التقیة

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

سرشناسه : انصاري، مرتضي‌بن محمدامين، ق‌۱۲۸۱ - ۱۲۱۴

‏عنوان و نام پديدآور : التقيه / مرتضي انصاري؛ اعداد لجنه تحقيق تراث الشيخ‌الاعظم

‏مشخصات نشر : قم: الموتمر العالمي بمناسبه الذكري المئويه الثانيه لميلاد الشيخ الانصاري، ۱۴۱۵ق. = ۱۳۷۳.

‏مشخصات ظاهري : ۴۸ ص.نمونه

‏يادداشت : عربي

‏يادداشت : كتابنامه به‌صورت زيرنويس

‏موضوع : تقيه

‏شناسه افزوده : كنگره جهاني بزرگداشت دويستمين سالگرد تولد شيخ انصاري

‏رده بندي كنگره : ‏BP۲۲۶/۵‏/الف۸ت۷ ۱۳۷۳

‏رده بندي ديويي : ۲۹۷

‏شماره كتابشناسي ملي : م‌۷۷-۴۱۷۷

التقیة

للشيخ الأعظم استاد الفقهاء والمجتهدین

الشيخ مُرْتَضَى الأَنْصَارِي قدس سرة

١٢١٤ - ١٢٨١ه

اعداد

لجنة تحقيق تراث الشَّحَ الْأَعظم

الكتاب : رسالة في التقية

المؤلف : الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري قدس سره

تحقيق : لجنة التحقيق

الطبعة : الاولى - ذو الحجة ١٤١٥

صف الحروف : مؤسسة الكلام - قم

الليتوغراف : تيزهوش - قم

المطبعة : باقري - قم

الكمية المطبوعة : ۱۰۰۰ نسخة

للأمانة العامة للمؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري قدس سر.

اشارة

التقیة

المؤتمر العالمي مناسبة الذكرى المئوية الثانية

لميلاد الشيخ الأنصارية

التقیة

للشيخ الأَعْظَمَ اسْتَاذِ الفُقَهَاءِ وَ المُجْتَدِينَ

الشيخ مرتضى الأَنْصَارِي (قدس سره)

١٢١٤ - ١٢٨١ه

اعداد

لجنة تحقيق تراث الشَّحَ الْأَعظم

الكتاب : رسالة في التقية

المؤلف : الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري قدس سره

تحقيق : لجنة التحقيق

الطبعة : الاولى - ذو الحجة ١٤١٥

صف الحروف : مؤسسة الكلام - قم

الليتوغراف : تيزهوش - قم

المطبعة : باقري - قم

الكمية المطبوعة : ۱۰۰۰ نسخة

للأمانة العامة للمؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري قدس سر.

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

المقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه محمّد وآله الهداة المهديين.

وبعد:

الأمور المهمة التي تحتاج إلى البحث والتنقيح والدراسة المعمقة، هو موضوع التقية؛ فإنه بحاجةٍ إلى البحث من نواح عديدة فقهية، وكلامية واجتماعية، وغيرها.

وتمن تبنى البحث عنها من الناحية الفقهيّة الشيخ الأعظم الأنصاري قدس سره، فجاء ببحث معمّق شامل لها من حيث حكمها التكليفي، وعما يترتب على العمل الصادر تقيّة من حيث الإعادة والقضاء أو عدمها، واعتبار قيد المندوحة وعدمه، وبطلان العبادة مخالفة التقية أو عدمه، وترتب آثار مع الصحة على العمل الصادر تقيّة من جهات أخرى غير الإعادة والقضاء، مثل رفع الحدث، وترتب آثار العقود والإيقاعات الصادرة تقية، وغيرها.

النسخ المعتمد عليها:

وقد اعتمد في تحقيق الرسالة على النسخ التالية:

أ-نسخة من المكاسب مطبوعة بالطبعة الحجرية عام (١٢٨٦) وهي نسخة مصححة رمز لها به «ن».

ب-نسخة ثانية من المكاسب مطبوعة بالطبعة الحجرية عام (١٣٠٤) وهي نسخة مصححة أيضاً، ورمز لها به «ع».

ج-نسخة من المكاسب مطبوعة بالطبعة الحجرية بإصفهان عام (١٣٢٦) وهي أيضاً مصححة، ورمز لها بـ«ص».

د-نسخة من المكاسب مطبوعة بالطبعة الحجرية أيضاً عام (١٣٧٥) وهي المعروفة بطبعة الشهيدي، ورمز لها بـ «ش».

وكانت رسالة التقية من الرسائل الملحقة بالمكاسب في هذا الطبعات.

ه-نسخة خطيّة موجودة ضمن مجموعة في مكتبة جامعة طهران برقم (٦٥٩٦) تحتوي على عدة رسائل للشيخ الأعظم قدس سره، منها رسالة التقية، ورمز لها بـ «د».

ولكن المحقق للرسالة لم يعتمد على هذه النسخة كثيراً؛ لكثرة الأخطاء فيها.

وختاماً نشكر الأخ الفاضل سماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد رضا الأنصاري، على تحقيقه لهذه الرسالة القيمة، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياه لخدمة مذهب أهل البيت عليهم السلام.

مسؤول لجنة التحقيق

محمد علي الأنصاري

صورة الصفحة الأولى من نسخة «ف»

صورة

9

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «ف»

صورة

10

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلي الله علي محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله علي أعدائهم أجمعين إلي يوم الدين.

معنى التقية

التقية: اسم لاتقي يتقي، والتاء بدل عن الواو كما في التهمة والتخمة.

والمراد هنا: التحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قولٍ أو فعلٍ مخالف للحق..

مباحث التقية

تقسيم مباحث التقية

والكلام تارة يقع في حكمها التكليفي، وأخري في حكمها الوضعي.

والكلام في الثاني :

تارة من جهة الآثار الوضعية المترتبة علي الفعل المخالف للحق، وأنها تترتب علي الصادر تقية كما تترتب علي الصادر اختيارا، أم وقوعه تقية يوجب رفع (1)تلك الآثار؟


1) في «ص»:دفع

وأخرى في أنّ الفعل المخالف للحق هل يترتب عليه آثار الحق بمجرد الإذن فيها من قبل الشارع أم لا؟

ثم الكلام في آثار الحق الواقعي:

قد يقع في خصوص الإعادة والقضاء إذا كان الفعل الصادر تقيّةً من العبادات.

وقد يقع في الآثار الآخر، كرفع الوضوء - الصادر تقية - للحدث بالنسبة إلى جميع الصلوات وإفادة المعاملة - الواقعة تقيّة - الآثار المترتبة على المعاملة الصحيحة، فالكلام في مقامات أربعة:

المقام الأوّل : في حكمها التكليفي

انقسام التقية إلى الأحكام الخمسة

أما الكلام في حكمها التكليفي فهو أن التقية تنقسم إلى الأحكام الخمسة:

فالواجب منها ما كان لدفع الضرر الواجب فعلا، وأمثلته كثيرة.

والمستحب ما كان فيه التحرز عن معارض الضرر، بأن يكون تركه مفضياً تدريجاً إلى حصول الضرر، كترك المداراة مع العامة وهجرهم في المعاشرة في بلادهم فإنه ينجرٌ غالباً إلى حصول المباينة الموجب لتضرره منهم.

والمباح ما كان التحرز عن الضرر وفعله (1)مساوياً في نظر الشارع، كالتقية في إظهار كلمة الكفر على ماذكره جمع من الأصحاب، ويدلّ عليه الخبر الوارد في رجلين أخذا بالكوفة وأمرا بسب أمير المؤمنين عليه السلام (2).

والمكروه ما كان تركها وتحمّل الضرر أولى من فعله، كما ذكر ذلك بعضهم


1) في «ش» : في نسخة تحمله.

2) الوسائل ١١ ٤٧٦ ، الباب ۲۹ من أبواب الأمر والنهي الحديث ٤. وسيأتي نص الحديث في الصفحة : ٤٢ .

في إظهار كلمة الكفر، وأن الأولى تركها ممن يقتدي به الناس إعلاء لكلمة الاسلام والمراد بالمكروه حينئذ ما يكون ضده أفضل (1).

والمحرم منه ما كان في الدماء.

تقسيم الشهيد للتقية

تقسيم الشهيد وذكر الشهيد رحمه الله في قواعده أن المستحب، إذا كان لا يخاف ضرراً عاجلاً، ويتوهم ضرراً ،آجلاً أو ضرراً سهلاً، أو كان تقيةً في المستحب، كالترتيب في تسبيح الزهراء صلوات الله عليها وترك بعض فصول الأذان.

