ghaemiyeh.com
سرشناسه : عراقی، ضیاءالدین، ۱۲۴۰ - ۱۳۲۱.
عنوان قراردادی : تبصرهالمتعلمینفیاحکامالدین. شرح
عنوان و نام پديدآور : شرح تبصره المتعلمین/ تالیف ضیاءالدین العراقی.؛ تحقیق محمدالحسون.
مشخصات نشر : قم: الجماعه المدرسین فی الحوزه العلمیه بقم، موسسه النشرالاسلامی، ۱۴۱۴ = [-۱۳۷۲]
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسسه النشر الاسلامی التابعه لجماعه المدرسین بقم المشرفه؛ ۵۹۱ ، ۵۹۲، ۵۹۳، ۵۹۴.
شابک : ۲۸۰۰ ریال (ج. ۵)
يادداشت : عربی.
يادداشت : این کتاب شرحی است بر "تبصره المتعلمین فی احکام الدین" علامه حلی.
يادداشت : ج.۲ (چاپ اول: ۱۴۱۴ق.[=۱۳۷۷]).
يادداشت : ج. ۵ (چاپ اول: ۱۴۱۳ ق. = ۱۳۷۱).
یادداشت : کتابنامه.
موضوع : علامهحلی، حسنبنیوسف، ۷۲۶ - ۶۴۸ق. تبصره المتعلمینفی احکامالدین -- نقد و تفسیر.
موضوع : فقه جعفری -- قرن ۷ق.
شناسه افزوده : حسون، محمد، ۱۳۳۸ - ، مصحح
شناسه افزوده : علامه حلی، حسنبن یوسف، ۷۲۶ - ۶۴۸ق. تبصره المتعلمین فی احکام الدین. شرح
شناسه افزوده : جامعه مدرسین حوزه علمیه قم. دفترانتشارات اسلامی
رده بندی کنگره : BP۱۸۲/۳/ع۸ت۲۰۲۱۶۵ ۱۳۷۰ی
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۴۲
شماره کتابشناسی ملی : م۷۳-۱۷۰۲
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
و به نستعين و هو المعين
(كتاب المتاجر)
جمع متجر مصدر ميمي بمعنى التجارة المرادف للكسب، المساوق لتحصيل ما يتعلق بمعاش الناس بلا واسطة أو بواسطة، فتدخل فيه الصنائع الخارجية عن المعاملات بالمعنى الأخص أيضا، كما يومئ إليه ما في خبر تحف العقول حيث جعله من المكاسب (1)(و) كيف كان (فيه) يعني في المتاجر (فصول):
بالمعنى الأخص من المعاملة، و لا شبهة في وقوعه محكوما بالأحكام الخمسة، (و قد تجب إذا لم يكن للإنسان معيشة سواها و كانت مباحة ببيع) إباحة متعلقها.
(و قد تستحب إذا أراد التوسعة على عياله)، و لقد عقد في الوسائل بابا لاستحباب طلب الرزق و وجوبه مع الضرورة (2)، و في بعض نصوصها: «إنّ
طلب الرزق من الحلال كالجهاد في سبيل اللّٰه» (1).
و في آخر قول أبي عبد اللّٰه: «خرجت في طلب الرزق لأستغني به عن مثلك» (2).
و في ثالث: «من طلب الدنيا استعفافا عن الناس، و سعيا على اهله، و تعطفا على جاره لقي اللّٰه يوم القيامة و وجهه مثل القمر ليلة البدر» (3).
و في جملة من النصوص يستفاد استحباب التجارة مع قطع النظر عن مقدمية التوسعة (4).
و في النص: «إنّ التجارة تزيد في العقل» (5).
و في آخر: «ترك التجارة ينقص العقل» (6)، إلى غير ذلك من النصوص.
(و قد تكره المعاملة المزبورة إذا كان غرضه به جمع المال لا للصرف في الطاعة، و في النص: «لا خير في من لا يحب جمع المال من حلال، يكف به وجهه، و يقضي به دينه، و يصل به رحمه» (7).
و مثّل المصنف للمكروه بقوله: كالمحتكر، و فيه أنّ الاحتكار محسوب من الصنائع المكروهة لا معاوضاتها. اللهم [إلّا] أن يراد به المعاملة بقصد التوصل به إلى الاحتكار فإنه حينئذ تكره المعاوضة أيضا مقدمة للوصول إلى الاحتكار.
1) انظر وسائل الشيعة 12: 11 حديث 4 باب 4 من أبواب مقدمات التجارة.
2) وسائل الشيعة 12: 10 حديث 2 باب 4 من أبواب مقدمات التجارة.
3) انظر وسائل الشيعة 12: 11 حديث 5 باب 4 من أبواب مقدمات التجارة.
4) انظر وسائل الشيعة 12: 9 باب 4 من أبواب مقدمات الرزق.
5) وسائل الشيعة 12: 4 حديث 9 باب 1 من أبواب مقدمات التجارة.
6) وسائل الشيعة 12: 4 حديث 1 باب 2 من أبواب مقدمات التجارة.
7) وسائل الشيعة 12: 19 حديث 1 باب 7 من أبواب مقدمات التجارة.
و قد تباح بأن لا يحتاج إليها و لا ضرر في فعله مثل غالب المعاملات الواقعة على هذه الخصوصية.
و قد تحرم تكليفا محضا مع وقوعها صحيحة مثل ما ينطبق عليه إيذاء الوالدين و لو من جهة المخالفة لنهيهم عن بيع داره مثلا، و اخرى تحرم وضعا محضا مثل المعاملات الواردة على الصنائع المحرّمة أو الأعيان النجسة المنهي عن معظم انتفاعها، أو لمحض كونها من العناوين النجسة، و إلى ذلك نظر المصنف في قوله إذا كانت يعني المعاملة في محرّم، و ماليته تحرم وضعا و تكليفا مثل الربا و الرشوة.
هذا كله الكلام في تقسيم نفس المعاملة بالمعنى الأخص بما تتعلق به الأحكام الخمسة، و أما المعاملة بالمعنى الأعم من مطلق الصناعات الغير العبادي بانقسامها إلى المحكوم بالأحكام الخمسة فهي في غاية الظهور، إذ يكفي في واجباتها الصنائع الدخيلة في نظم معاش العباد، فإنها بين واجب كفائي أو عيني، و في مستحبها الزراعة، و في مكروهها الحياكة و الاحتكار، و في محرمها الصناعات المحرمة ذاتا أو عرضا، و في مباحها الأمور التي ليس فيها صلاح و لا فساد كغالب الأفعال و الصناعات الغير المحتاجة في المعاش أو المحتاجة مع قيام من به الكفاية.
و حيث اتضح ذلك فنقول: إنّ ديدن المصنفين ذكر نبذ من المعاملات المحرّمة مقدمة للشروع في أصنافها من البيع و غيره، و تبعهم المصنف أيضا بقوله: و هي أصناف: الأول: يحرم التكسب ببيع الأعيان النجسة، و قبل الخوض في المسألة ينبغي تأسيس الأصل في مثل هذه المعاملات على وجه يكون المرجع عند الشك في الصحة و الفساد فنقول:
بعد ما كان مقتضى الأصل الأولي في كل معاملة هو الفساد، ربما ورد في
البين عمومات أوجبت انقلاب هذا الأصل بأصالة الصحة، و ذلك مثل عموم الوفاء بالعقود و الشروط، و عموم التجارة، و العمومات الواردة في العناوين الخاصة في كل باب مثل عموم حليّة البيع و جواز الصلح و أمثالها.
و لا يخفى أنّ العمومات الواردة لبيان الأسباب مثل العقود و الشروط إنما تكون متكفلة لرفع الشك في قصور السبب في التأثير، و لا تكون متكفلا لرفع الشك عن قصور المحل في قابليته للتأثير، فمهما كان الشك في صحة المعاملة مستندا الى مثل هذه الجهة لا تجدي لرفعه العمومات المزبورة، فلا ترجع إليها حتى لو كان الشك في قابلية المحل شرعا، فضلا عن صورة الشك في قابليته عرفا أيضا.
نعم لا بأس بالرجوع إلى عمومات المسببات و لو بمثل عموم: تجارة عن تراض (1)عند الشك في قابلية المحل شرعا مع إحراز قابليته عرفا.
و توهم أن الشك المزبور موجب للشك في تحقيق مصداق البيع و التجارة واقعا، نظرا إلى أنّ كشف الشارع عن عدم قابلية المحل ملازم لكشفه عن عدم تحقق البيع واقعا، و أنّ ما يراه العرف بيعا ليس ببيع، فيصير انطباق عنوان العام في المورد مشكوكا. مدفوع بأن العام الملقى على العرف المرتكز في أذهانهم وجود مصداقه لا محيص من كونه في مقام إمضائهم في فهمهم، و إلّا يلتزم نقض غرضه في مقام غفلتهم عن عدم الانطباق، فمقتضى الإطلاق المقامي في حل هذه الموارد كون مثل هذه العمومات متكفلا بتعيين المصداق إلى أن يثبت خلافه.
نعم لو كان الشك في المقام في قابلية المحل عرفا أيضا لا يبقى مجال للتمسك بمثل هذه العمومات أيضا لإثبات المشروعية و الصحة.
و حينئذ فلو فرض في مورد شكا في مالية الشيء عرفا الموجب للشك في
1) النساء: 29.
قابلية المحل لورود المعاملة و التجارة، لا يبقى مجال التمسك بالعمومات المزبورة أصلا، بل الأصل في مثلها الفساد، فمورد التمسك بها مختص بصورة الشك في قابلية المحل للتأثير شرعا بعد إحرازها عرفا.
و في مثله ربما يكفي التشبث ببناء العقلاء بمقدمات عدم الردع و الإمضاء أيضا، نظير باب ظواهر الألفاظ، و لو لم يكن في البين عنوان عام لمثل هذه المعاملة، و ربما يكون من هذا القبيل باب الوكالة كما سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّٰه.
و حيث اتضح ذلك فنقول: قد ورد في قبال هذه العمومات عمومات اخرى مقتضية للفساد في العناوين المخصوصة، منها قوله: «إنّ اللّٰه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه» (1)، فإنه يقتضي فساد جميع الموارد التي يكون الشيء محرما، و ظهور الثمن في عوض البيع بدويا لا يوجب اختصاصه به بل الظاهر منه بمناسبة الحكم الموضوعة مطلق العوض في المعاوضات.
نعم ربما يشكل الأمر في شموله الأفعال المحرّمة كي نستكشف حرمة أخذ العوض في قبالها أيضا، لأنّ إضافة الحرمة إلى الأعيان بقرينة الثمن الشامل لعوض الأعيان قطعا غير إضافته إلى الأفعال و لا يكاد اجتماعهما في عبارة واحدة.
نعم لا بأس باستفادة عوض الأفعال المحرّمة بالفحوى مع إمكان حمل الحرمة في المقام بمعنى الحرمات المضاف إلى الأعيان تارة، و إلى الأفعال أخرى، كما لا يخفى.
ثم إنّ الظاهر أنّ المراد من حرمة الشيء حرمة الجهة المقصودة فرعا من
1) انظر: عوالي اللئالي 2: 328 حديث 33 و 3: 472 حديث 48، مسند أحمد بن حنبل 1: 247، سنن أبي داود 3 حديث 3488، سنن الدار قطني 3: كتاب البيوع حديث 20.
وجوده، فتحريم جهته غير مقصودة من مثله مع وجود المنافع المحللة فيه من سائر الجهات لا توجب حرمة فيه، و من ذلك التراب المحرّم أكله الغير المقصود منه حلية سائر الجهات المقصودة منه فلا يكون مثله مشمول الرواية المزبورة.
و ما حكي عن بعض النسخ: من أنه إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه، غير معلوم الثبوت سندا، فلا يعتنى به و لا يكون الموثوق به إلّا النص الأول، و هو منصرف إلى المحرّم من حيث الجهات المرغوبة فيه.
و لا ريب حينئذ نفي ماليته شرعا و إن كان متصفا به عرفا، نظرا إلى أنّ المحرّم المزبور مما لا يرغب إليه، و إنما رغبة العرف إليه بملاحظة جواز الانتفاع به من الجهة المقصودة، فبعد أخذ الشارع هذا المناط صار في نظر الشرع مما لا يتبيع به. و لا نعني من نفي المالية عند الشرع إلّا هذا.
ثم في صحة التجارة عليه بعد ما كان المدار التام على المالية، فعند كشف الشارع عن عدم المالية لا يبقى مجال التمسك بعمومات التجارة المنوطة بالمالية عند العرف بعد فهمهم خطأهم في مالية هذا الشيء. و عليه فلا يقتضي مثل هذا العام معنى في قبال عمومات صحة البيع، لما عرفت أنّ العمومات المزبورة إنما تقتضي الصحة في ظرف احتمال موافقة الشرع و العرف في مناط قابلية الشيء من حيث المالية للنقل و الانتقال، و أما مع العلم بالمخالفة فلا يبقى مجال التمسك بالعمومات المزبورة كما لا يخفى.
و حينئذ ثمرة العام المزبور إنّما هو إثبات الفساد بمقتضى الدليل زائدا عن الأصل المزبور ليس إلّا، و إلّا فليس شأن هذا العام تخصيص العمومات السابقة بموردها، نعم في المقام بعض العمومات الدالة على حرمة المعاملة في وجوه النجس كما في تحف العقول (1)المجبور بعض فقرأته بالعمل، و منها ما نحن فيه.
1) تحف العقول عن آل الرسول (ص): 245.
و لا يخفى أن الظاهر من وجوه النجس ما كان عنوانه موضع حكم الشارع بنجاسته بقول مطلق، فلا يشمل المتنجسات، إذ النجاسة غير ثابتة لعنوان الملاقي بل هو من قبيل الجهات التعليلية لطروء النجاسة على الشيء بعنوانه الأولي، و من المعلوم أنّ عناوينها الأولية حينئذ ليست محكومة بالنجاسة بقول مطلق، بخلاف العناوين المأخوذة في موضوع النجاسة فإنها محكومة بالنجاسة في لسان دليلها على الإطلاق، من دون فرق بين كون العنوان المزبور من العناوين الذاتية مثل الكلب و الخنزير، أو العرضية كالكافر و الجلّال.
و توهم انصراف وجوه النجس عن العناوين العرضية منظور فيه، و لكن ذلك المقدار لا يوجب شمول المتنجسات أيضا، كما عرفت من النكتة الفارقة بينهما.
و على أي حال نقول: إن الوجوه النجسة تشمل المائعات التي ليس الأمر المرغوب فيها إلّا شربها المنهي عنه، و غيرها التي لها جهات منتفعة بها ككلب الماشية للحراسة، و عذرة غير المأكول للتسميد و الإيقاد، و أمثالهما. بل من حيث شمولها للمائعات المرغوب فيها جهة الشرب المنهي عنه لا يقتضي مثل هذا العنوان أيضا تخصيص العمومات، بداهة خروجها بالنهي المزبور عن جهة المالية المعلوم انصراف العمومات عن مثلها، فمثل هذا العنوان بالإضافة إلى المانعات المزبورة كعموم: «حرّم شيئا حرّم ثمنه» لا يوجب تخصيصا في العمومات، بل خروج مواردها عنها من باب التخصص المحض.
نعم من حيث شمولها لغير المائعات المزبورة التي لها منفعة محللة مقصودة لا بد من الإلزام بتخصيصها، لعدم قصور في شمول العمومات لها، بعد إحراز ماليتها عرفا و شرعا بوجود المنافع المحللة المقصودة.
و حينئذ فلا قصور في شمول عنوان العام لمثلها، لو لا عموم دليل التخصيص.
و بمثله تأسيس قاعدة ما نريد في الوجوه النجسة، و نحكم بأنّ الأصل فيها بطلان البيع إلّا ما خرج بدليل.
و حينئذ فتدخل فيه أبوال ما لا يؤكل لحمه و عذرتها، بل في الأموال المزبورة قد عرفت خروجها عن العمومات بقصورها في المالية من جهة حرمة شربها، بل لو لم نقل بحرمة الشرب، نفس قلة الاحتياج إليها تخرجها عن محط رغبة الناس في جمعها و ضبطها، و بذلك تنفقد صفة المالية فيها.
كما أنه ربما يلتزم بعدم المالية أيضا في أبوال ما يؤكل لحمها غير بول الإبل و إن قلنا فيها بالطهارة، بل و جواز الشرب أيضا اختيارا. و مجرد ذلك لا يقتضي اتصافها بصفة المالية، بل جهة المالية متفرعة من حيث ابتلاء الناس في الاحتياج إليها بحيث المتعارف، و لو بملاحظة كونها دواء لمرض مخصوص فيهما لم يكن الاحتياج إليها بهذه الغاية لا يكون مورد رغبة الناس في جمعه و ضبطه و بذل شيء بإزائه.
و بذلك تمتاز عن العقاقير و الأدوية المحتاج إليها في مرض مخصوص عادي أم غير عادي، لكن لا بنحو الاحتياج اليه من النوادر كالمعدومة، خصوصا مع كثرة وجوده في أيديهم على وجه لا يعتنوا بمثله في ضبطه و جمعه.
و بهذه النكتة ربما يفرّق بين بول الإبل و غيره، إذ في بول الإبل بملاحظة تعارف التداوي به في بعض الأمراض ربما يكون حاله حال سائر العقاقير المرغوبة عندهم، و في النص أيضا: «أبوال الإبل خير من ألبانها» (1)، و ربما يستفاد منه أن المتعارف عند أهله شربها اختيارا في غير مورد التداوي أيضا فلا يكون مورد تنفير طباع هذه الطائفة، بخلافه في غيره فإن الطباع منفرة عنها.
و لكن ذلك المقدار لا يوجب خروجها عن المالية لو لا قلة الاحتياج إليها، كيف و كثير من الأدوية تكون مورد تنفير الطباع، و مع ذلك شدة الاحتياج إليها
1) وسائل الشيعة 17: 87 حديث 3 باب 59 من أبواب الأطعمة المباحة.
نوعا للتداوي و لو أحيانا صارت موجبة لرغبتهم إلى ضبطها و جمعها و بذل مال بإزائه، فعمدة وجه الامتياز بين الأبوال المزبورة و العقاقير هو هذه الجهة، و إلّا فلو فرض كثرة مورد الابتلاء و لو بتداويها لا قصور في ماليتها حينئذ و إن قلنا بأنها من الخبائث، إذ بعد فرض ورود النص على جواز التداوي بها و لو مع عدم الانحصار كما هو المستفاد من قوله: «نعم لا بأس» (1)في جواب السؤال عن بول الغنم و البقر و الإبل في مقام ينعت له، هو المرجع حيث أن إطلاقه يشمل حال عدم انحصار العلاج به على وجه يصير مضطرا في شربه.
و كذلك في نص آخر مشتمل على نفي البأس عند الاحتياج إليه للتداوي (2)يستكشف حلّية الخبيث في حال المرض لا لاضطرار، فيصير لمثلها لغير جهة التداوي لا يوجب حرمته بقول مطلق و لا حرمة الجهة المرغوبة له من التداوي و لو اختيارا، فيصير حاله من هذه الجهة حال الأرض التي لا تكون الحرمة فيها متوجهة إلى الجهة المرغوبة منه، فلا يشمله حينئذ عموم «ما حرّم».
هذا مع إمكان أن يقال: إنّ مناط الخباثة في الأشياء في قبال حليتها من حيث الأكل و الشرب ليس بصرف المنافرات الطبيعية الناشئة عن عدم ملاءمة الشيء مع القوة الذائقة أو الشامة، كيف و كثير مما لا يلائم أحد القوتين لا يكون عند العرف خبيثا، و مما يلائم القوتين يكون عند العرف خبيثا نظير القيء في مثل السكنجبين و أمثاله، فيكشف ذلك أن مناط الخباثة ليس إلّا استقذارهم للشيء بمثابة يستقبحون من ارتكابها و يشمئزون حتى في ارتكاب الغير إياها.
و لعل مثل هذه الجهة نظير سائر القذارات المعبّر عنه بالنجاسة في قبال الطهارة ربما يكون فيها جهة و خصوصية واقعية قابلة لخطابهم في مرحلة التطبيق،
فيحكم بطبيعة ما هو عندهم خبيثا أو العكس، كما هو الشأن في الطهارة و النجاسة حيث حكم الشارع بطهارة كثير مما يرونها قذرا و بالعكس.
و حيث كان كذلك فمن الممكن استفادة الخطأ في فهم الخبيثة على الإطلاق في الأبوال المزبورة، و استكشاف تبدل عنوانها في حال الصحة بعنوان آخر في حال المرض، فيكون من هذه الجهة حال الأبوال المزبورة حال العقاقير المحرّمة على الصحاح بمناط المضار المنقلب عنوانها حال المرض بالنافع، فلا يشمله حينئذ عموم «حرّم شيئا»، بعد انصرافه إلى صورة بقاء العنوان بحاله الشامل حال الاضطرار به.
و حينئذ مما أفاده شيخنا العلّامة من أنّ الترخيص بمناط الاضطرار غير مانع عن شمول دليل «حرم شيئا» أو «ما من محرّم إلّا و قد أحله اللّٰه لمن اضطر إليه» في غاية المتانة و لكن الأبوال المزبورة بعد إطلاق النصوص السابقة على جواز التداوي بها و لو مع عدم الاضطرار ليس من هذا القبيل، بل هي إما من قبيل الأراضي التي فيها جهة محللة مقصودة، أو من قبيل العقاقير في تبدل عنوانها في حال الصحة إلى عنوان آخر في حال المرض.
و حينئذ مثل هذه الجهات لا تكون منشأ عدم جواز بيعها، بل عمدة المنشأ ملاحظة الاحتياج إليها نوعا، بحيث يصيرون بذلك بصدد ضبطها و جمعها و بذل مال بإزائها، فإن تم ذلك- كما لا يبعد مثله في أبوال البعير- فلا قصور في شمول دليل البيع لها، و إلّا- كما هو الشأن في غير أبوال البعير- ففيه قصور من جهة المالية، و ذلك هو المانع عن صحة تبيّعها لا مجرد حرمتها بغير عنوان التداوي بمناط الاستخباث، و لعل نكتة الفرق جهلهم في جواز البيع و عدمه بين بول البعير و غيره هو ذلك كما لا يخفى (1).
1) إلى هنا انتهت النسخة الخطية التي اعتمدنا عليها، و ما يتعلق بشرح الفصل الثاني: في آداب التجارة، فلم نجد له نسخة خطية بالرغم من بحتنا عن ذلك.
و هو عبارة عن الإيجاب المرتبط بالقبول، القابل للإبرام تارة و الحلّ اخرى. و يعبّر عنه بشدّة، كما أنّ المراد من الإيجاب أيضا عبارة عن:
إثبات الشيء في قصده، قبال القبول الذي هو عبارة عن مطاوعة هذا الإثبات.
و كل واحد منهما غير إنشائهما بكلامه، كيف و هو ممّا قصد تحققهما به فما به التحقق هو الإنشاء الكلامي، الذي هو في العقود اللفظيّة بمنزلة الفعل في المعاطاة. و مرجعه إلى استعمال الجملة الكلامية اسميّة أو فعليّة، حاكيا بها عن إثبات الواقع، قبال الحكاية بها عن واقع ثابت، الذي هو شأن الجمل الاخباريّة. فليس ميزهما حينئذ بقصد الموجديّة و الحكاية. كيف و هو من شئون الإيجاب، الحاصل في ضمن الإنشاء الكلامي تارة، و في ضمن الأفعال أخرى.
و هذه الجهة مأخوذة في أطوار الإنشاء لا نفسه، نظير قصد الهزل به.
و بهذا البيان يتضح مطلب آخر، و هو أن تأخير إنشاء الإيجاب عن إنشاء القبول غير مناف لتأخّر طبع حقيقة القبول عن الإيجاب، فلا يبقى مجال لإثبات لزوم عدم جواز تقديم القبول على الإيجاب بمثل هذا البرهان. مع أنّه على فرض التمامية لا يكاد يفترق بين أنحاء القبول، من القبول بلفظ «قبلت» و «اشتريت» و «ملكت»، فإنّ في مفاهيمها لا بدّ من إشراب جهة القبول،
كي يلتئم بهما العقد. و إلّا لا يكاد يحصل شدّ و ربط بين المضمونين، فيكون كل منهما إيجابا مستقلا، و لا يكاد يصحّ التئام العقد من إيجابين، و ذلك ظاهر.
و حينئذ لا مجال لدعوى اعتبار الترتيب بين الإيجاب و القبول في مرحلة إنشائهما، نعم لا بأس باعتبار التوالي بملاحظة حكم العرف بعدم تحقق الارتباط العقدي بين الإنشاءين بدونه.
كما أنّه لا بدّ من الألفاظ الظّاهرة في معانيها، و لو من جهة القرائن الحافة بالكلام، الموجبة لقلب الظهور، و صيرورة اللّفظ بها دالا بنحو يخرج عن مورد كلام العلّامة، من كون المخاطب لا يدري بم خوطب.
و أمّا دخل كون القرينة الحافة وضعيّة لفظية فغير معتبر، لعموم الوفاء بكل عقد. و لا يدلّ على أزيد من ذلك أيضا كلماتهم، كما لا يخفى على من راجع.
و يعتبر فيه أن يكون مضمونه مطلقا لا معلّقا بأمر غير حاصل أو ما هو بمنزلة المعلّق، للإجماع. و إلّا فالاعتبارات العقلية المذكورة في الباب ممّا لا اعتبار لها، بداهة أنّ دخل العقد في مضمونه من باب دخل منشأ الاعتبار في الأمور الاعتباريّة، لا من باب دخل المؤثر في المتأثر. كيف و أجزاء العقود أمور تدريجية تنعدم شيئا فشيئا، و ليس لها جهة بقاء إلى حين وجود المسبّب.
و بعد ذلك من البديهي أنّ كيفية الأمور الاعتبارية منجّزة أم معلّقة، تتبع كيفية منشأ اعتبارها من العقود المنجّزة مضمونا، أو المعلّقة. فلا يصغى حينئذ إلى توهّم بطلان التّعليق باستلزامه تفكيك الأثر عن المؤثر خارجا كما لا يخفى.
فالعمدة في البين هو الإجماع القائم في عامّة العقود عدا الوصيّة، و ذلك أيضا لو لم نقل بخروجها عن العقديّة، خصوصا مع عدم اعتبار الاتصال بين إيجابها و قبولها، فيكون حقيقة من الإيقاعات المشروطة بالقبول، و سيجيء
توضيح ذلك في محلّه.
ثمّ لا يخفى أنّ حقيقة العقد في كل باب غير مضمونه من العناوين المترتبة عليها في أبوابها، كالبيع و الإجارة و الصلح و غيرها.
و عمدة الوجه فيه كون مثل هذه المضامين مما يقصد وجودها بتوسط عقودها، فالعقود بالإضافة إليها بمنزلة الأسباب لها، الموجدة لها، لا نفسها. فما في بعض الكلمات من شرح مثل هذه العناوين بعقودها لمحض الإشارة إليها بوجه تمتاز عن غيرها إجمالا، و إلّا فحقائقها أمور اعتبارية ناشئة عن عقودها.
و حينئذ فحقيقة البيع غير عقده، بل هو- بعد تعلّقه بالعين في قبال المنفعة- ربّما يتشأن بشؤون ينتزع من كلّ شأن منه عنوان مخصوص. فمن حيث اشتماله على جهة ربط بين المالين ينتزع منه علقة البدلية، و يستتبعه اعتبار النّقل و الانتقال. و من جهة اشتماله على ربط قائم بين الطّرفين، ينتزع منه عنوان العطيّة و الأخذ في عالم الاعتبار. و بملاحظة أنّ الإعطاء المزبور موجب لاستيلاء الأخذ على الشيء، يعبّر عنه بعنوان التمليك في طرف يكون عوضه معروضها، و الا فطبع البدليّة يقتضي طروء صفات مبدله عليه، فربّما يكشف عنه صفة الوقفية و هكذا.
و من هنا نقول: إنّ حقيقة البيع ليس مساوقا لعنوان التّمليك و التملّك، كيف و بيع آلات القنطرة من سهم سبيل اللّٰه لا يوجب تمليكا بمقتضى التّحقيق، كما هو الشأن في كليّة الأوقاف العامّة. نعم ربّما يكون التمليك من شئونها، كما هو الغالب.
و عليه فليس في البين معنى آخر حاو لجميع الشئون، أوسع و أوضح من لفظ البيع. و أن تعريفات القوم له بأنحاء مختلفة لمحض الإشارة إلى شأن من شئونه،
فلا يصلح حينئذ مثل هذه التعاريف للنّقض و الإبرام كما لا يخفى.
و من التأمّل فيما ذكرنا ظهر أيضا أن نسبة البيع إلى الشّراء كنسبة الإعطاء إلى الأخذ، راجعة إلى حقيقة واحدة، مضافة إلى كل واحد من طرفي العقد، و لو كانا فضوليين أو وكيلين عن المالك و أن إضافتهما إلى المالك كان بنحو من العناية، بخلاف اضافتي التمليك و التملك، فإن نسبتهما في الحقيقة قائمة بالمالكين، و أن نسبتهما إلى الوكيلين بنحو من العناية. و ربّما تثمر هذه النكتة في تصحيح إجازة المالك لشراء الغاصب لنفسه في إدخال المال في ملك المجيز، و سيأتي توضيحه في محلّه.
ثمّ إنّ الظاهر- بمقتضى كلماتهم- دخل العقود اللفظية في لزوم المعاملة، بمعنى انقطاع علقة المالك من العين، على وجه لا تبقى له سلطنة بعده على ارتجاعه. و هذه الجهة من اللزوم غير مناف لثبوت الخيار في نفس العقد، الذي هو حق متعلّق بالعقد، قابل للنقل بالإرث و الاسقاط، فلا تنتقض كلماتهم في لزوم العقد اللفظي بثبوت خيار المجلس و غيره.
و ربما يكفي لهذا المعنى من اللّزوم عموم الوفاء بالعقود، المقتضي لقطع علائق المالك عن العين، بل و يكفيه أيضا عموم السلطنة و أمثالها. بخلاف اللزوم في قبال الخيار العقدي، إذ يمكن منع دلالة عموم وجوب الوفاء على مثله، إذ غايته وجوبه في ظرف وجود العقد، فبالفسخ يرتفع الموضوع، و العموم المزبور أيضا غير متكفل لإبقاء موضوعه، فتأمّل. كما أن رجوع العين بعد حلّ العقد بمقتضاه الأوّلي غير مرتبط بمقام سلطنة المالك في منعه من تصرف الغير في ماله، كما لا يخفى. و بالجملة لا إشكال في لزوم العقود اللفظية بالمعنى السابق، و اختصاصه بها.
و عمدة الوجه- بعد عدم شمول العمومات للعقود الفعلية- السيرة المستمرة،
على بنائهم على جواز ارتجاع العين ما دامت موجودة، في معاطاة البيع و غيره من المعاوضات. و حيث أن محطّ الكلام في معاطاة كل باب إنّما هو في المعاطاة بقصد مضمونه لا غيره، صح لنا دعوى أن معاطاة كل باب يقتضي تحقق مضمون ذاك الباب بنحو التزلزل من حيث الارتجاع في أحد العوضين و عدمه، خلافا لما نسب إلى المشهور في مصيرهم إلى إباحة التصرف.
و حينئذ فقد يتوهم الإشكال بأنّ المعاطاة المقصود بها المعاملة المخصوصة مثل البيع و الإجارة مثلا، كيف ينتج خلاف المقصود؟! و حل الإشكال بأن يقال بأن المقصود في مثل البيع و الإجارة مثلا أيضا ليس إلّا قصد البدلية، غاية الأمر بدلية شيء من شيء تقتضي- لو لا المانع- كسب العوض ألوان مبدله بجميعها، و حيث قام الإجماع- بالفرض- على عدم ترتّب لون الملكية في العقود الفعلية، فلا جرم ينتج مثله كسب لون السلطنة.
فينتج مثله تبديل سلطنة بسلطنة، و لازمة سلب سلطنة المالك بالمبادلة المزبورة عن العين. و لو لا سلطنة المالك على ارتجاع العين بعنوان الرجوع عن معاملته، كانت العين مسلوبة السّلطنة لمالكها الأوّل من جميع الجهات. و كانت في حيطة سلطنة الثاني كذلك.
و مثل هذا المعنى ملزم ملكية المال للثاني، و سلبها عن الأوّل، إذ لا يعتبر العقلاء ملكية المال مسلوب السّلطنة من جميع الجهات. و لكن بعد ما قامت السّيرة على أن للمالك- بعد المعاملة المزبورة- السلطنة على ارتجاعه بعنوان الرجوع من معاملته، كانت هذه السلطنة كافية لاعتبار ملكية العين. و إن كانت هذه السلطنة في الحقيقة غير السلطنة الأوليّة المتبادلة.
و حينئذ لا تنافي بين قصد التمليك في عقدهما البيعي مثلا، و بين مثل هذه النتيجة، إذ حقيقة البيع- كما عرفت- ليس إلّا جعل علقة البدليّة بين المالين،
غاية الأمر هذه العلقة أوجبت كسب لون الملكية عند عدم مانع آخر. و الّا فيوجب اكتساب البدل بما في المبدل من سائر الألوان بمقدار استعداد البدل لاعتبار علقة البدلية، و الفرض أن عقد علقة البدليّة في المعاطاة لا تستعد لترتب جميع الألوان التي منها لون الملكية في كسب لون السلطنة عن مبدله.
و حينئذ فما نحن فيه من قبيل تأثير العقد في مقصوده من علقة البدلية، المستتبع لخلاف ما يتوهم من مراتب الأثر. لا أنه من باب تأثير العقد في خلاف المقصود، فكان المقام أشبه شيء في تأثير الإجازة في شراء الفضولي لنفسه في ملكية المال للمالك، فإنّه أيضا من هذا الباب، لا من باب مخالفة مضمون الإجازة لتأثيرها. كما سيأتي توضيحه.
و حيث اتّضح ذلك، فنقول: إنّ من تبعات هذا البيان- أيضا- صيرورة المال ملكا للمباح له بالتلف و التصرف بمقتضى القاعدة، بلا احتياج الى بعض التشبثات التي عمدتها التمسك بأصالة العموم، لإخراج مشكوك الفردية عن الفردية، كي يبقى مجال منعه بالسّيرة. و لا الاحتياج أيضا إلى الالتزام بالملكية آنا ما قبل التلف و التصرف.
و توضيح ذلك بأن يقال: إن قضية حصر سلطنة المالك بالرّجوع في العين ما دام بقاؤها على حالها، و كونها المصحح لبقاء العين على ملكية الأوّل، هو سقوط هذه السّلطنة بتلف العين و بالتصرف فيها، بل بتصرّف طرفه فيما بيده أيضا، لأنّ موضوع السلطنة المزبورة هو الترادّ من الطرفين، و مع التّلف أو التصرّف لا يمكن التراد، فتنقطع السلطنة المزبورة، و بعده لا يبقى المال على ملكيّة المالك، لما عرفت من أن الملكية ملزومة للسّلطنة بوجه، فمسلوب السلطنة من جميع الجهات لا ملكية فيه، فلا جرم يرجع إلى ملكية من له تمام السلطنة عليه بعقده الأوّل.
و توهّم أن العين التالفة حين تلفها ملك للغير الثابت في يد غيره بعنوان التضمين لا الأمانة، فلا جرم كان عموم «على اليد» يقتضي ضمانها، مدفوع بأن نتيجة المعاملة بعد ما كان نقل سلطنة المالك إلى غيره، فكان المال في يده قبل التلف بمنزلة كونه تحت سلطنة المالك و استيلائه. و مثل هذا المال لا يصلح للمضمونيّة، فعموم «على اليد» أو قاعدة الإتلاف قاصر الشمول لمثله، فلا مقتضى حينئذ لضمان عوضه بإتلافه، فضلا عن تلفه.
و لا نعني من لزوم المعاملة حينئذ إلا ذلك، بلا احتياج إلى المصير إلى أنّ مقتضى الجمع بين العمومات و الأصول: امّا دخول المال قبل التلف و التصرّف آنا ما قهرا في ملك من وقع بيده التلف، كي يكون على خلاف سلطنة المالك، أو المصير إلى كشف التلف و التصرف عن صحّة المعاوضة آنا ما قبلها، كي يكون ذلك خلاف إطلاق كلماتهم، أو بعدها، كي يلزم صحة المعاملة و المبادلة في ظرف التلف المعلوم عدم اعتبار العقلاء للمعدوم على الإطلاق شيئا.
و لعمري أنك لو دقّقت النظر في كلماتهم ترى تمام المساعدة لما قرّبنا، خصوصا كلام ابن إدريس في سرائره (1)و غيره فراجع.
ثم إن الظاهر من كلماتهم أيضا اعتبار جميع شرائط البيع العقدي في المعاطاة عدا اللفظ، من دون فرق في ذلك بين كونها مفيدة للملكية المتزلزلة أم الإباحة المحضة. كما أن المتعارف فيها كون المعطي بإعطائه المثمن موجبا، و الآخذ بأخذه قابلا، و ان إعطائه الثمن كلّيا أم شخصيا من باب الوفاء بالمعاملة.
1) السرائر: 227.
و حينئذ فلا بأس بصدق الوفاء في وضع الفلوس في الكوز، لأنه في الحقيقة نحو قبض منه، بجعله المال تحت استيلائه. نعم قد يتعارف في بعض المحقرات عدم صدور إنشاء فعلى من المالك، بل الإنسان يأخذ المال و يضع الفلوس في الموضع المعدّ له، و في إجراء حكم المعاطاة على مثله، و كونه من باب البيع و لو بتوكيل الآخذ في إيجاب البيع بأخذه و قبوله بوضع الثمن في موضعه وجه.
و أوجه منه جعل المورد من باب التسليط على تملك ماله بعوض، نظير تسليط الحمّامي على الانتفاع بحمامه بعوض، و ليس المقام من باب البيع و الإجارة أصلا، فكان المقام من تلك الجهة نظير نثار العرس، غاية الأمر فيه تسليط على التملّك مجّانا، لا أنّه إباحة أو تمليك لمن يأخذ كي يكون له السلطنة على الرّجوع ما دام وجود العين كما لا يخفى.
هذا ثم ان المعاطاة إنّما تجري فيما يصلح لطروء العناوين بمثله، ففي النكاح و الطّلاق و الخلع و المبارأة و أمثالها لا يكاد يتصور ترتّب المضمون المقصود بها عليها، كما أنّ في مورد لا يكون طبع العقد على الجواز كالوقف و العمرى و السكنى و الرّقبى، فلا يصلح جريان المعاطاة فيها. نعم قد يتصور في بعض الأمور، مثل البناء بقصد المسجدية في وجه، أو الحصر الموضوعة فيها، أو الجص و الآجر المعمولة فيها، و لا يبعد دعوى خروجها عن قاعدة المعاطاة بالسّيرة كما لا يخفى.
ثم إنّ المقبوض بعنوان الوفاء بالمعاملة الفاسدة غير مرتبط بإنشاء المعاملة بالتّعاطي، فما هو مورد الكلمات في إفادة الملكية أو الإباحة هو الأخير، و إلّا فالأوّل غير مربوط بإنشاء المعاملة.
و حينئذ فإجراء أحكامه عليه في غاية الإشكال، بل القاعدة تقتضي حرمة التصرف فيه، لأن رضاه كان بعنوان كونه ماله لا بعنوان تصرف طرفه في المال المعطى، فمثل هذا الرّضا لا يجدي شيئا، إلّا أن يتحقق في البين رضى جديد، و إلا فلا يجديه الرضى الأوّل كما لا يخفى. بل مثل هذا الرضى الجديد أيضا لا يجدي في رفع ضمانه الحادث بحدوث يده على مال الغير بغير الامانة، فإنه حينئذ لا تكون غايته إلّا أدائه، و مجرد رضى صاحب المال بعده لا يجدي في صدق الأداء. فالضمان باق حتى يؤدي، و سيأتي توضيح حقيقة الضمان و أحكامه في باب الغصب.
و كيف كان هو يعني عقد البيع كما أشرنا، عبارة عن الإيجاب كقوله: بعتك أو ملكتك. و في وقوعه بغيرهما ممّا لا يكون ظاهرا في المقصود إشكال. و القبول، و هو يؤدى بقوله: قبلت و اشتريت و تملكت و شريت و أمثالها ممّا هو ظاهر في المقصود، و لو بالقرائن الحافّة.
و في وقوع الإيجاب بلفظ الأمر الحاكي عن طلب المعاملة إشكال، إذ طلب إيجاد الغير للعمل غير إيجاد نفسه، فقصد التملّك بالأمر مساوق لعدم إيجابه بكلام إنشائي لهذه المعاملة، و هو- لو لم يرجع الى المعاطاة- لا دليل على صحته، كما لا يخفى، فتدبر.
لو اختلف المتعاقدان اجتهادا أو تقليدا في شرائط صحة العقود، فإن قلنا باختصاص الأوامر التعبدية في إيجاب ترتيب الأثر على خصوص الشاك، فلا شبهة في أن الشاك لا بدّ أن يعمل على طبق وظيفته، إلّا في فرض فقد العقد قيدا بنظرهما، فيرتبان الفساد على مثله، من دون فرق في ذلك كله بين القول بموضوعية الأمارات أو طريقيتها. و إن قلنا بأنّ الحكم الظّاهري في كل طرف موضوع للحكم الواقعي للآخر، حتى مع علمه بخلافه، فيجب على
الغير ترتيب أثر الصحة بنظر غيره، و من غير فرق فيه أيضا بين الموضوعية و الطريقية.
نعم لو فرض فقدان الشرط موجبا لبطلان فعل الآخر بما هو فعله، نظير فقده للموالاة، لا يجدي صحة فعل الغير ظاهرا أيضا في صحة فعله بما هو فعله، كما لا يخفى.
و كيف كان إنما يصح البيع
، فلا يصح عن الصبي حتى يحتلم، و لا من المجنون حتى يفيق، بلا إشكال في الجملة. و يكفي من النص- علاوة على التشكيك في صدق العقد الصادر عن بعض مصاديقهما- عموم قوله: «رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، و عن المجنون حتى يفيق» (1)إذ ظاهره رفع ما يصلح أن يجري عليه القلم، و هو ليس إلّا تحديد المؤاخذات بعد ثبوت استحقاقها. أو إنشاء الأحكام تكليفية و وضعية.
و أما احتمال نفي الاستحقاق بنفي منشئه من فعليّة التكاليف فغير جار في المقام، لأنّ مرحلة الاستحقاق غير صالحة لأن تصير مجرى القلم و لو بالواسطة، إذ جري القلم على التكليف ليس جريه على الاستحقاق، و بذلك يمتاز هذا المضمون عن مضمون حديث الرفع المعروف، كما هو ظاهر، فينحصر المعنى في المقام بالاحتمالين السابقين.
و من المعلوم أيضا أن نفي قلم التحديد في المؤاخذة أيضا لا يقتضي نفي استحقاقها، فهو خلاف المنساق من الرواية، فينحصر الأمر باحتمال نفي قلم التكليف و الوضع، الّذي منه صحة عقودها.
و هذا المقدار أيضا لا ينافي شرعيّة عبادة الصّبي النّاشئة عن الرجحان التابع
1) انظر وسائل الشيعة 1: 32 حديث 11 باب 4 من أبواب العبادات.
لمقتضيات التكاليف من المصالح، إذ مثلها لا يكون تحت القلم و مجراه كي يصلح الحديث لرفعه، بخلاف الأحكام الوضعية فإنّها متقوّمة بإجراء القلم في إنشائها، فتكون مرفوعة بالحديث المزبور.
كما أن الظاهر من رفع القلم، رفعه عما يتعلق بفعلهما الاختياري، فلا يشمل ما لا دخل لفعله فيه أو لاختياره، فمثل سببيّة دخول الحشفة للجنابة (1)خارج عن مساق النصّ المزبور، كخروج سببيّة موت مورثه لملكيّته، فلا ترد مثل هذه الأمور نقضا على عموم النصّ كما لا يخفى.
نعم هنا شيء آخر، و هو أنّ قضية رفع القلم عن الصّبي عدم سببيّة عقده بما هو عقده، و هذا المقدار لا يوجب سلب عبارته على وجه لا يصلح لتعلّق الإجازة به، لأنه حينئذ يكون السبب هو عقد البالغ بما هو مضاف إليه، و هو خلاف المقصود في المقام.
اللهم [إلّا] (2)أن يقال: إنّ الأمر كذلك لو كان المؤثر و موضوع الصّحة العقد المضاف إلى الصّبي بهذا العنوان، بحيث تكون الإضافة المزبورة دخيلة في الموضوع بنحو التقييد، و إلّا فلو كان تمام الموضوع هو العقد، و أنّ الإضافة المزبورة من الجهات التعليليّة، فلا قصور في التّمسك بإطلاق رفع القلم عن صحة هذا العقد، لمحض كونه صادرا عن الصبي و إن تعلقت به اجازة وليّه أو نفسه بعد بلوغه، و لا نعني من سلب العبارة إلّا هذا.
و بمثل هذا البيان أيضا يثبت سلب عبارة الصبي بقوله: «لا يجوز أمر
الصّبي» (1)، فيلحق به المجنون بعدم القول بالفصل، بل و يمكن التمسك بالاستصحاب في المتصل ببلوغه أيضا كما لا يخفى. نعم عموم: «عمد الصّبي خطأ» (2)لا يجدي في نفي الآثار المترتبة على خصوص عنوان متقيّد و متقوّم بعمده، إذ هو منصرف إلى ما يتصور فيه الخطأ من العناوين، فلا يشمل مثل العقود و الإيقاعات كما هو ظاهر.
اللّٰهمّ [إلّا] أن يدعى فيه التعميم، بقرينة رفع القلم في ذيله، بناء على كونه علة الحكم لا معلوله، و ذلك أيضا لو لا دعوى إجمال الذيل من هذه الجهة، فلا يعم الإطلاق حينئذ في صدره كما لا يخفى.
، فلا يصحّ بيع المكره بلا اشكال. و ظاهر أخذ الإكراه في موضوعه دخل كرهه في فساد معاملته.
و حينئذ ربما يشكل بأنّه كيف يتمشى القصد عن المكره، إذ مرجع قصده إلى إرادته المعاملة المستتبعة لمحبوبيته، لأنّها من مبادئ ارادة الشيء، و هذه الجهة كيف تجتمع مع كرهه.
و يمكن الجواب عنه، بأنّه بعد التفات المكره بتوعّد غيره يرى نفسه بين محذورين فيصير أحدهما خارجا عن حيّز اختياره، و لازم ترجيحه الأهم منهما عقلا أو شهوة صيرورته بصدد اختيار الأقل محذورا و هذه الجهة من الاختيار إنّما يضاد بغضه بمقدار تعلّق إرادته بإيجاده، و هو ليس إلّا بسد باب عدمه المقارن لعدم الأهم، و أمّا باب العدم المقارن لوجوده، فهو منسدّ قهرا بانصرافه عن إيجاد الأهم. و مع هذا الانسداد القهري يستحيل توجّه الإرادة نحوه، فتبقى
تلك الجهة على مكروهيتها، فيصدق عليه حينئذ بأنّ مثل هذا الشخص اختار وجودا فيه جهة الكراهة، غاية الأمر لا بدّ من التفكيك في جهات الوجود، و لو بالمقايسة إلى أنحاء عدم الشيء المقايس إلى وجود ضدّه و عدمه.
ثمّ لا يقاس باب الإكراه بباب الوعد على الخير أو العفو عن العصيان السابق، إذ في مثله يكون وجود الشيء مقدمة لترتب محبوبه، و هذا الوجود طارد لجميع الأعدام، فيصير إعدامه أيضا بجمعيها مبغوضة.
و هذا بخلاف باب الإكراه على الوجود فإنما هو مقدمة للمبغوض و هو نقيض الوجود الحاصل بفتح باب عدم واحد، و الفرار عنه ليس إلّا باختيار نقيضه، و هو ليس إلّا بسدّ واحد منها، و هو العدم المقارن لعدمه. و أما العدم المقارن لوجود مبغوضه فهو منسدّ قهرا بالانصراف عن المبغوض الأهم المترتّب عليه، و مرجعه- كما أشرنا- إلى تعليق الطيب ببعض أنحاء وجوده، لا بقول مطلق، فتبقى بعض الأنحاء الأخر على طبع مكروهيته.
و ربّما يساعد الوجدان على هذه التفرقة أيضا، بأنّ المكره في مقام اختياره العمل في كمال الانزجار عنه، بخلاف الموعود خيرا فإنه، في كمال الفرح و الانبساط في فعله، مع أنهما في البغض الاقتضائي سيّان كما لا يخفى.
و حيث اتضح مثل هذه الجهات فنقول: إنّه يكفي للاشتراط المزبور عموم رفع الإكراه، و من المعلوم أن رفع أثر المعاملات المكره عليها راجع إلى رفع صحّتها، لعدم امتنان في رفع غيرها. و بذلك ربّما يفرّق بين الإكراه و الاضطرار إلى بيع داره لتحصيل معاش عياله، إذ الفساد فيه خلاف الامتنان في حقّه، و هو خارج عن مصبّ الحديث، و لو لا هذه الجهة لم يكن فرق بين المكره و المضطر من حيث فقد الطيب إلى المعاملة اقتضاء و فعلية، و مجرد كون الإكراه ملازما للإلزام من قبل الغير دون الاضطرار لا يصلح فارقا في صدق الطيب
النفسي و عدمه.
و توهم موضوعيّة الإلزام في الحكم بالفساد أيضا خلاف المنساق إلى الذهن، من كون المناط في فساد المعاملة هو جهة الكره، الّذي هو من الأمور الباطنيّة، و لذا يتعدى أيضا في المأخوذ حياء، و أنه كالغصب.
ثمّ إنّ الإكراه المزبور يحصل بإلزامه من قبل المكره، بنقض غرضه، و لو مثل المطالعة و نحو ذلك، فلا يحتاج في تحقّقه إلى ترتّب ضرر مالي و عرضي أو غيرهما، كما أن وجود المندوحة للمكره- بالفتح- يخرجه عن حيّز المكرهيّة، و لو بمثل التورية، لو لا دعوى اقتضاء الوحشة و الدهشة للمغفوليّة عن مثله، كما هو الغالب.
و عمدة الوجه فيه أن الاقدام على العمل مع تمكّنه من المندوحة يكشف قهرا عن عدم تمامية كرهه، و إلّا فالمفسدة المقتضية كرهه تدعوه الى اختيار المندوحة دون المكره عليه. و مهما تحقّق صفة المكرهيّة في العمل، يكفي ذلك المقدار في فساد المعاملات. و أمّا في غيرها فلا يكفي في رفعها هذا المقدار، بل يحتاج إلى صدق الاضطرار و الإلجاء.
و بذلك تظهر نكتة ذكر الفقرتين من التسعة، و أنّ الإكراه مختص بالمعاملات، و الاضطرار مختص بغيرها.
و بهذه النكتة أيضا التزمنا بأن الضرر المالي غير البالغ إلى حد الحرج و الإجحاف غير صالح لرفع التكاليف، و إنما الرافع لها ما بلغ حدا موجبا للحرج و الإلجاء. و ما في بعض المقامات من كفاية مطلق الضرر المالي في رفع التكليف، كما في الانتقال من الوضوء إلى التيمّم لخوف لصّ أو غيره، إنما هو لنصّ مخصوص (1)، و إلّا فعموم نفي الضرر في باب التكاليف غير مجبور في
1) وسائل الشيعة 2: 964 حديث 2، 3 باب 2 من أبواب التيمم.
الماليات كما لا يخفى.
ثمّ إن مقتضى كون رفع الإكراه لمحض الإرفاق على المكره اختصاص ذلك بالإكراه بغير الحق، و الّا ففي الإكراه بحق مع امتناعه لا يكون في وضعه عليه خلاف امتنان في حقّه، بل رفع الأثر عن عمل مثل هذا الشخص خلاف الامتنان في حق الغير، و هو خلاف كون سوق الحديث في مقام الامتنان على الأمة.
و حينئذ فلو اكره على المردد بين الحق و الباطل، فأقدم على الباطل لا أثر له، لعدم صدق الإكراه على الباطل بخصوصه، و الإكراه بالجامع بينه و بين الحقّ لا يصلح لرفع شيء، لأنّ ما تعلّق به الإكراه لا أثر له يصلح للرفع بالإكراه، و ماله أثر من خصوص الباطل ما تعلق به الإكراه رأسا، و هو ظاهر.
نعم لو كان الإكراه متعلقا بالجامع بين الباطنين، فإن كان ذلك بمعنى صرف وجوده، فلا يكاد ينطبق إلّا على أوّل الوجودين، فيقع الثاني صحيحا بلا إكراه. و إن كان بنحو الوجود، فيقع ثاني الوجود أيضا باطلا.
و لو اكره على الجامع بين المعاملة و ترك العبادة، أمكن دعوى وقوع المعاملة أيضا باطلة، إذ العقل يلزمه بإيقاعها دون غيرها، فكأنه ملزم بها تعيينا. نعم لو خالف التكليف و ترك العبادة، خرج عن المكرهيّة في المعاملة، فلو أوقعها بعده كانت صحيحة، و ذلك ظاهر.
ثمّ إنّ العاقد المكره إنّما يثمر كرهه في فساد عقده في صورة يكون فساده إرفاقا في حقّه، و هو لا يكون إلّا إذا كان مالكا، و الّا ففي غيره- حتى الوكيل- لا بد أن يلاحظ حال الموكّل، فإن كان عمل وكيله عن طيب نفسه لا يجدي إكراه وكيله في فساد عمله و إلّا فيفسد، لأنّ إكراه وكيله حينئذ بمنزلة إكراهه.
و من هنا نقول: إنه أي لو أكره المالك وكيله على بيع داره صح بيعه، و تكون
مثل هذه الصّورة خارجة عن مصب الحديث، كما لا يخفى.
ثمّ إنّ الإرفاق المزبور إنّما يقتضي فساد العقد ما دام بقاء كرهه، و إلّا فمع زواله و اجازته فلا مقتضى لنفي صحة عمله، إذ لا قصور في العمومات لشمول العقد من حين تبدل كرهه بطيبة.
بل في المقام يمكن الاكتفاء بالطيب باطنا، و أن الإجازة لمحض طريقيتها عن طيبه، و به يمتاز عمّا يجيء في باب الفضولي، إذ للإجازة هناك دخل في إضافة العقد إلى المالك المستتبع لتوجّه الخطاب بالوفاء بمضمونه إليه، فلها هناك جهة موضوعيّة ليس لها ذلك في المقام.
نعم في اعتبار عدم سبق الإجازة بالردّ في المقام أيضا كلام، مبني على أنّ الردّ بمنزلة فسخ العقد و حلّه، فلا يبقى معه محل لتعلق الإجازة، أو أنّه موجب لعدم إضافة العقد إليه، و أنّه بمنزلة الحائل عن صيرورة الإجازة مستتبعة لإضافة العقد إليه، فلا يجري في المقام، و لا يختص بباب الفضول، لأنّ المفروض أنّ الإضافة حاصلة و الردّ غير صالح لاعدامها، و لا أقل من الشك في مانعيّته فيستصحب تعليقا صحة العقد بإجازته، و ربّما يومئ إلى الأخير أيضا إطلاق كلماتهم، و عدم تعرضهم لمانعية الردّ في المقام.
في ظرف عدم رضى سيده، من دون فرق بين كونه عاقدا في بيع ما في يده أو ما في يد الغير، و بلا فرق أيضا بين القول بتملّك العبد و عدمه.
و عمدة الوجه فيه كونه مملوكا لا يقدر على شيء (1)، علاوة عن دعوى
1) النحل: 75.
كون إنشائه المنشئ للآثار من المنافع المقصودة منه، على وجه كان مملوكا للمولى الخارج عن حيطة قدرة العبد، بلا تمامية خروج أقواله بقول مطلق عن حيطة سلطنة المولى بشهادة السّيرة، إذ ذلك إنّما يتمّ فيما لا أثر للقول إلّا إبراز مقاصده. و إلّا ففي مثل عقوده و إيقاعاته الموضوعة لآثار مخصوصة لا مجال لدعوى السّيرة المزبورة.
و ربّما يؤيّد ذلك تطبيق الإمام عدم قدرة العبد على شيء من الطلاق، خصوصا مع ظهور جملة من النصوص الواردة بلسان: «لإطلاق قبل نكاح» (1)على إنشاء الطلاق قبله و لو بنحو التّعليق، في أنّ المراد من الطّلاق في لسان الشرع إنشاؤه لا بمعناه المسبّبي الّذي هو مضمون إنشائه. فحينئذ أمكن دعوى كشف عدم قدرته عليه عن خروج عقده عن حيطة سلطنته، بملاحظة تعلّق سلطنة الغير على مثله، و نفي هذه السلطنة عن إيقاع السبب كاف في فسادها، إذ المنصرف من عموم الوفاء بالعقود هي العقود الصّادرة عن السلطان، و لذا يحتاج في الفضولي إلى إضافة العقد إلى المالك بإجازته.
بل و يؤيده عدم صحة عقد الصّبي و المجنون لمحض قصورهما عن السلطنة عليه حتى في عقده لغيره.
و لئن شئت قلت: إنّ قصور سلطنة العبد على إيقاع عقده يجعل عقده غير مقدور له، و لازمة كون وجوده بمنزلة العدم، فلا يترتب عليه الأثر. و لعله إلى ذلك نظر كلماتهم في إطلاقها لفساد عقد العبيد بلا اذن المولى و لو بالإضافة إلى ما في يد غيره بتوكيل أو غيره.
هذا و لكن الذي يقتضيه النّظر الدقيق عدم دليل واف لإثبات كون السلطنة على سبب التصرّفات أيضا- علاوة على السلطنة على نفسها- شرائط
1) وسائل الشيعة 16: 7 حديث 1 باب 5 من أبواب لا يصح العتق قبل الملك.
صحّة المعاملات، فعلى فرض كون عقودهم ملكا للمالك لا يوجب إلّا حق المولى على منعه عن إيجادها، لا عن سلب تأثيرها. نعم عموم «لٰا يَقْدِرُ» يقتضي تنزيل وجوده منزلة العدم، و لكن ذلك لا بمناط اعتبار السلطنة على السبب بل بعناية أنّ الموجود منه بمنزلة عدم الوجود، و مثل هذا العموم إنما يقتضي عدم استقلال العبد في إيجاد السبب.
و حينئذ لا ينافي صحته عند انضمام رضى السيد إليه، فلا ينافي ذلك صحّة عقده عند اجازته.
و لئن أغمض عن هذا البيان و قلنا بمقتضى المسبّبي المشار إليه سابقا، أشكل أمر تصحيح عقده حتى بإجازة سيّده، و ذلك لأنّ قضيّة كون صدوره بلا اذن منه صدورا بوجه المهجوريّة، سقوطه عن التأثير رأسا بلا إصلاح لإجازة السيد لمثله، إذ هو لا يقلب ما وقع بصفة المهجوريّة الى نقيضه.
و توهّم أن العقد بملاحظة اعتبار بقائه، بشهادة كون الفسخ هو الحلّ من حينه، يصلح أن ينقلب في وجوده عن صفة المهجوريّة بإجازة سيده، فيصير العقد المزبور في ظرف تعلق اجازة السيّد خارجة عن المهجورية فيؤثر، مدفوع بأن بقاء العقد لا يكون بسلطنة جديدة كي يؤثر اذنه في خروجه عن المهجورية.
و حينئذ فلو كان مناط فساد عقده خروجه عن حيطة سلطانه، فلا يكاد ينقلب هذا العنوان عما وقع عليه، فلازمه عدم صحة عقده بإجازة السيد بعد كون اذنه من الجهات التعليلية كما في الصغر مثلا.
و حينئذ عدم التزامهم بسلب عبارته و قابليته لإجازة السيد يدلّ على ما ذكرنا، كما لا يخفى.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر حال عقده بالنسبة إلى ما في يده من مال سيّده أو ماله، بناء على ملكيته، إذ مقتضى عدم قدرته عدم استقلاله في التصرف، لا صيرورته كالصغير مسلوب العبارة رأسا، و ذلك ظاهر.
فلا يصحّ العقد عن الفضولي قبل اجازة المالك بلا اشكال، لمنافاته لسلطنة المالك، بل قيل بقبح التصرف في مال الغير. و في شموله مثل المقام فرع صحته، و إلا فلا قبح في إنشاء البيع في مال الغير إلا من جهة التشريع القبيح عقلا بمناط آخر.
و يؤيده أيضا النّواهي المتعلّقة عن بيع ما ليس عنده (1)، و في اقتضاء مثلها فساد البيع مطلقا على وجه لا يصلح للحوق الإجازة إشكال، إذ النّهي المتوجّه عن بيع الفضولي ما ليس عنده غير مرتبط بصحة بيع المالك ما عنده بإجازته لعقد الفضولي، كما أن العمومات أيضا غير قاصرة الشمول عن مثله، إذ بعد اجازة المالك يكون العقد مضافا إليه، فيجب الوفاء به. و به يصير تحت عموم: تجارة عن تراض (2)بل ربّما يومئ ذلك إلى كفاية الرضى في صحّة التجارة بلا احتياج إلى الإجازة الخارجية. و إليه أيضا مال شيخنا العلّامة في مكاسبه (3).
و فيه نظر، إذ التجارة الحقيقية لا تتحقق إلا بإضافة العقد إليه، و ليس له إطلاق من حيث سببه، و بعد مجيء هذه الشبهة لا يصلح مثل هذا الإطلاق دليلا له، نظير عدم إطلاق وجوب الوفاء بالعقد، الخارج عن تحته ما هو بغير رضاه، إذ المنصرف منه هي العقود المضافة إلى من كان شأنه الوفاء بمضمونها، و من المعلوم أن مثل هذه الإضافة لا تكاد تتحقق إلا في ظرف الإجازة، و لا يجدي الرضى الباطني في إحداثها، و هو ظاهر.
و كيف كان لا قصور للعمومات في شمولها العقود المزبورة بعد اجازة المالك، و بهذه الجهة نلتزم بصحة عقد الفضولي تأهلا، قبال توهم فساده رأسا، و بعد ذلك لا يحتاج إلى التمسّك ببعض الأخبار الخاصّة، مثل قضية عروة البارقي، (1)كي يرد عليه بإمكان كونه من باب استفادته الاذن بالفحوى.
و بمثل قضيّة الوليدة (2)، كي يرد عليه بأن خصومة المالك ملازمة لردّه. و إن أمكن دفعه بمنعه اقتضائها أزيد من كراهة المالك في قبض المثمن قبل اجازته، لا كراهته عن أصل البيع.
نعم ربّما يشكل على الرواية من جهة حبس الولد مع كونه عن شبهة و حرا، و ان حكم الإمام أيضا بتقديم قول المالك المدعي للفساد أيضا غير معلوم الوجه، و لكن مثل هذه الجهات لا تضرّ بدلالة النصّ من الجهة المقصودة من صلاحيّة معاملة الفضولي للتّصحيح بالإجازة، كما لا يخفى.
و بمثل فحوى ما دلّ على صحّة النكاح في الفضولي (3)، كي يرد عليه بمنع صحة الفحوى، بل الأمر بالعكس بشهادة النص الوارد ردّا على أبي حنيفة بأن أمر النكاح أعظم و منه الولد و هو أحقّ بالصحة، و أنها على وفق الاحتياط، و لو من جهة كونه حكمة للتوسعة في أمر النّكاح، لا من جهة الدوران بين النّكاح بذات البعل و عدمه، كيف و هذا المعنى خلاف مقتضى شأنه من رفع الشبهة في الأحكام الكلّية، لا إبقائها. و إن أمكن تقريب الفحوى من جهة أخرى، و هو أن صحة عقد الفضولي من جهة المهر الّذي هو من تبعات النكاح، ملازمة للصحّة في سائر المعاملات الماليّة المستقلّة بالفحوى، و لا أقل من عدم الفصل
كما لا يخفى.
و بمثل ما ورد في ضمان العامل المضارب المشتري لغير ما أمر به (1)، بتقريب كون الربح بينهما ملازم لصحّة المعاملة، فلا محيص من حمله على صورة اجازته، كي يرد عليه باحتمال كون وجه الضمان مخالفته لنهيه عن السّفر، أو من جهة مخالفته للنهي عن الشّراء، مع كونه مسلطا عليه بعقده الأوّل، و أن نهيه التكليفي لا يوجب نفي سلطنته وضعا، و لو من جهة كونه بنحو الترتب، كما لا يخفى.
و بمثل ما ورد في الاتجار بمال اليتيم (2)، بناء على حملها على صورة اجازة الولي، كي يرد عليه بإمكان الأخذ بإطلاقها، و كشف ولاية كل أحد في مثل هذا التصرف المبني على مصلحة اليتيم، و ان ضمن غير الملي منهم.
و بمثل ما ورد في نصّ ابن أشيم من قوله: «يرد المملوك رقا لمولاه و أي الفريقين أقاموا البيّنة على أنّه اشتراه بماله كان رقا لهم» (3)و إن كانت دلالته تامة بتقريب أنّ الظّاهر من ذيل الرّواية كون شراء العبد بعد موت الدافع.
و حينئذ مجرد كون العبد من قبيل الدلال لا يقتضي كونه مأذونا من قبل الوارث، فحكم الامام بكونه رقا لهم بينهم يكشف عن الاكتفاء بالإجازة بهذا المقدار.
و لا يرد عليه بأنه مع دوران الأمر بين الصحّة و الفساد لا مجال لإجراء حكم الفساد.
لإمكان أن يقال: إنّ مجرى أصالة الصحّة إن كان عنوان الشراء فهو
بأصله مشكوك، فلا يجري في مثله. و إن كان عنوان عقده، ففيه أنّه لا يثبت به إلّا عدم قصور العقد في المؤثريّة، و لا يصلح لأن يحرز بها قابلية المحل للتأثير. و ما نحن فيه من هذا القبيل، كما لا يخفى.
و بمثل ما في صحيحة الحلبي المشتملة على قوله: «لا يصلح له أن يأخذه بوضيعة، فإن جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد» (1)، كي يرد عليه بإمكان حمله على عدم صحّة الوضيعة في الإقالة لا عدم صحّة أصل الإقالة، كي تكون المعاملة الثانية فضولية موقوفة على اجازة المالك، و أنّ الغرض من ردّ ما زاد رد ما أخذ منه من الوضيعة فلا يرتبط حينئذ بباب الفضولي.
و بمثل ما في نص السمسار في قوله: «إن شاء أخذ و إن شاء ترك» (2)، بتقريب أن من محتملات النصّ كون المعاملة فضولية، فيجيز ما اختاره و يردّ غيره، فترك الاستفصال يكشف عن صحّة الفضولي بالإجازة، كي يرد عليه بأن الظاهر من الشرط عليه بأنه «إن شاء أخذ» كون خياره مستندا إلى شرطه هذا، لا مستندا إلى اقتضاء طبع الفضولي ذلك، فلا يناسب الخيار المزبور مع الفضوليّة.
و بمثل التعليل بأنّه: «لم يعص اللّٰه»، كي يرد عليه بأنّ مقتضى التّعليل الحكم بالصحّة في كل مورد يكون القصور من جهة رضى السّلطان على المال، الموجب لعصيانه، فارغا عن اضافة العقد اليه، و في المقام إنّما الشك في الجهة الثانية، فلا يجدي العلّة في رفعه.
ثم إن مقتضى العمومات و بعض النصوص، عدم الفرق في صحّة الفضولي بالإجازة بين سبق عقد الفضولي للمنع عن البيع و عدمه.
و توهّم كون المنع المزبور مثل الردّ مانع عن الإضافة، و لا أقل من احتماله، فلا يبقى مجال للتمسك بالعمومات، لعدم إحراز موضوعها من العقد المضاف إلى المالك، مدفوع بمنع كونه مانعا عرفيا و لا تعبّديا، خصوصا مع نفي الثاني بالعموم، كما لا يخفى.
و أيضا مقتضى القواعد عدم الفرق في مصحّحية الإجازة بين كون الفضولي قاصدا لنفسه كالغاصب أو المالك، و لا بين كون الغاصب بائعا أم مشتريا.
و قد يستشكل في المشتري الغاصب، بأنّ قصده التملّك لنفسه ينافي اقتضاء الإجازة دخول المبيع في ملك المالك.
و توهّم أن المشتري إنما يقصد لنفسه بملاحظة أنه يرى نفسه مالكا، فكأنه يقصد للمالك و هو المالك، مدفوع بأنّ عنوان المالكيّة في قصده هذا من الجهات التعليلية، فلا يقصد حينئذ إلّا لنفسه، لأنّه مالك، فهذا العنوان خارج عن موضوع قصده، فكيف تقتضي الإجازة الدخول في ملك غيره، مع أن الإجازة لا بدّ أن تكون مطابقة لمضمون العقد بخصوصياته.
و حل الاشكال أن البيع بعد ما كان حقيقة عبارة عن جعل علقة البدلية، غاية الأمر هذه العلقة تقتضي اكتساب كلّ طرف لون غيره، غاية الأمر كان الغاصب زاعما ملكية نفسه، فقد قصد دخول المال في ملكه بتوهم اكتسابه هذا اللّون، و الإجازة أيضا متعلقة بهذه العلقة التي هي مضمون عقده، فاقتضت اكتساب لون الملكيّة واقعا، و هو للمجيز.
و لقد أشرنا إلى هذه الجهة في أوّل الكتاب، و فرّعنا عليه أيضا اقتضاء المعاطاة الإباحة بمحض قصد احداث هذه العلقة بلا تخلّف قصد الطّرفين عن
مقصودهما، غاية الأمر خيالهما اقتضاء العلقة في المورد كسب لون الملكية دعاهما إلى قصد التملّك و التمليك. و حيث أن الإجماع قام على عدم ترتب الملكية، فانحصر اقتضاء العلقة المزبورة في اكتساب كلّ طرف لون السلطنة المفيدة للإباحة، فأمثال هذه التخلفات في الحقيقة من باب التخلف في اقتضاء المضمون شيئا آخر غير ما بنوا عليه، لا من باب تخلّف العقد عن مضمونه، كما هو ظاهر.
نعم لو قيل بأنّ حقيقة البيع عبارة عن نفس التمليك و التملّك فلا محيص عن الشبهتين، فلا بد أن يلتزم ببعض المحاذير المذكورة في المطولات فراجع.
نعم لا ترد- بناء عليه- شبهة أخرى في طرف البائع الغاصب القاصد لتملك الثمن في بيعه، لإمكان دعوى أن مثل هذا القصد يكفي في طرف الإيجاب، إذ حقيقة ليس إلّا التمليك بعنوان العوضيّة، و أن تملك الثمن من تبعات طبع العوضيّة، الموجب لدخول العوض في ملك الغاصب ببنائه، و في ملك المالك بواقعيّته، كما لا يخفى.
ثم أنّه كما يصحّ البيع أو غيره من العقود من المالك، كذلك يصحّ ممن كان بحكمه من مطلق من له السلطة على المعاملة كالأب و الجدّ بلا إشكال في ولايتهما على مال الصغير عند قيام المصلحة في نقله و انتقاله، أو سائر التصرّفات المتعلقة به.
و يدلّ عليه- علاوة على الإجماعات بل السيرة- عموم: «أنت و مالك لأبيك» (1)، و في آخر: «البنت و أبوها لجدها» (2)، بل مثل هذا اللسان ربّما
يقتضي جواز إتلاف ماله و صرفه في نفسه، و لكن في بعض النصوص تخصيص تصرفهما بغير الإجحاف منه، حيث رخص في قوته بغير سرف عند احتياجه.
و لا مجال لتوهّم معارضته بعموم: و لا تقربوا مال اليتيم (1)الجاري في الجدّ، فيتعدى إلى الأب بعدم الفصل، لحكومة هذه العمومات على غيرها، لأنه ظاهر في حرمة القرب من مال اليتيم بما هو ماله لا بما هو مال الأب و الأدلّة المرخصة دالة على اعتبار كونه مال أبيه.
و من هذه الجهة نلتزم بعدم اعتبار المصلحة في تصرف الأب و الجدّ، بل و مع الفساد غير البالغ حدّ الإجحاف.
بل ربّما يستفاد من مثل هذه العمومات جهات اخرى، و هو كون الولد من عبيد الأب فيجب عليه اطاعته، علاوة عن حرمة إيذائه بمخالفة أمره، كما هو الشأن في الموالي بالنسبة إلى عبيدهم، و لازمة نفوذ أمره في حقه و عدم استحقاقه على الأب في قبال إعماله شيئا، غاية الأمر يستفاد من التصرف بغير سرف مع احتياجه نفوذ أمرهما إلى هذا الحد، بل لازمة سلطنة الأب على تأديبه بالضرب و نحوه ما لم ينته إلى الجرح.
بل و يؤيد ما ذكرنا السّيرة المستمرة في ثبوت مثل هذه المعاني للآباء بالنسبة إلى الأولاد، و بمثله يمتاز الأب عن الام، فإنه ليس عليه إلّا حرمة إيذائها و لو بمخالفته لها، و إلّا فاطاعة أمرها و مجّانية عمله لها و ضربها له محل اشكال، لو لا قيام السّيرة على جواز تأديبها و تربيتها له بمثل ذلك.
كما أنّه يشكل أيضا تصرّفه في مالها و لو عن مصلحة فضلا عن عدمها، أو مع الفساد جزئيا أو كليا، لأن عموم الآية في مقام بيان كيفيّة التصرّف لمن له هذه الشّأنيّة من الخارج، بلا نظر إلى إثبات مثل هذه الشأنيّة لأحد، كما لا
1) الانعام: 152.
يخفى.
و يجوز التصرف المزبور بشرط المصلحة من الحاكم و أمينه عند عدم الأب و الجد أو من هو بمنزلتهما، نظرا إلى كون مثل هذا الشأن من وظائف قضاة الجور الثابتة لقضاتنا، لظهور المقبولة المعروفة، علاوة عن تحقق مقدمات الحسبة في بعض المقامات، للجزم بعدم رضى الشّارع بتلف المال، و لا بدية كون حفظه بنظر الرئيس، فيكون للفقيه قدر متيقن في هذا المقدار، بل و مع عدمه ربّما تنتهي النّوبة إلى عدول المؤمنين للنص (1)بعدم البأس مع قيام العدل في مورده.
و لكن المقدار الثابت من ذلك هي التصرفات المقتضية لحفظ مال اليتيم عن التلف، و إلّا ففي دلالتها على جواز نقلها لمحض الأنفعيّة إشكال، و عموم «عون الضّعيف» (2)لا يثبت التمكن من الإعانة عند الشكّ فيها بدخل شيء خارج عن قدرته في سببها كما لا يخفى.
نعم لو تمت دلالة المقبولة بنحو ما أشرنا إليه، أمكن استفادة جواز التصرف فيها منه. بل و مقتضى عموم لا تقربوا (3)يخصّص التصرّف بصورة المصلحة لا مطلقا.
نعم لو تمّت الولاية العامّة للفقيه أمكن إثبات جواز تصرفهم في أموال الصّغار، بل و الكبار أيضا، لأن لهم ما للإمام من الشأن، و من المعلوم أنه ليس للناس خيرة في قبال إرادتهم، كبارا كانوا أو صغارا، بل و يجب عليهم إطاعة أوامره كما هو الشأن في الإمام المفترض طاعته.
و لكن كل الكلام في ثبوت مثل هذا الشأن للفقيه، إذ عموم الخلافة و الوراثة و أمثالهما لا يقتضي إلّا نيابتهم عنهم في تبليغ الأحكام و بيان الحلال و الحرام، كما أنّ: «الحوادث الواقعة» غير معلوم شمولها لمثل هذه التصرّفات، خصوصا لو استظهر من التوصيف لابديّة الوقوع، فإنّه حينئذ يختص بالحسبيّات المحضة.
و أمّا «مجاري الأمور بيد العلماء باللّه» و مثل هذا العنوان ربما يكون مختصّا بالأئمة، و لا أقل من كون ذلك هو المتيقن في مقام التّخاطب المانع عن إطلاقه، و لو لا المقبولة المزبورة لأشكل إثبات أزيد من التصرفات الحسبيّة.
و لكن ظهور نظرها إلى إثبات شئون قضاة الجور لهم، ربّما يوجب التعدي عن الحسبيات إلى كل ما كان من شئونهم من التّصرفات المزبورة في أموال الغيّب و القصّر، و الحكم في الأمور النّوعية زائدا عن فصل الخصومات، كما لا يخفى.
و أيضا يصحّ البيع و غيره في مال اليتيم من الوصي من قبل الأب و الجد بلا اشكال فيه، من جهة اقتضاء دليل الوصاية جواز تفويضه إلى وصيّه، كلّما كان له من الشّأن في التصرف في ماله بمقدار ثلثه. و هكذا فيما يرجع إلى حفظ صغاره مالا و نفسا. نعم لا يثبت فيما له تعلّق بحيثية الأبوّة، مثل تصرّفه الاتلافي بغير سرف عند احتياجه، بمناط ثبوت نفقته في ماله أو جهة أخرى.
و حينئذ ربما يشكل أمر تصرفه في مال الصغير بلا غبطة، لعموم لا تقربوا (1)، كما لا يخفى، فتدبر.
1) الانعام: 152.
و كذلك الوكيل من قبله أو من قبل المالك، بلا إشكال في الوكيل عن المالك أو غيره في مقدار وكالته عن موكّله بمقدار ماله من السلطنة على التصرّف، لبناء العقلاء على تشريع الوكالة في أمثال هذه الأمور القابلة للتسبّب بلا احتياج حينئذ إلى عموم مشروع لها، كي يبقى مجال إنكار العموم في باب الوكالة بعد عدم صلاحية عموم الوفاء بالعقود (1)لمثل المقام لكونه من الجائزة، لو لا دعوى عدم قصوره في شموله للعقود الجائزة لعدم المنافاة بين جواز الرجوع عن المعاملة و بين وجوب الوفاء بمضمونها ما دام لم يرجع.
و ذلك أيضا لو لا دعوى أن رجوعه عنها من غير جهة حل عقده عين نقض مضمونه، فوجوب الوفاء به يرفعه، فلا بدّ من تخصيص العقود الجائزة عن عمومه بعد اقتضاء جوازها نقض مضمونها جزما.
ثم أن المصنّف لم يتعرض من شرائط المتعاقدين الرّشد و غيره من الإكراه و العبودية، مع أنه أيضا من شرائط صحة عقده و إيقاعه، و لعلّه من جهة كونه بصدد بيان مقتضيات الصحّة التي بفقدانها لا يبقى المقتضي لها، و مثل السفه و الإكراه و العبوديّة ربّما يكون من الموانع بظهور النهي عن إيتاء السفهاء ما لهم (2)و أمثاله، مع كونهم ممّن وضع عليهم القلم وضعا و تكليفا.
و ربّما يجيء شرح بعض هذه الموانع، نظير تصرف المريض في الزائد عن ثلث ماله في مباحث الحجر، و سيأتي توضيحه منا أيضا في محلّه، كما أنّه قد تعرّضنا لبعض الجهات الأخرى في طيّ الكلمات السابقة فراجع.
و على. أيّ حال يقف عقد غيرهم على الإجازة، و إطلاق العبارة يشمل الصّغير و المجنون ببعض مراتبه الغير المانع عن صدور العقد منه، و مع أن ظاهرهم كونهما مسلوبي العبارة على وجه لا يصلح أمر عقدهم الإجازة، و ربّما استظهرناه أيضا من إطلاق نص رفع القلم، بل و عموم عدم جواز أمر الصّبي، فراجع.
و حينئذ لا محيص من التصرّف في العبارة بإرجاع الضّمير إلى العناوين الثابتة للمكلّفين، فينحصر غيرهم بالفضولي الأجنبي عن المال، و لقد عرفت أن مقتضى القواعد أهليّة عقد الفضولي للصحّة بالإجازة، و علاوة عن بعض النّصوص الواردة في الموارد المخصوصة، و إنّما الكلام فعلا في بيان شرح الإجازة من جهات، عمدتها بيان أنها كاشفة أم ناقلة، فنقول:
إن الذي يقتضيه التحقيق كون الإجازة كاشفة عن صحّة العقد حين وجوده أو من حين صلاحيّته للتأثير من مثل حين القبض، كما في الصّرف و السلم، و هكذا في كلّ عقد يعتبر القبض في صحته و مرجع كشفه أيضا إلى الحكم من حين الإجازة بالملكيّة من حين وجود العقد أو القبض، و هو المنسوب إلى المشهور المستلزم لعدم الانتقال قبل مجيء الإجازة حتى مع العلم بمجيئها.
و هذا المعنى غير راجع إلى الكشف المنسوب إلى صاحب الفضولي، من كون التعقّب بالإجازة شرطا، إذ هو خلاف المنساق من كلماتهم، بل و من ظواهر الأدلّة من اناطة حصول التجارة في طرف وجود الرّضا خارجا بنحو الشرط المتقدم، كما هو ظاهر طبع اناطة شيء بوجوده عند الإطلاق، إذ ظاهره كون وجود المنوط به في طرف إناطته، كما هو الشأن في ظهور الهيئة الكلاميّة في كون ظرف جري العناوين اشتقاقيا أم غيرها ظرف النسبة، فاتحاد ظرف الوجود مع ظرف الإناطة التي عبارة عن نسبة المنوط به إلى الشيء يقتضي كون الوجود حاصلا حين تحقق الإناطة، و ذلك لا يتصور في الشرائط المتأخرة.
و لكن ذلك لا ينافي مع إمكان اناطة الشيء بالوجود الآتي ثبوتا، إذ طبع الإناطة لا يقتضي إلّا تقدّم المنوط عليه رتبة لازما مما ذكرنا من عدم المعقوليّة إنّما هو في مرحلة الإثبات عند ظهور الجملة في اتحاد ظرف النسبة لظرف الجري، إذ مثل هذا المعنى ملازم عقلا لكون الشرط مقارنا لا متقدما و لا متأخرا، و هذه الجهة في الحقيقة من تبعات مرحلة الإثبات لا مرحلة الثبوت.
و توهّم أن الشّرط من أجزاء العلّة، فلا بدّ و أن يكون في عالم الثبوت أيضا مقارنا، و يستحيل تأخّره و تقدّمه، مدفوع بأن مجرد كون الشرط من أجزاء العلّة لا يقتضي كونه من المؤثّر في الوجود، بل المعطي له في ظرف قابلية المحل من حيث وجدان الشرائط و رفع الموانع هو المقتضي، فالشرائط طرا وجودية أو عدميّة راجعة إلى معطيات القابليّة الرّاجعة إلى محدد دائرة المهيّآت المنوط بها القابليّة المزبورة، و من المعلوم أنّ دخلها في حدودها ليس دخلا تأثيريا، بل هي من قبيل دخل طرف الإضافة في ثبوتها.
و حينئذ فكما يمكن أن يكون طرف الإضافة المزبورة حاليا، يمكن أن يكون استقباليا، فشرائط الشرعيّة و موانعها طرا كغيرها عبارة عما به قوام الإضافات و الحدود الّتي بها يصلح الشيء و يقبل للمؤثّرية أو المتأثريّة.
ثم إن ذلك كله أيضا في الأمور الواقعية من الحقائق الخارجيّة، و إلّا ففي الاعتباريات الّتي لا وعاء لها إلّا الذّهن و أنّ الخارج ظرف لمناشئها، فالأمر في خروج شرائطها عن حيز المؤثرية أوضح، و لذا ترى صيرورة الأمور التدريجية المنعدمة شيئا فشيئا كأجزاء العقود مثلا منشأ اعتبار الملكيّة حين انعدامها.
و حينئذ فربّما يتصور في مثلها ما هو قبيل السبب المتأخّر، أو المتقدّم المعدوم.
و بالجملة نقول: إنّه لا قصور في إمكان الشرائط المتأخّرة في الأمور الواقعيّة، حتّى مثل المصالح و المفاسد الّتي ليس قوامها بلحاظ الشيء بنحو السّببيّة، بل
اللحاظ في مثلها طريق إلى واقعها، فضلا عن الاعتبارات المحضة الّتي يكون اللّحاظ و الاعتبار مقوّم حقائقها، و لا واقعيّة لها إلا لمناشئها، غاية الأمر ربّما يستظهر من الدليل بالتقريب المتقدّم كون الشّيء شرطا مقارنا زمانا و إن كان طبع الشرطية يقتضي التقدم على المشروط رتبة.
و من هذا الباب دخل الرّضي في تحقّق التجارة، و مرجعه إلى دخله في اعتبار المبادلة على وفق مضمون عقده. و هذا المعنى مستتبع لعدم الحكم بثبوتها قبل الرّضا و إن علم بمجيء الإجازة في موطنه فذلك المعنى أجنبي عن مشرب الفضول، و لذا التزم المشهور على خلافه في مثل المقام.
نعم في المورد مطلب آخر، و هو أنّ هذا المقدار من الدّخل لا يقتضي إلّا كون الرّضا شرطا مقارنا للحكم بثبوت التجارة التي هو مضمون عقده، و أما أن المحكوم به هو الملكية في هذا الحين فلا اقتضاء فيه، بل هو تابع اقتضاء العقد أي شيء، فإن اقتضى ثبوتها من حينه و لو من جهة اعتبار العقد علّة لوجوده المستتبع لتوجّه قصده إلى الملكية من الحين أو من جهة اقتضاء إطلاقه ذلك، فلازمه ليس إلّا اعتبار الملكيّة المزبورة من حين عقده، بمعنى أن في ظرف الرّضا يحكم بالملكية من حين العقد، فيكون المقام حينئذ من قبل اختلاف ظرف منشأ الاعتبار مع ظرف المعتبر، و هي الملكيّة التي كانت مضمون تجارته.
و هذا هو الوجه في مصير المشهور إلى الكشف بهذا المعنى بلا ورود اشكال عليه، إلّا بتوهّم المؤثّرية و المتأثرية في الأمور الاعتبارية بالإضافة إلى مناشئها، و هو بمعزل عن التّحقيق، كما لا يخفى على النّظر الدّقيق.
و حيث اتّضح لك ما ذكرنا يظهر لك حال ما استدل لإثبات الكشف، بانّ العقد تام الموضوع لوجوب الوفاء و تمامه في الفضولي بالإجازة.
و توضيحه: بانّ وجوب الوفاء بالعقد لما كان كاشفا عن جعل سببيّة العقد
لمضمونه، فلازم إناطة الوجوب بالرّضى دخل الرّضا في أصل الجعل، و لكن المجعول عار عن هذا القيد، كما هو الشّأن في جميع الواجبات المشروطة، من كون شرائط الوجوب غير راجعة إلى الموضوع لبا، و إن لم يكن للموضوع إطلاق يشمل حال عدمه، فبهذه العناية صحّ دعوى أن العقد تمام الموضوع في السببيّة و إن كان للرضا دخل في الحكم بها.
و بمثل هذا البيان يرفع التّهافت بين كون العقد تمام السبب، و مع ذلك كان للرضا دخلا في تماميتها، كما لا يخفى نظيره في كل واجب بالوجوب المشروط، فإن تمام الواجب هو ذات العمل، و إنّ تماميتها منوطة بتحقّق الشروط كما لا يخفى، و بمثل هذا البيان ينبغي أن يفهم مثل هذا الكلام، و اللّٰه العالم.
ثم إنّه بعد ما اتّضح وجه الكشف، ظهر لك أيضا أن نتيجة هذا الكشف ليس إلّا الحكم بتقديم الأمور الاعتبارية و ترتيبها من السابق، و أما الأحكام التكليفيّة الحاكية عن الكيفيات النفسانيّة، فهي خارجة من الاعتبارات الجعلية القابلة لصيرورة الجعل المتأخر منشأ اعتبار أمر متقدّم، فلا يتصوّر في مثلها إلّا الكشف بمذاق الفضول.
و عليه فلا محيص في مقام كاشفيّة الإجازة على المختار المشهور التفكيك بين الأحكام الوضعية الجعلية و التكليفية الحاكية عن الأمور الحقيقية، الواقعية و لا خير في هذا المقدار.
ثم إنه لو بنينا على عدم معقولية الكشف الحقيقي لا يبقى مجال للمصير إلى الكشف الحكمي بمقتضى العمومات، لأن معنى وجوب الوفاء بالعقد ترتيب لوازمه بعنوان التصديق بوجوده، و مع فرض التصديق بخلافه لا معنى للوفاء به كذلك، بل لا محيص إلّا من جعل مرجع الأمر بالوفاء إلى الحركة على طبق
مضمون الإنشاء، لا بعنوان وجوده حقيقة بل بعنوان وجوده تنزيلا، أو باعتبار كون الحركة المزبورة وفاء بالعناية.
و على أي تقدير يخرج مثل هذا المعنى عن مدلول العام المتكفّل لبيان الكبرى، بلا نظر فيه إلى مرحلة تطبيقه، بل التّطبيق كان موكولا بنظر العقل المعلوم صرفه إلى الموارد التي يكون مجال الوفاء بمضمونه حقيقة.
نعم لو كان المتكلّم في هذا الكلام في مقام تطبيق العام على مثل هذه الموارد، لا محيص من باب الفرار عن اللّغويّة من الالتزام بالعناية المزبورة، و لكن أنّى لنا بإثبات هذه الجهة في عمومات الباب.
نعم لا بأس بالالتزام بمثل هذا المعنى في الأخبار الخاصّة الواردة في خصوص الباب، و لكن الذي يسهّل الخطب عدم الداعي عن رفع اليد عن الكشف الحقيقي بالإضافة إلى الآثار الوضعيّة الاعتباريّة، فلا قصور في شمول العمومات بالنسبة إليها، أيضا، و ما يستنتج من الكشف الحكمي يستفاد من الكشف الحقيقي ينفي بإثباته العمومات فضلا عن النصوص الخاصّة، كما لا يخفى.
هذا ثم إن الإجازة في باب الفضولي بملاحظة دخلها في إضافة العقد إلى المالك، فلا بد و أن يقتصر فيه على ما هو الصّالح لها عرفا، فالأصل فيها عند الشك عدم تأثيره. و عليه فلا يبعد دعوى الاكتفاء بالفعل الدّال عليه، و كذا بالقول و لو بتوسّط القرائن الحافّة بالكلام و إن لم تكن لفظيّة فضلا عن كونها وضعيّة، للجزم بالاكتفاء بمثلها في العقد، فبالفحوى يتعدّى إلى الإجازة.
نعم في مثل المكره ربّما لا تكون الإجازة إلّا من جهة كشفه عن الرّضا بلا موضوعيّة فيها، فلا يعتبر فيه أزيد من ذلك و لو بتوسّط القرائن المنفصلة، و مع الشك في دخل جهة زائدة كانت عمومات الصحّة محكمة، عكس السّابق،
فتدبّر.
و كيف كان يعتبر في الإجازة أن لا يسبقها الرد، بلا إشكال ظاهرا في كلماتهم بالنّسبة إلى المقام، و ذلك أيضا لا من جهة أنّ الردّ موجب لحلّ العقد، كيف و هو منوط بسلطنة المجيز في حلّ عقد الفضولي، و هو أوّل الدّعوى. و مجرد سلطنته على إمساك ماله لا يقتضي السّلطنة على حل عقدة، فالأصل عدمها في الثاني.
و لا من جهة مقايسة الردّ في المقام بالردّ في أثناء العقد من أحد المتعاقدين، إذ هو بمناط كونه مانعا عن ربط القبول بالإيجاب، فلا يتمّ العقد، و أين هذا مع فرض تماميّة المقصود منه.
و لا من جهة أن عموم السّلطنة يقتضي قطع علاقة الظرف عن ماله على وجه لا يدخل في ملكه حتّى بإجازته، إذ من المعلوم أن الظرف لا علاقة له في المال إلّا بأن يدخل في ملكه بسببه، و عموم السلطنة المزبورة غير مشرع للسّبب وجودا و عدما، بل عمدة الوجه فيه اعتبار العرف صيرورة الردّ حائلا و مانعا عن إضافة العقد إلى المالك بإجازته، و لا أقل من الشكّ فيه، و لا يستصحب حينئذ عدم وجود الحائل، فإنّه لا تثبت الإضافة المزبورة التي هي من اللوازم العادية.
و توهّم أن لازمة عدم الصحّة حتى مع الشكّ في أصل وجود الردّ لا في رديّة الموجود أو حائليته، مدفوع بإمكان الفرق بينهما بخفاء الواسطة في الأوّل دون الثّاني، كما هو الشأن في الشكّ في وجود الحائل في محال الغسل في الوضوء و الغسل و حائليّة الموجود، حيث أن بناء الأصحاب على إجزاء الأصل في الأول دون الأخير.
و لئن التزمت بكون أصالة عدم الحائل أصل مستقل عقلائي، نقول به في
المقام أيضا. و بالجملة لنا دعوى جريان مناط الشّك في وجود الحائل و حائليّة الموجود في سائر المقامات في المقام أيضا.
ثم إنّ من نتائج وجه مانعية الردّ حسب حائليّة المانع عن إضافة العقد إلى المالك لا فاسخيّته للعقد، صلاحيّة العقد المزبور لإجازة شخص أخر مالك للمال جديدا على الأوّل دون الأخير، لعدم اعتبار العقلاء أزيد من مانعية الردّ لإضافة العقد إلى الرادّ لا غيره، بخلاف اعتبار الفسخ، إذ لا معنى للتفكيك في حل العقد بالنسبة إلى شخص دون شخص.
و حينئذ فلا بأس بترتيب هذه النتيجة بعد منع إطلاق الكلمات أيضا في مانعيّة الردّ بالنسبة إلى غير الرادّ، كما لا يخفى.
ثم إن الإجازة من شئون سلطنة المالك على ملكه، فلا يكون قابلا للإسقاط و لا للنّقل و الانتقال و لو للأصل، فليس للوارث إلّا إجازة العقد بمقدار ما ورثه من دون مانعيّة ردّ غيره عن إجازته، و ذلك أيضا من نتائج كون الردّ مانعا عن الإضافة لا فسخا، كما أشرنا إلى نظيره.
نعم لو قيل لكونها حقا قابلا للانتقال بالإرث أمكن مانعيّة الردّ أيضا عن إجازته بملاحظة كون الجميع بمنزلة مجيز واحد، لو لا دعوى كونه كحق الخيار الموجب إمضاء كل واحد لخروجه عن موضوع الخيار مع بقاء خيار الباقين، و لا أقل من الشكّ، فاستصحاب صحّة إجازته بنحو التّعليق كان جاريا، كما لا يخفى.
ثم إنّ الإجازة ليست على الفور، لعدم وفاء دليل به بعد شئون العمومات كل حين يضاف العقد إلى المالك، إلّا أن يكون الفصل طويلا بمقدار يشكّ في
مصحّحية الإجازة للإضافة عرفا، إذ حينئذ الأصل عدم صحة الإجازة في مثل المقام، و في جريان الإجازة من حيث الكشف بالنّسبة إلى القبض و الإقباض إشكال، لعدم مساعدة دليل على كفاية هذا المقدار في رفع درك المبيع، إذ هما ليس من الاعتباريات المحضة، كي يفي بها منشأ اعتبار متأخّر في اعتبار الشيء سابقا زمانا، بل و لا يثمر التوكيل فيهما في الجهات السابقة.
نعم تكفي الوكالة المزبورة في رفع الضّمان من حين الوكالة، و ذلك أيضا مشروط ببقاء العين إلى حين التوكيل، و إلّا فمع تلفه و استقرار ضمانه لا تصلح الوكالة الجديدة لرفع الضّمان السّابق. و معنى الوكالة و إن كان من الأمور الاعتبارية الصالحة للتقدّم عن المنشأ، و لكن في اعتبار العقلاء كانت أبواب العقود طرا من الأسباب و المناشيء السّابقة أو المقارنة لا المتأخرة، فلا يكاد يصح باب التوكيل اللاحق للوكالة السابقة، كي يكفي في رفع الضمان المستقرّ بتلف العين كما هو ظاهر.
هذا ثم إن مقتضى قاعدة عدم التّبعيض في صحّة العقد من طرف دون طرف، عدم تماميّة ما قيل من لزوم العقد من طرف الأصل قبل الإجازة.
و توهّم أن عموم الوفاء بالعقد من طرفه يقتضي ترتيب الآثار الضرريّة من جانبه، منظور فيه، إذ من المعلوم أنّ مرجع الوفاء بالعقود إلى الحكم بحصول مضمونه و ترتيب سائر آثاره بعنوان وجوده، و مع الجزم بعدمه لا يبقى مجال شمول الحكم لطرف الأصل أيضا، كما لا يخفى.
و في اعتبار تطابق الإجازة لمضمون العقد من حيث الأجزاء و الشرائط بعد الفراغ عن قابليّة انحلال العقد إلى العقود، و كونه من باب تعدد المطلوب بالنّسبة إلى الشرائط أيضا إشكال آخر، مبني على أن الإجازة عند العرف لا تصلح إلّا لإضافة ما في الخارج من الوجود الشّخصي الخاص للعقد، أو
تصلح لإضافة ما هو موجود في ضمن العقد الشخصي أيضا. فعلى الأول لا بدّ من المطابقة دون الثّاني. و عليه فعمدة المبنى إثبات الجهة الأخيرة، فإن تمّ مثله فهو، و إلّا فللنّظر فيها مع عدم التّطابق مجال، و لا أقلّ من الشّك، فالأصل كما أشرنا إليه سابقا في المقام الفساد كما هو ظاهر.
بقي الكلام في المجيز، و لا إشكال في اعتبار كون المجيز سلطانا على التّصرف في ماله، و مرجع سلطنته على التصرف المزبور إلى السّلطنة على التسبّب بسببها إلى مسبباتها، إذ السلطنة على الأمور الاعتبارية يتبع السلطنة على منشأ اعتبارها بما هو منشأ، و مرجع ذلك الى لزوم اعتبار شرائط السّلطنة في طرف الإجازة الذي هو طرف منشأ الاعتبار، لا في طرف نقل المال الّذي هو طرف الأمر المنتزع الاعتباري.
و حينئذ فلو بيع مال اليتيم بلا مصلحة، لا بأس بتصحيح مثل هذا العقد بإجازة اليتيم إذا بلغ.
و توهم أن هذا العقد في زمان يتمه غير قابل للصحّة بحكم الشرع، فكيف يصلح أمره الإجازة، و لا يقاس ذلك ببيع مال الغائب بلا مصلحة، إذ لا قصور فيه إلّا رضى المالك، فبالإجازة يتمّ العقد. و هذا بخلاف عقد اليتيم، فإنه بعنوان العقد على مال اليتيم بلا مصلحة لا يصلح للصحّة، فكيف تقلب الإجازة مثل هذا العقد عمّا هو عليه.
مدفوع بأنّ الحكم بعدم الصحة ليس إلّا إرفاقيّا لليتيم، و حيث صار بالغا فأجاز فلا مقتض للإرفاق في حقّه، فيبقى عموم أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1)بحاله كما هو ظاهر.
1) البقرة: 275.
ثمّ إنّ من فروع المسألة المزبورة الفرع المعروف في من باع شيئا ثم ملكه، فإن فيه أقوال مختلفة.
و التحقيق فيه أن يقال: إنّ البيع المزبور تارة لنفسه، و اخرى لغيره. فعلى الأول فمقتضى كشف الإجازة في المقام أيضا هو الحكم بانتقال المال إلى المشتري من حين العقد، حسب ما مرّ في تقريب الكشف في كلية الفضولي بلا خصوصيّة للمقام، إلّا توهم استلزامه في مثله خروج المال عن ملك المالك قبل دخوله فيه، مضافا إلى كونه مخالفا لسلطنة الغير على ماله.
و يمكن الفرار عن الجهة الأولى بأن مجرّد القبلية الزّمانية غير مضر، بعد كونه في رتبة متأخرة من الدخول، إذ لا تضادّ بينهما بعد اختلاف الزمانين من حيث الآثار العلميّة.
و من هذا البيان أيضا ظهر الجواب عن الجهة الثانية، إذ لا يكون مثل هذا الخروج المترتّب على الدخول في ملك الغير خلاف إرفاق بالنّسبة إلى المالك الأوّل. و لئن شئت قلت بأنّه لا يكون مثل هذا الإلقاء في الرتبة السّابقة و هو باق على حاله، و لا يكون الخروج المزبور يقتضيه.
و من هذه البيانات أيضا ظهر الجواب عن الشبهة السّيالة عن كليّة الفضولي بمبنى الكشف من كون المال خارجا عن ملكه قبل إجازته فتقع إجازته في ظرف لا يكون مالكا.
و توضيح الجواب بأنّ خروج المال في الرّتبة المتأخرة لا ينافي مع وقوع الإجازة في ملكه في الرّتبة السّابقة لا مضادة بين الاعتبارين في الزمان الواحد بعد اختلاف زمان عملهما كما هو ظاهر.
و من هنا ظهر الجواب عن شبهة اجتماع المالكين في زمان العقد أو في زمان الإجازة كما في مسألتنا. نعم لا يرد إشكال اجتماع الملّاك الثلاثة في مسألتنا لا في زمان العقد و لا في زمان الإجازة، كما لا يخفى.
