ghaemiyeh.com
سرشناسه:سیدمرتضی، علیبن حسین، 355 - 436 ق.
Sharīf al-Murtaḍá, ʻAlam al-Hudá ʻAlī ibn al-Ḥusayn,
عنوان و نام پديدآور:الشافی فیالامامه/للشریف المرتضی علیبن الحسین الموسوی، علمالهدی؛ تحقیق محمدحسین الدرایتی؛ تهیهکننده مرکز همایشهای علمی و پژوهشهای آزاد دارالحدیث.
مشخصات نشر:مشهد: بنیاد پژوهشهای اسلامی، 1441ق. = 1398 .
مشخصات ظاهری:5ج.
فروست:الموتمر لدولی لذکریالفیهالشریفالمرتضی. مولفاتالشریفالمرتضی؛ 13، 14، 15، 16، 17.
شابک:دوره:978-600-06-0405-9 ؛ 710000 ریال: ج.1:978-600-06-0406-6 ؛ 700000 ریال: ج.2978-600-060407-3 : ؛ 700000 ریال: ج.3978-600-060408-0 : ؛ 720000 ریال: ج.4978-600-060409-7 : ؛ 760000 ریال: ج.5978-600-060410-3 :
وضعیت فهرست نویسی:فاپا
يادداشت:عربی.
يادداشت:چاپ قبلی: تهران: موسسه الصادق، 1410ق.= 1370-
موضوع:علیبن ابیطالب (ع)، امام اول، 23 قبل از هجرت - 40ق -- اثبات خلافت
موضوع:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- *Proof of caliphate
موضوع:امامت
Imamate
شناسه افزوده:درایتی، محمدحسین، 1343 -
شناسه افزوده:بنیاد پژوهشهای اسلامی
شناسه افزوده:Islamic Research foundation
شناسه افزوده:موسسه علمی فرهنگی دارالحدیث. مرکز همایشهای علمی و پژوهشهای آزاد
رده بندی کنگره:BP223
رده بندی دیویی:297/45
شماره کتابشناسی ملی:5946228
اطلاعات رکورد کتابشناسی:فاپا
محرر رقمی: میثم حیدری
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الشَّافِي فِي الْإِمَامَةِ
لِلشَّرِيفِ الْمُرْتَضِیٰ
عَلِيبْنِ الْحُسَيْنِ الْمَوْسُوِيّ، عَلَمُ الْهُدیٰ
(436-355ه)
الْمُجَلَّدُ الْأَوَّلُ
تَحْقِيقٌ
مُحَمَّدُحُسَيْنُ الدَّرَائِتِيُّ
عن عبدِالسلام بنِ صالحِ الهرويِّ قال: سَمِعتُ أبا الحسنِ عليَّ بنَ موسى الرضا عليه السلام يقولُ:
«رَحِمَ اللهُ عبداً أحيا أمرَنا»، فقلتُ له: و كَيفَ يُحيِي أمرَكم؟ قال:
«يَتَعَلَّمُ عُلُومَنا ويُعَلِّمُهَا النَّاسَ، فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا»(1).
نحمد الله العظيم العليم، حمداً لا أمد له ولا حدّ، إذ جعل غاية خلق الإنسان معرفة صفاته، وعبادة ذاته، فقال جلّ و عزّ: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(2)، ونصلي على أنبياء الله أجمعين، لاسيّما خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد المصطفى صلى الله عليه وآله، إذ مهّدوا الطريق لهذا الهدف السامي بالتزكية وتعليم الكتاب والحكمة، ونسلّم على الأئمّة المعصومين عليهم السلام، ونخصّ بالسلام منهم عالم آل محمّد صلى الله عليه وآله، الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام، الكوكب الساطع في سماء المعرفة والعبوديّة، ودليل الخلق إلى صراط العلم والوحدانيّة، ونحيّي العلماء والباحثين الذين عكفوا على إحياء أمر إمامة المسلمين وولاية أمير المؤمنين من خلال نشر العلوم والمعارف الإسلاميّة على مدى العصور، وأطلعوا الناس على معالم وعوالم وثقافة أهل البيت عليهم السلام، وعلى مكارم أخلاقهم ومحامد صفاتهم و محاسن أفعالهم.
وانطلاقاً من النظرة الحكيمة للفقيد المتولّي لهذه البقعة المباركة، وبتوجيه من سماحته تأسس مجمع البحوث الإسلاميّة التابع للعتبة الرضويّة المقدّسة سنة 1363ه-.ش (1984م)، واستلهاماً لما كان ينشده قائد الثورة الإسلاميّة الكبير سماحة الإمام الخميني رحمه الله عليه، واستمداداً من الرؤية المستقبليّة المدروسة لخلفه الصالح، مرشد الثورة الإسلاميّة سماحة
آيةِ الله العظمى السّيّد الخامنئيّ (مدّ ظلّه الوارف)، واستجابة للتوجيهات الرشيدة للمتولّي المُبجّل. فقد استأنف المجمع عمله في التحقيق ونشر العلوم الإسلاميّة والمعارف النبويّة وسيرة أهل البيت عليهم السلام من أجل تأمين ما يحتاج إليه المجتمع والنظام الإسلاميّ وجيل الشباب وزائر والرحاب الشريف للإمام الرضا عليه السلام، بعد إيجاد أقسام تحقيقيّة في مختلف الدراسات، والاستفادة من الكوادر الكفوءة من أساتذة الحوزات العلميّة والجامعات الإسلاميّة، فسجّل - والحمد لله - نجاحاً باهراً في هذا الميدان.
يفتخر مجمع البحوث الإسلاميّة التابع للعتبة الرضويّة المقدّسة بإصدار الكتب والمقالات التي تمّ تحقيقها وتأليفها بجهود مضنية، لتقديمها إلى «المؤتمر العالميّ لذكرى ألفية الشريف المرتضى»، تنفيذاً لما وافق عليه سماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ أحمد مروي - سادن العتبة الرضويّة المقدّسة - واستمراراً لما قام به المجمع في نشر العلوم والمعارف الإسلاميّة.
يُعدّ الشريف المرتضى من أبرز الوجوه في تأسيس العلوم الإسلاميّة طوال القرنين الثالث والرابع الهجريين، في الفترة التي تلي عصر الحضور، أي عصر حياة الأئمّة المعصومين عليهم السلام. ويُعتبر هذا الإنتاج العلميّ الضخم حصيلة جهود مشكورة لنخبة من الباحثين وأساتذة مركز المؤتمرات العلميّة والبحوث الحرّة لمؤسسة دار الحديث، وهذا قسط وافر من التراث الشيعي نقدّمه إلى القرّاء الكرام. ولذلك أخذ مجمع البحوث الإسلاميّة على عاتقه أن يقوم بطبع هذه المؤلّفات القيّمة في ما يقارب الستين مجلّداً، نرجو أن يكون ما قمنا به من إصدار هذه المجموعة الثمينة ممّا يرضي الإمام عليّ بن موسى الرضا - عليه أفضل الثناء والتحيات - وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
مجمع البحوث الإسلاميّة
التابع للعتبة الرضويّة المقدّسة
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
يعتبر القرن الرابع و الخامس الهجريَّين من أكثر القرون ازدهاراً في تاريخ الشيعة بعد ابتداء عصر الغيبة، و يمكن أن نعدّ من ثمار هذين القرنَين: تأليف و تدوين المجاميع و كتب الحديث الأربعة، و كذلك تأليف و تدوين أُولى المصنّفات المهمّة و البارزة لعلماء الشيعة في مختلف مجالات كالتفسير، و الكلام، و الفقه و أُصوله، و حازت حوزتا قم و بغداد على السهم الأوفر في ذلك.
و قد قام خمسةٌ من أبرز علماء الشيعة بتأسيس العلوم الإسلاميّة على أساس مدرسة أهل البيت عليهم السلام، و ذلك في خلال مئتي عام بعد انتهاء عصر حضور الأئمّة عليهم السلام، أي منذ سنة (260 ه) حتّى سنة (460 ه)، فقد دوّنوا جملةً من العلوم الإسلاميّة التي كانت رائجةً في ذلك العصر نحو: التفسير، و الحديث، و الرجال، و الكلام، و الفقه و الأُصول، على أُسس معارف أهل البيت عليهم السلام و مبادئهم، و هم:
الشيخ محمّد بن يعقوب الكلينيّ (م 329 ه).
الشيخ محمّد بن عليّ ابن بابويه، المعروف بالصدوق (م 381 ه).
الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان، المعروف بالشيخ المفيد (م 413 ه).
السيّد عليّ بن الحسين الموسويّ، المعروف بالشريف المرتضى (م 436 ه).
الشيخ محمّد بن الحسن الطوسيّ، المعروف بشيخ الطائفة (م 460 ه).
فهؤلاء الخمسة الأبرار تناولوا هذه العلوم على اتّجاهين: النقليّ ، و النقليّ - العقليّ .
و كان منهج الشخصيَّتَين الأُوليَين - و هما الشيخ الكليني و الشيخ الصدوق - المنهج النقليّ ، أمّا الثلاثة الآخرون، و هم: الشيخ المفيد، و الشريف المرتضى، و الشيخ الطوسيّ ، فاتّخذوا المنهج العقليّ - النقليّ في التأليف في هذه العلوم.
و كان أبوالقاسم عليّ بن الحسين بن موسي، الملقّب ب: علم الهدى و المعروف بالسيّد و الشريف المرتضى رابع هذه النجوم اللامعة، ولد في أُسرةٍ علميّة ذات مكانة اجتماعيّة مرموقة، و هو شخصيّة ذات وجوه: فهو من جهةٍ أحد العلماء الأفذاذ في علوم التفسير و الكلام و الفقه و الأُصول، و من جهة أُخرى من الوجوه السياسيّة و الاجتماعيّة، فقد تقلّد مناصب حكوميّة عديدة و لسنوات طويلة كنقابة الأشراف الطالبيِّين و إمارة الحاجّ ، و من جهةٍ ثالثة أديبٌ لامع صاحب ذوقٍ رفيع و إحساسٍ مرهف.
و يمكن أن نعدّ من خصائص الشريف المرتضى:
تأليف المصنّف الخالد في علم أُصول الفقه الذي يعدّ منطق الفقه و الحقوق، و هو كتاب الذريعة إلى أُصول الشريعة.
العقلانيّة و مواجهة أهل الحديث و التيّارات الأخباريّة و نقدهم.
المعايشة الحسنة مع أتباع المذاهب الإسلاميّة الأُخرى، خاصّة مع علمائهم.
من أعلام الشعراء و الأُدباء، فقد كان ديوانه و رسائله الأدبيّة موضع اهتمام أُدباء العرب و الإسلام.
الجامعيّة في العلوم الإسلاميّة التي كانت رائجةً آنذاك، كالفقه و الأُصول و الكلام و التفسير و الحديث.
الاهتمام بالفقه المقارن، فقد ألّف كتاب الانتصار الذي يعدّ من أوّل المصنّفات في هذا المجال.
الاهتمام بالمسائل الاجتماعيّة: كنقابة الأشراف الطالبيِّين، و رئاسة ديوان المظالم، و حلّ النزاعات و المشاغبات و الخلافات السياسيّة و المذهبيّة.
تزامنت سنة (1436 ه) [= المساوقة لسنة 1393 ش، و عام 2014 م] مع مرور ألف عامٍ على وفاة الشريف المرتضى علم الهدى. و لذلك فقد أعلنت عتبة السيّد عبد العظيم الحسني عليه السلام و مؤسّسة دار الحديث العلميّة و الثقافيّة حين إقامة المؤتمر العالمي لتكريم ثقة الإسلام الكليني في سنة 1430 ه عن فكرة المؤتمر العالمي للشريف المرتضى رحمه الله.
و منذ عام 1433 ه أُقيمت عدّة ندوات حول كيفيّة إقامة هذا المؤتمر، و استشرنا خبراء من مؤسّسات حوزويّة و جامعيّة و مراكز علميّة و ثقافيّة مختلفة، إلّاأنّ إقامة مؤتمر الشيخ عبد الجليل الرازي القزويني في سنة 1433 ه، و حفل تكريم آية اللّٰه الميرزا عليّ
المشكينيّ في سنة 1435 ه و عدّة أُمور لا إراديّة أُخرى حالت دون القيام بمؤتمر الشريف المرتضى رحمه الله، إلّاأنّ العمل شرع - و للّٰه الحمد - بكلّ عزمٍ و جدّية من ابتداء فصل الصيف من سنة 1435 ه.
و كانت الأعمال التي تبنّتها الأمانة العلميّة للمؤتمر، عبارة عن الأُمور التالية:
الف. تحقيق جميع تراث الشريف المرتضى، و نشره في مجموعة واحدة تحت عنوان:
مؤلّفات الشريف المرتضى.
ب. تأليف و نشر دراسات و مقالات و بحوث حول تحليل شخصيّة الشريف المرتضى و تراثه و أفكاره، تطبع تحت عنوان: «دراسات حول الشريف المرتضى» (پژوهش نامۀ سيّد مرتضى)، و هي تشتمل على العناوين التالية:
ترتيب ديوان الشريف المرتضى (إعادة نشر عمل المرحوم رشيد الصفّار في ترتيب الديوان) /مجلّدان
شرح الأخبار الكلاميّة المستخرج من تراث الشريف المرتضى/مجلّدان
مجموعة المقالات العربيّة/ 4 مجلّدات
التعريف بالشريف المرتضى (مختارات من المقالات العربيّة المنشورة سابقاً) /مجلّد واحد
مجموعه مقالات فارسى (مجموعة المقالات الفارسيّة) / 6 مجلّدات
شناخت نامۀ سيّدِ مرتضى (برگزيده اى از مقالات منتشر شدۀ فارسى) (مختارات من المقالات الفارسيّة المنشورة سابقاً حول الشريف المرتضى) /مجلّد واحد
پايان نامه هاى مرتبط با سيّد مرتضى در يك نگاه (الرسالات و الأُطروحات الجامعيّة حول الشريف المرتضى في نظرة عابرة) /مجلّدان
چكيدۀ مقالات به سه زبان: فارسى، عربى و انگليسى (ملخّص المقالات بثلاث لغات:
الفارسيّة و العربيّة و الإنجليزيّة) /مجلّد واحد
ج. القيام بأعمال ثقافيّة في سبيل تكريم الشريف المرتضى، نحو نشر الطابع التذكاري لألفيّة الشريف المرتضى، و تسجيل اسمه في ضمن الشخصيّات الثقافيّة في منظّمة اليونسكو العالميّة.
د. طباعة نشرات إعلامية و تأسيس الموقع الإلكتروني لنشر أخبار المؤتمر.
ه. إعداد و تهيئة قرص ليزري يحتوي على مكتبة الشريف المرتضى و تراثه المطبوع من أعمال المؤتمر و المخطوط و الكتب المصنّفة حوله.
لقد قامت الأمانة العلميّة بالخطوات التالية في سبيل تحقيق تراث الشريف المرتضى:
المرحلة الأُولى: جمع و توفير ما طبع من تراث الشريف المرتضى، ففي المرحلة الأُولى جمعنا كلّ الطبعات السابقة لمصنّفات الشريف المرتضى، و حاز كتاب تنزيه الأنبياء و الأئمّة على المرتبة الأُولى، فقد طبع ما يقارب من عشر طبعات مختلفة، من طباعة حجريّة و حروفيّة و تحقيقيّة، إلّاأنّ أغلب مصنّفات الشريف المرتضى لم تطبع أكثر من مرّةٍ واحدة. و إليك الفهرس الذي يحتوي على التعريف بطبعات الكتب:
الأمالي 1. طهران: طبعة حجريّة، دار طباعة الحاجي عبد المحمّد، 1272 ه، كتبت من نسخة الميرزا فرهاد المصحّحة.
القاهره: مطبعة السعادة، 1325، صحّحها و علّق عليها: محمّد بدر الدين النعساني الحلبي، 4 مجلّدات في مجلّدين.
النجف الأشرف: 1355 ه، تحقيق: محمّدحسن الجواهري.
القاهرة: دار إحياء الكتب العربيّة، 1373 ه، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، مجلّدان.
الصرفة مشهد: مركز الأبحاث و الدراسات الإسلاميّة التابع للآستانة الرضويّة المقدّسة، 1424 ه/ 1387 ه. ش، 344 ص، إعداد: محمّدرضا الأنصاري.
رسائل الشريف المرتضى (تحتوي أحمد الحسيني) قم المقدّسة: دارالقرآن الكريم، إعداد: السيّد مهدي الرجائي و السيّد، سنة 1405-1410 ه.
على 61 رسالة)
الملخّص في أُصول الدين طهران: مركز النشر الجامعي و مكتبة مجلس الشوري الإسلامي، 1381 ش، 479 ص، إعداد: محمّدرضا الأنصاري.
الذخيرة في علم الكلام قم المقدّسة: جماعة المدرّسين التابعة للحوزة العلميّة بقم، مكتب النشر الإسلامي، 1411 ه/ 1370 ش، 644 ص، إعداد: السيّد أحمد الحسيني.
تنزيه الأنبياء و الأئمّة 1. تبريز: طبعة حجريّة، دار طباعة الحاجي إبراهيم، 1290 ه، بخط عبد الرحيم بن محمّد تقي التبريزي، 189 ص.
النجف الأشرف: 1352 ه، 185 ص.
قم المقدّسة: منشورات الشريف الرضي، 1379 ش، 240 ص.
بيروت: دار الأضواء، 1409 ه، 240 ص.
طهران: مكتبة الصدوق، مدرسة الشهيد المطهّري، 1422 ه/ 1379 ش، 283 ص، تحقيق و تعليق فاطمه قاضي شعار، إشراف: علي أكبر الغفاري.
قم المقدّسة: بوستان كتاب، 1380 ش، 312 ص، تحقيق: فارس حسّون كريم.
بيروت: منشورات الأعلمي، 1429 ه، 230 ص.
قم المقدّسة: المكتبة الحيدريّة، 1431 ه، 260 ص، تحقيق:
محمّدصادق الكتبي.
الشافي في الإمامة 1. طهران: طبعة حجريّة، 1301 ه، 479 ص، باهتمام المير أبو القاسم بن محمّدصادق الخوانساري، طبع معه تلخيص الشافي للشيخ الطوسي.
طهران: مؤسّسة الصادق عليه السلام، 1410 ه، 4 مجلّدات، 1426 ه في مجلّدين، تحقيق: السّيد عبد الزهراء الحسينيّ الخطيب.
المقنع في الغيبة (مع التكملة) 1. قم المقدّسة: مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1416 ه، 95 ص، تحقيق: السيّد محمّدعلي الحكيم.
بيروت: دار إحياء التراث العربي، غير مؤرّخة.
الفصول المختارة من العيون و المحاسن 1. قم المقدّسة: مكتبة الداوري، 1396 ه، 296 ص.
النجف الأشرف: المطبعة الحيدريّة، مجلّدان في مجلّد واحد، غير مؤرّخة.
قم المقدّسة: المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، 1371 ش، 348 ص.
جُمل العلم و العمل 1. النجف الأشرف: مطعبة النعمان، 1378 ه، 134 ص، تحقيق:
رشيد الصفّار.
النجف الأشرف: مطبعة الآداب، 1387 ه، 135 ص، تحقيق: السيّد أحمد الحسيني.
الكاظميّة المقدّسة: مكتبة الشريف المرتضى، 1387 ه، تحقيق:
السيّد أحمد الحسيني.
قم: دار القرآن الكريم، مدرسة آية اللّٰه الگلپايگاني، في ضمن رسائل الشريف المرتضى، 1405-1410، ج 3، ص 7-81.
شرح جُمل العلم و العمل 1. قم المقدّسة: دار الأسوة للطباعة و النشر، صحّحه و علّق عليه: يعقوب الجعفري المراغي، 1414 ه، 279 ص.
الذريعة إلى أُصول الشريعة
طهران: جامعة طهران، 1346، 2 ج، تحقيق و تقديم: أبوالقاسم گرجي.
قم: مؤسّسة الإمام الصادق عليه السلام، 1429 ه، تقديم: الشيخ جعفر السبحاني.
الانتصار
طهران: طبعة حجريّة، 1276 ه، تصحيح: محمّدعلي بن محمّدرضا، في ضمن الجوامع الفقهيّة.
طهران: طبعة حجريّة، 1315 ه، تصحيح: الميرزا شكر اللّٰه الخراساني.
النجف الأشرف: المطبعة الحيدريّة، 1391 ه، 320 ص.
بيروت: دار الأضواء، 1405 ه، 320، تقديم: السيّد حسن الخِرسان.
قم المقدّسة: جماعة المدرّسين، مكتب النشر الإسلامي، 1415 ه.
/ 1373 ش، 663 ص.
الناصريات
طهران: طبعة حجرية، 1246 ه، باهتمام محمّدعلي بن محمّدرضا، في ضمن الجوامع الفقهيّة.
قم المقدّسة: مركز البحوث و الدراسات العلميّة في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة، 1417 ه، 516 ص.
طيف الخيال
مصر: 1374 ه، شركة مكتبة و مطبعة مصطفي البابي الحلبي، تحقيق: محمّد سيّد كيلاني، 123 ص.
القاهرة: وزارة الثقافة، 1381 ه، 335 ص، تحقيق: حسن كامل الصيرفي.
المدينة المنوّرة: دار التربية، محمّدحسن أبو ناجي، غير مؤرّخة، 182 ص.
الشهاب في الشيب و الشباب
القسطنطنيّة: مطبعة الجوائب، 1302 ه، 99 ص.
بيروت: دار الرائد العربي، 1982 م، 223 ص.
قم المقدّسة: دار القرآن الكريم، مدرسة آية اللّٰه الگلپايگاني، 1410 ه، ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 141-275.
قم المقدّسة: مجمع الذخائر الإسلاميّة، 1425 ه/ 1382 ش، 135 ص، تحقيق: السيّد أحمد الحسيني.
سوريا: تحقيق: الدكتور وليد السراقبي، منشورات الهيئة العامّة السوريّة للكتاب، دمشق، 2008 م.
شرح القصيدة المذهّبة
بومباي: مطبعة الصفدري، 1297 ه، إعداد حبيب محمّد قاهري، 80 ص.
القاهرة: المطبعة العباسيّة، 1313 ه، 54 + 14 ص.
ديوان الشريف المرتضى(1)
القاهرة: دار إحياء الكتب العربيّة، 1958 م، تحقيق: رشيد الصفّار، راجعه و ترجم أعيانه: مصطفى جواد، قدم له: الشيخ محمّد رضا الشبيبي، 2 ج.
بيروت: المؤسّسة الإسلاميّة للنشر (الهدىٰ )، 1407 ه/ 1987 م، تحقيق:
رشيد الصفّار، 2 ج.
بيروت: دار الجيل، 1417 ه/ 1997 م، محمّد التونجي.
بيروت: دار البلاغة، 1418 ه، تحقيق: رشيد الصفّار، 2 ج.
و لا يخفي أنّه طبع في سنة 2012 م/ 1433 ه، مجموعة مصنّفات الشريف المرتضى بالأُفسِت عن الطبعات السابقة من دون تحقيقٍ جديد في بيروت تحت عنوان: موسوعة الشريف المرتضى.
المرحلة الثانية: تقييم الطبعات: بعد توفير جميع الطبعات قمنا بدراستها و تقييمها ضمن ثلاثة محاور عامّة، و هي: المخطوطات التي اعتمدت عليها الطبعات، نواقصها، و محاسنها، و كانت نتائج التقييم كالتالي:
أوّلاً: أغلب مصنّفات الشريف المرتضى لم تَحظَ بالتحقيق العلميّ الصحيح، و هي تواجه نواقص واضحة مهمّة من حيث المحتوى و الصورة.
ثانياً: إنّ الطبعات السابقة اعتمدت على مخطوطات لم تكن هي الأقدم و الأهم، و أغفلت المخطوطات القديمة و المصحّحة و النفيسة، و نستثني من ذلك بعض المصنّفات حيث طبعت بتحقيقٍ لائق (نحو: الأمالي بتحقيق الأُستاذ محمّد أبو الفضل إبراهيم، طيف الخيال بتحقيق حسن كامل الصيرفي، الناصريات بتحقيق المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة، و الانتصار بتحقيق جماعة المدرّسين) مع ذلك فهي بحاجة إلى تحقيقٍ جديد، مع العثور على مخطوطات جديدة و نواقص أُخرى و أُمور مهمّة أغفلت في التحقيق، مضافاً إلى توحيد المنهج في تحقيق المصنّفات كلّها.
المرحلة الثالثة: البحث عن المخطوطات: بعد البحث الدقيق في فهارس المخطوطات من مختلف المكتبات في إيران و غيرها من الدول، أعددنا فهرساً كاملاً لجميع مخطوطات
1) . ينبغي الالتفات إلى أنّ هذا العمل يطبع بعنوان ترتيب ديوان الشريف المرتضى ضمن دراسات حول الشريف المرتضى، لكن أصل الديوان يطبع لأوّل مرّة مستنداً إلى جميع نسخه و مخطوطاته المتوفّرة في ضمن مؤلّفات الشريف المرتضى.
تراث الشريف المرتضى، و بعد ترتيبها حسب الأهمّية و الأولويّة انتخبنا لكلّ عنوانٍ عشرين مخطوطة على أكثر التقادير، حتّى يتمّ اختيار أجود النسخ للتحقيق. و قد جمعت المخطوطات من أكثر مكتبات إيران، و ثمّ تليها مكتبات العراق، و تركيا، و ألمانيا، و اسبانيا، و أمريكا، و روسية، و مصر، و إيرلند.
و إنّ أقدم النسخ تتعلّق حسب الترتيب بالكتب التالية: الذخيرة (سنة 472 ه)، الصرفة (سنة 478 ه)، الأمالي (سنة 482 ه)، الذريعة (القرن السادس)، الانتصار (سنة 591 و 596 ه)، تنزية الأنبياء و الأئمّة (القرن السادس)، طيف الخيال (591 ه).
و إنّ المصنّفات التي حازت على أكبر عدد من المخطوطات هي: الأمالي (130 نسخة)، تنزية الأنبياء (107 نسخة)، الانتصار (100 نسخة)، الشافي (81 نسخة)، الفصول المختارة (75 نسخة)، الذريعة (46 نسخة).
و في المجموع فقد اعتمدنا على 600 مخطوطة في تحقيق تراث الشريف المرتضى، و للتوضيح نورد فهرس الكتب و عدد المخطوطات التي اعتمدت عليها في تحقيقها:
الأمالي: 12 مخطوطة (الطبعة السابقة على خمس مخطوطات).
الصرفة: مخطوطة فريدة (الطبعة السابقة على مخطوطة واحدة).
رسائل الشريف المرتضى(1)
المجموعة الأُولى (8 رسائل):
المجموعة الثانية (21 رسالة):
1) . تشتمل بمجلّداتها الأربعة في الطبعة السابقة على الرسائل التالية:
يساوي 480 مخطوطة (الطبعة السابقة على مخطوطة أو مخطوطتين).
جمل العلم و العمل: 7 مخطوطات (الطبعة السابقة على مخطوطة واحدة).
شرح جمل العلم و العمل: 4 مخطوطات (الطبعة السابقة على ثلاث مخطوطات).
الملخّص في أُصول الدين: مخطوطة فريدة (الطبعة السابقة على مخطوطة).
الذخيرة في علم الكلام: 4 مخطوطات (الطبعة السابقة على مخطوطتين).
تنزية الأنبياء و الأئمّة: 9 مخطوطات (في الطبعة السابقة على 5 مخطوطات).
الشافي في الإمامة: 10 مخطوطات (الطبعة السابقة المجلّدات الثلاثة الأُولى على مخطوطة و المجلّد الرابع على 4 مخطوطات).
المقنع في الغيبة (مع تكملته): 8 مخطوطات (الطبعة السابقة على مخطوطة واحدة).
الفصول المختارة: 6 مخطوطات (الطبعة السابقة على مخطوطتين).
الطرابلسيّات: 10 مخطوطات (الطبعة السابقة على 4 مخطوطات).
الذريعة: 8 مخطوطات (الطبعة السابقة على 4 مخطوطات).
العترة الطاهرة؛ 17. الحدود و الحقائق؛ 18. رسالة في غيبة الحجّة؛ 19. مسألة في الردّ على المنجّمين؛ 20. جوابات المسائل الرسيّة الأُولى؛ 21. جوابات المسائل الرسيّة الثانية.
المجموعة الثالثة (23 رسالة):
المجموعة الرابعة (9 رسائل):
الانتصار: 6 مخطوطات (الطبعة السابقة على 4 مخطوطات).
الناصريّات: 7 مخطوطات (الطبعة السابقة على مخطوطتين).
طيف الخيال: مخطوطة فريدة (الطبعة السابقة على مخطوطة).
الشهاب في الشيب و الشباب: مخطوطتان (الطبعة السابقة على مخطوطة).
شرح القصيدة المذهّبة: 5 مخطوطات (الطبعة السابقة على مخطوطة).
ديوان الشريف المرتضى: 16 مخطوطة (يطبع لأوّل مرّة).
المرحلة الرابعة: اختيار المحقّقين: تمتاز مصنّفات الشريف المرتضى بخصلَتَين ممّا جعلتنا نواجه صعوبات في اختيار المحقّقين، و هما: مواضيع المصنّفات، و لغة الشريف المرتضى في مصنّفاته، فمع كون أكثر مصنّفات الشريف المرتضى في مجال الكلام و الأدب، و أنّ لغة الشريف المرتضى لغةٌ أدبيّةٌ صعبة، يندر وجود المحقّقين ممّن يتمكّن من فهم النصّ الكلامي خاصّة الكلام القديم، و يتمكّن من فهم أدب الشريف المرتضى و لغته الصعبة. و لذلك تمّ اختيار المحقّقين على دقّة و بطء حتّى تمّ تغيير المحقّقين أكثر من مرّة، إلى أن تمّ العمل - بحمد اللّٰه - على خير ما يرام.
بعد التعرّف على المخطوطات، و ترتيبها حسب الأولويّة، و الاطّلاع على أهمّها، و تحديد المخطوطات، اتّخذنا الخطوات التالية في تحقيق مصنّفات الشريف المرتضى:
مقابلة المخطوطات: و في هذه المرحلة قابلنا المصنّفات على 5 مخطوطات على أقل، التقادير و 12 مخطوطة على أكثرها، في فرض وجود النسخة و إمكانيّة الوصول إليها.
تخريج الآيات و الروايات و الأقوال و الآثار و... ما استلزم ذلك.
تفسير الكلمات و اللغات المشكلة و الغريبة و توضيح الأعلام و الأماكن و المذاهب و القبائل و الكتب و... و ما ينبغي توضيحه.
إدراج التوضيحات اللازمة: ففي موارد الإبهام والإجمال ممّا لم يرتفع إجماله و إبهامه بعلائم الترقيم و وضع الحركات الضروريّة أوضحنا مراد المصنّف في الهامش على نحو الاختصار.
ضبط النصّ استناداً إلى ما ورد في المخطوطات، و ذكر موارد الاختلاف في النسخ ممّا
تحتمل الصحّة في الهامش.
تنزيل الهوامش: و في هذه المرحلة قمنا بتنسيق الهوامش و توحيد المنهج فيها، و تمّ تنظيمها و إصلاحها.
وضع علائم الترقيم و ضبط النصّ و تقويمه.
وضع الحركات و إعراب الكلمات بنحو متوسّطٍ لتسهيل فهم المطالب.
وضع عناوين البحوث و المطالب.
المراجعة العلميّة للكتاب.
تدوين مقدّمة التحقيق التي تشتمل على التعريف بالكتاب و مخطوطاته و كيفيّة تحقيقه.
تنضيد الكتاب و مقابلة التنضيد و إخراج الكتاب فنّيّاً.
المراجعة الفنّيّة و تدقيق المراحل السابقة.
إعداد الفهارس الفنّيّة.
إعداد الفهرس الموضوعي للكتاب.
لقد طبع من تراث الشريف المرتضى ما يقرب من 75 مصنّفاً من كتاب و رسالة، و قد ذكرت فيما مضي، ولكن توجد في عناوينها و أسمائهما مشاكل مهمّة نحو:
التكرار و التداخل بين الرسائل.
طباعة المصنّف تارةً ضمن مجموعة و أُخرى مستقلاً، نحو: الطرابلسيّات، و الشهاب في الشيب و الشباب.
فقدان التنظيم و الترتيب الموضوعي.
عدم فرز الرسائل المنسوبة إليه خطأً، و المشكوكة الانتساب.
الاشتباه في اسم الكتاب أو الرسالة، بما أنّ العنوان المنتخب للرسالة لا يرتبط مع موضوعها.
و روعيت الملاكات التالية في تنظيم مصنّفات الشريف المرتضى و تنسيقها مع تشتّتها و نواقصها في ترتيب موسوعة الشريف المرتضى:
التنظيم الموضوعي للمصنّفات.
حذف الرسائل و المصنّفات التي ليست للشريف المرتضى و طبعت باسمه أو نسبت له خطأً.
إفراز الرسائل المشكوكة الانتساب من سائر المصنّفات.
و على هذا الأساس تمّ تنظيم المؤلّفات بهذا الترتيب:
0 حياة الشريف المرتضى
الأمالي (غرر الفوائد و درر القلائد)
الموضح عن جهة إعجاز القرآن (الصرفة)
جُمَل العلم و العمل و شرح جُمَل العلم
الملخّص في أُصول الدين
الذخيرة في علم الكلام
تنزيه الأنبياء و الأئمّة
الشافي في الإمامة
المقنع في الغيبة مع تكملته
الفصول المختارة من العيون و المحاسن و الحكايات
الطرابلسيّات (الأُولى و الثانية و الثالثة)
الذريعة إلى أُصول الشريعة
الانتصار لما انفردت به الإماميّة
المسائل الناصريّات (و هي المسائل الطبريّة)
طيف الخيال
الشهاب في الشيب و الشباب
شرح القصيدة المذهّبة
ديوان الشريف المرتضى
الرسائل و المسائل 1
المتبقّى من التراث المفقود للشريف المرتضى
الفهارس العامّة
سادساً: ملاحظات حول تراث الشريف المرتضى(1)
ديوان الشريف المرتضى على أساس ترتيب السيّد المرتضى، يُطبع لأوّل مرّة حسب ترتيب الشريف المرتضى و على أساس 15 مخطوطة.
الطبعة السابقة للديوان بتحقيق الأُستاذ رشيد الصفّار عبارةٌ عن جمع شعره و ترتيبه حسب حروف الهجاء، و سوف تطبع ضمن أعمال المؤتمر.
الطرابلسيّات الثانية و الثالثة طبعت سابقاً في ضمن «رسائل الشريف المرتضى»، ولكن الطرابلسيّات الأُولى عثر عليها في السنوات الأخيرة، و هي تطبع لأوّل مرّة، و لمّا كان حجم هذه الرسائل الثلاث يبلغ كتاباً لذلك سوف يطبع مستقلاًّ.
رسالة المحكم و المتشابه لم تنشر لأنّها ليست من مصنّفات الشريف المرتضى قطعاً.
1) 1. يأتي تفصيل الكلام عن هذه الرسائل و ترتيبها و ما حذف منها و ما يطبع لأوّل مرّة فيها في مقدّمة تحقيق الرسائل و المسائل.
رسائل الشريف المرتضى المقطوعة الصحّة تنشر على الترتيب الموضوعي في الموسوعة.
مصنّفات الشريف المرتضى المفقودة، ممّا ورد نصوص منها في سائر المصنّفات، تجمع نصوصها في مجلّدٍ واحدٍ باسم «المتبقّى من التراث المفقود». و هي تشتمل على العناوين التالية:
المسائل المحمديّات الأُولى
المسائل المحمديّات الثانية
مسائل الخلاف
المصباح في الفقه
شرح الرسالة
الفقه الملكي
المسائل الصيداويّات
المسائل الرمليّات
كتاب إلى الكراجكي
خطبة لفاطمة الزهراء
المسائل الدمشقيّات أو الناصريّات
المسائل الموصليّات الأُولى
الوعيد
المسائل المامطيريّات
مسألة في علم النجوم
الإجازات
فتاوى المرتضى
العتبة الحسينيّة المقدّسة.
العتبة الرضويّة المقدّسة.
العتبة الكاظميّة المقدّسة.
عتبة السيّد عبدالعظيم الحسني عليه السلام.
مؤسّسة دارالحديث العلميّة - الثقافيّة.
مجمع البحوث الاسلاميّة التابعة للعتبة الرضويّة المقدّسة.
مؤسّسة وارث الأنبياء للدراسات التخصّصيّة في النهضة الحسينيّة.
معاونيّة التحقيق في مركز مديريّة الحوزات العلميّة.
جامعة المصطفى العالميّة.
مركز الأبحاث و العلوم الإسلاميّة.
جامعة الأديان و المذاهب.
مركز البحوث الكمبيوتريّة للعلوم الإسلاميّة (نور).
منظّمة الثقافة و العلاقات الإسلاميّة.
المكتبات التخصّصيّة التابعة لمكتب آية اللّٰه العظمى السيّد السيستاني.
اللجنة الوطنيّة لمنظّمة اليونسكو - إيران.
المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام.
مجمع التقريب بين المذاهب الإسلاميّة.
مجمع الذخائر الإسلاميّة.
مجمع نشر الآثار العلميّة و تكريم المفاخر الثقافيّة.
مؤسّسة تراث الشيعة.
دارالتراث، النجف الأشرف.
الف) أعضاء الأمانة العامّة للمؤتمر (حسب ترتيب الحروف) و هي تتشكّل من رؤساء المراكز العلميّة المساهمة في المؤتمر:
آية اللّٰه الشيخ رضا الأُستادي.
آية اللّٰه الشيخ محسن الأراكي.
آية اللّٰه الشيخ عليرضا الأعرافي.
آية اللّٰه الشيخ محمّد المحمّدي الريشهري.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ عباسعلي الأختري.
حجّة الإسلام و المسلمين السيّد صادق الإشكوري.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ حميد الشهرياري.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محسن القمّي.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ عبدالمهدي الكربلائي.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ رضا المختاري.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ أحمد المروي.
حجّة الإسلام و المسلمين السيّد حسن الموسوي البروجردي.
حجّة الاسلام و المسلمين الشيخ مهدي المهريزي.
حجّة الاسلام و المسلمين السيّد أبو الحسن النوّاب.
حجّة الاسلام و المسلمين الشيخ أحمد الواعظي.
الدكتور أبوذر إبراهيمي تركمان.
الدكتور جمال الدبّاغ.
الدكتور سعداللّٰه القيداري.
الدكتور مهدي المحقّق.
الأُستاذ السيّد جعفر الموسوي.
ب) أعضاء الأمانة العلميّة للمؤتمر: و هي تتألّف من رئيس المؤتمر و أعضاء الأمانة العلميّة، و هم (حسب ترتيب الحروف):
آية اللّٰه الشيخ رضا الأُستادي.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ رافد التميمي.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ رسول جعفريان.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّد الحسّون.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّدحسين الدرايتي.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّدتقي السبحاني.
حجّة الإسلام و المسلمين السيّد محمّدكاظم الطباطبائي.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ رضا المختاري.
حجّة الإسلام و المسلمين السيّد محمود مرويان الحسيني.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّدمهدي المعراجي.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّدعلي مهدوي راد.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ مهدي المهريزي.
لمّا كان مجموع مصنّفات الشريف المرتضى و أعمال المؤتمر يبلغ ستّين مجلّداً، و كانت تواجهنا صعوبات طباعة هذه المجموعة من حيث الأُمور الفنّيّة و الماليّة؛ لذلك أوكلنا هذه المهمّة إلى العتبة الرضويّة المقدّسة، و قد تقبّلها برحابة صدر متولّيها حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ أحمد المروي.
لم تكن الأعمال العلميّة الضخمة كتحقيق مصنّفات الشريف المرتضى في حوالي أربعين مجلّداً، و أعمال المؤتمر في أكثر من عشرين جزءاً تثمر لولا تكاتف الجهود المضنية ليتمّ العمل على أحسن ما يرام، لذا ينبغي أن أتقدّم بالشكر الجزيل و الثناء الجميل إلى الذين كان لهم دور و تأثير في تحقيق هذا الغرض السامي، و منهم:
قائد الثورة الإسلاميّة آية اللّٰه العظمى السيّد علي الحسيني الخامنئي - دام ظلّه - لتشجيعه علىٰ إقامة المؤتمر مادّياً و معنوياً.
متولّي عتبة السيّد عبد العظيم الحسني عليه السلام و رئيس و مؤسّس مؤسّسة دار الحديث العلميّة - الثقافيّة آية اللّٰه الشيخ محمّد المحمّدي الريشهري؛ حيث تبنّى هذا المشروع العظيم.
متولّي عتبة الرضويّة المقدّسة حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ أحمد المروي لتقبّله طباعة الكتب و نشرها.
حجّة الإسلام و المسلمين السيّد جواد الشهرستاني وكيل آية اللّٰه العظمى السيّد علي الحسيني السيستاني - دام ظلّه - لحمايته المادّية و المعنويّة في جميع مراحل العمل.
أعضاء الأمانة العلميّة و الأمانة العامّة للمؤتمر.
المحقّقون لمصنّفات الشريف المرتضى و الباحثون و كاتبو البحوث و المقالات.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّدحسين الدرايتي، حيث كان على عاتقه إدارة و تحقيق مصنّفات الشريف المرتضى و متابعة الأُمور في جميع مراحلها.
حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّدمهدي خوش قلب، حيث كان على عاتقه إدارة تأليف و تدوين أعمال المؤتمر.
اللّجان الفنّيّة و العلميّة لإعداد مصنّفات الشريف المرتضى، من قبيل: لجنة المقابلة، لجنة المراجعة الفنّيّة و العلميّة، لجنة التدقيق المطبعي و اللغوي، لجنة التنضيد و الإخراج الفنّي.
المشاورون علميّاً في جميع مراحل العمل، و قد استفدنا من آرائهم و انظارهم، منهم: الأُستاذ محمّدهادي الخالقي و رضا بابائي.
اللجنة المتابعة في الأمانة العامّة للمؤتمر.
المعاونيّة العلميّة و الإداريّة في مؤسّسة دار الحديث العلميّة - الثقافيّة لتهيئة ظروف العمل.
آملين أن يكون تحقيق و نشر هذه الأعمال العلميّة و إقامة المؤتمر مساهمةً جادّةً في سبيل إعلاء كلمة أهل البيت عليهم السلام و ترويج العقلانيّة و المعايشة السلميّة اللذين هما من أهمّ خصائص الشريف المرتضى.
مهدي المهريزي
الأمين العلميّ للمؤتمر
4 /دي/ 1395 ش - 24 /ربيع الأوّل/ 1438 ه
24 /دسمبر (كانون الأوّل) / 2016 م
مقدّمة التحقيق... 7
تمهيد... 7
الفصل الأوّل: الكتب المؤلّفة في الإمامة قبل الشافي... 11
الفصل الثاني: القاضي عبد الجبّار و كتابه المغني... 25
الفصل الثالث: الشيخ الطوسي و تلخيصه للشافي... 55
الفصل الرابع: الشريف المرتضى و كتابه الشافي... 63
الفصل الخامس: مخطوطات الكتاب و العمل عليه... 137
الشافي في الإمامة
وجوه وجوب الإمامة، و بيان الصحيح منها... 209
نفي بعض الوجوه المذكورة لإثبات الحاجة إلى الإمام... 275
إبطال ما ادّعاه صاحب الكتاب من لوازم تلزم الإماميّة القائلين بالحاجة إلى الإمام... 283
تَعرُّضُ صاحبِ الكتاب لهشام بن الحَكَم و ابن الراونديّ و أبي عيسى الورّاق... 288
بعض وجوه الحاجة إلى الإمام... 313
الدليل الأوّل: وجوب إقامة الحدود علىٰ الإمام... 321
الدليل الثاني: إجماع الصحابة... 348
الدليل الثالث: خبر: «الأئمّة من قريش»... 354
الدليل الرابع: تأمير خالد بن الوليد يومَ مؤتة... 357
الدليل الخامس: خبر: «إن ولّيتم أبا بكر...»... 358
الدليل الأوّل: عموم النقص بين الناس... 377
الدليل الثاني: جواز السهو و الغفلة و الشبهة و التقصير على المكلّفين... 415
الدليل الثالث: قطع الاختلاف في المذاهب... 427
الدليل الرابع: قطع الاختلاف في الفقه و الاجتهاد... 429
الدليل الخامس: معرفة ما يتّصل بمصالح أبدان المكلّفين و معايشهم... 447
الدليل السادس: قيام الإمام مقام الرسول في حفظ الشريعة... 449
الدليل السابع: إقامة الحدود و...... 495
الدليل الثامن: في بيان أنّ الحافظ للشرع هو الإمام، لا الأُمّة... 511
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
لم تكن ولادة علم الكلام و مسائله ناشئةً من تَرَفٍ فكريّ ، و ولعٍ بملئ الوقت بمجموعة من الأحاجي و الألغاز الفكريّة التي يستعصي فهمها إلّاعلى عددٍ قليلٍ من الناس، و إنّما نبعَ علم الكلام من صميم حاجات المجتمع الإسلامي، و كانت كلّ مسألةٍ منه انعكاساً لتحوّلٍ خطيرٍ في المجتمع، أو إجابةٍ على سؤال أخذ يشغل أفكار الناس، أو غير ذلك ممّا له مساسٌ مباشر بمتطلّبات المجتمع و العصر، ممّا يدلّ على نضجٍ فكريٍّ لدى مسلمي القرون الأُولى، و احترامٍ للوقت و أفكار الآخرين، خلافاً للقرون التالية التي أخذ البعض يشغل ذهنه ببحوث و مسائل لا تطال الواقع و لا يطالها إلّاعن بُعد، حيث تفصل بينهما مسافات شاسعة.
و قد تربّعت مسألةُ الإمامة - من بين سائر مسائل هذا العلم - على قمّة مسائل علم الكلام من حيث الأهمّية، و خطورة آثارها على المجتمع، فهي تمسّ بالصميم قلبَ النظام السياسي الحاكم، و تتوجّه بسهامها نحو أُسّه، فوفقاً لهذه النظريّة في الإمامة أو تلك، يحصل النظام الحاكم على شرعيّته أو يفقدها. و قد أدّى الاختلافُ في نظريّةٍ حول الإمامة إلى سلّ السيوف، و نشوب المعارك، و إراقة الدماء، حتّى قال الشهرستاني مقالته الشهيرة: «ما سُلّ سيفٌ في الإسلام على قاعدةٍ دينيّةٍ ، مثل ما سُلّ على الإمامة في كلّ زمان»(1).
1) . الملل و النحل، ج 1، ص 24.
و قد ساعد على إبقاء مسألة الإمامة حيّةً على طول التاريخ مذهبٌ عُرف على طول تاريخه بأنّه مذهب معارض للنظام الحاكم، و له نظريّته الخاصّة في الإمامة، إنّه مذهب «الشيعة»، الذي ما زال يفرض وجوده بقوّةٍ على الواقع، على الرغم من أنّه عاش طول تاريخه مغضوباً عليه من قِبَل الحكّام، فناله ما ناله من تهميشٍ و إقصاء، و قتلٍ و تشريد لأتباعه، ولكنّه وقف صامداً أمام كلّ التحدّيات، فيما فنيت فرقٌ أُخرى عديدة بأقلَّ بكثير ممّا أصابه، و هذا من عجائب الزمان التي تستوقف النبيه، و تدعوه إلى التأمّل.
لقد كان للأهمّية التي تمتّعت بها مسألة الإمامة دورٌ في كثرة التأليف حولها، فقد أُلّفت حول هذه المسألة العشرات، بل المئات، و ربما الأُلوف من الكتب و الرسائل من قِبَل جميع الفرق الكلاميّة، فقد كان لكلّ فرقةٍ رأيها في الإمامة، و طبيعة الحكم و الحاكم.
و قد تنوّع الإنتاج الفكريّ حول الإمامة بين كتبٍ مطوّلة و متوسّطة و مختصرة، و رسائل، بعضها يدور حول بحوث الإمامة بصورةٍ عامّة، و آخر يحاول أن يستوعب أكبر قدر ممكن من مسائلها، و ثالث يتخصّص في مسألةٍ معيّنة منها، إلى غير ذلك من صور التأليف.
و من بين هذه الصور و التي كان لها شأنٌ كبير و ما زال، هي الردود، و الجدل، و النقض، و النقض على النقض، و النقض على نقض النقض(1)
و من المحتّم أن أبا جعفر ابن قِبَة إذا كان قد بقي حيّاً آنذاك، لكان قد كتب نقضاً على نقض المستثبت، فيكون في الحقيقة نقضاً على نقض نقض النقض.
، و هكذا. فقد تمكّن1) . و لا بأس أن نقوم هنا بنقل حكاية طريفة نقلها الشيخ أبو الحسين السوسنجردي في هذا المجال، حيث قال: «مضيتُ إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ، بعد زيارتي الرضا عليه السلام بطوس، فسلّمتُ عليه، و كان عارفاً بي، و معي كتاب أبي جعفر ابن قِبَة في الإمامة المعروف ب: الإنصاف، فوقف عليه و نقضه بالمسترشد في الإمامة. فعدتُ إلى الريّ ، فدفعتُ الكتاب إلى ابن قِبَة، فنقضه بالمستثبت في الإمامة. فحملتُه إلى أبي القاسم، فنقضه بنقض المستثبت. فعدتُ إلى الريّ فوجدتُ أبا جعفر قد مات رحمه اللّٰه». (فهرست النجاشي، ص 376).
المتكلّمون المسلمون أن يعرضوا من خلال هذا النوع من التأليفات قدرة منقطعة النظير على الجدل، و نقض أفكار الآخرين، و الانتصار لرأيهم، بحيث لو اطّلع مجادلو اليونان - وهم الحاذقون في صناعة الجدل، و الذين كانت لهم اليد الطولى فيه - لانحنوا إجلالاً أمام كلّ هذا التفوّق الكبير الذي أبداه متكلّمو الإسلام في هذا المجال.
و كثرة التأليف في هذا المجال ليس من الترفِ الفكريّ بشيء، بل هو عقيدة و إصرار لا مجال للمَلل فيه على إثبات العقيدة التي ينتمي إليها المتكلّم. و ليس الكلام عن إمامة أمير المؤمنين عليه السلام أو غيره أمرٌ قد عفا عليه الزمن، كما قد يحلو للبعض أن يقول، فإنّ المتكلّم في الإمامة على علم يقين - ككلّ إنسان آخر - بأنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد مات، و انقضى كلّ شيء، و لا يمكن إعادة حقّه إليه، و لو كان البحث في الإمامة يدور حول إعادة الحقّ إلى أمير المؤمنين عليه السلام لكان صاحب المقولة الأخيرة - من أنّ هذا الأمر قد عفا عليه الزمن - على حقّ في كلامه، ولكان الباحث في الإمامة لأجل ذلك من أتفه الناس.
و لكن في الحقيقة ليس النزاع حول الإمامة محاولة لإعادة الحقّ إلى أمير المؤمنين عليه السلام - مع أنّ الحقّ ثابتٌ له، و إن خالف المرتابون - و إنّما النزاع يدور حول تحديد المرجعيّة الفكريّة التي ينبغي على المسلمين الرجوع إليها في جميع تفاصيل حياتهم السياسيّة و الاجتماعيّة و الفكريّة، فهل هذه المرجعيّة الفكريّة هي أمير المؤمنين عليه السلام و أولاده من أئمّة أهل البيت عليهم السلام أو أشخاص آخرون ؟
فإذا طُرح النزاع بهذه الصورة، فسوف يكون له ارتباطٌ وثيقٌ بكلّ عصر، و سوف لن يبلى على طول الدهر.
و بطبيعة الحال، فهذا البحث لا يتمّ إلّابإثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، و أنّه و أولاده صلوات اللّٰه عليهم يكوّنون المرجعيّة الفكريّة لجميع المسلمين على طول الزمن.
و عوداً إلى بحثنا نقول: لقد كان للإماميّة دورٌ مهمٌّ في كتابة النقوض و الردود في
مجال الإمامة، و من أهمّ تلك الردود التي أُلّفت في هذا المجال، الكتاب الخالد المسمّى ب: الشافي في الإمامة، للشريف المرتضى علم الهدى (رضوان اللّٰه تعالى عليه)، رأس الإماميّة و سيّدهم في عصره بلا منازع، و الذي وُصف بأنّه «أجلّ الإماميّة قدراً، و أكثرهم علماً، و أعوصهم فكراً و نظراً»(1).
فقد قام في هذا الكتاب الكبير بالردّ على ما ذكره القاضي عبد الجبّار المعتزلي (ت 415 ه) في كتابه المهمّ المعروف بكتاب المغني في أبواب التوحيد و العدل، فقد خصّص القاضي الجزء الأخير من كتابه لبحث الإمامة، و طرح فيه آخرَ ما توصّل إليه الفكر المعتزلي الخصب من أبحاث حول هذا الموضوع، فقام الشريف المرتضى بالتصدّي له، و نقض كلامه الذي اختلف فيه مع الإماميّة واحداً واحداً، بطريقةٍ علميّة فذّة، و أُسلوبٍ فكريّ عميق، شرح فيه آراء الإماميّة حول الإمامة، و بيّنها و دافع عنها بكلّ ما أُوتي من قوّةٍ و خبرةٍ علميّة؛ و بذلك قدّم لنا مصدراً غايةً في الأهمّيّة في مجال الإمامة، صار في عصره و ما بعده من أهمّ المصادر التي يرجع إليها الموافق و المخالف، و بذلك يحقّ لنا أن نقول: إنّه بحقّ قد أنسى مَن قبله، و أتعب مَن جاء بعده.
و قد حاولنا في هذه المقدّمة إلقاء بعض الضوء على هذا التراث الضخم الذي تركه لنا الشريف المرتضى، مستعرضين بعض خصوصيّاته، وجهات أهمّيّته المتوزّعة بين ثناياه. و قد قسّمنا المقدّمة إلى فصول خمسة:
الفصل الأوّل: الكتب المؤلّفة في الإمامة قبل الشافي
الفصل الثاني: القاضي عبد الجبّار و كتابه المغني
الفصل الثالث: الشيخ الطوسي و تلخيصه للشافي
الفصل الرابع: الشريف المرتضى و كتابه الشافي
الفصل الخامس: مخطوطات الكتاب و العمل عليه
1) . محصّل أفكار المتقدّمين و المتأخّرين، ص 191.
لقد أولى الشيعة أهمّيّة خاصّة ببحث الإمامة، فقاموا بتأليف العشرات، بل المئات من الكتب و الرسائل حول الإمامة بصورةٍ عامّة، أو حول موضوعٍ معيّنٍ متعلّق بها، و لا شكّ في أنّ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام كانت تمتلك الحصّة الأكبر من بين تلك المؤلّفات؛ باعتبارها أهمّ موضوع متعلّق بالإمامة.
و قد سبق تأليفَ الشافي مؤلّفاتٌ كثيرة جدّاً حول الإمامة، فلا يعتبر الشافي سابقاً في هذا المجال، و لكن يبدو أنّه لأهمّيّته و تفصيله و دقّته قد أنسى ما قبله، فلم يَبْقَ من معظم الكتب المؤلّفة في الإمامة المتقدّمة على الشافي إلّااسمها. و بالطبع لقد كان للثقل الذي كانت تتمتّع به شخصيّة الشريف المرتضى بين الإماميّة دورٌ أساسيٌّ في ذلك.
و فيما يلي قائمةٌ بأهمّ الكتب المؤلّفة حول الإمامة قبل تأليف الشافي، استخرجناها من فهرست النجاشي فقط، و وضعنا أمام كلّ عنوان رقم الصفحة من هذا الفهرست.
و الهدف من إيراد هذه القائمة المطوّلة للكتب هو معرفة مدى الجهد الهائل الذي بذله علماء الشيعة للدفاع عن الإمامة، و معرفة الأبحاث التي أثارت اهتمامهم من دون غيرها، إضافة إلى أنه يمكن اعتبار هذه القائمة مقدّمة لدراسة المصادر التي اعتمد عليها الشريف المرتضى عند تأليفه للشافي، إلى غير ذلك من الفوائد التي لا تخفى على القارئ اللبيب.
و قد حاولنا بحسب الإمكان أن نقوم بترتيب الكتب وفقاً لعناوينها، و ذلك لأجل بيان المواضيع التي صارت محطّ اهتمام علماء الشيعة.
و القائمة كما يلي:
1-17. الإمامة لإسماعيل بن محمّد المخزومي (ص 31)؛ و للحسين بن عبيد اللّٰه السَّعدي (ص 42)؛ و لسعد بن عبد اللّٰه الأشعري (ص 178)؛ و لعبد اللّٰه بن جعفر الحميري (ص 219)؛ و لعليّ بن إسماعيل المِيثمي (ص 251)؛ و لعليّ بن الحسن الطاطري (ص 255)؛ و للفضل بن شاذان (وُصف كتابه بأنّه كبير) (ص 307)؛ و لمحمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني (ص 334)؛ و لأبي جعفر الزيّات الهَمْداني (ص 334)؛ و لمحمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري (ص 349)؛ و لأبي عيسى الورّاق (ص 372)؛ و لمحمّد بن أحمد الحارثي (ص 382)؛ و لمحمّد بن أحمد أبي عبد اللّٰه الصفواني (ص 393)؛ و لمعلّى بن محمّد البصري (ص 418)؛ و لهشام بن الحكم (ص 433)؛ و ليحيى بن محمّد بن أحمد (ص 443)؛ و ليونس بن عبد الرحمن (ص 448).
18 و 19. كتاب الإمامة (الكبير و الصغير) لابن أبي العَزاقِر الشلمغاني، ص 378.
20-41. كتاب في الإمامة لأحمد بن الحسين الصيقل (ص 83)؛ و لبُندار بن محمّد (ص 114)؛ و لحكم بن هشام بن الحكم (ص 136)؛ و لعبد اللّٰه بن مُسكان (214)؛ و لعبد اللّٰه بن عبد الرحمن الزبيري (ص 220)؛ و لأبي القاسم الكوفي (ص 266)؛ و لعليّ بن محمّد الكرخي (ص 268)؛ و لعليّ بن وصيف (271)؛ و لعيسى بن روضة (ص 294)؛ و لأبي جعفر السَّكَّاك (ص 329)؛ و لمحمّد بن خلف أبي بكر الرازي (ص 381)؛ و لهبة اللّٰه بن أحمد المعروف بابن برنية (ص 440)؛ و لأبي الشداخ (ص 459)؛ و لأبي الأحوص المصري (ص 157)؛ و لعبد اللّٰه بن هارون الزبيري (و هي رسالة إلى المأمون)، (ص 220)؛ و لجعفر بن
أحمد بن وندك (وُصف كتابه بأنّه كبير) (ص 123)؛ و للفضل بن عبد الرحمن (وُصف كتابه أيضاً بأنّه كبير) (ص 306)؛ و لإبراهيم الثقفي (له أيضاً كتابان في الإمامة، كبير و صغير) (ص 17)؛ و للحسن الناصر الأطروش (له كتابان في الإمامة، كبير و صغير) (ص 57)؛ و ليعقوب بن نعيم (ص 449).
الاستيفاء في الإمامة لأبي سهل النوبختي (ص 31).
التنبيه في الإمامة لأبي سهل النوبختي (ص 31).
الجمل في الإمامة لأبي سهل النوبختي (ص 31).
الاحتجاج في الإمامة للحسن بن محمّد النهاوندي (ص 49).
الجامع في الإمامة لأبي محمّد النوبختي (ص 63).
الحُجج في الإمامة لأبي محمّد النوبختي (ص 64).
الكامل في الإمامة لابن جبرويه (ص 236).
الصفوة في الإمامة للمسعودي (ص 254).
الخصال في الإمامة للفضل بن شاذان (ص 307).
الاحتجاج في الإمامة لابن أبي عمير (ص 327).
المُسترشِد في الإمامة لمحمّد بن جرير الطبري (ص 376).
المُقنِع في الإمامة لمحمّد بن بِشر السوسنجردي (ص 381).
المُنقِذ في الإمامة لمحمّد بن بِشر السوسنجردي (ص 381).
الخليلي في الإمامة لمحمّد بن جعفر الهمْداني المراغي (ص 394).
الإيضاح في الإمامة للشيخ المفيد (ص 399).
الإفصاح في الإمامة للشيخ المفيد (ص 399).
العُمَد في الإمامة للشيخ المفيد (ص 402).
المجالس في الإمامة لهشام بن الحكم (ص 433).
كتاب مختصر في الإمامة لأبي القاسم الكوفي (ص 265).
النكت و الأغراض في الإمامة لأبي الجيش البلخي (ص 422).
الإنصاف في الإمامة لابن قِبَة الرازي (ص 375).
المُستثبِت (نقض كتاب أبي القاسم البلخي) لابن قِبَة الرازي (ص 375).
المسألة المفردة في الإمامة لابن قِبَة الرازي (ص 375).
الأربع مسائل في الإمامة للفضل بن شاذان (ص 307).
المسائل و الجوابات في الإمامة لابن مملك الاصفهاني (ص 381).
كتاب الوصيّة و الإمامة لعليّ بن رئاب (ص 250).
الإمامة و التبصرة من الحيرة لعليّ بن الحسين بن بابويه القمّي (ص 261).
الكرّ و الفرّ (و هو كتاب في الإمامة، مليحُ الوضع، مسألةٌ و قلبُها و عكسُها) لابن أبي عقيل العماني (ص 48).
المنهج (كتاب كبير في الإمامة) لخالد بن يحيى (ص 151).
الاحتجاج (كتاب كبير في الإمامة، فيه حديث و كلام) لصالح الديلمي (ص 198).
الصورة (في الإمامة) لمحمّد بن عمرو (339).
كتاب الرسالة إلى الأمير أبي عبد اللّٰه و أبي طاهر بن ناصر الدولة في مجلس جرى في الإمامة للشيخ المفيد (ص 402).
في إمامة المفضول لهشام بن الحكم (ص 433).
الولاية لعليّ بن الحسن الطاطري (ص 255).
الهداية إلى تحصيل الولاية للمسعودي (ص 254).
ماهية العصمة لابن أبي العَزاقِر الشلمغاني (ص 378).
78-88. الدلائل لإبراهيم الثقفي (ص 17)؛ و للحسن بن عليّ البطائني (ص 37)؛ و لأحمد بن محمّد بن دُوْل القمّي (ص 90)؛ و لأحمد بن محمّد القلّاء (92)؛ و لحُمَيد بن زياد (ص 132)؛ و لعبد اللّٰه بن جعفر الحميري (ص 219)؛ و لعليّ بن أسباط (ص 252)؛ و لعليّ بن الحسن بن فضّال (ص 258)؛ و لعليّ بن محمّد
السوّاق (ص 260)؛ و لمحمّد بن عليّ أبي سُمينة (ص 332)؛ و لمعلّى بن محمّد البصري (ص 418).
89-90. دلائل الأئمّة عليهم السلام لثُبيت بن محمّد العسكري (ص 117)؛ و للعيّاشي (ص 352).
دلائل الأئمّة عليهم السلام و معجزاتهم للشيخ الصدوق (ص 391).
براهين الأئمّة عليهم السلام لسعيد بن أحمد الغرّاد الكوفي (ص 180).
إثبات النصّ على الأئمّة عليهم السلام للشيخ الصدوق (ص 389).
جامع حُجج الأئمّة عليهم السلام للشيخ الصدوق (ص 389).
الموازنة لمن استبصر في إمامة الاثني عشر عليهم السلام لمحمّد بن جعفر أبي بكر المؤدِّب (ص 394).
إثبات إمامة عليّ بن الحسين عليه السلام للعيّاشي (ص 352).
مسألة في معنى قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: "إني مخلّف فيكم الثقلين" للشيخ المفيد (ص 401).
عدد الأئمّة عليهم السلام و ما شذّ على المصنفين من ذلك للحسين بن عبيد اللّٰه الغضائري (ص 69).
عدد الأئمّة عليهم السلام لإسحاق بن الحسن العَقْرائي (ص 74).
عدد الأئمّة عليهم السلام من حساب الجُمل لفارس بن حاتِم القزويني (ص 310).
مقتضب الأثر في عدد الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام لابن عيّاش الجوهري (ص 86).
ما روي في عدد الأئمّة عليهم السلام لمحمّد بن عليّ بن الفضل (385).
103-105. الأوصياء لأبي القاسم الكوفي (ص 265)؛ و للعيّاشي (ص 352)؛ و لابن أبي العَزاقِر الشلمغاني (ص 378).
الأوّل و مقتضاه (ذِكر إمامة أمير المؤمنين عليه السلام) للحسين بن خالويه (67).
الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام لمؤمن الطاق (ص 326).
إثبات خلافته (أي أمير المؤمنين عليه السلام) للشيخ الصدوق (ص 389).
كتاب في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام من القرآن للشيخ المفيد (ص 400).
المسألة المقنعة في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام للشيخ المفيد (ص 402).
رسالة إثبات الوصية لعليّ بن أبي طالب عليه السلام للمسعودي (ص 254).
إثبات الوصية لعليّ عليه السلام للشيخ الصدوق (ص 389).
الوصية و الردّ على منكريها لهشام بن الحكم (ص 433).
114-116. الوصيّة لإبراهيم الثقفي (ص 17)؛ و لعيسى بن المستفاد (ص 298)؛ و لمحمّد بن سنان (ص 328).
رسالة البرهان في النصّ الجليّ على أمير المؤمنين عليه السلام لعليّ بن محمّد العدوي (ص 264).
كتاب مسألة في النصّ الجليّ للشيخ المفيد (ص 401).
إثبات النصّ عليه (أي أمير المؤمنين عليه السلام) للشيخ الصدوق (ص 389).
إبطال الاختيار و إثبات النصّ للشيخ الصدوق (ص 392).
121-122. التفضيل لعبيد اللّٰه بن أبي زيد الأنباري (ص 233)؛ و لفارس بن حاتِم القزويني (ص 310).
حقائق التفضيل في تأويل التنزيل (و هو كتاب في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام و تفضيله على أهل البيت عليهم السلام) لجعفر بن ورقاء (ص 124).
الردّ على الحسن البصري في التفضيل للفضل بن شاذان (ص 307).
مَن قال بالتفضيل من الصحابة و غيرهم لابن أبي الثلج (ص 382).
في تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام على سائر أصحابه للشيخ المفيد (ص 401).
تفضيل الأئمّة عليهم السلام على الملائكة للشيخ المفيد (ص 401).
الشورى لأبي العبّاس بن عقدة السَّبيعي الهَمْداني (ص 94).
الشورى للشيخ الصدوق (ص 392).
قوله (أي أمير المؤمنين عليه السلام) في الشورى لعبد العزيز بن يحيى الجَلودي الأزدي (ص 241).
الردّ على العَتيقي في الشورى للشيخ المفيد (ص 401).
الردّ على محمّد بن زاهر في الإمامة لأبي سهل النوبختي (ص 31).
الردّ على يحيى بن أصفح في الإمامة لأبي محمّد النوبختي (ص 63).
الردّ على الخالدي في الإمامة للشيخ المفيد (ص 401-400).
الردّ على ابن رشيد في الإمامة للشيخ المفيد (ص 402).
الردّ على ابن الإخشيد في الإمامة للشيخ المفيد (ص 402).
الردّ على الكرابيسي في الإمامة للشيخ المفيد (ص 401).
الإمامة و الردّ على الحسين بن عليّ الكرابيسي للحسين بن عليّ أبي عبد اللّٰه المصري (ص 66).
النقض على جعفر بن حرب في الإمامة لأبي محمّد النوبختي (ص 64).
النقض على ابن عبّاد في الإمامة للشيخ المفيد (ص 399).
النقض على غلام البحراني في الإمامة للشيخ المفيد (ص 401).
النقض على النصيبي في الإمامة للشيخ المفيد (ص 401).
نقض الإمامة على جعفر بن حرب للشيخ المفيد (ص 400).
نقض كتاب الأصمّ في الإمامة للشيخ المفيد (ص 400).
كتاب في نقض العثمانية لثُبيت بن محمّد العسكري (ص 117).
نقض العثمانية على الجاحظ لأبي الجيش البلخي (ص 422).
الردّ على الجاحظ في العثمانية للشيخ المفيد (ص 399).
نقض العباسية لمحمّد بن إبراهيم الكاتب (ص 372).
نقض المروانية للشيخ المفيد (ص 399).
نقض فضيلة المعتزلة للشيخ المفيد (ص 399).
النقض على الجاحظ فضيلة المعتزلة للشيخ المفيد (ص 402).
جوابات مقاتل بن عبد الرحمن عمّا استخرجه من كتب الجاحظ للشيخ المفيد (ص 400).
الرسالة الكاشفة عن خطأ العُصبة المخالفة لعليّ بن محمّد العدوي (ص 264).
القلائد (فيه كلام على مسائل الخلاف التي بيننا و بين المخالفين) لمحمّد بن بحر الرُّهني (ص 384).
التسليم على أمير المؤمنين عليه السلام بإمرة المؤمنين للحسين بن عبيد اللّٰه الغضائري (ص 69).
يوم الغدير للحسين بن عبيد اللّٰه الغضائري (ص 69).
كتاب الولاية ومَن روى غدير خمّ لأبي العبّاس بن عقدة السَّبيعي الهَمْداني (94).
158-159. مَن روى حديث غدير خم لأبي بكر الجعابي (ص 395)؛ و لأبي المفضّل الشيباني (ص 396).
طرق حديث الغدير لعبيد اللّٰه بن أبي زيد الأنباري (ص 233).
ذِكرُ طرق خبر يوم الغدير لمحمّد بن جرير الطبري (ص 322).
طرق خبر الولاية لعليّ بن عبد الرحمن القناني (270).
أقسام (مولى) في اللسان للشيخ المفيد (ص 401).
طرق حديث النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» عن سعد بن أبي وقّاص لأبي العبّاس بن عقدة السَّبيعي الهَمْداني (ص 94).
طرق حديث: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» لعبيد اللّٰه بن أبي زيد الأنباري (ص 233).
167-169. السقيفة لإبراهيم الثقفي (ص 17)؛ و لأبي مخنف الأزدي (ص 320)؛ و لأبي عيسى الورّاق (ص 372).
الكشف فيما يتعلّق بالسقيفة لأحمد بن إبراهيم (ص 84).
مسألة في معنى قول النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله: «أصحابي كالنجوم» للشيخ المفيد (ص 401).
النصرة لسيّد العترة للشيخ المفيد (ص 402).
الردّ على الحُرقوصية لمحمّد بن جرير الطبري (ص 322).
قوله (أي ابن عباس) في شيعة عليّ عليه السلام لعبد العزيز بن يحيى الجَلودي الأزدي (ص 242).
اختلاف الشيعة و المقالات لأبي عيسى الورّاق (ص 372).
176-179. فرق الشيعة لأبي محمّد النوبختي (ص 63)؛ و لسعد بن عبد اللّٰه الأشعري (ص 177)؛ و لعبيد اللّٰه بن أبي زيد الأنباري (ص 233)؛ و لنصر بن صبّاح (ص 428).
الردّ على فرق الشيعة ما خلا الإماميّة لأبي محمّد النوبختي (ص 63).
الانتصار للشيَع من أهل البدَع لعبيد اللّٰه بن أبي زيد الأنباري (ص 233).
الردّ على أهل البدع لعليّ بن حاتِم القزويني (ص 263).
البدع لمحمّد بن بحر الرُّهني (ص 384).
الإبانة عن اختلاف الناس في الإمامة لعبيد اللّٰه بن أبي زيد الأنباري (ص 233).
اختلاف الناس في الإمامة لهشام بن الحكم (ص 433).
البهجة (و هو كتاب في فرق الشيعة، و أخبار آل أبي طالب) لمحمّد بن أحمد النعيمي (ص 395).
187-189. الردّ على الزيديّة للحسين بن إشكيب (ص 44)؛ و لأبي القاسم الكوفي (ص 266)؛ و لابن قِبَة الرازي (ص 375).
المسألة على الزيديّة للشيخ المفيد (ص 400).
سقاطات العجلية لأحمد بن محمّد القلّاء (ص 92). (و العجلية هم ضعفاء الزيديّة، أصحاب هارون بن سعيد العجلي. تهذيب المقال، ج 3، ص 466).
الضياء في الردّ على المحمّدية و الجعفرية، لسعد بن عبد اللّٰه الأشعري (ص 177).
ما روي في أبي الخطاب محمّد بن أبي زينب لأحمد و عليّ ابنَي محمّد (ص 92، 260).
الردّ على الغالية للحسن بن عليّ بن فضال (ص 36).
الردّ على الغالية و أبي الخطّاب لإبراهيم الكاتب (ص 19).
196-205. الردّ على الغلاة لأبي سهل النوبختي (ص 32)؛ و للحسن و الحسين ابنَي سعيد الأهوازيَّين (ص 58)؛ و لأبي محمّد النوبختي (ص 64)؛ و لإسحاق بن الحسن العَقْرائي (ص 74)؛ و لسعد بن عبد اللّٰه الأشعري (ص 177)؛ و لعليّ بن مهزيار الأهوازي (ص 253)؛ و لمحمّد بن أورمة (ص 330)؛ و لأبي جعفر الهمْداني (ص 338)؛ و لمحمّد بن الحسن الصفّار (ص 354)؛ و ليونس بن عبد الرحمن (ص 448).
الردّ على الغلاة و المفوّضة للحسين بن عبيد اللّٰه الغضائري (ص 69).
المسألة في الردّ على الغلاة لأبي يعلى الجعفري (ص 404).
الردّ على الغالية المحمّدية للفضل بن شاذان (ص 307).
الردّ على السلمانيّة (طائفة من الغلاة) لعليّ بن العبّاس الجراذيني (ص 255).
إبطال الغلوّ و التقصير للشيخ الصدوق (ص 392).
211-213. الردّ على الإسماعيليّة لفارس بن حاتم القزويني (ص 310)؛ و للنعماني (ص 383)؛ و لمحمّد بن أبي عمران القزويني (ص 397).
215-217. الردّ على القرامطة لعليّ بن حاتِم القزويني (ص 263)؛ و للفضل بن شاذان (ص 307)؛ و للشيخ الكليني (ص 377).
218-226. الردّ على الفطحية لجعفر بن محمّد البجلي (ص 121)؛ و لأبي سهل النوبختي (ص 32)؛ و للحسن بن موسى الخشّاب (ص 42)؛ و لأبي محمّد النوبختي (ص 63)؛ و للحسين بن عليّ البَزَوفَري (ص 68)؛ و لجعفر بن محمّد البجلي (ص 121)؛ و لفارس بن حاتم القزويني (ص 310)؛ و لمحمّد بن أحمد أبي عبد اللّٰه الصفواني (ص 393)؛ و لهارون بن عبد العزيز الكاتب (ص 439).
الواضح المكشوف في الردّ على أهل الوقوف لمحمّد بن عيسى بن عبيد (ص 334).
الصفة في مذهب الواقفة لأحمد بن الحسين القزّاز (ص 78).
الردّ على ابن رباح الممطور لمحمّد بن أحمد أبي عبد اللّٰه الصفواني (ص 393).
230-243. الغيبة لإبراهيم الأنماطي (ص 15)؛ و لإبراهيم الأحمري (ص 19)؛ و للحسن بن عليّ البطائني (ص 37)؛ و للحسن بن سماعة (ص 41)؛ و للحسن بن حمزة الطبري (ص 64)؛ و لأحمد بن محمّد (ابن الجندي) (ص 85)؛ و لحنظلة بن زكريا (ص 147)؛ و لعليّ بن الحسن الطاطري (ص 255)؛ و لعليّ بن عمر الأعرج (ص 256)؛ و لعليّ بن الحسن بن فضّال (ص 258)؛ و لعليّ بن محمّد السوّاق (ص 260)؛ و للعباس بن هشام الناشري (ص 280)؛ و للعيّاشي (ص 352)؛ و للنعماني (ص 383).
244-246. كتاب في الغيبة لعبد الوهّاب المادرائي (ص 247)؛ و لمحمّد بن القاسم (ص 381)؛ و للشيخ المفيد (ص 401).
الغيبة و ذكر القائم عليه السلام للحسن بن محمّد المعروف بابن أخي طاهر (64).
الغيبة و الحيرة لعبد اللّٰه بن جعفر الحميري (ص 219).
الغيبة و كشف الحيرة لسلامة بن محمّد الأرزني (ص 192).
الغيبة و كشف الحيرة لمحمّد بن أحمد أبي عبد اللّٰه الصفواني (ص 393).
الأشفية في معاني الغيبة للحسن بن حمزة الطبري (ص 64).
الشفاء و الجلاء في الغيبة لأحمد بن عليّ الرازي (ص 97).
كتاب الرسالة (الأوّلة و الثانية و الثالثة) في الغيبة للشيخ الصدوق (ص 389).
كتاب المسائل العشر في الغيبة للشيخ المفيد (ص 399).
كتاب مختصر في الغيبة للشيخ المفيد (ص 399).
جوابات الفارقيّين في الغيبة للشيخ المفيد (ص 400).
النقض على الطلحي في الغيبة للشيخ المفيد (ص 400).
ما يفعل الناس حين يفقدون الإمام لأحمد بن أبي زاهر الأشعري (ص 88).
ما يجب على العبد عند مُضيّ الإمام لمحمّد بن أحمد الأشعري (ص 338).
إبّانُ حكم الغيبة لأبي القاسم الكوفي (ص 266).
الفَرَج لمحمّد بن عليّ بن الفضل (سكّين) (ص 385).
الجوابات في خروج الإمام المهدي عليه السلام للشيخ المفيد (ص 401).
دلائل خروج القائم عليه السلام و ملاحم للحسن بن محمّد الصفّار البصري (ص 48).
كتاب القائم الصغير للحسن بن عليّ البطائني (ص 37).
القائم عليه السلام لعليّ بن مهزيار الأهوازي (ص 253).
القائم عليه السلام للفضل بن شاذان (ص 307).
أخبار القائم عليه السلام لعليّ بن محمّد الكليني، علّان (ص 261).
سيرة القائم عليه السلام لمعلّى بن محمّد البصري (ص 418).
المهديّ لعيسى بن مهران (ص 297).
كتاب في ذكر مَن روى مِن طرق أصحاب الحديث أن المهدي عليه السلام من ولد
الحسين عليه السلام (كتاب كبير، و فيه أخبار القائم عليه السلام) لأحمد بن محمّد الجرجاني (ص 86).
272-274. الرجعة للحسن بن عليّ البطائني (ص 37)؛ و للفضل بن شاذان (ص 307)؛ و للشيخ الصدوق (ص 390).
فهذا ثبت بأهمّ الكتب التي كتبها الشيعة في الإمامة، و المواضيع المتعلّقة بها، إلى نهاية القرن الرابع تقريباً، و التي ذكرها النجاشي في فهرسته، و قد حذفنا عدداً منها لضيق المجال، و مما حذفناه كتب الفضائل و المناقب و المثالب، و ما تعلّق ببعض خصوصيات أمير المؤمنين عليه السلامُ مثل اسماءه و قضاياه و مواطنه و حروبه، و كتب مناقب الشيعة و فضائلهم، و فدك، و إيمان أبي طالب عليه السلامُ ، و الملاحم و الفتن، إلى غير ذلك. و لو أردنا استقصاء كلّ ما ألّف قبل الشافي لربما وصل عدد القائمة إلى أكثر من ذلك، و إذا أضفنا إلى ذلك الكتب التي أُلّفت فيما بعد ذلك إلى يومنا هذا، لزاد العدد مرّات و مرّات.
و ينبغي التنويه هنا إلى أنّ معظم الكتب المذكورة في القائمة المتقدّمة لم يصل إلينا، و إنّما وصل إلينا عدد قليل منها. و نشير فيما يلي إلى أهمّ الكتب المتقدّمة على الشافي - سواء ذكرناه في القائمة السابقة أوْ لا -، و التي وصل إلينا كلّها أو بعض منها، و المتعلّقة بصورة أو بأُخرى ببحث الإمامة:
كتاب سُليم بن قيس الهلالي (ق 1).
الإيضاح المنسوب للفضل بن شاذان (ت 260).
مختصر إثبات الرجعة للفضل بن شاذان.
الغارات لإبراهيم الثقفي (ت 283).
التنبيه في الإمامة لأبي سهل النوبختي (ت 311).
فرق الشيعة المنسوب لأبي محمّد النوبختي (ت بين 300 و 310).
المقالات و الفِرَق لسعد بن عبد اللّٰه الأشعري (ت 301 أو 299).
نقض كتاب الاشهاد لابن قبة الرازي (ت قبل 317).
النقض على أبي الحسن بن بشار لابن قبة الرازي.
الكافي للكليني (ت 329).
الإمامة و التبصرة من الحيرة لعليّ بن بابويه القمّي (ت 329).
الاستغاثة لأبي القاسم الكوفي (ت 352).
الغيبة للنعماني (ت حدود 360).
المسترشد في إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام للطبري الإمامي (ت أوائل ق 4).
إكمال الدين و إتمام النعمة للشيخ الصدوق (ت 381).
عيون أخبار الرضا عليه السلام للشيخ الصدوق.
كفاية الأثر في النصّ على الأئمّة الاثني عشر للخزّاز القمّي (ق 4).
مقتضب الأثر في النصّ على الأئمّة الاثني عشر لابن عيّاش الجوهري (ت 401).
الإفصاح في الإمامة للشيخ المفيد (ت 413).
تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام للشيخ المفيد.
أقسام المولى للشيخ المفيد.
مسالتان في النصّ للشيخ المفيد.
الإرشاد في معرفة حجج اللّٰه على العباد للشيخ المفيد.
المسائل العشر في الغيبة للشيخ المفيد.
أربع رسائل في الغيبة للشيخ المفيد.
هو أبو الحسن عبد الجبّار بن أحمد بن عبد الجبّار بن أحمد بن الخليل(1)بن عبد اللّٰه الأسدآبادي الهَمَداني، المعروف ب: «قاضي القضاة»(2)سيّد معتزلة البصرة في عصره و إمامهم.
أصله من أسدآباد هَمَدان، و انتقل إلى البصرة، و اختلف إلى مجالس العلماء، و كان في أوّل أمره أشعريّاً، ثمّ انتقل إلى الاعتزال. قرأ في البداية على أبي إسحاق بن عيّاش مدّةً ، ثمّ رحل إلى بغداد، فقرأ على أبي عبد اللّٰه البصري (ت 368 ه) مدّةً طويلةً ، حتّى فاق أقرانه، فأخذ يدرّس في بغداد، و العسكر (عسكر مكرم)، و رامهرمز، و التي بدأ فيها إملاء كتاب المغني(3).
كما كان في الفقه على مذهب الشافعيّ ، و كان يودّ أن يتفقّه على مذهب أبي حنيفة على شيخه البصري، فقال له: «هذا علمٌ كلُّ مجتهدٍ فيه مصيبٌ ، و أنا في الحنفيّة،
فكن أنت في أصحاب الشافعي»، فتفقّه على هذا المذهب، و بلغ فيه مبلغاً عظيماً، لكنّه اختار الاهتمام بعلم الكلام قائلاً: «للفقه أقوامٌ يقومون به طلباً لأسباب الدنيا، و علمُ الكلام لا غرض فيه سوى اللّٰه تعالى».(1)
اتّصل القاضي بآل بويه الذين كانوا يحكمون العراق و أجزاء كبيرة من إيران، و كان اتّصاله بصورةٍ خاصّة بوزيرهم الكبير الصاحب بن عبّاد (ت 385 ه)، الذي أرسل إلى أبي عبد اللّٰه البصري يطلب منه أن يُنفذ إليه أحد تلاميذه، فأرسل إليه القاضيَ عبد الجبّار - بعد أن كان قد أرسل إليه أبا إسحاق النصيبيني، فلم يَرْضَ الصاحبُ أخلاقَه - فوجده كما كان يريد في العلم و المعرفة و الأخلاق(2).
و بعد مدّةٍ من الزمن ولّاه منصب قاضي القضاة بعد امتناعٍ منه و إباء، و إلحاحٍ من قبل الصاحب(3)، و ذلك سنة 367 ه، و عُرف بلقب «قاضي القضاة»، و إليه كان ينصرف هذا اللقب عند الإطلاق(4).
و قد تولّى قضاء الريّ و قزوين و غيرها من البلاد، حيث جاء في البيان الذي أنشأه الصاحب بن عبّاد ما يلي:
هذا ما عهد مؤيّد الدولة أبو منصور بن ركن الدولة أبي عليّ مولى أمير المؤمنين... إلى عبد الجبّار بن أحمد حين ولّاه قضاء القضاة بالريّ ، و قزوين، و أبهر، و زنجان، و سهرورد، و قم، و ساوة، و دنباوند....
و كتب إسماعيل بن عبّاد في المحرّم سنة سبع و ستّين و ثلاثمائة(5).
و كان الصاحب يجلّه و يعظّمه كثيراً، حتّى يُنقل عنه أنّه قال في حقّه: «هو أفضل
أهل الأرض»، أو «أعلم أهل الأرض»(1).
و قد كان القاضي قبل تولّيه القضاء ضعيف الحال من الناحية المادّيّة، فلمّا تولّى القضاء ملك الأموال الكثيرة(2). و لمّا مات الصاحب سنة 385 ه امتنع من الترحّم عليه؛ لأنّه لم يُظهر توبته، فطعن الناس عليه بذلك، و مقتوه مع كثرة إحسان الصاحب إليه، و كان عاقبة ذلك أن قبض فخر الدولة عليه، و صادر منه ثلاثة آلاف ألف درهم، و عزله عن قضاء الريّ ، و ولّى مكانه القاضي أبا الحسن عليّ بن عبد العزيز الجرجاني(3).
إلّاأنّ القاضي بقي في الريّ - و ربّما قام برحلاتٍ إلى مدنٍ أُخرىٰ -، و لم يترك التدريس و الإملاء إلى آخر عمره(4).
قيل: إنّه كان يذهب في مسألة التفضيل مذهب الجبّائيَّيْن في التوقّف، ثمّ رجع في آخر عمره و قال بتفضيل أمير المؤمنين عليه السلام على باقي الخلفاء(5).
لقد كان القاضي عبد الجبّار دائباً على طلب العلم، حتّى يقال إنّه قبل تولّيه القضاء حيث كان مُعدماً اشترى في إحدى الليالي دهناً ليداوي جرباً كان عليه، فلمّا أظلم الليل تردّد في استعمال الدهن للعلاج أو لإضاءة السراج لأجل المطالعة، ففضّل الأمر الثاني(6).
كما كان يمتلك شخصيّةً موسوعيّةً كبيرةً ، و ثقافةً إسلاميّةً متنوّعةً ، يظهر ذلك بوضوح من خلال الكتب التي ألّفها، و التي استعرض فيها مختلف المواضيع في شتّى الحقول العلميّة. و قد بلغ منزلةً رفيعةً بين المعتزلة، حتّى قيل فيه: «و إليه انتهت
الرياسة في المعتزلة، حتّى صار شيخَها و عالِمَها غير مدافَع، و صار الاعتماد على كتبه و مسائله، حتّى نَسخ كتبَ من تقدّم من المشايخ»(1). كما صار محلّ استقطاب لطلّاب العلم، حتّى إنّ الطلّاب رحلوا إليه للتعلّم على يديه(2).
و يعتبر القاضي عبد الجبّار مرحلةً مفصليّةً و مهمّةً في تاريخ الاعتزال، بحيث لا يمكن دراسة هذا الفكر من دون معرفة فكره و آراءه و كتبه. و زاد في أهمّيّة القاضي بقاءُ عددٍ لا يُستهان به من كتبه التي كتبها أو أملاها أو التي قام تلامذته بجمعها من خلال استماعهم لمحاضراته و دروسه، فإنّ هذه المؤلّفات هي النافذة الأساس و الأهمّ التي نطلّ من خلالها على فكر المعتزلة بعد فناء معظم تراثهم.
أخذ القاضي العلم من عددٍ من العلماء و الشيوخ من المتكلّمين و أهل الحديث و غيرهم، فممّن أخذ منهم الكلام(3):
أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن عيّاش (ق 4 ه).
أبو عبد اللّٰه الحسين بن عليّ بن إبراهيم البصري، المعروف ب: الجُعل (ت 369 ه).
و ممّن سمع منهم(4):
عليّ بن إبراهيم بن سلمة القطّان القزويني (ت 345 ه).
عبد اللّٰه بن جعفر بن أحمد الأصبهاني (ت 346 ه).
أبو أحمد القاسم بن أبي صالح بندار بن أبي إسحاق الهَمَداني (ت 338 ه).
عبد الرحمن بن حمدان بن المرزبان الجلّاب الجزار الهمذاني (ت 342 ه).
الزبير بن عبد الواحد الأسدآبادي (ت 347 ه).
أبو عبد اللّٰه محمّد بن أحمد بن عمرو بن هشام الزئبقي البصري (ت 315 ه).
محمّد بن عبد اللّٰه ابن أخي الساوي (ق 4 ه).
محمّد بن عبد اللّٰه الرامهرمزي (ق 4 ه).
تخرّج على يد القاضي عبد الجبّار عددٌ كبير من العلماء من المتكلّمين و المحدّثين و غيرهم، و قد أحصى الرافعي القزويني في ثنايا كتابه التدوين العشرات ممّن سمع الحديث من القاضي عند حضوره في قزوين بين سنتي 408 و 409، و قد يربو عدد الذين ذكرهم الرافعي على الخمسين، كما ذكر الحاكم الجشمي أسماء أكثر من عشرين تلميذاً له من المتكلّمين. و نحن نكتفي هنا بذكر بعضٍ من تلامذته، و خاصّة أهل الكلام منهم(1):
أبو رشيد سعيد بن محمّد بن حسن بن حاتم النيسابوري (ت 440 ه).
أبو محمّد عبد اللّٰه بن سعيد اللباد (ق 5 ه).
أبو الحسين محمّد بن عليّ بن الطيّب البصري (ت 436 ه).
أبو محمّد الحسن بن أحمد بن مَتَّويه (ق 5 ه).
أبو القاسم إسماعيل بن عليّ بن أحمد البستي (ت حدود 420 ه).
أبو يوسف عبد السلام بن محمّد بن بندار القزويني (ت 488 ه).
أحمد بن الحسين بن أبي هاشم، المعروف ب: «مانْكديم» (ت حدود 425 ه).
الشريف أبو حسن عليّ بن جعفر بن الحسن بن عبيد اللّٰه بن عليّ بن الحسين بن الحسن بن عليّ بن أحمد العلوي الحقيني (ت 490 ه).
1) . راجع: شرح العيون، ص 382-391؛ طبقات المعتزلة، ص 116-119.
أبو الحسين أحمد بن الحسين بن هارون البطحاني، المعروف ب: «الهاروني» (ت 411 ه).
القاضي أبو العبّاس السمّان، من قضاة الري (ق 5 ه).
القاضي أبو الحسن الرفّاء (ق 5 ه).
القاضي أبو الحسن عليّ بن عبد العزيز الجرجاني (ت 392 ه).
القاضي أبو بشر الجرجاني (ق 5 ه).
ابن شروين.
أبو محمّد الخوارزمي.
أبو طاهر عبد الحميد بن محمّد البخاري.
أبو منصور الحيان.
أبو نصر الرزماجاني.
أبو حامد أحمد بن محمّد النجار النيسابوري.
أبو حاتِم أحمد بن حمدان بن أحمد الورسامي الليثي الرازي (ت 322 ه).
ألّف القاضي و أملى كتباً عديدة في شتّى العلوم الدينيّة، حتّى يُقال إنّه كتب أربعمائة ألف ورقة(1). و فيما يلي قائمةً مؤلّفاته حسب تصنيف الحاكم الجشمي (ت 494 ه) لها(2)، و ربما أضفنا عليها بعض المؤلّفات التي لم يذكرها:
في علم الكلام:
كتاب الخلاف و الوفاق.
كتاب الخاطر.
كتاب الاعتماد.
كتاب المنع و التمانع.
كتاب ما يجوز فيه التزايد و ما لا يجوز.
كتاب المغني.
كتاب الفعل و الفاعل.
كتاب المبسوط.
كتاب المحيط (طبع باسم: كتاب المجموع في المحيط بالتكليف، و هو من جمع أحد تلامذة القاضي، و هو أبو محمّد الحسن بن أحمد بن مَتَّويه).
كتاب الحكمة و الحكيم.
كتاب شرح الأُصول الخمسة (الشرح المطبوع بهذا الاسم هو من تأليف أحد تلامذة القاضي، و هو أحمد بن الحسين بن أبي هاشم مانكديم (ت 425 ه)، لكنّه يعكس آراء القاضي بصورة جيّدة)(1).
الشروح:
شرح الجامعين (سمّاه القاضي في خاتمة المغني: شرح الجوامع).
شرح الأُصول.
شرح المقالات.
شرح الأعراض (سمّاه القاضي في خاتمة المغني: شرح كشف الأعراض).
1) . و هناك رسالة طبعت باسم: «الأُصول الخمسة» و نسبت إلى القاضي، حقّقها فيصل بدير عون، جامعة الكويت، 1998 م. كما نشر محمّد عمارة رسالةً أُخرى باسم: «المختصر في أُصول الدين»، و حاول أن يسوق الأدلّة لإثبات نسبتها إلى القاضي.
التكملات:
تكملة الجامع.
تكملة الشرح (لعلّه الذي سمّاه القاضي في خاتمة المغني: تهذيب الشرح).
في أُصول الفقه:
كتاب النهاية.
كتاب العمد.
كتاب شرح العمد.
في النقض على المخالفين:
نقض اللمع.
نقض الإمامة.
أجوبة المسائل:
المسائل الطَرْميات (نسبة إلى طَرْم بلدة بقزوين).
المسائل الرازيات.
المسائل العسكريات.
المسائل القاشانيات.
المسائل المصريات.
المسائل النيسابوريات.
المسائل الخوارزميات.
جوابات مسائل أبي رشيد.
مسائل وردت على غيره، لكنه تكلّم في جوابها:
المسائل الواردة على أبي الحسين (أي الخيّاط).
المسائل الواردة على أبي القاسم (أي البلخي).
في الخلاف:
في الكلام على أهل الأهواء:
في علوم القرآن:
كتاب المحيط، المسمّى أيضاً بالتفسير الكبير. (و هو مفقود، لكن قام د. محمّد خضر نبها بتجميع ما تبقّى منه، و نشره في الجزء السادس من موسوعة تفاسير المعتزلة).
كتاب الأدلّة.
كتاب التنزيه (طبع باسم: تنزيه القرآن عن المطاعن).
كتاب المتشابه (طبع في جزئين باسم: متشابه القرآن).
في المواعظ:
كتاب نصيحة المتفقّهة.
كتاب شهادات القرآن.
كتب أُخرى:
كتاب التجريد.
كتاب المكّيّات.
كتاب الكوفيّات.
الجُمل و العقود.
شرح الجُمل و العقود.
كتاب المقدّمات.
كتاب الجدل (سمّاه القاضي في خاتمة المغني: شرح أدب الجدل).
كتاب الحدود.
فهذه هي قائمة الكتب التي ذكرها الحاكم الجشمي، و لم يَقُمْ باستقصاء جميع مؤلّفات القاضي، وصرّح بعد انتهائه من سرد كتبه بأنّ ذكر جميع مصنّفاته يتعذّر. هذا، و قد أضاف القاضي في خاتمة المغني كتابين آخرين، و هما:
تقريب الأُصول.
شرح الجامع الصغير.
كما أضاف البعض كتباً أُخرىٰ ، و هي:
كتاب أُصول الفقه.
كتاب الاختلاف في أُصول الفقه.
كتاب مجموع العهد.
كتاب تثبيت دلائل النبوّة (مطبوع في جزئين).
كتاب نظم الفوائد و تقريب المراد الرائد(1).
فرائد القرآن و أدلّته (و هو تفسيرٌ آخر للقاضي، تفرّد السيّد عليّ ابن طاووس (ت 664 ه) بذكره، و نقل منه نتفاً مختصرة في كتابه سعد السعود، و قد قام د. محمّد خضر نبها بتجميع تلك النتف، و نشرها في ذيل تفسير المحيط المتقدّم الذكر).
فهذه هي أهمّ كتب القاضي، و التي تمكنّا من استقصائها.
لقد طال عمر القاضي حتّى أربى على التسعين، و توفّي في الريّ ، في ذي القعدة(2)
من سنة 415 ه(1)، و دفن في داره(2). و هذا يعني أنّ ولادته كانت في العشرينات من القرن الرابع تقريباً.
و على أيّ حال، يمكن عدّ القاضي ممثّلاً للمرحلة الأخيرة - أو ما قبل الأخيرة - من تاريخ الاعتزال الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، فعلى الرغم من كلّ الجهود التي بذلها لحفظ هذا الفكر، و رغم كلّ التلامذة النابهين الذين ربّاهم من أمثال أبي رشيد النيسابوري، و أبي الحسين البصري، إلّاأنّ ذلك لم يكن نافعاً في منع انقراض الاعتزال و تقويض بناءه، فلم يَمْضِ قرن أو أكثر بقليل من وفاة القاضي، حتّى فنى المعتزلة و بادوا، و لم يَبْقَ منهم إلّاعددٌ ضئيل، بعد أن سلّموا تركتهم إلى ورثتهم من الزيديّة.
قدّم المعتزلة على مدى قرونٍ من النشاط العلميّ إنتاجاً علميّاً ضخماً في مجال علم الكلام، و التفسير، و الفقه، و أُصول الفقه، و المقالات و غيرها، و ربما كان إنتاجهم الكلاميّ هو الأكبر، فقد قاموا بتأليف مختلف الكتب في شتّى أبواب الكلام، و تعمّقوا في البحوث، و عرضوا أفكاراً جديدة لم يُسبقوا إليها، و بلغ حجم إنتاجهم الكلامي عشرات و ربما مئات الكتب و الرسائل التي كان لها يوماً صيتٌ و نفوذٌ و تأثيرٌ كبير على المتكلّمين و العلماء.
و لكن لم يكتب لأكثر هذه المؤلّفات البقاء بسبب ما مُني به المعتزلة من زوال عن الساحة الفكريّة الإسلاميّة، و وصول جهات فكريّة مناوئة لهم إلى السلطة، ممّا أدّى إلى إهمال كتبهم و عدم استنساخها، و بالتالي فقدان معظمها بمرور الزمن.
و قد كان الاعتقادُ السائدُ بين العلماء إلى وقتٍ ليس ببعيدٍ أنّه لم يَبْقَ شيءٌ معتدٌّ به من تراث المعتزلة، و أنّه قد فُقد أكثره، و لم تَبْقَ منه سوى شذراتٌ متفرّقةٌ منقولةٌ عنه في هذا الكتاب أو ذاك، و لكن أخذت حقائق جديدة تتكشّف شيئاً فشيئاً حول التراث المعتزلي، و هو أنّ هناك في جانب من جوانب هذا العالم الفسيح مكاناً أولى اهتماماً خاصّاً بحفظ عددٍ لا يُستهان به من هذا التراث، و ذلك بسبب التأثّر به من بعض الجهات، إنّه اليمن السعيد الذي احتضن على مدى قرون طويلة مذهب الشيعة الزيديّة، و الذين أخذوا يَجمعون - و خاصّة في زمن الإمام الزيدي المنصور باللّٰه عبد اللّٰه بن حمزة (ت 614 ه) - ما تبقّى من تراث المعتزلة القريب إلى فكرهم، و يستنسخونه، و يحفظونه في مكتباتهم.
و قد ظلّ هذا التراث قابعاً في مكتبات اليمن، دون أن يعلم به أحدٌ سوى أهله اليمنيّين، و ربما بعض مَن جاور بلادهم من العلماء، و لكن بعد قرون من الزمن، و بفضل البعثات العلميّة الغربيّة و العربيّة التي أرسلت إلى اليمن لتفحّص مكتباتها، ظهر للعالم أنّ عدداً كبيراً من التراث المعتزليّ ما زال محفوظاً، فتمّ تصويره و جلبه إلى المراكز العلميّة و المكتبات المختلفة في العالم؛ ليُتاح للباحثين مشاهدته عن قرب و دراسته، و بالتالي نشره؛ و بذلك تمّ نشر عددٍ من مؤلّفات المعتزلة التي كان يُظنُّ أنّه قد عفا عليها الزمن.
إنّ أهمّ كتابٍ معتزليٍّ تمّ العثور عليه و أضخمه هو الكتاب الكبير: المغني للقاضي عبد الجبّار المعتزلي، فهو يعتبر حصيلة لِمَا شهده الفكر المعتزليّ العميق خلال ثلاثة قرون من آراء و سِجالات و بحوث مُفعَمَة بِحَيَويّة فكريّة، و عقليّة منفتحة.
كما يعتبر بالخصوص خلاصةً لأفكار المدرسة المعتزليّة في شطرها البصريّ بالخصوص المتمثّل في ثلاثة من عمالقة الفكر المعتزليّ البصري، و الذين جاؤوا في فترات زمنيّة متلاحقة، حيث كانوا يشكّلون ثلاث حلقات متّصلة، باعتبار أنّ بعضهم
كان تلميذاً للآخر، و هم: أبو عليّ الجبّائي (ت 303 ه)، و ابنه و تلميذه أبو هاشم الجبّائي (ت 321 ه)، و أبو عبد اللّٰه البصري (ت 369 ه) تلميذ أبي هاشم و أُستاذ القاضي عبد الجبّار(1)، فقد اهتمّ القاضي في المغني - باعتباره زعيم و ممثّل الإعتزال البصري في عصره - بصورةٍ رئيسيّة بعرض أفكار هؤلاء الثلاثة و الدفاع عن الكثير منها، و خاصّة أفكار شيخه أبي عبد اللّٰه البصري، حيث كان يقدّم أفكاره في كثير من الأحيان على أفكار أبي هاشم و أبيه.
و ربّما يمكن عدُّ المغني أكبر كتابٍ ، بل أكبر موسوعةٍ كلاميّةٍ تمّ تأليفها، فهو مكوّن من عشرين جزءاً، و يحتوي على حوالي ألف باب و فصل، و ربما أكثر من ذلك(2)، ممّا يرفع من مكانته العلميّة، بحيث لا يكون للمهتمّين بعلم الكلام و تاريخه غنى عنه.
و قد ألّف القاضي هذا الكتاب في النصف الثاني من القرن الرابع، و استغرق تأليفُه أو بالأحرى إملاؤه حوالي عشرين عاماً، فقد كانت بداية تأليفه في سنة 360 ه، و نهايته في سنة 380 ه.(3)
و قد أرجع القاضي سبب طول مدّة إملاء الكتاب إلى اشتغاله بأُمور، منها تأليف العديد من الكتب، فقد قام في خلال مدّة كتابة المغني بتأليف كتبٍ أُخرى، مثل: شرح المقالات، و بيان المتشابه في القرآن، و كتاب الإعتماد، و شرح الجوامع، و كتاب التجريد، و شرح كشف الأعراض، و قطعة من شرح أدب الجدل، و شرح الأُصول الخمسة، و غير ذلك من أجوبة المسائل الواردة عليه(4).
و هذه المدّة الطويلة حَريّة بأن تؤدّي إلى حصول اختلاف في رأي المؤلّف، كما
أشار القاضي بنفسه إلى ذلك، حيث قال:
و لعلّ الناظرُ في هذا الكتاب يجد في أواخره ما يخالف أوائله من مذهبٍ أو دليلٍ أو غيرهما، فمِن سبيله أن يَعلم أنّ ذلك ليس ببدعٍ في مثل هذا الكتاب الذي يجمع حدود ألف باب و فصل، بل يزيد كثيراً، و الذي يَتصوّر بصورة كتابٍ واحد، و هو في حكم الجامع لكتب الكلام، و قد يَتهذّب للإنسان طريقه في المذاهب و الأدلّة في العهد القريب، فكيف به في العهد البعيد.
و بعد أن أشار إلى تأليفه الكتاب في مدّة عشرين عاماً، قال:
و في دون ذلك تتغيّر أحوال التصنيف، في تهذيبٍ لطريقة، أو تنبيهٍ على نكتةٍ و دلالة، و تبيُّنٍ لخطإٍ في طريقة، فإذا رأيتَ بعض ما ذكرناه في هذا الكتاب فلهذه العلّة(1).
و من جهة أُخرىٰ ، إنّ مشروعاً بهذا الحجم الكبير لا يمكن أن يحتوي بأكمله على إبداعات جديدة للمؤلّف لم يُسبق إليها، بل من طبيعة العمل الموسوعي أن يعتمد على ما تقدّم عليه من مؤلّفات، سوى أنّ إبداع المؤلّف يظهر حينئذٍ في تقرير المطالب العلميّة و فهمها، و نقدها أو الدفاع عنها بصورةٍ دقيقة، و توضيح المغلَق منها، و غير ذلك، و قد قال القاضي بهذا الصدد:
و لعلّ قائلاً أنّ يقول: إن الذي ضمّه هذا الكتاب إنّما هو جمعُ المعروف من الكتب، و ليس الأمر كما ظنّه. لا بدّ إذا تأمّلتَه لم تعدم في كلّ بابٍ منه ضمَّ منتشر، و جمعَ مفترق، و إبانةً لموضع العمدة، و تحرزاً عن موضع الشبهة، و تحصيلَ شروط الدلالة، و بيانَ ما علّته بناء النكتة و العمدة.
و ما أكثر ما هلك الناس لذهابهم عن هذه الأُمور، و ظنّهم في الدلالة أنّها مطلقة و هي مقيّدة، فأدّاهم ذلك إلى اعتقاد ما لا يَحلّ ، أو ظنّهم أنّها مقيّدة و
1) . المغني، ج 20 (في الإمامة، ق 2)، ص 257-258.
هي مطلقة، فامتنعوا من اعتقاد ما يَجب اعتقاده(1).
بل لا يُخفي القاضي استفادته من كتب المتقدّمين عليه من كبار المعتزلة، حيث يقول:
... لأنّا [لا] نجحد فيما أوردناه في هذا الكتاب أن نكون ناقلين لكلام الشيوخ، بل نتبجّح بذلك، و نفتخر به، و نعترف بأنّا على كلامهم نحتذي، و عنهم نأخذ، و لو جُعل مثلُ ذلك طريقاً لِترْك الإملاء و التصنيف لعظمت المضرّة. و لم نألُ جهداً فيما أوردناه في هذا الكتاب نقلاً من كلام الشيوخ، خصوصاً من كلام الشيخ أبي عليّ ، و أبي هاشم، و أبي عبد اللّٰه(2).
لقد بدأ القاضي إملاء المغني في مدينة رامهرمز(3)في مسجد الشيخ أبي محمّد عبد اللّٰه بن العبّاس(4). و رامهرمز مدينة معروفة في الأهواز، و كانت تعدّ يوماً من مَعاقل المعتزلة.
و بعد أن انتقل القاضي إلى الريّ لتسلّم منصب قاضي القضاة بطلب من الوزير الصاحب بن عبّاد (ت 385 ه)، قام بإتمام إملاء الكتاب هناك(5)، و لهذا أدّى هذا الأمر إلى حصول اختلاف بين بدايات الكتاب و نهايته من حيث التفصيل و الاختصار، أو النظم في تهذيب الألفاظ و ترتيب المعاني(6).
و قد تمّ نسخ كتاب المغني في حياة المنصور باللّٰه عبد اللّٰه بن حمزة (ت 614 ه)
1) . المغني، ج 20 (في الإمامة، ق 2)، ص 255-256.
2) . المصدر، ص 257.
3) . شرح العيون، ص 366.
4) . المغني، ج 20 (في الإمامة، ق 2)، ص 258. و قد جاء في المغني: «لأنّا ابتدأنا بإملائه في مسجدشيخنا أبي محمّد عبد اللّٰه ابن العبّاس بن أمهرمز». [كذا، و لعل الصحيح: في رامهرمز].
5) . و لمّا أتمّه بعث به إلى الصاحب، فقام الأخير بتقريظ الكتاب (راجع نصّ التقريظ في: شرح العيون، ص 369).
6) . المغني، ج 20 (في الإمامة، ق 2)، ص 259-258.
لصالح مكتبةٍ أسّسها في مدينة ظفار، و قد بقي منها اثنى عشر جزءاً محفوظاً في مكتبة الأوقاف (الشرقيّة) التابعة للجامع الكبير في صنعاء. وقامت بعثة مصريّة بتصوير هذه الأجزاء ما بين سنتي 1951 م و 1952 م، و بعد ذلك بقليل اكتشفت بين مخطوطات دار الكتب بالقاهرة خمسة أجزاء من المغني، و هي تشمل الأجزاء: (5، 6، 15، 16، 17)، و كان الجزءان (15، 17) جديدين، حيث لم يكن لهما مماثل فيما بين مخطوطة صنعاء، و بعد سنوات نُشرت أجزاء المغني مع مراجعة د. إبراهيم مدكور، و إشراف د. طه حسين في القاهرة، من قِبَل وزارة الثقافة و الإرشاد القومي، الإدارة العامّة للثقافة(1).
نقوم فيما يلي بتعريفٍ مختصر بالأجزاء المتبقّية و المطبوعة من كتاب المغني:
الجزء الرابع:(2)(رؤية الباري)، طبع بتحقيق: محمّد مصطفى حلمي، و أبو الوفا الغنيمي. و يحتوي هذا الجزء على الأبحاث التالية: الكلام في أنّ اللّٰه تعالى لا تجوز عليه الحاجة، و الكلام في نفي الرؤية، و الكلام في أنّه تعالى واحدٌ لا ثاني له في القِدَم و الإلهيّة. و قد اعتُمد في تحقيقه على نسخةٍ واحدة، و هي النسخة اليمنيّة.
الجزء الخامس: (الفرق غير الإسلاميّة)، طبع بتحقيق: محمود الخضيري. و يحتوي على قسمَيْن رئيسيَّيْن:
الأوّل: الكلام على الأديان كالثنويّة، و المجوس، و النصارى، و اليهود، و الصابئين، و أهل الأصنام.
و الثاني: الكلام فيما يتعلّق بأسماء اللّٰه تعالى(1).
و قد جاء في خاتمة هذا الجزء: «تمّ الكلام في التوحيد، و يتلوه الكلام في العدل»، كما جاء في خاتمته أنّه قد فُرغ من استنساخه في يوم الجمعة، لعشر خلون من شهر رجب المعظّم من سنة 606 ه بالمدرسة المنصوريّة بقرية حوث.
الجزء السادس/القسم الأوّل: (التعديل و التجوير)، طبع بتحقيق: أحمد فؤاد الأهواني. و هذا القسم من الجزء السادس، و القسم الذي يليه، و الذي يبحث في الإرادة، محقّقان على نسختَيْن يمنيّة و مصريّة.
الجزء السادس/القسم الثاني: (الإرادة)، طبع بتحقيق: جورج قنواتي.
الجزء السابع: (خلق القرآن)، طبع بتحقيق: إبراهيم الأبياري. و الظاهر أنّ هذا الجزء ناقصٌ من أوّله، و هو محقّقٌ على نسخةٍ واحدةٍ يمنيّة، و البحث الأصلي فيه يدور حول صفة الكلام الإلهي.
الجزء الثامن: (المخلوق)، طبع بتحقيق: توفيق الطويل، و سعيد زايد، و تقديم:
إبراهيم مدكور. و قد اعتُمد في تحقيقه على نسخةٍ واحدةٍ يمنيّة، و هو يتحدّث عن الجبر و الاختيار.
الجزء التاسع: (التوليد)، طبع بتحقيق: توفيق الطويل، و سعيد زايد، و تقديم:
إبراهيم مدكور. و هو محقَّق وفقاً لنسخة واحدة يمنيّة، و الجزء ناقص، لكن سوف يأتي أنّ كتاب نكت الكتاب المغني يحتوي على بقيّة بحث التوليد، فإنّ هذا الجزء من المغني - أي جزء التوليد - يحتوي على 21 فصلاً، كما جاء في مقدّمة الجزء، و الموجود في طبعة القاهرة يحتوي على 12 فصلاً فقط، مع وجود سقط في الفصل
1) . و هناك تحقيق لقسمٍ من هذا الجزء قام به ديفيد توماس مع ترجمة باللغة الإنجليزية، و ذلك تحت عنوان: Christian Doctrines Islamic Theology (الكلام على النصارى من المغني في باب التوحيد و العدل) 2008 Leiden .
الثاني عشر، لكن نكت الكتاب المغني يحتوي على سبعة فصول إضافية، فيبلغ مجموع الفصول المتبقّية من بحث التوليد تسعة عشر فصلاً، و يبقى فصلان مفقودان، و هما الفصل السادس عشر و السابع عشر.
الجزء الحادي عشر:(1)(التكليف)، طبع بتحقيق: محمّد علي النجّار، و عبد الحليم النجّار. و يحتوي هذا الجزء على: الكلام في الآجال، و الأرزاق، و الأسعار، و الكلام في بيان وجه الحكمة في ابتدائه تعالى الخلق، و الكلام في التكليف (و هو أطول فصول هذا الجزء)، و الكلام في الفناء و الإعادة، ثمّ عودة إلى بحث التكليف.
الجزء الثاني عشر: (النظر و المعارف)، طبع بتحقيق: إبراهيم مدكور. و قد حُقّق وفقاً للنسخة اليمنيّة.
الجزء الثالث عشر: (اللطف)، طبع بتحقيق: أبو العلا عفيفي. و يحتوي على: الكلام في اللطف، و الكلام في الآلام، مع بحث العوض.
الجزء الرابع عشر: (الأصلح، استحقاق الذمّ ، التوبة)، طبع بتحقيق: مصطفى السقّا. و هو محقَّق وفقاً لنسخة يمنيّة واحدة.
الجزء الخامس عشر: (التنبؤات و المعجزات)، طبع بتحقيق: محمود الخضيري، و بعد وفاة الأخير قبل إكمال العمل، قام محمود محمّد قاسم بإكمال التحقيق، و قد اعتمد على نسختين يمنيّة و مصريّة. و يحتوي على: الكلام في النبوّات، و الكلام في المعجزات، و الكلام في الأخبار.
الجزء السادس عشر: (إعجاز القرآن)، طبع بتحقيق: أمين الخولي. اعتمد على نسختَيْن يمنيّة و مصريّة، و الأخيرة أوفى و أدقّ ، كما جاء في مقدّمة التحقيق، و يحتوي على: بقيّة الكلام في الأخبار المتقدّم في نهاية الجزء السابق، و الكلام في جواز نسخ الشرائع، و الكلام في ثبوت نبوّة محمّد صلّى اللّٰه عليه و آله و في إعجاز
1) . الجزء العاشر مفقود.
القرآن، و الكلام في إثبات سائر معجزات الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله.
الجزء السابع عشر: (الشرعيّات)، طبع بتحقيق: أمين الخولي. اعتمد على نسخةٍ واحدةٍ ، و هي النسخة المصريّة، فإنّ هذا الجزء غير موجود في النسخة اليمنيّة.
الجزء العشرون(1)/القسم الأوّل و الثاني: (في الإمامة)، طبع بتحقيق: عبد الحليم محمود، و سليمان دنيا. و قد طبع في ضمن قسمَيْن، و هو يحتوي على: الكلام في الإمامة، و الكلام فيما يتعلّق بوجوب الإمامة، و النصّ ، و صفات الإمام، و ما يصير به الإمام إماماً، و الكلام في إمامة أبي بكر و مَن بعده، و الكلام على الخوارج و مَن نحا نحوهم في البراءة من عثمان، و الكلام في التفضيل، و ذِكر جملة من مذاهب الغلاة و الإماميّة و الزيديّة، و به يتمّ الكلام في الإمامة(2)، و يأتي بعد ذلك: الكلام فيما يستحقّه جلّ و عزّ من صفات الأفعال، و الكلام فيما تعبّدنا به من الدعاء و الطلب و المسألة، ثمّ خاتمة الكتاب.
إذن، لقد احتوت طبعة القاهرة على 14 جزءاً من كتاب المغني، و سقط منها ستّة أجزاء، و هي الأجزاء (1، 2، 3، 10، 18، 19) و قد طبع كلٌّ من الجزئَيْن 6، 20 في مجلّدين أو قسمَيْن، فتكون طبعة القاهرة مكوّنة من 14 جزءاً مطبوعة في ضمن 16 مجلداً.
و الساقط من مخطوطة المغني مجموعة من الأبحاث، و هي: أبحاث إثبات الصانع، و الصفات، و هي ساقطة من بدايات الكتاب، و أبحاث الوعد و الوعيد، و المنزلة بين المنزلتين، و الأسماء و الأحكام، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و هي ساقطة من أواخر الكتاب.
و قد أحال القاضي على بعض هذه الأبواب التي لم تصل إلينا، مثل باب الأسماء و الأحكام(1)، و النهي عن المنكر(2)، و بعض أبحاث الصفات التي ذكرها في آخر بحث التوحيد(3)، كما أحال على باب الوعيد(4)، و هو يدلّ على أنّ هذه الأبواب كانت موجودة في الأصل، و لكنّها فقدت فيما بعد.
و لكن بالنسبة إلى بحوث الصفات فهي لم تُفقد بالكامل، بل بقي منها بعض البحوث المهمّة و المطوّلة أحياناً، نذكرها مع ذكر الجزء الموجودة فيه، و هي:
الجزء الرابع: نفي الحاجة (الغِنى)، و نفي الرؤية، و نفي الثاني (التوحيد).
الجزء الخامس: الكلام فيما يتعلّق بأسماء اللّٰه تعالى.
الجزء السادس: التعديل و التجوير، و الإرادة.
الجزء السابع: الكلام الإلهي.
الجزء العشرون (القسم الثاني): الكلام فيما يستحقّه جلّ و عزّ من صفات الأفعال.
و ربما احتوى الكتاب في طيّاته على أبحاث أُخرى حول الصفات.
و تحتوي خاتمة النسخة اليمنيّة على نقضٍ لقسم الإمامة من المغني بعنوان:
الجواب الحاسم المُفني لِشُبَه كتاب المُغني، تأليف محمّد بن أحمد بن عليّ بن الوليد، و قد ردّ فيه على ما خالف الزيديّة في الإمامة، ممّا هو موجود في المغني. و الموجود المطبوع في خاتمة طبعة القاهرة من المغني مختصر جدّاً، يزيد على عشر صفحات بقليل، و قد سقط من آخره مقدار غير معلوم.
ظهر بين بعض علماء اليهود في القدس و مصر اهتمامٌ خاصٌّ بأفكار المعتزلة، و خاصّة أفكار أبي هاشم الجبّائي (ت 321 ه)، و أبي الحسين البصري (ت 436 ه)، فقاموا باستنساخ العديد من كتب المعتزلة، و ما زال عددٌ من تلك المخطوطات موجوداً في مكتبات العالم، و من أهمّها مجموعة إبراهام فركوفيتش المحفوظة في المكتبة الوطنيّة الروسيّة بمدينة سان بطرسبورغ(1).
و قامت البروفسورة زابينه اشميدكه بالتعاون مع عمر حمدان بنشر مجموعة من تلك المخطوطات تحتوي على أربع قطع من المغني، يدور موضوعها حول التوليد، و الاستطاعة، و التكليف، و النظر و المعارف، و قد نشرت في بيروت تحت عنوان:
نكت الكتاب المغني.
و المخطوطة المعتمَدة ليست مجموعة في مكانٍ واحد، بل هي قطع موزّعة لمخطوطة واحدة، ثلاث منها في المكتبة الوطنيّة الروسيّة، و واحدة في المتحف البريطاني(2).
و يحتوي هذا الكتاب على أجزاء مهمّة من بحث التوليد، و هي ساقطة من طبعة القاهرة كما تقدّم، إضافة إلى بحث الاستطاعة، و هو ساقطٌ بصورةٍ كاملة ممّا نُشر في القاهرة، كما أنّ جزءاً يسيراً جدّاً من خاتمة بحث التكليف - بمقدار سطرَيْن و نصف - قد سقط من طبعة القاهرة، و هو موجودٌ في هذه الطبعة البيروتيّة، كما يوجد في هذه الطبعة أبحاث متناثرة حول صفات اللّٰه تعالى، كانت موجودة في الأجزاء الأُولى من المغني الساقطة بأكملها من طبعة مصر.
احتوى الجزء العشرون و الأخير من كتاب المغني على بحوث الإمامة مع شيءٍ من بحوث صفات الأفعال، و كلام حول الدعاء و المسألة كما تقدّم.
و تستوعب بحوث الإمامة الحجمَ الأكبرَ من هذا الجزء، فهي تشمل كلّ القسم الأوّل من هذا الجزء المطبوع في قسمَيْن، حسب تقسيم طبعة القاهرة، كما تشمل معظم القسم الثاني، أي إلى الصفحة 185 منه، حيث يصرّح القاضي بنهاية البحث عن الإمامة بقوله: «و هذه الجملة كافية فيما يتّصل بالإمامة إن شاء اللّٰه. تمّ الكلام في الإمامة»، و لهذا استحقّ أن يحمل الجزء العشرون عنوان: جزء الإمامة.
و هذا الجزء هو الذي قام الشريف المرتضى علم الهدى بنقض ما يتعلّق منه بالإماميّة في كتابه الكبير الشافي في الإمامة بصورةٍ مفصّلة، فقد قام بالردّ على معظم مطالب هذا الجزء التي لا تتوافق مع تعاليم الإماميّة و رؤيتهم إلى موضوع الإمامة الخطير.
و نعرف ممّا تقدّم من معلومات حول تاريخ تأليف المغني و مكان تأليفه، أنّ جزء الإمامة قد انتهى القاضي من تأليفه و إملائه في سنة 380 ه، و هو تاريخ الانتهاء من تأليف المغني نفسه، باعتبار أنّ هذا الجزء هو آخر جزء من الكتاب، حيث يحتوي على الخاتمة.
كما نعلم أنّه قد تمّت كتابة هذا الجزء في الريّ عندما كان القاضي يمارس مَهامّه كقاضي للقضاة، باعتبار ما تقدّم أيضاً من أنّ الانتهاء من المغني كان في الريّ . و سوف تنفعنا هذه المعلومات في مستقبل الحديث في هذه المقدّمة.
لقد اعتمد القاضي في تأليف جزء الإمامة على عدّة مصادر:
و المصدر الأهمّ من بين هؤلاء الثلاثة هو كتاب الإمامة لأبي عليّ الجبّائي الذي صرّح باسمه القاضي أكثر من مرّة(1)، و نقل منه نصوصاً كثيرةً جدّاً، حتّى ليخال القارئ أنّ القاضي كان - عند إملاء بحوث الإمامة - يمسك بهذا الكتاب، و يقرأه على تلاميذه، ثمّ يعلّق عليه.
و ربما كان منصبه كقاضي للقضاة في الريّ عند إملائه بحوث الإمامة منعه من مراجعة الكتب المختلفة دائماً؛ لكونه يتطلّب وقتاً لم يكن يمتلكه آنذاك، فاكتفى بكتاب الجبّائي في كثير من الأحيان، مع مراجعة سريعة لكتب الآخرين.
و على أيّ حالٍ ، فهو قد حفظ لنا من خلال ذلك أجزاء كبيرة و مهمّة من كتاب الجبّائي في الإمامة، بحيث يمكن إعادة تجميع هذا الكتاب، و دراسة فكر الجبّائي من خلاله.
4-5. إضافةً إلى اعتماده في نقل آراء المذاهب على كتاب أبي القاسم البلخي، و كتاب الحسن بن موسى النوبختي(6)، و الكتاب الأوّل هو المقالات(7)، و الثاني هو الآراء
و الديانات(1)، و هما كتابان معروفان في مجال دراسة الأديان و المذاهب.
و هو و إن لم يصرح باسم ابن قِبَة وكتابه، لكن الشريف المرتضى عند مناقشته لهذا الموضع صرّح بذلك، حيث قال:
يُقالُ له: قد عَلِمنا مَن الذي وَجَّهتَ كِنايَتَكَ في هذا الفَصلِ إليه، و هو شَيخُنا أبو جعفرِ بنُ قِبةَ رَحِمَه اللّٰهُ ، و الذي ذَكَرَه في صَدرِ كتابِه المعروفِ ب «الإنصافِ و الانتصافِ » خِلافُ ما ظَنَنتَه...(5).
انقسمت بحوث الإمامة في هذا الجزء إلى سبعة أبواب تحمل عنوان: «الكلام في...»، و كلّ بابٍ مقسّم إلى فصول متعدّدة، و الأبواب و فصولها هي:
الباب الأوّل: الكلام في الإمامة.
يحتوي على فصلٍ واحد، و هو: فصلٌ يكشف عن الغرض منها، و معتمَد الخلاف فيها.
الباب الثاني: الكلام فيما يتعلّق بوجوب الإمامة، و وجه وجوبها.
و فيه فصول:
في أنّ الإمامة غير واجبةٍ من جهة العقل. و قد أجاب الشريفُ المرتضى على هذا الفصل و الفصل السابق من الباب الأوّل في ضمن فصلٍ واحد، و هو الفصل الأوّل من الشافي، و لعلّ ذلك يرجع إلى كون موضوعَيْهما متقاربَين.
في بيان ما يدلّ من جهة السمع على وجوب إقامة الإمام. و قد ناقشه الشريفُ المرتضى في ضمن الفصل الثاني من الشافي.
في ذكر شبههم في هذا الباب. و ناقشه الشريفُ المرتضى في ضمن الفصل الثالث من كتاب الشافي.
الباب الثالث: الكلام في النصّ الذي يدّعيه المخالف، و ما يتّصل بذلك.
و فيه فصولٌ :
في أنّ الإمامة لا يجبُ أن يكونَ طريقها النصّ من جهة العقل. و قد ناقشه الشريفُ المرتضى في ضمن الفصل الرابع من الشافي.
في ذكر شبههم في هذا الباب. و قد نقضه الشريفُ المرتضى في الفصل الخامس من الشافي.
في أنّ النصّ على الإمامة غير واجبٍ و لا ثابتٌ من جهة السمع. و ناقشه الشريفُ المرتضى في الفصل السادس من الشافي.
الباب الرابع: الكلام في الصفات التي إذا اختصّ بها المرء، صلح أن يكون إماماً.
و فيه فصولٌ :
في أنّ مَن يصلح للإمامة لا بدّ من أن يكون عدلاً، و أنّ إمامة الفاسق لا تجوز. و ناقشه الشريفُ المرتضى في الفصل السابع من الشافي.
في قدر ما يجب أن يختصّ به من العلم مَن يصلح للإمامة. و ناقشه الشريفُ المرتضى في الفصل الثامن من الشافي.
فصلٌ في الكلام في الأفضل. و نقضه الشريفُ المرتضى في الفصل التاسع من الشافي.
في أنّ الأئمّة من قريش. و ناقشه الشريف المرتضى في الفصل العاشر من الشافي.
في هل يجوز العدول عن قريش في باب الإمامة أم لا؟ و ناقشه الشريف المرتضى في الفصل الحادي عشر من الشافي.
في أنّ الإمام يجب أن يكون واحداً في الزمان.
في أنّه لا يمتنع أن يجتمع في وقتٍ واحدٍ جماعةٌ يصلحون للإمامة.
في أنّ مَن يصلح للإمامة لا يصير إماماً، و أنّه لا بدّ من تجدُّد أمرٍ به يصير إماماً.
لم يناقش الشريف المرتضى هذه الفصول الثلاثة لعدم اختلافه في مطالبها مع القاضي، سوى في مطلبٍ مختصرٍ أشار إليه في نهاية الفصل الحادي عشر من الشافي(1).
الباب الخامس: الكلام فيما يصير به الإمام إماماً.
و فيه فصلٌ واحد، و هو: فصلٌ في الدلالة على ما قدّمنا ذكره من أنّه لا بدّ من العقد، و عدد مخصوص في العاقدين، و شرط مخصوص فيهم. و ناقشه الشريفُ المرتضى في الفصل الثاني عشر من كتابه.
الباب السادس: الكلام في إمامة أبي بكر، و مَن بعده.
ناقش الشريف المرتضى هذا الباب في الفصل الثالث عشر من الشافي.
و هو يحتوي على فصول:
في ذكر شبههم في الاختيار. ذكر القاضي إشكالات المخالفين في أنّ الإمام يتعيّن من خلال الاختيار و ناقشها، و قد ردّ عليه الشريف المرتضى في الفصل الرابع عشر باختصار؛ اكتفاءً بما تقدّم من وجوب النصّ .
في الدلالة على أنّ أبا بكر كان يصلح للإمامة. و ناقشه الشريفُ المرتضى في الفصل الخامس عشر.
1) . الشافي، ج 4، ص 103-104.
في ذكر مطاعنهم في أبي بكر، و بيان الجواب عنها. و ناقشه الشريف المرتضى في الفصل السادس عشر.
في أنّ عمر بن الخطّاب كان يصلح للإمامة.
في إثبات إمامة عمر، و طريق إثباتها. و قد ناقش الشريف المرتضى هذين الفصلَيْن في الفصل السابع عشر، و هو فصلٌ مختصرٌ جدّاً، يبلغ حوالي صفحة واحدة، اختصره الشريف المرتضى اكتفاءً بما تقدّم من الكلام حول إمامة أبي بكر.
في ذكر ما أوردوه من المطاعن في إمامة عمر. و ناقشه الشريف المرتضى في الفصل الثامن عشر.
في إمامة عثمان. و ناقشه الشريف المرتضى في الفصل التاسع عشر باختصارٍ شديد؛ اكتفاءً بما تقدّم في إمامة أبي بكر و عمر.
الكلام على الخوارج و مَن نحا نحوهم في البراءة من عثمان و خلعه. و ناقشه الشريف المرتضى في الفصل العشرين، و هو الفصل المخصّص لمطاعن عثمان.
في الكلام على مَن وقف في عثمان و خاذليه و قاتليه. ذكر القاضي في هذا الفصل المختصر في صفحتين رأيَ الواقفين في عثمان مثل أبي الهُذيل العلّاف، و لم يتعرّض الشريف المرتضى لمناقشة هذا الفصل؛ لأنّه لا يعنيه.
في إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. تحدّث فيه القاضي عن صلاح أمير المؤمنين عليه السلام للإمامة، و لم يناقشه الشريف المرتضى بطبيعة الحال.
في إثبات إمامته - أي أمير المؤمنين عليه السلام -، و ما يتّصل بذلك.
و ناقشه الشريف المرتضى في الفصل الحادي و العشرين، و لم يناقشه طبعاً في أصل إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، و إنّما ناقشه في طريق إثباتها، فإنّ القاضي أثبت إمامته عليه السلام بالاختيار و الإجماع، بينما رفض الشريف المرتضى ذلك، و أثبتها بالنصّ .
في إبطال قول مَن طعن في إمامته - أي أمير المؤمنين عليه السلام - بمقاتلة أهل القبلة.
في إبطال قول مَن وقف فيه - أي أمير المؤمنين عليه السلام - و في القوم، و زعم أنّهما كالمتلاعنَين. و لم يناقشهما الشريف المرتضى(1).
في بيان توبة طلحة و الزبير و عائشة و غيرهم. و ناقشه الشريف المرتضى في الفصل الثاني و العشرين، و هو الفصل الأخير من الشافي.
في بغي معاوية و وجوب محاربته.
في الكلام على الخوارج.
الباب السابع: الكلام في التفضيل. ذهب القاضي إلى تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام على سائر الخلفاء، و هذا ممّا لا خلاف فيه بينه و بين الشريف المرتضى، و لذلك ترك مناقشته.
و أمّا باقي الفصول فلم يتعرّض الشريف المرتضى لمناقشتها؛ إمّا لعدم اختلافه فيها مع القاضي، و إمّا لأنّ بطلانها قد اتّضح ممّا تقدّم من بحوث الشافي، و سوف نذكر عبارة الشريف المرتضى حول ذلك بعد قليل.
و فصول هذا الباب كالتالي:
في ذكر جملةٍ من الخلاف في هذا الباب.
فيما به يصير الفاضل فاضلاً، و أفضل من غيره.
في بيان ما به يُعلم الفاضلُ فاضلاً، و الأفضلُ أفضلَ .
فيما يدلّ قطعاً على أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أفضل.
فيما ذكره الفريقان في باب الموازنة.
1) . انظر: الشافي، ج 5، ص 317.
في ذكر إمامة الحسن و الحسين عليهما السلام و غيرهما من العترة و غير العترة.
في ذكر جملة ما يختصّ به الإمام لكونه إماماً، و مفارقته لغيره.
في أنّ منع الإمام ممّا يختصّ به لا يخرجه من كونه إماماً.
فيما يخرج به الإمام من أن يكون إماماً.
في ذكر جملةٍ من مذاهب الغلاة.
في ذكر مذاهب الإماميّة، و سائر من يعيّن الأئمّة على اختلاف أقاويلهم.
في ذكر أقاويل الزيديّة، و مَن نحا نحوَهم.
و بعد انتهاء الشريف المرتضى من مناقشة الفصل الخاص بتوبة أصحاب الجَمَل، و هو آخر بحوث الشافي؛ قال في الخاتمة مبيّناً سبب عدم مناقشته للفصول الأخيرة من المغني:
و لَم يَبقَ بَعدَ هذا الفَصلِ مِن فصولِ كلامِ صاحبِ الكتابِ في الإمامةِ ما يُحتاجُ إلىٰ تَتبُّعِه؛ لأنّه تَكلَّمَ علىٰ لَعنِ مُعاويةَ و وجوبِ مُحارَبتِه، ثُمّ تَكلَّمَ علَى الخَوارجِ في بابِ التحكيمِ بجُملةٍ مِن الكلامِ واقعةٍ مَوقِعَها.
ثُمّ تَكلَّمَ في تفضيلِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بفَصلٍ، و نَصَرَ أنّه الأفضَلُ بكلامٍ أيضاً صحيحٍ .
و تَكلَّمَ أيضاً في إمامةِ الحَسَنِ و الحُسَينِ عليهما السلامُ بكلامٍ بَناه علىٰ صِحّةِ الاختيارِ، و قد مضىٰ ما في الاختيارِ.
ثُمّ تَكلَّمَ فيما يَختَصُّ به الإمامُ لكَونِه إماماً، و ما يُخرِجُه مِن كَونِه إماماً، و ما لا يُخرِجُه مِن ذلكَ ، بكلامٍ طويلٍ فيه صحيحٌ و باطلٌ ، و الباطلُ مَبنيٌّ علىٰ أُصولٍ قد قَدَّمنا الكلامَ عليها و أفسَدناها.
ثُمّ ذَكَرَ جُملةً مِن مَذاهبِ الغُلاةِ ، و أشارَ إلىٰ جُملةٍ مِن الردِّ عليهم.
و ذَكَرَ اختلافَ الإماميّةِ في أعيانِ الأئمّةِ من غيرِ احتجاجٍ به لهُم أو عليهم، و أحالَ في الكلامِ عليهم علىٰ ما تَقدَّمَ مِن كلامِه الذي تَتبَّعناه و نَقَضناه.
ثُمّ خَتَمَ الفصولَ بفَصلٍ يَتضمَّنُ ذِكرَ أقاويلِ الزيديّةِ و اختلافِهم.
و كُلُّ ذلكَ ممّا لا وجهَ لحِكايتِه و لا تَتَبُّعِه.(1)
إذن اتّضح من خلال هذا العرض ترتيب جزء الإمامة من كتاب المغني، و الفصول التي نقضها الشريف المرتضى منه، و التي لم ينقضها، و سبب ذلك.
لقد ترك لنا القاضي في كتابه المغني مصدراً مهمّاً يمكن الاستعانة به لمعرفة مراحل تطوّر علم الكلام عند المسلمين عامّة، و عند المعتزلة خاصّة.
1) . الشافي، ج 5، ص 405-406.
لقد قام الشريف المرتضى بتأليف الشافي ردّاً على كتاب المغني، و لذلك كان همّه مناقشة كلّ ما أورده القاضي عبد الجبّار من مسائل تتنافى مع رؤية الإماميّة حول الإمامة، متتبّعاً في ذلك كلامه.
فلم يَظهر الشافي بصورة كتاب يقوم ببيان الفكرة على الترتيب الموجود في المصنّفات، حيث يقوم المصنّفون عادةً باستعراض الفكرة التي يتبنّونها أوّلاً، ثمّ يستدلّون عليها، و بعد ذلك يناقشون الإشكالات التي قد ترد عليهم من قِبل المخالفين لهم في تلك الفكرة.
و الشريفُ المرتضى لم يقم بذلك على الرغم من أنّه حاول أنْ يقدّم في بداية الكثير من فصول الكتاب مقدّمةً يتعرّض فيها إلى بيان رأيه، و بعض التفاصيل التي تلقي بعض الضوء على الفكرة المراد بحثها و مناقشتها، إلّاأنّ هذا لم يكن كافياً، فقد بقي الشافي على صورته، و لم يخرج عن كونه ردّاً، ممّا جعل الاستفادة ممّا يحتوي عليه من أفكارٍ مهمّةٍ و ثروةٍ علميّةٍ كبيرةٍ أمراً مقتصراً على أهل الاختصاص.
و هذا الأمر حدى بشيخ الطائفة الشيخ الطوسي (ت 460 ه) أنْ يقوم بتلخيصه و تهذيبه و ترتيبه بصورة كتابٍ مصنَّفٍ في الإمامة، و أخرجه من صورة كتاب يُصنَّف في ضمن كتب الردود و النقض.
و قد أشار إلى ذلك في مقدّمة تلخيصه، حيث قال:
و رأيت كتابَ الشريفِ الأجلّ الشريف المرتضى ذي المجدَين (أطال اللّٰه بقاءه، و عضد المسلمين و أهل العلم بطول أيّامه و عُلاه) مشتملاً على جمهور ما ذكرت، و محتوياً على أكثر أدلّة أصحابنا المعتمدة، و أنّه قد بلغ في تصنيف هذا الكتاب الذروةَ العليا، و الغايةَ القصوى، و أنّ كلّ مَن ألّف فعليه ينزل، و منه يأخذ، و بساحته يحلّ ، مع ما ضمّنه من استيفاء شبه المخالفين القديمة و الحديثة، و الإبانة عن وهيها بغاية ما يمكن من التلخيص، و نهاية ما ينبغي أن يكون عليه من التهذيب.
غير أنّه قد سلك في هذا الكتاب مسلك المناقضين لكتب خصومهم، و مناقشتهم على جميع ما يوردونه من شبههم، و لم يقصد فيه قصد المصنّفين الذين يرتّبون الأدلّة على حدتها، و يستوفون أسئلة خصومهم عليها، و الجواب عنها، و إن كان قد اقتصر في أوّل كلّ فصلٍ على ذكر الدليل و الطريق، و ذكر كثيرٍ من الأسئلة عليه، لكنّه لم يستوفِهِ تعويلاً منه على ما يذكره من بعد في النقض على من نقض عليه.
و إذا كان الأمر على ما وصفناه لم يقف على هذا الكتاب إلّامن برز في العلم، و لا يستمتع به إلّامن حاز طرفاً منه، و المبتديء لا ينتفع به انتفاع ما يوجبه مثل هذا الكتاب.
و رأيتُ جماعةً من أصحابنا (أيّدهم اللّٰه) متشوّقين إلى تلخيص هذا الكتاب، و إسقاط ما تكرّر منه، وردّ كلّ شيء منه إلى نظيره، و الجمع بين متفرّقه، و ترتيبه ترتيب المصنّفين، فلمّا رأيتُ حرصهم على ذلك... قصدتُ إلى تلخيصه(1).
1) . تلخيص الشافي، ج 1، ص 51-52.
و قد اتّضح معنى التلخيص من خلال ما تقدّم من كلام الشيخ الطوسي، و أنّه لا يعني هنا الاختصار كما قد يُتوهّم، فإنّ تلخيص الشافي لا يقلّ من حيث الحجم عن الشافي نفسه، خاصّة إذا حذفنا من الشافي العبارات المطوّلة المنقولة فيه من المغني، و أبقينا على كلام الشريف المرتضى.
و إنّما المقصود بالتلخيص هنا ما ذكره الشيخ الطوسي في عبارته التي نقلناها عنه، و هو «إسقاط ما تكرّر منه، وردّ كل شيء منه إلى نظيره، و الجمع بين متفرّقه، و ترتيبه ترتيب المصنّفين».
و بعبارةٍ أُخرى المقصود بالتلخيص تهذيب الكتاب و ترتيبه.
و هذا المعنى للتلخيص مذكور في كتب اللغة، قال ابن منظور:
لخص: التلخيص: التبيين و الشرح، يُقال: لخّصت الشيء و لحصته - بالخاء و الحاء - إذا استقصيت في بيانه و شرحه و تحبيره. يُقال: لخِّص لي خبرك، أي بيِّنه لي شيئاً بعد شيء. و في حديث عليّ عليه السلام أنّه قعد لتلخيص ما التبس على غيره.
و التلخيص: التقريب و الاختصار، يقال: لخّصت القول، أي اقتصرت فيه، و اختصرت منه ما يُحتاج إليه(1).
و قال ابن فارس:
اللام و الخاء و الصاد كلمةٌ واحدة، و هي اللخص، و هو لحم الجفن.
و اللخص أن يكون الجفن الأعلى لحيماً. و رَجُلٌ ألخَص، و ضرع لخص، كثير اللحم. و قولهم: لخّصت الشيء، إذا بيّنته، فهو من هذا كأنّه اللحم الخالص إذا أُبرز(2).
و هذا لا يعني أنّ التلخيص لا يدلّ على الاختصار، فإنّ الاختصار هو أحد معنَيَي التلخيص كما تقدّم في كلام ابن منظور، و إنّما المقصود أنّ المراد من التلخيص الذي قام به الشيخ الطوسي هو ما ذكرناه من الترتيب و التهذيب، لا الاختصار و تقليل الحجم.
و لهذا لم يلتزم الشيخ الطوسي بترتيب فصول الشافي، بل قام أحياناً بدمج عدّة فصولٍ من الشافي في فصلٍ واحد، فمثلاً قام بدمج معظم بحوث الفصول الثلاثة الأُولى من الشافي في الفصل الأوّل من التلخيص، كما أضاف بحوثاً جديدة غير موجودة بصورةٍ مفصّلة في الشافي كما سوف يأتي.
و لكنّه التزم في أكثر الأحيان بعبارة الشافي، فقد قام بنقل الكثير من عبارات الشريف المرتضى، حتّى لقد استُعين في هذا التحقيق الجديد للشافي بتلخيص الشيخ الطوسي، و عُدَّ واحداً من النسخ المعتمدة.
و قد صرّح الشيخ الطوسي بالتزامه بعبارة الشريف المرتضى في خاتمة الكتاب، حيث قال:
و قد وفينا بما شرطناه في أوّل الكتاب من تلخيص هذا الكتاب، و حذف ما تكرّر، وردّ كلّ شيءٍ منه إلى نظيره، و رتّبناه ترتيب المصنّفات اللائقة به، و عوّلنا في أكثر الكتاب على نقل معاني كلامه بألفاظه، فإنّه لا مُستزاد عليها، و لا يمكن النقصان منها؛ لأنّها واقعة على غاية ما يُحتاج إليه من الاختصار في اللفظ، و استيفاء المعاني(1).
و كان انتهاءه من تأليف التلخيص في رجب من سنة 432 ه، أي بعد أكثر من ثلاثين سنة من تأليف الشافي، و ذلك في أُخريات حياة الشريف المرتضىٰ .
و قد رتّب الشيخ الطوسي كتابه في أربعة و عشرين فصلاً، و وضع ثمانية فصول
1) . تلخيص الشافي، ج 4، ص 226.
مختصرة في نهاية الكتاب استدلّ بها على إمامة الأئمّة الاثني عشر واحداً واحداً، و هي غير موجودة بهذه الصورة في الشافي(1).
و قد نقل في بعض فصول الكتاب نصوصاً مطوّلة من كتابَي تنزيه الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام، و كتاب المقنع في الغيبة للشريف المرتضى، و لم يصرّح بنقله من هذين الكتابين عند نقله منهما، و لكن بمقارنة كلامه مع ما جاء فيهما يتّضح أنّه نقل منهما، و لعلّه نقل من غيرهما من كتب و رسائل الشريف المرتضى.
و قد صرّح في خاتمة الكتاب بأنّه نقل عبارات من بعض كتب الشريف المرتضى، حيث قال: «و أوردنا في مواضع من الكتاب زيادات ذكرها في غير هذا الكتاب، لم يكن بدٌّ من إضافتها إلى هذا الكتاب ليكمل الغرض به»(2).
و فيما يلي استعراضٌ سريع لفصول كتاب تلخيص الشافي و مقارنتها مع فصول الشافي:
الفصل الأوّل: في ذكر اختلاف الناس في وجوب الإمامة. استدلّ فيه على وجوب الإمامة عقلاً بطريقين. و هو فصلٌ مطوّلٌ يستوعب أكثر من نصف الجزء الأوّل من تلخيص الشافي.
الفصل الثاني: في أنّ الإمام لا بدّ أنْ يكون معصوماً. بدأ في هذا الفصل المختصر و ما بعده بطرح بحوثٍ مختصرةٍ حول صفات الإمام. و بحثُ عصمة الإمام مطروحٌ في نهاية الفصل الثالث من الشافي.
الفصل الثالث: في أنّ الإمام لا بدّ أن يكون أفضل من كلّ واحدٍ من رعيّته. لم يلتزم في هذا الفصل بعبارات و بحوث الشافي، و إنّما أضاف بحوثاً جديدة، مع نقله في نهاية الفصل لعبارات من الفصل التاسع من الشافي المتعرّض لبحث الأفضليّة.
الفصل الرابع: في بيان أنّ الإمام لا بدّ من أن يكون عالماً بجميع ما إليه الحكم فيه.
يحتوي على مطالب و عبارات من الفصلَيْن الرابع و الخامس من الشافي ممّا يتعلّق بعلم الإمام، مع زيادات ليست موجودة في الشافي.
الفصل الخامس: في أنّ الإمام يجب أن يكون أشجع من رعيّته، و ما يتبع ذلك من صفاته. و هو فصلٌ مختصرٌ في نصف صفحة، تعرّض فيه باختصار إلى بعض صفات الإمام، مثل أن يكون أشجع رعيّته، و أن يكون لا يد فوق يده، و أن يكون واحداً بلا ثانٍ في الزمان، و أن يكون أعقل رعيّته، و أصبح الناس وجهاً.
الفصل السادس: في إيجاب النصّ على الإمام أو ما يقوم مقامه من المعجز الدالّ على إمامته. و هو فصلٌ مختصرٌ تعرّض فيه إلى مباحث بداية الفصل الرابع من الشافي المتعلّقة بوجوب النصّ ، مع زيادات.
و بهذا الفصل ينتهي الجزء الأوّل من تلخيص الشافي.
الفصل السابع: في أنّ أمير المؤمنين عليه السلام منصوصٌ على إمامته بعد النبيّ بلا فصل. يستوعب هذا الفصل المطوّل معظم صفحات الجزء الثاني من تلخيص الشافي، و هو تلخيصٌ و تهذيبٌ للفصل السادس من الشافي، و قد تطرّق فيه بالتفصيل إلى الأدلّة الدالّة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام.
الفصل الثامن: في أنّ أمير المؤمنين عليه السلام معصومٌ . يحتوي على مطالب قليلة من الفصل السادس من الشافي، و بعد ذلك نقل الشيخ الطوسي مقطعاً مطوّلاً من كتاب تنزيه الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام للشريف المرتضى. فيمكن اعتبار هذا الفصل من الزيادات على الشافي.
و بهذا الفصل ينتهي الجزء الثاني من تلخيص الشافي.
الفصل التاسع: في أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أفضل الصحابة. أكثر محتوياته مأخوذٌ من الفصل السادس من الشافي، حيث ذكر الأدلّة التي تدلّ على أفضلية أمير
المؤمنين عليه السلام، مثل سورة المباهلة، و حديث الراية و غيرها.
الفصل العاشر: في أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أعلم الصحابة. أكثره مقتبسٌ من بدايات الفصل الثامن عشر من الشافي.
الفصل الحادي عشر: في إبطال قول من خالف في إمامة أمير المؤمنين بعد النبيّ عليهما السلام بلا فصل. ناقش فيه إمامة أبي بكر، و قد استفاد مطالب هذا الفصل من فصول مختلفة من الشافي، كالفصل السادس و الثالث عشر.
الفصل الثاني عشر: فيما طعن به على أبي بكر من الأُمور التي تمنع من عقد الإمامة له.
تعرّض فيه إلى مطاعن أبي بكر.
الفصل الثالث عشر: في ذكر شبههم التي ذكروها في فضل أبي بكر. تعرّض فيه إلى محتويات الفصل الخامس عشر من الشافي، حيث ناقش ما ذكره المخالفون من أدلّة على إمامة أبي بكر.
و بهذا الفصل ينتهي الجزء الثالث من تلخيص الشافي.
الفصل الرابع عشر: في إبطال إمامة عمر. تعرّض فيه إلى مطاعن عمر.
الفصل الخامس عشر: في إبطال إمامة عثمان. تعرّض فيه إلى مطاعن عثمان.
الفصل السادس عشر: في أحكام محاربي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، و القاعدين عن نصرته عليه السلام. لخّص فيه مطالب الفصل الأخير من الشافي.
و بهذا الفصل تنتهي فصول الشافي التي أراد الشيخ الطوسي تلخيصها في كتابه، و ثمّ يضيف فصولاً مختصرة في إثبات إمامة الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام.
الفصل السابع عشر: في ذكر إمامة الحسن و الحسين عليهما السلام. معظم عبارات هذا الفصل مأخوذةٌ من كتاب تنزيه الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام.
الفصل الثامن عشر: في ذكر إمامة عليّ بن الحسين عليهما السلام. هذا الفصل مختصرٌ.
الفصل التاسع عشر: في إمامة محمّد بن عليّ الباقر عليهما السلام. هذا الفصل مختصرٌ أيضاً.
الفصل العشرون: في إمامة أبي عبد اللّٰه جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام. و هذا الفصل مختصرٌ كذلك.
الفصل الحادي و العشرون: في إمامة أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام. في هذا الفصل شيءٌ من التفصيل.
الفصل الثاني و العشرون: في إمامة أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عليهما السلام.
هذا الفصل مختصرٌ.
الفصل الثالث و العشرون: في إمامة أبي جعفر محمّد بن عليّ الرضا، و بعده عليّ بن محمّد، و بعده الحسن بن عليّ العسكري عليهم السلام. و هذا الفصل مختصر جدّاً.
الفصل الرابع و العشرون: في إمامة صاحب الزمان صلوات اللّٰه عليه و على آبائه.
معظم ألفاظ هذا الفصل مقتبسة من كتاب المقنع في الغيبة للشريف المرتضى.
و بهذا الفصل يتمّ الجزء الرابع و الأخير من كتاب تلخيص الشافي.
إذن، لم يلتزم الشيخ الطوسي بترتيب كتاب الشافي، بل قدّم فيه و أخّر، و زاد بعض المطالب من عنده و من كتب الشريف المرتضى الأُخرى، حتّى تحوّل إلى كتابٍ مستقلٍّ في الإمامة، و خرج من روح النقد و النقض التي امتاز بها الشافي.