والمكروه التقية في المستحب حيث لاضرر عاجلا ولا آجلا، ويخاف منه الالتباس على عوام المذهب.

والحرام :التقية حيث يؤمن الضرر عاجلاً وآجلا، أو في قتل مسلم.

والمباح :التقية في بعض المباحات التي يرجحها العامة ولا يصل بتركها ضرر(2). انتهى .

وفي بعض ما ذكره رحمه الله تأمل.

التقية الواجبة تبيح المحظورات

ثم الواجب منها كلّ محظور: من فعل الحرام وترك الواجب(3).ئالاصل في ذلك: أدلة والأصل في ذلك: الضرر ، وحديث: رفع عن أمتي تسعة أشياء ، ومنها: ما أضطروا إليه(4)، مضافاً إلى عمومات التقيّة مثل قوله في الخبر: «إن التقية واسعة ليس شيء من التقية إلا وصاحبها مأجور» (5)وغير ذلك من المتفرقة في خصوص الموارد، وجميع هذه الأدلة حاكمة على أدلة والمحرمات، فلا يعارض بها شيء منها حتى يلتمس الترجيح ويرجع إلى الأصول


1) في «ص»: أفضل منه.

2) القواعد والفوائد ٢ ١٥٨

3) في «ن» و «ص»: من فعل الواجب وترك المحرم.

4) الوسائل ١١ ٢٩٥ الباب ٥٦ من أبواب جهاد النفس، والخصال: ٤١٧.

5) الوسائل ٥: ٤٥٨ ٠ الباب ٥٦ من أبواب صلاة الجماعة ، الحديث ٢.

بعد فقده ، كما زعمه بعض في بعض موارد هذه المسألة.

الاقتصار على مورد النص في التقية المستحبة

وأما المستحب من التقيّة فالظاهر وجوب الاقتصار فيه على مورد النص،وقد ورد النص بالحث على المعاشرة مع العامة (1)وعيادة مرضاهم(2)، وتشييع جنائزهم (3)، والصلاة في مساجدهم(4)، والأذان لهم (5)، فلا يجوز التعدى عن ذلك إلى ما لم يرد النص من الأفعال المخالفة للحق كدم بعض رؤساء الشيعة للتحبب إليهم، وكذلك المحرم والمباح والمكروه. فإن هذه الأحكام على خلاف عمومات التقية، فتحتاج إلى الدليل الخاص.


1) الوسائل ۸ ۳۹۸ ، الباب ۱ من أبواب أحكام العشرة ، والجزء ١١: ٤٧١، الباب ٢٦ من أبواب الأمر والنهي.

2) الوسائل ۸ ۳۹۸ ، الباب ۱ من أبواب أحكام العشرة ، والجزء ١١: ٤٧١، الباب ٢٦ من أبواب الأمر والنهي.

3) الوسائل ۸ ۳۹۸ ، الباب ۱ من أبواب أحكام العشرة ، والجزء ١١: ٤٧١، الباب ٢٦ من أبواب الأمر والنهي.

4) الوسائل ۸ ۳۹۸ ، الباب ۱ من أبواب أحكام العشرة ، والجزء ١١: ٤٧١، الباب ٢٦ من أبواب الأمر والنهي.

5) الوسائل ٥ ٤٧٧ الباب ٧٥ من أبواب صلاة الجماعة.

و أما المقام الثاني :{ترتيب الآثار على العمل الصادر تقيّةً، وعدمه}

فنقول: إن الظاهر ترتيب آثار العمل الباطل على الواقع تقبة، ارتفاع الآثار بسبب التقيّة إذا كان دليل تلك الآثار عاماً لصورتي الاختيار والاضطرار؛ فإنّ من احتاج لأجل التقيّة إلى التكتف في الصلاة، أو السجود على ما لا يصح السجود عليه، أو الأكل في نهار رمضان، أو فعل بعض ما يحرم على المحرم، فلا يوجب ذلك ارتفاع أحكام تلك الأمور بسبب وقوعها تقية.

نعم، لوقلنا بدلالة حديث رفع التسعة على رفع جميع الآثار تم ذلك في الجملة، لكنّ الإنصاف ظهور الرّواية في رفع المؤاخذة، فمن أضطر إلى الأكل والشرب تقيّةً، أو التكتف في الصلاة فقد أضطر إلى الإفطار، وإبطال الصلاة؛ لأنه مقتضی عموم الأدلة، فتأمل.

(۱) انظر تفصيل هذا الموضوع في المقام الرابع.

المقام الثالث :في حكم الإعادة والقضاء إذا كان المأتي به تقيةً من العبادات.

المقام الثالث : في حكم الاعادة والقضاء في العبادات المأتي بها تقيّةً

اشارة

فنقول: إن الشارع إذا أذن في إتيان واجب موسع على وجه التقية إما بالخصوص كما لو أذن في الصلاة متكتفاً حال التقية وإما بالعموم كأن يأذن بامتثاله أوامر الصّلاة، أو مطلق العبادات على وجه التقية، كما هو الظاهر من أمثال قوله عليه السلام: «التقية في كلّ شيء إلا في النبيذ والمسح على الخفين»(1)ونحوه (2)" ثم ارتفعت التقية قبل خروج الوقت فلا ينبغي الإشكال في إجزاء المأتي به وإسقاطه للأمر، لما تقرر في محله: من أنّ الأمر بالكلي كما يسقط بفرده الاختياري، كذلك يسقط بفرده الاضطراري إذا تحقق الاضطرار الموجب للأمر به . فكما أنّ الأمر بالصلاة يسقط بالصلاة مع الطهارة الترابية إذا وقعت على الوجه المأمور به.

أما لو لم يأذن في امتثال الواجب الموسع في حال التقيّة خصوصاً أو عموماً


1) الوسائل ١١: ٤٦٨. الباب ٢٥ من أبواب الأمر والنهي، الحديث 3.

2) المصدر السابق أحاديث الباب ٢٥ وغيره من الابواب .

هل يتعلق الأمر بالفرد المخالف للواقع لو لم يؤذن بامتثال الموسع تقيةً؟

على الوجه المتقدّم، فيقع الكلام في أن الوجوب في الواجب الموسع، هل يتعلق بالفرد المخالف بإتيان هذا الفرد المخالف للواقع بمجرد تحقق التقية في جزء من الوقت، بل في للواقع لو لم مجموعه؟ وبعبارة أخرى: الكلام في أنه هل يحصل من الأوامر المطلقة بضميمة يؤذن بامتثال أوامر التقية، أمر بامتثال الواجبات على وجه التقية، أو لا، بل غاية الأمر سقوط الموسع تقية؟ الأمر عن المكلّف في حال التقية ولو استوعب الوقت؟

والتحقيق: أنه يجب الرجوع في ذلك إلى أدلة تلك الأجزاء والشروط المتعذرة لأجل التقيّة، فإن اقتضت مدخليتها في العبادة من دون فرق بين الاختيار والاضطرار، فاللازم الحكم بسقوط الأمر عن المكلف حين تعذرها لأجل التقية، ولو في تمام الوقت، كما لو تعذرت الصلاة في تمام الوقت إلّا مع الوضوء بالنبيذ، فإن غاية ذلك سقوط الأمر بالصلاة رأساً، لاشتراطها بالطهارة بالماء المطلق المتعدّرة فى الفرض، فحاله كحال فاقد الطهورين. وإن اقتضت مدخليتها في العبادة بشرط التمكن منها، دخلت المسألة في مسألة أولي الأعذار في أنه إذا أستوعب العذر الوقت لم يسقط الأمر رأساً، وإن كان في جزء من الوقت مع رجاء زواله في الجزء الآخر، أو مع عدمه، جاء فيه الخلاف المعروف في أولي الأعذار، وأنه هل يجوز لهم البدار، أم يجب عليهم الانتظار؟

صور الإذن في التقية

فثبت من جميع ما ذكرنا أن صحة العبادة المأتي بها على وجه التقية، يتبع إذن الشارع في امتثالها حال التقية فالإذن (1)متصور بأحد أمرين:

أحدهما الدليل الخارجى الدال على ذلك، سواء كان خاصاً بعبادة أو كان عاماً لجميع العبادات.

والثاني: فرض شمول الأوامر العامة بتلك العبادة لحال التقية.

لكن يشترط في كل منهما بعض ما لا يشترط في الآخر، فيشترط في


1) في «ص»: والإذن.

كون الجزء أو الشرط المتعذر تقيّة اختيارياً، في الصورة الثانية

كون الشرط أو الجزء المتعذر للتقيّة من الأجزاء والشرائط الاختيارية، وأن لا يكون للمكلف مندوحة؛ بأن لا يتمكن من الإتيان بالعمل الواقعي في مجموع أو الشرط الوقت، أو في الجزء الذي يوقعه مع اليأس من التمكن منه فيها بعده، أو مطلقاً المتعذر تقية على التفصيل والخلاف في أولي الأعذار.

