت الأسرة باسمه، آل ثابت) بن سلطان كمال الدين من آل زحيك. وآل ثابت أسرة كريمة كان لها الزعامة والوجاهة في المدينة.
وإثناء فترة توليه السدانة واجه عدة مشاكل من قبل بعض الأشخاص المنتمين إلى السادة آل طعمة طمعاً بالحصول على السدانة بغير وجه حق وسيتم شرح ذلك مفصلاً حسب الترتيب الزمني لأحداث هذا الكتاب.
عندما إستلم السيد سعيد بن سلطان آل ثابت سدانة العباس مرة أخرى، قدم طلباً إلى الحكومة العثمانية بأن يتم إجراء جرد لخزانة الروضة العباسية، مشككاً في سلفه السيد حسين بن حسن بن محمد علي الذي طالما كان منافساً له على منصب السدانة.
وفي كربلاء تشكلت لجنة قضائية لغرض الجرد الذي جرى في شهر شعبان سنة 1265ه- / 1849م وقد حضر عملية الجرد السادنين السيد حسين والسيد سعيد، وتم إعداد قائمة بمحتويات الخزانة وقعت عليها لجنة الجرد كذلك السادنين، وقائمة المحتويات سُجلت فيها قناديل متنوعة الشكل والحجم من الذهب والفضة وكذلك عدد من الشمعدانات الذهبية والفضية والنحاسية، ومجموعة كبيرة من (الكفوف) الذهبية والفضة التي ترمز إلى كف العباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) المقطوع يوم عاشوراء، وسيوف وخناجر وقلائد ذهبية وأسورة وأعلام وأنواع من السجاد وكذلك المصاحف المخطوطة. وقد ثبتنا قائمة الموجودات لدينا من أرشيف المرحوم السيد محمد سعيد محمد علي آل ثابت، ولا نجد حاجة لذكرها بالتفصيل لعدم الإطالة.
كانت عملية الجرد هذه سابقة في العتبات المقدسة، والغريب بأننا سنجد لاحقاً بأن أشخاص نصبوا العداء للسيد سعيد آل ثابت وإتهموه بالتصرف وسرقة مواد من الخزانة، وقد تبيّن فيما بعد كذبهم من خلال تدخل الوالي وجرد الخزانة مرة ثانية، وكان من غباء هؤلاء أنهم لم يفكروا بأن المواد مسجلة باسم السادن بعد أن طلب هو بنفسه الجرد، فكيف يسرق ما هو مثبّت عليه وبمسؤوليته شرعاً وقانوناً. وللأسف
تكررت هذه الحالة من الاتهامات الباطلة والتي سوف نتحدث عنها ضمن السياق الزمني للأحداث، وجميعها كانت بسبب الغيرة والحسد والتنافس غير الشريف على منصب السدانة.
للمرحوم السيد سعيد بن سلطان آل ثابت سادن العباس مواقف ما زالت تذكر لحد الآن حيث كان تأثيرها واضحاً وجلياً إلى وقت قريب. ومن هذه المواقف:
1 - أنه كتب إلى الحكومة العثمانية كتاباً مؤرخاً في 28 ذي القعدة سنة 1265 ه- طالباً فيه تعيين خمسة عشر شخصاً من الأسر التي تقوم بالخدمة في المراقد المقدسة في كل من الروضتين الحسينية والعباسية يتقاضون رواتب شهرية من أوقاف قصبة كربلاء وأن تصدر بحقهم فرامين عثمانية لتثبيتهم وعوائلهم في خدمة العتبات. وقد وافقت الحكومة العثمانية على طلب السادن، وتم تعيين 15 شخص في كل عتبة وكانوا يسمونهم (الفرمنلية). وعلى هذا الأساس تشكلت أربعة أكشاك (فرق) ، كل كشك (فرقة) يسجل فيه أسماء الخَدَم الذين توارثوا الخدمة في العتبتين أباً عن جد، لتنتقل بالوراثة إلى أبنائهم وأحفادهم. وتم تنظيم تلك الأكشاك على المجموعات التي تتولى الخدمة، ويتم إختيار شخص يرأس الكشك ويشرف على شؤون منتسبي ذلك الكشك. والأكشاك الأربعة هي:
أ. كشك آل فائز، ويشمل السادة من جميع الأسر الفائزية مثل آل طعمة وآل نصرالله وآل ضياء الدين وآل مساعد (عوج) وآل تاجر وآل سيد أمين وكل من ينتسب لآل فائز في كربلاء.
ب-كشك آل زحيك، ويشمل السادة من جميع أسر آل زحيك، مثل آل ثابت وآل دراج النقيب وآل الإشيقر ، وآل السيد يوسف (بيت الوهاب وبیت جلوخان).
ت. كشك آل الحائري، ويشمل العوائل الحائرية التي تولت السدانة والخدمة في العتبتين. وغالبية منتسبي هذا الكشك من قبيلة بني أسد العربية العريقة.
ث. كشك العزبة، وغالبية أفراد هذا الكشك من قبيلة خفاجة العربية.
وكل كشك (فرقة) كان عليها رئيس يسمّى (سركشك) أي رئيس الكشك. وإستمرت الأكشاك سنوات طوال، ودخلت في هذه الفرق أسر علوية وغير علوية ممن تشرفوا بخدمة المراقد وإختلطت الفرق فيما بينها وتوالى عليها رؤساء من مختلف العوائل، وآخر تسمية لرؤساء الفرق كانت كما يلي:
1- فرقة آل فائز تولاها المرحوم السيد محمد سعيد بن محمد حسن (سرخدمة) آل طعمة.
2- فرقة آل زحيك وكانت تسمّى أيضاً بفرقة (الاشيقر) رئيسها كان المرحوم السيد هاشم السيد محمد علي الإشيقر
3- فرقة الحائري رئيسها المرحوم السيد محمد بن علي آل تاجر.
4 - فرقة العزبة رئيسها كان المرحوم السيد كاظم بن عبود بن علي الأحمد آل نصرالله.
وقد تولى رئاسة الفرق بعد وفاة المذكورين أشخاص من نفس عوائلهم.
2- كما قدّم السيد سعيد بن سلطان آل ثابت طلباً إلى البلاط العثماني راجياً فيه إعفاء أسر الخدم في الروضتين الحسينية والعباسية من رسوم الدفن في العتبات، كما هو معمول به في الروضة الحيدرية في النجف التي كانت أسر الخدم معفية من دفع رسوم الدفنية في العتبة الحيدرية بأمر من السلطان العثماني. وجاء الرد من البلاط بالموافقة على الطلب ومنذ ذلك التاريخ تم إعفاء أسر الخدم من تلك الضريبة.
لم تكن قصبة الهندية في عام 1849م / 1265 ه- تابعة لقضاء كربلاء وإنما كانت قصبة إدارية تتبع لبغداد مباشرة حسب سالنامة الدولة العثمانية لسنة 1266ه- ص 88.
ولكنها كانت بمثابة المنطقة العسكرية التابعة لكربلاء في عام 1863م(1)، وهذه الرابطة كان لها التأثير بربط الهندية بكربلاء بالإضافة إلى امور أخرى منها قرب المسافة بينهما، وجغرافية المنطقة والإرتباطات العشائرية.
وفي شهر مايس من سنة 1849م / جمادي الآخرة سنة 1265ه- ثار عرب الهندية (عشائر طويريج) ضد حكومة الوالي نجيب باشا، ونشأت أزمة حادة جداً في صيف ذلك العام إستمرت هذه الأزمة لشهرين تقريباً. وشكّلت ثورة عارمة ضد السلطة وأدّت إلى حدوث مشاحنات بين السلطات المدنية التركية والسلطات العسكرية.
كان سبب هذه الثورة هو إقرار الوالي نِسباً باهظة من الضرائب على أراضي العرب الزراعية والتي تُروى بواسطة نهر الهندية ومن قنوات أخرى تتفرع من الجهة اليمنى من النهر. ولكن الوالي أعطى إلتزام المنطقة إلى الشيخ (وادي الشفلح) (2)رئيس قبيلة زبيد، وهو غريب عن المنطقة، فجمع هذا مبلغاً كبيراً من عرب الهندية بعد ذلك ثارت قبائل المنطقة التي عُرفت دائماً بإلتزام القانون فطردت الملتزم (الشيخ وادي)
1) الأرشيف العثماني لرئاسة الوزراء التركية، دفاتر مصروفات المالية الرقم 17270 للمدة من سنة 1280 - 1282ه- .
2) وادي الشفلّح ... هو رئيس عشائر زبيد، جاء في هامش (1) ص 286 من كتاب النجف الأشرف مدينة العلم والعمران للشيخ محمد كاظم الطريحي عن الشفلح ما يلي: وكانت تحت سيطرته مناطق فراتية واسعة، وكان ممثلاً لحكومة بغداد سنة 1252ه- / 1836م ، كما أعتمد من قبل الوالي علي رضا باشا لنفوذه الكبير وإزدادت قوته بعد أن عيّنه نجيب باشا حاكماً على منطقة الفرات. تُوفي سنة 1271ه- / 1855م.
ومعاونيه، وقامت بسلب ونهب مخازن الغلال العامة والمستودعات التي كانت تحوي حصصهم من الحنطة (1).
وصلت أخبار هذه الثورة إلى مسامع نجيب باشا والي بغداد، فطلب من (الحكمدار) قائد الجيش (عبدي باشا) (2)أن يضع حداً للعصيان، وطلب منه أن يعيد الشيخ وادي الشفلّح (رئيس قبيلة زبيد وملتزم المنطقة الذي طرده الأهالي) إلى المنطقة ويقوم بجمع الضرائب من القبائل بقوة السلاح.
لم يكن قائد الجيش عبدي باشا مقتنعاً بالأوامر التي صدرت إليه من الوالي، لأنه يرى الثورة في الهندية قامت نتيجة الضيم والظلم الذي لحق بالقبائل، فلم يتخذ إجراءات قاسية ضد الثائرين سوى إرساله مفرزة واحدة لا أكثر من الجنود مع تعليمات معينة بإعادة الأمن إلى نصابه فقط.
تصرُّف عبدي باشا هذا نتج عنه خصام شديد بين الوالي نجيب باشا وقائد جيشه عندها تقرر تأليف لجنة مختلطة من المدنيين الذين يمثلون الوالي، ومن عسكريين يمثلون قائد الجيش، ولم تتفق وجهات نظر أعضاء اللجنة. فكل يؤيد وجهة نظر رئيسه.
إضطر قائد الجيش عبدي باشا الذهاب بنفسه إلى مناطق الهندية، وأصدر هناك بياناً طلب فيه تهدئة الموقف وأبدى رغبته بعقد إجتماع مع رؤساء عشائر الهندية وعفج والخزاعل.
1) دليل الخليج القسم التاريخي لويمر، ج 4 ص 2003.
2) عابدي باشا أو عبدي باشا ... هو عبدالكريم نادر باشا، الذي إستلم ولاية بغداد بعد نجيب باشا وكان قائد جيشه. وفي ربيع الأول سنة 1264 ه- نال منصب المشيرية للعراق والحجاز برتبة الوزارة، وفي شعبان سنة 1265 ه- مُنح ولاية بغداد خلفاً لنجيب باشا، وعزل في صفر سنة 1267ه- ومدة ولايته كانت 18 شهراً فقط، ثم أصبح سردار (قائد الجيش) بمقام وزير الدفاع، توفي سنة 1301ه-. وعندما كان قائد الجيش في بغداد إختلف مع نجيب باشا وكانت بينهم خصومة بدأت في ثورة الهندية لأنه لم ينفذ جميع أوامر الوالي.
وتم ذلك الإجتماع وإستطاع عبدي باشا أن يقنع جميع الشيوخ بإنهاء التمرد حيث أقروا بولائهم للسلطان العثماني، وتم الإتفاق على توقيع تعهد خطي بدفع الضرائب الرسمية المفروضة على مناطقهم بالإضافة إلى مبلغ معين تم الإتفاق عليه، لكن الوالي نجيب باشا رفض تلك التسوية العادلة التي تمت مع قائد الجيش. وإشتدَّ الخلاف بينهما وتدخل (درويش باشا) وكان حينها المبعوث العثماني لتخطيط الحدود. لكن وساطته فشلت، وظلّ الخلاف بينهما لوقت قصير إلى أن أُزيح نجيب باشا من ولاية بغداد وتم تعيين عبدي باشا مكانه في شعبان 1265ه- / 1849م (1).
1) راجع كتابنا (الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء) ص 282 - ص 285 ، وفيه التفصيل.
في فترة مهمة عاشتها كربلاء لمدة 20 سنة تقريباً إتسمت في الهدوء النسبي بعد أن تم عزل والي بغداد محمد نجيب باشا في 22 شعبان 1265ه- وتعيين عبد الكريم نادر باشا الشهير ب- (عبدي باشا)، الذي كان قائد الجيش ودخل في خلاف مع الوالي خاصة في موضوع ثورة الهندية والأحداث التي وقعت بعدها وبتأثيرها في كربلاء.
خلال هذه الفترة الزمنية شغل منصب ولاية بغداد بعد الوالي الظالم المستبد محمد نجيب باشا الذي إقتحم كربلاء بالقوة سنة 1258 ه- بواقعته الشهيرة، وفيها سالت دماء الكربلائيين والزوّار بدون رحمة ولا شفقة وما حصل من تجاوز على العتبات المقدسة فيها، وإستباحة الجند لها بأمر منه غير مبالٍ بقدسيتها ولم تأخذه رأفة ولا شفقة على من فيها من رعايا الدولة وكذلك الأجانب من جنسيات أخرى، فقد تربع على ولاية بغداد التي كانت كربلاء تتبع لها تسعة ولاة هم:
1-عبدالکریم نادر باشا (عبدي باشا) رجب 1265ه- / 1849م.
2- محمد وجيه باشا (وجيهي باشا) . صفر 1267ه- / 1850م.
3- محمد نامق باشا الكبير. محرم 1268ه- / 1851م.
4- محمد رشيد باشا الگوزلگي، ربيع الأول 1269ه-/ 1852.
5- السردار الأكرم عمر باشا، رجب 1274ه-/ 1857م.
6- مصطفى نوري باشا، ربيع الأول 1276ه- / 1859م.
7- أحمد توفيق باشا، شعبان 1277ه- / 1860م.
8- محمد نامق باشا (للمرّة الثانية) شعبان 1278ه- / 1861م.
9-تقي الدين باشا، ربيع الأول 1284ه- / 1867م.
إنتهت هذه الفترة بتسلّم الوالي المصلح مدحت باشا ولاية بغداد وكانت له أعمال ومنجزات في كربلاء سيتم ذكرها في فترة حكمه.
إثناء إستمرار ثورة الهندية حدث في كربلاء تمرّد في الحامية العسكرية فيها، فإختلّ نظام الضبط وتُرك الحبل على الغارب، فأخذ جنودها القيام بأعمال ينتهكون فيها حرمة السكان والاعتداء عليهم ونهب أموالهم، وقاموا بشتم وإهانة رجال الدين الذين كان معظمهم من الإيرانيين، كما قاموا بالتعرض إلى المقيمين الإيرانيين في كربلاء، فلما وصلت الأخبار إلى مسامع الوالي نجيب باشا حول الوضع المضطرب في كربلاء وعدم قدرة الحاكم المدني فيها القائمقام (نوري بك) السيطرة على الموقف. ومن خلال الشكاوى التي رفعها الكربلائيون وكذلك القنصل الإيراني في بغداد لتعرض أفراد جاليته في كربلاء إلى الإهانات والعنف من قبل جنود الحامية المرابطة بكربلاء.
كان جواب الوالي نجيب باشا بأنه فقد السيطرة على الجيش وعليهم الدفاع عن أنفسهم، وكان الوالي يعني بكلامه هذا مضايقة خصمه قائد الجيش عبدي باشا.
ثم قام باستدعاء قائمقام كربلاء إلى بغداد مبرراً ذلك بأنه لم يعد بإستطاعته تحمّل مسؤولية إدارة أماكن لم يعد فيها وسائل ناجحة أو جيش مطيع يمكنه أن ينفذ أوامره.
ساءت الأوضاع في كربلاء، وعاش الأهالي حينها في قلق شديد وكادت الحياة أن تتوقف في المدينة. تدخّل الوكيل السياسي البريطاني في الموضوع خوفاً من حدوث كارثة أخرى في كربلاء يكون لها أثر سيّء على العلاقات العثمانية – الإيرانية، وقابل نجيب باشا شارحاً له المخاطر التي يمكن أن تنجم عن ذلك الوضع المضطرب، لكن الوالي كان مصمماً على رأيه قاصداً إلقاء تبعة ذلك كلّه على خصمه قائد الجيش، ولم تنفع جميع المحاولات لتغيير رأيه.
عندها رأى قائد الجيش ما حصل في كربلاء التي خلت من وجود قائمقام فيها ولغرض السيطرة على الوضع في مدينة كربلاء، قام عبدي باشا قائد الجيش بالتدخل بشكل سريع، فأرسل ضابطاً يَعتمد عليه من خاصته إلى كربلاء لإملاء فراغ مركز حاكمها الذي سحبه الوالي إلى بغداد، وقام هذا الضابط بالسيطرة على الحامية العسكرية وتمكن من إنهاء أعمال الشغب التي قام بها الجنود في المدينة، وعاد الأمن إليها وبدأت الحياة تعود إلى مجراها في مدينة كربلاء (1).
ظل الوالي محمد نجيب يرفض تعيين قائمقام لكربلاء، وإستمر الضابط المعيّن من قبل قائد الجيش يدير الأمور في كربلاء، وبعد عزل نجيب باشا عن ولاية بغداد وخلّفه عليها خصمه (عبدي باشا) قائد الجيش لم يتم تعيين قائمقام لكربلاء لحين إستلام نامق باشا الولاية الذي أصدر أمراً بتعيين قورابي أفندي قائمقام لقضاء كربلاء.
1) تم إعتماد كتاب دليل الخليج ، القسم التاريخي لمؤلفه .ج. ج. لويمر، ج 4 في الصفحات من 2003 إلى 2006 ، وتم النقل بتصرف في بعض الفقرات من الموضوع للإختصار وتسهيل نقل الحوادث إلى القارئ الكريم.
في عام 1265ه- / 1849م صدرت الأوامر من السلطان العثماني عبد المجيد (1)
وكانت للسلطان عبدالمجيد خدمات جليلة للعتبات المقدسة وخاصة في كربلاء من تعميرات وهدايا ومعلقات، ومنها لازال محفوظاً في خزانة العتبتين الحسينية والعباسية. ولابد من الإشارة بأن إهتمامه بعتبات كربلاء المقدسة كان نتيجة حوادث واقعة نجيب باشا التي حدثت في زمانه، وإهتمامه هذا نابع من نواحي سياسية لأن حادثة كربلاء أثرت على العثمانيين دولياً وأراد أن يقوم بأعمال لتجاوز الإتهامات التي وجّهت إلى الدولة العثمانية كونها تتبع سياسة مذهبية مخالفة.
وفي أيّام ولاية محمد نجيب باشا بالمباشرة في تعميرات واسعة لمرقد أبي الفضل العباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وذلك لأن قِدم البناء أظهر الكثير من التشققات في جدران الحرم الشريف، وترميم الكاشاني الذي كان يغطي القبة الشريفة فقد كانت قد سقطت بتراكم السنين ما يعادل نصف تلك القطع المزخرفة من الكاشاني، وكذلك في المنارتين، وشملت التعميرات الجزء الشمالي من الصحن الشريف.إستمرت أعمال الترميم في الروضة العباسية ثلاث سنوات وإكتملت بداية سنة 1270ه- / 1853 ، وكان السادن يومها السيد سعيد بن سلطان آل ثابت.
وكان قد أورد مؤلف مدينة الحسين في السلسلة الرابعة ص346 من كتابه عن الترميمات ليس صحيحاً وإنما هي لترميمات لاحقة، وفي حينها لم يكن هناك متصرف في كربلاء اسمه رشيد بك، بل ولم تكن حينها كربلاء متصرفية وإنما كان يحكمها حاكم عسكري عيّنه عبدي باشا، وفي التقسيمات الإدارية للواء بغداد لسنة 1266 ه- / 1849م كانت كربلاء تابعة للواء بغداد حسب سالنامة الدولة العثمانية لسنة 1266ه- ص 88.
1) السلطان عبدالمجيد خان هو ابن السلطان محمود الثاني. إعتلى عبد المجيد العرش سنة 1255ه- / (1839م) لحين وفاته سنة 1278 ه- / (1861م) ، حيث خلفه على العرش شقيقه السلطان عبدالعزيز.
نسخة من سالنامة سنة 1266 وردت في الصفحة 88 منها تؤكد بأن كربلاء والنجف قضائين تابعين لولاية بغداد مباشرة.
بهاء الله هو المرزة حسين علي بن الميرزا عباس بزرك المازندراني النوري. كان من زعماء البابية في بداية أمره، ولد في طهران في 2 محرم سنة 1233ه- الموافق ليوم 12 تشرين الثاني سنة 1817م(1). ولما أعلن الباب دعوته إعتنقها بهاء الله وكان إذ ذاك في السنة السابعة والعشرين من عمره.
توجه إلى التصوف والروحانيات في بداية أمره، وعندما إدّعى الميرزا علي محمد (الباب) مهدويته، مال إليه بهاء الله وبدأ ينشر تعاليم الباب في طهران ومازندران. كما إنه حضر مؤتمر (دشت بهشت) الشهير للبابية وكانت (قرة العين) في المؤتمر فقد مال إليها بشكل كبير، وهي التي أطلقت عليه لقب (بهاء الله ). كان المؤتمر هو الفيصل بين البابية والاسلام.
1) البهائية حقيقتها وأهدافها: ضاري محمد الحياني، ص 75.
إتُهم مع آخرين في موضوع إغتيال الشاه وتم سجنه عدة أشهر، ومن ثَمَّ أطلق سراحه لتبرئته من التهمة بضغط وتأثير من الروس وسفارتهم في طهران، وتم ترحيله إلى بغداد. وبدأ بينه وبين أخيه المرزا يحيى (صبح الأزل) خلاف شديد، فقد أصدرت الحكومة العثمانية أمراً بنفي (بهاء الله ) إلى ( عكا ) ، وصبح الأزل إلى (قبرص).
ألّف بهاء الله كتابه (الأيقان) عندما كان في بغداد، وفي كتابه هذا الذي تضمن زعمه بالنبوة وطلب الإيمان به وأخذ بتأويل السور والآيات، إلى أن إدعى الإلوهية في الأخير. وأسس ديانته الجديدة التي تعرف ب- (البهائية) وقد خرجت عن الإسلام نهائياً (1).
كان بهاء الله قد مكث في بغداد عدة أيام بعد رحلته من طهران إليها، وقد إعتمد أن يكون إنتشار رأيه وكشفه للعالم في بغداد التي سوف تستقبله مرة أخرى لذات الأمر.
ومن بغداد توجه بهاء الله إلى كربلاء في شهر شوال سنة 1267ه- / (30) تموز سنة 1851م) ، وبقي فيها لغاية 28 آب من نفس السنة (2). وكان يرافقه شكر الله النوري وهو أحد أقربائه، وميرزا محمد المازندراني، ويذكر بهاء الله سبب إرتحاله من طهران كان نتيجة ضغط الحكومة ومحاولتها إستمالته بمنصب له.
وفي كربلاء وجد بعض المشاهير مثل الشيخ سلطان الحائري والسيد جواد الكربلائي وكانا من رجال الدين المعروفين في كربلاء، وكانا يتبعان ويؤيدان أفكار (السيد علّو) التي تقف على الضد من البابية حينها. فقابل بهاء الله الشيخ سلطان ونجح في إقناعه وإستمالته لأمر الباب وفي النهاية أصبح الشيخ سلطان والسيد جواد الكربلائي وحتى السيد علّو من المناصرين للمعتقد الجديد.
وعن لقاءاته في كربلاء فقد جاء في مطالع الأنوار أنه كان يسير في شوارعها فإلتقى مع الشيخ (حسن الزنوزي) الذي أطلعه على السر الذي سيذيعه فيما بعد في بغداد، ووجده جادّاً في البحث عن (الحسين الموعود ) !! الذي كان الباب يشير إليه بمحبة زائدة والذي وعده بمقابلته في كربلاء... وقد إنجذب الشيخ حسن لمولاه الجديد ولولا منعه لأفشى السر إلى أهالي كربلاء وأظهر دعوة رجعة الحسين الموعود الذي ينتظرون ظهوره. وممن إعترف بعقيدة بهاء الله في كربلاء (الميرزا علي طبيب الزنجاني)، وكذلك المدعو ميرزا عبدالوهاب الشيرازي ابن الحاج عبدالمجيد الذي كان يمتلك حانوتاً في كربلاء والذي إرتأى أن يترك كل ماله وممتلكاته ويتبع بهاء الله رغم إنه نصحه بالبقاء لحين طلبه إلى طهران وأعطاه مالاً لتوسيع تجارته، ولم يتمكن عبدالوهاب البقاء فذهب إلى طهران وتم حبسه ومن ثَمَّ قتل في السجن. وممن أيّد بهاء الله في دعوته وهو في كربلاء المدعو الشيخ (علي ميرزاي شيرازي) والذي أصبح من أكبر أنصار بهاء الله (1).
هكذا كانت الأفكار الهدامة للبابية والبهائية والخارجة عن منطوق الشريعة والدين الإسلامي الحنيف ومحاولة نشرها في مدن العراق ومنها كربلاء بعد أن تفشت هذه المعتقدات الغريبة في إيران. وعندما كانت الدولة العثمانية تمنع مكوث رجال الدين الإيرانيين في كربلاء وبقية مدن العتبات كان البعض يتهمها بالتعصب المذهبي إلى غيره من النعوت، وهاهي تلك المعتقدات الواهنة والمضلة تنتشر بين رجال الدين الإيرانيين في كربلاء ولم نجد واحداً ممن إعتنق عقيدة البابية ثم البهائية من رجال الدين العرب خاصة في كربلاء، ولا من أهاليها.
إن الحركة البابية التي إعتمدت على فكرة المهدوية بإعتبار أن موعد ظهور الغائب قد آن أوانه، ومن ثَمَّ يدّعي علي محمد الشيرازي أنه (الباب) للموعود، ثم يطور عقيدته إلى إدعائه أنه نائب الإمام المنتظر ثم إدعى المهدوية ووصل إلى إدعائه النبوة،
1) راجع التفصيل في مطالع الأنوار، ص 473 .
وبهذا الموقف فقد خرج عن الإسلام، ودعى بعد ذلك إلى التبشير بظهور القدس الرباني ويقصد به (بهاء الله) الذي سيتم على يديه نشر الرسالة الجديدة فتأسست البهائية كدين جديد. والأمر لا يخلو من تدخل السياسة والدول.
في سنة 1267ه- / 1850م عيّنت السلطات العثمانية (قورابي أفندي) حاكماً جديداً لكربلاء بمنصب قائمقام (1).
كان هذا القائمقام شغل وظيفة القضاء في المحكمة الابتدائية في بغداد، وبدأ عمله في كربلاء بروية عالية وقد أخلص للدولة وللأهالي، ونتيجة لمسيرته الجيدة في كربلاء ورضى الناس عنه مما أراح في تصرفه مسؤولي الولاية في بغداد وعلى رأسهم الوالي نامق باشا الذي كافأه بسبب إخلاصه للدولة والخدمات التي قام بها في كربلاء، كما رفع إليه كتاب شكر ثُبّت في السجلات العثمانية (2).
كان قورابي أفندي قد شغل منصب قائمقام كربلاء لسنوات عديدة لم يسبقه أحد من الحكام الذين تولوا المسؤولية الإدارية الأولى في كربلاء، ولا الذين أتوا بعده، لأنه بقي قائمقاماً من سنة 1267ه- إلى سنة 1279ه- / (1850م - 1862م) عدا فترة قصيرة قدم إستقالته فيها ثم أعيد تعيينه مرة أخرى في كربلاء. وعلى ضوء ذلك ينبغي الحديث عنه بالتفصيل معتمدين على الوثائق الرسمية العثمانية.
1) يتبين من الأرشيف العثماني برئاسة الوزراء التركية، دائرة مكاتبات عموم الولايات، 67/94 ، في 7 شوّال 1267ه- ، أنه كان قائمقام في كربلاء . ولا بد أنه قد تم تعيينه قبل أشهر من هذا الكتاب لحصوله على شكر في شهر رجب من نفس السنة وهو قائمقام على كربلاء.
2) الأرشيف العثماني لرئاسة الوزراء التركية، دائرة مكاتبات عموم الولايات 61/29 في 27 رجب 1267ه-.
هذا القائمقام عاصر ستة ولاة تولوا ولاية بغداد هم نامق باشا، محمد رشید باشا الكوزلكلي (أبو مناظر)، السردار الأكرم عمر باشا، أحمد توفيق باشا، ونامق باشا الذي إستلم ولاية بغداد للمرّة الثانية.
كانت علاقته جيّدة بالوالي نامق باشا وقد وضّب هذه العلاقة لينجح في وظيفته بكربلاء، وبعد ثلاثة أشهر من عزل الوالي وحسب الوثائق العثمانية فإن مجلس ولاية بغداد بعث برسالة لقورابي أفندي حيث طُلب منه القيام بمساعٍ إيجابية مع ولاية بغداد لحماية الدولة وإستتباب الأمن فيها (1)، كما أحالت ولاية بغداد نفس الخطاب لمجلس الوزراء لطلب نفس الشيء من قورابي أفندي، لكن مجلس الوزراء أخبر الولاية بأن وضع قورابي افندي لا يسمح بتنفيذ ما طُلب منه (2).
من ذلك يتبيّن بأن هناك خلاف بين الوالي محمد رشيد وبين قائمقام كربلاء، وكانت للخلاف أسبابه، وهو أن القائمقام كان يهدف إلى التعايش الجيد مع الشيعة، ولأن سكان كربلاء والمقيمين فيها وخاصة من الإيرانيين هم شيعة فإتخذ خطوات منها المعاملة الجيدة مع الأهالي وقربه منهم، وجالس رؤساء البلد وقدّم خدمات لم يقدمها الذين سبقوه وحافظ على الأمن والإستقرار في كربلاء.
«كما أنه إعترف بحقوق أكثر للإيرانيين وعاملهم بشكل جيّد لم يضر بسيادة الدولة » (3).
وانه كان يعتقد بأن الإجراءات والخطوات التي كان الولاة يتخذونها إتجاه الشيعة في كربلاء هي مخالفة لمفهومه في الإدارة، وقد شكّلت له عقبات لوقوف مسؤولي الولاية ضد إسلوب عمله، ولكنه مع ذلك كلّه لم يتمكن أحد من عزله أو نقله وقد إستمر في منصبه كقائمقام على كربلاء.
من خلال ثورة أهالي كربلاء والحركات العسكرية التي جرت إثناء واقعة نجيب باشا سنة 1258ه- / 1843م ، تأكد للحكومة العثمانية بأن هناك مؤشر ضعف في المنطقة في المجال العسكري، ولأن التنظيمات الجديدة للجيش العثماني قد طُبّقت على ولاية بغداد، فمن الطبيعي أن يكون تأثيرها واضحاً على كربلاء وخاصة عند تأسيس جيش العراق والحجاز . دمجت الدولة الإدارتين المدنية والعسكرية وجعلتها بأمرة شخص واحد يكون هو الوالي وهو قائد الجيش، وأول من طبقت عليه عملية الدمج هو والي بغداد (نامق باشا) والغرض من الدمج هو لإستتباب الأمن والإحساس بالإدارة المركزية ولتوطين العشائر الرّحل.
وفيما يخص كربلاء فإن الحكومة العثمانية كانت تعتقد بأن أهالي كربلاء كانوا هدفا لتحريض إيران، ومن ناحية أخرى رأت من الضروري السيطرة على منطقة كربلاء والوحدات الإدارية التابعة لها لغرض التحكم فيها، فبعد واقعة نجيب باشا أرسلت الحكومة قوات عسكرية إلى كربلاء، ووضعت بأمرة الحاكم العسكري الذي يقوم بمقام القائمقام المدني والذي إستمر لمدة تزيد على السنة بعد الواقعة.
وفي عام 1267ه- / 1851م قرر (نامق باشا) تعزيز القوة العسكرية في كربلاء والنجف والهندية والمسيب.
فأصبح في قضاء مركز كربلاء ثلاث كتائب تابعة للواء الرابع من الجيش الهمايوني في العراق والحجاز(1).
أما النجف فكان فيها الكتيبة الأولى والكتيبة الثانية من اللواء الثاني مشاة، والكتيبة الأولى من اللواء الرابع مشاة.
1) الأرشيف العثماني: دفاتر مصروفات المالية 5872 و 5405 في 26 ج 2 1260 ه- و 2 محرم 1261ه-، ودائرة دفاتر إرادة مجلس الولاء 4695 في 5 ربيع الأول 1266ه-.
وفي الهندية وبعد عام 1263ه- / 1847م كان فيها الكتيبة الثانية التابعة للواء الرابع مشاة. وفي المسيّب التابعة لكربلاء وضعت وحدة عسكرية من الجيش من الوحدات التي كانت في مركز كربلاء وذلك في عام 1266ه- / 1849م، بالإضافة إلى وجود وحدات من الجنود النظامية والمدفعية التابعة للجيش في كربلاء. فكان توزيع الوحدات العسكرية حسب الرؤية في الإختلافات المناطقية التابعة لكربلاء.
ففي سنة 1265ه- / 1848م مثلاً وُضعت في كربلاء وحدة مدفعية تابعة للجيش عدد أفرادها 589 جندياً (1). وكان في كربلاء كتيبة بقيادة (بيكباشي) وعنده أغا يمين وأغا يسار وأئمة وكتَبة وجرّاح، وعدد هذه الكتيبة 236، ومعظم الجنود من أهالي كربلاء (متطوعين وليسوا مجندين) وبغداد والموصل ومناطق أخرى. والكتيبة الأولى التابعة للواء الرابع يقودها شخص برتبة قائمقام (ياراباي) ومعه باش شاويش وبيكباشي وأغوات يمين ويسار وأئمة وكتبة. وفي هذه الكتيبة تقسيمات عسكرية تتكون من ثمان وحدات وعلى كل وحدة يوزباشي وبأمرته ملازم أول وملازم ثان وأربعة جاويشية وأمين للوحدة.
أما في النجف فكان فيها الكتيبة الأولى من اللواء الرابع مشاة وعدد أفرادها 326 جندي والكتيبتان الأولى والثانية من اللواء الثاني مشاة تعدادها 310 من الجنود. وفي الهندية الكتيبة الثانية من اللواء الرابع وهي بقيادة (أمير لواء) ومن ذلك نعلم بأن هذه الكتيبة في الهندية هي أكبر الكتائب وأهمها لأن أمير اللواء كان يعمل بأمرته قائمقام وبكباشي والأغوات وبقية الرتب، والسبب في كبر وأهمية هذه الكتيبة هو وجود الصراعات الدائمة بين العشائر في الهندية. وعندما دُمجت الهندية بكربلاء أُسلت إليها قوة إضافية من كربلاء خاصة في مجال مساندة العمل في سدة الهندية عام 1861م. وعندما هدأت الحالة في الهندية تم تخفيض القوة العسكرية فيها.
1) الأرشيف العثماني في مجلس الوزراء: من دفاتر المصروفات المالية برقم 8444 في 9 شوال سنة 1265ه-.
من ذلك كلّه يتضح بأن كربلاء والمدن التابعة لها إدارياً لها وضع خاص، وذلك لكثرة الثورات التي حدثت فيها، والنزاعات العشائرية المستمرة، والأهم من ذلك أن الولاة العثمانيين في العراق، مرّوا بتجارب مريرة إثناء عصيان كربلاء على الحكومة لعدة مرّات، ولكثرة الزائرين الوافدين إلى كربلاء والنجف خاصة.
قوات الضبطية (الشرطة) مسؤوليتها حفظ الأمن الداخلي. فعندما تأسست مشيرية الضبطية في إسطنبول سنة 1262ه- / 1845م ، تم تعميمها على ولايات الدولة العثمانية.
في كربلاء وبالرغم من وجود الوحدات العسكرية فيها والتابعة للجيش الهمايوني في العراق، فقد كان فيها ضباط وأفراد مكلفون بتوفير الأمن، كما كُلّفت أعداد كافية من الخيّالة والمشاة من جنود الضبطية لحماية الأمن في الأقضية والنواحي. وعندما تشكلت الضبطية في كربلاء كانت وحداتها برئاسة شخص يسمّى (مدير الطومروق) والطومروق تعني المخفر، والمتداول عن عنوان هذا المدير هو (مدير الدرك) الذي كان بمعيّته في كربلاء عام 1267ه- / 1851م عدد 120 فرداً من الخيالة والمشاة، وتعيين هؤلاء ورواتبهم ومصروفاتهم تقدم إلى مجلس ولاية بغداد (المجلس الكبير) بعد أن يوقع عليها القائمقام ومدير المال ونائب كربلاء، وسادن الحسين و سادن العباس والقاضي وثلاثة من أعضاء مجلس إدارة كربلاء ومدير الصندوق ومدير الدرك(1). وفي عام 1272ه- / 1855م زاد عدد الضبطية إلى 167 مع مدیر الدرك، ثم إنخفض سنة 1278ه- / 1861م إلى 136 فرد، وكانت تدفع رواتبهم من صندوق مال كربلاء.
1) الأرشيف العثماني: دفاتر مصروفات المالية لسنة 1267ه-.
ذكر المؤرخون بأن ولاية نامق باشا الذي كانت بيده مشيرية الجيش بالإضافة إلى منصبه كوالي، فقد كانت فترة ولايته مليئة بالحوادث، والأمور مرتبكة، والناس في ريب من أوضاعهم، فقد علا صوت المتنفذين وصارت الأموال غير مصونة، والطرق مختلة في العراق الذي أصابه الإنحلال والإختلال بشكل لم يَرَ له ممثيل في الفترات السابقة.
وكثيراً ما كان شيوخ العشائر يخرجون على الدولة فتقوم عشائرهم بأعمال تدعو إلى القلق وعدم إستقرار الأوضاع، يقابل ذلك أن الوالي لم يكن كسابقيه بحيث يقوم بإتخاذ إجراءات رادعة من أجل إستتباب الأمن.
وفيما يخص بحثنا فإن أحداثاً وقعت في قصبة (المسيّب) ألقت بظلالها بشكل كبير على مدينة كربلاء من عدة نواحي الأمنية والإقتصادية وحتى الإجتماعية. ففي يوم الأحد 14 جمادي الآخرة سنة 1268ه- / 4 نيسان 1852م هاجم الكثير من أفراد عشيرة (زبيد) التابعين ل- (وادي الشفلح) قصبة المسيّب وسيطروا عليها بالكامل ونهبوا أموال الأهالي، والطعام المخزون للناس. وكانت هذه الهجمة من ضمن الأعمال والغارات التي كانت تقوم بها عشيرة زبيد في وسط العراق، وكان أتباع الشيخ وادي ينزلون بمنطقة (الوردية) القريبة من الحلة، ولم تتمكن عساكر الحكومة من إيقاف هجماتهم رغم ان مقر العسكر كان في منطقة (النزيزة) الواقعة على أطراف الحلة الشمالية، وحاصرت زبيد الحلة وقطعت طريق بغداد الحلة، مما أثّر ذلك بشكل كبير حتى على المناطق الزراعية القريبة من بغداد، حيث خاف الناس حتى من مراجعة مزارعهم ومحاصيلهم خوفاً من الطريق وهم لا يجدود من الحكومة إجراءً رادعاً. وبعد حادثة المسيب فقد تأثرت كربلاء بشكل كبير نتيجة تلك الأحداث، فغلت الأسعار بشكل مخيف وتوقفت الأعمال، وإنقطع وصول الزائرين للمدينة، وبات الناس في حيرة من أمرهم، وتأثرت بذات الأمر حتى النجف والحلة، وإستمر
ذلك الأمر فترة طويلة إلى أن تم عزل نامق باشا وتعيين محمد رشيد باشا الکَوزلکَي الذي أخذ على عاتقه ضرورة إحلال الأمن وإعادة سيطرة الحكومة على المناطق التي شهدت هجمات العشائر.
جاء في بعض الكتب التي دوّنت تاريخ كربلاء ومنها كتاب مدينة الحسين لمحمد حسن الكليدار أن العالم الألماني ( ثيودور نولدكه) (1)
وكان أستاذاً لهذه العلوم في جامعة غوتنغن ثم في جامعة كيل وأخيراً في جامعة شتراسبورغ إلى أن تقاعد عن العمل سنة 1906م ألّف عدة كتب عن اللغات السامية، وكتب عديدة في تاريخ الإسلام وتمدنه منها: (تاريخ القرآن) ألفه سنة 1859م ، و (حياة النبي محمد) و (دروس في شعر العرب القدماء) و (النحو في اللغة العربية الفصحى) و (خمس معلقات) و (تاريخ أمراء الغساسنة في الشام) وغيرها. نال شهادة الدكتوراه سنة 1858م ، وقد أتقن العربية والعبرية والسريانية والفارسية والتركية والسنسكريتية. كانت وفاته سنة 1931م.
زار مدينة كربلاء بحدود سنة 1267ه-/ 1851م وكتب عنها، وفي الحقيقة أن نولدكه لم يزر كربلاء أبداً، والذي كتبه نولدکه عنها قد إستقاه من المؤلفات التي كتبت عن مدن الشرق ومنها كربلاء.يعجب المرء عندما يجد أخطاء في التدوين التاريخي لبعض الكتّاب ويُتخذ مصدراً لمن ينقل عنه بدون تمحيص ودراية للأسف. والأعجب من ذلك أن يقوم غيره بتدوين تلك النصوص الخاطئة في مؤلفات تكون فيما بعد مصدراً للباحثين وهي أصلاً مبنيّة على أخطاء جسيمة.
وفي موضوع زيارة ثيودور نولدكة إلى كربلاء التي كتبها محمد حسن الكليدار ومصدره مجموعة السيد عبدالحسين الكليدار ،الخطيّة، فإن السيد عبدالحسين لم يذكر أن نولدكة زار كربلاء وإنما كتب عن كربلاء النص الذي سنورده لاحقاً، وليس كل من كتب عن المدينة يعني أنه زارها، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، فالذين كتبوا عن
1) يُعدّ ثيودور نولدكه شيخ المستشرقين الألمان، ولد سنة 1836م في مدينة هاربورغ في ألمانيا، وتلقى علومه في جامعة غوتنغن وفيينا وليدن وبرلين إنصرف إلى دراسة اللغات السامية والتاريخ الإسلامي.
كربلاء فهم كُثر من المستشرقين ولم يكونوا جميعهم قد زاروها أصلاً وقد ذكرنا ذلك في مقدمة كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات).
فقد جاء في السلسلة الثالثة من كتاب مدينة الحسين الصفحة 172 أن نولدكه زار كربلاء وذكر : « إن مرقد الإمام الثالث الحسين بن علي يقع في ساحة الصحن التي تقدّر مساحته.... إلخ »، ويأتي الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتابه دائرة المعارف الحسينية - تاريخ المراقد - ج 2 ص 157 ويذكر النص على أن نولدكه زار كربلاء ومصدره كتاب مدينة الحسين الذي ذكرناه أعلاه، وعنهما أخذ البعض يكتب عن الزيارة المزعومة !!
لقد أخطأ مؤلف مدينة الحسين، وفي نفس الخطأ وقع الشيخ الكرباسي في تاريخ المراقد، لأن نولدكه لم يزر كربلاء ولا حتى العراق في حياته كلها التي جاوزت تسعة عقود من الزمن، وأوقعوا في ذلك الخطأ كل من كتب عن المستشرقين الذين كانت لهم رحلات إلى كربلاء ونشروها لاحقاً على مواقع الأنترنيت.
أمّا دليلنا على عدم زيارة نولدكه لكربلاء هو ما ذكره الدكتور (عبدالرحمن بديوي) في كتابه (موسوعة المستشرقين) عندما قال عن ثيودور نولدکه ما يلي: «... قام في 2 سبتمبر 1860 برحلة من برلين حتى روما وطاف بالبلاد الرئيسية طوال الطريق. وإستمرت الرحلة ثلاثة أشهر، وتعد هذه الرحلة هي الوحيدة خارج ألمانيا، وإلى جانب رحلاته إلى فيينا وليدن وإنجلترة. والعجب أنه لم يرحل إلى البلاد العربية والإسلامية، رغم أن تخصصه وعمله كلّه يتعلق بلغات هذه البلاد وآدابها وتاريخها وجغرافيتها » (1)!!
1) موسوعة المستشرقين: الدكتور عبدالرحمن بديوي، المطبوع سنة 1992م.
وقد ذكرنا التفاصيل في كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات) وفيه معلومات إضافية شاملة وتبيان لأخطاء الذين كتبوا عن الموضوع وعن مصادرهم الضعيفة بخصوص هذا الموضوع (1).
عالم الآثار الإنكليزي لوفتس (2)كربلاء
في سنة 1270ه-/ 1854م زار مدينة كربلاء المقدسة عالم الآثار الإنكَليزي وهو (وليم كينيت لوفتس) قادماً إليها من مدينة النجف بصحبة (درويش باشا) العضو التركي في لجنة الحدود الدولية، و (طاهر بك) حاكم الحلة العسكري، ويرافقهم عدد من العساكر الأتراك.
وكان قد سلك الطريق الصحراوي من النجف إلى كربلاء، حيث يذكر أن الطريق المباشر بين النجف وكربلاء يمر بحواشي البادية، لكنه نادراً ما يستطرق خوفاً من البدو الذين طالما كانوا يقطعون الطريق لغرض السلب والنهب.
كما يقول بأن المسافر فيه يلاحظ من الجهة الأخرى أهوار الهندية الممتدة على مد البصر. ويذكر أن مدخل مدينة كربلاء أكثر جمالاً من مدخل مدينة النجف، لوجود الكثير من البساتين وأشجار النخيل حول المدينة، وأن الأبنية الكثيرة المبنية خارج الأسوار(3). توحي بشيء أكثر من الطمأنينة والأمان بالنسبة لخطر القبائل البدوية.
1) كربلاء في أدب الرحلات، ص 149 - ص 153.
2) وليم كينيت لوفتس ... هو عالم من علماء الإنكليز، وكان قد زار العراق في سنة 1265ه- / 1849م بإعتباره عضواً دولياً في لجنة الحدود التي أنتدبت لتعيين الحدود وتثبيتها بين العراق وإيران، وكان حينها العراق تحت سيطرة الدولة العثمانية، وكانت مسألة الحدود العراقية مع إيران هي من أهم أسباب النزاع بين الدولتين العثمانية والقاجارية الإيرانية، وكانت هذه الرحلة هي زيارته الثانية للعراق لنفس الغرض.
3) يظهر أنه كانت هناك أبنية خارج السور قبل أن يقوم والي بغداد المصلح مدحت باشا بإنشاء محلة العباسية التي سميت ب- (الجِدَيْدَه) سنة 1870م، علماً بأن القادم من النجف إلى كربلاء يسلك الطريق الذي يمر بمحلة العباسية الحالية ويدخل المدينة من باب النجف والتي كان موقعها في الميدان القديم قرب محلة البلوش
ويذكر أنه شاهد في ضواحي كربلاء عدد من (الكُوَرْ) لصنع الطابوق (الآجر) والذي يشبه طابوق بابل في الشكل والحجم. وعند وصول موكب (لوفتس) وجماعته في الصباح فقد أستقبل بحفاوة كبيرة في مدخل المدينة، حيث يقول: فقد خرج الحاكم (1). وبصحبته عدد من الموظفين والوجهاء والمعممين بالعمائم الكبيرة المصنوعة بأنعم القماش من الموسلين وأدقّه، والمزركشة بخيوط الذهب أو غير المزركشة، لتقديم إحتراماتهم. وعلى الطريقة الشرقية قال الجميع للضيوف أن بيوتهم وجميع ما يملكون تحت تصرف القادمين الكرام.
ويقول أن هذه الأقوال جميعها لیست سوی مجاملات لا قيمة لها، أو (بوش) على حد قول العثمانيين (2). «وبهذا الإلتفات الزائد دخل لوفتس وجماعته إلى كربلاء خلال عاصفة من الغبار المثار من خيول المستقبلين ووسائط نقلهم، حتى نزلوا في السراي، حيث أعلن الحاكم الذي كان على علم مسبق بمجيء الضيوف بأنه سيتشرف بتناول طعام الإفطار معهم...» (3).
ويذكر لوفتس في كتابه عن رحلته وزيارته إلى كربلاء في الصفحات 59 و 60 ما یلی:... كانت أطعمة الإفطار تتألف من البلاو (الرز) وقليل من الخضروات المطبوخة بمختلف الأشكال، وصحن صغير من اللحم.
وكان الطبيخ جميعه مطيباً بعصير الليمون، ولكنه كان مشبعاً بأكثر مما يجب من السمن والشحم بحيث لا يمكن أن يستسيغه سوى الذين كان قد أخذ الجوع منهم مأخذه. ومع ذلك فقد أفرغت الصحون كلها حينما إمتدت الأيادي لها. وأنهيت
1) كان الحاكم هو القائمقام (قورابي أفندي) وقد تم ذكره سابقاً
2) ليس غريباً على شخص إنكليزي أن ينعت المستقبلين له بهذه الكلمات، لأنه لا يعرف المجتمع الشرقي، كما أن لوفتس هو الإنكليزي الذي شارك بترسيم الحدود بين العراق وإيران، والتي إستمرت مشاكل ذلك الترسيم إلى يومنا هذا ، لأنها المعتمدة تاريخياً في أي نقاش أو منازعة حدودية.
3) موسوعة العتبات المقدسة: قسم كربلاء، ص291 .
الضيافة بتقديم كاسة كبيرة من (الشربت) سرعان ما أدخلت فيها ملاعق الخشب ذات الأشكال الغريبة.
بعد طعام الإفطار خرج لوفتس وجماعته يطوفون ويتجولون في المدينة، وكان قصدهم الذهاب إلى قبر الإمام الحسين. ولكن كانت قد وصلت أخبار من النجف عن زيارة لوفتس ودخوله إلى صحن الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وهو مسيحي (1)
وقد أفتى بعض العلماء بجواز دخول غير المسلمين على أن يكونوا من أهل الكتاب بإعتبارهم يؤمنون بالله سبحانه وتعالى، بينما قسم آخر حرّم ذلك وإقتصرت الموافقة على دخولهم من الأبواب إلى حافة الصحن فقط ولا يجوز لهم تجاوز ذلك، ويعللون هذه الموافقة البسيطة هو لإطلاع غير المسلمين على المعالم الدينية في العتبات المقدسة، ويقوم المعنيون بشرح مفصل عن المراقد لهم
. يمنع دخوله المراقد المقدسة، فتهيأ الناس لمنعهم وإذا لم يمتنعوا وأصروا على الدخول فسيتخذ المحتشدون الذين يحملون مختلف الأسلحة سبيل المقاومة.فيقول لوفتس في مذكراته: ... يبدو ان الأخبار في الشرق تنتقل بسرعة البرق، فعندما توجهنا إلى الصحن الحسيني كان قد إصطف ثلة من الجنود المرافقين لنا بأسلحتهم في الباب الكبيرة، فوجدنا عند الباب تجمع لعدد كبير من الرعاع المسلحين
بصورة مخيفة. وكان على رأس هؤلاء درويش مسلح بشكل يلفت النظر ويبدو أنه كان يترصد حركتنا منذ أول وصولنا المدينة، فلم يجد الجميع من الحكمة أن يحاولوا الدخول امام جمهور محتشد متهيأ للمقاومة، وكان بوسعنا الحصول على فكرة كاملة عن داخلية الحير من البيوت المحيطة به، غير أن عدداً من خدمنا المسيحيين تمكنوا من الدخول مع بعض الخدم المسلمين إلى صحن الحسين، وسرعان ما إنكشف امرهم فأُخرجوا عنوة بعد أن ضُربوا ضرباً مبرحاً ، وعلى ذلك يجب أن تقدّم لهم التهاني على خروجهم غير مقتولين بمثل هذه السهولة...