هذا ثم إن ذلك كلّه بمقتضى القواعد، و أمّا بمقتضى الأخبار الخاصّة فقد وردت جملة من النّصوص مشتملة على النهي عن بيع ما ليس عنده تارة، و بعدم البأس به (1)إذا لم تواجب البيع، و في آخر: «أ ليس إن شاء أخذ و إن شاء ترك». هذه جملة ما ظفرنا به من النصوص الخاصّة.
أقول: أما أخبار النّهي عن بيع ما ليس عنده فالظّاهر انصرافها عما نحن فيه، لظهورها في كون ورود البيع عليه في الرّتبة المتأخرة عن عدم ملكيّته، و في المقام كانت متأخّرة عن ملكيته، و إن كان في زمان كان ملك الغير لو كان مثل هذه العمومات ناظرة إلى مجرد ورود البيع في زمان ليس عنده و لو في مرتبة متأخرة عن نقيضه، فغاية ما يقتضيه عدم كشف الإجازة عن صحّة العقد من حينه، لا من حين انتقاله إلى المالك الجديد.
و حينئذ لا يبطل بها كشف الإجازة رأسا، غاية تقييد مقدار تأثيرها بمقدار لا يمنعه الدّليل، فلا مجال لاستكشاف البطلان عن مثلها رأسا حتى على الاحتمال الآخر، فضلا عما لو لم نلتزم بالإطلاق المزبور كما أشرنا.
و أمّا الأخبار الأخيرة فغاية دلالتها على عدم لزوم البيع قبل شرائه أو بنفس شرائه أيضا، و ذلك لا ينافي صحته و لزومه بعد الشراء بإجازة جديدة و لو كاشفة عن اللزوم من حين العقد.
و كيف كان لا مجال لمنع الصحّة في مثل هذا البيع و كشف الإجازة عن الانتقال من حين العقد، فالعمومات بعد رفع المحاذير السّابقة محكمة، و لازمها صحّة البيع و الكشف المسطور، و لكن لازم الكشف من حين العقد عدم صحّة الإجازة الواقعة عن المالك الأول، أو لا أقل من تضمينه المنافع المستوفاة
1) انظر وسائل الشيعة 12: 373- 375 باب 7 من أبواب أحكام العقود.
بإجارته أو صلحه و أمثالهما، و لا أظنّ التزامه من أحد، بل من الممكن أيضا عدم التزامهم بتضمين المالك المنافع التالفة بيده، و لا النّماء المنفصلة عنه إلى حين الانتقال الجديد.
و حينئذ فلا أثر لكشف الإجازة من حين العقد، فلا محيص من الالتزام بالكشف من حين الانتقال على خلاف القاعدة فرارا عن هذه المحاذير، و اللّٰه العالم.
ثم إنه من التأمّل فيما ذكرنا ظهر حال ما لو باع عن الغير ثم ملك، فإنّه بعد ما كان قصده خارجا عن قوام العقد فلا بأس بإلقائه و تعلق الإجازة بمضمونه المستتبع لكون البيع واقعا عن المجيز بإجازته، بل و ربّما تكون النواهي المزبورة أيضا منصرفة عن هذه الصورة، فيكون أمره أهون من الاولى، كما لا يخفى.
ثم إنّ العقد الصّادر من الفضولي تارة واحد، و اخرى متعدّد وارد على مورد واحد من اشخاص متعدد، أو من شخص واحد على أعواض متعاقبة. و الإجازة أيضا تارة متعلقة بالعقد الوارد على المورد، و اخرى بالعقد الوارد على العوض.
فعلى التقدير الأوّل فإجازة سابقها مستتبع لصحة لا حقها الوارد على المورد، و مفوّت لمحل السابقة الواردة على المورد بالإضافة إلى هذا الشخص على القول بالكشف. و أمّا على النّقل فلا يقتضي صحّة لا حقه أيضا، و إنّما هو مبني على صحّة إجازة من باع شيئا ثم ملك، و أما السّابقة على المجاز بالنّسبة إلى المشتري الجديد فهو من مصاديق الفضولي المعروف على النقل و الكشف.
و على التقدير الثاني يكون الأمر بالعكس، فيصح العقد الأوّل الوارد على المال، بناء على استتباع هذه الإجازة السابقة لها عرفا.
ثم إن المثال الحاوي لهذه الفروض ما افاده شيخنا العلّامة أعلى اللّٰه مقامه في مكاسبه بإسقاط بيع الدينار بجارية، لعدم الاحتياج إليه لوفاء البقيّة بجميع ما فرضه في صدر كلامه فراجع.
لو لم يجز المالك أو ردّ قبل إجازته لا إشكال في فساد معاملته فعلا، و لازمة فساد قبض المال و إقباض الفضولي، فمع جهل المشتري بالفضوليّة يرجع إلى من غرّه لو رجع إليه بتضمينه، من دون فرق بين كون الغارّ عالما بالفساد أو جاهلا، و أعم من أن يكون المغرور من بيده التّلف، كل ذلك لإطلاق المرسلة المجبورة بأنّ المغرور يرجع إلى من غرّه (1).
و ربّما يستفاد هذا المضمون أيضا من النصوص الخاصة الواردة في الموارد الخاصّة، مثل الرّجوع إلى الشّاهد الزور (2)، و رجوع المشتري إلى البائع فيما يغرمه من قيمة الولد، و رجوع الزّوجة إلى وليّها بما ساق لها من المهر، و رجوع المدلّسة على الذي زوّجها و لم يبيّن (3).
و مع هذه الوجوه لا يحتاج إلى التشبّث بقاعدة الضرر، كي يشكل بعدم حكومته على سلطنة الغير الّذي هو من الأحكام الإرفاقية. و بذلك نقول بعدم اقتضاء العموم المزبور سلطنة المغبون على الرجوع إلى الغابن في خبر غيبته، كما هو المشهور.
ثم إن مقتضى فساد المعاملة رجوع الأصل أيضا إلى من كان بيده المال و لو
كان تالفا، حتى مع علمه بفساد المعاملة.
و توهّم أنّه مع العلم بالفساد قد سلّط غيره على ماله فهتك حرمته بنفسه، فلا مقتضى لرجوعه، إذ عموم: «من أتلف» منصرف عن مثله. مدفوع بأنه كذلك لو كان الأصيل مسلّطا للغير على ماله بعنوان كونه ماله، و أمّا لو كان إيتاؤه للغير بعنوان كونه مال الغير، فلا يكون ذلك متهتّكا لماله بما هو ماله، و بهذه الجهة نلتزم بضمان المقبوض بالعقود الفاسدة التمليكيّة و إن كان لم يضمن بصحيحه مثل الهبة الفاسدة.
نعم في مورد لا يكون مفاد العقد تمليكا، بل كان تسليطا على ماله بجهة من الجهات، فإن كانت الجهات المزبورة راجعة إلى مصلحة القابض، فلا يكون أيضا أمانة، فعموم: «على اليد» غير قاصر الشّمول حتى في صحيحه فضلا عن فاسدة.
و إن كان مثل هذه الجهات راجعة إلى مصلحة الدافع، فهو أمانة في فرضي الصحّة و الفساد، و بمثل ذلك يصدق في الجملة أنّ مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، و أمّا بنحو الكليّة فلا مجال لتصديقه لما ذكرنا في وجه الضمان في الهبة الفاسدة، و حينئذ صح دعوى الكلية في أنّ أصل القضية ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
و لقد أطالوا الكلام في شرح القاعدة المزبورة في المطوّلات بما لا يكون تحته طائل، و عمدة الكلام فيها هذا المقدار الذي أشرنا إليه، فيا ليت كان بناؤهم على الاقتصار على مهام الأمور في جميع المقامات.
و كيف كان لو جمع الفضولي بين ملكه و ملك غيره، مضى في ملكه بلا إشكال في صورة قصده تمليك كل واحد مستقلا، و لو بإنشاء
واحد بلا نظر فيه إلى تمليك مجموعهما، و يحتاج في مضيّه في ملك الغير إلى إجازته، و مع عدمها تبطل بلا خيار للمشتري أيضا فيما مضى من البيع الوارد على ملك البائع.
و أما لو قصد التمليك المتعلق بمجموعهما بوصف المجموعيّة، فمع إجازة المالك بلا إشكال، و مع عدمها ففي فساد البيع جميعا أو في خصوص ما لا يملك و تخيير البائع المالك مع جهله أو المشتري كذلك وجهان، مبنيّان على تصور تعدد المطلوب و عدمه في أمثال هذه العقود.
و ربّما يجمع بين الصحّة و الخيار على التّصوير المزبور، كما هو الشّأن في فرض فساد الشرط من غير جهة الغرر الساري إلى البيع أيضا فيبطل به، لأمن صرف فساد شرطه، و هو المختار، و إليه أيضا ينظر ما اشتهر في كلماتهم من أنّ العقد ينحلّ إلى عقود، و تتميم المسألة من هذه الجهة في بحث الخيار.
و على أيّ حال لا إشكال في تخيير المالك في الإجازة، و أمّا المشتري أو البائع مع جهلهما و فسخ المالك، فيثبت الخيار بناء على تماميّة تعدد المطلوب كما هو المشهور و المختار، و إلّا فلا محيص من المصير إلى فساد الجميع، و هو بمعزل عن التحقيق، كما لا يخفى.
و ممّا ذكرنا ظهر أيضا حال بيع ما يتموّل و ما لا يتموّل، فإنّ فيه التفصيل السّابق، من كون المقصود بيع كلتيهما بلا ارتباط، أو مجموعهما مرتبطا بنحو وحدة المطلوب، أو تعدده. و أن مقتضى الأوّل الصحّة بلا خيار، و الثّاني صحّة البيع فيما يتموّل مع الخيار، و الثالث الفساد في الجميع، و ربّما يختلف المقامات في استظهار المعاني الثلاثة، و ربّما يكون الظهور النّوعي مع الثاني، و لذا التزموا في أمثال المورد بالصحّة مع الخيار مع الجهل بالحكم أو الموضوع.
ثم إنّه لا بدّ من تقويم كل منهما، و ينسب إلى مجموع القيمتين في صورة عدم
دخل اجتماعهما في ماليّة الشّيئين، و إلّا فلا بدّ من اعتبار قيمة مجموعهما، إذ لمثل هذه الخصوصيّة جهة مالية و لو باعتبار صيرورتها سببا لماليّة العين، لا أنّها ممّا يقع الثمن في قبالها، كما هو الشّأن في سائر الأوصاف.
و حينئذ لا محيص من تقويم العين بما لها من الخصوصيّة المقوّمة لماليتها، لا هي بنفس ذاتها منفردة. و لعلّ نظر من التزم بتقويم المجموع إلى مثل تلك الصّورة، و إلّا ففي الغالب الذي لا يكون للاجتماع جهة ماليّة لا بدّ من ملاحظة قيمة كل واحد بانفراده بنحو أشرنا إليه سابقا، فتدبّر.
: و هو أنّه لو باع من له نصف الدار ملك نصف الدار، فمع قيام القرينة على إرادة المفهوم منه فهو، و مع عدم القرينة الخارجيّة ففي ظهور الكلام في النّصف المختص به، أو بغيره، أو المشاع بينهما كلام.
و توضيح المقام يقتضي رسم مقدّمة، و هو أن النصف المضاف إلى شيء تارة يراد به النصف السّاري في كل جزء قبال النصف الآخر كذلك، و مثل هذا المعنى له نحو تعيين في نفسه، و إن كان مبهما من حيث قابلية انطباقه على كل واحد من النصفين بنحو التبادل المأخوذ في النّكرة، و في قبال ذلك طبيعة النّصف القابل للانطباق على كل واحد بنحو انطباق الكلي في المعيّن على الفرد.
و على أيّ حال مهما اعتبر النّصف بالاعتبار الأوّل فلا يكون إلّا مشاعا في تمام المال، و في هذه المرتبة من الاعتبار لا يتصور المشاع في المشاع، لأنّه في رتبة متأخرة عن اعتبار نصفي المشاعين، لأنّها موضوع هذا الاعتبار الجديد، ففي الاعتبار الأول لا اعتبار إلّا للنّصف المشاع في المال.
و حيث اتّضح ذلك فنقول: إنّ القائل حين قال: بعت نصف الدار،
لا يكون المستفاد من العبارة إلّا المشاع في ذات المال، لا المشاع في الاعتبارات الطّارئة، ففي هذه العبارة ليس للمشاع في النّصفين عين و لا أثر.
نعم لو أضيف النّصف إلى ملكهما لا إلى ذات المال، لا محيص إلّا من الحمل على الاعتبار الثانوي، لأنّ النصف المضاف إلى ملكهما أريد به النّصف في اعتبار متأخر عن ملكيتهما القائمة بالنّصفين، كما هو ظاهر.
و بالجملة نقول: إن لعنوان تمام المال اعتبارين:
أحدهما: اعتبار كونه مجمع النصفين، و الآخر اعتبار تمامه بلحاظ تمام أجزائه الخارجيّة. و من المعلوم أن الاعتبار الأوّل أيضا في طول اعتبار كسورة كي يلحظ تمامه بالنسبة إليها، بخلاف الاعتبار الثّاني، فالنّصف في قبال كل تمام حكمه ممّا هو في قبال التمام بالمعنى الأخير لا يكون إلّا نصف ذات المال، و هو المشاع في تمامه قبال النّصف في قبال الاعتبار الأوّل، فإنّه في طول اعتبار الكسور فيها، و هو الذي قلنا بأنّه في طول نصف المشاع لذات المال.
و حينئذ فطبع النّصف المضاف إلى ذات المال في الرّتبة السابقة عن اعتبار الكسور فيه، ينصرف إلى النصف المشاع في ذات المال، لا إلى النصف المشاع بين النصفين.
و حينئذ لا يبقى في البين وجه لظهور النّصف المضاف إلى تمام المال إلى المشاع في المشاع، و لازمة حينئذ بقاء ظهور البيع المضاف إليه في الأصالة بحاله، بلا ظهور النّصف بإطلاقه في خلافه، فيختص المبيع بنصفه المختصّ به بلا احتمال نصف غيره و لا المشاع في نصفه و نصف غيره كما لا يخفى.
و توهّم أن النّصف المختصّ به بهذا العنوان لا يكون معروض البيع، بل مثله عبرة لاتّصال البيع إلى ذات النّصف، و هو بذاته مبهم قابل للانطباق على نصف غيره أيضا، مدفوع بأن جهة الاختصاص و إن لم يكن عنوانا، لكن لما كانت تعليليته مانع عن إطلاق النّصف على وجه ينطبق على نصف غيره، كما هو
الشأن في جميع الجهات التعليلية كما لا يخفى.
و من هذه البيانات ظهر وجه النّظر في كلمات الأعلام، حيث التزموا بإلقاء التّعارض بين ظهور البيع في الأصالة، مع إطلاق النّصف المقتضي للحمل على المشاع في المشاع.
نعم ما أفيد إنّما يتمّ لو كان لكلّ منهما نصف مفروض، إذ إطلاق النّصف المضاف في تمام المال يقتضي الحمل على النصف المشاع بين النصفين، فيقع حينئذ التّعارض بين ظهور البيع في الأصالة مع إطلاق النصف بالنّسبة إلى تمام المال. و لكن أنّى ذلك بكلماتهم، كيف و صريح جملة منها و ظاهر آخرين كون محطّ البحث فرض النصف المشاع المضاف إلى المال لا المفروض، كما لا يخفى على من راجع.
هذا ثم إنّ مقتضى ما ذكرنا في ظهور الكلام في النصف المختص، كون المبيع نصفا شخصيّا مشاعا، لا نصفا كليا منحصرا مصداقه بالمختص به، و لا مبهما.
و حينئذ كم فرق بين المقام و بين نصف ما فرضتم، في كونه كليّا منحصرا مصداقه بوجه في نصف خاص.
و حينئذ لو وهبت الزوجة نصف مهرها فالباقي من الصّداق يستحقّه الزوج.
و دعوى أن الهبة الواردة على النصف المشاع بمنزلة التلف الوارد على نصيبهما، و حيث أنّه لا تعيين فيه، فبمقتضى الترجيح بلا مرجّح يرد التّلف عليهما، مدفوعة بأنّ المقام مقايس. بباب تلف الصبرة إلّا الصّاع في بيع الكلي، إذ المالك كما أنّه مستحق للشّخصي فلا يردّ التلف إلّا عليه، فكذلك المقام و هو ظاهر.
كما أنّ حمل النّصف على الشركة بسبب موجب لها في مسألة الإقرار، إنّما هو بملاحظة أن إقرار المدّعي بسبب الشركة، يقتضي كون الخارج عن يد الغير
بينهما بالسوية حذرا عن الترجيح بلا مرجّح، و مثل هذه الجهة غير مرتبط بظهور النّصف في المشاع، فراجع في أمثال المورد و نظائرها كي لا يختلط عليك.
أنّه يشترط إسلام مشتري العبد المسلم في صحّة شرائه على المشهور، و استدلّ له بقوله في عبد كافر أسلم: «اذهبوا فبيّعوه من المسلمين و ادفعوا إليه ثمنه» (1)، إذ أمره ببيعه بدون رضاه يكشف عن قصور سلطنته على إمساكه، فيدلّ بالفحوى على عدم قدرته على تملكه من الأوّل. و يؤيّده أيضا عموم نفي السّبيل (2)المنصرف إلى أنحاء سلطنة من قبله و انقلابه، و من جملتها تملكه اختيارا بسببه.
و بمثل البيان يرفع محذور الفرق بين بقاء الملكية و إحداثه، إذ ذلك إنّما يتمّ لو أريد من نفي السّبيل نفي ملكيته، و إلّا فلو انصرف إلى نفي السّلطنة على إبقائها أو إحداثها فلا يقتضي ذلك نفي بقاء الملكية بلا بيع المسلمين، و مع ذلك يقتضي نفي السّلطنة على إحداثها كما هو ظاهر.
ثم إنّ المراد من الكافر كل كافر أصلي، أم من كان بحكمهم ممن أقرّ بالشّهادتين، سواء كان محترم المال أو غيره و لعلّ أمره بالبيع و دفع الثّمن إليه بملاحظة كون المورد من باب الاتفاق محترما لعقد زمام أو ذمّة، و إلّا فلا وجه لدفع الثمن إليه.
و حينئذ فربّما يكفي في عدم إقراره نفس تملكهم عن الحربي بمناط فيئيّة ماله، بلا احتياج إلى خصوص بيعه عليه قهرا، كما أنّه يمكن التعدي في المحترم
أيضا عن خصوص بيعه إلى مطلق نقله بعوض من صلح أو غيره، إذ الغرض من بيعه عدم إقراره في حيطة سلطانه كما هو مفاد آية نفي السّبيل (1).
و ربّما يتعدّى من عدم صحّة بيعه للكافر إلى كل معاملة يوجب سبيلا للكافر عليه، كما لا يخفى.
و على أيّ حال لا يكاد يشتمل عنوان الكافر في كلماتهم للمرتدّ فطريا أو مليّا، للجزم بعدم بقاء ملكيتهما بمحض الارتداد، فلا يشمله عموم: «بيّعوه من المسلمين»، كما أنّ مثل هذا العام لا يشمل المخالف المحكوم بحكم الإسلام.
ثم إنّ ما ذكرنا من تقريب نفي السّلطنة على التملّك عدم شمول الدليل للتملّك بعنوان الإرث، غاية الأمر لا سلطنة له على إبقائه بقرينة الأمر ببيعه من المسلمين قهرا عليه.
و حينئذ فلو كان المورّث أحد عموديه المستتبع، لا يبقى معه مجال للأمر بالبيع أيضا، فلا قصور لتملّك الكافر مثل هذه الملكيّة المسلوب السّلطنة المستتبعة للانعتاق جزما، و أمّا شراؤه لمن ينعتق عليه فقضيّة نفي السلطنة على حدوث التمليك له فساد بيعه و لو كان مثل هذا البيع مستتبعا للانعتاق. اللّٰهم [إلّا] أن يقال: إن عدم سلطنة الكافر على المسلم من الإرفاقيّات على المسلمين، و لا يشمل مثل المقام الذي فيه كمال الإرفاق على العبد لترتب انعتاقه عليه.
و لئن قيل بأن طبع البيع لا يقتضي المبادلة من الطرفين فأمر المقام أوضح، إذ بنفس البيع يترتّب الانعتاق، فلا يكون للكافر توهّم سبيل أصلا.
و ربّما يومئ إليه ما في بعض النصوص من أنّ ملكهنّ عتقهنّ، و حمل ما دلّ على ترتّب العتق على الملك على الاقتضائي منه لا الفعلي فتدبّر.
1) النساء: 141.
و من التأمل فيما ذكر من شبهة الإرفاقية ظهر عدم شمول نفي السّبيل لشراء من أقرّ بحريّته، بناء على صحّة مثل هذا الشراء واقعا، المستتبع لكون الصحّة الظاهريّة موضوعا لتملك البائع عوض مبيعه. فلا يبقى حينئذ شبهة العلم التفصيلي ببطلان هذا الشّراء على تقديري مطابقة هذا الإقرار و مخالفته، إنما في فرض المخالفة أمكن منع بطلان هذا الشراء المستتبع للإنفاق ظاهرا، لعدم كونه أيضا خلاف إرفاق في حقّه.
و بهذا البيان أيضا ترفع الشّبهة في صدق السّبيل في فرض قول الكافر: أعتق عبدك عنّي، فإنّ الملكية الضمنيّة سبيل، فليس له السّلطنة في إحداثه، و لو بتوكيل الغير، و دفع الشبهة بأنّه على فرض صدقه ليس ثبوته خلاف إرفاق في حق المسلم.
و نظير ذلك أيضا لو شرط في متن عقده انعتاقه بنحو شرط النتيجة، إذ لا يقتضي مثل هذه الملكية المستتبعة للانعتاق خلاف إرفاق على المسلم.
ثم انه إذا بيع فلا شبهة في عدم ثبوت الخيار للكافر، للشكّ في اندراج المورد تحت الإرفاقية خصوصا مثل الخيارات الضرريّة، إذ عدم الإرفاق مستند إلى سوء اختياره.
و أمّا ثبوته للمسلم فقد يتوهّم أنّه مستتبع لإحداث الملك المزبور للكافر.
و فيه أن ذلك إنّما يتمّ في مثل الرجوع في باب المعاطاة بعنوان قلب المبادلة و أمّا في باب الخيارات الراجعة إلى فسخ العقد و حلّه، فليس اعتباره إلّا رفع سبب الانتقال، فينتقل المال و يرجع إلى المالك الأوّل، بسببه الأول، فليس ذلك تسليطا للمالك على التملّك اختيارا لا سلطنة للغير على تمليكه كما لا يخفى.
و حينئذ فلا قصور في شمول عمومات الخيارات للمقام، كما لا يخفى، بل
و لا مجال للالتزام بالانتقال إلى القيمة جمعا بل غاية ما في الباب ترتّب خبره على بيعه من المسلمين، مثل صورة عدم بيعه قبله.
اللهم [إلّا] أن يدّعى أنّ الالتزام بثبوت الخيار للبائع- خصوصا مثل خيار المجلس و الحيوان بناء على ثبوته للبائع- أيضا مستتبع للتسلسل، فقوله: «بيعوه من المسلمين» منصرف عن مثله، فلازمه استفادة كون بيعه لازما على وجه لا يحتاج الى تطبيق هذا الخطاب ثانيا و ثالثا، و هذا ملازم لاقتضاء فحواه سقوط الخيارات في البيع المزبور من الطرفين.
هذا لو لا دعوى أنّ غاية اقتضاء الفحوى المستفاد من ارتكاز عدم التّسلسل المزبور عدم صلاحيّة المبيع للرجوع، لا عدم صلاحيّة البيع لتعلّق الخيار به، فعموم دليل الخيار حينئذ يقتضي الحكم بانتقال البدل، و اللّٰه العالم.
ثم إن المشهور جعلوا من شرائط صحّة البيع كون المبيع أو الثّمن متموّلا قابلا للتملك بالشراء، و أن يكون علاوة على المملوكية كونه طلقا. و العجب من حيث لم يتعرض مثل هذه الجهات مع أنّها من الأمور المهمّة.
فنقول: أمّا الأول فلا إشكال في اعتباره، لأنّ البيع عند العرف مبادلة مال بمال، فالماليّة المزبورة مأخوذة في حقيقة البيع عرفا، فمع فقدها لا يشمله عموم حلّية البيع و لا التجارة و لا العقود.
أمّا الأول ظاهر، فكذلك الأخيران، لانصرافها إلى المعهودة عرفا، و لا اعتبار عند العرف للتّجارة و العقد بغير العناوين المعهودة عندهم من البيع و الصلح و أمثالهما.
و هكذا الثّاني من جهة اقتضاء علقة البدليّة ذلك.
نعم لا تعتبر الملكية السابقة عن البيع بشهادة بيع الكليّات في الذّمم، و عموم: «لا بيع إلّا في ملك» أيضا بقرينة اقترانه بعدم الطّلاق إلا في ملك
منصرف إلى السّلطنة عليهما، فالمنوط به لهما هو السّلطنة لا الملكية، كما هو ظاهر.
و ربّما يترتّب على هذا الشرط عدم صحة بيع المباحات الأصليّة قبل حيازتها، لعدم صلاحيّتها التملّك بمحض الشراء المزبور بلا حيازة.
و أما الأخير فالظاهر أن المراد من الطلقية نقص إضافته الملكية على وجه لا يكون مستتبعا للسّلطنة على قلبه و انقلابه، فلا يشمل القصور من سائر الجهات كالصغر و الجنون و أمثالهما. كما أنّه ليس ذلك بملاحظة تعلّق حق به، إذ ذلك لا يمنع عن بيعه كما في العبد الجاني.
و أمّا في الرهن فليس من جهة تعلّق الحقّ بالعين، بل إنّما هو إمّا لمحض التعبّد، أو من جهة تعلّق حق الراهن بالعين بما هو ملك الراهن. و مثل ذلك يستحيل أن يوجب نقصا في ملكه، لكونه في طوله. كما أنّ عدم صحّة بيع الوقف أيضا ليس لتعلق حق الطّبقة اللاحقة به، بل إنّما لتقطيع الملكيّة على القول بها، و هو غير تعلّق الحق به، و هكذا في أمّ الولد.
و حينئذ ليس الوجه في الجميع إلّا عدم السّلطنة، لنقص في الملكية من جهة ذاتها كي يشمله: «لا بيع إلّا في ملك» (1)، أي سلطنة بقرينة اقترانه بالطلاق كما أشرنا.
و حينئذ لا اختصاص في هذا المناط بالمصاديق الأربعة، بل لها موارد اخرى ذكره شيخنا العلّامة حكاية عن فخر الأساطين الشيخ أسد اللّٰه التستري، فراجع.
و حيث اتّضح ذلك فنقول: إنّه يترتب على مثل هذا الشرط عدم جواز بيع
1) انظر وسائل الشيعة 12: 252 باب 2 من أبواب عقد البيع، عوالي اللئالي 2: 247 حديث 16.
الأراضي المفتوحة عنوة، لأنّ ملكيّتها للمسلمين ليست تامّة، بل إنّما ملكيتها لهم بمقدار تصرف منافعها في صلاحهم، مع كون أعيانها موقوفة متروكة، كما هو مفاد بعض نصوصها (1).
و ما في بعض آخر من قوله: «اشتر حقّها» محمول بقرينة السّابقة على شراء حق اختصاصه و إطلاق الشراء عليه بمناسبته لشراء آثارها، و ظاهر الموقوفيّة عدم ورود مطلق الأسباب النّاقلة للعين عليها بلا اختصاص في ذلك بالبيع.
نعم قد يبقى الكلام في وجه صحّة تصرفه فيها على وجه يحدث به حق الاختصاص القابل للشراء المزبور، فنقول: إنّه يكفي لإثبات جواز التصرّف للشّيعة عموم قوله: «الأرض كلّها لنا، و ما لنا فهو لشيعتنا» (2)، و مثل هذا العموم يشمل المفتوحة عنوة أيضا، و يجمع بينه و بين ما دلّ على ملكية المسلمين باختلاف مراتب الملكية نظير اختلاف نظر العرف أيضا في مراتب ملكية السلطان و الرعية و عدم تضادّهما في عين واحدة.
و توهّم أنّ قوله: «ما كان لنا فهو لشيعتنا» كون الشيعة أيضا مالكين لهم بنحو ملكيتهم الغير المنافي مع ملكية الأرض للمسلمين، و هذا المقدار لا يقتضي إلّا استحقاقهم طسقها، لا منافع الأرض و خراجها الّذي هو ملك المسلمين و مصروف في مصالحهم، و لا السّلطنة على تصرفهم فيها، لأنّ ذلك من شئون ولايتهم المختصة بهم لا ملكيّتهم إيّاها، إذ مصحّح اعتبار هذا المقدار من الملكية ليس إلّا إباحة طسقها ممّن بيدها لا غير.
مدفوع بأنّ مقتضى تقابل الشّيعة مع الغير المحرّم عليهم كسبهم و غيره استفادة حليّة كسبهم، لا مجرد ما ذكر من استحقاق الطسق المزبور، بل و ربّما
يستفاد من هذه العمومات مجرد الحلّية في التصرف و الطسق، و أمّا حليّة خراجها الرّاجعة إلى المسلمين فلا يستفاد منها، فيبقى ما دلّ من النص من وجوب إيصالها إلى من له السّلطنة على تصدي أمورهم بحفظ ثغورهم. و لا يبعد الإجزاء في ذلك بالإيصال إلى سلاطين الجور لثبوت تقريرهم في الزمان السابق فالاستصحاب أن ينفى الحكم الثابت للعنوان، نظير إبقائه أحكام الشرائع السّابقة.
و من هنا نقول بجواز تقبلنا منهم في زمان الغيبة أيضا، للجزم بتقريرهم في زمان حضورهم. و في شمول الحكم للسلاطين المقطوع يدهم عن الأراضي المزبورة إشكال، لأنّ المتيقن ثبوت التقرير للسلطان الفعلي، و الاستصحاب أيضا لا يقتضي إلّا ثبوت الحكم لهذا العنوان، كما لا يخفى.
و حينئذ المرجع في مثله الفقيه، لو لا دعوى عدم ثبوت ولايتهم العامة، و لا كونه من وظائف قضائهم الثابتة لهم بالمقبولة، و ليس إلّا تمامية مقدمات الحسبة بدعوى الجزم بعدم رضاء الشرع بكونها عطلة مع احتمال دخل إذن رئيس فيه، و كون المتيقن فيه خصوص الفقيه في مثل المقام أوّل الكلام، فيجب الاستئذان من الفقيه و السلطان، كما أنّه بعد التصرف كان المتيقّن صرفه في ثغور المسلمين بإذن الطرفين، و اللّٰه العالم.
و ممّا يترتب على الكبرى السابقة بيع الوقف بلا اشكال فيه في الجملة فتوى و نصا، و يشير إليه وقف الأمير عليه السلام من قوله: «صدقة لاتباع و لا توهب» (1)، من دون فرق في ذلك بين كون الوقف بحقيقته من سنخ التمليك أو الإيقاف، إذ على الأخير واضح، و هكذا على الأوّل، فإن القائل
1) وسائل الشيعة 13: 303 حديث 2 باب 6 من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات.
بالملك يلتزم بأن الطبقة اللاحقة تتلقّى الملك من الواقف لا من الموقوف عليهم، و لا على كون الملكية الثابتة طبقة بنحو التقطيع المستتبع قصور سلطنة كل طبقة عن التصرف في العين على وجه الحرمان للبقيّة فيشمله حينئذ: «لا بيع إلّا في ملك» بالمعنى المتقدّم كما لا يخفى.
و على أيّ حال ليست هذه الحقيقة بكلا المشربين مضادّة مع جواز بيعه أحيانا. أمّا الآخر فواضح، إذ ربّما يكون لطبقة السلطنة على نقل الملكيّة عن جميع الطبقات بمناط الولاية، و هكذا على الأول بجعل الإيقاف المأخوذ فيه ايقافا اقتضائيا تكون فعليته منوطا بعدم وجود المقتضي للجواز بشهادة الجزم من مجموع الكلمات أو النصوص بإمكان جواز بيع الوقف أحيانا على وجه تكون فعلية البيع مبطل الوقفية، لا صرف جواز بيعه، كما لا يخفى على من راجع.
و حيث اتّضح ذلك فنقول: إنّ قضيّة اقتضاء طبع الوقف بناء على جعله إيقافا لو لا المانع، عدم صلاحية دليل شرط بيعه للمجوّزية، لعدم مزاحمة دليل الشرط لاقتضاء المنع، لأنّه معلّق على عدم تأثير مقتضى الإيقاف في فعليّته، و إلّا فيكون الشّرط مخالفا للكتاب أو السّنة.
كما أنّه- بناء على الملكية أيضا- ليس للمالك الواقف تسليط أحد في إبطال وقفه بشرطه في متن عقده، إذ هو فرع قابلية المحلّ له، و إلّا فأصالة عدم القابلية بل عموم سلطنة كلّ طبقة على ملكه عدم قدرة الغير على إبطاله، و مع ذلك كيف يقتضي عموم الوفاء بالشرط الغير المحرز لقابلية المحلّ صحة مثل هذا الشرط، كما أن من مثل هذا العموم على هذا يحكم بفساد البيع عند الشك في طرق المقتضيات بالشبهة الحكمية، و بأصالة الفساد يحكم به عند كون الشبهة مصداقيّة.
كما أنّه على مشي الإيقاف أيضا يحكم بفساد البيع مع الشكّ المزبور حكميّة أو موضوعية، للأصل خصوصا مع بناء العقلاء على عدم الاعتناء بوجود
المزاحم، مع الجزم بالاقتضاء في المورد في الوضعيات و التكليفيات، و بهذه الجهة يمكن تأسيس الأصل في عدم جواز بيع الوقف عند الشك.
نعم لو انتهى الأمر إلى الخراب على وجه لا ينتفع حقيقة أو حكما، أمكن دعوى تحقّق مقدّمات الحسبة في بيعه، للجزم بعدم رضاء الشرع بحرمان الموقوف عليهم من جهة خراب الوقف و تضييعه.
كما أنّه لو وقع الخلف بين أرباب الوقف، على وجه ينتهي إلى تلف الأعراض و النّفوس، بنحو يكون بيعه دافعا له، أمكن دعوى الجزم برضا الشرع أيضا ببيعه دفعا لهذا المحذور.
و أمّا في غير هذه الصّور لا مقتضى لجوازه عقلا، فليتبع في ذلك ما ورد عن أهل العصمة.
فنقول: إنّ ما ورد في الباب نصوص متعدّدة في موارد متفرّقة.
منها: ما في ذيل رواية ابن محبوب قلت: فللورثة من قرابة الميّت أن يبيعوا الأرض إن احتاجوا أو لم يكفهم ما يخرج من الغلّة؟ قال: «نعم إذا رضوا كلّهم و كان البيع خيرا لهم باعوا» (1).
و في آخر في طيّ قوله: فاجتمع أهل الوقف على بيعه و كان ذلك أصلح لهم أن يبيعوا- الى قوله- فليبيع كلّ قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين و متفرقين إن شاء اللّٰه» (2).
كما لا يخفى أن ظاهر الرواية الاولى من فرض الاحتياج مقتضى لصرف الخبر في ذيله على هذه الصورة، فلا يشمل حينئذ مطلق الأعودية و الأنفعيّة، كما
أنّ صدرها أيضا ظاهر في كونه وقفا على القرابة في زمانه بخصوصه، فيكون من الوقف المنقطع. و مقتضى قاعدة عدم عود المال إلى المالك لعدم اعتبارهم التقطيع في الخروج، أنّه ينتقل إلى ورثة الموقوف عليهم.
و حينئذ كان أمر الإمام بجواز بيعهم مع الاحتياج بمقتضى القاعدة و لو بملاحظة حفظ عرض الواقف و انتفاع وراثهم بهذا المال، إلّا مع احتياجهم الذي هو بمنزلة شرط ضمنيّ لعدم البيع مع عدم الحاجة في وراثهم.
و حينئذ لا يكاد يستفاد من الرواية جواز البيع بمطلق الأعوديّة في الوقف بمثل هذا النّص، إذ مع احتمال تنزيل النصّ على المعنى المزبور يسقط عن صلاحيّة الدليليّة، بل ربّما يصلح دليلا لصحّة الوقف المنقطع و انتقاله بعد انقراض الموقوف عليهم إلى ورثة الموقوف عليهم لا الواقف.
و حينئذ فعلى فرض قيام دليل على عدم صحّة هذا المعنى، لا يصلح شاهدا على حمل النّص على جواز بيع الوقف بمحض الأعوديّة، لأنّ القرائن المنفصلة لا توجب قلب الظهور و لا معينا لمعنى آخر، بل غاية الأمر وجوب طرحه بمناط أقوى الحجتين، لا حمله على بيان معنى آخر لا يساعده، ظهوره أصلا، كما هو ظاهر.
و أمّا الرواية الثّانية فظاهره مفروغيّة جواز بيع الوقف مع الأصلحيّة، و إنّما سؤاله عن كيفية إقدامهم عليه مجتمعين أو متفرقين. و في مثله لا مجال للأخذ.
بإطلاق الأصلحيّة، بل هي قضيّة مهملة، فمن الممكن حمله على الأصلحية بمثابة يحكم جزما بجواز بيعه لخراب أو اختلاف كما أشرنا.
و منها: ما ورد في كيفية وقف الأمير من قوله: «فإن أراد- يعني الحسن- أن يبيع نصيبا من المال فيقضي به الدين فليفعل» (1)إلى آخره.
1) وسائل الشيعة 13: 312 حديث 4 باب 10 من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات.
و لا يخفى أن ظاهر قوله: «و يجعل في رجل» و يشترط عليه كون الشرط المزبور حين جعله عليه لا جعلا جديدا، غير مرتبط بإنشاء الوقف منه أوّلا، و هذا المعنى لا يناسب الوقفية، بل لا بدّ من حمل النّص بهذه القرينة على وصيّته إلى الحسن أو غيره بإتمام وقفه.
و يؤيّده اشتمال صدره للفظ الوصيّة، و إن كان ينافيه قوله: «صدقة واجبة بتلة حيّا أنا و ميّتا» لو لا حمله على إظهار تعلّق غرضه بصيرورة المال هكذا، لا أنّه إن شاء له فعلا. و أن قوله: «حيّا أنا أو ميتا» إنّما ينافي الوصية بالمعنى المصطلح لا بمعنى مطلق العهد، و تفويض الأمر إلى الغير في إتمام غرضه.
و حينئذ لا تصلح مثل هذه الرواية لإثبات مجوّزيّة شرط بيع الوقف في متن عقده لبيعه.
و منها: مكاتبة ابن مهزيار في أحد المكاتبتين جعل في الوقف الخمس للإمام، فأمر الإمام أيضا ببيع حصته من الضّيعة (1).
و في آخر سئل عن فرض وقوع الاختلاف بين أرباب الوقف، فأجاب عليه السلام: بأنّ بيع الوقف مع وقوع الاختلاف أمثل، معللا بأنّه ربّما جاء في الاختلاف تلف الأموال و النفوس (2).
و لا يخفى أن الخمس في المكاتبة الأولى يمكن أن يكون من الخمس المعهود فعيّنه في ماله، و من الممكن كونه محضا للإمام لا بعنوان الوقف. و أنّ قوله في الوقف لمحض التوسع في بيان المقصود مسامحة، فلا مقتضى لطرح الرواية سندا.
و أمّا المكاتبة الثانية فظاهرها جعل مجرد الاختلاف مجوزا بمحض احتمال تلف الأموال و النفوس، و ذلك المقدار لا تساعده الكلمات و لا ما ذكرنا من الاعتبار، فلا محيص إلّا من الحمل على صورة موجبيّته للخوف المزبور. و في
التعدّي منه إلى صور طروء الخوف المزبور و لو من قبل غير الاختلاف وجه، لظهور العلّة، كما أنّ في التعدّي إلى سائر الأموال أيضا وجه.
و حينئذ يلحق بما ذكرنا من الصور المجوّزة هذه الصورة بمقتضى النص المزبور، المعمول به بهذا المقدار لدى جمع من الأعاظم.
ثم إن مقتضى طبع المبادلة صيرورة بدل الوقف عند بيعه بمجوّزه وقفا، و من المعلوم أنّ في الوقفيّة مرتبة حبس مانع عن إتلافه و حبس مانع عن تبديله، و من المعلوم أنّ البدل إن كان وافيا بالغرض الراجع إلى الانتفاع، فيكسب البدل حينئذ جميع مراتب التّحبيس، فلا يجوز حينئذ بيعه إلّا بمجوز جديد.
و إن لم يكن البدل وافيا بالغرض المزبور كالنقدين فلا يكتسب إلّا مرتبة تحبيسه الا تلافي، فيجوز تبديله، بل يجب حفظا للغرض المزبور إلى أن ينتهي إلى عين ينتفع به، فيكسب باستعداد وجوده جميع مراتب التّحبيس، فيصير بنفس استبداله حينئذ وقفا لا يجوز بيعه.
فلنا حينئذ أن نقول: إنّ وقفيّة الإبدال ليس إلّا من تبعات قاعدة البدليّة، لا من تبعات تعلّق إنشاء الواقف تحبيس ماليّة العين السارية في ضمن الأبدال، كيف و هذا المعنى خارج عن طوق الواقف، لأنّه حين وقفه لا سلطنة له إلّا على العين بما له ماليّة في ضمن شخصه بلا قدرته على المالية لما يضر بعد ذلك بدلالة، و ذلك ظاهر واضح فتدبّر.
قيل: و من جملة ما يترتب على الكبرى السّابقة عدم جواز بيع أمّ الولد، و فيه- لو لا التعبّد بالنّصوص- إشكال، لعدم قصور في سلطنة المالك، و عدم نقض في ملكه، بل و عدم تعلّق حق الولد لإمكان كون حكمة المنع حفظ شرفه، كما يومئ إليه استنكاره العرفي المستفاد من النص الآتي.
و حينئذ الأولى جعل الوجه في مجرّد التعبّد على خلاف القواعد، بلا إشكال
فيه في الجملة أيضا نصا و فتوى.
و يكفي من النص قوله: «خذ بيدها و قل: من يشتري أم ولدي»، و ظاهره يقتضي كون بيعها في صدر الإسلام من المنكرات، بل الظاهر منه حرمة مطلق نقلها، و لقد جعل في الرّياض ذلك من المسلمات (1)، و ظاهره اختصاص المنع بحال وجود الولد، فلا يشمل بعد موته، كما أنّ موته أيضا لا يكشف عن صحّته سابقا، و في قابليّته للإجازة وجه، لو لا قيام إجماع في البين، و هو أيضا ممنوع.
و في قيام ولد الولد مقام الولد بعد موته تأمل، لو لا استصحاب منعه، إلّا أن يقال بحكومة العمومات عليه، و ذلك أيضا لو لا احتمال عدم قابليّة المحل له، و لو لاحتمال تعلّق حق الولد أو لمحض الاستنكار العرفي. و ذلك أيضا لو لا أصالة جواز بيعه بنحو التعليق بعدم الولد من أوّل الأمر فتدبّر.
و في شمول دليل المنع لحال الحمل وجه ظاهر، لقوله: «ما لم يحدث عنده حمل» في نص ابن مارد (2).
و في شمول الحمل للمضغة بل العلقة أيضا وجه في الشمول للنطفة المستقرة في الرحم إشكال، خصوصا مع خروجها عنه بجهة خارجيّة، للأصل و العمومات بعد الشك في صدق الحمل عليه.
و على أيّ حال المدار في المنع على كون الولد ملحقا بالواطئ شرعا، و ادّعي عليه الشّهرة، بل يظهر من بعض الأعاظم كونه من المسلمات، و لعلّه من جهة كون حكمة المنع إرث الولد من حيث أنّه الموجب لانعتاقها عليه، فلها نحو
تشبّث بالحريّة. و هذه الجهة ممنوعة في ولد الزنا، و لكن من المحتمى كون حكمة المنع بملاحظة شرف الإنسان الجاري في ولد الزنا أيضا، فلا قصور حينئذ في شمول العمومات للمورد، لو لا قيام إجماع في البين.
و هذان الوجهان جاريان في الممنوع عن الإرث من جهات اخرى غير الزّنا كما لا يخفى.
و أيضا لا قصور في شمول الإطلاق للحمل بالمساحقة أيضا، و أمّا انصرافها إلى كون الوطء حال الملك مبني على انصراف الإطلاقات، و لا أقلّ من صلاحية نص ابن مارد لتخصيصها، فتأمّل.
ثم إنّ قضية العمومات بعد ما كان مانعيّة العنوان المزبور لمنع بيعه تعبدا، يبقى الكلام في أنّ لمثلها إطلاق يشمل صورة اقتضاء بقائها على حالها تفويت حق الغير، أم ليس لها مثل هذا الإطلاق، يمكن منع الإطلاق فيها بهذه المثابة لظهورها فيما يصلح لامساكها لولاه.
و حينئذ فإطلاق سلطنة صاحب الحقوق على حالها.
و حينئذ فمهما تعلّق بأمّ الولد حق الديّان- كما في فرض التفليس، أو بعد موت المولى و استيعاب الدين و لو لم يكن دين ذلك رقبتها، فضلا عن أن يكون ذلك- لا يكاد تشمله عمومات المنع لمثله.
نعم في رواية عمر بن يزيد التفصيل بين جواز بيعها في دين رقبتها، و عدم جوازه في غيره من دين آخر (1). و ظاهر إطلاقه يشمل صورة استيعاب دينه على وجه يتعلق حقهم بالعين، لو لا احتمال كون المراد من قوله: «فيما سوى ذلك من دين» الإشارة إلى الصورة الخاصّة المفروضة قبله، و فيه يمنع تعلّق الحق بالعين، كما لا يخفى على المراجع.
1) وسائل الشيعة: 16: 104 حديث 1 باب 2 من أبواب الاستيلاد.
نعم في فرض ثمن الرقبة يشمل إطلاق جوازه صورة عدم تعلّق الحقّ بالعين أيضا، اللّٰهم [إلّا] أن يخصّصه بقرينة نص آخر من قوله: «و لم يدع مالا آخر سواها»، بقرينة كونه في مقام التحديد الموجب للمفهوم ببعد الموت مع الانحصار، كما يومئ إليه قوله: «يدع»، و لازمة تعلق الحقّ بعينها، و في مثله كان الجواز المزبور على القاعدة.
هذا لكن الإنصاف منع ظهوره في الاختصاص ببعد الموت، بل إطلاقه شامل لحال عدم تعلق الحقّ بالعين، لو لا دعوى معارضة مثل ذلك للعمومات تعارض العموم من وجه. و لكنّه على فرض تسليمه كان المرجع الاستصحاب التعليقي الثابت قبل صيرورتها أمّ ولد، فيجوز بيعها كما لا يخفى، فتأمّل.
ثم إن الظاهر من قوله: «و لم يدع مالا سواها» انصرافه إلى مال يصلح لأن يؤدّي به الدين، فلا يشمل ما يجب صرفه في كفنه. و في شموله لبقيّة المستثنيات وجه، لعدم قصورها في الصّلاحيّة و أن يجب أداء الدين بها.
ثم إنّه ربّما يلحق بصورة تعلق حق الغير بها المانع عن شمول دليل المنع له، صورة وجوب بيعها في مئونة تجهيزه لو لا المنع، إذ نظر دليل المنع إلى ما يصلح لإمساكها، كما أشرنا.
و نظير ذلك أيضا ما لو تعلّق حق الجناية للغير بها عمدا، و في شمول دليل المنع للجناية خطأ إشكال، لإمكان إمساكها بالفدية، فدليل المنع يعيّن الفدية. و لعله على ذلك يحمل ما في النص من أن جنايتها على سيّدها، و في آخر المولى ضامن لجنايتها، بمعنى تعيين الفداء عليه، فلو لا إجماع في البين أمكن تسرية المنع في جنايتها خطأ، و مجرد تعلّق حقّهم بها مع كون الخيار مع المولى لا يخرجها عن قابلية إمساكها، لو لا دعوى عدم القابليّة في ظرف وجود الحقّ، غاية الأمر للمولى إسقاطه، و هذا المقدار يكفي لمنع شمول عمومات المنع.
و لو جنت على مولاها فإن كان عمديّا يتعلّق بها حقّ القصاص المانع عن الإمساك، فلا يشمله عموم المنع أيضا و إن كان للمولى إمساكه بإسقاط حقه، و لكن قد عرفت أن ذلك المقدار غير مثمر لشمول دليل المنع.
و إن كان خطئيا، فلا قصور لشمول دليل المنع مثله، لعدم تعلّق حق للمولى عليها. و يومئ إليه ما في نصّ وهب: «إذا قتلت سيدها فهي حرّة» (1)، و في ذيله: «و إن قتلته عمدا قتلت به».
و في نصّ حمّاد: «إذا قتلت سعت في قيمتها» (2)، و لكنّه معرض عنه، و قد يؤول بصورة قصور نصيب الولد منها، فينعتق في نصيب غيره بالسّراية، و يسعى لهم حفظا لحقوقهم، و هو حسن مع الوثوق بسنده.
و لو جنى غيره عليها، فظاهرهم إعمال قواعد غير أمّ الولد من تخيير المولى بين أخذ الدّية الموجبة لاسترقاقهم إياها، و عدمه.
و قد يستشكل حينئذ في أخذ الدّية، لاستلزامه نقل أمّ الولد إلى غيره. و فيه أنّ ذلك كذلك لو كان ذلك بمناط المعاوضة، و إلّا فلو كان بمناط التّضمين، و تعلّق حق الغير بتملك العين جديدا، لا يوجب أخذ الدّية نقلا، و لا يكون تملّكهم بموجب حقهم عليه أيضا مشمول الأدلّة النّافية كما أشرنا.
ثم إن مقتضى الأدلّة المانعة كون منعه من لوازم واقعه بلا تأثير للعلم فيه، و حينئذ فلو التحقت بدار الحرب ثم أسرها المسلمون فمجرّد بقاء الجهل إلى حين القسمة أو بعده لا يجدي في رفع المنع، نعم مقتضى بعض النصوص حينئذ تغريم قيمتها للمقاتلين و عليه الأكثر أيضا، فإن تم هذا المقدار للجبر فيؤاخذ به على
خلاف القواعد، و إلّا فيطرح.
و توهم أنّ مقتضى الجمع بين دليل المنع و ملكية الغنيمة للمقاتلين هو الذي أشرنا إليه، مدفوع بأنه إن شمل دليل ملكية الغنيمة للمورد فيخصّص به عموم المنع، فلا وجه للقيمة، و إلّا فلا مقتضى لاستحقاق القيمة.
اللّٰهمّ [إلا] أن يقال: إن إطلاق دليل ملكيّة الغنيمة يقتضي ملكيّة العين و المالية، و عموم المنع ينفي الأوّل و يبقي الثاني. و لكن لازم هذا البيان إثبات جميع النّواقل و إجراء أدلّتها، و يجمع بينها و بين دليل المنع بما ذكر.
و عمدة النكتة في عدم جريان مثل هذه المقالة في سائر المقامات ليس إلّا أنّ إطلاق الأدلّة لا يقتضي إلّا ملكية المالية تبعا لملكية شخص العين، فيستحيل بقاؤها بذهاب الثاني. و هذا الكلام فيه موجود في المقام، فالعمدة في وجه التغريم ليس إلّا النّص و فتوى الأكثر، و هو حسبي و نعم الوكيل.
ثم إن مقتضى الأدلة المانعة خروج المورد عن سلطنته، لا خروج المحلّ عن قابلية التملّك. نعم لو قيل بأن حكمه المنع قيام حق الولد بها أمكن استفادة ذلك، و لكن أنّى لنا بإثباته.
و حينئذ فلو أسلمت على مولاها، الّذي أمكن دعوى أهميّة حفظ سراية الإسلام على شرف مولاها، أو حكمة بقائها المنتهي إلى الحرية فيباع.
و من هنا أيضا ظهر وجه جواز بيعها مقدّمة لإرثها من قرينها، إذ من المعلوم أنّ حكمة المنع انتهاء أمرها إلى الحرية الموجبة لحفظ شرف المولى أيضا، و هو نحو منّة عليها، و هذه المنّة تقتضي التعجيل إلى العتق ببيعها المنتهي إليه مقدمة لإرثها.
و بهذا الوجه نقول أيضا بأن حقّ رهانة الغير قبل استيلادها أيضا مجوّز
لبيعها، لأنّ منعه الامتناني لا يشمل موردا يوجب خلاف امتنان في حقّ الغير، بل و يمكن دعوى انصراف دليل المنع عن مثل المورد، لخروج المحلّ عن قابلية البقاء. و لقد عرفت أنّ دليل المنع ناظر إلى صورة يصلح لإمساكها لولاها، كما لا يخفى.
نعم تعلق حق الخيار بعقدها لا يمنع عن إمساكها، غاية الأمر ينتهي أمر الفسخ إلى التضمين، فلا قصور حينئذ لشمول دليل المنع لها.
و لو تعلّق بها شرط النقل، أو ندرة و لو بنحو السبب، فلا شبهة في عدم صلاحيتها للإمساك أيضا و إن لم يتعلّق بها حق الغير، و هذا المقدار يكفي لمنع شمول الأدلة المانعة لها لما أشرنا إليه سابقا.
و لو كان العلوق لمكاتب مشروط فإن قلنا بأن المكاتب بنفس عقد الكتابة يصير مالكا لما في يده، فتصير هذه أمّ ولده، فلا يجوز بيعها و إن انفسخ عقد الكتابة بتخلف الشرط، إذ نتيجة الفسخ انتهاء أمره إلى عود المال إلى المالك في ظرف قابليته، و إلّا فينتهي إلى تضمين قيمته على رقيّة العبد، بإجراء حكم التلف عليه بوجه الضمان.
نعم لو كان الفسخ كاشفا عن عدم الكتابة من الأوّل، أو قلنا بعدم اقتضاء عقد الكتابة ملكيّة ما في يده له، لا تصير بذلك أمّ ولده، فلا بأس ببيعها، لأنها ملك طلق لمولاها.
و من البيانات السابقة أيضا ظهر أن كون المنع عن بيعها بعد ما كان امتنانيا لا يشمل صورة التزام بقائها خلاف امتنان في حقها مثل ما لو أدّى بقاؤها لضيق المعاش إلى حرج أو ضرر شديد فلا بأس بجواز بيعها حينئذ الكاشف عن عدم تعلّق حق أحد به، لا أنّهما موجبان لجواز تفويت حق الغير، كي يستلزم خلاف امتنان آخر في حق الغير، كما هو ظاهر.
و ممّا يترتّب على الكبرى السابقة عدم جواز بيع العين المرهونة بلا إشكال فيه أيضا في الجملة فتوى و نصا، لعموم قوله: «الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرف» (1)، و حيث أنّ المرتكز في الذّهن من وجه المنع هو مراعاة حق الغير القائم بملك الراهن بما هو راهن، ربّما يمتاز عن مثل حقّ الجناية المتعلق برقية العين أين ما دارت، و بذلك يفترقان في جواز بيع متعلّق الثاني دون الأوّل.
كما أنّ في موضوع حق الرّهانة ما اعتبر أزيد من العين المملوكة، و من المعلوم أنّ قاعدة البدليّة تصلح لنقل كون المبدل إلى البدل، فيكون عوض العين المرهونة في فرض جواز بيعها بنفس المعاوضة رهنا. و هذا بخلاف حقّ الجناية، بل و حق الشّفعة، فإنّ لعنوان الجاني و المبيعة دخل في موضوع الحقّ، فلا يصلح اعتبار البدلية لنقل هذه العناوين إلى البدل، كي ببيعه ينتقل الحقّ من مبدله إليه.
و حيث عرفت أن وجه المنع مراعاة حق المرتهن، لا بأس بجريان الفضولي فيه، فبإجازة المرتهن عن العين فينتقل إلى الغير طلقا، و في الاحتياج إلى الإجازة في المقام كباب الفضولي عن المالك وجه إذ المصحّح للبيع ليس إلّا إسقاط الحقّ المحتاج إلى مبرز إنشائي و لو بلازمه، و ذلك منحصر بالإجازة، و إلا فصرف الرضى الباطني لا يصلح لإسقاط حقّه.
و حينئذ ربّما يفرق المقام عن بيع المكره الكافي فيه مجرد رضاه باطنا، كما أن الصحّة في المقام بعد ما كانت منوطة بسقوط الحقّ، ففي ظرف السقوط الذي هو ظرف الإجازة يصح بيعه، فلا تكون الإجازة في المقام إلا ناقلا لا كاشفا، و بذلك يمتاز المقام أيضا عن باب المكره و الفضولي عن المالك، كما لا يخفى.
1) مستدرك وسائل الشيعة: 2: 496 حديث 6 باب 17 من أبواب الرهن.
و من جملة ما قيل بترتّبه على الكبرى السابقة فساد بيع العبد الجاني عمدا أو خطأ، و ذلك مبني على كون حقّ الجناية مثل الرّهانة، و إلا فلو قيل بتعلّقه بنفس العين فلا قصور في شمول عمومات النّقل و الانتقال لمثله.
و لقد عرفت أنّ مقتضى الأصل عدم تعلّق الحقّ بأزيد من رقبة العين فلا مانع عن نقله حينئذ.
و لازمة سلطنة المجني عليه على استيفاء حقه من العين، غاية الأمر للمشتري الخيار مع جهله بالحال موضوعا أو حكما مع قصوره، و أمّا مع تقصيره فهو بمنزلة المقدم على الضرر فلا خيار.
و ربّما يظهر من كلمات شيخنا العلّامة تسلّمهم في المنع عن النّقل في الجناية خطأ، فهو إن تم فلا بدّ و أن يدّعى بأن حق الجناية في الخطأ كحق الرّهانة قائمة بملك مالك الجاني.
و لكن التأمّل في كلمات الصيمري يوجب منع الإجماع في المسألة. و لعلّ البطلان في كلماتهم أيضا منزّل على عدم استقرار الملك للمشتري، لا على عدم الانتقال إليه رأسا، كما لا يخفى على من راجع كلماتهم.
و كيف كان يشترط في المكيل و الموزون و المعدود معرفة المقدار بأحدها، من دون فرق بين كونه عوضا أو معوضا. و سيجيء من المصنّف اشتراط معلومية العوض أيضا بلا إشكال فيه نصا و فتوى، لعموم نفي الضّرر في البيع الظاهر في كون متعلّق بيعه خطريّا، كما يستفاد من مجموع كلمات اللّغويّين.
و معنى خطريته: كونه في معرض عدم الوصول إلى نفسه أو إلى الجهة المرغوبة منه.
و من المعلوم أنّ الجهة المجهولة الخطرية تارة راجعة إلى الخصوصيّة الذّاتيّة، كالجهل بحقيقته بأنّه حنطة أو شعير. و اخرى إلى الخصوصيّة الوضعيّة من
محمولاتها بالضّميمة، ككونه كاتبا أو أبيضا أم غيرهما. أو من خارجات المحمول التي لها واقعيّة بنفسها، ككونه تحت يده أو واجدا لهيئة مخصوصة أو عدمه. أو من الاعتباريات المحضة الّتي ليس لها في الخارج حظّ، و إنّما طرف منشأ اعتبارها كالماليّة و أمثالها.
و أمّا غير هذه الجهات المتعلّقة للأغراض النوعيّة في الماليّات، لكون العبد حين البيع قائما أو قاعدا و أمثالهما، فهي خارجة عن عنوان الغرر، لأنّ مدار صدقه على الخطر في الجهة المرغوبة في الماليّات نوعا.
و حينئذ لازم إطلاق نفي الغرر في المتعلّق عوضا أو معوّضا إضرار الجهل بالمالية أيضا، و الحال أنّ صحّة المعاملات العينيّة النّاشئة عن الجهل بماليّة الشيء سوقا كالنّار على المنار.
و يمكن أن يقال: إنّ الظاهر من النصّ كونه ما يتعلق به الخطر هو الّذي يكون مقصودا بالأصالة من البيع من الخصوصيّات المقوّمة لتشخّصها في الخارج نوعا، و من المعلوم أن الماليّة المحضة لا تكون من هذا القبيل، ربّما يكون تفاوت ماليّتها بلحاظها، و لذا لا تتعلّق بها المبادلة و إنّ دخلها في صحّة بيع العين بنحو التّعليل لا التقييد. و من ذلك صرفوا نظرهم في مبطليّة الغرر عن مثل هذه الجهات الاعتباريّة المحضة، في غير الأعيان المقصود فيها جهة المالية أصالة.
و لذا سيأتي إن شاء اللّٰه أنه لا يصلح بيع الدينار مع الجهل بنسبته إلى الدّرهم، بل و في استيلاء الشخص على العين ربّما يكون من الاعتباريات المحضة، كاستيلاء الإنسان على عقاره و أراضيه البعيدة، إذ ربما ينتزع ذلك عن قدرته على التّغليب و التقلّبات الاعتباريّة بلا قدرته على تقلباته خارجا، و من المعلوم أن مقصوديّتها بالأصالة صارت منشأ لجريان الغرر فيه أيضا.
هذا مع أنّ الاستيلاء المزبور في نظر العرف بمنزلة الاستيلاء بتوسّط اليد
الموجبة للقدرة على قلبها و انقلابها خارجا، و مثل هذا الاعتبار يوجب تنزيل ما لا يكون غررا بمنزلة الغرر، فإمضاؤهم لمثل هذا الاعتبار يوجب تنزيل ما لا يكون غررا بمنزلة الغرر، فامضائهم لمثل هذا الاعتبار أوجب تسرية المنع لمثله أيضا.
و حيث اتضح ما ذكرنا ظهر أن مانعية الغرر غير مختصّ بالجهل من حيث المقدار، بل يشمل سائر الجهات المشار إليها.
نعم في الجهل بالمقدار وردت نصوص خاصّة اخرى مثل قوله: «ما سمّى فيه كيل أو وزن لا يصلح بيعه مجازفة» (1).
و ما في النّص من عدم قبول إخبار البائع بكيل العدل الآخر الذي هو خلاف مذهب الأصحاب، لا يقتضي و هن الفقرة الأخرى.
و لئن أغمض عن هذا النّص بوهن ذيله يكفينا المستفيضة، و مساقها شاهد أنّ الاحتياج إلى الكيل و الوزن بل المعد للفرار عن الجزاف، كما يشهد عليه أيضا ذيل النّص السابق.
نعم ما لا يكون في العرف مقدرا، إمّا لعدم الاعتناء به لقلته أو ابتذاله أو زيادة ثقله كزبرة من الحديد، لا يكون شمول هذه النصوص، إذ لا يصدق عليها عنوان ما سمي فيه الكيل بل و عموم نفي الغرر أيضا، إذ هو منصرف إلى المواد القابلة وقوعها بغير غرر، مع أن خصوصيّة القدر في هذه الأمور الزائدة عما تقتضيه المشاهدة لا يكون تحت الأغراض النوعية، و معه لا يكون إلا كسائر الخصوصيات المحتملة الخارجية عن محط الأغراض النوعية، فلا يصدّق الخطر
1) وسائل الشيعة 12: 254 حديث 1- 3 باب 4 من أبواب عقد البيع و شرائطه، و فيهما: «ما كان من طعام سميت فيه كيلا فلا يصلح بيعه مجازفة».
و الغرر في موردها أصلا، فلا يحتاج في مثل هذه المقامات بالالتزام بتخصيص كبرى نفي الغرر بسيرة أو غيرها.
ثم إن النّهي المزبور مختص بالبيع كسائر الأخبار الخاصّة، و في التعدّي منها إلى الإجارة و أمثالها، بل و في الزّائد عما يقتضيه طبع المعاملة للغرر إشكال، و لذا لا يتعدّى إلى الصلح المعاوضي على المشهور.
نعم الذي يسهّل الخطب قيام الدليل على اعتبار العلم للعوضين في الإجارة، و يلحق به ما هو من سنخه، بل و يلحق بالبيع ما يكون أمره آئلا إليه مثل الرهن إجماعا.
ثم إنه لو قدّر ماله مقدّر مخصوص بغير مقدرة، فإن كان التقدير الآخر بنظر العرف كان طريقا إلى تقديره، فلا إشكال ظاهرا في جوازه، لخروجه بذلك عن الجزافية و الغررية. و إن لم يكن كذلك فقد يقال بكفاية الوزن في المكيل و المعدود دون العكس.
و عمدة نظره إلى كون الوزن هو الأصل في التقدير خصوصا في المكيل، لعدم انتهائه إلى وعاء منضبط، فلا بدّ و أن يكون مأخوذا من الوزن.
و لكن لا يخفى ما فيه، لإمكان انتهاء الكيل أيضا إلى وعاء منضبط كأخمص الرّاحة، بعد إلقاء التفاوت اليسير بينها، فلا وجه لجعل الوزن أصلا في غيره خصوصا في المعدود، مع أنّه على فرض كونه أصلا في غيره، فمن الممكن أن يكون الأصيل وزنا مهجورا لا يعلم حاله بالقياس إلى الوزن الفعلي.
و حينئذ كيف يرفع غرر المكيل بوزنه.
و لئن شئت قلت: إنّ الأغراض المتعلّقة بتعيين مقدار ماليّة الشيء إنّما تختلف باختلاف ماليّة المقدرة تارة بالعدد، و اخرى بالوزن، و ثالثا بالكيل.
و مع هذا الاختلاف لا يكاد مرجعيّة تقدير في مورد غيره.
نعم ربّما يكون الاحتياج إلى الوزن أزيد من غيره، حيث أنّ في الوزن جعلوا لجميع المراتب عنوانا مخصوصا إلى أن ينتهي إلى مالا تقدير فيه لصغره و قلّته، لخلاف المكيل فإنّه ليس لجميع مراتبه عنوان مخصوص يوجب رفع احتياجهم عن الوزن، فلذا يحتاج في المكيل إلى الوزن في بعض مراتبه، و بواسطة ذلك ربّما نعرف مقدار الكيل بهذا القياس. و بهذه صح بيع المكيل بالوزن إمّا بالأصالة، أو بجعل الوزن مرآة لتشخيص كيله.
و هذا بخلاف الموزون فإنّه لا يحتاج إلى الكيل في شيء من مراتبه، فلا يصلح جعل الكيل مقياسا لوزنه في واحد من المراتب، و ذلك هو النّكتة الفارقة بينهما. و ربّما يكون في وجه اكتفائهم بالوزن في المكيل دون العكس هو هذه الجهة كما لا يخفى.
ثمّ في التقدير بالوزن أو الكيل هل يعتبر فهم طرفي المبادلة مقدارهما في بلد المعاملة بالقياس إلى ما هو المعلوم من الكيل و الوزن عندهم مع اختلافهم في الوزن و الكيل بلدا، أم لا يعتبر ذلك، بل يكفي مجرد فهم نوع أهل البلد قدره و إن لم يعرف بموازنته مع وزنه وكيله عنده؟
وجهان مبنيان على أن الغرر المانع هو الغرر الشّخصي أو العرفي النّوعي، ظاهر اللّفظ بإطلاقه هو الشخصي، و لكن السّيرة في معاملات الغرباء الواردين من البلاد المختلفة بأوزانها المجهولة عندهم على الاكتفاء بعنوان وزن البلد بلا مقايسته في وزن بلده، كاشفة عن مانعيّة الغرر النّوعي، كما هو ظاهر.
ثم إن اعتبار الكيل و الوزن بعد ما كان على خروج الشيء بهما عن الجزافيّة و الخطرية، فيكون المدار التّام حينئذ في كل زمان بكيل زمانهم لا زمان الشارع.
و حينئذ لا مجال لقياس الباب بباب الربا، حيث التزموا فيه بالكيل في زمان الشّارع، و إلا فالمدار على العرف العام، و مع عدم إحرازهما أو وجودهما فالمدار على العرف الخاص بكلّ بلد.
و عمدة النّكتة الفارقة بين المقامين هو أنّ دخل عنوان المكيليّة و الموزونيّة في باب الربا كان بنحو الموضوعية، و في مثله أمكن دعوى انصراف هذه العناوين إلى ما هو الموجود في زمن الشارع، و لو لم يكن في زمانه فينصرف إلى ما هو كذلك عند العرف العام، و إن لم يكن عندهم أيضا كذلك فينصرف إلى ما هو المتعارف في كل بلد بمقتضى عرفهم المخصوص به.
و مع الشك في المراتب السّابقة أيضا يلحق المشكوك بالعدم بمقتضى الأصل، و هذا بخلاف دخلهما في صحة المعاملات فإنه كانا مأخوذين من باب الطريقية إلى العلم بمقدار يخرج المعاملة عن موضوع الجزاف. و من الواضح أنّ الوزن الصّالح لرفع الجزاف و حصول العلم في كل طائفة بكيل متعارف عندهم أو وزنه، و إلّا فالمتعارف عند الطّائفة الأخرى مع جهل هذه الطائفة بمقداره لا يخرج المعاملة عندهم عن الجزافية و ذلك ظاهر.
و لو اختلف المتبائعان في التقدير فالمدار على بلد المعاملة للانصراف، و إلّا فمع انصراف لفظهما إلى أيّ تقدير فهو المتبع، و مع الإجمال و احتمال التوافق في نظريهما يحكم بصحّة المعاملة بأصالة الصحّة، و مع إعلام كلّ منهما بما في ضميره مع اختلافهما، فمع العلم بالموازنة بين التقديرين فلا إشكال، و أمّا مع العلم بالمخالفة أو عدم العلم فلا يخلو عن إشكال، للزوم الغرر و لو بالنسبة إلى الطّرف الواحد كما لا يخفى.
و لو أخبر البائع بمقدار كيل الجنس أو وزنه، فمع عدم الوثوق باخباره لا يكاد تصحّ المعاملة، و إن كان عنده مبنيّا على وجوده بنحو الشرط الضمني في متن عقده، إذ بعد فرض بقاء الخطر بالمقدار على حاله لا يرتفع به الغرر فلا تصح المعاملة، فنفي غرريّة المعاملة بمثل هذا الشّرط المستتبع للآثار المزبورة دوري صرف، و أمّا مع الوثوق يرتفع الغرر و لو لم يكن في البين شرط ضمني و كان وثوقه بالوزن داعيا محضا على إقدامه.
و حينئذ فلا طريق إلى الخيار من قبل تخلّف الشرط، نعم لا بأس بثبوته من جهة الغبن لقصور في ماليّة العين و لو من جهة نقص كيله، و لعل تسليمهم في ثبوت الخيار مستندا إلى هذه الجهة، لا إلى حيث تخلّف الشرط كي يدّعى بأنه خلاف الوجدان لو لا دعوى أن ذلك بمنزلة توصيف البائع المرتكز في الأذهان بكونه من الشروط الضمنيّة فتأمّل.
ثم في صورة ثبوت الخيار لا شبهة في أنّه من باب خيار تخلّف الشرط أو الغبن، و لو كان البيع واردا على العين الشخصية لوصف كونه كذا، أو يدّعى كونه كذا.
و أمّا لو كان البيع متعلقا بمراتب الكمّ الثابت بإخباره، فلا محيص من كونه الخيار في المقام خيار تبعّض الصّفقة. و حيث أنّ هذا الاحتمال بعيد عن مساق إنشاء البيع في مورد الإخبار بالكيل، فلا يبقى مجال لخيار تبعّض الصّفقة كما لا يخفى.
ثم إن التقدير الرّافع للغرر غير مختصّ بالوزن و الكيل، بل ربّما يرتفع بالذراع، بل ربما ينحصر رفعه به كما في الثياب و الأراضي، إلّا إذا اتسعت بنحو لا يقدّر كزبرة الحديد، أو كان قوام ماليّته بخصوصيات اخرى غير مرتبط بمساحة، فإنّه أيضا ممّا لا يعتنى بها أيضا في مقام البيع كسائر صفاته، كما
لا يخفى.
هذا و على أيّ حال يجوز ابتياع بعض الجملة إذا كان بأحد الكسور مشاعا إذا علمت نسبته نصفا أو ربعا و أمثالها فرارا عن الغرر، بلا إشكال، للعمومات، و تسالم المسألة في الكلمات.
و إنّما الكلام فيما لو كان بنحو الكلي في المعيّن كبيع صاع من الصبرة الخارجية، و ذلك لا يكون إلّا بجعل طبيعة الصّاع من الصّبرة عنوانا للمبيع، لا مرآة إلى ما هو فرد منتشر في سائر طبيعاتها، و لا كسرا مشاعا ساريا في تمام أجزاء الصبرة، بنحو يكون متعلّق البيع مقدارا من الكسر، الّذي نسبته الى المجموع كنسبة الصاع إلى الصّبرة، بأن يكون الصّاع مرآة لهذا الكسر، و كان متعلقه نفس عنوانه الساري فيها بمجموعها، لا في كل جزء منها، إذ الأخير من باب بيع بعض الجملة مشاعا بجعل البعض هو الكسر بعد العلم بالنسبة بين الصاع و الكسور، أو نفس عنوان الصّاع الّذي له نحو تعيّن في قبال الكسور أيضا.
و الأوّل من باب بيع الفرد المنتشر المبهم، و لا يبعد قيام الإجماع على عدم وقوع البيع عليه، بل سائر المعاملات حتى الصّلح الجاري فيه الغرر أيضا فضلا عن غيره.
و هذا بخلاف صورة جعل عنوان المبيع الطبيعة الصرفة الموجودة في الصبرة، فإنّه كلّي متعيّن ذاتا. غاية الأمر مثل هذا الكلّي تارة مضاف إلى الذمّة، و اخرى إلى الصّبرة الخارجية.
ثم إن هذه الطبيعة كسائر الطبائع، تارة اعتبرت مجرّدة عن جميع الخصوصيات حتى من حيثية السريان في ضمن الأفراد أو قيد الوحدة، و اخرى تعتبر مقيدة بقيد الوحدة.
و ذلك أيضا تارة بالوحدة بشرط لا عن عدم الزّيادة، و اخرى لا بشرط.
و الطبيعة المجرّدة المحضة أوسع دائرة عن بقيّة اعتبارات الطّبيعة، لقابليّة انطباقها على جميع مراتب الكمّ فوق الواحدة، كما أنّ الأول لا ينطبق على جميع الآحاد، بخلاف الاعتبار الثّاني فإنّه لا ينطبق على مراتب الكمّ فوق الواحد.
كما أنّ الأوّل لا ينطبق على جميع الآحاد أيضا إلّا بنحو التبادل، فهو من هذه الجهة كمدلول النّكرة، إلّا أنّ الفرق بينهما هو أن الحكم المتعلق به لا يسري إلى حيثية تشخصه، بخلاف النّكرة فإنّ الحكم فيه متعلّق بأحد التشخصات على وجه يقع الشّخص بخصوصه مصداق الأمثال مثلا.
و على أيّ حال لا إشكال في تصوير الكلّي الخارجي قبال الذّمي، إذ لا نعني من الكلي إلّا ما هو المنتزع عن صرف وجود الشيء، الطّارد لعدم المستند إليه الآثار المشتركة، نظرا إلى استحالة صدور الواحد من المتكثر، و المتكثر من الواحد.
و توهم أنّ الطبيعي المحض قبل وجودها، بل قبل قبض واحد من أفرادها غير متحقق في الخارج، كيف و لا يكون في الخارج إلّا الحصص الخاصة الغير المملوكة لأحد قبل القبض، فلا محيص إلّا من الالتزام بكونه ذهنيا محضا. غاية الأمر اعتبر وجوده في الذمّة، و أن الخارج من الصبرة المعيّنة مأخوذة في شرط أدائها.
مدفوع بأنّه كيف يمكن الالتزام به مع اقتضائه عدم صيرورة تلف الصّبرة بتمامها موجبا لتلف المبيع قبل القبض، بل غاية الأمر كان موجبا لخيار تخلّف الشرط، و الحال أن بناءهم ليس على ذلك، بل يلتزمون بانفساخ المعاملة بالتّلف المزبور، مع أن وحدة المفهوم تحكي عن وحدة المنشأ خارجا.
غاية الأمر هذه الجهة الواحدة بشدة اندكاكه في المتكثّرات بمثابة لا يمكن
تميزها عن غيرها في ضمن الفرد و لو عقلا، و إنّما الممكن الإشارة إليها بتوسّط العنوان الحاكي عنها ذاتا أم عرضا. و لذا يكون المقوّم للعالي مقوما للسافل و لا عكس، و المقسم بالعكس. و بذلك نلتزم بأنّ الحكم الثّابت للطّبيعي يسري إلى الفرد لبعض جهاته لا جميعها، من دون فرق بين التكليفيات و الوضعيات.
غاية الأمر في سراية الحكم إلى الخصوصيّة في الوضعيّات كالملكية مثلا يحتاج إلى قبض المالك، فقبل القبض لا يستحق من الفرد الخصوصيات الزائدة عن الطّبيعة الصّرفة المحفوظة في ضمن جميع الأفراد. و بهذه الجهة كان اختيار التعيين بيد مالك الصّبرة، لأنّه المالك للخصوصيات، بخلاف المشاع، فإنّ كلا الطرفين مالكان للخصوصيّة، فكان اختيار الإقراض بيدهما، كما لا يخفى.
و حيث اتّضح ذلك فنقول: إنّ في بيع الصّاع من الصبرة طبع العبارة يقتضي أن يكون المبيع هو الطبيعة الصّرفة العارية عن جميع الحيثيات، بعد الجزم بكون التنوين فيه تنوين تمكن لا تنكير، و إلّا يلزم بطلان البيع للإبهام، كما أشرنا، فلا يستفاد من مثله تقييدها بقيد الوحدة بأحد معنييه أصلا.
فإن قلت: بناء على ذلك يلزم كون المشتري للطّبيعة الصّادقة على القليل و الكثير، المستتبع لانطباقه على تمام الصبرة عند قبضها بعنوان الوفاء بالطبيعة مالكا لتمامها، و ليس كذلك، و لذا قال في الإيضاح بأنّ المبيع هو الطبيعة المقيدة بالوحدة بشرط لا (1)، فرارا عن هذا المحذور.
قلت: ذلك كذلك لو لا مزاحمة مقتضى ملكية الطّبيعة الصرفة مع المقتضى التعييني في ملكيّة الزائد عن الواحد، و إلّا فيستحيل مزاحمة المقتضي القائم بالجامع مع المقتضي لضدّه في الخصوصيّة الزائدة عن الواحدة، كما هو الشأن
1) إيضاح الفوائد 1: 430.
في باب التكليف أيضا. فلا جرم ينحصر ملك المشتري في الواحد بشرط لا، و لكن لا من جهة تقييد البائع العنوان المأخوذ في إنشاء البيع بالواحدة المزبورة، بل الضيق المزبور إنّما يعرض الطّبيعة عقلا لوجود المانع عن الانطباق على الزائد عن الواحد، و به يصير صدقه على كلّ واحد تبادليّا مثل النكرة، و ان لم يكن من النكرة إلى الإبهام المبطل للمعاوضة.
و مثل هذا المعنى ربّما يمتاز عن الطّبيعة المطلقة المحضة، القابلة على الصّدق على جميع الآحاد عرضيا.
و من نتائج ذلك هو أنه لو فرض وجود فردين من الصّاع، فتلف أحدهما و بقي الآخر، فعلى المعنى الأوّل كان الطّبيعي قابلا للصدق على كل واحد صدقا عرضيا، فبانعدام أحدهما يخرج المورد عن القابليّة المزبورة، فينحصر مورد صدق الطّبيعة على الموجود فعلا.
و لازمة حينئذ صيرورته ملكا للمشتري قهرا، بلا احتياج إلى قصد تعيين فيه، لصدق وجود الطّبيعة الصّرفة المملوكة، و عدم تلف الطبيعة، إذ تلفه بتلف تمام الأفراد.
و أمّا على المعنى الثاني لا شبهة في صدق تلف الواحد بشرط لا، كما يصدق وجود الواحد بشرط لا، فإذا فرض تعلّق ملكية المشتري بالواحد بشرط لا، لا وجه لانطباقه على الموجود قهرا، بل نسبة موضوع الملكية بالنسبة إلى الباقي و التالف كنسبة واحدة، فترجيح إحداهما في معروض الملكية يحتاج إلى مرجّح من الخارج، و هو ليس إلّا باختيار المالك تطبيق ملك المشتري على الموجود بلا تمليك المشتري له قهرا على المالك.
غاية الأمر في المقام شيء، و هو أنّ مقتضى إطلاق وجوب الوفاء بمضمون
العقد لزوم صرف تطبيق المالك و اختياره نحو الوجود، لأنّه لازم إطلاق وجوب الوفاء من حيث تحصيل المقدمات مع الإمكان و قدرة الامتثال كما لا يخفى.
و حينئذ فوجوب الوفاء بهذا الفرد أوجب تعيين ملك المشتري في الموجود، لا أنّ تعيّنه موجب لوفائه، كما في الفرض السّابق.
ثم بعد وضوح الفارق بين الطّبيعة المطلقة و المضيقة المنحصر فردها بالواحد بشرط لا كما عرفت، نقول: إنّه لو فرض قبض الصّبرة المشتملة على الصّاعين بعنوان الوفاء بملك المشتري، ففي هذه الصورة أيضا لا يكون المشتري إلّا مالكا لأحد الصّيعان بشرط لا، كما أن المالك للصبرة أيضا مالك للخصوصيّة بلا تعيين مال المشتري بالقبض المزبور في المعيّن.
و حينئذ لو تلف أحد الصّاعين لا يكاد يتعيّن الموجود في ملكيّته للمشتري، كيف و نسبته إلى التالف و الموجود سواء بلا مرجّح خارجي يوجب تعيين الموجود في ملكيّته للمشتري. و لازمة كون نسبة الموجود إلى البائع و المشتري على السواء، فحساب التالف على أحدهما ترجيح بلا مرجّح. فلازمه حينئذ حساب التالف عليهما، و الموجود أيضا كذلك.
و توهم أن ردّ مال الغير يجب على المشتري، فيكون ذلك بمنزلة وجوب الوفاء بالعقد على البائع، فكما أنّ مثل هذا الوجوب بإطلاقه موجب لتعيين الموجود للمشتري، كذلك هذا الوجوب أيضا موجب لتعيين الموجود للبائع عكس السّابق.
مدفوع بأنّ مال الغير الذي هو موضوع وجوب الردّ بمنزلة العقد، الذي هو موضوع وجوب الوفاء، فكما أنّ الوجوب بالنسبة إلى العقد الذي هو موضوعه مشروط لا يقتضي الوجوب المزبور حفظه، كذلك مال الغير الذي هو موضوع
وجوب الردّ أيضا، كان بمنزلة شرط التكليف بحيث لا يقتضي الوجوب حفظ شرطه.
و حينئذ فمع تردده بين التالف و الباقي، لا يقتضي وجوب الردّ حفظ المال في الموجود، بخلاف وجوب الوفاء بالعقد، فإنّه من غير ناحية العقد مطلق، فيجب بإطلاقه حفظ سائر جهات الوفاء به، و لازمة تعيين مال المشتري في الموجود كي به يوفي عقده.
و حينئذ كم فرق بين وجوب ردّ مال الغير و وجوب الوفاء بالعقد، فإنّ في الثاني يجب حفظ ماله دخل في وجوب الوفاء بالعقد بعد الفراغ عن وجود موضوعه، بخلافه في الأوّل فإنّ الموضوع فيه نفس مال الغير، فوجوب الردّ فيه منوط بوجوده، فلا يصلح مثل ذلك لإحراز وجوده. و ذلك عمدة النكتة الفارقة بين مسألتنا هذه و بين المسألة السّابقة كما هو ظاهر.
و هو الوجه أيضا في ذهاب المشهور بكون الباقي للمشتري في صورة التّلف قبل القبض، بخلافه في فرض التلف بعده، فإنّ بناءهم على كون التلف عليهما و الموجود بينهما.
و من التأمّل فيما ذكرنا أيضا ظهر وجه الفرق بين مسألة بيع الصّاع من الصبرة و بين بيع الصّبرة باستثناء الصّاع أو الأرطال، فإنّ قبض الصّبرة أيضا لا يوجب تعيين مال البائع في الصّبرة في صاع معيّن، بل مال البائع على وحدته بشرط لا باق بحاله، فلو فرض تلف الصّبرة بأجمعها إلّا صاعا منها، لا يقتضي الاستثناء المزبور تعيين الباقي للبائع، و المفروض أنّه ليس في المقام كفرض التلف قبل القبض أيضا معيّن للموجود في لزوم كونه للبائع، إذ ليس في المقام أيضا إلّا عنوان وجوب رد مال الغير، الذي هو بالنسبة إلى حفظ المالية للغير مشروط، بخلاف عكس المسألة مع كون التّلف قبل القبض، إذ يكفي فيه إطلاق وجوب الوفاء بالعقد من غير جهة وجود العقد المستتبع لوجوب تعيين
الموجود للمشتري مقدّمة لوجوب الوفاء بالعقد.
و بمثل هذه البيانات اتّضح وجه الفرق بين المسائل الثلاث، بل و يكون النص الوارد في استثناء الأرطال على القاعدة لا خلافها.
و حينئذ لا يبقى في البين عويص إشكال في الفرق بين المسائل الثلاث، كي يحتاج إلى الالتزام بكون الفارق هو النص أو الالتزام ببعض المحاذير الأخر، كما لا يخفى على من راجع كلمات شيخنا العلّامة، خصوصا فيما أفاده أخيرا، إذ هو إنما يتم لو كان الصاع مقياس أحد الكسور المنسوبة إلى المال بتمامه لا نفس الصاع، كما لا يخفى على من تأمّل. و لقد تعرّضنا لشرح هذه الجهات في بيعنا المستقل، و تعرضنا هناك لبعض الكلمات عن بعض المشتهرين بالتحقيق، و هي بالإعراض في هذا المختصر العزيز جدير و حقيق.
فهل هو مختص بالمشتري الأوّل أو هو بينهما؟
قيل: فيه وجهان مبنيّان على أنّ الطبيعة المضافة إلى الخارج هل هي بنفسها خارجيّة، أو أنّ الخارج ظرف منشأ اعتبارها، و إلّا فهو من الاعتباريات المحضة القابلة لطرد سائر الاعتباريّات عليها و لو لم يكن لها وجود في الخارج.
فعلى الأوّل يختصّ الصاع الموجود بالمشتري الأول، لأنّه بمجرد بيعه نقص من الصّبرة الخارجية صاع، فلم يبقى للمالك إلّا الصبرة الخارج منها الصاع، فالبيع الثاني ورد على الكلي الموجود في هذه الدائرة. و من المعلوم أنّه تالف بأجمعها.
و أمّا على الثاني لم يرد نقص من قبل البيع الأوّل على الصبرة، بل هو من قبل بيع الكلي في الذّمة، الغير الموجب لخروج شيء في المصاديق الخارجيّة عن ملك المالك. و لازمة كون الموجود من الصاع بينهما، لأن احتساب التالف على أحدهما دون الأخر ترجيح بلا مرجّح.
هذا و لكن يمكن أن يقال: إنّ ما أفيد إنّما يتم في صورة كون المراد من الصّاع الطّبيعة المحضة الصادقة على المصاديق الموجودة صدقا عرضيا، فإنّ البيع الثاني على فرض خارجية الطبيعة المزبورة ورد على الصاع المستثناة عنه طبيعة الصاع، المنطبق قهرا على الموجود بلا صلاحية انطباقه على المعدوم، و معلوم أنّ مثل هذا الصاع تلف بتمامه بتلف بقيّة الصيعان.
و أما لو كان المراد الصاع المقيّد بالواحد بشرط لا، و لو من جهة حصر انطباق الطبيعة الصّرفة لوجود المانع على مثله، فلا شبهة في أنّه لا يكاد انطباقه على الصيعان إلّا تبادليّا، و لازمة قابلية صدقه على الباقي و التّالف.
و لازمة حينئذ قابلية انطباق الصّاع من الصّبرة إلّا الصاع أيضا على الموجود و المعدوم و حينئذ تعيين تطبيقه على خصوص المعدوم ترجيح بلا مرجّح، و على هذا فالتحقيق في الفرع المزبور، و هو الحكم بالشركة على أي تقدير بين المشتريين، لا تعيين الصّاع لخصوص المشتري الأوّل و اللّٰه العالم.
ثمّ إنّه يعتبر في صحة بيع الكلي في المعيّن تساوي أفراد الصّبرة في الخصوصيات الخارجيّة المقوّمة للماليّة، و إلّا فمع اختلافها فربّما يجيء في جامعها القابل للانطباق على أي واحد الغرر الوصفي. نعم لو فرض عدم اختلاف في الخصوصيات المزبورة لا يكاد يتصور حينئذ اختلاف بين الأفراد في صرف المالية. و على فرض التصوّر لا يضرّ الغرر بهذه الجهة في صحّة المعاملة، كما أشرنا إلى وجهه سابقا.
و أيضا يعتبر العلم باشتمال الصّبرة بمقدار المبيع، كي لا يلزم غرر وجودي
في المبيع، و بعد العلم بالاشتمال لا يعتبر العلم بمقدارها، لأنّه خارج عن المبيع.
نعم في صورة كون الصّاع عنوانا للكسر المشاع لا بدّ من العلم بمقدار الصّبرة أيضا، كما لو كان المبيع مجموعها إلا الصّاع، و ذلك ظاهر.
فإن اقتضت العادة بقاؤه على وجه يوجب الوثوق به فلا خطر وجدانا عند العقلاء، كما لا إشكال في عكسه. و مع عدم اقتضاء العادة شيئا تجيء في البين شبهة الغرر بلا صلاحيّة المورد لجريان الاستصحاب التعبدي، لعدم ترتب أثر شرعي عليه.
و حينئذ لا يجدي بيعه مبنيا على وجدان الوصف، لأنّه إنّما يصحّ في البيع الصحيح و لا يصلح لإثبات صحّته كما تقدّم. نعم لا بأس بالاتّكال بتوصيف البائع بمناط كونه مخبرا عن الواقع مع الوثوق بكلامه، و أنّه كان توصيفه عن دراية، و إلا فمجرد التزامه بوجوده الغير المرتبط بالحكاية عن الواقع لا يجدي في رفع الغرر، كما لا يجدي فيه شرطه الضمني، كما لا يخفى.
و كيف كان يجوز الإندار للظروف بما يقاربها بلا إشكال ظاهرا في الجملة، و الأصل في ذلك جملة من النصوص المعمول بها لدى الأصحاب.
فمنها رواية حنان المشتملة على قوله: إنّا نشري الزيت في زقاقه فيحسب لنا النقصان لمكان الزقاق فقال له: «إن كان يزيد و ينقص فلا بأس، و إن كان يزيد و لا ينقص فلا تقربه» (1).
و في آخر: فربّما يزيد و ربّما ينقص، فقال: «إذا كان ذلك كلّه عن تراض
1) وسائل الشيعة 12: 273 حديث 4 باب 20 من أبواب عقد البيع و شروطه.
منكم فلا بأس» (1).
و في ثالث: «إذا لم يعلم وزن النّاسية و الجوالق فلا بأس إذا تراضينا» (2).
و في رابع: ربّما نشتري الطعام من أهل السّفينة ثم نكيله فيزيد قال:
«و ربّما ينقص»؟ قلت: و ربّما ينقص، فقال: «إذا نقص ردّوا عليكم»؟
قلت: لا، قال: «لا بأس» (3).
هذه جملة من النصوص الواردة في الباب، و لا يخفى أنّ مضامين هذه النّصوص متّفقة في الدلالة على جواز بيع المظروف في ظرفه بعد العلم بوزن المجموع مع الإندار، و ظاهر قوله: «إذا لم يعلم وزن الناسية و الجوالق» عدم كون الإندار طريقا ليرفع الغرر. و يؤيده قوله: «و ربّما يزيد و ربّما ينقص» الظاهر في إبداء الاحتمال، نظير قوله: «و ربّما تعجل به الدم» في الدّم المتقدم على العادة.
و حينئذ لا مجال لحمل مضامين هذه النصوص على القاعدة، بجعل الإندار طريقا لرفع الجهل، و لو من جهة علم المندر بوزنه لأخبار و غيره، فيكون إنداره بمنزلة إخبار البائع بوزن البقيّة، بل سياقها ظاهرة في اكتفاء الشاك في مثلها برفع مرتبة خاصّة من الغرر الحاصل بكيل مجموع المظروف، بيع ظرفه بلا اعتناء منه بباقي المراتب.
و حينئذ فيقتصر في خلاف القاعدة بالمتيقن من صور احتمال الزّيادة و النقصان، بلا شموله لصورة العلم بأحدهما.
ثم إن الحكمة في الإندار تعيين مقدار ما يستحقّ البائع من الثّمن، سواء في فرض جعل الثّمن في قبال كلّ من أو رطل، أو في قبال المجموع، إذ من الإندار يستفاد نقص الثّمن بنسبة ما أندر إلى المجموع.
و كيف كان ظاهر بعض النصوص السّابقة اعتبار التراضي من الطّرفين، و لازمة كون الإندار مأخوذا في أصل المعاملة، لا في مقام الوفاء بها، كيف و في الثّاني كان الإندار راجعا إلى إسقاط البائع ما على المشتري مقدار من الحقّ في متن عقده، و ذلك حق البائع بلا دخل لرضى المشتري فيه أبدا.
و حينئذ فلا بد من جعل اعتبار التراضي من الطّرفين قرينة على كون الإندار مأخوذا في أصل المعاملة المرتكز في الذهن اعتباره فيها، و بمثلها يقيّد إطلاق بقية النصوص من تلك الجهة، إذ هي في مقام نفي البأس عن المعاملة من ناحية الجهل بمقدار الظّرف فارغا عن الصحة عن سائر الجهات، فعموم: تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (1)باق بحاله.
نعم ربّما يوهم قوله: فيحسب بعد قوله: نشتري، كون الإندار عقيب الشراء، و هو يناسب مع كونه مأخوذا في مقام الوفاء.
و لكن يمكن دعوى أنّ المراد منه الاحتساب في ضمن الشراء، نظير الكيل و الوزن المصحح للمعاملة، و لا أقلّ من الشكّ، فأصالة بطلان الغرر من البيع كونه مأخوذا فيه، فإنّه حينئذ رافع لمرتبة خاصّة من الغرر في المعاملة، و إن لم يرفع كليّه، كما لا يخفى.
ثم إن المنساق من أخبار الباب صحّة المعاملة بالإندار، و لو انكشف خلاف ما أندر بلا استحقاق أحدهما على الآخر شيئا، من جبر نقص أو خيار، كما يومئ إليه أيضا قوله: «إن نقص ردوا عليكم؟» قال: لا، فقال: «لا بأس».
1) النساء: 29.
و أيضا ظاهر النّصوص كون المورد ما تعارف فيه بيع المظروف في ظرفه، و لا يعتبر فيه بيع المظروف مع ظرفه، و إلّا فهو داخل في عنوان آخر من كلماتهم، و ذلك أيضا لا بدّ و أن ينزّل على صورة احتساب الظرف عرفا من تبعات المظروف و كون الظرف من جلوده و شئونه، لا أنّه من وعائه الأجنبي عنه و لعل نظر المنكر إلى هذه الصورة، و إلّا فهو خلاف ظاهر تسلم الجواز في الكلمات، كما لا يخفى.
علاوة على التقدير بالمقدرات السابقة أن يكون مشاهدا، أو موصوفا بما يرفع الجهالة، بلا إشكال، لكبرى الغرر الرافع للجهالة من حيث الصّفات و الخصوصيات الدخيلة في رغبة العقلاء و محطّ أنظارهم، على ما تقدم في شرحه، و تقدم أيضا أن المشاهدة السابقة كافية مع اقتضاء العادة بقائها على ما كان حين البيع، لكفاية الوثوق بوجودها حين البيع في رفع الغرر، و أن كفاية التوصيف فيه أيضا بمناط إيجابه الوثوق بالواقع كإخباره، لا بمناط مجرد التزام الواصف بوجدان تمامه، بملاحظة استتباع الشرط الضمني للخيار، لما تقدّم من أن الشرائط الضمنية في ظرف صحّة المعاملة موجبة للخيار، فكيف يثبت بها الصحة كما هو ظاهر.
و كيف كان فإن وجد العين بعد التوصيف في متن العقد أو المشاهدة حينه على الوصف فهو و إلا كان له الخيار، كما هو الشأن في كليّة موارد تخلّف الشّروط في ضمن العقود الخارجة عن حيطة القدرة عن تحصيلهما من جهة، و عموم نفي الضرر الجابر له بخيار البائع، بعد الجزم بكون العقد في أمثال هذه الأوصاف الغير المقوّمة للعين عرفا من باب تعدد المطلوب، لا وحدته، و إلا ففي فرض التخلّف في الأوصاف المقومة لا تقتضي القواعد إلّا
البطلان، لعدم صدق ورود العقد على الفاقد كي يثبت فيه خيار للطرف.
كما أنّه مع إمكان تحصيل الشرط كخياطة مثلا، مقتضى وجوب الوفاء بالشّرط إلزام المشروط عليه على التحصيل، و مع عدم التمكّن عن الإلزام يرفع أمره إلى الحاكم.
و ليس المقام مقام إثبات الخيار بعموم نفي الضرر، إذ مثل هذا الضرر ما جاء من قبل العقد محضا بمناط نقض غرض البائع أو المشتري، و إنما جاء من قبل عدم إقدام المشروط عليه، و هو ضرر خارجي غير مجبور بالخيار بعموم نفي الضرر، كما هو الشأن في صورة عدم إقدام الأجير الخاص على عمله، فإنّ للمستأجر ليس إلا إلزامه كما لا يخفى.
لو اختلف البائع و المشتري في أصل التغيير، فادعى المشتري تغييره فله الخيار، و أنكر البائع فلا خيار.
قيل بأن مقتضى أصالة عدم وصول حق المشتري إليه تقديم قوله، و لكن يمكن أن يقال: إن المقام من باب الشكّ في أصل تعلّق الحق بأزيد من الموجود، و لئن شئت قلت: إنّ مناط الخيار بعد ما كان ضررية العقد، فالأصل المزبور لا يثبت هذا المعنى، بل أصالة عدم اتصاف العقد الوارد على الموجود بكونه ضرريا لزوم الوفاء به، فلا خيار، و به يقدّم قول مدعي اللزوم على مدعي الخيار.
و من هنا ظهر حال ما لو علم بالتغيير، و شك بأنه حصل في يد المشتري فلا خيار، أو في يد البائع و لو قبل قبضه فله الخيار. فالأصل السابق في المقام أيضا يثبت اللّزوم، من دون فرق بين صورة العلم بتأريخ التغيير فقط، أو تاريخ العقد كذلك، أو الجهل بهما، إذ لا أثر لمثل هذه العناوين إلا بتوسط عنوان الضرر الذي هو من اللوازم الغير الشرعية، فلا مجرى للأصل في مثله إلا بالنسبة إلى عنوان اللازم، بل و لئن شككت في مثل هذه الأصول الجارية في الأعدام
الأزليّة، لا محيص من الرجوع إلى أصالة اللّزوم بعد سقوط العمومات في الشبهات المصداقيّة، كما لا يخفى.
و لو افتقرت معرفته إلى الاختبار جاز بيعه بالوصف أيضا، و يتخيّر مع خلافه فيما كان لوصفه نحو انضباط على وجه يكفيه توصيف البائع أو إخباره بوجوده، و إلا فلا يجديه إلا اختباره، كما لو كان محط النّظر خصوصيّة مراتب وصفه من لونه أو طعمه أو ريحه أو غيرها، إذ حينئذ لا طريق لرفع الغرر إلّا إخباره.
ثم إنّ ذلك أيضا فيما لا يكون للوصف دخل في سلامة العين، و إلّا بأن يكون فاقده محسوبا من المعيب، فأصالة السّلامة كافية عن التوصيف و الإخبار، و لازمة عند التخلّف الخيار أو الأرش، كما سيأتي الكلام فيه في خيار العيب.
بل و ربّما يظهر أيضا أن منشأ الخيار جهة تخلّف الشّرط، بخيال أنّ رفع الغرر في مثل هذه المقامات إنّما هو بملاحظة وقوع العقد مبنيا على وجود الوصف المستتبع للخيار، كيف و قد أشرنا أيضا بأن مثل هذا الشرط ليس رفعه الغرر بملاحظة استتباعه الخيار عند تخلفه، إذ ترتّب هذا اللازم إنّما هو في طرف الفراغ عن صحّة الشرط، فلو جاءت الصحّة من قبله لدار، فلا محيص من كون منشإ رفع الغرر هو الوثوق بقول البائع، أو بناءهم على أصالة السلامة المساوق لبنائهم على عدم كون السّلامة مجهولا و خطريا، فلا جرم تصير مثل هذه الأمور حاكما أو واردا على كبرى الغرر.
و حينئذ لا طريق لنا في إثبات كون إقدامهم على المعاملة في هذه المقامات حتى في صورة الإخبار بالوصف، فضلا عن اتكالهم بأصالة السّلامة، من باب وقوع العقد مبنيا على وجود الوصف، بعد احتمال كون الاخبار أو الأصل
داعيا لهم على الإقدام، لا شرطا ضمنيّا.