وهذان الأمران غير معتبرين في الأول، بل يرجع فيه إلى ملاحظة ذلك الدليل الخارجي، وسيأتي أن الدليل الخارجي الدال على الإذن في التقية في الأعمال، لا يعتبر فيه شيء منهما.

اشتراط كون التقية من المخالفين في الصورة الأولى

ويشترط في الأول : أن يكون التقيّة من مذهب المخالفين؛ لأنه المتيقن من الأدلة الواردة في الإذن في العبادات على وجه التقية، لأن المتبادر التقية مذهب المخالفين، فلا يجري في التقية عن الكفار أو ظلمة الشيعة.

لكن في رواية مسعدة بن صدقة - الآتية (1)- ما يظهر منه عموم الحكم لغير الصورة الأولى المخالفين، مع كفاية عمومات التقية في ذلك، بعد ملاحظة عدم اختصاص التقية في لسان الأئمة صلوات الله عليهم لما يظهر بالتتبع في أخبار التقية التي جمعها في الوسائل(2).

التقية من عوام المخالفين

التقية في الأمور الخارجية غير المطابقة للواقع

وكذا لا إشكال فى التقيّة عن غير مذهب المخالفين مثل التقيّة في العمل على طبق عمل عوام المخالفين الذين لا يوافق مذهب مجتهدهم، بل وكذا التقية في العمل على طبق الموضوع الخارجي الذي اعتقدوا تحققه في الخارج مع عدم في الواقع، كالوقوف بعرفات يوم الثامن والإفاضة منها ومن المشعر يوم التاسع موافقة للعامة - إذا اعتقدوا رؤية هلال ذي الحجة في الليلة الأخيرة من


1) الوسائل ١١ ٤٧٦ ، الباب ۲۹ من أبواب الأمر والنهي، الحديث ٢.

2) ذكرها صاحب الوسائل في أبواب متعددة، انظرج ٥: ٣٧٠ - ٤٧٧ أبواب صلاة الجماعة، الباب ٥ و٦ و ١٠ و ٣٣ و ٣٤ و ٧٥ وج ۸ ۳۹۸، الباب الاول من أبواب العشرة وج ١١: ٤٧١، الباب ٢٦ من أبواب الأمر والنهي . وغيرها.

ذي القعدة ـ فإنّ الظاهر خروج هذا عن منصرف أدلة الإذن في إيقاع الأعمال على وجه التقية، لو فرضنا هنا إطلاقاً، فإن هذا لادخل له في المذهب، وإنما هو اعتقاد خطأ في موضوع خارجي.

نعم، العمل على طبق الموضوعات العامة الثابتة على مذهب المخالفين داخل في التقية عن المذهب، فيدخل في الإطلاق - لو فرض هناك إطلاق ..

التقية في الأمور الخارجية الثابتة في مذهب المخالفين

كالصلاة عند اختفاء الشمس لذهابهم إلى أنه هو المغرب. ويمكن إرجاع الموضوع الخارجي أيضاً في بعض الموارد إلى الحكم، مثل ما إذا حكم الحاكم بثبوت الهلال من جهة خبر شهادة من لا يقبل شهادته إذا كان مذهب الحاكم القبول، فإن ترك العمل بهذا الحكم قدح في المذهب، فيدخل في أدلة التقية.

وكيف كان، ففى هذا الوجه لابد من ملاحظة إطلاق دليل الترخيص لإتيان العبادة على وجه التقية وتقييده، والعمل على ما يقتضيه الدليل.

واما فى الوجه الثاني فهذا الشرط غير معتبر قطعاً؛ لأن مبناه على العمل المخالف للواقع من جهة تعذّر الواقع، سواء كان تعذره للنقية من مخالف أو كافر أو موافق، وسواء كان في الموضوع أم في الحكم، كل ذلك لأنّ المناط في مسألة أولى الأعذار العذرية، من غير فرق بين بين الأعذار.

{اعتبار عدم المندوحة}

الأقوال في اعتبار عدم المندوحة

بقي الكلام في اعتبار عدم المندوحة الذي اعتبرناه في الوجه الثاني، فإنّ الأصحاب فيه بين غير معتبر له كالشهيدين والمحقق الثاني في البيان (1)والروض (2)وجامع المقاصد (3)، وبين معتبر له كصاحب المدارك(4)، وبين مفصل كما عن المحقق الثاني - بأنه : إذا كان متعلّق التقيّة مأذوناً فيه بخصوصه كغسل الرجلين في الوضوء، والتكتف في الصلاة، فإنه إذا فعل على الوجه المأذون فيه كان صحيحاً مجزئاً - وإن كان للمكلّف مندوحة - لا التفاتاً إلى أن الشارع أقام الكركي بين ذلك مقام المأمور به حين التقية فكان الإتيان به امتثالاً، وعلى هذا فلا يجب الاعادة وإن تمكّن من فعله على غير وجه التقية قبل خروج الوقت قال: ولا أعلم خلافاً خلافاً في ذلك بين الأصحاب.

تفصيل المحقق الكركي بين المأذون فيه بخصوصه وعدمه

وأما إذا كان متعلقها مما لم (5)يرد فيه نص بالخصوص، كفعل الصلاة إلى


1) البيان: ٤٨

2) روض الجنان: ۳۷

3) جامع المقاصد ۱: ۲۲۲

4) مدارك الاحكام ۱: ۲۲۳

5) في المصدر بدل هذه العبارة ومالم .

غير القبلة، والوضوء بالنبيذ ومع الإخلال بالموالاة، فيجف الوضوء كما يراه بعض العامة؛ فإن المكلّف يجب عليه - إذا اقتضت الضرورة - موافقة (1)أهل الخلاف فيه وإظهار الموافقة لهم.

ثم إن أمكن له الإعادة في الوقت وجب، ولو خرج الوقت ينظر في دليل يدل على القضاء، فإن حصل الظفر به أوجبناه وإلا فلا؛ لأن القضاء إنها يجب بفرض جديد (2)انتهى.

نقل عن بعض أصحابنا القول بعدم وجوب الإعادة، لكون المأتي شرعياً، ثم ردّه بأنّ الإذن في التقية من جهة الإطلاق لا يقتضي أزيد من إظهار الموافقة مع الحاجة (3)انتهى.

توضيح كلام المحقق الكركي

أقول: ظاهر قوله فى المأذون بالخصوص: «لا يجب فيه الإعادة و ان تمكن من فعله قبل خروج الوقت إن عدم التمكن من فعله على غير وجه التقية حين العمل معتبر، وان من كان في سوق وأراد الصلاة وجب عليه مع التمكن الذهاب إلى مكان مأمون فيه وحينئذ فمعنى قوله - قبل ذلك ـ: «وإن كان للمكلف مندوحة عن فعله» (4)ثبوت المندوحة بالتأخير إلى زمان ارتفاع التقية، لا وجودها بالنسبة إلى زمان العمل، وحينئذ يكون هذا قولا باعتبار عدم المندوحة على الإطلاق، كـ «صاحب المدارك»(5)، إذ ليس مراد صاحب المدارك بعدم المندوحة: عدم المندوحة في مجموع الوقت، إذ الظاهر أنه مما لم يعتبره أحد لما سيجيء من مخالفته لظواهر الأخبار، بل لصريح بعضها - ومراد القائل بعدم اعتباره: عدم اعتباره في الجزء الذي يقع الفعل فيه، فمن تمكن من الصلاة في بيته مغلقا عليه


1) في «ش» موافقته.

2) رسائل المحقق الكركي ٥٢٢

3) رسائل المحقق الكركي ٥٢٢

4) نفس المصدر.

5) مدارك الأحكام ١: ٢٢٣

الباب لا يجب عليه ذلك ، بل يجوز له الصلاة تقيّة في مكانه ودكانه بمحضر المخالفين.

نعم ، لو كان الخلاف في اعتبار عدم المندوحة في تمام الوقت وعدمه (1)، كان ما ذكره المحقق تفصيلاً في المسألة.

