دروس تمهیدیه فی القواعد الفقهیه جلد 1

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:ایروانی، باقر، 1328 -

عنوان و نام پديدآور:دروس تمهیدیه فی القواعد الفقهیه/ به‌قلم باقر الایروانی

مشخصات نشر:قم: موسسه الفقه، للطباعه و النشر، 1417ق. = 1375.

مشخصات ظاهری:2 ج.

شابک:7000ریال(بهای‌هرجلد) ؛ ج.1، چاپ دهم‌978-964-499-039-7 : ؛ ج.2،چاپ نهم‌978-964-499-040-3 :

يادداشت:عربی.

يادداشت:ج. 1 و 2 (چاپ دوم 1420ق. = 1378)؛ 7000 ریال هر جلد

يادداشت:ج.1(چاپ دهم: 1399 ) (فیپا) .

يادداشت:ج.2 (چاپ نهم: 1399 ) (فیپا) .

یادداشت:کتابنامه به‌صورت زیرنویس.

موضوع:فقه -- قواعد

Islamic law -- *Formulae

رده بندی کنگره:BP169/5/الف‌9د4 1375

رده بندی دیویی:297/312

شماره کتابشناسی ملی:م‌78-18886

اشارة

الجزء الأول

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‌

مقدمة المؤلف

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على اشرف الخلق محمد و على اهل بيته الطيبين الطاهرين.

ان الميّزة البارزة في دراساتنا الحوزوية دقة البحث و عمقه من جانب، و شموليته و استيعابه من جانب آخر. و هو ثري من هاتين الناحيتين.

بيد ان كثيرا من الجواهر و اللآلئ فيه مكنوزة تحتاج الى غواص يخرجها بالفاظ عذبة و منهجة مريحة.

و قد جاءت محاولتنا في القواعد الفقهية تنحو هذا المجال، و لا ندري كم هي موفقة في ذلك.

و كانت بذور المحاولة مجموعة محاضرات القيت خلال عامين على مجموعة من طلابنا الاعزاء في حوزة اهل البيت عليهم السّلام و مدينتهم المقدسة قم المباركة.

و تعميما للفائدة قصدنا نشرها لتكون دروسا تمهيدية في القواعد

الفقهية، و ليتمكن الطالب من خلال المرور بها على استيعاب تلك القواعد التي سوف يواجهها في بحوث مرحلة الخارج بشكل اكبر دقة و عمقا و شمولا، و لنكون بذلك قد قدّمنا بعض الخدمة لحوزاتنا العلمية، و خففنا عن كاهلنا قسما من المسؤولية التي نشعر بها في اعماق انفسنا، و لنحوز بذلك ذرة من رضا مولانا و سيدنا و الحجة من قبل اللّه سبحانه علينا الحجة بن الحسن روحي و ارواح العالمين له الفداء. و لئن كنا موفقين في هذا المجال فذلك من توفيق اللّه سبحانه و الا ففي بقية الاخوة كامل الآمل.

باقر الايرواني

19 ربيع الثاني 1417 ه - قم المقدسة

المدخل

اشارة

يجدر بنا قبل أن ندخل في صميم البحث عن القواعد الفقهية الاطلاع على ما يلي:

مدى أهمية البحث عن القواعد الفقهية

لا نكون مبالغين إذا قلنا بأن البحث عن القواعد الفقهية لا يقلّ في الأهمية عن البحث في القواعد الاصولية، فالقواعد الاصولية تكمن أهميتها من خلال وقوعها في طريق استنباط مجموعة من الأحكام الفقهية، و كذلك الأمر في القواعد الفقهية؛ فالفقيه يستعين بها في تحصيل مجموعة من الأحكام الفقهية.

فالمصلّي إذا نسي قراءة الفاتحة أو السورة في صلاته أو صلّى بدون وضوء أو اقتدى بشخص و اتضح كونه فاسقا أو اتضح كونه يصلّي نافلة أو... ان هذه و أمثالها يمكن للفقيه أن يستحصل على

حكمها من خلال قاعدة لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود.

ان القاعدة المذكورة تدلّ على انّه متى ما حصل الإخلال بواحد من الخمسة المذكورة وجبت إعادة الصلاة، دون ما اذا حصل الإخلال بغيرها؛ فنسيان الحمد أو السورة لا يبطل الصلاة، لأنّه ليس أحد الخمسة المذكورة، و هكذا الصلاة خلف شخص اتضح كونه فاسقا أو يصلّي نافلة، بخلاف ما اذا صلّى بدون وضوء فان صلاته باطلة لأن الطهور أحد الخمسة المستثناة.

و على هذا المنوال يمكن أن نخرج بأحكام أخرى كثيرة بتوسط القاعدة المذكورة.

هذه واحدة من القواعد الفقهية. و على منوالها قواعد أخرى كثيرة لا تقلّ عنها أهمية.

فهل ترى بعد هذا استغناء الفقيه عن بحث القواعد المذكورة؟

تاريخ البحث في القواعد الفقهية

و الفقهاء لم يولوا القواعد الفقهية اهتماما كما أولوا القواعد الأصولية ذلك، فالقواعد الأصولية أ فردوها بالبحث و بعلم مستقل تحت عنوان علم أصول الفقه، و أخذ هذا العلم بالتطور تدريجا و بمرور الزمن حتى بلغ القمة في وقتنا الحاضر، بينما لا نجد هذا المعنى في القواعد الفقهية، فهي لم تفرد ببحث مستقل و انما يبحثها الفقيه في علم الأصول و بشكل استطرادي، أو في الفقه و بمناسبات خاصة.

فقاعدة لا ضرر بحثها الشيخ الأعظم قدّس سرّه في أصوله المسمى

بالرسائل، فبعد أن أنهى بحثه في البراءة و الاشتغال تعرّض إلى بحث آخر تحت عنوان خاتمة في شرائط جريان الأصول العملية، فذكر ان أصل البراءة لا يجري إلاّ اذا فحص المجتهد عن الأدلة الاجتهادية الى حدّ اليأس عن العثور على دليل للحكم، انّه آنذاك يمكنه اجراء أصل البراءة، و إلاّ فقبل الفحص لا يمكنه اجراء الأصل المذكور، ثم أخذ يتدرج في البحث المذكور حتى وصل إلى نقل رأي عن الفاضل التوني يقول فيه: ان من شرائط جريان البراءة عدم كون المورد مشمولا لقاعدة لا ضرر. و أخذ الشيخ بمناقشة الرأي المذكور، و لما أنهى مناقشته قال:

انّه لا بأس ان نبحث القاعدة المذكورة بشكل مستقل. و أخذ ببحثها، و تابعه على ذلك من جاء بعده.

ان القاعدة المذكورة نجدها قد بحثت في علم الأصول و لم تبحث في الفقه، فضلا عن إفرادها و اخواتها بعلم مستقل.

و هكذا نجد الأمر في مثل أصالة الصحة و قاعدة الفراغ و التجاوز قد بحثها الشيخ الأعظم في رسائله بمناسبة خاصة، و واكبه على ذلك من تأخّر عنه.

هذا شأن بعض القواعد الفقهية، و بعضها الآخر يبحثها الفقيه استطرادا في أبحاثه الفقهية كقاعدة لا تعاد أو نفي العسر و الحرج أو قاعدة اليد و القرعة و...

و لعلّ أول من فكّر في افراد القواعد الأصولية ببحث مستقل هو الشهيد الأول في كتابه المعروف بالقواعد و الفوائد الذي طبع طبعة محققة في جزءين؛ و لكن الكتاب المذكور ليس ممحضا في القواعد الفقهية، بل يذكر قواعد أخرى أجنبية عن الفقه هي أشبه باللغوية أو

الأدبية أو الكلامية أو الأصولية.

فمثلا يذكر في القاعدة الأولى تفسير الفقه لغة و شرعا، و في القاعدة الثانية أقسام الحكم الشرعي، و في القاعدة الثالثة ان العبادات تتصف بالأحكام الخمسة ما عدا الاباحة، فالصلاة مثلا تكون واجبة أو مستحبة أو مكروهة أو محرّمة و لا تكون مباحة، و هذا بخلاف العقود فانها تتصف بجميع الأحكام الخمسة، و على هذا المنوال يذكر قواعد أخرى كثيرة.

و من هنا نجد ان تسمية الكتاب جاءت بالقواعد و الفوائد، فلم تقيد القواعد بالفقهية و عطفت الفوائد على القواعد.

و على أي حال ان بحث الكتاب المذكور عن القواعد الفقهية أمر نادر، و اذا بحثها اتفاقا بحثها بالشكل المناسب لتلك الفترة الزمنية، فهو لا يذكر مدرك القاعدة و جهات البحث فيها و كيفية الاستفادة منها.

و جاءت في الآونة الأخيرة بعض المحاولات الجيدة في هذا المجال؛ أخص من بينها بالذكر: القواعد الفقهية للسيد البجنوردي، و القواعد الفقهية للشيخ الشيرازي، و مائة قاعدة للسيد المصطفوي.

و لا ننسى الالتفات الى أن الفترة المتوسطة بين عصر الشهيد الأول و الآونة الأخيرة اشتملت على بعض المؤلفات الأخرى المخطوطة و المطبوعة.

فمن المطبوعة: عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام و مهمات مسائل الحلال و الحرام للشيخ النراقي، إلاّ أنّه ليس بمستوعب لها، بل هو يشتمل على عشر قواعد تقريبا، و أكثره ناظر الى فوائد أخرى من قبيل البحث عن ولاية الفقيه، و تحقيق حال كتاب الفقه الرضوي،

و استعراض بعض الفوائد الرجالية؛ من قبيل: بيان معنى اسند عنه أو الفرق بين الكتاب و الأصل و النوادر، أو بيان معنى فلان مولى فلان، إلى غير ذلك.

و من الكتاب المخطوطة بعض الرسائل الخاصة بالقواعد الفقهية التي أشار لها الشيخ آقا بزرك في الذريعة، كرسالة السيد محمد مهدي القزويني، و رسالة المولى محمد جعفر الأسترابادي و غير ذلك.

القاعدة الفقهية و الفارق بينها و بين القاعدة الأصولية

في مجال التفريق بين القاعدة الفقهية و القاعدة الأصولية يمكن أن تقدم عدّة فوارق قد يكون بعضها قابلا للمناقشة، إلاّ اننا نترك ذلك الى مستوى أعلى.

1 - ان القاعدة الفقهية قاعدة تشتمل على حكم شرعي عام يستفاد من تطبيقها الحصول على أحكام شرعية جزئية هي مصاديق لذلك الحكم العام، بينما القاعدة الاصولية قاعدة تستبطن حكما عاما يستفاد من خلال تطبيقها استنباط أحكام شرعية كلية مغايرة لذلك الحكم العام.

مثال ذلك: قاعدة الطهارة التي هي قاعدة فقهية و التي تنص على أن كل شيء يشك في نجاسته فهو محكوم بالطهارة.

انّ هذه القاعدة تتضمن حكما شرعيا عاما، و اذا طبقناها على مواردها لم نحصل على أحكام أخرى تتغاير و مضمونها، بل على أحكام تتفق و مضمونها، بيد أنها أضيق فاذا كان لدينا ملابس نشك في نجاستها، فمن خلال تطبيقها عليها نحكم بأنها طاهرة. و الحكم هذا

بالطهارة على الملابس التي يشك في نجاستها هو بنفسه مضمون قاعدة الطهارة و ليس شيئا غيره؛ غايته انّه أضيق و خاص بالملابس.

و هذا بخلاف قاعدة حجيّة خبر الثقة التي هي قاعدة أصولية، فانّه من خلال تطبيقها نستفيد حرمة العصير العنبي اذا غلى فيما اذا دلّ خبر ثقة على ذلك، و الحرمة المذكورة ليست مصداقا لمضمون حجيّة خبر الثقة، بل هما شيئان متغايران تمام التغاير، إلاّ ان أحدهما يستنبط منه الثاني و يستحصل عليه من خلاله.

اذن القاعدة الفقهية حكم شرعي عام تستفاد من خلال تطبيقها أحكام شرعية جزئية هي مصاديق لذلك الحكم العام، بخلافه في القاعدة الأصولية فان ما يستحصل عليه منها هي أحكام شرعية مغايرة لذلك الحكم العام.

و يمكن أن نعبّر عن هذا الفارق الأول بتعبير ثان و هو ان القاعدة الفقهية يستفاد منها في مجال التطبيق على مصاديقها، بينما القاعدة الأصولية يستفاد منها في مجال الاستنباط.

2 - ان القاعدة الفقهية تقدّم لنا من خلال تطبيقها أحكاما جزئية بخلاف القاعدة الأصولية فإنها تقدم لنا أحكاما كليّة. فبتطبيق قاعدة الطهارة و على مواردها نستفيد ان هذا الماء طاهر، و ذاك الطعام طاهر(1)بينما نستفيد من خلال تطبيق قاعدة حجيّة خبر الثقة أن العصير العنبي الكلي إذا غلى حرم، لا أن هذا العصير أو ذاك العصير الخاص يحرم إذا غلى.ه.


1) يمكن التأمل في ذلك باعتبار انه قد يستفاد من القاعدة الفقهية حكم كلي كطهارة الحديد لو شككنا في طهارته في نفسه.

3 - ان القاعدة الفقهية يتعهد بتطبيقها المكلّف العامي دون المجتهد، فالمجتهد يقدّم الى العامي كبرى قاعدة الطهارة و يقول له: انّ كلّ شيء مشكوك النجاسة هو طاهر، اما ان هذا أو ذاك هو مشكوك النجاسة و من ثمّ هو طاهر فوظيفته راجعة إلى العامي، فهو الذي يقول:

هذا الطعام الذي في بيتي مشكوك النجاسة فهو طاهر. و لا يبقى منتظرا الرجوع إلى المجتهد ليتصدى للدور المذكور. هذا في مثل قاعدة الطهارة.

أما مثل كبرى حجيّة خبر الثقة فتطبيقها على مواردها وظيفة المجتهد، فهو الذي يبحث عن الخبر الدال على حرمة العصير و يبحث عن وثاقة الراوي و يطبق كبرى حجية خبر الثقة عليه بعد ثبوت كونه ثقة(1).

المسألة الفقهية و القاعدة الفقهية

بعد أن عرفنا الفرق بين القاعدة الفقهية و القاعدة الأصولية قد تسأل عن الفارق بين المسألة الفقهية و القاعدة الفقهية؟

و الجواب: ان الفارق هو أن موضوع الأولى خاص، بخلاف موضوع الثانية فانّه عام، فمثلا قولنا: «الصلاة واجبة» و «شرب الخمر محرم» مسألة فقهية، فالأولى خاصة بموضوع الصلاة، و الثانية خاصة بموضوع شرب الخمر.

و هذا بخلاف قولنا «كلّ شيء لك طاهر حتى تعلم بأنّه نجس»


1) يمكن أن يورد على هذا الفارق بأن بعض القواعد الفقهية لا يمكن للعامي تطبيقها، مثل لا ضرر و لا تعاد و...

فانّه قاعدة فقهية، حيث ان موضوعه عام و له جنبة شمولية لموضوعات متعددة و لم يؤخذ فيه موضوع معين.

و أما المسألة الأصولية و القاعدة الأصولية فهما واحد و لا فرق بينهما.

ما به الاشتراك و الامتياز

و من خلال ما سبق اتضح ان القاعدة الفقهية تلتقي مع القاعدة الاصولية في نقطة، و تفترق عنها في نقطة أخرى.

اما نقطة الالتقاء فهي ان كلتا القاعدتين لهما جنبة شمولية لأكثر من مسألة واحدة و لا تختصان بمورد معين.

و اما نقطة الافتراق فهي ان القاعدة الأصولية يستنبط منها حكم شرعي مغاير لها، بينما القاعدة الفقهية يستحصل من خلال تطبيقها على أحكام لا تغاير مضمونها، بل هي جزئيات و مصاديق لمضمونها الكلي.

القواعد الفقهية لا تنحصر في عدد معين

حيث ذكرنا فيما سبق ان القاعدة الفقهية ترجع في حقيقتها إلى حكم شرعي عام، له سعة و شمولية لمجموعة مسائل فقهية هي بمنزلة المصاديق له يتضح أن القواعد الفقهية لا تنحصر في عدد معين بل يمكن من خلال مراجعة الرسائل العملية لفقهائنا العظام الحصول على قواعد فقهية كثيرة من قبيل قاعدة «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» أو «البينة على من ادّعى و اليمين على من أنكر» أو «ان دين اللّه

أحق بالقضاء من دين الناس» أو «من حاز ملك» أو «كل شرط نافذ إلاّ ما خالف الكتاب العزيز و مقتضى العقد» أو «ما على المحسنين من سبيل» و....

القاعدة الفقهية على قسمين

و القواعد الفقهية على قسمين، فبعضها يختص بباب واحد، و بعضها يعمّ أكثر من باب.

مثال الأول: قاعدة لا تعاد، فانها خاصة بباب الصلاة، و قاعدة الطهارة فانها خاصة بباب الطهارة، و قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و بالعكس، فانها خاصة بباب المعاملات.

و مثال الثاني: قاعدة لا ضرر، و قاعدة نفي العسر، فانهما تعمّان أبوابا مختلفة.

قاعدة لا تعاد

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - مدرك القاعدة

3 - عدم شمول القاعدة للعامد

4 - هل تختص بالناسي

5 - هل تعمّ الجاهل بكلا قسميه

6 - معذورية العامد في بعض الحالات

7 - هل تختص القاعدة بحالة الفراغ

8 - عموم القاعدة لحالة الزيادة

9 - نكتة عدم الإشارة إلى بعض الأركان

10 - ما المراد بالطهور

11 - هل تعم القاعدة الموانع

12 - تطبيقات على ضوء قاعدة لا تعاد

توجد في باب الصلاة عدّة قواعد؛ من قبيل قاعدة لا تعاد، و قاعدة الفراغ و التجاوز، و قاعدة الحيلولة، و قاعدة لا شك لكثير الشك، و قاعدة عدم تحمل الركعتين الأوليين للسهو و....

و نحن ننتخب الآن أهمها، و هما قاعدتان: قاعدة لا تعاد، و قاعدة الفراغ و التجاوز.

و نمنهج حديثنا حول قاعدة لا تعاد ضمن النقاط التالية:

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - عدم شمول القاعدة للعامد.

4 - هل تختص بالناسي؟

5 - هل تعمّ الجاهل بكلا قسميه؟

6 - معذورية العامد في بعض الحالات.

7 - هل تختص القاعدة بحالة الفراغ؟

8 - عموم القاعدة لحالة الزيادة.

9 - نكتة عدم الاشارة الى بعض الأركان.

10 - ما المراد بالطهور؟

11 - هل تعمّ القاعدة الموانع؟

12 - تطبيقات على ضوء قاعدة لا تعاد.

1 - مضمون القاعدة

و المقصود من قاعدة لا تعاد: ان من ترك بعض أجزاء الصلاة و شرائطها فصلاته لا تبطل، إلاّ إذا كان الجزء أو الشرط من قبيل الركوع و السجود و الطهارة من الحدث و القبلة و الوقت.

ان الاخلال اذا كان بواحد من هذه الخمسة فالصلاة تبطل، حتى و لو كان الاخلال عن سهو أو جهل، اما اذا كان بغيرها فلا تبطل.

و ان شئت قلت: ان الاخلال اذا كان بأحد الأركان فالصلاة تبطل و إلاّ فلا.

و اذا قلت: ان التكبير و القيام هما من الأركان أيضا فلما ذا لم يذكرا؟ كما ان الطهارة و القبلة و الوقت ليسا من الأركان فلما ذا ذكرت؟

قلت: ان الجواب يأتي فيما بعد ان شاء اللّه تعالى.

2 - مدرك القاعدة

و المدرك للقاعدة المذكورة هو صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام و التي رواها الصدوق في خصاله تارة، و في الفقيه أخرى، كما رواها الشيخ الطوسي في تهذيبه.

ففي الخصال رواها الصدوق عن أبيه عن سعد عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام «قال: لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود. ثم قال عليه السّلام: القراءة سنة، و التشهد سنة، و التكبير سنة، و لا تنقض السنّة الفريضة»(1).

و في الفقيه قال: «و روى زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام انّه قال: لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود، ثم قال: القراءة سنّة، و التشهد سنّة، و لا تنقض السنّة الفريضة»(2).

و في التهذيب: «روى زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام انّه قال: لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود. ثم قال: القراءة سنّة، و التشهد سنّة، فلا تنقض السنّة الفريضة»(3).

و الرواية صحيحة السند، فانها بطريق الشيخ و ان كانت قابلة للتأمل(4)

هذا مضافا الى ان زرارة لم يكن له إلاّ كتاب واحد و هو كتاب الاستطاعة و الجبر. و الشيخ حينما يذكر طريقه في الفهرست الى زرارة يذكر طريقه الى هذا الكتاب. و من البعيد أن الرواية المذكورة موجودة فيه. و على هذا فالرواية مرسلة.

إلاّ انها بكلا طريقي الصدوق هي معتبرة(5)

و اما سعد فهو كما قال النجاشي: «شيخ هذه الطائفة و فقيهها و وجهها».

و أما أحمد بن محمد بن عيسى فهو كما قال الشيخ الطوسي: «شيخ قم و وجيها و فقيهها غير مدافع».

«و اما الحسين بن سعيد فهو كما قال الشيخ «صاحب المصنفات الأهوازي ثقة».

«و اما حماد فهو غريق الجحفة و الذي قال عنه النجاشي «كان ثقة في حديثه صدوقا».

و أما حريز فهو ثقة كوفي على حد تعبير الشيخ.

و اما زرارة فهو شيخ أصحابنا في زمانه و متقدمهم على حدّ تعبير النجاشي.

هذا بالنسبة الى طريق الخصال.

و اما طريق الفقيه فقد ذكر الصدوق في المشيخة المذكورة آخر الجزء الرابع من الفقيه هكذا: أبي رضي اللّه عنه عن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن محمد بن عيسى بن عبيد و الحسن بن ظريف و علي بن اسماعيل بن عيسى كلّهم عن حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه عن زرارة بن أعين. و جميع السلسلة المذكورة هم من الثقات.

. و يكفينا لاعتبار».

1) الوسائل، الباب 1 من أ فعال الصلاة ح 14.

2) الفقيه 255:1.

3) التهذيب 152:2.

4) لأن الطريق الذي ذكره الشيخ الى زرارة في الفهرست: 75 يمرّ بابن أبي عمير عن بعض أصحابه حيث قال «أخبرنا به ابن أبي جيد عن ابن الوليد عن سعد بن عبد اللّه و الحميري عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عنه».

5) اما طريق الخصال فواضح لأن وثاقة نفس الصدوق و والده أبين من الشمس.

الرواية صحّة أحد طرقها.

توضيح اجمالي

ورد في الرواية التعبير ب «السنة» و «الفريضة». و يراد من مصطلح السنّة عادة ما سنّه النبي صلّى اللّه عليه و آله و شرّعه، و من مصطلح الفريضة ما شرّعه اللّه سبحانه و فرضه.

و على هذا فالمعنى ان الركوع و بقية الخمسة واجبات فرضها اللّه سبحانه في حين أن بقية الأجزاء سنّها و شرّعها النبي صلّى اللّه عليه و آله. و أي خلل يقع فيما فرضه اللّه سبحانه تبطل به الصلاة، بينما الخلل الواقع فيما سنّه النبي صلّى اللّه عليه و آله لا تبطل به الصلاة و لا يؤثر على صحّة ما فرضه اللّه سبحانه.

و هناك باب خاص قد عقده الشيخ الكليني في الكافي(1)تحت عنوان «باب التفويض إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و إلى الأئمة عليهم السّلام في أمر


1) الكافي 265:1.

الدين» يدلّ على ثبوت السلطة التشريعية للرسول صلّى اللّه عليه و آله.

3 - عدم شمول الحديث للعامد

ينبغي أن يكون من الواضحات عدم شمول الحديث للمتعمد ترك الجزء أو الشرط، فان عدم وجوب الاعادة خلف فرض الجزئية و الشرطية، إذ كيف تجتمع جزئية الشيء و شرطيته مع عدم بطلان العمل بتركه عمدا.

هذا مضافا الى انصراف التعبير ب «لا تعاد» إلى من اعتقد اتيانه الصلاة بكامل متطلباتها ثمّ التفت بعد ذلك الى وقوع الخلل فيها.

و من الغريب ما نقله الميرزا في تقريرات صلاة تلميذه الكاظمي(1)من ذهاب بعض الى شمول الحديث في نفسه لكلّ مكلّف، غايته ان العامد خرج بالإجماع حيث قام على بطلان صلاته(2).

4 - هل تختص بالناسي

لا اشكال في ان القدر المتيقن من الحديث هو الناسي، و انما الكلام وقع في شمولاه للجاهل.

اختار جمع؛ منهم الميرزا قدّس سرّه الاختصاص بالناسي و قرّب ذلك على ما في تقريرات الصلاة لتلميذه الكاظمي(3)بأن الجاهل حيث لم


1) التقريرات 193:2.

2) و في القواعد الفقهية للسيد البجنوردي 62:1 نسبة دعوى امكان شمول الحديث للعامد الى الشيخ محمد تقي الشيرازي قدّس سرّه.

3) التقريرات 194:2.

يأت بالواجب الثابت عليه واقعا فلا يخاطب بخطاب أعد أو لا تعد، بل بخطاب ائت بالسورة أو بالتشهد أو... و هذا بخلاف الناسي فانّه حيث لا يكون مكلّفا حالة النسيان بما نساه لعدم امكان تكليف الناسي - من جهة عدم قدرته على فعل المنسي حالة نسيانه، و هذا بخلاف الجاهل فإن جهله لا يسلب قدرته على فعل الجزء - فمن المناسب توجيه الأمر بالإعادة له، فيقال له: أعد أو لا تعد(1).

و فيه: انه بناء على هذه التدقيقات يلزم عدم شمول الحديث للناسي أيضا، لأنّه ما دام لم يكلف بالسورة التي نساها فلا معنى لأن يقال له: أعد، فإن الأمر بالإعادة فرع وجود أمر سابق.

و الصحيح شمول الحديث للجاهل، لأنّه نسب الإعادة إلى الصلاة فقال لا تعاد الصلاة، و من الواضح ان الصلاة حيث أتي بها أولا بلا سورة مثلا، فمن الوجيه حينئذ التعبير بالإعادة نظرا إلى الاتيان بها سابقا.

5 - هل تعمّ الجاهل بكلا قسميه

بعد التسليم بشمول الحديث للجاهل نسأل هل هو خاص بالجاهل القاصر أو يعمّ المقصّر أيضا؟

ذكر السيد الخوئي في المستند(2)انّه خاص بالقاصر لأن ظاهره التعرّض لحكم من هو معذور و ليس مكلفا بشيء لو لا اتضاح الحال له


1) و قد نقل السيد الخوئي التقريب المذكور عن الميرزا فراجع التنقيح 50:1، و فقه الشيعة 225:1، و المستند 17:6.

2) المستند 18:6.

و انه لم يأت ببعض الأجزاء، و من الواضح ان الجاهل المقصّر تجب عليه الإعادة بحكم العقل سواء انكشف له الخلاف أم لا، لتنجز التكليف الواقعي عليه و عدم كونه معذورا بعد فرض تقصيره.

و فيه: انه لا فرق بين المقصر و القاصر، فانّه بعد انكشاف الخلاف و انه لم يؤت ببعض الأجزاء فمن اللازم عليهما معا الإعادة، و قبل انكشاف الخلاف لا يجب عليهما الإعادة فيما اذا كانا قاطعين بالتمامية.

أجل الفرق بينهما يظهر في الجاهل البسيط بمعنى المتردد، فان المقصّر يلزمه التعلم بخلاف القاصر فانه لا يلزمه، و إلاّ لم يكن قاصرا، إلاّ ان هذا مطلب آخر لا ربط له بما نحن فيه.

و قد يقال بعدم الشمول للجاهل المقصّر بتقريب ان الحديث لو شمله كما شمل القاصر يلزم اختصاص الأحكام بخصوص العالمين بها و هو خلف فرض ضرورة الاشتراك.

و فيه: ان عدم الاشتراك لا محذور فيه بعد دلالة الدليل عليه - و هو اطلاق حديث لا تعاد - كما لم يكن فيه محذور في مثل مسألة الجهر و الاخفات و القصر و التمام.

على ان عدم وجوب الإعادة لعلّه من باب الاكتفاء بالناقص عن التام في مقام الامتثال، و ليس من باب اختصاص الحكم ابتداء بالعالم.

و عليه فدعوى الشمول للجاهل المقصّر أمر وجيه لو لا شبهة الاجماع على عدم معذورية الجاهل المقصّر من هذه الناحية.

و يؤيد الاجماع حكمهم بتخصيص معذورية الجاهل بخصوص مسألة الجهر و الاخفات و القصر و التمام، فان ذلك يدلّ على عدم

معذوريته في غير ذلك.

6 - معذورية العامد في بعض الحالات

ذكرنا ان الحديث لا يشمل العامد. و نستدرك الآن لنقول: ان الحديث يشمل العامد فيما اذا كان إخلاله العمدي عن عذر، كما لو اقتدى بشخص باعتقاد انّه عادل و ترك قراءة الحمد و السورة، ثم اتضح انّه فاسق؛ ان ترك القراءة في هذه الحالة عمدي، إلاّ انّه عن عذر حيث تخيّل عدالة الامام و تحمله القراءة.

و هكذا لو كان المكلف يصلّي منفردا فأتى في الركعة الثانية بالتسبيحات بتخيل انها الركعة الثالثة.

أو اقتدى بشخص بتخيل انّه يصلّي فريضة فاتضح انّه يصلّي نافلة، فان الصلاة محكومة في الحالات المذكورة بالصحة، إذ الخلل اما من ناحية نيّة الاقتداء بمن لا يصح الاقتداء به، أو من ناحية ترك القراءة عن عمد و اختيار، و كلاهما لا يضرّ لقاعدة لا تعاد.

ثم ان الوجه في شمول الحديث لحالة الترك العمدي عن عذر هو ان ما تقدّم من الوجهين السابقين لعدم الشمول لحالة العمد لا يعمّ الحالة المذكورة، فالمنافاة مع جزئية الجزء أو شرطية الشرط لا تلزم، كما ان الانصراف المدعى لا يتم هنا.

7 - هل تختص القاعدة بحالة الفراغ

تارة يصلّي المكلف و بعد الفراغ منها يتضح له الخلل فيها بترك جزء أو شرط، كما اذا انكشف له عدم ستر عورته، و أخرى يتضح له

ذلك في أثناء العمل.

أما الحالة الأولى فهي القدر المتيقن من الحديث.

و اما الحالة الثانية فقد يقال بعدم شمول الحديث لها، لأن التعبير بالإعادة يدلّ على ضرورة الفراغ من العمل و إلاّ فلا معنى للإعادة و عدمها. و هكذا التعبير بالصلاة يدلّ على إرادة تمام الصلاة.

و فيه: ان لفظ الصلاة كما يصدق على المجموع يصدق على البعض أيضا، فيقال مثلا: لا تتكلم في صلاتك، أي أثناءها و قبل اكمالها.

و التعبير بإعادة الصلاة كما يصح بلحاظ تمام الصلاة، كذلك يصح بلحاظ بعضها.

و عليه فمقتضى اطلاق الحديث شمولاه للحالة الثانية أيضا و عدم اختصاصه بالاولى.

8 - عموم القاعدة لحالة الزيادة

تارة يكون الاخلال في الصلاة بسبب ترك جزء أو شرط و أخرى يكون بسبب زيادة ذلك.

و القدر المتيقن من الحديث هو الأول. و قد وقع الاختلاف في شمولاه لحالة الزيادة فقيل بعدم الشمول، لأن ثلاثة من الخمسة - و هي الوقت و القبلة و الطهور - لا يتصور فيها الزيادة.

و الصحيح هو الشمول.

اما بناء على ما هو المعروف من ان حذف المتعلق يدلّ على العموم فالأمر واضح، إذ الحديث لم يقل: لا تعاد الصلاة من النقيصة إلاّ في خمسة، بل حذف المتعلق و قال: لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة.

و اما بناء على التشكيك في دلالة حذف المتعلق على العموم فيمكن التمسك بعموم التعليل و ان السنة لا تنقض الفريضة، ان هذا التعليل لا يتناسب و خصوص النقيصة بل يلتئم مع الزيادة أيضا، و واضح ان عموم التعليل قرينة على عموم الحكم المعلل و عدم اختصاصه بحالة النقيصة.

و من الغريب ما ذكره بعض(1)من ان التعليل يدلّ على الاختصاص بالنقيصة إذ المقصود منه ان الأجزاء التي فرضها اللّه سبحانه متى ما تحققت فلا يضرّ فقد غيرها.

و فيه: ان تفسير التعليل بهذا الشكل الضيق تفسير لا وجه له.

و اما ما استدلّ به من ان ثلاثة من الخمسة لا يتصور فيه الزيادة فيمكن دفعه بأن ذلك قرينة على عدم إرادة الزيادة في خصوص الثلاثة المذكورة، و لا يصلح قرينة على عدم إرادتها في مطلق الخمسة.

9 - نكتة عدم الاشارة لبعض الأركان

نحن نعرف ان الأركان لا تختص بالركوع و السجود، بل النيّة و التكبير و القيام هي من جملة الأركان أيضا، فلما ذا لم يشر لها الحديث؟

و نعرف ان الوقت و القبلة و الطهارة من الحدث ليست من الأركان فلما ذا لم يذكرها الفقهاء من جملة الأركان بالرغم من ذكر الحديث لها؟

و الجواب: أما بالنسبة الى نكتة الاقتصار على الركوع و السجود


1) و هو الشيخ ناصر مكارم في قواعده الفقهية 527:1.

فلعل ذلك من جهة ان العمل من دون نيّة لا يصدق عليه صلاة، فالمكلّف اذا لم ينو الصلاة لا يصدق انه دخل في الصلاة حتى يحكم عليه بإعادة الصلاة، و اذا لم يكبّر لم يتحقق منه الدخول في الصلاة حتى يحكم عليه بالإعادة أو بعدمها.

و اما القيام فالمعروف ان الركن منه هو القيام المتصل بالركوع، أي الذي يكون قبل الركوع بلحظة. و لعل عدم ذكره من باب ان تركه بشكل مستقل عن ترك الركوع لا يتحقق عادة، بل ان ترك القيام السابق على الركوع بلحظة يلازم ترك الركوع، و حيث ان الركوع قد أشير اليه في الحديث فلا حاجة للإشارة الى القيام.

و هناك قيام ثان قيل بركنيته و هو القيام حالة تكبيرة الاحرام.

و لعل عدم ذكره هو من باب عدم تحقق عنوان تكبيرة الاحرام بدونه، فإن العنوان المذكور متقوم بالقيام.

و اما ان الفقهاء لم يحكموا على الطهارة و القبلة و الوقت بالركنية بالرغم من انها مذكورة في النص، فلعلّ ذلك من جهة ان الركن لدى الفقهاء مصطلح يختص بالأجزاء التي تبطل الصلاة بتركها و لو عن سهو، و واضح ان الطهارة و القبلة و الوقت ليست أجزاء للصلاة، و انما هي شرائط لها.

10 - ما المراد بالطهور؟

هل المقصود بالطهور خصوص الطهارة الحدثية أو ما يعمّ الطهارة الخبثية؟

قد يقال: بأن المراد هو الأعمّ أو لا أقل أن الكلمة مجملة و مرددة

بين إرادة الأعم أو خصوص الحدثية؛ الأمر الذي لازمه عدم امكان الاستدلال بالحديث على الصحة في موارد فوات الطهارة الخبثية، و الظاهر إرادة خصوص الطهارة الحدثية، لأن حديث لا تعاد اشتمل على ذيل و هو «القراءة سنّة و التشهد سنّة، و لا تنقض السنة الفريضة» فإن المراد بالفريضة ما ثبت بتشريع اللّه سبحانه، و بالسنّة ما ثبت بتشريع الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و واضح ان الذي ثبت بتشريع اللّه سبحانه هو اعتبار الطهارة الحدثية دون الخبثية؛ قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ... (1)و اما الطهارة الخبثية فقد دلّت على اعتبارها الروايات دون القرآن الكريم.

لا يقال: قد دلّ القرآن الكريم على اعتبار الطهارة من الخبث بقوله: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ (2).

فانّه يقال: ليس المراد من الأمر - فطهّر - طلب الطهارة الشرعية بل الطهارة العرفية بمعنى النظافة في مقابل القذارة العرفية، فإنّه كما قيل: النظافة من الايمان.

11 - هل تعم القاعدة الموانع؟

ان الصلاة مركبة من أجزاء و شرائط و عدم موانع معينة كعدم القهقهة و عدم التكلّم.

و الحديث يشمل الأجزاء و الشرائط قطعا و ذلك هو القدر المتيقن


1) المائدة: 6.

2) المدثر: 4.

منه. و اما عدم الموانع فقد يشكك في ذلك(1). فاذا ضحك المصلّى أو لبس ما لا يصح له لبسه و نحو ذلك، فلا يمكن تصحيح صلاته بالقاعدة المذكورة.

و الوجه في ذلك: ان العناوين المذكورة في المستثنى هي اما من قبيل الأجزاء كالركوع و السجود أو من قبيل الشرائط كبقية الخمسة، و ليس شيء منها من قبيل عدم المانع.

هذا مضافا الى ان الامام عليه السّلام في مقام التعليل قال: «ان القراءة سنّة و التشهد سنّة...» و لم يذكر ما هو من قبيل عدم المانع.

و فيه: ان القادح بصحة الصلاة اذا كان منحصرا بالخمسة المذكورة فهل يبقى توقع ذكر ما هو من قبيل عدم المانع.

و اما الاقتصار في مقام التعليل على التشهد و القراءة فذلك من باب المثال، و إلاّ فالترتيب و الموالاة شرط و مع ذلك لم يشر لهما.

و في الحقيقة ان الذي يقرأ الرواية يفهم من لهجتها الشمول؛ خصوصا و ان التعليل فيها يدلّ على ان فرض اللّه لا يحكم عليه بالبطلان بسبب غيره، سواء كان من قبيل اختلال الشرط أو من قبيل وجود المانع.

12 - تطبيقات على ضوء قاعدة لا تعاد

ما هو الحكم في الفروع التالية على ضوء قاعدة لا تعاد؟

1 - شخص صلّى العشاء قبل المغرب بتخيل اداء المغرب أو


1) من جملة من شكك في ذلك الشيخ ناصر مكارم في قواعده الفقهية 523:1.

صلّى العصر قبل الظهر بتخيل اداء الظهر.

2 - شخص كان يقلّد مجتهدا يقول بوجوب اداء الصلاة قصرا ثم قلّد ثانيا من يقول بوجوب التمام.

3 - صلّى المكلف و هو لا يدري ان على بدنه أو ملابسه بعض أجزاء حيوان لا يحلّ أكل لحمه شرعا، كشعر القط مثلا.

4 - لو نسي المكلف الركوع قبل تجاوز المحل - أي قبل الدخول في السجود - أو بعده.

5 - لو سبّح المصلي بدل القراءة في الركعة الأولى أو أتى بتشهد فيها.

6 - اذا اتضح عدم صحّة قراءة الامام بعد فترة من الزمن، أو عدم صحّة قراءة المكلف نفسه لو كان يصلّي فرادى.

7 - اذا اتضح للمأموم ان الامام امرأة أو فاسق، أو يوجد حائل بينهما يمنع من صدق الجماعة؟

8 - امرأة كانت تغتسل غسل الحيض قبل انقضاء حيضها فترة من الزمن.

9 - شخص كان يغتسل أو يتوضأ فترة من الزمن و على بعض أعضائه حائل ثم التفت.

10 - شخص كان يغسل أعضاء وضوئه ثلاث مرّات ثم التفت الى عدم جواز ذلك.