بل عمدة الوجه فيه كبرى الضرر في فرض الإخبار، لأنّ البائع بإخباره أوقعه في الإقدام على المعاملة الضررية، فيجبر بخياره. كما أن في فرض الإقدام بأصالة السلامة النّصوص الخاصّة وافية لإثبات الخيار، مع قطع النظر عن مرحلة تخلّف الشرط.
و حينئذ لا تقاس مثل هذه المقامات على صور الإقدام بداعي الاسترباح في المعاملة مع انكشاف الخلاف، حيث أنّ بناءهم أنّ تخلّف أمثال هذه الدّواعي في المعاملات لا توجب شيئا، إذ الضرر الناشئ من قبل هذه المعاملة ما كان بتسبيب من البائع، و لا موجبا لنقض الغرض العقدي، لعدم تخلّف القصد العقدي عما تعلّق به حسب الفرض، فلا موجب للخيار.
و لعلّ ذلك هو الوجه في تخصيصهم وجه إقدام المشتري بإخبار البائع لا الأجنبي، إذ أخبار الأجنبي بمنزلة الداعي الخارجي على الإقدام على الضرر بلا تسبيب من البائع، فلا يوجب مثله، كتخلّف سائر الدواعي خيارا، كما لا يخفى.
هذا، بل و لئن شئت تقول أيضا: إنّ الخبر الواحد في الموضوعات بعد ما لم يكن حجة شرعا، و كان بناء العقلاء عليه مردوعا، فلا يكون الإخبار- بما هو إخبار- رافعا للغرر، بل لا بد و أن يكون من باب إخبار ذي اليد من البائع أو وكيله. و حينئذ لا يثمر إخبار الأجنبي و توصيفه في رفع الغرر أيضا، كما لا يخفى.
ثم إنّ من نتائج عدم دخل حيثية الالتزام بالوجود ضمنا في رفع الغرر، بل رفعه مستندا إلى حيث جهة الخبرية و أصالة الصحّة عدم اقتضاء تبري البائع عن العيوب بطلان المعاملة، إذ التّبري المزبور لا ينافي حجية الأصل الرافع للغرر، و إنّما ينافي الالتزام بوجوده، فلو كان ذلك هو المناط في رفع غرر المعاملة
يلزم صيرورة المعاملة بتبريه غرريّا، و لا أظن التزامهم به، و ذلك ممّا يشهد على أن مناط رفع الغرر في موارد أصالة السّلامة و الصحّة حيث الحجية، لا جهة الالتزام بوجوده في متن العقد ضمنا، كما هو ظاهر.
ثم إنّ مجرى أصالة الصحّة أيضا صورة عدم اقتضاء عيبه انقلاب حقيقته عرفا، و إلّا ففي أصالة السّلامة إشكال، إذ ظاهر أنّ أصالة الصحّة في الأعيان إنما يجري في فرض إحراز الحقيقة و العنوان، كما هو الشأن في أصالة الصحّة في الأفعال.
و حينئذ ربما يجري في مثله الغرر في أصل الوجود، فيبطل البيع، لعموم الغرر.
و لئن كان عيبه موجبا للشكّ في ماليّته مع حفظ عنوانه، فلا قصور في جريان أصالة السّلامة، و كونها طريقا إلى ماليّته، بل عليه السيرة في موارده.
و لو أدّى اختباره إلى الإفساد جاز شراؤه بلا اختبار مع فرض عدم إمكان توصيفه، لغرض عدم انضباط في مراتب وصفه المحتمل، إذ حينئذ أمكن دعوى كون المقام من المصاديق الغير الممكن رفع غرره كزبرة الحديد، و أن أدلة الغرر أيضا قاصرة، فتدخل هذه الصورة الغير الممكن الطريق إلى رفع غرره، و لا أقل من دعوى تخصيص عموم دليل الغرر في أمثال هذه الصورة بالسيرة المستمرة.
نعم لو كان المورد من باب الجهل بصفته المنضبطة القابلة للتوصيف الرافع للغرر، ففي الاكتفاء بالبيع المزبور بلا توصيف إشكال، لعموم مانعية الغرر حينئذ.
و على أيّ حال في فرض بيعه بلا توصيف و اختبار، فإن خرج المبيع
معيبا أخذ أرشه، و إن لم يكن له قيمة بعد الكسر أخذ الثمن بلا إشكال في الأول بضمّ ثبوت خيار العيب له أيضا، لعموم دليله، و كذا في الثاني في صورة كشفه عن عدم الماليّة قبل البيع، لبطلان المعاملة في الواقع، المقتضي لوجوب ردّ تمام القيمة المأخوذة عينا أم بدلا.
و أمّا لو كان فساده جاء من قبل فتح بابه، فلا موجب للردّ، نعم لو كان موجبا لازدياد ما كان عليه من الفساد كان المقام من صغريات إحداث العيب الجديد في زمان الخيار، من عدم اقتضائه سقوط الخيار، و تعيّن أخذ أرشه، بل له الردّ مع إعطاء أرشه الحادث بالعيب الجديد، كما سيأتي شرحه في محلّه إن شاء اللّٰه. و كيف كان لا يجوز بيع السّمك في الأجمة، و لا اللّبن في الضّرع، و لا ما في بطون الأنعام، بلا إشكال فيها مع عدم الضميمة للغرر. و إنّما الكلام في بيعها مع ضمّ شيء معلوم إليها، سواء كان أمرا خارجيا، أو مأخوذا من نفسها. و المشهور على المحكي أيضا على عدم إصلاح أمره بالضميمة المعلومة، خلافا لجماعة منهم الشيخ، المحكي عنه مصيره إلى الجواز (1)، للنصوص الخاصّة الواردة في المسألة تارة بلسان: «أنه إذا لم يكن في الأجمة شيء من القصب أخرج من السّمك شيئا، فيباع و ما في الأجمة» (2)، و ظاهره مفروغيّة جوازه مع ضميمة القصب.
و اخرى بقوله: «لا بأس بأن يشتري الآجام إن كان فيها قصب»، بحمله على شراء ما فيها مع القصب، و نظيره في ثالث.
و في آخر عن اللّبن، و هو في الضرع قال: «لا، إلّا أن يحلب سكرجة» (1)إلى آخره، و في ذيله: «إن لم يكن ما في الضرع شيء كان في السكرجة».
و في ثالث في مورد السّؤال عن شراء الصوف مع الحمل، قال: «لا بأس إن لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله في الصوف» (2).
و في رواية إسماعيل بن الفضل بعد السؤال عن التّقبيل بخراج الرجال و جزية رءوسهم و خراج النّخل و الشجر و الآجام و المصائد و السّمك و الطّير، و هو لا يدري و لعلّه لا يكون شيء من هذه أبدا أ يشتريه؟ و في أي زمان يشتري و يتقبل به؟ قال: «إذا علمت من ذلك شيئا أنّه قد أدرك فاشتره و تقبل» (3).
هذه جملة من النصوص الواردة في الباب، و لكن لا يخفى ما في الأخير من شمول إطلاقه صورة بيع السمك في الماء و الطير في الهواء بمحض الظفر بشيء منهما مع خروج البقيّة عن حيطة القدرة على التسليم أو التسلّم، و لا أظنّ التزامه من أحد، بل ربّما لا يكون كبرى القدرة على التسليم مربوط بكبرى الغرر، و أنه يكفي فيه كونه من المعاملة السفهية، و مجرد وجدان شيء منه لا يخرج بيع البقيّة عن السفه، كما سيأتي إن شاء اللّٰه.
و عليه فيمكن أن يقال: إن الرّواية بإطلاقه غير معمول به، كما أنّ الظاهر أيضا من البقية أيضا بإطلاقها يشمل صورة كون ما هو المعلوم من الضّميمة مجهول القدر، فهو أيضا خارج عن محطّ كلماتهم، إذ الظاهر منها كون الضّميمة خارجة عن مصداق الغرر.
و حينئذ يدور أمر هذه النصوص بين طرح إسنادها، أو تقييدها بصورة العلم. بخصوصيّات الضّميمة قدرا و وصفا، و لا ترجيح للآخر. لو لا دعوى اقتضاء أصالة السند الأخذ بمضمونها بمقدار الإمكان، و لكن ذلك بعد الفراغ عن عدم الوهن في سندها بمصير المشهور على خلافها.
و في الجواهر (1)إن طرح هذه النصوص المعمول بها يحتاج إلى جرأة، و هو كذلك لو لا إعراض المشهور عن إطلاقها، و لعلّه من ذلك التزام بعض بجواز بيعها إذا جعلت تبعا لبيع الضميمة، و ربّما أومأ إليه ما في بعض النصوص من وقوع الثمن بإزاء الضميمة، مع عدم وجود غيرها، و إلّا ففي فرض الجزئيّة و بسط الثّمن عليها لا معنى لذلك، لعدم تأثير البيع على خلاف القصود، كما هو ظاهر.
و الظاهر أن غرضه من التبعيّة جعل المقصود بالأصالة نقل الضميمة، و أن نقل غيره إنما قصد تبعا لا بنحو الشرطية في متن المعاملة، كي يدّعى عدم الفرق في كلماتهم في الغرر الحاصل من الشرط أو الجزء، و لا بنحو التبعية العرفية كي لا يحتاج في نقلها إلى قصد أصلا، كأسّ الجدار حتى مع الغفلة عن مقدارها أو عن وجودها.
و حينئذ لا قصور في شمول العمومات لمثله، بعد انصراف أدلة الغرر عن مثله قطعا. و عليه فلا بأس بالتعدي عن مورد النصوص إلى غيره، و لكن الإنصاف إباء النّصوص عن هذا الحمل، بل ظاهر النصوص إيقاع البيع على المعلوم من الضميمة و المجهول في عرض واحد، فلا مجال للتعدي عن موردها على فرض الأخذ بها، خصوصا مع ما في ذيل بعضها من وقوع الثمن قبال الضميمة، الذي هو خلاف قاعدة أخرى، كما هو الشأن في بيع العبد الآبق مع الضميمة، فإنّ مثل هذا البيان جار فيها أيضا. بمقتضى نصوصها.
1) الجواهر 22: 444.
و توهم الأخذ بهذا البيان، و حمل جواز النقل في أمثال المقام على جوازه تبعا، ليس بأولى من الأخذ بظاهرها، و الالتزام بتخصيص القواعد بمقدار النصّ.
و حينئذ فهو في العبد الآبق مع الضميمة ثابت نصا (1)و فتوى، كما سيأتي إن شاء اللّٰه.
و أمّا في غيره فلا مجال للمصير إليها، لعدم مساعدة عمل المشهور على مضمون نصوصها، مع الغضّ عن إطلاقها الممكن دعوى الإجماع على خلافها.
و الإنصاف أنّ المسألة في غاية الإشكال، و أشكل منه التعدي من المنصوصات إلى كلّ مورد يكون الغرر من حيث الوجود محضا، كما يومئ إلى ذلك كلمات الجواهر (2)، فضلا عن التعدّي منها إلى كل غرريّ و لو من غير جهة الوجود، إذ لم يلتزم به أحد حتّى باعتراف الجواهر (3)أيضا.
و من ذلك كلّه يظهر النّظر فيما أفاده المصنف بقوله: و يجوز لو ضمّ معها غيرها، و إطلاقه يشمل غير صورة قصد غير المعلوم، تبعا لنقل الضّميمة، و لقد عرفت وجه الإشكال فيه، و في تكملة أستاذنا العلّامة إطلاق المنع عن بيعها و لو مع الضميمة، و في شموله لصورة قصد النقل تبعا للضميمة مع جعل الثمن بإزائها فقط إشكال، و لقد عرفت التحقيق فيه فراجع. و لا يجوز أيضا بيع مما يلقح الفحل، و لا بيع المضامين، و فسر الأول بما
في بطون الأمهات و هي الأجنّة، و الثاني بما في أصلاب الفحول. و لا إشكال ظاهرا في فساد هذين البيعين حتى مع الضّميمة فتوى و نصا، بل في الجواهر:
ما أجد خلافا بين العلماء في فساد بيع الملاقيح (1). و الظاهر أن المضامين أيضا مثله.
و في النص أن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله نهى عن بيع الملاقيح و المضامين (2)، و في جملة أخرى ما هو بمضمونه بلا إشكال فيه (3)، خصوصا المضامين الغير المعلوم وجوده، بل و عدم اعتبار العقلاء ماليته في هذه الحالة، فلو لا كبرى الغرر أمكن إدخال مثل هذه المعاملة في السّفهيّة، لعدم القدرة على التسليم و تسلمه، و هو ظاهر.
هذا و يجوز بيع المسك في فأره على المشهور، و في مرسلة التذكرة أيضا جواز بيعه (4).
و توهّم المانع عن الجواز تارة بنجاسته، و اخرى بكونه جزافا بعد خروج الفأرة عن محطّ العقد مع الجهل بوزنه، مدفوع بمنع النجاسة للسيرة، كما تقدّم في محلّه، و منع الإضرار في هذا المقدار من الجهل بعد كونه من المتعارف بيعه كذلك، فكان المجموع بنظر العرف شيئا واحدا، بعد كونه من قبيل القشر و اللبّ، و لقد تقدّم منا أيضا الاغتفار بالجهالة في مورد يعد الظرف من تبعات المظروف عرفا، و من شئونه كما فيما نحن فيه.
و لا يحتاج في صحّة بيعه إلى قبضه و مشاهدته، و لو بإدخال الإبرة فيه و شمّه،
كما لا يحتاج إلى توصيفه فيما كان منضبطا بعد فرض اقتضاء أصالة السلامة وجدان وصفه المنضبط، و ما في النص من النهي عن بيع ما لم ير (1)أو يوصف، محمول على غير صورة اقتضاء الأصل وجدان وصفه، إذ حينئذ يحتاج في رفع غرره إلى توصيفه، كما أنه لو لم يكن وصفه حينئذ بمراتبه غير منضبط يحتاج إلى الاختبار بإدخال الإبرة كما لا يخفى.
و من هذه البيانات، ظهر مدرك اختلاف الكلمات في المقام.
ثم في فرض الفتق لو حدث به عيب كان المشتري الفاتق ضامنا، و لو قلنا بعدم مضمونية الشيء في يد السّائم، إذ هو إنما يقتضي نفي ضمان يده، لا إتلافه، كما هو ظاهر.
و على أي حال من التأمل فيما ذكرنا ظهر وجه ما أفاده المصنف بقوله: و إن لم يفتق و في تكملة أستاذنا العلّامة احتاط بفتقه، و لعلّه من جهة التشكيك في اقتضاء أصالة السلامة تعيين مراتب وصفه المرغوبة في ماليته، كما أنه بملاحظة عدم انضباطه لا يقع تحت التوصيف أيضا، فلا طريق لتعيينه حينئذ إلّا الاختبار الحاصل بفتقه كما لا يخفى. و يجوز عند المصنف بيع الصوف على ظهور الغنم خلافا للمحقق في شرائعه (2)، و يظهر ذلك أيضا عن تكملة العلّامة الأستاذ، حيث أسقطه و جعله تحت الكلية المشار إليها في كلامه من عدم جواز أن يكون المبيع مجهولا جنسا و قدرا، و في جامع المقاصد منع صدق الغرر عليه، فقوّى جوازه مطلقا قبال من
ذهب إلى جوازه مع شرط جزه في الحال أو إبقائه إلى أوان جزّه (1)، و لعلّه من جهة عدم كون الصوف في حالة كونه على ظهور الأغنام من المكيل و الموزون كي يعدّ بيعه بلا كيل جزافا، بل هو حينئذ أشبه بالزرع قبل حصاده الكافي فيه المشاهدة مع تعيين الجزّة أو الجزّتين، كما لا يخفى.
و لا أقل من الشك، فأصالة العموم في الصحّة محكمة، و لكن حكى شيخنا العلّامة الشهرة على عدم جواز بيعه، و إنّما في رواية الكرخي: «من ضمّ ما في البطون إلى العيون» لم يقل به أحد، فكانت الرّواية من تلك الجهة غير معمول بها.
أقول: يمكن أنّ يقال: إنّ المستفاد من ذيل الرّواية كون الصوف ضميمة لبيع ما في البطون، و أن ذلك مصحّح ذاك لا العكس، و ذلك لا ينافي بناءهم على عدم احتياج بيع الصوف إلى الضّميمة.
و حينئذ لا بأس بالعمل بالرّواية من تلك الجهة، غاية الأمر يطرح جهة مصححية بيع الصوف المزبور لنقل ما في البطون لكونه نظير سائر النصوص على خلاف المشهور، و إن التزم بمضمونها في الجواهر (2)تبعا لجمع آخر.
و حينئذ العمدة في التشكيك في رواية الكرخي (3)كونه بجهتيه على خلاف المشهور، و لعل فهمهم أيضا قرينة شمول الجزاف لمثله أيضا. و لكن في مقاومته للعمومات نظر، فالصحّة لا تخلو عن قوة، و اللّٰه العالم.
مثل المبيع أيضا معلوما قدرا و وصفا بالمشاهدة أو بالتّوصيف، لعموم الغرر الشّامل للعوضين كما أشرنا سابقا، و ذلك أيضا
فيما كان الوصف تحت ضبط، و إلّا فلا محيص إلّا من الاختبار. كما أنّ المشاهدة أيضا إنّما ترفع الغرر في مورد يكتفي العرف في رفع الغرر بمثله، كما لو لم يكن المهم من الخصوصيات المرغوبة من العين مخفيّة مع المشاهدة، و إلّا فلا بد من اختباره بأزيد من ذلك من مثل مسحه بيده أو شمه بأنفه و أمثاله، كما هو ظاهر.
و لا يجوز أن يبيع بدينار غير درهم نسيئة، و لا نقدا مع جهل نسبته إليه فيما كان ماليّته الدّينار الذي هو تمام القوام في الجهة المرغوبة منه، فلا يقاس ذلك بسائر الأجناس الغير المضر بصحّة بيعه الجهل بماليّته بعد العلم بسائر خصوصياته، إذ الخصوصيات الأخرى هي المقصودة بالأصالة في سائر الأجناس على وجه يكون تفاوت ماليته بلحاظها، فإذا فرض العلم بمثل هذه الخصوصيات لا يضرّ فيه الجهل بمقدار ماليته الملحوظ بيعا محضا، و هذا بخلاف الدينار و الدرهم، فإنّ المقصود بالأصالة فيها هي المالية محضا، فيكون الجهل بها من قبيل الجهل بالخصوصيات المقصودة من الشيء أصالة فيجيء فيه الغرر، و عليه فلا محيص من المصير إلى ما أشرنا إليه من التفصيل، كما لا يخفى.
هذا و يشترط في البيع أيضا
، بلا إشكال لا لكبرى الغرر- كي يمنع صدقه مع اليأس عن القدرة و العلم بعدمها، كما أنه مع الشك به لا تتمّ كبرى اشتراط القدرة للشك في صدقها- بل هو مجرى كبرى الغرر.
و حينئذ كبرى الغرر في طول الكبرى الأخرى، فلا يصح الاستناد بهما في مورد واحد، و إن أمكن تطبيقها على محل واحد بملاحظة الجمع بين الواقع و شكه في المورد، مع اختلافهما رتبة، و لا ضير في الحكم بالفساد واقعا حينئذ من
الجهتين كما هو ظاهر.
و حينئذ فعمدة الدليل على شرطيّة القدرة كون المعاملة حينئذ سفهيّة مع بقاء العجز للتالي، و إلّا فمع ارتفاعه في أمد معيّن أو غير معيّن فلاسفه. نعم يجيء في الأخير كبرى الغرر. و ربّما يومئ إليه أيضا عموم قوله: «لا تبع ما ليس عندك» (1)بجعله كناية عن عدم قدرته، و إنّ تعليق الفساد على العنوان القابل للبقاء في لسان الدليل ظاهر في دخل بقائه في بقائه. و مثل هذا المعنى يقتضي ارتفاع الفساد بعود القدرة جديدا بعد البيع.
و توهم أنّ ما هو متعلّق للنهي إحداث البيع، و هو أمر غير قابل للبقاء، فتعليقه بالعنوان القابل للبقاء لا يقتضي دورانه مدار العنوان بقاء أو حدوثا، لعدم تصور بقاء في أحداث البيع فلا يكون إطلاقه حينئذ إلّا مقتضيا للفساد على الإطلاق.
مدفوع بأنّ بعد كون النهي المزبور إرشاديا إلى الفساد، فهذا المعنى المرشد إليه قابل للبقاء، فلا بأس بأخذ ظهور تعليقه على العنوان المزبور، فيستفاد كون بقائه حداد بقائه أيضا، كما هو ظاهر فتدبّر و افهم.
و عليه فلا يصحّ بيع الآبق منفردا مع اليأس عن الظفر به لعدم القدرة، و في النص أيضا التصريح بعدم صلاحية بيع الجارية الآبقة إلّا أن يشتري منهم معها ثوبا أو متاعا، فتقول لهم: أشتري منكم جاريتكم فلانة و هذا المتاع بكذا (2).
و في آخر مثله، و في ذيله: «فإن لم يقدر على العبد كان الذي بيده في ما
اشترى منه».
و لا يخفى أنّ المراد من نفي الصلاحيّة في النصين نفي الصحّة، و لو بقرينة فهم الأصحاب، بل و ظاهر الأخير صورة احتمال الظفر به، و عدم اليأس منه، فشمله حينئذ كبرى الغرر، كما أنّه مع يأسه كان مشمول كبرى القدرة على التسليم، و ظاهر الاستثناء صورة إنشاء البيع عليهما.
و حينئذ فلا بد و أن يحمل ذيل الرواية على التعبد محضا، و إلّا فلا يتم بمقتضى القواعد، و الحمل على نقل الآبق تبعا للبيع الوارد على الضميمة مستقلا خلاف الظاهر، و لا بأس بالالتزام بجعل مفاد الذيل لبيان التقريب في جعل الثمن قبال الضّميمة صورة، لإقباله بحسب قصد المبادلة و المتعاملين كما لا يخفى.
ثم إن المنصرف من النّواهي صورة عدم قدرة المشتري أيضا على التسلم، و إلّا فهو خارج عن منساق النصوص، بل دليل القدرة على التسليم أيضا غير شاملة، نعم مع جهل البائع بذلك أيضا تشمله كبرى الغرر، و إن علم المشتري بقدرته عليه.
و حينئذ فمع علمهما بقدرة المشتري عليه، مقتضى القواعد صحّة بيعه بلا ضميمة، و عموم نهي عما ليس عندك أيضا منصرف عن هذه الصورة كما هو ظاهر.
و على أيّ حال ظهر من النّصوص السابقة أنّه لو ضم إليه غيره صح، و مقتضى النّصوص كون الثّمن في فرض تلف الآبق بتمامه قبال الضميمة، و لازمة رجوع تمامه إليه في فرض اليأس عن الضميمة أيضا. و لكن لا يخفى أن ذلك إنما يتم في صورة البناء على حمل الذّيل على التعبد المحض. و إلّا فبناء على ما أسلفناه أخيرا لا محيص من الالتزام برجوع ما يقابله بعد فرض صحّة البيع بالنسبة إلى الآبق مع الضميمة.
اللهم [إلّا] أن يقال: إن النص منساق لبيان صحّة المعاملة مع فرض بقاء الضميمة بحاله، و إلّا فمع فرض تلفه قبل القبض و انفساخ المعاملة في قبالها لا يبقى مجال صحتها بالنسبة إلى خصوص الآبق، فلا جرم يرجع المشتري حينئذ بتمام الثمن.
نعم مع حصول الآبق بيده من باب الاتفاق لا بدّ و أن يتبعض الثمن في قبال التالف، و غيره، كما لا يخفى.
و لا يجوز بيع الطير في الهواء، و لا السّمك في الماء مع اليأس عن الظفر بهما، لكبرى شرطية القدرة على التسليم أو التسليم، بلا إشكال فيه أيضا نصا (1)و فتوى.
و كل بيع فاسد فهو مضمون على قابضه، لعموم اليد الوارد على العين، لا بعنوان الأمانة حتى مع علم البائع بالفساد فضلا عن جهله، و لا يوجب رضاه في التسلم بعنوان الوفاء بالمعاملة الفاسدة موجبا لرفع ضمانه، بل و لا مقتضيا لحلّية تصرفه فيه، لما عرفت من أنّ الرضا المحلل للتصرف هو الرّضا بالتصرف في العين بعنوان كونه ماله، لا بعنوان كونه مال نفسه، فمثل هذا الرّضا في المعاملات الفاسدة لا يجدي شيئا كما هو ظاهر.
و حينئذ لو علّمه القابض صنعة أو صبغه فزادت قيمته، رجع القابض بالزيادة مع جهله بالغصب، بلا إشكال، لاحترام صنعته و صبغه و أمّا مع علمه به ففيه إشكال.
1) وسائل الشيعة 12: 263 باب 12 من أبواب عقد البيع و شروطه.
و في الجواهر: إن زاد بفعل المشتري زيادة غير عينية مع علمه بالفساد عدم رجوعه بخلاف صورة الجهل (1)، ثم أحال حكم المسألة إلى باب الغصب، و هناك أيضا التزم بعدم رجوع الغاصب إلى المالك في ذلك، خلافا للمحقّق في شرائعه في المقام (2)، و هو أيضا ظاهر إطلاق التذكرة في المقبوض بالبيع الفاسد (3)، فراجع.
و في الغصب المنسوب إلى بحث شيخنا العلّامة من تقرير بعض الأعاظم من الأساطين من تلامذته- نوّر اللّٰه مضجعه- أيضا تقوية عدم الرجوع في الفرض المزبور، و عمدة نظره إلى أنّ مثل هذه التصرفات في مال الغير بعد ما كان حراما، فلا حرمة لعمل الغاصب المستتبع، لإلقاء الماليّة عن نتيجته.
كيف و مالية هذه الأعمال بواسطة النتائج المترتبة عليها من إحداث الهيئة في العين بصنعته أو لون فيه بصبغه، فإذا فرض إلقاء الشارع احترام مثل هذا العمل و لو بعموم قوله: «إذا حرم شيئا حرم ثمنه»، لازمة قهرا إلقاء ماليّة الهيئة الحاصلة من الصّنعة، و غيرها، فتكون مثل هذه الخصوصيات كالسمن محسوبة من مراتب وجود العين فتصير ملكا لمالكها تبعا لها.
و حينئذ لا وجه لإطلاق المصنف من الحكم بالرجوع على وجه يشمل صورة العلم بالفساد الذي يكون من بيده المال بمنزلة الغاصب، كما أن إطلاق ما في التكملة أيضا منظور فيه، بل لا وجه للالتزام بالقيمة على فرض الاستحقاق كما هو ظاهر عباراتهم.
و لعله لذا صرّح سيد الأعاظم في حاشيته على التبصرة استحقاق القابض
نفس الصنعة، كما هو الشأن في صورة الجهل الذي لا يكون العمل خارجا عن الاحترام، فإن مقتضى القاعدة شركة العامل باحترام عمله في البين بنسبة ما أحدث فيه من الهيئة.
و لذا قال شيخنا العلّامة في ذيل خيار الغبن إنّه مع إحداث هذه الزيادة يصير المشتري شريكا مع البائع بنسبة ما أحدث فيه من الصّفة (1). و لعل الفرض من الشركة كون المشتري مالكا لمقدار من مالية العين، كي يكون نظير حق الزوجة في العقار، و إلّا ففي الحكم بالشركة الحقيقة، و لو بنسبة مالية الصّفة أيضا إشكال، بل التحقيق أن العامل المحترم عمله في مال الغير، لا يستحق إلّا ما هو نتيجة عمله، و هو ليس إلّا نفس الصفة، و ذلك لا يقتضي الشركة مع المالك في ذات العين، كما هو ظاهر.
و لو نقص من العين المقبوضة شيء، ضمن النّقصان كالأصل بمقتضى ضمان يده، كما أشرنا إليه سابقا، فراجع.
و إذا اختلف المتبائعان في قدر الثّمن، فالقول قول البائع إن كان المبيع باقيا على المشهور بين الأصحاب، و الأصل فيه ما في مرسل البزنطي الّذي رواه المشايخ الثلاثة عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: في الرّجل يبيع الشيء فيقول المشتري: هو بكذا و كذا بأقل مما قاله البائع، قال:
«القول قول البائع إذا كان العين قائما بعينه مع يمينه» (2)المنجبر بما سمعت، بل حكي مقبولية الرّواية عند أهل الحديث، و عن الكفاية أنّها مشهورة.
و هذا المقدار يكفي في جبر إرساله و حجيّته على المطلوب، من دون احتياج إلى جعله على طبق القاعدة، و إن أمكن تطبيقه على قاعدة: من ملك الجاري في البيع بخصوصيّاته ما دام وجود العين، لا في صورة تلفه حيث إنّه في فرض التّلف لم يكن المالك فعلا مالكا لبيعه كي يصير به مالكا لإقراره، و القاعدة ناظرة إلى الملكيّة الفعليّة.
و حينئذ تجري فيه أصالة عدم استحقاق البائع على المشتري أزيد ممّا يدّعيه المشتري، و عليه يحمل مفهوم الرّواية أيضا على فرض إجماله.
و توهم أنّ إقراره لوقوع البيع يخرج البيع عن مملوكيّته الفعليّة، فلا تنطبق عليه القاعدة، مدفوع بأنّ الغرض من مالكيّته للبيع ملكيّته له لو لا إقراره بوقوعه، و إلّا فلا يبقى مجال سماع إقرار الوكيل بوقوع البيع على موكّله، مع أنهم جعلوه من صغريات هذه القاعدة، و هكذا إقرار الولي بوقوع المعاملة في المال المولّى عليه، كما هو ظاهر.
و على أيّ حال مقتضى النّص و الفتوى شمول الحكم لصورة كون المال في يد البائع أو عدمه.
و قيل- و القائل الإسكافي (1)، و أبو الصّلاح (2)- يقدّم قول البائع إن كان المال في يده، و لعلّه من جهة تضعيف النص السابق بالإرسال، و إنّ الأصل عدم استحقاق المشتري لالتزام البائع بالإقباض مع أداء الثّمن بمقدار ما ادّعاه.
و لكن لا يخفى ما في الجهة الاولى، و عدم مشروطيّة وجوب الإقباض الّذي هو من شئون وجوب الوفاء بالمعاملة بإقباض الغير جميع الثمن، لو لا دعوى أن
له الامتناع في طرف امتناع الغير، تنظيرا للمقام بباب الإجارة بمناط كونه من لوازم طبع المعاوضة عرفا.
و عليه فنقول أيضا: إنّ الأصل المزبور مسبب عن عدم جريان أصالة عدم استحقاق البائع أزيد ممّا ادّعاه المشتري، فلا يكون الحاكم على هذا الأصل إلّا قاعدة: من ملك بالتّقريب المتقدّم، و معها لا يكاد فرق بين كون البائع زاد على المال أم لا، كما هو مقتضى إطلاق الفتاوى كما تقدم، و اللّٰه العالم.
و من التأمّل فيما بيّنا ظهر وجه ما أفاده المصنّف بقوله: و يقدّم قول المشتري مع يمينه إن كان تالفا، و قيل: إن كان المال في يده كما حكيناه عن الإسكافي (1)، و أبي الصّلاح (2). و اللّٰه العالم.
بقي في المقام أمور لم يتعرض لها المصنّف فنجعلها خاتمة للمرام، فنقول:
منها: أنّ المعروف استحباب التّفقه في المسائل المتعلّقة بالتجارة مقدّمة لمعرفة صحيحها من فاسدها، و في النصّ: «من أتجر بغير علم فقد ارتطم في الرّبا، ثم ارتطم» (3).
و في آخر: «من أراد التجارة فليتفقّه في دينه، ليعلم بذلك ما يحل له مما يحرم عليه، و من لم يتفقّه في دينه ثمّ أتجر تورط في الشّبهات» (4)و ظاهر الأخير كون حكمة التفقّه الخلاص عن الابتلاء بالشّبهة. و مثل هذا اللسان يناسب الأمر بالاجتناب عن الشبهات المحمولة على الاستحباب، كما
أنّ الأوّل ظاهر في كون الحكمة الفرار عن الربا الذي ورد في النصّ بأنّه:
«أخفى من دبيب النمل».
و حينئذ فمن الممكن دعوى عدم وجوب الفرار عن هذه المرتبة من الربا واقعا، و لو لا: فرار من الشّبهات المتعلقة بحقوق الناس بأزيد ممّا يجب في حقوق اللّٰه، غاية الأمر يستحب الاجتناب عنها بأزيد مما يستحبّ عن الشبهات في سائر التكاليف، فصار ذلك منشأ لاستحباب التفقه فيه بأزيد من التفقّه في سائر الأحكام، و الفحص عن الحلال و الحرام.
و حينئذ لا يبقى مجال للإشكال بأنّ الفحص في الأحكام الكليّة مع القدرة عليه واجب لا مستحب.
ثمّ اعلم أنّ النصوص متكاثرة على ترغيب الناس بالكسب (1)، حتى أنّ داود عليه السلام اشتغل بصنعة الدّرع، و تعيّش بثمنه.
و في قبالها نصوص اخرى واردة في الترغيب على تحصيل العلم، و في بعض المضامين: «إنّ اللّٰه قد تكفّل لطالب العلم ما يرونه حاجته عمّا ضمنه لغيره» (2)و في آخر: «يا أيّها الناس إنّ إكمال الدين طلب العلم و العمل به، ألا و إن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إنّ المال مقسوم مضمون لكم قد قسّمه عادل بينكم- إلى قوله-: و العلم مخزون عند أهله، و قد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه» (3).
و لا يخفى أن مثل هذه النصوص ظاهرة في أهميّة تحصيل العلم عن الكسب عند المزاحمة، كما أنّ النسبة بين اختيار الطرفين من باب التزاحم لا التّعارض، كي يجيء في البين شبهة التوقف، و التساقط.
ثمّ في فرض دوران الأمر بين الصنعة الخاصّة الموجبة لانتفاع الغير، القائم بها نظم معاش العباد، و بين تحصيل التفقّه، و مرجعيّته للغير في التعلّم في الأحكام، فمع عدم من به الكفاية من الطرفين لا يبعد دعوى التخيير بعد احتمال الأهمية في كل واحد، و ذلك أيضا لو لا إمكان تبعيض الاحتياط في النّاس، أو الرّجوع إلى نتيجة الانسداد، و لا أقل من تقليد الموتى، فإنه لا يبعد حينئذ دعوى تقديم الصّنعة حفظا للنّظام، و اللّٰه العالم.
و منها: أنّ المشهور كراهة تلقي الركبان، و قيل بحرمته. و الأصل فيه ما في جملة من النصوص المشتملة على المنهي عنه، و في بعضها التعليل بعدم منع المسلمين في المبادرة برزقهم (1). و مثل هذه العلّة تصلح للقرينة المانعة عن الأخذ بظهور النهي في الحرمة، بل المنساق من البقيّة أيضا ذلك، و لو من جهة شدّة المناسبة الموجبة لارتكاز الذهن في وجه النهي بمثابة يصير من الخصوصيات الحافّة بالكلام.
و لازمة كسر صولة ظهورها في الحرمة، و لا أقل من فهم المشهور- أيضا- خلافها منها، فمن المجموع أمكن التشكيك في حجيّة مثل هذه النواهي في الحرمة تكليفا.
و من الممكن إعراضهم عنها سندا، و مصيرهم إلى المرجوحيّة بمناط التسامح في أدلّة السنن، و لكن الإنصاف عدم خلوّ المسألة عن الإشكال، فلا ينبغي في مثلها ترك الاحتياط.
ثم إنّ الظاهر من النصوص السابقة خروج أربعة فراسخ عن حد التلقي، و هو يشرح ما في صدر بعضها، و المنساق منها أيضا هو التلقّي للمعاوضة، و أما التلقي للاستيهاب فلا يستفاد منها، فهو باق تحت أصالة الجواز.
1) وسائل الشيعة 12: 326 باب 36 من أبواب آداب التجارة.
و منها: أنّه إذا دفع إنسان مالا ليصرف في قبيل، فلا بدّ من ملاحظة عبارته، فإن كان منصرفا عن نفسه فهو، و إلّا إطلاقه يشمل نفسه، و ذلك أيضا مع علم الدافع بالمصداقية، و مع جهله فالمسألة أيضا تابع أخذ المنصرف عنوانا أو مرآة إلى ما يرى الدافع مصداقه. و لا يبعد ظهور الكلام في الأول، فلا بأس بصرفه على نفسه بعد ما يراها مصداقا للعنوان، كما لا يخفى.
هذا كلّه بمقتضى القواعد، و لكن النصوص بعضها مشتملة على النهي عن الأخذ، و بعضها على الجواز، و بعد عدم كونها على خلاف القاعدة جدا فلا بدّ و أن ينزّل على وجه يناسبها، و يمكن الحمل على الكراهة في مورد يستفاد من كلامه جواز الأخذ، كما لا يخفى.
و منها: أنّه لا إشكال في مرجوحيّة الاحتكار في الجملة، و إنما الإشكال في حرمته أو كراهته مطلقا، أو بشرط عدم وجود الطعام في البلد بمقدار الكفاية.
و منشأ اختلاف الأقوال اختلاف نصوص الباب: فمنها ما ورد بأنّ المحتكر ملعون، و اخرى بأن التصدّق بجميع ثمن ما باع من المحتكر لا يصير كفارة لاحتكاره، و ثالثة، بأنه إن كان الطعام كثيرا يسع الناس فلا بأس، و إن كان قليلا فإنه يكره، و في رابع مثله، و نظيرهما أيضا ما في نص آخر من حيث استفادة التفصيل منه (1)، و في نهج البلاغة الأمر بعقاب المحتكر بعد النهي، و في آخر إياك أن تحتكر (2).
أقول: لا يخفى عليك أن مطلقات النهي عنه قابلة للتقييد بالأخبار المفصّلة، كما أن عقوبة المحتكر يمكن أن يكون محمولا على حفظ سياسة البلد، لا من جهة كونه منكرا شرعيا، و أيضا يمكن حمل التحذير المزبور أيضا على ذلك، كما أن
اللعن على المحتكر أيضا لا يلازم الحرمة، و كذلك عدم جبران التصدق للاحتكار لو ورد أضعاف ذلك في المكروهات. و عليه فيشكل استفادة الحرمة من النصوص المزبورة، فضلا من مقاومتها مع الأخبار المفصّلة، كما لا يخفى.
ثم إنّ مقتضى بعض النصوص حصر مورد الاحتكار بالأجناس الستّة من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن و الزيت (1)، و في بعض آخر خلوّه عن الزيت (2)، و يحمل على مراتب الكراهة.
و ربّما يستفاد من الأخبار مناط التعدي منها إلى الملح و إن لم يكن منصوصا، و لازم ذلك التعدي إلى مثل الأرز الذي هو مورد نوع كثير من البلاد مع أنّ ظاهرهم عدم التعدي، فمثل ذلك ربّما يوهن تنقيح مناط التعدي إلى الملح أيضا.
و مقتضى الإطلاقات مرجوحية الاحتكار في الأجناس المزبورة عند تملّكها بأي سبب، لما أنّه لا إشكال حتّى على الكراهة إلزام المحتكر بالبيع، و في النّص أمر النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله ببيعه (3)، نعم ليس لهم تقويمه بسعر مخصوص، لاستنكار النبيّ ذلك، فراجع الوسائل حيث أنه عقد بابا لذلك (4)، و اللّٰه العالم بأحكامه.
و قد يعرّف الخيار بملك فسخ العقد، و عن آخر بالسلطنة على حلّه و إبرامه.
و مرجع الأوّل أيضا إلى الأخير، إذ المراد بالملك هو السلطنة، نظرا لإطلاق:
«إلّا في ملك» (1).
و حينئذ ليس ذلك قابلا للإسقاط، لأن مثل السلطنة ليس من الحقوق الاسقاطيّة، بل هو من سنخ الأحكام.
و حينئذ فما هو حق قابل للإسقاط ليس إلّا من سنخ الإضافة القائمة بالعقد، الّتي من شئونها السلطنة المزبورة.
و حينئذ فالخيار الذي هو من الحقوق القابلة للإسقاط ليس إلّا الحق المزبور، لا السلطنة المسطورة.
ثمّ إنّ مقتضى بنائهم على أن الفسخ هو الحل من حين كون العقد باقيا إلى حين الفسخ، و لازمة كون العقد أيضا نظير مضمونه من الاعتباريات القابلة حقيقة، و إلّا فلو قلنا بأن حقيقته منتزع عن الربط بين العقدين فلا يتصور له بقاء إلّا ببقاء العهد، و حيث انّ منشأ الأثر أيضا هو العهد بحدوثه بلا دخل للبقاء فيه أبدا، فالرّبط القائم بالحدوثين لا يتصور له البقاء أيضا، فلا جرم يكون العقد بحقيقته من الحقائق الحدوثية الغير القابلة للبقاء ممّا هو قابل للبقاء ليس إلّا مضمونه.
1) وسائل الشيعة 12: 249 باب 1 من أبواب عقد البيع و شروطه.
و حينئذ فما هو متعلّق للحلّ و الإبرام هو في الحقيقة ليس إلّا المضمون، و لعلّه إلى ذلك أيضا يومئ قوله: «فإذا افترقا وجب البيع» (1)، حيث نسب الوجوب الذي هو ضدّ الخيار إلى البيع، الذي هو مضمون العقد لا نفسه، فنسبة الخيار إلى العقد في كلماتهم. حينئذ ليس إلا بالعرض و المجاز.
و لئن أبيت عن ذلك و التزمت بكون النسبة إلى ما هو له، لأنّ المناسب للحل و الإبرام هو نفس العقد لا مضمونه، و أن نسبة الوجوب إلى المضمون لمحض تبعيّة لإبرام العقد إعمالا للخيار أو سقوطا، نقول:
إنه لا بد حينئذ من اعتبار بقائه بعناية اعتبار حلّه من الحين تبعا لانعدام مضمونه، فيكون العقد حينئذ من الحقائق القابلة للبقاء اعتبارا، لا من الاعتبارات القابلة للبقاء حقيقة.
فكم فرق حينئذ بين مضمون العقد و نفسه من هذه الجهة، و أن مصحّح هذا الاعتبار في العقد سرّ كون نتيجة الفسخ انعدام المضمون من حينه، فيعتبر في حينه بقاء العقد المعتبر انحلاله من حين فسخه، كما هو ظاهر.
و بمثل هذا البيان ظهر وجه استفادة اللزوم من عموم وجوب الوفاء بالعقد، حيث انّ الموضوع لما لا يكون قابلا للبقاء حقيقة، فلا يدور وجوبه مدار بقاء العقد أيضا، بل الوجوب متعلّق بالأمر الحادث، و هو غير مخل أبدا و إنما يخل مضمونه، و هو مناف لإطلاق وجوبه حتى بعد فسخه، فمثل هذا الأمر يكشف لنا عن لزوم المضمون المعبّر عنه بلزوم العقد.
و بعد ذلك لا يبقى مجال توهم أنّ وجوب الوفاء بالعقد ما دام بقاء العقد، و كونه باقيا بعد إنشاء: فسخت، أول الكلام، فيكون المقام من باب الشبهة المصداقيّة للعام، إذ هو فرع كون موضوع الوجوب أمرا بقائيا، و إلا فعلى ما
1) وسائل الشيعة 12: 346 حديث 4 باب 1 من أبواب الخيار.
عرفت من حدوثيته لا يحتمل فيه ارتفاع الموضوع، فلا يكون في البين شبهة في مصداق العام، كما هو ظاهر.
فإن قلت: بأنّ الوفاء بالعقد عبارة عن الأخذ بمضمونه، و من المعلوم أنّ مضمون العقد بعد ما كان هو الملكية، فإطلاق الوفاء بهذا المضمون إنّما تضاد تأثير الفسخ لو كان المراد الملكية الفعلية الأبدية، و لازمة تخصيص وجوب الوفاء بجميع أدلة النوافل. و هو كما ترى لم يلتزم به أحد، فتعيّن المراد بالمضمون الملكيّة الباقية باقتضائها لو لا الرافع. و حينئذ الفسخ يحتمل كونه من أحد الروافع، فلا تبقى دلالة لإطلاق وجوب الوفاء على عدم تأثير الفسخ.
قلت: ما ذكرت كذلك لو كان المضمون هو التمليك و التملك، و إلّا فلو كان المضمون معنى يلازم ذلك من علقة البديلة الأبديّة غير مناف للنوافل، و إنما المنافي له قلب هذه البديلة الذي هو مضمون فسخه، فالإطلاق حينئذ يرفع هذا الاحتمال، و هو المدعى.
لا يقال: إنّ الظاهر من وجوب الوفاء بمضمون العقد الحكم بترتب مضمونه على نفسه ترتّب المتأثّر على المؤثّر، و من المعلوم أن النظر في المؤثرات الخارجيّة إلى ترتب حدوث الأثر إلى وجود العلّة، و أما بقاؤه فمستند إلى استعداد ذاته بلا منافاة اقتضاء العلّة إيّاها مع الرّوافع الخارجيّة. و حينئذ لا يكاد يترتّب على وجوب الوفاء المزبور عدم مؤثريّة الفسخ الذي هو من الرّوافع لعلقة البديلة.
لأنّه يقال: إنّه كذلك لو لا عناية الفسخ رفع أصل الاستعداد بعناية عدم وجوب السبب من حينه، و أنّه كأن لم يكن، فوجوب ترتّب الأثر على العقد بإطلاقه تضاد تأثير الفسخ بهذه العناية جزما.
و حينئذ لا قصور في تمامية دلالة الآية (1)على لزوم العقد، و به يمتاز عن
1) المائدة: 1.
عموم حلّية البيع (1)أو تجارة عن تراض (2)، إذ مثل هذه العناوين بلحاظ قابليتها للبقاء حقيقة يقتضي كون الحكم بالحلّية دائرا مداره بقاء و حدوثا، و مع احتمال تأثير الفسخ يصير المقام من الشبهة المصداقية. و ذلك هو النكتة الفارقة بين الاثنين، كما لا يخفى.
بل و لئن دققت النظر ترى أيضا عدم جواز التمسك بعموم السلطنة لإثبات اللزوم، لأنّ عناية الفسخ هو قلب مضمون العقد بنحو برجع كل عوض إلى ما كان باقتضائه الأوليّة، بلا استناد في ذلك إلى تصرف في مال الغير كي تنافيه السلطنة المزبورة، كما لا يخفى.
و قد يتمسك لأصالة لزوم العقد أيضا بعموم: «المؤمنون عند شروطهم» (3)، الشامل لبعد إنشاء «فسخت»، بتقريب أن الملازمة الثابتة بين وجوب الوفاء بالشرط في ضمن العقد و لزومه يقتضي الحكم بلزوم كل عقد اشترط في ضمنه شرطا، و يتعدّى إلى ما لم يشترط أيضا بعدم القول بالفصل.
و توهّم أن ملازمة كل عقد جائز لعدم وجوب الوفاء بالشرط في ضمنه أيضا يقتضي تخصيص العام المزبور، و مع الشك في اللزوم و الجواز يكون المورد من الشبهة المصداقيّة للعموم السّابق، فلا يبقى مجال التمسّك به.
مدفوع بأنّ المخصّص لما كان لبّيا لا يمنع عن التمسك بالعام في المورد، و حينئذ لا يبقى مجال رد التمسك بمثل هذا العام بعدم شموله الالتزامات البدويّة، نعم الأولى منع ثبوت الملازمة السابقة، كما عن بعض الأعاظم أيضا منعه، بل غاية الأمر قضيته ضمنية الشرط يقتضي وجوب الوفاء به ما دام العقد موجودا، و ذلك لا ينافي مع جواز العقد المستتبع لرفع صرف وجوب الوفاء بالشرط، كما لا يخفى.
هذا ثمّ في خصوص البيع يكفي لإثبات لزوم عموم قوله: «إذا افترقا وجب البيع»، و مع الغض عن اقتضاء العمومات شيئا يكفي للزوم كل عقد أصالة بقاء مضمونه بعد إنشاء «فسخت».
و لا مجال لتوهم استصحاب بقاء علقة أخرى موجبة للخيار، إذ هو حق حادث متعلق بمضمون العقد أو بنفسه بلا تعلقه بالعين، و على فرضه أيضا أمكن دعوى حدوثه جديدا، و على فرض كونها في ضمن العلقة السابقة كان ضعفه بمثابة لا يرى العرف ذلك بقاء لما يثبت سابقا، فلا مجال لاستصحابه.
ثم إنّ المرجع في إثبات اللزوم لو كان هو الأصل المزبور، فلا شبهة في أن مجراه الشك في أصل الخيار. و أما لو كان الشكّ في أمد الخيار بعد ثبوته، فأصالة بقاء الخيار محكمة.
و لو كان المرجع قاعدة وجوب الوفاء بالعقد، فمقتضى عمومه ثبوت الوجوب قبل إنشاء «فسخت» حتى في العقود الخيارية، إذ غاية دليل الخيار منع الوجوب المزبور بعد الفسخ لا قبله، فقبل الفسخ لا قصور في عمومه وجوب الوفاء به. و لازمة عدم اقتضاء ثبوت الخيار محضا تقطيع الوجوب و لو في الوسط فضلا عن آخره أو أوله، فلا قصور في التمسك بالعام المزبور حتى في الخيار الوسط، فضلا عن الأول و الآخر، كما لا يخفى هذا.
نعم لو كان المدرك عموم «وجب البيع» (1)، يشكل أمر التمسك به في الخيار الوسط، إذ دليل الخيار بنفسه تضاده، فبناء على كونه متكفلا لحكم شخصي مستمر لا يبقى مجال الرجوع إليه بعد الجزم بتقطيعه في الوسط، نعم لا بأس بمرجعيّته في الأول و الآخر، لإمكان تقييد الوفاء الشخصي بأمد خاص، بلا تخصيص لعموم العقود بمثله، كي يشكل التمسك بإطلاقه بعده، لعدم استلزامه تقييدا زائدا بعد التخصيص، كما هو ظاهر.
1) وسائل الشيعة 12: 346 حديث 4 باب 1 من أبواب الخيار.
و لكن عمدة الكلام في المقام أيضا في اقتضاء الإطلاق كون القضية لبيان حكم شخصي، لإمكان حمل القضية لبيان الطبيعة السّارية في قطعات كل شخص بلا التزام لعموم زماني في البين، فلا قصور في مثله لإثبات التقطع، و أنّ طبع الإطلاق يقتضي سراية طبيعة الوجوب في كل قطعة إلّا ما ثبت فيه الخيار بدليل خارجي، كما لا يخفى.
و بمثل هذه البيانات لا بأس بإثبات فورية الخيار عند الشك في كيفيته، بعد ثبوته حتى في الخيار الوسط فضلا عن الأول و الآخر، و اللّٰه العالم.
و كيف كان نقول: إن
، و في الشرائع خمسة (1)، و عن آخر ثمانية، و عن رابع أربعة عشر (2)، و الأمر فيه سهل بعد ما لم يكن بينهم اختلاف في المبنى، و إنما الاختلاف في كيفية الجمع و الاستقصاء كما في الجواهر (3).
فمن باع شيئا ثبت له خيار، و للمشتري الخيار المزبور بلا إشكال فتوى و نصا، و يكفي له من النص عموم: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» (4)، و ظاهر كون الافتراق غاية لمثل هذا الخيار كون المدار في ثبوته على صدق اجتماعهما في مكان واحد، كيف و مع عدم الاجتماع المزبور لا يبقى مجال لشمول الحكم المعني بالافتراق، نعم لا يعتبر فيه وحدة المكان في بقاء الخيار، إذ يكفي في بقائه عدم تفرقهما.
و في هذا المعنى لا تعتبر وحدة المكان شخصا، بل يكفي فيه مجرد وحدته
نوعا، الصادق على الأمر، إذ المبادلة و لو بتوسط حركتهما من محل إلى محل، فما داما مجتمعين في المحال المتبادلة كان الخيار باقيا، لعدم حصول الغاية من افتراقهما كما هو ظاهر.
و من هذا البيان أيضا ظهر المراد من المجلس المضاف إليه هذا الخيار.
و أيضا مقتضى الانصراف في الإطلاق أو القدر المتيقّن منه، كون مركز الاجتماع حال حدوث البيع هو مكان البيع لإمكان البيعين محضا. و ما في بعض النصوص: «إذا حقق فقد وجب»، فهو مطروح، أو مأوّل.
كما أنه لا إشكال في ثبوت الخيار لمن يصدق عليه أنه بيع، و لو كان وكيلا مستقلا في نقل المال، و أمّا الوكيل في صرف إجراء صيغة العقد ففي ثبوت الخيار المزبور له نظر، قيل: لانصراف الدليل عنه، مضافا إلى أنّ المنساق من دليل الخيار إثبات السلطنة على حل العقد لمن له السلطنة على ردّ المال، و مثل الوكيل المزبور لما لا يكون سلطانا على المعنى المزبور فلا يكاد يشمله دليل الخيار هذا.
أقول: لا يخفى أنّ الغرض من الوكيل في إجراء الصيغة إن كان وكيلا في مجرد إنشائه بلا قصده التوصل به إلى البيع، بل كان القاصد هو المالك، فهو على فرض تصويره كان منصرف الإطلاقات جزما، و لكن مثل هذا العقد من الأسباب الغير المعهودة في أبواب المعاملات، فعموم الوفاء بالعقد أيضا غير ظاهر الشمول لمثله.
و إن كان الغرض مجرد إجراء الصّيغة مع قصد التوصل به إلى البيع، فهو و إن كان غير مسلّط على المال من غير جهة بيعه، لكن لا قصور في شمول عنوان البيع لمثله.
و أمّا ما أفيد في الوجه الثاني من عدم السلطنة، ففيه أن اعتبار مثل هذه السّلطنة في من له الخيار أول الدعوى، إذ الخيار بعد ما كان عبارة عن السلطنة
على حل العقد، فهو غير مرتبط بالسلطنة على المال.
نعم هنا إشكال آخر في صدق المبيع على الوكيل و لو كان مستقلا كالعامل المضارب، مبني على كون البيع عبارة عن التمليك و التملّك، إذ مثل هذا المعنى في هيأه البيع مستلزم لإرادة المملّك و المتملّك، و من المعلوم أن عنوان المملّك- على فرض صدقه على البائع لا يكاد صدق عنوان المتملك على المشتري، فالبيعان بهذا المعنى منصرف عن المشتري جزما، و حيث أنّ المبنى فاسد عندنا، لا يبقى مجال الإشكال في إجازة المشتري في الفضولي لنفسه على ما تقدم تفصيله على مبنانا أيضا كما لا يخفى.
هذا و لو اجتمع المالكان و الوكيلان في محلّ البيع، فالخيار للأربعة، بمعنى أنه لكلّ من الطرف و وكيله خيار مستقل واحد ثابت لجامعهما لا مجموعهما.
و تظهر الثمرة في اجتماع الفاسخ و المجيز كما لا يخفى.
و على أي حال لا يثبت الخيار المزبور للفضولي، و إنما هو من شئون المجيز لكونه البيّع. و إنّما الكلام في طرف اجتماعهما، بأن المدار على زمان الإجازة و مكانه، أو زمان البيع و مكانه، فعلى النقل لا بدّ من المصير إلى الأوّل، كما أنه على كشف الفضول لا بدّ من المصير إلى الثاني، و على كشف المشهور وجهان:
من كفاية الاجتماع حين الإجازة إذ هو حين إضافة العقد إليهما يتلبسان بالبيعية، و من أنّ نتيجة الكشف المزبور صيرورتهما بيعا من حين العقد، فمدار الاجتماع عليه. و مع التشكيك في الجهتين لا بد من حفظهما لأصالة عدم الخيار مع الشكّ في موضوعه، و ظروفه كما لا يخفى.
و لو كان البيع واحدا كالوكيل من الطّرفين مثلا، ففي ثبوت الخيار للتالي- لعدم حدوث الغاية و هو الافتراق، أو عدم ثبوت الخيار رأسا لظهور الغاية في كون الاجتماع شرطا، أو أن الافتراق ممن له شأنية مانع، و مثل هذا المانع غير
موجود في المقام الكاشف عن عدم تحقق طرف أصل الخيار- وجهان، و الأقرب هو الأول، و الأصل يقتضي الثاني، و لا يخلو عن قوة، فتدبر.
و من نتائج شرطيّة الاجتماع أيضا كفاية بقاء الطبيعة عند اجتماع المالكين و الوكيلين، الصادق ببقاء الاثنين منهما، و لا يضرّ به حينئذ افتراق الاثنين الأخيرين. و هذا بخلاف ما لو كان المانع هو الافتراق، إذ تصدق حصول الطّبيعة بحصول فرد واحد.
ثمّ إنّه قد يستثنى عن ثبوت هذا الخيار صور:
منها: فرض بيع العبد على من ينعتق عليه، فإنّ المشهور فيه سقوط الخيار.
و عمدة النظر فيه إلى عدم صلاحيّة المبدل للرجوع إلى البائع، كي ببركة استحقاق العين عند تعذر الوصول إليه ينتقل الأمر إلى البدل، مضافا إلى أنّ إقدام البائع على مثل هذا البيع- الذي هو من مسقطات الخيار كما سيجيء إن شاء اللّٰه- بمنزلة الاقدام بإتلاف ماله بعد البيع، فيكون من قبيل التصرف في العين بعد البيع.
أقول: لا يخفى ما في الوجهين، أمّا الأخير فلأنّ مسقطيّة التصرّف بمناط الدلالة على الرضى بإبرام البيع لا بحدوثه، و هذا المعنى غير موجود في المقام.
و أمّا الأول فلأن ما أفيد فرع كون الخيار حقا متعلقا بالعين، و إلّا فلو كان متعلقا بالعقد فحلّه منشأ لاعتبار رجوع العين إن أمكن، و إلّا فبدله، كما هو الشأن في التصرفات الناقلة خصوصا اللّازمة منها.
و النكتة الفارقة بين الجهتين: و هو أنّه على الأول لا يكون مقتضى الضمان الموجب لاعتبار وجود العين، و لو في الذمة موجودا، إذ لا يكون في البين إلّا الحقّ القائم بالعين الساقط بعدم قابليّته للتملّك، كما لا يخفى. و هذا بخلاف الثاني، فإنّ مقتضيه نفس جعل العقد الموجب لاعتبار رجوع العين، المستتبع لاعتبار
وجوده الملازم لضمانه ببدله، كما هو ظاهر.
و منها: ما لو بيع عبد مسلم من كافر، فإنّ الرجوع بالعين سبيل، فلا يجوز، و الرّجوع إلى بدله فرع اعتبار ضمان فيه، و نفس الحق لا يقتضي الضمان.
و فيه ما عرفت في الوجه الأوّل من الفرع السابق من جوابه حرفا بحرف، و ذلك أيضا على فرض اقتضاء آية نفي السبيل (1)، و لو بقرينة «بيعوه» بإطلاقه الشامل لصورة عدم شرط سقوط الخيار، إن مثل هذا المال لا يصلح للرجوع بعد بيعه، و إلّا فأمكن دعوى أنّ غاية دلالة آية نفي السّبيل عدم سلطنة الكافر على المسلم، و لو بتملكه اختيارا، و لا يقتضي نفي رجوعه إليه بالأسباب السابقة بعد حل عقدة، غاية الأمر لا يكون سلطانا على إمساكه، فيباع عليه قهرا، كما لا يخفى.
و منها: ما لو اشترى العبد نفسه، و لا يخفى أن وجه سقوط الخيار هو الذي تقدّم بجوابه، و مرجعه أنّ غاية المانع عن الرجوع ثبوته في نفس العين لا في بدله، فلا موجب لسقوط الخيار في أمثال المقام.
هذا ثمّ إن الظّاهر اختصاص مثل هذا الخيار المغيّى بالافتراق بالبيع فلا يجري في غيره، فأصالة اللّزوم من جهتها محكمة، كما أن الظاهر من النص و الفتوى كون مبدأ هذا الخيار من حين البيع، و فيما يعتبر فيه القبض كالصّرف و السّلم كان المبدأ حين القبض، كما أنّ في الفضولي مبدؤه حين الإجازة على النّقل، و على الكشف بمعنييه حين عقده. و يتفرع على ذلك اعتبار اجتماعهما في ظرف حدوث الخيار، كما لا يخفى.
و كيف كان نقول: إنّ مسقط هذا الخيار إمّا التفرق على ما تقدّم أو بأن
1) النساء: 141.
يشترطا سقوطه قبل العقد، يعني قبل تمامه بمعنى شرطه في ضمنه أو بإسقاطه بعده، و إلّا فلا يكاد يسقط باشتراط السقوط قبل حدوث الإيجاب رأسا، لأنّه إسقاط ما لم يجب، و هو خلاف الإجماع، و لو بنحو التّعليق، فضلا عن أن يكون بنحو التنجيز، فإنّه غير معقول أيضا.
و توهم أن العقد بتمامه موجب للخيار، فقبل تمامه أيضا من باب إسقاط ما لم يجب، فلا يصح شرط السقوط في ضمنه أيضا. مدفوع بأنّه يكفي في اعتبار ثبوت الشيء كونه في خلال وجود مقتضيه، فالعقد بعد ما كان مقتضيا للخيار، فالشرط الحاصل في ضمن مثله كان في خلال وجود المقتضي، و هذا المقدار يكفي في صحّة اعتبار السقوط و صحّة شرطه.
و بهذا البيان ظهر أنّ مرجع هذا الشّرط في الحقيقة إلى شرط عدم الحدوث، و غاية الأمر لا مطلق عدمه المنافي لعنوان سقوطه و لو اعتبارا.
فإن قلت: إن لازم رجوعه لبّا إلى شرط عدم الحدوث، و كون الشرط في الحقيقة مانعا عن تأثير العقد المقتضي بحكم السّنة، مع أن الظاهر من عدم مخالفة الشرط للسنّة عدم كون مضمون الشرط شيئا في قبال مضمون السّنة. و مرجع ذلك إلى عدم اقتضاء الشّرط شيئا في قبال اقتضاء السنة، و حيث فرضنا دلالة السّنة على اقتضاء العقد ثبوت الخيار، فكيف يقتضي الشرط المزبور عدمه.
قلت: بعد فرض اعتبار العرف وجود الشيء في ظرف وجود مقتضيه، فاعتبار سقوطه حينئذ بمنزلة إعدامه بعد انوجاده، و من المعلوم أن هذا المعنى لا ينافي السّنة مضمونا، إذ نظره إلى مجرد اقتضاء وجوده حدوثه بلا نظر فيه إلى بقائه، و إنما البقاء من تبعات عدم إسقاطه بمسقط خارجي، فكأن المقام من باب إعمال عناية تنزيل في اعتبار السقوط بعد الثبوت.
غاية الأمر المصحّح لهذا الاعتبار هو العقد المقتضي له، و إن كان في
الحقيقة من باب عدم الثّبوت رأسا، المنافي لاقتضاء الشرط لأصل الثبوت.
و لازمة استفادة تنزيل ما هو مخالف للسنّة حقيقة بغير المخالف، و هذا المقدار كاف في صحّة الشرط بلا احتياج حينئذ إلى إرجاع هذا الشرط حقيقة إلى شرط السقوط الحقيقي، و لو بنحو التعليق.
كيف و لازمة كون مثل هذا العقد المشروط بهذا الشرط مؤثرا في الخيار الفعلي، و لو في عالم الرتبة، و لا أظنّ التزامهم به فضلا عمّا لو ادعى ترتب أنّ خياري من قبل العقد المزبور، إذ هو كما ترى خلاف المنساق من كلماتهم بإطلاقها، كما لا يخفى.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر دفع إشكال آخر، و هو أن ثبوت هذا الخيار بعد ما كان من قبل الشرع، فليس أمر وضعه و رفعه إلّا بيد الشارع، و ما هو بيد المكلّف هي الخيارات الجعليّة الناشئة من قبل جعل المتبائعين، لا مثل هذه الخيارات الثابتة بأصل الشرع.
و حينئذ لا مجال لجعل المكلّف في متن العقد سقوط هذا الخيار الراجع إلى عدم ثبوته، إذ بعد ما كان ثبوته بيد الشرع و خارجا عن حيّز اختيار المكلّف، فكيف يصحّ شرطه؟
و توضيح الجواب بأن يقال: إن ما لا يكون باختياره ما كان راجعا إلى عدم ثبوته و لو بإعدام مقتضيه، و أمّا عدم ثبوته بإبداء المانع فلا قصور في ناحية المكلّف من تلك الجهة، إذ الثبوت بهذه المثابة ليس بيد الشارع.
نعم ربّما يشكل أمر الشرط في مانعيّته عما يقتضي خلافه غيره، لصدق كونه مخالفا للسنّة الموجبة لاقتضاء العقد إياه بحكم الشارع، و لقد عرفت رفع الشبهة من هذه الجهة أيضا.
و محصّله أن مثل هذا المانع المتحقق في خلال المقتضي بمنزلة المسقط للخيار
بنظر العرف، فلذا يشترط عنوان سقوط الخيار في ضمن عقده، و بعد هذا الاعتبار لا يكون المقام بنظر العرف من مصاديق الشروط المخالفة و لو تنزيلا، فيكون اعتبارهم السقوط في المقام حاكما على عنوان مخالفة هذا الشرط للسنّة كما هو ظاهر، فتدبّر، فإنّه مبدأ دقيق نافع و سار في جميع الخيارات الشرعيّة، كما لا يخفى.
ثمّ إن من جملة مسقطات الخيار شرط عدم الفسخ بعد تمام العقد، فإنّ مقتضى الشرط المزبور نفي السلطنة على إعماله، و ما هو شأنه ذلك لا يكون قابلا لبقائه، لأنّ السلطنة على التخاير من مقومات الحقّ المزبور، فمع عدمه و لو بالشرط لا اعتبار عند العرف لبقاء الحق، نظير ما لو شرط مباشرة أحدهما للتخاير، فإنّه أيضا مانع عن الانتقال بالإرث، لعدم سلطنة غيرهما أيضا على الاعمال، فلا يبقى معه مجال انتقال الحق حينئذ بالإرث لعين ما ذكرنا. نعم لو شرط عدم سلطنة أحدهما على الأعمال المزبورة يبطل الشرط، لكونه مخالفا للشرع.
و الفرق بين المقامين أن مضمون الشرط في الأوّل لا يكون مخالفا، و إنما جاء نفي السلطنة من قبل وجوب الوفاء به، و هذا بخلاف الآخر كما لا يخفى.
و من مسقطاته إسقاطه بعد العقد بإنشائه مستقلا فعلا أم قولا، و في قابليته للتسبب بفعل الغير إشكال، و في صلاحيته للفضولية أشكل، لأنه من الإيقاعات الغير الجاري فيها الفضولي على ما سيأتي شرحه في الطّلاق إن شاء اللّٰه، خلافا للجواهر (1)و شيخنا العلّامة (2)في المقام، و توضيحه موكول إلى محلّه
إن شاء اللّٰه.
و أما شرط إسقاطه فلا يكون بنفسه مسقطا، و إنما هو مستتبع لإلزام الطرف بالإسقاط، و إلّا يرفع إلى الحاكم فهو ولي الممتنع فينشئ الإسقاط ولاية، كما هو الشأن في سائر المقامات الممتنع عن أداء حق الغير، كما لا يخفى.
ثمّ إنه مع حصول التخلّف في زمان المجلس، ففي اقتضاء هذا الشرط خيارا للشارط بعد الافتراق وجهان: من أنّ غرضه منه خروج العقد عن التّزلزل رأسا، فيكون بمنزلة المقدّم على لزوم العقد، فلا يشمله عموم نفي ضرر التخلّف.
و من إمكان تعلّق غرضه بخروج العقد عن التزلزل من ناحية المشروط عليه، أو التزلزل من ناحية خيار المجلس، بلا نظر إلى لزومه من سائر الجهات لنفسه، فالأقوى ثبوت خيار جديد، لو لا دعوى كفاية احتمال الغرض الأول في سقوط عموم نفي الضرر، لعدم إحراز الامتنان الذي هو من القرائن المتصلة الحافة به، كما لا يخفى فتدبّر.
ثمّ إن من جملة ما لا يبقى معه الخيار افتراقهما الحاصل بحركة أحدهما و سكون الآخر، و يؤيده قوله: «مشيت خطا» (1)، و في دخل تعدد الخطوات في حصول الافتراق كما هو ظاهر النص إشكال، بل الظاهر كونه في بيان حصول الافتراق بخطاه، لا في مقام دخل تعدد الخطوة فيه، فمع حكم العرف بحصوله بأقلّ من ذلك لا محيص عنه، للإطلاق.
ثم إنّ الظاهر كون الافتراق غاية للخيار، لا مانعا و رافعا في عرض سائر
1) وسائل الشيعة 12: 348 حديث 3- 4 باب 2 من أبواب الخيار.
المسقطات، فجعله في زمرتها لا يخلو عن تسامح. كما أنّ الظاهر منه كون افتراقهما برضاهما به. و يؤيده ما في النص أيضا من قوله: «فلا خيار لهما بعد الرضى منهما» (1)، بناء على حمله على الرضى بالافتراق لا الرضى بالبيع، بجعل الافتراق كاشفا عنه تعبدا. و لعل نظر من جعله من المسقطات إلى هذا الاحتمال في النص.
و على أيّ حال لا يكون الافتراق عن كره مسقطا، إذ مثل هذا الافتراق لا يكون كاشفا عن الرضى بالبيع، فضلا عن أن يكون الرضى متعلقا بنفس الافتراق، كما لا يخفى.
نعم لو أغمض عن هذا النص بحمله على الغالب و كان المدار على المطلقات، يكفي في اقتضاء حديث الإكراه رفع غاية الافتراق أيضا، لحكومته على المطلقات، كما هو ظاهر.
نعم قد يشكل في مسقطيّة الإكراه للغاية عند التمكن من التخاير حين الافتراق، لإمكان منع صدق الامتنان في المورد، لأنّه كالمقدّم على عدم الخيار، فلا يكون وضعه على خلاف امتنانه.
و لو أكره أحدهما على الحركة و ترك التخاير و لم يمنع الآخر، ففي ثبوت خيار المختار أو سقوطه وجهان، الأقوى هو الأخير، لصدق افتراقه برضاه.
و أما المكره على الحركة فالأقوى فيه أيضا عدم سقوط خياره، لعدم كون افتراقه برضاه. فتوهم سقوطه أيضا بخيار أن الافتراق القائم بالاثنين لا يكون عن إكراه إلّا بإكراه كليهما، نظير توهم ثبوته لهما بخيار أنّ المسقط هو الافتراق برضى منهما، و هو غير حاصل، مدفوع بأنّ الغرض من الافتراق برضاهما كونه غاية لخيارهما لا لخيار كل منهما فخيار كل واحد منوط بعدم افتراق من قبله عن
1) وسائل الشيعة 12: 348 حديث 3 باب 1 من أبواب الخيار.
رضاه، و هذا المعنى لا يكون إلّا بحركة أحدهما برضاه و سكون الآخر كذلك، فحصول كل واحد من أيّ طرف واف لإثبات الغاية من طرفه فيكفي فيه رضاه كذلك، كما أنّ في إكراهه فيه يلاحظ كرهه كذلك.
و لو زال الإكراه بعد افتراقه، فإن لم يبق جهة اجتماع بينهما مكانا عرفيا، فلا إشكال في بقاء الخيار بلا غائية الافتراق، لعدم تصوره بعد ذلك. و إن بقي له جهة اجتماعيّة، فإن كان الخيار مشروطا ببقاء شخص الاجتماع الحاصل حين العقد فالخيار ساقط، كما أنه كذلك لو كان الافتراق بطبيعته الصرفة غاية. و أما إن كان الشرط طبيعة الاجتماع فهو ما دام باقيا بنوعه فالخيار باق كما هو الظاهر.
ثم إنّه قد تقدّم منا أيضا تبعا للمصنّف و غيره أنّ هذا الخيار كخيار الحيوان أيضا لا يثبت في غير البيع، لقصور دليله، فراجع و تدبّر في وجهه.
فاعلم أن كل من اشترى حيوانا يثبت له الخيار خاصة ثلاثة أيام من حين العقد، بلا إشكال في أصل ثبوت الخيار المزبور فتوى و نصا، و يكفي من النص قوله: ما الشرط في الحيوان؟ قال: «ثلاثة أيام للمشتري» (1)، و نظيره ما في نص علي بن أسباط (2)، و صحيحة الحلبي (3)، و مرسلة الفقيه (4)، و صحيحة ابن رئاب (5). و أصرح من الجميع ما في قرب الاسناد (6)، و في
صحيحة ابن مسلم: «المتبائعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان» (1)، و في آخر:
«صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام» (2).
و لا يخفى أن مقتضى الجمع بين النصوص حمل القيد في الأولى على الغالب من كون المبيع حيوان، و إن كان لازمة حمل إطلاق الأخير أيضا على الغالب من كون صاحب الحيوان هو المشتري، فلا يبقى مجال لترجيح التقييد المزبور على الإطلاق الأخير، و لا العكس فيهما بالنسبة إلى البائع المنتقل إليه الحيوان بحكم المحمل.
نعم كلاهما ظاهران في عدم ثبوت الخيار للبائع المنتقل عنه الحيوان، و كذا المشتري المنتقل عنه الحيوان، فيتعارضان مع إطلاق المتبائعان في نص ابن مسلم المتقدمة، فيدور الأمر بين رفع اليد عن ظهور القيد في المفهوم، أو ظهور إطلاق المتبائعين في المنتقل عنه و إليه. و لا يبعد ترجيح الأخير لو لا قوة التقيّد من تلك الجهة في السابقة، و لا أقل من التكافؤ، فتبقى أصالة اللّزوم في غير ما تيقن ثبوته باقيا.
و لازمة الأخذ بإطلاق المتبائعان من حيث كونه ممّا انتقل إليه الحيوان.
و في مثله لا يبقى مجال الإشكال في صاحب الحيوان الشامل للبائع، كما ذكرنا، فلازمه ثبوت الخيار لمن انتقل إليه الحيوان بائعا أم مشتريا، كما لا يخفى.
و حينئذ فما عن المصنف وفاقا للمشهور من تخصيص الخيار بالمشتري منظور فيه، لو لا شبهة إعراض المشهور عن نص ابن مسلم المتقدم، فإن تمّ به الوهن في سند الصحيحة فهو، و إلّا فلا محيص من المصير إلى ثبوت الخيار لمن انتقل إليه الحيوان بائعا أم مشتريا، دون من انتقل عنه حيوانه كذلك.
و على أي حال ظاهر النصوص المزبورة كون بدء الثلاثة حين البيع، و ربّما يومئ إليه ما في بعض النصوص من قوله: «و في سوى ذلك حتى يفترقا» أن الظاهر منه كون الخيارين مشتركين في البدء، و إنما اختلافهما في طرف المنتهى.
و توهّم عدم إمكان اجتماع إضافات متعدّدة لشخص واحد ممنوع، إذ يكفي لاختلاف الإضافات اختلاف حدود الشيء بلحاظ ما فيه من الجهات، فلا تقاس الحقوق حينئذ بالملكيّة، التي عبارة عن إضافة الشيء إلى الشخص بجميع جهاته.
و حينئذ لا يبقى مجال توهم كون بدية زمان الافتراق لهذه الشبهة أو لما دلّ على أنّ التلف في زمن خيار الحيوان من البائع، مع أنّه في الخيار المشترك من المشتري، لإمكان حمله على صورة اقترانه بخيار آخر، و أنه بصدد حكم خيار الحيوان بما هو حيوان، بلا نظر منه إلى صورة تقارنه بخيار آخر، مع أنّ في التمسك بمثل هذا الإطلاق للمدعي إشكال آخر، كما أشرنا [1] إلى نظيره كرارا في باب المعاطاة و غيره، فتدبّر.
و على أي حال لا يتم إطلاق بدأة من حين العقد إلّا إذا ترك على الغالب من كونه حين البيع، كما لا يخفى.
و أيضا الظاهر من بيع الحيوان ما كان الغرض من بذل المال تحصيل هذا العنوان و لو يعلم بعدم تعيّشه أزيد من يوم أو يومين، و أمّا ما كان المقصود من بذل المال في متن المعاملة حيث لحمه، كالسمك المخرج من المال حال حياته أو المذبوح كذلك، فلا يكون داخلا في النصوص و الكلمات.
نعم ظاهر الإطلاق في النصوص و الكلمات مطلق ما يكون حيوانا و لو مثل دود القزّ، بل و الإنسان حتى الأمة.
و ما يتوهم بأن أمد الخيار فيها زمان استبرائه بخيال اقتضاء حكمة الخيار فيها ذلك، لعدم الاطلاع بخصوصياتها في أقل من ذلك، منظور فيه بمنع صلاحيّة الحكمة المزبورة لتقييد الإطلاقات كما لا يخفى.
ثم إن المراد من ثلاثة أيّام في المقام ما هو المراد من الثلاثة في أقل الحيض، أو العشر في أكثره، أو الإقامة و أمثالها، و الظاهر من الجميع الثلاثة من بياض اليوم على وجه يجديه التلفيق، و لازم استمراره المنصرف منه دخول الليلتين الوسطين فيه دون الأول و الآخر، كما هو ظاهر.
و على أي حال ما لم يمض هذا المقدار إن شاء الفسخ فيها من له الخيار على الخلاف السابق فسخ ما لم يشترطا سقوطه على التفصيل السابق في خيار المجلس إشكالا و حلا، أو ينصرف المشتري فيه بلا خلاف في مسقطيته أيضا في الجملة فتوى و نصا.
و في نص ابن رئاب قوله: «إن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة فذلك رضى منه و لا شرط له». قيل له: و ما الحدث؟ قال: «إن لامس أو قبل أو نظر منها إلى ما كان يحرم عليه قبل الشراء (1).
و في صحيحة الصفار التمثيل بأخذ الحافر و ركوب ظهرها فراسخ (2).
و لا يخفى أن ظاهر الأخير عدم مسقطيّة مطلق الركوب، بل و يدلّ على عدم مسقطية سائر التصرفات الجزئية السيرة المعلومة على بقاء الخيار مع أمثال هذه
التصرفات، خصوصا مع عدم معرفة حال المبيع بدونها، الذي هو حكمة جعل الخيار المزبور في ثلاثة.
و حينئذ لا يستفاد من الرواية إلّا ما كان من التصرفات المنصوصة، التي لا يكون صدورها غالبا إلّا ممن كان بصدد إبقاء المبيع على ملكه، لا مثل التصرفات الامتحانية التي هي بعد على تزلزل في إمساكه أو ردّه. و لازمة الالتزام بأن المدار على التصرفات الحاكية نوعا عن الرضى بالبيع كالعرضية و أمثالها، و حيث أن الحاكي عن الشيء بنظر حكائي كأنه عين الشيء، عبّر في النص بأن ذلك التصرف رضى بالبيع.
و ربما يستفاد منه أيضا أن تمام المدار في لزوم البيع أيضا على الرضى به باطنا و أن التصرف المزبور من طرفها بلا موضوعيّة فيها، فلو انكشف الحال من الخارج بلا تصرف منه كاف حينئذ في لزومه، و ذلك أيضا لا يقتضي طريقية الفسخ في حلّه، إذ من الممكن أنّ حل العقد كانعقاده من الأول يحتاج إلى مظهر خارجي، بخلاف إبرامه الحاصل بعد انعقاده، فإن فيه خفة مئونة ليس في غيره ذلك كما هو واضح.
و كيف كان فإن تلف المبيع في هذه المدة قبل القبض أو بعده فمن البائع، أما حكم قبل القبض فواضح، لعموم «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه» (1).
و أمّا بعده فبناء على تخصيص الخيار في المقام بالمشتري، كما هو مذهب المصنف بل المشهور، فكذلك فإن البائع حينئذ ممن لا خيار له، فيشمله العموم المعروف بأن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له، و هو في المقام مخصوص
1) انظر: وسائل الشيعة 12: 358 باب 10 من أبواب الخيار.
بالبائع، كما أن القاعدة المزبورة مختصة إجماعا ببعد القبض.
و أمّا بناء على المختار في الجمع بين الأخبار، بأن مقتضاه كون الخيار لمن انتقل إليه الحيوان بائعا أم مشتريا، فقد ينتهي التلف في المقام إلى كونه من مال المشتري بمقتضى هذه القاعدة.
و على أيّ حال ظاهر القاعدتين كون التالف من مال البائع، و لازمة الالتزام بانفساخ المعاملة آنا ما قبل التلف، كما هو المعروف. و يمكن أن ينزّل قوله بأن التلف من مال كذا على بيان ورود النقص الحاصل في شخص المعاملة بالآخرة إلى كسبه، الذي يرجع إلى كون قرار الضمان المعاملي عليه، و لازمة تحديد الضمان المزبور بضمان المسمى إذ الخسارة الحاصلة من قبل المعاملة المزبورة ليس إلا بالنقص الحاصل من قبيل المسمى، فليس عليه إلّا المسمى لا العرض واقعا، و لعل ذلك أيضا وجه إطباقهم بمضمونية التالف قبل القبض بالمسمى كما لا يخفى.
ثم إنّ الضمان فيمن لا خيار له بظاهر كلماتهم مختصة بالخيارات الزمانية، و لازمة شمول القاعدة لخيار المجلس أيضا. و لكن المستفاد من نصوص الباب ليس بأزيد من خيار الحيوان و الشرط حسب قوله: «ينقضي شرطه ثلاثة أيام» (1)، و قوله في آخر: «إن كان بينهما شرط أيام معدودة» (2)إلخ. و لازمة الاقتصار في خلاف القاعدة على المتيقن، لو لا ظهور قوله في نص آخر: «حتى يمضي شرطه» (3)، الشامل بإطلاقه لخيار المجلس أيضا بقرينة إطلاقه عليه في النص، و ذلك أيضا لو لا دعوى معهودية الشرط المنصرفة إلى ما اشترط في متن المعاملة،
إذ هو المناسب لإضافة الشرط إليه، و لا أقل من التشكيك في إطلاقه، لو لا فهمهم الإطلاق بقرينة إطلاق كلماتهم لمطلق الخيارات الزمانية الثابتة بعد القبض.
و على أي حال لا وجه للتعدي منها إلى مطلق الخيار، حتى مثل الغبن و غيره من الخيارات الغير الزمانية كما لا يخفى.
و أيضا مورد نصوص الباب و قاعدة التلف قبل القبض تلف خصوص المبيع، و لكن التزم شيخنا الأعظم (1)تبعا لجمع من الأعاظم بجريانه في الثمن أيضا، و لعله من جهة استفادة المناط من قوله: «و يصير المبيع للمشتري»، و أنّ مدار الضمان على لزوم المعاملة، و فيه نظر.
نعم لو بنينا على أن مدرك أصالة اللزوم في العقود هو الاستصحاب، أمكن دعوى حكومة استصحاب ضمان التلف قبل القبض إلى بعده، بناء على قيام الإجماع على التيسرية في هذه القاعدة. و لكن الإنصاف تمامية بعض العمومات على اللزوم، و معه لا يبقى مجال لهذا الاستصحاب كما هو ظاهر.
ثم إنّ ظاهر القاعدتين صورة التلف، و لا يشمل صورة إتلاف البائع أو المشتري. نعم ظاهر كلماتهم إلحاق الإتلاف بأمر الشارع بالتلف، و لعله من جهة أن أمر الشارع أخرجه عن تحت اختياره، فكأنّه تلف عليه قهرا.
و لكن الإنصاف منع تمامية هذا الوجه، إذ الإتلاف القهري أيضا موجب لاستقرار المال في عهدته، و معه لا معنى لقرار الضمان على غيره، فلو لا قيام إجماع على الإلحاق المزبور لكان للنظر فيه مجال، و اللّٰه العالم.
ثم إن هذا الضمان ثابت ما لم يحدث المشتري فيه حدثا مسقطا لخياره، و إلّا فلا خيار له كي يصدق التلف في زمن الخيار، كما أن بالنسبة إلى الضمان
1) المكاسب: 300.
قبل القبض أيضا، فإحداث المشتري فيه و إتلافه كان بمنزلة قبضه، فلا يبقى موضوع للتلف قبل القبض، مع أن القاعدة مختصة بالتلف لا الإتلاف كما عرفت.
و إتلاف وصف الصحة أيضا موجب لصيرورة عهدته عليه، فلا يصلح لأن يكون قراره على غيره و لو بالمسمى المقابل للصحيح كما هو ظاهر، فمثل قاعدة التلف قبل القبض أيضا منصرفة عن هذه الصورة لما عرفت.
و العيب الحادث من غير تفريط في يد المشتري لا يمنع الردّ بالعيب السابق بل ربما يقتضي ذلك خيارا مستقلا لرده، نظرا إلى عموم التلف في زمن الخيار لتلف وصف الصحة أيضا. و بهذه الملاحظة ربما يشمله أيضا عموم قاعدة التلف قبل القبض أيضا، المستلزم لكون خسارته على البائع بنسبته إلى الثمن المسمّى.
و ربما تظهر الثمرة بين ما ذكرنا و بين كلام المصنف في صورة التبري عن العيب السابق، فإنه على ظاهر كلام المصنّف يسقط الردّ رأسا، بخلافه على ممشانا، و لا بأس بالالتزام بما ذكرنا بعد مساعدة الدليل، خصوصا مع إمكان إرجاع أمثال عبارة المصنف أيضا إلى ما ذكرنا، فتأمل.
و هو يثبت في كل مبيع اشترط الخيار فيه، بلا إشكال فيه نصا و فتوى. و الأصل فيه عموم: «المؤمنون عند شروطهم» (1)، بعد الجزم بعدم كون الوفاء بمضمون العقد منافيا لثبوت حق الخيار، إذ مرجعه إلى عدم اقتضاء العقد
1) التهذيب 7: 371 حديث 66 باب 31 من أبواب النكاح.
لسلطنة أحد الطرفين على حلّه، و مثل ذلك لا ينافي لاقتضاء الشرط مثل هذه السلطنة، فمرجع الوفاء بمضمون العقد بهذا المعنى إلى ترتيب الأثر على طبق مضمونه في طرف عدم المقتضي للسلطنة المزبورة، و هذا المعنى مساوق الحكم بحليّة الغنم في طرف عدم اقتضاء الغنيمة لرجحان أحد الطرفين، فلا ينافي اقتضاء الشرط أو غيره رجحان تركه أو فعله، بل لو لا عموم الوفاء بالشرط يكفي لنفوذ الشرط المذكور عموم الوفاء بالعقد الخاص المتضمن لثبوت مثل هذا الحق على وجه.
و على أي حال مقتضى العموم المزبور عدم الفرق بين اتصال زمان الشرط بالعقد أو انفصاله، و مع الإطلاق ربما ينصرف إلى الاتصال بالعقد، و مع التعيين بيوم الخميس مثلا ينصرف إلى أول طلوع فجره. و إلى ما ذكرنا أشار المصنف بقوله: و لا يقدّر بمدة معينة بل لهما أن يشترطا بما شاءا بشرط أن تكون المدة مضبوطة، لعموم نفي الغرر الساري من الشرط إلى البيع، و لذا نقول بمفسدية الشرط المجهول و إن لم نقل به في غيره.
و يجوز اشتراط لأحدهما أولهما أو للثالث الأجنبي، للعموم، بعد قابلية المحلّ لتعلق حق الخيار للخارج عن المتعاقدين أيضا كما لا يخفى.
ثم إن مقتضى ما ذكرنا في وجه تحكيم عموم المؤمنون مع عموم الوفاء بمضمون العقد، من كون نظر العموم التالي كعموم حليّة الغنم إلى عدم اقتضاء العقد أو الغنم شيئا صحة شرط الخيار في ضمن عقد آخر أجنبي عن هذا العقد، كما أنه على مسلك إثبات اللزوم بالاستصحاب أيضا هو ذلك.
نعم على مسلك دفع التنافي بعدم إطلاق العقد لفرض طروء الطارئ أمكن إثبات إطلاقه بالنسبة إلى مثل هذا الطارئ، الذي يعدّ عند العرف أجنبيا عن هذا العقد، كما أنه لو بنينا على إطلاق وجوب الوفاء على وجه يقتضي نفي اقتضاء خارجي أيضا عند إطلاق مضمون العقد و إن فرض اشتراط في متنه من
جهة كونه محسوبا من خصوصيّات مضمونه الواجب الوفاء بمضمونه بخصوصياته، كان لفساد مثل هذا الشرط أيضا مجال، و المسألة من هذه الجهة لا تخلو عن إشكال.
ثم إنه لو شرط استثمارها بأمر الأجنبي في التخاير، ففي رجوعه إلى تضييق دائرة الحق وجهان، و تظهر الثّمرة في إسقاط الحقّ قبل الأمر، و لا يبعد الأخير، للأصل، لو لا دعوى فهم العرف الأول.
و عليه أيضا لا ترد شبهة مخالفة الكتاب، بخيال أن قضية الحق السلطنة على طرفي التخاير، فتصير السلطنة في ظرف كذا تنافي مقتضى الحق المزبور، لأنّه يقال: إنه كذلك لو كان مفاد الشرط نفي السلطنة، و إلّا فلو كان المفاد نفي الاعمال فلا قصور للشرط في نفوذه، إذ السلطنة بنفسه لا تقتضي عملا خاصا، فلا يكون مفاد شرطه مخالفا للسنة، و إنّما المخالفة جاءت من الأمر بالوفاء به، و هو غير مضر بعالم الشرط، كشرط عدم التصرف الكذائي في الأملاك كما هو ظاهر.
ثم إن من أفراد هذا الخيار ما يضاف البيع إليه، و هو اشتراط مدّه يردّ فيها البائع الثمن و يرتجع المبيع، فإن خرجت المدة و لم يأتي البائع بالثمن كاملا مع شرط ردّه كذلك- و إلّا فبمقدار ما لم يرد بالنسبة إلى ما يقابل المبيع بالثمن- لزم البيع بلا إشكال فيه في الجملة، فتوى و نصا (1).
و ينبغي أولا شرح فروض المسألة و بيان تطبيقها على القواعد، ثم التعرض لاستفادة أيّ منها من النصوص الخاصّة، فنقول:
إنّ مفاد الشرط تارة الخيار في المدّة المعيّنة، و ان رد الثمن شرط إعماله
1) وسائل الشيعة 12: 254 حديث 1- 2 باب 7 من أبواب الخيار.
بإنشاء فسخ، أو شرط كون رده الثمن فسخا فعليا، أو كان ردّ الثمن شرط أصل الخيار، أو شرط انفساخ المعاملة، أو شرط الإقالة من الطرفين. و الظاهر أنّه لا قصور في إتمام الجميع على القواعد، لو لا تعليق المشروط به على أمر مجهول يوجب الغرر في المعاملة، و ذلك أيضا لو لا إرجاعه إلى شرط أمر تعليقي في المدة المعينة فإنّه يخرج به عن الغررية، و لكن لازمة تعليق الخيار أو الأعمال.
بمجيء زيد و أمثاله و لو في المدة المعينة، مع أن الظاهر بناؤهم على غررية المعاملة بذلك.
اللّٰهم [إلّا] أن يفرّق بين المقامين بأنّ المعلّق عليه في المقام هو الردّ الكلّي القابل للإيجاد في أيّ زمان، فبعد تعيينه في زمان مخصوص لا يبقى جهة جهل فيه، بخلاف مجيء زيد و أمثاله، فإنّه من الأمور الخارجية الشخصية التي لا إبهام فيه، بل كان معلوما عند اللّٰه و مجهولا عند المتبائعين، فلا تخرج المعاملة في مثله عن الغررية، بخلاف الأول.
نعم لو أغمض عن هذه الجهة لا يبقى مجال دعوى أن التعليق بأمر خارج عن الاختيار بجعل الشرط خطريا، بخلاف تعليقه على أمر اختياري، فإن العرف لا يرونه خطريا، كما هو ظاهر. و إلى ذلك يرجع ما أفاده شيخنا العلّامة في مكاسبه (1)أيضا، لإمكان دفعه بأنّ ذلك كذلك بالنسبة إلى المختار، و أما بالنسبة إلى طرفه فهو خارج عن الاختيار، فيصدق بالنسبة إلى المشروط عليه جعل شرط منوط بأمر خارج عن اختياره، فتكون المعاملة بالنسبة إليه خطريا.
هذا مع أن شرط الانفساخ بنحو النتيجة فرع صلاحية الشرط للسببية، و إلّا فمع احتمال دخل سبب خاص فيه، مرجع المورد إلى شبهة عدم قابلية المشروط للوجود بالشرط، و دليل وجوب الوفاء قاصر عن إثبات قابلية المحل،
1) المكاسب: 276.
و عليه فنحصر ما يكون خالصا عن الإشكالين صورة كون شرط رد الثمن فسخا فعلا، و هو المناسب للنصوص الخاصّة التي من جملتها موثقة إسحاق المشتملة على قوله: أبيعك داري- إلى قوله- على أن تشترط لي أني إذا جئتك بثمنها إلى سنة تردها عليّ قال: «لا بأس بهذا إذا جاء بثمنها ردها عليه» (1). و نظيره ما في نص معاوية بن ميسر (2).
و في بعض النصوص: «إن أتاك بمالك و إلّا فالبيع لك» (3)، و ذلك لأنّ الظاهر من تعليق الردّ بمجيء الثّمن ملازم لكون مجيئه به فسخا فعليا، و إلّا فلا بدّ من حمل ردّه على ردّه في الملكيّة بسببه من إنشاء فسخ لا الردّ الخارجي المترتب على تملكه.
و الأول أظهر، لو لا تأييد الثّاني بالنص من قوله: «فالبيع لك»، بمعنى أن زمام أمره بقاء و حلا بيدك. و لازمة كون الرد شرط إعمال الخيار أو أصل الحق، بلا كون الرد فسخا فعليا.
و لكن الإنصاف إمكان حمل قوله: «البيع لك» بمعنى أن نتيجته من تملك المبيع لك، فيرجع مفاده إلى المعنى الأوّل، الملازم لكون الردّ فسخا فعليا، و لا أقل من الشك، فمقتضى القواعد- لو لا ما أشرنا- بطلان شرط الخيار، أو الأعمال المشروط بالردّ المجهول، لو لا دعوى مخالفة ذلك للسيرة، و ظهور الكلمات في شرطيّة الردّ للخيار. و لعلّه يكفي للقرينة على ظهور النص الأخير في ثبوت الخيار منوطا بالردّ، بل و يمكن جعله قرينة على جعل الردّ في قوله: «يردها» في الفسخ الملازم للردّ الاعتباري لا الخارجي، خصوصا مع قابلية حمله على صورة كون
المبيع بعد بيد البائع، فإنّه يلازم مع الرد بهذا المعنى فتأمل.
و على أي حال نقول: إنّ التلف في مثل هذا الخيار و في زمانه بعد القبض من المشتري في المدّة، لأنه ممن لا خيار له، فيدخل في الكبرى السابقة، و النماء له أيضا، لأنّه ملكه، و ذلك ظاهر.
ثم إنّ الردّ الذي هو شرط الخيار أو الفسخ الفعلي هو الردّ خارجا، و ربّما يكفي فيه مجرد التسليط به كذلك، لو لا انصراف الشرط إلى التسليم و القبض.
كما أنّ الظاهر هو رد مثل الثمن لا نفسه، خصوصا مع كون الثمن غالبا كليا و أن تعيينه يقبضه، فيصدق على مثله أيضا أنه فرد كلي الثمن المجعول، كما أنّ هذا الخيار يسقط بإسقاطه في المدّة بعد الرد بلا إشكال، و قبله على شرطيته لأعماله، و أمّا على شرطيّته لنفسه ففيه إشكال، لو لا دعوى كفاية الشرط في اقتضائه و أنّ الردّ بمنزلة المعدلة و كفاية الإسقاط أيضا في ظرف مقتضيه، فتدبّر.
و يكفي للإسقاط أيضا رضاه بالمعاملة بعد الردّ، لعموم النصّ الجاري في غير خيار الحيوان أيضا. و أمّا قبل الردّ فلا يكون تصرفه في الثمن كاشفا عن رضاه التخايري، إلّا على كون الردّ فسخا فعليا، و ذلك أيضا في صورة شرط ردّ العين، و إلّا فيمكن أن يدّعى أن وضع هذا البيع لذلك، بل يمكن دعوى أنّ المرتكز في الأذهان الملازم للشرط الضمني في المعاملة في خصوص هذا البيع عدم تصرّف المشتري في العين نقلا أم إتلافا، و بذلك يمتاز عن سائر الخيارات الغير الممنوع فيها التصرف، غاية الأمر بنتيجة خيار الطرف بعد فسخه انتقال الأمر إلى قيمة العين جمعا بين الأدلّة، كما لا يخفى.
و هو أن يبيع بدون ثمن المثل أو يشتري بأكثر منه، و خياره
مشروط بأن لا يعرف القيمة، و أن يكون مما لا يتغابن الناس فيه، فيختار المغبون حينئذ الفسخ بلا إشكال في أصل الحكم، و إنّما الكلام في وجهه، و قد يظهر عن بعض الكلمات إرجاع ذلك إلى خيار الشرط بتوهّم أن المغروس في الذهن عدم إقدامهما على المعاملة إلّا في ظرف التساوي، و بدونه لا رضى لهما في المعاملة.
و إلى ذلك مال كلام العلّامة في توجيهه وجه الخيار المزبور، و فيه أنّ المقام أقرب إلى الداعي، فيكون المقام من باب تخلّف الداعي، مع أنّ الانغراس المزبور يقتضي كون القيد بنحو وحدة المطلوب المستتبع لفساد المعاملة، لا صحتها مع الخيار، فالأولى التشبّث بعموم نفي الضرر المالي، المستتبع لنفي وجوب الوفاء بالمعاملة الملازم مع ثبوت الحق المزبور إجماعا، أو لأصل إثبات السلطنة على الفسخ الملازم للحق المزبور جزما في أمثال المقام.
و على أي حال لا مجال لإثبات التخيير من الفسخ و أخذ الأرش كما أفيد، إذ ليس شأن عموم نفي الضرر- الذي هو من الإرفاقيات- إثبات السلطنة على الغير الذي هو خلاف إرفاق في حق الغير، و لذا استقر رأي المشهور أيضا على تخيير المغبون بين الفسخ و الإمضاء فقط، بلا سلطنة على إلزام الغير بإعطاء الأرش و ما به التفاوت، كما هو ظاهر.
هذا، نعم للغابن إعطاء التفاوت، فلا يبقى معه ضرر مالي موجب لخياره، فلا أقل من التشكيك في عموم نفي الضرر، و حينئذ عموم وجوب الوفاء بالعقد محكم.
نعم قد يستشكل في وجه الإعطاء بأنّه إن كانت هيئة مستقلّة فالضرر باق بلا جبر، فلا قصور في شمول العموم. و إن كان بعنوان جبر الفائت، ففيه أنه إنما يصح في ظرف الفراغ عن لزومه، و كيف يجيء من قبله اللزوم.
و حل الإشكال بالالتزام بأنّه من باب الجبر الفائت الفعلي الغير المنوط
بلزومه، غاية الأمر قضيّة نفي الضرر رافع للفوت بحلّ المعاملة، لا أنّه موجب لعدم صدق الفوت من الأول، كما هو ظاهر.
ثم إن قضيّة امتنانيّة العموم المزبور عدم شموله للمقدم، لعدم كون وضع اللزوم عليه خلاف امتنان في حقه، و ليس مقتضى العموم المزبور أيضا أزيد من ذلك.
و توهّم أن إقدامه على الضرر فرع لزوم المعاملة، فكيف يجيء اللّزوم من قبله، مدفوع بأنّه يكفي في صدقه صدق ضرريّة المعاملة في رتبة سابقا على حكمه، فيصدق الإقدام عليه. و ما نحن فيه غير إقدامه على الفعل الضرري، لعدم صدقه إلّا بنفي شمول العموم لمثله، فكيف يرفع الاقدام حينئذ عموم نفي الضرر عنه.
ثم إن أظهر أفراد الإقدام صورة التفاته بغرريّة المعاملة فيقدم عليها، و يتلوه صورة جهله مع بنائه عليه كيف ما اتفق أو برجاء الضرر. و أخفى أفراده إقدامه في مورد يقطع بعدم الضرر، و لكن يبني عليه على فرضه محالا.
و لكن لا يخفى أن إطلاق كلماتهم في تخصيص الخيار بصورة عدم العلم، أو الإمارة العقلائية على الغبنيّة عدم اللزوم في فرض الجهل مطلقا، مع أنه لا قصور في شمول عنوان الإقدام لبعض فروضها، بل أمكن عدم شمول لحكم الإرفاقي في حقه، و عليه فاطباق الكلمات على الدليل مشكل.
و لو أقدم بخيال مرتبة فبان مرتبة اخرى، ففي ثبوت الخيار وجه، لشمول العموم.