بعد أن أنهى القاضي عبد الجبّار الجزء العشرين من كتابه، وقع هذا الجزء في يد رجلٍ شابّ من أذكى و أنبه علماء الإماميّة، و الذي كان قد كُتب له أن يتقلّد زمام رئاسة الإماميّة فيما بعد، إنّه الشريفُ المرتضى، علمُ الهدى، عليُّ بن الحسين الموسويّ العلويّ ، و الذي عُرف في تاريخ الإماميّة بالأجلّ المرتضى. فقرّر أن يقوم بنقد هذا الجزء على سبيل الاستقصاء، إلّاأن موانع منعته من ذلك، حتّى قام أحدُهم بالطلب منه أن يقوم بذلك، فانبرى للقيام بهذه المهمّة بعد ارتفاع تلك الموانع.
و قد كانت نيّته في البدء أن يختصر الردّ و لا يفصّل فيه، و يترك نقل عبارات المغني بصورة كاملة، و يكتفي بنقل بدايات عباراته، ثمّ يحيل القارئ على ذلك الكتاب، و لكن بعد مضيّ فترةٍ من بداية تأليف الشافي غيّر الشريفُ المرتضى نيّته، و قرّر نقل عبارات القاضي بصورةٍ أكثر تفصيلاً، و كان قد نوى أن يَرجع إلى بدايات الكتاب لكي ينقل عبارات المغني بصورة تفصيليّة أيضاً، إلّاأنّ الناس كانوا قد استنسخوا ما كان قد تمّ تأليفه من الشافي، و انتشرت نسخه في البلاد، لذلك أعرض الشريف المرتضى عن إدخال تغييرات على بدايات الكتاب خشيةَ أن تختلف نسخ الكتاب(1).
1) . راجع حول ذلك مقدّمة الشافي و خاتمته.
لقد تحوّل الشافي بعد تأليفه - بل قبل الانتهاء من تأليفه، كما تقدّم قبل قليلٍ من تلقّف الناس له قبل نهاية تأليفه، ممّا اضطرّ الشريفُ المرتضى إلى عدم إدخال تغييرات عليه - إلى أحد أهمّ الكتب المصنّفة في مجال الإمامة، و ذلك بسبب ما تمتّع به من عمقٍ و دقّةٍ و احترافٍ و شمولٍ لأهمّ بحوث الإمامة، و ما احتوى عليه من أجوبةٍ على أهمّ الإشكالات التي كان قد وجّهها المخالفون في مسألة الإمامة.
و كان الشريفُ المرتضى قد أشار إلى ذلك في مقدمّة الكتاب، حيث قال:
و هذا الكتابُ - إذا أعانَ اللّٰهُ تَعالىٰ عليه، و وَفَّقَ لبُلوغِ الغَرَضِ فيه - يَكونُ جامعاً لأُصولِ الإمامةِ و فُروعِها، و مُحيطاً مِن الطُّرُقِ المُهَذَّبَةِ و النُّكَتِ المُحرَّرَةِ بما لا يوجَدُ في شيءٍ مِن الكُتُبِ المصنَّفةِ .(1)
لقد وصف العلماء كتاب الشافي بمختلف الأوصاف الجليلة، الأمر الذي يدلّ على أهمّيّة الكتاب، و مدى التأثير الذي تركه على من جاء بعده. و إليك فيما يلي بعض ما قيل في هذا الكتاب:
و أنّه قد بلغ في تصنيف هذا الكتاب الذروة العليا، و الغاية القصوى، و أنّ كل مَن ألّف فعليه ينزل، و منه يأخذ، و بساحته يحلّ ، مع ما ضمّنه من استيفاء شُبَه المخالفين القديمة و الحديثة، و الإبانة عن وهيها بغاية ما يمكن من التلخيص، و نهاية ما ينبغي أن يكون عليه من التهذيب(2).
و قال أيضاً: «كتاب الشافي في الإمامة، و هو نقض كتاب الإمامة من كتاب المغني
لعبد الجبّار بن أحمد، و هو كتابٌ لم يُصنَّف مثله في الإمامة»(1).
و أمّا الأدلّة السمعيّة على ذلك فقد استوفاها أصحابنا رضي اللّٰه عنهم قديماً و حديثاً في كتبهم، لا سيّما ما ذكره سيّدنا الأجلّ الشريفُ المرتضى علم الهدى ذو المجدين قدّس اللّٰه روحه في كتاب الشافي في الإمامة، فقد استولى على الأمد، و غار في ذلك و أنجد، و صوّب و صعّد، و بلغ غاية الاستيفاء و الاستقصاء، و أجاب على شبه المخالفين التي عوّلوا على اعتمادها، و اجتهدوا في إيرادها، أحسنَ اللّٰه عن الدين و كافّة المؤمنين جزاءه(2).
و من أراد الوقوفَ على ذلك ممّا لا مزيد عليه، فعليه بكتاب الشافي للسيّد الشريف المرتضى علم الهدى، فإنّه قد بلغ النهاية في ذلك(3).
و قال السيّد عليّ خان المدني (ت 1120 ه): «كتاب الشافي في الإمامة، و هو كتابٌ لم يُصنَّف مثله في الأُصول»(4).
و قال السيّد بهاء الدين محمّد الحسيني المختاري (كان حيّاً سنة 1130 ه) في مقدّمة كتابه ارتشاف الصافي الذي اختصر فيه كتاب الشافي:
... إلّاأنّ كتاب الشافي شافٍ في هذا الغرض، وافٍ بالشفاء عن كلّ مرض
و عرض، فلعمري لو اعتنى عانيه باحتشاء مغاني معانيه لَحَيَّ حياةً أبديّة، و فاز بدولةٍ سرمديّة. ولو ارتشفه مريضٌ بشِفاهِ قلبِه شَفاه، و كاد يمصّ من حلاوته فاه، و أنقذه من شفا جرف الشقاء، ورقّاه إلى أعلى مدارج الارتقاء.
شعرٌ:
الجهلُ دَاءٌ و الدَّوَاءُ الكَافِي *** فِكْرٌ عَمِيقٌ وَ الطَّبِيبُ الشَّافِي
أنَّى لَنَا شَافٍ لَهُ كَالشَّافِي *** أوْ مِثْلُهُ مِنْ كَاشِفٍ كَشَّافِ (1).
كتاب الشافي في الإمامة، و هو نقض كتاب المغني للقاضي عبد الجبّار المعتزلي، و هو من أجلّ كتبه، و أعظمها قدراً و نفعاً(2).
و قد اهتمّ العلماء على طول التاريخ بالنقل من الشافي، و الإرجاع اليه، و الانتفاع بمطالبه، نذكر منهم:
الشيخ الطوسي (ت 460 ه) في مختلف كتبه، أهمّها تلخيص الشافي، كما نقل بعض مطالب الشافي في كتبه الأُخرى. (قارن: العدّة في أُصول الفقه، ج 2، ص 605 مع الشافي، ج 2، ص 10).
الشيخ الطبرسي (ت 548 ه) في إعلام الورى، ج 1، ص 314 و ما بعدها، و قارنه بالشافي، ج 2، ص 311 و ما بعدها.
ابن شهر أشوب (ت 588 ه) في مناقب آل أبي طالب، ج 1، ص 159؛ و مثالب النواصب، ج 2، ص 162؛ و معالم العلماء، ص 178.
ابن المشهدي (ق 6 ه) في إقرار الصحابة، ص 140، 379.
الفخر الرازي (ت 606 ه) في المحصّل، ص 191.
ابن أبي الحديد المعتزلي (ت 656 ه) في موارد كثيرة من شرح نهج البلاغة، ج 2، ص 27 و غيرها، و ستأتي الإشارة إليها في مستقبل الحديث في هذه المقدّمة.
ابن حاتم العاملي (ت 664 ه) في الدر النظيم، ص 185.
السيّد عليّ ابن طاوس (ت 664 ه) في الطرائف، ص 30.
السيّد أحمد بن طاوس (ت 673 ه) في بناء المقالة الفاطميّة، ص 363.
ابن ميثم البحراني (كان حيّاً سنة 687 ه) في النجاة في القيامة، ص 94، حيث يجد القارئ أنّ مطالبه مقتبسة من الشافي، ج 3، ص 65 و ما بعدها.
العلّامة الحلّي (ت 726 ه) في كتاب الألفين، ص 211، و قارنه بالشافي، ج 2، ص 159.
المقداد السيوري (826 ه) في اللوامع الإلهيّة، ص 406.
الشيخ عليّ البيّاضي العاملي (ت 877 ه) في الصراط المستقيم، ج 3، ص 129.
الشيخ حسن صاحب المعالم (ت 1011 ه) في التحرير الطاوسي، ص 594؛ و المعالم، ص 60.
الشهيد نور اللّٰه التستري (ت 1019 ه) في الصوارم المهرقة، ص 47.
السيّد الميرداماد (ت 1041 ه) في الرواشح السماويّة، ص 93؛ و تعليقته على رجال الكشي، ج 2، ص 561.
الشيخ محمّد طاهر القمّي الشيرازي (ت 1098 ه) في الأربعين، ص 34.
السيّد هاشم البحراني (ت 1107 ه) في غاية المرام، ج 2، ص 143، و ج 5، ص 330.
العلّامة المجلسي (ت 1111 ه) في موارد كثيرة من بحار الأنوار، منها: ج 3،
ص 288، ج 22، ص 165، ج 23، ص 155، ج 37، ص 236.
الشيخ سليمان الماحوزي البحراني (ت 1121 ه) في الأربعين، ص 183.
الفاضل الهندي (ت 1137 ه) في شرح العينيّة الحميريّة، ص 375.
المحدّث النوري (ت 1320 ه) في كتاب نفس الرحمن في فضائل سلمان، ص 588.
و من أهمّ من أولى اهتماماً بكتاب الشافي هو الشريف المرتضى نفسه، فقد أرجع إليه في معظم كتبه و رسائله التي تعرّض فيها إلى بحث من بحوث الإمامة، و هي:
أجوبة المسائل التبّانيات (رسائل الشريف المرتضى، ج 1، ص 84).
أجوبة المسائل الرسيّات الأُولى (رسائل الشريف المرتضى، ج 2، ص 339).
أجوبة المسائل الطرابلسيّات الأُولى (المسألة الأُولى).
أجوبة المسائل الطرابلسيّات الثانية (رسائل الشريف المرتضى، ج 1، ص 310).
إنكاح أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر (رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 149).
تنزيه الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام، ص 187.
الذخيرة، ص 409.
الذريعة، ج 1، ص 485.
شرح جُمل العلم و العمل، ص 192.
شرح القصيدة المذهّبة (رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 74).
الصرفة، ص 248.
مسألة في تفسير آية: (وَ السّٰابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ...) الآية (رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 87).
مسألة قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرٰابِ ...) الآية (رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 109).
مسألة في علّة مبايعة أمير المؤمنين عليه السلام أبا بكر (رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 244).
مسألة في الجواب عن الشبهات الواردة لخبر الغدير (رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 254).
المقنع في الغيبة، ص 31.
لقد أنهى الشريف المرتضى إملاء كتاب الشافي في يوم الأحد، السابع من شهر رمضان من سنة 398 ه، كما جاء ذلك في هامش خاتمة إحدى مخطوطات الشافي(1)، أي أنّه انتهى من الكتاب عندما كان في الثالثة و الأربعين من عمره، حيث ولد الشريف المرتضى سنة 355 ه.(2)
و يشهد لهذا التاريخ عدمُ إرجاعه في هذا الكتاب إلى شيءٍ من مؤلّفاته إلّاإلىٰ رسالتين(3)، و في المقابل إرجاعُه إليه في معظم كتبه و رسائله التي كتبها حول الإمامة،
و هذا يدلّ على تقدّم تأليف الشافي على غيره.
و أمّا بداية إملاء الشافي فغير محدّدةٍ على وجه الدقّة، سوى أنّنا نعلم أنّ القاضي انتهى من تأليف آخر جزءٍ من المغني - المتعلّق بالإمامة - في الريّ في سنة 380 ه كما تقدّم، و من الطبيعي أن يستلزم استنساخ هذا الجزء و انتشاره، و انتقاله إلى بغداد - حيث الشريف المرتضى - فترةً من الزمن، و هذا يعني أنّ تأليف الشافي بدأ بعد سنة 380 ه بمدّة، هذا من جهة.
و من جهةٍ أُخرى، أشار الشريف المرتضى في مقدّمة الكتاب إلى أنّه أراد البدء بنقض جزء الإمامة من المغني فورَ وصول الكتاب إليه، و لكن منعته من ذلك موانع حالت دون ذلك، فقد جاء في المقدّمة:
و قد كنتُ عَزَمتُ عند وقوعِ هذا الكتابِ في يَدي علىٰ نَقضِ ما اختَصَّ منه بالإمامةِ علىٰ سَبيلِ الاستقصاءِ ، فقطَعَني عن إمضاءِ ذلك قواطعُ ، و مَنَعَت مِنه مَوانِعُ كنتُ متوقِّعاً لانحِسارِها فأبتدئَ به.
و من الأُمور التي منعته من ذلك اقتضاءات مكانته الاجتماعيّة، و خاصّة اقتضاءات مقام أبيه الشريف أبي أحمد الموسوي (ت 400 ه) الذي كان نقيباً للطالبيّين، فمن الطبيعي أن تناط بنجله مهامّ و مسؤوليّات مختلفة تمنعه من بعض مَهامّه العلميّة. و هذا يعني أنّ إملاء الشافي قد تأخّر فترةً أُخرى.
و من جهةٍ ثالثة، لقد أرجع الشريفُ المرتضى في الشافي إلى المسائل الموصليّات الأُولى(1)التي أجاب عنها في سنة ثلاثمائة و ثمانين و نيّفٍ (2)، و هذا يعني أنّ تأليف الشافي قد بدأ في فترةٍ متأخّرة عن سنة 380 ه و نيّف.
إذن من المحتمل أنّ تأليف كتاب الشافي قد بدأ في فترةٍ متأخّرة من ثمانينات القرن الرابع الهجري.
و لكن هل هذا يعني أنّ فترة تأليف الكتاب كانت طويلة ؟ هذا ما لا يمكن البتّ به، و لكن حجم الكتاب، و المشاغل التي كانت تمنع الشريف المرتضى من الاستمرار في العمل ربما قد ساعد على ذلك.
و قد يؤيّد ذلك أيضاً ما تقدّم من أنّه بدأ بالتأليف و كان قصد فيه الاختصار، إلّاأنّه بعد ذلك غيّر نيّته وقام بتفصيل بعض المطالب، لكنّه لم يستطع إصلاح ما تقدّم من أجزاء الكتاب، و ذلك لانتشار نسخه في البلاد، و وقوعها في أيدي الناس، و هذا يدلّ على طول فترة التأليف، فإنّ استنساخ الكتب و انتشارها في ذلك الزمن كان يتطلّب وقتاً طويلاً، و لم يكن يتحقّق في فترةٍ وجيزة.
أضف إلى ذلك، أنّنا نعلم أنّ الشريف المرتضى قد حجّ في سنة 389 ه مع أخيه الشريف الرضي(1)، فإذا كان قد بدأ بتأليف الشافي قبل هذا التاريخ، فقد يكون أداء مناسك الحجّ أدّى إلى انقطاع تأليف الكتاب مؤقّتاً، و بالتالي إلى إطالة أمد التأليف.
كما أنّ حدوث بعض الاضطرابات السياسيّة، و خاصّة تلك التي وقعت في سنة 392 ه، و التي أدّت إلى نفي أُستاذه الشيخ المفيد من بغداد(2)، ربّما أدّت أيضاً إلى تأخير تأليف الكتاب.
و مهما يكن من أمرٍ، فمن المتيقّن أنّ الشريف المرتضى كان منشغلاً بتأليف كتاب الشافي في العقد الأخير من القرن الرابع، و انتهى منه قبل نهاية هذا القرن بسنتين.
يتكوّن كتاب الشافي من اثنين و عشرين فصلاً موزّعاً بين فصولٍ مطوّلة، و أُخرى مختصرة قد يصل حجم بعضها إلى صفحةٍ واحدة، و قد كان أطولها هو الفصل السادس. و الفصل الأوّل منها يغلب عليه نوع من عدم الترتيب، كما بدأ الشريف المرتضى الفصول الثلاثة الأُولى بلا مقدّمة، بينما أخذ يقدّم مقدّمة بالنسبة للفصول التالية(1)، و أمّا الفصل الخامس فلم يجعل له مقدّمةً ؛ لأنّ مقدّمته عبارة عن الفصل الرابع. و هذه الفصول كالتالي:
الفصل الأوّل: إثبات الإمامة من طريق العقل. يحتوي هذا الفصل المطوّل على الأدلّة التي ذكرها الإماميّة على وجوب الإمامة، و مناقشة إشكالات القاضي عليها، وردّ الشريف المرتضى عليه. و يحتوي هذا الفصل على دفاع المصنّف عن هشام بن الحكم حول الآراء المنسوبة إليه من تجسيمٍ و جبرٍ و غير ذلك.
الفصل الثاني: إثبات الإمامة من طريق السمع. ناقش فيه الشريف المرتضى ما أقامه القاضي من أدلّة سمعيّة على وجوب الإمامة، و يغلب على هذ الفصل أُسلوب الإشكالات النقضيّة.
الفصل الثالث: وجوب الإمامة و العصمة. يحتوي هذا الفصل المطوّل جدّاً على بحثَيْن رئيسيَّيْن:
الأوّل: و هو الأكبر حجماً، و يحتوي على البحث عن الأدلّة التي أقامها الإماميّة على وجوب الإمامة، و مناقشة القاضي لها، و إجابة الشريف المرتضى على تلك المناقشات. و يحتوي أيضاً على بحث حول الغيبة، و أنّ الشريعة لا تُحفظ بالإجماع و القياس و الاجتهاد و غير ذلك، و أنّه لا بدّ من وجود الإمام لحفظ الشريعة. كما يحتوي على بحثٍ مفصّلٍ حول الإجماع، حيث ناقش فيه الشريف المرتضى بحث
1) . و هو قد يدلّ على تغيّر في أُسلوب عرض البحث، أو حتّى علىٰ نضج في بيان المطالب.
الإجماع من الجزء السابع عشر من المغني المسمّى ب: «الشرعيات» - فإنّ هذا الجزء يحتوي على بحث حول الإجماع - و طرح نظريّة الإماميّة حول ذلك.
الثاني: يدور البحث فيه حول عصمة الإمام، وجواب مناقشة القاضي لأدلّة العصمة التي أقامها الإماميّة، كما يوجد في نهاية الفصل إشارة إلى بحث أفضليّة الإمام.
الفصل الرابع: إثبات النصّ من جهة العقل. تعرّض الشريف المرتضى في هذا الفصل المختصر إلى بحثٍ سريعٍ حول الأدلّة العقليّة على وجوب النصّ على الإمامة، و عدم ثبوتها بالاختيار و غيره، و يمكن اعتبار هذا الفصل مقدّمةً للفصل الذي يليه.
الفصل الخامس: استمرار الفصل السابق. ناقش فيه الشريف المرتضى ما أورده القاضي من إشكالات على الأدلّة العقليّة التي أقامها الإماميّة على وجوب النصّ على الإمام، و جاء في هذا الفصل بحوث حول بعض صفات الإمام كالعلم و الأفضليّة.
الفصل السادس: إثبات النصّ على أمير المؤمنين عليه السلام. هذا الفصل هو أطول فصول الكتاب، بحيث يستوعب حجمه أكثر من ربع حجم الكتاب كلّه، و قد أورد الشريفُ المرتضى لهذا الفصل مقدّمةً مطوّلةً حول النصّ الجليّ على أمير المؤمنين عليه السلام و أقسامه، و شروط الخبر المتواتر، و وقوع التواتر بخبر الشيعة.
و بعد ذلك تطرّق إلى ما ذكره القاضي من إنكار وجود النصّ على أمير المؤمنين عليه السلام، و تعرّض أيضاً إلى إبطال ما ادّعي من النصّ على أبي بكر و العبّاس، ثمّ أجاب بالتفصيل على مناقشات القاضي للأدلّة و النصوص الدالّة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، مثل آية الولاية، و حديثي الغدير و المنزلة.
الفصل السابع: عدالة الإمام. لا يختلف الشريف المرتضى مع القاضي حول اشتراط صفة العدالة في الإمام، لكنّه لا يكتفي بذلك، بل يُثبت مرتبةً أعلى من ذلك، و هي مرتبة العصمة، و يرى أنّ القاضي عبد الجبّار لا يمكنه الاستدلال على عدالة
الإمام من دون الرجوع إلى العصمة. و لذلك أورد الشريف المرتضى في هذا الفصل المختصر نسبيّاً ما يمكن أن يورده مَن ينكر عدالة الإمام من إشكالات، لكي يبيّن أنّ القاضي لا يمكنه الإجابة عليها.
الفصل الثامن: علم الإمام. تقدّم في الفصل الخامس بصورةٍ مفصّلة الكلامُ عن صفة علم الإمام، و وجوب علمه بكلّ أحكام الدين، و أمّا هذا الفصل المختصر، فقد تطرّق فيه الشريفُ المرتضى إلى بعض كلمات القاضي المتعلّقة بهذه الصفة، و ناقشه فيها.
الفصل التاسع: أفضليّة الإمام. ذكر الشريفُ المرتضى في بداية هذا الفصل المختصر أنّ القاضي قد بنى كلامه في هذا الفصل على إنكار وجوب أفضليّة الإمام بالعقل، و أنّ هذه الأفضليّة يُرجَع في ثبوتها و عدمه إلى الشرع.
و أشار الشريفُ المرتضى إلى أنّه قد تقدّم - و ذلك في الفصل الخامس - ما يدلّ على أنّ وجوب الأفضليّة ثابت بالعقل، و لهذا كان الأفضل الإعراض عن الكلام حول هذا الفصل، لكنّه تعرّض إليه باختصار بسبب وجود نوع من الفائدة فيه.
الفصل العاشر: قرشيّة الإمام. لا يختلف الشريفُ المرتضى مع القاضي حول أنّ الإمامة لا تصلح في غير قريش، لكنّه يختلف معه في الدليل على ذلك. و قد ذكر في هذا الفصل نصّاً مطوّلاً من تاريخ الطبري حول ما جرى في السقيفة.
الفصل الحادي عشر: إمامة غير القرشي. تركّز البحث في هذا الفصل المختصر على البحث حول أنّه لو عُدم القرشي، فهل يصبح غيرُ القرشي إماماً أو لا؟ و هل يجوز أساساً انعدام القرشي ؟
الفصل الثاني عشر: العدد المطلوب في البيعة. ناقش الشريفُ المرتضى في هذا الفصل المختصر ما ذهب إليه القاضي من أنّ الإمامة تثبت ببيعة واحد و رضا أربعة.
الفصل الثالث عشر: بطلان الإجماع على إمامة أبي بكر. تركّز هذا الفصل المطوّل حول مناقشة ما ادّعاه القاضي من حصول الإجماع على إمامة أبي بكر، و تأكيد
الشريف المرتضى على وجود معارضين لإمامته من بين الصحابة، و أن سكوتهم لا يدلّ على رضاهم بها. و في آخر الفصل تعرّض إلى بحث حول ظروف مقتل عثمان.
الفصل الرابع عشر: بطلان الإختيار. يتركّز هذا الفصل المختصر على إبطال صحّة طريقة الاختيار لتعيين الإمام، و ضرورة قيام النصّ . و بما أنّه قد تقدّم في الفصل الرابع البحث عن وجوب النصّ ، و الذي يستلزم بطلان الاختيار، لذلك أعرض الشريفُ المرتضى عن تفصيل البحث في بطلان الاختيار هنا، و لهذا صار هذا الفصل مختصراً جدّاً.
الفصل الخامس عشر: عدم صلاح أبي بكر للإمامة. يحتوي هذا الفصل على مناقشة ما ذكره القاضي من أدلّة على صلاح أبي بكر للإمامة و استحقاقه لها، و من ذلك مناقشة فضائل أبي بكر.
الفصل السادس عشر: مطاعن أبي بكر. يحتوي هذا الفصل المطوّل على مناقشة ما ردَّ به القاضي المطاعنَ التي وُجّهت إلى أبي بكر.
الفصل السابع عشر: بطلان إمامة عمر، و عدم صلاحه للإمامة. يحتوي هذا الفصل المختصر للغاية على إشارة سريعة لبطلان إمامة عمر؛ باعتبارها مبنيّة على صحّة إمامة أبي بكر التي تقدّم بطلانها. كما احتوى الفصل على إشارة سريعة أيضاً إلى عدم صلاح عمر للإمامة.
الفصل الثامن عشر: مطاعن عمر. يحتوي هذا الفصل على مناقشة ما ردَّ به القاضي المطاعنَ التي وُجّهت إلى عمر.
الفصل التاسع عشر: عدم صلاح عثمان للإمامة. يحتوي هذا الفصل المختصر جدّاً على إشارة سريعة إلى عدم صلاح عثمان للإمامة، و الاكتفاء بما تقدّم حول إمامة أبي بكر و عمر. كما يحتوي على إشارة سريعة أيضاً إلى مناقشة زواج عثمان من بنات النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله، حيث ادّعي أنّ ذلك إحدى فضائله.
الفصل العشرون: مطاعن عثمان. يحتوي هذا الفصل المطوّل على مناقشة ما ردَّ به القاضي المطاعنَ التي وُجّهت إلى عثمان.
الفصل الحادي و العشرون: إمامة أمير المؤمنين عليه السلام. يحتوي هذا الفصل المختصر على مناقشة الأدلّة التي أقامها القاضي لإثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، و هي الاختيار و الإجماع، و ذلك بهدف إثبات أنّ الطريق الوحيد لإثبات إمامته عليه السلام هو النصّ .
الفصل الثاني و العشرون: مناقشة توبة أصحاب الجَمَل و القاعدين. تعرّض الشريف المرتضى في الفصل الأخير من الشافي إلى مناقشة ما ذكره القاضي من أدلّة لإثبات توبة الزبير و طلحة و عائشة، إضافةً إلى بحثٍ مختصر حول مناقشة توبة سعد بن أبي وقّاص، و عبد اللّٰه بن عمر، و أبي موسى الأشعري.
و بهذا البحث يختتم الشريفُ المرتضى كتابه الشافي.
و من خلال الدقّة في فصول الكتاب المتقدّمة، يمكن تقسيم محتويات كتاب الشافي إلى ستّة أقسام:
القسم الأوّل: الكلام في وجوب الإمامة. يشتمل هذا القسم على بحوث حول ضرورة الإمامة بالعقل و السمع، و يستوعب الفصل الثلاثة الأُولى.
القسم الثاني: الكلام في وجوب النصّ على الإمام، و بطلان الاختيار. يحتوي هذا القسم على ضرورة النصّ على الإمام، و يستوعب الفصل الرابع، و الخامس، و الرابع عشر.
القسم الثالث: الكلام في إثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام. يحتوي هذا القسم على النصوص الدالّة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، مثل آية الولاية، و حديث الغدير، و المنزلة. و يستوعب الفصلَ السادس الذي هو أطول فصول الكتاب كما تقدّم.
القسم الرابع: الكلام في صفات الإمام. يتركّز هذا القسم على البحث عن صفات الإمام، من عدالة، و علم، و أفضليّة، و قرشيّة. و يستوعب الفصول الستّة التالية للفصل السادس.
القسم الخامس: الكلام في خلافة الخلفاء الثلاثة. يتضمّن هذا القسم بطلانَ خلافة الخلفاء الثلاثة، و بيان عدم صلاحهم للإمامة، و إثبات المطاعن الموجّهة إليهم. و هو يستوعب سبعة فصول، تبدأ من الفصل الثالث عشر إلى العشرين، ما عدا الفصل الرابع عشر و هو فصلٌ مختصر، فإنّه تعرّض فيه إلى بحث بطلان الاختيار، و هذا البحث مناسب للقسم الثاني كما تقدّم.
القسم السادس: الكلام في فترة خلافة أمير المؤمنين عليه السلام. تضمّن هذا القسم الكلام عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام بعد عثمان، و أن إمامته لم تثبت بالاختيار، بل ثبتت بالنصّ . كما احتوى على بعض ما جرى من أحداث في تلك الفترة، و من ذلك الكلام عن إبطال توبة أصحاب الجَمَل و القاعدين. و يستوعب هذا القسم الفصلَيْن الأخيرَيْن من الكتاب.
إنّ الناظر في هذا التقسيم لبحوث الكتاب يجد مدى الترتيب و النظام الحاكم عليه، و الذي قد لا يتّضح للقاريء في الوهلة الأُولى.
لقد تمتّع الشريف المرتضى في هذا الكتاب و في سائر كتبه بقدرٍ كبير من العمق و الدقّة و الاحتراف في البحث، كما التزم بقواعد الجدل و النقض، و لم يَنْسَ أن يكون منصفاً مع خصمه الذي يقوم بالردّ عليه، ممّا أهّله لأنْ يكون مثالاً يُحتذى به في فنّ الجدل. و فيما يلي تعريف بجملة من الأساليب العلميّة المتّبعة في هذا الكتاب:
أوّلاً: عدم الخلط بين الأبحاث. لقد كان الشريفُ المرتضى دقيقاً في بحثه، بحيث كان يهتمّ بالبقاء في صلب الموضوع و عدم الخروج منه. و قد أدّت هذه الروح
العلميّة إلى تدقيقه في كلام القاضي، فإذا خرج في البحث عن مجاله نبّه على ذلك(1).
و هذه نقطةٌ منهجيّةٌ مهمّةٌ للباحثين بصورةٍ عامّة، و للمهتمّين بالردود و النقض بصورةٍ خاصّة، فكثيراً ما يحاول الخصم تغيير اتّجاه البحث بعد أن يصل إلى طريق مسدود، فينبغي على الطرف الآخر التنبيه على ذلك، و التأكيد على ضرورة الالتزام بالبحث و عدم الخروج عنه، و محاولة التفلّت من الجواب.
ثانياً: الاستشهاد بالأمثلة. من الأساليب التي تساعد على توضيح الأفكار و ترسيخها في أذهان القرّاء و المستمعين، هو أُسلوب الاستشهاد بالأمثلة، فإنّ البحث قد يكون غامضاً، و لكن من خلال الاستعانة بالتمثيل يمكن إزالة ما كان يلفّه من غموضٍ و عدم وضوح. بل يمكن اعتبار التمثيل أحياناً نوعاً من الاستدلال أو الاستشهاد، فقد يكون البحث نظريّاً و كلّيّاً، و لكن عند التمثيل بأُمورٍ جزئيّةٍ و عرفيّةٍ مفهومةٍ للمستمع، و قد يمارسها في حياته العاديّة، فسوف يقتنع بسرعة بمضمون ذلك البحث النظري الكلّي.
و قد استعان الشريفُ المرتضى في هذا الكتاب أكثر من مرّة بالأمثلة، و حاول إيضاح أفكاره من خلالها(2).
ثالثاً: ضرورة المطابقة بين المَقيس و المَقيس عليه. من موارد دقّة الشريف المرتضى في بحثه مع القاضي هو تأكيده على ضرورة المطابقة بين المَقيس و المَقيس عليه، فقد حاول القاضي مثلاً أن يقارن بين تشريع الشارع لاختيار واحدٍ من الكفّارات الثلاث و بين اختيار الإمام، فكما أنّ الشارع قد خيّرنا بين الأصناف الثلاثة من الكفّارات، فما المانع من أن يجعل لنا الخيار في تعيين الإمام ؟
فأجابَ الشريفُ المرتضى بأنّ هناك فرقاً بين الأمرَيْن، ففي الكفّارات لم يَجعل
الشارع لنا الخيار في اختيار ما نشاء من الكفّارات من بين العبادات الكثيرة، و إنّما نصّ لنا على ثلاثة أصناف فقط، ثمّ خيّرنا بينها.
فإذا أردنا قياس مسألة الإمامة على الكفّارات، ينبغي أن نقول: إنّ اللّٰه تعالى نصّ لنا على أسماء أئمّة معيّنين ثمّ خيّرنا بينهم، و هذا لا يقول به القاضي، و إنّما يقول: إنّ اللّٰه تعالى قد خيّرنا في اختيار الإمام في الأصل، و لم ينصّ لنا على أسماء أئمّة معيّنين.
فإذا كان كذلك افترق بحث الإمامة عن الكفّارات، و لم يصِحّ قياسه عليها؛ لعدم المطابقة بينها(1).
رابعاً: اعتماد الأجوبة النقضيّة. من الأساليب المعتمدة في مجال الجدل و النقض و المناظرة استعمال أُسلوب الجواب النقضي، بحيث يُردّ على الطرف المقابل بإشكال يشابه إشكاله الذي أورده. و هذا الأُسلوب ينفع في إسكات ذلك الطرف، و في تقوية الجواب الأصلي.
و قد استعمل الشريف المرتضى هذا الأُسلوب في كتابه، فإنّه بعد أن يجيبَ على إشكال القاضي، يقوم بدعم جوابه من خلال طرح جواب نقضي، و يكشف عن أنّ القاضي متورّط بنفس الإشكال الذي أورده على الإماميّة، و الفرق أنّ للإماميّة جواباً على ذلك الإشكال خلافاً له(2).
خامساً: المرونة في البحث. من خصائص فكر الشريف المرتضى ترك التشدّد، و إبداء مرونة كبيرة في البحث مع الآخرين، فعندما يرى أنّ كلام الخصم يمتلك قَدَراً من النصفة و المعقولية فإنّه يسلّم له ما دام لا يمسّ ذلك بأُصول فكر الإماميّة و قواعده الثابتة.
ففي أحد الموارد ذكر القاضي أنّه من الجائز أن يكون لكلّ بلدٍ إمام إذا كان الصلاح في ذلك.
فأجاب الشريف المرتضى بأنّنا لا ننكر جواز ذلك عقلاً، فإنّ العقل يجوّز أن ينصب اللّٰه تعالى لكلّ بلدٍ إماماً مستقلاًّ، و زاد الشريفُ المرتضى بأنّ العقل يجوّز أيضاً أن يُنصب لكلّ شخصٍ إمام، لكنّ الكلام ليس في الجواز العقلي، بل في وجوب ذلك، و هو أمرٌ مرفوض(1).
سادساً: الدفاع عن آراء الآخرين. قد يختلف الشريف المرتضى في بعض المسائل مع بعض الإماميّة، و لكن إذا وجد أنّ القاضي يورد إشكالاً غير وارد على ذلك البعض من الإماميّة، فإنّه يتصدّى له و يقوم بجوابه.
ففي مسألة الحاجة إلى الإمام ذكر القاضي أنّ البعض ذهبَ إلى أنّ وجه الحاجة هو بيان كيفيّة شكر اللّٰه تعالى، و رفض الشريف المرتضى هذه الطريقة و لم يعتبرها من وجوه الحاجة إلى الإمام.
و لكن عندما أشكل القاضي على هذه الطريقة بأنّ بيان الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله لكيفيّة الشكر يغني عن الإمام، أجابه الشريف المرتضى بأنّ هذا الإشكال غير واردٍ على تلك الطريقة - على الرغم من عدم إيمانه بها - و ذلك لأنّ بيان الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله قد لا يصل بالتواتر إلى الأجيال اللاحقة، و ذلك بسبب إعراض الناقلين - لسببٍ من الأسباب - عن ذلك، فلا بدّ من وجود إمامٍ يؤدّي ما بيّنه الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله من كيفيّة الشكر(2).
و قد فعل نفس الشيء في وجهٍ آخر من وجوه الحاجة إلى الإمام، و هو تعليم السموم القاتلة و الأغذية النافعة، فعلى الرغم من رفضه لهذه الطريقة، لكنّه ناقش
إشكال القاضي الذي أورده على القائلين بها(1). كما دافع عن القائلين بنظريّة أنّ الإمامة بالاستحقاق و التي كان لا يؤمن بها(2).
سابعاً: الكتاب موضوع للردّ على المخالف دون الموافق. لقد التزم الشريف المرتضى بمنهجيّة صارمة في الكتاب، حيث ركّز بصورةٍ أساسيّةٍ على مناقشة المخالفين للإماميّة في مسألة الإمامة، و بالخصوص القاضي عبد الجبّار و شيوخه من المعتزلة، و لم يَقُمْ بمناقشة آراء بعض الإماميّة الذين كان يختلف معهم في بعض المسائل؛ و ذلك لأنّ الهدف من وراء تأليف الشافي هو الردّ على المخالفين دون الأصحاب.
و قد صرّح الشريف المرتضى بذلك حيث قال:
و لَو لا أنّ كتابَنا هذا موضوعٌ للنقضِ علَى المُخالِفِ - دونَ الاعتراضِ علَى المُوافِقِ - لَأَورَدنا جُملَةً مِن الطُّرُقِ المسلوكةِ فيما ذَكرناه، و أَشَرنا إلىٰ جهةِ الاعتراضِ عَلَيها.(3)
نعم لقد أشار الشريف المرتضى أحياناً إلى مخالفته لآراء بعض الأصحاب، كما في العبارة الأخيرة، لكنّه كان يترك تفصيل البحث و مناقشة آرائهم إلى مجال آخر.
ثامناً: سيادة النظم و الوضوح على الكتاب. قد يبدو لقارئ كتاب الشافي في الوهلة الأُولى أنّ الكتاب لا تربط بين أبحاثه رابطة نظم واضحة، و أنّ أبحاثه مشتّتة و يسودها الاضطراب، و لكن عند التدقيق في أبحاثه و مسائله سوف يرتفع هذا الوهم، و سوف يتّضح للقاري أنّ هناك نظماً و ترتيباً دقيقاً يسود الكتاب، و أنّ كلّ شيء موضوع في مكانه، حتّى أنّ الشريف المرتضى صرّح بذلك أحياناً، فقال عند تعرّضه
إلى أحد الأبحاث:
فأمّا الوجهُ الثاني الذي وَعَدنا بذِكرِه و شَرحِه، و هو المُتضمِّنُ لتسليمِ ما يَدَّعونَه مِن أنّ الخِلافَ ارتَفَعَ و انقَطَعَ ، غيرَ أنّه لَم يَكُنِ ارتفاعُه عن رِضاً و إجماعٍ : فنَحنُ نَذكُرُه في الفَصلِ الذي يَلي هذا الكلامَ ؛ لأنّ الذي نَحكيهِ مِن كلامِ صاحبِ الكتابِ يَقتَضي ذلكَ .(1)
فنلاحظ هنا أنّ الشريف المرتضى يقدّم و يؤخّر بعض الأبحاث لكي تتطابق مع كلام القاضي، و بالتالي لكي يكون هناك نظمٌ واضحٌ في هذا الكتاب الموضوع أساساً للردّ على كلام القاضي.
و من مظاهر النظم و الوضوح في الكتاب تقديم الشريف المرتضى مقدّمة لبعض الأبحاث التي كانت بحاجة إلى توضيح قبل الدخول فيها(2).
تاسعاً: متابعة ترتيب المغني. من طبيعة كتب الردّ و النقض متابعة ترتيب الكتاب المنقوض عليه، و السير على خطاه، فإنّ هذا أنفع في الردّ.
نعم، إذا كان الكتاب المنقوض عليه خالياً من النظم و الترتيب، فسوف يضطرّ الناقد إلى ترتيب بحوث ذلك الكتاب و عدم الالتزام بمتابعة ترتيبه.
و لكن بما أنّ كتاب المغني كان يمتلك قدراً كبيراً من النظم و الترتيب؛ لذلك اكتفى الشريفُ المرتضى عادةً بمتابعة ترتيب بحوثه و عدم الخروج عنه، فقد قال في موضع من الشافي:
و لَو لا أنّ صاحبَ الكتابِ أحالَ في هذا البابِ علىٰ غيرِ هذا المَوضِعِ مِن كلامِه، و استَعمَلنا مِثلَ ما فَعَلَه، لَكُنّا لَم نُخلِ هذا المكانَ مِن كلامٍ في هذا المعنىٰ .(3)
فإنّ قوله: «و استعملنا مثل ما فعله» يدلّ على متابعته لترتيب بحوث المغني.
و الذي يقوم بمقارنة بين بحوث الكتابين يجد ذلك بكلّ وضوح. كما أدّت متابعة المغني إلى تكرّر بعض البحوث بسبب تكرّر ذكر القاضي لها في كتابه، قال الشريف المرتضى:
و قد تَكرَّرَ هذا المَعنىٰ مِنّا دُفعةً بَعدَ أُخرىٰ ، و العُذرُ فيه لنا ما استَعمَلَه صاحبُ الكتابِ مِن تَردادِ التعَلُّقِ بالشيءِ الواحدِ و تَكرارِه مِراراً.(1)
لا يمكن استعراض كلّ ما ورد من آراء في هذا الكتاب الكبير، خاصّة و أنّه يمكن للقارئ معرفةَ موضع الكثير منها من خلال مراجعة فهرس العناوين المفصّل الذي قمنا بإعداده لكلّ محتويات الشافي، و لكن هذا لا يمنع من استعراض شيءٍ يسير من تلك الآراء بما يتناسب مع حجم هذه المقدّمة. و نحاول هنا أن نستعرض بعض الآراء المهمّة و المرتبطة بالدرجة الأُولى ببحث الإمامة، و ذلك كما يلي:
الأوّل: تنبيه الإمام على المعارف. يمتلك الإمام أهمّيّةً خاصّة في المنظومة الفكريّة لدى الإماميّة، فحوله تدور كلّ معارف الدين، و هو الملاذ الوحيد الذي إليه يَرِدُون و منه يصدرون. و قد أعطى بعض الإماميّة دوراً آخر للإمام أكثر عمقاً، فاعتبروه هو الذي ينبّه على العقائد الصحيحة من إثبات اللّٰه تعالى، و صفاته، و غير ذلك، كما ينبّه على الأدلّة التي يمكن أن تقام على ذلك. و بعبارةٍ أُخرى، إنّ العقل بحاجة إلى السمع للتنبّه على تلك العقائد و أدلّتها(2).
إنّ التعبير بكلمة «تنبيه» دقيقٌ جداً، فالسمع - أي كلام الإمام في محلّ بحثنا - لا يكون حجّة قبل إثبات وجود اللّٰه تعالى و بعض صفاته، فإثبات إمامة الإمام متوقّفة
على إثبات ذلك(1)، و لذلك لا يمكن للعقل أن يكون تابعاً للسمع في الإيمان بهذه العقائد، و إنّما ينحصر دور السمع في تنبيه العقل و توجيهه نحو تلك العقائد و أدلّتها.
و حينئذٍ ينظر العقل في تلك الأدلّة، فإنْ وجدها مقنعةً آمن بمدلولها، و إلّاأمكنه رفضها. و هذا يعني أنّ العقل ليس بحاجةٍ للسمع في الإيمان بالعقائد؛ لاستقلاله في ذلك، و إنّما هو بحاجة اليه للتنبّه فقط على تلك العقائد و الأدلّة عليها. و لذلك اعتبر بعض الإماميّة أحدَ وجوه الحاجة إلى الإمام هو تنبيهه على الأدلّة و النظر(2).
و يبدو أنّ عدد المؤمنين بذلك من الإماميّة لم يكن يسيراً، فقد نقل الشيخ المفيد اتّفاقهم عليه، حيث قال:
و اتّفقت الإماميّة على أنّ العقل محتاجٌ في علمه و نتائجه إلى السمع، و أنّه غير منفكّ عن سمع ينبّه العاقل على كيفيّة الاستدلال، و أنّه لا بدّ في أوّل التكليف و ابتدائه في العالَم من رسول(3).
و قد وافق الشريفُ المرتضى بدوره على إعطاء هذا الدور للإمام(4)فلا شكّ أنّه أفضل مَن يستطيع أن يرشد و ينبّه على العقائد الصحيحة؛ فإنّ الحقّ كلّه عند الإمام، و هو مُحقّ في جميع الأُصول، كما نصّ الشريف المرتضى على ذلك(5).
و لكنّه في نفس الوقت رفض أن يَحصر هذا الدور بالإمام، فليس الإمام برأيه هو الوحيد الذي ينبّه على العقائد و أدلّتها، و إنّما هناك وسائل أُخرى يمكن أن تمارس نفس الدور، فالإنسان الذي يعيش بين الناس يمكن أن يحصل عنده تنبّه من خلال ما يسمعه من اختلاف الناس في مذاهبهم و آراءهم، فيتنبّه على ضرورة البحث و النظر
حول المعارف. و إن كان بعيداً عن الناس فقد يتّفق له أنْ يفكّر في ضرورة النظر، أو يُخطر اللّٰه تعالى في سمعه كلاماً يرشده و ينبّهه على ضرورة النظر، و هو البحث المعروف عند المتكلّمين ب: «الخاطر»(1).
و لهذا رفض الشريف المرتضى الاستدلال على الحاجة إلى الإمام بكونه ينبّه على العقائد؛ لأنّ الاستدلال على الحاجة إلى الإمام يجب أن يكون بواسطة وجهٍ يختصّ به الإمام لا غير، لا بواسطة وجهٍ يمكن أن يقوم به الإمام و يمكن أن يقوم غيره بذلك، كما في مسألة التنبيه على العقائد(2).
و لهذا قال:
فأمّا قَولُ بَعضِ أصحابِنا: «إنّه يُنبِّهُ علَى الأدلّةِ و النظَرِ فيها»، فالحاجةُ لا شَكَّ في ذلك إليه واضحةٌ، إلّاأنّه لَيسَ يَصِحُّ أن يُتعلَّقَ في إيجابِ الإمامةِ بما يَجوزُ أن يَقومَ فيه غيرُ الإمامِ مَقامَه؛ و قد يَجوزُ أيضاً أن يُنبِّهَ علَى الأدلّةِ و النظَرِ فيها غَيرُ الإمامِ ، و قد يَجوزُ أيضاً أن يَتَّفِقَ لبَعضِ المكلَّفينَ الفِكرُ فيما يَدعو إلَى النظَرِ مِن غَيرِ خاطِرٍ و لا مُنَبِّهٍ ، بل يَستَغني عن المُنبِّهِ ، و لا يكونُ عندَنا مُستَغنياً عن الإمامِ .(3)
الثاني: نفي كون الإمامة مستحَقّة. ذهب بعض متقدّمي الإماميّة إلى أنّ الإمامة مستحَقّة، بمعنى أن الإمام يستحقّ الإمامة بسبب أعمالٍ قام بها سابقاً. و بذلك تكون الإمامة جاريةً مجرى الثواب، فالإمام يقوم بأعمالٍ صالحةٍ معيّنة، فيُثاب عليها من خلال إعطاء منصب الإمامة له. و قد ذهبوا إلى أنّ هذا الأمر غير خاصّ بمقام الإمامة،
بل هو شاملٌ للنبوّة أيضاً، فهي مستحَقّة أيضاً كالإمامة(1).
لكن الشريفَ المرتضى ومِن قَبلِه الشيخ المفيد رفضا ذلك في مجالَي النبوّة و الإمامة معاً(2). و صرّح الشيخُ المفيد بأنّ النبوّة و بتبعها الإمامة تفضّلٌ من اللّٰه تعالى على مَن اختصّه بكرامته، و أنّه لا استحقاق فيها(3).
و استدلّ الشريفُ المرتضى على نفي استحقاقيّة الإمامة و كونها تجري مجرى الثواب بأنّ في ممارسة مَهامّ الإمامة كلفةً و مشقّةً كبيرة، فهي مسؤوليّةٌ ثقيلةٌ تُلقى على عاتق الإمام، و هذا لا يتناسب مع حقيقة الثواب، فإنّ من يريد أن يثيب شخصاً على أعماله الحسنة، لا يكلّفه القيام بأعمال شاقّة و مرهقة، معتبراً ذلك ثواباً، و قد قال الشريفُ المرتضى بهذا الصدد:
أمّا الإمامةُ إذا أُريدَ بها التكليفُ و إلزامُ الإمامِ القيامَ بالأُمورِ التي يَقومُ بها الأئمّةُ فلَيسَت مُستَحَقّةً ؛ لأنّ المَشاقَّ و الكُلَفَ لا يَجوزُ أن يَكونَ ثَواباً و لا جاريةً مَجرَى الثوابِ .(4)
و قد اعتبر الشريفُ المرتضى هذا الدليل آكدَ الأدلّة على نفي استحقاق الإمامة(5)، و لكن يحتمل أنّ السببَ الأساس لإنكار استحقاق النبوّة و الإمامة من قِبَله هو و الشيخ المفيد يرجع إلى إنكارهما لعالم الذرّ(6)فإنّه لو صار الإنسان نبيّاً عند ولادته كما في حالة عيسى عليه السلام، أو في صغره كما حصل لبعض الأئمّة الاثني عشرّ
عليهم السلام، فبناء على نظريّة الاستحقاق، ما هي الأعمال الصالحة التي قاموا بها في هذه الدنيا، حتّى استحقّوا هذه المقامات و المنازل الرفيعة ؟
إنّ القائل بالاستحقاق سوف يضطرّ حينئذٍ إلى القول بوجود عالمٍ سابقٍ على عالمنا - و الذي قد يعبَّر عنه بعالم الذرّ - قاموا فيه بأعمالٍ جعلتهم يستحقّون عليها تلك المقامات.
و يشهد لذلك أنّ الشيخ المفيد وصف القائلين بالاستحقاق بأنّهم من أصحاب التناسخ، حيث قال:
إنّ تعليق النبوّة تفضّلٌ من اللّٰه تعالى على من اختصّه بكرامته... و هذا مذهبُ الجمهور من أهل الإمامة و جميع فقهائنا و أهل النقل منها، و إنّما خالف فيه أصحاب التناسخ المعتزين إلى الإماميّة و غيرهم.(1)
هذا من جهةٍ ، و من جهةٍ أُخرى إنّه وصف القائلين بعالم الذرّ بأنّهم من أصحاب التناسخ أيضاً، حيث قال:
و ليس الأمر كما ظنّه أصحاب التناسخ، و دخلت الشبهة فيه على حشويّة الشيعة، فتوهّموا أنّ الذوات الفعّالة المأمورة و المنهيّة كانت مخلوقة في الذرّ.(2)
إذن نظرة الشيخ المفيد إلى أصحاب نظريّة الاستحقاق و القائلين بعالم الذرّ واحدة، و هي أنّهم من أصحاب التناسخ، و كأنّه كان يرى أنّ القول بعالم الذرّ يستلزم القول بالتناسخ و انتقال الأرواح من جسدٍ إلى آخر، و إذا كان القول بالاستحقاق يستلزم القول بعالم الذرّ، فهذا يعني - حسب رأي المفيد - أنّه يستلزم القول بالتناسخ.
إذن هناك احتمالٌ قويٌّ أن يكون إنكار الشريف المرتضى لنظريّة استحقاق الإمامة
ناشئاً في الحقيقة من نظريّته حول إنكار عالم الذرّ.
الثالث: إثبات الإمام بالنصّ و المعجزة. من الأبحاث التي أثارتها مدرسة بغداد الإماميّة، و أكّدت عليها هي عدم اختصاص الطريق إلى معرفة الإمام بالنصّ ، كما كان هو المعروف عند الإماميّة، فقد كان المعروف عندهم أنّ الإمام لا يمكن معرفته إلّا من خلال النصّ . لكن تمّ تطوير هذه النظريّة في عصر الغيبة الكبرى، و خاصّة في بغداد لتضاف المعجزة إلى جانب النصّ كبديلٍ جيّدٍ عند فقدان النصّ ، أو عند عدم إمكان التعرّف على شخص الإمام.
ففي عصر الحضور كان يمكن التعرّف على شخص الإمام من خلال نصّ الإمام السابق عليه بكلّ سهولة، و هكذا في عصر الغيبة الصغرى كان يمكن ذلك من خلال الرجوع إلى الوكلاء و العلماء و الثقات ممّن تمكّنوا من مشاهدة شخص الإمام، و كان بوسعهم معرفة شخصه و تعريفه للآخرين.
و لكن بعد وقوع الغيبة الكبرى، و طول أمدها، و انقطاع الإمام بصورةٍ كاملة عن الناس، و موت كلّ مَن كان يعرف شخصه في الغيبة الصغرى، أخذت مشكلةٌ جديدةٌ تظهر للعيان، و هي أنّه إذا ظهر الإمام فكيف يمكن التعرّف عليه و إثبات أنّ هذا الشخص هو الإمام حقّاً؟
و قد تنبّه بعضُ المخالفين إلى هذا الإشكال، حيث سأل أحدُهم الشيخَ المفيدَ عن ذلك بما يلي:
إنّه إذا كان الإمام غائباً منذ ولد و إلى أن يظهر داعياً إلى اللّٰه تعالى، و لم يكن رآه على قول أصحابه أحدٌ إلّامَن مات قبل ظهوره، فليس للخلق طريقٌ إلى معرفته بمشاهدة شخصه، و لا التفرقة بينه و بين غيره بدعوته(1).
من هنا طرح الإماميّة و خاصّة في بغداد فكرة المعجزة كوسيلة مناسبة و قطعيّة
1) . الفصول العشرة في الغيبة، ص 121.
لإثبات شخص الإمام في حال عدم وجود أيّ وسيلةٍ أُخرى لإثبات ذلك، و بذلك غدت المعجزة وسيلة جديدة تقف إلى جانب النصّ عند متكلّمي الغيبة الكبرى.
إنّ فكرة المعجزة إنْ كانت موجودةً في عصر الحضور، فقد كانت تقف في الظلّ ، حيث تبرز فكرة النصّ كوسيلةٍ مهمّةٍ لإثبات إمامة الإمام(1)، لكنّها فرضت نفسها على متكلّمي الغيبة الكبرى لما تقدّم آنفاً.
و على أيّ حال، فإنّنا نجد متكلّمي الغيبة الصغرى - كالنوبختيّين - يرفضون ظهور المعجزة على يد الأئمّة(2)و الظاهر أنّ ذلك يرجع إلى عدم شعورهم بالحاجة إليها في ذلك العصر.
نعم، لقد طرح ابن قِبَة الرازي - و هو من متكلّمي الغيبة الصغرى أيضاً - فكرة المعجزة كوسيلة لإثبات شخص الإمام، وجوّز ظهور المعجزة على يده، فقد قال:
و أمّا قولهم: إذا ظهر فكيف يُعلم أنّه محمّد بن الحسن بن عليّ عليهم السلام ؟
فالجواب في ذلك: أنّه قد يجوز بنقلِ مَن تجب بنقله الحجّة من أوليائه، كما صحّت إمامته عندنا بنقلهم.
و جوابٌ آخر: و هو أنّه قد يجوز أن يُظهر معجزاً يدلّ على ذلك.
و هذا الجواب الثاني هو الذي نعتمد عليه، و نجيب الخصوم به، و إن كان الأوّل صحيحاً(3).
و قال أيضاً:
فإنّ قالت المعتزلة: فبأيّ شيءٍ تعلمون أنّ إقامة من تدّعون إمامته المعجز
على أنّه ابن الحسن بن عليّ عليهما السلام أصلح ؟
قلنا لهم: لسنا نعلم أنّه لا بدّ من إقامة المعجز في تلك الحال، و إنّما نجوّز ذلك، اللّهمّ إلّاأنْ يكون لا دلالة غير المعجز، فيكون لا بدّ منه لإثبات الحجّة، و إذا كان لا بدّ منه كان واجباً، و ما كان واجباً كان صلاحاً لا فساداً(1).
و الظاهر أنّ ابن قِبَة قد مهّد لمن جاء بعده القولَ بجواز ظهور المعجزة على يد الإمام عند ظهوره، و جعلها إلى جانب النصّ .
و مِن أبرز مَن أكّد على المعجزة من بين متكلّمي الغيبة الكبرى، و اعتبرها وسيلةً إلى جانب النصّ لإثبات شخصِ الإمام هو الشريفُ المرتضى، فقد أكّد على هذه الفكرة في كتبه(2).
و من المؤكّد أنّه كان له تأثيرٌ كبيرٌ و مباشرٌ على متكلّمي الإماميّة التالين له ممّن تبنّى هذه الفكرة(3).
و قد أدّى هذا البحث إلى الخوض في مسألةٍ أُخرى ذات صلة بهذا البحث، و هي هل يجوز ظهور المعجزة أساساً على يد غير الأنبياء عليهم السلام ؟
لقد ذهب المعتزلة بشِقَّيْهم البصريّ و البغداديّ إلى رفض فكرة ظهور المعجزة على يد غير الأنبياء عليهم السلام بصورةٍ مطلقة؛ باعتبار أنّ المعجزة تدلّ على إبانة و اختصاص النبيّ الصادق عن الكاذب، و لهذا فهي تختلف عن باقي الأدلّة(4).
إلّاأنّ الشريفَ المرتضى وقفَ في وجه المعتزلة، و رفض ما ذهبوا إليه، و أكّد
على جواز ظهور المعجزة على يد غير الأنبياء عليهم السلام؛ لأنّ المعجزة لا تدلّ إلّا على صدق صاحبها و مَن ظهرت على يده، و حينئذٍ إذا ادّعى أنّه نبيٌّ كان صادقاً و كان نبيّاً، و إذا ادّعى أنّه إمامٌ كان صادقاً أيضاً و كان إماماً(1)، و لا مبرّر لحصر دليل الإعجاز بالنبوّة دون غيرها.
و كان الشريفُ المرتضى قد أمّل في كتاب الشافي أن يُفرد مسألةً خاصّة بهذا البحث(2)، لكن يبدو أنّه لم يوفّقْ لذلك.
الرابع: وجوب ظهور الإمام الغائب في بعض الحالات. لم يخصّص الشريفُ المرتضى في هذا الكتاب باباً مستقلاًّ و مفصّلاً للبحث عن الغيبة، على الرغم من أنّ هذا البحث من الأبحاث المهمّة في مجال الإمامة، و لعلّه يعود إلى طبيعة الكتاب النقضيّة، فهو يتّبع كتاب المغني في ترتيبه و الأبحاث التي يتعرّض إليها، و بما أنّ القاضي لم يخصّص في كتابه باباً للغيبة، فكذلك فعل الشريف المرتضى في كتابه الشافي.
و على الرغم من ذلك يمكن التعرّف على الكثير من آراء الشريف المرتضى في الغيبة بصورة موزّعة في ثنايا الكتاب، و قد أشار إلى ذلك في بداية المسائل الطرابلسيّات الثانية، حيث قال:
اعلم أنّ كلّ مسألةٍ تتعلّق بالغيبة من هذه المسائل، فجوابها موجودٌ في كتابنا المقنع في الغيبة، و في الكتاب الشافي الذي هو نقض كتاب الإمامة من الكتاب المعروف ب: المغني، و من تأمّل ذلك وجده إمّا في صريحهما أو فحواهما(3).
و مِن آراءه حول الغيبة ما يتعلّق بوجوب ظهور الإمام عند كتمان بعض مسائل الشرع، فقد كان رأي الشريف المرتضى لفترةٍ طويلةٍ من حياته أنّه لا يوجد شيءٌ من الشرع مكتومٌ عنّا و لم يصل إلينا، بل الشرع كلّه واصلٌ إلينا، بدليل أنّه لو كان هناك شيءٌ من الشرع لم يصل إلينا، لوجب على الإمام الظهور و إعلامنا بذلك.
و قد صرّح بذلك في أكثر مِن موضعٍ مِن كتاب الشافي، حيث قال:
... و نَعلَمُ أنّ جميعَ الشرعِ واصِلٌ إلينا مِن جهتِه، و أنّه لَم يَنكَتِمْ عنّا مِنه شيءٌ بالطريقِ الذي قَدَّمناه، و هو أنّ الإمامَ المعصومَ إذا كانَ موجوداً في كُلِّ زمانٍ و جَرىٰ في الشريعةِ ما قَدَّرناه، وَجَبَ عليه الظهورُ و البيانُ، و إيصالُ المكلَّفينَ إلَى العِلمِ بما طَواه الناقِلونَ؛ فنَعلَمُ بفَقدِ تنبيهِه علَى الخَلَلِ الواقعِ في الشريعةِ عدَمَ ذلكَ .(1)
كما صرّح بذلك في رسالةٍ له حول الإجماع، حيث قال:
... و إنْ كانَ هو الإمامَ نفسَه، فلا يجوزُ من الإمامِ - و قولُه الحجّةُ في أحكامِ الشريعةِ - أن يُخلِيَ سائرَ المكلّفينَ مِن مَعرفةِ قولِه، و أنْ يَسلُبَهم الطريقَ إلى إصابةِ الحقِّ الذي لا يوجَدُ إلّافي مَذهَبِه، و يَجِبُ عليه إظهارُ قوله لكُلِّ مكلّفٍ حتّى يَتَساوىٰ مِن العلمِ به سَماعاً و إدراكاً و منقولاً من جهةِ الخبرِ كلُّ مَن يَلزَمُه ذلكَ الحُكمُ .
و لهذا نَقولُ : متى عَلِمَ الإمامُ أنّ شيئاً مِنَ الشرعِ قد انقَطَعَ نقلُه، وَجَبَ عليه أنْ يَظهَرَ لبيانِه، و لا يَسوغُ له حينئذٍ التقيّةُ (2).
و لكنّه تراجع عن هذا الرأي فيما بعد، و ذهب إلى جواز عدم وصول بعض الشرع
إلينا، و أنّه لا يجب على الإمام الظهور لإعلامنا بذلك، و سوف يكون الناس الذين اضطرّوا الإمامَ إلى الغيبة هم المقصّرين، و هم المسبِّبين لكتمان الشرع، لا الإمام.
و قد صرّح بهذا الرأي الجديد و بتغييره لرأيه في مقدّمة المسائل الطرابلسيّات الثانية، حيث قال:
فإنْ قيل: ألّا جاز أن يكون الحقّ في بعض المسائل أو الحوادث عند الإمام عليه السلام، و الناسُ في حال الغيبة في ذلك الأمر على باطل، و لو زالت التقيّة عنه لبيّن الحقّ و أوضحه ؟
قلنا: قد أجبنا عن هذا السؤال في كتابنا في الغيبة و الشافي و الذخيرة، و كلّ كلامٍ أمليناه فيما يتعلّق بالغيبة، بأنّ الحقّ في بعض الأُمور لو خفي علينا و كانت معرفته عند الإمام الغائب، لوجب أن يَظهر و يوضّح ذلك الحقّ ، و لا تسعه التقيّة و الحال هذه... و جرينا في الجواب بذلك على طريقة أصحابنا...
و الذي يقوى الآن في نفسي و يتّضح عندي أنّه غير ممتنعٍ أن يكون عند إمام الزمان - غائباً كان أو حاضراً - من الحقّ في بعض الأحكام الشرعيّة ما ليس عندنا، لا سيّما مع قولنا بأنّه يجوز أن يكتم الأُمّة كلّها شيئاً من الدين، حتّى لا يروونه من الحجّة في رواية.
و لا يكون تكليفنا بمعرفة ذلك الحقّ تكليفاً بما لا يطاق؛ لأنّا نطيق معرفة ذلك الحقّ الذي استند بمعرفة الإمام من حيث قدرنا - إذا كان غائباً لحوقه - على إزالة خوفه، فإنّه كان حينئذٍ يَظهر و يبيّن ذلك الحقّ (1).
و قد أشار الشيخُ الطوسي إلى هذا التغيّر في رأي أُستاذه، و قال إنّه قد ذهب إلى
1) . رسائل الشريف المرتضى، ج 1، ص 311-312.
ذلك أخيراً في إشارة إلى حدوث تغيير في رأيه، حيث قال:
و ذكر المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي (قدّس اللّٰه روحه) أخيراً:
أنّه يجوز أن يكون الحقّ فيما عند الإمام، و الأقوال الأُخر تكون كلّها باطلة، و لا يجب عليه الظهور؛ لأنّه إذا كنّا نحن السبب في استتاره، فكلّما يفوتنا من الانتفاع به و بتصرّفه و بما معه من الأحكام، نكون قد أُتينا من قِبَل نفوسنا فيه، و لو أزلنا سبب الاستتار لظهر و انتفعنا به، و أدّى إلينا الحقّ الذي عنده.(1)
و قال في كتاب آخر:
و كان المرتضى (رحمه اللّٰه) يقول أخيراً: لا يمتنع أن يكون هاهنا أُمورٌ كثيرةٌ غير واصلةٍ إلينا هي مودَعة عند الإمام عليه السلام، و إن كان قد كتمها الناقلون، و لم ينقلوها(2).
إذن، هذا أحد الموارد التي حصل فيها تغيير في رأي الشريف المرتضى عمّا ذكره في الشافي. ثمّ إنّ هذا التغيير في الرأي أدّى إلى تغيير النظرة في مسألةٍ أُخرى مهمّة، و هي الإجماع، و بيان ذلك بحاجة إلى تفصيل(3).
الخامس: نفي دلالة الألفاظ على الاستغراق، وانعكاس ذلك على الآراء الكلاميّة.
من الآراء التي تبنّاها الشريف المرتضى، و التي تركت أثرها على مختلف آراءه هو رفضه وجود لفظ في اللغة العربيّة يدلّ على الاستغراق و العموم، و أمّا الألفاظ التي ادّعي أنّها تدلّ على العموم إنّما هي محتمِلة للعموم و الخصوص، و لا دلالة فيها على العموم فقط(4).
و قد انعكس هذا الرأي على آراء الشريف المرتضى في بعض المسائل، نذكر منها:
إلّا أنّ الشريفَ المرتضى رفضَ هذا الاستدلال؛ لأنّ لفظة (الْمُؤْمِنِينَ ) عنده لا تدلّ على العموم الشامل لجميع المؤمنين، لأنّه لا لفظ يدلّ على العموم، و إنّما هذه اللفظة تدلّ على ثلاثة كقدرٍ متيقّن، و أمّا دلالتها على أكثر من ثلاثة فمشكوكٌ ، و يحتاج إلى دليلٍ مستقلٍّ . فلا يصحّ التعلّق بهذه الآية في بحث الإجماع(2).
رفضَ الشريفُ المرتضى الاستدلال بقوله تعالى: (إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ )(1). الشافي، ج 3، ص 491.(2)على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام؛ و ذلك لأنّ الاستدلال بها متوقّفٌ على القول بالعموم، و أنّ له صيغة يقتضي ظاهرها الاستغراق و هو لا يقول بهذا(2).
ناقشَ الشريفُ المرتضى استدلال البعض بقوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللّٰهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ )(3)على مدح جميع الصحابة و سلامة سيرتهم، بأنّ الاستدلال بهذه الآية مبنيٌّ على القول بوجود لفظ يدلّ على الاستغراق، فإذا لم يوجد هكذا لفظ، لم تكن الآية تستغرق بظاهرها جميع المبايعين تحت الشجرة، فلا تكون حجّةً لهم في الآية(4).
كما رفض دلالة قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ )(5)على شمول المدح الذي فيه لجميع الصحابة؛ لنفس السبب، و هو أنّ هذا اللفظ كغيره لا يدلّ على العموم و الاستغراق(6).
قد يعثر القارئ لكتاب الشافي على فوائد علميّةٍ و كلاميّةٍ و أُصوليّةٍ و تاريخيّةٍ متنوّعةٍ و كثيرةٍ منثورةٍ في ثنايا الكتاب، بحيث لا يمكن ملاحظة بعضها بسبب اختصارها، فلا يطّلع عليها إلّامَن يقوم بقراءة الكتاب بأكمله، و لذلك غدا من المفيد
إبراز بعض هذه الفوائد و جمعها في مكانٍ واحد، لكي تكون في مرأى عين الباحثين.
و فيما يلي عددٌ من هذه الفوائد، نستعرضها باختصار، و نقدّم الفوائد الكلاميّة و الفقهيّة و الأُصوليّة، ثمّ نتبعها بالتاريخيّة و المتعلّقة ببعض الفِرَق، و نذكر بعد كلّ مورد رقم الجزء و الصفحة من الشافي:
«البداء» عند أكثر الشيعة هو نفس قول المعتزلة في «النسخ» بحسب المعنى و المفهوم (ج 1، ص 295-296).
إنّ الأشياء التي يجوز فيها السهو، لا يجوز أن يسهو عنها الناس جميعاً، بل ولا الجماعات الكثيرة (ج 1، ص 379).
لا نقطع على أنّ الإمام الغائب عليه السلام لا يظهر لبعض أوليائه و شيعته، بل يجوز ذلك كما يجوز أن لا يظهر لأحد منهم. و ليس يَعرف كلّ واحدٍ منّا إلّاحال نفسه، فأمّا حال غيره فغير معلومة (ج 1، ص 398).
«الفترة» هي خلوّ الزمان من النبيّ ، لا من الإمام (ج 1، ص 221؛ و ج 3، ص 513).
لا يجوز الاقتصار على القرآن في حفظ الشرع؛ لأنّ أكثر الشرائع و الأحكام ليست مذكورة فيه بصراحة على التفصيل و التحديد. و هو مع ذلك لا يترجم عن نفسه، و لا ينبيء عن معناه و تفصيله و تأويله، و لا بدّ له من مترجم و مبيّن (ج 1، ص 466).
الظاهر من مذاهب المتكلّمين أنّ اللّٰه تعالى أحدث القرآن في السماء قبل نبوّة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله بمُدد طوال (ج 3، ص 79).
لا يجوز أن يُقال في القرآن بالآراء أو بما يحتمل من الوجوه دون الرجوع إلى تاريخ نزول الآية و الأسباب التي وردت عليها و تعلّقت بها (ج 4، ص 290).
جواز ورود الشرع لتأكيد ما في العقل (ج 2، ص 91).
إشارة إلى رأي الشريف المرتضى حول حقيقة الإيمان، و أنّ الأفعال كالصلاة و
الزكاة ليست من شرائطه (ج 3، ص 104-105).
إشارة إلى أنّ الكبائر عند المعتزلة تُخرج من الإسلام و الإيمان معاً، و أنّ الإيمان عندهم هو الإسلام (ج 4، ص 293).
إشارة إلى نظريّة الموافاة (ج 2، ص 440).
إشارة إلى أنّ العاقل لا تدخل عليه الشبهة في الضروريات (ج 3، ص 338).
عدم جواز أن يُعلِم اللّٰه تعالى غيرَ المعصوم بأنّه من أهل الجنّة؛ لأنّ في ذلك إغراء بالقبيح (ج 4، ص 278؛ و ج 5، ص 367).
إشارة إلى بطلان نظريّة الحلول (ج 4، ص 436).
احتجاج الشريف المرتضى بالأخبار المُجمَع عليها، و التي لم يُطعن فيها، و لم يحصل فيها اختلاف (ج 3، ص 418؛ و ج 4، ص 438)، و تقديمها على خبر الواحد (ج 3، ص 115).
طرح الشريفُ المرتضى بحثاً مفصّلاً حول الإجماع، بحيث يمكن عدّه رسالةً مستقلّةً حول هذا الموضوع (ج 3، ص 9-110).
و طرح بحثاً مفصّلاً آخر حول التواتر و شروطه، و ركّز البحث على النصّ الجليّ (ج 2، ص 316-357).
إشارة إلى أنّ الشريف المرتضى و غيره من الإماميّة هم من أهل الرواية، حيث قال: «و معلومٌ أنّا من أهل الرواية». (ج 5، ص 369).
إشارة إلى استعمال المتكلّمين لفظ «العلم» للدلالة على الظنّ (ج 5، ص 102).
لا تسقط الحدود في عصر الغيبة، بل هي ثابتةٌ في جنوب مستحِقّيها، فإنْ ظهر الإمام أقامها عليهم، و إلّاكان اللّٰه تعالى هو المتولّي يوم القيامة لجزائهم بها أو العفو عنهم، و الإثم في تأخير إقامة الحدود يقع على مَن أخاف الإمام و اضطرّه إلى الغيبة (ج 1، ص 501).
نفي أن يكون كلّ مجتهدٍ مصيباً (ج 5، ص 285).
نفي حجّيّة خبر الواحد (ج 2، ص 266، 462-463).
عدم تخصيص القرآن بخبر الواحد (ج 4، ص 341).
ظاهر الإيجاب إذا كان مشروطاً بحصول صفة من الصفات، لا يقتضي تحصيل تلك الصفة و لا عدم تحصيلها، بل فرض المخاطب التوقّف و تجويز ورود البيان بالتزام تحصيل الصفة أو عدم تحصيلها (ج 1، ص 323-324).
نفي دلالة الإطلاق السكوتيّة (ج 2، ص 12-13، 30؛ و ج 3، ص 91-92).
نفي أن تكون حروب النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله عن اجتهاد دون وحي (ج 4، ص 499-500).
ما كان الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله يفتقر إلى رأي أحد؛ و ذلك لكماله و رجحانه على الجميع، و إنّما كان يشاور أصحابه على سبيل التعليم لهم و التأديب أو لغير ذلك (ج 4، ص 507-508).
تأييد الشريف المرتضى خبر إرادة إحراق بيت فاطمة عليها السلام، و أنّه قد رواه غير الشيعة ممّن لا يُتّهم على القوم (ج 4، ص 440).
نقل الشريف المرتضى نصّ خطبة فاطمة الزهراء عليها السلام أمام أبي بكر (ج 4، ص 345-358).
رفضَ الشريفُ المرتضى تحديد عدد المتمسّكين بالحقّ بعد الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله بستّة أشخاص (ج 4، ص 319-320).
إشارة إلى دفاع أمير المؤمنين عليه السلام عن المدينة بعد وفاة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله (ج 2، ص 470-471).
لم يكن تزويج أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر عن اختيار، بل كان عليه السلام مكرهاً على ذلك (ج 4، ص 223-225).
إشارة إلى إيمان الجمهور من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام و أعوانه في حروبه، بإمامة المتقدّمين عليه (ج 3، ص 13؛ ج 4، ص 196، 219).
إشارة إلى ممارسة أمير المؤمنين عليه السلام التقيّة أيّام خلافته (ج 4، ص 192-193، 412-414).
نصّ كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أهل الكوفة بعد فتح البصرة (ج 5، ص 333-335).
إشارة إلى أنّ سلوك الإمامَين الحسن و الحسين عليهما السلام كان عن علمٍ و يقين، لا عن ظنٍّ و اجتهاد (ج 5، ص 61-62).
إنكار تشيّع أبي حفص الحدّاد (ج 1، ص 299).
إنّ كتب أبي سهل و أبي محمّد النوبختيَّين في الإمامة تتضمّن نصرة جميع ما ذكره أبو عيسى الورّاق و ابن الراوندي في كتبهما في الإمامة، بل قد اعتمدا على أكثر ما ذكراه من الأدلّة، و سلكا في نصرة أُصول الإمامة تلك الطرق بعينها (ج 1، ص 311).
إشارة إلى أنّ الشريف المرتضى لم يَرَ سُمَنيّاً قط، و إنّما سمع بهم (ج 2، ص 361).
إشارة إلى لقاء الشريف المرتضى لآحاد من فرقة «البكريّة» لا تقوم الحجّة بمثلهم، و «البكريّة» هم القائلون بالنصّ على أبي بكر (ج 2، ص 406).
إشارة إلى وجود صبابة و عدد ضئيل جداً من الواقفة في زمن الشريف المرتضى (ج 3، ص 508).
إشارة إلى إنكار بعض الغلاة و الإسماعيليّة للخاتميّة، و ذهابهم إلى أنّه كان بعد الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله عدّة أنبياء (ج 3، ص 468).
تبرّؤ الشريف المرتضى من الغلاة، و عدم عدّه إيّاهم من الشيعة أو المسلمين (ج 4، ص 436).
إشارة إلى مشاهدة الشريف المرتضى و مناظرته بعضَ من يُعدّ في جملة الفقهاء و أهل الفتيا ممّن يقول إن اللّٰه تعالى يعفو عن اليهود و النصارى و إن لم يؤمنوا، و إنّه لا يعاقبهم (ج 3، ص 468-469).
إشارة إلى خوف الناس من السلطان في أيّام عضد الدولة البويهي (ت 372 ه) (ج 2، ص 484).
ذكر الشريف المرتضى كلمةً مختصرةً لكنّها معبّرةً جدّاً، و هي تحكي حال المخالفين ممّن يتكلّم في مختلف الموضوعات بصورةٍ عمليّةٍ و دقيقةٍ جدّاً، لكن إذا وصل إلى بحث الإمامة تناسى الكثير من تلك الدقّة، فقد قال الشريف المرتضى: «و إنّما يقع التناسي للأُصول إذا بلغ الكلامُ إلى الإمامة» (ج 4، ص 180).
أشار الشريفُ المرتضى إلى نقطةٍ مهمّةٍ تتعلّق بالخلاف الدائر حول النصّ و الاختيار، و هو أنّ تبنّي أيّ نظريّة في هذا المجال يتوقّف على معرفة صفات الإمام و مكانته، فلو قلنا إنّ من صفاته العصمة و الأفضليّة مثلاً اضطررنا إلى القول بالنصّ ؛ لأنّ هذه الصفات لا سبيل لنا إلى معرفتها، إلّامن خلال التوقيف و النصّ ؛ لأنّها أُمور خافية على الأُمّة. و إنْ أنزلنا الإمام إلى منزلةِ الوكيل و الوصيّ و الشاهد، و أنكرنا فيه تلك الصفات، كان الاختيار كافياً لتعيينه.
و صرّح الشريفُ المرتضى بموافقته على ذلك، و زاد أنّه لو نزّلنا الإمام إلى منزلةِ العبد أو الأجير لما وجب علينا تعظيمه، و جاز أن نرجع في تعيينه إلى جهّال الأُمّةِ ، فضلاً عن علمائها(1).
إنّ هذه النقطة تساعد المهتمّين بهذه البحوث، حيث تؤكّد على أنّه ينبغي تحديد الموقف بالنسبة إلى صفات الإمام و مكانته، و حينئذٍ سوف يتّضح بسهولة أنّ الرأي الصحيح هو لزوم النصّ أو الاختيار.
1) . الشافي، ج 2، ص 307-308.
لقد كان الشريف المرتضى يمتلك مكتبةً عظيمةً تحتوي على الكثير من الكتب في مختلف المجالات، ومنها الكتب الكلاميّة، و بالخصوص كتب الإمامة، و لعلّ الكثير من الكتب التي ذكرناها في بداية هذه المقدّمة حول الإمامة كانت في متناول يده. و لو كانت باقيةً إلى زمننا لأمكننا المقارنة بينها و بين الشافي لمعرفة مدى انتفاعه منها.
هذا و لم يعتد الشريفُ المرتضى في كتاباته - و منها الشافي - أن يقوم بالتعريف بمصادره إلّافي بعض الأحيان، و لكن مع ذلك فقد ذكر في الشافي بعضاً من المصادر التي كانت في متناول يده.
و من جهة أُخرىٰ ، لقد حفظ لنا الشريفُ المرتضى نصوص العديد من الكتب التي يعتبر بعضها اليوم في عداد المفقودات، و هو يرفع من مستوى أهمّيّة الكتاب.
كما ينبغي أن لا ننسى أنّه قد حفظ لنا و لقرون عديدة أجزاء مهمّة و مطوّلة من كتاب المغني، قبل أن يتمّ اكتشاف مخطوطة المغني قبل عدّة عقود. بل و على الرغم من اكتشاف مخطوطة المغني و طباعته، لم تفقد النصوص المنقولة من هذا الكتاب في الشافي أهمّيّتها؛ و ذلك لفقدانها الكثير من التصحيفات و الأخطاء التي تعجّ بها مخطوطة المغني، فلا يبقى لمحقّق جزء الإمامة من المغني غنى من مراجعة مخطوطات الشافي لتقديم طبعة منقّحة و محقّقة بصورةٍ علميّة لذلك الجزء.
و فيما يلي استعراض لأهمّ مصادر الشافي:
كتاب سليم بن قيس الهلالي (ق 1). نقل منه رواية (ج 5، ص 44).
العين للفراهيدي (ت 175 ه). نقل منه أكثر من نصّ (ج 3، ص 86-87؛ و ج 4، ص 473).
الإمامة لابن الراوندي (ق 3). نقل منه نصّاً (ج 2، ص 173، و راجع: ج 3، ص 132). كما أشار في موضعٍ آخر عند الحديث عن النصّ إلى «كتاب ابن الراوندي»، و
الظاهر أنّه يشير إلى هذا الكتاب (ج 2، ص 448).
فضائح المعتزلة لابن الراوندي (ج 1، ص 202-203).
الجمل للواقدي (ت 207 ه). نقل منه رواية (ج 4، ص 146-147)، كما نقل عن الواقدي كتابَ أمير المؤمنين عليه السلام إلى أهل الكوفة لمّا فتح البصرة، و الظاهر أنّه نقله من كتاب الجمل المُشار إليه (ج 5، ص 333-335).
معاني القرآن للفرّاء (ت 207 ه). نقل منه نصّاً (ج 3، ص 155-156).
المجاز لأبي عبيدة (ت 209 ه). (ج 3، ص 152-153).
فضائل المعتزلة للجاحظ (ت 255 ه). نقل منه نصّاً (ج 1، ص 305-306)
العباسيّة للجاحظ. نقل منه نصّاً مطوّلاً (ج 4، ص 373-383).
العثمانية للجاحظ. (ج 3، ص 143؛ ج 4، ص 373).
المروانيّة للجاحظ. (ج 1، ص 296).
الفتيا للجاحظ. (ج 1، ص 296).
الإماميّة للجاحظ. (ج 1، ص 296).
الرافضة و الزيديّة للجاحظ. (ج 1، ص 297).
تاريخ الأشراف للبلاذري (ت 279 ه). نقل منه نصّاً (ج 4، ص 86-87).
المعرفة لأبي إسحاق إبراهيم الثقفي (ت 283 ه). أرجَعَ إليه في (ج 4، ص 435)، كما نقل روايات عن الثقفي، الظاهر أنّه نقلها من هذا الكتاب (ج 4، ص 138، 140، 170، 399-401).
العبارة لأبي العبّاس المبرِّد (ت 286 ه). نقل منه نصّاً (ج 3، ص 68، 155).
نقل الشريف المرتضى روايةً عن محمّد بن زكريا الغَلابي (ت 298 ه) حول ردّ عمر بن عبد العزيز لفدك على ولد فاطمة عليها السلام (ج 4، ص 408-411)، و الظاهر أنّه نقل هذه الرواية من أحد كتب الغَلابي الذي يحمل عنوان: «أخبار فاطمة
عليها السلام و منشأها و مولدها»، و الذي ذكره النجاشي(1).
تاريخ الطبري (ت 310 ه). نقل منه نصوصاً مطوّلة (ج 4، ص 63-76، 86، 528-532؛ و ج 5، ص 385-386).
الإنصاف لابن قِبَة الرازي (ت قبل 317 ه). نقل منه أكثر من نصّ (ج 2، ص 415-419؛ ج 3، ص 243-245).
المقالات لأبي القاسم البلخي (ت 317 ه). نقل منه نصّاً (ج 1، ص 306-307).
الجمهرة لابن دريد (ت 321 ه). نقل منه نصّاً (ج 3، ص 87-88).
تفسير القرآن لأبي مسلم الأصفهاني (ت 322 ه). نقل منه أكثر من نصّ (ج 3، ص 114، 236-237).
المشكل لأبي بكر الأنباري (ت 328 ه). نقل منه نصّاً (ج 3، ص 156).
تاريخ القاضي أبي بكر أحمد بن كامل (ت 350 ه). نقل منه رواية (ج 4، ص 430).
بلاغات النساء لابن طيفور أحمد بن أبي طاهر البغدادي (ت 380 ه). نقل منه نصّاً، لكنّه لم يصرّح بنقله من بلاغات النساء، إلّاأنّ مقارنةً بين ما جاء في الشافي و هذا الكتاب تكشف عن أنّه منقول منه (ج 4، ص 358-361).
كُتب الخوارج. أشار الشريفُ المرتضى خلال كلامه عن حديث الغدير إلى كتب الخوارج، فقال: «الخوارج فما يقدر أحدٌ على أن يحكي عنهم دفعاً لهذا الخبر، أو امتناعاً من قبوله، و هذه كتبهم و مقالاتهم موجودةٌ معروفة، و هي خالية مما ادّعي». (ج 3، ص 145).
كما أرجع الشريفُ المرتضى إلى بعض مؤلّفاته السابقة على تأليف الشافي، و هي:
1) . فهرست النجاشي، ص 347.
مسألة مفردة حول شبهة متعلّقة بحديث المنزلة، و هي مسألةٌ مفقودةٌ (ج 3، ص 288).
المسائل الموصليّات الأُولى، و هي مفقودة أيضاً (ج 4، ص 252، 517).
تقدّم عرض قائمة مطوّلة من الكتب الكلاميّة التي ألّفها الشيعة الإماميّة في مسألة الإمامة و ما يتعلّق بها من أبحاث، إلّاأنّ معظم تلك الكتب قد فقدت، و لا نعرف من أكثرها إلّااسمها، و بذلك لا يمكننا التعرّف على الكثير من الآراء و الاستدلالات المطروحة في تلك الكتب.
إلّا أنّ الشريفَ المرتضى الذي كان يمتلك الكثير من تلك الكتب استطاع من خلال كتابه الشافي من عكس الكثير من آراء الإماميّة الذين عبّر عنهم عادةً بكلمة:
«أصحابنا»، ممّا يفتح مجالاً لدراسة تلك الآراء، و معرفة تطوّر الأفكار و النظريّات التي سبقت الشريف المرتضى.
و لكن - و للأسف - لم يصرّح الشريفُ المرتضى بأسماء هؤلاء الأصحاب، الأمر الذي لو كان قد فعله لكان يساعدنا بصورةٍ أكبر بكثير على إعادة ترتيب تاريخ تطوّر نظريّات الإماميّة في الإمامة. و لكن يمكن تخمين أسماء بعض الذين عناهم بقوله:
«أصحابنا» و الذين أشار اليهم في خلال كتابه، مثل أبي سهل، و أبي محمّد النوبختيَّيْن، و أبي الأحوص المصري، و ابن قِبَة الرازي(1)، إضافة إلى أُستاذه الكبير الشيخ المفيد.
و على أيّ حال، فلا يمكننا التعرّف على أسماء هؤلاء الأصحاب بالدقّة، سوى أنّنا نتمكّن من خلال معرفة آرائهم في الإمامة من التعرّف على أفكار علماء الإماميّة في
1) . الشافي، ج 1، ص 310، 311؛ و ج 2، ص 415.
الفترة التي سبقت الشريف المرتضى. و فيما يلي عرض لتلك الأفكار و النظريّات، و قد قمنا في هذا العرض بنقل نصّ كلام الشريف المرتضى تارةً، فيما اكتفينا بنقل مضمون كلامه تارة أُخرى، و ذلك لاعتبارات مختلفة:
فأمّا حكايتُه عنهم القولَ بأنّ الإمامَ يَزيدُ في العِلمِ علَى الرسولِ ، و كذلكَ في العصمةِ ، و تعليلَه بأنّ ذلك يَجِبُ له مِن حَيثُ انقَطَعَ الوحيُ عنه، فحكايةٌ طريفةٌ لا نَعلَمُ أحَداً مِن الإماميّة ذَهَبَ إليها و إلىٰ مَعناها و لا اعتَقَدَه، و هذه كُتُبُ مَقالاتِهم و مُصنَّفاتُ شُيوخِهم خاليةٌ مِن صريحِ هذه الحكايةِ و فَحواها معاً. (ج 1، ص 205-206).
ذهاب بعض الأصحاب إلى القول بأنّ الإمام ينبّه على الأدلّة و النظر. (ج 1، ص 213، 275).
إشارة إلى أنّ الأصحاب كانوا دائماً يُلزمون خصومهم بأنّ كلامهم حول نصب الإمام و اختياره من قِبل الرعيّة يقتضي أن يكون الإمام تابعاً لمن نَصَبَه من الرعيّة. (ج 1، ص 247-248).
قال الشريف المرتضى:
فأمّا الإمامُ فلَيسَ يُستَغنىٰ عنه في وجوبِ الصَّلَواتِ إلىٰ سائرِ ما ذَكَرَه علىٰ ما ظَنَّه؛ لأنّ أصحابَنا قد ذَكَروا وجوهَ الحاجةِ إليه في ذلكَ :
فمِنها: تأكيدُ العلومِ و إزالةُ الشُّبُهات.
و مِنها: أنّه يبيِّنُ ذلكَ و يفصِّلُه، و ينبِّهُ علىٰ مُشكِلِه و غامِضِه.
و مِنها: كونُه مِن وراءِ الناقلينَ ؛ ليأمَنَ المكلَّفونَ مِن أن يَكونَ شَيءٌ مِن الشرعِ لَم يَصِلْ إليهم. (ج 1، ص 280).
الشريف المرتضى: «و ما نعرف فينا أحداً محصّلاً يدّعي أنّ المعارف كلّها ضرورية».
(ج 1، ص 287).
«و أكثر أصحابنا يقولون: إنّه أورد ذلك على سبيل المعارضة للمعتزلة، فقال لهم: إذا قلتم: إنّ القديم تعالى شيء لا كالأشياء، فقولوا: إنّه جسمٌ لا كالأجسام». (ج 1، ص 291).
استدلّ بعضُ الأصحاب بالإجماع على وجوب الإمامة. (ج 1، ص 353).
مراد من تعلّق من الأصحاب بلفظ النقص و عمومه، في قوله: «إنّ النقص قد عمّ الناس، فلا بدّ من إمام يرفع هذا النقص»، ارتفاع العصمة عنهم، وجواز مقارفة القبيح عليهم. (ج 1، ص 378).
عدم معرفة الشريف المرتضى لأحدٍ من الأصحاب تَعلّقَ بجواز دخول الشبهة على الحاجة إلى الإمام، لا سيّما على الوجه الذي ذكره القاضي. (ج 1، ص 380).
أجاب الأصحابُ عن سبب استتار الإمام عن أوليائه بأنّ العلّة في استتار الإمام في غيبته عن أوليائه هي خوفه من الظهور لهم لئلّا ينشروا خبره، و يُجروا ذكره، فيسمع به الأعداء، و يَظهروا عليه، فيؤول الأمر إلى الغاية الموجبة للاستتار من الأعداء. (ج 1، ص 395-396).
بعد أنْ نقل الشريفُ المرتضى ما نسبه القاضي إلى الشيعة من الاستدلال باختلاف المكلّفين في الأدلّة، و الاستدلال على الحاجة إلى الإمام، قال: «و هذه الطريقة التي حكاها غيرُ معتمَدَة عندنا، و لا اعتمدها أحدٌ من أصحابنا المتقدّمين و لا المتأخّرين». (ج 1، ص 427-428).
و إنّما استدلّ أكثر الأصحاب بوجهٍ آخر من الاختلاف، و تقريره:
قد عَلِمنا أنّه لَيسَ كُلُّ ما تَمَسُّ الحاجةُ إليه مِن الشريعةِ ، عليه حُجّةٌ قاطعةٌ
مِن كتابٍ، أو تواتُرٍ، أو إجماعٍ ، أو ما جَرىٰ مَجرىٰ ذلكَ ؛ بل الأدلّةُ في كثيرٍ مِن ذلكَ كالمتكافئةِ ، أو هي متكافئةٌ ، و لَولا ما ذَكَرناه ما فَزِعَ خُصومُنا إلىٰ غلبةِ الظَّنِّ و الاستحسانِ و غيرِهما ممّا يُسَمّونَه اجتهاداً. و إذا ثَبَتَ ذلكَ و كُنّا مكلَّفينَ للعِلمِ بالشريعةِ و العملِ بها، وَجَبَ أن يكونَ لنا مَفزَعٌ نَصِلُ مِن جهتِه إلىٰ ما اختَلَفَت أقوالُ الأُمّةِ فيه. (ج 1، ص 430).
استدلّ بعضُ الأصحاب على الحاجة إلى الإمام في كلّ زمانٍ ، بحاجة الناس إلى معرفة ما يتّصل بأبدانهم و معايشهم و مكاسبهم، و لا غنى لهم عن الأئمّة في هذه الأُمور. (ج 1، ص 447-448).
ذهاب الأصحاب إلى جواز ظهور المعجزات على يد الإمام عليه السلام.
(ج 1، ص 479).
قال الأصحابُ الذين ذهبوا إلى التفرقة بين الإمام و خلفائه من الأُمراء في العصمة: «لا يَجوزُ أن يوكَلَ هذه الأحكامُ إلىٰ مَن يُخطئُ فيها خطأً يُثمِرُ فَساداً في الدِّينِ و لَيسَ وَراءَه مَن يَتَلافىٰ خَطأَه و يَستَدرِكُ غلطَه، فلا يَلزَمُ عصمةُ الأُمَراءِ و الحُكّامِ ». (ج 1، ص 506).
إنّ مِن الأصحاب مَن يذهب إلى أنّ للإمام أمارة نصبها اللّٰه تعالى له على لسان رسوله صلّى اللّٰه عليه و آله، يفرّق بواسطتها بين الصادق من الشهود و الكاذب، فمتى شهد عنده الكاذب ردّ شهادته و لم يُمْضِها، و إن كان في الظاهر عدلاً. (ج 1، ص 510).
قال الشريف المرتضى:
و لا نَعرفُ محُصِّلاً مِن أصحابِنا و لا مِن غيرِهم يَذهَبُ إلىٰ أنّ السمعَ يَستَحيلُ أن يَرِدَ علىٰ سَبيلِ التقديرِ بأنّ الأُمّةَ أو جماعةً مِنها لا تَختارُ الخطأَ في حالٍ دونَ حالٍ ، أو علىٰ وجهٍ دونَ وجهٍ . (ج 1، ص 515).
و اعلَمْ أنّا إنّما سَلَكنا في تَرتيبِ الدَّلالةِ التي قَدَّمناها علىٰ عصمةِ الإمامِ مَسلَكَ مَن تَقدَّمَ مِن سَلَفِنا رَضيَ اللّٰهُ عنُهم، و إن كُنّا قد احتَرَزنا في إثباتِها بألفاظٍ مُسقِطةٍ لبعضِ شُبَهِ الخُصومِ اللازِمةِ علىٰ مَن يُخالفُ ترتيبَنا. (ج 2، ص 143-144).
استدلّ الكثير من الأصحاب بطريقة «الاقتداء» على العصمة، و هي أنّ الإمام مقتدىً به، فإنْ لم يكن معصوماً لم نأمن في بعض أفعاله أن يكون قبيحاً، فيجب علينا الاقتداء به في ذلك، و بما أنّنا نعلم باستحالة تعبّدنا بالأفعال القبيحة، وجب أن يكون الإمام المقتدى به مأموناً من أن يرتكب تلك الأفعال، و هو معنى العصمة. (ج 2، ص 170-171).
ذكر القاضي عبد الجبّار دليلاً على العصمة و نسبه إلى الشيعة، و هو أنّ مِن حقّ الإمام أن يكون واحداً في الزمان، و أن يولّي و لا يولَّى، و يجب على غيره طاعته، و لا تلزمه طاعة غيره، فحلّ محلّ الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله، فإذا وجبت عصمة الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله وجبت عصمة الإمام.
لكنّ الشريفَ المرتضى رفضَ هذا الاستدلال بهذا الترتيب، و قال:
و لَيسَ لكَ أن تَقولَ : إنّني ما حَكَيتُ إلّاما اعتَمَدَه أصحابُكم في كُتُبِهم.
فإنّا لا نَعلَمُ أنّ أصحابَنا اعتَمَدوا ما حَكَيتَه علىٰ ترتيبِكَ ، و لَعلَّ بعضَهم إن كانَ اعتَمَدَه فعَلىٰ طريقِ التقريبِ ، و رُبَّما أَورَدوا هذا الضربَ مِن الكلامِ علىٰ طريقِ الفَصلِ بَينَ الإمامِ و الأميرِ في وجوبِ العصمةِ إذا ألزَمَهم مُخالِفوهم أن يُساووا بَينَهما. (ج 2، ص 186).
و قال الشريفُ المرتضى:
و مَن يَقولُ مِن أصحابِنا أنّ الإمامةَ مُستَحَقّةٌ ، و أنّها تَجري مَجرَى الثوابِ ، لا يَذهَبُ إلىٰ أنّه يَصيرُ إماماً بنَفسِ الاستحقاقِ ؛ بَل لا بُدَّ عندَه مِن نَصٍّ عليه و إشارةٍ إليه. (ج 4، ص 104).
استدلّ كثيرٌ من الأصحاب على وجوب النصّ بما يلي: قد ثبت أنّ الإمام لا بدّ أن يكون أفضل الخلق عند اللّٰه تعالى؛ لأنّه إذا كان إماماً للكلّ فلا بدّ أن يكون أفضل من الكلّ أيضاً. فإذا ثبت ذلك و لم يمكن التوصّل إلى كونه أفضل بالأدلّة أو المشاهدة وجب النصّ أو المعجز. (ج 2، ص 212).
قال الشريفُ المرتضى بعد أن نقل الدليل على أفضليّة الإمام:
و هذه الطريقةُ التي سَلَكناها في الدَّلالةِ علىٰ أنّ الإمامَ يَجِبُ أن يَكونَ أفضَلَ مِن رَعيّتِه أقوىٰ ما يُعتَمَدُ في هذا البابِ ، و إن كانَ لأصحابِنا - رِضوانُ اللّٰهِ عَلَيهم - طُرُقٌ معروفةٌ إلّاأنّ جميعَها مُعتَرَضٌ ، و أكثَرُها يَلزَمُ عَلَيه أن يَكونَ الأُمَراءُ و جميعُ خُلَفاءِ الإمامِ أفضَلَ مِن رَعيّتِهم علَى الحَدِّ الذي يوجِبونَه في الإمامِ . (ج 2، ص 281).
إنّ الأصحاب كانوا يُلزمون الخصوم تجويزَ كون الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله مفضولاً، قياساً على الإمام. (ج 2، ص 285).
أشكل القاضي على مَن أنكر جواز تقديم المفضول على الفاضل، بعمرو بن العاص و خالد بن الوليد، فإنّهما وُلّيا على أبي بكر و عمر، مع كون الأخيرَين أفضلَ منهما، فأجابَ الشريف المرتضى بأنّه لا يُنكَر أن يكون عمرو و خالد أفضل منهما في أمر الحرب و السياسة، و هذا كافٍ ؛ لأنّهما إنّما وُلّيا عليهما في هذه الأُمور. ثمّ قال:
و قد أجابَ بعضُ أصحابِنا عن هذا الكلامِ بأن قالَ : لَيسَ يُنكَرُ أن يَكونَ عَمرٌو و خالدٌ في تلكَ الحالِ التي وُلِّيا فيها علىٰ أبي بَكرٍ و عُمَرَ أفضَلَ مِنهما
فيما يَرجِعُ إلَى الدِّينِ . (ج 2، ص 290).
و قد قالَ قَومٌ مِن أصحابِنا: إنّ دَلالةَ الفِعلِ رُبَّما كانَت آكَدَ مِن دَلالةِ القَولِ ، و أبعَدَ مِن الشُّبهةِ ؛ لأنّ القَولَ يَدخُلُه المَجازُ، و يَحتَمِلُ ضُروباً مِن التأويلاتِ لا يَحتَمِلُها الفِعلُ . (ج 2، ص 313).
و أمّا النصّ الذي لا نقطع على سامعيه من الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله أنّهم علموا النصّ بالإمامة منه اضطراراً، و لا يمتنع عندنا أن يكونوا علموه استدلالاً، إنّ هذا النصّ يسمّيه الأصحاب: «النصّ الخفيّ ». (ج 2، ص 313-314؛ ج 3، ص 379).
قال الشريفُ المرتضى: «إنّا لا ندّعي علم الضرورة في النصّ ، لا لأنفسنا، و لا على مخالفينا، و ما نعرف أحداً من أصحابنا صرّح بادعاء ذلك». (ج 2، ص 366 و راجع: ج 2، ص 447).
نقل الشريفُ المرتضى رأي الأصحاب حول تفسير سبب الانحراف الذي حصل بعد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و بيّن ذلك من خلال نصٍّ مطوّلٍ نسبيّاً نقله من كتاب الإنصاف لابن قبة. فراجع (ج 2، ص 415-418).
نقل الشريفُ المرتضى ثلاثة وجوهٍ عن الأصحاب حول تفسير سبب دخول أمير المؤمنين عليه السلام في الشورى. فراجع (ج 2، ص 466-469).
ناقش الأصحابُ خبرَ صلاة أبي بكر في أكثر من موضع، و أثبتوا أنّه لا نسبةَ بين الصلاة و الإمامة. و جملة ما ذكروه: أوّلاً: إنّ خبر الصلاة خبرٌ واحد. و ثانياً: إنّ
الذي أمر بخروج أبي بكر للصلاة هي عائشة لا الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله. و استدلّوا على ذلك بأمرين: أحدهما: قول النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله عندما سمع بخروج أبي بكر: «إنكنّ لصويحبات يوسف». و الآخر: خروجه صلّى اللّٰه عليه و آله متحاملاً من الضعف، معتمداً على أمير المؤمنين عليه السلام و الفضل بن العبّاس، و عزله لأبي بكر عن الصلاة. (ج 2، ص 473-474).
ذهب الزيديّة و شذّاذ من الإماميّة إلى أنّ السيّد الحِمْيريّ كان معتقداً للنصّ الخفيّ دون الجليّ . (ج 2، ص 509).
إنّ في الشيعة مَن يُثبت عصمةَ أمير المؤمنين عليه السلام بغير النصّ ، و لا يفتقر في الدلالة عليها إلى تقدّم النصّ بالإمامة. (ج 3، ص 16).
ذكر القاضي أنّ قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: «هذا إمامُكم من بعدي» يمكن أن يحمل على إمامة الصلاة أو العلم، و ذلك إذا ارتفعت الضرورة.
فقال الشريف المرتضى:
و قد أجابَ أصحابُنا عن هذا الإلزامِ و أمثالِه بأن قالوا: الذي يؤمِنُنا مِن أن يَجوزَ ما أُلزِمناه مِن التخصيصِ أنّ الذين نَقَلوا إلينا ألفاظَ النُّصوصِ خَبَّرونا بأنّ أسلافَهم خَبَّروهم عن أسلافِهم، إلىٰ أن يَتّصِلَ الخبرُ بزَمانِ الرسولِ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، أنّهم فَهِموا مِن قَصدِه النصَّ علَى الإمامةِ التي قد استقَرَّ في الشريعةِ حُكمُها و صفتُها و عمومُها لسائرِ الوِلاياتِ ؛ قالوا: و إذا كانَ مُرادُه عليه السلامُ ممّا يَصِحُّ أن يَقَعَ الاضطرارُ إليه كما يَصِحُّ أن يَقَعَ الاضطرارُ إلىٰ خِطابِه و كلامِه، فلَو جَوَّزنا علَى الناقِلينَ الكَذِبَ في أحَدِ الأمرَينِ جَوَّزناه في الآخَرِ.
و مَن ذهَبَ مِن أصحابِنا إلىٰ أنّ «اللفظَ المُحتَمِلَ لأُمورٍ مختَلِفةٍ علىٰ جهةِ الحقيقةِ إذا ارتفَعَ بَيانُ المُخاطِبِ و تخصيصُه مُرادَه بوَجهٍ دونَ وَجهٍ ، يَجِبُ
حَملُه علىٰ سائرِ محتَمَلاتِه، إلّاما منَعَ منه الدليلُ » يُسقِطُ بهذا المَذهَبِ السؤالَ عن نفسِه، فنَقولُ : إذا كانَ لَفظُ «الإمامةِ » مُحتَمِلاً لسائرِ الوِلاياتِ التي تَستَغرِقُها الإمامةُ الشرعيّةُ كاحتمالِه لبعضِها، و لَم يبيِّنِ الرسولُ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه مُرادَه علىٰ سبيلِ التعيينِ و التخصيصِ ، وَجَبَ أن يُحمَلَ اللفظُ علىٰ جميعِ ما يَحتَمِلُه. (ج 3، ص 29-30).
و قد اعتمَدَها شُيوخُنا رحمهم اللّٰه قَديماً. و رُبَّما ذَكَروا فيما يُخرِجُ أبا بَكرٍ مِن الصلاحِ للإمامةِ ارتفاعَ العصمةِ عنه، و إخلالَه بكَثيرٍ مِن علومِ الدِّينِ؛ و هو الأقوىٰ و إن رجَعَ إلىٰ ما تَقدَّمَ . و رُبَّما ذَكَروا أنّه أُخِّرَ عن الوِلاياتِ و قُدِّمَ عليه غيرُه، و أنّه عُزِلَ عن أداءِ سورةِ بَراءةٍ بَعدَ أن تَوجَّهَ بها، و عُزِلَ أيضاً عن الجَيشِ المبعوثِ لفَتحِ خَيبَرَ بَعدَ أن بانَ قُبحُ أثرِه فيه، و أَورَدَ الرسولُ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه عَقيبَ عَزلِه مِن القولِ ما لا شكَّ في خروجِه مَخرَجَ التهجينِ و التوبيخِ ، حتّىٰ أنّ كَثيراً مِن أصحابِنا ذَهَبوا إلىٰ أنّ ما تَضمَّنَه قولُه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في تلكَ الحالِ مِن الوصفِ لأميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ - بمَحبَّتِه للّٰه و رسولِه، و مَحبّةِ اللّٰهِ و رسولِه له - تدُلُّ علَى انتفائه عمّن عُزِلَ عن الوِلايةِ ، و يَذكُرونَ أشياءَ كثيرةً مِن هذا الجِنسِ هي مذكورةٌ في الكتُبِ مشهورةٌ يَستَخرِجونَ مِن جميعِها كَونَ الرجُلِ ممّن لا يصلُحُ للإمامةِ . (ج 3، ص 54-55، و راجع: ج 3، ص 60، 397-398).
و فيمن يَستَدِلُّ بهذه الآيةِ علَى النصِّ مَن يَقولُ إذا طولِبَ بمِثلِ ما طولِبنا به:
و قد ثَبَتَ أنّ اللفظةَ مُحتَمِلةٌ للوجهَينِ جميعاً علىٰ سَبيلِ الحقيقةِ، فالواجبُ حملُها علَى المعنيَينِ معاً؛ إذ هي مُحتَمِلةٌ لهما معاً، و لا تَنافيَ بَينَهما.
و قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ أنّ هذه الطريقةَ غيرُ سديدةٍ و لا مُعتَمَدةٍ.
و منهم مَن يَقولُ أيضاً: إنّ ظاهرَ قولِه تَعالىٰ (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ) يَقْتَضي توَجُّهَ الخِطابِ إلىٰ جميعِ المُكلَّفينَ؛ مؤمنِهم و كافرِهم؛ لأنّ أحَدَنا لَو أقبَلَ علىٰ جماعةٍ، فشافَهَهم بالخِطابِ بالكافِ، لَحُمِلَ خِطابُه علىٰ أنّه متوجِّهٌ إلَى الجميعِ؛ مِن حَيثُ لَم يَكُن بأن يَتَناوَلَ بعضَهم أَولىٰ مِن أن يَتَناوَلَ كُلَّهم.
و جميعُ المُكلَّفينَ فيما تَوجَّهَ إليهم مِن خِطابِ القَديمِ تَعالىٰ بمَنزِلةِ مَن شافَهَه أحَدُنا بخِطابِه؛ لأنّهم جميعاً في حُكمِ الحاضرينَ له، فيَجِبُ أن يَكونَ الخِطابُ مُتَوجِّهاً إلىٰ جميعِهم كما تَوَجَّهَ قولُه تَعالىٰ: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ )(1)و ما أشبَهَه مِن الخِطابِ إلَى الكُلِّ . و إذا دَخَلَ الجميعُ تَحتَه استَحالَ أن يَكونَ المُرادُ باللفظةِ الموالاةَ في الدِّينِ ؛ لأنّ هذه الموالاةَ يَختَصُّ بها المؤمنونَ دونَ غيرِهم؛ فلا بُدَّ إذَن مِن حَملِها علىٰ ما يَصِحُّ دخولُ الجميعِ فيه، و هو معنَى الإمامةِ و وجوبِ الطاعةِ . (ج 3، ص 71-72).
و لَيسَ يُعتَمَدُ علىٰ ما حَكاه مِن أنّ الظاهرَ إثباتُ الحُكمِ في كُلِّ وقتٍ .
و مَن قالَ بذلكَ مِن أصحابِنا فإنّه يَنصُرُ هذه الطريقةَ ؛ بأن يَقولَ : الظاهرُ
1) . البقرة (2):183.
لا يَقتَضي الحالَ فَقَط، بَل يَقتَضي جميعَ الأوقاتِ التي الحالُ مِن جُملِتها؛ فإذا خَرَجَ بعضُها بدَليلٍ بَقيَ ما عَداه ثابتاً بالظاهرِ أيضاً، و لَم يَسُغِ الزوالُ عنه. و يَقولُ : إنّني أخرَجتُ الحالَ بدليلِ إجماعِ الأُمّةِ علىٰ أنّه لَم يَكُن مع النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه إمامٌ غيرُه، و لا دليلَ يَقتَضي إخراجَ الحالِ التي تَلي الوفاةَ بلا فَصلٍ . (ج 3، ص 91-92).
كما ربما استدلّوا بالآية على سوء طريقة المرأتين اللتين توجّه العتاب إليهما في الآية، و يذكرون في السرّ الذي أفشته إحداهما إلى صاحبتها خلاف ما يذكره المخالفون.
(ج 3، ص 117-118).
لم يعتمد أحدٌ من الأصحاب على آية: (أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) للاستدلال على النصّ على أمير المؤمنين عليه السلام. (ج 3، ص 131-132).
ذكر الشريفُ المرتضى في معرض حديثه عن دلالة حديث الغدير أنّ ما يقوله الأصحاب من أنّ الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله إذا لم يُرد معنى الإمامة في هذا الحديث لوجب أن يكون ملبّساً محيّراً، متوقّف على تبيّن وجه دلالة القول على الإمامة، فلا بدّ إذن من إثبات دلالة الحديث على الإمامة بطريقةٍ أُخرى، حتّى يمكن القول إنّه لو لم يُرد معنى الإمامة لكان محيّراً.
كما أنّ الأصحاب لا يعتمدون في دلالة حديث الغدير على أنّ المعرفة بقصد الرسول صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه ضروريّة، بل لا يمتنع أن يكون المراد معلوماً من خلال نوعٍ من الاستدلال. كما أنّ الأصحاب لا يقولون: لو لم نعرف القصد من الكلام
باضطرارٍ لم يكن بياناً، بل يقولون: لو لم يُرد الإمامة مع إيجاب خطابه لها لكان ملغّزاً عادلاً عن طريق البيان، بل عن طريق الحكمة. (ج 3، ص 173).
و نقل الشريف المرتضى إجابات بعض الأصحاب على هذا النوع من الإشكال، فقال:
و قد أجابَ قومٌ مِن أصحابِنا بأن قالوا: إنّ الخبرَ يوجِبُ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ فرضَ الطاعةِ في الحالِ علىٰ جميعِ الأُمّةِ، حتّىٰ يَكونَ له عليه السلامُ أن يَتصرَّفَ فيهم بالأمرِ و النهيِ. و منهم مَن خَصَّصَ وجوبَ فرضِ طاعتِه، فقالَ: إنّ الكلامَ أوجَبَ طاعتَه علىٰ سَبيلِ الاستخلافِ؛ فلَيسَ له أن يَتصرَّفَ بالأمرِ و النهيِ و الرسولُ حاضرٌ، و إنّما له أن يَتصرَّفَ في حالِ غَيبتِه أو حالِ وفاتِه؛ و امتَنَعَ الكُلُّ مِن إجراءِ اسمِ «الإمامةِ» عليه و إن كانَ مُفتَرَضَ الطاعةِ علَى الوجهِ الذي ذَكرناه، و قالوا: إنّما يَجري اسمُ «الإمامةِ» علىٰ مَن اختَصَّ بفَرضِ الطاعةِ مع أنّه لا يَدَ فَوقَ يَدِه؛ فأمّا مَن كانَ مُطاعاً و علىٰ يَدِه يَدٌ، فإنّه لا يَكونُ إماماً، و لا يَستَحِقُّ هذه التسميةَ، كما لا يَستَحِقُّها جميعُ أُمَراءِ النبيِّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و خُلَفائه في الأمصارِ و إن كانوا مُطاعينَ ، و يَقولونَ : إنّ التسميةَ بالإمامةِ و إن امتُنِعَ منها في الحالِ ، فواجبٌ إجراؤها بَعدَ الوفاةِ ؛ لزَوالِ العِلّةِ المانِعةِ مِن إجرائها. (ج 3، ص 190، و راجع: ج 3، ص 321 - 322، 325، 345).
علىٰ أنّ أصحابَنا قَديماً قد تَكلَّموا علىٰ هذه الأخبارِ، و بَيَّنوا أنّ حديثَ الخُلّةِ يَتناقَضُ، و يُبطِلُ آخِرُه أوّلَه؛ لأنّهم يَروونَ عنه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أنّه قالَ: «لَو كنتُ مُتَّخِذاً خَليلاً لَاتَّخَذتُ فُلاناً خَليلاً، و لكِنْ وُدّاً و إخاءَ إيمانٍ». فأوّلُ الخبرِ يَقتَضي أنّ الخُلّةَ لَم تَقَعْ، و آخِرُه يَقتَضي وقوعَها علَى الشرطِ المذكورِ الذي يَعلَمُ كُلُّ أحَدٍ أنّ الخُلّةَ منه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لا تَكونُ إلّاعليه؛ لأنّه لا يَصِحُّ أن يُخالَّ أحَداً إلّافي الإيمانِ و ما يَقتَضيهِ الدِّينُ.
و يَذكرونَ أيضاً في ذلكَ ما يَروونَه مِن قولِه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه قُبَيلَ وفاتِه: «بَرِئتُ إلىٰ كُلِّ خَليلٍ مِن خُلّتِه؛ فإنّ اللّٰهَ عزّ و جلّ قد اتَّخَذَ صاحبَكم خَليلاً». و يَقولونَ: إن كانَ أثبَتَ الخُلّةَ بَينَه و بَينَ غيرِه فيما تَقدَّمَ، فقَد نَفاها و بَرئَ منها قَبلَ وفاتِه.
و أفسَدوا حَديثَ الاقتداءِ بأن ذَكَروا أنّ الأمرَ بالاقتداءِ بالرجُلَينِ يَستَحيلُ؛ لأنّهما مُختَلِفانِ في كَثيرٍ مِن أحكامِهما و أفعالِهما، و الاقتداءُ بالمُختَلِفَينِ و الاتّباعُ لهما مُتَعذِّرٌ غيرُ مُمكِنٍ . و لأنّه يَقتَضي عصمتَهما و المنعَ مِن جوازِ الخطإ عليهما، و لَيسَ هذا بقَولٍ لأحَدٍ فيهما.
و طَعَنوا في روايةِ الخبرِ بأنّ راويَه عبدُ المَلِكِ بنِ عُمَيرٍ، و هو مِن شِيَعِ بَني أُمَيّةَ ، و ممّن تَوَلَّى القَضاءَ لهم، و كان شَديدَ النَّصبِ و الانحرافِ عن أهلِ البيتِ أيضاً، ظَنيناً في نفسِه و أمانتِه.
و رُويَ أنّه كانَ يَمُرُّ علىٰ أصحابِ الحُسَينِ بنِ عليٍّ عليهما السلام و هُم جَرحىٰ فيُجهِزُ عليهم، فلمّا عوتِبَ علىٰ ذلكَ قالَ : إنّما أُريدُ أن أُريحَهم.
و فيهم مَن حَكىٰ روايةَ الخبرِ بالنَّصبِ ، و جَعَلَ أبا بَكرٍ و عُمَرَ علىٰ هذه
الروايةِ مُنادَيَينِ مأمورَينِ بالاقتداءِ بالكتابِ و العِترةِ، و جَعَلَ قولَه: «اللَّذَينِ مِن بَعدي» كنايةً عن الكتابِ و العِترةِ. و استَشهَدَ علىٰ صحّةِ تأويلِه بأمرِه صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في غيرِ هذا الخبرِ بالتمسُّكِ بهما و الرجوعِ إليهما في قولِه: «إنّي مُخلِّفٌ فيكم الثقَلَينِ ما إن تَمسَّكتم بِهما لَن تَضِلّوا؛ كتابَ اللّٰهِ و عِترَتي أهلَ بَيتي، و إنّهما لَن يَفتَرِقا حتّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ».
و أبطَلَ مَن سَلَكَ هذه الطريقةَ في تأويلِ الخبرِ اعتراضَ الخُصومِ بلفظِ «اقتَدوا» و أنّه خِطابٌ للجَمعِ لا يَسوغُ تَوجُّهُه إلَى الاثنَينِ ، بأن قالَ : لَيسَ يُنكَرُ أن يَكونَ قولُه: «اقتَدوا» مُتوَجِّهاً إلىٰ جميعِ الأُمّةِ ، و قولُه: «مِن بَعدي أبا بَكرٍ و عُمَرَ» نِداءً لهما علىٰ سبيلِ التخصيصِ لهما؛ لتأكيدِ الحُجّةِ عليهما. و شَرحُ هذه الجُملةِ موجودٌ في مَواضِعِه مِن الكُتُبِ . (ج 3، ص 213-216).
و لهذا قالَ بعضُ أصحابِنا: إنّ سببَ هذا الخبرِ أنّ النبيَّ صَلّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ سالكاً بعضَ الطُّرُقِ ، و كان أبو بَكرٍ و عُمَرُ مُتأخِّرَينِ عنه جائيَينِ علىٰ عَقبِه، فقالَ النبيُّ صلّى اللّٰه عليه و آله لبعضِ مَن سَألَه عن الطريقِ الذي يَسلُكُه في اتّباعِه و اللُّحوقِ به: «اقتَدوا باللَّذَينِ مِن بَعدي» و عَنىٰ بسُلوكِ الطريقِ ، دونَ غيرِه. (ج 3، ص 220).
نقل الشريفُ المرتضى أجوبةً مطوّلةً للأصحاب جواباً لمن قال إنّ حديث الغدير جاء نتيجة ملاحاة و نزاع بين أمير المؤمنين عليه السلام و بين زيد بن حارثة أو ابنه أُسامة، و قد أعرضنا عن ذكر هذه الأجوبة لطولها، فراجعها في محلّها. (ج 3، ص 223-226).
ذكر الشريفُ المرتضى أنّ الاستدلال باستخلاف أمير المؤمنين عليه السلام
على المدينة في غزوة تبوك لا تعلّق له بحديث المنزلة، و أنّنا لا نعلم أحداً من الأصحاب قرن بينهما. (ج 3، ص 269، 329).
و أشار في موضعٍ آخر إلى أنّ أكثر الأصحاب ذهبوا إلى ذلك (ج 3، ص 288).
ذكر الشريفُ المرتضى أنّ لفظ الإثبات في حديث المنزلة - أي قول الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» - لا يدلّ بظاهره، لا على الحال، و لا المستقبل، فيجبُ أن يُرجَع في ذلك إلى غير لفظ الإثبات. و لهذا رجع الأصحابُ في تعلّق لفظ الإثبات بالوفاة أو بالوفاة و الحياة معاً إلى لفظ الاستثناء الوارد في الحديث، أي قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: «إلّا أنّه لا نبيّ بعدي». (ج 3، ص 297).
اعترض القاضي بأنّ منزلة الإمامة بعد موسى كانت ليوشع بن نون لا لهارون، فلو أراد النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله بحديث المنزلة الإمامة، لكان ينبغي أن يشبّه منزلة أمير المؤمنين عليه السلام منه بمنزلة يوشع من موسى. و نقل الشريف المرتضى أربعة أجوبة للأصحاب على هذا الإشكال، فراجعها. (ج 3، ص 300-302).
استدلّ بعضُ الأصحاب باستخلاف الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله لأشخاص في حال غيبته بصورة مستمرّة و مع اختلاف الأحوال، على ضرورة أن يستخلف بعد وفاته صلّى اللّٰه عليه و آله. (ج 3، ص 368-369، 372).
نقل الشريفُ المرتضى رأي بعض الأصحاب في الحديث المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام: «ألا إنّ خير هذه الأُمّة بعد نبيّها أبو بكر و عمر»، فقال:
و قد قالَ قومٌ مِن أصحابِنا: لَو كانَ هذا الخبرُ صَحيحاً لَجازَ أن يُحمَلَ علىٰ أنّه
عليه السلامُ أرادَ به ذَمَّ الجماعةِ التي خاطَبَها بذلكَ، و الإزراءَ علَى اعتقادِها؛ فكأنّه قالَ: «ألا إنّ خَيرَ هذه الأُمّةِ بَعدَ نَبيِّها - في اعتقاداتِها و علىٰ ما تَذهَبُ إليه - فُلانٌ و فُلانٌ». و لهذا نَظائرُ في الكتابِ و الاستعمالِ:
قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ : (وَ انْظُرْ إِلىٰ إِلٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عٰاكِفاً) و لَم يَكُن إلهَه علَى الحَقيقةِ ، بَل كانَ كذلكَ في اعتقادِه.
و يَقولُ أحَدُنا: «فُلانٌ فَقيهُ هذه الأُمّةِ ، و زَيدٌ شاعرُ هذا العَصرِ» و هو لا يُريدُ إلّا أنّه كذلكَ في اعتقادِ أهلِ العَصرِ، دونَ أن يَكونَ علَى الحَقيقةِ بهذه الصفةِ ....
و قالَ أيضاً بعضُ أصحابِنا: ممّا يَدُلُّ علىٰ فَسادِ هذا الخبرِ ما يَتضمَّنُه لفظُه مِن الخَلَلِ ؛ لأنّ قولَه: «ألا إنّ خَيرَ هذه الأُمّةِ بَعدَ نَبيِّها» يَقتَضي دخولَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في الكلامِ الأوّلِ و تَحتَ لفظةِ الأُمّةِ ؛ لأنّه لَو لَم يَدخُلْ لَم يَحسُنِ استثناؤه. و مُحالٌ دخولُه تَحتَ لفظةِ «الأُمّةِ »؛ لأنّ الأُمّةَ مُضافةٌ إليه، فكَيفَ يَكونُ منها؟! و هذا يَقتَضي أنّه مِن أُمّةِ نفسِه!!
و قد دَفَعَ أيضاً أصحابُنا احتجاجَ مَن احتَجَّ بهذا الخبرِ في التفضيلِ بأن قالوا:
قد يَتكلِّمُ المُتكلِّمُ بما يَجري هذا المَجرىٰ، و هو خارجٌ مِن جُملةِ كلامِه و غيرُ داخلٍ فيه.
و استَشهَدوا بما رُويَ عن الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن قولِه: «لا يَنبَغي لأحَدٍ أن يَقولَ: إنّي خَيرٌ مِن يونُسَ بنِ مَتّىٰ» مع قولِه: «أنا سَيّدُ الأوَّلينَ و الآخِرينَ » و مع قولِه: «أنا سَيّدُ ولدِ آدَمَ » و إجماعِ الأُمّةِ علىٰ أنّه أفضَلُ الأنبياءِ عليهم السلامُ ، فلَولا أنّه خارجٌ مِن قولِه: «لا يَنبَغي لأحَدٍ» لَكانَ القولُ منه فاسداً.
و كذلكَ رُويَ عنه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أنّه قالَ : «أبو سُفيانَ بنُ الحارِثِ خَيرُ
أهلي» و قالَ : «ما أقَلَّت الغَبراءُ و لا أظَلَّت الخَضراءُ علىٰ ذي لَهجةٍ أصدَقَ مِن أبي ذَرٍّ» و هو صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه خارجٌ مِن ذلكَ .
و قد يَحلِفُ الرجُلُ أيضاً أن لا يُدخِلَ دارَه أحَداً مِن الناسِ ، و هو خارجٌ مِن يَمينِه.
و إذا كانَ عليه السلامُ خارجاً مِن الخبرِ، مِن حَيثُ كانَ المُخاطِبَ به، لَم يَدُلَّ علَى التفضيلِ عليه. (ج 3، ص 445-450).
«على أنّ في متقدّمي أصحابنا مَن قال: إنّما تمنّى أن يلقى اللّٰه بصحيفته ليخاصمه بما فيها، و يحاكمه بما تضمّنته. و قالوا أيضاً في ذلك وجهاً غير هذا معروفاً». (ج 3، ص 453).
استدلّ قومٌ من الأصحاب بآية ابتلاء إبراهيم عليه السلام على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام. (ج 3، ص 491).
ذهب أكثر الأصحاب إلى أنّ الفضل في النسب هو إحدى جهات الفضل، فلا يجوز أن يُقدّم المفضول في شيءٍ منه على الفاضل. (ج 4، ص 102).
ذهب الكثير من الأصحاب إلى أن تعظيم النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله لأبي بكر و عمر لم يكن على وجه التقيّة، بل كان على ما يقتضيه ظاهر حالهما. (ج 4، ص 195).
قال الشريف المرتضى:
و في أصحابِنا مَن يَذهَبُ إلىٰ أنّ الظالِمينَ متىٰ غَلَبوا علَى الدارِ و قَهَروا و لَم يَتمكَّنِ المؤمِنُ مِن الخُروجِ مِن أحكامِهم جازَ له أن يَطأَ سَبْيَهم، و يُجري أحكامَهم مع الغَلَبةِ و القَهرِ مَجرىٰ أحكامِ المُحِقّينَ فيما يَرجِعُ إلَى المحكومِ عليه، و إن كانَ فيما يَرجِعُ إلَى الحاكمِ مُعاقَباً آثِماً. (ج 4، ص 222).
و قد بيّنّا ما نَعتَمِدُه في هذا البابِ، و نَصَرناه فيما تَقدَّمَ مِن الكتابِ بأدِلّتِه، و أَورَدنا الجوابَ عمّا يَرِدُ عليه، و ما عَدا ذلكَ فهو غيرُ مُعتَمَدٍ، و لا دالٍّ علىٰ ما ذَكرَه صاحبُ الكتابِ و غيرُه. و مَن أورَدَه مِن أصحابِنا فإنّما قَرَّب بإيرادِه، و لَم يُرِدِ التحقيقَ. و لَيسَ ذلكَ بعَيبٍ؛ فإنّه لَم يَعْرَ المُصنِّفونَ مِن الجمعِ بَينَ المُقرَّبِ و المُحقَّقِ . و صاحبُ الكتابِ يَعلَمُ أنّه لمّا تَتَبَّعَ هو أدِلّةَ المُوحِّدينَ علَى التوحيدِ في بعضِ كُتُبِه، لَم يُصحِّحْ منها إلّادليلَينِ أو ثَلاثةً ، و طَعَنَ علَى الباقي و زَيَّفَه؛ فإن كانَ علىٰ أصحابِنا عَيبٌ بأن ذَكَروا في فَسادِ الاختيارِ شَيئاً لا يَلزَمُ عند التحقيقِ و التفتيشِ ، فهذا العَيبُ لازمٌ لخُصومِهم فيما هو أعظَمُ مِن بابِ الاختيارِ و أفخَمُ . (ج 4، ص 231).
قال الشريف المرتضى: «ليس جميع أصحابنا القائلين بالنصّ يذهبون إلى الموافاة، و إلى أنّ مَنْ مات على كفره لا يجوز أن يتقدّم منه الإيمانُ ». (ج 4، ص 244).
نقل الشريفُ المرتضى جوابَ الشيعة حول ما قيل من أنّ إسلام أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن عن معرفةٍ و يقين و ذلك لصغر سنّه، فقال:
و قد أجابَت الشيعةُ عن هذه الشُّبهةِ، و بَيَّنوا أنّ الأمرَ في سِنِّه عليه السلامُ كانَ بخِلافِ ما ظَنَّه الأعداءُ، و أنّه كانَ في تلكَ الحالِ ممّن يَتناوَلُه التكليفُ، و تَصِحُّ منه المَعارِفُ؛ و بَيَّنوا ذلكَ بالرجوعِ إلىٰ تأريخِ وَفاتِه و مَبلَغِ سِنِّه عندَها، و أنّ اعتبارَ ذلكَ يَشهَدُ بأنّ سِنَّه عليه السلامُ لَم تَكُن في ابتداءِ الدعوةِ صَغيرةً بحَيثُ لا يَصِحُّ معها المَعرفةُ، و أَوضَحوا ذلكَ بتَمدُّحِه عليه السلامُ في مَقامٍ بَعدَ مَقامٍ، و مَقالٍ بَعدَ مَقالٍ ، و افتخارِه بأنّه أسبَقُ الناسِ إسلاماً، و إيرادِه ذلكَ بألفاظٍ مُختَلِفةٍ ؛ كقَولِه عليه السلامُ : «اللّٰهُمَّ ، إنّي لا
أَعرِفُ عبداً عَبَدَكَ مِن هذه الأُمّةِ قَبلي، غيرَ نَبيِّها صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه»، و قولِه «أنا أوّلُ مَن صَلّىٰ» و قولِه لمّا شاجَرَه عُثمانُ و قالَ له: أبو بَكرٍ و عُمَرُ خَيرٌ منكَ ، فقالَ : «أنا خَيرٌ منكَ و منهُما؛ عَبَدتُ اللّٰهَ قَبلَهما، و عَبَدتُه بَعدَهما» و قولِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لفاطمةَ : «زَوَّجتُكِ أقدَمَهم سِلماً، و أوسَعَهم عِلماً» إلىٰ غيرِ هذا ممّا يَدُلُّ علىٰ أنّ إيمانَه إيمانُ البالغينَ العارفينَ ؛ و لَولا ذلكَ لَما تَمدَّحَ به وافتَخَرَ له. (ج 4، ص 260-262).
و قد بَيَّنَ أصحابُنا في الكلامِ علىٰ نفقةِ أبي بَكرٍ و ادّعاءِ يَسارِه، أنّه كانَ مُملِقاً غيرَ موسِرٍ؛ و دَلّوا علىٰ ذلكَ مِن حالِه بأشياءَ :
منها: أنّه كان يُعلِّمُ الناسَ و يأخُذُ الأجرَ علىٰ تعليمِه، و لَيسَ هذا صَنيعَ الموسِرينَ .
و منها: أنّه كان يَخيطُ الثيابَ و يَبيعُها.
و منها: أنّ أباه كانَ معروفاً بالمَسكنةِ و الفَقرِ، و أنّه كانَ يُنادي في كُلِّ يَومٍ علىٰ مائدةِ عبدِ اللّٰهِ بنِ جُدْعانَ بأجرٍ طَفيفٍ ؛ فلَو كانَ أبو بَكرٍ غَنيّاً لَكَفىٰ أباه. (ج 4، ص 267-268).
لأنّ أصحابَنا يَقولونَ : إنّه لمّا عُزِلَ عن أداءِ سورةِ بَراءةٍ عُزِلَ عن إمارةِ المَوسِمِ ، و حَجَّ و هو غيرُ أميرٍ. و أظُنُّ أنّ فيهم مَن يَقولُ : إنّه بَعدَ عَودِه إلَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه - الذي لَم يُختَلَفْ فيه - لَم يَرجِعْ إلَى المَوسِمِ . (ج 4، ص 275).
كما روى الأصحابُ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان هو أمير الموسم في ذلك
العام، و أنّ أبا بكر عُزل عن الأمرين. (ج 4، ص 509-510).
إنّ أحد ما تأوّل الأصحاب به حديثَ : «نحن معاشرَ الأنبياء لا نورَث ما تركناه صدقة» هو أنّه لا يورَث ما تركه للصدقة (ج 4، ص 368).
ذكر الشريفُ المرتضى أنّ مَن لم يسلّم مِن أصحابنا بأنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله استخلف أبا بكر، و لا أمر أحداً باستخلافه على جملةٍ و لا تفصيل، يورد الطعن التالي، و هو: لِمَ سمّي «خليفة رسول اللّٰه» مع أنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله لم يستخلفه ؟ (ج 4، ص 535).
قال الشريف المرتضى حول قصّة الشهادة على المغيرة بالزنا:
و قد كانَ بعضُ أصحابِنا يَقولُ في قِصّةِ المُغيرةِ شَيئاً طَيِّباً، و هو مُعتَمَدٌ في بابِ الحُجّةِ؛ كانَ يَقولُ: إنّ زياداً إنّما امتَنَعَ مِن التصريحِ بالشهادةِ المطلوبةِ في الزنىٰ، و قد شَهِدَ أنّه شاهَدَه بَينَ شُعَبِها الأربَعِ ، و سَمِعَ نَفَساً عالياً، فقَد صَحَّ علَى المُغيرةِ بشَهادةِ الأَربَعِ جلوسُه منها مَجلِسَ الفاحشةِ إلىٰ غيرِ ذلكَ مِن مُقدِّماتِ الزنىٰ و أسبابِه، فَألّا ضَمَّ [عُمَرُ] إلىٰ جَلدِ الثلاثةِ تعزيرَ هذا الذي قد صَحَّ عندَه بشَهادةِ الأربَعِ ما صَحَّ مِن الفاحشةِ ؛ تَعريكَ أُذُنٍ أو ما يَجري مَجراه مِن خَفيفِ التعزيرِ و يَسيرِه ؟! و هَل في العدولِ عن ذلكَ - حتّىٰ كَفَّ عن لَومِه و توبيخِه و الاستخفافِ به - إلّاما ذَكروه مِن السببِ الذي يَشهَدُ الحالُ به ؟! (ج 5، ص 55-56).
و في أصحابِنا القائلينَ بالنصِّ مَن يَقولُ : إنّه عليه السلامُ إنّما دَخَلَ في الشورىٰ لتجويزِه أن يَنالَ الأمرَ منها، و عليه أن يَتوصَّلَ إلىٰ ما يَلزَمُه القيامُ به بكُلِّ وجهٍ يَظُنُّ أنّه يوصِلُ إليه. (ج 5، ص 98).
تقدّم أنّ العلماء أولوا اهتماماً خاصّاً بكتاب الشافي، فقاموا بالنقل منه و الإرجاع إليه في كتبهم على مرّ القرون، و إضافة إلى ذلك فقد تنوّعت الأعمال التي دارت حول الكتاب، من تلخيصٍ و تحشيةٍ و تعليق، و حتّى ردّ، و هذا يدلّ علىٰ أهمّية الكتاب، و وقوعه محلاًّ للاهتمام حتّىٰ عند المخالفين، فإن الردّ على كتاب يدلّ على أهمّيّته و خطورته لدى الطرف المقابل.
و فيما يلي استعراض الأعمال التي دارت حول الشافي بوجوهها المختلفة:
كتب هذا النقض في حياة الشريف المرتضى، فقد كان معاصراً له. و يبدو أنّ أهمّيّة الشافي و خطورته و جدّيّة إشكالاته حدت بالبصري إلى أن يكتب نقضاً عليه.
و هذا النقض مفقودٌ.
الردّ على أبي الحسين البصري في نقض الشافي، لأبي يعلى سلّار بن عبد العزيز الديلمي (ت 448 ه)(2). قام فيه بالردّ على ما ذكره أبو الحسين البصري من إشكالات و ردود على الشافي. و يقال إنّ الشريف المرتضى نفسه أمر سلّاراً بنقض نقض الشافي(3). و هذا النقض مفقودٌ أيضاً.
تلخيص الشافي، للشيخ الطوسي (ت 460 ه). و تقدّم البحث عنه في الفصل الثالث من هذه المقدّمة.
كما نقل ثلاث روايات عن الواقدي مذكورة بعينها و بنفس الترتيب في الشافي، فلعله استفادها منه(4).
و لم يلتزم المؤلّف بنقل نصّ كلام الشريف المرتضى، بل اكتفى عادةً بالنقل بالمضمون. و كل هذا يدلّ على وقوع الشافي بأيدي الزيديّة، و اهتمامهم بالردّ عليه، و ربما الاستفادة منه.
و لا نعلم هل كان ابن أبي الحديد يعتمد في نقده على ما كتبه أبو الحسين البصري (ت 436 ه) من ردّ على الشافي، فإنّ ردّ الأخير ليس بحوزتنا حتّى نحكم بذلك، لكنّه غير مستبعد، خاصّة و أنّه من المحتمل أنّ نسخة ردّ البصري كانت ما زالت موجودة في عصر ابن أبي الحديد، فقد قال أحد علماء الإماميّة المعاصرين لابن أبي الحديد و هو السيّد أحمد بن طاوس (ت 673 ه) في مقدّمة
ردّه على العثمانية للجاحظ:
إنّه عرض لي مع صاحب الرسالة [أي الرسالة العثمانيّة] نوع كلفةٍ قد لا يحصل مثلها لنقض نقض كتاب المشجّر مع عظماء المعتزلة، كالجبّائي و أعيان من جماعته، و أبي الحسين البصري في الردّ على السيّد الشريف المرتضى - و هو الحاذق المبرّز في صناعته - إذ هاتيك المباحث يجتمع لها العقل فيصادمها صِدام الكتائب، و يصارمها صِرام فوارس المقانب، و هذه المباحث مهينة...(1).
فقد يظهر من هذه العبارة أنّ ردّ البصري كان موجوداً في ذلك العصر.
ثمّ إنّ أهمّ المواطن التي قام ابن أبي الحديد بمناقشتها هي المطاعن الموجّهة إلى الخلفاء الثلاثة، لكنّه فرّق بين عثمان من جهةٍ ، و أبي بكر و عمر من جهةٍ أُخرى، فقد نقل بالتفصيل ما ذكره القاضي من دفاع عن المطاعن الموجّهة إلى عثمان، و جواب الشريف المرتضى عليها(2)، ثمّ اكتفى بالردّ على الشريف المرتضى بردٍّ إجمالي، و أحال تفصيل الجواب إلى الكتب المطوّلة لأصحابه(3).
و لكن عندما تعرّض إلى مطاعن أبي بكر و عمر، لم يكتفِ بنقل دفاع القاضي و إشكالات الشريف المرتضى، بل قام بمناقشة تلك الإشكالات بالتفصيل(4).
و لم يمكنّا هنا التعرّض لجواب إشكالات ابن أبي الحديد على الشريف المرتضى، و ذلك لأنّه كان سيؤدّي بنا إلى تطويل الكلام بما لا يتناسب مع هذه المقدّمة، و لكن نكتفي بنقل كلامٍ له استوقَفَنا، و كان مبعثاً لنا على الدهشة، فقد ذكر -
عند كلامه حول موقف عمر بعد وفاة الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله، و إنكاره لموته مع ظهور موته و قيام القرائن الواضحة على ذلك - كلاماً غريباً فيه شيءٌ من السخريّة، حيث قال:
و اعلم أنّ أوّل مَن سنّ لأهل الغَيبة من الشيعة القولَ بأنّ الإمام لم يمت و لم يقتل، و إن كان في الظاهر و في مرأى العين قد قتل أو مات، إنّما هو عمر، و لقد كان يجب على المرتضى و طائفته أن يشكروه على ما أسّس لهم من هذا الاعتقاد(1).
و ليت شعري متى اعتقد الشيعة - الذين منهم الشريف المرتضى - بغيبة إمامٍ كان في الظاهر و في مرأى العين قد قتل أو مات ؟! و إنّما الخلاف مع المخالفين لإمامة الإمام المهدي عليه السلام و غيبته يدور حول ولادته و عدمها، لا حول قتله و موته. و هذا من عجائب كلام ابن أبي الحديد!
نعم، هذا الكلام ينطبق على الواقفة من الشيعة الذين اعتقدوا بغيبة الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام، مع كونه قد قتل و مات في مرأى العين، و الشريف المرتضى ليس من هذه الفرقة، و هو بريءٌ منهم، فكيف يَشكر عمرَ على أمرٍ لا يؤمن به من الأساس ؟!!
و على أيّ حال، فإنّ مقدار ما تعرّض له ابن أبي الحديد لكتاب الشافي قد يستوعب مجلداً كاملاً من شرحه. و قد نقل الكثير من نصوص الشافي، حتّى قد استُعين في هذا التحقيق الجديد للشافي بشرح نهج البلاغة، و اعتُبر إحدى النسخ المعتمدة في التحقيق.
1) . شرح نهج البلاغة، ج 12، ص 201.
الشافي بحذف المطالب المكرّرة و الزائدة، و لم يتصرّف بالأصل، و أمّا تعليقاته فكان يضيفها إلى الهامش كي لا يتصرّف بالمتن. و أشار إلى كلام القاضي بالرمز «ق»، و إلى جواب الشريف المرتضى بالرمز «ج»، لكنّه لم يلتزم دائماً بوضع هذين الرمزين إلّا في بدايات الكتاب و شيءٍ يسيرٍ من أواخر المخطوطة التي بأيدينا، لكنّه ترك فراغاً في الأماكن التي لم يضع فيها الرمزين، لعلّه كان يريد أنْ يملأها فيما بعد، لكنّه لم يوفّق لذلك.
و قد قام السيّد بهاء الدين محمّد الحسيني في مقدّمة كتابه بالتعريف بما قام به حيث قال متحدّثاً عن كتاب الشافي:
فإنّ مؤلّفه السيّد السند الأجلّ ، الأيّد المؤيّد الأفضل، لسان الشيعة، و برهان الشريعة، حجّة الإسلام، و علم الأعلام، علم الهدى، قمر الدجى، سلالة آل الرسول، قرّة عين البتول، سيف اللّٰه المنتضى، السيّد عليّ بن الحسين المرتضى، رضي اللّٰه عنه و أرضاه، و زاد على منتهى رضاه، قد بذل جهده فيه، في ما يُثبته و ينفيه(1)، و بالغ فبلغ الغاية، و انتهى إلى منتهى النهاية.
إلّاأنّه يشتمل على تكريرات و زوائد، و تطويلات غرقت فيها ما فيه من الفوائد، و لذلك لا يَنتفع منه إلّاواحد بعد واحد، و لا تَنتظم فرائده لكلّ واجد، فإنّ التطويل يُمِلُّ بعضَ الأفهام، و يُخِلُّ ببعض الإفهام، و إذا ابتلي الناظر بالتكرير أهمّه فهام (كذا).
فصرفتُ همّتي نحو اختصاره، و تلخيص فوائد بتقصاره، بحذف الزوائد، و قصر الفوائد، و ترك المعارضات اللفظيّة، و المناقشات الأجنبيّة، مقتصراً على المقاصد، و تقريبها إلى القاصد، مصدّراً بقيل قولَ القاضي الجهول،
1) . جاء في المخطوطة: «في تشييد ما يُثبته و ينفيه» لكن شُطب على كلمة «تشييد».
تعبيراً عن جهول بمجهول، و بالجواب قولَ صاحب الكتاب.(1)
ثمّ اختصرتُ في الرسم و الرقيم، و اكتفيتُ عن اللفظين بحرفَي القاف و الجيم، و لم أزد على كلامه؛ حفظاً لمزاجه المعتدل عن بارد كلامي، و صوناً لمرامه المتّصل عن الفصل بمرامي، فإنْ ناسب المزيد، و أردتُ أن أزيد، ذكرتُ الزوائد في الحواشي، لتكون للأصل كالمُزيّن الواشي؛ جمعاً بين الاختصار و الاعتبار، و تحرّزاً عن الفوات و الانتشار، و ربّما أزيد كلمة أو كلاماً على كلامه؛ دفعاً عنه، و إصلاحاً لمرامه، و سمّيتُه: ارتشاف الصافي من سلاف الشافي.
ثمّ إنّ النسخة الوحيدة الموجودة لهذا المختصر هي نسخة بخطّ المؤلّف كما نصّ على ذلك المحقّق الطهراني(2)، و هي محفوظة في مكتبة السيّد المرعشي النجفي، و تحمل الرقم: 404، و تحتوي على 86 ورقة، في كلّ صفحة 25 سطراً، و هي بلا تاريخ(3).
أوّل النسخة: «الحمد للّٰه الذي رفع عليّاً مكاناً عليّاً، و ارتضاه لنبيّه وصيّاً، و لنفسه وليّاً، أسماه (كذا) إلى ما قرَّبه و قرَّبه نجيّاً، فسمّاه باسمه و لم يجعل له من قبلُ سميّاً».
و أمّا آخرها فقد سقط منها عدد غير معلوم من الصفحات، فهي تنتهي عند قوله:
«و قال الأخطل:
فأصبحتَ مولاها من الناس بعده *** و أحرى قريشٍ أن تُهاب وتُحمدا
و قال أيضاً في بني أمية:
أعطاكم اللّٰه جَدَّاً تنصرون به *** لا جَدَّ إلا صغيرٌ بعدُ محتقرُ
لم تأشروا فيه».
و هكذا تنقطع النسخة، و يبقى البيت الأخير ناقصاً بسبب سقوط صفحات كثيرة، فإنّ هذا الموضع الذي تنتهي به المخطوطة يساوي ما يقارب نصف الشافي، و أمّا النصف الآخر فقد سقط.
و نحن نحتمل أنّ المؤلّف قد وُفق لإكمال الكتاب ولكن النصف الثاني قد سقط من المخطوطة، و ذلك لأنّه جاء على غلافها ما يلي: «فهرست ما في هذه المجموعة:
ارتشاف الصافي من سلاف الشافي، و كتاب في أنساب العلويّين، و كان المؤلّف من علماء المائة السادسة»(1). و يظهر من هذه العبارة أنّ كتاب الارتشاف كان كاملاً، و إلّا لو كان ناقصاً لكان أُشير إلى ذلك.
و نسخة هذا التلخيص محفوظة كذلك في مكتبة السيّد المرعشي، و هي بخطّ المؤلّف أيضاً، كما جاء في رسالةٍ كتبها السيّد المرعشي إلى المحقّق صاحب الذريعة(2).
و قد جاء في أعلى صفحة الغلاف من نسخة كتاب الارتشاف المتقدّم الذكر عبارة للمؤلّف قد سقط شيءٌ من أوائلها و أواسطها بسبب أعمال ترميم المخطوطة، و لكن بقي منها مطالب مفهومة، أشار فيها المؤلّف إلى كتابه صفوة الصافي، حيث قال:
... أن أكتب كتاباً آخر أخصر من الارتشاف، مشتمل على أُصول مقاصد الشافي و دلايله، و بعض شُبَه الخصوم، من غير...(3)و القاضي؛ ليكون متناً
وجيزاً، و أسمّيه ب: صفوة الصافي من رغوة الشافي. و اللّٰه المستعان.
و لكن لا توجد هناك نسخةٌ معروفةٌ لهذا المختصر، و حتّى فهارس مكتبة السيّد المرعشي خاليةٌ منه، إلّاأنّ السيّد المرعشي صرّح كما تقدّم بأنّها موجودة عنده، و الظاهر أنّها لم تُفهرس بعدُ. على أمل أن تتمّ فهرستها و التعرّف عليها.
الحاشية الأُولى لرئيس العلماء المولى حسين التبريزي (الظاهر أنّه كان حيّاً سنة 1132 ه)، كتب ثلاث حواشٍ على الشافي على غاية التحقيق و التدقيق(1).
الحاشية الثانية له.
الحاشية الثالثة له أيضاً.
حاشية المولى محمّد رفيع بن فرج اللّٰه الجيلاني (ت بعد 1160 ه)(2).
حاشية على أوائل الشافي للمولى محمّد شفيع بن المولى محمّد عليّ بن أحمد بن كمال الدين حسين الإسترآبادي، و هو سبط الشيخ الملّا محمّد تقي المجلسي(3). و قد طبعت هذه الحاشية في هامش هذا التحقيق من الشافي.
حاشية غير معلومة المؤلّف، لكن أكثرها تحمل الرمز (ح - س) و كلّ هذه الحواشي توجد في مخطوطة مكتبة جامعة طهران، برقم 518. و قد طبعت هذه الحواشي في هامش هذا التحقيق الجديد من الشافي و رُمز إلىٰ نسختها بالرمز: «م».
المرتضى في كتابه الشافي في الإمامة]، سميّة الخليلي الآشتياني، كلّية علوم الحديث في طهران، سنة 1385 ش.
مطالعه تطبيقي ديدگاه سيد مرتضى و قاضي عبد الجبّار در مساله امامت با محوريت كتاب الشافي و المغني [جججج قراءة مقارنة لآراء الشريف المرتضى و القاضي عبد الجبّار في مسألة الإمامة، في كتاب الشافي و المغني]، رضا سعيدي بور، رسالة السطح الرابع في الحوزة العلمية، 1392 ش.
امامت از نظر سيد مرتضى و قاضي عبد الجبّار [جججج الإمامة من منظار السيّد المرتضى و القاضي عبد الجبّار]، السيّد إبراهيم الصابري، الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية، 1382 ش.
حقيقت امامت و اوصاف امام از منظر قاضي عبد الجبّار و سيد مرتضى [= حقيقة الإمامة و أوصاف الإمام من منظار القاضي عبد الجبّار و السيّد المرتضى]، عليّ أصغر حديدي، جامعة المعارف الإسلامية، 1393 ش.
معجزه از ديدگاه سه مكتب كلامي ناظر بر آراء عبد الجبّار معتزلي، شهرستاني و سيد مرتضى [جججج المعجزة من منظار ثلاث مدارس كلاميّة، من خلال التركيز علىٰ آراء عبد الجبّار المعتزلي و الشهرستاني و السيّد المرتضى]، زهرا درويشي قنبر، جامعة العلّامة الطباطبائي، 1389 ش.
مقايسه عقل كلامي و فلسفي بر بحث مبدأ شناسي از نظر سيد مرتضى، قاضي عبد الجبّار، و محقّق طوسي [جججج مقارنة العقل الكلامي و الفلسفي في بحث معرفة المبدأ من منظار السيّد المرتضى و القاضي عبد الجبّار و المحقّق الطوسي]، مصطفى سلطاني، جامعة باقر العلوم عليه السلام، 1391 ش.
نقش عقل و فهم در تبيين آموزه هاي ديني، بررسي تطبيقي قاضي عبد الجبّار و سيد مرتضى [جججج دور العقل في تبيين العقائد الدينية، دراسة مقارنة بين القاضي عبد
الجبّار و السيّد المرتضى]، عليّ هاشم، مؤسسة الإمام الخميني، 1393 ش.
نقد و بررسي تبيين عقلاني ضرورت امامت عامه از ديدگاه فلاسفه: فارابي و ملا صدرا، و متكلمان: سيد مرتضى، شيخ مفيد، شيخ طوسي [جججج نقد و دراسة التبيين العقلي لوجوب الإمامة العامّة من منظار الفلاسفة: الفارابي و الملا صدرا، و المتكلّمين: السيّد المرتضى، و الشيخ المفيد، و الشيخ الطوسي]، محمّد صادق علي بور، مؤسسة الإمام الخميني، 1389 ش.
مسألة الإمامة في مذهب الشيعة الإمامية. دراسة مقارنة في نظرية الإمامة عند الشريف المرتضى و القاضي عبد الجبّار، علي بلوط، جامعة القديس يوسف، كلّية الآداب و العلوم الإنسانية، بيروت.
نظريّة الإمامة عند الشريف المرتضى. دراسة مقارنة، ضياء عبد الحسين عبد المياحي، كلية الآداب في الجامعة المستنصرية، 1434 ه.
طبع الشافي مرّتين:
طبعة حجريّة مع تلخيص الشافي، في طهران سنة 1301 ه.
طبعة محقّقة في أربعة أجزاء، طبعت في بيروت سنة 1407 ه/ 1986 م بتحقيق السيّد عبد الزهراء الحسينيّ الخطيب (كتب مقدّمة التحقيق في دمشق سنة 1404 ه)، و مراجعة السيّد فاضل الميلاني.
و قام المحقّق بمقابلة الأجزاء الثلاثة الأُولى مع الطبعة الحجريّة و مخطوطة واحدة محفوظة في مكتبة السيّد المرعشي، يرجع تاريخها إلى سنة 1101 ه، و ذلك لعدم توفّر مخطوطات أُخرى لديه في البداية، و بعد ذلك تمكّن من العثور على أربع مخطوطات أُخرى، فقابلها مع الجزء الرابع و الأخير من الشافي فقط، و لم يتمكّن من مقابلتها مع الأجزاء الأُخرى، بسبب إرساله تلك الأجزاء إلى مَن يقدّمها للنشر.