1) بالنسبة إلى دخول غير المسلمين إلى العتبات المقدسة، ونصت قوانين وأنظمة العتبات الرسمية وكذلك التوجيه الشرعي من العلماء بعدم دخول غير المسلمين للعتبات، وكان آخر هذه الأنظمة هو قانون (نظام) العتبات المرقم 21 لسنة 1969 والمعدل سنة 1971م الذي يمنع دخول غير المسلمين للعتبات.
وفي مذكراته أيضاً يصف لوفتس واقعة كربلاء ويشيد ببطولة الإمام الحسين وأهل بيته وأنصاره الذين خرّوا صرعى معه وعددهم إثنان وسبعون، ويشير إلى بقاء الإمام السجاد الذي يتحدر السادة الحاليون من نسله حسب قوله.
في وصفه للروضة الحسينية يقول لوفتس : « إن جامع الحسين كثير الشبه في تصميمه بمشهد الإمام علي، لكنّه لا يمكن أن يقارن به من حيث النظافة والزينة والعمران. فإن قبّة الحسين وحدها مكسوّة بالذهب، وان إحدى المنارات الثلاث تبدو متداعية وتوشك على السقوط ».
وعن الروضة العباسية فقد ذكر بأن قبة جامع العباس كانت مكسوّة بالبلاط المزجج (يقصد به الطابوق الكاشاني) الأزرق المعتم.
شاهد لوفتس في زيارته الجنائز التي تنقل خاصة من إيران لتدفن في كربلاء والنجف، وعن الدفن في كربلاء يقول : « إن دفن الجنائز التي يؤتى بها إلى كربلاء كان أشبه ما يكون بما يحصل في مشهدعلي بوجه عام، لكنّ عددها لا يصل إلى العدد الذي يدفن منها في النجف. وأن عملية الدفن لا يبذل فيها الإهتمام اللازم في كربلاء، لأن الُحفر لا تحفر بأعماق كافية، وإنما تحفر بحيث لا تغطى الجثث المدفونة فيها إلّا بالكاد، وبسرعة تخلو من المراسيم . رغم أن المقابر في الشرق أجمع يعتنى بها بوجه عام، لكن لم أجد العناية المطلوبة في كربلاء. فالقبور فيها مهدمة البنيان، والكلاب يمكن أن تشاهد مع بنات أوى وهي تحفر في داخلها، وتعبث بقطع من الأكفان والجثث هنا وهناك. ومع جميع ما يلاحظ من مثل هذا العبث والإهمال فإن الجثث لا ينقطع ورودها إلى كربلاء للدفن، لأن الرغبة في الدفن هنا في التربة التي إمتزج بها دم الإمام الشهيد تعد أمنية غالية من أمنيات المسلمين وهذا الإعتبار يفوق أي إعتبار آخر عندهم ».
ووصف لوفتس الأسواق في كربلاء حيث قال: «أن أسواق كربلاء كانت ممتلئة بأنواع الحبوب، وبالسلع التي كان يحملها الزوّار إليها من جميع انحاء العالم. وهي
تشتهر بصناعة المصوغات المخرّمة، والحفر المتقن على الأصداف المستخرجة من مغاصات البحرين في الخليج ».
ويقول لوفتس عن إحتلال والي بغداد محمد نجيب باشا لكربلاء بالقوة جاء بعد أن أصبحت المدينة وكراً لعصابات (اليرماز ) (1)الذين ظلّوا يعيثون فساداً فيها مدة من الزمن، ويتحدون الأتراك في حكمهم وأهم ما يذكره عن حملة نجيب باشا يقول بأن (طاهر بك) حاكم الحلة العسكري التركي الذي جاء لوفتس بحمايته لزيارة كربلاء، كان أحد الضبّاط المشتركين في هذه الحملة المتصفة بالقسوة والعنف (حسب قوله)، وقد حصل على ترفيعه نتيجة لذلك.
حيث روى طاهر بك للمستر لوفتس أنه قد قتل بيديه ثلاثة من اليرماز، بينما اخرج رجاله سبعين منهم من مخابئهم التي إلتجأوا إليها ما بين الأطفال والنساء فقتلوهم صبراً في أماكنهم.
ويذكر لوفتس عن هذا الحادث الفظيع العلامات التي كانت ما تزال ظاهرة للعيان في مختلف انحاء كربلاء نتيجة الحصار والقصف... ويقول: فقد تهدمت الدور المقابلة للسراي، ولم يعاد تشييدها فبقيت دلائل واضحة للخراب والتهديم.
وتعرضت المساجد(2). للخراب والتدمير بصورة خطيرة، فظلّت آثار القنابل والشظايا واضحة للعيان في قبابها. وجدران البلدة (3). التي لم تسد الفجوات والثقوب الحاصلة فيها. ولم يسلم النخيل في البساتين من آثار القصف كذلك، فبقي عدد كبير منه تبدو الثقوب في جذوعه بارزة للمشاهدين، بينما إحترق عدد آخر منه هنا وهناك وتجرد من سعفه.
1) لابد انه إستقى هذه المعلومات الخاطئة من مرافقه (طاهر بك) الحاكم العسكري للحلة، الذي كان أحد ضباط الحملة، وقد أبدى فيها قسوة متناهية، وبسببها تم ترفيعه وجعله حاكماً عسكرياً على الحلة.
2) المساجد يقصد بها الروضتين الحسينية والعباسية، حيث حصل فيهما القتل والتخريب
3) جدران البلدة ... يقصد به لوفتس سور المدينة
إستمرت زيارة لوفتس لكربلاء عدة أيام، وغادرها إلى بغداد مباشرة عن طريق المسيب، وقال إنه خرج قبيل بزوغ الشمس وسقوط أشعتها الباهتة في أول الأمر على القبة الذهبية، وقبة العباس المكسوة بالقاشاني الأزرق المعتم التي كانت لا تزال محاطة بغلالة خفيفة من الضباب فكان لذلك منظر مؤثر في نفسه(1).
في رمضان سنة 1272ه- / 1856م وبعد عدة سنوات من تواجده في منصبه (قدّم قورابي أفندي) إستقالته إلى الحكومة مُدّعياً المرض (2). ، وقُبلت إستقالته التي كانت في الحقيقة هي خلافاته المستمرة مع ولاية بغداد، وكان لا يزال الوالي المختلف معه وهو محمد رشيد باشا الكَوزلكَي والياً على بغداد.
كان (يعقوب أفندي) يعمل تحت أمرة القائمقام قورابي أفندي حيث كان مديراً على ناحيتي شفاثة والنجف الأشرف التابعتين لكربلاء، ولأنه يعرف أحوال المنطقة فقد إقترحت ولاية بغداد تعيينه بمنصب قائمقام كربلاء وبراتب (6110) قرش (3).
وأُرسل الترشيح إلى مجلس الوزراء في إسطنبول، وبعد بحثه تمت الموافقة عليه وصدرت الإرادة في 19 ذي القعدة سنة 1272ه(4).
باشر يعقوب أفندي في كربلاء في ذي الحجة سنة 1272 ه(5)، ومن المؤكد أنه في شهر ربيع الثاني من عام 1273ه- / 1856م كان لا يزال في كربلاء، فقد ورد ذكره في
1) راجع كتابنا: كربلاء في أدب الرحلات، ص 154 - ص 162.
2) قُبلت إستقالته كما ورد في الأرشيف العثماني لرئاسة الوزراء: دائرة إرادة مجلس الولاء الرقم 15691 في 18 ذو القعدة سنة 1272ه-
3) كما جاء في سجلات إرادة مجلس الولاء في مجلس الوزراء وثبت المقترح بالتعيين والراتب في 12 شوّال 1272ه-
4) الإرادة بتعيينه صدرت من مجلس الوزراء حسب الأرشيف العثماني لمجلس الوزراء من دائرة إرادة مجلس الولاء في 19 ذو القعدة سنة 1272ه- أي بعد قبول استقالة سلفه بسبعة أيام.
5) أخطأ مؤلف كتاب مدينة الحسين محمد حسن الكليدار عندما ذكر في إستدراكات السلسلة الرابعة ص 47 من كتابه أن يعقوب بك عُيّن قائمقام من سنة 1264 إلى سنة 1272ه- / 1848 - 1854م، بدون أن يذكر أي مصدر إعتمد عليه، ولا بدراسة مستفيضة، وفي نفس الخطأ وقع د. عماد عبدالسلام رؤوف في كتابه (الأسر الحاكمة) ص 357. وكنا قد ذكرنا معلوماتهم هذه في ص 172 من كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات)، فتبيّن أنها خاطئة وعليه سيتم تصحيحها في الطبعة الثانية للكتاب.
رحلة عبد العلي خان (أديب الملك) لكربلاء، عندما ذكر صاحب الرحلة بأن قائمقام كربلاء زاره في محل إقامته ورد للقائمقام الزيارة (1).
وبعد سنتين وشهرين تقريباً تم عزل القائمقام يعقوب أفندي من منصبه في كربلاء بسبب إستيلائه على أموال بدل المقاطعات، وتم إعادة تعيين قورابي أفندي قائمقاماً على كربلاء مرّة أخرى.
توفي الشيخ مهدي آل كمونة الأسدي سنة 1272ه-/ بداية 1856م، والذي كان قد عيّنه الوالي نجيب باشا سادنًا للحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) بعد واقعته الدموية الشهيرة التي أخضع بها كربلاء لسلطة الدولة. فقد تولّى السدانة الميرزا حسن بعد وفاة أخيه. وإستمر فيها لحين وفاته سنة 1292 ه- / 1875م ، وبعد وفاته حصل نزاع على السدانة بين آل كمونة أنفسهم إلى أن تم حسم الأمر بإسناد السدانة إلى السيد جواد بن حسن آل طعمة بمساعدة السيد أحمد وفي بن السيد كاظم الرشتي الذي كلّفه ذلك حياته فيما بعد عندما تم إغتياله سنة 1295ه- بأمر من محسن كمونة بن الشيخ مهدي. الذي كان قد هدد بالقتل السيد أحمد وفي الرشتي والسيد جواد الذي عُيّن سادناً، فتمكن من الظفر بالسيد أحمد بعد أكثر من سنتين من تهديده، وقام أعوانه بقتله في باب صحن الحسين بعد صلاة العشاء، ولم يتمكن من تنفيذ تهديده للسيد جواد.
1) راجع كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات) ص 172 - ص 173.
يظهر انّ الطمع بمنصب سدانة العباس لم ينته عند تولّي المرحوم السيد سعيد آل ثابت السدانة مرة أخرى سنة 1265ه-. فقد ظهرت بوادر جديدة من أشخاص كانوا يطمعون بالسدانة ويسعون للحصول عليها بشتى الوسائل حتى إستخدموا الكذب والافتراء والغيبة والشحن الأسري وغيره من أجلها، وهذه الحالة وجدناها في أزمنة متفرقة وقد أعيدت بنفس أشكالها والغاية الرئيسية الطمع المادي بالدرجة الأولى وكسب الوجاهة بالدرجة الثانية والغيرة والحسد والعداوة بالدرجة الثالثة.
كان السيد سعيد آل ثابت ابن سادن العباس السيد سلطان آل ثابت، وجده السيد ثابت بن درویش آل ثابت كان سادناً للعباس وقبله شقيقه السيد محمد علي بن درويش كان سادناً للعباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) .
فالسيد سعيد هو ليس بطارئ على السدانة، ولكن هذا ديدن الناس منذ القدم، وكان السيد سعيد متنفذاً في المدينة وله مكانته الكبيرة وإحترامه وكلمته المسموعة، فقام بعض الأشخاص من السادة آل طعمة يتقدمهم السيد حسن بن جعفر بن مصطفى بن أحمد آل طعمة بإتهام السيد سعيد آل ثابت بأنه ليس كفوءاً بإدارة شؤون الروضة وإتهموه بسرقة المعلقات وبعض مواد خزانة العباس، وتبيّن من التحقيق الذي أجري في اليوم السابع من شهر رجب سنة 1272ه- / 1855م بأن لا توجد هناك أدلة على صحة إتهام السيد حسن بن جعفر آل طعمة وأعمامه للسادن، وتمت مقابلة الشهود الذين أنكروا ادعاء هؤلاء وبرأوا ساحة السادن، وقد أيد السيد العلامة علي نقي الطباطبائي بعدم وجود تجاوز على المعلقات التي جاءت من الهند عن طريقه، وعندما واجهت اللجنة المدعين بغياب السيد سعيد إعترفوا بأنهم سافروا إلى الهند ورجعوا بالمعلومات.
ومن أغرب ما جاء في هذا الموضوع هو أن السيد حسن آل طعمة ومن معه قالوا للجنة التحقيق: سلّمونا مفاتيح العباس بأيدينا ونحن نتعهد في كل سنة بدفع أربعمائة
مثقال ذهب وخمسة آلاف مثقال فضة !!!، وذلك يعني إن الغاية كانت مادية بحتة تصاحبها العداوة والحسد والغيرة.
ولإطلاع القارئ الكريم على كل ما حدث في هذا الموضوع ننقل نص قرار لجنة التحكيم والتحقيق في الموضوع وهي من وثائق السيد محمد سعيد محمد علي آل ثابت، وقد نشرها قبلنا مؤلف مدينة الحسين في السلسلة الرابعة من كتابه ص 361 إلى ص 362 ، وفي الحقيقة كان متحاملاً بكلامه في كتابه على السيد سعيد آل ثابت ووصفه ونعته ببعض الأوصاف التي تدل على إنحياز تام ضد المرحوم السيد سعيد لأن خصومه من عشيرة المؤلف للأسف. ونص قرار اللجنة هو:
قد حضر السيد حسن بن السيد مصطفى والسيد مرتضى وعشيرتهم المشهورة بالمصالوة في مجلس كربلاء وحضر من خدّام الحضرتين السركشكية وإختياريتهم وإتفق حضور بعض العلماء وحضور كاتب أوقاف بغداد صالح أفندي في المجلس، وسألنا من هؤلاء العشيرة بأن دعواكم هذه على الكليتدار من أي وجه؟ أجابوا بأنا لم نطلب الكلتدارية ولا لنا عداوة مع الكلتدار ولا لنا معه غرض بل لمجرد الإخبار عن المعلقات، فقلنا لهم ما تدعون والحال أن الكلتدار السيد محمد سعيد أفندي لم يكن حاضراً في هذا المجلس، فأخبرونا بأن الكلتدار متعدي على معلقات حضرت الامام عباس رضي الله عنه قيمة ومجوهرات وحاجات متعددة جاءت من أماكن بعيدة متعددة، وعدّوا أشياء كثيرة، فقلنا لهم من لهم علم بذلك من هؤلاء الخدمة ومن يشهد بها؟ فسألنا من كافة من في المجلس فأجابوا بأن هذا الذي يدعون به ماله أصل أبداً ولا سمعنا به إلّا في هذا الآن أبداً وقطعاً، فأجاب السيد حسن ورفاقه بأن مكاتبتنا ما تنقطع عن الهند والحكم ومعروفين عند الفرقتين نكتب عن ذلك ونجيب التحقيق وإلّا في هذه الولاية ما عندنا من يشهد بذلك، ومن كلامهم هذا تبيّن عندنا أن دعواهم هذه لمجرد العداوة القديمة وأنها كذب وتزوير وبهتان، ومع ذلك طلبنا السؤال من جناب الأفضل مرزة علي تقي أفندي الطباطبائي عن هذه المواد لأن أكثرها تأتي على
يده وبإطلاعه، وحيث إنه كان مريضاً لا يقدر على الحضور في المجلس فحرر بخط يده ومهره بأنه لا علم له بذلك ولا أصل لما إدعوا به ولو يكون له أصل لكان لي به علم لأن جميع ما يأتي على يدي يتحرر في دفتر المعلقات. ثم إن السيد حسن وعمامه قالوا في المجلس: سلّموا المفاتيح بأيدينا ونحن نتعهد في كل سنة بأربعمائة مثقال ذهب وخمسة آلاف مثقال فضة والا ننقص من ذلك شيئ نوديه من حلالنا ولو نبيع حواشنا نجري هذا التعهد من دون نقص. فتبيّن عندنا هذا الكلام أن المراد مسند الكلتدارية وثبوت العداوة وإن كلامهم الآخر مغاير للكلام الأول من عدم إرادة ذلك، وتحقق عندنا تزويرهم وعداوتهم من كلامهم المغاير ومن شهادة الخدام والعلماء والمطلعين، وبعد هذا الكلام إنتهى المجلس بتمام - ثم في اليوم الثاني جاء السيد محمد سعيد أفندي وطلب منا صورة المجلس وما وقع فيه من الكلام، فحررنا الصورة بعينها من دون زيادة ولا نقصان لتكون بيده عند الحاجة تحريرياً في السابع من رجب سنة الثانية والسبعين ومائتين وألف.
وكيل أوقاف كربلاء... نقيب كربلاء... كلتدار إمام حسين
(ختم) صالح ثابت... (ختم) محسن الحسيني... (ختم) محمد
حسن نائب كربلاء ... قائمقام لواء كربلاء... كاتب أوقاف بغداد
(ختم) السيد عبدالرحمن*** (ختم) يعقوب أفندي ... (ختم) صالح أعضاء
(ختم) السيدمهدي... (ختم) الحاج أمين الصندوق...(ختم) مهدي (1)
1) من الوثائق التي زودنا بها المرحوم السيد محمد سعيد محمد علي آل ثابت وعددها 18 وثيقة كانت من بينها الوثائق هذه التي نشرها قبلنا مؤلف كتاب مدينة الحسين في السلسلة الرابعة من كتابه من ص 361 إلى ص 363 ، ونقلناها بدون تعديل على ما ورد فيها من أخطاء لغوية. والنسخة الموجودة لدينا موقعة من قبل المرحوم السيد محمد سعيد وبالقلم الجاف الأحمر بعد أن صورناها مع الوثائق الأخرى التي أهدانا إياها وهي بالغة الأهمية وكان توقيع الإهداء بتاريخ 1993/4/2م في داره في حي الحسين بكربلاء.
بعد قرار اللجنة الذي ذكرناه أعلاه، والذي رُفع إلى مدير أوقاف بغداد مع المضبطة (1)
الباعث لتحرير هذه الكلمات هو إعلام لحضرت الواقف عليها من حال عشيرة من السادة الخَدمة تُعرف بالمصالوة أعمام السيد عبدالوهاب إنهم من عام الفتح من حين دخول العسكر المنصور إلى قصبة كربلاء وإنفاذ أوامر الدولة القاهرة العلية فيها وبسط العدل على ساكنيها إلى الآن في مكايدة خزّان الحضرتين الشريفتين الحسينية والعباسية على صاحبيهما الرضوان والتحية باذلين جهدهم في العداوة لهما ، كان السيد عبد الوهاب (يقصدون به السيد وهاب بن محمد علي آل طعمة) على ذلك ما دام حياً وعشيرته المرموقين إلى الآن وزيادة على ذلك سوء سلوكهم وعدم إعتنائهم بخدمة الحضرتين الشريفتين وصدور بعض المنافيات للأدب منهم في الحضرات وإذا نهاهم الخازن (أي السادن أو الكليدار) عن ذلك أم وكيله أم زجرهم بالغوا في الخصومة معه وهذه الحالة معروفة منهم مشهورة عنهم بالغة بالإشتهار اشتهار الشمس في رابعة النهار وكتبت هذه الورقة بياناً لحالهم وشرحاً لأفعالهم والأمر لمن له الأمر والدعاء.
الداعي سر كشك ... الداعي سر كشك
(ختم) مهدي ... (ختم) سليمان الحسيني
الداعى سر خَدَمَة إمام عباس ...الداعي سر خَدَمَة إمام حسين
(ختم) صالح ثابت ... (ختم) محمد حسن
الداعي خادم... الداعي سر كشك ...الداعي سر كشك
(ختم) حسین ثابت... (ختم) حسين الموسوي... (ختم) محمد حسين
عن 25 توقيع
التي قدّمها ووقّع عليها 25 شخص من العاملين في الروضتين الحسينية والعباسية. فقد كتب مدير أوقاف بغداد الكتاب التالي الذي يبرئ ساحة السيد سعيد آل ثابت ويرد دعاوى المدعين من آل طعمة وللقارئ نص الكتاب كما هو بالأخطاء اللغوية التي شابته:حسبما وقع منا النظر على هذه المضبطة تبيّن عندنا من مضمونها أن عشيرة المرقوم (يعني به المدعي السيد حسن بن جعفر آل طعمة) أناس المدعون مع الكلتدار الموما إليه ( يعني به السيد سعيد آل ثابت) فهو عداوة وكذب وتزويرات وبهتان وبموجب
1) أصل العريضة (المضبطة) التي قدمها رؤساء الأكشاك ورؤساء الخدم في الروضتين الحسينية والعباسية وفيها تواقيع 25 من خدم الروضتين يؤكدون فيها أن المدعين على كليدار العباس هم على باطل وإليك الأصل الذي جاء في مدينة الحسين السلسلة الرابعة ص 360 - 361 وهو :
منطوق هذه المضبطة متحققة برّأت كليتدار الموما إليه فبعدما حصل النظر عليها لأجل تصديقها شرحنا ومهرنا بهذا المحل.
9 رجب 1272 مدير أوقاف بغداد
ختم - عثمان فهمي
من المؤسف أن نقول بأن هذه الحالة قد حدثت في أكثر من عتبة في العراق، حيث تكررت مثيلاتها في الروضة الحيدرية والحسينية والكاظمية والعسكرية وفي الكثير من المراقد الأخرى، وتكرار هذه الحالة سببه العداوة والغيرة والحسد والطمع في الدنيا وبهرجها وبالأموال، فكثير من الأحيان تدخل المنافع الشخصية كسبب رئيسي في مثل هذه الخصومات، والذين يقومون بها يقدّمون ذاتهم على شرف وقدسية المراقد المقدسة، فالعتبات ليست ( دكاكين) حتى يعتاش عليها البعض فقديماً كانت الخدمة في العتبات شرف كبير لمن يقوم بها لصالح المرقد وزائريه، وقد تغيّر الحال فيما بعد وكانت مثل هذه الخصومات المخجلة للأسف ولدينا أمثلة كثيرة تشابه هذه القضية.
وهي ليست بعيدة عنا شخصيّاً وقد واجهناها مثل ما واجهها المرحوم السيد سعيد آل ثابت، فعندما تشرفنا بإستلام سدانة الإمام الحسين عليه السلام ولما قمنا بوضع حد لتجاوزات البعض على حرمات الروضة المقدسة قام هؤلاء بتلفيق الدعاوى المختلفة وقدموا الأكاذيب والافتراءات التي باءت جميعها بالفشل، حتى عرض أحدهم في النهاية مبلغاً خيالياً يتعهد بدفعه إذا ما سُلّمت إليه السدانة، وللأسف فقد وقع ضحية بعض أفراد الأجهزة الأمنية الفاسدين الذين ضحكوا عليه وسحبوا منه مبالغ باهظة وبالتالي ردّ كيده ومن معه!!
عبدالعلي خان(1)(أدب المُلك) في كربلاء
زار عبدالعلي خان الملقّب ب- (أديب الملك) كربلاء في اليوم الخامس من شهر ربيع الثاني سنة 1273ه- الموافق لليوم الثاني من كانون أول سنة 1856م، وهو أحد وزراء ناصر الدين شاه القاجاري. وجاءت زيارته بعد ما يقارب خمسة عشر عاماً من وقوع حادثة نجيب باشا المسماة (غدير دم). وزيارته تعطي وصفاً للمدينة المقدسة وعاداتها ورجالاتها في زمن الرحلة، وهو توثيق لواقع الحال وقتها.
بعد أن زار الإمامين الكاظمين توجه إلى كربلاء وهو يذكر في مذكراته ما شاهده في مراحل طريقه من بغداد إلى كربلاء ووصف المناطق التي نزل بها وزار أولاد مسلم شرق مدينة المسيّب ووصف مراحل الطريق من المسيّب إلى كربلاء.
قبل دخوله المدينة إستقبله أحد خدّام الروضة واسمه السيد درويش، وكان دخوله المدينة من باب النجف (2)وطبقاً للإجراءات الرسمية فقد سلّم هو ومن معه أسلحتهم وأخذوا إيصالاً بذلك ثم ذهبوا إلى دار الحاج غلام علي الشمّاع وهو أحد الرعايا الإيرانيين المقيمين في كربلاء، وكان الدار مجاورًا لمرقد العباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
1) هو عبدالعلي خان بن الحاج علي خان مقدّم المراغي حاجب الدولة ، وهو شقيق محمد حسن خان (صنيع الدولة)، ووالدته بنت الملا أحمد المراغي المعروف ب- (مستجاب الدعوة). ولد عبدالعلي خان في مدينة (مراغة) الإيرانية في 5 شعبان 1243ه- / 1827م، عمل في صباه في خدمة البلاط الملكي في عهد الشاه محمد القاجاري (مؤسس الدولة القاجارية)، وكان قد تربّى مع ناصر الدين شاه حيث كان رفيق صباه، وأخذ يعمل في مناصب متعددة في البلاط الملكي، وعندما تسلّم ناصرالدین شاه عرش إيران قربه إليه بإعتباره رفيق صباه وقلّده عدة مناصب منها إدارة الحكومة في قُم وسمنان ومراغة، كما قلّده عدة مناصب وزارية لثقته العالية به وأصبح من كبار رجال الدولة ولقب (أديب المُلك) منحه إياه الشاه القاجاري ناصرالدين شاه عندما أنشد عبدالعلي خان بيتين من الشعر بحق الشاه. وكانت وفاته في 28 ذي الحجة سنة 1302ه- / 1884م ، عن عمر ناهز الستين عاماً.
2) باب النجف تقع في الجهة الجنوبية الشرقية من المدينة القديمة، وسبب دخوله من هذا الباب لوجود سراي الحكومة بقربها ، وليتم عندها إتخاذ الإجراءات الرسمية للوافدين المهمين لزيارة المدينة والذين معهم المرافقين وبحوزتهم الأسلحة، وكذلك لإشعار السلطات المحلية بتواجدهم في المدينة.
وفي أول يوم وصوله زار مرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام، وفي اليوم التالي زاره كلُّ من قائمقام كربلاء يعقوب بك، والميرزا حسن سادن الروضة الحسينية (1)والسيد سعيد (2)سادن الروضة العباسية، والعالم المجتهد الحاج ميرزا علي نقي (3)، الذي يقوم بتوزيع أموال الهند على المستحقين، والحاج ميرزا محيط، والسيد حسن والسيد أحمد أولاد المرحوم الحاج السيد كاظم (4)، ومن الأمراء النَوّاب الحاج إمام وردي ميرزا سركشيك باشي، والحاج السيد محمد تقي الهندي، والعالم الشيخ عبدالحسين (5)، وأحمد علي خان الهندي، والنوّاب ميرزا علي حسين وهو أمير هندي، والميرزا أحمد مراغة، ومقرب الخاقان ملك الكتّاب، والحاج محمد علي كمونة (6).
1) هو الشيخ ميرزا محمد حسن آل كمونة، الذي تولى السدانة بعد وفاة أخيه الحاج مهدي.
2) هو السيد سعيد بن السيد سلطان بن ثابت بن درويش بن محمد آل ثایت.
3) هو السيد علي نقي بن السيد حسن بن السيد محمد (المجاهد) بن السيد علي (صاحب الرياض) الطباطبائي. والسيد علي نقي كان عالماً مجتهداً من بيت علم له مكانته في الأوساط الدينية في ذلك الوقت (سيتم الحديث عنهم في مكان آخر من هذا الكتاب). والسيد علي تقي كان المتولي بتوزيع أموال مملكة (أوده) على الفقراء، وهي موقوفات من أحد ملوك الهند، وفي أيام الإحتلال الإنكليزي للعراق كانت هذه الأموال تصرف بتوجيه من سلطات الإحتلال لأغراض شتّى سنذكرها فيما بعد.
4) السيد كاظم هو العلامة المشهور بالسيد كاظم الرشتي، تلميذ الشيخ أحمد الإحسائي وخليفته في رئاسة الفرقة الشيخية، ومن ثُمَّ أسس الفرقة الكشفية وقد توفي سنة 1259ه- / 1843م، وقد اعقب ولديه المذكورين أعلاه، السيد حسن الذي توفي بدون عقب، والسيد أحمد الملقب (أحمد وفي) المقتول سنة 1295ه- / 1878م، ومن عقبه اليوم في كربلاء أسرة آل الرشدي. ولقد كان للسيد كاظم وولده السيد أحمد أدواراً مهمة قاموا بها في الأحداث التي عاصروها في كربلاء.
5) هو العلامة الشيخ عبد الحسين الطهراني الذي كان يقوم بأعمال الترميمات في الروضة الحسينية في زمن الشاه ناصر الدين القاجاري. توفي في الكاظمية سنة 1286ه- / 1869م ، ونقل جثمانه إلى كربلاء ودفن في الصحن الحسيني الشريف.
6) هو شقيق سادني الحسين الشيخ مهدي والشيخ محمد حسن كمونة الأسديين. شاعر وأديب واغلب قصائده في رثاء آل البيت، وتوفي سنة 1282ه- / 1865م. وهو ليس الشيخ محمد علي شقيق الشيخ فخري كمونة.
أخذ عبدالعلي خان يردُّ الزيارة لمن زاروه يوم قدومه وكان أولهم (يعقوب أفندي) قائمقام المدينة وقد وصف تلك الزيارة وصفاً دقيقاً ولأهمية المعلومات التي وردت فيها عن المدينة وضيافة الحاكم نذكر نص ما ورد في مذكراته:
«كان قائمقام كربلاء يعقوب أفندي أول من بادر إلى زيارتي، لذلك فقد تحركت في البداية إلى زيارته، وكانت سرايا الحكومة تقع إلى جدار بوابة النجف وهي بمثابة البرّاني والديوان لبيت القائمقام، ومع ذلك فله منزل داخل المدينة يقضي فيه أوقاته مع عياله في الليل والنهار.
يقع أحد طرفي هذه السرايا بإتجاه المدينة، والطرف الثاني ملتصق بجدار القلعة (السور)، ويرابط هناك حوالي الأربعمائة جندي معهم أربع عربات للمدفعية، وهي جاهزة عند الضرورة، وعندما وصلت إلى هناك عزف الموسيقيون بآلاتهم الموسيقية، وتم تبديل حرس ، وكان القائمقام يقف في الطابق الأعلى من السرايا يشاهد الأمور، وعندما صعدت السلّم جاء يعقوب أفندي لإستقبالي، ودخلت إلى المنزل فوجدته منزلاً نظيفاً تنتشر فيه الوسائد والفرش ومصاطب واطئة مع مكتب، ومن هناك تحركنا إلى طابق آخر، فوجدته مكاناً جميلاً مناسباً ، تتدلى فوق نوافذه ستائر الحرير على الطريقة الإفرنجية، وقد وضع العود والعنبر في المجمر ، ثم أخذني إلى غرفة أخرى فوجدتها أفضل من الغرفتين السابقتين ففيها فرش من المخمل ووسائد نفيسة، وستائر متعددة الألوان تتدلّى فوق النوافذ، فجلست في صدر المجلس وإنشغلنا بالتعارفات والمجاملات والأحاديث، وجاؤوا أولاً بالبخور فإنتشر عطره في المكان، ثم أعطوا لكل واحد منا أركيلة وفنجاناً من القهوة بكمال الود والمحبّة واللطف، وكانت الأركيلة التي اعطيت لي تتكوّن من البلور الصقيل والكبيرة جداً وتحت الأركيلة قماش راقٍ مطرّز، ووسطها مكسوة بالفضة الراقية المعمولة بشكل جيّد. بعد تناول القهوة وتدخين النركيلة، قدّموا لكل واحد من الضيوف كأساً من الشربت
(الحريرة) لونها أبيض كالحليب، ويبدو أنها تم تبريدها في ذلك الجو الحار (1)بواسطة الثلج. وبعد الانتهاء من تدخين الأركيلة وتناول الشربت نهضت فودعني أيضاً بتمام اللطف والإحترام.
عدت إلى المنزل، وفي اليوم التالي قمت بزيارة الحاج محمد علي كماني (كمونة) والميرزا حسن كليدار الروضة الحسينية، وهما شقيقان من أب واحد، كما زرت الحاج السيد سعيد كليدار الحضرة العباسية ».
وعن زيارته لدار السيد سعيد آل ثابت سادن العباس يقول: « للحاج سعيد الكليدار دارٌ مجاورة للإمام الشهيد تقع خارج باب السدرة، وهي من الدور الكبيرة والجميلة، سيّما وأن صالة إستقبال الدار تطلُّ على صحن سيد الشهداء، فتمنح الجالس هناك روحاً معنوية ونشاطاً كبيراً، وتقع خلف الصالة غرفة في الطابق العلوي، والأبواب المقابلة للصحن مطعّمة بالزجاج، ووجه الصالة يتجه نحو القبلة. وفي الصالة تنتشر المصاطب الواطئة وعليها الفرش والوسائد الجيدة، والصالة مزيّنة بشكل جميل جداً حيث تتدلّى الستائر على الطريقة الإفرنجية، ورائحة العنبر والمسك تفوح هناك، الكراسي والمصاطب نظيفة وأواني البلّور والكريستال مرتبة فوق المصاطب، والسماور والشاي كان جيداً، وكذلك القهوة والأركيلة ».
ووصف الجلسة بكاملها والأحاديث التي دارت وأسماء الأشخاص المدعوين، فقد ذكر أنواع الطعام الذي قُدّم إليهم. كما انه أجاب دعوة الميرزا حسن سادن الروضة الحسينية قبل ذهابه إلى مدينة النجف. ووصف الدعوة والحاضرين. بعدها قام بزيارة المخيم الحسيني وقد وصف المخيم حينها قائلاً : « يقع المخيم (2)خارج باب القبلة من
1) كانت زيارته في كانون الأول يعني في موسم الشتاء، فلا ندري ماذا قصد بالجو الحار.
2) المخيم الحسيني المشار إليه والذي يعتقد العامة انه المكان الذي نزل به الإمام الحسين ونصب خيامه فيه، وهذا المكان هو ليس المكان الصحيح وإنما شُيّد هذا المكان الذي سمي بالمخيم في بستان خارج سور المدينة، وأعتبر مثالاً لمخيم الحسين تقام به بعض الشعائر الحسينية وتخليداً للواقعة الأليمة ولا يزيد عمر بناءه أكثر من 230 سنة، ولنا في ذلك شرح عن المخيم الحسيني والمكان الصحيح الذي نزل به الإمام الحسين، في عدة أماكن من هذا الكتاب.
الصحن المطهر في أرض منخفضة، ويبعد عن الصحن المطهر بأكثر من ألف قدم، وقد وضعوا فوقه غطاء من القماش (جادر) عظيم، ومن الجانبين تمثالين من الجص والطابوق (1)، وأشادوا من كل جوانبه إيواناً، وفي الجانب الأيمن من الصحن هناك غرفة مشهورة باسم حجلة القاسم(2).
ويقع تحت المخيم بئر العباس عليه السلام والناس ياخذون الماء من هذه البئر فيغسلون به وجوههم ويشربون منه تبركاً وتيمناً، ويلعنون قاتلي سيدالشهداء عليه التحية والثناء، ويقع مرقد الشيخ محمد (الصحيح أحمد) بن فهد الحلي، في حديقة المخيم (3)، وعندالمغرب عدنا إلى مرقد سيدالشهداء سلام الله عليه وزرته، ثم عُدنا إلى المنزل وشكرنا الله تعالى.
وفي مذكراته يصف كربلاء ومرقد الحسين فيقول : « لكربلاء قلعة (سور) محكمة تبلغ مساحتها من الداخل نصف فرسخ، وهي تكتظ بالزائرين والساكنين، وقد بناها قبل أكثر من مائة عام آصف الدولة الهندي. ولها ستة أبواب، وهي: باب بغداد، باب النجف، باب المخيم، باب الحُر، باب الإمام جعفر الصادق، باب الخان(4). وفي
1) يقصد صاحب الرحلة بالتمثالين هما المحامل المبنية على شكل أقواس واطئة على جانبي الممر المؤدي إلى الباب الرئيسية لخيمة الحسين، و (المحامل) تعني الهوادج التي كانت توضع على الجمال إثناء السفر، وهذه تمثل محامل الأضعان وقد صفّت قرب الخيام.
2) لا نعرف شيء باسم حجلة القاسم، فإمّا أن تكون أحد الأخطاء المطبعية في الكتاب، أو كما لفضها صاحب الرحلة كما سمعها واثبتها المترجم والصحيح هي حجرة القاسم بن الإمام الحسن ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) .
3) المرحوم العلامة ابن فهد الحلي مدفون في بستان عائد له يقع جنوب المدينة وخارج السور، وعند وفاة ابن فهد كان المخيم الحالي غير موجود في مكانه الحالي ولم يشيّد بعد، ولكن البستان التي شيد بها المخيم كانب بجانب البستان التي دفن فيها الشيخ ابن فهد أو قريبة منها. ويراجع شرحنا للعلامة ابن فهد في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
4) راجع بحثنا المفصل عن سور المدينة، لأن ما ذكره صاحب الرحلة لبعض أسماء الأبواب هو مختلف عن تسمياتها الأصلية، فباب الحر يقصد بها باب الطاق، وباب الصادق هي باب السلالمة.
كربلاء تسعة حمّامات هي: حمّام القبلة، حمّام شيرين (الحلو)، حمّام شور (المالح)، حمّام النوّاب حمام الحاج حمزة ،حمّام الميرزا حسن، حمّام الميرزا عبدالباقي، وحمّام الجديد. وفيها أربعة مدارس، هي: مدرسة تقع في إحدى زوايا الصحن الشريف وقد بناها حسن خان الإيرواني، ومدرسة الهندي، ومدرسة الميرزا علي نقي، ومدرسة التُرك. وفيها عشرة مقاهي . وأشجار النخيل المثمرة التي تؤخذ عليها الضرائب يبلغ عددها مائة وعشرين ألف نخلة، وتبلغ ضرائب كربلاء ثلاثين ألف تومان.
وفي الصحن المبارك خمسة سقّاءات، إثنين منها أقامتها أم سلطان الروم(1)، وواحدة أقامها إبراهيم القزويني، وواحدة أقامها السيد مصطفى الإستربادي، وواحدة أقامها أحد الهنود. وهناك حوضين، بنى أحدهما الميرزا محمد علي، والثاني بناه أحد الهنود.
وفيها ستة من المجتهدين المعروفين: هم الحاج الميرزا علي نقي الطباطبائي، والشيخ محمد طاهر الرشتي، والشيخ محمد حسين القزويني، والحاج الميرزا محيط، والشيخ زين العابدين المازندراني، والملا آقا الدربند.
وفيها ستة آلاف منزل وفي المعدل يبلغ عدد الأفراد في كلّ منزل ستة عشر فرداً (2)حيث يبلغ العدد الكلي قريب المئة ألف إنسان من العرب والعجم.
وهناك مراقد لبعض العلماء المجتهدين حيث تقع في مقابل الصحن المطهر بعض القباب المكسوّة بالقاشاني (3).
1) يقصد بها والدة السلطان العثماني، والعثمانيون كان يطلق عليهم لفظة (الروم).
2) رقم مبالغ فيه وتقدير خاطئ بلا شك.
3) من هذه المراقد التي كانت تعلوها القباب، قبر أحمد بن فهد الحلي، وقبره خارج السور بقليل. ومقبرة الطباطبائية في سوق التجار الكبير على زاوية سوق الساعاتية، وقبر السيد محمد المجاهد بن صاحب الرياض السيد علي الطباطبائي، ومراقد أخرى سوف نذكرها عندما نترجم العلماء في كربلاء حسب الفترات الزمنية للبحث، مع مواقعها.
ولصحن سيدالشهداء سلام الله عليه ستة أبواب (1): باب القبلة، باب قاضي الحاجات، باب الصحن الصغير، باب الصدر، باب السلطان، باب الزينبية. يبلغ طول الصحن المبارك تسعون ذراعاً، وعرضه سبعون ذراعاً. وتقع على جهة باب القبلة ومن الطرفين والطابقين الأرضي والفوقاني أربعة عشر غرفة، وفي مدخل باب القبلة هناك محل للسقاية بناها السيد إبراهيم المجتهد القزويني من أموال الهند. مواجهة الداخل من باب القبلة وفي مقابل الإيوان يقع الرواق والبقعة المطهرة لسيدالشهداء، وفي وسط الإيوان الذهبي هناك القبة المطهرة، وإثنتين أو ثلاثة من المنائر الكسوّة بالذهب تقع على طرفي الإيوان، وقد طلاها بالذهب الملك الشهيد آقا محمد خان، ويعود أصل البناء إلى عصر الدولة البويهية (2)، وعمرها من بعدهم الصفويون (3).
يحيط بالضريح المبارك شباكين أحدهما من الفولاذ والآخر من الفضة، وفي وسطهما هناك صندوق من الخشب، وتحت الصندوق يقع مدفن سيدالشهداء عليه السلام. ويقع ضريح شبيه رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)، علي الأكبر وذلك بصورة متصلة بضريح سيدالشهداء من جهة القدمين، ومن جهة خلف الرأس يقع مسجد كبير يتصل بالبقعة المطهّرة ، حيث يصلّي فيه عدد من الناس، وعلى يمين الداخل من الصحن الصغير ترتفع منارة مكسوّة بالكاشاني تُعرف بمنارة (الكاكا) (4).
1) هناك إختلاف في التسمية، ولنا في البحث حديث عن أبواب الصحن وعددها وأسمائها ومواقعها.
2) ليس أصل البناية يعود إلى العصر البويهي، وعضد الدولة البويهي أشاد العمارة الرابعة، فهناك عدة مرات قبل البويهيين تم فيها تجديد عمارة المشهد الحسيني راجع فصل تاريخ عمارة الروضة الحسينية، وما قام البويهيون في تشييد مقابرهم فيما سمي بعدئذٍ بالصحن الصغير يفوق ما قاموا بتعميرهم لمرقد الحسين!!
3) العمارة التي يتكلم عنها صاحب الرحلة هي بالأساس صممت وأنشأت في زمن أويس الجلائري وولديه حسين وأحمد، أما التوسيعات التي حصلت على الحرم والصحن الشريف لم يقم به الصفويون وحدهم، ولكنهم ساهموا ببعض الأعمال والترميمات، وقد أجملت مفصلاً كل ما قام به الصفويون لمشهد الحسين، وهو لا يرقى إلى الهالة الكبيرة التي يوصفون بها في هذا المضمار والسبب معروف !!
4) هذا الاسم غير صحيح، وإنّما اسمها المعروف والمشهور هو: (منارة العبد).
في هذا المكان توجد ثلاث محلات مخصصة لخلع الأحذية (كيشوانية)، وفي جهة باب القبلة يوجد مكانين لذلك، وفي باب الزينبية عندما تدخل يوجد مكانين أيضاً ... » كما ذكر في رحلته قبور بعض المشاهير المدفونين في الحرم الحسيني.
كان صاحب الرحلة قد بقي إثني عشر يوماً في كربلاء وبعدها شدّ الرحال وسافر إلى النجف عن طريق (طويريج) وإتخذ نهر الفرات سبيلاً للوصول إلى الكوفة ومن ثُمَّ إلى النجف، وعاد من نفس الطريق واصفاً كل ما شاهده من قرى ومدن وعشائر.
صورة صاحب الرحلة عبدالعلي خان (أديب الملك)
بعد عودته من النجف توجه لزيارة الحُر الرياحي الشهيد، حيث يقول بأن المسافة بين مرقد الحر وكربلاء تبلغ حوالي الفرسخ ، وأن قبائل عنزة عندما تنزل في المكان يقل عدد الزوار، وتنتشر البساتين والمزارع على طول الطريق.
وأنه شاهد الكثير من الإيرانيين يشتغلون أجراء في الزراعة (1)ويقول أن روضة الحر تقع في وسط صحن وهو كالقلعة.
وقبل يوم من مغادرته كربلاء أرسل بعض الهدايا إلى الأشخاص الذين قاموا له بالواجب من أعيان المدينة. وبعد مكوثه في كربلاء مدة خمسة عشر يوماً غادر كربلاء إلى بغداد على نفس الطريق الذي سلكه عند قدومه.
تأتي أهمية زيارة عبدالعلي خان هذه أنه نقل مشاهداته عن مدينة كربلاء بشيء من التفصيل وكانت مذكراته تنقل بشكل يقارب ما كانت عليه المدينة في زمن زيارته وهي تعطي إنطباعاً للقارئ الكريم في زماننا هذا ما كانت عليه المدينة في الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجري، رغم أن الكثير مما ورد في مذكراته جاء عن معلومات ليست دقيقة لا نعرف من أين إستقاها وقد قمنا بشرحها والتعليق عليها في كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات) (2).
كان السيد محسن بن محمد كنعان نقيباً للأشراف في كربلاء عندما حدثت واقعة نجيب باشا أواخر سنة 1258ه- ، وبعد الواقعة بشهرين أصدر الوالي محمد نجيب
1) كان الإيرانيون يأتون إلى كربلاء للزيارة من مختلف مدن إيران، ولم يكونوا يملكون المال للبقاء فترة الزيارة أو العودة إلى بلدهم، فيقومون بالعمل في البساتين والمزارع وفي بناء أسيجة البساتين (الأطواف ويسمّي العامة مفردها، طوفة، والإيرانيون يجيدون عملها) ويجمعون المال لمصاريف السكن والطعام وشراء بعض الحاجيات ويوفرون الباقي لنفقات السفر)، وإستمرت هذه الحالة إلى منتصف القرن العشرين وتلاشت بعدها إلّا ما ندر، ومنطوق السؤال في المتن لا يعني أن هؤلاء العجم هم من السكان في كربلاء فهم ياخذون (أجرة) على العمل بإعترافهم فهم ليسوا مغارسين.
2) راجع تفاصيل الرحلة في كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات) من ص 163 إلى ص 186 حيث نقلنا الكثير من مذكرات صاحب الرحلة المطبوعة باللغة الفارسية وقام بترجمتها الأستاذ محمد الشيخ هادي الأسدي.
باشا بيورلدي في 19 ربيع الأول سنة 1259 ه- بتنحية النقيب ولم يعيّن آخراً بدلاً عنه متقصداً بذلك حتى لا تستمر في كربلاء مراكز القوى بإعتقاد الوالي. ولأن منصب النقيب في غاية الأهمية، فتقبل النقيب الأمر ولكن سادات المدينة والأهالي إستمروا بإعترافهم بنقابته لحين وفاته سنة 1273ه- / 1856م ولم يتجرأ أحد في حياته بأن يسعى لتولي النقابة.
وبعد وفاة النقيب السيد محسن تقدّم السيد حسن بن محمد بن حسن بن محمد کنعان آل دراج بطلب إلى والي بغداد ( محمد رشيد باشا الكوزلكي) لإعادة إسناد نقابة الأشراف في كربلاء إلى أسرة آل دراج. وقد فاتح الوالي شيخ الإسلام في إسطنبول وكان حينها نقيب نقباء العثمانيين، فأصدر الأخير أمراً بتوجيه النقابة إلى السيد حسن محمد بن آل دراج، وإستمر فيها إلى سنة 1318ه- / 1900م عندما أصدر السلطان العثماني (عبدالحميد الثاني) أمراً بإسناد نقابة الحائر إلى شخص يكون من مذهب أهل السنّة (1)، فآثر النقيب السيد حسن الإعتزال.
تشير المعلومات إن أول مطبعة حجرية أنشأت في العراق كانت مطبعة (دار السلام)، وقد نُصبت سنة 1253ه- / 1837م، والحقيقة إن الطباعة في العراق بدأت قبل هذا التاريخ بدليل ان مطبعة دار السلام كانت قد طبعت كتاب (دوحة الوزراء في تاریخ وقائع بغداد الزوراء) لمؤلفه الشيخ رسول الكركوكلي سنة 1246ه- / 1830م وفي زمن والي بغداد المملوكي (داود باشا) وقبل عزله بسنة واحدة تقريباً.
ودليلنا على ذلك جاء في مقدمة كتاب دوحة الوزراء الذي نقله إلى العربية من التركية المرحوم موسى كاظم نورس وكان من منشورات دار الكاتب العربي في بيروت
1) موارد الإتحاف السيد عبدالرزاق كمونة ، ج 1 ص 153 ، إلّا أنه أخطأ عندما ذكر تولي السيد حسن النقابة سنة 1318ه-، لأن في هذه السنة صدر أمر السلطان بعزله.
ومكتبة النهضة في بغداد، وفي المقدمة التي كتبها المترجم وتحدث عن أخذه النسخة المخطوطة عن نسخة المؤلف والتي كانت بحوزة العلامة محمود شكري الآلوسي وأخذ عنها الأب أنستانس الكرملي، فقال المترجم في ص6 من المقدمة ما يلي:
«...وعدا هذه المخطوطة توجد نسخة مطبوعة في دار طباعة دارالسلام بغداد سنة 1246ه- / 1830م. بإشراف محمد باقر التفليس، وهي النسخة الوحيدة المتباقية لهذا الكتاب، وكان محتفظاً بها البحاثة يعقوب سركيس، والآن محفوظة في جامعة الحكمة ببغداد، وقد قابلتها مع النسخة الخطية هذه فلم أجد فرقاً أو إختلافاً بين النسختين »(1).
وكانت مدينة كربلاء قد سبقت مدن العراق الأخرى بعد العاصمة بغداد، فقد تم فيها نصب أول مطبعة حجرية في كربلاء وهي ثاني مطبعة في العراق وكان ذلك سنة 1273ه- / 1856م في عهد الوالي محمد رشيد الکَوزلکَي، والذي جلبها ونصبها في كربلاء أحد الإيرانيين المقيمين في كربلاء وسمّاها (مطبعة كربلاء). وأوّل الكتب العربية التي طبعت فيها هو (المقامات) لأبي الثناء الآلوسي، ب- 143 صفحة، ثم كتاب (البهجة المرضية في شرح الألفية لابن مالك) من تأليف جلال الدين السيوطي، كما تم فيها طبع كتب أخرى وأدعية وزيارات الأئمة وإعلانات تجارية متنوعة.
أمّا ثاني مطبعة حجرية تم نصبها في كربلاء هي مطبعة (التبريزي) لصاحبها ميرزا عباس التبريزي وهو إيراني مقيم في كربلاء وذلك سنة 1278ه- / 1861م في أيام ولاية نامق باشا الثانية على بغداد. ولم تستمر هذه المطبعة بعملها طويلاً حيث أصابتها أعطال متكررة وتُركت في النهاية في موقعها مدة طويلة. وتلا ذلك نصب مطبعة حجرية أخرى هي مطبعة الظفيري لصاحبها محمود الظفيري، ومن الكتب التي طبعت فيها كتاب (تباشير المحرومين) للشيخ محمد الواعظ، وديوان شعر للسيد محمد الطبرستاني باسم (أنوار) الهدى) ... وبذلك كانت مدينة كربلاء صاحبة
1) دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء : الشيخ رسول الكركوكلي، ص6.
السبق في مجال الطباعة في العراق، فقد سبقت الموصل والبصرة في هذا المجال، حتى بدأ عصر الطباعة الحديثة حيث تأسست في كربلاء سنة 1935م مطبعة (الشباب) لصاحبها المرحوم عباس علوان الصالح وسنذكرها حسب التسلسل الزمني لبحثنا.
قرر السلطان العثماني محمود الثاني أن يقوم بتنظيم جيوش الدولة العثمانية وفق أسس حديثة ورفع مستواها وإمكانياتها وزيادة أعدادها لتكون البديل عن الجيوش غير النظامية التي كانت تعاني منها الدولة والتي تنتشر في الولايات التابعة لها، إلّا ان هذا الأمر ظل متعثراً سنوات طوال. فإضطرّت الدولة أن تصدر بياناً في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي وتحديداً في سنة 1857م / 1274ه- تنظّم به شؤون التجنيد في جميع أنحاء الدولة. وبعد صدور هذا البيان أخذت السلطات العثمانية تغتنم الفرص لتنفيذ التجنيد في كل ولاية تابعة للدولة وتنتدب لهذا الأمر الرجال الأكفاء للقيام بهذا المشروع المهم لها والشاق في نفس الوقت.