ثم إن المدار في الغبنية على الغبن حين الانتقال و لو كان متأخرا عن العقد، و في الإجازة على المشهور إشكال، لا يبعد فيه أيضا من الالتزام بكفاية الضرر
حين الإجازة بقرينة كفاية صدق الإقدام بعلمه بالضرر حينها، بل هو ظرف توجه الخطاب الضرري نحوه. و الأولى منه الاكتفاء بضررية المعاملة في أحد الزمانين، للعموم النافي للزومه على أيّ تقدير. نعم لا اعتبار بالضرر الناشئ من قبل غير المعاملة بعد الانتقال إليه، لعدم جبر نفي الضرر في غير الناشئ عن الوفاء بالمعاملة، فتأمل.
و لو زال النقص قبل اطلاع المغبون، ففي كونه إقداما منه على وجه لا يكون وضع اللزوم عليه خلاف امتنان في حقه وجه، نعم مع عدم تمكنه من نهي وكيله لا قصور في شمول نفي الضرر، فيكون تمام المدار حينئذ على علم الوكيل و جهله، كما لا يخفى.
نعم لو لم يكن الوكيل مستقلا لا اعتبار بعلمه و جهله في ثبوت الخيار و نفيه، بل تمام المدار على علم الموكل و جهله، و وجهه ظاهر.
ثم إنّ جهل المغبون يثبت بأمور: من اعتراف الغابن، أو البيّنة العادلة، أو دعوى المغبون بمناط أنّه لا يعلم إلّا من قبله إلّا مع قيام ظهور حال على خلافه.
و في كفاية هذه الدعوى في تقديم قول المغبون في المرافعة وجه، كما أنّه مع الظهور المزبور يكفي لتقديم قول طرفه إن بلغت إلى حدّ الحجية، و إلّا يقدّم قوله أيضا، للأصل، كما لا يخفى.
ثم إن ميزان الغبن بلوغ التفاوت إلى حدّ يكون مورد اعتناء العقلاء، و هو ربما يختلف باختلاف مراتب المالية قلة و كثرة، و ليس له ميزان منضبط إلّا بتحديده بالكسور من مثل العشر و نصف العشر و ربعه المضاف إلى مالية العوضين، و إلّا فالدرهم و الدينار و أمثالهما لا يكون من الموازين المنضبطة، كما لا يخفى.
و لئن شكّ في تحديده في مراتب الكسور فالمرجع أصالة اللّزوم بعد
التشكيك في شمول عموم نفي الضرر المنصرف إلى ما هو مورد اعتنائهم.
بقي في المقام إشكال مشهور على المسالك في تصويره الغبن في الطرفين، و ملخّص الإشكال أنّ عنوان الغبن منتزع عن زيادة أحد العوضين على الآخر بحسب الماليّة، و مثل هذا المعنى كيف يتصور بالنسبة إلى الجانبين.
أقول: لا يخفى أن هذا الاشكال مبني على ملاحظة مجموع ماليّة أحد العوضين بماله من الخصوصيّة الحافة به، و إلّا فتصوير التفكيك بين أجزاء المبيع في صفقة واحدة، أو التفكيك بين نفس العوضين و شرطهما في ضمن عقده، أو بين العوضين بلحاظ غير الشرط، من سائر الخصوصيات الزمانية أو المكانية، مع قطع النظر عن قياس المجموع إلى المجموع بمكان من الإمكان، و إلى كل واحد من الجهات المزبورة نظر من تصدى لجواب الإشكال، كما أن نظر المستشكل إلى مقايسة مجموع الجهات بمجموعها.
و حينئذ الأمر في المقام إشكالا و جوابا في غاية الوضوح، فلا يهمّنا التعرض لمثله بأزيد من ذلك، فراجع كلماتهم.
ثم إنّه قد يرى اختلاف كلمتهم في أنّ ظهور الغبن شرط شرعي لحدوث الخيار، أو كاشف عن ثبوته من حين العقد، فعن شيخنا العلّامة التفكيك بين نفس الحق فالتزم بثبوته واقعا من حين الانتقال، و بين السلطنة الفعليّة على إعماله فيثبت من حين علمه به، ثم جعل السقوط بالتصرف من آثار السلطنة، و الإسقاط بإنشائه من آثار الحقّ واقعا، و تردد في التصرفات الناقلة (1).
1) المكاسب: 301.
أقول: بعد كون مدرك هذا الخيار عموم نفي الضرر، فلا شبهة في أنه إنما يرفع حكما في وضعه خلاف امتنان على الأمّة، و من المعلوم أنّ ما كان شأنه ذلك هو السلطنة على التخاير لا نفس الحق.
و حينئذ فلا مجال للتفكيك بين الحق و السلطنة المزبورة بمقتضى العموم المذكور، و بعد ذلك لا غرو بدعوى ثبوت السلطنة المزبورة حال الجهل خصوصا في الجهل البسيط، نعم في المركّب قد لا يتصور رضاء تخايريا من قبل المغبون و إن أمكن رضاه بالبيع، لكن ليس كل رضاء به منه إعمالا لخياره.
و لذا نقول: بأنّ التصرّف في حال الجهل المزبور لا يكشف عن الرضي بالمعاملة، خصوصا مع احتمال وجود أصل أو إمارة عنده على عدم الغبن، و لكن ذلك لا ينافي مع كونه سلطانا عليه واقعا. غاية الأمر ينتج مثله صحة إنشاء فسخه و لو بقصد التسبب إليه من قبل إنشائه الغير المنافي لجزمه لعدم ترتّب أثره من سائر الجهات، فلا ينافي جزمه بالعدم مع جده بإنشائه، كما هو الشأن في سائر المعاملات. و من هذا الباب إنشاء البعث في حق من علم بعصيانه، و إنشاء الفضولي مع الجزم بعدم إجازة المالك، و هكذا.
و مرجع الجميع إلى قصد التوصل إلى الشيء من حيث دون حيث، و سد باب عدمه من جهة دون جهة. و بمثل هذا البيان صححنا كثيرا من المقامات، و عليك بالتأمل في الأساس، فإنّه باب ينفتح منه ألف باب. و منه الترتيب و الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية بالنسبة إلى إرادته الإعلامية، لا المضمونية، و إلّا فبالنسبة إليها لا بد من المشي على وفق ما حققناه، بل قبح التجري مع بقاء الواقع على ما هو عليه.
ثم إن من مسقطات هذا الخيار شرط سقوطه في متن العقد بالتقريب المتقدم، و توهم لزوم الغررية من جهة المالية، مدفوع بما تقدم من منع صدق
الغرر من قبل الجهل بالماليّة، و على فرضه فيستحيل أن يكون الخيار المزبور رافعا له، إذ هو إنّما يثبت فيما كان صحيحا من سائر الجهات، كما هو ظاهر.
و منها: إسقاطه بعد العقد و لو قبل العلم به على المختار، بل و على شرطية ظهور الغبن لكفاية وجود المقتضي في اعتبار الإسقاط بملاحظة اعتبار العرف نحو وجود له، الكافي ذلك في اعتبار الاسقاط، كما أشرنا إلى كفاية ذلك أيضا في شرط السقوط.
نعم لو قيل بأن الظهور المزبور مقتضيا له أشكل أمر الإسقاط، لأنه بنحو التعليق غير مؤثر في كلية الإيقاعات و العقود إجماعا، و بنحو التخيير يرجع إلى إسقاط ما لم يجب.
نعم في شرط السقوط بنحو التعليق لا بأس به، لعدم إضرار التعليق في الشروط، فلو لا قيام إجماع على إلحاقه بالإسقاط في خصوص المقام لأشكل أمر بطلانه.
و على أيّ لو أسقط خياره بخيار مرتبة من الغبن فبان أزيد من ذلك، ففي سقوط خياره وجهان مبنيان على أن المرتبة الخاصّة مأخوذة في موضوع الإسقاط بنحو العنوان أو الداعي. و لا يبعد الأخير، فلا يبقى بعده خيار. و من هنا ظهر صلحه أيضا لو لا طروء خيار غبن آخر فيه، فيما يكون مبناه على المكايسة كالمعاوضي منه، و إلّا فلا يجيء فيه خيار غبن أصلا.
و منها: تصرف المغبون بعد العلم بالغبن بنحو من التصرفات المسقطة لخيار الحيوان، على التفصيل السابق، لإمكان التعدّي من نصوصها إلى مطلق الخيارات، عدي البيع الخياري قبل ردّ الثمن. و أمّا قبل العلم به فلا مجال لكشفها عن الرضى التخايري، لإمكان استناده إلى أصالة عدم الغبن. و بهذه الملاحظة نقول بعدم المسقطيّة بمناط الرضى المزبور في العيب أيضا، و إنّما المنشأ فيه عدم قيام الغبن بعينه، و هو مانع أخر عن بقاء الخيار الغير الجاري في المقام.
و في إلحاق خيار التدليس بالعيب أو بالمقام من هذه الجهة وجهان: من اقتضاء الأصل. و القاعدة هو الثاني، و مقتضى جمع من الكلمات هو الأول، و المسألة لا تخلو من تأمل و إشكال.
و قيل: من المسقطات تصرف المغبون قبل العلم بالغبن بالتصرفات المتلفة أو الناقلة التي هي بحكم الإتلاف، فإنه على فرض بقاء الخيار يلزم على المغبون ردّ بدله، و هو ضرر على الغابن في القيميات، لتعلّق الأغراض بالعين غالبا، فيلحق المثلي بها بعدم الفصل، و مثله معارض مع ضرر المغبون فيتساقطان، فيرجع إلى أصالة اللزوم، هذا ملخّص ما قيل.
أقول: ذلك صحيح لو كان بقاء خيار المغبون تابع بقاء ضرره، كي يحتاج إلى تطبيق العموم في طرف المغبون في كل آن، و إلّا فلو كان الخيار بحدوثه تابع حدوث الضرر من قبل المعاملة، و أن بقاءه مستند إلى استعداد ذاته، فلا مجال لمعارضته ضرر الغابن بالنسبة إلى ضرر المغبون، إذ حين حدوث المعاملة الضررية لا ضرر على الغابن، و بعد حدوثه فليس بقاءه مستندا إلى عموم نفي الضرر، بل هو مستند إلى استعداد ذاته.
و مع ذلك كيف يصلح نفي الضرر في طرف الغابن لرفع حقّ المغبون، لأنه خلاف امتنان في حق الغير، فلا محيص حينئذ إلّا من الحكم ببقاء الخيار و الانتقال إلى رد البدل من المثل أو القيمة، كما هو الشأن في صورة تلفه سماويا، إذ لا أظن التزامهم بسقوط خيار المغبون بتلفه، مع أن المعارضة المزبورة جارية هنا أيضا. و عليه فلا مصحح لكلام المشهور من مسقطية التصرّف المزبور للرد، إلّا بالنسبة إلى رد نفس العين لا بدله، فتدبر.
ثم على المسقطيّة مطلقا فلا شبهة في السقوط ما دام نقل العين و لو جائزا، أو مع العود فهل يعود الخيار؟ وجهان: من اقتضاء نفي الضرر في طرف المغبون
ذلك بلا معارضة تضرر الغابن، و من أن نفي ضرر الغابن بحدوثه و معارضته أسقط الحق، فعوده يحتاج إلى دليل، اللّٰهم [إلّا] أن يقال: إنّه يكفي دلالة عموم نفي الضرر الشامل في المورد بعد سقوط المعارضة، فتدبر.
و في إلحاق الإجازة بالبيع وجه بعين ما تقدم في القيمي.
و لو تصرّف في العين بما يوجب الشركة، ففي سقوط الردّ بمناط نفي ضرر الشركة على الغابن وجه، مبني على تقريب تعارض الضررين. و لقد عرفت ما فيه، خصوصا مع عدم لزوم ضرر على الغابن في رد البدل إلّا ضرر نقض غرضه القائم بشخص العين، و مثل ذلك إنما يتم دخوله في عموم نفي الضرر مع تسليم بنائهم على العمل به، و إلّا فلو قيل بعدم جبر نفي الضرر الغرضي بالعمل إلّا في مورد تخلف القصد في العقود، لا يبقى مجال توهم المعارضة أصلا، كما لا يخفى.
و لو تصرف الغابن تصرفا مغيّرا للعين: فإمّا أن يكون بالنقيصة، أو بالزيادة، أو بالامتزاج.
فعلى الأول: فإن كان النقص ماليا، فلا شبهة في عدم سقوط الخيار به، بل بفسخه يرجع إلى أرشه، لأنّ التالف من العين بأجزائه و صفاته مضمون على القابض، فبالفسخ يرجع إليه في أخذ بدله، كما هو الشأن في فرض تلفه نفس العين في زمن الخيار.
و إن لم يكن النقص المزبور موجبا لنقص في الماليّة، كخصي العبد مثلا، فلا أرش له بفسخه، و ضرر نقص غرضه أيضا غير مجبور، بل على فرض الجبر لا يكاد يثبت في حق المقدم عليه كما هو ظاهر.
ثم أنّه قد يلحق بهذه الصورة فرض كون العين مستأجرة، فألزم بالصبر إلى زمان الإجارة.
أقول: و ذلك صحيح لو لم يقتض سلب المنفعة في المدة نقصا ماليا في العين، و إلّا فأمكن في المقام من الرجوع إلى الأرش لو لم نقل بعموم نفي الضرر العرضي أيضا، و إلّا فالجمع بين نفي الضررين سلطنة على حل الإجازة.
و توهّم صدق الإقدام على الضرر الغرضي أوّل الكلام، بل هو عين المصادرة.
و على الثاني: فإن كانت الزيادة عينيّة كالغرض، ففي سلطنة المغبون على قلعه بلا أرش، أو مع أرشه مطلقا، أو مع كون أمده قريبا، أو عدم سلطنة عليه و كونه ملزما بإبقائه مع الأجرة، أو بلا أجرة مطلقا، أو إعطائه قيمة الأرش فتملكه، وجوه، بل أقوال.
و التحقيق المختار هو ثاني الاحتمالات، إذ قضيته عموم السلطنة على المال لا يقتضي اشتغال مال الغير، بل صاحب المال له السلطنة على تفريغ ماله.
غاية الأمر ليس له السلطنة على إضرار غيره بتنقيص ماله المحترم بإعدام بعض خصوصياته. و مثل هذه الجهة مضمون عليه بإعطاء أرشه، فله قلع الغرس و إعطاء ما به التفاوت بين كونه مغروسا و غير مغروس، لغرض كون غرسه عن حق. و ذلك بخلاف ما لو كان الغارس ظالما، فإنّه ليس لعرقه حق، فلمالك الأرض قلعه بلا أرش أيضا.
و عمدة النكتة فيما ذكرنا هو أنّ عموم سلطنة الإنسان على ماله قاصر الشمول عن التصرف المستتبع للتصرف في مال الغير، لأنّه خلاف الإرفاق في حق غيره المنافي لإرفاقية نفسه، فليس للإنسان تحريك ما بيده من الآلة المستتبع لتخريب مال غيره، فللغير منع هذا المالك عن التحريك المزبور.
و بعد ذلك نقول: إبقاء الإنسان ماله في ملك غيره لمّا كان علّة لاشتغال مال غيره، فليس له مثل هذا التصرف المستتبع للتصرف في ملك الغير.
و حينئذ لا قصور في تصرف المالك الآخر بتفريغ ماله عن ملك الغير، و لو بتحريك مال الغير بإخراجه، إذ بعد فرض عدم سلطنة الغير على الإبقاء المزبور، لا يكون سلطنة مالك الأرض على تحريك الغرس و قلعه خلاف امتنان في حق الغير لفرض، لعدم سلطنة على الإبقاء.
و توهّم جريان عكس ذلك في طرف صاحب الأرض، لأن تفريغه بعد ما كان مستتبعا للتصرف في الغرس، يكون على خلاف الامتنان في حق صاحب الغرس، فلا يكون سلطانا على التخلية، فيستتبعه عدم سلطنة على القلع، فتبقى سلطنة صاحب الغرس على إبقائه بحاله، لعدم كونه خلاف امتنان في حق صاحب الأرض، لفرض عدم سلطنة على التخلية فحينئذ تسجيل أحد السلطنتين على الآخر بمناط الإرفاق دوري، أو ترجيح بلا مرجّح.
مدفوع بأنّ سلطنة صاحب الأرض على التخلية لا يستتبع تصرفا في ملك الغير، بل هو معلول التصرف في ملك غيره، فلا قصور في شمول عموم السلطنة له من هذه الجهة. بخلاف سلطنة صاحب الغرس على إبقاء الغرس، فإنه علية التصرف في مال الغير من إشغال ماله، فيكون مستتبعا للتصرف في مال الغير، و هو الذي يكون عموم السلطنة قاصر الشمول مثله.
فكم فرق بين نسبة التفريغ إلى القلع، و بين نسبة إبقاء الغرس إلى الأشغال إذ الثاني مستتبع لما هو خلاف امتنان في حق الغير، بخلاف الأول فإنه غير مستتبع بخلاف امتنان، بل تبع للتصرف في مال لا يكون صاحب هذا المال بملاحظة استتباعه إشغال مال الغير سلطانا على هذا التصرف، فلا قصور في سلطنة صاحب الأرض على مثل هذا التصرف المقدمة لتفريغ ماله عن مال الغير، كما لا يخفى.
و بعبارة أخرى نقول: إنّ التخليص متفرع على الإبقاء من الغير، كتفرّع
الدفاع على الهجوم بحسب الرتبة متأخر عن الثاني.
و حينئذ فقصور السلطنة على التخليص متفرع على سلطنة الغير في الرتبة السابقة، و مع عدم السلطنة السابقة- كما ذكرنا- لا قصور في سلطنة غيره عن التخليص.
و حينئذ يستحيل أن تجيء سلطنة الغير على الأشغال من قبل عدم سلطنة صاحب المال على التخليص لفرض تأخّر رتبته وجودا، كما هو ظاهر.
و من هذا البيان ظهر أنّ عمدة وجه المسألة و إتمامها إنّما هو بطولية السلطنتين و قصور دليل السلطنة لإثبات السلطنة الاولى، و إلّا فعموم نفي الضرر قاصر الشمول لأمثال المورد، لعدم صلاحية حكومتها لمثل السلطنة التي هي من الأحكام الارفاقية، فتدبر، فإنّه من مزال الأقدام.
نعم هنا مطلب آخر و هو أن قضية السلطنة على التفريغ يستتبع السلطنة على القلع محضا، و لا يستتبع إتلاف ماليته الحاصلة من صفة المغروسيّة، فهذه الماليّة بخصوصيته حينئذ في عهدته حفظا لاحترام حقه، نظير السلطنة على إتلاف مال الغير في المخمصة، مع لزوم حفظ احترامه بجعله في عهدته ما دام كان للخصوصية التالفة احترام، و إلّا فلو أن ذلك من الغاصب الذي ليس لعرقه حق فلا أرش لتالفه أيضا، كما أشرنا.
و توضيح المقام بأزيد من ذلك موكول إلى محله في بحث تزاحم الحقوق، و سيتضح هناك أيضا أن تقديم أحد الحقين في أمثال المقام ليس بمناط عموم نفي الضرر و ترجيح أحد الضررين على الأخر، كي يستشكل بأن قاعدة نفي الضرر قاصرة عن الشمول لمثل هذه الأحكام إرفاقية.
و أيضا نقول: إن صاحب المال في مقام تخليص ماله لا يكون مسلطا بأزيد
ممّا هو خارج عن سلطنة غيره، و هو إبقاء مال الغير محبوسا و مشغولا بماله لا أزيد، فبالنسبة إلى الزائد من هذه الجهة يبقى الغير مسلطا على ماله، فله منع الأجنبي عن التصرف في ماله، بل و منعه عن التصرف في سائر أمواله، نعم كلّما أنيط به التخلية لا بدّ أن يهيأ له.
و في كونه مسلّطا على هذه التصرفات مباشرة حتى مع إقدام صاحب المال عليها لا يخلو عن تأمّل، بل ربما يظهر من إطلاق قوله في من أخذ أرضا بغير حقها أو بنى فيها، قال «يرفع بناءها و يسلّم التراب إلى صاحبها» (1)سلطنة مالك البناء على التصرف مباشرة بلا احتياج إلى إلزام الغير في تفريغ ماله.
و من هذا النص يتعدّى إلى الغرس و أمثاله، لو لا بعض النصوص الواردة في الزرع، حكيناه في بيع الثمار، الظاهرة في سلطنة الزارع على إبقاء زرعه و عليه طسقها. و عمل بها جملة من الأعاظم.
و في التعدّي منها إلى الغرس وجه، لو لا الإشكال فيه بأنّه ليس له أمد ينتظر بخلافه، فينتظر في خلاف القاعدة على خصوص الزرع لنص مخصوص، و تجري القاعدة في غيره، فتدبّر.
نعم في بعض نصوص الغرس أنّ لصاحب الأرض تقويم غرس الغير في فرض غصب الغارس (2)، و هو غير معمول به للجزم بأن الغرس كالزرع للزرّاع، كما هو المنصوص أيضا، فلا مجال لمعارضة النصوص المزبورة لبقيّة النصوص منطوقا و فحوى.
و حينئذ لا فرق بين الغاصب و غيره في هذه الجهات، و إنما الفرق بينهما في
مسألة الأرش الثابت بالنقص في مال الغير بعد إفراغ ماله عنه، فإن الخصوصيّة الحاصلة من ناحية غصبه و ظلمه لا تكون محترمة فلا ضمان فيه، بخلاف غير الغاصب، كما في المقام، فتدبّر.
ثم لو كان تغيير المبيع الخياري بالانتزاع، فتارة يكون مزجه بغيره بحكم استهلاكه عرفا، فيدخل في صغريات إتلاف عينه. و اخرى لا تكون بهذه المثابة، و حينئذ لا يقتضي في مثله الفسخ إلّا الحكم بالشركة، و ضرره الغرضي الحاصل بالشركة غير مجبور، لا يمنع مثله عن الخيار.
و لا فرق في هذه الجهة أيضا بين المزج بالمثل أو بغيره، كما هو ظاهر، نعم لو اختلط بالأردإ، ففي استحقاق المالك بعد الفسخ من سنخ الموجود بنسبة مالية ماله، أو استحقاقه الأرش وجهان، لا يبعد الثاني، لأنّ إتلاف صفة الجيادة من القيميات فيضمن بالقيمة. اللّٰهم [إلّا] أن يدعي حكم العرف في أمثال المقام بالشركة في العين بنسبة المالية، فلا ينتهي أمره إلى الأرش، كما في فرض الامتزاج بالأجود، فتدبّر.
و لو تلف العين في زمان، فقد يتوهم سقوط الخيار، نظير باب المعاطاة.
و لكن لا يخفى من الفرق بين المقامين، بأن الثابت هناك سلطنة كل واحد على تراد العينين بشخصها، فمع التلف فلا تراد، بخلاف المقام فإن السلطنة قائمه.
بحلّ العقد و اعتباره لا قصور فيه، كما أن مثل هذا الاعتبار يستتبع اعتبارا آخرا، و هو رجوع العينين، فمع قيامهما بعينهما فيرتجعان عينا، و إلّا فرجوعهما باعتبار وجودهما في عهدة الغير. فلازمه الحكم بالتضمين بمثله أو بقيمته، و ذلك هو النكتة في التزامهم باقتضاء الفسخ رجوع العين مع وجودها، و رجوع بدلها مع تلفها.
و من هذا البيان ظهر حكم إتلاف الظرف، فإنّه أيضا لا يسقط خياره.
و أمّا إتلافه بنفسه فعدم مسقطيته فرع عدم دلالته على الرضى بالبيع، و إلّا فعمومات مسقطية التصرف يشمله. و أمّا لو أتلفه أجنبي فنتيجة الفسخ رجوع ما في عهدة الأجنبي إليه، إذ هو مرتبة من وجود المال بحسب الاعتبار.
ثم إنه من التأمل فيما ذكرنا ظهر حكم صورة الإبراء قبل الفسخ، فإنه بحكم الإتلاف المستتبع لرجوع بدله بفسخه.
و على أي حال مقتضى القاعدة فوريّة هذا الخيار و أمثاله، لعمومات اللّزوم، بعد كون المقام من باب ترجيح التقييد على التخصيص. و لئن أغمض عن هذه العمومات فالمرجع أصالة بقاء الخيار الحاكم على أصالة اللزوم.
و توهم الشكّ في بقاء الموضوع أو الجزم بتغييره، لأنه غير المتمكن عن جبر ضرره المنقلب بالتمكن، منظور فيه، كيف و خصوصيات الحكم غير مأخوذ في موضوعه، فعدم التمكن من غير ناحية الخيار باقيا إلى الأبد، كما لا يخفى.
ثم إن مدار الفورية بمقدار لا يلزم من التعجيل حرج، فمع الجهل قصورا بالحكم أو موضوعه لا ينهدم الخيار، لثبوت الامتنان الموجب لشمول حديث نفي الضرر لمثله، نعم مع تقصيره في الجهل بالحكم إشكال، لأنّه كالمقدّم به، فلا خيار، و اللّٰه العالم.
، فإن جاء المشتري فهو أحق بالسلعة، و إن مضت كان للبائع الفسخ.
و الأصل في ذلك- بعد عدم وفاء عموم نفي الضرر لمثل هذه الخصوصيات، بل و عدم كون هذا الضرر ناشئا من قبل حدوث العقد، فكان من المضار الجائية عن قبل خارج العقد الغير المجبور عند الأصحاب- النصوص الخاصّة،
منها صحيحة ابن يقطين: عن الرجل يبيع البيع و لا يقبضه صاحبه و لا يقبض الثمن قال: «الأجل بينهما ثلاثة أيام، فإن قبض بيعه، و إلّا فلا بيع بينهما» (1).
و في نص آخر: «من اشترى بيعا فمضت له ثلاثة أيام و لم يجئ فلا بيع له» (2). و نظيره نص المحمل و قضاء أبي بكر بن عياش (3).
و تقريب الاستدلال بهذه النصوص على المدعى مبني على حمل نفي البيع فيها على نفي لزومه، لا نفي حقيقته، و لو بمناط حمل هذه الهيئة على نفي توهم اللزوم، لا للصحة كحمل بعض الأوامر على نفي توهم الخطر أو النواهي على نفي توهم الإيجاب.
و يؤيّده فهم الأصحاب ذلك منها من الصدر الأول.
و ظاهر قوله في نص ابن يقطين: «فإن قبض بيعه» (4)كون مرجع الضمير هو الصاحب الذي كناية عن المشتري في صدر الرواية، و لازمة قراءتهما بالتخفيف، و أنّ المراد من البيع هو المبيع بقرينة رواية أخرى (5)بل و صدر هذه الرواية. و لازمة استفادة شرطية عدم قبض المبيع.
و ظاهر قوله أيضا: «و لا يقبض الثمن» شرطية عدم قبض الثمن من المشتري، و هو المطابق لما أفاده المصنف أيضا.
و ظاهر قوله: «لا يقبضه و لا يقبض الثمن» كون المدار على عدم حصول القبض من الطرفين حتى مع إقدام غيره على مقدمات الإقباض.
و توهّم أنّ الخيار في هذه الصورة كخيار المقدّم على الضرر لا يكون إرفاقيا،
مدفوع بمنع كون الحكمة في هذا الخيار الإرفاق على البائع، بل هو حكم تعبدي تابع شمول نصوص الباب، لو لا دعوى انصراف النصوص، و لو بمناسبة حكمة الإرفاق للخيار المزبور أيضا عن صورة تقصيره في تفويت قبضه مع إقدام الطرف على الإقباض. و المسألة لا تخلو عن تأمل، فتدبر.
و أيضا مقتضى إطلاق النصوص كفاية القبض من أحد الطرفين، و لو بلا إقباض من صاحبه، و قد يبتنى ذلك على كفاية مثل هذا القبض في رفع ضمان المبيع و عدمه. و فيه من عدم ارتباط أحد المسألتين بالأخرى، إذ من الممكن الالتزام بعدم كفاية هذا القبض في رفع الضمان. و مع ذلك لا يثبت مثل هذا الخيار، لقصور النصوص عن الشمول بعد عدم ظهورها في كون حكمة ثبوته نفي الضرر عن البائع.
كما أنّه يمكن الالتزام بالعكس، و مع ذلك نلتزم بثبوت الخيار من جهة انصراف النصوص إلى صورة إقباض الطرف. فالعمدة ملاحظة هذه الجهة في النصوص بلا ربطه بباب مسقطية هذا القبض لضمان البائع و عدمه، فتدبّر.
ثمّ إنّ المنصرف من أخبار الباب (1)كون التأخير لا حق لطرفه، و لو باشتراطه في متن عقده، فلا يشمل دليله صورة اشتراطه في متن العقد. و يساعده مثل هذه الجهة كلماتهم.
كما أنّ الظاهر من النصوص و الكلمات كون مورد هذا الخيار صورة كون المبيع عينا خارجيّة و لو كليّا في معنيين لا ذميّ، و عمدة الوجه فيه دعوى انصراف النصوص إلى الأعيان الخارجيّة لا الموجودات الاعتباريّة في الذمم.
ثمّ في اعتبار عدم ثبوت الخيار من جهة أخرى كلام آخر، مبني على عدم
1) وسائل الشيعة 12: 356 باب 9 من أبواب الخيار.
لزوم الإقباض في زمان الخيار، فيكون تأخيره عن حق، فيصير مورد انصراف النصوص عن مثله. و لكن فيه تأمل، إذ مقتضى وجوب الوفاء بالعقد الإقدام بمقتضاه ما دام وجوده، و ذلك لا ينافي خياره المستتبع للقدرة على إعدام موضوعه.
فتوهم اقتضاء الجواز الخياري في العقود عدم لزوم القبض و الإقباض في زمانه، كلام ظاهري، بل و قيل: إنّ النصوص الواردة في الباب منصرفة إلى صورة تعدد المتعاقدين، و فيه نظر.
ثمّ إنّ المحكي عن الصدوق اشتراط عدم كون المبيع جارية أو مطلق الحيوان (1)، لما في رواية ابن يقطين: عن رجل اشترى جارية فقال: أجيئك بالثمن، فقال: «إن جاء بالثمن فيما بينه و بين شهر و إلّا فلا بيع له» (2). و هذه الرواية من حيث دلالته على الخيار كلسان بقية الأخبار، نعم إطلاقه يشمل حال قبض المبيع، و ربما لا يكون بهذا الإطلاق معمولا به حتّى عند الصدوق.
اللهم [إلّا] أن تجعل بقية الروايات بملاحظة وحدة السياق قرينة على تقييدها، أو يدعى بمنع سوقها للإطلاق من هذه الجهات، فيؤخذ بالمتيقّن من صورة عدم قبض المبيع. نعم الذي يوهنها إعراض المشهور عن هذا التفصيل الكاشف عن طرحهم هذا النص و أخذهم ببقية الإطلاقات.
ثم إن هذا الخيار أيضا يسقط بالإسقاط بعد الثلاثة جزما، و في السقوط بالإسقاط قبلها مبني على كون المقتضي له هو العقد و مضي الثلاثة شرط، أو المضي المزبور مقتضى. فعلى الأوّل لا يبعد الإسقاط بالتقريبات السابقة، بخلافه على الثاني، لأنّه بنحو التخيّر داخل في إسقاط ما لم يجب، و بنحو
التعليق فيكون من باب التعليق المضرّ بالإيقاعات كالعقود إجماعا.
نعم لا بأس باشتراط سقوطه حينئذ تعليقا- بناء على عدم مضرية التعليق في الشروط الضمنيّة- لو لا دعوى ملازمة نفوذ شرط السقوط مع صحّة الإسقاط موردا، و فيه تأمل.
قيل: و منها بذل المشتري الثمن بعد الثلاثة، نظرا إلى كونه رافعا للضرر الموجب لثبوت الخيار.
و فيه: أولا كون مبنى هذا الخيار الضرر الناشئ من التأخير أول الكلام، بل لمحض التعبد بالنصوص، و توهم انصرافها عن هذه الصورة توجب عدم الحدوث للخيار من الأوّل. اللهم [إلّا] أن يدّعى بأنّ ظاهر قوله: «و لم يقبض البيع» كون الحكم دائرا مداره بقاء و حدوثا، و هو أيضا محل تأمّل. ثم على فرض كون الضرر حكمة، فكون بقاء الخيار تابع بقائه أيضا أوّل الكلام.
و حينئذ فاستصحاب حكم الثبوت محكم، نعم لو كشف أخذ البائع إياه عن رضاه بالبيع، كان من المسقطات بالتصرّف على التفصيل المتقدّم بعد التعدي عن موردها إلى مطلق الخيارات، و لكن في الكشف المزبور- و لو لا القرينة الخارجية- نظر.
ثم في كون مثل هذا الخيار على الفور كلام و إشكال، و لو قلنا بالفوريّة في سائر الخيارات، بناء على كون العمومات في مقام لزوم الوفاء شخصا، فإنّه إذا انقطع الحكم المزبور فلا يصلح المورد للدخول تحت العموم ثانيا، فليس المقام حينئذ من موارد ترجيح التقييد في الحكم الشخصي على التخصيص، إذ هو مختصّ بالخيار المتّصل بالعقد، و إلّا ففي المنفصل عنها فحكم التقيد غير جار.
و لكن يمكن دفع الإشكال- بعد الغضّ عن كون عموم الوفاء مساقا لبيان
حكم شخصي، بل هو من باب القضيّة الطبعية السارية في جميع قطعات شخص بلا نظر إلى عمومه زمانا، نظير باب وجوب القصر على المسافر، و في مثله يقتصر في التقيد بمقدار دليله، و يرجع إلى الإطلاق في الزائد- أن ذلك فرع انقطاع الحكم بلزوم الوفاء قبل الفسخ في زمان الخيار، و إلّا فبناء على عدم انقطاعه غاية الأمر قام الدليل على عدم لزوم الوفاء بدليل الخيار. فيمكن أن يقال: إنّ شخص وجوب الوفاء في ظرف عدم الفسخ باق، و بعد ذلك مثل هذا العام غير قاصر الشمول لمورد الشكّ و لا تضرّ بشخصيّة الحكم و بقائه حينئذ القضيّة التعليقيّة بأنه لو فسخ قبله لانقطع شخص الحكم، إذ لا أثر له بعد عدم حصول المعلّق عليه. كما أنّ الاستصحاب التعليقي أيضا غير جار في المقام بعد فرض شمول العموم بالتقريب المزبور، كما لا يخفى.
ثم إن ذلك كله بمقتضى القواعد، و أمّا النصوص الخاصّة فقد يتوهم انّ مقتضاها بإطلاقها جواز التراخي، و هو كذلك لو كان لها إطلاق من هذه الجهة، و إلّا فعمومات اللزوم محكمة كما هو ظاهر.
و لو تلفت السلعة في الثلاثة أو بعدها قبل انقضاء زمان الخيار، أم بعده بناء على فوريته، كانت من مال البائع على كل حال، لأنّ التلف المزبور تلف قبل القبض، فيشمله عموم: «كل مبيع تلف قبل قبضه»، و لا يدخل في قاعدة التلف في زمن الخيار، لاختصاصه ببعد القبض الخارج عنه المورد.
و على أي حال ما لإبقاء له يثبت الخيار فيه يوما، و الأصل فيه ما في مرسل محمّد بن أبي حمزة الواردة بمضمون ما يفسد من يومه (1). و لا بدّ أن يوجه «من يومه» بليلته، و إلّا يلزم كون زمان الخيار أوّل زمان فساده، و هو كما ترى.
1) وسائل الشيعة 12: 358 حديث 1 باب 11 من أبواب الخيار.
و لا يخفى جريان شرائط خيار التأخير في المقام، لاتحاد سوق النصوص من غير جهة تحديد زمان الخيار، فتكون شرائط الخيار في الثلاثة جاريا فيما يفسده المبيت، كما أن عموم اللزوم أيضا يقتضي فوريّته، و عموم التلف قبل القبض أيضا يقتضي كون المبيع في ضمان البائع.
و المراد من الفساد مجرد تغيير صورته على وجه لا يكون باعثا على مرغوبيّة الأوّليّة، لإفساده على وجه لا ينتفع به، لعدم إرادة هذا المعنى من الفساد جزما، لعدم حصول هذا المعنى في شيء من البقول و الرياحين اللطيفة في مبيت ليلة كما لا يخفى.
. فمن اشترى موصوفا غير مشاهد كان للمشتري خيار الفسخ إذا وجده دون الوصف.
و الأصل فيه- بعد الإجماعات في الجملة، و عموم نفي الضرر الغرضي الناشئ من قبل لزوم العقد المجبور بالعمل- صحيحة جميل المشتملة على قوله في ذيلها: «لو قلّب منها و نظر إلى تسعة و تسعين قطعة ثم بقي قطعة لم يرها لكان له فيها خيار الرؤية» (1).
و تقريب الاستدلال أن يقال: إنّ المراد من قوله: قلّبها و نظر، نظرة بعد الشراء، بقرينة قوله سابقا: و صار الى الضيعة فقلّبها. و إن المراد من قوله: «و بقي قطعة لم يرها» كما رآه سابقا، و أنّه كناية عن كونها على خلاف المرئي سابقا.
و حينئذ لا تحتاج هذه الفقرة إلى توجيهه بوجه مخرج له عن الغرر، كما أفيد، إذ هو إنّما يلزم على فرض كون المراد من الرؤية السابقة ما كان حين صيرورته
1) وسائل الشيعة 12: 361 حديث 1 باب 15 من أبواب الخيار.
إلى الضيعة.
نعم هنا إشكال آخر، و هو أن النص المزبور بقرينة ترك استفصال الإمام، يشمل صورة كون الرؤية السابقة داعيا على بيعه، لا مأخوذا في المبيع بنحو الشرطيّة، و من المعلوم أن تخلّف الداعي في باب العقود غير موجب لخيار، فالأخذ بإطلاق النص حينئذ موهون بلا قيام قرينة على التصرّف في دلالته، لإمكان حمل إطباق كلمة الأصحاب في المقام بمقتضى المشي على وفق القواعد.
و قد يتثبت أيضا برواية الشحام المشتملة على قوله عليه السلام: «لا تشتر شيئا حتى تعلم أين يخرج السهم فإن اشترى شيئا فهو بالخيار» (1)، بتقريب حمل النص على سهم القصابين المذكور سابقا، و أن المراد من قوله: «حتى يخرج السهم» حتى يظهر محلّ خروجه على وفق مرئية، و أنّ الغرض من النهي قبل الخروج للإرشاد بعدم ابتلائه بخيار التخلّف.
و لكن التقريب المزبور في غاية البعد، إذ الظاهر من خروج سهمه إقراره، فالنهي المتعلق به قبله من باب النهي عن شراء ما لا يملك، و أن المراد من الخيار في المقام ما هو مساوق قوله: «إن شاء أخذ و إن شاء ترك» الوارد بهذا المضمون في شراء ما لا يملك، كما لا يخفى.
ثم إنّه قيل: إنّ مورد هذا الخيار هو العين الخارجية، كليّة كانت أم شخصية، و إلّا ففي الكليات الذميّة فمع التمكن عن أداء الموصوف لا يكون الفاقد مصداقه، فلا يبطل البيع و لا خيار، فيجب التبديل بالواجد. و كذلك عدم التمكّن من الواجد، إذ الموصوف يبقى في الذمّة، فله الانتظار إلى زمان الوجدان، أو
1) وسائل الشيعة 12: 265 حديث 9 باب 12 من أبواب عقد البيع و شروطه.
الاكتفاء بالوفاء بمرتبة من الكلّي، و هو الذات الفاقدة بلا ثبوت خيار فيه أبدا.
أقول: ذلك كذلك لو لم يلزم من قبل انتظاره ضرر، و إلّا فيمكن دعوى اقتضاء عموم نفي الضرر بمناط تعدد المطلوب في الكلي أيضا هو الخيار في هذه المعاملة، فلا قصور حينئذ في شمول عموم نفي الضرر في الكليات الذميّة بمقتضى القواعد. نعم بناء على النصوص الخاصّة أمكن دعوى اختصاصها بالعين الشخصيّة، بل و في التعدي منها إلى الكلّي الخارجي تأمل، فتدبّر.
ثم إنّ المدار في ذكر الوصف على مقدار يرتفع به الغرر، و ربّما يختلف في رفع الغرر بين رفعه ببركة الرؤية أو التوصيف، إذ ربما في الثاني يحتاج إلى مبالغة أزيد من الأوّل.
و على أيّ حال ليس منشأ نفي الغرر في التوصيف أيضا جهة نفوذ شرطه، إذ هو من أحكام العقد الصحيح، فلا يصح به العقد.
ثم إنّ مدار الغرر بعد ما كان على خطرهم في المعاملة من طرف المشكوك و تزلزلهم فيه، فيكفي في رفعه قيام الأصول و الأمارات العقلائية على بقاء الوصف، فإنّ بناءهم على العمل عليها مساوق عدم تزلزلهم من طرف المشكوك في شيء. و من هذه الجهة يكتفى في صحّة البيع على صرف الاتكال على الرؤية السابقة مع شكهما في بقائها في الموصوف إلى حين البيع، كما لا يخفى.
ثم إن الخيار في المقام نصّا و فتوى عبارة عن طرفي الفسخ و الإمضاء بلا أرش، إلّا إذا كان وصفه ملاكا لصحته، بحيث يكون فقده موجبا لعيبه، كالرائحة في الجلّاب (1)، فإنه حينئذ من مصاديق خيار العيب الجاري فيه
1) الجلّاب: ماء الورد، معرّب. القاموس المحيط 1: 47 «جلب».
نصوص اختيار الأرش، و إلّا ففي غيرها مقتضى القواعد- كما أشرنا في خيار الغبن- عدم ثبوت التخاير إلّا بين الفسخ و الإمساك بلا أرش، و ذلك ظاهر لمن تدبّر.
ثم إنّ حكم فورية هذا الخيار أيضا كالخيارات السابقة مبنيّ على تماميّة العمومات على اللزوم، و إلّا فاستصحاب الخيار محكم. و قد يتوهّم التراخي في الخيار المزبور بإطلاق النصوص الخاصّة، و فيه منع إطلاقها من هذه الجهة فتدبّر.
ثم لا إشكال في سقوطه بإسقاطه بعد الرؤية، و أمّا قبلها فمبني على شرطية الرؤية أو كاشفيته، و إلّا فيشكل أمره على اقتضائه و إن كان بعيدا.
و على أي حال قد يستشكل في صورة شرط السقوط في متن عقده، بأنّ مرجع هذا الشرط إلى الالتزام بالبيع على تقديري الوجود لوصفه و العدم، و هو ينافي الالتزام بالوجود النافي للغرر. و لا يقاس المقام بشرط التبرّي عن العيوب، إذ النافي لغرره أصالة الصحّة الغير المنافي لهذا الالتزام، بخلاف المقام.
و فيه أن النافي للغرر في المقام أيضا هو الوثوق بإخبار البائع حين توصيفه، أو استصحاب بقائها على الصفة المرئية و لو لم يكن في البين التزام، مع أنّ مرجع شرط السقوط، إلى عدم الثبوت في طرف وجود مقتضيه، فكيف يضاد الالتزام المزبور الالتزام بوجوده المقتضي لثبوت الخيار.
ثم في كون منشأ الخيار الغرر الناشئ من تخلّف غرضه بعين الوصف، أو الضرر المالي الحاصل بفوت حقه الثابت في الوصف بشرطه له وجهان، و لا يبعد الأول منهما. و لازمة عدم جبر ضرره ببذل التفاوت، بخلافه على الثاني، و مع فرض أول الأمر إلى الشك يرجع إلى استصحاب اللزوم، لأنّ الشك في الخيار سار مع البذل المزبور، و مع فرض البناء على التراخي و شك في ملزمية البذل
كان استصحاب الخيار محكما، كما لا يخفى.
و عل أيّ حال لا يستحق المشروط له للتبديل مع خروج شخص المبيع فاقدا، بخلافه في الكليات الذميّة مع قدرة البائع على الموصوف.
و حينئذ فلو شرط التبديل على تقدير التخلّف، ففي صحّة الشرط من قبل التعليق المزبور قياسا بباب اشتراط الخيار على تقدير ردّ الثمن تأمل، لما تقدّم بأنّ مرجع هذا الشرط إلى أمر مجهول، و أنّ صحة شرط الخيار إنما هو بمقتضى النصوص الغير الجارية في المقام. نعم لو رجع المشروط إلى قضية تعليقية لا جهل فيه، لكن لازمة التوصل بمثل هذه الحيلة. إلى كل شرط مربوط بأمر مجهول، و لا أظنّ التزامهم بمثله، كشرط الانتفاع من الدار على تقدير مجيء زيد المجهول و لو في مدة معينة، فضلا عما لو لم تكن المدّة المعينة فتأمل.
ثم لو أغمض عن هذا الإشكال، لا قصور في صحّة الشرط المزبور من سائر الجهات، إذ مرجعه إلى الالتزام بمعاوضة جديدة بنحو النتيجة، أو السبب. و ليس المقام أيضا من صغريات شرط البيع بنحو النتيجة، كي يرد عليه عدم مشروعيّته لاحتياجه إلى سبب جديد، إذ ليس حقيقة البيع عين التمليك بالعوض، فلا قصور في شرط الملكيّة بعوض أم بلا عوض، كما لا يخفى.
هذا ثم إنه لا إشكال في أن منشأ الخيار في أمثال المقام إنما هو ملاحظة كون العقد بالنسبة إلى الواجد و الفاقد من باب تعدد المطلوب، بضمّ عموم نفي الضرر الشامل للمرتبة الدانية، و إلّا فلو بنينا على وحدته لا محيص من الالتزام بالفساد.
و دعوى أنّ تغيير الأوصاف الغير المقوّمة في أنظار العرف لا يوجب إلّا فوت حق، بمعنى أن تقييد المبيع بمثلها و لو بنحو وحدة المطلوب لا يوجب إلّا الملكية في
الذات و الحقّ في وصفه، ففقده لا يوجب فوت الملكيّة، بل يوجب فوات الحقّ المستتبع للخيار، مدفوع بأنّ نتيجة وحدة المطلوب عدم تعلّق القصد الإنشائي بالمطلق المنطبق على الفاقد، و مع ذلك كيف تسري الملكية المقصودة إليه، فلا محيص حينئذ من جعل صحّة هذا العقد بالنسبة إلى الفاقد من الأحكام العرفيّة الثابتة لهذا العقد الفاسد، و الالتزام به دونه خرط القتاد، لانتهائه إلى عدم تبعيّة العقود في تأثيرها للقصود.
ثم لا تخفى النتيجة بين التقربين، حيث أنّه على الأوّل كان اللزوم من آثار العقد الوارد على الموصوف، فمع الشكّ فيه كان الأصل عدمه، فيقدّم قول مدعي الخيار عند اختلافها في تغيير الوصف و عدمه.
و على الثاني كان اللزوم من لوازم مطلق مراتب العقد الشامل للفاقد، غاية الأمر عموم نفي الضرر مخصّص للعام المزبور و يثبت الخيار، و لازمة في ظرف الشك كون الخيار من آثار ضرريّة العقد، و مع الشك فيه أصالة عدم اتصافه بالضرريّة، كعدم قرشية المرأة و عدم المخالفة للكتاب و السنّة تثبت اللزوم و إدخال المورد في عموم وجوب الوفاء بالمورد، و لا مجال لجريان أصالة عدم ورود العقد على الواجد أو الفاقد و أمثالها، لعدم ترتب الأثر على مثل هذه العناوين كليّة، كما لا يخفى.
و إلى ما ذكرنا من المسلك الأوّل نظر شيخنا العلّامة في مكاسبه، و من المسلك الثاني نظر العلّامة الأستاذ في تعليقته على المكاسب، فراجع و تدبّر.
و لو لم يشاهده أي المبيع البائع و باعه بالوصف المرئي سابقا و ظهر أجود، كان الخيار للبائع، و إطلاق المصنّف يشمل صورة عدم رؤيته سابقا أيضا، و ذلك إنّما يتمّ بناء على كون دفع الضرر بنفس الالتزام الإنشائي بوجود الوصف في متن عقده.
و فيه إشكال، إذ لا يتحقق بمثله وثوق بوجدانهما له من قبيل مجرد هذا الالتزام الشرطي، مع فرض جهل البائع بوجوده، و عدم قيام أمارة خارجيّة أيضا على ثبوته.
و توهم أن الالتزام يوجب حقّا مستتبعا للخيار عند فوته، و بمثله يرفع الخطر من حيث فقده، مدفوع بأنّ الخيار المزبور إنّما يثبت في عقد صحيح بلا صلاحيّته لأن يصحح العقد.
و حينئذ فلا محيص من رفع الغرر من جهة أخرى غير الالتزام المزبور بآثاره، و لذا قيدناه بما مزجنا المتن به، فراجع و تأمل.
و على أيّ تقدير لا إشكال في ثبوت الخيار المزبور، لعموم نفي الضرر المذكور، بل و بفحوى النصوص السابقة الشاملة للمقام أيضا.
و سيأتي شرحه في ذيل الفصل الخامس إن شاء اللّٰه.
و كيف كان الخيار بجميع أقسامه من الحقوق القابلة للإسقاط كما أشرنا، و القابلة للانتقال بالإرث كما أفاد المصنّف بأنّه موروث.
و عمدة الوجه فيه الإجماعات بل السيرة القطعية، و إلّا فأدلّة مسقطية الرضى لا يقتضي حقيقته كما توهم، لإمكان كونها في بيان وجه إعمال الخيار لا إسقاطه، كما أن عموم: «ما ترك» أيضا لا يصلح لإثبات قابلية المحلّ للانتقال.
كما أن ظاهر كلماتهم أيضا عدم الإرث في الخيار المجعول للأجنبي، و لو لم يشترط فيه مباشرة التخاير، و إلّا فلا ينتقل بالإرث مطلقا، لعدم سلطنة الوارث حينئذ على التخاير، فلا اعتبار عند العقلاء حينئذ لثبوت خيارهم، بل و ظاهرهم أيضا عدم قابليته للنقل إلى الغير بعوض أم بغيره، و هذا المقدار يكفي
في التشكيك في قابليّته للانتقال إلى الأجنبي.
و عموم الوفاء بالعقود أو الشروط لا يصلح لإحراز قابلية المحل أيضا، اللهم [إلّا] أن يقال بكفاية عموم حلية البيع و التجارة عند جعله ثمن مبيع أو عوض مال المصالح به، لأنّه بعد صدق البيع في مورده عرفا أو التجارة كذلك.
يستكشف أنّ قابلية المحل للانتقال المزبور عرفا، فيترتّب عليه إمضاء الشرع.
و حينئذ فكم فرق بين عموم الوفاء بالعقد و أحل البيع، إذ الأول لا يصلح لإحراز قابليّة المحل. دون الثاني، إذ عنوان العام الثاني مترتب على القابلية دون الأوّل، فلا بد من إحرازه من الخارج.
و لكن الذي يسهّل الخطب. التشكيك في صدق العنوان في الفرض المزبور، و مرجعيته الى الشكّ في صلاحيّة الخيار للثمينة عرفا، و مع هذا الشكّ لا يبقى مجال لإثبات صحّة نقله و لو بجعله عوض مصالحة، كما لا يخفى.
ثم إنّه لا إشكال في انتقال الخيار بالإرث في صورة تعلق حق الديان بالتركة، و لو قلنا بعدم الانتقال في المستوعب، بناء على انصراف التركة المتعلّق بها حق الديان عن مثله، إذ مجرد ذلك حينئذ لا ينافي مع ثبوت الحق المتعلق بالعقد.
و توهم أنّ ذلك من تبعات سلطنته على العين، و لو من جهة انصراف قوله:
«البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» إلى من له السلطنة على بيع العين، مدفوع بمنع حكم العرف بهذه الملازمة، و منع اقتضاء التبعيّة السلطنة على إرجاعه، بل غايته كونه سلطانا على بيعه، مع أن ثبوت الخيار في المقام بدليل الإرث لا بمناط التبعية، كما هو الشأن في جعل الخيار للأجنبي.
و من هنا ظهر حال خيار الزوجة بالنسبة إلى العقار، و هكذا في غير الولد الأكبر بالنسبة إلى الحبوة. نعم لو كان في الوارث أحد موانع الإرث كان ممنوعا
من إرثه كسائر التركة، و هو ظاهر.
ثم إن مع تعدد الورثة فهل المنتقل إليهم حق واحد، أو إلى كل واحد حق مستقل بمقدار حصّته، أو على الإطلاق، أو الحق قائم بالجامع بينهم؟
أقول: لا مجال للأخير، إذ الوارث المأخوذ في الموضوع إنّما هو بنحو الطبيعة السارية، فلازمه كون ما ترك منتقلا إلى الجميع لا الجامع.
و حينئذ يبقى الكلام في أنّ ما ترك في المقام أمر واحد غير قابل للتبعيض، كي يلزمه انتقاله إلى الورثة بنحو المجموعيّة، أو قابل للتبعيض بمقدار الحصص كي ينتقل إلى كل واحد بمقدار حصّة من المعقودة عليه؟ لا يبعد الأخير، نظرا إلى ظاهر كلماتهم في باب الإجارة من قابلية تبعيض الخيار يتبع انحلال العقد إلى العقود. و لازمة في المقام أيضا الالتزام بانتقال الخيار إلى كل واحد بمقدار حصّته.
و أمّا احتمال انتقال الحق إلى كل واحد مستقلا بالإضافة إلى العقد، فهو مستتبع لكون المنتقل إلى الوارث أزيد ممّا كان للميّت، إذ ليس للميت إلّا حق واحد، فكيف يثبت للوارثين حقّان لكل واحد حق مستقل. كما أنّ احتمال عدم تبعّض الحق الخياري يتبع انحلال عقده- على ما فرض من حصّته أيضا- مناف لبنائهم في باب الإجارة، كما هو ظاهر.
و حينئذ التحقيق هو الأخير، خلافا لشيخنا العلّامة حيث ذهب إلى أول الاحتمالات (1)، فتدبّر.
ثمّ إنّه قد يشكل في بعض الحقوق من حيث قابليّته للتحليل بمقدار السهم و عدمه، مثل حق الشفعة أو حق القصاص. و ظاهر الأصحاب فيها إعمال
1) المكاسب: 316.
حكم التبعيض بمقدار السهم، بل و في الوسط نصّ مخصوص بأنّ عفو بعض الورثة لا يسقط حق الباقين.
و يمكن أن يقال في الشفعة: إن ذلك ليس من باب تبعيض الحقّ في مرحلة الانتقال الارثي، بل الحقوق المزبورة من الأوّل ثابت للشركاء بعد قيام شركة الوارث مقام شركة مورّثه، فمع تعدد الشركة في طرف الوارث فكل شركة تحدث حقا مستقلا له بمقدار حصّته. كما أنّ في القصاص أيضا كان الحقّ من الأول ثابتا لكل من كان ولي الدم، و لازمة سلطنة كل واحد على إعماله و لو مع عفو غيره.
و أمّا في القذف فهو و إن كان من باب الانتقال بالإرث، و لازم عدم تبعّضه كون ذلك حقا واحدا منتقلا إلى مجموعهم، المستتبع لعدم سلطنة بعضهم على المطالبة أو العفو مستقلا، إلّا أنّ النص الخاص كما أشرنا إليه كاف في إثبات مثل هذا الحكم على خلاف القاعدة.
بل يمكن دعوى كون تعلق الحق الواحد بالمجموع بنظر العرف بمثابة كان لكل واحد إخراج نفسه عن حيّز إضافته إليه بعفوه، بحيث لازمة قصر الإضافة المزبورة بالبقيّة، نظير تصورنا في الملكيّة المشاعة الراجعة إلى إضافة واحدة قائمة بالاثنين على نحو يكون لكلّ واحد إخراج نفسه عن تحته و قصر الإضافة المزبورة يغيره.
و عليه فلا يكون أيضا مثل موثقة الساباطي (1)الصريحة في استقلال كل واحد بالعفو مع عدم سقوط حق الباقين، على خلاف القاعدة، كما لا يخفى.
إذا اجتمعت الورثة على الفسخ لبيع مورثهم، فإن كان عين الثمن
1) وسائل الشيعة 19: 84 حديث 2 باب 52 من أبواب القصاص.
موجودا يدفع إليهم، و إلّا يخرج بدله من مال الميّت، و لا يمنع من ذلك حق الديّان حتى في المستوعب.
و عمدة الوجه فيه أنّ حقّ الديان متعلّق بعنوان التركة، و الفسخ يخرج الموجود عن عنوانه.
و قد يقال: بأن اقتضاء الفسخ قلب عنوان التركة عن الموجود فرع اقتضائه خروج المال عن ملك الميّت، و هو فرع اقتضاء الفسخ حل العقد من حيث حدوثه، و إلّا فبناء على التحقيق من كون مفاده الحل من حين الفسخ، فلا شبهة في أنّ حلّ العقد من هذا الحين لا يقتضي إلّا قلب المالين في الملكية من هذا الحين، و المفروض أن هذا الحين حين ملكية الوارث، فلازمه حينئذ خروج المال حين الفسخ من ملك الوارث و دخوله في طرفه في ملكه و حينئذ كيف يقتضي الفسخ قلب عنوان التركة عن المال الموجود.
هذا و لكن يمكن أن يقال: إنّ مفاد العقد لو كان مجرّد إحداث علقة بدلية بين المالين، ما أفيد في غاية المتانة، إذ حل العقد في كل زمان يقتضي قلب علقة البدليّة بين المالين، من دون ملاحظة إضافتها إلى المورّث أو الوارث، بل في زمان المورّث يقتضي قلب العلقة المزبورة خروج المال عن ملكه، و في زمان الوارث يقتضي خروج عن ملك الوارث.
و أمّا لو قلنا بأنّ مفاد عقد البيع علاوة عن علقة البدليّة بين المالين كان له نحو إضافة إلى طرفي العقد، لما أشرب فيه جهة الدفع إلى الغير و جذبه منه، فلا شبهة في أنّ حل هذا المضمون قلب عنوان دافعيّة البائع إلى الجاذبيّة، و بالعكس في طرف المشتري. و لازمة في الفسخ من الحين اعتبار جذب البائع الثمن و دفعه المثمن. و مثل هذا الاعتبار مساوق اعتبار خروج المال عن ملك المورّث المساوق لقلب عنوان التركة عن مثله.
و على هذا المبنى أيضا اتّضح حكم إرث الزوجة من العقار المبيعة بفسخها
و عدمه، إذ على الأخير لا ترث منها، لأنّه بحكم مال الميّت الذي مثلها لا ينتقل إلى الزوجة، بخلافه على الأوّل. و المسألة بحيث المدرك في غاية الدقة، فتدبّر تعرف.
و بمثل هذا البيان أيضا ظهر أنّه لو لم يكن للميت تركة لا يقتضي ذلك سقوط حق الخيار، بل الفسخ في مثله يوجب اشتغال ذمّة الميت ببذله، و وجهه ظاهر.
و لا يقاس المقام بباب إرث حق الشفعة، المقتضي لأخذ الوارث ببذله من كيسه، و لا بخيار الشرط المعتبر ردّ الوارث من كيسه في ثبوت خياره، إذ مثل هذه الجهات أجنبيّة عن مفاد الخيار و مقتضياته، إذ مرجع خيار الشرط إلى الخيار المشترط برد ثمن من مريد التملك بفسخه، و مرجع إرث الشفعة إلى استحقاق الوارث مثل المورّث تملك المبيع بثمن من كيسه، و أين هذا بإرث حق خيار الفسخ القائم بالعقد المتعلق بمال الغير محضا، و ذلك ظاهر.
و حينئذ لا يبقى مجال لتشكيك شيخنا العلّامة في المقام من هذه الجهة (1)، فراجع.
و لو كان الخيار لأجنبي فمات، ففي انتقاله إلى وارثه، أو المتعاقدين، أو سقوطه وجوه، اختار الأخير شيخنا العلّامة في مكاسبه، و استدلّ بأن الظاهر من جعل الخيار لشخص دخل خصوصيّة فيه، فلا ينتقل إلى غيره (2).
و فيه أن ظاهر دليل جعل كل خيار و لو من قبل الشرع ذلك، و مع ذلك يدخل فيما ترك، فما لم يشترط مباشرته في الفسخ أو الإمضاء لا وجه لعدم
الانتقال بعنوان ما ترك. نعم الأولى التشبث له بأنّ المنصرف من جعله للأجنبي كونه بخصوصه عاملا به إمضاء و فسخا. و مثل هذا الانصراف بمنزلة الشرط للأعمال المزبور، الموجب لعدم قابليته الحق المزبور للانتقال. و لا أقل من الشكّ فيه، فلا يصلح عموم: «ما ترك» لإثبات قابليّة انتقاله، فهذه لا بدّ و أن تحرز من الخارج، و يمكن إرجاع كلامه- رفع في الخلد مقامه- إلى ذلك.
نعم لو أغمض عن ذلك قد يتشبث لعدم الانتقال بعدم صلاحية المورد للانتقال من جهة قصور سلطنة من له الخيار عن السلطنة في المال، و شأن من له الخيار ذلك. و لا يقاس المقام بنفس الأجنبي، إذ المجعول من قبل المالك له بمنزلة تفويض الأمر إليه في ظرف سلطنته على المال. فسلطنة الجاعل كاف فيه، بخلافه في الوارث.
و فيه ما عرفت، و عدم تماميّة الفارق المزبور كما أشرنا إليه سابقا فتدبر.
ثم إن من أحكام الخيار سقوطه بالتصرّف الكاشف عن الرضى بالفسخ فعليّا و قوليا، أما القولي فواضح، و أمّا الفعلي فقد يقال بحصول الفسخ بالتصرف المنافي لبقاء العقد على حاله.
أقول: بعد الجزم بكون الفسخ من الأمور الإيقاعية كنفس إيقاع العقد، و ليس كاعمال الخيار الكافي فيها مجرد الكشف عن الرضى باطنا، فلا شبهة في أنّ التصرف الموجب لا بدّ و أن يكون بقصد التسبب به إلى الفسخ، و من المعلوم أنّ لازمة ترتب الفسخ عليه.
و حينئذ فلو كان الفعل المتسبب به إلى الفسخ ممّا ينوط بالملكية يستحيل تمشي القصد المزبور بمثله، بل لا بد و أن يكون كاشفا آنا عن فسخ سابق، نعم لو لم يكن منوطا بالملكية أمكن التشبث به إلى الفسخ، فتحصل به الملكيّة. غاية الأمر إن كانت حلّيته منوطة بها فيقع حراما مؤثرا في فسخه لوطي الجارية
بلا تحليل، و إلّا فلا قصور في حلّيته أيضا.
و على أي حال لا مجال لتوهم كشف مثل هذه التصرّفات عن فسخ سابق، و إنما يكشف عنه ما لم يقصد به التوصل إلى الفسخ، بل قامت القرينة على قصد إنشاء سابقا له. نعم في أصل إنشاء المعاملة أمكن دعوى قصد التوصّل به إلى الفسخ، و المعاملة بنحو الترتب و التعاقب، بناء على عدم احتياج إنشاء الفسخ إلى إنشائه بلفظ مخصوص به.
و حينئذ يتحقق الأمران بإنشائه متعاقبا، و ذلك أيضا إنما يتم لو لم يكن في البين شبهة تعليق في منشئه، و إلّا فتبطل المعاملة للتّعليق المزبور إجماعا، لو لا منع تمامية الإجماع المزبور في مثل هذا التّعليق بعد اتصاله بسببه زمانا، و إن تأخر عنه بتوسيط أمر آخر و برتبتين. و المسألة من هذه الجهة لا تخلو عن تأمّل، فتدبر.
ثم إنّ من الجهات المتفرّعة على إنشائية الفسخ و عدم إنشائية إعمال الخيار و كفاية الرضى باطنا فيه، تقديم الإمضاء على الفسخ فيما لو اشترى العبد بجارية مع الخيار، فقال المشتري: لديّ الخيار أعتقهما، فإنّ عتقه العبد إعمال لخياره و عتقه الجارية فسخ لعقده، و من المعلوم أنّ مرتبة الإعمال مقدّم على الفسخ، فلا يبقى مجال للفسخ، فلا يصح عتق الجارية فينعتق العبد، خلافا لشيخنا العلّامة حيث التزم بعدم وقوع واحد منهما للتزاحم بين الفسخ و الإجازة، لصدورهما من طرف واحد (1).
و وجه النظر فيه على مبنانا واضح كما لا يخفى، و لا ضير في قصدهما تضاد الفسخ مع الإجازة، لإمكانه مع الغفلة عن الخصوصيّة، كما لا يخفى.
و من أحكام الخيار عند جماعة عدم جواز التصرفات الناقلة من غير ذي
1) المكاسب: 317.
الخيار، بعد بنائهم على عدم مسقطية التلف أو الإتلاف للخيار، بل بالفسخ حينئذ يرجع إلى البدل.
و عمدة النظر في ذلك إلى كون الخيار حقا متعلقا بالعين بما له من الماليّة، فمع التلف يتعلق بماليته المحفوظة في ضمن إبداله، و مع عدمه يتعلق بنفس العين المانع عن نفوذ تصرفاته.
و فيه أولا: أنّ الخيار في أمثال المقام من الحقوق المتعلّقة بنفس العقد، و من المعلوم أنّ التصرفات المزبورة كالتّلف غير مانعة عن حلّه، و من تبعات حلّه من الحين قلب المبادلة. و حيث أنّ دليل نفوذ التصرف يمنع عن ردّ العين بخصوصه، فلا جرم يقتضي الحل المزبور مثل صورة التلف ردّ مرتبة مالية في ضمن بدله، فيصير حكم التصرفات الناقلة و لو جائزة حكم التلف، جمعا بين الجهتين و عملا بالدّليلين.
و ثانيا: لو سلّم تعلّق الخيار بنفس العين، و لكن اقتضائه بطلان التصرف فرع كونه من قبيل حق الرهانة قائمة بالعين بما هو ملك الغير، و إلّا فلو كان من قبيل حق الجناية متعلقا بذات العين أينما صار، فلا يقتضي مثله بطلان التصرفات فعلا، بل غاية اقتضائه سلطنة ذي الخيار على ردّ العين من أيّ مكان يبدّله. غاية الأمر للطرف الآخر مع جهله بالحقّ المزبور خيار فسخه، و مع عدمه كان البائع الأوّل يتلقّى الملك من المشتري الثاني ببذله بلا سلطنة أيضا على فسخ المعاملة الثانية كما هو.
كيف كان مقتضى التحقيق هو الجواب الأوّل، فلا تنتهي النوبة إلى هذه المرحلة.
نعم في خصوص الخيار المشروط بردّ الثمن، أمكن دعوى ارتكاز ذهن عامّة الناس بقاء المال على حاله إلى رأس المدة، و هو بمنزلة شرط خارجي في ضمن العقد، و أن عدم نفوذ التصرفات الناقلة للعين أو المنفعة بأزيد من المدة مستند
إلى اقتضاء هذا الشرط الضمني، لا إلى خياره، كما هو ظاهر.
ثم إنّ المانع عن التصرف على القول به هو نفس الخيار في زمان ثبوته، فلا يمنع الخيار في الثلاثة في الرؤية عن نفوذ التصرّف قبل الثلاثة، إلّا على القول بكاشفية الرؤية عن ثبوته من الأول.
و أيضا على هذا القول في كون الخيار مانعا عن مثل الوطء المورث للانعتاق أحيانا إشكال، لعدم اقتضاء الوطء فعلا شيئا قبل انعقاد العلوق، فكيف يمنع الخيار الفعلي عن مثله. و مجرد استتباعه الانعتاق لا يزاحم الحق الفعلي المتعلق بالعين، و حيث أن المانع عن التصرف هو الحق المزبور فلا بأس بنفوذه مع إسقاط الخيار، و مع عدمه ففي كفاية إذنه فيه. أيضا وجه لو كان وجه المنع اقتضاء النقل سقوط الحق، و إلّا فلو كان الوجه مانعية نفس الحق مع بقائه من النقل تعبدا، فلا يقتضي مجرّد الإذن المزبور صحّة التصرف، لعدم كونه مشرعا.
ثم مع كفاية الإذن في إسقاط حق خيار لا كاشف عن سقوطه حينه، فلا بأس حينئذ من رجوعه عن إذنه قبل التصرف، بخلافه على الاحتمال الثاني، كما لا يخفى.
ثم إنه نسب إلى الشيخ اشتراط انتقال العوضين بانقضاء زمان الخيار (1)، و لعله من جهة ملازمة اقتضاء الخيار منع الطرف عن التصرف، أو المنع عن وجوب القبض و الإقباض، لعدم الملكيّة، و إلّا يلزم تخصيص عموم دليل السلطنة، مضافا إلى ملازمة كون التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له كون خراجه و منافعه له بملاحظة الخراج بالضمان، و ذلك يقتضي كون المال للبائع في ظرف ثبوت الخيار للمشتري.
1) المبسوط 2: 80.
و فيه مضافا إلى ما في أصل القاعدة المزبورة أن ذلك معارض بصورة كون الخيار للبائع، مع أن التمسّك بعموم السلطنة لإثبات عدم الملكية من قبيل التمسك بالعام لإثبات مشكوك الفردية، مع أنّه لا يصلح للمقاومة مع عموم الوفاء بالعقد، للجزم بتخصيصه، فيبقى عموم الوفاء باقيا بلا معارض، مع أن إطلاق دليله الثاني يشمل الخيارات المنفصلة. و في مثله يلزم الخروج عن ملك المشتري بعد دخوله فيه، و لا أظنّ التزامه به، و لذا خص بعضهم كلامه بالخيارات المتّصلة، و مثله لا يناسب إطلاق دليله، كما لا يخفى.
و أيضا من أحكام الخيار أنّ المبيع إذا تلف قبل القبض كان من مال البائع، و الأصل فيه عموم: «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه» (1)، و لقد تقدّم شرح هذه القاعدة في ذيل بيان قاعدة التلف في ذيل زمان الخيار، و أن الغرض من التلف الموضوع للقاعدتين أعم من تلف العين أو الوصف خصوصا وصف الصحة، و لذا نقول بأنّه إن تعيّب قبل القبض تخيّر المشتري بين الرد و الإمساك بالأرش على إشكال في خياره، لأنّ كون تلف وصف الصحّة من البائع يقتضي ضمان الأرش عليه، فلا وجه لسلطنته على فسخ المعاملة.
اللّٰهم [إلّا] أن يحمل كون التالف من مال البائع كونه بحكم التلف قبل البيع، فإنّ مثل هذا التلف إن ورد على العين يوجب البيع الواقع سابقا بمنزلة البيع الوارد على الوصف التالف، فنتيجة الخيار بين الإمساك و الأرش.
و لكن الإنصاف منع استفادة مثل هذه العناية من عبارة النص، بل غاية
1) انظر وسائل الشيعة 12: 358 باب 10 من أبواب الخيار.
الأمر كون التالف حين تلفه من كيس البائع، و مرجعه إلى كون خسارته بما هو مبيع من كيسه، و هو ليس بضمانه ببدله الجعلي، إذ هو المستفاد من ضمان المبيع بما هو مبيع، لا بما هو عين خاص من الأموال السوقيّة. و لازمة ليس إلّا ضمان البائع في تلف وصف الصحّة الأرش، كما لا يخفى، و المسألة بعد محتاجة إلى النظر.
ثم إن التلف الموضوع للقاعدة منصرف إلى تلف لا يقتضي ضمانا من غير جهة التضمين الثابت في النص، و ذلك منحصر بالتلف السماوي، و ما هو بحكمه من الإتلاف بأمر الشارع على وجه لا يقتضي ضمانه، و إلّا فمع اقتضائه الضمان لا يكون مثل ذلك مشمول القاعدة، لأن مثل هذا التالف بعد كونه في عهدة الغير فيكون بمنزلة الموجود، فلا يشمله بعده مثل هذا العنوان المأخوذ في موضوع تضمين البائع، إذ التلف المأخوذ في موضوع التضمين لا بدّ و أن يكون عاريا عن اعتبار الوجود، كي ببركة التضمين يعتبر له الوجود في ذمّة البائع.
و من أحكام الخيار- أيضا- ما حكي عن التذكرة من عدم وجوب القبض و الإقباض (1)، و لعلّه من جهة أن وجوبهما إنما جاء من قبل وجوب الوفاء بالعقد، و هو مساوق لزومه، فمع الخيار لا يجب.
و فيه أنّ ما هو مساوق اللزوم هو الوجوب المطلق الملازم للإرشاد بمحفوظيّة العقد حتّى مع إنشاء فسخه، و أمّا مطلق لزومه و وجوبه، و لو في ظرف بقاء العقد بحاله بنحو الوجوب المشروط الغير الحافظ لوجود شرطه، فلا ينافي في مثله دليل الخيار، و لا يكون ذلك أيضا مساوق لزوم العقد، كما هو ظاهر.
1) التذكرة 1: 518.
و هو كل ما زاد أو نقص عن مجرى الطبيعي، و الأصل فيه- مضافا إلى مساعدة العرف عليه في الجملة- ما في رواية محمد بن مسلم من أن: «كلما زاد أو نقص عن الخلقة الأصليّة فهو عيب» (1)، و المراد من الزيادة ما تقتضي الطبيعة عدمها، لا ما تقتضيه الطبيعة، كما هو الشأن في جملة من الأمور الموجبة لكمال الشيء و حسنه.
كما أنّ المراد من الاقتضاء أيضا أعم من اقتضائه الحقيقي أو العادي، فالاستحاضة في النساء من مقتضيات الطبيعة عادة و إن اقتضت عدمها حقيقة، فلذا كان من الأمراض كالبواسير، و لذا لا يكون فقدها أيضا نقصا بالنسبة إلى الطبيعة. غاية الأمر بمقتضى العادة لا يكون وجوده عيبا، لا أنّ عدمه أيضا نقص و عيب.
نعم لو لم يبلغ الاقتضاء المزبور إلى حد العادة على وجه يصير من الطبيعة الثانويّة، بل كان في البين مجرد علّة وجوده خارجا من باب الاتفاق كثيبوبة الإماء، لا يخرج ذلك عن العيبية، و لا يقاس ذلك بمثل الاستحاضة التي هي من مقتضيات الطبيعة ثانويا.
1) وسائل الشيعة 12: 410 حديث 1 باب 1 من أبواب أحكام العيوب.
نعم ربّما يقتضي العليّة المزبورة، لعدم جريان أصالة السلامة، فلا يجري في حقه خيار العيب، لعدم ابتناء العقد على صحة العين، كما هو منصرف دليل خيار العيب، و ذلك المقدار لا يمنع كونه عيبا. و لعل نظر من أنكر عيبيته إلى مثل هذه الجهة، و هو سهل.
و أيضا نقول: إن الظاهر من النقص و الزيادة ما كان كذلك بنظر العرف، و إلّا فمع عدم احتسابهم هذه من أجزاء البدن أو من مقتضياته، فلا ضير بنقصه أو زيادته حينئذ، بعد الجزم بأن الإطلاق مسوق، و لو بمقدمات الإطلاق المقامي إلى ما هو مصداق العنوانين عرفا لا دقة، كما لا يخفى.
و حيث اتضح ذلك فنقول: إنّه قد يستشكل في بعض الأمور بأنّها عيب أم ليس بعيب:
فمنها: الحمل، فإنّ الظاهر من بعضهم كونه عيبا، لكونه في معرض الخطر.
و فيه أنّ مجرّد المعرضيّة المزبورة لا يكون عيبا كالمعرضيّة للقصاص أو المعرفية لأخذ اللصّ و الجائر، و إنما عيبه جاء من قبل ضعف خارج عن العادة في الحامل أو كبر في الولد لا يتحمل عادة لوضعه، فيصير بذلك خطريا. و مثل هاتين الجهتين غالبا غير معلوم حين المعاملة و الحمل، و يظهر بعد إشرافه للوضع.
و منها: الأغلفية في الكبار، فإنه أيضا في معرض الخطر بجنايته، و في كونه أيضا من العيوب نظر، خصوصا مع اقتضاء عموم نفي الضرر و الحرج تخصيص وجوب خطابه بصورة الأمان من الضرر و الخطر، كما هو ظاهر.
و منها: الإباق في العبد، و لعل وجهه من جهة كشف هذه الصفة عن مرتبة من خسة النفس و الرذالة على وجه لا يستقر حاله في أمر، بل ربّما يحسب مثله من تبعات نقص العقل و يكون من فنون الجنون.
نعم لو كان إباقه لشدة أوامر مولاه و تحميلاته، يحسب من الجهات
العقلائية، فهو ليس بعيب جزما. بل لو كان الإباق من جهة شدة غيرته في توطين نفسه على العبودية، أمكن التشكيك في عيبيته، لعدم كشف مثله عن نقص في خلقته.
و ما في صحيحة هشام من عدّ الإباق من العيوب (1)يمكن تنزيله كتنزيل الكلمات على الصورة الاولى، و إلّا فلا بدّ و أن يحمل على ضرب من العناية و التنزيل، كما في نص آخر من عدم العهدة في الإباق (2)أيضا محمول على عدم عهدة العبد، كما هو الشأن في عيوبها.
و منها: الثقل الخارج عن العادة في الزيت، و في النص الأمر بالردّ مع وجود الدّرد فيه (3)، بضمّ حمل ما في نص آخر من إعطاء السمن بكيل الزيت (4)، على بيان إعطائه بعنوان الأرش تخييرا، جمعا بينه و بين مطلقات الرد، كما هو الشأن في استفادة التخيير المزبور في سائر المقامات بالتقريب المذكور، و اللّٰه العالم.
و كيف كان بعد ما اتضح شرح موضوع العيب، فإن أطلق المتبائعان البيع، أو اشترطا الصحة، اقتضى سلامة المبيع، أما الأخير فواضح، و أما الأوّل فهو مبني على انصراف الإطلاق إلى الصحيح منه، و هو كذلك لو لم يكن المنشأ في إقدامهم غالبا أصالة الصحّة، و إلّا فلم يكن مقتض للانصراف المزبور على وجه يقتضي شرطا ضمنيا في متن العقد.
و بعد ذلك نقول: إنه لا مقتضى للخيار في المقام كالأرش على القواعد، إلّا في مورد يكون لوصف الصحّة دخلا في المالية كي يجري فيه مناط خيار الغبن،
و إلّا ففي مثل الخصي الذي لا يكون عيبه منقصا لماليّته لا موجب لخيار و لا أرش، كما أن رفع الغرر الوصفي في المعاملة أيضا لا يكون بهذا الاشتراط كي يجعل ذلك قرينة عليه، إذ صحة مثل هذا الشرط في طرف صحة معاملة من غير جهة، فكيف يصير ذلك منشأ صحّتها.
و كيف كان إن تبرأ من العيوب فلا ضمان و المراد من التبري تارة التبري عن الالتزام بالسلامة، و اخرى التبري من ضمان العيب، و ثالثه التبري من الخيار تبعا به. و الأنسب بحسب الأغراض النوعيّة في التبري هو الأخير، و إلّا فالثاني منه لا يقتضي إلّا سقوط الأرش، و الأوّل أيضا لا يقتضي إلّا نفي الخيار الناشئ من قبل اشتراط الصحّة، و أمّا الخيار الناشئ عن الضرر المالي الحاصل بإقدامه على المعاملة بداعي أصالة الصحّة فلا يوجب التبري المزبور سقوطه.
و توهم صدق الإقدام مع التبري المزبور، ممنوع مع فرض قيام الأصل الداعي على الإقدام، كيف و مع عدم وجود هذا الأصل أيضا في ظرف التبري المزبور يلزم كون المعاملة غرريا باطلا.
و حينئذ مرجع التبري بالمعنى الأخير إلى شرط سقوط الخيار و الأرش، و يكفي في صحّته حينئذ عموم: «المؤمنون عند شروطهم».
و يؤيّد ما ذكرنا ما في النص الآتي المشتمل على تقييد ثبوت الخيار بعدم التبري، و الظاهر منه تقييد الخيار بتبعاته، لا خصوص ردّه دون أرشه. و مقتضى إطلاقه أيضا عدم الفرق بين العيوب الظاهرة و الباطنة، بل إطلاقه يشمل التبري عن العيوب المتجددة قبل القبض أو في زمان الخيار، و لولاه ففي شمول عموم الوفاء بالشرط إشكال، لأنه من باب إسقاط ما لم يجب.
و لكن يمكن دعوى أن كون تلف وصف الصحّة قبل القبض أو في زمان
خيار المشتري على البائع، إن اقتضى كون التالف بعد العقد بمنزلة التالف قبله- كما هو مقتضى كلام من التزم بموجبيّة التلف المزبور للخيار كما أشرنا إليه سابقا- يقتضي أيضا صحّة اشتراط تبريه في متن العقد أيضا، لأنّ التنزيل المزبور بجعل ما لم يجب بمنزلة الواجب، فشمله عموم دليل الشرط.
و إن قلنا بأنّ مقتضى الخيار في المقام هو العين لا العقد، فإشكال شيخنا العلّامة (1)لا يكاد يرد على هذا المسلك، و إنّما يتم بناء على عدم اقتضاء كون التلف من مال البائع مثل هذا التنزيل، بل كان غاية مفاده كون التلف في عهدة البائع و حسابه من كيسه، كما أشرنا، و عليه فقد استشكلنا حينئذ في ثبوت الخيار أيضا.
و بالجملة من التزم بثبوت الخيار في العيوب المزبورة لا بدّ و أن يلتزم بمسقطيّة تبرئه أيضا بعموم الوفاء بالشرط، حتى على كون العيب مقتضيا للخيار لا البيع، كما لا يخفى.
و كيف كان لو وقع العقد على المعيب بدون التبري يلزمه أنّه إذا ظهر عيب تخيّر المشتري بين الردّ و الإمساك بالأرش كما هو المشهور، و عن الحدائق جعل ظرف التخيير ثلاثة (2)، و هو الظاهر من الفقه الرضوي (3)، بعد أصالة عدم زيادة الهمزة في قوله: أورد عليه بالقيمة إلى آخره، و لكنّه خلاف كلمات الأصحاب، خصوصا بعد عدم حجية الفقه المزبور، نعم قد يبقى الإشكال في مدرك المشهور، مع أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار بين مطلقات الردّ، و اخبار الأرش المخصوص بعدم التمكّن من الردّ المترتب بين الردّ
و الأرش لا التخيير، و حكي هذا الاحتمال عن المبسوط، و ردّه شيخنا العلّامة بأنّه خلاف إطلاق أخبار الأرش (1).
و فيه أنّه مناف لاعترافه بعدم الإطلاق فيها، و لذا أمر بالتأمّل في المقام، و التزم بأنّ مدرك التخيير إجماع الأصحاب.
أقول: يمكن استفادة الإطلاق من بعض نصوص الأرش، مثل ما ورد في حكمه عليه السلام بأن المشتري عكّة فيها سمن فوجد فيها ربّا بكيل الربّ سمنا (2)، إذ حكمه يأخذ السمن بدل الرب لا يتم إلّا بمناط إجراء حكم العيب على السمن المغشوش بربّه، و انّ استحقاقه السمن بدل الرب من باب الأرش و تضمين عيبه بما هو أقرب إلى غرضه من خصوصيّة السمن، فتأمل. هذا مع إمكان دعوى الملازمة بين الإمساك و الأرش من نصوص الأرش بلا خصوصية، لعدم التمكن من الردّ فيها.
و يمكن استفادة التخيير أيضا من بعض نصوص أخر و هو قوله: «إن كان الشيء قائما بعينه ردّ على صاحبه، و إن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب» (3)، إذ الظاهر منهما كون المقابل للردّ هو الإمساك بالأرش. غاية الأمر هنا ظهور آخر في اختصاص كلّ بحال، و ذلك صحيح لو لا دفع توهم الخطر في الأمر برده قبال الفقرة الثانية.
اللّٰهمّ [إلّا] أن يقال: إنّ هذه الجهة توجب عدم ظهوره في التعيين، لا أنّه يقتضي ظهوره في التخيير، فغاية الأمر يصير مجملا بلا ثمرة للمدعي.
ثم إنّ ظاهر كلام المصنّف كون الخيار مترتّبا على ظهور العيب، و لكن في
النص: «لا تردّ الجارية بعيب إذا وطئت» (1)، و ظاهره كون الخيار من آثار نفس العيب، و أن ظهوره دخيل في إعماله، على إشكال فيه أيضا، لإمكان رضاه بالمعاملة برجاء إعمال خيار أو فسخه بهذا النحو، فإنّه لا دليل على عدم نفوذهما قبل ظهور العيب، كما لا يخفى.
و يؤيّده أن ذلك أيضا مقتضى القاعدة، بناء على اقتضائه خيار العيب، إمّا لنفي الضرر المالي كخيار الغبن، أو الغرضي كخيار تخلّف الشرط.
ثم إنّ في ثبوت هذا الخيار للبائع لعيب في الثمن وجه وجيه لو قلنا بثبوتهما بمقتضى القواعد، و إلّا فالنصوص الخاصّة طرّا مختصة بصورة كون العيب في المبيع.
اللهم [إلّا] أن يدّعى سياقها لبيان ملازمة العيب لخيار من انتقل إليه المعيب بلا خصوصية للبائع أو المشتري فيه أبدا، مع إمكان الأخذ بإطلاق ردّ الجارية لصورة جعلها ثمنا، فيتعدى الى غيرها بعدم القول بالفصل، و في إطلاقه إنصافا تأمّل.
ثم إنّ ثبوت الخيار المزبور ما لم يتصرف، فإن كان قد تصرف أو حدث فيه عيب عنده و في غير زمان خيار المشتري بأخذ الثلاثة يثبت الأرش خاصّة، بلا إشكال في كلا الحكمين:
أمّا الأوّل فلعموم مسقطية التصرف الجاري بعلّته لمثل المقام أيضا، و تفصيل مسقطيتها من حيث كشفه عن الرضى بالبيع قد تقدم مستقصى، و في ذلك دلالتها على الرضى قبل العلم بالعيب إشكال، خصوصا مع الغفلة عن عيبه، إذ حينئذ لا يعقل صدور رضاء التخايري منه، و لا يكون مطلقا الرضى
1) وسائل الشيعة 12: 416 حديث 2 باب 5 من أبواب أحكام العيوب.
بالبيع إعمالا لخياره و مسقطا و هو ظاهر.
ثم إنّ ذلك أيضا في مسقطيّة التصرّف بمناط الكشف عن الرضى، و إلّا فقد يسقط بالتصرف المغيّر للعين و لو لم يكن دالا على الرضى أصلا، و بذلك يمتاز هذا الخيار عن سائر الخيارات.
و الأصل فيه ما في بعض الأخبار من قوله: «إن كان العين قائما بعينه ردّه و إن كان قد قطع» (1)إلى آخره.
و في نص آخر: «و أحدث فيه» (2)، و إطلاقه محمول على المغيّر للعين بقرينة الاولى، و في شمول عدم قيام العين لصورة تغيير أوصافها الاعتبارية كالملكيّة و الحرية و أمثالها الموجبة لعدم البقاء على القدرة لردّها وجه. نعم ما لا يكون منشأ لذلك فالظاهر انصراف العنوان عن مثله، مضافا إلى استصحاب بقاء العين على ما كان عليه حكما لا موضوعا، لعدم جريان الاستصحاب في المشتبهات مفهوما، كما لا يخفى.
و على أيّ حال لا إشكال في مسقطيّة تلف العين في هذا الخيار، لعدم كون العين قائما بعينه، و يلحق به ما هو بحكمه عرفا مثل وقوعه في البحر. و في رجوع الخيار برجوعه إشكال، و الاستصحاب يمنعه كالرّجوع في المنقولات.
ثم إنّ وطء الجارية مانع عن الردّ، أما في الباكرة فلا إشكال، لأنّه من التصرّفات المغيرة للعين. و أمّا في الثيب ففي كونها منها إشكال، لو لا دعوى أنّ زوال اعتبارها به و هتك عرضها بمثله من الاعتباريات التي يعتني العقلاء بعدمها، بحيث يعد عندهم من مصاديق تغيير العين، مضافا إلى النص المشتمل
على عدم ردّها به، بل يرد إليه بقيمة ما نقصها العيب (1)، و المسألة بملاحظة تطابق الفتاوى و النصوص خالية عن الإشكال.
نعم قد يستثنى عن هذه الكلية صورة حمل الجارية للأخبار المستفيضة، المشتملة تارة على عدم ردّ الجارية التي ليست بحبلى (2)، و في ذيله: «و ترد الحبلى و يرد معها نصف عشر القيمة» (3)، و في آخر: «يردّها و يكسوها» (4)، و في النصوص ردّ عشر القيمة معها و ربما يكون ذلك محمولا على الفضيلة بعد إعراض المشهور عن الرواية المفصّلة بين البكر بالعشر و الثيب بنصفه (5).
و على أي حال ظاهر قوله: «لا يرد فيما ليس بحبلى و يرد في الحبلى» كمال ظهور في الردّ من حيث الملكية، و لازمة صحّة المعاملة و لو بفرض الحمل لغير المولى، أو بفرض كون المورد من موارد جواز بيع أم الولد، و بمثله تختص الإطلاقات الدالّة على مانعيّة الوطء للردّ.
ثم في جواز الرد بالحمل حتى مع أنّ الوطء في الدبر إشكال، للتشكيك في شمول إطلاقات الباب لمثله، فيبقى تحت كليّة التصرفات المغيّرة للعين. و في شمول الإطلاقات لصورة الوطء في حال العلم بالحمل وجه، لو لا قرينة على أماريّته على الرضى التخايرى، و إلّا فيكون تحت تلك القاعدة.
و أمّا الحكم الثاني من مسقطيّة حدوث العيب الجديد في يد المشتري، بل و في غير زمان الخيارات الثلاثة التي كان العين مضمونا على من لا خيار له من البائع، فالظاهر من كلماتهم سقوط الردّ به، لصدق عدم بقاء العين قائما بعينه.
و هذا المقدار في الجملة مما لا إشكال فيه، و ما عن المقنعة من عدم المسقطيّة بالاستصحاب (1)محكوم بإطلاق المرسلة المجبورة بالعمل، و إنّما الكلام في معيار عدم قيام العين بعينه، من أنّه على طرف نقص مالي للعين أو طروء نقص في خصوصياته الخارجية، و إن لم ينقص جهة ماليته مع فرض كون الخصوصيّة مورد غرض العقلاء لا يعد الالتزام بالأخير بقرينة الأمثلة الواردة في المرسلة من خياطة الثوب و صبغه.
و حينئذ لا يبعد شمولها لمثل نسيان الكتابة أو الطحن و أمثالهما، و في شمولها لمثل السمن الخارج عن العادة الغير المرغوبة عند العقلاء وجه، كشموله لنقص الاختلاط الموجب رده للشركة، إذ فيه أيضا تعتبر الخصوصيّة الخارجيّة المورد لاعتناء العقلاء بمثله.
ثم إنّ المستفاد من المرسلة كون المدار في الخيار على كون العين حين رده تام العيار بلا نقص فيه، إذ المستفاد منه أنّ المدار على بقاء العين على ما هو عليه، كي بحدوثه- و لو مع زواله بعد حين- يسقط الخيار، و يستصحب عدمه بعده، بعد فرض عدم قيام الدليل بإطلاقه لإثبات خيار جديد يمكن المصير إلى الأول، و لا أقل من الشك فيستصحب عدم سقوط الخيار من الأول.
ثم إن ذلك كله في صورة حدوث العيب بعد القبض، و بعد انقضاء زمان الخيارات الثلاثة الموجبة لكون التلف من مال البائع. و أمّا قبلهما فالظاهر أن بناءهم على عدم مسقطية العيب الجديد للردّ بالعيب القديم. و يمكن أن يتشبث له باستصحاب بقاء الخيار بعد منع الإطلاق في دليل عدم قيام العين لمثل هذه الصورة، و قد يتشبث له بعموم كون التالف من مال البائع أو من لا خيار له، بتقريب أن مقتضاه كون التالف بعد البيع بمنزلة التالف قبل. و لازمة حينئذ
1) المقنعة: 92.
كون العيب الجديد أيضا مقتضيا مستقلا للرد، و تظهر الثمرة في صورة التبري في متن العقد عن العيب القديم.
و لكن قد أشرنا سابقا أن استفادة مثل هذا المعنى من مفاد القاعدة إشكال، بل غاية الأمر كون خسارة التالف من مال البائع بما هو بائع المنصرف إلى الخسارة بالمسمى لا المثل.
و حينئذ لا وجه لاقتضاء العيب الجديد خيارا مستقلا، بل غاية الأمر عدم اقتضائه سقوط الخيار بالعيب القديم بمثله و لو لمنع إطلاق المرسلة لمثله، كما هو ظاهر.
هذا كله في بيان مسقطيّة الرد دون الأرش، و أمّا عكسه فقد يتصور في العيوب الموجبة لنقص في العين بلا نقص في ماليته كالخصي في العبيد، و قد يتصور في المتجانسين من الربويات إذ الأرش فيه مستتبع للتفاضل بينهما. و فيه محذور الربا، و بعبارة اخرى إن الشارع بعد اعتباره الصحيح و المعيب جنسا واحد يكشف ذلك عن إلقاء الماليّة لوصف الصحّة، و مع إلقائه لها كيف يتصور فيه الأرش الملحوظ فيه جبر المالية.
و فيه أن الغرض من الإلقاء إن كان إلقاء ماليّة وصف الصحّة مطلقا ففيه خلاف البداهة، للجزم بضمان صحته عند إتلافها، و إن أريد إلقاؤه في مقام المعاوضة بمعنى عدم بذل مال في المعاملات المزبورة في قبالها فهو مسلّم، و لكنّه لا يقتضي نفي الأرش إذ الأرش ليس من باب التعويض، بل هو نحو تضمين شرعي في خصوص وصف الصحة بلا اعتبارها في مقام العوضيّة، و أدلّة الربا في المعاوضات منصرفة عن ذلك.
بلا خلاف، لانصراف
اخباره عن مثله، و عدم شمول نفي الضرر المقدّم على فرضه به و لو شرط المتعاقدان حينئذ ثبوت شخص هذا الخيار فيفسد الشرط لعدم مشروعية الشرط، و في اقتضائه بطلان العقد نظر، بل أقصاه خيار تخلّف الشرط بين الردّ و الإمساك بلا أرش، كما لا يخفى في نظائره.
ثم إن من جملة ما يوجب سقوطها أيضا التبري على تفصيل تقدّم، و منها:
التصرّف الكاشف عن الرضى، و نظيرهما ما لو حصل بعض موانع الردّ في مورد لا أرش فيه لربا أو غيره، و لقد تقدّم تفصيل الجميع.
و كيف كان لو ترك التخاير بناء على فوريّة الخيار، لا يقتضي ذلك إلّا سقوط الردّ، و أما الأرش فلا وجه لسقوطه بعد الجزم بأنه من تبعات إمساكه بقرينة ثبوته في فرض تغيير العين. اللهم [إلّا] أن يدّعى أن دليل الأرش مختصّ بصورة تغيير العين المانع عن الردّ، غاية الأمر يتعدى عنه إلى صورة إمساكه التخايري إجماعا، و لا يتعدى إلى غيره.
و حينئذ لا مقتضى لثبوت الأرش عند سقوط الخيار من غير ناحية تغيير العين، نعم عمدة الكلام في المقام الإشكال في فورية الخيار في أمثال المقام، و لقد تقدّم منا تحقيقه فراجع.
تنبيه: ذكر بعض الأعاظم حرمة كتمان العيب جليا أم خفيا، لأنّه غش.
و عمدة السند فيه ما ورد في الغش بلفظ: «لا يحل» (1)، و إلّا فما في بقية نصوصه (2)لا يصلح لإثبات الحرمة، كما لا يخفى على من راجع إليها، حيث يرى اشتمالها على ما يصلح للقرينية المانع عن انعقاد ظهورها فيها.
، قيل كان للمشتري الأرش أو ردّ الجميع لا المعيب وحده، و لعله من جهة استتباع رده فقط ضرر التبعض على البائع، و هو ينافي إرفاقية مثل هذا الخيار، لأن الأحكام الإرفاقية إنما تشمل موردا لا يستتبع ضررا على الغير. و لكن ذلك لو لا جبر ضرره بخيار جديد من قبيل تبعّض الصفقة، فلا يكون مثل هذا الحكم حينئذ خلاف امتنان في حق الغير.
اللهم [إلّا] أن يقال: إن مثل هذا الضرر الغرضي ما جاء من قبل العقد أولا، و إنما نشأ ذلك من قبل فسخ الغير بخياره، و مثل هذا الضرر لا يدخل تحت عموم نفي الضرر، لعدم الجبر لعمومه، فتبقى شبهة عدم شمول دليل الخيار للمورد لمنافاته مع الإرفاقية فتدبّر.
و من هنا ظهر حكم فرع آخر، و هو أنّه لو اشترى اثنان صفقة لم يكن لأحدهما ردّ حصته بالعيب إلّا إذا وافقه الآخر.
و كيف كان لا إشكال ظاهرا في أن التصرف يبطل ردّ المعيب إلّا في وطء الحامل فيردها مع نصف عشر القيمة، و لقد تقدّم شرح ذلك كلّه في طيّ الكلمات السابقة فراجع بلا تكرار و إعادة في مثل المختصر المقتصر على مهام الأمور.
ثم إنّ الحلب في الشاة المصرّة لا يمنع الردّ بخيار التدليس و التصرية، إذ ليس ذلك من التصرف الكاشف عن الرضى بالبيع في مقام التخاير، فتبقى قاعدة الضرر الموجب للخيار بلا مزاحم فيردها حينئذ مع قيمة اللبن الموجود حين العقد إن فقد المثل، و إلّا فيرد مثله نظرا إلى كونه من أجزاء المبيع حين العقد، فتجري عليه قواعد الضمان بعد الفسخ.
و لكن يمكن الاشكال فيه بمقتضى القواعد بمنع كون الموجود في ضرعه حال البيع من أجزاء المبيع، بل هو محسوب من تبعاته و نمائه المتصل الخارج عن المبيع المحكومة بالملكية تبعا للعين.
و حينئذ فقضية الفسخ تقتضي إلّا رجوع نفس العين لا هي بتبعاته الموجودة حين العقد، و لا أقل من التشكيك فيه، و يستصحب ملكيته للمشتري نظير اللبن الحاصل في ضرعه بعد العقد، فإنّ المشهور كونه من ملك المشتري بلا ضمانه له حين رده العين بخياره.
و حينئذ فلو لا إطباق الكلمة على رده أو ردّ قيمته من صاع من التمر أو البر مع وجود الكاشف إجمالا عن ضمان المشتري للبنه عينا أو قيمة لكان للتشكيك فيه مجال.
اللهم [إلّا] أن يقال: إن النماءات المتصلة الموجودة حين العقد و إن لم تحسب عرفا من أجزاء المبيع، لكن كانت بنظرهم محسوبة من مراتب وجود العين، و قضية حل العقد رد العين بما له من مراتب وجوده حين العقد، و لازمة رد نفس اللبن الموجود حين عقده لا غيره. و لا مجال لردّ قيمته مع وجوده، فما في بعض النصوص من ردّ صاع من التمر الشامل بإطلاقها حال وجود اللبن فلإعراض المشهور عنها مطروح، كما أنّ في صورة التلف مقتضى القواعد أيضا انتقال الأمر إلى المثل، و مع فقده فإلى القيمة كما اختاره المصنّف، و هو المشهور أيضا.
و لكن في حسن الحلبي: «إن كان في تلك الأيام يشرب لبنها ردّ معها ثلاثة أمداد» (1)إلخ ..، و هذه الرواية أيضا لمخالفة المشهور موهونة، فلا يعتنى بها خصوصا مع ما في الجواهر من عدم الظفر بعامل به، و احتمل كون القائل به
1) وسائل الشيعة 12: 360 حديث 1 باب 13 من أبواب الخيار.
من العامة (1).
ثم إنه لو امتزج اللبن الموجود حال العقد مع الحاصل بعده اشترك المشتري مع البائع بالسوية، كما إنّه لو تعيب اللبن المردود من قبل غير المشتري أيضا- فضلا عنه- كان ضمان أرشه عليه، إلّا إذا كان البائع متلفا فإنه لا ضمان على المشتري، لأنّ البائع كان متلفا على نفسه، و ذلك أيضا لو كان العيب حادثا قبل العقد فإن اللبن على أيّ حال محسوب من المبيع إمّا جزءا أو مرتبة.
نعم بناء على التبعيّة المحضة بلا احتسابه من مراتب المبيع، ففي إجراء حكم المبيع عليه حتى في لزوم الأرش مع الإمساك إشكال. و هكذا لو حدث بعد العقد أو بعد القبض أيضا، فإنّ ضمان وصف صحّته فرع احتسباه مبيعا، و إلّا فعلى التبعيّة المحضة ففي جريان مثل هذا الحكم عليه لا يخلو عن تأمّل و اللّٰه العالم.
ثم إنّ في النص: «من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام» (2)إلخ ..، و لا يضرّ اشتمال ذيله بردّ صاع من تمر أو برّ معه بدل اللبن الذي قدّمنا إعراض المشهور عنه، إذ الظاهر أنّ الفقرة الاولى من النص معمول به و إن اختلفت كلماتهم في أنّ الثلاثة هي التي كان ظرفا لمكلف خيار الحيوان أو هو ظرف الاختبار لخصوص الخيار الثابت للمصراة، و أنه تحديد شرعي له أو عادي أو تقريبي محض.