و قد أُعيدت طباعة هذا التحقيق بالأُوفسيت في طهران - مؤسّسة الإمام الصادق عليه السلام سنة 1410 ه، و في قم - مؤسّسة المفيد سنة 1410 ه، و تكرّر نشره من قبل ناشرين آخرين، كما طبع أخيراً في بيروت من قبل مؤسّسة التاريخ العربي في ضمن موسوعة الشريف المرتضى، الأجزاء (6، 7، 8، 9) سنة 1433 ه/ 2012 م.
مما يميّز أصحاب المدارس و الأفكار الكبيرة عن غيرهم هو تمتّعهم بقدرٍ كبير من الثقة بالنفس و الاعتداد بها؛ و ذلك يرجع إلى اتّباعهم الدليل و البرهان، و عدم تعويلهم على الظنون و الأوهام و الاحتمالات، فهم يتّبعون الدليل أينما وجّههم، لا يميلون عنه، و لا يتجاهلونه.
و قد منحهم هذا التوجّه صفة الإنصاف و التسليم أمام الدليل مهما كان، و نبذ تقليد الآخرين و السير ورائهم لا على هدى، و لذلك يقوم أمثال هؤلاء الأشخاص بتشجيع أتباعهم و من يقرأ أفكارهم على عدم الإيمان بكلّ ما يقولون من دون معرفة الدليل على ذلك.
و قد كان الشريف المرتضى أحد أبرز هذه الشخصيّات، فقد أقسم على قارئ كتابه الشافي بأن لا يقبل كلّ ما جاء فيه من نظريّات و آراء من دون ملاحظة الدليل على ذلك، فقد قال في خاتمة الكتاب:
و نَحنُ الآنَ قاطعونَ كتابَنا هذا علىٰ هذا المَوضِعِ ؛ لوَفائنا بما شَرَطناه و قَصَدناه، و لَم نألُ جُهداً و تَحرّياً للحَقِّ فيما اشتَمَلَ عليه هذا الكتابُ مِن كلامِنا، بحَسَبِ ما بَلَغَه أفهامُنا، و اتَّسَعَت له طاقتُنا.
و نُحنُ نُقسِمُ علىٰ مَن تَصفَّحَه و تأمَّلَه أن لا يُقلِّدَنا في شَيءٍ منه، و أن لا يَعتَقِدَ في شَيءٍ ممّا ذَكرناه إلّاما صَحَّ في نفسِه بالحُجّةِ ، و قامَت عليه عندَه الأدِلّةُ .
و قد كرّر هذه الوصيّة في خاتمة كتابٍ آخر من كتبه و هو كتاب الذخيرة، حيث قال:
و نقسم باللّٰه تعالى على مَن تأمّله أن لا يقلّدنا في شيءٍ من مذاهبه أو أدلّته، و يُحسن الظنّ بنا، فيُلقي النظرَ و التصفّحَ و التأمّلَ ؛ تعويلاً على أنّا قد كفيناه ذلك، و أرحناه بما تكلّفناه من تعبه و نصبه، بل يَنظر في كلّ شيءٍ نظرَ المستفتِح المبتدِيء.
إنّ هذه الوصيّة للقاريء تدلّ على الحجم الكبير من الإنصاف و الاحتراف العلمي الذي كان تتمتّع به شخصيّة كبيرة مثل الشريف المرتضى، ممّا منح أفكارَها و أثرَها البقاءَ على مدى قرون.
للوصول إلى قائمة النسخ الخطّيّة للكتاب في إيران راجعنا أوّلاً إلى الفهرس الجامع المسمّى ب «فنخا»(1)ثمّ إلى سائر الفهارس الجزئيّة التي لم تكن في «فنخا»؛ و للوصول إلى النسخ الخطّيّة في خارج إيران راجعنا الفهارس المرتبطة بسائر البلدان؛ ثمّ انتخبنا من كلّ ما تحصّل تسع نسخ خطّيّة كانت أفضل من غيرها؛ فاعتمدنا عليها في عمليّة التصحيح و التحقيق.
و هنا نعرّف النسخ المعتمدة عليها بالتفصيل، ثمّ سائر النسخ - التي لم يقابل و لم يراجع إليها في التحقيق - بعده بالإجمال.
1) . فهرستگان نسخه هاى خطى إيران (فنخا)، ج 18، ص 701-706.
و هذه المخطوطة أقدم مخطوطات كتاب الشافي المؤرّخة، و قال الكاتب في آخره: «و وفّقنا لتمام تسويده في قزوين في سنة 984 ه» و الظاهر أنّ الناسخ صحّح العدد لاحقاً بتبديل (4) إلىٰ (5)، فصار تاريخ استنساخه 985 ه، و صرّح بخطّ آخر ذيله: «سنة 985».
و علىٰ النسخة عدّة تملّكات؛
منها: «بسم اللّٰه، هو المملوك مالك الملك العليّ ، الأقلّ عبد اللّٰه بن محمّد عليّ بن أحمد بن عليّ المعلّم»، ثمّ نقش خاتمه.
و منها: «هو المالك، من عواري الزمان عند العبد الجاني محمّد مؤمن الحسيني، أوتي كتابه بيمينه».
و منها: «ثمّ انتقل إليّ عارية أضعف العباد محمّد المشتهر بابن خاتون العاملي».
و منها: «بسم اللّٰه، من عواري الزمان عند العبد الجاني بن محمّد كاظم محمّد باقر، عفي عنهما بالنبيّ و الوصيّ »، ثمّ نقش خاتمه.
و أختام بيضويّة و مربّعة أُخرىٰ ، منها: «قال إنّي عبد اللّٰه آتاني الكتاب» و «عبده محمّد تقي الموسوي».
و من الطريف أنّ عنوان الكتاب على النسخة: «كتاب الشافي في نقض الكافي»، و الظاهر أنّه خطأ من الناسخ، فهو نقض المغني.
ثمّ يلي العنوان فهرس عدّة كتب عرضت للبيع.
و قد قوبلت هذه النسخة مع نسخة أُخرىٰ و عليها علامات التصحيح، و ترجمة بعض اللغات المشكلة في الحاشية، و أغلبه من القاموس.
و تقع في 650 صفحة، و في كلّ صفحة 19 سطراً.
و رمزنا لهذه النسخة ب «ب».
النستعليق سنة 1032 ه، و لم يذكر فيها اسم الناسخ، و هي نسخة كاملة، كتبت عناوينها بالشنجرف، و كتب عنوان الكتاب عليه بخطٍّ بارز: «كتاب الشافي في نقض المغني في الإمامة، من مؤلّفات ذي المجدين أبي القاسم السيّد المرتضى علم الهدىٰ عليّ بن الحسين الموسوي رضي اللّٰه عنه». و هي نسخة مصحّحة و عليها علامات التصحيح، و شرح الكلمات المشكلة في الحواشي، و هي في الأغلب منقولة عن القاموس، و الصحاح، و النهاية، و قد ذهبت جملة من هذه الحواشي، و عليها بعض الحواشي برمز: «فاضل».
و قد قوبلت مع نسخةٍ أُخرىٰ و أشير إلى مواضع الاختلاف مع سائر النسخ. و من حيث الضبط تعتبر هذه النسخة أهمّ و أصحّ النسخ بالنسبة إلىٰ أخواتها.
و على هذه النسخة تملّكات عديدة:
منها: «من متملّكات الفقير إلى اللّٰه الغنيّ محمّد كاظم بن حبيب اللّٰه التبريزي، عفا اللّٰه عنهما بالنبيّ و آله».
و منها: «قد انتقل بعد ارتحال المرحوم المشار إليه إلى تراب أقدام المؤمنين محمّد بن عليّ الشهير بابن خاتون العاملي في أواسط سنة 1036»، ثمّ نقش خاتمه:
«الواثق بربّه الغنيّ محمّد بن عليّ الشهير بابن خاتون العاملي».
و منها «بسم اللّٰه الرحمن الرحيم، من الكتب التي اشتريتها من دار السلطنة، صانها اللّٰه من حوادث الزمان، و أنا الراجي إلى الملك المنّان، ابن السيّد العلّامة، سميّ آخر الأئمّة، محمّد صادق، و كتبت هذه الأحرف فيها في يوم الأحد، الثاني من ربيع الثاني من السنة الأُولىٰ ، من العشر الرابع، من المائة الثالثة، من الألف الثاني من الهجرة، علىٰ هاجرها آلاف سلام و أكمل تحيّة، في سنة 1231 ه».
و عليه أختام عديدة، منها: ختم بيضوي: «الراجي داوود بن الحسن الموسوي»، و ختم آخر: «الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس، و اللّٰه يحبّ المحسنين».
و تقع في 760 صفحة، و في كلّ صفحة 23 سطراً.
و رمزنا لهذه النسخة ب «د».
و هي نسخة كاملة مصحّحة، و عليها علامات المقابلة و التصحيح، و قد شرحت غريب الكلمات في الحاشية من كتب اللغة و هي في الأغلب عن القاموس و النهاية.
و على النسخة تاريخ شرائها من ورثة المرحوم الميرزا طهماسب مؤيّد الدولة، و نصّه: «هو اللّٰه تعالىٰ شأنه العزيز. شافى ابتياعى از ورثه مرحوم طهماسب ميرزاى مؤيّد الدولة بتاريخ شهر محرم الحرام 1297.... داخل كتابخانۀ مباركۀ اقدس ظل اللهى شد»، و نقش خاتمه: «على أكبر بن حسين الحسيني».
و رواية عن كتب الصدوق، و دعاء و رجاء كتبها عبد الباقي في دار العلم شيراز سنة 1271 ه، و مذكّرة أُخرىٰ كتبها سنة 1272 ه، و نقش خاتم: «العبد محمّد الرضوي».
و تقع في 520 صفحة، و في كلّ صفحة 36 سطراً.
و رمزناه لهذه النسخة ب «ص».
و تقع في 587 صفحة، و في كلّ صفحة 25 سطراً.
و قد رمزنا لهذه النسخة ب «ط».(1)
1) . الفهرس، ج 9، ص 279.
استنسخها السيّد شكر اللّٰه بن محمّد الحسيني، و فرغ منها يوم الثلاثاء من العشرة الأُولىٰ من جمادى الأُولىٰ سنة 1066 ه، و هي نسخة مصحّحة كاملة.
و عليها تملّكات عديدة:
منها: «بسم اللّٰه، قد سعد بتملّكه في البقعة المباركة، أعني: نجف الغريّ ، زادها اللّٰه شرفاً، أفقر الخلق إلى الحقّ تعالىٰ مكّي بن صالح البحراني سنة 1182 ه».
و منها: «كان ذلك ممّا أنعم اللّٰه تعالىٰ عليّ و أنا أوضع الطلّاب خادم الشرع المستطاب ابن محمّد صالح أبو القاسم عفي عنهما».
و منها: «انتقل إليّ و أنا بن محمّد شفيع عليّ »، ثمّ نقش خاتمه.
و منها: «الميرزا محمّد بن الحسن الشيرواني» و هو العالم المعروف.
و منها: «من عظائم منن اللّٰه سبحانه على العبد، و أرجو منه سبحانه بمنّه و فضله أنْ يبلّغني مبالغهم و يلحقني بهم، إنّه علىٰ كلّ شيء قدير، و بالإجابة جدير، الأحقر عزّ الدين الحسيني، و الكتاب بحمد اللّٰه مصحّح غاية التصحيح، في 22 شعبان سنة 1381 ه».
و عليه أبيات شعريّة أُخرىٰ .
و تقع في 485 صفحة، و في كلّ صفحة 23 سطراً.
و قد رمزنا لهذه النسخة ب «ف».(1)
و قال الناسخ في آخره: «قد اتّفق الفراغ عن كتابة هذا الكتاب المسمّىٰ بالشافي
1) . أوراق عتيق، ج 1، ص 173.
يوم الثلاثاء أربع عشر شهر رمضان المبارك سنة ستّ و تسعين بعد الألف في مدرسة الموسومة بالمقيميّة في الشيراز، صينت عن الإعواز، و أنا العبد المذنب الجاني ابن سلطان محمّد رضا عليّ زرقاني، اللهم اغفر لي و لوالدي و لجميع المؤمنين و المؤمنات».
و عليها حواشي توضيحية برمز «م»، و قد كتب في الصفحة الأُولىٰ تعريفاً بالكتاب و فهرسة فصوله، أوّله: «هو الباقي. هذا كتاب الشافي تصنيف السيّد المرتضى رحمه اللّٰه في ردّ كتاب المغني من تصنيف قاضى عبد الجبّار...».
و تعريف آخر بذيله، و نصّه: «هذا الكتاب المسمّى بالشافي في الاحتجاج علىٰ أهل اللجاج، للسيّد عليّ بن الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، كنيته أبو القاسم المرتضى الأجلّ علم الهدى رضي اللّٰه عنه». و تحته ختم: «... محمّد مهدى الموسوي».
و تقع في 446 صفحة، في كلّ صفحة 29 سطراً.
و قد رمزنا لهذه النسخة ب «ل».(1)
و هى من مخطوطات مكتبة المرحوم السيّد محمّد صادق الطباطبايي المهداة إلى مكتبة المجلس، و قد استنسخها خلف (خليفة) بن يوسف النجفي، و فرغ من استنساخه في 24 جمادى الأُولى سنة 1099 ه، و قال:
و قد فرغ من إتمامه العبد المذنب الخاطئ الجاني الفقير الحقير، تراب أقدام أمير المؤمنين، موالي الأئمّة المعصومين الطيّبين الطاهرين، خلف بن يوسف النجفي، حامداً للّٰه تعالى علىٰ كلّ نعمة أنعم بها عليه، في
1) . الفهرس، ج 4، ص 426.
يوم السبت، الرابع و العشرين من شهر جمادي الأُولى من شهور سنة 1099 تسع و تسعين و ألف من الهجرة، و الحمد للّٰه ربّ العالمين وحده، و صلّى اللّٰه على محمّد و آله أجمعين، آمين آمين آمين.
إلّا أنّه وردت في أوّله ديباجة جميلة تدلّ على أنّ النسخة شرع باستنساخها نور الدين محمّد بن رفيع الدين محمّد، في يوم الأحد 13 شهر رجب سنة 1080 ه، فكيف يتمّ ذلك ؟ و من هو الناسخ ؟
و نصّ الديباجة كالتالي:
كتاب الشافي في الإمامة تأليف السيّد الجليل النبيل البارع الجامع بين شرافة النسب و انافة الحَسَب، و بين مرتبة الحكمة و الدراية و منقبة العلم و الروايته، و بين نقابة أرباب السيادة و رياسة أصحاب السعادة، و بين مكارم أخلاق أُولى الفضل و الكمال و جلايل أوصاف ذوي الجاه و الجلال، و بين منتهى مراتب التحقيق و نهاية مدارك التدقيق، و بين تنوّه الشأن الرفيع و ترفّع المكان المنيع، العالم الفاضل، الكامل العامل، ذى المجدين، و مفتخر أولاد الحسنين، و مُبتَهَج أعلام الثقلين، صاحب المناقب و المكارم، عَلَم الهدى، و ضياء الدجى، و النقيب المرتضى، عليّ بن الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، صلوات اللّٰه عليهم أجمعين. شرعت في تنميقه لنفسي في يوم الأحد، الثالث عشر من شهر رجب المرجّب من شهور سنة ثمانين بعد ألف من الهجرة النبويّة المصطفويّة، على مهاجرها ألف ألف صلاة و سلام و تحيّة، حامداً للّٰه تعالى و مصلّياً على النبيّ الأُمّي و آله، و مستغفراً من ذنوبي و خطاياى، و مؤمّلاً من ربّي تبارك و تعالى، و
سائلاً إيّاه التوفيق و التأييد لإتمام هذا الكتاب المستطاب، الذي لم يسمَح قريحة بمثاله، و لم ينسج ناسج على منواله، و التفكّر في معانيه و التدبّر في مغانيه، و أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، و مخلّصاً من عذابه الأليم، و سائقاً إلى جنانه و رضوانه و غفرانه، إنّه هو الغفور الرحيم، و أنا المفتاق إلى رحمة اللّٰه الملك الغنيّ ، و شفاعة النبيّ الأُمّي العربي، أقلّ العباد عملاً و أكثرهم زللاً، تراب نعال طلبة علوم الدين، ابن المرحوم المغفور المبرور رفيع الدين محمّد، نور الدين محمّد، عفى اللّٰه عنهما بالنبيّ المؤيّد و الوصيّ المسدّد، صلوات اللّٰه و سلامه عليهما و على آلهما أجمعين، و الحمد للّٰه ربّ العالمين.
أقول: يحتمل في ذلك وجهان:
الأوّل: أنّ أصل النسخة قد شرع باستنساخه «نور الدين محمّد بن رفيع الدين محمّد»، ثمّ أتمّها الناسخ الثاني «خلف بن يوسف النجفي».
الثاني: أنّ الناسخ الثاني «خلف بن يوسف النجفي» قد استكتب نسخته من نسخة «نور الدين محمّد بن رفيع الدين محمّد».
و ما نقرّ به في المقام هو الثاني؛ و ذلك لاتّحاد الخطّ في جميع النسخة أوّلاً، و أنّ تاريخ الديباجة (الناسخ الأوّل) متقدّم على الترقيمة (الناسخ الثاني) بعقدٍ من الزمن.
و علىٰ أيّ حال فإنّ هذه النسخة نفيسة جدّاً، و الظاهر أنّها تصل بوسائط إلى نسخة المصنّف؛ حيث ورد في آخرها عبارة انفردت بها هذه النسخة، و هذا النصّ المهمّ يؤرّخ تاريخ الانتهاء من تأليف كتاب الشافي، و العبارة كالتالي:
وافق الفراغ من إملاء هذا الكتاب يوم الأحد السابع من شهر رمضان سنة ثمان و تسعين و ثلاثمائة، كذا في المقابل بها.
و عبارة: «بلغ بلغ بعون اللّٰه و صونه قبالاً من نسخةٍ عليها الاعتماد و بها الاعتداد،
غفر اللّٰه لنا يوم المعاد، بمحمّد و آله الأمجاد».
و عبارة: «بلغ قبالاً، حرّره الأقلّ محمّد صادق».
و على هذه النسخة تملّكات و ختوم عديدة:
منها: «از جمله كتب موضوعه جهت استيجار حجّ سيد عبد الباقي شيخ الإسلام است»، و ختم «يا إمام حسن».
و منها: «بسم اللّٰه الرحمن الرحيم:
هذا كتابٌ لو يباع بوزنه *** ذهباً لكان البائع المغبونا
الحمد للّٰه صار في سلك ملك العبد الوضيع»، و ختم بيضوي ممسوح.
و منها: «از حضرت مستطاب آقاى سيد ابوى ام است»، و ختم بيضوي: «عبده محمّد عليّ الحسيني».
و منها: ختم مربّع نصّه: «الواثق باللّٰه الغني محمّد صادق الطباطبائي».
و تقع في 428 صفحة، و في كلّ صفحة 23 سطراً.
و قد رمزنا لهذه النسخة ب «ن».(1)
1753، و هي من مخطوطات القرن الحادي عشرة الهجري، و هي نسخة كاملة مصحّحة، و فيها حواشي توضيحية قليلة برمز «م مدّ ظلّه السامي» و «م مدّ ظلّه العالي» و «ش م»، و لا يمكن قراءة بعض ألفاظها، و فيها ترجمة بعض اللغات المشكلة من كتب اللغة.
عليها تملك نصّه: «هذا من عواري الزمان بتمليك أقلّ الخليفة عليّ أكبر»، و ختم بيضوي ممسوح. و في آخرها مذكّرة أخلاقيّة.
و تقع في 788 صفحة، و في كلّ صفحة 21 سطراً.
1) . الفهرس، ج 3/24، ص 89.
و قد رمزنا لهذه النسخة ب: «ج».(1)
و عليها عدّة تملّكات و مذكّرات:
منها: «... محمّد معصوم خاتون آبادي».
و منها: «بسم اللّٰه الذي ملك ما سواه. هذا الكتاب المستطاب ممّا أهداه إليّ بعض الأجلّة من الأحبّة، دام عزّه و تأييده، و أنا عبد اللّٰه الواثق بلطفه محمّد جواد الواعظ العراقي (ظ) ابن العلّامة الفقيه الورع التقيّ جلال الدين محمّد، ابن العالم الأديب الناسك الصفيّ الحاجّ شيخ أسد اللّٰه، ابن العلم العابد الزاهد الوفيّ شيخ عبد المجيد، ابن المحقّق البارع الناسك الشيخ عليّ ، ابن الفقيه الكامل عبد المجيد، نظر اللّٰه تعالىٰ ضرائحهم مياه الرضوان، و أحلّهم أعلى فراديس الجنان، بمحمّدٍ و آله عليه و عليهم أفضل السلام، في شهر جمادى الأُولىٰ من شهور العام 1339».
و منها: «من كتب الموالىٰ مير محمّد معصوم الخاتون آبادي و عليه حواشٍ و تصحيحات بخطّه رحمه اللّٰه».
و منها: «از كتب مرحوم مير محمّد معصوم طاب ثراه كتاب شافى سيّد مرتضى عليه الرحمة».
و تقع في 760 صفحة، و في كلّ صفحة 23 سطراً.
و قد رمزنا لهذه النسخة ب: «م».(2)
و في أوّلها ديباجة تدلّ علىٰ أنّ مباشر الطبع هو السيّد الحاجّ المير محمّد صادق بن أبي القاسم الحسيني الخوانساري و السيّد فرج اللّٰه القاساني رحمهما اللّٰه، و نصّ الديباجة:
هذا كتاب الشافى في الإمامة و النقض على كتاب المغني للقاضى عبد الجبّار بن أحمد، و الردّ عليه فيما أورده لنصرة أولياء الشيخين و أهل السنّة و الجماعة و ما ذهبوا إليه من إمامتهما و تقدّمهما على أمير المؤمنين، و إمام المتّقين، و يعسوب الدين، و قائد الغرّ المحجّلين، عليّ بن أبي طالب، عليه سلام اللّٰه، و على أولاده المعصُومين، الغرّ الميامين. صنّفه و ألّفه السيّد السند، و الكهف المستند، السيّد المرتضىٰ علم الهدى، ذو المجدين، و حاوى الرتبتين، عَلَم الغابرين، و علامة الآخرين، أبو الثمانين، أبو القاسم عليّ بن الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه و عليهم السلام. و هو كتاب لم يأت بمثله أحد من الأنام، في سالف الشهور و الأعوام، و لا يأتون أبداً و لو كان بعضُهم لبعض ظهيراً؛ لأنّ أجداده الطاهرون كانوا له في نصرته لهم هادياً و مؤيداً و نصيراً و قد صنّف كتاباً جمّة حتّى قيل إنّ مصنّفاته تنيف على ثلاثة و ثمانين، و لقّب بأبي الثمانين لذلك و غيره ممّا له ما يعدّ بالثمانين. و قد ذكرت أسامي كتبه في كتاب أمل الآمل و غيره، و
كان ذلك الكتاب المستطاب لعزّته على ذوي الألباب كالدرّ المكنون و الكنز المخزون، لا يكاد يُوجد منه إلّاالنزر القليل، و ربّما شحّ عليه و افتقد، فلم يلف منه إلّاالسقيم العليل، فالسيّد النسيب و الماجد الحسيب ابن المرحوم المغفور السعيد الصالح الحاجّ مير أبو القاسم الخوانساري الحاجّ مير محمّد صادق الحسيني - حشرهما اللّٰه مع أجدادهما الطاهرين - شمّر عن ساق الاجتهاد لانتساخه و طبعه، و حسم مواد السقم و العلّة عن ربعه. و كان السيّد الصميم، و السند العليم، العالم الأديب، و الفاضل الأريب الحبر الذّكيّ ، سيّد العلماء الأعلام، و سند الفضلاء العظام، وحيد دهره، و فريد عصره، صاحب مآثر و شؤون، و مالك أزمّة الفضائل و الفنون، السيّد فرج اللّٰه القاساني، وفّقه اللّٰه تعالى لدينه و دنياه، و كان حقاً عليه لمقام أجداده الطاهرين و نصرة حقّهم المبين أن ينتصر لهم و لدينه ليزداد في قوّة إيمانه و يقينه، فشمّر لحسم موادّ علّة الكتاب و إسقاط سقطاته، و أجمع على تصحيح ما لم يصحّح فيه من تروكه و غلطاته، فصحّحه بما في وسعه من ذهنه السليم، و نقّحه كيفما اقتضاه فهمه المستقيم، و لمّا أبى اللّٰه أن يصحّ إلّاكتابه لم يدر أنّه بلغ في الصحّة نصابه، فعلى من نظر فيه كاد تأمّل أُصوله و مبانيه أن يصحّح ما شذّ عنه و ندر، و لا يأخذ عليه ما سقط عنه و بدر؛ فإنّ الإنسان محلّ السهو و النسيان، و الجواد قد يكبو، و الصارم قد ينبو. و كان ذلك في دولة السلطان العادل، و الملك الباذل، سلطان الإسلام و المسلمين، و حامي حوزة الشرع المبين، السلطان ابن السلطان، و الخاقان بن الخاقان بن الخاقان، السلطان، خلّد اللّٰه ملكه و سلطانه، و أبّد اللّٰه وقته و زمانه، في 1301.
مخطوطة مكتبة كلّية الفقه في جامعة الكوفة، نسخة غير مرقّمة، قيل إن تاريخ استنساخها سنة 482 ه، و إن صحّ ذلك فتكون أقدم نسخ الكتاب، إلّاأنّنا و بعد الفحص الشديد و التواصل مع المكتبة و الذهاب إليها لم نعثر عليها في المكتبة، و الظاهر أنّها فقدت. (معجم المخطوطات النجفية، ص 479).
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى في طهران برقم: 15825/16، و هي نسخة منتخبة، قام باختصارها محمّد بن أحمد بن حسين بن قصير الحائري ظاهراً، استنسخها قباد بن شهقباد بخطّ النستعليق، سنة 948 ه (الفهرس المختصر، ص 463).
مخطوطة مكتبة مركز إحياء الميراث الإسلامي في قم، برقم: 3389، استنسخها الشيخ حسين بن شهاب الدين الكركي بخطّ النستعليق سنة 1049 ه، نسخة مصحّحة كتبت عناوينها بالشنجرف. (الفهرس، ج 2، ص 830).
مخطوطة مكتبة ممتاز العلماء في لكنهو بالهند، برقم: 630، استنسخها محمّد باقر بن محمّد حسين اليزدي، فرغ منها في غرّة ذي الحجّة الحرام سنة 1053 ه، في بلدة دار المؤمنين بسبزوار، عليها عدّة تملّكات و أختام.
مخطوطة مكتبة العلّامة الطباطبائي في شيراز، برقم: 350، استنسخها ناصر بن سلمان الكيلاوي بخطّ النسخ، و فرغ منها في يوم الجمعة آخر جمادى الأُولى سنة 1073 ه. (الفهرس في نسخه پژوهي، ج 2، ص 172).
مخطوطة مكتبة كلّية الحقوق بجامعة طهران، برقم: 11 ج، استنسخها السيّد غضنفر الحسيني الرودباري يوم الخميس رابع شهر شوال سنة 1074 ه. (الفهرس، ص 366).
مخطوطة مكتبة سريزدي (مسجد الحظيرة) بيزد، برقم: 208، استسخها شيبان بن عبد اللّٰه الحويزي يوم الأحد 12 محرم الحرام سنة 1076 ه، نسخة مصحّحة
كتبت عناوينها بالشنجرف. (الفهرس، ج 1، ص 169).
مخطوطة مكتبة السيّد الخوئي بالنجف الأشرف، برقم: 62، استنسخها نجف عليّ يوم الأحد رابع شوال سنة 1078 ه، نسخة مصحّحة كتبت عناوينها بالشنجرف، و عليها خطّ الشيخ آقا بزرك الطهراني في التعريف بالكتاب، و ختم مكتبة الشيخ عليّ بن محمّد رضا بن هادي آل كاشف الغطاء. (الفهرس، ج 1، ص 230).
مخطوطة مكتبة العلّامة الطباطبائي في شيراز، برقم: 1098، استنسخت في غرّة شوال سنة 1078 ه. (الفهرس في نسخه پژوهي، ج 2، ص 174).
مخطوطة مكتبة الإمام الصادق عليه السلام في الكاظمية، برقم: 180، استنسخها محمّد طاهر بن محمّد كريم التبريزي في سنة 1079 ه، و عليها تملّك الشيخ محمّد بن الشيخ درويش و السيّد هادي الحسيني (الذخائر، 6-7-297).
مخطوطة مكتبة الروضة الحسينية، برقم: 481 م - ح 9655، استنسخها محمّد تقي بن رجب عليّ القزويني في 18 شهر شعبان سنة 1079 ه. (مخطوطات كربلاء، ج 4، ص 207).
مخطوطة مكتبة العلّامة الطباطبائي في شيراز، برقم: 1439، استنسخت في عاشر ذي الحجّة سنة 1085 ه، عناوينها بالشنجرف. (الفهرس في نسخه پژوهي، ج 2، ص 174).
مخطوطة مكتبة ممتاز العلماء في لكنهو بالهند، برقم: 627، استنسخها طاهر بن علاء الدين محمّد الأبهري الإصفهاني، فرغ منها يوم الخميس عاشر ذي الحجّة الحرام سنة 1085 ه، نسخة مصحّحة عليها عدّة تملّكات و أختام.
مخطوطة مكتبة السيّد الكلبايكاني، برقم: 7725 (52/65) استنسخت في شهر رمضان سنة 1092 ه. (الفهرس، ج 5، ص 2370).
مخطوطة مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامّة في النجف الأشرف، برقم 63،
استنسخها حسين بن ناصر النجفي، سنة 1094 ه. (معجم المخطوطات النجفية، ص 480).
مخطوطة مكتبة شاهجراغ في شيراز، برقم: 410، استنسخها محمّد عليّ (مهرعليّ ) بن إبراهيم الجوشقاني الإصفهاني في ربيع الأول سنة 1095 ه. (الفهرس، ج 2، ص 67).
مخطوطة المكتبة الوطنيّة في طهران، برقم: 20451، استنسخها محمّد مهدي بن محمّد كاظم سنة 1096 ه نسخة مصحّحة عليها تملّك المرحوم جلال الدين همائي.
مخطوطة مركز إحياء الميراث الإسلامي، برقم: 4455/1، استنسخها محمّد كاظم بن محمّد زمان شهميرزادي بخطّ النسخ، و فرغ منه أوئل صفر سنة 1097 ه، نسخة مصحّحة محشّاة. (الفهرس، ج 2، ص 830).
مخطوطة مكتبة الآستانة الرضويّة المقدّسة، برقم: 674، استنسخت في جمادى الأُولى 1098 ه. (الفهرس، ج 4، ص 166).
مخطوطة مكتبة الآستانة الرضويّة المقدّسة، برقم: 676، استنسخت في جمادى الأُولى 1098 ه (الفهرس، ج 4، ص 166).
مخطوطة المكتبة الوطنيّة في طهران، برقم: 16226، استنسخها رضي الجرفادقاني في سنة 1099 ه.
مخطوطة مكتبة الميرزا محمّد الكاظميني في يزد، برقم: 155، استنسخها عزيز بن حبيب سنة 1100 ه، نسخة مصحّحة قوبلت على نسخة أُخرى سنة 1128 ه. (الفهرس، ج 1، ص 140).
مخطوطة مكتبة ملك العامّة في طهران، برقم: 5894، من مخطوطات القرن الحادي عشر. (الفهرس، ج 1، ص 273).
مخطوطة المكتبة الوطنيّة في طهران، برقم: 1493، من مخطوطات القرن الحادي عشر، نسخة مذهّبة فنيّة. (الفهرس، ج 9، ص 511).
مخطوطة مكتبة مركز إحياء الميراث الإسلامي في قم، برقم: 5403، من مخطوطات القرن الحادي عشر. (الفهرس، ج 12، ص 403).
مخطوطة مكتبة محمّد حسين المفتاح الخاصّة في طهران، برقم: 1320، من مخطوطات القرن الحادي عشر، صحّحها و قابلها أبو طالب بن الحاجّ أبي تراب في يوم الثلاثاء 13 ربيع الأوّل سنة 1227 ه، نسخة مصحّحة و محشّاة (الفهرس في مجلّة نشريه نسخ خطّي، العدد السابع، ص 140).
مخطوطة مكتبة العلّامة الطباطبائي في شيراز برقم: 955/1، من مخطوطات القرن الحادي عشر، عناوينها بالشنجرف. (الفهرس في نسخه بزوهي، ج 3، ص 126).
مخطوطة مكتبة العلّامة الطباطبائي في شيراز برقم: 956، من مخطوطات القرن الحادي عشر، عناوينها بالشنجرف. (الفهرس في نسخه بزوهي، ج 2، ص 173).
مخطوطة مكتبة الآستانة الرضويّة المقدّسة، برقم: 21102، من مخطوطات القرن الحادي عشر، عليها ختم السيّد ريحان اللّٰه بن جعفر الموسوي و المصطفى الحسيني. (فهرس النسخ الإهدائية، ج 4، ص 2).
مخطوطة مكتبة مدرسة مروي في طهران، برقم: 460، من مخطوطات القرن الحادي عشر. (الفهرس، ص 149).
مخطوطة مكتبة السيّد الخوئي في النجف الأشرف، برقم: 184، من مخطوطات القرن الحادي عشر، عليها وصيّة تاريخها سنة 1159 ه، و تحتها ختم مربّع: «محمّد سعيد بن محمّد شفيع». (الفهرس، ج 1، ص 299).
مخطوطة مكتبة العتبة العباسيّة المقدّسة، برقم: 242، استنسخها محمّد أمين بن أحمد اليساري، من مخطوطات القرن الحادي عشر، نسخة مصحّحة محشّاة، و
عليها علامات البلاغ، و تملّك الشيخ عبد الحسن آل الشيخ أسد اللّٰه الكاظمي.
(الفهرس، ج 1، ص 284).
مخطوطة مكتبة ممتاز العلماء في لكنهو بالهند، برقم: 616، من مخطوطات القرن الحادي عشر، عليها تملّك و مذكّرة السيّد ممتاز العلماء اللكنهوي.
مخطوطة مكتبة الشيخ ثقة الإسلام في تبريز، نسخة غير مرقّمة، استنسخت في سنة 1101 ه. (الفهرس في مجلّة نشريه نسخ خطي، العدد 7، ص 535).
مخطوطة مكتبة السيّد المرعشي في قم، برقم: 1282، استنسخت في 21 صفر سنة 1101 ه، نسخة مصحّحة و محشّاة، كتبت عناوينها بالشنجرف. (الفهرس، ج 4، ص 82).
مخطوطة المكتبة الوطنيّة في طهران، برقم: 1493 /ع، استنسخت في رمضان سنة 1101 ه. (الفهرس، ج 9، ص 511).
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى بطهران، برقم: 16029، استنسخها السيّد عليّ رضا بن عبد الفتاح الحسيني الجورتي، العشرة الأواسط من شهر رجب سنة 1102 ه، نسخة مصحّحة و محشّاة، كتبت عناوينها بالشنجرف، عليها وقفيّة من الشيخ محمّد باقر المجلسي في شهر رمضان سنة 1104 ه. (الفهرس، ج 44، ص 206).
مخطوطة مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام العامّة في النجف الأشرف، برقم: 66، استنسخها هادي بن إبراهيم الخاتون سنة 1103 ه. (معجم المخطوطات النجفية، ص 479).
مخطوطة مركز إحياء الميراث الإسلامي، برقم: 2914، استنسخها محمّد مؤمن الكشميري، و فرغ منه في 11 شعبان المعظم سنة 1103 ه، نسخة مصحّحة و محشّاة، عليها وقفيّة و عدّة تملّكات. (الفهرس، ج 2، ص 829).
مخطوطة مكتبة مركز إحياء الميراث الإسلامي في قم، برقم: 913، استنسخها
محمّد هادي بن قنبر عليّ الطبسي، و فرغ يوم السبت 24 شهر رجب سنة 1106 ه، عليها عدّة تملّكات و أختام. (الفهرس، ج 3، ص 134).
مخطوطة مكتبة الآستانة الرضويّة المقدّسة، برقم: 675، استنسخها محمّد بن سعيد بخطّ النستعليق سنة 1110 ه. (الفهرس، ج 4، ص 166).
مخطوطة المكتبة الوطنيّة بطهران، برقم: 8486، استنسخها محمّد معصوم بن محمّد رفيع اليزدي سنة 1110 ه، نسخة مصحّحة و محشّاة.
مخطوطة مكتبة ملك العامّة في طهران، برقم: 1880، استنسخها عبد اللّٰه بن محمّد داود في محرّم سنة 1111، نسخة مذهّبة. (الفهرس، ج 1، ص 237).
مخطوطة مكتبة جامعة طهران برقم: 6701، استنسخها مقيم بن يحيى السبزواري، و فرغ منه يوم السبت 4 ربيع الأوّل سنة 1111 ه، عناوينها بالشنجرف.
(الفهرس، ج 16، ص 336).
مخطوطة مكتبة السيّد المرعشي، برقم: 7027، فرغ من نسخها يوم الإثنين من محرم الحرام سنة 1112 ه، عناوينها بالشنجرف، تملّكها الشيخ إبراهيم بن مهدي آل عرفات القديحي الخطي النجفي بتاريخ 1219 ه. (الفهرس، ج 18، ص 191).
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى بطهران، برقم: 132 (الخوئي)، استنسخها عبد الوهاب بن محمّد عليّ البيابانكي سنة 1113 ه، و قابلها محمّد باقر سنة 1175 ه، نسخة مصحّحة و محشّاة. (الفهرس، ج 7، ص 141).
مخطوطة مكتبة الروضة الحسينيّة المقدّسة، برقم: 480 م ح 9687، استنسخها محمّد خليل بن محمّد رفيع بن فتح اللّٰه بخطّ النسخ سنة 1113 ه، و عليها تملّك عبد النبي بن محمّد مرتضى القزويني سنة 1175 ه. (مخطوطات كربلاء، ج 4، ص 207).
مخطوطة مكتبة مركز إحياء الميراث الإسلامي، برقم: 1693/1، استنسخها محمّد مهدي بن عبد المطلب الإصفهاني بخطّ النسخ، فرغ منها ليلة 18 ذي الحجّة الحرام سنة 1114 ه. (الفهرس، ج 5، ص 104).
(الفهرس، ج 1، ص 18).
(الفهرس، ص 424).
مخطوطة مكتبة مسجد كوهرشاد في مشهد، برقم: 317، استنسخت بخطّ النسخ في شهر رمضان سنة 1117 ه. (الفهرس، ج 1، ص 265).
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى برقم: 1377، استنسخت بخطّ النسخ، في شهر رمضان سنة 1121 ه، و عليها حواشي كثيرة، نسخة مذهّبة نفيسة. (الفهرس، ج 4، ص 171).
مخطوطة المكتبة الوطنيّة في طهران، برقم: 3088، استنسخها أبو طالب بن أبي تراب سنة 1127 ه، نسخة مصحّحة محشّاة. (الفهرس، ج 14، ص 213).
مخطوطة مكتبة العلّامة الطباطبائي في شيراز، برقم: 1079، استنسخها عليّ رضا بن محمّد قاسم بخطّ النسخ في إصفهان، و فرغ منها في يوم الثلاثاء 3 ذي القعدة سنة 1128 ه، عليها تملّك و نسب الميرزا عبد الواسع بن عبد الكريم الحسيني السمناني. (الفهرس في نسخه بزوهي، ج 2، ص 172).
مخطوطة مكتبة جامعة طهران، برقم: 6783، استنسخت بخطّ النسخ، و فرغ منها في 25 شهر رجب سنة 1129 ه، و عليها وقفيّة بتاريخ 1182 ه. (الفهرس، ج 16، ص 359).
(الفهرس، ج 6، ص 174).
(الفهرس، ج 1، ص 131).
مخطوطة مكتبة الآستانة الرضويّة المقدّسة برقم: 10020، استنسخها محمّد بن عبد اللطيف العاملي بخطّ النسخ، و فرغ منه يوم الجمعة 6 محرّم الحرام سنة 1141 ه في مشهد السيّد عبد العظيم الحسني بالري، عليها وقفيّة المولى شمس الدين الجزائري. (الفهرس، ج 11، ص 176).
مخطوطة المكتبة الوطنيّة في طهران برقم: 16226، استنسخها رضي الجرفادقاني بخطّ النسخ سنة 1199 ه، عليها عدّة تملّكات و أختام. (الفهرس، ج 45، ص 352).
مصوّرة مكتبة دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، برقم: 1883، استنسخها محمّد جواد اليزدي الملقّب بنوّاب، فرغ منه 14 ذي القعدة سنة 1200 ه. (الفهرس، ج 1، ص 38).
مخطوطة مكتبة مدرسة السيّد البروجردي في كرمانشاه، برقم: 142/1، من مخطوطات القرن الثاني عشر. (الفهرس، ص 112). و توجد مصوّرتها في مركز إحياء الميراث الإسلامي برقم: 1776/1. (فهرس المصوّرات، ج 5، ص 229).
مخطوطة مكتبة مدرسة الإمام الصادق في قزوين، برقم: 758، من مخطوطات القرن الثاني عشر، نسخة محشّاة. (الفهرس، ج 2، ص 374).
مخطوطة المكتبة الوطنيّة في طهران، برقم: 1940، من مخطوطات القرن الثاني عشر. (الفهرس، ج 10، ص 612).
مخطوطة مكتبة السيّد المرعشي في قم، برقم: 5959، من مخطوطات القرن الثاني عشر، عليها عدّة تملّكات و أختام. (ج 15، ص 338).
مخطوطة مكتبة مدرسة الإمام العصر عجّل اللّٰه تعالى فرجه الشريف في شيراز، برقم: 49، استنسخها محمّد رضا بن اسكندر الطالقاني بخطّ النسخ، من مخطوطات القرن الثاني عشر. (الفهرس، ج 1، ص 52).
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى في طهران، برقم: 15032، استنسخها محمّد تقي بن محمّد حسين السبزواري بخطّ النسخ، من مخطوطات القرن الثاني عشر، نسخة مصحّحة. (الفهرس، ج 42، ص 79).
مخطوطة مكتبة المدرسة الحجّتية في قم، برقم: 973، من مخطوطات القرن الثاني عشر. (الفهرس، ج 2، ص 964).
مخطوطة مكتبة مدرسة ولي العصر في خوانسار، برقم: 521، استنسخت سنة 1250 ه. (الفهرس في مجلّة بيام بهارستان، العدد 25، ص 349).
مخطوطة مكتبة فحول القزويني في قزوين، غير مرقّمة، استنسخها أحمد بن مصطفى الخوئيني، في تاسع جمادى الأُولى سنة 1260 ه. (الفهرس، ص 18).
مخطوطة مكتبة فحول القزويني في قزوين، غير مرقّمة، استكتبها رضي الدين بن عليّ أكبر بن كريم بن أحمد بن نعمة اللّٰه الموسوي القزويني في شهر محرم سنة 1261 ه. (الفهرس، ص 17).
مخطوطة مكتبة السيّد المرعشي في قم، برقم: 9188، استنسخها محمّد كريم بن محمّد بيكدلي، و فرغ منه يوم الغدير 18 ذي الحجّة الحرام سنة 1274 ه.
(الفهرس، ج 23، ص 300).
مخطوطة مكتبة المدرسة الفيضية برقم: 622/3، استنسخها ياسين بن عليّ النجفي، سنة 1280 ه. (الفهرس، ج 1، ص 128).
مخطوطة مكتبة المدرسة الفيضية برقم: 416/1، استنسخها ياسين النجفي في سنة 1281 ه. (الفهرس، ج 3، ص 11).
مخطوطة مكتبة شستربيتي في دبلن في ألمانيا، برقم: 3218، استنسخت بخطّ النسخ في 23 ربيع الأوّل سنة 1285 ه. (الفهرس، ج 1، ص 89).
مخطوطة مكتبة جامعة طهران، برقم: 8630، من مخطوطات القرن الحادي عشر أو الثاني عشر، نسخة مصحّحة عليها علامات البلاغ. (الفهرس، ج 17، ص 182).
مخطوطة مكتبة الأوقاف العامّة في بغداد، برقم: 6811، استنسخها عبّاس بن عليّ العذاري سنة 1312 ه. (الفهرس، ح 2، ص 552).
مخطوطة مكتبة السيّد المرعشي برقم: 1483/1، استنسخها محمود بن عبد الرحمن سنة 1314 ه، نسخة مصحّحة و محشّاة. (الفهرس، ج 27، ص 438).
مخطوطة مكتبة مدرسة غرب همدان في همدان، برقم: 399 (الفهرس، ص 1331).
مخطوطة مكتبة آل جمال الدين في قرية المؤمنين بسوق الشيوخ في العراق، برقم: 4/288/1. (الفهرس في مجلّة الموسم، ج 1، ص 155).
مخطوطة مكتبة الوزارة الخارجية في طهران، برقم: 510. (الفهرس العربي، 320).
مخطوطة مكتبة الإمام الصادق في الكاظمية، برقم: 222. (الفهرس في الذخائر، 67797).
ثمّ إنّا قد أوردنا تأريخَ تصنيف الكتاب من نسخة «ن» خاصّة، كما أنّ أكثر ما حكينا في الهامش من التوضيح و التفصيل محكي عن نسخة «م».
إنّ النسخة الحجريّة قد قابلْناه على متن الكتاب، و قد أشرنا برمز «الحجريّ » إلى ما ذكرنا منه في الهامش.
قد ذكرنا في الهامش جميعَ ما خالفْنا المطبوعَ فيه في اختيار النصّ ، و بلغ موارده إلى أكثر من خمسة آلاف مورد، و أشرنا إليه برمز «المطبوع»، و ما لم نصرّح فيه بهذا الرمز فهو موافق لما في المطبوع.
قد قُوبِل الكتاب على كتاب تلخيص الشافي للشيخ الطوسيّ رحمه اللّٰه، و قد أشرنا إلى ما حكينا عنه برمز «التلخيص». هذا، و إنّ هذا التلخيص يُعَدّ أقدمَ نسخة مِن نُسَخ الكتاب و أحسنها، و قد آثرْنا في بعض المواضع من التصحيح ضبطَه للمتن على ضبط غيره من النسخ.
و ممّا هو جدير بالذكر: أنّ الظاهر من هذا الكتاب يشهد بأنّ الشيخ رحمه اللّٰه قد بالغ جُهدَه في تلخيص ما قاله الشريف رحمه اللّٰه من دون أن يزيد فيها شيئاً إلّاإذا اضطُرّ إليه. نعم، قد حذف كثيراً ممّا ذكره الشريف رحمه اللّٰه روماً للاختصار، كما قد
يتصرّف في نقل العبارات بتقديم أو تأخير. فقد اعتُبر ما أورده الشيخ في هذا الكتاب أقربَ المتون إلى عهد المصنّف و عصره.
إنّ جميع ما حكاه ابنُ أبي الحديد عن الشافي في شرحه على نهج البلاغة قد قُوبِل على ما في الكتاب، و أشرنا في الهامش برمز «شرح النهج» إلى ما كان فيه اختلاف.
قد حكى العلامّة المجلسيّ رحمه اللّٰه عن «الشافي» بعضَ ما ورد فيه، فقد قابلْنا المتنَ على جميع ما حكاه، و أشرنا في الهامش برمز «البحار» إلى ما خالَفْناه في اختيار المتن.
قد حكى الشريف المرتضى رحمه اللّٰه كثيراً ممّا ذكره القاضي عبد الجبّار في كتابه المغني بنصّه، فقد قُمْنا بمقابلة جميع ما حكاه عنه على ما في المطبوع من كتاب المغني، و قد ذكرنا ما كان بينهما من الاختلاف.
إنّ المستند الرئيسي في تقويم النصّ و تصحيح المتن هو اختيار الراجح من النسخ في المتن و الإشارة إلى المرجوح منها في الهامش، و الرجحان يُعرَف بقواعد الأدب و غيره، و هذا الأمر ممّا يتّفق بالتلفيق بين النسخ ليس إلّا. هذا، و قد احترزنا من الاجتهاد و القياس في التصحيح إلّاإذا كان الخطأ في المتن فادحاً فاضحاً لا يمكن توجيهه إلى أيّ وجه، و قد صرّحنا في تلك المواضع بأنّ التصحيح قياسيّ غير مأخوذ من ضبط النُّسَخ، و هي في موارد قليلة جدّاً.
إنّ أصحّ النسخ ضبطاً و أحسنَها متناً هي نسخة «د»، ثمّ تَليها نسخةُ «ج»، و إنّ نُسَخَ «ص، ط، ف» تُقارب في الضبط نسخةَ «ج».
قد بذلنا جُهدَنا في ذكر جميع الاختلافات في النسخ، حتّى ما لا يُغيّر المعنى بوجهٍ ، و يُستثنى من ذلك ما كان غلطاً لا وجه في صحّته نُوَجّهه إليه.
يستثنى من ذكر اختلاف النُّسَخ ما حكى آيةً من القرآن الكريم أو بعضَها و خالفَ بعضُ النسخ ما هو مُثبَت في القرآن، فقد آثرنا متن النسخة الموافقة للقرآن على غيرها و لم نُشِر في الهامش إلى متن غيرها من النسخ. و من الجدير بالذكر أنّ اختلاف النسخ في حكاية الآيات كان ممّا قلّ اتّفاقه.
قد مضى أنّا قد قابلْنا جميعَ ما حكاه الشريف عن كتاب المغني على المطبوع من هذا الكتاب، و من اللائق بالذكر هنا أنّا قد قُمْنا بتتميم العبارة المحكيّة عن المغني إذا كان الشريف مقتصراً على حكاية بعضها بحيث أضرّ الاقتصارُ بفهم العبارة، و قد وضعنا ما أتممنا به العبارةَ في المعقوفين [] و ذكرنا عنوان المصدر - و هو كتاب المغني - في الهامش. ثمّ إنّ من المعلوم أنّ هذا الاقتصار من الشريف المرتضى رحمه اللّٰه ناشئٌ من اشتهار هذا الكتاب، و لهذا نراه قد يشير إلى ما قاله في المغني من غير حكاية ألفاظه، بل يستخدم الألفاظ بنفسه.
ممّا كان يتّفق في تصحيح هذا الكتاب أنّ فهم العبارة يتوقّف في بعض المواقف على زيادة كلمة أو كلمات كانت النُّسَخ بأسرها عاريةً منها، فقد قُمْنا بزيادتها في المتن بين المعقوفين []، فإن كان للزيادة معتمد من الكتب غير النُّسَخ ذكرناه في الهامش، و الحاصل أنّ جميع ما وضعناه بين المعقوفين [] يُعَدّ ممّا كانت النُّسَخ عَرِيّةً منه.
في اختلاف النسخ في تذكير الأفعال و الأسماء و تأنيثها قد اخترنا النسخةَ الراجحةَ و ذكرنا المرجوحة في الهامش. و إذا كانت النسخ ناطقة بالمرجوح خاصّة، فقد أثبتنا المرجوح حينئذٍ في المتن و صرّحنا بالراجح في الهامش، دون العكس، حذراً من القياس في تصحيح التراث.
قد استعملنا رمز (+) لبيان الزيادة في بعض النسخ - كلمةً كانت أو كلماتٍ -، و وضعنا رمز (-) لبيان النقصان.
قد وضعنا جميع الآيات المباركة الورادة في الكتاب بين القوسين المزهّرتين بقلمٍ يُخالف قلمَ المتن، و قد ذكرنا عنوان السورة و الآية في الهامش.
قد أخرجنا الأحاديث المرويّة عن النبيّ صلّي اللّٰه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام من الكتب الأصيلة التي تُعَدّ من تراثنا الحديثي، و أضفنا إلى ذلك الإخراجَ من مصادر العامّة لما رُوِيَ عن النبيّ صلّي اللّٰه عليه و آله خاصّة، و قد أشرنا إلى الاختلاف بين المتن و المصدر - إذا كان - في الهامش.
قد بذلنا جُهدَنا في تخريج الأقوال الواردة في المتن، سواء أ صرّح الشريف المرتضى رحمه اللّٰه باسم القائل و حكى كلامَه بنصّه أو صرّح باسمه و اكتفى بنقل كلامه على سبيل الإجمال، فإن كان للقائل كتاب معثور عليه حاليّاً راجعناه و ذكرنا العنوان المتعلّق به، و إن لم يكن كذلك راجعنا الكتب المصنّفة المشتملة على حكاية ذلك القول و أخرجنا العنوان مِن أقرب تلك الكتب عهداً بالقائل.
قد ذكر الشريف المرتضى رحمه اللّٰه في كتابه هذا أبياتاً من الشعر، فما صرّح فيه باسم الشاعر و كان للشاعر ديوان معثور عليه الآن اكتفينا بإخراجه منه، و إن لم يكن له ديوان معثور عليه أو لم يكن له ديوان رأساً أخرجناه من مصدر مشتمل عليه، و لاحظنا أقربها من المصنّف عهداً. و هناك أبيات لم يصرّح المصنّف باسم قائله و قد أخرجناه إن عثرنا عليه.
هناك مواضع في الكتاب أرجع المصنّف رحمه اللّٰه إلى كلامه فيما تقدّم، أو كلامه فيما سيأتي، فقد أخرجناه من طبعنا هذا في الهامش، و هناك مواضع أُخَر أرجعها رحمه اللّٰه إلى كلامه في كتبه الأُخَر، فقد أخرجناه من كتبه المطبوعة سابقاً. و لهذا قد أثبتنا في حاشية كتب المصنّف من طبعنا هذا أرقامَ الصفحات المتعلّقة بالطبع السالف طِبقاً على السطر الذي به تبدأ عبارة كلّ صفحة من ذلك الطبع.
قد ترجمنا الكلماتِ الصعبةَ و التي قلّ استعمالُها، من مَعاجم اللغة المعتبرة مُراعِياً للاختصار.
قد تعرّضنا في الهامش للتعريف بغير المعروف من الأعلام الواردة في المتن و غير المشتهر من الأماكن و المذاهب، و المُعتمَد في ذلك على المصادر المعتبرة.
قد أقدمنا على شرح المتن في الهامش إذا كانت عبارة الشريف ممّا يحتاج فهمها إلى الشرح و التفصيل.
هناك تعليقات في الطبع السالف من الشافي و تلخيصه، فقد حكينا في هذا الطبع ما رأيناه جديراً بالذكر بعد تصرّفٍ في متنه و تخريجٍ لمصادره.
قد أوردنا في المجلّد الأوّل من هذا الطبع لكتاب الشافي نوعين من التوضيحات اقتطفناها من حواشي بعض النُّسخ:
الأوّل: حواشي «محمّد شفيع الأسترآبادي» التي قُمنا بعمل التصحيح له بمقابلة نسختين:
نسخة «مكتبة مَلِك» (المجموعة 593، الرسالة 8، الصفحة 342-385)(1)التي جمع حواشي «محمّد شفيع».
نسخة «م» التي أُتِي فيها بجميع حواشي «محمّد شفيع» متفرّقةً و أُشِير إلى قائله برمز «محمّد شفيع» و «استرآبادي» و «محمّد شفيع استرآبادي».
الثاني: الحواشي الواردة في نفس نسخة «م» عن غير «محمّد شفيع»، و قد جيء لها برمز «ح س» في أكثر المواضع، و قد أوردناها بِرُمّتها.
1) . الفهرس، ج 5، ص 94.
بما أنّ نثر الشريف رحمه اللّٰه ممّا يصعب فهمُه عادةً ، فقد قمنا بتعريب المتن حتّى نحملَ ثِقلاً من أثقال العبارة تسهيلاً على القارئ الكريم و إرفاقاً به.
ثمّ إنّ هناك مواضع قليلة تحتمل العبارةُ فيها وجهَين من الإعراب، فقد آثرنا الوجه الراجح و أهملنا الوجه الآخر. و قد اتّفق في مواضعَ أنّا أهملنا الوجهين، و ذاك إذا لم يكن هناك رجحان.
و قد كان المناط في وضع العلائم هو التسهيل على القارئ الكريم لكي يقدر على فهم المتن من غير أن يواجهَهُ تعقيدٌ أو إبهامٌ ، و قد دعانا هذا الأمر إلى الاحتراز من الإفراط و التفريط المُمِلَّين. نعم، هناك مواضع من الكتاب يُواجه فيها القارئ صعوبةً في فهم المتن، فلم يكن هناك بُدٌّ من إكثار العلائم، و قد اقتصرنا هناك أيضا على ما فيه الكفاية.
لمّا كان متن الكتاب في النظر البدويّ مُعَقَّداً مبهماً لا علاقةَ بيّنةً بين جميع ما أودعه الشريف المرتضى رحمه اللّٰه، و بما أنّه رحمه اللّٰه قد تعرّض ذيلَ كلّ شبهة من شبهات القاضي لمسائل مختلفة، رأينا من اللازم أن نضع عناوين متعدّدة و متكثّرة في بداية كلّ كلام جديد و مقال حديث، و قد قسّمنا العناوين إلى الأصليّة و الفرعيّة، و هذا ممّا يساعِدُ القارئَ الكريمَ في فهم العِلاقات بين كلٍّ من فقرات كلام الشريف المرتضى رحمه اللّٰه، و يجعله ذا نظرة كلّيّة إلى ما جرى الكلام فيه في ذلك الباب.
و لا ريب في أنّ وضعَ العناوين و تقسيمَها إلى العناوين الأصليّة و الفرعيّة و ترقيمَها، كانت ذات تأثير عظيم في فهم ما أودعه الشريف رحمه اللّٰه في هذا الكتاب، و ذات أهمّيّة واسعة في تسهيل هذا الأمر على المحقّقين.
و بالأخير قد أعددنا فهارس عامّة و متنوّعة في آخر الكتاب رَوماً للتسهيل على المحقّق المدقّق في ابتغائه ما ورد في الكتاب.
و في الختام نرى من الواجب علينا أن نُقدِّم جزيل الشكر و الثناء لجميع الأصدقاء الكرام و السادة الأعزّاء الذين ساعدونا في تحقيق هذا السفر القيّم و الأثر الخالد، و نخصّ منهم بالذكر المحقّق البارع الدكتور حيدر البياتي (الحسن) حيث تولّى المراجعة النهائية للكتاب، و وضع العناوين، و تأليف الفصول الأربعة من هذه المقدّمة. و المحقّق المدقّق الدكتور حبّ اللّٰه النجفي حيث ساعدنا في وضع الحركات على الكلمات و مراجعة الكتاب. و الإخوة الأعزّاء محمّد حسين الواعظ النجفي و عباس الكثيري و محسن الشعاعي و أمير حسين السعيدي و محمّدكريم الصالحي للمساعدة في تنظيم فصول مقدّمة التحقيق و التخريجات و مقابلة النسخ و استخراج الفهارس العامّة و تنضيد الحروف و الإخراج الفنّي للكتاب. نسأل اللّٰه تعالى أن يكتب لهم الأجر، و آخر دعوانا أن الحمد للّٰه ربّ العالمين.
حيدر البياتي - محمّد حسين الدرايتي
26 اسفند 1397
10 رجب 1440
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم
الحمدُ للّٰهِ، و سَلامٌ(1)علىٰ عِبادِه الذينَ اصطفىٰ؛ محمّدٍ و آلِه الطاهرينَ الأبرارِ(2).
و بَعدُ(3)، سألتَ - أيَّدَكَ اللّٰهُ - تَتَبُّعَ ما انطوىٰ عليه الكتابُ المعروفُ ب «المُغْني» مِن الحِجاجِ في الإمامةِ، و إملاءَ(4)الكلامِ علىٰ شُبَهِه بغايةِ الاختصارِ، و ذَكرتَ أنّ مؤلِّفَه قد بلَغ النِّهايةَ في جَمعِ الشُّبَهِ، و أَورَدَ قويَّ ما اعتَمَدَه شُيوخُه، مع زياداتٍ يسيرةٍ سَبَقَ إليها، و تهذيبِ مَواضعَ (5)تفرَّدَ بها. و قد كنتُ عَزَمتُ عند وقوعِ هذا الكتابِ في يَدي علىٰ نَقضِ ما اختَصَّ منه بالإمامةِ علىٰ سَبيلِ الاستقصاءِ ، فقطَعَني عن إمضاءِ ذلك(6)قواطعُ ، و مَنَعَت مِنه مَوانِعُ كنتُ متوقِّعاً لانحِسارِها فأبتدئَ به؛ و أنا(7)الآنَ عاملٌ علىٰ إملاءِ ما التمَستَه، و عادلٌ عن بَسطِ الكلام و نَشرِه إلىٰ نِهايةِ ما يُمكِنُ مِن الاختصارِ و الجَمعِ ، و مُعتمِدٌ حكايةَ أوائلِ كلامِه، و أطرافِ فُصولِه،
و مُوقِعُ (1)الحَوالةِ بالجَميعِ (2)علىٰ كتابِه؛ ليكونَ ذلكَ أَدخَلَ فيما نَحَوتُه(3)مِن الاختصارِ.(4)
و هذا الكتابُ - إذا أعانَ اللّٰهُ تَعالىٰ عليه، و وَفَّقَ لبُلوغِ الغَرَضِ فيه - يَكونُ جامعاً لأُصولِ الإمامةِ و فُروعِها، و مُحيطاً مِن الطُّرُقِ المُهَذَّبَةِ و النُّكَتِ المُحرَّرَةِ (5)بما لا يوجَدُ في شيءٍ مِن الكُتُبِ المصنَّفةِ .
و إلَى اللّٰهِ تَعالَى الرَّغبةُ في تَيسيرِ ذلكَ و تَسهيلِه، و أن يَجعلَ ذلكَ خالصاً له، و مُقَرِّباً مِنه، بمَنِّه و لُطفِه(6)و جودِه.
1) . الإيقاع: الرمي من قريب. فكأنّه حوّل القارئ إلى شيء قريب، و يدلّ هذا على أنّ المغني كان سهل التناول.
2) . في «ط»: «بالجمع». و في «د» و المطبوع: - «بالجميع».
3) . النَّحْو: القصد، و نحوتُه، أي قصدتُه. كتاب العين، ج 3، ص 302 (نحو).
4) . علماً بأن المصنّف رحمه اللّٰه عدل عن هذا، و جعل يذكر كلام صاحب المغني الذي يريد نقضه على وجهه بعد أن مضت قطعة من الكتاب على الرأي الأوّل، و لم يمكنه تلافي ذلك بإعادة المحذوف؛ و ذلك لأنّ الكتاب خرج منه و سار في البلاد و تناوله الناس قبل كمال الكتاب و تمامه، فأشفق من أن تتغيّر النسخ و تختلف، كما أشار إلى ذلك في خاتمة الكتاب.
5) . في «ص»: «المجرّدة».
6) . في المطبوع: - «و لطفه».
قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ أن ذَكَرَ ما يَنقَسِمُ إليه الخِلافُ في الإمامةِ(1)
منها: الخلاف في وجوبها؛ فذهب الجمهور إلى الوجوب، ثمّ اختلفوا؛ فقالت الأشاعرة بوجوب نصب الإمام على الناس سمعاً، و قالت المعتزلة و الزيديّة: بل عقلاً. و ذهب الشيعة الإماميّة إلىٰ أ نّه واجب على اللّٰه تعالىٰ عقلاً. و ذهبت الخوارج إلىٰ أ نّه غير واجب مطلقاً. و ذهب أبو بكر الأصمّ إلىٰ أ نّه لا يجب مع الأمن؛ لعدم الحاجة إليه، و إنّما يجب مع الخوف و ظهور الفتن. و ذهب الفُوَطيّ و أتباعه إلىٰ عكس ذلك، فأوجبوا مع الأمن لإظهار شعائر الشرع، و لم يوجبوا عند ظهور الفتن؛ لأنّ الظلَمة ربّما لم يطيعوه، فيفضي إلىٰ زيادة الفساد و الفتنة.
و منها: الخلاف في صفات الإمام؛ فمنهم مَن يوجب له العصمة و الفضل علىٰ سائر الناس بالعلم و العمل و سائر ما يوجب الفضيلة من الأخلاق الفاضلة و المَلَكات الكاملة، و منهم من لا يوجب.
و منها: الخلاف في التعيين، ثمّ في عدد الأئمّة، إلىٰ غير ذلك. (الأسترابادي)
-:اعلَمْ أنّ جميعَ(2)مَن جَعَلَ صفةَ الإمامِ صفةَ النبيِّ، يَصِحُّ له أن يوجِبَ فيه(3)ما يَجِبُ في النبيِّ(4)كما أنّ مَن جَعَلَ صفةَ الإمامِ صفةَ الإلهِ، يَصِحُّ له(5)أن يوجِبَ فيه ما يَجِبُ للّٰه تعالىٰ . و الكلامُ مع هذَينِ الفريقَينِ لا يَقَعُ في الإمامةِ ....
إلىٰ آخِرِ كلامِه.(1)
قالَ(2)السيّدُ الشريفُ المُرتَضىٰ رضي اللّٰه عنه:
أمّا مَن جَعَلَ للإمامِ جميعَ صفاتِ النبيِّ صلّى اللّٰه عليه و آلِه، و لَم يَجعَلْ بَينَهما مَزيّةً في حالٍ، فالكلامُ معه - و إن لَم يَسقُطْ جُملةً(3)
قلت: هو من حيث يجعل لفظ الإمام مرادفاً للفظ النبيّ لا كلام معه؛ إذ يرجع إلى النزاع في اللفظ و التسمية. و من حيث إنّه لا يُثبت الإمامة بالمعنى المصطلح و وجوبها - إذ كان مذهبه الاكتفاء بالنبيّ و قصر الأمر عليه - لا يسقط الكلام معه، و أشار إليه بقوله: «فالكلامُ معه و إن لم يسقط جملةً ؛ من حيث لم يُعلم بطلان قوله ضرورةً ».
و أمّا قوله: «فإنّه لا يكون كلاماً في الإمامة بل في النبوّة، و هل هي واجبة في كلّ حال أم لا؟» فلا ينافي كون الكلام من الجهة المذكورة كلاماً في الإمامة؛ إذ المقصود منه أنّ من يُثبت للإمام جميع صفات النبيّ ثمّ يبحث عن أحواله التي يُثبتها له فبحثه يرجع إلى البحث عن أحوال النبيّ ، فالكلام معه من هذه الجهة كلام في النبوّة، لا في الإمامة بالمعنى المصطلح عليه.
مِن حَيثُ لَم يُعلَمْ بُطلانُ قَولِه1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 12. و ما حذفه السيّد المرتضى من كلام القاضي يتعلّق بالغلاة و المفوّضة و القائلين بالتناسخ ممّن وُصفوا بالتشيّع و ما هم منه بفتيل و لا نقير.
2) . في «ج، ص، ط»: + «سيّدنا».
3) . قوله قُدّس سرّه: «فالكلام معه و إن لم يسقط جملةً ...». إن قلت: من يجعل جميع صفات النبيّ للإمام، إمّا أن يعمّم الصفات بحيث تشمل الأداء عن اللّٰه سبحانه بغير واسطة أو بواسطة هو المَلَك كما هو الظاهر، أو لا. فعلى الأوّل يُثبت للنبيّ اسماً آخر هو لفظ «الإمام» و يجعلهما مترادفين، و هذا نزاع في التسمية و اللفظ لا يليق بأحد التعرّض له، فالكلام معه فيه ساقط، و إن كان ثبوت الكلام معه من حيث إنّه لا يُثبت الإمام بالمعنى الذي يتولّىٰ أهل الكلام البحث عنه و ينفي وجوب الإمامة بالمعنى المشهور بينهم فالمسألة يجب أن يُبحث عنها في باب الإمامة؛ كيف لا، و من جملة الكلام فيها إثباتها و بيان وجوبها أو عدم وجوبها؟ فلم يصحّ قوله قدّس سرّه: «فإنّه لا يكون كلاماً في الإمامة، بل في النبوّة». و على الثاني فهو ممّن يجعل للإمام بعض صفات النبيّ أو أكثرها، و سيذكر قدّس سرّه أنّ الكلام معه كلام في الإمامة.
ضرورةً - فإنّه لا يكونُ كلاماً(1)في الإمامةِ، بل في النبوّةِ؛ و هل هي واجبةٌ في كُلِّ حالٍ أم لا؟
فأمّا(2)مَن جَعَلَ للإمامِ بَعضَ صفاتِ النبيِّ أو أكثرَها(3)
فعلى الأوّل الكلام معه كالكلام مع من يُثبت للإمام جميع صفات النبيّ في أنّ البحث معه إنّما يكون في النبوّة دون الإمامة؛ إذ الكلام يؤول بالحقيقة إلى البحث عن أحوال تتعلّق بالنبيّ نفياً أو إثباتاً؛ سواء كان المرادُ من النبيّ الجنسَ أو الشخصَ المعيَّنَ . و لم يتعرّض له السيِّد قدّس سرّه؛ لأنّ الظاهر من هذا الشقّ أن يكون الصفة ما عدا وصف النبوّة و ما يستلزمها.
و على الثاني: فإمّا أن يكون المراد من النبيّ هو الجنس، أو المعيّن.
فإن كان المرادُ جنسَ النبيّ ، فهو يُثبت للإمام من الفضائل التي للنبيّ ما يُثبت مساواة الإمام له
، و جَعَلَ بَينَهما مزيّةًو فيه بُعد. و الوجه في تقرير كلامه قدّس سرّه أن يقال: المقصود أنّ صاحب هذا المذهب و إن لم يسقط الكلام معه في باب النبوّة - حيث كان بحثه عن أحوال الإمام يرجع إلى البحث عن أحوال النبيّ؛ إذ لا يُعلم بطلان ما يدّعيه كوجوب النبوّة في كلّ حال و كلّ زمان و نحو ذلك ضرورةً (و قد يُقال: إذ لا يُعلم بطلان ما يدّعيه ضرورةً كبطلان دعوىٰ من يجعل صفات الإمام صفات الإلٰه و لذا سقط الكلام معه جملةً، و هو كما ترى. منه - قدّس اللّٰه روحه -) حتّىٰ يسقط الكلام معه رأساً - لكنّ الكلام معه ساقط في باب الإمامة؛ إذ لا يتعلّق بالإمامة بالمعنى المشهور، بل لو ثبت ما يدّعيه لم يكن بنا حاجة إلى البحث عنها أصلاً، فالكلام معه إنّما يتعلّق بما يكون من أحوال النبوّة.
و أمّا أنّ في باب الإمامة في كتب الكلام يُبحث عن إثباتها و وجوبها، فلا يتعلّق بكلامه في الإمامة بالمعنى الذي أراده منها، بل نقول: إثبات الإمامة بعد النبوّة بالمعنى المشهور للإمامة يرجع الكلام معه فيه إلىٰ جواز انقطاع النبوّة و عدم وجوب استمرارها، و الكلام من المتكلِّمين في هذا الباب إنّما هو في الإمام الذي هو نائب عن النبيّ بعده، لا من كان نبيّاً؛ فتأمَّل. (الأسترابادي).
1) . في «ص، ط»: «كلامه». و جاء في «ف» كلاهما.
2) . في المطبوع: «فإنّ ».
3) . قوله قُدّس سرّه: «فأمّا من جعل للإمام بعض صفات النبيّ أو أكثرها...». لا يخفىٰ أنّ من يُثبت للإمام بعض صفات النبيّ : فإمّا أن يخصَّ ذلك البعض بما يثبت للنبيّ من حيث هو نبيّ كالأداء عن اللّٰه سبحانه بلا توسّط أو توسّط مَلَك، أو لا.
معقولةً، فالكلامُ معه لا مَحالةَ كلامٌ في الإمامةِ،(1)و كَيفَ لا يكونُ كلاماً في الإمامةِ و هو لا يَعدو(2)أن يكونَ كلاماً في صفاتِه، أو في صفةِ ما يَتَوَلّاه(3)و يَقومُ به(4)؟! لأنّ مَن قال مِن الإماميّة: «إنّ الإمامَ لا يكونُ إلّامعصوماً، فاضلاً، أعلَمَ الناسِ» إنّما خالَفَ خُصومَه في صفاتِ الإمامِ. و كذلك إذا قالَ: «إنّه حُجّةٌ في الدِّينِ ، و حافظٌ للشَّرعِ ، و لُطفٌ في فِعلِ الواجباتِ و الامتناعِ مِن المقبَّحاتِ » فخِلافُه إنّما هو فيما يَتَوَلّاه الإمامُ و يُحتاجُ فيه إليه.
فكَيفَ ظَنَّ صاحبُ الكتابِ أنّ الكلامَ مع مَن لَم يوافِقْه في صفةِ (5)الإمامِ و فيما يَتَوَلّاه لا يكونُ كلاماً في الإمامةِ؟ و هذا يؤدّي إلىٰ أنّ الكلامَ في الإمامةِ إنّما
فيها؛ و لا دليل على امتناعه، بل و لا دليل على امتناع أن يكون في الناس غير الإمام من يكون مساوياً لنبيّ مّا في بعض الفضائل، لا سيّما و في الأنبياء من لم يكن دعوته عامّة، فيجوز فيمن لم يكن من رعيّته أن يكون له فضل في بعض الصفات علىٰ قدر فضل النبيّ فيه علىٰ رعيّته.
و إن كان المرادُ بالنبيّ المعيَّنَ كنبيّنا صلّى اللّٰه عليه و آله الذي هو أفضل الأنبياء عليهم السلام و أكملهم في كلّ صفة و خَصلة، و الذي يُثبته للإمام هو ما خصّه اللّٰه سبحانه من سائر الأنبياء عليهم السلام من المزايا و الفضائل، فقال: إثباته للإمام بعده صلّى اللّٰه عليه و آله يوجب تفضيله على سائر الأنبياء عليهم السلام. فالجواب: أنّ بطلان ذلك مبنيّ علىٰ أنّ غير النبيّ لا يجوز أن يكون أفضل منه، و هو دعوىً بلا دليل؛ بل و في الأخبار ممّا تواتر بالمعنىٰ أو استفاض ما يدلّ علىٰ ثبوت ذلك في أمير المؤمنين صلوات اللّٰه عليه، بل و في الأئمّة الطاهرين من ذرّيّته عليهم السلام. و علىٰ أيّ حال فلا معنى للقول بأنّ الكلام معه خارج من باب الإمامة. (الأسترابادي).
1) . من هنا إلى قوله: «لأنّه في حيّز الضرورات» في أكثر من عشرين صفحة من الصفحات التالية، ساقط من نسخة «د».
2) . لا يعدو: لا يتجاوز و لا يخرج. راجع: المصباح المنير، ج 2، ص 397 (عدو).
3) . أي في صفات الإمام و ما يتولّاه من الأُمور.
4) . قوله قُدّس سرّه: «أو [في] صفة ما يَتولّاه و يقوم به». المراد به: ما يتعلّق بفعله من الصفات. و المستكنّ في «يقوم» أيضاً عائد إلى الإمام. (الأسترابادي).
5) . هكذا في جميع النسخ. و في المطبوع: «صفات».
يَختَصُّ به المُعتزِلةُ(1)و بعضُ الزَّيديّةِ (2)،(3)و يَخرُجُ خِلافُ الإماميّةِ و الكلامُ عَلَيهم من أن يَكونَ كلاماً في الإمامةِ ، و يؤدّي إلىٰ أنّ ما سَطَرَه المُتكلِّمونَ - قَديماً و حَديثاً - عَلَيهم في الإمامةِ لَيسَ بكلامٍ فيها، و هذا حَدٌّ لا يَصيرُ إليه ذو عقلٍ .
و بَعدُ، فإنّ الكلامَ مع الزَّيديّةِ إذا كان كلاماً في الإمامةِ علىٰ ما اعتَرَفَ به صاحبُ الكتابِ، و نَحنُ نَعلَمُ أنّهم لَم يوافِقوا في جميعِ صِفاتِ الإمامِ؛ لأنّهم يَعتَقِدون أنّه لا يَكونُ إلّاالأفضَلَ، فإذا كان الكلامُ معهم في الإمامةِ؛ مِن حَيثُ وافَقوا علىٰ بعضِ صفاتِ الإمامِ و خالَفوا في بَعضٍ، فكذلك الكلامُ مع الإماميّةِ؛ لأنّهم وافَقوا المُعتزِلةَ في بَعضِ صفاتِه و خالَفوهم في بَعضٍ، و كذلك وافَقوهم في بَعضِ ما يَتولّاه و يَقومُ به و إن خالَفوا في بَعضٍ آخَرَ.
فأمّا مَن جَعَلَ للإمامِ(4)ما هو(5)صفةُ الإلهِ فخارجٌ عن هذه الجُملةِ؛ لأنّ الكلامَ في
الإمامةِ هو الواقعُ بَينَ مَن أوجَبَ علَى اللّٰهِ تعالىٰ نَصْبَ الإمامِ في كُلِّ زَمانٍ، و بَينَ
1) . المعتزلة: يسمّون أصحاب العدل و التوحيد و يلقّبون بالقدريّة و العدليّة. و الذي يعمّ طائفة المعتزلة من الاعتقاد القول بأن اللّٰه تعالىٰ قديم، و نفوا الصفات القديمة، و اتّفقوا على أنّ كلامه محدث مخلوق في محلّ ، و أنّ الإرادة و السمع و البصر ليست معاني قائمة بذاته، و... و اختلفوا في الإمامة. و هم فرق مختلفة. فرق الشيعة، ص 5 و ما بعدها؛ الملل و النحل للشهرستانيّ ، ج 1، ص 56-96.
2) . قوله: «و بعضُ الزيديّة» و هم الذين لا يشترطون العصمة في الإمام. (الأسترابادي).
3) . «الزيديّة»: المنتمون إلى الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين عليه السلام، ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة عليها السلام، سواء كان من أولاد الحسن أو الحسين عليهما السلام، فكلّ فاطميّ عالِم شجاع سخيّ إذا خرج بالسيف و دعا لنفسه كان إماماً واجب الطاعة. و جوّزوا خروج إمامين في قطرين في وقت واحد. و هم أصناف ثلاثة: جارودية، و سليمانية، و بترية. فرق الشيعة، ص 20-21؛ الملل و النحل للشهرستانيّ ، ج 1، ص 179-189.
4) . في «ص»: «في الإمام».
5) . في «ج، ط، ف»: - «ما هو».
مَن لَم يوجِبْه؛ فمَن قالَ : «إنّ اللّهَ تعالىٰ هو الإمامُ » فقَد خَرَجَ عن هذا البابِ جُملةً (1).
فأمّا قَولُه:
و جُملةُ أمرِهم أنّهم لمّا غَلَوا في الإمامةِ ،(2)و انتَهَوا بها إلىٰ ما لَيسَ لها مِن القَدرِ،(3)ذَهَبوا في(4)الخَطَإ كُلَّ مَذهبٍ .
إلىٰ قولِه:
و الأصلُ فيهم(5)الإلحادُ، لكنّهم تَستَّروا بهذا المَذهَبِ (6).(7)
فسِبابٌ و تشنيعٌ على المَذهَبِ بما لا يَرتَضيهِ أهلُه(8)مِن قَولِ الشُّذّاذِ مِنهم(9).
و مَن أرادَ أن يُقابِلَ هذه الطريقةَ المذمومةَ بمِثلِها، و استَحسَنَ ذلكَ لنَفسِه، فليَنظُرْ في كُتُبِ ابنِ الراوَنديِّ (10)...
1) . قوله قُدّس سرّه: «فقد خرج عن هذا الباب جملةً » أي باب الإمامة، و إن لم يسقط البحث معه في باب آخر؛ فلا يرد أنّ نفي الجسميّة عنه تعالىٰ ممّا يُبحث عنه في الكلام. (الأسترابادي).
2) . في المغني: «بالإمامة».
3) . في المغني: «العدد».
4) . في المغني: «من».
5) . يعني من تقدّم ذكره في المغني من الغلاة و أمثالهم.
6) . في المغني: «لكنّهم يستترون بهذه المذاهب».
7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 13.
8) . أي أهل المذهب؛ لأنّهم يكفّرون الغلاة و إن نُسبوا إليهم.
9) . قوله قُدّس سرّه: «بما لا يرتضيه أهلُه» أي لا يختارونه و لا يرضون به. «مِن قول الشُّذّاذِ منهم» أي الخارجين عنهم المنتحلين لطريقتهم المتسمّين بِاسمهم. (الأسترابادي).
10) . أبو الحسين، أحمد بن يحيى بن محمّد بن إسحاق الراوندي، من أهل مرو الروذ، سكن بغداد، و كان من متكلّمي المعتزلة، ثمّ فارقهم. و له من الكتب المصنَّفة نحو من مائة و أربعة
في فَضائحِ المُعتزِلةِ (1)فإنّه يُشرِفُ (2)مِنها(3)علىٰ ما يَجِدُ به علَى الخُصومِ فَضلاً كثيراً لو أمسَكوا معه عن تعييرِ خُصومِهم لَكانَ أَستَرَ لهم و أَعوَدَ(4)عَلَيهم. و قَلَّما يَسلُكُ هذه الطريقةَ (5)ذَوو الفَضلِ و التحصيلِ .
فأمّا قولُه في الطبقةِ الثانيةِ (6)مِن الغُلاةِ عندَه:
و إنّهم نَزَلوا عن هذه الطبقةِ ،(7)لكنّهم انتَهَوا بالإمامِ إلىٰ صفةِ النبوّةِ ، و رُبَّما زادوا و رُبَّما(8)نَقَصوا، و هُم الذين يوجِبونَ الحاجةَ إلى الأئمّةِ (9)مِن حَيثُ
عشر كتاباً، منها كتاب فضيحة المعتزلة، و كتاب التاج، و غير ذلك. توفّي سنة خمس و أربعين و مائتين برحبة مالك بن طوق التغلبي، و قيل: ببغداد. الفهرست لابن النديم، ص 4؛ تاريخ بغداد، ج 21، ص 57، الرقم 52؛ وفيات الأعيان، ج 1، ص 94، الرقم 35.
1) . قوله قُدّس سرّه: «في فضائح المعتزلة» كقولهم بالثابتات الأزليّة الغنيّة عن العلّة، و قولهم بالأحوال المنسلخة عن النقيضين، و قولهم بالتفويض المُفضي إلى المُحالات الكثيرة، و قول طائفة منهم بتناهي مقدورات اللّٰه تعالىٰ و معلوماته مع قولهم أنّ علم اللّٰه هو اللّٰه، و قول بعضهم بعدم شمول قدرته للممكنات، و بالمداخلة و الطفرة، و قول بعضهم أنّ اللّٰه لا يعلم نفسه لوجوب المغايرة بين العالم و المعلوم، و إنكارهم لبعض المتواترات كوجود الجنّة و النار و انشقاق القمر للنبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله، و تفضيلهم الملائكة على الأنبياء عليهم السلام، إلىٰ غير ذلك ممّا هو مذكور في الكتب الكلاميّة، و سيُذكر في كلام السيِّد قدّس سرّه بعض منها. (الأسترابادي).
2) . يُشرف، أي يَطَّلع. مجمع البحرين، ج 5، ص 74 (شرف).
3) . في «ط» و حاشية «ج، ف»: «منه».
4) . أعود، أي أنفع. و العائدة: المنفعة و العطف. راجع: لسان العرب، ج 3، ص 316 (عود).
5) . في «ج، ص، ف»: «الطريق».
6) . يقصد بالطبقة الثانية من يوجبون نصب الإمام على اللّٰه تعالىٰ من باب اللطف، و هم الإماميّة.
7) . في المغني: «الطريقة».
8) . في المغني: - «ربّما».
9) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع: «الإمام».
لا يَتِمُّ التكليفُ و لا حالُ المكلَّفينَ إلّابِهم،(1)و بمعرفةِ ما هو مِنهم(2).(3)
فظَنٌّ بعيدٌ؛ لأنّ مَن أَوجَبَ الحاجةَ إلَى الإمامِ مِن حَيثُ لا يَتِمُّ التكليفُ إلّابه، لَم يَجعَلْه نبيّاً، و لا بَلَغَ(4)به إلىٰ صفةِ النبوّةِ. و لَيسَ مِن حَيثُ شارَكَ الإمامُ النبيَّ في الحاجةِ إليه مِن هذا الوجهِ يَجِبُ أن(5)يَكونَ نبيّاً؛ كما أنّ المعرفةَ عندَ الخُصومِ(6)و إن وَجَبَت مِن حَيثُ كانَت لُطفاً في التكليفِ، و النبوّةَ طريقُ وجوبِها أيضاً اللُّطفُ، لَم يَجِبْ عندَهم أن تَكونَ المعرفةُ نبوّةً، و لا النبوّةُ معرفةً؛ لاستبدادِ كلِّ واحدةٍ مِنهما بصفةٍ لا تَشرَكُها فيها الأُخرى. و النبيُّ لَم يَكُن عندَنا نبيّاً لاختِصاصِه بالصّفاتِ التي يَشرَكُه(7)فيها الإمامُ ، بَل لاختصاصِه بالأداءِ عن اللّٰهِ تَعالىٰ بغَيرِ واسطةٍ ، أو بواسطةٍ هو المَلَكُ ؛ و هذه مَزيّةٌ بيّنةٌ .
ثُمّ يُقالُ له: يَجِبُ عَلَيكَ إن قُلتَ : «إنّ النبيَّ يَكونُ نبيّاً لِعِصمَتِه» أن تَجعَلَ الأُمّةَ أنبياءَ (8)
و قد يُقال: لعلّه يقول: لا يلزم من استلزام مشاركة غير النبيّ من آحاد الناس للنبيّ في العصمة كونَه نبيّاً استلزامُ مشاركة الأُمّة له فيها كونَهم أنبياء؛ لامتناع اتّصافهم المجموع بالنبوّة إلّابكون كلّ واحد
1) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع: «به».
2) . في المغني: «و لمعرفة ما معهم». و في «ج»: «و بمعرفة ما معهم».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأول)، ص 14.
4) . في «ص»: «و لا يبلغ».
5) . هكذا في النسخ. و في المطبوع: - «يجب أن».
6) . يريد بالخصوم هنا المعتزلة.
7) . في المطبوع: «يشرك».
8) . قوله قُدّس سرّه: «أن تَجعلَ الأُمّة أنبياء» أي مجموعهم الموجودين، كما هو المعتبر في الإجماع عندهم. و جَمَعَ الأنبياء باعتبار تعدُّد المجموع بحسب انعدام مجموع - و لو بعدم أحد أجزائه؛ سواء قام مقامه آخر أم لا - و حصول مجموع آخر.
لأنّهم عندَكَ بأجمَعِهم(1)معصومونَ(2). و أنتَ أيضاً تُجوِّزُ أن يَكونَ في آحادِ الأُمّةِ مَن هو معصومٌ؛ فيَجِبُ عَلَيكَ أن تَجعَلَه نبيّاً. و إن جَعَلتَه نبيّاً مِن حَيثُ أداءِ الشَّرعِ(3)، لَزِمَكَ مِثلُ ذلكَ في الأُمّةِ؛ لأنّها المؤدّيةُ للشرعِ عندَكَ . فإن عَدَلتَ عن هذا كُلِّه، و قُلتَ : إنّ النبيَّ و إن شارَكَ غَيرَه في هذه الصفاتِ - و إن لَم يكُن ذلك الغَيُر نبيّاً - فإنّما كان نبيّاً لاختصاصِه بصفةِ كذا و كذا، و أشَرتَ إلىٰ صفةٍ لا يَشرَكُه فيها مَن لَيسَ بنبيٍّ ، لَزِمَكَ أن تَقنَعَ منّا بمِثلِ ذلكَ .
فأمّا حكايتُه عنهم القولَ (4)بأنّ الإمامَ يَزيدُ في العِلمِ علَى الرسولِ ، و كذلكَ في العصمةِ ، و تعليلَه بأنّ ذلك يَجِبُ له مِن حَيثُ انقَطَعَ الوحيُ عنه،(5)فحكايةٌ طريفةٌ (6)
نبيّاً؛ إذ الوحي و نزول الملَك إنّما يكونان للآحاد، لا للمجموع من حيث هو مجموع.
و الجواب: أ نّه اعتراف بأنّ مجرّد الاشتراك في الصفة لا يوجب الاشتراك في النبوّة، بل هو موقوف على انتفاء المانع؛ فتأمَّل. (الأسترابادي).
1) . في المطبوع: «أجمعهم».
2) . اعتماداً منهم على ما روي: «لا تجتمع أُمّتي على ضلالة».
3) . قوله قُدّس سرّه: «و إن جعلتَه نبيّاً من حيث أداء الشرع» أي مطلقاً، لا مقيّداً بما يكون بلاتوسّط البشر، و إلّالم يرد النقض بكلّ الأُمّة؛ لأنّ حجّيّة أدائهم مستندة إلى السمع، فهو بتوسّط النبيّ في الجملة. و المقصود: أنّك إن جعلت الوصف المشترك «أداء الشرع» فالنقضُ السابق الذي كان مبنيّاً على الاشتراك في العصمة وارد أيضاً. و يُحتمل أن يكون هذا ردّاً علىٰ من يدفع النقض السابق بأنّ مجرّد الاشتراك في العصمة لا يكفي في كون مشارك النبيّ فيها نبيّاً، بل لا بدّ من أداء الشرع كما في الإمام علىٰ قولكم؛ فتأمَّل. (الأسترابادي).
4) . حيث قال القاضي عبد الجبّار في المغني: «و ربّما قالوا...».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 14 نقلاً بالمعنى.
6) . طريفة، أي غريبة. و الطريف: الغريب من الثمر و غيره. راجع: المحكم و المحيط الأعظم، ج 9، ص 147؛ القاموس المحيط، ج 3، ص 226 (طرف).
لا نَعلَمُ(1)أحَداً مِن الإماميّة ذَهَبَ إليها و إلىٰ مَعناها و لا اعتَقَدَه، و هذه كُتُبُ مَقالاتِهم و مُصنَّفاتُ شُيوخِهم خاليةٌ مِن صريحِ هذه الحكايةِ و فَحواها(2)معاً.
و كَيفَ يقولُ الإماميّةُ هذا؟! و هُم إذا أفرَغوا وُسعَهم(3)و بَلَغوا غايتَهم، انتَهَوا
بالإمامِ في العِصمةِ و الكمالِ و الفَضلِ و العِلمِ إلىٰ مَرتَبةِ النبيِّ، و كانَت تلكَ عندَهم(4)الغايةَ القُصوىٰ.
و لَو لَم يَكشِفْ عن غَلَطِ حاكي هذه المَقالةِ إلّاما هو معروفٌ مِن مَذهبِهم، و أنّ النبيَّ لا بُدَّ مِن(5)أن يَكونَ إماماً(6)
فإن قلت: قد روىٰ ثقة الإسلام في الكافي عن أبي عبد اللّٰه جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام قال: «الأنبياء و المرسلون علىٰ أربع طبقات: فنبيّ مُنْبَأ في نفسه لا يعدو غيرها؛ و نبيّ يرىٰ في المنام، و يسمع الصوت، و لا يعاينه في اليقظة، و عليه إمام، مثل ما كان إبراهيم عليه السلام علىٰ لوط عليه السلام؛ و نبيّ يرىٰ في منامه، و يسمع الصوت، و يعاين الملَك، و قد أُرسل إلىٰ
، و أنّ ما يَجِبُ للإمامِ لكَونِه إماماً يَجِبُ للنبيِّ؛ لأنّ1) . في «ج، ص، ط»: «ما نعلم».
2) . فحوى الكلام - بالقصر، و قد يمدّ -: معناه. المصباح المنير، ص 464 (فحو).
3) . قوله قُدّس سرّه: «و كيف يقول الإماميّة هذا، و هم إذا أفرغوا وسعهم...». الحقّ أن يُستفسر فيُقال: إن أردت أ نّهم يقولون: «إنّ كلّ إمام يزيد علىٰ كلّ رسول فيهما» فهو كما قال قدّس سرّه بَهْت و افتراء قاده التعصّب الباطل إليه، و إن أردت زيادة إمام مّا على رسول مّا فلا استنكار فيه علىٰ ما عرفت. و كأنّه قدّس سرّه رأىٰ من كلامه ما يدلّ على التعليل الأوّل كما يُشعر به التعليل المنقول، أو أ نّه أراد بالرسول نبيّنا صلّى اللّٰه عليه و آله، و لذا لم يتعرّض للترديد. (الأسترابادي).
4) . في «ص، ف»: + «هي».
5) . في المطبوع: - «من».
6) . قوله: «و أنّ النبيّ لا بدّ مِن أن يكون إماماً» أراد به أ نّه لا بدّ أن يكون فيه ما يكون في الإمام من الفضل و الكمال، فعطفُ ما بعدَه عليه تفسيريّ ، و لم يرد باللام معناه اللغويّ ؛ لأنّه خارج عن المبحث.
النبوّةَ تَعُمُّ المَنزِلتَينِ،(1)فكَيفَ يُتوَهَّمُ مع هذا عَلَيهم القَولُ بأنّ الإمامَ يَزيدُ - فيما
طائفة قلّوا أو كثروا - كيونس عليه السلام؛ قال اللّٰه تعالىٰ ليونس عليه السلام: (وَ أَرْسَلْنٰاهُ إِلىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافّات (37):147] قال: يزيدون ثلاثين ألفاً - و عليه إمام؛ و الذي يرىٰ في منامه، و يَسمعُ الصوت، و يعاين في اليقظة، و هو إمام، مثل أُولي العزم، و قد كان إبراهيم عليه السلام نبيّاً و ليس بإمام، حتّىٰ قال اللّٰه تعالىٰ: (إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ) [البقرة (2):124] مَن عبَدَ صنماً أو وَثناً لا يكون إماماً». [الكافي، ج 1، ص 425، ح 439/1 (ج 1، ص 175، ح 1، ط. الإسلامية)].
و في حديث آخر عنه عليه السلام قال: «إنّ اللّٰه تعالىٰ اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، و إنّ اللّٰه اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، و إنّ اللّٰه اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، و إنّ اللّٰه اتّخذه خليلاً قبل أن يتّخذه إماماً، فلمّا جَمَعَ له الأشياء قال: (إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً)، فمِن عِظَمها في عين إبراهيم عليه السلام قال: (وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ)، قال: لا يكون السفيه إمام التقيّ». [الكافي، ج 1، ص 426، ح 440/2 (ج 1، ص 175، ح 2، ط. الإسلامية)] و بإسناد آخر مثله.
فهذه الأخبار تدلّ علىٰ أ نّه لا يجب أن يكون في النبيّ من المزايا و الفضائل ما يجب أن يكون للإمام، و أنّ الإمامة فوق النبوّة.
قلت: هذا معنىً آخر للإمامة اختصَّ صاحبها بمزيد الكرامة و الزلفىٰ عند اللّٰه سبحانه، و انتُهي بدعوة إبراهيم عليه السلام إلى النبيّ و أهل بيته صلوات اللّٰه عليهم، كما صحّ في الأخبار من طرق الفريقين، لا المعنى المشهور عند أهل الكلام و ليس الكلامُ إلّافيه؛ و من ذلك ما رواه ابن المغازليّ الشافعيّ في كتابه في المناقب بإسناده عن عبد اللّٰه بن مسعود قال: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله: «أنا دعوة أبي إبراهيم». قلت: يا رسول اللّٰه، و كيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟ قال: «أوحى اللّٰه عزَّ و جلَّ إلىٰ إبراهيم عليه السلام: (إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً) فاستخفّ إبراهيم عليه الفرح قال: يا ربّ (وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي) أئمّة مثلي؟ فأوحى اللّٰه تعالىٰ إليه أن: يا إبراهيم، إنّي لا أُعطيك عهداً لا أفِي به، قال: يا ربّ، ما العهد الذي لا تفي لي به ؟ قال: لا أعطيك لظالم من ذرّيّتك عهداً، قال إبراهيم عندها: (وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنٰامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّٰاسِ )، قال النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله: «فانتهت الدعوة إليّ و إلىٰ عليّ ؛ لم يسجد أحدنا لصنم قطّ، فاتّخذني نبيّاً و اتّخذ عليّاً وصيّاً» و سيُذكر ما يتعلّق بهذا الحديث في باب إثبات العصمة إن شاء اللّٰه تعالىٰ . (الأسترابادي).
1) . أي النبوّة و الإمامة.
ذَكَره - علَى النبيِّ؟!(1)
فأمّا قَولُه:
و لَولا(2)أنّ الكلامَ(3)في كَونِ الإمامِ حُجّةً، و أنّ الزمانَ لا يخلو مِنه(4)، قد(5)دَخَلَ في الإمامةِ مِن جهةِ التعليلِ، [و صارَ مع القَومِ عندَ لُزومِ ما
1) . في حاشية «م»: «و ممّا يدلّ علىٰ أفضليّة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بالنسبة إلى الأنبياء السابقين آية المباهلة؛ حيث عبّر عنه هناك بنفس النبيّ. و قال السيّد السند رضي اللّٰه عنه في كتاب الفصول: «و ليس في تفضيل سيّد الوصيّين و إمام المتّقين و أخي رسول ربّ العالمين و سيّد المرسلين و نفسه بحكم التنزيل و ناصره في الدين و أبي ذرّيّته الأئمّة الراشدين الميامين [على بعض الأنبياء المتقدّمين أمر يحيله العقل، و لا يمنع منه السنّة، و لا يردّه القياس، و لا يبطله الإجماع؛ إذ عليه جمهور شيعته، و قد نقلوا ذلك عن الأئمّة من ذرّيّته...]» الفصول المختارة، ص 62.
2) . في المغني: «فلو لا».
3) . قال القاضي: «و لولا أنّ الكلام...» يعني: أنّ الكلام في «كون الإمام حجّة و أنّ الزمان لا يخلو منه» و إن لم يدخل في الكلام في الإمامة؛ من حيث إنّه من صفات النبيّ و قد أُثبتَ للإمام، و تقدّم أنّ مشاركة النبيّ للإمام في صفة له توجب أن يكون الإمام نبيّاً، فالكلام فيه من تلك الحيثيّة كلام في النبوّة؛ لكِنّا نتكلّم في ذلك في باب الإمامة من جهة أنّ من أَوجبَ الإمامة قد يتمسّك به لإثبات وجوبها فيتعلّل الوجوب به، و الكلام في إثبات وجوب الإمامة و تزييف أدلّته و ارتضائها كلام في الإمامة. و لا يخفىٰ أنّ من تمسّك بذلك خصّ الحجّيّة بكونها ناشئة من إيصاء الرسول إليه و تعليمه إيّاه معالم الدِّين و أحكام الشرع حتّىٰ يرجع الناس إليه و يكون لطفاً خاصّاً لهم في تكاليفهم الشرعيّة نيابةً عن النبيّ ، فهذا الوصف ليس ممّا يشرك فيه النبيّ و الإمام، بل هو مختصٌّ بالإمام. إلّاأن يريد أنّ أصل الحجّيّة في الدِّين من صفات النبيّ ، و المشاركة في القَدْر المشترك توجب الاشتراك في النبوّة؛ و فساده أظهر من أن يخفىٰ ، كيف ؟ و كونه مُطاعاً واجب الاتّباع في الدِّين كما يدلّ عليه آية أُولي الأمر ممّا لا نزاع فيه، و في الآية تشريك الأئمّة له تعالىٰ و لرسوله صلّى اللّٰه عليه و آله في وجوب الاتّباع و الإطاعة، و أمثال هذه الترّهات ممّا لا يليق بأحد أن يتعرّض له. (الأسترابادي).
4) . قال القاضي: «و أنّ الزمان لا يخلو منه» هذا من تتمّة التعليل، لا أنّ المنتزَع منه وصفٌ تثبت به الإمامة، كما قد يُتوهّم. (الأسترابادي).
5) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع: «و قد».
أُلزِموا مِن ارتكابِ ذلكَ ](1)، لَم يَكُن لإدخالِه في الإمامةِ وجهٌ .(2)
فقَد مضَى الكلامُ عليه(3)، و بيّنّا أنّ ذلكَ لا بُدَّ أن يَكونَ كلاماً في الإمامةِ ؛ لأنّه كلامٌ في صفةِ (4)الإمامِ و ما يَتَوَلّاه.(5)
فأمّا حكايتُه عن بَعضِ الإماميّةِ إيجابَ الإمامِ مِن حيثُ كان تمكيناً، و أنّه باطلٌ(6)فغيرُ صحيحٍ؛ فإنّ التمكينَ قد يُطلَقُ و يُرادُ به ما يَرجِعُ إلىٰ ما يَصِحُّ به الفِعلُ مِن القُدرةِ و الآلاتِ، و قد يُرادُ به ما يَسهُلُ معه(7)الفِعلُ و يَدعو إليه مِن الألطافِ. فالإمامُ
تمكينٌ مِن الوجهِ الثاني، و لَيسَ بتمكينٍ مِن الوجهِ الأوّلِ ، و إن كُنّا نَمنَعُ مِن إطلاقِ القَولِ (8)بأنّه لَيسَ بتمكينٍ أو أنّه تمكينٌ (9)إلّابتقييدٍ.
فأمّا ما حكاه عن بَعضِهم مِن أنّه «لَولا الإمامُ لَما قامَت السَّماواتُ و الأرضُ ، و
1) . ما بين المعقوفين من المغني.
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 15.
3) . تقدّم في ص 200.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «صفات».
5) . أي ما يتولّاه من أُمور الإمامة.
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 17-18 ملخّصاً.
7) . في المطبوع: - «معه».
8) . قوله قُدّس سرّه: «و إن كنّا نمنع من إطلاق القول...» فيه تخطئة للقاضي في النقل بأ نّه غير مطابق. (الأسترابادي).
9) . في المطبوع: - «أو أنّه تمكين».
لَما صَحَّ(1)مِن العبدِ الفِعلُ(2)
و يمكن أيضاً توجيهه علىٰ حذو ما قاله السيِّد قدّس سرّه في كون الإمام تمكيناً بأن يُقال: أراد بالصحّة التمكّن بمعنىٰ سهولة الأمر عليه، لا أصل القدرة، كما في قولهم للقادر: إنّه يصحّ منه الفعل و الترك. (الأسترابادي).
»:(3)فلَيسَ نَعرفُه قَولاً لأحَدٍ مِن الإماميّةِ(4)
و يمكن أن يقال: لعلّ غرض القائل أنّ اللّٰه تعالىٰ إنّما خلق السماوات و الأرض لمصالح تعود إلى العباد و لولاها لما تحقّق منه الخلق كما ذهب إليه أهل الحقّ ، و تلك المصالح إنّما تحصل بوجود الإمام فيهم؛ إذ بوجوده يرتفع الفساد و يسلم النظام من الاختلال بوقوع الهرج و المرج و يحصل الاهتداء إلىٰ سبيل الرَّشاد، فلولا الإمام لم يتحقّق الخلق و الإيجاد، و إلّالكان عبثاً و هو مُحال عليه سبحانه. و يؤيّد هذا ما رواه الأخطب الخوارزميّ بإسناده عن جابر بن عبد اللّٰه الأنصاريّ قال: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله: «لمّا خلق اللّٰه السماوات و الأرض و ما بينهنّ فأجبنه، فعرض عليهنّ نبوّتي و ولاية عليّ بن أبي طالب فقبلتاهما، ثمّ خلق الخلق و فوَّض إلينا أمر الدِّين؛ فالسعيد مَن سعد بنا، و الشقيّ مَن شقي بنا؛ نحن المحلّلون لحلاله و المحرّمون لحرامه» فليُتأمَّل. [كشف الغمّة، ج 1، ص 291]
و أيضاً: حيث عُلم بوقوع التكليف منه تعالىٰ أنّ التكليف كان أصلح في علمه تعالىٰ ، فكان خلق السماوات و الأرض لغرض التكليف، و هو لا يستتبّ إلّابلطف الإمامة، فيلزم من ذلك
تقدَّمَ و لا تأخَّرَ؛ اللّهمّ إلّاأن يُريدَ ما تقدَّمَ1) . في المطبوع: «و ما صحّ» بدل «و لَما صحّ ».
2) . و أمّا قوله: «و لَما صحّ من العبد الفعل» فيمكن أن يكون المراد من الصحّة الإجزاء و القبول؛ فإنّ الإيمان شرط صحّة العمل، و معرفة الإمام من أُصول الإيمان كمعرفة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله؛ و يدلّ عليه الحديث المشهور، أعني قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: «مَن مات و لم يعرف إمام زمانه مات مِيتةً جاهليّةً » [كمال الدين، ج 2، ص 409، ح 9؛ المناقب لابن شهرآشوب، ج 1، ص 246؛ كشف الغمّة، ج 2، ص 528].
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 18.
4) . قوله قُدّس سرّه: «فليس نعرفه قولاً لأحد من الإماميّة». قد حمل القاضي هذا القول علىٰ أ نّه مبنيّ علىٰ كون الإمام خالقاً موجداً للسماوات و الأرض، و أنّ العلّة لهما هو الإمام - كما يقوله من يجعل صفة الإله للإمام - فإذا زالت العلّة زال المعلول، و إذا لم تتحقّق العلّة لم يتحقّق المعلول. و نَسَبَ هذا القول إلى الشيعة الإماميّة، فأنكره السيِّد و نفىٰ أن يكون ذلك قولاً لأحد منهم.
حكايتُه مِن قَولِ الغُلاةِ، فإن أرادَ ذلكَ فقَد قالَ: «إنّ الكلامَ مع أُولئك لَيسَ بكلامٍ في الإمامةِ »، و أحالَ به علىٰ ما مضىٰ في كتابِه؛ مِن أنّ الإلهَ لا يكونُ جِسماً.
علىٰ أنّ مَن قالَ بذلك مِن الغُلاةِ - إن كانَ قالَه - فلَم يوجِبْه مِن حَيثُ كانَ إماماً، و إنّما أَوجَبَه مِن حَيثُ كانَ إلهاً،(1)و صاحبُ الكتابِ إنّما شَرَعَ في حكايةِ تعليلِ مَن
كون الإمام بحيث يكون قيام السماوات و الأرض و بقاؤهما منوطاً بوجوده. و هذا أحدُ ما حُمل عليه ما وقع في أخبار أهل البيت عليهم السلام من أ نّه «لولا الإمام لساخت الأرض بأهلها» و حينئذٍ يخرج القائل عن حدّ الغلوّ في الإمامة، و لا يضرّه وقوع المناقشة فيه إن أمكن. و لو لم يُبنَ الأمر على التوقّف واكتُفي بالتلازم في الوجود، بناءً علىٰ كونها - أعني وجود الإمام و وجود السماوات و الأرض - من مصالح الخلق و التكليف، أمكن توجيه ذلك القول أيضاً.
و يمكن أيضاً أن يكون ذلك القول إشارة إلىٰ عِظَم شأن الإمام و علوّ قدره، علىٰ حذو ما قاله تعالىٰ لنبيّه صلّى اللّٰه عليه و آله: «لولاك لما خلقتُ الأفلاك» حيث جعل وجوده الشريف علّة غائيّة لخلق العالم. و قد روى الجمهور و منهم الأخطب الخوارزميّ في المناقب بإسناده عن عبد اللّٰه بن مسعود قال: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله: «لمّا أن خلق اللّٰه تعالىٰ آدم و نفخ فيه من روحه عطس فقال: الحمد للّٰه، فأوحى اللّٰه تعالىٰ : حَمَدَني عبدي، و عزّتي و جلالي لولا عبدان أُريد أن أخلقهما في دار الدُّنيا لما خلقتُك. قال: إلهي، فيكونان منّي ؟ قال: نعم يا آدم، ارفع رأسك وانظر، فرفع رأسه، فإذا مكتوبٌ على العرش: لا إله إلّااللّٰه محمّد نبيّ الرحمة و عليٌّ مقيم الحجّة، أقسمتُ بعزّتي أن أُدخل النارَ مَن عصاه و إن أطاعني، و أقسمتُ بعزّتي أن أُدخل الجنّةَ مَن أطاعه و إن عصاني». [إرشاد القلوب، ج 2، ص 210]
و روى الجمهور أيضاً عن أبي عمرو و أبي سعيد الخُدريّ عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و ذكر الحديث و هو طويل إلىٰ أن قال النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله: «و أنّ أبانا آدم عليه السلام لمّا رأى اسمي و اسم عليّ و ابنتي فاطمة و الحسن و الحسين و أسماء أولادهم مكتوبة علىٰ ساق العرش بالنور قال: إلهي و سيّدي، هل خلقتَ خلقاً هو أكرم عليك منّي ؟ فقال: يا آدم، لولا هذه الأسماء لما خلقتُ سماءً مبنيّة، و لا أرضاً مدحيّة، و لا مَلَكاً مُقرَّباً، و لا نبيّاً مُرسَلاً، و لا خلقتُك يا آدم» الحديث. [روضة الواعظين، ج 1، ص 88؛ الفضائل لابن شاذان، ص 128].
فمعنىٰ كلامه: لولا الإمام من آل محمّد لما وُجدت السماوات و الأرض؛ حيث كان وجودهم علّة غائيّة لخلقها. (الأسترابادي).
1) . أي جعلوا للإمام صفات الإله.
أَوجَبَ الإمامةَ (1)، و ذِكرِ أقوالِ المختلِفينَ فيها و في وجوبِها و ما احتيجَ له إلَى الإمامِ .
و في الجُملةِ : فلَيسَ يَحسُنُ بمِثلِه مِن أهلِ العِلمِ أن يَحكيَ في كتابِه ما لا يُرجَعُ في العِلمِ بصحّتِه إلّاإليه، و لا يُسمَعُ إلّامِن جهتِه؛ فإنّ فُضَلاءَ أهلِ العِلمِ يَرغَبونَ عن أن يَحكوا عن أهلِ المَذاهبِ إلّاما يَعتَرفونَ به، و هو موجودٌ في كُتُبِهم الظاهرةِ المشهورةِ .
فأمّا حكايتُه مِن كَونِ الإمامِ بَياناً(2)و ما يَتَّصِلُ بذلك(3): فعندنا أنّ أحدَ(4)ما احتيجَ إلَى الإمام فيه كونُه بَياناً(5)بمَعنىٰ أنّه مُبيِّنٌ للشَّرعِ ، و كاشفٌ عن مُلتَبِسِ (6)الدِّينِ و غامِضِه؛ غَيرَ أنّ هذه العِلّةَ لَيسَت الموجِبةَ للحاجةِ إلَى الإمامِ في كُلِّ زمانٍ و في كُلِّ حالٍ (7)لأنّ العقلَ يجوِّزُ ارتفاعَ التعبُّدِ بكُلِّ شَرعٍ ، و إذا كانَ قد
1) . قوله قُدّس سرّه: «و صاحب الكتاب إنّما شَرَعَ في حكاية تعليل من أَوجبَ الإمامة» يعني أنّ كلامه في حكاية ما يثبت به وجوب الإمامة و يعلّل به، و هذا خارج عنه؛ لأنّ من قال بذلك لا يريد به إثبات وجوب الإمامة، بل إنّما قال ذلك لاعتقاده أ نّه إله، و تقدّم في كلامه أنّ الكلام في مثله لو لم يكن من جهة التعليل كان خارجاً من باب الإمامة. (الأسترابادي).
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 19.
3) . قوله قُدّس سرّه: «و ما يتّصل بذلك» أي: ما يؤدّي مؤدّاه، ككونه كاشفاً عن غوامض الشرع حلّالاً لمشكلاته. أو ما يناسبه في هذه الطريقة؛ أعني ما يتوقّف علىٰ ورود الشريعة، ككونه حافظاً لأحكام الشرع من السهو و الخطأ في النقل و تعمّد التحريف و التبديل. أو ما يلزم كونه بياناً، ككونه لطفاً في الأحكام الشرعيّة من حيث كونه لطفاً فيها؛ فافهم. (الأسترابادي).
4) . في المطبوع: «أخذ».
5) . في المطبوع: «ما احتجّ به إلى الإمام كونه بياناً».
6) . التبس الأمرُ، أي اختلط و أشكل. تاج العروس، ج 13، ص 594 (لبس).
7) . قوله قُدّس سرّه: «غير أنّ هذه العلّة ليست الموجبةَ للحاجة إلى الإمام في كلّ زمان و في كلّ حال»
أجازَ(1)أن لا تَقَعَ العبادةُ به لَم يُحتَج إلىٰ مُبيِّنٍ فيه.
فأمّا قَولُ بَعضِ أصحابِنا: «إنّه يُنبِّهُ علَى الأدلّةِ و النظَرِ فيها»، فالحاجةُ لا شَكَّ في ذلك إليه واضحةٌ ، إلّاأنّه لَيسَ يَصِحُّ أن يُتعلَّقَ في إيجابِ الإمامةِ بما يَجوزُ أن يَقومَ فيه(2)غيرُ الإمامِ مَقامَه؛ و قد يَجوزُ أيضاً أن يُنبِّهَ علَى الأدلّةِ و النظَرِ فيها غَيرُ الإمامِ ، و قد يَجوزُ أيضاً أن يَتَّفِقَ لبَعضِ المكلَّفينَ الفِكرُ فيما يَدعو إلَى النظَرِ(3)
لا يُقال: قد يرغب العبد إلى الطاعة و يقرب منها و يتنفّر من المعصية و يبعد عنها من غير ترغيب و تقريب ولا تنفير و تبعيد من الغير، فلا يكونُ دليل اللطف موجباً للإمام أيضاً؛ إذ قد يحصل فائدته بدونه.
و لو قيل: جواز عدم حصول تلك الحالة أو انتفاء شمولها لكلّ أحد كاف في وجوب الإمامة؛ لكونها لطفاً، فكذا الأمر في دليل إيجاب التنبيه على النظر للإمام، فما وجه الفرق ؟
لأنّا نقول: لو سلِّم فهناك لطف آخر من اللّٰه تعالىٰ يحثّه على العمل و يجنّبه عن المخالفة،
مِن غَيرِ خاطِرٍيعني أنّ هذه العلّة إنّما تُثبت الإمامة بعد ورود الشرع، و وروده ليس بلازم في نظر العقل؛ إذ يجوز الاكتفاء بالأحكام العقليّة. و لو أردنا إثبات وجوب الإمامة مطلقاً فإنّما نُثبته بدليل آخر يعمّ هذه الحال و غيرها، لا بهذه العلّة المبنيّة علىٰ وجوب التعبّد بأحكام الشرع. (الأسترابادي).
قال الشيخ في كتاب التلخيص (ج 1، ص 68): لنا في الكلام علىٰ وجوبها طريقتان: إحداهما: أن نبيّن أ نّها واجبة عقلاً، سواء كان سمع أو لم يكن، ثمّ نبيّن أ نّها واجبة علىٰ كلّ حال ما دام التكليف باقياً. و الطريقة الثانية: أن نبيّن بأنّ بعد ورود الشرع لا بدّ من وجود إمام حافظ للشرع يقوم بأحكام الملّة، و نبيّن أنّ وجه الحاجة فيه أيضاً العقل، دون ما ذهب إليه خصومُنا. (الأسترابادي).
1) . في المطبوع: «لأنّ الشرع إذا كان قد أجاز» بدل «لأنّ العقل... و إذا كان قد أجاز».
2) . في المطبوع: - «فيه».
3) . قوله قُدّس سرّه: «فيما يدعو إلى النظر» أي فيما يبعث الالتفات إليه على الفكر فيه و يحوج إليه من النظريّات، من غير خاطرٍ سابقٍ حصل في الذهن من المقدّمات؛ فالأمر علىٰ تقدير الخاطر أَوّليّ و من غير تنبيه من الغير على المادّة و الصورة.
و لا مُنَبِّهٍ،(1)بل يَستَغني عن المُنبِّهِ، و لا يكونُ عندَنا مُستَغنياً عن الإمامِ .
و العقل يحكم بقبح التكليف من غير لطف كما ذهب إليه العدليّة. و المقصود هنا: أنّ التنبيه على النظر لا يوجب الإمام من حيث إنّ له التنبيه على النظر؛ إذ قد يحصل التنبُّه من دون التنبيه. بخلاف دليل اللطف، فإنّه يقتضي وجود الإمام من حيث هو لطف؛ و لو قيل: «إنّ اللطف قد يحصل بغيره» فهو كلام آخر لا ينافي ما ذكرناه من الفرق.
و فيه ما فيه. و النظر فيه من وجوه:
أمّا أوّلاً: فلأ نّه مبنيّ علىٰ أنّ لطف الإمام يقوم مقامه غيره، و هو باطل.
و أمّا ثانياً: فلأنّ قوله: «بخلاف دليل اللطف، فإنّه يقتضي وجود الإمام من حيث هو لطف» إن أراد من حيث هو فرد من اللطف، فلا يُجدي في إيجاب الإمام و إثباته بكونه لطفاً؛ إذ يجوز أن يتحقّق اللطف في ضمن فرد آخر، فلا يجب بالإمام بخصوصه. و إن أراد غير ذلك فلا محصّل له و لا استقامة.
و أمّا ثالثاً: فلأ نّه لا يدفع الإيراد عن قوله: «و قد يجوز أن ينبّه على الأدلّة و النظر فيها غير الإمام» لأنّه إذا جاز قيام غير لطف الإمام مقام لطفه و كان مع ذلك لطف الإمام موجباً له، فلِمَ لا يكون التنبيه على النظر من الإمام موجباً له و إن قام غيره مقامه ؟ فما الفرق ؟ و إن جعل المجموع أعني قوله: «و قد يجوز أن ينبّه» و قوله: «و قد يجوز أن يتّفق» شيئاً واحداً، فمع إباء سياق العبارة عنه يلزم استدراك الجزء الأوّل.
و أمّا رابعاً: فلأ نّه و إن جاز التنبّه من غير تنبيه من الخلق، لكن لا يكون بُدّ من التنبيه من اللّٰه و الإلهام منه، فلا يُجدي نفعاً؛ فتأمَّل.
و الوجه أن يُقال: بناء كلامه قدّس سرّه علىٰ أنّ لطف الإمام لا يقوم مقامه شيء، كما سيتبيّن إن شاء اللّٰه تعالىٰ ، بخلاف كونه منبّهاً.
قال الشيخ رحمه اللّٰه [في التلخيص، ج 1، ص 87] في جواب من قال: يجوز أن يكون في الألطاف ما يقوم مقام الإمامة، فيحسن التكليف من دونها إذا فعل اللّٰه تعالىٰ ما يقوم مقامها من اللطف: «إنّما يتمّ ما ذكرتموه من السؤال لو صحّ أن يكون في الألطاف ما يقوم مقام الإمامة، و عندنا أنّ الأمر بخلاف ذلك؛ لأنّا قد علمنا أ نّه لا يقوم شيء من الألطاف مقامها» انتهىٰ كلامه طاب ثراه.
علىٰ أنّ لطف الإمام لا ينحصر في الترغيب و التنفير، فيسقط السؤال رأساً؛ فتدبَّر. (الأسترابادي).
1) . في «ص، ف»: «و لا تنبيه».
و أمّا قَولُه:
إنّهم يقولونَ: لا بُدَّ مِن الإمامِ ما دامَ السهوُ و الغَلَطُ جائزَ [ينِ](1)علَى المُكلَّفينَ فيما يَنقُلونَه و يَروونَه و يؤدّونه.(2)
إلى آخِرِ كلامِه.(3)
فإنّ هذه العِلّةَ في الحاجةِ إلَى الإمامِ تَجري مَجرَى الأُولىٰ(4)في أنّها لَيسَت بلازمةٍ في كلِّ حالٍ، و إنّما هي مُختصّةٌ بالأحوالِ التي يُحتاجُ فيها إلىٰ نَقلِ الشرائعِ و أدائها، و قَد قُلنا: إنّ العَقلَ يُجوِّزُ ارتفاعَ التعبُّدِ بِكُلِّ شَرعٍ . غَيرَ أنّ ذلكَ وجهٌ
صحيحٌ يُحتاجُ فيه إلَى الإمامِ مع التعبُّدِ بالشرائعِ ، و المكلَّفونَ و إن لَم يَجُز علَى الجماعةِ مِنهم(5)السهوُ عمّا يَسمَعونَه مِن الإمام شِفاهاً، و لا عن كثيرٍ ممّا تأكَّدَ(6)عِلمُهم به مِن الأخبارِ، فإنّ تعمُّدَ الخَطَإ عَلَيهم جائزٌ في الحالَينِ ؛(7)و بَينَ جوازِه
1) . هكذا في المغني. و في النسخ: «جائز» بدل «جائزين».
2) . في «ص»: «فيما ينقلونه و يروونه». و في المطبوع: «فيما ينقلونه و يؤدّونه». و ليست هذه الكلمات في المغني.
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 20.
4) . و هي التنبيه على الأدلّة و النظر فيها.
5) . قوله قُدّس سرّه: «و المكلّفون و إن لم يجز على الجماعة منهم...» هذا دفع لتوهّم الاكتفاء بالسماع الشفاهيّ فيما تسمعه الجماعة أو ما وقفوا عليه ممّا تأكّد العلم به من الإخبار عن وجود الإمام بعد النبيّ أو الإمام السابق. و وجه الدفع جواز تعمّد الخطأ عليهم أو الإعراض عن النقل - لأغراض تدعوهم إليه - فيفضي استمرار الغلط أو الإعراض إلىٰ بطلان الحجّة بالشرع علىٰ من عداهم مع كونهم مكلَّفين به، بخلاف ما إذا كان الإمام موجوداً من ورائهم؛ فإنّه يتدارك ما يقع منهم، فيحفظ الشرع، و يتّصل أحكامه إلىٰ من يأتي بعدهم. و سيجيء الكلام في ذلك. (الأسترابادي).
6) . في المطبوع: «يؤكّد».
7) . أي في حال سماعهم، و حال ما يتأكّد علمهم به.
عَلَيهم فيما يَسمَعونه مِن الإمامِ و هو حاضرٌ مَوجودُ العَينِ قَريبُ الدارِ، و بَينَ ما يَجوزُ عَلَيهم بَعدَ وفاةِ الرسولِ أو الإمامِ(1)فرقٌ واضحٌ؛ لأنّ ما يَقَعُ مِن ذلكَ و الإمامُ موجودٌ يُمكنُ للإمامِ استدراكُه(2)و تَلافيهِ، و ما يَقَعُ بَعدَ وفاتِه لا يكونُ له مُستدرَكٌ .(3)و إذا استَمَرَّ مِنهم الغَلَطُ(4)في هذه الأحوالِ ، بَطَلَت الحُجّةُ بالشَّرعِ علىٰ مَن يأتي مِن الأخلافِ .(5)
فأمّا قَولُه:
إنّ كَونَ الإمامِ (6)مع الجَهلِ به غَيرُ مُعتَبَرٍ(7)لأنّه بمَنزلةِ غَيرِه عندَ
1) . في المطبوع: «و الإمام».
2) . في «ص»: «يمكن الإمام أن يتداركه».
3) . في حاشية «ل»: «و الفرق من جهة أُخرى أيضاً متحقّق؛ و هو أنّ مع وجود الإمام و تمكّن الوصول إلى خدمته لم يُجترأ على تعمّد الخطأ إلّانادراً، بخلاف ما إذا لم يكن موجوداً».
4) . قوله قُدّس سرّه: «و إذا استمرّ منهم الغلط» أي إذا جاز استمراره جاز بطلان الحجّة بالشرع؛ لأنّه بنى الأمر على الجواز، فوجوب الإمامة مترتّب عليه. لا يُقال: كيف يصحّ هنا بناء الدليل على جواز وقوع الغلط و استمراره، و لم يصحّ بناء وجوب الإمامة علىٰ جواز عدم تحقّق التنبّه للنظر في دليل التنبيه على النظر كما مرّ؟ لأنّا نقول: غاية الأمر كون جواز عدم تحقّق التنبّه دالّاً علىٰ وجوب المنبّه، و هو لا يلزم أن يكون إماماً؛ بخلاف إبقاء الحجّة بالشرع، فإنّه لا يكون إلّابالإمام المعصوم. (الأسترابادي).
5) . «الخَلَف» بالتحريك و السكون: كلّ من يجيء بعد من مضى، إلّاأنّه بالتحريك في الخير و بالتسكين في الشرّ، يقال: خَلَفُ صدق، و خَلْفُ سوءٍ . و معناهما جميعاً: القرنُ من الناس. و المراد هنا: القرن بعد القرن. راجع: النهاية، ج 2، ص 66 (خلف).
6) . في المغني «قد علمنا أنّ كونه».
7) . قال القاضي: «إنّ [كون] الإمام مع الجهل به غير معتبر» كأنّه أراد: إنّما يُعتبر الإمام لطفاً و يُنتفع به إذا كان معروفاً لكي يُرجع إليه و يحصل ما يتوقّف وجوده عليه. أمّا إذا جهلناه، سواء كان
المُكلَّفِ ، [فإذا كانَت الحالُ هذه](1)فلا بُدَّ مِن العِلمِ بالإمامِ (2).
فإنّ الجوابَ: أنّ الواجبَ علَى اللّٰهِ تَعالىٰ أن يوجِبَ العِلمَ به و يُمكِّنَ(3)مِنه، فإن فَرَّطَ المكلَّفُ في العِلمِ(4)به لَم يَكُن معذوراً، و إن أخرَجَ نفسَه مِن(5)الانتفاعِ به و التمكُّنِ مِن لِقائه بأمرٍ يَتمكَّنُ مِن إزالتِه(6)لَم يَكُن أيضاً معذوراً، و لا سَقَطَت الحُجّةُ عنه؛ فكَيفَ يَصِحُّ قَولُه: «إنّ ذلك يؤدّي إلىٰ أن يُعذَرَ كُلُّ مَن لَم يَعرِفْ إمامَه؛ لأنّه لَم
تُزَحْ عِلّتُه»(7)؟ و إنّما كانَ يَصِحُّ كلامُه لَو كانَ كُلُّ مَن لا يَعرفُ الإمامَ لا يَتمكَّنُ مِن معرفتِه، و لا له سبيلٌ(8)إلَى الانتفاعِ به؛ فأمّا و الأمرُ بخِلافِ ذلكَ ، فلا إشكالَ في لزومِ الحُجّةِ له بتفريطِه. و هذا كما يقولُه جماعتُنا في المعرفةِ : إنّ حصولَها هو اللُّطفُ ، و لا عُذرَ لِمَن لَم تَحصُلْ له إذا فَرَّطَ في التوصُّلِ إليها؛ مِن حَيثُ كانَ مُتمكِّناً مِن تحصيلِها.
حاضراً و لم يتشارك الناس في معرفته كما في أكثر أئمّتكم، أو كان غائباً كما في إمام زماننا، فأيّ فائدة في وجوده ؟ فحاله كحال غيره، فنكون معذورين؛ لأنّه لم تُزح عِللنا. و جوابه: أ نّه و إن لم يحصل معرفته لكنّ التمكّن من معرفته حاصل لكلّ أحد كما قاله قدّس سرّه، فقد أُزيحت العلّة بالتمكين من المعرفة.
و لا يخفىٰ أ نّه لو صحّ ما قال لجاز مثله في النبيّ لمن لم يحصل له معرفته و كان متمكّناً منها، بل لو صحّ لم تكن المعرفة لطفاً فيما هي لطف فيه من التكاليف لمن لم تحصل له من الكفّار و أهل الإلحاد مع تمكّنهم من تحصيلها، فيكونون معذورين؛ و هو ظاهر. (الأسترابادي).
فأمّا إلزامُه إيجابَ أئمّةٍ عِدّةٍ بحَسَبِ حاجةِ المكلَّفينَ،(1)فغَيرُ لازمٍ لَو فَطِنَ لمَوضعِ عُمدتِنا(2)لأنّ الذي يَقتضيه العقلُ و الاعتبارُ - الذي ذكرناه - اللُّطفُ بوُجودِ الرئاسةِ، لا عدداً مخصوصاً(3)فيها، و لا رئاسةً مخصوصةً، و إنّما يُرجَعُ في صفاتِ الرؤساءِ و أعدادِهم إلىٰ أدلّةٍ أُخَرَ. و لَيسَ(4)يَمتنعُ قيامُ الدليلِ(5)علىٰ أنّ الإمامَ (6)يَجِبُ أن يكونَ واحداً في العالَمِ ، و يَكونَ أُمَراؤه و خُلَفاؤه في الأطرافِ - إذا كانَ مِن ورائهم - يُغنونَ عن وجودِ جماعةٍ مِن الأئمّةِ ، و كُلُّ ذلك غيرُ قادحٍ في أنّ الرئاسةَ لُطفٌ ، علىٰ ما ذَهَبنا إليه.
فأمّا قولُه:
لأنّهم إذا قالوا: «إنّ الإمامَ واحدٌ» ففي الحالِ التي تَظهَرُ إمامتُه لا يَخلو
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 21.
2) . قوله قُدّس سرّه: «لموضع عمدتنا» أي ما قصدناه في هذا المقام من الرياسة في الجملة. (الأسترابادي).
3) . قوله قُدّس سرّه: «لا عدداً مخصوصاً» منصوب بنزع الخافض؛ أي بعدد مخصوص، فهومعطوف علىٰ ما بعد اللطف. و يُحتمل أن يكون معطوفاً علىٰ محلّ الجارّ و المجرور. (الأسترابادي).
4) . في المطبوع: «فليس».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «الدلالة».
6) . قوله قُدّس سرّه: «و ليس يمتنع قيام الدليل على أنّ الإمام...»، جوابٌ آخر عمّا أورده القاضي، و محصوله: أنّ ما تمسّكنا به من دليل اللطف لا يقتضي تعدّد الأئمّة؛ لأنّ اللطف حاصل بوجود إمام واحد في العالم مع نوّاب له في الأطراف، و يكون هو من ورائهم يتدارك الخَلَل الناشئ من قِبلهم، كما جاز ذلك في زمن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله. (الأسترابادي).
مِن أن يَقِفَ كُلُّ (1)العالَمِ عليه، أو بعضُهم. و وقوفُ الجميعِ غَيرُ ممكنٍ ، فيَجِبُ أن تكونَ العِلّةُ غيرَ مُزاحةٍ .
إلى آخِرِ كلامِه.(2)
فأوّلُ ما نقولُ في ذلكَ: أنّا لا نوجِبُ إمامةَ واحدٍ في الزمانِ بالدليلِ الذي دَلَّنا علىٰ
وجوبِ الرئاسةِ في الجملةِ(3)، و إنّما المَرجِعُ في ذلكَ إلىٰ أُمورٍ أُخَرَ، و قد يجوزُ أن تَختَلِفَ المصلحةُ فيه؛ فيكونَ تارةً إماماً واحداً، و تارةً جماعةً.
فإن أرادَ بما سألَ(4)عنه - مِن حالِ ظهورِ إمامتِه، و لزومِ الجَهلِ(5)بها(6)- ابتداءَ الإمامةِ و أوّلَ الأئمّةِ، ففي ذلك الحالِ إذا لَم يَتمكَّنِ الجميعُ مِن العِلمِ بحالِ الإمامِ الظاهرِ في أحَدِ المواضِعِ ، قد يَجوزُ(7)
لأنّا نقول: إنّ مقصوده قدّس سرّه أ نّه لو فُرض تعلّق التكليف بالجميع في أوّل وَهْلة بمعرفة إمام الوقت و التزام الحجّة في ابتداء ظهوره لم يحصل ذلك الغرض إلّابنصب أئمّة متعدّدين، و كذلك الأمر في النبيّ لو فُرض ذلك، و لا خدشة فيه؛ فتأمّل. (الأسترابادي).
عندَنا - بَل يَجِبُ - إقامةُ أئمّةٍ عِدّةٍ ؛1) . في المغني: «حكم».
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 21.
3) . و هو دليل اللطف.
4) . في المطبوع: «يسأل».
5) . هكذا في «ص» و حاشية «ج». و في سائر النسخ و المطبوع: «الحجّة» بدل «الجهل».
6) . هكذا في «ج، ص، ط، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «لها».
7) . قوله قُدّس سرّه: «قد يجوز عندنا - بل يجب - إقامة أئمّة عدّة؛ لتكون علّة الجميع مُزاحةً ». لايقال: إنّ أمر الإمام لا يزيد علىٰ أمر النبيّ في ذلك، فإذا ظهر النبيّ في أوّل أمره و لم يتمكّن الجميع من العلم به لم يجب بعث أنبياء عدّة، فمن كان في أطراف العالم متديّنين بدين النبيّ السابق عاملين بشريعته وجبَ عليهم البقاء علىٰ ذلك حتّىٰ تبلغهم دعوته و تصير عِللُهم مُزاحة. و لو فُرض ذلك في أوّل الأنبياء، فالواجب عليهم هو العمل بالأحكام العقليّة فحسب حتّىٰ يبلغهم أمره. و كذا الحال في أوّل الأئمّة بعد النبيّ يجب عليهم متابعة من أرسله إليهم من نوّابه حتّىٰ يبلغهم أمر الإمام بعده و تصير عِللهم مُزاحة؛ فلا يجب على اللّٰه تعالىٰ إقامة أئمّة عدّة.
لِتكونَ عِلّةُ الجميعِ مُزاحةً(1).
فأمّا إن سألَ(2)عن الأحوالِ التي تَلي الابتداءَ (3)مِن حَيثُ لَم يُمكِنْ مَن هو في أطرافِ البلادِ العِلمُ بحالِ الإمامِ و ظُهورِه(4)عندَ حصولِ النصِّ عليه و نَصبِه إماماً، فعندَنا أنّ هؤلاءِ و إن لَم يَتَمكَّنوا مِن العِلمِ بما ذُكِرَ في الحالِ فهُم عالِمونَ بإمامةِ الإمامِ الذي هو قَبلَ ذلك الإمامِ الظاهرِ، و مُتصرِّفونَ مِن قِبَلِ أُمرائه و وُلاتِه و بحَسَبِ تدبيرِهم، و هذا كافٍ لهُم في مصلحتِهم، و لَيسَ يَتّصلُ بِهم فَقدُ الإمامِ و مَوتُه إلّامع اتّصالِ غَيرِه و ظُهورِه و قيامِه بِهم(5)مَقامَه.(6)
فلَيسَ يَخلو في حالٍ مِن الأحوالِ مِن المعرفةِ بالإمامِ . و إنّما كانَ في كلامِه شُبهةٌ لَو أمكَنَ أن يَتّصلَ بِهم فَقدُ الإمامِ و يَعرَوا(7)مِن اعتقادِ إمامتِه، مِن غَيرِ أن يَتّصلَ بِهم قيامُ الإمامِ الآخَرِ مَقامَه؛ فأمّا و الأمرُ علىٰ ما ذَكرناه، فالقَدحُ بمِثلِ ذلكَ ساقطٌ.
1) . في حاشية «م»: «يمكن أن ينتقض باللطف في نبوّة سيّد المرسلين صلّى اللّٰه عليه و آله بأنّ إزاحة علّة النائين عن مستقرّه صلّى اللّٰه عليه و آله لا يكون إلّابوصول الخبر إليهم، فكما لم يجب بعث أنبياء في الأصقاع لم يجب نصب أئمّة فيها؛ فتدبَّر (ح. س)».
2) . في المطبوع: «أن يسأل».
3) . في حاشية «م»: «ما ذكره - قُدّس سرّه - مبنيّ علىٰ إمامة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله، و لو خصّ الكلام بالخلفاء و الأوصياء فنصّ النبيّ المستخلف عليهم كاف، كما ذكره - قدّس سرّه - في الأحوال التي تلي الابتداء؛ فتدبَّر (ح. س)».
4) . في «ص»: «فظهوره».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و قيامه مقامه بهم» بدل «و قيامه بهم مقامه».
6) . لأنّ من شرائط الإمامة عند الإماميّة نصّ المتقدّم على المتأخّر.
7) . العُرْيُ : خلاف اللُّبْس. راجع لسان العرب، ج 15، ص 46 (عرا).
فأمّا تعلُّقُه بالفَترةِ بَينَ الرُّسُلِ(1)فبَعيدٌ(2)
و الجواب عن الأوّل: أنّه قياس مع الفارق. و عن الثاني: منع خلوّ زمان الفترة من الإمام. (الأسترابادي).
لأنّ المعلومَ مِن حالِ الفَترةِ هو خُلوُّ الزمانِ مِن النبيِّ، لا مِن الإمامِ ؛ فمِن أينَ أنّ الفَترةَ إذا ثَبتَت في الرُّسُلِوَجَبَت في الأئمّةِ؟ و هذا إنّما(3)يَلزَمُ مَن جَعَلَ النبوّةَ في كلِّ حالٍ واجبةً ، دونَ مَن اعتَبَرَ(4)ما اعتَبَرناه(5).
فأمّا حِكايتُه عنّا ما نَذهَبُ إليه(6)مِن كونِ الإمامِ لُطفاً، و قَولُه:
1) . قال في المغني: «و يلزمهم على هذه الطريقة القول بأن لا فترة بين الرسل؛ لأنّ في حال الفترة يجب أن لا تكون العلّة مزاحة، و هذا يوجب الاتّصال و زوال الانقطاع، و قد ثبت بالقرآن و غيره الفترة بين الرسل و حصول نذير لقوم وقتهم بعد ما لم يحصل النذير. و كلّ ذلك يبطل ما ذهبوا إليه». المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 22.
2) . قوله قُدّس سرّه: «فأمّا تعلّقه بالفترة بين الرُّسُل فبعيد»، محصوله: أنّه لو تمّ دليلكم لكان في زمان الفترة نبيّ أو إمام، و ليس فيه نبيّ و لا إمام. و قد يُقال: إنّه توهَّم أ نّه إذا جاز خلوّ زمان من الرسول كزمان الفترة جاز خلوّ الزمان من الإمام قياساً للإمام على الرسول، أو قاس غير زمان الفترة علىٰ زمانها بناءً علىٰ أنّ زمان الفترة خالٍ من الإمام أيضاً.
3) . في المطبوع: - «إنّما».
4) . في المطبوع: - «من اعتبر».
5) . قوله قُدّس سرّه: «و هذا إنّما يلزم من جعل النبوّة في كلّ حال واجبةً ، دون من اعتبر ما اعتبرناه» أي النقض بزمان الفترة إنّما يردُ علىٰ مَن أوجبَ النبوّة في كلّ حال و زمان، فيُقال: لو صحَّ ذلك لم يتحقّق زمان الفترة. و لا يردُ علىٰ من أوجبَ الإمام بعد النبيّ في كلّ زمان؛ لأنّ خلوّ زمان الفترة من الإمام ممنوع عندهم. (الأسترابادي).
6) . في المطبوع: «به».
إن جَعَلتُموه لُطفاً علىٰ وجهٍ يَعُمُّ(1)أمكَنَكم هذا القَولُ(2)، و إلّافيَجِبُ أن تُجوِّزوا في ذلكَ(3)خُلوَّ بَعضِ الأزمنةِ منه،(4)أو بَعضِ المُكلَّفينَ....
ثُمّ قَولُه مِن بَعدِ ذلكَ:
لَم نَقُلْ أنّ هذه المَعرفةَ لُطفٌ إلّابدَليلٍ، فبيِّنوا أنّ مِثلَه مِن الأدلّةِ قائمٌ [فيما ذَكرتُم مِن الإمامةِ](5)لِيَتِمَّ ما ذَكرتُم....(6)
فالإمامةُ عندَنا لُطفٌ في الدِّينِ؛ و الذي يَدُلُّ علىٰ ذلكَ: أنّا وَجَدنا(7)الناسَ متىٰ خَلَوا مِن الرؤساءِ و مَن يَفزَعونَ إليه في تدبيرِهم و سياستِهم، اضطرَبَت أحوالُهم، و تَكَدَّرَت عيشتُهم، و فَشا فيهم فِعلُ القَبيحِ، و ظَهَرَ بَينَهم(8)الظُّلمُ و البَغيُ، و أنّهم متىٰ كانَ لهم رئيسٌ أو رؤساءُ يَرجِعونَ إليهم في أُمورِهم كانوا إلَى الصَّلاحِ أقرَبَ، و مِن الفَسادِ أبعَدَ. و هذا أمرٌ يعُمُّ كُلَّ قَبيلٍ و بَلدةٍ، و كُلَّ زمانٍ و حالٍ ؛ فقَد ثَبَتَ أنّ وجودَ الرؤساءِ لُطفٌ بحَسَبِ ما نَذهَبُ إليه.
1) . أي يعمّ جميع الأزمنة و المكلّفين. و كلمة «يعمّ » مطموسة في المغني و لذا ترك المحقّقون مكانها فارغاً. و في حاشية «م»: «يعني: و لكن لا يعمّ كون الإمامة لطفاً بالنظر إلى المكلّفين لخروج الإمام نفسه عنه، و لا التكاليف لخروج التكاليف القلبيّة. و السيّد رحمه اللّٰه تعالىٰ خصّه بمن يجوز منه فعل القبيح من المكلّفين و بالتكاليف البدنيّة، و تردّد في كونه لطفاً في القلبيّة (ح. س)».
2) . قال القاضي: «أمكنكم هذا القولُ » أي القول بوجوب الإمامة من حيث كونه لطفاً، أو القول بكون الإمام لطفاً. و الأخير أنسب بما سيفرَّع عليه؛ حيث يُفهم منه أنّ الإمامة إنّما تكون لطفاً إذا كان كالمعرفة في العموم. (الأسترابادي).
3) . في المغني: - «في ذلك».
4) . في المغني: «من الإمام».
5) . ما بين المعقوفين من المغني.
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 22-23.
7) . في المطبوع: + «أنّ ».
8) . في المطبوع: «منهم».
فأمّا تعلُّقُه بعُمومِ اللُّطفِ في المعرفةِ و إيجابُه عَلَينا إلحاقَ الإمامةِ بها في
ذلكَ(1)،(2)فبَعيدٌ؛ لأنّ المعرفةَ لَم تَعُمَّ كلَّ تكليفٍ و مُكلَّفٍ مِن حَيثُ كانَت لُطفاً؛ بَل مِن حَيثُ اختَصَّت بما أَوجَبَ ذلكَ فيها.
و لَيسَ يَمتَنِعُ(3)في الألطافِ أن يَختَلِفَ؛(4)فيَكونَ بعضُها عامّاً مِن كُلِّ وجهٍ، و بعضُها خاصّاً مِن كُلِّ وجهٍ، و بَعضٌ آخَرُ عامّاً مِن وجهٍ و خاصّاً مِن وجهٍ آخَرَ.
فمِثالُ ما هو عامٌّ مِن كُلِّ وجهٍ المعرفةُ؛ فإنّها تعُمُّ كلَّ مُكلَّفٍ و تكليفٍ أمكَنَ أن تَكونَ لُطفاً فيه(5)، و تَعُمُّ أيضاً الأحوالَ .
1) . قال في المغني: «فإن قالوا كذلك - أي أنّ الإمامة واجبة من حيث كانت لطفاً - نقول: و لا يمتنع في اللطف أن يعمّ كلّ التكليف و كلّ المكلّفين، كما يقولونه في المعرفة باللّٰه تعالىٰ ، إلى غير ذلك. قيل لهم: لم نقل إنّ هذه المعرفة لطف إلّابدليل، فبيّنوا أنّ مثله من الأدلّة قائم فيما ذكرتم من الإمامة ليتمّ ما ذكرتم، و إلّافقولكم مطَّرح». المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 23.
2) . قوله قُدّس سرّه: «و إيجابه علينا إلحاق الإمامة بها في ذلك». لا يخفىٰ ما في هذا الاقتراح من القاضي من الشناعة؛ وهل فيمن يقول بوجوب اللطف على اللّٰه تعالىٰ من المعتزلة و من يجري مجراهم من قال باستواء الألطاف في العموم ؟ كيف، و لم يجعلوا لطف النبوّة كلطف المعرفة، و لطف الواجبات الشرعيّة كغيرها؟ و أنت بعد الوقوف علىٰ هذا و أمثاله تعلم أنّ غرض القاضي ليس إلّاالتمويه و التلبيس على الجَهَلَة و العوامّ من أبناء نِحلته، فيُزري بالمذهب الحقّ بما لا حقيقة له، و يخيّل إليهم أ نّه ليس مبنيّاً علىٰ أصل و أساس. (الأسترابادي).
3) . في المطبوع: «بممتنع».
4) . في المطبوع: + «بعضها».
5) . قوله قُدّس سرّه: «فإنّها تعمّ كلّ مكلّف و تكليف أمكن أن تكون لطفاً فيه» فيه إشعار بأنّ قوله: «فيكون بعضها عامّاً من كلّ وجه» مختصّ بما أمكن أن يكون ذلك العامّ لطفاً فيه؛ فإنّ المعرفة ليست لطفاً في نفسها و لا فيما يتقدّمها من التكاليف. و المناقشة بأنّه علىٰ هذا يكون كلّ لطف عامّاً - إذ ما من لطف إلّاو هو لطف في كلّ ما أمكن أن يكون لطفاً فيه، فما معنى التقسيم ؟ - ممّا لا وقع له؛ لظهور المقصود. (الأسترابادي).
فأمّا ما يَعُمُّ مِن وجهٍ و يَخُصُّ مِن آخَرَ فكالصلاةِ؛(1)لأنّها تَجِبُ علىٰ كُلِّ مُكلَّفٍ غَيرِ مَعذورٍ بحُصولِ مَنعٍ أو ما يَجري مَجراه،(2)و لَيسَ يُمكِنُ القَطعُ علىٰ عُمومِ(3)كَونِها لُطفاً في كُلِّ تكليفٍ؛ بَل لا يَمتَنِعُ أن تَكونَ خاصّةً في التكليفِ، و إن كانَت عامّةً في المُكلَّفينَ.
فأمّا الأحوالُ: فممّا لا شُبهةَ في أنّها(4)لَيسَت بعامّةٍ لها(5)لوُجودِنا(6)أحوالاً لا يَجِبُ فيها فِعلُ الصلاةِ، بَل لا يَحسُنُ.
فأمّا الأحوالُ التي لا يَجِبُ فيها: فهي الأحوالُ التي لَم تُوقَّتْ(7)للصلاةِ الواجبةِ.
و أمّا التي لا يَحسُنُ فيها: فهي التي نَهَى اللّٰهُ عزّ و جلّ عن الصلاةِ مع حُضورِها.(8)
فأمّا ما هو خاصٌّ مِن كُلِّ وجهٍ: فكخَلقِ الولدِ لزَيدٍ، أو تَثميرِ مالِ عَمروٍ؛ فإنّه لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ لُطفاً في بَعضِ تكاليفِه، بَل في واحدٍ منها، و كذلك لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ له لُطفاً دونَ غَيرِه مِن الناسِ . و كذلكَ (9)أيضاً في الأحوالِ ؛ حتّىٰ يَكونَ لُطفاً
1) . في المطبوع: «كالصلاة».
2) . كالحيض و النفاس للمرأة، و فقد الطهورين على قول من يقول بمعذوريّة فاقدهما.
3) . في «ص»: «على حصول عموم كلّ مكلّف»، و في «ف»: «على عموم كلّ مكلّف»؛ كلاهما بدل «على عموم».
4) . أي الصلاة.
5) . أي للأحوال.
6) . وَجَد المطلوب - كوَعَدَ و وَرِمَ - يَجِدُهُ وَجْداً وجِدَةً و وُجُوداً: أدركه. القاموس المحيط، ج 2، ص 476 (وجد).
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم يوقّت».
8) . أي مع حضور تلك الحال، كصلاة السكارىٰ ، و قد نهىٰ سبحانه عن الصلاة في تلك الحال.
9) . في «ج، ص»: «فكذلك».
في حالٍ و لا يَكونَ لُطفاً في أُخرىٰ.
فإذا ثَبَتَت(1)هذه الجُملةُ، فما المانِعُ مِن أن يكونَ وجودُ الإمامِ لُطفاً لكُلِّ مُكلَّفٍ كانَ علىٰ صفةِ(2)مَن يَجوزُ فيه فِعلُ(3)القبيحِ(4)، و في كُلِّ حالٍ، و إن جَوَّزنا اختصاصَه ببَعضِ التكاليفِ دونَ بَعضٍ؟ فَليسَ يَجِبُ إذا سَوَّينا بَينَه و بَينَ المعرفةِ - لمّا(5)ألزَمْنا الخُصومَ أن يَكونَ مُختَصّاً بمكلَّفٍ دونَ آخَرَ، و بحالٍ دونَ حالٍ، و كانَ قَصدُنا بذلكَ إلحاقَه بالمعرفةِ في شُمولِ مَن اختَصَّ بالصِّفةِ التي ذَكرناها مِن المكلَّفينَ ، و عُمومِ الأحوالِ - أن يَلزَمَنا التسويةُ بَينَه و بَينَ المعرفةِ (6)مِن(7)كُلِّ وَجهٍ .
علىٰ أنّا لَم يَظهَرْ لنا القَطعُ علىٰ كَونِ الإمامِ لُطفاً في كُلِّ الأفعالِ و التكاليفِ
1) . في «ج، ص»: «ثبت».
2) . في المطبوع: «صفته».
3) . قوله قُدّس سرّه: «لكلّ مكلّف كان علىٰ صفة من يجوز فيه فعل القبيح» فلا يلزم أن يكون للإمام إمام. ولو قيل لطف الإمام لا ينحصر في التبعيد عن القبيح، فجوابه ما سيشير إليه قدّس سرّه. (الأسترابادي).
4) . فإنّ من شروط وجوب الرئاسة و الإمامة ارتفاع العصمة عن المكلّف، أي تجويز فعل القبيح عليه. راجع: الذخيرة، ص 409. و في حاشية «م»: «أي لم يكن معصوماً فلو قُدِّر أن يكون أهل عصر معصومين جميعاً لم يكونوا مفتقرين إلى الإمامة من هذه الجهة. و سيصرِّح به السيّد من بعد هذا، فانتظر (ح. س)».
5) . في حاشية «ل»: «ظرف أو علّة لقوله: «ليس يجب». و فاعل «يجب» قوله «أن يلزمنا». والمعنى: أنّا إذا سوّينا بين وجود الإمام و المعرفة فليس يجب أن يلزمنا التسوية من كلّ وجه؛ لأنّا أثبتنا الفرق لمّا ألزمنا الخصوم أن يكون وجود الإمام مختصّاً بمكلّف دون آخر و بحال دون حال، و إلّالا يمكن تخصيصها. و إنّما قصدنا بالتسوية إلحاقه بالمعرفة في شمول من اختصّ بالصفة التي ذكرناها...».
6) . قوله قُدّس سرّه: «أن يلزمنا التسوية بينه و بين المعرفة» فاعلُ لفظ «يجب» في قوله «فليس يجب». و المقصود أ نّه لو وقع تشبيه في كلامنا فهو لا يقتضي مشاركة المشبَّه للمشبَّه به من جميع الوجوه. (الأسترابادي).
7) . في المطبوع: «في».