كان الجيش العثماني في العراق يكثر فيه (الهايتة) الذين يشتغلون في الجيش براتب وهم في الغالب من العراقيين المعروفين ب- (باش بوزق) ، كما أن وحدات الجيش في العراق كانت تعاني من مشاكل جمّة، والدولة بحاجة إلى اعداد كثيرة لتجنيدهم ليكونوا ضمن وحدات جيش نظامي تتمثل فيه الضوابط العسكرية العامة. ولم يتمكن أحد من المسؤولين العثمانيين في العراق تنفيذ أوامر الدولة بخصوص التجنيد لصعوبة الأوضاع فيه والذي يتكون مجتمعه في الغالب من العشائر، كما أن الأهلين كانوا يعانون من ظلم السلطات العثمانية ولا يريدون أن يخدموا في دولة لا علاقة لها بالشعب ولا يرغبون في تقوية ظلمها عليهم.
كان الوالي العثماني في بغداد هو رشيد باشا الکَوزلكَي، وعندما توفي نهاية سنة 1273ه- 1856م ، إغتنمت الدولة العثمانية هذه الفرصة وقررت تعيين رجل عسكري صلب يقوم بإدارة الولاية الكبرى كلّها من ديار بكر إلى البصرة ويشغل مشيرية العراق والحجاز جميعها، ووقع إختيارها على (السردار الأكرم عمر باشا) لِما عُرف عنه من حزم وإتّزان وصلابة في معالجة الأمور، وهو من أصل مجري إعتنق الإسلام في شبابه في إسطنبول وإنخرط في سلك الجندية. وإصطحب معه ضباط من أصل بولوني وكان منهم (إسكندر باشا) الذي جُرح في الحلّة بسبب حوادث التجنيد. وصل الوالي الجديد بغداد يوم الخميس 4 رجب 1274ه- الموافق 18 شباط سنة 1858م. وجعل هذا الوالي نصب عينيه أمر تشكيل الجيوش النظامية، فقام بأعمال أفسدت عليه أمره، فلم يراع حسن الإدارة أو السياسة المقبولة، وذلك ظهر من خلال ما جرى في أيّامه فخابت آمال حكومته فيه ...!! وعُرف بين الأهالي بشدّته وقسوته، فولّد رعباً في أوساط الناس، وبدلاً من أن يبادر إلى دراسة أحوال الولاية وشؤون سكانها عن كثب، ويجمع المعلومات التي تعينه في وضع الخطط اللازمة لإنجاح مهمته، أصدر في ثالث يوم من تسلّمه الولاية أمر بتهديم القلاع والتحصينات التي عمرها الوالي الذي سبقه في أنحاء الديوانية والهندية والمنتفك
والشامية وغيرها، وهو يعد العدة لإنجاح المهمة التي إضطلع بها وتنفيذ الأوامر التي صدرت إليه بشأن التجنيد، وقام بتسريح قوّات الهايتة (البوش بوزق) من دون تريّث، وطالب الأهلين في المدن والمناطق العشائرية بتجنيد أبنائهم وسوقهم إلى الثكنات والمعسكرات، فإنتشر الذعر بينهم وتسرب الرعب والخوف في أنحاء البلاد، عند ذلك بدأت العشائر تستعد للمقاومة لرفضها التجنيد، وصاحب ذلك أن فئات كثيرة من سكان المدن أخذت تتهيأ للعصيان.
ولأجل أن يمهد الأمور والجو الملائم لإنجاح مهمته في بغداد والمدن الأخرى أخذ يمنح الإكراميات للموظفين ووجوه البلد، يهدف من ذلك تسهيل الحصول على المضابط عند الحاجة وإرسالها إلى الباب العالي ليشعرهم بنجاح مهمته في التجنيد.
خلال بضعة أيام من فتح باب التجنيد تمكن من أخذ خمسمائة نفر من بغداد، وقام عدد من وجوه بغداد بتسجيل أولادهم وفي مقدمتهم المفتي محمد أفندي الزهاوي الذي أول من إستلم أكرامية الوالي!! وقسم منهم دفع البدل عن أولادهم.
وعلى العكس من بغداد، فقد أدّى إعلان التجنيد إلى توقف الكثير من الأعمال الإعتيادية بين الناس في بقية المدن، وترك الكثير منهم ومن العشائر مناطقهم وهاجروا إلى أماكن أخرى. وظهر ذلك جلياً في ديالى والحلة والديوانية والهندية والشامية وكربلاء والسماوة وغيرها من أنحاء الجنوب، رافضين التجنيد وأظهروا العصيان على الحكومة.
إزدادت الإضطرابات والفتن بعد أن فرض الوالي تجنيد خمسين نفراً من الحلة ومثلها من كربلاء وطالب عشائر الهندية بتقديم تسعين مجنداً، وعشائر الديوانية والشامية بمئة وثمانين، والنجف بثلاثين مجند، فإمتنعت كلها عن ذلك فقرر الوالي إستعمال القوة وإرسال الجيوش إلى المناطق التي اعلنت العصيان وحدثت معارك في الحلة والسماوة وغيرها من المناطق وجُرح فيها إسكندر باشا أحد قادته مما إضطره
الأمر لأن يقود بعض الحملات بنفسه ولكنه فشل في مسعاه نتيجة شدة المقاومة، ووصل الأمر إلى محاولته سد مجرى نهر الهندية ولكنه تراجع عن ذلك.
وفيما يخص كربلاء ... فقد فرض الوالي على أهالي كربلاء خمسين مجنداً، فثار الناس بوجه السلطة وأعلنوا العصيان يعتليهم الغضب الشديد على ما تقوم به السلطات، وإستفحلت حركة العصيان في شهر شوّال سنة 1274ه- / مايس 1858م فهاجموا السراي والجندرمة وقتلوا إثنين من الجنود النظاميين، فكادت تتطور إلى ثورة عارمة.
غير أن الوالي ساق إلى كربلاء العساكر والجيوش فصارت تأخذ مَن تصادفه من الناس في الطرق بالعنف والإكراه، وجيء بنتيجة ذلك إلى بغداد بثلاثين نفراً مقيدين بالأغلال فسجّلوا في سجل (النظام) (1).
وكان أن فرض على النجف ثلاثين نفراً ، « فلمّا عاين أهل النجف ما فعل بأهل الحلة وأهل كربلاء أبانوا وجه الطاعة ومسكوا ثلاثين نفساً بدلاً عنهم، وأتوا بهم إلى بغداد بالطاعة والإنقياد وخلصوا ممّا حصل من الوزير على القريتين المذكورتين» (2).
يُقصَد بالقريتين الحلة وكربلاء.
نسبت إلى ناصر الدين شاه القاجاري تعميرات جرت في الروضة الحسينية، وقد كتب عنها البعض، وقام بإجلال وتعظيم ناصر الدين شاه على ما قام به، والحقيقة تختلف عمّا قيل !! إن جميع الأعمال التي جرت باسم ناصر الدين شاه في كربلاء والكاظمية وسامراء كانت من أموال أوقفها وزيره الصدر الأعظم الميرزا تقي خان المقتول سنة 1268ه- وهي ثلث تركته التي كان وصيّاً عليها العلامة الشيخ عبد
الحسين الطهراني (1)، ولأن الشاه كان على سدّة الحكم إثناء إنشاء التعميرات تلك فقد سُميت باسمه.
كان ناصر الدين شاه على غير وفاق مع العلامة الشيخ عبدالحسين الطهراني الذي كان من أكابر العلماء المجتهدين في طهران.
وطالما أراد الشاه التخلص منه بشتى الوسائل ولكنه لم يتمكن من ذلك لمنزلة الشيخ الطهراني الكبيرة لدى الناس، إلى أن وجد فرصة مناسبة تمكن من إبعاده على إثرها إلى العراق بحجة القيام بتعميرات في المراقد المقدسة بأموال وزيره المقتول الصدر الأعظم الأمير الميرزا تقي خان. ويذكر العلامة اغا بزرك الطهراني في طبقات أعلام الشيعة ما نصّه :
«وقد عارض ناصرالدين شاه في كثير من القضايا التي كان يرى أنها لا توافق أحكام الشرع الشريف حتى ضجر منه وضاق به المخرج ورغب في نفيه إلى العراق لكنه خشى صولته ومكانته في النفوس، وكان يفكر في الخلاص منه بشكل لا تبدو منه إهانة عليه، حتى إمتدت بعض الأيادي العادية إلى ثلث الأمير الكبير الميرزا تقي خان الصدر العظم المقتول سنة 1268ه- والذي كان الشيخ عبدالحسين الطهراني له وصية على ثلثه، فراجع السلطان ناصرالدين شاه بذلك فرأى الفرصة مواتية للتخلص منه فرغبه في المجيء إلى العراق وتذهيب قبة الإمامين العسكريين عليهما السلام في سامراء بالأموال المذكورة، فهبط العراق بأهله وعياله في سنة 1270ه- وحظى بقبول تام لدى الحكومة العثمانية وولاة وحكام العراق، وقام بذلك على أكمل وجه وخلف لنفسه ذكراً طيباً في مراقد الأئمة عليهم السلام يقرن بالرحمة والمغفرة »(2).
وفي سنة 1270 / 1854ه- رحل الشيخ الطهراني إلى كربلاء بصحبة عائلته وجعلها مستقراً له ولأهله ويتنقل منها إلى الكاظمية وسامراء ليشرف على التعميرات فيها. فجميع ما قام به العلامة الطهراني الذي سمّي ب- (شيخ العراقين) كانت بأموال ثلث تركة الوزير الصدر الأعظم، ولأنها تمت في زمن ناصرالدین شاه فقد سُميّت بعضها باسمه. فقام بدايةً في كربلاء بالأعمال التالية:
1- توسيع الواجهة الغربية من الصحن الحسيني، وبناء الإيوان الناصري.
2- بناء مدرسة الصدر الأعظم.
3- تذهيب قبة مرقدالحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
4- أعادة بناء سقف الطارمة القبلية الأمامية (إيوان الذهب).
ومن الضروري الحديث عن هذه الأعمال التي قام بها وكما يلي:
قام الشيخ عبدالحسين الطهراني بتوسيع الجهة الغربية من صحن الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وأعاد بناء الحجرات من باب السلطانية إلى باب الزينبية على نسق واحد، وتم تغليف الواجهات بالكاشاني ....
ثم قام ببناء إيوان كبير في منتصف الضلع الغربي من الصحن على شكل مسجد بإرتفاع خمسة عشر متراً وطول ثمانية أمتار وعرض خمسة أمتار، وسمّي باسم ناصر الدین شاه وأطلق عليه (الإيوان الناصري). ويذكر العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين هذه الأعمال ويقول:
«وأنشد الشيخ جابر الكاظمي (1)تاريخاً لهذا البناء بالفارسية في عدة أبيات، وله تاريخ بالعربية أيضاً» (2). ولكن العزاوي لم يذكر الأبيات الفارسية والعربية. والأبيات الشعرية هي:
بِنائي ناصرِالدین شه۫ بِنا کَرد۫*** زِخاكَ أُوسْت۫ بائين كاخَ خض۫را
نه۫ صحْنُ وكَنَبَدِي جَرْخي مُكوِّكَبْ*** زِنورَ أو مَنَوَّر۫ رُويَ غب۫را
بَرايَ كوشوارَ عَر۫ش يَعني*** حُسينِ بنَ عَلي دِلبَنْدَ زَهرا
بنايَ سالَ أو جابِر همي كوي:*** أَنْ إينْ إِبْوانْ شَكِسْتْ إِيوانَ كِسْرَى
بكو تأريخ إيوانش۫ مؤرخ 1275ه-
وترجمة الأبيات هي:
شيّد الشاه ناصر الدين بناءً*** كان القصر الأخضر أقل منه منزلةً
وعمّر صحناً وقبة دائرية مكوكبة*** من نورها أضاءت صعيد الغبراء
ثمُنُّ إلى عقد العرش أعني به*** الحسين بن علي ثمرة فؤاد الزهراء
وعن سنة البناء يقول جابر*** بهذا الإيوان سقط إيوان كسرى
قولوا تاريخ هذا الإيوان مؤرخ 1275
وجاء في بغية النبلاء ان الكاظمي أرخ بناء الإيوان باللغة العربية أيضاً بقوله:
لله إيوانٌ سما رِف۫عةً*** فَطَاوَلَ العر۫شَ بهِ الفرشُ
قالَ لِسانُ الغَيْبِ تأريخهُ*** أَنْتَ لأملاكِ السَما عَرْشُ(3)
وقوله (أنت لأملاك السما عرش) يعادل سنة 1275ه- بمجموع أرقام الكلمات. نجد بأن الشاعر الكاظمي ذكر اسم الشاه في الأبيات الفارسية ولم يذكره في الأبيات العربية.
وتزامناً مع توسيع الجهة الغربية وبناء الإيوان الكبير، قام الشيخ عبدالحسين الطهراني بإنشاء مدرسة ملاصقة للصحن الحسيني من الخارج، وتم بناؤها بإمتداد باب السلطانية إلى الإيوان الكبير الذي بناه والذي تم فيما بعد فتح باب يفضي إلى خارج الصحن وسمّي بباب الرأس.
تم إعداد هذه المدرسة لتكون صرحاً علمياً لتدريس العلوم الدينية، وقد تخرج منها أكابر العلماء والمجتهدين وتم الانتهاء منها سنة 1275ه-. وقد بُنيت من طابقين وفيها أكثر من 22 غرفة، وأقيمت فيها مكتبة كبيرة ، وسمّيت هذه المدرسة باسم الصدر الأعظم الأمير الميرزا تقي خان حيث تم الصرف عليها من أمواله الموقوفة.
تم إزالة هذه المدرسة لدخولها ضمن الشارع المحيط بالروضة الحسينية سنة 1948م، والجزء المتبقي منها ألحق بالروضة الحسينة.
وبأموال الوزير الأعظم الموقوفة، فقد قام الشيخ عبدالحسين الطهراني بتجديد تذهيب قبة حرم الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وتم الانتهاء من العمل 1273ه- / 1856م، وكان قد ثُبت تاريخ التذهيب هذا في حينها على الجهة اليمنى من قاعدة القبة ونصّه: «تذهيب القبة الحسينية على عهد السلطان ناصرالدين شاه القاجاري، كتبه محمد حسين الشهير بالمشهدي 1273ه- ».
قام الشيخ عبدالحسين الطهراني أيضاً بتسقيف طارمة الروضة الحسينية (إيوان الذهب) من جهة القبلة، بطول 36 متراً وعرض عشرة أمتار من الوسط، والطارمة بجناحين إرتفاع كل منهما تسعة أمتار، أما وسط الطارمة المواجه للباب الرئيسية الوسطى للحرم كان الإرتفاع بحدود 13 متر بعرض ستة أمتار، وإستقر سقف الإيوان على إثني عشر عموداً جُلبت من الهند وكانت من أجود أنواع الخشب الساج، كما زيّنَ سقف الطارمة بنقوش ملونة بديعة. وقد تم إتمام العمل بها سنة 1276ه- / 1859م.
كما قام العلامة الشيخ عبد الحسين الطهراني بأعمال أخرى في العتبات المقدسة في سامراء التي جدد فيها تذهيب قبة الإمامين العسكريين عليهما السلام. وكذلك في الكاظمية حيث تم تذهيب إيوان الروضة الكاظمية المقابل لباب المراد، وكل هذه الأعمال تمت عندما كان ناصرالدين شاه القاجاري يعتلي عرش إيران فنسبت إليه بإعتبار الأموال التي صرفت من قبل الطهراني هي أموال إيرانية.
إيوان القبلة (الطارمة) الذي تم تشييده سنة 1276ه- . ( 1859م)
تبيّن من مسيرة قورابي باشا الأولى في كربلاء انه كان ناجحاً في عمله في وقت كانت الحالة فيه غير مستقرة في النظم الإدارية وفي مشاكل الأراضي والضرائب وثورات العشائر، والفساد المستشري على مستويات عدة، فعندما تبيّن أن يعقوب أفندي كان ليس موضع ثقة الحكومة من خلال تجاوزاته، فقد تم بقناعة الحكومة العثمانية أن الأصلح لمنطقة مهمة جداً مثل كربلاء أن يعود إليها قورابي أفندي ليتسلم مهامها الإدارية، فصدرت له الإرادة من مجلس الوزراء في إسطنبول حسب ما جاء في الأرشيف العثماني دائرة مكاتبات مجلس الولاء برقم 103/59 في 25 ربیع الثاني 1275ه- / 1858م أن يستلم قائمقامية قضاء كربلاء للمرة الثانية، وكان ذلك أيام ولاية (مصطفى نوري باشا) على بغداد.
وجاء في سالنامة السنوات 1276 إلى 1279ه- (1)، أن قورابي أفندي إستلم منصب قائمقام كربلاء مرة ثانية، وإستمر حاكماً على كربلاء حتى سنة 1279ه-/ 1862م في أيام ولاية نامق باشا الثانية على بغداد.
وما يخص قورابي أفندي وتأثيره الكبير على الولاية والحكومة المركزية في العاصمة العثمانية، ونظرته الثاقبة بأهمية أن تكون كربلاء بمستوى (لواء) سنجق نجده قد إختلف عن أقرانه في التعامل الرسمي مع دولته ففي عام 1275ه-/ 1858م وهو نفس العام الذي عاد به إلى كربلاء، صدر قرار هام من إسطنبول يتعلق بإدارة ولاية بغداد، وهذا القرار أعطى الإذن للسناجق التي ستدار كمتصرفيات أن تخاطب المركز مباشرة وليس الولاية في الشؤون الإدارية، وفي القرار أيضاً ان المتصرفيات لن تكون لها علاقة بالوالي من الناحية المالية، حيث ستتم المخاطبات التي تخص الجانب المالي بين المتصرف والباب العالي مباشرة، وهذا القرار أدّى إلى:
1) (أيني سالانامي) سالنامة سنة 1276، 14 ص 76 ، وسالنامة سنة 1277، 15 ص 81، وسالنامة سنة 1278 ، 16 ص 81 ، وسالنامة سنة 1279 ، 17 ص 83 .
1- جعل المناطق مرتبطة بالحكومة المركزية (الباب العالي) بشكل واسع.
2- تقوية وضع متصرفي السناجق (الألوية) وتقليل نفوذ الولاة.
عندما صدر هذا القرار لم تكن كربلاء قد أصبحت متصرفية بعد، ولكن التعليمات التي صدرت بعد القرار سنة 1859م تدل دلالة واضحة على أن تعيين قورابي أفندي للمرة الثانية هو لتهيئة كربلاء أن تكون بمستوى لواء. والدليل على قولنا هذا نجد أن قورابي أفندي كان قائمقاماً إلّا إن تصرّفه كان كمتصرف بحيث أقام علاقات مباشرة مع الباب العالي بدون الرجوع إلى والي بغداد، وهذه السياسة سببت له مشاكل مع الوالي (السردار الأكرم عمر باشا) الذي أخذ ينتقد قورابي أفندي بتجاوزه له وكتب بذلك إلى الحكومة المركزية في إسطنبول. وجاء بكتاب كربلاء في الأرشيف العثماني حول الخلاف بين الوالي وقائمقام كربلاء ما يلي: « ... متهماً إياه بأنه يتبع سياسة خاصة مع المقيمين الإيرانيين في كربلاء، بل إدعى بأن القائمقام أعطى إدارة كربلاء للإيرانيين، وهذا ما كتبه الوالي إلى الباب العالي وطلب عزل قورابي من كربلاء وتعيين أحد أقاربه وهو خورشيد أفندي قائمقام بالنيابة» (1).
وفي مجلس الوزراء تم مناقشة مذكرة والي بغداد، فقرر المجلس إنه لم يثبت أي تجاوز أو تقصير من قِبل القائمقام، وانه باقِ في وظيفته، وأخطر مجلس الوزراء والي بغداد انه في حالة عزل قورابي أفندي فإنه لن يتم تعيين خورشيد أفندي لوجود صلة قرابة بينه وبين الوالي، وصدر قرار مجلس الوزراء هذا كما جاء في الأرشيف العثماني، دائرة مكاتبات عموم الولايات برقم 413/49 بتاريخ 18 ذي الحجة 1276ه- / 1859م ، وإستمر الباب العالي يتعامل مع القائمقام بشكل مباشر للخصوصية التي تتمتع بها كربلاء.
1) كربلاء في الأرشيف العثماني، ص 292 .
أصدرت الحكومة المركزية مقترح التقسيمات الإدارية لسنة 1276ه- / 1859م والذي ستكون كربلاء بمستوى لواء، والوحدات الإدارية التابعة لها هي: مركز كربلاء والنجف الأشرف والمسيّب وشفاثة والرحالية والحسينية، كما جاء في سالنامة الدولة العثمانية العمومية لسنة 1276ه- ص 154 . والنسخة التالية من الصفحة ذكرت فيها لواء كربلاء مع الوحدات الإدارية التابعة لها:
نسخة تخص لواء كربلاء من سالنامة سنة 1276ه-
یبدو من اللائحة التنظيمية للتقسيمات الإدارية المتعلقة بالسناجق والأقضية التابعة لها إن كربلاء قد أصبحت بمثابة لواء إلّا ان متصرفها يتم تعيينه بدرجة (قائمقام)، مع ذلك كلّه بقي قورابي أفندي سنوات أخرى في كربلاء ملتزماً ومدعوماً من الباب العالي لإرتباطه المباشر معه، حتى حانت سنة 1279ه- / 1862م وبعد شهر واحد من تخفيض الرواتب في الولايات وتحديد نظام جديد، إنتهت وظيفة
قورابي افندي كقائمقام في كربلاء بعد أن إستمر في كربلاء سنوات طويلة، وتم تعيين (إسماعيل باشا) خلفاً له.
والتقسيمات الإدارية للواء كربلاء سنة 1280ه- / 1863م حسب سالنامة الدولة العثمانية العمومية لسنة 1280ه- ص 18 كانت تتبع لها الوحدات الإدارية التالية: مركز كربلاء والنجف الأشرف والمسيب وشفاثة والرحالية والحسينية.
الوحدات الإدارية التابعة للواء كربلاء سنة 1280ه- 18630م
زار كربلاء الرسام الإنكَليزي (روبرت كلابف) مدينة كربلاء، ولكونه من الرسامين المشهورين فقد قام برسم لوحة ملونة للمرقد الحسيني الشريف، وعُدّت لوحته تعبيراً جميلاً عن المظهر الذي كان عليه مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بكل تفاصيلة، وقد رسم لوحته وهو جالس على سطح أحد البيوت الملاصقة للروضة الحسينية من الجهة الجنوبية الشرقية للروضة.
نُشرت الصورة التي رسمها للمرقد سنة 1862م/1279ه-، بينما كانت زيارته لكربلاء سنة 1860م/ 1277ه- وهي السنة التي رُسمت فيها الصورة كما جاء في كتاب (البريطانيون في الشرق الأوسط) تأليف سارة سيرايت.
كان الرسام البريطاني روبرت كلايف دقيقاً جداً عندما رسم لوحته الجميلة هذه، وقد رسم فيها تفاصيل مهمة في منشآت الروضة الحسنية وخاصة منارة العبد والطارمة الأمامية وحجرات الصحن الشمالي وقبب الأواوين وسقاية الماء.
الروضة الحسينية بريشة الرسام روبرت كلايف
رغم أن السالنامة العثمانية لسنة 1280 ه- تذكر بأن كربلاء بمستوى لواء، ولكن لم نجد ما يشير في الوثائق الأخرى بأن الذي يجب أن يعيّن حاكماً عليها بدرجة (متصرف)، ومن ذلك تظهر السجلات العثمانية بأن الذي إستلم حاكمية كربلاء بعد (قورابي أفندي) هو (إسماعيل باشا) وقد تم تعيينه في كربلاء بدرجة (قائمقام) كما جاء في سالنامة سنة 1280ه- 1863م ، وإستمر في منصبه لمدة سنة واحدة تقريباً وتم إستبداله ب- (محمد بك). وفيما يلي صورة من نسخة سالنامة سنة 1280 ص 76.
الميرزا سيف الدولة(1)
تعرّض للعزل والإعتقال في سنة 1308ه- / 1890م بسبب سوء سيرته للأهالي وخاصة الفقراء وكان ظالماً عندما كان حاكماً في المناطق التي ذكرناها، وبعد إعتقاله بفترة قصيرة تم إطلاق سراحه.
في كربلاءفي أوائل شهر شعبان سنة 1280ه-/ 1863م زار كربلاء الميرزا سيف الدولة وهو حفيد الشاه الإيراني (فتح علي شاه القاجاري)، حيث كان يقوم برحلة شملت عدة دول منها العراق.
فقد تحرك من الكاظمية حتى وصل المسيّب ومنها إلى كربلاء بعد أن عبر جسراً مقام على نهر الحسينية ثم وصل إلى تل مرعز وبعده خان العطيشي.
جاءت أهمية ذكر هذه الزيارة من أجل إعطاء صورة عن وضع كربلاء فترة الزيارة، وماكانت عليه المدينة وقتئذٍ. فيقول في مذكراته عن زيارته لكربلاء: كربلاء مدينة صغيرة عامرة، عدد نفوسها كبير ، وهواؤها غير جيّد ورطوبتها عالية، وبسبب كثرة الناس ودفن الأموات فيها بكثرة، فإن هواء المدينة ملوّث على الدوام، وعندما تقل الأمراض فهذا شيء عجيب، لأنني أعتقد أن ليس هناك معجزة أكبر من أن يعيش الناس أصّحاء في مثل هذا الجو المُلوّث، وخصوصاً في بعض الأوقات التي ينقطع فيها نهر الحسينية حيث يقوم الناس بشرب مياه الآبار. وتحت كل بنايات المدينة مدافن أو بالوعات لتصريف المياه الوسخة، وعندما تحفر أربعة أذرع تحت الأرض ينبعث ماء الآبار المالح، والواقع أن هذه المدينة مقبرة وليست للسكن (2). بناء العمارات فيها من الجص والآجر والخشب، وهي لا تُعمّر كثيراً، وكل البيوت ضيّقة وصغيرة، ومن ثلاثة طوابق أو أربعة، وهي غالية الثمن
1) هو الحاج سلطان عبدالمحمد ميرزا سيف الدولة، حفيد الشاه فتح علي القاجاري. تولى عدة مناصب في العهد القاجاري، فقد تولى سنة 1289ه- / 1872م سدانة العتبة الرضوية (مرقد الإمام علي بن موسى ام الرضا عليه السلام) في مدينة مشهد بخراسان. حصل على لقب سيف الدولة سنة 1299ه- / 1882م، أصبح حاكماً على (ملاير وتويسركان ونهاوند) سنة 1305ه- / 1887م في عصر ناصرالدين شاه.
2) هذا خلاف الواقع. والمبالغة في الوصف ظاهرة، وتدل على نفسيّة ظالمة كما هي سيرته.
جداً، أمّا أسواقها فهي ضيقة وسيئة ، وخاناتها قذرة جداً، وفيها عدد من الحمامات في غاية القذارة، فماء الخزانة يعتبر ماءً مضافاً فضلاً عن مرارته وملوحته.
سكّان المدينة هم من العرب والعجم والهنود والعجم أكثر من العرب والهنود(1)، وأكثر الأهالي يميلون إلى العِراك، وهم قليلو الصّبر، وعديمو الحياء، يأكلون مال الناس، ولا دين لهم ، طمّاعين كذابين، والأكثرية يحملون صفات رذيلة، وخصوصاً العجم (2)المتوطنين هناك، فهم مستهترون بالشريعة، متجاهرون بالفسق.
ومن جملة الغرائب أن نهر الحسينية وبسبب عدم كر۫يهِ بصورة مستمرة فإن الطين والغرين يسّد مجرى النهر ويؤدي إلى جفافه، ولكن لا أحد من الأهالي يبدي إستعداده لصرف دينار واحد لمعالجة الموضوع، مع أن عدد البالغين يصل إلى سبعين ألف إنسان، وهم يستفيدون منه للشرب وسقي البساتين والمزروعات، كما أنهم يدفعون الضرائب السنوية للحكومة والبالغة (ثمانين ألف تومان)، وهي ضرائب زراعية، إنهم يشربون الماء المالح والُمر، ومزروعاتهم متيبسة، ويرددون القول (ماكو خير بالدنيا)، وينتظرون أن يأتيهم شخص بالمال من الهند أو العجم لكري النهر لينتفعوا به (3).
تعرضت كربلاء لهجمات الوهابيين، ولحقها من ذلك الضرر الكثير، ولذلك قام الخاقان المرحوم آقا محمد خان بإسكان خمسمائة عائلة من المقاتلين البلوش المسلحين بالبنادق في كربلاء للدفاع عن سكان المدينة (4)، وكانت الدولة الإيرانية وحتى أواسط عهد الخاقان (فتح علي شاه) تدفع لهؤلاء رواتبهم الشهرية. وبعد وصول
1) وهذا غير صحيح البتّة، وخاصة في زمان رحلته، وربما تصوره هذا بناه على كثرة الزائرين من العجم والهنود، وطلّاب العلوم الدينية الذين يدرسون في مدارسها لكثرة المراجع فيها والمدارس.
2) الحمدلله ... (فقد شهد شاهدٌ من أهلها) والعجم يقصد بهم الإيرانيين، وصاحب الرحلة إيراني (عجمي) ومن الأسرة القاجارية الحاكمة في إيران آنذاك.
3) لو كان كلامه دقيقاً لكانت كربلاء اليوم وضواحيها جرداء خاوية على عروشها.
4) جاء البلوش إلى كربلاء لغرض بناء سور المدينة بعد غزوة الوهابيين، والدفاع عنها.
(اليرمازية) (1)والسيطرة على كربلاء قطعت الحكومة الإيرانية رواتبهم الشهرية، والآن إختلط هؤلاء البلوش مع الأهالي.
بنى قلعة كربلاء المرحوم آقا محمد خان، وبعد شهادته بقيت غير كاملة، وتم إكمال البناء بواسطة المرحوم السيد علي الطباطبائي بواسطة أموال الهند (2).
القلعة مبنية بالآجر والجص، أمّا المدفن الشريف فهو يقع في أرض منخفضة، وكان في السابق عبارة عن بقعة صغيرة، ولكن آقا محمد خان أصدر أمره لعبد الرزاق خان الكاشي فجاء بأموال كثيرة وإبتاع البيوت المجاورة للمرقد وقام بهذه العمارة الحالية (3).
الحرم المطهر عبارة عن ثلاثة طاقات لكل طاق إيوانين من جهتين، ويقع المرقد المقدس في الطاق الوسطاني، حيث تعلو الطاق قبّة، وأواوين الطاقات الثلاثة تنفتح من جهة خلف الرأس الشريف على مسجد كان موجوداً قبل بناء الحرم. وهندسة المسجد تشبه هندسة الحرم، فهو يتكوّن من طاقات ثلاثة، والجزء الأسفل من جدار الحرم مكسوٌّ بالقاشي ، وأرضية الحرم مفروشة بمرمر الموصل، أمّا الطاقات الثلاثة فهي مغطاة بالمرايا من الداخل. وحول الحرم والمسجد الذي صار جزءاً من الحرم يقع رواق عريض ، حيث تطل شبابيك الحرم على الرواق، وشبابيك الرواق تطل على ساحة الصحن المقدّس. وتنفتح من الرواق على جهة القبلة ثلاثة أبواب، حيث يوجد الإيوان المسقف بالخشب والمكسُّو بالمرايا، والباب الموجودة في وسط الإيوان المفضية إلى الرواق فيها بعض الخراب. أمّا جدار الرواق فقد تم إنشاؤه من أموال الهند، وقد
1) اليرمازية تعني الشقاة، ولكن قطع الرواتب للبلوش كان نتيجة الخلافات الحادة بين الدولة الإيرانية والدولة العثمانية بعد واقعة نجيب باشا، فقد إستغلت الدولة الايرانية الحادثة لأغراض سياسية.
2) راجع عن سور كربلاء منذ بناءه لأول مرّة سنة 400 ه- في كتابنا هذا، وسيجد القارئ كل مراحل إعمار وبناء السور والأشخاص الذين أمروا بتجديده أو أشرفوا عليه.
3) کلام مبالغ فيه جداً، وللقارئ مراجعة فصل (تاريخ بناء الروضة الحسينية) في هذا الكتاب أو متابعة التعميرات حسب ذكره ضمن التسلسل الزمني في منهج بحثنا هذا.
طلاه بالذهب المرحوم السيد إبراهيم، أمّا الباب فهي من الفضة وهي من عمل الحاج حسين خان الصدر الإصفهاني.
وتنتشر الحجرات حول الجهات الأربعة للصحن الشريف. أمّا الأشياء الباقية في الصحن من البناء السابق قبل بناء آقا محمد خان، فهي شيئان: الأول، الإيوان الكبير خلف الرأس بإتجاه القبلة المعروفة ب- (صُفّة الصفا)، والأخرى هي المنارة العالية المكسوّة بالكاشي بإتجاه ما تحت القدمين، وهي متصلة بجدار الصحن (1)، وما عدا هذين، فكل البناء هو من عهد القاجارية (2)، ويقع في طرفي الحرم بإتجاه الإيوان منارتان تم طلاء كل واحدة منهما بالذهب من قبل إثنين (الأصح إثنتين) من زوجات الخاقان المرحوم (فتح علي شاه). طلى القبّة المطهرة بالذهب الخاقان المرحوم (فتح علي شاه)، وأمّا الضريح المطهّر لقبر سيدالشهداء ، وهو ضريح كبير فهو من الفضة، وقد أمر بصنعه الخاقان (فتح علي شاه)، وتم صنع الصندوق الفضي المبارك في الهند، أمّا الأبواب الثلاثة الفضية من الرواق إلى داخل الحرم فهي مصنوعة من الفضة.
وفي الحرم إثنتين (إثنين) من القناديل الذهبية الكبيرة جداً، وهما من موقوفات السلطان العُثماني عبدالمجيد خان. وهناك قناديل ومعلقات من المجوهرات والذهب أهديت إلى الحرم من العجم والهند وأماكن أخرى، وقد تم نهب هذه الأشياء مرتّين أو ثلاثة من قبل الوهابيين، أمّا الأشياء التي نُهبت من قبل السدنة والخدم فالله وحده هو العالم (3).
1) يقصد بالأول (المسجد خلف الضريح)، والثاني (منارة العبد).
2) مبالغة أخرى وكلام غير دقيق، بل كانت ترميمات وليست عمارة جديدة.
3) ليس دفاعاً عن السدنة أو الخدم في زمان صاحب الرحلة أو قبله، ومن ثَمَّ .بعده... فأقول أن ما تحويه خزانة الحسين حالياً من مواد نفيسة وقد ثبتت تواريخها قبل زمن صاحب الرحلة وبعده، فكيف ينهبها السدنة والخدام. فهي مسؤولية شرعية وأخلاقية، وما يقوله صاحب الرحلة إفتراء كما إفترى على أهل المدينة عندما قال: (إنهم لادين لهم) فهل هو كان صاحب دين عندما سجّل التاريخ الكثير عن ظلمه للفقراء في المقاطعات التي حكمها وتم عزله وإعتقاله حسب تاريخ إيران.
بنى حسين خان سردار حاكم إيروان في عهد الخاقان (فتح علي شاه) مدرسة حسنة في الجهة الشرقية (1)من الصحن الشريف حيث تنفتح باب المدرسة على إحدى زوايا الصحن، أمّا في الجهة الغربية من الصحن فقد بنى مسجداً.
تعرضت بناية الحرم المطهر في هذه الأيام إلى بعض الخراب، فقام الشيخ عبدالحسين الطهراني بأمر من ناصر الدين شاه بإجراء عمليات الإعمار لبعض الأجزاء،و من ذلك قيامه بإزالة القبة المطهرة وإعادة بناؤها من جديد، كما تم إعمار الحرم من داخله، وتم توسيع الجهة الغربية من الصحن الشريف، وبناء إيوان كبير في وسط الحرم ،وفُتحت۫ باب جديدة للصحن من الجهة الغربية من قبل الدولة العثمانية، وذلك لتقليل الزحام عند الدخول والخروج من الصحن الشريف.
ويذكر أن مرقد العباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) يقع في الجهة الشرقية من صحن سيدالشهداء على بعد حوالي خمسمائة قدم بخط مستقيم. أمّا تفاصيل البناء، فقد قام المرحوم الحاج محمد حسين خان الصدر الإصفهاني وبأمر من الخاقان المرحوم ببناء الحرم والرواق والصحن بناء جيّد. أمّا أصل الحرم فهو عبارة عن بقعة مربّعة له أربعة أواوين وقبّة، وسعة الحرم لا بأس بها، الجهة المقابلة للوجه لها إيوان ( يعني به الطارمة) سقفه مكسُّو بالخشب، والمنارتان تقعان على جهتي الإيوان، أمّا سعة الصحن فهي أقل من مساحة صحن سيدالشهداء، وداخل القبة التي تعلو المرقد الشريف فقد تم إكساؤها بالمرايا بواسطة المرحوم السيد إبراهيم القزويني عن طريق أموال تم إرسالها من لكنهو الهند.
أمّا الباب التي تفضي من الرواق إلى الإيوان فقد كساها الحاج حسين خان الصدر الإصفهاني بالفضة وهي باب جيّدة.
أمّا الضريح المقدّس فقد شيّده من الفضة الخاقان المرحوم، وقد توفي قبل إرساله، وقد تم حمل الضريح من دار الخلافة بأمر المرحوم محمد شاه ونُصب في مكانه.
1) المدرسة هي مدرسة (حسن خان) السردار وليس ،(حسين)، وتقع خارج الصحن في الزاوية الشمالية الشرقية، كان لها باب على الصحن، وبنيت سنة 1180ه- / 1766م .
وقامت الدولة العثمانية بعد أحداث اليرمازية (أي بعد واقعة نجيب باشا)، وعمليات الإبادة الجماعية في كربلاء ببناء قلعة وقشلة (أي سراي الحكومة) على جهة السور المفضي إلى النجف الأشرف لتكون داراً للحكومة ومحلُّا لإستقرار العسكر هناك.
توجد في كربلاء الكثير من البساتين والنخيل، ولو أراد الأهالي لإمتلكوا كل شيء، وما هو موجود، هو التمر، والحمضيات، وأمّا الرمان فهو من النوع الجيد جداً، حتى يمكن القول أن من النادر الحصول على رمّان نظير له، أما بقية الفواكه حتى إذا كانت موجودة فليس لها خصوصية تذكر. أمّا البقوليات فهي جيدة، وتتوفر عندهم بكثرة الحنطة والشعير والرز ، وينبت عندهم الترياك والقطن والتبغ، وكلها من النوع الجيد، والرقي والبطيخ والخيار لا بأس به، وأكثر فلاحي هذه المدينة هم من إصفهان ويزد.
إن هذه المدينة إذا لم تمانع الدولة العثمانية ستتطور وتتوسع بسرعة بواسطة الدول الخارجية.
إنتهى الميرزا سيف الدولة من وصفه أحوال كربلاء والمراقد فيها، ونجده كان مبالغاً في الكثير مما نقله، ولكننا نتمكن من وصفه هذا أن نأخذ صورة مقربّة لما كانت عليه كربلاء في الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجري.
أمّا عن محيط كربلاء فيذكر سيف الدولة طريقان للوصول إلى النجف الأول عبر البر وفيه خانات لإستراحة الزائرين، والطريق الثاني عبر النهر من طويريج إلى الكوفة، حيث يقول «ركبنا المركب الشراعي من هذه المدينة بإتجاه النجف ... ».
ويصف به مدينة طويريج. وتحدث عن ذي الكفل، وعن تل نمرود، ونشاط المنقبين فيه، إلى أن وصل إلى شريعة الكوفة.
ونعتقد بأنه ذهب إلى النجف عن طريق النهر ، وعاد إلى كربلاء ونواحيها عن طريق البر، بدليل ذكره إلى قصر الإخيضر ، ووصفه لبلدة شفاثة، ومن كربلاء سافر إلى الحلّة حيث وصف مشاهداته عنها (1).
بعد نقل إسماعيل باشا من كربلاء الذي إستمر فيها أقل من سنة صدرت الإرادة بتعيين (محمد بك) قائمقام لكربلاء وذلك في سنة 1281ه- (2)/ 1864م، ولم تستغرق فترة حاكميته لكربلاء سوى سنة واحدة أيضاً.
زار كربلاء في سنة 1281ه- نهاية / 1864م المستر جون أشر وهو رحّالة إنكَليزي وعضو الجمعية الجغرافية الملكية بلندن. حيث قام في صيف عام 1864م برحلات عديدة إلى عدة بلدان يتوق إلى التعرف على الآثار وأحوال البلدان التي زارها وكان منها العراق وعاصمته بغداد الذي توجه منها إلى كربلاء. وعند زيارته كربلاء والتي يبدو أنها أعجبته فأطال في وصفها ونقل عنها مشاهداته الكثيرة التي تعطينا تصوراً واضحاً عن أحوال المدينة في زمن زيارته.
في يوم 29 كانون الأول 1864م وصل مدينة كربلاء عن طريق المسيب، وقبل وصوله إلى المدينة بعث (المستر أشر) رسولاً يحمل كُتب التوصية إلى قائمقام كربلاء (محمد بك)، ونزل ضيفاً عنده.
في اليوم الثاني قام (المستر أشر) بجولة في المدينة وسجل فيها إنطباعاته، حيث ذكر بأن في المدينة نشاط ملموس لأن أسواقها تزدحم بزوار المراقد المقدسة، وقد كان كل شبر متيسر فيها من الأرض مشغولاً بالبيوت المتراصة بعضها بجانب بعض، والتي كان بعضها في مرحلة التشييد.
وحينما تجول في الأسواق الضيقة وجدها مكتظة بالناس إلى أقصى الحدود، ووجد السلع المعروضة للبيع فيها لا تتجاوز حاجات الأعراب المحيطين بالبلدة ولوازمهم مثل الكفافي والأعقلة والعبي وما شابه ذلك. إلى جانب الأطعمة والمؤن.
ووصف أشر المرقد الحسيني من خلال مشاهدته من شباك لأحد الدور الملاصقة للصحن، كما وصف قبة مرقد الحسين والمنائر المذهبة، والجدران والأفاريز المزينة بالقاشاني الجميل وغيره. وذهب لمشاهدة مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام كذلك، فشاهده من سطح أحد المنازل القريبة من الصحن، وهو يقول: « إنه كثير الشبه بمرقد الحسين. إلّا أن صحنه الضيّق المحيط بالحضرة كان غير مبلط، وكان يستعمل للدفن كذلك ».
على أنه وجد صحن العباس مكتظاً بالمعممين الذين كانوا يجلسون للتسكع وتزجية الوقت، أو لأداء الصلاة على حد قوله. ولم يستطع في كلتا الحالتين معرفة عن داخل الحرم . وقد تسنى له ولمرافقيه التجول بعد الظهر في البساتين الكائنة خارج أسوار المدينة المقدسة فوجد فيها سواقي المياه تخترق تربتها الخصبة بكثرة.
وهو يقول: « إن هذه البساتين تعتبر منتجعات مؤنسة لأهالي كربلاء في أيام الصيف، فهم يخرجون إليها ليجلسوا في ظلها الوارف ويشربون القهوة والشربت بين حين وآخر »(1).
1) رحَالة أوربيون في العراق من العناوين (مشاهدات جون أشر في العراق)/جعفر الخياط ص 152 - ص 159 . دار الوراق، ط 2 سنة 2010م. وموسوعة العتبات المقدسة: قسم كربلاء، ص 296 - 301.
غادر (المستر جون أشر) كربلاء بعد أن لم يجد موجباً للبقاء فيها، وتوجه إلى النجف الأشرف عن طريق ( طويريج) الهندية ليأخذ منها مركباً يوصله إلى الكوفة (1).
ذكرنا سابقاً بأن التوسعة التي حصلت في الجهة الشمالية من الصحن الحسيني وأصبح الحرم في وسط الصحن وذلك في القرن العاشر الهجري، وتم بناء الحجرات وفي وسط الجهة الشمالية تم بناء إيوان كبير وكان قد سُمّي بصافي صفا.
وفي سنة 1281ه- / 1864م زار كربلاء الوزير القاجاري ميرزا موسى الذي تبرع بتجديد الإيوان الكبير في الجهة الشمالية والذي يسمّى بإيوان الوزير وليس باسم الوزير القاجاري وإنما سُمّي بإيوان الوزير على اسم الوزير (والي بغداد) حسن باشا الذي بناه أول مرّة بأمر من السلطان العثماني.
فقد قام الوزير القاجاري ميرزا موسى بالصرف على الإيوان وتغليفه بالكاشاني على أن تشيّد فيه مقبرة له ولأسرته. وعندما توفي دفن في هذا الإيوان. وفي سنة 1380ه- / 1960م تم فتح باب من هذا الإيوان سُمّيت ب- (باب السلام). وهي آخر باب فُتحت في الروضة الحسينية المقدسة وأصبحت هي الباب العاشرة.
بعد نقل محمد بك من كربلاء تم تعيين (مصطفى محمد بك) بدرجة قائمقام، حاكماً لكربلاء سنة 1282ه- (2)1865م وبقي في منصبه سنة واحدة وثلاثة أشهر تقريباً.
في سنة 1282ه- / 1865م تبرعت والدة السلطان عبدالمجيد ببناء سقاية في الجهة الجنوبية الشرقية من الصحن الحسيني الشريف، والسقاية عبارة عن حوضين الأول لتصفية الماء والثاني لتبريد الماء أيام الصيف، وتم تعيين موظف يتقاضى راتبه من أوقاف كربلاء يشرف على هذه السقاية. وقد أرخها الشاعر الكربلائي عباس القصاب بالبيت التالي:
سَلْسَبِيلٌ قَدْ أَتَى تأريخهُ*** إِشْرَبِ الماءَ ولا تَنْسَ الحُسَينْ
بعد عشرين سنة من وباء الطاعون الذي انتشر في العراق وشمل كربلاء وحصد أرواح الكثير من الناس ومنهم من المشاهير، إنتشر سنة 1282ه-/ 1865م وباء الهيضة (الكوليرا ) أو الهواء الأصفر والذي يسمّيه العامة (أبو زوعة) في بغداد لمدة قليلة وزال الوباء في أواخر جمادي الآخرة (1). وصل الوباء إلى كربلاء وحصد أرواح كثيرة، ولكنه لم يدم فترة طويلة حتى زال.
من أشهر من أصيب بهذا الوباء وتوفي بسببه هو الشيخ الحاج محمد علي بن الشيخ محمد آل كمونة الأسدي (2). وهو شقيق كل من الحاج مهدي كمونة سادن الحسين الذي عينه محمد نجيب باشا بعد واقعته على كربلاء سنة 1258ه-، والميرزا حسن الذي تولى السدانة بعد وفاة أخيه الأكبر الحاج مهدي.
كان الشيخ محمد علي يختلف عن أخويه فقد كان منشغلاً بالعلم والأدب، شاعراً مجيداً وقد أكثر في شعره عن المراثي الحسينية وعن أهل البيت ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
فالأخوة الثلاثة على النقيض في توجهاتهم، الشيخ مهدي كان ورعاً تقيّاً وطمع سدانة الحسين وكان هرماً حين تولاها . أمّا أخوه الميرزا حسن فقد كان طموحاً ميّالاً إلى الزعامة وحب النفوذ والسيطرة، وعندما إستلم السدانة بعد أخيه إزداد نفوذه في المدينة وبرز اسم آل كمونة بشكل أوسع في المجتمع الكربلائي بعد أن بقيت السدانة بيده لمدة 20 سنة، وحاول إستمالة البعض إليه ليزداد قوة وأتباعا.
ذکر آغا بزرك الطهراني في طبقاته الشيخ محمد علي كمونة حيث قال: « وهو من العلماء الفضلاء الأدباء الشعراء، توفي سنة (1282 ه-)، وله ديوان شعره الجيد ... »(1).
وجاء في كتاب الذريعة ذكر لديوانه وفيه: «ديوان ابن كمونة - الحاج محمد علي بن الشيخ محمد كمونة الأسدي النجفي الأصل الحائري المسكن. كان هو وأخويه الحاج مهدي والشيخ محمد حسن كمونة من سدنة الحرم الحسيني(2)، وتوفي بالوباء، ليلة الأحد من جمادي الآخرة (1282) وهو مناهز الثمانين. طُبع ديوانه سنة (1367)مع مقدمة في ترجمته بقلم جامع الديوان والمعلق عليه والمباشر لطبعه الفاضل محمد كاظم بن الشيخ كاتب الطريحي النجفي (3).
ومن شعره رحمه الله قوله في إحدى قصائده:
فوا حزَني إذ لم أكن۫ يَو۫م كربلا*** قتيلاً، ولم أبلغ هناك مآربي
فإن غبتُ عن يوم الحسين فلم تغب۫*** بنو أسد أُسد الهياج أقاربي
1) طبقات أعلام الشيعة: العلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني، ج 12 ص 143 .
2) لم يكن الشيخ محمد علي قد تولى السدانة وإنما أخويه فقط، وهو توفي في حياة أخيه الميرزا محمد حسن عندما كان سادناً للحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة (الشعر والشعراء) العلامة آغا بزرك الطهراني، ج1/9 ص22 برقم 163 .
ومن إرتجاله للشعر هذان البيتان الجميلان في مولد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ):
هو جوهر النور الذي قد شاحه*** موسى بسينا فأتى رعديدا
لم يفرض الله الحجيج لبيته*** لو لم يكن في بيته مولودا
وكان من تلاميذ الشيخ محمد علي كمونة في الأدب الخطيب المشهور الشيخ محسن أبو الحب الكبير. كانت وفاة الشيخ محمد علي بوباء الهيضة في أواخر شهر جمادي الآخرة سنة 1282 ه- ودُفن في الروضة الحسينية بجنب أخيه الحاج مهدي كمونة.
بعد نقل مصطفى محمد بك تم إعادة تعيين المير ميراندن (إسماعيل باشا) للمرة الثانية بدرجة قائمقام سنة 1283ه- (1)/ 1866م ، ولم يبق في منصبه سوى تسعة أشهر فقط. وفيما يلي صورة لنسخة من سالنامة سنة 1283ه- ص78 وفيها اسمه ورتبته:
نسخة عن سالنامة سنة 1283ه- .(1866م)
1) سالنامه سنة 1283ه، ص 78.
السيد أحمد(1)بن نصرالله بن موسى آل نصرالله يتولى سدانة الروضة العباسية
في خضم الصراع على سدانة الروضة العباسية حيث كان السادن هو السيد سعيد سلطان آل ثابت الذي تولى السدانة سنة 1265ه- / 1866م وبين منافسين له من آل طعمة، ونتيجة الدعاوى المقامة من قبل كل طرف على الطرف الثاني، أصدر والي بغداد أمراً بتعيين السيد أحمد آل نصرالله سادناً للعباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). وإناطة السدانة إلى السيد أحمد كانت وسيلة لتهدئة الأمور بين الطرفين لحين الانتهاء من بت المحاكم للدعاوى المقامة بين الطرفين، وكان السيد أحمد من السادة الوجهاء في البلد وله ثقله في المدينة، وكان يميل إلى تثبيت السيد سعيد آل ثابت في السدانة.
والوثيقة التي تثبت تولي السيد أحمد آل نصرالله السدانة هي الوثيقة التي صدرت ووقعت في كربلاء بتخويل السلطات العثمانية للسيد حسين بن مهدي (النهري) السندي على كري نهر الحسينية، والوثيقة موقعة سنة 1283ه- وعلى رأس الموقعين (السيد أحمد السيد نصرالله كليدار)، والسيد صالح الشهرستاني والسيد علي نقي الطباطبائي وغيرهم من العلماء ووجهاء المدينة (2).