و عليه فيمكن تقوية الأوّل، لظهور النص في كون الثلاثة ظرف الخيار لا ظرف الاختبار الحاصل بعده الخيار، و عليه فيمكن توكيل هذا المعنى إلى العرف و العادة بلا استفادة تحديد شرعي لزمان الاختبار.
و حينئذ فخيار التصرية هو الحاصل بعد الاختبار، فربّما يتحقق بعد مضي ثلاثة أيام خيار الحيوان، كما هو ظاهر.
ثم إنّ التصرف الحلبي في المصراة غير مسقط للخيار الثابت في المصراة و إن كان مسقطا لخيار العيب من غير هذه الجهة، لعدم قيام العين بعينه، و في مسقطيّة سائر الخيارات بمناط الكشف عن الرضى فيه إشكال.
و حينئذ فأمكن دعوى عدم خصيصة لخيار التصرية من هذه الجهة، و لا من جهة تحديد اختباره بالثلاثة، لما عرفت ما فيه، فلا يكون في خيار التصرية حينئذ خلاف قاعدة.
و حينئذ فلا بأس بالتعدي إلى الناقة و البعير بل و إلى الأمة، لثبوت التدليس في الجميع الموجب للضرر المالي، فيجيء فيه مناط خيار العيب أو الغبن.
نعم لو بنينا على الالتزام بخلاف القواعد في خصوص التصرية لا بدّ و أن يقتصر على مورد النص، و حينئذ فيقتصر على الشاة، و يلحق بها إجماعا منقولا البقرة و الإبل، بل و في الإبل أيضا نصّ عامي، و يلحق غيره به بعدم الفصل.
و أمّا الأمة المصراة فلا دليل على الإلحاق، فلا يجري فيها ما يخالف القواعد، و لازمة سقوط خياره بالتصرف المزبور على فرض مسقطيته بالقواعد، و إلّا فيجري فيه خيار التدليس لقاعدة الضرر بلا التزام بأحكام المصراة فيه، فتأمل و اللّٰه العالم.
و لو ادعى البائع التبري من العيوب و لا بيّنة فالقول قول المشتري مع يمينه، لأصالة عدم تبري البائع، فيصدق عليه عقد على معيب لم يبرأ من عيبه، ففيه خيار العيب.
و لو ادعى المشتري تقدّم العيب على العقد فالقول قول البائع، لأصالة صحّة ما وقع عليه، فلا يضمن البائع مع اعتراف المشتري أيضا، لعدم
حدوثه في زمان كان ضمانه على بائعه، و حينئذ يقدّم قول البائع مع يمينه.
و لو وقع النزاع في السلعة المردّدة، فتارة من جهة إنكاره الخيار بإنكاره وقوع البيع على المعيب، و اخرى من جهة إنكاره وقوع البيع على هذا العيب مع اعترافه بثبوت أصل الخيار.
فعلى الأوّل فالقول قول البائع، لأصالة لزوم عقده الموجب لعدم التزام البائع بأخذ السلعة المعيوبة.
و على الثاني ففي تقديم قول البائع تأمل، لمعارضة أصله بأصل آخر مع العلم الإجمالي بورود العقد على معيب كان للمشتري إلزامه بأخذه، لو لا دعوى أصالة سلطنته على الامتناع عن قبول هذه السلعة بعد عدم معارضته بالأصل في غيره، لكونه معلقا على أمر غير حاصل، بل و لا يحصل أخذا بإقرار المشتري بأنّ سلعتك هذه، فتدبّر.
فنقول: أولا: إنّ وصف الصحّة كسائر الأوصاف مما به قوام ماليّة الشيء، على وجه لا يكون المال المبذول في قبالها، بل يبذل قبال العين الموصوفة، فلا يكون واقعا في قبال مثل هذه الأوصاف، و لذا لا تقتضي القاعدة في فرض تخلف الوصف إلّا الخيار بين الردّ و الإمساك، نعم بملاحظة كون هذه الأوصاف من مقوّمات ماليّة الشيء فتحسب من مراتب وجود العين، فلو أتلفها أحد ربّما تجيء فيه قواعد ضمان المال، لصدق إتلاف العين ببعض مراتبه. و لذا تضمن مثل هذه الأوصاف كضمان الهيئة المقومة لماليّة العين.
و لكن هذا لا يقتضي في مقام المعارضة بذل الثمن في قبالها و لو ضمنا، بل تمام الثمن يقع في قبال نفس العين، و بذلك يجمع بين تضمين هذه الأوصاف
باليد و الإتلاف و عدم تضمينها بالضمان الجعلي، فلا يكون الخيار فيها إلّا الخيار بين الردّ و الإمساك محضا.
و حيث كان كذلك فنقول: إنّ الشارع في خصوص وصف الصحّة عند إمساكه جعل بإزائها شيئا، و هذا المعنى نحو تضمين جعلي للبائع في مقام المعاوضة عند إمساكه بخياره خارج عن دائرة الثمن، بل من الممكن كونه من باب حق الأب في تتميم معاشه من مال الولد، و هو نحو حق غير مرتبط بباب التضمين بالإتلاف أو اليد، إذ ليس يد البائع يد ضمان لماله، و لا إتلافه إياها منشأ لضمانه.
و بهذه الملاحظة أمكن دعوى عدم استحقاق المشتري أزيد من الضمان الجعلي لا الضمان الواقعي، بل و أمكن دعوى عدم تعلق حق المشتري بذمّة الضامن شيئا و لا بخصوص الثمن، بل إنّما تعلق حق جبر ضرره بعين ماله، لو لا دعوى عدم خصوصية لذلك أيضا بشهادة عدم اختياره على خصوصه، فيكون المقام بحكم التضمين بالذمّة و إن لم يكن منه، كما عرفت نظيره في حقّ الوالد على الولد.
ثم إن قضيّة جبران ضرر المعاملي ملازم قهرا مع صحّة المعاملة، و لازمة بقاء مرتبة من المالية للعين قبال العوض، كيف و بدونه لا تصحّ المعاملة، فأين ضرر من قبل هذه المعاملة كي يحتاج إلى الجبر.
و حينئذ لا يتصور الأرش المستوعب إلّا في فرض التلف بعد العقد قبل القبض أو في زمان خيار المشتري، فإن المعاملة باقية على صحته، و لأن ضمان البائع للأرش إعطاء ما يستوعب قيمة على الفرض، و لعلّه إلى ذلك يحمل ما عن العلّامة من تصويره الأرش المستوعب، فراجع كلماته و تدبر فيها.
ثم اعلم أن كيفية الأرش لا بد في تحديده من معرفة قيمتي الصحيح
و المعيب واقعا، كي يصير ميزانا لأخذ التفاوت بينهما من الثمن الجعلي.
و حينئذ يرجع فيه إلى أهل الخبرة من باب الشهادة، و من الممكن حجيّة خصوص قوله من باب رجوع الجاهل إلى العالم، خصوصا فيما كانت معرفته مستندة إلى مقدّمات حدسيّة ناشئة عن كثرة الممارسة في أشباهه و نظائره، إذ دخول مثل ذلك في مصاديق الشهادة المستندة إلى الحسّ أو القرينة إليه في غاية الإشكال، فلا وجه لحجيته إلّا ما ذكرنا.
و حينئذ لا وجه لاعتبار تعدّده، و إن كان اعتبار العدالة لا يخلو عن وجه، كما هو الشأن في كلّ عالم يرجع إليه الجاهل.
و مع عدم وجود أهل الخبرة ففي كفاية الظن أو الرجوع إلى الأكثر أو الأقل وجوه أقربه الأخير، للأصل و إن الظن لا يغني من الحق شيئا (1).
و لو تعارض المقوّمون فهل المرجع قاعدة الجمع بين الدليلين، أو التساقط و الأصل، أو القرعة؟ وجوه قد يظهر عن شيخنا العلّامة في مكاسبه الرجوع إلى الجمع، حاكيا عمل المعظم على وفقه (2). و عمدة تقريبه بأنّ كل منهما حجة شرعية فيجب الإعمال مهما أمكن، و حيث لا يمكن العمل بتمام مضمونها يجب العمل ببعضه جمعا بين الحقين، و به يمتاز المقام عن باب تعارض النصّين، لأنّ الحق فيهما لواحد.
هذا و أقول: لا يخفى أنه بعد شمول دليل الاعتبار كلا منهما بتمام مضمونهما، و لا يمكن ذلك، فالأمر يدور بين الأخذ ببعض المضمون من كلّ منهما، أو تمام أحدهما دون الآخر. و حيث لا ترجيح ينتهي الأمر إلى التساقط، و لا مجال حينئذ لترجيح أحد الجمعين بقاعدة الجمع بين الحقّين، بعد كون
مصبّها صورة عدم وصول اليد إلى الواقع، إذ يكون مفادها من الأصول العمليّة النازلة عن مرتبة الأدلة الاجتهاديّة، فكيف يصلح مثلها للمرجحيّة المعيّنة لمفاد الدّليل الاجتهادي، فلا تكون مثل هذه القاعدة إلّا مرجعا بعد تساقط الدليلين، لا معينا لدليليّة القولين في نصفها، كما هو ظاهر.
و حينئذ حكم الباب و باب تعارض النصين من واد واحد، كما لا يخفى.
و حينئذ فالمرجع عموم قاعدة عدم سلطنة أحد على الرجوع إلى الغير بأزيد من المقدار المعلوم، و بذلك ترفع اليد عن قاعدة التنصيف، لوجود الدليل من عموم سلطنة الإنسان على نفسه في دفع إلزام غيره بأزيد من المقدار الثابت، كما أنه لا مجال للقرعة التي هي لكل أمر مشكل، و حينئذ فلو لا دعوى الإجماع على التنصيف لكان للنظر فيه مجال.
ثم إنه بناء على التنصيف مقتضى القاعدة الرجوع إلى التنصيف في مورد التعارض، و إلا ففي غيره لا وجه لطرح واحد منهما، لعموم دليل التنصيف حسب الفرض، فحينئذ نقول:
إنّ في المقدار الأقل من القيمتين كان الطريقان متوافقين فيؤخذ بهما في هذا المقدار، و إنما يقع التعارض بينهما في الزائد من الأقل. بين النفي و الإثبات، ففي مثله قاعدة الجمع المزبور إنّما تقتضي طرح نصف مدلول كل واحد منهما، فيؤخذ بنصف النافي و نصف المثبت. و لازمة حينئذ إجراء التنصيف في هذا المقدار الزائد لا في تمام مدلولهما، كما أن مفاد قاعدة الجمع بين الحقين أيضا ليس أزيد من ذلك.
ثم إنّ المقصود من قيام البيّنة على القيم الواقعية إذا كان مقدمة لأخذ النسبة في الثمن الجعلي، فلا شبهة في أنّ تعارض البينتين في نفس القيمة الواقعية، مع فرض وحدة النسبة المأخوذة منها، مقدّمة لأخذ هذه النسبة في الثمن
الجعلي مستدرك، إذ التعارض إنما هو في مورد ابتلاء المكلف، كي يصير المورد مورد شمول دليلي الحجيّة فيتعارضان، فما هو مورد الابتلاء هو الكسر الذي يكون ما به التفاوت بين القيمتين، و ذلك لا بلحاظ نفسه بل بملاحظة كونه مقياسا للثمن الجعلي.
و حينئذ فمورد تعارضهما هو هذا الكسر، و لازمة اختصاص مورده بصورة اختلاف البينتين في الكسر الذي هو ما به التفاوت بين الصحيح و الفاسد، و تخرج صورة اتحادهما في الكسر المزبور عن مورد التعارض و إن كانا متخالفين في أصل التقويم بالقيمة الواقعيّة.
و حينئذ فينحصر مورد تعارضهما في فرض اختلافهما في نفس ما به الاختلاف، فما عن شيخنا العلّامة من جعل مورد التعارض فرض تساويهما نسبة أيضا (1)منظور فيه.
ثم لا يخفى أن في فرض اختلافهما من حيث نسبة التفاوت الذي هو مورد تعارضهما طريق تنصيفنا يتحد مع طريقة الشهيد دائما، و لا يكاد يتحد مع طريقة المشهور. و لقد نبّه إلى ذلك بعض الأعاظم من سادة المحشين لمكاسب شيخنا العلّامة، فما عنه رحمة اللّٰه عليه بأنه مع اختلاف النسبة فقد يتحد الطريقان و قد يختلف، منظور فيه أيضا، و أعجب من ذلك أنه أفاد بأنه قد تقدّم مقالتهما في أول المسألة، مع أنه لم يقدّم مثال مختلفي النسبة على وجه يتحد الطريقتان، و لعله سهو من قلم الناسخ.
1) المكاسب: 255.
فنقول: أولا: إن إطلاق العقد يقتضي حلول الثمن، سواء في معارضة الأعيان أو الكليات الذميّة، مع أن طبع المعاوضة يقتضي انتقال كل طرف إلى صاحبه، و لازمة سلطنة مالكه على مطالبة ماله، و ليس للآخر الامتناع عن أدائه. نعم بناء على اقتضاء الإطلاق المزبور انصرافه إلى التعجيل كان ذلك بمنزلة شرط تعجيله، و يترتب عليه حينئذ خياره عند فوته.
و ليس المقام مقام إلزامه على الوفاء بالشرط، إذ هو إنما يتم في صورة سعة زمان المشروط عن وقت عمله، و إلّا فمع ضيقه لا يتصور الإلزام، لأنه قبل الوقت فلا إلزام، و حينه مقارن مع فوته فلا يبقى مجال إلزامه، فلا جرم يكون المقام من مصاديق فوات الشرط الموجب للخيار. و هذا بخلاف ما لو لم نقل بهذا الانصراف فإنّه لا خيار، كما لا يخفى.
فإن شرطا تأجيله مدة معيّنة صح وفاء لمضمون الشرط، و مرجع ذلك إلى شرط عدم المطالبة له في المدة المعيّنة، لا عدم سلطنته عليها، و لا إلى إسقاط حقها، إذ المطالبة من شئون السلطنة على المال، نظير دعواه في مقام المرافعة، و ليس مثله من الحقوق الإسقاطيّة كي يقبل للسقوط بالشرط.
كما أن نفي السلطنة على المطالبة أيضا من المخالف للسنّة، فلا يصح،
بخلاف شرط ترك المطالبة كشرط عدم تصرف كذا لا عدم السلطنة عليه، و إن كان نتيجة وجوب الوفاء بمضمون الشرط قصور سلطنته على ضد الشرط و نقيضه، كما هو الشأن في باب النذر، بملاحظة إفادتهما بمقتضى اللّام اختصاص المشروط به بالظرف و المنذور باللّه تعالى على وجه ينافي ذلك سلطنة الغير على خلافه.
و في اقتضاء مثل هذا الشرط حقا للمشروط عليه على وجه له الامتناع عن الأخذ قبل الأجل كلام ربما يختلف مفاد الشرط من هذه الجهة، و ليس له كليّة على وجه يقتضي طبع الشرط ذلك على الإطلاق، فالمدار التام على الاستظهار من عبارة الشرط و لو بتوسط دخول اللام و على في أي طرف أو كليهما.
و حينئذ فما عن شيخنا العلّامة من اقتضاء طبع الشرط المزبور كون الحق للطرفين منظور فيه.
و حينئذ مع إجمال العبارة فقد يتوهم قيام العلم الإجمالي بتخصيص عموم السلطنة في أحد الجانبين، فيرجع إلى أصالة عدم ملزمية أحدهما بإلزام غيره، و لا يضرّ بذلك العلم المزبور لكونه بين الشخصين، فلا يمنع عن جريان الأصول العملية و إن قيل بمنع مثله عن الأصول اللفظيّة.
هذا و فيه- مضافا إلى منع تماميّة التفصيل بين الأصول من هذه الجهة- أن عموم السلطنة إذا اقتضى جعل الحقّ للطرف الموجب لقصور الجاهل، فلا شبهة في أن هذا القصور من تبعات سلطنته على المال، و مثل ذلك لا يصح لأن يكون مخصصا للعام، لأن مرجع عموم السلطنة على هذا السلب إلى كونه لبيان القدرة على سائر الجهات من غير جهة السلب الناشئ من قبله، و إلّا فيستحيل شمول العام لهذين الفردين.
و بعد ذا نقول: إن العلم الإجمالي بسلب أحد القدرتين بالنسبة إلى الطرفين بعد ما كان بعموم سلطنته، لا يكون ذلك موجبا لتخصيص العام بالإضافة إلى
الطرفين، فلا يكون شأن أصالة العموم نفيه. و لو كانت الشبهة بدوية فلا مجرى حينئذ إلّا لأصالة عدم ملزميّة كل منهما بإلزام غيره. و مثل هذا الأصل يجري في الطرفين بلا معارض، كما لا يخفى.
و كيف كان يعتبر في شرط التأجيل أن يكون في زمن معيّن، و يبطل الشرط المزبور في الزمان المجهول، للغرر الساري في البيع أيضا فيبطل، و لذا نقول بمبطلية فساد الشرط المزبور للمشروط أيضا و إن لم نقل به في غيره.
و كذا تبطل المعاملة لو باعه بثمن حالا، و بأزيد مؤجلا عند أكثر المتأخرين و حكي عن بعض أنه بالخيار في أخذه بأي واحد من الشرطين. و ليس عليه حينئذ إلّا أقل الثمنين و أبعد الأجلين، و لازمة نفوذ العقد على خلاف ما قصد. و لعله نظر فيه إلى بعض النصوص الصريحة بأنّ: «عليه أقل الثمنين و أبعد الأجلين» (1)، و مثل هذه النصوص مع كونها خلاف المشهور لا تصلح لإثبات الحكم على خلاف القواعد، خصوصا قاعدة تبعية العقود للقصود، فهي بالطرح أولى.
ثم إنه قد يتوهم في وجه بطلان المعاملة المزبورة بكون مثل هذه المعاملة غرريا، إذ البائع لا يدري ما يملك من أحد الثمنين.
اللّٰهمّ [إلّا] أن يقال: إنّ الجهل بالثمن من قبل جهله بقبول القابل، مع تعيين الثمن في كل واحد من إنشائية غير مضر بالمعاملة، إنما المضر به الجهل بالثمن في شخص إنشائه من غير جهة الجهل بقبول القابل، و لذا لو قال: بعتك سيفي بكذا و كتابي بكذا، و لا يدري القابل أيّهما يقبل، لا يصر جهله بمالكية
1) وسائل الشيعة 12: 367 حديث 2 باب 2 من أبواب أحكام العقود.
لأحد الثمنين مضرا ببيعه، كما هو ظاهر.
و أضعف من ذلك ما يتوهم من استفادة بطلانها من بعض النصوص المشتملة على النهي عن الشرطين في بيع و عن بيعين في بيع (1).
و حكي عن الكافي أنه عليه السلام قال: «من ساوم بثمنين أحدهما عاجل و الآخر نظرة، فليسمّ أحدهما قبل الصفقة كي يرد الصفقة على الثمن المعين الواحد عاجلا أم نظرة» (2).
و في مرسلة أخرى شرح النهي عن الصفقتين في واحد بمورد كلام منا (3).
و وجه الضعف إمكان حمل النهي في النص المسند و المرسل الأولتين بصورة تردد الثمن بين العاجل و الآجل في إنشاء واحد، و ذلك غير ما نحن فيه، و هو الذي مصداق الغرر في الثمن و الجهل من غير ناحية الجهل في القابل. و أمّا المرسل الأخير و إن كان في شرحه صريحا فيما نحن فيه، و لكن من الممكن قريبا بأنه من باب نقل مضمون الروايات الأخرى على حسب نظره و فهمه، كما هو المحتمل في كثير من المرسلات، فلا يصلح دليلا على المدّعى.
و عليه فلا وجه لبطلان مثل هذه المعاملة إلّا توهم دعوى الإجماع المركب في المقام، و ذلك أيضا لو لا احتمال قصر نظر الطائفتين إلى الأخبار الخاصّة من الجانبين، فبعد منع تماميتها سندا أم دلالة لا يبقى مجال استكشاف إجماع في البين، فالمرجع حينئذ ليس إلّا القواعد من عمومات صحّة البيع و التجارة و العقود.
و إذا باع نسيئة ثم اشتراه قبل الأجل بزيادة أم نقصان من جنس
الثمن و غيره حالا و مؤجلا صحّ مع عدم الشرط، و أمّا لو اشترط في المعاملة الأولى أحد المبتاعين على صاحبه قبوله منه بمعاملة ثانية ففيه إشكال.
أمّا الصورة الأولى، و هو فرض عدم الشرط المزبور، فالظاهر أنه لا مانع عن صحته بحسب القواعد، و ربما يؤيده جملة من النصوص الواردة بهذا المضمون، مثل صحيحة بشار بن يسار (1)، و صحيحة منصور بن حازم (2)، و رواية حسين بن منذر (3)، و هذه النصوص بترك استفصالها يوافق المدعي.
و قد يعارضها ما في بعض النصوص المشتملة على النهي عن شرائه بعد الأجل، و قال بأنّه: «لا خير فيه» (4)و في آخر النهي عن أخذه منه حتى يبيعه و يعطيك ثمنه (5).
و لكن الأمر بين هذه و السابقة دائر بين تخصيص الاولى بقبل الأجل، أو حمل الثانية بقرينة قوله: «لا خير فيه» على الكراهة، و لا يبعد ترجيح الأخير.
و على أيّ حال لا مجال للمصير إلى مذهب الشيخ من التحريم بعد الأجل مع عدم تساوي الثمنين، لعدم استفادة القيد الأخير من النصوص المانعة، علاوة على ما ذكرنا من ترجيح التصرف في النهي عن ارتكاب التخصيص ببعد الأجل. ثم إن مورد النصوص المانعة صورة شراء الطعام المباع أولا، فلا يشمل فرض شراء طعام آخر، فالقواعد تقتضي صحتها أيضا مساويا مع الطعام الأوّل أم لا.
و لكن يستفاد من رواية علي بن جعفر في عكس المسألة تعليلا في المنع
الجاري في المقام أيضا بالفحوى، و ذلك حيث قال: سألته عن رجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة أ يأخذ بقيمته دراهم؟ قال: «إذا قوّمها بدراهم فسد، لأن الأصل الذي يشتريه به دراهم فلا يصح دراهم بدراهم» (1)، إذ المستفاد منه أن عوض العوض من المتجانسين في عدم جواز التفاضل بمناط الربوي.
أقول: بناء على تعميم هذه العلّة يستلزم البطلان حتى في فرض شخصيّة العوضين، و لا أظن التزامهم به يكشف ذلك عن كونه على خلاف القاعدة فيقتصر على مورده، و إنّ إجراء حكم الربا فيه لخصوصية فيه، و إلّا فحقيقته فرضا خارجة عن مسألة الربا، مع أن إطلاق النص المزبور يشمل صورة تساوي الثمنين، و في مثله لا يكون المانع حيث الربا، و لا أظنّ الالتزام ببطلانه أيضا من أحد، و لازمة عدم كونه بإطلاقه معمولا به، فلا وثوق حينئذ بسنده.
و أمّا الفرع الثاني فقد يتوهم فيه لزوم الدور، و فيه ما فيه، نعم قد يشعر بطلانه بعض النصوص (2)المشتملة على نفي البأس فيما كان بالخيار في شرائه المستفاد منه البأس في صورة كونه ملزما بالشرط فيقتصر حينئذ على مورده.
هذا، و لكن يمكن أن يقال: إنّ لازم التعليل بعدم الاختيار في فساد البيع الثاني فساد شرطه في البيع الأول، كيف و يلزم من صحّة الشرط بمقتضى التعليل عدمه، و من المعلوم أن الشرط الفاسد في أمثال المقام لا يقتضي فساد الشرط، لارتكاز الذهن في كليّة أمثال هذه القيود بتعدد المطلوب لا وحدته، مع أن فساد أصل البيع الأول يوجب عدم المقتضي للبيع الثاني، فالتعليل بعدم المقتضي في البيع الثاني أولى من التعليل بالمانع و هو خروجه عن الاختيار، مع
أنّ هذا الجبر بحق غير مانع عن صحة البيع رأسا، فلا مجال لتطبيق مضمون النص على القواعد.
و حينئذ لا يصلح مثل هذا النص لإثبات فساد البيع الأوّل، نعم غايته يدلّ على فساد الثاني، و هو كذلك لو أريد من الاختيار على حسب بنائه العقدي، و إلّا فلو أريد منه الاختيار الشرعي فعدمه مستتبع لعدم صحّة الشرط المستتبع لوجود اختياره و هو فاسد جدا. و عليه فكيف يمكن الأخذ بمضمون هذا النص على خلاف القواعد، و لا يبقى حينئذ لبطلان البيع الأوّل مع الشرط المزبور إلّا الشهرة، و الاتكال عليه في مثل هذه المسألة في غاية الإشكال.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر أنه لو اشتراه بعد حلوله يعني الأجل جاز بغير الجنس مطلقا، و به أي بالجنس قيل و القائل هو الشيخ كما أشرنا إليه سابقا حيث اختار بأنه لا يجوز مع التفاوت في الثمنين (1)، و الأقرب خلافه، لما أشرنا.
و لا يجب دفع الثمن قبل الأجل و لا قبضه قبله، بناء على استفادة الحق في الامتناع للطرفين، و إلّا فمن له حق إلزام صاحبه على استيفاء حقه كما هو ظاهر.
و لو حلّ الأجل و دفع المديون وجب القبض على مالكه، لسلطنة الإنسان على تفريغ ذمته، و عدم سلطنة صاحبه على إبقاء اشتغال ذمّة غيره، و لقد تقدّم شرح ذلك في ذيل مسألة خيار الغبن فراجع.
و حينئذ فلو امتنع من يجب عليه أخذ حقّه بإعطاء الغير و هلك كان هلاكه من صاحب الحق الممتنع، و ذلك في العين واضح، لأنّ المال
1) المبسوط 2: 80.
في يده أمانة شرعية. نعم لو كان مسبوقا بالضمان، ففي كفاية مجرد امتناع صاحب المال عن الأخذ منه في دفع الضمان إشكال، إذ هو معني بالأداء الغير الحاصل إلّا بأخذه أو أخذ وكيله و نائبه. و عليه فلا محيص من دفع الأمر إلى الحاكم في صدق أدائه، و مع التعذر لا يبعد وصول النوبة إلى العدول، و لو هو بنفسه إذا كان عدلا، فينوي الأخذ من المالك فيصير بيده بعد أمانة شرعيّة لا يضمن إلا بالتفريط.
و أمّا لو كان دينا فظاهر المتن و جماعة أخرى تعيّن المدين في العين بقصده مع امتناع صاحب الدين، فيصير بيده أمانة شرعيّة لا يضمن إلّا بالتفريط.
و عمدة نظرهم إلى عموم نفي الضرر في إبقاء دينه.
و فيه أنّه لا يكون ضرر عليه مع تمكنه من الحاكم، فمن المحتمل دخل أخذه نيابة في تعيين الدين فيتعيّن للأصل، بل من المحتمل ترتب نيابة على عدم تمكن الحاكم على إلزامه فيلزمه أولا، و مع عدم التمكن يحتمل دخل العدول على الترتيب السابق.
و لو اشترى نسيئة وجب أن يخبر بالأجل إذا باعه مرابحة، أي بالزّيادة على رأس المال، كما أن الوضيعة بالأنقص، و التولية البيع بما يساويه، و المساومة بما يقع الرضى بينهما من غير اعتبار رأس المال. و الواجب في الأوّل الإخبار بقدر الثمن و جنسه و وصفه، فمع فرض أنّه مؤجل فليذكر الأجل حذرا عن التدليس، لأنّ له قسط من الثمن.
ثم إنّه لما انجر الكلام الى هنا لا بأس ببسط الكلام في شرح
فنقول:
فلا إشكال في مشروعيته، بل الإخبار برأس المال بعد ما كان توطئة لتعين ما على المشتري من الثمن لا يأبى عن شمول القواعد لمثله،
و بهذه الملاحظة نقول بوجوب الإخبار برأس ماله دفعا للغرر، نظير إخباره بوصفه، فمع الجهل به تبطل، كما أنّه لا خصوصيّة في هذا المقدار لنسبة الربح إلى رأس ماله، بل يصحّ بنسبة إلى الغرامة الواردة على ماله هذا فإنه أيضا نحو تعيين للثمن الموجب للخروج به عن الغرر، و لكن في تسميته مرابحة إشكال.
و حينئذ ربما لا تترتب عليه الأحكام الخاصة القائمة بعنوان المرابحة، مثل عدم جواز بيع الطعام قبل قبضه مرابحة، أو كراهة نسبة الربح إلى أبعاض رأس المال بنحو التقسيط كما في النص: «إنّي أكره بيع ده يازده و بيع ده دوازده» (1)، فإنّ الظاهر من كلماتهم تخصيص الحكم المزبور بالمرابحة المعهودة.
و عليه فتختص المرابحة الموضوعة لمثل هذه الآثار بخصوص نسبة الربح إلى رأس المال، و في دخول بعض الغرامات فيه إشكال، نعم لا بأس بدخول كلّ ما له دخل في حفظ استرباحه في مقام المعاملة، فيجب الإخبار به في ترتّب مثل هذه الآثار، لا في مجرد تعيين الثمن لرفع الغرر، كما هو ظاهر.
ثم مع ظهور كذب المخبر كان للمشتري الخيار، للضرر في فرض نقص قيمته السوقية أيضا، و أما مع عدمه ففي ثبوت الخيار كلام، مبني على كون إقدام المشتري على إخباره من باب الاشتراط و التوصيف، فيكون المقام من قبيل تخلف الشرط الموجب لنقض غرضه المنفي بعموم نفي الضرر و إن لم يكن ماليا، و إن كان من باب دعوة إخباره عليه فلا موجب لثبوت الخيار بعد عدم الضرر لا ماليا و لا غرضيا. و إطلاق كلماتهم بثبوت الخيار بكذب المخبر منزّل على صورة ورود ضرر عليه، و لو من جهة إلحاقهم باب الإخبار برأس المال بباب التوصيف، بل هو أيضا نحو توصيف مرتبة ماليّة.
1) وسائل الشيعة 12: 385 حديث 2 باب 14 من أبواب أحكام العقود.
ثم إنّه بعد ثبوت الخيار ليس للمشتري إلزام البائع بالتحطيط، كعدم إلزام المغبون بإعطاء الغابن ما به التفاوت، و لأن عموم نفي الضرر ليس شأنه تحميل مال على الطرف، لأنه خلاف امتنان في حق الغير، و لذا لا يكون له إلّا الخيار بين الردّ و الإمساك، نعم لهما التراضي في جبر الضرر بالتحطيط، كما لا يخفى.
: و هو البيع بالمواضعة، أيضا من المعاملات المشروعة، و يعتبر فيه أيضا الإخبار برأس المال مقدمة لتعين الثمن و رفع غرره، كما هو الشأن في المرابحة، و في دخول بعض الغرامات الراجعة إلى حفظ المال في مقام المعاملة وجه، كما أن عنوان رأس المال ربّما ينصرف عن بعض الغرامات الخارجة عن مرحلة المعاملة، من مثل اجرة الخان والد كان و أمثالهما.
و حينئذ فربما ينصرف عنوان المواضعة كالمرابحة إلى ما نسب الوضع فيه الى رأس ماله، لا سائر الغرامات الراجعة إليه. و عليه فلا بد و أن يقتصر عليه في ترتب الأحكام المخصوصة، من مثل عدم جواز بيع الطعام قبل قبضه، بناء على عموم الحكم لغير التولية بقرينة استثناء التولية عنه، بل و كراهة نسبة النقص و الوضع إلى أبعاض رأس ماله بنحو التقسيط، بناء على التعدي بالمناط من باب المرابحة إلى المقام. كما أن حكم الخيار بكذب إخبار البائع أيضا جار في المقام بحسب الكلمات، حتى على فرض تخصيص الحكم بالمقام على خلاف القاعدة، فضلا عن أن يكون الحكم على وفقها لنفي الضرر غرضا أو مالا.
ثم إنّ الوضيعة المذكورة ظاهرة في كونه من عين المال، و أمّا الربح ففي فرض ظهوره في كونه من سنخ رأس ماله إشكال، فتدبّر.
فلا إشكال أيضا في مشروعيته، و في تخصيصه بجواز بيع الطعام قبل قبضه فيه، بل العمومات مساعدة على مشروعيّته كالقسم الرابع
المتداول بين الأنام. ثمّ في كون مثل هذه الخصوصيات من الأمور القصديّة المحتاج في ترتّبها على إنشائها إلى قصدها، بحيث لا يجدي فيه مجرّد قصد البيع بإنشائه مع الإخبار برأس المال و غيره مثلا إشكال، لعدم دليل يساعده بعد كون البيع من الحقيقة الواحدة المتفقة أفرادها في الحقيقة، و إنّما اختلافها بخصوصيات عارضة خارجيّة، و ربّما يساعده العرف على ذلك أيضا.
نعم مع التشكيك فيه الأصل يقتضي القيدية، لكن الكلام فيه بعد عدم مساعدة العرف عليه.
و كيف كان قد تقدّم بأنّه مع كون المبيع نسيئة يجب الإخبار في مرابحته بالأجل، حذرا عن التدليس، لأن له قسط من الثمن. و إذا أخفى الأجل و لم يخبر به تخيّر المشتري بين الردّ و الإمساك بالثمن حالا، للضرر الناشئ عن التدليس، و هو المشهور أيضا لدى المتأخرين، خلافا لجماعة أخرى حيث ذهبوا إلى أنّ للمشتري من الأجل مثل ما كان للبائع، لبعض النصوص الواردة في المقام مثل صحيحة هشام عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام في الرجل يشتري المتاع إلى أجل فقال: «ليس له أن يبيعه مرابحة إلّا إلى الأجل الذي اشتراه، فإن باعه مرابحة و لم يخبره كان للذي اشتراه من الأجل مثل ذلك» (1).
و في آخر عن رجل اشترى من رجل متاعا بتأخير إلى سنة، ثم باعه من رجل آخر مرابحة، أ له أن يأخذ ثمنه حالا و الربح؟ قال: «ليس عليه إلّا الذي اشتراه» (2)إلخ.
و نظيره نص ثالث (1)، و قوّاه في الجواهر (2)لقوّة سندها، و خروجه عن الوهن بعمل الجم المزبور.
و لكن لا يخفى أنّ ظاهر مضمون هذه النصوص أنّ المشتري نسيئة لا يجوز بيعه مرابحة حالا حتى مع ذكر الأجل و مثل هذا المعنى غير معمول به، لأنّ كلمة الأصحاب مطبقة على جوازه كذلك مع ذكر الأجل، و إنّما خلافهم في صورة عدم ذكر الأجل، و صريح النص الأول عدم الجواز حتى مع ذكر أجله، بل هو ظاهر الأخيرين بلا وجه لحملها على صورة عدم ذكر أجله، خصوصا مع صراحة الأول فيه.
و حينئذ لا يبقى وثوق بسند مثل هذه النصوص، فيقوى العمل على وفق المشهور، و اللّٰه العالم.
ثم إن ظاهر النصوص ثبوت مقدار أجل البائع للمشتري لا ما بقي من الأجل، إذ قد يبيعه بعد حلول الأجل، كما أنه أمكن دعوى تعدي الحكم إلى التولية و المواضعة، و عليه فيكون مثل ذلك أيضا من الأحكام الخاصة مثل هذه البيوع المنصرفة إلى المعاني المعهودة، كما لا يخفى.
و كيف كان إذا باع مرابحة نسب الربح إلى السلعة لا إلى الثمن، بنحو التقسيط على أجزائه، بأن يقول: اشتريت هذه السلعة بمائة و بعتكها بمائة و ربح كل عشرة درهم، و لكن ذلك على كراهيّة لما في النص:
«بأني أكره ده دوازده و ده يازده» (3)، و لقد تقدّمت الإشارة إلى هذا الحكم في المرابحة.
و تزول الكراهة بنسبة الربح إلى مجموع السلعة، و يقال هذه السلعة عليّ بعشرة و بعتكها بأحد عشر أو اثني عشر، لخروج مثل هذه الصورة عن نصّ الكراهة، كما هو ظاهر.
و لو اشترى أمتعة صفقة بثمن لم يجز له بيع أفرادها مرابحة بالتقويم إلّا بعد الإعلام على المشهور، و في الجواهر (1)كاد أن يكون إجماعا، خلافا للإسكافي و القاضي، و فحواه في المساوي قيمته، و لكن يمنعه إطلاق النص المعمول به من قوله: عن الرجل يشتري المتاع جميعا بالثمن ثم يقوّم كل ثوب بما يسوى حتى يقع على رأس المال جميعا أبيعه مرابحة؟ فقال: «لا حتى يبيّن له أنه إنّما قوّمه» (2)، و نحوه صحيح ابن مسلم (3). و ظاهر النصين جوازه مع الإعلام بالتقويم.
و توهم خروجه عن حقيقة المرابحة لأن وظيفته أن يخبر بالثمن الذي اشتراه في المقام، ليس كذلك، بل نحو تقويم ربّما يكون بخرص و تخمين، مدفوع بأنّه اجتهاد في قبال النص المشتمل على استثناء هذه الصورة المعلوم دخولها في المرابحة، كما هو ظاهر. و لذلك قال في التذكرة بجواز المرابحة مع الإعلام المزبور إجماعا (4).
من باع أرضا دخل النخل فيها و الشجر مع الشرط، و إلّا فلا، لعدم شمول عنوان المبيع له عرفا، و تمام المدار على صدق هذا العنوان المعلوم عندهم كون المدار في فهم معناه على التبادر عند المتعاملين. نعم لا بأس بدخولهما مع الشرط، كما أنّه قد تدخل بعض الأمور تبعا بحكم العرف أو الشرع و إن لم يدخلا تحت العنوان، و ذلك أيضا لأن من جهة وقوعها في حيز إنشاء البيع، كيف و هو لا يكون متعلقا إلّا بما دار عليه اللفظ، فما هو خارج عنه خارج عن دائرة إنشاء البيع، بل هي منقولات إلى المشتري تبعا لنقل متبوعه، نظير تبعيّة النماء في الملكية لملكية المبيع مع أنه خارج عنها و ربما يترتب على هذه الجهة عدم إضرار الجهل بوجودها أو مقدارها في صحة البيع.
ثم إن اللفظ الواقع في حيز البيع قد يكون معناه معلوما للمتبايعين بجميع حدودها بحيث لا يبقى لهما جهة شك في صدقة، و قد لا يكون معلوما كذلك، كما هو الشأن في غالب المفاهيم الكلية، إذ ما من مفهوم كلي إلّا و فيه جهة جهل في حد من حدوده على وجه يشتبه فيه نفس الواضع فضلا عن غيره.
و حينئذ في مقام بيع الكلي ربما يقع الجهل في صدق المبيع على بعض المصاديق، و لكن هذا المقدار من الجهل غير مضر بصحة المعاملة جزما، نعم لو اتفق الجهل في بعض خصوصيات المفهوم الغير الملازم ذلك لمثله في غير المقام،
ربما يوجب الإشكال في صحة البيع للغرر. و عليه فلا بد من تعيين مثل هذه الخصوصيات و لو بلفظ آخر، و ذلك واضح.
و كيف كان نقول: إنه يدخل في بيع الأرض المزبورة لو قال: بعتكها و ما أغلق عليه بابها، لصلاحيّة ما ذكر للقرينية. و في النص أيضا: «إذا ابتاع الأرض بحدودها و أغلق عليه بابها فله جميع ما فيها» (1)، إذ في تعليق الحكم على الاغلاق دلالة على شطري المسألة، كما لا يخفى.
و يدخل في الدار الأعلى من الأبنية و الأسفل، لكون اللفظ شاملا لهما، إلّا أن يستقل الأعلى بالسكنى عادة على وجه يحسب عند العرف خارجا عنه أو مورد انصراف لفظه عنه، بل ربما يكون الأمر كذلك في سراديبه.
و لو باع نخلا مؤبرة فالثمرة للبائع، و الأصل فيه ما عن الصادق عليه السلام: «من باع نخلا قد لقح فالثمرة للبائع، إلّا أن يشترط ذلك، قضى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم بذلك» (2).
و في آخر: «الثمرة لمن الذي أبّرها» (3). و ربّما يكون ذلك أيضا بمقتضى القاعدة المستفادة من كون الزرع للزارع، و كأن اللقاح بحكم الزرع، لو لا دعوى عدم تمامية الكلية، إذ لا يلتزم بمثله في الحيوان، بل يكون الولد نماء ملكه و إن كان من لقاح غيره، فالحكم في المقام و في باب الزرع على خلاف القاعدة، و إلّا فالقاعدة تقتضي كون الثمرة بحكم نمائه محكوما بملكية المشتري تبعا و إن لم يشمله اسم المبيع، و أن البذر الواقع كالتأبير كانا بحكم التالف عند العرف
لا الموجود البالغ إلى المراتب العالية كي يحكم بملكيّته لمالك البذور و اللقاح.
و يكفي في المسألة النص المخصوص المقتصر على مورده، و لا يتعدى عنه إلى غير ما ينتقل بالبيع، كما لو انتقل بعقد معاوضة أخرى و غيرها. و لقد ادعى الإجماع عليه في التذكرة (1)، و نفى الخلاف عنه في الجواهر (2)، لما ذكرنا من القاعدة فتدبر.
و مقتضى مفهومها بل و قاعدة التبعية أنّه لو لم يؤبر فالثمرة للمشتري، كما هو ظاهر.
و لا يدخل الحمل في الابتياع من غير شرط على الأشهر، بل المشهور عن السرائر (3)و الإجماع عليه، و قد يوجه بعدم كونه جزء المبيع و لا تبعا له، لعدم حدوثه في ملك المشتري، فيبقى على ملك المالك.
أقول: ذلك كذلك لو كان مدار تبعية النماء للعين على حال حدوثه، و إلّا فلو كان مثل هذه التبعيّة جارية في ظرف بقائه، بمعنى أن القاعدة كانت مقتضية تبعية النماء في كل آن لملكيّة العين في هذا، فلا يبقى مجال حال الحدوث، و ربما تشهد به السيرة في الصوف على الشاة، و نماء الأراضي و غيرها من كونها تبعا للعين في كل آن بحسب ملكية ذلك الآن. و توهم الجزئية في الصوف للشياه ممنوع، فمثل هذه شواهد ما ذكرنا في تبعية النماءات.
و عليه فمقتضى القاعدة الحكم بالانتقال تبعا، كما هو الشأن فيما لو حدث النماء المزبور في ملك المشتري، نعم ربما يشهد في المقام بعض النصوص الواردة
في تدبير الحامل، حيث فصل في النص بين حصول الحمل قبل التدبير أو بعده، بل و في المرسلة التعليل بأن الحمل حدث بعد التدبير (1)، إذ مثل هذا التعليل جار بالمناط في البيع أيضا، مؤيّدا ذلك بالنص الوارد في لبن المصراة الموجود حال العقد (2)، بل و في التمر في النخل المؤبر قبل العقد (3)، فإنّه أمكن استفادة قاعدة كليّة من هذه النصوص المتفرقة في مثل هذه النماءات الأجنبية عن العين بلا تبعية لوجودها لها خارجا، بأن المدار في بيعها في الملكية على حال حدوثها.
و فرق بينها و بين نماء الأراضي و صوف الشياه حال اتصالها بها، فإن تبعية وجودها للعين خارجا يوجب خصيصة لها في تبعيتها لها في الملكية، ليس مثل هذه في غيرها.
و لكن الإنصاف أن الكلمات غير مساعدة على مثل هذه التفرقة بين أنحاء النماءات، كيف و كلماتهم صريحة في تخصيص هذا الحكم في الثمرة بخصوص المعاوضة البيعي، لاختصاص النص به، و لا يلتزمون بمثله في المعاوضة بغير البيع أو التمليكات المجانية، بل يلتزمون فيها بانتقال الثمرة حتى المؤبرة قبل التملك، فذلك أيضا شاهد ما ذكرنا من كيفية التبعية في النماء مطلقا، سواء كان من التوابع الخارجية أيضا أم لا.
نعم ظاهر تعليلاتهم في باب الحمل تعميم الحكم لغير البيع، و لعلّه لفهم المناط المستفاد من دليل التدبير الجاري من غيره أيضا.
و عليه فلو شك في أن الحمل قبل البيع أو بعده، أصالة عدم الحمل إلى حين
البيع لا تجدي في الحكم بملكيته للمشتري، كما أنّ العكس أيضا لا يجدي في الحكم بملكيته للبائع، لو لا صدق اليد عليه كاليد على ما في الصندوق مع جهله به. و لازمة الحكم بكونه للمشتري.
اللّٰهمّ [إلّا] أن يدّعى أن اليد المزبورة إنما تجدي في إحراز ملكية الشيء الثابت بعنوان ذاته، و أما الملكية الثابتة للشيء بعنوان تبعيته للعين، فما لم يحرز مثل هذا العنوان لا مجال للحكم بملكيّته، و من المعلوم إن شأن اليد أيضا ليس إحراز عنوان التبعية.
و لكن يمكن أن يقال: إنّ ما أفيد كذلك لو كان عنوان التبعية مأخوذا في معروض الملكية بنحو التقييد، و إلّا فلو كان بنحو التعليل فالمعروض هو الذات بسببه كسائر الأسباب، فلا قصور في اليد حينئذ في إثبات مثل هذه الملكية، كما هو ظاهر.
و لكن الإنصاف يقتضي القول بأنّ منشأ حكم العرف بتبعية النماء في الملكية، بملاحظة أنهم يرون النماء من مراتب وجود العين، و مثل هذا المعنى معنى مغروسا في الأذهان على وجه يجري عليه حكم العنوان، و من البديهي أنّ شأن اليد ليس إثبات مثل هذه الجهة.
و حينئذ فما في الجواهر (1)من تقريب اليد المزبورة في الحكم بالملكية قياسا للمقام بباب الصندوق و ما فيه منظور فيه، كما لا يخفى.
و حينئذ التحقيق أن يقال: إن قضية التبعية كما أسلفناه هو الحكم بالملكية للمشتري مطلقا، غاية الأمر ورد الردع عن هذه القاعدة في صورة حدوثه في ملك البائع، و ثبوت هذا الردع في المقام غير معلوم، فالمرجع هي القاعدة المغروسة في الأذهان فتأمل.
1) الجواهر 23: 91.
نعم لئن أغمض عن هذه الجهة و لو بجريان مناط عدم التمسك بالعامر في الشبهة المصداقية في العرفيات المردوعة، كان المقام من المال المردد بين الشخصين، و المرجع فيه القرعة أو التنصيف، و اللّٰه العالم به.
و على أي حال لا شبهة في دخول الحمل مع الشرط، لعموم الوفاء بشرطه.
و توهم كونه شرطا مجهولا و لو من حيث الخصوصية، مدفوع بأن الخصوصيات الزائدة عن وجوده غير ملحوظة في باب الحمل. نعم مع الجهل بوجوده ربما يشكل الأمر فيه لكونه غرريا ساريا إلى البيع.
و توهم اختصاص إضرار الجهل في الشرط بصورة رجوعه إلى الثمن، مدفوع بأن لازمة عدم اعتبار معلومية الشروط، و هو كما ترى.
و لئن قيل بأن للشرط قسط من الثمن فنقول به في المقام.
و الأولى أن يقال بأن الشرط في المقام ليس نافذا بمناط نفوذ إنشائه شرعا، كي يشكل في غرريته كسائر الشرائط، بل إنما هو موجب لخروج مورده عن نص بقائه على ملك البائع، لأنه منصرف إلى غير صورة الشرط، و مع الشرط يبقى النماء المزبور تحت قاعدة التبعية. و من المعلوم أن في مثله لا ضير في جهله كما هو ظاهر. و لعل تسلمهم للانتقال بالشرط حتى مع الجهل بوجوده أو بخصوصه شاهد مدّعانا في تقرير قاعدة التبعية، كما لا يخفى هذا فافهم و اغتنم.
و كيف كان لو استثنى نخلة كان له المدخل إليها و المخرج منها و مدى جرائدها من الأرض بلا اشكال، لظاهر النص من قضاء رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله في رجل باع نخلا و استثنى نخلة بالمدخول إليها و المخرج منها و مدى جرائدها. هذا مضافا إلى استفادة الحق المزبور تبعا للاستثناء المسطور عرفا، فلا يستحق من الأرض حينئذ إلّا بمقدار يتوقف انتفاعه من النخلة، لا أنه يملك هذا المقدار من الأرض كما لا يخفى.
و هو في باب المعاوضات- الذي هو موضوع وجوبه- مجرّد التخلية، كما هو الشأن في باب الغصب من حيث التكليف، لأنّ المحرّم عليه استيلاؤه على مال الغير، و رفع هذا الاستيلاء بالتخلية محضا، من دون فرق في ذلك بين المكيل و الموزون و غيرهما، و لا بين المنقول و غيره، كما أنّ وجوب الوفاء بالمعاملة أيضا لا يقتضي إلّا ترتيب آثار ملك الغير على ما في يده، و هو يحصل برفع اليد عن العين و إخراجه عن تحت استيلائه بلا لزوم إيصاله إلى مالكه، اللّٰهمّ [إلّا] أن يقال: إنّ مبنى المعاوضات بحسب الانغراس في الأذهان على التقابض يدا بيد. و حينئذ فوجوب الوفاء بالمعاملة أيضا ينصرف إلى هذه الجهة كما لا يخفى.
و على أيّ حال و ما يشعر به بعض النصوص بأنّ الواجب في المكيل و الموزون نفس كيله و وزنه (1)، ربّما ينزّل على الغالب من ملازمة كيلها و وزنها مع تخليته عنه، بل ربّما يلازم مع قبض غيره و وصوله إليه بصيرورته تحت استيلائه.
نعم في الخروج عن الضمان في الغصب يحتاج إلى الأداء الغير الحاصل إلّا بكون المال تحت استيلاء غيره بلا احتياج إلى وضع الخارجة المخصوصة. فالمدار التام فيه هو الاستيلاء المسطور من غير فرق فيه أيضا بين المكيل و الموزون أو
1) وسائل الشيعة 12: 452 حديث 12 باب 17 من أبواب الربا.
المنقول و غيره.
نعم في الخروج عن ضمان البيع بالتّلف قبل قبضه محمول لفظ القبض يقتضي اعتبار الاستيلاء، إذ حقيقته ليس إلّا ذلك.
نعم ربّما يظهر من قوله عليه السلام: «حتى يخرجه من بيته» (1)كون المدار فيه أيضا على التخلية بإخراجه عن تحت استيلائه لو لا حمل الإطلاق المزبور على الغالب من حصول القبض فالمدار حينئذ على ظهور عنوان القبض في نصّه، و ليس ذلك من باب الإطلاق القابل لتنزيله على مورد ملازمته للتخلية، بل لازم حفظ العنوان حفظ خصوصيته، نعم على فرض الإجمال مقتضى القاعدة عدم ضمان الغير إلّا مع الجزم بكونه منه و هو صورة عدم التخلية أيضا، و إلّا فيحكم بعدم الضمان إلى حين القبض.
و من هذه البيانات ظهر أنّ اختلاف هذه المقامات من حيث كفاية التخلية أو القبض ليس من جهة اختلاف في ماهية القبض، فضلا عن دخل اختلاف موارده فيه، بل إنّما الاختلاف المزبور نشأ من اختلاف موضوع الحكم ففي كل مقام معنى خاص يكون موضوعا، و هو غير مرتبط باختلاف حقيقة القبض حسب اختلاف المقامات.
و حينئذ فما عن المصنّف و جماعة من كون التسليم هو التخلية فيما لا ينقل و لا يحوّل، و الكيل و الوزن فيما يكال أو يوزن، و القبض باليد في الأمتعة، و النقل في الحيوان منظور فيه.
و على أي حال هو واجب على البائع في المبيع و على المشتري في الثمن بلا إشكال فيهما، كعدم الإشكال في إطلاق وجوبه من الطرفين، بالإطلاق وجوب الوفاء بمضمون العقد، و لازمة حرمة امتناع كل طرف بدوا
1) وسائل الشيعة 12: 358 حديث 1 باب 10 من أبواب الخيار.
و وجوب إقدامه على الوفاء المزبور.
نعم لو امتنع أحدهما كان لغيره الامتناع مشروطا بامتناعه، و عمدة الوجه فيه كون ذلك من الأحكام العرفيّة المترتبة على كلية المعاوضات، و لعلّه إلى ذلك نظر من قال: بأنّ بناء العقد المعاوضي على القبض و الإقباض المعاوضي، لا أنّه من الشروط الضمنية، كي يلزمه عند الامتناع تخلف الشرط فيجيء له الخيار في المعاملة، إذ ذلك خلاف ظاهرهم في حصر أمر الآخر في استحقاق امتناعه عن أداء ما بيده.
ثمّ إنّ مثل هذه الجهات مشتركة بين الموجب و القابل، و مجرد تبعيّة القبول للإيجاب لا يقتضي تبعية أداء العوض من طرف القابل بالنسبة إلى الموجب، كي يكون أداؤه مشروطا بدوا بأداء الموجب، إذ لا ملازمة بين المقامين في التبعيّة المزبورة، بل نسبة إطلاق وجوب الوفاء إليهما على السويّة كما لا يخفى.
و على أي حال يجبران معا لو امتنعا بدوا، لعدم كونه حقا لواحد منهما، بخلاف ما لو امتنع أحدهما منوطا بامتناع الآخر فإنّه امتناع عن حق، و ذلك أيضا لا يتصوّر إلّا من واحد منهما لا كليهما، لأنّه دور كما هو واضح.
و على أيّ حال لا شبهة عندهم أيضا في أنّ التلف قبل القبض بمنزلة التلف قبل العقد، من دون فرق بين تلف العين أو تلف ماليته بجميع مراتبه أو ببعض مراتبه بمثل تلف وصفه الدخيل فيها، غاية الأمر يختلف أثر هذا التلف باختلاف أنحائه: ففي الأوّلين يوجب انفساخ المعاملة، و في الأخير يوجب الخيار. و يمكن استفادة هذه الأحكام من عموم التنزيل المستفاد من قوله:
«التلف قبل قبض المبيع من مال البائع» (1)إذ مرجعه إلى كون التالف بعد
1) وسائل الشيعة 12: 358 باب 10 من أبواب الخيار.
البيع و قبل قبضه بمنزلة التالف قبله.
و من المعلوم أنّ لكلّ نحو من التلف قبل البيع نحوا من الحكم الجاري بعينه بعد البيع و قبل القبض كما هو ظاهر، و لقد أشرنا إلى مثل هذا المعنى في بعض المقامات و إن استشكلنا فيه، و أشرنا أيضا إلى مفاد قاعدة أخرى في فرض التلف في زمن الخيار بعد القبض أيضا كما هو ظاهر، كما أنه أشرنا أيضا بجريان مثل هذا المعنى في تلف الثمن من طرف المشتري بالمناط، و اللّٰه العالم.
ثمّ إن من أحكام التسليم ما أفاده المصنف رحمه اللّٰه بقوله: و يجب التسليم مفرغا للمال عن ملكه حين قبضه.
قيل في وجهه بأنّ إطلاق العقد يقتضيه، و فيه منع، بل قضية سلطنة الإنسان على ماله يوجب إلزامه على التفريغ، كما أنّ صاحب المال له السلطنة على تفريغ ماله عن مال الغير، و ليس للغير سلطنة إبقائه على اشتغاله بماله، كما هو الشأن في تفريغ الذمم أيضا.
و لقد تقدّم شطر من ذلك في ذيل خيار الغبن، فراجع و تدبّر فيه.
و كيف كان يجوز بيع ما لم يقبض قبله، إلّا أن يكون طعاما فلا بيعه إلّا تولية:
و عمدة الوجه في ذلك الجمع بين ما ورد بالجواز مطلقا، مثل ما ورد تارة في مطلق المتاع، معللا بأنّ البيع بعد ما اشتراه (1)، و اخرى في مطلق الطعام كرواية الكرخي (2)و أمثاله. و بين ما ورد بالتفصيل في الطعام بين التولية
و غيره، بلفظ «لا يصلح» (1)تارة، و «لا يعجبني» (2)أخرى.
و في بعض النصوص ورود هذا التفصيل في المكيل و الموزون بلا خصوصيّة فيه بالطعام (3)، فيجمع بين المطلقات و الأخبار المفصلة في الطعام بين التولية و غيرها، بعد حمل مطلق المكيل فيها أيضا على خصوص الطعام و لو من جهة تنزيل إطلاقها على الغالب المبتلى بها.
و لكن الانصاف منع تماميّة الانصراف المزبور و بدونه لا مجال للتخصيص بالطعام، بل لا بدّ من الأخذ بما هو أوسع دائرة، فلا يستفاد منها التفصيل في خصوص الطعام كما أفاده، مع أنّ الأمر دائر بين التقييد و بين حمل «لا يصلح» و غيره على الكراهة، و لا يخفى أقربيّة الجمع الأخير فيستفاد من النصوص على اختلاف مضامينها مراتب المرجوحية، كما هو في منزوحات البئر كما لا يخفى.
و هو الذي صار إليه في الجواهر (4)و أجاد فيما أفاد.
ثمّ إنّ ظاهر النصوص اختصاص النهي بالمبيع (5)، و في التعدي عنه الى الثمن إشكال كما هو ظاهر جماعة، و لازمة عدم التعدي إلى غير البيع من الصلح و غيره من المعاوضات أيضا. و لقد اعترف شيخنا العلّامة أيضا باضطراب الكلمات من هذه الجهة (6).
و في التعدي من المبيع الى تشخيص كليّ المبيع به إشكال: من أنّ مقتضى التعليل في بعض نصوص البيع بالأبرئيّة (7)شدّة الاهتمام في الأبرئيّة الجارية
1) وسائل الشيعة 12: 390 حديث 13 باب 16 من أبواب أحكام العقود.
2) وسائل الشيعة 12: 390 حديث 15 باب 16 من أبواب أحكام العقود.
3) وسائل الشيعة 12: 390 حديث 12 باب 16 من أبواب أحكام العقود.
4) جواهر الكلام 23: 168.
5) وسائل الشيعة 12: 387 باب 16 من أبواب أحكام العقود.
6) المكاسب: 309.
7) وسائل الشيعة 12: 390 حديث 18 باب 16 من أبواب أحكام العقود.
في تشخيص الكلي، و من احتمال اختصاص الاهتمام المزبور بالبيع، و إلّا فلا بدّ و أن يتعدّى إلى غيره من سائر المعاوضات، و الحال أن ذلك مورد اضطراب كلماتهم، مع أنّ مقتضى بعض النصوص التصريح بجواز وفاء ما في الذمة بالطعام المشتري قبل قبض صاحب الذمة له (1)و لا يعارضه ما في صحيحة الحلبي (2)و موثقة عبد الرحمن (3)، لإمكان الجمع بينهما بكراهة مباشرة الدائن للشراء من جهة التهمة، أو جهة أخرى كما لا يخفى.
فرع: لو كان على غيره طعام بعقد في مكان فهل له المطالبة في غير مكانه؟
قيل: إنّ مقتضى انصراف العقد الى بلدهما عدم التعدي عنه، فلا يستحق لأزيد ممّا في ذمته من الطعام المتشخص بخصوص الزمان أو المكان. و لا يقاس المقام بباب الضمان باليد أو الإتلاف، إذ لا يجيء في الذمّة إلّا نفس التالف، فلصاحبه في كل زمان و مكان السلطنة على المطالبة. و أين ذلك بمقامنا!! الذي لا يجيء في الذمّة إلّا خصوص الشيء من التشخيص الزماني و المكاني بانصراف عقده كما لا يخفى.
و كيف كان القول قول البائع في عدم النقصان مع حضور المشتري الكيل و الوزن مع يمينه و عدم البينة، و قول المشتري مع عدم حضوره بلا إشكال في الأخير، للأصل بعد عدم مساعدة ظاهره على خلافه.
و أمّا الأول فالمشهور على ما أفاده المصنف، لظهور الحال في التفاته بعدم النقص مع حضوره، فدعواه النقص حينئذ يرجع إلى دعوى غفلته عن كيفية الكيل، و هو خلاف ظاهره، و توهم التفصيل بين القليل و الكثير في الفرضين
ممنوع جدا كما لا يخفى.
و في الجواهر أيضا تقديم قول المشتري (1)في دعوى عدم وصول حقّه و لو كان حاضرا في كيله، و لعلّه من جهة أنّ محطّ هذه الدعوى أوسع دائرة من عنوان نقص الكيل، و في مثله لا يقتضي ظهور خلافه، كما لا يخفى.
بقي الكلام في الشرط من بيان حقيقته و شرط صحته:
أمّا حقيقته فهو بمعناه المصدري عبارة عن جعل الشيء مرتبطا بغيره، و منه سائر اشتقاقاته. و بمعناه الاسمي يطلق على الشيء المرتبط بغيره، و ربّما يطلق على الجمل الواقعة تلو أدوات الشرط، و لعلّه بعناية كون الحاكي عين محكيه فيكون من الثاني لا إطلاق آخر. و لعلّ من هذا الباب الشروط في ضمن العقود، نظرا إلى ارتباطها بمضمون عقده، و حينئذ فالشروط الابتدائية الغير مرتبطة بشيء خارجة عن هذه الحقيقة، و إنّ إطلاق الشرط عليه ربّما يكون بنحو من العناية بلا اقتضاء أصل يقتضي دخوله في الحقيقة. فمثل شرط اللّٰه قبل شرطكم و أمثاله لا يوجب حينئذ أوسعيّة دائرة الشرط عما ذكرنا كما لا يخفى.
نعم لو صحّ ما حكي من استدلال الامام ب «المؤمنون عند شروطهم» (2)في مورد النذر و العهد، لدلّ على أن إطلاق الشرط على الشروط البدوية بنحو الاقتضاء لا ظاهر الاستدلال ذلك و لكن لو كان الأمر كذلك يلزم. أمّا التخصيص المستهجن، أو وهن السند بإعراض الأصحاب عن هذا التطبيق، و حينئذ يخرج مثل هذا التطبيق عن الحجية أيضا كما لا يخفى.
ثم إنّ ربط مضمون العقد مشترط تارة بإناطة قصده العقدي بوجوده، و اخرى بارتباط مضمون عقده مما يلتزم به بمثله. فعلى الأول فلا يقتضي وجوب الوفاء بعقده وجوب الوفاء بشرطه، لأنّ الوفاء بهذا العقد مرجعه إلى الالتزام في طرف الالتزام بشيء، فوجوب الوفاء به ليس إلّا الحركة نحوه في ظرف كذا، و هذا المقدار لا يقتضي تحصيل ظرفه نظير جميع الواجبات المشروطة حيث لا يقتضي حفظ شرطها.
و عمدة النكتة فيه أنّ مرجع وجوب الوفاء بالعقد إلى إمضاء الشارع التزامه على نفسه، و معناه كون إرادته تبع التزامه مطلقا أم منوطا. فمع إناطة التزامه بشيء لا جرم يعتبر وجوب وفائه به منوطا فينتج مثله واجبا مشروطا غير حافظ لشرطه.
و حينئذ فلو لا دليل وجوب إنفاذ نفس الشرط لا مقتضى لوجوب الوفاء بمثله. و هذا بخلاف الفرض الثاني، فإنّ الشرط حينئذ مأخوذ في متعلق الالتزام، فيكون من قبيل القيود الراجعة إلى الواجب، و في مثله يكفى عموم الوفاء بالعقد بلا احتياج إلى دليل نفوذ الشرط كما لا يخفى.
ثم إنّ الربط المزبور بنحويه تارة بتصريح الشرط في متن العقد، و اخرى بربط العقد به معنويا، و على الأخير فإن كان من قبيل شرط الملزم به، فوجوب الوفاء بالعقد أيضا كاف في نفوذه. و أما إن كان قيد الالتزام بلا إبراز الشرط بصورة إنشائه ففي وجوب الوفاء به إشكال، إذ وجوب الوفاء بالعقود قاصر عن إثباته، و وجوب الوفاء بالشروط فرع كونها في حيز إنشاء، لانصراف «المؤمنون عند شروطهم» (1)عن صرف الالتزامات المعنوية بلا إبرازها بصورة إنشاء. فما لم يتلبس الشرط حينئذ بلباس الإنشاء لا يكاد يجب وفاؤه. و لعلّ من استشكل في
1) وسائل الشيعة 12: 353 حديث 1- 2 باب 6 من أبواب الخيار.
وجوب الوفاء بالشروط الضمنية نظره إلى ذلك كما لا يخفى.
ثم إنّ الضمنية المأخوذة في الشرط على كلام القاموس (1)في الحقيقة راجعة إلى الارتباط المزبور، و حينئذ ففي كفاية مجرد الارتباط بين الإنشاءين معنويا، أو الاحتياج إلى الارتباط بينهما أيضا في مرحلة الإبراز إشكال يحتمل الأخير، و الأصل يقتضي عدم اعتبار غيره.
و عليه فربّما يستنتج منه عدم صحة الإنشاء الفعلي في ضمن العقد اللفظي، و كذلك العكس، إذ الارتباط بين الشيئين في مقام الإبراز لا بد و أن يكون بجهة حاكية عن الارتباط المزبور، و ذلك في الروابط الكلامية محفوظ بملاحظة اشتمالها على هيئة حاكية عن روابطها، و مثل هذه الجهة غير موجودة بين الأفعال و الأقوال، فلا جهة وحدة بينهما يستفاد منها ضمنية أحدهما للآخر، و لعلّه إلى ذلك نظر من التزم بعدم وجوب الوفاء بالشرط القولي في ضمن العقود اللفظيّة كما لا يخفى.
نعم لو كان الشرط مأخوذا في مضمون العقد يقصر وجوب الوفاء بالعقد عن صورة فقده بلا احتياج فيه إلى إثبات وجوب الوفاء بالشرط كي يجيء فيه الكلام المزبور، و ذلك ظاهر.
و حيث ظهر ذلك فنقول: إنّ حقيقة الالتزام بشيء فرع صلاحيّة الشيء للّزوم و الوجود، و إلّا فلا مجال لاعتباره فيه. و حينئذ ففي الالتزام بالنتائج لا بدّ من صلاحية الشرط للسببيّة، و إلّا فلا معنى للجدّ بالتوصّل بوجودها بالتزام الشرطي.
و بهذه النكتة نقول: بأنّ في الالتزام بالأوصاف مرجعها إلى الالتزام بأداء
1) القاموس المحيط 2: 368 «شرط».
العين موصوفا، فهي في الحقيقة من قبيل شرط الفعل لا النتيجة، و إلّا مرجع شرط النتيجة إلى الالتزام باتصاف العين بوصفه لا لالتزام بأداء الموصوف فارغا عن الاتصاف.
و حينئذ فقابلية المحل دخيل في اعتبار العلقة اللزوميّة الذي هو ملزوم صحة إنشائه لا في نفسه، كيف و فيه لا مدخليّة له إلّا العلم بالقابلية أو احتمالها، لأنّ قوام الحدّ بالإنشاء بهما لا يواقع القابلية، كما هو ظاهر.
و حينئذ فمهما شكّ في قابليّة المحلّ للعلقة المزبورة لا يبقى مجال التمسّك بدليل الشرط، لعدم وفائه لإحراز قابليّة المحلّ.
و حينئذ يرجع إلى- ما ذكرنا- التزامهم بشرطية القدرة في المشروط به بل و مشروعيته في شرط النتيجة.
و أمّا شرط عدم كونه محرّما للحلال أو العكس في شرائط الأفعال، فهو داخل في كبرى عدم مخالفة الشرط للكتاب و السنّة كما في النص من استثنائه من عموم نفوذ الشرط (1)، و عليه فصحّ إرجاع جميع شرائط صحة الشرط إلى هاتين الكبريين.
و إلى ذلك أيضا أشار المصنّف بقوله: و يصحّ في حال العقد اشتراط ما يسوغ شرعا و يدخل تحت القدرة عملا و لا يجوز اشتراط ما ليس بمقدور، كصيرورة الزرع سنبلا بل و ما ليس بمشروع شرعا، كشرط مخالف للكتاب و السنّة. و منه أيضا شرط النتائج المنحصر سبيلها بغير الشرط كالبيع و أمثاله، و يمكن إدخاله تحت كبرى عدم القدرة، كما هو الشأن في الشروط المخالفة لمقتضى العقد.
1) وسائل الشيعة 12: 353 حديث 2 باب 6 من أبواب الخيار.
و أمّا عدم مجهوليّة الشرط فليس هو من شرائط صحة الشرط مستقلا و إنّما هو بملاحظة استتباعه غرريّة المشروط به، و لذا لا يضر جهله فيما لا يضر به غرريّته كالصلح مثلا، و على أي حال ظهر وجه شرطية المقدور به.
و أمّا وجه عدم كونه مخالفا للكتاب و السنّة، فلما في النص تارة بقوله: «إلّا شرط خالف كتاب اللّٰه» (1)، و في بعض النصوص تعليل بطلان الشرط بمخالفة السنّة (2)، و في آخر: «فما كان من شرط ليس في كتاب اللّٰه فهو باطل» (3).
و ظاهره كون البطلان مترتبا على أمر سلبي، كما هو الشأن بمقتضى بعض النصوص من تعليق الصحّة على عنوان الموافقة، و لكن ظاهر الأولين عكس ذلك، فلو بنينا على شرطية كليهما فلا خلف بين النصوص.
و لكن الإنصاف أنّ النص المشتمل على عنوان الموافقة مصدّر بالنهي عن عنوان المخالف، و بناء الأصحاب في مثله على الأخذ بصدر النص و حمل ذيله على بيان اللازم نظير نص ابن بكير فيما لا يؤكل (4).
و أمّا النص الآخر المشتمل على سلبية الموضوع فهو عامي لا يعلم اتكالهم عليه، كما يشهد بناؤهم على الحكم بصحة الشرط عند الشك في مخالفته، و حينئذ فلا يستفاد من النصوص إلّا مانعيّة عنوان المخالفة لا شرطيّة الموافقة، و ربّما يثمر ذلك في مجاري الأصل عند الشك بهما كما لا يخفى.
و بعد ما اتضح ذلك فنقول: إنّ معنى مخالفة الشرط للسنة كون مضمون نفس الشرط معنى مخالفا لا بتوسط دليل اعتباره، كما انّ مرجع مخالفتهما إلى كونهما بمضمونهما راجعين إلى النفي و الإثبات بلا نظر إلى مرحلة العمل بكل منهما.
و عليه فنقول: إن كان مضمون الشرط حرمة ما كان حلالا فعلا، أو تركا بنحو النتيجة، أو حليّة ما كان واجبا أيضا فعلا أو تركا، فلا إشكال في صدق المخالفة من دون فرق فيه بين الحلية الاقتضائية و غيرها، بل يمكن إدراج ذلك فيما لا يقدر عليه عقلا لو أريد منه الحرمة أو الحليّة الشرعيتين.
و إن كان مضمون الشرط فعل ما كان حراما، أو ترك ما كان واجبا، فهو أيضا داخل في الشرط المخالف، إذ المضمون معنى خلاف ما تقتضيه السنّة، أو ما كان مضمون الشرط فعل ما كان مباحا، فلا يتصور لمثل هذا المعنى مخالفة للسنّة، إذ إباحة الشيء- بل و استحبابه و كراهته- لا يكون خلاف ما اشترط لا مضمونا و لا اقتضاء، فلا قصور في صحة الشرط في مثله.
و بمثل هذا البيان ترتفع العويصة من الاشكال المعروف، المبنى أولا على جعل شرط فعل المباح داخلا في المحرّم للحلال، فلازمه بطلانه، مع أنّه ليس كذلك.
ثم على تقدير صحة مثل هذه الشرائط أين مصداق الشرط المحرّم للحلال، كي به يبطل الشرط بمقتضى النص؟ و حل الشبهة من الجهتين بأنّ شرط فعل المباح لا يكون الشرط بنفسه محرّم حلال، و إنّما مضمونه الالتزام بفعل المباح.
و هذا المعنى لا ينافي حليّة و لا مخالفة، و إنّما المخالف له الالتزام بحرمته، و لذا نقول بالفرق بين شرط نفي السلطنة على التصرف، و بين شرط عدم الفعل: بأنّ الأول شرط خلاف الكتاب، بخلاف الأخير.
و بمثل هذا البيان ترفع مادة الشبهة بحذافيرها بلا احتياج إلى الالتزام بمحاذير
في دفع الشبهة المزبورة، بارتكاب الاختلاف بين لسان دليل الواجبات و المحرمات و غيرهما، من حيث الإطلاق بلحاظ الطوارئ في الأوّلين دون غيرهما.
مع أنّ الانصاف أنّ دليل المباحات خصوصا المستحبات و المكروهات مع غيرها من تلك الجهة بمساق واحد، مع أنّ نفي الإطلاق في دليل المباح بلحاظ عنوان آخر يقتضي عدم شموله لصورة طروء عنوان الشرط و إن لم يكن نافذا أو صحيحا، و الالتزام به خلاف المرتكز في الأذهان، كما هو ظاهر.
ثم لو أغمض عمّا ذكرنا و قلنا بشمول الشرط المحرّم للحلال ما كان بلسان ارتكاب المباح المستلزم لكون المراد من مخالفة الشرط للسنّة مخالفته لها و لو بتوسط دليل اعتباره، نقول أيضا: إنّ مرجع عدم مخالفة الشرط للسنّة حينئذ إلى عدم كون مفاد السنّة حكما فعليا في قبال اقتضاء الشرط، و لازمة تعليق اقتضاء الشرط على عدم فعليّة مفاد السنّة، و هو لا يكون إلّا في ظرف سقوط مقتضى الحكم في السنّة عن التأثير.
و مثل هذا المعنى يوجب دائما تقديم دليل الواجب على دليل الشرط، بخلافه في طرف المباح، إذ عدم اقتضاء الذات له لا يزاحم مع اقتضاء الشرط، بل يستحيل حينئذ أن يكون عدم تأثير الشرط من قبيل فعلية الإباحة المزبورة، كيف و فعليّة الإباحة اللااقتضائية فرع عدم المقتضي من جميع الجهات حتى من ناحية شرطه! و كيف يكون عدم اقتضاء الشرط حينئذ من ناحية فعلية الإباحة المزبورة؟ و ذلك واضح ظاهر. و لكن لازم هذا المسلك أيضا عدم الفرق بين دليل الواجبات و المباحات من حيث الإطلاق بحسب الطوارئ و عدمه، و إنّما الفارق ما ذكرنا.
نعم بناء على ذلك لا بد من الفرق بين الإباحة اللّااقتضائية و الاقتضائية، بل و حينئذ يدخل شرط ترك المستحبات أو فعل المكروهات في الثاني، و لا أظنّ
التزامهم بهذا الفرق كما لا يخفى. بل و لازم هذا المعنى كون عدم التصرف في الملك بنحو خاص من الشرائط المخالفة للسلطنة، و هو أيضا كما ترى خلاف التحقيق و إن ذهب إليه جمع كما سنشير إليه في ذيل كلام المصنّف. فمثل هذا المعنى حينئذ علاوة على استلزامه المحذورات المزبورة، خلاف ظاهر نصوص الباب كما لا يخفى على من راجع ما ذكرنا.
ثم انّه بعد ما اتضح ما ذكرنا قد يقع بينهما التشاجر في بعض المقامات مع أنّه من مصاديق الشروط المخالفة للسنّة، و ذلك مثل شرط عدم رقية الولد الذي أحد أبويه حرّ، و مثل شرط إرث المتمتع بها، و شرط الضمان في العين المستأجرة، و شرط اختيار المكان للزوجة، إذ في جميع ذلك ربّما يوهم مخالفتها للسنّة مثل عموم تبعيّة الولد لأشرف الأبوين، و عموم عدم إرث المتمتع بها، و عموم عدم الضمان في الأيادي الأمانيّة، و عموم قواميّة الرجال على النساء.
و لا يخفى أن مرجع الإشكال في هذه المقامات في الحقيقة إلى أنّ مرجع مثل هذه الأحكام إلى عدم اقتضاء العناوين المزبورة لمثلها، كي لا ينافي ذلك اشتراط ثبوتها، أو إلى كونها لاقتضاء فيها كي يكون مفاد الشرط ما يقتضي السنّة خلافها.
و على فرض انتهاء الأمر فيها إلى الشك فيرجع إلى الشكّ في اتصاف مثل هذه الشروط بعنوان المخالفة، فبأصالة عدم الاتصاف بنحو السلب المحصّل يثبت صحّتها، كما هو الشأن في أصالة عدم القرشية لو لا الاشكال فيها من جهة أخرى، كما أشرنا إليه في محلّه فراجع.
و على أي حال يصح اشتراط العتق في المبيع على المشتري و لو شرط ما لا يسوغ، أو عدم العتق، أو عدم وطء الأمة بطل الشرط عند المصنّف و جماعة، و حكي عن التذكرة خلافه.
و التحقيق أن يقال: إنّ المسألة مبتنية على المسلكين في معنى المخالفة للسنّة، بأن كان الفرض كون الشرط مقتضيا لمعنى على خلاف السنّة و لو بتوسط دليل اعتباره، فلازمه كون هذه الشرائط، بل و شرط عدم البيع و الوقف على خلاف عموم السلطنة، بل و لازمة عدم الفرق بين شرط عدم العتق من المشتري عن نفسه أو عن غيره، أو عتق البائع عن المشتري أو عن نفسه. فإنّ جميع ذلك خلاف سلطنة المالك على طرفيّ الوجود و العدم، و توهّم الفرق بين شرط العتق و عدمه، و حينئذ يكون العتق على التغليب كلام ظاهري، إذ مثل ذلك لا يشرع سبب العتق أو لزومه.
و إن كان المراد من المخالفة مخالفة مضمون الشرط للسنّة مع قطع النظر عن دليل اعتباره، فلا وجه لبطلان واحد من هذه الشرائط من هذه الجهة و إن استشكل في العتق عن غير المالك من جهة عموم: «لا عتق إلّا في ملك»، و ذلك أيضا لو لا الالتزام بتمليك ضمني كما لا يخفى، و عمدة النكتة في عدم البطلان من الجهة السابقة هو أنّ مجرد فعل التصرّف أو عدمه لا ينافي السلطنة على كليهما.
نعم ما هو شرط خلاف السنّة حينئذ هو شرط عدم سلطنة المالك على مثل هذه التصرفات كما أشرنا، و حيث أنّ التحقيق هو المعنى الأخير فلا يبقى مجال المصير إلى ما أفاده المصنّف في المقام خلافا للمحكي عن تذكرته، و اللّٰه العالم.
ثم على فرض بطلان الشرط في إبطال البيع وجه قوي عند المصنّف، و إن كان التحقيق خلافه، نظرا إلى أنّ مرتكز الذهن في أمثال هذه الشرائط كون أخذها في البيع بنحو تعدد المطلوب كما لا يخفى، و به يثبت الخيار لو لا التمكن عن الإجبار، فيجبر حينئذ على إيجاد الشرط، لأنه من قبيل إجبار الأجير الخاص على العمل بلا مقتضى لثبوت الخيار، لإمكان تحصيل الغرض الأقصى
به، فلا يصدق عليه فوته المستتبع للضرر الغرضي المجبور نفيه في باب العقود، و اللّٰه العالم.
و لو شرط مقدارا فنقص تخيّر المشتري بين الرد و الإمساك بالقسط من الثمن عند المصنف، نظرا إلى جعل الشرط المزبور توطئة لتقسيط الثمن على تمام المقدار، فيكون المقام من باب تبعّض الصفقة المستتبعة لما أفيد، و إلّا فلو أريد من الشرط ما هو ظاهر من كون المقدار قيدا خارجا عمّا بإزائه الثمن، و أنّ المبذول في قباله هو العين الخارجي بخصوصياته الخارجية، فتخلفه لا يوجب إلّا الخيار بين الرد و الإمساك بتمام الثمن لا بقسط منه.
و من هذا الباب ما هو المعروف من بيع الأرض على أنها جربان معيّنة، و أمثاله كثيرة جدا.
و التحقيق فيه حفظ ظاهر الشرطية بلا اعتبار تقسيط من الثمن على المقدار، و لكنّ الذي يوهنه قيام النص (1)على التقسيط و إن كان ذيله مشتملا على ما هو خلاف المشهور، و لكن طرح ذيله لا ينافي الأخذ بصورة المعمول به، حيث أنّ النص على خلاف القاعدة يقتصر فيه على مورد النقيصة. و لا يبعد التعدي عن مورده من الأرض إلى غيرها، فتدبّر.
و على أي حال سواء فيما ذكرنا بين ما كانت أجزاؤه متساوية أو مختلفة، فإن أخذ المشتري القسط على مذهب المصنف تخيّر البائع، لتبعّض الصفقة عليه، و لو أخذ بالجميع فلا خيار لبائعه، كما هو ظاهر. و لو زاد متساوي الأجزاء عن المقدار المشروط أخذ البائع
1) وسائل الشيعة 12: 361 حديث 1 باب 14 من أبواب الخيار.
الزائد، لعدم وقوع الثمن إلّا في قبال المقدار المشروط، فالزائد ملك البائع فيستحقه فيتخيّر المشتري حينئذ على اشكال فيه، لعدم ضرر فيه لا مالا و لا غرضا، لأن المفروض وقوع الثمن في المعاملة قبال المقدار الحاصل عند المشتري.
نعم على المختار كان المورد مورد خيار تخلّف الشرط فليس للبائع حينئذ أخذ الزائد بل هو مختار بين الردّ و الإمساك بالثمن الجعلي، كما هو ظاهر.
و لو زاد المختلف أجزاؤه قال: المصنف فالوجه عندي البطلان، لجهالة المبيع، و لكون الزيادة غير معيّنة. و فيه أنّه يكفي في معلومية المبيع العلم بمجموعه بخصوصياته، و هو حاصل في المقام.
و عليه فمقتضى مختار المصنّف في المقام الحكم بشركة البائع، و ربّما يترتّب على ذلك خيار المشتري، لضرر الشركة. و أمّا على المختار فالحكم فيه ثبوت الخيار للبائع بين الردّ و الإمساك كما لا يخفى.
و يجوز أن يجمع بين بيع و سلف، و بين المختلفين حقيقة صفقة و في عقد واحد، كالبيع و الإجارة و أمثالهما، بالايجابين الوارد عليهما قبول واحد و عوض واحد، على المشهور خلافا للمحكي عن الأردبيلي، للشكّ في معهودية مثل هذا العقد، و قابليته للتأثير في المعاني المختلفة، و فيه أنّ قيام الشهرة عليه يكفي في معهوديته، و لقابليّته يكفي عموم حل التجارة و لو استشكلنا في عموم الوفاء بالعقد.
نعم ربّما يشكل فيه صدق الغرر في بيعه مثلا، و إن علم الثمن في مجموع العقد فيصدق عليه البيع الغرري، فلا يقاس بجهل الثمن في أجزاء المبيع عند تبعّض الصفقة، إذ يصدق العلم بثمن مجموع البيع، فلا يكون جهل في البيع الصادر منه خارجا، لأنه متعلق بالمجموع و إن انحلّ إلى البيوع، و لكن تعدّده تحليلي لا ينافي وحدته خارجا، و في هذا البيع الخارجي لا جهل بثمنه أبدا.
و هذا بخلاف المقام، فإنّ في العقد الواحد و إن لم يكن غرر، و لكن في بيعه يصدق الغرر، فيختصّ بيعه به كاختصاصه بسائر أحكامه من خيار المجلس و أمثاله.
و توهم كفاية العلم بالثمن في مجموع العقد في أمثال المقام أيضا مدفوع بأنّ موضوع النهي في الغرر إن كان عقده فما أفيد في غاية المتانة، و أمّا إن كان موضوعه عنوان البيع بخصوصه فالجهل فيه حاصل قهرا، و لا يجدي حينئذ في صحّته العلم بالثمن في مجموع العقد، إذ هو أجنبي حينئذ عن موضوع النهي.
اللّٰهمّ [إلّا] أن يقال: إنّ النهي عن بيع الغرر (1)منصرف إلى ما كان بإنشاء مختصّ به، لا بإنشاء تحليلي حاصل في ضمن عقد المجموع، و فيه تأمّل، و المسألة من هذه الجهة لا تخلو عن تأمل، و اللّٰه العالم.
فنقول: لا يخفى أنّ مفاد الشرط تارة مجرد حصول نتيجة، و اخرى فعل شيء أو تركه.
و على الأوّل فلا بد و أن تكون النتيجة المزبورة مما أمكن حصوله بإنشاء الشرط، و إلّا فلو علم انحصار سببه بغيره فيدخل الشرط فيما يتعيّن، نعم لو لم يعلم الانحصار ربّما يشكل التمسك بعموم الشرط، لعدم إحراز قابليّة المحل به، اللّٰهمّ [إلّا] أن يدخل في صغريات الشكّ في مشروعيته، فأصالة عدم المخالفة جارية لو لا دعوى خروج مورد عدم القابليّة عن مخالفة الشرع، فدخل تحت
1) عوالي اللئالي 2: 248 حديث 17.
احتمال عدم المقدور به، و المسألة حينئذ لا تخلو عن اشكال.
و على الثاني فبعد مقدوريته عقلا و شرعا، تارة يكون الفعل بحيث الزمان متسعا، و اخرى مضيّقا. فعلى أيّ حال لا شبهة في أن قضية الشرطية توجب نحو اختصاص للطرف المشروط له على الفعل، لأنّ اعتبار العلقة اللزوميّة الإنشائية لا يناسب التكليف، كما أن بدونه لا يناسب كونه بمجرده مقهور غيره، فلا محيص من اعتبار نحو عهده على المشروط عليه من مثله. و مرجع ذلك إلى جعل اختصاص للغيرية، إذ لا تعتبر العهدة الوضعية بدونه كما لا يخفى، فتدبّر غايته.
نعم مثل هذه العلقة موجب لصيرورته في حيطة سلطنته وضعا، المستتبع لاستحقاقه إلزام المشروط في أداء حقه، و لازمة خروج ضد العمل أو نقيضه عن حيطة سلطنة المشروط عليه.
نعم ربّما يفرّق بين الموسّع و المضيّق، بأنّ في الموسّع يبقى مجال السلطنة على الإلزام، فلا ينتهي تخلّفه إلى الخيار. بخلاف المضيّق فإنّه قبل حصول وقته فلا إلزام، و بمضيه يسقط الحق المزبور، فلا يبقى له حينئذ موقع الإجبار من جهة تفويت الحق، بل و تعدد المطلوب يوجب خياره كما هو ظاهر.
و هو معلوم التحريم بالضرورة في الشرع، على وجه يدخل منكره في زمرة المرتدين لو لا العلم باشتباهه على وجه لا ينتهي أمره إلى تكذيب أحد من أهل العصمة. ثم في كون الربوي عبارة عن نفس الزيادة، أو عن المعاملة المشتملة عليها كلام.
و ظاهر المصنف في قوله: و هو بيع أحد المثلين بآخر مع زيادة عينيّة كبيع قفيز بقفيزين، أو حكمية كبيع قفيز نقدا بقفيز نسيئة هو الأخير و إن اقتضى كل منهما بطلان المعاملة في تمام العوضين، لأن بطلان الزائد في الجزء يوجب إحداث زيادة أخرى، و هكذا.
و في النص: «لعن اللّٰه آكل الزيادة و بائعها» (1)، و ظاهره كون الموضوع الحرمة نفس الزيادة، و لكن في آخر التذكرة عن بيع وسق بوسقين (2)، و ظاهره تعلّق الكراهة بتمام المعاملة المشتملة على الزيادة، كما أن المراد من الكراهة في المقام خصوص الحرمة بقرينة ذيله بأنّ عليا لا يكره الحلال فتأمل. مع أن قوله
«لعن اللّٰه بائع الزيادة» (1)توجه اللعن إليه من حيث بيعها، و هو شامل لتمام المعاملة، لأن كل جزء منه مشتمل على الزيادة، كما لا يخفى.
و يؤيد ما ذكرنا أيضا جعل المعاملة المشتملة على الزيادة من الخبائث، و خبث المعاملة كناية على الزيادة من الخبائث، و خبث المعاملة كناية عن فسادها، بل و حرمة إيقاعها أيضا.
و حينئذ يمكن من مثل هذه استفادة تعميم الحرمة للمعاملة المشتملة على الزيادة الحكمية أيضا، إمّا بنحو الشرط، أو من جهة بيع نقد بنسيئة، و توهم الانصراف عن مثله ممنوع.
نعم على تسليم هذا التوهّم لا يبقى مجال استفادة حرمة المعاملة ممّا اشتمل على النهي عن الزيادة، إذ الزيادة الغير الجزئية لا يوجب سراية النهي إلى بقيّة المعاملة، و إنّما ذلك شأن الجزء فقط، كما لا يخفى.
نعم في بعض النصوص إثبات البأس عما لم يكن يدا بيد، بأن يكون أحدهما نسيئة (2)، و معلوم أن البأس في باب المعاملات منصرف إلى ما هو مرتكز ذهن السائل من حيث الصحة و الفساد، فبعدم الفصل تثبت الحرمة، بل و يتعدى من هذه الزيادة الحكمية إلى الزيادة الشرطية أيضا كما لا يخفى.
و كيف كان شرطه، أي شرط الربوي في المعاملة
: أحدهما: الاتحاد في الجنس.
و ثانيهما: الكيل أو الوزن، بلا إشكال في اعتبار القيدين، للنصوص المستفيضة فيهما (3)، و إنّما الكلام في بيان معيار وحدتهما جنسا تارة، و في المناط
في المكيلية و الموزونية من حيث أي زمان أو أي مكان اخرى.
الأوّل: فقد يظهر بأنّ المدار على اشتراكهما في الاسم، و لا يخفى ما فيه طردا و عكسا، إذ الفروع المأخوذة من كل أصل مختلفات في الأسامي، كما أنّ لحم الغنم و البقر و لبنهما من جنسين مع أنهما مشتركان في الاسم.
فالتحقيق أن يقال: إنّ المراد من وحدتهما جنسا انتهائهما إلى حقيقة واحدة و إن كانا مختلفين فعلا اسما، و بهذه الملاحظة يدخل فروع شيء واحد في جنس واحد، و يخرج لحم البقر و الغنم عن الوحدة الجنسية، لاختلاف أصلهما من حيث البقريّة و الغنميّة.
و عمدة الشاهد على هذا المعنى ما ورد في الحنطة و الشعير من انتهائهما إلى أصل واحد، و جعل ذلك علّة لجريان الربوي فيه. و من العلة المزبورة يتعدّى إلى كلّ فرع ينتهي مع غيره إلى أصل واحد، كما أنّ بمفهوم العلّة يحكم بعدم جريان الربوي فيما لا يكون كذلك، كلحم البقر و الغنم و لبنهما، لأنهما من فروع البقر و الغنم و هما جنسان مختلفان كما هو ظاهر.
فإن قلت: مقتضى العلّة المذكورة في باب الحنطة التعدّي إلى كل استحالة جنس إلى جنس، كاستحالة اللحم ملحا، و ليس كذلك.
قلت: نمنع اقتضاء العلّة هذا المقدار، كيف و الحنطة و الشعير في غالب الخصوصيات مشتركان، و إنّما اختلافهما في جهات خاصّة خفية. و كيف ذلك مع اللحم و الملح فإنّهما في غالب الجهات متباينين، لا يرى جهة مشتركة بينهما.
و لئن شئت قلت: إنّ المدار في الفرعية و الأصلية تحقق جهة محفوظة مشتركة بينهما عرفا بنحو يصدق كونهما من نسخ واحد و إن اختلفا في بعض الخصوصيات و الخواص، و مثل هذا المعنى ربّما يكون محفوظا في الحنطة و الشعير، و لا يكون محفوظا في اللحم و الملح، و حينئذ كيف يمكن التعدي من العلّة إلى كلّ استحالة جنس إلى جنس، كما هو ظاهر.
ثم أنه قد يظهر من كلماتهم التشكيك في وحدة الجنس في بعض أصناف الحيوانات، كالسمك بأصنافه، و الحمامة بأصنافها، مع عدم تشكيكهم في وحدة الجنس بين المعز و الضأن من الغنم، و اشتراكهما في تسمية الغنيمة ليس بأزيد من اشتراك السمك في السمكيّة، و الحمامة في الحمامية. و حينئذ ليس الفارق بينهما إلّا قيام الإجماع على الواحدة المزبورة في الغنم، و عدم قيامه في غيره.
و حينئذ فمع التشكيك في صدق الوحدة مفهوما يكون المرجع عموم الوفاء بالعقد، و مصداقا أصالة عدم اتصاف بيعه بالربويّة، و هذا المقدار كاف في الحكم بالصحّة، كأصالة عدم اتصاف الشرط بالمخالفة على ما أشرنا، فتدبّر.
: فقد يظهر عن المشهور كون المدار فيهما على المكيلية و الموزونيّة في زمن الشارع، و مع الشكّ فيه فالمدار على العرف العام، و مع الشك فيه يكون المدار على العرف الخاص.
و قد يستشكل في تطبيق مثل هذا التفصيل على القواعد، من جهة أنّ المراد من مثل هذا العنوان الواقع موضوعا للحكم في لسان الدليل إن كان ما سمّى كذلك على الإطلاق الساري في جميع الأزمنة و الأمكنة، فلازمه عدم مدارية عرف الشارع فقط، و لا العرف العام في زمان خاص أو العرف الخاص.
و إن كان المراد مطلق ما سمّى كذلك و لو في زمان من الأزمنة أو مكان كذلك، فلا محيص من المصير إلى كفاية صدق هذا المقدار، و لو في غير زمن الشارع و غير زمن المتبائعين و في غير بلدهما.
و إن كان المراد منه المعنى المنصرف إلى زمان خاص، فيتبع هذا الزمان بالنسبة إلى جميع الناس. و حينئذ لا تبقى نوبة لمثل التفصيل مما وجه نظر المشهور في مصيرهم إلى ما ذكر من التفصيل المشار إليه.
و قد يتوهم في وجه كلامهم بأن مبناه ما هو المعروف في كلية المفاهيم، بأنّ المدار أولا على الحقيقة الشرعية لو كان، و إلّا فعلى العرف العام، و إلّا فعلى العرف الخاص.
و قد يستشكل على البيان المزبور، بأن التفصيل المزبور إنّما يجري في صورة الشك في المراد من اللفظ من جهة الشبهة المفهومية، بملاحظة ما جرى عليه من الأوضاع المتعددة، نظرا إلى أن المستعمل لو كان له اصطلاح لحمل لفظه عليه، و إلّا فظاهره التكلم على اصطلاح القوم الذي كان الشارع منهم. و على فرض عدم مصطلح للقوم لا بدّ و أن يكون خطابه على مصطلح المخاطب بخصوصه، و لكن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، إذ مفهوم المكيل و الموزون في غاية الوضوح، و إنّما الإشكال في تعيين مصداقهما.
و مثل هذا النزاع في الحقيقة راجع إلى تعيين حقيقة ما هو موضوع عند الشرع باصطلاح الحكيم، لا في حقيقة لفظهما باصطلاح المعاني و البيان، و في هذا المقام لا موجب للتفصيل السابق.
و يمكن الجواب عنه بأنّ مناط تعيين مصطلح الشارع في باب المفاهيم جار في المقام، إذ ظهور حال المتكلم في تعيين ما هو المجعول من المفهوم ثابت في تعيين ما هو المجعول مصداقا لمفهوم بنحو الخصوصيّة، أو بنحو إمضائه ما هو المجعول عند العموم، و مع فقده فيرجع إلى المجعولات الخاصّة على حسب خصوصيات البلدان، و مرجع هذا الكلام إلى دعوى المراتب للانصراف في مثل هذه العناوين بالإضافة إلى المصاديق المزبورة على مراتبها، و مع الشكّ في وجود مرتبة سابقة عن اللاحقة أصالة عدم جعل محكمة.
و كيف كان قد ظهر من مطاوي كلامنا أنه يجوز بيع المثلين متساويا نقدا بلا اشكال، للعمومات و لا يجوز نسيئة على المشهور، و نسب في
المسألة الخلاف الى الخلاف من كراهة بيع المتماثلين نسيئة (1)، و عن المبسوط جعل الأحوط كونه يدا بيد (2).
و يمكن توجيه كلام الخلاف بحمل الكراهة في خصوص هذا الباب على الحرمة، كما هو لسان نصوصها. و في الدروس أيضا أوّل كلامه معلّلا بأنّ المسألة إجماعيّة (3)، بل يؤيد فحوى منعه عن بيع الثياب بالثياب نسيئة، و لقد تقدّمت الإشارة إلى نصوص المسألة في أول الباب فراجع.
و كل ربوي يجوز بيعه بمخالفه نقدا متفاضلا بلا اشكال للعمومات، و النبوي المعروف: «إذا اختلفت الجنسان فبيعوا كيف شئتم» (4)، و في صحيح آخر: «لا بأس مثلين بمثل يدا بيد» (5)، و نظيره الموثقان (6).
و يجوز أيضا بيعهما كذلك نسيئة على كراهية، لإطلاق النبوي، و موثقة سماعة الغير الصالح لمعارضتها مفهوم الصحيح، و موثقة سماعة الأخرى بضعف مفهوم القيد. نعم مع الغض عنه و عن معارضة النبوي أمكن استفادة البطلان من البأس فيه، لأنّه منصرف إلى مرتكز ذهن السائل، و هو في المعاملات عبارة عن فسادها. نعم ما في المضمر من التعبير ب «لا يصلح» لا يقتضي الفساد، لأنّه أعم من الحزازة فيها الموجب لنفي صلاحها، و حينئذ
الأقوى ما في الجواهر (1)بلا مجال لتردد المحقق في شرائعه (2)، و لقد أجاد المصنّف في مصيره إلى الكراهة، و اللّٰه العالم.
و كذا يجوز بيع غير ربوي، لعدم كونه مكيلا أو موزونا على كراهية أيضا، لإمكان استفادة المدعى من إطلاق مفهوم الصحيح السابق بضميمة إطلاق النبوي المتقدّم أيضا، كما لا يخفى. و هذا الحكم ثابت في كل مقام، إلّا أن يكون أحد العوضين من الأثمان، لأنه لا كراهية فيه بلا اشكال، فتوى لعموم الأدلّة و إطلاقها بعد اختصاص نصوص المرجوحيّة بغيره (3)، نعم لو كان كلاهما منها فيدخل في الصرف المعتبر فيه شرائطه، و سيأتي الكلام فيه عن قريب إن شاء اللّٰه.
و على أيّ حال لا اشكال ظاهرا في أنّ الشعير و الحنطة جنس واحد هنا، يعني في باب الربوي. و الأصل في ذلك النصوص المستفيضة المشتملة على عدم ازدياد أحدهما على الآخر، معللا في بعضها: «بأنّ أصلهما واحد» (4)، و في آخر: «أنّ الشعير من الحنطة» (5)، و في ثالث: «أنّ أصل الشعير من الحنطة» (6)، و في رواية الصدوق بنقل زرع آدم و حواء (7).
و لقد أشرنا سابقا أنّ مثل هذه العلل ربّما يتعدى إلى إلحاق كل فرع إلى أصل، بل الفروع المنتهية إلى أصل واحد حكمها حكم أصلها، و به يستفاد معيار وحدة الجنس في باب الربوي. و إلى ذلك أيضا أشار المصنف بقوله: و كذا كل شيء مع أصله كالسمسم و الشيرج، و كل فرعين من أصل واحد كالسمن و الزبد، و الجيّد و الرديء.
و لقد تقدّم أنّه المستفاد من المفهوم في التعليلات الواردة في باب الحنطة و الشعير.
و من المسلّم في الكلمات أيضا أنّ اللحوم تختلف باختلاف الحيوان، لاختلاف الأصل و كذا الأدهان.
و لو كان الشيء جزافا في بلد و موزونا في آخر فلكلّ بلد حكم نفسه، مع عدم ثبوت عادة من الشرع على المكيلية أو الموزونية، و لا عرف عام على وجه يلحق البلد الواحد بالمعدوم عرفا.
و عمدة الوجه فيه انصراف عنوان المكيل إلى ما كان كذلك في البلد الخاص، و لا يشمل غيره المتعارف فيه جزافية الجنس أو معدوديّته، و ذلك أيضا مع اتّحاد بلد البيع و الجنس و التسليم، فالأمر واضح.
و مع اختلافهما ففي تقديم أي واحد منهما و جعله مدارا للموضوع، وجوه، لا يبعد الأخير، لمناسبة العنوان مع مرحلة التسليم المنصرف إلى بلد يسلّم فيه.
و لا يباع الرطب بالتمر و إن تساويا وقت البيع، و الأصل في ذلك ما في المرسل عن بيع الرطب بالتمر فقال: «أ ينقص إذا جفّ؟» فقيل له: نعم، فقال: «لا اذن» (1).
1) مستدرك الوسائل 13: 342 حديث 2 باب 13 من أبواب الربا.