كظُهورِه(1)فيما يَتعلَّقُ بأفعالِ الجَوارحِ، فإنّه لا يَمتَنِعُ أيضاً أن يَكونَ لُطفاً فيما يَختَصُّ القلوبَ مِن الاعتقاداتِ و القُصودِ؛ لأنّ المعلومَ مِن حالِ الناسِ أنّ صَلاحَ سَرائرِهم كالتابعِ لصَلاحِ ظَواهرِهم، و أنّ(2)استقامةَ أُمورِهم و حُسنَ طريقتِهم فيما يَقَعُ مِن أفعالِهم الظاهرةِ مِن أكبرِ(3)الدواعي إلَى استقامةِ ضَمائرِهم أيضاً. و علىٰ هذا يُمكِنُ أن يَكونَ الإمامُ لُطفاً في الكُلِّ.(4)
و إنّما تَكَلَّفْنا ما تَقدَّمَ مِن الكلامِ حَيثُ كانَ هذا الوجهُ (5)كأنّه غيرُ مقطوعٍ عليه، و ممّا يُمكِنُ أن يَعتَرِضَ التجويزُ(6)فيه(7)
لأنّا نقول: لعلّه قدّس سرّه استظهر حيث جاز أن يكون غرضه النقض التفصيليّ فيقول: صغرى الدليل و هي قولنا: «الإمام لطف» ممنوعة؛ لجواز دخول العموم في مفهوم اللطف. فأجاب أوّلاً - مشعراً بأنّ المنع مكابرة - بتفصيل الأقسام التي لا نزاع لأحد من القائلين باللطف فيها، ثمّ لمّا جوّز أن يكون في مقام النقض الإجماليّ استند إلىٰ ذلك الاحتمال، فقوله: «ممّا يمكن أن يُعترض» يعني: علىٰ تقدير كونه في مقام المنع. و يُحتمل أن يكون مقصوده قدّس سرّه أنّا إنّما نذكر في مقام سند المنع ما نقطع به و لا نجوّز غيره، و هذا الاحتمال و إن أمكن أن يُذكر في هذا المقام إلّاأ نّه لمّا كان غير مقطوع به عدلنا عنه أوّلاً. (الأسترابادي).
بخِلافِ ما قَدَّرناه.(8)1) . في المطبوع: «لظهوره».
2) . في «ص» و المطبوع: - «أنّ ».
3) . في المطبوع: «أبر».
4) . فإذا كان الإمام لطفاً في أفعال الجوارح، و هي ألطاف في أفعال القلوب، كان لطفاً فيها حتّىٰ في المعرفة و لو بوسط؛ فتدبَّر «ح س». (من حاشية «م»).
5) . أي كون الإمام لطفاً فيما يختصّ القلوب من الاعتقادات و القُصود.
6) . في «ج، ص، ط»: «بالتجويز».
7) . قوله قُدّس سرّه: «و ممّا يمكن أن يُعترض بالتجويز فيه». لا يقال: كيف يمكن التجويز للقاضي و وظيفته الإثبات؛ إذ هو في مقام النقض ؟ و محصّله: لو تمّ دليلكم لزم أن يكون الإمام لطفاً في كلّ تكليف كالمعرفة؛ فيجوز لنا أن نمنع الملازمة بناءً علىٰ أنّ اللطف لا يجب أن يكون عامّاً كالمعرفة، و أن نسلّم الملازمة و نمنع بطلان التالي و نستند إلى جواز عموم اللطف في كلّ الأفعال و التكاليف.
8) . في المطبوع: «ما قرّرناه».
فأمّا قولُه:
و لا فَرقَ بَينَ مَن قالَ: «الإمامةُ لُطفٌ » و بَينَ مَن قالَ مِثلَه في الإمارةِ و سائرِ مَن يَقومُ بشَيءٍ مِن أُمورِ(1)الدِّينِ ، و بَينَ مَن يَقولُ ذلكَ في إمامٍ واحدٍ و بَينَ مَن يقولُ (2)في إمامَينِ و(3)أئمّةٍ .(4)
فقَد تقدَّمَ مِن كلامِنا ما يُفسِدُه(5)و بيّنّا أنّ العقولَ دالّةٌ علىٰ وجوبِ الرئاسةِ في الجُملةِ، و لَيسَت دالّةً علىٰ عددِ الرؤساءِ و لا صِفاتِهم. و الإمارةُ و ما جَرىٰ مَجراها مِن(6)الوِلاياتِ رئاسةٌ في الدِّينِ، و مكانُ اللُّطفِ بها و الانتفاعِ ظاهرٌ، و إنّما لَم نَجعَلْ إمامَ الكُلِّ و رئيسَ الجَميعِ بصِفةِ الأُمَراءِ لعِلَلٍ أُخَرَ سنَذكُرُها إن شاءَ اللّٰهُ تَعالىٰ.
و إنّما كانَ يَلزَمُ كلامُه لَو كُنّا نَجعَلُ الدليلَ علىٰ وجوبِ الإمامةِ بصِفاتِها التي تَختَصُّ بها ما قَدَّمْناه مِن وجوبِ الرئاسةِ(7)، فيُقالُ : إنّ العقولَ لا تُفَرِّقُ فيما أَوجَبتُموه بَينَ رئاسةِ الإمامِ و الأميرِ، و رئاسةِ واحدٍ و جَماعةٍ .
فأمّا إذا عَوَّلْنا في وجوبِ الرئاسةِ في الجُملةِ علىٰ ما ذَكَرناه(8)، و في صِفاتِ الرئيسِ و عَدَدِ الرؤَساءِ علىٰ غَيرِه، لَم يَلزَمْنا كلامُه.
1) . في المغني: «أمر».
2) . في «ط، ف»: «يقوله».
3) . في المطبوع: «أو».
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 23.
5) . تقدّم في ص 218.
6) . في المطبوع: + «أمر».
7) . و هو دليل اللطف المتقدّم في ص 221. و المعنىٰ : أنّنا لو استدللنا باللطف علىٰ وجوب أصل الإمامة و صفاتها معاً، للزم ما قاله القاضي.
8) . من دليل اللطف.
فأمّا تَكرارُه القَولَ بأنّ معرفةَ الإمامِ لا تُمكِنُ جَميعَ المُكلَّفينَ إذا كانَ واحداً، فقَد بيّنّا ما فيه(1)، و فصَّلْنا الكلامَ تفصيلاً يُزيلُ الشُّبهةَ .
فأمّا قولُه:
فقَد كانَ يَجِبُ علىٰ هذا القَولِ أن يَتمكَّنَ كُلُّ مُكلَّفٍ مِن معرفةِ الأُمورِ مِن قِبَلِه. و متىٰ قالوا لنا:(2)«يَجِبُ ذلك في حالٍ دونَ حالٍ» قيلَ لهم:
فجَوِّزوه في قَومٍ دون قَومٍ(3)....
إلىٰ قَولِه:
و قد كانَ يَجِبُ علىٰ هذا التعليلِ أن نَعرِفَ (4)إمامَ زَمانِنا، و إلّافيَجِبُ أن نَكونَ مَعذورينَ .(5)
فقَد تقدَّمَ شيءٌ مِن الكلامِ علىٰ مَعناه(6)، و جُملتُه: أنّ معرفةَ الإمامِ و معرفةَ ما يؤدّيهِ و إن لَم يَحصُلا لكُلِّ أحَدٍ، فإنّ الجَميعَ مُتمكِّنونَ مِن حصولِ المعرفةِ له،(7)و استماعِ الأداءِ (8)مِنه؛ لأنّهم قادرونَ علىٰ إزالةِ خَوفِه، فيَتمكَّنَ (9)عندَ ذلكَ مِن
1) . تقدّم في ص 219.
2) . في المغني: «و هنا قالوا» بدل «و متىٰ قالوا لنا».
3) . في المغني: «في يوم دون يوم».
4) . في «ص» و المغني: «أن يعرف».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 24.
6) . تقدّم في ص 217.
7) . أي للإمام. و في أكثر النسخ: «لهم».
8) . في «ج» و المطبوع: «الأدلّة».
9) . في المطبوع: «فيمكّن».
الظهورِ(1)
قلت: سيجيء في كلامه قدّس سرّه جواب هذا السؤال، و الجواب الإجماليّ عنه هو أنّا قد علمنا بالقاطع وجوب الأصلح و فعل اللطف عليه تعالىٰ ، فنعلم أ نّه تعالىٰ لم يترك ما هو الواجب عليه من نصب الإمام في كلّ زمان بعد ما تبيّن كونه لطفاً، و عند ما علمنا وجوده لا يلزم علينا معرفة سبب غيبته و استتاره و لم يضرّنا الجهل به؛ لأنّه تعالىٰ لم يكلّفنا بذلك، و إن علمنا إجمالاً أ نّه راجع إلى المكلّفين. و سنذكر في ذلك كلاماً مبسوطاً لبعض أصحابه. (الأسترابادي).
، و الدَّلالةِ علىٰ نَفسِه، و بَيانِ ما يَلزَمُه بَيانُه؛ فارتفاعُ المعرفةِ به و بما يؤدّيهِ إذا كانَ يَرجِعُ إلينا و كُنّا مُتمكِّنينَ مِن إزالتِه، لَم يَجِبْ ما ظَنَّه مِن ثُبوتِ عُذرِ مَن لَم يَعرِفْ إمامَ زَمانِه.فأمّا قولُه:
إنّ خَبَرَهم - يَعني(2)خَبَرَ الأئمّةِ(3)- إنْ (4)أغنىٰ (5)عن مُشاهَدةِ الإمامِ (6)،
1) . قوله قُدّس سرّه: «لأ نّهم قادرون علىٰ إزالة خوفه، فيتمكّن [عند ذلك] من الظهور». إن قيل: نحن نعلم أنّ في أوليائه من الشيعة الإماميّة من له خلوص الموالاة له عليه السلام و الانتظار لظهوره مع رسوخ العزيمة على اتّباعه و بذل النصرة له بمنتهىٰ مقدرته و هو لا يقدر علىٰ أكثر من ذلك، فعدم ظهوره له يدلّ على أ نّه ليس لطفاً له في تكاليفه، و إلّاكان ينبغي سقوط التكليف عنه.
2) . في المطبوع: «أعني».
3) . عبارة «يعني خبر الأئمّة» توضيح من المصنّف رحمه اللّٰه، حيث لا توجد في المغني.
4) . في المطبوع: - «إن».
5) . أي أغنى النائين عنه الذين لا يصلون إليه؛ لبُعد المسافة بينه و بينهم أو لغيبته «ح س» (من حاشية «م»). و في المغني: «إن أعفى».
6) . قال القاضي: «إنّ خبرهم - يعني خبر الأئمّة عليهم السلام - إن أغنىٰ عن مشاهدة الإمام...». هذا ردّ لجواب أصحابنا عمّا أورده الخصم من أ نّه يلزم عليكم في غيبة الإمام إبطال الفتاوىٰ من
فخَبَرُ الرسولِ و التواتُرُ بأنْ يُغنِيَ (1)عن الإمامِ أَولىٰ ....(2)
العلماء، فلا يكون فيكم من يفتي أحداً أو يحكم بحكم، و في هذا خروج من دين المسلمين. و الجواب: أ نّه يتولّىٰ ذلك فقهاء الشيعة بما نقلوه عن أئمّتهم الطاهرين سلام اللّٰه عليهم أجمعين، و من خرج عن هذه الطريقة فليس له أن يُفتي و لا يحكم بحكم؛ إذ مداره على العمل بالظنون التي لا مدرك لها يعوّل عليه كما يحصل من القياس و الاستحسان، و على الحكم بالرأي الذي هو رجمٌ بالغيب. و محصول الردّ: أ نّه لو صحّ ذلك فلا حاجة بكم إلى الإمام أصلاً؛ لأنّه إذا جاز الاستغناء بخبرٍ ممّن تقدّم مِن الأئمّة عليهم السلام عن مشاهدة إمام الزمان، جاز الاستغناء بخبر النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و التواتر عن الإمام رأساً، بل هذا أَولىٰ .
و يردُ عليه: أ نّه علىٰ تقدير حصول الاستغناء عنه في العلم بالشريعة بعد النقل إنّما يلزم ما ذكرته لو كان لطف الإمامة منحصراً في تعليم الشريعة و الحكم بها، و ليس كذلك.
و ليس له أن يقول: إنّي إنّما أوردت هنا علىٰ دليل وجوب الإمامة من جهة تعليم الشريعة و وجوب رجوع الناس إليه في أحكامها، لا علىٰ غيره من الأدلّة. لأنّا نقول: ما أوردته علىٰ هذا الدليل إنّما يلزم لو اكتفينا بهذا القدر، و مَدار هذه الطريقة من الاستدلال علىٰ تعليم الشريعة لو احتيج إليه و حفظها من التغيير و التبديل و السهو و النسيان في النقل و تعمّد الإعراض عنه من الناقلين أو بعضهم بحيث لا يبقىٰ بعده ما يحصل به التواتر، و أنّ جواز وقوع ذلك كلّه يوجب وجود الإمام و إن كان غائباً، و ظاهر أنّ ما ذكرته لا يفيد الاستغناء عنه في ذلك.
علىٰ أنّ كلامه إنّما هو في غيبة صاحب الزمان عليه السلام و أ نّه يلزم عليكم تعطّل الفتاوىٰ و الأحكام، و إذ أجبنا عنه بثبوت النقل عن الأئمّة عليهم السلام و استغنائنا به عن مشاهدة الإمام عليه السلام في أحكام الشرع لم يرد جواز استغنائنا بخبر النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله عن الإمام رأساً؛ لأنّه لو سُلّم الاستغناء عنه في ذلك في الجملة لم يلزم الاستغناء عنه مطلقاً، كيف و في الأئمّة الماضين عليهم السلام من يحصل بوجوده من اللطف ما ليس المانع من ظهوره من إمام الزمان عليه السلام إلّاما يستند إلى المكلّفين ؟ فتأمّل.
و الأولويّة التي ادّعاها ممنوعة، كيف و تعدُّد الرواة عن كلّ واحد من الأئمّة عليهم السلام و قول الكلّ واحد لا اختلاف بينهم أصلاً؟ ممّا يعين علىٰ حصول التواتر و سهولة أمره، بخلاف ما إذا كان المخبَر عنه واحداً هو النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و لم يكن بعده مَن حكمه حكمه، و قوله قوله؛ وهو ظاهر. (الأسترابادي).
فقَد بيّنّا ما يُفصَلُ به بَينَ الأمرَينِ (1)، و بيّنّا الفَرقَ بَينَ لُزومِ الحُجّةِ بالأخبارِ التي يَكونُ الإمامُ مِن وَرائها و حاضِراً لها و مُتمكِّناً مِن استِدراكِ ما يَقَعُ فيها من الغَلَطِ(2)
قلت: قد أجاب الشيخ رحمه اللّٰه علىٰ وفق ما سيجيء في كلام السيِّد قدّس سرّه بأنّا لا ننكر اختلاف الشيعة في المذاهب، إلّاأ نّهم لم يختلفوا إلّافيما عليه دليل ذهب عن طريقه بعض و وصل إليه بعض؛ و هذا كما نقوله فيمن اختلف في الأُصول و إن كان خصومنا متّفقين معنا علىٰ أنّ عليها أدلّة موصلة إلى العلم، و ليس اختلافهم موجباً لارتفاع الأدلّة علىٰ ما اختلفوا فيه، فكذلك عندنا الاختلاف في الشرعيّات؛ لأنّ علىٰ كلّ حكم منه دليلاً شرعيّاً مَن لم يصل إليه و عدل عنه فإنّما أُتي من قِبل نفسه، و ليس هكذا مذهب مخالفينا في الشرعيّات. علىٰ أ نّهم مُجمعون معنا علىٰ أن لا دليلَ علىٰ كلّ حكمٍ يوصِل إلى العلم، و هذا يُسقط ما اعترضوا به.
و أقول: لا يخلو الأمر من: جواز العمل بالظنّ في الفروع، أو عدمه. فعلى الأوّل: يكون الاختلاف بحسب اختلاف الظنون التي لها مدرك شرعيّ أو عقليّ يجوز التمسّك به، و ذلك إنّما يحصل بوصول المدارك الشرعيّة إلينا و هو لا يستتبّ إلّابوجود الإمام من وراء الناقلين. و على الثاني: فحرمان القطع في المسائل قد كان مستنداً إلىٰ غيبة الإمام المستندة إلىٰ تقصير المكلّفين، و كان على الإمام حفظ المدارك الشرعيّة بحيث لا يخرج من الناس ما هو الحقّ من المذاهب في الأحكام الشرعيّة، و حيث لم يمكن حصول القطع في كلّ المسائل و لم يسقط التكليف عنهم، لم يكن بُدّ من تحصيل الظنون في استخراج الأحكام من مآخذها الشرعيّة. و حينئذٍ لا حاجة إلى القول بأنّ الاختلاف يحصل من تفريط بعضهم في طريق الوصول إلىٰ ما هو الحقّ ؛ فليُتأمَّل. (الأسترابادي).
، و بَينَ الأخبارِ التي لا إمامَ مِن وَرائها و لا مَعصومَ يُرجَعُ إليه عندَ وقوعِ الغَلَطِ فيها. و هذا فَرقٌ واضحٌ في استغنائنا(3)عن مُشاهَدةِ الإمامِ بالخَبَرِ عنه إذا كان موجوداً، و عدمِ استغنائنا عن الرسولِ بالأخبارِ بَعدَ وفاتِه إذا لَم يَكُن في الزمانِ إمامٌ يَتَلافىٰ ما يَقَعُ مِن الغَلَطِ فيها.فأمّا قولُه:
فإن قالوا: إنّا لا نَقولُ: «إنّ الإمامَ مَصلحةٌ» مِن حَيثُ ظَنَنتُم(1)
و أجاب السيِّد قدّس سرّه عن الأوّل: بأنّ دعوى الفرق تحكُّم فاسد؛ إذ كما أنّ جميع العقلاء يعلمون أنّ خوف المضرّة صارف عن القبيح و رجاء المنفعة داع إلى الخير، كذلك يعلمون أنّ وجود الإمام مقرِّب إلى الخير و مقلّل للظُّلم و الفساد و مُبعِّد عنهما، و ليس من يدّعي أحدهما و ينفي الآخر أَولىٰ ممّن يعكس. و عن الثاني: بأنّ استواء الألطاف في العموم غير لازم و لم يقل به أحد، و العموم في المعرفة ليس من حيث كونها لطفاً، بل لأمرٍ زائدٍ علىٰ كونها لطفاً كما تقدّم في كلامه قدّس سرّه. (الأسترابادي).
، لكِن لِما نَعلَمُه مِن أنّ(2)اجتماعَ الكلمةِ علىٰ رئيسٍ واحدٍ مُطاعٍ أقرَبُ إلَى التآلُفِ علَى الخَيرِ و الطاعةِ ، و العُدولِ عن الظُّلمِ و الفَسادِ....إلىٰ آخِرِ السؤالِ .(3)
ثُمّ قولُه:
1) . قال القاضي: «فإن قالوا: إنّا لا نقول: إنّ الإمام مصلحة من حيث ظننتم...»، محصوله: أنّكم لوعدلتم عن إثبات الإمامة من جهة تعليم الشرع و ما يتعلّق به - لما أوردناه عليكم - إلىٰ إثباتها من جهة كون الإمام لطفاً يقرّب من الخير و الطاعة و يقلّل وقوع الظلم و الفساد، وَرَدَ عليكم أنّ كونه لطفاً باطل من وَجهين: أحدهما: أ نّه لو كان لطفاً لَعَلمه كلّ العقلاء كما يعلمون كون المعرفة لطفاً؛ إذ ما من أحد منهم إلّاو يعلم أنّ خوف المضرّة صارف عن القبيح، و رجاء المنفعة داعٍ إلى الخير و الحَسَن، بخلاف ما تدّعونه في الإمام. و ثانيهما: أ نّه لو كان لطفاً لكان عامّاً كالمعرفة، و ليس كذلك.
2) . في المغني: - «أنّ »، و قال محقّق الكتاب في الهامش: «لعلّ كلمة «أنّ » سقطت من هنا، فصواب العبارة: من أنّ اجتماع». و لا يخفى أنّ ما بعده من الكلمات في المغني أيضاً مشوّش؛ حيث إنّ العبارة هكذا: «من اجتماع الكلّ على واحد رئيس مطاع» بدل «من أنّ اجتماع الكلمة على رئيس واحد مطاع».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 24.
قيلَ لهم: إنّ(1)الوجهَ الذي له قُلنا إنّها(2)لُطفٌ - يَعني المعرفةَ - يَختصُّ كُلَّ مُكلَّفٍ، و كُلَّ فِعلٍ مِن أفعالِه؛ إذ(3)لا أحَدَ مِن العُقَلاءِ إلّاو هو عالِمٌ أنّ خَوفَ المَضَرّةِ صارِفٌ، و رَجاءَ المَنفعةِ داعٍ....
إلىٰ آخِرِ كلامِه.
فقَد بيّنّا فيما مَضَى اختلافَ الألطافِ في عُمومِها و خُصوصِها، و أنّه لا يَجِبُ حَملُ بَعضِها علىٰ بَعضٍ ، و بيّنّا غرضَنا في تشبيهِ الإمامةِ (4)بالمعرفةِ ، و الوجهَ الذي مِن أجلِه جَمَعْنا بَينَهما؛ و أنّه لا يَلزَمُنا عليه التسويةُ بَينَهما مِن كُلِّ وجهٍ ، و أنّ ذلك و إن تَعذَّرَ لَم يَقدَحْ في كَونِ الإمامةِ لُطفاً مِن الوجهِ الذي ذَكَرناه.(5)
فأمّا قولُه: «لا أحَدَ مِن العقلاءِ إلّاو هو عالِمٌ أنّ خَوفَ المَضَرّةِ صارِفٌ ، و رَجاءَ المَنفعةِ داعٍ »(6)فكذلك لا أحَدَ مِن العقلاءِ إلّاو هو عالِمٌ بأنّ وجودَ الرؤَساءِ و
انبِساطَ أيديهِم مُقلِّلٌ لِوقوعِ الظُّلمِ و الفَسادِ و البَغيِ و العُدوانِ ، أو رافعٌ لذلك. فإنْ حَمَلَ نفسَه حاملٌ لنُصرةِ مَذهبٍ (7)له فاسدٍ علىٰ أن يَدفَعَ ما ذَكَرناه في الرئاسةِ و ما يَعلَمُه العقلاءُ مِن وجودِ الصَّلاحِ بها، لَم يَجِدْ فَرقاً بَينَه و بَينَ مَن حَمَلَ نفسَه أيضاً
1) . في المطبوع: «لكن».
2) . في المغني: «إنّه». و هو خطأ؛ لأنّ المراد المعرفة، لا الإمام، كما فسّر الشريف المرتضى ذلك في جملته المعترضة.
3) . في المغني: + «المتعالم أنّه».
4) . في «ص» و حاشية «ج، ط، ف»: «الإمام».
5) . تقدّم كلّ ذلك في ص 222-226.
6) . هذا بالنسبة إلى المعرفة كما تقدّم في عبارة المغني الأخيرة.
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «نصرة لمذهب».
علىٰ مِثلِ ذلك(1)فيما ذَكَرَ؛(2)مِن خَوفِ المَضَرّةِ و كَونِه صارِفاً، و رَجاءِ المَنفعةِ و كَونِه داعياً.
فأمّا قولُه:
هذا تقرير كلامه مطابقاً لما قرَّره الشيخ رحمه اللّٰه، إلّاأ نّه بنى استغناء الناس عن الإمام علىٰ قياسهم عليه حيث قال: «فإذا جاز خلوّ بعض المكلّفين من رئيس جاز خلوّ الكلّ » [التلخيص، ج 1، ص 78] و إنّما حمل كلامه علىٰ أ نّه أبطل لطف الإمام بلزوم التسلسل، دون لزوم كون الإمام إماماً لنفسه مع كونه أظهر و أخصر لقوله أن يكون من مصالحه إمام ثان. و لا يخدشه أ نّه يلزم خلاف الفرض؛ إذ بناؤه علىٰ أنّ الإمام إمام لكلّ مكلّف، و لو كان له إمام ثان لم يكن هو إماماً لذلك الثاني، و هكذا؛ لأنّه مفسدة أُخرىٰ ترد علىٰ كون الإمام لطفاً. و يمكن حمل كلامه علىٰ أنّ الإمامة لو وجبَ أن تكون لطفاً لكانت عامّة، فيكون للإمام إمام ثان، و الأوّل ليس لطفاً في الثاني، فلا يكون عامّاً، فلا يكون إماماً؛ هذا خُلف.
و أمّا البناء على القياس، فهو بناء علىٰ ما هو أشنع من أن يخفىٰ ، و إن كان مثله ليس ببعيد عن القاضي، إلّاأنّ الحمل علىٰ ما يكون أقلّ مفسدة ممّا ينبغي أن يُصار إليه. و لو أُورد علىٰ ما حملنا عليه بأنّ انتفاء الدليل مطلقاً لا يستلزم انتفاء المدلول فضلاً عن انتفاء دليل خاصّ ، فلا يلزم عدم الحاجة إلى الإمام أصلاً، كان له أن يقول: إنّي أردت الاستغناء عنه من هذه الجهة؛ أعني كونه لطفاً، و هو أوثق ما تعتمدون عليه؛ فتدبَّر.
:...1) . من الدفع و الإنكار فيما ذكر في مسألة المعرفة.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيما يذكر».
3) . في المغني: «و تبين».
4) . قال القاضي: «يبيّن ذلك...» أي يبيّن عدم كون الإمام لطفاً لعدم العموم فيه: أنّ المعرفة لطف؛ لأنّها تعمّ كلّ تكليف و كلّ مكلّف، و الإمام لو كان كذلك لكان لطفاً في نفس الإمام، و إذ امتنع أن يكون الشخص إماماً لنفسه وجبَ أن يكون له إمام آخر، و ننقل الكلام إليه، فيتسلسل؛ فالإمام ليس له إمام قطعاً، فبطل أن يكون لطفاً، فيلزم استغناء الناس عنه.
أنّ المعرفةَ أَوجَبْنا كَونَها مَصلحةً للكُلِّ(1)، فيَلزَمُهم في الإمامِ أن يَكونَ مِن مَصالحِه إمامٌ ثانٍ، و متىٰ جَوَّزوا استِغناءَه عن إمامٍ لَزِمَ ذلكَ في غَيرِه.(2)
فبَعيدٌ عن الصَّوابِ؛ لأنّ الوجهَ الذي مِن أجلِه أوجَبْنا كَونَ الإمام لُطفاً لا يَتعدّىٰ إلى إمامٍ(3)لأنّه إنّما يَكونُ لُطفاً لِمَن لا يؤمَنُ مِنه فِعلُ القَبيحِ، دونَ مَن كانَ ذلك مأموناً مِنه(4)فكَيفَ يَلزَمُنا القولُ بحاجةِ الإمامِ إلىٰ إمامٍ مع عصمتِه و كمالِه و أمانِنا مِن وقوعِ شَيءٍ مِن القبيحِ مِنه، قياساً علىٰ حاجةِ الرَّعيّةِ التي لا يؤمَنُ مِنها كُلُّ ما ذَكَرناه؟(5)
و يمكن أن يكون قدّس سرّه أراد بالقياس معناه اللغويّ . لا يُقال: لا حاجة إلىٰ ما ذكرته؛ إذ القاضي
و الجواب: ما مرّ من منع كون العموم معتبراً في اللطف من حيث إنّه لطف، و إليه يئول جواب السيِّد قدّس سرّه. (الأسترابادي).
1) . و إذا كان في المكلَّفين غيرُ معصوم فقد تكون المصلحة مقتضيةً لرياسته عامّةً لتشمله والمعصوم؛ لأنّ اتّفاق الكلمة أجمع يشمل الأُمّة، بل يمكن أن يُدَّعىٰ ذلك لو فُرض عصمتهم جميعاً؛ فتدبَّر «ح س» (من حاشية «م»).
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 25.
3) . في المطبوع: «إلى الإمام».
4) . قوله قُدّس سرّه: «إنّما يكون لطفاً لمن لا يؤمَن منه فعل القبيح، دون مَن كان ذلك مأموناً منه». قد يُقال: هذا الحصر إنّما يتمّ إذا كان لطف الإمامة منحصراً في التبعيد عن القبيح، و إلّافما المانع من أن يكون الإمام مفتقراً إلىٰ من يكون لطفاً له في غير ذلك ؟ و فيه: مع أ نّه كلام على السند الأخصّ ، مقابلة المنع بالمنع. (الأسترابادي).
5) . قوله قُدّس سرّه: «قياساً علىٰ حاجة الرعيّة التي لا يؤمَن منها كلُّ ما ذكرناه». بنىٰ قدّس سرّه كلامه على القياس، و فيما ذكرناه مندوحة عنه. لا يُقال: إنّه لو بنىٰ عليه فإنّما قاس استغناء الرعيّة عن الإمام على استغناء الإمام عن الإمام كما قرّره الشيخ رحمه اللّٰه دون [قياس] حاجته علىٰ حاجتهم إلى الإمام؛ لأنّ الدوران وجوداً و عدماً معتبر في القياس، و الجامع هنا اللطف المستند إلى التكليف، فوجوده في الرعيّة يوجب الحاجة إلى الإمام، فيقاس عليهم الإمام، و عدمه في الإمام يوجب استغناءه عن الإمام، فيقاس عليه الرعيّة، فيتعاكس الطرفان وجوداً و عدماً، فيجوز اعتبار الأمرين كليهما؛ فتأمَّل.
و لَو قيلَ أيضاً(1): إنّ الإمامَ إنّما ارتفَعَت حاجتُه إلىٰ إمامٍ مِن حَيثُ لَم يَصِحَّ فيه أن يَكونَ تابعاً مأموماً؛ و ذلك لأنّ الدليلَ قد دَلَّ علىٰ أنّ الإمامَ لا بُدَّ مِن أن يَكونَ معصوماً كامِلاً وافِراً عالِماً(2)غيرَ مُفتَقِرٍ في شَيءٍ مِن ضُروبِ(3)العِلمِ و الفَضلِ إلىٰ غَيرِه.
و إذا كانَ ذلكَ ثابتاً، فلَو كانَ له إمامٌ لَم يَكُنْ بُدٌّ مِن أن يَكونَ مُقتَدياً به في بَعضِ الأفعالِ، أو(4)مُستَفيداً مِنه بَعضَ العُلومِ، أو(5)مُحتاجاً إليه في تكميلِ أمرٍ لَم يَحصُلْ عليه؛ لأنّه لا يَجوزُ أن يَكونَ إمامٌ لا يُفتَقَرُ إليه في شَيءٍ مِن هذه الخِلالِ.
و إذا كانَت صفاتُ الإمامِ التي قَدَّمناها تُحيلُ (6)حاجتَه إلىٰ غيرِه في شَيءٍ ممّا عَدَّدناه، و الرُّجوعَ إليه في قليلٍ مِنه و كثيرٍ، استَحالَ أن يَكونَ للإمامِ إمامٌ مِن هذا الوجهِ .
قاس حاجة الإمام إلى الإمام علىٰ حاجة الرعيّة إليه، و بعد بطلان المقدّم ببطلان التالي أثبت عدم حاجة الناس إلى الإمام، فتقرير كلامه: لو احتاج الرعيّة إلى الإمام لاحتاج الإمام إلى الإمام، و الثاني باطل، فكذا الأوّل، فصحّ قوله قدّس سرّه: «قياساً علىٰ حاجة الرعيّة» من غير تكلّف.
لأنّا نقول: إنّما يستقيم ذلك لو أثبت حاجة الإمام إلى الإمام بالقياس، و ليس كذلك، بل أثبت ذلك بعموم اللطف و هو ظاهر، نعم لو حُمل القياس علىٰ معناه اللغويّ صحّ ذلك؛ فتدبَّر. (الأسترابادي).
1) . قوله قُدّس سرّه: «و لو قيل أيضاً...» هذا جواب آخر استند فيه إلىٰ سند آخر يصحّ أن يبطل به حاجة الإمام إلىٰ إمام آخر رأساً. و ممّا يدلّ علىٰ أنّ الإمام لا يجوز أن يحتاج إلى غيره في ضروب العلم و الفضل قوله تعالىٰ : (أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاٰ يَهِدِّي إِلّاٰ أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) [يونس (10):35] فقد أنكر أن يكون المحتاج إلىٰ غيره في الاهتداء إلىٰ شيء من الحقّ مُتَّبَعاً مُطاعاً، و سيجيء الكلام فيما يتعلّق بهذه الآية إن شاء اللّٰه تعالىٰ (الأسترابادي).
2) . في المطبوع: - «عالماً».
3) . جمع «ضَرْب» و هو الصنف. راجع: كتاب العين، ج 7، ص 31 (ضرب).
4) . في المطبوع: «و» بدل «أو».
5) . في المطبوع: «و» بدل «أو».
6) . أي تجعلها محالاً.
و جَرىٰ ما ذَكَرناه هاهُنا مَجرىٰ قولِهم: «إنّ المعرفةَ لُطفٌ في كُلِّ تكليفٍ(1)
أمّا الأوّل، فيقال: لو صحّ ما ذكرته من عدم كون الإمامة لطفاً بناءً علىٰ اعتبار العموم في اللطف كالمعرفة، لزم أن لا تكون المعرفة أيضاً لطفاً؛ لأنّها ليست لطفاً في نفسها، و لا في التكاليف التي تتقدّمها، و هو باطل قطعاً.
و أمّا الثاني، فبأن يُقال: عموم اللطف إنّما هو بالنسبة إلىٰ ما يمكن أن يكون لطفاً فيه؛ فكما أنّ المعرفة ليست لطفاً فيما لا يمكن أن تكون لطفاً فيه و لا ينافي ذلك كونها عامّة، كذلك الإمامة لا يَمنع عدمُ كونها لطفاً لنفس الإمام و غيره ممّا لا يمكن أن تكون لطفاً فيه أن تكون عامّة. (الأسترابادي).
، سِوَى التكاليفِ التي تَقدَّمُها،(2)مِثلُ تكليفِ النظَرِ في طريقِها و ما جَرىٰ مَجراه».و لمّا خرجَت المعرفةُ مِن أن تَكونَ لُطفاً في بعضِ التكليفِ مِن حَيثُ لَم يَصِحَّ أن تَكونَ لُطفاً فيه، و قامَ غيرُها مَقامَها في اللُّطفِ، و لَم يَلزَمْ علىٰ ذلكَ أن لا تَكونَ لُطفاً فيما يَصِحُّ أن تَكونَ لُطفاً فيه، لَم يَمتَنِعْ أيضاً أن يَكونَ الإمامُ لُطفاً لكُلِّ مُكلَّفٍ صَحَّ فيه مَعنَى الاقتِداءِ و الائتِمام بغيرِه(3)و إن لَم يَكُنْ لُطفاً لِمَن لا يَصِحُّ ذلك فيه مِن الأئمّةِ و الأنبياءِ، بَل قامَ لهم غيرُ الإمامةِ في اللُّطفِ (4)مَقامَها.(5)لَكانَ وجهاً قويّاً مُعتَمَداً.(6)
1) . قوله قُدّس سرّه: «و جرىٰ ما ذكرناه [هاهنا] مجرىٰ قولهم: إنّ المعرفة لطف في كلّتكليف...»، فيه إشارة إلىٰ نقضٍ و حلٍّ .
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «يتقدّمها»..
3) في المطبوع: «لغيره»
4) . قوله قُدّس سرّه: «بل قام لهم غير الإمامة في اللطف مقامها»، اللام في «اللطف» للجنس، أي في أفراده، و هو اللطف الذي يقتضي العصمة، و الحكمة اقتضت عدم عمومه، و إلّاكان كلّ واحدٍ من الناس في مرتبة النبوّة أو الإمامة. و استلزام وجود ذلك اللطف فيهم - لو فُرض اقتضاء الحكمة له - استغناءَهم عن الإمام لا ينافي احتياجهم إلى الإمام و حالهم ما هو معروف، و بناء الدليل عليه، و سيجيء في كلامه قدّس سرّه. (الأسترابادي).
5) . في حاشية «م»: «فإن قلت: فيجوز قيام غير الإمامة مقامها في اللطف في غير الإمام أيضاً، فلا يتمّ الدلالة علىٰ وجوب الإمامة بخصوصها. قلت: كون وجود الرئيس لطفاً فيمن لا يمتنع بالنظر إليه ضروريّ ، و أمّا من امتنع فيه ذلك فلقيام غيره مقامه مجال (ح. س)».
6) . قوله: «لكان وجهاً...» جواب «و لو قيل أيضاً».
فأمّا قولُه:
و يَلزَمُهم علىٰ عِلّتِهم: أنّ اللّهَ تَعالىٰ لَو كلَّفَ(1)مُكلَّفاً واحداً، أن يَستَغنِيَ(2)عن إمامٍ؛ لأنّ الأُلفةَ و الفُرقةَ إنّما يَصِحّانِ في الجَماعةِ.(3)
فطَريفٌ؛(4)لأنّ الذي حَكاه عنّا مِن الاستِدلالِ لَم نَقتَصِرْ فيه علىٰ ذِكرِ الفُرقةِ عندَ عدمِ الإمامِ فَقَط، بَل قد ذَكَرنا أيضاً وقوعَ الظُّلمِ و الفَسادِ، و فِعلَ الخَيرِ و الطاعاتِ. فهَبْ أنّ الأُلفةَ و الفُرقةَ إنّما تَصِحّانِ في الجَماعةِ و لا تَصِحّانِ في الواحدِ(5)أما يَصِحُّ في الواحدِ فِعلُ الطاعةِ و تَجنُّبُ المعصيةِ(6)
و قوله قُدّس سرّه: «أ ما يصحّ في الواحد فعل الطاعة و تجنُّب القبيح ؟» أي صحّة يستوي أو يجوز معها الطرفان، فيُحتاج إلى اللطف بالغايتين معاً. (الأسترابادي).
و في حاشية «م»: «و من خُلق وحده يجوز منه فعل العنف و الكذب و نحوه ممّا لا يتعدّىٰ إلىٰ غيره، و الإمام لطف فيها (ح. س)».
؟ و هذا(7)سَهوٌ مِن صاحبِ الكتابِ .1) . في المغني: «لو خلق».
2) . في المطبوع: «لاستغنىٰ ».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 25.
4) . الطريف: الغريب و المستحدث. راجع: القاموس المحيط، ج 3، ص 226؛ الصحاح، ج 4، ص 1394 (طرف).
5) . قوله قُدّس سرّه: «فَهَب أنّ الأُلفة والفرقة إنّما تصحّان في الجماعة و لا تصحّان في الواحد» كأنّه قدّس سرّه لم يُرِد به التسليم و التنزّل بعد المنع حتّىٰ يَردَ أنّ المنع مكابرة. و قد يُتكلّف بأنّ الواحد يجوز انضمام غيره إليه، و الجواز كافٍ فيما نحن بصدده، فيُجزي في الواحد أيضاً؛ فتأمّل فيه. أو أنّ المراد بالأُلفة ما يشمل الاستيناس باللّٰه سبحانه و الملائكة و نحوهم. (الأسترابادي).
6) . في «ج، ص، ط»: «القبيح».
7) . في المطبوع: «فهذا».
فأمّا قولُه:
و يَلزَمُ إذا كان المعلومُ مِن حالِ الجَماعةِ أنّها تَبقىٰ علَى الطاعةِ كالملائكةِ أن تَستَغنِيَ عن الإمامِ....(1)
فلا شَكَّ أنّ مَن كانَ معصوماً فهو مُستَغنٍ عن إمامٍ يَكونُ لُطفاً له في الامتناعِ مِن القَبيحِ(2)
و في حاشية «م»: «فإن قلت: علىٰ ما أفاده السيّد فما يعمّ إمامةُ أمير المؤمنين عليه السلام الحسنين عليهما السلام، و كذا كلّ إمام لا يعمّ إمامتُه مَن عاصره ممّن يصير إماماً بعده؛ لعصمتهم عليهم السلام قبل الإمامة كعصمتهم حال الإمامة. قلت: الاستغناء عن الإمام من هذا الوجه أعني الزجر عن القبيح لا يستلزم الاستغناء مطلقاً؛ فإنّ كلّ [إمام] يفتقر إلىٰ من سبق إمامتُه مادام السابق حيّاً، و لذا لا يكون إماماً إلّابعد وفاة السابق و حينئذٍ يصير أفضل أهل [زمانه] كما روي في الكافي بعدّة طرق أنّ الإمام الأخير يَعرف ما عند الأوّل في آخر دقيقة تبقىٰ من روحه، و يمكن أن يكون الأوّل لطفاً في بقاء العصمة للثاني. و يظهر من الروايات [أنّ ] أمير المؤمنين عليه السلام كان إماماً في زمن الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله [و] كان صامتاً، و كذا الحسنان صلوات اللّٰه عليهما؛ فتدبَّر (ح. س مُتِّعنا ببقائه)».
، و لَيسَ مَعنَى المعصومِ أكثَرَ مِن أن يُعلَمَ أنّه يَبقىٰ علَى الطاعةِ و لا يَخرُجُ عنها.(3)و لا فَرقَ في الاستغناءِ عن الإمامِ مِن هذا الوجهِ بَينَ مَن المعلومُ أنّه يَبقىٰ علَى الطاعةِ كالملائكةِ ، و بَينَ الأئمّةِ و الأنبياءِ .(4)1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 25. و فيه: «عن إمامٍ » بدل «عن الإمام».
2) . قوله قُدّس سرّه: «عن إمام يكون لطفاً له في الامتناع من القبيح»، قيَّدَ به للإشعار بأنّ العصمة لا تقتضي الاستغناء عن الإمام رأساً. و أمّا استغناء الإمام عنه رأساً فلاستجماعه لصفات أُخر نوجبها فيه تقتضي عدم الاحتياج إليه مطلقاً كالأنبياء عليهم السلام. (الأسترابادي).
3) . في المطبوع: «منها».
4) . في حاشية «م»: «كان الظاهر أن يقول: «بينَ مَن المعلوم أنّه يبقىٰ على الطاعة كالملائكة و الأنبياء و الأئمّة، و بينَ غيرهم من المعصومين» و لعلّ غرضه أن لا حاجة إلى التشبيه بالملائكة، بل كان التشبيه بالأنبياء و الأئمّة أنسب؛ لاستغنائهم عن الإمام مع كونهم من نوع الإنسان؛ فتدبَّر (ح. س)».
فأمّا قولُه:
لأنّ في العقلاءِ(1)
و بالجملة: قد يترتّب علىٰ بعث النبيّ من تفرُّق كلمة من بُعث إليهم و تشتُّت شملهم و إفضاء الأمر إلى التحارب و التقاتل و الفساد في الدِّين كقتل النبيّ و المؤمنين و فعل ما نهىٰ عنه و حرّمه ما لو لم يُبعث النبيّ و لم يُشرّع لهم الأحكام و خُلّوا و أنفسهم و لم يُقهروا على الطاعة و الانقياد و لم يؤمروا بالاستسلام و التذلّل و اكتُفي بما تقتضيه عقولهم من الأحكام لم يقع شيء منه، فلو صحّ ما ذكره لكان تركُ البعث أرجح و أَولىٰ و فعلُه عدولاً عمّا هو الأصلح بحالهم، و لا يحوم حوله من أقرّ بقضيّة العقل و أوجب فعل الأصلح عليه تعالىٰ .
قال الشيخ رحمه اللّٰه: «ثمّ الذي يقع من الفساد عند وجود الرئيس لولاه لم يمتنع أن يقع من الفساد أضعاف ذلك، و لكان يحصل من الظلم و التعدّي ما لم يقع عند وجوده؛ و هذا كما نقول نحن و مخالفونا: أنّ ما يقع من الفساد و الهرج و المرج عند بعثة الأنبياء و تنفيذ الرُّسل لولاهم لوقع أضعاف ذلك، و أنّ بعثتهم لا تخرج أن يكون فيها لطف و إن لم يظهر؛ و كذلك جوابنا في الرياسة» [التلخيص، ج 1، ص 73]. (الأسترابادي).
مَن إذا تُرِكَ و اختيارَه، و لَم يُجعَلْ (2)تابِعاً لغيرِه و مُنقاداً1) . قال القاضي: «لأنّ في العقلاء...». إن أراد أن يُبطل كون الإمام لطفاً بطريق النقض أوالمنع و السند، وَرَدَ على الأوّل: أنّك إن أردت بالصلاح صلاح أُمورهم في معاشهم بالتوافق و الائتلاف و عدم الافتراق و التنازع، فعلىٰ تقدير تسليمه لا يقدح فيما تمسّكنا به؛ لأنّا لم نكتف بهذا القدر في كون الإمام لطفاً، كيف و من غاياته فعل الطاعات و التجنُّب عن المعاصي كما تقدّم في كلامه قدّس سرّه آنفاً. و إن أردت ما يشمل ذلك فممنوع، إلّاأن يُدّعى اتّصافهم بالعصمة. و على الثاني: أنّك إن منعت قولنا: «الإمام لطف» في التوافق و الائتلاف و فعل الخيرات و الطاعات و اجتناب الظلم و العدوان و المعاصي، فالمنع مكابرة فاحشة، و السند لا ينفعك. و إن منعت كونه لطفاً في الاتّفاق و الائتلاف، فنحن لم نكتف به. و إن أراد إبطال التمسّك بما يفعله العقلاء، فما يذكره السيّد قدّس سرّه فيما يأتي يكفي في دفعه، و يرد عليه أيضاً أنّ التمسّك بفعل العقلاء إنّما هو لتأييد ما تقتضيه العقول من وجوب اللطف، و ما ذكرتَه لا يدفع وجوب اللطف و هو ظاهر، و لا أصل التأييد كما لا يخفىٰ .
2) . في «ف» و المطبوع: «و لم يحصل».
له، يَكونُ(1)أقرَبَ إلَى الصَّلاحِ؛ و متىٰ قُهِرَ علَى اتّباعِ غيرِه، كانَ مِن الصَّلاحِ أبعَدَ....(2)
فإنّا لا نَشُكُّ أنّ في(3)العقلاءِ مَن إذا قُهِرَ علَى اتّباعِ غيرِه لَم يَستَقِمْ حالُه و كانَ إلَى الفَسادِ أقرَبَ، غيرَ أنّه و إن لَم يَصلُحْ حالُه علىٰ مَن قُهِرَ علَى اتّباعِه لنِفارِه عنه(4)و كراهتِه له أو لِغيرِ ذلكَ ، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ ممّن يَصلُحُ حالُه أو يَستقيمُ علىٰ غيرِه ممّن يَرتَضيهِ و يَميلُ إليه و يؤثِرُ رئاستَه و الانقيادَ له.
و ما ذَكره إنّما يَكونُ قَدْحاً في قولِ مَن قالَ : «إنّ الصَّلاحَ حاصلٌ عندَ وجودِ كلِّ رئيسٍ ، كائناً مَن كانَ » و لَم نَقُلْ بهذا(5)فيَقدَحَ به في قولِنا.
و المَوضِعُ الذي يُحتاجُ إلىٰ تحصيلِه(6): أنّ حالَ الناسِ لا يَجوزُ أن يَكونَ مع فَقدِ
1) . في المغني: «كان».
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 25.
3) . في المطبوع: «من».
4) . في «ط» و حاشية «ج، ف»: «منه».
5) . في «ج، ص، ف»: «هذا».
6) . قوله قُدّس سرّه: «و الموضع الذي يُحتاج إلىٰ تحصيله...»، محصوله: أنّ المقصود هنا ليس إلّا إثبات وجوب رئيس في الجملة بما تحكم به العقول من أنّ حالهم في الصلاح معه ليس كحالهم مع عدمه، و لا ندّعي أنّ الصلاح حاصل مع وجود كلّ رئيس كائناً مَن كان. و ما أوردته من أنّ «حالهم مع القهر على الاتّباع للرئيس كان أبعد عن الصلاح» إن أردتَ أنّ حالهم مع الرئيس مطلقاً كذلك فباطل؛ ضرورة أنّ الذين قُهروا علىٰ رئيسٍ يكرهون رياسته و لا يميلون إليه لو نُصب لهم مَن يرتضونه و يميلون بأنفسهم إليه لم يكن الأمر كذلك، بل يحصل لهم من السكون إليه ما يقرّبهم إلى الصلاح و يبعّدهم عن الفساد. و إن أردتَ أنّ حالهم مع بعض الرؤساء كذلك، فهو غير قادح فيما أثبتناه من وجوب رئيس في الجملة؛ فظهر أنّ الفساد لم يحصل من مطلق الاتّباع و لم يستند إلىٰ أصل الرياسة، بل إلىٰ خصوص الرئيس. و أمّا إثبات صفات الرئيس و ما يجب أن يكون عليه، فليس هنا موضعه. (الأسترابادي).
رئيسٍ ما في الجُملةِ كحالِهم عندَ وجودِه، و إن كانَ لا يَمتَنِعُ أن يَكرَهوا رئيساً دونَ رئيسٍ، و يَفسُدوا عندَ رئاسةٍ دونَ رئاسةٍ.
و الذي يُبيِّنُ هذا و يَكشِفُه: أنّ الذين يَفسُدونَ و يَضطرِبونَ عندَ إقامةِ بعضِ
الرؤَساءِ، لَو أُقيمَ لهم مَن يَختارونَه و نُصِبَ لهم مَن يَرتَضونَه(1)، لَسَكَنوا إليه وَ صَلَحوا عليه؛ فدَلَّ ذلكَ علىٰ أنّ فَسادَهم عندَ رئاسةِ مَن كَرِهوه لَم يَكُنْ(2)لأمرٍ يَتعلَّقُ بأصلِ الرئاسةِ و جُملةِ الرؤَساءِ، بل لأجلِ رئيسٍ دونَ رئيسٍ.
و هؤلاءِ الخَوارجُ(3)- مع خَلعِهم(4)لطاعةِ السُّلطانِ و مُروقِهم عن كلمتِه(5)- لَم يَخلوا مِن الرؤَساءِ و نَصبِ الأُمَراءِ، و رؤَساؤهم في كُلِّ وقتٍ بَعدَ آخَرَ(6)معروفونَ .
1) . في المطبوع: «يرضونه».
2) . في المطبوع: + «استفرغ».
3) . كلّ من خرج على الإمام الحقّ الذي اتّفقت الجماعة عليه يسمّى خارجيّاً. و أوّل من خرج على أمير المؤمنين عليّ عليه السلام جماعة ممّن كان معه في حرب صفّين، و أشدّهم خروجاً عليه الأشعث بن قيس الكندي، و مسعر بن فدكي التميمي، و زيد بن حصين الطائي حين قالوا: القوم يدعوننا إلى كتاب اللّٰه و أنت تدعوننا إلى السيف ؟! و بعد ما حصل من أمر الحكمين، خرجوا علىٰ أمير المؤمنين عليه السلام و قالوا: لِمَ حكّمت الرجال ؟ لا حكم إلّاللّٰه. و هم المارقة الذين اجتمعوا بالنهروان. و يجمعهم القول بالتبرّي من عثمان و أمير المؤمنين عليه السلام، و يقدّمون ذلك على كلّ طاعة، و لا يصحِّحون المناكحات إلّاعلى ذلك، و يكفّرون أصحاب الكبائر. و هم عدّة فِرق، و لكلّ فرقة فروع، و كبار الفرق منهم: المحكّمة، و الأزارقة، و النجدات، و البيهسية، و العجاردة، و الثعالبة، و الإباضية، و الصفرية. الملل و النحل للبغدادي، ص 57 و ما بعدها؛ الملل و النحل للشهرستانيّ ، ج 1، ص 131-161.
4) . في «ط»: «خلفهم».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «جملته».
6) . في «ط»: «وقت».
و كذلكَ مَن لَم يَزِلَّ عن هذه الطبقةِ - مِن أهلِ الدَّعارَةِ (1)و التلَصُّصِ (2)- لا بُدَّ أن يَكونَ لهم رئيسٌ يَفزَعونَ إلىٰ رأيِه، و(3)كبيرٌ يَتدبَّرونَ بتَدبيرِه.
فمَن نازَعَ مِنهم(4)الإماميّةَ فيما ادَّعَيناه أوّلاً مِن أنّه «لا يَجوزُ أن يَكونَ حُكمُ وجودِ الرئاسةِ في الجُملةِ حُكمَ ارتفاعِها»(5)نبَّهناه علىٰ غَفلتِه، و دَفعِه(6)لِما(7)هو ثابتٌ في عَقلِه. و إن خالَفَنا في الثاني - و هو أنّ بَعضَ العقلاءِ قد يَكرهُ بَعضَ الرؤَساءِ و لا يَنقادُ له، و يَفسُدُ عندَ وِلايتِه - لَم يَضُرَّنا خِلافُه؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ ذلكَ - و إن صَحَّ - فهو غيرُ قادِحٍ في طريقتِنا.(8)
فأمّا قولُه:
و بَعدُ، فيَلزَمُهم علىٰ هذه الطريقةِ إثباتُ أئمّةٍ ؛ لأنّ المُتعالَمَ (9)أنّ أهلَ كُلِّ
1) . هكذا في «ص، ط». و في المطبوع: «الذعارة». و في «ج، ف»: «الدغارة». و الدَّعَر - محرّكةً -: الفساد و الفسق و الخبث، كالدَّعارة. يقال: رجل دَعِرٌ، أي خبيث مفسد بيّن الدَّعارة. و أصله من دَعِرَ العود: إذا كثر دخانه. الصحاح، ج 2، ص 658؛ القاموس المحيط، ج 2، ص 87؛ المصباح المنير، ص 194 (دعر).
2) . اللِّصُّ و اللُّصُّ : السارق. المصباح المنير، ص 553 (لصص).
3) . في «ط، ف»: «أو».
4) . في «ص، ف»: - «منهم».
5) . الارتفاع هنا بمعنىٰ عدم الوجود. و يلاحظ أنّ هذه الكلمة تكرّرت في الكتاب.
6) . في المطبوع: «و رفعه».
7) . في «ج»: «بما».
8) . في «ج، ص، ف»: «في طريقتنا به». و في المطبوع: «في طريقنا».
9) . في «ص، ط» و حاشية «ج»: «المعلوم». و تعالَمَ الناسُ الخبرَ: علموا به، فهو متعالم. راجع: شمس العلوم، ج 7، ص 4747 (التعالم).
بَلَدٍ إذا كانَ لهم رئيسٌ يُشارِفُ(1)أحوالَهم و لا يَغيبُ عنهم، و يأخُذُ حالاً بَعدَ حالٍ علىٰ أيديهِم [و يُقوِّمُ المُعوَجَّ مِنهم، و يُزيلُ الشَّتاتَ(2)عنهم](3)أنّهم أقرَبُ إلَى الصَّلاحِ مِن أن يَكونَ الرئيسُ في العالَمِ واحداً.(4)
فقَد بيّنّا فيما سَلَفَ بُطلانَ التعلُّقِ بهذا المعنىٰ(5)، و قُلنا: إنّ العقول لا تَدُلُّ علىٰ إثباتِ عَدَدٍ في الأئمّةِ و الرؤَساءِ دونَ عَدَدٍ، و أنّه موقوفٌ علىٰ ما يَعلَمُه اللّٰهُ تَعالىٰ مِن الصَّلاحِ.
و لَيسَ يَجِبُ ما ظَنَّه مِن أنّ اعتبارَنا يوجِبُ(6)
و في حاشية «م»: «يوجِبُ » خبر «أنّ » أي ليس يجب علينا ما ظنّه على الإطلاق بحيث يجوز أن يكون متعلَّق النظر كون اعتبارنا لما يقتضيه العقل يوجب وجود الرئيس الذي هو بصفة إمام الكلّ في كلّ مكان، و أن يكون متعلَّقه كون اعتبارنا يقتضي وجود رئيس مّا سواء كان بصفة رئيس الكلّ أو منصوباً من قِبله في كلّ مكان؛ و حينئذٍ يستقيم الترديد الذي بعده؛ فتدبَّر.
وجودَ الرئيسِ في كُلِّ مكانٍ و في كُلِّ بَلَدٍ(7)لأنّه:إن أرادَ بذلكَ أنّ رئاسةً مّا يَجِبُ في كُلِّ بَلَدٍ؛ فهو صحيحٌ، و عندَنا أنّ الإمامَ و إن كانَ
1) . شارفه - و عليه -: اطّلع من فوق. القاموس المحيط، ج 3، ص 213 (شرف).
2) . الشَّتات: التفرّق. و شَتَّ الأمر شَتّاً: إذا تفرّق. مجمع البحرين، ج 2، ص 207 (شتت).
3) . ما بين المعقوفين من المغني.
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 25.
5) . تقدّم في ص 218.
6) . في المطبوع: «من اعتبار ما يوجب».
7) . قوله قُدّس سرّه: «و ليس يجب ما ظنّه [من] أنّ اعتبارنا يوجب وجود الرئيس في كلّ مكان و في كلّ بلد». قوله «يوجب» خبر «أنّ »، أي: ليس يجب علينا ما ظنّه على الإطلاق، بحيث يجوز أن يكون متعلّق الظنّ كون اعتبارنا لما يقتضيه العقل يوجب وجود الرئيس الذي هو بصفة إمام الكلّ في كلّ مكان، و أن يكون متعلّقه كون اعتبارنا يقتضي وجود رئيس سواء كان بصفة رئيس الكلّ أو منصوباً من قِبله في كلّ مكان، و حينئذٍ يستقيم الترديد الذي بعده؛ فتدبَّر. (الأسترابادي).
واحداً فواجبٌ(1)عليه أن يَستَخلِفَ الخُلَفاءَ في البُلدانِ ، و يؤمِّرَ الأُمَراءَ في الأمصارِ.
و إن أرادَ أنّه لا بُدَّ مِن أن يَكونَ الرئيسُ في كُلِّ مَوضِعٍ بصفةِ رئيسِ الكُلِّ و إمامِ الجَميعِ ، فهو اقتراحٌ طَريفٌ لا يَدُلُّ عليه العقلُ ، و لا يَجِبُ عَلَينا التِزامُه مِن حَيثُ أَوجَبْنا الرئاسةَ في الجُملةِ ، و الذي نُبَيِّنُه فيما بَعدُ بمَشيئةِ اللّٰهِ تَعالىٰ - عندَ مَصيرِنا إلىٰ مَوضِعِه مِن صفةِ إمامِ الكُلِّ و أحوالِه، و ما يَجِبُ أن يَكونَ عليه - يَكشِفُ عن أنّ تِلكَ الصفاتِ لا يَجِبُ أن تَكونَ لخُلَفائه و الوُلاةِ مِن قِبَلِه.
فأمّا قولُه:
و متىٰ قالوا: إنّ الإمامَ يُوَلّي في كُلِّ بَلَدٍ.
قُلنا لهم: رُبَّما كانَ(2)الصَّلاحُ أن لا يَتَّبِعَ الرؤَساءُ بَعضُهم بَعضاً، و يَنقادَ
بَعضُهم لِبَعضٍ؛ لأنّ مِن حَقِّ الرئيسِ أن يُمَيَّزَ(3)في ذلكَ عن الرَّعيّةِ (4)....
فلَسنا نُنكِرُ أن يَكونَ الصَّلاحُ في بَعضِ الأحوالِ علىٰ جهةِ التقديرِ(5)ما ذَكَره، و إذا وَقَعَ ذلكَ نَصَبَ اللّٰهُ تَعالىٰ في كُلِّ بَلَدٍ إماماً له صفاتُ إمامِ الجَميعِ ؛ فإنّ العقلَ يُسَوِّغُ ذلكَ و لا يَمنَعُ مِنه، بَل لا يَمنَعُ (6)أن يَنصِبَ اللّٰهُ تَعالىٰ لكُلِّ واحدٍ مِن الناسِ
1) . في المطبوع: «فيجب».
2) . في حاشية «م»: قوله: «ربّما كان... إلىٰ آخره» إن كان علىٰ سبيل الاحتمال فهو خروج عن منصب الناقض، فلابدّ من حمله علىٰ دعوى ظهوره؛ و قد نبَّه عليه السيّد - رضي اللّٰه عنه - آخراً (ح. س).
3) . في المطبوع: «أن يتميّز».
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 25-26.
5) . في المطبوع: «تقدير» بدون الألف و اللام.
6) . في المطبوع: «لا يمتنع».
إماماً، و إنّما الذي مَنَعْنا مِنه أن يَكونَ ذلك واجباً؛ فأمّا أن يَكونَ جائزاً فممّا لا يَضُرُّنا، و لا يَنفَعُ صاحبَ الكتابِ .
فأمّا قولُه:
فلَو(1)جازَ لبَعضِهم أن يَكونَ تابعاً لبَعضٍ، جازَ في أوّلِهم أن يَكونَ تابعاً للجَماعةِ(2)
و يُحتمل أن يريد أ نّه إذا جاز اتّباع الوالي لإمام الكلّ ، جاز اتّباع إمام الكلّ للجماعة الناصبين له؛ قياساً لتبعيّة الإمام لهم علىٰ تبعيّة الوالي له. و فيه مع ما سبق: أ نّه إنّما يتمّ إذا كان تبعيّة إمام الكلّ للجماعة مثل تبعيّة الوالي لإمام الكلّ و هو تبعيّة الأدنىٰ للأعلىٰ ، فيكون تبعيّة إمام الكلّ للجماعة تبعيّة الأدنىٰ للأعلىٰ ، و إلّالم يصحّ القياس؛ لأنّه لا يجوز قياس متابعة الأعلىٰ للأدنىٰ على العكس، و لا علىٰ متابعة المساوي للمساوي.
و يُحتمل أن يريد: أ نّه إذا جاز لبعض الناس أن يتّبع بعضهم بعضاً كما جاز لرعايا أُمراء الإمام و خلفائه متابعتهم لهم، و جازت المتبوعيّة و الرياسة من غير نصبٍ منه تعالىٰ ، جاز لإمام الكلّ المتبوعيّة و الرياسة من غير أن يكون منصوباً من قِبله تعالىٰ بأن يكون تابعاً للجماعة إذا أرادوا نصبه؛ قياساً لاتّباع الإمام الجماعة على اتّباع الرعايا لمن ولّاه الإمام، و مع عدم كون المتبوع منصوباً من قِبله تعالىٰ فيهما؛ فتأمَّل. (الأسترابادي).
، إذا أرادوا نَصبَه؛ فمِن أينَ أنّه(3)لا بُدَّ مِن إمامٍ مِن قِبَلِه تَعالىٰ؟....(4)1) . في المغني: «فإن».
2) . قال القاضي: «فلو جاز لبعضهم أن يكون تابعاً لبعض جاز في أوّلهم...»، أراد أ نّه إذا جازلبعض الرؤساء أن يتّبع بعضهم بعضاً و لم تَأبَ الرياسة التبعيّة للغير، جاز لأوّلهم و هو إمام الكلّ أن يتّبع الجماعة الذين يريدون نصبه، فلا يجب نصبه على اللّٰه سبحانه كما هو مذهب الشيعة؛ قياساً لعدم وجوب نصب إمام الكلّ عليه تعالىٰ علىٰ عدم وجوب نصب الرئيس الذي من قِبل الإمام عليه تعالىٰ بجامع الرياسة. و فيه: أنّ غاية ما في الباب أنّ الرياسة لا تقتضي وجوب النصب من قِبله تعالىٰ، و نحن لم نُثبت ذلك بمحض الرياسة، بل بدليل آخر كما قاله السيِّد قدّس سرّه.
3) . في المطبوع: - «أنّه».
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 26.
فهو رجوعٌ إلَى الظنِّ عَلَينا إيجابَ النصِّ علَى الإمامِ مِن قِبَلِ اللّٰهِ تَعالىٰ مِن حَيثُ أوجَبْنا الرئاسةَ في الجُملةِ و حصولَ اللُّطفِ بها، و قد كرَّرنا(1)أنّ الطريقَينِ مُختَلِفانِ ، و أنّ الذي به يوجَبُ (2)النصُّ عليه لَيسَ هو الذي دَلَّ علىٰ ثُبوتِ اللُّطفِ في الرئاسةِ علىٰ سَبيلِ الجُملةِ .
علىٰ أنّ الذي ذَكَره مِن قولِه: «جازَ في أوّلِهم أن يَكونَ تابعاً للجَماعةِ إذا أرادوا نَصبَه» تصريحٌ(3)مِنه باتّباعِ الإمامِ و انقيادِه لمَن يُريدُ نَصبَه مِن الرَّعيّةِ (4)
لا يُقال: إنّه إنّما بنىٰ ذلك على الإلزام علينا، و محصول كلامه: أنّكم جوّزتم كون الرئيس تابعاً لغيره و عدم إباء الرياسة عنه، فلو صحّ ذلك صحّ أن يكون رئيس الكلّ تابعاً للجماعة الذين ينصبونه، فلو لم يجوّز القاضي ذلك جاز له أن يقول ذلك بطريق الجدل، و ليس فيه اعتراف و لا تصريح بأ نّه ممّا يعتقده و يقرّ به.
لأنّا نقول: لا ينكر هو و لا أحد من ذوي نحلته وجود الولاة و الخلفاء لمن يعتقدونه إماماً و أنّهم من أهل الاتّباع و الانقياد له، فلو لم يقتض ذلك جواز كون الإمام تابعاً لغيره عنده بطل ما ألزمه، و إلّافهو معترف و مصرّح بجواز تلك التبعيّة لإمام الكلّ ؛ فافهم. و أيضاً المقصود من القياس إثبات جواز التبعيّة للإمام بالنسبة إلى الجماعة الناصبين له بأنّ الرياسة لا تنافي التبعيّة للغير؛ سواء كان علىٰ سبيل الجدل أم لا، و هو مبنيّ علىٰ كون ذلك - أعني انقياد الإمام لمن يريد نصبه - تبعيّة، و إلّالم يفد القياس شيئاً.
و أمّا على الثالث: فكون بناء القياس علىٰ ذلك ظاهر. (الأسترابادي).
، علىٰ1) . في المطبوع: «و قد ذكرنا».
2) . في المطبوع: «نوجب».
3) . في «ط» و حاشية «ج، ف»: «فصريح».
4) . قوله قُدّس سرّه: «تصريح منه باتّباع الإمام و انقياده لمن يريد نصبه من الرعيّة علىٰ آكد الوجوه...». أمّا على الوجه الأوّل و الثاني من الوجوه الثلاثة التي ذكرناها: فلأ نّه ألزم عدم وجوب نصب الإمام من قِبله تعالىٰ بناءً علىٰ جواز تبعيّة الإمام للجماعة الناصبين له، فإن لم تصحّ هذه التبعيّة لم يصحّ ما ألزمه.
آكَدِ الوجوهِ(1)التي لَم يَزَلْ أصحابُنا يَسومونَ(2)أهلَ مَذهبِه التزامَها، و القَولَ بها فيَمتَنِعونَ (3)
و ما أجابوا به هو أنّ نصب الإمام من الرعيّة لا يوجب تبعيّته و انقياده لهم حتّىٰ يرد ما ذكرتم، و القاضي قد اعترف هنا بالتبعيّة علىٰ سبيل الطاعة و التصرّف بين أمرهم و نهيهم، و هو أبيَن فساداً من الاتّباع و الانقياد في حال من الأحوال كحال النصب مثلاً، و سيجيء الكلام علىٰ ذلك الجواب و توجيه الإيراد بما لا مدفع له، إن شاء اللّٰه تعالىٰ . (الأسترابادي).
لأنّه جَعَلَ اتّباعَه للجَماعةِ إذا أرادوا نَصبَه كاتّباعِ رَعايا أُمَرائه و خُلَفائه لهُم(4)، و نَحنُ نَعلَمُ أنّ اتّباعَ هؤلاءِ و انقيادَهم هو علىٰ سَبيلِ الطاعةِ1) . قوله قُدّس سرّه: «علىٰ آكد الوجوه»، حيث أقام عليه الدليل، و هو زائد علىٰ مجرّد الاعتراف و الالتزام الذي كان أصحابنا يطلبونه منهم. أو علىٰ آكد الوجوه و أشدّها في الشناعة، و هو الأظهر. (الأسترابادي).
2) . سامَه الأمرَ سَوْماً: كلّفه إيّاه أو أولاه إيّاه. لسان العرب، ج 12، ص 311 (سوم).
3) . قوله قُدّس سرّه: «فيمتنعون» إشارةٌ إلىٰ ما أجاب الجاحظ و غيره عمّا أورده جماعة من أصحابنا - علىٰ من يرىٰ وجوب نصب الإمام على الرعيّة، بعد ما قرّروا أنّ الإمام يجب أن يكون متبوعاً على الاستقلال، متصرِّفاً بالأمر و النهي و الوعد و الوعيد، متسلّطاً على الرعيّة بالردع و الزجر و إجراء الأحكام، مُهاباً بالقهر و السلطنة؛ حتّىٰ تحصل منه فائدة الرياسة و انتظام الشمل و استقامة الأمر - من أ نّه لو كان نصب الإمام مفوَّضاً إلى الرعيّة لدار حيثما داروا، وكان تابعاً لهم يميل مع أهوائهم عند النصب و العزل، و يحوم حول ما يريدون منهما، فينتفي ما يحكم العقل بكونه غاية لوجوده و موجباً لرياسته، و يكون منحطّاً عمّا يقتضيه العقل من علوّ المرتبة و مزيد القدر و الشرف و الفضل علىٰ غيره، و لا يحصل ما يجب من التعظيم و الإجلال، و لا ما ينبغي من معنى الاقتداء و الاهتداء به، و يفوت اللطف المطلوب منه.
4) . قوله قُدّس سرّه: «لأ نّه جعل اتّباعه للجماعة إذا أرادوا نصبه كاتّباع رعايا أُمرائه و خلفائه لهم». هذا يدلّ علىٰ أ نّه قدّس سرّه حمل كلام القاضي على الوجه الأخير ممّا ذكرنا، و كأنّه رأىٰ في كلامه ما ينصّ عليه. و قد يوجَّه كلامه قدّس سرّه بحيث لا يأبىٰ حمل كلام القاضي علىٰ أحد الوجهين الأوّلين: بأنّ الغرض أ نّه يلزمه ذلك؛ بناءً علىٰ أ نّه إذا كان جواز اتّباع بعض الرؤساء لبعض مفضياً لجواز اتّباع إمام الكلّ للجماعة الناصبين له - و الاتّباع الأوّل إنّما هو علىٰ سبيل تصرّف المتبوع في التابع بالأمر و النهي كما هو شأن اتّباع الرعايا للرئيس، فيكون اتّباع
و التصرُّفِ بَينَ أمرِهم و نَهيِهم. فإن كانَ قد نَشِطَ(1)أن يَجعَلَ حُكمَ الإمامِ مع مَن يَختارُه و يَنصِبُه(2)حُكمَ الرَّعيّةِ مع الأميرِ و مَن جَرىٰ مَجراه مِن الوُلاةِ ، فما بَقِيَ مِن(3)الشَّناعةِ مَوضِعٌ لَم يَصِرْ إليه، و قد زادَ علىٰ ما أرادَه(4)أصحابُنا مِن أهلِ مذهبِه في التزامِ (5)هذا المعنىٰ .
فأمّا قولُه:
فإن قالوا: المُقَرَّرُ في عقولِ العقلاءِ الفَزَعُ إلىٰ نَصبِ رئيسٍ يَجمَعُ الكلمةَ،(6)و يَنظِمُ الشَّملَ ،(7)و يَجمَعُ علَى الصَّلاحِ ، و يُزيلُ الفَسادَ،
إمام الكلّ أيضاً كذلك، و لا فرق عندهم بين فرقة و فرقة في جواز نصب الإمام - كان اتّباع إمام الكلّ للجماعة الناصبين له مثل اتّباع رعايا أُمراء الإمام لهم بأن يكون علىٰ وجه الانقياد للتصرّف بالأمر و النهي. و فيه تكلّف، كما لا يخفىٰ . (الأسترابادي).
و في حاشية «م»: «إذ نسبة الرعايا إلى الأمراء كنسبة الأُمراء إلى الإمام؛ لكون الأُمراء رعايا للإمام، فتدبَّر تفهم (ح. س)».
و في حاشية أُخرىٰ : «كأنّ الظاهر أن يقول: «كاتّباع أمرائه له، و نحن نعلم... إلىٰ آخره» و كأنّه - قُدّس سرّه - غيَّرَ ذلك بما ذكره لتَساوي نسبة أُمرائه إليه و نسبة رعايا أُمرائه إليهم مع زيادة شناعة هذا التشبيه، ففعل كذلك إظهاراً لهذه الشناعة الزائدة؛ فتأمَّل (بخطّ مولانا محمّد هادي مازندراني)».
1) . نَشِطَ - كسَمِعَ - نَشاطاً: طابت نفسه للعمل و غيره. القاموس المحيط، ج 2، ص 587 (نشط).
2) . في «ج، ص، ف»: «و ينصب».
3) . في «ص، ط، ف»: «في».
4) . في «ج، ص، ط»: «ما أراد».
5) . في «ص، ط»: «إلزام».
6) . في المغني: «الكلم».
7) . جَمَعَ اللّٰه شَمْلَهم، أي ما تشتَّتَ من أمرهم. الصحاح، ج 5، ص 1739 (شمل).
و هو الموجودُ في عقلِ(1)العقلاءِ عندَ الحوادثِ و النوائبِ(2)، و قد بَلَغَ حالُه في الظهورِ إلىٰ أنّ غيرَ العُقَلاءِ يَشرَكُهم فيه....
إلىٰ آخرِ السؤالِ .(3)
ثُمّ قولُه:
قيلَ لهم: قولُكم(4)«إنّ هذا مقرَّرٌ(5)في العقولِ » لا يَخلو مِن وجهَين:
إمّا أن يُدَّعىٰ عِلمُ اضطرارٍ، و ذلك ممّا لا سَبيلَ إليه؛ لأنّا نَجِدُ مِن أنفُسِنا خِلافَه(6)، و لأنّ الاختلافَ في ذلك ممكنٌ مع سَلامةِ الأحوالِ ، و لأنّه
1) . في المغني: «عقول».
2) . قال القاضي: «و هو الموجود في عقل العقلاء عند الحوادث و النوائب». الظاهر أ نّه من كلام السائل و هو بعيد الحصر؛ فلو أراد القاضي بسلامة الأحوال في قوله في الجواب: «و لأنّ الاختلاف في ذلك ممكن مع سلامة الأحوال» ما يشمل خلوّها من الحوادث و النوائب كما هو الظاهر، لم يتوجّه على السائل ذلك، و حمل سلامة الأحوال علىٰ ما لا ينافي طروّ الحوادث و النوائب بعيد، و كذا جعل الظرف لحكم العقل لا لمتعلّقه، فلا ينافي عموم متعلّقه، و كونه من كلام القاضي أقحمه في كلام السائل أبعد كما لا يخفىٰ . اللّهمّ إلّاأن يكون حمل كلام السائل علىٰ أ نّه بُنيَ علىٰ مجرّد جواز طروّ الحوادث و النوائب، أو يكون الغرض من الإيراد أنّ المدّعىٰ عامّ للأحوال كلّها، و ما ذكرته علىٰ ما صرّحت به من التخصيص لا ينطبق عليه؛ فتأمَّل. (الأسترابادي).
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 27.
4) . في المغني: «قيل له: قولك».
5) . في المغني: «المتصوّر».
6) . قال القاضي: «و ذلك ممّا لا سبيل إليه؛ لأنّا نجد من أنفسنا خلافه». لا ريب في كونه مكابرة، خصوصاً مع وجود ذلك التقيّد في كلام السائل. و أيضاً هذا منافر لما يعتذرون به عن استباق المبايعين في السقيفة بعد النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و مسارعتهم إلىٰ نصب الإمام هناك - مع أ نّه لم يدهمهم عدوّ، و لم يغشهم طارق، و لم يطرأهم حادثة و لا نائبة، و لم تلجئهم ضرورة إلى المبادرة إلى البيعة و عدم التوقّف ريثما فُرغ من أمر النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و تجهيزه و دفنه و تعزية أهل بيته، مع اشتراكهم معهم في إجالة الرأي و الاختيار و النظر في أمر الأُمّة، بل كونهم
لَيسَ بأن يُدَّعىٰ في العقلِ إماماً واحداً(1)بأَولىٰ مِن أن يُدَّعىٰ جَماعةً ، و
لا(2)بأن يُدَّعىٰ معصوماً أَولىٰ مِن غيرِه. و إن كنتَ تدَّعي(3)عِلمَ الاكتسابِ فبيِّنْ طريقَه....(4)
فقَد بيّنّا ما الذي يُعلَمُ ضَرورةً مِن هذا البابِ ، و ما الذي يُعلَمُ اكتساباً، و نبَّهْنا عليه؛ و جُملتُه: أنّ المعلومَ ضرورةً هو(5)أنّ الناسَ (6)لا يجوزُ أن يَكونَ حالُهم عندَ
أحقّ و أحرىٰ بذلك - من أ نّهم إنّما أفرغوا وسعهم عند وفاة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله قبل أن يفرغوا من أمره إلىٰ نصب الإمام؛ لأنّهم كانوا يرون وجوبه ضرورة، بل يرون أ نّه أوجب و آكد من تجهيز النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله. و في هذه المسارعة و المبادرة المؤذنة بمعنى الاختلاس و الاستلاب نكتة لا تخفىٰ على البصير؛ و هي أنّ القوم إنّما بادروا إلىٰ ما فعلوه لئلّا تفوتهم الفرصة التي لم يزالوا من [حين] أظهروا الإسلام منتظرين لانتهازها، ولا تزول المكنة التي كانوا قديماً مرتقبين لاختلاسها؛ حيث علموا أنّ الأصحاب إذا اجتمعوا واتّفقت كلمتهم و أخذوا بما تقتضيه عقولهم وتؤكّده وصيّة نبيّهم وتنصيصه علىٰ من هو أولىٰ بهم من أنفسهم اختاروا أفضلهم و أكرمهم، و أجلّهم قَدْراً، و أعظمهم شأناً، و أعلاهم مكاناً، و أشدّهم بلاءً في الإسلام، و أحبّهم إلى اللّٰه و رسوله، و أكثرهم اجتهاداً في ترويج هذا الدِّين، و إعلاء كلمته، و رفع مناره، و تثبيت قواعده و تشييد مبانيه، و أعرفهم بالأسرار الإلهيّة، و أعلمهم بالأحكام الدينيّة، و أخصّهم برسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله سرّاً و جهاراً و ليلاً و نهاراً، و مَن هو بمنزلة نفسه، أو كرأسه من بدنه، كما أخبر به في حديثه المشهور؛ فلذلك لم يلبثوا حتّىٰ يفرغ أهل بيته من تجهيزه و القيام بمراسم مصيبته، فبادروا إلىٰ مطلوبهم، و انتهزوا الفرصة حينما رأوهم مشغولين بمصيبته، و في مثل هذا الوقت يكثر التغلّب و يهون الخطب كما لا يخفىٰ . (الأسترابادي).
وجودِ الرؤَساءِ المُطاعينَ، و انبساطِ أيديهِم، و نُفوذِ أوامرِهم و نواهيهِم، و تمكُّنِهم مِن الحَلِّ و العَقدِ، و القَبضِ و البَسطِ، و الإحسانِ و الإساءةِ؛ كحالِهم إذا لَم يَكونوا في الصَّلاحِ و الفَسادِ.
و إنّما المُشتَبِهُ الذي يُرجَعُ فيه إلىٰ طريقةِ الاستدلالِ هو: هل(1)هذه حالُهم عندَ كُلِّ رئيسٍ، أو هو أمرٌ يَجوزُ اختصاصُه ببعضِ الرؤَساءِ دونَ بَعضٍ؟ و هل غيرُ الإمامِ يَقومُ مَقامَ الإمامِ في ذلك، أو هو ممّا(2)لا يَنوبُ مَنابَه فيه؟ و هل هذه الحاجةُ مُستمِرّةٌ لازمةٌ، أو هي مُنقَطِعةٌ يَجوزُ ارتفاعُها؟ فهذه الوجوهُ و ما قارَبَها هي التي يُمكِنُ أن يَقَعَ الخِلافُ(3)فيها، و يُبيَّنَ بالدليلِ (4)الصحيحُ مِنها.
فأمّا ما قدَّمناه(5)فلا طريقَ إليه مِن جهةِ الاستدلالِ ؛ لأنّه في حيِّزِ الضروراتِ (6)،
وجوب رئيس في الجملة، سواء كان ضروريّاً أو نظريّاً، والمقصود هو إثبات الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة، وهو الذي يتعلّق به بحث أصحابنا الإماميّة في الكلام ؟
قلت: هو داخل في المقصود؛ لأنّ ما نريد إثباته، بعضه ممّا يُدرك بالضرورة من غير نظر و لا اكتساب، و بعضه ممّا يُعلم بالنظر و الاكتساب؛ كيف لا؟ و إثبات وجوب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة يتوقّف علىٰ وجوب أصل الرياسة، لا أنّ بيان وجوب رئيس في الجملة مقصود أصالةً واستقلالاً. (الأسترابادي).
1) . في المطبوع: «هل هو».
2) . في المطبوع: «أو ممّن» بدل «أو هو ممّا».
3) . في المطبوع: «الاختلاف».
4) . في المطبوع: «و تبيّن الدليل».
5) . أي ما ذكره في بداية البحث عند قوله: «و جملته: أنّ المعلوم ضرورة...»، فقد قدَّمه على المشتَبِه الذي يُرجع فيه إلىٰ طريقة الاستدلال.
6) . قوله قُدّس سرّه: «لأ نّه في حيّز الضرورات». لا يُقال: «لو كان ضروريّاً لم يقع فيه اختلاف»؛ لأنّ الضروريّ قد يحتاج إلىٰ منبّه لولاه لربّما ذُهل عنه و ذُهب إلىٰ خلافه. علىٰ أنّ الاختلاف فيه من العقلاء غير مسلَّم، بل ما وقع فيه الخلاف يرجع إلىٰ ما يُدرك بالنظر و الاكتساب، و قد مرّت الإشارة إليه في كلامه قدّس سرّه. (الأسترابادي).
و ما هو معلومٌ بالعاداتِ. و قد قدَّمْنا أنّ مَن حَمَلَ نفسَه علىٰ دفعِه لم يَنفَصِلْ ممّن دَفَعَه عمّا يَعتقِدُه(1)في جميعِ العاداتِ و غيرِها.
و كيفَ لا يكونُ ما ذَكَرناه مُستَقِرّاً في العقولِ، معلوماً لسائرِ العقلاءِ؟ و نَحنُ
نَجِدُ جميعَ حُكَماءِ الأُمَمِ يَحُضّونَ(2)عليه، و يوصونَ به، و يُحذِّرونَ مِن التغافُلِ عنه و التفريطِ(3)في القيامِ به؛ و هذا أَرْدَشيرُ بن بابَكَ(4)
و في حاشية «م»: «و هو أوّل الساسانيّين، و يُقال: إنّه استولىٰ على الأقاليم و العمران جميعاً، و أوّل من لُقِّب ب «شَهَنشاه». و من كلماته: لا مُلك إلّابالرجال، و لا رجال إلّابالمال، و لا مال إلّابالعمارة، و لا عمارة إلّابالعدل. و قال: أسدٌ خَضوم خيرٌ من ملِكٍ غَشوم، و ملِكٌ غَشوم خيرٌ من فتنةٍ تدوم. و قال: الدينُ بالمُلك يقوىٰ ، و المُلكُ بالدين يبقىٰ (ح. س)».
- و ألفاظُه و وَصاياهُ في الحِكمةِ و ما يَتعلَّقُ بالأخذِ بالحَزمِ معروفةٌ - يقولُ(5):«المُلكُ و الدِّينُ أخَوانِ تَوأَمانِ؛(6)لا قِوامَ لأحَدِهما إلّابصاحبِه».(7)
1) . في المطبوع: «نعتقده».
2) . الحضّ على الشيء هو الحثّ عليه. النهاية، ج 1، ص 400 (حضض).
3) . في المطبوع: «و التقصير».
4) . هو أحد ملوك الطوائف، و كان على إصطخر، و كان جدّه ساسان و هو أوّل ملوك الساسانيّة، استولى على ملك الفرس، و استقامت له الأُمور فيها، و هو أوّل من وضع السكك و أوّل من رتّب المراتب في الملك و اقتدى به المتأخّرون من الملوك و الخلفاء، و حُفظت عنه وصايا في الملك و السياسة، ثمّ تخلّى عن الملك و انقطع للعبادة. و ما ذكره الصنّف رحمه اللّٰه في المتن جزء من وصيّته لولده سابور عندما نصبه ملكاً بعده، و تتمّة ما ذكر في المتن: «فالدِّين أسّ الملك، و الملك حارسه، و ما لم يكن له أسّ فمهدوم، و ما لم يكن له حارس فضائع...» و كان في عهده جالينوس المشهور بالطبّ ، و كانت مدّة ملكه أربع عشرة سنةً و ستّة أشهر. البلدان، ص 405-406؛ مروج الذهب، ج 1، ص 266؛ تاريخ الطبري، ج 2، ص 37؛ تاريخ ابن خلدون، ج 2، ص 244.
5) . في «ص»: «و يقول». و في «د» و المطبوع: «بقوله».
6) . التوأم: المولود مع غيره في بطن. و الجمع: تَوائمُ و تُؤامٌ . القاموس المحيط، ج 4، ص 16 (تأم).
7) . تجارب الأُمم، ج 1، ص 125؛ المنتظم، ج 2، ص 80؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 17، ص 124.
و مِن أمثالِهم القَديمةِ: «إنّ مَثَلَ المُلكِ و الدِّينِ مَثَلُ الروحِ و الجَسَدِ؛ فلا انتِفاعَ بالروحِ مِن غيرِ جَسَدٍ، و لا بجَسَدٍ مِن غيرِ روحٍ».(1)
و أمّا حُكماءُ العَرَبِ فقَولُهم في ذلك معروفٌ شايعٌ؛ قال الأَفوَهُ(2)الأَوْدِيُّ(3):
لا يَصلُحُ الناسُ فَوْضىٰ(4)لا سَراةَ(5)
و في حاشية «م»: «السَّرو: سَخاءٌ في مروءة؛ سَرىٰ يَسرو، و سَريَ يَسرىٰ ، سَرواً فيهما، و سَرُوَ يَسرو سَراوةً ، أي صارَ سَريّاً. و جمعُ السَّريّ سَراةٌ ، و هو جمع عزيز أن يُجمع فَعيل علىٰ فَعَلَة
لهم *** و لا سَراةَ إذا جُهّالُهم سادُوا1) . الإعجاز و الإيجاز، ص 50، مع اختلاف.
2) . اسمه صلاءة بن عمرو بن مالك، كان الأفوه من كبار الشعراء القدماء في الجاهليّة، و كان سيّد قومه و قائدهم في حروبهم، و العرب تعدّه من حكمائها. الأغاني، ج 12، ص 389، الرقم 14.
3) . قوله قُدّس سرّه: «قال الأفوه الأَوْديّ...». الأفوَه من الفَوَه بالتحريك و هو سَعة الفم، والصفة علىٰ أفعَل فَعلاء، صار عَلَماً للشاعر المشهور. و الأَوديّ بفتح الهمزة نسبة إلىٰ «أَوْدٍ» اسم رجل؛ قاله في الصحاح [ج 6، ص 2244 (فوه)]. و فيه [ج 3، ص 1099 (فوض)] أيضاً: «قوم فَوضىٰ، أي متساوون لا رئيس لهم». و «السَّراة» بالفتح: الأشراف، جمع سَريّ، علىٰ فعيل. و «تُهدىٰ» على البناء للمفعول، و «الأُمور» نائب الفاعل بعد حذف الخافض و هو اللام أو إلىٰ؛ قاله شارح المقامات، و كأنّه لا حاجة إليه؛ لأنّ الفعل قد يتعدّىٰ إلى الثاني بنفسه. و يُروى الفعل بفتح المضارعة علىٰ أن يكون من الهَدْء بالهمزة و هو السكون ثمّ خُفّفت بالقلب، و المراد استقامة الأُمور و خلوّها من الفساد و الاضطراب. و «الحَزم»: ضبط الرجل أمره و الحذر من فواته و الأخذ بالثقة، من قولهم: حزمت الشيء، أي شددته. و لفظة «ما» في «ما صَلَحَت» توقيتيّة؛ أي ما دامت صالحة. و المستكنّ في «تولّت» عائد إلى الأُمور، و المراد ضدّ الصلاح؛ قال في النهاية [ج 5، ص 230 (ولا)]: «ولّى الشيء و تولّىٰ: إذا ذهب هارباً و مُدْبراً. و تولّىٰ عنه: إذا أعرض». و قد يرجع الضمير إلىٰ أهل الحزم؛ لتضمّنه معنى الجماعة، و على التقديرين يدلّ الكلام علىٰ ضرورة وجود ذي رياسةٍ في الحالين. (الأسترابادي).
4) . قوم فَوْضىٰ - كسَكرىٰ -: متساوون لا رئيس لهم، أو متفرّقون، أو مختلط بعضهم ببعض. القاموس المحيط، ج 2، ص 520 (فوض).
5) . السَّرِيّ : الرئيس، و الجمع: أسرِياء و سُرَواء و سَراة. و السَّراة اسم جمع، و جمعها: سَرَوات. الإفصاح في فقه اللغة، ج 1، ص 133.
تُهدَى الأُمورُ بأهلِ الحَزمِ ما صَلَحَت(1)*** و إن تَوَلَّت فبالأشرارِ تَنقادُ
فالبَيتُ لا يَبتَني إلّابأعمِدةٍ *** و لا عِمادَ إذا لَم تُرسَ أَوتادُ
فإنْ تَجَمَّعَ أَوتادٌ و أعمِدةٌ *** و ساكنٌ ، بَلَغَ الأمرُ الذي كادوا(2)،(3)
فما يكونُ قولُ العقلاءِ و الألبّاءِ فيه هذا القولَ، و وصيّتُهم به جاريةً علىٰ هذا الوجهِ، كيفَ يُمكنُ أن يُدَّعَى(4)اختلافُ العقلاءِ فيه، و أنّه أمرٌ يُستَغنىٰ عنه أحياناً و يُحتاجُ إليه أحياناً؟!
و لَيسَ لأحَدٍ أن يقولَ: «فلَعَلَّ مَن حَكيتُم عنه ما ذَكَرتُموه غالِطٌ و متوَهِّمٌ لخِلافِ(5)الواجبِ »؛ لأنّا لَم نَحتَجَّ بقَولِه(6)علىٰ وجهٍ يَقدَحُ فيه مِثلُ هذا الكلامِ ، و إنّما أرَدنا أنّ اعتقادَ الحاجةِ إلَى الرؤَساء و عمومِ النفعِ بهم(7)شاملٌ للعقلاءِ ،
و لا يُعرف غيره [الصحاح، ج 6، ص 2375 (سرا)]. و قال ابن الحاجب و الرضيّ : إنّ الظاهر أنّه اسم جمع لا جمع (ح. س)».
1) . أي صلاح الأُمور يكون برئاسة العقلاء، و فسادها بغلبة الجُهّال؛ فتدبَّر «ح. س». (من حاشية «م»).
2) . أي: الذي أرادوا، نحو: (أَكٰادُ أُخْفِيهٰا). راجع: القاموس المحيط، ج 1، ص 463 (كود).
3) . التذكرة الحمدونيّة، ج 9، ص 250-251؛ بهجة المَجالس و أُنس المُجالس، ج 2، ص 362؛ الصحاح، ج 3، ص 1099 (فوض)؛ مفردات ألفاظ القرآن للراغب، ص 89 (أمر)؛ و ص 354 (رشد)؛ أساس البلاغة، ص 484؛ شمس العلوم، ج 8، ص 5271؛ تاج العروس، ج 10، ص 127 (فوض).
4) . في المطبوع: - «أن يدّعى».
5) . في «ط» و حاشية «ف»: «بخلاف».
6) . قوله قُدّس سرّه: «لأنّا لم نحتجّ بقوله...»، حاصله: أنّ المقصود أنّ وجوب الرياسة و كونها ممّا يُحتاج إليه مطلقاً ممّا تحكم به العقول ضرورة، و لا يختصّ بهذا الحكم أحد دون أحد، و ما نقلناه من قول من صحّت حكمته و عُلمت خبرته بأحوال الرياسة و ما يتعلّق بالحزم و التدبير ممّا يؤيّده و ينبّه عليه أبلغ تنبيه، و ليس المقصود من النقل إلّاتقوية المطلوب و التنبيه عليه كي لا يُذهب عنه، لا الإثبات بالدليل؛ فتدبَّر. (الأسترابادي).
7) . في «ص، ط»: «لهم».
و أنّه ممّا لا يَختصُّ به أحَدٌ، فاستَشهَدنا بقَولِ مَن قد صَحَّت حِكمتُه، و تبيَّنَت(1)معرفتُه بالسياسةِ و ما يَرجِعُ إلَى الأخذِ بالحَزمِ و التدبيرِ؛ ليَكونَ أبلَغَ فيما قَصَدْنا.
و بَعدُ، فكيفَ غَلِطَ هؤلاءِ فيما ذَكَرناه و لَم يَغلَطوا في جميعِ ما وَصَّوا به
مِن الحِكَمِ و الآدابِ و التدبيرِ و السياسةِ ، و نَحنُ نَجِدُ جميعَ العقلاءِ يَفزَعونَ في هذه الأُمورِ إلىٰ كُتُبِ هؤلاءِ القَومِ و يَستفيدونَ مِنها ما يَسوسونَ به أمرَ مَعايِشِهم و أكثرِ مُتَصرَّفاتِهم ؟! و هَل ادّعاءُ الغَلَطِ عَلَيهم في هذا دونَ غَيرِه إلّافِراراً مِن لُزومِ الحُجّةِ؟!
و أمّا قولُه:
و لَيسَ بأن يدَّعِيَ إماماً واحداً بأَولىٰ مِن [أن يدَّعِيَ ](2)جماعةً ، و لا معصوماً بأَولىٰ (3)مِن غيرِه....(4)
فقَد مضىٰ ما فيه(5)، و بيّنّا أنّ الذي به(6)يَثبُتُ وجوبُ الرئاسةِ و حصولُ اللطفِ بها(7)في الجُملةِ غيرُ الذي به يثبُتُ صفاتُ الرؤَساءِ و أعدادُهم.
و أمّا قولُه:
و لو أنّ قائلاً قال: «المتقرِّرُ(1)في العقولِ فَزَعُهم إلَى اختيارِ أنفسِهم(2)في نَصبِ رئيسٍ جامعٍ(3)للكلِمِ ، فيَجِبُ أن يَبطُلَ (4)بذلك إثباتُ الإمامِ بنَصٍّ أو مُعجِزةٍ (5)» لَكانَ أقرَبَ ممّا ذَكَروه(6).
فقَد سلَفَ (7)مِن الكلامِ عليه في هذا المعنى(8)المتكرِّرِ ما يُغني(9).
و بَعدُ، فإنّهم إنّما فَزِعوا إلَى اختيارِ أنفُسِهم، عندَ جَهلِهم بأنّ لهم إماماً يَجِبُ عَلَيهم طاعتُه، و عندَ نُفورِهم عمّن نُصِبَ لهم مِن الأئمّة و عِصيانِهم لهم؛ ففَزِعوا إلىٰ نَصبِ رئيسٍ (10)...
1) . في حاشية: «ج»: «المقرّر». و في المطبوع: «بالمتقرّر».
2) . أي اختيارهم بأنفسهم رئيساً جامعاً للكلم.
3) . في المغني: «و جامع».
4) . في المغني: «أن نبطل».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «معجز».
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 28.
7) . تقدّم في ص 247.
8) . و هو خلط صاحب الكتاب بين وجوب النصّ على الإمام، و وجوب أصل الإمامة.
9) . قوله قُدّس سرّه: «فقد سلف من الكلام [عليه] في هذا المعنى المتكرّر ما يُغني»، و هو أنّ ما يثبت به أصل الرياسة غير ما يثبت به صفات الإمام من كونه منصوصاً و نحوه، فبطل قوله: «فيجب أن يبطل [بذلك] إثبات الإمام بنصّ أو معجز» فإنّ ذلك لو ورد فإنّما يرِد لو كان طريقهما واحداً، و ليس كذلك. (الأسترابادي).
10) . قوله قُدّس سرّه: «و بعد، فإنّهم إنّما فزعوا إلىٰ نصب رئيس...»، إيراد آخر عليه بعد التنزّل، وملخّصه: أنّ ما ذكرتَ لا يُبطل ما ادّعيناه من وجوب كون الإمام منصوصاً مثلاً؛ فإنّ الفزع إلى اختيار أنفسهم لا يكون إلّاعند الجهل بالإمام المنصوص، أو عند النفور عنه و العصيان له
مِن حَيثُ فوَّتوا أنفسَهم الانتفاعَ بمَن نُصِبَ (1)لهم، و هذا يؤكِّدُ ما ذَكَرناه(2)مِن مُثابَرةِ (3)العقلاءِ علىٰ أمرِ الرئاسةِ ، و اعتقادِهم وجوبَها، و حصولَ الضَّرَرِ في الإخلالِ بها.
فأمّا قولُه:
و لَو أنّ قائلاً قالَ: «المتعالَمُ(4)أنّهم يَنصِبون رئيساً عندَ الحوادثِ، لا في كُلِّ حالٍ ؛ لأنّهم(5)مع سَلامةِ أحوالِهم قد لا يَفعَلونَ ذلكَ ، فإذا
لغرض نفسانيّ ، و ذلك لا يدلّ علىٰ عدم حكم عقولهم بوجوب النصّ عليه. فلو سُلّم اتّحاد الطريق لم يتوجّه الإيراد، بل ما ذكرت من الفزع إلى الاختيار يؤكّد المدّعىٰ في الجملة؛ حيث يقطعون بأن لا محيص عن وجود الرياسة و حصول الضرر بدونها. و فيه: أنّ هذا إنّما يصحّ أن لو كان القاضي مُعلِّلاً، فلعلّه في مقام المنع. و يمكن دفعه بأنّ الظاهر من كلام القاضي المعارضة، بناءً علىٰ أنّ المقصود إثبات الإمام المنصوص، كما يُشعر به قوله: «فيجب أن يبطل» فإنّ المنع لا يبطل أصل الدعوىٰ ، و كذا قوله: «لكان أقرب ممّا ذكروه» و بناء كلامه قدّس سرّه عليه؛ فتدبَّر. علىٰ أ نّه لو كان منعاً لكان منعاً للمقدّمة الضروريّة المنزّلة على الضرورة، فينبغي في المقام التنبيه لإزالة الخفاء.
و يمكن أن يقرّر كلامه قدّس سرّه بأنّ ما ذكرته من قولك: «فيجب أن يبطل...» يدفعه ما سلف في كلامنا من أنّ طريق إثبات وجوب الرياسة غير طريق إثبات وجوب الصفات المخصوصة للإمام، و ما ذكرته من أنّ المتقرّر في العقول فزعهم إلى الاختيار، فلا ينافي طريق إثبات وجوب أصل الرياسة بل يؤكّده، و لا يُبطل أيضاً طريق إثبات صفات الإمام. و لا يخفى جودته، و عدم ورود شيء عليه؛ فليُفهَم. (الأسترابادي).
1) . في المطبوع: «الاتّباع لمن نصب».
2) . تقدّم في ص 251-256.
3) . ثابَرَ على الشيء: واظب. و المثابرة: المواظبة. راجع: لسان العرب، ج 4، ص 99 (ثبر).
4) . هكذا في النسخ و المغني، و في المطبوع: «المعلوم». و تعالم الناسُ الخبرَ: علموا به، فهومتعالم. راجع: شمس العلوم، ج 7، ص 4747 (التعالم).
5) . في «د» و المطبوع: «و أنّهم».
دُفِعوا إلىٰ(1)محارَبةٍ و منازَعةٍ (2)، فعَلوه»، لَكانَ أقرَبَ ممّا قالوه....(3)
فقَد بيّنّا أنّ الأمرَ الذي يُحتاجُ فيه إلىٰ إمامٍ لَيسَ ممّا يَحدُثُ في حالٍ دونَ حالٍ ، بل هو عامٌّ في الأحوالِ (4)فكيفَ يَصِحُّ ما ذَكَروه ؟
و بَعدُ، فكيفَ يَجوزُ الاستِغناءُ عن الإمامِ في حالِ الأمنِ(5)و ارتفاعِ الحاجةِ إلَى الحَربِ و المنازَعةِ و ما جَرىٰ مَجراهما، و نَحنُ نَعلَمُ أنّ حالَ الأمنِ لا يؤمَنُ (6)فيها التظالُمُ و التغالُبُ ، و امتدادُ يدِ القويِّ إلَى الضعيفِ ، إلىٰ سائرِ ما يُستَغنىٰ عن ذِكرِه مِن وجوهِ الفَسادِ التي لا يَمنَعُ (7)الأمنُ مِنها و لا يُحيلُ وقوعَها(8)؟ و إذا كان كُلُّ هذا متوَقَّعاً مُمكِناً، و وجودُ مَن يُهابُ مكانُه و تُخشىٰ سَطوَتُه أو يوَقَّرُ في نفسِه
1) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع: «فإذا وقعوا في».
2) . في «د»: «محادثة».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 28.
4) . تقدّم في ص 225.
5) . قوله قُدّس سرّه: «و بعد، فكيف يجوز الاستغناء عن الإمام في حال الأمن...؟». بنى الأمر في الجواب الأوّل علىٰ أنّ مقتضى دليل اللطف عموم الحاجة إلى الإمام فيما يتعلّق به الإمامة، و أ نّه لا اختصاص لها بحال من الأحوال. و في هذا الجواب تعرَّض قدّس سرّه لإثبات الحاجة إليه في خصوص حال الأمن التي أنكرها القاضي، و أ نّه لا فرق بينها و بين غيرها كما يقتضيه العقول. و قوله: «علىٰ أ نّه لا فرق بين من قال: إنّ الإمام...» فيه معارضة له؛ فإنّ تخصيص الحاجة بحال المحاربة دون حال الأمن كتخصيص من يعكس؛ لاشتراك الحالين حسب ما يقتضيه العقل في الحاجة إلى الإمام علىٰ حدٍّ سواء، فما نجيب به فهو جوابنا عمّا زعمت. و أيضاً لمّا كان عموم الدعوىٰ بديهيّاً و ذهل المعترض عن بعض أفرادها، أجاب أوّلاً بأنّ التخصيص ليس مقتضىٰ حكم العقل كلّيّاً، ثمّ تعرَّض للتنبيه علىٰ ما ذهل عنه و أنكره بما يزيل الخفاء عنه؛ فتأمَّل. (الأسترابادي).
6) . في المطبوع: «لا يعدم».
7) . في المطبوع: «لا يمتنع».
8) . أي يجعله مستحيلاً.
و يُستَحيىٰ مِن مُجاهَدَتِه(1)يَرفَعُ ذلكَ أو يُقلِّلُه، فقَد بَطَلَ ما ظَنَّه مَن اختِصاصِ الحاجةِ إليه بحالٍ دونَ أُخرىٰ.
علىٰ أنّه لا فَرقَ بَينَ مَن قالَ: «إنّ الإمامَ قد يَجوزُ أن يُستَغنىٰ عنه في الأمنِ عندَ الاستِغناءِ عن(2)الحَربِ» و بَينَ مَن قالَ : «و قد يَجوزُ أيضاً أن يُستَغنىٰ عنه في الحَربِ و غيرِها ممّا ادُّعِيَ (3)أنّه يُحتاجُ إليه فيه»؛ و ما يُصحِّحُ الحاجةَ إليه في الحَربِ و المنازَعاتِ ، بمِثلِه يُصحَّحُ الحاجةُ إليه في جميعِ الأحوالِ .
و قولُه: «لأنّهم مع سَلامةِ الأحوالِ قد لا يَفعَلونَ ذلكَ» لا يُنكَرُ، غيرَ أنّهم إذا لَم
يَفعَلوه أعقَبَهم مِن الضَّرَرِ و الانتِشارِ(4)ما هو معروفٌ . و لَم يَكُن احتجاجُنا بفِعلِهم(5)حَسبُ ، و إنّما احتَجَجنا بأنّهم(6)يَفعَلونَ ذلكَ و يُبادِرونَ إليه لوجوبِه في عقولِهم، و متىٰ أغفَلوه تَبيَّنوا غِبَّ (7)مَضرَّتِه.
علىٰ أنّهم إذا لَم يَفعَلوا ذلكَ عَلِموا مِن أنفُسِهم أنّهم مُهمِلونَ و تارِكونَ لِما يَجِبُ في عقولِهم، و أنّهم مُستَعمِلونَ الهَوىٰ و مُتَّبِعونَ له؛ كما يَعلَمونَ - إذا كانوا عقلاءَ ، و ارتكبوا الظُّلمَ و ما جَرىٰ مَجراه في القَبائحِ في العقولِ - أنّهم فاعِلونَ لِما تَقتَضي(8)
1) . في المطبوع و حاشية «ف»: «مجاهرته» بالراء.
2) . في المطبوع: «من».
3) . في المطبوع و «د»: «ممّا يدّعى».
4) . الانتشار: التفرّق. النهاية، ج 5، ص 55 (نشر).
5) . في «د، ص»: «بقطعهم».
6) . في المطبوع: «و إنّما احتجاجنا أنّهم».
7) . في المطبوع: «عن مضرّته». و غِبّ كلّ شيء: عاقبته. الصحاح، ج 1، ص 190 (غبب).
8) . هكذا في «ط»، و في سائر النسخ و المطبوع: «يقتضي».
عُقولُهم خِلافَه، و أنّهم في ذلكَ عامِلونَ علَى الهَوىٰ و مائلونَ مع الطِّباعِ ؛ و لا يُخِلُّ ذلك بمعرفتِهم بقُبحِ (1)ما صَنَعوه. فكذلكَ حُكمُهم إذا أَهمَلوا أمرَ الإمامةِ و تَوانَوا عن إقامةِ الرؤَساءِ مِثلُ ذلكَ .
فأمّا قولُه:
لَو أنّ قائلاً قالَ: «فَزَعُهم إلىٰ نَصبِ رئيسٍ كفَزَعِهم إلَى الاستِبدالِ به(2)إذا كَرِهوا مِنه أمراً [أو عَلِموا مَرتَبةَ غيرِه، فيَجِبُ أن تَكونَ الإمامةُ هذه حالُها» لَكانَ أقرَبَ ممّا ذَكَروه].(3)
و قولُه(4):
و لَو أنّ قائلاً قالَ : «كُلُّ فِرقةٍ تَفزَعُ إلىٰ رئيسٍ غيرِ الذي تَفزَعُ إليه سائرُ الفِرَقِ ، فيَجِبُ إثباتُ رئيسٍ لكُلِّ فِرقةٍ »(5)لَكانَ أقرَبَ ممّا ذَكَروه.(6)
فقَد تكرَّرَ منّا الكلامُ عليه لتَكرارِه له(7)و جُملتُه: أنّه يَظُنُّ أنّ طريقتَنا في إثباتِ
1) . في «ص، ف»: «بقبيح».
2) . قال القاضي: «كفزعهم إلى الاستبدال به» يعني: أنّ حكم العقول بوجوب الرئيس مثل حكمهابجواز الاستبدال به لغيره إذا كرهوا منه أمراً، فلو كان مقتضى العقول وجوب الرئيس المنصوص عليه من اللّٰه تعالىٰ تعارَضَ الحكمان. و الجواب: منع كون ما يقتضي الصفات المخصوصة للإمام مقتضياً لجواز الاستبدال المذكور. نعم، ما يُدرك بالضرورة من وجوب رئيسٍ مّا لا يُنافي جواز الاستبدال المذكور. فما أورده مبنيّ على اتّحاد الطريقين، و هو وهم فاحش كما أشار إليه قدّس سرّه. (الأسترابادي).
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 28. و ما بين المعقوفين من المصدر.
4) . في «ص، ط»: «أو قوله».
5) . في المغني: «لكلّ قرية و إمام لكلّ طائفة» بدل «لكلّ فرقة».
6) . المصدر السابق.
7) . راجع: ص 45، 50.
الإمامةِ و ما نوجِبُها به هو(1)طريقتُنا إلىٰ إثباتِ صفاتِ الإمامِ التي يَختَصُّ بها، و كَونِه عليه نَصٌّ مِن قِبَلِ اللّٰهِ تعالىٰ ؛ و هذا ظَنٌّ مِنه بَعيدٌ.
و أمّا قولُه:
و لَو أنّ قائلاً قالَ: المُتقرِّرُ في العقولِ أنّهم يَنصِبونَ رئيساً عندَ ظَنِّهم الحاجةَ إليه كما يَنصِبونَ وكيلاً عندَ ذلكَ؛ و لذلكَ(2)لَو ظَنّوا الغِنىٰ عنه لَم يَتكلَّفوه....(3)
فقَد بيّنّا أنّهم عالِمونَ بالحاجةِ إلَى الإمامِ(4)و الرئيسِ، لا ظانّونَ(5)، و أنّ حاجتَهم إلىٰ ذلكَ لا تَختَلِفُ باختلافِ الأوقاتِ، و إنّ (6)الاستغناءَ عن الرؤَساءِ لا يَجوزُ أن يَتخيَّلَه عاقلٌ ؛ و ذلكَ كافٍ .
و أمّا قولُه:
و لا فَرقَ بَينَ مَن قالَ (7):...
1) . في المطبوع: «هي».
2) . هكذا في المغني و المطبوع. و في النسخ: «و كذلك».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 28.
4) . قوله قُدّس سرّه: «فقد بيّنّا أنّهم عالمون بالحاجة إلى الإمام...». قد أبطل أُموراً يدلّ عليها كلام القاضي [و هي:] كون الحاجة إلى الإمام مظنوناً لا معلوماً، و أنّ الحاجة إليه كالحاجة إلى الوكيل في عدم استمرارها و الغنىٰ عنها في بعض الأوقات، و أنّ معها يجوز أن يتولّى الرجل الأمر بنفسه، فالرجوع إليه للإرفاق. و وجه الدفع قد ظهر من كلامه قدّس سرّه فيما تقدّم. (الأسترابادي).
5) . تقدّم في ص 233، 260.
6) . في «د» و المطبوع: «فإنّ ».
7) . قال القاضي: «و لا فرق بين من قال...»، غرضه أنّ العقل إنّما يدلّ على الرياسة في الجملة، و
«المُتقرِّرُ في العقولِ(1)وجوبُ نَصبِ الإمامِ لحُصولِ الأمنِ»، و بَينَ مَن قالَ: «المُتقرِّرُ في العقولِ وجوبُ (2)الصَّلاةِ و الصيامِ » و رَجَعَ إلىٰ ما ثَبَتَ (3)في العقلِ مِن وجوبِ الخُضوعِ للمعبودِ، و إذا(4)كانَ ذلكَ لا يَدُلُّ علىٰ وجوبِهما بهذه(5)الشرائطِ(6)- لأنّ العقلَ إنّما يَقتَضي الخُضوعَ فَقَط، و لا يَقتَضي الخُضوعَ بهذَينِ الفِعلَينِ [علىٰ ما اختَصّا به مِن الشرائطِ] -
لا يدلّ علىٰ خصوصيّة الرئيس و صفاته، كما أنّ العقل إنّما يدلّ على الخضوع في الجملة للّٰه تعالىٰ ، و لا يدلّ علىٰ خصوص الصلاة و الصيام و لا علىٰ شرائطها؛ لكنّ في أوّل كلامه نوع تشويش، و لو قال: «لا فرق بين من يدّعي دلالة العقل على الإمام بالصفات المخصوصة و من يدّعي دلالته علىٰ خصوص الخضوع بذينك الفعلين» لسلم، و الأمر هيّن؛ فإنّه أراد وجوب نصب الإمام على الصفات المخصوصة ليحصل الأمن. فإنّه قال أوّلاً: «و بين من قال: المتقرّر في العقول وجوب الصلاة و الصيام». فإن أراد دلالة ما يدلّ علىٰ أصل الخضوع عليهما - حتّى يلائم ما سوّىٰ بينه و بينه و هو وجود رئيس في الجملة لحصول الأمن، و يلائم قوله: «و إذا كان ذلك لا يدلّ علىٰ وجوبهما بهذه الشرائط» لأنّ النفي فيه يرجع إلى القيد، و هو قوله: «بهذه الشرائط» فيُفهم أنّ ما لا يدلّ عليه العقل هي الشرائط، لا أصل الفعل - فهو غير صحيح؛ لأنّ ما يدلّ علىٰ أصل الخضوع لا يدلّ على الخضوع بهذين الفعلين، وهو ظاهر. و قد قال في التعليل: «و لا يقتضي الخضوع بهذين الفعلين». و إن أراد عدم دلالة ما يدلّ علىٰ أصل الخضوع على الفعلين و يدفع عدم الملاءَمة لما بعده بأن يجعل الشرائط قيداً لأصل الخضوع و الصلاة هي الخضوع مقيَّداً بما اعتُبر من الشرائط، فالنسبة غير صحيحة؛ فتأمَّل. (الأسترابادي).
1) . في المغني: «المتصوّر في العقل».
2) . من قوله: «نصب الإمام» إلى هنا ساقط من المغني المطبوع، و لذا وقع محقّقه في حيرة؛ لعدم ظهور الطرف الآخر من المقارنة.
3) . في «د» و حاشية «ف» و المغني: «ما يثبت».
4) . في المغني: «فإذا».
5) . في المغني: «وجوبها لهذه».
6) . قال القاضي: «علىٰ وجوبهما بهذه الشرائط» أي التي للخضوع المطلق فتحصل بانضمامها إليه الصلاة و الصيام، لا للصلاة و الصيام؛ فتدبَّر. (الأسترابادي).
فكذلكَ لَو ثَبَتَ ما قالوه مِن نَصبِ رئيسٍ في العقلِ لَما(1)دَلَّ علىٰ ما قالوه؛ لأنّه لَم يَثبُتْ نَصبُه علَى الصفةِ التي ذَكَروها، فلا بُدَّ مِن رُجوعِهم [في ذلكَ] إلىٰ دليلٍ سِواه(2).
فقَد رَضينا بما ذَكَره و مَثَّلَ به مِن أمرِ الصلاةِ و الصيامِ و ما أشبَهَهما مِن العباداتِ الشرعيّةِ؛ لأنّ العقلَ و إن دَلَّ علىٰ وجوبِ الخُضوعِ للمعبودِ في الجُملةِ، فهو غيرُ دالٍّ علَى استعمالِ ضَربٍ مِن الخُضوعِ مخصوصٍ؛ و إنّما يُرجَعُ في ذلكَ إلىٰ أدلّةٍ أُخَرَ(3).
و كذلكَ القولُ في الإمامةِ عندَنا؛ لأنّ العقلَ - الدالَّ علَى الحاجةِ إلَى الرئاسةِ في
الجُملةِ و وجوبِ إقامةِ الرؤَساءِ - لا يدُلُّ بنَفسِ ما دَلَّ به(4)علَى الحاجةِ إليهم في الجُملةِ علىٰ صفاتِهم المخصوصةِ، و أحوالِهم المعيَّنةِ ؛ بَل لا بُدَّ في(5)إثباتِ ذلكَ مِن الرُّجوعِ إلىٰ طريقةٍ أُخرىٰ ، و هي و إن كانَت مِن جُملةِ طُرُقِ العقلِ و أدلّتِه، فلَيسَت نَفسَ ما دَلَّنا علىٰ وجوبِ الرئاسةِ كما بيَّنَه(6)صاحبُ الكتابِ - علىٰ ظَنِّه - أنّ طريقتَنا في وجوبِ الرئاسةِ و صفاتِ الرؤَساءِ و أعدادِهم واحدةٌ .
1) . في المطبوع: «كما».
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 28-29. و ما بين المعقوفين في الموضعين من المصدر.
3) . في «ص» و حاشية «ج»: «أُخرىٰ ».
4) . قوله قُدّس سرّه: «بنفس ما دلّ به»، أشار بذلك إلىٰ ما سيصرّح به، و هو قوله: «و إن كانت من جملة طرق العقل». (الأسترابادي).
5) . في المطبوع: «من»، و هو سهو.
6) . هكذا في «ج، ص». و في «د، ل»: «لينبّه». و في «ف»: «ينبه». و في المطبوع و «ط»: «فنسبة». وأضاف في المطبوع في آخر هذه الفقرة: «غير صحيحة» في المعقوفين، فصارت العبارة هكذا: «فنسبة صاحب الكتاب... [غير صحيحة]».
فأمّا قولُه:
إنّ العقلاءَ قد يَفعَلونَ ما هو واجبٌ(1)و ما لَيسَ بواجبٍ؛ فمِن أينَ أنّه واجبٌ؟ و قد يَفعَلونَ(2)ما يَحسُنُ و ما لا يَحسُنُ؛ فمِن أين أنّه حَسَنٌ؟ و قد يَفعَلونَ ما يَشتَرِكونَ في معرفتِه و سببِه(3)و ما يَفترِقونَ فيه؛ فمِن أينَ أنّ جميعَهم قد وقَفوا علىٰ سببِ وجوبِه(4)؟ و هذا يبيِّنُ أنّ فِعلَهم لَيسَ بحُجّةٍ إلّاإذا كانَ (5)عن معرفةٍ ....(6)
فقَد بيّنّا(7)أنّ تعلُّقَنا لَم يكُن بفِعلِهم فَقَط، بَل بما يَعلَمونه مِن وجوبِ ذلك الفِعلِ عَلَيهم(8)، و ما في تَركِه مِن الاستِضرارِ و في فِعلِه مِن الصَّلاحِ ؛ و أنّه ممّا لا يَختَلِفُ حالُه مع كَونِ المكلَّفينَ علىٰ ما هم عليه، بَل العِلمُ بوجودِه مُستمِرٌّ غيرُ مُنقَطِعٍ .
1) . في المغني: «إنّ العقلاء يعقلون ذلك، فقد يعقلون ما هو واجب».
2) . في المغني: «و قد يعقلون» في هذا المورد و المورد القادم.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و في سببه».
4) . في المطبوع: «وجوب سببه».
5) . في المغني: + «واقعاً».
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 29.
7) . تقدّم في ص 260.
8) . قوله قُدّس سرّه: «بل بما يعلمونه من وجوب ذلك الفعل عليهم». لفظة «بل» للإضراب، والباء صلة للتعلّق، و يُحتمل كونها للملابسة، و هو أظهر بالنسبة إلىٰ لفظ «فقط»؛ أي لم يكن تعلّقنا بفعلهم منفرداً عن علمهم بالوجوب، بل بفعلهم مع ما يعلمونه من وجوب ذلك عليهم، و لولاه لم يكن لقوله «فقط» فائدة، و لا ينافره قوله قُدّس سرّه فيما بعد: «فقد زاد ذلك علىٰ إثبات حسنه؛ لأنّ الواجب في العقول لا يكون إلّاحسناً» و لا حاجة إلىٰ أن يُقال: يريد تعلّقه بالوجه الأكمل الأحسن. بل لا وجه له؛ فتدبَّر. (الأسترابادي).
و إذا كنّا قد فَرَغنا مِن ذلكَ، فقَد سَقَطَ ما ذَكَره في هذا الفَصلِ؛ لأنّهم إذا كانوا قد فَعَلوه مع العِلمِ بوجوبِه، فقَد زادَ ذلكَ علىٰ إثباتِ حُسنِه(1)لأنّ الواجبَ
في العقولِ لا يَكونُ إلّاحَسَناً. و بانَ (2)أيضاً أنّهم مُشتَرِكونَ في معرفةِ سببِ وجوبِه، و قد تقدَّمَ فَصلُنا(3)بَينَ ما يُعلَمُ مِن ذلكَ باضطِرارٍ و ما يُعلَمُ باكتسابٍ (4)فلا وَجهَ لإعادتِه.
فأمّا قولُه:
لأنّ العقلاءَ مختَلِفونَ : فمِنهم مَن يَنصِبُ رئيساً، و مِنهم مَن يُعوِّلُ علىٰ ما يَعلَمُه(5)مِن حالِ جميعِهم في بَذلِ النَّصَفةِ مِن أنفُسِهم(6)، و مِنهم مَن يُبطِلُ الرئيسَ و يَعزِلُه و يعودُ إلىٰ طريقةِ الشورىٰ ....(7)
1) . قوله قُدّس سرّه: «فقد زاد ذلك علىٰ إثبات حسنه». لمّا طالب القاضي بيان الوجوب تارةً وبيان الحُسن أُخرىٰ ، ذكر قدّس سرّه أنّ بعد بيان الوجوب و إثباته لا حاجة إلى إثبات الحسن؛ لأنّ إثبات الوجوب يتضمّن إثبات الحسن و زيادة؛ فإنّ الواجب في العقول لا يكون إلّاحسناً، و الحسن أعمّ مطلقاً من الواجب، و ثبوت الأخصّ يستلزم ثبوت الأعمّ . (الأسترابادي).
2) . عطف على «سقط ما ذكره...».
3) . قوله قُدّس سرّه: «و قد تقدّم فصلنا...» دفعٌ لما يُتوهَّم من فساد الدعوىٰ بما نعلم من عدم معرفتهم لما تعتبرون من خصوصيّات الإمام و صفاته، و تقريره: أ نّه قد تقدّم التفصيل فيما يحكم به العقل في الإمام؛ فمنه ما يُعلم ضرورة و من غير اكتساب، و منه ما يُعلم بالنظر و الاكتساب، و نحن إنّما ادّعينا اشتراك الجميع في معرفة سبب وجوب الأوّل دون الثاني، و بناء كلام القاضي علىٰ توهُّم اتّحاد الطريقين كما مرّ مراراً. (الأسترابادي).
4) . تقدّم في ص 251-253.
5) . في المغني: «و منهم من يقول: لا، على ما نعلمه».
6) . يعني: و منهم من يرى أنّه إذا علم من الناس التناصف، فلا حاجة للإمامة حينئذ.
7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 29. و فيه: «إلى طريقته الأولى»، و لا وجه له.
فقَد عَرَفْنا و عَرَفَ(1): مَن يَفزَعُ إلىٰ نَصبِ الرؤَساءِ مِن العقلاءِ، و يُثابِرُ(2)علىٰ أمرِ الرئاسةِ، و يَحذَرُ مِن التفريطِ فيها و الإهمالِ لأمرِها. و لَيسَ يُعرَفُ(3): مَن الذي يُعوِّلُ علىٰ بَذلِ النَّصَفةِ مِن نَفسِه(4)، و يَظُنُّ الاستِغناءَ عن الرؤَساءِ و الأئمّةِ؟ و قد كانَ يَجِبُ عليه إذا ادَّعىٰ ذلكَ أن يُشيرَ إلىٰ مَن لا يُمكِنُ جَحدُ مَكانِه، و لا يُعوِّلَ علىٰ مَحضِ الدعوىٰ .
و قولُه: «و مِنهم مَن يَعزِلُ الرئيسَ و يَعودُ إلَى الشورىٰ» لَسنا نَعلَمُ بأيِّ طريقٍ يَقدَحُ في مَذهَبِنا؟ لأنّ رُجوعَ مَن يَرجِعُ إلَى الشورىٰ لَم يُخرَجْ به عن طريقةِ مَن يَعتَقِدُ الحاجةَ إلَى الرؤَساءِ و لُزومِ إقامتِهم؛ لأنّ الشورىٰ إنّما هي زمانُ الفَحصِ عن المُستحِقِّ لأمرِ الرئاسةِ، و ذلكَ يؤكِّدُ أمرَ الحاجةِ إلَى الإمامِ؛ اللّهمّ إلّاأن يريدَ بلَفظةِ(5)«الشورىٰ» الإهمالَ و الاستِغناءَ عن الإمامِ، فإذا كان يُريدُ ذلكَ فهو غيرُ مفهومٍ مِن هذه اللفظةِ، مع الاصطلاحِ الواقعِ علىٰ معناها، و قد مضَى الكلامُ علىٰ
1) . قوله قُدّس سرّه: «فقد عرفنا و عرف»، فاعل الفعل الثاني هو الضمير المستكنّ الراجع إلى القاضي، لا لفظة «مَن». (الأسترابادي).
2) . المثابرة على الشيء: المواظبة عليه و الملازمة له. المصباح المنير، ج 2، ص 80 (ثبر).
3) . قوله قُدّس سرّه: «و ليس يُعرف» على البناء للمفعول. (الأسترابادي).
4) . قوله قُدّس سرّه: «مَن الذي يعوّل علىٰ بذل النصفة من نفسه» كأنّ المراد: مَن الذي يعوّل علىٰ إنصاف كلّ واحد من الناس من نفسه، فيظنّ استغناءَهم عن الرؤساء و الأئمّة ؟ لا ما هو ظاهر اللفظ من عود الضمير في قوله: «من نفسه» إلى الموصول؛ فلا يناسب ما قاله القاضي و لا كلامه بعده. و يُحتمل أن يكون المراد: مَن الذي يعوّل علىٰ بذل النصفة من نفسه من آحاد الرعيّة مع كونه أعرف بحال نفسه فضلاً عن غيره ؟ فتدبَّر. (الأسترابادي).
5) . في المطبوع: «بلفظ».
فأمّا قولُه:
و اعلَمْ أنّ الذي يَفعَلُه العقلاءُ لا مَدخَلَ له في بابِ الإمامةِ (3)لأنّهم يَفعَلونَ ما يَتَّصِلُ باجتلابِ المَنافِعِ و دَفعِ المَضارِّ، و الاستعانةُ بالغيرِ عندَ الحاجةِ تَدخُلُ (4)في هذا البابِ ، و لا فَرقَ بَينَ الاستعانةِ بوَكيلٍ
1) . قوله قُدّس سرّه: «و قد مضى الكلام علىٰ فساد ذلك» أي: كون الناس مهمَلين مستغنين عن الرئيس. (الأسترابادي).
2) . استقصى فلان المسألة: بلغ النهاية. مجمع البحرين، ج 1، ص 341 (قصا).
3) . قال القاضي: «و اعلم أنّ الذي يفعله العقلاء لا مدخل له في باب الإمامة»، إن أراد الإمامة بالشرائطو الخصوصيّات المعتبرة عند الإماميّة، ففيه: أنّ الاستدلال بفعل العقلاء ليس لإثبات ذلك، بل له طريق آخر، كما مرّ غير مرّة. و إن أراد الرياسة في الجملة، فلا ريب في كونه مكابرة؛ كيف لا؟ و قد أزمعت الحكماء علىٰ إثبات وجوب الرياسة بأنّ الناس لمّا جُبلوا على القوّتين الشهويّة و الغضبيّة، و مقتضاهما التجاذب و التدافع و التنازع ممّا يقتضيه طباع كلّ واحد من اجتلاب المنافع و استلاب المشتهيات و دفع المضرّات و الغضب لها و عليها، فيقع بينهم الهرج و المرج و الفساد المُفضي إلى اختلال النظام المنافي للحكمة، وجب وجود رئيس يردعهم عن القبيح، و يزجرهم عن العدوان، و يحثّهم على العدل و الإحسان، و يأخذ النَّصَفة للمظلوم من الظالم؛ فما دام الناس علىٰ تلك الحال، و لم يكن فيهم ما يمنع من مقتضاها كمَلَكة العصمة، يحكم العقل بوجوب إقامة رئيس يبقىٰ معه النظام سالماً من الاختلال؛ فظهر أنّ تنزيل الإمام منزلة الوكيل و غيره ممّن يُحتاج إليه في وقت و يُستغنىٰ عنه في آخر منافٍ لما تقتضيه عقول العقلاء و ما فعلوه مع العلم بوجوبه، فلو قُطع النظر عن أمر الدِّين و خُصّ الافتقار بكونه في أمر الدُّنيا لتمّ هذا. فما ذكره قدّس سرّه في الجواب لعلّه مبنيّ علىٰ نوع من التنزّل؛ اللّهمّ إلّاأن يُحمل أمر الدِّين في كلامه قدّس سرّه علىٰ ما يوافق ما ثبت في الدِّين من الأحكام العقليّة الصرفة ممّا أُخبر في الشرع بترتّب الثواب و العقاب عليه، فيلائم طريقة الحكماء في إثبات الرياسة؛ فتأمَّل. (الأسترابادي).
4) . في «ج، ص، ف» و المغني: «يدخل».
يقومُ بأمرِ الدارِ و الضَّيعةِ(1)، و الاستعانةِ بأميرٍ(2)يقومُ بحِفظِ البَلَدِ....
إلىٰ قولِه:
فلا فَرقَ بَينَ مَن يَدَّعي نَصْبَ إمامٍ(3)بهذه الطريقةِ، و بَينَ مَن يَدَّعي جميعَ ما يَتعلَّقُ باجتِلابِ المَنافعِ و دَفعِ المَضارِّ، و يَجعلُه أصلاً في هذا البابِ(4).
فلَيسَ كما ادَّعاه مِن أنّ الحاجةَ إلَى الإمامِ مخصوصةٌ باجتِلابِ(5)المَنافعِ و دَفعِ المَضارِّ الدُّنياويّةِ (6)(7)بَل الذي ذَكَره و(8)إن كانَ حاصلاً فيها، فقَد يَتعلَّقُ بها أمرٌ(9)ما يَرجِعُ إلَى الدِّينِ و اللُّطفِ في فِعلِ الواجباتِ و الامتناعِ (10)مِنَ المُقبَّحاتِ .
ألا تَرىٰ أنّا قد دلَّلنا علىٰ أنّ بوجودِ الرؤَساءِ و انبِساطِ أيديهِم و قوّةِ سُلطانِهم يَرتفِعُ كثيرٌ مِن الظُّلمِ و البَغيِ ، و يَخِفُّ أكثرُ ما يَجري عندَ فَقدِهم مِن الفَسادِ و
1) . الضَّيعَة: العقار، أي النخل و الكَرْم و الأرض. و قيل: الضيعة ما منه معاش الرجل كالصنعة و التجارة و الزراعة و غير ذلك. و ربّما أطلق على المتاع. راجع: الصحاح، ج 3، ص 1252؛ النهاية، ج 3، ص 108؛ المصباح المنير، ص 336 (ضيع).
2) . في «ص، ف»: «بأمر». و في المغني: «بأمين».
3) . في المطبوع: «الإمام».
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 30.
5) . في «د» و المطبوع: «بخصوصه في اجتلاب» بدل «مخصوصة باجتلاب».
6) . في المطبوع: «الدنيويّة».
7) . قوله قُدّس سرّه: «باجتلاب المنافع و دفع المضارّ الدنياويّة» أي: ممّا لا مدخل له في الدِّين ممّا يُستعان في حصوله بنحو الوكيل. (الأسترابادي).
8) . في «د» و المطبوع: - «و».
9) . في «ج، ص، ف»: «بأمر».
10) . في «ج» و المطبوع: «و الإقلاع».
الانتِشارِ؟ و كُلُّ ذلك يبيِّنُ أنّ للرئاسةِ دُخولاً(1)في الدِّينِ قويّاً.
و كَيفَ يُدفَعُ تأثيرُ(2)الرئاسةِ في أمرِ الدِّينِ ، مع ما ذَكَرناه مِن تقليلِها لوقوعِ كثيرٍ مِن المقبَّحاتِ ، و تكثيرِها لفِعلِ الواجباتِ (3)؟
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ: لَو كانَت الرئاسةُ إنّما تَجِبُ مِن حَيثُ كانَت لُطفاً في واجباتِ العقولِ، لَم يَجِبْ علَى الناسِ إقامةُ الرؤَساءِ؛ لأنّهم(4)لا يَجِبُ عَلَيهم أن
يَلطُفوا لغَيرِهم في فِعلِ الواجباتِ عليه. و إذا(5)كانَ غرضُ مَن يَنصِبُ الأئمّةَ في نَصبِهم دَفْعَ ما يَقَعُ مِن المفسِدينَ مِن الظُّلمِ و العُدوانِ علىٰ ما ادَّعَيتم، فقَد صارَ واجباً عَلَيهم أن يَلطُفوا لغَيرِهم فيما يَتعلَّقُ بالدِّينِ، و فَسادُ ذلك ظاهرٌ(6). و إذا فَسَدَ لَم يَبقَ إلّاأنّ غرضَهم في نَصبِ (7)الرؤَساءِ مقصورٌ علَى المصالحِ الدُّنياويّةِ ، و دَفعِ المَضارِّ العاجلةِ ، و اجتِلابِ المَنافعِ الحاضِرةِ .
و ذلك: أنّ غرضَ العقلاءِ في نَصبِ الرؤَساءِ لَيسَ بمقصورٍ علىٰ أن لا يَقَعَ مِن
1) . في هامش المطبوع عن بعض النسخ: «دخلاً».
2) . في «د، ل»: «بأثر».
3) . قوله قُدّس سرّه: «من تقليلها لوقوع كثير من المقبَّحات، و تكثيرها لفعل الواجبات» أي التي يحكم العقل بقبحها و حسنها من غير توقّف علىٰ كشف الشرع عن قبحها أو حسنها. (الأسترابادي).
4) . في المطبوع: «لأنّه».
5) . في «د» و المطبوع: «فإذا».
6) . قوله قُدّس سرّه: «و فساد ذلك ظاهر». قد يُمنع ذلك؛ فإنّ العقل يحكم بحسن دفع الظلم عن الغير و قبح خذلان المظلوم و ترك نصرته للقادر؛ فإنّ من رأىٰ ظالماً يلطم وجه اليتيم و الضعيف و يضربه فوق طاقته و يجور عليه و هو قادر على الذبّ عنه و النصرة له فلم يفعل، استحقّ الذمّ و اللوم من العقلاء، و ليس معنى الوجوب العقليّ إلّاذلك؛ فكأنّ السيِّد قدّس سرّه بنى الجواب على التنزّل. (الأسترابادي).
7) . في «د، ص»: «نصبه».
غيرِهم فِعلُ القَبيحِ ، بَل و لأن(1)لا يَقَعَ (2)مِن غيرِهم و مِنهم أيضاً فِعلُ ما يَقبُحُ في عقولِهم ممّا وجودُ الرؤَساءِ يَرفَعُه أو يُقلِّلُه؛ فقَد عادَ الأمرُ إلىٰ أنّ ذلك لا يَتعلَّقُ بالدُّنيا، و يَجِبُ لأمرٍ(3)يَتعلَّقُ بالدِّينِ .
علىٰ أنّه لا أحَدَ مِن العقلاءِ(4)
و حينئذٍ ربّما يُتوهّم سقوط التمسّك بفعل العقلاء؛ لأنّ المقصود وجوب الإقامة عليه سبحانه، و العقلاء إنّما يقيمون الرؤساء بأيديهم، فلا دلالة لفعلهم علىٰ ما تذهبون إليه.
و الجواب: أنّ تعلُّقنا بفعلهم إنّما هو لما يعلمونه من الصلاح بوجود الرؤساء و عدمه بعدمهم، و أنّ الاحتياج إليهم دائم لا يزول، و هذا القدر موضع تعلّقنا به أوّل وَهْلة، و العلم به ضروريّ ، نحن و جميع العقلاء مشتركون فيه. و أمّا إثبات وجوبه على اللّٰه سبحانه، و أ نّه يجب كون الإمام منصوصاً من قِبله تعالىٰ ، فليس كذلك؛ بل له طريق آخر يمكن أن يَذهَل عنه بعض العقلاء أو يخطئوا فيظنّوا وجوب الإقامة عليهم؛ لأنّ النظريّ يتطرّق إليه الغلط كثيراً. و أنت تعلم أ نّه لو قُرّر الجواب كما ذكرنا لم يطل الكلام؛ فتدبَّر. (الأسترابادي).
إلىٰ هنا تمّت حواشي الشيخ محمّد شفيع بن محمّد عليّ الأستراباديّ على الشافي.
يَجِبُ عليه في الحقيقةِ عندَنا نَصبُ الرؤَساءِ و إقامتُهم؛ لأنّنا(5)إنّما نوجِبُ ذلكَ علَى اللّٰهِ تَعالىٰ، و نُحيلُ(6)أن يَكونَ نَصبُ الإمامِ ممّا تَمكَّنُ(7)مِنه العقلاءُ بآرائِهم و اختيارِهم. و إنّما ظَنَّ بَعضُ العقلاءِ أنّ ذلكَ1) . في المطبوع: «بَل علىٰ أن».
2) . قوله قُدّس سرّه: «بل و لأن لا يقع» عطفٌ على المعنىٰ . (الأسترابادي).
3) . في «ط، ف»: «بأمر».
4) . قوله قُدّس سرّه: «علىٰ أ نّه لا أحد من العقلاء...» جوابٌ آخر عن قوله: «لم يجب على الناس إقامة الرؤساء؛ لعدم وجوب اللطف للغير عليهم»، و حاصله: أ نّه إنّما يَرِد لو قلنا بوجوب نصب الإمام على الناس، و نحن لا نقول به و لا نوجب علىٰ أحد من العقلاء نصب الرئيس؛ و إنّما نوجب ذلك على اللّٰه سبحانه، و اللطف للغير يحكم العقل بوجوبه عليه.
5) . في «د» و المطبوع: «لأنّا».
6) . أي نراه مستحيلاً.
7) . في «ص»: «يتمكّن».
واجبٌ عليه ففَزِعَ عندَ هذا الظَّنِّ إلىٰ نَصبِ الرؤَساءِ مِن حَيثُ جَهِلَ ما ذَكَرناه مِن اختِصاصِ ذلكَ باللّٰهِ تَعالىٰ ، دونَ البَشَرِ. و لَيسَ يَجِبُ إذا اعتَقَدوا وجوبَه عَلَيهم أن يَكونَ واجباً في الحقيقةِ ، و مَوضِعُ تعلُّقِنا بفِعلِهم و ما يَعلَمونه مِن الصَّلاحِ بوجودِ الرؤَساءِ و الفَسادِ بفَقدِهم باقٍ ، و لا يَقدَحُ فيه اعتقادُهم أنّ إقامتَه مِن فُروضِهم؛ لأنّا(1)قد بيّنّا ما أدخَلَهم في هذا الاعتِقادِ الفاسِدِ و كشَفْناه.
و الفَرقُ بَينَ الوكيلِ، و الأميرِ و الإمامِ واضِحٌ؛ لأنّا قد دلَّلنا فيما تقدَّمَ علىٰ أنّ الحاجةَ إلَى الرؤَساءِ و الأُمَراءِ ثابتةٌ غيرُ زائلةٍ(2)، و لَيسَ كذلكَ الحاجةُ إلَى الوكيلِ؛ فإنّ مَن لا ضَيعةَ له و لا عَقارَ(3)و لا ما يَجري مَجراهما ممّا يَتصرَّفُ فيه الوكلاءُ لا حاجةَ به(4)إلَى الوكيلِ ، و لا يعُدُّه العقلاءُ في تَركِ الاستعانةِ بوَكيلٍ مُهمِلاً و مُفَرِّطاً، و
لَيسَ نَجِدُ أحَداً مِن العقلاءِ يَستَغني عن أن يَكونَ له رئيسٌ يأخُذُ علىٰ يدِه، و يَمنَعُه عن كثيرٍ ممّا يَتسرَّعُ (5)بطِباعِه و هَواه إليه مِن القَبائحِ .
و حُكمُ سائرِ مَن يَجوزُ عليه فِعلُ القَبيحِ مِن المُكلَّفينَ حُكمُ صاحبِ الضِّياعِ و الأموالِ التي لا يَتَّسِعُ لتدبيرِها و القيامِ بها؛ فكما(6)أنّ مَن هذه حالُه إذا تَرَكَ إقامةَ الوكلاءِ و الاستعانةَ بِهم(7)كان مُفرِّطاً مذموماً موبَّخاً، و أعقَبَه ذلك غايةَ الضَّرَرِ، فكذلك حالُ المكلَّفينَ متىٰ خَلَوا مِن الرؤَساءِ و الأُمَراءِ .
1) . في «د» و المطبوع: «لأنّنا». 2.
2) تقدّم في ص 222، 251-253.
3) . في «د» و المطبوع: + «له».
4) في «ص»: «له».
5) . التسرّع في الفعل و القول: الإسراع و المبادرة إليهما من دون تأمّل و تدبّر. مجمع البحرين، ج 4، ص 345 (سرع).
6) . في «د» و المطبوع: «و كما».
7) . في المطبوع: «إقامة الوكيل و الاستعانة به».
و قولُه: «فلا فَرقَ بَينَ مَن يَدَّعي نَصبَ إمامٍ بهذه الطريقةِ ...» إن أرادَ به(1)نَصبَ الإمامِ المُختصِّ بالصفاتِ التي نَذكُرُها(2)، فقَد تقدَّمَ أنّ (3)بهذه الطريقةِ وَحدَها لا نُثبِتُه. و إن أرادَ نَصبَ رئيسٍ في الجُملةِ ، فهو الصحيحُ ، و قد أَوضَحناه.
و أمّا قولُه:
على أنّا قد بيّنّا أنّ ما يكونُ طريقاً لاجتِلابِ المَنافعِ يَحسُنُ و لا يَجِبُ، و ما يَكونُ طريقاً لدَفعِ المَضارِّ قد يَجِبُ، و أنّ(4)ذلك مُتعلِّقٌ بغالبِ الظَّنِّ ....
إلىٰ آخِرِ كلامِه(5).
فقَد تقدَّمَ آنِفاً(6)ما يُبطِلُ ما ادَّعاه مِن اختِصاصِ نَصبِ (7)الرؤَساءِ بدَفعِ المَضارِّ الدُّنياويّةِ ، و اجتِلابِ المَنافعِ العاجِلةِ ، و دلَّلنا(8)علىٰ أنّ للرئاسةِ تعلُّقاً وكيداً بالدِّينِ بما لا يُمكِنُ دَفعُه.
فأمّا قولُه:
و رُبَّما اجتَمَعوا علىٰ رئيسٍ كافرٍ، و رُبَّما اجتَمَعوا علىٰ رئيسٍ مؤمِنٍ ، و
يَحُلُّ ذلكَ مَحَلَّ اختِلافِهم في أغراضِهم و شَهَواتِهم، و ما هذا حالُه لا يُجعَلُ أصلاً في بابِ الدياناتِ....(1)
فلَيسَ نُنكِرُ ما ذَكَرَه مِن جَوازِ اجتِماعِ الناسِ علىٰ رئيسٍ كافرٍ، و لا نَمنَعُ مِن أن تَستَقيمَ أحوالُهم علىٰ رئاستِه بَعضَ الاستقامةِ، و لَيسَ ذلكَ بقادحٍ في قولِنا؛ لأنّا نَمنَعُ مِن أن يَنصِبَ اللّٰهُ إماماً كافراً لأمرٍ يَرجِعُ إلىٰ حِكمتِه، لا إلىٰ(2)أنّ رئاسةَ الكافرِ لا يَجوزُ أن تَكونَ؛ إذ في المعلومِ أنّ قَوماً يَستَقيمونَ عندَها(3).
و هذا كما نَقولُه نحنُ و أنتم جميعاً أنّه(4)لا يَمتَنِعُ أن يَعلَمَ اللّٰهُ تَعالىٰ مِن بعضِ عبادِه أنّه لا يؤمِنُ إلّابأن يَفعَلَ(5)تَعالىٰ بَعضَ القَبائحِ، فنَقولُ : إنّ ذلكَ لا يَجِبُ (6)أن يَفعلَه، بَل لا يَحسُنُ ؛ فكذلك القولُ في رئاسةِ الكافرِ. و كُلُّ هذا لا يَمنَعُ مِن صحّةِ ما ذَكَرناه في وجوبِ الرئاسةِ علَى الجُملةِ ، بَل يؤكِّدُه.
فإن قيلَ : فما تقولونَ لَو عَلِمَ اللّٰهُ تَعالىٰ أنّ سائرَ المكلَّفينَ لا يَصلُحونَ و لا يَستَقيمُ حالُهم إلّاعندَ رئاسةِ كافرٍ، أو عندَ رئاسةِ مَن لَيسَت له(7)الصِّفاتُ المخصوصةُ التي تَدَّعونَها للأئمّةِ؟
قيلَ له: إذا عَلِمَ اللّٰهُ ذلك أسقَطَ عن المُكلَّفينَ ما الإمامةُ لُطفٌ فيه مِن التكليفِ ،
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 31.
2) . في المطبوع: - «إلى».
3) . في المطبوع: + «فيه».
4) . هكذا في «ط، ف». و في «ج»: «أن» بدل «أنّه». و في سائر النسخ و المطبوع: - «أنّه».
5) . الضمير في «يفعل» يرجع إلى اللّٰه تعالىٰ على سبيل الافتراض، و لذلك قال رحمه اللّٰه بعدذلك: «لا يجب أن يفعله، بل لا يحسن».
6) . في «د» و المطبوع: «لا يجوز».
7) . في المطبوع: + «هذه».
أو لَم يَخلُقْهم في الابتداءِ. و يَجري مَجرىٰ (1)أن يَعلَمَ اللّٰهُ (2)سُبحانَه أنّ بَعضَ المُكلَّفينَ لا يَصلُحُ في شَيءٍ مِن تَكاليفِه، و لا يَكونُ شَيءٌ مِن الأفعالِ الحَسَنةِ لُطفاً له، بَل يَعلَمَ أنّ لُطفَه و صَلاحَه(3)في فِعلٍ قَبيحٍ يَفعَلُه سُبحانَه؛ فكما أنّا نوجِبُ إسقاطَ التكليفِ عن هذا أو أن لا يُخلَقَ ، فكذلك نوجِبُه فيمَن تقدَّمَ .
فأمّا ما طَوَّلَه مِن «الخاطِرِ(4)، و التنبيهِ علَى النَّظَرِ» إلىٰ آخِرِ كلامِه في ذلكَ ،(5)
فلَيسَ ممّا نَتعلَّقُ به و لا نَعتَمِدُه، و قد أفصَحْنا(6)عن وجهِ الحاجةِ إلَى الإمامِ بما يُغني عن غيرِه(7).
و قد كُنّا قُلنا فيما قَبلُ : إنّه لَيسَ يَجوزُ أن يوجَبَ إقامةُ إمامٍ لأمرٍ يَجوزُ أن يقومَ غيرُه فيه مَقامَه(8)، و «التنبيهُ علَى النَّظَرِ» ممّا(9)يَجوزُ عندَنا أن يُستَغنىٰ فيه عن الإمامِ ، و إن كانَ بَعضُ أصحابِنا تَعلَّقَ بذلك تقريباً.
1) . في «د» و المطبوع: «مجراه».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: - «اللّٰه».
3) . في المطبوع: «أنّ صلاحه و لطفه».
4) . الخاطر: كلامٌ يفعله اللّٰه تعالىٰ داخل سمع المكلَّف. الذخيرة، ص 172.
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 31 و ما بعدها.
6) . في «د» و المطبوع: «و قد أوضحنا».
7) . تقدّم في ص 222.
8) . تقدّم في ص 212.
9) . في «د» و المطبوع: «فيما».
فأمّا ما ذَكَرَه و أَطنَبَ فيه أيضاً مِن «شُكرِ النِّعمةِ »، و تَعاطيهِ (1)إفسادَ قولِ مَن يَدَّعي «أنّ الإمامَ يُحتاجُ إليه لبَيانِ كيفيّةِ الشُّكرِ للّٰهِ تَعالىٰ (2)»؛ فممّا لا نَرتَضيهِ و لا نَعتَمِدُه.
و قولُه في آخِرِ كلامِه:
إنّ هذا التعليلَ لَو صَحَّ [لهم] لَما كانَ يوجِبُ في كُلِّ عصرٍ حُجّةً لا مَحالةَ؛ لأنّ بيانَ الرسولِ الواحدِ إذا انتَشَرَ بالتواتُرِ في كيفيّةِ الشُّكرِ، أغنىٰ عن حُجّةٍ بَعدَه....(3)
باطلٌ لا يَفسُدُ بمِثلِه المذهبُ الذي حَكاه؛ لأنّ ما بيَّنَه(4)الرسولُ مِن(5)كيفيّةِ الشُّكرِ لَيسَ ممّا يَجِبُ نَقلُه لا مَحالةَ، و لَو وَجَبَ نَقلُه لَم يَجِبْ علىٰ وجهِ التواتُرِ الموجِبِ للحُجّةِ ؛ لأنّه لا يَمتَنِعُ أن يُعرِضَ الناقِلونَ أو أكثرُهم عن النَّقلِ لِداعٍ يدعوهُم إلَى الإعراضِ ، كما أنّهم في الأصلِ لَم يَنقُلوا ما نَقَلوه إلّالِداعٍ دَعاهم إلَى النَّقلِ .
و إذا كانَ ذلكَ عَلَيهم جائزاً و غيرَ مُمتَنِعٍ وقوعُه(6)سَقَطَت الحُجّةُ بالنَّقلِ ، و ثَبَتَت(7)
1) . التعاطي: التناول لما لا يحقّ و لا يجوز تناوله، و الجرأة على الشيء و الخوض فيه. لسان العرب، ج 15، ص 70 (عطو).
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 34-35.
3) . المصدر، ص 35.
4) . في حاشية «ج، ف»: «ما يبيّنه».
5) . في المطبوع: «عن».
6) . في المطبوع: - «وقوعه».
7) . في «ص، ف»: «و يثبت». و في «د، ل»: «و سبب».
الحاجةُ إلىٰ إمامٍ مؤدٍّ لِما وَقَعَ مِن بيانِ الرسولِ عليه السلامُ ؛(1)لأنّه لَو كانَ الأمرُ بخِلافِ ما ذَكَرناه و علىٰ ما ظَنَّه خُصومُنا، لَم يَكُن لِلّهِ تَعالىٰ علىٰ مَن لَم يُشاهِدْ زَمَنَ النبيِّ صلّى اللّٰه عليه و آلِه حُجّةٌ إذا كانَ النَّقلُ بالصورةِ التي ذَكَرناها.
و هذا يُبطِلُ قولَه: «إنّ التواتُرَ يَقومُ مَقامَ الإمامِ في بَيانِ مُرادِ الرَّسولِ »(2).
فأمّا ما ذَكَرَه في السُّمومِ القاتلةِ و الأغذيةِ المُبقِيةِ(3)، فممّا لا نَعتَمِدُه أيضاً في وجوبِ الحاجةِ إلَى الأئمّةِ. و لَو كانَ ذلك ممّا لا يُستَفادُ بالتَّجرِبةِ و الاختِبارِ، لَما أَوجَبَ (4)الحاجةَ إلىٰ إمامٍ (5)في كُلِّ زمانٍ ، بَل كانَ لا يَمتَنِعُ أن يُنبِّهَ عليه في الابتِداءِ إمامٌ واحدٌ، و يَستَغنيَ مَن يأتي مِن بَعدِه(6)عن بَيانِ الإمامِ لذلك بالنَّقلِ .
و لَيسَ يَجري هذا الوجهُ مَجرىٰ ما ذَكَرناه - قَبلَ هذا الفصلِ - في بابِ العباداتِ و شُكرِ المُنعِمِ (7)و أنّه غيرُ مُمتَنِعٍ علَى الخَلقِ أن يَكتُموا ما بَيَّنَه الرسولُ عليه
1) . كذا في جميع النسخ.
2) . ما بين القوسين معنى كلام القاضي، لا نصُّه. و عبارته هكذا: «لأنّ بيان الرسول الواحد إذا انتشر بالتواتر في كيفية الشكر أغنى عن حجّة بعده». المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 35.
3) . في المطبوع: «المتبقّية».
4) . في «د» و المطبوع: «لما وجب».
5) . في «ج» و المطبوع: «الإمام».
6) . في «د، ص، ط»: «من بعد».
7) . في حاشية «ج، ف»: «النعم».