وبمجرد صدور الحكم ببراءة السيد سعيد من التهم الموجهة له من خصومه، قام السيد أحمد بتسليم السدانة إلى مستحقها السيد سعيد آل ثابت. وبقي السيد أحمد في السدانة مدة قاربت السنة.
1) هو أحمد بن نصرالله بن موسى بن إبراهيم بن نصرالله بن ناصر الدين بن يونس بن جميل بن علم الدين الفائزي. ويرجع إلى السيد أحمد فخذ كبير من أسرة السادة آل نصرالله ويسمون بآل السيد أحمد، وأعقب أربعة أولاد أكبرهم السيد علي الملقب ( علي الأحمد) الشخصية الكربلائية الشهيرة في زمانه، وكذلك السادة هاشم ومحمد حسين وجواد (الذي يطلق على أبنائه وأحفاده بيت القصير، من آل نصر الله)، وللسيد أحمد ذرية من الأحفاد ينتشرون غالبيتهم في كربلاء وبغداد.
2) كربلاء وأهلها في التاريخ المحامي السيد مهدي حسين السندي الحسني، ص 61.
زار الرحالة الهولندي (تنكو مارتينوس ليكلاما آینهولت) مدينة كربلاء في منتصف شهر نيسان سنة 1867م ، نهاية سنة 1283ه-.
آینهولت من الرحّالين الذين زاروا العراق في ستينيات القرن التاسع عشر الميلادي، ودخله عن طريق البصرة يوم الأربعاء 28 تشرين الثاني 1866م/21 رجب 1283ه- ، وغادره يوم الثلاثاء 4 حزيران 1867م / 2 صفر 1284ه- إلى إيران عن طريق خانقين وقصر شيرين إلى كرمنشاه.
وفي العراق ومنذ أن وطئت أقدام هذا الرحالة فيه كتب عن البصرة وإتجه إلى بغداد بباخرة نهرية حيث وصلها في الرابع من كانون الأول 1866م/ يوم الثلاثاء 27 رجب 1283 ه-، بقي في بغداد ستة أشهر وقابل الوالي (نامق باشا) الذي كانت زيارة آينهولت في زمنه وطلب منه زيارة مناطق الفرات، فقد زار الحلة والكوفة والنجف وكربلاء وبعدها زار سلمان باك وسامراء وبعقوبة.
لم نجد في رحلة آينهولت هذه تفاصيل كاملة عن زيارته إلى كربلاء، ولكن الأهم من ذلك كلّه هو أننا وجدنا في رحلته التي تخص كربلاء معلومة في غاية الأهمية لم يتم ذكرها من قِبل الرحالة الذين زاروا كربلاء قبله ،وبعده وقد تكون غريبة على الكثير ممن يهتم بمدينة كربلاء جعلتنا نبحث ونتقصى عنها ألاَ وهي الوصول إلى مدينة كربلاء بواسطة مائية ترسو على مشارفها، أو بمسافة قريبة جداً منها، ومن ثُمَّ توصلنا إلى أن الكثير من زوار العتيات المقدسة وخاصة من مناطق جنوب العراق الذين كانوا يأتون في الزيارات الدينية المخصوصة لقبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وتحديداً في زيارة الأربعين (20 صفر) من كل سنة، وزيارة عرفة في (9 ذي الحجة) من كل سنة، قبل أن تتوفر وسائل النقل الحديثة (القطار والسيارة) يأتون بهذه الواسطة في سفن صغيرة تمخر نهر الفرات قادمة من الجنوب.
توجه آينهولت إلى زيارة الحلة والنجف والكوفة وكربلاء في وقت كان فيضان نهر دجلة في بغداد على أشدّه ، فزار الحلة والكفل ومنها عن طريق النهر إلى الكوفة، ثم النجف وعاد إلى الكوفة حيث أخذ مركباً (سفينة) إلى كربلاء، وأرسل رجاله عن طريق البر ليستقبلوه عند مشارف كربلاء ورافقه السيد حبيب (مرافقه ومترجمه) وخادمه والقواص (الحارس الذي أرسله الوالي معه) حيث يقول: ولم يعجبني في خلال رحلتي الطويلة شيء أكثر من هذه السفرة المائية التي دامت 36 ساعة من الكوفة إلى كربلاء.
وعن مغادرته الكوفة إلى كربلاء بسفرة مائية وهي الأغرب والأهم في موضوع رحلته يذكر آينهولت جميع المناطق التي مرّ بها بسفينته، والبحيرات والمستقعات المائية بالأسماء. ومن آخر نقطة مائية رست فيها سفينتهم، إتخذ طريقه براً نحو كربلاء، وكانت المسافة ليست ببعيدة، ووصل كربلاء وإلتقى برجاله الذين أرسلهم مع الخيول والأمتعة من الحلة إلى المسيّب لتفادي مياه الفيضان، وقد كانوا ينتظرونه في كربلاء.
بقي في المدينة المقدسة عدة أيام وغادرها إلى بغداد عن طريق المسيّب. وكتب في رحلته عندما إطلع على كربلاء مقارناً النجف بكربلاء ما يلي: « وقد إجتذب ضريح الإمام علي منذ عهد سحيق، حشود الزوّار ولا تزال الزيارة حتى اليوم موصولة بالوفود، ولو أنها لا تضاهي ما هو مشهود في مرقد الإمام الحسين ثاني أبناء الإمام علي في كربلاء » (1).
1) رحلة آينهولت إلى العراق، ص 245 - 248 . ويراجع كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات) ص 207 - ص 215 ، وفيه التفاصيل الكاملة عن الرحلة ومن ضمن الصفحات هوامش في غاية الأهمية.
قام الحاج حبيب الحافظ (1)بإنشاء خزان للماء في الجانب الشمالي الشرقي من صحن الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وهي من المبرات والخيرات التي قام بها رحمه الله لخدمة زائري الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وقد إشترى داراً كانت ملاصقة لسور الصحن من الناحية الشمالية الشرقية وعلى يسار مدرسة حسن خان خُصصت لإدامة خدمات الخزّان، وجزء من الدار خُصص ليكون مقبرة للعائلة. كما خصص ريع أحد بساتينه وأوقفها لتلك الخدمات.
أعيد محمد بك ليستلم حاكمية كربلاء بدرجة قائمقام للمرة الثانية سنة 1284ه- (2)/ 1867م ، وقد إستمر في منصبه لمدّة قاربت السنتين حيث نُقل نهاية سنة 1285ه- (بداية سنة 1869م).
للهندية ( طويريج) وضع خاص بين القصبات والمدن، ولأهميتها كانت في كثير من الأحيان ترتبط بلواء بغداد مباشرة، وحدثت في الهندية أحداث كثيرة شغلت الحكومة على الدوام بسبب الثقل العشائري فيها وخاصة بعد أن تم توطين العشائر فيها بعد الحوادث التي كانت تجري في مناطق الفرات الأوسط، وخاصة بعد النزاعات العشائرية التي ظهرت بين عشائر الهندية وعشائر الحلة.
كما أنها من المناطق الزراعية الكبيرة، والأهم من ذلك أنها كانت أكبر ميناء على الفرات في وسط العراق، فهي التي تستقبل المراكب المحملة بالبضائع المختلفة
والقادمة من البصرة، وهي النقطة الأخيرة لوصول البضائع المتجهة إلى مدن أعالي الفرات حيث تُنقل منها براً لأن المراكب لا تسير إلى أعالي نهر الفرات لعدم صلاحية النهر لسير المراكب فيه، فكانت مدينة تعج بالنشاط. بالإضافة إلى أنها تقع بين مدينتين مهمتين هي كربلاء والحلة، فهي إلى كربلاء أقرب، وطالما رُبطت بلواء الحلة وانفصلت عنه عدة مرات.
«والهندية ذات بنية مرتبطة بكربلاء بشكل طبيعي من الناحية الجغرافية والإجتماعية والتجارية الموجودة في المنطقة، كما كان هناك إرتباط محسوس لمواجهة الإحتياجات بين قصبتي الهندية وكربلاء اللتين تتكونان من نفس العشائر ونفس المذاهب... »(1). وكانت الهندية ( طويريج) في عام 1863م/ 1280ه- بمثابة المنطقة العسكرية التابعة لكربلاء، ولأهميتها في المنطقة كقصبة تحيط بكربلاء بحيث تحادد الحلة والشامية والنجف ولإرتباطها الوثيق بكربلاء عشائرياً وعسكرياً إستوجب أن يكون لها وضع إداري جديد حيث كانت قضاءً تابعاً لبغداد حتى عام 1868م/ 1285ه-.
ووفق التنظيمات الجديدة التي تنوي الحكومة بتطبيقاتها على المستوى الإداري، ووجود الحاجة لتحويل كربلاء من قضاء إلى لواء، سعت الحكومة لأن تكون الهندية تتبع لكربلاء وتم ذلك الإرتباط سنة 1285ه- / 1868م.
عندما توفي سادن الروضة العباسية السيد سعيد بن سلطان آل ثابت سنة 1285 ه- / 1868م ، تولى السدانة بعده نجله السيد حسين، وكان السيد حسين حينها صغير السن ولم يبلغ سن الرشد، فتقرر أن يكون السيد حسين بن محمد علي آل ضياء الدين وصيّاً عليه ويتولى إدارة شؤون السدانة لحين بلوغه سن الرشد.
1) كربلاء في الأرشيف العثماني، ص 294 .
وقبل أن يتم ذلك تمكن الوصي من الحصول على السدانة بتوصية من ناصر الدین شاه في حادثة نادرة سيتم الحديث عنها فيما بعد.
أما السيد حسين بن سعيد بن سلطان آل ثابت فقد إستدعاه ناصر شاه إلى إيران وولاه سدانة الروضة الرضوية في مشهد (خراسان)، والذي تسلمها من بعده ابنه السيد سعيد ومن ثَمَّ حفيده السيد حسين لحين سقوط الدولة القاجارية، فقد إعتبر رضا شاه بهلوي إن سدانة الإمام الرضا ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) شرف كبير فهو حريٌّ بها مع أنه الشاه الجديد، ففي سنة 1934م نقل السادن من آل ثابت إلى طهران وأقطعه أراضي وأملاك كثيرة فيها، وبقي أولاده وأحفاده إلى الان في إيران ويلقبون ب- (بيت حاجي عرب)، ولم تنقطع صلتهم مع أبناء عمومتهم من آل ثابت في كربلاء، وحتى املاكهم فيها ومنها (مقاطعة الصنكَر) في باب طويريج التي آلت بعد ذلك إلى أسرة آل ثابت بعد قرار التسوية.
كان الطب قديماً في كربلاء يعتمد على أشخاص مارسوا الطبابة اليونانية والبدائية، وقد يكونوا مارسوا هذه المهنة وتعلموها من آبائهم الذين كانوا حكماء في التطبيب، أو عملوا تحت أيادي حكماء تعلّموا منهم المهنة، وصاحب ذلك إطلاعهم و دراستهم كتب الحكماء القدمى في الطب. وكانت أدويتهم تعتمد على الأعشاب الطبيعية المعروفة بفوائدها حسب الموروث الشعبي القديم لكل داء ولكل حالة من حالات المرض، بل وقد يضيفوا تراكيب معينة بعد إستخلاصهم لتجارب عملية قاموا بها بخبرتهم الواسعة في هذا المجال.
وقد يقوم هؤلاء الأطباء وبخبرتهم الذاتية القيام ببعض العمليات الصغرى مثل فصد الدنامل أو خياطة الجروح ... وكانت في كربلاء بعض المحال المتخصصة ببيع الأعشاب التي تعالج بعض الأمراض، وهي محلات (العطارين) أو العشابين.
أمّا في حالات الكسور العظمية أو الرضوض وغيرها فيما يخص الجهاز العظمي، فكان لها أشخاص مختصين إشتهروا بخبرتهم بتجبير العظام، وكان يطلق عليهم اسم (المجبرجية) ومفردها (المجبّر).
وفي الأزمنة القديمة لم تكن هناك مؤسسات صحية مثل المستشفيات أو المستوصفات إلّا ما ندر، حتى أنشأت بعض من هذه المؤسسات الصغيرة في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين وأول هذه المؤسسات الصحية
التي أُقيمت في كربلاء هو المشفى العسكري الذي يقع ضمن الحامية العسكرية المرابطة في كربلاء.
ومن أقدم أطباء كربلاء هم:
كان من أطباء كربلاء المشهورين في زمانه، ويقول عنه صاحب طبقات أعلام الشيعة: «عالم طبيب كان معاصراً للسيد كاظم الرشتي المتوفى (1259ه-) سأله عن مسائل طبية كتب السيد كاظم في جوابها رسالة عدّها من تصانيفه في فهرسها المذكور في- نجوم السماء -» (1)
كان من أمهر الأطباء ويعرف ب- (آغابابا)، ويُلقّب ب- (ملك الأطباء). وكان متبحراً في جملة من العلوم بالإضافة إلى الطب. كان يسكن طهران وهاجر إلى كربلاء وإشترى داراً فيها وجاور الحائر الحسيني إلى أن توفي سنة 1290ه-/ 1873م، وله آثار جليلة نظماً ونثراً في العربية والفارسية منها : ( الكليات المنظومة) في الطب، و (حفظ الصحة) و (تسهيل العلاج) و (الوبائية الكبيرة) و (الوبائية الصغيرة) والطاعونية وسمّاها (مسكن الفؤاد)، وكذلك الكوثرية والكافورية وغيرها من المصنفات (2).
وهو الميرزا خليل بن علي بن إبراهيم بن محمد علي الطهراني جد (آل الخليلي) في النجف، المولود في طهران سنة 1180ه- / 1766م. كان من أشهر أطباء زمانه، كانت له سمعة كبيرة في بلاد إيران بأجمعها قبل رحيله إلى العراق. هاجر من إيران
فنزل الكاظمية وإشتغل فيها بالطب، ثم رحل إلى كربلاء وزادت شهرته فيها وبقي سنوات طوال يمارس الطب، ثم إرتحل إلى النجف وإستقر فيها، فذاع اسمه وقصده الناس من جميع الجهات. وقد بلغ الميرزا خليل في الطب اليوناني منزلة سامية، وبرع براعة فائقة وعُرف بحسن التشخيص. توفي في النجف سنة 1280ه- / 1863م، وأعقب خمسة أولاد منهما عالِمان كبيران هما الحاج موسى علي والميرزا حسين(1)وثلاثة أطباء مشاهير هم الميرزا محمد والميرزا حسن والميرزا باقر.
4 - الشيخ الميرزا جعفر (حافظ الصحة) (2)
هو الميرزا جعفر بن الميرزا محمد علي البروجردي المولود سنة 1309ه- / 1891م والمتوفى في كربلاء سنة 1360ه- / 1941م، كان من الأطباء الماهرين والمشهورين في كربلاء.
كان طبيباً بارعاً في كربلاء، ومن الفضلاء الأجلاء ، وقد ذكره صاحب طبقات أعلام الشيعة في ج 10 ص 161 .
هو السيد خليل بن السيد إبراهيم بن محمود بن عبد العزيز الموسوي الحسيني الملقب ب- (الحكيم) (3)، كان طبيباً مشهوراً في كربلاء، وقد لقّب بالحكيم لشهرته بالطب، وخرج من أسرته أطباء إشتهروا في كربلاء منهم ولده السيد مهدي وحفيده السيد حسن الذي كان يلقب بالشهرستاني وما هو منهم بل جاءت الشهرة عليه
لمصاهرة أسرته بآل الشهرستاني، فأسرة السيد خليل الحكيم عرب أقحاح، وكان جدهم الأعلى السيد محمد بن موسى بن عبدالله بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يسكن في بلدة (نصيبين) القريبة من حلب السورية.
كان من أطباء كربلاء المعروفين، وكانت ولادته بكربلاء سنة 1324ه- وتوفي ودُفن فيها.
كان من أطباء كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري في كربلاء وتوفي فيها. وقد أعقب ولدين هما محمد صادق ومحمد حسين، تتلمذا بالطب على يديه، وتوفي الأكبر عند أداء فريضة الحج، بينما الثاني فقد أصبح من مشاهير الأطباء.
هو ابن العالم الطبيب آغا الكلبنكياني، ولد الطبيب الميرزا محمد حسين سنة 1275ه- / 1858م ، وتتلمذ بالطب على والده، ثم رحل مع أخيه الأكبر إلى طهران فتتلمذا على يد الميرزا زين العابدين الكاشاني الذي كان طبيب السلطان ناصر الدين شاه، ولقّب كلّاً منهما بحافظ الصحة.
رجع إلى كربلاء وأخذ يمارس مهنة الطب فيها إلى أن توفي فيها سنة 1359ه- / 1940م، وصلّى عليه الحجة السيد أغا حسين القمّي المتوفى سنة (1366ه)، ودفن حافظ الصحة الميرزا محمد حسين بمقبرة شيخ العراقين الطهراني في الصحن الحسيني(1).
1) طبقات اعلام الشیعة، ج 14 ص 535 - ص 536 .
هو ابن الطبيب السيد خليل الحكيم، ولد في كربلاء سنة 1250ه- / 1834م، وتتلمذ على والده في مهنة الطب وبرع فيها، فكان طبيباً ماهراً وأديباً (1)معروفاً في المدينة. له عدة تصانيف في الطب وغيره، منها (إرشاد الأذهان في طبّ الأبدان) و(كتاب الطب)، و (الكتاب المسطور) في شرح الرق المنشور، و(أُرجوزة في الطب) (2).
توفي في كربلاء سنة 1318 ه- / (1900م) وخلّف ولده الطبيب السيد حسن.
كان من الأطباء المشهورين في كربلاء في العقود الأولى من القرن العشرين الميلادي، ويراجعه أهالي المدينة للمعالجة بالطب اليوناني، وأخذ يمارس مهنته لحين وفاته، وأعقب أربعة أولاد هم السادة صدر الدين(3)وشمسي وفخري وبدري.
1) راجع كتابنا (بيوتات كربلاء القديمة)، ص 313 - 314.
2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج 11 ص 246 ، وج 15 ص 143 ، وج 23 ص 121، وج 24 ص 46، وج 26 ص 41، وج 26 ص 41.
3) هو المرحوم الشهيد السيد صدر الدين (محمد علي) بن السيد حسن بن مهدي بن خليل الحكيم، الملقب بالشهرستاني، كان من خطباء المنبر الحسيني في كربلاء، وكان بارعاً في الخطابة وأديباً وشاعراً، وله منزلة كبيرة في الوسط الكربلائي رحمه الله.
في 18 محرّم سنة 1286ه- / 12 مايس 1869م إستلم مدحت باشا ولاية بغداد خلفاً لواليها تقي الدين باشا.
إشتهر مدحت باشا بأنه كان والياً مصلحا، عمل جاهداً على تطبيق القانون وفرض الأمن، وفي فترة ولايته كانت له إنجازات كبيرة في مجالات عدة، إدارية وخدمية وعمرانية وإعلامية.
ولكونه رجل دولة على خبرة ودراية وموضع ثقة للحكومة، جعل الدولة تمنحه سلطات وصلاحيات واسعة ولعل ظهور التطورات الهامة والسريعة في النواحي الإدارية والعسكرية والمالية لكربلاء في هذا العهد يمكن أن يوضح شخصية وخبرة مدحت باشا التي إتبعها نحو كربلاء (1).
كانت كربلاء أحد ألوية ولاية بغداد في زمنه، ولمدحت باشا إنجازات مهمة في كربلاء لا يمكن تجاهلها لأهميتها البالغة في تاريخ المدينة. ومن الأهمية بمكان ذكر أعماله وإنجازاته في هذه المدينة المقدسة، كما نذكر بعض الأمور التي أمر بها وهي قد لا تتوافق مع آراء الأهالي وخاصة في مجال التجنيد العسكري.
1) الأرشيف العثماني لرئاسة الوزراء، صادر ووارد الولايات 257، الرقم 85.
في بداية ولاية مدحت باشا على بغداد كان القائمقام في كربلاء هو (محمد بك)، وعندما أصبحت كربلاء إداريّاً بمستوى (لواء)، فقد تم تعيين متصرف جديد بدل قائمقامها (محمد بك) وهو (إسماعيل باشا ) الذي باشر بوظيفته سنة 1286ه- / 1869م(1).
بعد صدور اللائحة التنظيمية للولايات عام 1864م/ 1281ه- من قبل الباب العالي في إسطنبول، ظهرت الحاجة للقيام ببعض التنظيمات في الساحة الإدارية لكربلاء، إلّا أنها لم تعش أي تطور في النظام الإداري حتى تولّي مدحت باشا ولاية بغداد. فكانت كربلاء قائمقامية ومثلها النجف التي كانت تابعة لها .
وجد مدحت باشا أن المناخ مهيأ بعمل تجديدات في سنجق كربلاء الذي كانت تتبع له النجف والهندية وشفاثا والرحالية والحسينية، فحوّلها إلى متصرفية. وقبل ذلك التاريخ كانت كربلاء دائماً من بين الأقضية التابعة للواء بغداد المركزي الذي كان يتكون من خمسة سناجق. وفي بداية عام 1286ه-/ 1869م أصبحت بمستوى لواء تابع لولاية بغداد. «قام والي بغداد بتحويل سناجق كربلاء وشهرزور والموصل والبصرة والديوانية إلى متصرفيات طبقاً لأصول الولاية» (2).
كانت سيرة المتصرف إسماعيل باشا سيئة للغاية، بحيث ضاق الأهالي منه ذرعاً، فقد كان سيء الإدارة مرتشياً، وكذا بعض الموظفين ممن على شاكلته، فأوصل الأهالي شكاواهم إلى الوالي مدحت باشا الذي أظهر حساسيّة شديدة بالنسبة لموضوع
الإنحرافات وخاصة التي وصلته عن المتصرف، فذهب بنفسه إلى كربلاء وأجرى التحقيق، فثبت له ما كان قد عزي إلى المتصرف، فعزله من منصبه به (1)، وأمر بأخذه للمحاكمة ونصب مكانه (حافظ أفندي).
بعد عزل إسماعيل باشا أصدر الوالي مدحت باشا أمراً بتعيين (حافظ أفندي) الذي باشر وظيفته في سنة 1286 ه- (2)بداية سنة (1870م)، وقد هنأ قدومه السيد أحمد وفي الرشتي ببيتين من الشعر هما :
إن الذي قد حلّ عرصة كربلاء*** بحر ومنه أولوا المكارم تغرف
هنّيته وأنا المهنّي عندما*** أرخته هُنّیت یا متصرف
كان مجلس إدارة اللواء في عهده يتشكل من:
1- السيد محمد علي بن السيد وهاب آل طعمة.
2- السيد كاظم بن السيد صالح آل نصر الله.
3- السيد جعفر بن السيد حسين آل ثابت.
4- السيد محمد بن السيد حسين آل الوهاب.
5- الحاج حبيب الحافظ.
حسب ما جاء في قرار إنشاء محلة العباسية الذي اتخذه مجلس اللواء حيث وردت تواقيعهم في القرار.
كانت مدينة كربلاء لحين قدوم الوالي مدحت باشا مدينة صغيرة يحيط بها السور من جميع جوانبها، وبدت من ضيقها وللزحام الموجود فيها غير قادرة على إستيعاب أعداد الزائرين الوافدين بشكل متصاعد إليها، وعدم إمكانية التجديد للأبنية أو توسيع الأزقة وفتح الشوارع داخلها لعدم وجود فضاءات لذلك، فبدت مدينة خانقة، فبيوتها صغيرة ومتراصة، وأزقتها ضيقة، فلا بد من حل لهذه المشكلة.
وإثناء قدوم الوالي مدحت باشا إليها وعزل المتصرف، رأى من الضروري إتخاذ إجراء لتوسيع المدينة، وبعد إجتماعه بعليّة القوم والموظفين المختصين، قرر إنشاء محلة جديدة فيها . إستدعى هذا الأمر أن يبقى الوالي في كربلاء أكثر من خمسة أيّام، خرج في أطرافها يستكشف أفضل الأماكن لتنفيذ المشروع، وإستقر الرأي أن يكون توسع المدينة من جهتها الجنوبية الشرقية خارج السور.
وقرر أن تكون المحلة الجديدة وفق مخطط حديث وعصري، حيث الشوارع العريضة، « وأمر بتنظيم خارطة بذلك وترتيبها بالوجه المطلوب على أن تباع العرصات إلى الأهلين لكل من أراد أن يبني داراً أو دكاناً أو أي بناء، وأن تصرف المبالغ المستحصلة في تنظيم طرقها ... »(1). كما قرر الوالي بناء سراي جديد للحكومة ومقراً للحامية العسكرية ومقراً للضبطية (الشرطة) في السراي.
سمّيت (المحلة الجديدة) قديماً وبعدها سمّيت ب- (العباسية)، وإلى وقت قريب كان الأهالي من كبار السن يسمّون العباسية ب- (الجدَيْدَة). أمّا سبب إختیار هذه المنطقة خارج السور لتكون المحلة الجديدة في كربلاء يرجع إلى ما يلي:
1- المعروف عن مدينة كربلاء القديمة أنها كانت محاطة بسور والمناطق المحاددة للسور هي عبارة عن بساتين عامرة تتخللها طرق تؤدي إلى أبواب سور المدينة، عدا المنطقة الجنوبية التي كانت عبارة عن أراضي منخفضة تتجمع فيها المياه في
1) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 7 ص 172 .
موسم الشتاء وكذلك تتعرض لتجمع المياه في مواسم الفياضات عندما تفيض المستنقعات المجاورة لها.
2- وتحاشيًا لعدم التوسع على حساب البساتين المملوكة للأهالي، والتي في حالة التوسع على حسابها ستكلف الخزينة من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن عملية جرف البساتين تؤثر على الأهالي مادياً وتُعتبر خسارة بيئية.
3- المنطقة الجنوبية لها إمتدادات إلى الأرض الصحراوية، فيمكن أن يكون التوسع المستقبلي للمدينة يبدأ منها وهذا ما حصل فعلاً في العقود اللاحقة عندما أخذت كربلاء بالتوسع من ناحية الجنوب والجنوب الغربي. - 4-المنطقة المختارة كانت وبسبب إنخفاضها وتجمع المياه فيها يكثر فيها نبات البردي، فإنها كانت سبباً لإنتشار الأوبئة والأمراض والحشرات الضارة.
5- إن الأراضي الجنوبية كانت تابعة للدولة، ومشروع التوسع هذا لن يكلف الخزينة وحتى عملية ردم المنخفضات وفتح الشوارع في المحلة الجديدة ستكون تكاليفها من المبالغ التي تستحصل من بيع قطع الأراضي التي ستباع لمن يرغب بإنشاء دار أو دكان أو خان أو أي منشأ آخر. وفور الانتهاء من إعداد الخرائط والتصاميم تم المباشرة بالمشروع في نهاية عام 1870م/ 1287ه-.
محلة العباسية في بداية القرن العشرين الميلادي
خارطة كربلاء القديمة المحاطة بسور وتظهر المحلة الجديدة بتصميمها الحديث وتظهر البساتين المحيطة بالمدينة وكذلك بعض المستنقعات
من الجهود والأعمال المهمة التي قام بها الوالي مدحت باشا لكربلاء هي تحديث المواصلات لربط كربلاء بالمدن الأخرى في العراق عن طريق إنشاء سكة حديد فرعية لها تخدم زائري المدينة وأهل البلد. وكذلك الشروع في تحديث وسائل الإتصالات عن طريق ربط كربلاء بشبكة التلغراف
لاحظ مدحت باشا التقارب الإيراني العثماني الذي حدث بعد زيارة ناصر الدين شاه القاجاري لبغداد وكربلاء، فإتخذ ذلك وسيلة لبدء مساعيه حول راحة زوّار المراقد المقدسة وكذلك لساكني مدن العتبات. ولكن الهدف الحقيقي من مساعيه حول مشاريع المواصلات والإتصالات في كربلاء هو تقليل النفوذ الإيراني والإنكليزي
معاً، وتقوية نفوذ الحكومة العثمانية في المنطقة وربطها بالمركز من خلال الإسراع في تنفيذ تلك المشاريع لربط كربلاء ببغداد وتقريب المسافة بينهما، وتلك المشاريع هي:
كان تفكير مدحت باشا حول مد سكة الحديد ينبع من عدة أمور طرحها إثناء حوار له أجرته جريدة الزوراء الصادرة في بغداد في عددها ليوم 6 حزيران 1870م، فقد كان يريد ربط كربلاء بخط سكة حديد مع خانقين عن طريق بغداد لتسهيل وصول الزوّار الإيرانيين إلى كربلاء، وضمان عدم بقائهم مدة طويلة فيها، وكان يبرر ذلك بأن كربلاء لا توفر للزائرين الإقامة فيها فترة طويلة لأنهم سيدفعون أجرة باهضة نسبياً للمنازل والخانات التي يقيمون فيها، بالإضافة إلى أن محلات الإقامة تلك قليلة نسبياً إذا ما قورنت بعدد الزائرين المتزايد.
ولكن عند مد سكة الحديد يمكن للزائر أن يأتي إلى كربلاء من بغداد صباحاً ويقوم بزيارة العتبات فيها والعودة مساءً إلى بغداد، فذلك يوفر لهم الإقامة بأجرة أقل وراحة أكثر، وحتى إذا بقي الزائر أكثر من يوم فإنه سيكون في راحة وبقليل من النفقات إلّا إذا كانت زيارته لأغراض أخرى ! وكان يعني بكلامه عن الزوار الإيرانيين بشكل خاص، والزائرين الهنود الذين يأتون عن طريق البصرة، مع العلم بأن الهند كانت مستعمرة إنكليزية، والإنكليز طالما إستغلوا الزوار الهنود لأغراضهم أو مشاريعهم الإستعمارية المستقبلية التي لم تغب عن بال العثمانيين. وفي نفس الوقت كان لديه مشروع آخر هو ربط النجف بسكة حديد مع كربلاء والحلة لنفس الأغراض. فقد صرّح بأن لهذا المشروع عدة أهداف منها جعل كربلاء بمثابة الميناء، وكذلك ربط هذا الخط بخطوط أخرى على الطريق، وفي نفس الوقت إستخدام هذا الخط عند الضرورة في حماية الشؤون الملكية للصحراء. وذكر بأن الروابط التجارية بين بغداد وكربلاء أكبر من السناجق الأخرى، ومد هذا الخط سيزيد من تلك النشاطات
التجارية. وقال بأن من أهداف مد هذا الخط هو توفير الراحة لرحلة 30 - 40 ألف زائر يفدون كل عام من إيران، وأخيراً ذكر بأن الهدف الأكبر هو خدمة الروابط المادية والمعنوية التي ستتكون من تطبيق الأهداف الآنفة الذكر. فالأهداف الأخرى غير المعلنة من إنشاء خط كربلاء - بغداد هي لتقوية الإدارة العثمانية في المنطقة، لأن كربلاء طالما كانت في خلافات دائمة مع السلطة العثمانية، وكثيراً ما تمردت عنها وحكمت نفسها بنفسها. ومنع بقاء الزوّار من الأعاجم في كربلاء فترة طويلة، كما أنه سيعمل على الحيلولة دون إزدياد نفوذ الشيعة في المنطقة، وعلى تطبيق كل المعاملات المادية والمعنوية لهم بشكل لا يضر بالإدارة العثمانية.
في بداية عام 1870م / 1287 ه- تمت موافقة الباب العالي في إسطنبول على مقترح والي بغداد مدحت باشا، وصدر الإذن بمد الخط الحديدي وتم البدء فيه. وقد خُطِطَ لمرور الخط من المسيّب الواقعة بالقرب من الفرات، وتم البدء أيضاً في أعمال القنوات والسدود والجسور لمنع أضرار الفيضان الذي يحدثه نهر الفرات والذي يتكون في القنوات والجداول المتصلة به، وقد تقرر أن يتم إنشاء خط بغداد - كربلاء بمعرفة مهندسين إنكليز، وتتولى شركة (مانشستر) الإنكليزية مصاريفه، وأن يتم الدفع للشركة على خمس سنوات بفائدة مقدارها 6% ، وقدّرت مصاريف إنشاء الخط بين 125 إلى 130 ألف ليرة عثمانية.
إثناء مد خط السكة الحديد تم تكليف متصرف كربلاء من قبل الوالي ببذل مساعي لترميم الجسور والأنفاق لضمان السيطرة على الزوار والتجار المارين من الطريق وسرعة توصيلهم إثناء عملية الإنشاءات التي كانت تتم على خط السكة، وقد قام المتصرف بالإشراف على ما تم تكليفه به بشكل دقيق.
والمشروع الذي تم البدء بدراسته وطلب إنشاءه عام 1869م، والمباشرة به سنة 1870م أصبح أكثر نفعاً بعد إتمامه في إنشاء خط سكة الحديد بغداد – خانقين، وكذلك وضع الدراسة لربط مدن الحلة والنجف وكربلاء بخط بغداد خانقين.
أما بالنسبة إلى تأسيس مكتب تلغراف في كربلاء فقد كان هذا المشروع ضمن جهود مدحت باشا العمرانية إثناء وجوده والياً لبغداد بعد أن وجد الأهمية الإستراتيجية لخط تلغراف حلب – الموصل – بغداد – البصرة، فكانت أول مساعيه أن يتم ربط كربلاء بخط التلغراف لأهمية كربلاء للمنطقة، نظراً لكثرة الإيرانيين والهنود الذين يفدون إلى المدينة لغرض الزيارة أو الإقامة أو للتجارة. وكذلك الهدف الخاص بتشكيل إدارة جيدة تخدم الأمور والأعمال الإدارية عن طريق سرعة الإتصال. وشبكة التلغراف بدأت في العراق عام 1857م عندما قامت شركة الهند الشرقية الإنكليزية بمد خط من الهند إلى البصرة ومنها إلى سوريا، ووقعت إتفاقية مع الدولة العثمانية التي ربطت موافقتها بأن تكون هي المالكة للخط. وفي ولاية أحمد توفيق باشا وتحديداً عام 1860م تم تأسيس إدارة للتلغراف في بغداد، وفي عام 1861 م مُدَّ ولأول مرة خط تلغراف بين إسطنبول وبغداد، وفي عام 1863 م بدأ العمل بخط تلغراف بغداد - البصرة الذي إنتهى عام 1865م، وكل ذلك تم قبل ولاية مدحت باشا لبغداد. وعند تسلمه الولاية كانت مدينة كربلاء أول قصبة يتم فيها تنفيذ مشروع التلغراف لأهمية المدينة من نواحي عدة كما ذكرنا.
فقد طلب من الباب العالي سنة 1869م/ 1286ه- السماح له بتأسيس مكتب تلغراف في كربلاء، كما طلب وضع ماكينة تلغراف وموظف إتصالات في الهندية (طويريج) (1). بعد الموافقات تم شراء ماكينات بمبلغ 1800 فرنك لخط تلغراف كربلاء، كما تم صرف تسعين فرنكاً لستة أشخاص سيقومون بعمل الشؤون التكنيكية، وخمسة وثلاثون فرنکاً مصاريف السلك والشفرة والنقل وغيرها.
1) كانت الهندية هي الميناء الرئيس في الفرات، حيث تصل البضائع الخارجية من البصرة بسفن نهرية في نهر الفرات، ومنها تنقل برًّا إلى مدن الفرات الأوسط وكذلك مدن أعالي الفرات. ومن الهندية كانت السفن تحمل التمور والشلب ومواد أخرى معدّة للتصدير.
وبذلك تم إنشاء مكتب التلغراف في كربلاء، وحُدّد الموظفون الذين سيعملون في المكتب والرواتب التي ستمنح لهم. تم تخصيص 1000 قرش لمدير المكتب، وللموظفين الذين يعملون معه (400) قرش لكل منهم كما خُصص مبلغ (800) قرش لمدير تلغراف الهندية (طويريج) التابعة لكربلاء . ومد خط التلغراف هذا لزم ترميم وإصلاح خطوط تلغراف البصرة، ومصاريف إنشاء الخط وترميم الخطوط القديمة كان من صندوقي مال بغداد وكربلاء (1).
ضمن إستعدادات الحكومة لإستقبال شاه إيران (ناصر الدين شاه) وقبل وصوله بمدة وجيزة قام الوالي مدحت باشا بإصدار الأوامر بترميم وإنشاء بعض الجسور لتكون جاهزة عند مرور شاه إيران عليها وهو يأتي لزيارة العتبات المقدسة، فعند قدوم الشاه كانت ثلاثة جسور قد أكتمل ترميمها وأصبحت جاهزة، كما تم إنشاء بعض القناطر الصغيرة على بعض الجداول المتفرعة من نهر الحسينية.
بعد أن قضى متصرف كربلاء حافظ أفندي سنة كاملة في كربلاء وأشرف على الإصلاحات والأعمال التي أمر بها الوالي مدحت باشا لكربلاء ونجاح المتصرف في عمله، وللجهود والخدمات الكبيرة التي أظهرها فقد قررت الحكومة تعيينه متصرفاً على سنجق البصرة تكريماً له بإعتبار البصرة من الألوية الكبيرة والمهمة جداً، وتم نقل متصرف الحلة خليل بك ليكون متصرفاً لكربلاء(2)وباشر وظيفته
في أواخر شهر كانون الأول سنة 1870م / 7 1287 ه- وإستمر بوظيفته إلى بداية سنة 1874م/ 1291ه- وفي زمنه تم بناء السراي الجديد للحكومة.
عندما توسعت كربلاء كمتصرفية وضمت الهندية والعديد من النواحي إلى بنيتها، وتطور العلاقات الجيدة مع الإيرانيين إثناء ولاية مدحت باشا مما إنعكس بشكل إيجابي على كربلاء وعلى الإيرانيين الموجودين فيها، بحيث إزدادت أعمال الإدارة ومراجعات الأهالي إلى الدوائر الحكومية، فأظهرت تلك التطورات عدم كفاية وملائمة مقر الحكومة الموجود بمركز القصبة الذي كان يسبب قلقاً للإداريين فيه، فبات المبنى القديم الذي شُيّد أعقاب واقعة نجيب باشا في منطقة باب النجف لا يفي بالغرض، بالإضافة إلى وقوعه داخل القصبة التي دائماً تكون مزدحمة نتيجة تزايد أعداد زائري العتبات المقدسة وخاصة في أيام الزيارات المخصوصة، مما يؤخر ذلك الأعمال والمراجعات، ولتسهيل الأمور للموظفين والأهالي على حد سواء، تقرر حينها ضرورة إنشاء مقر جديد لحكومة كربلاء تُجمع فيه الدوائر الحكومية على أن يكون أكبر من السراي القديم وأن يقع خارج المدينة القديمة.
فتقدم مجلس إدارة مدينة كربلاء بطلب إلى نظارة ((وزارة) الداخلية بخصوص نقل الدوائر الحكومية الموجودة في مركز القصبة إلى بناء أكبر يقع خارج القصبة قليلاً، وأوضح المجلس أن سبب طلبه هذا هو أنه يفد إلى كربلاء أناس كثيرون إثناء الزيارة، وهو ما يجعل المدينة تعيش في إزدحام مستمر، فنقل مقر الحكومة سيكون له فائدة في عدم تأخير وإعاقة الأعمال، وأوضح أعضاء المجلس أن العمل يتطلب 100 ألف قرش لبناء المقر الجديد.
ووافقت نظارة الداخلية على الطلب وتم المباشرة ببناء السراي الجديد في جنوب المحلة الجديدة (العباسية) وهو ذات السراي الذي بقي قائماً إلى سنة 1970م حيث تم
تهديمه وإضافة الحديقة العامة بجواره حيث أقيمت بناية جديدة بعدة أقسام منها مقر المتصرفية (المحافظة فيما بعد) ومديرية الشرطة والقائمقامية وبناية المحاكم الحالية.
ناصرالدين شاه (1)يزور كربلاء
ناصر الدين شاه القاجاري ( ملك إيران) بدأ برحلته من إيران إلى العراق والتي إنطلق بها من (طهران) في 20 جمادي الثاني 1287ه- / 16 أيلول 1870م. ورحلته هذه إستمرت عدة شهور قضى منها قرابة الشهرين وهو يتنقل من طهران إلى أن وصل خانقين وهي أول مدينة عراقية حدودية في 23 شعبان 1287 ه- الموافق 17 تشرين الثاني 1870م.
كان ناصرالدين شاه قد وثّق رحلته بالتفصيل، وذكر فيها مشاهداته وتصوراته عن المدن والمناطق العراقية التي زارها، فقد تكون عملية التوثيق كانت بخطه أو من قبل أحد كتّابه، ولكننا وجدنا في المصدر الذي نقلنا عنه الرحله بأنه يتكلّم عن كل ما دار في الرحلة بلغة (الأنا) أي أنه هو الذي يتحدث.
وعندما زار العراق كان والي بغداد هو المصلح (مدحت باشا) الذي تكفل بجميع الإستعدادات لزيارة الشاه بل رافقه بنفسه في حلّه وترحاله، وقطعاً كانت هذه أوامر الدولة العثمانية بإعتبار الشاه ومرافقيه ضيوفا عليها، في وقت كانت العلاقة بين البلدين خالية من التوترات والمشاكل.
1) ناصرالدين هو ابن الشاه محمد بن عباس ميرزا بن فتح علي شاه بن حسين قلي خان جهانسور (وهذا شقيق) آغا محمد خان (مؤسس) الدولة القاجارية. إعتلى ناصرالدين العرش وهو في السادسة عشرة من عمره في الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة 1264ه- /18 تشرين أول 1848م بعد وفاة أبيه بعدة أشهر، حيث تولّت والدته (مهد عليا) أم ولي العهد ناصر الدين إدارة الحكم، وبمفاوضات مع روسيا وإنكلترا ساعدها في الأمر اعتضاد الدولة قلي ميرزا، فتم استدعاء ولي العهد من تبريز إلى طهران وتم تتويجه فيها. وهو الذي قضى على البابية. توفي ناصر الدين شاه أثر طلقة نارية تلقاها إثناء زيارته لضريح الشاه عبد العظيم، من قبل ميرزا رضا الكرماني وفي مصدر آخر من قبل (ميرزا صادق) سنة 1313ه- / 1896م. بعد أن حكم 49 سنة.
كان يرافق الشاه عدد كبير من الحاشية والخدم والجنود ويتقدمهم وزير خارجيته، وكذلك العديد من النساء، ولم ينسَ أن يجلب معه (قططه الخاصة) والذي كان مولعاً بها، وقد ذكرها في زيارته هذه عدة مرات!!
ويبدو أن الشاه كان مولعاً بالصيد فقد ذكر الكثير عن رحلات الصيد التي قام بها وبالتفصيل، مما يؤكد ذلك الولع عنده. كما تحدث عن بعض المواقع الآثارية التي زارها وشاهدها عن قرب أو عن بعد بواسطة النواظير.
صورة ناصر الدین شاه عند زيارته إلى كربلاء
كان ناصرالدين شاه يُجب أن يوثق زيارته ورحلته هذه حيث إستصحب مصّوره الخاص والذي إلتقط الكثير من الصور التي تمكنّا الحصول على بعضها.
وصل موكب الشاه إلى المسيب يوم الثلاثاء الخامس من رمضان سنة 1287ه- / 28 تشرين الثاني 1870م بعد أن مرّ الموكب بخان زاد والمحمودية وبئر النص وخان المزراقجي، وباتوا ليلتهم على شاطئ الفرات في المسيّب.
وفي يوم الأربعاء السادس من رمضان جاء من كربلاء للترحيب بالشاه كل من السيد علي نقي الطباطبائي، والشيخ زين العابدين المازندراني، والسيد حسين ضياء الدين (الوصى على كليدار العباس السيد حسين بن السيد سعيد آل ثابت) والسيد صادق (مشير الدولة) وبعض العلماء سويّة، بينما جاء السيد أحمد وفي بن السيد كاظم الرشتي لوحده. ووصل والي بغداد مدحت باشا ليرافق الشاه في سياحته وزيارته لمدن العتبات المقدسة حسب أوامر السلطان العثماني عبدالعزيز. وكان بعض الحاشية قد سبقوا الشاه إلى كربلاء، وبعضهم كان قد نذر أن يذهب مشياً على الأقدام.
وفي يوم الخميس السابع من شهر رمضان توجه الشاه ومن معه إلى كربلاء، وعبر الفرات بسفينة بخارية صغيره، ومرّوا من أمام خان كان على البر الثاني من النهر واتجهوا نحو الغرب وقطعوا جسر على نهر الحسينية، وبعد مسير عدة ساعات تراءت لهم من بعيد بساتين ونخيل كربلاء. سلك موكب الشاه طريق الإمام عون ولم يمّر بخان العطيشي، وبعد زيارته لمرقد عون عبر نهر الحسينية من القنطرة البيضاء، وقد وصل لإستقباله بين عون والقنطرة البيضاء الميرزا محمد حسن كمونة سادن الحسين، وكان الجو ماطراً. وكان الناس في إستقباله على مختلف طبقاتهم على جانبي الطريق من (القنطرة البيضة) وعلى جانبي البساتين التي تحف بالطريق إلى المدينة. وكان دخول موكبه من باب النجف حيث يقع سراي الحكومة هناك حينها. وتوجه الشاه لزيارة مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) من زقاق واسع نوعاً ما مكتظاً بالمتفرجين، وعند الوصول إلى المرقد قرأ (الميرزا حسن كمونة) الزيارة له والتي يصفها الشاه بأن قرائته للزيارة غير مفهومة لأنه رجل كبير السن، وزار علي الأكبر والشهداء، وبعد انتهاء الزيارة خرج راكباً الحصان متوجهاً إلى مرقد العباس عن طريق سوق يربط بين المرقدين (1).
1) هو سوق التجار الكبير ، والذي كان يطلق عليه العامة (سوق العجم)، وهو من أوسع الممرات والطرق في ذلك الزمان بين مرقدي الحسين والعباس عليهما السلام وكان يبتدأ السوق من الباب الشمالية للصحن الصغير ويستمر إلى الشمال ويرتبط بسوق باب السلالمة، ولكن بعد مسافة 100م وعلى اليمين يبدأ سوق بيع الأقمشة والذي يمتد إلى صحن العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وقبل نهايته يتواجد الصاغة وأصحاب محلات المغازة وبيع الجلود ثم ينعطف يساراً حيث ينتهي إلى فرعين الأول يذهب إلى باب القبلة، والثاني إلى باب الحسن ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وهي الباب المواجهة الآن إلى مرقد الحسين.
وعند وصوله إلى صحن العباس إستقبله السيد حسين ضياء الدين (1)وقرأ الزيارة للشاه والتي قال عنها قراءة غير جيدة أيضاً وبعد زيارته للعباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) رجع إلى محل إقامته المعدّة له بإتجاه طريق النجف.
في اليوم التالي قام ناصرالدین شاه بزيارة مرقد الحسين وكتب يقول في مذكراته عن يوم الجمعة الثامن من رمضان: « ... وقبل الغروب بأربع ساعات ذهبنا إلى الزيارة وكان الطريق مزدحماً جداً، فوصلنا إلى الصحن المقدّس وأديّنا الزيارة... ثم تجولنا في رواق الحضرة المقدسة، وهو خرب وسنقوم بتعميره وتجديده إن شاء الله، ونجدد فرشه وسجّاده. أمّا القبة المطهرة فهي أيضا لحقها بعض التلف، ويجب تجديدها أن شاء الله، ثم ذهبت إلى التجول في غرف الصحن الشريف وقد جدد بناؤها بأموالنا (2)
علماً بأن الأمير تقى خان كان من القاجاريين.
المرحوم الشيخ عبدالحسين (الطهراني) وقد أجاد فيما عمل من تجديد، ولكن يجب إستبدال الإزارة المبنية بالكاشي إلى المرمر ، فقد كانت الرطوبة عالية إلى درجة ألحقت الضرر بالإزارة وأدّت إلى تساقطها...» ، ويسترسل الشاه بوصفه لما موجود داخل حرم الحسين والصحن الشريف فيقول : ذهبنا اليوم إلى مكان المقتل (قتلکَاه)، ويقع في الطرف الآخر من مرقد حبيب بن مظاهر ، والنزول إلى مكان المقتل يتم عبر سلالم عميقة، وهو عبارة عن غرفة صغيرة مزينة بالمرايا ولها ،سادن، وفي داخل المكان المنخفض توجد باب عالية، ويقال أن الإمام الحسين وقع في هذا المكان عن حصانه.وتحت أرجل حبيب بن مظاهر توجد باب كبيرة تفتح من الرواق على حجرة صغيرة يقع فيها قبر المرحوم الحاج يوسف آقا باشي...
عدنا وتجولنا مرّة أخرى في الصحن، وشاهدنا السقّاخانة التي شيتها والدة السلطان عبدالمجيد، وكان لها خادم يعتني بها ، ويوزع (الشربت) الحلو، وقد بنيت السقاخانة بشكل جيّد ولطيف. وهناك أيضاً شاهدنا تكية للدراويش وكانت جيّدة البناء، وهي عبارة عن صالة كبيرة ونظيفة، يستقرُّ فيها الدراويش، ولهم كبير يقال له الددة، وهم من البكتاشية، وتتصل طريقتهم بسلمان الفارسي وأميرالمؤمنين وهم من مذهب السنّة. ولكن لا مذهب لهم سوى الأكل والنوم والكسل.
ومن غرائب مذكرات الشاه ناصرالدين شاه أنه ذكر في أكثر من موضع في تفصيل رحلته عن (القطط) التي جلبها معه وكان قد أعدّ لها أقفاصاً خاصة وتتنقل معه دائماً، ويظهر أنه كان مولعاً بها.
وفي يوم السبت التاسع من رمضان تحرك موكب ناصر الدين شاه إلى مرقد الحُر بن يزيد الرياحي، وقد اتخذ الموكب طريق الصحراء (1)، وقد ذكر الشاه الأشخاص الذين رافقوه.
وفي يوم الأحد العاشر من رمضان، إستقبل ناصر الدين شاه في محل إقامته العلماء والمجتهدين مجتمعين وجميعهم من الإيرانيين المقيمين في كربلاء، ولكن الأغرب في الموضوع أنه إستقبل على إنفراد السيد أحمد بن السيد كاظم الرشتي (والذي يلقبّه الشاه بالسيد أحمد الشيخي)، ويقول الشاه أن أديب الملك كان قد خصص لكل علماء الشيخية في العراق مبالغ من المال على سبيل المجاملة.
1) للذهاب إلى الحُر طريقان أحدهما صحراوي وهو ذات الطريق الذاهب بإتجاه عين التمر (شفاثا)، بعد مسافة (4 كم) يتفرع الطريق إلى فرعين، اليمين يوصل إلى الحر، والطريق الأيسر يستمر في عمق الصحراء حتى يصل (شفاثا). أما طريق الحُر الثاني فهو الطريق المحاذي إلى نهر الرشدية الذي تصل مياهه إلى الحر ويستمر بالجريان إلى اطراف قرية الشريعة الحالية ومنها تصل ذنائبه وتصب في منخفض الرزازة.
بعد هذه المقابلات ذهب للزيارة وصلّى داخل الضريح ووصف ما شاهده داخل الضريح والهدايا التي كانت موجودة فيه (1).
وبعد زيارته للحسين ذهب لزيارة العباس، وبعد الزيارة دخل إلى داخل الضريح ووصف مافيه من كنوز وخرج إلى الصحن وإلتقط صوراً تذكارية، وطلب النزول داخل السرداب، وتم له ذلك واصفاً ما رآه.
في يوم الإثنين الحادي عشر من رمضان ذهب الشاه عصراً لزيارة المرقدين، وهنا يشرح كيف دخل إلى داخل الضريح ومن ثَمَّ إلى داخل القفص الخشبي الموضوع على حافة القبر المطهّر، وهذه حالة نادرة الحصول.