نقد كلام المحقق الكركي

وعلى أي تقدير، فيرد على ما ذكره المحقق في القسم الثاني (2)انه إن أراد من عدم ورود نصّ بالخصوص في الإذن في متعلّق التقية: عدم النص الموجب للإذن في امتثال العمل على وجه التقية ففيه أنه لا دليل حينئذ على مشروعية الدخول في العمل المفروض امتثالاً للأوامر المطلقة المتعلقة بالعمل الواقعي؛ لأنّ الأمر بالتقية لا يستلزم الإذن في امتثال تلك الأوامر؛ لأن التحفظ عن الضرر إن تأدى إلى ترك (3)ذلك العمل رأساً؛ بأن يترك الصلاة في تلك الحال وجب، ولا يشرع الدخول في العمل المخالف للواقع بعد تأدي التقية بترك الصلاة رأساً. وإن فرضنا أنّ التقيّة ألجأته إلى الصلاة، ولا تتأدى بترك الصلاة، كانت الصلاة المذكورة واجبة عيناً؛ لانحصار التقية فيها، فهي امتثال لوجوب التقية عيناً لا للوجوب (4)الموسع المتعلّق بالصلاة الواقعية.

وإن أراد به عدم النص الدال على الإذن في هذه العبادة بالخصوص، وإن كان هناك نص عام دال على الإذن في امتثال أوامر مطلق العبادات على وجه التقية، ففيه: أن هذا النّص كما يكفي للدخول في العبادة امتثالاً للأمر المتعلق بها، كذلك يوجب موافقته الإجزاء وعدم وجوب الإعادة في الزمان الثاني إذا


1) في «ش» : في اعتبار عدم المندوحة وعدمه في تمام الوقت.

2) راجع الصفحة : ۱۹ قوله واما اذا كان متعلقها ... الخ.

3) في «ش» : بترك.

4) في «ش» : لوجوب.

ارتفعت التقية.

عدم الفرق بين المأذون بالإذن الخاص أو العام

والحاصل :أنّ الفرق بين كون متعلق التقية مأذوناً فيه بالخصوص أو بالعموم لا نفهم له وجهاً (1)كما اعترف به بعض (2)- بل كلّما يوجب الإذن في بالإذن الخاص الدخول في العبادة امتثالاً لأوامرها كان امتثاله موجباً للإجزاء وسقوط(3) الإعادة، سواء كان نصاً خاصاً أو دليلاً عاماً. وكلما لا يدل على الإذن في الدخول على الوجه المذكور، لم يشرع بمجرده الدخول في العبادة على وجه النقية امتثالاً لأمرها، بل إن انحصرت التقية فى الإتيان بها كانت امتثالاً لأوامر وجوب التقية، لا لأوامر وجوب تلك العبادة.

اللهم إلا أن يكون مراده من الأمر العام : أوامر النقية، ومن وجوب العمل على وجه التقيّة إذا اقتضت الضرورة، هو هذا الوجوب العيني، لا الوجوب التخييري الحاصل من الوجوب الموسع. فيكون حاصل كلامه: الفرق بين الإذن في العمل امتثالاً للأوامر المتعلقة بالعبادة وبين الإذن في العمل امتثالاً لأوامر التقيّة، لكن ينبغي - حينئذ - تقييده بغير ما إذا كانت التقية في الأجزاء والشروط الإختيارية، وإلا فتدخل المسألة في مسألة أولى الأعذار، ويصح الإتيان بالعمل المذكور امتثالاً للأوامر المتعلقة بذلك العمل مع تعذر تلك الأجزاء والشرائط لأجل التقية، على الخلاف والتفصيل المذكور في مسألة أولي الأعذار.

عدم كون المسألة من مسألة ذوي الأعذار

ومما ذكرنا يظهر أن ما أجاب به بعض عن هذا التفصيل : بأن المسألة مسألة ذوى الأعذار وأن الحق فيها: سقوط الإعادة بعد التمكن من الشرط


1) في «ن» و «ص»: لا يفهم له وجه.

2) انظر الجواهر ۲: ۲۳۸

3) في «ش» : أو سقوط.

المتعذر، لا وجه له على إطلاقه.

اختيار المؤلف اعتبار عدم المندوحة حين العمل

ثم إن الذي يقوى في النظر في أصل مسألة اعتبار عدم المندوحة: أنه إن أريد عدم المندوحة بمعنى عدم التمكن حين العمل من الإتيان به موافقاً للواقع، مثل أنه يمكنه عند إرادة التكفير للتقية من الفصل بين يديه؛ بأن لا يضع بطن إحداهما على ظهر الأخرى بل يقارب بينها، كما (1)إذا تمكن من صبه الماء من الكفّ إلى المرفق لكنه ينوي الغسل عند رجوعه من المرفق إلى الكف وجب ذلك، ولم يجز العمل على وجه التقية، بل التقية على هذا الوجه غير جائزة في غير العبادات أيضاً، وكأنه مما لا خلاف فيه.

عدم اعتبار المندوحة في تمام الوقت

وإن أريد به عدم التمكن من العمل على طبق الواقع في مجموع الوقت المضروب لذلك العمل، حتى لا يصح العمل تقية إلا لمن لم يتمكن في مجموع الوقت من الذهاب إلى موضع مأمون، فالظاهر عدم اعتباره لأن حمل أخبار تمام الوقت الإذن في التقية في الوضوء والصلاة على صورة عدم التمكن من اتيان الحق في مجموع الوقت مما يأباه ظاهر أكثرها، بل صريح بعضها، ولا يبعد ـ أيضاً ـ كونه وفاقيا.

عدم اعتبار المندوحة من تبديل موضوع

وإن أريد عده المندوحة حين العمل من تبديل موضوع التقية بموضوع الأمن، كأن يكون في سوقهم ومساجدهم، ولا يتمكن في ذلك الحين من العمل على طبق الواقع إلا بالخروج الى مكان خال، أو التحيل في إزعاج من يُتقى . عن مكانه لئلا يراه، فالأظهر في أخبار التقية عدم اعتباره؛ إذ الظاهر منها موضوع التقية الإذن بالعمل على التقيّة فى أفعالهم المتعارفة من دون إلزامهم بترك ما يريدون فعله بحسب مقاصدهم العرفية، أو فعل ما يجب تركه كذلك، مع لزوم الحرج العظيم في ترك مقاصدهم ومشاغلهم لأجل فعل الحق بقدر الإمكان، مع أن التقية


1) في «ن» و «ص»: وكي.

إنما شرعت تسهيلا للأمر على الشيعة ورفعاً للحرج عنهم، مع أن التخفي عن المخالفين في الأعمال ربما يؤدي إلى اطلاعهم على ذلك، فيصير سبباً لتفقدهم ومراقبتهم للشيعة وقت العمل فيوجب نقض غرض التقية.

الأخبار الدالة على اعتبار عدم المندوحة في وقت العمل وعدم التمكن من دفع موضوع التقية

نعم في بعض الأخبار ما يدلّ على اعتبار عدم المندوحة في ذلك الجزء من الوقت، وعدم التمكن من دفع موضوع التقية، مثل:

رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن إبراهيم بن شيبة قال: « كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام عن الصلاة خلف من يتولّى أمير المؤمنين وهو من دفع يرى المسح على الخفين، أو خلف من يحرم المسح على الخفين وهو يمسح، فكتب عليه السلام: إن جامعك وإياهم موضع لا تجد بدأ من الصلاة معهم، فأذن لنفسك وأقم، فان سبقك إلى القراءة فسبح»(1).

فإن ظاهرها اعتبار تعذر ترك الصلاة معهم.

ونحوها ما عن الفقه الرضوي من المرسل عن العالم عليه السلام قال: «ولا تصل خلف أحد إلا خلف رجلين: أحدهما من تنق به وبدينه (2)وورعه، وآخر من تتقي سيفه وسوطه وشره وبوائقه وشيعته (3)، فصل خلفه على سبيل التقية والمداراة، وأذن لنفسك وأقم وأقرأ فيها، فإنّه (4)غير مؤتمن به ... الخ»(5).

وفي رواية معمر بن يحيى - الواردة في تخليص الأموال من أيدي العشار : «إنّه كلّما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقية»(6).


1) الوسائل :٥ ٤٢٧ الباب ٣٣ من ابواب صلاة الجماعة الحديث ٢.

2) في المصدر: وتدينه.

3) في المصدر: وسنعه وفي «ع»: وشنيعته.

4) في المصدر: لأنه.

5) الفقه الرضوي: ١٤٤-١٤٥ وعنه المستدرك ٦: ٤٨١ وفيه: وشيعته.

6) الوسائل ١٦ ١٣٦ الباب ١٢ من كتاب الايمان الحديث ١٦

وعن دعائم الإسلام، عن أبي جعفر الثاني صلوات الله عليه: «لا تصلوا خلف ناصب ولا كرامة(1)، إلا أن تخافوا على أنفسكم أن تشهر وا ويشار إليكم، فصلوا في بيوتكم ثم صلوا معهم، واجعلوا صلاتكم معهم تطوعاً »(2).