السلامُ(1)مِن ذلكَ لِداعٍ و غرضٍ. و بَينَ الأمرَينِ فرقٌ واضحٌ؛ لأنّ ما يَعلَمُه الناسُ مِن السُّمومِ القاتلةِ و الأغذيةِ المُصلِحةِ و ما جَرىٰ مَجراهما ممّا به قِوامُ أبدانِهم، هُم كالمُلجَئين إلىٰ نَقلِه و إعلامِ أولادِهم و أخلافِهم(2)و مَن يأتي بَعدَهم بصورتِه(3)ليَجتَنِبوا مِنه المُضِرَّ و يَتَناوَلوا المُصلِحَ. و يَبعُدُ بَل يَستَحيلُ أن يَكونَ لعاقلٍ داعٍ إلىٰ كِتمانِ ما جَرىٰ هذا المَجرىٰ ، و لَيسَ بمُستَحيلٍ و لا مُمتَنِعٍ أن يُعرِضَ الناسُ عن نَقلِ العباداتِ و كثيرٍ مِن التكليفاتِ لأغراضٍ معقولةٍ ؛ فلهذا جازَ أن يُستَغنىٰ عن المُبيِّنِ في كُلِّ وقتٍ لأحوالِ السُّمومِ و الأغذيةِ ، و إنْ لَم يَجُزْ أن يُستَغنىٰ عنه في بابِ الدِّينِ و العباداتِ .
فأمّا قولُه:
و يُقالُ لهم: إنّ وقوعَ القتلِ بِالسُّمِّ لَيسَ بواجبٍ ، و قد كانَ يَجوزُ أن تَتعلَّقَ الشهوةُ به فيَصيرَ غِذاءً ، و أن تَجريَ العادةُ فيه بخِلافِ ذلكَ فلا
يَكونَ قاتلاً؛ فما الذي يَمنَعُ مِن أن يُخلِيَ اللّٰهُ المُكلَّفينَ مِن حُجّةٍ إذا كانَت الحالُ (4)هذه ؟....
إلى آخِرِ كلامِه.(5)
فإنّه لا يَقدَحُ في طريقةِ جَعلِ الإمامِ مُبيِّناً لهذه الأُمورِ؛ لأنّهم إنّما أَوجَبوا الحاجةَ(1)إليه مِن هذا الوجهِ وطبائعُ (2)الإنسانِ و سائرِ الناسِ و عاداتُهم علىٰ ما هي عليه، و ما قدَّرَه صاحبُ الكتابِ لا يَصِحُّ إلّابانتقاضِ العاداتِ و خروجِ الناسِ عن طبائعِهم المعروفةِ .
و لهم أن يقولوا: إنّ تقديرَكَ لَو وَقَعَ ، لارتَفَعَت الحاجةُ إلَى الإمامِ مِن(3)هذا الوجهِ و إن لَم ترتَفِعْ مِن وجهٍ آخَرَ؛ كما أنّا لَو قدَّرْنا عصمةَ جميعِ الخَلقِ و امتِناعَ وقوعِ القبيحِ مِنهم، لَم يَكُن لهم حاجةٌ إلَى الإمامِ علىٰ بَعضِ الوجوهِ ، و لَم يَمنَعْ ذلك مِن القَضاءِ بحاجتِهم إليه إذا لَم يَكُن هذه حالَهم.
فأمّا قولُه:
و بَعدُ، فإنّ(4)ذلك يوجِبُ الاستغناءَ بالرسولِ إذا بَيَّنَ بَياناً يَشتَهِرُ بطريقةِ التواتُرِ هذه الأُمورَ التي ذَكَروها، كما يُستَغنَى(5)الآنَ عن الإمامِ في وجوبِ الصَّلَواتِ، و أنّ(6)الفَرضَ أن يُستَقبَلَ الكعبةُ(7)و يُصلّىٰ بطهارةٍ (8)، إلىٰ غيرِ ذلكَ ....(9)
فقَد بيّنّا ما يَصِحُّ أن يُستَغنىٰ فيه بالتواتُرِ، و ما لا يَصِحُّ أن يُستَغنىٰ بذلك فيه؛ و
1) . في المطبوع: «الحجّة».
2) . في المطبوع: «بطبائع». و في «د، ل»: «فطبائع».
3) . في «د» و المطبوع: «في».
4) . في المغني: + «كلّ ».
5) . في المغني: «كما نستغني».
6) . في «د» و المطبوع: «فإنّ ».
7) . في «ط» و المطبوع: «القبلة».
8) . في المغني: «أن نستقبل الكعبة و أن نصلّي بطهارة».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 36.
فصَلْنا بَينَ الأمرَينِ(1).
فأمّا الإمامُ فلَيسَ يُستَغنىٰ عنه في وجوبِ الصَّلَواتِ إلىٰ سائرِ ما ذَكَرَه علىٰ ما ظَنَّه؛ لأنّ أصحابَنا قد ذَكَروا وجوهَ الحاجةِ إليه في ذلكَ:
فمِنها: تأكيدُ العلومِ و إزالةُ الشُّبُهات.
و مِنها: أنّه يبيِّنُ ذلكَ و يفصِّلُه، و ينبِّهُ علىٰ مُشكِلِه و غامِضِه.
و مِنها: كونُه مِن وراءِ الناقلينَ ؛ ليأمَنَ المكلَّفونَ مِن أن يَكونَ شَيءٌ مِن الشرعِ لَم يَصِلْ إليهم.
و لَو وَجَبَ (2)أن يُطلَقَ الاستِغناءُ عن الإمامِ في هذه الأُمورِ مِن حيثُ كانَ لنا طريقٌ يوصِلُ إلَى العِلمِ بها مِن غيرِ جهتِه(3)، لَوَجَبَ علىٰ صاحبِ الكتابِ و أهلِ مذهبِه أن يُطلِقوا الاستِغناءَ عن الرسولِ في جميعِ ما أدّاه إلينا ممّا عَلِمناه قَبلَ أدائه بالعقلِ ؛ و مَن أطلَقَ ذلكَ خَرَجَ مِن جُملةِ المُسلِمينَ ؛ و لَيسَ يُمكِنُ أن يَمتَنِعَ مِنه و يَحتَجَّ فيه إلّابمِثلِ ما احتَجَجنا به.
و أمّا قولُه:
و اعلَمْ أنّ الذي أوجَبَ (4)هذا الخِلافَ (5)الشديدَ الذي هو أصلُ الكلامِ
1) . تقدّم في ص 276-278.
2) . في حاشية «م»: «يعني أنّ وجود طريق موصِل إلى العلم بهذه الأُمور لو كان مستلزماً للاستغناءعن الإمام فيها، لكان وجود العقل مغنياً عن الرسول فيما للعقل إليه سبيل؛ و القول به ضلال (ح. س مدّ ظلّه العالي)».
3) . في المطبوع: «غير جهة».
4) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «نتج».
5) . في «ج، ص»: «الكلام».
مع الإماميّةِ(1)....
إلىٰ قولِه:
لأنّ الرسولَ كما تُغني(2)مشاهَدَتُه و سَماعُ كلامِه في معرفةِ الأُمورِ مِن قِبَلِه عن غيرِه في وقتِه، فكذلكَ يَجوزُ أن يُستَغنىٰ(3)بما يَتواتَرُ عنه مِن الأخبارِ في سائرِ ما يُحتاجُ(4)إليه عن إمامٍ بَعدَه بالصفةِ التي ذَكَروها.(5)
فقَد مضَى الكلامُ في أنّ التواتُرَ لا يُغني عن ذلكَ(6)، و الفَصلُ بَينَه في الاستِغناءِ به بَعدَ الرسولِ صلّى اللّٰه عليه و آلِه و بَينَ استِغنائِنا بمُشاهَدَةِ الرسولِ و سَماعِ كلامِه في معرفةِ الأُمورِ عن غيرِه واضحٌ؛ لأنّا نأمَنُ في حالِ مُشاهَدَتِه و سَماعِ كلامِه عليه السلامُ مِن أن يَكتُمَ(7)بَعضَ ما يَجِبُ أداؤه و يُعرِضَ عنه بشُبهةٍ(8)و سَهوٍ و ما جَرىٰ مَجراهما، فنَستَغني(9)في حالِ مُشاهَدَتِه بكلامِه و بَيانِه لِما ذَكَرناه، و لَيسَ كذلكَ الحالُ بَعدَ وفاته عليه السلامُ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ الإعراضَ عن النَّقلِ
بشُبهةٍ (10)أو تعمُّدٍ غيرُ مأمونٍ علَى الناقِلينَ ؛ فكيفَ يَجوزُ أن يُحمَلَ إحدَى الحالَينِ
1) . في المغني: «في الإمامة» بدل «مع الإماميّة».
2) . في «ج، د، ص، ط، ف»: + «عن».
3) . في المغني: «أن نستغني».
4) . في المغني: «ما نحتاج».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 36-37.
6) . تقدّم في ص 276.
7) . في «د» و المطبوع: «و سماع كلامه على من يكتم».
8) . في «ص، ط»: «لشبهة».
9) . في «د، ص»: «فيستغني».
10) . في «ص» و حاشية «ج، ف»: «لشبهة».
علَى الأُخرىٰ مع تَباعُدِ ما(1)بَينَهما؟!
فأمّا قولُه:
و لذلكَ ارتَكَبَ بعضُهم عندَ هذا الإلزامِ القولَ بإبطالِ التواتُرِ(2).
فهو سَهوٌ منه عَجيبٌ؛ لأنّا لا نُبطِلُ - بحَمدِ اللّٰهِ - التواتُرَ(3)، و هو عندَنا الحُجّةُ في ثُبوتِ السَّمعيّاتِ ؛ و كَيفَ نُبطِلُه و به نَحتَجُّ في النَّصِّ علىٰ أعيانِ الأئمّةِ و مُعجِزاتِ الأنبياءِ؟! فإن كانَ يَظُنُّ أنّا(4)إذا جَوَّزْنا علَى المتواتِرينَ الإعراضَ عن النَّقلِ بشُبهةٍ (5)أو تعمُّدٍ فقَد أبطَلْنا التواتُرَ، فقَد وَقَعَ بَعيداً؛ لأنّ الناقِلينَ إنّما يَكونونَ متَواتِرين إذا نَقَلوا و أخبَروا(6)علىٰ وجهٍ مخصوصٍ ، و عندنا أنّهم إذا نَقَلوا الخَبَرَ علىٰ وجهِ التواتُرِ كانَ نَقلُهم حُجّةً .(7)و تجويزُ الإعراضِ عن النقلِ عَلَيهم لا يَقدَحُ في صحّةِ التواتُرِ، و لا يَكونُ تجويزُه(8)عَلَيهم مُبطِلاً له.
1) . في المطبوع: - «ما».
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 37.
3) . في حاشية «م»: «قال الرازيّ في الملخّص: و أمّا المتواترات ففي كونها مفيدة للعلم إشكالات؛ و بتقدير التسليم فالأصحّ أنّ إفادتها العلم نظريّة، علىٰ ما بيّنّا هذين المقامين في أُصول الفقه (ح. س مدّ ظلّه)».
4) . في المطبوع: - «أنّا».
5) . في «ص» و حاشية «ج، ف»: «لشبهة».
6) . في المطبوع: «أو أخبروا».
7) . و لا معنىٰ لتواتر عدم النقل، و لو صحّ فإنّما يفيد العلم بعدم كونه منقولاً؛ إمّا لعدمه أولإعراضهم عنه أو نحو ذلك، و لا يتعيّن عدم ثبوته من ذلك؛ فتأمَّل. (من حاشية «م»).
8) . في «د، ص، ط، ف»: «مجوّزه». و في المطبوع: «تجوّزه».
فأمّا قولُه:
و بعضُهم ارتَكَبَ القولَ بجَوازِ الكِتمانِ علَى الخَلقِ العظيمِ(1)، و ارتَكَبَ بعضُهم إبطالَ الإجماعِ؛ لأنّهم رأَوا مع القولِ بصحّةِ هذه الأدلّةِ أنّه(2)لا
يَصِحُّ تعلُّقُهم بما(3)قَدَّمناه في أنّه لا بُدَّ مِن حُجّةٍ في كُلِّ وقتٍ، [فأبطَلوا هذه الأدلّةَ لِكَي تَثبُتَ لهم الحُجّةُ ](4).
فإنّا لَم نَرتكِبْ ما حَكاه، بَل ذَهَبْنا إليه و اعتَقَدناه للأدلّةِ الظاهرةِ (5)التي قد ذَكَرنا بَعضَها(6)و إنّما يُقالُ : «ارتكَبَ كذا و كذا» فيما لا دليلَ عليه، و فيما يَضطَرُّ المُرتَكِبَ لزومُ الحُجّةِ (7)إلَى ارتكابِه.
1) . علّق محقّق المغني على هذه الجملة بقوله: «الأولى أن تحذف هذه الكلمة، أو يضاف إليها ماتكمل به جملة». و لكنّ الجملة كاملة؛ و هي أنّ بعضهم يرى أنّ الخلق و إن عظموا كثرة يجوز عليهم كتمان ما سمعوه من الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله لأمرٍ ما.
2) . في «ج، د، ص، ط» و المغني: - «أنّه».
3) . في المغني: «لعامتهم لما».
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 37. و ما بين المعقوفين من المصدر.
5) . في «د» و المطبوع: «الباهرة». و في حاشية «ج، ف»: «القاهرة».
6) . راجع: ص 216 و 276.
7) . في المطبوع: «المحجّة».
و لَم نجوِّزِ الكِتمانَ مِن حَيثُ نُضطَرُّ ليَصِحَّ لنا ما ذَكَرناه، بَل لأنّ الاعتبارَ كَشَفَ (1)لنا عن جوازِه عَلَيهم.
فأمّا الإجماعُ فلَيسَ بباطلٍ عندَنا؛ لأنّ الدليلَ قد دَلَّنا علىٰ أنّ في جُملةِ المُجمِعينَ معصوماً حُجّةً للّٰهِ تعالىٰ ، فلَيسَ يَجوزُ أن يَنعَقِدَ الإجماعُ علىٰ باطلٍ مِن هذا الوجهِ ، لا لِما(2)يَدَّعيه المخالِفونَ .
ثُمّ يُقالُ له: لكنّكَ و أصحابَكَ ارتَكَبتم أنّ الخَلقَ لا يَجوزُ عَلَيهم الكِتمانُ، و تَجاوَزتم ذلكَ إلَى الجَماعاتِ، و ادَّعَيتم أيضاً أنّ الأُمّةَ لا تَجتَمِعُ علىٰ باطلٍ بشُبهةٍ(3)و لا تعمُّدٍ(4)ليَسلَمَ(5)لكم ما تُريدونَ نُصرتَه مِن الاستغناءِ عن الأئمّةِ و الحُجَجِ بَعدَ الرسولِ صلى اللّٰه عليه و آله و سلم، و لأنّكم رأَيتُم أنّ في تجويزِ ذلكَ علَى الأُمّةِ و نَفيِ(6)وجودِ الأئمّةِ انسِلاخاً عن الدِّينِ، و خُروجاً عن الإسلامِ ، و طريقاً(7)إلَى
ارتفاعِ الثقةِ بِشَيءٍ مِن العباداتِ و الشَّرعِ ، فحَمَلتم نفوسَكم علىٰ دفعِ المعلومِ الجائزِ في العقولِ ؛ ليَصِحَّ لكم مَذاهِبُكم الفاسدةُ .
فأمّا قولُه:
ثُمّ دعا ذلكَ بَعضَهم إلىٰ إنكارِ العقليّاتِ أو بَعضِها؛ لِكَي يَثبُتَ له إثباتُ
حُجّةٍ في الزمانِ، فأبطَلوا الحُجَجَ الصحيحةَ لِكَي يُثبِتوا ما لا أصلَ له، و ما لَو ثَبَتَ لَكانَ(1)فَرعاً علىٰ هذه الحُجَجِ ؛ لأنّ إثباتَ الإمامِ لا يُمكِنُ إلّا بطريقةِ العقلِ أو التواتُرِ....(2)
فواضِحُ البُطلانِ ؛ و كَيفَ يُبطِلُ أدلّةَ العقلِ مَن يُقاضي(3)خُصومَه إليها، و يُعوِّلُ في حِجاجِهم و دَفعِ مَذاهبِهم عَلَيها؟! أوَ(4)لا يَرىٰ صاحبُ الكتابِ أنّ مُعتمَدَنا - مِن أوّلِ كلامِنا إلىٰ هذه الغايةِ في إثباتِ الرئاسةِ - علىٰ مَحضِ دَلالةِ العقلِ؟! فكَيفَ يُتوهَّمُ علَى(5)المُحتَجِّ بالعقلِ اعتقادُ بُطلانِه ؟ و الذين أَنكَروا العقليّاتِ في الحقيقةِ و أَبطَلوها مِن حَيثُ لا يَشعُرونَ هم الذينَ نَفَوا الحاجةَ إلَى الرؤَساءِ ، مع شَهادةِ العقلِ بالحاجةِ إليهم.
فأمّا قولُه:
ثُمّ أدّاهم ذلكَ إلىٰ إثباتِ أشخاصٍ لا أصلَ لهم(6)لكي يَصِحَّ لهم(7)ما ادَّعَوه، فأثْبَتوا في هذا الزمانِ إماماً مُختَصّاً بنَسَبٍ و اسمٍ مِن غيرِ أن يُعرَفَ فيه(8)عَينٌ أو أثَرٌ.(9)
1) . في «د»: «و ما لو يثبت لكانت».
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 37. و من قوله: «و ما لو ثبت لكان» إلى هنا قد سقط من المغني.
3) . في «ط» و المطبوع: «تقاضى».
4) . في المطبوع: «لو» بدل «أوَ».
5) . في المطبوع: - «على».
6) . من قوله: «ثمّ أدّاهم» إلى هنا قد سقط من المغني.
7) . في المغني: «لكي ينجح لهم». و في المطبوع: «لكي يصلح» بدل «لكي يصحّ لهم».
8) . في «ط» و المطبوع: «منه».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 37.
فمَبنيٌّ علىٰ مُجرَّدِ الدعوىٰ و مَحضِ الاقتِراحِ،(1)و قد دَلَّلنا علىٰ أنّ الإمامةَ واجبةٌ
في كُلِّ زمانٍ بما لا حيلةَ فيه و لا قدرةَ علىٰ دَفعِه؛ و إذا استَحالَ أن يَكونَ القَديمُ تَعالىٰ غيرَ مُزيحٍ لعِلَلِ عبادِه بما(2)فيه لُطفُهم و مَصلحتُهم، وَجَبَ القطعُ علىٰ وجودِ(3)الأئمّةِ . و لَيسَ جَهلُ مَن جَهِلَ وجودَهم و دَخَلَت عليه الشُّبهةُ في أمرِهم بقادحٍ في الأدلّةِ ، و لا(4)مُعتَرِضٍ عَلَيها.
و قولُه: «لا يُعرَفُ فيه(5)عَينٌ و لا أثَرٌ» إن أرادَ(6): «لا يُعرَفُ بالدليلِ » فما ذَكَرناه يُبطِلُه، و إن أرادَ: «بالمشاهَدَةِ » فلَيسَ كُلُّ ما كان غيرَ مُشاهَدٍ يَجِبُ نَفيُه و إبطالُه.(7)
و أمّا قولُه:
و أدّىٰ بَعضَهم هذه الطريقةُ إلَى ادّعاءِ الضرورةِ في النُّصوصِ علَى المُخالِفِ ، بَل أدّىٰ (8)بَعضَهم إلَى القَولِ بأنّ المَعارِفَ كُلَّها ضَروريّةٌ ....(9)
1) . الاقتراح: التحكّم و سؤال الشيء من غير رويّة، أو ارتجال الكلام من غير تدبّر؛ راجع: الصحاح، ج 1، ص 396؛ القاموس المحيط، ج 1، ص 333 (قرح).
2) . في المطبوع: «لما».
3) . في «ص»: «وجوب».
4) . في «د» و المطبوع: + «منع». و في «ل»: + «مسموع».
5) . في المطبوع: «منه».
6) . في «د» و المطبوع: + «أن».
7) . في حاشية «م»: «و إلّافيلزم علىٰ صاحب الكتاب إنكار الصانع!! تعالىٰ عن ذلك. فإن قال: إنّا و إن لم نشاهده سبحانه، لكنّا شاهدنا آثاره. قلنا: استناد الآثار إليه تعالىٰ ليس ضروريّاً، كما هو ظاهر من براهين إثبات الصانع؛ بل ثابت بالنظر. و مثله يجري في آثار الإمام؛ و لولاه لحلّ علىٰ صاحب الكتاب و حزبه و أهل مقالته في الدنيا عذاب أليم (ح. س)».
8) . في المغني: + «ذلك».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 37. و فيه و في كثير من النسخ: «ضرورة» بدل «ضروريّة».
فلَيسَ فينا مَن يَدَّعي الضرورةَ في النَّصِّ إلّاعلَى السامعِ له ممَّن وَقَعَ مِن جهتِه، فأمّا مَن يَعرفُه مِن طريقِ (1)الخَبَرِ فخارجٌ عن بابِ الضرورةِ .
و ما نَعرِفُ فينا أحَداً مُحصِّلاً يَدَّعي أنّ المَعارِفَ كُلَّها ضروريّةٌ (2). و قد كانَ يَجِبُ أن لا يُعيِّرَ(3)باعتقادِ الضرورةِ في المَعارِفِ مَن له مِثلُ أبي عُثمانَ الجاحِظِ(4)الذي افتَتَحَ هذا الرأيَ المُنكَرَ(5)، و تَناهىٰ فيه إلىٰ ما هو مشهورٌ(6).
1) . في المطبوع: «من طرق».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «ضرورة».
3) . في «د، ل»: «لا يعتبر». و في حاشية «ف»: «لا يعترف».
4) . عمرو بن بحر بن محبوب الكناني، أبو عثمان الجاحظ، أحد شيوخ المعتزلة. ولد في البصرة، و أقام ببغداد و تردّد على سامرّاء و فلج في آخر عمره، و مات و الكتاب على صدره. كان مشوّه الخلقه حتّى أنّ المتوكّل العبّاسي أراده لتأديب ولده، و لكنّه رجع عن ذلك لدمامته و قبح صورته. ألّف في فنون من العلم و خلّف آثاراً تشهد له بذلك، غير أنّ الانحراف عن أمير المؤمنين عليه السلام يبدو واضحاً في بعض كتبه، و لعلّه فعل ذلك تقرّباً إلى المنحرفين عنه ممّن رفع منزلته و كفاه مؤونته أمثال محمّد بن عبد الملك الزيّات. و لمّا فلج عاد إلى البصرة و مات بها سنة 250 أو 255 ق. من كتبه: كتاب الحيوان، البيان و التبيين، كتاب المعرفة، كتاب العثمانية، كتاب العبّاسيّة، نظم القرآن، الفتيان، اللصوص، الوكلاء و الموكّلين، المعلّمين، الجواري، البخلاء، العرجان و البرصان، أخلاق الملوك و.... تاريخ بغداد، ج 12، ص 208، الرقم 6669؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 45، ص 431، الرقم 5316؛ معجم الأُدباء، ج 5، ص 2101، الرقم 872؛ ميزان الاعتدال، ج 3، ص 247؛ لسان الميزان، ج 4، ص 355؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 470، الرقم 506؛ الأعلام للزركلي، ج 5، ص 239؛ رسائل الجاحظ (الكلامية)، ص 310-415، كشاف آثار الجاحظ.
5) . حيث ذهب إلىٰ ضروريّة المعارف.
6) . في المطبوع: «المشهور» بالألف و اللام.
فأمّا قولُه:
و بَعيدٌ في كثيرٍ منهم أن يَعتَقِدَ ما يَظهَرُ عنه في هذه العِلَلِ(1)لأنّ اعتقادَها لا يَصِحُّ(2)مع التمسُّكِ بالدِّياناتِ التي ذَكَرناها، و لهذه الجُملةِ قالَ شَيخُنا أبو عليٍّ(3): إنّ أكثَرَ مَن نَصَرَ هذا المَذهَبَ كانَ قَصدُه الطَّعنَ في الدِّينِ و الإسلامِ، فتَسلَّقَ(4)بذلكَ إلَى القَدحِ فيهما؛ لأنّه لَو طَعَنَ(5)فيهما بإظهارِ كُفرِه و إلحادِه لَقَلَّ(6)القبولُ مِنه، فجَعَلَ هذه الطريقةَ سُلَّماً
1) . في حاشية «ط»: «العِلَل: أي الاحتجاجات».
2) . في المغني: «لا يكاد يصحّ ».
3) . أبو عليّ محمّد بن عبد الوهّاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان، مولىٰ عثمان بن عفّان، المعروف بالجبّائيّ أحد أئمّة المعتزلة، كان إماماً في علم الكلام. إليه انتهت رئاسة البصريّين من المعتزلة في زمانه لا يدافَع في ذلك. مولده سنة 235 و توفّي سنة 303. و نقل قاضي القضاة في شرح المقامات لأبي القاسم البلخيّ : «إنَّ أبا عليّ ما مات حتى قال بتفضيل عليّ عليه السلام و أنّه ألقىٰ بذلك إلىٰ ولده أبي هاشم عند وفاته». الفهرست لابن النديم، التكملة، ص 6؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 267، الرقم 607؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 1، ص 9.
4) . فتسلّق، أي توصّل. راجع: الصحاح، ج 4، ص 1498 (سلق).
5) . في المطبوع: «قدح».
6) . في المطبوع: «فإذن يقلّ » بدل «و إلحاده لقلّ ».
1) . هو أبو محمّد هشام بن الحكم، مولىٰ كندة، كوفيّ تحوّل إلىٰ بغداد من الكوفة، من أصحاب أبي عبد اللّٰه جعفر بن محمّد الصادق و أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام. و هو من متكلّمي الشيعة ممّن فتق الكلام في الإمامة، كان حاذقاً بصناعة الكلام، سريع البديهة، و كانت له مباحثات كثيرة مع المخالفين في الأُصول و غيرها. ذكره النجاشي في رجاله و وثّقه بقوله: «كان ثقة في الروايات، حسن التحقيق بهذا الأمر» و روى الكشّي روايات كثيرة في مدحه. كان له أصل، و له كتب كثيرة، منها: كتاب الإمامة، و كتاب الدلالات على حدوث الأشياء، و الردّ على الزنادقة، و كتاب التوحيد، و كتاب التديّن. رجال النجاشي، ص 433، الرقم 1164؛ رجال الكشّي، ص 255-258، ح 457-484؛ الفهرست للطوسيّ ، ص 493، الرقم 783؛ رجال الطوسي، ص 318، الرقم 4750؛ و ص 345، الرقم 5153؛ رجال البرقيّ ، ص 35 و 48؛ خلاصة الأقوال، ص 178، الرقم 1؛ الفهرست لابن النديم، ص 249؛ معجم رجال الحديث، ج 20، ص 297، الرقم 13358.
2) . محمّد بن هارون، أبو عيسى الورّاق، من المتكلّمين؛ له كتاب الإمامة، و كتاب السقيفة، و كتاب الحكم علىٰ سورة لم يكن، و كتاب اختلاف الشيعة و المقالات، و كتاب المجالس. و كانت وفاته ببغداد في الجانب الغربيّ سنة سبع و أربعين و مائتين. رجال النجاشي، ص 372، الرقم 1016؛ مروج الذهب، ج 4، ص 23؛ الفهرست لابن النديم، ص 216 و 401.
3) . أبو حفص الحدّاد: من المعتزلة. له كتاب الجاروف في تكافؤ الأدلّة، نقضه عليه أبو عليّ الجبّائي و الخيّاط و الحارث الورّاق. عدّه الخيّاط من الملحدين. و هو غير أبي حفص الحدّاد الصوفي النيسابوري. الفهرست لابن النديم، ص 216؛ الانتصار للخيّاط المعتزلي، ص 142؛ سير أعلام النبلاء، ج 12، ص 510.
4) . تقدّمت ترجمته في ص 202. و في حاشية «م»: «هو أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق، من أهل مرو الروذ، و نسبته إلىٰ «راوند» قرية من قرىٰ أصفهان. و نُقل أنّه كان من متكلّمي المعترلة ثمّ فارقهم و صار ملحداً زنديقاً، و لمّا عوتب علىٰ ملازمته للملاحدة قال: إنّما أريد أن أعرف مذاهبهم. و يقال: إنّ أباه كان يهوديّاً فأسلم هو، و كانت اليهود ترميه بالإلحاد و يقولون للمسلمين: لا يُفسدنّ عليكم هذا كتابكم كما أفسد أبوه علينا التوراة. و قال أبو العبّاس الطبريّ : إنّه كان لا يستقرّ علىٰ مذهب، و صنَّف لليهود كتاباً لأربعمائة درهم أعطوه، ثمّ أراد نقضه فأعطوه مائتي درهم فأمسك عن النقض. و قيل: إنّ أكثر كتبه الكفريّة صنّفها لأبي عيسى اليهوديّ
إلىٰ قولِه:
و بَيَّنَ شَيخُنا أبو عليٍّ أنّهم تَجاوَزوا ذلكَ إلىٰ إبطالِ التوحيدِ و العَدلِ؛ لأنّ(1)هِشامَ بنَ الحَكَمِ قالَ بالتجسيمِ، و بحُدوثِ العِلمِ، و بجَوازِ البَداءِ، إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا لا يَصِحُّ معه التوحيدُ، و قالَ بالجَبرِ،(2)و ما يَتَّصِلُ بتَكليفِ ما لا يُطاقُ، و لا يَصِحُّ معه التمسُّكُ بالعَدلِ.
و أمّا حالُ ابنِ الراوَنديِّ في نُصرةِ الإلحادِ و أنّه كانَ يَقصِدُ بسائرِ ما يؤلِّفُه إلَى التشكيكِ فظاهرٌ، و رُبَّما(3)كانَ يؤلِّفُ لضَربٍ(4)مِن الشُّهرةِ(5)و المَنفَعةِ.
و أمّا أبو عيسىٰ: فتَمسُّكُه بمَذاهِبِ الثنَويّةِ ظاهرٌ، و أنّه كانَ عندَ الخَلوةِ رُبَّما قالَ: «بُليتُ بنُصرةِ أبغَضِ الناسِ إلَيَّ، و أعظَمِهم إقداماً علَى القَتلِ؛ [لكنّ التَّستُّرَ بذلكَ و التحرُّزَ به مِن القَتلِ لا بُدَّ مِن أن يَكونَ» إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا يُحكىٰ عنه في هذا البابِ].(6)
الأهوازيّ و هلك في منزله، عليه من القهّار ما يستحقّه. و نقل الجبّائيّ: أنّ الراونديّ هرب من السلطان إلى ابن لاوي اليهوديّ فصنَّفَ له كتاباً كفريّاً. و هو الذي قال:
كم عاقلٍ عاقلٍ أعيت مذاهبه [و جاهلٍ جاهلٍ تلقاه مرزوقا]».
1) . في المغني: «و أنّ ».
2) . الجبر لغةً : الإكراه و القهر. و في اصطلاح المتكلّمين: نفي الفعل حقيقةً عن العبد و إضافته إلى اللّٰه تعالىٰ ، أي العبد مُجبَرٌ على فِعلِه؛ حسناً كان أو سيّئاً، خيراً أو شرّاً. الملل و النحل للشهرستانيّ ، ج 1، ص 85.
3) . في المطبوع: «و إنّما». و ما أثبتناه مطابق للنسخ و المغني.
4) . في المطبوع: «بضرب».
5) . في «د» و المغني: «الشهوة».
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 37-38. و ما بين المعقوفين من المغني.
فعُدولٌ عن النظَرِ و الحِجاجِ إلَى القَذفِ و السِّبابِ و الافتراءِ، و(1)استعمالُ طريقةِ جُهّالِ العامّةِ في التشنيعِ علَى المَذاهبِ و سَبِّ أهلِها و تَقبيحِها في النفوسِ بما لَو صَحَّ لَم يَكُ مُفسِداً(2)لأصلِ المَقالةِ، و لا قادِحاً في صِحّةِ النِّحلةِ(3)، و قَلَّما يُستَعمَلُ ذلك إلّاعندَ نَفادِ الحُجّةِ و قِلّةِ الحيلةِ .
و نَحنُ مُبِينونَ عمّا في كلامِه مِن الخَطَإ و التحامُلِ (4).
[1.] فأمّا ما رَمىٰ به هِشامَ بنَ الحَكَمِ رَحِمَه اللّٰهُ مِن القولِ(5)بالتجسيمِ، فالظاهرُ مِن الحِكايةِ عنه القولُ ب «جِسمٍ لا كالأجسامِ» و لا خِلافَ في أنّ هذا القولَ لَيسَ بتشبيهٍ(6)، و لا ناقضٍ لأصلٍ، و لا مُعتَرِضٍ علىٰ فَرعٍ، و أنّه غَلَطٌ في عبارةٍ؛ يُرجَعُ(7)في إثباتِها و نَفيِها إلَى اللُّغةِ.
و أكثرُ أصحابِنا يقولونَ: إنّه أَورَدَ ذلكَ علىٰ سَبيلِ المُعارَضةِ للمُعتزِلةِ، فقالَ لهم:
«إذا قلتم: إنّ القديمَ تَعالىٰ شَيءٌ لا كالأشياءِ، فقولوا: إنّه جسمٌ لا كالأجسامِ».(8)
1) . في المطبوع: «أو».
2) . في «د، ل» و المطبوع: «نقضاً».
3) . النِّحلة - بالكسر -: الدعوىٰ . و فلانٌ انتَحَلَ مذهبَ كذا و قبيلة كذا: إذا انتسب إليه. الصحاح، ج 5، ص 1827-1829 (نحل).
4) . تَحامَلَ علَيَّ فُلانٌ : لَم يَعدِل. أساس البلاغة، ص 142 (حمل).
5) . في المطبوع: - «من القول».
6) . في المطبوع: «تشبيه» بدون الباء.
7) . في «ف» و حاشية «ج»: «ليرجع».
8) . قال الشهرستانيّ : «و هذا هشام بن الحكم صاحب غور في الأُصول، لا يجوز أن يُغفل عن إلزاماته على المعتزلة؛ فإنّ الرجل وراء ما يُلزمه على الخصم و دونَ ما يُظهره من التشبيه؛ و ذلك
و لَيسَ كُلُّ مَن عارَضَ بشَيءٍ و سأَلَ عنه يَكونُ مُعتَقِداً له و مُتَدَيِّناً به. و قد يَجوزُ أن يَكونَ قَصَدَ به إلَى استِخراجِ جوابِهم عن هذه المسألةِ و معرفةِ ما عندَهم فيها، أو إلىٰ أن يُبيِّنَ قُصورَهم عن إيرادِ المَرْضيِّ(1)في جوابِها، إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا يَتَّسِعُ ذِكرُه.
فأمّا الحكايةُ عنه أنّه ذَهَبَ في اللّٰهِ تعالىٰ أنّه جسمٌ له حقيقةُ الأجسامِ الحاضرةِ، و حديثُ «الأشبارِ» المُدَّعىٰ عليه: فلَيسَ نَعرِفُه إلّامِن حكايةِ الجاحظِ عن النَّظّامِ(2)
و ما [هو] فيهما(3)إلّامُتَّهَمٌ عَلَيه، غيرُ مَوثوقٍ بقَولِه في مِثلِه.
و جُملةُ الأمرِ: أنّ المَذاهِبَ يَجِبُ أن تؤخَذَ مِن أفواهِ قائليها، و أصحابِهم المُختَصّينَ بهم، و مَن هو مأمونٌ في الحكايةِ عنهم. و لا يُرجَعُ فيها إلىٰ دعاوَى الخُصومِ؛ فإنّه إن رُجِعَ(4)إلىٰ ذلكَ في المَذاهِبِ(5)اتَّسَعَ الخَرْقُ، و جَلَّ الخَطْبُ ، و لَم نَثِقْ بحِكايةٍ في مَذهَبٍ و لا إسنادِ(6)مَقالةٍ .
أنّه ألزم العلّاف فقال: إنّك تقول: الباري تعالىٰ عالم بعلم، و علمه ذاته، فيشارك المحدَثات في أنّه عالم بعلم، و يباينها في أنّ علمه ذاته، فيكون عالِماً لا كالِعالمين، فَلِمَ لا تقول: إنّه جسم لا كالأجسام، و صورة لا كالصور، و له قدر لا كالأقدار؟». الملل و النحل، ج 1، ص 185.
1) . في «د، ل» و المطبوع: «المرتضىٰ ».
2) . النظّام هو: أبو اسحاق، إبراهيم بن سيّار بن هانئ البصريّ ، ابن أُخت أبي الهُذيل العلّاف، شيخ المعتزلة و من أئمّتهم، و كان الجاحظ من تلامذته. انفرد بآراء خاصّة، تابعته فيها فرقة من المعتزلة سُمّيت النظّاميّة. قال الجاحظ: ما رأيتُ أحداً أعلم بالكلام و الفقه من النظّام، و قال أيضاً: الأوائل يقولون: في كلّ ألف سنة رجل لا نظير له، فإن كان ذلك صحيحاً فهو أبو إسحاق النظّام. تُوفّي سنة 231 ه. المقالات و الفِرق، ص 143؛ طبقات المعتزلة، ص 49-52، الطبقة السادسة.
3) . في «ج، ص، ل» و المطبوع: «فيها».
4) . في المطبوع: «إن يرجع».
5) . في المطبوع: «المذهب».
6) . في «د» و المطبوع: «استناد».
و لَو كانَ يَذهَبُ هِشامٌ إلىٰ ما يَدَّعونَه مِن التجسيمِ، لَوَجَبَ(1)أن يُعلَمَ ذلكَ و يَزولَ اللَّبسُ فيه، كما يُعلَمُ قولُ الجوارِبيِّ(2)و أصحابِه بذلكَ، و [أن] لا نَجِدَ له دافعاً كما لا نَجِدُ(3)لمَقالةِ الجَوارِبيِّ دافِعاً في الجسمِ(4).
و ممّا يَدُلُّ علىٰ بَراءةِ هِشامٍ مِن هذا القَرَفِ(5)و رَميِه(6)علىٰ هذا الوجهِ(7)الذي يَدَّعونَه: ما رُوِيَ عن الصادقِ عليه السلامُ في قولِه: «لا تَزالُ يا هِشامُ مُؤيَّداً بروحِ القُدُسِ ما نَصَرتَنا بلِسانِكَ».(8)
و قولُه عليه السلامُ حينَ دَخَلَ عليه - و عندَه مَشايخُ الشيعةِ، فرَفَعَه علىٰ جَماعتِهم، و أَجلَسَه إلىٰ جانِبِه في المَجلِسِ؛ و هو إذ ذاكَ حَدَثُ السِّنِّ(9)-: «هذا ناصِرُنا بقَلبِه و يَدِه و لِسانِه»(10).
1) . في «د» و المطبوع: «من التجسّم يوجب».
2) . في جميع النسخ «الخوارزمي»، و هكذا في الموارد التالية، و الصحيح ما أثبتناه في الموردَين. و الرجل هو داود الجواربي، حكي عنه أنّه قال: اعفوني عن الفرج و اللحية، و اسألوني عما وراء ذلك. الملل و النحل للشهرستانيّ، ج 1، ص 105؛ ميزان الاعتدال، ج 2، ص 23.
3) . في المطبوع: «كما و لا نجد».
4) . في «د» و المطبوع: - «في الجسم».
5) . القَرَفُ: التهمة. و قَرَفَه بالشيء: اتّهمه. لسان العرب، ج 9، ص 280 (قرف).
6) . في «د، ل» و حاشية «ط، ف»: «أو منه».
7) . في «د، ل» و المطبوع: «المعنى».
8) . الفصول المختارة، ص 49. و لم نجده في سائر المصادر؛ إلّاأنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله قاله لحسّان بن ثابت، أو قاله أبو جعفر الباقر عليه السلام للكُميت. انظر: رجال الكشّيّ ، ص 208، ح 366؛ الإرشاد، ج 1، ص 177؛ إعلام الورىٰ ، ص 133؛ جامع الأخبار، ص 11؛ الطرائف، ص 311.
9) . هكذا في «ص، ط» و حاشية «ج، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «حديث السنّ ».
10) . الكافي، ج 1، ص 418/4، ضمن ح 437 (ج 1، ص 172، ضمن ح 4، ط. الإسلامية)؛ الإرشاد، ج 2، ص 195؛ الفصول المختارة، ص 52؛ إعلام الورىٰ ، ج 1، ص 531؛ الاحتجاج، ج 2،
و قولِه عليه السلامُ: «هِشامُ بنُ الحَكَمِ رائدُ حَقِّنا، و سائقُ قَولِنا، المؤيِّدُ لصِدقِنا(1)، و الدافِعُ لباطِلِ أعدائنا، مَن تَبِعَه و تَبِعَ أمْرَه تَبِعَنا، و مَن خالَفَه و ألحَدَ فيه فقَد عادانا و ألحَدَ فينا»(2).
و أنّه عليه السلامُ كانَ يُرشِدُ إليه(3)في بابِ النظَرِ و الحِجاجِ، و يَحُثُّ الناسَ علىٰ لِقائه و مُناظَرَتِه؛ فكَيفَ يَتَوَهَّمُ عاقلٌ - مع ما ذَكَرناه - علىٰ هِشامٍ هذا القولَ بأنّ رَبَّه سَبعةُ أشبارٍ بشِبرِه؟! و هَل ادّعاءُ ذلك عليه - رِضوانُ اللّٰهِ عليه - مع اختِصاصِه المعلومِ بالصادقِ عليه السلامُ و قُربِه مِنه و أخذِه عنه، إلّاقَدْحٌ في أمرِ الصادقِ عليه السلامُ و نسبةٌ (4)له إلَى المُشارَكةِ في الاعتقادِ الذي نَحَلوه(5)هِشاماً؟ ألا(6)كَيفَ لَم يَظهَرْ عنه(7)مِن النَّكيرِ(8)عليه(9)و التبعيدِ له ما يَستَحِقُّه المُقدِمُ علىٰ هذا الاعتقادِ المُنكَرِ و المَذهَبِ الشَّنيعِ؟
ص 365؛ بحار الأنوار، ج 10، ص 295، ح 4، عن الفصول المختارة؛ و ج 23، ص 9، ح 12، عن الاحتجاج؛ و ج 48، ص 203، ح 7، عن إعلام الورىٰ .
1) . في «د، ص»: «بصدقنا».
2) . معالم العلماء، ص 128، الرقم 862؛ قاموس الرجال، ج 10، ص 537، الرقم 8215؛ معجم رجال الحديث، ج 20، ص 300، الرقم 13358.
3) . في المطبوع: - «إليه».
4) . في «د، ل، ف» و حاشية «ج، ط»: «و نسبٌ ».
5) . نَحَلَه القولَ يَنحَلُه نَحلاً: نَسَبَه إليه. لسان العرب، ج 11، ص 651 (نحل).
6) . في «ل» و المطبوع: «و إلّا».
7) . أي عن الإمام الصادق عليه السلام.
8) . في المطبوع: «التنكير». و في «د، ل»: «التشكّي». و «النكير» اسم للإنكار الذي يعنىٰ به التغيّر. و «التنكّر»: التغيّر عن حالٍ تسرّك إلىٰ حالٍ تكرهها. كتاب العين، ج 5، ص 355 (نكر).
9) . في المطبوع: «عنه».
[2.] فأمّا حُدوثُ العِلمِ(1): فهو أيضاً مِن حِكاياتِهم المُختَلَقةِ(2)، و ما نَعرِفُ للرَّجُلِ فيه كتاباً، و لا حَكاه عنه ثقةٌ.
[3.] فأمّا الجَبرُ و تَكليفُ ما لا يُطاقُ: فما(3)لا نَعرِفُه مَذهباً له، و لَعلَّه لَم يَتقدَّمْ
صاحبَ الكتابِ في نسبةِ ذلك إليه غيرُه، اللّهُمّ إلّاأن يَكونَ شَيخُه أبو عليٍّ الجُبّائيُّ، فإنّه مَليٌّ(4)بكُلِّ تَحامُلٍ و عَصَبيّةٍ؛ و قليلُ هذه الحكاياتِ ككثيرِها في أنّها إذا لَم تُنقَلْ مِن جهةِ الثقةِ و كانَ المَرجِعُ فيها إلىٰ قولِ الخُصومِ المُتَّهَمينَ، لَم يُحفَلْ بها(5)و لَم يُلتفَتْ إليها.
و ما قَدَّمناه مِن الأخبارِ المَرويّةِ عن الصادقِ عليه السلامُ، و ما كانَ يُظهِرُ مِن اختصاصِه به و تقريبِه له و اجتِبائه(6)إيّاه مِن بَينِ صَحابتِه، يُبطِلُ كُلَّ ذلكَ، و يُزيِّفُ (7)حِكايةَ راويهِ (8).
[4.] و أمّا البَداءُ (9): فقَولُ هِشامٍ و أكثَرِ الشيعةِ فيه هو قولُ المُعتزِلةِ بعَينِه في النَّسخِ
1) . أي أنّ اللّٰه تعالىٰ لا يعلم الأشياء إلّابعد كونها.
2) . راجع: مقالات الإسلاميّين، ص 37 و 493-494.
3) . في المطبوع: «ممّا».
4) . في المطبوع: «يملي».
5) . حفلتُ بكذا: باليتُ به. و لم يُحفَل بها: لم يُبالَ بها. راجع: الصحاح، ج 4، ص 1671 (حفل).
6) . اجتباه لنفسه: أي اختاره و اصطفاه. النهاية، ج 1، ص 238 (جبا).
7) . زَيَّفَ قَولَه أو رأيَه: فَنَّدَه و أَظهَرَ باطِلَه. المعجم الوسيط (زيف).
8) . في المطبوع: «روايته».
9) . البداء: هو النهي عن نفس ما وقع الأمر به أو الأمر بنفس ما حصل النهي عنه، و إنّما يكون كذلك بأن يكون ما تعلّق به النهي و الأمر واحداً، و المأمور و المنهي واحداً، و الوقت واحداً، و الوجه واحداً. فإن اختلف الوقت كان نسخاً. رسائل الشريف المرتضى، ج 1، ص 116؛ الكافي لأبي الصلاح الحلبي، ص 80؛ الاقتصاد للشيخ الطوسي، ص 164.
في المَعنىٰ ، و مُرادُهم به مُرادُ المُعتزِلةِ بالنَّسخِ ، و إنّما خالَفوهم في تَلقيبِه(1)بالبَداءِ لأخبارٍ رَوَوها، و لا مُعتَبَرَ بالألفاظِ(2)و الخِلافِ فيها.
فأمّا ابنُ الراوَنديِّ ، فقَد قيلَ : إنّه إنّما عَمِلَ الكُتُبَ التي شُنِّعَ بها عليه مُعارَضةً للمُعتزِلةِ و تَحَدِّياً لهم؛ لأنّ القَومَ كانوا أساءوا عِشرَتَه، و استَنقَصوا مَعرِفَتَه(3)، فحَمَلَه ذلكَ علىٰ إظهارِ هذه الكُتُبِ ؛ ليُبيِّنَ عجزَهم عن استِقصاءِ نَقضِها، و تحامُلَهم عليه في رَميِه بقُصورِ الفَهمِ و الغَفلةِ . و قد كانَ يَتبَرّأُ مِنها(4)تَبَرّؤاً ظاهراً، و يَنتَفي مِن عملِها، و يُضيفُها إلىٰ غيرِه. و لَيسَ يُشَكُّ في خَطَئه بتأليفِها؛ سَواءٌ اعتَقَدَها أم لَم يَعتَقِدْها.
و ما صَنَعَ ابنُ الراوَنديِّ مِن ذلكَ إلّاما قد صَنَعَ الجاحِظُ مِثلَه أو قَريباً مِنه، و مَن
جَمَعَ بَينَ كُتُبِه التي هي: العُثمانيّةُ (5)و المَرْوانيّةُ و الفُتيا(6)و العَبّاسيّةُ (7)و الإماميّةُ و كتابُ
1) . في «د» و المطبوع: «تلقّبه».
2) في المطبوع: «في الألفاظ».
3) . في «ل»: «و استقصوا معرّته» أي مكروهه.
4) في «ص»: «عنها».
5) . العثمانية: استدلّ فيه الجاحظ علىٰ إمامة أبي بكر و أثبت له فضائل، و ردَّ علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام و أنكر فضائله. و قد نُقض عليه بعدّة نقوض، منها نقض العثمانية للإسكافي المعتزلي - بقيت منه نصوص نقلها ابن أبي الحديد في شرحه -، و منها بناء المقالة الفاطميّة في نقض الرسالة العثمانيّة للسيّد أحمد ابن طاووس، و هذا النقض مطبوع. و قد طبع كتاب العثمانية بتحقيق عبد السلام محمّد هارون، كما طبع في ضمن رسائل الجاحظ (الرسائل السياسيّة)، ص 127.
6) . الفُتيا: الظاهر أنّه مفقود، لكن بقيت رسالة مختصرة أرسلها الجاحظ إلىٰ عبد اللّٰه أحمد بن أبي دؤاد يخبره فيها بكتاب الفُتيا. رسائل الجاحظ، ج 1، ص 219.
7) . العبّاسية: بقيت عدّة صفحات منه نشرت في ضمن رسائل الجاحظ (الرسائل السياسيّة)، ص 465. و قد قام الجاحظ في هذه الصفحات بتخطئة أبي بكر في منعه فاطمة عليها السلام
الرافِضةِ و الزَّيديّةِ(1)، رأىٰ مِن التَّضادِّ و اختلافِ القَولِ ما يَدُلُّ علىٰ شَكٍّ عظيمٍ، و إلحادٍ شديدٍ، و قِلّةِ فِكرٍ(2)في الدِّينِ.
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ: «إنّ الجاحِظَ لَم يَكُن مُعتَقِداً لِما في هذه الكُتُبِ المُختَلِفةِ، و إنّما حَكىٰ مَقالاتِ الناسِ و حِجاجَهم، و لَيسَ علَى الحاكي جَريرةٌ(3)، و لا يَلزَمُه تَبِعةٌ»؛ لأنّ هذا القولَ إن قَنَعَ به الخُصومُ فليَقنَعوا بمِثلِه في الاعتذارِ عن ابنِ الراوَنديِّ(4)فإنّ ابنَ الراوَنديِّ لَم يَقُلْ في كُتُبِه هذه التي شُنِّعَ بها عليه:
«إنّني أعْتَقِدُ المَذاهِبَ التي حَكَيتُها و أذهَبُ إلىٰ صِحّتِها»، بَل كانَ يَقولُ:
«قالَت الدَّهْريّةُ»،(5)و «قالَ الموَحِّدونَ»، و «قالَت البَراهِمةُ»،(6)و «قالَ مُثبِتو
من ميراث الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله، و ذكر أنّ ترك الصحابة النكيرَ عليه لا يدلّ علىٰ صواب فعله. و الظاهر أنّ هدفه من طرح هذا البحث إثباتُ إمامة العبّاس من باب الوراثة، فإنّ اسم كتاب العباسيّة يدلّ علىٰ ذلك.
1) . الرافضة و الزيديّة: طبعت فصول منه نشرت في ضمن رسائل الجاحظ (الرسائل الكلاميّة)، ص 177 تحت عنوان: من كتاب استحقاق الإمامة، و نشرت في رسائل الجاحظ، ج 4، ص 35 (تحقيق: عيون السود) تحت عنوان: فصل من صور كتابه في مقالة الزيديّة و الرافضة. و النشرة الأخيرة أكثر اختصاراً من الأُولىٰ، فقد حذفت منها بعض الفصول. و قد ناقش الجاحظ في هذا الكتاب آراء الإمامية و الزيدية حول الإمامية.
2) . في المطبوع: «تفكّر».
3) . الجريرة: الجناية و الذنب. النهاية، ج 1، ص 258 (جرر).
4) . في المطبوع: - «عن ابن الراونديّ ».
5) . «الدهريّة» هم القائلون ببقاء الدهر و قدم العالم و لا يؤمنون بالحياة الأُخرىٰ . و هم المشارإليهم بقوله تعالىٰ : (مٰا هِيَ إِلّاٰ حَيٰاتُنَا الدُّنْيٰا نَمُوتُ وَ نَحْيٰا وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلَّا الدَّهْرُ) [الجاثية (45):24]. و يقال لهم: «المعطّلة» أيضاً، و التعطيل مذهب قوم من العرب، بعضهم أنكر الخالق و البعث، فجعلوا الجامع لهم الطبع و المهلك لهم الدهر، و بعضهم اعترف بالخالق و أنكر البعث. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 1، ص 118؛ الملل و النحل للشهرستانيّ ، ج 2، ص 307.
6) . «البراهمة» هم فرقة أنكرت بعثة الأنبياء و زعموا أنّه لا فائدة فيها. و إنّما انتسبوا إلىٰ رجل منهم
الرُّسُلِ(1)». فإن زالَت التَّبِعةُ عن الجاحِظِ - في سَبِّ الصَّحابةِ و الأئمّةِ و الشَّهادةِ عَلَيهم بالضَّلالِ و المُروقِ(2)عن الدِّينِ - بإخراجِ(3)كلامِه مَخرَجَ الحكايةِ، فلتَزولَنَّ(4)أيضاً التَّبِعةُ عن ابنِ الراوَنديِّ بمِثلِ ذلكَ.
و بَعدُ، فلَيسَ يَخفىٰ كلامُ مَن قَصدُه الحكايةُ و ذِكرُ المَقالةِ، مِن كلامِ المُشيِّدِ(5)لها الجاهِدِ(6)نَفسَه في تصحيحِها و ترتيبِها. و مَن وَقَفَ علىٰ كُتُبِ الجاحِظِ التي ذَكَرناها عَلِمَ ضَرورةً(7)أنّ قَصْدَه لَم يَكُن للحكايةِ(8)و كَيفَ يَقصِدُ إلىٰ ذلكَ مَن أَورَدَ مِن الشُّبَهِ و الطُّرَفِ (9)ما لَم يَخطُرْ كثيرٌ مِنه بِبالِ أهلِ المَقالةِ التي شَرَعَ في حِكايتِها؟! و لَيسَ يَخفىٰ علَى المُنصِفينَ ما في هذه الأُمور.
يقال له «براهْمَ » و قد مهَّد لهم نفي النبوّات أصلاً. الملل و النحل للشهرستانيّ ، ج 2، ص 601-602؛ قواعد المرام، ص 124.
1) . في «د» و المطبوع: «الرسول».
2) . المروق: الخروج. و به سُمّيت الخوارج «مارقة» لخروجهم عن الدين، كما في حديث أبي سعيد الخدري عن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و ذكر الخوارج: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة» أي يجوزونه و يخرقونه و يتعدّونه كما يخرق السهم المرميّ به و يخرج عنه. و في حديث أمير المؤمنين عليه السلام: «أُمرتُ بقتال المارقين». تاج العروس، ج 13، ص 440 (مرق).
3) . هكذا في «ج». و في سائر النسخ و المطبوع: «بإخراجه».
4) . في حاشية «ج، ط، ف»: «فتزولنّ ».
5) . الشين و الياء و الدال أصلٌ واحد يدلّ علىٰ رفع الشيء. معجم مقاييس اللغة، ج 3، ص 234 (شيد).
6) . في المطبوع: + «له». و قال في الهامش: الضمير في «له» ل «كلام».
7) . في المطبوع: - «ضرورة».
8) . في المطبوع: «الحكاية».
9) . في أكثر النسخ: «و الطرق».
و أمّا أبو حَفصٍ الحَدّادُ: فلَسنا نَدري مِن أيِّ وجهٍ أُدخِلَ في جُملةِ الشيعةِ ؛ لأنّا لا نَعرِفُه مِنهم، و لا مُنتَسِباً إليهم، و لا وُجِدَ له قَطُّ كلامٌ في الإمامةِ و حِجاجٌ عنها. فلَيسَ (1)ادّعاؤه أنّه مِن جُملتِهم مع تبرّيهِم مِنه - و أنّه لَم يَظهَرْ مِنه ما يَقتَضي(2)لُحوقَه بهم - إلّا كادّعائهِم عليه أنّه مِن المُعتزِلةِ ؛ فلَيسَ بُعْدُه مِن أحَدِ المَذهبَينِ إلّاكبُعدِه مِن(3)الآخَرِ.
فأمّا أبو عيسَى الوَرّاقُ، فإنّ التثنيةَ(4)ممّا رَماهُ بها المُعتَزِلةُ، و تَقدَّمَهم في قَذفِه بها ابنُ الراوَنديِّ ، لعَداوةٍ كانَت بَينَهما، و كانَت شُبهتُه في ذلك و شُبهةُ غيرِه تأكيدُ أبي عيسىٰ لمَقالةِ الثَّنَويّةِ في كتابِه المعروفِ ب «المَقالاتِ »(5)و إطنابُه في ذِكرِ شُبَهِهم(6)و هذا القَدرُ إن كانَ عندَهم دالّاً علَى الاعتقادِ، فليَستَعمِلوه في الجاحِظِ و غيرِه ممَّن أكَّدَ مَقالاتِ المُبطِلينَ و لَخَّصَها(7)و هَذَّبَها(8).
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ليس».
2) . في «ل»: «ما يفضي».
3) . في «ج، ف»: «عن».
4) . التثنية هي القول بالاثنين الأزَليَّين، و يقال لأصحاب هذه العقيدة: الثنويّة، لأنّهم يزعمون أنّ النور و الظلمة أزليّان قديمان. الملل و النحل للشهرستانيّ ، ج 1، ص 244.
5) . المقالات: من المصادر الرئيسيّة في مجال معرفة المذاهب و الأديان، فقد تطرّق فيه إلىٰ عقائدفرق الشيعة كالكيسانيّة و الزيديّة، و عقائد اليهود و عرب الجاهليّة كما قام بتفصيل البحث عن عقائد الثنويّة، و قد قام ابن الملاحمي المعتزلي بنقل الكثير ممّا نقله الورّاق من عقائد الثنويّة و ناقشها، و ذلك في كتابه المعتمد. ثمّ إنّ كتاب المقالات مفقود، و لكن بقيت منه نصوص منثورة في ثنايا الكتب.
6) . في «د» و المطبوع: «شبهتهم».
7) . في المطبوع: «و محّضها».
8) . في حاشية «ج»: «و ذهّبها».
فأمّا الكتابُ المعروفُ ب «المَشرِقيِّ» و كتابُ «النَّوحِ علَى البَهائمِ»(1)فهُما مَدفوعانِ عنه، و ما يَبعُدُ أن يَكونَ بَعضُ الثَّنَويّةِ عَمِلَهما علىٰ لِسانِه؛ لأنّ مِن شأنِ مَن يُقْرَفُ(2)ببَعضِ المَذاهبِ أن يُضافَ إليه ممّا يَدخُلُ في نُصرَتِها الكثيرُ.
و لَيسَ لنا أن نُضيفَ مِثلَ هذه المَذاهبِ القَبيحةِ إلىٰ مَن لَم يَكُن مُتَظاهِراً بها و لا مُجاهِراً باعتِقادِها، و إن لَم يَكُن(3)يَتبَرّأُ مِنها و يَتبَرّأُ مِن أهلِها؛ لأنّ الدِّينَ يَحجِزُ عن ذلكَ و يَمنَعُ منه، و لا نَعمَلُ إلّاعلَى الظاهرِ.
و إنّ واحداً أو اثنَينِ مِمَّن انتَسَبَ إلَى التشَيُّعِ و احتَمىٰ به لَو كانَ في باطنِه شاكّاً أو مُلحِداً، أيُّ تَبِعةٍ تَلزَمُ بذلكَ نَفسَ المَذهَبِ و أهلَه إذا كانوا ساخِطين لذلكَ الاعتِقادِ، و مُكفِّرينَ لمُعتَقِدِه و الذاهِبِ إليه؟ و لَو جُعِلَ مِثلُ هذا وَصْمَةً (4)علَى المَذهَبِ و عَيباً علىٰ أهلِه، لَكانَت جَميعُ المَذاهِبِ مَوصومةً مَعيبةً ؛ لأنّها لا تَخلو مِن أن يَنتَسِبَ (5)إليها مَن لَيسَ (6)في الحقيقةِ مِنها.
و أينَ المُعيِّرُ بما تَقَدَّمَ (7)و القادحُ به، عن أقوالِ (8)شُيوخِه و أسلافِه القَبيحةِ ، و
1) . المشرقي - و اسمه الكامل: الغريب المشرقي - و النوح علىٰ البهائم: كتابان في بيان عقائد الثنويّة. والظاهر أنّ سبب تسمية الكتاب الثاني بهذا الاسم هو أنّ الثنويّة لا يجيزون قتل الحيوانات و البهائم. و قد كتب أبو محمّد النوبختي كتاباً نقض فيه علىٰ كتاب الغريب المشرقي. فهرست ابن النديم، ص 216؛ الفهرست للطوسيّ ، ص 96.
2) . في المطبوع: «يعرف». و قَرَفَه بكذا: اتّهمه به. النهاية، ج 4، ص 45 (قرف).
3) . في «ج، د، ط، ف»: «و إن كان» بدل «و إن لم يكن».
4) . الوَصْمَة: العيب و النقص، و أصلها الكسر اليسير. المغرب، ج 2، ص 357 (وصم).
5) . في «د» و المطبوع: «أن ينسب».
6) . في المطبوع: «من لم يكن».
7) . في «د، ل»: «بما يقدح».
8) . في المطبوع: «قول».
مَذاهبِهم الشَّنيعةِ؟ و كَيفَ لَم يَذكُرْ:
[1.] قولَ أبي الهُذَيلِ(1)
و في حاشية «م»: «محمّد بن الهُذيل بن عبد اللّٰه بن مكحول العبديّ ، أبو الهُذيل العلّاف، شيخ المعتزلة و مقدّم الطائفة و مقرّر الطريقة. قال: إنّ الباري تعالىٰ عالم بعلم و علمه ذاته، قادر بقدرة و قدرته ذاته، حيّ بحياة و حياته ذاته. و إنّما اقتبس هذا الرأي من الفلاسفة الذين اعتقدوا أنّ ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه و أنّ الصفات ليست وراء الذات معاني قائمةً بذاته، بل هي ذاته و ترجع إلى الأسلوب أو اللوازم. و الفرق بين قول القائل: «عالم بذاته لا بعلم» و بين قول القائل: «عالم بعلم هو ذاته» أنّ الأوّل نفيُ الصفة، و الثاني إثباتُ ذات هو بعينه صفة أو إثباتُ صفة هي بعينها ذات. و إذا أثبت أبو الهُذيل هذه الصفات وجوهاً للذات فهي بعينها أقانيم النصارىٰ أو أحوال أبي هاشم (الملل و النحل للشهرستانيّ )».
بتَناهي مَقدوراتِ اللّٰهِ تَعالىٰ و مَعلوماتِه، و قولَه: «إنّ عِلمَ اللّٰهِ تَعالىٰ هو اللّٰهُ»(2)، و هذا أَقبَحُ مِن القولِ المَحكيِّ عن هِشامٍ رَحِمَه اللّٰهُ؛ لأنّ أبا الهُذَيلِ قد قالَ في تَناهي المَعلومِ بأقبَحَ مِن قولِه، و أضافَ إليه تَناهِيَ(3)المَقدورِ.[2.] و قولَ النَّظّامِ(4)
و في حاشية «م»: «هو إبراهيم بن سيّار بن هانئ النظّام. قال بأنّ اللّٰه تعالىٰ لا يوصف بالقدرة على القبائح و الشرور، و لا يقدر أن يفعل بعباده في الدنيا ما ليس فيه صلاحهم (ح. س)».
: «إنّ اللّهَ تَعالىٰ لا يَقدِرُ علَى الظُّلمِ»(5)، و حَمْلَه ذلكَ علىٰ أن قالَ: «لَو أنّ طِفلاً وقَفَ علىٰ(6)شَفيرِ جَهنَّمَ لَم يوصَفِ اللّٰهُ تَعالىٰ بالقُدرةِ علىٰ إلقائه1) . هو محمّد بن الهُذيل بن عبد اللّٰه بن مكحول العبديّ ، من أئمّة المعتزلة، وُلد في البصرة في سنة (134 ه) و اشتهر بعلم الكلام. و كان يُلقَّب بالعلّاف لأنّ داره بالبصرة كانت في العلّافين. له كتب، منها: «ميلاس» و هو كتاب سمّاه على اسم مجوسيّ أسلم علىٰ يده. مات في سنة (235 ه) بسامرّاء. مقالات الإسلاميّين، ص 165؛ اعتقادات فِرق المسلمين و المشركين للفخر الرازي، ص 12؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 265-267، الرقم 606؛ طبقات المعتزلة، ص 44-49.
2) . مقالات الإسلاميّين، ص 484.
3) . في المطبوع: - «تناهي».
4) . تقدّمت ترجمته قبل قليل.
5) . الفَرق بين الفِرَق، ص 116 و 186؛ الفِصَل في الملل و الأهواء و النحل لابن حزم، ج 2، ص 24.
6) . في «د»: «وقف في» بدل «وقف علىٰ ». و في المطبوع: «وقع في».
فيها، و إن كانَ يَجوزُ وصفُ المَلائكةِ و الزَّبانيةِ بذلكَ»(1)! و قولَه بالمُداخَلةِ و الطَّفْرةِ(2)، و أنّه لا نِهايةَ لأجسامِ العالَمِ في التجَزّي، و نَفيَه الأعراضَ(3)و هذا مَزجُ التعطيلِ و الإلحادِ بالتجاهُلِ و العِنادِ.(4)
[3.] و قولَ مُعمَّرٍ(5): «مَن زَعَمَ أنّ اللّهَ يَعلَمُ نَفسَه فقَد أخطأَ؛ لأنّ نَفسَه لَيسَت غيرَه، و المعلومُ غيرُ العالِمِ»(6)، و اعتقادَه أنّ الأمراضَ و الأسقامَ مِن فِعلِ غيرِ اللّٰهِ تَعالىٰ(7)، و كذلكَ الألوانُ و الطُّعومُ و الأراييحُ التي في العالَمِ (8).
1) . الفَرق بين الفِرَق، ص 133-134؛ أُصول الإيمان، ص 191.
2) . المداخَلة: القول بأنّ الروح جسم لطيف مشابك للبدن، مداخل للقلب بأجزائه مداخلة الدهينة بالسمسم و السمنة باللبن. و الطفرة: أنّ الجسم الواحد قد يصير في المكان الثالث، دون أن يمرّ على الثاني. و أحال أصحاب النظّام أن يصير الجسم إلىٰ مكان دون أن يمرّ بما قبله الملل و النحل، ج 1، ص 55.
3) . في حاشية «م»: «قال: إنّ الجوهر مؤلَّف من أعراض، و إنّ الألوان و الطعوم و الروايح أجسام. فتارة يقضي بكون الأجسام أعراضاً، و تارة يقضي بكون الأعراض أجساماً (الملل و النحل) [ج 1، ص 70]».
4) . و أنكر النظّام حجّيّة التواتر و الإجماع. (من حاشية «م»).
5) . معمّر بن عبّاد السلميّ ، يكنّى أبا عمرو، معتزليّ من أهل البصرة، تفرّد بمذاهب، سكن بغداد، ناظر النظّام و كان أعظم القدريّة غلوّاً. من تلامذته: بشر بن المعتمر و هشام بن عمرو و أبو الحسين المدائنيّ . توفّي سنة 215 ه. الملل و النحل للشهرستانيّ ، ج 1، ص 79-82؛ طبقات المعتزلة، ص 54.
6) . الملل و النحل، ج 1، ص 68.
7) . مقالات الإسلاميّين، ص 550.
8) . حيث حكى الشهرستانيّ في الملل و النحل عن معمّر بن عبّاد السلميّ أنّه قال: «إنّ اللّٰه لم يخلق شيئاً غير الأجسام، فأمّا الأعراض فإنّها من اختراعات الأجسام؛ إمّا طبعاً كالنار التي تحدث الإحراق، و الشمس التي تحدث الحرارة، و القمر الذي يحدث التلوين. و إمّا اختياراً كالحيوان يحدث الحركة و السكون و الاجتماع و الافتراق». الملل و النحل، ج 1، ص 80.
[4.] و قولَ هِشامِ بن عَمرٍو الفُوَطيِّ(1)بنَفيِ دَلالةِ الأعراضِ علَى اللّٰهِ تَعالىٰ(2)، و اعتقادَه أنّ حَربَ الجَمَلِ لَم يَكُن عن قَصدٍ مِن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و أصحابِه، و لا مِن عائشةَ و طَلحةَ و الزُّبَيرِ و أصحابِهم، و لا برِضاً مِنهم، و أنّهم(3)إنّما اجتَمَعوا لتقريرِ الأُمورِ و ترتيبِها؛ حتّىٰ وَقَعَ بَينَ نَفَرٍ مِن الأعرابِ مِن أصحابِ الجَميعِ الحربُ، و الكُبَراءُ ساخِطونَ لها(4).
و تَخطئةَ مَن زَعَمَ أنّ اللّهَ تَعالىٰ يَعلَمُ الأشياءَ قَبلَ كَونِها(5).
و هذا هو(6)القولُ الذي حَكَوه عن هِشامِ بنِ الحَكَمِ رحمه اللّٰهُ تَعالىٰ بعَينِه(7)- مع نَفيِ أصحابِه له عنه - و(8)قد صَحَّحوه عن شَيخِهم!!
[5.] و غَلَطُ الجاحِظِ(9)قَبيحٌ في المَعرفةِ، و اعتقادُه استحالةَ أن يَقدِرَ اللّٰهُ تَعالىٰ
1) . هشام بن عمرو الفوَطيّ : هو شيبانيّ من أهل البصرة. مبالغته في القدر أشدّ و أكثر من مبالغة أصحابه، و كان يمتنع من إطلاق إضافات أفعال إلى الباري تعالىٰ و إن ورد بهما التنزيل، و حرَّم على الناس أن يقولوا: «حسبنا اللّٰه و نعم الوكيل»! الملل و النحل للشهرستانيّ ، ج 1، ص 85؛ اللباب في تهذيب الأنساب، ج 3، ص 389؛ طبقات المعتزلة، ص 61.
2) . مقالات الإسلاميّين، ص 495؛ التمهيد لقواعد التوحيد، ص 230؛ أبكار الأفكار، ج 5، ص 46.
3) . في المطبوع: - «أنّهم».
4) . الانتصار للخيّاط، ص 60-61؛ الفَرق بين الفِرَق، ص 350-351.
5) . أوائل المقالات، ص 55؛ المنية و الأمل، ص 173؛ الملل و النحل، ج 1، ص 87.
6) . في المطبوع: - «هو».
7) . في المطبوع: - «بعينه».
8) . في المطبوع: - «عنه و».
9) . في حاشية «م»: «قال الجاحظ: إنّ ما اعتقاده لازم للمكلّف ممّا يتوقّف عليه إثبات التكليف والعلم به، نحو إثبات الصانع و صفاته و النبوّات، ضروريّ . و استدلّ عليه بأنّه: لو لم يكن ضروريّاً لكان العبد مكلَّفاً بتحصيله و أنّه تكليف الغافل عن المعارف. هو عمرو بن بحر الجاحظ؛ كان من فضلاء المعتزلة و المصنّفين لهم، و كان في أيّام المعتصم و المتوكّل، و انفرد
علىٰ إعدامِ الأجسامِ و إفنائها(1)، و قولُه: إنّ اللّهَ تَعالىٰ لا يُخَلِّدُ كافراً في النارِ و لا يُدخِلُه إليها، و إنّ النارَ هي التي تُدخِلُ الكُفّارَ إليها؛ حتّىٰ حُكِيَ عن بَعضِ أصحابِه و قد سُئِلَ عن معنىٰ هذا القولِ: و كَيفَ صارَت النارُ تُدخِلُ الكُفّارَ نَفسَها؟ فقالَ:
لأنّهم عَمِلوا أعمالاً صارَت أجسادُهم إلىٰ حالٍ لا يَمتَنِعُ النارُ إذا جاوَرَتها(2)في القيامةِ مِن اجتِذابِها إليها بطِباعِها(3).
[6.] و قولُ ثُمامةَ(4)في المانيّةِ(5)
و في حاشية «م»: «ذهب ثُمامة إلىٰ أنّ حشرات الأرض و البراغيث حوادث لا محدث لها؛ و ذلك لمّا رأى استحالة حدوثها منّا؛ لتعذّر فعل الأجسام و بنية الحياة علينا. و خفي عليه وجه الحكمة و المصلحة في صدورها عن الحكيم تعالىٰ فقال: لا يصحّ وقوعها منه تعالىٰ . و لمّا ثبت حدوثها قال: إنّها حوادث لا محدث لها (ح. س)».
، و ذَهابُه في أنّ المَعارفَ ضَروريّةٌ(6)إلىٰ أقبَحَ مِن مَذهَبِ الجاحِظِ و أغلَظَ، و اعتقادَه أنّه لا فِعلَ للعبادِ إلّاالإرادةُ فَقَط، و ما سِوىٰعن أصحابه بمسائل؛ منها قوله: إنّ المعارف كلّها ضروريّة طباع و ليس شيء من ذلك من أفعال العباد. من كتاب الملل و النحل للشهرستانيّ ».
1) . في المطبوع: - «و إفنائها».
2) . في «د، ط، ف»: «جاوزتها».
3) . أُصول الإيمان، ص 73 و 190 و 264؛ الفَرق بين الفِرَق، ص 161؛ أبكار الأفكار، ج 5، ص 50.
4) . ثمامة بن أشرس، أبو معن النميريّ ، أحد المعتزلة البصريّين، ورد بغداد و اتّصل بهارون الرشيد و غيره من الخلفاء. و له أخبار و نوادر، يحكيها عنه أبو عثمان الجاحظ. بلغ من المأمون منزلةً جليلةً و أراده على الوزارة فامتنع. الفهرست لابن النديم، التكملة، ص 2؛ تاريخ بغداد، ج 7، ص 155، الرقم 3601.
5) . المانيّة: نسبة إلى ماني بن فاتك، الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير و قتله بهرام بن هرمز بن سابور، و ذلك بعد عيسى بن مريم عليه السلام. أحدث ديناً بين المجوسيّة و النصرانيّة. زعم أنّ العالم مصنوع مركّب من أصلين قديمين، أحدهما نور و الآخر ظلمة. الملل و النحل للشهرستانيّ ، ج 1، ص 290. ثمّ لعلّ الصحيح في المتن: «المائيّة» بدل «المانيّة».
6) . في «ص، ط، ف»: «ضرورة».
ذلكَ فهو حَدَثٌ لا مُحدِثَ له(1).
[7.] و كَيفَ ذَهَبَ عن حِكايةِ الجاحِظِ عن واصِلِ بنِ عَطاءٍ(2)و عَمرِو بنِ عُبَيدٍ(3)ما يَطُمُّ(4)علىٰ كَثيرٍ ممّا تَقدَّمَ؟
و نحنُ نَحكي لَفظَه بعَينِه؛ قالَ(5):
و كانَ واصلُ بنُ عَطاءٍ يَجعَلُ عَليّاً و طَلحةَ و الزُّبَيرِ بمَنزِلةِ المُتَلاعِنَينِ، يَتَوَلّىٰ كُلَّ واحدٍ مِنهما(6)علىٰ حِيالِه(7)، و لا يَتَوَلّاهما مُجتَمِعَينِ؛ و كذلكَ
قولُه في إجازةِ شَهادتِهم مُجتَمِعينَ و مُتفَرِّقينَ.(8)و كانَ عَمرُو بنُ عُبَيدٍ لا يُجيزُ شَهادتَهما مُجتَمِعَينِ و لا مُتَفرِّقَينِ، و كانَ يَفصِلُ بَينَ الوَلايةِ و
1) . مقالات الإسلاميّين، ص 47؛ المغني للقاضي، ج 9، ص 11؛ أُصول الإيمان، ص 32 و 127 و 264؛ الفَرق بين الفِرَق، ص 160 و 328؛ الملل و النحل للشهرستانيّ، ج 1، ص 88؛ كشف المراد، ص 314.
2) . أبو حذيفة، واصل بن عطاء الغزّال رأس الاعتزال و أصله، كان تلميذاً للحسن البصريّ ، يقرأعليه العلوم و الأخبار ثمّ اعتزل عنه و أسّس مذهب الاعتزال. وُلد بالمدينة سنة 80 و تُوفِّى سنة 131 ه. الملل و النحل للشهرستانيّ ، ج 1، ص 59-60؛ طبقات المعتزلة، ص 28.
3) . عمرو بن عبيد بن باب. مولى لبني تميم، و يكنّىٰ أبا عثمان. معتزليّ صاحب رأي، و كان كثير الحديث عن الحسن و غيره. تُوفّي سنة 144، و دُفن بمَرّان. الطبقات الكبرىٰ ، ج 7، ص 201، الرقم 3255؛ طبقات المعتزلة، ص 35.
4) . يطمّ ، أي يدفن و يغطّي. راجع: القاموس المحيط، ج 4، ص 105 (طمم).
5) . أي الجاحظ.
6) . في المطبوع: «منهم».
7) . في المطبوع: «حاله». و «علىٰ حياله» أي بانفراده. المغرب، ج 1، ص 237 (حيل).
8) . في حاشية «م»: «و وافقه عمرو بن عُبيد علىٰ مذهبه، و زاد عليه في تفسيق أحد الفريقين لابعَينه بأن قال: لو شهد رجلان من أحد الفريقين، مثل عليّ و رجل من عسكره، أو طلحة و الزبير، لم تُقبل شهادتهما. و فيه تفسيقُ الفريقين و كونُهما من أهل النار. الملل و النحل [ج 1، ص 63]».
الشَّهادةِ؛ و كانَ يَقولُ: «قد أتولّىٰ مَن لا أَقبَلُ شَهادتَه، و قد وَجَدتُ المُسلِمينَ يَتَوَلَّونَ كُلَّ مستورٍ مِن أهلِ القِبلةِ(1)، و لَو شَهِدَ رَجُلٌ مِن عُرْضِهم(2)علىٰ عُثمانَ أو أبي بَكرٍ(3)أو عُمَرَ بنِ الخَطّابِ سَألَ الحاكمُ عنه السؤالَ الشافيَ؛ فأنا(4)أتَّهِمُ كُلَّ واحدٍ مِنهما بسَفكِ تِلكَ الدِّماءِ، و قد(5)أجمَعوا علىٰ أنّ المُتَّهَمَ بالدِّماءِ غيرُ جائزِ الشَّهادةِ»(6).
هذه ألفاظُه حَرفاً بحَرفٍ في كتابِه المعروفِ ب «فَضائلِ المُعتَزِلةِ»(7). و لا حِكايةَ أصَحُّ و أَولىٰ بالقَبولِ مِن حِكايةِ الجاحِظِ عن هذَينِ الرَّجُلَينِ،(8)و هُما شَيخا نِحلتِه، و رئيسا مَقالتِه.
و قد ذَكَرَ أيضاً هذه الحِكايةَ (9)البَلْخيُّ (10)في كتابِ «المَقالات»، و أسنَدَها إلَى
1) . يعني: أنّ الناس يتولّون كلّ مستور، و مع ذلك لم يقبلوا شهادة كلّ أحد إلّابعد الفحص والتفتيش عنه؛ فيُعلم منه أنّ التولّي لا يستلزم قبول الشهادة. و لا يخفىٰ أنّ الأنسب في التمثيل ذكر الشهادة على الأراذل لا الأعاظم عنده؛ لأنّه أقرب إلى القبول؛ فتدبَّر. (من حاشية «م»).
2) . فلان من عُرض الناس: أي من سَفِلَتِهم، أو من العامّة، أو من أوساطهم. راجع: المحيط في اللغة، ج 1، ص 310؛ الصحاح، ج 3، ص 1089؛ كتاب العين، ج 1، ص 276 (عرض).
3) . في «ج، د» و المطبوع: «و أبي بكر».
4) . في «ل»: «فإنّي».
5) . في «ص، ط، ف»: «فقد».
6) . راجع: المقالات و الفِرَق، ص 10؛ فِرَق الشيعة، ص 12؛ أُصول الإيمان، ص 228؛ الفَرق بين الفِرَق، ص 100؛ الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة، ص 19.
7) . فضائل المعتزلة أو فضيلة المعتزلة كتاب من كتب الجاحظ، كتب الشيخ المفيد النقض عليه. طبقات المعتزلة، ص 68.
8) . أي واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد.
9) . في «ص، ف»: «و قد ذكر هذه الحكاية أيضاً».
10) . أبو القاسم عبد اللّٰه بن أحمد بن محمود البلخيّ الكعبيّ . من رؤوس معتزلة بغداد و هو
الجاحِظِ، و قالَ عندَ انتهائها: «و بَعضُ أصحابِنا يَدفَعُ ذلكَ عن عَمرِو بنِ عُبَيدٍ، و يَقولُ: إنّ عَمراً لَم يَكُن بالذي يُخالِفُ(1)واصِلاً و يَرغَبُ عن مَقالتِه».(2)فكأنّه صَحَّحَ عَلَيهما(3)المَذهَبَ الأوّلَ الذي هو اعتقادُهما(4)أنّهما كالمُتَلاعِنَينِ، و أنّ شَهادتَهما تُقبَلُ إذا كانا مُتَفرِّقَينِ، و لا تُقبَلُ إذا كانا مُجتَمِعَينِ، و لَم يَكُن عندَه في دَفعِ المَذهَبِ الثاني أكثَرُ مِن حِكايتِه عن بَعضِ أصحابِه بتَنزيهِ عَمرٍو عن مُخالَفةِ واصِلٍ؛ و هذا إنكارٌ ضعيفٌ، و المُنكِرُ له - للعِلّةِ التي حَكاها - كالمُقِرِّ به، بَل أقبَحُ مِنه حالاً.
[8.] و مِن عجيبِ أمرِ هؤلاءِ القومِ و قَبيحِ تَعصُّبِهم أنّهم يُناقِضونَ شَيخَهم أبا عُثمانَ الجاحِظَ(5)في المَعارفِ و الطَّبائعِ(6)- و هُما أصلانِ مِن أُصولِ الدِّينِ كَبيرانِ، لَيسَ الغَلَطُ فيهما يَسيراً - و في تَضليلِه لوُجوهِ الصَّحابةِ و الشَّهادةِ عَلَيهم بتَكلُّفِ ما لا يَعنيهِم و الذَّهابِ عمّا يُهِمُّهم، ثُمّ في سَلْبِه أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ مَرتَبتَه في الفَضلِ، و دَفعِه أكثَرَ ما رُويَ مِن فَضائلِه و مَناقبِه، و تأوُّلِه ما استَحيا هو مِن دَفعِه التأوُّلَ (7)الذي يُخرِجُه به عن الشَّهادةِ بِالفَضلِ و القضاءِ بالتقدُّمِ ؛ حتّىٰ أخرَجَه ذلكَ
صاحب مقالات، و كان واسع المعرفة بمذاهب الناس. اختلف إليه المتكلّمون من كلّ فريق و ناظروه فلم يعجبه كلامهم. من كتبه: «المقالات». توفّي سنة 317. وفيات الأعيان، ج 3، ص 45؛ القند في ذكر علماء سمرقند، ص 334، الرقم 543؛ طبقات المعتزلة، ص 88.
1) . في المطبوع: «يخلف».
2) المقالات، ص 438، مع اختلاف يسير.
3) . في المطبوع: «عليها».
4) . في المطبوع: «اعتقاد».
5) . في حاشية «م»: «ذهب الجاحظ [إلىٰ أنّ ] للأجسام طبائع، كمال قال الطبيعيّون من الفلاسفة، وأثبت لها أفعالاً مخصوصة. بها. الملل و النحل [ج 1، ص 188]».
6) . نقَلَ القاضي عبدُ الجبّار ذلك عن الجاحظِ في مجلّد النظر و المعارف من المغني، و أطال الكلام في ردّه. انظر: المغني، ج 12، ص 235 و 306 و ما بعدها.
7) . في المطبوع: «المتأوّل».
إلَى القَدحِ في إمامتِه في الكتابِ المعروفِ ب «المَرْوانيّة» و إقامةِ المَعاذيرِ لمُعاويةَ في حَربِه و خَلعِ طاعتِه؛ إلىٰ غيرِ ما ذَكَرناه مِن الأُمورِ التي لا يُقدِمُ عَلَيها مُسلِمٌ، و لا يَتَجاسَرُ(1)علَى التظاهُرِ بها مؤمِنٌ و لا مُتَديِّنٌ، و هُم في كُلِّ ذلكَ يَذكُرونَه بأحسَنِ
الذِّكرِ، و يُثنونَ عليه بأفضَلِ الثَّناءِ ، و لا يُجرونَ ذِكرَه إلّامع مَشيَخَتِهم، و تَشييخِهم(2)له، و رَغبَتِهم إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ في الرِّضوانِ عليه(3)حتّىٰ كأنّهم إنّما يُناقِضونَه في بَعضِ مَسائلِ الاجتهادِ؛ كمَسِّ (4)الذَّكَرِ(5)، و رَفعِ اليَدَينِ في التكبيرِ،(6)و ما جَرىٰ مَجراهما، و لا يَدعوهُم ما ظَهَرَ مِن خِلافِه العَظيمِ - و إقدامِه علىٰ ما إنْ لَم يوجِبْ تكفيرَه فأقلُّ أحوالِه أن يوجِبَ تفسيقَه، و يَمنَعَ مِن تعظيمِه - إلَى الطَّعنِ عليه و البَراءةِ مِنه، أو إلىٰ أن يُمسَكَ و يُكَفَّ عن الأمرَينِ ؛ و يُريدونَ (7)مِنّا
1) . في «د» و المطبوع: «و لا يتحاسن».
2) . في «ج، د، ط، ص»: «و تشيّخهم». و شَيَّخَه: دعاه شيخاً تبجيلاً؛ و هو قولهم عند ذكره: «شيخنا». راجع: القاموس المحيط، ج 1، ص 363 (شيخ).
3) . أي أنّ المعتزلة مع ما يعلمون من آراء الجاحظ و أقواله التي لا يقدم عليها مسلم و لا يتظاهربها، يذكرون الجاحظ بأحسن الذكر.
4) . في «ط» و المطبوع: «كلمس».
5) . ذهب إليه بعض الفقهاء كالشافعيّ و أحمد من أنّ مسَّ الذكر بلا حائل ناقض للوضوء، و ألحق بعضهم فرج المرأة بذلك، و ذهبت الإماميّة إلىٰ أنّه غير ناقض و لكنّهم ذهبوا إلىٰ تجديد الوضوء استحباباً. المجموع، ج 2، ص 30، 34؛ المغني لابن قدامة، ج 1، ص 17، 186؛ تذكرة الفقهاء، ج 1، ص 107.
6) . أجمعت الأُمّة علىٰ مشروعيّة رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، علىٰ خلاف بين الوجوب و الاستحباب، و كونه قبلها أو بعدها أو مقارناً لها. و اختلفوا في مشروعيّة الرفع فيما عدا ذلك عند التكبير قبل الركوع و السجود و بعدهما. و مذهب الإماميّة المشروعيّة في جميع ذلك. روضة الطالبين، ج 1، ص 338؛ بدائع الصانع، ج 1، ص 199؛ الخلاف، ج 1، ص 319.
7) . في المطبوع: «و يريد».
أن نَرجِعَ عن وَلاءِ هِشامِ بنِ الحَكَمِ - رَحمةُ اللّٰهِ عليه - و اعتِقادِ زَكاتِه(1)لأجلِ دعواهُم عليه ما لا حَقيقةَ له عندَنا، و لا مَرجِعَ فيه إلّاإلىٰ أقوالِهم المُحرَّفةِ و حِكاياتِهم المُضعَّفةِ.
و مَن نَظَرَ فيما ذَكَرناه عَلِمَ طريقةَ القَومِ في عِشقِ مَذهَبِهم، و التعصُّبِ لنِحلتِهم، و أنّ غرضَهم تَلزيقُ نُصرتِها(2)بكُلِّ حَقٍّ و باطِلٍ ، و غَثٍّ (3)و سَمينٍ .
فأمّا قولُه:
و إنّما يَخرُجُ عن هذه الطريقةِ(4)مَن يَكونُ مُقلِّداً ممَّن يَسلُكُ في الإمامةِ
المَسلَكَ الذي ذَكَرناه. فأمّا مَن لا يَتحقَّقُ(5)بما قَدَّمناه مِن الطريقِ(6)في الإمامةِ، و سَلَكَ(7)طريقةً مُتوسِّطةً بَينَ العقلِ و الشرعِ ممَّن كانَ يَتمسَّكُ بالتوحيدِ و العدلِ، فهو بَريءٌ ممّا نَسَبناه إلىٰ مَن تَقدَّمَ ذِكرُه، كأبي الأَحوَصِ(8)
1) . في «د، ط، ل»: «ذكائه».
2) . في «ج، ط» و المطبوع: «تمزيق نصرتنا» بدل «تلزيق نصرتها».
3) . غَثَّتِ الشاةُ : هُزِلَت. و من المجاز: كلامٌ غَثٌّ و سمين. الصحاح، ج 1، ص 288 (غثث)؛ أساس البلاغة، ص 309 (سمن).
4) . أي اعتماد العقل في إثبات الإمامة.
5) . في المطبوع: «لم يتحقّق».
6) . في المغني: «الطرائق».
7) . في المغني: «فيسلك».
8) . داود بن أسد بن أعفر، أبو الأحوَص المصريّ ، شيخ جليل، فقيه ثقة متكلّم من أصحاب الحديث، لقيه الحسن بن موسى النوبختيّ و أخذ عنه؛ له كتب منها: كتاب في الإمامة علىٰ سائر من خالفه من الأُمم، و الآخر مجرّد الدلائل و البراهين. رجال النجاشي، ص 157، الرقم 414؛ الفهرست للطوسيّ ، ص 538، الرقم 878.
و النَّوبَخْتيّةِ (1)و غيرِهم؛ لأنّهم(2)لا يَسلُكونَ ما قَدَّمناه، و إنّما يَتَّبِعون في الأكثَرِ طريقةَ السَّمعِ و إن كانوا رُبَّما التَجَأوا إلىٰ طريقةِ العقلِ ....(3)
فكلامٌ يَنقُضُ بَعضُه بَعضاً، و مع أنّه كذلك قد تَضَمَّنَ غَلَطاً علَى القومِ المذكورينَ في مَذاهبِهم، و إنكاراً للظاهرِ(4)مِن مَقالتِهم؛ إمّا تَعمُّداً علىٰ سَبيلِ التلبيسِ و المُغالَطةِ ، أو سَهواً؛ و كِلاهُما قَبيحٌ .
فأمّا وجهُ المُناقَضةِ: فإنّ صاحبَ الكتابِ إنّما نَسَبَ إلىٰ مَن تَقدَّمَ الإلحادَ و قَرَفَهم(5)به و بإبطالِ(6)الشرائعِ و نَقضِ الأُصولِ ؛ مِن حَيثُ ذَهَبوا إلىٰ وجوبِ الإمامةِ مِن طريقِ العقولِ ، و أنّ الإمامَ يَجِبُ أن يَكونَ مَعصوماً مُنزَّهاً كامِلاً
وافِراً عالِماً فاضِلاً، ثُمّ بَرَّأَ(7)أبا الأحوَصِ و النَّوبَخْتيّةَ ممّا قَذَفَ به مَن تَقدَّمَ ، و ادَّعىٰ عَلَيهم أنّهم لا يَقولونَ بمِثلِ قَولِهم؛ يعني في الرُّجوعِ إلَى العقولِ في بابِ الإمامةِ .
1) . النوبختيّة: هذه النسبة إلىٰ نوبخت، و هو اسم لبعض أجداد أبي محمّد الحسن بن الحسين بن عليّ بن العبّاس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت، الكاتب النوبختي، من أهل بغداد. و آل نوبخت معروفون بولاية أمير المؤمنين و ولده عليهم السلام. الفهرست لابن النديم، ص 251؛ الأنساب للسمعاني، ج 13، ص 189-190، الرقم 5065.
2) . في المغني: «فإنّهم».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 38.
4) . في المطبوع: «و إنكار اللطف»، و هو سهو.
5) . في «ج، ص، ف»: «و قذفهم». و فلان يُقرَفُ بكذا، أي يُتَّهَمُ به. و فلان يُقرَفُ بالسوء: أي يُريٰبه و يُظَنُّ به. أساس البلاغة، ص 503؛ كتاب العين، ج 5، ص 146 (قرف).
6) . في «د، ل»: «و بإبطاله».
7) . في «د، ل»: «يبرأ».
ثُمّ قالَ في آخِرِ الفَصلِ: «و إن كانوا رُبَّما التَجَأوا إلىٰ طريقةِ العقلِ» فأدخَلَهم بهذا القولِ في جُملةِ مَن تَقدَّمَ، و أَوجَبَ فيهم كُلَّ ما وَصَفَ به المُتَقدِّمينَ مِن حَيثُ لا يَشعُرُ؛ لإضافتِه إليهم الالتِجاءَ إلَى الطريقةِ التي هي عندَه سببُ تُهَمةِ مَن ذَكَرَه فقَذَفَه. و هذا تَناقُضٌ ظاهرٌ.
فأمّا غَلَطُه علَى القَومِ فبيِّنٌ؛ لأنّ المعلومَ مِنهم اعتقادُ وجوبِ الإمامةِ و أوصافِ الإمامِ مِن طريقِ العقولِ، و الاعتمادُ عَلَيها في جميعِ ذلكَ، و إن كانوا رُبَّما استَدَلّوا بالسَّمعِ استِظهاراً و تَصرُّفاً في الأدلّةِ. و لَيسَ كُلُّ مَن استَدَلَّ علىٰ شَيءٍ بالسَّمعِ فقَد نَفىٰ دَلالةَ العقلِ عليه؛ و هذه كُتُبُ أبي مُحمّدٍ(1)و أبي سَهلٍ(2)- رَحِمَهما اللّٰهُ - في الإمامةِ تَشهَدُ بما ذَكَرناه، و تَتَضمَّنُ نُصرةَ جَميعِ ما ذَكَرَه أبو عيسَى الوَرّاقُ و ابنُ الراوَنديِّ في كُتُبِهما في الإمامةِ؛ بَل قد اعتَمَدا علىٰ أكثَرِ ما ذَكَراه مِن الأدلّةِ، و سَلَكا في نُصرةِ أُصولِ الإمامةِ تلكَ الطُّرُقَ بعَينِها. و مَن خَفِيَ عليه ما ذَكَرناه مِن قولِهم ظالِمٌ لنَفسِه بالتعرُّضِ للكلامِ في الإمامةِ .
1) . أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ : ابن أُخت أبي سهل بن نوبخت، متكلّم فيلسوف، كان يجتمع إليه جماعة من نقلة كتب الفلسفة مثل أبي عثمان الدمشقيّ و إسحاق و ثابت و غيرهم، و كانت المعتزلة تدّعيه و الشيعة تدّعيه. من كتبه: الآراء و الديانات، الردّ علىٰ أصحاب التناسخ، التوحيد و حدث العلل، نقض كتاب أبي عيسىٰ في الغريب المشرقي؛ و غيرها. الفهرست لابن النديم، ص 251؛ الفهرست للطوسيّ ، ص 121، الرقم 161.
2) . أبو سهل إسماعيل بن عليّ بن نوبخت، من كبار الشيعة، و كان فاضلاً له مجلس يحضره المتكلّمون، و كان عالماً متكلّماً كاتباً شاعراً بليغاً راوية للأخبار، روىٰ عنه أبو بكر الصوليّ و أبو عليّ الكوكبيّ . مولده سنة 237، و توفّي سنة 311. من كتبه: الاستيفاء في الإمامة، التنبيه في الإمامة، الردّ على الغلاة، الخواطر، المجالس، و غيرها. الفهرست لابن النديم، ص 251؛ الوافي بالوفيات، ج 9، ص 171-172، الرقم 4083.
فأمّا قولُه:
و أحَدُ ما يَدُلُّ علىٰ أنّ الإمامةَ لا تَجِبُ مِن جهةِ العقلِ: أنّ الإمامَ إنّما يُرادُ لأُمورٍ سَمعيّةٍ، كإقامةِ الحُدودِ و تَنفيذِ الأحكامِ و ما شاكَلَها؛ و إذا كانَ ما يُرادُ له الإمامُ لا مَدخَلَ للعقلِ فيه، فبأنْ لا يَكونَ له مَدخَلٌ في إثباتِ الإمامِ(1)أَولىٰ ....(2)
فقَد تَقدَّمَ مِن كلامِنا في إبطالِه ما يُغني؛ و بيّنّا أنّ ما يُرادُ له الإمامُ أمرٌ يَتعلَّقُ بواجباتِ العقلِ ، و أنّ الحاجةَ إليه واجبةٌ ؛ سَواءٌ وَرَدَت العبادةُ بالسَّمعِ أو لَم تَرِدْ، و لَيسَ إذا كانَ أحَدُ ما يُرادُ الإمامُ له ما جاءَ به السَّمعُ - كإقامةِ الحُدودِ و ما أشبَهَها - يَجِبُ أن تَبطُلَ الحاجةُ إليه مِن وجهٍ آخَرَ. و إنّما كانَ في هذا الكلامِ شُبهةٌ لَو كانَت الحاجةُ إليه في الأُمورِ السَّمعيّةِ تُنافي الحاجةَ في الأُمورِ العقليّةِ ، فأمّا إذا لَم يَكُن كذلكَ فلا طائلَ فيما ذَكَرَه.
فأمّا قولُه:
فإن قالوا: إنّا لا نُسلِّمُ أنّ الإمامَ يُرادُ لِما ذَكَرتُموه فَقَط - و قولُه -:
فطَريقُ الكلامِ معهم أن يُقالَ : لا بُدَّ مِن أن يَكونَ قَيِّماً بأمرٍ ما؛ إمّا أن يَكونَ بما ذَكَرناه(3)، أو يَكونَ حُجّةً ، و قد أبطَلْنا ذلكَ ....(4)
فقَد سَلَفَ الكلامُ علىٰ ما ظَنَّ (1)صاحبُ الكتابِ أنّه أبطَلَ به(2)كَونَه حُجّةً ، و دَلَّلنا علىٰ أنّه لُطفٌ في الدِّينِ و حُجّةٌ بما لا شُبهةَ في مِثلِه.
فأمّا قولُه:
فإن قالوا: يُحتاجُ(3)إليه لِيؤدّيَ عن الرَّسولِ الشَّريعةَ - و قولُه -: فقَد عَلِمنا أنّ التواتُرَ يُغني عن ذلكَ، و كذلكَ الإجماعُ(4).
فقَد مضىٰ في التواتُرِ ما يَكفي(5).
فأمّا الإجماعُ: فإنّا و إن ذَهَبنا إلىٰ أنّه لا يَجوزُ أن يَنعَقِدَ علىٰ باطلٍ؛ مِن حَيثُ استقَرَّ عندَنا أنّ في جُملةِ المُجمِعينَ معصوماً، فلَيسَ يَجوزُ أن يُجعَلَ(6)الإجماعُ(7)حُجّةً قَبلَ ثُبوتِ وجودِ المعصومِ ، و كَونِه في جُملةِ المُجمِعينَ ؛ فمِن هاهُنا قُلنا: إنّ الإجماعَ لا يُستَغنىٰ به عن الإمامِ .
فكَيفَ يَتَوَهَّمُ عاقلٌ الاستِغناءَ بالتواتُرِ و الإجماعِ عن مؤَدٍّ للشريعةِ بَعدَ الرسولِ صلّى اللّٰه عليه و آلِه و سلّمَ ، و تِسعةُ أعشارِ ما يُحتاجُ إليه لا إجماعَ فيه
و لا تَواتُرَ به ؟ و لَو عُوِّلَ بما في الشريعةِ علَى التواتُرِ و الإجماعِ لَوَجَبَ أن يَكونَ ما لَم يُجمَعْ عليه و لَم يَتَواتَرِ الخَبَرُ به لَيسَ مِن الشريعةِ ، أو لا حُجّةَ عَلَينا فيه. و كِلا الأمرَينِ فاسِدٌ.
فأمّا قولُه:
فإن قالوا بجَوازِ(1)الخَطَإ عَلَيهِما،(2)فقَد بيّنّا فَسادَ ذلكَ، و بيّنّا أيضاً أنّ إثباتَ الإمامِ لا يَصِحُّ إلّابإثباتِ التواتُرِ، فهو كالفَرعِ علىٰ صحّتِه، و لا يَصِحُّ مع بُطلانِه القولُ بإثباتِ الإمامةِ(3).
فلَيسَ الأمرُ كما تَوهَّمَ؛ لأنّ التواتُرَ(4)عندَنا لَيسَ بطريقٍ إلىٰ إثباتِ(5)الأئمّةِ في الجُملةِ و وجوبِ وجودِهم في الأعصارِ، بَل الطريقُ إلىٰ ذلكَ (6)هو العقلُ و حُجّتُه، و إنّما التواتُرُ طريقٌ إلىٰ إثباتِ أعيانِ الأئمّةِ ، و لِكَونِ (7)الإمامِ فُلاناً دونَ غيرِه، و إن كانَ إلىٰ ذلكَ أيضاً طريقٌ آخَرُ و هو المُعجِزُ؛ فكَيفَ يَظُنُّ أنّه لا يَصِحُّ القولُ بالإمامةِ مع بُطلانِه ؟!
علىٰ أنّ ذلك مَبنيٌّ علىٰ تَوَهُّمِه أنّا نُبطِلُ التواتُرَ، و قد قَدَّمنا أنّ الأمرَ بخِلافِه(1)، و أنّا و إن جَوَّزنا أن يُعرِضَ المُتَواتِرونَ عن النقلِ لأجلِ (2)ما ذَكَرناه، فغَيرُ مجوِّزينَ على المتواتِرينَ الكَذِبَ فيما يَتَواتَرونَ به.
فأمّا قولُه:
و متىٰ قالوا: «يُحتاجُ إليه(3)لإزالةِ السَّهوِ و الخَطَإ، إلىٰ غيرِ ذلكَ » فقَد بيّنّا أنّ ذلكَ يَزولُ مِن دونِ الإمامِ إذا عُرِفَ أنّ الإمامَ لا يُحتاجُ إليه في ذلكَ (4)، و أنّ السَّهوَ لا يَقَعُ في نَقلِ الأخبارِ علىٰ طريقِ التواتُرِ، و لا يَصِحُّ علىٰ جميعِ الأُمّةِ (5).
فقَد تَقدَّمَ أنّ ما يَكونُ الإمامُ لُطفاً فيه و في ارتِفاعِه - مِن ضُروبِ الخَطَإ - لا يَقومُ فيه غيرُه مَقامَه.
و قولُه: «إنّ السَّهوَ لا يَقَعُ في نَقلِ الأخبارِ علىٰ طريقِ التواتُرِ، و لا يَصِحُّ علىٰ جميعِ الأُمّةِ » فهَبْ أنّ الأمرَ كما ادَّعىٰ في السَّهوِ؛ فمِن أينَ نأمَنُ عَلَيهم تَعمُّدَ الخَطَإ - يَعني فيما تَجتَمِعُ الأُمّةُ عليه -؟(6)و إذا كانَ ما يُفزَعُ إليه في امتِناعِ السَّهوِ عَلَيهم مِن
1) . تقدّم في ص 282.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «لأحد».
3) . أي إلى الإمام.
4) . في المغني: - «أنّ الإمام لا يُحتاج إليه في ذلك».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 39.
6) . إذ لم يُعتبر في مفهوم الإجماع عدم إمكان تواطؤ المجمعين على الكذب، بخلاف التواتر؛ ولذا سبق منه رحمه اللّٰه أنّ الخبر المتواتر مأمون عندنا أيضاً؛ فتأمّل. (من حاشية «م»).
العادةِ لا يُنافي تَعمُّدَ الخَطَإ، فقَد ثَبَتَت الحاجةُ إلَى الأئمّةِ علىٰ كُلِّ حالٍ ، و بَطَلَ (1)ما يَدَّعي مِن الاستِغناءِ عنهم.
فأمّا قولُه:
فإن قالوا: «يُحتاجُ(2)إليه لإزالةِ ما اختَلَفَ الناسُ فيه مِن الدِّياناتِ» فقَد عَلِمنا أنّ مع بَيانِ(3)الإمامِ الخِلافُ قائمٌ، فوجودُه كعدمِه في هذا البابِ.(4)
فإن كانَ يُحتاجُ إليه - عندَهم - لِيُزيلَ الخِلافَ، فقَد بيّنّا فَسادَه. و إن كانَ يُحتاجُ إليه لصِحّةِ زَوالِ الخِلافِ ببَيانِه(5)، فأدلّةُ العقلِ و الشرعِ تُغني عن ذلك....(6)
فما يَختَلِفُ الناسُ فيه مِن الدِّياناتِ علىٰ ضَربَينِ: عَقليٍّ ، و سَمعيٍّ .
فأمّا العقليُّ : فمِن حَيثُ كانَت الحُجّةُ به قائمةً ، و الطريقُ إلَى الوصولِ إليه مُمكِناً لكُلِّ مُتَكامِلِ الشُّروطِ(7)، لَم يُحتَجْ إلَى الإمامِ فيه إلّامِن الوَجهِ الذي قَدَّمناه؛ و هو أن يَكونَ مؤكِّداً، و إن كانَ لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ لتَنبيهِه و تَذكيرِه بالنظَرِ مِن الحَظِّ ما لَيسَ لغيرِه.
1) . في «د» و المطبوع: «فبطل».
2) . في «ط» و المغني: «تحتاج».
3) . في «ج، ص، ف»: «إثبات». و في «ط»: «ثبات».
4) . العبارة في المغني هكذا: «فقد علمنا مع ثبات الإمام عبده - و قال المحقّق في الهامش: لعلّها «عندهم» - أنّ الخلاف قائم، فوجوده تقدّمه في هذا الباب» و هي مغلوطة.
5) . في المغني: «بتبيانه».
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 40.
7) . في «ج»: «الشرائط».
و أمّا السَّمعيُّ: فعَلىٰ ضَربَينِ: مِنه ما قد وَرَدَ به التواتُرُ علىٰ حَدٍّ يَقطَعُ(1)العُذرَ و يُزيلُ الشَّكَّ و الرَّيبَ، و مِنه ما لَيسَ كذلكَ.
فأمّا الذي لَم يَتواتَرْ به الخَبَرُ، فالحاجةُ إلَى الإمامِ فيه ظاهرةٌ؛ لأنّ الخِلافَ إذا وَقَع فيه و لَم يَكُن لنا مَفزَعٌ إلّاإلىٰ قولِه و بَيانِه، فكانَ حُجّةً في قَطعِ الخِلافِ.
و لَيسَ معنىٰ قولِنا «إنّه حُجّةٌ في ذلكَ» ما ظَنَّه صاحبُ الكتابِ مِن أنّ وجودَه يَرفَعُ الخِلافَ جُملةً؛ و إنّما أرَدنا أنّ قَولَه يَكونُ المَفزَعَ و الحُجّةَ عندَ الخِلافِ، و أنّه لَولا مَكانُه لَم يَكُن للّٰهِ تَعالىٰ علَى المُختَلِفينَ في الشَّيءِ الذي بيّنّاه حُجّةٌ.
مع أنّه لا يُمكِنُ أن يَكونَ(2)الخِلافُ عندَ وجودِ الأئمّةِ في الدِّينِ كالخِلافِ عندَ فَقدِهم، فلا بُدَّ أن يَكونَ لوجودِهم في رَفعِ ذلكَ مَزيّةٌ ظاهرةٌ؛ و هذا يُبيِّنُ أنّ الخِلافَ قد يَزولُ بِهم، و إن كانَ رُبَّما لَم يَزُل كُلُّ الخِلافِ.
فأمّا ما وَرَدَ(3)به التواتُرُ مِن السَّمعيّاتِ ، فالحاجةُ إليه ماسّةٌ ؛ لأنّه يُبيِّنُه و يؤكِّدُه، و لأنّ (4)المتواتِرينَ - أيضاً - لا يؤمَنُ مِنهم الرُّجوعُ عن التواتُرِ؛ فيُلحَقُ (5)هذا القِسمُ بالآخَرِ، فيَكونُ الحُجّةُ حينئذٍ في الجميعِ قولَ الإمامِ و بَيانَه.
2 فصلٌ في تَتبُّعِ كلامِه في الاستِدلالِ علىٰ وجوبِ الإمامةِ مِن جهةِ السَّمعِ (1)
1) . يناقش المصنّف رحمه اللّٰه في هذا الفصل الأدلّةَ السمعيّةَ التي أقامها صاحب المغني علىٰ وجوب الإمامة.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
قد اعتَمَدَ شَيخانا(1)في ذلكَ ما وَرَدَ به الكتابُ مِن إقامةِ الحُدودِ، كقولِه تَعالىٰ : (وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا)(2)و كقولِه:
(الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا...) (3)و قد ثَبَتَ أنّ ذلكَ مِن واجباتِ الإمامِ دونَ سائرِ الناسِ ، فلا بُدَّ مِن إمامٍ يَقومُ به(4)فإذا لَم يُمْكِنْ كَونُ الإمامِ إلّابإقامةِ
1) . يريد بهما أبا عليّ و ابنه أبا هاشم الجبّائيَّين.
2) . المائدة (5):38.
3) . النور (24):2.
4) . في حاشية «م»: «لا يخفىٰ أنّ إقامة الحدود واجبة على الإمام من حيث الإمامة، كما اعترف به و تقرّر في مقرّه، و وجوب المقدّمة إنّما هو علىٰ من وجب عليه ذو المقدّمة؛ فاللازم وجوب النصب على الإمام نفسه، و هو فاسد؛ لتوقّفه على الإمامة. فإن قلت: لعلّه واجب على الإمام السابق. قلت: هذا - مع مخالفته لمطلوبه من وجوبه على الرعيّة و منافاته لما يَدَّعي هو و أهل مقالته و نظراؤهم من عدم نصّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله على الإمام بعده و دعواهم إجماع مردة الصحابة علىٰ إمارة لصوص الخلافة - باطل؛ إذ الإمام إنّما تجب عليه إقامة الحدود الكائنة في زمانه لا ما يكون بعد زمانه، و هذا ظاهر، و بعد ما تفطّنت به وجدته في تعليقات العلّامة - طاب ثراه - علىٰ أُصول المعالم (ح. س)».
اللّٰهِ تَعالىٰ و رَسولِه، أو بإقامتِنا بَعدَ مَعرفةِ الصفةِ ، فلا بُدَّ مِن حُصولِه ببَعضِ هذه الوجوهِ ، فإذا فُقِدَ النَّصُّ فلَيسَ إلّاوجوبُ إقامتِنا....(1)
ثُمّ قالَ :
فإن قيلَ: هَلّا قُلتُم: «إنّ إقامةَ الحُدودِ(2)تَجِبُ بشَرطِ حُصولِ الإمامِ، كما تَجِبُ الزكاةُ بشَرطِ حُصولِ النِّصابِ»؟ فكما لا يَدُلُّ وجوبُ الزكاةِ علىٰ وجوبِ اكتِسابِ المالِ ، فكذلكَ لا يَدُلُّ (3)وجوبُ إقامةِ الحَدِّ(4)علىٰ وجوبِ [ما لا يَتِمُّ إلّابه مِن](5)إقامةِ الإمامِ .
قيلَ له: إنّما يُمكِنُ ما ذَكَرتَه، متىٰ ثَبَتَ في وجوبِ الشيءِ أنّه مُتَعلِّقٌ(6)بشَرطٍ، فأمّا إذا لَم يَثبُتْ فيه ذلكَ ، فوجوبُه يَقتَضي وجوبَ ما لا يَتِمُّ إلّا به، و لا يَمتَنِعُ مِن أن نَصِفَ ذلك(7)بأنّه شرطٌ، لكنّه مع كَونِه شرطاً يَصيرُ(8)واجباً؛ مِن حَيثُ تَضمَّنَ وجوبُ ذلكَ الأمرِ وجوبَه. و هذا الذي تَقتَضيه [قضيّةُ ](9)العقلِ مِن أنّ وجوبَ الشيءِ يَقتَضي وجوبَ ما لا يَتِمُّ إلّا به، إلّاأن يَمنَعَ منه(10)مانِعٌ بأن نَعلَمَ أنّه إنّما يَجِبُ عندَ ذلكَ ، و لَولاه
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 41.
2) . في المغني: «الحدّ».
3) . في المطبوع: + «علىٰ ». و هو سهو واضح.
4) . في «ج، ص»: «الحدود».
5) . ما بين المعقوفين من المغني.
6) . في «ج، ص، ط» و حاشية «ف»: «يتعلّق».
7) . أي ما لا يتمّ الواجب إلّابه.
8) . هكذا في النسخ و المغني. و في المطبوع و الحجري: «فلا يصير».
9) . ما بين المعقوفين من المغني.
10) . في «ج، ص» و المطبوع: - «منه».
كانَ لا يَجِبُ ....(1)
فيُقالُ له(2): أمّا قَطعُ السُّرّاقِ و جَلدُ الزُّناةِ فهُما مِن فُروضِ الكِفاياتِ(3)علَى الأئمّةِ(4)، و لا بُدَّ أن يَكونا مَشروطَينِ بحُصولِ المُخاطَبِ إماماً(5)كما أنّ الزكاةَ تَجِبُ علىٰ مالكِ النِّصابِ، و الحَجَّ يَجِبُ علىٰ واجدِ الزادِ و الراحِلةِ ، و التكليفُ فيهما مشروطٌ بحُصولِ النِّصابِ و وجودِ الزادِ و الراحِلةِ ؛ فكما لا يَجِبُ التوَصُّلُ إلىٰ مِلكِ (6)النِّصابِ و تحصيلِ الزادِ و الراحِلةِ ليَلزَمَ الزكاةُ و الحَجُّ ، فكذلكَ لا يَجِبُ التوَصُّلُ إلىٰ إقامةِ الإمامِ ليَجِبَ عليه إقامةُ الحدودِ.
فأمّا دَعواه «أنّ الذي يَقتَضيهِ العقلُ مِن أنّ وجوبَ الشيءِ يَقتَضي وجوبَ ما لا يَتِمُّ إلّابه، إلّاأن يَمنَعَ مانِعٌ» فلا فَصلَ بَينَه و بَينَ مَن عَكَسَ قولَه و قالَ: إنّ الأصلَ فيما يَدُلُّ عليه العقلُ مِن هذا البابِ : أنّ الفِعلَ الموجَبَ إذا كانَ مشروطاً بصفةٍ ، فغيرُ واجبٍ تحصيلُ تلكَ الصفةِ و التوَصُّلُ إليها، بَل الواجبُ التزامُ الفِعلِ عندَ حُصولِ
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 41.
2) . في حاشية «م»: «غرضه - رضي اللّٰه عنه - إثبات الاشتراط أوّلاً، ثمّ منع وجوب الشرطبوجوب المشروط؛ فتدبّر».
3) . فرض الكفاية هو ما لو قام به بعض المكلّفين سقط عن الآخرين.
4) . في حاشية «م»: «على الأئمّة من حيث هم أئمّة».
5) . في حاشية «م»: «قد يُقال: لعلّه - رضي اللّٰه عنه - منع أوّلاً توجُّه الخطاب بإقامة الحدود إلىٰ غير الإمام حتّىٰ يجب عليهم التوصّل إليه، ثمّ تنزَّل عن ذلك و سلَّم توجُّه الخطاب فيها إليهم لكن منع وجوب مقدّمة الواجب. و لا يخفى بُعده عن العبارة، و [كان] المناسب حينئذ أن يُقال: «فكما لا يجب تمليك رجل لآخر النصاب و الزاد و الراحلة ليجب عليه الزكاة و الحجّ ، فكذلك لا يجب... إلىٰ آخره» و يأبىٰ عنه كلامه الآتي (ح. س)».
6) . في المطبوع و الحجري: «تملّك».
الشرطِ، إلّاأن يَمنَعَ مانِعٌ ، أو يَدُلَّ دليلٌ علىٰ أنّ التوَصُّلَ إلىٰ حُصولِ الشرطِ واجبٌ فيُقالَ به، و إلّافالواجبُ ما ذَكَرناه.
و يَجِبُ علىٰ هذا القولِ أن يَكونَ لَو خُلّينا و الظاهرَ لَم نوجِبْ علَى المُحدِثِ الصَّلاةَ ، و إنّما أوجَبناها و أوجَبنا عليه تحصيلَ شَرطِها - مِن وضوءٍ و غيرِه - لدَليلٍ دَلَّ علىٰ ذلك، و إلّاكانَت تَلحَقُ بوجوبِ الزكاةِ و الحَجِّ .
فإن قالَ : فكَيفَ الصحيحُ عندَكم في هذا؟ و هَل ظاهرُ إيجابِ الفِعلِ إذا كانَ مشروطاً بحُصولِ غيرِه يَقتَضي تحصيلَ شَرطِه، أم لا يَقتَضي ذلكَ ؛ بَل يَلزَمُ الفِعلُ عندَ حُصولِ الشَّرطِ، و لا يَلزَمُ التَّوَصُّلُ إليه ؟
قيلَ له: الذي حَكَيناه إنّما ذَكَرناه علىٰ سَبيلِ المُعارَضةِ، و مُقابَلةِ الدَّعوَى الباطلةِ بمِثلِها. و الصحيحُ عندَنا أنّ ظاهرَ الإيجابِ إذا كان مشروطاً بحُصولِ صفةٍ مِن الصفاتِ، لا يَقتَضي تحصيلَ تلكَ الصفةِ، و كما(1)أنّه لا يوجِبُ تحصيلَها فهو أيضاً غيرُ موجِبٍ بظاهرِه القَطعَ علىٰ أنّ تحصيلَها غيرُ واجبٍ ؛ بَل فَرضُ المُخاطَبِ عندَنا الوَقفُ (2)، و تجويزُ ورودِ البيانِ بإلزامِه(3)تحصيلَ الصفةِ ، أو ورودِه بأنّ تحصيلَها غيرُ لازمٍ .
ثُمّ يُقالُ له(4): إذا كانَ ما لا يَتِمُّ الشيءُ إلّابه علىٰ ضَربَينِ عندَكَ - أحَدُهما: لا
يَجِبُ، كتحصيلِ النِّصابِ و الزادِ و الراحِلةِ ؛ و الآخَرُ: يَجِبُ ، كالوضوءِ و ما يَجري مَجراه - فمِن أينَ لكَ أنّ إيجابَ الحُدودِ مِن القِسمِ الذي يوجِبُ (1)ما لا يَتِمُّ إلّابه ؟
فإن قالَ: لأنّ ظاهرَ الإيجابِ يَقتَضي وجوبَ ما لا يَتِمُّ إلّابه، و إنّما فَرَّقتُ(2)بَينَ الزكاةِ و بَينَ غيرِها في هذا البابِ لأنّ(3)الإجماعَ حاصلٌ على أنّ تحصيلَ النِّصابِ غيرُ واجبٍ ، و لولا الدليلُ لأََوجَبتُ (4)تَحصيلَ النِّصابِ .
قيلَ له: ما الفَصلُ بَينَكَ و بَينَ مَن قالَ: بَل ظاهرُ الإيجابِ المشروطِ يَقتَضي وجوبَ الفِعلِ عندَ حُصولِ شَرطِه، و لا يوجِبُ التوَصُّلَ إلَى الشرطِ؟(5)
بل لا يجب علىٰ أحد الشيء؛ لتوقّف الإتيان به علىٰ تعلُّق إرادته به، فهو مشروط به».
و إنّما قُلنا بوجوبِ الصلاةِ علَى المُحدِثِ و إن لَم يَتَكامَلْ شرطُه لأنّ الإجماعَ حاصِلٌ علىٰ لُزومِ الصلاةِ له، و وجوبِ تحصيلِ شرطِها عليه. و لَولا ذلكَ لأَجرَينا الصلاةَ مَجرَى الزكاةِ و الحَجِّ .ثُمّ ذَكَرَ بَعدَ ما حَكَيناه سؤالاً أطالَه جِدّاً لا يُسألُ عن أكثرِه؛ ابتداؤه(6):
فإن قالوا: إنّما يَصِحُّ ذلك إذا كانَ كِلا الأمرَينِ يَجِبُ علىٰ مُكلَّفٍ واحدٍ
1) . في «ج، ص»: «يوجبه».
2) . في «ج، ط»: «فرّق».
3) . في «د» و المطبوع: «فإنّ ».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «لأوجب».
5) . في حاشية «م»: «هذا محلّ تأمّل؛ إذ من الظاهر أنّ الأمر بشيء يقتضي إيجابه مطلقاً ما لم يُعلم التقييد؛ مثلاً: لو أمر السيّد عبده بأن يسقيه فلم يُطعه وَبَّخه العقلاء، و ليس له الاعتذار بأنّ من شرائط الإتيان بالمأمور به المشي نحو الماء، و الكلام لمّا احتمل التقييد بالشرط فلا يفيد وجوب الشرط، و لذلك ما مشيتُ و لا سقيتُ » و لولا ظهور الإطلاق لم يتوجّه التوبيخ لمّا كان الاعتذار بما ذكرناه؛ فتأمّل جدّاً (مولانا ميرزا).
6) . في المطبوع: «ابتدأ به».
و يَصِحّانِ مِنه، فوجوبُ أحَدِهما يَتضمَّنُ وجوبَ الآخَرِ إذا لَم يَتِمَّ إلّا به....(1)
و أجابَ عنه بما جُملتُه مَبنيٌّ علىٰ أنّ وجوبَ الشيءِ يَقتَضي وجوبَ ما لا يَتِمُّ إلّا به.(2)
و قد بيّنّا أنّ ذلك يَنقَسِمُ(3)، و ضَرَبنا له أمثالاً بالزكاةِ و الحَجِّ، و دَلَّلنا(4)علىٰ أنّ الظاهرَ مِن إيجابِ الشيءِ إذا كان مشروطاً بصفةٍ ، لا يَقتَضي تحصيلَ الصفةِ ، و كما(5)لا يَقتَضي ذلكَ فهو غيرُ مُقتَضٍ أيضاً للقَطعِ علىٰ أنّها غيرُ واجبةٍ و أنّ الفِعلَ يَلزَمُ عندَ حُصولِ الصفةِ ؛ بَل الواجبُ أن يَكونَ الأمرُ فيه موقوفاً علَى الدليلِ .
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : فيَجِبُ فيما ذَكَرتُموه(6)أن يَكونَ إيجابُ المسبَّبِ لَيسَ بإيجابٍ للسبَبِ (7)، و هذا إنِ ارتَكَبتُموه بانَ فَسادُ قولِكم لكُلِّ أحَدٍ، و إن مَنَعتم مِنه و كان وُجوبُ السبَبِ لأجلِ إيجابِ المسبَّبِ إنّما هو مِن حَيثُ كانَ لا يَتِمُّ المسبَّبُ
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 42.
2) . في حاشية «م»: «الظاهر أن يكون صاحب الكتاب حصَّل مقدّمة يصحّ وقوعها من الإمام و هي قبوله بمنصب الإمامة و تحمّله لها، و استدلّ بوجوب إقامة الحدود علىٰ وجوب قبول الإمامة، ثمّ لمّا توقّف القبول علىٰ نصب القوم له و تحميلهم لها عليه أوجبه عليهم، و غفل عن أنّ هذا السؤال باق بعينه فيه، و غفل عن أنّ ذلك لا يوجب النصب على الأمّة؛ فتدبَّر (ح. س)».
3) . تقدّم آنفاً عند قوله: «ثمّ يقال له: إذا كان ما لا يتمّ الشيء إلّابه على ضربَين عندك...».
4) . تقدّم هذا قبل قليل في ص 323.
5) . في «د» و المطبوع: «فكما».
6) . في المطبوع: - «فيما ذكرتموه».
7) . في «ج، ف»: «السبب».
إلّا به، فهذا قائمٌ فيما ذَكَرتُموه و دَفَعتُموه(1)مِن إيجابِ الحُدودِ؛ لأنّه معلومٌ أنّ إقامتَها لا يُمكِنُ إلّابالأئمّةِ .
و ذلكَ: أنّ بَينَ السبَبِ و إيجابِه لأجلِ وجوبِ المسبَّبِ، و بَينَ إقامةِ الحُدودِ و ما أشبَهَها، فَرقاً واضحاً؛ و الأصلُ فيه: أنّ كُلَّ شيءٍ لا يَتِمُّ إلّابغيرِه و كان إيجابُه دونَ إيجابِ الغيرِ الذي لا يَتِمُّ إلّابه جائزاً، لا يَجِبُ أن يَكونَ(2)ما دَلَّ على وجوبِه و لُزومِه دالّاً علىٰ وجوبِ ذلكَ الغيرِ. و إن كانَ الشيءُ الذي لا يَتِمُّ إلّابغيرِه ممّا(3)لا يَجوزُ إيجابُه دونَ إيجابِ الغيرِ، كانَ إيجابُه دالّاً علىٰ إيجابِ ذلكَ الغيرِ.
فمِثالُ الأوّلِ: ما ذَكَرناه مِن(4)الزكاةِ و الحَجِّ؛ لأنّهما لا يَتِمّانِ إلّابوجودِ النِّصابِ و الزادِ و الراحِلةِ، و غيرُ مُمتنِعٍ أن يوجَبا مِن غيرِ إيجابِ تحصيلِ الزادِ و الراحِلةِ و النِّصابِ. و إقامةُ الحدودِ لاحِقٌ بهذا الوجهِ؛ لأنّه غيرُ مُمتَنِعٍ أن يوجَبَ علَى الأئمّةِ و إن لَم يَجِبِ التوَصُّلُ إلىٰ جَعلِهم أئمّةً.
و مِثالُ الثاني: السبَبُ و المُسبَّبُ(5)لأنّه يَستَحيلُ أن يوجَبَ المسبَّبُ بشرطِ حصولِ السبَبِ؛ لأنّ السبَبَ إذا حَصَلَ كان المسبَّبُ في حُكمِ الموجودِ إلّاأن يَمنَعَ مانِعٌ، و مُحالٌ أن يوجَبَ علَى المكلَّفِ إيجادُ ما هو موجودٌ، و لا بُدَّ مِن هذا الوجهِ أن يَكونَ في إيجابِه إيجابُ المسبَّبِ (6)لأنّه لا يُمكِنُ فيه غيرُ ما ذَكَرناه.
1) . في «ط» و المطبوع و الحجري: «فدفعتموه».
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «يكون».
3) . في المطبوع: - «ممّا».
4) . في المطبوع: - «من».
5) . كضرب السيف، فإنّه لا يتخلّف عنه حزّ الرقبة إلّامن باب خرق العادة. و الأظهر أن يقال: إنّ التكليف بالمسبّب يرجع إلى التكليف بالسبب؛ إذ لا يتمكّن المكلَّف من فعله إلّابفعل السبب؛ فتدبَّر «ح س». (من حاشية «م»).
6) . في المطبوع: «لسببٍ ».
فأمّا ما ذَكَرَه مِن العباداتِ الشرعيّةِ و وجوبِها لِكَونِها ألطافاً في العقليّاتِ(1)،
فمُفارِقٌ(2)أيضاً لِما تَقدَّمَ ممّا يَجوزُ أن يَجِبَ و لا يَجِبَ(3)لأنّ العباداتِ الشرعيّةَ: إذا ثَبَتَ كَونُها ألطافاً في غيرِها، جَرَت مَجرىٰ ما هي لُطفٌ فيه؛ في وجوبٍ و غيرِه.(4)و لَيسَ كذلك شُروطُ العباداتِ الشرعيّةِ؛ لأنّ فيها ما لا يَجِبُ بوجوبِ (5)نَفسِ العبادةِ ؛ كشُروطِ الزكاةِ و الحَجِّ ، و فيها ما يَجِبُ ؛ كشُروطِ الصلاةِ و ما ماثَلَها.
فأمّا قولُه:
فإن قيلَ :(6)إنّ مَن يَصلُحُ للإمامةِ لَيسَ يَلزَمُه غيرُ قبولِ العقدِ(7)علىٰ قولِكم، و لا يَلزَمُه التوَصُّلُ إلىٰ نَصبِ إمامٍ (8)، فكَيفَ يَصِحُّ (9)
1) . فكما أنّ العبادات الشرعيّة تجب لكونها ألطافاً في العقليّات تقف عليها، فكذا شروطالعبادات تجب لكونها ممّا يتوقّف عليه الواجب «ح س». (من حاشية «م»).
2) . هكذا في «د، ف، ل» و حاشية «ج». و في «ج، ص» و المطبوع: «فمعارض». و في هامش المطبوع عن نسخة: «فمقارَف» و نسخة «ط» تشبهه.
3) . أي من الشروط و المقدّمات التي تحتمل الوجوب و عدمه. (من حاشية «م»).
4) . فإن كان ما هي لطف فيه واجباً وجبت، و إن كان ندباً استُحبّت. (من حاشية «م»).
5) . هكذا في «ج، ص، ف». و في «د» و المطبوع: «لوجوب». و في «ط»: «كوجوب».
6) . لعلّ القائل فرض في المسألة صورة يُستشكل بها، و هو ما لو صلحت الجماعة بأجمعهم للإمامة، فلمّا لم يجب علىٰ صالح الإمامة غير القبول، يلزم حينئذ سقوط وجوب التوصّل. و لا يخفىٰ أنّ مرجع الجواب الأوّل، و العِلاوة حينئذ إلىٰ واحد؛ فتأمَّل. (من حاشية «م»).
7) . في المغني: «إنّما يلزمه قبول العقد».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «الإمام» بدل «إمام». و في حاشية «م»: «و حينئذ يلزم سقوط لزوم التوصّل إلىٰ ذلك بصلاحية الجماعة للإمامة».
9) . لانتقاضه بمن ذُكر. (من حاشية «م»).
ما ذَكَرتُم ؟(1)
قيلَ له: إن لَم تَكُنِ الإمامةُ(2)واجبةً فقبولُ العَقدِ لَيسَ بواجبٍ، فإذا صَحَّ بما ذَكَرناه وجوبُ القبولِ، ثَبَتَ وجوبُ إقامةِ الإمامِ علىٰ غيرِه؛ لأنّه إن صَحَّ مِن الغيرِ تَركُ الإقامةِ و لَم يَلزَمْه ذلكَ، صَحَّ مِنه تَركُ القبولِ(3)لأنّ وجوبَ أحَدِهما مُتَعلِّقٌ بوجوبِ الآخَرِ. علىٰ أنّ الأمرَ بخِلافِ ما قَدَّرَه السائلُ؛ لأنّ الجَماعةَ إذا صَلَحَت(4)للإمامةِ فواجبٌ علىٰ كُلِّ واحدٍ مِنهم الإقامةُ و القبولُ(5)علَى الوجهِ الذي يَصِحُّ وجوبُه عليه....
إلىٰ آخِرِ كلامِه.(6)
فإنّا لا نَسألُه أيضاً عن هذا السؤالِ(7)لأنّا نَعرِفُ مَذهبَه في وجوبِ إقامةِ الإمامِ ، و أنّه فَرضٌ لازمٌ للجَماعةِ و إن كانَ علىٰ حَدِّ الكِفايةِ .
1) . يعني أنّ صاحب الكتاب لمّا جعل المقدّمة الواجبة هي القبول، فإنّما يلزم من وجوب مقدّمة الواجب وجوبه، لا وجوب الإقامة و النصب الذي هو المطلوب؛ فكيف تدّعون وجوبه ؟ و الجواب: أمّا أوّلاً فبأنّ وجوب القبول يستلزم وجوب نصب الإمام؛ لأنّه فرعه، و لا يخفىٰ أنّه حينئذ يعود السائل السابق المذكور في كلام صاحب الكتاب بقوله: «فإن قالوا: إنّما يصحّ ذلك إذا وجب كلاهما علىٰ مكلَّف واحد» فتأمّل. و أمّا ثانياً فبأنّ قوله: «لا يجب عليه غير القبول» ممنوع؛ إذ قد يجب عليه التوصّل إلىٰ نصب الإمام مع وجوب القبول، كما لا يخفىٰ . (من حاشية «م»).
2) . في «ج، ص»: «الإقامة».
3) . في المغني: + «و لا يلزمه ذلك».
4) . أي إذ لو فُرض صلوح الجماعة. (من حاشية «م»).
5) . يعني أنّ وجوب القبول منوط بإقامة الباقين له و اتّفاقهم عليه؛ فتدبَّر. (من حاشية «م»).
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 43-44.
7) . لا يخفىٰ أنّ السؤال علىٰ أحد التقريرَين اللذَين ذكرناهما وارد لا مدفع له، و جوابه الذي ذكره عدول إلىٰ ما استشكله سابقاً؛ فتدبَّر تفهم. (من حاشية «م»)
غيرَ أنّ الذي قَدَّمَه في صَدرِ جوابِه غيرُ صحيحٍ و لا مُبطِلٍ لِما(1)ألزَمَه؛ لأنّه غيرُ مُمتَنِعٍ أن يَجِبَ علَى الإمامِ عندَ العَقدِ القبولُ و إن كانَ العَقدُ في الأصلِ غيرَ واجبٍ؛
لأنّ أحَدَ الأمرَينِ مُنفَصِلٌ(2)عن الآخَرِ، فلا يَمتَنِعُ وجوبُه دونَه، و لَيسَ مِن حَيثُ(3)كانَ أحَدُهما كالأصلِ و الآخَرُ كالفَرعِ بحَسَبِ ما ظَنَّه؛ لأنّا نَعلَمُ(4)أنّ التكليفَ كالأصلِ لوجوبِ الألطافِ و أنّه مُتَقدِّمٌ له، و مع هذا فإنّ التكليفَ تَفضُّلٌ، و الألطافَ(5)بَعدَ التكليفِ واجبةٌ.
و نظائرُ ما ذَكَرناه كثيرةٌ جِدّاً(6)في العقليّاتِ و الشرعيّاتِ مَعاً؛ لأنّ قَبولَ الوديعةِ غيرُ واجبٍ ، و قد يَلزَمُ بَعدَ قبولِها الردُّ عندَ المُطالَبةِ ، و إن كانَ القبولُ كالأصلِ مِن حَيثُ كانَ لَولاه لَم يَلزَمِ الردُّ. و كذلكَ عَقدُ النكاحِ غيرُ واجبٍ في الأصلِ ، و إذا وَقَعَ وَجَبَ المَهْرُ عندَ حُصولِ شَرطِه، و إن كانَ لَولا العَقدُ المُتَقدِّمُ الذي(7)لَم يَكُن واجباً لَما وَجَبَ .
فإذا صَحَّ ما ذَكَرناه، لَم يَكُن مُنكَراً أن يُتَعبَّدَ الإمامُ بقبولِ العَقدِ، و إن كانَ مَن يَختارُه للإمامةِ مُخيَّراً في اختيارِه له.
1) . في المطبوع: «كما»، و هو سهو.
2) . في المطبوع و الحجري: «ينفصل».
3) . في حاشية «ص»: «أي و ليس وجوبه من حيث...».
4) . في «د» و المطبوع: «لأنّا لا نعلم».
5) . في حاشية «ص»: «يعني إقدار العبد و تمكينه على الفعل مثلاً».
6) . في تلك الأمثلة كان المكلَّف بالأمرين واحداً، و المطابق لما ألزمه صاحب الكتاب استحباب السلام و التسميت و وجوب ردّهما؛ فتدبَّر «ح س». (من حاشية «م»).
7) . في المطبوع: + «يجب».
فأمّا قولُه:
فإن قيلَ: إنّه قَبلَ أن يَصيرَ إماماً لَيسَ بمُخاطَبٍ (1)بإقامةِ الحُدودِ إلّا بشَرطِ أن يَصيرَ إماماً. و له أن يَقولَ : لا أُصيِّرُ نَفسي(2)إماماً لِكَي أُقيمَ الحُدودَ، و إنّما يَلزَمُني ذلكَ مَتىٰ (3)صِرتُ إماماً؛ لأنّ اللّهَ تَعالىٰ كأنّه قالَ :
(وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا) أيُّها الأئمّةُ (أَيْدِيَهُمٰا)(4). في المغني: - «الخطاب».(5)، فمَن لا يَكونُ بهذه الصفةِ لا يَدخُلُ تَحتَ الخِطابِ .
قيلَ له: لَيسَ الأمرُ كما قَدَّرتَه؛ لأنّ الأئمّةَ يَتَجدَّدُ كَونُهم أئمّةً و الخِطابُ لا يَتَجدَّدُ، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ الخِطابُ (5) مُتَناوِلاً لجَميعِهم قَبلَ أن يَصيروا أئمّةً (6)، فإذا صَحَّ ذلكَ فمَن يَصلُحُ للإمامةِ إذا كانَ المعلومُ أنّه يَصيرُ إماماً قد تَناوَلَه الخِطابُ ، فيَلزَمُه التوَصُّلُ إلىٰ ذلكَ و إن كانَ في
الوَقتِ لا يَحِلُّ له إقامةُ الحَدِّ، كما أنّ المُحدِثَ قد خوطِبَ بالصلاةِ و يَلزَمُه التوَصُّلُ إلىٰ إزالةِ حَدَثِه و إن كانَ في الوَقتِ لا يُمكِنُه الأداءُ ؛
1) . في «د، ل»: «ليس مخاطب».
2) . في المغني: «فله» بدل «و له»، و «بنفسي» بدل «نفسي».
3) . في المطبوع: «إذا».
4) . المائدة
5) :38.
6) . في حاشية «م»: «هذا ما اختاره جماعة في الشرائع بالنظر إلى الموجودين بعد زمن التكليف: أنّ شمول التكليف لهم بالتبع، و للموجودين الحاضرين حال الخطاب بالذات. و قيل: يُعلم حال غيرهم بالمقايسة عليهم، أو بقوله عليه السلام: «حُكمي على الواحد حُكمي على الجماعة». و الأظهر كما اختاره المحقّقون أنّ الخطاب يتعلّق بهم بعد كمالهم (ح. س)».
فكَما لَيسَ للمُحدِثِ أن يَقولَ: لَم أُخاطَبْ بذلكَ مِن حَيثُ لا يُمكِنُني الأداءُ و أنا علىٰ ما أنا عليه، فكذلكَ لَيسَ لِمَن يَصلُحُ للإمامةِ أن يَقولَ ما سَألتَ عنه.(1)
فظاهرُ البُطلانِ؛ لأنّ مِلكَ النِّصابِ و الزادِ و الراحِلةِ أيضاً يَتَجدَّدُ كَونُه كذلكَ و الخِطابُ لا يَتَجدَّدُ: فإن جَعَلَ كُلَّ مَن المعلومُ أنّه يَصيرُ مالِكاً للنِّصابِ و الزادِ و الراحِلةِ مُخاطَباً بالزكاةِ و الحَجِّ، فيَجِبُ أن يوجِبَ عليه اكتسابَ المالِ كما أَوجَبَ علىٰ أهلِ الاختيارِ إقامةَ الإمامِ(2). و إن جَعَلَه مُخاطَباً و لَم يوجِبْ(3)ذلكَ عليه - لأنّ الخِطابَ تَعلَّقَ(4)بشَرطِ حصولِ الصفةِ - قيلَ له في الإمامةِ مِثلُه. و إن لَم يَجعَلْه مُخاطَباً قَبلَ مِلكِ النِّصابِ ثُمّ صارَ مُخاطَباً عندَ حُصولِه - و إن لَم يَكُنِ الخِطابُ مُتَجدِّداً، بَل لَحِقَه(5)حُكمُه -، فمِثلُ ذلكَ يُمكِنُ أن يُقالَ في الإمامِ ، حَذوَ النَّعلِ بالنَّعلِ .
و ما جَعَلَه مِثالاً لأمرِ الإمامةِ - مِن حالِ المُحدِثِ و(6)وجوبِ الصلاةِ عليه - لَيسَ هو بأن يَجعَلَه مِثالاً للإمامةِ أَولىٰ مِنّا(7)إذا جَعَلْنا مِثالَ (8)الإمامةِ و وجوبِ إقامةِ
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 44-45.
2) . في حاشية «م»: «الظاهر أن يُقال: «كما أَوجَبَ علىٰ من يصلُح للإمامة إذا كان المعلوم أنّه يصيرإماماً إقامة الحدود الشرعيّة و التوصّل اليها»، و كأنّه أشار إلىٰ جريان مثل السؤال فيما أوجبه صاحب الكتاب على الأمّة؛ فتدبَّر (ح. س)».
3) . في «د» و المطبوع: «و لم نوجب».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يتعلّق».
5) . في «د، ط، ف» و المطبوع: «ألحقه».
6) . في المطبوع: - «و»، و هو سهو.
7) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري: «منها».
8) . في المطبوع: «مثل».
الحُدودِ علىٰ مَن حَصَلَ(1)إماماً ما ذَكَرناه(2)مِن الزكاةِ و الحَجِّ.
فإن عادَ إلىٰ أن يَقولَ: «الأصلُ في الكُلِّ ما ذَكَرتُه في الصلاةِ ، و إنّما أَخرَجتُ الزكاةَ و الحَجَّ بدَليلٍ »، فقد مضىٰ (3)ما يُفسِدُ هذا مُستَقصىً (4).
و قولُه: «فمَن(5)يَصلُحُ للإمامةِ إذا كانَ المعلومُ أنّه يَصيرُ إماماً قد تَناوَلَه(6)الخِطابُ» تصريحٌ بأنّ مَن لا يُعلَمُ مِن حالِه أنّه(7)يَصيرُ إماماً لَم يَتَناوَلْه الخِطابُ . و هذا نَقضٌ لأصلِ البابِ الذي شَرَعَ في نُصرتِه و الاستِدلالِ عليه، بَل لأكثرِ الأُصولِ (8)لأنّه يوجِبُ عليه: لَو عَلِمَ اللّٰهُ تَعالىٰ مِن حالِ أهلِ العَقدِ و مَن يَصلُحُ للإمامةِ أنّهم(9)لا يُقيمونَ إماماً و لا يَختارونَ أحَداً للإمامةِ ، أن يَكونوا مَعذورينَ
1) . في «ج، ص، ط»: «جعل».
2) . في المطبوع: «ما ذكرنا».
3) . تقدّم في بداية الفصل.
4) . من عدم وجوب الشرط و التوصّل إليه إلّابدليل. (من حاشية «ص»). و في حاشية «م»: «من جواز أن يُعكس ذلك».
5) . في المطبوع: «فيمن»، و هو سهو.
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «قد يتناوله».
7) . في المطبوع: «أن».
8) . في حاشية «م»: «و حاصل الكلام: أنّ الأمر بإقامة الحدود لم يتعلّق بمن له صلوح الإمامة، بل بمن كان إماماً، و غاية الأمر تعلُّقه بمن يصير إماماً؛ فلابدّ في العلم بالوجوب من العلم بأنّه ممّن سيصير إماماً؛ و إلّافتعلُّق الخطاب به غير ظاهر. فإذا لم يقبل الإمامة - و إن انحصر الصالح لها فيه - يظهر منه أنّه غير مخاطب بها؛ لأنّ عدم قبوله لها كاشف عن مكنون علمه سبحانه، ففيه شبه دَور. و كذا إذا كان الصالح لها كثيراً. لا يُقال: يجب عليهم كفايةً قبوله حينئذ. لأنّا نقول: إنّما يجب إذا عُلم صيرورة واحد منهم إماماً، و أمّا إذا لم يقبلوا جميعاً فيظهر منه أنّ أحداً منهم غير مخاطب بها. و الحاصل: أنّ المعتبر علىٰ ما ذكره هو ما قبل الإمامة قبليّةً تتعقّب صيرورته إماماً، و لم يُعلم ذلك؛ فتأمَّل».
9) . في المطبوع: «بأنّهم».
في تَركِ الإمامةِ مِن حَيثُ لَم يَكونوا مُخاطَبينَ بها؛ لأنّهم إنّما يَلزَمُهم الحَرَجُ بتَركِ الاختيارِ إذا كانوا مُخاطَبينَ بإقامةِ الحُدودِ و التوَصُّلِ (1)إلىٰ إقامتِها. و صاحبُ الكتابِ لَم يَزَلْ يَجهَدُ نَفسَه حتّىٰ صَرَّحَ بما يوجِبُ سُقوطَ الإمامةِ ، و يَبسُطُ عُذرَ مَن تَرَكَ إقامتَها و عَدَلَ عن الاهتمامِ بها.
و يَجِبُ عليه أيضاً: أن يَكونَ كُلُّ مَن عَلِمَ اللّٰهُ تَعالىٰ مِن(2)حالِه أنّه لا يَفعَلُ بَعضَ العِباداتِ ، غيرَ مُخاطَبٍ بها و لا مُكلَّفٍ بفِعلِها.(3)و في هذا مِن هَدمِ الدِّينِ ما فيه.(4)
(5و6) . في المغني: «يجوز»، و الظاهر أنّ الصحيح: «لا يجوز».
فأمّا قولُه:
علىٰ أنّه لا خِلافَ بَينَ المُسلِمينَ أنّ ما أمَرَ اللّٰهُ تَعالىٰ بفِعلِه - مِن إقامةِ الحُدودِ و ما يَجري مَجراها - لا يَجوزُ تَضييعُه ما أَمكَنَ، و إنّما اختَلَفوا في أنّه يَحرُمُ(5) تضييعُه علىٰ أيِّ وجهٍ؟ فمِنهم مَن قالَ: «يَحرُمُ(6) ذلكَ إذا حَصَلَ الإمامُ »، و مِنهم مَن قالَ : «يَحرُمُ قَبلَ حُصولِه». فإذا لَم يَكُن بَينَ الحالَينِ (5)فَرقٌ في أنّ التضييعَ و تَركَ التضييعِ مُمكِنٌ ، فيَجِبُ أن يَحرُمَ التضييعُ مَتىٰ أَمكَنَ العُدولُ عنه.(6)
1) . في «ص، ط»: «بالتوصّل».
2) . في «د» و المطبوع: - «من». و في المطبوع: - «اللّٰه».
3) . في «ج، ص، ف»: «فعلها». و في المطبوع: - «بفعلها».
4) . في حاشية «م»: «هذا إنّما يلزم إذا كان الخطاب به متوجّهاً إلىٰ مرتكب ذلك الفعل، و أمّا إذا كان الخطاب إلى البالغ العاقل المتمكّن فلا. و أمّا الخطاب بإقامة الحدود فمتوجّه إلى الإمام علىٰ رأي صاحب الكتاب؛ فتدبَّر (ح. س)».
5) . في المغني: «الحالتين».
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 45.
فما زادَ علىٰ أنِ ادَّعىٰ أنّه لا فَرقَ بَينَ الحالَينِ؛ و لَو لَم يَكُن بَينَهما فَرقٌ إلّاأنّ الإجماعَ حاصلٌ على تَحريمِ تَضييعِه عندَ حُصولِ الإمامِ، و الخِلافَ واقعٌ فيه قَبلَ حُصولِ الإمامِ، لَكَفىٰ في بُطلانِ قَولِه.
علىٰ أنّ إقامةَ الحُدودِ مِن فُروضِ الإمامِ و عباداتِه، و لذلكَ (1)ما(2)حَرُمَ تضييعُ إقامتِها عليه مع الإمكانِ . و لَيسَ إقامةُ الإمامِ و اختيارُه مِن فُروضِنا(3)فيَلزَمَنا إقامتُه، و لا نَحنُ المُخاطَبونَ بإقامةِ الحُدودِ فيَلزَمَنا الذمُّ بتضييعِها؛ لأنّه إنِ (4)ادَّعىٰ ذلكَ كانَ مُدَّعياً نَفسَ المسألةِ .
و بَعدُ، فإنّه إنّما تُطلَقُ لفظةُ(5)«التضييعِ» فيما قد دَلَّ الدليلُ علىٰ وجوبِه و لُزومِه، دونَ ما هو غيرُ واجبٍ، و لَيسَ في إجماعِ الأُمّةِ(6)علىٰ تَحريمِ إضاعةِ الحُدودِ دَلالةٌ علىٰ ما يُريدُه؛ لأنّ للخَصمِ أن يَقولَ له: دُلَّ علىٰ أنّ: «إقامةَ الإمامِ(7)واجبةٌ عَلَينا»، أو «نحنُ المُخاطَبونَ بإقامةِ الحُدودِ» أوّلاً؛ حتّىٰ يَسوغَ لكَ إجراءُ لفظِ «التضييعِ» علىٰ ما يَرتَفِعُ مِن الحُدودِ عندَ عدَمِ الإمامِ . و إذ(8)كنتَ لَم تَقُل ذلكَ لَم يَستَقِم كلامُكَ ، و لَم يَكُن في الإجماعِ علىٰ تحريمِ إضاعةِ (9)الحدودِ(10)مُتَعلَّقٌ لكَ .
1) . في «د» و المطبوع: «و كذلك».
2) . كذا في النسخ المعتمدة، و الظاهر زيادة «ما». و في حاشية «م»: «موصولة أو مصدريّة، و علىٰ نسخة الأمّ تحتمل الزيادة».
3) . في حاشية «م»: «أي عندنا، و أمّا عند صاحب الكتاب فليس الكلام إلّافيه».
4) . في «ج، ص، ط»: «إذا».
5) . في المطبوع و الحجري: «يُطلق لفظ».
6) . في المطبوع: «الأئمّة»، و هو سهو.
7) . في المطبوع: «الإمامة».
8) . في «د، ص، ف»: «و إذا».
9) . في المطبوع: «إقامة».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «الحدّ».
و قولُه: «و فيهم مَن قالَ: يَحرُمُ تضييعُها إذا حَصَلَ الإمامُ» تمويهٌ(1)طَريفٌ(2)و إيهامُ أنّ فيه خِلافاً بَينَ الأُمّةِ، و لا خِلافَ بَينَهم في أنّ إقامةَ الحُدودِ لا تَسوغُ إضاعتُها عندَ حُصولِ الإمامِ مع الإمكانِ؛ لأنّها مِن فُروضِ الإمامِ و عباداتِه، و إنّما الخِلافُ فيها قَبلَ إقامةِ الإمامِ ؛ فهاهُنا يَحسُنُ أن يُقالَ : «و مِنهم مَن قالَ : يَحرُمُ تضييعُها قَبلَ إقامتِه»، و لا يَحسُنُ في الأوّلِ (3)لأنّه لا خِلافَ فيه.
فأمّا قولُه:
و قد صَحَّ أنّه لَو كانَ في الزمانِ إمامٌ و هو مع ذلكَ مغلوبٌ، أنّ الواجبَ التوَصُّلُ إلىٰ إزالةِ الغَلَبةِ عنه و المَنعِ؛ لِكَي يَقومَ بالحُدودِ(4)الواجبةِ عليه، فلذلكَ (5)تَجِبُ إقامتُه. و لَو لَم تَجِبِ الإقامةُ لَم يَجِبِ التوَصُّلُ إلىٰ إزالةِ
الغَلَبةِ عنه [و الاستِنقاذِ مِن الأسرِ، إلىٰ غيرِ ذلكَ ](6)لأنّ جَميعَ ذلكَ إنّما يَجِبُ للتوَصُّلِ إلىٰ ما ذَكَرناه.(7)
1) . التمويه: التلبيس و المخادعة. و قد موّه فلانٌ باطلَه: إذا زيّنه و أراه في صورة الحقّ . راجع: الصحاح، ج 6، ص 2251؛ لسان العرب، ج 13، ص 544 (موه).
2) . الطريف: الغريب و المستحدَث. راجع: القاموس المحيط، ج 3، ص 226؛ الصحاح، ج 4، ص 1394 (طرف).
3) . لكنّه لمّا قصد دعوى المساواة بين الحالين ساق الكلام علىٰ نهج لا يُشعر بالاتّفاق على الأوّل و الاختلاف في الثاني؛ و ذلك من فرط تلبيسه «ح. س». (من حاشية «م»).
4) . في «د» و المطبوع: «لكي يقيم الحدود».