وفي يوم الثلاثاء الثاني عشر من شهر رمضان، غادر الشاه كربلاء متوجهاً إلى النجف الأشرف عن طريق البر بإتجاه خان المالح (خان النص) حيث بات فيه ليلته ووصف الطريق وإصطاد البط، وسار على حافة الفرات ليرى الكفل وبرس نمرود إلى أن وصل النجف، وزار الروضة الحيدرية وإلتقى العلماء هناك وزار بحر النجف ومسجد الكوفة، وحضر جرد الخزانة العلوية وتسجيل محتوياتها وليتم مهرها بمهر الحكومتين الإيرانية والعثمانية (2)لكى لا تتعرض للسرقة والعبث. كما ذكر أسماء العلماء الذين التقوا به، ولم ينسى ذكر (قططه) إثناء سرده لهذه السياحة في النجف، وزار المقامات الموجودة في مسجدي الكوفة والسهلة.
1) يبدو أن بعض المواد المهداة للمرقد المقدس كانت توضع وتعلق داخل الضريح، ويراها الناس من خلف الشباك، ومسؤول عنها السادن (الكليدار)، كما يبدو مما ذكره الشاه فإن معظم الهدايا الثمينة كانت ترد من ملوك وأمراء الهند، وهذا ما وجدناه في الخزنة التي كان يتم جردها على الدوام.
2) لا نعتقد بأن الحكومة الإيرانية لها علاقة بخزانة العتبات بوجود الدولة العثمانية التي كانت في ذلك الوقت وقبله ترفض تدخل إيران بشؤون العتبات المقدسة، وربما كان موعد جرد الخزانة قد تزامن مع وجود الشاه ناصرالدين الذي تواجد ليرى ما تحتويه الخزانة على سبيل الإطلاع، وإلّا كان قد حصل مثل هذا الأمر في كربلاء، ولكنه لم يحصل ولم يذكر الشاه أي تفصيل عنه، ونعتقد ما ورد في المذكرات هو من قبل المترجم ليزيد شيئاً من قبله على أهمية الزيارة.
وفي يوم الأربعاء العشرين من شهر رمضان توجه الشاه إلى كربلاء مرة ثانية وعن طريق البر، وكان الجو بارداً جداً.
وفي الثالث والعشرين من رمضان إستقبل الشاه الشيخ عبد المحسن بن هذّال (شيخ قبيلة عنزة) والشيخ جلوب شيخ آل فتلة في الهندية (وهو جد الشيخ غانم الشمران). وبقي الشاه في كربلاء إلى حلول اليوم الرابع والعشرين من رمضان، حيث غادر كربلاء من الجهة الشرقية للمدينة وسلك طريقاً غير الذي دخل منه إلى كربلاء، حيث كان يعبر الكثير من الأنهر المتفرعة من نهر الحسينية.
ووصل إلى خان العطيشي الذي ذكره في طريق عودته إلى بغداد، ومن هذا الخان سلك الموكب طريق الزائرين وهو الطريق الأصلي إلى أن وصلوا إلى بلدة المسيب حيث باتوا ليلتهم، ومن المسيّب توجه الموكب إلى بغداد (1).
وقد إستغربنا لعدم ذكره في مشاهداته وزيارته أي أمر أو عمل قام به إتجاه العتبات المقدسة أو مدينة كربلاء بالذات، رغم ان بعض المؤرخين كتبوا عن أعمال قام بها وتناقلته الكتب، والتي ذكرناها كما وردت من مصادرها. ومن قراءتنا لمشاهداته في سياحته نجد بأن الزيارة كانت لها أغراض سياسية بالدرجة الأولى لتحسين العلاقة بين الدولتين العثمانية والإيرانية، كما وجدنا الشاه قد جاء للزيارة والسياحة، ونقصد بالسياحة هنا التعرف على المعالم التاريخية والدينية في العراق، وممارسة الصيد، وغيرها (2).
تعيين السيد حسين(1)بن محمد علي آل ضياء الدين سادناً للروضة العباسية
ذكرنا بأن السيد حسين بن السيد سعيد آل ثابت تولى سدانة العباس بعد وفاة والده سنة 1285ه- ، ولكونه لم يبلغ سن الرشد تم تعيين السيد حسين بن محمد علي آل ضياء الدين بالوصاية عليه حسب التقاليد المعروفة حينها ويتولى شؤون السدانة لحين بلوغه سن الرشد، ولكن السيد حسين آل ضياء الدين كان قد طمع في السدانة لنفسه، وقد إستغل زيارة ناصرالدين شاه سنة 1287ه- / 1870م إلى كربلاء وإثناء إستقباله للشاه في حضرة العباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) قام بعمل غريب للشاه لم يكن يتوقعه، وعن الكثير من معمري المدينة وخاصة من السادة ننقل ما يلي:
«كان هذا السيد يطمح بالسدانة (الكليدارية)، فعندما الشاه خرج من حرم العباس إلى الصحن وبحركة (معيبة) أسرع هذا السيد بتقديم حذاء الشاه بنفسه أمام قدمي الشاه، فوجدها الشاه كبيرة عنده الذي يحسبه كليدار وللكليدار مقام عالٍ لدى الملوك والأمراء، فقال له الشاه أطلب أي شيء فسيجاب طلبك، فقال له أريد السدانة (الكليدارية)، فقال له الشاه هي لك من اليوم وسوف أسعى لك لدى السلطان بتثبيتك وقد فعل ذلك فقد طلب من والي بغداد أن يفاتح دولته بالموضوع ووافق السلطان العثماني على رجاء الشاه وأصدر أمراً بتعيينه سادنا للعباس، أما بالنسبة للسادن الشاب فقد طلبه ناصرالدين شاه وأولاه سدانة الإمام الرضا عليه السلام في خراسان ».
وبذلك يكون السيد حسين آل ضياء الدين قد إستلم السدانة في رمضان 1287 ه- (2)/ 1870م لحين وفاته سنة 1289ه- / 1872ه- وهو أول
1) هو السيد حسين بن محمد علي بن مصطفى بن محمد بن شرف الدين بن ضياء الدين (نقيب الأشراف) بن يحيى (نقيب الأشراف) بن شرف الدين ( نقيب الأشراف) الفائزي.
2) جاء في السلسلة الأولى من مدينة الحسين لمحمد حسن الكليدار ص 89 أن السيد حسين آل ضیاء الدین إستلم السدانة سنة 1286ه- وهذا خطأ واضح لأن الوثائق الرسمية تدل على أنه إستلم السدانة بعد زيارة ناصرالدين شاه لكربلاء في رمضان 1287ه- . والخطأ الأكبر هو ما ذكره سلمان هادي طعمة في كتابه مرقد الحسين والعباس ص 309 بأن السيد حسين ضياء الدين تولى السدانة سنة 1282ه-!!! وهذا الخطأ من ضمن الأخطاء الكثيرة التي وردت في كتابه، علماً بأن السيد سعيد آل ثابت كان حيّاً في ذلك التاريخ لأنه توفي سنة 1285ه- وإستلم نجله من بعده إلى أن وصلت للسيد حسين.
سادن من أسرة السادة آل ضياء يتولى السدانة ومن بعده تولى السدانة نجله السيد (مصطفی).
عندما أقرّت الدولة العثمانية نظام القرعة (التجنيد ) ، لم تتمكن من تطبيقه في ولاية بغداد حتى عام 1279ه- / 1863م ، ولأن الجنود في مناطق العراق كانوا يجلبون من مناطق شتى من ولايات الدولة فأرادت التنظيمات أن يتم تجنيد الأهالي ليكونوا جنوداً في مناطقهم، ومع ذلك كان الأهالي لا يرغبون في التجنيد.
وفي كربلاء بشكل خاص فإن الأهالي كانوا يعارضون التجنيد ولم يذهب عن بالهم ما عمل بهم العسكر في حوادث واقعة نجيب باشا سنة 1258ه- / 1843م، فأجّلت الحكومة التجنيد في كربلاء بعد ظهور ردود الأفعال وثورة الكربلائيين مرة ثانية ضد الدولة بسبب التجنيد. وإثناء ولاية مدحت باشا الذي قرر خلالها تطبيق نظام التجنيد في بغداد وكربلاء، حيث تمكن في بغداد وفشل في كربلاء لأن ثمانية من المجتهدين من علماء الدين في كربلاء والنجف بعثوا برسالة إلى ولاية بغداد يطلبون إعفاء الفقراء والطلاب وخدّام الأضرحة من الخدمة العسكرية.
أحالت الولاية الرسالة إلى (مجلس الوكلاء المخصوص) الذي رفض إعفاء أي شخص ثريا كان أم فقيراً، وأمّا الطلاب فسيعاملون طبقاً للنظام العسكري.
ولكن المجتهدين من علماء الدين أوضحوا أن بعضاً من الطلاب والمعلمين يعملون
خدّاماً في الأضرحة المقدسة(1)، فكتب المجلس إلى والي بغداد أن يقوم بالتأكد من الحالة والتحري بدقة وعناية لأن العديد من الأشخاص يمكن أن يعفوا من الخدمة العسكرية بحجة أنهم خدّام في العتبات المقدسة، فقام الوالي مدحت باشا بإصدار أمر بتسجيل أسماء خدّام الأضرحة ووظائفهم في دفتر خاص وإرساله إلى بغداد.
عرف الوالي أن أهالي كربلاء والنجف أخذوا دعمهم من المجتهدين للتهرّب من الخدمة العسكرية، فسعى إلى التقرّب من بعضهم ليساعدوه في موضوع التجنيد، ولم يتمكن من إستمالة كبار المجتهدين وإنما إعتمد على رجال دين كانوا على علاقة وثيقة بالعثمانيين منهم في كربلاء السيد أحمد السيد كاظم الرشتي (2)وفي النجف الشيخ أحمد التقي، وكتب إلى الدولة يقترح بمكافأتهما بمنحهما وساماً مجيدياً من الدرجة الرابعة وتم له ذلك.
أمّا بالنسبة للرعايا الإيرانيين في كربلاء فقد طلبوا إعفائهم من الخدمة العسكرية لأنهم ينتمون إلى دولة أخرى، وفي ذلك جرت مكاتبات بين الدولتين العثمانية والإيرانية بوساطة دبلوماسيين إنكَليز، وجرى إعفاء الإيرانيين المقيمين في كربلاء من الخدمة العسكرية بشروط (3).
1) كان خدّام العتبات المقدسة غير مشمولين بالتجنيد لعملهم في خدمة الأضرحة.
2) هو ابن زعيم الكشفية السيد كاظم الرشتي الذي تزعمهم بعد وفاة والده. وهذا الموقف سبب الكثير من المشاكل للسيد أحمد في كربلاء، حيث جعل الكثير من طلاب العلم وأهالي المدينة بقفون ضده ويتذكرون موقف والده في واقعة نجيب باشا.
3) كربلاء في الأرشيف العثماني، ص321. وفيه معلومات عن الإداريين العثمانيين الذين كانوا يتخوفون من تأثير الجنود الشيعة على الجنود السنّة في الجيش، وخاصة عندما كثّف الإيرانيون مساعيهم لتقوية نفوذهم في المنطقة، فقررت قيادة الجيش بعد عام 1312ه- / 1895م تعليم الرجال الشيعة تعليماً سنيّاً في بغداد وإسطنبول للذين عندهم إستعداد للنجاح، وإستبدال الجنود الشيعة الموجودين في الجيش السادس في العراق بجنود من الجيش الرابع، وبذلك سيقل عدد الجنود الشيعة في العراق.
في أيّام والي بغداد مدحت باشا وفي سنة 1287ه- / 1870م صدر فرمان من السلطان عبد العزيز (1)بمنح السيد أحمد وفي الرشتي نجل السيد كاظم الرشتي رئيس الكشفية نيشان من الدرجة الرابعة وذلك لعلاقته الوثيقة بالسلطة العثمانية من قبل.
صورة السيد أحمد وفي الرشتي
فقد جاء في مخطوطات السيد محمد (2)بن السيد حسن الرشتي الموسوي الشهير ب- (رشدي زاده) ما يلي:... لمّا أتحف السيد السند مولاي السيد أحمد بنيشان من (الرتبة الرابعة) من جناب ولي عهد النعم حضرة السلطان الأعظم عبد العزيز خان
1) السلطان عبدالعزيز هو ابن السلطان محمود الثاني. إستلم العرش بعد أخيه السلطان عبدالمجيد سنة 1278ه- / 1861م وحكم 15 عام، وتم خلعه من قبل وزراء حكومته سنة 1293ه- / 1876م. وتوفي بعد خلعه بأربعة أيام وكان عمره 46 سنة.
2) السيد محمد الشهير ب- (رشدي زاده) كان شاعراً مشهوراً في كربلاء وهو من أتباع السيد كاظم الرشتي وليس حفيده كما يظن البعض لأن السيد كاظم اعقب ولدين هما أحمد وحسن، والعقب من أحمد حيث توفي حسن دارجاً في حياة أبيه. كان السيد محمد المعني بجمع تراث السيد كاظم الرشتي وكذلك ولده أحمد والمعني بشؤون أسرتهم.
أدام الله أيام دولته في زمن ولاية الوزير الأفخم الكبير والدستور الأعظم صاحب الدولة مدحت باشا والي ولاية بغداد، فقال جملة من الشعراء مهنئين حضرة السيد بالنيشان ومادحاً المتصرف بالحمد الجسيم، منهم كان الشيخ إسحق المؤمن الذي ألقى قصيدة يربو عدد أبياتها على الخمسة وعشرين بيتاً، وكذلك الشيخ فليح حسون رحيم (1)
أما الشيخ محمد فقد كان شاعراً موهوباً وعُرف بملازمته للسيد أحمد الرشتي وهو المقتول معه سنة 1295ه- / 1877م في حياة والده. راجع التفصيل عن هذه الأسرة في كتابنا (بيوتات كربلاء القديمة) ص 343 - ص 344 .
بقصيدة على سبيل الإسترسال مطلعها:سما بك المجد للعلياء لا الطلب*** وزانك الفضل بين الناس لا الرتب
أمّا السبب في منح هذا الوسام إلى السيد أحمد الرشتي، فقد كان على حساب أبناء المدينة الذين تم سوقهم للتجنيد الإجباري بعد أن ساهم السيد أحمد بتجنيدهم من خلال تعاونه مع الوالي العثماني لتطبيق قانون الخدمة العسكرية (نظام القرعة) الذي أقرّته الدولة العثمانية، وكان غالبية العراقيين وخاصة الكربلائيين معارضين له، معتبرين أن الدولة العثمانية لم تنصف البلد ولا المدينة ولا يرغبون بالقتال نيابة عن العثمانيين الذين طالما كانوا يسوقونهم إلى الحروب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل،و بنظرهم أن الدولة العثمانية هي دولة محتلة من ناحية، وأن العامل المذهبي كان له دور كبير في تخلف الأهالي في الإنخراط بالتجنيد.
1) بيت حسون رحيّم من البيوتات العربية في كربلاء التي يرجع نسبها إلى عشيرة (جشعم)، وإشتهرت أسرة حسون رحيّم في القرن الثالث عشر الهجري في المدينة من خلال بروز عدد من أفرادها في مجال العلم والادب. كان منهم المرحوم الشاعر الشيخ فليح بن حسون رحيم الجشعمي، الذي كان من المقربين والمتصلين بالسيد كاظم الرشتي (مؤسس الطريقة الكشفية)، وبقي متصلاً بعده بولده السيد أحمد الرشتي. وإتخذ الشيخ فليح مقراً له في صحن العباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وإمتهن خط المصاحف وتدريس وتعليم أبناء وجهاء المدينة. وكان مدافعاً عن آل الرشتي أيام صراعهم العقائدي مع العلماء الأصوليين وأتباعهم. وتوفي سنة 1296ه- / 1878م وأعقب ولدين هما الشيخ محمد والحاج مصطفى.
وبالنسبة للكربلائيين فإن حادثة نجيب باشا لم تكن بعيدة عن ذلك فهم ما زالوا يئنون من الكارثة التي أوقها بهم العسكر العثماني. وقد سعى الأهالي إلى أخذ الدعم من المجتهدين للتهرب من العسكرية.
وفي أيام ولاية مدحت باشا الذي سعى جاهداً لتطبيق قانون الخدمة العسكرية في العراق، فقد عرف تأثير رجال الدين في هذا الموضوع فتمكن من أخذ الدعم من بعضهم ممن كانت تربطهم علاقة وثيقة بالسلطة ومنهم السيد أحمد الرشتي.
بعد أن إستلم السيد حسين بن محمد علي آل ضياء الدين سدانة الروضة العباسية بمساعدة ناصرالدین شاه سنة 1287 ه- / 1870م لم يستمر في توليته للسدانة سوی سنتين تقريباً حيث وافاه الأجل سنة 1289ه- / 1872م، وإستلم السدانة بعده ولده السيد مصطفى بن حسين آل ضياء الدين حتى وفاته سنة 1297ه- / 1880م.
وبعد وفاة السيد مصطفى آلت السدانة إلى ولده السيد مرتضى الذي لم يكن حينها قد بلغ سن الرشد ، وقد حدث نزاع على السدانة حينها عندما طمع بها السيد محمد مهدي بن محمد کاظم آل طعمة وحاول إستلامها بمعاونة متصرف كربلاء، إلّا أن والي بغداد تدخّل في الموضوع، بعد سلسلة من الإجراءات والتحقيقات، وتم طرد السيد محمد مهدي وتثبيت السيد مرتضى بعد أشهر من وفاة والده،وبسبب ذلك عزل الوالي متصرف كربلاء، وسيتم الحديث عن الصراع على سدانة العباس لاحقاً.
في هذا المبحث سوف نتحدث عن كربلاء في فترة بالغة الأهمية عاشتها المدينة، وكانت حافلة بالأحداث والوقائع، وإستمرت هذه الفترة قرابة ست وأربعين سنة منذ انتهاء ولاية المصلح مدحت باشا عندما تم عزله عن ولاية بغداد في أوائل ربيع الأول سنة 1289ه- / 1872م، إلى أن تكامل إحتلال الإنكليز لبغداد سنة 1335 ه- / 1917م ودخول العراق تحت نير الإحتلال الإنكليزي البغيض، وانتهاء الحكم العثماني في العراق.
وفي الحقيقة كانت هذه الفترة من أشد الفترات على مدينة كربلاء لتسارع الأحداث فيها من نزاعات حدثت في داخلها إلى الوقائع التي جرت بين أهاليها والسلطات العثمانية، والتغييرات الإدارية العديدة التي شهدتها المدينة ومستوى الخلافات في الرؤى والسيطرة والنفوذ لدى البعض، ولا يبتعد عن ذلك إرتباط بعض العملاء بالمحتل الإنكليزي، ومشاركة أبنائها في الجهاد ضد الإنكَليز، وفي نفس الوقت أظهرت هذه الفترة بطولات لشخصيات كربلائية ومواقف قل حدوثها في مناطق أخرى في العراق، كانت نابعة من الروح الوطنية والنخوة العربية المتأصلة في الكربلائيين بحيث سطّروا لهم ولأسرهم تأريخ حافل ومجيد يطرب له أحفادهم وكذلك أهل المدينة.
وهذه الفترة يمكن تحديدها منذ ولاية محمد رؤوف باشا لبغداد إلى ولاية خليل بك الذي دخل الإنكليز في عهده إلى بغداد وتم تقويض الحكم العثماني فيها وابتداء حكم جديد لدولة عظمى كانت تهيئ لإحتلالها العراق منذ سنوات طوال طمعاً في ثرواته. وفي هذه الفترة سيجد المتتبع لأحوال كربلاء عندما نشبت الحرب العالمية الأولى التي دخلتها الدولة العثمانية وكانت أوزارها ثقيلة على الكربلائيين من خلال إجبار الأهالي على التجنيد وعدم قبولهم لذلك حتى لا يذهبوا لحتفهم من أجل حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
ضمن حركة الإصلاحات التي إتخذتها الحكومة العثمانية وبهدف إظهار القوة المركزية في المنطقة، ولغرض توطين العشائر ونقلهم إلى حياة الإستقرار وخاصة للعشائر التي تعتمد الترحال في حياتها، فكان نصيب كربلاء في هذه الخطوات أن أقرت الحكومة تأسيس قضاء باسم قضاء (الرزازة) والهدف منه توطين الأهالي الرحّل الذين يجوبون البادية، وإستغلال أراضي الرزازة كونها تتفق مع توطين العشائر وخاصة (عْنِزَة) وبعض من بطون الخزاعل، ومن الزكَاريط من (شمّر)، ومن اليَسَار (طي)، وإعتبار إدارة المنطقة كقائمقامية تابعة لكربلاء.
ومن أجل حث قبيلة عنزة التي كانت مرابعها في نواحي الرزازة والنخيب والهبارية والكسرة، وضمان تأقلمها على وضع الإستقرار الجديد التي تريده الحكومة وخاصة أن الروابط العشائرية هي التي كانت سائدة وليس لهم إطلاع على العلاقات الإدارية فقررت الحكومة أن يكون منصب القائمقام لشيخ قبيلة عنزة يمنح بعده لأفراد عائلته من بعده. وتم تعيين الشيخ (عبدالمحسن الهذّال) شيخ مشايخ ع۫نِزَة قائمقام للرزازة وذلك في 18 جمادي الأخرة 1290ه-/ 1873م.
وقد جاء في كتاب تاريخ العراق بين إحتلالين وفي حوادث سنة 1289ه- / 1872م وفي زمن والي بغداد محمد رؤوف باشا عندما توفي شيخ عنزة ساجر الرفدي ما نصّه:
«.. فإختارت الحكومة الشيخ عبدالمحسن الهذّال، وهذا تعهد بإسكان عشيرته، فكان أميراً عليهم بلقب (قائمقام). شكّل له (قضاء المحسنية) باسمه في كربلاء، وكتب إلى متصرف كربلاء بذلك ليختار لهم موطناً لائقاً ... »(1).
وعندما توفي الشيخ عبدالمحسن الهذّال سنة 1298ه-، خلفه في المنصب الشيخ (فهد بك الهذّال ) (2). المدفون بمقبرة الكيلاني.
وجاء في مجلة لغة العرب ما يلي : «كانت الحكومة السابقة أهدت عبدالمحسن رئيس عنزة مقاطعة الرزازة، من ملحقات لواء كربلاء، التي تبلغ وارداتها نحو 6 آلاف ليرة. وقد أخذ اليوم ابنه فهد بك يُسكن العشائر فيها، ليجعلها قضاءً تستفيد من وارداته الحكومة. وقد جعل اليوم فيها النّعم والغنم، ريثما يتسنى له تحقيق الأمنية وعلى الله الإتكال» (3).
وقبيلة عنِزَة من القبائل العربية الكبرى من ناحية العدد والسطوة، وهم بدو رحل يجوبون الصحاري طلباً للكلأ والماء وإتفق المؤرخون والنسابة على أن الجد الجامع لقبيلة عنزة هو وائل بن قاسط بن هنب بن أفصي بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة.
وجاء في أنساب السمعاني أنهم يرجعون إلى عنز وهو: عنز بن وائل بن قاسط أخو بكر بن وائل وأخوهما تغلب (4). ومنهم من يذكر أن وائل الذي تعزي إليه قبائل عنزة هو وائل بن قاسط بن أهنب بن جديلة بن أسد بن ربيعة.
الشيخ فهد بك بن عبدالمحسن بن الحميدي الهذال
قلعة الهندي أو قلعة النواب هي قلعة مشهورة بُنيت في إحدى ضواحي كربلاء وتحديداً في الجهة الجنوبية الشرقية منها، وإشتهرت هذه القلعة كونها كانت أول معلم يشاهده القادم من النجف إلى كربلاء. فقد حلّ بكربلاء النوّاب نوازش علي خان بن النواب علي رضا خان في سنة 1277ه- / 1860م من مدينة لاهور (1)، وهو من
1) لاهور... مدينة كبيرة ومشهورة في باكستان حالياً وتقع على مسافة قريبة من الحدود الهندية الباكستانية في وسط الخط الحدودي ما بين الدولتين. ولاهور عاصمة إقليم البنجاب، وعندما إستقلت الباكستان عن الهند تم إتخاذ لاهور عاصمة للدولة الجديدة، ولقربها من الحدود الهندية وللحروب المستمرة بين الهند والباكستان وكانت تُقصف من قِبَل الهند ولخطورة موقعها فقد نقلت باكستان عاصمتها إلى (كراتشي) في الساحل الجنوبي، ومع إستمرار الحروب بين الدولتين فكانت كراتشي تتعرض للقصف من البحر فإضطرت الحكومة إلى إختيار موقع في الشمال لبناء عاصمة جديدة لباكستان تكون بعيدة عن الهند، فتم إختيار موقع شمال مدينة راولبندي التابعة لإقليم البنجاب وتم تأسيس مدينة (إسلام آباد) عاصمة رسمية ودوبلماسية. ومدينة لاهور جميلة جداً ويخترقها أحد الأنهار الخمسة في (البنج آب) عدد الأنهار والذي سمّي الإقليم بها. وفي المدينة آثار مغولية عديدة من قصور ومنتزهات وبعض الهياكل البديعة، ويقال بأن ملوك المغول سكنوها، وعندما سقطت الدولة الصفوية هاجر إليها الكثير من القزلباش وإتخذوها سكناً وإستقرّوا فيها.
القزلباش (1)ومن أصول أفغانية حيث كانت أسرته من (كابل). وقد رافقه من أفراد عائلته وحاشيته بحدود 200 شخص، منهم أخوه ناصر علي خان.
كان نوازش خان كثير الثراء وجلب معه من الهند أموالاً طائلة، ولكثرة أفراد عائلته وحاشيته لم يتمكن من إيجاد سكن له في مدينة كربلاء يكفي للجميع، فقرر أن يبحث على مكان يأوي إليه ويسع جميع من معه، فإشترى أراضي تقع في مقاطعة البهادلية يصل إليها الماء من نهري (الهنيدية) و (كربلة) الذي تصل مياهه إلى الأراضي المسماة باسم النهر ، وهذه الأراضي تقع في أقصى الجنوب الشرقي من المدينة وتبعد عنها بحدود كيلومترين ونصف.
وقام ببناء قلعة كبيرة وفي داخل القلعة عدة دور له ولعائلته ولأفراد حاشيته وكان عدد الدور داخلها 25 داراً على مساحة 12 ألف متر مربع، وبنى لنفسه داخل القلعة داراً تحتوي على عشرين غرفة، وفي القلعة سرداب واحد وحفر فيها بئراً خاصاً للقلعة للتزود بالمياه، وأحاط القلعة بسور. وتم الانتهاء من تشييد القلعة سنة 1296ه- / 1879م. ثم أخذ يزرع الأراضي التي إشتراها بأشجار النخيل والفواكه وأصبحت المنطقة عامرة وتنتصب فيها القلعة التي سُميت ب- (قلعة النواب) وكذلك ب- (قصر الهندي).
ذكر القلعة أو قصر الهندي الرحالة الجيكوسلفاكي (الوا موسيل) في رحلته إلى كربلاء وهو قادم من النجف إلى كربلاء يوم 30 نيسان 1912م/ 1330ه-، وهو يصف الطريق ومشاهداته حتى شارف على كربلاء يوم 1 مايس 1912م بعد أن إجتاز خان النخيلة (خان الربع) فيقول : « وفيما وراء خان ابن نخيلة تبدأ بحيرة
1) القزلباش ... هم أفراد الجيش الصفوي الذي أسسه إسماعيل الصفوي عندما أسس دولته في أوائل القرن العاشر الهجري في شمال غرب إيران والقزلباش ساعدوا الصفويين في تثبيت ملكهم فمنهم القادة وأغلب أفراد الجيش. وكانوا يتميزون بلبس اللباس الأحمر وقلنسوة على الرأس فيها إثنى عشر طيّة على عدد أئمة أهل البيت.
(هور براز)، وتقع إلى الشرق منه قرى التعبوري الهنيدية، الزبيلية، والسليمانية.
وتمتد إلى الغرب سهول جرداء متموجة، وتعرف بسهول المليحة، والطفحات. وإلى الشمال - الشمال الغربي ظهرت لنا الخطوط العامة السوداء لبساتين كربلاء. وتألقت القبة الذهبية لجامع الحسين وإسترحنا من الساعة العاشرة إلى الحادية عشرة. وفي 11:45 رأينا في الغرب ربوة يقطعها صدع إلى قسمين تسمّى (أبو راسين)، كما شاهدنا أمامنا عدة كُوَر (أفران) لصنع الجص. وفي الساعة 12:35 بعد الظهر دخلنا بساتين كربلاء عند قصر الهندي» (1).
وقد جاء ذكر القلعة على أنها بناءٌ جليلٌ في كتاب بغية النبلاء إلّا أن مؤلفه ذكر بأن البناء أقامه ناصر علي خان اللاهوري وهذا غير صحيح لأن الذي أقام البناء هو نوازش علي خان اللاهوري الكبير وهو الأخ الأكبر لناصر علي خان، وكان مؤلف بغية النبلاء يتحدث عن لفظة ( كربله) وماقيل عنها كونها قرية يقول البعض إن اسم كربلاء مشتق منها ، وعن القلعة التي فيها يقول : « وقد بنى بها النواب ناصر علي خان اللاهوري بناء جليلاً. وبذل الأموال الجزيلة لإعمار هذه القطعة من الأرض بعد أن إبتاعها من الحكومة العثمانية. ولما كانت تتصل بهور السليمانية فقد تكرر إطلاق الماء عليها. وذهبت بمحاسنها ولم يبق بها إلّا القليل من ذلك. وببنائه اليوم يسكن أحفاده، وتجري لهم الأرزاق الكافية وهم على كمال السعة» (2).
كانت القلعة تقع على مقربة من هور السليمانية، ومن المعلوم بأن مناطق شرق مدينة كربلاء القديمة كانت عبارة عن أهوار تتجمع فيها مياه الفيضانات وزوائد مياه الأنهار منها أهوار اللايح وفريحة والسليمانية، وكثيراً ما كانت مدينة كربلاء والبساتين
1) الفرات الأوسط (رحلة وصفية ودراسات تاريخية) الوا موسيل، ص66.
2) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء السيد عبدالحسين الكليدار ، ص9، مع العلم بأنه أخطأ باسم باني القلعة ونسبها إلى شقيق بانيها الحقيقي وهو نوازش وليس شقيقه ناصر. وقد اعتمدناه كمصدر لنا في كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات) وعليه وجب الإستدراك هنا.
المحيطة تتعرض إلى الغرق نتيجة ارتفاع مناسيب المياه في نهر الفرات والأنهر المتفرعة منه والقريبة من كربلاء.
ولدرء الخطر عن كربلاء وبساتينها فقد أقيمت عدة سدود ترابية تعزل المناطق الواطئة وتمنع وصول مياه الفيضانات إليها، ومن هذه السدود هو سد السليمانية في منطقة الهجمية، وهذا السد يعزل الاهوار التي ذكرناها قبل قليل حتى يصل إلى خان الربع (خان النخيلة) وموقع هذا السد يمتد في مقاطعة الزبيلية الحالية. ويأتي سد آخر أقيم للاحتياط فيما إذا كُسر السد الأول، والسد الثاني هذا على هور السليمانية وبالقرب من مقاطعة البهادلية الزراعية التي فيها قلعة النواب.
وفي الحقيقة كان هذا السد يحمي المزارع والبساتين والقلعة في نفس الوقت، وعبثاً حاول النواب مع الحكومة العثمانية لتقوية السدين ولم تستجب له، حتى قام هو بالصرف على السداد والتي كانت المياه فوق طاقتها بحيث تعرضت إلى الانهيار عدة مرات في مواسم الفيضانات.
وصفت ذلك المس بيل عند زيارتها الأولى لكربلاء سنة 1327 ه- / 1909م، عندما أرادت السفر من كربلاء إلى بابل عن طريق طويريج (الهندية) ووجدت خطورة الطريق نتيجة الفيضانات فتقول بأن كربلاء تقع في منطقة منخفضة غرب الفرات ونتيجة للفيضانات فإن كربلاء تكون مهددة ويترتب على الملاكين وأصحاب الأراضي إقامة السداد لحماية مزارعهم، وذكرت عن ذلك الموضوع بأن: « أحد المسلمين الهنود اشترى مساحات كبيرة من الأراضي التي تتعرض للفيضان، وكان في نيّته أن يحافظ عليها بالسداد ويستثمرها كما يريد. فصرف مبالغ طائلة على ذلك وأوقف الخطر الزاحف على البلدة عند حدّه مدة من الزمن. لكنه عجز في النهاية وترك المشروع المرهق فتجدد الخطر ولاسيما وجد نفسه وحيداً في الميدان من دون أن تتعاون معه الحكومة أو الجهات الأخرى وعلى الأخص العشائر المجاورة التي تبذر تبذيراً مسرفاً في استخدام الماء للسقي فيؤثر سوء تصرفها على توسع الهور. غير
أن المتصرف أراد إجباره على الاستمرار في العمل، لكنه لم يتمكن من ذلك نظراً لأن الرجل الهندي المسلم ذاك كان يتمتع بالحماية البريطانية» (1).
أمّا باني القلعة نوازش علي خان ،اللاهوري، فبعد أن بنى قلعته وعمّر المزارع والبساتين، وعمل على تقوية السدود لدرء الفيضانات التي كانت تؤثر على أملاكه بالدرجة الأولى ثم على نواحي كربلاء فلم يتمكن من القضاء على المشكلة التي تتكرر دائماً، وأبقى الوضع على حاله، إلى أن توفي في كربلاء سنة 1318ه- / 1900م ودُفن في الروضة الحسينة (2)
ومن بيت النواب أولاد غلام خان بن محمد حسن خان وهما كلاً من: محمد حسين خان الذي عمل في دار الاعتماد البريطاني وفي السفارة البريطانية مع السير برسي كوكس، وهاشم خان الذي عيّنه الإنكليز قائمقاماً لقضاء المسيب عند إحتلالهم العراق. ومات محمد حسين خان بلا عقب، فقد كان له ولد اسمه عبدالله ومات في حياة أبيه ولم يعقب. أما هاشم خان النواب فأعقب خمسة أولاد وهم: الدكتور مهدي هاشم ، ومحمد علي ومرتضى وعبدالأمير (كان قاضياً في كربلاء) ونصرالله (محدثي) وكان يعمل في الادعاء العام في كربلاء وبعد تقاعده عمل في مهنة (المحاماة)، وقد صاهر نصرالله النواب المرحوم السيد مصطفى آل طعمة والد السادة فؤاد وكريم ومحيي .
.1) راجع كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات)، ص 284 - ص 286.
2) كان لي مع الصديق المرحوم المحامي نصر الله النواب حديثاً مطولاً عندما كنا سوية في رحلة حج لبيت الله الحرام سنة 1998م عن قلعة النوّاب وعن مزارع آل النوّاب في البهادلية وعن أسرة آل النواب الحاليين في كربلاء، وبعد حديث مطوّل إتفقنا أن نكتب تلك المعلومات عند عودتنا إلى الديار، وفي مساء يوم 1998/5/26م زارني رحمه الله في ديوان السدانة وقد سجلّت عنه المعلومات التالية: أن الذي بنى القلعة هو نوازش علي خان اللاهوري القزلباشي الكابولي الأصل. وكان معه عند مجيئه إلى كربلاء أخيه ناصر علي خان. كان لنوازش علي خان ثلاثة أولاد إصطحبهم معه إلى كربلاء وهم فتح علي خان وناصر علي خان ( على اسم عمّه) ونصير علي خان. وكان نوازش علي خان قد لازم العلامة المجدد السيد حسن الشيرازي حيث كان معه في سامراء، وعندما توفي الشيرازي سنة 1312ه- / 1896م عاد نوازش إلى كربلاء وتوفي في قلعته سنة 1318ه-، وكان قد أوصى إلى أخيه ناصر علي خان وذكر المرحوم نصرالله النواب بأن آل النوّاب الحاليين في كربلاء لم يرتبطوا بصلة نسب مباشرة مع نوازش علي خان، وإنما أملاك نوازش كان يديرها وكيل بعد أخيه ناصر علي خان لأن أولاد نوازش غادروا كربلاء بعد وفاة والدهم إلى الهند وتوالى عدة وكلاء لإدارة أملاكهم و هم رضا خان وعندما توفي إنتقلت الوكالة إلى عبدالرحمن خان الذي ترك الوكالة سنة 1914 عند نشوب الحرب العالمية الأولى وسافر إلى الهند، فإنتقلت الوكالة إلى محسن خان القندهاري وهو الجد الأعلى لآل النواب في كربلاء وعندما توفي آلت الوكالة إلى ولده (أفضل خان). وآل النواب لهم مصاهرة مع أولاد نوازش علي خان. سكن أفضل خان القلعة وأعقب من الأولاد كلا من محسن خان وسعادت خان وحسن خان. وإشتهر منهم الدكتور حسن أفضل الذي كان نائباً عن كربلاء في المجلس النيابي (البرلمان) في العهد الملكي، وقد إشترى أملاك نوازش خان في كربلاء والمسيب والكاظمية.
آل كمونة أسرة عربية من قبيلة بني أسد وتحديداً من آل مراد الأسديين. كانوا يسكنون الكوفة ونزحوا إلى كربلاء على عهد جدهم (عيسى كمونة).
وجاء لقب كمونة عليهم لأنهم كانوا يعملون (سراكيل)(1)عند السادة آل کمونة وهم من سادات وأشراف النجف ومن المشرفين والعاملين في خدمة مرقد أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ويمتلكون أراضي وبساتين في ظاهر الكوفة. وقد إشتهر آل مراد الأسديون باسمهم وعندما إنتقلوا إلى كربلاء كانت شهرتهم على تلك التسمية. أعقب الشيخ عيسى المهاجر إلى كربلاء ولده (إبراهيم) وهذا أعقب (محمد) الذي أعقب ثلاثة أولاد هم كل من الشيخ مهدي والميرزا حسن والشيخ محمد علي (الأديب والشاعر ) (2).
بعد واقعة الوالي محمد نجيب باشا (غدير دم) التي تم بها إقتحام كربلاء بالقوّة سنة 1258ه- / 1842م، وهروب سادن الحسين المرحوم السيد وهاب محمد علي آل طعمة عندما طلبه الوالي ليقتص منه، فقرر الوالي تسليم السدانة إلى الحاج مهدي كمونة كما تم ذكره إثناء شرحنا للواقعة في هذا الكتاب.
بقي الحاج مهدي سادناً للروضة الحسينية إلى عام 1272ه-/ 1855م، وعندما توفي إستلم السدانة بعده أخوه المرزا حسن إلى أن توفى سنة 1292ه-/ 1875م.
أمّا شقيقهم الثالث فهو الشيخ محمد علي بن محمد بن إبراهيم بن عيسى فقد كان
منشغلاً بالعلم والأدب، وكان شاعراً مجيداً وفاضلاً، وقد توفي بوباء الطاعون سنة 1282ه- / 1865م.
كان هؤلاء الأخوة الثلاثة على النقيض في توجهاتهم، فالشيخ مهدي كان ورعاً تقيّاً وكان هرماً عندما تولى السدانة، وأعقب ولدين هما: محسن و محمد جواد.
أمّا أخيه الميرزا حسن فقد كان طموحاً ميّالاً إلى الزعامة وحب النفوذ والسيطرة، وعندما إستلم السدانة بعد أخيه إزداد نفوذه في المدينة وبرز اسم آل كمونة بشكل أوسع في المجتمع الكربلائي بعد أن بقيت السدانة بيده لمدة 20 سنة.
حاول الميرزا حسن إستمالة بعض الأهالي ليزداد قوّة وأتباعا. أعقب أربعة أولاد هم: محمد ومهدي وحسين وعلي . بينما الثالث وهو الشيخ محمد علي كان أديباً إشتهر بتقديم المراثي الحسينية، وزاهداً ورعاً لم يكن يهتم بأمور دنيوية بالية بتصوره، فكان موضع إحترام وتقدير بين الأهالي، وقد توفي بوباء الطاعون ولم يعقب من الذكور.
كان أهالي المدينة منقسمين فيما بينهم إتجاه آل كمونة، فالقسم الأكبر من الأهالي كان لا يميل إليهم بسبب سيرة المرزا حسن التي شابها طابع التسلط، وقسم آخر ظلّوا موالين لهم، ومن بين هؤلاء الكثير من الإيرانيين الذين تم إحتوائهم من قِبَل آل كمونة كأتباع لهم، بل إن قسماً منهم لقّب نفسه ببني أسد !!
عند وفاة المرزا حسن برَزَ ابن أخيه (محسن) (1)بن الشيخ مهدي الذي كان معتدّاً بنفسه محاولاً أن يُسيّر ويسيطر على الأحداث في كربلاء.
1) هو محسن بن الشيخ مهدي بن محمد بن إبراهيم بن عيسى آل مراد الأسدي. كان له ديوان مشهور في كربلاء في محلة الزينبية ولا زال في مكانه يسمى ديوان بيت كمونة، توفي سنة 1324ه- /1906م ودفن في الحائر الحسيني، وأعقب ولدين هما الشيخ (محمد علي) والشيخ (فخر الدين) المشهور بالشيخ فخري كمونة. وأعقب محمد علي ولده الوحيد الشيخ (حميد) الذي قُتل من قبل الفلاحين في ضيعته بمنطقة (الأبيتر) سنة 1367ه- /1948م في حياة والده، أمّا الشيخ فخري فلم يعقّب. كانت رئاسة آل كمونة بيدالشيخ محسن وعند وفاته تولاها ابن أخيه (حسين بن محمد جواد بن الشيخ مهدي) المقتول سنة 1327ه- / 1909م ، ويقال أن أخاه الشيخ عباس هو الذي قتله بسبب الرئاسة والأملاك. بينما يؤكد آخرون بأن قتله كان بتحريض من فخري كمونة حيث كان الشيخ القتيل متزوجاً من شقيقة فخري،لتستقيم له الأملاك والرئاسة. وبعد مقتل الشيخ حسين تسلم رئاسة آل كمونة الشيخ فخري.
كان الشيخ محسن طموحاً بسبب حبّه الشديد للزعامة. طمع بسدانة الروضة الحسينية حيث إختلف مع ابن عمّه الشيخ محمد بن المرزا حسن على السدانة، وحدث نزاع بينهما وصل إلى حد التقاتل، فشغل هذا النزاع أبناء المدينة بشكل كبير. وكان الشيخ محمد يختلف عن ابن عمّه الحاج محسن الذي كان خصماً له، فكان الشيخ محمد يحمل طباعاً فاضلة وخلقاً كريماً وتوفي سنة 1374 ه- / 1954م عندما كان مسافراً إلى الهند، وأعقب ولده الوحيد (الشيخ هادي)(1).
وإستمر النزاع بينهما ولم يسمح أحدهما إلى الآخر بتولي السدانة، فحجة محسن أنه ابن الشيخ مهدي الذي تولى السدانة قبل عمّه فبعد وفاة عمّه ترأس آل كمونة بإعتباره الأكبر سنّاً وله نفوذ في المدينة. بينما ابن عمّه محمد بن المرزا حسن فكانت حجته أنه الابن الأكبر للسادن المتوفى فأعطى لنفسه الحق بالسدانة بعد أبيه. كما أن السادة العلويين في المدينة كانوا يقفون بالضد من الإثنين ويعتبرون أن السدانة من حقهم وأن آل كمونة حديثي العهد بالمدينة وليسوا من سكانها القدماء ...
وأدّى هذا الخلاف إلى تدخل السيد أحمد وفي بن السيد كاظم الرشتي الذي كان مع الأكثرية من أبناء المدينة في موقفهم من آل كمونة، فسعى السيد أحمد لدى الوالي الذي كانت تربطه به علاقة جيدة، بإسناد السدانة إلى السيد جواد بن حسن آل طعمة الذي كان على صلة وثيقة بالسيد أحمد الرشتي، وقد نجح السيد الرشتي في مسعاه وتوسطه لدى الوالي الذي أصدر أمره بتعيين السيد جواد، وقد أضمر الشيخ محسن ذلك في نفسه وتوعد شرّاً بالرشتي والسادن المعيّن.
1) أعقب الشيخ هادي من الأولاد: عبدالمجيد وأحمد وعبدالحسين. برز في كربلاء المرحوم المحامي الشيخ عبدالحسين الذي كان من وجهاء المدينة فاضلاً خلوقاً كريماً متواضعاً ومحبوباً في الأوساط الكربلائية ، وبقي متولياً لديوان آل كمونة، وصاهر المرحوم الشيخ عثمان العلوان الوزني الخفاجي (شيخ عشيرة (الوزون)، وكذلك الحاج محسن بن الحاج رشيد الجلبي الصافي، وأعقب الشيخ عبدالحسين ولده الوحيد (علي).
وفي موضوع نزاع آل كمونة فيما بينهم على السدانة وزعامة الأسرة والإستحواذ على الأملاك، فبعد وفاة المرزا حسن وما حصل بين الشيخ محسن بن الحاج مهدي والشيخ محمد بن المرزا حسن حول السدانة، وعدم حصولها عليها، توجه النزاع على رئاسة الأسرة والأملاك، فترأس الشيخ محسن زعامة الأسرة لأنه أكبر سنّا من ابن عمّه محمد، كما أن نفوذه الواسع في المدينة هيّأ له هذه المكانة، ولكن النزاع على الأملاك بقي مستعراً حتى بعد وفاتها لسنوات.
فعندما توفي الشيخ محسن سنة 1324 ه- / 1906م كان قد أعقب ولدين هما فخري ومحمد علي (1)، وقد إستلم رئاسة الأسرة بعده ابن أخيه الشيخ حسين بن محمد جواد بن الحاج مهدي كمونة المقتول سنة 1327ه- / 1909م.
ويذكر المحامي عباس العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين ما نصّه:
«الشيخ حسين كمونة في كربلاء. قُتل في 16 ربيع الآخر سنة 1327 ه- فكان لقتله وقعٌ كبير وشاع أنه قتله أخوه الشيخ عباس من جرّاء الرئاسة والأملاك، وكانت الرئاسة قبله للحاج محسن الحاج مهدي والد فخري ومحمد علي، ثم صارت للشيخ حسين بن محمد جواد، وبقتله صارت للشيخ فخري »(2).
كان المقتول الشيخ حسين بن محمد جواد بن مهدي كمونة متزوجاً من إبنة عمّه الحاج محسن وهي شقيقة الشيخ فخري، فقد شاع حينها بأن قتله كان بتحريض من فخري كمونة (ابن عمّه ) لتستقيم لفخري الأملاك ورئاسة آل كمونة. وبالفعل فقد ترأس فخري الأسرة بعد مقتل الشيخ حسين، وبعد وفاة فخري سنة 1355 ه- / 1936م كانت الرئاسة بيد الشيخ محمد علي وعندما توفي في نهاية
سنة 1370 ه-/ 1950م إنتقلت رئاسة بيت كمونة إلى أسرة المرزا حسن كمونة حتى وصلت إلى المرحوم المحامي الشيخ عبدالحسين بن الشيخ هادي بن الشيخ محمد بن المرزا حسن كمونة، ومن بعد قام ولده الوحيد المحامي (علي) مقام والده.
تعيين السيد جواد (1)بن السيد حسن آل طعمة سادناً للروضة الحسينية
بعد وفاة الميرزا محمد حسن كمونة سادن الحسين سنة 1292ه- / 1875م، ظهر الخلاف في أسرة كمونة حول السدانة، وقد ذكرناه أعلاه، فتدخل السيد أحمد وفي بن السيد كاظم الرشتي لعلاقته الوثيقة بوالي بغداد وطلب منه تولية السدانة إلى السيد جواد(2)، فقبل الوالي بشرط أن يدفع الموما إليه مبلغ (000 1) ليرة ذهب!!، وقد تم ذلك وصدر الأمر بتعيينه سادناً للروضة الحسينية، وهذا التعيين أثار الشيخ محسن بن الحاج مهدي كمونة وقرر الإنتقام من السيد أحمد الرشتي والسيد جواد، وتمكن بعد سنتين من قتل السيد أحمد ولم يتمكن من سادن الحسين المعيّن. وإستمر السيد جواد في تولّيه للسدانة لحين وفاته سنة 1309ه- / 1891م، وعندها إستلمها من بعده ابنه السيد (علي).
لقصبة المسيّب علاقة وثيقة منذ القدم بمدينة كربلاء، لأسباب عديدة منها قرب المسافة بينهما، وهي محطة رئيسية لزائري المراقد المقدسة في كربلاء، بالإضافة
1) هو السيد جواد بن حسن بن سليمان بن درويش بن أحمد بن يحيى بن خليفة بن نعمة الله بن طعمة (الثالث) بن علم الدين الفائزي.
2) جاء في دائرة المعارف الحسينية (تاريخ المراق) ج 3 ص 66 أن الوالي رديف باشا زار كربلاء بغية تعيين السيد جواد، ويذكر أن مصدره تاريخ العراق بين إحتلالين ج 7 ص 242، وهذا الأمر عارٍ عن الصحة فلا يوجد في المصدر ذكر لزيارة الوالي أصلاً .
إلى الروابط الجغرافية والروابط العشائرية وعلاقة أهل المسيب بكربلاء معروفة ومتينة الأواصر ، وطالما إرتبطت المسيّب كناحية بكربلاء كما ذكرنا سابقاً، وإنفصلت عنها وفق التقسيمات الإدارية العديدة التي جرت في العهد العثماني، فتارة ترتبط بكربلاء وتارة أخرى بلواء الحلة. وعندما أصبحت كربلاء بمستوى لواء (سنجق) عام 1286ه- / 1869م كانت تضم قضائين هما النجف الأشرف والهندية، وثلاث نواحي هي شفاثة والرحالية والحسينية. وفي تعديل آخر تم ألحاق بلدة المسيب التي أصبحت بمستوى قضاء إلى لواء كربلاء كما ورد في الوثائق العثمانية وسالنامة سنة 1291ه-، وبقيت ترتبط بكربلاء حيث تم تنزيلها إلى ناحية تابعة لقضاء كربلاء
عندما خفّضت كربلاء إدارياً من لواء إلى قضاء.
نسخة مصوّرة من السالنامة لسنة 1291ه-
وكانت التقسيمات الإدارية للواء كربلاء لسنة 1291ه-/ 1874م حسب ما جاء في سالنامة الدولة العثمانية العمومية لسنة 1291ه- ص 255 هي: قضاء الهندية وقضاء النجف الأشرف وقضاء المسيب. وأعلاه نسخة مصورة من سالنامة سنة 1291ه- الموافقة لسنة 1874م:
وعلى ذكر مدينة المسيب ولأهميتها لكونها تقع قريباً من كربلاء، وهي في طريق الزائرين ومنطقة عبور نهر الفرات منها، وإرتباطها فيما بعد بأحداث كربلاء التي سوف نذكرها ..
فنقول: المسيب هي ليست من المدن التاريخية القديمة مثل بابل والنيل وبرس وبارسبا وباروسما ونينوى وسورى وغيرها من المدن القديمة الأخرى، فمدينة المسيب مدينة حديثة التأسيس وهي من مدن المواصلات النهرية التي ذكرها لونكريك في كتابه أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، فكانت عبارة عن قرية تربط طريق المواصلات للزائرين الذين يفدون إلى مدينة كربلاء حيث يعبرون نهر الفرات منها، وذكرها تكسيرا كما أوردناه سابقاً، وكان فيها خان لإستراحة الزائرين في صوبها الصغير وهو الخان الذي ذكره تكسيرا في رحلته، ولا أظن أنها كانت مدينة وخربت ثم أعيد بناءها. وأهم موقع قديم كان بقربها هو قصر ابن هبيرة وأطلاله التي كانت بائنة في بداية القرن السابع عشر الميلادي.
جاء في كتاب السفر المطيب في تاريخ مدينة المسيب للعلامة الشيخ علي القسام الذي كان وكيل المرجع الديني السيد محسن الحكيم فيها فيقول: أن سبب تسميتها نسبتها إلى نهر السيب الذي كان يجري قرب الحلة وكان من ضمن طسوج سورى (1).
1) السفر المُطيِّب في تاريخ مدينة المسيب : العلامة الشيخ علي القسام، ص 15 طباعة النجف 1974م.