و في صحيح الحلبي: «لا يصلح التمر اليابس بالرطب، من أجل أن اليابس يابس و الرطب رطب، فإذا يبس نقص» (1).
و نظيره في نص داود بن سرحان (2)، و في نص قيس كره أن يباع التمر بالرطب، و في ذيله التعليل بما ذكر (3).
و في قبالها موثقة سماعة عن العنب بالزبيب قال: «لا يصلح إلّا مثلا بمثل»، قلت: التمر بالرطب؟ قال: «مثلا بمثل» (4).
و في آخر: ما ترى في التمر و البسر الأحمر مثلا بمثل؟ قال: «لا بأس» (5)و إن الأمر يدور بين حمل الكراهة و نفي الصلاحية على الحرمة، أو النهي الوارد في المرسلة على الكراهة بقرينة الآخر، و حمل: «مثلا بمثل» على المماثلة وقت البيع أو الحمل المماثلة في هذه النصوص على المماثلة وقت اليبوسة و لو بحمل الرطوبة به على مرتبة ضعيفة ملحق بالتساوي.
و لا يخفى ما في الآخر، إذ هو خلاف ظاهر لا يصار إليه إلّا بدليل و لا يقاوم احتماله، مع حمل النهي على الكراهة.
و أمّا احتمال كون المدار على المماثلة وقت الجفاف دون وقت البيع، فهو مما لم يلتزم به أحد، بل ظاهر تعليلات النصوص أيضا خلاف ذلك، كما لا يخفى على من له دقة نظر، و عليه فالالتزام بالكراهة مطلقا أولى لو لا وهن النصوص الأخيرة بقيام الشهرة على خلافها، و لذا قوّاه في الجواهر (6)،
و استظهره المحقق في شرائعه (1).
كما أنه لا مجال لتخصيص المنع على القول به بالنسبة باختصاص نصّ قيس به، إذ لا مفهوم له على وجه يصلح لتنفيذ بقيّة المطلقات. كما أنّه لا مجال لتوهم تخصيص النهي بغير العرية بخيال اختصاصه به، لعموم العلّة.
و على أي حال يكره بيع اللحم بالحيوان، و الأصل فيه ما في النبوي المعمول به لدى المشهور الصالح لان يكون مجبورا بنهي النبيّ عن بيع اللحم بالحيوان (2). نعم في موثق غياث: «إنّ أمير المؤمنين عليه السلام كره بيع اللحم بالحيوان» (3).
و نظر المصنف إلى الأخذ بظهور الكراهة في النصّ، و جعله قرينة على حمل النهي في الأول عليه.
و لكن يمكن منع ظهور لفظ الكراهة في الكراهة المصطلحة، خصوصا ما ورد في الباب بقرينة بقية النصوص الواردة فيه على الخصوص في الكراهة المنسوبة إلى علي عليه السلام، مع ما ورد بأنّ: «عليا عليه السلام لا يكره الحلال» (4).
و حينئذ يبقى النهي الأوّل بلا معارض. و لعلّه إلى ذلك نظر المشهور في مصيرهم إلى عدم الجواز، كما عن الجواهر (5)، بل في الغنية دعوى الإجماع عليه (6).
و لكنّ الانصاف منع صلاحيّة الشهرة المزبورة لجبر سند النبويّ العامي،
لإمكان استنادهم إلى رواية غياث لفهمهم الحرمة من الكراهة. و حينئذ لا يبقى مجال الاتكال بالنبويّ، لعدم تمامية السند و لا برواية غياث، لعدم صلاحيّة فهم المشهور لجبر الدلالة عندنا، فيكون قاصرا عن إثبات الحرمة، فالمتيقّن منه الكراهة و هو أعم. فالأصل يقتضي حينئذ الكراهة المصطلحة كما لا يخفى.
و لكن الإنصاف أن للتأمل في المسألة كمال مجال، و لا مناص حينئذ إلا الاحتياط الذي هو سبيل النجاة.
و لو باع درهما و مد تمر بدرهمين أو مدين صحّ، و كذا لو جعل بدل درهم و دينار درهمين و دينارين، أو جعل بدل الدينار أو الدرهم شيئا من المتاع. و في النصّ: أشتري ألف درهم و دينار بألفي درهم، فقال «لا بأس بذلك»، و في ذيله «إنّما هذا الفرار» إلى أن قال: «نعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال» (1).
و في آخر: «لا بأس بألف درهم و درهم بألف درهم و دينارين» (2).
و ربّما يتعدّى من هذه النصوص إلى مبادلة المتفاضلين مع ضم غير الجنس بطرف الناقص، إذ لسانها لسان تعليم الفرار من الحرام إلى الحلال، المعلوم عدم اختصاص ذلك بخصوصية الدينار في الضميمة، و لا بخصوصية ضمّه بطرف الناقص فقط، فيدخل ما نحن فيه في هذه الكليّة.
ثمّ إنّ مورد النصوص صورة كون الضميمة في طرف الناقص، أو الزيادة في الطرف الآخر، مأخوذا بنحو الجزئية، و في التعدّي إلى أخذهما بنحو الشرطية أو كونها حكمية نظر جدّا.
ثمّ إنّ في استفادة أنّ الزيادة تقع في قبال الضميمة من النصوص المزبورة نظر، بل الظاهر أنّ المجموع في قبال المجموع. و لازمة أنّه لو تلفت الضميمة في طرف الناقص قبل القبض لا يرجع الباقي إلى المعاملة بالتساوي، بل لا محيص من أوّل الأمر بعد الانفساخ إلى بقاء المبادلة بين الجنسين متفاضلا.
و لذا استشكل في الجواهر بالتزامه بعدم استفادة المعنى المزبور من النصوص، و نسب بطلان المعاملة المزبورة بعد التلف، إلى بعض (1)، و لكن التزم هو صحتها، نظرا إلى أنّ مثل هذا التفاضل الحاصل بالتقسيط لا يقتضي فساد المعاملة الباقية، إذ المنصرف من أدلّة الربا هو عدم التفاضل في جنس واحد في البيع الواقع بإنشائه الأول لا البيوع الحاصلة جديدا بالانفساخ. و حينئذ فالباقي بعد الانفساخ من هذا الباب. و لا دليل على مبطلية التفاضل في مثله، و إلّا يلزم البطلان قبل التلف أيضا، و هو خلاف المنساق من نصوص الفرار (2)أيضا، كما لا يخفى.
بل يمكن منع شمول دليل الربا لمطلق البيوع التحليليّة و إن كان الإنشاء غير مؤثر من الأوّل فيه، كما لو ظهرت الضميمة مستحقا للغير. و تردّد الجواهر من الفرق بين الصورتين (3)أيضا في غير محله فتأمل.
و كيف كان من ارتكب الربا بجهالة فلا إثم عليه، و يعيد ما أخذ منه على مالكه إن وجده أو ورثته، و لو جهل تصدّق به عنه.
و وجهه ظاهر بالنظر إلى القواعد، و عموم حرمة الربا خصوصا بالنسبة إلى
الجاهل بالحرمة، لأن إطلاقه ذاتي يستحيل تقييدها بالعالم بها، للدور المعروف، بل لازم ذلك اجراء حكم خمس المختلط فيما لا يعرف قدره و صاحبه في محصور لعموم دليله.
و إلى ذلك ذهب جل المتأخرين، حتى قيل إنه المعروف بينهم. و عمدة نظرهم طرح النصوص (1)الخاصة الواردة في المقام خصوصا مع قوله تعالى وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ (2)، الظاهر في عدم تملك الزيادة من أصل المال حتى في حال الجهل، فضلا عن غيره.
و لكن المحكي عن الراوندي في تفسير الآية الشريفة: و ليس عليه ردّ ما سلف إذا لم يكن علم أنّه حرام، مستدلا بقول أبي جعفر عليه السلام: «من أدرك الإسلام و تاب عمّا كان عمله في الجاهلية وضع اللّٰه عنه ما سلف» (3)، و ذكر في ذيله ما هو نصّ في المطلوب، لكن يحتمل كالصدر كونه من كلام الراوندي (4).
و في جملة أخرى ما هو قريب بهذا النص في التعبير: بأنّ له ما قد سلف.
و في نص آخر: «لو أن رجلا ورث من أبيه مالا و قد عرف أنّ في ذلك المال ربا، و لكن اختلط في التجارة بغير حلال كان حلالا طيبا فليأكله، و إن عرف منه شيئا معزولا أنّه ربويّ فليأخذ رأس ماله و يردّ الربا» (5).
و نظيره ما في نص آخر (6).
و هذه النصوص الأخيرة مفصّلة بين صورة الجهل بموضوع الربا، و علمه به تفصيلا، و صريح في صورة الجهل بالأمرين بأن المال المختلط حلال على من بيده، و لكن التفصيل المزبور خلاف جلّ كلماتهم، إذ هم بين القائلين بحلّية المال في صورة ارتكاب المعاملة حال الجهل مطلقا، و بين القائلين بحرمته و وجوب ردّه بعد المعرفة بالحرمة مطلقا. فالتفصيل المزبور موهون جدا و إن ذهب إليه ابن الجنيد على المحكي (1).
و بهذه الملاحظة أمكن توهين سندها، لمحض مخالفة مضمونها لمذهب الأصحاب، فلا يبقى في البين إلّا الطائفة الاولى، و في دلالتها على حلّية المال نظر، بل الظاهر فيما سلف ارتكاب المعاملة المحرّمة، أو ارتكاب الحرام من التصرف في المال، و معلوم أن كون هذا الارتكاب له كناية عن سقوط وزره، و يؤيده في النص الأوّل من قوله: «وضع اللّٰه عنه ما سلف»، و مثل هذا التعبير لا يقتضي أزيد من نفي الإثم، لا حلية المال.
و ربّما يؤيد ذلك شمول إطلاقها لصورة جهل أحد الطرفين بالحرمة، فإنّ لازم حلّية المال حينئذ كون جهل أحد الطرفين موجبا لعذر العالم أيضا بالحكم الوضعي، مع أنّه ليس كذلك في التكليفي، و الالتزام بذلك خلاف القاعدة على وجه يحتاج إلى دليل أقوى من ذلك، مع أنّ الالتزام بالحلّية بمحض الجهل بحرمة الربا حين المعاملة- و إن علم بوجود الحرام في ماله إجمالا، فضلا عما لو علم به تفصيلا كما هو ظاهر إطلاقهم- ينافي الحرمة الواقعيّة الناشئة عن فسادها واقعا، لعدم صلاحيّة المقام لجعل حكم آخر على خلاف الواقع.
فلا محيص إمّا من التصرف في إطلاقات الفساد بحمل الفساد على الفساد الاقتضائي، أو بجعل المقام من باب تحليل مال الغير من قبل أولياء النعم، أو
1) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 352.
حمل الجهل بالحرمة على الجهل بحرمة المعاملة تكليفا و يجعل ذلك موضوعا للحكم بالصحّة واقعا.
و الكل كما ترى خلاف المنساق من النصوص المزبورة، و إن كان الأخير على فرض اللابدّية متعيّنا جدا، لبعد الأوّلين في الغاية، و إن اختار الأوّل منها أستاذنا العلّامة في درسه مبنيا على مختاره من تأسيسه مراتب للحكم و اللّٰه العالم.
و لعله لذلك كله التزم في الجواهر بأن الأحوط- إن لم يكن أقوى- الاجتناب من هذا المال، خصوصا مع العلم بالرّبوي منه تفصيلا، بل في صدر كلامه قال: بأنّه لا يصلح للفقيه الجرأة بمثل هذه النصوص (1)، و للمسألة بعد مجال التأمّل، و الهّٰن العالم.
و على أيّ حال
، و الأصل في ذلك ما في صحيح زرارة و محمد بن مسلم: «ليس بين الرجل و ولده و لا بينه و بين عبده و لا بينه و بين أهله ربا ..» (2)، و النصّ علاوة على صحته معمول به أيضا بين الأصحاب.
و ظاهر النص تخصيص النفي بالوالد فلا يشمل الام، و بالولد فلا يشمل ولد الولد و لا الاثنى. و إن قيل فيهما بالتعدّي- خصوصا الأخير، لصدق الولد عليها- فحينئذ يشمل الخنثى أيضا، نعم مع اختصاصه بالذكر يكون الخنثى على نفي الطبيعة الثالثة من الشبهة المصداقيّة، فتسقط عمومات الصحّة عن الاعتبار، و لازمة الأوّل إلى العلم الإجمالي: إمّا بحرمة المعاملة في حقه، أو بحرمة لبس لباس الرجال مثلا، فيجتنب عن كل منهما.
و في الجواهر في هذا الفرض يحتمل التحريم، للعموم، و الحلّية، للأصل (1)، و لا يخفى ما فيه، خصوصا لو أريد منها الحلّية الوضعيّة أيضا، فإنّ أصالة الفساد في المعاملة لو لا العمومات محكمة.
ثم إن الولد منصرف إلى النسبي، و في ثبوت الحكم للرضاعي بعموم المنزلة إشكال و إن كان ظاهر بنائهم على إلحاق الرضاع بالنسب في باب الملكية للعمودين التعدي عن حكم النكاح إلى غيره الشامل للمقام أيضا. و في شمول الولد لولد الزنا وجه، و دليل نفي الولد تنزيلا غير ناظر إلى مثل هذا الأثر، و اللّٰه العالم.
و لا ربا أيضا
، لما في الصحيح السابق (2)، بناء على المالكية في العبد في الجملة و لو في ما ملكه مولاه، و ستأتي الإشارة إليه في محله أيضا. و إلّا فيكون نفي الربا في المقام من باب السالبة بانتفاء الموضوع من نفي المعاوضة بينهما حقيقة، فيكون على خلاف سياق البقيّة الظاهرة في السالبة بانتفاء المحمول، و عليه فيمكن جعل الصحيحة المزبورة بظهور سياقه شاهد مالكية العبد في الجملة، و نوضحه إن شاء اللّٰه في محله.
ثم إنّ في انصراف النص إلى غير المبعض اشكال، خصوصا إذا كان مملوكا لشخصين، بل الظاهر منه كون الحكم من تبعات جهة مملوكيته لمولاه، و حينئذ يجري عليه بمقدار ملكيته كما هو الشأن في زكاة الفطرة و غيرها، و اللّٰه العالم.
و لا ربا أيضا
، للصحيح السابق، مضافا إلى المرسلة:
«ليس بين المسلم و بين الذمّي ربا، و لا بين المرأة و زوجها ربا» (3)و ظاهر الصحيحة
دخل عنوان الأهلية فيها، و حينئذ ففي شمولها المطلّقة رجعيا نظر، كما أن في شموله لبعض المنقطعات اشكال نعم لا قصور في شمول العنوانين لمنقطعة كانت محسوبة من أهله، و في توهّم الانصراف حتى عن مثلها نظر.
و لا ربا أيضا
، بجواز أخذ المسلم الزيادة منهم و لا عكس، كما هو ظاهر جماعة. و حكي القول بجواز التفاضل من الطرفين عن القاضي (1)، و في المرسلة المحكية مستندا في الكافي (2)كما في الجواهر (3)قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله: «ليس بيننا و بين أهل حربنا ربا، نأخذ منهم ألف درهم بدرهم و لا نعطيهم»، و به يخصّص ما في نص آخر مشتمل على قوله: قلت فالمشركون بيني و بينهم ربا؟ قال: «نعم ..» (4)،
فيحمل على الذمّي بناء على القول بثبوت الربا فيهم. و يمكن الحمل على ثبوته فيهم في الجملة و لو بعدم جواز أخذهم التفاضل من المسلمين، فتكون المرسلة أيضا أخصّ من هذا النصّ و لو على القول بعدم الربا بين أهل الذمّة أيضا.
ثم في شمول المرسلة المعاهد من الحربي نظر، و إطلاق كلمات الأصحاب يشمله، و لكن الاقتصار في خلاف القاعدة على مورد النصّ أولى.
و حينئذ فربّما أمكن بجعل ذلك أيضا من باب كون ما لهم فيئا للمسلمين، على وجه لا يشمله دليل حرمة التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد، فيكون الحكم على القاعدة.
اللهم [إلا] أن يقال: إنّ الحلّية الثابتة بعنوان تملك ما لهم لا تقتضي
الحلّية في المقبوض بعنوان العقد الفاسد، و حينئذ فدليل جواز أخذ الفضل بهذا العنوان يكشف عن صحة المعاملة من هذه الجهة، فيخصص بمثله العمومات.
و يثبت الربا بينه أي المسلم و بين الذمّي قطعا إذا كان أخذ الزيادة الذمّي و بالعكس على الأشهر، بل في الجواهر (1)على المشهور خلافا للسيّد (2)، و حكي عنه الإجماع عليه و إن ناقش فيه في الجواهر.
و عمدة سندهم ما في المرسل السابق من اشتماله على نفي الربا بين المسلم و الذمّي (3)، و إطلاقه يقتضي نفيه بالنسبة إلى الطرفين، كما هو الشأن في الزوج و الزوجة.
و حينئذ لا تصلح فتوى السيّد أيضا لجبره، فيكون بإطلاقه مجمعا على خلافه، فضلا عن قيام الشهرة على خلاف مضمونه مطلقا، فيصير سنده موهونا لا يصحّ أن يتّكل بمثله في قبال العمومات خصوصا مع إطلاق ثبوت الربا بين المشركين، كما في النصّ السابق، خرج عنه الحربي في الجملة، بقي الباقي تحته.
نعم لو خالفوا شرائط الذمّة كانوا من الحربيين فتشمله المرسلة السابقة، لو لا كونهم في أمان من جهة عقد الذمام معهم و لو من ذي شوكة من المسلمين في زمن الغيبة، فضلا عن سلاطين الجور المستصحب حكم نفوذ ذمامهم الثابت في زمان الحضور جزما، فيحكم ببقاء هذا الحكم للعنوان الكلّي إلى زمان الغيبة بالاستصحاب، و تقدم شرح ذلك في كتاب الجهاد فراجع.
و على أيّ حال مع فرض كونهم تحت الأمان ربّما يشكل أمر شمول المرسلة
المشتملة على نفي الربا بين المسلم و الحربي لمثلهم، كما تقدم وجه الاشكال سابقا فراجع.
هذا كله الكلام فيما يحتاج إليه من أحكام الربا.
الذي عبارة عن بيع الأثمان من الذهب و الفضة المسكوكين أولا بالأثمان كذلك، و إنما سمّي بيعها صرفا، لمناسبة اشتمالهما على الصوت عند التقابض، أو من جهة كثرة التصرّف فيها في أيّ معاملة و في قبال أيّ متاع.
و لا إشكال في مشروعيّته، للعمومات، و لا شبهة في أن مدار تمييز البائع عن المشتري بكيفيّة قصد التمليك و التملك بالعوض. و مع الاشتباه يشكل إجراء أحكام الموجب على أيّ منهما، فالمرجع فيه أصالة العدم الجاري فيهما بالنسبة إلى نفسهما، لكونهما من قبيل واجدي المني في ثوب مشترك، و بالنسبة إلى الثالث يتساقطان، فيرجع إلى ما يقتضيه العلم الإجمالي في المسألة، كما لا يخفى.
و عل أيّ حال لا إشكال في جريان أحكام الصرف في المسكوك و غيره، فيجري فيهما حكم الربا، و توهم المعدوديّة في المسكوك منها منظور فيه إذ العدد في مثلها طريق إلى مقدار وزنها، لا أنّه تحديد مستقل في قباله، كيف و لا شبهة في أنّ أصل المشكوك من الموزون كما أن حكم التقابض مترتب في النصّ على الذهب و الفضّة و كذا سائر الجهات، فلا وجه حينئذ لتخصيص مثل هذه الأحكام الخاصّة بالمسكوك منها، كما لا يخفى.
و كيف كان
زائدا على الربويات التقابض في المجلس على المشهور، خلافا لبعض القدماء، و مال إلى الخلاف بعض متأخر المتأخّرين. و عمدة منشأ الاختلاف بعد أصالة عدم الاشتراك بمقتضى
العمومات اختلاف نصوص الباب، ففي صحيح منصور: «إذا اشتريت ذهبا بفضّة أو فضّة بذهب، فلا تفارقه حتى تأخذ منه، و إن ترى حائطا فانز معه» (1).
و في أخر: «لا بأس يدا بيد» (2)المنصرف إلى التقابض في المجلس.
و في خبر البجلي (3)أيضا ما هو كالصريح في اعتبار التقابض في مجلس البيع. كما أنّ المراد من وحدة المجلس في المقام بقرينة الرواية السابقة ما هو بمعناه في خيار المجلس.
و في قبال هذه النصوص تارة ما اشتمل على عدم البأس ببيع الدنانير بأكثر من صرف يوم نسيئة (4)، و نظيره ما في نصّ آخر: عن الرجل يحل له أن يشري دنانير بالنسيئة؟ «نعم إنّ الذهب و غيره في الشراء و البيع سواء» (5)، و إطلاقهما يشمل المثلين فضلا عن المختلفين.
و في جملة أخرى ما اشتمل على بيع الدرهم بالدينار نسيئة كروايات عمّار الأخرى (6).
و لعل نظر الصدوق إلى إطلاق الأول في إنكاره شرطية التقابض في الصرف مطلقا (7)، و نظر المفصّل المحكي في الجواهر (8)إلى الأخيرة، و لكن
1) وسائل الشيعة 12: 459 حديث 8 باب 2 من أبواب الصرف.
2) وسائل الشيعة 12: 459 حديث 7 باب 2 من أبواب الصرف.
3) وسائل الشيعة 12: 459 حديث 9 باب 2 من أبواب الصرف.
4) وسائل الشيعة 12: 460 حديث 10 باب 2 من أبواب الصرف.
5) وسائل الشيعة 12: 460 حديث 14 باب 2 من أبواب الصرف.
6) وسائل الشيعة 12: 460 حديث 11- 12 باب 2 من أبواب الصرف.
7) من لا يحضره الفقيه 3: 287.
8) الجواهر 24: 6.
لا يخفى بأنّ إعراض الأصحاب أوجب و هنا لسندهما، خصوصا في إطلاق الأوّل الظاهر في جواز التفاضل في الجنس الواحد أيضا نسيئة، و لا أظنّ التزامه من أحد.
و في الوسائل أيضا ترجيح النصوص المزبورة بجعل النسيئة فيها قيدا للدينار لا للبيع، أو الحمل على التقيّة، و حينئذ ربّما لا يوثق بجهتها أيضا و لو لإعراض المشهور، و إلّا فالجمع الدلالي بعد الفراغ عن السند مقدّم على الترجيح بالتقيّة كما لا يخفى.
و كيف كان فالمدار على ما عليه الأصحاب.
و عليه فلو قبض البعض صحّ فيما قبض خاصة و بطل في غيره بلا خلاف، لوجود المقتضي، و انتفاء المانع فيما قبض، و وجود المانع في غيره. و توهم انصراف دليل الشرطيّة إلى تقابض الجمع فلا يصحّ في المقام مدفوع جدا كما لا يخفى في نظائره، و اللّٰه العالم.
و يكفي في التقابض المزبور قبض وكيلهما في البيع أو في القبض، و في كفاية تفرّق الوكيلين في إيقاع العقد مع بقاء الموكّلين في المجلس قبل القبض في البطلان نظر جدا، نعم لا يبعد ذلك في الوكيل المستقلّ. لكن في بعض النصوص (1)ما يومي بكفاية اجتماع الوكيل و عدم تفرّقه قبل القبض، الشامل بإطلاقه مجرّد الوكيل في إجراء الصيغة.
و لكن للتأمل في إطلاقه مجال، بقرينة كونه دافع الورق و قابض الدينار، و مثل ذلك خارج عن الوكيل في صرف إجراء صيغة العقد كما لا يخفى.
و كيف كان المدار على تفرّق من كان بيعا و ينسب إليه البيع ببقائه،
1) وسائل الشيعة 12: 458 باب 2 من أبواب الصرف.
وكيلا كان كالعامل المضارب أو مالكا، أو مختلفين.
و حينئذ فلو وكّل البيّعان أحدا لقبض الثمن فقبض بعد تفرّقهما بطل، و في رفع حديث الإكراه غاية الافتراق للقبض وجه، فيكون وجوده بمنزلة العدم.
و في الجواهر تقوية بطلان المعاملة و لو عن كره في افتراقهما (1)، و وجهه بإطلاق النصّ في مبطلية الافتراق و لو عن كره، و فرق بين المقام و بين خيار المجلس بأن لسان الدليل هناك ظاهر في الافتراق الاختياري دون المقام، و لكن بعد تسليمه ذلك يصلح فارقا بحسب لسان الدليل لا بمقتضى حديث الرفع.
اللهم [إلّا] أن يقال: إنّ مرجع دفع الغاية بحديث الرفع في المقام إلى الحكم بوجوب الوفاء بالعقد مع الافتراق المزبور، و ذلك خلاف الامتنان في حقّ المتعاقدين، و لذا ليس شأن حديث الرفع رفع شرطية شيء لصحّة العقود المستتبع لترتّب وجوب الوفاء على رفعه. و عليه فالعمدة شمول إطلاق الدليل الافتراق كرها و غيره، و لا يبعد الإطلاق في المقام كما أفاد فتدبر.
و لو اشترى دراهم بعقد الصرف لا يجوز أن يبتاع بها الدنانير قبل قبض الدراهم، لعدم دخولها بعد في ملكه، نعم بعد قبضه كان الثاني من قبيل: باع شيئا ثمّ ملك، فيحتاج إلى الإجازة، و ذلك أيضا لو لم يحصل التفرق قبل القبض، و إلّا فتبطل المعاملة الأولى رأسا فتستتبعه الثانية.
و في نصّ إسحاق أيضا ما يومئ إلى ما ذكرنا حيث قال في ذيله: «أ ليس تأخذ وفاء الذي له؟» قلت: بلى، قال: «ليس به بأس» (2). و ظاهره ثبوت البأس لو لم يتقابض.
و لو كان له عليه دراهم فاشترى بها منه دنانير صح و إن لم يتقابضا، و الأصل في ذلك نصّ إسحاق المشتمل على نفي البأس في موضوع المسألة بعينها، فراجع الخبر في الجواهر بطوله (1).
ثم إنّ القبض المعتبر في صحّة المعاملة مسمّاه و لو بلا كيل و وزن في المكيل و الموزون، للإطلاق، لو لا دعوى انصرافها إلى القبض المعتبر في المعاملة لا مطلقا.
و حينئذ فالعمدة في المسألة نصّ حنان بن سدير المشتمل ذيله لقوله: «إن كان في الكيس وفاء بثمن دراهمه فلا بأس» (2)، و إليه ذهب في الجواهر (3)تبعا للقواعد (4)و الدروس (5). و عمدة نظرهم لعلّه إلى إطلاق النصّ المزبور الشامل لصورة حصول الافتراق بعد قبض الكيس و لو قبل عدّه من الغير، و ذلك أيضا لو لا دعوى انصرافه إلى عدّ الغير دراهمه و أخذه من الكيس قبل التفرق، فإنه حينئذ يكون القبض المعتبر حصل قبل الافتراق، و حينئذ لا تخلو المسألة عن تأمّل.
و كيف كان فإن تساوى الجنس في باب الصرف وجب تساوي المقدار بلا تفاضل بينهما حينئذ لا عينا و لا حكما، من ضم شرط أو ضرب أجل في أحد الطرفين. و العمدة فيه شمول أدلة الربا فيها، لأنهما من المكيل و الموزون، و يجري فيهما جميع الربا كما لا يخفى.
و إلّا أيّ و إن لم يتساويا فلا يجب التساوي المزبور، للعمومات بلا اشكال فيه فتوى أيضا.
و لو قبض البعض صحّ البيع فيه خاصّة كما عرفت بمقتضى الإطلاقات الشاملة لعقدي المسألة.
و لو فارقا المجلس مصطحبين ثمّ تقابضا صحّ، و في النص: «و إن نزى حائطا فانز معه» (1)، فكأنّ المدار على عدم تفارقهما قبل القبض و لو حصل اختلاف المحال مع المجلس الحاصل حين العقد، بل ربّما لا يعتبر أزيد من ذلك في بقاء خيار المجلس و إن كان يعتبر وحدة المجلس عرفا حين حدوثه كما لا يخفى. بل ربّما يعتبر هذا المعنى في المقام أيضا لملازمته مع عنوان الافتراق المستفاد من قوله: «لا تفارقه» في المقام.
و حينئذ فلو لم يجتمعا في مكان على وجه لا يصدق افتراقهما، ففي كفاية القبض حينئذ وجه، لإطلاق: «يدا بيد»، و عدم شمول النهي عن المفارقة المزبورة للمورد، كما هو الشأن لو كان للمتعاقدين مجلس واحد.
و معدن الذهب يباع بالفضّة و بالعكس بلا اشكال، لاختلاف الجنس، و يجري عليهما حكم القبض في المجلس في ترابهما، لاشتماله على الأجزاء الذهبيّة و الفضيّة.
و لا يباع كل منهما بمثله مع العلم بعدم التسوية في الفضّة الخالصة أو الذهب، لعدم مالية لترابهما، فلا يصلح حينئذ لصيرورته ضميمة في الطرف الناقص أو الطرفين، و مع الشك في التساوي مقتضى أصالة عدم التفاضل صحة المعاملة، و لكن ظاهر المحقق النهي عن بيعه احتياطا (2)، و أرسله في
الجواهر في سلك المسلمات (1)، فإن تمّ حينئذ إجماع فيكشف عن إيجاب احتياط شرعي في الباب نظير الاحتياط في تصفية الدراهم المغشوشة في باب الزكاة مع الشكّ في بلوغها نصابا، و إلّا فالمرجع الأصل المزبور.
و لو مزج الترابان أو جمعا في صفقة جاز بيعهما بالذهب أو الفضّة مع ما في التراب من الفضّة أو الذهب، و كذا لو بيع بمجموع الذهب، إذ حينئذ يصلح كل منهما لضميمته بغيره، فيصرف كل جنس إلى ما يخالفه على ما تقدّم.
و يجوز بيع جوهر الرصاص و الصفر بالذهب و الفضّة و إن كان في الأوّلين شيء منهما، لاستهلاكه فيهما على وجه يصحّ سلب اسم معاملة الجنس بجنسه.
و ذلك أيضا على فرض عدم نقصه عن الفضّة الواقعة ثمنا، و إلّا فيصلح الرصاص و الصفر للضميمة في طرف الناقص كما لا يخفى، و في النص أيضا:
«إذا كان الغالب عليه اسم الأسرب فلا بأس» (2).
ثم إنه قد يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها، فما لا يكون مبيعا بل ينتقل إلى المشتري تبعا لمبيع غير ربوي، ففي جريان الربا فيه اشكال، لانصراف الدليل إلى مورد المعاوضة، فمثل ما يتزيّن به السقف أو الصحف من الذهب فلا بأس ببيع الدار أو الصحف المزبورين بالذهب و لو كان الذهبان متساويين. و في الجواهر أشكل فيه، و التزم في الفروض المزبورة بخروج الذهب المزبور بالتزيين عن الموزونية (3). و في كلا وجهيه نظر جدا فتأمل.
و كيف كان الدراهم المغشوشة إذا كانت معلومة الصرف
جاز إنفاقها بالشراء بها و غيره من التصرفات بلا خلاف فتوى و نصا، و في الجملة من النصوص (1)نفي البأس عن صرفهما إذا كان جواز المصر، أو يجوز بين أهل المدينة أو البلد أو يجوز بين الناس، على اختلاف مضامين النصوص في التعبير عن معنى واحد.
و عليها أيضا يحمل إطلاق بقيّة النصوص المشتملة على نفي البأس مطلقا، إذ علاوة عن المفهوم في جملة منها لقد وقع التصريح بالعدم في نصّ البقباق من قوله: «و إن نفقت ما لا يجوز بين أهل البلد فلا» (2)، و لازمة الحكم بالبطلان في صورة الجهل برواجه، إذ الحكم بالجواز منوط بمقتضى مناطيق النصوص على جوازه، فمع الشكّ أصالة الجواز و الرواج محكمة. بل لازم مانعيّة عدم الرواج أيضا ذلك للأصل المزبور، فلا يبقى مجال مرجعيّة العمومات مع الشكّ، لكون الشبهة مصداقية بضمّ اقتضاء الأصل أيضا وجود المانع لا عدمه. نعم لا بأس بصرفه حينئذ لو علم مقدار غشّه، إذ المعاملة حينئذ تقع من الطرفين على المقدار المعلوم فيه من الذهب أو الفضّة بلا غشّ.
و في بعض النصوص أيضا نفي البأس عن صرفه إذا بيّن مقدار حمله من النحاس أو أصل حمله (3)، و إلى ذلك أيضا نظر المصنّف في قوله: و إلّا أيّ و إن لم تكن معلومة الصرف فلا ينفق إلّا أن يبيّن حالها من حيث غشه، بل مقتضى إطلاق النصّ السابق كفاية العلم بأصل الغشّ و إن لم يعلم مقداره بل، الظاهر كفاية أخبار ذي اليد به و إن لم يعيّن قدره إلّا إذا توقف
التخلص عن الربا به، و لعله من جهة السيرة في الاكتفاء بقول ذي اليد في أمثال المقام و لو لا بمناط إقراره على نفسه.
تنبيه: لا يخفى أنّ الدراهم و الدنانير متعيّنان بالتعيين، فلا يجوز دفع غيرها و لو تساوى الأوصاف، لعدم تناول العقد له، و من خرافات أبي حنيفة عدم تعيينه بالتعيين (1)، و هو لا يستأهل ردا.
و حينئذ فلو تلف الدرهم المزبور قبل القبض انفسخت المعاملة، و لو خرجت الدراهم المعينة في المعاملة من غير جنسها بطلت المعاملة، كما هو الشأن في جميع الأوصاف المقوّمة لحقيقة الشيء عرفا.
و حينئذ ليس لطرفه المطالبة ببدله، لعدم شمول العقد له، و لو ظهر بعضه من غير جنسه بطلت المعاملة بالنسبة إلى البعض و له الخيار في الباقي، لتبعض الصفقة مع جهله به. و لو كان الجنس واحدا و به عيب كان له خيار العيب، و ليس له الابدال، لعدم شمول عقده له، كما هو الشأن في غيره من سائر البيوع.
و قيل: الأرش في مفروض المتن للربا، و لكن يمكن أن يقال: إنّ الصحيح و المعيب في باب الربا بعد ما كان بحكم المتساويين فيكشف ذلك عن إلقاء الزيادة من قبل وصف الصحّة عن مرحلة الربا، و لازمة إلقاء الزيادة الحاصلة من قبل جبران وصف الصحّة أيضا، و شأن الأرش ليس إلّا ذلك، فلا يقاس الأرش حينئذ بالزيادة الحكمية من الشرط أو الأجل.
و من البيان المزبور ظهر وجه جواز الأرش لو تخالفا جنسا بأن يكون ذهبا بفضّة، و في لزوم كون الأرش قبل التفرّق لو كان من النقدين وجه، و الأوجه عدمه، لأنّه خارج عن العوضين، بل جبران لوصفهما، و دليل القبض في المجلس
1) اللباب 2: 47.
غير ظاهر الشمول له. و عن بعضهم تعيّن الأرش بعد التفرق بغير النقدين، و استشكل فيه في اللّمعة بأنّ المعتبر فيه النقدين فكيف يتعيّن غيره (1).
و يمكن أن يقال على تسليم المقدّمة: إنّ وجه اعتبار النقدين بملاحظة كونهما معتبرا في التقويم، و هو إنّما يتمّ مع عدم المانع، و إلّا فلا بدّ من التقويم بغيرهما، لفرض عدم خروج الغائب على هذا عن التقويم. و الذي يسهل الخطب بطلان المقدمة، وجه أفاد في جامع المقاصد (2)، و لقد أطال في الجواهر (3)في دفع الشبهة بما يرجع إلى ما أشرنا فراجع.
فرع: قيل بجواز بيع درهم بدرهم مع اشتراط صياغة خاتم في متن عقده، بل عن الشيخ التعدّي عن شرط الصياغة إلى غيره (4). و مستنده نصّ أبي الصباح الكناني قال: سألته عن الرجل يقول للصائغ: صغ لي هذا الخاتم فأبدّل لك درهما طازجيّا بدرهم غلّة، قال: «لا بأس» (5). و في الجواهر احتمال كون الابدال شرطا في متن عقد الإجارة للصياغة لا العكس (6)، و يؤيّده التفريع الظاهر في فرعيّة الابدال شرطا في متن عقد الإجارة للصياغة لا العكس. و من المحتمل كونه من باب المقاولة و المواعدة، و يحتمل نقص أحد الدرهمين عن الآخر على وجه تقع الزيادة الحكميّة في قباله.
و مع هذه الاحتمالات لا يبقى مجال رفع اليد عن القواعد بمثل هذا النصّ المجمل خصوصا مع عدم عمل جمع من الأعاظم على وفقه، و اللّٰه العالم.
و لو باع دينارا بدينار في الذمّة، فوفاه بدينار أزيد مما وقع بدلا، لا اشكال ظاهرا في صحة المعاملة، و كون المأخوذ وفاء مشاعا بينهما، و أنّ الزيادة فيه أمانة بيده لو لا دعوى كونه من باب المقبوض بعقد فاسد، لأنّه وفّاه بعنوان كونه ملكه جهلا أو تشريعا، فلا وجه لأمانته. نعم تصح الأمانة لو كان الموفي عالما بالزيادة، و عنوان التمليك بمقدار استحقاقه في ضمن الدينار لا تمامه، فما في الجواهر (1)من تقوية عدم الضمان مطلقا اشكال. و إلى المختار من الضمان أيضا ذهب جمع من الأعاظم فراجع و تدبّر.
و كيف كان المصاغ من الجوهرين إن أمكن تخليصه لم يبع بأحدهما قبله، و إلّا بيع بالناقص، و مع التساوي يباع بهما بلا إشكال في الحكم الأول مع عدم نقص البدل عن كل واحد من جنسه للزوم الربا مع العلم بالزيادة و إيجاب الاحتياط فيه مع الجهل كما أشرنا سابقا، و إلّا فمقتضى الأصل صحة المعاملة مع جهله بها. و ظاهر المصنّف عدم الجواز حتى مع العلم بالنقص في بدله، و فيه نظر، لعدم دليل واف به، بل تصرف الضميمة في قبال النقص، فيكون تخلصا من الربا كما في المقام. كما أنّه لو يتمكن من التخليص يباع بالناقص حسب اعترافه.
و مع التساوي بين البدل و مجموع الجنسين في المصوغ يباع بكل منهما، لأن الجنس في المصوغ كان ناقصا مع الضميمة، و هو نحو تخليص عن الربا كما لا يخفى.
و تراب الصياغة يتصدّق به تخلّصا عما فيه من مال الناس، و يجوز
1) الجواهر 24: 31.
بيعه أيضا بكل واحد من الجنسين مع العلم بتساوي الآخر إذا كان من جنس واحد أو من الجنسين، لاستلزام نقص الجنس في التراب مع الصميمة، فلا ضير. نعم مع تساوي الجنس في البدلين و اشتمال التراب على الزائد لا يجوز لكونه من الربا، كما لا يخفى.
و يجوز أن يقرضه أي تراب الصياغة، بل و غيره من الدرهم و الدينار، و يشترط الإقباض بأرض آخر بلا اشكال ظاهرا. و الأصل فيه ما في نصّ إسماعيل بن جابر، قلت لأبي جعفر عليه السلام: يدفع إلى الرجل الدراهم فاشترط عليه أن يدفعها بأرض آخر سودا بوزنها، قال: «لا بأس» (1).
و به يخصّص ما دلّ على بطلان شرط ما يجرّ نفعا في باب القرض، بل و في النصّ أيضا نفي البأس باسلاف الورق مع الشرط بانقاده في أرض أخرى (2)، فيتعدّى منه إلى البيع مطلقا أيضا، فيخرج مثل هذا الشرط من الشرط المبطل للمعاملة في الربويات، لمحض كونه بمعنى الزيادة الحكمية.
نعم قد يستشكل في باب القرض بعد صراحة النصوص المزبورة فيه. و غاية الأمر شمول إطلاق بعضها له، و حينئذ تكون النسبة بينه و بين ما دلّ على بطلان القرض بشرط ما يجرّ النفع عموما من وجه. و لا ترجيح للأخير، فالأصل يقتضي الفساد.
و فيه أنّ المرجع حينئذ عمومات الباب، لكون الشبهة حكميّة، كما لا يخفى.
و لقد تقدّم في طيّ المباحث السابقة أيضا نفي البأس في أن يشتري درهما بدرهم و يشترط صياغة خاتم، و تقدّم منّا أيضا أنه على اشكال فيه و أنّه على فرض القول به لا ينسحب على غيره فراجع.
جمع الثمرة، و الظاهر شمولها لثمرة النخل و العنب و الفواكه، و يلحق بها الخضر على ما ستعرف حكمها في طي البحث عن الأثمار و الفواكه.
و كيف كان لا يجوز بيع الثمرة قبل ظهورها عاما، و في التذكرة إجماعا عند عدم الضميمة (1)، و حكى الإجماع في الجواهر أيضا (2).
و يدلّ عليه مضافا إلى الغرر، و أنّه بمنزلة بيع الملاقيح، ما ورد من العامّة من النصّ بأنّه: «نهى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم عن بيع الثمار حتى تزهي» (3)، مفسّرا ذلك بالاحمرار و الاصفرار.
و أيضا ما عن الخاصّة عن الصادق عليه السلام، و فيه تفسير الزهر بقوله:
«حتى يتلوّن» (4)، و في نص آخر قال: «لا، حتى يثمر و يأمن ثمرتها» (5)، و في ثالث: «حتّى يطعم» (6). و مثل هذه النصوص مطبقة في إطلاق نفي الجواز
1) التذكرة 1: 502.
2) الجواهر 24: 56.
3) الموطأ 2: 618 حديث 11، ترتيب مسند الشافعي 2: 148 حديث 509، السنن المأثورة: 252 حديث 201- 202، سنن النسائي 7: 264، السنن الكبرى 5: 30.
4) وسائل الشيعة 13: 4 حديث 5 باب 1 من أبواب بيع الثمار.
5) وسائل الشيعة 13: 5 حديث 12 باب 1 من أبواب بيع الثمار.
6) وسائل الشيعة 13: 5 حديث 10 باب 1 من أبواب بيع الثمار.
لقبل الظهور، بل في صحيح الحلبي: «و إن لم يتبيّن فلا تستأجر» (1)، بل و مفهوم صحيح يعقوب من قوله: «فأدرك بعضها فلا بأس» (2).
و لكن في قبال ذلك تارة بقوله: «يكره شراء النخل قبل أن تطلع ثمرة السنة» (3)، و في آخر: «إنما يكره شراء سنة واحدة قبل أن يطلع» (4)، و في نص آخر ما هو أصرح من ذلك في الجواز، بل مؤيّد حمل الكراهة فيها على الكراهة المصطلحة، لا بمعنى الكراهة في باب الربا المحمولة على الحرمة بقرينة قوله: «إنّ عليّا لا يكره الحلال» (5)، و هو ما في نص ابن مسلم من قوله: «فلا تشتروا النخل العام حتى تطلع فيه الشيء»، و لم يحرّمه (6)، إذ ذيله قرينة حمل النهي على الكراهة، و يشهد حينئذ على حمل الكراهة في النصوص الأخر أيضا على معناه المصطلح.
و مثل هذه النصوص دعا في الحدائق (7)إلى ذهابه إلى صحة البيع، و حكى القول به عن الأردبيلي و الخراساني.
و لكن يوهن ذلك وهن سند الأخير بذهاب المشهور إلى خلافه، مع أنّ قوله: و لم يحرّمه، من الراوي، و لعله مستندا إلى خطأ فهمه في عدم تحريمه بزعمه القرائن عليه، لا أنّه حاك عن نصّه، و فرق بين الجهتين، و ما هو حجة هو الأخير لا الأوّل.
1) وسائل الشيعة 13: 8 حديث 4 باب 2 من أبواب بيع الثمار.
2) وسائل الشيعة 13: 7 حديث 1 باب 2 من أبواب بيع الثمار.
3) وسائل الشيعة 13: 4 حديث 8 باب 1 من أبواب بيع الثمار.
4) وسائل الشيعة 13: 4 حديث 8 باب 1 من أبواب بيع الثمار.
5) وسائل الشيعة 12: 447 حديث 1 باب 15 من أبواب الربا.
6) وسائل الشيعة 13: 2 حديث 1 باب 1 من أبواب بيع الثمار.
7) الحدائق 19: 329.
و عليه فلا شهادة فيه أيضا لحمل النصوص السابقة على الكراهة المصطلحة، فلا أقل من إجمالها، لمنع ظهورها في المصطلح في الصدر الأوّل، خصوصا مع تعارف التعبير عن الحرمة بالكراهة في باب الربا.
فإذن لا شهادة في مثلها قبال إطلاق النصوص السابقة.
و توهم أنّ المجوّز للبيع قبل بدوّ الصلاح- كما يأتي- موجب لحملها على الكراهة، فلا تبقى دلالتها على الحرمة في المورد، مدفوع بأنه على فرض قيام النص على الجواز قبل بدوّ الصلاح إنّما يوجب رفع اليد عن إطلاق الحرمة لا أصله.
و إنّما النكتة فيه أنّ القرائن المنفصلة لا توجب كسر صولة الظهور في غيرها، و إنّما ترفع بها اليد عن حجيّتها، فهي على ظهورها في الحرمة إلى حين بدو الصلاح- باقية، فترفع اليد بالنصّ المجوّز على فرضه بالنسبة إلى بعد ظهور الثمرة، و يبقى بالنسبة إلى قبل ذلك بحاله، مضافا إلى كفاية صحيح يعقوب و الحلبي السابقين في المدّعى كما لا يخفى.
هذا كلّه لو لم يكن في البين ضميمة، و أمّا مع الضميمة فذلك تارة يكون أصولها، أو شيء آخر، أو ثمرة سنة أخرى.
و على أيّ حال فالكلام تارة في ضميمة غير السنة، و اخرى فيها. فعلى الأوّل: فتارة يكون البيع واردا على الضميمة و إن نقل ثمرة هذه السنة قبل ظهوره منقول تبعا محضا فالظاهر عدم الإشكال في صحته، لعدم إضرار الجهل فيه، و لا قصور للعمومات حينئذ في شموله. و إليه أيضا ذهب العلّامة في تذكرته (1)، و مال إليه في الجواهر أيضا (2)، حيث وجّه النص (3)المشتمل على
الجواز مع الضميمة بذلك. و لكن إطلاق النص يأبى عن ذلك، فيدل على الصحة مع عدم التبعية الضميمة أيضا.
و حينئذ الأولى طرحه سندا، لإعراض المشهور عنه، خلافا للحدائق حيث أخذ بمضمونه و افتى بخلاف ما عليه الأصحاب (1).
و منه يظهر بطلان شرطه في متن العقد، لأنّ غرريّة الشرط مضرّ بالبيع، فيكون مفسدا و إن قلنا بعدم مضريّة الشرط في غيره، نعم لا بأس بمثل هذا الشرط في ضمن عقد المصالحة. و في صحة المصالحة عليه مستقلا أيضا وجه، لعدم اقتضائه ملكا فعليا و لا تضرّ به الجهالة، ما لم يخرج عن العقود العقلائية كما لا يخفى.
هذا ثم إنّ ذلك أيضا في ضميمة غير السنة، و أمّا فيها فتارة تكون السنة الأخرى سابقة ثمرتها موجودة، و اخرى لاحقه، أو سابقة غير موجود ثمرتها.
فعلى الأوّل ففي التذكرة صحّ إجماعا (2).
أقول: ما أفاد أنما يتم في فرض كون السنة السابقة مقصودة بالأصالة، و الا فلو كان المقصود بالبيع هي السنة اللاحقة، فإطلاق كلماتهم في عدم الجواز شاملة لذلك، و توهم الانصراف في الضميمة إلى السنة اللاحقة منظور فيه، فلا يبقى دعوى الإجماع في مثله على الإطلاق، و انما يتم في الصورة الاولى، و الكلمات أيضا تساعده، مضافا الى نص ربعي الآتي المشتمل على قوله: «فيه شيء من الخضر» (3).
و كيف كان في غير هذا الفرض المشهور على عدم الجواز خلافا للحدائق (1)، و في التذكرة أيضا مال إلى جوازه أولا و إن قوّى أخيرا المنع (2)عكس ما في الجواهر (3).
و عمدة السند لهم ما في جملة من النصوص: مثل صحيح يعقوب المشتمل على قوله: «كان أبي يكره شراء النخل قبل أن تطلع ثمرة السنة، و لكن السنتين و الثلاث كان يقول: إن لم يحمل في هذه السنة حمل في السنّة الأخرى» (4).
و نظيره من حيث التعليل ما في صحيحة الحلبي (5)، و ما في صحيح علي بن جعفر (6).
و أمّا صحيح سليمان (7)، و صحيح ربعي (8)، و خبر أبي بصير (9)فهي منصرفة عن محل الفرض، و ظاهرة في صورة بدو الصلاح، لاشتمالها على قوله:
«يطعم» تارة، و قوله: «حتى يثمر و تأمن ثمرتها» اخرى.
و في صحيح ربعي و إن كان صدره مطلقا يشتمل المقام و لكن ذيله من قوله: «فقال صلى اللّٰه عليه و آله: لاتباع الثمرة حتى يبدو صلاحها» يصلح للقرينيّة، بحيث يمنع صدره عن إطلاقه. فاستدلال صاحب الحدائق (10)بمثل
1) الحدائق 19: 331.
2) التذكرة 1: 502.
3) الجواهر 24: 62.
4) وسائل الشيعة 13: 4 حديث 8 باب 1 من أبواب بيع الثمار.
5) وسائل الشيعة 13: 3 حديث 2 باب 1 من أبواب بيع الثمار.
6) وسائل الشيعة 13: 7 حديث 21 باب 1 من أبواب بيع الثمار.
7) وسائل الشيعة 13: 5 حديث 9 باب 1 من أبواب بيع الثمار.
8) وسائل الشيعة 13: 3 حديث 4 باب 1 من أبواب بيع الثمار.
9) وسائل الشيعة 13: 5 حديث 10 باب 1 من أبواب بيع الثمار.
10) الحدائق 19: 329.
هذه النصوص أيضا موهون. و الأولى الاقتصاد في السند بالنصوص السابقة الشاملة، خصوصا بملاحظة التعليل للمقام كما لا يخفى.
و في قبال هذه النصوص ما في خبر أبي ربيع الشامي المشتمل ذيله بقوله:
«و إذا بيع سنتين أو ثلاث فلا بأس ببيعه بعد أن يكون شيء من الخضرة» (1)، إذ المفهوم نفي الجواز مع عدمه.
و حكى في الحدائق (2)مفهوم خبر آخر عن أبي بصير على طبقه.
و لكن الإنصاف أنّه لو لا وهن النصوص المجوّزة باعراض المشهور لا تصلح المفاهيم للمعارضة، إذ على فرض المفهوم، و الإغماض عن ضعف مفهوم الوصف، كانت النصوص المجوّزة قرينة حملها على الكراهة.
و توهّم أن طرح المجوزة غير كاف في البطلان، بعد ضعف دلالة المانعة بمفهومها، إذ القواعد مقتضية لصحّتها، مدفوع بأنّه كذلك لو لا عموم قاعدة الغرر الجارية في مطلق بيع الثمار، بل قاعدة عدم تملّك المعدوم، فإنّ هذه مقتضية للفساد بحيث تحتاج الصحّة إلى دليل محكم.
و مع اعراض المشهور عن الصحاح و الصراح المزبورة، كيف يبقى مجال الأخذ باسنادها، خصوصا مع أقوويتها عن الأدلّة المانعة دلالة، و المسألة إنصافا من تلك الجهة في غاية الإشكال.
ثمّ إنّ ذلك كله حكم قبل ظهور الثمرة بفروضها، و عرفت أن المشهور و تبعهم المصنف على عدم جواز بيعه بجميع فروضه، و لكن نحن استشكلنا في فرض ضميمة ثمرة سنة أخرى، فراجع.
بقي الكلام في صورة ظهور الثمرة قبل بدو صلاحها، و الذي ذهب إليه المصنف أنه يجوز البيع بعده يعني بعد الظهور و إن لم يبد صلاحها بشرط القطع أو مع الضميمة أو عامين.
أمّا الشرط الأول ففي التذكرة: أنه يصحّ البيع معه إجماعا، و استدل عليه بأنّ مع شرط القطع يظهر أنّ غرض المشتري هو الحصرم و الثلج و أنّه حاصل (1).
هذا. و لكن لا يخفى أن مرتبة ظهور الثمرة ربّما يلازم الانتفاع به عند العقلاء من مثل المتعارف من الحصرم و غيره، و حينئذ شرط قطعه ربّما يوجب خروج البيع عن كونه عقلائيا، فلا محيص في عقلائيته من بلوغ الثمر إلى حدّ بدو صلاحه و إن لم يبلغ إلى حد الاصفرار في الثمر أو احمراره، لأن مرجع بدو صلاحه إلى وصوله إلى حد يأمن من الآفة، و هو يحصل بأقل من هذه المرتبة.
و حينئذ فإشكال الحدائق (2)في إطلاق مصحّحية شرط القطع للبيع بعد الظهور في محلّه، و إلى ما ذكرنا أيضا أشار في الجواهر في قوله: لا اشكال عندهم في الجواز بشرط القطع حيث لا تكون المعاملة سفهيّة (3).
و لو شرط التبقية فإن كان مرجع شرطه إلى شرط كونه ثمرة كاملة، فهو شرط غير مقدور، بل يكون غرريّا مبطلا للمعاملة، فيدخل مثله في إطلاق كلمات من لم يجوز بلا شروط ثلاثة، بل ربما يلتزم بالبطلان فيه من التزم بالصحّة في الفاقد عن الشروط، لأن صحته بلا شرط غرري زائد عن الغرر اللّازم في أصل معاملة الثمار المستثناة عن عمومات الغرر لا يلازم مع الصحّة في الشروط بمثل هذا الشرط الغرري الزائد.
و إن كان مرجع شرطه إلى كون المبيع الثمرة الموجودة، غاية الأمر بشرط بقائه في محلّه إلى وقت كذا، فلا قصور في صحته و لا غرر في شرطه مع تعيين وقت بقائه. و لعلّه يكفي فيه أيضا فحوى ما دلّ على بيع بشرط التبقية، و إلى ذلك أيضا نظر العلّامة في مصيره إلى الجواز في تذكرته (1).
و أمّا الثاني من الشروط فالذي يظهر من كلماتهم جواز بيعه مع الشرط المزبور، و ربّما يومئ إليه نصّ سماعة الوارد في البيع قبل ظهور الثمرة (2)، بناء على استفادة ما بعده بالفحوى. و حينئذ طرح أصله و منطوقه بالعمومات لا يقتضي طرح فحواه، و لكن لا يخفى أنّ ذلك إنّما يتم لو كان ذلك من باب الجمع الدلالي، و ليس كذلك، إذ ليس في قباله ما هو أظهر منه دلالة، فلا يكون طرحه إلّا من باب وهن سنده باعراض المشهور.
نعم قد تستفاد صحة الضمائم المخصوصة، مثل ما لو أدرك بعض ثمرة البستان، حيث أن بناءهم على جواز بيعها أجمع، و ورد النصّ فيه أيضا بهذا المضمون (3)كما سيأتي الكلام فيه. و لكن لا مجال للتعدّي منها إلى غيرها، و لذا سيجيء اشكال جمع في التعدي إلى ثمرة بستان آخر. و عليه فلا يبقى مجال الالتزام بإطلاق صحّة الضميمة لو لا إطلاق معاقد الإجماعات. و فيه مع اشكال جمع في ضمّ ثمرة بستان آخر نظر جدا، و توهم الفرق بين الضميمة بين ثمرة بستان آخر و غيره، بدعوى انعقاد الإجماع في الأخير دون الأوّل منظور فيه.
و حينئذ لا يبقى وثوق بمثل هذا الإجماع فتدبّر.
و أمّا الشرط الثالث و هو بيعه عامين فالظاهر تسلّم الجواز من كلماتهم، و يدلّ عليه أيضا قوله في نصّ أبي الربيع المتقدمة من قوله: «و إذا بيع سنتين أو ثلاثا فلا بأس ببيعه بعد أن يكون فيه شيء من الخضرة» (1).
و قد يتوهم الاستدلال أيضا ببعض المطلقات المشتملة على شراء أزيد من السنة قبل أن يبلغ، حيث أن إطلاقها يشمل صورة ظهورها قبل البلوغ إلى حدّ الأمن من الآفة أو الاحمرار و الاصفرار.
و لكن لا يخفى أنّ التعليل في مثلها من قوله: «إن لم يخرج في هذه السنة يخرج من قابل» (2)يوجب قوة إطلاقها لقبل الظهور أيضا، على وجه لا يبقى مجال تقييدها ببعد الظهور و قبل البلوغ إلى الحدّ المزبور الذي هو مورد الكلام، فلا محيص حينئذ إمّا من الأخذ بإطلاقه، أو طرح سنده رأسا، فلا شهادة حينئذ فيه مع تعيين الطرح سندا كما هو المشهور عند المعرضين عن إطلاقه و إن استشكلنا فيه سابقا.
اللهم [إلّا] أن يقال: إن طرح صدر الرواية المشتملة على التعليل غير ملازم لطرح ذيلها، فيؤخذ بإطلاق الذيل بعد تقييده ببعد الظهور بقرينة مفهوم الرواية السابقة أو للإجماعات المحكيّة، فتدبّر.
و كيف كان و لو فقد الجميع فقولان: فعن جمع من القدماء، و عن العلّامة أيضا في بعض كتبه على المحكي أنّه لا يصحّ و عن الغنية (3)و المبسوط (4)دعوى الإجماع عليه.
و عن جملة من المتأخرين بل و عن العلّامة في جملة من كتبه أنه يكره (1)، و اختاره في الجواهر أيضا (2)، و حكى قول ثالث بأنّه مراعى بالسلامة و عدمها، و أرجعه في الجواهر إلى القول الثاني و أن ذلك من باب قاعدة تلف المبيع قبل القبض الملتزم به القائل بالجواز مع الكراهة أيضا (3).
و على أي حال منشأ الخلاف بينهم اختلاف اخبار الباب (4)، ففي جملة منها النهي عن بيع سنة حتى يبلغ تارة، و حتى يزهو اخرى، و حتى يطعم ثالثة، و حتى يبدو صلاحه رابعة، و حتى يثمر و تأمن ثمرتها خامسة. و في بعض النصوص إذا كان له في تلك الأرض بيع له غلّة قد أدركت فبيع ذلك كلّه حلال (5)، حيث علّق حلّية البيع على الإدراك.
و الظاهر أنّ هذه العناوين كلها منصرفة عن مطلق الظهور، فمفاهيمها دالة على عدم الجواز بمجرد الظهور.
و في قبالها بعض النصوص المشتملة على عنوان الثمرة المسمّاة فتهلك إلى أن قال بعد المخاصمة نهاهم عن ذلك حتى يبلغ الثمرة و لم يحرّمه، و لكن فعل ذلك لأجل خصومهم. و ظاهر الذيل أنّ النهي لمحض السياسة صادر من قبله ولاية لمحض دفع الخصومة لا أنّه نهي شرعي إلهي، و لا يمكن أن يكون نهيه لمحض الكراهة الشرعية، إذ هو لا يناسب كونه لمحض رفع الخصومة الحادثة.
و على أيّ حال هو صريح في عدم حرمته شرعا كما لا يخفى.
و نظيره ما في رواية أخرى من ظهور نهي النبي صلى اللّٰه عليه و آله لمحض
قطع الخصومة (1).
و لا يخفى أن مقتضى الجمع بين ذلك و بين النصوص السابقة هو الحمل على الكراهة، و لا يضرّ إطلاق الذيل لقبل الظهور أيضا، مع أنه لا يقال بالرخصة خلافا للحدائق (2)، لأن الصدر في نصّ الهلاك صريح في الثمرة الموجودة، و مع ذلك لا يبقى مجال إطلاق لذيله كي يصير في زمرة بقية المطلقات الشاملة لقبل الظهور أيضا، فيستشكل فيها باعراض المشهور الموهن لإسنادها، و هذا هو الفارق بين المقام و المسألة السابقة.
و على أيّ حال ظهر من فحاوي النصوص السابقة، بل و من مناطيق جملة منها (3)جواز البيع مطلقا في صورة بلوغ الثمر إلى حين المأمونية من الآفة الذي ربّما يتقدم على زمان الاحمرار في الثمر و اصفراره، كما يظهر ذلك من جملة من النصوص المشتملة على ذهاب العاهة و الأمن من الآفة أو استبانة البسر من الشيص (4).
و بذلك يحمل ما اشتمل على عدم الجواز إلى أن يزهو مفسرا له بالاحمرار و الاصفرار على مراتب الكراهة، نعم إذا بلغت الثمرة إلى حين الاحمرار و الاصفرار جاز البيع مطلقا بلا شرط من الشروط السابقة، و بلا كراهة إجماعا و نصا كما لا يخفى.
مع وحدة البستان بلا اشكال فتوى و نصا، لصحيح يعقوب المشتمل على قوله: «فأدرك بعضه في
الثمار المختلفة فلا بأس ببيعها» (1)، و في آخر: «إذا تبيّن لك بعض حملها سنة و إن شئت أكثر» (2). و إطلاق الأخير و صريح الأوّل يشتمل صورة اختلاف الثمار.
و ما في موثقة عمار من اشتراط وحدة النوع (3)مرميّ بالضعف، لإعراض الأصحاب عنه، مع إمكان الحمل على نحو من الرجحان بقرينة النصوص السابقة.
نعم ظاهر جملة من هذه النصوص صورة وحدة البستان. نعم في صحيح الحلبي يقبل الثمار، و في المرسلة: إذا كان في تلك الأرض بيع له غلة قد أدركت فبيع، كله حلال، بناء على حمل بيع كلّه ببيع كلّ ما في الأراضي. فإطلاق الأوّل و ظهور الثاني يشمل الأراضي المتعددة.
و إلى مثل ذلك نظر جملة من الأساطين في مصيرهم الى جوازه، خلافا لجملة اخرى: نظرا إلى ضعف دلالة الأخيرين، لوجود المتيقّن في مقام التخاطب المانع عن الإطلاق. فلا محيص من المصير إلى أصالة الفساد في كليّة معاملة الثمار للغرر.
و المسألة إنصافا لا تخلو عن اشكال و إن صار في الجواهر إلى الجواز (4)للمرسلة المزبورة، و لكن الانصاف عدم قوة دلالة المرسلة على حد يوجب رفع اليد عن قواعد الفساد، لاحتماله حمل كله على جميع ثمار الأرض المزبور لا ثمار بقيّة الأراضي، فتدبر.
و المسألة إنصافا لا تخلو عن اشكال، و لذا قال المحقق: فيه تردد (1)، و لكنّ المصنف اختار الجواز حيث قال: و كذا يجوز بيع البساتين إذا أدرك أحدهما، و فيه تأمل.
و كيف كان نقول: إنّ عناوين النصوص و الكلمات غالبا مطلق الثمار الشاملة للنخل و سائر الأشجار، و حينئذ ربّما يجيء في الجميع التفصيل السابق من عدم الجواز سنة قبل الظهور، و كذا مع الضميمة، و على اشكال في السنتين، و الجواز على كراهة بعد الظهور بلا شروط ثلاثة على اشكال فيه أيضا، و الجواز بشرط القطع على التفصيل السابق، و بشرط الضميمة على التفصيل السابق و في السنتين، و مع الكراهة الضعيفة مع البلوغ إلى حدّ الأمن من الآفة و بلا كراهة مطلقا إن بلغ إلى حدّ بدو صلاحه المحدد في العنب ببلوغه حصرما، و في غيره بخروجه عن وروده، و ربّما يطابق مرتبة بدو الصلاح في سائر الأثمار إلى حدّ الأمن من الآفة. فراجع النصوص الواردة في الباب ترى ما ذكرناه حقيقا بالقبول فإنه الغاية المأمول.
و كذا
بلا خلاف، للإطلاقات، و في التذكرة دعوى الإجماع عليه (2). و توهم احتمال الفساد مدفوع بأصل السلامة.
و يجوز أيضا بيع السنبل بعد الظهور و انعقاده الذي هو بدو صلاحه مطلقا، و في جواز بيعه بعد الظهور و قبل بدو الصلاح لا بشرط القطع ربّما يجيء فيه الإشكال في سائر الأثمار، لوحدة المناط. و في التذكرة أفتى بجواز بيعه أيضا مطلقا (3)، و في الجواهر: لا يجوز شراؤه قبل الظهور و انعقاده الذي هو بدو
صلاحه، و يجوز بعده (1).
و في دلالته على عدم الجواز قبل الانعقاد و بعد الظهور تأمّل، مع أنّه أفاد الأثمار بالجواز بعد الظهور و قبل بدو الصلاح على كراهة، و الظاهر جريان المناط في المقام أيضا. نعم مع التشكيك فيه أصالة عدم الجواز في مثل هذه البيوع التي بطبعها غرريّة جارية، و لازمة المصير إلى عدم الجواز، و لكن عمدة الكلام في عدم جريان مناط باب الثمار في المقام، و المسألة من هذه الجهة في غاية الإشكال.
و أمّا مع شرط القطع فالظاهر أيضا جريان ما ذكرنا من التفصيل فيه في الثمار في المقام أيضا و إن كان الأصل المزبور أيضا يساعد على عدم الجواز لو لا تسرية الحكم من الثمار إلى المقام.
و يجوز بيع الزرع قائما و حصيدا و قصيلا، أي مشروطا قطعه، سواء بلغ أوان قصله أو لم يبلغ، عيّن مدة لبقائه أو أطلق، بلا خلاف ظاهرا- كما في الجواهر- (2)إلّا عن الصدوق في مصيره إلى المنع، إلّا أن يكون سنبلا أو قصد قطعه (3).
و الأصل فيه نصوص مستفيضة: ففي نص الحلبي: «لا بأس بأن تشتري زرعا أخضرا ثم تتركه حتى تحصده إن شئت أن تعلّقه قبل أن يستنبل و هو حشيش» (4).
و قال: «لا بأس أن تشتري زرعا قد سنبل بحنطة» (5).
و في آخر: أ يحلّ شراء الزرع الأخضر؟ قال: «نعم لا بأس به» (1).
و في نص حريز مثل ما عن الحلبي، و في ذيله: «فإذا سنبل فلا تعلفه رأسا- يعني دابّة- فإنه فساد» (2).
و في نص زرارة نفي البأس عن شراء الحشيش إن شاء أعفاه و إن شاء تربّص به (3).
و في نص سليمان نظيره (4).
و في نصّ معاوية بن عمار: «لا يشتري الزرع ما لم يستنبل، فإذا كنت تشتري أصله فلا بأس بذلك» (5).
و في نصّ أبي بصير: أشتري زرعه قبل أن يستنبل؟ قال: لا إلّا أن تشتريه لقصيل» (6)، و هذه الرواية شاهد الصدق، و لكن لا تقاوم البقيّة، لإمكان حملها على الكراهة، بل الاعراض عنها موهنها، فلا شهادة فيه على الكراهة الشرعيّة أيضا و لذا لم يظهر من الأصحاب أيضا ذلك.
و كيف كان إطلاق حمله منها و أف لإتيان المدّعى.
نعم قد يقع الكلام في صورة إطلاق العقد من حيث شرط التبقية، و القطع، مع فرض عدم اقتضاء العادة أيضا أحدهما، كي يصير موجبا لانصراف العقد الذي هو بمنزلة شرطها، فإن قاعدة سلطنة الناس على تفريع ماله عن مال الغير، و عدم سلطنة صاحب الزرع عن التبقية و لو بأجرة فضلا عن المجان.
1) وسائل الشيعة 13: 20 حديث 2 باب 11 من أبواب بيع الثمار.
2) وسائل الشيعة 13: 20 حديث 3 باب 11 من أبواب بيع الثمار.
3) وسائل الشيعة 13: 22 حديث 9 باب 11 من أبواب بيع الثمار.
4) وسائل الشيعة 13: 21 حديث 6 باب 11 من أبواب بيع الثمار.
5) وسائل الشيعة 13: 21 حديث 5 باب 11 من أبواب بيع الثمار.
6) وسائل الشيعة 13: 22 حديث 10 باب 11 من أبواب بيع الثمار.
نعم مع شرط التبقية له ذلك، كما أنّه مع شرط القطع لا إشكال أيضا أنّه ليس له. فتمام الكلام في صورة الإطلاق حيث ما عرفت أنّ القاعدة تقتضي كونه مثل صورة شرط القطع، و الحال أن الكلمات كما في الجواهر (1)، بل و صريح الرياض (2)أن للمشتري إبقاء زرعه و على البائع الصبر إلى زمان البلوغ، بل ذلك ظاهر جملة من النصوص حيث قال: «إن شئت تركته حتى تحصده» (3)إذ المنساق منها أنّ للمشتري السلطنة على إبقاء زرعه إلى أوان الحصاد حتّى مع عدم رضاء البائع المالك للأرض، بل مقتضى إطلاقها أيضا الإبقاء مجانا.
و لكن في موثقة سماعة قوله: «و إلّا- أي و ان لم يشترط على الزارع الخراج- فلا ينبغي له أن يتركه حتى يكون سنبلا، فإن فعل فعليه طسقه» (4). و ظاهره كون المقام على طبق ما ذكرنا من القواعد، بناء على حمل «لا ينبغي» على الحرمة بشرط عدم رضاء المالك، و لكن في الجواهر و الرياض حمل «لا ينبغي» على الكراهة، و أمّا ذيله فمحمول على الوجوب. و يومئ كلام الجواهر أيضا إلى ذلك، حيث التزم بندبيّة الطسق على المشتري في صورة اشتراطه على العلج بمعنى الزارع (5)، و بمثله أمكن تقييد بقيّة الإطلاقات على فرض كونها في مقام البيان من هذه الجهة.
و عليه فما هو خلاف القواعد هو السلطنة على الإبقاء بلا شرط، و أمّا كون الطسق عليه فهو أيضا على وفق القواعد، فإن مجرّد استحقاق المشتري على
إبقاء الزرع لا يقتضي هتك احترام مال الغير في منعه عن مالية منافعه، فلا موجب حينئذ لرفع اليد عن هذه القاعدة بمحض رفع اليد عن القاعدة الأخرى، إذ النصّ و الفتوى وافية على خلاف الثانية، و غير وافية على خلاف الاولى، لمنع الإطلاق في الكلمات من تلك الجهة كالنصوص، علاوة على صريح موثقة سماعة السابقة كما لا يخفى.
و من هذا البيان ظهر أنّ ما أفاده المصنّف من قوله و على المشتري قطعه، فإن تركه طالبه البائع بأجرة الأرض مدّة التبقية و للبائع قطعه، راجع إلى قوله: أو قصيلا، لا إلى تمام كلامه السابق.
معيّنة معلومة العدد، فرارا عن الغرر الزائد عما أخذ في طبع المعاملة. و الأصل فيه فحوى ما في الموثق عن سماعة: سألته عن ورق الشجرة هل يصلح شراؤه ثلاث خرطات أو أربعة خرطات؟ فقال: «إذا رأيت الورق في شجرة فاشتر منه فإن شئت من خرطة» (1). ظاهره جواز الشراء من خرطة إلى الفوق لا تعيين خصوصها، و مفهومه عدم الجواز مع عدم ظهور الخضر، و إطلاقه يشمل مطلق الظهور و إن لم يتناهى عظمتها، و على عقدي المسألة كلمة الأصحاب، و ما يوهم من الإطلاق في نصّ معاوية (2)لا بدّ من تقييده بالمفهوم السابق كما لا يخفى.
هذا ثم إنّ ذلك فيما كان من الخضر بارزه كالباذنجان و أمثاله، و أمّا المستور منها مثل الجزر و الثوم و أمثالهما ففي جواز بيعها منفردة اشكال، لكونه مجهولا زائدا عما هو لازم كلية بيع الثمار و غيرها. نعم لا بأس بصلحه، لاعتقاد الجهالة فيه.
كما أنّ في صحّة بيعها مع الضميمة بنحو التبعيّة في الضميمة إشكال تقدّم في بيع الثمار قبل ظهورها، نعم لا بأس بنقلها تبعا للمعلوم لا بنحو الشرط في ضمن البيع، كي يوجب سراية غرره إلى البيع أيضا.
و ما يجز كالرطبة و البقول، أو يخرط كالحناء و التوت يجوز أيضا بيعه جزة أو جزات، و خرطة أو خرطات. و يدلّ عليه أيضا ما في الموثقة السابقة، و بعد تقييد رواية معاوية به تصير تلك أيضا شاهد المدّعى. و ظاهرهما جواز الخرطات المعدومة إذا انضمّت بالموجود، و أمّا لو استعملت بالبيع فلا يجوز، لأنه معدوم، نظير بيع الثمرة قبل ظهورها.
بعينها، أو شجرا معيّنا، أو أرطالا معلومة بلا اشكال نصا و فتوى مع عدم الجهل و المستثنى منه، و إلّا فهو باطل، للغرر.
و في الصحيح في الرجل يبيع الثمرة ثم يستثني كيلا و تمرا، قال: «لا بأس به» (1)، مضافا إلى الإطلاقات الشاملة لصورة الاستثناء المزبور أيضا، و بها يتمسك لاستثناء النخل و غيره.
فإن خاست الثمرة حينئذ سقط من الثنيا بحسابه إذا كانت مشاعة، أو كان المستثنى أرطالا بنحو الكلي في المعيّن.
و لا إشكال في الصورة الأولى، لأنّه من لوازم الإشاعة، و إنّما الكلام في الآخر، فإن بناءهم في بيع الكلي في المعيّن على أن الباقي بعد تلف الصبرة بمقدار المبيع للمشتري، و به ميّز و أبيح الكلّي المزبور عن الحصّة المشاعة، و مع
1) وسائل الشيعة 13: 26 حديث 1 باب 15 من أبواب بيع الثمار.
ذلك بنوا في المقام على اجراء حكم الإشاعة عل فرض استثناء الأرطال.
فيبقى حينئذ سؤال الفارق بين المسألتين، و لقد حقّقنا وجه الفرق في بحث الكلي في المعيّن بما لا مزيد عليه فراجع هناك، فلا مجال لتكرار البحث في مثل هذا المختصر، و ذكرنا هناك أيضا نصّ الأطنان شاهدا للمدّعى فتدبّر.
ثم إنّ ذلك لو كان بتلف سماوي، و إلّا فلو كان بتفريط من البائع أو المشتري كان ضمانه عليه، و لكن ذلك لا ينافي مع إطلاق الماتن و غيره من أن نسبتها بالإضافة إلى التالف على السوية، غاية الأمر ضمان التالف على متلفه و هو مطلب آخر كما لا يخفى.
فرع: لو باع أصول الزرع أو الشجرة قبل ظهور الثمرة جاز، سواء فيه صورة شرط التبقية أو القطع أو بلا شرط بلا اشكال ظاهرا، للإطلاقات، و لقد تقدّم فيما يدخل في المبيع بحث ذلك فراجع.
بلا اشكال فيه إجمالا فتوى و نصا، و في النص: «نهى النبي عن بيع المحاقلة و المزابنة» (1)، و المتيقّن من الأوّل بيع السنبل بحبّ منه، و من الثاني بيع ثمرة النخل بثمر منه. و في بعض النصوص تفسيرها بعكس ذلك (2)، و هو مطروح بإطباق الأصحاب على خلافه، بل و في النص أيضا تفسيره على المشهور، و على المشهور تعميمهما بحبّ أو تمر من غيرهما خلافا لجماعة أخرى حيث جوّزا ذلك.
و يدلّ على الأوّل ما في نص العرية من قوله: «يجوز أن يبيعها بخرصها تمرا، و لا يجوز ذلك في غيره» (3)، بناء على إطلاق «قوله: تمر الغير تمر»،
و يؤيده أيضا ما ورد في تفسيرها من قوله: «بيع النخل بالتمر و بيع السنبل بالحنطة» (1).
و في قبالهما ما في صحيح الحلبي من نفي البأس عن بيع ثمرة النخل بقفيزين من تمر (2).
و في آخر: عن الرجلين يكون بينهما النخل فيقول أحدهما لصاحبه: اختر إمّا أن تأخذ هذا النخل بكذا و كذا كيلا مسمّى و تعطي نصف هذا الكيل إما زاد أو نقص، و إمّا أن آخذه أنا بذلك، قال: «نعم لا بأس» (3)، إذ ظاهره و لو بمقتضى ترك الاستفصال شموله صورة كونه على وجه المعاوضة و المبادلة، و حمل دفعه على صورة الوفاء أو غيره خلاف الظاهر، كما هو الشأن أيضا في خبر الكناني (4).
و حينئذ فلو لا اعراض المشهور عن مثل هذه النصوص، و عدم كفاية عمل جم غفير من الأعاظم على وفقها كان الأولى الجمع بينها و بين السابقة بالحمل على الكراهة.
ثم إن في جواز مثل هذه المعاملة في غير ثمرة النخل، بناء على عدم جواز المزابنة بالمعنى الثاني أيضا إشكال، لاختصاص النصوص بالنخل، و كون الحكم على خلاف القاعدة، فالاطلاقات المجوّزة لبيع الثمار محكمة. نعم في جعل ثمرة نفس الشجر عوضا اشكال آخر، من جهة اتحاد العوض و المعوّض. نعم مع اشتراط التأدية منها لا بأس أيضا، إذ لا محذور فيه و إن استشكل فيه أيضا في
الجواهر (1)، و لا وجه له.
و على أيّ حال لا اشكال عندهم فتوى و نصا في جواز بيع العرية من النخل بخرصها تمرا من غيرها، و النصوص من ذلك مستفيضة، و في خبر السكوني:
«رخّص رسول اللّٰه في العرايا- إلى أن قال-: و هي النخلة تكون للرجل في دار آخر» (2)إلخ ..، و ذيله شاهد قول المحقّق في شرائعه (3)و ان حسن إلحاق بستان الغير بالدار. و لكن في نص آخر تفسير العرية: «بالنخلة التي يصير بها صاحبها رجلا محتاجا» (4)، و في آخر: «رخّص صلى اللّٰه عليه و آله في بيع العرايا»، و فسّره بما كان في بستان غيره أو داره (5).
و لكن لا يخفى أن كون هذه التفاسير من الامام في غاية البعد، بل الظاهر كونها من الراوي، و حينئذ لا حجية في شيء منها، فالمرجع حينئذ العرف و اللغة.
و لقد حكى في الشرائع بأن عند أهل اللغة إلحاق البستان بالدار، و في التعدي إلى الخان و غيره كلام آخر (6). و لكن الانصاف عدم تمامية ثبوت هذا المعنى من اللغة، و لذا قال في الجواهر: بأن كلام أهل اللغة غير منضبطة (7)، و حينئذ فلا محيص في غير مورد اليقين من المشي على طبق القواعد، و معلوم أن
مقتضى عموم النهي عن بيع المزابنة حرمته، و مع إجمال المفهوم في العرية، يرجع إلى الإطلاق المزبور، و لا مجال للرجوع الى عمومات الجواز في بيع الثمار، فما يوهم في الجواهر من أن المرجع مع إجمال المفهوم في العرية إطلاقات جواز المعاملة منظور فيه، لو لا الإطباق من كلماتهم على جوازه.
هذا و لكن الذي يسهّل الخطب جواز بيع ثمرة النخل بثمر غيره، و أن المزابنة المحرمة مختصة ببيع ثمر النخل بثمر نفسه، و ذلك لا إشكال في بطلانه، لاتحاد العوض و المعوض. نعم لا بأس بمصالحته، لأن دائرة العوضين في باب المصالحة أوسع من غيره.
و حينئذ فمثل هذا الإشكال يجري في العرية أيضا، و أن النصوص المشتملة على تخصيص العرية بذلك محمولة على الكراهة، نعم فيها شهادة تعميم العرية، و إلّا فلا معنى لتخصيصه، لعدم صحة بيعه مع اتحاد العوضين، فما في كلمات بعض الأعاظم من تعميم الجواز في العرية حتى بثمر نفسها منظور فيه كما لا يخفى.
و العجب من جعل ذلك في الشرائع مورد الخلاف و جعل الأظهر عدم الصحة (1)، و في الإيضاح نسبته إلى الأشهر (2)، و في الرياض إلى الأكثر، و اختار هو جوازه (3)، و الحال أن الكلام في أصل تصور حقيقة المبادلة فيه، و في التنقيح أن الدليل على المغايرة بين الثمن و المثمن عقلي، و به تقييد الإطلاقات (4).
و حينئذ لا يأبى المقام من حمل محل اختلاف كلمات الأعلام على صورة
شرط الوفاء من ثمرته، و هو الذي استشكل [صاحب] الجواهر فيه سابقا، و أن الخلاف في المسألة من هؤلاء الأعاظم منزّل على هذه الصورة، و عليه أمكن دعوى شمول إطلاقات الجواز لمثله بلا مانع عقلي أو نقلي كما لا يخفى.
و أيضا بعد ما ظهر أن لازم إجمال مفهوم العرية من أي جهة مرجعه إطلاق حرمة المزابنة أو كراهته على الخلاف في المعنى المنظور فيه المبادلة، فلازمه المصير إلى عدم الجواز في بيع ما زاد على الواحد في الدار و البستان، بخلاف ما لو كان لكل دار أو بستان واحد، فإنه لا إشكال في جوازه، و منشأ الاشكال الاقتصار في خلاف القاعدة بمورد النصوص (1)و هي نخلة واحدة، بل قيل: إنه مأخوذ في حقيقتها، و فيه نظر، بل العرايا شاهد خلافه لو لا دعوى أن جمعها بلحاظ تعدد الدور و البستان، لا تعدد النخل في بستان واحد.
و حينئذ فاستشهاد الجواهر (2)أيضا بمثل هذه التعبيرات على عدم اعتبار الوحدة في مفهوم العرية منظور فيه، و عليه مع الإجمال المزبور كان الأصل عدم الصحة إلّا ما خرج، كما لا يخفى.
و على أي حال مقتضى الإطلاقات السابقة عدم اعتبار التقابض في المجلس في صحة بيع عرايا، و لا يشترط التعجيل أيضا، كي لا يجوز اسلاف أحدهما في الآخر. و توهم كونه من باب بيع المتجانسين، فكانا من الربويين الغير الجاري فيه الاسلاف المزبور منظور فيه، لعدم كون الثمار على النخيل من المكيل و الموزون، فلا مجال في مثله لشبهة الربا و إن توهم، بل يظهر من كلام المحقق (3)
عدم جواز الاسلاف المزبور و إن التزم بعدم التماثل في الخرص بين تمرها عند الجفاف و ثمنها، عملا بظاهر النص المعتضد بالفتوى.
و كيف كان
من خرصه بلا اشكال ظاهرا، و يدل عليه نصوص مستفيضة:
مثل صحيح شعيب المشتمل على نفي البأس على هذه المعاملة (1)، و صحيح الحلبي (2)، و صحيح أبي الصباح (3)، و صحيح يعقوب (4)، و مرسل محمد بن عيسى (5)، و خبر سهل (6)، و خبر عبد اللّٰه بن بكير (7). و راجع الجواهر (8)ترى المضامين وافية بالمرام.
و في كون مثل هذا التقبيل معاملة مستقلة أو مصالحة بعد ما لم يكن بيعا، لعدم مغايرة العوض مع المعوض، وجهان، و لا يبعد الأخير، لتوسعة الصلح من حيث الصيغة، حتى أن الأصحاب حملوا قوله: لك ما عندي و لي ما عندك، على الصلح، و المقام أولى خصوصا مع اشتمال خبر ابن بكير لقوله: يصالحه، الظاهر في بيان سنخ المعاملة الوارد عليها الفساد و الصحة، و عليه فيجري فيه شرائط الصلح أجمع.
كما أن من لوازمه الحكم بعدم الضمان لو تلفت الثمرة بآفة سماوية لا من
1) وسائل الشيعة 13: 18 حديث 1 باب 10 من أبواب بيع الثمار.
2) وسائل الشيعة 13: 18 حديث 2 باب 10 من أبواب بيع الثمار.
3) وسائل الشيعة 13: 19 حديث 3 باب 10 من أبواب بيع الثمار.
4) وسائل الشيعة 13: 19 حديث 5 باب 10 من أبواب بيع الثمار.
5) وسائل الشيعة 13: 20 حديث 4 باب 10 من أبواب بيع الثمار.
6) وسائل الشيعة 13: 206 حديث 1 باب 14 من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة.
7) وسائل الشيعة 13: 206 حديث 2 باب 14 من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة.
8) جواهر الكلام 24: 120- 127.
جهة اليد، لأنه يد أمانة، و لا من جهة عقد المعاوضة، لعدم ثبوته في غير البيع.
و لو تلف البعض فيقسط عليهما على فرض الإشاعة، و أما على فرض كون الحصة فيه من باب الكلي في المعيّن، ففي كون المسألة من قبيل استثناء الأرطال أو من قبيل بيع الكلي في المعيّن وجهان، و الظاهر هو الأخير كما لا يخفى، فتدبّر.
، بل و في الجواهر مع عدم العلم أو الظن بالكراهة، و في موضع آخر من كلامه أن موضوع البحث هو هذه الصورة (1)، و لكن في كشف الغطاء التصريح بأن اشتراط عدم العلم بالكراهة أو ظنها أو عدم السور ينافيه ما في بعض روايات الباب، و لعله نظر إلى ما في نص ابن أبي عمير، حيث سأله عن الرجل يمر بالنخل و السنبل أو الثمر فيجوز له أن يأكل منها من غير اذن صاحبها ضرورة أو غير ضرورة قال: «لا بأس» (2)، و يؤيده إطلاق جملة أخرى، و تنزيل الجميع على صورة عدم العلم بالكراهة منظور فيه.
و حينئذ إن تمّ إجماع على خلاف هذه الإطلاقات فهو، و إلّا فلا مانع من المصير إليها، بل لا بأس باستفادة عدم شرطية عدم السور كما أفاده كاشف الغطاء على المحكي في الجواهر. نعم يعتبر أن لا يكون أكله مفسدا، لما في نص يونس من أنه: «لا يحمله و لا يفسد» (3)، و منه يظهر عدم حمله أيضا، و في كشف الفساد أو الحمل عن الضمان من الأول إشكال، بل غاية الأمر ضمان مقدار الحمل أو المفسد، فلو تعدّد الأكل فلا بد من ملاحظة الفساد بأي مقدار منهم، فلا يأكل بعد أكل غيره الموجب لفساده، و مع التشاح في المبادرة يقرع، لأنه
لكل أمر مشكل.
و في اعتبار عدم قصده من المرور أكل الثمرة إشكال، لأنه خلاف الإطلاقات، نعم يعتبر صدق عنوان المرور، فلا يجوز دخول بستان الغير لذلك.
و صريح النص السابق تعميم الحكم للنخل و غيره من سائر الأشجار و السنبل، و ربما يتعدّى من السنبل إلى الزرع أيضا، فاحتمال الاختصاص بالنخل منظور فيه.
نعم في جملة من النصوص المنع عن التصرف بلا علم برضا صاحبه (1)، و في بعضها: «لا يحل له أن يأخذ منها شيئا» (2)، و ربما تحمل هذه على الكراهة أو على صور الإفساد، كما يومئ اليه ما في بعضها من أنه: «لو كان كل من عبر يأخذ منه سنبلة لا يبقى منه شيء» (3)، و في بعض نصوصها التصريح بالجواز مع الضرورة و عدم الإفساد (4)، و ربما يكون ذلك أيضا مؤيدا للحمل على مراتب الكراهة، فتأمل.
و حينئذ لا وجه لرفع اليد عن النصوص المجوّزة بمثل هذه الأخبار، و لا بمثل قاعدة قبح التصرف في مال الغير، بعد قابلية حمل النصوص المزبورة على اذن الولي العام في ذلك، أو لكون المار ذا حق استحقاقي، كحق الفقير في مال التجارة، أو مال اليتيم بعنوان الزكاة و إن كان في دلالة النصوص على ثبوت مثل هذا الحق نظر، خصوصا مع عدم كونه اسقاطيا، و ما كان شأنه ذلك فهو حكم محض و سلطنة ساذجة، و لقد حققنا الفرق بين اعتباري الحق و الحكم بذلك، و قلنا بأنه مع الشك في فحوى الاعتبار الأصل أيضا يقتضي الحكمية كما لا يخفى.
اناسيا أم غير اناسي.
فنقول: أولا: لا إشكال في وجه تملك الغير الأناسي من الحيوان، فإنه كسائر الأملاك بجهات من حيازة، أو نماء ملك، أو إرث، أو بعقد معاوضة و غيرها.
و أما تملك الأناسي منها، فيعتبر في حيازته و استرقاقه كفره الأصلي بلا اشكال ظاهرا، و النصوص بذلك مستفيضة مثل قوله: إن القوم يغزون على الصقالبة و الروم فيسترقون أولادهم من الجواري و الغلمان، فيعمدون إلى الغلمان فيخصونهم ثم يبعثون بهم إلى بغداد إلى التجار، فما ترى في شرائهم- إلى قوله-: «فقال لا بأس بشرائهم إنما اخرجوا من الشرك إلى دار الإسلام» (1).
و في آخر في شراء الروميات فقال: «اشترهن و بعهن» (2).
و في ثالث: نفي البأس عن الشراء من أهل الشرك ابنته (3).
و في رابع: نفي البأس عن شراء امرأته (4).
و في خامس: و سألته عن سبي الديلم يسرق بعضهم من بعض و يغير المسلمون عليهم بلا امام أ يحل شراؤهم؟ قال: «إذا أقروا لهم بالعبودية فلا بأس بشرائهم» (1).
و في سادس بعد السؤال عن استرقاق أهل الذمة قال: «لا تبتع حرا و لا أهل الذمة» (2).
و لازم الأخير تخصيص جواز الاسترقاق بأهل الحرب، كما أن صريح الخامس و ظاهر الباقين بإطلاقها جواز الشراء من المسترق و لو كان كافرا حربيا كأهل الديلم، و لا سند لنفيه إلّا أصالة عدم الاسترقاق المحكوم بالنصوص المزبورة، و لا ينافي ذلك فيئية مالهم للمسلمين إذ ذلك لا ينفي تملكهم بالاسترقاق، إذ الكفار مشتركون في الفروع مع المسلمين، و من جملتها ذلك، اللهم [إلّا] أن يدّعى أن مثل ذلك من الأحكام الامتنانية للمسلمين، فيختص بهم، و فيه نظر، لإمكان كونه من الأحكام المجعولة على خلاف امتنان الكفار و لو بكونهم قابلين للتملك و لو لمثلهم فضلا عن المسلمين.
هذا و يملك أيضا اللقيط من دار الحرب أو الأسير منه إذا لم يكن فيه مسلم يمكن تولده منه، و عمدة الدليل عليه الإجماع على اعتبار ظهور الحال في تولده من الكافر المستتبع لإلحاقه بالكافر الأصلي.
و في شمول كلماتهم صورة عدم العلم بوجود المسلم و إن كان ضأنا بوجوده بل و ضأنا بتولده منه اشكال، و القدر المتيقن من كلمات المجمعين صورة بعد تولده من المسلم و لو لبعد وجود المسلم، و إلّا فلزوم تحصيل الجزم بعدم المسلم فيهم لا فعلا، و لا سابقا على وجه يمكن تولده منه، بعيد عن مصب كلماتهم،
خصوصا مع استلزامه تنزيل الكلمات على النادر كالمعدوم.
نعم في غير هذه الصورة أصالة عدم التملك جارية خصوصا مع إطلاق جملة من النصوص بأن اللقيط لا يشترى و لا يباع (1)، فخرج عنها بالإجماع الصورة المزبورة، و بقي الباقي تحت المطلقات.
و في التعدي إلى غير اللقيط مما أخذ بنحو الأسر أو غيره اشكال، لاختصاص النصوص به، و لكن ذلك كذلك لو كان لنا دليل على اعتبار ظهور الحال في الإلحاق بالغالب من أهل الدار مطلقا، و هو مبني على قيام الإجماع السابق على اعتبار الظهور المزبور مع عدم وجود المسلم أو مطلقا، و إلّا فأصالة عدم تملك الغير كافية في عدم الاسترقاق، علاوة على عموم: «الناس كلهم أحرار إلّا من أقر بالعبودية»، و إن لم تشمله أخبار عدم شراء اللقيط و لكن الانصاف تمامية الإجماع المذكور على النحو المزبور.
و حينئذ لا بأس بشمول فحوى كلماتهم لغير اللقيط أيضا في الفرض المسطور كما يومئ إليه أيضا في الجواهر (2). و بهذا البيان أيضا أمكن تخصيص تملك الأسير أو غيره من دار الحرب بصورة جواز تملك اللقيط منه، و في غيره أصالة عدم الجواز محكمة كما لا يخفى.
و على أيّ حال لا إشكال في عدم جواز تملك اللقيط في دار الإسلام، فلو بلغ و أقرّ جامعا للشرائط، يعتبر إقراره بالرقية في حقه. و في النص أيضا: «أن الناس كلهم أحرار إلّا من أقر على نفسه بالعبودية و هو مدرك» (3)، و ذلك
ظاهر في إجراء جميع الأحكام عليه، حتى ما كان له من استحقاق النفقة على المقر له، فيكون في الدلالة على الرقية أولى من قاعدة الإقرار، إذ لا يثبت بها إلّا ما عليه من الآثار لا له.
فالنص المزبور ربما يشهد على كفاية دعواه مطلقا، و في شمول إطلاقه لصورة وجود المعارض لحريته تأمل، لإمكان انسباق الدعوى بلا معارض منه الذي له نحو معهودية في الحكم على طبق مؤداه كما في سائر المقامات، نعم بمقتضى عموم الإقرار من العقلاء لا بد و أن يترتب على مثله ما عليه من الآثار، بل و لا تكون البينة على الحرية مسموعة حينئذ، لعموم أصدقية الإنسان على نفسه.
و هذا بخلاف الدعوى بلا معارض، فإنه لا يسمع مع وجود المعارض، فضلا عن صورة قيام البينة على خلافه كما لا يخفى.
هذا و ربما يتوهم من قوله: «و هو مدرك» اعتبار الرشد أيضا في إقراره، و يؤيد بكونه مالا، و إقراره يرجع إلى تصرف ما لي يمنع عنه السفيه. و في الوجهين نظر، إذ المالية في المقام إنما حصلت بنفوذ الإقرار، فلا يصدق عليه تعلق إقراره بما محفوظ ماليته من الخارج، و لا تؤتوا السفهاء (1)لا يقتضي أزيد من ذلك.
و أما حديث المدركية فكناية عن بلوغه، و لا يستفاد منه أزيد من ذلك، فعموم دليل الإقرار باق بحاله خصوصا ما في نص آخر من قوله: «يؤخذ بما أقر به» (2)بلا تقييد. و مع هذا النص لا يصغى إلى توهم أن إجمال القيد في الأول يوجب سراية الإجمال في صدره فيسقط عن الدليلية، فلا يبقى في البين إلّا عموم إقرار العقلاء القاصر عن إثبات العبودية بجميع الجهات كما لا يخفى.
ثم أنه بعد ما اتضحت هذه المقدمة، فنقول: إنّ كل حيوان مملوك اناسيا كان أم غيره صح بيعه، للعمومات بلا اشكال، و يستقر ملك المشتري عليه بعقده، إلّا العبد الآبق، منفردا، و يصح مع الضميمة على ما تقدم تفصيله في السابق فراجع.
و كذا أم الولد مع وجود ولدها و إيفاء ثمنها أو القدرة عليه على ما تقدم أيضا شرح ذلك كله في محله، أو يكون العبد أبا للمشترى و إن علاه أو ابنا له و إن نزلوا، أو واحدة من المحرمات عليه نسبا أو رضاعا، و كذا المرأة في العمودين، فينعتق عليه لو ملكه بلا خلاف كما في الجواهر (1)في النسبي منها و على الأشهر، بل المشهور في الرضاعي.
و عمدة السند في ذلك جملة من النصوص المشتملة بعضها على قوله: «إذا ملك الرجل والديه أو أخته أو عمته أو خالته أو بنت أخته- و ذكر أهل هذه الآية (2)من النساء- عتقوا جميعا، و يملك عمه و ابن أخته و ابن أخيه و الخال، و لا يملك امّه من الرضاعة و لا أخته و لا عمته و لا خالته إذا ملكن عتقهن، و قال:
ما يحرم من النسب فإنه يحرم من الرضاع» (3).
و ذيله شاهد عدم اختصاص الحرمة بخصوص المذكورات في النص نسبا و رضاعا، بل يشمل جميع العناوين النسبية و الحاصلة مثلها من الرضاع، و في ذيله أيضا و قال: «يملك الذكور ما عدا والد و ولد، و لا يملك من النساء ذات رحم محرم»، قلت: يجري في الرضاع مثل ذلك؟ قال: «نعم يجري في الرضاع مثل ذلك».
و في نص آخر عن امرأة أرضعت ابن جاريتها، قال: «تعتقه» (1).
و في قبال هذه النصوص جملة أخرى قاضية بعدم انعتاق الرضاعي من المحرمات، و هي مستند القديمان (2)، و المفيد (3)، و الديلمي (4)، و ابن إدريس (5)، بل نسبة إلى المحصلين و هو قوله: «إذا اشترى الرجل أباه أو أخاه فملكه فهو حر، إلّا ما كان من قبل الرضاع» (6).
و في آخر في بيع الأم من الرضاع قال: «لا بأس بذلك إذا احتاج» (7).
و في ثالث: غلام بيني و بينهم رضاع يحل بيعه قال: «إنما هو مملوك إن شئت بعته و إن شئت أمسكته» (8).
و لكن لا يخفى أن الأخير و الأول قابل للحمل على الأخ بإرجاع القيد في الأول إلى الأخ، لأنه المتيقن، كما هو الشأن في الاستثناء عقيب الحمل المتعددة أو بحكمها.
و ربما يكون ما نحن فيه من صغرياتها، فلا يكون في البين ما هو صريح في المدّعى إلّا صحيح الحلبي المشتمل على الام (9)، و هو مع صحة سنده بضميمة عدم الفصل بين الام و غيره يصلح للمعارضة، بل يكون بحسب الدلالة أقوى من البقية، لإمكان حمل البقية على الكراهة، كما هو الشأن في النواهي الواردة
1) وسائل الشيعة 13: 29 حديث 3 باب 4 من أبواب بيع الحيوان.
2) نقله عنهما الشيخ محمد حسن النجفي في الجواهر 24: 142.
3) المقنعة: 92.
4) نقله عنه الشيخ محمد حسن النجفي في الجواهر 24: 142.
5) السرائر: 222.
6) التهذيب 8: 245 حديث 118.
7) التهذيب 8: 245 حديث 119.
8) وسائل الشيعة 13: 29 حديث 4 باب 4 من أبواب بيع الحيوان.
9) التهذيب 8: 245 حديث 119.
في الأخ الرضاعي.
و لكن الذي يوهنه إعراض الأصحاب عنه الموهن لسندها خصوصا مع صحتها و أقووية دلالتها، و لئن شئت نجعل ذلك شاهد وهن جهته و لو لإطباق العامة عليه، و حينئذ يحمل على التقية، لا بمناط الترجيح سندا و جهة كي يردّ عليه بتقدم الجمع الدلالي على الترجيح السندي أو التصرف في الجهة كما لا يخفى.
ثم ان مقتضى تطبيق الامام عمومات المنزلة على المقام، ربما يقتضي عدم تخصصها بالنسبة إلى خصوص باب النكاح، بل لا بد من ترتيب آثار علّية النسبية على الرضاع، مع أنه ليس بناءهم عليه في باب الإرث و الولاية و أمثالهما، فلا محيص من دعوى وهن العمومات بكثرة التخصيص، فلا يعمل بها إلّا بجبر عملي من الأصحاب، و لا أظن عملهم عليها إلّا في النكاح و هذا المقام، فتدبر.
بل ربما يشكل التعدي من عتق المحرمات من العناوين النسبية في الموارد التي تثبت الحرية في الرضاع في باب النكاح على خلاف القاعدة و لا يتعدى منها إلى عتقه، لعدم تمامية الكلية في التلازم بين حرمة النكاح و عتقه.
ثم إن لسان النصوص من حيث ترتب الانعتاق على الملك و عدمه بحصول الانعتاق بدوا مختلفة، ففي بعضها مثل الخبر المذكور سابقا هو الأول، و في بعضها «و لا يملك أمه» إلخ، و يمكن حمل الأخير على نفي الاستقرار، و يحتمل حمل الأول على الملكية الاقتضائية. و لا ينافيه أيضا عموم: «لا عتق إلّا في ملك» (1)، لإمكان حمله على العتق الاختياري لا الانعتاق القهري.
1) وسائل الشيعة 16: 7 حديث 2 باب 5 من أبواب العتق.