5) . في المغني: «و كذلك».
6) . ما بين المعقوفين من المغني.
7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 45.
فغَيرُ مُسلَّمٍ له - أوّلاً - أنّ(1)وجوبَ إزالةِ الغَلَبةِ عن الإمامِ إنّما كانَ لِما ذَكَرَه، بَل قد يَجوزُ أن يَكونَ واجباً(2)لأنّه مِن بابِ الأمرِ بالمعروفِ و النهيِ عن المُنكَرِ. و يَجوزُ أيضاً أن يَكونَ وجوبُه لعِلّةٍ لا نَعرِفُها، و إن كنّا نَعرِفُ في الجُملةِ أنّه مِن مَصالِحِنا.(3)
و الذي يُبيِّنُ أنّ الأمرَ بخِلافِ ما ظَنَّه(4): أنّ إزالةَ الغَلَبةِ و الأسرِ و القَهرِ و ما جَرىٰ(5)مَجرىٰ هذه الأُمورِ قد يَجِبُ عَلَينا في غَيرِ الإمامِ مِن الصالِحينَ(6)و مِن جَماعةِ المُسلِمينَ؛ ألا تَرىٰ أنّا لو عَرَفْنا أنّ بَعضَ الصالِحينَ مغلوبٌ مأسورٌ في يَدِ بعضِ الأعداءِ، لَوَجَبَ عَلَينا تخليصُه مع الإمكانِ، و إن كانَ ممّن لا تَعلُّقَ لإقامةِ(7)الحُدودِ به ؟
و قد يَجِبُ أيضاً عَلَينا(8)مِثلُ هذا في الإمامِ نَفسِه، و إن بَلَغَ إلىٰ حَدٍّ مِن الضَّعفِ
1) . هكذا في جميع النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لا لأنّ » بدل «أوّلاً أنّ ».
2) . في «ج، ص، ف»: «وجب».
3) . في حاشية «م»: «و يمكن أن يُقال: إنّ المخاطَب بها إنّما هو الإمام المتمكّن لا الإمام المحبوس و المأسور أيضاً، فإذا كان محبوساً عُلم أنّه غير مخاطَب بها؛ لعدم تمكّنه منها، كما في العبادات لمن لا يقدر عليها؛ فتأمّل. و هذا هو الوجه الثاني من الاعتراض الذي أومأ إليه أوّلاً بلفظة «أوّلاً»: و يمكن أن يُقال بعد تسليم أنّ إزالة الغلبة عنه لأن يقوم بالحدود. و الفرق بين الحالين ظاهر؛ إذ المكلَّف بإقامة الحدود في إحداهما موجود، و إنّما منعه الأعداء عن الإقامة [كذا، و الصواب: القيام] بما أُمر به، فكان كالممنوع ظلماً عن إقامة الفرائض اليوميّة يجب التوصّل إلىٰ دفع الأعداء عنه ليتمكّن من الإقامة [كذا، و الصواب: القيام] بما افتُرض عليه. بخلاف الثانية؛ إذ الخطاب لمّا توجّه إلى الأئمّة و ليس هناك إمام، فالمكلّف بإقامة الحدود مفقود، فلا يجب التوصّل إليها علىٰ أحد؛ فتدبَّر (ح. س)».
4) . في حاشية «م»: «بل من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر».
5) . في «ط» و حاشية «ج»: «يجري».
6) . في «ص»: «المصلحين».
7) . في المطبوع: «ممّا لا تعلّق لإقامته».
8) . في المطبوع و الحجري: «علينا أيضاً».
و الكِبَرِ يَعجِزُ معه عن القيامِ بأمرِ الإمامةِ و إقامةِ الحُدودِ. فلَو كانَت العِلّةُ ما ذَكَرَه، لَوَجَبَ سُقوطُ(1)إزالةِ الغَلَبةِ عن الإمامِ - إذا بَلَغَ إلىٰ هذه الحالِ - عنّا.(2)
فأمّا قولُه:
و لهذه العِلّةِ قُلنا: إنّ الإمامَ إذا كانَ مغلوباً لا يُمكِنُ استِنقاذُه، يَجِبُ علَى الناسِ إقامةُ أميرٍ يَقومُ (3)بهذه الأُمورِ؛ لأنّ إقامتَه مِن قِبَلِه قد تَعذَّرَ [ت](4)فيَلزَمُهم إقامتُه لِيَقومَ بالحُدودِ(5)[و غيرِها](6)لأنّ مَن يَقومُ بالأصلِ يَجوزُ أن يَقومَ بما يَجري مَجرَى الفَرعِ (7)....(8)
فبِناءٌ علىٰ أصلِه و حِكايةٌ لِقَولِه(9)، و مَن يُخالِفُه في وجوبِ الإمامةِ يُنازِعُه في هذا و يَقولُ : «لَيسَ يَجِبُ عَلَينا إقامةُ الأُمَراءِ إذا كانَ الإمامُ مغلوباً، كما لا يَجِبُ عَلَينا إقامةُ الإمامِ في الأصلِ »؛ فإنّ في الناسِ مَن يَذهَبُ إلىٰ أنّ إقامةَ الأُمَراءِ لا تَسوغُ لنا
1) . في المطبوع: «فإن كانت العلّة ما ذكره لسقط عنّا».
2) . في المطبوع: - «عنّا».
3) . في المطبوع: «ليقوم».
4) . أي لأنّ إقامة الأمير من قِبَل الإمام قد تعذّرت.
5) . في المغني: «بالحقوق».
6) . ما بين المعقوفين من المغني.
7) . المراد بالأصل الإمام، و بالفرع الأمير، و من يقوم بتعيينهم و نصبهم - حسب رأي صاحب الكتاب - هو الأُمّة. و في حاشية «م»: «يعني أنّ الإمامة لمّا جاز لها نصب الأئمّة جاز لها نصب الأُمراء [لأنّه] من توابع نصب الأئمّة (ح. س)».
8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 45.
9) . مِن أنّ إقامة الإمام بيد الأُمّة.
جُملةً ؛ لأنّه [مِن] فُروضِ الأئمّةِ و عباداتِهم التي يَختَصّونَ (1)بها، كما أنّ [إقامةَ ] الحدودِ من فُروضِهم التي تَختَصُّ بِهم، و يَقولونَ : «لَو ساغَ لنا إقامةُ الأُمَراءِ لَساغَ لنا إقامةُ الحُدودِ».
فأمّا قولُه:
علىٰ أنّه لا خِلافَ أنّ الإمامَ إذا حَصَلَ، فواجبٌ(2)عليه نَصبُ الأُمَراءِ و الحُكّامِ في البِلادِ التي لا يُمكِنُ فيها النظَرُ بنَفسِه، و قد عَلِمنا أنّ ذلكَ إنّما يَجِبُ للتوَصُّلِ إلىٰ هذه الأُمورِ، و(3)كما يَجِبُ (4)عليه التوَصُّلُ بالتَّوليةِ ، فكذلكَ يُمكِنُ أهلَ الحَلِّ و العَقدِ التوَصُّلُ إلىٰ إقامةِ إمامٍ ليَقومَ بهذه الأُمورِ، فيَجِبُ أن يَكونَ ذلكَ واجباً؛ لأنّه لا يُمكِنُ أن يُقالَ : إنّما لَزِمَ الإمامَ لأنّ ذلكَ مِن واجباتِه، فيَلزَمُه(5)إذا لَم يَفعَلْ بنَفسِه أن يَفعَلَ بغَيرِه؛(6)و ذلكَ أنّه(7)لا يَجوزُ أن يَلزَمَه بنَفسِه ما لا يُمكِنُه(8)الوفاءُ به(9)فلَيسَت العِلَّةُ (10)إلّاما قَدَّمنا ذِكرَه....(11)
1) . في «ص»: «يخصّون - تخصّون» معاً.
2) . في «ص» و حاشية «ف»: «فوجب».
3) . في المطبوع: - «و».
4) . في «د، ص، ل»: - «يجب».
5) . في المغني: «فلزمه».
6) . في المغني: «غيره».
7) . في المطبوع: - «أنّه».
8) . في المطبوع: «لا يمكن».
9) . فإنّه لا يمكنه النظر فيها بنفسه. (من حاشية «م»).
10) . أي علّة وجوب نصب الأمراء على الإمام.
11) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 46.
فلِخَصمِه أن يَقولَ: إنّ(1)إقامةَ الأُمَراءِ و نَصْبَ(2)الحُكّامِ مِن فُروضِ الإمامِ(3)و عباداتِه التي يَختَصُّ بها، و لَيسَ يَجِبُ أن يَكونَ له عِلّةٌ معروفةٌ سِوىٰ ما نَعلَمُه مِن كَونِه مَصلحةً في الجُملةِ، و قد يَجوزُ أن تَقتَضيَ المَصلَحةُ تَوَلّيَ الإمامِ ذلكَ، و إيجابُه عليه لا يَقتَضي مِثلَه فينا.
و لَو ساغَ لِصاحِبِ الكتابِ سُلوكُ مِثلِ هذه الطريقةِ، لَساغَ لغَيرِه أن يقولَ أيضاً:
«قد ثَبَتَ وجوبُ الزكاةِ علىٰ مالكِ النِّصابِ، و لَم أجِدْ في وجوبِها عِلّةً إلّاكَونَها نَفعاً للفُقَراءِ ، و هذه العِلّةُ حاصِلةٌ فيمَن لا نِصابَ مَعَه، و هو مُتَمكِّنٌ مِن الاكتِسابِ و تحصيلِ النِّصابِ »، و يوجِبَ بهذا الاعتبارِ اكتِسابَ المالِ ليُتوَصَّلَ به إلىٰ نَفعِ الفُقَراءِ ، كما أَوجَبَ صاحبُ الكتابِ (4)علَى الإمامِ إقامةَ الأُمَراءِ مِن حَيثُ ظَنَّ أنّ العِلّةَ فيه التوَصُّلُ إلىٰ إقامةِ الحُدودِ.
فلَيسَ (5)له أن يَقولَ : إنّ الإجماعَ مُنعَقِدٌ علىٰ نَفيِ وجوبِ اكتِسابِ المالِ ، فلهذا فرَّقتُ بَينَ الأمرَينِ .
و ذلكَ: أنّ الإجماعَ لا يَجوزُ أن يَقتَضيَ المُناقَضةَ، بَل حُصولُه يَدُلُّنا علىٰ(6)أنّ الزكاةَ لَم تَجِبْ علىٰ مالكِ النِّصابِ مِن حَيثُ كانَت نَفعاً للفُقَراءِ فَقَط، بَل لأمرٍ زائدٍ.
و إذا صَحَّ هذا فكذلكَ غيرُ مُمتَنِعٍ أن يَكونَ إقامةُ الأُمَراءِ لَم يَلزَمِ الإمامَ لأجلِ
1) . في المطبوع: - «إنّ ».
2) . في «ج، د، ف»: «و نصبه».
3) . في حاشية «م»: «كما أنّ إقامة الحدود فيما تصل إليه يده من فروضه».
4) . في حاشية «م»: «الأظهر أن يقول: كما أوجب صاحب الكتاب علىٰ أهل الحلّ و العقد التوصّل إلىٰ إقامة الحدود بإقامة الإمام؛ فتدبّر (ح. س)».
5) . في «ج»: «و ليس».
6) . في المطبوع: - «علىٰ ».
التوَصُّلِ المُطلَقِ إلىٰ إقامةِ الحُدودِ، بَل لأمرٍ يَخُصُّ الإمامَ، و لا يَجِبُ أن يُحمَلَ حالُنا فيه علىٰ حالِه.
و قولُه: «لا يَجوزُ أن يَكونَ مِن واجباتِه ما لا يُمكِنُ الوفاءُ به» لَيسَ المَعنيُّ فيه ما قَدَّرَه؛ لأنّه ظَنَّ أنّ ذلكَ يَلزَمُه في كُلِّ بَلَدٍ علىٰ سَبيلِ الجَمعِ ، و لَيسَ المُرادُ هذا، و إنّما هو أنّ الإمامَ مُكلَّفٌ بهذه الأُمورِ: أنّه(1)يَتوَلّاها بنَفسِه، أو يَستَخلِفُ فيها علىٰ سَبيلِ البَدَلِ .(2)و لَيسَ يَجِبُ (3)- إذا تَعذَّرَ عليه تَوَلّي الكُلِّ بنَفسِه - أن يَخرُجَ الكُلُّ مِن وجوبِه علَى الوجهِ الذي رَتَّبناه(4)لأنّه لا بَلَدَ مِن البُلدانِ وَلَّى الإمامُ فيه أُمَراءَ و حُكّاماً إلّاو قد كانَ يَجوزُ أن يَتوَلّىٰ ما وَلّاهم إيّاه بنَفسِه. فالذي(5)تَوهَّمَه في هذا المَوضِعِ فهو غيرُ صحيحٍ .
فأمّا قولُه:
و بَعدُ، فلَو كانَ إقامةُ الرئيسِ غيرَ واجبةٍ (6)لَكانَ مَن يَصلُحُ للإمامةِ - إذا اختيرَ لذلكَ - لا يَلزَمُه القبولُ .(7)
1) . في المطبوع: «و أنّه».
2) . في حاشية «م»: «و علىٰ هذا فالقياس يقتضي أنّ اللازم علىٰ أهل الحلّ و العقد أحد الأمرين: إمّا القيام بإقامة الحدود، أو إقامة من يقيمها؛ و إذا امتنع منهم الأوّل فليمتنع الثاني؛ فتدبَّر (ح. س)».
3) . في «ج»: + «عليه».
4) . في حاشية «ج»: «بيّنّاه».
5) . في «ط»: «فما الذي».
6) . في المغني: «إقامة الإمام غير واجب».
7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 46.
فقَد مضىٰ بَيانُنا أنّ أحَدَ الأمرَينِ مُنفَصِلٌ (1)عن الآخَرِ، و أنّه غيرُ مُمتَنِعٍ أن يَلزَمَه القبولُ (2)و إن كانَت إقامتُه غيرَ لازمةٍ ، و ضَرَبنا لذلكَ أمثالاً، فلا طائلَ (3)في إعادةِ ما ذَكَرناه.(4)
فأمّا قولُه:
و لَو كانَ الأمرُ كذلكَ(5)، لَكانَ بَعدَ دخولِه فيه لا يَلزَمُه الثَّباتُ(6)علَى الإمامةِ ، بَل كانَ يَجِبُ أن يكونَ مُخيَّراً كما كانَ مِن قَبلُ مُخيَّراً(7)في قبولِ العَقدِ.(8)
فلَيسَ الأمرُ كما تَوهَّمَه، و غيرُ مُمتَنِعٍ أن يَكونَ القبولُ غيرَ لازمٍ له و إن كان الثَّباتُ بَعدَ القبولِ لازماً؛ لأنّه لَيسَ لأحدِهما بالآخَرِ مِن التعلُّقِ ما يَقتَضي وجوبَ اشتراكِهما فيما ذَكَرَه. و لَو كانَ ما اعتَلَّ به صحيحاً لَوَجَبَ أن يَكونَ المُتَبايِعانِ بَعدَ قبولِهما عَقدَ البَيعِ و تَفرُّقِهما و حُصولِ جميعِ الشرائطِ يَسوغُ لهما الرجوعُ
1) . في المطبوع و الحجري: «ينفصل».
2) . في حاشية «م»: «هذا على التنزّل، و إلّافيمكن منع بطلان التالي».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «و لا طائل».
4) . راجع: ص 328-330.
5) . أي إذا لم يجب قبول الإمامة علىٰ من يصلح لها. و هذه الفقرة من المغني هي في الحقيقة استمرار لما قبلها.
6) . في حاشية «م»: «يمكن أن يقال: إذا وجب الثبات عليه حرم الإقالة من الناصبين له أيضاً، و إلّالجاز له أيضاً إقالة عقد الإمامة بنصب غيره. و إذا ثبت أنّ عزله عن منصب الإمامة غير جائز من غيره أيضاً، فقول الأوّل من الثلاثة: «أقيلوني» أمر بالقبيح و تكليف بالمعصية و حثّ عليها؛ فهو من أهل هذه الآية: (يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللّٰهَ فَنَسِيَهُمْ ) الآيةَ ؛ فتأمَّل».
7) . في المغني: «كما كان مخيّراً». و في المطبوع و الحجري: - «كما كان من قبل مخيّراً».
8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 46.
في البَيعِ (1)مِن غيرِ عَيبٍ ؛ مِن حَيثُ كانَ قبولُ البَيعِ و عَقدِه في الأصلِ غيرَ واجبٍ . و كذلكَ كانَ يَجِبُ للمرأةِ أن يَحِلَّ لها بَعدَ قبولِها عَقدَ النكاحِ و دخولِها فيه الخروجُ منه، و لا يَلزَمَها الثَّباتُ عليه لمّا لَم يَكُن القبولُ واجباً عليها. و إذا فَسَدَ كُلُّ هذا، ثَبَتَ أنّ الذي اعتَلَّ به - مِن أنّ القبولَ لازمٌ مِن حَيثُ لَزِمَ الثَّباتُ - ظاهرُ البُطلانِ .
فأمّا قولُه:
يُبيِّنُ صِحّةَ ذلكَ(2)أنّ الإمامَ إذا كانَ(3)مُخيَّراً في العُدولِ عن إقامةِ أميرٍ
إلىٰ نَفسِه(4)، و عن تَوَلّيهِ(5)بنَفسِه إلىٰ إقامةِ أميرٍ، و عن أميرٍ(6)إلىٰ أميرٍ، كانَ للأميرِ أن يَختارَ الخُروجَ عن الإمارةِ (7)ما(8)لَم يُلزِمْه(9)الإمامُ صفةً
1) . في «د، ص، ل»: «المبيع».
2) . و هو أنّه إذا كانت إقامة الإمام غير واجبة على الأُمّة، لم يجب على الإمام قبولها، و لو قبلها لم يجب عليه الثبات عليها.
3) . في المغني: «لمّا كان».
4) . في المغني: «لنفسه»، بدل «إلىٰ نفسه». و معنى العبارة: أنّ الإمام مخيَّر في العدول عن إقامة أميرإلىٰ تولّي الأمر بنفسه.
5) . في «د» و المطبوع: «توليته».
6) . في المغني: «و غير أمير» بدل «و عن أمير».
7) . يعني أنّ الأمير يجوز له الفسخ و الإقالة، و ما ذلك إلّالكون إقامته علىٰ سبيل التخيير و كذاقبوله لها؛ و يلزم منه أنّ من كان قبوله واجباً و إقالته محرَّمة يجب إقامته أيضاً على الناس. (من حاشية «م»).
8) . معناه علىٰ نسخة الأصل [التي] لا يوجد فيها الفاء: أنّ للأمير أن يخرج عن الإمارة ما لم يُلزِمْه الإمام صفةً زائدةً علىٰ مجرّد الإمارة مانعةً عن الخروج عنها، و قولُه: «فكذلك...» إلىٰ آخره ابتداءُ قياس حال الإمام علىٰ حال الأمير. و علىٰ نسخة الفاء فمن هنا ابتداءُ القياس، و المعنىٰ : أنّه لو لم يكن للإمامة صفة زائدة على الإمارة لجاز له ما يجوز للأمير. و الصفة: على الأوّل إلزام الثبات، و على الثاني الوجوب؛ فتدبَّر «ح س». (من حاشية «م»).
9) . هكذا في «م». و في سائر النسخ و المطبوع و المغني: «ما لم يلزم». و في بعض النسخ: «فما» بدل «ما».
زائدةً علىٰ إقامتِه أميراً؛ فكذلكَ كانَ يَجِبُ في الإمامِ(1)لَو لَم تَكُن إقامتُه واجبةً(2)....(3)
فمُنتَقِضٌ أيضاً بما ذَكَرناه في البَيعِ(4)لأنّ للمُتَبايِعَينِ أن يَعدِلا عن مَبيعٍ إلىٰ مَبيعٍ، و لهما أن لا يَتَبايَعا جُملةً؛ لأنّهما مُخيَّرانِ في ذلكَ و لَيسَ بواجبٍ عَلَيهما، و مع ذلكَ(5)فلَيسَ لهما و لا لكُلِّ واحدٍ مِنهما بَعدَ عَقدِ البَيعِ و قبولِه و تَكامُلِ شرائطِه الخُروجُ عنه و فَسخُه. و كما لا يَدُلُّ هذا علىٰ أنّ البَيعَ في الأصلِ واجبٌ ، فكذلك لا يَدُلُّ تحريمُ الخُروجِ عن الإمامةِ بَعدَ الدُّخولِ فيها علىٰ أنّها واجبةٌ و لازمٌ قبولُها.
علىٰ أنّ ما ذَكَرَه مُنتَقِضٌ مِن وجهٍ آخَرَ، و هو أنّه جائزٌ عندَه أن يَكونَ في العَصرِ جَماعةٌ قد تَكامَلَت شُروطُ الإمامةِ فيهم، و عُلِمَ مِن حالِ (6)كُلِّ واحدٍ مِنهم(7)صَلاحُه لها و اضطِلاعُه(8)بها، مِن غيرِ أن يَكونَ لأحَدِهم علَى الآخَرِ مَزيّةٌ في مَعنَى الصَّلاحِ للإمامةِ . و إن لَم يُجوِّزْ(9)أن يَكونَ جَماعةٌ بهذه الصفةِ ، فلَيسَ يُمكِنُ أن يَدفَعَ وجودَ
1) . أي كان يجب أن يكون مخيّراً بين البقاء في منصب الإمامة أو الخروج منه.
2) . و جاء في المغني بعد ذلك: «و بطلان ذلك يبيّن صحّة ما قدّمناه». فكلّما لم تجب الإقامة لم يجب الثبات، و بحُكم عكس النقيض يحصل ما أراده. و الجواب بمنع صدق الكلّيّة الأولىٰ و إبطالها. (من حاشية «م»).
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 46-47.
4) . تقدّم آنفاً.
5) . في «د، ص، ف»: «هذا».
6) . في المطبوع و الحجري: - «حال».
7) . في المطبوع: - «منهم».
8) . الاضطلاعُ من الضَّلاعة، و هي القوّة. و اضطلع بهذا الأمر، أي قدر عليه، كأنّه قويت عليه ضلوعه بحمله. و منه: مُضطَلِعٌ بالإمامة. مجمع البحرين، ج 4، ص 366 (ضلع).
9) . في «د، ل» و حاشية «ف»: «لم يجز».
اثنَينِ يَصلُحانِ لها علَى الوجهِ الذي ذَكَرناه(1).
و نَحنُ نَعلَمُ أنّه إذا اتَّفَقَ هذا، كانَ أهلُ الاختيارِ مُخيَّرِينَ في اختيارِ كُلِّ واحدٍ مِنهما و عَرضِ الأمرِ عليه، و لا يَكونُ الذي يُختارُ و يُعرَضُ الأمرُ عليه مُخيَّراً في القبولِ و الردِّ، و لا في الثَّباتِ بَعدَ القبولِ ، بَل عندَهم أنّه يَجِبُ عليه القبولُ ، و كذلكَ يَلزَمُه الثَّباتُ .
فبَطَلَ (2)أن يَكونَ العِلّةُ في جوازِ خُروجِ الأميرِ عن الإمارةِ ما ذَكَرَه مِن كَونِ الإمامِ مُخيَّراً في اختيارِه و إقامتِه أميراً؛ لأنّ العِلّةَ لَو كانَت هذه، لَوَجَبَ في الاثنَينِ اللذَينِ ذَكَرنا حالَهما جوازُ خُروجِهما عن الإمامةِ بَعدَ قبولِهما؛ مِن حَيثُ كانَ مَن يَختارُهما مُخيَّراً بَينَهما.
فأمّا قولُه:
و بَعدُ، فقَد(3)ثَبَتَ بالشَّرعِ(4)أنّ الذي لأجلِه يُقامُ الإمامُ هو ما يَقومُ بمَصلَحةِ الدُّنيا أو الدِّينِ (5)، مِن اجتِلابِ المَنافعِ و دَفعِ المَضارِّ، مِن غيرِ تخصيصٍ بعَينٍ (6)، بَل لا أحَدَ(7)مِنهم إلّاو له في ذلكَ حَظٌّ حاصلٌ أو مُجوَّزٌ(8).
1) . مِن تكامل شروط الإمامة فيهما، و صلاحهما لها، من دون مزيّة لأحدهما على الآخر في معنى الصلاح للإمامة.
2) . في «د» و المطبوع: «فيبطل».
3) . في المغني: «فإنّه قد».
4) . في المطبوع: «في الشرع».
5) . في «ج» و المطبوع و الحجري: «و الدين».
6) . في «ج، ص، ط»: «بمعيّن». و في حاشية «م»: «أي تلك المنافع لا تختصّ بواحد من الرعيّة دون واحد، و كذا دفع المضارّ».
7) . في «ج» و المطبوع و الحجري: «بل و لا أحد».
8) . في المغني: «و له في ذلك حظّ ما، أو قويّ ».
و قد عَلِمنا أنّ ما هذا حالُه يَلزَمُ التوَصُّلُ إليه؛ لأنّه توَصُّلٌ إلىٰ دَفعِ المَضارِّ المظنونةِ أو المعلومةِ، و قد بيّنّا مِن قَبلُ أنّ الأمرَ بالمعروفِ و النهيَ عن المُنكَرِ يَجِبانِ علَى الوجوهِ التي ذَكَرناها، و ما يقومُ به الإمامُ إن لَم يَزِدْ حالُه علىٰ حالِهما لَم يَنقُصْ، فيَجِبُ التوَصُّلُ إليه.(1)
فلَيسَ يَخلو حالُ الإمامةِ عندَه مِن وجوهٍ:
إمّا أن تَجِبَ(2)لِمَصالحِ الدِّينِ، أو لِمَصالحِ الدُّنيا، أو لهما.
فإن وَجَبَت(3)لأنّها مِن مَصالحِ الدِّينِ، وَجَبَتِ الإمامةُ مِن طريقِ العقولِ، و لَم يُفتَقَرْ فيها إلَى السَّمعِ و الشَّرعِ، كما يَجِبُ نَظائرُها مِن مَصالحِ الدِّينِ بالعقولِ(4).
و هذا إن أرادَه فهو دخولٌ في مَذهبِنا و لُحوقٌ بنا.
و إن وَجَبَت للأمرَينِ، أيضاً وَجَبَ ما ذَكَرناه؛ لأنّ هذا القِسمَ مُشتَمِلٌ علَى القِسمِ الأوّلِ و زائدٌ عليه.
و إن وَجَبَت مِن حَيثُ مَصالحِ الدُّنيا و لاِجتِلابِ المَنافعِ و دَفعِ المَضارِّ الدُّنياويّةِ(5)، لَم يَخلُ مِن أن يَكونَ تلكَ المَنافعُ و المَضارُّ ممّا يَجِبُ (6)اجتِلابُها و التحرُّزُ مِنها، أو لا يَجِبُ .
فإن كانَ ممّا يَجِبُ ما ذَكَرناه(7)فيها، وَجَبَت الإمامةُ أيضاً مِن طريقِ العقولِ ؛ لأنّ
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 47.
2) . في «د، ط» و المطبوع: «أن يجب».
3) . في «د» و المطبوع: «وجب».
4) . في «ج، ص»: - «بالعقول».
5) . في «ف» و المطبوع: «الدنيويّة».
6) . أي يستقلّ العقل بإدراك وجوبها و التحرّز عنها، أو يكون وجوبها مطلقاً غير مقيّد بحصول مقدّمة؛ فتدبّر «ح. س». (من حاشية «م»).
7) . من الاجتلاب و التحرّز. (من حاشية «م»).
اجتِلابَ المَنافعِ و دَفعَ المَضارِّ - التي تَجِبُ في كُلِّ حالٍ، و لا يَجوزُ أن تَكونَ غيرَ واجبةٍ - يَجِبُ فيها الاجتِلابُ و التحَرُّزُ بالعقلِ.
و إن كانَت ممّا يَجوزُ أن يَجِبَ و أن لا يَجِبَ، فالواجبُ علىٰ صاحبِ الكتابِ أن يورِدَ في إثباتِ وجوبِها دليلاً سَمعيّاً يَخُصُّها و يَدُلُّ علىٰ وجوبِها؛ لأنّه إذا كانَ وجوبُها مُجوَّزاً حُصولُه و سُقوطُه مِن طريقِ العقلِ، لَزِمَ مَن أثبَتَه سَمعاً(1)إيرادُ دليلٍ سَمعيٍّ فيه.
و تَعلُّقُه بالأمرِ بالمعروفِ و النهيِ عن المُنكَرِ لا يُغني عنه شيئاً؛ لأنّ لِمَن يُخالِفُه أن يَقولَ: إنّني(2)أثبَتُّ ذلكَ بالسَّمعِ المخصوصِ و لإجماعِ الأُمّةِ عليه، و الإمامةُ خارجةٌ عنه؛ لأنّه لا إجماعَ فيها و لا سَمعَ يَقتَضي وجوبَها علَى التخصيصِ ، و مَن ادَّعىٰ لُحوقَها بالأمرِ بالمعروفِ و النهيِ عن المُنكَرِ وَجَبَ عليه أن يَدُلَّ (3)علىٰ دَعواه، و يُبيِّنَ وجهَ دخولِها في بابِ الأمرِ بالمعروفِ .(4)
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : إنّ الإمامةَ تَجِبُ (5)لِمَصالحِ الدِّينِ و إن لَم تَجِبْ مِن طريقِ العقولِ ، كالصلاةِ و غيرِها ممّا يَكشِفُ السَّمعُ عن كَونِه مَصلَحةً في الدِّينِ .
لأنّا قد بيّنّا أنّ الوجهَ في وجوبِها معلومٌ في العقولِ و مُستَدرَكٌ قَبلَ ورودِ السَّمعِ .
و لَو تَجاوَزْنا عن(6)ذلكَ ، لَم يَجِبْ لُحوقُها بالصلاةِ مِن حَيثُ عُلِمَ بالسَّمعِ أنّ فيها مَصلَحةً ؛ لأنّه غيرُ مُمتَنِعٍ أن تَثبُتَ المَصلَحةُ فيها علىٰ وجهٍ لا يَقتَضي الاستمرارَ، و
1) . في «د، ف، ل»: «سمعيّاً».
2) . في «ص» و حاشية «ف»: «إنّي».
3) . في «د» و المطبوع: «أن يستدلّ ».
4) . مع أنّ بعض المعارف مندوبة، فكذا الأمر بها؛ فإن ثبت وجوب الإمامة ثبت أنّ إقامة الإمام من قبيل الأمر بالمعروف الواجب لا المندوب، و إلّافلا. (من حاشية «م»).
5) . في «ج»: «وجبت».
6) . في المطبوع: - «عن».
إنِ اقتَضَى الاستمرارَ لَم يَقتَضِ الوجوبَ؛ فقَد عَلِمنا أنّ لنا في جميعِ النوافلِ مَصالحَ و إن لَم تَكُن واجبةً، فلَيسَ يَجِبُ إذا عُلِمَ بالسَّمعِ ثُبوتُ (1)المَصلَحةِ الراجِعةِ إلَى الدِّينِ في الإمامةِ أن تَكونَ واجبةً ، فيَلزَمُه(2)إذا ادَّعىٰ وجوبَها و لُحوقَها بالواجباتِ (3)مِن العباداتِ - كالصَّلاةِ و غيرِها - أن يَدُلَّ علىٰ موجَبِ دَعواه، و يَنفَصِلَ مِن خَصمِه إذا ألحَقَها بالنوافلِ الشَّرعيّةِ التي فيها مَصالحُ دينيّةٌ و هي مع ذلكَ غيرُ واجبةٍ .
فأمّا قولُه:
و قد اعتَمَدا(4)و غيرُهما علىٰ ما ثَبَتَ مِن إجماعِ (5)الصَّحابةِ (6)لأنّهم بَعدَ وَفاةِ النبيِّ - صلّى اللّٰهُ عليه و آله و سلَّمَ (7)- فَزِعوا إلىٰ إقامةِ إمامٍ علىٰ وجهٍ يَقتَضي أنْ لا بُدَّ مِنه. و ما نُقِلَ مِن الأخبارِ و تَواتَرَ في ذلكَ يَدُلُّ
1) . في المطبوع: «بثبوت».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و يلزمه».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «بالواجب».
4) . يريد بهما أبا عليّ و ابنه أبا هاشم الجبّائيّين.
5) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «اجتماع».
6) . في حاشية «م»: «فإنّ لصوص الخلافة استبدلوا الحبور بالثبور، حتّىٰ إنّهم أعرضوا عن تجهيز النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و لم ينتظروا حضور بني هاشم و لم يحتفلوا بهم، بل انتهزوا الفرصة باشتغالهم بأُمور النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و تراكم همومهم، و شهروا سيوفاً كانت في زمن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله في أغمادها و دعوا الناس إلى البيعة و إن كانوا كارهين، و أوقدوا نيراناً أطفأها اللّٰه تعالىٰ ببراهين إمامة أمير المؤمنين عليه السلام (ح. س)».
7) . في المغني: «صلّى اللّٰه عليه»، و يبدو أنّ ما في المتن من إضافات نُسّاخ الشافي.
علىٰ ما قُلناه؛ مِن حالتِهم(1)عندَ العَقدِ لأبي بكرٍ يَومَ السَّقيفةِ ، ثُمَّ بَعدَه لِعُمَرَ، ثُمّ بَعدَه في قِصّةِ (2)الشورىٰ و ما جَرىٰ فيه [- ا]، و بَعدَه(3)لأميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ .
و قد عَلِمنا أنّ التشَدُّدَ في ذلكَ علَى الوجوهِ التي جَرَت مِنهم حالاً بَعدَ حالٍ لا يَكونُ إلّافي الأمرِ الواجبِ الذي لا بُدَّ مِنه.(4)
فالذي ذَكَرَه يَدُلُّ - إن كانَ دالاًّ - علىٰ حُسنِ إقامةِ الإمامِ و جوازِ نَصبِه، و لا يَدُلُّ علىٰ وجوبِ ذلكَ في كُلِّ عَصرٍ و زَمانٍ ؛ لأنّه لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ العاقدونَ لأبي بَكرٍ و المُجتَمِعون للشورىٰ إنّما بادَروا إلىٰ ما بادَروا إليه و حَرَصوا عليه لأنّ الحالَ اقتَضَته، و لأنّه غَلَبَ في ظُنونِهم أنّ إهمالَ العَقدِ فيه فَسادٌ و انتشارٌ.(5)
و لَيسَ فيمَن يُخالِفُ في وجوبِ الإمامةِ - علىٰ كُلِّ حالٍ - مَن يَنفي حُسنَها و يَدفَعُ أن يَقتَضيَ بعضُ الأحوالِ الفَزَعَ إليها، فيَكونَ (6)ما ذَكَرَه حِجاجاً(7)له؛ بَل مِن قولِهم(8): إنّ
1) . في المغني: «حالهم».
2) . في «ص»: «قضيّة».
3) . في المغني: «ثمّ بعده».
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 47.
5) . في حاشية «م»: «و لا يخفىٰ أنّه حينئذ يكون من الواجبات العقليّة، فلا ينفع صاحب الكتاب؛ فتدبّر».
6) . قوله: «فيكون» متفرّع علىٰ قوله: «و ليس». أي ليس فيمن يخالف في وجوب الإمامة مَن ينفي حُسنها، حتّىٰ يكون ما ذكره دليلاً لمدّعاه (من حاشية «ص»).
7) . في «ج»: «جواباً». و في «ل» و الحجري: «نجاحاً». و في حاشية «ف»: «محتاجاً».
8) . أي بل من جملة قول من يخالف في وجوب الإمام.
الإمامَ قد يَجوزُ أن يُستَغنىٰ عنه في بَعضِ الأحوالِ التي تَغلِبُ في الظَّنِّ أنّ الناسَ فيها يَلزَمونَ (1)الصَّلاحَ و السَّدادَ في الأكثَرِ، و إن كانَ غيرَ مُستَغنىً عنه في الأحوالِ التي تَغلِبُ في الظَّنِّ أنّ الفَسادَ يَقَعُ عندَ إهمالِ نَصبِه.
و سائرُ ما ذَكَرَه مِن التشَدُّدِ و الحِرصِ لا يَدُلُّ علىٰ وجوبِ الإمامةِ في كُلِّ حالٍ ؛
لأنّ الذي ذَكَرناه مِن اقتِضاءِ الحالِ لها، يُستَعمَلُ فيه مِن التشَدُّدِ و المُبادَرةِ مِثلُ ما استَعمَلَه العاقدونَ لأبي بكرٍ و أكثَرُ.
فأمّا قولُه:
و ممّا يُبيِّنُ صِحّةَ الإجماعِ في ذلكَ أنّ كُلَّ مَن خالَفَ فيه لا يُعَدُّ في الإجماعِ؛ لأنّه إنّما خالَفَ في ذلكَ بَعضُ الخَوارجِ، و قد ثَبَتَ أنّهم لا يُعَدّونَ في الإجماعِ. فأمّا(2)ضِرارٌ(3)فأبعَدُ مِن أن يُعَدَّ في الإجماعِ، و أمّا الأصَمُّ(4)فقَد سَبَقَه الإجماعُ ، و إن كانَ شَيخُنا أبو عليٍّ قد حَكىٰ عنه ما
1) . في حاشية «ص»: «يلتزمون».
2) . في المغني: «و أمّا».
3) . ضرار بن عمرو المعتزليّ ، إليه تُنسب الفرقة الضراريّة من المعتزلة، كان يقول: يمكن أن يكون جميع من في الأرض ممّن يظهر الإسلام كافراً. و قال: الحجّة بعد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله في الإجماع فقط. و زعم أنّ الإمامة تصلح في غير قريش. و كان يذهب إلىٰ أنّ أفعال العباد مخلوقة للباري حقيقة، و أنّ للّٰه تعالىٰ ماهيّة لا يعلمها إلّاهو، و أنّ للإنسان حاسّة سادسة يرىٰ بها الباري تعالىٰ في الجنّة، و أنّه لا يجب على اللّٰه تعالىٰ شيء بحكم العقل. توفّي في حدود سنة 230. الفَرق بين الفِرَق، ص 201-202؛ الملل و النحل للشهرستانيّ ، ج 1، ص 102-104؛ الوافي بالوفيات، ج 16، ص 365، الرقم 397؛ طبقات المعتزلة، ص 72.
4) . أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصمّ ؛ كان من المعتزلة، و له مقالات في الأُصول. و هو من طبقة أبي الهذيل العلّاف. كان يخطّئ أمير المؤمنين عليه السلام في كثير من أفعاله و يصوّب معاوية في بعض أفعاله، و له تفسير. المنية و الأمل، ص 52؛ طبقات المعتزلة، ص 56-58؛ لسان الميزان، ج 3، ص 427.
يَدُلُّ علىٰ أنّه غيرُ مخالِفٍ في ذلك، و أنّه إنّما قالَ: «لَو أنصَفَ الناسُ بعضُهم بَعضاً و زالَ التظالُمُ و ما يوجِبُ إقامةَ الحَدِّ، لَاستَغنَى الناسُ عن إمامٍ » و المعلومُ مِن حالِ الناسِ خِلافُ ذلكَ ، فإذَن يَلزَمُ (1)مِن قولِه أنّ إقامةَ الإمامِ واجبةٌ ....(2)
فلَيسَ يَخلو ادّعاؤه الإجماعَ مِن أن يَكونَ في(3)فِعلِ الصَّحابةِ ما حَكاه مِن المُبادَرةِ إلَى العَقدِ و التشَدُّدِ فيه، أو يَكونَ(4)أنّ الإمامةَ واجبةٌ في كُلِّ حالٍ.
فإن(5)كانَ الأوّلَ فذلكَ ممّا لا يُخالفُ فيه عاقلٌ؛ لا خارِجيٌّ و لا غيرُه، و لَيسَ في ثُبوتِه دَلالةٌ علىٰ ما قَصَدَه؛ لأنّا قد بيّنّا ما يُمكِنُ أن يَكونَ التشَدُّدُ مِن أجلِه و أوضَحناه.(6)
و ما نَظُنُّه أرادَ هذا الوجهَ، بَل لَم يُرِدْه؛ لأنّ كلامَه يَدُلُّ علَى الثاني.
فإن كانَ أرادَه فما كانَت به حاجةٌ إلىٰ أن يَتَمحَّلَ(7)الأدلّةَ علىٰ وجوبِ الإمامةِ مِن أوّلِ البابِ إلىٰ هاهُنا، و يَستَعمِلَ ضُروبَ الطُّرُقِ : فتارةً يَتَعلَّقُ بالقُرآنِ ، و تارةً بأفعالِ النبيِّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سلَّمَ ، و أُخرىٰ بقياسِ الإمامةِ علَى الإمارةِ و استخراجِ علّةِ وجوبِ إقامةِ الأُمَراءِ علَى الأئمّةِ و نَقلِها إلىٰ وجوبِ الإمامةِ . و ما فيه إجماعٌ لا يُحتاجُ في تثبيتِه إلىٰ شيءٍ ممّا تَكلَّفَه.
فصاحبُ الكتابِ بَينَ أمرَينِ: إمّا أن يَكونَ ما ادَّعاه مِن الإجماعِ حَقّاً و المُخالفُ فيه شاذّاً لا يُعَدُّ خِلافُه خِلافاً، أو أن يَكونَ لا إجماعَ(1)فيما ادَّعاه.
فإن كان الأوّلَ بَطَلَ أن يَكونَ فيما تَكلَّفَه مِن الكلامِ و الاستدلالِ علَى المسألةِ غرضٌ صحيحٌ، و جَرىٰ جميعُ ما أَورَدَه مَجرَى العَبَثِ، و قامَ فيه مَقامَ المُستَدِلِّ بدَقيقِ الأدلّةِ و ضُروبِ الطُّرُقِ علىٰ أنّ النبيَّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سلَّمَ أمَرَ بصَلَواتٍ خَمسٍ، و دَعا إلىٰ حَجِّ الكعبةِ.
و إن كانَ الأمرُ علَى الوجهِ الثاني، فقَبيحٌ بمِثلِه أن يَدَّعيَ الإجماعَ في مَوضِعٍ لا إجماعَ فيه.
علىٰ أنّ ما تَوهَّمَه مِن الإجماعِ غيرُ ثابتٍ؛ لأنّ الخَوارجَ - و هي فِرقةٌ مِن فِرَقَ الأُمّةِ التي إذا عَدَّدنا فِرَقَ الأُمّةِ لَم يَكُن بُدٌّ مِن إلحاقِهم بها، و عَدِّ فِرَقِهم(2)في جُملةِ الفِرَقِ - يُخالِفُ في ذلكَ و يَذهَبُ(3)إلىٰ خِلافِ مَذهَبِه.
و لَيسَ قولُه: «إنّني لا أَعُدُّهم في الإجماعِ» بحُجّةٍ؛ لأنّ للخَوارجِ أن يَقولوا له مِثلَ قولِه بحُدوثِ(4)فِرقَتِهم(5)و زمانُ حُدوثِهم و ابتداءُ أصلِ مَقالتِهم(6)معروفٌ، كما أنّ ذلكَ معروفٌ في مقالةِ الخَوارجِ .
فأمّا ضِرارٌ و الأَصَمُّ : فإخراجُهما أيضاً مِن الإجماعِ - مع كَثرةِ مَن يَذهَبُ
إلىٰ مَذهَبِهما في ذلكَ - لا مَعنىٰ له. و يَطرُفُ (7)قولُه: «إنّ الإجماعَ قد سَبَقَهما»،
1) . في «د، ل» و المطبوع و الحجري: «الإجماع» بدل «لا إجماع».
2) . في «ط»: «فرقتهم».
3) . هكذا في جميع النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تخالف - تذهب».
4) . في «ط» و حاشية «ف»: «لحدوث».
5) . أي المعتزلة.
6) . في حاشية «م»: «مقالتهم، أي مقالة المعتزلة؛ لأنّه من مستحدَثات واصل بن عطاء، كما سبق».
7) . هكذا في «ج، ص». و في سائر النسخ و المطبوع: «يطرق».
و يَرِدُ(1)عليه أشياءُ كثيرةٌ نحن أغنياءُ عن ذِكرِها؛ فلَيسَ في شُيوخِه الأدنَينَ و الأقصَينَ إلّامَن ذَهَبَ إلىٰ قولٍ قد سَبَقَه الإجماعُ إلىٰ خِلافِه(2).
فإن قالَ : ألَيسَ قد احتَجَّ أكثَرُ أصحابِكم(3)في وجوبِ الإمامةِ بالإجماعِ ، مع عِلمِه بخِلافِ الخَوارجِ و الأَصَمِّ و غيرِهم ؟ فكيف طَعَنتم علَى الاحتجاجِ بهذه الطريقةِ؟
قيلَ له: لَيسَ يَصِحُّ(4)قَبلَ ثُبوتِ وجودِ المعصومِ الاستدلالُ بالإجماعِ علىٰ وجوبِ الإمامةِ و لا علىٰ غيرِها، و إنّما صَحَّ استدلالُ(5)بَعضِ أصحابِنا بالإجماعِ في وجوبِ الإمامةِ - و لَم يَحفِلْ(6)بخِلافِ مَن خالَفَ في وجوبِها - بَعدَ أن ثَبَتَ له وجودُ إمامٍ معصومٍ(7)في جُملةِ الفِرقةِ المُحِقّةِ التي هي الإماميّةُ، و أمِنَ بذلكَ مِن اجتماعِها علَى الخطإ. فلَو لَم يَقُل بوجوبِها إلّافِرقةُ الإماميّةِ و خالَفَها سائرُ الفِرَقِ، لَكانَت الحُجّةُ ثابتةً بقَولِها مِن الوجهِ الذي ذَكَرناه(8)، و لَيسَ يُمكِنُ الخُصومَ مِثلُ هذا في مَذاهبِهم. فمِن هاهُنا دَفَعناهم عن الاحتجاجِ بما ذَكَرَه، و أَوجَبنا عَلَيهم الاعتبارَ لِمَن(9)خالَفَهم(10)في وجوبِ الإمامةِ .
1) . هكذا في «ج، ص». و في سائر النسخ: - «و يرد».
2) . في حاشية «م»: «فكلّ منهم قد خالف أحداً من الإجماعات، و بذلك خرج عن أن يُعتَدَّ بشأنه و يُعتنىٰ بأقواله و أفعاله».
3) . في المطبوع: «كثير من أصحابكم».
4) . في «ص»: «ليس بصحيح».
5) . في «د» و المطبوع: «الاستدلال»، و هو سهو.
6) . الحَفْل: المبالاة، و ما أحْفِلُ : ما أُبالي. كتاب العين، ج 3، ص 235 (حفل).
7) . في حاشية «م»: «إذ حجّيّة الإجماع عندنا إنّما هو لدخول المعصوم في جُملة المجمعين».
8) . و هو وجود الإمام المعصوم في جُملة هذه الفرقة؛ فإنّ هذه الخصوصيّة تجعل إجماعَ الإماميّة حجّة، دون إجماع سائر الفرق.
9) . في «ج، ص» و حاشية «ف»: «بمن».
10) . في حاشية «م»: «إذ الإجماع عندهم اتّفاق أهل الحلّ و العقد، و ينتقض ذلك بمخالفة واحد منهم، كما لا يخفىٰ ».
فأمّا ما حَكاه عن أبي عليٍّ - مِن تأوُّلِه قولَ الأصَمِّ و ظَنِّه أنّ قولَه موافِقٌ لِقولِهم في بابِ الإمامةِ - فغيرُ مُجْدٍ عليه؛ لأنّ الأصَمَّ يَقولُ:
إنّه غيرُ مُمتَنِعٍ أن يَغلِبَ في ظَنِّ الناسِ في بعضِ الأحوالِ زَوالُ التظالُمِ ، و استعمالُ طريقةِ الإنصافِ ، فيَستَغنونَ عن إمامٍ ، و إنّ ذلكَ ممّا يَجوزُ حُصولُه في كُلِّ حالٍ يُشارُ إليها.(1)
و هذا تصريحٌ بخِلافِ القومِ الذاهِبينَ إلىٰ وجوبِ إقامةِ الإمامِ في كُلِّ حالٍ و أوانٍ ، و الجاعِلينَ الأحوالَ كُلَّها متساويةً في الحاجةِ إليه.
الدليل الثالث خبر: «الأئمّة من قريش»(2)
فأمّا قولُه:
و لا يُمكِنُ الاعتمادُ في ذلكَ(3)علىٰ قولِه عليه السلامُ: «الأئمّةُ (4)مِن قُرَيشٍ »(5)،
1) . حكاه عنه ابن أبي الحديد باختصارٍ في شرح نهج البلاغة، ج 2، ص 308.
2) . لم يأتِ صاحب الكتاب بهذا الدليل و الذي يليه للاستدلال بهما علىٰ وجوب الإمامة، و إنّما جاء بهما للردّ عليهما.
3) . أي إثبات وجوب إقامة الإمام بالسمع. ثمّ إنّ القاضي عبد الجبّار قد تعرّض قبل ذلك إلى استدلال البعض علىٰ وجوب إقامة الإمام بوجوب صلاة الجمعة، و أنّها لا تُقام إلّابحضور الإمام، لكنّه لم يرتضِ هذا الاستدلال و ردّه. و لم يتعرّض المصنّف رحمه اللّٰه إلىٰ ذلك، و لعلّه يعود إلىٰ موافقته علىٰ رأي القاضي.
4) . في المطبوع و الحجري: «إنّ الأئمّة».
5) . الكافي، ج 15، ص 759، ضمن ح 15356/541، حديث إسلام عليّ عليه السلام (ج 8، ص 343، ضمن ح 541 ط. الإسلاميّة)؛ عيون أخبار الرضا عليه السلامُ ، ج 2، ص 63، الباب 31،
و أنّه(1)إذا أَوجَبَ فيها هذه الصفةَ دَلَّ علىٰ وجوبِها(2). ذلك(3)لأنّه عليه السلامُ قد بَيَّنَ الصفةَ التي لا تَصِحُّ (4)العبادةُ إلّامَعَها، و يَكونُ نَقلاً لِما قد تَبيَّنَ (5)كَونُها واجبةً ؛ فمِن أينَ أنّه أرادَ الإمامةَ الواجبةَ مِن قُرَيشٍ دونَ غيرِهم(6)، دونَ أن يُريدَ أنّ الإمامةَ المُستحَبّةَ ،(7)أو التي نُدِبتم إليها، أو التي تَلزَمُكم(8)في حالٍ دونَ حالٍ [مِن قُرَيشٍ؟]....(9)
فقَد استَعمَلَ صاحبُ الكتابِ في الردِّ علىٰ مَن تَعلَّقَ بالطريقةِ التي ذَكَرَها مِثلَ ما استَعمَلناه في الردِّ علىٰ طريقتِه التي ابتَدَأ بها هذا البابَ (10)، و قامَ في دَفعِها مَقامَنا في دَفعِ ما اعتَمَدَه؛ لأنّا نَعلَمُ أنّ قولَه: «الأئمّةُ مِن قُرَيشٍ » و إن كانَ بصورةِ الخَبَرِ فهو(11)
ح 272؛ كمال الدين، ج 1، ص 274، الباب 24، ضمن ح 25؛ نهج البلاغة، ص 201، الخطبة 144؛ مسند أحمد، ج 3، ص 129، ح 12332؛ و ص 183، ح 12931؛ و ج 4، ص 421، ح 20015؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 252، ح 725.
1) . في المغني: «فإنّه».
2) . أي وجوب الإقامة.
3) . أي عدم إمكان الاعتماد في إثبات وجوب إقامة الإمام على الأُمّة على هذا الخبر.
4) . في «ص» و حاشية «ف»: «لا يقع».
5) . في المغني: «و تكون نفلاً، كما قد بيّن» بدل «و يكون نقلاً لما قد تبيّن». و في المطبوع والحجري: «قد يتبيّن» بدل «قد تبيّن».
6) . في المغني: - «دون غيرهم».
7) . في المغني: «دون أن يريد الإمامة المستحقّة».
8) . هكذا في «ج» و المغني. و في سائر النسخ و المطبوع: «يلزمكم».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 48. و ما بين المعقوفين من المصدر.
10) . راجع ص 105.
11) . في حاشية «ص»: «فإنّه».
أمرٌ، و تقديرُ الكلامِ: اختارُوا مِن قُرَيشٍ، أو: إذا اختَرتُم إماماً فليَكُن مِن قُرَيشٍ.
و لَو لَم يَكُن بمَعنَى الأمرِ - و إن كانَ له لَفظُ الخَبَرِ - لَما ساغَ الاحتِجاجُ به علَى الأنصارِ(1)، و لا تَكونُ(2)الحُجّةُ ثابتةً عَلَيهم إلّاإذا كانَ أمراً في الحقيقةِ أو له مَعنَى الأمرِ.
فإذا لَم يَمتَنِعْ عندَه أن يُريدَ بذلكَ: «إذا أَقَمتُم إماماً فليَكُن مِن قُرَيشٍ» فيَكونَ الخَبَرُ مُفيداً لِصفةِ الإمامِ الذي هم مُخيَّرونَ في إقامتِه، غيرَ مُقتَضٍ لوجوبِ إقامتِه؛ فكذلكَ قولُه تَعالىٰ: (وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا)(3). في المطبوع: «الذي».(4)، و توجيهُه تَعالىٰ
هذا الخطابَ إلَى الأئمّةِ دونَ غيرِهم، لا يَقتَضي وجوبَ إقامةِ الأئمّةِ، بَل هو خِطابٌ لِمَن كان إماماً بقَطعِ السُّرّاقِ، و يَكونُ تقديرُ الكلامِ: و السارقُ و السارقةُ فليَقطَعْ أيديَهما مَن كانَ إماماً.
و قولُه: «مِن أينَ أنّ الإمامةَ الواجبةَ مِن قُرَيشٍ ، دونَ المُستَحبّةَ أو التي نُدِبتُم إليها؟» فكذلكَ يُقالُ : مِن أينَ أنّ خِطابَه تَعالىٰ بقَطعِ السُّرّاقِ (5)مُتَوجِّهٌ إلَى الأئمّةِ الذينَ تَجِبُ إقامتُهم، دونَ الذينَ (5) نَدَبَ إلىٰ إقامتِهم أو دَلَّ علَى استحبابِها؟ و هذا ما لا فَصلَ فيه.
1) . في حاشية «م»: «يمكن الاحتجاج بالخبر عليهم بأنّ النبيّ الكريم عليه السلام أخبر بأنّ الأئمّة يكونون من قريش، فلا يستتبّ الأمر لغيرهم؛ فيفيد الكلام أن ييأس الأنصار من التسلّق إليه بإخبار الصادق المصدَّق صلّى اللّٰه عليه و آله (ح. س)».
2) . في «ج، ص، ف» و المطبوع: «و لا يكون».
3) . المائدة
4) :38.
5) . في «د، ل» و المطبوع و الحجري: «السارق».
فأمّا قولُه:
و لا يُمكِنُ الاعتمادُ في ذلكَ علىٰ ما كانَ(1)مِن استِصوابِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سلَّمَ(2)في إقامتِهم خالدَ بنَ الوَليدِ يَومَ مؤتةَ أميراً.(3)
و ذلكَ أنّ (4)الكلامَ هو في وجوبِه، لا في كَونِه صَواباً، و لأنّ الرُّجوعَ في الإمامةِ إلىٰ طريقِ القياسِ لا يَصِحُّ .(5)
1) . في المغني: «بما كان» بدل «على ما كان».
2) . في المغني: «صلّى اللّٰه عليه و سلّم»، و الظاهر أنّ اضافة «و آله» من زيادات نسّاخ الشافي، فلا حاجة إلى التنبيه علىٰ ذلك في الموارد القادمة.
3) . كان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله قد سمّىٰ لإمارة الجيش الذي بعثه إلىٰ مؤتة جعفر بن أبي طالب و زيد بن حارثة و عبد اللّٰه بن رواحة، و قال صلوات اللّٰه عليه و آله: «فإن أُصيب ابن رواحة فليرتضِ المسلمون من بينهم رجلاً فليجعلوه عليهم». فلمّا قُتل عبد اللّٰه بن رواحة - و هو آخر من سمّاهم - انهزم المسلمون في كلّ وجه، ثمّ تراجعوا، فأخذ ثابت بن أرقم اللواء و دفعه إلىٰ خالد، فحمل به ساعة فانحاز بالمسلمين و انكشفوا راجعين، و ليس فيما رواه علماء السيرة استصواب النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله لإمارته، إلّاأنّه لمّا رجع بالناس إلى المدينة استقبلهم أهلها باللوم و التثريب و عيّروهم بالفرار حتّىٰ جلس الكبراء منهم في بيوتهم استحياء من الناس، فأراد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله أن يخفّف عنهم و يكفّ الناس عن لومهم فقال: «ليسوا بالفرّار و لكنّهم كرّار إن شاء اللّٰه». نقل ذلك ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، ج 15، ص 70 عن مغازي الواقدي، و كذلك هو في سيرة ابن هشام، ج 4، ص 24.
4) . في المغني: «لأنّ ».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 48.
فهو إنكارٌ لِما قد استَعمَلَه و عَوَّلَ عليه؛ لأنّه قد سَلَكَ طريقةَ القياسِ في إثباتِ
وجوبِ الإمامةِ، و استِخراجِ عِلّةِ إزالةِ الغَلَبةِ عن الإمامِ، و هي(1)- علىٰ ظَنِّه - لأِنْ يَتَمكَّنَ مِن إقامةِ الحُدودِ، و نَقَلَها إلىٰ أهلِ العَقدِ، و أَوجَبَ عَلَيهم اختيارَ مَن يَقومُ بالحُدودِ كما أَوجَبَ عَلَيهم إزالةَ الغَلَبةِ عمّن يَقومُ بذلكَ .
و استَعمَلَ أيضاً فيها القياسَ مِن وجهٍ آخَرَ؛ لأنّه استَخرَجَ عِلّةَ وجوبِ إقامةِ الأُمَراءِ و القُضاةِ و الحُكّامِ علَى الأُمّةِ ، و أَوجَبَ بمِثلِها اختيارَ الأئمّةِ في الأصلِ ليَتَوصَّلوا(2)إلىٰ ما يُنصَبُ الأميرُ(3)و الحاكِمُ مِن أجلِه.
و كُلُّ هذا سُلوكُ طريقةِ القياسِ ؛ فكَيفَ يُنكِرُ صاحبُ الكتابِ أن يُستَعمَلَ في الإمامةِ ما هو المُستَعمِلُ له و المُتَعلِّقُ به ؟!
فأمّا قولُه:
و قد ذَكَرَ شَيخانا(4)أنّه لا يَمتَنِعُ في المُجمِعينَ (5)علىٰ إقامةِ الإمامِ أنّهم رَجَعوا إلىٰ دليلٍ (6)لأنّه لا بُدَّ لهذا الإجماعِ مِن أصلٍ و دليلٍ . و رُبَّما
قالا: إنّهم رَجَعوا(1)في ذلكَ إلىٰ ما رُويَ مِن قَولِه عليه السلامُ : «إن وَلَّيتم أبا بَكرٍ تَجِدوه قويّاً في دِينِ اللّٰه ضَعيفاً في بَدَنِه، و إن وَلَّيتم عُمَرَ وَجَدتُموه قويّاً في دِينِ اللّٰهِ قويّاً في بَدَنِه، و إن وَلَّيتم عليّاً وَجَدتُموه هادياً مَهديّاً يَحمِلُكم علَى الحَقِّ »(2)... الخَبَرَ.(3)
فلَيسَ في الخَبَرِ الذي أَورَدَه - و حَكىٰ أنّ شَيخَيه ادَّعَيا أنّ المُجمِعين(4)علىٰ وجوبِ الإمامةِ و إقامةِ الإمامِ رَجَعوا إليه و عَوَّلوا عليه، لَو كانَ صَحيحاً، و لَيسَ في الحقيقةِ صَحيحاً(5)- دَلالةٌ على وجوبِ الإمامةِ ؛ لأنّ لَفظَه يَقتَضي التخييرَ لا الإيجابَ ، و لَيسَ في التصريحِ بالتخييرِ لَفظٌ إلّاو هو جارٍ مَجرىٰ لَفظِ هذا الخَبَرِ.
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : إنّ التخييرَ إنّما هو في أعيانِ المُوَلَّينَ للإمامةِ (6)، و لَيسَ في أصلِ الوِلايةِ و وجوبِ (7)إقامةِ الإمامِ تخييرٌ في لَفظِ الخَبَرِ.
لأنّه و إن كانَ الأمرُ علىٰ ما ذَكَرَه، فلَيسَ أيضاً في لَفظِ الخَبَرِ - مع التخييرِ في أعيانِ مَن يُوَلّىٰ - الإيجابُ للوِلايةِ و فَرضُ الإمامةِ ، و أقَلُّ الأحوالِ - إذا لَم يَكُن
1) . في المغني: «راجعون».
2) . السقيفة و فدك، ص 74؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 74، ح 4435؛ الصراط المستقيم، ج 1، ص 74؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 6، ص 52. و من قوله: «و إن ولّيتم عمر...» إلى هنا لم يَرد في المغني.
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 49.
4) . في «د، ص» و المطبوع: «المجتمعين».
5) . في «د، ل» و المطبوع و الحجري: - «صحيحاً».
6) . في «د، ل» و المطبوع و الحجري: «الإمامة».
7) . في العبارة شيء، و الأولى ترك لفظ الوجوب. (من حاشية «م»).
الخَبَرُ موجِباً للتخييرِ في الأمرَينِ ، و لا فيه إيجابٌ لأصلِ الوِلايةِ - أنْ لا يَكونَ فيه دَلالةٌ لِمَن ذَهَبَ إلىٰ وجوبِ إقامةِ الإمامِ ؛ لأنّ الدَّلالةَ علىٰ صِحّةِ مَذهَبِه مِن هذا يَفتَقِرُ إلىٰ أن يَكونَ موجِباً بصَريحِه أو بفَحواه إقامةَ الإمامِ ، و إذا لَم يَكُن كذلكَ فلا دَلالةَ فيه.
فأمّا قولُه:
و الذي يَجِبُ أن يَحصُلَ في هذا البابِ أنّه لا بُدَّ مِن القولِ بأنّه عليه السلامُ دَلَّ في الجُملةِ(1)علىٰ ما يَقومُ به الإمامُ و يَتَميَّزُ به مِن غيرِه، و علىٰ صفاتِ الإمامِ.
و لا يَجوزُ استِدراكُ ذلكَ مِن جهةِ القياسِ، و لَو صَحَّ ذلكَ كانَ لا يَجوزُ أن يُستَدرَكَ(2)بقياسِ الإمامةِ(3)علَى الإمارةِ و هو(4)فَرعٌ لها؛ لأنّ إثباتَ الأصلِ بالفَرعِ لا يُمكِنُ.
و لا يَجوزُ أن يَقولَ عليه السلامُ: «إن(5)وَلَّيتم أبا بَكرٍ» و لَم يَتَقدَّمْ مِنه مَعنىٰ هذه التَّوليةِ و التعَرُّضُ(6)لها(7)لأنّ ذلكَ يَجري مَجرَى التنبيهِ علىٰ عهدٍ مُتَقدِّمٍ في البيانِ . و قَد(8)ثَبَتَ أيضاً بالأخبارِ أنّهم في حَياتِه سَأَلوه
1) . «دلّ » أي هَدىٰ . و «في الجملة» أي بالقول أو الفعل، كما سيجيء. (من حاشية «م»).
2) . في المغني: «أن يُستدلّ ».
3) . في المطبوع و الحجري: «للإمامة».
4) . أي الإمارة، و لذلك فالأنسب أن يقال: «و هي».
5) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «فإن».
6) . في المغني: «و الفرض».
7) . في «د، ط» و المطبوع: «بها».
8) . هكذا في المغني. و في النسخ و المطبوع: «فقد».
عمّن يَقومُ بالأمرِ مِن(1)بَعدِه، و لا يَصِحُّ ذلكَ إلّاو قد بَيَّنَ (2)لهم الإمامةَ علَى الجُملةِ (3)التي ذَكَرناها. و كُلُّ ذلك يُبيِّنُ أنّه لا بُدَّ مِن نَصٍّ قاطعٍ مِنه عليه السلامُ في الإمامِ و صفتِه و ما يَقومُ به في(4)الجُملةِ .(5)
فعندَنا أنّ بَيانَ ذلكَ غيرُ مُحتاجٍ إليه؛ لأنّ العقولَ تَدُلُّ علىٰ وجوبِ الإمامةِ و علىٰ صفاتِ الإمامِ و ما يُحتاجُ فيه إليه، و ما يَدُلُّ العقولُ عليه لَيسَ يَجِبُ بيانُه مِن طريقِ السَّمعِ.
و لَو لَم يُعلَمْ ذلكَ مِن طريقِ العقولِ لَما احتيجَ فيه إلىٰ نَصٍّ قاطعٍ مِن الرسولِ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سلَّمَ، كما ادُّعيَ أنّ الأُمّةَ قد عَلِمَت ما كانَ يَتَولّاه الرسولُ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سلَّمَ مِن أُمورِهم: كسياستِه لهم و تَعليمِه و تَوقيفِه،(6)و إقامةِ الحُدودِ علىٰ مُستَحِقّيها(7)، و تأديبِ الجُناةِ، و تَقويمِ البُغاةِ ، و إنصافِ المظلومِ مِن الظالِمِ ، إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا يَطولُ تَعدادُه؛ و هو معلومٌ معروفٌ (8)لِمَن عاصَرَ النبيَّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و لِمَن لَم يَكُن أيضاً في زمانِه؛ فإنّا و مَن كانَ قَبلَنا ممّن لَم يَلحَقْ (9)
بتِلكَ الحالِ نَعلَمُ(1)ما كانَ يَتَولّاه الرسولُ صلّى اللّٰهُ عَليه و آلِه و سلَّمَ مِن أُمورِ أُمّتِه عِلماً لا يَتَخالَجُنا فيه الشَّكُّ. و إذَن كانَ(2)ما ذَكَرناه معلوماً للقومِ.
و كانوا أيضاً يَعلَمونَ أنّ الخليفةَ لغيرِه بالإطلاقِ هو القائمُ مَقامَه فيما يَتَولّاه و يُراعيهِ و يُدَبِّرُه، و إنّما تَختَصُّ(3)الخِلافةُ ببَعضِ ما يَنظُرُ فيه المُستَخلِفُ لأمرٍ يَخُصُّها(4)و يَقصُرُها علىٰ بَعضٍ دونَ بَعضٍ.
و هذا الذي ذَكَرناه في مَعنَى الاستخلافِ و الخِلافةِ(5)معلومٌ بالعادةِ لنا و لجميعِ العقلاءِ(6)الذينَ قد شاهَدوا المُلوكَ و الأُمَراءَ و الوُلاةَ ، و عَلِموا كيفيّةَ استخلافِهم لِمَن يَستَخلِفونَه، بَل لكُلِّ مَن عَرَفَ مُستَخلِفاً و مُستَخلَفاً.
ألا تَرىٰ أنّ رَعيّةَ المَلِكِ إذا هَمَّ بسَفَرٍ أو(7)انتَهَت به العِلّةُ و المرضُ إلىٰ حالٍ يؤيَسُ مَعَها مِن حياتِه، تَسألُه عمّن يَستَخلِفُ عَلَيهم؛ إمّا بَعدَ مَوتِه، و إمّا بَعدَ بُعدِه بالسفرِ عنهم.
فإذا قالَ لهم: خَليفَتي فُلانٌ أو فُلانٌ ، لَم يَحسُنْ مِنهم أن يَقولوا له: بَيِّنْ لنا مَن يَتَولّانا و ما يَتَولّاه خَليفَتُكَ فينا و ما يُحتاجُ (8)إلىٰ خَليفتِكَ فيه مِن أُمورِنا؛ لأنّهم إذا
1) . في «ج، ص، ط، ف، ل»: «يعلم».
2) . في المطبوع: «و كان».
3) . في أكثر النسخ: «يختصّ ».
4) . أي لا يكون اقتصار الخليفة علىٰ بعض ما يتولّاه المستخلِف إلّالأمر خارج عن الإطلاق. (من حاشية «م»).
5) . في المطبوع و الحجري: - «و الخلافة».
6) . في «د، ل» و المطبوع و الحجري: «الفضلاء».
7) . في المطبوع: «و».
8) . في «ج، د»: «نحتاج».
كانوا عارِفين بما يَتَولّاه ذلكَ المَلِكُ المُستَخلِفُ مِن أُمورِهم، فهُم عالِمونَ بأنّ خَليفَتَه القائمَ مَقامَه يَتَولّىٰ مِن أُمورِهم ما كانَ يَتَولّاه مستَخلِفُه، إلّاأن يَخُصَّ بَعضَ الوِلاياتِ المُستَخلِفُ بنَصٍّ صريحٍ، فيَخرُجُ مِن جُملةِ ما يَنظُرُ فيه خَليفَتُه، و لهذا يَحسُنُ أن يَقولَ لهم: خَليفَتي عَلَيكم في كذا و كذا فُلانٌ. فأمّا إذا استَخلَفَ بالإطلاقِ و سُئلَ عن خَليفَتِه في الجُملةِ ، لَم يَكُن المفهومُ إلّاما قَدَّمناه.
فلَيسَ في سؤالِ القَومِ للنبيِّ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سلَّمَ مَن يَقومُ بالأمرِ مِن بَعدِه ؟ - لَو كانوا سَألوه حَسَبَ ما ادَّعاه - دَلالةٌ علىٰ ما تَوهَّمَه مِن وقوعِ بَيانٍ مُتَقدِّمٍ مِنه(1)- عليه و علىٰ آلِه السَّلامُ - لأنّ ما ذَكَرناه - مِن معرفتِهم بما كانَ يَقومُ به النبيُّ صلّى اللّٰه عليه و آلِه، و بأنّ الخَليفةَ لغيرِه هو القائمُ بما كانَ يَقومُ به، المُتَولّي لِما(2)كانَ يَتَولّاه(3)- يُغني عن بَيانٍ مِنه عليه السلامُ ، و لَيسَ يَقتَضي سؤالُهم إلّاللشَّكِّ في عَينِ القائمِ بالأمرِ بَعدَه، دونَ الشَّكِّ في الشيءِ الذي يَقومُ به.
و كذلكَ ما ادَّعىٰ مِن قولِه: «إن وَلَّيتم أبا بَكرٍ» لا يَقتَضي وقوعَ بَيانٍ مِنه لمَعنَى الوِلاية و الغرضِ بها؛ لأنّ ما ذَكَرناه مِن المعرفةِ الحاصلةِ لهم أقوىٰ مِن كُلِّ بيانٍ بالقولِ و آكَدُ مِن كُلِّ لَفظٍ.
و إنّما حَمَلَ صاحبَ الكتابِ علَى ادِّعاءِ بَيانٍ مُتَقدِّمٍ ذَهابُه(4)عن التفصيلِ الذي أورَدناه، و لأنّه رأىٰ سؤالَهم له عمّن يَقومُ (5)بالأمرِ بَعدَه يَقتَضي تَقدُّمَ معنَى الوِلايةِ و
الغرضِ بها في نُفوسِهم، و لا شَكَّ(1)في أنّ ذلكَ كانَ مُقدَّرَه(2)عندَهم؛ لكِنْ (3)مِن الوجهِ الذي بيّنّاه، لا مِن حَيثُ ظَنَّ صاحبُ الكتابِ .
فأمّا إنكارُه للقياسِ في الإمامةِ ، فقَد بيّنّا أنّه قد استَعمَلَه و اعتَمَدَه(4)، بَل قد
استَعمَلَ نَفسَ ما أنكَرَه مِن حَملِ الإمامةِ علَى الإمارةِ و لَم يَمنَعْه مِنه كَونُ الإمارةِ فَرعاً و الإمامةِ أصلاً؛ فكأنّه بهذا الإنكارِ مُنكِرٌ علىٰ (5)نَفسِه!!
و لَيسَ له أن يَقولَ : إنّما حَمَلتُ الإمامةَ علَى الإمارةِ في إثباتِ وجوبِ الإمامةِ ، و الذي أنكَرتُ حَملُ الإمامةِ علَى الإمارةِ في إثباتِ صفاتِ الإمامِ و ما يَقومُ به.
لأنّه: إن جازَ له أن يَحمِلَ الإمامةَ علَى الإمارةِ في إثباتِ وجوبِها و لَم يَمنَعْ مِن ذلكَ كَونُ هذه أصلاً و هذه فَرعاً، لِيَجوزَنَّ (6)لغيرِه أن يَحمِلَها عَلَيها في إثباتِ صفاتِ الإمام و ما يَقومُ به، و يَستَخرِجَ مِن الإمارةِ عِلّةً يَنقُلُها إلَى الإمامةِ في بابِ ما يَقومُ به الإمامُ و صفاتِه، كما فَعَلَ في إثباتِ وجوبِ إقامتِه.
فأمّا قولُه:
لكنّ ذلكَ النَّصَّ ممّا لا يَجِبُ نَقلُه إذا كانَ الإجماعُ و الكتابُ قد أغنَيا(7)عنه، كما لا يَجِبُ نَقلُ خَبَرٍ في أُصولِ الصلاةِ و الزكاةِ [الواجبةِ ](8)إذا
كانَ الإجماعُ قد أغنىٰ عنه؛ لأنّ نَقلَ الدليلِ إنّما يَجِبُ لأُمورٍ كُلُّها مفقودةٌ في ذلكَ. فهذه الطريقةُ هي الواجبةُ،(1)دونَ ما حَكَيناه(2)عن شُيوخِنا؛ مِن قِبَلِ(3)أنّ الدليلَ(4)القاطعَ في ذلكَ(5)يَجوزُ أن يَكونَ بِقَولٍ مِنه، و يَجوزُ أن يَكونَ بما(6)تَكرَّرَ مِنه مِن البيانِ بالفعلِ فيما كانَ يُوَلّيهِ مِن الأُمَراءِ و الحُكّامِ ففُهِمَ(7)مِن قَصدِه أنّه إنّما يَفعَلُ ذلكَ علىٰ وجهٍ(8)واجبٍ....(9)
فناقِضٌ لكثيرٍ مِن أُصولِه و مُعتَمَدِ أصحابِه في الإمامةِ؛ لأنّه إذا كانَ النبيُّ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ قد نَصَّ علىٰ وجوبِ الإمامةِ و صفاتِ الإمامِ و ما يَتَولّاه و بَيَّنَ جميعَ ذلكَ لأُمّتِه، فما بالُ الأنصارِ اجتَمَعَت بَعدَ وفاةِ النبيِّ صلَّى اللّٰهُ عليه
و آلِه و سَلَّمَ علىٰ أن يَعقِدوا لأحَدِهم الأمرَ، حَتّىٰ جَرىٰ بَينَهم و بَينَ المُهاجِرينَ ما هو مذكورٌ؟ و كَيفَ ذَهَبَ عَلَيهم بَيانُ الرسولِ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ لِصفاتِ (10)الإمامِ التي مِن جُملتِها أن يَكونَ مِن المُهاجِرينَ ، و ظَنّوا أنّ الأمرَ يَصلُحُ فيهم و لهم ؟
1) . من قوله: «إذا كان الإجماع قد أغنىٰ عنه...» إلىٰ هنا ساقط من المغني.
2) . في «د، ط، ف، ل»: «ما حكاه».
3) . تعليلٌ للنفي ظاهراً، لا أنّه بيان للمنفيّ . (من حاشية «م»).
4) . في المغني: «و الدليل» بدل «أنّ الدليل».
5) . يعني أنّه هناك نصٌّ أغنانا الإجماع عن نقله. (من حاشية «م»).
6) . في المغني: «لما».
7) . في المغني: «ففيهم».
8) . في «ج»: «بوجه» بدل «على وجه».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 49.
10) . في «د» و المطبوع: «بصفات».
لَيسَ يَخلو حالُهم مِن وجهَينِ: إمّا أن يَكونوا(1)تَعمَّدوا دَفعَ ذلكَ البيانِ الواقعِ مِن الرسولِ(2)و العَمَلَ بخِلافِه و إظهارَ الجَحدِ له، أو سَهَوا عنه و نَسُوا كَيفَ جَرَت الحالُ فيه. و أيُّ الوجهَينِ كانَ، انتَقَضَ به أُصولُ خُصومِنا.
لأنّه(3)إن كانوا(4)تَعمَّدوا الجَحدَ لِما ذَكَرناه، فقَد جازَ مِثلُ ذلكَ(5)علَى الأنصارِ - في كَثرةِ عَدَدِها، و مَنزِلتِها مِن الدِّينِ و الفَضلِ، و الاختِصاصِ بالرَّسولِ، و صِدقِ المُوازَرةِ(6)و المُتابَعةِ(7)- جَحدُ(8)ما وَقَفَهم عليه الرسولُ و أظهَرَه لهم و ألزَمَهم العَمَلَ(9)به، و دونَ عَدَدِ الأنصارِ لا يُجوِّزُ خُصومُنا عليه مِثلَ هذا.
و إن كانوا ذَهَبوا عنه سَهواً و نِسياناً، فذلكَ أيضاً ممّا لا يُجوِّزُه الخُصومُ علىٰ مِثلِ الأنصارِ و لا علىٰ(10)فِرقةٍ مِن فِرَقِهم و جَماعةٍ مِن جَماعاتِهم، و يَعتَقِدونَ أنّه في حُكمِ المُستَحيلِ بالعادةِ .
علىٰ أنّه إن جازَ علَى الأنصارِ - مع كَونِهم علىٰ هذه الصفاتِ التي قَدَّمناها - جَحدُ ما وَقَعَ مِن بَيانِ الرسولِ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ لِصفاتِ (11)الإمامِ أو
1) . في المطبوع: «يكون».
2) . في «ج»: + «عليهم».
3) . في «ج»: «لأنّهم».
4) . أي الأنصار. (من حاشية «م»).
5) . أي فقد لزمكم الاعتراف بجواز التعمّد عليه منهم، و قد أنكرتموه. (من حاشية «م»).
6) . في المطبوع: «الموالاة».
7) . في «ج، ط، ف، ل»: «و المشايعة».
8) . بدل قوله: «مثل ذلك». (من حاشية «م»).
9) . في «د، ل»: «بالعمل».
10) . في «د، ل» و المطبوع و الحجري: - «علىٰ ».
11) . في «د» و المطبوع: «في صفات».
السَّهوُ(1)عنه، جازَ عَلَيهم و علىٰ جَماعةِ المُهاجِرينَ(2)جَحدُ النَّصِّ(3)علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ علَى الوجهِ الذي تَذهَبُ (4)إليه الشيعةُ ، أو السَّهوُ(5)عنه و النِّسيانُ له. و كُلُّ ما يُشنِّعُ (6)به الخُصومُ في تجويزِ مِثلِ ما ذَكَرناه عَلَيهم في النَّصِّ لازمٌ لهم في تجويزِ مِثلِه عَلَيهم فيما بَيَّنَه الرسولُ عِندَهم مِن صِفاتِ الإمامِ ، فأعرَضوا عنه و رامُوا العَمَلَ بخِلافِه.
و لَيسَ يُمكِنُ أحَداً مِنهم أن يَقولَ : إنّ الأنصارَ لَم تَسمَعْ بَيانَ صِفاتِ الإمامِ (7)مِن
الرسولِ ، و لا وَقَفَت عَلَيها مِن جهتِه، فلذلكَ حَسُنَ مِنهم أن يَروموا العَقدَ لأحَدِهم؛ و لهذا لمّا رَوىٰ لهم أبو بَكرٍ الخَبَرَ المُقْتَضيَ لحُصولِ الإمامِ في المُهاجِرينَ أحسَنوا الظَّنَّ به، و صَدَّقوه، و عَدَلوا عمّا كانوا هَمُّوا به.
لأنّ الأنصارَ مِن أهلِ الحَلِّ و العَقدِ و مَن(8)كانَ قد كُلِّفَ اختيارَ الإمامِ و العَقدَ له عندَ خُصومِنا، و لَيسَ يَجوزُ أن يُكلِّفَهم الرسولُ اختيارَ مَن لا يوقِفُهم علىٰ صفتِه؛
1) . في «د، ل» و المطبوع: «و السهو».
2) . أي الذين ارتكبوا ما ارتكبوا. (من حاشية «م»).
3) . في حاشية «م»: «تجويز الجحد: إمّا علىٰ ما سيجيء من [منع] امتناع الإجماع على الخطأ قبل ثبوت المعصوم، أو علىٰ منع تحقّق الإجماع بذلك لخروج جماعات منهم؛ و كلاهما حقّ (ح. س)».
4) . في «ج، ص، ف»: «يذهب».
5) . في «د، ل»: «و السهو».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «شنَّع».
7) . في حاشية «م»: «و جاز أيضاً أن يكون النصُّ علىٰ أمير المؤمنين عليه السلام ممّا لم يسمعه المهاجرون و لا الأنصار، بل إنّما ذكره النبيُّ صلّى اللّٰه عليه و آله لعليّ عليه السلام فقط، أو لبني هاشم دون غيرهم، كما سيجيء عن قريب؛ فتدبَّر».
8) . في المطبوع: «و ممّن». و «مَن» عطفٌ علىٰ «أهل الحلّ و العقد» لا علىٰ «مِن أهل الحلّ والعقد».
لأنّه إن جازَ ذلكَ في الأنصارِ، جازَ فيها و في المُهاجِرينَ(1)، و بَطَلَ ما عَوَّلَ عليه صاحبُ الكتابِ و أحوَجَه إلىٰ هذا الكلامِ الذي نَحنُ في نَقضِه.
و كَيفَ يَنسىٰ(2)خُصومُنا في هذا المَوضِعِ ما لا يَزالونَ يَقولونَه لنا(3)و يَعتَمِدونَه في تقبيحِ قَولِنا و التشنيعِ علىٰ مَذهَبِنا مِن تعظيمِهم لأمرِ الإمامةِ، و تَفخيمِهم لشأنِ النَّصِّ عَلَيها، و أنّ النُّصوصَ فيها يَجِبُ أن تَكونَ أظهَرَ و أشهَرَ(4)مِن النُّصوصِ علىٰ سائرِ الفَرائضِ و العباداتِ؛ لأنّها أصلُ الدِّينِ و قُطبُه و المَنزِلةُ التاليةُ(5)للنُّبوّةِ، و لأنّ العبادةَ(6)بمَعرفتِها عامّةٌ و بكثيرٍ مِن(7)العِباداتِ خاصّةٌ، إلىٰ غيرِ ما ذَكَرناه ممّا يُطنِبونَ(8)فيه و يُسهِبونَ(9)، فيوجِبونَ به عَلَينا أن يَكونَ الخَلقُ مُشترِكينَ في مَعرفةِ النَّصِّ الواردِ فيها، و أن يَكونَ العِلمُ بها عامّاً غيرَ خاصٍّ ، و شائعاً(10)غيرَ خافٍ .(11)
1) . في حاشية «م»: «علىٰ أنّ الأَولىٰ بيانه للأنصار دون المهاجرين؛ ليقطع به أطماع الأنصار عن أمر الإمامة، و أمّا بيان الدعوىٰ للمدّعي فممّا لا نفع فيه كثيراً».
2) . في «د، ل»: «نسينا».
3) . في «د، ل» و المطبوع و الحجري: - «لنا».
4) . في «ج»: «أشهر و أظهر».
5) . في «د، ل» و المطبوع و الحجري: «الثالثة».
6) . أي التكليف.
7) . في «د، ل» و المطبوع و الحجري: - «من».
8) . في «د، ل» و المطبوع: «يظنّون».
9) . أسهبَ الرجلُ : إذا أكثر من الكلام. الصحاح، ج 1، ص 150 (سهب).
10) . في «د، ط»: «و سائغاً».
11) . في حاشية «م»: «و ممّا يُقضىٰ منه العجب أنّ الأنصار اكتفوا في مثل هذا الخطب الملمّ برواية رواها أحد المدّعين ليُرجع اللوم عليهم فيه؛ و كان الأليق بنبيّ الرحمة صلّى اللّٰه عليه و آله أن يُلقي هذه الأوصاف إلى الأنصار - لو كان للاكتفاء بإحدى الفرقتين وجه - دون المهاجرين، و سيّما من تسلَّق إلى الإمارة و نصب نفسه لها (ح. س)».
و ما ذَكَرَه(1)مِن النَّصِّ علىٰ صفاتِ الإمامِ و ما يَتَولّاه و المُختارينَ له و ما هذه سَبيلُه في وجوبِ الظُّهورِ و الاشتِراكِ في المعرفةِ به، لا يَجوزُ أن يَخفىٰ علَى الأنصارِ و لا يَتَّصلَ بِهم، حتّىٰ يَسمَعوه مِن واحدٍ في مَجلِسِ الخُصومةِ و النِّزاعِ،
فيُقلِّدوه و يُحسِنوا الظَّنَّ به.
فإن جَوَّزَ خُصومُنا - مع جَميعِ ما حَكَيناه عنهم مِن وَصفِهم للنُّصوصِ الواردةِ في الإمامةِ ممّا(2)يَقتَضي ظُهورَها و شِياعَها و وقوفَ الكُلِّ عليها - أن يَكونَ الأنصارُ لَم يَقِفوا(3)علىٰ نَصِّ النبيِّ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ علىٰ صفةِ (4)الإمامِ ، جازَ أيضاً فيهم و في أمثالِهم أن لا يَقِفوا علىٰ نَصِّه علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و إيجابِه إمامتَه بَعدَه؛ و لا شَيءَ يُتَعاطىٰ (5)في إبطالِ ما نَذهَبُ (6)إليه في النَّصِّ إلّاو يُمكِنُ إبطالُ ما ادَّعاه صاحبُ الكتابِ مِن النَّصِّ علىٰ صفةِ الإمامِ بمِثلِه.
و قولُه: «إذا كانَ الإجماعُ و الكتابُ قد أغنَيا(7)عنه» طريفٌ؛ لأنّ ما ادَّعاه في الإجماعِ مفهومٌ(8)و إن كانَ غيرَ صَحيحٍ . فأمّا الكتابُ : فما يُعلَمُ فيه شَيءٌ يَدُلُّ علىٰ
1) . في «د، ل» و الحجري: «ذكرناه». و في المطبوع: «ذكرنا».
2) . كذا في النسخ و المطبوع، و الأصحّ : «بما».
3) . هكذا في «ج». و في سائر النسخ و الحجري: «لم يقف».
4) . في «ج»: «صفات».
5) . فلان يَتعاطىٰ كذا، أي يخوضُ فيه. الصحاح، ج 6، ص 2431 (عطا).
6) . في «د» و المطبوع: «ما تذهب». و في «ط»: «ما يذهب».
7) . في «ج، ص، ل»: «قد أغنينا».
8) . أي ممّا يمكن أن يُتوهّم له معنىً و إن لم يكن صحيحاً، بخلاف الكتاب؛ إذ لا معنى للاستنادبه أصلاً؛ فتدبّر. (من حاشية «م»).
صفاتِ الإمامِ و ما يَقومُ به و يَتَولّاه، و قد كانَ يَجِبُ أن يُشيرَ إلىٰ ذلكَ لنُشارِكَه في عِلمِه. و إذا كان في الكتابِ ما ادّعاه، فما الذي أحوَجَ إلىٰ بيانِ الرسولِ بالنَّصِّ القاطعِ لذلكَ؟ و أيُّ شَيءٍ آكَدُ ممّا يَدُلُّ الكتابُ عليه و يُرشِدُ إليه؟
و لَئن جازَ أيضاً أن لا يُنقَلَ النَّصُّ الذي يَدُلُّ عليه لأنّ الكتابَ قد أغنىٰ عنه، جازَ لخُصومِه مِن أهلِ الإمامةِ أن يَقولوا: «إنّ النبيَّ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ قد نَصَّ علىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بالإمامةِ، و أَوجَبَ له فَرضَ الطاعةِ بَعدَه، و لَم يَجِبْ نَقلُ ذلكَ لأنّ الكتابَ قد أغنىٰ عنه؛ فإنّ فيه ما يَدُلُّ علىٰ إمامتِه عليه السلامُ، مِثلُ قولِه: (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا)(1)إلىٰ غيرِ ما تَلَوناه ممّا هو معروفٌ»، فيَكونوا بهذا القولِ أعذَرَ مِن صاحبِ الكتابِ ؛ لأنّهم أحالُوا علىٰ مَواضِعَ
مِن الكتابِ تَدُلُّ علىٰ مَذهَبِهم، و هي و إن لَم تَدُلَّ عندَ صاحبِ الكتابِ ، ففيها شُبهةٌ يَدخُلُ مِثلُها علَى العقلاءِ ، و هو لَم يُشِرْ لنا إلىٰ ما ادَّعاه أنّه يَدُلُّ مِن الكتابِ علىٰ صفاتِ الإمامِ و ما يَتَولّاه، و لا إلىٰ ما يُمكِنُ أن يَكونَ شُبهةً لِمَن ذَهَبَ إلىٰ مَذهَبِه.
فأمّا ما مضىٰ في أثناءِ كلامِه مِن أنّ الصلاةَ و الزكاةَ لَم يُنقَلْ في أُصولِهما أخبارٌ - مِن الوجهِ الذي تَوهَّمَه - فباطلٌ ؛ لأنّا لا نَذهَبُ إلىٰ «أنّ في أُصولِ الصلاةِ و الزكاةِ أخباراً ظَهَرَت في الأصلِ و استَفاضَت و لَم يَجِبْ نَقلُها فيما بَعدُ» لِما ذَكَرَه مِن الإجماعِ ؛ لأنّه غيرُ مُمتَنِعٍ عندَنا أن يَكونَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يَرِدْ مِن جهتِه في الصلاةِ و الزكاةِ إلّاما قد نُقِلَ و اتَّصَلَ بنا مِن جهةِ الآحادِ، و لَيسَ المُعوَّلُ
1) . المائدة (5):55.
في(1)أمرِ الصلاةِ و ما أشبَهَها علىٰ أخبارٍ مخصوصةٍ تَرِدُ بصِيَغٍ مُتّفِقةٍ و يَتَواتَرُ النَّقلُ بها(2)، بَل المُعوَّلُ عندَنا فيها(3)علَى اضطرارِ الرسولِ عليه السلامُ مَن كانَ في عَصرِه(4)مِن أسلافِنا إلىٰ وجوبِها، و عِلمِهم مِن قَصدِه ضَرورَة إيجابِها علَى الوجهِ الذي وَجَبَت عليه، و اضطرارِ مَن كانَ في ذلكَ العَصرِ مَن وَلِيَهم مِن الأَخلافِ إلىٰ مِثلِ ما اضطُرّوا إليه، ثُمّ علىٰ هذا التدريجِ حتّىٰ يَتَّصِلَ الأمرُ بنا، فنَكونَ مُضطَرّينَ إلىٰ أنّ مَن شاهَدناه مِن أسلافِنا ادَّعىٰ أنّ سَلَفَه اضطَرَّه إلىٰ أنّ الرسولَ أَوجَبَ هذه العباداتِ، و أَفهَمَ حاضِريهِ مِن قَصدِه ضَرورةَ وجوبِها.
فبهذا الوجهِ يُعْلَمُ وجوبُ(5)هذه العباداتِ، و يُستَغنىٰ عن أخبارٍ مُتَواتِرةٍ لها ألفاظٌ مخصوصةٌ و صِيَغٌ معروفةٌ، كما يُستَغنىٰ بمِثلِ هذه الطريقةِ في العِلمِ بأحوالِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه الظاهرةِ؛ كتَحَدّيهِ بالقُرآنِ، و هِجرَتِه، و حَجَّتِه، و غَزَواتِه(6)المشهورةِ. و بمِثلِها أيضاً يُعلَمُ(7)أحوالُ المُلوكِ و البُلدانِ .
فشَتّانَ (8)بَينَ قولِنا هذا الذي حَكَيناه و قولِ صاحبِ الكتابِ أنّ هُناكَ نَصّاً قاطعاً سُمِعَ مِن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ و عُرِفَ ، ثُمّ لَم يُنقَلْ .
1) . في «د» و المطبوع: «من».
2) . في «د» و المطبوع: «بهذا».
3) . لعلّ صاحب الكتاب يكتفي فيها أيضاً بالفعل المتكرّر المفيد، فيرتفع الخلاف «ح. س». (من حاشية «م»).
4) . في المطبوع: - «في عصره».
5) . في «د» و المطبوع: «نعلم وجود».
6) . في المطبوع: - «الظاهرة كتحدّيه... و غزواته».
7) . في «د» و المطبوع: «نعلم».
8) . شتّان ما بينهما، أي بَعُدَ ما بينهما. لسان العرب، ج 2، ص 49 (شتت).
و لَولا أنّ المَرجِعَ في مَعرفةِ هذه الأُمورِ إلىٰ ما اعتَبَرناه دونَ الإجماعِ، لَوَجَبَ(1)أن يَكونَ مَن هو غيرُ مُعتَرِفٍ(2)بصِحّةِ الإجماعِ - مِن المُسلِمينَ، ثُمّ مِن طوائفِ أهلِ المِلَلِ و البَراهِمةِ(3)و المُلحِدينَ - لا يَعلَمُ أنّ النبيَّ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ دَعا إلىٰ صَلَواتٍ مخصوصةٍ و أَوجَبَ زَكَواتٍ مُعيَّنةً. و في عِلمِنا بمعرفةِ(4)مَن عَدَّدْنا بالعباداتِ الظاهرةِ - و أنّ صاحبَ الشريعةِ دَعا إليها و كانَ مِن دِينِه اتِّخاذُها - دليلٌ علىٰ أنّ المعرفةَ بها غيرُ موقوفةٍ علَى الإجماعِ.
و لَيسَ يُمكِنُه أن يَدَّعيَ الضرورةَ في صفاتِ الإمامِ و وجوبِ إقامتِه لِما ادَّعَينا نَحنُ مِن ذلكَ في الصَّلَواتِ(5)و ما أشبَهَها؛ لأنّ ثُبوتَ (6)الخِلافِ في وجوبِ الإمامةِ و صفاتِ الإمامِ ممّن لا يَجوزُ(7)عليه دَفعُ الضرورةِ (8)، يُبطِلُ (9)أن يَكونَ العِلمُ به ضَرورةً .
ثُمّ يُقالُ له: إنّكَ قد دَخَلتَ - بما أَورَدتَه مِن الكلامِ في هذا الأصلِ - في أكبَرَ(10)و أقبَحَ ممّا يَعيبُه أصحابُكَ عَلَينا و يُعيِّرونا باعتقادِه و انتِحالِه(11)لأنّهم عابوا عَلَينا
1) . في المطبوع: «أوجب».
2) . في «د، ص، ط، ف، ل»: «غير معروف».
3) . مرّت ترجمتها في ص 88.
4) . في «د، ط»: «بعموم» و في المطبوع: «في عموم» بدل «بمعرفة».
5) . في المطبوع: «الصلاة».
6) . في «ص، ط» و حاشية «ف»: «سوق».
7) . في «د، ص، ف، ل»: «ممّن يجوز».
8) . أي الضروري من الدين (من حاشية «م»).
9) . هكذا في «م». و في سائر النسخ و المطبوع: «فبطل».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «أكثر».
11) . الانتحال: ادّعاء ما لا أصل له، أو ادّعاءُ ما لغيره. تاج العروس، ج 15، ص 722 (نحل).
القولَ بالنَّصِّ مِن حَيثُ لَم يَنقُلْه(1)الأُمّةُ بأَسْرِها و لَم يَروِه طَوائفُ المُخالِفينَ، و إن
كانَ فِرقةٌ مشهورةٌ، كثيرةُ العَدَدِ، نابِهةُ(2)الذِّكرِ قد قامَت بنَقلِه، و تَديَّنَت بروايتِه؛ و أنتَ قد صَرَّحتَ في قولِكَ بأنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه نَصَّ علىٰ صفاتِ الإمامِ و ما يَتَولّاه و يَقومُ به، و بَيَّنَ ذلكَ لأُمّتِه، و إن كانَ لَم يَنقُلْه واحدٌ منها، و لَم يَروِه صغيرٌ مِن جُملتِها و لا كبيرٌ؛ و هذه مُناقَضةٌ ظاهرةٌ يَحمِلُ عَلَيها عِشقُ المَذهَبِ، و المَحَبّةُ لتَشييدِه(3)و تَرقيعِه(4)بالجَيّدِ و الرديءِ.
و ما ذَكَرَه صاحبُ الكتابِ مِن بَعدِ هذا الفَصلِ إلىٰ آخِرِ كلامِه - و هو آخِرُ البابِ - لا يُحتاجُ(5)إلىٰ مُناقَضَتِه(6)فيه؛ لأنّه بَينَ زيادةٍ أَورَدَها علىٰ نَفسِه في وجوبِ الإمامةِ و أجابَ عنها بما لا شُبهةَ فيها و لا مُتَعلَّقَ(7)بمِثلِها، و بَينَ تفريعٍ علىٰ صِحّةِ الاختيارِ و بِناءٍ علىٰ أُصولِ الذاهبينَ إليه. و سَيَجيءُ الكلامُ في فَسادِ الاختيارِ(8)مُستَقصىً فيما بَعدُ(9)إن شاءَ اللّٰهُ ، بمَشيئتِه و حُسنِ توفيقِه.
1) . هكذا في جميع النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لم تنقله».
2) . نَبُهَ الرجلُ : شرف و اشتهر، يَنْبُهُ نَباهَةً ، فهو نَبيهٌ و نابِهٌ ، و هو خلاف الخامل. الصحاح، ج 6، ص 2252 (نبه).
3) . التشييدُ هنا ليس بمعنى إحكامِ البِناء و لا بمعنى الرفعِ و الإعلاء، بل بمعنى الطَّلْيِ بالشِّيدِ و هو كلّ ما طُلي به الحائط من جصّ أو بلاط. لسان العرب، ج 3، ص 244 (شيد).
4) . في «د، ص، ل»: «و ترفيعه».
5) . في المطبوع: «لا تحتاج».
6) . في «ص، ف، ل»: «مناقضة».
7) . في «ص، ف»: «و لا يُتعلّق».
8) . يأتي في ج 4، ص 227-234.
9) . في «د، ل» و المطبوع و الحجري: - «فيما بعد».
3 فَصلٌ في الكلامِ علَى اعتِراضِه علىٰ (1)ما حَكاه مِن أدلّتِنا في وجوبِ الإمامةِ و العصمةِ (2)
قال صاحبُ الكتابِ حكايةً عنّا:
شُبهةٌ لهم؛ قالوا: «وَجَدنا النَّقصَ قد عَمَّ الناسَ، و قد كُلِّفوا مع ذلكَ الصَّوابَ في العِلمِ و العَمَلِ،(1)فلا بُدَّ في المُكلِّفِ الحكيمِ أن يُرسِلَ رَسولاً أو يَنصِبَ(2)حُجّةً ليُزيلَ نَقصَهم». و رُبَّما فَسَّروا هذا النَّقصَ بذِكرِ السَّهوِ و الغَفلةِ و جوازِهما علىٰ جميعِهم، فلا بُدَّ مِن مُنبِّهٍ مُزيلٍ (3)لهذا الأمرِ عنهم. و رُبّما فَسَّروا ذلكَ باتِّباعِ الشَّهَواتِ و جوازِ الشُّبَهِ (4)، و يَقولونَ : «فلا بُدَّ مِن معصومٍ يَعدِلُ بهم فيما كُلِّفوه عن هذه الطريقةِ »....(5)
فيُقالُ له: لَسنا نَرضىٰ - فيما حَكَيتَه عنّا مِن الاستدلالِ - لَفظَكَ و لا تَرتيبَكَ
و لا تَفسيرَكَ؛ و دليلُنا علىٰ وجوبِ الإمامةِ و وجهُ وجوبِها مِن طريقِ العقلِ و بَعدَ التعبُّدِ بالشَّرعِ قد(1)بيّنّاه، و دَلَّلنا علىٰ كَونِ الإمامةِ لُطفاً في فِعلِ الواجباتِ و الطاعاتِ، و تَجَنُّبِ المُقبَّحاتِ، و ارتفاعِ الفسادِ، و انتظامِ أمرِ الخَلقِ(2).
و أشَرنا أيضاً إلىٰ ما يوجِبُ الحاجةَ إليه مِن الشَّرائعِ بأنْ قُلنا: إنّه يُفسِّرُ مُجمَلَها، و يُبيِّنُ مُحتَمَلَها(3)، و يوضِحُ عن الأغراضِ المُلتَبِسةِ فيها، و يَكونُ المَفزَعَ في الخِلافِ الواقِعِ فيما الأدلّةُ الشَّرعيّةُ عليه كالمُتَكافئةِ إليه، و ليَكونَ مِن وَراءِ الناقِلينَ؛ فمتىٰ وَقَعَ مِنهم ما هو جائزٌ عَلَيهم مِن الإعراضِ عن النَّقلِ بَيَّنَ(4)ذلكَ، و كانَ قولُه الحُجّةَ فيه.
فأمّا ما حَكاه مِن التعَلُّقِ بلَفظِ «النَّقصِ» و عُمومِه للخَلقِ ، فمُرادُ مَن تَعلَّقَ مِن أصحابِنا به(5)ارتفاعُ العصمةِ عنهم، و جوازُ مُقارَفةِ (6)القبيحِ عَلَيهم؛ و يَقولونَ : إذا كانوا بهذه الصفةِ افتَقَروا إلىٰ رئيسٍ يَجمَعُ شَملَهم، و يَنظِمُ أمرَهم؛ ليَرتَفِعَ بوجودِه مِن الفَسادِ ما يَكونُ واقعاً عندَ فَقدِه. فهذا مُرادُ مَن استَعمَلَ اللفظةَ التي حَكاها.
فأمّا جوازُ السَّهوِ فلَيسَ ممّا يوجَبُ مِن أجلِه الحاجةُ إلى الإمامِ (7)لأنّ السَّهوَ أوّلاً
1) . في «ج، ص»: «فقد».
2) . تقدّم في ص 222.
3) . المحتمَل: الأمر الذي يفسَّر بعدّة وجوه.
4) . في «د» و المطبوع: «يبيّن».
5) . في المطبوع: «فالمراد من تعلّق أصحابنا به».
6) . في «ج»: «مقارنة». و قارَفَ فلانٌ الخطيئةَ : خالطها. معجم مقاييس اللغة، ج 5، ص 75 (قرف).
7) . في حاشية «م»: «لمّا استَشَمّ من كلام صاحب الكتاب أنّه أسنَد إلينا الحاجة إلى الإمام من جهة
غيرُ جائزٍ عندَنا عَلَيهم في كُلِّ شَيءٍ، و الأشياءُ التي يَجوزُ فيها السَّهوُ لا يَجوزُ مِن(1)جميعِهم أن يَسهوا عنها، و لا في الجَماعاتِ الكثيرةِ.
و إن تَعلَّقَ مُتَعلِّقٌ بالسَّهوِ فلَيسَ يَجوزُ أن يوجِبَ(2)مِن أجلِ جوازِه الحاجةَ إلَى الإمامِ فيما لا يُبطِلُ السَّهوُ عنه قيامَ الحُجّةِ به و ثُبوتَها، و إنّما يوجِبُ (3)جوازُ السَّهوِ الحاجةَ إلَى الإمامِ في المَوضِعِ الذي يَكونُ السَّهوُ موجِباً لبُطلانِ الحُجّةِ و انسدادِ طريقِ الاستدلالِ علَى المُكلَّفِ .
فمِثالُ الأوّلِ :(4)العقليّاتُ و أدلّتُها؛ لأنّ السَّهوَ عنها لا يُبطِلُ دَلالتَها، و لا يُخرِجُ المُكلَّفينَ عن التمَكُّنِ مِن إصابةِ الحقِّ إذا قَصَدوه و استَدَلّوا عليه.
و مثالُ الثاني:(5)الشَّرعيّاتُ التي طريقُ العَمَلِ بها الأخبارُ؛ لأنّ الناقِلينَ متىٰ سَهَوا عن النَّقلِ و أعرَضوا عنه(6)بَطَلَت الحُجّةُ به، و لَم يَكُن للمُكلَّفِ طريقٌ إلَى(7)العَمَلِ بالشَّيءِ الذي عَدَلوا عن نَقلِه.
دفع السهو و التقويم لزيغ الساهين أجاب عنه بنفيه. و لا ينافيه ما سيذكره في آخر كلامه - رحمة اللّٰه عليه - من أنّ السهو الناشئ عن البعض علّة محوجة إلى الإمام لأنّه يوجب عدم التواتر. و ذلك لأنّ الحاجة حينئذ ليست من جهة دفع السهو، بل لاستلزام السهو ما هو يورث الحاجة إليه عليه السلام؛ فلا تنافي بين أوّل الكلام و آخره. و لا يخفىٰ أنّه يمكن حمل كلام صاحب الكتاب أيضاً علىٰ ذلك؛ فتأمّل». و في حاشية أُخرىٰ : «فإنّ انتفاء العصمة محوج إلى الإمام مطلقاً، و جواز السهو إنّما يحوج إليه في السمعيّات خاصّة. و في كلامه تشويش لا يخفىٰ (ح س)».
و هَبْ أنّ الجماعةَ المُتَواتِرينَ لا يَجوزُ أن يَلحَقَ جميعَهم السَّهوُ عمّا نَقَلوه، إذا جازَ ذلكَ علَى الآحادِ مِنهم لَم يَلحَقْهم(1)السَّهوُ عن المنقولِ فيَترُكوا نَقلَه، و هُم إذا نَقَلوه مع غيرِهم كانَ الخَبَرُ مُتَواتِراً و وَجَبَت الحُجّةُ به، و إذا خَلَوا(2)بنَقلِه خَرَجَ عن حَدِّ التواتُرِ و عن كَونِه حُجّةً ؛ فقَد عادَ الأمرُ إلىٰ أنّ (3)جوازَ السَّهوِ علَى الترتيبِ الذي ذَكَرناه(4)يُحوِجُ إلَى الحُجّةِ .
فأمّا اتّباعُ الشَّهَواتِ : فإن أُريدَ به ما قَدَّمناه مِن مُواقَعةِ الخَطَإ و فِعلِ القبيحِ لَحِقَ بطريقتِنا، و إن(5)لَم يُرَدْ ذلكَ فلا مَعنىٰ له.
فأمّا جوازُ الشُّبَهِ، فما نَعرِفُ (6)أحَداً مِن أصحابِنا تَعلَّقَ به، لا سِيَّما علىٰ هذا الإطلاقِ و مِن هذا الوجهِ ؛ لأنّ ما دَلالتُه ثابتةٌ مِن العقليّاتِ و الشَّرعيّاتِ لا يُخِلُّ دخولُ الشُّبهةِ علىٰ مَن تَدخُلُ عليه بإمكانِ التوَصُّلِ إليه و مَعرفةِ الحَقِّ منه، و إنّما تُخِلُّ الشُّبهةُ بالحُجّةِ و يُفتَقَرُ إلَى الإمامِ إذا دَخَلَت علىٰ ناقِلي(7)الأخبارِ و أَوجَبَت
1) . في «ج، ف» و المطبوع: «ثمّ يلحقهم» بدل «لم يلحقهم». و في حاشية «م»: «أمّا علىٰ نسخة «ثمّ » فالضمير في «يلحقهم» للآحاد، و علىٰ نسخة «لم» فالضمير للجماعة المتواترين؛ و يتعاكس المقصود من الضمائر و لفظ «الغير» فيما بعد (ح. س)».
2) . في «ج، ص» و المطبوع: «أخلّوا».
3) . في المطبوع: - «أنّ ».
4) . أي التفصيل الذي ذكرناه بين العقليّات و الشرعيّات.
5) . في «ج، ل»: «و إذا».
6) . في «د» و المطبوع: «فأمّا جواز الشبهة فلم نعرف».
7) . في المطبوع و الحجري: «باقي».
عُدولَهم عن النَّقلِ و سُقوطَ الحُجّةِ به. فمِن هذا الوجهِ يَستَقيمُ التَّعَلُّقُ بدُخولِ الشُّبهةِ ، لا مِن الوجهِ الذي تَوهَّمَه صاحبُ الكتابِ و عَناه.
قال صاحبُ الكتابِ - بَعدَ فَصلٍ لا يَقتَضي نَقضاً -(1):
فيُقالُ(2)لهم فيما ادَّعَوه مِن «النَّقصِ»(3): أيُمكِنُكم(4)مع ثَباتِه(5)القيامُ بما كُلِّفتُموه ؟(6)فإن قالوا: نَعَم، فلا حاجةَ بِهم(7)إلَى الإمامِ (8)و إن كانَ النَّقصُ قائماً؛ لأنّ النَّقصَ في هذا الوجهِ بمَنزِلةِ وَصفِهم بأنّهم أجسامٌ و مُحدَثونَ إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا لا يؤثِّرُ في هذا البابِ .(9)
فيُقالُ له: قد بيّنّا المُرادَ بلفظةِ (10)«النَّقصِ »(11)فإن أرَدتَ بسؤالِكَ عن تَمَكُّنِهم مِن القيامِ بما كُلِّفوه مع ثَباتِه:(12)أنّ ذلكَ مقدورٌ لهم و أنّه لا(13)حائلَ بَينَهم و بَينَه، فهُم كذلك.
1) . الفصل المشار إليه يشكّل نصف صفحة فقط من كتاب المغني، و لذا فالمقصود بالفصل هنا: «جزءٌ من الكلام»، لا المعنى المصطلح للفصل.
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يقال».
3) . في المطبوع: «النقض».
4) . في المغني: «أ يمكنهم».
5) . في «ط، ل»: «بيانه».
6) . في «د، ل» و المغني: «بما كلّفوه».
7) . في المطبوع و الحجري: «لهم».
8) . لا يخفى انتقاض أكثر ما ذكره من الطاعات ببعث الرسول و النبيّ و إنزال الكتب، و الجواب مشترك بيننا و بينه. و هذا ممّا لا يخفىٰ علىٰ ذي لبّ ؛ فلا تغفل. (من حاشية «م»).
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 56-57.
10) . في المطبوع و الحجري: «بلفظ».
11) . تقدّم آنفاً في ص 378.
12) . في المطبوع و الحجري: «بيانه».
13) . في المطبوع: - «لا».
و إن أرَدتَ أنّ حالَهم مع ثُبوتِ هذا النَّقصِ و فَقدِ الإمامِ كحالِهم مع وجودِ الإمامِ في القُربِ مِن الصَّلاحِ و البُعدِ مِن الفَسادِ و في كُلِّ ما يَرجِعُ إلىٰ إزاحةِ(1)العِلّةِ، فلَيسَ هُم كذلكَ ؛ لأنّا قد دَلَّلنا علىٰ أنّ وجودَ الإمامِ لُطفٌ فيما عَدَّدناه(2)، فلَيسَ (3)يَجوزُ أن يَكونَ حالُ المُكلَّفينَ مع فَقدِه مُساويةً لِحالِهم مع وجودِه، و إن كانوا في الحالَينِ قادِرينَ علىٰ فِعلِ ما كُلِّفوا به و مُجانَبةِ ما نُهوا عنه.
و هذا بخِلافِ ظَنِّكَ أنّ وَصفَهم بالنَّقصِ بمَنزِلةِ وَصفِهم بأنّهم أجسامٌ و مُحدَثونَ ؛ لأنّ (4)وَصفَهم بما ذَكَرتَه لا تأثيرَ له فيما قَصَدناه، و وَصفَهم بالنَّقصِ مؤثِّرٌ علَى الوجهِ الذي فَصَّلنا الكلامَ فيه.
قال صاحبُ الكتابِ :
ثُمّ يُقالُ لهم: يَصِحُّ مِنه تَعالىٰ رَفعُ هذا النَّقصِ بغَيرِ إمامٍ و رَسولٍ [أم لا]؟(5)فإن قالوا: لا، فقَد جَعَلوا للإمامِ مِن القُدرةِ ما لَم يَجعَلوه للّٰهِ تَعالىٰ ....(6)
فيُقالُ له: ما أَبيَنَ فَسادَ هذا الكلامِ و أَقبَحَ صورةَ (7)المُتَعلِّقِ به(8)لأنّكَ ظَنَنتَ أنّ
النَّقصَ إذا لَم يَرتَفِعْ إلّابإمامٍ(1)و لَم يَقُمْ فيه مَقامَه غيرُه، أنّ ذلكَ وصفٌ له بالقُدرةِ علىٰ ما لا يَقدِرُ اللّٰهُ تَعالىٰ عليه(2)!! و كيفَ تَظُنُّ(3)ذلكَ مع مَذهَبِكَ المعروفِ في اللُّطفِ، و أنّه غيرُ مُمتَنِعٍ عندَكَ أن يَعلَمَ اللّٰهُ تَعالىٰ أنّ شيئاً يَصلُحُ المكلَّفُ عندَه لا يَقومُ غيرُه مِن جميعِ الأشياءِ في مَصلَحَتِه(4)مَقامَه؟!
فلَو قالَ لكَ قائلٌ في معرفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ - و هي أحَدُ الألطافِ عندَكَ(5)-: «إذا قلتَ: إنّ غيرَ المعرفةِ مِن جميعِ الأشياءِ لا يَقومُ في مَصلَحةِ المُكلَّفِ مَقامَ المعرفةِ، فقَد جَعَلتَ للمعرفةِ مِن الحَظِّ و القدرةِ في صَلاحِ المُكلَّفِ ما لَم تَجعَلْه للّٰهِ تَعالىٰ »(6)، ما
سبحانه، بل يؤكّده. لا يقال: يجوز له سبحانه أن يجعلهم معصومين فيرتفع النقص حينئذ من غير افتقار و حاجة إلىٰ نصب الإمام. لأنّا نقول: فحينئذ يخرج المكلّف عن حدّ التكليف؛ لأنّ العصمة إنّما تمكن مع الجبر على الطاعات و الحفظ عن اجتناب المقبّحات، لا مع بقاء الاختيار لهم و تفويض الأمر إلىٰ آرائهم؛ فتأمّل. علىٰ أنّ «النقص» عنده لمّا كان مشتملاً علىٰ جواز الشُّبه و الجهل بالمعارف الدينيّة، فلا طريق إلىٰ رفعها سوىٰ نصب الإمام العالم بجميع المعارف. و أمّا جواز الإلهام فلا يصير؛ إذ لعلّ المقصود أن يسعى المكلّف في تحصيل المعارف و يشقىٰ في كسبها. و فوق هذا كلام لا يخفىٰ على المتأمّل».
1) . في «د» و المطبوع: «بالإمام».
2) . في حاشية «م»: «و العجب أنّ النظّام من المعتزلة نفىٰ قدرته تعالىٰ على القبيح، و الجبّائيّان قالا: «لا يقدر علىٰ عين فعل العبد» و أبو القاسم البلخيّ قال: «لا يقدر علىٰ مثل فعل العبد» و مع هذه الآراء الفاسدة من مشايخ صاحب الكتاب، لو أمسك عن مثل هذا الإلزام الواهي لكان خيراً له (ح. س)».
3) . في «د، ط»: «نظنّ ».
4) . في المطبوع: «مصلحة».
5) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 23.
6) . في المطبوع و الحجري: «مقام المعرفة من الحظّ و القدرة (في المطبوع: و القدر) في صلاح المكلّف، فقد جعلت للمعرفة ما لم تجعله للّٰه تعالىٰ ».
كانَ يَكونُ جَوابُك؟ و ما نَظُنُّ (1)إن قالَ (2)قائلٌ (3)هذا لكَ يَستَحِقُّ عَلَيكَ جَواباً، بَل يَكونُ مَكانَ جَوابِه التعجُّبُ مِن غَفلتِه، و حَمدُ اللّٰهِ تَعالىٰ علَى التنزيهِ عن مَنزِلتِه.
علىٰ أنّ مَن تَعلَّقَ بلفظِ «النقصِ» و أرادَ به ما فسَّرناه مِن ارتفاعِ العصمةِ و جوازِ فعلِ القبيحِ(4)لا يَجوزُ له أن يوجِبَ الإمامَ ليَرفَعَ النقصَ؛ لأنّه معلومٌ أنّ وجودَه لَيسَ يُدخِلُهم في العصمةِ، اللّهمّ إلّاأن يَجعَلَ وجودَه رافعاً لمقتضَى النقصِ و هو فِعلُ القبائحِ، و يَكونَ قولُه: «إنّه يَرتفِعُ النقصُ» إشارةً إلىٰ مقتضاه؛ فيَصِحُّ الكلامُ و الغرضُ . أو يُريدَ بالنقصِ في الأصلِ فِعلَ القبيحِ الذي هو غيرُ مأمونٍ مع فَقدِ الرؤَساءِ ، و معلومٌ أنّ وجودَهم يَرفَعُه أو يُقلِّلُه؛ فيَصِحُّ علىٰ هذا الوجهِ القولُ بأنّ وجودَه يَرفَعُ النقصَ ، و إن كانَ المَعنَى الأوّلُ أشبَهَ و أقرَبَ .
قال صاحبُ الكتابِ :
ثُمّ يُقالُ لهم: أتَعلَمونَ كَونَ الإمامِ حُجَّةً باضطِرارٍ أو باستدلالٍ؟
فإن قالوا: باضطِرارٍ و نَقصُهم لا يؤثِّرُ في ذلكَ ،(5)قيلَ لهم: فجَوِّزوا في سائرِ أُمورِ الدِّينِ أن تَعلَموه باضطِرارٍ و لا يَقدَحَ (6)النقصُ فيه.(7)
1) . في المطبوع و الحجري: «و ما تظنّ ».
2) . هكذا في المطبوع و الحجري. و في النسخ: - «قال».
3) . في «ف»: «قابل».
4) . تقدّم في ص 378.
5) . في المغني: «فنقصهم لا يؤثّر».
6) . أي لا ينافي العلمَ به ضرورة (من حاشية «م»).
7) . في حاشية «م»: «هذا الكلام من قبيل أن يُقال: إذا جوّزتم أن يكون امتناع اجتماع السلب و
و إن(1)قالوا: باستدلالٍ، قيلَ لهم: فنَقصُهم يَمنَعُ مِن قيامِهم بما كُلِّفوه مِن الاستدلالِ علىٰ كَونِه حُجّةً؟
فإن(2)قالوا: نَعَم، لَزِمَت(3)الحاجةُ إلىٰ إمامٍ آخَرَ، ثُمّ الكلامُ فيه كالكلامِ في هذا الإمامِ، و يوجِبُ ذلكَ إثباتَ أئمّةٍ لا أوّلَ لهم، مع أنّهم لا يؤثِّرونَ كما لا يؤثِّرُ الواحدُ. فلا بُدَّ مِن القولِ مِن(4)أنّه(5)يُمكِنُهم معرفةُ الحُجّةِ و القيامُ بنُصرتِه(6)مِن غيرِ حُجّةٍ.
قيلَ لهم(7): فجوِّزوا مِثلَ ذلكَ في سائرِ ما كُلِّفُوه(8)و إن كانَ النقصُ قائماً(9).
الإيجاب ضروريّاً، فليُجوَّز ضروريّة أدقّ مسائل الهيئة و الحكمة (ح. س)». و في حاشية أُخرىٰ : «فيه منع؛ لأنّه لا يلزم من قدح النقص في بعض المعارف أن يُقدح في الضروريّات. و وجوب الإمام و إن كان نظريّاً، إلّاأنّ المقدّمات المثبتة له ضروريّة، فلا يقدح النقص في إقامة الدليل. و قد اعترفتم بأنّ الجهل قد عمّ الناس حتّىٰ خلفاءكم، مع أنّه غير قادح في المعرفة؛ كيف ؟ و لو كان كذلك لقيل مثله في كلّ نظريّ ؛ لأنّ الجهل القادح في العلم بالنتيجة قادح في الاستدلال، فلا طريق إلى النظر! و في الضروريّات أنّها لو كانت ضروريّة [لارتفع الجهل بها] و فساده ظاهر. فحينئذ ارتفع العلم و انتفىٰ بقسميه، كما لا يخفىٰ ».
فيُقالُ له: كلامُكَ هذا مَبنيٌّ علىٰ مَوضِعَينِ :
أحَدُهما: تَوَهُّمُكَ عَلَينا إيجابَ الحاجةِ إلَى الإمامِ لنَعلَمَ عندَ وجودِه ما لا نَعلَمُه(1)عندَ فَقدِه، فقَد بيّنّا كَيفَ قولُنا في هذا و فَصَّلناه، و كَشَفنا عن غرضِ مَن أطلَقَه و أنّ التقييدَ واجبٌ فيه(2). و الذي يَدُلُّ أنّكَ أرَدتَ ما حَكَيناه قولُكَ: «فجَوِّزوا في سائرِ أُمورِ الدِّينِ أن تَعلَموه باضطِرارٍ و لا يَقدَحَ النقصُ فيه»، و لَو عَلِمنا سائرَ أُمورِ الدِّينِ باضطِرارٍ - كما أَلزَمتَ - لَكانَت الحاجةُ إلى الإمامِ ثابتةً مِن(3)وجهِ كَونِه لُطفاً في مُجانَبةِ القبيحِ و فِعلِ الواجبِ ، و لَيسَ يَصِحُّ الاستغناءُ عنه و إن عَلِمنا سائرَ الدِّينِ باضطِرارٍ؛ لأنّ الإخلالَ بما عَلِمنا اضطِرارٌ متوَقَّعٌ منّا عندَ فَقدِ الإمامِ ، و لا يمنَعُ (4)كَونُنا مضطَرّينَ إلى العِلمِ بوجوبِ الفِعلِ مِن الإخلالِ به، و كونُنا مضطَرّينَ إلىٰ عِلمِ قُبحِه مِن الإقدامِ عليه؛ لأنّ أكثَرَ مَن يُقدِمُ علَى الظُّلمِ و ما جانَسَه مِن القبائحِ يُقدِمُ عليه مع العِلمِ بقُبحِه.
و الموضِعُ الآخَرُ: ظَنُّكَ أنّ ما كانَ لُطفاً في بعضِ التكاليفِ يَجِبُ أن يَكونَ لُطفاً في جميعِها، و هذا ممّا قد كَشَفنا عنه و عن فَسادِه فيما تَقدَّمَ (5)، و دَلَّلنا علىٰ أنّه لا يَمتَنِعُ في الألطافِ الخصوصُ و العمومُ ، و الخصوصُ مِن وجهٍ و العمومُ مِن وجهٍ
آخَرَ؛ فلَيسَ يَجِبُ إذا كانَ الإمامُ لُطفاً في ارتفاعِ الظُّلمِ و البغيِ و لزومِ الإنصافِ و العدلِ ، أن يَكونَ لُطفاً في كُلِّ تكليفٍ ؛ حتّىٰ يَكونَ لُطفاً في معرفةِ (1)نَفسِه.(2)
ثُمّ يُقالُ له: ألَيسَ معرفةُ الثوابِ و العقابِ علَى الوجهِ الذي وَجَبا عليه لُطفاً في
جميعِ فِعلِ الواجباتِ(3)و الامتناعِ مِن سائرِ المُقبَّحاتِ، فلذلكَ أَوجَبتم المعرفةَ باللّٰهِ مِن حَيثُ لا يَتِمُّ معرفةُ الثوابِ و العِقابِ إلّابها؟
فإذا قالَ: نَعَم، قيلَ له: أفتقولُ إنّ هذه المعرفةَ التي أشَرنا إليها لُطفٌ في نفسِها، حتّىٰ يَكونَ المُكلَّفُ لا يَصِحُّ إيجابُها عليه إلّابَعدَ أن يَتقدَّمَ (4)معرفتُه بالثوابِ و العِقابِ؟
فإن قالَ : نَعَم، ففَسادُ ذلكَ ظاهرٌ، و إن قالَ : لا، قيلَ له: إذا جازَ أن يَستَغنيَ بعضُ التكاليفِ (5)عن هذه المعرفةِ و كونِها لُطفاً فيه، فألّا جازَ الاستغناءُ عنها في سائرِ التكاليفِ؟
فإن قالَ : المعرفةُ بالثوابِ و العقابِ و إن لَم يَكُن(6)لُطفاً في نَفسِها - مِن حَيثُ لَم يَصِحَّ ذلك فيها - فهناكَ ما يَقومُ مَقامَها، و هو الظنُّ بهما، فلَم يَعرَ(7)المكلَّفُ مِن
1) . في «د، ط»: «معرفته».
2) . كما في الرسول و غيره من الألطاف. (من حاشية «م»).
3) . كذا، و الظاهر أنّ الصحيح: «في فعل جميع الواجبات».
4) . كذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «أن تتقدّم».
5) . في المطبوع و الحجري: «التكليف».
6) . كذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «لم تكن».
7) . من العُري، و المراد أنّه لا يخلو من اللطف.
لُطفٍ في تكليفِه المعرفةَ و إن لَم يَكُن مُماثِلاً للُطفِه في سائرِ التكاليفِ .(1)
قيلَ له: فاقنَعْ مِنّا(2)بمِثلِ ما اقتَنَعنا(3)به؛ فإنّا نَقولُ لكَ: إنّ معرفةَ كُلِّ الأئمّةِ يَستَحيلُ أن يَكونَ اللطفُ فيها معرفةَ الإمامِ؛ لأنّه لا بُدَّ في أوّلِ الأئمّةِ مِن أن يَكونَ معرفتُه واجبةً و إن لَم يَتقدَّمْ للمكلَّفِ معرفةٌ (4)بإمامٍ غيرِه، و إذا استَحالَ ذلكَ جازَ أن يَقومَ مَقامَ المعرفةِ بالإمامِ في هذا التكليفِ غيرُها. و لا يَجِبُ أن يَعُمَّ هذا الوجهُ سائرَ المكلَّفينَ و التكاليفَ ، كما لَم يَجِبْ (5)أن يَعُمَّ اللُّطفُ الحاصلُ للمكلَّفِ في استدلالِه علىٰ معرفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ و معرفةِ ثوابِه و عقابِه سائِرَ(6)التكاليفِ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
ثُمّ يُقالُ لهم: قد عَلِمنا أنّ الإمامَ لا يَصِحُّ أن يُغيِّرَ حالَهم في القدرةِ و الآلةِ و العقلِ و سائرِ وجوهِ التمكينِ ، فلا بُدَّ مِن كَونِها حاصلةً (7)، و كذلكَ فالأدلّةُ علىٰ ما كُلِّفوه منصوبةٌ مع فَقدِ الحُجّةِ ؛ فإذا صَحَّ ذلكَ فما الذي
يَمنَعُ مِن أن يَستَدِلّوا بها فيَعلَموا ما كُلِّفوه و يَقوموا به مع فَقدِ الإمامِ (8)؟ و
1) . في «ف»: «التكليفات».
2) . في «د» و المطبوع: «عنّا».
3) . في «ج، ص» و حاشية «ف»: «ما قنعنا».
4) . في «د» و المطبوع: «معرفته».
5) . في المطبوع: «لا يجب».
6) . في «د» و المطبوع: «بسائر».
7) . أي لا يكفي أن يكون بدلها شيء آخر، و لا يغني عنها شيء (من حاشية «م»). و في «ج، د، ص، ف» و المطبوع: «خاصّة». و ما أثبتناه من «ط» و المغني.
8) . في حاشية «م»: «هذا الكلام في غاية السخافة؛ لأنّ كفاية التفكّر إنّما يلزم أن لو كان المجهول
هَلّا كانَ حالُهم مع فَقدِه كحالِهم مع وجودِه ؟ لأنّه مع وجودِه(1)إنّما(2)يَستَفيدونَ بالنظَرِ في الأدلّةِ ، و ذلك مُمكِنٌ مع عَدَمِه....(3)
فيُقالُ له: هذا توَهُّمٌ مِنكَ عَلَينا «إيجابَ الإمامةِ و وجودَ الإمامِ في كُلِّ زمانٍ ؛ لِيُعلَمَ عندَ وجودِه ما لا يَصِحُّ أن يُعلَمَ عندَ فَقدِه، و إن كانَت الأدلّةُ علَى المعلومِ موجودةً في الحالَينِ ». و قد تَقدَّمَ أنّا لا نَذهَبُ إلىٰ ذلكَ و لا نَعتَمِدُه، و بيّنّا كَيفَ القولُ فيه(4).
فأمّا قولُكَ : «فما الذي يَمنَعُ مِن أن يَستَدِلّوا و يَعلَموا و يَقوموا بما كُلِّفوا(5)؟» فقَد ذَكَرنا ما في العِلمِ . فأمّا القيامُ بجميعِ ما كُلِّفوه، فهو و إن كانَ مقدوراً - علىٰ ما ذَكرتَ - فالإمامُ لُطفٌ في وقوعِه علىٰ ما دَلَّلنا عليه(6)، و مُحالٌ إذا كانَ لُطفاً أن(7)يَكونَ حالُهم مع وجودِه كحالِهم مع فَقدِه في القيامِ بما كُلِّفوه مِن العباداتِ التي بيّنّا أنّ وجودَ الإمامِ لُطفٌ في وقوعِها و فَقدَه داعٍ إلَى ارتفاعِها.
ثُمّ يُقالُ له: هكذا يَقولُ لكَ نافي اللُّطفِ (8): قد عَرَفنا أنّ جميعَ الألطافِ لا تُغيِّرُ(9)
من المسائل التي طريق معرفتها العقل مع العلم بمقدّماتها، فأمّا مع الجهل بها رأساً أو كون المجهول من المعارف الدينيّة التي لا يفيد التفكّر فيها شيئاً فلا وجه لما ذكره، فيُحتاج فيها إلىٰ رسول أو إمام يتحمّل أعباءها».
1) . هكذا في النسخ. و في المطبوع و الحجري و المغني: - «لأنّه مع وجوده».
2) . في المغني: «و إنّما».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 57.
4) . تقدّم في ص 377-380.
5) . في المطبوع: «كلّفوه».
6) . تقدّم في ص 222.
7) . في المطبوع و الحجري: - «أن».
8) . من المعرفة و نصب الرسول و غيرها. (من حاشية «م»).
9) . في «ج، ط، ف، ل»: «لا يغيّر».
حالَ المكلَّفِ في قدرةٍ و آلةٍ إلىٰ سائرِ وجوهِ التمكينِ؛ لأنّ المكلَّفَ متمكِّنٌ مِن الفِعلِ مع عَدَمِ اللُّطفِ كما أنّه متمكِّنٌ مِنه مع وجودِه، فألّا جازَ الاستغناءُ عن الألطافِ و الاقتصارُ بالمكلَّفينَ علىٰ قُدَرِهم و تَمكُّنِهم ؟ و جميعُ ما يَبطُلُ به هذا القولُ و يوجِبُ (1)- مع القدرةِ و التمكُّنِ - الحاجةَ إلَى الألطافِ ، بمِثلِه يَبطُلُ قولُكَ .
قال صاحبُ الكتابِ :
ثُمّ يُقالُ لهم: فيَجِبُ علىٰ زَعمِكم إذا لَم يَظهَرِ الإمامُ حتّىٰ يَزولَ (2)النقصُ به، أن يَكونَ الحالُ فيه كالحالِ و لا حُجّةَ في الزمانِ (3)لأنّ النقصَ لا يَزولُ بوجودِ(4)الإمام، و إنّما يَزولُ بما يَظهَرُ مِنه و يُعلَمُ مِن قِبَلِه. و هذا يوجِبُ عَلَيهم في هذا الزمانِ و في كثيرٍ مِن الأزمنةِ أن يَكونَ المُكلَّفُ معذوراً، أو التكليفُ (5)ساقِطاً....(6)
فيُقالُ له: لَيسَ يَجِبُ إذا لَم يَظهَرِ الإمامُ ففاتَ النفعُ به أن يَكونَ الحالُ عندَ عَدَمِ
1) . في المطبوع: «يوجب» بدون الواو.
2) . قوله: «حتّى يزول» متعلّق بالمنفيّ ، لا النفي. (من حاشية «م»).
3) . في حاشية «م»: «فيه بحث ظاهر؛ لأنّ الإمام حينئذ كالشمس المستتر دون الغيوم، ينتفع به المكلّفون كثيراً؛ لأنّ وجوده عليه السلام أيضاً يؤثّر في فعل الواجبات و ترك المقبّحات؛ لأنّه عالم بأفعال العباد فيستحيون منه، إلىٰ غير ذلك من المنافع المذكورة في كتب أصحابنا - رضوان اللّٰه عليهم - فتدبَّر».
4) . في المغني: «لوجود».
5) . هكذا في النسخ، و يؤيّده ما بعده. و في المطبوع و الحجري و المغني: «و التكليف».
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 58.
ظُهورِه كالحالِ عندَ عَدَمِ عَينِه(1)لأنّه إذا لَم يَظهَرْ لإخافةِ الظالِمينَ له و لأنّهم أحوَجوه إلَى الغَيبةِ و الاستتارِ، كانَت الحُجّةُ في فَوتِ المَصلَحةِ به عَلَيهم، فكانوا(2)هُم المانِعينَ أنفسَهم مِن الانتفاعِ به، و إذا عُدِمَت عَينُ الإمامِ ففاتَ المكلَّفينَ الانتفاعُ به، كانَت الحُجّةُ في ذلكَ علىٰ مَن فَوَّتَهم النفعَ به و هو القَديمُ تَعالىٰ، و إذا أُوجِبَت(3)إزاحةُ عِلَلِ المكلَّفينَ علَيه تَعالىٰ، عَلِمنا أنّه لا بُدَّ مِن أن يوجِدَ الإمامَ (4)و يأمُرَ بطاعتِه و الانقيادِ له؛ سَواءٌ عَلِمَ وقوعَ الطاعةِ مِن المكلَّفينَ ، أو عَلِمَ أنّهم يُخيفونَه و يُلجِئونَه إلَى الغَيبةِ . و هذا بخِلافِ ما ظَنَّه مِن كَونِ المكلَّفينَ مَعذورينَ ، أو سقوطِ التكليفِ عنهم.
فإن قالَ : إن كانَ المكلَّفونَ غيرَ معذورينَ و قد أخافوا الإمامَ علىٰ دعواكم، و أحوَجوه(5)إلى الكَونِ (6)بحَيثُ لا يَنتَفِعونَ به، و لا يَصِلونَ إلىٰ مَصالحِهم مِن جهتِه، فيَجِبُ أن يَسقُطَ عنهم التكليفُ الذي أمْرُ الإمامِ (7)و نهيُه و تصرُّفُه لُطفٌ فيه؛ لأنّهم بما فَعَلوه قد مُنِعوا(8)مِن هذا اللُّطفِ (9)، و جَرَوا في هذا الوجهِ مَجرىٰ مَن قَطَعَ رِجْلَ نَفسِه في أنّ تكليفَه بالصلاةِ قائماً لا يَلزَمُه و يَجِبُ سقوطُه عنه. و لا
1) . عين الشيء: نفسه، و المراد: عند عدم وجوده.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كانوا».
3) . في المطبوع و الحجري: «وجب».
4) . في المطبوع: «إمام».
5) . في «ج، ف»: «أحوجوا».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «السكوت».
7) . في المطبوع: + «به».
8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لأنّهم ما فعلوه و قد منعوا».
9) . يعني: أنّ تركهم لذلك التكليف إنّما وقع في حال فقدانهم اللطف فيه. (من حاشية «م»).
يَفْتَرِقُ (1)في سقوطِ التكليفِ عنه(2)حالُ قَطعِه لرِجْلِ نَفسِه، و قَطعِ اللّٰهِ تَعالىٰ لها.
قيلَ له: لَيسَ يُشبَّهُ(3)حالُ المكلَّفينَ المانِعينَ للإمامِ مِن الظهورِ و القيامِ بأمرِ الإمامةِ بحالِ القاطعِ لرِجْلِ نَفسِه في سقوطِ تكليفِ الصلاةِ مع القيامِ عنه؛ لأنّ(4)مَن قَطَعَ رِجْلَ نَفسِه قد أخرَجَ نَفسَه عن التمكُّنِ(5)مِن الصلاةِ قائماً؛ لأنّه لا وصولَ له(6)إلىٰ هذه الصلاةِ بشَيءٍ مِن أفعالِه و مقدوراتِه(7). و لَيسَ كذلكَ حالُ الظالِمينَ المُخيفينَ(8)للإمامِ؛ لأنّهم قادرونَ و متمكِّنونَ مِن إزالةِ إخافتِه و ما أحوَجَه إلَى الغَيبةِ، و يَجرونَ في هذا الوجهِ مَجرىٰ مَن شَدَّ رِجْلَ نَفسِه في أنّ تكليفَه للصلاةِ (9)قائماً لا يَسقُطُ عنه و إن كانَ في حالِ شَدِّها غيرَ متمكِّنٍ مِن الصلاةِ ؛ لأنّه قادرٌ علىٰ إزالةِ (10)الشَّدِّ، فيَصِحُّ مِنه فِعلُ الصلاةِ .
فإن قالوا: فما(11)هذا الأمرُ الذي فَعَلَه الظالمونَ فمَنَعوا به(12)الإمامَ مِن الظهورِ؟
1) . في «د» و المطبوع: «و لا يفرق».
2) . في المطبوع: - «عنه».
3) . في «ج، ط، ف» و حاشية الحجري: «ليس يشتبه».
4) . في المطبوع: «بأنّ ».
5) . في «د، ط»: «التمكين».
6) . في المطبوع: - «له».
7) . في «ط»: «أو مقدوراته».
8) . في المطبوع و الحجري: «و المخيفين».
9) . في «د، ص، ط» و حاشية «ج، ف»: «الصلاة».
10) . في «ص»: «إزالته».
11) . في «د» و المطبوع: «ما».
12) . في المطبوع: «منه».
بَيِّنوه لنَعلَمَ (1)صحّةَ ما ادَّعَيتموه مِن تمكُّنِهم(2)مِن إزالتِه و الانصِرافِ عنه.
قيلَ له: المانعُ في الحقيقةِ عندَنا مِن ظهورِه هو: إعلامُ اللّٰهِ تَعالىٰ له(3)أنّ الظالِمينَ متىٰ ظَهَرَ أقدَموا علىٰ قَتلِه و سَفكِ دَمِه، فبَطَلَ(4)الحُجّةُ بمَكانِه. و لَيسَ(5)يَجوزُ أن يَكونَ المانعُ مِن الظهورِ إلّاما ذَكَرناه؛ لأنّ مجرَّدَ الخَوفِ مِن الضرَرِ و ما يَجري مَجرَى الضرَرِ - ممّا لا يَبلُغُ إلىٰ تَلَفِ النفسِ - لَيسَ يَجوزُ أن يَكونَ مانعاً(6)لأنّا قد رَأَينا مِن الأئمّةِ عليهم السلامُ [ممّن] تَقَدَّمَ(7)ظَهَرَ مع جميعِ ذلكَ.
و لَيسَ يَجوزُ أن يُجعَلَ المانعُ مِن الظهورِ عِلمَ اللّٰهِ تَعالىٰ مِن حالِ بَعضِ المكلَّفينَ أو أكثَرِهم أنّهم يَفسُدونَ عندَ ظهورِه في بعضِ الأحوالِ؛ لأنّه إن قيلَ(8)أنّه يَعلَمُ ذلكَ علىٰ وجهٍ يَكونُ ظهورُه مؤثِّراً فيه(9)، وَجَبَ سقوطُ ما عَوَّلنا عليه في أصلِ الإمامةِ مِن كَونِها لُطفاً في الواجباتِ و ارتفاعِ المُقَبَّحاتِ، و لَزِمَ فيها ما نأباه مِن كَونِها استفساداً في حالٍ مِن الأحوالِ. و إن لَم يَكُن ظهورُه مؤثِّراً فيما يَقَعُ (10)
مِن الفَسادِ، لَم يَلزَمِ الاستتارُ(11)لأجلِه، كما لَم يَلزَمِ استتارُ مَن تَقدَّمَه(12)مِن الأئمّةِ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «ليُعلم».
2) . في «ج، ف»: «تمكينهم».
3) . في المطبوع: - «له».
4) . في «ج» و حاشية «ص»: «فيبطل».
5) . في «ف»: «فليس».
6) . في المطبوع: «قانعاً».
7) . أي مَن تقدّم على الإمام الغائب.
8) . في «د، ل»: + «له».
9) . أي في فساد بعض المكلّفين أو أكثرهم.
10) . في المطبوع و الحجريّ : «يتبع».
11) . في المطبوع و الحجري: - «لم يلزم الاستتار».
12) . في «ج، ص، ف»: «تقدّم».
عليهم السلامُ و لا تَركُ بِعثةِ كثيرٍ مِن الرُّسُلِ لأجلِ ما وَقَعَ مِن بعضِ المكلَّفينَ مِن الفَسادِ في حالِ الإمامةِ لهؤلاءِ و النبوّةِ لأولئكَ . و هذا يبيِّنُ أنّ الوجهَ الصحيحَ الذي ذَكَرناه، دونَ غيرِه.
فإن قالَ: إذا كانَ المانعُ هو ما ذَكَرتُموه، فيَجِبُ في كُلِّ مَن كانَ في المعلومِ أنّ رَعيّتَه تَقتُلُه مِن إمامٍ أو نَبيٍّ أن يوجِبَ اللّٰهُ تَعالىٰ عليه الاستتارَ و الغَيبةَ ، و يَحظُرَ(1)عليه الظهورَ، و إلّافإن جازَ أن يُبيحَ اللّٰهُ تَعالىٰ لبَعضِ (2)مَن يَعلَمُ أنّه يُقتَلُ مِن حُجَجِه الظهورَ، جازَ مِثلُ ذلكَ في كُلِّ إمامٍ ؛ فبَطَلَ (3)أن يَكونَ المانعُ ما ذَكَرتموه.
قيلَ له: إنّما أوجَبنا أن يَكونَ ما بيّنّاه مانعاً بشَرطِ أن يَكونَ مصلحةُ المكلَّفينَ مقصورةً علىٰ ذلكَ الإمامِ بعَينِه، و يَكونَ في معلومِ اللّٰهِ تَعالىٰ أنّ أحَداً مِن البَشَرِ لا يَقومُ في مصلحةِ الخَلقِ بإمامتِه مَقامَه، و مَن أباحَه(4)اللّٰهُ تَعالَى الصَّبرَ(5)علَى القَتلِ مِن حُجَجِه و أنبيائه لَم يُبِحْهُ (6)ذلكَ إلّامع العِلمِ بأنّه إذا قُتِلَ قامَ مَقامَه غيرُه مِن الحُجَجِ . و هذا(7)واضحٌ لِمَن تأمَّلَه.
فإن قالَ : إذا كانَ المانعُ للإمامِ مِن الظهورِ ما بَيَّنتموه ممّا(8)هو معلومٌ أنّ الظالِمينَ
هُم المخصوصونَ به، فما قولُكم في أوليائه و معتَقِدي إمامتِه و هُم متميِّزونَ مِن أعدائه في المنعِ الذي ذَكَرتموه؟ فيَجِبُ عَلَيكم أحَدُ أُمورٍ: إمّا(1)أن تَقولوا أنّ التكليفَ الذي الإمامُ لُطفٌ فيه ساقطٌ عنهم(2)، و هذا خروجٌ عن الدِّينِ . أو تَرتكبوا(3)القولَ بظُهورِ الإمامِ لهم(4)، و تَدَّعونَ ما تَعلَمونَ أنتم و كُلُّ أحَدٍ خِلافَه. أو تُشرِّكوا بَينَهم(5)و بَينَ الأعداءِ في المنعِ الذي ادَّعَيتموه، فيَلزَمُكم مساواتُهم لِحالِهم(6)و خروجُهم مِن جُملةِ الوَلايةِ إلَى العَداوةِ ؛ و قد عَلِمنا و عَلِمتم أنّ جميعَ الناسِ لَيسَ بأعداءٍ للإمامِ (7)الذي تَدَّعونَه، بَل فيهم مَن يَعتقدُ إمامتَه و يَنتظرُ ظهورَه.
قيلَ له: قد أجابَ أصحابُنا عن هذا السؤالِ بأن قالوا: إنّ العِلّةَ في استتارِ الإمامِ في غَيبتِه عن أوليائه غيرُ العِلّةِ في استتارِه عن(8)أعدائه؛ و هي(9)خَوفُه مِن الظهورِ
1) . في المطبوع: - «إمّا».
2) . في حاشية «م»: «هذا إنّما يلزم إذا لم يتمكّنوا من ذلك الفعل بدون ذلك اللطف، و مع كون ظهور الإمام لطفاً في طاعته و مقرّباً منها يمكن بدونه أداؤها بمشقّة، و التبعة في ذلك علىٰ من ألجأه إلى الاستتار؛ ألا ترىٰ أنّ تسلّط المخالفين علىٰ مكّة و المشاهد المقدّسة أوجب مشقّة التقيّة على الحجيج و الزائرين، و لا يسقط بها عنهم الحجّ و رجحان الزيارة، بل يتضاعف بذلك أجرهم ؟! فتدبَّر (ح. س)».
3) . في «ط، ل»: «تركبوا».
4) . في حاشية «م»: «قد ورد أنّ الإمام في غيبته كالشمس يوم الغيم؛ و حاصله: أنّ نفعه لا ينقطع عن الأُمّة و الأولياء؛ كيف ؟ و هم لاعتقادهم وجوده و تجويزهم ظهوره في كلّ وقت، و لعرض الأعمال عليه عليه السلام في كلّ غدوّ و رواح، يخافون منه و من تأديبه، فيكون ذلك لطفاً لهم (ح. س)».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «بينه».
6) . في «د» و المطبوع: «بحالهم».
7) . في «د، ص، ل»: «الإمام».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «من».
9) . في المطبوع و الحجري: «و هو».
لهم(1)لئلّا يَنشُروا(2)خَبَرَه و يُجروا ذِكرَه، فيَسمَعَ به الأعداءُ و يَظهَروا عليه، فيَؤولُ(3)الأمرُ إلَى الغايةِ الموجِبةِ للاستتارِ من الأعداءِ؛ و هذا قريبٌ.
و ممّا يُمكِنُ أن يُجابَ به عن هذا السؤالِ(4)، أن يُقالَ : قد عَلِمنا أنّ الإمامَ إذا ظَهَرَ لجميعِ رعيّتِه أو لبعضِهم و لَيسَ يُعلَمُ صدقُه في ادّعائه أنّه الإمامُ بنَفسِ دعواه، بَل لا بُدَّ مِن آيةٍ يُظهِرُها تَدُلُّ علىٰ صدقِه، و ما يُظهِرُه مِن الآياتِ لَيسَ يُعلَمُ ضرورةً كَونُه آيةً و دَلالةً ، بل يُعلَمُ (5)ذلكَ بضُروبِ الاستدلالِ التي تَدخُلُ (6)في طُرُقِها
1) . في حاشية «م»: «و هذا كما ترىٰ أنّ بعض الشيعة لا يجتهد في التقيّة في بلاد المخالفين، و لايتحمّل أعباءها، فتصدر عنه أفعال و أقوال تُطير الرءوس و تذهب بالنفوس؛ و قد يصدر مثل ذلك من غير تعمّد و لا تقصير، بل لسبق اللسان و الجوارح إلىٰ ما يُثمر ذلك، مع جدّه و اجتهاده في التستّر و الاتّقاء من الأعداء (ح. س)».
2) . في «ج، ف، ل»: «لئلّا تنشروا».
3) . في حاشية «ص»: «فيؤدّي».
4) . في حاشية «م»: «و أجاب المفيد - رحمة اللّٰه عليه - عن هذا السؤال: تارةً بالقلب باستتار النبيّصلّى اللّٰه عليه و آله في الغار فلم يعرف مكانه غير أبي بكر من أصحابه المؤمنين، و الجواب الجواب. و تارةً بأنّ أولياءه عليه السلام فرقتان: فرقة تؤتمن عن الارتداد فيكون في خفائه عليه السلام عنهم زيادة في مثوبتهم و علوّ منزلة لاكتسابهم الأعمال بالمشاقّ الشديدة، و فرقة يعتقدون الديانة علىٰ ظاهر القول بالتقليد و الاسترسال دون النظر في الأدلّة فليسوا بمأمونين لو ظهر عليهم الإمام أو عرفوا مكانه من أن يدعوهم حبّهم للعاجلة إلى الإغراء به و السعي عليه - كما عاند قوم موسىٰ إمامهم هارون و ارتدّوا و اتّبعوا السامريّ - ففي خفائه عنهم صيانة لنفسه و دينهم؛ فتبصَّر. فإن قلت: فحينئذ يجب دوام استتاره لئلّا ينتقص أجر المخلصين. قلنا: يمكن أن يعلم اللّٰه من حال كثير من أوليائه في بعض الأعصار ارتكاب فسوق يستحقّون بها من العقاب ما لا يفي به أضعاف ما يفوتهم من الثواب فيقتضي اللطف ظهوره، أو يعلم من حال كثير من أعدائه أنّهم يؤمنون به عند ظهوره و يعترفون بالحقّ عند مشاهدته فيظهره لعموم الصلاح؛ فتثبَّت. و السيّد - طاب ثراه - لا يرضىٰ بهذا التفصيل، كما مرّ آنفاً (ح. س)».
5) . في «د»: «نعلم».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يدخل».
الشكوكُ و الشبُهاتُ، و إذا صَحَّ هذا فمَن لَم(1)يَظهَر له الإمامُ مِن أوليائه لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ المعلومُ مِن حالِه أنّ ما يُظهِرُه الإمامُ مِن المُعجِزِ يَدخُلُ(2)عليه في طريقِه الشُّبُهاتُ، فلا يَصِلُ إلَى العِلمِ بكَونِه آيةً مُعجِزةً، و إذا لَم يَصِلْ إلىٰ ما ذَكَرناه و اعتَقَدَ في المُظهِرِ له ما يُعتَقَدُ في المُحتالينَ(3)المُخرِّفينَ(4)، لَم يَمتَنِعْ(5)أن يَكونَ في المعلومِ مِنه أن يُقدِمَ مع هذا الاعتقادِ علىٰ سَفكِ دَمِه أو فِعلِ ما يؤدّي إلىٰ ذلكَ مِن تنبيهِ بعضِهم عليه - أعني(6)بَعضَ الأعداءِ - فيَؤولُ الحالُ إلَى العِلّةِ التي مَنَعنا لها مِن ظهورِه لأعدائه.
و إن كانَ بَينَ الأعداءِ و الأولياءِ فَرقٌ مِن وجهٍ آخَرَ؛ لأنّ الأعداءَ قَبلَ ظهورِه معتقِدونَ أنّه لا إمامَ في العالَمِ، و أنّ مَن ادَّعَى الإمامةَ مُبطِلٌ كاذبٌ، فهُم عندَ ظهورِ مَن يَدَّعي الإمامةَ علَى الوجهِ الذي نَذهَبُ(7)إليه لا يَنظُرونَ فيما يُظهِرُه ممّا يَدَّعي أنّه آيةٌ؛ لتَقدُّمِ اعتقادِهم أنّ كُلَّ ما يَدَّعيه مِن نَسَبِ (8)الإمامةِ المخصوصةِ إلىٰ نَفسِه
مِن الآياتِ باطلٌ لا دَلالةَ فيه، فيُقدِمونَ لهذه الاعتقاداتِ (9)علَى المكروهِ فيه. و لَيسَ كذلكَ حالُ الأولياءِ ؛ لأنّهم يَنتظرونَ ظهورَ الإمامِ الذي يَدَّعي هذا النسَبَ
1) . في «ج»: - «لم».
2) . في «د» و المطبوع: «من المعجزات دخل» بدل «من المعجز يدخل».
3) . المحتال: مَن طلب الحيلة. المصباح المنير، ص 157 (حول).