11 - ما حكم من تيمم بدل الوضوء باعتقاد ضيق الوقت ثم انكشف سعته؟ و ما هو حكم العكس، أي من توضأ بدل التيمم باعتقاد سعة الوقت ثم انكشف الخلاف؟

قاعدتا الفراغ و التجاوز

اشارة

1 - مضمون القاعدتين

2 - مدرك القاعدتين

3 - قاعدتان أو قاعدة واحدة

4 - عموم القاعدتين لغير الصلاة و الوضوء

5 - استثناء الوضوء من قاعدة التجاوز

6 - هل يعتبر الدخول في الغير

7 - ما المراد من الغير

8 - احتمال الالتفات

9 - تطبيقات

من القواعد المهمة التي يستفيد منها الفقيه كثيرا قاعدتا الفراغ و التجاوز، و قد جرت عادة الأعلام على جمعهما بالبحث في مورد واحد للتقارب الشديد بينهما.

و نمنهج الحديث عنهما كما يلي:

1 - مضمون القاعدتين.

2 - مدرك القاعدتين.

3 - قاعدتان أو قاعدة واحدة.

4 - عموم القاعدتين لغير الصلاة و الوضوء.

5 - استثناء الوضوء من قاعدة التجاوز.

6 - هل يعتبر الدخول في الغير

7 - ما المراد من الغير؟

8 - احتمال الالتفات.

9 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدتين

وقع الاختلاف بين الأعلام في مضمون القاعدتين و كيفية التفرقة بينهما، فذهب جمع منهم الشيخ النائيني الى ان قاعدة الفراغ ناظرة الى الشك في صحة الكلّ، بينما قاعدة التجاوز ناظرة الى الشك في الجزء السابق بعد الدخول في الجزء اللاحق(1).

توضيح ذلك: إنّ شكّ المصلّي في صحة صلاته له صورتان، فتارة يشك بعد فراغه من صلاته في صحتها؟ و أخرى يشك و هو في أثنائها في الجزء السابق بعد الدخول في الجزء اللاحق كأن يشك في الركوع بعد ما سجد مثلا.

فإن شك في صحة صلاته بعد فراغه منها حكم بصحتها. و هذا هو مضمون قاعدة الفراغ.

و إن شك في الجزء السابق بعد الدخول في اللاحق حكم بتحقق ما سبق و عدم الاعتناء بالشك. و هذا هو مضمون قاعدة التجاوز.

هذا ما ذهب اليه جمع من الأعلام.

و ذهب جمع ثان؛ منهم السيّد الخوئي(2)الى ان المصلي تارة يشك في صحة ما أتى به بعد جزمه بإتيانه به سواء كان ما شك في صحته هو الكل أو الجزء، و أخرى يشك في أصل اتيانه بالشيء.

ففي الحالة الأولى يحكم عليه بصحة ما أتى به. و ذلك هو مضمون قاعدة الفراغ من دون تخصيصها بالشك في صحة الكلّ، بل


1) أجود التقريرات 465:2.

2) مصباح الأصول 277:3.

تعمّ الشك في صحة الجزء أيضا.

و في الحالة الثانية يحكم بتحقق الجزء المشكوك. و ذلك مضمون قاعدة التجاوز.

و ان شئت قلت: انه على الرأي الثاني يكون مضمون قاعدة الفراغ الحكم بصحة ما اتي به، و مضمون قاعدة التجاوز الحكم بتحقق ما شك في اتيانه.

بينما على الرأي الأول يكون مضمون قاعدة الفراغ الحكم بصحة الكلّ بعد الفراغ منه، و مضمون قاعدة التجاوز الحكم بتحقق الجزء السابق عند ما يكون الشك أثناء العمل.

و قد وقع الاختلاف في ان القاعدتين المذكورتين هل ترجعان من حيث الروح الى قاعدة واحدة أو إلى قاعدتين. و سنوضح ذلك فيما بعد ان شاء اللّه تعالى.

2 - مدرك القاعدتين

الأخبار الواردة في المقام على نحوين فبعضها ناظر الى الحكم بوجود الشيء المشكوك و بعضها الآخر ناظر الى الحكم بصحة الشيء المشكوك.

فمن النحو الأول: صحيحة زرارة: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل شك في الاذان و قد دخل في الاقامة. قال: يمضي.

قلت: رجل شك في الاذان و الاقامة و قد كبّر. قال: يمضي.

قلت: رجل شك في التكبير و قد قرأ. قال: يمضي.

قلت: رجل شك في القراءة و قد ركع. قال: يمضي.

قلت: شك في الركوع و قد سجد. قال: يمضي على صلاته.

ثم قال: يا زرارة اذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء»(1)

و الرواية صحيحة السند لأن صاحب الوسائل رواها كما يلي: محمد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه عن زرارة.

اما محمد بن الحسن فهو الشيخ الطوسي الذي لا يحتاج لشهرته الى توثيق.

و أما أحمد بن محمد فهو أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري «شيخ قم و وجيهها و فقيهها غير مدافع».

و أما أحمد بن محمد بن أبي نصر فهو البزنطي الذي قال الشيخ الطوسي في حقه «ثقة جليل القدر».

و اما حمّاد و حريز و زرارة فقد تقدم حالهم.

يبقى علينا ملاحظة سند الشيخ الطوسي الى أحمد بن محمد بن عيسى، و هو محلّ كلام بين الأعلام.

وسائل الشيعة: الباب 13 من أبواب الركوع ح 4.

.

و بمضمونها صحيحة اسماعيل بن جابر فقد روى عن أبي جعفر عليه السّلام ما نصه: «ان شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض. و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض. كلّ شيء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه»(2)

و المقصود من قوله «و باسناده» أي و باسناد الشيخ الطوسي عن سعد بن عبد اللّه الأشعري.

و سند الشيخ الطوسي الى سعد صحيح لأنّه ذكر في مشيخة التهذيب 74:10 ان ما أرويه عن سعد فقد أخبرني به الشيخ رحمه اللّه - أي المفيد - عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين يعني الصدوق - عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه.

و أما سعد نفسه فقد تقدّم عن النجاشي انّه «شيخ هذه الطائفة و فقيهها و وجهها».

و أما أحمد بن محمد بن عيسى فقد تقدّم عن الشيخ الطوسي انّه «شيخ قم و وجيهها و فقيهها غير مدافع».

و أما والد أحمد الذي اسمه محمد بن عيسى الأشعري فهو على ما قال النجاشي «شيخ القميين، وجه الأشاعرة، متقدم عند السلطان».

و أما عبد اللّه بن المغيرة فهو على ما قال النجاشي: «ثقة ثقة لا يعدل به أحد من جلالته و دينه و ورعه».

و اما اسماعيل بن جابر فقد قال عنه الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الباقر «ثقة ممدوح».

. -

1) وسائل الشيعة: الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 1.

2) و الوجه في كونها صحيحة السند: ان الحر رواها هكذا: و باسناده عن سعد عن أحمد بن محمد عن أبيه عن عبد اللّه بن المغيرة عن اسماعيل بن جابر.

و من النحو التالي:

أ - موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو»(1)

و انما كانت موثقة لأن في سندها عبد اللّه بن بكير و هو فطحي و لكنه ثقة.

و قد رواها في الوسائل هكذا: و عنه عن صفوان عن ابن بكير عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام.

و ضمير «عنه» يرجع الى الحسين بن سعيد المذكور في السند السابق. أي و عن الشيخ الطوسي بإسناده الى الحسين بن سعيد.

اما الحسين بن سعيد فهو ثقة.

و اما عبد اللّه بن بكير فهو على ما قال الشيخ «فطحي إلاّ انّه ثقة».

و اما صفوان فهو ثقة سواء كان صفوان بن مهران الجمال أو صفوان بن يحيى.

و اما محمد بن مسلم فهو كما قال النجاشي: «وجه أصحابنا بالكوفة فقيه ورع».

يبقى طريق الشيخ الى الحسين بن سعيد. و هو صحيح. راجع مشيخة التهذيب 63:10.

.

ب - صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «كل ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض و لا تعد»(2)

و أما سعد نفسه فقد تقدّم عن النجاشي انّه «شيخ هذه الطائفة و فقيهها و وجهها».

و أما أحمد بن محمد بن عيسى فقد تقدّم عن الشيخ الطوسي انّه «شيخ قم و وجيهها و فقيهها غير مدافع».

و أما والد أحمد الذي اسمه محمد بن عيسى الأشعري فهو على ما قال النجاشي «شيخ القميين، وجه الأشاعرة، متقدم عند السلطان».

و أما عبد اللّه بن المغيرة فهو على ما قال النجاشي: «ثقة ثقة لا يعدل به أحد من جلالته و دينه و ورعه».

و اما اسماعيل بن جابر فقد قال عنه الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الباقر «ثقة ممدوح».

.2.

1) وسائل الشيعة: الباب 23 من أبواب الخلل ح 3.

2) يعني الصدوق - عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه.

و بمضمونها صحيحته الأخرى(1).

ج - موثقة بكير بن أعين قال: «قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ.

قال: هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»(2)

و هي على ما رواه في الوسائل هكذا: و بإسناده - أي الشيخ الطوسي بقرينة ما سبق عليها من الروايات - عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن ابان بن عثمان عن بكير بن أعين.

اما الحسين بن سعيد فقد تقدم انّه ثقة.

و اما فضالة فهو فضالة بن أيوب و قد قال عنه النجاشي: «كان ثقة في حديثه مستقيما في دينه».

و اما ابان بن عثمان فقد عدّه الكشي ممن أجمع على تصديقهم. و لأجل كونه ناووسيا عدت الرواية موثقة.

و اما بكير بن أعين فقد ورد بطريق صحيح ان الامام الصادق عليه السّلام قال عنه لما بلغه موته:

«اما و اللّه لقد أنزله اللّه بين رسول اللّه و أمير المؤمنين صلوات اللّه عليهما».

ثم ان موثقة بكير مضمرة، أي لم يذكر فيها الشخص المسؤول و انه الامام عليه السّلام حيث قيل «قلت له...». و لعل الضمير يرجع الى غير الامام عليه السّلام، و معه تسقط الرواية عن الاعتبار.

و هناك كلام بين الأعلام يرتبط بالمضمرات و انّها حجّة أو لا.

و المشهور هو التفصيل بين ما اذا كان الشخص المضمر من أجلاء الرواة الذين لا يليق بهم السؤال من غير الامام عليه السّلام - كزرارة و محمد بن مسلم و... - فتكون مضمراته حجّة، و بين غيره فلا تكون حجّة.

و الصحيح حجيّة مطلق المضمرات بالبيان التالي: ان العرب لا يذكرون الضمير مجردا عن مرجع يرجع اليه بل متى ما ذكروا الضمير ذكروا معه المرجع الذي يرجع إليه، اما ذكره مجردا عن المرجع فهو أمر غير مألوف، اللّهم إلاّ اذا فرض وجود عهد خاص بين الطرفين يستندان إليه في إرجاع الضمير.

و على هذا الأساس نقول ان ذكر بكير بن أعين للضمير من دون مرجع يرجع اليه لا يكون وجيها إلاّ اذا افترضنا وجود شخص معهود يرجع اليه الضمير، و من الواضح انه لا يوجد شخص يليق أن يكون معهودا إلاّ الامام عليه السّلام فيتعين رجوع الضمير اليه. و هو المطلوب.

و إذا قيل: لعلّ زرارة مثلا هو المعهود بين الطرفين و يقصدان إرجاع الضمير إليه دون الامام عليه السّلام.

كان الجواب: ان بكير حينما سجل الرواية في أصله أو نقلها للآخرين كان قاصدا بذلك ايصال الرواية الى الأجيال المستقبلية و عدم احتكارها على نفسه و الطرف الثاني الذي وقع طرفا للحوار، و مع افتراض توجّه نظره الى الأجيال فلا بد من تعيين المرجع و عهده لدى الجميع، و ليس هو إلاّ الامام عليه السّلام.

ثم ان بعض المضمرات قد يشتمل على نكتة خاصة اضافية تصلح لتشخيص كون المسؤول هو الامام؛ من قبيل: ما ورد في رواية علي بن مهزيار، قال: كتب اليه سليمان بن رشيد يخبره انه بال في ظلمة الليل و انه أصاب كفّه برد نقطة من البول... فأجابه بجواب قرأته بخطه... الباب 42 من النجاسات.

ان السيّد الخوئي في التنقيح 376:2 ذكر ان سليمان بن رشيد حيث اننا لا نعرفه فالرواية ساقطة عن الاعتبار إذ لعلّه كان قاضيا من قضاة الجمهور و سأل من أئمة مذهبه.

ان هذا الكلام يمكن أن يورد عليه بأن الرواية تشتمل على خصوصية تعين كون المسؤول هو الامام عليه السّلام و هي تعبير ابن مهزيار «قرأته بخطه»، ان تأكيد رؤية خط المسؤول لا معنى له إلاّ إذا كان المقصود اني رأيت خط الامام عليه السّلام.

.

1) المصدر السابق ح 3.

2) وسائل الشيعة: الباب 42 من أبواب الوضوء ح 7.

هذا هو المهم من الروايات. و يوجد غيرها كثير.

مستندات أخرى

و قد حاول البعض تجميع مستندات أخرى للقاعدتين المذكورتين - من قبيل التمسك بتسالم الفقهاء أو اصالة الصحة أو قاعدة نفي العسر و الحرج أو السيرة - إلاّ انّها قابلة للمناقشة. و المهم هو الأخبار المتقدمة.

3 - قاعدة واحدة أو قاعدتان

وقع الاختلاف بين الاعلام في أن القاعدتين المذكورتين هل ترجعان من حيث الروح الى قاعدة واحدة، و الاختلاف بينهما ليس إلاّ

من قبيل اختلاف مصاديق الشيء الواحد أو ان كلّ قاعدة هي مستقلة عن الاخرى.

و ما هي الثمرة لهذا البحث؟ انها تظهر في بعض النقاط الآتية كما سيتجلى ان شاء اللّه(1).

و الآراء في هذا المجال ثلاثة:

1 - ما يظهر من الشيخ في الرسائل في الموضع السادس من المواضيع السبعة التي بحثها في قاعدة الفراغ و التجاوز(2)، حيث ذكر ان القاعدتين ترجعان الى التعبد بشيء واحد و هو التعبد بوجود العمل الصحيح. فمن شك في صحة العمل بعد الفراغ منه يكون شاكّا في وجود العمل الصحيح، و قاعدة الفراغ تعبده بوجود العمل الصحيح، و من شك في الاتيان بالجزء السابق بعد دخوله في الجزء اللاحق يكون شاكا في الاتيان بالجزء الصحيح و قاعدة التجاوز تعبده بوجوده.

اذن المجعول في كليهما هو التعبد بمفاد كان التامة، أي التعبد بأصل وجود الشيء.

و اذا قيل بأن التعبد في قاعدة التجاوز انما هو بأصل وجود الجزء و ليس بوجوده الصحيح.

كان الجواب: ان التعبد بأصل وجود الشيء دون وجوده الصحيح لغو.

و لم يذكر الشيخ وجها للاستدلال على ذلك.

و الميرزا قدّس سرّه أورد على مختار الشيخ أربع مناقشات ثم أخذه.


1) أحد تلك المواضع ما يأتي: 49، 54.

2) راجع الرسائل: 414 من طبع رحمت اللّه.

بدفعها فراجع أجود التقريرات(1).

2 - ما اختاره الميرزا من ان المجعول من قبل الشارع هو قاعدة الفراغ فقط، أي الحكم بصحة العمل بعد الفراغ منه، غايته ان الشارع نزّل جزء العمل بمنزلة تمام العمل في الحكم بصحته و عدم الاعتناء بالشك من ناحيته.

و ذكر في توجيه ذلك: ان موثقة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه عليه السّلام تقول: «إذا شككت في شيء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشيء انّما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه»(2)، و المستفاد من قوله: «إذا كنت في شيء لم تجزه» ان المدار على الفراغ من الشيء و الخروج عنه من دون فرق بين الوضوء و الصلاة، فمتى ما فرغ المكلف من الشيء بكامله فشكّه ليس بشيء، و اذا لم يفرغ منه بالكامل فلا بدّ ان يعتني لشكه.

هذا و لكن في باب الصلاة بالخصوص و لمثل صحيحة زرارة الواردة في أجزاء الصلاة و التي قيل في آخرها: «كلّ شيء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» استفدنا ان الشارع نزّل في خصوص باب الصلاة كلّ جزء منها منزلة تمام العمل في عدم الاعتناء بالشك بعد الانتهاء عنه، و ان كان المناسب لو لا التنزيل المذكور الاعتناء بالشك لفرض عدم الفراغ من العمل بالكامل(3).

3 - ما اختاره جمع من الأعلام منهم السيد الخوئي من أن8.


1) أجود التقريرات 465:2-467.

2) وسائل الشيعة: الباب 42 من أبواب الوضوء ح 2.

3) أجود التقريرات: 468.

المجعول من قبل الشارع هو قاعدة التجاوز فقط، فالشارع حكم بأن الشك في وجود الجزء بعد تجاوز محله لا يعتنى به، و اما الشك في الصحة بعد الفراغ فهو مسبب دائما عن الشك في وجود الجزء أو الشرط للمركب، فالتعبد بالصحة بعد الفراغ يرجع الى التعبد بمنشإ الصحة و هو وجود القيد المشكوك(1).

عالم الاثبات و عالم الثبوت

ثم ان البحث في وحدة القاعدتين و تعددهما تارة يلحظ بالنسبة الى عالم الثبوت بأن يقال: هل يمكن ثبوتا و واقعا اتحاد القاعدتين أو لا؟

و كلامنا السابق كان ناظرا الى هذا العالم. و تقدم ان الميرزا قال:

المجعول هو قاعدة الفراغ فقط، و السيد الخوئي قال: ان المجعول هو قاعدة التجاوز فقط.

و أخرى يلحظ بالنسبة الى عالم الاثبات و الأدلة بأن يقال اننا لو رجعنا الى الروايات فهل يستفاد منها وحدة القاعدتين أو تعددهما.

و بلحاظ هذا العالم اختلف الميرزا و السيد الخوئي أيضا، فالميرزا(2)ذكر ما نصه: «ان روايات الباب آبية عن حملها على جعل قاعدتين مستقلتين، فان الرجوع اليها يشرف الفقيه على القطع بكون المجعول فيها أمرا واحدا ينطبق على موارد الشك في الأجزاء و الشك بعد العمل، فان اتحاد التعبير في موارد الأخبار الواردة في موارد التجاوز عن الأجزاء و الفراغ عن العمل يوجب القطع بوحدة القاعدة المجعولة، فالمقصود هو ضرب قاعدة كلية و هو عدم الاعتناء بالشك


1) مصباح الأصول 271:3.

2) أجود التقريرات 467:2.

في تحقق المشكوك بعد تجاوز محله من دون فرق بين كون المشكوك وجود الجزء بعد تجاوز محله أو الكل بعد الفراغ عنه».

بينما السيد الخوئي ذكر ما نصه: «المستفاد من ظواهر الأدلة كون القاعدتين مجعولتين بالاستقلال، و ان ملاك إحداهما غير ملاك الأخرى، فان ملاك قاعدة الفراغ هو الشك في صحة الشيء مع احراز وجوده، و ملاك قاعدة التجاوز هو الشك في وجود الشيء بعد التجاوز عن محله»(1).

الصحيح من الاحتمالين

و لا يبعد كون الصحيح ما أفاده الشيخ الأعظم من كون المجعول قاعدة واحدة و هي البناء على صحة العمل الواقع خارجا أعم من كونه تمام العمل أو جزأه و أعم من كون الشك في أصل الوجود أو في صحة الموجود.

هكذا نقول. و لا نقول كما قاله الميرزا من كون المجعول هو قاعدة الفراغ فقط، أي البناء على صحة تمام العمل، كما و لا نقول بما ذكره السيد الخوئي من كون المجعول هو قاعدة التجاوز فقط و البناء على تحقق الوجود المشكوك.

أجل الشيخ الأعظم يظهر منه ان متعلق التعبد هو البناء على وجود العمل الصحيح بنحو مفاد كان التامة، و نحن نقول: ان بالامكان ان يدعى ان متعلق التعبد هو البناء على صحة العمل الواقع بنحو مفاد كان الناقصة، فلا يرد الاشكال بأن التعبد بوجود العمل الصحيح بنحو


1) مصباح الأصول 279:3.

مفاد كان التامة ليس محلا للآثار، فان الآثار الشرعية مترتبة على صحة العمل الواقع لا على وجود العمل الصحيح.

و على أي حال: ان ظاهر الروايات هو ما أفاده الشيخ الأعظم؛ خصوصا لو قرأنا موثقة محمد بن مسلم التي تقول: «كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فأمضه و لا إعادة عليك فيه»(1)فانها ظاهرة في لزوم البناء على الصحة في الجزء و الكل معا.

4 - عموم القاعدتين لغير الصلاة و الوضوء

وقع البحث في عموم القاعدتين لغير باب الصلاة و الوضوء، فالحج مثلا هل يمكن تطبيق ذلك عليه؟ سؤال اختلفت الاجابة عنه.

و المناسب أن يقال:

اما بالنسبة الى قاعدة الفراغ فينبغي الجزم بعمومها، فان موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قالت: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو»(2)، تشمل بعمومها مثل الحج.

و هكذا موثقة بكير بن أعين «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»(3)، فان النكتة المذكورة للزوم الحكم بالصحة بعد الفراغ تعم مثل الحج.

و عليه فلا ينبغي التشكيك في عمومها لبقية العبادات غير الصلاة و الوضوء، بل يمكن ان يقال بشمول موثقة ابن مسلم لباب


1) تقدم في: 42.

2) المتقدمة في: 41.

3) المتقدمة في: 42.

المعاملات أيضا.

و اما بالنسبة الى قاعدة التجاوز فيمكن أن يقال بعمومها أيضا فيما اذا بني على أحد الأمور التالية: -

أ - القول بوحدة القاعدتين بالشكل الذي أفاده الشيخ الأعظم قدّس سرّه، فانه بناء على ان الكبرى المجعولة فيهما واحدة، و ان الاختلاف بين قاعدة الفراغ و التجاوز ليس إلا من قبيل اختلاف مصاديق الشيء الواحد، انّه بناء على هذا يلزم بعد البناء على عمومية قاعدة الفراغ البناء على عمومية قاعدة التجاوز أيضا. و هذا من أحد ثمرات البحث عن تعدد القاعدتين و وحدتهما.

ب - القول بأن وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب لا يمنع من انعقاد الاطلاق، فانّه بناء عليه يمكن التمسك بإطلاق القاعدة التي ذكرها الامام عليه السّلام في آخر صحيحة زرارة(1)حيث قال عليه السّلام: «يا زرارة اذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء».

ج - القول بوجود عموم لموثقة ابن مسلم: «كلّ ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» للشك في صحة الجزء أو أصل وجوده و عدم اختصاصه بالشك في صحة المركب بعد الفراغ منه.

5 - استثناء الوضوء من قاعدة التجاوز

بعد البناء على شمول قاعدة التجاوز لجميع العبادات و عدم اختصاصها بالصلاة نعود لنستدرك من ذلك الوضوء، فإن من شك في


1) المتقدمة في: 40.

الجزء السابق من الوضوء بعد الانتقال الى الجزء اللاحق يلزمه العود اليه و الاتيان به بشكل صحيح، سواء كان شكّه في أصل الاتيان به أو في صحته.

أجل اذا فرغ من الوضوء و طرأ عليه الشك بعد ذلك فلا يعتدّ بشكّه.

اذن الوضوء شذّ عن قاعدة التجاوز و لم يشذّ عن قاعدة الفراغ.

و المستند في استثناء الوضوء من قاعدة التجاوز صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «اذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله أو تمسحه مما سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء، فاذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت الى حال أخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللّه مما أوجب اللّه عليك فيه وضوءه لا شيء عليك فيه...»(1)

و هي صحيحة السند لأن الحر العاملي رواها هكذا: محمد بن الحسن عن المفيد عن أحمد بن محمد عن أبيه عن أحمد بن إدريس و سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام.

اما محمد بن الحسن فهو الشيخ الطوسي و هو غني عن التعريف.

و اما المفيد فهو غني عن التعريف أيضا.

و أما أحمد بن محمد فهو أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد الذي هو من مشايخ المفيد، و لم يذكر في حقه توثيق، و لذلك وقع محلا للكلام.

و اما محمد بن الحسن بن الوليد فهو «شيخ القميين و فقيههم و متقدمهم و وجههم» على ما قال النجاشي.

و أما أحمد بن إدريس و سعد بن عبد اللّه فيكفينا وثاقة أحدهما، و من حسن الصدفة وثاقة كليهما فان أحمد بن ادريس هو المكنى بأبي علي الأشعري الذي قال النجاشي عنه «كان ثقة فقيها في أصحابنا كثير الحديث صحيح الرواية» و هو شيخ الكليني، و قد أكثر في الكافي الرواية عنه.

و سعد بن عبد اللّه قد تقدمت الإشارة له ص 23.

و اما أحمد بن محمد فهو أحمد بن محمد بن عيسى، و قد تقدمت الاشارة له و بقية رجال السند ص 24.

ثم ان الرواية لها سند ثان ذكره الحر العاملي آخر الرواية. و لئن كانت هي بهذا السند قابلة للتشكيك في صحتها من ناحية أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد و لكنها بالسند الثاني صحيحة.

.قة

1) وسائل الشيعة: الباب 42 من أبواب الوضوء ح 1.

الوضوء و قاعدة الفراغ

و بعد أن عرفنا عدم جريان قاعدة التجاوز في باب الوضوء فهل الأمر في قاعدة الفراغ كذلك، أي لا تجري في الوضوء كما لم تجر قاعدة التجاوز؟

المناسب جريانها لعدم الموجب لاستثناء الوضوء من عمومها، و المفروض ان عمومها - المستفاد من موثقة محمد بن مسلم كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو(1)- شامل للوضوء.

الغسل و التيمم

و هل الغسل و التيمم ملحقان بالوضوء في عدم جريان قاعدة التجاوز في أجزائهما؟

المنسوب الى الشيخ الأعظم الإلحاق بتقريب ان النكتة التي من أجلها لم تجر قاعدة التجاوز في الوضوء هي ان الواجب في باب الوضوء هو الطهارة المسببة عن الغسلات و المسحات، و الغسلات و المسحات ما هي إلاّ محصّل لتحقق الطهارة، و حيث ان الطهارة الواجبة


1) راجع: 41.

أمر بسيط و ليست مركبة من أجزاء فلذا لم يجر الشارع فيها قاعدة التجاوز.

و ان شئت قلت: اذا أريد اجراء قاعدة التجاوز في باب الوضوء ففيم تجري؟ هل تجري في نفس الطهارة، و هذا لا معنى له لأنها أمر بسيط، أو في الغسلات و المسحات، و هذا لا معنى له أيضا لأنها ليست بنفسها واجبة بل هي محصلة للواجب. و عليه فالشك في حصول بعض الغسلات و المسحات يستلزم الشك في تمامية تحقق المحصّل للواجب، و واضح ان الشك في المحصّل مجرى للاحتياط.

هذه هي النكتة التي من أجلها لم تجر قاعدة التجاوز في الوضوء، و هي عامة للتيمم و الغسل أيضا و لا تختص بالوضوء، و معه فالمناسب عدم جريان قاعدة التجاوز في الغسل و التيمم أيضا.

و الصحيح عدم إلحاق الغسل و التيمم بالوضوء لأنّه حتى لو سلمنا بالمبنى الذي يرتكز عليه هذا البيان و هو ان الواجب في باب الطهارات الثلاث هو الطهارة المسببة دون نفس الغسلات و المسحات، فبالامكان ان نقول ان كون الغسلات و المسحات محصلا للطهارة الواجبة و ليست بنفسها مركز الوجوب لا يشكّل مانعا من جريان قاعدة التجاوز فيها، لأن مجرد كونها ليست واجبة بل محصلة للواجب لا يمنع من جريان القاعدة فيها.

و معه فاذا كان لدليل قاعدة التجاوز اطلاق يشمل الغسل و التيمم - كما هو المفروض - فلا ينبغي التوقف عن إعمالها فيهما.

و اذا قلت: إذا لم يكن ما ذكر صالحا لتشكيل مانع من جريان قاعدة التجاوز في الوضوء فلما ذا اذن لم يجر الشارع قاعدة التجاوز

في الوضوء.

كان الجواب: ان ذلك لنكتة لا يلزم أن نكون مطلعين عليها.

6 - و هل يعتبر الدخول في الغير؟

وقع الكلام في انه هل يلزم لجريان قاعدة التجاوز و الفراغ الدخول في الغير؟ فمن شك في الركوع و بعد لم يسجد هل تجري في حقه قاعدة التجاوز؟ و من شك في صحة الكل أو صحة الجزء و بعد لم يدخل في غيره هل تجري في حقه قاعدة الفراغ؟

و الجواب:

اما بالنسبة الى قاعدة التجاوز - أي الشك في الاتيان بالجزء السابق - فلا اشكال في اعتبار الدخول في الجزء اللاحق لصراحة صحيحة زرارة المتقدمة في ذلك حيث قال عليه السّلام في آخرها: «اذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء»(1).

و اما بالنسبة الى قاعدة الفراغ فقد يقال باعتبار الدخول في الغير أيضا، فمن شك في صحة الجزء السابق - الذي يجزم بتحققه - فلا يجوز أن يا بني على صحته إلا بعد الدخول في الجزء اللاحق.

و يمكن توجيه ذلك بعدّة وجوه نذكر اثنين منها:

أ - ما أفاده الشيخ النائيني من ان عنوان المضي هو من قبيل الكلي المشكك فصدقه مع عدم الدخول في الغير ليس في درجة صدقه مع الدخول في الغير بل صدقه مع فرض الدخول في الغير أوضح،


1) المتقدمة: 40.

و معه فلا يكون المضي مع عدم الدخول في الغير مشمولا لأدلّة قاعدة الفراغ لانصراف المطلق عنه، و لا أقل من كون حالة الدخول في الغير هي القدر المتيقن في مقام التخاطب(1).

و فيه: ان اختلاف الأفراد في درجة الوضوح لا يمنع من شمول الدليل لجميعها، فمثلا صدق العالم على الأكثر علما أوضح من صدقه على الأقلّ علما و لكن ذلك لا يمنع من شمول أكرم العالم لجميع الأفراد.

أجل اذا كان صدق العنوان على بعض الأفراد خفيا جدا أمكن أن يكون ذلك موجبا للانصراف عنه، اما اذا لم يفرض مثل هذا الخفاء و انما كان الصدق على البعض أوضح و أظهر فلا يمنع ذلك من الشمول له.

ب - انه حيث اعتبر في قاعدة التجاوز الدخول في الغير فيلزم أن يكون ذلك معتبرا في قاعدة الفراغ أيضا بناء على وحدة القاعدتين و عدم اختلافهما في المجعول.

و هذا ما يمكن عدّه من أحد ثمرات البحث عن وحدة القاعدتين و تعددهما.

و فيه: ان قاعدة التجاوز لو كان يعتبر فيها الدخول في الغير فاعتباره في قاعدة الفراغ جيد، لاستظهار وحدة القاعدتين، إلا ان اعتبار ذلك في قاعدة التجاوز محل تأمل.

و الوجه في ذلك: ان الملاك لعدم الاعتناء بالشك هو المضي عن الشيء، فإن موثقة محمد بن مسلم قالت: «كل ما مضى و شككت فيه...»2.


1) أجود التقريرات 471:2.

بيد ان المضي عن الشيء يختلف محققه باختلاف كون الشك في أصل وجود الشيء أو في صحته، فمتى ما كان الشك في أصل وجود الشيء فالمضي عنه لا يتحقق إلا بالانتقال الى الجزء المتأخر عنه، إذ ما دام أصل وجود الشيء مشكوكا فكيف يصدق المضي عن الشيء؟ انه لا يصدق إلا باعتبار المضي عن محله - و إلا فالمضي عنه نفسه لا يمكن صدقه ما دام أصل وجوده مشكوكا - و المضي عن محل الجزء لا يتحقق إلا بالدخول في الجزء اللاحق.

و من هنا اعتبر في قاعدة التجاوز - أي عند الشك في أصل تحقق الجزء - الدخول في الجزء اللاحق.

ان اعتبار ذلك ليس لاعتبار الدخول في الجزء اللاحق بعنوانه بل لكون ذلك طريقا لتحقق المضي.

هذا في قاعدة التجاوز.

و اما بالنسبة الى قاعدة الفراغ - أي الشك في صحة الشيء المتحقق سواء كان جزءا أم لا - فبما ان الشيء المشكوك صحته يتيقن بوجوده فالمضي عنه لا يتوقف صدقه على الدخول في جزء لاحق بل بالانتهاء عنه يصدق المضي.

و الخلاصة: ان الشارع ألغى الشك بعد المضي عن الشيء و لم يعتبر في إلغاء الشك سوى المضي عن الشيء، إلا ان تحقق المضي عن الشيء يختلف باختلاف كون الشك في أصل الوجود و كونه في صحة الشيء الموجود، فعدم الاعتناء بالشك في أصل الوجود يشترط فيه الدخول في الجزء اللاحق، لأنّه لا يصدق المضي إلا بذلك، بينما عدم الاعتناء بالشك في صحة الموجود لا يلزم فيه ذلك لصدق

المضي بدونه.

و هذه من النكات المهمة التي يلزم الالتفات اليها، و هي انه في قاعدة التجاوز يعتبر الدخول في الغير، بخلافه في قاعدة الفراغ فانّه لا يعتبر ذلك بالرغم من وحدة القاعدتين، و ما ذاك إلا للبيان المتقدم.

7 - ما المراد من الغير؟

اشارة

ذكرنا ان شرط جريان قاعدة التجاوز - أي عدم الاعتناء بالشك في أصل الوجود - الدخول في الجزء الثاني، و ليس ذلك إلاّ من باب توقف تحقق المضي عليه. و هنا نتساءل عن ذلك الغير.

و في هذا المجال نطرح عدّة أسئلة لنجيب عنها: -

الدخول في جزء الجزء:

أ - من شك في القراءة بعد الدخول في الركوع لا يعتني بشكه، لأنّه شك في الجزء السابق بعد الدخول في الجزء اللاحق. و نسأل عمّن شك في الحمد بعد الدخول في السورة فهل لا يعتني لشكه أيضا بعد الالتفات الى ان مجموع القراءة جزء واحد و ليست الفاتحة جزءا مستقلا في مقابل السورة؟ نعم لا يعتني لشكه؛ لأن عنوان المضي صادق.

هذا مضافا إلى ان مجموع القراءة اذا كان جزءا فأبعاضه أجزاء أيضا. و لم يفرض في قاعدة «اذا خرجت من شيء و دخلت في غيره...» ان يكون الشيء جزءا مستقلا.

لا يقال: ان صحيحة زرارة مثّلت بالشك في القراءة بعد الدخول في الركوع، و لم تمثّل بالشك في ابعاض القراءة.

فانه يقال: ان ذلك من باب فرض الشك في مجموع القراءة، و هذا

لا يدلّ على عدم صحة الفروض الاخرى؛ خصوصا اذا التفتنا الى ان الأمثلة قد ذكرت في كلام زرارة دون الامام عليه السّلام.

ثم ان من الغريب ما نسب الى جماعة؛ منهم الشهيد الثاني، و الميرزا(1)من اعتبار الدخول في الأجزاء المستقلة، و لا يكفي الدخول في أجزاء الأجزاء.

و وجه الغرابة: ان ذلك خلف اطلاق كلمة الجزء المذكورة في صحيحة زرارة. و سيأتي تقريب الميرزا لعدم الشمول.

الدخول في آية أخرى

ب - هل الشك في آية بعد الدخول في آية أخرى لا يعتنى به أيضا؟

ذكر الميرزا في أجود التقريرات(2)عدم جريان قاعدة التجاوز في مثل ذلك، لأن المجعول حسب مبناه هو قاعدة الفراغ فقط، أي عدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ من تمام المركب؛ غايته ان الشارع نزّل أجزاء المركب منزلة تمام المركب في عدم الاعتناء بالشك بعده، و القدر المتيقن من التنزيل المذكور هو تنزيل الأجزاء المستقلة كما تشهد به الأمثلة.

و فيه: انه لو سلم المبنى فيمكن ان يقال: ان اطلاق كلمة «شيء» في صحيحة زرارة شامل للجزء غير المستقل، و بذلك يثبت التنزيل في الأجزاء غير المستقلة أيضا.


1) أجود التقريرات 473:2.

2) أجود التقريرات 475:2.

الدخول في كلمة ثانية

ج - اذا شك في كلمة بعد الدخول في كلمة أخرى فهل لا يعتنى للشك أيضا؟

و الجواب: ان لفظ «شيء» و ان كان صادقا على الكلمة بحسب الدقة، إلا انه منصرف عنها عرفا. و أولى من ذلك الشك في الحرف السابق بعد الدخول في حرف جديد، فان الانصراف فيه أوضح.

هذا كلّه لو لاحظنا القاعدة المذكورة في صحيحة زرارة بلسان «كلما دخلت في شيء و خرجت...»، و اما لو لاحظنا موثقة محمد بن مسلم التي تقول «كلّ ما مضى و شككت...» فالأمر أوضح، لعدم صدق المضي عرفا في مثل الحالات المذكورة.

الدخول في الأجزاء المستحبة

اشارة

د - اذا شك في بعض الأجزاء الواجبة السابقة بعد الدخول في بعض الأجزاء المستحبة - كمن شك في القراءة بعد الدخول في القنوت - فهل يمكن التمسك بقاعدة التجاوز؟

ذكر السيد اليزدي في العروة الوثقى، و وافقه جملة من المحشين، عدم الاعتناء بالشك.

و في مقابل ذلك ذهب جماعة منهم السيد الخوئي الى عدم الاعتداد بالدخول في الجزء المستحب.

و يمكن توجيه ذلك حسبما يستفاد من مصباح الاصول(1)بالبيانين التاليين(2): -


1) مصباح الاصول 300:3.

2) و قد أشير الى البيان الثاني في المستند 131:6.

البيان الأول

ان الجزء المستحب ليس معقولا في نفسه، بل الجزء اما أن يكون واجبا أو لا يكون جزءا أصلا، اما كونه جزءا مستحبا فهو غير معقول، لأن القنوت مثلا ان كان مقوما لماهية الصلاة و معتبرا فيها فهو واجب، و إلا لم يكن جزءا أصلا.

و عليه فإطلاق الجزء على مثل القنوت المستحب مشتمل على المسامحة. و واقع الحال هو ان مثل القنوت مأمور به بأمر استحبابي مستقل، غاية الأمر هو مستحب في ظرف الصلاة و بعد القراءة في الركعة الثانية فهو مستحب باستحباب نفسي في ظرف الواجب، و معه فيكون الدخول فيه كالدخول في أي فعل آخر ليس هو جزء من الصلاة، فكما انه لا يتحقق التجاوز عن المحل بذلك كذلك في المقام.

و فيه: ان مرتبة القنوت ما دام قد قررها الشارع بعد مرتبة القراءة، فالداخل في القنوت بعد شكّه في القراءة يصدق عليه انه دخل في غيره.

و دعوى: انه لا يكفي مطلق الدخول في الغير إلاّ فيما اذا كان جزءا.

مدفوعة: بان اعتبار كون الغير جزءا غير لازم بعد ما قرر الشارع له محلا متأخرا عن القراءة.

هذا كلّه اذا سلمنا المبنى المتقدم و الحال انه قابل للمناقشة، لأن ما ذكر خاص بالمركبات الحقيقية، و اما الاعتبارية كالصلاة مثلا فيمكن افتراض كون الشيء دخيلا في الماهية بدرجة ضعيفة تقتضي الاستحباب دون اللزوم؛ فان الاعتبار سهل المؤونة. كيف و في المركبات الاعتبارية سلم بامكان أن يكون الشيء جزءا للواجب حالة

وجوده و ليس بجزء حالة عدمه - كما في التشهد فانه جزء حالة وجوده و ليس بجزء حالة تركه نسيانا - و لازم ذلك بالأولوية امكان أن يكون الشيء دخيلا في المركب الاعتباري بدرجة ضعيفة تستدعي صيرورته جزءا مستحبا لا واجبا.