أما السيد عبدالرزاق الحسني فيقول في كتابه العراق قديماً وحديثاً « إن مدينة المسيب سميت باسم (المسيب بن نجبة الفزاري) وقد أتخذت القرية التي سميت باسمه مقراً للحركات الحربية» (1).
والمسيب هذا هو من التوابين الذين ندموا على عدم نصرتهم للحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) مع سليمان بن صرد الخزاعي وعبدالله بن سعد بن نفيل الأزدي وعبدالله بن وائل التميمي وغيرهم، والذين إستشهدوا في (عين الوردة) عندما ذهبوا لمقاتلة جند الشام لأخذ الثأر على مقتل الحسين، وكان المسيب من اصحاب الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
ويذكر الشيخ القسام ان المؤرخين وأصحاب المعاجم لم يذكروا المسيب، حيث قال ما نصه:
«...ولم يذكروا مدينة باسم المسيب وإنما شأنها الأول قرية لا تضم أكثر من ثلاثين أسرة تعيش في أكواخ من سعف النخيل وبيوت الطين وهي منزل من منازل القوافل ومرحلة من مراحل إستراحة المسافرين العابرين الطريق للعتبات المقدسة وغيرها، إتخذت لذلك لتوسطها بين بغداد وكربلاء وكانت الواسطة آنذاك في عبور النهر المار بها والذي يقسمها إلى جانبين عبارة بأي نحو أتفق وليس فيها وسائل الإنتفاع يومذاك إلّا نقل المسافرين من جانب إلى آخر وبيع بعض الحاجات الخفيفة الذي يحتاجها المسافر في طريقه. ويذكر أن أول جسر وضع على نهرها يصل بين جانبيها جسر خشبي متحرك كان في عهد داود باشا التركي والي بغداد سنة 1240ه- / 1816م» (2).
والمسيب اليوم تقع على مسافة 32 كم عن كربلاء، ولأهلها إرتباط وثيق بمدينة كربلاء، وتحتل موقعاً من أجمل وأبدع مواقع المدن في العراق، وكانت في بعض
الأدوار تابعة إدارياً لكربلاء، وهي الان تابعة إلى محافظة بابل، ولكن بقي إرتباط أهاليها بمدينة كربلاء وثيقاً ومستمراً وهي أقرب إلى كربلاء من مدينة الحلة.
كان متصرف كربلاء خليل بك قد بقي بمنصبه مدة قاربت خمس سنوات، وكان قريباً من الأهالي وقد كسب ودّهم، وهو الذي أشرف على بناء سراي الحكومة ( وموقعه دار المحاكم الحالية) حسب ما أمر به الوالي مدحت باشا، وهو أول متصرف نقل مقره إليه فيما بعد نُقلت الدوائر الحكومية إلى السراي الجديد.
وفي نهاية سنة 1874م / 1292ه- تم تعيين (صبيح بك) متصرفاً لكربلاء (1)وبقي بمنصبه قرابة عدة أشهر.
في موضوع التشكيلات الإدارية وحسب نظام تثبيت الولايات الذي صدر عام 1281ه- / 1864م ولم يُعمل به في العراق، فقد صدر نظام آخر في 29 شوال سنة 1287ه- نهاية سنة 1869م في أيام والي بغداد مدحت باشا، تم تطبيق النظام الجديد، فقد أصبح العراق يتكون من ثلاث ولايات: بغداد والبصرة والموصل.
وقد تبعت ألوية بغداد والحلة وكربلاء إلى ولاية بغداد، وبذلك أصبحت كربلاء إدارياً بمستوى لواء وتم تعيين (متصرف) لها.
إستمر الحال لغاية جمادي الأول سنة 1291ه- بداية سنة 1875م، حيث حصلت تغييرات جديدة بالمستويات الإدارية في العراق، فأصبح كل من لوائي كربلاء والديوانية قضائين تابعين للواء الحلة، وتتبع لكربلاء نواحي (المسيب)، و(شفاثة) و(الرحالية). حسب أول سالنامة لولاية بغداد التي صدرت
1) الأرشيف العثماني لرئاسة الوزراء التركية، دائرة عينيات دفتري 848 ، ص 235 .
سنة 1292 ه- / 1875م (1). والجدول التالي يوضح ما جاء في السالنامة المذكورة عن الوحدات الإدارية للواء الحلة. ولم تكن كربلاء والديوانية هما اللوائين الذي تم تخفيض مستواهما الإداري، فقد شمل التغيير لوائي العمارة والدليم فقد أصبحا قضائين أيضاً.
التقسيمات الإدارية للواء الحلة 1292ه- / 1875م
القضاء/ الناحیة
قضاء مركز الحلة / المدحیتة
الديوانية /الدغّارة، آل بدیر
الشامية /الشنافیة، قلعة المدحیتة(ناحیة غماس)
كربلاء /المسیّب ، شفاثة، الرحالیة
الهندية /الکفل، طویریج
السماوة/ ابو جواریر(الرمیثة)
وللتغيرات الإدارية التي شملت كربلاء ومتصرفيات أخرى مثل الديوانية والعمارة والدليم وأصبحت قضاء أسباب عديدة منها :
1 - إن كل متصرفية جديدة كانت تؤسس في ولاية بغداد كانت تعني تحميل الخزينة عبئاً جديداً، من خلال زيادة أعداد الموظفين وهذه الزيادة تعني زيادة الأموال المخصصة للرواتب لهم، وقرار تقليل المتصرفيات يريح خزانة الولاية.
2- الضائقة المالية في الخزانة لها سبب مرتبط بالسبب الأول وهو أن زيادة عدد الموظفين أدّى إلى زيادة الإنحرافات في المتصرفيات، فقد وصلت أخبار إلى إسطنبول تتهم المتصرفين وبعض الموظفين المحليين بإهدار أموال الدولة التي ينفقونها هباءً، وقد أرسل مجلس الشورى لجنة للتحقيق ليس في كربلاء وحدها،
1) سالنامة ولاية بغداد لسنة 1292ه-، ص113.
فتبيّن للجنة أن أبعاد الإنحرافات كانت خطيرة فتقرر تقليل المتصرفيات لعدم التعرض لخسارة أكثر. وتم إحالة المسيئين إلى القضاء وقد ثبت عليهم التقصير وتم الحكم عليهم بالغرامة والسجن.
3-الإنحرافات لم تكن المصروفات العالية التي تؤثر على الخزينة، وإنما الفساد الإداري والمالي وتفشي الرشوة وغيرها نتيجة كثرة الموظفين، كانت من أحد الأسباب أيضاً.
وعندما أصبحت كربلاء بمستوى قضاء تم تعيين (محمد بهجت أفندي) قائمقاماً فيها، وإستمر لمدة ثلاثة أشهر فقط، ونقل منها بعد إعادتها بمستوى لواء.
لم يسفر إلغاء متصرفية كربلاء إلى نتائج إيجابية، بل بدأت المنازعات والإضطرابات من جديد في كربلاء وخاصة عندما أصبحت قضاء تابع للحلة.
فقد أدى ذلك إلى الإخلال في الأمن في مدينة مهمة جداً من نواحي عديدة، وكربلاء كانت معروفة بحركات العصيان والثورات، وطالما عانت الحكومة من صعوبة السيطرة عليها سابقاً ، فعندما تكون بمستوى لواء حتى القدرات العسكرية فيها تزيد وتمكنها من السيطرة على الأمن لأن المدينة تستقبل أعدادًا كبيرة من الزائرين، وان العشائر فيها صعبة المراس، كما أن العلماء الشيعة فيها كانت لهم سطوة وتأثير قوي، وعندما وقعت بعض الحوادث نتيجة ردود فعل العشائر ورجال الدين التي كادت أن تكون ثورات، أرسل متصرف الحلة ضباطاً للسيطرة عليها، إلّا إن الإجراءات المتخذة لم تكن من صالح الحكومة لأن متصرف الحلة خلط بين الحلة وكربلاء، ولم يستطع أن يميّز بين الإختلافات الموجودة في كربلاء وكيفية التصرف معها.
تدخلت ولاية بغداد وكتبت إلى الباب العالي أن إلغاء متصرفية كربلاء وضمها للحلة كان سبباً في ظهور سلبيات بسبب الإختلافات الموجودة في بنية منطقة كربلاء والحلة، إن الأهالي والأمراء والعلماء الإيرانيين الموجودين في كربلاء، وكذا المسلمين
القادمين إليها من روسيا إشتكوا من تلك التنظيمات الجديدة التي تمت هناك، وإن إدارة كربلاء والنجف والهندية كسنجق (لواء) واحد كان تنظيراً ضرورياً للبنية الحساسة للمنطقة، وإن توفير النفقات فتحت الطريق لزيادة الإنحرافات بل فتحت الطريق لخسائر أكثر من المصاريف (1).
فإقترحت ولاية بغداد على الباب العالي بضرورة تشكيل متصرفية كربلاء مرة أخرى لإيقاف ردود الأفعال تلك، وإقترحت تعيين (راشد أفندي) ناظر رسومات (ضرائب) بغداد متصرفاً عليها، لأنه يعرف المنطقة وقد عمل بها سابقاً. فتم مناقشة مقترح ولاية بغداد في نظارة ((وزارة) الداخلية، وتم الحصول على إرادة السلطان، وعندها تحولت كربلاء إلى متصرفية بعد أشهر من تخفيض مستواها الإداري، وتم تعيين المقترح اسمه (راشد أفندي) متصرفاً عليها في عام 1292ه-/ 1875م.
رشيد بن داود السعدي(2)يزور كربلاء ويذكرها في كتابه
زار كربلاء المؤرخ المعروف في العهد العثماني ( محمد رشيد بن العالم العامل السيد داود ابن الورع الزاهد السيد سعدي البغدادي) قبل سنة 1293ه- / 1876م، ودوّن
1) كربلاء في الأرشيف العثماني، ص 306.
2) محمد رشيد بن داود السعدي مؤلف لم يحظ بترجمة مناسبة في كتب التراجم المتداولة، فهو مؤلف ومؤرخ وشاعر وأديب وبارع في علم الكلام، ولد ببغداد وكان أبوه (الشيخ داود) من علماء بغداد، وكان مفتياً في (المنتفك) سنة 1855م ، ثم تولى إفتاء الجيش في الإحساء، وألف رسالة عنوانها (في طريق الحج من الإحساء إلى الرياض فالحجاز) سنة 1872م وتوفي سنة 1876م، فولده محمد رشید سار على نهج والده وألّف العديد من الكتب منها (غاية المراد في الخيل الجياد الذي طبع في الهند سنة 1314ه- / 1896م ، وكتاب (قرة العين في تاريخ الجزيرة والعراق والنهرين) المطبوع في الهند والذي نقوم بتحقيقه وسوف يقدم للطبع إن شاء الله ، توفي سنة 1921م/ 1339ه- ، وقد إختلف في تاريخ وفاته حسب من ترجم له. وفي معجم المؤلفين لعمر كحالة ج 9 ص 314 جاء عن السعدي: أنه أديب ومؤرخ. توفي ببغداد، و من آثاره معارضة شعرية عارض بها هائية الأزري، وقرة العين في تاريخ الجزيرة والعراق والنهرين، وغاية المراد في الخيل الجهاد. وأورد (مير صبري) ترجمة للسعدي في كتابه (أعلام الأدب في العراق) فقال : درس محمد رشيد على علماء عصره، وأنشأ مطبعة في بغداد سنة 1903 م ، وألف كتباً منها ( غاية المراد ...) و (قرة العين ... ) ، ونشر كتاب سبائك العسجد لعثمان بن سند (1897م) وديوان الشيخ كاظم الأزري (1902م). وذكره خير الدين الزركلي في (الأعلام) ج 6 ص 126 ، متأدب له إشتغال في التاريخ ، ذكره (إبراهيم الدروبي) في كتابه (بغداديون... اخبارهم ومجالسهم) الصادر في بغداد سنة 1958م: كان هذا الرجل إعجوبة في قوة الحجة، ... إلخ )).
معلوماته عن كربلاء في كتابه المطبوع سنة 1325 ه- / 1907م في بومبي بالهند المسمّى (قرة العين في تاريخ الجزيرة والعراق والنهرين) الذي ألّفه سنة 1907م، فقد ذكر عن كربلاء ما يلي:
« مشهد الحسين ابن علي عليهماالسلام مدينة كبيرة ولها أسواق كثيرة وتحفها حدائق النخل ويسقيها ماء الفرات من نهر يقال له الحسينية، والروضة المقدسة في وسط المدينة، وفي وسط الروضة قبر سيدالشهداء، وفي تلك المدينة مشهد العباس ابن علي عليهماالسلام وقبور جميع من إستشهد من آل بيت النبوة في تلك الوقعة المهولة، وأهل تلك المدينة إسلام وأكثرهم إمامية إثنا عشرية، وقليل من أهل السنة والجماعة » (1).
في الأول من آذار سنة 1875م / محرم 1292ه- باشر (راشد أفندي) بمنصب متصرف لكربلاء بدلاً من صبيح بك الذي لم يستمر طويلاً، والمتصرف الجديد من الرتبة الأولى من الطبقة الثانية في السلّم الإداري في الحكومة، وقد إستمر في منصبه مدّة سنة واحدة وتسعة أشهر وإستبدل ب- (قدري بك).
بعد إعادتها إلى لواء حصلت في كربلاء تغييرات إدارية، حسب النظام الجديد، فقد تم تعيين السيد أحمد بن عبدالله القرّي (الحكيم) (2)قائمقام لمركز كربلاء. كما تم تشكيل مجلس اللواء من الذوات التالية أسماؤهم:
1) قرة العين في تاريخ الجزيرة والعراق والنهرين: محمد رشيد بن داود السعدي ص37.
2) هو السيد أحمد بن السيد عبدالله (العطار) بن السيد جعفر المولوي بن شريف الدين محمد بن شیخ الإسلام محمد أبي المعالي، ويرجع نسبه إلى زيد الشهيد بن الإمام زين العابدين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، كانت أسرته تلقّب ب- (بيت القرّي) واللقب الشائع عليهم هو (الحكيم) لإمتهان أجدادهم الطبابة. راجع كتابنا بيوتات كربلاء القديمة ص384.
1 - السيد جواد السيد حسن الكليدار - سادن الحسين.
2- السيد مصطفى بن السيد حسين آل ضياء الدين - سادن العباس.
3- السيد جعفر بن السيد حسين آل ثابت.
4 - السيد كاظم بن السيد صالح آل نصرالله.
5- السيد محمد بن السيد حسين الوهاب - كاتب المجلس.
6- علي أفندي العمري - مدعي عموم (قاضي).
تم نقل راشد أفندي من منصبه في كربلاء وتم تعيين (قدري بك) وهو من الرتبة المتميزة في 6 كانون الأول سنة 1876م / 20 ذي القعدة 1293ه-. ولم يتغيّر مجلس اللواء. وفي أيامه حدثت واقعة (علي هدلة)، ونتيجة لسوء تصرفه قامت الحكومة بعزله من المتصرفية وإستُبدل ب- (مظهر باشا) متصرفاً للواء كربلاء.
في سنة 1294ه- (1)1877/م وقعت في كربلاء حادثة عصيان ضد السلطة العثمانية سمّيت بعدة أسماء منها (دكَة علي هدلة) و (فتنة علي هدلة) و(واقعة علي
1) من كتب عن هذه الواقعة ذكر بأنها وقعت سنة 1293ه- الموافقة للسنة الميلادية 1876، وهذا خطأ واضح، لأن المصدر الأول الذي ذكرها قد أخطأ في السنة ووقع في الخطأ من نقل عنه. والصحيح أنها وقعت سنة 1294ه- / 1877م ، على وفق ما ذكرت أسبابها ونتائجها ، فبدايتها كانت بسبب النفير العام وطلب التجنيد لأن الدولة العثمانية دخلت في حرب مع روسيا القيصرية، والمعروف تأريخياً أن تلك الحرب بدأت عام 1294ه-. كما أن والي بغداد ( عاكف باشا) الذي قاد الحملة على كربلاء تسلّم ولاية بغداد سنة 1294ه- / 1877م) (راجع تاريخ العراق بين إحتلالين ج 8 ص 33 وص 34). والغريب أن محمد حسن الكليدار مؤلف مدينة الحسين ذكرها في مخطوطه تاريخ كربلاء ج 3 على أنها وقعت سنة 1293ه- وأخذ عنه عادل الكليدار محقق كتاب جده ، بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، في ص 46 منه وآخرون ممن كتبوا عن الواقعة، بينما السيد محمد حسن الكليدار ذكر في مستدركات السلسلة الثانية من كتابه مدينة الحسين أن الحادثة (الثورة) وقعت في أيام متصرف كربلاء (قدري بك) حيث كانت الأخطاء بادية وواضحة في ذكر السنوات ويمكن للمتابع مراجعتها ليتبين له التاريخ الصحيح للواقعة وخاصة عندما أخطأ بالقول بأنه تم سحب المتصرف من كربلاء وتعيين (راشد أفندي) متصرفاً بعده والصحيح هو (مظهر باشا).
هدلة) و (حركة علي هدلة) وكلها على اسم قائد المجموعة الذي قاد العصيان وكان يعمل قهواتي واسمه (علي) ولقب ب- (هدلة) لشدة بأسه وشجاعته وجرأته، والعامّة يسمون الشجاع (أخو هدلة) وإلى الآن، حيث يصرخ المقدام (أنا أخو فلانة) على اسم أخته عندما يقدم على عمل يتطلب قدراً كبيراً من الشجاعة والبأس، وكان القهواتي (علي) عندما يتصدى لعساكر الأترك حينها يقود جماعته ويصرخ بأعلى صوته (أنا أخو هدلة) وهدلة أخته، فعُرف في الأوساط الكربلائية بعلي هدلة.
كان سكان مدينة كربلاء على غير وفاق مع الحكومة العثمانية، وخاصة بعد واقعة نجيب باشا، التي عاش أهل المدينة مآسيها وما أصابهم منها من تقتيل وتدمير للناس والمدينة، وإنتهاك حرمة المراقد المقدسة.
شغلت حركة التمرد هذه أهالي كربلاء وإلتف حولها أبناء المدينة نكاية بالسلطة العثمانية الحاكمة فساندوها وأمدّوا أفرادها بما يحتاجونه، حيث قامت بحركات مقاومة متعددة أوقعت الخسائر بأفراد السلطة والذين يتعاونون معها.
أصبحت هذه الحركة حديث الشارع الكربلائي، وليس للناس حديث في المقاهي والدور والأسواق غير ما تقوم به هذه المجاميع من فعاليات على شكل حرب العصابات. صوّرها البعض على أن هناك عصابة تقوم باعمال إجرامية، وهذا الوصف بعيد عنها لأن الذين كانوا يساندونها هم من أشراف البلد وأعيانها، وقد ضعفت الحكومة المحلية إثناء ذلك وعجزت إجراءاتها العديدة من إنهاء التمرد والعصيان فاستنجدت بالسلطات العليا لإخمادها.
في سنة 1294ه- / 1877م كانت الدولة العثمانية قد دخلت في نزاع حربي مع روسيا القيصرية، فأعلن العثمانيون النفير العام، وأخذت تطالب رعاياها بالإلتحاق للتجنيد، ولمّا كان العراق تابعاً للحكم العثماني حينذاك، ومدينة كربلاء عراقية فكان على المكلفين بالخدمة العسكرية من أبناء المدينة وبأمر من السلطات العثمانية في كربلاء بوجوب الإلتحاق في العسكر العثماني.
من هنا جاء رفض الأهالي تنفيذ الأوامر الحكومية، وأعلن الكثير منهم عدم الإستجابة لنداءات السلطة، فقد إعتبرت السلطة أن كل من لا يلتحق بالخدمة العسكرية هو من الأفرار والمناوئين لها، وقد جهدت بملاحقتهم والقبض عليهم.
تعاون البعض مع السلطات الحكومية بالإدلاء على رافضي التجنيد، وكان من هؤلاء مختار محلة باب الطاق المدعو (حسين قاسم حمادي)، وقد إعتبره الأهالي جاسوساً للسلطة، يُخبرها بأماكن تواجد الفارّين.
ولكثرة ما أصاب الناس على يد هذا المختار من الأذى، قام بعض الأهالي بتصفيته حيث تم قتله في (مقهى المستوفي) الواقعة في محلة باب الطاق.
وبعد قتل هذا المختار جهدت الحكومة المحلية في كربلاء بملاحقة المتهمين للقبض عليهم، فما كان من المتهمين إلا الفرار خارج أسوار المدينة، وتجمّع قسم منهم في بستان (جعفر الصادق - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ) (1). أخذت هذه المجموعة بتحريض الأهالي للوقوف ضد الحكومة، وقاموا ببعض العمليات ضد الحكومة ومن يساعدها وتحريض الناس على وجوب إمتناع أبنائهم الإلتحاق بالتجنيد، وكانت أفكارهم هذه والأعمال التي يقومون بها محل ترحيب الكربلائيين فقبلوها وساندوها ضد الحكومة.
1) بستان مشهورة يقع فيها مقام الإمام جعفر الصادق ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وموقها في منطقة الهيابي، شمال مقام المهدي.
تكوّنت هذه الجماعة المكونة من 150 شخصاً، يقودهم القهواتي (علي هدلة) الذي بدأ بالتحرك وإعلان العصيان في 3 ربيع الأول سنة 1294ه- 17 آذار / سنة 1877م، حيث قام مع جماعته بمقابلة القوات العثمانية المحلية والقيام بعدة عمليات ناجحة ضدها على طريقة ( حرب العصابات).
نجحت هذه المجموعة بفعالياتها وتمكنت من دحر مواقع حكومية متعددة. وكانت أول عملياتها قد حدثت في سوق (باب السلالمة) عندما تمكنت من قتل أفراد من الجندرمة العثمانية.
لم يكن بمقدور هذه الحركة والمجموعة القتالية أن تعمل دون مساعدة من الأهالي وبعض المتنفذين من أبناء المدينة. فقد ساندهم الكثير من سراتها، منهم الحاج (محسن كمونة) (1)والحاج (حسن شهيّب) (2)وغيرهما ، وأمدّوهم بالمؤن والذخائر.
وساعدت بعض العشائر العربية في المدينة هذه المجموعة وجندت بعض أفرادها للإلتحاق بهم. فإستفحل أمر علي هدلة وجماعته، ولم تتمكن السلطة المحلية من مسك زمام الأمور في مدينة كربلاء رغم بعض التعزيزات التي وردت إليها من والي بغداد حينها (عاكف باشا ) (3)، فقد إستفحل العصيان في المدينة. وكان متصرف
1) تمت ترجمته سابقاً.
2) الحاج حسن شهيب من آل معلّة وهم فرع من عشيرة (الميّاح) من ربيعة. كان من رؤساء ووجوه كربلاء وأعقب ولده (محمد) الذي أعقب (إبراهيم) والأخير شغل منصب رئيس غرفة تجارة كربلاء عدة سنوات ... كان الحاج حسن شهيب من رؤساء محلة باب السلالمة وله ديوان مشهور.
3) محمد عاكف باشا كان يشغل منصب والي (أدرنة)، وعندما نُقِل والي بغداد عبدالرحمن باشا إلى ولاية ديار بكر وغادر بغداد في 23 ربيع الأول سنة 1292ه-، تم نقل عاكف باشا من أدرنة إلى بغداد، ووردها يوم الجمعة 29 ربيع الثاني سنة 1294ه-. وذكر العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين في ج 8 ص 33 بعد إستلام عاكف باشا ولاية بغداد ما يلي: (( وورد فرمانه في 4 جمادي الأولى (1294) فقرئ بإحتفال ولم ينشر ، ولعل السبب حرب روسية مما دعا إلى قلة الورق. فإن الجريدة صارت تنشر بقطع صغير ».... وهذا يدل على أن مجيء عاكف باشا كان في أيام الحرب الروسية العثمانية، وبسببها صدر النفير العام وطلب التجنيد الذي رفضه الكربلائيون، ومن جرّاء ذلك حدثت حركة العصيان ضد الحكومة وسميت بواقعة على هدلة.
كربلاء إثناء واقعة علي هدلة هو (قدري بك). عندها وصلت الأخبار إلى الإستانة (إسطنبول) وعَلِمَ بها السلطان العثماني عبدالحميد الثاني(1)، فأصدر أوامره بإرسال جيش إلى مدينة كربلاء وهدمها وقتل من فيها عن بكرة أبيهم، وأناط مهمة تنفيذ أوامره إلى عاكف باشا والي بغداد وإلى المشير حسين فوزي باشا قائد الجيش.
في أواخر شهر رمضان من سنة 1294ه- ، وصل الوالي وقائد الجيش كربلاء على رأس القوّة العسكرية التي تهيأت للهجوم على المدينة وإصطحبا معهما أحد نقباء بغداد (2)
ونستبعد هذا الرأي لأنه كان في تلك الفترة في نهاية الثلاثينيات من عمره والذي جاء معهم هو السيد علي الكَيلاني نقيب بغداد.
، وقاسم باشا الزهيري من أعيان البصرة ، ومعهم مجاميع عشائرية تساند الجيش من زوبع وبني حِسن وغيرهم، وخيّموا بالقرب من المدينة.عند إستطلاع الأمر داخل البلدة لم يشاهدوا أثراً للعصيان، لأن الأحداث كانت قد بدأت قبل هذا التاريخ بأكثر من سبعة أشهر ، وبعد البحث والتقصي وجد الوالي أن الجماعة التي قامت بالعصيان تمت مطاردتها من قبل الجيش المرابط في المدينة وحولها وقبل وصولهم بمدة ليست بالقصيرة، فإنه ليس من العدل إستباحة المدينة وهدمها على سكانها وأخذ البريء بجريرة المذنب وتنفيذ الأوامر السلطانية، فإقتنع بالإحجام عن تنفيذ الأوامر.
مما سبّب خلافاً بينه وبين المشير حسين فوزي قائد الجيوش(3)، وأمر المشير العشائر بإستباحة المدينة حيث قام أفراد العشائر المصاحبة بأعمال النهب وسرقة
1) السلطان عبدالحميد الثاني هو ابن السلطان عبد المجيد الأول، إستلم الحكم بعد عزل أخيه السلطان مراد الخامس الملقب ب- (المجنون). والسلطان عبدالحميد هو الذي أقرّ دستوراً للبلاد، وإفتتح مجلس المبعوثان ثم عطّل العمل به لفترة ، ثم أعاد العمل به. وقد تم خلعه من العرش في 6 ربيع الثاني سنة 1327 ه- / الموافق 27 نیسان 1909م، وكان خلعه بسبب عدم موافقته على إعطاء فلسطين لليهود حسب وثيقة كتبها بخط يده.
2) ذكرت بعض المصادر التي كتبت عن الحادثة بأنه نقيب بغداد هو عبدالرحمن النقيب الكيلاني.
3) البعض ممن كتب عن هذه الحادثة يذكر بأن المشير حسين فوزي هو الذي طلب التريث بضرب المدينة بينما الوالي أصّر على مهاجمتها والله أعلم.
محاصيل الفلاحين، وكل ذلك بدون موافقة الوالي عاكف باشا. فكتبوا إلى الإستانة بذلك، وبعد أخذٍ ورد صدر الأمر من السلطان العثماني بالعفو على أن يتم القبض على مثيري (الفتنة). فقد تم إلقاء القبض على 25 شخصاً من بينهم علي هدلة.
كما أصدر الوالي أمراً بإلقاء القبض على رؤساء كربلاء بحجة مساندتهم لثورة علي هدلة ورفاقه، وكان هؤلاء من سادات وأعيان البلد ومنهم:
1- السيد جواد آل طعمة - سادن الحسين.
2- السيد مصطفى آل ضياء الدين - سادن العباس.
3-العلامة السيد إبراهيم ناصرالدين الإصفهاني - إمام الجماعة في الروضة الحسينية.
4 - السيد أحمد وفي بن السيد كاظم الرشتي(1).
5- السيد علي السيد أحمد آل نصرالله.
6- السيد كاظم السيد صالح آل نصرالله.
7- العلامة صالح بن السيد محمد حسين (أغابزرك) الشهرستاني.
8-العلامة الميرزا أبو القاسم الطباطبائي.
9- السيد جعفر آل ثابت.
10 - السيد علي الرئيس الوهاب
11 - السيد محمد علي بن السيد وهاب بن محمد علي آل طعمة
12 - السيد محمد بن السيد حسين الوهاب
13 - الشيخ محسن آل كمونة
14- الشيخ محمد آل كمونة
1) يذكر البعض أن المرحوم السيد أحمد وفي الرشتي كان ضد الحركة في البداية لأنه كان قريباً من السلطة الحاكمة، وكذلك أتباعه من الكشفية، وقرار الحكومة بزج اسمه مع زعماء البلد حتى يؤكدوا للعامة أنه ضد الأهالي ومن ثُمَّ يتم إطلاق سراحه.
15 - الحاج عبدالرزاق العواد
16 - الحاج حسن شهيّب
17 - الحاج حمد آل عويّد
18 - الحاج حسن الحاج راضي
19 - الحاج كتان آغا
20 - الحاج محمد آغا
أمّا سادني الحسين والعباس كانت تهمتهم بأنهم سمحوا لدفن القتلى من الكربلائيين في الصحنين بدون رسوم، وذلك معتمدين على فتوى أصدرها العلامة الكبير زين العابدين المازندراني بأن قتلى الكربلائيين هم شهداء.
تم إجراء التحقيق الأولي في كربلاء مع رؤساء البلد فتبيّن أن كلاً من التالية أسماؤهم لا علاقة لهم بكل ما حدث وهم:
1- السيد جواد آل طعمة - سادن الحسين.
2- السيد مصطفى آل ضياء الدين - سادن العباس.
3- السيد علي السيد أحمد آل نصرالله.
4- السيد أحمد وفي السيد كاظم الرشتي.
5- السيد صالح محمد حسين الشهرستاني.
6- السيد علي الرئيس آل الوهاب.
7-الحاج عبد الرزاق العواد.
8- الحاج حسن شهيّب.
وتم إطلاق سراحهم، وساقوا الآخرين جميعهم إلى بغداد وأودعوهم السجن في (أوج قلعة ) داخل (القشلة) ثم رحل الجيش عن كربلاء. أمّا الذين تم إلقاء القبض عليهم فقد بقوا في سجنهم سنة كاملة وتم الإفراج عنهم.
عندما إنسحب الجيش من ضواحي كربلاء قرر الوالي عاكف باشا وقائد الجيش المشير حسين فوزي ترك قوّة من الجيش تعسكر في مدخل مدينة كربلاء من ناحية طريق بغداد، وكان معسكرهم عند نهر الحسينية بالقرب من قنطرة (أم حديبة)، والغرض من بقاء هذه القوّة هو لمساعدة القوة الحكومية التابعة لمتصرف كربلاء في حالة نشوب فتن أخرى داخل المدينة.
وحدث أن تجمع بعض أهالي كربلاء وقرروا العصيان بسبب رفضهم وعدم قبولهم القبض على قادة ثورة علي هدلة وبعض وجهاء المدينة وإرسالهم مسجونين إلى بغداد، فقد قام (آل الهر ) (1)بقيادة زعيمهم الشيخ (محمد علي بن سلطان الهر) وساندهم آخرون من أبناء المدينة وخرجوا من أبواب السور الشمالية وقاموا بمهاجمة القوة المرابطة على نهر الحسينية، وكان يتقدم هذه الجموع الشيخ محمد علي أبوالهر والسيد مهدي بن السيد علي بن باقر الإشيقر ) (2).
عند إلتحامهم بالقوة العسكرية عند قنطرة أم حديبة بادرهم الجيش بإطلاق النار بشكل كثيف فأصابوا الشيخ محمد علي وأردوه قتيلاً وتفرق جمع الثائرين، وقام
1) آل الهر هم من (الطهامزة) فرع من قبيلة خفاجة، كانت دورهم في محلة باب السلالمة، وكانت لهم مواقف وطنية وبرز منهم رجال أدب وعلم، وكانت بيدهم مختارية محلة باب السلالمة إلى الآن.
2) آل الإشيقر من سادات كربلاء وهم من خدم العتبات المقدسة فيها، ويتصل نسبهم بآل زحيك، فجدهم الأعلى هو السيد إبراهيم المرتضى الأصغر بن الإمام الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) . نزحوا من الكاظمية إلى كربلاء في القرن العاشر الهجري، وشارك العديد منهم في الحوادث التي جرت في كربلاء وكان لبعض شخصيات هذه الأسرة العلوية إهتمامات وطنية إشتهروا بها وآل الإشيقر من سلالة السيد علي بن أبي محمد الحسن بن حيدر بن أبي محمد الحسن بن أبي تراب علي بن حسين الإشيقر بن أبي طاهر عبدالله بن أبي الحسن المحدث بن النقيب طاهر بن الحسين القطعي بن موسى أبو سبحة بن إبراهيم المرتضى بن الإمام موسى الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) .
الجيش بحزّ رأسه وأخذوا الرأس داخل المدينة وطافوا به في أزقتها لترهيب الناس وإخافتهم كي لا تتكرر حوادث العصيان.
أمّا السيد مهدي الإشيقر عندما رأى ذلك الحدث فقد إمتلأت نفسه بالغضب فترك كربلاء ناجياً برأسه فهرب إلى إيران وبقي هناك فترة من الزمن ومنها إرتحل إلى (القفقاس) حيث توفي هناك وتم نقل جثمانه فيما بعد إلى كربلاء ودفن في الصحن الحسيني الشريف.
بهذه الأحداث إنتهت ثورة ( علي هدلة) وعمَّ الهدوء مدينة كربلاء بانتهاء كافة الأعمال القتالية التي نتجت عنها وكذلك ذيول تلك الحركة بنهاية حركة أبو الهر والإشيقر . أمّا الحكومة العثمانية فقد قررت نقل متصرف كربلاء (قدري بك) لسوء تصرفه وتعيين (مظهر باشا) (1).
على إثر عزل متصرف كربلاء (قدري بك) نتيجة سوء تصرفه وشدته التي عُرف بها إثناء تواجده في منصبه، وعدم تمكنه من معالجة الأوضاع التي كانت نتيجتها حركة (علي هدلة) صدر الأمر من والي بغداد بتعيين (مظهر باشا) وهو بدرجة (مير ميران) أي (أمير أمراء) وذلك في 22 رمضان سنة 1294ه- / 29 أيلول (2)1877م، 1877م، وكان المتصرف الجديد على علاقة حميمة مع السيد أحمد وفي الرشتي، وكثيراً ما كان يتواجد في ديوانه، ويقوم الشعراء من أتباع السيد الرشتي بمدحه بأبيات من
1) جاء في مستدركات السلسلة الثانية في ج 4 من مدينة الحسين لمحمد حسن الكليدار في ص 50 من المستدركات أن المتصرف الجديد بعد قدري بك هو (راشد أفندي)، وهذا خطأ آخر من جملة الأخطاء التي وقع بها المؤلف في نفس الصفحة وخاصة في السنوات والتواريخ والأسماء، يمكن الرجوع إليها لمعرفة حقيقة الأمر، بينما المصادر التي اعتمدنا عليها هي مصادر عثمانية رسمية نشرت في الوثائق العثمانية ولا تقبل التحريف والخطأ.
2) كربلاء في الأرشيف العثماني، ص 382.
الشعر. بقي مظهر باشا متصرفاً لكربلاء مدة قاربت السنتين ونُقل في نهاية شهر حزیران 1879م / 1296ه- (1).
كنا قد تحدثنا عن النزاع حول السدانة بين الحاج محسن بن الحاج مهدي كمونة وابن عمّه الشيخ محمد بن المرزا حسن كمونة. كان الكثير من أبناء المدينة وخاصة السادة العلويين لا يرغبون بتولي السدانة أحداً من آل كمونة بإعتبار أن أغلب خدم الروضتين من السادة العلويين وكانت لهم السدانة قبل أن يتولاها إثنان من آل كمونة بعد حادثة نجيب باشا على التوالي، وأنهم أقدم سكناً في المدينة بقرون عديدة من آل كمونة الذين نزحوا من الكوفة قبل واقعة نجيب باشا بأقل من قرن واحد من الزمان.
وعندما إستمر النزاع بين آل كمونة على السدانة إنقسم أهالي المدينة إلى قسمين:
الأول وهم الأكثرية كانوا ينبذون آل كمونة ويعارضون إستلام أي شخص منهم سدانة الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) . والقسم الثاني وكانوا الأقليّة بزعامة الحاج محسن كمونة ومن يتبعه من الأهالي الذين يميلون بولائهم لأسرة آل كمونة، فتدخل السيد أحمد وفي بن السيد كاظم الرشتي رئيس الكشفية في الأمر وإستغل علاقته الشخصية بوالي بغداد ورشح السيد جواد بن حسن بن سلمان بن درویش آل طعمه الذي كانت بينهما رابطة وثيقة، على أن يدفع السيد جواد مبلغاً من الليرات الذهب إلى الوالي للحصول على موافقته،
1) كما أخطأ مؤلف مدينة الحسين عندما ذكر في مستدركات السلسلة الرابعة ص 47 عندما ذكر بأن مظهر باشا جيئ به متصرفاً لكربلاء سنة 1272 ه- ، بدون أن يستند إلى مصدر رسمي وخاصة من الدفاتر العثمانية والسالنامات لولاية بغداد على أقل تقدير، لأن في السنة التي ذكرها مؤلف مدينة الحسين لم تكن كربلاء إدارياً بمستوى لواء حتى يعيّن لها متصرف، وإنما كانت بمستوى قضاء وأن في سنة 1267ه- إلى سنة 1274ه- كان (قورابي أفندي) هو القائمقام وحاكمها الرسمي وقد ذكرنا ذلك سابقاً حسب وثائق الأرشيف العثماني لرئاسة الوزراء التركية، مكاتبات عموم الولايات في سنة 1267ه-، ووسالنامات السنوات 1270، 1271، 1272، 1273، 1274!!!
ويبدو أن الأخير كان يتوق إلى السدانة لأن المبلغ المطلوب الدفع لا يستهان به في ذلك الوقت. فوافق الوالي على طلب السيد أحمد الرشتي بتنصيب السيد جواد على أن يدفع مبلغاً كبيراً من الليرات العثمانية مقدارها ألف ليرة ذهباً (1)ليصدر أمره بذلك وقد تم له ما أراد وذلك في سنة 1292ه- / 1875م!!!
عندما سمع الشيخ محسن كمونة بذلك الأمر الذي أوغل صدره فقرر قتل السيد أحمد وفي الرشتي والسادن المعيّن، وظلَّ يتحيّن الفرص لأكثر من سنتين إلى أن حانت له الفرصة عندما كان السيد أحمد ومعه بعض مرافقيه خارجين من صحن الحسين عند باب السدرة بعد صلاة العشاء متوجهاً إلى داره.
فتصدى له من أرسلهم محسن كمونة وأردوه قتيلاً ومعه بعض مرافقيه بالرصاص وذلك سنة 1295ه- / 1878م، ولم يظفروا بالسادن.
يذكر مؤلف مدينة الحسين في ج 1 ص 83 أن قاتل السيد أحمد هو المدعو (جعفر بن باخية)، وباخية هي امرأة اشتهرت ببطولتها في واقعة المناخور، كما يذكر في الهامش بأن «الذي اشترك مع ابنها في قتل السيد أحمد الرشدي (الرشتي) كل من الحاج حسن شهيب وسلمان الصائغ وأحد أفراد أسرة الفتوني وجماعة آخرين حتى أنهم قتلوا خادمه (فليّح) في الصحن بعد مقتل سيده » ولم يذكر المصدر الذي إعتمد عليه، ونشك في ما أورده مؤلف مدينة الحسين لسبب بسيط هو أن الحاج حسن شهيّب من وجهاء المدينة المعروفين ومن الذين كانت له مواقف مشرّفة، فهو ليس قاتلاً مأجوراً !!!
وقيل ان الشاعر الشيخ محمد بن الشاعر الشيخ فليح الذي كان ملازماً للسيد أحمد الرشتي قد قُتل في نفس الحادث.
1) مدينة الحسين: محمد حسن الكليدار، السلسلة الأولى ص83 . وبإعتراف مؤلف مدينة الحسين هذا، فهو دلالة على أن السدانة قد تم شراؤها بالمال وهو أمر لم يُعرف سابقاً في تاريخ السدانة، وهو حديث لا يزال يتم تداوله في المدينة منقولاً عن كبار السن وخاصة من خدّام الروضتين !!!
بعد مقتل السيد أحمد رثاه الشعراء ومنهم الشاعر الشيخ كاظم الهر حيث قال:
إذا لم أمت حزنا لشمس سما *** الفخر فوا العصر أني ماحييت لفي خسرِ
وفي العيدان فاضت سحائب مقلتي *** فها هي لم تبرح مدامعها تجري
وكيف هلال العيد يبزغ بعدما *** توارى هلال المجد من ظلمة القبرِ
استخلف السيد أحمد رحمه
الله نجله الأديب العلامة السيد قاسم الذي أصبح من وجهاء مدينة كربلاء، وأحفاده اليوم يلقبون بآل الرشدي، لا يزالون في كربلاء ولهم مكانة جيدة فيها.
في سنة 1296ه- / 1879م تم الانتهاء من إيوان رأس الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في وسط الضلع الغربي من الحرم الشريف، وتم عمله على شكل بديع يتكون من المقرنصات التي تتدلى من السقف، والزخارف على جوانبه، وقد تم عمل شباك من النحاس يتوسط الإيوان لغرض إنارة الرواق الغربي داخل الحرم الشريف، وزين الإيوان بالكاشاني البديع وبألوان وتصاميم غاية في الروعة، وقد كُتبت قصيدة المرحوم الشيخ محسن أبو الحب الكبير على الجوانب الثلاث من الإيوان ومن 24 بيت من الشعر وخُطت بالخط الفارسي ومطلعها:
الله أكبر ماذا الحادث الجلل*** لقد تزلْزَلَ سَهْل الأرضِ والجَبَلُ
ما هذه الزَفراتُ الصاعدات أسىً*** كأنها شعَلٌ تُرْمَى بها شعَلُ
وختمها بالبيت التالي:
هذي حرائِرَهُ أستارَها هَتكوا*** وَهؤلاء بَنِيهِ بَعدَهُ قُتِلوا
والإيوان من عمل الأسطة أحمد جواد الشيرازي (1296ه-) كما كان مثبت على الجدار. وفي سبعينيات القرن العشرين الميلادي تم وضع أجهزة تبريد على هذا الإيوان.
ورفعت فيما بعد عندما تم نصب أجهزة التبريد الحديثة للحرم الحسيني الشريف.
صورتان لإيوان الرأس مأخوذات من الصحن الشرف الأولى أمامية والثانية جانبية
بعد أن تم نقل (مظهر باشا) من لواء كربلاء في أواخر حزيران 1879م، تعاقب على لواء كربلاء متصرفين من سنة 1296 إلى 1299ه- / 1879 إلى 1882م كانت أكثر مدة قضاها أحدهم لم تتجاوز السنتين ومنهم إستمر في منصبه أشهراً لا تصل
إلى السنة. فقد تم تعيين روحي أفندي متصرفاً لكربلاء وهو من الرتبة الأولى من الطبقة الثانية خلفاً ل- ( (مظهر باشا) في سنة 1296ه- وتحديداً في الأول من تموز سنة 1879م ، ونقل من كربلاء في سنة 1297ه- وتحديداً في 4 آب 1880م(1)، ومدة خدمته في كربلاء سنة واحدة وشهر وأربعة أيام.
في سنة 1297ه- / 1880م تم تعيين المرحوم السيد عبدالوهاب الخطيب ليتولى الامامة والإفتاء لأهل السنة في كربلاء وينتسب إلى أسرة علوية كريمة يرجع نسبها إلى السيد جعفر الزكي بن الامام علي الهادي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فهو السيد عبد الوهاب بن أحمد حبيب بن محمد حبیب بن عبدالله بن سلمان (المشهداني) عبدالله بن محمد الزكي بن مسلم بن منصور بن مسلم بن أبو بكر بن إبراهيم بن أبو بكر بن إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر بن إسماعيل بن يعقوب بن محمد النازوك بن عبدالله بن أبي الحسن علي بن أبي عبدالله جعفر بن الإمام علي الهادي (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
كان عالماً جليلاً وله مؤلفات في الدين والأدب وشاعراً بليغاً. وقد كان قريباً جداً من سادات وأعيان كربلاء، ويحضر مجالسهم ويحضرون مجلسه، وكان مقرّه في جامع العباسية الواقع في سوق النجارين، ومسكنه بجوار الجامع.
وقد شارك السيد عبدالوهاب في جميع المناسبات والحوادث التي مرّت على كربلاء جنباً إلى جنب مع سادات ورؤساء البلد وخاصة عندما تحرك الأهالي ضد الإحتلال الإنكليزي للبصرة.
1) كربلاء في الأرشيف العثماني: ديلك قايا. ص382.
توفي رحمه الله في كربلاء سنة 1346 ه- / 1928م، وخلفه في الأمامة والإفتاء ولده السيد هاشم الذي كان عالماً جليلاً وأصبح من أعيان البلد والمتوفى سنة 1409ه- / 1989م بعد أن تجاوز التسعين من العمر (1).
تم تعيين محمد باشا متصرفاً لكربلاء وهو من رتبة (أمير أمراء) خلفاً لروحي باشا سنة 1297ه- وتحديداً في يوم 5 آب 1880م ، وبقي في منصبه ثمانية أشهر ونصف فقط ونقل من كربلاء وحل محله مظهر باشا مرة ثانية (2).
تم إفتتاح المدرسة الرشدية في كربلاء سنة 1297ه- (3)1880م، وكان تأسيس هذه المدرسة تم عن طريق الإكتتاب (التبرّع).
فقد قامت الحكومة العثمانية سنة 1296ه- بطلب التبرع من الأهالي لتأسيس مدرسة جديدة في كربلاء باسم المدرسة الرشدية، وموقعها في محلة العباسية بالقرب من بناية البلدية الحالية، ومدة الدراسة فيها كانت أربع سنوات يتم منح الطالب المتخرج منها شهادة الابتدائية.
1) أعقب السيد عبدالوهاب الخطيب من الأولاد كل من السادة: هاشم وطاهر وفائق وحامد وشاكر وكامل وصلاح. ومن احفاد السيد عبد الوهاب اليوم في كربلاء الأستاذ المحامي عامر الخطيب وشقيقه محمد ولدا المرحوم التربوي السيد صلاح عبدالوهاب الخطيب. راجع كتابنا (بيوتات كربلاء القديمة) ص 401 - ص 403 وفيه التفصيل عن أسرة آل السيد عبدالوهاب.
2) كربلاء في الأرشيف العثماني: ديلك قايا. ص 382.
3) أخطأ سلمان هادي طعمة عندما ذكر في كتابه (كربلاء في الذاكرة) الصادر سنة 1988م. مطبعة العاني، بغداد، ص 73 بأن المدرسة الرشدية تأسست سنة 1908م أي سنة (1326ه)، والصواب أن الإكتتاب كان سنة 1296 والإفتتاح كان سنة 1297ه- / (1880م).
المدرسة الرشدية عند بداية تأسيسها واللوحة الموجودة في الصورة مكتوب عليها اسم المدرسة وتحت الاسم كتابة باللغة الفارسية واللغة العربية جاء فيها: ساعدالله من ساعد هذه المدرسة وأكرمه وله الأجر والثواب
في سنة 1298ه- / 1881م إنتشر وباء الهيضة (الكوليرا) في العراق، وسرعان ما إنتقل إلى كربلاء والنجف وحصد المئات من سكان المدينة والوافدين إليها، وكان يطلق العامة على مرض الكوليرا اسم ( أبو زوعة ). وإستمر هذا الوباء يحصد أرواح الناس لعدم وجود المؤسسات الصحية التي تختص بتقديم الخدمات الصحية والوقائية للتقليل من شدّة إنتشار الوباء.
وكانت مدينة كربلاء تتعرض دائماً للأوبئة بسبب وجود المستنقعات في شرقها وجنوبها حيث تكثر الحشرات الناقلة للأمراض. والذي زاد الطين بلّة أن الكثير من ضحايا الوباء كانوا يُنقلون إلى كربلاء ليتم دفنهم فيها .
قررت الحكومة تعيين مظهر باشا متصرفاً لكربلاء للمرّة الثانية، وقد باشر وظيفته سنة 1298ه- وتحديداً في 19 نيسان 1881م، وإستمر في منصبه سنة واحدة وثلاثة أشهر وأربعة أيام، حيث نقل سنة 1299 وحلّ محله الحاج علي باشا (1).
زارت كربلاء في 27 كانون الأول سنة 1881م/ 6 صفر سنة 1299ه- الفرنسية مدام ديولافوا بصحبة زوجها المهندس المعماري والاثاري المشهور (مارسل دیولافوا المهتم في فن العمارة والريازة في الحضارات الشرقية، كانت زوجته وهي معروفة بإسلوبها الرقيق وبموهبتها الفنية في الرسم ولم تدع الفرصة تفوتها فأخذت على نفسها تسجيل يومياتها وخواطرها منذ إقلاعها من مرسيليا حتى عودتها ثانية إلى فرنسا وأصدرت كتابًا عن رحلتها مع زوجها. بدأت رحلة مدام ديولافوا إلى العراق في 1 أيلول سنة 1881م بدأتها من المحمرة التي كانت تابعة إلى العراق يومها، ومنها بعد أيام إلى البصرة ومنها إلى بغداد في إحدى سفن شركة (لنج (لندن). ومن بغداد إرتحلت إلى آثار بابل ومن ثُمَّ إلى مدينة الحلة حيث قضت فيها عدة أيام، وكان يرافقهم كولونيل اسمه (جيرالد) وبعض المرافقين والأدلاء وكان من بينهم أحد الإيرانيين الذي رافقهم من إيران إلى العراق.
1) السالنامات العثمانية، وفق سنوات التعيين. وكربلاء في الأرشيف العثماني ص382. ومن المؤسف أن نجد مؤلف مدينة الحسين محمد حسن الكليدار يذكر أسماء لمتصرفين لم يكن لهم وجود في سجلات الدولة العثمانية عندما ذكر الكثير منهم في مستدركات السلسلة الرابعة من كتابه، والذي يعود إلى المستدركات سيجد بنفسه الأخطاء الكثيرة حول تثبيته للتواريخ ولبعض الأحداث، لأنه إعتاد أن لا يذكر المصادر التي إعتمد عليها حتى يتبيّن للقارئ والباحث صحة ما ذُكر أو العكس، وهذه من أخطاء التدوين، ووقع بالخطأ ذاته من إتخذ الكثير من مواضيع كتابه مصدراً له، وذلك يؤدي حتماً إلى الإخلال بدراسة تاريخ مدينة كربلاء ، فلذلك كنّا ننوه على الأخطاء دائماً لتصحيح ما ورد بكتب البعض خدمة للحقيقة لا غير .
وذكرت ديولافوا مشاهداتها في الطرق من الحلة إلى كربلاء ووصفت الأماكن والناس بدقة حتى دخولها إلى بوابة المدينة الواقعة في باب طويريج حيث أماكن صنع لافتات القبور من الحجر، وقد أخبروهم بان دخولهم يجب أن يكون من باب أخرى في طرف آخر من المدينة، وقد طلبوا الدخول إلى المرقد الشريف ولم يسمح لهم رغم التدخلات وقد قابلوا القنصل الإيراني الذي لم يتمكن على مساعدتهم رغم المحاولات العديدة، وقد سئم زوجها من كل ما لاقاه فقرر مغادرة المدينة.