4) . في «ج» و حاشية «ص، ف»: «المنحرفين». و المخرّفين من الخرافة، و المخرّف: الذي يأتي بما يُستملح و لا يصدَّق عليه. راجع: النهاية، ج 2، ص 25؛ لسان العرب، ج 9، ص 66 (خرف).
5) . في «د» و المطبوع: «لم يمنع».
6) . في حاشية «ج، ف»: «يعني».
7) . في «ج، د، ص، ط، ف، ل»: «يذهب».
8) . في «ل» و حاشية «د»: «سبب».
9) . في المطبوع: «لهذا الاعتقاد».
المخصوصَ ، فهُم يَنظرونَ فيما يُظهِرُه(1)مِن آيةٍ ، [و] إنّما يَستَحِلُّ بعضُهم فيه المحرَّمَ لدُخولِ الشُّبهةِ عليه فيما يُظهِرُه حتّىٰ يَعتقِدَ أنّه لَيسَ بآيةٍ و لا مُعجِزةٍ .
و علَى الجوابَينِ جميعاً لسنا نَقطعُ علىٰ أنّ الإمامَ لا يَظهَرُ لبعضِ أوليائه و شيعتِه، بل يَجوزُ ذلكَ ، و يَجوزُ أيضاً أن لا يَكونَ ظاهراً لأحَدٍ مِنهم، و لَيسَ يَعرِفُ كُلُّ واحدٍ منّا إلّاحالَ نَفسِه، فأمّا حالُ غيرِه فغَيرُ معلومةٍ له؛ و لأجلِ تجويزِنا أن لا يَظهَرَ لبعضِهم أو لجميعِهم ما ذَكَرنا العِلّةَ المانعةَ مِن الظهورِ.
و قال صاحبُ الكتابِ :
و قد بيّنّا مِن قَبلُ (2)أنّه(3)يَلزَمُهم كَونُ الإمامِ و الحُجّةِ في كُلِّ وقتٍ و في كُلِّ بَلَدٍ و عندَ كُلِّ جَمعٍ ؛ ليَصِحَّ مِنه تَعالىٰ تكليفُ المكلَّفينَ مع النقصِ (4).
و متىٰ جوَّزوا خِلافَ ذلكَ فقَد نَقَضوا قولَهم....(5)
فيُقالُ له: أمّا كَونُ الإمامِ في كلِّ وقتٍ فهو واجبٌ مع قيامِ التكليفِ ، و أمّا في كُلِّ بلدٍ و كُلِّ جَمعٍ فغيرُ لازمٍ ؛ لأنّا قد(6)بيّنّا - فيما تَقدَّمَ - القولَ في هذا(7)و جُملتُه: أنّه متىٰ تَعلَّقَت المصلحةُ بوجودِ أئمّةٍ في البُلدانِ و سائرِ الأقطارِ، فَعَلَ اللّٰهُ تَعالىٰ
1) . في المطبوع: «فهم فيما يُظهروهم» بدل «فهم ينظرون فيما يظهره».
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 25.
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «أنّهم».
4) . في حاشية «م»: «يرد مثله في بعث الأنبياء، و يلزم منه إنكار الرسل المبعوثة علىٰ أزيد من في قراهم؛ فتأمّل».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 58.
6) . في المطبوع: - «قد».
7) . تقدّم في ص 244-245.
ما يَعلَمُ أنّ فيه المصلحةَ . و قد يَجوزُ أن لا يَعلَمَ ذلكَ (1)، فيَكونَ الأُمَراءُ و الحُكّامُ
و الخُلفاءُ مِن قِبَلِ الإمامِ في البُلدانِ و الأمصارِ يَقومونَ مَقامَه.
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : فيَجِبُ أن يَكونَ الرؤَساءُ للناسِ و الأئمّةُ بجَميعِهم علىٰ صفةِ الأُمَراءِ (2)مِن حَيثُ قُلنا: إنّ وجودَ الأُمَراءِ في البُلدانِ يَقومُ مَقامَ وجودِ الأئمّةِ .
لأنّ هذا الكلامَ(3)في صفاتِ الرئيسِ، لا في وجوبِ وجودِه. و مِن حَيثُ وَجبَت الرئاسةُ في الجُملةِ لا يُعلَمُ(4)صفةُ الرئيسِ، و إنّما يُعلَمُ صفتُه و أحوالُه و ما يَجِبُ أن يَكونَ عليه باستئنافِ نظرٍ و استدلالٍ.
علىٰ أنّ رئاسةَ الأُمَراءِ و الحُكّامِ في البُلدانِ إنّما قامَت في اللُّطفِ و المصلحةِ مَقامَ كَونِ الإمامِ في تلكَ المواضعِ؛ لأنّ الإمامَ مِن وَرائهم، و لأنّهم مَسوسونَ بسياستِه، و متدبِّرونَ(5)بتدبيرِه، و مُنهُونَ(6)إليه أُمورَهم، و كُلُّ ذلكَ مفقودٌ إذا لَم يَكُن في العالَمِ إمامٌ. و إذا كانَت المصلحةُ في رئاسةِ هؤلاءِ إنّما تَتِمُّ(7)بالإمامِ و كَونِه مِن وراءِ مُراعاتِهم، فكَيفَ يُظَنُّ (8)الاستغناءُ بهم عن الإمامِ؟
1) . يعني: و يجوز أن يعلم تعالىٰ بعدم وجود المصلحة. و هذا التعبير في المتن مثل قول أميرالمؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة من جملة كتابه إلى معاوية: «إلّا أن يَدَّعِيَ مُدَّعٍ ما لا أعرِفُه و لا أظُنُّ اللهَ يَعرِفُه» يعني أنّه لا يُعرف لأنّه غير موجود. راجع: نهج البلاغة، (صبحي الصالح)، ص 369، الكتاب 9.
2) . يعني تتعدّد الأئمّة في آن واحد كما تعدّدت الأُمراء من قبل الإمام الواحد. و في حاشية «م»: «أي فلا يلزم فيهم مزيّة على ما يلزم في الأُمراء».
3) . في «ل»: «هذا كلام». و في حاشية «ف»: «هو كلام».
4) . في «ط، ل»: «لا نعلم».
5) . في «ل»: «مدبّرون».
6) . الإنهاء: إبلاغك الشيء. أنهيت إليه السهم، أي أوصلته إليه. كتاب العين، ج 4، ص 93؛ لسان العرب، ج 15، ص 343 (نهي).
7) . في «د، ص، ف، ل»: «يتمّ ».
8) . في «د»: «نظنّ ».
قال صاحبُ الكتابِ :
ثُمّ نَعودُ إلىٰ ما ذَكَروه مِن التفصيلِ (1)، و هو قولُهم: إنّ السَّهوَ يَعُمُّ الجميعَ ، فلا بُدَّ مِن حُجّةٍ .
فنَقولُ لهم: جوازُ السَّهوِ عَلَيهم لا يَمنَعُ مِن صحّةِ قيامِهم بما كُلِّفوه.
إلىٰ قولِه:
و يَمنَعُ (2)مِن التكليفِ في وقتٍ لا يُمكِنُ الوصولُ إلَى الحُجّةِ (3)، و يوجِبُ (4)في نَفسِ الحُجّةِ أنّه(5)لا يُمكِنُه القيامُ بما كُلِّفَ إلّابحُجّةٍ ....(6)
فنَقولُ له:(7)كلامُكَ في هذا الفصلِ مَبنيٌّ علىٰ توهُّمِكَ عَلَينا إيجابَ الحُجّةِ لأجلِ جوازِ السَّهوِ علَى الخَلقِ في طريقِ النظَرِ و الاستدلالِ و التوصُّلِ إلَى المَعارفِ ، و قد بيّنّا أنّ الأمرَ بخِلافِ ما ظنَنتَه، و رَتَّبنا التعلُّقَ بالسَّهوِ في وجوبِ الحاجةِ إلَى الإمامِ (8).
فأمّا تكليفُ المكلَّفينَ في وقتٍ لا يَتمكَّنونَ فيه مِن الوصولِ إلَى الحُجّةِ ، فإنّما كان يَقبُحُ لَو امتَنَعَ وصولُهم إليه لشَيءٍ يَرجِعُ إلَى المكلِّفِ - جَلَّت عظمتُه - أو كانوا(9)
في الأحوالِ التي لا يَصِلونَ إليه فيها غيرَ متمكِّنينَ مِن أفعالٍ إذا وَقَعَت مِنهم وَصَلوا إليها لا مَحالةَ ، و قد بيّنّا أنّهم متمكِّنونَ ممّا إذا فَعَلوه زالَت تقيّةُ الإمامِ و خَوفُه و وَجَبَ عليه الظهورُ(1).
فأمّا قولُكَ: «و يَجِبُ في نَفسِ الحُجّةِ أن لا يُمكِنَه(2)القيامُ بما كُلِّفَ إلّابحُجّةٍ» فطَريفٌ (3)لأنّ الحُجّةَ عندَ خُصومِكَ لا يَجوزُ عليه السَّهوُ و لا شَيءٌ ممّا احتاجَت الأُمّةُ مِن أجلِه إليه؛ فكَيفَ تَظُنُّ (4)أنّه يَلزَمُ خُصومَكَ إذا أوجَبوا حاجةَ الخَلقِ إلَى الإمامِ لأجلِ جوازِ السَّهوِ عَلَيهم لَزِمَهم حاجةُ الإمامِ نَفسِه إلىٰ إمامٍ ، و هو عندَهم لا يَجوزُ عليه السَّهوُ؟!
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فإن كانَ الحُجّةُ يبيِّنُ لنا(5)ما لَولاه لَم يَتنَبَّهِ (6)المكلَّفُ ؛ فمِن أينَ أنّه لا بُدَّ مِنه(7)في كُلِّ زمانٍ؟ و هَلّا جازَ أن يَستغنيَ المكلَّفونَ في كثيرٍ مِن الأعصارِ بما يَتَواتَرُ عن الرسولِ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ
1) . تقدّم في ص 392.
2) . في المطبوع و الحجري: «لا يمكن».
3) . الطريف: الغريب و المستحدث. راجع: القاموس المحيط، ج 3، ص 226؛ الصحاح، ج 4، ص 1394 (طرف).
4) . في «ص، ف»: «يظنّ ».
5) . في المغني: «بالحجّة يبيّن» بدل «الحجّة يبيّن لنا».
6) . في المغني: «لم ينتبه». و في المطبوع و الحجري: «لم يتبيّنه».
7) . في المغني: - «منه».
و الحُجّةِ (1)و الإمامِ؟ فإن(2)امتَنَعوا مِن ارتفاعِ النقصِ و السَّهوِ بالتواتُرِ مع أنّه يوجِبُ العِلمَ الضَّروريَّ (3)، لَزِمَهم أن لا يَرتَفِعا بالحُجّةِ الذي غايةُ ما يأتيه هو البيانُ (4)الذي لا يَستَقِلُّ بنَفسِه، و يُحتاجُ معه إلَى النظَرِ و الاستدلالِ ....(5)
فيُقالُ له: هَبْ أنّ التواتُرَ يوجِبُ العِلمَ الضروريَّ علىٰ ما اقتَرَحتَ، ألَيسَ إنّما يَجِبُ العِلمُ الضروريُّ عندَ ما يُنقَلُ(6)و يُتَواتَرُ به مِن الأخبارِ؟
فإذا قالَ: بَلىٰ، قيلَ له: فإذا جازَ علَى الناقلِ العُدولُ عن النقلِ لسَهوٍ أو غيرِه - علىٰ ما بيّنّاه فيما تَقدَّمَ (7)- لَم يَنفَعْنا حصولُ العِلمِ الضَّروريِّ لنا بما نُقِلَ ، و وَجَبَ أن لا نَكونَ واثقينَ بأنّ جميعَ الشرعِ قد تَضمَّنَه النقلُ (8)، و لَزِمَت الحاجةُ إلَى الإمامِ .
ثُمّ يُقالُ له: لَو سَلَّمتُ (9)لكَ أيضاً أنّ الناقِلينَ لا يَجوزُ أن يَعدِلوا عن النقلِ و لا [أن] يُخِلّوا به، مُضافاً إلىٰ أنّ تسليمَنا أنّ نَقلَهم يوجِبُ العِلمَ الضَّروريَّ ،
1) . في المغني: «عن الرسول المتقدّم» بدل «عن الرسول... و الحجّة».
2) . في المغني: «و متى».
3) . في حاشية «م»: «لا يخفىٰ ما فيه من الخبط؛ إذ التواتر إنّما يفيد العلم الضروريّ ببيان الرسول والحجّة، و إذا لم يستقلّ البيان بل يفتقر إلى النظر و الاستدلال كان الافتقار باقياً مع التواتر أيضاً؛ و هذا مع تواتر البيان، لا إذا تواتر المبيَّن. و في افتقار البيان مطلقاً إلى النظر نظر؛ فتدبَّر (ح. س)».
4) . في المغني: - «البيان».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 59-60.
6) . في الحجري: «عندنا ينقل». و في المطبوع: «عندنا [بما] ينقل».
7) . تقدّم في ص 276 و 281-282.
8) . في حاشية «م»: «و لا ريب أنّ العمل بجميع التكاليف واجب، فيجب تحصيل العلم بها، كما سيجيء. فلا يرد أنّ الوثوق غير واجب؛ إذ ليس لنا إلّاالعمل بما وصل إلينا و وثقنا به؛ إذ لا تكليف بما لا نعلمه. و ذلك أنّا مكلّفون بكلّ ما أتىٰ به الرسول؛ فتأمّل».
9) . في المطبوع: «سلّمنا».
لَم يَجِبْ ما تَوهَّمتَه مِن الاستغناءِ عن الإمامِ ؛ لأنّا قد بيّنّا فيما تَقدَّمَ أنّ وجودَ الإمامِ لُطفٌ في فِعلِ (1)كثيرٍ مِن الواجباتِ و ارتفاعِ كثيرٍ مِن المُقبَّحاتِ (2)، و ما هذه حالُه تَلزَمُ (3)الحاجةُ إليه. و إن كان الأمرُ في النقلِ علىٰ ما تَدَّعيه و تَقتَرِحُه؛(4)فكَيفَ يَصِحُّ إطلاقُكَ أنّ التواتُرَ إذا أوجَبَ العِلمَ الضَّروريَّ ارتَفَعَت الحاجةُ إلَى الحُجّةِ في كُلِّ زمانٍ؟
ثُمّ أَورَدَ صاحبُ الكتابِ كلاماً في السهوِ يَجري مَجرىٰ ما تَقدَّمَ في بِنائه(5)علَى التوَهُّمِ عَلَينا إيجابَ وجودِ الإمامِ لجوازِ(6)السهوِ في طُرُقِ المَعارفِ(7)، إلىٰ أن قالَ:
و بَعدُ، فإنّا نَقولُ: إنّ السهوَ إذا لَحِقَ المكلَّفَ فيما كُلِّفَ ، فلا بُدَّ - إن لَم يَتذكَّرْ مِن ذي قِبَلٍ (8)و لا حَصَلَ هناكَ منبِّهٌ - أن يُخطِرَ اللّٰهُ تَعالىٰ بِبالِه ما يَزولُ معه السهوُ، و إلّاقَبُحَ (9)تكليفُه، فكَيفَ يَحتاجُ (10)إلىٰ وجودِ(11)
1) . في المطبوع: - «فعل».
2) . راجع: ص 47.
3) . في «د» و المطبوع: «يلزم».
4) . في «د، ص، ط، ف»: «ما يدّعيه و يقترحه».
5) . في المطبوع و الحجري: «بيانه».
6) . في «ج، ص، ط» و المطبوع و الحجري: «بجواز».
7) . تقدّم في ص 377-380.
8) . في القاموس: «و لا أُكَلِّمُك إلى عَشرٍ من ذي قِبَلٍ - كعِنَبٍ و جَبَلٍ - أي: فيما أستأنف، أو معنى المحرّكة: إلىٰ عشرٍ تستقبلها، و معنى المكسورة القاف: إلىٰ عشرٍ ممّا تشاهده الأيّام». القاموس المحيط، ج 3، ص 596 (قبل).
9) . في المغني: «فمع» بدل «قبح».
10) . في المغني: «نحتاج».
11) . في «ج» و المغني: «وجوب».
الحُجّةِ مع ذلكَ؟....(1)
فيُقالُ له(2)
و في حاشية أُخرىٰ : «و نظير ما ذكره هنا أن يُقال: لا نحتاج إلى الإمام في الحثّ على الطاعة و الزجر عن المعصية؛ اذ يجب على اللّٰه سبحانه ردعهم عنها و ترغيبهم إلى الطاعات؛ إذ يمكنه سبحانه أن يجعل الناس أبراراً أتقياء يجتنبون عن المعاصي. بل يُقال: لا حاجة إلى الرسول أيضاً؛ لجواز إلهام المعارف و إلقائها على الخلائق من غير حاجة إلىٰ بعث أحد اليهم، و لا تكون المعرفة أيضاً لطفاً واجباً، كما لا يخفىٰ . و الحلّ ما ذكره - مدّ ظلّه - فلا تتخبَّط و تأمَّل».
: اعمَلْ علىٰ(3)أنّ تكليفَ مَن سَها و لَم يُخطِرِ اللّٰهُ تَعالىٰ بِبالِه ما يَزولُ معه السهوُ [ساقطٌ عنه] و إلّاقَبُحَ تكليفُه؛ فكَيفَ يَكونُ ما ذَكَرتَه قادِحاً في كلامِنا و مُعتَرِضاً عَلَينا؟ و نَحنُ نَعلَمُ أنّ تكليفَ النقلِ(4)عمّن(5)سَها عنه لَو سَقَطَ حَسَبَ ما ادَّعَيتَ، لَم يَسقُط وجوبُ معرفةِ الشيءِ المنقولِ عن غيرِه مِن المكلَّفينَ الذين لَم يَلحَقهم سهوٌ، و لا طريقَ لهم مع وقوعِ السهوِ عن النقلِ إلىٰ معرفةِ ما تَضمَّنَه النقلُ إلّا قولُ الإمامِ و بيانُه، و هذا يبيِّنُ أنّ ما تَكلَّفتَه - مِن ادِّعاءِ وجوبِ أن يُخطِرَ اللّٰهُ تَعالىٰ علىٰ بالِ (6)المكلَّفِ ما سَها عنه أو سُقوطِ(7)تكليفِه - لا يُغني عنكَ شيئاً في لُزومِ الحاجةِ إلَى الإمامِ .1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 60. و فيه «في» بدل «مع».
2) . في حاشية «م»: «الأَولىٰ أن يُجاب بأنّ كلامنا فيما إذا كانت الخلائق علىٰ ما هم عليه من وقوع السهو منهم كثيراً، و أمّا إذا أزال اللّٰه عنهم تلك الطبيعة بقدرته فلا نسلك في إثبات ما نحن بصدده هذه الطريقة؛ فتدبَّر (ح. س)».
3) . اعمل على كذا: ابنِ علىٰ كذا.
4) . أي نقل الخبر.
5) . في «ص»: «ممّن».
6) . في «ص»: «ببال» بدل «علىٰ بال».
7) . في «ج، د، ف، ل»: «و سقوط».
اللّهمّ إلّاأن يَدَّعيَ أيضاً أنّ السهوَ إذا لَحِقَ الناقِلينَ فأعرَضوا عن النقلِ و سَقَطَ عنهم تكليفُه، فقَد سَقَطَ أيضاً تكليفُ معرفةِ الشيءِ المنقولِ عن غيرِهم.
و هذا قولٌ ظاهرُ الفَسادِ، و في إجماعِ الأُمّةِ - علىٰ [أنّ ] ما فَرَضَه اللّٰهُ تَعالىٰ علىٰ لسانِ نبيِّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)و تَعبَّدَ به و بيَّنَه لِمَن كانَ في زمانِه لازمٌ لنا و واجبٌ عَلَينا التوَصُّلُ إلىٰ معرفتِه و العملُ به - دَلالةٌ علىٰ بُطلانِ دعوىٰ مَن ادَّعىٰ سقوطَ التكليفِ الشرعيِّ عن بعضِ الأُمّةِ مِن حَيثُ سَها بعضُها عن النقلِ ، و لَم يَقُم بما وَجَبَ عليه فيه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فأمّا تَعلُّقُهم بجوازِ الشُّبَهِ (2)فهو أبعَدُ ممّا قُلناه؛ لأنّه قد يَصِحُّ أن لا تَعتريَهم كَما يَصِحُّ تَطرُّقُها(3)عَلَيهم أو علىٰ بعضِهم؛ فكَيفَ يُقالُ : «إنّه لا بُدَّ مِن حُجّةٍ » لأجلِ أمرٍ قد يَصِحُّ زوالُه و التكليفُ ثابتٌ؟ [و متىٰ صَحَّ زوالُه فيَجِبُ أن يُستَغنىٰ عن الحُجّةِ ].(4)
فيُقالُ له: قد بيّنّا فيما سَلَفَ وجهَ التعلُّقِ بجوازِ الشُّبَهِ (5)في الحاجةِ إلَى الإمامِ (6)، و هو علىٰ خِلافِ ما تظُنُّه(7)عَلَينا؛ لأنّا لَم نوجِبِ الإمامةَ لجوازِ الشُّبهةِ (8)في طُرُقِ
1) . في أكثر النسخ: «عليه السلام».
2) . في «د، ل»: «الشبهة». و في المغني: «التنبيه»، و هو تصحيف.
3) . في المغني: «طروّها».
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 61. و ما بين المعقوفين من المصدر.
5) . في «د، ف»: «الشبهة».
6) . تقدّم في ص 380-381.
7) . في «د، ص، ط، ف، ل»: «ما يظنّه».
8) . في «ص» و المطبوع و الحجري: «الشبه».
الأدلّةِ الثابتةِ التي لا يَمنَعُ دخولُ الشُّبهةِ(1)فيها مِن استدراكِ الحقِّ فيها؛(2)لأنّ الشُّبَهَ(3)و إن دَخَلَت فيما هذا(4)حُكمُه، فالمكلَّفُ متمكِّنٌ مِن إصابةِ الحقِّ، و إنّما يَعدِلُ عن إصابتِه بتقصيرٍ(5)مِن جهتِه، و إنّما أَوجَبنا الحاجةَ إلى الإمامِ في هذا الوجهِ لأجلِ جوازِ دخولِ الشُّبَهِ(6)علَى الناقِلينَ حتّىٰ يَعدِلوا عن النقلِ، فلا يُمكِنُ الوصولُ مع عدولِهم عنه(7)إلىٰ معرفةِ الشيءِ المنقولِ.
فأمّا قولُكَ: «إنّ الشُّبَهَ يَصِحُّ أن تَعرِضَ و أن لا تَعرِضَ»(8)فهو كذلكَ، غيرَ أنّ الوضعَ الذي حَصَّلناه و أوجَبنا منه(9)الحاجةَ إلَى الإمامِ لا يَفتَقِرُ(10)إلَى القَطعِ علىٰ وجوبِ دُخولِ الشُّبَهِ، بل التجويزُ لدُخولِها كافٍ؛ مِن حَيثُ لَم يَحصُلِ(11)الثقةُ بأنّ
جميعَ ما يُحتاجُ (12)إليه و قد كُلِّفنا معرفتَه قد نُقِلَ إلينا(13)مع الجوازِ كما لا يَحصُلُ مع الوجوبِ ؛ فما ظَنَّه مِن الفَرقِ بَينَ الأمرَينِ غيرُ صحيحٍ .
1) . في «ص، ف» و المطبوع و الحجري: «الشبه».
2) . في «د، ص، ط، ف»: «منها».
3) . في «ج، د، ل»: «الشبهة».
4) . في «ص، ط» و حاشية «ج، ف»: «هكذا».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «لتقصير».
6) . في «ط، ل»: «الشبهة».
7) . في المطبوع: - «عنه».
8) . في الحجري: «يصحّ أن يعترض». و في المطبوع: «يصحّ أن تعتريهم».
9) . في المطبوع: «و أوجبناه فيه».
10) . في حاشية «د»: «لا يفضي».
11) . في «ص، ط، ف»: «لم تحصل».
12) . في «ل»: «ما نحتاج».
13) . و لم نعتمد بما رووه إلينا؛ لجواز السهو و الخطإ في النقل، فيرتفع به الوثوق على المنقول أيضاً. (من حاشية «م»).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فإنّ الشُّبَهَ (1)مِن قِبَلِهم(2)قد يَصِحُّ منهم حَلُّها بالنظَرِ [كَما يَصِحُّ أن يَتَوَصَّلوا إلَى العِلمِ بما كُلِّفوا بالنظَرِ، فإذا كانوا بتَمكُّنِهم مِن ذلكَ يَستَغنونَ به عن الحُجّةِ فكذلكَ في حَلِّ الشُّبهةِ ...].(3)
فيُقالُ له: هذا توَهُّمٌ منكَ عَلَينا إيجابَ الإمامِ و وجودَه لدفعِ الشُّبَهِ (4)و المنعِ مِن وقوعِها، و هو شبيهٌ بما تَقَدَّمَ مِن ظنِّكَ عَلَينا في السهوِ و جوازِ دخولِه علَى الخَلقِ ، و قد مضىٰ (5)كَيفَ قولُنا في الأمرَينِ و الوجهُ الصحيحُ في ترتيبِ الاستدلالِ بهما(6).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
علىٰ أنّ الشُّبَهَ قد تَجوزُ(7)في العِلمِ بنفسِ الحُجّةِ ، فتَجِبُ (8)الحاجةُ إلىٰ آخَرَ، و يَلزَمُ مِن ذلكَ ما قَدَّمناه.(9)
فيُقالُ له: الشُّبَهُ و إن جازَت في العِلمِ بنفسِ الحُجَّةِ ، فهي غيرُ مانعةٍ مِن إمكانِ الوصولِ إلَى الحَقِّ ، و لا دافعةٍ للدَّلالةِ علَى الحُجّةِ . و لَيسَ كذلك حُكمُ الشُّبَهِ إذا
1) . في «ج، ل»: «الشبهة».
2) . أي من قِبل المكلّفين.
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 61. و ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
4) . في «ج»: «الشبهة».
5) . تقدّم في ص 377-380.
6) . و هو انتفاء الوثوق عن غير الناقلين؛ لاحتمال طريان الشبهة و السهو على الناقلين فلم ينقلوا لذلك؛ فتدبّر. (من حاشية «م»).
7) . في جميع النسخ: «يجوز».
8) . في «ف»: + «له».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 61.
دَخَلَت علَى الناقِلينَ المتواتِرينَ أو علىٰ بعضِهم، فخَرَجَ الخبرُ مِن أن يَكونَ متواتِراً؛ لأنّها إذا دَخَلَت في هذا المَوضِعِ ارتَفَعَ الطريقُ إلَى المعرفةِ بما تَضمَّنَه النقلُ ، و إذا دَخَلَت هناكَ لَم تُخِلَّ بإمكانِ المعرفةِ ، و لا رَفَعَت الطريقَ إلىٰ إدراكِ الحقِّ و إصابتِه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
علىٰ أنّ الشُّبهةَ(1)تَجوزُ علَى الحُجّةِ، و إنّما يَختارُ خِلافَها أو يُزيلُها بما آتاه اللّٰهُ مِن الدَّلالةِ ،(2)و حالُ غيرِه كحالِه و إن كانَ قد يَقصُرُ؛ فما الحاجةُ إلَى الحُجّةِ؟ و لا يُمكِنُهم أن يَجعَلوا الحُجّةَ معصوماً، بمَعنَى المنعِ مِن الإقدامِ علىٰ هذه الأُمورِ(3)لأنّ ذلكَ يوجِبُ زوالَ التكليفِ .
فإن ثَبَتَ فيه العصمةُ (4)فمَعناها أنّ المعلومَ أنّه لا يَختارُ ذلكَ ، و ذلكَ مُمكِنٌ في غيرِه علىٰ ما قَدَّمناه.(5)
فيُقالُ له: إن أرَدتَ بقولِكَ: «إنّ الشُّبهةَ تَجوزُ علىٰ نَفسِ الحُجّةِ» بمَعنَى القُدرةِ(6)، فنَعَم؛ الحُجّةُ قادرٌ علَى الشُّبهةِ، كما أنّه قادرٌ علىٰ ضُروبِ الأفعالِ . و إن أرَدتَ بالجوازِ مَعنَى الشَّكِّ ، فَلا؛ لأنّا قد قَطَعنا علىٰ أنّه لا يَختارُ ذلكَ بالأدلّةِ (7)الدالّةِ علىٰ عصمتِه؛ فكَيفَ يَكونُ حالُ غيرِه ممّن لا يؤمَنُ مِنه ذلكَ كحالِه ؟
فأمّا قولُكَ: «و ذلكَ مُمكِنٌ في غيرِه» إن أرَدتَ أنّه مُمكِنٌ أن يَكونَ معصوماً، بمَعنىٰ أنّه لا يَختارُ علىٰ هذا الوجهِ، فذلكَ يَجوزُ أن يَكونَ مُمكِناً، و إذَن كانَ (1)لَم يَحتَجْ هذا المعصومُ إلىٰ إمامٍ مِن هذا الوجهِ (2). و إن أرَدتَ بقولِكَ : «إنّه مُمكِنٌ في غيرِه» أنّه يَجوزُ أن يَختارَ و أن لا يَختارَ، فلأجلِ هذا الجوازِ و عدمِ الأمانِ و الثقةِ احتيجَ حينئذٍ إلَى الإمامِ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و لا يَجِبُ إذا قَصَّرَ(3)أن يَنصِبَ اللّٰهُ تَعالىٰ حُجّةً ؛ لأنّ الحُجّةَ لا يُزيلُ التقصيرَ؛ إذ المعلومُ أنّ مع وجودِه قد يقصِّرُ المكلَّفُ ؛ لأنّه لا يُضطَرُّ إلىٰ فِعلِ ما كُلِّفَه، و إنّما يُدَلُّ و يُنبَّهُ ....(4)
فيُقالُ له: و هذا أيضاً مَبنيٌّ علىٰ توَهُّمِكَ الأوّلِ (5)، و قد مضىٰ ما فيه كفايةٌ .
و جُملةُ ما نَقولُه(6): إنّه لَيسَ لأجلِ تقصيرِ المكلَّفِ الذي دَخَلَت عليه الشُّبهةُ أَوجَبنا الحاجةَ إلَى الإمامِ ليُنبِّهَه على تقصيرِه، و لكنّ تقصيرَه إذا وَقَعَ و تَعدّىٰ إلىٰ غيرِه مِن حيثُ سُدَّ عليه بابُ العِلمِ مِن جهةِ النقلِ ، احتيجَ إلىٰ إمامٍ ليُبيِّنَ ما لا يَعلَمُه المكلَّفُ لولا بيانُه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فأمّا(1)الشهوةُ و الهوىٰ و التعلُّقُ بهما فبَعيدٌ(2)لأنّ مع وجودِ الحُجّةِ لا بُدَّ مِن ثَباتِهما حتّىٰ يَصِحَّ التكليفُ، و إنّما يَكونُ في التَعلُّقِ بذلكَ فائدةٌ لَو كانَ عندَ وجودِ الإمامِ يَزولُ ذلكَ و يَتغيَّرُ.
و متىٰ قالوا: إنّها و إن كانَت حاصلةً مع وجودِ الإمامِ، فإنّه ببيانِه و تحذيرِه يَصدِفُ(3)المكلَّفَ عن اتّباعِ شهوتِه.
قيلَ لهم(4): إنّما يَصدِفُ بالتنبيهِ و التحذيرِ دون الاضطِرارِ، و ذلكَ مُمكِنٌ مِن غيرِه و مِنه و إن لَم يَكُن حُجّةً ، و يُمكِنُ (5)المكلَّفَ مِن ذي قِبَلٍ ، فيَجِبُ الغِنىٰ عن الإمامِ .(6)
فيُقالُ له: قد بيّنّا فيما مضىٰ وجهَ التعَلُّقِ في الحاجةِ إلى الإمامِ بالشهوةِ و الهوىٰ (7)، و هو بخِلافِ ما ظنَنتَه مِن أنّ وجودَه يُزيلُ الشهَواتِ أو يُغيِّرُها، و كَشَفنا عن أنّ وجودَ الإمامِ إنّما يؤثِّرُ في مقتضَى الشهَواتِ ، فيقلِّلُ وقوعَ ما لَولا وجودُه لَوَقَعَ مِن الخَلقِ (8)لمَكانِ شَهَواتِهم.
فأمّا قولُكَ: «إنّ ذلكَ مُمكِنٌ مِن غيرِهم» فهو مُمكِنٌ كما قُلتَ ، غيرَ أنّه لا يؤثِّرُ
تأثيرَ فِعلِ الأئمّةِ المُطاعينَ الذينَ قامَت هَيبتُهم في النفوسِ ؛ لأنّا نَعلَمُ ضَرورةً أنّ زَجرَ الأئمّةِ المَهيبينَ (1)المُتَسلِّطينَ و أمرَهم و نهيَهم له مِن التأثيرِ في ارتفاعِ كثيرٍ ممّا يميلُ (2)إليه شَهَواتُ رَعاياهم ما لَيسَ لزَجرِ غيرِهم ممّن لا طاعةَ له و لا سُلطانَ و لا نُفوذَ أمرٍ، و مَن دفَعَ هذا كان مُكابِراً.
و أمّا قَولُكَ : «و يُمكِنُ المُكلَّفَ مِن ذي قِبَلٍ » فهو يُمكِنُه، غيرَ أنّه معلومٌ أنّه عندَ وجودِ الرؤَساءِ و الأئمّةِ و ذَوي(3)السُّلطانِ و البَسطِ(4)يَكونُ أقرَبَ إلىٰ تجَنُّبِه، و عندَ عَدَمِهم أقرَبَ إلىٰ مُواقَعَتِه. و ما تَقدَّمَ مِن الدَّلالةِ علىٰ أنّ وجودَ الرؤَساءِ لُطفٌ فيما ذَكَرناه(5)يُبطِلُ كُلَّ هذا الذي ذَكَرَه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فإنّ ذلكَ قائمٌ في النظَرِ في كَونِه حُجّةً ؛ لأنّ مُقتَضَى الشهوةِ العُدولُ عن ذلكَ لِما فيه مِن الراحةِ ، و لِما قد يَعتَري المُكلَّفَ مِن الشُّبَهِ (6)، فتَجِبُ الحاجةُ إلىٰ حُجّةٍ قَبلَ الإمامِ ، [و ذلكَ يؤدّي إلىٰ ما قَدَّمناه مِن الفَسادِ].(7)
فيُقالُ له: إنّما يَلزَمُ ما ذَكَرتَه مَن يوجِبُ كَونَ الإمامِ لُطفاً في ارتفاعِ كُلِّ ما تَدعو
1) . في «ل» و حاشية «د»: «المرتئسين».
2) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «تميل».
3) . في «د»: «ذي». و في «ط، ف» و المطبوع و الحجري: «و ذي».
4) . في «ل» و حاشية «ف»: «و القسط».
5) . تقدّم في ص 222.
6) . في «د، ل»: «من الشبهة». و في المغني: «و لما قد يعدى المكلَّف عن التنبيه».
7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 62. و ما بين المعقوفين من المصدر.
إليه الشهَواتُ و تَميلُ إليه النفوسُ ، حتّىٰ يَجعَلَه لُطفاً في جَميعِ ما يَلزَمُ مِن النظَرِ و الاستدلالِ و غيرِهما. و قد بيّنّا أنّ الصحيحَ خِلافُ ذلكَ (1)، و لَيسَ إذا قَضَت العاداتُ بكَونِ الأئمّةِ و الرؤَساءِ لُطفاً في وقوعِ كثيرٍ مِن الواجباتِ و الامتناعِ مِن ضُروبِ المقبَّحاتِ ، وَجَبَ أن يُقطَعَ علىٰ كَونِهم لُطفاً في كُلِّ واجبٍ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و لَو كانَ الحُجّةُ يُؤثِّرُ(2)في الشهوةِ ، لَكانَ يَجِبُ الغِنىٰ عنه بأن لا يَفعَلَ اللّٰهُ تَعالَى الشهوةَ (3)أو يُزيلَها(4)عن المُكلَّفِ و التكليفُ قائمٌ ؛ لأنّه تَعالىٰ علىٰ ذلكَ أقدَرُ.(5)
فيُقالُ له: لَو أنّ اللّهَ تَعالىٰ أزالَ الشهوةَ أو لَم يَفعَلْها في الابتداءِ (6)لَقَبُحَ التكليفُ ؛ لأنّ فَقدَها مُخِلٌّ بشَرطِه(7). و لَو سَقَطَ التكليفُ لَم يُحتَجْ إلَى الإمامِ ؛ لأنّ الحاجةَ إليه(8)مقرونةٌ به(9)و باستمرارِه.
1) . تقدّم في ص 223-226 و 386-387.
2) . في «ج، ص، ف»: «تؤثّر».
3) . في المغني: «بأن لا يفعلها اللّٰه تعالىٰ ».
4) . في أكثر النسخ: «و يزيلها».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 62. و في حاشية «م»: «لعلّ مثله لازم في بعث الرسل؛ إذ يمكنه سبحانه أن يجعل كلّ أحد عالماً بما يحتاج إلى الرسول له؛ فتدبَّر».
6) . في المطبوع: «و لم يفعلها بالابتداء».
7) . و هو كون المكلّف متردّد الدواعي فيما كُلّف به تركاً و إتياناً بأن يعلم قبحه أو وجوبه أو ندبه فيدعوه الداعي إلىٰ تركه و إتيانه، و أن يكون له صارف عنه لعلمه بمشقّة الترك أو الإتيان «ح. س». (من حاشية «م»).
8) . في «ج»: «إلى الإمام».
9) . أي بالتكليف بالشرائع، لا مطلقاً. (من حاشية «م»).
علىٰ أنّ في قولِكَ: «يُزيلُها» و أنتَ تَعني الشهوةَ، و «التكليفُ قائمٌ»، مُناقَضةً ظاهرةً(1)
و في حاشية أُخرىٰ : «الظاهر أنّ غرض صاحب الكتاب بعد التنزّل عن فساد إزالة الشهوة أن يقول: إنّ ما يترتّب علىٰ وجود الإمام من زوالها لو جاز، جاز أن يكون بتأثير اللّٰه سبحانه بغير واسطة؛ فتدبَّر (ح. س)».
لأنّكَ قَبلَ هذا الفَصلِ قُلتَ : «إنّ الشهوةَ و الهَوىٰ لا بُدَّ مِن ثَباتِهما(2)حتّىٰ يَصِحَّ التكليفُ »(3)فكَيفَ أُنسيتَ (4)هذا هاهُنا، و أَلزَمتَ أن لا يَفعلَها اللّٰهُ تَعالىٰ مع ثُبوتِ التكليفِ؟فإن قُلتَ : إنّما(5)أرَدتُ أنّه(6)يُزيلُها كما يُزيلُها الإمامُ .
قُلنا لكَ : الإمامُ لَيسَ يُزيلُها، و إنّما هو لُطفٌ في ارتفاعِ مُقتَضاها.
فإن قُلتَ : فألّا رَفَعَ (7)مُقتَضاها بغيرِ إمامٍ؟
قُلنا لكَ : هذا ممّا قد بيّنّا فَسادَه بالدَّلالةِ علىٰ أنّ الإمامَ لُطفٌ ، و أنّ غيرَه لا يَقومُ مَقامَه فيمَن كانَ لُطفاً لهم.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و تَعلُّقُهم بكُلِّ ذلكَ يَبطُلُ ؛ لأنّه يوجِبُ أن لا يَقتَصِروا علىٰ حُجّةٍ واحدةٍ (8)
1) . في حاشية «م»: «لعلّ غرض صاحب الكتاب ليس جواز ذلك حتّىٰ يلزم التناقض، بل المرادأنّ ذلك لو جاز من الإمام لجاز منه سبحانه لأنّه أقدر، و إن لم يجز في الحقيقة إزالة الشهوة منه سبحانه كما لا يجوز من الإمام؛ فالكلام منه جدليّ ».
2) . في المطبوع: «إثباتهما».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 61.
4) . في المطبوع و الحجري: «نسيت».
5) . في «د»: «أنا».
6) . في المطبوع و الحجري: «أن».
7) . في «ج، د، ص»: «يرفع».
8) . في النسخ: «على الحجّة الواحدة». و ما أثبتناه من المطبوع و الحجري و المغني.
[و يَلزَمُهم أن لا يُجوِّزوا الغَيبةَ عليه و خَفاءَ المَوضِعِ و الشخصِ ، و](1)يَلزَمُهم أن يَكونَ كُلُّ مكلَّفٍ متمكِّناً مِنه في كُلِّ وقتٍ ....(2)
فيُقالُ له: أمّا إلزامُكَ أن لا يُقتَصَرَ علىٰ حُجّةٍ واحدةٍ، فقَد مَضىٰ ما فيه مكرَّراً.
فأمّا الغَيبةُ: فإنّا لَم نُجوِّزْها مع الاختيارِ، بَل مع الإلجاءِ و الاضطِرارِ، و الحُجّةُ فيها(3)علَى الظالِمينَ الذينَ أخافوا الإمامَ و أحوَجوه إلَى الاستتارِ و الغَيبةِ ، و لا حُجّةَ فيها(4)علَى اللّٰهِ تَعالىٰ و لا علَى الإمامِ عليه السلامُ .
فأمّا تَمكُّنُ كُلِّ واحدٍ مِن الوصولِ إليهِ : فقَد تَقدَّمَ أنّه مُمكِنٌ ؛ مِن حَيثُ تَمكَّنوا مِن مُفارَقةِ ما أحوَجَ الإمامَ إلَى الاستتارِ(5).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ لهُم أُخرىٰ: و رُبَّما سَلَكوا ما يُقارِبُ(1)هذه الطريقةَ علىٰ وجهٍ آخَرَ؛ بأن يَقولوا: إذا كانَ السهوُ و الغَفلةُ و الغَلَطُ(2)لاتّباعِ الشهوةِ و الشُّبهةِ جائزةً(3)علَى المُكلَّفينَ و كذلكَ النقصُ و التقصيرُ، و كانَ الأقربُ في زوالِ ذلكَ أو زوالِ تأثيرِه(4)وجودَ حُجّةٍ في الزمانِ ؛ لأنّ عندَه لا شَكَّ يَكونونَ أقرَبَ إلَى العُدولِ عن ذلكَ إلَى القيامِ بما كُلِّفوه، فلا بُدَّ في المكلِّفِ - إذا كانَ حَسَنَ (5)النظَرِ للمكلَّفينَ (6)- أن يُقيمَ لهم في الزمانِ (7)
1) . في المغني: «ما يعاون». و علّق محقّق الكتاب عليها بقوله: يمكن أن تكون «يقارن». و لو أنّه عارض نسخته من المغني بما نقله المصنّف رحمه اللّٰه منه في الشافي لكُفي مؤونة التوجيه، و لظهرت له معانٍ كثيرة قد التبست عليه.
2) . في المغني: - «و الغلط».
3) . هكذا في «ج» و المطبوع و المغني. و في سائر النسخ: «جائزين».
4) . في المطبوع: «تأثير».
5) . في المطبوع: «أحسن» و في «ج، ص»: «جيّد».
6) . في المغني: «إلى المكلّفين».
7) . في المغني: «في كلّ زمان».
حُجّةً مِن رسولٍ أو إمامٍ ، كما لا بُدَّ مِن أن يَلطُفَ لهم(1).
قالَ :
و هذا يَسقُطُ بوجوهٍ (2):
مِنها: ما قَدَّمناه مِن أنّه لا وجهَ يُقطعُ (3)به علىٰ أنّ ذلكَ أقرَبُ إلىٰ قيامِهم بما كُلِّفوه؛ لأنّا قد بيّنّا مُفارَقتَه لكَونِ المعرفةِ لُطفاً لهم(4)علىٰ كُلِّ حالٍ ، و بيّنّا أنّ لُطفَ المكلَّفِ قد يَكونُ بأن(5)يُخَلّىٰ سربُه(6)و يوكَلَ إلىٰ نَفْسِه(7)، و قَد(8)يَكونُ عندَ ذلكَ أقرَبَ إلَى الطاعةِ مِن أن يُلزَمَ اتّباعَ غيرِه.(9)
فيُقالُ له: قد تَقدَّمَ ذِكرُنا للوجهِ (10)الذي يُقطعُ (11)به علىٰ أنّ وجودَ الأئمّةِ
1) . في «د، ل»: «بهم».
2) . في «ج»: «لوجوه».
3) . في «ج، ف» و المطبوع: «نقطع».
4) . في المغني: - «لهم».
5) . في المغني: «في أن».
6) . السَّرْب و السَّرَب - بالفتح -: الطريق، يقال: خَلِّ سَربه، أي طريقه يذهب حيث يشاء. و السِّرْبُ - بالكسر -: النفس، يقال: آمِنٌ في سِربه، أي آمِنٌ في نفسه. راجع: معجم مقاييس اللغة، ج 3، ص 155؛ الصحاح، ج 1، ص 146 (سرب).
7) . راجع: المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 25؛ الشافي، ج 1، ص 55.
8) . في «د» و المطبوع: «فقد».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 63.
10) . في المطبوع و الحجري: «في الوجه».
11) . في «ج»: «نقطع».
و الرؤَساءِ لُطفٌ للمكلَّفينَ، و دَلَّلنا علىٰ أنّه لا بُدَّ أن يَكونوا عندَ وجودِهم أقرَبَ إلَى الصلاحِ و أبعَدَ مِن الفَسادِ.(1)و ما ظَنَنتَ أنّه يُفسِدُ هذه الطريقةَ و أحَلتَ في كلامِكَ هذا عليه، فقَد أفسَدناه و دَلَّلنا علىٰ بُطلانِه و بُعدِه مِن الصوابِ.(2)
فأمّا مُفارَقةُ الإمامةِ للمعرفةِ في عمومِ اللطفِ بها فقَد قُلنا: إنّها عامّةٌ(3)في الأحوالِ و مُساويةٌ للمعرفةِ في ذلكَ ، و إن لَم يَجِبِ القطعُ علىٰ أنّها لُطفٌ في كُلِّ تكليفٍ كالمعرفةِ (4)، و لا في كُلِّ مكلَّفٍ حتّىٰ يُتَعدّىٰ إلى المعصومينَ . و قد تَقدَّمَ مِن(5)ذِكرِ الخصوصِ و العمومِ في الألطافِ - و أنّها قد تَتّفِقُ في ذلكَ و تَختَلِفُ - ما لا يُحتاجُ إلىٰ إعادتِه(6).
و مِن عجيبِ الأُمورِ تصريحُه بأنّ الصلاحَ قد يَكونُ في الإهمالِ بقَولِه:
«إنّ لُطفَ المكلَّفِ قد يَكونُ في أن(7)يُخلّىٰ سربُه و يوكَلَ إلىٰ نَفْسِه» و هذه حالةٌ يَعلَمُ كُلُّ العقلاءِ ما تُثمِرُه مِن الفَسادِ، و يَيأسونَ [عندَها] مِن وقوعِ شيءٍ مِن الصلاحِ ، حتّىٰ أنّهم إذا بَلَغوا الغايةَ في التعَوُّذِ مِن المَكارِهِ رَغِبوا إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ في أن لا يَكِلَهم إلىٰ نُفوسِهم.(8)
1) . تقدّم في ص 22.
2) . راجع: ص 222 و 233 و 241.
3) . في «ج، ص» و حاشية «د»: «ثابتة».
4) . إن كان مثالاً للنفي، و إلّافيجب استثناء نفس المعرفة من بين التكاليف؛ لأنّها ليست لطفاً في نفسها. (من حاشية «م»).
5) . في المطبوع: - «من».
6) . تقدّم في ص 223.
7) . في المطبوع: «في أن يكون بأن» بدل «قد يكون في أن».
8) . في حاشية «م»: «قد مضى الكلام فيه قبل هذا بثلاثين ورقة، و لكنّ فيما زاده هنا خفاء [كذا]
و المناظَرةُ في الضروريّاتِ لا مَعنىٰ لها، و أكثرُ ما يُستعملُ فيها التنبيهُ الذي استَقصَيناه و تَناهَينا في استعمالِه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و مِنها: أنّه لا يَخلو مِن أن يَكونَ ذلكَ(1)لُطفاً في كُلِّ أمرٍ كُلِّفوه، أو في بَعضِه(2)دونَ بعضٍ.
فإن جَعَلوه [لُطفاً](3)في كُلِّه، لَزِمَ(4)الحاجةُ إلىٰ حُجّةٍ في النظَرِ المؤدّي إلى العِلمِ بأنّ الحُجّةَ حُجّةٌ، و يؤدّي إلىٰ ما ذَكَرناه مِن الفَسادِ، و يَلزَمُ (5)حضورُ الحُجّةِ في كُلِّ وقتٍ عندَ كُلِّ مكلَّفٍ ، أو يَلزَمُ إثباتُ حُجَجٍ ليَصِحَّ ذلكَ فيهم، إلىٰ سائرِ ما قَدَّمناه.
فإن(6)قالوا: هو لُطفٌ في بَعضِ ذلك.
لرغبتهم إليه تعالىٰ في أن لا يكلهم إلىٰ أحد من الناس أيضاً؛ و المقصود التضرّع إلى اللّٰه سبحانه في إنجاح المطالب و تيسير ما يُخاف عسره و دفع المكاره؛ فتدبَّر (ح. س)».
و في حاشية أُخرىٰ : «قال السيّد السجّاد - عليه الصلاة و السلام - في بعض أدعيته: «فإنّك إن وكلتني إلىٰ نفسي عجزتُ عنها و لم أُقم ما فيه مصلحتها، و إن وكلتني إلى الناس تجهّموني، و إن ألجأتني إلىٰ قرابتي حرموني... الدعاء» و يظهر منه و من أمثاله: أنّ وجه فساد الكِلة إلىٰ نفسه العجز، و أمّا الاستعاذة من الوكلة إلى الناس فلخوف التجهّم و نحوه، فهو مخصوص بمن يجوز في شأنه ذلك. و أمّا الوكلة إلى المعصوم و الإمام المنصوص من قِبله سبحانه فهو خال عن الفساد، بل هو في منزلة الكلة إليه سبحانه؛ لأنّه منصوب من جهة اللّٰه تعالىٰ ؛ فتدبَّر».
قيلَ لهم: إذا كانَ حالُ الكُلِّ سَواءً ، فمِن أينَ أنّه لُطفٌ في البَعضِ دونَ بَعضٍ؟(1)
فيُقالُ له: قد بيّنّا ما تَقتَضي(2)العاداتُ بكَونِ (3)الإمامِ لُطفاً فيه، و فَصَلنا بَينَه و بَينَ غيرِه بما لا يَجِبُ القطعُ علىٰ مِثلِ ذلكَ فيه، و قُلنا في الاعتقاداتِ و ما يَرجِعُ إلىٰ أفعالِ القلوبِ كالنظَرِ و غيرِه أنّه لَيسَ بواجبٍ أن يَكونَ الإمامُ لُطفاً في وقوعِه(4)لأنّه غيرُ ممتَنِعٍ أن يَعلَمَ اللّٰهُ تَعالىٰ مِن حالِ المكلَّفينَ أنّهم يؤدّونَ الواجبَ عَلَيهم فيما عَدَّدناه مع فَقدِ الإمامِ ، و يَقومُ مَقامَ تنبيهِه لهم تنبيهُ غيرِه مِن خاطرٍ أو غيرِ خاطرٍ(5).
فأمّا قَولُكَ(6): «إنّ حالَ الكُلِّ سَواءٌ» فلَيسَ كذلكَ؛ لأنّ كُلَّ عاقلٍ يَعلَمُ ضَرورةً ما بَينَ(7)حالِ الرؤَساءِ و الأئمّةِ ؛ مِن(8)لُزومِ السَّدادِ، و طريقةِ العَدلِ و الإنصافِ ، و مُفارَقةِ الظُّلمِ و البغيِ و كثيرٍ مِن ضُروبِ الفَسادِ، و لَيسَ بمعلومٍ مِثلُ ذلكَ في كُلِّ الواجباتِ .
فأمّا حضورُ الحُجّةِ في كُلِّ وقتٍ و إثباتُ حُجَجٍ ، فقَد مضىٰ ما فيه مكرَّراً(9).
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 63.
2) . في «ص» و المطبوع: «ما يقتضي».
3) . في المطبوع و الحجري: «أن يكون».
4) . كما أنّ المعرفة ليست لطفاً في نفسها، و إلّالزم التسلسل أيضاً، فحاله كحال المعرفة بعينها؛ فتدبّر. (من حاشية «م»).
5) . تقدّم في ص 213.
6) . في «ج، ص، ف»: «فأمّا قوله».
7) . في حاشية المطبوع و الحجري: «ضرورة تأثير».
8) . في المطبوع: «في».
9) . تقدّم في ص 45، 57، 149.
فإن قالَ: إذا كنتم لا تَقطَعونَ علىٰ أنّ الإمامَ لَيسَ بلُطفٍ في كُلِّ الواجباتِ ، بل
تُجوِّزونَ كَونَه لُطفاً في جميعِها، و إنّما امتَنَعتم مِن القَطعِ علىٰ وجوبِ كَونِه لُطفاً في الجميعِ ، فقَد جازَ علىٰ ما صَرَّحتم به أن يَكونَ لُطفاً في الكُلِّ ؛ فكَيفَ الجوابُ مع هذا التجويزِ عمّا ألزَمناكُموه ؟
قيلَ له: حُكمُ الجوازِ يخالِفُ حُكمَ الوجوبِ في هذا المَوضعِ ؛ لأنّ الوجوبَ يَقتَضي إثباتَ ما لا نِهايةَ له مِن الحُجَجِ ، و الجوازُ لَيسَ كذلكَ .
فإن قالَ : لا شَكَّ أنّ بَينَ الجوازِ و الوجوبِ الفَرقَ الذي ذَكَرتُموه، غيرَ أنّه إذا كانَ جائزاً أن يَكونَ (1)الإمامةُ لُطفاً في كُلِّ واجبٍ و معرفةٍ بإمامٍ و غيرِه و علىٰ كُلِّ وجهٍ ، فلَو عَلِمَ اللّٰهُ تَعالىٰ هذا الجائزَ، ما الذي كانَ يَجِبُ علىٰ قَولِكم ؟
قيلَ له: إن عَلِمَ ما ذَكَرتَه لَم يَحسُنْ تكليفُنا؛ لتَعلُّقِه بوجودِ ما لا نِهايةَ له.
و بيانُ هذه الجُملةِ: أنّه تَعالىٰ إذا كلَّفَنا فِعلَ(2)الواجباتِ و الامتناعَ عن المُقبَّحاتِ ، و كُنّا(3)عالِمينَ بأنّ الإمامةَ لُطفٌ في فِعلِ كثيرٍ ممّا وَجَبَ (4)عَلَينا و الامتناعِ مِن كثيرٍ ممّا كُرِهَ منّا، فلَو عَلِمَ تَعالىٰ أنّ معرفتَنا بالإمامِ - الذي في إقامتِه(5)لُطفٌ لنا - يَحتاجُ في مَعنَى اللُّطفِ إلىٰ مِثلِ ما احتاجَت إليه الأفعالُ التي ذَكَرناها، حتّىٰ يكونَ وجودُ إمامٍ آخَرَ لُطفاً فيها كما كانَت هي لُطفاً في غيرِها، و كانَ (6)القَولُ
في ذلكَ الإمامِ كالقَولِ في هذا، لَاتَّصَلَ لُطفُنا(1)بما لا نِهايةَ له، و لَو كانَ ما قَدَّرناه في المعلومِ(2)لَقَبُحَ تكليفُنا بما(3)وجودُ الإمامِ لُطفٌ فيه. و في عِلمِنا بأنّنا مكلَّفونَ بذلكَ(4)دَلالةٌ علىٰ أنّ التقديرَ الذي قَدَّرناه لَيسَ في المعلومِ .
و العُمدةُ هي الفَصلُ بَينَ الوجوبِ و الجوازِ؛ لأنّ الوجوبَ مع ثُبوتِ التكليفِ يَقتَضي وجودَ ما لا نِهايةَ له، و الجوازَ لا يَقتَضي ذلكَ ؛ بل يكونُ ثبوتُ التكليفِ مُؤمِّناً مِن أن يَكونَ في المعلومِ ما يَقتَضي فِعلَ ما لا يَتَناهىٰ ، و ما كانَ مِنه يَنتَهي إلىٰ حَدٍّ فهو مجوَّزٌ؛ لأنّ ثبوتَ التكليفِ لا يُنافيه، و إنّما يُنافي ما لا يَتَناهىٰ .
فإن قالَ : جُملةُ ما ذَكَرتموه يوجِبُ أنّ الإمامَ لُطفٌ فيما يُخافُ فيه مِن أدبِه و عِقابِه، و هذا يوجِبُ أنّ الناسَ عندَ وجودِ الإمامِ كالمُلجَئينَ إلىٰ فِعلِ الواجبِ و الامتناعِ مِن القبيحِ ، فلا يَستَحِقّونَ ثَواباً.
قيلَ له: لَيسَ يَبلُغُ خَوفُ الناسِ مِن أَدَبِ(5)الإمامِ و رَهبَتُهم له إلىٰ حَدِّ الإلجاءِ ؛ لأنّا نَرىٰ بَعضَهم قد يواقِعُ القَبيحَ مع وجودِ الأئمّةِ و انبساطِ أيديهِم و قوّةِ سُلطانِهم. و لأنّا نَجِدُ مَن يَمتَنِعُ مِنه(6)في حالِ وجودِ الأئمّةِ يَستَحِقُّ المَدحَ ، و لَيسَ يَجوزُ أن يُستَحَقَّ المَدحُ فيما الإنسانُ (7)مُلجأٌ إليه.
و لو لَزِمَنا في هذا المَوضعِ أن يَكونَ المكلَّفونَ مُلجَئينَ إلىٰ فِعلِ الواجبِ لأجلِ الخوفِ مِن الإمامِ، لَلَزِمَكَ إذا قلتَ : «إنّ المعرفةَ باستحقاقِ العقابِ لُطفٌ في التكليفِ ، و إنّ المكلَّفينَ لا بُدَّ أن يَكونوا عندَ هذه المعرفةِ أقرَبَ إلَى اجتنابِ القبيحِ » أن يَكونوا مُلجَئينَ و غيرَ مُستَحِقّينَ للثوابِ (1).
فإن قُلتَ : لَيسَ يَمتَنِعُ أن يَترُكَ المكلَّفونَ - عندَ المعرفةِ باستحقاقِ العقابِ - الفِعلَ لقُبحِه، و يَكونَ (2)هذه المعرفةُ داعيةً لهم إلىٰ ذلكَ .(3)
قيلَ لكَ : و كذلكَ لَيسَ يَمتَنِعُ أن يَترُكَ الناسُ القَبائحَ (4)عندَ وجودِ الأئمّةِ و انبساطِ أيديهِم(5)للوجهِ الذي وَجَبَ عَلَيهم تَركُها مِنه، و يَكونَ وجودُ الأئمّةِ داعياً و مُسهِّلاً.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فإنّ ذلكَ (6)يوجِبُ جوازَ أن لا يَكونَ لُطفاً في البَعضِ الذي ذَكَروه، و في ذلكَ الاستغناءُ عن الحُجّةِ في بعضِ المكلَّفينَ و في بعضِ الأعصارِ، [و ما أوجَبَ ذلكَ أوجَبَ جوازَ الاستغناءِ عنه في كُلِّ زمانٍ ].(7)
فيُقالُ له: الذي يُبطِلُ قَولَكَ ما قَدَّمناه مِن الدلالةِ علىٰ كَونِ الإمامِ لُطفاً في أحَدِ
1) . في «ج، ص»: «للعقاب».
2) . هكذا في النسخ و الحجري. و في المطبوع: «و تكون».
3) . يعني أنّ اجتنابهم عن القبائح مع هذه المعرفة إنّما هو لقبحها، و تلك المعرفة مسهّلة للاجتناب؛ فهم يستحقّون الثواب لذلك. فأجاب بأنّ مثله جارٍ في الإمامة «ح. س». (من حاشية «م»).
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يكون الناس يتركون القبائح».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و انبساطهم».
6) . أي كون الإمام لطفاً في بعض التكاليف دون بعض.
7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 63. و ما بين المعقوفين من المصدر.
الأمرَينِ(1)، و أنّه لا وَجهَ يُقطَعُ مِنه علىٰ(2)كَونِه لُطفاً في الآخَرِ. و لَيسَ يَجِبُ إذا لَم يَكُن لُطفاً في شيءٍ أن لا يَكونَ لُطفاً في غيرِه(3)لأنّ هذا لَو وَجَبَ لَلَزِمَكَ إخراجُ كثيرٍ مِن الألطافِ عن كَونِها لُطفاً؛(4)لأنّه لَو قيلَ لكَ: أتَقطَعُ علىٰ أنّ الصلاةَ لُطفٌ في كُلِّ تكليفٍ؟ لَم يُمكِنكَ ادّعاءُ ذلكَ فيها؛ لأنّكَ إنِ ادَّعَيتَه طولِبتَ بالبُرهانِ، و لا بُرهانَ يُقطَعُ به علىٰ عمومِ كَونِها لُطفاً في جميعِ(5)التكاليفِ، و إذا جوَّزتَ اختصاصَها قيلَ لكَ: ما تُنكِرُ أن يَكونَ جوازُ أن لا يَكونَ(6)لُطفاً في بعضِ التكاليفِ كجوازِ ذلكَ في الكُلِّ؟ فوَجَبَ (7)أن تُخرِجَها(8)مِن أن تَكونَ لُطفاً جُملةً ، و هذا إذا أُلزِمتَه(9)لَم يَكُن جوابُكَ عنه إلّامِثلَ (10)جوابِنا لكَ ؛ فتأمَّلْه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و مِنها: أنّ اللُّطفَ في ذلكَ لا يَجوزُ أن يَكونَ وجودَ عَينِ (11)الإمامِ ،
1) . أي بعض التكاليف دون بعض.
2) . في المطبوع و الحجري: - «على».
3) . و بمثل ما ذكره يمكن نفي العلّيّة عن كلّ علّة: بأنّها لمّا لم تكن علّة لغير معلولها، فجاز أن لاتكون علّة لمعلولها؛ فتدبَّر «ح. س». (من حاشية «م»).
4) . في «د» و الحجري: «ألطافاً».
5) . في «ج، د، ص، ف»: «لجميع». و في «ط»: «بجميع».
6) . في المطبوع و الحجري: «أن يكون».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيجب».
8) . في «ص، ط، ف»: «أن يخرجها».
9) . في المطبوع: «إن لزمته» بدل «إذا ألزمته».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «بمثل».
11) . في المغني: «غير». و هو تصحيف واضح.
و إنّما هو بيانُه و ما يَكونُ مِن قِبَلِه، فيَجِبُ أن يَقومَ بيانُ غيرِه مَقامَ بيانِه، و تنبيهُ العلماءِ يَقومُ مَقامَ تنبيهِه....(1)
فيُقالُ له: إن أرَدتَ أنّ بيانَ غيرِه مِن العلماءِ و تنبيهَه يَقومُ مَقامَ بيانِ الإمامِ و تنبيهِه فيما دَلَّلنا علىٰ أنّ وجودَ الإمامِ لُطفٌ فيه مِن الأفعالِ ، فلا؛ لأنّ العقلاءَ يَعلَمونَ أنّ غيرَ الرؤَساءِ و الأئمّةِ لا يَقومونَ في هذا الوجهِ مَقامَهم. و إن أردتَ به(2)غيرَ ذلكَ مِن الاعتقاداتِ و التنبيهِ علَى النظَرِ و الاستدلالِ ، فما(3)ذَكَرتَه جائزٌ، إلّاأنّه لَيسَ بقادحٍ في طريقتِنا.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و مِنها: أنّ نَفسَ الحُجّةِ إذا استَغنىٰ في قيامِه بما كُلِّفَ عن(4)حُجّةٍ
أُخرىٰ ،(5)فما الذي يَمنَعُ مِن مِثلِه في المكلَّفينَ؟....(6)
فيُقالُ له: إنّما وَجَبَ في الحُجّةِ الاستغناءُ عن حُجّةٍ آخَرَ(7)- يَكونُ لُطفاً له
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 63-64.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «في» بدل «به».
3) . في المطبوع و الحجري: «فيما».
4) . في المغني: «من».
5) . في «ص، ط، ف» و المغني: «حجّة آخر».
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 64. و قد أورد صاحب الكتاب بعد ذلك إشكالاً خامساً على الدليل الثاني المتقدّم الذي عبّر عنه ب «الشبهة»، و الإشكال هو أنّ وجود إمام و حجّة في كلّ بلد أبلغ، فيجب أن يقولوا بوجوبه. و لم يتعرّض المصنّف رحمه اللّٰه لهذا الإشكال و جوابه، و قد يرجع ذلك إلىٰ تعرّضه سابقاً للجواب عنه. راجع: ص 398.
7) . في المطبوع: «عن الحجّة الأُخرىٰ ».
في الامتناعِ مِن القَبيحِ و أداءِ الواجِبِ - لعِصمتِه و كَمالِه، و ما وَجَدنا(1)في غيرِه ذلكَ ؛ لأنّه لَو كانَت(2)حالُ غيرِه مِن المكلَّفينَ كحالِه لَاستَغنىٰ عن إمامٍ (3)كما استَغنىٰ هو.
فإن قالَ : إذا جازَ أن يَقومَ في الحُجَجِ و الأئمّةِ - في بابِ اللُّطفِ و الامتناعِ مِن القَبائحِ - غيرُ الإمامِ (4)مَقامَ الإمامِ ، فلِمَ لا يَجوزُ مِثلُ ذلكَ في غيرِ الحُجَجِ و الأئمّةِ؟ و ألّا جازَ أن يَعلَمَ اللّٰهُ تَعالىٰ ذلكَ في سائرِ المكلَّفينَ أو أكثَرِهم، فيَستَغنوا عن الأئمّةِ كما استَغنَت الأئمّةُ؟
قيلَ له: لَيسَ يَمتَنِعُ أن يَعلَمَ اللّٰهُ تَعالىٰ مِن حالِ بعضِ المكلَّفينَ مِمَّن لَيسَ بإمامٍ أنّه لا يَختارُ شَيئاً مِن القَبيحِ عندَ بعضِ الألطافِ التي لَيسَت بإمامةٍ ، فيَفعَلَ به(5)ذلكَ ، و يَكونَ معصوماً لا يَحتاجُ إلىٰ إمامٍ مِن هذا الوجهِ .
غيرَ أنّ الذي لا نُجوِّزُه هو أن يَكونَ في المعلومِ أنّ غيرَ وجودِ الأئمّةِ و الرؤَساءِ يَقومُ - في لُطفِ مَن(6)جازَ عليه مِن المكلَّفينَ فِعلُ القبيحِ و لَم يؤمَنْ مِنه الفَسادُ و الافتتانُ (7)- مَقامَ وجودِهم؛ حتّىٰ يَكونوا عندَه(8)أقرَبَ إلىٰ فِعلِ الواجبِ و أبعَدَ مِن
1) . في «د، ط، ف»: «فأوجبنا» بدل «و ما وجدنا».
2) . في «د»: «لو كان».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «إ مامة».
4) . و هو العصمة و الكمال المشار إليهما آنفاً.
5) . في المطبوع: - «به».
6) . في «ج، ص»: «لطفه ممّن».
7) . الافتتان: الوقوع في الفتنة. و الفِتنة تطلق على الضلال و الإثم و الكفر و العذاب و غير ذلك، ولعلّ هذه المعاني هي المرادة هنا. راجع: القاموس المحيط، ج 4، ص 254؛ المحكم و المحيط الأعظم، ج 9، ص 501 (فتن).
8) . أي عند لطفٍ آخر غير وجود الأئمّة.
فِعلِ القبيحِ، كما يَكونونَ(1)كذلكَ عندَ وجودِ الأئمّةِ .
و الذي يَمنَعُ مِن هذا(2)عِلمُنا بأنّ الناسَ علىٰ طريقةٍ واحدةٍ يَفسُدونَ و يُفتَنونَ عندَ فَقدِ الأئمّةِ و الرؤَساءِ (3)، و يَصلُحونَ و يَستَقيمونَ عندَ وجودِهم.
و لَو كانَ ما ألزَمَناه جائزاً، لَم يَكُنِ العِلمُ الذي ذَكَرناه حاصلاً علَى الحَدِّ الذي
هو عليه، بل كانَ يَجِبُ أن يَجوزَ(4)كَونُ الناسِ مع فَقدِ الأئمّةِ علىٰ حالِ السَّدادِ و الصَّلاحِ ، و مع وجودِهم علىٰ حالِ الفَسادِ و الاضطرابِ (5)، و في القَطعِ علىٰ بُطلانِ هذا دَلالةٌ علىٰ أنّه لَيسَ في الجائزِ أن يَقومَ مَقامَ الأئمّةِ فيما ذَكَرناه غيرُهم.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ أُخرىٰ لهم:(1)
قالوا: قد عَلِمنا مِن حالِ المكلَّفينَ أنّهم يَجوزُ عَلَيهم الاختلافُ فيما كُلِّفوا عِلمَه مِن المَذاهبِ، فكما يَجوزُ عَلَيهم ذلكَ فجائزٌ عَلَيهم الاختلافُ في الأدلّةِ ، و الاختلافُ في كيفيّةِ الاستدلالِ بها و النظرِ فيها.
[و إذا كانَ كلُّ ذلكَ جائزاً] فلا بُدَّ مِن قاطعٍ للخِلافِ [يُفارِقُ حالُه - في أنّ الخطأَ مأمونٌ مِنه - حالَهم، و هو الحجّةُ الذي ذَكَرناه. و في هذا وجوبُ الحاجةِ إليه في كُلِّ عصرٍ]....(2)
ثُمّ تَكلَّمَ في رَدِّ ذلكَ بكلامٍ طويلٍ (3)بعضُه صحيحٌ مُستَمِرٌّ(4)و بعضُه غيرُ صحيحٍ .
و هذه الطريقةُ التي حَكاها(5)غيرُ مُعتمَدةٍ عندَنا، و لا اعتمَدَها أحَدٌ مِن أصحابِنا
المتقدِّمينَ و لا المتأخِّرينَ.(1)و الذي يَتَعلَّقونَ به في بابِ الاختلافِ في المَذاهبِ هو علىٰ خِلافِ هذا الوجهِ؛ لأنّهم يَذكُرونَ ذلكَ في بعضِ السمعيّاتِ(2)و
الشرعيّاتِ(3)ممّا(4)يَكونُ الحُجَجُ فيه(5)كالمتكافئةِ، و الأدلّةُ القاطعةُ مفقودةً، و سنَتَكلَّمُ في تصحيحِ هذه الطريقةِ، فقَد ذَكَرَها صاحبُ الكتابِ تاليةً لهذا الفصلِ.
و قد كانَ يَجِبُ عليه أن لا يورِدَ في الحكايةِ عنّا هذه الشُّبهةَ الضعيفةَ التي لا يَخفىٰ بُطلانُها علىٰ متكلِّمٍ ؛ اللّهمّ إلّاأن يَكونَ أصابَها في كتابٍ لنا مشهورٍ، أو سَمِعَها مِن متكلِّمٍ مِن أصحابِنا(6)حاذِقٍ ، فيُضيفَها إلَى الكتابِ أو المتكلِّمِ ، و إلّافقَد أقامَ نَفسَه مَقامَ المتَّهَمِ بإيرادِ ما يَسهُلُ (7)عليه نَقضُه، و يُمكِنُه دَفعُه.
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «المتأخّرين و لا المتقدّمين».
2) . السمعيّات ما يُتلقّىٰ سمعاً، كنصوص الكتاب و السنّة.
3) . الشرعيّات هي ما بيّن الشارع حكمها و حدّد موضوعها.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «فيما».
5) . في المطبوع و الحجري: «فيه الحجج».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «من متكلّم لنا» بدل «من متكلّم من أصحابنا».
7) . في المطبوع و الحجري: «ما سهل».
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ لهم أُخرىٰ: و رُبَّما تَعلَّقوا باختلافِ الأُمّةِ(1)في الفقهِ و الاجتهادِ(2)، و قالوا(3): لا بُدَّ مِن حُجّةٍ ليَقطَعَ(4)هذا الخِلافَ؛ لأنّه لا يُمكِنُ (5)إثباتُ حُجّةٍ قاطعةٍ في الكتابِ و السُّنّةِ ، و لا بُدَّ مِن أن يَكونَ عِلمُ ذلكَ مُستَودَعاً في الإمامِ . - قالَ : - و هذا يَبطُلُ بما دَلَّلنا عليه مِن إثباتِ الاجتهادِ....(6)
فيُقالُ له: قد تَعلَّقَ أكثرُ أصحابِنا بهذه الطريقةِ و اعتَمَدوها في الحاجةِ إلىٰ إمامٍ (7)بَعدَ النبيِّ . و ما حَكَيتَه مِن نَفيِ حُجّةٍ قاطعةٍ في الكتابِ و السُّنّةِ باطلٌ لا يُطلِقُه
1) . في المطبوع: «الأئمّة» يعني أئمّة و أعلام الفقه و الاجتهاد.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «الاجتهاديّات». و في «د» و الحجري: «الاجتهادات». و ما أثبتناه موافق للمغني و المطبوع.
3) . في المغني: «بأن قالوا».
4) . في «ط»: «لتقطع».
5) . في «ج، ص، ط»: «و لا يمكن» بدل «لأنّه لا يمكن».
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 67.
7) . في «ج، ص» و حاشية «ف»: «الإمام».
القومُ المُستَدِلّونَ بهذه الطريقةِ.
و وَجهُ ترتيبِ الاستدلالِ بها أن يُقالَ: قد عَلِمنا أنّه لَيسَ كُلُّ ما تَمَسُّ(1)الحاجةُ إليه مِن الشريعةِ، عليه حُجّةٌ قاطعةٌ مِن كتابٍ، أو تواتُرٍ، أو إجماعٍ ، أو ما جَرىٰ مَجرىٰ ذلكَ ؛(2)بل الأدلّةُ في كثيرٍ مِن ذلكَ كالمتكافئةِ ، أو هي متكافئةٌ ، و لَولا ما
ذَكَرناه ما فَزِعَ خُصومُنا إلىٰ غلبةِ الظَّنِّ و الاستحسانِ و غيرِهما ممّا يُسَمّونَه اجتهاداً. و إذا ثَبَتَ ذلكَ و كُنّا مكلَّفينَ للعِلمِ بالشريعةِ و العملِ بها، وَجَبَ أن يكونَ لنا مَفزَعٌ نَصِلُ مِن جهتِه إلىٰ ما اختَلَفَت(3)أقوالُ الأُمّةِ فيه.
فأمّا قولُكَ: «و هذا يَبطُلُ بما دَلَّلنا عليه مِن صحّةِ الاجتهادِ» فقَد دَلَّت الأدلّةُ الواضحةُ عندَنا على إبطالِ ما تُسمّيهِ اجتهاداً؛ و أحَدُ ما يَدُلُّ علىٰ ذلكَ: أنّ الاجتهادَ في الشريعةِ عندَكم هو: «طلبُ غلبةِ الظَّنِّ فيما لا دَليلَ عليه»، و الظَّنُّ مُحالٌ أن يَكونَ له مَجالٌ في الشريعةِ (4)، و لا يَصِحُّ أن يَغلِبَ الظَّنُّ في تَحريمِ (5)شيءٍ منها أو تحليلِه؛(6)لأنّ الشريعةَ مَبنيّةٌ علىٰ ما يَعلَمُه اللّٰهُ تَعالىٰ مِن مَصالحِنا(7)التي لا عَهدَ لنا فيها و لا عادةَ و لا تَجرِبةَ .
1) . في «ج، ط، ف»: «ما يمسّ ».
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «أو ما يجري مجراهما».
3) . في «ج، د»: «ما اختلف».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و الظنّ لا مجال له في الشريعة».
5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يغلب في الظنّ تحريم».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «و تحليله» بدل «أو تحليله».
7) . في «ط»: «في مصلحتنا».
ألا تَرىٰ أنّه تَعالىٰ قد حَرَّمَ شَيئاً و أباحَ مِثلَه و ما هو مِن جنسِه، و أباحَ شَيئاً و حَظَرَ مِثلَه و ما صفاتُه كصفاتِه؛ فكَيفَ يُمكِنُ أن يُستَدرَكَ بالظَّنِّ الحلالُ و الحرامُ مِن هذه الشريعةِ، و ما يوجِبُ الظَّنَّ و يَقتَضيهِ مفقودٌ فيها؟
و ما يَذكُرُه خُصومُنا عندَ ورودِ هذا الكلامِ عَلَيهم مِن قولِهم: «إنّ الظَّنَّ يَغلِبُ في الشريعةِ و إن لَم يَكُن له طريقٌ مَعلومٌ مقطوعٌ عليه(1)، كما يَغلِبُ ظَنُّ أحَدِنا أنّه إذا أرادَ التجارةَ خَسِرَ أو رَبِحَ، و إذا سَلَكَ بعضَ الطريقِ(2)عَطِبَ(3)أو سَلِمَ، إلىٰ غيرِ ما ذَكَرناه ممّا يَغلِبُ ظَنُّ بعضِ(4)العقلاءِ فيه، و إن لَم يُمكِنِ الاشارةُ إلىٰ ما اقتَضَى الظَّنَّ بعَينِه؛ فكذلكَ لا يُنكَرُ(5)أن يَغلِبَ ظَنُّ العلماءِ في الشريعةِ بما يوجِبُ إلحاقَ المحرَّمِ بالمحرَّمِ و المحلَّلِ بالمحلَّلِ» لا يُغني عنهم في دَفعِ كلامِنا شيئاً؛ لأنّ سائرَ
ما يَذكُرونه إنّما يَغلِبُ ظَنُّ العقلاءِ فيه لتقَدُّمِ عادةٍ لهم في أمثالِه، أو تَجرِبةٍ، أو سَماعِ خبرِ مَن(6)له فيه عادةٌ أو تجرِبةٌ(7)، و لَو عَرُوا مِن(8)جميعِ ذلكَ لَم يَجُز أن يَغلِبَ ظُنونُهم في شيءٍ مِنه. يبيِّنُ(9)هذا: أنّ مَن لَم يُسافِرْ قَطُّ، و لَم يَسلُكْ طريقاً مِن الطُّرُقِ ، و لا سَمِعَ بأخبارِ المسافِرينَ و أحوالِ الطُّرُقِ المسلوكةِ ، لا يَجوزُ(10)أن يَظُنَّ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و إن لم يكن لنا طريق مقطوع عليه».
2) . في «ط، ف»: «الطرق».
3) . عَطِبَ الشيء يَعطَبُ عَطَباً، أي هَلَكَ . كتاب العين، ج 2، ص 20 (عطب).
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «بعض».
5) . في «ج، ص»: «لا ننكر».
6) . في «ج، د، ص» و حاشية «ط»: «ممّن».
7) . في المطبوع: «و تجربة».
8) . في «ص»: «عن».
9) . في المطبوع و الحجري: «يتبيّن». و في «ف»: «و يبيّن» بالواو.
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فلا يجوز».
العَطَبَ أو النجاةَ في بعض الأسفارِ، و(1)في سُلوكِ بعضِ الطُّرُقِ. و كذلكَ مَن لَم يَتَّجِرْ قَطُّ، و لا اتَّصَلَ به خبرُ التجاراتِ(2)و أحوالُ التجارةِ (3)، لا يَجوزُ أن يَظُنَّ في شيءٍ مِنها رِبحاً و لا خُسراناً(4).
و إذا صَحَّ ما ذَكَرناه - و كانَت الظُّنونُ التي تَعلَّقَ بها مُخالِفونا إنّما غَلَبَت لاستنادِها إلىٰ طُرُقٍ معلومةٍ ، و لو قَدَّرنا زوالَها لَم تَحصُلْ تِلكَ الظُّنونُ ، و كانَت جميعُ الطُّرُقِ التي تَغلِبُ (5)فيها(6)الظُّنونُ مفقودةً في الشريعةِ - بَطَلَ دخولُ الظَّنِّ فيها.
فإن قالَ : هذا يؤدّي إلىٰ أنّ جميعَ المصحِّحينَ للاجتهادِ - مِن الفقهاءِ و غيرِهم - كاذبونَ فيما يُخبِرونَ به مِن غلبةِ ظُنونِهم في الشريعةِ ، و مِثلُ ذلكَ لا يَجوزُ عَلَيهم مع كَثرتِهم و تديُّنِهم بمَذاهبِهم.
قيلَ له: لَيسَ القومُ الذينَ ذَكَرتَهم كاذبينَ في وِجدانِهم أنفسَهم(7)علَى اعتقادٍ ما(8)، و إنّما هم مبطِلونَ (9)في إخبارِهم بأنّه غلبةُ ظَنٍّ ، و العِلمُ بالفَرقِ بَينَ الاعتقادِ المبتَدَإ و الظَّنِّ (10)و العِلمِ لَيسَ بضَروريٍّ ، و لا ممّا يَجِبُ أن يَعرِفَه كُلُّ أحَدٍ مِن نَفسِه.
1) . في «ج، ص، ف»: - «و».
2) . في «ط»: «التجارة».
3) . في «د»: «التجّار».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «ربحاً أو خسراناً».
5) . في «ج، د، ط» و الحجري: «يغلب».
6) . في «ص، ط، ف»: «منها».
7) . «أنفسهم» مفعول لوجدان، أي أنّهم لم يكذبوا فيما وجدوا عليه أنفسَهم من الاعتقاد.
8) . في تلخيص الشافي: «على اعتقادها».
9) . في «ص»: «يبطلون».
10) . أراد ب «الاعتقاد المبتدأ»: الذي لا منشأ له بحسب الواقع، بل هو من باب التخيلات الفاسدة؛
ثُمّ يُقالُ له: لَيسَ ما نَقولُه - مِن أنّ الفقهاءَ و غيرَهم مِن أصحابِ الاجتهادِ غيرُ ظانّينَ في الشريعةِ علَى الوجهِ الذي يَدَّعونَه(1)- بأعجَبَ مِن قولِكَ : إنّ جميعَ مَن
خالَفَكَ ممّن يَرىٰ أنّ الحقَّ في واحدٍ(2)مِن أهلِ الاجتهادِ غيرُ عالِمٍ في الحقيقةِ بما يَدَّعي أنّه عالِمٌ به، و أنّهم جميعاً كاذبونَ في قولِهم بأنّهم(3)عالِمونَ ؛ و قولِكَ (4)أيضاً:
إنّ جميعَ مُخالِفيكَ في أُصولِ الدياناتِ التي طريقُها الأدلّةُ و العِلمُ كاذبونَ فيما يَدَّعونَه مِن العِلمِ بمَذاهبِهم(5)التي يُخالِفونَكَ فيها.
فإن قُلتَ : إنّ هؤلاءِ لَم يَكذِبوا فيما يَجِدونَ أنفُسَهم عليه مِن الاعتقادِ، و إنّما غَلِطوا في ادِّعاءِ كَونِه عِلماً، و لَيسَ كَونُ العِلمِ عِلماً ممّا(6)يَجِدُه الإنسانُ مِن نَفسِه ضَرورةً .
قيلَ لكَ : و الفقهاءُ أيضاً لَم يَكذِبوا في أنّهم يَجِدونَ أنفسَهم علىٰ (7)أمرٍ ما، و إنّما غَلِطوا في تسميَتِه بأنّه غلبةُ ظَنٍّ ، و هو(8)في الحقيقةِ اعتقادٌ مبتَدَأٌ لا تأثيرَ له.
كما يكون للتخيّل بالميّت و نحوه. و ب «الظنّ »: المستند إلىٰ ما يقتضيه، كتجربة و عادة و نحوهما؛ فتدبَّر «ح. س». (من حاشية «م»).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فلَو كانَ الحقُّ في واحدٍ لَكانَ لا بُدَّ مِن أن يَكونَ عليه دليلٌ، كالمَذاهبِ في التوحيدِ و العَدلِ. فكما يُستَغنىٰ عن الإمامِ فيهما لِما(1)قَدَّمناه مِن قَبلُ(2)، فكذلكَ كانَ يَجِبُ الاستغناءُ عنه في هذه المَسائلِ(3)، و أن يُقالَ: إنّ مَن خالَفَ الحقَّ إنّما أُتِيَ (4)مِن قِبَلِ نَفسِه بأن قَصَّرَ في النظَرِ و الاستدلالِ (5)الذي يُمكِنُه أن يَفعَلَه علَى الوجهِ الذي لَزِما و وَجَبا(6)، و في ذلكَ أيضاً(7)الاستغناءُ (8)عن الإمامِ (9).
فيُقالُ له: إنّما كانَ ما ذَكَرتَه سائغاً لَو كانَ كُلُّ حقٍّ في(10)الشريعةِ عليه دليلٌ قائمٌ كأدلّةِ التوحيدِ و العَدلِ ، و قد عَلِمنا خِلافَ ذلكَ ضَرورةً ؛ لأنّه لَو كانَت الشريعةُ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «كما».
2) . في «ط»: + «ذلك».
3) . في المغني: «المسألة»، أي مسألة الاختلاف في الفقه و الاجتهاد. و إذا قرأناها: «المسائل» فالمراد المسائل التي وقع فيها الاختلاف.
4) . في المغني: «أبى». و أُتيَ مِن جهة كذا: أتاه الضرر من تلك الجهة. بحار الأنوار، ج 33، ص 614. و راجع: المصباح المنير، ج 1، ص 3 (أتي).
5) . في المغني: «فالاستدلال».
6) . أي النظر و الاستدلال. و قد حذف محقّق المغني ألف التثنية من الكلمتين في المتن بعد أن صرّح بوجودهما في نسخته.
7) . في المغني: «إبطال» بدل «أيضاً»، و لا شكّ أنّه تصحيف ل «أيضاً». و في «ط»: + «نجد».
8) . في المطبوع: «يمكن الاستغناء».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 67.
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: «من».
بهذه الصِّفةِ لَما(1)تَكلَّفَ الناسُ في التوَصُّلِ(2)إليها طُرُقَ الاجتهادِ و الاستحسانِ،(3)كما لَم يَتكَلَّفوا مِثلَ هذا في التوحيدِ و العَدلِ. و الأمرُ فيما ذَكَرناه(4)أوضَحُ مِن أن يَخفىٰ علىٰ أحَدٍ. و مَن اعتَرَضَ (5)مَذاهِبَ مُخالِفينا في الفروعِ (6)لَم يُصِبْ علىٰ عُشرِها أدلّةً قاطعةً كأدلّةِ التوحيدِ و العَدلِ ، بل وَجَدَ المعوَّلَ في جميعِها أو أكثرِها علَى الاجتهادِ و الظَّنِّ و ما أشبَهَهما ممّا(7)هو خارجٌ عن طريقةِ العِلمِ .
فإن قالَ : ما ذَكَرتموه يؤدّي إلَى الحَيرةِ ، و إلىٰ أنّ الناسَ قد كُلِّفوا إصابةَ الحقِّ مِن غيرِ دليلٍ يَصِلونَ إليه مِن جهتهِ .
قيلَ له: ما كَلَّفَ اللّٰهُ تَعالىٰ إلّاما مَكَّنَ (8)مِن الوصولِ إليهِ مِن شريعةٍ و غيرِها، فما نُقِلَ مِن الشريعةِ عن الرسولِ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ نَقلاً يَقطَعُ العُذرَ كُلِّفنا فيه الرجوعَ إلَى النَّقلِ ، و ما لَم يَكُن فيه نَقلٌ و لا ما يَقومُ مَقامَه مِن الحُجَجِ السَّمعيّةِ - إمّا لأنّ الناسَ عَدَلوا عن نَقلِه، أو لأنّهم لَم يخاطَبوا به و عُوِّلَ بهم علىٰ قولِ الإمامِ القائمِ مَقامَ الرسولِ عليه السلامُ - كُلِّفنا فيه الرجوعَ إلىٰ أقوالِ الأئمّةِ عليهم السلام المُستَخلَفينَ بَعدَ الرسولِ ، و لهذا نَجِدُ الحُكمَ في جميعِ ما يُحتاجُ
1) . في «ص»: «لم».
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: «التوسّل».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «الاستحسان و الاجتهاد».
4) . في المطبوع: «فيما ذكرنا».
5) . يقال: اعترض الجندُ على قائدهم و اعتَرَضَهم القائد: إذا عرضهم واحداً واحداً. و المرادالوقوف عليها. راجع: تهذيب اللغة، ج 1، ص 249 (عرض).
6) . في المطبوع و الحجري: «الفرع».
7) . في «ص»: «و ما أشبهها بما».
8) . في «د»: «ما يمكن».
إليه في(1)الحوادثِ موجوداً فيما يَنقُلُه الشيعةُ عن أئمّتِهم(2)عليهم السلام، و كُلُّ ما تَكلَّفَ(3)خُصومُنا فيه(4)القياسَ و الاجتهادَ و طُرُقَ (5)الظَّنِّ ، عندَ الشيعةِ فيه نَصٌّ ؛ إمّا مُجمَلٌ أو مفصَّلٌ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و يَلزَمُهم علىٰ هذه العِلّةِ(6)وجودُ الإمامِ و ظُهورهُ و التمَكُّنُ مِن مُلاقاتِه
لإزالةِ هذا الاختلافِ، و يَلزَمُهم وجودُ الحُجّةِ في كُلِّ بَلَدٍ و عندَ كُلِّ فَريقٍ ، و يَلزَمُهم إبطالُ الفَتاوىٰ مِن العلماءِ ؛ لجَوازِ الغَلَطِ عَلَيهم أو علىٰ كثيرٍ مِنهم، و أن يوجِبوا أن لا يُقيمَ الحدودَ(7)إلّاالإمامُ ، و لا يَحكمَ إلّا هو. و في ذلكَ خروجٌ عن(8)دينِ المُسلِمينَ .(9)
فيُقالُ له: أمّا وجودُ الإمامِ و ظُهورُه في كُلِّ بَلَدٍ، فقَد مضَى الكلامُ فيه دُفعةً بَعدَ أُخرىٰ .(10)
فأمّا الفَتاوىٰ فلا تَبطُلُ كما ادَّعَيتَ بَل يَتَوَلّاها مَن استُودِعَ حُكمَ الحَوادِثِ ، و هُم
1) . في «ج، ف» و حاشية «ط»: «من».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «أئمّتها».
3) . في «ف»: «ما يتكلّف».
4) . في المطبوع: «فيه خصومنا».
5) . في «ف» و حاشية «ط»: «طريق».
6) . و هي وجوب قطع الاختلاف بواسطة الإمام.
7) . في المطبوع و الحجري و المغني: «أن لا يفتي» بدل «أن لا يقيم الحدود».
8) . في المغني: «من».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 67.
10) . تقدّم في ص 244 و 398.
الشيعةُ بما نَقَلوه عن(1)أئمّتِهم عليهم السلام، و مَن عَدَلَ عن هذا المَعدِنِ الذي بيّنّاه لَم يَكُن له أن يُفتيَ؛ لأنّه لا يُفتي في الأكثرِ إلّابما هو عاملٌ فيه على الظَّنِّ (2)و الترجيمِ (3).
فإن قالَ : هذا تصريحٌ مِنكم باستغناءِ الشيعةِ بما عَلِمَته عن إمامِ الزمانِ عليه السلامُ ؛ لأنّها إذا كانَت قد استفادَت عِلمَ الحوادِثِ عمّن تَقدَّمَ ظُهورُه مِن الأئمّةِ عليهم السلام، فأيُّ حاجةٍ بها إلىٰ هذا الإمامِ؟
قيلَ له: إنّما كانَ (4)يَجِبُ ما ظَنَنتَه لَو كانَ ما استفادَته(5)مِن هذه العلومِ و وَثِقَت به لا يَفتقِرُ إلىٰ كَونِ الإمامِ مِن ورائهم، و قد عَلِمنا خِلافَ ذلكَ ؛ لأنّه لَولا وجودُ الإمامِ مع جوازِ تَركِ النَّقلِ علَى الشيعةِ و العُدولِ (6)عنه، لَم نأمَنْ أن يَكونَ ما أدَّوه إلينا بعضَ ما سَمِعوه، و لَيسَ نأمَنُ وقوعَ (7)ما هو جائزٌ عَلَيهم ممّا أشَرنا إليه إلّابالقَطعِ علىٰ وجودِ معصومٍ مِن ورائهم.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فقَد عَلِمنا أنّ مَن يَعتَرِفُ بالإمامِ (8)و الحُجّةِ قد(9)اختَلَفوا في
1) . في «ف»: «من».
2) . في المطبوع: «بالظنّ ».
3) . «الترجيم» تفعيل من الرجم. و من المجاز: رَجَمَه؛ أي قذفه و شتمه. و رَجَم بالظنّ و رَجَّم به: رمى به، ثم كثر حتّى وضعوا الرَّجم و الترجيم موضع الظنّ ، فقالوا: قال ذلكَ رَجماً؛ أي ظنّاً. و حديث مُرَجَّم؛ أي مظنون. راجع: أساس البلاغة، ص 223 (رجم).
4) . في المطبوع: - «كان».
5) . في المطبوع: «ما استفدته».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و العدول».
7) . في «ط»: «من وقوع».
8) . في «د» و المغني: «من يعرف الإمام».
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «فقد».
مَذاهِبَ (1)، فيَلزَمُهم(2)الحاجةُ إلىٰ إمامٍ آخَرَ يَقطَعُ اختلافَهم، و ما يوجِبُ الغِنىٰ عن ذلكَ في اختلافِهم يَنقُضُ ما ذَكَروه مِن عِلّتِهم.(3)
يُقالُ له: لَيسَ نُنكِرُ(4)اختلافَ مَن اعتَرَفَ بالحُجّةِ في مَذاهِبَ، إلّاأنّهم لَم يَختَلِفوا إلّافيما عليه دليلٌ ذَهَبَ عن طريقِه بعضٌ و وَصَلَ إليه بعضٌ ،(5)و لَيسَ كذلك اختلافُ مخالِفيهم فيما لا دليلَ عليه مِن الشرعيّاتِ ، و مَن شَكَّ فيما ذَكَرناه كانَت المِحنةُ (6)بَينَنا و بَينَه في ذلكَ (7).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
علىٰ أنّ ما نَعرِفُه مِن حالِ مَن تَقدَّمَ مِن الأئمّةِ يَمنَعُ مِن هذا القولِ ؛ لأنّهم كانوا لا يَمنَعونَ مِن الاختلافِ و الاجتهادِ(8)، و الثابتُ (9)عن أميرِ
1) . أي في الأحكام.
2) . هذا إنّما يلزم لو كان الإمام مبسوط اليد، نافذ الأمر، و مع ذلك لا يرتفع الخلاف عنهم. و ليس كذلك؛ إذ الخلاف إنّما نشأ من الاستتار و غلبة الفجّار، و التبعة عليهم؛ فتدبَّر «ح. س». (من حاشية «م»).
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 67.
4) . في المطبوع و الحجري: «ليس ينكر».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «ذهب عن طريقه بعضهم و وصل إليه بعضهم».
6) . المحنة: الخبرة. و امتحنته: اختبرته. و امتحن القول: نظر فيه و دبّره. لسان العرب، ج 13، ص 401 (محن).
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «في ذلك».
8) . كما اختلفوا في مُجامِعٍ لم يُنزِل؛ فقال الأنصار: الماء من الماء، و قال أمير المؤمنين عليه السلام: «أ توجبون عليه الرجم و الحدّ، و لا توجبون عليه صاعاً من ماء؟». «ح. س». (من حاشية «م»).
9) . في المغني: «فالثابت».
المؤمِنينَ عليه السلامُ أنّه كانَ لا يَمنَعُ مِن ذلكَ، بل كان يُجيزُ لِمَن يُخالِفُه في المَذاهبِ(1)أن يَحكُمَ و يُفتيَ ، و يولّيهِ الأُمورَ، و كان يَرجِعُ (2)مِن اجتهادٍ إلَى اجتهادٍ، و تَختَلِفُ (3)مَذاهبُه علىٰ ما ظَهَرَت الروايةُ به، و كُلُّ ذلك يبيِّنُ فَسادَ هذا الجنسِ مِن التعليلِ .(4)
فيُقالُ له: هذا كَلامٌ في نُصرةِ الاجتهادِ، و قد جَعَلنا لاستقصائه مَوضِعاً غيرَ هذا،(5)غيرَ أنّا لا نُخلي هذا المَوضعَ مِن كلامٍ فيه و ردٍّ لِما اعتَمَده:(6)
أمّا قولُكَ أنّ(7)أميرَ المؤمِنينَ عليه السلامُ و غيرَه مِن الأئمّةِ عندَكَ كانوا لا يَمنَعونَ مِن الاجتهادِ و الاختلافِ(8)، فالمعلومُ مِن حالِهم خِلافُ ما ادَّعَيتَه؛ لأنّ الثابتَ عنهم و عن أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ خاصّةً مناظَرةُ المخالِفينَ و مطالَبتُهم
بالرجوعِ إلَى الحقِّ، و لَيسَ يَجِبُ أن يُستَعمَلَ مِن المَنعِ أكثَرُ ممّا ذَكَرناه؛ لأنّ المَنعَ بالقَهرِ أو الضربِ و السَّبِّ(9)إذا كانَ ممّا لا يَحسُنُ استعمالُه مع المخالِفينَ في كثيرٍ مِن الأصولِ فأَولىٰ أن لا يُستَعمَلَ مع المخالِفِ في الفروعِ ، فمَن ادَّعىٰ أنّهم سوَّغوا الاجتهادَ - مِن حَيثُ لَم يَظهَرْ مِنهم في المَنعِ مِنه(10)أكثَرُ مِن المناظَرةِ و المُحاجّةِ
1) . في المغني: «المذهب».
2) . في المطبوع: «ينتقل».
3) . في النسخ و الحجري: «و يختلف».
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 67-68.
5) . في «د» و المطبوع و الحجريّ : «فللاستقصاء به موضع غير هذا» بدل «و قد جعلنا لاستقصائه موضعاً غير هذا».
6) . في المطبوع و الحجري: «لما اعتمدته».
7) . في المطبوع: «عن».
8) . في «ج، ص، ط»: - «و الاختلاف».
9) . في «ف»: «أو السبّ ».
10) . في «د» و المطبوع: «عنه».
و الدُّعاءِ و الترغيبِ - كمَن ادَّعىٰ أنّهم سوَّغوا الخِلافَ في الأُصولِ لأنّهم لَم يَتعَدَّوا في كثيرٍ مِنها هذه الطريقةَ.
و ممّا يؤيِّدُ ما ذَكَرناه مِن إنكارِ القومِ علىٰ مَن خالَفَهم:(1)ما تَظاهَرَت به الروايةُ عن ابنِ عبّاسٍ: مِن قولِه: «مَن شاءَ باهَلتُه(2)في بابِ العَولِ (3)»(4)و قولِه: «ألا يَتَّقي اللّهَ زيدُ بنُ ثابتٍ ؛ يَجعَلُ ابنَ الابنِ ابناً، و لا يَجعَلُ أبا الأبِ أباً(5)!!»(6).
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «على مخالفيهم».
2) . المباهلة: الملاعنة، و معنى المباهلة أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء، فيقولوا: لعنة اللّٰه على الظالم منّا. لسان العرب، ج 11، ص 73 (بهل).
3) . العول: أن تُجمع السهام كلّها، و تُقسّم الفريضة عليها؛ ليدخل النقص علىٰ كلّ واحد. و أوّل مسألة وقع فيها العول في الإسلام في زمن عمر، حين ماتت امرأة في عهده عن زوج و أختين، فجمع الصحابة و قال لهم: فرض اللّٰه تعالىٰ للزوج النصف و للأختين الثلثين، فإن بدأت بالزوج لم يبق للأختين الثلثان، و إن بدأت بهما لم يبق له حقّه. فاتّفق رأي أكثرهم على العول، ثمّ أظهر ابن عبّاس الخلاف و بالغ فيه؛ و اتّفقت الإمامية علىٰ عدمه، و أنّ الزوجين يأخذان تمام حقّهما، و كذا الأبوان، و يدخل النقص علىٰ غيرهم «ح. س». (من حاشية «م»). و راجع: الكافي، ج 13، ص 524-531، باب في إبطال العول (ج 7، ص 79، ط. الإسلامية)؛ وسائل الشيعة، ج 26، ص 72-76، باب بطلان العول.
4) . حكاه عنه أكثر من تعرّض لهذه المسألة من الفريقين، منها: غنية النزوع، ص 317؛ السرائر، ج 3، 253؛ المسالك، ج 13، ص 113؛ الروضة البهيّة، ج 8، ص 88؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 6، ص 253، ح 12237؛ المغني لابن قدامة، ج 7، ص 26؛ الشرح الكبير لابن قدامة، ج 7، ص 69؛ المجموع للنووي، ج 16، ص 93؛ روضة الطالبيّين للنووي، ج 5، ص 86.
5) . يعني يجعل ابن الابن الذي توفّي أبوه في حياة جدّه مشاركاً لأخوة أبيه في ميراثهم من أبيهم، و لا يجعل جدّه مشاركاً له في ميراث أبيه. و في حاشية «م»: «ذهب أبو حنيفة إلىٰ أنّ الجدّ يحجب الإخوة و الأخوات، و هو رأي أبي بكر و جماعة من الصحابة؛ نظراً إلىٰ أنّ الجدّ قائم مقام الأب؛ قال اللّٰه سبحانه: (كَمٰا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ) [الأعراف (7):27] و لهذا يستحقّ ما يستحقّه الأب إلّاأنّه أبعد من الأب، كابن الابن. ثمّ هم يُحجبون بابن الابن، فكذا بأب الأب (ح. س)».
6) . الإيضاح للفضل بن شاذان، ص 520؛ العدّة في أُصول الفقه، ج 20، ص 677؛ معارج الأُصول
و لهذه الأخبارِ أمثالٌ كثيرةٌ معروفةٌ.
و أمّا(1)تَوليةُ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ المخالِفينَ له في المَذهَبِ: فما نَعرِفُ مِن وُلاتِه مَن يُقطَعُ(2)علىٰ خِلافِه له، و لَو ثَبَتَ ذلكَ لَم يَمتَنِعْ(3)أن يَفعَلَه عليه السلامُعلىٰ وجهِ الاستصلاحِ و التآلُفِ؛ فالظاهرُ مِن أحوالِه عليه السلامُ أنّه في حالِ وِلايتِه الأمرَ لَم يَكُن متمَكِّناً مِن جميعِ مُراداتِه.
و قد صَرَّحَ بذلكَ في قولِه(4)عليه السلامُ : «أما وَ اللّٰهِ لو ثُنِيَ (5)الوِسادةُ لي لَحَكَمتُ بَينَ أهلِ التَّوراةِ بتَوراتِهم، و بَينَ أهلِ الإنجيلِ بإنجيلِهم، و بَينَ أهلِ الزَّبورِ بزَبورِهم(6)،
و بَينَ أهلِ الفُرقانِ بفُرقانِهم(7)حتّىٰ يَزهَرَ(8)كُلُّ كتابٍ مِن هذه الكُتُبِ فيَقولَ (9): يا رَبِّ ،
للمحقق الحلّي، ص 190؛ المبسوط للسرخسي، ج 29، ص 182؛ أُصول السرخسي، ج 2، ص 188؛ المستصفى للغزالي، ص 289؛ بداية المجتهد لابن رشد، ج 2، ص 282؛ التفسير الكبير للرازي، ج 4، ص 85؛ المحصول للرازي، ج 5، ص 55؛ المغني لابن قدامة، ج 7، ص 66؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 20، ص 27.
1) . في «د» و المطبوع: «فأمّا».
2) . في «ج، ص، ف»: «نقطع».
3) . في «ج، ص، ف»: «لم يمنع». و في «ط»: «لم نمنع».
4) . في المطبوع: «بقوله».
5) . هكذا في النسخ. و في أكثر المصادر: «لو ثُنِيَت».
6) . في حاشية «م»: «طعن أبو هاشم في الحكم بالكتب المتقدّمة بأنّه منسوخ لا يجوز الحكم بها. قلنا: لعلّ المراد علمه بأحكامها و علمه بالأحكام الواردة في القرآن الناسخ لها، و أنّه يعرف ما حرِّف منها فيقضي بينهم بغيره، أو يمكنه استخراج النصوص الواردة في حقّ النبيّ و أهل بيته منها (ح. س)».
7) . في «ج، ص، ط»: «و بين أهل القرآن بقرآنهم».
8) . يزهَرُ، أي يضيءُ و يتلألأُ. راجع: لسان العرب، ج 4، ص 332 (زهر).
9) . في «ج، ص، ط، ف»: «و يقول».
إنّ عليّاً قد قَضىٰ بقَضائكَ»(1).
و قولِه عليه السلامُ، و قد سأله قُضاتُه عمّا يَقضونَ به، فقالَ(2): «اقْضُوا كما كُنْتم تَقْضونَ؛ حتّىٰ يَكونَ الناسُ جَماعةً، أو أموتَ كما ماتَ أصحابي»(3)يَعني مَن تَقدَّمَ مَوتُه لحالِ وِلايتِه مِن أوليائه و شيعتِه الذينَ قَبَضَهم اللّٰهُ تَعالىٰ إليه(4)و هُم(5)علىٰ حالةِ(6)التمسُّكِ بالتقيّةِ.(7)
فأمّا الرجوعُ مِن اجتهادٍ إلىٰ غيرِه: فغيرُ معلومٍ مِنه صلواتُ اللّٰه عليه،(8)و أكثرُ
1) . هي من خطبة خطبها بعد بيعة الناس له بالخلافة. راجع: الإرشاد، ج 1، ص 34-35؛ المسائل العكبريّة، ص 123؛ مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 38؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 20، ص 284، و فيه: «حتّى تزهر تلك القضايا إلى اللّٰه عزّ و جلّ...»؛ كشف المحجّة، ص 110-111؛ عوالي اللآلي، ج 4، ص 128، ح 219، و فيه: «حتّى ينطق كلّ كتاب بأنّك قد حكمت بما أنزل اللّٰه فيَّ»؛ تأويل الآيات الظاهرة للاسترآبادي، ص 337، و فيه: «حتّى تنطق الكتب و تقول: صدق عليٌّ »؛ بحار الأنوار، ج 40، ص 144، ح 51، عن الإرشاد.
2) . في المطبوع و الحجري: - «فقال».
3) . تهذيب الأحكام، ج 9، ص 259، ذيل الحديث 970؛ المسائل العكبريّة، ص 123؛ تنزيه الأنبياء والأئمة، ص 144؛ الصوارم المهرقة، ص 115 و 163؛ الاقتصاد للطوسيّ ، ص 214؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 1359، ح 3504؛ عمدة القارئ، ج 16، ص 218، ح 7073؛ مسند ابن الجعد، ص 181؛ تاريخ بغداد، ج 8، ص 42.
4) . في المطبوع و الحجري: - «إليه».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فهم».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «حيلة».
7) . في المطبوع و الحجري: «بالثقة».
8) . في حاشية «م»: «و الدليل علىٰ أنّه عليه السلام لم يكن يرجع عن اجتهاد إلىٰ اجتهاد، مع قطع النظر عن إمامته و عصمته: ما عليه أجمع الخاصّ و العامّ عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله أنّه قال: «عليّ أقضاكم» و أقضى القوم لا يختلف قوله في الأحكام. و قال صلّى اللّٰه عليه و آله: «عليّ مع الحقّ ، و الحقّ مع عليّ ، يدور حيث ما دار» و من كان الحقّ معه بشهادة الرسول صلّى اللّٰه عليه
ما يَدَّعيه المخالِفونَ مِن ذلكَ: ما رُويَ مِن قولِ عبيدةَ(1)السَّلمانيِّ(2)و قد سأله عن بَيعِ أُمَّهاتِ الأولادِ، فقالَ: «كانَ رأيي و رأيُ عُمَرَ أن لا يُبَعنَ، و رأيي الآنَ أن يُبَعنَ » و قولِ عبيدةَ : «رأيُكَ في الجَماعةِ أحَبُّ إلينا مِن رأيِكَ في الفُرقةِ (3)».(4)
و آله لا يرتكب الضلال. و قول أمير المؤمنين عليه السلام: «بعثني رسول اللّٰه إلى اليمن قاضياً بين أهله، فقلت له: أ تبعث بي و أنا شابّ ، و لا علم لي بكثير من القضاء؟ فضرب بيده علىٰ صدري و قال: اللّهمّ اهد قلبه، و ثَبِّتْ لسانه؛ فما شككتُ في قضاءٍ بين اثنين» و هذا القول يضادّ الحكاية عنه أنّه كان يقول بالرأي؛ لأنّ القول بالرأي يوجب الشكّ في الأحكام و قد نفىٰ عن نفسه ذلك. و قوله عليه السلام: «لو ثُني لي الوسادة... الحديث» و من هذا شأنه لا تجوز عليه الأحكام المختلفة؛ فتدبَّر. و قال صلّى اللّٰه عليه و آله: «أنا مدينة العلم، و عليّ بابها؛ فمن أراد المدينة فليأت الباب» (ح. س)».
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أكثر ما يدّعيه المخالفون حديث عبيدة».
2) . عبيدة السلماني المرادي الهمداني، قيل: إنّه عبادة بن قيس، و قيل: عبيدة بن عمرو، و قيل: عبيدة بن قيس بن عمرو. يكنّى أبا مسلم، و يقال: أبا عمرو. أسلم قبل وفاة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بسنتين أيّام الفتح و لم يلقه. هاجر إلى المدينة أيّام عمر بن الخطاب، و سمع منه، و حضر كثيراً من الوقائع الإسلاميّة. كان عريف قومه و رأسهم و صاحب الرأي فيهم. روى الحديث عن كثير من الصحابة كالإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و ابن مسعود، و ابن الزبير، و اشتهر بصحبته لأمير المومنين عليه السلام بالخصوص، و لذلك عدّ من التابعين و إن كان من الصحابة. و كان كثير الاطّلاع في الفقه و الحديث حتّى روى عنه عدد غفير، كعبد اللّٰه بن سلمة المرادي، و إبراهيم النخعي، و أبي إسحاق السبيعي، و محمّد بن سيرين، و أبي إسحاق الأعرج، و أبي البختري الطائر، و عامر الشعبي و غيرهم. قال الشعبي: كان شريح أعلمهم بالقضاء، و كان عبيدة يوازيه. و قال الأشعث عن محمّد بن سيرين: أدركت الكوفة و بها أربعة ممّن يعدّ بالفقه: فمن بدأ بالحارث ثنّى بعبيدة أو بالعكس، ثمّ علقمة الثالث، و شريح الرابع. تاريخ بغداد، ج 11، ص 119-122، الرقم 5814؛ المعارف لابن قتيبة، ص 425؛ الكامل لابن الأثير، ج 5، ص 123.
3) . في المطبوع و الحجري: «إلى آخر الخبر» بدل «و قول عبيدة: رأيك في الجماعة...».
4) . المصنّف لعبد الرزّاق، ج 7، ص 291، ح 13224؛ السنن الكبرىٰ للبيهقي، ج 10، ص 348؛ مغني المحتاج، ج 4، ص 542.
و هذا خبرُ واحدٍ، و قد رَدَّه أكثرُ الناسِ(1)، و طَعَنوا في طريقِه(2)، و لَو صَحَّ لَم يَكُن مصحِّحاً للاجتهادِ الذي يَدَّعيه المخالِفونَ ؛(3)لأنّه يُمكِنُ - علىٰ مَذاهبِنا(4)في حُسنِ التقيّةِ ، بل(5)وجوبِها في بعضِ الأحوالِ - أن يَكونَ عليه السلامُ أظهَرَ موافَقةَ عُمَرَ لِما عَلِمَه في ذلكَ مِن الاستصلاحِ (6)، و لمّا زالَ ما أَوجَبَ إظهارَ الموافَقةِ أظهَرَ المخالفةَ .
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : فقَد(7)كانَ يَجِبُ أن لا يُخالِفَ عُمَرَ في شيءٍ مِن مَذاهبِه، و قد رأيناه(8)خالَفَه في كثيرٍ مِنها.
1) . في حاشية «م»: «قال المفيد - طاب ثراه -: و من الشواهد علىٰ كذب الرواية أنّ عَبيدة السلمانيّ كان في زمنه عليه السلام صغير السنّ صغير القدر، فكيف يُقدم مَن هذا شأنه بكلام علىٰ مثل أمير المؤمنين الذي كان أعظم قدراً في نفوس المهاجرين و الأنصار من أن يتجاسر عليه كبار الصحابة بمثله ؟ و لا سيما في حال بسطة يده! و قد روي عن ابن عبّاس أنّه كان يقول: كان أمير المؤمنين عليه السلام يجلس بيننا كأحدنا و يداعبنا و يقول: «و اللّٰه ما ملأتُ طرفي منه قطّ هيبةً له». و بَعد، فإنّ من خالفه عليه السلام و حاربه لم يحتجّ عليه بأنّه لا فضل لك في العلم لأنّك تتناقض في الأحكام و تختلف آراؤك، و زيد أفحمك، و عثمان أسكتك، و أنّك تحكم و تندم. و إنّما كان بعضهم يتعلّق عليه بإيوائه قتلة عثمان و هم أهل البصرة و الشام، و بعضهم بقضيّة التحكيم و هم أهل النهروان، و آخرون بقتل أهل القبلة و هم المتخلّفون عن نصرته القاعدون عن الحرب. و لم يُحفظ عن أحد من بني أُميّة و آل مروان - مع هلعهما علىٰ تنفير العامّة من ولايته - دعوىٰ نقصه في العلم و جهله بالأحكام (ح. س)».
2) . مع أنّ شدّة مهابته مانع أن يجترئ عليه أحد بمثل هذا القول. (من حاشية «م»).
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «خصومنا».
4) . في المطبوع: «مذهبنا».
5) . في المطبوع: + «على».
6) . بل كان الحكم يومئذ لمكان التقيّة و لزومها أن لا يُبعن، و إذا ازال المانع و ارتفعت التقيّة انقلب الحكم؛ فتدبَّر. (من حاشية «م»).
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «قد».
8) . في المطبوع و الحجري: «رأينا».
لأنّه لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ الخِلافُ في بعضِ المَذاهبِ يُثمِرُ مِن العَداوةِ و الفَسادِ ما
لا يُثمِرُه(1)غيرُه، و إن كانَ في الظاهرِ حالُه كحالِه.(2)و هذه أُمورٌ تَدُلُّ عليها الأحوالُ؛(3)فيَكونُ لبعضِها مَزيّةٌ علىٰ بعضٍ عندَ مَن شاهَدَ الحالَ، و إن كانَت عندَ غيرِه ممّن لَم يُشاهِدْها(4)متساويةً.
علىٰ أنّا لَو عَدَلنا عن هذا الجوابِ - و إن كانَ ظاهرَ(5)الصحّةِ، و بَيِّنَ الاستمرارِ - لَم يَكُن فيما يُدَّعىٰ مِن الخبرِ دَلالةٌ علىٰ صحّةِ الاجتهادِ؛ لأنّه لا يُنكَرُ أن يَرجِعَ مِن قولٍ إلىٰ قولٍ بدليلٍ قاطعٍ(6)، و إنّما كانَ يكونُ (7)في الخبرِ متعَلَّقٌ لَو ثَبَتَ أنّه لا يُمكِنُ أن(8)يَرجِعَ مِن قولٍ إلىٰ قولٍ إلّابالاجتهادِ، فأمّا إذا كانَ مُمكِناً فلا فائدةَ في التعَلُّقِ به.
و هذا الجوابُ و إن كانَ غيرَ صحيحٍ عندَنا - لأنّ أميرَ المؤمِنينَ عليه السلامُ لا يَجوزُ أن يَخفىٰ عليه الحقُّ المعلومُ بالدليلِ في وقتٍ ، حتّىٰ يَرجِعَ إليه في وقتٍ آخَرَ - فإنّما(9)ذَكَرناه لأنّ أُصولَ مَن تَعلَّقَ بهذا الخبرِ في صحّةِ الاجتهادِ لا
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «لا يثمر».
2) . في المطبوع: «كحاله حاله».
3) . و أيضاً فكثرة المخالفة يورث البغضاء و يثير الفتن. و لعلّه كان في عقيب مخالفة، فلزم الموافقة؛ لئلّا يتتابع المخالفات؛ فتدبَّر «ح. س». (من حاشية «م»).
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لم يشهدها».
5) . في «ج، ص، ف»: «ظاهره».
6) . في حاشية «م»: «لا يخفىٰ أنّه يبقى الكلام في الرأي المعدول عنه، فإنّه لا يجوز أن يكون عن قاطع إذا كان المعدول إليه كذلك؛ فتدبَّر». و في حاشية أُخرىٰ : «يمكن أن يكون ذلك لعدم الاطّلاع على الناسخ، فيكونان قاطعين. و هذا علىٰ رأي المخالفين من قصور علم الأئمّة (ح. س)».
7) . في المطبوع: - «يكون».
8) . في «ص»: «بأن».
9) . في «ص، ف»: «و إنّما».
تُنافيه(1)، و إذا كانَت أُصولُهم تَقتَضي(2)جوازَ ما ذَكَرناه بَطَلَ تَعلُّقُهم به، و لَم يَكُن لهم أن يَستَدِلّوا بما أُصولُهم تَقتَضي أن لا دَلالةَ فيه.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ أُخرىٰ لهم:
و رُبَّما قالوا: لا بُدَّ في صحّةِ ثَباتِ التكليفِ علَى المكلَّفينَ في كُلِّ زمانٍ (1)أن يَعرِفوا ما لا يَصِحُّ لهم غِنىً عن الأئمّةِ فيه ممّا يَتَّصِلُ بمَصالحِ أبدانِهم و مَعايشِهم(2)و مَكاسبِهم،(3)و الأُمورُ كُلُّها علَى الحَظْرِ(4)[لكَونِها مِلكاً له تَعالىٰ ، فلا يُعلَمُ المباحُ مِنها إلّاسَمعاً؛ فلا بُدَّ مِن حُجّةٍ في كُلِّ زمانٍ يُعرِّفُ المكلَّفينَ ما يَحِلُّ لهم مِن هذه الأُمورِ، و لا بُدَّ مِن كَونِه معصوماً يؤمَنُ غَلَطُه] إلىٰ آخِرِ كلامِه.(5)
1) . في النسخ: «في كلّ زمان على المكلّفين».
2) . في المغني: «إلىٰ أن يعرفوا ما اتّضح لهم ممّا يتّصل بمصالح أبدانهم و معاشهم».
3) . في النسخ: - «و مكاسبهم».
4) . في المغني: «الخطر». و الحظر: المنع، و المحظور: الحرام. النهاية، ج 1، ص 405 (حظر). و في حاشية «م»: «اختلفوا في حكم الأفعال قبل الشرع: فكثير من البغداديّين من المعتزلة و طائفة من الإماميّة على الحظر. و أكثر المتكلّمين من أهل البصرة على الإباحة، و هو مختار السيّد المرتضىٰ و العلّامة الحلّيّ و كثير من الإماميّة. و آخرون منّا و منهم توقّفوا (ح. س)».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 68. و ما بين المعقوفين من المصدر.
فيُقالُ له(1): قد بيّنّا(2)فيما تَقدَّمَ مِن كلامِنا أنّ هذه الطريقةَ غيرُ معتَمَدةٍ، و لا دالّةٍ(3)علىٰ وجوبِ الإمامةِ في كُلِّ زمانٍ،(4)و إن كانَ بعضُ أصحابِنا قد تَعلَّقَ بها. و قُلنا: إنّه لَو صَحَّ(5)الافتقارُ في هذه الطريقةِ المذكورةِ إلَى السَّمعِ، لَما وَجَبَت الحاجةُ إلىٰ إمامٍ في كُلِّ زمانٍ، بل كان التواتُرُ بما بَيَّنَه الإمامُ المتقَدِّمُ يُغني عن وجودِ الإمامِ(6)في كُلِّ عصرٍ، و فَصَلنا بَينَ ما يَحتاجونَ إليه مِن الأغذيةِ و ما لا تَقومُ(7)أبدانُهم إلّابه و بَينَ العباداتِ في أنّ الأوّلَ لا يَجوزُ أن يَعدِلَ الناسُ عن نَقلِه، و الثانيَ جائزٌ عَلَيهم تَركُ نَقلِه لعِنادٍ أو شُبهةٍ، و أنّ دواعيَ العُدولِ عن النَّقلِ يَصِحُّ دخولُها في الثاني دونَ الأوّلِ ، و لا حاجةَ بنا إلىٰ إعادةِ ما مضىٰ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ أُخرىٰ لهم:
و رُبَّما سألوا فقالوا: ما يوجِبُ الحاجةَ إلَى الرسولِ و النبيِّ - مِن بيانِ الشرائعِ و الدُّعاءِ إلَى الطاعةِ، إلىٰ غيرِ ذلكَ - يوجِبُ الحاجةَ إلىٰ مَن يَقومُ مَقامَه في حِفظِ شريعتِه، و يَسُدُّ مَسَدَّه؛ لأنّا قد عَلِمنا أنّه لا أحَدَ مِن أُمّتِه إلّاو قد يَجوزُ(1)أن لا يَحفَظَ البعضَ أو الكُلَّ، و حالُ جميعِهم كحالِ كُلِّ واحدٍ مِنهم، فلا بُدَّ ممّن يَقومُ بحِفظِ ذلكَ، و أن يَكونَ معصوماً يؤمَنُ مِنه(2)الغَلَطُ و السَّهوُ و الكِتمانُ؛ لأنّ تجويزَ ذلكَ عليه يَنقُضُ القولَ بأنّ الشريعةَ لا بُدَّ مِن أن تَكونَ (3)محفوظةً .
و في ذلكَ إثباتُ الحاجةِ إلىٰ إمامٍ في كُلِّ زمانٍ ؛ إذ لا فَرقَ بَينَ (4)
وجوبِ حِفظِ(1)الشريعةِ حتّىٰ لا تَندَرِسَ و بَينَ وجوبِ مَورِدِها(2)أوّلاً.
فإذا لَم يَتِمَّ حِفظُ ذلك إلّابوجودِ إمامٍ معصومٍ، فلا بُدَّ مِن القولِ به.
قالَ:
و اعلَمْ أنّ التعَلُّقَ بذلكَ في أنّه لا بُدَّ مِن حُجّةٍ في كُلِّ زمانٍ لا يَصِحُّ؛
لأنّه قد يَجوزُ عندَنا أن يَخلُوَ التكليفُ(3)العقليُّ مِن الشرعيِّ علىٰ ما بيّنّاه مِن قَبلُ، فإذا لَم يَكُن شَرعٌ لَم تَجِبِ(4)الحاجةُ إلىٰ حُجّةٍ في الزمانِ.
و إنّما يُمكِنُ التعَلُّقُ بذلكَ في أنّه لا بُدَّ مِن حُجّةٍ بَعدَ وجودِ الرُّسُلِ، و هذا أيضاً لا يَصِحُّ (5)لأنّ في الرُّسُلِ مَن يَجوزُ أن يُكلَّفَ أداءَ الشريعةِ إلىٰ مَن شاهَدَه(6)و لا تَكونَ (7)شريعتُه مؤبَّدةً ، بل تَكونَ (8)مخصوصةً بزمانِه و قَومِه [فمِن أَينَ بَعدَ الرُّسُلِ أنّه لا بُدَّ مِن إمامٍ و حُجّةٍ؟]... إلىٰ آخِرِ كلامِه.(9)
يُقالُ له: ما نَراكَ تَخرُجُ فيما تَحكيهِ مِن طُرُقِنا و أدلّتِنا عن إيرادِ ما لا نَعتَمِدُه جُملةً و لا نَرتَضيهِ دَلالةً و طريقةً ، أو إيرادِ(10)ما يَتعَلَّقُ به بعضُنا و لا
1) . في المطبوع: - «حفظ».
2) . في المطبوع و حاشية الحجري: «مؤدّيها».
3) . في المغني: «عندنا خلوّ التكليف».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم يجب».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و هذا لا يصحّ أيضاً».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يشاهده».
7) . في النسخ و الحجري: «و لا يكون».
8) . في «ج، د، ص، ف»: «يكون».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 69-70.
10) . في المطبوع و الحجري: «و إيراد».
يَرتَضيهِ (1)أكثَرُنا و لا(2)المحقِّقونَ مِنّا، أو تحريفِ المعتَمَدِ(3)و تَنحيَتِه و إزالتِه عن نَظمِه و ترتيبِه، أو حكايةِ لفظٍ رُبَّما عَبَّرَ به بعضُ أصحابِنا و تفسيرِه علىٰ خِلافِ المُرادِ و ضِدِّ الغَرَضِ .
فأمّا هذه الطريقةُ التي حَكَيتَها آنِفاً، فترتيبُ الاستدلالِ بها علىٰ خِلافِ ما رَتَّبتَه؛ و هو أن يُقالَ: قد عَلِمنا أنّ شريعةَ نبيِّنا عليه السلامُ(4)مؤبَّدةٌ غيرُ منسوخةٍ، و مستمِرّةٌ غيرُ منقَطِعةٍ، و أنّ(5)التعبُّدَ بها غيرُ منقَطِعٍ(6)لازمٌ للمكلَّفينَ إلىٰ أوانِ قيامِ الساعةِ، و لا بُدَّ لها مِن حافظٍ؛ لأنّ تَركَها بغيرِ حافظٍ إهمالٌ لأمرِها، و تكليفٌ لِمَن تُعُبِّدَ بها ما لا يُطيقُ(7).
و لَيسَ (8)يَخلو أن يَكونَ الحافظُ معصوماً، أو غيرَ معصومٍ (9).
فإن لَم يَكُن معصوماً لَم يؤمَنْ (10)تغييرُه(11)و تبديلُه(12)، و في جوازِ ذلكَ عليه -
1) . في المطبوع و الحجري: «فلا يرتضيه». و في «د»: «فلا نرتضيه».
2) . في المطبوع و الحجري: - «لا».
3) . في المطبوع: «المتعمّد».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «أنّ شريعته صلّى اللّٰه عليه و آله».
5) . في المطبوع و الحجري: «فإنّ ».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «بها غير منقطع».
7) . في المطبوع: «ما لا يطاق».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «فليس».
9) . في «ج»: «أن يكون الحافظ غير معصوم أو يكون معصوماً».
10) . في «ط»: «لم نؤمن».
11) . في المطبوع: «من تغييره».
12) . أي تغيير الشريعة و تبديل الأحكام.
و هو الحافظُ لها(1)- رُجوعٌ إلىٰ أنّها غيرُ محفوظةٍ في الحقيقةِ؛ لأنّه لا فَرقَ بَينَ أن تُحفَظَ(2)بمَن جائزٌ(3)عليه التغييرُ و التبديلُ و الزلَلُ و الخطأُ، و بَينَ أن لا تُحفَظَ(4)جُملةً إذا كان ما يؤدّي إليه القولُ بتجويزِ تَركِ حِفظِها يؤدّي إليه حِفظُها بمَن لَيسَ بمعصومٍ.
و إذا ثَبَتَ أنّ الحافظَ لا بُدَّ أن يَكونَ معصوماً، استَحالَ أن تَكونَ(5)محفوظةً بالأُمّةِ و هي غيرُ معصومةٍ، و الخطأُ جائزٌ علىٰ آحادِها و جَماعَتِها(6). و إذا بَطَلَ أن يَكونَ الحافظُ هو الأُمّةَ ، فلا بُدَّ مِن إمامٍ معصومٍ حافظٍ لها.
و هذا علىٰ (7)خِلافِ ما ظَنَّه صاحبُ الكتابِ ؛ لأنّ مَن أحسَنَ الظَّنَّ بأصحابِنا لا يَجوزُ أن يَتوَهَّمَ عَلَيهم الاستدلالَ بهذه الطريقةِ - مع تصريحِهم في إثباتِها بما يوجِبُ الاختصاصَ بشريعتِنا هذه - علىٰ وجوبِ الإمامةِ في كُلِّ عصرٍ و أوانٍ و قَبلَ ورودِ الشرعِ .
فإن قال: و أيُّ فائدةٍ في الاستدلالِ على وجوبِ الإمامةِ بَعدَ نبيِّنا صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ و نَحنُ متَّفِقونَ علىٰ وجوبِها بَعدَه ؟
قيلَ له: ليس الاتّفاقُ بَينَنا و بَينَكَ يوجِبُ رَفعَ (8)الخِلافِ مِن جميعِ فِرَقِ الأُمّةِ ، و
1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «لها».
2) . في النسخ و الحجري: «يحفظ»، و ما أثبتناه مطابق للمطبوع.
3) . في «ج، ف»: «جاز».
4) . في النسخ و الحجري: «لا يحفظ»، و ما أثبتناه مطابق للمطبوع.
5) . في النسخ و الحجري: «أن يكون»، و ما أثبتناه مطابق للمطبوع.
6) . في «د»: «و جماعاتها».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: - «على».
8) . في المطبوع: «دفع».
قد عَلِمنا أنّ في الأُمّةِ مَن يُخالِفُ في وجوبِ الإمامةِ بَعدَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)فلَيسَ يَمتَنِعُ أن نُحاجَّه(2)بما ذَكَرناه.
و بَعدُ، فلَو كانَ الوِفاقُ مِن(3)جميعِ الأُمّةِ ثابتاً في وجوبِ الإمامةِ ، لَم يَكُن وِفاقاً(4)علىٰ طريقتِنا التي ذَكَرناها؛ لأنّا نوجِبُ الإمامةَ بهذه الطريقةِ مِن جهةِ حِفظِ الشريعةِ ، و هذا يُخالِفُنا فيه الكُلُّ (5).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فعندَ ذلكَ يُقالُ لهم: إنّ شريعةَ النبيِّ (6)صلّى اللّٰهُ عليه(7)و سلّم و إن كانَ
لا بُدَّ مِن أن تَكونَ محفوظةً ؛ فِمن أَينَ أنّها لا تَحصُلُ محفوظةً إلّا بالإمامِ المعصومِ؟ و هَل عَوَّلتم في ذلكَ إلّاعلىٰ دَعوىً فيها تُخالَفونَ؟
و يُقالُ لهم: هَلّا(8)جَوَّزتم أن تَصيرَ محفوظةً بالتواتُرِ، كما صارَت واصلةً (9)إلىٰ مَن غابَ عن الرسولِ في زَمَنِه بطريقِ التواتُرِ؟ فإن مَنَعوا
1) . كأبي بكر الأصمّ من المعتزلة و الخوارج، فقد كانوا يقولون بذلك و يذهبون إلىٰ أنّه لا حاجة إلى الإمام، و جعلوا شعارهم «لا حكم إلّاللّٰه» و مرادهم: لا إمرة إلّاللّٰه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: «كلمة حقّ يراد بها باطل، نعم إنّه لا حكم إلّاللّٰه، و لكنّ هؤلاء يقولون: لا إمرة إلّاللّٰه...». راجع: نهج البلاغة، ص 82، الخطبة 40؛ أُصول الإيمان، ص 227؛ تلخيص المحصّل، ص 406؛ شرح المواقف للإيجي، ج 8، ص 345؛ اللوامع الإلهيّة للفاضل المقداد، ص 321.
2) . في «د، ف»: «أن يحاجّه».
3) . في المطبوع: «مع».
4) . في المطبوع و الحجري: «وفاقنا».
5) . حتّىٰ أصحاب صاحب الكتاب. (من حاشية «م»).
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «نبيّنا».
7) . في المطبوع: + «و آله».
8) . في المغني: - «هلّا».
9) . في المغني: «كما كان واصلاً» بدل «كما صارت واصلة».
مِن ذلكَ ، لَزِمَهم إثباتُ حُجّةٍ و هو عليه السلامُ حَيٌّ كما يَقولونَ بإثباتِه بَعدَ وفاتِه؛ إذ العِلّةٌ واحدةٌ . و متىٰ قالوا في حالِ حياتِه: إنّه يَصِلُ (1)إلىٰ مَن غابَ عنه بالتواتُرِ، فكذلكَ مِن بَعدُ(2)[و متىٰ طَعَنوا في التواتُرِ، بَطَلَ عِلّتُهم في ذلكَ في الوجهَينِ ](3).
يُقالُ له: أمّا قولُكَ: «و هَل عَوَّلتم إلّاعلىٰ دَعوىً فيها تُخالَفونَ؟» فقَد بيّنّا أنّ الحافظَ لَيسَ يَخلو مِن أن يَكونَ الأُمّةَ أو الإمامَ ، و أبطَلنا أن تَكونَ الأُمّةُ هي الحافظةَ (4)، فلا بُدَّ مِن ثُبوتِ الحِفظِ بالإمامِ ،(5)و إلّاوَجَبَ أن تَكونَ الشريعةُ مُهمَلةً .
فأمّا إلزامُكَ لنا(6)تجويزَ حِفظِها بالتواتُرِ، علىٰ حدِّ ما كانَت تَصِلُ الأخبارُ في حياةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إلىٰ مَن غابَ عنه، فقَد رَضينا بذلكَ، و قَنِعنا بأن نوجِبَ في وصولِ الشريعةِ إلينا بَعدَ وفاةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ما نوجِبُه في وصولِها(7)إلىٰ مَن غابَ عنه في(8)حياتِه؛ لأنّا نَعلَمُ أنّها كانَت تَصِلُ إلىٰ مَن بَعُدَ عنه صَلَواتُ اللّٰهِ عليه و آلِه بنَقلٍ هو(9)عليه السلامُ مِن وَرائه، و قائمٌ بمُراعاتِه، و تَلافي ما ثَلِمَ (10)فيه مِن
1) . في المغني: «نقل».
2) . في المطبوع و الحجري: «من بعده».
3) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 70. و ما بين المعقوفين من المصدر.
4) . تقدّم آنفاً في ص 451-452.
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «للإمام».
6) . في المطبوع: - «لنا».
7) . في «د» و المطبوع و الحجريّ : «وصوله».
8) . في المطبوع: «حال» بدل «في».
9) . في المطبوع و الحجري: «و هو».
10) . في «ف»: «ما يتمّ ».
غَلَطٍ و زَلَلٍ و تَركِ الواجبِ(1)، فيَجِبُ أن يَكونَ مِن وَراءِ ما يُنقَلُ إلينا بَعدَ وفاتِه عليه السلامُ مِن شريعتِه معصومٌ يَتَلافىٰ ما يَجري في الشريعةِ مِن زَلَلٍ و تَركِ الواجبِ(2)،
كما كانَ ذلكَ في حياتِه، و إلّافقَد(3)اختلَفَت(4)الحالانِ(5)، و بَطَلَ حَملُكَ إحداهُما(6)علَى الأُخرىٰ.
فأمّا قولُكَ: «لَزِمَهم إثباتُ حُجّةٍ و هو عليه السلامُ حَيٌّ» فعجيبٌ؛ و أيُّ حُجّةٍ هو أكبرُ مِن النبيِّ المعصومِ المؤيَّدِ بالمَلائكةِ و الوحيِ صَلَواتُ اللّٰهِ عليه ؟!
و كَيفَ تَظُنُّ (7)أنّا إذا(8)أَوجَبنا أن يَكونَ وَراءَ المتواتِرينَ حُجّةٌ ، أن(9)لا نَكتفيَ بالنبيّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و هو سيّدُ الحُجَجِ في ذلكَ؟!(10)
قالَ صاحبُ الكتابِ :
ثُمّ يُقالُ لهم: خَبِّرونا عن الحُجّةِ و الإمامِ الذي يَحفَظُ الشرعَ ؛ أيؤدّيهِ (11)
1) . في «ج»: «و ترك واجب».
2) . في «ط»: «و ترك واجب».
3) . في «ج، د، ط»: «قد».
4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «اختلف».
5) . في المطبوع: «الحال».
6) . في المطبوع: «أحدهما».
7) . في «ج»: «فكيف يظنّ ».
8) . في «ج، ص، ط»: - «اذا».
9) . في «ص، ط»: «و أن».
10) . في حاشية «م»: «لعلّ كلام صاحب الكتاب فيمن غاب عنه صلّى اللّٰه عليه و آله، و أنّه يلزم وجود حجّة آخر لهم في زمن حياته صلّى اللّٰه عليه و آله؛ اذ لا يحفظ التواتر للغُيَّب من الأُمّة. و الجواب عنه ما ذكره السيّد - رضي اللّٰه عنه - مراراً و أشار إليه هنا؛ بأنّ التواتر إنّما يُحفظ إذا كان المعصوم من وراء الناقلين، فهو محفوظ للغائبين و لا حاجة لهم إلىٰ إمامٍ آخر، بخلاف ما نحن فيه؛ فتدبَّر».
11) . في المغني: «ليؤدّيه».
كُلَّه(1)إلَى الكُلِّ أو إلَى البعضِ؟ و لا يُمكِنُ أن يَلقاه الكُلُّ، فلا بُدَّ مِن أن يؤدّيَ إلَى البعضِ .
قيلَ لهم: أفلَيسَ الشرعُ يَصِلُ إلَى الباقينَ (2)بالتواتُرِ؟ فهَلّا جَوَّزتم وصولَ شرعِه عليه السلامُ إلينا بمِثلِ هذه الطريقةِ ، و يُستَغنىٰ (3)عن الحُجّةِ كما يُستَغنىٰ عن حُجَجٍ يَنقُلونَ الشرعَ عن الحُجّةِ؟(4)
يُقالُ له: الإمامُ عندَنا مؤدٍّ للشرعِ إلَى الكُلِّ؛ فبعضُه(5)مشافهةً، و بعضُه بالنقلِ الذي هو مِن ورائه، فمتىٰ لم يؤدَّ و وَقَعَ تفريطٌ فيه مِن الناقلينَ تَلافاه بنَفسِه أو بناقلٍ سِواهم، فإن أَلزَمتَ(6)في نقلِ الشريعةِ مِثلَ هذا فما نأباه، بل(7)هو الذي نَدعو(8)إليه و نَحدو(9)علَى اعتقادِه، و هو أن تَكونَ (10)الشريعةُ منقولةً ، و وَراءَ الناقلينَ (11)حافظٌ لها، و مُراعٍ لِما يَعرِضُ فيها، و مُتَلافٍ لِما يُفرِّطُ(12)فيه الناقلونَ و يَعدِلونَ عن الواجبِ عَلَيهم في(13)أدائه.
1) . في المغني و المطبوع: - «كلّه».
2) . في المغني: «إلى الناس».
3) . في «د»: «نستغني» في الموردين.
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 70-71.
5) . في «ج، ص، ط»: «لبعضه».
6) . في «ج، ص، ط»: «التزمت».
7) . في «ج، ص، ط»: - «بل».
8) . في «ج»: «تدعو». و في «ص»: «يدعو».
9) . نحدو، أي نحثّ ، كأنّه مأخوذ من حدو الإبل، أي سوقها و الغناء لها و زجرها خلفها. راجع: لسان العرب، ج 14، ص 168 (حدا).
10) . في «ج، د، ص، ف»: «يكون».
11) . في «د»: «و في وراء الناقلين». و في المطبوع و الحجري: «و في الناقلين».
12) . في «ج، ص، ف»: «تفرط».
13) . في «د»: - «في».
قالَ صاحبُ الكتابِ :
ثُمّ يُقالُ لهم: يَلزَمُكم علىٰ هذه العِلّةِ فيمَن لا يَعرِفُ الإمامَ أن لا يَعلَمَ شيئاً مِن الشرعِ . فإذا صَحَّ أن يَعرِفَ بالتواتُرِ أركانَ (1)الشرعِ كالصلاةِ و غيرِها، و يَستَغنيَ في ذلكَ عن الإمامِ ، فهَلّا جازَ مِثلُه في سائرِها؟(2)
يُقالُ له: أمّا مَن لا يَعرِفُ الإمامَ في الحقيقةِ بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و مَن كانَ بَعدَه مِن أبنائه الأئمّةِ الراشدينَ عليهم السلام، و لَم يَرجِعْ في الشرعِ إلىٰ ما نُقِلَ عنهم و أُخِذَ مِن جهتِهم، فإنّه لا يَعرِفُ كثيراً مِن الشرعِ.(3)و لَم يَدُلَّ(4)علىٰ ذلكَ إلّا فَزَعُ خُصومِنا إلَى الظَّنِّ و الاستحسانِ في أكثر الشرائعِ و الحوادثِ، و قد بيّنّا أنّ ما فَزِعوا إليه لا يوجِبُ معرفةً، و لا يُثمِرُ عِلماً.
فأمّا أركانُ الشرعِ كالصلاةِ و غيرِها فلَيسَ يَمتَنِعُ أن يَعرِفَه(5)الخُصومُ بالتواتُرِ(6)، و لَم نَقُل: إنّ الإمامَ يُحتاجُ إليه لتُعرَفَ صحّةُ دَلالةِ التواتُرِ، بل لنَتيَقَّنَ (7)بأنّه لَم يَنكَتِمْ عنّا شيءٌ مِن أُمورِ الدِّينِ كُلِّها(8).
1) . في المغني: «أو كان»، و هو تصحيف واضح.
2) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 71.
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الشرائع».
4) . في «ج، ص، ط، ف» و الحجري: «و لو لم يدلّ »، و بناءً على هذه النسخ جواب الشرط محذوف، أي: لكفىٰ .
5) . في «د» و الحجري: «أن يعرف». و الأصحّ : «أن يعرفها».
6) . علىٰ أنّ ما يُعرف بالتواتر أيضاً يجوز فيه إعراض الناقلين بعد هذا عن نقله، فيجب أن يكون من ورائهم حجّة يتدارك ما يفرّطون فيه «ح. س». (من حاشية «م»).
7) . في «ج، ط»: «لنثق». و في «ص»: «نثق». و في «د»: «ليثق».
8) . في «د» و الحجري و المطبوع: - «كلّها».
قالَ صاحبُ الكتابِ :
ثُمّ يُقالُ لهم: مِن جُملةِ الشريعةِ الإيمانُ بالإمامِ و المعرفةُ به و بأحوالِه، فلا بُدَّ مِن أن يُعلَمَ(1)لأنّه مِن أعظَمِ أمرِ الدِّينِ عندَهم.
فيُقالُ(2)لهم: أيُعلَمُ ذلك بالتواتُرِ، أم(3)مِن جهةِ الإمامِ؟
فإن قالوا: مِن جهةِ الإمامِ.
قيلَ لهم: كَيفَ (4)يُعلَمُ (5)مِن جهتِه كَونُه إماماً، و إنّما يُعلَمُ (6)صِدقُه بَعدَ العِلمِ بأنّه إمامٌ؟ فلا بُدَّ مِن الرجوعِ إلىٰ أنّ ذلكَ يُعلَمُ بالتواتُرِ.
فيُقالُ لهم: فإذا استُغنيَ به(7)عن الإمامِ في هذا مِن(8)الشريعةِ (9)، فهَلّا(10)جازَ أن يُستَغنىٰ به في سائرِها؟(11)
يُقالُ له: أمّا المعرفةُ بوجودِ إمامٍ (12)في الجُملةِ و صفاتِه المخصوصةِ فطريقُنا
1) . في «د»: «أن نعلم». و في المطبوع و الحجري و المغني: «نعم» بدل «أن يعلم». و جاء في هامش المطبوع في توجيهه: أي لا بدّ من الجواب ب «نَعَم».
2) . في «ج»: «يقال». و في «د» و المطبوع: «قيل».
3) . في «ص»: «أو».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فكيف».
5) . في المغني: «نعلم».
6) . في المغني: «نعلم».
7) . أي بالتواتر.
8) . في المطبوع و الحجري: «عن».
9) . في المغني: «في هذه الطريقة» بدل «في هذا من الشريعة».
10) . في «ج»: «فهذه».
11) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 71.
12) . في المطبوع: «الإمام».
فيه(1)العقلُ، و لَيسَ يُفتَقَرُ(2)فيه إلىٰ تواتُرٍ،(3)و لا إلىٰ قولِ إمامٍ(4)، و قد مضىٰ طَرَفٌ مِن الدَّلالةِ علىٰ هذا.(5)
و أمّا العِلمُ بأنّ الإمامَ فُلانٌ دونَ غيرِه فيَحصُلُ بالتواتُرِ، و بقولِ الإمامِ أيضاً مع المُعجِزِ؛ لأنّ المُعجِزَ إذا دَلَّ علىٰ صِدقِه، و أمَّنَ مِن كَذِبِه، و ادَّعىٰ(6)أنّه الإمامُ الذي احتَجَّ اللّٰهُ تَعالىٰ به علَى الخَلقِ ، وَجَبَ تصديقُه و التسليمُ لقولِه، كما أنّ المُعجِزَ إذا دَلَّ علىٰ صِدقِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه وَجَبَ التسليمُ لِكُلِّ ما يَدَّعيهِ و يؤدّيهِ ، و القطعُ علىٰ صِدقِه فيه.
و هذا بخِلافِ ما ظَنَنتَه مِن أنّ كَونَه إماماً لا يَصِحُّ أن يُعلَمَ (7)مِن جهتِه(8)مِن حَيثُ تَوهَّمتَ أنّ صِدقَه لا يَصِحُّ أن يَكونَ معلوماً قَبلَ إمامتِه.
فأمّا قولُكَ : فإذا استُغنيَ به عن الإمامِ - و أنتَ تَعني التواتُرَ - فهَلّا جازَ أن يُستَغنىٰ به في سائرِ الشريعةِ؟ فما استُغنيَ قَطُّ في التواتُرِ عن الإمام، بل وجهُ الحاجةِ فيه إليه(9)ظاهرٌ؛ لأنّا قد بيّنّا(10)أنّ المتواتِرينَ كانَ يَجوزُ أن
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: «فطريقه» بدل «فطريقنا فيه».
2) . في «ط»: «و ليس نفتقر».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «التواتر».
4) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الإمام».
5) . تقدّم في ص 314-315.
6) . في المطبوع: «و ادّعائه».
7) . في «ص، ط»: «نعلمه».
8) . و هذا مبنيّ علىٰ توهُّمه أنّ استفادة معرفة الإمام ممتنعة من الإمام نفسه، و قد عرفت أنّها ممكنة اذا صدّقته المعجزة؛ فتدبَّر «ح. س». (من حاشية «م»).
9) . الضمير في «فيه» للتواتر، و في «إليه» للإمام؛ و وجه الحاجة إلى الإمام أنّه يكون من وراء المتواترين.
10) . تقدّم في ص 276 و 402.
لا يَنقُلوا(1)ذلكَ، فلا نَعلَمَه(2)مِن جهةِ النقلِ، و بَعدَ أن نَقَلوه يَجوزُ أيضاً أن يَعدِلوا عن نَقلِه فتَسقُطَ(3)الحُجّةُ به(4)في المُستَقبَلِ؛ فكَيفَ تَوهَّمتَ الاستغناءَ عن الإمامِ فيما نُقِلَ(5)؟
علىٰ أنّه لَو سُلِّمَ لكَ - استظهاراً و إيجاباً لإقامةِ الحُجّةِ مِن كُلِّ وجهٍ - أنّ التواتُرَ بالنَّصِّ علَى الإمامِ يُستَغنىٰ(6)عنه فيه، و كذلكَ(7)كُلُّ ما كان حُكمُه حُكمَ النَّصِّ عليه مِن الشريعةِ التي تَواتَرَ بها النقلُ و تَظاهَرَ، لَم يَكُن ما ذَكَرتَه قادحاً في الطريقةِ التي استَدلَلنا بها علىٰ وجوبِ وجودِ الإمامِ بَعدَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه لحِفظِ شريعتِه؛ و ذلكَ أنّ جميعَ(8)الشريعةِ - التي كلامُنا فيها - لَيسَ بمتَواتَرٍ به(9)، بل أكثرُها مفقودٌ فيه التواتُرُ عن صاحبِ الشريعةِ (10)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فالحاجةُ إلَى الإمامِ في الشريعةِ إذَن قائمةٌ مِن حَيثُ بيّنّا، و إن سُلِّمَ أنّ ما وَرَدَ به التواتُرُ منها يُستَغنىٰ (11)
1) . في «ط، ف»: «لا يفعلوا».
2) . في «ج»: «فلا يعلم». و في «ط، ف»: «فلا يعلمه».
3) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فإذن تسقط» بدل «فتسقط».
4) . في «ج»: - «به».
5) . في «ج، ص، ط»: «نقلته».
6) . في «د»: «مستغنى».
7) . في المطبوع: «و كذا».
8) . في «ص، ط»: - «جميع».
9) . في «ج»: «ليست بمتواترة»، و في «ص»: «ليس بمتواترة» كلاهما بدل «ليس بمتواتر به». و في حاشية «م»: «أي عند صاحب الكتاب، و أمّا السيّد - قُدّس سرّه - فادّعىٰ في الذريعة و غيره أنّ المسائل عندنا إمّا متواترة أو إجماعيّة ليس غيرهما، و به تفصّىٰ عن اعتراض من يعمل بخبر الآحاد؛ فتدبَّر وفّقك اللّٰه».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «الشرع».
11) . في «ط» و المطبوع و الحجريّ : «مستغنى».
فيه عن الإمامِ (1).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
ثُمّ يُقالُ لهم: يَجِبُ علىٰ هذه العِلّةِ(2)في هذا الزمانِ - و الإمامُ مفقودٌ أو غائبٌ - أن لا نَعرِفَ(3)الشريعةَ. ثُمّ لا يَخلُوَ حالُنا مِن وجهَينِ:
إمّا أن نَكونَ مَعذورينَ و(4)غيرَ مكلَّفينَ لذلك، فإن جازَ ذلكَ فينا ليَجوزَنَّ(5)في كُلِّ عصرٍ بَعدَ الرسولِ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ، و ذلكَ يُغني عن الإمامِ و يُبطِلُ (6)عِلّتَهم(7).
و إن قالوا: بل نَعرِفُ الشريعةَ لا مِن قِبَلِ الإمامِ .
قيلَ لهم: فبأيِّ وجهٍ يَصِحُّ أن نَعرِفَها(8)، يَجِبُ جوازُ مِثلِه في سائرِ الأعصارِ، و في ذلكَ الغِنىٰ عن الإمامِ في كُلِّ عصرٍ [و لا يُمكِنُهم القولُ بأنّا لا نَعرِفُ الشرعَ و لا يُمكِنُنا معرفتُه و مع ذلكَ لا نُعذَرُ؛ لأنّ ذلكَ يَجري مَجرىٰ تكليفِ ما لا يُطاقُ ].(9)
1) . في «ص، ف»: «إمام».
2) . و هي حفظ الشريعة بوجود الإمام.
3) . في «ج، د، ط، ف» و الحجري: «لا يعرف».
4) . في «د، ص»: «أو».
5) . في «ص، ط، ف»: «فليجوّزنّ ».
6) . في «ص، ط، ف» و المطبوع: «و تبطل».
7) . في المغني: «عليهم»، و هو تصحيف واضح.
8) . في «د»: «يعرفها».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 71. و ما بين المعقوفين من المصدر.