البيان الثاني

ان مثل القنوت و ان اعتبر تأخره عن القراءة، إلا ان القراءة لم يعتبر تقدمها على القنوت، إذ ليس من شرط صحة القراءة ان تتقدم على القنوت، و إلا يلزم عدم صحة القراءة فيما اذا لم يتعقبها القنوت.

و مع عدم اشتراط تعقب القراءة بالقنوت فالآتي بالقنوت لا يصدق عليه انه قد تجاوز عن محل القراءة، إذ محلها غير مشروط بكونه قبل القنوت.

و اذا قال قائل: انه بالرغم من ذلك يصدق التجاوز و الدخول في الغير.

قلنا له: ان لازم هذا ان المكلف لو كان مشغولا بالتعقيب و شك في انه هل صلّى صلاة الظهر أو لا، فبالامكان تطبيق قاعدة التجاوز و الحكم عليه بعدم لزوم الاتيان بالظهر، لأن محل التعقيب متأخر عن الصلاة و ان كانت هي غير مشروطة بالتقدم عليه.

و هكذا لو كان المكلف قد دخل في العصر و هو شاك هل أتى بالظهر أو لا، انه يلزم الحكم بالاتيان بالظهر، لأن العصر متأخرة عن الظهر و ان كانت الظهر غير مشروطة بالتقدم على العصر.

و فيه: ان الشارع ما دام قد أعطى للقنوت رتبة متأخرة عن القراءة فالآتي به يصدق عليه انّه دخل في غيره و قد تجاوز عن محل القراءة.

و دعوى: ان ذلك لا يكفي إلا اذا فرض اعتبار تقدّم القراءة على القنوت.

مدفوعة: بانها غير ثابتة.

و الاستشهاد بالمثالين مدفوع بأن قاعدة التجاوز يمكن دعوى اختصاصها باجزاء المركب خاصة، و واضح ان الشك في المثالين ليس من قبيل الشك في أجزاء المركب.

هذا مضافا الى امكان دعوى وجود نص خاص أخرج المثالين المذكورين من قاعدة التجاوز، و هو ما دلّ على ان الشاك في أصل الاتيان بالصلاة لا يعتني بشكه ما دام ذلك بعد خروج الوقت(1)، فانه يدلّ على ان الشك ما دام داخل الوقت فيجب الاحتياط، و باطلاقه يشمل صورة الدخول في التعقيب أو الصلاة الثانية.

الدخول في المقدمات

ذ - و هل يكفي الدخول في مقدمات الأجزاء لتطبيق قاعدة التجاوز؟ فمن شك في الركوع بعد الهوي الى السجود هل يحكم عليه بعدم الاعتناء بشكّه؟ سؤال اختلفت الاجابة عنه.

و الصحيح عدم تطبيق قاعدة التجاوز، لانصراف كلمة الغير عن مثل الهوي، فانه ليس معتبرا في الصلاة لا بنحو الوجوب و لا الاستحباب و ليس له رتبة متأخرة، بل لو أمكن لإنسان أن يأتي بالركوع و السجود بلا هوي كفاه ذلك، و هو نظير ما اذا كان المصلي من عادته تحريك رأسه بشكل خاص بعد الركوع فهل ترى انّه لو شك في


1) وسائل الشيعة: الباب 60 من أبواب المواقيت ح 1.

الركوع و هو في حالة يحرّك رأسه فيها عدم اعتنائه لشكه.

و مما يؤكد ما نقول ان الامام الباقر عليه السّلام في صحيحة اسماعيل بن جابر قال: «ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض...»(1)

و انما لم نذكر صحيحة زرارة لأن الأمثلة فيها ليس من الامام عليه السّلام بل من زرارة.

فلو كان الهوي كافيا كان من المناسب أن يقول: ان شك في الركوع بعد ما هوى أو سجد.

هذا و لكن ورد في موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل أهوى الى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال عليه السّلام: قد ركع»(2)فانّه قد يقال بدلالتها على كفاية الهوي.

و فيه: ان التعبير ب «أهوى» يدل على تحقق الهوي و الفراغ منه، و لازم الانتهاء من الهوي تحقق السجود، فتكون دالة على حدوث الشك بعد تحقق السجود أو لا أقل هي مطلقة فتقيد بصحيحة اسماعيل.

و اذا قيل انه مع فرض تحقق السجود لا يعبر باهوى بل بسجد أمكن تقديم جواب ثان هو ان الرواية المذكورة قد رويت بنفس السند بشكل آخر بحيث يمكن تحصيل الاطمئنان بعدم التعدد، فقد نقل الشكل الأوّل في التهذيب(3)و الاستبصار(4)هكذا قال: «و عنه - أي سعد بن عبد اللّه - عن أبي جعفر(5)عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن ابان بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: «قلت لأبير.


1) وسائل الشيعة: الباب 13 من أبواب الركوع ح 4.

2) المصدر نفسه ح 6.

3) التهذيب 151:2.

4) الاستبصار 358:1.

5) أي أحمد بن محمد بن عيسى فإن كنيته أبو جعفر.

عبد اللّه عليه السّلام: رجل أهوى الى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع. قال: قد ركع»(1). و نقل الشكل الثاني في التهذيب(2)و الاستبصار(3)هكذا: «عن سعد عن أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن ابان بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل رفع رأسه عن السجود فشك قبل أن يستوي جالسا فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال يسجد. قلت: فرجل نهض من سجوده فشك قبل أن يستوي قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال: يسجد».

فان الرواية اما أن تكون واحدة، و بذلك يلزم عدم العلم بالصادر و يسقطان عن الحجية أو يفترض صدق الجميع - بأن يكون السائل قد سأل ثلاثة أسئلة، و الشيخ الطوسي قطّع الأسئلة - فيحصل التعارض؛ لأن إحداهما تدلّ على كفاية الدخول في مقدمة الجزء لتطبيق قاعدة التجاوز، و الاخرى تدلّ على عدم كفاية ذلك.

و اذا قيل ان النقل الثاني يدلّ على ان المرتكز في ذهن السائل كفاية الاستواء في تطبيق قاعدة التجاوز، و حيث ان الامام عليه السّلام لم يردع عنه فتثبت بذلك حجيته.

كان الجواب: نحن لا نحتاج الى التمسك بهذا الارتكاز و اثبات حجيته بل نحن نلتزم بمضمونه حتى لو قطعنا النظر عنه فإن الاستواء ما بين السجدتين واجب. و القيام من السجدة الثانية واجب أيضا لتتحقق بذلك القراءة الواجبة إذ القراءة تجب حالة الوقوف.1.


1) و يمكن مراجعة الوسائل: الباب 13 من أبواب الركوع ح 6.

2) التهذيب 153:2.

3) الاستبصار 362:1.

و مع وجوب الاستواء يصح تطبيق قاعدة التجاوز عند تحققه - الاستواء - لصدق عنوان الغير عليه و يكون مشمولا لصحيحة زرارة التي تقول: «اذا خرجت من شيء و دخلت في غيره...».

الجزء المترتب

ز - إذا شك المكلف في جزء سابق فتارة يفرض انه لم يدخل في جزء جديد، و أخرى يفرض دخوله في جزء جديد مترتب على سابقه شرعا، و ثالثة يفرض دخوله في جزء جديد غير مترتب على سابقه شرعا، كمن تشهد في الركعة الأولى غفلة عن كونها أولى و شك في اتيانه بالسجود. ان التشهد حيث لم يؤمر به في الركعة الأولى فالدخول فيه دخول في جزء غير مترتب شرعا على سابقه.

و لا اشكال في عدم جريان قاعدة التجاوز في الحالة الأولى، كما و لا اشكال في جريانها في الحالة الثانية. و وقع الاشكال في جريانها في الحالة الثالثة.

اختار جمع - منهم السيد اليزدي في العروة الوثقى(1)- الجريان تمسكا باطلاق كلمة «غيره» الواردة في صحيحة زرارة «اذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره...»(2).

و اختار آخرون - منهم السيد الحكيم و الخوئي(3)- عدم الجريان.

و قرّب ذلك بأن التجاوز عن الشيء المشكوك حيث لا يمكن تحققه


1) العروة الوثقى: مسألة 59 من المسائل المذكورة تحت عنوان «ختام» في نهاية فصل الشكوك التي لا اعتبار بها.

2) المتقدمة في: 40.

3) مستمسك العروة الوثقى 632:7. مستند العروة الوثقى 297:7.

حقيقة - لفرض الشك في أصل الاتيان بالشيء، و التجاوز عن شيء فرع الاتيان به - فلا بدّ من كون المقصود التجاوز عن محله، و واضح ان التجاوز عن محل الشيء المشكوك لا يتحقق إلاّ بالدخول في الجزء المترتب شرعا على الشيء المشكوك، إذ غير المترتب حيث لا محل له شرعا فالدخول فيه لا يتحقق به التجاوز عن محل الجزء المشكوك(1).

و في مقام التعليق نقول: ان كلام الاعلام القائلين بالجريان و القائلين بعدمه مبني على التعامل مع ألفاظ القاعدة، فبعضهم لاحظ لفظ «غيره» و تمسك باطلاقه، و بعض لاحظ لفظ التجاوز و ارتأى عدم صدقه إلاّ بالدخول في الجزء المترتب.

و المناسب التعامل مع نكتة القاعدة فان القاعدة المذكورة تبتني على نكتة عقلائية و هي ان المكلف حيث انّه في صدد الامتثال و تحقيق الاتيان بكل جزء في محله الشرعي فيكون ظاهر حاله عند الدخول في جزء جديد الاتيان بالجزء السابق.

و إذا كانت هذه نكتة القاعدة و لا يحتمل كونها قاعدة تعبدية فمن اللازم الحكم بعموم القاعدة لحالة الدخول في جزء غير مترتب على سابقه شرعا لعموم النكتة المذكورة لكلتا الحالتين.

الشك في الجزء الاخير

و - اذا شك المصلّي في اتيانه بالجزء الأخير كالتسليم فما هو حكمه بعد الالتفات الى عدم وجود جزء آخر بعد التسليم ليتحقق الدخول فيه الذي هو شرط تطبيق قاعدة التجاوز.

و هنا تارة يقصر النظر على الجزء الأخير و يحاول اثبات حصوله


1) مستند العروة الوثقى 297:7.

و تحققه من خلال قاعدة التجاوز، و أخرى تلحظ الصلاة ككل و يحاول اثبات صحتها من خلال قاعدة الفراغ.

و اما حالة الجزم بالاتيان بالتسليم و الشك في صحته فلا اشكال في الحكم بصحته لقاعدة الفراغ.

اما اذا أخذنا بالملاحظة الاولى فالتمسك بقاعدة التجاوز مشكل، لأن التجاوز عن محل الشيء انما يتحقق بالدخول فيما تكون مرتبته متأخرة عن المشكوك، و هو ليس إلا ما كان جزءا واجبا أو مستحبا من الصلاة، اما ما كان خارجا عن الصلاة فتحقق التجاوز عن المحل به غير واضح.

و اما اذا أخذنا بالملاحظة الثانية فالتمسك بقاعدة الفراغ انما يتم فيما اذا صدق عنوان مضي الصلاة و الفراغ عنها، و ذلك لا يكون إلا بالدخول في أ فعال أخرى منافية للصلاة سواء صدرت عمدا أو سهوا كالاستدبار أو نقض الطهارة.

8 - احتمال الالتفات

تارة يفرض ان الشخص بعد فراغه من العمل و طرو الشك عليه يقطع بكونه حين العمل كان غافلا عن الجزء أو الشرط المشكوك، و أخرى يفترض احتماله الالتفات. فمثلا الشخص الذي يتوضأ و هو لابس للخاتم و بعد اتمامه الوضوء شك هل وصل الماء تحته أو لا؟

في هذه الحالة تارة يقطع بكونه غافلا حالة الوضوء عن وجود الخاتم بيده و عن تحريكه، غايته يحتمل تسرّب الماء تحته بلا التفات منه، و أخرى يحتمل انه كان حالة الوضوء ملتفتا الى الخاتم و الى

تحريكه و ايصال الماء تحته.

هاتان حالتان و لا ثالثة لهما، إذ الثالثة ليست هي إلا حالة القطع بالالتفات، و لكن مع وجود القطع بالالتفات لا يبقى مجال للشك و احتمال عدم وصول الماء ليحتاج الى تطبيق قاعدة الفراغ.

و باتضاح هذا نقول: اما اذا فرض احتمال الالتفات فلا اشكال في جواز تطبيق قاعدة الفراغ.

و اما اذا فرض القطع بالغافلة فهناك من رفض تطبيقها مدّعيا عدم شمولها لمثل ذلك.

و من جملة هؤلاء السيد الخوئي و السيد الشهيد قدّس سرّهما، و ذلك لوجهين: -

أ - ان قاعدة الفراغ و التجاوز لم تشرعا لتأسيس مطلب جديد تعبدي على خلاف المرتكزات العقلائية، بل هما قاعدتان ناظرتان الى ما عليه سيرة العقلاء من عدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ من العمل و ترشدان الى ذلك، و واضح ان العقلاء انما يلغون الشك فيما اذا لم يقطع بالغافلة حين العمل بشكل كامل.

ب - التمسك بتعبير الأذكرية و الأقربية، ففي موثقة بكير بن أعين ورد «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»(1)، و في رواية محمد بن مسلم الواردة فيمن شك بعد الفراغ من الصلاة انّه صلّى ثلاثا أو أربعا:

«و كان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك»(2)

و انما عبرنا عنها بالرواية لأن الصدوق رواها عن محمد بن مسلم، و سنده إليه على ما في مشيخة الفقيه 6:4 ضعيف بعلي بن أحمد بن عبد اللّه البرقي الذي يروي عنه مباشرة حيث انّه مجهول الحال.

، فإن مقتضىفي

1) وسائل الشيعة: الباب 42 من أبواب الوضوء ح 7.

2) وسائل الشيعة: الباب 27 من أبواب الخلل في الصلاة ح 3.

التعليل بالأذكرية و الأقربية الاقتصار على الموارد التي يحتمل فيها الالتفات، و اما الموارد التي يقطع فيها بعدم الالتفات فلا مجال للأذكرية و الأقربية(1).

و نترك التعليق على ذلك الى مستوى أعلى.

أبحاث أخرى و هناك أبحاث أخرى في قاعدة الفراغ و التجاوز تعرض لها الأعلام نعرض عنها خوف الاطناب و الملل و نقتصر على التطبيقات.

9 - تطبيقات

1 - اذا شك المكلّف أثناء الصلاة أو بعدها انّه توضأ أو لا فما هو حكمه؟

2 - اذا علم المكلف بانه قد توضأ و لكنه شك أثناء الصلاة أو بعدها في انّه هل ترك جزءا من الوضوء أو لا فما هو حكمه؟

3 - الحاج أثناء السعي شك انه طاف بالكعبة المشرّفة سبعا أو ستا فما ذا يفعل؟

4 - اذا أنهى الطائف طوافه، و قبل ان يشرع في صلاة الطواف شك هل توضأ قبل الطواف أو لا فما هو حكمه بلحاظ الطواف؟ و ما هو حكمه بلحاظ صلاة الطواف؟

5 - اذا أنهى المصلّي صلاة المغرب و شك بعدها انّه صلاّها


1) مصباح الأصول 306:3.

ركعتين أو أربعا فما ذا يفعل؟

6 - اذا انهى المكلّف الظهرين و جزم بفوات الركوع اما من الظهر أو من العصر فهل تجري قاعدة الفراغ بالنسبة الى كلتا الصلاتين أو تجري بلحاظ إحداهما، أو لا تجري في شيء منهما؟

7 - الصورة السابقة مع فرض التشهد بدل الركوع.

8 - اذا علم المكلف بعد صلاته انّه فاته اما القنوت أو الركوع فهل هناك مجال لتطبيق قاعدة الفراغ؟

9 - اذا علم المكلف بعد الصلاة اما بفوات الركوع منها أو بعدم غسل بعض أعضاء الوضوء فهل بالإمكان تطبيق قاعدة الفراغ على الصلاة أو الوضوء؟

10 - اذا علم المكلف بعد صلاته اما بفوات التشهد منها أو عدم غسل بعض أعضاء الوضوء فما هو حكمه؟

11 - اذا شك المصلي في الركعة الثانية ان الركوع من الاولى هل أتى به بشكل صحيح أو لا فهل هذا مجال قاعدة التجاوز أو الفراغ؟

12 - اذا أنهى المصلّي اثناء قراءة الحمد آية معينة، و بمجرد انهائها شك هل أتى بها بشكل صحيح أو ملحون، فهل عليه إعادتها و لما ذا؟

13 - اذا علم المكلف بعد انهاء وضوئه اما ببطلانه أو بطلان وضوء أحد اصدقائه فما هو الحكم؟

14 - اذا علم المأموم بعد إكمال صلاته ببطلان اما صلاته أو صلاة المأموم الآخر فما هو الحكم؟

15 - اذا علم المأموم اما هو لم يتوضأ أو إمامه لم يتوضأ فما هو

حكم صلاته التي فرغ منها؟

16 - اذا علم المكلف بعد انهاء صلاته ببطلان اما صلاته أو وضوئه فما هو الحكم؟

17 - اذا علم المكلف ببطلان اما وضوء صلاة الصبح أو وضوء صلاة الظهر فما هو الحكم؟

18 - اذا علم المكلف ببطلان اما وضوء صلاة الظهر أو وضوء صلاة العصر فما هو الحكم؟

19 - لو علم المكلف قبل دخوله في تشهد الركعة الثانية بأنه قد ترك سجدتين جزما اما من الركعة الأولى أو من الركعة الثانية التي هي بيده فما هو الحكم؟

20 - الصورة السابقة مع فرض حصول العلم الإجمالي المذكور بعد الدخول في التشهد.

أصالة الصحة

اشارة

1 - المقصود من القاعدة

2 - الفرق بينها و بين قاعدة الفراغ

3 - مدرك القاعدة

4 - هل يشترط العلم بالصحة و الفساد

5 - هل تختص بحالة الشك في وجود المانع

6 - يلزم احراز وقوع الفعل الجامع

7 - الصحة عند الفاعل أو عند الحامل

8 - تطبيقات

من الاصول المسلمة بين الاعلام اصالة الصحة في فعل الغير.

و قد بحثها الشيخ الأعظم في الرسائل بعد الفراغ من قاعدة الفراغ و التجاوز تحت عنوان المسألة الثالثة من المسائل التي تعرّض فيها لبيان النسبة بين الاستصحاب و بقية القواعد.

و قد تبع الشيخ الأعظم من تأخر عنه.

و قد سبقه في بحثها استاذه النراقي(1).

و الكلام في ذلك يقع ضمن نقاط:

1 - المقصود من القاعدة.

2 - الفرق بينها و بين قاعدة الفراغ.

3 - مدرك القاعدة.

4 - هل يشترط العلم بالصحة و الفساد؟4.


1) عوائد الأيام: 74.

5 - هل تختص بحالة الشك في وجود المانع؟

6 - يلزم احراز وقوع الفعل الجامع.

7 - الصحة عند الفاعل أو عند الحامل.

8 - تطبيقات.

1 - المقصود من القاعدة

لا يقصد بالقاعدة المذكورة ان المسلم اذا صدر منه فعل يحتمل كونه محرما يحمل على كونه مباحا، ان هذا و ان كان أمرا مسلما و لكنه ليس هو المقصود من القاعدة المذكورة، و انما المقصود: لو صدر فعل - عقدا كان أو ايقاعا أو تطهير شيء أو صلاة استيجار أو... - و شك في كونه صحيحا يترتب عليه الأثر أو باطلا لا يترتب عليه أثر فباصالة الصحة يحمل على كونه صحيحا ذا اثر.

و بكلمة أخرى: ان تطهير الثوب سواء كان صحيحا أم فاسدا هو مباح و ليس بمحرم، و باصالة الصحة لا يراد اثبات كونه مباحا في مقابل كونه محرما و انما يراد اثبات كونه صحيحا ذا أثر في مقابل الفاسد الفاقد للأثر. و هذا كلّه بخلافه في اصالة الصحة بالمعنى الأول فانه يراد بها نفي صدور الحرام، كما لو تكلم مؤمن بكلام و شك في كونه غيبة محرمة أو غيبة مباحة فانّه بحمل فعل المسلم على المباح ينفى كونه غيبة محرمة.

2 - الفرق بينها و بين قاعدة الفراغ

عرفنا فيما سبق ان قاعدة الفراغ تقتضي حمل الفعل بعد الفراغ

منه على الصحيح، و الآن قد تسأل قائلا: إن قاعدة الفراغ اذا كانت تقتضي هذا فما الفارق اذن بينها و بين اصالة الصحة التي تقتضي حمل الفعل على الصحيح أيضا؟

ان الفارق بينهما ثابت في موردين:

أ - ان قاعدة الصحة ناظرة الى فعل الغير، بخلاف قاعدة الفراغ فانها ناظرة الى فعل المكلف نفسه، فمن صلّى على الميت و شك بعد ذلك في صحة صلاة نفسه أجرى قاعدة الفراغ، اما اذا صلّى الغير على الميت و شككنا في صحة صلاته بعد فراغه فلا يمكننا اجراء قاعدة الفراغ و انما تجري اصالة الصحة في فعل الغير.

ب - ان قاعدة الفراغ لا تجري في أثناء العمل لتصحيحه بخلاف اصالة الصحة فانها تجري، فلو فرض ان شخصا يصلّي و في الأثناء شك هل هو متوضأ أو لا فلا يمكنه اجراء قاعدة الفراغ لتصحيح صلاته، لأنها تقول له بما انك فرغت مما سبق فما سبق صحيح، و اما ما يأتي فبما انك لم تفرغ منه فلا معنى لإجراء قاعدة الفراغ بلحاظه.

و بهذا يبقى ما يأتي بدون قاعدة تقتضي صحته.

و هذا كلّه بخلاف ما لو كان الغير يصلّي على الميت مثلا و شككنا هل هو يصلّي عن وضوء - كي نجتزئ بصلاته و لا نحتاج الى الصلاة عليه من جديد - أو لا فإنّه بإمكاننا اجراء اصالة الصحة في صلاته و الاجتزاء بها.

هذان فرقان بين قاعدة الفراغ و اصالة الصحة.

و قد يقول قائل بوجود فرق ثالث بينهما، و هو ان قاعدة الفراغ خاصة بالعبادات كالصلاة و نحوها بخلاف اصالة الصحة فانها لا

تختص بالعبادات.

و لكنه باطل، فإن قاعدة الفراغ تعمّ غير العبادات أيضا، فمن أوقع عقدا و بعد الفراغ منه شك في صحته فبامكانه اجراء قاعدة الفراغ، لأن موثقة محمد ابن مسلم قالت: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو»(1)من دون تخصيص بالعبادات.

3 - مدرك القاعدة

قد يستدل على اصالة الصحة في فعل الغير بمثل قوله تعالى:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ... (2)أو بمثل قول صادق أهل البيت عليهم السّلام «اذا اتهم المؤمن أخاه انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء»(3)أو بمثل قول أمير المؤمنين عليه السّلام:

«ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه و لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوأ و أنت تجد لها في الخير محملا»(4).

الا ان الاستدلال بهذه وجيه لو اريد اصالة الصحة بالمعنى الأول، أي بمعنى حمل فعل المسلم على المباح و عدم ارتكابه للمحرم، و لكن ليس هذا هو المهم، و انما المهم اثبات الصحة بمعنى ترتب الأثر و عدم كون الفعل فاسدا، و النصوص المذكورة لا تفي باثبات ذلك.

و مهم الدليل على ذلك هو السيرة العقلائية و المتشرعية على


1) راجع صفحة 41.

2) الحجرات: 12.

3) وسائل الشيعة: الباب 161 من أبواب أحكام العشرة ح 1.

4) المصدر نفسه ح 3.

التعامل مع الفعل الصادر من الآخرين معاملة الصحيح، فمتى ما أخبر انسان اني بعت داري، أو عقدت على امرأة، أو طهّرت ثوبي يصدّق اخباره و يحمل على كون فعله صحيحا، و لا يشكك في صحة بيع داره، أو عقده على المرأة، أو تطهيره للثوب، و اذا أراد شخص أن يشكك و يقول: لعلّه لم يعصر الثوب جيدا، أو لعله لم يجر العقد بالماضوية أو... حمل ذلك منه على الشذوذ و الوسواس.

و هذه السيرة لا تختص بما اذا كان فاعل العقد و نحوه مسلما، بل حتى غير المسلم اذا صدر منه ذلك يحمل على الصحيح.

و لعل نكتة هذه السيرة هي ظهور حال فعل العاقل في انه لا يرتكب إلا الفعل الصحيح ذا الأثر و لا يكون لاغيا أو عابثا في أ فعاله، أو لأنّه يلزم العسر و الحرج الغالب و اختلال النظام لو لم تحمل أ فعال الآخرين على الصحيح.

و اذا قال قائل: اني أسلّم السيرة المذكورة، و لكن ما هو الدليل على حجيتها؟ كان الجواب ان السيرة المذكورة اذا كانت عقلائية فليست سيرة جديدة جزما بل هي سابقة و متصلة بعهد المعصوم عليه السّلام فاذا لم يردع عنها كان ذلك دليلا على امضائها.

و اذا كانت سيرة متشرعة فحيث ان هذه السيرة لا يحتمل كونها جديدة حدثت في الآونة المتأخرة بل هي متداولة يدا بيد بين المتشرعة فيلزم كونها متلقاة من المعصوم عليه السّلام و إلا لم تكن سيرة متشرّعة، فنفس افتراض كون السيرة ثابتة بين المتشرعة يقتضي وصولها من الامام عليه السّلام بلا حاجة الى التمسك بعدم الردع لإثبات حجيتها فاننا قرأنا في علم الاصول وجود فارق بين سيرة العقلاء و سيرة المتشرعة،

فالأولى تحتاج الى امضاء بخلاف الثانية.

و الفارق هو ان سيرة المتشرعة ما دامت سيرة للمتشرعة فنفس هذا الافتراض يعني انها متلقاة يدا بيد من حاشية الامام عليه السّلام و أصحابه و إلا لم تكن سيرة متشرعة، و مع تلقيها من الامام عليه السّلام فأي حاجة للإمضاء، و هذا بخلاف سيرة العقلاء فانه لا يفترض فيها ذلك.

4 - و هل يشترط العلم بالصحة و الفساد

ان الشخص الذي يجري العقد على امرأة مثلا تارة يفرض اننا نجزم باطلاعه و معرفته بالعقد الصحيح و تمييزه عن العقد الفاسد.

و في هذه الحالة لا اشكال في حمل فعله على الصحيح، لأن هذه الحالة هي القدر المتيقن من السيرة المتقدمة.

و أخرى يفرض جزمنا بجهله و عدم تمييزه العقد الصحيح عن الفاسد.

و في هذه الحالة لا تجري اصالة الصحة و لا يمكن التمسك بها للحمل على الصحيح، لأن السيرة التي هي المدرك دليل لبي لا اطلاق له فيقتصر على القدر المتيقن.

و ثالثة يفرض الشك في تمييزه بين الصحيح و الفاسد.

و مثل هذه الحالة يمكن ان يقال بشمول السيرة لها أيضا كالحالة الأولى لأن غالب الناس الذين يجرون العقود لا يعرفون شروط العقود و الموانع من صحتها بشكل تفصيلي، لأنهم اما لم يتفقهوا بأحكام دينهم أو أنهم تفقهوا و لكنهم لم يطلعوا على أن هذا شرط في صحة العقد و ذاك مانع، فكثير من أهل العلم في يومنا هذا لا يعرفون بشكل

تفصيلي شروط صحّة بعض العقود فيلزم لو لم تطبق اصالة الصحة اختلال النظام.

اذن اصالة الصحة ثابتة في موارد الجزم بالتمييز بين الصحيح و الفاسد أو الشك في ذلك.

5 - و هل تختص بحالة الشك في وجود المانع

اذا أجرى شخص عقدا و شك في صحته فسبب الشك:

تارة يكون هو احتمال كون البائع ليس بمالك مثلا.

و أخرى يكون هو احتمال كون المبيع خمرا أو ليس بمال عرفا مثلا.

و ثالثة هو احتمال اجرائه بالفارسية أو بالمضارع مثلا.

و يصطلح على الأول بالشك في الصحة من جهة الشك في قابلية الفاعل.

و على الثاني بالشك في الصحة من جهة الشك في قابلية المورد.

و على الثالث بالشك في الصحة من جهة احتمال عدم شرط أو ثبوت مانع.

و لا اشكال في جريان اصالة الصحة في الحالة الثالثة و اما الحالة الأولى و الثانية فالصحيح عدم جريانها فيهما - لأن القدر المتيقن من السيرة هو الحالة الثالثة لا غير - خلافا للشيخ الأعظم و جماعة حيث اختاروا جريانها مطلقا.

6 - يلزم احراز وقوع الفعل الجامع

تارة يفرض اننا نجزم بإجراء شخص عقدا على امرأة و لكن نشك هل هو صحيح أو فاسد،

و أخرى يفرض الشك في أصل وقوع العقد منه، كما اذا رأيناه يتلفظ بألفاظ معينة مع امرأة و شككنا هل هي ألفاظ العقد أو ألفاظ أخرى هي أجنبية عن العقد.

و الحالة الاولى هي القدر المتيقن من السيرة، و اما الثانية فان لم يجزم بعدم انعقاد السيرة فيها فلا أقل من الشك.

و على هذا الأساس لو فرض ان وصي الميت استأجر شخصا لأداء الصلاة عن الميت فأتى الأجير بعمل لا يدري الولي انه قد قصد به النيابة أو لا فلا يمكن اجراء اصالة الصحة للحكم بفراغ ذمة الميت، لأن فراغ الذمة موقوف على قصد النيابة فاذا أحرز قصده أمكن آنذاك اجراء اصالة الصحة فيما لو شك في اختلال أحد الشروط فيه.

أجل لو أخبر الأجير بأني قد قصدت النيابة و أتيت بالصلاة بقصد النيابة صدّق في ذلك، لكن لا لأجل اصالة الصحة بل لقاعدة أخرى تسمى «من ملك شيئا ملك الاقرار به» فالزوج مثلا يملك تطليق زوجته فاذا أخبر بأنه قد طلقها صدّق للقاعدة المذكورة، و هكذا الحال في المقام.

7 - الصحة عند الفاعل أو عند الحامل

اذا فرض ان شخصا أجرى عقدا فتارة: يفرض أن العربية شرط

في نظر مجري العقد و نظر الشخص الثاني الشاك في صحة العقد الذي يريد تطبيق اصالة الصحة.

و أخرى: يفرض انها شرط في نظر الثاني دون الأول.

و ثالثة: يفرض الشك في تطابق النظرين.

و رابعة: يفرض اختلاف النظرين بشكل لا يجتمعان، كما لو كان احدهما يرى ان الجهر في الجمعة واجب و الآخر يرى ان الاخفات واجب.

و السؤال المطروح هو ان اصالة الصحة هل تقتضي الحمل على ما هو صحيح في نظر الفاعل للفعل، أو تقتضي الحمل على ما هو صحيح في نظر الحامل الذي يريد الحمل على الصحة؟ و قد يعبر عن ذلك بالصحة الواقعية فيقال هل المدار على الصحة عند الفاعل أو على الصحة الواقعية.

و طبيعي هذا التساؤل لا معنى لطرحه في الحالة الاولى لفرض اتفاق النظرين، و ينبغي أيضا الجزم في الحالة الرابعة بالحمل على ما هو صحيح في نظر الفاعل، لأن ما هو صحيح في نظر الحامل فاسد في نظر الفاعل، فكيف يقدم عليه الفاعل.

و اما الحالة الثالثة فالمناسب الحكم فيها بكون المدار على الصحة في نظر الحامل، لأن العقلاء في سيرتهم لا يسألون: هل شروط العقد في نظر الفاعل تطابق الشروط في نظرنا أو لا؟

و اما الحالة الثانية فالجزم فيها بانعقاد السيرة على الحمل على الصحة الواقعية مشكل.

8 - تطبيقات

1 - شخص استأجرناه لأداء الحج. و بعد مضي فترة الحج أخبرنا بأنّه قد حجّ، فتارة نشك: هل حج واقعا أو انه ذهب الى مكة لغرض النزهة أو التجارة، و ثانية: نعلم بأنه قد حج و لكن لا ندري؛ هل أتى به عن نفسه أو عمّن استأجرناه لأداء الحج عنه، و ثالثة: نجزم بأنه قد حج و نجزم بأنه قد قصد به النيابة، و لكن لا ندري هل أتى به بشكله الصحيح الكامل أو لا. هل هناك قاعدة يمكن تطبيقها في الحالات الثلاث المذكورة ؟ و ما هي؟

2 - شخص رأيناه واقفا مقابل ميت و هو يتلفّظ بألفاظ لا ندري هل قصد بها اداء الصلاة على الميت أو قصد بها الدعاء للميت دون الصلاة عليه فهل هناك قاعدة يمكن تطبيقها؟

3 - اذا اخبر شخص غير مسلم انه اجرى عقدا من العقود فهل يصدّق في اخباره هذا؟ و بأي نكتة؟

4 - أجرى شخص عقدا و بعد الفراغ منه بفترة شك نفسه في صحة عقده فما ذا يحكم؟ و لأي نكتة؟

5 - شخص رأيناه من بعيد يتكلم معنا لا ندري انّه سلّم علينا أو يسأل عن صحتنا فبما ذا نحكم؟

6 - العين الموقوفة اذا باعها الناظر عليها و شك في ان بيعه هل هو مع وجود المسوغ أو لا فبما ذا نحكم؟

7 - اذا أجرى شخص عقد صرف الذي يشترط فيه التقابض و شككنا في حصول التقابض و عدمه فهل يمكن تطبيق اصالة الصحة

على العقد و اثبات انه صحيح و من ثم اثبات تحقق التقابض؟ و هكذا الكلام في الهبة، فلو فرض ان شخصا وهب لغيره مالا و شك في تحقق القبض فهل يمكن تطبيق اصالة الصحة على العقد و اثبات تحقق القبض؟

قاعدة لا ضرر

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - مدرك القاعدة

3 - اختلاف صيغة الحديث

4 - الجمع في الرواية أو في المروي

5 - توضيح مفردات الحديث

6 - المقصود من قاعدة لا ضرر

7 - تطبيق الحديث على قضية سمرة

8 - كيف يدفع محذور كثرة التخصيص

9 - شمول الحديث للأحكام العدمية

10 - وجه تقدم الحديث على الأدلّة الأوّلية

11 - الضرر الواقعي أو العلمي

12 - تعارض الضررين

13 - تطبيقات

قاعدة لا ضرر من القواعد المهمة في مقام الاستنباط، فانّه بناء على كون المقصود منها نفي الحكم الذي ينشأ منه الضرر فسوف يثبت لدى الفقيه نفي وجوب الوضوء إذا ترتّب عليه الضرر، و نفي وجوب الصوم إذا ترتّب عليه الضرر، و نفي حرمة حلق اللحية إذا ترتّب على عدمه الضرر، و نفي حرمة ابراز المرأة بعض محاسنها إذا ترتّب على عدمه الضرر، و نفي حرمة كشف المرأة عورتها أمام الطبيب لأجل العلاج أو التلقيح أو الولادة إذا ترتّب على عدمه الضرر، و أمثال ذلك كثير.

و قد بالغ بعض العامّة حتى قال: انّ الفقه يدور على خمسة أحاديث، أحدها حديث لا ضرر و لا ضرار(1).

و قد اهتم بها علماؤنا الأعلام حتى ألّف كثير منهم رسائل مستقلة2.


1) تنوير الحوالك للسيوطي 122:2.

في ذلك، كشيخ الشريعة الاصفهاني و الميرزا النائيني و غيرهما.

و قد بحثها الشيخ الأعظم في الرسائل(1)في مبحث شرائط جريان الاصول العملية الذي ذكره تحت عنوان خاتمة، فانّه نقل عن الفاضل التوني: انّ من جملة شرائط جريان أصل البراءة عدم ترتّب ضرر على اجراء البراءة. و بهذه المناسبة أخذ بالبحث عن قاعدة لا ضرر بشكل مستقل.

و تابعه على ذلك من تأخر عنه، فأخذوا بالبحث عنها في الموضع المذكور، و بعضهم يطنب و بعضهم يختصر. و نحن نحاول الاختصار كي يسهل على الطالب هضم مباحثها.

و نمنهج الحديث عنها ضمن النقاط التالية:

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - اختلاف صيغة الحديث.

4 - الجمع في الرواية أو في المروي.

5 - توضيح مفردات الحديث.

6 - المقصود من قاعدة لا ضرر.

7 - تطبيق الحديث على قضية سمرة.

8 - كيف يدفع محذور كثرة التخصيص.

9 - شمول الحديث للأحكام العدمية.

10 - وجه تقدم الحديث على الأدلّة الأوّلية.ا.


1) بل كتب عنها رسالة مستقلة الحقت بآخر المكاسب، و تعرّض لها الشيخ النراقي في العائدة الرابعة من عوائد الأيام أيضا.

11 - الضرر الواقعي أو العلمي.

12 - تعارض الضررين.

13 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدة

وقع الاختلاف بين الأعلام في المقصود من قاعدة لا ضرر و لا ضرار، فالشيخ الأعظم في رسائله فهم منها: ان كل حكم يتسبّب من ثبوته ضرر على المكلّف فهو مرفوع و غير ثابت في الشريعة.

و بكلمة اخرى: كل حكم شرّع في الإسلام فهو ثابت ما دام لا يلزم من ثبوته ضرر على المكلّف، و في أي فترة و حالة يلزم الضرر من ثبوته فيها كان مرتفعا.

و قد تابع الشيخ الأعظم في رأيه هذا جماعة ممّن تأخّر عنه.

و ذهب آخرون - و من جملتهم شيخ الشريعة الاصفهاني - إلى انّ المقصود النهي عن الاضرار بالآخرين و تحريم ذلك، و ليست بناظرة إلى الاحكام الشرعية و نفيها حالة لزوم الضرر.

و هناك تفاسير اخرى نكتفي الآن بما ذكر، و سيتّضح بعضها الآخر فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

2 - مدرك القاعدة

اشارة

وردت جملة «لا ضرر و لا ضرار» في ثلاثة موارد:

1 - قضية سمرة بن جندب التي رواها الكليني في الكافي(1)بالشكل التالي:

«عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد عن أبيه عن عبد اللّه بن بكير عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: انّ سمرة بن جندب كان له عذق(2)في حائط(3)لرجل من الأنصار، و كان منزل الأنصاري بباب البستان، و كان يمر به إلى نخلته و لا يستأذن، فكلّمه الانصاري ان يستأذن إذا جاء فأبى سمرة، فلمّا تأبّى جاء الأنصاري إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فشكا إليه و خبّره الخبر، فأرسل إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خبّره بقول الأنصاري و ما شكا و قال: انّ أردت الدخول فاستأذن فأبى، فلمّا أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه، فأبى أن يبيع، فقال: لك بها عذق يمدّ لك في الجنة، فأبى أن يقبل، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للأنصاري اذهب فاقلعها و ارم بها إليه فانّه لا ضرر و لا ضرار»(4)

أمّا العدة من أصحابنا فقد تعرّضنا إليها في أبحاثنا الرجالية، و انتهينا إلى عدم وجود مشكلة من ناحيتها.

و أمّا أحمد بن محمّد بن خالد فهو البرقي المعروف بصاحب المحاسن، و قد قال عنه النجاشي:

«كان ثقة في نفسه، يروي عن الضعفاء، و اعتمد المراسيل».

و أمّا والده فهو محمّد بن خالد البرقي و قد وثّقه الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الرضا عليه السّلام.