وكتبت ديولافوا دقائق الأمور التي مرّوا بها ومعاناتهم ولم تستطع أن تكتب عن المدينة سوى ما شاهدته من البساتين العامرة وكثرة الزوّار وإفتراشهم الأرض خارج أسوارها لعدم إستيعاب المدينة رغم وجود المنازل والخانات للزائرين. كما قامت بالصعود إلى سطح أحد المنازل وقامت برسم المدينة والمراقد فيها. وفي اليوم الثاني من وجودهم في كربلاء تجولوا في المدينة وكتبت ما شاهدته وعندما رجعوا إلى محل إقامتهم لم يجدوا الموافقة على دخولهم المرقد فشدّو الرحال وغادروا إلى بغداد، وفيما يلي مقتطفات مما كتبته ديولافوا في 27 ديسمبر (كانون الأول): « أفقنا اليوم قبل أن تبزغ الشمس وتابعنا سفرنا إلى كربلا، وبعد أن عبرنا جسراً صغيراً يقع على شط الفرات بلغنا الطريق الموصل إلى هذه المدينة الدينية. ولقد تغيرت المناظر منذ وطئت أقدامنا هذه الطرق فبدل تلك الصحراء القاحلة الكئيبة أخذت تطالعنا بساتين وحدائق مزدهرة يانعة مكتظة بأشجار الليمون وبالنخل والأزهار البديعة المختلفة الألوان.
وفي الطريق كنا نرى حركة المرور نشيطة ودائبة وقسم من هؤلاء كان من النسوة إمّا ممتطيات ظهور الدواب وإمّا ماشيات على أرجلهن، لفت نظرنا منظر غابات النخيل والليمون المتناثرة على جانبي الطريق وغمرنا جوها الرائع الجميل بحيث نسينا السائرين جميعاً النساء والرجال على حد سواء، إلّا أنه لم يطل تمتعنا كثيراً بهذه المناظر المزدهرة فسرعان ما رأينا أنفسنا على عتبة باب المدينة. وأمام هذه الباب الذي يقال إنه من المباني العتيقة ساحة واسعة كان يشغلها عدد من الحجارين المنهمكين في
قطع وصقل الأحجار والصخور المستعملة في تشييد المقابر وما شابه ذلك. وكان قسم من هذه الصخور مصقولة ومهيأة للبيع والقسم الآخر في طريق إكمالها وعرضها على الطالبين من أفراد القوافل الذين كثيراً ما يقدمون هذه المدينة لدفن موتاهم فيها، وبعد أن قطعنا هذا الميدان الواسع وصلنا إلى الباب، بيد ان الحراس رفضوا دخولنا منه وطلبوا من أدلتنا أن يأخذونا من طريق آخر ويدخلونا المدينة من خلف سور المدينة وينزلونا في المواضع السفلى الأخيرة من المدينة.
وعلى هذا الأساس إنعطفنا من هذا الطريق إلى آخر، ومررنا بجماعات كبيرة من الناس كانوا قد أقاموا معسكرات. ولقد علمنا أن هؤلاء كانوا من الزوار الذين وفدوا على المدينة المقدسة، ولضعف حالتهم المادية لم يستطيعوا الإقامة في الخانات والمنازل التي في الداخل. لذلك إضطروا إلى الإقامة في الخارج على شكل معسكرات أو مضارب من الخيم. ولقد رأيت كلاً من هؤلاء الزوار المساكين يقيم بجانب أثاثه الساذج وأمام دابته الواهنة وهو في حالة تعبد وتهجد. وفريق منهم منهمك في مضغ التمر الذي نواته أكبر من شحمه ومواده. وبعد مدة إجتزنا باباً إلى شارع كان يبدو انه شق حديثاً. ولقد توقف أدلتنا في وسط هذا الشارع ودخلوا منزلاً قذراً مظلماً يحوي حجراً ضيقة ! ولم نر نحن بداً من قبول النزول في هذا البيت على علّاته الكثيرة وقذارته، ذلك لأن مدينة كربلا تعد اكبر وأهم العتبات المقدسة لدى جمهور كبير من المسلمين، ويؤمها سنوياً عدد ضخم لا قبل لها بإستيعابه على رغم كثرة خاناتها ومنازلها ودورها المخصصة بإقامة الزوار. ثم إنه كان ينبغي لنا أن نبعد عن الزوار ما إستطعنا؟! وبعد أن اطمأن بنا المكان الذي وضع في تصرفنا وهو الطبقة التحتانية الرطبة، إرتقيت الدرج إلى السطح وأخذت من هناك التطلع إلى منظر المدينة الرائق ومشاهدة قبة ومنائر مرقد الإمام الحسين المذهبة على الجهة اليسرى، أمّا الجهة الأخرى فكانت فيها قبة صنعت من الكاشي الأزرق يغلب الظن أنها في أواخر العهد الصفوي.
صورة للمنطقة التي وصفتها مدام ديولافوا عند وصولها إلى أسوار مدينة كربلاء
وفي يوم 28 ديسمبر خرجنا نحن أيضاً لنتفرج على مرافق المدينة ومررنا بمقابر وسيعة. وإلى جانب مقابر المتمولين والسراة الواقعة على أطراف الصحن وضريح الإمام، مقابر واسعة خارج المدينة وهي خاصة بعامة الناس والفقراء منهم. وتظلل هذه المقابر أشجار كثيرة مزدهرة ولها منظر جذاب جميل في هذا المكان الموحش. وأينما سرنا في هذه المدينة نلتق برجال دين متعممين بعضهم شيوخ لهم وجوه متغضنة معطبة، وبعض الآخر في مقتبل العمر يموج من وجناتهم ماء الشباب. تعد هذه المدينة بمثابة جامعة كبيرة يؤمها الطلاب من مختلف أصقاع البلاد الإسلامية لتلقي علوم الدين، ويقضون فيها لهذا الغرض أكثر سني حياتهم.
ويعيش هؤلاء الطلاب جميعاً الصغير والكبير الشاب والهرم على التبرعات التي يتبرع بها الزوار ووجوه المسلمين الذين يعيشون خارج هذه المدينة. ويقدم
الزوار لهذه الغاية أموالاً طائلة عن طيب نفس وفي بعض الأحيان يتبرعون بأثاث وسجاجيد ثمينة وأوانٍ من الفضة التي يجلبونها معهم وذلك للحصول على ثواب الآخرة ...» (1)
الصورة التي رسمتها مدام ديولافوا بريشتها لمدينة كربلاء ويلاحظ فيها الدقة والتفاصيل
1) رحلة مدام ديولافوا ترجمة علي البصري، ويراجع كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات) ص 243 - ص 255 ، وفيه كل ما يخص رحلة ديولافوا بالتفصيل مع الهوامش.
كربلاء أيام ولاية تقي الدين باشا(1)الثانية
كان والي بغداد عبد الرحمن باشا (2)قد عُزل من منصبه وتم تعيين تقي الدين باشا الذين إستلم ولاية بغداد للمرة الثانية في 28 محرم 1298ه- / 30 كانون أول 1880م، وكان قبلها واليا على الحجاز.
كانت كربلاء في أيامه إدارياً بمستوى لواء، وأقضية لواء كربلاء هي (مركز كربلاء) و (النجف) و (الهندية)، أمّا النواحي التابعة لقضاء المركز هي: (المسيب) و (الرحالية)، و (شفاثا). وجاء في جريدة الزوراء في عددها 1198 الصادر في 19 ربیع الأول سنة 1302ه- حول ناحية شفاثا بأن الوالي تقي الدين باشا كان لديه تصوّر بأن يحولها إلى قضاء لأهميتها.
بعد أن قضى متصرف كربلاء مظهر بك سنة وثلاثة أشهر في توليه المنصب للمرة الثانية، أصدر الوالي أمراً بنقله وقرر تعيين الحاج علي باشا متصرفاً لكربلاء وهو برتبة (روميللي)، حيث باشر بتاريخ 23 تموز 1882م / الثامن من رمضان 1299ه- ولم يستمر طويلاً في منصبه فقد عزله الوالي محمد تقي باشا بعد ثمانية أشهر من توليه
1) كانت ولايته الأولى على بغداد من 17 ربيع الأول 1284ه- / (1867م) إلى 20 محرم 1286ه- / (1869م) حيث جاء بعده مدحت باشا ومدة ولايته الثانية كانت 6 سنوات من سنة 1298ه- إلى 1304ه- / 1880م إلى آذار (1887م). وكان من أكابر رجال الدولة وأقدم وزرائها وخدمته تجاوزت (40) سنة ويقال أنه كان صادقاً وعالي القدر وصائب الرأي، ويحسن التدبير، وكانت نشأته علمية وهو من أسرة (آل المدرس) في حلب. ويقال أيضاً أنه كان عالماً شاعراً كاتباً إلّا أنه موصوف بالبطش، ومعروفاً بالثراء. وقد قدّم إستقالته إلى الباب العالي وتمت الموافقة على إحالته على التقاعد. توفي في 10 رمضان 1310 ه- وهو في طريقه من حلب إلى إسطنبول.
2) في 12 ربيع الأول سنة 1296ه-/ 1879م إستلم عبدالرحمن باشا ولاية بغداد للمرة الثانية خلفاً للوالي قدري باشا الذي تم تعيينه بمنصب نظارة (وزارة) الداخلية. وكان الوالي عبدالرحمن باشا والياً على ديار بكر . وبقي بمنصبه في بغداد سنة وعشرة أشهر، وتم عزله في غرة ذي الحجة سنة 1297ه- وبقي بالوكالة قرابة الشهرين لحين إلتحاق الوالي الجديد تقي الدين باشا.
المتصرفية في شهر نیسان 1883م بسبب تعاونه مع السيد محمد مهدي آل طعمة لاستيلاء الأخير على سدانة العباس بدون وجه حق كما سنبيّنه لاحقاً.
كان المرحوم السيد مصطفى ابن السيد حسين بن محمد علي آل ضياء الدين قد تولّى سدانة مرقد العباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) بعد وفاة والده سنة 1289ه- / 1872م ، وإستمر السيد مصطفى في السدانة حتى وفاته سنة 1297ه- / 1880م. وكان ولده السيد مرتضى في سن الثانية عشرة من عُمره حين توفي والده، ولكون الأخير لم يبلغ سن الرشد حتى يستلم السدانة خلفاً لوالده، فقد طمع السيد محمد مهدي (1)من آل طعمة بالسدانة، وسعى إليها عن طريق دفعه مبلغاً بصيغة التبرع لبناء المكتب الرشدي (2)في بغداد بمبلغ (125000) ،قرش، تقرباً للوالي عن طريق بعض المقربين من والي بغداد وبمساعدة متصرف كربلاء حينها الحاج علي باشا الذي كانت تربطه بالسيد محمد مهدي علاقة شخصية.
وعاد إلى كربلاء بعد أن دفع المبلغ (3)وجلس في ديوان السدانة معتمداً على الموافقة الشفوية التي حصل عليها من المقربين من الوالي حسب إدّعائه وبتوصية المتصرف
1) هو محمد مهدي بن محمد كاظم بن حسين بن درويش بن أحمد بن يحيى بن خليفة بن نعمة الله بن طعمة بن علم الدين، المتوفى سنة 1334ه- /1916م.
2) المكتب الرشدي ... هو مدرسة متخصصة للتعليم العسكري، تأسست في بغداد على غرار المكاتب الرشدية في الكثير من الولايات العثمانية. والمكتب يختص بتعليم التلاميذ الشباب الذين يتم إعدادهم فيما بعد في الخدمة العسكرية العثمانية، بحيث يتم تعليمهم في المكتب الرشدي مواد الرياضيات واللغة العربية واللغة الفارسية واللغة التركية والخط التركي وإملائه، وفنون الرسم والخط وجغرافية الدولة العثمانية. وبعد التخرج من المكتب الرشدي يتم إرسال تلاميذه إلى المكتب الإعدادي العسكري، وعند تخرجهم منه يرسل المتخرجون إلى مكتب الحربية في إسطنبول.
3) يَعْتَبر سلمان هادي طعمة في كتابه تاريخ مرقد الحسين والعباس في الصفحة 310 منه بأن هذا التبرّعمن مآثر السيد محمد مهدي !! ولم يذكر أنها كانت على سبيل (الرشوة) للإستيلاء على سدانة العباس، والغريب في الأمر أنه إعتمد بهامش رقم (1) في نفس الصفحة على كتاب مدينة الحسين ج1 ص86 بإعتبار أن مؤلفه نقل المأثرة عن جريدة الزوراء. وعند مراجعتنا لمصدره (مدينة الحسين) لم نجد ما يشير مؤلفه من قريب أو بعيد أنه إعتمد على جريدة الزوراء في موضوع التبرع أو المبلغ الذي دفعه !! وهكذا يكتب البعض عن تاريخ مدينتهم وللأسف !!
إليهم بأن يستلم السدانة بحجة عدم صلاحية ابن السادن المتوفى لصغر سنّه بدون أن يحصل على موافقة رسمية أو أمر رسمي من الوالي. ونصب نفسه سادناً للعباس.
عندها ثارت ثائرة أقارب السادن من آل ضياء الدين ووقف معهم السادة من آل نصرالله والكثير من خدم الروضتين ووجهاء البلد، وحصل نزاع شديد ضد هذا الاستيلاء غير الشرعي والمخالف للعُرف. وأصبحت القضية تشغل أهالي المدينة ولم يستقر الأمر للسيد محمد مهدي، فقد سافر وفدٌ من كربلاء وقابلوا والي بغداد محمد تقي باشا وشرحوا له الموضوع، فقرر المجيء بنفسه إلى كربلاء لحسم الأمر وتهدئة الموقف، وجاء فعلاً إلى كربلاء وبعد إتمام مراسيم الزيارة للمشهدين المقدسين وإطّلع بنفسه على حيثيات الموضوع والأعراف السائدة حول السدانة، وادعاءات الطرفين قرر منع وطرد المستولي على السدانة بدون وجه حق السيد محمد مهدي آل طعمة وتثبيت السيد مرتضى آل ضياء الدين سادناً للعباس خلفاً لوالده على أن يكون عمّه السيد عباس آل ضياء الدين وصيّاً عليه يقوم بأمور السدانة لحين بلوغ السيد مرتضى سن الرشد.
جاء في كتاب مدينة الحسين ومؤلفه من أقارب السيد محمد مهدي النص التالي: «فزار - أي الوالي - كربلاء لإختبار مقدرة السيد مرتضى آل ضُوَي (ضياء الدين) (1)ومعرفة ما إذا كان الجائز توليته في سنّه آنذاك وبعد الإختبار حصلت لدى الوالي القناعة بمقدرته ، فَعَزَلَ (2)السيد محمد مهدي آل طعمة وأولى السدانة إلى السيد
مرتضى آل ضوي (ضياء الدين) الذي أصدر البلاط العثماني في عام 1298ه- فرماناً له بالتولية وكان عمره آنذاك إثنتي عشرة سنة وقد تولى الإشراف والسهر على شؤون السدانة نيابة عنه عمّه السيد عباس آل ضوي لحين بلوغ السيد مرتضى سن الرشد» (1).
وإتخذ الوالي قراراً آخر إثناء وجوده في كربلاء وهو عزل المتصرف (الحاج علي باشا) الذي كان له ضلع في الموضوع بوقوفه مع صديقه السيد محمد مهدي بدون وجه حق وتم تعيين (جلال باشا) متصرفاً لكربلاء.
موضوع إستلام السيد مرتضى بن السيد مصطفى آل ضياء الدين لسدانة الروضة العباسية بعد وفاة والده وهو صغير السن واجه عدة تحديات من أناس كانوا يطمعون بالسدانة، وجميعهم لم يلقوا نجاحاً في مساعيهم وذهبت أتعابهم سدى منهم السيد محمد الملقّب ب- (ابن الهندية) وهو ابن السيد حسين جد آل الوهاب من آل السيد يوسف (2). وكان والد السيد محمد سادناً للعباس، فقد سافر إلى الإستانة (إسطنبول) مطالباً بأنه أحق بالسدانة لأن والده كان سادناً سابقاً وعُزل، ففشل في مسعاه وعاد بالفشل. كذلك السيد صالح آل طعمة الذي طمع في السدانة أيضاً (3).
هذه الحادثة لم تكن الأولى من نوعها حول سدانة الروضة العباسية، فقد سبقتها أكثر من حادثة تطرقنا إليها سابقاً، وكانت أطرافها من السادة آل طعمة وطمعهم في سدانة العباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
أمّا موضوع تولي السدانة بدفع المال من قبل السيد محمد مهدي طعمة فلم يكن الأول من نوعه فقد سبقه سنة 1292 ه- السيد جواد بن حسن بن سلمان بن درویش
1) مدينة الحسين، ج 1 ص 90 .
2) هو السيد حسين بن حسن بن محمد علي بن محمد موسى (سادن الحسين الذي إستشهد في غزوة الوهابيين نهاية سنة 1216ه-) من سلالة آل السيد يوسف. والسيد حسين أول من تلقب بآل الوهاب تخليداً لذكرى جده السيد محمد موسى من شهداء واقعة الوهابيين.
3) مدينة الحسين محمد حسن الكليدار آل طعمة، ج1 ص 91.
آل طعمة عندما تمكن من إستلام سدانة الحسين بعد أن دفع ألف ليرة ذهب عثمانية وصدر له الفرمان بالسدانة بوساطة السيد أحمد وفي الرشتي (1)الذي قُتل من قبل آل كمونة الأسديين بسبب موقفه هذا. وقد ذكرنا أيضاً موضوع إتهام المرحوم السيد سعيد بن سلطان آل ثابت سادن العباس بسرقة خزانة العباس حيث إشتكى عليه أفراد من آل طعمة أيضاً كان غرضهم الاستيلاء على السدانة ، وقد رُدّت دعواهم بعد تحقيق مطوّل جرى في المدينة!!
كذلك ذكرنا موضوع سدانة العباس بين السيد حسين بن حسن آل الوهاب من آل سيد يوسف مع أفراد من آل طعمة حيث عُزل السيد المذكور وعاد بعد سنوات وعُزل مرة أخرى.
جاء في سالنامة ولاية بغداد سنة 1325 ص 327 ، جدولاً بمتصرفي لواء كربلاء، فتبيّن أن جلال باشا إستلم متصرفية كربلاء مرتين، الأولى في 11 نيسان 1882م / 1300ه- إلى 1 كانون الأول 1884م1302ه-، والثانية من 28 كانون الثاني 1887م / 1305 ه- إلى 29 كانون الثاني 1889م/1307ه-.
وبهذا فإن مؤلف مدينة الحسين قد أخطأ فيما أورده في مستدركات ص54 وص 55 من السلسلة الرابعة من كتابه المذكور، حيث قال أن المتصرف كان علي رضا بك، و على أثر زيارة الوالي تقي الدين باشا أعيد في شهر كانون الأول من عام 1884م جلال الدين بك متصرفاً للواء كربلاء). وزيارة الوالي لكربلاء كانت سنة 1301ه- !! بينما جاء في السالنامة أن علي رضا بك عُيّن متصرفاً لكربلاء في 7 مارس (آذار) 1886م / 1304 ه- وإستمر إلى 28 كانون الثاني 1887م (1305ه-).
1) المصدر السابق نفسه، ج1 ص83.
في نهاية سنة 1301 ه- قام الوالي تقي الدين باشا بزيارة تفقدية إلى أنحاء الحلة وكربلاء، وقد وصل إلى كربلاء وزار المرقدين الشريفين، وإطلع على أحوال الناس فيها وإجتمع بأعيانها والمسؤولين الحكوميين فيها. وشاهد بعض النفائس في خزانة المرقدين، وطلب إجراء جرد لها للمحافظة عليها.
شارع قبلة العباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) هو أول شارع تم فتحه في مدينة كربلاء القديمة، فبعد أن قام الوالي مدحت باشا بإنشاء المحلة الجديدة (العباسية) أمر مهندسيه أن يكون شارعها الرئيسي في موقع يقابل باب قبلة العباس لإمكانية ربطه مستقبلاً بشارع يصل إلى باب القبلة بعد أن يجتاز السور الجنوبي للبلدة.
وفي سنة 1301ه- / 1882م وفي أيام ولاية تقي الدين باشا لبغداد، تم تنفيذ المخطط لفتح أول شارع في مركز مدينة كربلاء، وكان تصميم الشارع بعرض 8م وعلى جانبيه رصيف بعرض 2م لكل جانب، وقد تم إستملاك العقارات التي تقع على جانبي الشارع بتعويض أصحابها بقطع أراضي في المحلة الجديدة، والذي يتبقى جزء من عقاره تم إعطاءه الحق بالإستفادة منه بالإضافة للتعويض.
تم رصف الشارع بالطابوق المفخور وذلك لعدم وجود الإسفلت في ذلك الزمان، وتم رش مادة (القير) بين الطابوق ليتماسك. وكان الشارع مستقيماً بعرض باب القبلة. وكان انتهاء العمل في هذا الشارع الذي أشرف عليه المتصرف جلال باشا في سنة 1302 ه- (آذار 1884م).
شارع قبلة العباس في بداية القرن العشرين الميلادي
صورتان لشارع العباس بعد فتحه وربطه بالشارع الرئيسي في محلة العباسية
جرت عملية جرد خزانة الروضتين الحسينية والعباسية نهاية شهر صفر سنة 1302 ه- / 1884م. فقد جاء في جريدة الزوراء في عددها 1196 الصادر في 5 ربيع الأول سنة 1302 ه- بأنه ذهب إلى كربلاء محاسب الأوقاف عبد القادر ومعه سليمان فائق الشوّاف.
وحرروا موجودات الخزانة بمعرفة مجلس الإدارة، فوجدت أشياء نفيسة للغاية خمنت بمبلغ ينوف على 22 ألف ليرة. ويوجد مصحف شريف بخط الإمام زين العابدين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) كتابته كوفية على رق غزال، ومصحف آخر مذهب بنقش أبيض على قرطاس ترمة بالقطع الكبير ، وبين أوراقه رق غزال لئلا يأتي خلل على صفحاته وهما نفيسان للغاية يقال أن قيمتهما تساوي نحو ألف ليرة. ومن جملة ما في الخزانة شمعدانان كبيران معمولان من الذهب أهداهما السلطان عبدالمجيد وكانا بقيمة (255) ليرة وتاج بقيمة 40 ألف قرش، ووجدت سجادة نفيسة للغاية مزينة بلؤلؤ وذهب. وعند ختام تفتيش المعلقات وسائر النفائس إتخذ المحاسب دفتراً ختمه السادن (1)ثم بوشر بتحرير النفائس التي في مشهد العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فوجدت أشياء مهمة ونفيسة، وهي كثيرة فدوّنت وختم دفترها کلیدار العباس(2).
في 1 كانون الأول سنة 1885م / 1302 ه- باشر مصطفى باشا متصرفاً لكربلاء خلفاً لجلال باشا، وكان المتصرف الجديد برتبة ( أمير أمراء)، وكان مجلس إدارة اللواء يتكون من (1):
1- السيد جواد المدرس.
2- السيد عباس الددة.
3- الحاج محمد كتان أغا.
4- الحاج غلام رضا الهمداني.
وكان رئيس البلدية هو السيد حسين السندي، واعضاء المجلس البلدي كل من:
1 - السيد محمد آل الوهاب.
2- السيد محمد باقر آل سيد أمين (جلوخان آل فائز).
3- السيد كاظم بن صالح آل نصر الله.
جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين للمرحوم عباس العزاوي في حوادث سنة 1302 ه- / 1884م ما نصّه: « بنيت على نهر المسعودي الكبير في جادة الحلّة - كربلاء. ولها أهمية» (2).
جاء في الطبعة الجديدة لكتاب مدينة الحسين في ج 5 ص 107 النص التالي: «تشييد قنطرة على نهر المسعودي الكبير في جادة كربلاء – الهندية لتسهيل مهمة
عبور قوافل الزوّار عليها، أولئك الذين كانوا يقصدون زيارة الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في النجف من طريق الهندية – الكوفة - النجف نهراً ». ومصدره كتاب تاريخ العراق بين إحتلالين ج 8 ص 74.
نقول:
1- النص الوارد في تاريخ العراق بين إحتلالين هو النص الذي ذكرناه أعلاه وهو في ج 8 ص 73 وليس ص 74 كما جاء في مدينة الحسين. فيلاحظ القارئ الكريم الفرق بين النصين، فلا نعلم من أين جيئ بهذا النص !!!
2-لا يوجد بين كربلاء - الهندية - الحلة نهر باسم (نهر المسعودي الكبير).
3- نهر المسعودي الكبير يقع جنوب بغداد وهو يأخذ قديماً مجرى نهر الخر، وقد يكون هو نهر الملك ذاته. ونهر المسعودي الكبير إندرس في أوائل القرن العشرين، وكان يسمّى أيضاً (شط الألمان) ويأخذ المياه من نهر الفرات عبر جدول الصقلاوية (حداقل قديماً ثم الصراة ثم نهر عيسى)، ويصب في دجلة جنوب المدائن.
وفي دراسة قدمتها الباحثة زينب النعيمي عن وثائق الفيضانات في العهد العثماني قالت فيما يخص نهر المسعودي الكبير ما يلي: « ... ففي فيضانات عام 1895 - 1896م ذُكر أن الجانب الغربي من بغداد أن غرقت الكرخ لفيضان نهر المسعودي الذي هو فرع من نهر الخر حاليّاً، ... إلخ ». وهذا تأكيد بأن نهر المسعودي الكبير كان في جنوب بغداد.
4- من الطبيعي عندما يكون النهر جنوب بغداد فإن طريق بغداد - الحلة وهو ذاته طريق بغداد - كربلاء يعبر نهر المسعودي وأنهار أخرى، كانت عليها قناطر لعبور قوافل المسافرين وزائري العتبات المقدسة في النجف وكربلاء.
5- فالنص الوارد في تاريخ العراق بين إحتلالين يخص القنطرة التي تم تشييدها على نهر المسعودي سنة 1302ه- / 1884م وليس على طريق كربلاء الهندية كما جاء في نص مدينة الحسين وبدون دراسة وتحقق.
6- العديد من الرحّالة سلكوا طريق كربلاء الهندية ولم يذكروا نهر المسعودي في تلك الأنحاء مطلقا.
أوردنا ذلك للتصحيح حتى لا يكون النص الوارد في كتاب مدينة الحسين هو المعوّل عليه لمن يبحث عن كربلاء أو عن المناطق والأنهار في طريق كربلاء - الهندية - الحلة.
بعد سنة وثلاثة أشهر من بقاء مصطفى باشا متصرفاً لكربلاء، تم نقله وتعيين (علي رضا بك) الذي باشر بمنصبه في 7 آذار سنة 1886م/1304ه- وهو يحمل الرتبة الأولى من الطبقة الثانية (1)، ولم يستمر في منصبه بكربلاء سوى أحد عشر شهراً حيث تم إستبداله ب- (جلال بك) (2).
كانت هناك عدة طرق يسلكها حجّاج بيت الله الحرام قديماً، وكانت رحلات الحج متعبة جداً لعدم وجود وسائط نقل مريحة عدا خروج قوافل الحجيج من المدن العراقية مستخدمين الحيوانات من جمال وخيل وبغال وبعض العربات لحمل المؤن.
وكانت قوافل العراقيين تخرج مجتمعة ترافقها مجاميع من الجندرمة للحماية. وفي سنة 1304ه- / 1886م قامت الحكومة العثمانية بفتح الطريق الرسمي الذي تسلكه قوافل حجاج العراق يبدأ من مدينة كربلاء إلى النجف الأشرف ثم السير في بادية السماوة بإتجاه جبل شمّر في (حائل) ومنه إلى المدينة المنورة ثم التوجه إلى مكة المكرمة.
وكان تجمع الحجيج بداية في كربلاء لحجاج بغداد وبقية المدن الواقعة شمال كربلاء، أما بقية حجاج الوسط والجنوب فتجمعهم في النجف.
كان جلال بك قد إستلم متصرفية كربلاء للمرة الأولى بعد أن عزل والي بغداد متصرف كربلاء الحاج علي باشا على أثر تدخله في موضوع سدانة الروضة العباسية وإنحيازه لمن أراد الاستيلاء عليها. وبقي جلال بك لمدة سنتان ونصف في المرة الأولى، فقد تعرّف على طبيعة المنطقة والسكان في لواء كربلاء، فقد أصبح له الإلمام الكافي لحل المشاكل التي تحدث في اللواء، وقد تقرّب إلى الأهالي وحاز رضاهم وتمكن من إستتباب الأمن في المدينة.
وعندما نُقِلَ من كربلاء فقد تم تعيّن علي رضا بك مكانه والذي واجه بعض الصعوبات في إدارة اللواء فلم يمكث طويلاً، وإرتأت الحكومة إعادة (جلال بك) ليكون متصرفاً للواء كربلاء وباشر في 28 كانون الثاني 1887م/ 1305ه-، وفي أيامه كان مجلس إدارة اللواء يتكون من:
1 - السيد مهدي آل الصافي.
2 - السيد صالح السيد سلمان آل طعمة.
3- الحاج محمد كتان أغا.
4- الحاج غلام رضا الهمداني.
وكان السيد علي السيد سلمان آل الوهاب رئيساً للبلدية، والمجلس البلدي يتكون من:
1- السيد حسن (قرّي) آل الحكيم – نائباً للرئيس.
2- الحاج علوان فليح جدوع الوزني.
3- الحاج حسن بستان السلامي.
4- الحاج حمادي بن دندح الوزني.
وكانت محكمة كربلاء برئاسة القاضي (نائب أفندي) وعضوية كل من:
1 - السد أحمد بن نصرالله بن موسى آل نصرالله.
2- السيد جعفر بن حسين آل ثابت.
3- جميل أفندي العضو الملازم الحكومي.
ومحكمة البداءة تتكون من القاضي شاكر أفندي ومعاون المدعي العام سعيد أفندي.
كان أهالي كربلاء يدفنون موتاهم في أماكن متعددة في كربلاء. وكان الصحنان الشريفان من هذه الأماكن التي يتم فيهما الدفن لسادات وأعيان كربلاء وبعض الأسر التي كانت بحوزتها حجرات في الصحنين تدفن فيها موتاها. وكانت هناك مقبرة عامة تقع في باب طويريج تسمى وادي أيمن وموقعها في الجنوب الشرقي من المدينة خارج سورها. وفي بستان مجاور للمخيم الحسيني يقع بين المخيم وقبر الشيخ ابن فهد الحلي. وهي مقبرة صغيرة، في المكان الذي خيّم فيه نادر شاه الأفشاري. ويقال أن ناصرالدین شاه القاجاري عندما زار كربلاء سنة 1287ه- / 1870م إشترى بستان بالقرب من مقام الإمام جعفر الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وأوقفه ليكون مقبرة لدفن الموتى.
وبالنظر لقدم مقبرة (وادي أيمن) ووقوعها في منطقة منخفضة تركبها مياه الفيضانات والأمطار، فأصبحت غير صالحة لدفن الموتى، فقد كانوا يحفرون الأرض بأقل من متر واحد تخرج المياه الجوفية، فيضطر الناس على دفن موتاهم في قبور ليست عميقة مما يعرضها إلى عبث الحيوانات ليلاً.
فقررت الحكومة إنشاء مقبرة جديدة في أراضي جافة وعالية فتم إختيار أراضي تقع على طريق النجف القديم، فأحجم الناس عنها لبعدها عن المدينة، إلّا أن الحكومة العثمانية أصرّت على قرارها فأرسلت لجنة من بغداد برئاسة الدكتور سليمان
غزالة للكشف عن الموقع وصلاحيته، فكتب تقريره إلى ولاية بغداد العاصمة الذي وافقت عليه، وسُمّيت المقبرة ب- ( وادي الصفا)، وكان الناس إلى وقت قريب يسمونها (الوادي العتيق). وكان ذلك سنة 1305 ه- / 1888م.
سرعان ما عاد وباء الهيضة (الكوليرا) بالإنتشار في العراق، ووصل بسرعة إلى كربلاء وهى المدينة المزدحمة دائماً بأهاليها والزائرين، وقد بدأ هذا الوباء في شهر تموز سنة 1888م / 1305ه- وإستمر يحصد بأرواح الناس في كربلاء وبقية مدن العراق حتى تمت السيطرة عليه في أواخر شهر تشرين الأول سنة 1889م/1307ه-.
فُجعت مدينة كربلاء في يوم الخميس 16 ذي الحجة سنة 1305ه- / 1888م، عندما غرق عدد كبير من أبنائها الذين كانوا متوجهين إلى النجف الأشرف عن طريق النهر من الهندية ( طويريج) إلى الكوفة لحضور زيارة (الغدير) السنوية. وكان سبب الغرق هو أن الزائرين كانوا يستقلون الزوارق النهرية، فحدثت عاصفة قوية من الريح صاحبتها أمطار غزيرة وزوابع رعدية أثارت الرياح أمواج النهر بشكل مخيف و تسببت بغرق الزوارق في النهر ، فأودى الحادث بحياة عدد كبير من الرجال والنساء والأطفال، وقدّرهم البعض بالمئات.
وتم فيما بعد إنتشال الجثث ونقلها إلى كربلاء، وقد تكفّل نوازش علي خان اللاهوري الملقب بالنوّاب (صاحب قلعة الهندي في البهادلية) بمصاريف النقل حيث تم دفنها في وادي الصفا وهي المقبرة التي أستحدثت في تلك السنة والقريبة من أملاكه.
بعد سنتين كاملتين قضاهما جلال بك متصرفاً لكربلاء للمرة الثانية، تم نقله وتعيين محمود بك متصرفاً خلفاً له، وباشر بمنصبه في 29 كانون الثاني 1889م / 1307ه- وهو يحمل الرتبة الأولى من الطبقة الثانية.
وفي أيامه تم إنتخاب مجلس الإدارة للواء كربلاء من جديد وفاز بعضويته كل من:
1 - السيد مرتضى السيد مصطفى آل ضیاء الدین - سادن الروضة العباسية.
2- السيد صالح السيد سلمان آل طعمة.
3- الحاج محمد كتان.
4- الحاج غلام رضا الهمداني.
كما تم إنتخاب المجلس البلدي الذي فاز به رئيساً السيد حسن بن السيد أحمد (قرّي) آل الحكيم وعضوية كل من:
1 - السيد علي بن السيد سلمان آل الوهاب – نائباً للرئيس.
2- الحاج علوان فليح الوزني.
3- الحاج حسن بستان السلامي.
4- الحاج حمادي دندح الوزني.
كما تم إنتخاب مجلس معارف اللواء من عبدالرزاق أفندي رئيساً وهو موظف حكومي، وعضوية كل من:
1- حسين فوزي أفندي - موظف حكومي.
2- طه أفندي – موظف حكومي.
3- الحاج حمد آل عويّد – من وجهاء كربلاء.
4- الحاج حسن بستان السلامي - من وجهاء كربلاء.
وفي أيام المتصرف محمود أفندي جرى تعداد للسكان في كربلاء، وإستمر المتصرف في منصبه لمدة سنتين وثمانية أشهر ثم نُقِل.
في أيام المتصرف محمود أفندي قررت الحكومة إجراء تعداد لنفوس مدينة كربلاء، وقرار الحكومة هذا لم يأتِ من فراغ، وكان السبب الرئيسي له هو النزاع الدائم بين الدولتين العثمانية والإيرانية من جهة، لأن الحكومة العثمانية كانت تتحسب من التدخلات الايرانية وخاصة في مدن العتبات. وتهرّب الكثير من المواطنين من الخدمة العسكرية (التجنيد) لادعاء الكثير منهم بالتبعية الأجنبية وخاصة الإيرانية من جهة أخرى.
وفي زمن والي بغداد (سري باشا) الذي أخذ هذا الموضوع على محمل الجد، فقد ذكر العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين عن الوالي سري باشا ما نصه:
«وفي أيامه كان في كربلاء والنجف كثيرون يدّعون أنهم من تبعة إيران، فأعطى الأمر بلزوم مراعاة الحيطة في التحقيق، والتثبت من هذه الأمور» (1).
ففي سنة 1308 ه- / 1890م وفي زمن المتصرف (محمود أفندي) تم إجراء إحصاء للنفوس في كربلاء، وكانت نتيجة هذا الإحصاء أن عدد نفوس كربلاء يربو على (80580) نسمة بما فيهم المقيمون من الأجانب الذين كانت أعدادهم تقارب ال- ( 20000) نسمة وغالبيتهم من الإيرانيين وأعداد من الهنود والأفغان والآذريين.
جون بيترز هو رئيس بعثة بنسلفانيا (إحدى الولايات الأمريكية) للتنقيب عن الآثار القديمة في العراق، فقد تسنى له أن يزور عدة مدن في العراق منها (السماوة) التي زار بعدها (النجف) ومنها إتجه براً لزيارة مدينة كربلاء.
1) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 8 ص 113.
وكانت زيارته لكربلاء في صيف سنة 1308ه- / 1890م. ولم يصلوا إلى كربلاء إلّا قبيل الفجر وعند دخولهم المدينة كان المؤذن يؤذن لصلاة الصبح، وكان مع بيترز خادم اسمه (عباس) يقول عنه بيترز أنه أصبح متديناً فجأة وعندما سمعالآذان خَفَّ مسرعاً إلى الحضرة ليؤدي الفريضة. فإضطر خادمه الآخر وهو (أرمني)
واسمه ((نوريّان) إلى أن يرافق (عباس) ويدخل الحضرة، لأنه كان قد دخل معه الحضرة في النجف.
وصف بيترز مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) كما نقله إليه خادمه نقله إليه خادمه الأرمني (نوريان) لما شاهده داخل الحرم الشريف، حيث يعتقد أن مشهد الحسين أكبر وأوسع من مشهد علي بكثير، وفيه الكثير من أعمال الحفر الخشبي، لكنه لا تكثر فيه الزينة بالذهب، ولا تغلّف منائره بالذهب إلاّ إلى الحوض فقط، كما أخبره أن الصحن الكبير كانت فيه منارة ثالثة مزيّنة بالكاشاني البديع، وهي من تشييد أحد العبيد. وأن الجامع الكبير ( ويقصد به الحرم الحسني) يوجد في داخله ضريح آخر يقال أنه لأخيه الحسن!!
وتطرق إلى موضوع قتل الحسين حيث يقول أنه قُتل من قبل جنود (معاوية) الذي كان الحسين ينافسه على الخلافة !!
وذكر جون بيترز أن في المدينة وعلى مقربة من مشهد الحسين يقع جامع آخر دفن فيه (العباس) وهو شيخ من شيوخ العرب القساة الذي كان يشتهر بسرعة الغضب والشدة !!
كانت معلوماته التاريخية التي ذكرها في رحلته خاطئة في مجملها، وهذا ما يعاب عليه كونه آثاري وعالم تاريخ. وصف جون بيترز كربلاء بقوله:
«... ان كربلا تقع على حافة السهل الرسوبي الخصب الذي يتصل بهضبة الجزيرة العربية. ويبلغ عدد نفوسها حوالي ستين ألف نسمة، ويبدو أنها بلدة مزدهرة. أما
القسم الجديد (يقصد به محلة العباسية) منها أنشئ خارج السور القديم ففيه شوارع واسعة وأرصفة منتظمة بحيث تبدو ولها مظهر أوربي حديث.
ومع أن أسوارها مهدمّة قديمة فإن أبوابها كانت لا تزال قائمة تجبى فيها المكوس ورسوم الدخولية. وصادفتنا في كربلاء موجة حر شديدة من موجات منتصف الصيف ونظراً لشدة الحرارة كانت تعلق على الشبابيك في البيوت العامرة طبقات من العاقول المنقع بالماء، لكن الليالي كانت طيّبة بالنسبة لنا ».
هذا ويشير بيترز أيضاً إلى أن الصناعات الخاصة بكربلا صناعة تزوير الآثار القديمة. وهو لا يتورع الإشارة في هذا المجال إلى أن الذي لم يستطع الحصول عليه في كربلا أو النجف (المشروبات الكحولية) التي قيل له أن بائعها يعاقب بقطع يده اليمنى. ويمكن الحصول على العرق من الجنود الأتراك، وأن الناس في المدينة وهم من الشيعة يكرهون حكم الأتراك.
وقد وجد بيترز الأغنام النجدية لأول مرّة في كربلا، وهي الأغنام التي يكون لها صوف طويل جداً حريري الملمس. وهذه تكاد تشبه في شكلها الماعز مع الإحتفاظ بسيماء الخرفان البليدة، وذنبها الدهني الضخم أي الألية التي تتميز بها الأغنام الآسيوية. وقرر مع جماعته مغادرة كربلاء إلى الحلة بواسطة الزوارق من ساحل هور السليمانية (1). وهناك وجدوا صعوبة في إستكراء الزوارق لأن الرجال هربوا وإختفوا عن الأنظار حينما شاهدوهم من بعيد خوفاً من أن يكونوا من رجال الحكومة الممقوتة (2).
1) هور السلمانية ... يقع شرق مدينة كربلاء، ويتصل بمجموعة الهوار والمستنقعات الممتدة إلى طويريج منها هور اللايح وفريحة والسيب، وكنا قد أشرنا سابقاً إلى أن بعض الرحالة قدموا من الكوفة أو من الحلة إلى كربلاء بالزوارق.
2) رحلة جون بيترز: الجزء الثاني ص 313 - 327 ، الصادرة في لندن ونيويورك سنة 1897م. ويراجع كتابنا كربلاء في أدب الرحلات ص 256 - ص 263 وفيه التفصيل.
توفي سادن الحسين السيد جواد بن حسن آل طعمة سنة 1309ه- / 1891م، فخلفه على السدانة ولده الأرشد السيد (علي) ، وإستمر في السدانة لحين وفاته سنة 1318 ه- / 1900م، ودُفن في الروضة العباسية.
إستلم (فريد باشا) منصب متصرف كربلاء في 19 تشرين الأول سنة 1891م / 1309 ه- وهو برتية (أمير أمراء)، وبقيت المجالس على حالها عدا إستلام السيد محمد علي وهاب آل طعمة رئاسة البلدية، وخروج كل من السيد حسن (قرّي) الحكيم والسيد علي بن سليمان الوهاب من المجلس، وبقاء الأعضاء المنتخبون سابقاً. وإستمر فريد بك بمنصبه لمدة سنتين كاملتين وتم نقله من كربلاء.
في سنة 1309ه- / 1891م أهدى السلطان العثماني عبدالحميد الثاني قارورة تضم (شَعْرَة) الرسول الكريم ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) إلى مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ومثلها إلى مرقد أبي حنيفة النعمان في بغداد (1).
والشعرة موضوعة في قارورة مغلفة بإحكام من حجر (در نجف) الشفاف، إرتفاعها 10 سم وقطرها 3 سم، والشعرة بطول 8 تقريباً، أسفلها مخضّب بالحناء وأعلاها الأطول بيضاء، وهي مثبّتة بالشمع الحمر أسفل داخل القارورة، والقارورة ملفوفة بقطع قماش من الديباج ويتجاوز عددها 22 قطعة مربعة الشكل تبدأ قياساتها من 16×16 سم إلى أن تصل آخر قطعة إلى 40x40 سم، كل قطعة
1) جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 8 ص 118 في حوادث سنة 1309 ه- /1891م « أجري الإحتفال بشعرات الرسول ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وكسوة البيت المحرم في بغداد وكربلاء ... ».
تختلف عن الأخرى من ناحية اللون والتطريز، وتلف عكس التي قبلها بعملية لف خاصة إلى أن تصبح على شكل (بقجة) خضراء من القديفة (لون آخر قطعة) مطرزة الحوافي بشكل ناعم وفيها رباط ليتم إحكام ربطها، وموضوعة في صندوق بني من خشب الأبانوس مربع قياسه 40x40سم.
شعرة الرسول ملفوفة بقطع القماش وموضوعة على الصندوق الذي حفظت فيه الشعرة
وعند قدوم الشعرة بصحبة والي بغداد (الحاج حسن رفيق باشا) حيث كانت موضوعة في الصندوق على ظهر جمل مكلل بالستائر الخضراء، وقد أعدَّ إحتفال رسمي وشعبي كبير في الروضة الحسينية، فقد وقف العساكر بصفين خارج باب القبلة إلى داخل الصحن وكانت فرقة من العسكر تدقّ الطبول، وتقدم والي بغداد ماشياً بين الصفوف وبيده زمام البعير الذي يحمل صندوق الشعرة، وخلفه كبار الموظفين والعلماء والأعيان، وقد إستقبلهم سادن الروضة الحسينية (السيد علي) وخدم الروضتين المقدستين بالأعلام، وتعالت الأصوات بالصلاة على النبي المختار
وآل بيته الأطهار. وكان يوماً مشهوداً، حيث عمّ الإبتهاج أرجاء المدينة وأنشأ الشعراء القصائد بالمناسبة. وقد نظم العلامة السيد محمد حسين بن محمد علي الشهرستاني قصيدة بالمناسبة قال فيها:
کربلا طُلتِ الثُريا شرفا*** وبعُلياكِ السماك اعترفا
منذ غابت فيك أقمارُ الهدى*** أورثتِ في كلِّ قلبٍ أسفا
أظلم الدُّنيا على أرجائها*** حيثُ فيها بدْرُ تَمَّ خُسِفا
بقيَ الظُّلمة حتى انكشفت*** بقدوم الخِيْر كَهْفُ الضُعَفا
حضرة الوالي بأمْرِ مَن به*** قامَ حِصْنُ الدينِ والأَمْرُ صَفا
فَخْرُ هذا العَصْرِ سُلطانُ السَّما*** وَهوَ ذا عبدُالحميد ذو الوفا
رفع اللهُ لواء نضره*** أذْ بهِ أُيْدَ شرع المصطفى
أشرق الدنيا به مذ قَدما*** مع شَمْس أورثته الشرفا
کشفتْ كلَّ دُجى كان بِها*** وبَمرآها الظلامُ انْكَشَفا
قيل ماذا النور؟ قلت أرِّخوا*** هاكُمُ شَعْرَةٌ وَجْه المصطفى
ووضعت الشعرة الشريفة على الصندوق الخاتمي داخل الضريح لفترة معينة ثم أودعت في خزانة الروضة الحسينية بعهدة السادن (1).
كما تم تسليم قطعة من كسوة البيت الحرام من قَبل الوالي لتودع في الروضة الحسينية مرسلة من السلطان العثماني.
وبعد الإحتفال غادر الوالي إلى النجف لزيارة ضريح الأمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وتم إستقباله في صحن أميرالمؤمنين عليه السلام فقام الشاعر المرحوم السيد جعفر بن محمد الحسيني الحلي بإلقاء قصيدة مدح فيها الوالي وعاتبه على إهداء شعرة الرسول
1) كانت الشعرة بعهدتنا عندما تشرفت بسدانة الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، وقد رقمت في جرد سنة 2000م برقم 158.
في كربلاء بدلاً من النجف ولمرقد الإمام علي بإعتبار ان الإمام هو نفس رسول الله ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومما قاله في قصيدته:
وسياسةُ الإسلام أنت خَبيرُها*** وَعَليمها وَسَميعها وبَصِيرها
قد جئتَ مِنْ شَعر النبي بطاقةٍ*** نفح الخلائق نَشرها وَعَبيرها
فنشمّ نشر المِسك حينَ نشمّها*** ونزور دار الخُلد حينَ نزورها
هي طاقة الريحان شرف قدرها*** هادي الأنام بَشيرها ونَذيرها
إن لم تصِل بَلَد الوصيّ فإنها*** حِكم بدا للِعارِفينَ ظُهورها
إنَّ الوصي من النبيّ كنَفْسه*** وكأنها الشعرات منه صدورها (1).
بعد 34 سنة من تشييد هذا الإيوان الغربي في الصحن الحسيني الذي أشرف عليه الشيخ عبدالحسين الطهراني والذي سُمّي حينها ب- (الإيوان الناصري)، فقد أصابه التصدع، فقامت الحكومة العثمانية بإعادة تجديده وقد تم إنجاز العمل سنة 1309 ه- / 1891م، وعُرف فيما بعد ب- (الإيوان الحميدي) نسبة إلى السلطان العثماني عبدالحميد الذي أمر بتجديده.
تم إفتتاحه في زمن ولاية والي بغداد الحاج (حسن رفيق باشا)، وقد نظم المرحوم الشاعر والأديب الكربلائي الشيخ كاظم الهر الطهازي الخفاجي قصيدة شعرية بالمناسبة كُتبت فيما بعد بكتيبة تحيط بالايوان مطلعها:
1) ديوان (سحر بابل وسجع البلابل) للسيد جعفر الحلّي، ص 275 ، دار الأضواء للطباعة والنشر، سنة 2003م.
إيوان مجدٍ شادهُ كهف الورى*** سلطان غازي عالم الإنسانِ
عبدالحميد المتّقي والمُرتقي*** مِنْ كُلِّ مَكْرمة على كيوانِ
من آل عُثمان الذين بِسَيْفهم*** حفظوا الثُغور بِسطوة الإيمان
حلّ الحسين بِرَحْبهم فسموا به*** وبنوا البيوت الذكر للرحمن
الله شرفَهُم وعظَمَ قدْرَهم*** فبناؤهم من أشرَف البنيان
إلى أن يقول مؤرخاً :
مِن أجل ذا أرّخته (ياحسنه*** قد شادَهُ عبدالحميد الثاني)
(1309ه- )
وفي خمسينيات القرن العشرين الميلادي وبعد أن تم فتح الشارع المحيط بالروضة الحسينية سنة 1948م، تم فتح باب من هذا الإيوان تطل على الشارع سنة 1368ه- / 1949م، وسمّيت ب- (باب الرأس) و (باب الحر)، وكانت على سطح الإيوان ساعة دقاقة أزيلت فيما بعد.
في سنة 1309 ه- / 1891م إزدادت مناسيب المياه في شط الهندية بشكل خطير نتيجة الفيضانات التي حدثت في تلك السنة في نهري دجلة والفرات. وعندما فاض شط الهندية إنسابت مياهه الغزيرة وغمرت الأهوار والمستنقعات بين كربلاء والهندية حتى وصلت مياه الفيضان إلى أطراف كربلاء وأحاطت بها، وقد تأثرت البساتين والمزارع وقُطعت الطرق، وسبّب ذلك مخاوف جمّة لأهالي كربلاء من إحتمال دخول المياه إلى أطرافها الشرقية والجنوبية، فقد غمرت المياه جزء من محلة العباسية لإنخفاض أرضها، كما أن خوف الأهالي كان من إحتمال إنتشار الأمراض والأوبئة.
وإستمر تأثير هذا الفيضان على كربلاء لعدّة أشهر.
لزيادة القوة العسكرية في كربلاء فقد أسست الحكومة العثمانية طابوراً رابعاً وألحقته بالحامية العسكرية وذلك في سنة 1310ه-/ 1892م. ويأتي هذا الإجراء تحسباً من إزدياد الرفض الشعبي في كربلاء ضد الحكم العثماني، وكثرة المشاكل التي طالما تحدث في المدينة بسبب ضغط الحكومة وظلمها للناس.
في سنة 1310ه- / 1892م أناب والي بغداد الحاج (حسن رفيق باشا) عنه فضيلة الأستاذ عزيز بك القاضي ليتجول في أنحاء كربلاء والنجف(1)، ليسجل إحتياجات المدينتين، وقد عُرف الوالي حسن رفيق باشا قيامه بأعمال إصلاحية إثناء ولايته شملت مدينة كربلاء، بعد أن جاء بنفسه وهو يحمل شعرة الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) المهداة إلى الروضة الحسينية المقدسة . فوجد مدينة كربلاء بحاجة إلى المزيد من الرعاية والعناية والاهتمام من قِبَل الدولة لأهميتها الكبيرة، وعندما عاد عزيز بك القاضي بعد المهمة التي كُلّف بها قدّم تقريره إلى الوالي مشفوعاً بالمقترحات لتحسين أوضاع كربلاء والنجف.
بعد نقل فريد باشا تم تعيين (يحيى نزهت بك) متصرفاً لكربلاء في 27 تشرين الأول سنة 1893م/ 1311ه- وهو من الرتبة المتميزة (2)، ولم يتغيّر أعضاء مجالس الإدارة والبلدية في أيامه. وقد إستمر في منصبه لمدة سنة وسبعة أشهر حيث تم نقله.