ويؤيده العمومات الدالة على أنّ التقيّة في كل شيء يضطر إليه ابن آدم (3)، فإن ظاهرها حصر التقية في حال الاضطرار، ولا يصدق الاضطرار مع التمكن من تبديل موضوع التقية بالذهاب إلى موضع الأمن، مع الأمن، مع التمكن وعدم الحرج.

نعم، لو لزم من التزام ذلك حرج أو ضيق من تفقد المخالفين، وظهور حاله في مخالفتهم سراً، فهذا ـ أيضاً ـ داخل في الاضطرار.

وبالجملة فمراعاة عدم المندوحة في الجزء من الزمان الذي يوقع فيه الفعل أقوى مع أنه أحوط.

نعم تأخير الفعل عن أول وقته لتحقيق الأمن وارتفاع الخوف مما لا دليل عليه، بل الأخبار بين ظاهر وصريح في خلافه، كما تقدم.


1) في «ن» و «ش» و«ع»: كرامية. وهم فرقة من المشبهة، أصحاب أبي عبدالله محمد بن كرام، انظر: الملل والنحل ۲ ۹۹

2) دعائم الاسلام ١ ١٥١

3) راجع الوسائل :۱۱: ٤٦٨ ، الباب ٢٥ من أبواب الأمر والنهي.

التعرض لأمور

اشارة

بقي هنا أمور:

الأول : توقف صحة العبادة على الإذن بالدخول فيها

لا إذن مطلق في الدخول تقيّة إلا في الأجزاء والشرائط الاختيارية

إنك قد عرفت أن صحة العبادة وإسقاطها للفعل ثانياً تابع لمشروعية الدخول فيها والإذن فيها من الشارع. وعرفت - أيضاً - أن نفس أوامر التقية الدالة على كونها واجبة من جهة حفظ ما يجب حفظه - لا يوجب الإذن في الدخول في العبادة على وجه التقية (1)من باب امتثال الأوامر المتعلقة بتلك بالدخول تقية العبادة، إلا فيما كان متعلق التقية من الأجزاء والشروط الاختيارية، كنجاسة الثوب والبدن ونحوها. أما ما اقتضى الدليل - ولو بإطلاقه - مدخليته في العبادة من دون اختصاص بحال الاختيار، فمجرد الأمر بالتقية لا يوجب الاذن في امتثال العبادة في ضمن الفعل الفاقد لذلك الجزء أو الشرط تقيّةً كما هو واضح. ثم إن الإذن المذكور قد ورد في بعض العبادات، كالوضوء مع المسح على الخفين أو غسل الرجلين والصلاة مع المخالف حيث يترك فيها بعض ماله


1) ليس في «ص»: التقية .

مدخلية فيها، ويوجد بعض الموانع مثل التكفير ونحوه.

هل توجد قاعدة تسوّغ الدخول في مطلق العبادات تقيةً

والغرض هنا بيان أنه هل يوجد في عمومات الأمر بالتقية ما يوجب الإذن في امتثال العبادات عموماً على وجه التقية، بحيث لا يحتاج في الدخول في كل عبادة على وجه التقية امتثالاً للأمر المتعلّق بتلك العبادة إلى النص الخاص مطلق العبادات لتفيد قاعدة كلية في كون التقيّة عذراً رافعاً لاعتبار ما هو معتبر في العبادات وإن لم يختص اعتباره بحال الاختيار، مثل الدخول في الصلاة بالنبيذ، أو مع التيمم في السفر بمجرد عزّة الماء ولو كان موجوداً، أم لا؟

الذي يمكن الاستدلال به على ذلك أخبار :

الاستدلال على وجود هذه القاعدة بالروايات

منها قوله عليه السلام: «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه الله»(1).

الرواية الأولى: «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ...»

اشارة

بناءً على أن المراد ترخيص الله سبحانه في كل فعل أو ترك يضطر إليه الإنسان في عمله فنقول - مثلا : إن الإنسان يضطر إلى استعمال النبيذ والمسح على الخفين أو غسل الرجلين في وضوئه وإلى استعمال التراب للتيمم في صلاته يضطر إليه ... وإلى التكفير (2)وترك البسملة وغير ذلك من الأفعال والتروك الممنوعة شر ا شرعاً في صلاته، فكل ذلك مرخص فيه في العمل ، بمعنى ارتفاع المنع الثابت فيها لولا التقية، وإن كان منعاً غيريّاً من جهة التوصل بتركها إلى صحة العمل، وأداء فعله إلى فساد العمل.

والحاصل أنّ المراد بالإحلال رفع المنع الثابت في كلّ ممنوع بحسب حاله من التحريم النفسي، كشرب الخمر والتحريم الغيري، كالتكفير في الصلاة والمسح على حائل أو استعمال ماء نجس أو مضاف في الوضوء.


1) الوسائل ١١: ٤٦٨ ، الباب ٢٥ من أبواب الأمر والنهي، الحديث ٢.

2) في «ص» : أو

فإن قلت: الاضطرار إلى هذه الأمور الممنوعة تابع للاضطرار إلى الصلاة التي تقع ا هذه فيها، وحينئذ فإن فرض عدم اضطرار المكلف إلى الصلاة إلى الصلاة مع أحد هذه الأمور الممنوعة فهي غير مضطر اليها، فلا يرخصها التقية. وإن فرض اضطراره إلى الصلاة معها فهي مرخّص فيها، لكن مرجع الترخيص فيها بملاحظة ما دلّ على كونها مبطلة إلى الترخيص في صلاة باطلة، ولا بأس به إذا اقتضاه الضرورة، فإن الصلاة الباطلة ليست أولى من شرب الخمر الذي سوغه التقية.

ما يكفي في صدق الاضطرار

قلت: لا نسلم توقف الاضطرار إلى هذه الأمور على الإضطرار إلى الصلاة التي يقع فيها، بل الظاهر أنه يكفي في صدق الاضطرار اليه كونه لابد مع وصف إرادة الصلاة في ذلك الوقت لا مطلقاً؛ نظير ذلك أنهم يعدون من أولي الأعذار من لا يتمكن من شرط الصلاة في أول الوقت مع العلم أو الظن بتمكنه منه فيما بعده، فإن تحقق الاضطرار ثبت الجواز الذي هو رفع المنع الثابت فيه حال عدم التقية، وهو المنع الغيري .

الرواية الثانية: «التقيّة في كلّ شيء إلا »

ومنها :ما رواه في أصول الكافي بسنده عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: «التقيّة في كلّ شيء إلا في شرب المسكر والمسح على الخفين»(1).

دلت الرواية على ثبوت التقية ومشروعيتها في كل شيء ممنوع لولا التقية، الا في الفعلين المذكورين فاستثناء المسح على الخفين مع كون المنع فيه عند عدم التقية منعاً غيريّاً، دليل على عموم الشيء لكلّ ما يشبهه من الممنوعات لأجل التوصل بتركها إلى صحة العمل؛ فدلّ على رفع التقية لمثل هذا المنع الغيري، وتأثيرها في ارتفاع أثر ذلك الممنوع منه؛ فيدل على أن التقية ثابتة في


1) الكافي :۲ : ۲۱۷ وعنه الوسائل ١١: ٤٨٦، الباب ٢٥ من أبواب الأمر والنهي، الحديث 3. إلا أن الرواية منقولة عن أبي عبد الله عليه السلام.

التكفير في الصلاة مثلاً، بمعنى عدم كونه ممنوعاً عليه فيها عند التقية، وكذا في غسل الرجلين واستعمال النبيذ في الوضوء ونحوهما.

الرواية الثالثة: «ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً»

وفي معنى هذه الروايات روايات أخر واردة في هذا الباب، مثل قوله عليه السلام: «ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً المسح على الخفين، وشرب النبيذ، ومتعة الحج»(1).

فإن معناه ثبوت التقية فيها عدا الثلاث من الأمور الممنوعة في الشريعة، ورفعها للمنع الثابت فيها بحالها من المنع النفسي والغيري، كما تقدم.

ثم إن مخالفة ظاهر المستثنى في هذه الروايات لما أجمع عليه من ثبوت التقية في المسح على الخفين وشرب النبيذ ، لا يقدح فيها نحن بصدده؛ لأن ما ذكرناه في تقريب دلالتها على المطلوب لا يتفاوت الحال فيه بين إبقاء الإستثناء على ظاهره أو حمله على بعض المحامل، مثل اختصاص الإستثناء بنفس الإمام عليه السلام كما يظهر من الرواية المذكورة، وتفسير الراوي في بعضها الآخر والتنبيه (2)على عدم تحقق التقيّة فيها لوجود المندوحة، أو لموافقة بعض الصحابة أو التابعين على المنع من هذه الأمور، إلى غير ذلك من المحامل الغير القادحة في استدلالنا المتقدم(3).