يُقالُ له: قد بيّنّا أنّ الفِرقةَ المُحِقّةَ القائلةَ (1)بوجودِ الإمامِ الحافظِ(2)للشريعةِ هي عارفةٌ بما نُقِلَ مِن الشريعةِ عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سلم، و ما لَم يُنقَلْ عنه
فبما نُقِلَ عن الأئمّةِ القائمينَ بالأمرِ بَعدَه - صَلَواتُ اللهِ عَلَيهم - و واثقةٌ بأنّ شيئاً مِن الشريعةِ يَجِبُ معرفتُه(3)لَم يُخَلَّ به؛ مِن أجلِ كَونِ الإمامِ مِن ورائها. و بيّنّا أنّ مَن خالَفَ الحقَّ و ضَلَّ عن دينِ اللّٰهِ تَعالَى الذي ارتَضاه لا يَعرِفُ أكثرَ الشريعةِ ؛ لعُدولِه(4)عن الطريقِ الذي يوصِلُ إلَى العِلمِ بها، و لا يَثِقُ بأنّ شيئاً ممّا يَلزَمُه معرفتُه لَم يَنطَوِ عنه و إن أظهَرَ الثِّقةَ مِن نَفسِه، و لا يَجِبُ أن يَكونَ مَن هذا حُكمُه معذوراً؛ لتمَكُّنِه مِن الرجوعِ إلَى الحقِّ .(5)
فأمّا قولُكَ: «إن قالوا: بل نَعرِفُها لا مِن قِبَلِ الإمامِ » فإن أرَدتَ إمامَ زمانِنا، فقَد بيّنّا أنّا قد عَرَفنا أكثرَ الشريعةِ (6)ببَيانِ مَن تَقدَّمَ مِن آبائه عليهم السلام،(7)غيرَ أنّه لا يَقتَضي(8)الغِنىٰ عنه(9)في الشريعةِ مِن الوجهِ الذي قد(10)تَردَّدَ في كلامِنا مِراراً.
و إن أرَدتَ أنّا نَعرِفُ (11)الشريعةَ لا مِن قِبَلِ إمامٍ في الجُملةِ بَعدَ الرسولِ
1) . في «د، ط، ف»: «العالمة».
2) . في المطبوع و الحجري: «إمام حافظ» بدل «الإمام الحافظ».
3) . في المطبوع و الحجري: + «لمن».
4) . في «د»: «بعدوله».
5) . راجع: ص 435.
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «الشرع».
7) . راجع: ص 436-437.
8) . في المطبوع و الحجري: «لا نقضي».
9) . في المطبوع: - «عنه».
10) . في المطبوع و الحجري: - «قد».
11) . في المطبوع: «أن تعرف» بدل «أنّا نعرف».
صَلَّى اللّٰهُ عليه و آله و سلّم، فقَد دَلَّلنا علىٰ بُطلانِ ذلكَ، و تَقدَّمَ أنّ(1)أكثَرَ ما اختُلِفَ فيه مِن الشريعةِ لَولا ما نُقِلَ عن الأئمّةِ مِن آلِ الرسولِ صَلَواتُ اللّٰه عليه و عَلَيهم فيه مِن البيانِ لَما عُرِفَ الحقُّ مِنه(2)، و أنّ مَن عَوَّلَ في الشريعةِ علَى الظَّنِّ فقَد خَبَطَ(3)و ضَلَّ عن القَصدِ. و بيّنّا أيضاً أنّ جميعَ الشريعةِ لَو كانَ منقولاً عن النبيِّ صلّى اللّٰه عليه و آلِه و سَلَّمَ و لَم يَقِفْ مِنها شيءٌ علىٰ بيانِ الأئمّةِ(4)عليهم السلام لغيرِه،(5)لَكانَت الحاجةُ إليهم فيها قائمةً؛ مِن حَيثُ كانَ يَجوزُ علىٰ مَن نَقَلَها فعَلِمناها أن لا يَنقُلَها، و بَعدَ أن نَقَلَها أن يَعدِلَ عن نَقلِها فلا يُعلَمَ(6)في المستقبَلِ .(7)
و قد(8)تَكرَّرَ هذا المَعنىٰ مِنّا(9)دُفعةً بَعدَ أُخرىٰ ،(10)و العُذرُ فيه لنا ما استَعمَلَه(11)صاحبُ الكتابِ مِن تَردادِ التعَلُّقِ بالشيءِ الواحدِ و تَكرارِه مِراراً(12).
1) . في المطبوع: «و بعده و إن تقدّم» بدل «و تقدّم أنّ ».
2) . في المطبوع و الحجري: - «منه».
3) . خَبَطَ، أي سارَ على غير هُدىً ، و منه قيل: خبط عشواء، و هي الناقة التي في بصرها ضعف إذامشت لا تتوقّى شيئاً. راجع: الصحاح، ج 3، ص 1121؛ لسان العرب، ج 10، ص 229 (خبط).
4) . في «د» و المطبوع: + «بعده».
5) . في المطبوع و الحجري: - «لغيره».
6) . في «ص»: «فلا نعلم».
7) . أي و يجوز عدوله عن النقل بعد ذلك، فلا يعلم ذلك المنقول في المستقبل.
8) . في «د»: «فقد».
9) . في المطبوع و الحجري: - «منّا».
10) . راجع: ص 276 و 402 و 459-460.
11) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «استعمال» بدل «ما استعمله».
12) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «مراراً».
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن قالوا: لَيسَ كُلُّ ما شَرَّعَه(1)النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ ثابتاً بالتواتُرِ، فكَيفَ يَصِحُّ ما تَعلَّقتم به ؟(2)
قيلَ لهم: إنّا أرَدنا أن نبيِّنَ أنّ حِفظَ ذلكَ مُمكِنٌ بالتواتُرِ، و أنّ ذلكَ يُسقِطُ عِلّتَهم؛ لأنّ قولَهم بالحاجةِ إلَى الإمامِ إنّما يُمكِنُ متىٰ ثَبَتَ لهم أنّ حِفظَ الشريعةِ لا يُمكِنُ إلّابه، فإذا أرَيناهم أنّه يُمكِنُ بغيرِه فقَد بَطَلَت العِلّةُ.
فأمّا أن نَقولَ في جميعِ الشريعةِ(3)أنّه محفوظٌ بالتواتُرِ، فبعيدٌ(4)، بل فيها(5)ما نُقِلَ بالتواتُرِ، و فيها ما تَلقَّته الأُمّةُ بالقبولِ(6)و أجمَعَت عليه، و قد عَلِمنا بالدليلِ أنّهم لا يُجمِعون(7)علىٰ خَطَإٍ، و فيها ما يَثبُتُ (8)بالكتابِ المنقولِ بالتواتُرِ، و فيها ما يَثبُتُ بخبرٍ يُعلَمُ صحّتُه باستدلالٍ (9)علىٰ ما بيّنّاه(10)مِن قَبلُ ، و فيها ما يَثبُتُ بطريقةِ (11)الاجتهادِ مِن قياسٍ و خبرِ
1) . في المطبوع: «شرع».
2) . و هو الاستغناء عن الإمام بالتواتر.
3) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «الشرع».
4) . في المغني: «فلا» بدل «فبعيد».
5) . في المغني: «فيه». و هكذا أيضاً في الموارد الآتية في العبارة.
6) . في المغني: «و فيه ما نقلته الأُمّة» بدل «و فيها ما تلقّته الأُمّة بالقبول».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «لا يجتمعون».
8) . في المغني: «و فيه ما ثبت». و هكذا أيضاً في الموارد الآتية.
9) . في المغني: «بخبر تقام صحّته بالاستدلال و اكتساب» بدل «بخبر يعلم صحّته باستدلال». وقال محقّق المغني في الهامش: «لعلّها: و الاكتساب». و في «ج»: «بالاستدلال» بدل «باستدلال».
10) . في «ج»: «بيّنّا». و في «د» و المطبوع و الحجري: «قدّمناه».
11) . في «ص»: «بطريق».
واحدٍ. و كُلُّ ذلكَ يُستَغنىٰ فيه عن الإمامِ .(1)
يُقالُ له: لَيسَ يَنفَعُكَ إمكانُ التواتُرِ بجميعِ الشريعةِ إذا أقرَرتَ بأنّ أكثرَها أو(2)بعضَها لا تواتُرَ فيه، و لا يَكونُ ذلكَ معتَرِضاً للطريقةِ التي نَحنُ في نُصرتِها و أنتَ في نَقضِها، و لا قادحاً في استمرارِها؛ لأنّا في الاستدلالِ بهذه الطريقةِ أَوجَبنا الحاجةَ إلَى الإمامِ في الشريعةِ لأمرٍ يَخُصُّها، و لأحوالٍ هي عَلَيها، تَقتَضي(3)الحاجةَ إليه فيها(4)، و إذا لَم يَكُن جميعُ ما يُحتاجُ إليه(5)مِنها متواتِراً فقَد ثَبَتَت(6)الحاجةُ إلىٰ
حُجّةٍ (7)، و لا اعتبارَ بإمكانِ التواتُرِ في جميعِها. علىٰ أنّا قد بيّنّا أنّ التواتُرَ لا يَجوزُ أن تُحفَظَ(8)به الشريعةُ ، و استَقصَيناه و أَحكَمناه.(9)
فأمّا الإجماعُ : فلا حُجّةَ فيه إذا لَم يُقطَعْ (10)علىٰ أنّ في جُملةِ المُجمِعينَ معصوماً يؤمَنُ غَلَطُه و زَلَلُه(11)لأنّ الخطأَ يَجوزُ علىٰ آحادِ الأُمّةِ و جَماعاتِها، و لَيسَ يَجوزُ أن يَكونَ اجتماعُها(12)عاصماً لها، و لا مؤمِّناً مِن وقوعِ الخَطَإ مِنها، و مَن هذه حالُه لا يَجوزُ أن يَحفَظَ اللّٰهُ تَعالىٰ به شَرعاً.
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 72.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: + «بأنّ ».
3) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «يقتضي».
4) . في «ج، ص، ف»: «إليها» بدل «إليه فيها».
5) . في المطبوع و الحجري: «فيه» بدل «إليه».
6) . في «ج، ص» و المطبوع: «ثبت».
7) . في «ج»: «الحجّة».
8) . في «ج، د، ص، ف» و الحجري: «يحفظ».
9) . راجع ص 73 و ما بعدها.
10) . في «ج، ص، ف»: «لم تقطع».
11) . في المطبوع: «زلزله» و هو سهو واضح.
12) . في «د»: «إجماعها».
فأمّا الكتابُ: فلَيسَ يَجوزُ الاقتصارُ عليه في حِفظِ الشرعِ(1)لأنّ أكثرَ الشرائعِ(2)لَيسَ في صريحِه بيانُها علَى التفصيلِ و التحديدِ، و هو مع ذلك لا يُتَرجِمُ(3)عن نَفسِه، و لا يُنبئُ عن معناه(4)و تأويلِه، و لا بُدَّ(5)له مِن مترجِمٍ و مبيِّنٍ؛ فإن قيلَ: إنّه الرسولُ صلّى اللّٰه عليه و آلِه، لَم يُدفَعْ (6)ذلكَ ، إلّاأنّه لا بُدَّ لِمَن لَم يُشاهِدِ(7)الرسولَ مِن أن يَتَّصِلَ ذلكَ به، و يَكونَ له طريقٌ إلىٰ معرفتِه؛ فإن كانَ الطريقُ هو التواتُرَ أو الإجماعَ (8)فقَد مضىٰ ما فيهما، و هذا يوجِبُ الرجوعَ إلىٰ أنّه لا بُدَّ مِن حُجّةٍ مبلِّغٍ لِما يَقَعُ مِن بيانِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه للكتابِ .
فأمّا(9)الاجتهادُ و القياسُ : فقَد دَلَّلنا علىٰ بُطلانِهما في الشريعةِ و أنّهما(10)لا يُنتِجانِ عِلماً و لا فائدةً ، فَضلاً عن أن يُحفَظَ بهما(11)الشريعةُ .(12)
1) . في حاشية «م»: «ألا ترىٰ أنّ الثاني - مع منعه عن إحضار الدواة و الكتف بحضرة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله، مخافة كتابته النصّ على الوصيّ ، معتذراً بكفاية كتاب اللّٰه سبحانه - كان في كثير من الحوادث متحيّراً؛ إمّا سائلاً و إمّا مخترعاً؟ و اشتمال الكتاب لكلّ حكم من الأحكام لا ينافي ذلك؛ فتدبَّر (ح. س)».
2) . يريد الأحكام.
3) . يترجم: يبيّن. و تَرجَمَ فلانٌ كلامَه: إذا بيّنه و أوضحه. المصباح المنير، ص 74 (ترجم).
4) . في المطبوع: + «و تفصيله».
5) . في «ص»: «فلا بدّ».
6) . هكذا في «ج، د، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «لا ندفع». و في حاشية «م»: «لا يدفع، عليٰبناء المجهول، و قوله: «إلّا أنّه» كلام مستأنف؛ أي: لكنّه لابدّ إلخ. أو هو على البناء للمعلوم، و قوله: «إلّا أنّه الخ» المستثنىٰ فيه بدل عن الفاعل؛ أي: لم يُبطله شيء إلّاذلك الكلام؛ فتدبَّر».
7) . في المطبوع و الحجري: + «زمن».
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و الإجماع».
9) . في «د» و المطبوع: «و أمّا».
10) . في المطبوع: «و أنّهم» و هو سهو.
11) . في «د» و المطبوع و الحجري: «أن يحفظا» بدل «أن يحفظ بهما».
12) . تقدّم في ص 430.
و حالُ أخبارِ الآحادِ في فَسادِ حِفظِ الشريعةِ بها أظهَرُ مِن كثيرٍ ممّا تَقدَّمَ (1)لأنّها(2)لا توجِبُ عِلماً. و هي أيضاً متكافئةٌ متقابِلةٌ ، و(3)واردةٌ بالمختلِفِ مِن الأحكامِ و المتضادِّ. و ما يُعتَمَدُ في قرائِنها إمّا أن يَكونَ علىٰ طريقةِ خُصومِنا الإجماعَ أو
القياسَ ، و لَيسَ مطابَقةُ شيءٍ مِن ذلكَ لها بموجِبٍ (4)لصحّتِها و القَطعِ عَلَيها.
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فإن قالوا: إنّ أهلَ التواتُرِ و إن كانوا حُجّةً ، فقَد يَصِحُّ عَلَيهم السَّهوُ عمّا يَنقُلونَ في بعضِ الأحوالِ ، أو في كُلِّ حالٍ ؛ فلا بُدَّ مِن حافظٍ يُزيلُ سَهوَهم، و ينبِّهُ علىٰ كِتمانِهم، و لا يَجوزُ عليه ما يَجوزُ عَلَيهم.
قيلَ لهم: إنّ [الذي يَنقُلُه](5)أهلُ التواتُرِ عِلمُهم به ضَروريٌّ لا يَزولُ بفِعلِهم، بل القَديمُ تَعالىٰ يَفعَلُه فيهم، و كمالُ العقلِ في الجَمعِ العظيمِ يَقتَضي أن لا يَنسَوا(6)ما حَلَّ(7)هذا المَحَلَّ . و لو جازَ السَّهوُ في ذلكَ لَم نأمَنْ (8)مِن حُصولِ السَّهوِ(9)في عِلمِهم بالمُشاهَداتِ ، و هذا
1) . هذا الكلام منه - قُدّس سرّه - مبنيّ على ظنّه عدم حجّيّة أخبار الآحاد. و لعلّه في زمانه - رضي اللّٰه عنه - كما ذكره؛ لإمكان تحصيل القرائن المعاضدة، و كثرة التواتر و الإجماع و شيوعهما. و أمّا في زماننا فلا يُعمل إلّابأخبار الآحاد؛ لعدم نيل ما يفيد العلم. و تفصيله مذكور في كتب أصحابنا الأُصوليّة. (من حاشية «م»).
2) . في «ص، ط»: «و لأنّها».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «و».
4) . في «ج»: «يوجب».
5) . ما بين المعقوفين من المغني.
6) . في «ج»: «أن لا يسهوا و لا ينسوا».
7) . في «ج»: «ما يحلّ ».
8) . في «ج، ص، ط»: «لم يأمن». و في المغني: «لم يؤمن» و لم ترد فيه كلمة «من» بعده.
9) . في «ج، ص، ط، ف»: + «عليهم».
يُحيلُ(1)معرفتَنا بالبُلدانِ و المُلوكِ، و فَسادُ ذلكَ يُبطِلُ (2)ما قالوه. و يَجِبُ أن لا يؤمَنَ فيمَن لا يَعرِفُ الإمامَ أن لا يَعرِفَ الصلاةَ و الصيامَ و الأُمورَ الظاهرةَ في الشريعةِ . بل كانَ يَجِبُ تجويزُ(3)الإخلالِ في نَقلِ القُرآنِ ، و نَقلِ كَونِ الرسولِ في الدُّنيا و ثُبوتِ أعلامِه. [و بُطلانُ ذلكَ يبيِّنُ فَسادَ هذا القولِ ].(4)
يُقالُ له: لَيسَ كُلُّ ما عُلِمَ ضَرورةً لا يَصِحُّ أن يُسهىٰ عنه، و إنّما يُستَبعَدُ سَهوُ العاقلِ و(5)العقلاءِ في العلومِ التي هي مِن(6)كمالِ عقولِهم، كالعِلمِ بأنّ الاثنَينِ أكثرُ مِن الواحدِ،(7)و أنّ الشِّبرَ لا يطابِقُ الذِّراعَ، و الموجودَ لا يَخلو مِن(8)أن يَكونَ قَديماً
أو مُحدَثاً، إلىٰ ما شاكَلَ هذه(9)العلومَ و هي كثيرةٌ ، أو فيما تَكَرَّرَ(10)عِلمُهم به و مشاهَدتُهم له مِن جُملةِ المشاهَداتِ ، كامتناعِ سَهوِ العاقلِ عن اسمِه(11)، و ما يَتكَرَّرُ
1) . في الحجري: «و هذا يختلّ ». و في المطبوع: «فتختلّ ». و في المغني: «فتحيل».
2) . في المطبوع و الحجري: - «يبطل».
3) . في المطبوع و الحجري: «يجوز» بدل «يجب تجويز».
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 72. و الزيادة من المصدر.
5) . في «د»: - «العاقل و».
6) . في «د» و الحجري و المطبوع: + «جملة».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «من واحدٍ».
8) . في «ج»: «إمّا». و في المطبوع: - «من».
9) . في حاشية «ط»: «ما شابهه من». و في «ف»: «ما شابه هذه». و في «ج»: «ما شاهده من» كلّهابدل «ما شاكل هذه».
10) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «فيما يكون». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و الحجري.
11) . في «ص»: «عن أبويه».
عِلمُه به و إدراكُه له مِن لِباسِه و أعضائه.
و لَيسَ بمُنكَرٍ أن يَسهُوَ العاقِلُ في أشياءَ مخصوصةٍ و إن عَلِمَها ضَرورةً إذا كانَت خارجةً عمّا ذَكَرناه؛ لأنّا نَعلَمُ أنّ الإنسانَ قد يَسهو عمّا أكَلَه في أمسِه، و صَنَعَه في عُمُرِه، و إن كانَ عِلمُه بذلكَ عندَ حُصولِه ضَروريّاً؛ فكَيفَ أحَلتَ(1)علىٰ أهلِ التواتُرِ السَّهوَ مِن حَيثُ عَلِموا ما تواتَروا به ضَرورةً؟!
فإن عَنَيتَ بما ذَكَرتَه إحالةَ السَّهوِ علىٰ جميعِهم أو علَى الجَمعِ العظيمِ مِنهم، فهو ممّا لا نأباه و لا يَنفَعُكَ، و قد تَقدَّمَ في كلامِنا أنّ العاداتِ قاضيةٌ بامتناعِ السَّهوِ علَى الأُمَمِ العظيمةِ في الشيءِ الواحدِ في الوقتِ الواحدِ(2)، غيرَ أنّ ذلكَ و إن كانَ باطلاً لَم يُسقِطْ عنكَ ما بيّنّا لُزومَه؛ لأنّه و إنِ امتَنَعَ السَّهوُ علَى المتواتِرينَ جميعاً في حالةٍ واحدةٍ عمّا نَقَلوه، فغيرُ مُمتَنِعٍ أن يَسهُوَ بعضُهم عنه في حالٍ، و بعضٌ في حالٍ أُخرىٰ، إلىٰ أن يَخرُجَ الخبرُ مِن أن يَكونَ متواتِراً، و هذا أيضاً ممّا قد تَقدَّمَ .
و هَبْ أنّ السَّهوَ لا يَجوزُ علَى المتواتِرينَ في جَماعاتِهم(3)و لا في آحادِهم(4)- حَسَبَ ما(5)ادَّعَيتَ - ما المانعُ مِن عُدولِهم عن النقلِ تعمُّداً لبعضِ الأغراضِ و الدَّواعي ؟ و قد بيّنّا فيما سَلَفَ مِن كتابِنا جَوازَ ذلكَ عَلَيهم(6)، و أنّ في جَوازِه بُطلانَ كَونِهم حُجّةً ، و صِحّةَ ما نَذهَبُ إليه مِن وجودِ إمامٍ حافظٍ للشريعةِ .
فأمّا المعرفةُ بالبُلدانِ و المُلوكِ فمخالِفةٌ لِما ذَكَرناه، و إلزامُكَ لنا الشَّكَّ في أمرِها لا يَلزَمُنا.
أمّا السَّهوُ عن البُلدانِ و الظاهرِ الشائعِ مِن أخبارِ المُلوكِ، فإنّا(1)لا نُجيزُه؛ لِما قَدَّمناه في كلامِنا آنِفاً مِن استحالةِ السَّهوِ علَى(2)العقلاءِ فيما تَكرَّرَ عِلمُهم به و إدراكُهم له. و لَحِقَ هذا القِسمُ - مِن حَيثُ تَكرَّرَ العِلمُ به(3)- بالقِسمِ الذي أَحَلنا سَهوَ العقلاءِ عنه.
و أمّا تعمُّدُ العقلاءِ كِتمانَ أمرِ البُلدانِ - قياساً علىٰ جَوازِ كِتمانِ العباداتِ و الشرائعِ علَى الأُمّةِ - فيَستَحيلُ؛ لأنّه لا داعيَ للعقلاءِ - إلى كِتمانِ أمرِ(4)البُلدانِ و ما أشبَهَها - يُعرَفُ و لا غَرَضَ(5)، بل كُلُّ داعٍ معقولٍ يَدعو إلىٰ نَقلِها و نَشرِ خبرِها؛ لأنّ تصرُّفَ الناسِ في تجاراتِهم و أسفارِهم و كثيرٍ مِن مَعايشِهم يَقتَضي نَقلَ(6)ذلكَ ، و يوجِبُ أنّ بِهم(7)إليه(8)أمَسَّ حاجةٍ (9)، و ما كانَت(10)دواعي الإذاعةِ فيه قائمةً و عُلِمَ استمرارُها(11)
1) . في «د»: «فإنّما».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «عن».
3) . في المطبوع و الحجري: «فيه».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «أمر».
5) . أي ليس هناك داعٍ و لا غرضٌ يُعرَفُ للعقلاء في تعمُّدِ الكتمان.
6) . في المطبوع و الحجري: - «نقل».
7) . في «د»: «لهم». و في «ج»: «يهمّ ».
8) . في «ج، ص»: - «إليه».
9) . في المطبوع: «الحاجة».
10) . في «ص، ط، ف»: «و مكان» بدل «و ما كانت».
11) . في «ص، ط، ف»: + «به».
في كُلِّ زمانٍ لا يَجوزُ كِتمانُه؛ لأنّ الكِتمانَ لا يَقَعُ (1)إلّابِداعٍ (2)قويٍّ (3)و غَرَضٍ ظاهرٍ، و كُلُّ ذلكَ مفقودٌ في أمرِ البُلدانِ ، مع ما بيّنّاه مِن ثُبوتِ الدَّواعي إلىٰ نَقلِ خبرِها(4)و إشاعتِه.
فأمّا ما نُقِلَ مِن(5)كَونِ الرسولِ في الدُّنيا(6): فهو جارٍ مجرىٰ ما تَقدَّمَ مِن أحوالِ البُلدانِ مِن وجهٍ؛ لأنّه لا غَرَضَ لعاقلٍ (7)في كِتمانِ دُعاءِ (8)داعٍ إلىٰ نَفسِه علىٰ وجهِ الظُّهورِ، يَجوزُ(9)أن يَكونَ مُحِقّاً و يَجوزُ أن يَكونَ مُبطِلاً، و لأنّ مَن اعتَقَدَ تَكذيبَه لا يَمنَعُه هذا الاعتقادُ مِن نَقلِ خبرِه؛ لأنّ العقلاءَ قد يُخبِرونَ عن حالِ الصادقِ و الكاذبِ ، و(10)المُحِقِّ و المُبطِلِ .
فأمّا نَقلُ القُرآنِ ، و نَقلُ وجودِ الأعلامِ (11)سِوَى القُرآنِ : فهو ممّا لا يَمتَنِعُ حُصولُ الدَّواعي(12)إلىٰ كِتمانِه، و قد كانَ (13)يَجوزُ مِن طريقِ الإمكانِ وقوعُ الإخلالِ به(14)
1) . في المطبوع و الحجري: «لا يقطع».
2) . في «ص»: «لداع».
3) . في «ج، ص، ف»: «يقوي».
4) . في «ط، ف»: + «و اتّساعه». و في «ص»: + «و إفشائه غيره».
5) . في «د»: - «ما نقل من». و في «ص، ف»: «فقد» بدله. و في «ط»: «نقل» بدله.
6) . أي الإخبار عن كون الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله كان موجوداً في هذه الدنيا. و قد تقدّم هذا الكلام في نهاية عبارة المغني الأخيرة.
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «لناقل».
8) . في المطبوع: «دعاه».
9) . في المطبوع: «و يجوز». و في «د»: «بجواز».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: + «عن حال».
11) . أي معجزات الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله.
12) . في «د» و الحجري: «الداعي».
13) . في المطبوع: - «كان».
14) . أي بالنقل.
لَيسَ(1)علىٰ أن يُقدَّرَ أنّ الحالَ في المصدِّقينَ به صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في الكَثرةِ و الظُّهورِ هذه، بل بأن يُقدَّرَ أنّ المُصدِّقَ لِلدَّعوَةِ(2)كانَ في الأصلِ واحداً أو اثنَينِ
و كانَ مَن عَداه مُكذِّباً مُعادياً، فلا يَمتَنِعُ مع هذا التقديرِ الإخلالُ بنَقلِ الأعلامِ بأن يَدعُوَ المكذِّبينَ دَواعي الكِتمانِ إليه، و يُعرِضَ (3)المصدِّقونَ لضَعفِ أمرِهم. غيرَ أنّ هذا ممّا يؤمَنُ (4)وقوعُه؛ لقيامِ الدَّلالةِ عندَنا علىٰ أنّ للّٰهِ تَعالىٰ حُجّةً في كُلِّ زمانٍ ، حافظاً لدِينِه، مُبيِّناً له، مُتَلافياً لِما يَجري فيه مِن زَلَلٍ و غَلَطٍ لا يُمكِنُ أن يَستَدرِكَه غيرُه(5).
فأمّا الصلاةُ و الصيامُ و الأُمورُ الظاهرةُ في الشريعةِ : فلَيسَ يَلزَمُ علىٰ هذه الطريقةِ أن لا يَعرِفَها إلّامَن عَرَفَ الإمامَ ، و إلزامُ صاحبِ الكتابِ ذاكَ ظُلمٌ أو سَهوٌ؛ لأنّه لا عِلّةَ له(6)توجِبُه.
و قد بيّنّا أنّه لا يَمتَنِعُ أن يَعرِفَ الصلاةَ و الصيامَ و ما أشبَهَهما(7)بالتواتُرِ مَن لا يَعرِفُ الإمامَ ، غيرَ أنّه و إن عَرَفَ ذلكَ لا يَكونُ واثقاً بأنّ شيئاً ممّا يَجري مَجرىٰ هذه العبادةِ مِن العباداتِ لَم يَنطَوِ عنه، و أنّه و إن أظهَرَ الثِّقةَ بذلكَ فهو غيرُ واثقٍ في الحقيقةِ و لا متيَقِّنٍ (8).
1) . في المطبوع: «و ليس».
2) . هكذا في «د» و المطبوع و الحجري. و في سائر النسخ: «في الدعوة».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و ينفر».
4) . في «ف» و الحجري: «ممّا يأمن».
5) . في «ج، ص، ف»: «أن يستدرك» بدل «أن يستدركه غيره».
6) . في المطبوع و الحجري: «لنا».
7) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و ما أشبهها».
8) . راجع: ص 454-463.
فأمّا ما لا يَزالُ يُعارِضُنا به الخُصومُ في هذا المَوضِعِ مِن قولِهم: «جوِّزوا أن يَكونَ القُرآنُ قد عورِضَ بمعارَضةٍ هي(1)أبلَغُ مِنه و أفصَحُ ، فكَتَمَ (2)ذلكَ المسلمونَ ؛ لغَلَبَتِهم و قوَّتِهم، و خَوفِ المخالِفينَ مِنهم»(3).
فهو ساقطٌ بما أَصَّلناه في كلامِنا؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ ما دَواعي النَّقلِ فيه ثابتةٌ لا يَلزَمُنا تجويزُ كِتمانِه، و قد عَلِمنا أنّ لكُلِّ مَن خالَفَ المِلّةَ مِن الدَّواعي إلىٰ نَقلِ معارَضةِ القرآنِ - لَو كانَت(4)- ما لا يَجوزُ أن يَقعُدَ معه(5)عن نَقلِها لخَوفٍ أو لغَيرِه، و لأنّ فيهم مَن لا يَخافُ جُملةً ؛ لحُصولِه في بِلادِ عِزِّه(6)و مَملَكَتِه كالرُّومِ و مَن جَرىٰ مَجراهم، و لأنّ الخَوفَ أيضاً لا يَمنَعُ مِن النَّقلِ كما لَم يَمنَعْهم مِن نَقلِ كثيرٍ ممّا يُسخِطُ المسلمينَ و يُغضِبُهم، مِن سَبِّ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و قَذفِه و هِجائه، و لأنّ الخَوفَ إنّما يَمنَعُ - إن مَنَعَ - مِن التظاهُرِ بالنَّقلِ ، و لا يَمنَعُ (7)مِن الاستِسرارِ به، و في نَقلِه علىٰ جهةِ الاستِسرارِ ما يوجِبُ اتّصالَه بنا.
و في إفسادِ هذه المعارَضةِ و إبطالِها وجوهٌ كثيرةٌ ، و لَعلَّنا(8)نَستَقصيها فيما يأتي
1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «هي».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «و كتم».
3) . راجع: الموضح عن جهة إعجاز القرآن (الصرفة)، ص 89-90؛ الصواعق المحرقة، ص 191 و 195.
4) . و لو كانت لَذكرها مخالفونا من اليهود و النصارىٰ في كتبهم، و لاشتهر فيهم و في أهل الإفرنج؛ و ليس، فليس؛ فتدبَّر. (من حاشية «م»).
5) . في المطبوع و الحجري: «ممّا لا يجوز أن يقعدوا معه».
6) . في «ج، د، ص، ط»: «بلاد عدوّنا».
7) . في المطبوع: «و لا يمنعهم».
8) . في المطبوع و الحجري: + «أن».
مِن الكتابِ عندَ الكلامِ في النَّصِّ علىٰ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ.
و جُملةُ ما يُعقَدُ عليه هذا البابُ: أنّ كُلَّ شيءٍ كانت الدَّواعي إلىٰ نَقلِه للعقلاءِ أو لبعضِهم ثابتةً معلومةً لَم يَجُز كِتمانُه، و(1)كُلَّ شيءٍ جازَ أن يَدخُلَ فيه دَواعي النَّقلِ و دَواعي الكِتمانِ(2)مَعاً جَوَّزنا فيه الكِتمانَ ، فاعتَبِرْ كُلَّ ما يَرِدُ عَلَيكَ مِن أعيانِ المَسائلِ هذا الاعتبارَ؛ فما لَحِقَ بما يَسوغُ فيه دواعي الكِتمانِ أجَزتَه، و ما لَم يَسُغْ فيه(3)أحَلتَه.
إلّا أنّ ما يَسوغُ فيه الكِتمانُ و حُصولُ الدَّواعي إليه علىٰ ضَربَينِ :
مِنه ما يَجِبُ إذا كُتِمَ أن يُبيِّنَه إمامُ الزمانِ و يُظهِرَه لتَقومَ الحُجّةُ به؛ و هو ما كانَ مِن قَبيلِ العباداتِ و الفرائِض، و ما يَجِبُ علَى المكلَّفينَ العِلمُ به.
و مِنه ما لا يَجِبُ فيه ذلك و إن كُتِمَ ، كأكثرِ الحوادثِ التي تَجري مِن الناسِ في مُتَصرَّفاتِهم التي لا تَعلُّقَ لها بشرعٍ و لا دِينٍ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
فأمّا ما يَصيرُ محفوظاً بالإجماعِ ، فقَد عَلِمنا بالدليلِ أنّه لا يَجوزُ علَى الأُمّةِ فيه الخطأُ، و لا يَجوزُ عَلَيهم الذَّهابُ عن الحقِّ ، و لا بُدَّ مِن كَونِ الحقِّ محفوظاً فيهم حتّىٰ لا يَخلُوَ الزمانُ (4)ممّن يَحفَظُ الشرعَ و الحقَّ ؛
فإمّا أن يَكونَ واحداً بعَينِه أو جَماعةً، و إمّا أن يَكونَ كُلُّ(1)ذلكَ في واحدٍ أو جميعُ الشرعِ في الجَماعةِ(2)، فإذا(3)ذَهَبَ بعضُهم عنه أمكَنَهم معرفتُه ممّن(4)يَحفَظُه، و يُنَبِّهُ(5)علىٰ ذلكَ(6)مَن هو حافظٌ له، و كذلكَ القولُ في سائرِ الأدلّةِ؛ فمِن أَينَ أنّه لا بُدَّ مِن الحاجةِ إلَى الإمامِ (7)؟ [و قد بيّنّا أنّ ما طريقُه الاجتهادُ يَصيرُ محفوظاً بما أقامَه اللّٰهُ مِن الدَّلالةِ ، و بما يَثبُتُ مِن الأماراتِ ، و يُستَغنىٰ عن الإمامِ ](8).
فيُقالُ له: لَيسَ يَجوزُ أن تَكونَ الأُمّةُ حافظةً للشرعِ ؛ لأنّ الغَلَطَ جائزٌ(9)علىٰ آحادِها و جَماعاتِها، علىٰ ما(10)بيّنّاه فيما تَقدَّمَ (11).
1) . في «ط» و حاشية «د»: «نظير».
2) . يعني: علىٰ تقدير حفظ الجماعة له إمّا أن تكون كلّ مسألة محفوظة عند واحد منهم بأن يعلم كلّ منهم مسألة دون ما علمه الآخر، أو تكون جميع مسائل الشرع محفوظة في كلّ واحد منهم. و قوله: «فإذا ذهب» من تتمّة الشقّ الأخير، أي: إذا كان كلّ أحد حافظاً لجميع الشرع فإذا ذهب إلخ، و إلّافعلىٰ تقدير حفظ واحد بعينه له أو حفظ كلّ واحد منهم مسألة من المسائل لا يمكن المعرفة بمن يحفظه بعد اعتبار ذهابه عن البعض الحافظ له. و مجرّد احتمال هذا القسم كاف في نفي الحاجة إلى الإمام، فلا يرد النقض بالشقّين الأوّلين؛ تأمَّل. (من حاشية «م»).
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و إذا».
4) . في «ج، ط، ف» و حاشية «ص»: «بمَن».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري و المغني: «و ينبّهه».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «عليه» بدل «علىٰ ذلك».
7) . في «ط، ف»: «إلىٰ إمام».
8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 73. و ما بين المعقوفين من المصدر.
9) . في «ط»: «جاز».
10) . في المطبوع: «كما» بدل «على ما».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «بيّنّا فيما سلف» بدل «بيّنّاه فيما تقدّم». و قد تقدّم المطلب المشار إليه في ص 451-452.
و لَيسَ يَرجِعُ خُصومُنا في الاستدلالِ علىٰ أنّهم لا يُجمِعونَ علىٰ خَطَإٍ - و إن
كانَ العقلُ مُجوِّزاً اجتماعَهم عليه - إلّا(1)إلىٰ خبرِ واحدٍ يَجعَلونَ إجماعَهم و إمساكَهم عن النَّكيرِ علىٰ راويهِ دَليلاً علىٰ صِحّتِه!! و لَم يَثبُتْ أنّهم أجمَعوا عليه في الحقيقةِ حَسَبَ ما ادَّعَوه، و لَو ثَبَتَ لَم يَصِحَّ الاستدلالُ علَى الإجماعِ و صِحّتِه بأمرٍ لا يُعلَمُ أنّه دَليلٌ إلّابَعدَ صِحّةِ الإجماعِ؛ لأنّ لِخَصمِهم أن يَقولَ: جَوِّزوا أن يَكونَ إجماعُهم علىٰ تصديقِ هذا الخبرِ و تَركِ النَّكيرِ علىٰ راويهِ(2)مِن جُملةِ الخَطَإ الذي يَجوزُ اجتماعُهم(3)عليه؛ فكأنّ الذاهبَ إلىٰ صِحّةِ الإجماعِ و المستَدِلَّ عليه بهذه الطريقةِ يَقولُ: الدليلُ علىٰ صِحّةِ الإجماعِ نَفسُ الإجماعِ!!
و يَرجِعونَ إلىٰ ظاهرِ آياتٍ لا دَلالةَ في ظاهرِها و لا(4)فَحواها علىٰ صِحّةِ إجماعِ الأُمّةِ، بل أكثرُها يَتضَمَّنُ أوصافاً مِن المَدحِ أكثرُ الأُمّةِ لا تَستَحِقُّه، و لا يَستَجيزُ عاقلٌ وَصفَهم به. و قد بُيِّنَ الكلامُ في هذه الآياتِ و الصحيحُ في(5)تأويلِها في غيرِ مَوضِعٍ.
و لَم يَستَعمِلْ صاحبُ الكتابِ فيما ادَّعاه مِن صِحّةِ الإجماعِ شيئاً مِن الحِجاجِ فنَنقُضَه(6)عليه، بل اقتَصَرَ علَى الدَّعوىٰ(7)و أحالَ علىٰ ما ادَّعىٰ أنّه ذَكَرَه في غيرِ هذا المَوضِعِ؛ فلهذا لَم نَستَقصِ الكلامَ ، و اقتَصَرنا علىٰ هذه الجُملةِ ، و هي كافيةٌ .
علىٰ أنّا لَو سَلَّمنا له(1)«أنّ الأُمّةَ لا تَجتَمِعُ(2)علىٰ خَطَإٍ» لَم يُغنِ ذلكَ عنه(3)شيئاً فيما ادَّعاه مِن كَونِها حافظةً للشرعِ؛ لأنّه قد اعتَرَفَ في كلامِه بأنّه قد يَجوزُ علىٰ بعضِها الذَّهابُ عن الحقِّ في الشرعِ حتّىٰ يَبقَى الحقُّ في جَماعةٍ مِن جُملتِها.
و لا بُدَّ له مِن الاعترافِ بذلكَ؛ لأنّ ما يَدَّعيه مِن(4)صِحّةِ إجماعِها(5)لَو صَحَّ لَكانَ
دالاًّ علىٰ أنّها لا تَجتَمِعُ علَى الخَطَإ، فأمّا أن يَكونَ دالاًّ علىٰ أنّ كُلَّ حقٍّ فلا بُدَّ مِن اجتماعِها عليه فلَيسَ ممّا يُمكِنُ أن يُدَّعىٰ. و قد عَلِمنا أنّ بعضَها إذا ذَهَبَ عن الحقِّ، و بَقِيَ الحقُّ في بعضٍ آخَرَ(6)، فإنّ البعضَ الذي ثَبَتَ (7)الحقُّ فيه لَيسَ بإجماعٍ ، و لا يَكونُ قولُهم حُجّةً علىٰ مَن ذَهَبَ عن الحقِّ ؛ لأنّه لَيسَ بكُلِّ الأُمّةِ الذي يُدَّعىٰ أنّ الخطأَ لا يَجوزُ عَلَيها إذا ما اجتَمَعَت(8).
فإن قيلَ : يَكونُ قولُ البعضِ حُجّةً بدَليلٍ سِوَى الإجماعِ ؛ إمّا بالتواتُرِ أو غيرِه.
قُلنا: لَيسَ هذا هو الذي نَحنُ فيه؛ لأنّ كلامَنا علىٰ أنّ الشرعَ هل يَصِحُّ حِفظُه بالإجماعِ أم لا؟ و إذا كانَ علَى القولِ دَليلٌ ثابتٌ وَجَبَ الرجوعُ إليه مِن غيرِ اعتبارِ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: - «له».
2) . في «د»: «لا تجمع».
3) . في «ج، ص»: «عنه ذلك» بدل «ذلك عنه».
4) . في المطبوع و الحجري: «ما يدّعىٰ في» بدل «ما يدّعيه من».
5) . في «ج، ص»: «اجتماعها».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «في بعضها» بدل «في بعض آخر».
7) . في «ط»: «يثبت».
8) . في «د» و المطبوع: «إذا اجتمعت». و في حاشية «م»: «يُحتمل أن تكون «ما» مصدريّة، فهو متعلّق بالمنفيّ ، كما هو الظاهر. و يُحتمل أن تكون نافية، و الجملة مرتبطة بالنفي؛ أي: لا يكون ذلك إذا لم يقع اجتماع الأُمّة؛ فتدبَّر».
الإجماعِ فيه أو الخِلافِ ، و قد مضىٰ في التواتُرِ و أنّه ممّا لا يَصِحُّ أن يُحفَظَ الشرعُ (1)به ما فيه كفايةٌ (2).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و لا بُدَّ لهم مِن التعَلُّقِ بمِثلِ ذلكَ(3)في نَقلِ الخبرِ الذي به يُعلَمُ كَونُ الإمامِ، و صفتُه، و النَّصُّ علىٰ كَونِه إماماً، إلىٰ غَيرِ ذلكَ؛ فإذا استُغنيَ في(4)كُلِّ ذلك عن الإمامِ ، و قيلَ فيه: إنّ السَّهوَ و الكِتمانَ لا يَقَعُ فيه، فكذلكَ القولُ فيما عَداه مِن الشرعِ . و لا يُمكِنُهم أن يقولوا: إنّه يُعلَمُ إماماً بالمُعجِزِ؛ لأنّا(5)قد دَلَّلنا مِن قَبلُ علىٰ أنّ ظهورَه علىٰ غيرِ الأنبياءِ لا يَصِحُّ . و لأنّ المُعجِزَ لا بُدَّ مِن نَقلِه، فإذا(6)جَعَلوه محفوظاً بالتواتُرِ، و مَنَعوا فيه السَّهوَ و الكِتمانَ ، لَزِمَ مِثلُه في سائرِ ما ذَكَرناه(7).
فُيقالُ (8)له: أمّا وجودُ الإمامِ و صفاتُه المخصوصةُ ، فلَيسَ يُحتاجُ في العِلمِ بها إلىٰ خبرٍ، بل العقلُ يَدُلُّنا علىٰ ذلكَ علىٰ ما بيّنّاه.(9)
1) . في «د» و الحجري و المطبوع: «حفظ الشرع» بدل «أن يحفظ الشرع».
2) . في «د» و الحجري و المطبوع: «ما مضىٰ » بدل «ما فيه كفاية». و قد تقدّم المطلب المشار إليه في ص 73 و ما بعدها، و 99.
3) . أي بما ثبت من الأمارات كالإجماع و التواتر.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «في».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «لأنّه».
6) . في المغني: «و إذا».
7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 73.
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «يقال».
9) . تقدّم في ص 100.
فأمّا النَّصُّ علىٰ عَينِ الإمامِ و اسمِه، فنَعلَمُه مِن طريقِ الخبرِ، و يَجوزُ فيه الكِتمانُ، و لَو وَقَعَ لَظَهَرَ الإمامُ و دَلَّ علىٰ نَفسِه بالمُعجِزِ و بيَّنَ عن الكِتمانِ، فكانَ(1)الناظِرُ في النَّصِّ علَى الإمامِ بعَينِه لَم يُكلَّفْ ما ذَكَرناه إلّابَعدَ أن قَطَعَ اللّٰهُ تَعالىٰ عُذرَه بعقلِه(2)في وجودِ إمامٍ معصومٍ في كُلِّ زمانٍ ، و أنّه لَو كُتِمَ النَّصُّ علَى اسمِه بعَينِه لَوَجَبَ عليه البيانُ عنه، و إقامةُ الحُجّةِ فيه.
و لَيسَ جهلُه بأنّ الإمامَ فُلانٌ دونَ غيرِه بقادحٍ (3)في ثِقتِه(4)بما بيّنّاه؛ لأنّه و إن جَهِلَ كَونَه فُلاناً فهو يَعلَمُ أنّ للّٰهِ تَعالىٰ في أرضِه حُجّةً حافظاً لِدينِه، فمِن هذا الوجهِ يَثِقُ و يَسكُنُ (5).
و إنّما غَلِطَ صاحبُ الكتابِ مِن حَيثُ ظَنَّ أنّ بالتواتُرِ يُعلَمُ كَونُ الإمامِ و صفتُه، و لَو فَطِنَ لِما اعتَمَدناه لَعَلِمَ سَلامةَ مَذهَبِنا مِن الخَلَلِ .
فأمّا نفيُه إظهارَ المُعجِزِ علَى الإمامِ ، فما اعتَمَدَ فيه(6)إلّاعلَى الحَوالةِ علىٰ ما قَدَّمَه في كتابِه، و لو اقتَصَرنا علىٰ مِثلِ فِعله و أحَلنا علىٰ ما في كُتُبِنا و ما سَطَرَه أصحابُنا - رضوانُ اللّٰهِ عَلَيهم(7)- في جَوازِ ما أحالَه لَكَفانا، غيرَ أنّا نَجري علىٰ عادتِنا في عَقدِ كُلِّ ما يَمضي في كلامِنا مِن دَعوىً بدَليلٍ يُمكِنُ إصابةُ الحقِّ مِنه.
و الذي يَدُلُّ علىٰ جَوازِ إظهارِ المُعجِزاتِ علىٰ يَدِ مَن لَيسَ بنَبيٍّ : أنّ المُعجِزَ هو الدالُّ علىٰ صِدقِ مَن يَظهَرُ علىٰ يَدِه(1)فيما يَدَّعيه أو يَكونُ كالمُدَّعي(2)له؛ لأنّه يَقَعُ مَوقِعَ التصديقِ ، و يَجري مَجرىٰ قولِ اللّٰهِ تَعالىٰ له(3): «صَدَقتَ فيما تَدَّعيه عَلَيَّ ». و إذا كانَ هذا(4)حُكمَ المُعجِزِ لَم يَمتَنِعْ أن يُظهِرَه اللّٰهُ تَعالىٰ علىٰ يَدِ مَن يَدَّعي الإمامةَ ليَدُلَّ به علىٰ عصمتِه و وجوبِ طاعتِه و الانقيادِ له، كما لا يَمتَنِعُ أن يُظهِرَه علىٰ يَدِ(5)مَن يَدَّعي نُبوَّتَه.
فأمّا امتناعُ خُصومِنا مِن إظهارِ المُعجِزاتِ علىٰ يَدِ غيرِ الأنبياءِ مِن حَيثُ ظَنّوا أنّها تَدُلُّ على النُّبوّةِ مِن جهةِ الإبانةِ و التخصيصِ(6)، و أنّ دَلالتَها مخالِفةٌ لسائرِ الدَّلالاتِ ، و أنّها إذا دَلَّت(7)مِن جهةِ الإبانةِ استَحالَ ظُهورُها علىٰ يَدِ(8)مَن لَيسَ بنَبيٍّ ، كما أنّ ما أبانَ
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «من ظهر عليه». و في التلخيص: «من ظهر علىٰ يده».
2) . هو إمّا بصيغة اسم الفاعل أو المفعول؛ فالضمير في «يكون» إمّا للموصول أو للدعوىٰ . (من حاشية «م»).
3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «له».
4) . في المطبوع و الحجري: + «هو، هو». و في «د»: + «هو».
5) . في «ج، ط، ف»: - «يد».
6) . في حاشية «م»: «قال أبو هاشم: إنّ المعجز يدلّ على النبوّة علىٰ سبيل الإبانة و التخصيص؛ وفُسّر بوجوه ثلاثة: أحدها: أنّ المعجز هو المميِّز للنبيّ من غيره، و إنّما يكون مميِّزاً إذا لم يجز ظهوره علىٰ غيره. و الثاني: أنّ ظهور المعجز لأمرٍ مدار لذلك الأمر وجوداً و عدماً [و كتب عليه: فيه بحث ظاهر] كالصدق في دعوى النبوّة؛ فلو جاز ظهوره على الصالحين لكان مداراً لصلاحه وجوداً و عدماً؛ و ليس كذلك [و كتب عليه: فيه منع ظاهر]. الثالث: أنّ المعجز متىٰ جاز ظهوره وجب [و كتب عليه: فيه بحث؛ لأنّه كلّيّة ممنوعة، و إنّما يسلّم مثله في الأنبياء من غير ملازمة؛ تدبَّر (ه)] كما في حقّ الأنبياء، و لا يجب في حقّ الأولياء فلا يجوز (ح. س) [و كتب بعده: لو تمّ ذلك لجرىٰ في كرامات الأولياء أيضاً، و يلزم منه عدم جوازها؛ تأمّل]».
7) . في المطبوع و الحجري: «دخلت».
8) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «يد».
السَّوادَ و الجَوهَرَ مِن سائرِ الأجناسِ يَستَحيلُ ثُبوتُه لِما لَيسَ بجَوهَرٍ و لا سَوادٍ.
فباطلٌ؛ لأنّ شُبهَتَهم في اعتقادِهم أنّ المُعجِزاتِ تَدُلُّ مِن جهةِ الإبانةِ و أنّها تُخالِفُ مِن هذا الوجهِ سائرَ الأدلّةِ: أنّهم وَجَدوها ممّا يَجِبُ ظُهورُها و حُصولُها(1)، و لَيسَ بواجبٍ مِثلُ ذلكَ في سائرِ الأدلّةِ؛ لأنّه غيرُ مُنكَرٍ أن يَثبُتَ كَونُ بعضِ القادرينَ قادراً مِن غيرِ أن يَقومَ دَلالةٌ علىٰ أنّه كذلكَ، و لَيسَ يَسوغُ مِثلُ هذا(2)في دَلالةِ المُعجِزاتِ؛ لأنّه لا بُدَّ مِن ظُهورِها علىٰ يَدِ(3)النبيِّ(4). أو لأنّهم(5)رَأَوا سائرَ الأدلّةِ لا يُخرِجُها(6)كَثرَتُها مِن كَونِها دالّةً علىٰ مدلولاتِها؛ لأنّ ما دَلَّ علىٰ أنّ الفاعلَ(7)قادرٌ لَو تَكرَّرَ و تَوالىٰ لَم يَخرُجْ مِن أن يَكونَ دالاًّ، و لَيسَ هذا حُكمَ المُعجِزاتِ؛ لأنّ كَثرَتَها تُخرِجُها(8)مِن كَونِها دالّةً علَى النُّبوّةِ .(9)
و لَيسَ في شيءٍ ممّا ذَكَروه ما يوجِبُ كَونَ المُعجِزاتِ دالّةً علىٰ جهةِ الإبانةِ و التخصيصِ :
1) . في «ط»: - «و حصولها».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «ذلك».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: - «يد».
4) . في حاشية «م»: «لا يخفىٰ أنّ ظهور المعجزة علىٰ يد النبيّ إنّما يلزم إذا لم يكن نبوّته بعينه منصوصاً عليه من نبيّ آخر. و كذلك الإمام، فإنّ ولايته من اللّٰه سبحانه، و هي منوطة بما لا تدركه عقولنا؛ فإنّ العصمة أمر لا يُطّلع عليه إلّابتوقيف من اللّٰه تعالىٰ ؛ إمّا بنصّ من النبيّ أو الإمام السابق أو بالمعجزة. فظهورها علىٰ يد الإمام أيضاً لازم كلزوم ظهوره علىٰ يد النبيّ ؛ فتدبَّر (ح. س)».
5) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: «و لأنّهم».
6) . في «ط» و التلخيص: «لم تخرجها».
7) . في «ج، ص، ط»: «فعل» بدل «أنّ الفاعل».
8) . في «د، ص» و المطبوع و الحجري: «يخرجها».
9) . لصيرورتها من الأُمور المعتادة. (من حاشية «م»).
أمّا وجوبُ حُصولِها و ظُهورِها على يَدِ النبيِّ و مخالَفتُها في ذلكَ لسائرِ الأدلّةِ:
فلَيسَ بمُقتَضٍ لِما ذَكَروه؛ لأنّه إنّما وَجَبَ ذلكَ فيها مِن حَيثُ كانَت مَصالِحُنا متعلِّقةً بالنبيِّ، و كانَ مؤدّياً إلينا و مبيِّناً لنا مِن مَصالِحِنا ما لا يَصِحُّ(1)أن نَقِفَ عليه إلّا مِن جهتِه. و إذا وَجَبَ علَى القَديمِ تَعالىٰ تعريفُنا مَصالِحَنا، و لَم يُمكِنْ(2)أن نَعرِفَها مِن جهةِ مَن لا نَقطَعُ(3)علىٰ صِدقِه، وَجَبَ أن يُظهِرَ المُعجِزَ علىٰ يَدِ النبيِّ لهذا(4)الوجهِ. و لَيسَ يَجِبُ هذا في سائرِ الأدلّةِ؛ لأنّه لَيسَ يَجِبُ أن نَعرِفَ(5)أحوالَ كُلِّ قادرٍ في العالَمِ، و لا تَتعَلَّقُ(6)هذه المعرفةُ بشيءٍ مِن مَصالِحِنا. علىٰ أنّ في الأُمورِ العقليّةِ ما يَجِبُ قيامُ الدَّلالةِ عليه، و لا يَقتَضي ذلكَ مِن حالِه(7)مخالَفتَه(8)لسائرِ الأدلّةِ، و وجوبَ كونِه دالاًّ مِن جهةِ الإبانةِ.
فأمّا ما حَكَيناه(9)ثانياً: فإنّه أيضاً(10)غيرُ صحيحٍ؛ لأنّ كَثرةَ المُعجِزاتِ و تواتُرَ
وقوعِها يُخرِجُها(11)مِن أن تَكونَ (12)واقعةً علَى الوجهِ الذي تَدُلُّ (13)عليه؛ لأنّ أحَدَ
1) . في «ج»: «لا يصلح».
2) . في «د»: «و لم يكن». و في التلخيص: «و لم نتمكّن».
3) . في «ف»: «لا يقطع».
4) . في «ص، ط، ف»: «بهذا».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «أن يعرف».
6) . في «د، ج، ص، ط، ف» و الحجري: «و لا يتعلّق».
7) . في «د، ف» و التلخيص: «حالة».
8) . في «ص، ط، ف»: «مخالفة».
9) . في «د» و المطبوع و الحجري: «حكاه».
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «أيضاً».
11) . في التلخيص: «تخرجها».
12) . في النسخ و الحجري: «يكون». و ما أثبتناه من المطبوع و التلخيص.
13) . هكذا في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص. و في «د» و المطبوع: «يدلّ ».
الشُّروطِ في دَلالتِها كونُها ناقضةً للعادةِ، و متىٰ تَوالىٰ وجودُها و كَثُرَ(1)حَصَلَت معتادةً، و بَطَلَ فيها انتقاضُ العادةِ، فلَم تَدُلَّ(2)مِن هذا الوجهِ.
و لَيسَ كذلكَ حُكمُ سائرِ الأدلّةِ؛ لأنّ(3)تواتُرَها و تَواليَ وجودِها لا يؤثِّرُ(4)في وجهِ دَلالتِها؛ ألا تَرىٰ أنّ ما دَلَّ علىٰ أنّ الحَيَّ مِنّا قادرٌ، لا تَتغَيَّرُ(5)دَلالتُه بكَثرتِه و تَواليه؛ مِن حَيثُ لَم تَكُن الكَثرةُ مؤثِّرةً في وَجهِ الدَّلالةِ؟!
و كما أنّه غيرُ ممتَنِعٍ أن يَدُلَّ قَدرٌ مِن الأفعالِ المُحكَمةِ علىٰ كَونِ فاعلِه عالِماً و لا يَدُلَّ(6)ما هو أنقَصُ منه - و يُخالِفُ مِن هذا الوجهِ ما يَدُلُّ علىٰ أنّ الحَيَّ قادرٌ في أنّ يَسيرَه و كثيرَه دالٌّ، و لَم يوجِبْ مع ذلكَ مخالَفتَه له و لسائرِ الأدلّةِ في مَعنَى الإبانةِ، بل كانَت دَلالةُ الجميعِ علىٰ حَدٍّ واحدٍ، و إن كانَ بَينَهما(7)الاختلافُ الذي ذَكَرناه - فكذلكَ غيرُ ممتَنِعٍ أن تَدُلَّ(8)المُعجِزاتُ(9)علَى النُّبوّةِ إذا لَم تَبلُغْ حَدّاً مِن الكَثرةِ، و إن كانَت لَو كَثُرَت لَخَرَجَت مِن كَونِها دالّةً، و لا يَجِبُ فيها(10)أن تَكونَ(11)مخالِفةً لسائرِ الأدلّةِ في مَعنَى الإبانةِ.
1) . كفلق الحبّ و النوىٰ، و خلق الحيوان من النطف. (من حاشية «م»).
2) . في «د» و الحجري: «فلم يدلّ ».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «فإنّ ».
4) . في المطبوع و الحجري: «يؤثّر» بدل «لا يؤثّر».
5) . في «د، ج، ص، ط، ف» و الحجري: «لا يتغيّر».
6) . في التلخيص: + «علىٰ ».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «بينها».
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «يدلّ ».
9) . في التلخيص: + «و إن كان بينها الاختلاف الذي ذكرناه».
10) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «فيها».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «أن يكون».
فأمّا ما يَقولُه بعضُهم: مِن أنّ المُعجِزاتِ لَو ظَهَرَت علىٰ يَدِ غيرِ الأنبياءِ ، لاقتَضىٰ تجويزُ(1)ظُهورِها علىٰ غيرِهم التنفيرَ عن النظَرِ فيها إذا ظَهَرَت علىٰ أيديهِم؛
و قولُهم: إنّ النظَرَ فيها إنّما وَجَبَ (2)مِن جهةِ الخَوفِ لأنْ تَكونَ لَنا مَصالِحُ لا نَقِفُ عَلَيها إلّامِن جهتِهم، فإذا(3)جَوَّزنا ظُهورَها علىٰ يَدَي(4)مَن لَيسَ بنَبيٍّ ، ارتَفَعَت(5)جهةُ الخَوفِ ، و كانَ هذا سَبَباً قويّاً في النُّفورِ عن النظَرِ، و الإضرابِ عن تَكلُّفِه(6).
فشَبيهٌ(7)في البُطلانِ بما تَقدَّمَ ؛ لأنّ مَن ظَهَرَ(8)له العَلَمُ (9)المُعجِزُ(10)و دُعِيَ إلَى النظَرِ فيه، يَلزَمُه النظَرُ و إن كانَ مُجوِّزاً أن(11)يَكونَ مَن ظَهَرَ عليه لَيسَ بنَبيٍّ ؛ لأنّه و
1) . في «ص، ط، ف»: - «تجويز».
2) . في التلخيص: «أوجب».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: «و إذا».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «يد».
5) . في التلخيص: «وجب أن تتغيّر» بدل «ارتفعت». و في «ج، ص»: «ارتفع».
6) . في حاشية «م»: «تقرير الشبهة: أنّ جواز ظهور العَلَم علىٰ يد من ليس نبيّاً يوجب جواز ظهوره علىٰ يد من لا يكون متحمّلاً لمصالحنا، و جواز ذلك يوجب التنفير. و السيّد - رضي اللّٰه عنه - أجاب أوّلاً بمنع الملازمة الثانية من غير تعرُّض للفرق بين ما يظهر علىٰ يد الصلحاء و غيره، و ثانياً بالفرق بينهما. و أدرج في جوابه الإشعار بأنّ الحامل لمصالحنا لا ينحصر في النبيّ ؛ و هو ظاهر (ح. س)».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «فهو شبيه».
8) . في المطبوع و الحجري: - «ظهر».
9) . أي الآية و العلامة (من حاشية «م»).
10) . في «ج، ص»: «بالمعجز».
11) . في التلخيص: «لأن».
إن جَوَّزَ ذلكَ، فهو غيرُ آمِنٍ مِن أن يَكونَ(1)له مَصالحُ لا يَقِفُ(2)عَلَيها إلّامِن جهتِه، فيَجِبُ عليه النظَرُ في المُعجِزِ؛ ليَعلَمَ صِدقَ المُدَّعي، و يَرجِعَ إلىٰ قولِه في كَونِه نَبيّاً أو إماماً، أو لَيسَ بنَبيٍّ و لا إمامٍ. و لَو لَزِمَ النُّفورُ عن النظَرِ لأجلِ تَجويزِ الناظِرِ أن يَكونَ مَن ظَهَرَ علىٰ يَدِه العَلَمُ(3)لَيسَ بنَبيٍّ، لَلَزِمَ(4)مِثلُه في ذلكَ مِن(5)النُّفورِ إذا كانَ الناظِرُ قَبلَ نَظَرِه في المُعجِزِ مُجوِّزاً أن يَكونَ شَعبَذةً(6)و مَخرَقةً(7)و غيرَ دالٍّ (8)علَى(9)الصِّدقِ ، و الناظِرُ لا بُدَّ قَبلَ نَظَرِه مِن أن يَكونَ مُجوِّزاً لِما ذَكَرناه، فإن لَزِمَه النظَرُ مع هذا التجويزِ و لَم يَكُنْ (10)مُنفِّراً له و لا مُسقِطاً لوجوبِ النظَرِ عليه، فالتجويزُ(11)أيضاً فيمَن ظَهَرَ عليه العَلَمُ أن يَكونَ غيرَ نَبيٍّ (12)غيرُ مُنفِّرٍ، و لا مُسقِطٍ(13)لوجوبِ النظَرِ عليه(14).
1) . في التلخيص: «أن تكون».
2) . في «ص، ط، ف»: «لا تقف». و في «ج»: «لا نقف».
3) . في «ج، ص»: «من ظهر العلم علىٰ يده» بدل «من ظهر علىٰ يده العلم».
4) . في المطبوع: + «من».
5) . في الحجري: «من»، و في التلخيص: «في» كلاهما بدل «في ذلك من». و في المطبوع: - «في ذلك من».
6) . الشعبذة: الحركات السريعة التي تجعل الرأي يتخيّل الأشياء على غير حقيقتها. راجع الفروق في اللغة، ص 251.
7) . في «د، ص» و المطبوع و الحجري و التلخيص: «مخرفة» بالفاء. و في البحار: «المخرقة: الشعبدة و السحر كما يظهر من استعمالاتهم و إن لم نجد في اللغة، و لعلّها من الخرق بمعنى السفه و الكذب، أو من المخراق الذي يضرب به». و الخَرَف: فساد العقل، و المخرفة - على مفعلة - اسم لذلك المعنىٰ و إن لم يستعمل. راجع: بحارالأنوار، ج 49، ص 185، ذيل ح 16؛ شمس العلوم، ج 3، ص 1755 (المخرقة)؛ المصباح المنير، ص 167 (خرف).
8) . في «د» و المطبوع و الحجري: «غير دالّة».
9) . في التلخيص: + «عَلَم».
10) . في «ج، ص، ط، ف»: «لم يك».
11) . في «د»: «فالتجوّز».
12) . في التلخيص: «أن لا يكون نبيّاً».
13) . في المطبوع و الحجري: «و لا مسقطاً».
14) . في المطبوع و الحجري: - «عليه».
علىٰ أنّ مَن ظَهَرَ العَلَمُ علىٰ يَدِه لا يَخلو مِن أن يَكونَ مِمّن يَتعلَّقُ(1)مَصالِحُنا به و بمعرفتِه كالنبيِّ و(2)الإمامِ، أو لا يَكونَ كذلكَ كالصالِحينَ الذينَ(3)يَجوزُ أن تَظهَرَ(4)عَلَيهِم المُعجِزاتُ.
فإن كانَ علَى(5)الوجهِ الأوّلِ: فلا بُدَّ مِن أن يَدعُوَنا إلَى النظَرِ في عَلَمِه و يُخوِّفَنا مِن تَركِ النظَرِ فيه بفَوتِ مَصالِحِنا، و لا بُدَّ مِن أن يَلزَمَنا النظَرُ مع الخَوفِ، فإن(6)جَوَّزنا قَبلَ النظَرِ في مُعجِزِه كَونَه كاذباً، كانَ(7)هذا التجويزُ عندَ الجميعِ غيرَ مؤثِّرٍ في وجوبِ النظَرِ.
و إن كانَ علَى(8)الوجهِ الثاني: لَم يَدْعُنا إلَى النظَرِ في عَلَمِه، و لَم يَلزَمْنا النظَرُ فيه.
فقَد زالَ الالتباسُ الذي تَعلَّقَ به القَومُ ، و التنفيرُ؛ لأنّ مَن يَدعونا(9)إلَى النظَرِ في عَلَمِه و يُخوِّفُنا بفَوتِ مَصالِحِنا، لا يَجوزُ أن يَكونَ صادقاً و لا مَصلَحةَ لنا معه؛ بَل لا يَخلو عِندَنا مِن أن يَكونَ كاذباً مُخرِّقاً(10)، أو صادقاً مُتحمِّلاً لمَصالِحِنا، فيَلزَمُ النظَرُ في أمرِه علىٰ كُلِّ حالٍ .
1) . كذا في النسخ. و في المطبوع: «تتعلّق».
2) . في التلخيص: «أو».
3) . في المطبوع: «الذي».
4) . هكذا في «ط، ف» و التلخيص. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يظهر».
5) . في «ج، ص، ط، ف» و التلخيص: - «على».
6) . في «د، ط» و التلخيص: «و إن».
7) . في «ط» و التلخيص: «لأنّ ».
8) . في «ج، ص، ط، ف»: - «على».
9) . في التلخيص: «لا يدعونا».
10) . في «د» و التلخيص: «ممخرفاً». و في «ط»: «ممخرقاً». و في «ص»: «متخرّقاً». و التخريق: التمزيق و كثرة الكذب. القاموس المحيط، ج 3، ص 307 (خرق).
و قد زالَ الاشتباهُ علىٰ ما ذَكَرناه بَينَ حالِ مَن يَجوزُ كَونُه(1)مُتحمِّلاً لمَصالِحِنا، و بَينَ حالِ الصالحِ ؛ فأينَ التنفيرُ عن النظَرِ في الأعلامِ لَولا ذَهابُ القَومِ عن الصَّوابِ في ذلكَ (2)؟
و لاِستقصاء الكلامِ في جوازِ إظهارِ المعجزاتِ علىٰ غيرِ الأنبياءِ مَوضِعٌ غيرُ هذا، و لَعلَّنا أن نُفرِدَ له مسألةً خاصّةً (3)بمَشيئةِ اللّٰهِ تَعالىٰ (4).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و بَعدُ، فإنّا تَتبَّعنا حالَ(5)أكثَرِ الشرعِ، فوَجَدنا النقلَ فيه و الأدلّةَ عليه أظهَرَ مِن النَّصِّ علَى الإمامِ، بَل مِن كَونِ(6)الإمامِ في بعضِ الأعصارِ(7)و سائرِ صفاتِه(8)، فكيفَ يَصِحُّ أن يُجعَلَ (9)العِلمُ بكُلِّ (10)ذلكَ فَرعاً علَى الإمامِ و المعرفةِ بكَونِه إماماً؟(11)
1) . في التلخيص: «من يكون» بدل «من يجوز كونه».
2) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «في ذلك».
3) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «خاصّة».
4) . يبدو أنّ المصنّف لم يقم بتأليف رسالة خاصّة بهذا الموضوع، لكنّه تعرّض له في بعض كتبه. راجع: الذخيرة، ص 332.
5) . في «ج، ص، ط، ف»: - «حال».
6) . في المغني: «من تجويز» بدل «من كون». و في «ص»: «و المعرفة بكونه» بدل «بل من كون».
7) . في المطبوع و المغني: «الاعتبار».
8) . أي صفات الإمام.
9) . في المغني: «يحفل»، و هو تصحيف.
10) . في «د»: «لكلّ ».
11) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 73.
فيُقالُ(1)له: أمّا كَونُ الإمامِ و وجودُه في كُلِّ عصرٍ فطريقُه العقلُ، و قد بيّنّاه، و لا نسبةَ بَينَه و بَينَ العِلمِ بأكثَرِ الشرعِ الذي يَعتمدُ فيه الخُصومُ علَى الاجتهادِ و طُرُقِ الظُّنونِ.
فأمّا النَّصُّ علىٰ عَينِ الإمامِ و اسمِه، فهُوَ(2)أيضاً أظهَرُ مِن أكثَرِ الشرعِ و أثبَتُ؛ لأنّا نَرجِعُ في تصحيحِه إلىٰ أخبارٍ قد أجمَعَ عَلَيها المختَلِفونَ مِن الأُمّةِ، و نُبيِّنُ مِن فَحواها الدَّلالةَ علَى النَّصِّ، أو إلىٰ(3)أخبارٍ قد تَواتَرَت بها فِرقةٌ كثيرةُ العَدَدِ، مشهورةُ المكانِ و الاعتقادِ، و لَيسَ في أكثَرِ الشرعِ أخبارٌ متَواتِرةٌ. و لَولا أنّ الأمرَ(4)علىٰ ما ذَكَرناه، لَم يَفزَعْ خُصومُنا في أكثَرِه إلَى الظُّنونِ و إلَى(5)الاستحسانِ؛ لأنّ ما يوجَدُ فيه أخبارٌ متواترةٌ لا يُفتَقَرُ في تصحيحِه إلىٰ غيرِها مِن ظَنٍّ و اجتهادٍ.
علىٰ أنّا لَم نَجعَلِ العِلمَ بالشرعِ و الثقةَ بما أُدّيَ إلينا منه فَرعاً علىٰ معرفةِ الإمامِ(6)بعَينِه، بَل جَعَلناه مُستَنِداً(7)إلىٰ ما يُعلَمُ بالعقولِ مِن جهةٍ أُخرىٰ، و هو(8)وجودُ إمامٍ
معصومٍ في كُلِّ عصرٍ علىٰ طريقِ (9)الجُملةِ لحِفظِ(10)الشريعةِ (11)، فلَو كانَ العِلمُ بأكثَرِ
1) . في «د، ط، ف»: «يقال».
2) . في «د» و المطبوع: «و هو».
3) . في «ط»: «علىٰ ».
4) . في «د»: «الإمام».
5) . في «د» و المطبوع: - «إلى».
6) . في «د» و المطبوع: «إمام».
7) . في «د» و المطبوع: «مسنداً».
8) . في المطبوع: - «جهة أُخرىٰ و هو».
9) . في «ج»: «طريقة».
10) . في المطبوع: «يحفظ».
11) . يعني: أنّ هنا مطلبين؛ أحدهما: الاضطرار إلىٰ وجود إمام في الجملة في جميع الأعصار؛ و هو ثابت بقواطع العقول، و عليه نعتمد في وصول جميع الشرع الينا، كما مرّ مراراً. و الآخر: تعيين
الشرعِ أظهَرَ مِن النَّصِّ علَى الإمامِ - كما ظنَنتَ - لَم يَقدَحْ في طريقَتِنا(1)علىٰ هذا الوجهِ إذَن(2).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
علىٰ أنّ المُتَعالَمَ مِن حالِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ - و هو الإمامُ الأوّلُ(3)- أنّه كانَ يَرجِعُ(4)في معرفةِ بعضِ الشرائعِ إلىٰ غيرِه مِن الصحابةِ، و قد كانَ يَرجِعُ مِن رأيٍ إلىٰ رأيٍ ، فكيفَ يُمكِنُ ادّعاءُ ما ذَكَروه مِن أنّ الشريعةَ لا تَصيرُ محفوظةً إلّابالإمامِ ، و المُتَعالَمُ مِن حالِه أنّه كانَ يُجوِّزُ لغيرِه مُخالَفتَه في الفتاوىٰ و الأحكامِ ، و كانَ لا يُنكِرُ علىٰ مَن لا يَتَّبِعُ قولَه كما يُنكِرُ علىٰ مَن لا يَتَّبِعُ قولَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ؟ [كُلُّ ذلكَ يُبطِلُ ما تَعلَّقوا به، و يُبيِّنُ طريقةَ الكلامِ في هذا البابِ ](5).
يُقالُ له: ما رَأَينا أعجَبَ مِن إقدامِكَ علَى ادّعاءِ رُجوعِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ إلىٰ غيرِه في معرفةِ الشرائعِ ، مع ظُهورِ بُطلانِ هذه الدَّعوىٰ لكُلِّ عاقلٍ سَمِعَ
شخصه واحداً بعد واحد؛ و لا نفتقر في العلم بالشرع إلى الاعتماد عليه. فلو كان العلم إلخ «ح. س». (من حاشية «م»).
الأخبارَ(1)! و أكبَرُ(2)ما يَدُلُّ علىٰ بُطلانِها أنّكَ لَم تُشِرْ إلىٰ شيءٍ رَجَعَ فيه إلىٰ غيرِه مِن الأحكامِ، و أرسَلتَ القَولَ به إرسالاً، فِعلَ مَن لا خِلافَ عليه(3)و لا نِزاعَ في قَولِه.
و كيفَ يَستَجيزُ مُنصِفٌ مِثلَ هذه الدَّعوىٰ؟! مع ما قد(4)تَظاهَرَت به الروايةُ و أطبَقَ عليه الوليُّ و العدوُّ مِن قَولِ النبيِّ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «أنا مدينةُ العِلمِ و عليٌّ بابُها»(5).
و قَولِه عليه السلامُ: «أقضاكُم عليٌّ»(6).
و قَولِه عليه السلامُ: «عليٌّ مع الحَقِّ، و الحَقُّ مع عليٍّ؛ يدورُ حَيثُما دارَ»(7).
و قَولِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ: «بَعَثَني رسولُ اللّٰهِ إلَى اليَمَنِ، فقلتُ : أتَبعَثُ
1) . و قوله عليه السلام: «سَلوني» لا يجترئ عليه عاقل حكيم إلّابعد الوثوق من نفسه على الإحاطة بالأحكام الشرعيّة، بل بأحوال الكائنات قاطبة؛ و هذا ظاهر، لاسيّما مع وفور الأعداء و المعاندين «ح. س». (من حاشية «م»).
2) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «و أكثر».
3) . في «ص»: - «عليه».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: - «قد».
5) . التوحيد للصدوق، ص 307، الباب 43، ح 1؛ الأمالي للصدوق، ص 345، المجلس 55، ح 1، و ص 561، المجلس 83، ح 2؛ عيون أخبار الرضا عليه السلامُ ، ج 1، ص 72، ح 298؛ الإرشاد للمفيد، ج 1، ص 33؛ المعجم الكبير، ج 11، ص 65، ح 11061؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 137-138، ح 4637-4639؛ كنز العمّال، ج 11، ص 614، ح 32979.
6) . الكافي، ج 14، ص 643، ح 14603/5 و ص 693، ح 14661/13 (ج 7، ص 408، ح 5، و ص 429، ح 13، ط. الإسلامية)؛ الخصال، ج 2، ص 551، ح 30؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 83، الباب 7، ح 9، مع اختلاف يسير.
7) . الأمالي للصدوق، ص 89، المجلس 20، ح 1؛ الخصال، ج 2، ص 496، ح 5، و ص 559، ح 31؛ الفصول المختارة، ص 97 و 135 و 211 و 224 و 339؛ رجال الكشّي، ج 1، ص 211؛ الأمالي للطوسيّ ، ص 479، المجلس 17، ح 1046؛ الجامع الصحيح، ج 5، ص 633، ح 3714؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 134، ح 4629؛ مجمع الزوائد، ج 9، ص 100؛ تاريخ ابن عساكر، ج 1، ص 142، ح 176.
بي(1)و أنا شابٌّ و(2)لا عِلمَ لي بكَثيرٍ مِن الأحكامِ؟ فضَرَبَ بيَدِه علىٰ صَدري و قالَ:
اللّهُمَّ اهْدِ قَلبَه، و ثَبِّتْ لِسانَه. فما شَكَكتُ في قَضاءٍ بَينَ اثنَينِ»(3).
و لَيسَ يَجوزُ أن يَكونَ أقضَى الأُمّةِ، و مَن الحَقُّ معه في كُلِّ حالٍ، و مَن هو
بابُ(4)العِلمِ و الحِكمةِ يَرجِعُ إلىٰ غيرِه في الأحكامِ. و لَيسَ يَرجِعُ في الأحكامِ إلىٰ غيرِه(5)إلّامَن ذَهَبَ عنه بعضُها، و افتَقَرَ إلىٰ معرفةِ غيرِه فيها، و مَن هذا حُكمُه(6)لا يَجوزُ أن يَكونَ أقضَى الأُمّةِ؛ لأنّ أقضاها لا يَجوزُ أن يَعزُبَ(7)عنه عِلمُ شيءٍ(8)مِن القَضايا و الأحكامِ(9).
و الظاهرُ المعلومُ خِلافُ ما ادَّعاهُ صاحبُ الكتابِ؛ لأنّه(10)لا اختلافَ بَينَ أهلِ النقلِ في رجوعِ مَن تَولَّى الأمرَ بَعدَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في مُعضِلاتِ الأحكامِ
1) . في «ط»: «أ تبعثني».
2) . في المطبوع: - «و».
3) . دعائم الإسلام، ج 2، ص 529، ح 1880؛ عيون أخبار الرضا عليه السلامُ ، ج 2، ص 60-61، الباب 31، ح 240؛ الفصول المختارة، ص 135؛ الإرشاد، ج 1، ص 195؛ الخرائج و الجرائح، ج 1، ص 53، ح 83؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 1، ص 74؛ مسند أحمد، ج 1، ص 136؛ سنن ابن ماجة، ج 2، ص 774؛ الطبقات الكبرىٰ ، ج 2، ص 337. و في الثلاثة الأخيرة مع اختلاف في اللفظ.
4) . في «ج، ص، ط، ف»: + «إلى».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «و ليس يرجع إلىٰ غيره في الأحكام».
6) . يعني في الحاجة إلى غيره.
7) . يعزب، أي يغيب و يبعد. و في المطبوع: «يغرب». و المعنى واحد. راجع الصحاح، ج 1، ص 181 (عزب).
8) . في «ج، ص، ط، ف»: «عن يعزب عنه شيء علم من شيء».
9) . لأنّ إطلاق «الأقضىٰ » يقتضي كونه عالماً بحكم اللّٰه تعالىٰ في كلّ ما يرد عليه، و إلّالكان غيره أقضىٰ منه في ذلك؛ فتدبَّر «ح. س». (من حاشية «م»).
10) . في المطبوع: «أنّه».
و مُشتَبِهاتِ الأُمورِ إليه، و أنّهم كانوا يَستَضيئونَ برأيِه، و يَستَمِدّونَ(1)مِن عِلمِه.
و قَولُ عُمَرَ: «لا عِشتُ لِمُعضِلةٍ لا يَكونُ لها أبو حَسَنٍ(2)»(3)، و قَولُه: «لَولا عَليٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ»(4)معروفٌ ظاهرٌ(5).
فكَيفَ يَسوغُ لصاحبِ الكتابِ أن يَعكِسَ الأمرَ و يَقلِبَه، و يَجعَلَ ما هو ظاهرٌ مِن الافتقارِ إليه - صَلَواتُ اللّٰهِ عليه - و الرجوعِ إلىٰ فَتاويهِ و أحكامِه رجوعاً مِنه إلىٰ غيرِه؟ و هذه مكابَرةٌ لا تَخفىٰ علىٰ أحدٍ(6).
فأمّا الرجوعُ مِن رأيٍ إلىٰ رأيٍ(7)آخَرَ، فقَد بيّنّا أنّه باطلٌ، و أنّ أكثَرَ ما يُتعلَّقُ به
1) . في «ط»: «و يستهدون».
2) . في حاشية «م»: «و يظهر من هذا الكلام أنّ عمر كان معتقداً أنّ أمير المؤمنين عليه السلام حلّال المعضلات طرّاً و هو يكفي عن غيره و لا يكفي غيره عنه، و لو جاز عنده أن تتحقّق معضلة لا يكون علمها عنده عليه السلام بل عند غيره لم يصحّ هذا الكلام (ح. س)».
3) . الطبقات الكبرىٰ، ج 2، ص 258؛ فضائل الصحابة، ج 2، ص 803؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1103، الرقم 1855؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 25، ص 369، الرقم 3047؛ و ج 42، ص 406، الرقم 4933؛ فتح الباري، ج 13، ص 343؛ كنز العمّال، ج 10، ص 300، ح 29509؛ ذخائر العقبىٰ ، ج 1، ص 395؛ تذكرة الخواصّ ، ص 134، مع اختلاف في الألفاظ.
4) . الكافي، ج 14، ص 682، ح 14654/6 (ج 7، ص 424، ح 6، ط. الإسلامية)؛ كتاب من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 34، ح 5025؛ تهذيب الأحكام، ج 6، ص 306، ح 849؛ الرياض النضرة، ج 3، ص 161؛ كفاية الطالب، ص 227 و 334؛ المناقب لابن مردويّه، ص 88، ح 83؛ تذكرة الخواصّ ، ص 137؛ جواهر العقدين، ج 1، ص 123؛ المناقب للخوارزمي، ص 81، ح 65؛ الوافي بالوفيات، ج 21، ص 272، الرقم 185؛ مطالب السؤول، ص 71؛ ينابيع المودّة، ج 1، ص 216-217؛ و ج 2، ص 172؛ و ج 3، ص 147؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1103، الرقم 1855؛ الحدائق الورديّة، ج 1، ص 52، إضافة إلى الكثير من المصادر الأُخرىٰ .
5) . في المطبوع: - «ظاهر».
6) . في «ج»: «أحدنا».
7) . في «د» و المطبوع: - «رأي».
خبرُ(1)عبيدةَ السَّلمانيِّ، و قد قُلنا ما عِندَنا فيه(2).
و لَو أنّ صاحبَ الكتابِ ذَكَرَ شيئاً(3)يُمكِنُ أن يَكونَ شُبهةً في الرجوعِ عن(4)المَذهَبِ، و التنقُّلِ(5)في الآراءِ، لَبيّنّا كيفَ القَولُ فيه.
فأمّا(6)تَركُه عليه السلامُ الإنكارَ علىٰ مَن لا يَتَّبِعُ قَولَه، فقَد بيّنّا أنّ النَّكيرَ علىٰ ضُروبٍ، و أنّه عليه السلامُ كانَ(7)يَستَعمِلُ مع مُخالِفيه في الأحكامِ ما يَجِبُ استعمالُه في مِثلِها مِن(8)المُناظَرةِ و الدُّعاءِ (9).
و لَيسَ يَجِبُ أن يَجرِيَ كُلُّ خِلافٍ مَجرَى الخِلافِ في اتّباعِ قَولِ الرسولِ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(10)، إن أُريدَ بالخِلافِ أيضاً(11)الواقعُ علىٰ طريقِ الشكِّ في نُبوّتِه. و إن أُريدَ ما يَقَعُ مِن(12)الخِلافِ علىٰ طريقِ دُخولِ الشُّبهةِ في مُرادِه أو في(13)ثُبوتِ أمرِه بالشيءِ أو نَهيِه عنه، فقَد يَجوزُ أن يُستَعمَلَ في هذا الضَّربِ مِن الخِلافِ - يَعني الثانيَ - المُناظَرةُ و الدُّعاءُ الجميلُ ، دونَ غيرِه.
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «حديث».
2) . تقدّم في ص 442-446.
3) . في «د» و المطبوع: «و لو ذكر صاحب الكتاب شيئاً».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «إلى».
5) . في «ج، ص، ط»: «و النقل».
6) . في المطبوع: «و أمّا».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «و أنّه كان عليه السلام».
8) . في «ط»: «في».
9) . أي الدعوة إلى اللّٰه تعالىٰ .
10) . في «ج، ص، ف»: «عليه السلام».
11) . في «د» مشطوب عليه.
12) . في «ج»: - «من».
13) . في «ج، ص، ط، ف»: - «في».
بَل عِندَنا أنّ كُلَّ مَن خالَفَه عليه السلامُ (1)في الأحكامِ هذه صورتُه في أنّه رادٌّ لقَولِ النبيِّ (2)صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن حَيثُ لا يَعلَمُ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ أُخرىٰ لهم(1): قالوا: قَد ثَبَتَ أنّه لا بُدَّ مِن إمامٍ(2)يَقومُ بإقامةِ الحُدودِ، و تَنفيذِ الأحكامِ، و قِسمةِ الفَيءِ، و حِفظِ البَيضةِ، إلىٰ غيرِ ذلكَ، و أنّ قيامَه بذلكَ لا بُدَّ مِنه و إن لَم نَقُلْ أنّه يَحفَظُ الشرعَ، و معلومٌ مِن هذه الأُمورِ أنّها لا يَجوزُ(3)أن توكَلَ إلىٰ مَن يَجوزُ عليه فيها الغلطُ(4)لأنّها مِن بابِ الدِّينِ، فتجويزُ الغلطِ فيها كتجويزِ الغلطِ في سائرِ الشرائعِ، و ذلكَ لا يَصِحُّ إلّابأن يَكونَ معصوماً يؤمَنُ سهوُه و غلطُه(5). و لَيسَ بعضُ
الأئمّةِ(6)بذلكَ أَولىٰ مِن بعضٍ ؛ لأنّ العِلّةَ واحدةٌ ، و في ذلكَ إثباتُ إمامٍ
معصومٍ في كُلِّ زمانٍ ، علىٰ ما نَقولُه(1).
يُقالُ(2)له: و هذه الطريقةُ أيضاً ممّا لا نَعتَمِدُه، و قد بيّنّا أنّ التعلُّقَ بإقامةِ الحُدودِ في وجوبِ الإمامةِ (3)غيرُ مُستَمِرٍّ(4)لأنّ العقلَ يُجوِّزُ أن لا يُتعبَّدَ بذلكَ أصلاً، و يُجوِّزُ أن يُنسَخَ عنّا بَعدَ التعبُّدِ به، و ألزَمْنا - مَن تَعلَّقَ بوجوبِ إقامةِ الحُدودِ في الدَّلالةِ علىٰ أنّ الإمامةَ واجبةٌ مِن طريقِ (5)السمعِ - أن يَكونَ الخِطابُ بإقامةِ الحُدودِ مُتَوجِّهاً إلَى الأئمّةِ في حالِ إمامتِهم، فلا يَجِبُ (6)إقامتُهم و التوصُّلُ إلىٰ كَونِهم أئمّةً بذلك(7)، و عارَضْنا بالزكاةِ و غيرِها.
و فَسادُ هذه الطريقةِ التي حَكيتَها علَى الترتيبِ الذي رتَّبتَه أظهَرُ مِن أن يَخفىٰ ، و إن كانَ أكثَرُ ما تَكلَّمتَ به عَلَيها(8)و استَعمَلتَه في رَدِّها فاسداً أيضاً غيرَ(9)مُستَمِرٍّ، و نَحنُ نُبينُ عنه.
و يُمكِنُ أن يُتعلَّقَ بمعنىٰ هذه الطريقةِ ، علىٰ ضَربٍ مِن الترتيبِ ، في الدَّلالةِ
علىٰ وجوبِ عصمةِ الإمامِ، فيُقالَ: قد ثَبَتَ عندَنا و عندَ مُخالِفينا أنّه لا بُدَّ مِن إمامٍ في الشريعةِ يَقومُ بالحُدودِ و تنفيذِ الأحكامِ، و إن اختَلَفنا(1)في عِلّةِ وجوبِ الإمامةِ، و اعتَمَدنا في وجوبِها علىٰ طريقةٍ، و اعتَمَدوا علىٰ أُخرىٰ؛ و إذا ثَبَتَ ذلكَ وَجَبَت(2)عصمتُه؛ لأنّه لَو لَم يَكُنْ معصوماً - و هو إمامٌ فيما قامَ به مِن الدِّينِ الذي مِن جُملتِه إقامةُ الحُدودِ و غيرُها، و واجبٌ عَلَينا الاقتداءُ به مِن حَيثُ قالَ و فَعَلَ - لَجازَ وقوعُ الخَطإ مِنه في الدِّينِ ، و لَكُنّا إذا وَقَعَ مِنه ذلكَ مأمورينَ باتّباعِه فيه و الاقتداءِ به في فِعلِه، و هذا يؤدِّي إلىٰ أن نَكونَ مأمورينَ بالقَبيحِ علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ . و إذا فَسَدَ
أن نَكونَ مأمورينَ بالقَبيحِ ، وَجَبَ عصمةُ مِن أُمِرنا باتّباعِه و الاقتداءِ به في الدِّينِ .
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ : إنّما أُمِرنا باتّباعِ الإمامِ (3)و الاقتداءِ به فيما عَلِمنا صَوابَه مِن جهةِ (4)غيرِه، فنَحنُ نَتَّبِعُه في الذي نَعلَمُه صَواباً، و إذا أَخطأَ في بَعضِ الدِّينِ لَم نتَّبِعْه فيه(5).
لأنّ هذا لَو كانَ صَحيحاً لَوَجَبَ أن لا يَكونَ بَينَ الإمامِ و بَينَ رعيّتِه مَزيّةٌ في مَعنَى الاقتداءِ به و الائتمامِ ، بَل اليَهودِ و النَّصارىٰ و الزَّنادِقةِ (6)لأنّ رَعيّةَ الإمامِ قد
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «اختلف».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «وجب».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «إنّا إنّما أُمرنا باتّباع الإمام في الاتّباع له».
4) . في «ج، ص»: «جملة».
5) . في «د» و المطبوع: - «فيه».
6) . زنادقة و زناديق جمع زنديق. و الزنديق من الثنويّة، أو القائل بالنور و الظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة، أو منكر الربوبيّة، أو من يبطن الكفر و يظهر الإيمان، أو هو معرّب «زَن دين» أي من كان دينه دين المرأة في الضعف، أو معرّب «زنده» أي من يقول بدوام الدهر، أو معرّب «زِنْديّ » منسوب إلىٰ زِند، كتاب زردشت الذي أظهره مزدك. انظر: القاموس المحيط، ج 3، ص 328 (زنديق)؛ الوافي، ج 1، ص 311؛ مرآة العقول، ج 1، ص 236.
يُوافِقُ(1)بعضُهم بعضاً في المَذاهبِ، لا مِن حَيثُ ذَهَبَ إليه(2)ذلكَ البعضُ الموافِقُ، بَل مِن حَيثُ عُلِمَ بالدليلِ صحّتُه(3). و كذلك قد يُوافِقُ المُسلِمونَ اليَهودَ و النَّصارىٰ في القَولِ بنُبوّةِ موسىٰ و عيسىٰ عَلَيهِما السلامُ، و تَعظيمِهما و تَفضيلِهما، لا مِن حَيثُ ذَهَبَت(4)اليَهودُ و النَّصارىٰ إلىٰ ذلكَ. و نَحنُ نَعلَمُ أنّه لا إمامةَ لكُلِّ هؤلاءِ مِن حَيثُ الموافَقةِ، و إنّما يَكونُ (5)لَهُم إمامةٌ لَو اتُّبِعَت أقوالُهم و لَزِمَت مُوافَقتُها مِن حَيثُ قالوها و ذَهَبوا إليها. و إذا ثَبَتَ أنّ للإمامِ مَزيّةً في معنَى الاقتداءِ به و الائتمامِ علىٰ كُلِّ مَن لَيسَ بإمامٍ ، ثَبَتَ أنّ الاقتداءَ به واجبٌ مِن حَيثُ قالَ و فَعَلَ ، حتّىٰ يَكونَ قَولُه و(6)فِعلُه حُجّةً في صَوابِ ذلكَ الفِعلِ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
يُقالُ(7)لهم: إنّ هذه الحُدودَ و الأحكامَ إنّما تَجِبُ(8)إقامتُها إذا كانَ إمامٌ (9)، فأمّا إذا(10)لَم يَكُنْ فلا تَجِبُ (11)إقامةُ ذلكَ ، بَل لا بُدَّ مِن سُقوطِ الحُدودِ كما
1) . في «ط»: «قد توافق».
2) . في المطبوع: «إلىٰ ».
3) . في «ج، ص، ط، ف»: «بل من حيث عُلم أنّه بالدليل صحيح».
4) . في «ج، ص، ف»: «ذهب».
5) . في المطبوع: «تكون».
6) . في «د» و المطبوع: «أو».
7) . في المغني: «قيل».
8) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «يجب».
9) . في «ج، ص، ف»: «الإمام».
10) . في «د» و المطبوع: «فإذا» بدل «فأمّا إذا».
11) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «فلا يجب».
تَسقُطُ بالشُّبُهاتِ ، و مِن العُدولِ في بابِ الأحكامِ إلىٰ صُلحٍ و تَراضٍ و غيرِ ذلكَ ؛ فمِن أينَ أنّه لا بُدَّ مِن إمامٍ مع إمكانِ ذلكَ؟
فإن قالوا: نَقولُ في ذلكَ كما تَقولونَ (1).
قيلَ لهم: إنّا نَقولُ: إنّ إقامةَ الإمامِ واجبةٌ، و لَسنا نَقولُ : إنّ كَونَ الإمامِ (2)في كُلِّ زَمانٍ واجبٌ (3)لا بُدَّ مِنه، و طريقتُنا في ذلكَ مُخالِفةٌ لطريقتِكم، و إنّما وَجَّهنا الإلزامَ علىٰ عِلّتِكم، و نَحنُ مُخالِفونَ لكم فيها(4).
يُقالُ له: ما ذَكرتَه في هذا الفصلِ يَنقُضُ ما كنتَ اعتَمَدتَه في الاستدلالِ علىٰ وجوبِ الإمامةِ مِن طريقِ السمعِ؛ لأنّكَ تَعلَّقتَ بأمرِ اللّٰهِ تَعالىٰ بإقامةِ الحُدودِ، و قُلتَ: إنّها إذا كانَت مِن فُروضِ الإمامِ وَجَبَت(5)عَلَينا إقامتُه؛ لأنّ الأمرَ بالشيءِ أمرٌ بما لا يَتِمُّ إلّابه(6)، و أنتَ الآنَ قد أَلزَمتَ علَى الطريقةِ التي حَكَيتَها ما هو لازمٌ لكَ؛ لأنّكَ أَلزَمتَ أن تَكونَ(7)الحُدودُ و الأحكامُ تَجِبُ(8)إقامتُها عندَ حُصولِ الإمامِ ، و لا تَجِبُ (9)إقامتُه ليَقومَ بها، و هذا بِعَينِه لازمٌ لك.
و لَيسَ يَفتَرِقُ الأمرانِ مِن حَيثُ كانَ خُصومُكَ يوجِبونَ إقامةَ الإمامِ علَى اللّٰهِ
1) . يعني: إنّه لازم عليكم في اعتلالكم؛ فما هو جوابكم فهو جوابنا. (من حاشية «م»).
2) . في المطبوع و المغني: «إمام».
3) . «واجب» خبر «إنّ ». و في المغني: «واجباً» بالنصب، و أشار محقّق المغني في الهامش إلىٰ أنّهافي الأصل «واجب» و لعلّه نصبها على التمييز، و إلّافكونها خبراً ل «كون» بعيد.
4) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 74.
5) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «وجب».
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 41؛ الشافي، ج 1، ص 103-104.
7) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «يكون».
8) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «يجب».
9) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «فلا يجب».
تَعالىٰ و توجِبُها أنتَ علَى العِبادِ؛ لأنّ لِقائلٍ أن يَقولَ لكَ(1): إذا كانَ اللّٰهُ تَعالىٰ قد أمَرَ بإقامةِ الحُدودِ و الأحكامِ، و عَلِمنا أنّه لا يَقومُ بِهما(2)إلّاالإمامُ، وَجَبَ عليه تَعالىٰ إقامتُه؛ لأنّ ما أَمَرَ به مِن إقامةِ الحُدودِ لا يَتِمُّ إلّابإقامةِ الإمامِ مِن جهتِه؛ لأنّ اختيارَه و هو معصومٌ - علىٰ ما رَتَّبتَ(3)في الطريقةِ التي ناقَضْتَها - لا يُمكِنُ، فإن جازَ أن يأمُرَ(4)بإقامةِ الحُدودِ(5)- و يَكونَ الأمرُ مُتَوجِّهاً إلَى الأئمّةِ مَتىٰ أقامَهم، و لا تَجِبَ(6)عليه إقامتُهم و إن كانَت إقامةُ الحُدودِ لا تَتِمُّ(7)إلّابذلكَ - جازَ أيضاً(8)أن يأمُرَ بإقامةِ الحُدودِ الأئمّةَ في حالِ إمامتِهم، و لا يَكونَ الخِطابُ مُتَوجِّهاً إليهم قَبلَ أن يَكونوا
أئمّةً فيَلزَمَهم مع غيرِهم التوَصُّلُ إلىٰ إقامةِ الإمامِ ، و إن كانَت إقامةُ الحُدودِ لا يُمكِنُ إلّا بإقامةِ الإمامِ (9). و لا فَصلَ بَينَ الأمرَينِ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
ثُمّ يُقالُ لهم: خَبِّرونا عن هذه الحُدودِ و الأحكامِ في هذه الأزمِنةِ (10)، ما
1) . في «ص»: - «لك».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «بها».
3) . في المطبوع: «رتّبته».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «يأمرنا».
5) . في المطبوع: + «جاز أيضاً أن يأمر بإقامة الحدود». و الظاهر أنّه تصحيف، و لم توجد هذه الزيادة في نسخة أُخرىٰ .
6) . هكذا في «د، ط». و في سائر النسخ و المطبوع: «و لا يجب».
7) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «لا يتمّ ».
8) . في المطبوع: - «أيضاً».
9) . في «د» و المطبوع: «إلّا بإقامته» بدل «إلّا بإقامة الإمام».
10) . في المطبوع و المغني: «في هذا الزمان».
حالُهما(1)و لَسنا(2)نَجِدُ إماماً ظاهراً يَقومُ بذلك و(3)يُمكِنُ الرجوعُ إليه ؟
فإن قالوا: إنّهما يَسقُطانِ ، و يُرجَعُ (4)فيهما إلىٰ ما ذَكَرناه(5).
قيلَ لهم: جَوِّزوا مِثلَه في سائرِ الأزمان؛ [فمِن أينَ أنّه لا بُدَّ مِن إمامٍ؟](6)
يُقالُ له: لَيسَ تَسقُطُ(7)الحُدودُ في الزمانِ الذي لا يَتمكَّنُ الإمامُ فيه مِن الظهورِ و إقامتِها، بل هي ثابتةٌ في جُنوبِ (8)مُستَحِقّيها، فإن أدرَكَهم ظهورُه أقامَها عَلَيهم(9)، و إن لَم يُدرِكْهم ظهورُه فإنّ (10)اللّهَ تَعالَى المُتَولّي في القيامةِ الجَزاءَ بها(11)أو العفوَ(12)عنها، و الإثمُ في تأخيرِ إقامتِها(13)و المنعِ مِن استعمالِ الواجبِ فيها لازمٌ لِمَن أخافَ الإمامَ و ألجأَه إلَى الغَيبةِ و الاستتارِ(14).
1) . في «ج، ف»: «حالتهما». و في «ط»: «حالتها». و في المغني: «حالها».
2) . في المغني: «فلسنا».
3) . في المطبوع: «أو».
4) . في المغني: «و نرجع».
5) . في المطبوع: «ما ذكرنا». و المراد بما ذكرناه، ما تقدّم في عبارة المغني السابقة من العدول في باب الأحكام إلى الصلح و التراضي عند سقوط الحدود.
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 74. و ما بين المعقوفين من المصدر.
7) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «ليس يسقط».
8) . «جنوب» جمع «جانب» و كأنّه مأخوذ من القول المعروف: «كلّ ذنبه في جنبه».
9) . في «د»: «فإن أدركهم ظهور الإمام أقامتها عليهم». و في المطبوع: «فإن أدركهم ظهور الإمام و أقامتها عليهم» و هو تصحيف واضح.
10) . في «د» و المطبوع: «كان».
11) . في «ج»: «لها».
12) . في «ج، ف»: «و العفو» بدل «أو العفو».
13) . في «ج، ص، ط، ف»: «في تأخيرها» بدل «في تأخير إقامتها».
14) . في «ص، ف»: - «و الاستتار».
و لَيسَ (1)يَلزَمُ قياساً على هذا أن لا يُقيمَ اللّٰهُ تَعالىٰ إماماً؛ لأنّه إذا لَم يُقِمْه و سَقَطَت الحُدودُ التي تَقتَضيها(2)المَصلَحةُ ، كانَ تَعالىٰ هو المانعَ للعِبادِ ما فيه المصلحةُ .
ثُمّ يُقالُ له: خَبِّرنا(3)عن الحُدودِ في هذه الأحوالِ التي لا يَتَمكَّنونَ (4)فيها مَعشَرُ أهلِ الاختيارِ مِن الاختيارِ؛ ما القَولُ فيها؟ أتَسقُطُ أم هي ثابتةٌ؟
فإن قالَ : هي ثابتةٌ علىٰ مُستَحِقّيها(5)، و الإثمُ في تأخيرِ إقامتِها علىٰ مَن مَنَعَ أهلَ
الاختيارِ مِن إقامةِ الإمامِ ، فمتىٰ تَمكَّنوا مِن إقامتِه و قامَت عِندَه البيّنةُ بشَيءٍ تَقدَّمَ مِمّا يُستَحَقُّ عليه الحُدودُ أقامَها(6)علىٰ مُستَحِقّيها، و إلّاكانَ أمرُها إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ .
قيلَ له: بمِثلِ هذا(7)أَجَبنا.
و إن قالَ : إنّ الحُدودَ تَسقُطُ إذا لَم يَكُنْ إمامٌ يُقيمُها، كما تَسقُطُ(8)بالشُّبُهاتِ .
قيلَ له: أفيَلزَمُ علىٰ ذلكَ سُقوطُها في كُلِّ حالٍ و مع التمَكُّنِ؟
فإن قالَ : لا؛ لأنّها إنّما سَقَطَت في الأحوالِ التي لا يَتمكَّنُ العاقِدونَ فيها(9)مِن العَقدِ.
قيلَ له: فما المانعُ لنا مِن جَوابِكَ هذا، و أن نَقولَ : إنّ الحُدودَ تَسقُطُ في غَيبةِ الإمامِ كما تَسقُطُ بالشُّبُهاتِ ؛ لأنّ حالَ الغَيبةِ حالُ ضَرورةٍ ، و لا يَجِبُ أن تَسقُطَ في كُلِّ حالٍ حتّىٰ يَلزَمَنا تجويزُ خُلوِّ الزمانِ مِن إمامٍ يُقيمُ الحُدودَ جُملةً ؛ قياساً علىٰ ما
1) . في «ص، ف»: «فليس».
2) . في «د، ص، ط، ف»: «يقتضيها».
3) . في «ج، ط»: «خبّرونا».
4) . في «ط»: «لا تتمكّنون».
5) . في «ج»: «مستحقّها».
6) . في «ج، ف»: «أقامتها».
7) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: + «الاختيار».
8) . في «ص، ف»: - «إذا لم يكن إمام يقيمها كما تسقط».
9) . في المطبوع: «فيهما».
فاتَ مِن إقامتِها في حالِ غَيبَتِه. فكُلُّ شيءٍ يَفصِلُ به(1)خُصومُنا بَينَ أحوالِ التمَكُّنِ مِن عَقدِ الإمامةِ و اختيارِ الإمامِ و أحوالِ التعَذُّرِ في معنىٰ سُقوطِ الحُدودِ و ثُبوتِها، هو ما فَصَلنا(2)بعَينِه بَينَ (3)حالِ غَيبةِ الإمامِ و حالِ فَقدِه(4).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
ثُمّ يُقالُ لهم: إنّ وقوعَ الشيءِ علىٰ وجهٍ يَجوزُ أن يَكونَ خَطأً و فاسداً فيما يَتعلَّقُ بالدِّينِ لَيسَ بأكثَرَ مِن عدمِه، فإذا جَوَّزتم أن لا تُقامَ (5)الحُدودُ في هذا الزمانِ و في غَيرِه مِن الأزمنةِ التي لَم يَظهَرْ فيها الإمامُ لَو كانَ معلوماً و لا يوجِبَ ذلكَ فَساداً في الدِّينِ ، فما الذي يَمنَعُ مِن
إثباتِ إمامٍ غيرِ معصومٍ جميلِ الظاهرِ، يَجوزُ عليه الخطأُ فيما يُقيمُه مِن الحُدودِ و الأحكامِ [و لا يوجِبَ ذلكَ فَساداً في الدِّينِ؟](6).
يُقالُ (7)له: قد بيّنّا أنّ عدمَ إقامةِ (8)الحُدودِ في هذا الزمانِ اللَّومُ فيه علَى الظالِمينَ
1) . في المطبوع: «فيه».
2) . في «المطبوع» و حاشية «ج»: «ما فصلناه».
3) . في «ص، ط، ف»: «في».
4) . في «ص»: «و حال ظهوره». و في حاشية «م»: «فكما قلتم: إنّه لا يلزم من سقوط الحدود حال تعذُّر إقامة الإمام سقوطها حال التمكّن من إقامته، فكذا نقول: لا يلزم من سقوطها حال غيبة الإمام و إخافة الظالمين له سقوطها حال عدم الإمام و فقده، فوجب عليه تعالىٰ نصبُه توسّلاً إلىٰ ما أوجبه من إقامة الحدود و تنفيذ الأحكام؛ فتدبَّر (ح. س)».
5) . في «ج، د، ص، ط، ف» و الحجريّ : «لا يقام»، و ما أثبتناه من المطبوع و المغني.
6) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 74-75. و ما بين المعقوفين من المصدر.
7) . في «ط، ف»: «فيقال».
8) . في «ص، ف»: «عدم الإقامة في».
المُخيفينَ للإمامِ(1)، و لَيسَ(2)يَلزَمُ - قياساً علىٰ عدمِها مِن قِبَلِ الظَّلَمةِ - أن تُعدَمَ ، أو تَقَعَ (3)علىٰ وجهٍ يوجِبُ فَساداً في الدِّينِ مِن قِبَلِ اللّٰهِ تَعالىٰ . و الفَصلُ بَينَ الأمرَينِ ظاهرٌ؛ لأنّ الحُجّةَ في أحَدِهما للّٰهِ تَعالىٰ ، لا عليه، و في الآخَرِ عليه، لا له؛ تَعالىٰ عن ذلكَ عُلوّاً كَبيراً(4).
قالَ صاحبُ الكتابِ :
ثُمّ يُقالُ لهم(5): خَبِّرونا عن الحُدودِ و الأحكامِ؛ أيَتَولَّى الإمامُ جميعَها في العالَمِ، أو يَتَولّىٰ بعضَ ذلكَ، و ما عَداه يَتَولّاه(6)حُكّامُه و أُمَراؤه؟ فلا بُدَّ مِن أن يَقولوا بالوَجهِ الثاني؛ لأنّه لا بُدَّ في بعضِ ذلكَ مِن(7)أن يَتَولّاه الأُمَراءُ و الحُكّامُ.
قيلَ لهم(8): فيَجِبُ أن يَكونوا معصومينَ للعِلّةِ التي ذَكَرتموها؛ لأنّها موجودةٌ في كُلِّ مَن يَقومُ بالحُدودِ و الأحكامِ . [فإن قالوا بعصمتِهم، لَزِمَهم القَولُ بعصمةِ كُلِّ مَن يَستَعينُ به الإمامُ أو أُمراؤه في كُلِّ أمرٍ
1) . تقدّم آنفاً في ص 501.
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «فليس».
3) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «أن يُعدم أو يقع».
4) . في «د»: «كثيراً».
5) . في المطبوع و الحجري: - «لهم».
6) . في «ص»: «يتولّىٰ ».
7) . في «ص، ف»: - «من».
8) . العبارة في المغني هكذا: «... و ما عداه يتولّاه حكّامه و أُمراؤه، فلا بدّ من أعوان له ؟ فإن قالوا: إنّه لا بدّ في بعض ذلك من أن يتولّاه الأُمراء و الحكّام، قيل لهم...». و ما أثبتناه مطابق لجميع نسخ الشافي بلا اختلاف فيها.
يَتَّصِلُ بالدِّينِ ؛ مِن وكيلٍ و وصيٍّ و حارسٍ و شاهدٍ. و يَبطُلُ ذلكَ أيضاً بما عَلِمناه مِن حالِ أُمَراءِ الرسولِ عليه السلامُ و إقدامِ بعضِهم علىٰ ما لا يَجوزُ، و أُمَراءِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ و إقدامِهم علىٰ ما لا يَحِلُّ ...](1).
يُقالُ له: قد عَلِمنا أنّكَ إنّما رَتَّبتَ ما حَكَيتَه عنّا مِن الطريقةِ التي كلامُكَ الآنَ عَلَيها علَى الوجهِ الذي رَتَّبتَه؛ لِتُلزِمَ(2)هذا الإلزامَ و تورِدَ(3)هذا النقضَ. و لَو أَورَدتَها علَى الوجهِ الذي ذَكَرناه، لَم يَسُغْ لكَ إيرادُ هذا الإلزامِ؛ لأنّ مَن(4)ذَكَرتَه مِن الأُمَراءِ و الحُكّامِ و سائرِ مَن يَتَولّىٰ عملاً(5)مِن قِبَلِ الإمامِ ، لا يَلزَمُ الاقتداءُ بِهم مِن حَيثُ قالوا و فَعَلوا، بل الاقتداءُ بالإمامِ واجبٌ عَلَيهم في جُملةِ الخَلقِ (6)، فكَيفَ يَلزَمُ
عصمتُهم ؟! و ما أَوجَبنا به عصمةَ الإمامِ في هذا الوجهِ - مِن وجوبِ الاقتداءِ به علَى الوجهِ الذي ذَكَرناه(7)- غيرُ ثابتٍ فيهم.
قالَ صاحبُ الكتابِ - بَعدَ فَصلٍ لا طائلَ فيه(8)-:
و متىٰ قالوا: إنّ الأميرَ إذا أخطأَ في ذلكَ (9)فالإمامُ يأخُذُ علىٰ يَدِه، كانَ
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 75. و ما بين المعقوفين من المصدر.
2) . في «ص، ط، ف»: «ليلزم». و في المطبوع: «لنلزم».
3) . في «ص»: «يورد». و في المطبوع: «نورد».
4) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «ما». و ما أثبتناه مطابق للمطبوع و الحجري.
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «الأعمال».
6) . في «ف»: «في الجملة». و في «ج، ص»: «في الجماعة». و في حاشية «ج»: «في جملة الخلائق».
7) . أي من حيث قال و فعل. (من حاشية «م»).
8) . مقدار هذا الفاصل أكثر بقليل من نصف صفحة من صفحات المغني.
9) . أي في إقامة الحدود و تنفيذ الأحكام.
هذا القَولُ مِنهم فَصلاً مع وجودِ العِلّةِ (1)لأنّا إنّما ألزَمناهم عصمةَ الأُمَراءِ علىٰ عِلّتِهم، فالفَصلُ الذي قالوه لا يُنجيهم(2). علىٰ أنّ مِن(3)قَولِنا: إنّ الإمامَ إذا أخطأ فعُلَماءُ الأُمّةِ تأخُذُ(4)علىٰ يَدِه؛ لأنّا لا نُجوِّزُ علىٰ جميعِهم الخطأَ. [و لأنّ ما يُخطئُ الأُمَراءُ فيه قد يَخفىٰ علَى الإمامِ ، فالمسألةُ قائمةٌ ](5).
يُقالُ له: لا شَكَّ في(6)أنّ الفَصلَ بما ذَكَرتَه مع إطلاقِ القَولِ في أصلِ الاستدلالِ علَى الوجهِ الذي حَكَيتَه نقضٌ ظاهرٌ، غيرَ أنّ مَن يَفصِلُ بهذا الفَصلِ(7)مِن أصحابِنا بَينَ الإمامِ(8)و خُلَفائه لا يَرتَضي ما أطلَقتَه في الاستدلالِ، بل يقولُ في الأصلِ : لا يَجوزُ أن يوكَلَ (9)هذه الأحكامُ إلىٰ مَن يُخطئُ فيها خطأً يُثمِرُ فَساداً في الدِّينِ و لَيسَ وَراءَه مَن يَتَلافىٰ خَطأَه و يَستَدرِكُ غلطَه، فلا يَلزَمُ (10)عصمةُ الأُمَراءِ و الحُكّامِ .
و أمّا(11)قَولُكَ : «إنّ الإمامَ إذا أخطأَ أخَذَ علىٰ يَدِه علماءُ الأُمّةِ » فتصريحٌ (12)
1) . و هي أنّه لا يجوز أن توكل الحدود و الأحكام لمن يجوز عليه الخطأ.
2) . في «ج، د، ص»: «لا ينفعهم».
3) . في «ج، د، ص، ف»: - «من».
4) . في المغني: «يأخذون». و قال المحقّق في الهامش بأنّ في الأصل: «يأخذ».
5) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 76. و مابين المعقوفين من المصدر.
6) . في «ج، ص، ط، ف»: - «في».
7) . في «ف»: «هذا الفصل». و في المطبوع و الحجري: - «بهذا الفصل».
8) . في المطبوع: «من يفصل بين أصحابنا و بين الإمام»، و هو تصحيف واضح.
9) . في المطبوع: «توكل».
10) . في «ف»: + «منه».
11) . في «ج، ص، ط، ف»: «فأمّا».
12) . في «ج، ص، ط، ف»: «فصريح».
بأنّ الأُمّةَ أئمّةٌ للإمامِ، و إيجابٌ لفَرضِ طاعتِها عليه، و هذا - مع ما فيه مِن الخُروجِ عن أقوالِ الأُمّةِ - تَناقُضٌ ظاهرٌ؛ لأنّه يَستَحيلُ أن يَقولَ قائلٌ:(1)«لِزَيدٍ علىٰ عَمروٍ طاعةٌ و إمرةٌ »، فيما له فيه بعَينِه عليه طاعةٌ و إمرةٌ ، فيَكونَ ذلكَ صحيحاً(2). و الإمامُ إمامٌ في جميعِ الدِّينِ ، فلَيسَ يَجوزُ أن يَكونَ لبعضِ رعيّتِه عليه في بعضِ الدِّينِ طاعةٌ و لا إمامةٌ .
قالَ صاحبُ الكتابِ :
و لا(3)يُمكِنُهم أن يَقولوا: «إنّ الإمامَ يَعلَمُ كُلَّ ذلكَ»؛ لأنّ الإمامَ لا يَزيدُ علَى الرسولِ، فإذا كانَ(4)قد يَخفىٰ عليه خطأُ عُمّالِه و أُمَرائه، و إنّما كانَ
يَعرِفُ ما يَنتَهي خبرُه إليه(5)، فكذلكَ القَولُ في الإمامِ . و(6)لأنّ الأمرَ في ذلكَ ظاهرٌ في حالِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ مع عُمّالِه، و إذا لَم يَعلَمِ الإمامُ الخطأَ مِن الأُمَراءِ (7)فكَيفَ يَستَدرِكُ ذلكَ؟(8)[و هذا يوجِبُ علىٰ علّتِهم وقوعَ الفَسادِ في الدِّينِ لا مَحالةَ ، و لا يُمكِنُهم التخلُّصُ مِن ذلكَ إلّا بما بيّنّاه مِن الأمرِ الذي يَمنَعُ مِن العصمةِ في الإمامِ ...](9).
1) . في المطبوع: + «لا بدّ» و لم نجد هذه الزيادة في نسخة أُخرىٰ حتّى النسخة الحجريّة.
2) . في الحجري: - «فيكون ذلك صحيحاً».
3) . في المغني: «فلا».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: + «الرسول».
5) . في «ص»: «إليه خبره».
6) . في «ص، ف»: - «و».
7) . في «ص»: «الأمير».
8) . في المغني: «فكيف يستدلّ بذلك».
9) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 76.
يُقالُ له: مَن فَصَلَ مِن أصحابِنا بَينَ الإمامِ و حُكّامِه في العصمةِ بالفَصلِ الذي ذَكَرناه يَذهَبُ إلىٰ أنّه لا يَجوزُ أن يَقَعَ مِن أُمَرائه و خُلَفائه(1)- و إن بَعُدَت دارُه مِن دارِهم - خطأٌ يَقتَضي(2)فَساداً في الدِّينِ فيَخفىٰ عليه، بَل لا بُدَّ مِن أن يَتَّصِلَ به ذلكَ حتّىٰ يَستَدرِكَه و يَتَلافاه.
فأمّا(3)قَولُكَ: «إنّ الإمامَ لا يَزيدُ علَى الرسولِ، و قد(4)خَفيَ عليه خطأُ عُمّالِه و أُمَرائه»، فلا إشكالَ في أنّ الإمامَ لا يَزيدُ علَى الرسولِ، و لكِنْ مِن أينَ لكَ أنّه قد خَفيَ علَى الرسولِ خطأُ عُمّالِه و أُمَرائِه؟ و لَم تَتعلَّقْ في ذلك شُبهةً(5)فنَحُلَّها، بل عَوَّلتَ علَى الدَّعوىٰ و إرسالِها حتّىٰ كأنّه لا مُخالِفَ لكَ (6)فيما حَكَمتَ به! و القَولُ في أميرِ المؤمِنينَ عليه السلامُ كالقَولِ في الرسولِ (7)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في أنّه لا يَجوزُ أن يَخفىٰ عليه مِن خطإ عُمّالِه و خُلَفائه ما يَقتَضي الفَسادَ في الدِّينِ (8). و لَيسَ يَجِبُ أن يُستَبعَدَ ذلكَ و نَحنُ نَجِدُ حَزَمَةَ (9)المُلوكِ و ذوي القُدرةِ و السُّلطانِ مِنهم
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «خلفائه و أُمرائه».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «يوجب».
3) . في المطبوع: «و أمّا».
4) . في «ج، ص، ط، ف»: «فقد».
5) . في المطبوع: «و لم يتعلّق بذلك في شبهة».
6) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «لك».
7) . في «ج، ص، ط، ف»: «النبي».
8) . و لو لم يعلم بالعلم الإلهي الباطني، فإنّه لا يفوت عنهم الاستدراك و التلافي، فيرتفع الفساد. (من حاشية «م»).
9) . الحَزَمَة: جمع حازم، و هو العاقل المميّز ذو الحُنكة. و الحُنكة: السنّ و التجربة و البَصَربالأُمور. و الحَزم أيضاً: ضبط الرجل أمره و أخذه فيه بالثقة. راجع: تهذيب اللغة، ج 4، ص 218؛ المحيط في اللغة، ج 3، ص 17؛ الصحاح، ج 5، ص 1898 (حزم).
يُراعونَ مِن أحوالِ خُلَفائهم و أُمَرائهم(1)و عُمّالِهم في البِلادِ - و إن بَعُدَت - ما يَنتَهونَ فيه إلىٰ حَدٍّ لا يَخفىٰ عَلَيهم معه شيءٌ مِن أحوالِهم المُتَعلِّقةِ بسُلطانِهم و تدبيرِهم و ما يَحتاجونَ إلىٰ معرفتِه، و قد عَرَفنا هذا مِن أحوالِ كثيرٍ مِن المُلوكِ المُتقدِّمينَ، و(2)شاهَدناه مِمّن عاصَرناه أيضاً(3)، و كانَ بالصفةِ التي قَدَّمناها. و إذا تَمَّ مِثلُ ما ذَكَرناه لِمَن لَيسَ بحُجّةٍ للّٰهِ تَعالىٰ علىٰ خَلقِه، و لا حافِظٍ لشَريعتِه و دِينِه، و
لا مادّةَ بَينَه و بَينَه تَعالىٰ، و لا سَببَ و لا وُصلةَ، لَمْ نُنكِرْ(4)تَمامَه و انتظامَه لِمَن كانَ علىٰ جميعِ هذه الصِّفاتِ التي نَفَيناها عن هؤلاءِ.
ثُمَّ أَورَدَ صاحبُ الكتابِ فُصولاً(5)لا حاجةَ بنا إلىٰ نَقضِها؛ لأنّه سألَ نَفسَه في بَعضِها عمّا لا نَسألُه عنه، و بَنىٰ بَعضَها علىٰ مَذاهبَ قد تَقدَّمَ إفسادُها؛ إلىٰ أن قالَ :
علىٰ أنّه يَلزَمُهم أن يَكونَ الشاهدُ الذي يَشهَدُ علَى الزِّنا و السَّرِقةِ (6)معصوماً، و إلّاأدّىٰ إلَى الفَسادِ في الدِّينِ ؛ بأن يُقيمَ الحَدَّ علىٰ مَن لا يَستَحِقُّه [إذا غَلِطَ في الشهادةِ أو زَوَّرَ فيها، و هذا يوجِبُ عصمةَ الشُّهودِ، بل يوجِبُ عصمةَ السارِقِ إذا أقاموا عليه الحَدَّ بإقرارِه! و كُلُّ ذلكَ يُبطِلُ تَعلُّقَهم بهذه الطريقةِ ، و يُبيِّنُ طريقةَ الكلامِ في هذه الشهادةِ و ما جانَسَها.](7)
1) . في «د» و المطبوع و الحجري: - «و أُمرائهم».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: + «قد».
3) . في المطبوع و الحجري: «و شاهدناه أيضاً ممّن عاصرناه».
4) . في «ج، ص، ط»: «لم ينكر». و في «د»: «لمن ينكر».
5) . يبلغ حجمها مقدار صفحة و شيء من صفحات المغني.
6) . في «ج، ص، ط، ف»: «السرقة و الزنا». و في المغني: «السرقة و الربا و غيرهما».
7) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 77. و ما بين المعقوفين من المصدر.
فيُقالُ له: أمّا الفَصلُ بَينَ الشاهدِ و الإمامِ علَى الطريقةِ التي رَتَّبناها فواضِحٌ(1)لأنّ غلَطَ الشاهدِ لا يَتعدّىٰ إلىٰ غيرِه، مِن حَيثُ لا يَجِبُ الاقتداءُ به و الاتّباعُ لقَولِه و فِعلِه، و الإمامُ مُقتدىً به، مُتَّبَعٌ في أقوالِه و أفعالِه، فجَوازُ الغلطِ علىٰ أحَدِهما يُخالِفُ جَوازَه علَى الآخَرِ(2).
علىٰ أنّ في أصحابِنا مَن يَذهَبُ إلىٰ أنّ للإمامِ أمارةً نَصَبَها اللّٰهُ تَعالىٰ (3)علىٰ لسانِ رسولِه صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه يُفرِّقُ بَينَ الصادِقِ مِن الشُّهودِ و الكاذِبِ ، فمتىٰ شَهِدَ عِندَه كاذِبٌ (4)رَدَّ شَهادتَه و لَم يُمضِها و إن كانَ في الظاهرِ عَدلاً(5). و مَن سَلَكَ هذه الطريقةَ لَم يَلزَمْه ما ألزَمتَه(6)أيضاً مِن هذا الوجهِ .
1) . في «ج، ص، ط، ف»: «فظاهر».
2) . في «ج، ص، ط، ف»: «فجواز الغلط عليه يخالف جواز الغلط على الشاهد». و في حاشية «م»: «فلمّا كنّا مأمورين بمتابعة الإمام و الاقتداء به لم يجز لنا التسويف و التروّي و المعارضة فيما أمر به، بخلاف الشاهد فإنّه يجوز جرحه و معارضته و نحو ذلك؛ فتدبَّر (ح. س)».
3) . في حاشية «ط»: + «له».
4) . في المطبوع: «الكاذب».
5) . في حاشية «م»: «و قد صحّ عندنا أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا محدَّثين؛ فتدبَّر (ح. س)». و فيه في الحاشية عليه حيث قال: «كانوا محدَّثين»: «أي: بالملائكة. و ليس ردّ شهادة الكاذب بمجرّد العلم الباطنيّ و التحديث، بل إنّما يهتدي الإمام بحيلة يظهر بها كذب الشاهد؛ فتدبَّر».
6) . في «د»: «ما التزمته».
قالَ صاحبُ الكتابِ :
شُبهةٌ أُخرىٰ لهم:
قالوا: لا بُدَّ مِن إمامٍ معصومٍ يَحفَظُ الشرعَ و يَقومُ به؛ لأنّه لا بُدَّ فيه مِن حافظٍ، و لَيسَ إلّاالإمامَ علىٰ ما نَقولُ ، أو الأُمّةَ علىٰ ما تَقولونَ (1). و قد عَلِمنا أنّ الأُمّةَ لا يَجوزُ ذلكَ عَلَيها(2)لأنّ كُلَّ واحدٍ مِنها يَجوزُ عليه الغلطُ و السهوُ، و جميعُها لَيسَ إلّاكُلَّ واحدٍ مِنها، فيَجِبُ جوازُ الغلطِ علَى الجميعِ ، و إلّاانتَقَضَ القَولُ بجَوازِ ذلكَ علىٰ آحادِها. و إذا لَم يَصِحَّ كَونُ الشريعةِ محفوظةً بالأُمّةِ فلا بُدَّ مِن إثباتِ معصومٍ (3)في كُلِّ زمانٍ يَحفَظُها [و يَقومُ بها، علىٰ ما نَقولُ به].
قالَ (1):
و اعلَمْ أنّا قد بيّنّا في بابِ الإجماعِ مِن هذا الكتابِ(2)أنّه لا يَمتَنِعُ جوازُ الخطإ علىٰ كُلِّ واحدٍ مِن الجَماعةِ و يؤمَنُ ذلكَ في جميعِهم(3)لأنّ انفرادَ كُلِّ واحدٍ مِن الجماعةِ بقَولٍ لا يؤمَنُ ذلكَ فيه و يؤمَنُ في جميعِهم(4). و كما(5)لا يَمتَنِعُ أن يؤمَنَ علىٰ زَيدٍ الخطأُ في شيءٍ(6)دونَ شيءٍ بحَسَبِ الدليلِ، أو في حالٍ دونَ حالٍ، و لا يَتَناقَضُ ذلكَ، فكذلكَ ما ذَكَرناه.
و بيّنّا(7)أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ لَو قالَ في عَشرةٍ مِن المُكلَّفينَ : إنّ كُلَّ واحدٍ مِنهم يَجوزُ أن يَرتَدَّ(8)و لا يَجوزُ اجتماعُهم(9)علىٰ ذلك، لَم يَمتَنِعْ (10).
و بيّنّا أنّ التجويزَ مُفارِقٌ للإثباتِ و الصحّةِ ، و لا يَجوزُ أن يَصِحَّ مِن كُلِّ
1) . في المطبوع: «قال أيضاً صاحب الكتاب». و في «د»: «قال صاحب الكتاب».
2) . المغني، ج 17، ص 156، فصل في أنّه لا يمتنع في إجماع أُمّة أو جماعة أن يكون صواباً، دون آحادهم و أبعاضهم.
3) . فالانفراد بالقول و التميّز به عن الأغيار يجوز في كلّ واحد و لا يجوز في الجماعة، فحكم الآحاد غير حكم الجماعة «ح. س». (من حاشية «م»).
4) . في المغني: - «لأنّ انفراد كلّ واحد...» إلىٰ «و يؤمن في جميعهم».
5) . في المغني: «فكما».
6) . في «ج، ص، ط، ف»: + «من ذلك».
7) . في المغني: «و كما».
8) . في المغني: «يجوز أن يريد القبيح».
9) . في «د»: «إجماعهم».
10) . في «ج، ص، ف»: «لا يمتنع».
واحدٍ مِنهم الخطأُ بمعنَى(1)القُدرةِ، و لا يَصِحَّ مِن(2)سائرِهم؛ لأنّ ذلكَ يَتناقَضُ، [و كذلكَ فلا يَجوزُ أن يَثبُتَ لكُلِّ واحدٍ مِنهم صفةٌ و لا يَثبُتَ لجميعِهم؛ لأنّ ذلكَ يَتناقَضُ](3).
و أمّا(4)التجويزُ فهو بمعنَى(5)الشكِّ، و غيرُ مُمتَنِعٍ أن يُشَكَّ فيما يأتيه كُلُّ
واحدٍ مِنهم إذا انفَرَدَ لفَقدِ(6)الدليلِ، و لا يُشَكَّ فيما اجتَمَعوا عليه، بَل يُعلَمَ صَواباً لحُصولِ(7)الدليلِ(8).
إلىٰ قَولِه:
و إنّما الغرضُ بما أَورَدناه إبطالُ التوَصُّلِ إلَى القَدحِ في الإجماعِ مِن جهةِ العقلِ علىٰ ما يَسلُكُه القَومُ، فأمّا الكلامُ في إثباتِه فموقوفٌ علَى السمعِ ، و قد دَلَّلنا مِن قَبلُ علىٰ صحّةِ الإجماعِ و أنّه لا يُعدَلُ عنه(9)، فإذا صَحَّ كَونُه حُجّةً ، فمِن أينَ أنّه لا بُدَّ مِن إمامٍ معصومٍ؟
[و إنّما تَوصَّلوا إلىٰ إثباتِه بإبطالِ الإجماعِ و قد صَحَّ ، فإذَن يَجِبُ إبطالُ معصومٍ للعِلّةِ التي ذَكَروها. و لا يَمتَنِعُ إثباتُ معصومٍ لغيرِ هذه العِلّةِ ؛ لأنّه لا يَمتَنِعُ أن تَكونَ الأُمّةُ فيما تَجتَمِعُ عليه معصومةً و في جُملتِها
1) . في المطبوع: «في معنى».
2) . في «د» و المغني: «في».
3) . ما بين المعقوفين من المغني.
4) . في «ج، ص، ط، ف» و المغني: «فأمّا».
5) . في «ج، ص، ط، ف»: «معنى».
6) . في المغني: «بفقد».
7) . في «ف» و المطبوع و الحجري: «بحصول».
8) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 78.
9) . في المطبوع و الحجري: «و أنّه لا معدل عنه». و في «ج، ص، ف»: «و أنّه يعوّل عليه».
مَن يَكونُ معصوماً بانفرادِه. و إنّما أرَدنا بما قَدَّمناه إبطالَ هذه الطريقةِ في إثباتِ إمامٍ معصومٍ ](1).
يُقالُ(2)له: مِن عجيبِ الأُمورِ أنّكَ تُناقِضُ في الإجماعِ مَن لا تَعرِفُ(3)مَذهبَه فيه؛ لأنّ كلامَكَ يَدُلُّ علىٰ أنّ مُخالِفيكَ(4)في الإجماعِ مِنّا يَذهَبونَ إلىٰ أنّ الأُمّةَ يَجِبُ(5)أن تَجتَمِعَ(6)علَى الخطإ مِن طريقِ العُقولِ، و أنّه(7)يَستَحيلُ عِندَهم أن تَقومَ(8)دَلالةٌ سمعيّةٌ علىٰ أنّهم لا يَختارونَ الخطأَ في حالِ الإجماعِ(9). و لَيسَ يَتَوهَّمُ عَلَينا مِثلَ هذا مَن أَنعَمَ النظَرَ(10)في مَذهَبِنا، و إنّما نورِدُ الحِجاجَ الذي حَكَيتَ (11)بعضَه في الإجماعِ - مِثلَ قَولِنا: إنّ جميعَهم هُم آحادُهم، فما يَجوزُ علَى الآحادِ يَجِبُ جوازُه علَى الجميعِ (12)، إلىٰ نَظائرِ ذلكَ - علىٰ مَن يَذهَبُ إلىٰ أنّ الأُمّةَ لا يَجوزُ أن تَجتَمِعَ
1) . المغني، ج 20 (القسم الأوّل)، ص 79-80. و ما بين المعقوفين من المصدر.
2) . في «ص»: «فيقال».
3) . في «ج، د، ط»: «لا يعرف».
4) . في المطبوع: «مخالفين» بدل «أنّ مخالفيك».
5) . في «د» و الحجري: «تجب».
6) . في «ج، د، ص، ط، ف»: «أن يجتمع».
7) . في «ص، ط، ف»: «فإنّه».
8) . في «د، ص، ف» و الحجريّ : «أن يقوم».
9) . في «ج، ص، ف»: «الاجتماع».
10) . أنعم النظر في الشيء: إذا أطال التفكّر فيه. النهاية، ج 5، ص 83؛ لسان العرب، ج 12، ص 586 (نعم).
11) . في «ف»: + «و نقضته».
12) . في حاشية «م»: «لعلّه لا يتمّ علىٰ هذا أيضاً لو أُريد به الحجاج؛ إذ التجويز في الآحاد لا يستلزم
علىٰ خطإٍ مِن طريقِ العُقولِ و لا يَعتَبِرُ فيه السمعَ، و يُجري اجتماعَها علَى الخطإ بالشُّبهةِ في امتناعِه عَلَيها مَجرَى اجتماعِها علَى السهوِ عن شيءٍ واحدٍ في(1)وقتٍ واحدٍ! و لا نَعرفُ(2)محُصِّلاً مِن أصحابِنا و لا مِن غيرِهم يَذهَبُ إلىٰ أنّ السمعَ يَستَحيلُ أن يَرِدَ علىٰ سَبيلِ التقديرِ بأنّ الأُمّةَ أو جماعةً مِنها لا تَختارُ الخطأَ في حالٍ دونَ حالٍ، أو(3)علىٰ وجهٍ دونَ وجهٍ.
و الذي يَجِبُ أن نَتَشاغَلَ(4)به بَعدَ هذا الكلامِ في صحّةِ ما يُدَّعىٰ مِن السمعِ الوارِدِ بأنّ الأُمّةَ لا تَجتَمِعُ علَى خطإٍ(5)، و لَم نَجِدْه ذَكَرَ هاهُنا شَيئاً مِن الاستدلالِ بالسمعِ، و إنّما أحالَ علىٰ ما ذَكَرَه فيما مضىٰ مِن كتابِه(6). و نَحنُ نُتْبِعُ ما ذَكَرَه(7)
هُناكَ ، و نُبيِّنُ فَسادَه، علىٰ طريقتِنا في الإيجازِ و الاختصارِ، بمَشيئةِ اللّٰهِ تَعالىٰ (8)و تَوفيقِه.
التجويز في المجموع؛ لاختلاف حكمهما. بل إنّما يتمّ منعاً علىٰ دليل من أوجب عقلاً حجّيّة الإجماع، كما نقله قُدّس سرّه؛ فتأمَّل».
1) . في «د»: «من».
2) . في «ط»: «و ما نعرف».
3) . في المطبوع: «و».
4) . في «ص، ف»: «أن يتشاغل».
5) . في «د» و المطبوع و الحجري: «على الخطإ».
6) . المغني، ج 17، ص 60 و ما بعده، فصل في بيان الدلالة علىٰ أنّ الإجماع حجّة و ما يتّصل بذلك.
7) . في المطبوع: - «فيما مضىٰ من كتابه، و نحن نتبع ما ذكره».
8) . في «ج، د، ط، ف»: - «تعالىٰ ».
مقدّمة التحقيق... 7
تمهيد... 7
الفصل الأوّل: الكتب المؤلّفة في الإمامة قبل الشافي... 11
الفصل الثاني: القاضي عبد الجبّار و كتابه المغني... 25
الف. القاضي عبد الجبّار المعتزلي... 25
شيوخه... 28
تلامذته... 29
مؤلّفاته... 30
في علم الكلام... 30
الشروح... 31
التكملات... 32
في أُصول الفقه... 32
في النقض على المخالفين... 32
أجوبة المسائل... 32
مسائل وردت على غيره، لكنه تكلّم في جوابها... 32
في الخلاف... 33
في الكلام على أهل الأهواء... 33
في علوم القرآن... 33
في المواعظ... 33
كتب أُخرى... 33
وفاته... 34
ب. كتاب المغني في أبواب التوحيد و العدل... 35
أجزاء المغني... 40
نكت الكتاب المغني... 45
جزء الإمامة من كتاب المغني... 46
مصادر كتاب المغني في مباحث الإمامة... 46
أبواب و فصول مباحث الإمامة في كتاب المغني:... 48
الفصل الثالث: الشيخ الطوسي و تلخيصه للشافي... 55
الفصل الرابع: الشريف المرتضى و كتابه الشافي... 63
جمل الثناء علىٰ كتاب الشافي... 64
من تأثّر بالشافي و نقل عنه... 66
إرجاع الشريف المرتضىٰ إلى الشافي في كتبه... 68
تاريخ تأليف الشافي... 69
فصول الكتاب... 72
منهجيّة البحث في الشافي... 77
بعض آراء الشريف المرتضى في الشافي... 83
فوائد من الشافي... 96
مصادر الشافي، و النصوص المنقولة فيه... 102
آراء أصحاب الإماميّة في الشافي... 105
الأعمال التي دارت حول الشافي... 125
رسائل جامعيّة حول الشافي... 132
طبعات الشافي... 134
وصيّة الشريف المرتضى لقارئ كتابه... 135
الفصل الخامس: مخطوطات الكتاب و العمل عليه... 137
الف: النسخ المعتمدة... 137
ب: سائر النسخ... 149
عملنا في الكتاب... 159
كلمة الشكر... 165
نماذج من تصاوير النسخ... 168
الشافي في الإمامة
مقدّمة المؤلّف... 193
دخولُ الإماميّة في النزاع حول الإمامة، و...... 198
فسا إلزام الإماميّة بما قاله الشذّاذ منهم... 202
بيانُ ما يتميّز به النبيّ عن المعرفة و الإمام و الأُمّة... 203
بيانُ اعتقاد الإماميّة بأفضليّة النبيّ على الإمام... 205
وجوه وجوب الإمامة، و بيان الصحيح منها... 209
كونُ الإمام تمكيناً، و بيان المعنىٰ الصحيح في ذلك... 209
تعلُّقُ بقاء السماء و الأرض بوجود الإمام، و مناقشةُ ذلك... 209
كونُ الإمام بياناً، و عدمُ استلزام ذلك وجوبُ الإمام في كلّ زمان... 212
كونُ الإمام منبِّهاً على الأدلّة و النظرِ فيها، و عدمُ اختصاص ذلك بالإمام... 213
نفيُ أن يكونَ المكلّفُ معذوراً إذا فرّط في معرفة الإمام... 216
عدم وجوب عدد معيّن في الأئمّة... 218
كيفيّة إزاحة علّة المكلّفين في معرفة الإمام... 218
عدم التلازم بين ثبوت الفترة في الرسل، و ثبوتها في الأئمّة... 221
في بيان أنّ الإمامة لطف... 221
عدم لزوم التسوية بين الإمامة و المعرفة من كلّ وجه... 223
عدم دلالة العقل علىٰ عدد الرؤساء و لا صفاتهم... 227
إمكان معرفة الجميع بالإمام... 228
الفرق بين خبر الإمام في حياته، و خبر الرسول بعد وفاته... 229
عودة إلى البحث عن المقارنة بين المعرفة و الإمامة في كونهما لطفاً... 232
عدم حاجة الإمام إلى إمام... 234
عدم اقتصار الحاجة إلى الإمام علىٰ دفع الفُرقة... 238
استغناء المعصوم عن إمام يَصرفه عن فعل القبيح... 239
لزوم الرئاسة علىٰ كلّ حال... 240
نفي الدليل العقلي علىٰ عدد الأئمّة، و معنىٰ لزوم وجود رئيس في كلّ بلد... 243
تجويز العقل أن يكون لكلّ بلد إمام... 245
الفرق بين دليل وجوب النصّ على الإمام، و دليل وجوب الرئاسة في الجملة... 246
إلزام صاحبِ المغني القولَ بتبعيّة الإمام للرعيّة... 247
في بيان أنّ الحاجة إلى الرئيس من الضروريّات البديهيّة... 249
إشارة إلىٰ ما تقدّم من عدم دلالة العقل علىٰ عدد الأئمّة و صفاتهم... 256
تأكيد ما تقدّم من ذهاب العقلاء إلىٰ ضرورة وجود رئيس... 257
في بيان أنّ الحاجة إلى الإمام عامّة لجميع الأحوال... 258
تجويز ترك العقلاءِ نصبَ الإمام مع إدراكهم لقبح ذلك عقلاً... 260
إشارة إلىٰ ما تقدّم من عدم التلازم بين دليل إثبات الإمامة، و إثبات صفات الإمام... 262
في بيان أنّنا نحتجّ بما يعلمه العقلاء من وجوب الإمامة، لا بفعلهم فقط... 265
نفي معرفة مَن يستغني بتناصُف الناس عن الإمام... 266
عدم التنافي بين القول بالشورىٰ ، و القول بوجوب الإمام... 267
شمول الإمامة لشؤون الدين و الدنيا، و عدم اختصاصها بالدنيا... 268
بيان وجوب نصب الإمام علىٰ اللّٰه تعالىٰ ، لا علىٰ الناس... 271
بيان الفرق بين الحاجة إلى الإمام، و الحاجة إلى الوكيل... 272
عدم المنافاة بين جواز اجتماع الناس علىٰ رئيس كافر، و بين...... 273
نفي بعض الوجوه المذكورة لإثبات الحاجة إلى الإمام... 275
1، 2. الخاطر و التنبيه على النظر... 275
3، 4. شكر النعمة و التواتر... 276
عدم جواز كتمان الناس لمضارّ السموم و فوائد الأغذية، خلافاً...... 277
بناء الحاجة إلى الإمام على العادات، و جواز ارتفاع الحاجة إلى...... 278
وجوه الحاجة إلى الإمام في الأُمور المتواترة... 279
بيان الفرق بين سماع كلام الرسول صلّى اللّٰه عليه و آلِه، و...... 280
عدم المنافاة بين تجويز إعراض المتواتِرين عن النقل، و بين حجّيّة التواتر... 282
إبطال ما ادّعاه صاحب الكتاب من لوازم تلزم الإماميّة القائلين بالحاجة إلى الإمام... 283
جواز الكتمان على الخلق العظيم... 283
إنكار العقليّات أو بعضها... 284
إثبات أشخاص لا أصل لهم... 285
ادّعاء الضرورة في النصوص... 286
تَعرُّضُ صاحبِ الكتاب لهشام بن الحَكَم و ابن الراونديّ و أبي عيسى الورّاق... 288
أوّلاً: دفاعُ المؤلِّفِ عن هِشامِ بنِ الحَكَمِ و دَفعُه لما نُسِبَ إليه... 291
ثانياً: دفاعُ المؤلِّفِ عن ابنِ الراوَنديِّ... 296
تَعرُّضُ المؤلّف لآراء الجاحظ و كُتُبه... 296
نفي نسبة أبي حفص الحدّاد إلى الشيعة... 299
ثالثاً: دفاعُ المؤلّف عن أبي عيسى الورّاق... 299
نَماذِجُ مِن العقائدِ الباطلةِ لأبي الهُذَيلِ، و النَّظّامِ، و مُعَمَّرٍ، و...... 300
اعتمادُ الإماميّةٍ علَى العقلِ في وجوبِ الإمامةِ و أوصافِ الإمامِ ... 309
بيانُ تناقضِ كلام صاحب الكتاب و خطئِه فيما نَسَبَه إلىٰ ...... 310
بيانُ أنّ بعضَ وجوهِ الحاجةِ إلى الإمام تتعلّق بواجبات العقل... 312
بعض وجوه الحاجة إلى الإمام... 313
بيان أنّ فائدة التواتر إثبات أعيان الأئمّة، لا ضرورة وجودهم في الجملة... 314
رفع السهو و الخطإ... 315
رفعُ الاختلافِ في الدياناتِ ، و بيانُ وجوهِ الاختلافِ في ذلكَ ... 316
فصل في تتبّع كلامه في الاستدلال علىٰ وجوب الإمامة من جهة السمع... 319
الدليل الأوّل: وجوب إقامة الحدود علىٰ الإمام... 321
إبطال الاستدلال بوجوب إقامة الحدود علىٰ وجوب الإمامة... 323
عدم دلالة اشتراط الإيجاب بصفة، علىٰ وجوب تحصيل تلك الصفة أو...... 324
بيان الفرق بين إيجاب السبب، و إيجاب إقامة الحدود... 326
بيان الفرق بين إيجاب العبادات، و إيجاب شروطها... 328
مُناقَشةُ دَعوىٰ صاحبِ المغني من أنّ الإمامة إن لَم تَكُن واجبةً ...... 328
مُناقَشةُ دَعوىٰ صاحبِ المُغني في أنّ الإمامَ قَبلَ أن يَصيرَ إماماً...... 331
حرمة تضييع الحدود على الإمام دون الأُمّة... 334
دليل وجوب إزالة الغلبة عن الإمام على الأُمّة... 336
عدم وجوب نصب الأُمراء على الأُمّة لأجل إقامة الحدود... 338
عدم التلازم بين وجوب قبول الإمامة و وجوب الثبات عليها... 341
الوجوه التي تجب لها الإمامة، و بطلان قياس الإمامة على الأمر بالمعروف... 345
الدليل الثاني: إجماع الصحابة... 348
عدم دلالة سلوك الصحابة علىٰ وجوب الإمامة... 349
مناقشة وجود إجماع علىٰ وجوب الإمامة... 351
الدليل الثالث: خبر: «الأئمّة من قريش»... 354
جوابٌ نقضيّ للمصنّف... 355
الدليل الرابع: تأمير خالد بن الوليد يومَ مؤتة... 357
اعتماد صاحب الكتاب في كلامه علىٰ طريقة القياس... 358
الدليل الخامس: خبر: «إن ولّيتم أبا بكر...»... 358
عدم دلالة الحديث المذكور علىٰ وجوب الإمامة... 359
بيان عدم الحاجة إلى النصّ علىٰ وجوبِ الإمامة و معرفةِ صفات الإمام... 361
عدم جواز خفاء النصّ علىٰ صفات الإمام على الأنصار... 364
عدم دلالة القرآن علىٰ صفات الإمام و ما يتولّاه... 369
بيان أنّ أُصول الصلاة و الزكاة ثابتة بالاضطرار، لا بالأخبار... 370
تناقض كلام صاحب الكتاب... 372
الدليل الأوّل: عموم النقص بين الناس... 377
بيان التقرير الصحيح لدليل اللطف علىٰ وجوب الإمامة... 377
عدم دلالة جواز السهو على الحاجة إلى الإمام، علىٰ تفصيل في ذلك... 378
معنىٰ «اتّباع الشهوات» في دليل وجوب الإمامة... 380
التقرير الصحيح للاستدلال بجواز الشُّبَه علىٰ وجوب الإمامة... 380
استلزام وجودِ النقص بين الناس حاجتَهم إلى الإمام، على تفصيل في ذلك... 381
عدم اقتضاء كون الإمام لطفاً نفيَ القدرة عن اللّٰه تعالىٰ ... 382
بيان دقيق في كيفيّة الاستدلال بالنقص علىٰ وجوب الإمام... 384
عدم المنافاة بين العلم الضروريّ بأُمور الدين، و الحاجة إلى الإمام... 386
اختلاف أنواع الألطاف من حيث الخصوص و العموم... 386
استحالة توقّف معرفة جميع الأئمّة علىٰ معرفة الإمام... 387
عدم تساوي وجود الإمام و عدمه في معرفة الناس التكاليفَ و قيامهم بها... 388
إشكالٌ لصاحِبِ «المُغني» حَولَ غَيبةِ الإمامِ ، و ردُّه... 390
بيان الفرق بين عدم ظهور الإمام و عدم عينه... 390
بيان المانع الحقيقي من ظهور الإمام... 392
بيان الفرق بين علّة الاستتار من الأعداء و من الأولياء... 394
عدم لزوم كون الإمام في كلّ بلد و جَمْع... 398
تمكُّن المكلَّفين من أداء التكليف في زمن الغيبة... 400
نفي السهو عن الإمام... 401
جواز عدول الناقلين للأخبار عن النقل... 401
عدم التلازم بين سقوط التكليف عن الناقل إذا سها، و بين سقوطه عن الآخرين... 403
وجه دلالة جواز دخول الشبهة على الحاجة إلى الإمام... 405
وجه دلالة اتّباع الشهوات على الحاجة إلى الإمام... 410
الدليل الثاني: جواز السهو و الغفلة و الشبهة و التقصير على المكلّفين... 415
إشارات إلىٰ مسألة كون الإمامة لطفاً... 416
عدم وجوب كون الإمام لطفاً في كلّ تكليف... 419
الفرق بين وجوب كون الإمام لطفاً في كلّ تكليف و جواز ذلك... 420
هل يوجِبُ اللُّطفُ في الإمامةِ كَونَ الناسِ مُلجَئينَ إلَى الطاعةِ؟... 421
عدم قيام غير الإمام مقامه فيما هو لطف فيه... 423
عدم استغناء المكلّفين عن الإمام فيما هو لطف فيه... 424
الدليل الثالث: قطع الاختلاف في المذاهب... 427
الدليل الرابع: قطع الاختلاف في الفقه و الاجتهاد... 429
إبطال صحّة الاجتهاد بمعنىٰ طلب غلبة الظنّ فيما لا دليل عليه... 430
عدم وجود أدلّة قاطعة علىٰ كلّ الشريعة... 434
عدم بطلان فتاوى الشيعة و عدم استغنائهم عن إمام يكون من ورائهم... 436
منعُ أمير المؤمنين من الاجتهاد و الاختلاف... 438
الدليل الخامس: معرفة ما يتّصل بمصالح أبدان المكلّفين و معايشهم... 447
الدليل السادس: قيام الإمام مقام الرسول في حفظ الشريعة... 449
تقرير المصنّف للدليل السادس على الإمامة... 451
ضرورة وجود حجّةٍ يقف من وراء الناقلين... 454
وجوب معرفة الإمام لأجل معرفة الشرع... 457
بيان الطريق إلىٰ معرفة الإمام، و عدم الاستغناء بالتواتر عنه... 458
عدم الاستغناء عن الإمام في معرفة الشريعة... 461
إبطال ما ادّعاه صاحب الكتاب من أدلّةٍ تُغني عن الإمام... 464
جواز سهو العقلاء عن بعض العلوم الضروريّة... 468
بيان ما يجوز كتمانه و السهو عنه من الأُمور المتواترة، و ما لا يجوز... 470
عدم جواز كتمان معارضة القرآن... 473
عدم الاستغناء بالإجماع عن الإمام في حفظ الشريعة... 474
بيان الطريق إلىٰ معرفة عين الإمام... 478
بحث مفصّل حول جواز ظهور المعجزات علىٰ يد غير الأنبياء... 479
نفي أن يكون العلمُ بأكثر الشرع أظهرَ من النصّ على الإمام... 487
شُبهةٌ لصاحبِ المُغني في رُجوعِ الإمامِ أميرِ المؤمِنينَ في معرفةِ بعضِ ...... 489
الدليل السابع: إقامة الحدود و...... 495
رفض المصنّف لدلالة الدليل السابع علىٰ وجوب الإمامة... 496
إمكان الاستدلال بالدليل السابع علىٰ عصمة الإمام... 496
تناقض كلام صاحب الكتاب... 498
حالُ الحدود في زمن الغيبة... 500
إشارة إلى الفرق بين عدم إقامة الحدود من قِبَل الظلمة، و من قِبَله تعالىٰ ... 503
عدم لزوم عصمة الأُمراء المنصوبين من قِبَل الإمام... 504
عدم لزوم عصمة الشاهد... 510
الدليل الثامن: في بيان أنّ الحافظ للشرع هو الإمام، لا الأُمّة... 511
جواز ورود السمع الدالّ علىٰ حجّيّة إجماع الأُمّة، و عدم استحالة ذلك... 514