في سنة 1312 ه- / 1894م زار كربلاء والمراقد المقدسة فيها رئيس الطائفة الإسماعيلية (النزارية الأغاخانية) محمد شاه المعروف ب- (أغا خان الثالث)، وكان السلطان العثماني قد أمر بالعناية به (1)والسلطان محمد شاه (المتوفى سنة 1957م) هو ابن علي شاه (الأغا خان الثاني) بن حسن علي شاه (الأغا خان الأول) الذي أوّل من تلقب ب- (أغا خان) بن الشاه خليل الله الثالث بن أبي الحسن علي (باقر شاه)، وينتهي نسبهم إلى قاسم شاه بن شمس الدين محمد بن رکن الدین خور شاه آخر أئمة النزارية في قلعة (ألموت) التي سقطت بيد هولاكو.
والإسماعيلية النزارية يرجعون إلى نزار المصطفى لدين الله ابن معد المستنصر بالله الفاطمي. وأتباعهم يتواجدون في إيران والهند وسوريا (مدينة السلمية) ومصر وغيرها من البلدان. والإسماعيلية هم من فرق الشيعة الذين يؤمنون بإمامة (إسماعيل بن الامام جعفر الصادق عليه السلام)، وقد إنقسموا على أنفسهم عدة أقسام، منهم النزارية هؤلاء والداوودية (البهرة)، كما أن النزارية إنقسمت على نفسها ... والجميع يعتقد أنهم دعاة فاطميون يرجعون بالنسب إلى خلفاء الدولة الفاطمية بمصر. والأغا خانية يختلفون عن (البهرة) بشكل كبير، لأن إلتزام البهرة الديني يفوق ما عليه الأغاخانية في المعتقدات والعبادات والسلوك. وآخر سلاطين الأغاخانية هو كريم أغا خان (الرابع) وهو حفيد محمد شاه.
وللإسماعيلية النزارية مقبرة كبيرة في صحن الإمام علي (علیه السّلام) في النجف الأشرف، تقع في الجهة الشمالية الشرقية من الصحن الحيدري على يسار الداخل من باب (الطوسي)، وفيها عدة غرف مكسوّة بالكاشاني والنقوش والزخارف البديعة، حيث صممت بشكل رائع ومتميّز.
1) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج8 ص 123 – ص 124.
والشيعة الإمامية الإثني عشرية يكفرون الإسماعيلية الأغاخانية النزارية، ويعتبرون معتقداتهم خارجة عن نطاق العقيدة الدينية لعموم الشيعة، إبتداءً من عدم إعترافهم بإمامة الإمام موسى الكاظم (علیه السّلام) ومن جاء من بعده من الأئمة، وصولاً إلى إختلافهم مع بقية المسلمين في العبادات والمعاملات وغيرها.
في بداية سنة 1313ه- / 1895م قام النواب نوازش علي خان اللاهوري بتطهير وكري نهر الهنيدية وهو النهر الذي يتفرع من نهر الحسينية عند منطقة (البوبيات)، ويسير غرب المدينة القديمة بإتجاه الجنوب ثم يتجه نحو الجنوب الشرقي حتى يصل إلى مقاطعة البهادلية حيث القلعة التي بناها النواب نوازش علي خان. كما عمّر الطريق من كربلاء إلى القلعة وأقام في الطريق المشاعل في محرم ورمضان من كل عام، لأنه كان يعقد مجالس التعزية وتحضير موائد الطعام للفقراء والمساكين.
وما قام به النواب كان بعد رجوعه من سامراء بعد وفاة المجدد الشيرازي سنة 1312 ه- / 1894م الذي كان قد لازمه مدة طويلة وقدم مع جنازته وإستقر في قلعته حتى توفي فيها سنة 1318ه-.
ناحية الرحالية من الوحدات الإدارية القديمة التي تقع بين الفلوجة وعين التمر، وهي إلى عين التمر أقرب، ولم تكن بعيدة عن منخفض (هور أبي دبس)، والرحالية عبارة عن واحة تكثر فيها بساتين النخيل وفيها عيون ماء تسقي أراضيها، ولا تبعد
كثيراً عن مرقد جدنا السيد أحمد بن السيد أبي الفائز محمد المشهور ب- (أحمد بن هاشم) الذي كان ناظراً لرأس العين سنة 796ه-.
منذ إقرار التقسيمات الإدارية لولاية بغداد في العهد العثماني والتي ذكرناها سابقاً، فقد كانت ناحية الرحالية تابعة إدارياً إلى قضاء كربلاء حتى بعد أن أصبحت كربلاء إدارياً بمستوى لواء (متصرفية)، ففي السالنامات العثمانية وفيما يخص التقسيمات الإدارية لولاية بغداد للسنوات 1848م ، 1264ه-، و1849م، 1265ه-، و 1859م، 1276ه-، و 1863م ، 1280ه-، و 1866م ، 1283ه-، و 1874م،1291ه-، و 1875م ، 1292 ه- ، و 1894م ، 1312 ه- كانت ناحية الرحالية تابعة إدارياً للواء كربلاء.
وعندما تم إستحداث قضاء الرزازة في 18 جمادي الآخرة سنة 1290ه- / 1873م ويتبع للواء كربلاء، كانت الوحدات التابعة لقضاء الرزازة هي ناحية عين التمر وناحية الرحالية.
إستمر الوضع على هذا النحو إلى أن أصدرت الحكومة أمراً بإلحاق الرحالية إلى قضاء الدليم (1)وذلك في سنة 1895م بداية سنة 1313 ه- (2).
وفي بداية سبعينيات القرن العشرين الميلادي عندما صدر نظام المحافظات الجديد وتم إستحداث عدة محافظات جديدة، ألحقت كل من ناحية الرحالية وناحية النخيب التي أستحدثت حينها بمحافظة كربلاء، وذلك لقربها من مركز محافظة كربلاء ليتم شمولهما بالخدمات، وبعد عدة سنوات تم إلحاق ناحيتي الرحالية والنخيب إلى محافظة الأنبار بعد أن تم تعديل الوحدات الإدارية الحدودية، والتي
أصبحت فيها محافظة كربلاء غير حدودية. وفي تسعينيات القرن العشرين الميلادي جرت عدة محاولات لإعادتهما إلى كربلاء، ولم تنجح تلك المحاولات.
بعد أن تم نقل يحيى نزهت بك من كربلاء عينت الحكومة العثمانية (عبد اللطيف باشا) متصرفاً لكربلاء، وباشر وظيفته في 13 مايس 1895م/ 1313ه- وكان برتبة (رومیللی) (1).
هذا المتصرف إستمر في منصبه في لواء كربلاء لمدة ثمان سنوات وخمسة أشهر، وهي أطول فترة يستمر فيها متصرف في تاريخ كربلاء.
وفي أيامه جرت إنتخابات مجالس الإدارة والبلدية عدة مرات، ففي سنة 1898م / 1316 ه- جرى إنتخاب مجلس إدارة اللواء وتكوّن من التالية أسماؤهم:
1- السيد علي السيد جواد الكليدار - سادن الروضة الحسينية.
2- السيد جواد آل الصافي.
3- الشيخ محسن بن الحاج مهدي كمونة.
4- الحاج غلام رضا الهمداني.
أمّا المجلس البلدي فقد تألّف من :
1- السيد حسن (قري) آل الحكيم – رئيساً للبلدية.
2-الحاج سلمان بن حمد آل عويد.
3-السيد حسين الددة.
4- السيد محمد علي بن محمد آل طعمة.
وفي سنة 1900م / 1318ه- تمت إنتخابات المجالس في كربلاء، وتكوّن مجلس إدارة اللواء من:
1) كربلاء في الارشيف العثماني: ديلك قايا، ص382.
1 - السيد جواد آل الصافي.
2- السيد حسن القري الحكيم.
3-السيد جواد بحر العلوم.
4- الحاج غلام رضا الهمداني (1).
أمّا المجلس البلدي الذي كانت رئاسته بالوكالة ل- (خلوصي أفندي) وهو موظف حكومي، وعضوية كل من:
1- الحاج سلمان حمد آل عويد.
2- السيد حسين الددة.
3- الحاج حبيب أغا طابوراغاسي.
4- السيد ياسين أفندي.
وتشكلت المحاكم برئاسة القاضي (نائب أفندي) والأعضاء كل من:
1 - الحاج عبد المهدي الحافظ.
2- السيد محمد آل الوهاب.
3- السيد محمود آل زيني.
4- السيد جعفر آل ثابت.
5-السيد محسن آل النقيب.
إستمر عبداللطيف باشا في منصبه أكثر من ثمان سنين، وكانت تجري كل سنتين في أيّامه إنتخابات المجالس جميعها. وفي بداية شهر تشرين الثاني سنة 1903م/ 1321 ه- إنتهت مهام هذا المتصرف في كربلاء الذي حاز رضا الأهالي الذين ودّعوه عند إنتها عمله بحفاوة بالغة.
1) يبدو أن غلام رضا هو العضو المخضرم في المجلس، وبلا شك فإنه إيراني الأصل وكان يُنتخب ممثلاً عن المقيمين الإيرانيين الساكنين في كربلاء.
وكانت الحكومة الإيرانية قد منحته وسام من الدرجة الأولى ووافقت عليه الحكومة العثمانية في مذكرة وزارة الداخلية المرقمة 3150 في 25 ذي الحجة سنة 1318ه- الموافق 2 نيسان سنة 1900م وذلك لخدماته في كربلاء (1).
كان المتصرف عبداللطيف باشا إدارياً حازماً ومحنكاً وتمكن من إستمالة الأهالي وكسب ودّهم وإحترامهم، كما كانت له في كربلاء بعض الأعمال الجليلة وأهمها معالجة موضوع شحة المياه في نهر الحسينية.
كانت مدينة كربلاء والبساتين المحيطة بها تعاني العطش الشديد، فقد تأثرت البساتين والمزارع من شحة المياه في نهر الحسينية نتيجة تراكم الغريَن في مجرى النهر، وأصاب الأهالي الضرر الكبير نتيجة الصعوبة في الحصول على المياه، مما إضطر الأهالي إلى حفر الآبار في البيوت والبساتين.
فقد تمكن المتصرف عبداللطيف باشا بجهوده الشخصية جلب المبالغ اللازمة من الحكومة لكري نهر الحسينية بعد أن وجد أن عدم وصول المياه يسبب مشكلة كبيرة يعاني منها الناس وقد ضاقوا ذرعاً في السابق عندما طلبوا إستمرار كري النهر إلّا أن الحكومة كانت لا تعطي الأهمية للموضوع إلى أن تبين الضرر الكبير من هذه المعاناة. وتمكن المتصرف سنة 1898م / 1316ه- وبعد حصوله على المبالغ من كري نهر الحسينية من تفرعه من الفرات حتى وصوله المدينة، فكان عمله هذا مدعاة إحترام الأهلين له. وقد مدحه على عمله هذا الشيخ الشاعر محمد حسن أبو المحاسن بقصيدة يشكره على عمله هذا (2).
عندما توفي السيد علي الكليدار سنة 1318ه- / 1900م، تولى السدانة 19م، بعده ولده الأرشد السيد عبدالحسين، وكان السيد عبدالحسين مولعاً بالقراءة والتأليف ولديه مكتبة عامره، وقام بتدوين عدة مؤلفات مخطوطة منها كتاب بغية النبلاء في تاريخ كربلاء الذي حققه حفيده وطُبع فيما بعد. ويُنسب إليه كراس بعنوان (تاريخ كربلاء المعلى) (1)وهو من 30 صفحة فقط من القطع الصغير جداً!!
وأستمر في السدانة لغاية سنة ربيع الثاني 1334ه- / شباط 1916م حيث تم عزله بسبب مغادرته كربلاء أيام (حمزة بك) إلى بغداد ولم يعد لها لحين شهر محرم 1337 ه- (2)/ 1918م.
كان السيد حسن بن محمد بن حسن بن محمد كنعان آل دراج نقيباً للأشراف في كربلاء منذ سنة 1273ه-. وفي سنة 1318 ه- / 1900م أصدر السلطان العثماني (عبدالحميد الثاني) أمراً بإسناد نقابة الحائر إلى شخص من مذهب أهل السنّة، فآثر النقيب السيد حسن الإنعزال وترك النقابة.
وعندما أصدر السلطان أمره بنقل النقابة إلى شخص يكون على مذهب أهل السنّة وكذا على سائر أطراف العراق (3)، فقد صدر الأمر بتولية نقابة الحائر إلى عبد
الرحمن باشا الحيدري ومن ثَمَّ إلى ابنه ناظم بن عبد الرحمن، ثم تولاها عبدالله بن سالم الحيدري، وكانت نقابتهم شكلية (1).
إن البعد الطائفي والمذهبي الذي ظهر بأمر السلطان العثماني المحتل للعراق كان مبعث ازدراء في الأوساط الدينية والشعبية في المدن ذات الغالبية الشيعية في العراق.
وهذا القرار يدل دلالة واضحة على سياسة الدولة العثمانية التعسفية على مدار أدوار حكمها في العراق.
ولابد من ذكر أنّ جميع الوقائع التي كانت قد جرت في كربلاء أيام حكمهم، كان الوازع المذهبي المتعسف لدى الإدارة العثمانية هو السبب الرئيسي في قيام الثورات ضدهم خاصة في كربلاء والنجف.
وما أهمية نقابة الأشراف إذا كانت شكلية وليس للنقيب المعيّن من آل الحيدري أي موقع أو سلطة أو تأثير في كربلاء، وخاصة إذا كان النقيب يسكن بغداد !!
والمصادر تؤكد بأن عبدالله بن سالم الحيدري آخر من إستلم نقابة الحائر من آل الحيدري في بغداد، إستمر يأخذ راتبه من أوقاف كربلاء لغاية سنة 1347ه- بالرغم من إعادة النقابة إلى بيتها السابق (آل دراج)، سنة 1336ه- نهاية سنة 1917م، بعد أن إحتل الإنكليز العراق.
وفي سنة 1347ه- / 1928م كان المرحوم السيد أحمد الوهاب من آل السيد يوسف نائباً في البرلمان العراقي ممثلاً عن كربلاء قد قدّم طلباً بقطع صلة عبدالله بن سالم الحيدري عن نقابة كربلاء وكذلك قطع راتبه من صندوق أوقاف كربلاء، وتمت الموافقة على الطلب وقُطعت صلته بنقابة الحائر وكذلك راتبه.
1) الأسر الحاكمة د. عماد عبدالسلام رؤوف، ص 362 .
بعد تسع سنوات من الفيضان الذي أثّر بشكل كبير على كربلاء، عاود الفرات غضبه وإزدادت مناسيبه وقد فاض شط الهندية وإنسابت مياهه إلى أهوار السيب والسليمانية واللايح وفريحة، وتجاوزت المياه البساتين المحيطة بمدينة كربلاء وأغرقتها، ويقال بأن مياه الفيضان وصلت إلى مرقد العلامة أحمد بن فهد الحلي المعروف لدى العامة ب- (أبو الفهد) ، ويقال بأن الزوار كانوا يأتون بالزوارق حتى سور المدينة.
وجاء في الدر المنثور للسيد حسين البراقي ما يلي: « في اليوم الثاني من محرم سنة 1318ه- زاد الفرات وأغرق بساتين كربلاء وأحاطت المياه بالبلدة، فقام العلماء والأهالي بعمل سدود حول المدينة لحمايتها من الغرق ... »(1).
والسبب بوصول مياه الفيضانات إلى مشارف سور المدينة هو عدم إدامة السداد المقامة بين شط الهندية وأهوار شرقي كربلاء، فكانت سدة السليمانية قد جرفتها المياه ولم تتمكن السدة التي تليها وهي الإحتياط والمسماة بسدة (عبد الواحد) على اسم مدير الميرة الذي رحمها وأصلحها أن تمنع المياه وإنهارت أيضاً.
في عام 1318ه- / 1901م إزداد تذمّر الكربلائيين من شدّة وظلم الحكم العثماني، وكانت الحامية العسكرية العثمانية في كربلاء تتدخل في كل كبيرة وصغيرة تخص شؤون الأهالي، وزادت الأتاوات والمضايقات بشكل كبير على سكان البلدة، فبدأت حركة ترأسها بعض أعيان المدينة لغرض إتخاذ إجراءات تحد من ظلم وتسلط السلطات والجندرمة، فتحرك الأعيان على رؤساء البلد من السادات والمشايخ وعلماء الدين ورؤساء المناطق لغرض التحالف والحد من ظلم العثمانيين ... رفض
1) الدرالمنثور: السيد حسين البراقي، ص29 (مخطوط).
علماء الدين وكان غالبيتهم من الإيرانيين طلب أعيان المدينة بحجة أنهم متفرغون لأمور الدين ولا يرغبون بالتدخل في أي موضوع يخص الحكومة. كما إمتنع بعض وجهاء المدينة حفاظاً على مصالحهم الذاتية. وقد قام المتحالفون بالإجتماع في دار المرحوم السيد صادق آل ثابت، وتعاهدوا بالوقوف بحزم أمام ظلم العثمانيين، وأن
يتبنوا كافة الإجراءات في حال قيام الحكومة بالاعتداء والضغط على الأهالي.
وقد ذكر المرحوم السيد إبراهيم شمس الدين القزويني في مذكراته الخطية، في الدفتر الخامس منها أسماء المتحالفين وسمّاها محالفة عام 1318 وهم:
1 - السيد محمد صادق آل ثابت
2- السيد حمود آل نصرالله . - الشيخ عبدالرزاق آل عوّاد.
4- السيد حسين السيد هاشم آل نصرالله.
5- السيد سلمان (ابن بنت الشيخ) آل نصرالله .
6- السيد محمد علي ضوي (آل ضياء الدين).
7- جواد جنكانة النصراوي.
8-السيد حسون القطب آل طعمة.
9 - محمود الفتوني.
10 - علي المطلق (من شيوخ عشيرة اليسار)
11 - عبدالعزيز عبد علي
12 - الشيخ عمر العلوان الوزني (شيخ عشيرة الوزون)
13 - عبد علي شهيّب
14 - حسن شهيب (رئیس آل معلّه)
15 - علي آغا السراج
كانت الحكومة العثمانية تتشدد في تدخل الإيرانيين في شؤون كربلاء، وكانت السلطات وقتئذ لا تعطي موافقاتها بخصوص تعمير المراقد أو إنشاء مشاريع خدمية في كربلاء إلّا بدراستها بشكل معمّق لكي لا تأخذ تلك الحالات مناحي سياسية!
وذلك للخلافات الدائمة بين الدولتين الايرانية والعثمانية. وبهذا الخصوص ننقل للقارئ الكريم مثال على ذلك حسب ما جاء في الوثائق العثمانية.
فقد قدّم أحد علماء الدين في كربلاء وهو (الحاج أسد الله خان) وهو من المقيمين الإيرانيين طلباً إلى متصرف كربلاء (عبداللطيف باشا) في محرم سنة 1319 ه- يطلب الموافقة على بناء مسافرخانة لإعاشة وعلاج الزوّار الإيرانيين وبقية القادمين الفقراء، وهذه البناية تحتوي على 9 ،غرف، وقد أرسل المتصرف الطلب إلى والي بغداد (نامق باشا) يؤيد المشروع ويطلب الموافقة عليه.
أحال الوالي الطلب إلى دائرة الأمور الداخلية في بغداد للنظر بالطلب، والذي طلبت بدورها من قضاء كربلاء إرسال خريطة المكان وعدد الغرف. وتم إرسال كشف مفصل بخارطة البناء ورقم وموقع العقار وكلفته، فبيّن الكشف بأن الموقع في محلة العباسية في حديقة (بقجة ) تابعة إلى ميرزا كريم شيرازي، وتكاليف البناء (10587) قرش. وأرسلت الأوليات من قبل ناظر (مدير) الأمور الداخلية إلى صدارة الهمايون في العاصمة العثمانية راجياً النظر بالطلب في 17 صفر 1319ه-.
كتب والي بغداد إلى مرجعه (البادشاه) مذكرة يشرح فيها كثرة الزوار الفقراء والمرضى الذين يحتاجون إلى الإقامة والمعيشة والمعالجة حيث لوحظ أن الزوار يأوون إلى مرقدي الحسين والعباس ويفترشون الأزقة والأسواق والجوامع والحسينيات، ولتخفيف هذه الحالة وجب دعم ومساعدة عمل الخير مثل الطلب المقدم من المتبرع إلى متصرف كربلاء والمرفوع إلينا، ومثل هذه الطلبات يجب رعايتها والموافقة عليها ... فجاء الرد من الباب العالي (المجلس الخاص) بالنص التالي:
« من أجل بناء دار خيرية في كربلاء للزوار الإيرانيين تقوم بعلاج وإعاشة وإقامة الزوار الإيرانيين والفقراء الآخرين وحسب الطلب المقدم من قبل أحد كبار العلماء المقيم في كربلاء ذو التبعية الإيرانية (الحاج أسد الله خان) وطلبه الخاص بذلك.
الذي يبين فيه أن من بين الزوار الفقراء المحتاجين للإيواء والإعاشة يطلب فيه إنشاء مسافرخانة في كربلاء علماً أن أكثر الزوار الإيرانيين من المذهب الشيعي وبناء و تأسيس مبانٍ خاصة لهم في كربلاء يخشى أن تكون له تأثيرات جانبية من ساكني تلك المناطق، أو تكون سياسية، ولذلك وللإنصاف والرعاية فهناك حاجة لبناء المسافر خانة مناسبة كما أن الدولة بصدد بناء مستشفى في كربلاء ولتكون هذه المسافر خانة غربها لتستفاد منها ، ولكون الموما إليه يطلب مساعدته مالياً، فقد أبدت ولاية بغداد موافقتها على إبداء المساعدة المالية من الخزينة المركزية مع تأسيس مستشفى عام غرب كربلاء وتكون الاعانة ضمن تخصيصات المستشفى. وتم إشعار ولاية بغداد بذلك ».
وفيما يلي الوثائق العثمانية التي تم مداولتها حول موضوع طلب الموافقة:
وثيقة رقم (1)
وثيقة رقم (2)
وثيقة رقم (3)
وثيقة رقم (4)
وثيقة رقم (5)
وثيقة رقم (6)
لقد رضنا هذا المثل مع الوثائق الخاصة به لنبيّن بأن الدولة العثمانية وما يخص كربلاء التي كانت خاضعة لها كمدينة تتبع لولاية بغداد، فقد كانت تتحسس الحكومة حينها من أي موضوع يخص الإيرانيين في مدن العتبات وذلك لإعتبارات سياسية ومذهبية، كانت الحكومة العثمانية تنظر لها بالشيء الكثير من الإهتمام، رغم إنها كانت تتحمل التكاليف المالية ولكنها كانت تتخذ كافة التدابير الأصولية لمثل هذه المشاريع، وهذا المثل الذي أوردناه ينطبق على الكثير من المشاريع التي كان الإيرانيون خاصة مدفوعين من دولتهم أو بمبادرات شخصية خيرية بحتة، أو من غيرهم من الهنود والأفغان والآذريين.
في 5 تشرين الثاني سنة 1903م / 1321ه- باشر (يحيى توفيق باشا) (1)بمنصب متصرف كربلاء وهو برتبة (روميللي) (2)، ولم يستمر في المنصب سوى سنة واحدة تقريبًا وإستبدل ب- (مصطفى ذهني باشا).
بعد نقل يحيى توفيق باشا من كربلاء، صدر الأمر بتعيين (مصطفى ذهني باشا) متصرفاً لكربلاء وباشر بوظيفته في 24 كانون الأول سنة 1904م/ 1322 ه- وهو برتبة (روميللي). وكان سبق لمصطفى ذهني أن عمل في كربلاء عدة سنوات بمنصب وكيلاً (معاوناً) للمتصرف حتى سنة 1884م/ 1303ه-، فهو يعرف طبيعة المنطقة والأهالي جيداً، وعلى هذا الأساس تم إختياره لمنصب المتصرف، لم يبق في منصبه هذا سوى سنة واحدة حيث إستبدل ب- (حسني باشا).
بعد مضي سنة على متصرف كربلاء (مصطفى ذهني باشا) نقل من كربلاء وحلَّ محلّه (حسني باشا) الذي كان برتبة أمير أمراء وذلك في كانون الأول 1905م/ 1323 ه- (3)وفي زمانه قام الإيرانيون في كربلاء بالإعتصام أمام القنصلية الإيرانية في كربلاء، ولم يتمكن من حل الموضوع فعزله والي بغداد، وأوكل
1) يذكر مؤلف مدينة الحسين في مستدركات السلسلة الرابعة ص 64 بأن يحيى توفيق باشا كان متصرفاً عندما بدأ إعتصام الإيرانيين في كربلاء عند القنصلية الإنكليزية في المدينة، وقد إستبدل ب- (رشيد بك الزهاوي). وهذا خطأ واضح لأن وقعة الزهاوي (مذبحة العجم) حدثت سنة 1906م/1324ه- وكان المتصرف حينها (حسني باشا) وليس يحيى توفيق، ولما لم يتمكن حسني باشا من معالجة موضوع الإعتصام تم سحبه من كربلاء وإستقدام رشيد بك الزهاوي مكانه والذي تمكن من إنهاء الإعتصام بالقوة.
2) كربلاء في الأرشيف العثماني، ص 382 عن سالنامة بغداد.
3) سالنامة ولاية بغداد 1325 ، ص 327 . وكربلاء في الإرشيف العثماني، ص382.
المهمة إلى رشيد بك الزهاوي ليكون متصرفاً بالوكالة في كربلاء على أن تكون مهمته إنهاء الإعتصام الذي نجح فيه بإستعمال القوة المفرطة.
1- داود باشا والي بغداد/ د. عبدالعزيز سليمان .نوار دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة – 1388 ه- / 1968م.
2- تاريخ العراق بين إحتلالين/ المحامي عباس العزاوي - ط 1 بغداد.
3- تاريخ الحلة / الشيخ يوسف كركوش الحلي . ط 1 النجف 1385 ه- / 1965م، منشورات الشريف الرضي.
4- داود باشا ونهاية المماليك في العراق/ الدكتور يوسف عز الدين – منشورات دار البصري - بغداد، ط 1 سنة 1386ه- / 1967م.
5- نزهة الأخوان في وقعة بلد المقتول العطشان/ مخطوط لمؤلف مجهول.
6- رحلة فريزر إلى بغداد سنة 1834م / ترجمة جعفر الخياط. ط1 – الدار العربية للموسوعات - لبنان سنة 1427ه- / 2006.
7- كربلاء في أدب الرحلات/ عبدالصاحب ناصر آل نصرالله. ط 1 مؤسسة البلاغ - بيروت - لبنان سنة 1434ه- / 2013م.
8- دليل الخليج (القسم التاريخي ) / ج . ج . لويمر . إعداد قسم الترجمة بمكتب أمير دولة قطر.
9-الشيخية نشأتها وتطورها / محمد حسن الطالقاني.
10- الشيخية والبابية/ منشورات ديوان النشر والترجمة والتأليف لجامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير في الكاظمية - الدورة الثانية - العدد الثاني، مطبعة المعارف - بغداد .
11-مطالع الأنوار (تاريخ النبيل عن وقائع الأيام الولى للأمر البهائي)/ محمد زرندي (الملقب بنبيلي أعظم) . مطبعة المستقبل بمصر والاسكندرية.
12 - حقيقة البابية والبهائية / د. محسن عبد الحميد ط 4 بغداد، مطبعة الوطن العربي في الاعظمية، سنة 1400 ه- / 1980م.
13- القاموس الاسلامي/ أحمد عطية الله. القاهرة -مكتبة النهضة المصرية. سنة 1963م.
14 - البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم/ السيد عبدالرزاق الحسني.
15 - طبقات أعلام الشيعة/ الشيخ آغا بزرك الطهراني. دار إحياء التراث العربي، ط 1 بيروت سنة 1430ه- / 2009م.
16 - إحقاق الحق/ موسى الاسكوئي الحائري.
17- كتاب الرجعة/ الشيخ أحمد الاحسائي.
18 - مجموعة رسائل واجوبة رسائل / سماحة السيد علي عبدالله الموسوي. مطبعة الغدير - البصرة.
19 - رحلة بغداد / أبو القاسم الابراهيمي. مطبعة السعادة – طهران.
20- رسالة (حياة النفس) في كتاب جوامع الكلم/ الشيخ أحمد الإحسائي. مطبعة الغدير - البصرة سنة 1430ه-.
21 - شرح الزيارة الجامعة / الشيخ أحمد الاحسائي. مطبعة السعادة. طهران.
22 - دليل المتحيرين/ السيد كاظم الرشتي. ط 2 - مطبعة السعادة – كرمان، إيران.
23- رسالة تسعين مسألة/ عبدالرضا الابراهيمي. مطبعة السعادة.
24 - كتاب الفهرست / أبو القاسم الابراهيمي. مطبعة السعادة – إيران.
25 - البراهين القطعية / سماحة السيد علي عبدالله الموسوي - مطبعة الغدير البصرة.
26 - الآيات البينات في مع البدع والضلالات/ آية الله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. دارالمرتضى - بيروت، لبنان - الغبيري.
27 - مدينة الحسين/ محمد حسن مصطفى الكليدار. ط 1 – كربلاء.
28 - البهائية حقيقتها واهدافها/ ضاري محمد الحياني. تقديم ومراجعة د. رشدي محمد عليان، دار واسط سنة 1409ه- / 1989م.
29 - دائرة المعارف/ بطرس البستاني. ط1 بيروت – 1876م.
30- تسخير كربلاء غدير دم) / السيد عبدالرزاق الحسني. مطبعة دار الكتب، بيروت سنة 1398ه- / 1978م.
31-الحياة في العراق منذ قرن/ رسالة للسفير الفرنسي في بغداد. ترجمها الكتور أكرم فاضل.
32- بيوتات كربلاء القديمة/ عبدالصاحب ناصر آل نصرالله. مؤسسة البلاغ - بيروت، ط 1 سنة 1432ه- / 2011م.
33- العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية / العلامة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. تحقيق الدكتور جودت القزويني، الطبعة الأولى.
34- النجف الأشرف مدينة العلم والعمران/ محمد كاظم الطريحي. دار الهادي - بيروت ط 1 سنة 1423ه- / 2002م.
35- موسوعة العتبات المقدسة - قسم كربلاء/ جعفر الخليلي. دارالتعارف – بغداد ط 1 سنة 1386ه- / 1966م.
36 - تاريخ العراق الحديث من نهاية حكم داود باشا إلى نهاية حكم مدحت باشا/د.
عبد العزيز سليمان نوار دار الكتاب العربي. القاهرة.
37- الأرشيف العثماني برئاسة الوزراء التركية/ دائرة عموم الولايات، ودائرة مصروفات اللجان، وقلم مكتوبي الصدارة، ودفاتر المصروفات المالية، وإرادة مجلس الولاء، وصادر ووارد الولايات وعينيات (آينيات) دفتري، ونظارة (وزارة) الداخلية.
38- مجلة دراسات الأرض والرحلات/ إيليا نيكولا برزين – موسكو.
39- كربلاء في الأرشيف العثماني (دراسة وثائقية 1840 – 1876م)/ ديلك قايا.
اشراف وتقديم أ. د. زكريا قورشون. ترجمه عن التركية حازم سعيد منتصر ومصطفى زهران الدار العربية للموسوعات - بيروت سنة 2008 م 1428ه-. 20م
40 - موسوعة المستشرقين / الدكتور عبدالرحمن بديوي، المطبوع سنة 1992م.
41 - المعجم الجامع الشيخ عبدالعزيز عزالدين السيروان - دار العلم للملايين ، بيروت - لبنان.
42- تاج العروس من جواهر القاموس / للسيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي.
تحقيق مجموعة من المحققين لكل جزء من الكتاب.
43 - مقالة عن الشيخية/ للمستشرق السفير نيقولاس. بجزئين.
44- لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث/ د. علي الوردي، دارالرشد - بيروت - ط 14262ه- / 2005م.
45 - أعلام النساء / عمر رضاكحالة. المطبعة الهاشمية بدمشق.سنة 1379ه- / 1959م.
46 - المصالح البريطانية في أنهار العراق/ د. عبدالعزيز سليمان نوار. ط 1 القاهرة سنة 1968م.
47- الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق في القرون المتأخرة/ الدكتور عماد عبدالسلام رؤوف بغداد، 1992م.
48- الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء/ عبدالصاحب ناصر آل نصرالله. مؤسسة البلاغ - بيروت، 2014م.
49- موارد الإتحاف في نقباء الأشراف/ السيد عبدالرزاق كمونة. مطبعة الآداب في النجف الأشرف، 1388ه- / 1968م.
50 - دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء/ الشيخ رسول الكركوكلي – نقله إلى العربية موسى كاظم نورس، دارالكتاب العربي - بيروت – مكتبة النهضة، بغداد
51- صور من تاريخ العراق في العصور المظلمة / جعفر الخياط، ط 1 بغداد سنة 1971م.
52 - بغية النبلاء في تاريخ كربلاء/ عبدالحسين الكليدار – تحقيق عادل الكليدار، مطبعة الرشاد - ط 1 بغداد.
53 - رحالة أوربيون في العراق/ جعفر الخياط. دار الوراق، بيروت ط 2 سنة 2010 . 2010م.
54 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة/ الشيخ آغا بزرك الطهراني. دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان. ط 1 سنة 2009م / 1430ه-.
5-5 - كربلاء وأهلها في التاريخ / المحامي السيد مهدي حسين السندي الحسيني. عن دار التوحيد للطباعة والنشر. المطبعة العالمية في النجف ط 2 سنة 1435ه- / 2014 20م.
56 - رحلة آينهولت الهولندي إلى العراق سنة 1866 - 1867م/ ترجمة مير صبري، تحقيق وتقديم طارق نافع الحمداني. دار الوراق للنشر، بيروت ط 1 سنة 2012م.
57 - العراق في مشاهدات ناصرالدين شاه/ ترجمة وتعليق محمد الشيخ هادي الاسدي عن مؤسسة آفاق للدراسات والابحاث العراقية. مطبعة مجموعة العدالة - بغداد، ط 1 سنة 2011م/ 1432ه-.
58 - الأنساب للسمعاني / عبدالكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني. تحقيق عبدالرحمن بن يحيى المعلمي وغيره - مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد. ط 1 سنة 1382ه- / 1962م.
59-الفرات الأوسط (رحلة وصفية ودراسة تاريخية) الوا موسيل. ترجمة د. صدقي حمدي وعبدالمطلب عبدالرحمن داود المجمع العلمي العراقي. سنة 1411ه- / 1990م.
60 - لمعة تاريخية في بيوتات كربلاء والغاضرية / الشيخ محمد علي القصير (قصير الأدباء). مخطوط.
61- سالنامات ولاية بغداد من الأرشيف العثماني.
62- دائرة المعارف الحسينية (تاريخ المراقد)/ الشيخ محمد صادق الكرباسي. المركز الحسيني للدراسات – لندن.
63 - أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث / ستيفن همسلي لونكريك. ترجمة جعفر الخياط، ط 6 بغداد - 1985م.
64 - السفر المطيب في تاريخ مدينة المسيّب/ العلامة الشيخ علي القسام. ط1 سنة 1974م. النجف.
65 - العراق قديماً وحديثاً / عبدالرزاق الحسني. مطبعة العرفان، صيدا – لبنان. ط3 سنة 1377ه- / 1958م.
66 - قرّة العين في تاريخ الجزيرة والعراق والنهرين/ رشيد بن داود بن السيد سعدي.
مطبعة الرشيد - بومبي - الهند سنة 1325ه-.
67- رحلة مدام ديولافوا/ ترجمة علي البصري، وقدّم له الدكتور مصطفى جواد.
ط 1 سنة 1377ه- / 1958م.
68 - رحلة جون بيترز / ج 2 - لندن ونيويورك سنة 1897م.
69-سحر بابل وسجع البلابل/ ديوان السيد جعفر بن محمد الحسيني الحلي. دار الأضواء للطباعة والنشر، سنة 2003م.
70 - الدرالمنثور / السيد حسين البراقي - مخطوط.
71- وثائق قديمة متنوعة، ولقاءات مع بعض الشخصيات الكربلائية.
72 - مجلة لغة العرب/ لصاحب إمتيازها الأب أنستانس ماري الكرملي – الجزء الثالث والجزء الرابع – السنة الأولى 1911م، والعدد الثالث والخامس – السنة الثانية 1912م، والعدد الثاني عشر- السنة الثانية 1913م، والعدد الأول والخامس — السنة الثالثة 1913م، والعدد العاشر والثاني عشر -السنة الثالثة 1914م.
73- دیوان محمد حسن أبو المحاسن/ الشيخ محمد علي اليعقوبي.
74- تاريخ كربلاء المعلّى / المطبعة العلوية بالنجف - سنة 1349ه- مؤلف مجهول.
كراس صغير جداً.
75- مذكرات السيد إبراهيم شمس الدين السيد حسين القزويني الخطية.
انتهى الجزء الرابع
يتبعه الجزء الخامس بعون الله
مقدمة الجزء الرابع ...7
كربلاء أيام ولاية داود باشا ...9
تعيين (فتح الله خان) حاكماً على كربلاء ...10
إرسال حامية عسكرية إلى كربلاء من الأرناؤوط ...11
السيد حسين بن مرتضى آل دراج نقيباً للحائر ...11
مقتل حاكم كربلاء فتح الله خان ...12
علي أفندي حاكما لكربلاء...15
تعيين السيد محمد علي بن عباس آل طعمة نائباً للحاكم في كربلاء...15
السيد سلطان بن ثابت بن درویش آل ثابت سادناً للعباس (علیه السّلام)....16
تعيين السيد محمد علي (أبو ردن) آل فائز سادناً للحسين (علیه السّلام)....16
مقتل (علي أفندي) حاكم كربلاء الجديد...17
تعیین سلیمان آغا كتخدا حاكماً لكربلاء...19
تعيين السيد وهاب بن محمد علي آل طعمة سادناً للحسين (علیه السّلام) ....19
تعيين السيد سلطان آل ثابت حاكماً لكربلاء...21
تطورات خطيرة في الوضع العام لمدينة كربلاء ...21
واقعة المناخور ...24
الموقف في كربلاء قبل نشوب الواقعة بإسبوعين...26
الإجتماع الأول....27
الإجتماع الثاني...30
الإجتماع الثالث...32
الاستعدادات في كربلاء قبل بدء الواقعة...34
كربلاء بعد واقعة المناخور ...46
تعيين السيد وهاب محمد علي آل طعمة سادناً للعباس (علیه السّلام)...48
معركة نهر الحسينية...50
معركة سدة الهندية...53
توثيق واقعة المناخور من شاهد عيان...54
كربلاء بعد وقائع المناخور وما تلاها من المعارك ...58
السيد سلطان آل ثابت يتسلم نقابة الحائر وكالة ويتولى سدانة العباس ... 58
النقيب السيد حسين بن مرتضى آل درّاج سادناً للحسين...59
السيد وهاب بن محمد علي آل طعمة حاكماً لكربلاء وكالة...59
بناء مدرسة حسن خان ...59
شقيق سلطان مملكة أودة في كربلاء ....61
وباء الطاعون في كربلاء...62
السيد وهاب محمد علي آل طعمة يتولى سدانة الحسين (علیه السّلام)...62
نهاية حكم المماليك في العراق...63
كربلاء بعد انتهاء حكم المماليك ....65
كربلاء أيام والي بغداد علي رضا باشا اللاز...66
السيد حسن بن محمد كنعان آل دراج نقيباً للأشراف...67
تبرعات الشاه فتح علي القاجاري وأسرته...68
زيارة نظام الدولة لكربلاء وتبرعاته فيها...68
الدبلوماسي الإنكليزي (فريزر) في كربلاء ...69
النزاع على سدانة العباس (علیه السّلام)...70
السيد حسين بن حسن بن محمد علي سادنًا للعباس...70
السيد محسن بن محمد كنعان آل دراج نقيباً للأشراف في كربلاء...71
حاكمية كربلاء في أيام الوالي علي باشا...72
1 - السيد وهاب بن محمد علي آل طعمة ...75
2 - السيد حسين بن حسن بن محمد علي آل السيد يوسف...76
3- عبداللطيف القاضي (الملقب بالبكتاشي) ...77
4 - السيد وهاب بن محمد علي آل طعمة....78
الوالي علي باشا اللاز يحاصر كربلاء...78
الصراع الفكري والعقائدي بين الأصوليين و(الشيخية والكشفية) ...81
الشيخية ...85
الشيخ أحمد الإحسائي...86
السيد كاظم الرشتي ....95
عقائد الشيخية ...101
موقف الشيخية من البابية . ...108
الخلاف بين الشيخية وبين الأصوليين والإخباريين ...109
الخلاف في المعاد والمعراج والحلولية والغلو ...110
الخلاف عن الركن الرابع. ...112
الكشفيّة...114
الكشفية وفاطمة الزهراء (عَلَيْهَا السَّلَامُ)...116
البابية ودعوتهم في كربلاء ...121
الجاسوس الروسي (کَورکَي) في كربلاء ...121
البابيّة ...125
علي محمد رضا الشيرازي (الباب) في كربلاء . ...126
واقعة نجيب باشا ( غدير دم) ...131
الوالي محمد نجيب باشا ...132
الأوضاع العامة في مدينة كربلاء ...133
خطوات نجيب باشا الأولى ...139
بدء العمليات العسكرية ...141
الوضع داخل المدينة في ظل الحصار ...142
إجتماع موسّع في الروضة الحسينية ...143
الهجوم على المدينة ...145
مجزرة صحن العباس (علیه السّلام)...148
الوالي يتوجه إلى النجف...152
حجم الخسائر ...156
أصداء الواقعة ...157
شاه إيران والحادثة. ...158
وثيقة تؤكد تعاون السيد كاظم الرشتي مع العثمانيين ...164
أوضاع كربلاء بعد الواقعة لحين عزل الوالي نجيب باشا...167
تشکیل مجلس لإدارة كربلاء ...169
تعيين الحاج مهدي كمونة سادناً للحسين...169
بناء سراي الحكومة في محلة باب النجف ...170
المستوى الإداري لكربلاء بعد حادثة الوالي محمد نجيب باشا ...171
الرحالة الروسي (بيرزين) يزور كربلاء ...173
وفاة السيد كاظم الرشتي ...175
السيد إبراهيم القزويني يفتي بعدم السماح للبهرة والأغاخانية الدخول إلى كربلاء ...179
محمد صادق بك حاكماً لكربلاء بدرجة قائمقام ...180
قُرّة العين والصراع الجديد في كربلاء ...180
منير الدولة في كربلاء وأعماله فيها ...187
وباء الطاعون ينتشر في كربلاء ...190
الحاج حبيب الحافظ يُنشئ بركة للماء في محلة باب بغداد ...191
طلعت باشا قائمقاماً لكربلاء. ...192
السلطان العثماني عبد المجيد يُهدي شمعدانين من الفضة والذهب للروضة الحسينية...192
مشكلة الباخرة الكربلائية . ..193
نجل والي بغداد محمد نجيب باشا يبني سقاية في الروضة الحسينية ...194
أوضاع الإيرانيين في كربلاء بعد معاهدة (أرضروم) سنة 1263ه- / 1847م...196
الإيرانيون في كربلاء وتأثير أوضاعهم على العلاقة بين الدولتين...198
أملاك الإيرانيين في كربلاء...202
نوري بك حاكما جديداً لكربلاء...205
السيد سعيد بن سلطان آل ثابت سادناً للعباس...205
جرد خزانة العباس بعد إستلام السيد سعيد آل ثابت السدانة...206
مواقف تُذكر لسادن العباس السيد سعيد بن سلطان آل ثابت ...207
ثورة الهندية وتأثيرها على كربلاء سنة 1849م...209
أحوال كربلاء 1266ه- - 1285 ه- 1849م - 1869م...209
تمرّد الحامية العسكرية في كربلاء ورد فعل الأهالي...213
تعيين ضابط لإدارة الأمور بدل القائمقام...214
تعميرات واسعة في مرقد العباس (علیه السّلام) ...215
(بهاء الله ) في كربلاء ...216
قورابي أفندي قائمقام لكربلاء...219
حجم الوحدات العسكرية في منطقة كربلاء عند تأسيس جيش العراق والحجاز ...221
قوّات الضبطية (الشرطة) في كربلاء...223
الغلاء في كربلاء بعد حوادث المسيّب...224
هل زار المستشرق الألماني (نولدكه) كربلاء؟ ...225
عالم الآثار الإنكليزي لوفتس في كربلاء...227
تعيين (يعقوب أفندي) قائمقام لكربلاء...232
الميرزا حسن بن محمد آل كمونة يتولّى سدانة الحسين (علیه السّلام)...233
النزاع الجديد على سدانة العباس ...234
عبد العلي خان (أديب الملك) في كربلاء...239
السيد حسن بن محمد بن حسن آل دراج يتولّى نقابة الحائر الحسيني...247
المطبعة الحجرية الثانية في العراق كانت في كربلاء...248
ثورة الأهالي ضد التجنيد الإجباري الأول في كربلاء...250
حقيقة تبرعات ناصر الدين شاه القاجاري لتعميرات الروضة الحسينية... 253
1- توسيع الواجهة الغربية من صحن الحسين وبناء الإيوان الناصري...255
2 - بناء مدرسة الصدر الأعظم...257
3- تذهيب قبة مرقدالحسين (علیه السّلام)...257
4 - إعادة تسقيف طارمة الروضة الحسينية (إيوان الذهب)...258
قورابي أفندي قائمقام لكربلاء للمرة الثانية ...259
روبرت كلايف يرسم المرقد الحسيني...263
إسماعيل باشا حاكما لكربلاء بدرجة قائمقام...264
الميرزا سيف الدولة في كربلاء ...265
محمد بك قائمقام لكربلاء ....271
المستر (جون أشر) في كربلاء...271
تجديد الإيوان الكبير الواقع في الجهة الشمالية من الصحن الحسيني ...273
مصطفى محمد بك قائمقام لكربلاء...273
والدة السلطان العثماني عبد المجيد تتبرع بإنشاء سقاية في الصحن الحسيني...273
وباء الهيضة (الكوليرا) ووفاة الأديب الشاعر الشيخ محمد علي كمونة . 274
إسماعيل باشا قائمقام لكربلاء للمرّة الثانية...276
السيد أحمد بن نصرالله بن موسى آل نصرالله يتولى سدانة الروضة العباسية...277
الرحالة آينهولت الهولندي في كربلاء...278
الحاج حبيب الحافظ يقوم بإنشاء خزان للماء لخدمة زائري مرقدالحسين (علیه السّلام) ...280
محمد بك قائمقام لكربلاء للمرة الثانية...280
ربط قصبة الهندية بكربلاء.
السيد حسين بن السيد سعيد آل ثابت يتولى سدانة الروضة العباسية ...281
أطباء كربلاء القدامى...283
كربلاء أيّام الوالي مدحت باشا...288
إسماعيل باشا متصرفاً للواء كربلاء...289
تحويل كربلاء إلى متصرفية...289
الوالي يحاسب متصرف كربلاء ويعزله...289
حافظ أفندي متصرفاً جديداً لكربلاء...290
توسیع کربلاء ...291
المواصلات والإتصالات في كربلاء...293
تعيين خليل بك متصرفاً لكربلاء...297
بناء مقر الحكومة الجديد في كربلاء...298
ناصرلدین شاه يزور كربلاء...299
تعيين السيد حسين بن محمد علي آل ضياء الدين سادناً للروضة العباسية...306
مدحت باشا وسعيه لتطبيق التجنيد في كربلاء....307
تقليد السيد أحمد الرشتي نيشان الدولة بفرمان من السلطان عبدالعزيز... 309
السيد مصطفى بن السيد حسين آل ضياء الدين يتولّى سدانة الروضة العباسية...311
كربلاء بعد ولاية مدحت باشا إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى...312
تأسيس قضاء (الرزازة)...313
قلعة الهندي (النوّاب)...315
النزاع بين أسرة آل كمونة حول السدانة ورئاسة الأسرة ...320
تعيين السيد جواد بن السيد حسن آل طعمة سادناً للروضة الحسينية... 324
المسيّب قضاء يتبع للواء كربلاء...324
مدينة المسيب وعلاقتها بكربلاء...326
صبيح بك متصرفاً لكربلاء...328
تخفيض المستوى الإداري لكربلاء...328
إعادة كربلاء إداريا إلى مستوى لواء ...330
رشید بن داود السعدي يزور كربلاء ويذكرها في كتابه...331
راشد أفندي متصرفاً لكربلاء...332
قدري بك متصرفاً لكربلاء...333
واقعة (علي هَذلة) ...333
مقتل الشيخ محمد علي بن سلطان الهر ...340
مظهر باشا متصرفاً للواء كربلاء ...341
مقتل السيد أحمد وفي الرشتي...342
بناء إيوان رأس الحسين (علیه السّلام) المطل على الصحن...344
روحي أفندي متصرفاً لكربلاء...345
السيد عبدالوهاب المشهداني العاني الخطيب مفتياً في كربلاء. ..346
محمد باشا متصرفاً للواء كربلاء...347
إفتتاح المدرسة الرشدية في كربلاء...347
وباء الهيضة (الكوليرا) ينتشر في كربلاء ...348
مظهر باشا متصرفاً لكربلاء للمرة الثانية ...349
مدام ديولافوا وزوجها مارسل في كربلاء ...349
كربلاء أيام ولاية تقي الدين باشا الثانية ...354
الحاج علي باشا متصرفاً لكربلاء...354
الصراع على سدانة العباس (علیه السّلام) وزيارة والي بغداد محمد تقي باشا إلى كربلاء...355
متصرف كربلاء جلال باشا...358
زيارة الوالي لكربلاء ...359
فتح شارع قبلة العباس (علیه السّلام)...359
جرد خزانة مرقدي الحسين والعباس (عليهما السلام) ...362
مصطفى باشا متصرفاً لكربلاء...363
تشييد قنطرة على أحد الأنهار في طريق كربلاء – الحلة...363
علي رضا بك متصرفاً لكربلاء...365
الحكومة تحدد مسار طريق الحج البرّي لحجاج كربلاء...365
جلال بك متصرفاً لكربلاء للمرّة الثانية...366
إنشاء مقبرة جديدة في كربلاء...367
وباء الكوليرا ينتشر مرة أخرى في كربلاء...368
كارثة غرق الكثير من أهالي كربلاء في نهر الفرات...368
محمود أفندي متصرفاً لكربلاء...369
أول تعداد سكاني لمدينة كربلاء...370
العالم الأمريكي (جون بيترز) في كربلاء...370
السيد علي بن جواد الكليدار يتولى سدانة الروضة الحسينية...373
فريد باشا متصرفاً لكربلاء ...373
وصول (شَعْرَة) الرسول إلى كربلاء...373
تجديد الإيوان الغربي في الصحن الحسيني وتسميته بالإيوان الحميدي ... 376
مياه الفيضان تحاصر كربلاء...377
تأسيس الطابور الرابع لحامية كربلاء ...378
عزيز بك القاضي ممثل والي بغداد يتفقد أحوال كربلاء...378
یحیی نزهت بك متصرفاً لكربلاء ...378
رئيس الطائفة الإسماعيلية الأغاخانية يزور كربلاء ...379
نوازش علي خان يتكفل بإصلاح وكري نهر الهنيدية...380
نقل ناحية الرحّالية التابعة للواء كربلاء إلى قضاء الدليم...380
عبداللطيف باشا متصرفاً لكربلاء...382
كري نهر الحسينية من تفرعه من الفرات حتى وصوله المدينة...384
السيد عبدالحسين بن علي الكليدار يتولى سدانة الروضة الحسينية...385
نقابة الأشراف في كربلاء...385
غرق بساتين كربلاء ومياه الفيضانات تحيط بالمدينة...387
تحالف الأهالي ضد العثمانيين...387
طلب موافقة على بناء (مسافرخانة) للزوار ...389
يحيى توفيق باشا متصرفاً لكربلاء...396
مصطفى ذهني باشا متصرفاً لكربلاء...396
حسني باشا متصرفاً للواء كربلاء...396
المصادر...398