و التحقيق في المقام أن يقال بابتناء المسألة على أن طبع البيع هل يقتضي المبادلة من الطرفين، أم لا يقتضي إلّا البدلية من طرف واحد و أما الطرف الآخر فهو تابع قصد المتبائعين، ذلك مع قابلية المحل لكسب لون الملكية.
فعلى الأول فلا محيص من الالتزام بالملكية انا ما حفظا لحقيقة المبادلة فتعين الجمع بين النصوص بالجمع الأول و جعل المراد من نفي الملكية نفي استقراره لا أصله.
و على الثاني فمع عدم قصدهما المبادلة من الطرفين فلا محيص من الجمع الثاني، إذ لا مقتضى حينئذ لحصول الملكية الفعلية، بل غاية الأمر فيه اقتضاء الملكية ذاتا كما لا يخفى.
و أما مع قصدهما المبادلة من الطرفين ربما يقع الترديد في ترجيح أحد الجمعين، فعلى اختيار الجمع الثاني يكون المورد مما لا يقبل الملكية الفعلية فينعتق بدوا، و على اختيار الأول ينكشف ذلك عن قابلية المحل له، و المفروض أن الطرفين أيضا قصد المبادلة من الطرفين، فيملك و يترتب عليه الانعتاق قهرا. و حينئذ فربما يكون الجمع الأول أولى، لانصراف الذهن من الملكية المطلقة إلى المستقرة منها، فنفيها أيضا محمول على ذلك.
ثم بعد ذلك لا وجه للالتزام بالملكية آنا ما، لكفاية الترتب فيه عقلا، بحيث يكون حاصلان في زمان واحد بنحو الترتب، و لا محذور في اجتماع النقيضين في زمان إذا كان ذلك بنحو الترتب، بل الاختلاف في الرتبة ترفع المناقضة، و عدم مساعدة ذهن العرف إلى هذا المعنى غير مضر، بعد ما كان ذلك من جهة قصورهم في عالم التطبيق، لا في تحديد مفهوم اللفظ. و ما يتبع فهمهم فيه هو الأخير لا الأول كما لا يخفى.
هذا و كيف كان يكره أن يملك ما عدا المحارم من النساء و عموديه و أبنائه عاليا و سافلا إذا كانت من قرابته من الأخ و الخال و العم و غيرهم، و في موثقة
سماعة، في رجل تملّك ذا رحمه، قال: «لا يصلح بيعه و لا يتخذه عبدا» (1).
و يجمع بين ذلك و بين ما دل بملك ما سوى ذلك من الرجال من ذي قرابته كما في بعض النصوص (2)بالحمل على الكراهة، بل يحمل النهي عن تملك الأخ و تجويز تملك ابنه في نص آخر على مراتب الكراهة بقرينة السابقة كما لا يخفى.
و في شمول الحكم في ما ذكرنا كله القرابة الحاصلة من الزنا تردّد، أقربه الشمول، لصدق العنوان، و نفي الولدية في بعض المقامات منصرف إلى أحكام خاصة من الإرث و أمثالها، و شمولها لمثل هذا الحكم نظر، فتأمل.
و مما لا يستقر ملكه ما أفاد المصنف بقوله: أو يكون المشتري كافرا و العبد مسلما، و لقد تقدّم شرح ذلك أيضا مستقصى قبل بحث الخيارات فراجع، أو يكون موقوفا، لعدم صحة تملك الوقف المخرج عن وقفيته إلّا عند تحقق مجوزات بيعه، و لقد تقدم شرح ذلك أيضا في طي بيع الوقف فراجع.
و لو ملك أحد الزوجين صاحبه استقر الملك و بطل النكاح، و الأصل في ذلك على خلاف مقتضى الاستصحاب بعد تساقط الإطلاقين النصوص الخاصة الواردة تارة بلسان: «تفارقه و ليس له عليها سبيل» (3)، و اخرى: «ليس بينهما نكاح» (4)، و ثالثه: هل يبطل نكاحه؟ قال:
«نعم» (5)، و رابعة قول الأمير في ردعها عن الجماع، و انه موجب للرجم (6).
1) وسائل الشيعة 13: 30 حديث 6 باب 4 من أبواب بيع الحيوان.
2) وسائل الشيعة 16: 9 باب 7 من أبواب العتق.
3) وسائل الشيعة 14: 556 حديث 1 باب 49 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
4) وسائل الشيعة 14: 557 حديث 4 باب 49 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
5) وسائل الشيعة 14: 557 حديث 2 باب 49 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
6) وسائل الشيعة 14: 556 حديث 3 باب 49 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
و هذه النصوص بضميمة فتوى الأصحاب كافية في رفع اليد عن الأصل المزبور، و المسألة في غاية الوضوح بحمده و منّه، كوضوح عدم الفرق بين ملك التمام أو البعض. و في صحيح ابن سنان التصريح بمانعية ملك البعض أيضا عن بقاء النكاح.
كالنصف و الثلث و غيرهما بلا اشكال، للعمومات، و في الذبيحة كذلك لو قيل بعدم كونه قبل تفرق اجزائه من الموزون، و إلّا فلا بد من تعيين وزنه فرارا عن الغرر، و لا اشكال ظاهرا أيضا بحسب الفتاوى ببيع أجزاء معينة من الحيوان الحي، سواء المأكول المقصود به أكل لحمه أو غيره المقصود منه حمله و ركوبه.
و عمدة الوجه فيه ارسالهم ذلك في سلك المسلّمات الحاكي عن أطباق كلمة الأصحاب، و هو الفارق بين المقام و بين مسألة استثناء الرأس و الجلد، مع أنهما في الحقيقة من واد واحد، و الأصل فيه ما في النص المحكي عن السكوني قال: اختصم إلى أمير المؤمنين رجلان، اشترى أحدهما من الآخر بعيرا و استثنى البيع للرأس و الجلد، ثم بدا للمشتري أن يبيعه، فقال للمشترى: «هو شريكك في البعير، على قدر الرأس و الجلد» (1).
و في آخر قضاء الأمير بمثله (2).
و الظاهر من قوله: استثنى في البيع الرأس و الجلد كون الغرض استثناء نفي الرأس و الجلد، لا كونهما معيارا لمقدار استثناء جزء متاع من الحيوان، و لازمة بقاء ملكية نفس الرأس و الجلد من الحيوان للبائع، كما أن مقتضى قوله: بدأ
للمشتري، لا يذبحه و يبيعه كون المقصود من البيع أولا هو ذبحه.
و في مثل هذه لا بأس بتملك نفس الرأس و بقاء الاستثناء بحاله، إذ هو في حد نفسه شيء قابل للتملك مستقلا، و لذا التزموا في مثل هذه الصورة بأنه على فرض الذبح لا يستحق البائع إلّا نفس الرأس و الجلد، لعدم تصور نفع لهما في هذه الحالة، فلا اعتبار لملكيتهما عند العقلاء. و لازمة الالتزام بالكشف عن بطلان البيع، أو الاستثناء المزبور من الأول.
و لقد أشرنا أيضا إلى قيام الإجماع على عدم جواز بيع الرأس أو غيره من أجزائه المعينة، و لكن قام النص تعبدا على صحة الاستثناء المزبور و صيرورته منشأ لشركة البائع في العين بمقدار مالية الرأس و الجلد كما هو ظاهر قوله:
«شريكك في البعير على قدر الرأس و الجلد» فكأن المقام من قبيل شركة الفقير في عين البعير بمقدار الشاة، لا كشركة الزوجة مع الورثة في العقار، بأن لا يكون شريكا إلّا في صرف ماليته بلا استحقاقه من العين شيئا، و لا بأس بالالتزام بهذا المقدار من خلاف القاعدة بمقتضى النص المزبور بعد ما كان معمولا به، و طرح بعض آخر بمحض كونه على خلاف القاعدة منظور فيه كما لا يخفى.
هذا و لو شرط أحد الشريكين عند ابتياعهما للحيوان أن له الرأس أو الجلد بماله كان له بنسبة ماله لا ما شرط، و الوجه فيه أيضا بعد كون الشركة المزبورة خلاف ظاهر استثنائه، كما أشرنا إلى ما في صحيح الفتوى في رجل شهد بعيرا مريضا و هو يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم و أشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس و الجلد، فقضى أن البعير بريء فبلغ ثمنه ثمانية دنانير، قال:
فقال: «لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فإن قال: أريد الرأس و الجلد فليس له ذلك، هذا الضرار و قد اعطي حقه إذا اعطى الخمس» (1).
1) وسائل الشيعة 13: 49 حديث 1 باب 22 من أبواب بيع الحيوان.
و قد أفتى بمضمونه من أبطل الاستثناء المزبور أيضا على المحكي في الجواهر (1)، نعم ظاهر الصحيح المزبور مثل النصوص الواردة في الاستثناء كون المبيع مما قصد ذبحه، لا مطلقا، و هو الذي قلنا بأنه لا بأس فيه، لتملك الرأس بنفسه في فرض الذبح، بخلاف ما لو قصد به من الأول إبقاءه، خصوصا في ما لو كان الغرض المقصود منه ركوبه لا أكل لحمه بذبحه، إذ لا معنى عند العقلاء لتملك رأسه بنفسه، و لازمة بطلان مثل هذا الاستثناء أو بيعه.
و حينئذ فالحكم بالشركة الذي هو على خلاف القاعدة منزّل أيضا على هذه الصورة لا مطلقا، لوجوب الاقتصار في أمثاله على المورد المتيقن من النصوص و إليه أشار أيضا في الرياض بقوله: مع ظهوره كما سبق في ما يقصد الذبح، فلا وجه للتعميم (2)، و حينئذ إطلاق المصنف كغيره لا يخلو عن تأمل كما لا يخفى.
و لو أمره بشراء حيوان أو غيره بشركته صح، و لزمه نصف الثمن بلا اشكال، لظهور إطلاق الشركة في كون نسبتهما إلى المبيع بالسوية، و يلزمه حينئذ نصف الثمن، و لو ادعى الآمر خلاف ظاهر لفظه لا يسمع.
و لو شرط رأس المال، يعني لو قال: الربح لنا و الخسران عليك، لم يلزم الشرط بمقتضى القواعد مع فرض الشركة، بناء على اقتضاء الشركة بذاته كون الربح و الخسران عليهما. و أما لو قيل: بأن ذلك من لوازم إطلاق الشركة لا ذاته، بمعنى أن عدم ضمان الغير للخسران من جهة عدم اقتضاء الشركة ذلك لا من جهة اقتضائه عدمه، فلا ضير في شرطه بلا لزوم خلاف مشروعية في شرطه.
و المسألة من هذه الجهة لا تخلو عن تأمل و إن كان الأصل مع الشك في هذه الجهة عدم مخالفة الشرط للمشروع المستتبع لصحة الشرط، و لعله إلى مثل هذه الجهات نظر سيد الأعاظم في حاشيته حيث قال: و لكن اللزوم ليس ببعيد خلافا للجواهر (1)، بل و في صحيح رفاعة قال الإمام عليه السلام في الجواب عن السؤال عن مورد الكلام: «لا أرى بهذا بأسا» (2)، و لذا نسب في التكملة الشريفة لزوم الشرط إلى الرواية أيضا.
و لو أذن أحدهما لصاحبه أن ينقد عنه ما عليه من الثمن صح و كان المبيع أيضا بينهما، غاية الأمر كان للناقد الرجوع إلى الآمر في ما نقد بظهور أمره في إرادة الدفع بضمانه لا مجانا، كل ذلك بمقتضى القواعد واضحة كما لا يخفى.
و كيف كان
بحيضة إن كانت تحيض، و إلّا فخمسة و أربعين يوما، أما وجوب الاستبراء على البائع قبل بيعها فالظاهر عدم الخلاف فيه حتى من المقنعة (3)المعبّر عنه بلا ينبغي بقرينة تعبيره عنه في باب لحوق الأولاد بلا يجوز.
و يدل عليه نصوص مستفيضة، منها ما في صحيح حفص المشتمل على قوله:
«عليه أن يستبرئ من قبل أن يبيع» (4).
و في آخر: «يستبرئ رحمها بخمسة و أربعين يوما» (5).
و في ثالث نادى المنادي: أن استبرءوا سباياكم بحيضة (6).
و ما في صحيح علي بن جعفر من قوله: عن الرجل يشتري الجارية فيقع عليها، أ يصلح أن يبيعها من الغد؟ قال: «لا بأس بذلك» (1)، مطروح باعراضهم، أو مؤول بمن تسقط عنها الاستبراء لليأس أو غيره، أو محمول على بيان جواز البيع لا جواز ترك الاستبراء و هو أقرب المحامل، بناء على ما هو الظاهر من النصوص و الفتاوى من كون وجوب الاستبراء من البائع قبل البيع نفسيا لا شرطيا لصحة البيع و إن أحب التأمل فيه في الجواهر (2)لو لا قيام الإجماع على خلافه، و لكن الإنصاف أنه تأمل في غير محله.
و كون المقام من قبيل الأوامر الواردة في مقام بيان كيفية العمل المحمولة على الإرشاد بالشرطية منظور فيه، إذ مناسبة الاستبراء لجواز الوطء من المشتري أوهن، حيث شرطه للبيع و قوى جهة تكليفيته مقدمة للوطء المزبور، غاية الأمر عهدة حفظ هذه المقدمة على البائع، فصار بالنسبة إليه من قبيل الوجوب النفسي.
و حينئذ فلو باع قبل الاستبراء، فإن كان عامدا في البيع و لم يتمكن من إرضاء المشتري فأثم، و إلّا فله إرضاؤه فيه، و بعد البيع لا سلطنة على البائع من حبسه على المشتري، لأنه خلاف سلطنته على ماله. و قول بعض بوجوب حبسه و لو عند عدل منظور فيه، لعدم مساعدة القواعد عليه فتدبر.
و من التأمل في النصوص المزبورة أيضا ظهر وجه الحكم الآخر من أنه بمضي حيضه إن كانت ممن تحيض، و إلّا فخمسة و أربعين يوما، و ما في بعض النصوص من تعيين الحيضتين (3)محمول على الفضيلة جزما، كما أنّ الظاهر
من مضي حيضة كون زمان استبرائه انتظار حيضة، و هذا المقدار لا يقتضي ترك وطئه قبل مجيء الحيضة فضلا عن سائر استمتاعاته، و به صرّح أيضا في الجواهر (1). و أمّا الاستبراء بالزمان فالظاهر المنصرف إليه النصوص ترك وطئه فيه.
و أمّا ترك بقية الاستمتاعات ففي شمول النصوص لها نظر، بل في بعض النصوص التصريح بالجواز في المشتري الجاري في البائع بعدم الفصل بينهما من هذا الطرف، و إن قيل به في عكسه، و هو صحيح ابن إسماعيل قلت: أ يحل للمشتري ملامستها قال: «نعم» (2)، و بذلك يرد قول جماعة بعدم جواز سائر الاستمتاعات على المشتري ناظرين إلى بعض النصوص المشتملة على قوله:
«لا يقربها» (3)تارة، و قوله: «إذا طهرت فليمسها» (4)اخرى، و يمكن حمل أمثال هذه النصوص على الكناية عن الوطء، إذ لا توجب القرائن المنفصلة قلة ظهورها، فهي على ظهور حرمتها على الإطلاق بالفرض باقية، و يرفع اليد عن حجّيتها بمقدار قيام الدليل على حجّيتها كما لا يخفى.
ثمّ في جواز وطء الدبر كلام آخر، منشأ الاختلاف انصراف الإطلاقات بمناسبة الحكمة إلى الفرج، و لكن يمكن تسرية الحكمة في الدبر أيضا، لإمكان الحمل معه بالانسباق كما هو الشأن في صورة العزل، و في النصّ أيضا وجوب الاستبراء معه (5). و حينئذ لا قصور في شمول الإطلاقات له، لأنّه أحد المائتين، فتدبّر.
و كيف كان لو لم يستبرئ البائع في مورد يجب عليه استبراؤه، وجب على المشتري الاستبراء المزبور، للنصوص المستفيضة المشار إلى بعضها. و مع الوثوق باستبرائه لا يجب على المشتري بلا اشكال فيه أيضا فتوى و نصا.
و في النص المنسوب إلى البختري: «إن وثق به» (1)، يعني بإخبار البائع باستبرائه فلا بأس أن يطأها يعني على المشتري، و في آخر: «إن كان عندك أمينا فمسّها» (2)، و طرح ذيله لا يضرّ بمورد الاستدلال.
و في ثالث: «إن ائتمنه فمسّها» (3).
و ما في بعضها من الأمر بالاستبراء مع عدم وطء صاحبها (4)مطروح، أو منزّل على استحباب استبرائه، أو على صورة العلم بوطء غير البائع بوجه صحيح، كما أفاد في الجواهر (5)مع مناسبته لحكمة الاستبراء. و في إلحاق صورة الجهل و عدم الوثوق بصورة العلم في المقام نظر، نعم ظاهر تعليق الحكم بالوثوق من قبل البائع جريان وجوب استبراء المشتري مع عدمه، و لذا أفاد في الشرائع وجوب الاستبراء على المشتري مع جهله (6).
و على أيّ حال بمثل هذه النصوص يرفع اليد عن إطلاق ما دلّ على ثبوت الاستبراء على المشتري، بل في بعضها الجمع بين استبرائهما، و لا بدّ و أن يحمل بقرينة السابقة على صور عدم وثوقه بعدم وطء البائع في مدّة استبرائه كما لا يخفى.
1) وسائل الشيعة 14: 503 حديث 1 باب 6 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
2) وسائل الشيعة 14: 503 حديث 2 باب 6 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
3) وسائل الشيعة 14: 504 حديث 4 باب 6 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
4) وسائل الشيعة 14: 504 حديث 5 باب 6 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
5) الجواهر 24: 204.
6) الشرائع 2: 59.
و يسقط الاستبراء بنحويه على اليائسة و الصغيرة بلا إشكال أيضا فتوى و نصا، و في النص: عن الجارية التي لم تبلغ حدّ الحيض أو لم تحض، فقال: «لا عدّة عليها» (1).
و في آخر: عمن لم تدرك أو يئست عن المحيض، فقال: «لا بأس بها أن لا يستبرئها» (2).
و في بعض النصوص من الأمر بالاستبراء لمن لم تبلغ الحيض (3)، محمول على الغير البالغة حدّ الحيض بحسب المتعارف مع بلوغها و كبرها. كما أنّ ما في نصّ أخر من إثبات الاستبراء لمن قعدت عن المحيض أو لم تحض (4)أيضا محمول على من كانت بسنّ من تحيض جمعا بين النصوص إطلاقا و تقييدا. و في بعض آخر الجمع في غير البالغ بين نفي العدّة و جواز الوطء (5).
و حمله في الجواهر على صغرها عند البائع و بلوغها عند المشتري (6)، و لكنّه خلاف الظاهر، لظهوره في كونهما في حكمي الصغيرة التي لا يتخوف عليها الحمل.
و الأولى حمله على الغير البالغة حد الحيض المتعارف فيها عدم الحمل غالبا و عادة، لا الغير البالغة المصطلحة، و أن المراد من نفي العدّة هي ما على الحامل من العدة المعهودة، و ذلك لا ينافي ثبوت الاستبراء بقسميه في حقها، بل بمثل ذلك يمكن رفع اليد عن تشكيك الجواهر من ثبوت العدّة على البالغة، أو
1) وسائل الشيعة 14: 499 حديث 4 باب 3 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
2) وسائل الشيعة 14: 499 حديث 8 باب 3 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
3) وسائل الشيعة 14: 499 حديث 7 باب 3 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
4) وسائل الشيعة 14: 499 حديث 6 باب 3 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
5) وسائل الشيعة 14: 498 حديث 1 باب 2 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
6) الجواهر 24: 209.
الاستبراء بالمدّة المعهودة حتى التجأ بالآخرة إلى الاستصحاب (1).
و لكن يمكن رفع التشكيك بمثل هذا النص، و به يحمل ما اشتمل على ثبوت العدة على الفضيلة، و إلّا فالواجب ليس إلّا الاستبراء المزبور بأحد نحويه كما لا يخفى.
و يسقط أيضا عن المستبرأة عند البائع أو غيره، لما عرفت مفصّلا في ذيل الفرع السابق، و عن أمة المرأة أيضا على المشهور، و في النص المستفيض نفي البأس عن وطئها قبل استبرائها (2)، و في بعضها استبرأت جارية بالبصرة من امرأة فخبّرتني أنّه لم يطأها أحد فوقعت عليها و لم أستبرئها، فسألت ذلك عن أبي جعفر عليه السلام قال: «هو ذا أنا فعلت ذلك و ما أريد أن أعود» (3).
و في الرياض إشعاره باشتراط الوطء بعدم وطء غيرها بتحليل أو غيره (4)، و في الدلالة نظر. نعم لا بأس بمقتضى الحكمة من الالتزام به في صورة العلم به، و أمّا مع الجهل فلا دليل عليه في المقام بعد اقتضاء الأصل عدم الوطء و لا مجال للتعدّي من باب أمة الرجل و احتمال وطئه بمقتضى نصوصه إلى غيره لو لا دعوى تنقيح المناط فيه كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
على المشهور، خلافا لابن إدريس فالتزم بالكراهة (5)، و لجمع آخر فالتزموا ببقاء
الحرمة إلى زمان وضعها.
و عمدة سند المشهور نصّ رفاعة المشتملة على رواية التهذيب: «إلى أن تبلغ في حبلها أربعة أشهر و عشرة أيام، و إذا جاز حملها أربعة أشهر و عشرة أيّام فلا بأس بنكاحها في الفرج» (1). و به يرفع اليد عن ظهور النصوص المشتملة على زمان الوضع (2)، التي هي سند جمع آخر ما زاد عما ذكر على الكراهة.
و سند ابن إدريس ما في رواية أخرى لرفاعة قال في الأمة الحبلى يشتريها الرجل قال: «سئل أبي عن ذلك فقال أحلّتها آية و حرمتها آية أخرى، فأنا ناه عنها نفسي و ولدي» فقال الرجل: أنا أرجو أن انتهى كما نهيت نفسك و ولدك (3). بتقريب أن سوق الرواية شاهد الحمل على الكراهة و إن نهى نفسه من جهة ديدنهم من الاجتناب عن المكروهات. و فيه نظر، لإمكان حمل مثل هذا البيان على التحذّر عن المخالفين الذين بناؤهم على جوازه، و عليه فالمشهور هو المنصور، و اللّٰه العالم.
ثم إنّ في غالب النصوص لفظ: «الفرج»، و في بعض آخر لفظ:
«الوطء»، و في ثالث: «يحرم من الإماء عشرة»، و منها: «الحلبي حتّى تضع» (4). و في انصراف أمثال هذه إلى القبل كما أفاده المصنّف، و يناسبه أيضا التعليل في بعض النصوص بتغذّي الولد (5)وجه، و الأوجه هو الأخذ بإطلاق الوطء و أنّ الفرج أيضا غير ظاهر في القبل، و تغذّي الولد أيضا حكمة غير مطّردة، فالأقوى بل الأحوط إلحاق الدبر أيضا.
و أمّا سائر الاستمتاعات فلا إشكال في جوازه، و النهي عن القرب لما دون الفرج في النص أيضا محمول على الكراهة بقرينة سائر النصوص المرخصة كما لا يخفى.
و كيف كان فإن فعل عزل، و لو لم يعزل كره بيع ولدها، و ظاهر العبارة بإطلاقه يقتضي وجوب العزل مهما وطأ الحامل و لو قبل مضي أربعة أشهر و عشرة، غاية الأمر عند العلم بحملها و لو لم يستبن. و لكن لا أظن بإرادة هذا الظاهر، إذ لا أظنّ بالالتزام به أحدا، إذ هم بين من يعتبر في موضوع مشروعيّة العزل بالوطء وقت استبانة الحمل، و بين من عبّر بقوله: حيث يجوز وطء الحامل و لو من بعد مضي أربعة أشهر و عشرة.
و ربّما يؤيّد الأوّل ما في النص: في رجل اشترى جارية حاملا و قد استبان حملها قال: «بئسما صنع»، قال: فما تقول؟ قال: «اعزل عنها» إلى أن قال:
«إن عزل عنها فليتّق اللّٰه فلا يعود، و إن لم يعزل عنها فلا يتبع ذاك الولد و لا يورثه، و لكن يعتقه و يجعل له شيئا من ماله يعيش به، لانّه غذاه من نطفته» (1)، بل قوله: «فليتّق اللّٰه» شاهد عدم جواز وطئه، فلا بدّ و أن يحمل على صورة يحرم وطؤه، و هو عند المشهور قبل بلوغ أربعة أشهر و عشرة. نعم ذيله من حكمة تغذّي الولد يساعد وقت ولوج الروح، و وجه المحتاج إلى التغذّي، و هو لا يكون قبل أربعة أشهر.
و حينئذ فلا بدّ من حمل الأمر بالإبقاء على مذهب من التزم بحرمة وطء الحامل مطلقا، كما أنّه عند المشهور لا بدّ من حمل الأمر المزبور على الاستحباب، و لازمة المصير إلى استحباب العزل بقرينة صحيحة رفاعة المتقدّمة المستند
1) وسائل الشيعة 14: 507 حديث 1 باب 9 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
للمشهور، و لازمة حمل الاستنابة في صدره على مرتبة يساعد ذيله. و بمثل هذا البيان ينبغي بيان وجه حمل الرواية على الاستحباب.
و العجب من الرياض حيث التزم بوجوبه لو لا الإجماع (1)، و هو كما ترى، بل لازم ذلك تخصيص مشروعيّة العزل بزمان قابليّة الولد للتغذّي، و هو بعد مضي أربعة أشهر و عشرة، و هو زمان جواز وطئه عند المشهور.
و يمكن حمل ما أفاد في جامع المقاصد بقوله: حيث يجوز وطؤه على ذلك (2)، بناء على جعله كناية عن مضي الأربعة أشهر. و لكن في الجواهر قال: حيث يجوز الوطء (3)، على الخلاف الموهم لمشروعيّة العزل على القول بالجواز حتّى على مذهب ابن إدريس (4)، و عدم مشروعيّته عند ما لا يجوّز وطء الحامل مطلقا.
و لا يخفى أن إتمام الدليل على هذا المعنى مشكل جدا، لعدم مساعدة النص المزبور إلّا على ما ذكرنا، فراجع.
و حينئذ فلا بدّ من حمل عبارة المصنّف على هذا المعنى أيضا، لما عرفت من عدم القول بما أفاد على إطلاقه، و اللّٰه العالم.
و من التأمّل فيما ذكرنا ظهر وجه كراهة بيع ولده، نظرا إلى الحكمة المزبورة من تغذّيه من نطفته، فكأنه يتشبث بكونه ولده و نفس ذلك قرينة حمل النهي فيه على الكراهة، و لا أقل من كونه من القرائن الحافّة الصالحة للقرينيّة.
فلا يصغى أيضا إلى توهّم ظهور النهي عن البيع في الحرمة كما لا يخفى، و من النص المزبور أيضا يستفاد رجحان عزل شيء من ميراثه لتعيّشه.
و يستحبّ أيضا تغيير اسمه، و إطعامه شيئا من الحلاوة، و الصدقة عنه بأربعة دراهم، و لا يريه ثمنه في الميزان. كل ذلك لما في نصّ زرارة قال: «فإذا اشتريت رأسا فلا ترين ثمنه في الميزان، فما من رأس يرى ثمنه في كفة الميزان فأفلح، و إذا اشتريت رأسا فغيّر اسمه، و أطعمه شيئا حلوا إذا ملكته، و تصدّق عنه بأربعة دراهم» (1).
، و الظاهر أنّ الغرض من هذا التحديد بيان أوّل حدّ استغناء الطفل غالبا، و إلّا فليس من هذا التحديد في لسان النصوص أثر، و إنّما لسانها مشتمل على عنوان الاستغناء عن أبويها.
و على أي حال ظاهر جملة من النصوص الأمر ببيعهما جميعا أو امساكهما كذلك، الملازم لعدم التفريق. و ظاهر هذه الأوامر حرمة التفريق، و لكن في بعضها التعليل بقوله: «ما آمنت لو حبستها أن أرى في ولدي ما أكره» (2)و مثل هذا التعليل موهن ظهور الأمر برده في الوجوب، و لكن في صلاحيته للقرينيّة على صرف البقيّة إشكال، لكونه من المنفصلات الغير الساري إجمالها إلى غيرها، فهي على ظهورها بلا صلاحيّة العمومات مثل قاعدة السلطنة و غيره أيضا لرفع اليد عن ظهورها. و لعله لذا ذهب جمع من الأعاظم إلى الحرمة.
نعم لا يقتضي ذلك بطلان البيع لمعلوميّة الحكمة في حرمة إيذاء الطفل و الأم، و مثل ذلك لا يقتضي بطلان بيعه و إن أثم بالتفرقة، و لا يلتزم القائل بالتحريم أزيد من ذلك، كيف و النصوص أبيّه عن مثل هذا المعنى كما لا يخفى.
ثم إن حكمة إيذاء الطفل و الأمّ اقتضت الاقتصار في الحرمة أو الكراهة بصورة عدم رضاهما، و إلّا فلا بأس عند طيبهما بالفراق. و في النص أيضا: «و إن كان له أم فطابت نفسها و نفسه فاشتره» (1).
و في شمول الإطلاقات صورة الافتراق في الملكيّة محضا بلا افتراق بينهما خارجا كالبيع بالوالد و الولد المتلازمين محلّا غالبا اشكال، لعدم المجال في الحكمة المزبورة التي بحسب الارتكاز من القرائن الحافة بالمطلقات، كما أنّ الظاهر من قوله: «من الاستغناء عن أبويهما» عدم اختصاص الأم بذلك، نعم ينصرف الإطلاق إلى صورة انس الطفل بالوالد أيضا، و إلّا فشمول الإطلاق منظور فيه.
و في التعدي إلى سائر الأرحام المأنوس بها تأمّل و إن أفاده في الرياض (2)و في بعض النصوص: يشتري الغلام أو الجارية و له أخ أو أخت أو أم قال:
«لا يخرجه إلى مصر آخر إن كان صغيرا» (3)، و لكن في ذيله يخصّص الام بطيب النفس، و ذلك شاهد حمل الصدر على الكراهة. و لا أظنّ التعدي من القائل بالحرمة إلى كل رحم مأنوس به و إن كانت حكمة الإيذاء جهة مشتركة، و لكنّه حكمة لا علّة، غاية الأمر شأنه المنع عن الإطلاق عن فاقدها كما لا يخفى.
هذا و كيف كان
و على المشتري عشر قيمتها إن كانت بكرا و إلّا نصفه، و عليها أيضا قيمة الولد يوم سقطه حيّا.
و الأصل في ذلك ما في صحيح الوليد: في رجل يتزوّج امرأة حرّة فوجدها أمه دلّست نفسها إلى أن قال: «و لمواليها عليه عشر قيمتها إن كانت بكرا، و إن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها» (1)، و مورد النص و إن كان صورة التزويج، و لكن التعبير: «بما استحل من الفرج» بمنزلة التعليل الجاري في الشراء أيضا، فيصلح التشبث به في المقام، و به يرفع اليد عما أفيد، و نسب إلى الشيخ في مبسوطة (2)من ثبوت مهر مثله بمقتضى قاعدة تضمين الفروج الصالح مثل النص المزبور لرفع اليد عن القاعدة المزبورة.
و يكفي لوجوب قيمة الولد أيضا مرسلة مجبورة بالعمل من قوله عليه السلام:
«و يأخذ الرجل ولده بقيمته» (3).
و في آخر: «و يدفع المبتاع قيمة الولد» (4)و المتيقّن منهما قيمة يوم الولادة، لأنّه الأقل براءة من الأكثر، و اللّٰه العالم.
و بعد دفع المشتري هذه القيم و غيرها إلى المالك يرجع لجهله و كونه مغرورا إلى البائع إذا لم يكن عالما بالغصب وقت البيع أو وقت ما يوجب التغريم من إتلاف منافعها، لقاعدة الغرر كما أسلفناه في بحث الفضولي فراجع، مضافا إلى النص في المقام من قوله: «و يرجع إلى من باعه بثمن الجارية و قيمة الولد».
نعم مع العلم بالغصب لا شبهة في ضمانه سائر منافعها و أعمالها، و أمّا ضمان قيمتها من العشر أو نصفه ففيه اشكال، لعدم احترام الوطء، و اختصاص النصوص بصورة جهل المشتري، نعم يشمل إطلاقها صورة علم
الأمة كما هو ظاهر تدليسها في النص السابق، فلا يقاص المقام بباب المهر الساقط مع علم الزوجة بالزنا، و صرّح به في الجواهر أيضا. و كلامه ظاهر أيضا في عدم ثبوت القيم المزبورة مع علم المشتري فتدبّر في الكلمات كما هو حقّه.
على ما عرفت شرحه، و ورد النص (1)بذلك أيضا كما أشرنا فراجع.
و كذا المنصوص جواز شراء بنت الظالم (2)و أخته و امرأته و غيرها من أقاربه، و في خبر عبد اللّٰه اللحام نفي البأس عن شراء بنت المشرك، و فيه أيضا شراء امرأته قال: «لا بأس» (3)، و يتعدّى منهما إلى بقيّة الأقارب بعدم الفصل. و يمكن حمل النص أيضا على الشراء صورة، لأنّه نحو استنقاذ لفيئه، كي لا ينافي عدم تملكهم لأقاربهم بملاحظة كونهم مكلّفين في الفروع كتكليفهم بالأصول. و إليه ذهب العلّامة أيضا، و لكن في الجواهر أنّ لازمة عدم جريان أحكام البيع عليه، و هو باطل جزما.
أقول يمكن إجراؤها بإطلاق عنوان الشراء عليه عناية بلحاظ آثاره، فلا ينافي حينئذ ترتّب مثل هذه الآثار مع عدم كونه بيعا حقيقة، جمعا بين النصوص و القواعد كما لا يخفى.
عند المصنّف و استرجع الثمن، و لو مات و لا عقب له دفعها إلى الحاكم.
و مستند الحكم الأوّل نص السمّان، و لكن في ذيله: «إن مات و مات عقبه فليستسعرها» (1)، بلا تعرّض فيه لدفعها إلى الحاكم. و لقد حكى في الشرائع قولا على طبق مضمون النص، و جعل الأشبه دفعها من الأوّل إلى الحاكم بلا استسعاء بلا دفعها إلى البائع أصلا (2)، و هو بمقتضى القاعدة في منتهى المتانة، لعدم وجه لدفع مال الغير إلى سارقه، لأنّه تفريط لا يصحّ من الأمين الشرعي، بل لا بدّ من دفعه إلى وليّه و هو الحاكم في الصورة المفروضة. أو لأنّه مال مجهول المالك، فيرجع الأمر فيه إلى حكّام الشرع.
و لا وجه لإجراء حكم اللقطة عليه من تعريفه سنة، لانصراف موضوعه عنه. كما أنه لا مجال لاستسعائها، لأن منافعها لمالكها الغير المستحقّ عليه شيئا، و إنّما حق المشتري عند البائع، فلا وجه لاستسعائها قبال ثمنها، و عليه فإن تمّت سند النص المزبور في قبال القاعدة المسطورة فلنأخذ بمضمونه.
و لا وجه لإرجاعها إلى الحاكم قبل استسعائها بأداء حق المشتري كما هو المحكي قولا في الشرائع، و إلّا فلا بدّ من المصير إلى ما اختاره في الشرائع و عدم إرجاعه إلى البائع أصلا. فما أفاده المصنّف حينئذ لا يخلو عن تأمّل، لعدم مساعدة النص معه و لا للقاعدة كما لا يخفى.
و لقد أفتى سيد الأساطين أيضا في حاشيته على طبق القاعدة طارحا للنص المزبور حيث قال: بل إلى المالك، و مع الجهل به فإلى الحاكم.
و في تكملة استاذنا الأكرم ردها إلى مالكها لو علم، و إلّا يتصدّق بها عن مالكها. و الأحوط أن يكون بإذن الحاكم، و ذلك أيضا ظاهر في عدم اتكاله بالنص في الجواهر أيضا تضعيف النص المزبور بلا جابر له.
و التحقيق في مثله المشي على قواعد مجهول المالك، و في ولاية الواجد له على التصدّق المزبور نظر، و الأقوى إرجاع أمره إلى الحاكم الولي في أمثال المقام، و سيتّضح توضيح الحكم المزبور في محله إن شاء اللّٰه.
و لو دفع إلى مملوك غيره مأذونا في التجارة من قبل مالكه مالا ليعتق به نسمة و يحجّ عنه فاشترى أباه، ثم ادّعى كل من الثلاثة شراءه من ماله، فالقول قول صاحب المملوك مع عدم البيّنة. و به أفتى في الشرائع (1)و جعله أشبه، خلافا للشيخ في النهاية (2)من ردّ الأب إلى مولاه رقا.
و عمدة السند فيه رواية ابن أشم المشتمل ذيله بقوله: «و أمّا المعتق فهو رد في الرق» (3).
و في الجواهر (4)حكم بمخالفة مضمونها لقاعدة أصالة الصحة في العقد مع اعترافه ببيعه و ضعف سندها بلا جابر.
أقول: تطبيق الرواية على القاعدة كما اعترف به أخيرا بمنع جريان أصالة الصحّة في المقام، لأنّه مع احتمال كون الثمن لمولى الأب لا يصدق على مثله عنوان البيع و لو عرفا، و مع الشكّ في أصل العنوان كيف يبقى مجال أصالة الصحّة.
و أما اعترافه بوقوع العقد لا ينتج في الحكم بصحّته بيعا، لأنّ صحة العقد بمعنى عدم قصوره في المؤثريّة لا يلازم إحراز قابلية المحل لثبوت البيع، كما أنّ عمومات الوفاء بالعقود أيضا قاصرة لإثبات هذه الجهة. و حينئذ لا يبقى إثبات
عنوان البيعيّة في مثل المقام. و بعد الشكّ في مثل هذا العنوان كيف تجري أصالة الصحة. و لقد حقّقنا في مبحث الفضولي أيضا ما يناسب المقام.
و عليه فالقاعدة تقتضي الردّ إلى مولى الأب و وظيفة البقيّة إقامة البيّنة، نعم لو فرغنا عن جريان أصالة الصحّة في أمثال المقام لا محيص بمقتضى القاعدة الردّ إلى مولى المأذون من جهة أن يد العبد يد مولاه، فتكون يده على العبد دليل ملكيّة لمولاه. و لا يسمع إقراره على مولاه بكون ما في يده للغير لعدم يد له، و لا يقاص المقام بدعوى الوكيل و سماع إقراره على الموكّل من جهة يده المستقلّة كما لا يخفى.
، و الأصل في ذلك بعد دعوى الإجماع ما في نص عبد اللّٰه بن سنان المشتمل على قوله في موضوع البحث: «يدرأ عنه من الحدّ بقدر ماله من النقد، و يضرب بقدر ما ليس له فيها». (1)و على وفق مضمونه نصوص اخرى مستفيضة (2).
و حينئذ لا يصغى إلى ما احتمل في المقام على خلاف النصوص، لأنّه اجتهاد في قبالها. نعم قد يشكل ما لو كان في استحقاقه كسر فقد يقال باعتباره في السوط، فيؤخذ بنصفه إن كان نصفا و بثلثه إن كان ثلثا. و في الصحيح أيضا:
«في نصف الجلدة و ثلثها يؤخذ بنصف السوط و ثلثه» (3)، و ربما يساعده الاعتبار، و في المقام احتمال وجوه اخرى، و المرجع فيه النص المزبور كما لا يخفى.
ثم إن ذلك كله عند عدم الشبهة، و إلّا فيدرأ الحدّ بها.
و كيف كان فإن حملت بوطء الشريك قوّمت عليه حصص الشركاء بلا اشكال فيه ظاهرا، لأنّه بالحبل تصير أم ولد للواطئ، و يصير في معرض عليهم بوطء فعليه ضمانه. و ذلك أيضا لا ينافي في بقاء الأمة على ملك الشركاء الموجب لتملكهم منافعها، فلا يقتضي التضمين المزبور بقاء العين على ملك الشركاء إلى أن وقع في البين مبادلة عقدية، كما هو الشأن في ضمان بدل الحيلولة.
و عليه فليس وجه عدم الدخول في ملك الواطئ بمجرّد التقويم المزبور من جهة دلالة النصوص على النقل بالقيمة، بل الظاهر من التقويم جعل القيمة في عهدة الواطئ قهرا عليه. و هذا المعنى أجنبي عن المبادلة الاختيارية المنوطة برضا الطرفين، بل عمدة الوجه في عدم الخروج عن ملك الشركاء قهرا عدم اقتضاء هذا المقدار من التضمين إيّاه كما في بدل الحيلولة، فالأصل يقتضي البقاء على ملكهم إلى أن يتحقق الناقل.
و حينئذ فما في الجواهر في وجه البقاء على الملكية من استظهاره من لفظ التقويم الوارد في النصوص نظر. و توهم أن التضمين المزبور يوجب عدم وقوعه بعده في حيز المبادلة منظور فيه، إذ مرجع تبديله إلى نقل العين بما له من الماليّة و لو في عهدة الغير إلى المشتري. فإذا كان المشتري أجنبيا فينقل ذمّة الضامن من إليه، و إن كان هو الضامن فيسقط ضمانه، كما هو الشأن في المضمون بالحيلولة.
و بالجملة لا اشكال عندهم في بقاء المال على ملكية الشركاء قبل المعاملة الجديدة، فيملك منافعه مع اقتضاء النصوص تقويمها على الواطئ بجعل أعلى قيمتها من بين الثمن و القيمة وقت تقويمها على الواطئ.
نعم قد اختلفت كلمتهم في تعيين وقت القيمة، فقيل بأنّه وقت الإحبال، لأنّه وقت حبسها على الشركاء، و في النص: «و يغرم نصف القيمة إذا حبلت» (1)، و يمكن إرجاع القيد فيه إلى أصل التقويم و جعل الغرامة لا إلى القيمة، فلا شهادة فيه على المدّعى.
و حينئذ لا ينافي ذلك ما في بعض النصوص من تعيين وقت الوطء (2)، نعم قد يستشكل عليها بأنّ وقت الوطء لا يكون وقت حبسها على الشركاء، فلا مقتضى للتضمين بقيمة هذا الوقت، بل و لا معنى لأصل تغريمه حينئذ على الواطئ، مع أنّ المرتكز في الذهن في هذا التغريم هو التضمين بمثل الحيلولة الحاصلة بكونها أمّ ولد، و لا يكون ذلك إلّا باحبالها لا يصرف وطئها. و ربّما يصير ذلك شاهد رجوع القيد في النص السابق إلى القيمة، و على فرض رجوعه إلى التقويم أيضا ظاهر التقويم هو جعل القيمة وقت الجعل عليه.
و حينئذ يستظهر من النص السابق القيمة وقت الاحبال و لازمة التصرّف في اخبار الوطء بجعله كناية عن إحبالها، أو من جهة غلبة مطابقة قيمتها وقت الوطء مع وقت الاحبال، و أنّ تعيين وقت الوطء من جهة معلوميّته دون وقت إحبالها، فيكون وقت الوطء في النصوص من باب معرفته لوقت الاحبال، لا لموضوعيّته لنفسها.
و هذا الوجه بملاحظة ما هو المغروس في الذهن في وجه التقويم أولى من الأخذ باخبار الوطء، و حمل التقويم حينئذ على مجرّد التعبّد محضا، و حينئذ فما في الكلمات من الحيص و البيص في المقام منظور فيه جدا فراجع.
ثم إنّ مقتضى المفهوم في النص السابق عدم التقويم و التغريم قبل زمان
الحبل، و هو الذي نسب إلى المشهور من عدم التقويم بمجرد الوطء و لو احتمل معه الحبل. و في قبالهم من التزم بالتقويم بمجرد الوطء حتى مع اليأس عن الحمل، و في الجواهر اختار التقويم بوطء محتمل للحمل معه.
و استدلّ الأولون بإطلاق رواية ابن سنان، المشتمل ذيله على التقويم بالأعلى من الثمن و القيمة، الشامل لقبل حملها وقت الوطء (1).
و فيه أنّ التعليل بقوله: «استفرشها» المناسب لملاحظة كون الولد للفراش آب عن الأخذ بإطلاقه، بل ينزّل على صور احتمال الحمل، كما هو الشأن في نصّ آخر معلّل فيه بالإفساد على الشركاء (2)، إذ هو مناسب لمعرضها للحمل الموجب لحبس العين عليهم كما أشرنا.
و أظهر من الجميع ما في نص ثالث من قوله: «لأنّه وطأها» (3)و لا يؤمن أن يكون ثمة حمل، إذ الظاهر من أمثال هذه النصوص كون التقويم المزبور بملاحظة احتمال الحمل، و معلوم أيضا أنّ الاحتمال المأخوذ في المقام لمحض الطريقيّة إلى الحمل لا لموضوعيّة فيه.
و عليه فأمكن حمل التقويم في هذه النصوص بمجرد الوطء، على نحو إيجاب الاحتياط الثابت بمراعاة الواقع، فلا تنافي حينئذ بين مفاد مثل هذه النصوص مع المفهوم في نصّ الاحبال، لأنه حكم واقعي لا يضادّه مثل هذا الحكم الظاهري، لمحض الاهتمام بحفظ جزئيتها و حفظ حقوق الباقين في حبس ملكهم و لو ظاهرا عليهم.
و بمثل ذلك يجمع بين النصوص و بين ما هو المرتكز في الأذهان، من أنّ وجه التضمين واقعا هو حبس الأمة على الشركاء بجعلها أم ولده، و لو بمقدار
نصيبه المنتهي إلى انعتاق جميعها و لو بالسراية.
و بمثل البيان ارتفع الإشكال في نصّ ابن سنان، حيث قال بعد التقويم بمحض الاستفراش الحاصل قبل الحمل: بأن للشركاء أيضا أخذها بقيمتها بعد الاستبراء، و وجه ذلك بأنّ التقويم و الحبس على غيره إذا كان من باب الاحتياط بمراعاة الحمل واقعا غير مضاد مع عدم خروجها عن قابليّة تملك الشريك في عدم الحمل واقعا، فإذا حصل بالاستبراء العلم بعدم الحمل يكشف ذلك عن عدم التضمين من الأوّل، فلهم حينئذ أخذها بالقيمة، بل ربّما يكون الوطء و غيره في ذلك على السويّة.
و إنّما يلتزم الواطئ بأعلى القيمتين في ظرف الحمل واقعا أو ظرف احتماله ظاهرا، لكونه تضمينا جعليا، و لا يشمل ذلك صورة كشف عدم الحمل، بل لا تضمين حينئذ. فتعيين كون حاله مع غيره في المبادلة بالقيمة الواقعيّة على حد سواء. و حينئذ أين التهافت في مضمون النصوص كما توهمه بعضهم، و لعمري أنّه بمثل هذه البيانات ينبغي أن ينقح المقام، و لئن ترى كلماتهم ترى فيها نوع اغتشاش لا يسعني الزمان لبيانه تفصيلا، فراجع إليها و تدبّر فيها.
و على أيّ حال لا يخفى بمقتضى فحاوي النصوص بأنه انعقد الولد حرّا من جهة السراية و لو كان الواطئ زانيا، بل يؤيده إطلاق النص الوارد بتقويم الولد بقوله: «يؤخذ ولده بالقيمة لا بنفسه»، و أوضح منه لو كان الوطي عن شبهة.
و من النص المزبور أيضا يظهر أن عليه قيمة حصص الشركاء منه، أي من الولد، و الظاهر أنّ مدار القيمة فيه على ما أفاده المصنّف من قوله: عند سقوطه حيا، لأنّه وقت انعتاقه عليه الموجب لضمانه حصص الشركاء، مع أنّ مع الدوران بين قيمة يوم الولادة و غيره كان المتيقن ذلك،
و الأصل براءة الذمّة عن الزائد، و لا يستفاد من نصّ تقويم الولد أيضا أزيد من ذلك. نعم ربّما يدل على عدم كفاية قيمة الحمل قبل ولادته، فلا يعتنى باحتمال أقليّة قيمته عن قيمة يوم الولادة، كي يجيء فيه أيضا الأصل السابق كما هو ظاهر.
و لو اشترى كلّ من العبدين المأذونين من قبل مولاهما في التجارة صاحبه من مولاه، و لا سبق بطل العقد إذ لو كان شراؤهما لهما بناء على أنّ العبد يملك. و أما لو كان للسيدين ففي تكملة استاذنا الأعظم:
فالأقوى صحة العقدين.
أمّا وجه البطلان في الصورة الاولى، فلأن بشراء كل منهما صاحبه يصير سيدا لصاحبه، و من المعلوم لا يجوز تملّك العبد سيّده، فلا جرم يبطل أحد العقدين، و من باب الترجيح بلا مرجّح يحكم ببطلان كليهما.
و روي (1)كما في الشرائع (2)القرعة بينهما، و في رواية أخرى يذرع الطريق بينهما و يحكم للأقرب (3)، ثم جعل القول ببطلان كليهما أظهر. و في الجواهر أيضا ما يظهر عدم الوثوق بسندهما من جهة ندرة العامل بهما (4).
و حينئذ لا ينبغي رفع اليد عن القواعد بمثل الروايتين، خصوصا مع دلالة نصّ أبي خديجة في مورد الفرض على البطلان، كما لا يخفى على من تدبّر في مضمون النص المزبور، بل في الجواهر عدم وجدانه للرواية الثانية، و حينئذ مرجعيّة القواعد لا يخلو عن وجه.
و أمّا الصورة الثانية فالذي يقتضي القاعدة ما أفاده الأستاذ من صحّتها، لعدم خروج كل واحد عن المأذونيّة إلّا بعد تمام العقد، و المفروض أنّ عقدهما في زمان واحد، فصدور العقدان عن المأذون ليس إلّا على وجه يكون خروجهما عن المأذونيّة بصحة كل منهما كما لا يخفى. نعم مع تعاقب العقدين- كما فرضه في الجواهر- كان العقد الثاني محتاجا إلى الإجازة، و وجهه ظاهر.
: أنّه إذا باع أحد العبدين الخارجيين، فالأقرب بطلان البيع حتى في المتساويين صفاتا فضلا عن المختلفين، لأنّ مرجع البيع المزبور إلى بيع أحدهما مبهما، كبيع أحد الصيعان المخصوصة، و بيع المبهم باطل إجماعا، علاوة على ما قيل من عدم اعتبار العقلاء ملكيّة المبهم. و تصوّر الكلّي في المعيّن في أمثال المورد، كبيع الصاع من الصبرة لا يخلو عن غموض، لا من جهة ما في الجواهر من عدم الكلّي في الخارج، بل من جهة أنّ الأفراد الخارجيّة إذا كانت قيمية كانت بحكم مختلفات الحقيقة بنظر العرف، و في مثله يسري الغرر إلى الطبيعة المنطبقة عليها أيضا.
و بذلك يفرّق بين المقام و بين الصاع من الصبرة، حيث أنّ المشهور بناؤهم فيه على صحّة البيع دون المقام و أمثاله، من دون فرق في المورد بين مختلفات القيمة- و لو باختلاف الصفة- و متّحداتها، إذ مجرد اتّحاد الصفة فيهما من باب الاتّفاق لا يخرجهما عن القيميّة. فكونهما بنظرهم بمنزلة اختلاف حقيقتهما عندهم، و من المعلوم أنّه مع هذا الاختلاف لا يصح بيع الكلّي الخارجي حتّى في الصاع من الصبرة.
نعم لو باع عبدا في الذمّة لا بأس ببيعه، لأنّ الطبائع الذميّة أجنبيّة عن الخارجيات، و لها نحو تعيّن في عالم وجودها باعتبار الذمّة، غير مرتبط بما في
الخارج، فلا يؤثر اختلاف حقيقة الأفراد بأنظارهم في الخارج جهلا في الطبائع الذميّة. بخلاف الكليات الخارجيّة فإنّها لشدة ارتباطها بالخارجيات يسري الغرر في أفرادها إليها، و ذلك هو الميّز بين الكليات الذميّة و غيرها، و حينئذ لا قصور في صحّة بيع عبد في الذمّة.
و حينئذ فلو أقبض عبدين و قال: اختر أحدهما ورد غيره جاز، و بنفس هذا القبض يملك أحدهما، كما في قبض تمام الصبرة في بيع صاع منها. و لا ضير في هذا المقام الجهل بأحد العبدين، لأنّه ليس غررا في أصل المعاملة كي يضرّ بها، و إنّما الجهل المزبور من قبيل تطبيق ما في الذمّة على أحدهما بلا تعيين، و لا ضير فيه.
و توهم عدم صلاحيّة مثل هذا القبض للتطبيق المزبور ليس في محله، إذ لا قصور فيه لذلك بانظارهم.
و حينئذ فلو تلف أحدهما قبل اختياره التعيين منهما، أو صار بحكم التالف بإباق أو غيره، مقتضى ما ذكرنا في باب الكلّي في المعين في مقام الفرق بين صورة تلف البعض قبل القبض أو بعد قبض تمام الصبرة، هو الحكم بجريان أحكام الإشاعة في مثل المورد، و أن التالف عليهما و الموجود بينهما. و لازمة مع فرض عدم ضمان المشتري لما في يده من مال البائع عدم استحقاق البائع عليه شيئا.
نعم لو كان التلف المزبور في زمان خيار المشتري يرجع إلى البائع بنصف الثمن إلى أن يجد الآبق، فيرجع إلى البائع ما أخذ بمقتضى قواعد الضمان في بدل الحيلولة، غاية الأمر هنا مضمون بالمسمى بمقتضى قاعدة التلف في زمن الخيار كقاعدة التلف قبل القبض.
و هذه كلها بمقتضى القواعد ظاهر واضح. و عليه فيمكن إرجاع ما في نصّ الباقر إلى ما ذكرنا قال عليه السلام في فرض بيع عبد و إعطاء العبدين للاختيار: «ليرد الذي عبده منهما و يقبض نصف الثمن ممّا اعطى من المبيع
و يذهب في طلب الغلام، فإن وجده اختار أيّهما شاء و ردّ النصف الذي أخذه، و إن لم يجده كان العبد بينهما نصفه للبائع و نصفه للمبتاع» (1). و لا يخفى أنّ هذه الرواية تام الانطباق مع القاعدة بناء على حمل الإباق في زمان خيار المشتري، و حمل بيع عبده أيضا على بيعه الكلي في الذمّة، و لا إباء للنص المزبور على هذه المحامل.
و حينئذ لا وجه لطرحه بعذر ضعفه، و عليه أيضا يحمل كلام الشيخ رحمه اللّٰه (2)بلا مورد لإيراد ابن إدريس عليه (3)، حتّى على مشربه من طرح الخبر الواحد في قبال القواعد، فتدبّر في المقام ترى الكلمات في المقام أيضا في غاية الاغتشاش.
: أنّه اختلفت كلمة الأصحاب في مالكية العبيد و الإماء، بعد إطباقهم على حجرهم عن التصرف فيما بيدهم بدون اذن مولاهم. و عمدة الأقوال في المسألة القولان المعروفان من عدم الملكية مطلقا، أو الملكية مطلقا.
و هنا أقوال أخرى نادرة من التفصيل بين فاضل الضريبة و غيره، و بين أرش الجناية و غيره، أو بين ما ملكه المولى و غير مالكه.
و عمدة نظر الأوّلين إلى عموم عدم قدرة العبد على شيء، الذي منها التملّك، خصوصا مع تطبيق الإمام إيّاه على الطلاق و غيره الكاشف عن قوّة عمومه مؤيّدا ذلك بما دلّ على أنّ ما بيد العبد قبل بيعه لسيّده، إلّا أن يشترط (4)، و بما دلّ على أنّ العبد إذا مات و ترك مالا فإنّه لمالكه (5)، بعد الجزم
بعدم توارث بين الحرّ و العبد، كما هو مضمون النص (1)أيضا، و اشتمل من النصوص على أنّ المملوك و ما بيده لأهله (2)، و بما دل على نفي الزكاة فيما بيد العبد، لأنّه ليس للمملوك (3)، و بما اشتمل على عدم نفوذ وصيّة العبد لو لم يجز الورثة (4)، و بما اشتمل من النصوص على عتق العبد في فرض وصيّة المولى له بثلث ماله (5).
و لا يخفى ما في هذه الوجوه بمنع دلالة عموم نفي القدرة على أزيد من نفي سلطنة العبد على التملّك مستقلا، و أما إذا أذنه المولى فلا تقتضي الآية المزبورة نفيه، بل مقتضى أدلّة الأسباب حينئذ إثبات الملكيّة، مع أنّ مصب العموم هو نفي القدرة فيما كان للاختبار و الإرادة دخل فيه. و لذا يفرّق بين عقد ضمانه و بين إتلافاته بفساد الأوّل دون الثاني، فيضمن و يتّبع به إلى أن يعتق، إذ ليس للاختيار في سببيّة الإتلاف للضمان دخل أصلا.
و حينئذ فأسباب التملكات القهريّة خارجة عن مصب الآية الشريفة، فعموم أسبابها يقتضي الملكية حتى في العبيد، فيثبت في غيره بعدم القول بالفصل، غاية الأمر عند ضم إذن المولى في الاختياريات من أسباب الملك كعقوده و إيقاعه.
و أمّا النصوص المزبورة الواردة في الأبواب المتفرقة، ففي جملة منها قابل للحمل على التعبّد، مثل نصوص بيع العبد و موته.
و توهّم أنّ الأمر فيها يدور بين الالتزام بمالكيّة السيد لمال الغير بلا وجه من
1) وسائل الشيعة 17: 399 حديث 1 باب 16 من أبواب موانع الإرث.
2) وسائل الشيعة 13: 466 حديث 1 باب 78 من أبواب أحكام الوصايا.
3) وسائل الشيعة 6: 59 حديث 1 باب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب.
4) وسائل الشيعة 13: 466 حديث 2 باب 78 من أبواب أحكام الوصايا.
5) وسائل الشيعة 13: 466 باب 79 من أبواب أحكام الوصايا.
الوجوه الناقلة المعروفة، و بين عدم تملك العبد من الأوّل، و الثاني أولى و لو من جهة بعد انتقال مال الغير بلا واحد من الأسباب المعهودة، مدفوع بأنّه لا يصيّر الاستبعاد المزبور دليلا، فمع احتمال التعبّد المحض في المقامات المسطورة خرجت عن صلاحيّة الدليليّة.
و أما ما دلّ على أنّ العبد و ما بيده لسيّده، فظهور اللّام عند الإطلاق و إن كان في الملكيّة إلّا أنّه معارض بالنصوص الكثيرة المشتملة على اضافة المال إلى العبد، الظاهرة عند الإطلاق أيضا في ملكية له، ففي الصحيح قوله: «أنت حر و لي مالك» (1)، و في آخر قوله عليه السلام للسندي: «إن كان يوم اشرطت لك مال فعليك أن تعطيه» (2)إلى آخره، و في ثالث: «إنّ عليّا أعتق عبدا و قال:
إنّ مالك لي و لك و قد تركته لك» (3)إلى غير ذلك من النصوص.
و على فرض عدم ترجيح ظواهر الأخيرة بتعاضدها بالآخرة فلا أقل من التعارض، و المرجع أو المرجّح عموم أدلة الأسباب.
و أمّا ما دلّ على نفي الزكاة معللا بأنّه ليس للمملوك، فهو أيضا مستند إلى ظهور الأم في الملكيّة، و الكلام فيه هو الكلام في السابق، مع أنّ الظاهر من كلماتهم في باب الزكاة أنّ الحرّيّة شرط مستقل فيه مع قطع النظر عن الملكيّة أو التمكّن من التصرّف.
و أمّا ما دلّ على عدم نفوذ وصيّته فناسب عدم قدرته على التصرف و محجوريّته، فلا دلالة فيه على نفي ملكيّته.
و أمّا حديث وصيّة المولى له فانعتاقه بحسابه أيضا من الأحكام التعبّديّة على التقديرين بلا اقتضاء فيه على نفي ملكيّة.
و كيف كان بعد اقتضاء عموم أدلة الأسباب، حصول الملكيّة حتّى في العبيد لا تصلح مثل الوجوه المزبورة لرفع اليد عنها، نعم قد يعارض العموم المزبور ما في رواية الدعائم من قوله: «العبد لا يملك شيئا إلّا ما ملّكه مولاه» (1)، و هو أيضا شاهد التفصيل المزبور و قابل لأن تخصّص بمثله أدلة بقيّة الأسباب، و لكن في ذيله: «و لا يجوز له أن يعتق و لا يتصدّق ممّا في يده، إلّا أن يكون المولى أباح له، و إذا قطعه مالا من ماله أباح له فعله أو جعل عليه ضريبة يؤديها إليه و أباح له ما أصاب بعد ذلك» الخبر.
و لا يخفى أنّه يمكن أن يكون الذيل بيانا و تطبيقا للكبرى المتقدّمة، و حينئذ يوهن ذلك ظهور الملكيّة في صدره نفيا و إثباتا، إذ لا أقل من كون الذيل مما يصلح للقرينة المانعة عن الأخذ بظهور الصدر في الملكيّة المصطلحة، مضافا إلى أنّ الملكيّة في لسان النصوص أعم من السلطنة المحضة كما في قوله: «لا بيع إلّا في ملك، و لإطلاق إلّا في ملك»، و لذا لا يلتزمون بتخصيص الكبرى الاولى في بيع الكليّات في الذمم. و حينئذ لا يصلح مثل هذا النص لتخصيص عموم أدلّة الآثار.
و يؤيّد ثبوت الملكية في الجملة ما في موثقة إسحاق المشتملة على هبة المولى قدرا من ماله عوض ضربه إيّاه و هتكه و ارهابه، و لكن ذيله مشتمل على حرمة تصرّف السيّد في ماله معللا بأنّه فدية نفسه مخافة العقوبة و القصاص يوم القيامة (2). و لا أظنّ التزامه من أحد.
و أوهن منه فقرة اخرى من ثبوت الزكاة فيما يعمل فيه من ماله (3)، و مثل هذه الفقرات ربّما يوهن صدره أيضا، فتأمل.
و حينئذ لا يصلح التشبّث بمثله للقول بالتفصيل بين ما ملّكه مولاه و غيره، إذ لا اشعار فيه بنفي الملكيّة في غيره.
و أضعف منه التشبّث به التفصيل بين أرش الجناية و غيره إذ لا يستفاد أرش الجناية من النص المزبور إلّا بتوهّم الفحوى فيه، و هو منظور فيه جدا، و لعمري أنّ ذلك أردأ الوجوه سندا.
نعم قد يتشبث للتفصيل بين فاضل الضريبة و غيره بما في صحيح عمر بن يزيد المشتمل على قوله: «إذا أدى إلى السيّد ما كان فرضه عليه مما اكتسب و يعتق بعد الفريضة فهو للمملوك» (1)، و لكن فيه من منع دلالته على نفي غيره على وجه يخصّص به عموم أدلّة الأسباب، مع أنّ هذه الرواية معارض بالنص السابق الصريح في كون الفاضل المزبور مباح له من قبل المولى، فلا يبقى له حجة على ملكية الفاضل. فالعمدة في البين عموم أدلّة الأسباب الغير الفارق بين الفاضل و غيره.
و حينئذ التحقيق في المقام ما اختاره في الجواهر تبعا للشرائع، من القول بالملكية مطلقا، مع حجر في تصرّفاته و تحصيل تملّكاته بالأسباب الاختياريّة، و اللّٰه العالم.
: أنّه إذا بيع العبد و بيده مال، فإن لم يشترط كون ما بيده للعبد فهو لمولاه، و إلّا فيبقى على حاله.
و الأصل في ذلك ما في نص ابن مسلم (2)، و نص يحيى بن أبي العلاء من قوله: «المال للبائع إنما باع نفسه، إلّا أن يكون شرط عليه من أنّه ما كان من متاع فهو له» (3).
و قد يعارض هذا النص بما في رواية أخرى من التفصيل بين ما علمه المولى من المال و ما لم يعلمه، فينقل إلى المشتري في الأوّل، و إن لم يعلم فهو للبائع (1).
و لكنه ضعيف غير صالح للمعارضة، فيحمل التفصيل المزبور على صورة شرطه الضمني مع علمه، و عدمه مع عدمه.
و على أيّ حال نقول: إنّ استبعاد انتقال المال من العبد بلا رضاه إلى سيّده تبعه إياه، خصوصا مع التعليل بأنّه إنّما باع نفسه، الظاهر في كون عدم الانتقال من المولى إلى المشتري على القاعدة، دعاهم على التشّبث بمثل ذلك، لا حالة ملكيّة العبد كما تعرضناه سابقا. و لكن قد عرفت أنّه مجرد استبعاد لا يصلح دليلا.
و أمّا التعليل ببيع نفسه فإنّما هو لبيان عدم انتقاله إلى المشتري، لا انتقاله إلى المالك البائع للعبد، كما لا يخفى. و نظيره في أعمال التعبّد انتقال ما في يده إلى مولاه بموته لا بعنوان الإرث، كما لا يخفى.
هذا و من النص المزبور ظهر وجه الانتقال إلى المشتري في صورة شرطه له.
و توهّم أنّه يناسب مع ملكية البائع، مدفوع بأنّه يكفي في صحّة الشرط المزبور ولاية المولى على مال العبد بأي نحو من التصرف.
و أضعف من ذلك توهم آخر، و هو أنّ الملكيّة لا تحصل إلّا بأسباب خاصّة، و الشرط غير صالح للسببيّة، لأنّه مصادرة. نعم ما لا يصلح تأثير الشرط فيه عنوان البيع و الإجارة و الهبة و أمثالها، لأنّها منوطة بالأسباب الخاصّة بخلاف الملكيّة، إذ بتعدد الأسباب فيها ينكشف عدم حصر السبب فيه، فلا قصور في تأثير الشرط فيه أبدا. نعم لأن آل الأمر فيه إلى الشك، مرجع الشك في مثل المقام إلى الشكّ في قابليّة المحلّ الموجود من قبل الشرط المزبور و في مثله أمكن دعوى عدم صلاحيّة عموم دليل الشرط لإحرازه.
1) وسائل الشيعة 13: 32 حديث 2 باب 6 من أبواب بيع الحيوان.
ثم في فرض الشرطيّة إجراء أحكام البيع عليه اشكال، و ما في الجواهر من جريان الأحكام المزبورة تأمّل.
هذا كله لو شرط كون المال للمشتري، و لو شرط كونه للعبد فلا يتمّ إلّا على ملكيّته، و إلّا فعلى عدمها فلا معنى للشرط إلّا كون المال باقيا على حالته الاولى.
و ظاهر النص كون مضمون الشرط كون المال للعبد بنحو كان له سابقا، فيناسب المضمون لو لا ظهور اللّام في نفسه في الملكيّة مع ملكيّة العبد و عدمه كما لا يخفى، فتدبّر.
: أنّه لو قال العبد للمشتري: اشترني و لك عليّ كذا، ففي الشرائع أنّه لا يلزم العبد و إن اشترطا (1)، و هو على مختاره في غاية المتانة على حجر العبد و فرض عدم اذن المولى به، و إلّا فمع اذنه فلا قصور في هذا الشرط و إن لم يكن له مال، فيقع في ذمّته يتبع بعد عتقه، و توهّم عدم الذمّة للعبد منظور فيه بشهادة إتلافاته.
و نظير ذلك ما لو قال لمولاه البائع، بل فيه أمكن استظهار الاذن من مولاه فيه بإقدامه لو كان المشتري هو العبد وكالة، و كذلك لو كان طرف المعاملة هو المشتري، إذ رضاء المشروط عليه دخيل في صحّة الشرط، و لازمة دخل رضاء مولاه فيه، و لازمة أيضا عدم الفرق بين وجود المال بيد العبد و عدمه.
و لكن في رواية الفضيل التفصيل بين الصورتين و أنّ الصحّة منوط بوجود المال (2)، و ظاهر الدروس العمل على وفقه (3)، و لا بأس به لو تمّ سند النص المزبور، و به يرفع عن قاعدة اشتغال ذمّة العبد، اللهم [إلا] أن يحمل على صورة اقتصار اذن المولى بفرض وجود المال، و لكنّه خلاف ظاهره كما لا يخفى.
و هو كما قيل مرادف السلم، و عرّفوه بإثبات مال في الذمة بمبذول في الحال بنحو المبادلة، و في الشرائع تعريفه بنحو يرجع إلى ما ذكرنا قال: و هو ابتياع مال مضمون إلى أجل معلوم بمال حاضر أو ما في حكمه (1). و ظاهره وقوع السلم بلفظ البيع و كان البائع موجبا، و بذلك يكون السلم أيضا من أفراد البيع. نعم له امتياز عن بقيّة البيوع بوقوع الإيجاب من المشتري من قوله: أسلفتك كذا بكذا، فيقول البائع: قبلت، عكس المعروف في سائر البيوع من كون البائع موجبا، إذ مرجع اسلافه لطرفه إلى تملكه في ذمّة طرفه شيئا في قبال الموجود، و من المعلوم أنّ التملّك شأن المشتري.
و توهّم جريان هذا المعنى في جميع البيوع بلا ميّز للسلف في ذلك، لأنّه أيضا عقد مبادلة غير خارجة عن حقيقة، مدفوع بمنع التعارف بذلك في غير باب السلف، و يكون حينئذ مورد انصراف عموم الوفاء بالعقد، و إنما يختص ذلك به للإجماع، و هو ظاهر.
و حينئذ فلا إشكال في وقوع السلم المستتبع للأحكام المخصوصة بلفظ:
أسلمت إليك، أو أسلفتك، فيقول البائع: قبلت. و في وقوعه بلفظ: تملكت
1) شرائع الإسلام 2: 61.
من المشتري، و قبلت من البائع وجه، كما لو قال: اشتريت بناء على عدم إشراب معنى القبول فيه، فيقول البائع قبلت، و إلّا فلا يلتئم العقد من قبولين كما لا يلتئم من الإيجابين أيضا. و لكن ذلك لو لا دعوى احتمال انحصار العقد المشتمل على الإيجاب من المشتري بمثل أسلفت و أمثاله، و لا يشمل غيره، و لكن يمنع ذلك عموم ف بكل عقد حتّى من حيث خصوصيات ألفاظه الظاهرة فيه، لو لا دعوى عدم تعارفه كما لا يخفى.
و كذلك الظاهر منهم أيضا وقوع الإيجاب بلفظ بعت أو ما يؤدّي معناه من البائع، و القبول من المشتري. و توهّم عدم وقوعه سلما مطلقا، أو مع عدم قصده، أو مع قصد خلافه، منظور فيه مدفوع بحسب ظاهر الكلمات الكاشف عن كيفيّة الحقيقة من الصدر الأوّل، مضافا إلى تشبّثهم في صحّة السلم بما في النص: عن رجل باع بيعا ليس عنده إلى أجل و ضمن البيع قال: «لا بأس به» (1)و دلالة إطلاقه على عدم دخل خصوصيّة زائدة قصديّة عن حيث البيعيّة في غاية الوضوح، و أمثال هذا اللسان في طيّ شرائطه كثيرة.
و التعبير عن مثل هذه المعاملة في نصوص عديدة بلفظ السلم و السلف (2)لا يوجب امتيازها عن غيرها من البيوع قصدا، خصوصا مع التعبير في ذيلها بلفظ الشراء، و بذلك يندفع توهم أصالة عدم ترتّب الأحكام المخصوصة إلّا في مورد اليقين، كما لا يخفى.
نعم ربّما اختلفت كلمتهم في جواز انعقاد سائر البيوع الخالية عينا أو دينا بلفظ أسلمت إليك من المشتري، و القبول من البائع، فعن المحقق (3)و جمع آخر
نعم، و عن الشهيد الثاني في المسالك (1): إنّ القول بالعدم لا يخلو عن قوة.
و عمدة الوجه فيه عدم تعارف الإيجاب من المشتري في غير باب السلم، و أنّ ذلك خصيصة به، فيكون موجبا لصرف عموم العقود عن مثله، فيرجع إلى أصالة الفساد، علاوة عن عدم صراحة اللفظ في غير بيع ما في الذمة مؤجّلا.
و يعتبر في ألفاظ العقود الصراحة، و لذا استشكل في الجواهر أيضا في صحّة البيع المزبور (2)، و لكن المسألة بملاحظة مخالفة مثل المحقّق (3)و العلّامة (4)في غير تحريره، و الكركي (5)، بل نسب الانعقاد إلى الأكثر لا يخلو عن تأمّل. و نسب إلى التحرير توقّفه (6).
و كيف كان
أمور: منها
، و المراد من الجنس حقيقته النوعيّة كالحنطة و الشعير و غيرهما، و هما في هذا الباب جنسان كما هو ظاهر.
و المراد بالوصف ما يرفع به الجهالة و الغرر، و تدلّ عليه أيضا النصوص المشتملة على ذكر الطول و العرض، أو الأسنان في الحيوان، و غير ذلك (7).
و على أيّ حال لا يستفاد من النصوص الخاصّة أيضا أزيد مما يستفاد من كبرى الغرر المزبور، و لازمة الاقتصار بما له الدخل في الماليّة و الأغراض النوعيّة،
و أمّا ما لا دخل له فيهما فلا وجه لاعتباره، بل لو كان الاختلاف به يسيرا جدا على وجه يلحق عند العرف بالعدم لا يعتبر ذكرها، لعدم صدق الغرر و الجهالة معه، بل ربّما لا يعتبر الاستقصاء في الوصف إلى حدّ ينتهي إلى عزّة الوجود و إن كان لها أيضا دخل في خصوصيات الأغراض و الماليّة.
و عمدة الوجه فيه كلماتهم الظاهرة في أن نفس عزّة الوجود وقت السلم من موانع صحّة السلم و إن أنكره في الجواهر، و جعل مال هذا الشرط إلى شرطيّة القدرة على التسليم (1). و لكن يمكن دعوى أنّ مرجع شرطية القدرة المفروضة إلى الالتزام بتمحّض بطلان البيع بصورة العلم بعدم القدرة وقت التسليم، و لكن كلماتهم في مانعيّة عزة الوجود تومئ إلى أوسعيّة دائرته عن خصوص هذه الصورة، فالأولى تعميم مانعيّة عزّة الوجود إلى صورة الجهل بقدرته أيضا كما هو الغالب، فيرجع ماله إلى كبرى الغرر لا القدرة على التسليم.
و لعلّ تعبيراتهم بمثل عزة الوجود ينصرف أيضا إلى هذه الصورة، و لا مجال للأخذ بإطلاقها على وجه يشمل صورة العلم بوجوده أيضا و لو عزيزا، كما لو فرض عند شخص واحد أو في محل واحد.
و على أيّ حال مثل هذه الجهة ربّما جعل باب السلم في مرحلة التوصيف أوسع من بيع الموجود الغائب بتوصيفه، فإنّه ربّما يجب الاستقصاء في صفاته الدخيلة في ماليّة و تعلّق الأغراض النوعيّة به بأزيد ممّا ذكر، لعدم محذور آخر فيه. نعم قد يتوهّم في ذكر الأوصاف في المقام بجواز الاقتصار بما يشمله اللفظ مع كمال اختلاف الماليّة في المراتب المندرجة.
و الانصاف عدم قيام دليل على الكفاية بعد ما لم ينته أمر توصيفه إلى عزة وجوده، و لقد أجاد في الجواهر في إشكاله على من عبّر بمثل هذا التعبير (2)، بل
اللازم ذكر المراتب المرغوبة عن كل وصف بمقدار لا يختلف مالية الشيء، بل و أغراضهم النوعيّة باختلافه حفظا عن الغرر، ما لم ينته إلى غرر وجوده لعزته وقت التسليم، كما هو ظاهر.
و إلى ما ذكرنا كلّه أشار المصنّف أيضا بقوله: الرافع للجهالة في تحديد الوصف كما لا يخفى.
و بعد ما اتّضح ما ذكرنا نقول: لا بأس باشتراط الجيّد و الرديء، و أمّا الأجود و الأردأ، فقد يقال بعدم جوازه، لانتهائهما إلى عزة الوجود الموجب للغرر فيما يستحقّه المسلّم له. و مجرد جواز الوفاء بالأعلى تفضّلا من المسلّم إليه لا يعيّن مورد الاستحقاق، فلا تخرج به المعاملة عن الغررية، فلا يكاد توهّم صحة المعاملة في الأردإ أيضا بتوهم جواز إعطاء مرتبة منه مردد بين كونها مورد الاستحقاق أو الأفضل منه المرغوب في مقام الوفاء.
نعم الذي يسهّل الخطب انتقال أذهان العرف من العنوانين إلى مرتبة خاصّة، ربّما لا ينتهي أمرهما إلى عزة وجوده، و هو غير ما لا يتحقق ردي فوقه، كما لا يخفى.
و ظهر أيضا ممّا ذكرنا أنّ ما لا ينضبط بالوصف على وجه ترفع به الجهالة، و لم يكن مستلزما لعزة وجوده، لا يصحّ السلم فيه. و هذه الكبرى مما لا اشكال فيه، و إنّما الكلام في صغرياته، فقد يمثّل باللحم و الجلود و الخبز و أمثالها. و ربّما يشكل في تطبيق الكبرى المزبورة عليه، لإمكان توصيفها بنحو يرفع الغرر العرفي خصوصا في الخبز، بشهادة النصوص الواردة في قرضه (1)، المعلوم كونها عندهم من المثلي، و لو لا التسامح في مقدار اختلاف الأفراد لما كان مثليا،
1) وسائل الشيعة 13: 109 باب 21 من أبواب الدين و القرض.
فلا يصح فرضه بمثله.
بل و في الجلود أيضا نصّ بالخصوص على الجواز حيث قال: إنّي رجل قصاب أبيع المسوك قبل أن أذبح الغنم قال: «ليس به بأس» (1)، و في آخر يشتري الجلود من القصاب فيعطيه كل يوم شيئا معلوما قال: «لا بأس به» (2).
و التشكيك في دلالة الأخيرة أيضا غير مسموع، و لكن مع ذلك بناء الأصحاب على الأعراض عن هذه النصوص و الأخذ بما ورد في الرواية فقال:
«لا تقربه» (3)، مع أنّ الحمل بين ذلك و النصوص السابقة بالكراهة في غاية الوضوح، و ذلك بعد الغضّ عن الإشكال في أصل دلالتها باحتمال كون النهي فيها للإرشاد إلى عدم وفاء المسلّم إليه غالبا، لا إلى عدم وقوع المسلم فيه.
نعم في مثل الخبز، بل و المعدودات من الخضر كالخيار و الباذنجان، بل و البطّيخ و أمثالها التي بناؤهم غالبا في بيعها على المشاهدة، لكثرة اختلاف أفرادها، و كذلك الجواهر و اللّئالي و النبل المختلفة اختلافا فاحشا، لم يرد فيها نص بالخصوص، فلا بدّ من المصير فيها إلى القواعد، فإن انطبقت عليها القاعدة المزبورة فهو، و إلّا فالمرجع فيها إطلاقات السلم.
و حينئذ لا يبعد دعوى أن ما كان بناء العرف على بيعها مشاهدة، بحيث لا يكتفون فيها بالتوصيف، ربّما يستفاد من بنائهم هذا عدم قناعتهم في رفع الغرر فيها إلى ذكر الوصف، و لازمة عدم جريان السلم فيه إلّا بفرض مشاهدة أنموذج منه فيباع من هذا النمط، و ربّما أمكن تطبيق ذلك على الخيار و الباذنجان و البطّيخ و في بعض اللئالى.
و أمّا ما لا أنموذج له أيضا فلا يتصور فيه السلم، بل أمكن في مثل الخبز
و الباذنجان و الخيار التوصيف بنحو يرفع به الغرر، فلا قصور في إطلاقات السلم في مثله، فلو لا إجماع على خروج المذكورات عن مورد السلم لكان لجريان السلم في كثير منها مجال، و اللّٰه العالم.
و من البيانات المزبورة أيضا ظهر صحة السلم فيما ينضبط توصيفه، و في الحدائق (1)أشار إلى ثلاثة عشر موردا من ذلك، مثل الرقيق و الإبل و الخيل و البقر و الطير بأنواعه، و زوائد الحيوان من اللبن و الزبد و أمثالهما، و الثياب و الحرير و الكرسف و أمثالها، و الحبوب بأنواعها، و كذلك الفواكه بأقسامها، و العسل، و الخشب، و كذلك الحطب و الآنية بأطوارها و أقسامها، و ربّما يلحق بهما التراب و الأحجار و الكاغذ بأقسامه، و غير ذلك مما لا يعد و لا يحد باحصائه.
و العجب منه في جعله النارنج فيما لا ينضبط، و الفواكه طرا فيما ينضبط، مع أن اختلاف أفراد كل فاكهة أزيد من اختلاف النارنج بمراتب شتى، و التحقيق في الجميع ما ذكرنا، و اللّٰه العالم.
و لا بأس أيضا بالسلم في الجنسين المختلفين مع وجدان كل منهما شرائطه للإطلاقات.
و من جملة الشرائط
إجماعا في الجملة، و في كونه شرط الصحّة كما هو ظاهر كل من ذكر هذا الشرط في طيّ بقيّة الشروط المعلوم كونها شرط الصحّة، أو شرط لزومه كما حكي القول به عن بعض و يومئ إليه ما في التذكرة (2)، و ربّما يظهر من ذيل كلام الجواهر أيضا قوة احتماله، وجهان.
و الذي يسهّل الخطب في المقام هو أن مقتضى الإطلاقات عدم شرطيّة القبض لا في الصحّة و لا في اللزوم، و إنّما قام الإجماع على شرطية القبض في الجملة، و المتيقّن منه رفع اليد به عن أصالة اللزوم، فتبقى أصالة الصحّة بحاله.
اللهم [إلّا] أن يقال: إنّ الظاهر من جعل مثل هذا الشرط في معاقد الإجماعات في طي بقيّة شروط الصحّة يؤيد قيام الإجماع على خصوصيته، فلا يبقى حينئذ مجال التمسّك بأصالة الصحّة و لكن الانصاف مع تمامه مع مخالفة التذكرة، و المسألة حينئذ في غاية الإشكال.
ثم إنّه على أي تقدير ففي كونه ناقلا أو كاشفا بنحو الكشف المشهوري في باب الإجارة لا بنحو كشف الفضولي جزما، وجهان، مقتضى القاعدة على شرط الصحّة هو الثاني، لأن نتيجة تقييد وجوب الوفاء بالقبض عدم وجوبه إلى حينه، و نتيجة ذلك عدم نفوذ عقده في مضمونه إلى هذا الحين، فمن بعده يجب الوفاء بالمضمون الذي هو الملكية من حين عقده.
و مرجعه كون القبض أيضا مثل الإجازة شرط جعل الشارع لا مجعوله، و لازمة بعد القبض و الإجازة من تعلّق الجعل بالملكية من حين العقد.
و أمّا على شرط اللزوم فيمكن أن يقال: إن نتيجته ليس إلّا نقلا، لأنّ اللزوم و الجواز غير مأخوذ في مضمون العقد، بل هما من نتائج وجوب وفائه، و بعد فرض تقييد وجوب الوفاء بالقبض، و لا نعني من النقل إلّا هذا.
و توهم أنّ العقد بمضمونه أيضا لا يقتضي الملكية حينه، و إنّما هو من توابع تأثيره بكونه تمام السبب، و مع فرض شرطيّة القبض أو الإجازة لا يجب الوفاء إلّا بعده، لتأثير لا يكون تمامه، فلا يتم السبب إلّا حين وجوده بلا ملكيّة إلى حين قبضه، مدفوع بمنع كون المضمون الملكيّة المهملة، بل لا بدّ و أن تكون إمّا مطلقة أو مقيّدة، و عدم ما يصلح للتقييد يوجب الإطلاق. و نتيجة إطلاقه حينئذ ليس إلّا الملكية من حين تمام العقد، خصوصا مع كون العاقد لا مزية في اعتبارهم
العرفي إلّا تمام السبب، فإنّه حينئذ لا محيص إلّا من قصده الملكيّة من حين وجوده، كما لا يخفى.
نعم الذي يظهر من فحاوي كلماتهم في كليّة موارد شرطيّة القبض كونه ناقلا، و يمكن توجيهه بأن مقتضى إطلاق وجوب الوفاء بالعقد وجوبه من حين العقد متعلقا بتمام مضمونه، و هذا المعنى لا يمكن مع قيام الدليل على دخل القبض في صحته. فلا محيص إمّا من رفع اليد عن إطلاق الوجوب، و الأخذ بإطلاق تعلّق الوفاء بالمضمون، و هو الملكيّة من حين العقد. أو رفع اليد عن إطلاق تعلّق الوفاء بالمضمون بتعلّقه ببعض مضمونه مع بقاء إطلاق الوجوب بحاله، أو رفع اليد عن كليهما.
و لا وجه للأخير فيدور الأمر بين الأولين، و لا ترجيح لأوليهما، فلا أقل من إجمال الدليل، فالأصل حينئذ يقتضي عدم الملكيّة إلّا من حين القبض.
و فيه مضافا إلى أنّ مثل هذا البيان يقتضي النقل حتى في الإجازة، و الحال أنّ المنساق من كلماتهم كون الكشف المزبور بمقتضاها، كما لا يخفى على من لاحظ استدلال القائلين بالكشف، أن الترجيح مع رفع اليد عن إطلاق الوجوب، لأنه بتقييد الوفاء ببعض المضمون يتقيد ببعد وجود القبض قهرا، إذ لا معنى لوجوب الوفاء بالملكيّة الغير الحاصلة، لأن أصل اتّصاف الوفاء الذي هو موضوع الوجوب بعنوانه كان منوطا بالملكيّة بنحو الشرط المتقدّم، لأنّه نحو مطاوعة له، فوجوب هذا الموضوع أيضا يصير منوطا به، لأنّ وجوب كلّ شيء منوط بتحقّق اتّصاف الشيء بعنوان موضوعه. ففي طرف الفراغ عن الاتصاف المزبور يتوجّه الوجوب، فلازمه تقيد الوجوب أيضا.
و حينئذ عدم حجيّة إطلاق الوجوب مفروغ عنه، و إنّما الكلام في رفع اليد عن حجية إطلاق تعلّق الوفاء بالمضمون، فأصالة الإطلاق فيه محكمة كما لا يخفى.
هذا مع أنه على فرض الإغماض عما ذكر لازمة تقييد المضمون، و إطلاق الوجوب لزوم تحصّل القبض، و لا أظن التزامه من أحد.
و بهذا الوجه نقول بأن الأصل في أمثال هذه الشروط هو الكشف المشهوري إلى أن يثبت خلافه، و حينئذ فإن تمّ في المقام بل في كليّة موارد شرطيّة القبض إجماع على النقل فهو، و إلّا فللنّظر فيه مجال، و المسألة من هذه الجهة أيضا في كمال الاشكال.
و على أيّ حال لو قبض البعض يعني بعض الثمن صحّ فيه خاصّة و بطل الباقي، على مختاره من كون القبض المزبور شرط الصحّة. و هكذا لو بنينا على كونه شرط اللزوم بالقياس إلى لزومه، بل و على الأول ربّما يجيء خيار التبعّض للبائع، بل و أحيانا للمشتري أيضا عند عدم تقصير منهما، و في الخيار المزبور على الثاني إشكال، لعدم كون اللزوم مأخوذا في مضمون العقد كي يلزم نقص غرض العاقد بتخلف مضمونه.
نعم لو حصل الفسخ في غير المقبوض قد يتوهّم أوّله إلى التبعّض، فيجيء الخيار المزبور. و فيه أنّ هذا التبعّض جاء من قبل مقدّمة خارجيّة و غير مرتبط بالعقد، فلا يكون في البين نقص غرض عقدي موجب للخيار كما لا يخفى.
و لو شرط المسلّم إليه أوله أن يكون الثمن من دين عليه، فعن جماعة بطلانه، لأنّه بيع دين بدين، و النبي صلّى اللّٰه عليه و آله نهى عن بيع دين بدين (1)، و في صحيح آخر: «لا تبعه نسيئة- يعني بإزاء دينه- عليه، و أمّا نقدا فليبعه بما شاء» (2)، و المراد من نسيئة هو السلم. و فيه نحو اختلال متن موجب لخروجه
عن الصلاحيّة إلّا للاستدلال في المورد، و العمدة هو الأوّل.
و في قبالهم المحقق في الشرائع (1)، و جم غفير آخر مالوا إلى الصحّة و الكراهة. و عمدة نظرهم إلى الجمع بين النهي السابق، و بين ما ورد من الترخيص في خبر إسماعيل المشتمل على نفي البأس عن مثله (2). و كذلك ما في قرب الاسناد بالحمل على الكراهة (3)، بل في الحدائق (4)مع شمول بيع الدين بالدين لموردنا، لأنّه ظاهر في الدين المفروغ دينيّته قبل المعاملة، لا ما كان يصير دينا بها.
و بيع الكالي بالكالي بطلانه مخصوص بمورده، و لا يشمل كل دين بدين على وجه يشمل المقام، و في الجواهر (5)التشكيك في شمول النهي المزبور لمحلّنا في ذيل كلامه بعد منعه ما أفاده في الحدائق (6)، و لكن قد عرفت أنّه على فرض الشمول لا يقاوم ظهوره مع الترخيصات السابقة، بل ربّما تكون فتواهم بالكراهة شاهد شمول النهي المزبور للمقام، و إلّا فلا موجب للكراهة أصلا كما لا يخفى.
نعم قد ينتج التشكيك في شمول النهي المزبور للدين الحاصل بالعقد أيضا في صحة بيع الدين بدين في ذمّة غير المشتري، إذ النصوص المرخّصة غير شاملة له، فصحّته مبني على عدم الشمول، و إلّا فعلى الشمول فالنهي فيه يبقي بلا معارض. و توهّم عدم الفصل بين الموردين كي يشمله فحوى المرخّصة ممنوع،
نعم في السلم منه يمنعه عدم قبض الثمن في المجلس، و مجرد قبض المفرد فيه لا يكون قبض الثمن، إذ قبضه موجب لتطبيق الكلي عليه، فبالقبض يصيّر الفرد ثمنا، لا أنّه قبض ثمن ظاهر في ورود القبض على الثمن، فلا يشمل ما كان ثمنيّته جاء بهذا القبض.
و بهذه النكتة نقول بعدم صحة تعلّق المعاملات المنوطة صحّتها بالقبض بالكليات الذميّة كالوقف و الصرف و أمثالها، و لا يقاس ما نحن فيه أيضا بذلك، لأنّ الدين في ذمة البائع من المشتري بمنزلة كونه في حرزه خارجا، فهو في اعتبارهم واجد لصفة المقبوضيّة، و ما هو في الحقيقة شرط هو ذلك إذا كان بإذن المشتري كما لا يخفى.
نعم في هذه الصورة لو شرط تأجيل الثمن يبطل لا لعدم المقبوضيّة كما عرفت، بل لأنه داخل في بيع الكالي بالكالي، و سيجيء بطلانه إجماعا فانتظر لتمام الكلام فيه.
و من الشرائط
بلا اشكال فتوى و نصا إلّا من السيّد، إذ مضافا إلى الاحتياج إليهما كلية في دفع الغرر و الجزاف بمقتضى العمومات السابقة في باب الغرر في المقام نصوص خاصّة من قوله: «لا بأس بالسلف بكيل معلوم إلى أجل معلوم، و لا يسلّم إلى حصاد و لا دياس» (1)، و نظيره ما في جملة أخرى من الصحاح (2).
ثم إنّ ذلك كلّه فيما يتعارف فيه الكيل أو الوزن، و أما ما لا يتعارف فيه ذلك ففي شمول الإطلاقات المزبورة له نظر.
و توهّم اختصاص باب السلم بذلك، لأنّه ليس في البين مشاهدة يرفع الغرر، مدفوع بأنّ مرجع عدم تعارف الكيل فيها إلى تعارف بيعها جزافا، و نواهي النهي عن الغرر و الجزاف ربّما تنصرف عن مثلها (1). كيف بالمشاهدة أيضا ربّما لا يرفع الجهل بمقداره، مع أنّه يمكن جعل أنموذج في البين مشاهدا يرفع بمثله الغرر، كما يرفع بالمشاهدة في المبيع الشخصي. ثم أنه ظهر أيضا بما ذكرنا وجه بيان مقدار الزرع فيما يكون قوام نفي غرره بزرعه.
و أمّا ما يكون معدودا، فمع عدم اختلاف أفراده كبرا و صغرا مثلا بمقدار لا يعتنى به عرفا فلا بأس به، لصدق نفي غرره بعده.
و أمّا ما كان فيه اختلاف فاحش بين أفراده كالرمان و البطّيخ و أمثاله، ففي كفاية العد فيه اشكال، و لا بأس به في غير السلم، لأنّه مشاهد به يرفع غرره. نعم لو أمكن حينئذ نفي الغرر بتوصيف مقدار كبره أو صغره على وجه لا ينتهي إلى عزة الوجود، أمكن المصير حينئذ إلى جواز سلمه أيضا بعدّه، بل من الممكن أن يقال: لازم الاكتفاء في المختلفات بالعد عند المشاهدة أنّه ما اعتبر في نفي غرره إلّا هذا المقدار، و إلّا فبالمشاهدة أيضا لا يرفع الجهل بالمقدار، فكأنّها من حيث المقدار و الحبة بمنزلة ما تعارف فيه الجزاف كزبرة الحديد.
و لازمة حينئذ جواز الاسلاف فيه بصرف عدّه بلا توصيف أيضا كما أشرنا، و لكن ظاهر كلماتهم عدم الالتزام به، و كان ذلك من باب رفع الغرر فيها بالمشاهدة، لا أنّها من مصاديق ما لا يعتبر عدم الغرر فيها كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
و منها:
بلا اشكال، و يدل عليه النصوص
1) وسائل الشيعة 12: 230 حديث 3 باب 40 من أبواب آداب التجارة.
السابقة علاوة عن كبرى الغرر، و لا غبار في المسألة و إنّما الكلام في جواز السلم بلا أجل رأسا. و عمدة الوجه في تشكيكه التشكيك في اعتبار الأجل في حقيقته، فعن جملة من الأعاظم اعتباره، و نفاه جملة أخرى.
و في النص أيضا عن رجل يشتري الطعام حالا من الرجل ليس عنده قال:
«فأيّ شيء يقولون في السلم؟» قلت: لا يرون فيها بأسا يقولون هذا إلى أجل، إلى أن قال عليه السلام: «إذا لم يكن أجل كان أحقّ به» (1)إلى آخره، و في دلالته على كون ما لا أجل فيه أيضا سلما اشكال.
و حينئذ ففي تحقق السلم المستتبع لوقوع الإيجاب من المشتري الذي هو خلاف قاعدة مختصّ بباب السلم بلا أجل إشكال، و الأصل يقتضي الفساد بعد عدم تعارف مثل هذا العقد في غيره.
و توهّم اقتضاء الإطلاقات المشتملة على نفي البأس في السلم مع ضبطه بالمقدار، ففي اعتبار الأجل بلا معارضتها لما يشمل على بيان كون الأجل معلوما، لعدم اقتضائها أزيد من اعتبار المعلوميّة على فرض ذكره لا اعتبار نفسه، مدفوع بمنع سوق الإطلاقات المزبورة لبيان هذه الجهة كما هو معلوم.
و حينئذ يبقى الأصل مع تشكيك جملة من الأعاظم في حقيقته بلا مزاحم كما لا يخفى هذا، نعم لو لم تشتمل المعاملة على خلاف قاعدة العقود لا بأس بصحّته، و لكن لا يكاد يترتب عليه أحكام السلم، و اللّٰه العالم.
و منها: إمكان وجوده وقت الحلول، و هو الذي أشرنا إليه سابقا من اعتبار كون التوصيف بمقدار لا ينتهي أمره إلى عزّة الوجود، و لقد عرفت أيضا أنّ في الجواهر (2)أرجع الشرط المزبور إلى شرطيّة القدرة على التسليم
تبعا للتذكرة (1)، و نحن بيّنا أن ظاهر كلماتهم أوسعيّة هذا الشرط عن الشرط المزبور، بل ما هو معتبر في المقام كون عموم الوجود و إمكانه بمثابة لا ينتهي إلى غرر في تسليم المبيع وقت أجله، و لو لاحتمال عدم القدرة لا عدمها واقعا، و أن اشتمال الكلمات على التعبيرات المزبورة بملاحظة ملازمتها مع الوثوق بوجودها حين العقد، لا أنّ لعنوان عموم الوجود موضوعيّة كما في الرياض (2). نعم لو انكشف بعد الوثوق المزبور عدم القدرة تبطل المعاملة حينئذ، لكبرى القدرة.
و ما في بعض النصوص أيضا من قوله عند شراء طعام قرية بعينها: «لا بأس إن خرج فهو له، و إن لم يخرج كان دينا عليه» (3)، فهو محمول على صورة شرط أداء ما في ذمّته من طعام القرية، لا أنّ ما في الذمّة محدود بطعام القرية، و إلّا فلا بدّ من طرحه بالإجماع على شرطيّة القدرة على التسليم كما لا يخفى.
بقي في المقام شيء، و هو أن مقتضى شرطيّة القدرة على التسليم وقت حلول الأجل بطلان المعاملة بانكشاف التعذّر في وقت الحلول، فعبارة المصنّف من قوله: فإن تعذّر تخيّر المشتري بين الفسخ و الصبر منزّل على صورة التعذر بعد إمكان وجوده وقت الحلول، و يومئ إليه كلمة فاء الدالّة على التعقيب.
و أصرح منه ما في الشرائع من قوله: إذا حلّ الأجل و تأخّر التسليم لعارض، ثم طالبه بعد انقطاعه كان بالخيار (4)، و نظيره في الصراحة عبارة التذكرة (5)و الحدائق (6). و لا إشكال في هذه الجهة، و إنّما الكلام في وجه الخيار، مع أن
مقتضى أصالة اللزوم هو الصبر إلى زمان الإمكان لا الخيار، و لا البطلان بمناط التلف قبل القبض، لأنّه مختص بالمبيع الشخصي، و لا الرجوع إلى القيمة كما هو الشأن في المثلي المتعذّر، إذ ربّما يكون ذلك من شئون الضمان الثابت بعموم على اليد. و في المقام لا تشتغل ذمّته إلّا بكلّي لا بد من أدائه مع التمكن و إلّا فنظرة إلى ميسرة (1).
و عليه فعمدة وجه الخيار دعوى الإجماعات، علاوة على موثّقة ابن بكير حيث قال عن رجل أسلف في شيء يسلف الناس فيه من الثمار فذهب زمانها و لم يستوف سلفه قال: «فليأخذ رأس ماله أو لينتظر» (2).
و الرواية ظاهرة إنصافا في أن أخذه رأس ماله بمناط حل العقد باختياره بقرينة أو ينتظر، لا أخذه بعنوان معاوضة جديدة، أو بمناط إرفاق المشتري في حقّه، إذ هو خلاف إطلاقه كما لا يخفى. فالنص إنصافا أحسن شاهد على المدّعى، لو لا دعوى كونها في سياق النصوص الآتية الدالّة على عدم جواز بيع السلم فيه قبل القبض بأزيد من الثمن الأوّل.
و حينئذ لا دلالة فيه على الفسخ مع احتمال ما ذكرنا، و لا إجماع أيضا في مورد الخلاف كما لا يخفى، فلا محيص إلّا من الصبر المزبور، لو لا دعوى فوت الأجل المشروط في مس العقد من باب فوات الشرط الموجب للخيار كما في غير المقام.
نعم قد يتوهم بأنّ بناء الأصحاب على إجراء أحكام العقد على التسليم و قبضه ما لم يكن شرطا في صحته، فكأنّهم فهموا بأنّ التسليم المزبور من متمّمات العقد، و من شئونه، بحيث تسري إليه أحكامه التي منها كون الضرر الناشئ من قبل ترك التسليم بمنزلة الضرر الناشئ من قبل نفس العقد فكما
أنّه يوجب الخيار كذلك هذا الضرر، بل و يؤيّد ما ذكرنا إجراؤهم حكم العيب الحادث في أثناء العقد أو قبله على العيب الحادث قبل التسليم، و منه أيضا تلف المبيع الشخصي قبل قبضه، بل ربّما يستفاد خيار العيب المزبور أيضا من عموم هذه القاعدة.
هذا و لكن الانصاف عدم تماميّة مثل هذه الكليّة على تسليمه في باب الكلّي، إذ ليس فيه تسليم المبيع، و إنّما بالتسليم ينطبق المبيع على ما في الخارج كما أشرنا إليه. و حينئذ فمثل هذا التسليم لا يجري عليه حكم التسليم الشخصي، فلا يتم التقريب. فالعمدة في المقام الإجماع و النص السابق، بل القاعدة أيضا، و هو حسبي و نعم الوكيل.