و أمّا عبد اللّه بن بكير فقد قال عنه الشيخ الطوسي: «فطحي المذهب إلاّ انّه ثقة».

و أمّا زرارة فهو أجلّ من أن يحتاج إلى توثيق.

.ق.

1) الكافي 292:5.

2) العذق على ما في المنجد: كل غصن له شعب.

3) الحائط: هو البستان على ما في المنجد.

4) وسائل الشيعة: الباب 12 من إحياء الموات ح 3. و الرواية صحيحة السند.

اضافة كلمة «على مؤمن» و قد رواها الكليني نفسه ثانية و بعد عدة أحاديث بهذا الشكل:

«علي بن محمد بن بندار عن أحمد بن أبي عبد اللّه عن أبيه عن بعض أصحابنا عن عبد اللّه بن مسكان عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: ان سمرة بن جندب [إلى ان قال] فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: انك رجل مضار، و لا ضرر و لا ضرار على مؤمن»(1)

الرواية المذكورة ضعيفة السند من ناحية الارسال عن بعض اصحابنا.

.

و في هذه الرواية كما نرى زيادة كلمة «على مؤمن» الأمر الذي له تأثير من بعض الجوانب، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

ثم ان قضية سمرة المشتملة على جملة «لا ضرر و لا ضرار» قد رواها كل من الشيخ الطوسي(2)و الشيخ الصدوق(3)، و كل منهما رواها عن ابن بكير عن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام.

أجل ان الشيخ الصدوق روى بسنده عن الحسن الصيقل عن أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر عليه السّلام قصة سمرة، و لكن ليس في آخرها جملة: لا ضرر و لا ضرار، و إنّما فيها «ما أراك يا سمرة إلاّ مضارا اذهب يا فلان فاقطعها، و اضرب بها وجهه»(4).

و بهذا يتّضح ان قضية سمرة رويت في مصادرنا الحديثية بثلاثة أشكال:3.


1) وسائل الشيعة: الباب 12 من إحياء الموات ح 4.

2) التهذيب 146:7.

3) الفقيه 147:3.

4) الفقيه 59:3.

فتارة رويت و في آخرها جملة «لا ضرر و لا ضرار» من دون اضافة.

و ثانية رويت و في آخرها جملة «لا ضرر و لا ضرار على مؤمن» أي: بزيادة قيد «على مؤمن».

و ثالثة رويت من دون ذكر جملة «لا ضرر و لا ضرار».

و من هنا قد يقال بعدم ثبوت ذكر جملة «لا ضرر و لا ضرار» في قضية سمرة لأجل تعارض النقل.

و قد يرد ذلك بأن التعارض المذكور تعارض بين الزيادة و النقيصة، و أصالة عدم الزيادة مقدمة على أصالة عدم النقيصة.

2 - مسألة الشفعة؛ فقد روى المشايخ الثلاثة عن عاقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكن. و قال: لا ضرر و لا ضرار، و قال إذا ارّفت الارف(1)و حدت الحدود فلا شفعة(2).

3 - مسألة مشارب النخل و فضل الماء؛ فقد روى الكليني بسنده إلى عاقبة بن خالد أيضا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بين أهل المدينة في مشارب النخل: انه لا يمنع نفع الشيء(3)

(النهاية 108:5).

.).

1) أي رسمت الحدود. و كأنه يراد بذكر جملة «لا ضرر» بيان حكمة تشريع الشفعة، كما و انه يراد بذكر جملة «إذا ارفت...» الرّد على قول من يقول بأنّ الشفعة ثابتة بعد تقسيم الأرض و تعيين حصة كل شريك.

2) وسائل الشيعة: الباب 5 من أبواب الشفعة ح 1.

3) لعلّ كلمة نقع - بالقاف - أنسب. و النقع هو الفاضل. قال ابن الأثير في النهاية في شرح الحديث: فيه نهي ان يمنع نقع البئر - أي فضل مائها - لأنّه ينقع به العطش أي يروي.

و قضى بين أهل البادية انّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء فقال لا ضرر و لا ضرار»(1)

ثم إنّه يحتمل أن يكون المقصود من جملة «لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء» هو انّ الشخص الذي عنده بئر فضل قسم من مائها لو منع الناس من ذلك الفاضل فسوف يصير منعه سببا لعدم مرور رعاة الأنعام على تلك المنطقة التي فيها البئر، و من ثمّ سوف يبقى الكلأ الفاضل عاطلا في الصحراء و من دون حيوانات تستفيد من أكله.

و بهذا يتّضح انّ اللام للعاقبة، أي: لا يمنع فضل الماء الذي عاقبته المنع من فاضل الكلأ.

و قد ذكر شيخ الشريعة في (رسالته: 14) ان هذا هو المعروف في تفسير الحديث.

ثم نقل عن الشيخ الطوسي في المبسوط الحكم التالي: كل موضع قلنا انه يملك البئر فانه احق بمائها بقدر حاجته لشربه و شرب ماشيته و سقي زرعه، فإذا فضل بعد ذلك شيء وجب عليه بذله بلا عوض... و ليس له منع الماء الفاضل من حاجته حتى لا يتمكن غيره من رعي الكلأ الذي يقرب ذلك الماء...

.

هذا و لكن عاقبة بن خالد لم يثبت توثيقه، فيكون المدار على روايات قصة سمرة.

اتّضح ممّا تقدم

اتضح مما تقدم ان قيد «على مؤمن» لم يرد في رواية معتبرة السند، و عليه فما افاده الشيخ الأعظم من انّ أصح الروايات سندا ما ورد فيه «لا ضرر و لا ضرار على مؤمن» موضع تأمّل.

كما و اتّضح انّه لا يمكن أن يقال: إنّ قضية سمرة قضية واحدة لا يحتمل فيها التعدد، و قد نقلت تارة متضمّنة جملة «لا ضرر و لا ضرار» و أخرى متضمّنة لشيء آخر و هو «ما أراك يا سمرة إلاّ مضارا. اذهب يا فلان فاقطعها و اضرب بها وجهه»، و مع تعارض النقل لا يبقى ما يثبت وجود جملة «لا ضرر و لا ضرار».


1) الوسائل: الباب 7 من إحياء الموات ح 2.

و وجه بطلان المعارضة المذكورة: ان مستند النقل الثاني هو رواية الحذاء، و هي ضعيفة السند بالحسن الصيقل و غيره.

هذا مضافا إلى امكان أن يقال إنّ المقام ليس من صغريات باب المعارضة، إذ النقل الفاقد للزيادة لا ينفي وجود الزيادة ليعارض ما دلّ على وجود الزيادة.

و بعد هذا لا نبقى بحاجة إلى ما أفاده الميرزا لنفي الزيادة من انّ مدرك عدم الزيادة هو أصالة عدم الزيادة التي مستندها سيرة العقلاء، و لكن لا يعلم بناء العقلاء في مثل المقام على تقديم أصالة عدم الزيادة، حيث يحتمل قريبا كون الزيادة قد حصلت من الراوي لمغروسيتها في ذهنه عند نقله الرواية بالمعنى بمناسبة الحكم و الموضوع و ملاحظة أشباه ذلك من مثل لا رهبانية في الإسلام و لا اخصاء في الإسلام.

ان هذا البيان الميرزائي لسنا بحاجة إليه بعد ضعف مستند وجود الزيادة في نفسه.

3 - اختلاف صيغة الحديث

اشارة

ورد في بعض مصادر الحديث زيادة قيد «على مؤمن» كما أشرنا إلى ذلك سابقا، و أشرنا إلى انّ ذلك لم يثبت بطريق معتبر.

و ورد في بعض مصادر الحديث: لا ضرر و لا إضرار، فالفقرة الثانية هي «و لا إضرار» و ليس «و لا ضرار». و من جملة المصادر التي ورد فيها ذلك الفقيه، حيث نقل الحديث هكذا: «لا ضرر و لا إضرار

في الإسلام»(1).

و في بعض مصادر حديث العامّة ورد: «لا ضرر و لا ضرورة».

و في بعضها «لا ضرر في الإسلام»(2)بحذف الفقرة الثانية.

و المهم من بين هذه النقول التي نريد لفت النظر إليه هو ما اشتمل على قيد «في الإسلام»، فانّ شيخ الشريعة الاصفهاني ذهب إلى أن المقصود من الحديث المذكور افادة النهي التكليفي، و لكن الذي كان يقف أمامه وجود قيد «في الإسلام»، فان ذلك لا يتلاءم و افادة النهي.

و من هنا أخذ ينفي القيد المذكور، حيث ذكر في الفصل الثالث من الفصول الاثني عشر التي رتّب رسالته عليها: انّ القيد المذكور غير موجود في الروايات بما في ذلك روايات العامّة، فقد تفحّصت كتبهم و صحاحهم و مسانيدهم و معاجمهم فحصا أكيدا فلم أجد رواية أصل الحديث إلاّ عن ابن عباس و عن عبادة بن الصامت، و كلاهما رويا الحديث بدون الزيادة السابقة، و بعد هذا فلا ندري من أين جاء ابن الأثير بهذه الزيادة في نهايته.

ثم قال في نهاية كلامه: و أعجب من الكلّ ما رأيته في كلام بعض المعاصرين من دعوى الاستفاضة مع هذا القيد و اسناده إلى المحقّقين تواتر الحديث مع الزيادة المذكورة(3).

و نحن لسنا في صدد التعليق على كلام شيخ الشريعة من جميع جوانبه، فحصر رواة الحديث بابن عباس و عبادة في غير محله، فهناك3.


1) الفقيه 243:4.

2) راجع هذا و ما قبله في قاعدة لا ضرر للسيد السيستاني: 105.

3) قاعدة لا ضرر لشيخ الشريعة: 12-13.

عدة آخرون يبلغ عددهم ستة أو سبعة يروون هذا الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

كما ان زيادة قيد «في الإسلام» موجودة في رواية أبي لبابة و رواية جابر بن عبد اللّه(1).

و الذي نريد لفت النظر إليه هو ان اضافة القيد المذكور ثابت في مصادرنا أيضا، فالصدوق(2)، روى بشكل مرسل حديث لا ضرر مع الزيادة المذكورة(3).

و رواها مع القيد المذكور كل من ابن أبي جمهور الاحسائي في عوالي اللآلي عن الشهيد الأوّل في بعض مصنفاته عن أبي سعيد الخدري، و الشيخ الطوسي في كتاب الشفعة من الخلاف، و العلاّمة في خيار الغبن من التذكرة.

و قد يحاول تصحيح رواية الصدوق المرسلة ببيان أنّ مراسيل الصدوق إذا كانت بلسان قال فهي حجة دون ما إذا كانت بلسان (روي).

و يمكن توجيه ذلك بأحد البيانين التاليين:

أ - ما تبنّاه جماعة منهم السيد الخوئي في رأيه القديم المذكور في الدراسات(4)، و حاصله: أنّ التعبير ب «قال» يدلّ على ثبوت الرواية2.


1) و قد أوضح السيد السيستاني ذلك في رسالة قاعدة لا ضرر: 75-83.

2) الفقيه 243:4.

3) و قد أشار إلى ذلك السيد محمد علي القاضي في هامش رسالة لا ضرر لشيخ الشريعة الاصفهاني: 13 فراجعه.

4) الدراسات: 322.

و صحتها لدى الصدوق، و إلاّ لما جاز له الإخبار بنحو الجزم و انّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال كذا، فإخباره الجزمي يدل على حجيتها و صحتها لديه، و هو المطلوب.

و جواب ذلك واضح فانّ حجّية خبر عنده لا تستلزم حجيته عندنا، إذ لعله اطمأن به بسبب قرائن لو اطّلعنا عليها لم توجب لنا الاطمئنان، كما أوضح هذا التراجع قدّس سرّه في مصباح الاصول(1).

ب - ان التعبير ب «قال» يدل على جزم الصدوق، و إذا احتملنا استناد هذا الجزم إلى الحس طبّقنا أصالة الحسّ العقلائية. و في المقام حيث نحتمل انّ الجزم و ليد الحسّ - بأن كان هناك تواتر في نقل الحديث المذكور استند إليه الصدوق - فنحكم بكونه عن حسّ.

و إذا قيل: إذا كان هناك تواتر فلما ذا لم نعثر على نقل الحديث من غير الطرق القليلة المذكورة سابقا؟

كان الجواب: أنّ الحديث بما أنّه نبوي و ديدن الأصحاب لم يكن على ضبط الأحاديث النبوية المروية عن غير الأئمّة عليهم السّلام فنحتمل انّ التواتر كان و لم يضبط، و لا استبعاد في كون هذا الخبر زمن الصدوق كان متواترا(2).

و فيه:

أ - ان تعبير الصدوق ب «قال» لو دلّ على الجزم فهو يدل على الجزم الأعم من الوجداني و التعبدي و لا يتعين في الوجداني، و الجزم التعبدي يكفي فيه اطمئنانه بصدور الرواية و لو لقرائن لو اطلعنا عليها5.


1) مصباح الأصول 520:2.

2) بحوث في علم الاصول 437:5.

قد لا نراها موجبة للاطمئنان.

ب - ان أصالة الحسّ تجري لتعيين حال النقل و انّه عن حسن لا عن حدس، و لا جزم بانعقادها لتعيين حال الجزم.

و بكلمة أخرى: ان نقل الصدوق يشتمل على أمرين: نقل الرواية، و انه جازم بها. و أصالة الحسّ تجري بلحاظ أصل النقل لإثبات انه عن حسّ دون تعيين حال الجزم لعدم الجزم بانعقادها على ذلك.

ج - ان التواتر المحتمل امّا هو بلحاظ نقل الشيعة، أو بلحاظ نقل العامة، أو بلحاظ كليهما.

و إذا لاحظنا جميع المصادر لربّما يحصل للشخص تواتر، إلاّ انّ الذي يمكن حصوله هو التواتر بلحاظ فقرة: لا ضرر و لا ضرار من دون ضم قيد «في الإسلام»، امّا إذا أردنا ملاحظة هذا القيد فلا يمكن تحصيل التواتر، لأنّ القيد المذكور وارد في نقول قليلة لا تتجاوز الثلاثة أو الأربعة.

د - ان تعبير الصدوق لا يدل على الجزم أصلا، لأنّ ظاهر كلامه انّه بصدد الاحتجاج على العامة، فانّ الحديث ذكره تحت عنوان ميراث أهل الملل، فالمسلم إذا مات هل يرثه الكافر، و الكافر إذا مات هل يرثه المسلم.

و في هذا المجال ذكر أنّ الكافر لا يرث المسلم عقوبة له على كفره، ثم قال ما نصّه: «فأمّا المسلم فلأي جرم و عقوبة يحرم الميراث؟ و كيف صار الإسلام يزيده شرّا مع قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: الإسلام يزيد و لا ينقص، و مع قوله عليه السّلام لا ضرر و لا إضرار في الإسلام؟ فالإسلام يزيد

المسلم خيرا و لا يزيده شرا»(1).

انه بذلك يقصد الرّد على العامة الذين حرموا المسلم من ارث الكافر أيضا، فهو كأنه يخاطبهم و يقول لهم: كيف لا يرث المسلم الكافر، و الحال أنّ الحديث الوارد في رواياتكم يقول: لا ضرر و لا إضرار في الإسلام؟!

و من الغريب ما ذكره بعض الأعلام قدّس سرّه من انّ قيد «في الإسلام» الوارد في الفقيه اشتباه. و قرّب الاشتباه بما يلي: إنّ من المحتمل كون الوارد في أصل الفقيه هكذا: لا ضرر و لا اضرار فالإسلام يزيد...

فالحديث ذكر من دون قيد: «في الإسلام»، و إنّما ذكر الصدوق «فالإسلام يزيد...» بصدد تكملة ردّه على العامّة. و لكن الكاتب اشتبه فكرّر كلمة «فالإسلام» مرتين من باب سهو القلم.

ثم بعد ذلك جاء دور من تأخر عن الكاتب و رأى أنّ كلمة «فالإسلام» كررت مرتين، فظن الاشتباه و تخيّل ان المناسب بدل كلمة «فالإسلام» الاولى: «في الإسلام»، فصحّح العبارة و صارت النتيجة كما نراه اليوم(2).

و فيه: إنّ ما ذكره مجرّد احتمال لم يقم دليلا على اثباته، بل الدليل على عكسه، و هو اتفاق النسخ على ما هو الموجود اليوم، و لم ينقل عن أحد وجود نسخة اخرى للعبارة المذكورة.

بل انّ في كلام الصدوق نفسه قرينة تدل على ضرورة وجود قيد «في الإسلام»، و هي كونه في صدد الرّد على العامة، و كأنه يريد ان5.


1) الفقيه 243:4.

2) الرسائل: 25.

يقول: لا ضرر و لا إضرار بسبب الإسلام، و المسلم إذا حرم من ارث الكافر لزم تضرره بسبب الإسلام.

و بهذا يتّضح ان كلمة «في» في قوله: «في الإسلام» سببية، نظير ما ورد عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «انّ امرأة دخلت النار في هرّة ...». أي: بسبب هرّة.

لفت نظر

ذكرنا أنّ نكتة البحث عن وجود قيد «في الإسلام» و عدمه تظهر في امكان استفادة النهي التكليفي من الحديث، فان شيخ الشريعة اختار إرادة التحريم التكليفي من حديث لا ضرر.

و هذا الرأي يقف أمامه وجود القيد المذكور - و من هنا أخذ شيخ الشريعة ينفي القيد المذكور - إذ لا معنى لأن يقال: لا تضر في الإسلام بنحو يقصد الإنشاء دون الإخبار.

هذا و بالامكان أن يقال: إنّ وجود القيد المذكور إنّما يتنافى مع إرادة النهي لو فرض انّا فسرنا النفي بالنهي، امّا إذا وجّهنا ذلك بأن المقصود هو الإخبار بداعي الإنشاء - من قبيل يعيد بداعي إنشاء وجوب الاعادة، أو قدّرنا خبرا محذوفا؛ أي لا ضرر جائزا في الإسلام - فلا منافاة بين القيد المذكور و إرادة النهي.

4 - الجمع في الرواية أو في المروي

اشارة

ورد في حديث الشفعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالشفعة بين الشركاء... و قال: لا ضرر و لا ضرار.

ان في هذا الحديث احتمالين، فيحتمل ان الجملة الثانية قد صدرت

من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مستقلة عن الجملة الاولى؛ احداهما في مجلس و الاخرى في مجلس ثان، إلاّ ان الناقل - و هو عاقبة بن خالد قد جمع - بين الروايتين المستقلّتين في مقام النقل.

و يحتمل انهما صدرتا من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في مجلس واحد، بنحو تكون الثانية قد ذكرها صلّى اللّه عليه و آله و سلّم - أو تبرع بها الإمام الصادق عليه السّلام - لتكون مكملة للثانية و مبينة للحكمة بالشفعة بين الشركاء.

و يصطلح على الأوّل: الجمع بين الروايتين في مقام النقل، و على الثاني: الجمع بين المرويين.

و قد وقع البحث بين الاعلام في ان الجمع بين الفقرتين المذكورتين هل هو من النحو الأول أو من النحو الثاني.

و السبب في طرح هذا البحث: انّ أحد الاحتمالات في المقصود من قاعدة لا ضرر هو افادة النهي عن ارتكاب الضرر و بيان تحريمه في التشريع الإسلامي.

و شيخ الشريعة الاصفهاني من روّاد هذا الاحتمال و مؤيديه، إلاّ انّ الذي يقف أمام هذا الاحتمال هو ان قاعدة لا ضرر إذا كان يقصد بها إفادة النهي التحريمي فلما ذا ذكرت في ذيل حديث الشفعة و في ذيل حديث المنع من فضل الماء؟

ان ذكرها ذيل حديث الشفعة لا وجه له باعتبار ان الشفعة بين الشركاء حكم وضعي و لا معنى لتعليله بما يدلّ على الحكم التكليفي، فلا معنى لأن يقال: الشفعة ثابتة بين الشركاء لأنّه يحرم الاضرار. ان هذا لا ربط له بهذا حتى يذكر كتعليل له.

و هذا بخلاف ما إذا لم يكن المقصود من قاعدة لا ضرر إفادة

النهي التكليفي، بل إفادة معنى آخر كالمعنى الذي ذكره الشيخ الأعظم في الرسائل، و هو: نفي كل حكم يستلزم ثبوته الضرر بالمكلّف؛ فكل حكم من هذا القبيل منتف في التشريع الإسلامي و ليس بثابت، انّه بناء على هذا تكون المناسبة واضحة، فكأنه يراد ان يقال: إذا باع أحد الشريكين حصته فالشفعة ثابتة للشريك الثاني و له الحق في أخذ حصة الشريك بالشفعة؛ إذ لو لم يكن له هذا الحق و كان بيع الشريك لازما يلزم تضرّر الشريك الثاني، و لزوم بيع الشريك ما دام يلزم منه الضرر على الشريك الثاني منفي.

هذا بالنسبة إلى حديث الشفعة.

و امّا بالنسبة إلى حديث المنع من فضل الماء فالوجه في عدم صحة ذكر قاعدة نفي الضرر في ذيله هو: ان المنع من فضل الماء ليس محرما بل هو مكروه، فمن كانت له بئر و فضل من مائها شيء فمن حقه منع الآخرين من الاستفادة من ذلك الماء، لكن ذلك مكروه.

و ما دام مكروها فلا معنى لأن يعلّل بحرمة الاضرار. أجل لو كان المنع من فضل الماء محرما لكان تعليله بحرمة الاضرار وجيها، إلاّ انه لمّا كان مكروها فلا معنى لتعليله بقاعدة نفي الضرر بناء على كون المقصود منها افادة تحريم الاضرار.

ان اشكال عدم المناسبة بين التعليل و الحكم المعلل يتم في حديث الشفعة و المنع من فضل الماء و لا يتمّ و ارم في الحديث الناقل لقصة سمرة لأنّه قد حكم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقوله: اذهب فاقلعها بها إليه فانّه لا ضرر و لا ضرار. انّ المناسبة واضحة، فالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جوّز قلع النخلة،

لأنّ دخول سمرة إليها يوجب اضرار الأنصاري، و الاضرار محرم(1).

و بالجملة ان إشكال عدم المناسبة بين التعليل و الحكم المعلل - بناء على إرادة التحريم التكليفي من قاعدة لا ضرر - يختص بحديث الشفعة و المنع من فضل الماء دون حديث قصة سمرة.

و من هنا حاول شيخ الشريعة التغلب على هذه المشكلة بدعوى ان فقرة لا ضرر المذكورة في حديث الشفعة و المنع من فضل الماء لم تذكر كتتمة للفقرة الاولى ليرد إشكال عدم المناسبة، و إنّما ذكرها عاقبة بن خالد من باب نقل روايتين احداهما مستقلة عن الاخرى.

قال قدّس سرّه في رسالته التي ألّفها لبحث قاعدة لا ضرر ما نصه: «ان الراجع في نظري القاصر إرادة النهي التكليفي من حديث الضرر، و كنت استظهر منه عند البحث عنه في أوقات مختلفة إرادة التحريم التكليفي فقط، إلاّ انه يثبّطني من الجزم به حديث الشفعة و حديث النهي عن منع فضل الماء، حيث ان اللفظ واحد و لا مجال لإرادة ما عدا الحكم الوضعي في حديث الشفعة و لا التحريم في النهي عن منع فضل الماء، بناء على ما اشتهر عند الفريقين من حمل النهي على التنزيه فكنت اتشبّث ببعض الامور في دفع الإشكال إلى ان استرحت في هذه الأواخر و تبيّن عندي انّ حديث الشفعة و الناهي عن منع الفضل لم يكونا حال صدورهما من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مذيلين بحديث الضرر و ان الجمع بينهما و بينه جمع من الراوي بين روايتين صادرتين عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في وقتين مختلفين...»(2). ثم أخذ في بيان اثبات الدعوى المذكورة.9.


1) و لكن سيأتي إن شاء اللّه التأمل في ذلك أيضا.

2) قاعدة لا ضرر: 18-19.

و إذا كانت رسالة لا ضرر لشيخ الشريعة تعدّ من الرسائل الجيدة في هذا المجال فذلك ليس إلاّ من جهة تحقيقه الذي قام به لإثبات دعوى كون الفقرتين روايتين مستقلتين جمعتا في رواية واحدة في مقام النقل.

و أيّده في هذه الفكرة جمع من الأعلام منهم الشيخ النائيني و الشيخ الاصفهاني، و لكن لبيانات أخرى.

و حاصل ما ذكره شيخ الشريعة: انّ قضية «لا ضرر» الصادرة من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد صدرت كقضاء مستقل، إلاّ انّ عاقبة بن خالد قد ألحقها بقضية الشفعة. و الناظر إلى حديث عاقبة يتخيّل انّ ذلك الالحاق هو من باب كون قضية لا ضرر علّة للحكم بثبوت الشفعة، و الحال أنّ الأمر ليس كذلك بل هو قضاء مستقل.

و الدليل على ذلك: ان أحمد بن حنبل في مسنده الكبير روى عن عبادة بن الصامت مجموعة من الأقضية المستقلة للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ذكر من جملتها قضية الشفعة من دون أن تكون مذيّلة بحديث لا ضرر، و هكذا ذكر من جملتها قضية المنع عن فضل الماء من دون ان يكون مذيلا بقضيّة لا ضرر، و إنّما ذكر عبادة قضيّة لا ضرر بشكل مستقل عن قضيّة الشفعة و قضيّة فضل الماء.

و لأجل ان يتّضح المطلب ننقل رواية عبادة؛ قال: «ان من قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: انّ المعدن جبار و البئر جبار و العجماء جرحها جبار(1)، و قضى في الركاز الخمس، و قضى انّ ثمر النخل لمن ابّرها إلاّة.


1) الجبار هو الهدر الذي لا يغرم. و العجماء هي البهيمة.

ان يشترط المبتاع، و قضى ان مال المملوك لمن باعه إلاّ انّ يشترط المبتاع، و قضى ان الولد للفراش و للعاهر الحجر، و قضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و الدور، و قضى لحمل ابن مالك الهذلي بميراثه عن امرأته التي قتلتها الاخرى [إلى ان قال] و قضى ان لا ضرر و لا ضرار، و قضى انّه ليس لعرق ظالم حق، و قضى بين أهل المدينة في النخل لا يمنع نقع البئر، و قضى بين أهل البادية انّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل الكلأ...».

انّنا نجد بوضوح في هذه الرواية انّ قضية لا ضرر ذكرت كقضاء مستقل.

هذا في روايات العامّة.

و لو رجعنا إلى روايات الشيعة لوجدنا انّ عاقبة بن خالد ينقل مقدارا كبيرا من تلك الأقضية التي نقلها عبادة، و لكن لم ينقلها علماؤنا مجموعة في رواية واحدة بل فرقت على الأبواب المختلفة(1).

و إذا قارنا بين ما هو المنقول بطرقنا من تلك الأقضية المستقلة و ما هو المنقول في رواية عبادة لوجدنا تشابها كبيرا، الأمر الذي يوجب الوثوق بانّ قضية لا ضرر المذكورة في رواية عاقبة بعد الحكم بالشفعة ذكرت كقضاء مستقل.

و بكلمة اخرى: يحصل وثوق بأنّ ما صدر من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قضية الشفعة قد صدر غير مذيّل بقضية لا ضرر، و إنّما عاقبة قد جمعع.


1) ففي الفقيه بسنده إلى عاقبة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: من قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم انّ المعدن جبار و البئر جبار و العجماء جبار. و في الكافي و التهذيب عن عاقبة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم انّ ثمر النخل للذي أبّرها إلاّ أن يشترط المبتاع.

بينهما من باب الجمع بين الروايتين المستقلّتين.

هذا بالنسبة إلى حديث الشفعة.

و هكذا يقال بالنسبة إلى حديث المنع من فضل الماء.

و أضاف شيخ الشريعة قائلا: انّ احتمال كون عبادة قد فصل بين قضية الشفعة و قضية لا ضرر - بعد ما كانت الاولى مذيّلة بالثانية، فصل نتيجة لتصرّف شخصي منه - احتمال بعيد جدا، خصوصا بعد استقراء رواياته و ثبوت ضبطه و اتقانه، بل قيل: انّه من أجلاّء الشيعة.

و عن الكشّي عن الفضل بن شاذان: انّه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، كحذيفة و خزيمة بن ثابت و ابن التيّهان، و هو ممّن شهد العقبة الاولى و الثانية و بدرا و احدا و الخندق و المشاهد كلّها مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

هذا توضيح ما أفاده قدّس سرّه.

و خوفا من الاطالة نترك المناقشة إلى مستوى أعلى من البحث إلاّ انّه بشكل مختصر نقول: انّ ما أفاده قدّس سرّه لا يتم إلاّ بناء على انّ جملة لا ضرر الصادرة من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد صدرت مرة واحدة لا أكثر، امّا إذا افترضنا انّها صدرت مرّتين؛ مرة كقضاء مستقل نقله عبادة، و أخرى كتعليل للحكم بالشفعة و فضل الماء فلا يتم ما ذكره. و واضح انّ احتمال التعدّد موجود، و معه تبطل القرينة المذكورة.

و إذا قيل دفاعا عن شيخ الشريعة بانّ من يقارن بين الأقضية التي نقلها عبادة و الأقضية التي نقلها عاقبة يجد تشابها تاما، إلاّ من ناحية تذييل قضية الشفعة و فضل الماء بقضية لا ضرر، و هذا يورث الاطمئنان بأنّهما بصدد نقل شيء واحد صادر من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ليسا

بصدد نقل شيئين صدرا منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؛ و حيث انّ عبادة من أجلاّء الأصحاب و لا يحتمل وجود مصلحة له تدعوه إلى حذف قضية لا ضرر من الذيلية فيثبت انّ قضية لا ضرر الصادرة من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قضية واحدة.

و مثل هذا البيان لا ينفع في ردّه احتمال تعدد الصادر من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و الوجه في ذلك: انّ لنا اطمئنانا بكون عاقبة ناظرا في نقله إلى نقل نفس ما ينقله عبادة، و لا يقصد عاقبة نقل أشياء اخر غير ما ينقله عبادة، و حيث انّ عبادة دقيق في نقله و لا نحتمل وجود مصلحة له في الفصل فيثبت انّ قضية لا ضرر حينما صدرت من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صدرت مستقلة أيضا.

و يرده: ان قضية لا ضرر في نقل عاقبة لو كانت قضية مستقلة فما معنى اقحامها بين قوله: «قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكن»، و قوله «إذا أرفت...»؟ ان هاتين الجملتين مرتبطتان بمسألة الشفعة، و اقحام شيء مستقل بينهما أمر غير مناسب.

و جمعا بين تصديق عاقبة و تصديق عبادة يمكن ان نفترض انّ عبادة قد سمع مرتين من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قضية لا ضرر؛ سمعها مرة كقضاء مستقل، و سمعها اخرى في ذيل قضية الشفعة، و نقل القضاء المستقل في روايته السابقة و تساهل عن نقلها ثانية كذيل لقضية الشفعة من باب أنّ إسقاطه لا يغيّر في المعنى شيئا، إذ هو إسقاط للتعليل لا أكثر؛ و قد شجّعه على ذلك ذكره لقضية لا ضرر بعد ذلك

كقضاء مستقل.

هذا كله لو سلّمنا بوثاقة عبادة و صحّة الرواية من ناحيته و من ناحية بقية أ فراد السند، و إلاّ فالمجال للمناقشة واسع، إذ يقال: سلّمنا بوثاقة عبادة و جلالته، و لكن ذلك لا يلزم منه وثاقة جميع أ فراد السند غير عبادة.

و مع عدم ثبوت صحّة الرواية سندا كيف تجعل قرينة على التصرّف في رواية عاقبة بن خالد؟

نكات اخرى

ذكر الميرزا في رسالته بعض النكات الاخرى لإثبات انّ قضية لا ضرر قضية مستقلة لا ربط لها بسابقها، و وافقه السيد الخوئي على بعضها و أشار لها في مصباح الاصول(1)، نذكر منها:

1 - انّ قاعدة لا ضرر لا ربط لها بمسألة الشفعة، فانّ قاعدة لا ضرر تنفي كل حكم يتولّد منه الضرر.

و في المقام نقول: انّ الضرر امّا ان ينشأ من بيع الشريك حصته لشخص ثالث أو ينشأ من لزوم ذلك البيع لا من نفسه؛ و على الأوّل يلزم بطلان البيع و انتفاؤه لا الحكم بصحته و ثبوت حق الشفعة للشريك.

و على الثاني يلزم انتفاء لزوم البيع و كونه مشتملا على الخيار بحيث يحقّ للشريك الأوّل فسخ البيع و رجوع الحصة المباعة إلى ملك الشريك البائع.

و على كلا التقديرين لا معنى لثبوت الشفعة للشريك بنحو ينقلها


1) مصباح الأصول 521:2.

إلى ملك نفسه. ان هذا حكم لا يستفاد من قضية لا ضرر كما أوضحنا.

أجل، لو قلنا بأنّ حديث لا ضرر يدلّ على لزوم جبران الضرر الوارد على الشخص لأمكن أن يقال بانّ الاستشهاد بقضية لا ضرر هو من باب إفادة انّ الضرر الوارد على الشريك لا بدّ من جبره، و ذلك لا يكون إلاّ بتشريع حق الشفعة.

و لكن يرد ذلك أنّ حديث نفي الضرر حديث نفي لا حديث إثبات فهو وارد لبيان انتفاء كل حكم يلزم منه الضرر لا اثبات كل حكم ينجبر به الضرر.

هذه حصيلة النكتة الاولى.

و يردها: ان ثبوت حقّ الشفعة لو لم يمكنّا استفادته من حديث لا ضرر فهذا لا يعني رفع اليد عن ظهور حديث عاقبة في كون قاعدة لا ضرر ذكرت فيه كذيل و تعليل، بل ينبغي ان نقول: انّ وجه التعليل قد خفي علينا و لا نعرفه لا انّه لا يوجد وجه للتعليل و بالتالي ننكر كونه ذيلا.

هذا مضافا إلى إمكان ان يقال: انّ ذكر قضية لا ضرر كتعليل يدل على انّ المقصود منها - قضية لا ضرر - أوسع ممّا نفهمه، فنحن كنّا نفهم منها انّها واردة لبيان النفي لا اثبات و تشريع ما يجبر به الضرر، و من المناسب انّ نرفع اليد عن هذا الفهم، و نقول: انّ المقصود منها الأعم من النفي و اثبات التشريع الجابر بقرينة ذكرها ذيلا و تعليلا.

على انّ بالامكان استفادة ثبوت حق الشفعة من قاعدة لا ضرر بتقريب: انّ الشريك إذا أراد بيع حصته فالمجتمع و الفطرة و العقلاء يحكمون بأحقيّة الشريك الآخر بالحصة فيما إذا استعدّ لأخذها بالثمن

الذي يطلبه بائعها، فانّ غرض البائع ليس إلاّ تحصيل الثمن و المفروض انّ الشريك الآخر يبذله، و بيع الحصة لغيره دونه ادخال للشريك عليه دون أي مسوّغ.

انّ هذا الحق ثابت للشريك، فإذا لم يشرّع له حق الشفعة لزم سلب حقه، و سلب الحق نحو من أنحاء الضرر.

انّ الضرر لا يختص بالنقص في المال أو البدن، بل يعمّ عدم منح صاحب الحق حقه.

أجل هناك بعض الحقوق الاجتماعية لم يمضها الشارع فعدم منحها لا يعدّ ضررا، من قبيل عدم تزويج بنت العمّ لابن عمّها.

أما مثل حق الشفعة فهو حق اجتماعي و عقلائي و قد أمضاه الشارع، و سلب مثله و عدم منحه يعدّ ضررا.

و بهذا يتّضح انّ الضرر اللازم في المقام ليس هو في البيع نفسه و لا في لزومه، بل في عدم إعمال حق الشريك الذي تولّد بسبب بيع الشريك الآخر.

2 - و هذه النكتة ناظرة إلى حديث فضل الماء، و حاصلها انّ قضية لا ضرر لا يمكن أن تكون ذيلا و علّة للحكم بالمنع عن فضل الماء، لأن الشخص الذي له بئر و فضل قسم من مائها له الحق في منع الآخرين من الاستفادة من مائها لأنّها ملكه و حقه، غايته ان منعه الآخرين مكروه و مرجوح لا انّه محرّم، و مع كون المنع جائزا و مرجوحا فلا معنى لتعليله بقضية لا ضرر التي تدل على حكم لزومي.

ان التعليل بقضية لا ضرر يدل على انّ منع الآخرين من الاستفادة من فاضل الماء محرم، و الحال ان المنع مكروه، و تعليل المنع

المكروه بما يدل على التحريم غير وجيه، و عليه فيتعين ان تكون قضية لا ضرر مستقلة.

و تحقيق الحال في هذه النكتة يرتبط بتحقيق الحال في مسألة المنع عن فضل الماء و هل ذلك - المنع من الفاضل - حق لصاحب البئر أو لا.

ان المعروف انّ من حفر بئرا أو عينا فهو مالك لها، سواء كان ذلك الحفر في أرض مباحة أو في التي هي ملكه، إلاّ انّ بالامكان أن يقال: انّه لا يملكها أو بالأحرى يملكها في حدود حاجته، و لا بدّ له من فسح المجال أمام الآخرين بالمقدار الزائد عن حاجته.

و المستند في ذلك باختصار: ان دليل الملكيّة، امّا قاعدة من حاز ملك، أو السيرة العقلائية على انّ من حفر بئرا أو استخرج معدنا فهو ملك له، أو هو الاجماع التعبّدي.

امّا قاعدة من حاز ملك فهي مردودة، باعتبار انّها ليست مدلولا لدليل لفظي ليتمسك باطلاقه و إنّما مستندها السيرة العقلائية؛ و عليه فيلزم الرجوع إلى السيرة.

و السيرة مدفوعة بأن القدر المتيقن منها الحكم بملك الحائز فيما إذا كانت الحيازة للطير أو للسمك أو للأرض أو لغير ذلك مما هو في حدود حاجة الحائز، اما إذا حاز مقدارا أكبر من حاجته فلا يحرز التعامل معه معاملة المالك.

و على تقدير ثبوت مثل هذه السيرة على اطلاقها فهي لا تكون حجة إلاّ مع الامضاء الشرعي، و هو غير ثابت لاحتمال الردع بمثل رواية عاقبة و غيرها التي نهي فيها عن فضل الماء ليمنع من فضل الكلأ.

و إذا قيل بأنّ هذه الرواية لم تثبت حجيتها لضعف سندها.

أجبنا: انّ الرواية و انّ كانت ضعيفة السند إلاّ انّه يحتمل صدورها واقعا، و مع ثبوت الاحتمال المذكور فلا نجزم بعدم الردع و بالتالي لا يجزم بالامضاء.

و اما الاجماع التعبّدي فهو مدفوع بمخالفة الشيخ الطوسي، حيث ذكر في المبسوط: كل موضع قلنا: انّه يملك البئر فانّه أحق بمائها بقدر حاجته لشربه و شرب ماشيته و سقي زرعه، فإذا فضل بعد ذلك شيء وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج إليه لشربه و شرب ماشيته من السابلة و غيرهم، و ليس له منع الماء الفاضل من حاجته حتى لا يتمكن غيره من رعي الكلأ الذي يقرب ذلك الماء(1).

و عليه فلا إشكال في التعليل بقاعدة لا ضرر من هذه الناحية.

5 - توضيح مفردات الحديث

اشارة

اشتمل الحديث على كلمة «ضرر» و «ضرار»، و لا بدّ من توضيح المقصود منهما.

أمّا الضرر فقد ذكر غير واحد أنّه النقص في المال أو البدن أو العرض.

و قد يقيد ذلك بما إذا كان النقص موجبا لوقوع الشخص في الضيق و الشدّة؛ فالتاجر الذي يملك الملايين إذا ضاع منه بعض الدنانير لا يصدق عليه انّه تضرر، بخلاف ذلك في الفقير.