الرواية الرابعة : «التقية واسعة»

ومنها: موثقة سماعة: «عن الرجل يصلي فدخل الإمام (4)وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: إن كان إماماً عادلاً (5)فليصل أخرى وينصرف ويجعلها تطوعاً، وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو. وان لم يكن إمام عدل فليبن


1) الوسائل ۱۱: ٤٦۹ ، الباب ۲۵ من أبواب الأمر والنهي الحديث ...

2) في «ص»: أو التنبيه.

3) في «ش» : المتقدمة.

4) في «ص»: عن رجل كان يصلي فخرج الإمام .

5) في «ص»: عدلاً.

على صلاته كما هو ويصلي ركعة أخرى، ويجلس قدر ما يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يتم صلاته معه على ما استطاع، فإنّ التقية واسعة وليس شيء من التقية إلا وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله»(1).

فإنّ الأمر بإتمام الصلاة على ما استطاع مع عدم الإضطرار إلى فعل الفريضة في ذلك الوقت معللاً بأن التقيّة واسعة، يدل على جواز أداء الصلاة في سعة الوقت على جميع وجوه التقية، بل على جواز كل عمل على وجه التقية وإن لم يضطر إلى ذلك العمل لتمكنه من تأخره إلى وقت الأمن.

الرواية الخامسة: «التقية في كلّ شيء لا يؤدي إلى فساد الدين»

ومنها: قوله عليه السلام - في موثقة مسعدة بن صدقة -: «وتفسير ما يتقى فيه: أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على خلاف حكم الحق وفعله، فكلّ شيء يعمله المؤمن منهم لمكان التقية مما لا يؤدّي إلى فساد الدين فهو جائز »(2).

بناءً على أن المراد بالجواز في كلّ شيء بالقياس إلى المنع المتحقق فيه لولا التقية، فيصدق على التكفير فى الصلاة الذي يفعله المصلى في محل التقية أنه جائز وغير ممنوع عنه بالمنع الثابت فيه لولا التقية.

ودعوى: أن الداعي على التكفير ليس التقية ، لإمكان التحرز عن الخوف بترك الصلاة في هذا الجزء من الوقت فلا يكون عمل التكفير لمكان التقية ، مدفوعة بنظير ما عرفت في الرواية الأولى (3)من أنه يصدق على المصلى انه يكفّر لمكان التقية وإن قدر على ترك الصلاة.


1) الوسائل ٥: ٤٥٨ ، الباب ٥٦ من أبواب صلاة الجماعة الحديث ٢.

2) الوسائل :۱۱ ٤٦٩ ، الباب ٢٥ من أبواب الأمر والنهي الحديث ،٦ ، وفيه وتفسير ما يتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله، فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان النقية مما لا يؤدي الى الفساد في الدين فإنه جائز».

3) راجع الصفحة: ۲۷

الرواية السادسة: «ما يعمل فيه بالتقية فالمكلّف منه في سعة»

ومنها: قوله عليه السلام في رواية أبي الصباح: «ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقيّة فأنتم منه في سعة»(1).

فيدل على أن المتقي في سعةٍ من الجزء والشرط المتروكين تقيّة، ولا يترتب عليه من جهتهما تكليف بالإعادة والقضاء؛ نظير قوله عليه السلام: «الناس في سعة ما لم يعلموا »(2)بناءً على شموله لما لم يعلم جزئيته أو شرطيته كما هو الحق.


1) الوسائل ١٣٤:١٦ ، الباب ١٢ أبواب كتاب الأيمان الحديث ٢.

2) الوسائل ۱۷ ۳۷۳ . الباب ۲۳ من أبواب اللقطة الحديث الأول.

الثاني : الخوف المعتبر في التقية شخصي أو نوعي؟

إنه لاريب في تحقق التقية مع الخوف الشخصي؛ بأن يخاف على نفسه أو غيره من ترك التقية في خصوص ذلك العمل، ولا يبعد أن يكتفي بالخوف من بنائه على ترك التقية في سائر أعماله، أو بناء سائر الشيعة على تركها في العمل الخاص أو مطلق العمل النوعي في بلاد المخالفين، وإن لم يحصل للشخص بالخصوص خوف، وهو الذي يفهم من اطلاق أوامر التقية وما ورد من الاهتمام فيها.

ويؤيده - بل يدلّ عليه : إطلاق قوله عليه السلام: «ليس منا (1)من لم يجعل التقية (2)شعاره و دثاره (3)مع من يأمنه، لتكون سجيته(4) مع من يحذره»(5).


1) في الوسائل عليكم بالتقية، فانه ليس منا ...

2) في الوسائل يجعلها

3) الشعار: ما ولي الجسد من التياب والدثار ما كان من الثياب فوق الشعار - كما في مختار الصحاح .. والمراد: شدة الالتزام بها.

4) في الوسائل لتكون سجية. وفي «ش»: ليكون سجيته له.

5) الوسائل ١١: ٤٦٦ الباب ٢٤ من أبواب الأمر والنهي، الحديث ۲۸

نعم، في حديث أبي الحسن الرضا صلوات الله عليه معاتباً لبعض أصحابه الذين حجبهم :«انكم تتقون (1)حيث لا تجب (2)التقية، وتتركون التقية(3) حيث لا بد من التقية»(4).

وليحمل على بعض ما لا ينافي القواعد.


1) في الوسائل وتتقون

2) في «ش» : لا يجب.

3) ليس في «ن» و «ش» : التقية.

4) الوسائل ١١ ٤٧٠ ، الباب ٢٥ من أبواب الأمر والنهي، الحديث ٩

الثالث : هل تبطل العبادة بمخالفة التقية ؟

اشارة

إنه لو خالف التقية في محلّ وجوبها، فقد أطلق بعض بطلان العمل المتروك فيه.

والتحقيق: أن نفس ترك التقية في جزء العمل أو في شرطه أو في مانعه لا يوجب بنفسه إلا استحقاق العقاب على تركها، فإن لزم من ذلك ما - بمقتضى القواعد - بطلان الفعل بطل، وإلا فلا.

اختيار عدم البطلان الا مع اقتضاء القواعد كترك السجود على التربة الحسينية

فمن مواقع البطلان السجود على التربة الحسينية اقتضاء التقية تركه، فإنّ السجود يقع منهياً عنه فيفسد، فيفسد الصلاة.

ومن مواضع عدم البطلان ترك التكفير في الصلاة فإنه - وإن حرم - لا يوجب البطلان لأنّ وجوبه من جهة التقية لا يوجب كونه معتبراً في الصلاة لتبطل بتركه.

توهم البطلان مطلقا للأمر بالتقية، ودفعه

وتوهم: أن الشارع أمر بالعمل على وجه التقية، مدفوع: بأن تعلق الأمر بذلك العمل المقيد ليس من حيث كونه مقيّداً بذلك الوجه، بل من حيث نفس بالتقية، ودفعه الفعل الخارجي الذي هو قيد اعتباري للعمل لاقيد شرعي.

وتوضيحه أن المأمور به ليس هو الوضوء المشتمل على غسل الرجلين بل نفس غسل الرجلين الواقع في الوضوء ، وتقييد الوضوء باشتماله على غسل الرجلين مما لم يعتبره الشارع في مقام الأمر، فهو نظير تحريم الصلاة المشتملة على محرم خارجي لا دخل له في الصلاة.

توهم صحة وضوء من ترك المسح على الخفين، ودفعه

فإن قلت: إذا كان إيجاب الشيء للتقيّة لا يجعله معتبراً في العبادة حال التقية، لزم الحكم بصحة وضوء من ترك المسح على الخفين؛ لأنّ المفروض أن الأمر بمسح الخفّين للتقيّة لا يجعله جزءاً، فتركه لا يقدح في صحة الوضوء، مع أن الظاهر عدم الخلاف في بطلان الوضوء.

قلت: ليس الحكم بالبطلان من جهة ترك ما وجب بالتقية، بل لأن المسح على الخفين متضمّن لأصل المسح الواجب في الوضوء، مع إلغاء قيد مماسية اسح للممسوح - كما في المسح على الجبيرة الكائنة في موضع الغسل أو المسح وكما في المسح على الخفين لأجل البرد المانع من نزعها .. فالتقية إنها أوجبت إلغاء قيد المباشرة. وأما صورة المسح ولو مع الحائل فواجبة واقعاً لا من حيث التقية ، فالإخلال بها يوجب بطلان الوضوء بنقص جزء منه.