1) المبسوط 281:3.

و المناسب عدم تخصيص الضرر بالنقص في أحد الامور الثلاثة المتقدمة، بل تعميمه للنقص في الحق أيضا؛ فمن كان له حق عقلائي و شرعي في قضية معيّنة فالمنع من ممارسته لحقه المذكور ضرر أيضا.

فمثلا من حق الشخص ان يعيش في داره حرّا، و الحيلولة دون ممارسة حقه - كما حال سمرة دون إعمال الأنصاري حقّه هذا في داره - ضرر.

و من حق كل إنسان ممارسة أي عمل شرعي كالتصدير و الاستيراد و نحو ذلك من الأعمال، و الحيلولة دون ذلك ضرر فيما إذا لم يشكّل ذلك خطرا من ناحية اخرى.

و أمّا مثل حق الطباعة و النشر و التأليف و حقّ الاختراع، و أمثال ذلك من الحقوق المتداولة في يومنا هذا فهي لو ثبت كونها حقوقا عقلائية و شرعية لأمكن ان تعدّ طباعة الغير للكتاب تضييعا لحق دار النشر و الطباعة، و من ثمّ يلزم أن يكون ذلك محرما، إلاّ انّ كون هذه حقوقا عقلائية و شرعية لأصحابها أوّل الكلام، فان كل دار نشر لديها جهاز خاص بالطباعة لنفسها، و لها حقّ التصرف في جهازها و أوراقها و الأدوات الخاصة بها، و الحيلولة دون ممارسة حقّها هذا هو الذي يعدّ ضررا، و إذا مارست حقها هذا لم يعد ذلك اضرارا بدار النشر التي احتفظت بهذا الحق لنفسها، فانّ هذا الحق الذي احتفظت به لنفسها ليس حقا في نظر الشرع و العقلاء؛ و أي حق يتولد بمجرد الكتابة على صفحة الغلاف: ان حقوق الطبع محفوظة لدار النشر؟!! و هل يحتمل ان طبعه

للكتاب قبل غيره و مسارعته إلى ذلك يولّد له حقا؟!(1)ان ذلك مضحك.

و بالجملة نحن نسلّم ان بعض هذه أو كلها لو ثبت كونها حقوقا عقلائية و شرعية فالتجاوز عليها ضرر، إلاّ ان الكلام في كونها حقوقا.

و المهم في النتيجة التي نريد الخروج بها هي: ان الضرر لا يختص بالنقص في المال أو العرض أو البدن، بل التجاوز على حقوق الآخرين و التعدّي عليها ضرر أيضا.

الفرق بين الضرر و الضرار:

عرفنا فيما سبق ان مادة الضرر - أي كلمة ضرر - تدل على النقص، و كلتا الكلمتين تشتركان في هذا المعنى، و ذلك نقطة اشتراك بينهما، و لكن ما هي مادة الامتياز؟

فمثلا كلمة كتب و كاتب تشتركان في الدلالة على أصل الكتابة، و لكن بالرغم من هذا الاشتراك تمتاز كل واحدة عن الأخرى في نقطة، و هي ان كتب تدل على الكتابة بنحو تلبّس الفاعل بها في الزمن السابق، و هذا بخلاف كاتب فانّها تدل على التلبّس الفعلي من دون دلالة على الزمن.

و السؤال في مقامنا عن الفارق بين كلمة ضرر و ضرار بعد اشتراكهما في الدلالة على أصل النقص.

و يمكن ان يفرّق بينهما بان الضرر اسم مصدر، بينما الضرار مصدر.


1) و إذا قيل: كيف لا يكون للمؤلف حقّ و هو قد بذل جهودا فكرية كبيرة؟ أجبنا: انّ لازم انّ المطالب العلمية التي يسجلها بعض المفكرين في كتبهم لا يحقّ للآخرين الاستفادة منها و التبنّي لها، و هو واضح البطلان.

و الفارق بين المصدر و اسمه هو: ان الكلمة تارة تدل على مجرد الحدث مع قطع النظر عن حيثيّة صدوره من الفاعل، أو بالأحرى من دون دلالتها على النسبة إلى الفاعل، و أخرى تدل عليه مع ملاحظة حيثيّة صدوره من الفاعل. و الأول هو اسم المصدر، و الثاني هو المصدر. فمثلا العلم إذا لوحظ منسوبا إلى الفاعل و قيل علم زيد بالقضية ثابت فهو مصدر، أمّا إذا قيل العلم خير من الجهل فهو اسم مصدر.

و غالبا لا فرق بين المصدر و اسمه في اللفظ في اللغة العربية(1)، بينما على العكس في اللغة الفارسية، حيث يختم المصدر بالنون بخلاف اسم المصدر فيقال: «گفتن و گفتار، و رفتن و رفتار، و كشتن و كشتار، و كتك و زدن، و...».

و إذا أردنا ان نمثل للمصدر و اسمه المختلفين في اللغة العربية فيمكن ان نمثل بالضرر و الضرار؛ فان الضرر هو نفس النقص بلا لحاظ حيثية صدوره من الفاعل، فحينما يقال: ضرر فلان عظيم يقصد انّ نفس النقيصة فاحشة و عظيمة، و لا يراد انّ النقيصة التي أدخلها و فعلها فلان عظيمة. انّ حيثيّة فعلها من فلان أو فلان ليست ملحوظة، و إنّما الملحوظ هو النقص بما هو نقص بقطع النظر عن صدوره من هذا أو ذاك. و هذا كله بخلاف الضرار فان حيثية الصدور من الفاعل ملحوظة، فيقال: ضرار فلان عظيم. أي: انّ الضرر الذي قام به فلان و صدر منه عظيم.ة.


1) و يمكن أن يمثل للمختلفين لفظا بالضرر و الضرار و بالتلف و الاتلاف و النفع و المنفعة.

معنى الضرار

بعد ان عرفنا ان الضرار مصدر نسأل عن معناه، إذ الضرار يحتمل كونه مصدرا لضرّ، و يحتمل كونه مصدرا لضارّ؛ فان ضرّ يأتي مصدره ضرا و ضرارا(1). و ضارّ - الذي هو على وزن فاعل - يأتي مصدره على وزن فعال و مفاعلة، أي: ضرار و مضارة(2)

ضارب ضرابا و مضاربة، و قاتل قتالا و مقاتلة، و خاصم خصاما و مخاصمة.

.

ثم إنّه إذا كان مصدرا لضارّ، يقال بان الضرار مصدر باب المفاعلة؛ إذ مصدر ضارّ و إن لم ينحصر بالمفاعلة بل يأتي مصدره على وزن فعال، إلاّ انّه ينسب إلى باب المفاعلة من باب النسبة إلى أشهر المصدرين.

و بالجملة إذا كان الضرار مصدرا لضارّ - أي كان مصدرا من باب المفاعلة - فقد يقال بدلالته على المشاركة، أي لا يضرّ هذا ذاك و لا ذاك هذا فان المنسوب إلى جملة من اللغويين ان باب المفاعلة موضوع للمشاركة، فقاتل زيد عمرا، يعني: هذا قاتل ذاك و ذاك قاتل هذا، إلاّ ان النسبة في أحدهما أصلية و في الآخر تبعية، فالنسبة بلحاظ الفاعل - و هو زيد - أصلية بينما بلحاظ المفعول - و هو عمرو - تبعية.

هذا، و لكن الشيخ الاصفهاني - و وافقه على ذلك جماعة - أنكر دلالة باب المفاعلة على المشاركة، و قال: انّي تتبّعت القرآن من أوله إلى آخره فلم أجد استعمال باب المفاعلة في الدلالة على المشاركة.


1) فإنّ الفعل الثلاثي قد يأتي مصدره على فعال، من قبيل كتب كتابا، و حسب حسابا، و قام قياما.

2) في شرح ابن عقيل 131:2، كل فعل على وزن فاعل فمصدره الفعال و المفاعلة، نحو:

و على أي حال، سواء تمّ ما أفاده أو لا ففي خصوص الحديث لم يقصد من كلمة الضرار الدلالة على المشاركة، إذ الضرر كان صادرا من سمرة فقط دون الأنصاري. و سوف يأتي إن شاء اللّه تعالى في النقطة التالية أنّ استشهاد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنما هو بفقرة «لا ضرار» دون «لا ضرر».

و بعد عدم كون المشاركة مقصودة فما هو المقصود إذن؟

ان المصدر و ان دلّ على صدور الحدث من الفاعل، إلاّ ان هذا المقدار قضية تشترك فيها جميع المصادر، و لكن دلالة بعض المصادر تختلف عن دلالة بعضها الآخر، و السؤال عن دلالة هيئة الضرار ما هي؟

لا يبعد دلالة كلمة «ضرار» على صدور الضرر من الفاعل أمّا بنحو الاستمرار و التكرّر، أو بنحو التقصّد و التعمّد و اتّخاذ ذريعة باطلة إليه، فلا ضرار يعني: لا يصدر منكم الضرر متقصدين إليه و متشبّثين ببعض الذرائع الواهية.

و لعل بعض الاستعمالات القرآنية تساعد على ذلك، قال تعالى:

وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا (1)، و قال: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ... (2)، و قال:... وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ... (3)و قال:2.


1) البقرة: 231.

2) التوبة: 107.

3) البقرة: 282.

... لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ... (1)إلى غير ذلك.

و النتيجة المستخلصة من كل هذا أنّ كلمة الضرر تدل على نفس النقص، و كلمة الضرار تدل على الضرر الصادر من الفاعل عن تعمّد و قصد.

6 - المقصود من قاعدة لا ضرر

اشارة

بعد أن عرفنا المقصود من كلمة الضرر و الضرار يقع الكلام في المقصود من مجموع الجملة و أنّه ما ذا تريد أن تقول و تبيّن.

إن أهم نقطة من نقاط البحث عن قاعدة لا ضرر هي هذه النقطة.

و قد اختلفت الاجابة عن هذا التساؤل، و نذكر المهمّ منها كما يلي:

أ - انّ المقصود النهي و إفادة تحريم الضرر تكليفا. و هذا الرأي ذكره الآخوند في الكفاية، و اختاره شيخ الشريعة الاصفهاني.

ب - ان المقصود نفي الضرر غير المتدارك. و هذا هو المنسوب للفاضل التوني.

ج - ان المقصود نفي تشريع الحكم الذي يستلزم الضرر و يسببه.

و هذا ما اختاره الشيخ الاعظم و الميرزا و السيد الخوئي.

د - ان المقصود نفي الحكم بلسان نفي الموضوع. و هذا ما اختاره الآخوند الخراساني في الكفاية.

و يأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى توضيح الفرق بين هذا الرأي و ما قبله.


1) البقرة: 233.

و بعد هذا نأخذ بالتحدّث بشكل مختصر عن كل واحد من هذه الآراء، ثم بيان ما هو المختار.

توضيح الرأي الأول

اشارة

ان تفسير القاعدة بالتحريم التكليفي للضرر يمكن ان يتم بأحد الطرق الثلاث التالية:

أ - استعمال «لا» النافية في النهي بنحو المجاز و الاستعمال في المعنى غير الموضوع له.

ب - تقدير خبر محذوف، أي: لا ضرر جائز.

ج - ان تكون الجملة مستعملة في الإخبار عن النفي بقصد النهي، نظير استعمال جملة بعت بداعي الانشاء.

الدليل على الرأي الاول

ان كيفية تخريج إرادة النهي من الحديث ليس بمهم، و إنّما المهم إقامة الدليل على اثبات ذلك.

و إذا رجعنا إلى كلمات شيخ الشريعة في رسالة لا ضرر وجدناه يذكر الوجوه التالية:

أ - ان الشائع من الاستعمال المذكور إرادة النهي، من قبيل ... فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ... (1)،... فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ... (2)

و في مجمع البيان: معنى لا مساس: لا يمسّ بعض بعضا فصار السامري يهيم في البراري لا يمسّه أحد و لا يمسّ أحدا عقوبة من اللّه سبحانه له، و كان إذا لقي أحدا يقول: لا مساس،

، و من قبيل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا طاعة لمخلوق في معصية

1) البقرة: 197.

2) طه: 97.

الخالق»، و «لا غشّ بين المسلمين». إلى غير ذلك من الشواهد التي أكثر منها.

و من الغريب في المقام ان الآخوند ذكر في الكفاية ان استعمال التركيب المذكور لإفادة النهي غير معهود، بينما شيخ الشريعة يقول:

إنّ ذلك هو الشائع.

ثمّ إنّه إذا أشكلنا على شيخ الشريعة بأنّ استعمال التركيب المذكور في غير النهي معهود أيضا من قبيل «لا شكّ لكثير الشك»، «لا ربا بين الوالد و ولده» و أمثال ذلك.

أجاب بأنّ الأمثلة المذكورة لا يصح الاستشهاد بها، لأنّ الشارع المقدّس قد أعطى للربا حكما معينا و هو الحرمة، و قد أثبت ذلك لطبيعيّه، و اريد بالجملة المذكورة نفي الموضوع و تنزيله منزلة العدم بلحاظ بعض أ فراده، و كأنّه يراد أن يقال: هذا الفرد ليس من الربا، و من ثمّ لا يثبت له الحكم الثابت لطبيعي الربا و هو الحرمة؛ و أين ذلك من المقام الذي لا يوجد فيه حكم عام للضرر ليراد نفي ذلك الحكم من خلال تنزيل بعض أ فراده منزلة العدم.

ب - التمسك بالتبادر و ان الأذهان الفارغة من الشبهات العلمية لا تنسبق إلاّ إليه.

ج - ان الوارد في الحديث انّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لسمرة: إنّك رجل مضار و لا ضرر و لا ضرار على مؤمن. و هذا بمنزلة صغرى و كبرى، أي: إنّك مضار، و المضارة حرام. و هذا وجيه، بينما لو كان المقصود أي: لا تمسّني.

نفي الحكم الضرري يصير المعنى: انّك رجل مضار، و الحكم الضرري منتف، و لا يظن بالأذهان المستقيمة ارتضاءه.

د - اتفاق أهل اللغة على فهم النهي من الحديث.

مناقشة أدلّة شيخ الشريعة

و يمكن مناقشة الوجوه المذكورة بما يلي:

امّا الوجه الأول فلأنّ مجرد استعمال التركيب المذكور في جملة من الموارد لإفادة النهي لا يعني ان التركيب المذكور اينما ورد يلزم حمله على ذلك بل لا بدّ من ملاحظة المناسبات و النكات.

و في المقام توجد بعض النكات التي تعيق عن ذلك، فان الضرر على ما تقدم هو نفس النقص بدون التفات إلى حيثيّة الصدور من الفاعل، و النهي عن نفس النقص لا معنى له. أجل الضرار حيث ان الملحوظ فيه حيثية الصدور من الفاعل فاستعماله لإفادة النهي وجيه، و يصير لا ضرار بمنزلة لا إضرار، أي: لا يضر بعضكم بعضا.

و عليه يتضح ان المناسب هو التفكيك بين جملة «لا ضرر» و جملة «لا ضرار»، فالثانية تفيد النهي دون الاولى؛ و لا ينبغي ملاحظة الجملتين كجملة واحدة بدون تفكيك بينهما، انّه خطأ لا توجيه له.

و ظاهر كلمات المشهور و إن كان عدم التفكيك بينهما إلاّ ان المناسب هو التفكيك.

و أمّا الوجه الثاني فعهدة دعوى التبادر عليه.

و أمّا الوجه الثالث فلأنّ استفادة الصغرى و الكبرى و إن كانت أمرا وجيها إلاّ انّه يكفي لذلك تفسير فقرة لا ضرار بالنهي، و لا يتوقف على تفسير الفقرة الاولى - لا ضرر - بالنهي.

و أمّا الوجه الرابع فيرده ان فهم أهل اللغة لا حجيّة له، فان الحجّية لو كانت ثابتة لأهل اللغة فهي ثابتة في مقام تشخيص معاني المفردات دون معنى الجمل، فان ذلك اجتهاد محض منهم.

الاستدلال على الرأي الثاني

اشارة

و أمّا ما أفاده الفاضل التوني فيمكن ان يوجّه بأنّ الحديث نفى وجود الضرر خارجا، و حيث ان ذلك كذب فلا بدّ و ان نفترض تدارك الضرر الموجود خارجا، إذ بتداركه يكون وجوده كالعدم فانّ الضرر المتدارك في حكم العدم، و حيث انّه لا يمكن أن يكون المقصود انّ كل ضرر هو متدارك بالفعل و خارجا، لأنّ ذلك كذب أيضا، إذ ما أكثر الإضرار التي لم يتحقق تداركها بالفعل، فلا بدّ و أن يكون المقصود انّ كل ضرر خارجا هو محكوم شرعا بوجوب التدارك.

و بذلك يثبت ان كل ضرر هو محكوم بوجوب التدارك و الضمان شرعا، أي: نفهم من الحديث جعل الضمان شرعا لكل ضرر.

و لكن من هو الضامن؟

ان الحديث يدل على ان الضرر إذا كان منسوبا إلى شخص معين فهو الضامن، و هذا ما تدل عليه فقرة لا ضرار، حيث ان الضرار هو الضرر الملحوظ نسبته إلى الفاعل، فإذا نفي دلّ ذلك على انه ضامن.

و امّا إذا لم يكن الضرر منسوبا إلى شخص فالضامن هو الدولة أو بالأحرى هو بيت مال المسلمين، و هذا ما تدل عليه فقرة «لا ضرر»، لأنّ الضرر هو النقص من دون لحاظ نسبته إلى الفاعل، فنفيه يدل على وجوب ضمانه و ليس الضامن في مثل ذلك إلاّ الدولة، إذ لا يوجد ما يمكن ان يكون ضامنا غيرها.

و تحقيق من هو الضامن قضية غير مهمة فيما نحن بصدده الآن، و إنّما المهم هو الالتفات إلى تقريب دلالة الحديث على مدعى الفاضل التوني بالشكل المتقدم.

و روح هذا التقريب قد تستفاد من عبارة الفاضل التوني حيث قال في الوافية: «إذ نفي الضرر غير محمول على نفي حقيقته لأنّه غير منفي، بل الظاهر ان المراد به نفي الضرر من غير جبران بحسب الشرع»(1).

مناقشة الرأي الثاني

و قد يناقش هذا الرأي بما ذكره السيد الخوئي(2)، من انّ لازم هذا الرأي تقييد الضرر بغير المتدارك و هو بحاجة إلى دليل لأنّه خلاف الاطلاق.

و يرده: ان بإمكان شيخ الشريعة ان يدّعي تارة بأنّي لا أدّعي تقييد لفظ الضرر بلفظ غير المتدارك ليكون ذلك بحاجة إلى قرينة، و إنّما أدّعي ان الشارع لمّا حكم بوجوب التدارك صحّ له ان ينفي الضرر و ينزّله منزلة العدم، فالضرر منفي خارجا باعتبار حكم الشارع بلزوم التدارك من دون ان نقيّد لفظ الضرر في الحديث.

كما ان بإمكان الفاضل التوني ان يختار التقييد و يقول: انّ الدليل عليه موجود بتقريب ان الشارع حينما أخبر بعدم تحقّق الضرر خارجا فذلك منه كذب من دون تقييد بالتدارك فصيانة لكلام الشارع من الكذب لا بدّ من التقييد.


1) الوافية: 194.

2) مصباح الاصول 529:2.

و الصحيح في مناقشته أن يقال: إنّ مجرد حكم الشارع بلزوم التدارك لا يكفي لتصحيح نفي الضرر خارجا، و إنّما المصحح لذلك هو تحقّق التدارك خارجا و بالفعل.

و إذا قيل: إنّ الشارع قد جعل لذلك قوة اجرائية، فباعتبار ذلك يكون التدارك في نظره جاريا مجرى الأمر الواقع و المتحقق.

كان الجواب: انّ الشارع و إن جعل قوة اجرائية لكن ذلك على مستوى التشريع لا على مستوى التكوين، و مجرد تشريع القوة الاجرائية بدون ان تمارس أعمالها تكوينا لا يصحح له الاخبار بانتفاء الضرر خارجا.

هذا مضافا إلى امكان ذكر جواب ثان، و هو: أنّ حمل الحديث على ما ذكره الفاضل التوني يلزم منه تخصيص الأكثر، فالانسان إذا عثر و انكسرت رجله لا يضمن ضرره أحد، و إذا احترقت داره أو كتبه بدون نسبة الاحراق إلى شخص لم يضمن أحد ذلك، و إذا مات ربّ الاسرة تضرّر أعضاؤها و لم يضمن ذلك أحد، و إذا مرض الإنسان و انحرفت صحته تضرّر و لم يضمن ذلك أحد، إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا يكون الضرر فيها منسوبا إلى شخص معين.

أجل في خصوص القتل إذا فرض ان الشخص وجد مقتولا و لم يعرف قاتله، أو فرض انّ الزحام الشديد في منى أو عرفات أو صلاة الجمعة أودى بحياته أمكن الحكم بضمان ديته من بيت مال المسلمين، للخبر الصحيح عن الإمام الصادق عليه السّلام: قال: «قضى امير المؤمنين عليه السّلام في رجل وجد مقتولا لا يدرى من قتله، قال: ان كان عرف له اولياء يطلبون ديته اعطوا ديته من بيت مال المسلمين، و لا يبطل دم امرئ

مسلم، لان ميراثه للإمام، فكذلك تكون ديته على الإمام و يصلّون عليه و يدفنونه. قال: و قضى في رجل زحمه الناس يوم الجمعة في زحام الناس فمات: أنّ ديته من بيت مال المسلمين»(1).

الاستدلال على الرأي الثالث

اشارة

إنّ تفسير الحديث بنفي الحكم الضرري هو المعروف بين المتأخرين، و اختاره الشيخ الأعظم و الميرزا و السيد الخوئي.

و بناء على هذا التفسير يلزم الاستفادة الكثيرة من الحديث، حيث يثبت انّ كل حكم من الأحكام منفي حالة الضرر.

و تصوير هذا الاحتمال يمكن أن يكون بأحد أشكال ثلاثة:

أ - ان تقدر كلمة «حكم». اي: لا حكم ضرريا أو لا حكم ينشأ منه الضرر.

ب - ان لا تقدر كلمة «حكم»، بل تجعل كلمة الضرر بنفسها معبّرة عن الحكم، فعبّر بكلمة «ضرر» و قصد منها الحكم.

و على الاحتمال الأول لا تلزم المجازية في كلمة ضرر، بل تكون مستعملة في معناها بنحو الحقيقة، و إنّما العناية من حيث التقدير، من قبيل: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ ...(2).

بينما على الاحتمال الثاني تلزم المجازية في استعمال كلمة الضرر حيث قصد بها غير معناها، و المصحح هو ان الحكم يستلزم الضرر.

ج - ان تكون كلمة «ضرر» مستعملة في نفس الحكم كما على


1) الوسائل: الباب 6 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به ح 1.

2) يوسف: 82.

الاحتمال الثاني، و لكن يدعى هنا ان الاستعمال المذكور حقيقي و ليس بمجازي، بدعوى انّ المورد من موارد السبب و المسبب التوليدي، و استعمال لفظ المسبب التوليدي في السبب التوليدي استعمال عرفي حقيقي و ليس مجازيا، يقال: فلان أحرق الورقة. و الحال أنّه ألقاها، أو:

فلان قتل فلانا. و الحال أنّه أطلق عليه الرصاص(1)

و مثال ذلك النار و الاحراق، فالنار سبب توليدي و الاحراق مسبب توليدي.

و في مقابل هذا المصطلح الفعل المباشري، و هو الفعل الذي يصدر من الفاعل باختياره، فالانسان يشعل النار و يحصل بذلك الاحراق؛ ان اشعال النار فعل يصدر منه بارادته و اختياره، و يسمى بالفعل المباشري، و اما الاحراق فيصدر منه بدون اختياره، اذ اشتعال النار علّة تامة للإحراق بدون مدخلية للاختيار. و يسمى الاشعال بالسبب التوليدي و الاحراق بالمسبب التوليدي.

.

و هذا التقريب ذكره الشيخ النائيني.

مناقشة الرأي الثالث

هذا ما يمكن به تقريب الرأي المذكور.

و هو و إن كان في نفسه وجيها إلاّ ان تقريباته الثلاثة قابلة للتأمل.

اما الأول فلأنّه بحاجة إلى تقدير، و الدليل عليه مفقود، مضافا إلى ان الحكم لا يوصف بالضرر و إنّما هو ضرري.

و امّا الثاني فلأن استعمال الضرر و ارادة الحكم ليس عرفيا و لو بنحو المجاز.

و على تقدير التنزّل و صحة الاستعمال المذكور فالذي يصحّ هو


1) المقصود من السبب و المسبب التوليدي العلة التامّة و معلولها، فان العلة التامّة متى ما تحققت سبّبت و ولدت المعلول، فالعلّة تسمّى بالسبب التوليدي، و المعلول يسمّى بالمسبّب التوليدي.

استعمال لفظ الضرار في الحكم لا لفظ الضرر فإن الضرر هو نفس النقص، و الحكم ليس نفس النقص بل هو يوجده و يحصّله، بخلاف ذلك في الضرار فانّ النسبة فيه ملحوظة.

و بذلك يتّضح و هن التقريب الثالث بالاولى.

هذا، و لكن و هن هذه التقريبات الثلاثة لا يعني و هن أصل الرأي الثالث، بل سيأتي تقريبه ببيان آخر إن شاء اللّه تعالى.

الاستدلال على الرأي الرابع

اشارة

و الرأي الرابع يرى ان المقصود من الحديث نفي الحكم بلسان نفي الموضوع.

و الفرق بين هذا الرأي و الرأي الثالث: أنّ الثالث يجعل كلمة الضرر مستعملة في الحكم و دالّة عليه، بينما هذا الرأي يرى أنّها مستعملة في الموضوع دون الحكم، ففي قولنا: الوضوء واجب يكون الوضوء بمنزلة الموضوع و الوجوب حكما، و على الرأي الثالث تكون كلمة «الضرر» مستعملة في الوجوب، بينما على الرأي الرابع تكون مستعملة في الوضوء. هذا فارق.

و فارق ثان أنّه على الراي الثالث ينتفي الحكم كلّما استوجب الضرر، سواء كان الضرر بسبب موضوعه أو بعض مقدماته، و هذا بخلافه على الرأي الرابع فانه لا ينتفي إلاّ إذا كان موضوعه ضرريا، و لا يكفي لانتفائه كون مقدماته ضررية.

ففي مثال الوضوء تارة نفترض ان الوضوء نفسه ضرري، و أخرى يفترض ان مقدمات تحصيل الوضوء تستوجب الضرر، ففي الحالة الاولى يرتفع وجوب الوضوء بدون فرق بين الاحتمالين، و في

الحالة الثانية يرتفع وجوب الوضوء على الاحتمال الثالث و لا يرتفع على الاحتمال الرابع.

و استدل الآخوند على رأيه هذا بانّه: بعد عدم امكان إرادة نفي الحقيقة حقيقة، فاقرب المجازات هو نفيها ادعاء، مضافا إلى انّ التركيب المذكور كثيرا ما يستعمل في النفي الادعائي بخلاف غيره من المعاني.

مناقشة الرأي الرابع

و يمكن ان يناقش الرأي المذكور بانّ فكرة نفي الحكم بلسان نفي موضوعه يصعب تطبيقها في المقام، ففي مثل قولنا: لا ربا بين الوالد و ولده. يمكن تطبيق الفكرة المذكورة، لأن الربا موضوع للحرمة فنفيه نفي لها، و في المقام حكم الضرر هو الحرمة و الضمان(1)، فإذا نفي لزم من ذلك نفي الحرمة و الضمان، و ذلك عكس المقصود.

و عليه فلتصحيح تطبيق الفكرة المذكورة لا بدّ من أخذ عنوان الضرر مشيرا إلى مثل الوضوء حتى يكون المنفي هو الوضوء و من ثمّ حكمه و هو الوجوب. و هذا قابل للتأمل لان التعبير عن الوضوء بالضرر الذي هو نفس النقص ليس عرفيا، فان الوضوء يستوجب الضرر و سبب له لا انّه نفسه.

و في المحاورات العرفية و ان كان قد يستعمل اللفظ أحيانا بنحو المرآتية إلى شيء آخر، إلاّ ان ذلك يختص بباب العنوان و المعنون، فالعنوان قد يطلق بنحو المراتبة على معنونه، و المصحح لذلك هو


1) فإنّ الحكم المتصوّر للضرر لو كان فهو الحرمة و الضمان - و لا يوجد حكم غيرهما - و إن كان في ذلك شيء من المسامحة، باعتبار ان الضرر الذي هو نفس النقص لا حكم له، و إنّما المحرم و الموجب للضمان هو الضرار بمعنى الاضرار.

الاتحاد الثابت بينهما، فالعنوان عين المعنون و متّحد معه، و هذا بخلافه في باب السبب و المسبب فانه لا يستعمل احدهما مرآة للآخر، فلا تستعمل كلمة النار مرآة للإحراق و لا بالعكس، و ما ذاك إلاّ لعدم الاتّحاد بينهما.

و الأمر في المقام كذلك فان الضرر مسبب عن الوضوء و ليس عينه و عنوانا له.

هذا مضافا إلى انّ فكرة نفي الحكم بلسان نفي موضوعه لا يمكن تطبيقها على المقام من جهة أخرى، باعتبار انّه عندنا مصطلحان:

موضوع و متعلّق، و الذي يصح نفي الحكم بنفيه هو الموضوع دون المتعلق، و في المقام الوضوء متعلق و ليس موضوعا فلا يصح بنفيه نفي الحكم.

و لتوضيح المصطلحين المذكورين نقول: انّ ما يلزم فرضه في المرتبة السابقة و بعد ذلك يثبت الحكم هو الموضوع. و امّا ما يكون الحكم مقتضيا لإيجاده أو نفيه، و يكون تحققه من نتائج الحكم بدون ان يلزم فرضه في المرتبة السابقة فهو المتعلّق.

ففي قولنا: يجب الحجّ على المستطيع يكون المستطيع موضوعا، لأنه متى ما فرض تحقّقه يثبت الحكم، بينما الحجّ متعلّق لأنه لا يلزم فرضه في المرتبة السابقة و بعد ذلك يتحقق الوجوب، بل ان الوجوب يحرك نحو تحقيقه، بخلاف ذلك في المستطيع، فانّ الوجوب لا يحرك نحو تحقيقه.

و في قولنا: الربا محرم، يكون الربا موضوعا للحرمة، لأنّه متى ما فرض صدق الربا على البيع أو القرض كان ارتكابه محرما، فالربا

موضوع و ارتكابه متعلق، و في مثل ذلك يصح نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، فيقال مثلا: «لا ربا بين الوالد و ولده».

و هذا بخلافه في مثل الوضوء، فانّه متعلق حيث يجب ايجاده، لا انّه على تقدير فرض تحقّقه يصير واجبا.

و الوجه في اختصاص الفكرة السابقة بذلك هو الوجدان العرفي فهل ترى يصح ان يقال لا وضوء عند الضرر و يقصد بذلك انّه ليس بواجب؟ كلا لا يصح ذلك، و هذا بخلافه في مثل: لا ربا بين الوالد و ولده فانه يصح، إذ الربا إذا لم يتحقق لم تثبت الحرمة، و هذا بخلافه في الوضوء فانه إذا لم يتحقق لم يلزم انتفاء الوجوب.

ان ما ذكرناه مطلب وجداني. و نكتته هي أنّ الموضوع إذا لم يتحقق لم يتحقق الحكم، و لذا يصح التعبير بانتفاء الموضوع بقصد إفادة انتفاء الحكم، و هذا بخلافه في المتعلق فان انتفاءه لا يستلزم انتفاء الحكم، فمن لا يتوضأ عصيانا لا ينتفي الوجوب عنه، و من هنا لا يصح التعبير عن انتفاء هذا بانتفاء ذاك.

الصحيح أن يقال

و الصحيح أن يقال: انّه توجد لدينا فقرتان: فقرة «لا ضرر» و فقرة «لا ضرار»، و كل واحدة منهما يمكن ان يستفاد منها غير ما يستفاد من الأخرى، و لا ينبغي التعامل معهما بشكل واحد.

امّا فقرة «لا ضرر» فيمكن ان نستفيد منها انتفاء كل حكم يكون ثبوته مستلزما للضرر كما افاده الشيخ الاعظم، و لكن لا لأحد البيانات السابقة فانها ضعيفة كما تقدم، و انما ذلك من جهة ان كلمة الضرر تعني نفس النقص كما تقدم، و إرادة النهي عن ذلك غير محتملة كما

تقدم، اذ نفس النقص لا معنى للنهي عنه فما ذا يقصد اذن؟

انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حينما يتكلم لا بدّ و انه يتكلّم بما هو شارع، و الشارع حينما يخبر عن عدم الضرر لا بدّ و أن يكون مقصوده نفي تحقّق الضرر من ناحية أحكامه و تشريعاته، انّ ذلك هو المناسب له.

و بذلك يثبت انّ المقصود نفي تحقّق الضرر في حق المكلّف من ناحية التشريع و الأحكام، فكل حكم يكون ثبوته مستلزما للضرر يكون منتفيا.

و فرق هذا التقريب عن التقريبات السابقة انّه على هذا التقريب لا نكون بحاجة إلى تقدير كلمة حكم، كما انّه لا يلزم استعمال كلمة الضرر في الحكم و إنّما المنفي هو نفس الضرر لكننا نقيد النفي و انّه نفي للضرر من ناحية الحكم و التشريع.

و لا يخفى انّه لو خلينا نحن و هذه الفقرة لأمكن ان نستفيد منها - اضافة إلى ما ذكرناه من انتفاء كل حكم ضرري - حرمة الاضرار بالآخرين و عدم اباحته، لأنّ الحكم بإباحته مستلزم للضرر(1)على الآخرين فيكون منتفيا.

و عليه فما رامه شيخ الشريعة من استفادة تحريم الضرر يكون ثابتا ضمن هذا التفسير أيضا.

هذا بالنسبة إلى فقرة «لا ضرر».

و اما بالنسبة إلى فقرة «لا ضرار» فيستفاد منها النهي عنق.


1) غير أنّه يستفاد منها عدم اباحة الاضرار بالآخرين، و لا يستفاد منها عدم ثبوت اباحة اضرار الانسان نفسه، بخلاف ذلك في فقرة «و لا ضرار» فانّه يمكن ان يستفاد منها ذلك تمسكا بالاطلاق.

الاضرار و تحريمه كما رام ذلك شيخ الشريعة، حيث ان الضرار لوحظ فيه جنبة الصدور من الفاعل، و هو أشبه بكلمة اضرار، فكما انّه في جملة «لا اضرار» يستفاد النهي عن الاضرار كذلك في لا ضرار.

و نلفت النظر إلى ان تحريم الاضرار بدون تشريع وسائل وقائية تحول دون حدوث الضرر أو دون بقائه ليس عقلائيا، فالتحريم تكليفا للإضرار يلازم تشريع الوسائل المانعة من حدوث أو بقاء الضرر.

و بهذا يتّضح الجواب عن التساؤل الذي ستأتي الإشارة له إن شاء اللّه تعالى و هو: انّ المناسب لحرمة الاضرار منع دخول سمرة الى منزل الأنصاري دون الأمر بقلع النخلة.

و وجه الجواب: ان تحريم الاضرار منفكّا عن تشريع الوسائل الوقائية حيث انّه ليس عقلائيا فيكون أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقلع النخلة من هذه الناحية.

كما يتّضح من خلال ما ذكرناه وجه الارتباط بين تحريم الاضرار و تشريع حق الشفعة، ان ذلك من جهة ان بيع الشريك لحصته لما كان يولّد حقا للشريك الأول في المطالبة بالحصة لنفسه بازاء بذله للثمن، و لمّا كان منعه من إعمال حقه هذا اضرارا به فمن المناسب بعد حرمة الاضرار ثبوت حق الشفعة.

فالتناسب على هذا تناسب بين الفقرة الثانية و ثبوت حق الشفعة، و ليس تناسبا بين الفقرة الأولى و حق الشفعة.

7 - تطبيق الحديث على قضية سمرة

هناك إشكال ذكره الشيخ الأعظم في رسالة لا ضرر بقوله: «و في

هذه القضية إشكال من حيث حكم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقطع العذق مع أنّ القواعد لا تقتضيه، و نفي الضرر لا يوجب ذلك، لكن ذلك لا يخلّ بالاستدلال».

و حاصله: انه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أمر بقلع الشجرة و علّل ذلك بقوله لا ضرر و لا ضرار، و الحال ان تحريم الضرر لا يقتضي جواز قلع الشجرة، و إنّما أقصى ما يقتضي منع سمرة من الدخول بدون استئذان، حيث ان في ذلك اضرارا و هو محرم، و لا معنى لتجويز قلع الشجرة.

هذا بناء على انّ مفاد قاعدة لا ضرر تحريم الاضرار، و امّا إذا كان مفادها نفي الحكم الضرري فالامر مشكل أيضا، لأنّ الحكم بثبوت حق لسمرة في بقاء نخلته في ملك الأنصاري ليس ضررا على الأنصاري لكي يكون مرفوعا بالقاعدة، و إنّما الحكم الضرري هو تجويز الاستطراق بدون استئذان فيكون هو المرفوع.

و قد اجيب عن ذلك بعدة أجوبة نذكر منها:

1 - ما أشار إليه الشيخ الأعظم في العبارة السابقة و هو ان عدم المعرفة بكيفية التطبيق لا يمنع من الاستدلال بالقاعدة و لا يؤثر على ذلك.

و يرده: ان عدم التعرّف على كيفية التطبيق على نفس المورد يولّد احتمال كون المقصود من القاعدة شيئا آخر غير ما نفهمه، إذ لو كان المقصود ما نفهمه منها يلزم عدم الملاءمة بين ما نفهمه منها و بين تطبيقها.

2 - ما اختاره جماعة كالميرزا و السيد الخوئي(1)، من ان الأمر بالقلع لم يستند إلى القاعدة، و إنّما استند إلى ولايته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كونه حاكما وظيفته حفظ النظام، فمن باب كونه يجب عليه الحفاظ على النظام أمر بالقلع و ليس من باب قاعدة لا ضرر.

و يرده: انّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حينما أمر بالقلع علل بقوله لا ضرر، حيث قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اذهب فاقلعها و ارم بها إليه فانّه لا ضرر و لا ضرار؛ فإنّ ذلك واضح في كون القاعدة قد ذكرت كتعليل للأمر بالقلع.

3 - ما ذكره بعض الأعلام(2)- من أنّ قاعدة لا ضرر و لا ضرار التي ذكرها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تمسّك بها لم يذكرها من باب أنّها قاعدة من القواعد الإلهيّة التي امر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بتبليغها كقانون من اللّه سبحانه، و إنّما ذلك حكم صادر منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بما هو رئيس للحكومة الإسلامية، فالقاعدة حكم سلطاني و حكومتي و ليس إلهيّا.

و توجيه ذلك: ان الروايات على قسمين: بعضها عبّر بكلمة «قضى»، مثل رواية عبادة و عاقبة، حيث قيل قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالشفعة و قال لا ضرر، و دلالة مثل ذلك بقرينة كلمة «قضى» على كون القاعدة حكما سلطانيا واضحة.

و بعضها الآخر - مثل رواية الكافي - لم يعبّر فيها بكلمة «قضى»، و لكن بالرغم من ذلك تكون القاعدة فيه حكما سلطانيا؛ لأنّ الأنصاري لما ظلمه سمرة شكا أمره إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بما هو سلطان و رئيس للحكومة فحكم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأنّه لا يضرّ أحد أخاه في حكومتي و دولتي.5.


1) مصباح الاصول 232:2.

2) الرسائل: 55.

قال قدّس سرّه بعد استعراض الإشكال ما نصّه: «و أمّا الإشكال فلا يرد على ما ذكرنا ضرورة أنّ المورد مندرج تحت الحكم السلطاني الكلّي، فيكون الأمر بالقطع لقطع مادة الفساد المتوقّع في المقام»(1).

و إذا قيل: إنّه بناء على هذا يكون مفاد الحديث هو النهي عن الضرر و هو نفس ما أفاده شيخ الشريعة.

كان الجواب: انّ شيخ الشريعة كان يقول بأنّ المقصود بيان التحريم و النهي الإلهي، بينما على هذا التصوير يكون المقصود بيان التحريم و النهي السلطاني. و على الأوّل يكون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مبلّغا لحكم إلهي، و على الثاني لا يكون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مبلّغا بل مقنّنا لحكم سلطاني.

و إذا قيل: ما الفرق بين هذا الجواب و الجواب الثالث الذي ذكر فيه كون الأمر بالقلع حكما ولايتيّا؟

كان الجواب: انّه على الجواب السابق تكون قاعدة لا ضرر و لا ضرار حكما إلهيّا قد أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بتبليغه، غايته أنّه أمر بالقلع من باب الولاية و حفظ النظام، و هذا بخلافه على هذا الجواب، فإنّ القاعدة بنفسها حكم سلطاني.

و يردّه: انّ المشكلة لا تنحلّ بكون النهي عن الضرر و الضرار سلطانيا؛ إذ يبقى أنّ مجرّد تحريم الاضرار و المنع عنه - و لو سلطانيا - لا يقتضي إلاّ المنع من الدخول بلا إذن و لا يقتضي تجويز القلع.

4 - ما اخترناه سابقا و هو أنّ الحديث يشتمل على فقرتين، و في فقرته الثانية يدلّ على تحريم الاضرار، و تحريم الاضطرار يستبطن9.


1) الرسائل: 59.

بالملازمة العقلائية تشريع الوسائل الوقائية و الوقوف أمام تحقّق الظلم أو بقائه و لو بإعطاء ذلك كصلاحيّة للحاكم. و هذا نظير النهي عن الاحتكار، فإنّه لو نهي شخص عن الاحتكار و بالرغم من ذلك احتكر، فلو جاء الحاكم و أخرج السلع المحتكرة و باعها لم يشكل على ذلك بأنّ النهي عن الاحتكار لا يستوجب إلاّ تحريم الاحتكار لا أكثر، بل يرون وجود ملازمة بين تحريم الاحتكار و تشريع الوسيلة الوقائية و انّ الأوّل دون الثاني أشبه بالتفكيك بين المتلازمين.

و في المقام أحد تلك الوسائل: قلع النخلة، إذ بدون قلعها يبقى سمرة داخلا و خارجا، و ذلك يستلزم استمرار الاضرار، و مجرّد منعه بدون استئذان لا يكفي للوقوف أمام ظلمه، اللّهمّ إلاّ إذا فرض ايقاف شرطي عند الباب يأمر سمرة بالاستئذان، و ذلك أمر غير عملي، و لأجل انحصار الوسيلة الوقائية بالقلع أمر صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالقلع.

8 - كيف يدفع محذور كثرة التخصيص

هناك إشكال أشار له الشيخ الأعظم في الرسائل حاصلة: انّ قاعدة لا ضرر قد طرأت عليها تخصيصات كثيرة بمعنى: أنّ هناك أحكاما كثيرة ثابتة في الإسلام و هي ضررية و لا ترتفع بقاعدة لا ضرر، كما هو الحال في الحدود، و الديات، و التعزيرات، و القصاص، و باب الضمان بالاتلاف أو اليد، و باب الخمس، و الزكاة، و الجهاد، و الحجّ، و الانفاق على الزوجة و الأقارب، و باب الكفارات، ككفارة خلف اليمين، أو الافطار، أو كفّارات الحجّ، و باب تنجّس الملاقي؛ فإنّ المرق

الكثير إذا لاقى نجاسة وجب التجنّب عنه و إن كان كثيرا، و ذلك ضرر(1).

انّ الحكم بالحدّ و التعزير و القصاص إدخال للنقص على الجاني و اضرار به، و هكذا الأمر في باب الضمان و نحوه.

و كثرة التخصيص هذه توجب بلا ريب و هن القاعدة، و من ثمّ توجب أن لا يكون المقصود من القاعدة معناها الظاهر؛ إذ لازمه كثرة التخصيص المستهجن، و عليه فيلزم أن يكون المقصود من القاعدة معنى آخر لا يلزم من إرادته محذور تخصيص الأكثر، و حيث إنّ ذلك المعنى غير معلوم لنا فيلزم سقوط القاعدة عن الاعتبار أو - على أقل تقدير - لا يصحّ التمسّك بها إلاّ في الموارد التي تمسّك فيها المشهور بها.

و بالجملة: إنّ العمل بالقاعدة على عمومها بحيث لا يلتزم بتخصيصها بما تقدّم من الموارد يلزم منه - على حدّ تعبير الشيخ - فقه جديد، و الالتزام بتخصيصها يلزم منه ما تقدّم.

هذه حصيلة الإشكال.

و يمكن أن نطرحه بصيغة ثانية أو بروح أخرى هي: انّ كثرة تخصيص الحديث يعني أنّ في الإسلام أحكاما كثيرة هي ضررية و لا ترتفع بحديث نفي الضرر، و من ثمّ تكون ثابتة بالرغم من كونها ضررية، و هذا معناه: أنّ الإسلام ضرري في كثير من أحكامه و أنّه يوقع أتباعه في الضرر. و هذا تشويه واضح لسمعة الإسلام النزيه عن هذا و أمثاله...


1) و لعلّ على هذا المنوال يمكن ذكر أمثلة أخرى، من قبيل سلب حرية الزوجة من التزوّج بزوج آخر، أو عدم جواز خروجها من البيت بدون إذن زوجها أو...

و إشكال كثرة التخصيص الذي طرحه الشيخ الأعظم يمكن أن يجعل منه أعداء الإسلام - من باب: من فمك أدينك - وسيلة للطعن على الإسلام، فإنّ من قبل بلزوم تخصيص الأكثر بشكل و آخر فقد قبل بتشويه سمعة الإسلام من حيث لا يدري.

هذه صياغة ثانية للإشكال.

و يمكن أن نتقدّم بصياغة ثالثة للإشكال، و هي أنّ الحديث مسوق مساق الامتنان على الامّة الإسلامية، و سوق القضية مساق الامتنان يجعلها عرفا تأبى عن التخصيص حتى و لو فرض عدم كثرته أو فرض عدم استهجان كثرة التخصيص، خصوصا إذا التفتنا إلى أنّ الخارج من القاعدة هو من القضايا الأساسية في الإسلام، كالحدود و الديات و أمثالها.

إنّ خروج أمثال هذه الأحكام الأساسية في الإسلام عن القاعدة المسوقة مساق الامتنان مستهجن و مرفوض عرفا.

و هل ترى من المناسب أن يقول الشارع: لم أجعل عليكم حكما ضرريا امتنانا منّي عليكم إلاّ في باب الحدود و الديات و القصاص فقد أثبتّ عليكم حكما ضرريا و لم أمتن عليكم؟!

هذه صيغ ثلاث للإشكال، و المذكور منها في كلمات الأعلام هو الصيغة الاولى فقط.

و قد ذكروا للجواب عن ذلك عدّة وجوه نذكر من بينها:

1 - ما أفاده الشيخ الأعظم من أنّ خروج الأكثر حصل بعنوان واحد جامع لها و لم يخرج كل واحد منها بعنوانه الخاصّ، كل ما في الأمر انّ ذلك العنوان الجامع مجهول لنا. و متى ما كان الخروج بعنوان

واحد فهو ليس بمستهجن حتى و لو كان الخارج به الأكثر، كما إذا قيل:

«أكرم الناس» و دلّ دليل آخر على خروج الفاسق الذي هو شامل لأكثر الأفراد، فإنّه لا استهجان فيه.

و ردّ الآخوند ذلك بأنّه لا فرق في الاستهجان بين أن يكون ذلك بعنوان واحد أو بعناوين متعدّدة.

و الميرزا(1)- و تبعه على ذلك السيّد الخوئي - فصّل بين القضية الحقيقية و الخارجية، ففي الخارجية يمتنع تخصيص الأكثر و لو بعنوان واحد، كما لو قيل: أكرم من في العسكر، ثمّ أخرج بني تميم الذين يساوي عددهم عدد العسكر باستثناء ثلاثة أو أربعة، و أمّا في القضية الحقيقيّة فلا يمتنع ذلك.

ثمّ أ فاد أنّ الحديث الشريف حيث إنّه من قبيل القضايا الخارجية باعتبار أنّه ناظر إلى الأحكام التي بلّغها اللّه سبحانه إلى الناس بلسان نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فالحقّ مع الآخوند.

و هذا الجواب كما ترى يسلّم بأنّ أكثر الأحكام ضررية فيبقى الإشكال بصيغته الثانية.

2 - ما ذكر في جملة من الكلمات بالنسبة إلى الديات و الحدود و القصاص و الحجّ و الجهاد، من أنّها مجعولة ضررية و مبنيّة على الضرر، و الحديث ناظر إلى العمومات التي قد تكون ضررية و قد لا تكون و يقيّدها بصورة عدم الضرر، و معه فكل حكم جعل ضرريا بطبعه من أوّل الأمر لا يكون مشمولا لحديث لا ضرر.1.


1) رسالة لا ضرر: 211.

و هذا كما ترى يسلّم بالضرر في الأحكام المذكورة فيبقي الإشكال بصيغته الثانية.

3 - إنّه في باب الخمس لا يصدق الضرر، لأنّ الشارع لم يعتبر الشخص مالكا لمقدار الخمس حتى يكون وجوب إخراجه ضررا عليه، بل اعتبره شريكا مع السادة، و لكن يصدق قلّة النفع و هي ليست بضرر(1). أجل الزكاة هي فرع الملك و يصدق الضرر بالنسبة إليها، و لكن لا يشملها الحديث من باب أنّها بطبعها مبنيّة على الضرر.

4 - ما ذكر في غير واحد من الكلمات، من أنّ موارد الضمان و القصاص هي من موارد تعارض الضررين، فإنّ عدم الضمان ضرر على المضمون له و الضمان ضرر على الضامن. و هكذا يرد في موارد القصاص، فإنّه ضرر على الجاني و عدمه ضرر على المجني عليه، و الحديث لا يشمل موارد تعارض الضررين.

إلى غير ذلك من الأجوبة، و هي كما ترى لا يخلو أكثرها من تكلّف، مضافا إلى أنّها لا تحلّ الإشكال بجميع صيغه.

و الذي نراه في الجواب أن يقال: إنّه لو فرضنا اسرة كبيرة تعيش في بيت واحد، و كان ربّ الاسرة يشرف عليها و يدير أمرها بما يراه صلاحا لها فقال من باب الحفاظ عليها: على الثري من أ فراد الاسرة أن يدفع في نهاية كل عام جزءا من الفائض عنده ليصرف في إصلاح شئون الفقراء من الاسرة، أو ليرمّم به البيت الذي تعيش فيه الاسرة، أو ليشترى به للأسرة سيّارة يستفيد منها كل أ فرادها، هل ترى في مثلك.


1) هكذا ذكر جماعة منهم السيّد الخوئي في المصباح 539:2. هذا و لكن السيّد الشهيد في التقرير 474:5 اختار انّ كليهما في طول الدخول في الملك.

ذلك أنّ مدير الاسرة قد أضرّ بحال من أخذ منه الأموال؟ انّه لم يأخذها ليضعها في كيسه الخاص بل أخذها لإصلاح شئونهم.

و هكذا لو فرض أنّه قال: من أتلف أموالا لغيره بعمد أو غير عمد فيلزم أن يدفع عوضها، أو قال: من جنى على غيره فللمجني عليه، أو أوليائه الجناية بالمثل أو أخذ الفداء(1)، هل ترى أنّ أمثال هذه المقررات التي يصدرها ربّ الاسرة أو شيخ العشيرة ضرر، أو هي عين النفع و العدالة و الاستقامة التي بها ينتظم أمر المجتمع؟

و هكذا إذا قال: كلّ من تلوّث طعامه بالميكروبات فعليه عدم تناوله حفاظا على صحّته، هل مثل هذا يعدّ إضراراً بهم؟

و هكذا إذا قال: على أ فراد الاسرة القادرين على حمل السلاح مداهمة العدو و الهجوم عليه بين آونة و أخرى حفاظا على الاسرة من العدوّ، هل مثل ذلك يعدّ اضرارا بها؟

و هكذا إذا قال: على كل واحد من أولادي المتزوّجين سدّ حاجة زوجته و أطفاله، هل يعدّ مثل ذلك إضراراً؟

و هكذا إذا قال: كلّ من التزم على نفسه بقضية معيّنة فعليه الوفاء بالتزامه، و إذا لمّ يف فعليه دفع غرامة معيّنة، هل ترى مثل ذلك إضرارا؟

و هكذا إذا قال: كلّ من خالف المقرّرات المرسومة لصالحة عزّر، أو سجن لفترة تأديبا، أو يلزمه دفع غرامة معيّنة، هل يعدّ مثل ذلك إضرارا؟ة.


1) المعبّر عنه بالفصل في الأوساط العراقية.

و هكذا إذا قال: على التلاميذ إطاعة تكاليف المعلّم، و على الأولاد إطاعة أوامر أبيهم، و على الزوجة إطاعة أمر زوجها، هل مثل ذلك يعدّ إضرارا؟

إنّنا إذا قبلنا عدم كون مثل هذه القوانين إضرارا بأفراد الاسرة، أو هي بالاحرى ليست إضرارا بالنظرة العقلائية و بلحاظ القيم العقلائية التي يسمو الإنسان إلى تحقيقها - و إن كانت إضرارا من زاوية اللغة - فلما ذا لا نقول مثل ذلك في الإسلام؟

إنّ الإسلام ينظر إلى المجتمع الإسلامي كاسرة واحدة، و الشارع هو المشرف على مصالحها، كيف لا، و المسلمون في تراحمهم و تعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى و السهر؟!

و تكفينا الآيات القرآنية حيث تخاطب المسلمين بخاطب الواحد:

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ... (1).

إنّ قوانين الإسلام في باب الحدود و الديات و التعزيرات و القصاص و الضمان و الخمس و الجهاد و الزكاة و الإنفاق على الزوجة و الأقارب ترجع مصالحها إلى المجتمع الواحد، فكيف تكون اضرارا؟ انّ بها ديمومة المجتمع و بدونها لا يدوم و لا يمكن له الاستمرار، فكيف تكون اضرارا؟

و هل حكم الشارع بتنجّس المضاف و وجوب اراقته حفاظا على المجتمع الإسلامي من الميكروبات إضرار به؟!0.


1) آل عمران: 110.

أم هل الحجّ الذي به يلتقي المسلمون بعضهم ببعضهم الآخر، و يحصل التعرّف بينهم و حلّ مشاكلهم، و فيه ارتزاق أهل مكّة و استفادة الفقراء من الذبائح و التجارة، و الاطّلاع على مهد الرسالة و مواضع نزول جبرئيل و التقاء أ فراد الامّة بأئمتها و علمائها، و التواجد في مثل تلك المشاعر الشريفة التي يشعر فيها المؤمن بالاتّصال باللّه و صقل روحه صقلا كاملا، هل في مثل ذلك كلّه ضرر؟

إن بذلك وحدة المسلمين و قوّتهم و استمرارهم، هل مثل ذلك ضرر أو عين النفع و الصواب؟!

إنّنا لو أردنا أن نؤسّس مجتمعا عقلائيا يعيش المدينة الفاضلة لما كنّا نعدو أمثال هذه القوانين، و لئن كنّا نعدو بعضها فذلك و ليد جهلنا بها و عدم توصّل عقول العقلاء إليها.

و الذي نراه سببا لنشوء فكرة التخصيص الكثير: النظر إلى الإسلام كمجموعة تشريعات جاءت لإصلاح شئون الأفراد دون المجتمع، انّ النظر إلى الإسلام بهذا الشكل يولّد حتما مثل هذه الشبهة، أمّا إذا نظرنا إليه بصفته مجموعة تشريعات جاءت لإصلاح الساحة العالمية أيضا فلا يتمّ ما ذكر، لأنّ الساحة العالمية تحتاج إلى مثل هذه القوانين ليلتئم فيها النظام و تسود به السعادة؛ وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ (1).

و الكلمة المختصرة في حلّ الشبهة: انّ الضرر في الأمثلة المتقدّمة و غيرها يصدق فيما إذا لم يعد نفع القانون إلى الشخص نفسه9.


1) البقرة: 179.

أو إلى المجتمع الإسلامي، أمّا بعد عود النفع إلى أحد هذين فالضرر غير صادق على المستوى العقلائي و لا يعد لدى العقلاء ضررا، أو على الأقل يعدّ ضررا غير أنّه ضرر مقبول لدى العقلاء، و حديث نفي الضرر حينما يقول: لا ضرر يقصد نفي ما يكون ضررا على المستوى العقلائي.

9 - شمول الحديث للأحكام العدمية

وقع الكلام في أنّ حديث لا ضرر هل يشمل الأحكام العدمية أو يختصّ بالأحكام الوجودية، فوجوب الوضوء مثلا حكم وجودي و لا إشكال في شمول الحديث له حالة الضرر، و أمّا عدم ثبوت حقّ الطلاق لغير الزوج - عند عدم قيامه بالإنفاق على الزوجة، أو عند حبس الزوج لفترة طويلة تستوجب تضرّر الزوجة - فهو حكم عدمي، و عدم انتفائه في الحالات المذكورة و أمثالها يستوجب الضرر، فهل يمكن تطبيق الحديث عليه و من ثمّ ليثبت حقّ الطلاق لغير الزوج؟

اختار السيّد اليزدي في ملحقات العروة ثبوت حقّ الطلاق للحاكم، لأنّ عدم ثبوته له يستلزم الضرر، فينتفي ذلك العدم بحديث لا ضرر و بالتالي يثبت الوجود، أي يثبت حقّ الطلاق للحاكم(1).

و مثال ثان لذلك: إذا حبس شخص شخصا آخر حرّا يوما أو يومين وفات بذلك عمله، انّ المشهور قالوا بعدم الضمان و يختصّ الضمان بمن حبس عبد الغير أو حبس أجير الغير، فإنّ منافع العبد


1) و لم يستند السيّد اليزدي إلى حديث لا ضرر فقط، بل تمسّك بالروايات الخاصّة أيضا.

و الأجير فاتت بسبب الحبس فيمكن تطبيق قاعدة من أتلف مال الغير فهو له ضامن و هذا بخلاف الحرّ فإنّه ليس بمال فلا تشمله قاعدة من أتلف مال الغير، بل إذا كان هناك مدرك للضمان فهو يختصّ بقاعدة لا ضرر بناء على شمولها للأحكام العدمية، فيقال: إنّ عدم ضمان منافع الحرّ المحبوس ضرر عليه فيلزم ضمانها بحديث لا ضرر بناء على شمولاه الأحكام العدمية.

و مثال ثالث لذلك: ما إذا كان العبد تحت الشدّة و المولى يؤذيه كثيرا، فإنّ عدم انعتاقه ضرر عليه فيلزم انعتاقه تطبيقا لحديث لا ضرر بناء على شمولاه للأحكام العدمية.

و قد يستدلّ على عدم شمول الحديث للأحكام العدمية بما يلي:

1 - ما أفاده الشيخ النائيني(1)، من أنّ حديث لا ضرر ناظر إلى الأحكام التي جعلها الشارع و شرّعها لينفيها حالة الضرر، و عدم الحكم ليس أمرا مجعولا من قبله ليشمله الحديث، و إنّما هو عدم جعل لا جعل للعدم.

و السيّد الخوئي في مصباح الاصول(2)سلّم نظر الحديث إلى خصوص الأحكام المجعولة، و لكنّه دفع ذلك بأنّ عدم جعل الحكم في الموضع القابل للجعل نحو جعل للعدم، و كأنّ الشارع قد جعل عدم الحكم.

و ما أفاده لا يخلو من تكلّف.

و المناسب أن يقال: لا موجب لتخصيص نظر الحديث إلى2.


1) رسالة لا ضرر: 220.

2) مصباح الاصول 560:2.

خصوص الأحكام المجعولة، فان ذلك بلا موجب، إذ المقصود نفي الضرر اللازم من الموقف الشرعي، ففي عالم التشريع لم يتّخذ الشارع موقفا يلزم منه الضرر على المكلّفين، و من الواضح أنّ عدم حكم الشارع بثبوت حقّ الطلاق للزوجة، أو للحاكم الشرعي موقف من قبل الشارع يلزم منه الضرر على الزوجة، و هكذا بالنسبة إلى بقية الأمثلة.

هذا مضافا إلى أنّ بعض الأمثلة المتقدّمة يمكن تصوير الحكم فيها وجوديا، كما هو الحال في مثال الزوجية، فإنّ ثبوت حقّ الطلاق للزوج و كونه خاصّا به بشكل مطلق يستلزم الضرر في الحالات المتقدّمة فيكون منفيا.

و هكذا يمكن تصوير الحكم وجوديا في مثال العبد، فان حكم الشارع ببقاء الرقيه بشكل مطلق و في كل الحالات يستلزم الضرر.

2 - ما أفاده الشيخ النائيني أيضا من أنّ لازم شمول الحديث للأحكام العدمية تأسيس فقه جديد، إذ يلزم صيرورة أمر الطلاق بيد الزوجة في حالة تضرّرها، فمن حقّها أن تطلّق نفسها و لو لم يطلّقها الزوج، و هذا غريب لم يعهد من أحد القول به.

و فيه: انّ ما ذكره ليس إلاّ مجرّد شعار و إعلام، فقد نقل هو قدّس سرّه أنّ السيّد الطباطبائي اليزدي في ملحقّات العروة يرى: إمكان الحكم بثبوت حقّ الطلاق لغير الزوج تمسّكا بحديث لا ضرر.

و المناسب أن يقال بشمول الحديث للأحكام العدمية و الالتزام بما يؤدّي إليه من نتائج فيما إذا لم يكن هناك إجماع على خلافها، و مجرّد عدم كونها معروفة بين الفقهاء لا يمنع من التمسّك بعموم الحديث.

3 - انّ حديث لا ضرر حديث نفي و ليس حديث إثبات، فهو كأنّه

يقول: أنا أنفي الأحكام التي يستلزم ثبوتها الضرر، و لا يقول: أنا أثبت الأحكام التي يستلزم عدمها الضرر.

و فيه: إنّا نسلّم ظهوره في النفي دون الإثبات حيث عبّر بكلمة «لا» النافية، إلاّ أنّه ينفي الضرر من زاوية عالم التشريع، فكأنّه يقول لا يلزم ضرر من ناحية مواقفي التشريعيّة في عالم التشريع، و واضح أنّ نفي الضرر من هذه الزاوية له مصداقان، أحدهما: نفي الحكم الذي يستلزم ثبوته الضرر و الآخر: إثبات الحكم الذي يستلزم عدمه الضرر. فإثبات الحكم الذي يستلزم عدمه الضرر إذن مصداق للمدلول المباشري، و لا ندّعي كونه مدلولا مباشريّا.

4 - انّه بناء على شمول الحديث للأحكام العدمية يكون مفيدا بيان تشريع أحكام يستلزم عدمها الضرر. و من المناسب للإنسان العرفي إذا أراد بيان تشريع أحكام وجودية أن يعبّر بنفس الحكم الوجودي، و يقول: شرّعت هذا الحكم الوجودي، و ليس من المناسب الاستعانة بنفي النفي، فإنّ نفي النفي و إن كان إثباتا، إلاّ أنّه ليس طريقة عرفية لإفادة الحكم الوجودي.

و في مقامنا لو كان عدم ثبوت حقّ الطلاق للزوجة ضررياً و مشمولاً للحديث لكان لازم ذلك دلالة الحديث على نفي عدم ثبوت حقّ الطلاق للزوجة، الذي هو عبارة اخرى عن ثبوت حقّ الطلاق للزوجة، و مثل هذه الطريقة ليست عرفية، فليس من المناسب بيان ثبوت حقّ الطلاق للزوجة بنفي النفي، فالحديث بناء على شمولاه للأحكام العدمية يكون قد استعان بهذه الطريقة التي هي ليست عرفية.

و فيه: انّ الحديث بلسانه المباشري ينفي الضرر من زاوية

الموقف التشريعي لا أكثر، لكن نفي الضرر من هذه الزاوية قد يتطابق بحسب النتيجة مع نفي النفي، فنفي النفي ليس مدلولا للدليل بشكل مباشر حتى يقال: إنّ ذلك أمر غير عرفي؛ و إنّما هو قضية متطابقة بحسب النتيجة مع مفاد الدليل المباشري، و الذي هو مستهجن كون مفاد الدليل بشكل مباشر نفي النفى، أمّا مجرّد التطابق فليس بمستهجن.

10 - وجه تقديم الحديث على الأدلّة الأوّلية

اشارة

لا إشكال في أنّ نسبة حديث نفي الضرر إلى أدلّة الأحكام الأوّلية نسبة العموم من وجه، فدليل وجوب الوضوء - مثلا - يدلّ على وجوب الوضوء في حالتي الضرر و عدمها، و حديث نفي الضرر يدلّ على نفي الحكم الضرري، سواء كان من قبيل وجوب الوضوء أو غيره، فذاك يشمل حالة الضرر و غيرها، و هذا يشمل وجوب الوضوء و غيره.

و مادة الاجتماع التي يتعارضان فيها هي الوضوء الضرري، فإنّ أحدهما يثبت الوجوب فيها و الآخر ينفيه.

و المناسب في موارد المعارضة بنحو العموم من وجه هو تساقط الدليلين في مادة المعارضة لا تقديم أحدهما، و معه فلما ذا يقدّم حديث نفي الضرر على الأدلّة الأوّلية؟

و نلفت النظر إلى أنّه لا إشكال بين الأعلام في تقدّم حديث نفي الضرر، و إنّما الإشكال و التساؤل عن النكتة الفنيّة لذلك.

و في هذا المجال ذكرت عدّة أجوبة كان أحدها كون التقديم من جهة حكومة الحديث.

و حينما انجرّ الحديث إلى الحكومة وقع اختلاف ثان في المقصود من مصطلح الحكومة فهل يقصد منه نظر أحد الدليلين إلى الآخر أو يقصد منه شيء آخر؟

و انجرّ الحديث إلى اختلاف ثالث و هو: ما هي النكتة الفنيّة التي لأجلها يقدّم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم؟

انّ هذه مواطن ثلاثة للاختلاف نحاول المرور عليها بشكل سريع.

وجه التقدّم

أمّا بالنسبة إلى وجه تقدّم الحديث على الأدلّة الأوّلية فهناك عدّة آراء، نذكر من بينها:

1 - انّ حديث نفي الضرر حينما نلحظه بالقياس إلى كل دليل من أدلّة الأحكام الأوّلية بانفراده فالنسبة و إن كانت هي العموم من وجه، إلاّ أنّه حينما نلحظه بالقياس إلى مجموع الأدلّة الأوّلية فالنسبة نسبة العموم و الخصوص المطلق، فإن دليل وجوب الصلاة لو ضمّ إلى دليل وجوب الصوم و الحجّ و... صار مجموعها بمنزلة دليل واحد يقول:

تجب الصلاة و الصوم و بقية الواجبات، و نسبة هذا الدليل الواحد الملحوظ بهذا الشكل إلى حديث لا ضرر نسبة العموم و الخصوص المطلق، فحديث لا ضرر بمنزلة الأخص و يقدّم من جهة الأخصيّة.

و الوجه في صيرورته أخصّ: انّ دليل وجوب الصوم و الصلاة و... و إن كان يثبت وجوب الامور المذكورة في حالة الضرر و عدمها - و هو من هذه الناحية أعمّ - إلاّ أنّ حديث نفي الضرر يصير خاصّا و تنتفي عنه جهة العمومية، لأنّه إنّما كان أعمّ باعتبار أنّه ينفي الحكم

الضرري، سواء كان وجوب الصلاة أو وجوب الصوم أو بقية الأحكام، فإذا فرض انّ كل الأحكام لوحظت بمنزلة حكم واحد فلا تبقى له عمومية.

و فيه: انّ ملاحظة مجموع الأدلّة الأوّلية بمنزلة دليل واحد عناية تحتاج إلى ما يبرّرها بعد فرض انّ كلّ واحد منها دليل مستقلّ حقيقة، و لا مبرّر يثبت ذلك.

2 - لو لم يقدّم حديث لا ضرر على الأدلّة الأوّلية يلزم الغاؤه رأسا و عدم بقاء مورد له، و هذا بخلاف ما لو قدّم فإنّه لا يلزم إلغاء الأدلّة الأوّلية رأسا، و إنّما يلزم اختصاصها بموارد عدم الضرر. و كلّما دار الأمر بين دليلين من هذا القبيل قدّم ما يلزم من عدم تقديمه الغاؤه رأسا، و هو حديث لا ضرر في المقام.

و فيه: انّ هذا الوجه جيّد، و لكن لا ينحصر وجه التقديم به كما سيتّضح.

3 - ما ذكره الآخوند في الكفاية. و حاصله: انّه كلّما كان عندنا دليلان، أحدهما: وارد لبيان الحكم الأوّلي للشيء، و الآخر: لبيان الحكم الثانوي له فالعرف يوفّق بينهما بحمل الأوّل على الحكم الاقتضائي و الثاني على الحكم الفعلي، و في المقام حيث إنّ الضرر عنوان ثانوي للأشياء فالعرف يحمل حديث نفي الضرر على بيان الحكم الفعلي و أنّ الوضوء محكوم فعلا بعدم الوجوب و انّ الوجوب الذي كان ثابتا له ثابت بنحو الاقتضاء، أي أنّ في الوضوء مصلحة و اقتضاء للوجوب بدون أن يصل ذلك إلى مرحلة الفعلية.

انّ الآخوند يعتقد أنّه كلّما اجتمع دليلان: أوّلي و ثانوي فالعرف

يوفّق بينهما بحمل الأوّلي على الاقتضائي، و الثانوي على الفعلي.

و عند اجتماع الحكم الفعلي و الاقتضائي لا إشكال في لزوم الأخذ بالحكم الفعلي.

و فيه: أنّه ليس بوسعنا التصديق بورود الأدلّة الأوّلية لبيان الحكم الاقتضائي. و كيف يحتمل ورود مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ... (1)لبيان الحكم الاقتضائي، و انّ هناك مقتضيا و مصلحة في الوضوء تقتضي وجوبه من دون أن يكون دالاّ على وجوبه الفعلي؟!

و إذا قيل: ليس المدّعى أنّ دليل وجوب الوضوء يدلّ على الحكم الاقتضائي دائما و في جميع الحالات، و إنّما المدّعى دلالته على ذلك عند كونه مضرّا. و بتعبير أوضح هو يدلّ على الوجوب الفعلي عند عدم كونه مضرّا، و على وجوبه الاقتضائي عند كونه مضرّا.

قلنا: إنّ الدليل الواحد إمّا أن يدلّ على الوجوب الفعلي فقط، أو يدلّ على الوجوب الاقتضائي فقط، و لا معنى لأن يدلّ على هذا في حالة و على ذاك في حالة اخرى؛ إذ ذلك مخالف للظاهر جزما، فإنّ ظاهر كلّ دليل الدلالة على حكم واحد و ليس على حكمين.

4 - انّ دليل القاعدة و الأدلّة الأوّلية متعارضان، و بعد التعارض و التساقط يرجع إلى الأصل العملي، و هو يقتضي البراءة التي هي تتّفق مع نتيجة تقديم قاعدة لا ضرر.

و فيه: انّ المعارضة و التساقط غير تامين، لإمكان الجمع العرفي6.


1) المائدة: 6.

بالحكومة كما سنذكر.

5 - أن يكون الوجه في ذلك هو حكومة حديث لا ضرر على الأدلّة الأوّلية، و هذا الوجه هو المعروف بين المتأخّرين. و ما ذا تعني الحكومة؟

الحكومة

انّها تعني نظر أحد الدليلين إلى الآخر بحيث يكون الأوّل لغوا لو لم يفرض الثاني في مرحلة أسبق و هذا كما هو الحال في مقامنا، فإنّ حديث لا ضرر ينفي الضرر من زاوية التشريع، فلا بدّ من فرض تشريع و أحكام في مرحلة سابقة لينفيها حديث لا ضرر في حالة الضرر.

هذا، و هناك رأي ثان(1)في تفسير الحكومة يقول: إنّ الدليلين متى ما كان لسان أحدهما مسالما للدليل الثاني فالأوّل هو الحاكم و الثاني هو المحكوم، فلو قيل: أكرم العالم، ثمّ قيل لا تكرم العالم الفاسق، كان لسان الثاني منافيا للأوّل، أمّا لو قيل بدل الدليل الثاني: الفاسق ليس بعالم، كان لسانه مسالما للأوّل.

و إذا كان اللسان مسالما فهو مورد الحكومة، و إذا لم يكن مسالما فهو مورد التخصيص.

و تظهر الثمرة بين التفسيرين فيما إذا فرض أنّ حديث لا ضرر لم يثبت نظره إلى الأدلّة الأوّلية - كما هو رأي الآخوند - فإنّه على الرأي الأوّل لا يكون حاكما، في حين أنّه على الرأي الثاني يكون حاكما، لأنّ لسانه مسالم للأدلّة الأوّلية.

ثمّ إنّ الآخوند في الكفاية رفض تقديم حديث لا ضرر من ناحية


1) تبنّاه السيّد السيستاني (دام ظلّه) في قاعدة لا ضرر: 239.

الحكومة، باعتبار أنّها متقوّمة بالنظر و لم يثبت نظر حديث لا ضرر إلى الأدلّة الأوّلية، و بنى على كون التقديم من جهة التوفيق العرفي بالبيان المتقدّم.

و لعلّ السبب في إنكاره للنظر أنّ حديث لا ضرر كأنّه يقول بلسانه: أنا لا أجعل حكما ضرريا، و واضح انّ مثل هذا اللسان لا يتوقّف على افتراض وجود أحكام مسبقة، فإنّ اللسان المذكور يصحّ حتى لو فرض عدم تشريع أحكام مسبقة، إذ عدم جعل حكم ضرري لا يتوقّف على وجود أحكام مسبقة.

و يردّه: انّ ذلك يتمّ لو فرض انّا كنّا نحتمل أنّ المولى لم يشرّع حكما سوى قاعدة لا ضرر، أمّا بعد جزمنا بوجود شريعة و أحكام فلا بدّ من كون الحديث ناظرا إلى تلك الشريعة و الأحكام ليبيّن أنّها غير ثابتة في حالة الضرر.

نكتة تقدم الحاكم

يبقى علينا أن نعرف نكتة تقدّم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم، فإنّ من المسلّم بين جميع الأعلام تقديم الدليل الحاكم، و إنّما اختلفوا في نكتة تقدّمه. و في هذا المجال يوجد رأيان:

1 - ما أفاده الشيخ النائيني(1)

542.

. و حاصله: أنّ الدليل المحكوم يتكفّل إثبات الحكم على تقدير ثبوت الموضوع و لا يتكفّل إثبات الموضوع و أنّه متحقّق بالفعل أو لا في حين أن الدليل الحاكم ينفي تحقّق الموضوع، و مثل هذين لا تعارض بينهما، فدليل أكرم العالم

1) رسالة لا ضرر: 213، و تبنّى هذا الرأي السيّد الخوئي أيضا في مصباح الاصول 2:

• مثلا - يقول: على تقدير كون هذا أو ذاك عالما يجب اكرامه، أمّا أنّ هذا أو ذاك عالم بالفعل فلا يتكفّل اثباته، فإذا جاء دليل ثان يقول الفاسق ليس بعالم فلا يكون معارضا للأوّل ليتأمّل في وجه تقدّمه عليه.

و يردّه: انّ دليل أكرم العالم يثبت وجوب الإكرام لمن كان عالما حقيقة و واقعا كما هو شأن كل دليل حيث يثبت الحكم للموضوع الواقعي، و واضح أنّ دليل الفاسق ليس بعالم لا ينفي العالمية واقعا لكي لا يتنافى و وجوب إكرام كلّ عالم.

2 - أن يكون وجه التقدّم هو النظر، فإنّ كون الدليل الحاكم ناظرا إلى الدليل المحكوم هو بنفسه نكتة تكفي في نظر العرف للتقدّم، لأنّ معنى كونه ناظرا هو أنّ المتكلّم قد أعدّه لتوضيح المقصود من الدليل المحكوم، و واضح أنّ ما اعدّ لتوضيح المقصود من غيره يكون هو المقدّم في نظر العرف.

11 - الضرر الواقعي أو العلمي

اشارة

كلّ عنوان يؤخذ في الدليل يحمل على الواقعي دون العلمي، فحينما يقال: الدم نجس فالمقصود انّ ما كان دما واقعا هو نجس، سواء علم المكلّف بكونه دما أو لا، فالمدار إذن على تحقّق العنوان بوجوده الواقعي و ليس على تحقّقه بنظر المكلّف و علمه.

و في ضوء هذا يلزم أن يقال بأنّ حديث لا ضرر حينما ينفي كلّ حكم شرعي في حالة الضرر فالمقصود: نفي ذلك حالة تحقّق الضرر واقعا حتى و إن لم يحرز المكلّف ذلك.

و يتفرّع على هذا أنّ المكلّف لو كان يعتقد حينما يريد الوضوء

بعدم كونه مضرّا، و بعد أن توضّأ اتّضح أنّه مضر فالمناسب الحكم ببطلانه، لأنّه ما دام مضرّا واقعا فالأمر به يكون منتفيا بسبب حديث لا ضرر، و مع انتفاء الأمر به يلزم وقوعه باطلا، و الحال أنّ المعروف بين الأعلام بل قيل بتسالمهم على الحكم بصحّته.

و بكلمة مختصرة: كيف يوجّه الحكم بصحّة الوضوء في الحالة المذكورة، و الحال أنّ المناسب لحديث لا ضرر هو البطلان؟

و هناك عدّة أجوبة عن ذلك نذكر منها:

1 - ما أفاده الشيخ النائيني قدّس سرّه من أنّ الضرر في المقام لم ينشأ من الحكم الشرعي بوجوب الوضوء ليرتفع الحكم بالوجوب، و إنّما نشأ من اعتقاد المكلّف و تخيّله عدم الضرر في وضوئه، فاعتقاده عدم الضرر هو الذي أوقعه في الضرر و ليس الحكم الشرعي بوجوب الوضوء، و لذا لو فرض أنّ الحكم بوجوب الوضوء لم يكن واقعا لوقع المكلّف في الضرر بسبب اعتقاده عدم الضرر.

و ما دام الضرر لم ينشأ من الحكم الشرعي بوجوب الوضوء فلا يرتفع - وجوب الوضوء - بحديث نفي الضرر.

و مع عدم ارتفاع وجوب الوضوء يقع - الوضوء - صحيحا من جهة تعلّق الأمر به و عدم انتفائه.

و فيه: انّ وجوب الوضوء لو كان ثابتا في مورد الفرض فهو ثابت في مورد تحقّق الضرر واقعا فيلزم انتفاؤه. و مجرّد أنّ الضرر خارجا لم يتحقّق بسببه غير مهمّ فإنّ الميزان في تطبيق حديث لا ضرر هو على ثبوت الحكم الشرعي في مورد الضرر و ليس على نشوء الضرر خارجا من جهة الحكم الشرعي حتى يتعذّر تطبيقه في المقام.

2 - انّ حديث نفي الضرر، حيث انّه وارد مورد الامتنان، فهو يرفع الالزام و الوجوب دون أصل الطلب و المشروعية، فإنّ رفع ذلك ليس امتنانا و إنّما الامتنان هو في رفع الالزام لا أكثر. و هذا معنى ما يقال من أنّ نفي الضرر هو على نحو الرخصة دون العزيمة.

و هذا الجواب يظهر من السيّد اليزدي في مبحث التيمّم من العروة الوثقى.