ومما يدل على انحلال المسح إلى ما ذكرنا من الصورة وقيد المباشرة قول الإمام لعبد الأعلى مولى آل سام - [ لما ](1)سأله عن كيفية مسح من جعل على إصبعه مرارة -:«إن هذا وشبهه يعرف من كتاب الله، وهو قوله تعالى: «ما جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج». ثم قال: إمسح عليه»(2).

فإن معرفة وجوب المسح على المرارة الحائلة بين الماسح والممسوح من آية نفي الحرج لا يستقيم إلا بأن يقال: إن المسح الواجب في الوضوء ينحل


1) الزيادة اقتضاها السياق.

2) الوسائل ١ ٣٢٧ الباب ۳۹ من

إلى صورة المسح ومباشرة الماسح للمسوح ، ولما سقط قيد المباشرة لنفي الحرج، تعين المسح من دون مباشرة، وهو المسح على الحائل، وكذلك فيها نحن فيه سقط قيد المباشرة ولا يسقط صورة المسح عن الوجوب.

سقوط الفرق بين المسح والغسل تقية دون إيصال الماء

وكذلك الكلام في غسل الرجلين للتقيّة، فإنّ التقية إنما أوجبت سقوط الخصوصية المائزة بين الغسل والمسح، وأما إيصال الرطوبة إلى الممسوح فهو واجب لا من حيث التقية، فإذا أخل به المكلّف فقد ترك جزءاً من الوضوء، فبطلان الوضوء من حيث ترك ما وجب لا لأجل التقية، لا ترك ما وجب للتقية.

تقديم الغسل على المسح على الخفين عند دوران الأمر بينهما

ومما يؤيد ما ذكرنا : ما ذكره غير واحد من الأصحاب من أنه لو دار الأمر بين المسح على الخفين وغسل الرجلين قدّم الثاني (1)لأن فيه إيصال الماء، على المس على الخفين بخلاف الأول، فلو كان نفس الفعل المشتمل على القيد والمقيد إنها وجب تقیةً لم يعقل ترجيح شرعي بين فعلين ثبت وجوبها بأمر واحد وهو الأمر بالتقية؛ لأنّ نسبة هذا الأمر إلى الفردين نسبة واحدة، إلا أن يكون ما ذكروه فرقاً اعتبارياً منشؤه ملاحظة الأسباب العقلية.

لكن يبقى على ما ذكرنا في غسل الرجلين: أنه لو لم يتمكن المكلف من المسح تعين عليه الغسل الخفيف ولا يحضر ني من أفتى به، لكن لا بأس باعتباره كما في عكسه المجمع عليه، وهو تعين المسح عند تعذر الغسل. ويمكن استنباطه من رواية عبد الأعلى المتقدمة (2). ولو قلنا بعدم الحكم المذكور فلا بأس بالتزام عدم بطلان الوضوء فيها اذا ترك غسل الرجلين الواجب للتقية؛ لما عرفت من أن أوامر التقية لم يجعله جزءاً، بل الظاهر أنه لو نوى به الجزئية بطل الوضوء؛ لأن التقيّة لم يوجب نيّة الجزئية وإنما أوجب العمل الخارجي بصورة الجزء(3).


1) البيان ٤٨ والتذكرة ١: ١٨

2) في الصفحة السابقة.

3) ليس في «ش» : بصورة الجزء

المقام الرابع: في ترتب آثار الصحة على العمل الصادر تقيّةً

اشارة

في ترتب آثار الصحة على العمل الصادر نقية - لا من حيت الإعادة والقضاء - سواء كان العمل من العبادات كالوضوء من جهة رفع الحدث، أم من المعاملات كالعقود والإيقاعات الواقعة على وجه التقية.

مقتضى القاعدة : عدم ترتب آثار الصحة على العمل الصادر تقيّةً

فنقول: إن مقتضى القاعدة: عدم ترتيب الآثار، لما عرفت غير مرة من أوامر التقية لا تدل على أزيد من وجوب التحرّز عن الضرر، وأما الآثار ر. وأمّا الآثار المترتبة على العمل الواقعي فلا.

نعم، لودل دليل في العبادات على الإذن في امتثالها على وجه التقية، فقد يستلزم سقوط الإتيان به ثانياً بذلك العمل. وأما الآثار الأخر، كرفع الحدث في الوضوء، بحيث لا يحتاج المتوضى، تقيّة إلى وضوء آخر بعد رفع التقية بالنسبة إلى ذلك العمل الذي توضّاً له، فإن كان ترتبه متفرعاً على ترتب الامتثال بذلك العمل ، حكم بترتبه، وهو واضح. أما لو لم يتفرع عليه احتاج إلى دلیل آخر.

ويتفرع على ذلك : ما يمكن أن يُدعى أن رفع الوضوء للحدث السابق عليه من آثار امتثال الأمر به بناءً على أن الأمر بالوضوء ليس إلا لرفع الحدث،

وأما في صورة دائم الحدث فكونه مبيحاً لا رافعاً، من جهة دوام الحدث لا من جهة قصور الوضوء عن التأثير.

تو هم ترتيب الآثار مطلقاً، ودفعه

وربما يتوهّم أنّ ما تقدّم من الأخبار - الواردة في أن كل ما يعمل للتقية الآثار مطلقا فهو جائز، وأن كلّ شيء يضطر إليه للتقيّة فهو جائز - يدلّ على ترتيب الآثار مطلقاً، بناءً على أن معنى الجواز والمنع في كلّ شيء بحسبه؛ فكما أن الجواز والمنع في الأفعال المستقلة في الحكم كشرب النبيذ ونحوه يراد به الإثم والعدم، وفي ، الامور الداخلة في العبادات فعلاً أو تركاً يراد به الإذن والمنع من جهة تحقق الامتثال بتلك العبادات، فكذلك الكلام في المعاملات، بمعنى عدم البأس وثبوته من جهة ترتب الآثار المقصودة من تلك المعاملة، كما في قول الشارع : يجوز المعاملة الفلانية أو لا يجوز (1)وهذا توهّم مدفوع بما لا يخفى على المتأمل.

ذكر بعض الروايات الواردة فى التقية المشتملة على بعض الفوائد

ثمّ لا بأس بذكر بعض الأخبار الواردة مما اشتمل على بعض الفوائد:

الرواية الأولى : وفيها وصيّة علي (عليه السلام) بترجيح النقية

منها: ما عن الاحتجاج بسنده عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه في بعض احتجاجه على بعض، وفيه: «وآمرك أن تستعمل التقية في دينك فإنّ الله عز وجل يقول: «لا يَتَّخِذ المؤمِنُونَ الكافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ علي (عليه السلام) فَلَيْسَ مِنَ الله في شيءٍ إلا أن تَتَّقُوا مِنْهُم تُقَاةً »(2)وقد أذنت لك في تفضيل أعدائنا إن ألجأك الخوف إليه، وفى إظهار البراءة منا إن حملك الوجل عليه، وفي ترك المكتوبات (3)إن خشيت على حشاشتك الآفات والعاهات، وتفضيلك أعداء نا (4)عند خوفك، لا ينفعهم ولا يضرنا، وان إظهاره (5)براءتك عند تقيتك لا يقدح فينا (6).


1) في «ص» و«ع»: قول الشارع بجواز المعاملة الفلانية.

2) آل عمران: ۲۸

3) في المصدر : الصلاة المكنونات.

4) في المصدر : فان تفضيلك اعداءنا علينا.

5) في المصدر: اظهارك.

6) في المصدر، لا يقدح فينا ولا ينقصنا.

ولئن تبرأت (1)منا ساعة بلسانك وأنت موال لنا بجنانك، لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها، ومالها الذي به قيامها وجاهها الذي به تمكنها (2)، وتصون بذلك من عرف من أوليائنا (3)وإخواننا، فإن ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك. وتنقطع به عن عمل في الدين، وصلاح إخوانك المؤمنين، وإياك ثم إياك أن تترك التقية التي أمرتك بها، فإنك شاحط (4)بدمك ودماء إخوانك، معرض لنفسك ولنفسهم للزوال (5)، مذل لهم (6)في أيدي أعداء الدين (7)وقد أمرك الله بإعزازهم، فإنك إن خالفت وصيّتى كان ضررك على إخوانك (8)ونفسك أشدّ من ضرر الناصب (9)لنا الكافر بنا »(10).

الرواية الثانية : وفيها الأمر بالتقية في السب دون البراءة

اشارة

وفيها دلالة على أرجحية اختيار البراءة على العمل، بل تأكد وجوبه.