و قد يشكل على ذلك بأنّ الوجوب ليس مركّبا من جزءين: طلب الفعل و الالزام ليكون حديث نفي الضرر رافعا للجزء الثاني دون الأول، بل هو أمر بسيط عبارة عن الطلب الشديد، أو يقال: إنّ الصيغة تدل على الطلب فقط، و الالزام يستفاد من حكم العقل بناء على المسلك القائل باستفادة الوجوب من حكم العقل دون الوضع(1).

و فيه: ان الوجوب حتى لو افترضناه أمرا بسيطا، و لكن جعل الوجوب يستلزم بالتبع جعل المشروعية و الطلب، فالمشروعية مجعولة بالتبع و ليس بالأصالة من باب انّها جزء مدلول الوجوب لينكر ذلك.

و إن شئت قلت: كما ان الأربعة لها لازم لا ينفكّ عنها و هو الزوجية و ان الجاعل للأربعة يكون جاعلا للزوجية بالتبع كذلك الحال في الوجوب، فان له لازما لا ينفك عنه و هو المشروعية، و جعل الوجوب يستلزم جعل المشروعية بالتبع، و الامتنان يتحقق برفع المجعول الأصلي بلا حاجة إلى رفع المجعول التبعي.

و إذا قيل: ان المولى إذا رفع المجعول الأصلي فمن أين نعرف9.


1) التنقيح 424:9.

عدم رفعه للمجعول التبعي؟

قلنا: ان نفس الامتنان دليل على عدم رفع اليد عن المجعول التبعي؛ إذ الامتنان يتحقق برفع اليد عن الوجوب بلا حاجة إلى رفع اليد عن المشروعية، بل رفع اليد عنها مخالف للامتنان.

و إذا قيل: ان المشروعية ما دامت لازما للوجوب فبرفع الوجوب كيف تبقى المشروعية؟ انّ بقاءها خلف كونها لازمة و تابعة للوجوب.

قلنا: ان الإشكال المذكور يتم في الأمور التكوينية دون الاعتبارية، فان الاعتبار سهل المؤونة، و الوجوب و المشروعية هما من الامور الاعتبارية، و بالامكان ان يفترض ان المولى يرفع الوجوب دون المشروعية.

و الذي يكشف عن صحة ما ذكرناه ان الوجدان قاض بصحة تصريح المولى: اني ارفع الوجوب دون المشروعية.

و إذا قيل: إنّ هذا كله وجيه على غير مسلك حكم العقل، و اما بناء على كون الوجوب حكما عقليا فلا يكون الوجوب حكما مجعولا بالأصالة لتكون المشروعية مجعولة بالتبع ثمّ ليتصور رفع المولى يده عن المجعول الأصلي دون التبعي.

قلنا: انه بناء على كون الوجوب حكما عقليا يلزم عدم امكان رفع الوجوب حتى مع الانضمام إلى رفع المشروعية، لأنّ الوجوب ليس أمرا مجعولا ليمكن رفعه.

و هذا ينبغي عدّه كمنبّه وجداني على بطلان مسلك حكم العقل، فان له لوازم باطلة، من جملتها عدم امكان رفع الوجوب بحديث نفي الضرر أو حديث الرفع أو غيرهما.

3 - ان دليل وجوب الوضوء يدل على شيئين: وجوب الوضوء و اشتماله على الملاك، و حديث نفي الضرر حيث انّه وارد مورد الامتنان، و هو يكفي في تحققه نفي الوجوب فقط دون الملاك فيكون المرفوع بالحديث هو الوجوب فقط دون الملاك، و مع بقاء الملاك يقع الوضوء صحيحا من ناحية الملاك(1).

و نوقش ذلك بأن الدال على الملاك هو الوجوب، فإذا ارتفع بالحديث فلا يبقى ما يدل على الملاك ليمكن التقرب به(2).

و قد يضاف إلى ذلك أيضا بأن الملاك أمر تكويني و ليس أمرا مجعولا من قبل الشارع ليمكن رفعه أو إبقاءه بالحديث، فان القابل للرفع و الابقاء هو الأمر المجعول دون الأمر التكويني.

هاتان مناقشتان قد توردان على هذا الوجه.

و يرد المناقشة الاولى: أنّ حديث نفي الضرر ما دام واردا مورد الامتنان فلا بدّ من كون المرفوع خصوص الوجوب؛ إذ رفع الملاك اضافة إلى رفع الوجوب مستلزم لمخالفة الامتنان، لأنّ لازم ذلك بطلان وضوء الجاهل بالضرر و لزوم الاعادة عليه، و ذلك مخالف للامتنان.

و يرد المناقشة الثانية: أنّنا لا ندّعي دلالة الحديث على إبقاء الملاك ليقال بأن إبقاء الملاك و رفعه ليس أمرا ممكنا، بل نقول: إنّ الحديث يدل على انّ الملاك باق واقعا و لم يتأثر فهو كاشف عن بقاء الملاك لا انّه يبقيه بتقريب: أنّ الضرر حينما يذكر سببا للرفع يفهم منه العرف كونه مانعا من تأثير الملاك لا رافعا له من أساسه، إذ لو كان9.


1) من جملة من اختار ذلك السيد الحكيم في المستمسك 332:4.

2) التنقيح 425:9.

مرتفعا لما كان الحديث مسوقا للامتنان، لأن الامتنان لا يتحقّق مع ارتفاع المصلحة من الأساس، و إنّما يتحقق لو رفع الحكم - بالرغم من وجود المصلحة - لأجل الضرر.

و بهذا اتّضح ان الوجه المذكور تام و صالح للاعتماد عليه.

شرطان لصحة الوضوء

و قد يقال: إنّ الحكم بصحة الوضوء في المقام موقوف على إثبات أمرين:

أ - ان تكون آية الوضوء ذات اطلاق تدل بواسطته على صحة الوضوء في جميع الحالات، بما في ذلك حالة الضرر الواقعي ليمكن التمسك باطلاقها بعد فرض قصور حديث نفي الضرر عن اثبات البطلان.

و بكلمة أخرى: ان قصور حديث لا ضرر عن اثبات بطلان الوضوء لا يستلزم الحكم بصحته إلاّ بعد فرض وجود اطلاق يمكن التمسك به، و آية الوضوء لا إطلاق فيها؛ إذ تقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا... (1).

ان الآية الكريمة تدل على تقيد مطلوبية الوضوء بحالة عدم المرض، و حيث إنّ المرض ملحوظ بما هو طريق إلى الضرر(2)فيكون


1) المائدة: 6.

2) لوضوح ان ذكر المرض هو من باب استلزامه للضرر عادة، فلو فرض انّ مريضا لم

وجوب الوضوء مقيدا بحالة عدم الضرر و ليس له اطلاق.

و يرده: ان هذا وجيه لو كانت صحة الوضوء موقوفة على وجود الأمر به، أمّا بناء على كفاية الملاك فلا نكون بحاجة إلى اطلاق الآية الكريمة و تكفينا دلالة حديث لا ضرر على بقاء الملاك.

ب - ان لا يا بنى على حرمة كل ما هو مضر للإنسان و إلاّ وقع الوضوء باطلا، لأنّه لو كان مضرّا واقعا يلزم وقوعه محرما، و مع حرمته كيف يقع صحيحا و مصداقا للمطلوب؟

و فيه: انّا حتى لو بنينا على حرمة مطلق ما يوجب الضرر فلا يلزم من ذلك بطلان الوضوء، لأنّه ما دام مشتملا على الملاك واقعا - حسب ما هو المفروض - و قد صدر بقصد التقرب يلزم وقوعه صحيحا، و حرمته واقعا لا تستلزم امتناع التقرب به بعد فرض كونها مجهولة.

و دعوى ان المحرم لا يمكن ان يقع مصداقا لما هو الصحيح شرعا قضية غير مدعومة بالدليل.

حرمة الاضرار بالنفس

و حيث انجرّ الحديث إلى مسألة حرمة الاضرار بالنفس فلا بأس بالتعرض إلى هذه المسألة باختصار.

ان الاضرار بالنفس تارة يكون بدرجة كبيرة موجبة للموت و لا اشكال في حرمة مثل ذلك لقوله تعالى:... وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ... (1).

و اخرى لا يكون واصلا إلى درجة الموت، و لكنه بدرجة يعلم يضره استعمال الماء لم يجز له التيمّم.


1) البقرة: 195.

بمبغوضيّته شرعا، كقطع الإنسان يده أو رجله مثلا.

و ثالثة يفترض كونه ليس من أحد النحوين السابقين بل هو بدرجة أخف منهما، كالضرر المتولّد من التدخين، أو من استعمال الماء للمريض و أمثال ذلك.

و الكلام هو في هذا النحو الثالث فهل هو حرام أو لا؟

قد يقال بحرمته للوجوه التالية:

1 - ان السيرة العقلائية جارية على التجنب عن كل ما يوجب الضرر، و حيث لم يردع عنها شرعا فهي ممضاة.

و يرده: ان العقلاء و ان تجنبوا عن كل ما يوجب الضرر، إلاّ ان ذلك ليس بنحو الالزام، بل بنحو الرجحان و من باب كونه أجدر، و إلاّ فهل يحتمل حرمة ملء المعدة بالطعام، أو أكل المصاب بمرض السكر لبعض الأطعمة التي قد ترفع من درجة السكر؟ و هل يحتمل حرمة الجماع الزائد، أو الخروج من المكان الدافئ إلى البارد و أمثال ذلك؟

2 - التمسك بحديث لا ضرر، حيث ورد في الفقرة الثانية «و لا ضرار»، و قد ذكرنا سابقا امكان حمل هذه الفقرة على النهي و انّه لا يجوز الاضرار.

و فيه: ان المنصرف من النهي المذكور هو النهي عن الاضرار بالآخرين دون اضرار الشخص بنفسه.

3 - التمسّك بالآيات الناهية عن ظلم الإنسان نفسه، بتقريب: ان ارتكاب ما يضر بالنفس ظلم لها.

و فيه: ان صدق الظلم على ارتكاب شيء فرع حرمته في المرتبة السابقة، و إلاّ فلا يصدق - لأن المراد ظلمها بارتكاب الذنوب و ادخالها

نار جهنّم عقوبة على ذلك -، و المفروض بعد لم تثبت حرمة مطلق المضر.

4 - التمسك ببعض الروايات الدالة على انّ علّة تحريم بعض المحرمات هو اضرارها ببدن الإنسان، من قبيل رواية المفضل بن عمر:

«قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام لم حرّم اللّه الخمر و الميتة و الدم و لحم الخنزير؟ قال ان اللّه تبارك و تعالى... علم ما يضرهم فنهاهم عنه و حرّمه عليهم...»(1). و نحوها غيرها بتقريب: أنّ علّة تحريم المحرمات إذا كانت هي الاضرار بالنفس فيلزم حرمة كل ما يوجب الضرر بالنفس، و إلاّ لما صلح أن يكون علّة لتحريم المحرمات.

و فيه: ان الحديث و إن دلّ على حرمة الاضرار بالنفس، و لكن لم يوضح ان الضرر من أي قسم و بأي درجة يكون محرما، و ليس له اطلاق من هذه الناحية ليتمسّك به، و لعلّ المحرم حصة خاصة من الضرر.

بل انّ بعض الأحاديث يستفاد منها عدم حرمة الاضرار بالنفس، كالأحاديث التي ترشد إلى رجحان عدم تناول بعض الأطعمة لكونها مضرة.

و بالجملة: لا دليل على حرمة مطلق ما يوجب الضرر، إلاّ في أحد النحوين الأولين.1.


1) وسائل الشيعة: الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 1.

12 - تعارض الضررين

اشارة

من الأبحاث التي تعرض لها الشيخ الاعظم في الرسائل في قاعدة لا ضرر مسألة تعارض الضررين.

و ننتخب من ذلك صورتين نتعرض لهما باختصار.

الصورة الاولى

اشارة

إذا دار الأمر بين ضررين في حق شخصين فأيهما المقدم؟ بمعنى: انّه لو كان شخصان دار الأمر بين ان يتضرر هذا أو ذاك، و رفعا أمرهما إلى الحاكم، فهل يقدّم الحاكم تضرر هذا أو تضرر ذاك؟

و المثال المتوارث لذلك: ما إذا أدخلت دابة شخص رأسها في قدر شخص آخر، و دار الأمر بين كسر القدر حفاظا على رأس الدابّة و بين قطع رأس الدابّة حفاظا على القدر، فأيّهما المقدّم؟ بعد وضوح أن الحكم بكسر القدر يستوجب الضرر على صاحبه، و الحكم بقطع رأس الدابة يستوجب الضرر على صاحبها، فالأمر على هذا يدور بين حكمين يستلزم كل منهما الضرر.

و في هذه الحالة إذا فرض ان الطرفين تمّ اتفاقهما على أمر معين، ككسر القدر - مثلا - فلا اشكال، لأن المال مالهما و بامكانهما التصالح كيفما أحبّا.

و تنحصر المشكلة بما إذا لم يتصالحا على أمر معين و رفعا أمرهما إلى الحاكم، فما ذا يفعل؟

إنّه ليس بالامكان التمسك بحديث لا ضرر، لأنّ التمسك به في صالح أي واحد منهما ترجيح بلا مرجح بعد استلزام كل منهما الضرر.

و لا محيص للحاكم - بعد عدم امكان التمسك بحديث لا ضرر - من ملاحظة من يتضرر أقل فيرجّح اتلاف ماله، و عند التساوي من هذه الناحية و سائر الخصوصيات الموجبة للترجيح العقلائي ينتقل إلى القرعة، لأنّها طريق عقلائي في أمثال هذه المقامات. كل ذلك مع ضمان قيمة النقص الطارئ بسبب الكسر أو قطع الرأس على الطرف الثاني.

و الوجه في ذلك هو التمسك بقاعدة العدل و الانصاف، فانّ مقتضى العدالة هو ما ذكرناه.

و إذا قيل: إنّ القاعدة المذكورة لم ينعقد عليها بناء عقلائي، و لا مستند لها سوى عذوبة ألفاظها، كما ناقش بذلك السيد الخوئي في بعض المواضع من كلماته(1).

كان الجواب: يكفينا لإثباتها في الجملة كتاب اللّه العزيز حيث يقول:... وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ... (2).

مثال معاصر

و المثال الموروث - كما قلنا - هو ما تقدم، بيد أنّه قد يبدل بمثال معاصر، و هو: ما اذا كانت امرأة حاملا بطفل، و دار الأمر بين الحفاظ على الطفل الموجب لتضرّرها و الحفاظ على الام الموجب لقتل الطفل(3).

و ان شئت قلت: إنّ حكم الشارع بوجوب الحفاظ على الام حيث


1) راجع كتاب الخمس من مستند العروة الوثقى: 147، أجل التزم بها قدّس سرّه في مصباح الاصول 564:2.

2) النساء: 58.

3) و من الأمثلة المعاصرة أيضا: ما اذا كان الإنسان راكبا سيارة و دار الأمر بين أن يضرّر الآخرين أو يضرر نفسه.

يستلزم الضرر على الطفل، و هكذا العكس بالعكس فلا يمكن التمسك بحديث نفي الضرر، لأن ذلك ترجيح بلا مرجح.

و إذا كان الاستشهاد بالمثال المذكور قابلا للمناقشة من بعض الجهات، إلاّ أنّه جيد في الجملة.

و في تحقيق حاله نقول: إذا كان ضرر الام بدرجة موتها و كان موتها مستلزما لموت الحمل أيضا فلا إشكال في تعين الحفاظ على حياتها، لأنّ الأمر يدور بين موت الام و حملها أو موت خصوص الحمل، و الثاني متعين.

و إذا كان تضرّرها شديدا و لكنه لا يبلغ درجة الموت فيجوز لها اسقاطه أيضا باعتبار ان الدليل على حرمة الاسقاط: إمّا هو الاجماع و التسالم أو روايات ثبوت الدّية في الاسقاط بناء على دلالة ذلك بالملازمة على الحرمة، و كلاهما لا اطلاق فيه.

و طبيعي جواز الاسقاط لا يعني ارتفاع الدية، بل هي ثابتة بالرغم من جواز الاسقاط لإطلاق دليلها.

و هل عملية الاسقاط ينبغي أن تكون من الحامل نفسها أو تجوز من الطبيب أيضا؟

المناسب جوازها من الطبيب أيضا، لأنّ الاسقاط من الطبيب لا دليل على حرمته في مثل هذه الحالة فيتمسك بأصل البراءة.

الصورة الثانية

ان يفترض أنّ لإنسان ملكا، كدار أو غيرها، و أراد التصرّف باحداث حمام فيها إلى جانب غرفة بيت جاره فاعترض الجار بأن رطوبة الحمام تسري إلى غرفتي.

و هذه المسألة من موارد الابتلاء الكثيرة في حياتنا.

و طبيعي ينبغي ان نحصر الكلام بحالة: إذا لم يتمكّن صاحب الدار من إحداث الحمام في غير ذلك المكان الذي يضر بالجار، و إلاّ فمنعه من إحداث الحمام لا يولّد له ضررا، بل أقصى ما يلزم عدم امكان تصرفه في داره بالشكل الذي يحب، و ذلك لا يعدّ ضررا بالنظر العقلائي، كما ينبغي ان نفترض أنّ إحداثه للحمام ضروري بحيث يشكّل عدمه ضررا عليه.

و إذا قيل: إنّ منع المالك من التصرف في ملكه كيفما أحبّ حرج عليه، و هو منفي في التشريع الاسلامي.

كان الجواب: ان ذلك ليس بحرج؛ لأنّ الحرج هو المشقة الشديدة، و المفروض عدم لزومها.

إذن لا بدّ من فرض البحث في حالة دوران الأمر بين ضررين، و على أساس هذا الافتراض لا يمكن التمسّك بحديث نفي الضرر، لأنّ الأمر يدور بين حكمين ضرريّين، فالحكم بجواز إحداث الحمام مستلزم للضرر على الجار، و الحكم بعدم جوازه مستلزم للضرر على المالك، و التمسك بالحديث بلحاظ أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح.

و إذا قيل: إنّ قاعدة الناس مسلطون على أموالهم ترجّح طرف المالك، حيث ان منعه من التصرّف في ملكه خلاف تسلطه على ماله.

كان الجواب: انّ القاعدة المذكورة لا دليل معتبر عليها من الروايات، فانها لم ترد في معاجمنا الحديثية إلاّ في البحار(1). أجل قد2.


1) البحار 272:2.

تشتمل عليها بعض كتبنا الفقهية، كالخلاف للشيخ الطوسي(1)، بل قيل:

إنّ المعاجم الحديثية المشهورة للعامة لا تشتمل عليها.

و على هذا فمهم المستند للقاعدة المذكورة هو سيرة العقلاء و ارتكازهم، و القدر المتيقّن من ذلك حالة عدم استلزام تصرف الإنسان في ملكه الضرر بالآخرين.

و بعد اتضاح عدم امكان التمسك بقاعدة لا ضرر يتعين الرجوع - بعد الشك في جواز تصرف المالك في ملكه - إلى أصل البراءة.

13 - تطبيقات

1 - هل يمكن ان نستفيد - وفق حديث لا ضرر - حكم التطبير في عزاء سيّد الشهداء عليه السّلام جوازا أو تحريما؟

2 - هل يمكن في ضوء حديث لا ضرر استفادة حكم التدخين جوازا أو تحريما؟

3 - يخرج في وجه الشخص احيانا بعض اللحوم الصغيرة الزائدة فإذا أراد قطع تلك اللحوم من خلال شدّ خيط عليها و نحوه مع عدم وصول الماء إليها يوما أو يومين خلال فترة وجود الخيط فهل ذلك جائز بعد الالتفات إلى امتناع الوضوء خلال تلك الفترة؟

4 - امرأة أرادت وضع لولب لمنع الحمل فهل ذلك جائز؟ فصّل الشقوق المتصوّرة في ذلك.

5 - شخص لا يمكنه القيام أثناء الصلاة كيف نشخّص وظيفته


1) الخلاف 176:3.

طبق الأدلة؟

6 - إذا فرض انّ شخصا يتضرّر بشكل و آخر من أداء الصلاة فهل يجوز له تركها؟ و لما ذا؟

7 - مؤمن يعمل في بعض الدوائر الرسمية يحتاج لسبب و آخر إلى حلق لحيته فهل يجوز له ذلك على تفصيل أو مطلقا؟

8 - هل يجوز للمرأة استعمال أقراص منع الحمل، و لما ذا؟

9 - مؤمن اعتقد بأنّ الصلاة من قيام مضرّة له فصلّى من جلوس ثم اتّضح له خطأ اعتقاده فما حكم صلاته؟ و لو فرض العكس: بأن اعتقد أنّ القيام غير مضر له فصلّى من قيام ثم اتّضح الخطأ فما حكم صلاته؟

10 - هل يشمل حديث لا ضرر الأحكام الترخيصية؟ فلو فرض ان شخصا كان يضرّه استعمال الماء فهل يرتفع بذلك جواز شرب الماء بمقتضى الحديث؟ اوضح نكتة جوابك.

قاعدة نفي الحرج

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - مدرك القاعدة

3 - المقصود من الحرج و الفرق بينه و بين الضرر

4 - وجه تقدم القاعدة على الأدلّة الأوّلية

5 - و هن القاعدة بكثرة التخصيص

6 - هل المدار على رفع الحرج النوعي أو الشخصي

7 - هل رفع الحرج رخصة أو عزيمة

8 - هل القاعدة تعم الحكم الوضعي أيضا

9 - تطبيقات

من القواعد المهمة التي يتكل الفقيه كثيرا عليها في مقام الاستنباط قاعدة نفي الحرج.

و من الجدير التعرض للبحث عن هذه القاعدة بشكل مستقل و مستوعب بعد اهميتها، و لكن مع الاسف لم يتعرض لها الأعلام كذلك، و انما يتعرّضون بنحو الإشارة الى كل حكم حرجي، و يقولون: هو مرفوع من ناحية قاعدة نفي الحرج.

أجل في كتب القواعد الفقهية تبحث بشكل مستقل، و لعل أول من بحثها هو النراقي في عوائده(1).

و هذا كلّه بخلافه في قاعدة لا ضرر و غيرها من القواعد المتقدمة فانها بحثت بشكل مشبّع و مستقل، إمّا في الكتاب الاصولية أو الفقهية.

و على أي حال الكلام في قاعدة لا حرج يقع ضمن نقاط:7.


1) عوائد الأيام: 57.

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - المقصود من الحرج و الفرق بينه و بين الضرر.

4 - وجه تقدم القاعدة على الأدلّة الأوّلية.

5 - و هن القاعدة بكثرة التخصيص.

6 - هل المدار على رفع الحرج النوعي أو الشخصي؟

7 - هل رفع الحرج رخصة أو عزيمة؟

8 - هل القاعدة تعم الحكم الوضعي أيضا؟

9 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدة

اذا كان المقصود من قاعدة لا ضرر قد وقع فيه الاختلاف بين الاعلام بالشكل المتقدم فان المقصود من قاعدة لا حرج لم يقع فيه الاختلاف - في حدود علمنا - فالمقصود منها: نفي كل حكم يستلزم ثبوته على العباد الحرج، فوجوب الوضوء أو الغسل أو وجوب اعفاء اللحية أو حرمة كشف المرأة عورتها امام الطبيبة للفحص أو... إذا استلزم الحرج يكون مرفوعا.

و السبب في عدم الاختلاف هنا هو ان مدرك القاعدة يقول:

... ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ... (1)، و عدم جعل الحرج في الدين ليس الاّ عبارة اخرى عن عدم تشريع الاحكام


1) الحج: 78.

المستلزم ثبوتها للحرج، و لا يحتمل ارادة معنى ثان من الآية الكريمة.

2 - مدرك القاعدة

اشارة

قد دلّ على القاعدة المذكورة جملة من النصوص بعضها من الكتاب الكريم و بعضها الاخر من السنة الشريفة.

اما الكتاب الكريم فالآية المتقدمة... ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ... واضحة الدلالة على ذلك.

كما قد يستفاد ذلك من قوله تعالى:... وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ (1).

و اما قوله تعالى في آية الصوم... وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ... (2)فلا يمكن الاستدلال به لاحتمال اختصاص قوله يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ... بخصوص الصوم و لا يعمّ بقية الأبواب، فانه ليس علة ليتمسك بعموم العلة في الغاء الاحتمال المذكور، بل هو حكمة، لأنه لو كان علة يلزم دوران الحكم مدارها، و الحال ان المسافر يلزمه الافطار حتى و لو لم يعسر عليه الصوم.

و اما السّنة الشريفة فيمكن الاستشهاد منها بجملة من النصوص


1) المائدة: 6.

2) البقرة: 185.

أنهاها الشيخ النراقي في عوائده الى ثمانية عشر حديثا(1)، بيد انّه لا حاجة الى استعراضها بعد دلالة الكتاب الكريم على ذلك.

العقل و الاجماع

و هل يمكن الاستدلال على القاعدة المذكورة مضافا الى الكتاب و السنة بالإجماع و العقل؟ كلا لا يمكن الاستدلال بذلك.

أمّا ان العقل لا يمكن الاستدلال به فباعتبار انه لا يرى امتناع التكليف بالأمر الشاق، كيف و قد وقع التكليف بالأمر الشاق في الشرائع السابقة، كما تشير اليه الآية الكريمة... رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا... (2)فان الاصر عبارة عن الأمر الشاق.

و انما العقل يمنع من التكليف بالأمر غير المقدور، و لكن المفروض ان الحرج ليس هو الامر غير المقدور - و ان كان ذلك يظهر من بعض - بل هو الأمر الشاق.

و اما ان الاجماع لا يمكن الاستدلال به فلأنّه مدركي - لأننا نحتمل أو نجزم بان مدرك المجمعين هو النصوص من الكتاب و السنة الشريفين - و الاجماع المدركي ليس حجة، لأن حجية الاجماع هي باعتبار كاشفيته يدا بيد عن وصول الحكم من الامام عليه السّلام، و مع وجود مدرك يحتمل استناد المجمعين إليه لا يجزم بوصول الحكم من الامام عليه السّلام حتى يكون حجة، بل يلزم الرجوع الى المدرك و ملاحظة أنّه تام سندا و دلالة أو لا.

و من خلال هذا كله يتضح ان المدرك للقاعدة هو الكتاب و السنة


1) عوائد الايام: 57-58.

2) البقرة: 286.

الشريفان دون العقل و الاجماع.

و من الغريب ما ينقل عن بعض(1)، من عدم وجود مدرك صحيح لقاعدة لا حرج، إنّه غريب بعد تصريح الكتاب الكريم بقوله:... ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ... .

3 - المقصود من الحرج و الفرق بينه و بين الضرر

قد يتصور ان المقصود من الحرج عدم القدرة على الشيء، فكل شيء لا يكون ممكنا و مقدورا يكون حرجيا.

و لكنه مرفوض، فان المتبادر من الحرج هو المشقة و الضيق دون عدم القدرة، اجل ليس كل مشقة حرجا، بل هو عبارة عن خصوص المشقة الشديدة.

و الشاهد على ذلك - مضافا الى قضاء الوجدان و التبادر - ان لازم تفسيره بمطلق المشقة كون جميع التكاليف حرجية، لأن التكليف انما كان تكليفا باعتبار اشتماله على الكلفة و المشقة، و الا كان اباحة و لم يكن تكليفا.

و اذا سألت عن الفرق بين الضرر و الحرج كان الجواب: ان الضرر هو النقص، إمّا في المال أو البدن أو غيرهما، فما لا يكون نقصا لا يكون ضررا، و هذا بخلافه في الحرج، فانه المشقة و لو لم تكن مشتملة على النقص، كالوضوء بالماء البارد في الشتاء القارس، فانه قد يبلغ المشقة الشديدة من دون طرو مرض على البدن.


1) اشير الى ذلك في القواعد الفقهية للشيرازي: 159.

و هكذا الحال فيما لو حصل المكلّف على مقدار من المال يساوي مقدار الاستطاعة الى الحج، و كان بحاجة الى شراء بيت به، فان وجوب صرفه في الحج لا يوجب الضرر بمعنى النقص، و انما يوجب الحرج بمعنى الوقوع في المشقة لا أكثر.

انّه في هذين الموردين يصدق الحرج بدون الضرر.

و قد ينعكس الامر، كما اذا أوجب الوضوء المرض - كالحمى - بدون أن يكون ذلك حرجا.

4 - وجه تقدم القاعدة على الأدلّة الأوّلية

لو لاحظنا النسبة بين الأدلّة الأوّلية و قاعدة لا حرج وجدناها العموم من وجه، فدليل وجوب الوضوء - مثلا - يثبت وجوب الوضوء بشكل مطلق و شامل حتى لحالة الحرج، و دليل نفي الحرج ينفي كل حكم حرجي بما في ذلك وجوب الوضوء. و مع كون النسبة هي العموم من وجه فلما ذا تقديم القاعدة على الأدلّة الأوّلية و لا يعكس الأمر؟

و قد تقدم عند البحث عن قاعدة لا ضرر بيان عدة وجوه لتقديم قاعدة لا ضرر، و لعل تلك الوجوه تأتي هنا أيضا.

إلاّ أنّ المتعين هنا - كما كان هو المتعين في قاعدة لا ضرر - كون الوجه في التقديم هو الحكومة، فقاعدة لا حرج حاكمة بمعنى انها ناظرة الى الأدلّة الأوّلية و تريد ان تبين ان تلك الأدلّة الأوّلية لا تريد اثبات الاحكام بشكل مطلق و شامل حتى لحالة الحرج، بل هي تختص بحالة عدم الحرج، فان اللّه سبحانه لم يجعل على عباده الحرج في تشريعاته و دينه.

5 - و هن القاعدة بكثرة التخصيص

قد يشكل على قاعدة نفي الحرج - كما أشكل بذلك في قاعدة لا ضرر - بكثرة التخصيص، فالجهاد حرجي و قد خرج وجوبه من القاعدة، فهو واجب بالرغم من كونه حرجيا، و هكذا حرمة الفرار من الزحف أو وجوب تسليم النفس للحدّ و القصاص و...

و كثرة التخصيص، حيث إنّها مستهجنة فيكشف ذلك عن ارادة معنى من القاعدة غير ما نفهمه منها لا تلزم منه كثرة التخصيص، و حيث إنّ ذلك المعنى مجهول لنا فلا يمكن الاستدلال بعد هذا بالقاعدة في شيء من الموارد.

و يرده ما تقدمت الاشارة إليه في قاعدة لا ضرر من ان الالزام بمثل هذه الأمور حيث انه عقلائي فلا يكون مشمولا للقاعدة من البداية لأن رفع الالزام في مثل الموارد المذكورة ما دام ليس عقلائيا - لما يترتب على الالزام المذكور من المصالح و حفظ النظام - فلا معنى لرفعه، فان رفعه خلاف عقلائية ثبوته، و القاعدة ناظرة الى ما يكون رفعه عقلائيا.

6 - هل المدار على رفع الحرج النوعي أو الشخصي؟

الحرج تارة يكون شخصيا و اخرى نوعيا.

و المراد من الحرج الشخصي: الحرج الثابت لهذا الشخص بخصوصه أو لذاك بخصوصه، بينما المراد من الحرج النوعي: الحرج الثابت لنوع الناس، - أي غالبهم - كما هو الحال في وجوب الوضوء حالة

المرض، فانه حرجي لغالب المرضى و ان لم يكن حرجيا بلحاظ بعض المرضى.

و إذا كان المدار على الحرج الشخصي فوجوب الوضوء - مثلا - لا يرتفع الا عمن كان ثبوت الوجوب في حقه حرجيا بالخصوص، و لا يكفي كونه حرجيا بلحاظ النوع و الغالب، و هذا بخلافه بناء على ارادة الحرج النوعي، فانه يرتفع الوجوب في حق كل مريض حتى من لم يكن ثبوت الوجوب في حقه حرجيا.

و باتضاح المقصود نعود لنطرح التساؤل: هل قاعدة لا حرج تنفي الأحكام الأوّلية في حالة لزوم الحرج الشخصي بالخصوص و لا يكفي لزوم الحرج النوعي، أو انها تنفي الأحكام حالة الحرج النوعي أيضا و لا يلزم تحقق الحرج الشخصي.

الصحيح كون المدار على الحرج الشخصي، لأن ذلك هو المتبادر و المفهوم من لسان دليل القاعدة... ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ... ، و الحمل على الحرج النوعي يحتاج الى قرينة، و هي مفقودة.

7 - هل رفع الحرج رخصة أو عزيمة؟

إذا كان وجوب الوضوء في حق مريض حرجيا فلا اشكال في ارتفاعه بالقاعدة، و لكن لو فرض انه تكلّف و اتى به بالرغم من كونه حرجيا في حقه فهل يقع منه صحيحا؟

ان الجواب عن ذلك يرتبط بتحقيق نقطة، و هي: هل المقصود من القاعدة رفع الالزام بالوضوء دون الرخصة في الاتيان به، أو ان المقصود منها رفع الالزام و الرخصة معا؟

فعلى الأوّل يقال: إنّ الرفع في القاعدة وارد بنحو الرخصة، أي ان المكلّف مرخص في ترك الوضوء - مثلا - و ليس بملزم به، و لكنه في نفس الوقت مرخص في الاتيان به، في حين إنّه على الثاني يقال: ان الرفع وارد بنحو العزيمة(1)، اي ان المكلّف ملزم بترك الوضوء - مثلا - و ليس مرخصا في ذلك.

و قد اختار جماعة، منهم السيد اليزدي في العروة الوثقى(2)كونه بنحو الرخصة دون العزيمة في حين اختار آخرون كونه بنحو العزيمة.

و قد يستدل على كون الرفع بنحو العزيمة دون الرخصة بوجهين:

1 - ما تمسك به الشيخ النائيني في خصوص مسألة الوضوء.

و حاصله ان الآية الكريمة:... وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً... (3)تدل على ان موضوع وجوب الوضوء هو الواجد للماء، بمعنى القادر عليه، و موضوع وجوب التيمم هو الفاقد للماء، بمعنى غير القادر عليه، فإذا فرض كون الرفع في قاعدة لا حرج بنحو الرخصة دون العزيمة فهذا يعني: أنّ المكلّف يجوز له في حالة الحرج كلا الأمرين: التيمم و الوضوء، و هو غير ممكن لان لازمه كون المكلّف واجدا للماء و غير واجد له، و هو مستحيل لكونه اجتماعا للمتناقضين.

اما كيف يلزم كونه واجدا و غير واجد؟ ذلك باعتبار أنّ الوضوء6.


1) المقصود من العزيمة هو الالزام و الوجوب.

2) راجع المسألة 18 من فصل مسوغات التيمم.

3) المائدة: 6.

إذا كان جائزا فلازمه كونه واجدا للماء - إذ موضوع وجوب الوضوء هو الواجد للماء كما تقدم - و إذا كان التيمم جائزا له أيضا فلازمه كونه فاقدا للماء، لأن موضوع وجوب التيمم هو فقدان الماء.

و بالجملة لا يمكن ان يكون رفع الحرج بنحو الرخصة لأن لازمه التخيير بين الوضوء و التيمم في حالة الحرج، و هو غير ممكن، لأن لازم التخيير اجتماع المتناقضين، و ان المكلّف واجد للماء و غير واجد له.

و يرده: ان الجمع بين المتناقضين يلزم لو فرض أنّنا قلنا بوجوب كلا الأمرين - الوضوء و التيمم - على المكلّف بنحو التعيين، بمعنى انه يجب الاتيان بالوضوء بنحو التعيين و بالتيمم بنحو التعيين، انه آنذاك يلزم الجمع بين المتناقضين، اما إذا قلنا بوجوب كل واحد منهما بنحو التخيير - أي هو مخير في الاتيان باحدهما - فلا يلزم المحذور المذكور، لأن الوجدان ليس موضوعا لوجوب الوضوء بنحو التخيير، بل هو موضوع لوجوبه بنحو التعيين، و هكذا بالنسبة الى الفقدان، فانه موضوع لوجوب التيمم بنحو التعيين، لأن ذلك هو المستفاد من الآية الكريمة، و المفروض اننا لا نقول بوجوب كل منهما بنحو التعيين، بل بوجوب احدهما بنحو التخيير.

2 - ان كون الرفع في قاعدة نفي الحرج بنحو الرخصة دون العزيمة يتم لو فرض اننا قلنا بان المرفوع بالقاعدة هو خصوص الالزام دون أصل الطلب و الرجحان و الملاك، انه بناء على هذا يمكن الحكم بصحة الوضوء في موارد الحرج استنادا الى الملاك و الرجحان، و لكن هذا لا يمكن الالتزام به، حيث ان الدال على الملاك و الرجحان هو الوجوب، فإذا رفع الوجوب بقاعدة لا حرج لا يبقى ما يدل على بقاء

الملاك و الرجحان حتى يمكن بواسطته الحكم بصحة الوضوء.

و يرده: اننا ندعي ان قوله تعالى... ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ حيث انه وارد للامتنان على الامة الاسلامية فهو يدل على مطلبين في آن واحد: رفع الوجوب و بقاء الملاك و الرجحان، إذ لو كان الملاك و الرجحان غير باقيين لما كان رفع الحكم في موارد الحرج امتنانيا، فان رفع الحكم انما يكون امتنانيا لو كان هناك ملاك يقتضي ثبوته و لكنه يرفع من باب المانع و هو الحرج، اما إذا لم يكن له ملاك فلا قابلية لثبوته في نفسه حتى يكون رفعه امتنانيا.

و عليه فالحكم بصحة الفعل الحرجي في موارد الحرج هو المناسب. اللهم الا ان يدعى انعقاد اجماع تعبدي على عدم الصحة، كما قد يدعى ذلك في باب الوضوء و انه انعقد اجماع على عدم التخيير بين الوضوء و التيمم.

8 - هل القاعدة تعم الحكم الوضعي أيضا؟

قد يتساءل عن قاعدة نفي الحرج: هل ترفع خصوص الأحكام التكليفية أو ترفع الأحكام الوضعية أيضا؟

ينبغي في مقام الجواب التفصيل بين ما إذا كان الحرج لازما لخصوص الحكم التكليفي دون الحكم الوضعي فيكون المرتفع بالقاعدة خصوص الحكم التكليفي، و بين ما إذا كان لازما للحكم الوضعي أيضا فيكون المرتفع بالقاعدة الحكم الوضعي أيضا.

مثال الأوّل: إذا فرض ان امرأة كان زوجها سيئ المعاشرة بحيث يضربها دائما و يتعامل معها أسوأ من معاملة العبيد فانه في مثل ذلك

يمكن الحكم بجواز خروجها من المنزل الى بيت أهلها من دون استئذانه، لأن حرمة الخروج بدون اذنه تستلزم الحرج لها، و لكن هذا لا يعني زوال الزوجية - التي هي حكم وضعي - فان الحرج لا يترتب على بقاء الزوجية، بل على وجوب اطاعة الزوج تكليفا فيكون هو المرتفع دون الزوجية.

و مثال الثاني: لزوم البيع في حالات الغبن، فانه يترتب عليه وقوع المغبون في الحرج، فيحكم بعدم لزوم البيع و جواز فسخه تمسكا بالقاعدة.

9 - تطبيقات

1 - رجل حصل على مال يساوي مقدار الاستطاعة للحج و لم يكن له دار سكن فهل من حقه صرف ذلك في شرائها؟

2 - رجل حصل على ما يساوي مقدار الاستطاعة و كانت له دار سكن فهل من حقه شراء دار سكن ثانية؟

3 - هل يجوز لمن حصل على ما يساوي الاستطاعة صرف المال في شراء سيارة أو في الزواج به؟

4 - هل يجوز للزوجين إذا لم ينجبا الفحص لدى الطبيب أو الطبيبة، مع العلم بان ذلك يستدعي الكشف عن العورة؟

5 - كثيرا ما تذهب النساء الى الطبيبة لإجراء فحوصات عليها بالرغم من عدم وجود حاجة ملحّة لها فهل يجوز ذلك؟

6 - إذا ثبت بواسطة الأجهزة الحديثة ان الحمل مشوّه الخلقة فهل يجوز للأم الاجهاض؟

7 - إذا حضر الرجل بعض الحفلات التي يشترك فيها الرجال و النساء و تقدمت امرأة إليه للمصافحة فهل يجوز له تقديم يده؟

8 - إذا كان للمكلّف مكتبة أو سيارة أو دار ثانية فهل يجب عليه بيعها و الحج بثمنها؟

9 - إذا كان للمرأة حلى ذهبية لو باعتها استطاعت للحج فهل يجب عليها بيعها؟

10 - الزنا محرم في الشريعة الاسلامية، و لكن هل يمكن الحكم بجوازه احيانا تطبيقا لقانون لا حرج؟

11 - شخص حصل على مال الاستطاعة و كان ولده بحاجة الى زوجة فهل يجوز له صرف ذلك المال في تزويج ولده؟

12 - الذبح في منى للحاج يصعب في اليوم العاشر فما حكمه؟

قاعدة اليد

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - مدرك القاعدة

3 - قاعدة اليد اصل أو أمارة

4 - اعتبار الجهل بالحالة السابقة في أمارية اليد

5 - حالات اليد بلحاظ المقابل

6 - ضابط اليد

7 - اليد على المنافع

8 - عموم أمارية اليد في حق صاحبها

9 - تطبيقات

من القواعد التي يستفيد منها الفقيه في باب المعاملات و القضاء قاعدة اليد.

و قد تعرض الاصوليون الى هذه القاعدة تبعا للشيخ الأعظم في الرسائل، حيث تعرض قدّس سرّه في نهاية مبحث الاستصحاب الى مسألة ما لو اجتمع في مورد واحد الاستصحاب و قاعدة من القواعد الأخرى - و من جملة تلك القواعد التي ذكرها قاعدة اليد - فايهما المقدم؟ فهل الاستصحاب هو المقدم أو القاعدة المقابلة؟

و بهذه المناسبة تعرض بشكل مختصر الى قاعدة اليد، و جاء الاصوليون من بعده و تعرضوا على ذلك المنوال للقاعدة المذكورة.

و قد تعرض - حسب اطلاعنا - إلى هذه القاعدة قبل الشيخ الأعظم استاذه الشيخ النراقي في عوائده(1).4.


1) عوائد الايام: 254.

و قد كتب بعض في هذه القاعدة رسالة مستقلة، نخص بالذكر من بينهم الشيخ الاصفهاني صاحب كتاب نهاية الدراية، حيث ذكر في ترجمته ذلك، و لكننا لم نر الرسالة المذكورة.

و الكلام عن القاعدة المذكورة يقع ضمن النقاط التالية:

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - قاعدة اليد اصل أو أمارة.

4 - اعتبار الجهل بالحالة السابقة في أمارية اليد.

5 - حالات اليد بلحاظ المقابل.

6 - ضابط اليد.

7 - اليد على المنافع.

8 - عموم أمارية اليد في حق صاحبها.

9 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدة

يقصد بالقاعدة المذكورة: ان من له استيلاء على شيء بحيث كان ذلك الشيء واقعا في حوزته و يعدّ من توابعه فذلك الاستيلاء يكون أمارة على الملكية، فمن كان لابسا لثوب يتصرف فيه تصرف الملاك، أو له سيارة أو كتاب أو دار و اشباه ذلك و يتصرف في ذلك تصرف الملاك فذلك بنفسه يعدّ أمارة على ملكيته لذلك الشيء، إلاّ ان تقوم بينة و نحوها على الخلاف فتسقط أمارية اليد عن الاعتبار.

و بهذا نعرف المقصود من اليد، فانه يراد بها الكناية عن

الاستيلاء و كون الشيء تحت تصرف الشخص و في حوزته، و ليس المقصود بها الجارحة الخاصة بنحو الحقيقة.

و لعل المناسبة في الاستعانة باليد للتعبير عن ذلك هي ان التصرف و الاستيلاء يقع عادة باليد، بل إذا رجعنا الى المنشأ الأوّل لملكية الإنسان للأشياء وجدنا انه الحيازة، فبحيازة الأشياء كان يستولي على الأشياء - و أما العقود و سائر أسباب الملكية الأخرى فوجدت بعد ذلك و بالتدريج - و حيث إنّ الحيازة تقع عادة باليد لذا صح التعبير باليد كناية عن الاستيلاء.

و سيأتي إن شاء اللّه تعالى تحديد المقصود من اليد بشكل أدق.

و ينبغي ان لا يغيب علينا الفرق بين قاعدة اليد و قاعدة اخبار ذي اليد، فقاعدة اليد تعني ان نفس اليد - و لو بدون اخبار - أمارة على ملكية صاحبها، فمن كان ساكنا في دار و يتصرف فيها تصرف الملاك فنفس ذلك أمارة ملكيته لها حتى و لو لم يخبر عن ملكه لها، و هذا بخلافه في قاعدة إخبار ذي اليد، فان المقصود منها: ان من كانت له يد و استيلاء على شيء فاذا أخبر عن حال من أحواله - ككونه طاهرا أو نجسا - صدّق في ذلك و كان إخباره حجة.

و الحجة في القاعدة الثانية هو الاخبار المقيد باليد دون نفس اليد، و هذا بخلافه في القاعدة الاولى، فان الحجة هو نفس اليد دون اخبارها.

كما انه في القاعدة الاولى يكون المقصود استكشاف الملكية من خلال اليد، و لكنه في القاعدة الثانية يكون المقصود استكشاف أحوال أخرى، كالطهارة و النجاسة و أمثال ذلك.

و على هذا يكون الفارق بين القاعدتين من حيث الدال تارة و من

حيث المدلول أخرى، فان الدال في القاعدة الاولى هو نفس اليد، بينما في القاعدة الثانية هو أخبارها. و المدلول في القاعدة الاولى هو الملكية، بينما في القاعدة الثانية هو أحوال أخرى.

قاعدة على اليد

كما ينبغي أن لا يغيب علينا الفرق بين قاعدة اليد و قاعدة على اليد ما أخذت حتى تؤدي، فان الاولى يراد بها جعلها أمارة على الملك، بينما الثانية يراد بها جعل اليد سببا للضمان، و هي قاعدة أخرى مستقلة.

2 - مدرك القاعدة

اشارة

قد تذكر مدارك متعددة لقاعدة اليد، إلاّ ان أهمها: سيرة العقلاء الجارية على التعامل مع صاحب اليد معاملة المالك، فمن كانت له يد على دار نتعامل معه معاملة المالك، فاذا أراد بيعها اشتريناها منه، و إذا وهبها قبلنا هبته، و إذا اجاز الدخول إليها و التصرف فيها دخلنا فيها و تصرفنا، كل ذلك من دون مطالبته بالبينة على مالكيته.

ان عادة العقلاء قد جرت على ذلك، و حيث انه لم يردع عنها فهي ممضاة.

ان المدرك المهم هو هذه السيرة.

و اما الاجماع المدعى على القاعدة فهو محتمل المدرك، حيث يحتمل استناده الى السيرة المذكورة أو غيرها، و قد تقدم في قاعدة نفي الحرج عدم حجية الاجماع في حالة احتمال كونه مدركيا.

و أما الاخبار المستدل بها على القاعدة المذكورة فهي و ان كانت كثيرة و لا يخلو بعضها من وجاهة، إلاّ انه ليس لها اطلاق يمكن التمسك

به في موارد الشك، و انما تدل على قاعدة اليد في الجملة و على نحو القضية الموجبة الجزئية.

هذا مضافا الى انه لا يستفاد منها حجية قاعدة اليد بنحو التأسيس في مقابل السيرة العقلائية، بل الظاهر منها ورودها كإرشاد الى السيرة العقلائية، و معه فلا يمكن ان يستفاد منها أكثر مما يستفاد من السيرة العقلائية.

و نذكر تبركا بعض تلك الأخبار.

أ - رواية حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال له رجل: إذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي ان أشهد انه له؟ قال: نعم. قال الرجل: أشهد انه في يده و لا أشهد انه له فلعله لغيره. فقال ابو عبد اللّه عليه السّلام: أ فيحل الشراء منه؟ قال: نعم. فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: فلعله لغيره فمن أين جاز لك ان تشتريه و يصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك هو لي، و تحلف عليه و لا يجوز ان تنسبه الى من صار ملكه من قبله إليك؟ ثم قال عليه السّلام: لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق»(1)

و انما عبرنا بالرواية دون الصحيحة أو الموثقة باعتبار امكان الخدشة في سندها من ناحية القاسم بن يحيى - فان الكليني رواها عن علي بن ابراهيم عن أبيه و علي بن محمد القاساني جميعا عن القاسم بن يحيى عن سليمان بن داود عن حفص بن غياث - حيث لم تثبت وثاقته الا بناء على وثاقة كل من ورد في اسناد كامل الزيارة. و اما بقية رجال السند فهم ثقات.

.

ب - صحيحة عثمان بن عيسى و حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث فدك: ان أمير المؤمنين عليه السّلام قال لأبي بكر: أ تحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين؟ قال: لا. قال: فإن كان في يد المسلمينت.


1) وسائل الشيعة: الباب 25 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى ح 2.

شيء يملكونه ادعيت أنا فيه من تسأل البيّنة؟ قال: إيّاك كنت أسأل البينة على ما تدّعيه على المسلمين. قال: فاذا كان في يدي شيء فادعى فيه المسلمون تسألني البيّنة على ما في يدي و قد ملكته في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بعده...»(1)

و قد روى الحرّ الحديث المذكور عن علي بن ابراهيم في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عثمان بن عيسى و حمّاد بن عثمان. و الكلّ ثقات.

.

حيث تدلّ على ان من بيده شيء لا يطالب بالبيّنة و انّما يطالب بها غيره، و هذا لا وجه له إلاّ حجية اليد.

ج - صحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن مملوك ادّعى انّه حرّ و لم يأت ببينة على ذلك اشتريه؟ قال: نعم»(2)

و قد روى الحديث الشيخ الطوسي بسنده إلى الحسين بن سعيد عن صفوان بن يحيى عن العيص بن القاسم، و حيث ان سند الشيخ إلى الحسين بن سعيد صحيح - كما يتضح من خلال مراجعة مشيخة التهذيب - و بقية الرجال ثقات فالرواية صحيحة.

.

فإنّه لا وجه لجواز شرائه و رفض دعواه الحرية إلا حجيّة يد البائع.

د - موثقة يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في امرأة تموت قبل الرجل أو رجل قبل المرأة. قال: «ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، و ما كان من متاع الرجال و النساء فهو بينهما، و من استولى على شيء منه فهو له»(3)

و انما كانت موثقة باعتبار اشتمال سندها على علي بن الحسن بن فضال الذي هو فطحي.

.ي.

1) المصدر السابق ح 3.

2) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب بيع الحيوان ح 1.

3) وسائل الشيعة: الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج ح 3.

فان جملة «و من استولى على شيء منه فهو له» واضحة الدلالة على حجيّة اليد.

و هناك روايات أخرى يمكن الاستشهاد بها على قاعدة اليد أعرضنا عن ذكرها خوف الملل.

و مجموع الروايات المذكورة - كما ترى - يدلّ على حجيّة اليد في الجملة و لكن لا اطلاق لها يمكن الركون اليه في موارد الشك. و هذه نقطة لها تأثيرها على ما يأتي من أبحاث.

و الخلاصة: المهم في الدليل هو السيرة العقلائية المتقدمة.

نكتة السيرة

و الاعلام بعد تسليمهم لهذه السيرة وقع كلام بينهم في تحديد النكتة الفنية التي لأجلها بنى العقلاء على امارية اليد.

فالشيخ النائيني اختار ان ذلك من جهة الغلبة، أي بما ان الغالب في أصحاب الأيدي كونهم ملاّكا و ليسوا غاصبين لذا يا بني العقلاء على امارية اليد و دلالتها على الملكية(1).

بينما اختار الشيخ العراقي ان ذلك من باب كون قاعدة اليد وظيفة عملية يرجعون اليها في ظرف الجهل بالواقع، فإن العقلاء كما لهم أمور يرجعون اليها من باب كونها كاشفة عن الواقع، كما هو الحال في خبر الثقة و بقية الامارات كذلك لهم أمور يرجعون اليها عند استتار الواقع من باب ان استقامة نظام معاملاتهم لا تتم إلاّ بذلك، فيبنون عليها من باب كونها وظيفة عملية ظرف الجهل بالواقع(2).


1) فوائد الاصول 603:4.

2) نهاية الأفكار الجزء الثاني من القسم الرابع: 21.

و الشيخ الأعظم في الرسائل أشار في كلامه إلى كلتا النكتتين المذكورتين فقال: ان من المحتمل تمسك العقلاء باليد من باب الغلبة و من المحتمل كونه من باب الوظيفة العملية، ثم رجّح في نهاية كلامه كون النكتة هي الغلبة(1).

و للسيد الشهيد في بحوثه كلام مجمل قد يلتئم مع الغلبة أكثر، حيث ذكر ان العقلاء يبنون على اليد من جهة كاشفية الاستيلاء الخارجي عن الاستيلاء التشريعي الذي هو عبارة أخرى عن الملكية(2).

و ثمرة الاختلاف في النكتة الفنية تظهر في البحث الآتي ان شاء اللّه تعالى.

3 - قاعدة اليد أصل أو امارة

وقع كلام بين الباحثين عن قاعدة اليد في أنّها أصل أو امارة.

و الثمرة لهذا البحث تظهر في التعرّف على نكتة تقدم اليد على الاستصحاب عند اجتماعهما في مورد واحد.

و بتعبير أوضح: ان الأعلام اتفقت كلمتهم على تقدم اليد على الاستصحاب، و انما الكلام في تحقيق النكتة الفنية لذلك.

و قبل تحقيق تلك النكتة لا بدّ من استذكار الفرق بين الامارة و الأصل.

و المعروف في التفرقة بينهما ان ما جعل حجّة من حيث جهة الكشف و الطريقية الثابتة له فهو امارة، و ما لم يجعل حجة من هذه


1) فرائد الأصول، الطبعة القديمة المحشاة بحواشي رحمت اللّه: 409.

2) بحوث في شرح العروة الوثقى 104:2.

الجهة بل جعل حجّة من حيث كونه وظيفة عملية عند عدم وجود كاشف معتبر عن الواقع فهو أصل.

و في ضوء هذا نقول: الصحيح كون اليد حجّة من حيث الامارية لأن مهم الدليل على حجيتها هو السيرة العقلائية، و اما الأخبار فهي - كما قلنا - واردة لتأكيد السيرة العقلائية و ليست في صدد بيان مطلب جديد، و واضح. ان العقلاء يعتبرون اليد حجّة من حيث كشفها الغالب عن الملكية، و ليس لحجيتها تعبدا من باب كونها وظيفة عملية عند الجهل بالواقع، فإن القضايا التعبدية بعيدة عن الحياة العقلائية و ان اصرّ على امكان ذلك الشيخ العراقي، و قال ما نصّه: «لأن العقلاء كما لهم أمور يرجعون اليها لكونها كاشفة عن الواقع، كذلك لهم أمور يرجعون اليها عند استتار الواقع، باعتبار كونها وظيفة عملية في ظرف الجهل بالواقع»(1).

و على أي حال إذا قلنا بأن اليد امارة فوجه تقدمها على الاستصحاب واضح، و اذا قلنا بكونها أصلا فأيضا يلزم تقديمها، من جهة انّه لو لم تقدم يلزم ان لا يبقى لها مورد للجريان؛ إذ ما من مورد تجري فيه اليد عادة إلاّ و يوجد استصحاب يجري إلى جانبها يثبت من خلاله عدم ملكية صاحب اليد، فإن صاحب اليد على العين غالبا ما هو مسبوق بعدم مالكيته، بمعنى انّه لم تكن العين مملوكة له من القديم و انما كانت ملكا لغيره، فإذا شك في انتقالها إليه استصحب عدم مالكيته.1.


1) نهاية الأفكار الجزء الثاني من القسم الرابع: 21.

و اذا لم يبق مورد لليد بدون جريان الاستصحاب إلى جانبها يلزم من ذلك اختلال النظام، لأنه إذا أردنا أن نشتري دارا أو غيرها من شخص فنحتمل عدم كونه مالكا و من ثمّ يلزم عدم صحة الشراء منه، و هذا هو اختلال النظام الذي أشارت له رواية حفص بن غياث المتقدمة بقولها:

«لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق».

و هذا المعنى أو قريب منه هو الذي أشار له الشيخ الأعظم بقوله:

«و كيف كان فاليد - على تقدير كونها من الأصول التعبدية أيضا - مقدمة على الاستصحاب و ان جعلناه من الامارات الظنية، لأن الشارع نصبها في مورد الاستصحاب. و ان شئت قلت: ان دليله أخص من عمومات الاستصحاب»(1).

4 - اعتبار الجهل بالحالة السابقة في امارية اليد

اشارة

اذا كان شخص يسكن دارا بحيث كان صاحب يد عليها فتارة يجهل الحال السابق لليد و أخرى تعرف الحالة السابقة.

و قد يذكر للحالة الثانية عدّة شقوق نشير إلى اثنين منها:

1 - ان تكون اليد سابقا يد امانية أو غصبية أو يد اجارة أو نحو ذلك ثم احتمل تحولها الى يد ملك، بأن نفترض ان شخصا كان يسكن دارا في زمن سابق بنحو الاجارة و احتمل شراؤه لها بعد ذلك، و هكذا لو فرض انّه كان غاصبا لها فيما سبق أو كانت في يده أمانة و احتمل شراؤه لها بعد ذلك، انه في مثل هذه الحالة التي يعلم بأن اليد فيها


1) فرائد الأصول، الطبع القديم: 409.

سابقا لم تكن يد ملك و احتمل تحولها إلى يد ملك بعد ذلك هل تكون اليد فيها امارة على الملكية؟

2 - أن يعلم بكون الدار سابقا وقفا، و احتمل عروض بعض المسوغات لبيعها، و صاحب اليد اشتراها و صار مالكا لها بسبب عروض تلك المسوغات.

و بعد هذه الفهرسة للحالات نقول:

اما إذا كان الحال السابق لليد مجهولا - بأن رأينا شخصا يسكن دارا و لا نعرف الحال السابق لليد، فنحتمل انّه توارثها أبا عن جد أو اشتراها من مالكها الشرعي، و نحتمل في نفس الوقت ان وصولها إليه لم يكن شرعيا بل نتيجة غصب و نحوه - فذلك هو القدر المتيقن من سيرة العقلاء على التمسك باليد.

و اما الحالة الثانية فقد فرضنا لها شقين:

الشقّ الأول

اشارة

اما بالنسبة إلى الشقّ الأول فالمناسب الحكم بعدم حجية اليد لا لأجل استصحاب الحال السابق لليد، كما حاول ذلك الشيخ النائيني(1)حيث ذكر ان اليد ما دامت غاصبة سابقا فيجري استصحاب بقائها على كونها غاصبة، و مع ثبوت حال اليد الآن بسبب الاستصحاب و كونها غاصبة لا معنى للتمسك باليد، فإن التمسك بها فرع الشك و الجهل بحالها، و المفروض معرفة حالها و كونها غاصبة. و هكذا الحال لو كانت يد امانة سابقا أو يد اجارة، فانّه يجري استصحاب الحال


1) فوائد الأصول 605:4.

السابق، و به يتضح حال اليد الآن.

هكذا ذكر الشيخ النائيني.

و المناسب ان يقال في توجيه عدم حجيّة اليد في الشقّ المذكور بدلا عمّا ذكره الشيخ النائيني: ان الدليل المهم على حجيّة اليد ليس إلاّ السيرة العقلائية، و اما الأخبار فهي واردة كمؤكد للسيرة العقلائية لا أكثر، مضافا إلى انّه ليس لها اطلاق يمكن التمسك به في حالات الشك.

و اذا كانت السيرة العقلائية هي الدليل المهم فحيث انّها دليل لبي و ليس لفظيا ذا اطلاق ليتمسك به فينبغي الاقتصار على القدر المتيقن، و هو فيما اذا كان الحال السابق لليد مجهولا.

و عليه فلا حاجة إلى بيان الميرزا النائيني، بل هو قابل للتأمل باعتبار ان لازمه: عدم امكان التمسك باليد في أي مورد من الموارد، لجريان استصحاب عدم تحقق الملكية و النقل و الانتقال إلى صاحب اليد في جميع الموارد على ما تقدمت الاشارة إليه سابقا.

وجه الاعتماد على السندات

و من هنا يتضح الوجه في قبول الاعلام لسندات الايجار، فإنّه لو فرض ان شخصا كان يسكن دارا و يدّعي أنّها له، و تقدّم شخص ثان الى الحاكم يدّعي ان الدار ملك له و انه آجرها لصاحب اليد الفعلية، و كان له سند يشهد بالايجار، انّه في مثل هذه الحالة تطرح اليد و لا يعار أهمية لها، و يؤخذ بسند الايجار و يحكم بكونها ملكا للمدّعي صاحب السند.

و من خلال بياننا السابق اتضح الوجه للحكم المذكور؛ ان ذلك من جهة ان اليد اذا كانت سابقا يد ايجار فلا تكون حجّة في اثبات الملك

فعلا، من جهة عدم الجزم بانعقاد السيرة على الأخذ باليد و الحكم على طبقها، و ذلك يكفي في اسقاطها من الاعتبار، و مع عدم حجيتها يبقى استصحاب الملك السابق أو الايجار السابق بلا معارض فيؤخذ به.

الشق الثاني

هذا كلّه في الشقّ الأول.

و اما الشقّ الثاني، و هو فيما اذا كانت الدار سابقا وقفا - فيمكن أن نتصوره بشكلين:

أ - ان يعلم بأن اليد حينما طرأت على الدار طرأت عليها و هي وقف، بأن يفرض ان صاحب اليد استأجر الوقف، و لكننا نحتمل بعد ذلك طرو أحد المسوغات لبيع الوقف فاشتراها ممن له حق بيعها.

ب - ان لا نجزم بكون الدار وقفا حين طرو اليد عليها، بل نحتمل بطلان الوقف أولا بأحد الأسباب الشرعية، ثم شراء صاحب اليد لها بعد ذلك.

اما الشكل الأول

فينبغي أن يكون واضحا عدم حجيّة اليد لنفس النكتة المتقدمة و هي: عدم الجزم بانعقاد السيرة على الأخذ باليد، لأن حال اليد سابقا معلوم و هو كونها يد ايجار للوقف مثلا، و يشك في انقلابها عن ذلك فيدخل ذلك في الشق الأول، و لا يوجد فارق معه و يكون حكمه حكمه.

و اما بالنسبة إلى الشكل الثاني فقد اختار فيه السيد اليزدي - في كتاب القضاء من ملحقات العروة الوثقى - الحكم بامارية اليد على الملكية و عدم انتزاع الدار من صاحب اليد و تسليمها إلى أرباب الوقف.

و قد قيل باحتمال أخذه لهذا الحكم من استاذه السيد محمد باقر

الاصفهاني الشفتي، حيث اشتهر عنه هذا الحكم في اصفهان(1).

و قد قيل في توجيه حجيّة اليد في مثل ذلك بأنّه لا مانع من الأخذ باليد سوى استصحاب بقاء الدار وقفا و عدم انتقالها ملكا إلى صاحب اليد بيد ان هذا المقدار لا يقف أمام حجيّة اليد و الاّ لزم عدم حجية اليد في سائر الحالات أيضا، لأن استصحاب بقاء الدار على ملك مالكها السابق على صاحب اليد يجري و يقف أمام اليد، و إذا كان مثل هذا الاستصحاب لا بدّ من طرحه و عدم وقوفه أمام اليد يلزم مثل ذلك في استصحاب بقاء الدار على وقفها السابق.

و يرده: انه في الحالات المتعارفة لليد حيث يا بني العقلاء على التمسك باليد فيكون ذلك موجبا لحجيتها و من ثمّ لسقوط الاستصحاب المقابل لها عن الاعتبار، و هذا بخلافه في محل كلامنا، فانّه لا يحرز انعقاد السيرة على التمسك باليد لتقف بذلك حائلا أمام الاستصحاب.

و الخلاصة من كلّ ما تقدّم: ان المقدار الذي يجزم بانعقاد السيرة فيه على امارة اليد هو فيما اذا كان الحال السابق لليد مجهولا و لا يجزم بانعقادها فيما سوى ذلك.

5 - حالات اليد بلحاظ المقابل

اذا كان شخص يسكن دارا مثلا و كانت تحت يده و تصرفه فقد قلنا سابقا: ان يده تكون امارة على الملكية لو فرض ان الحال السابق لليد مجهول. و هذا واضح.


1) نهاية الأفكار الجزء الثاني من القسم الثاني: 25.

و من هنا سوف نفترض في بحثنا لهذه النقطة ان الحال السابق لليد مجهول و بعد تحقق الجهل نقول:

تارة يفترض عدم وجود من يدّعي ملكية الدار في مقابل صاحب اليد كما لا توجد بيّنة أو إقرار يتنافى و ملكية صاحب اليد. و في مثل هذه الحالة لا اشكال في حجيّة اليد و اماريتها على الملكية.

مضافا إلى دخول المورد تحت قاعدة الدعوى بلا منازع، فان كل من ادّعى شيئا و لا منازع له قبلت دعواه لجريان السيرة العقلائية الممضاة شرعا على ذلك.

و ثانية يفترض وجود من يدّعي ملكية الدار بالفعل. و في مثل ذلك ان كانت للمدّعي بيّنة دفعت له الدار و إلاّ بقيت في يد صاحب اليد.

و ثالثة فترض قيام الحجّة على كون الدار ملكا فيما سبق لشخص آخر غير صاحب اليد من دون ان يثبت بتلك الحجة انتقال الدار من مالكها السابق إلى صاحب اليد بأحد النواقل، كما لو فرض ان البيّنة شهدت بأن الدار كانت فيما سبق ملكا لشخص آخر غير صاحب اليد، أو فرض ان الحاكم كان يعلم بذلك، أو فرض ان نفس صاحب اليد أقرّ بذلك.

و يلزم أن نفترض ان ذلك الغير السابق يدّعي ملكية الدار الآن - و إلا كانت اليد ثابتة بلا منازع و تثبت الملكية بلا كلام - إلا أنّه يدّعيها من دون وجود حجّة له، لأن الحجة تشهد بالملك السابق لا أكثر(1)

فانّه يقال: المقصود من الحال السابق كون اليد اجارة أو غصبا مثلا، و في المقام لم نفترض ذلك، بل افترضنا انها ليست مالكة سابقا، و هذا لا يؤثر على حجيّة اليد، و إلا لم تكن لدينا يد حجة.

.

1) لا يقال: انه بناء على هذا يكون الحال السابق لليد معلوما فلا تكون حجّة على الملك كما تقدّم سابقا بلا حاجة الى استئناف بحث جديد.

و في هذه الحالة لا بدّ من التفصيل بين اقرار صاحب اليد و غير ذلك.

فعلى تقدير قيام البيّنة أو علم الحاكم بأن الدار كانت سابقا لشخص آخر و يحتمل انتقالها إلى صاحب اليد فلا إشكال في امارية اليد و الحكم على طبقها بملكيته.

و الوجه: انعقاد السيرة على ذلك، فإن من يشتري دارا من غيره كثيرا ما يعلم ان تلك الدار كانت مملوكة لإنسان آخر ثالث، و بالرغم من علمه يقدم على شرائها حتى مع دعوى المدّعي المالك سابقا ملكيتها فعلا. و استصحاب بقاء ملك السابق لا ينفع بعد جريان قاعدة اليد.

و اما على تقدير اقرار صاحب اليد بكونها سابقا ملكا لفلان، و نفترض ان ذلك الغير السابق يدّعيها بالفعل، في حين أنّ صاحب اليد يدّعي انتقالها إليه من المالك السابق فالمشهور اختار ان الدار تنزع من ذي اليد و تسلّم إلى المدّعي، لأنّه بإقراره تنقلب الدعوى و يصير المدّعي منكرا و المنكر مدّعيا.

الاشكال من ناحية فدك ثم إنّه على الرأي المشهور القائل بانقلاب صاحب اليد مدعيا في حالة اقراره بالملك للمالك السابق - فيما اذا كان المالك السابق مدّعيا للعين - يرد اشكال حاصله: انّ الخليفة الأول ادّعى ان النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يورّث، و أنّ فدكا ينبغي أن لا تكون ارثا للزهراء عليها السّلام بل فيئا لجميع المسلمين، إلاّ إذا أقامت - سلام اللّه عليها - شهودا على ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قدة.

انحلها إيّاها في حياته فانّه يحكم بكونها ملكا لها، و إلاّ فلا حقّ لها.

و في هذا المجال اعترض أمير المؤمنين عليه السّلام بأن الزهراء عليها السّلام ما دامت صاحبة يد على فدك فلما ذا مطالبتها بالبيّنة، فإن صاحب اليد لا يطالب بالبيّنة.

فقد ورد في احتجاج الطبرسي و شرح المعتزلي(1): «فقال أبو بكر:

هذا فيء المسلمين، فإن أقامت شهودا ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جعله لها و إلاّ فلا حق لها فيه.

فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: يا أبا بكر أ تحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين؟

قال: لا.

قال: فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ثم ادعيت أنا فيه، من تسأل البيّنة؟

قال: إيّاك أسأل البيّنة.

قال: فما بال فاطمة سألتها البيّنة على ما في يدها و قد ملكته في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بعده، و لم تسأل المسلمين بيّنة على ما ادّعوا شهودا، كما سألتني على ما ادعيت عليهم؟

فسكت أبو بكر فقال عمر: يا علي دعنا من كلامك فانّا لا نقوى على حجّتك، فإن أتيت بشهود عدول، و إلاّ فهو فيء للمسلمين لا حق لك و لا لفاطمة فيه...».

ان الزهراء عليها السّلام كانت تعترف بأن فدكا كانت للنبي صلّى اللّه عليه و آله، و مع6.


1) الاحتجاج 121:1، و شرح ابن أبي الحديد 274:16.

اعترافها بكونها للنبي صلّى اللّه عليه و آله فهي تدّعي انتقالها منه إليها و انّه وهبها إيّاها، و بذلك تصير مدعية للهبة فتلزمها البيّنة، و مع عدم البيّنة لها ينبغي أن تبقى على ملك النبي صلّى اللّه عليه و آله، و حيث انّه لا يورّث ينبغي أن تنتقل فيئا للمسلمين. إذن كيف يقول أمير المؤمنين عليه السّلام ان الزهراء عليها السّلام ما دامت صاحبة يد فلا معنى لمطالبتها بالبيّنة؟

و يمكن الجواب عن ذلك: بأن شخصا لو دفع إلى ثان قطعة قماش مثلا و خاطها الثاني و لبسها فترة طويلة من الزمن و كان يتصرّف فيها تصرّف الملاّك، ثم بعد فترة مات الأول، فهل يحقّ للوصي مطالبة الثاني بقطعة القماش فيما إذا كان الثاني يدّعي أن الأول ملّكها إيّاه؟ كلا لأن الثاني بسبب يده الثابتة زمن المالك السابق و سكوته عن ذلك بل و امضائه لا يتحول إلى مدع، و انّما يكون المدّعي هو الوصي، كيف لا و نحن نعرف ان المدّعي هو من اذا سحب نفسه و سكت اغلقت الدعوى، و هذا الضابط ينطبق على الوصي، فانّه لو سكت اغلقت الدعوى.

و لا يخفى ان جوابنا هذا يرجع إلى ما حاصله: ان إقرار صاحب اليد انما يقلبه الى كونه مدّعيا فيما لو فرض ان الطرف الثاني الذي يدّعي عدم تمليك العين لصاحب اليد هو المالك نفسه أو ورّثته دون ما إذا كان هو الوصي - كما في المقام - فإن الخليفة الأول ليس هو المالك لفدك سابقا و ليس هو الوارث للنبي صلّى اللّه عليه و آله، بل أقصى ما يمكن تسليمه هو كونه وصيّا، و الوصي لا يقبل منه ما يدّعيه في مقابل اليد الفعلية، بل السيرة منعقدة على حجيّة اليد، و لا أقل تكفينا قصة المنازعة في فدك هذه، و لا يتسجل بسببها اشكال على المشهور، فإن كلام المشهور ناظر إلى حالة ما إذا كان الطرف المقابل لليد هو المالك نفسه دون

الوصي عنه خصوصا و ان الوصي - حسب الفرض - لا يدّعي عدم حصول التمليك من قبل المالك لصاحب اليد، بل أقصى ما يقوله: اني لا أعلم بحصول الانتقال، و عدم العلم بالانتقال لا يقف أمام اليد الفعلية.

و ان شئت قلت: ان المدّعي انّما يطلب منه البيّنة لو كان له طرف ينكر دعواه - و إلاّ كان المورد من قبيل الدعوى بلا منازع التي هي مقبولة بلا حاجة إلى اثبات - و المفروض ان الخليفة الأول لم يكن منكرا، و انّما يدّعي عدم العلم لا العلم بالعدم.

و اذا قيل: المهم صدق عنوان المدعى عليه و لا يلزم صدق عنوان المنكر.

كان الجواب: ان الخليفة الأول لا ينطبق عليه عنوان المدعى عليه، بل النبي صلّى اللّه عليه و آله هو المدعى عليه النحلة.

على انّا لو تنزلنا و سلمنا ان دعوى الوصي كدعوى الميت الموصي باعتبار انه أعرف بحاله فذلك يتم فيما لو كان الوصي قد نصبه الميت دون ما لو لم ينصبه الميت، و انما تم نصبه بعد ذلك لاتفاق المسلمين على بيعته بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله كما هو المعروف لدى العامة.

6 - ضابط اليد

بعد أن عرفنا ان اليد امارة على الملك للسيرة العقلائية يجدر ان نحدد المقصود من كون الشيء تحت اليد.

انّه لا يقصد جزما كون الشيء مقبوضا باليد، كقبض القلم و الدينار للجزم بتحقق اليد في مثل السيارة و الدار عرفا، و الحال انها

ليست مقبوضة باليد.

و كذلك لا يكفي كون الشيء واقعا تحت القدرة بحيث يقدر على التصرف فيه كيف شاء، للجزم عرفا بعدم تحقق اليد على الشيء بمجرد القدرة، و إلاّ كان رئيس كلّ دولة ذا يد على جميع ما في الدولة من أشياء، لأنّه قادر على التصرف فيها كيفما شاء.

و لا يكفي أيضا وقوع الشيء في حوزة الانسان من دون أن يعدّ من توابعه، كما هو الحال في الوكيل الذي و كل في التصرف في شيء كيفما أحبّ، فإنّه حتى لو تصرّف فيه لا يكون صاحب يد عرفا، لأن الشيء لا يعدّ من توابعه.

و عليه فلا يبعد أن تكون اليد عبارة عن تصرف الشخص في شيء و وقوعه في حوزته بحيث يعدّ من توابعه عرفا.

و يبقى الرجوع الى العرف هو الميزان الأساسي لتشخيص صدق اليد و عدمه، فمن بيده مفتاح الدار مع سكن الغير فيها لا يصدق كونه صاحب يد عليها، بخلاف ما إذا لم تكن مسكونة.

7 - اليد على المنافع

تارة يفرض ان اليد تتعلق بالعين، و هذا ما تقدّم الحديث عنه و قلنا ان السيرة قد انعقدت على كونها امارة على الملك، و أخرى تتعلّق بالمنفعة، و هذا قد وقع البحث عنه في كونها امارة على الملك أو لا.

مثال ذلك: ما اذا كان شخص يسكن دارا و علمنا بعدم كونه مالكا للعين، بيد انّا كنّا نحتمل كونه مالكا للمنفعة باجارة و نحوها فهل يحكم بملكيته لها تمسكا بامارية اليد؟

يمكن أن يقال: ان القدر المتيقن من سيرة العقلاء هو اثبات ملك العين باليد، و اما ملك المنافع مستقلا عن العين فهو مشكوك فيقتصر على القدر المتيقن.

أجل اذا كان المتصرف مسلما حمل تصرفه على كونه تصرفا صحيحا، فلو آجر الدار أو أعارها حمل ذلك على الصحة، بيد ان هذا مطلب آخر، و كلامنا في اثبات ملكية المنفعة بنفس اليد بدون اخبار و لا غيره من القواعد الأخرى.

و الثمرة تظهر فيما لو فرض - مثلا - ان شخصا كان يسكن دارا نعلم بعدم ملكيته لها، و نفترض انّه لو كان مالكا للمنفعة فهو راض جزما بالسكن في الدار، و لكننا نشك في ملكيته لها، و نحتمل انّه أبيح له السكن فقط على وجه لا يحقّ له إباحة ذلك لغيره.

ثم إنّه بعد عدم الجزم بانعقاد السيرة على الحكم بملكية المنفعة لا نطيل البحث عن امكان تصور تعلق اليد بالمنافع و الاشكال على ذلك، بدعوى ان المنافع ليس لها وجود فعلي لتتعلق به اليد، و انما توجد بالاستيفاء شيئا فشيئا.

8 - عموم امارية اليد في حق صاحبها

تارة يفرض ان الانسان صاحب يد على شيء و يشك الغير في مالكيته، و أخرى يفرض ان صاحب اليد نفسه يجد في بيته أو صندوقه شيئا و يشك انّه له أو لا، ففي مثل ذلك هل يحكم بملكية صاحب اليد لما يجده في حوزته؟

قد يقال بعموم دليل حجية قاعدة اليد و هو السيرة العقلائية لذلك

بتقريب ان العقلاء انّما يحكمون بامارية اليد في سائر الموارد من باب غلبة كون ما تحت اليد ملكا لصاحبها، و من النادر أن يكون غاصبا، و واضح ان هذه النكتة تعمّ المقام أيضا، فإن الغالب كون ما في صندوق الانسان أمرا راجعا اليه و خاصا به و ليس راجعا الى الغير، لبعد ان يضع غير صاحب الصندوق فيه شيئا. أجل إذا كان الصندوق معدا لوضع أشخاص متعددين فيه أشياءهم فلا يحكم باختصاص الشيء بصاحب الصندوق.

ان هذا التفصيل اذا سلم فبها و إلاّ فيمكن التمسك بصحيحة جميل بن صالح: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل وجد في منزله دينارا. قال: يدخل منزله غيره؟ قلت: نعم كثير، قال: هذا لقطة. قلت: فرجل وجد في صندوقه دينارا؟ قال: يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئا قلت: لا. قال: فهو له»(1).

9 - تطبيقات

1 - اذا كان شخص صاحب يد على شيء و ادعاه غيره فما هو الموقف؟

2 - اذا كان شخص صاحب يد على شيء، و كان يعترف انّه ليس له و تداعاه اثنان، كلّ واحد منهما يقول: هو لي، فما هو الموقف في حالة تصديق صاحب اليد لأحدهما، و ما هو الموقف في حالة سكوته و عدم تصديقه لأحدهما؟


1) وسائل الشيعة: الباب 3 من أبواب اللقطة ح 1.

3 - اذا كان شخص يسكن دارا و قال هي ملكي، فقبولنا لقوله يدخل تحت أي قاعدة؟

4 - اذا كان شخصان يسكنان دارا، فتارة يدّعيها أحدهما، و أخرى يدّعيها كلاهما، و ثالثة يدّعيها شخص ثالث غيرهما. ما هو الموقف في هذه الحالات؟

5 - إذا كان شخص كافر يدّعي ان شيئا معينا ملك له فأي قاعدة يمكن تطبيقها لإثبات ملكه؟

6 - اذا اختلف المسلم و الكافر في دعوى ملكية شيء فعلى طبق قول أيّهما يحكم؟

7 - اذا كان شخص يبيع لحما نشك انّه مذكى أو لا فبما ذا نحكم، و على طبق أي قاعدة؟

8 - اذا دخلنا دار شخص، و قال: ان هذا المكان من الدار نجس فهل يحكم بحجية ما يقول و لأي قاعدة؟

تمّ بتوفيق اللّه سبحانه مراجعة

كتابنا المذكور في مدينة قم المقدسة

يوم 21 /جمادي أول/ 1417 ه

باقر الايرواني