لكن في أخبار كثيرة بل عن المفيد في الإرشاد: أنه قد استفاض عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «ستعرضون من بعدي على سبي، فسبوني، ومن عرض عليه البراءة فليمدد عنقه فإن برىء مني فلا دنياً له ولا آخرة»(11). وظاهرها


1) كذا في المصدر، وفي النسخ: ولا تبرأ منا.

2) في المصدر: تماسكها.

3) العبارة في المصدر: وتصون من عرف بذلك وعرفت به من اوليائنا واخواننا من بعد ذلك بشهور وسنين الى أن يفرج الله تلك الكربة وتزول به تلك الغمة.

4) في المصدر: شائط.

5) في المصدر: معرض لنعمتك ونعمهم على الزوال.

6) في المصدر: مذل لك ولهم.

7) في المصدر دين الله.

8) في المصدر: على نفسك وإخوانك.

9) في المصدر: المناصب.

10) الاحتجاج : ٣٥٤ ( احتجاجه عليه السلام على من قال بزوال الأدواء بمداواة الأطباء).

11) الارشاد ۱۹۹ و الوسائل :۱۱: ٤۸۱ الباب ۲۹ من أبواب الأمر والنهي، الحديث ٢١.

حرمة التقية فيها كالدماء.

ويمكن حملها على أن المراد الاستمالة والترغيب إلى الرجوع حقيقة عن التشيع إلى النصب.

رواية النهي عن البراءة، مكذوبة عليه (عليه السلام)

مضافاً إلى أنّ المروي في بعض الروايات أن النهي من التبريء مكذوب على أمير المؤمنين عليه السلام وأنّه لم ينه عنه، ففى موثقة مسعدة بن صدقة: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام الناس يروون أن علياً عليه السلام قال: ـ على منبر الكوفة :أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فستوني، ثم تدعون إلى البراءة متي فلا تبرأوا منى.

جواز البراءة الصورية من علي (عليه السلام)

فقال عليه السلام: ما أكثر ما يكذب الناس على علي، ثم قال: إنما قال: ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يقل: لا تبرأوا مني.

فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ فقال: والله ما ذاك عليه ولا له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان، فأنزل الله تعالى: «إلّا مَنْ أكره وقَلْبُهُ مُطْمَئِنَّ بِالإِيمانِ» (1)فقال النبي صلی الله عليه وآله وسلم عندها يا عمار إن عادوا فعد»(2).

الرواية الثالثة : «ما منع ميثم عن التقية ..»

وفي رواية محمد بن مروان: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ما منع ميثم رحمه عن النقية، فوالله لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه: «إلا مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِن ... الآية »(3).

الرواية الرابعة : حول رجلين أمرا بالبراءة من علي (عليه السلام) فامتنع أحدهما

وفي رواية عبدالله بن عطاء، عن أبي جعفر عليه السلام ـ في رجلين من أهل الكوفة أخذا وأمرا بالبراءة عن أمير المؤمنين عليه السلام فتبرأ واحد منهما وأبى


1) النحل: ١٠٤ .

2) الوسائل ١١ ٤٧٦ ، الباب ۲۹ من أبواب الأمر والنهي، الحديث ٢.

3) نفس المصدر، الحديث ..

الآخر. فخلي سبيل الذي تبرأ وقتل الآخر : «فقال عليه السلام: أما الذي برىء فرجل فقيه في دينه، وأما الذى لم يتبراً، فرجل تعجّل إلى الجنة»(1).

الرواية الخامسة : وفيها مدح ميثم (رحمه الله)

وعن كتاب الكشي بسنده إلى يوسف بن عمران الميثمي قال: سمعت ميثم الهرواني (2)يقول : قال على بن أبي طالب عليه السلام يا ميثم كيف أنت إذا دعاك دعي بني امية - عبيد الله بن زياد - إلى البراءة مني ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أنا والله لا أبرأ منك. قال: إذا والله يقتلك ويصلبك قال: قلت: أصبر، فإن ذلك في الله قليل قال عليه السلام يا ميثم فإذن تكون معي في روضتي»(3).


1) الوسائل ١١ ٤٧٦ الباب ۲۹ من أبواب الأمر والنهي، الحديث ٤.

2) في المصدر: النهراوني

3) الوسائل :۱۱ ٤٧٧ الباب ۲۹ من أبواب الأمر والنهي الحديث . وفيه: في درجتي.

فهرس المواضيع

المقدمة ...7

صورة الصفحة الأولى من نسخة «ف» ...9

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «ف» ...10

معنى التقية ...11

مباحث التقية

تقسيم مباحث التقية ...11

المقام الأوّل : في حكمها التكليفي ...13

انقسام التقية إلى الأحكام الخمسة ...13

تقسيم الشهيد للتقية ...14

التقية الواجبة تبيح المحظورات ...14

الاقتصار على مورد النص في التقية المستحبة ...15

المقام الثاني : في ترتيب الآثار على العمل الصادر تقيّةً وعدمه ...16

المقام الثالث : في حكم الاعادة والقضاء في العبادات المأتي بها تقيّةً ...17

هل يتعلق الأمر بالفرد المخالف للواقع لو لم يؤذن بامتثال الموسع تقيةً؟ ...18

صور الإذن في التقية ...18

كون الجزء أو الشرط المتعذر تقيّة اختيارياً، في الصورة الثانية ...19

اشتراط كون التقية من المخالفين في الصورة الأولى ...19

التقية من عوام المخالفين ...19

التقية في الأمور الخارجية غير المطابقة للواقع ...19

التقية في الأمور الخارجية الثابتة في مذهب المخالفين ...20

اعتبار عدم المندوحة

الأقوال في اعتبار عدم المندوحة ...21

تفصيل المحقق الكركي بين المأذون فيه بخصوصه وعدمه ...21

توضيح كلام المحقق الكركي ...22

نقد كلام المحقق الكركي ...23

عدم الفرق بين المأذون بالإذن الخاص أو العام ...24

عدم كون المسألة من مسألة ذوي الأعذار ...24

اختيار المؤلف اعتبار عدم المندوحة حين العمل ...25

عدم اعتبار المندوحة في تمام الوقت ...25

عدم اعتبار المندوحة من تبديل موضوع ...25

الأخبار الدالة على اعتبار عدم المندوحة في وقت العمل وعدم التمكن من دفع موضوع التقية ...26

التعرض لأمور

الأول : توقف صحة العبادة على الإذن بالدخول فيها ...28

لا إذن مطلق في الدخول تقيّة إلا في الأجزاء والشرائط الاختيارية ...28

هل توجد قاعدة تسوّغ الدخول في مطلق العبادات تقيةً ...29

الاستدلال على وجود هذه القاعدة بالروايات ...29

الرواية الأولى: «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ...»...29

ما يكفي في صدق الاضطرار ...30

الرواية الثانية: «التقيّة في كلّ شيء إلا »...30

الرواية الثالثة: «ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً» ...31

الرواية الرابعة : «التقية واسعة» ...31

الرواية الخامسة: «التقية في كلّ شيء لا يؤدي إلى فساد الدين »...32

الرواية السادسة: «ما يعمل فيه بالتقية فالمكلّف منه في سعة» ...33

الثاني : الخوف المعتبر في التقية شخصي أو نوعي؟ ...34

الثالث : هل تبطل العبادة بمخالفة التقية ؟ ...36

اختيار عدم البطلان الا مع اقتضاء القواعد كترك السجود على التربة الحسينية ...٣٦

توهم البطلان مطلقا للأمر بالتقية، ودفعه ...36

توهم صحة وضوء من ترك المسح على الخفين، ودفعه ...37

سقوط الفرق بين المسح والغسل تقية دون إيصال الماء ...38

تقديم الغسل على المسح على الخفين عند دوران الأمر بينهما ...38

المقام الرابع في ترتب آثار الصحة على العمل الصادر تقيّةً ...39

مقتضى القاعدة : عدم ترتب آثار الصحة على العمل الصادر تقيّةً ...39

تو هم ترتيب الآثار مطلقاً، ودفعه ...40

ذكر بعض الروايات الواردة فى التقية المشتملة على بعض الفوائد ...40

الرواية الأولى : وفيها وصيّة علي (عليه السلام) بترجيح النقية ...40

الرواية الثانية : وفيها الأمر بالتقية في السب دون البراءة ...41

رواية النهي عن البراءة، مكذوبة عليه (عليه السلام) ...42

جواز البراءة الصورية من علي (عليه السلام) ..42

الرواية الثالثة : «ما منع ميثم عن التقية ..» ...42

الرواية الرابعة : حول رجلين أمرا بالبراءة من علي (عليه السلام) فامتنع أحدهما ...42

الرواية الخامسة : وفيها مدح ميثم (رحمه الله) ...43