ثمّ أنّه تقدّم من المصنّف و كذا من غيره اعتبار تعيين المدة، فربّما يختلف في صدق التعيين المزبور في مقامات:
منها: لو عيّن بعنوان الربيع أو الجمادى، فهل يؤخذ بالأقرب، أو الأبعد، أو يبطل، لعدم التعيين؟ وجوه مبنيّة على أنّ وجود الربيع و الجمادى في شهور السنة كعنوان الجمعة و الخميس في أيّام الأسبوع من قبيل الكلي المنطبق على كلّ من الشهرين في السنة أيضا، أو أنّه مشترك لفظي بينهما؟ و على الأول فهل المراد منه بظاهر إطلاقه صرف وجوده المنطبق على أوّل الوجودين، أو الطبيعة السارية في أفراد هذه السنة؟ فعلى الأخير تبطل المعاملة للغرر، و على الثاني تصحّ و يؤخذ بأبعد الوجودين، و على الثالث يؤخذ بأقربهما و هو الأقوى، كما هو الشأن في الجمعة و الخميس.
و منها: ما لو قال: إلى شهرين و كان البيع وسط الشهر، فهل المدار بما بين الهلالين في الثاني و يلفق في الأوّل، أو يتمّمه من الشهر الثالث ثلاثين، أو يؤخذ في كليهما بثلاثين فيتمّم بستين يوما؟ وجهان مبنيان على ظهور الشهر بما بين
الهلالين، و أنّ إطلاقه على ثلاثين مجاز بدلا، فيؤخذ بظهوره مهما أمكن و يلفق في غيره بثلاثين. أو لا ظهور فيه مطلقا، أو في خصوص أمثال المورد من موارد الاحتياج الى التلفيق كان ظاهرا في السنين وجوه، لا يبعد الأوّل.
و مع الغض عنه فعدم الظهور في موارد التلفيق أقرب و إن كان للأخير أيضا وجه بعيد، و لا مجال في مثل المقام للرجوع إلى الأصل لتعيين الأجل عند الترديد، لعدم جريانه في الشبهات المفهوميّة، لأنّه من قبيل استصحاب الفرد المردّد. نعم لو عيّن في موارد التلفيق بمقدار بين الهلالين و شكّ أنّه في هذا الشرط تامّ أم ناقص، فإنّ الأصل المزبور يجري في الشبهات المصداقيّة، و به ترفع الجهالة حكما، و إلى مثل ذلك أفاد في الجواهر (1)من رجوعه إلى الأصل كما لا يخفى.
و منها: ما لو قال في الليل إلى ثلاثة أيام، فهل الظاهر منه ثلاثة تامّة، أو الملفّق من الليالي، بمقدار ساعاته؟ وجهان لا يبعد في أمثال المقام اعتبار الثلاثة التامّة اليوميّة، كما لا يخفى.
و لو قال: إلى الجمعة أو الخميس حلّ بأوّل جزء منه بلا احتياج إلى مضي تمامه، كما هو ظاهر الغاية. و نظيره ما لو قال: إلى محرم، و أمثاله كما لا يخفى.
ثم أن في اعتبار كون موضع التسليم عند اختلاف القيمة بذلك وجوه، قوّى في الجواهر (2)عدمه تنظيرا ذلك ببعض الأوصاف الغير الواجب استقصائها و إن كانت موجبة لاختلاف القيمة. و عمدة نظره إلى عدم صدق الجهالة عرفا بترك ذكر موضع التسليم، فالمكان كالزمان في عدم اعتبار ذكرهما، و لذا لا يعتبر تعيين الزمان في النسية.
و عمدة النكتة فيه ملاحظة العرف كونهما أجنبيا عن المعاملة بحيث
لا تسري الجهالة فيهما إليهما، و مجرد اعتبار الزمان في السلم فالدليل لا يقتضي تعيين مكانه، بل و لو بنينا على استقصاء الأوصاف الموجبة لاختلاف القيمة ما لم ينته إلى عزة الوجود كما هو التحقيق، لا يوجب التعدي منه إلى المكان بعدم احتساب العرف إيّاه من صفات المبيع.
و حينئذ فما حكي عن بعض الأعاظم من اعتبار تعيّن المكان منظور فيه، و أضعف منه التفصيلات المحكيّة في هذا الباب، و اللّٰه العالم.
و لعل المختار ظاهر كل من لم يتعرّض اعتبار تعيّن المكان كالمصنّف و أمثاله فتدبّر.
بقي الكلام في أحكامه فنقول: أوّلا أنّه لا يجوز بيع المسلّم فيه قبل الأجل بلا اشكال، لا لعدم الملك كي يرده بأنّه خلاف قاعدة صحة العقود من حين وجود الشرائط، و لا لعدم القدرة على التسليم فإنّه إنّما يبطل بيعه قبل الأجل حالا و أمّا مؤجّلا فلا، بل للإجماعات المحكيّة و إن حكي الخلاف فيه الى الوسيلة (1)و بعض متأخّر المتأخّرين كما في الجواهر (2)، و لكنه لا يقدح في انعقاد الإجماع كما لا يخفى.
و لا إشكال أيضا في جواز بيعه بعد الأجل و قبضه، و إنّما الاختلاف و معركة الآراء في جواز بيعه بعد الأجل و قبل قبضه، فاختار في الجواهر الجواز مطلقا (3)، خلافا للرياض (4)و جماعة أخرى حيث ذهبوا إلى المنع عن بيعه بأزيد من ثمنه الذي أعطاها أولا مع اتّحاد جنس الثمنين الربوبين، و حكي المنع في صورة
وحدة الجنس مطلق أيضا عن بعض.
و عمدة منشأ الاختلاف في الباب اختلاف الأخبار، ففي بعض منها ما اشتمل على قوله عند عدم وجدان المسلّم فيه: أ يحلّ أن يأخذ من عروضه تلك بطعامه؟ قال: «نعم يسمّي كذا و كذا صاعا» (1)، إذ الظاهر من كلمة الباء هو البدليّة المنصرفة إلى البيع، و الآبية عن الحمل على الأخذ بعنوان الوفاء.
و بمثله ربّما يشرح البقية التي لا تأبى عن الحمل على الأخذ وفاء و إن كان إطلاقها من حيث العنوان يفي لمدّعانا، لأنّه يدخل الأخذ بعنوان المبادلة في مضمون قوله خذ منّي ثمنه فقال: «لا بأس بذلك»، مؤيدا ذلك بالعمومات المصحّحة لمطلق البيع الشاملة للمقام.
و في قبالها تارة رواية علي بن جعفر (2)المانعة عند كون ثمن الأول دراهم عن بيعه بدراهم حيث قال: «إذا قوّمه بدراهم فسد»، لأن الأصل الذي اشتراه دراهم فلا يصلح دراهم بدراهم، و هو مستند الأخير من الأقوال.
و اخرى ما اشتمل على عدم ازدياد ما أعطاه أولا، ففي بعضها (3): «لا يأخذ إلّا رأس ماله لا يظلمون و لا يظلمون»، و في آخر: «لا يأخذ إلّا وضيعته أو ورقه الذي أعطاه أولا و لا يزداد عليه شيئا» (4)، إلى غير ذلك من النصوص القريبة منهما مضمونا. و في الجواهر (5)تضعيف سند خبر علي بن جعفر بلا جبر، بل هو مورد اعراض المشهور، و حمل البقيّة على فسخه عند عدم التمكّن من أداء المسلم فيه.
و لكن لا يخفى ما فيه من أنّ الظاهر من النهي عن الأخذ عن الزائد و أنّه ظلم كونه مختارا في أخذ الزيادة فردعه الإمام، و مثل هذا المعنى آب عن الحمل على الفسخ الذي لا يقتضي إلّا رجوع رأس ماله قهرا و بهذا البيان أيضا يمنع حملها على بيان الوفاء بالقيمة أيضا، فلا محيص من الحمل على معاملة مستقلّة من بيعه أو غيره من سائر المعاوضات كما لا يخفى.
و حينئذ لا قصور في دلالتها على مذهب الرياض (1)، بناء على التعدّي من الدراهم إلى كل متّحدي الجنس و إلى غير من عليه الدين أيضا بعدم الفصل بين الأقوال، و بمثلها تقيد المطلقات في كليّة البيوع، بل و المطلقات السابقة في باب السلم خصوصا مع ظهور بعضها في عدم الوجدان وقت الحلول، فإنّه لا بدّ من طرحه بكبرى القدرة على التسليم حينه كما لا يخفى.
و لكن الإنصاف أنه على القول بالمنع تختص النصوص ببيعه عل المسلّم إليه، و إلّا فبالنسبة إلى غيره، فالعمومات محكمة لو لا الاستفادة من قوله: «إن ظلمك فلا تظلمه» كون أخذ الزيادة ظلما الجاري في غير من عليه الدين أيضا، كما هو ظاهر إطلاق كلام الرياض و غيره.
و لكن الانصاف- لو لا دعوى عدم الفصل في المقامين- عدم تمامية وجه التعدي، لأنّ الظاهر من تطبيق الظلم على من عليه الدين أنه ما أخذ إلّا دراهم معدودة، و بلا أخذ شيء في قباله يعطى أزيد كان صورة ظلما، و أين ذلك و غيره الذي يأخذ الطعام بقيمته خاصّة بتراضيهما. و عليه فلا مجال للتعدي من الأخبار إلى غير من عليه الدين كما هو ظاهر، فإن كان في البين إجماع فهو، و إلّا فللنّظر فيه مجال. و مرجع ذلك إلى قول آخر في قبال الرياض أيضا و اللّٰه العالم.
1) رياض 1: 572.
و كيف كان لو دفع المسلّم إليه من غير الجنس وقت الأجل برضاه أي برضا المسلّم إليه صحّ، لأنه نحو وفاء بمرتبة من ماليّة ما في الذمّة في عين آخر بلا اشكال فيه كنفي الإشكال في أنّه يحتسب القيمة يوم الإقباض، لأنّه يوهم بدليّة القيمة عنه، فكأنّه بأدائها أدى العين بخلاف قيمته وقت آخر، إذ هو لا يقوم مقام العين وقت أدائه لو لا تراضيهما به.
و لو دفع دون الصفة أو أكثر من مقدار المسلّم إليه أو قبل الأجل لا يجب القبول إلّا برضاه، لأنّه غير مورد استحقاقه، فلا سلطنة للدافع على إلزام رفيقه بالقبول، مضافا إلى النصوص المستفيضة المشتملة بعضها على قوله:
فأعطاه دون شرطه أو فوقه بطيبة النفس، قال: «لا بأس» (1)، و نظيره مضمونا جملة أخرى. (2).
و هذا كله بخلاف ما لو دفعه في وقته بصفته أو أزيد منها مرتبة و خصوصيّة فإنه يجب القبول، لأن فيه مقدار حقّه، نعم لو دفع ذي الصفة الحسنة عوض ذي الصفة السيّئة التي هي مورد العقد، ففي الجواهر أنّه لا يجب القبول للمنّة (3). و الفرق بين المسألتين: أنّ الأوّل مصداق الكلّي المطلوب دون الثاني و إن لم يستحقّ من المسلّم إليه إلّا ما يشمل أول وجود طبيعة الصفة دون الزائد، و لكن ذلك لا ينافي مع كونه مصداق الطبيعة بخلاف الأخير كما لا يخفى.
و يجوز في ضمن عقد السلم كسائر العقود اشتراط ما هو سائغ عقلا و شرعا بلا اشكال، لعموم الوفاء بالشرط الشامل للمقام أيضا. و لا يجوز أن يشترط من زرع أرض بعينها، أو غزل امرأة معيّنة، أو ثمرة نخل بعينها، و لعله لاحتمال عدم الوجود وقت الحلول فلا وثوق به.
و لا محيص من انتهاء الأمر فيه إلى الغرر فيبطل.
و فيه منع الكليّة فيه، بل و في النص (1)نفي البأس عن بيع طعام قرية بعينها و إن كان ذيله من قوله: «و إن لم يخرج كان دينا عليه» لا يتم مع قاعدة شرطيّة القدرة على التسليم في حين الأجل، و مع عدمها فيبطل رأسا، و لكن طرحه لا يضرّ بدلالة صدره.
و لو شرط في السلف شيئا معلوما مع التلف صحّ مع فرض عدم كون التلف قبل الأجل، أو حينه الموجب لعدم قدرته على التسليم، لعموم الشرط، و عدم ما يصلح لمعارضته كما لا يخفى.
من الدلّال و غيره على البائع المأمور بالتسليم الواجب مقدّمته و لو بأجرة، و من ذلك ظهر أيضا و جه أنّ اجرة الناقد و وزان الثمن و مشتري الأمتعة يعني المتصدّي لشرائه على المشتري، و لو تبرع الواسطة فلا اجرة بلا اشكال، لعدم المقتضي نعم لو أمر طرفه بالوزن أو الكيل ففعل بقصد الأجرة كان الآمر ضامنا، كما سيأتي إن شاء اللّٰه في باب الإجارة.
الفاقدة و لا التلف في يده إذا
1) وسائل الشيعة 13: 75 حديث 1 باب 13 من أبواب السلف.
لم يفرط، لأنّه أمين، و ليس عليه إلّا اليمين. و لذا نقول: إنّ القول قوله في عدم التفريط مع اليمين للأصل و مع عدم البيّنة و كذا القول قول الدلّال في القيمة، لأصالة عدم ازدياده مما ادّعاه لو ثبت التفريط، كل ذلك بمقتضى القواعد واضح ظاهر.
و لو اختلفا في قبض الثمن و عدمه رأسا قد يتوهّم أن القول قول مدّعي الصحّة، و فيه أنّ أصالة الصحّة إنّما تثبت صحّة العنوان المعلوم وجوده، و هو ليس إلّا نفس العقد، و صحّته ليس إلّا كونه بحيث لو انضمّ إليه القبض لترتّب عليه الأمر، و مثل هذا المعنى لا يجدي شيئا في المقام كما لا يخفى.
و لو أطبقا على القبض و لكن اختلفا في وقوعه في المجلس أولا، فالقول هنا قول مدعي الصحّة، لوقوع القبض المشكوك كونه صحيحا أم فاسدا، و معها لا يبقى مجال لسائر الأصول كما لا يخفى.
و لو قال البائع: قبضته ثم رددته إليك، و أنكر المشتري أصل القبض، فتقدّم أنّ القول قول منكر القبض لا مدعي الصحّة، و لو أنكر الردّ كان البيع صحيحا جزما، و إنّما النزاع في اشتغال ذمّة المشتري بالثمن المردودة. و الأصل في المقام أيضا مع المشتري المنكر للردّ، لأصالة عدمه. و مما ذكرنا ظهر حال الترافع في وجدان المعاملة سائر الشرائط، فإنّ أصالة الصحّة في جميعها جارية و يقوى بها جانب مدّعيها، و اللّٰه العالم.
لا إشكال في مشروعيّة الإقالة في البيع مطلقا، بل وكل معاوضة لازمة، خلافا لبعض العامّة المنكر لها في السلف في الجملة.
و يدلّ على المشروعيّة بل و استحبابه قوله: «أيّما مسلم أقال مسلما بيع
ندامة أقال اللّٰه عثرته يوم القيامة» (1)، و في آخر: «أيّما عبد أقال مسلما» (2)إلى آخره، و في ثالث: «من أقال نادما» (3)، و إطلاق الأخير يشمل غير البيع أيضا، و نظيره ما في مرسل الجعفري (4). و لا إشكال أيضا في كونه فسخا لا معاوضة أخرى، فلا يترتّب عليها حكم سائر المعاوضات، و ربّما يجيء في كتاب الشفعة ما نوضح ذلك فراجع.
و من هنا نقول: إنّه لو أقال بزيادة الثمن لا يصحّ، لعدم اقتضائها، إلّا ردّ الثمن، و في النص أيضا: «لا يصلح له أن يأخذه بوضيعة»، و في ذيله: «إن جهل و أخذه فباع بأكثر من ثمنه ردّ على صاحب الأوّل ما زاد» (5)، و ذلك يقتضي بطلان الإقالة، غاية الأمر عليه رد ما زاد بعد إجازة الأوّل، و إلّا فلا بدّ من طرح الرواية، لعدم عامل بظهوره. و لو لا النص المزبور لقلنا بصحّة الإقالة و استحقاقه مقدار الوضيعة من البائع، لبطلان شرطه.
نعم لو كان مضمون الشرط تمليك مقدار من الثمن جديدا، أو استحقاقه من الطرف شيئا مستقلا لا من قبل الإقالة، أو عدم استحقاقه عليه أيضا كذلك لا استحقاقه بالإقالة أو عدمه كذلك، لا بأس بصحّة الشرط أيضا، لو لا دعوى وجوب كون الشرط في ضمن العقد، و الإقالة ليس بعقد بل هو فسخ العقد.
مضافا إلى أن نتيجة الشرط التسلّط على فسخ المعاملة عند تخلّفه.
و هذا المعنى غير معهود في نفس الفسخ، و لكن ظاهر كلماتهم في وجه بطلان شرط الزيادة و النقصان فيها بأنّه خلاف مقتضى الإقالة يومئ إلى عدم
1) وسائل الشيعة 12: 287 حديث 4 باب 3 من أبواب آداب التجارة.
2) وسائل الشيعة 12: 286 حديث 2 باب 3 من أبواب آداب التجارة.
3) وسائل الشيعة 12: 287 حديث 5 باب 3 من أبواب آداب التجارة.
4) وسائل الشيعة 12: 286 حديث 1 باب 3 من أبواب آداب التجارة.
5) وسائل الشيعة 12: 392 حديث 1 باب 17 من أبواب أحكام العقود.
اعتبار ضمنيّة العقد في صحته. و يؤيّده أيضا أن مقتضى الشرطيّة مجرد ارتباط المشروط بشيء، و لا يلزم كونه عقدا، غاية الأمر أن الشرط حيث أنّه يوجب استحقاقا لغير الشارط على شرطه، و لذا كان له إلزامه على الوفاء به لا بمناط الأمر بالمعروف، فلا بدّ و أن يكون في ضمن معاملة كان له الطرفان كي بتراضيهما على الشرط المزبور تترتّب آثاره. و بذلك نقول بأنّه لا يصح الشرط في ضمن الإيقاع، و إلّا فحيثيّة الارتباط في مثله أيضا محفوظة.
و حينئذ فلا تقاس الإقالة بالإيقاعات و لا بالشروط الابتدائية.
و أمّا توهم ملازمة الشرط للسلطنة على الفسخ عند تخلّفه، و هو غير معهود في الإقالة و الفسخ، مدفوع بمنع الملازمة، كما هو الشأن في المشروط في ضمن الوقت و العتق بل النكاح أيضا، بناء على عدم معهوديّة الفسخ بغير أسبابه الخاصّة فيه.
و من هنا أيضا قيل بعدم جريان المعاطاة الملزوم للجواز فيه أيضا، و لكن في النص المنسوب إلى هذيل قوله: و لم ينفذ و يرده فهل ينبغي له؟ قال: «لا إلّا أن تطيب نفس صاحبه» (1)، و ظاهره الإقالة بلا صيغة. و حكي عن بعض أيضا بكفايته، لعدم احتياجه إلّا على ما يدل على قصده.
و أمّا الملازمة المزبورة فهو أيضا ممنوع، إذ قد يكتفي بصرف العمل الحاكي عن القصد في الوقفيّة، كما هو الشأن في حصر المساجد، بل و في تعميراته الجزئيّة من أعمال الطابوق و الجصّ و أمثالها المعلوم وقوعها وقفا لازما قبل ذلك كما لا يخفى، فلم لا يمكن أن تكون الإقالة أيضا من هذا القبيل، مع إمكان دعوى أنّ ملزوميّة المعاطاة للجواز إنّما هو في العقود، لعدم اقتضاء كلماتهم، و كذلك السيرة أزيد من ذلك. و لقد عرفت أنّ الإقالة ليس عقدا بل هو فسخ عقد بتراضيهما، فلا تمنع الملازمة المزبورة لجريانها في الإقالة كما لا يخفى.
1) وسائل الشيعة 12: 286 حديث 3 باب 3 من أبواب آداب التجارة.
ثم في جريان الإقالة في بعض العقد أيضا وجه كما هو الشأن في الفسخ بالخيار، و كلماتهم في باب الإجارة مشحونة بمثله كما لا يخفى على من تأمّل فيه.
ثم أنّ نتيجة الإقالة كما في الفسخ بالخيار هو رد المعين إن كان موجودا، ورد بدله إن كان تالفا، و لقد حققنا وجه ردّ القيمة بالفسخ في طيّ الخيارات، فراجع ترى جريان مناطه في المقام.
و أيضا ظاهر النصوص و الفتاوى كون الإقالة حكما مخصوصا بطرف المعاوضة، و ليس حقا قابلا للإسقاط حينئذ، فلا يقبل للانتقال بالإرث أيضا و إن صرّح به العلّامة في التذكرة (1)، و يكفي فيهما أيضا مجرّد الشكّ فيه، إذ الأصل حينئذ يقتضي الحكميّة، و اللّٰه العالم.
و الحمد للّٰه أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا. حرر في يوم الأربعاء الواحد و العشرين من صفر في سنة اثنين و أربعين بعد الثلاثمائة بعد الألف من الهجرة على يد الأقل المحتاج إلى ربه الفاني ضياء الدين بن محمد العراقي السلطانآبادي عفى عنهما ذنوبهما آمين آمين آمين.
1) التذكرة 1: 579.
التي هي من توابع البيع على المشهور، و حقّ مخصوص متعلق بالمبيع بشرائط مخصوصة. و في الشرائع: هي استحقاق أحد الشريكين بسبب انتقالها بالبيع (1)، و نظيره في النافع (2)و القواعد (3)، و في الدروس: حق ملك قهري يثبت بالبيع لشريكه (4)، إلى غير ذلك المستفاد من جميعها كون الشفعة من الحقوق القابلة للإسقاط و الانتقال بالإرث.
و لعلّه أيضا من جهة قيام الوارث بالإرث مقام مورّثه فيترتب عليه أحكامه، و إلّا فلا يصلح قيام الشفعة لأجنبي كي يصلح انتقاله بسائر النوافل من صلح أو غيره كما هو الشأن في الخيار. و بذلك يمتاز الحقّان المزبوران عن حق التحجير و أمثاله القابل للانتقال إلى الغير بسائر النوافل أيضا.
و من هنا نقول: إنّ قوام الحقيّة ليس بقابليّة للنقل، و ليس قوامه بقابلية للانتقال بالإرث أيضا، كحق المضاجعة للنقل إلى زوجة أخرى بصلح أو
غيره. و حينئذ فما به قوام الحقيّة هو قابليّته للإسقاط، فما لا يقبل له فهو حكم محض و إن يعبّر عنها بالحقوق أيضا، و لكنّه بنحو عناية في التعبير. و مع الشكّ في أحد الأقسام الأصل يقتضي كونه ممّا لا يصلح للانتقال، و مع الشكّ في أصل حقيّته بصلاحيّته للإسقاط و عدمه هو الحكميّة كما أشرنا سابقا إليه للأصل كما لا يخفى.
و كيف كان نقول: إنّه إذا باع أحد الشريكين حصّة في ملكه كان للآخر الشفعة بلا اشكال فيه في الجملة فتوى و نصوصا متواترة واردة في مقامات مختلفة سيتّضح حالها في طي المباحث، و ظاهر العبارة تعميمه لكل ملك يقبل القسمة بلا خصوصية للأراضي و المساكن.
و لعلّ عمدة الوجه فيه ما في الصحيح من قوله: في المملوك بين الشركاء باع أحدهم نصيبه فيقول صاحبه: أنا أحقّ به إله ذلك؟ قال: «نعم إذا كان واحدا»، قيل له: في الحيوان شفعة؟ قال: «لا» (1)بضميمة التعدي عن الحيوان إلى غيره مما لا يقبل القسمة بعدم الفصل ظاهرا خصوصا مع ما في نص آخر:
«لا شفعة في سفينة و لا نهر و لا في طريق و لا في رحى و لا في حمّام» (2)، بعد التعدي منها إلى غيرها مما لا يقبل القسمة.
و لكن في نصّ آخر التصريح بثبوته في الحيوان و غيره قال في رواية يونس:
«الشفعة واجبة في كل شيء من حيوان أو أرض أو متاع إذا كان الشيء بين الشريكين لا غيرهما» (3)إلى آخره، و في آخر: «الشفعة في البيوع إذا كان
شريكا فهو أحق بها» (1).
و حينئذ ربّما يجمع بين هذه العمومات مع نفي الشفعة في الحيوان بالحمل على كراهة اعماله فكأنّه لا شفعة له، بل لا بدّ من هذا التصرّف في النص الآخر من جهة التلازم بين ما ذكر فيه و الحيوان إجماعا، فلا مجال لتخصيص العام المزبور بما في النصّ الآخر بتوهم إلّا حصّته المطلقة من العمومات، فلا مجال حينئذ لاستفادة التفصيل بين ما يقبل القسمة و غيره من مثل هذه النصوص.
كما أنّ ما ورد بلسان عدم الشفعة إلّا فيما لم يتقاسما (2)، فهي ظاهرة في اعتبار الإشاعة الفعلية، و حملها على بيان شرطيّة قابليّة القسمة منظور فيه، فلا يستفاد منها أيضا التفصيل بين ما ينقل و لا ينقل.
نعم قد ورد النصّ الآخر بلسان نفي الشفعة فيما لم يقسم، و أنّه إذا وقفت الحدود و طرقت الطرق فلا شفعة، إذ ذيله يوم الاختصاص بما لا ينقل (3).
و يؤيده أيضا عموم حصر الشفعة بالأرضين و الدور (4).
و لكن لا يخفى أنّه لا يكاد يقاوم مثل هذه النصوص مع النصّ السابق المشتمل على المتاع في قبال الأراضي و الحيوان، بل و الحيوان أيضا، إذ هو صريح في جريان الشفعة في المنقول أيضا. فلا محيص من حمل النفي في غيره على ضرب من الغاية و التأويل، كما أشرنا إليه في الجمع السابق، و هو أولى من الأخذ الحاصر بغير المنقول، و حمل المثبت فيه على ضرب من الندب كما صنعه في الجواهر (5).
و عليه فأقوى الأقوال هو القول بثبوت الشفعة في المشاع في كل شيء، منقولا أو غيره، يقبل القسمة أم لا. نعم لا يجري بعد القسمة، لعدم صدق الشريك عليه، بل نصوص التقييد بما لم يتقاسم (1)شاهد المدعى، و هو الذي ذهب إليه جمع من القدماء من السيّد و غيره (2).
ثم أنّه قد يتوهم فيما يشتمل على المملوك من نصوص الباب (3)أنّ المراد منه العبد، و لذا فصل بعض في الحيوان بين العبد و غيره، فجوّز الشفعة في الأوّل دون الثاني. و لا يخفى ما فيه من منع اختصاص المملوك في النصوص السابقة في العبد، بل هو أعم منه و من غيره، و لذا جعلناه دليلا لمختار المصنّف فتأمل.
ثم أنه على المختار لا يبقى مجال التشكيك في ثبوت الشفعة في الأشجار منصوبة و غيرها، و كذلك الأحجار مثبتة و غيرها. و أمّا على مختار الجواهر (4)و المحقّق (5)من اختصاصها بغير المنقول القابل للقسمة، فقد يلحق بالأراضي أشجارها المنصوبة، و كذلك أحجارها المثبتة، بل و كل ما يتعلّق بالدور من الثوابت و الأبواب و أمثالها.
و في التعدي إلى ما نصب في الأرض من الحبوب على وجه غير قابل لقلعه، أو قابل و لكن ما دام غير مقلوع وجه، و إن كان للنظر فيه مجال ما لم يصدق تبعيتها للأرض و الدور الذي هو مورد النص بالخصوص، و من هذه الجهة أيضا تردّد المحقّق في ثبوت الشفعة في الدولاب و الناعور إذا بيعا تبعا للأرض، مع تعليله بأنه ليس من عادتها أن تنقل.
ثم انّ المدار في التبعيّة للأرض في هذا الحكم أيضا على حكم العرف، فربّما لا يرون التبعيّة للأرض على وجه يحسب مما لا ينقل في غير الأعيان الثابتة، فلا يدخل فيها مثل الزرع، و ثمار الأشجار التي لها أمد مخصوص، و إليه أيضا أشار في الجواهر (1)عند كلام المحقّق من عدم ثبوتها في الثمرة على رأس النخل.
و بهذا البيان ظهر أنّ دائرة التبعيّة في هذا المقام أخص من دائرتها في الحكم بالملكيّة، كما لا يخفى على من راجع كلماتهم، و لكن ذلك كلّه على المختار غير منظور إليه.
ثم أنّه من التأمّل فيما ذكرنا ظهر أيضا وجه عدم جعل القابليّة للقسمة من شروط الشفعة، فما في كلام المصنّف من قوله
منظور فيه.
دون غيره من النواقل، خلافا لابن جنيد (2)من القدماء، و للشهيد الثاني في المسالك من المتأخرين (3).
و عمدة نظرهم أنّ الشفعة على خلاف عموم السلطنة، فلا بدّ و أن يقتصر على المتيقّن. و ليس في البين عموم يقتضي التعدي من البيع إلى غيره، و لقد عرفت أنّ النصوص الخاصّة كثير منها مصرّحة بخصوص البيع، و ما لم يكن مصرحا به مثل نصوص ثبوت الشفعة ما لم يتقاسم فهي في مقام بيان شرطية الإشاعة و عدم القسمة في مورد ثبوته، و ليس في بيان مورد الثبوت.
نعم قد يتوهم العموم في رواية عقبة بن خالد حيث علّل الشفعة بنفي
الضرر و الضرار (1)، و هو سند المسالك أيضا في التعدّي بعموم العلّة. و العجب من الجواهر أيضا حيث أخذ بعموم هذه العلّة و جعل الشفعة في كلّ شيء قابل للقسمة أم لا، و مع ذلك لم يتعدّ إلى المنقول.
و التحقيق أن يقال: إنّ هذه الرواية هي التي رواها أحمد بن حنبل في كتابه (2)، و ما حكاه رواية طويلة مشتملة على قضايا متعدّدة، من جملتها ثبوت الشفعة في الأراضي و المساكن، و من جملتها عموم نفي الضرر و الضرار من دون ربط أحدهما بالآخر كي يصلح لتعليل أحد الفقرتين بغيره.
و لقد أجاد شيخنا العلّامة شيخ الشريعة الأصبهاني حيث جهد في تتبّعه الشريف و تنبّه للنص المزبور بطوله في كتاب أحمد بن حنبل، و طبّق من الوسائل موارد تقطيعه عند حضورنا محضره الشريف جزاه اللّٰه عن الإسلام خير الجزاء بما صبر و احتسب و نعم له عقبى الدار. و الأصحاب أخذوا بعض فقرأتها بتقطيع الوسائل، و وقعوا من جهة شبهة التعليل المزبور في حيص و بيص.
كيف و لازم العليّة المزبورة صلاحيّة عموم نفي الضرر لنفي السلطنة التي هي من الأحكام الارفاقية، مع أنّهم غير ملتزمين بذلك بملاحظة كونه في مقام الامتنان على الأمّة، على وجه لا يصلح لرفع ما فيه خلاف امتنان في حقّ الغير، و لذا لم يلتزموا في خيار الغبن بالتخيير بين الأرش و غيره، و لا يمنعون حفر بئر الجار بمحض الضرر على جاره، و غير ذلك.
و ما في قضيّة سمرة (3)أيضا لا بدّ من الحمل على قضائه في حقّه سياسة، كيف و لم يتعدّ أحد من الأصحاب إلى نظير الحكم في غير هذا المورد.
و عمدة النكتة فيه عدم صلاحيّة عموم نفي الضرر للتحكيم بالنسبة إلى أمثال عموم السلطنة من الارفاقيّات على نفسه أو على غيره، و ما قد يتراءى من عدم سلطنة الإنسان على التصرّف في ملكه على وجه يوجب إتلاف مال الغير، فليس ذلك من باب تحكيم عموم نفي الضرر على عموم السلطنة، بل إنّما هو لقصور سلطنة الإنسان من الأوّل على التصرف في مال غيره بإتلاف، أو إبقاء في ملكه، أو اشغال ماله في ملك الغير و لو لم يكن في البين ضرر أصلا.
و لصاحب المال حينئذ إلزام غيره في منع تصرّفه المزبور، و له إفراغ ماله عن مال الغير قهرا من صاحبه و لقد شرحنا وجه ذلك في بحث الخيارات من كتاب البيع فراجع.
فلا تكون أمثال هذه الموارد موارد تحكيم لا ضرر على عموم السلطنة المزبورة، فكل مورد يكون التصرف متلفا لمال الغير لا يكون التصرف المزبور مورد عموم السلطنة ذاتا. نعم لو كان التصرّف الكذائي منشأ لإتلاف مالية مال الغير فهو داخل في عمومه، و عموم نفي الضرر أيضا غير ناظر إلى مثله لنكتة ذكرناها، و لذا لم يمنع المالك عن بناء حمّام في جنب دار يضر بماليته بمعنى كونه موجبا لنقص قيمته، و هكذا مع أنّ في هذه يصدق الضرر بأجلى أفراده، فربّما يكون ذلك أيضا من شواهد ما بيّنا، و اللّٰه العالم. و كيف كان لا عموم في البين يتعدى من البيع في الشفعة إلى غيره، كما لا يخفى.
، و تقدّم بيانه بشهادة نصوص نفي الشفعة إذا تقاسما كما أشرنا إلى بعضها. نعم لو كان بينهما شركة في الطريق و النهر أو الساقية لا يضرّ القسمة بثبوتها، و إلى ذلك أيضا أشار المصنّف بقوله: أو يكون شريكا في الطريق أو النهر أو الساقية.
و الأصل في ذلك حسن منصور قال: سألت عن دار فيها دور و طريقهم واحد في عرصة يبيع بعضهم منزله من رجل هل لشركائه في الطريق أن يأخذوا بالشفعة؟ فقال: «إن كان باع الدار و حوّل بابها إلى طريق غير ذلك فلا شفعة لهم، و إن باع الطريق مع الدار فلهم الشفعة» (1).
و في نصّ آخر بعد الحكم بجواز شراء نصب بعضهم و سد بابه الأول فإن أراد صاحب الطريق بيعه فإنّهم أحقّ به و إلّا فهو طريقه» (2)، و ظاهره ثبوت الشفعة في نفس الطريق لا في الدار، فلا يدلّ على المدّعى، فينحصر المستند بالنصّ الأوّل، و هو صريح في ثبوت الشفعة في الدار بشرط بيع الطريق مع الدار.
و حينئذ فمرجع الاشتراك في الطريق المجوّز للشفعة اشتراكهم مع المشتري لا مع البائع، فلا بدّ حينئذ من توجيه عبارة المصنّف، إذ توهم كفاية مجرد الاشتراك مع البائع أيضا خلاف مصبّ كلماتهم، بل خلاف ظاهر النصّ المزبور أيضا، فلا وجه للتعدي عن مورده من بيع الطريق مع الدار إلى غيره.
و لقد صرّح المحقق أيضا بأنّه لو باع الأرض المقسومة بلا طريقه فلا شفعة فيها (3)، و في الجواهر أيضا نفي الخلاف فيه و نفي الاشكال (4).
نعم لو باع الطريق فقط كانت الشفعة فيه لنصّ الكاهلي (5)، بل و بقيّة المطلقات، لأنّه أيضا أرض مشتركة.
و كيف كان نقول: إنّ مورد النص في هذا الباب خصوص الشركة في
الطريق، و الأصحاب ألحقوا البستان و الأراضي إلى الدار، و كذا الحقوا بالطريق النهر و الساقية. و فيه اشكال، لوجود المخالف في المسألة. و في اعتبار قابليّة الطريق للتقسيم بناء على اعتباره في أصل الدار المشتركة إشكال، لإطلاق النصّ، كما أن إطلاقه يشمل ما لو كان الدور من الأوّل مقسما لا مشاعا فيقسم، فإشكال جامع المقاصد في الأوّل منظور فيه.
ثم إن مورد النص السابق تعدد الشركاء في الطريق، و لا وجه لتقييد ذلك بما دلّ على وحدة الشريك في أصل الدار و الأرضين، لاختلاف المناطين، فلا بأس بالالتزام في كلّ باب بما يقتضيه نصّه، لو لا الاستفادة من إطلاق وحدة الشريك من الأصحاب الإجماع على الملازمة من هذه الجهة بين المناطين.
و فيه تأمّل، لإمكان صرف مطلقات كلمات الأصحاب إلى الشركة في نفس الأرض لا في طريقه، كما هو الشأن في قول المصنّف: و أن لا يزيد الشركاء على اثنين أيضا في مقام عدّه الشرائط لثبوت الشفعة.
و الظاهر أنّه لا إشكال في هذا المقدار، للنصوص المستفيضة المصرّح في بعضها: «فإذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة» (1)، و لا يعارضه ما في آخر: «الشفعة على عدد الرجال» (2)أضعف روايته سندا مع عدم جبر، كما أنّ قوله: «لا شفعة في الحيوان إلّا أن يكون الشريك واحدا» لا مفهوم في ثبوتها له في غيره مع تعدد الشركاء، فتوهّم الفصل بين الحيوان و غيره كما عن بعضهم، أو نفي الاعتبار مطلقا كما عن آخر منظور فيه. نعم في الشركة في الطريق نصّ ظاهر في أزيد من الاثنين (3)، و لا ضير في الالتزام به لو لا شبهة أطباق كلمة في
وحدة الحكم في المقامين، و لقد أشرنا إلى التأمّل فيه كما لا يخفى.
ثم إن الظاهر من قوله: «فإذا صاروا ثلاثة» كونهم ثلاثة في ظرف تحقّق البيع، فلا يشمل الثلاثة الناشئة عن قبل البيع، فلو باع أحد الشريكين سهمه بالاثنين، فلا تسقط به شفعة شريكه.
كما أنّ الظاهر من قوله: «الشفعة على عدد الرجال»- على القول به- كون كل واحد ذا حق مستقلّ، بحيث لو أعمل أحدهما لا يبقى محلّ للآخر بعده.
و قد يتوهم كونه للجميع بنحو التوزيع بمقدار عددهم لا بمقدار السهام، إذ هو من توابع أصل الشركة السارية في الجميع. و في استفادته من النصّ المزبور نظر، اللهم [إلّا] أن يقال: إنّ استحقاق أخذ التمام يستحيل ثبوته للرجال بنحو الاستغراق، فلا محيص من أحد التصرفين: إمّا بدعوى تقييده بعدم أخذ غيره، أو الحمل على التوزيع بمقدار رءوسهم، و ليس أحد التصرّفين بأولى من الآخر، فلا محيص من جريان حكم الإجمال على الظهور.
و لئن أبيت عن ذلك و قلت بإمكان تعدد الحقوق المزبورة فلا أقلّ من اجراء هذا البيان بالنسبة إلى عموم السلطنة على اعماله كما لا يخفى، و لازم ذلك بعد عدم اقتضاء الأصل بالمعارضة شيئا أيضا، هو الحكم بالتوزيع بمقتضى العدل و الانصاف جمعا بين الحقوق و دفعا للظلم بقدر الإمكان.
و يؤيّده المرسلة المنسوبة إلى السيّد المشتملة على قوله: «إذا سمح بعض بحقوقهم من الشفعة فمن لم يسمح بحقّه على قدر حقّه» الى آخره، و لازم ذلك استحقاق كل واحد بنسبة رءوسهم من العين إلّا أن يعفى الآخر فيوزع سهمه على البقيّة إلى أن يبقى واحد منهم فيستحقّ لأخذ التمام.
و ما عن المحقق من أنّ له استيفاء التمام، غاية الأمر للشريك الأخر فسخه بمقدار نصيبه (1)، منظور فيه، و لذا استشكل عليه في الجواهر أيضا بنحو
1) الشرائع 3: 254.
أشرنا (1)، فراجع.
و لو باع أحد الشريكين سهمه من الدار بعد بيع شريكه ففي بقاء شفعته بالبيع السابق وجهان: من صدق كونه شريكا حين البيع فيثبت، و الاستصحاب يقتضي بقائها أيضا. و من أنّ المنصرف من الدليل دوران الحق مدار الشركة حدوثا و بقاء. و فيه نظر كالنظر في التشكيك في بقاء موضوع الاستصحاب، كما أن إطلاق الدليل لا يفرّق بين الشريك الغائب و الحاضر و لو أخذ الحاضر تمام العين يحتاج إلى عفو الغائب حقّه، و إلّا فلا ينفذ في أزيد من نصيبه بحساب الرءوس كما لا يخفى.
و لازم ما ذكرنا عدم نفوذ قسمة مع وكلاء الغائبين في تمام المبيع، بل لا بدّ و أن يقسم معهم بمقدار سهمه المأخوذ بالشفعة. و ظاهر المحقق نفوذه في تمامه (2).
و للغيب فسخ القسمة، الظاهر كونه من حين الفسخ، بشهادة فتواه باختصاص الأخذ بغلّته، و هو منظور فيه، بل ما لم يعف الغائب لا تكون الغلّة ماله، بل القواعد تقتضي كون الزائد من الغلّة مال المشتري، كما لا يخفى.
و لو اشترى أحد الشريكين سهم الآخر من الدار كانت شفعته للشريك الثالث على هذا القول، لعدم استحقاق الإنسان شيئا على نفسه، و الأدلّة أيضا منصرفة عن هذه الصورة كما لا يخفى.
حين أخذه بالشفعة كما هو ظاهر كلماتهم، و العمدة فيه دعوى الإجماع في كلماتهم و إلّا ففي نصّ ابن مهزيار (1)مع عدم قدرته عن تحصيل الثمن تأجيله ثلاثة أيّام، و في ذيله أيضا ينتظر مقدار ما يسافر الى بلد آخر فيه مال و إن كان أزيد من ثلاثة أيّام.
و الظاهر أن بناءهم على العمل بمضمونه كما يتراءى من نفي الخلاف في التأجيل المزبور بعيبيّة الثمن في المصير، و ربّما يشهد ذلك على المراد من شرطيّة القدرة بكونها في كلماتهم صاحب المال و لو بقرينة فهم الأصحاب.
و حينئذ لا بأس بالعمل بالنصّ، و إليه أيضا ترجع الفتاوى من اعتبار القدرة و لو في الجملة قبال العجز مطلقا، بل لو احتيج إلى السفر ربّما يلتزمون بجواز السفر إلى بلد فلوسه أو ماله القابل لأن ينقد و سيأتي الكلام فيه. و يحصل التمكّن بقرضه و غيره بلا اختصاص بوجدانه من غيرها، لإطلاق معاقد الإجماعات.
و أيضا التزموا بسقوط الشفعة بالمماطلة بعد أخذه كي لا ينافي فوريّتها للإجماع المزبور، و إلّا فقد يتخيل استفادة التأجيل بالثلاثة من نص ابن مهزيار السابق، بناء على عدم اختصاصه بصورة العجز، و فيه نظر ظاهر علاوة عمّا ذكرنا. و نظيره في سقوطها صورة هربه فإنّه أيضا إجماعي، بل من رواية التعجيل بالثلاثة أمكن التعدي إليه فينتظر ثلاثة أيّام، و لكن فيه نظر و تأمّل.
بأخذ المال من المشتري بإعمال حقّه مع المكنة عن أخذه و اعمال حقّه، و لازمة سقوط حقّه بتراخيه عمدا. و عمدة الدليل على الفوريّة بعد اقتضاء الأصل- لو لا
1) وسائل الشيعة 17: 324 حديث 1 باب 10 من أبواب الشفعة.
الإطلاق- التراخي، ظهور النبويّين المشتمل أحدهما على قوله: «الشفعة لمن واثبها» (1)لما في الوثوب من الدلالة على التعجيل، و في ثانيهما: «الشفعة كحلّ العقال» (2)، بتقريب أن حلّ العقال من البعير يوجب حركته فورا فشبّه ثبوت الشفعة بالحلّ المزبور بأنّه ملزوم الحركة و الاعمال معجّلا.
و قد يؤيدهما ما في نصّ ابن مهزيار من نفي الشفعة لغير القادر عن الثمن في الزائد عن الثلاثة في الحاضر. و لا يخفى ما في التأييد المزبور، و في الأوّليين كفاية، و ظاهر الأخير الاختصاص بصورة عدم عذر في التعجيل، إذ مع العذر العقلائي يصدق كونه بمنزلة غير القادر، فلا ينافي كونه حينئذ كحلّ العقال، إذ هو إنّما يكون ملزوم الحركة في صور لا يمنعه ما هو واف بغرضه من السكون، كما أنّ إطلاق الأوّل على فرضه مفيد بالإجماع على عدم السقوط مع العذر. فلا مجال لطرح النبويّين مع كون مضمونها على وفق المشهور، و أنّ غرض المصنّف من المكنة المكنة العقلائيّة العرفيّة لا العقليّة المحضة.
ثم أنّه على الفوريّة فهل الأعمال الذي يراد فوريّته خصوص إنشاء تملّكه و لو عند نفسه، أو يعتبر مع ذلك حضوره لدى المشتري، أو يعتبر مع ذلك إحضار الثمن؟ وجوه أقواها الأوّل، إذ هو المتيقّن في قبال الأصل و الإطلاقات لو لا دعوى اقتضاء تقييد الفوريّة بعدم العذر، و جعل الصلاة و الحرّ و البرد الشديدين أو الليلة المظلمة أو غير ذلك من الأعذار، بل و في كلمات كثير منهم بأن الغائب عند التمكّن من السير بنفسه أو وكيله يجب عليه الحضور و وجوب الحضور في اعمال الشفعة، فلا يكفي في اعمال الفوريّة مجرّد الإنشاء المزبور عند نفسه، و إلّا لا يتصور له مانع و عذر كي يقيّد الفوريّة به.
و لعله لذلك كلّه ادّعى في جامع المقاصد بأنّ الكلمات مطبقة على وجوب السعي إلى المشتري (1)، و لازمة عدم الاكتفاء في الفوريّة بإنشاء التملّك محضا، نعم لا وجه لإحضار الثمن في اعمال الفوريّة كما لا يخفى.
و ما في الحسنة من قوله: «فهو أحق بها من غيره بالثمن» (2)لا يقتضي إلا أحقيّته عن غيره بالأخذ بذاك الثمن، و لا يقتضي فوريّته و إعطاؤه أيضا كما لا يخفى.
هذا و لو باع صاحب الشقص المطلق نصيبه جاز لصاحب الوقف الأخذ بالشفعة وفاقا للسيّد (3)و جماعة، و عن المحقق في شرائعه منع ثبوتها (4).
و عمدة المستند انصراف إطلاقات ثبوت الشفعة بين الشريكين، أو الرجال المفروغ شركتهم من الخارج عن مثل هذه الشركة، إذ المنساق منه كون اضافة المال إليهما بنحو سواء، و ليس المشاع بين الوقف و الطلق من هذا القبيل، و دعوى الإجماع على ثبوته مع مخالفة الأعاظم من المتأخّرين ممنوعة، كما هو ظاهر.
و من هنا ظهر أيضا عدم ثبوت الشفعة لمالك الطلق لو بيع الوقف بأحد مجوّزاته إلّا على القول بانتقاله إلى الطبيعة الموجودة آنا ما على وجه يكون ثمنه طلقا لهم، فإنه حينئذ تصدق الشركة المزبورة حين البيع، فتشمله إطلاقات الشفعة. و لكن الوجه المزبور بمعزل عن التحقيق كما سيأتي إن شاء اللّٰه في محله، فما عن بعض الأعاظم من محشي الكتاب من نفي الاشكال في ذلك تأمّل لو لا
قيام إجماع عليه، كما يوهمه تخصيص نفي الشفعة في كلماتهم بالصورة الاولى فتدبّر.
و لا تثبت الشفعة للذمي على المسلم، لأنّه نحو سبيل و لن يجعل اللّٰه للكافرين على المسلمين سبيلا (1)، نعم لا قصور في شمول الأدلّة للكافر على الكافر، و هو الوجه في كونهم مكلّفين بالفروع أيضا. كما أنّه يثبت للمسلم أيضا على الكافر، لإطلاق الدليل، و إليه أشار المصنّف بقوله: و يثبت للمسلم عليه و يأخذ الشفيع بما وقع عليه العقد بتمامه بلا تبعيض في اعمال حقّه، للأصل، و عموم نفي الضرر على المشتري، و إن كان فيه نظر، لعدم صلاحيّته لنفي سلطنة ذي الحق على التبعيض في استيفاء حقّه، لكونه خلاف الإرفاق في حقّه فالعمدة في المقام هو الأصل بعد عدم اقتضاء الإطلاقات شيئا في المقام، لعدم كونها في مقام البيان من تلك الجهة.
و ما في المرسلة المنسوبة إلى السيّد المشار إليه سابقا مؤيّدا لتوزيع الحق على الشفعاء المتعدّدين، على فرض تسليم سنده و جبره، غير مرتبط بالمقام، اللهم [إلّا] أن يتشبث بفحواه. و لكن الذي يسهّل الخطب أنّها ظاهرة في ثبوت الشفعة لأزيد من شريك واحد، و هو خلاف المشهور، فلا جبر لسندها.
و حينئذ فلو قال: أخذت بالنصف خاصّة، لا يصلح إلّا بأخذ وكيله أيضا النصف الآخر، نعم لو عفا عن النصف الأخر لا يثمر أخذ وكيله أيضا مقامه، نعم لو بنينا على التبعيض فمع العفو يثبت أخذه للنصف و يعفى الزائد منه.
و إلى ذلك ذهب المصنّف أيضا حيث قال: إنّ الشفيع يأخذ بما وقع عليه العقد و إن أبرأه من بعضه، إذ هو مناسب لقابليّة الشفعة للتبعيض،
1) النساء: 141.
و إلّا فعلى المختار لا يصحّ الأخذ بالبقيّة مع العفو من بعضه كما أشرنا، و اللّٰه العالم.
ثم إنّه لو كان المبيع مثليّا لا اشكال ظاهرا عندهم في أنّ الشفيع يأخذ المبيع بمثل الثمن، أي قيمته كان حين الأخذ، و في حسنة الغنوي: «فهو أحق بها من غيره بالثمن» (1)، و ظاهره عدم اشتغال عهدته بأزيد من الثمن من سائر مصارفه من اجرة الدلّال و الحمّال و الوزّان و غيرها، هذا كلّه إذا كان الثمن مثليا.
و أما لو كان قيميا فظاهر كلام المصنّف: و لو لم يكن مثليا أخذ بقيمته وجوب قيمته عليه، و قوّاه في الشرائع (2)وفاقا لجمع من القدماء، خلافا لجمع آخر، و تبعهم في الجواهر (3). و عمدة السند للمنع بعد منع سوق إطلاقات الباب لذلك و منع الإطلاق في الثمن في الحسنة بالنسبة إلى القيمة، بل المثل هو المتيقّن منه في مقام التخاطب، خصوصا مع كون الثمن في الغالب نقدا الذي هو من المثليّات هو الأصل، علاوة عن نصّ ابن رئاب (4)المشتمل على نفي الشفعة في صورة كون الثمن رقيقا و متاعا و برا و جوهرا، بعد التعدّي عنه إلى غيره بعدم القول بالفصل.
و في آخر حصر الناقل بالبيع و الشراء في مورد ارادة إعطاء المال الذي نقده في ثمنها، بناء على حمله على كون الثمن مالا غير النقدين، و أنّ الغرض من قوله:
«نقده» تحديده بمعيار النقدين لا تبديله بالنقدين، و إلّا فيصير الثمن حينئذ مثليا لم يقل أحد بسقوط الشفعة فيه.
و لكن الانصاف مع دلالة هذه النصوص على اختصاص الشفعة بالمثلي، إذ مع الغضّ عن ظهور نقده في الأخير في النقد الفعلي، لا أقل من ترك استفصال الإمام في المال المقتضي لشموله للمثلي أيضا. فلا محيص حينئذ من طرحه، لعدم عامل بإطلاق مضمونه، و صرف إطباقهم المزبور على بنائهم على تخصيصه أوّل الدعوى، إذ هو فرع عدم ورود وهن في سنده، إذ حينئذ لا بدّ من تخصيصه حفظا لعموم دليل السند مهما أمكن.
و أمّا مع احتمال كون ذلك لخلل في السند، فلا وثوق به كي يؤخذ بدليل السند فتطرح الدلالة.
و أمّا الخبر الأوّل فمع عدم تعرّض الشريك فيه قابل للحمل على الجار.
و توهّم أنّ ذلك خلاف ظاهر الاهتمام بذكر الثمن، بل و لا أقل من ترك الاستفصال في المتاع أيضا شمول النصّ للمثلي، فلا محيص إمّا من طرح النص رأسا أو طرح الدلالة، و مع الغضّ عما ذكرنا في النصّ السابق أنّه لا ترجيح لطرح الدلالة من حيث المثلي، بل الممكن طرح دلالته من حيث كون الآخذ شريكا، و لا ترجيح لأحد التصرّفين على الآخر، فالرواية من هذه الجهة بحكم المجمل، فلا يبقى في البين إلّا الأصل المزبور، و هو يكفي للمنع كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
و لو ذكر غيبة الثمن على وجه لا تصل يده إليه فعلا أجّل ثلاثة أيام مع كون المال في مصره، و الأصل فيه كما أشرنا إليه نصّ ابن مهزيار (1)، و لقد قدّمنا الكلام فيه.
و توهم اختصاص مورده بصورة العجز عن أصل التحصيل لا لجهة الغيبة،
1) وسائل الشيعة 17: 324 حديث 1 باب 10 من أبواب الشفعة.
مدفوع بأنّه لا بأس بالتعدي إليه بالفحوى كما فهم جلّ الأعاظم ذلك، نعم في الجواهر (1)دعوى نفي الخلاف في ذيل كلام المحقّق، و الظاهر رجوعه إلى هذه الفقرة أيضا كما لا يخفى.
و من ذيل النصّ المزبور أيضا يستفاد بأنّه ينظر لو كان الثمن في بلد آخر غير مصره بما يمكن وصوله إليه مع ثلاثة، و لكن ما لم يستضر المشتري بتأخّره. و وجه التقييد عموم «لا ضرر» في حق المشتري، بل من الممكن دعوى عدم الجابر لإطلاق ذيل النصّ المزبور، و لكن في احتياج الدلالة بعد عدم كونه بحكم المجمل و لو لكثرة التخصيص إلى الجابر نظر. فالعمدة في البين قاعدة نفي الضرر، فإن تمّ فهو، و إلّا فلا بد من دعوى قيام إجماع قابل للتخصيص المزبور كما لا يخفى.
و تثبت الشفعة أيضا للغائب على ما أشرنا إليه سابقا، و عمدة الوجه فيه شمول الإطلاقات، علاوة على قوله في المرسلة: «للغائب شفعة» (2).
و لا ينافي ذلك فوريّته مع عدم العذر، بعد كون الغيبوبة عذرا له، و ظاهر فتاواهم أيضا عدم تقييد التأخير في الأخذ بلزوم الضرر، إذ ربّما لا يلزم بتأخيره ضرر على المشتري غالبا، لأنّ المال ماله يتصرّف فيه كيف يشاء، غاية الأمر للشفيع أخذه من يده بثمنه و لو بفسخ المعاملة كما سيأتي.
و هذا هو الفارق بين المقام و الفرع السابق الملحوظ فيه عدم الضرر، و إطلاق الكلمات أيضا منزّل على الغلبة المزبورة كما لا يخفى.
و يطالب الغائب مع حضوره، و لا يكفي مجرد أخذه بلا حضور المشتري بإنشاء تملّكه عند نفسه، على ما تقدّم من أن المستفاد من الكلمات في مسألة الفورية في أخذه لزوم إحضاره بنفسه أو بوكيله، و عليه فيجب عليه الحضور مع التمكّن بنفسه أو بوكيله فورا، فلو تراخى حينئذ تسقط شفعته بناء على ما أسلفنا فوريّته من جهة النبويّين (1)الجاريين بفحواهما في المقام أيضا.
و لو حضر الوكيل و تراخى في الأخذ، ففي اقتضائه سقوط حق موكّله إشكال، إذ هذا التراخي منه ما صدر باختياره، فيكون معذورا فيه. و في جواز توكيله حتى في إسقاطه بتراخيه إشكال، إذ مثل هذا السقوط ليس حقّا له قابل للاستنابة فيه بسببه، و إنّما هو حكم محض خارج عن مورد الاستنابة.
نعم لو علم الموكّل بتراخي وكيله، فأصل توكيل مثله بمنزلة تراخي نفسه لا يكون عذرا. و أمّا مع جهله فلا يحسب تراخيه تراخي وكيله، كي يكون مسقطا من هذه الجهة. و لا يضاف إلى الموكّل فعله من جهة وكالته، إذ هو فرع كون سببيّة التراخي للسقوط تحت سلطنته و استيلائه كي يصلح التفويض أمره إلى غيره، و إلّا فلا مجال لأصل التوكيل في مثله كما أشرنا.
ثم أن مقتضى جملة من الكلمات كون الحاضر الجاهل بالموضوع أو الحكم مطلقا، أو المضطر عن الحضور لحبس أو غيره، يلحق في العذر بالغائب. و لعله لتنقيح مناط الغائب المنصوص بالخصوص، أو لاقتضاء الأصل مع عدم مساعدة الإطلاقات ذلك، بل و عدم إطلاق النبوي المشتمل على قوله: «الشفعة لمن واثبها» (2)، أو النبوي الأخر المشتمل لحلّ العقال (3)، لمثل هذه الصور، لانصرافهما إلى عدم وجود مانع عن اختياره كما لا يخفى على من تأمّل.
و توهّم عدم أولويّة إلحاق المقامات المزبورة بالغائب، بالتأجيل إلى رفع العذر عن إلحاقها بصورة عجزه عن تحصيل الثمن بالتأجيل بالثلاثة بفحوى الحسنة السابقة (1)، مدفوع بأنّ موردنا في مقام أصل الأخذ بالشفعة، و مورد التأجيل بالثلاثة مقام إحضار الثمن بعد أخذه، فلا وجه للتعدّي عن أحد المقامين إلى مقام آخر، بخلاف الإلحاق بالغائب فإنّه من أحد صغريات المقام، فلا ضير في التعدي من صغرى إلى صغرى اخرى، لكمال مساعدة العرف عليه بلحاظ إلغاء الخصوصيّة فيه دون غيره، كما لا يخفى. مضافا إلى أنّ الأصل في المقام أيضا يقتضي عدم التحديد بالثلاثة فتبقى شفعته إلى زمان زوال عذره.
نعم مع تمكّنهم عن التوكيل في الأخذ بحضوره يجب، و مع تراخيه فيه لا يبعد الإلحاق بالغائب أيضا، لإمكان التشبّث بفحوى النبويّين (2)في ذلك، كما هو الشأن في الغائب بمقتضى الكلمات أيضا فتدبّر.
و الصبي و المجنون يطالبون مع زوال الأوصاف، و الأصل في ثبوت الشفعة للصبي رواية السكوني (3)المنجبر بالعمل لدعوى نفي الخلاف أيضا في إلحاق المجنون بالصبي في هذا الحكم. و حينئذ فقصورهم عن التصرف حال الصغر و الجنون كان من أعذارهم الموجبة لتراخيهما في الأخذ، فيطالبون بعد زوال وصفهما.
نعم مع وجود الولي الإجباري مع عدم الفساد يأخذ الولي، و مع عدمهما و انتهاء الأمر إلى الحاكم أو العدول تلاحظ فيه الغبطة لهما على وجه يوجب ترك الأخذ في الحال تضييعا لحقّهما، و إلّا فلا يصدق على مثل الحسبيّة المطلوب
وجوده، فلا وجه حينئذ لولايتهما على الأخذ المزبور، و المفروض أنه ليس من الأمور الثابتة لقضاة الجور كي بفحوى المقبولة (1)يثبت لقضاتنا، و مع ثبوت الولاية لأحد ففي سقوط شفعتهما بتأخيره إشكال، لعدم ولايتهما على تضييع حقّهما كما لا يخفى.
و لو باع الأب أو الجد أو الوكيل أو الوصي شقص من له السلطنة عليه بولاية و غيرها، فهل له الأخذ في فرض شركته معه بشفعته أم لا؟ وجهان: من أنّ ظاهر بيعه للأجنبي رضاهم بعدم الشفعة، و يكون دالا على عفوه. و من منع هذا الظهور، و الأصل يقتضي الثبوت.
اللهم [إلّا] أن يقال: إنّ ذلك فرع شمول الإطلاقات لمثلهم، و الكلام فيه بعد إطلاقات الباب لم تكن في مقام بيان أمثال هذه الجهات، اللهم [إلّا] أن يقال: إنّ عمدة النظر المانع إلى إبداع وجود المانع من كون بيعه عفوا لشفعته، أو كون أخذه بتهمته لا ينفذ في حق غيره، و فحوى هذه الوجوه تقتضي تسليمهم في ثبوت أصل الشفعة لهم.
و حينئذ ربّما يكون فهمهم ذلك من الإطلاقات قرينة كونها في مقام البيان من هذه الجهة، و لا أقل من استفادة إجماع مستقل في المسألة الكافي لثبوت أصل الشفعة لهم، و إنّما الإشكال في سقوط أخذهم لأحد الوجهين.
و حينئذ يكفي الاستصحاب لبقاء حقه بلا صلاحيّة الوجهين لإسقاطه كما لا يخفى.
و لو اشترى العامل بالقراض شقصا، فقبل ظهور الربح كان للمبتاع بتمامه مال صاحب المال بشراء عامله، فلا يبقى له بعده شفعة له و إن كان من الأوّل شفيعا فيه، لعدم صلاحيّة المملوك لتملّك جديد بالشفعة السابقة على هذا
1) وسائل الشيعة 18: 98 حديث 1 باب 11 من أبواب صفات القاضي.
الشراء، نظير شراء نفس الشقص المزبور، كما أنّه مع ظهور الربح لا مانع من دعوى بقاء شفعته في البيع الثاني بالنسبة إلى حصة عامله، لأنه بمنزلة المشتري الثاني لنفسه، فيأخذ الشفيع بشركته حصّة عاملة بثمنها حسب قواعد الشفعة كما لا يخفى.
و كيف كان الشفيع يأخذ من المشتري بلا اشكال فيه ظاهرا، بل ليس مفاد حقّ الشفعة عند العرف إلّا ذلك، كما أنّ المستفاد من قوله:
«فهو أحقّ بها من غيره بالثمن» (1)كون إعمال الحقّ في ظرف ثبوت الثمن، و هو فرع الفراغ عن البيع، فلا يستحق الشفيع إلّا أخذه من المبتاع. و احتمال كون المراد فسخه البيع و أخذه من البائع بمقتضى أحقيّته من المشتري في الأخذ عن البائع منظور فيه جدا، إذ الظاهر منه أحقيّته بالثمن الثابت حين الأخذ، و هو لا يمكن إلّا ببقاء البيع على حاله المستتبع لكون المأخوذ منه مشتريا كما لا يخفى.
و لا إشكال أيضا في أنّ دركه عليه و إن قبض الشفيع من البائع، لأنّه يتلقّى المال من المشتري، فلو خرج المال مستحقا للغير فيرجع الشفيع إلى المشتري، كما أنّه لو تلف بعد أخذه و قبل قبضه بتفريط من المشتري كان مستحقا لقيمته، و لا مجال لرجوعه إليه بالثمن، لعدم كونه بيعا كي يجري حكم التلف قبل القبض فيه. كما أنّه لو تعيّب بتفريطه كان للشفيع أرشه بقواعد الضمان و لو انهدم بآفة سماويّة لا ضمان على المشتري، لأن يده أمانة شرعيّة، كما أنّه لو تلف قبل الأخذ بالشفعة و لو بفعل المشتري فلا ضمان على المشتري حتى في
1) وسائل الشيعة 17: 316 حديث 1 باب 2 من أبواب الشفعة.
الأخير، لأنّه تصرّف في ملكه بلا تصور ضمان له.
و حينئذ فمع انعدامه رأسا لا يبقى مجال تملّكه بالشفعة، لاستحالة تملّك المعدوم على الإطلاق، فتسقط الشفعة حينئذ قهرا.
و إن بقي منه شيء مثل فرض انهدام الدار و أمثاله، ففي كون الشفيع مستحقا لأخذ البقيّة بتمام الثمن أو بنسبته إلى الباقي وجهان: من توهّم إطلاق الحسنة (1)من أنّه الأحق بثمنه الظاهر في تمامه، و من أنّ المعدوم من الخصوصيّة المقوّمة في ثمنه التام قد انعدم، فلا يتعلق به التملّك، و ما يتعلّق به لا يكون في قباله تمام الثمن، و المنصرف من الحسنة أخذ ما هو في قبال الثمن بثمنه، و هو في المقام ليس إلّا لباقي الواقع قبال شيء من الثمن لإتمامه، و لا يستحق حينئذ إلّا أخذ البقيّة بما في قباله من حصّة الثمن لا تمامه.
و توهّم اجراء حكم المعدوم على الإطلاق عليه، بدعوى أنّ المتيقّن من إطلاقات الشفعة هو صورة بقاء ما هو في قبال تمام الثمن كي يأخذه بثمنه تاما، و يكون أحق من غيره بثمنه كذلك، و أمّا مع عدم بقائه فلا دليل يقتضي حينئذ بقاء حقّه، فأصالة عدم تعلّق الحق باق على حاله.
مدفوع بأن ذلك- مضافا الى كونه خلاف إطباق كلمتهم إن تعلّق الحق بأخذ البقية ضمنا- ثابت، و من المحتمل بقاؤه و لو في ضمن فصل آخر موجب لاستقلاله، فلا قصور حينئذ لاستصحابه. غاية الأمر لا يقتضي ذلك الأخذ بتمام الثمن أو بعضه، و الأصل يقتضي الأخذ بما يخصّه من الثمن لا بتمامه.
و ما يظهر من الجواهر (2)حينئذ من أخذه بتمام الثمن مستندا إلى إطلاق حسنة الغنوي (3)، منظور فيه، نعم في صورة عيبه مع بقاء العين لتمامه أمكن
دعوى إطلاق الحسنة لمثله، فيتخيّر الشفيع بين الأخذ بتمام الثمن أو عدمه، و اللّٰه العالم.
و على أيّ حال ليس للشفيع فسخ الأوّل و الأخذ من يده، لقصور أدلّة الشفعة من إثباته، و في سقوط حقّه حينئذ بذلك لمنافاته لفوريّته اشكال، و الأصل يقتضي بقاؤه بعد انصراف دليل الفوريّة عن مثله كما لا يخفى.
و لو أخذ الشفيع الشقص من المشتري ليس له إلزام المشتري بأخذه عن البائع، بل للمشتري إحالة أمره إلى البائع، إذ لا دليل على وجوب التقابض في المقام، بل غاية الأمر عدم منع المشتري إياه عن ماله بعد أخذه، فلا يجب عليه إلّا التخلية لا الإقباض، بل قد عرفت أنّ في بقيّة المعاملات الواردة على الأعيان لا يجب على الطرفين إلّا التخلية المزبورة، لا الإيصال، كما هو المستفاد من الوفاء بعقده أيضا.
و أن ترتّب بعض الأحكام على عدم القبض أحيانا غير مرتبط بمرحلة وجوبه كما لا يخفى و إن كان الظاهر من كلماتهم وجوب القبض و الإقباض في المعاوضات المزبورة، حتّى جعلوها متمّما للعقد على وجه آخر، و على قبل القبض حكم إثباته، و جعلوا التلف قبل القبض بمنزلة التالف في أثناء العقد، و كذلك تعيّبه، و تعدوا من باب البيع إلى غيره من سائر المعاوضات، مع أن النصّ مختصّ بالبيع فحملوه على القاعدة، و لكن لنا في ذلك كلّه نظر و اللّٰه العالم.
: أنّه لو تصرف المشتري في المبيع قبل أخذه، فذلك تارة بنقله إلى الغير، و اخرى بغرسه أو تعميره بجهات اخرى.
فعلى الأوّل: فإن كان النقل بالبيع، فالظاهر من كلماتهم أن الشفيع مخيّر
بين أخذه من المشتري الثاني، أو فسخ البيع و أخذه من الأوّل، و تسلّمهم في ذلك يكشف عن كون حق الشفعة غير مانع عن صحّته. و لازمة عدم كونه من قبيل حق الرهانة قائمة بملك المشتري بنحو قيام حق الرهانة بملك الراهن على وجه يقتضي حفظ ملكية الموجب، لعدم نفوذ تصرف المشتري كالراهن بالنحو المزبور، و لا من قبيل حق الجناية القائم بذات العين أينما صار الموجب، لعدم منعه عن لزوم البيع أيضا.
غاية الأمر مع استيفائه لحقّه يحدث الخيار للمشتري المقدّم على المعاملة مع جهله لكونه نحو عيب في العين و ضرره مجبور بخياره، بل هو من قبيل حقّ الديان في استنقاذ العين من الوارث و لو بفسخه معاملته، فله السلطنة على الفسخ و الأخذ من المشتري الأوّل.
و من هنا ظهر حال ما لو وقف و لو مسجدا أو رهن، فإنّ للشفيع أخذ المال من المشتري المستتبع لسلطنته على فسخ معاملته، و ليس له التلقّي من الموقوف عليهم، لأن شأن الشفعة تلقي الملك من المشتري ليس إلّا. نعم لا اختصاص له بالمشتري الأوّل أو الثاني.
و هكذا فلو ترامى البيوع المتعددة المتواردة كان للشفيع الخيار بين الأخذ من الأخير أو الأوّل أو الوسط، و من كل من أخذ كان الثمن ماله و الدرك عليه، فلا إشكال في ذلك كلّه بحسب كلماتهم.
نعم عن بعض الأعاظم في صورة الهبة أخذ الشفيع عن الموهوب له، و هو كما ترى خلاف تسلّمهم بلزوم تلقي الشفيع من المشتري، و لذا أورد عليه في الجواهر (1)أيضا بما ذكرنا.
و إن كان التصرّف بغرس، ففي كون هذا التصرّف بحق من المشتري أو
1) الجواهر 37: 318.
بلا حق وجهان، مبنيان على أنّ حق الشفيع متعلّق بالأرض الفارغة من حيث هو كذلك، بحيث ينتزع منه تعلّق حقّه بفراغه أيضا، أم لا يكون حقه متعلّقا بحفظ فراغة.
فعلى الأوّل يكون تصرف المشتري مفوتا لحق الشفيع، فيلزم أن يكون تصرفا عن غير حق، كتصرف الغاصب في متعلق حق غيره.
و على الثاني لا يكون تصرفه مفوتا لحقّه، فلا يكون تصرّفا غصبيا.
ثم على التقدير الأخير، فتارة يكون حق الشفيع متعلقا بالأرض بنحو له تحصيل فراغه، و اخرى لا يكون إلّا متعلّقا بالأرض بأي نحو تكون الأرض فارغا أو مشغولا بلا سلطنة الشفيع لتحصيل فراغه، كشراء الأراضي المغروسة بشجر الغير.
و حيث كان الأمر كذلك نقول: إنّ مقتضى أحقيّة الشفيع بالثمن كونه ذا حق بالعين بنحو ينتقل إلى المشتري، و لازمة تعلّق حقّه بفراغه أيضا، و إنّما الكلام في أن حقّه القائم به بنحو حقّ الرهانة بملك الراهن على وجه يكون حقّه حافظا لفراغه، أو بنحو تعلّق حق الديان بالتركة بنحو له تحصيل هذا العنوان و لو جديدا. و لا يبعد أن يقال: إن مقتضى الأصل عدم كون تعلّقه بنحو يقتضي حفظ فراغه من الأوّل، فالمتيقّن من حقه هو كونه بنحو له تحصيل فراغه، كما هو الشأن في كيفيّة تعلّق حقه بملك المشتري.
و لقد عرفت بأن مقتضى الكلمات و الأصول كونه بنحو حق الديان، لا بنحو حق الرهانة، و لا بنحو حقّ الجناية.
و بعد ما اتّضح ذلك تظهر ثمرة الاحتمالات في أنّه على الأوّل كان لكلّ من المشتري و الشفيع تفريغه متعلّق حقّه عن حق الغير، و أنّه يجب على المشتري بقلعه طمّ ما حفر، لوجوب إرجاع حق الغير إلى ما كان، و ليس على الشفيع بقلعه الغرس أرش، لأن كينونته قائما في ملكه غصب من الأوّل و المشتري ظالم
في ذلك «و ليس لعرق ظالم حقّ» (1).
و على الثاني كان لكلّ منهما أيضا القلع، غاية الأمر يجب على المشتري لو قلع طمّ ما حفر، لأنّه متعلّق حق الشفيع بتحصيل خصوصيّته من قبيل المشتري، فله السلطنة على إلزامه بإرجاع بعض أرضه و جعله كما كان قبل الغرس. كما أنّه على الشفيع أيضا بقلعه غرس المشتري ضمان أرشه مغروسا و غير مغروس، لأنّ خصوصيّة المغروسيّة متعلّق حق الغير، لفرض أنّ تصرف المشتري كان بحق، فليس على الشفيع إتلاف حقّه، فلا محيص من وجوب ما به التفاوت عليه.
نعم على الاحتمال الثالث من عدم تعلّق حق الشفيع بأزيد من الأرض في أيّ حال فارغة أو مشغولة، ليس للشفيع قلع غرس المشتري، لأنّ الفرض عدم استحقاق فراغ الأرض من شجر غيره، بل للمشتري إبقاؤه بلا اجرة، بل لو قلعه ليس عليه طمّ حفره، و لكن هذا المقدار خارج عن مصبّ الكلمات، بل هي منزلة على الاحتمالين الأوّلين.
و على أي تقدير عرفت نتيجة كل منهما، فتدبّر فيما ذكرنا كي لا يختلط عليك الأمر باختلاف الكلمات الواردة في المقام مبنى و نتيجة.
هذا كلّه فيما لو كانت العين حين الشراء فارغا من نخل الغير، و إلّا يكون حال الشفيع حال المشتري في أنّه لا يستحقّ الأرض إلّا مشغولة فيجري فيه نتيجة الاحتمال الثالث.
نعم لو كانت الأرض مشغولة بنماء أو شيء آخر ينتقل إلى المشتري و يحسب من تبعات الأرض و من النماءات المتّصلة بها، فالظاهر من أحقيّته من المشتري بالثمن تعلّق حقه بعين الأرض بنحو تعلّق حق المشتري به، و لازمة استحقاقه
1) عوالي اللئالي 2: 257 حديث 6.
لأخذ الأرض بما له من تبعاته من النماءات المتّصلة.
و حينئذ فلو فرض في الأرض نواء فطلع شجر في الأرض على وجه يحسب من نمائها المنتقلة تبعا لها، كان للشفيع استحقاق أخذها أيضا تبعا للأرض نعم لو نبت شيء في الأرض بعد الشراء يشكل استحقاق الشفيع لها، لأنّه نماء ملك المشتري، و إنّما مورد حق الشفيع ما هو تبع الأرض حين انتقاله إلى المشتري بالبيع، لعدم استفادة أزيد من أحقيّة الشفيع للعين بالثمن و لا أقل من الشكّ، فأصالة عدم تعلق الحقّ به محكمة.
و نظيره ما لو كان شيء مطروحا على الأرض، على نحو لا يحسب من نمائها حين البيع و إن انتقل إلى المشتري تبعا، نعم لو كان الشفيع شريكا للمطروح و فرض تعلّق البيع به أيضا ضمنا، كان استحقاق الشفيع له مبنيا على تعلّق حقّ الشفعة بالمنقول أيضا.
و حينئذ فلو انتقل تبعا للأرض لا يتعلّق البيع به، ففي تعلّق حق الشفعة به أيضا إشكال، بناء على المختار من كونها من تبعات خصوص البيع، لو لا دعوى اجراء حكم البيع فيما ينتقل تبعا للبيع أيضا، و فيه تأمّل.
و من هذا الباب ما ينتقل إلى المشتري بشرط في متن عقد البيع، لأنّ المتيقّن من الأدلة تعلقه بنفس المبيع لا تبعاته، خصوصا مثل الشرط كما لا يخفى.
هذا و مما ذكرنا ظهر حال النماءات المنفصلة الحاصلة بعد البيع، فإنّها بجميعها للمشتري بلا تعلق حق للشفيع بها حتّى لو كانت من قبل ثمرة الأشجار، فإن متّصلها له فضلا عن منفصلها.
و هكذا الأمر في ثمرة النخل لو كان بتأبير بعد البيع و قبل الأخذ، و لو كان بتأبير بعد الأخذ و لكن حمله كان بعد البيع و قبل الأخذ، ففي كونه
متعلّق حق الشفعة خلاف بين المحقّقين (1)و العلّامة، فالتزم الثاني بدخوله في الشفعة خلافا للمحقّق، و لا دليل للعلّامة إلّا كون ثمرة النخل تتبع تأبيره الحاصل في ملك الشفيع. و فيه إشكال، لإمكان كون ثمرة من شرائط استعداد طلعة للحمل، فتكون الثمرة من تبعاته الحاصلة في ملك المشتري فتأمل.
: أنه قد يقال باعتبار علم الشفيع بمقدار الثمن حين أخذه دفعا للغرر، و فيه منع تماميّة العموم على وجه يسري في غير البيع، و الشفعة ليس بيعا، اللهم [إلّا] أن يدّعى أن ذلك فرع وجود إطلاق متكفل لبيان أمثال هذه الجهات و ليس بالمتيقّن منها صورة علمه بالثمن. نعم توهم اقتضاء أحقيّته بالثمن علمه به حال أخذه مدفوع غاية الدفع، كما هو ظاهر.
و في الجواهر (2)بعد اعترافه في المقام بنفي الإطلاق و حكم الأصل التزم أيضا بعدم اعتبار العلم في المقام بمقدار العلم به المعتبر في البيع و غيره، بل إنّما يضرّ الجهل بنحو لا يصدق عليه أخذه بالثمن عرفا و لو بأن لا يتبيّن حاله و لو بعد ذلك لموت البائع و المشتري مع عدم البيّنة على تعيينه.
و هو حسن متين مع عدم الصدق المزبور، و إنّما الكلام في صورة صدقة، إذ حينئذ يؤخذ بإطلاقه لو كان مثل هذا الإطلاق لبيان مثل هذه الجهة، و الأصل يقتضي عدم الاكتفاء بهذا المقدار أيضا، و حينئذ إن تمّ إجماع على عدم العلم بنحو يعتبر في سائر المعاملات فهو، و إلّا فلا محيص من الاقتصار على المتيقّن للأصل، و اللّٰه العالم.
: أنّه لا تسقط الشفعة بتقايل المتبائعين بلا اشكال ظاهرا، بل جعل في الجواهر (3)احتمال سقوطه خلاف إجماع المسلمين. نعم قد يقع الكلام في
أن الشفيع يتلقّى المال من البائع، مع الالتزام أيضا بأنّ الدرك على المشتري أو من المشتري، و لعلّه مبنيّ على كون حق الشفعة متعلّق بذات العين أينما صار نظير حق الجناية، و لكن قد عرفت أنّ مقتضى أحقيّته بالثمن كون الثمن على ثمنيّته باقيا حين الأخذ، و لا يكون إلّا ببقاء البيع إلى حينه، و مقتضاه كون الشفيع يتلقى المال من المشتري، و ذلك هو الوجه في بناء المشهور على اعتبار تعلّق حق الشفيع بمال المشتري بما هو كذلك.
و من هذه الجهة أيضا قلنا في المسألة السابقة: إنّ حق الشفعة ليس كحق الجناية قائما بالعين أينما صار، بل لملك المشتري دخل فيه، و ذلك أيضا لا بنحو دخل ملك الراهن في الرهن، بحيث يكون الحق المزبور حافظا للملكيّة و مانعا عن نفوذ التصرّف من الأوّل، إذ لا يستفاد ذلك أيضا من أحقيّته بالثمن، بل غاية اقتضائه صدق الثمنيّة حين أخذه و لو بفسخ التصرّف الناقل في البين. و من ذلك قلنا بأنّه لو وقف فللشفيع فسخه و أخذه بالثمن من المشتري، و بعين هذا الوجه نقول به في المقام.
و حينئذ لا مجال لما أفيد من أخذه من البائع، و أضعف منه الالتزام بأنّ الدرك على البائع، إذ لا وجه له بعد ما لم يكن المال مأخوذا منه كما لا يخفى.
نعم في المقام مطلب آخر، و هو أنّ الإقالة بعد ما كانت عندهم من مقولة الفسخ فمرجعه إلى حل العقد و فسخ هذا المعنى إلى إعادة العقد الأوّل بعد حله، و هو أمر غير معهود، إذ الارتباط العقدي لا يكاد يتحقق إلّا بإقامة عقد جديد، و ليس شأن فسخ الإقالة ذلك، خصوصا مع كون الفاسخ أجنبيا عن المتعاقدين، خصوصا مع فرض موتهما، فكيف يتصور حينئذ فسخ هذه الإقالة من الحين؟
فلا محيص إلّا من الالتزام بأحد أمور: امّا بدعوى أن الإقالة ليس من باب حل العقد، بل هو من فسخ رجوع كل من الطرفين بما له في يد غيره، نظير
الرجوع في المعاطاة، إذ مثل هذا المعنى قابل لتعلّق الفسخ. أو الالتزام بكون صحّة الإقالة من الأوّل مراعى بعدم الأخذ، أو الالتزام بأخذ الشفيع من يد البائع كما ذهب إليه بعضهم.
و لكن قد عرفت أنّ الأخير خلاف ظاهر كلماتهم، و خلاف ظاهر أحقيّته بالثمن، و السابق منه أيضا خلاف التزامهم بكون النماء بين الإقالة و الأخذ للبائع، فيتعين الأوّل، و لا ضير في الالتزام به، لصدق الفسخ عليه أيضا مسامحة، فلا ينافيه إطلاق الفسخ عليه و جعلهم إيّاه من سنخه لو لا التزامهم بأنّ التصرّفات الناقلة غير مانعة عن الإقالة، و هو لا يكون إلّا بكون الإقالة من سنخ الفسخ حقيقة.
اللهم [إلّا] أنّ يقال: الرجوع في الإقالة متعلّق بالعين لكن لا بخصوصها فقط، بل بما لها من الماليّة أيضا. و حينئذ تكون نتيجة الفسخ في عدم سقوطه بالتلف و التصرّف، و لكن ليس عينه و ليس من قبيل الرجوع في المعاطاة أيضا كي ينوط بوجود العين، فلا يبقى له موضوع بالتلف و التصرف، و عليه فلا ضير في تعلّق الفسخ بهذا المعنى.
و ربّما يؤيّد ذلك اختصاص كلماتهم في المقام بخصوص الإقالة، و إلّا ففي الفسخ بخيار الغبن أو العيب أو غيره أظنّ التزامهم ببقاء الشفعة بعد الفسخ بهما و إن اختلفوا في تقديم أي واحد من الحقّين على الآخر، كما لا يخفى على من راجع كلماتهم.
نعم ربّما يكون الانفساخ بالتلف قبل القبض من قبيل الإقالة غير مانع للأخذ بالشفعة خلافا لبعض آخر، و لعل المبنى كون التلف موجبا لحلّ العقد فتسقط الشفعة، أو موجبا لكونه بمنزلته في رجوع العين من الطرف الأخير فلا يبطل، و عموم «كلّ مبيع» أيضا لا يقتضي أزيد من الثاني و لا أقل من الشكّ، و الأصل يقتضي بقاؤه.
: أنه لا تصلح الشفعة المتعلّقة بعين واحدة للتبعيض بأن يأخذ ببعض الشقص دون بعض، للأصل بعد عدم الإطلاق، بخلاف ما لو كان في البين عينان و لو في صفقة واحدة، فإنّه كان للشفيع حينئذ شفعتان، فله الأخذ بواحد و العفو عن غيره بلا اشكال.
و لو ظهر الثمن في البيع مستحقا للغير، فإن كان عينا فيبطل البيع فلا شفعة، و إن كان دينا فالبيع صحيح و الشفعة ثابتة.
و إن كان الثمن الذي أعطاه الشفيع بان مستحقّا للغير، فعلى المختار من أنّ التملّك يحصل بنفس إنشائه قولا فلا تبطل الشفعة مطلقا، و على القول بأن لإعطاء الثمن دخلا فيه، فإن كان الثمن ذميا فأخذه صحيح و لا تبطل به شفعته، و إن كان عينا فمع جهله به أيضا كذلك، لأنّه عذر مسموع لا ينافي الفورية، و إن كان عالما به فقد يتوهم بطلان الشفعة لمنافاته الفوريّة. و فيه تأمّل، و الأصل يقتضي البقاء ما لم ينته إلى التراخي عرفا.
و إن ظهر في المبيع عيب فلا يستحق الشفيع إلّا أخذ المبيع بثمنه بلا استحقاقه للأرش الذي أخذه المشتري من البائع. و لو جهل بعيبه الشفيع فله الخيار بين الردّ و الإمساك بلا أرش، لعدم كونه بيعا، فعموم الضرر في حقّه لا يقتضي إلّا الخيار المزبور.
و لو كانت الأرض مشغولة بزرع بوجه شرعي، على وجه كان صاحب الزرع مستحقا لبقاء زرعه إلى مدة كما لو اشترى هكذا من مالكه، ففي خيار الشفيع بين الأخذ في الحال أو تأخيره إلى أمده وجهان، مبنيان على أنّ مثل هذا الصبر كان نحو عذر له فلا ينافي الفوريّة كما أفاده في الجواهر (1)، أم ليس عذرا كما مال إليه في الشرائع (2)، وجهان و الأصل يقتضي مذهب الجواهر، و اللّٰه
العالم بالحال.
و الزم بكفيل إذا لم يكن متمكّنا على إيفاء الثمن عند الأجل، خلافا لبعض آخر فخيّروه بين أخذه كذلك بثمن معجّلا، و بين التأخير بأخذه إلى وقت الأجل. و أمّا لزوم أخذه بالحال بثمن معجّلا فلا أظن التزامه من أحد، و مبنى الأخير توهم كون ذلك ربّما يكون لعذر عقلائي، و لو من جهة استنكافه عن الكفيل أو عدم ميله باشتغال ذمّته للمشتري المخصوص، فلا ينافي مع هذه الأعذار فوريّة شفعته. كما أنّه مع إقدامه بإتيان الثمن معجّلا بعد أخذه فعلا كان من الشفيع توفيرا في الثمن فله ذلك.
أقول: أمّا اعتذاره في التأخير بتحقّق ما أفيد من الأعذار ففي غاية المتانة، إلّا أنه لا كلية فيه.
و أمّا ما أفيد في الشق الأخير فيه أنه بعد عدم استحقاق المشتري بأزيد من الثمن المؤجّل بمقتضى أحقيّته بالثمن بأيّ نحو كان، فلا وجه لإلزام المشتري على القبول. و مجرد كون ثبوت الشفعة بأصلها للشفيع ارفاقيا لا يقتضي كون التأجيل في ثمنه أيضا كذلك، فلا يستحق إلزام المشتري بأخذ الثمن حالا، كما أنّه لا إلزام للمشتري على الشفيع الغير الملي بالكفيل، كما هو مقالة المصنّف و غيره، إذ ليس على المشتري إلا الثمن الكذائي بلا حق للمشتري على إلزامه بأمر زائد. اللهم [إلّا] أن يدّعى أنّ الشفعة بعد ما كان ارفاقيا لا يشمل موارد يكون خلاف الإرفاق في حق الغير.
و معلوم أنّه مع عدم كونه مليا لو أخذ بها بثمن مؤجّل بلا كفيل كان ذلك خلاف الإرفاق في حقّ المشتري، فأدلّة الشفعة قاصرة عن الشمول لهذه الصورة، اللهم [إلّا] أن يقال: إنّ مجرد ارفاقيّته على الشريك لا ينافي إطلاقه
على وجه ينافي الإرفاق لغيره، نظير سلطنة الإنسان على ماله. و ليس أمثال المورد من قبيل عموم نفي الضرر و الحرج الغير الشامل لما فيه خلاف الإرفاق في حق الغير، لأنّه بقرينة الدين و الإسلام في مقام الإرفاق في حق الجميع لا شخص خاص، فلا بدّ و أن يلاحظ فيها مثل هذه الجهة، بخلاف المقام. نعم أمكن الالتزام بالكفالة من جهة استفادة المناط الكلي ممّا ورد في باب الحكم على الغائب، فراجع و تدبّر.
فالتحقيق في المقام المصير إلى تفصيل آخر لو لا كونه احداث قول ثالث، و هو أنّه مع عدم وجود الأعذار المزبورة يتعيّن عليه الأخذ في الحال بالثمن المؤجّل مع الكفيل مع عدم كونه مليا أو من يلحق به، و مع وجود الأعذار المزبورة مخيّر بين الأخذ عاجلا بالثمن المؤجّل على النحو المزبور، و بين الصبر إلى أن يأخذ في طرف الأجل، و اللّٰه العالم.
و فيه فروع:
و إليه أشار المصنّف بقوله: و القول قول المشتري مع يمينه في كميّة الثمن إذا لم يكن للشفيع بيّنة على المشهور، و علّله في الشرائع (1)بأنّه الذي ينتزع المال من يده.
أقول: هذا الوجه إنّما يتم بناء على دخل إعطاء الثمن في تملك الشفيع، فإنّ الأصل حينئذ يقتضي عدم الانتفاع و الانتزاع، و فيه أن مثل هذا الأصل معارض بأصالة عدم تحديد الثمن بما يدعيه الشفيع المترتّب عليه استحقاقه به، فيرجع إلى الأصل المسبّب، مع أنّ المشتري يدعي تعيين الثمن في قصده فيما يدّعيه، و هو أمر لا يعلم إلّا من قبله فيقدم قوله: اللهم [إلّا] أن يدّعى بأنه يرجع
1) الشرائع 3: 267.
نزاعهما فيما أبرز به في عقده على وفق قصده، و هو ممّا يعلم من غيره أيضا، فالعمدة حينئذ هو الوجه الأوّل. و لعل نظر المشهور في تقديمهم قول المشتري مبني على هذه الجهة، كما نسب في الجواهر (1)هذا المعنى إليهم، و لقد صرح به في ذيل مسألة أخذ الشفيع بالثمن المؤجّل فراجع.
و أمّا لو بنينا على المختار من جواز التملّك بنفس الأخذ، فقد يتوهم أنّ مرجع النزاع إلى مقدار اشتغال ذمّة الشفيع بعد تملكه بالثمن، و الأصل حينئذ يقتضي البراءة عما يدعيه المشتري.
و فيه أنّه يتمّ على القول بعدم اعتبار تعيين مقدار الثمن حين أخذه في تملّكه، و إلّا فعلى القول به فيبقى الكلام في المقدار الذي تعيّنه الشفيع، و معلوم أنّ الأصلين فيه متعارضان، فيرجع إلى الأصل المسبّبي من أصالة عدم الانتقال.
و توهم أنّ المدار في تعيين المدعي و المنكر على الأصول الجارية في محيط الدعوى، و هو تعيين كمية الثمن من المعلوم، أنّ الأصل فيه بعد ما لا مجرى له و لو للتعارض، فلا محيص من رجوع المسألة إلى التداعي، مدفوع بما سيجيء في كتاب القضاء إن شاء اللّٰه من كفاية جريان أصل يوافق أحدهما، و لو يلازمه لما في بعض النصوص من تقديم مدّعي أحد العقدين على قول من يدّعي غيره بملاحظة لازمة نظير الهبة و البيع مع عدم أصل في محطّ الدعوى، كما هو ظاهر.
و في الشرائع بعد اعترافه بتقديم قول المشتري: و إن أقام أحدهما بيّنة قضي له (2). و فيه أنّ ذلك إنّما يتم على توهم كون المقام من باب التداعي، و هو خلاف صريحه في تقديم قول المشتري بيمينه، لأنّ كلّ من كان وظيفته اليمين فالبيّنة وظيفة رفيقه، لأنّ التفصيل بين الوظيفتين في قوله: «البيّنة على المدّعي
و اليمين على من أنكر» (1)قاطع للشركة.
نعم قد يظهر من بعض تقريرات شيخنا العلّامة أعلى اللّٰه مقامه من أنّ الفقرة الثانية من قبيل الأمر في مقام دفع توهّم الخطر، فالبيّنة وظيفة المنكر أيضا.
و فيه: أولا: منع كونه في هذا المقام، ثم منع اقتضائه بثبوت البيّنة عليه، و ليس في مقام الميزان للقضاء أيضا إطلاق يقتضي الاكتفاء بالبيّنة مطلقا، و عموم: «إنّما اقتضي بالبيّنات و الأيمان» (2)أبيّه عن إثبات هذه الجهة، فأصالة عدم الميزانيّة محكمة، فلا وجه على القول بكون المشتري منكر أن يسمع منه البيّنة كما لا يخفى. هذا و لقد أجاد في جامع المقاصد (3)حيث أورد في المقام بأنّ بين الكلامين تدافع، فراجع.
ثم إنّ المشهور عدم قبول شهادة البائع في المقام، لا على وفق المشتري و لا على وفق الشفيع، بناء على سماع البيّنة منهما. و قيل في وجهه تارة بأن البائع في شهادته يجر نفعا، و لو بملاحظة شبهة فسخ البيع أو ابتلائه بالدرك و أمثاله.
و ردّ بمنع اقتضاء أمثال هذه الأمور كون المورد مصداق جرّ النفع المانع عن القبول، و اخرى بأنّه متّهم من الجهات المزبورة.
و ردّ أيضا بمنع اقتضاء مطلق المتهميّة أيضا للمنع عن الشهادة، و توضيح ذلك محوّل إلى محلّها.
و عن المبسوط (4)أنّه شهادة على فعله، و المنساق من أدلّة الشهادة غيره.
و فيه أيضا منع، فالعمدة في البين توهّم قيام إجماع، و لإمكان منعه نسب في
الجواهر (1)إلى بعض معاصريه القبول، و المسألة في غاية الاشكال.
و لو كان الاختلاف بين المتبائعين في الثمن فالقول قول المشتري، لأنّ الانتقال حينئذ مسلّم، و إنما الكلام في استحقاق البائع زيادة على ما يدّعيه المشتري، فالأصل حينئذ مع المشتري، فيأخذ الشفيع أيضا بما اعترف المشتري بكونه ثمنا. نعم لو كان في آخذه جهة راجعة إلى البائع ربّما يصير الشفيع بالنسبة إليه أيضا مدّعيا، لأصالة عدم الانتقال بأقلّ ممّا يدّعيه البائع، كما لا يخفى.
فقد يقال بثبوت الشفعة بمقتضى إقراره، و جعله في الشرائع (2)أشبه خلافا للحلي في السرائر (3)حيث منع ثبوتها، لأنّه فرع ثبوت عنوان البيع و الشراء، و هذه العناوين لا يكاد تثبت بإقرار أحدهما الغير المفيد في غير ما على المقرّ من الآثار.
و الأصل حينئذ يقتضي عدم ثبوت الشفعة.
أقول: إنّ ثبوت الشفعة ربّما يكون من الآثار الضرريّة على بيع البائع، و لو من جهة كون أخذها مانعا عن رجوع البائع بالعين، كما في معاطاته أو في زمان خياره، ففي هذه الصورة لا بأس بالأخذ بإقرار البائع في ترتيب مثل هذا الأثر أيضا.
ثم إن الشفيع إن كان معترفا بوقوع البيع، فعليه دفع الثمن بأخذه إلى الحاكم لو لم يتمكن من الدس في مال المشتري و إلّا فتعيّن ذلك. و إن كان غير معترف به فليس له أخذه، أمّا لاعترافه، أو للأصل الجاري في حقّه. نعم لو
أخذ مع ذلك يترتّب على فعله ما على البائع المقرّ من الأثر.
و على أيّ حال لا يثبت الدرك على المشتري بمثل ذلك، كما أنّه لو تصادقا على البيع السابق و أنكر الشفيع فرارا عن سقوط شفعته بالتراخي، لا يكاد يثبت مثل هذا التصادف في حقّ الشفيع شيئا، بل له الأخذ لو حصل بيع جديد في الشقص المزبور بالنسبة إلى غير هذا المشتري.
و لو حصل هذا البيع بينهما ففي ثبوت الشفعة المملّكة في حقّ الشفيع اشكال، لعدم حجيّة إقرار في حقّهما، بعد اعترافهما بأنّ هذا البيع صوري، أو بيع بعد فسخ الأوّل الساقط شفعته بتراخيه، نعم ربّما يترتّب على الشفيع أيضا اثارة الضررية بإقراره، و اللّٰه العالم.
من أنّه المالك للشقص الأخير بابتياع جديد عن شريكه الأوّل فاستحق عليه بالشفعة، فأنكر ذلك غيره، يقدّم قول المنكر، و يكفي له الحلف بعدم استحقاق الشفعة على ملكه، لأنّه على طبق لازم الدعوى المقصود به منه، و لا يحتاج إلى الحلف على وفق إنكاره من نفي الابتياع المزبور، لظهور ذهاب اليمين بحقّ المدّعي كونه بمضمونه نافيا للحقّ امّا بالمطابقة أو بالالتزام، فمهما كان الغرض من الإنكار نفي حق خاص، فيكفي في يمينه كونه بنحو ينفي ذلك، و لو بأن يكون مضمونه نفي نفس الحقّ الذي هو لازم إنكاره لا نفسه.
و ربّما يكون ظهور هذه الفقرة في المدّعي أقوى من ظهور اليمين على من أنكر في كون اليمين على وفق تحرير إنكاره، و ربّما يكون ذلك أيضا قرينة على كيفية أداء البيّنة أيضا، من دون احتياج إلى كون مفاد البيّنة على وفق ما حرره بخصوصه، حتّى في مورد يكون المقصود من الدعوى إثبات حق لازم للمدّعى به. نعم لو كان المدّعى به هو المقصود بالأصالة، لا مجال لإقامة البيّنة أو اليمين على وفق لازمهما، لا يجعل مضمونهما كناية عن أصل المقصود، بنحو يحكم
العرف بأنّ البيّنة أو اليمين على وفق المقصود حينئذ، كما لا يخفى.
على وجه يستحقّ الشفعة على رفيقه، فيها دعويان بنحو يستتبع كل منهما حقا غير حقّ الأخير، فكل منهما يدّعي على الأخر في حقّ و الآخر منكره، فليس المقام من التداعي لا من الدعويين في حق واحد كي ينتهي الأمر فيهما إلى التحالف، بل هما دعويان مستقلّان، غاية الأمر الفصل في أحدهما كاف لإسقاط الدعوى الأخرى، فحكمه ينتهي إلى كون الأسبق منهما في الدعوى مسبوقا عند الحاكم، و مع التقارن يقرع بينهما في سماعه، فأيّ واحد قدّم في سماعه و فصّلت فيه الخصومة بالبيّنة أو اليمين لا يبقى بعد مجال السماع الدعوى الأخرى.
و لقد أجاد في الجواهر (1)حيث أشكل على المحقّق (2)في حكمه بالتحالف بما يرجع إلى ما بيّنا ثم قال: اللهم [إلّا] أن يقال: إن مجرّد اختلاف الحقين المقصودين من الدعوى لا ينافي مع وحدة الدعوى في ملزومهما من أسبقيّة كلّ منهما، و أنّ هذا المقدار أيضا كاف في التحالف الذي هو وظيفة دعوى واحدة.
أقول: و يمكن إرجاع النزاع في المقام إلى كون الحق الواحد الثابت بنحو الإجمال مورد دعوى كلّ منهما أنّه له، و بهذا التقرير يرجع النزاع لبا أيضا إلى الترافع في حق واحد، و لعلّه إلى ذلك نظر المحقق، لا إلى مجرّد وحدة الدعوى صورة.
ثم على فرض وحدة الدعوى لا ينتهي الأمر إلى التحالف أيضا مع وجود البيّنة، فإن أقام أحدهما فحكم على طبقه، لا يبقى مجال حينئذ ليمين الآخر لفصل الخصومة بينهما بالفصل المزبور، و مثل هذه الواقعة لا تتحمّل الفصلين.
و إن أقام كلّ منهما البيّنة كان المقام من صغريات تعارض البيّنتين، و له حكمه المحقق في محلّه.
و الآخر ادّعى الانتقال إليه بالإرث أو بعقد آخر غير البيع، بناء على اختصاص الشفعة بالبيع، فالقول قول منكر الابتياع. و قيل: بأن المقام من باب التداعي، و التزم مع تعارض البيّنتين بالقرعة، لأنّه لكل أمر مشكل.
أقول: ذلك مبني على كون المدار في تشخيص المدعي و المنكر على كيفيّة التحرير في محطّ الدعوى، و ليس كذلك، بل يكفي في الإنكار كون مدّعاه على وفق الأصل بحسب المقصود منه. و حينئذ فأصالة عدم البيع الموجب لعدم ثبوت الشفعة يكفي لإنكار مدعي الإرث، بخلاف أصالة عدم الإرث في طرف مدّعي البيع، إذ لا يترتّب عليه المقصود من الترافع نفيا و إثباتا لكونه مثبتا، فالأصل حينئذ مع منكر البيع لا منكر الإرث، فيكون المقام من باب المدّعي و المنكر، و لا ينتهي الأمر في مثله إلى تعارض البيّنتين على الأقوى، كما لا يخفى.
و كيف كان نقول: إنّ الشفعة تورّث كالأموال على المشهور، لأنّه بعد ثبوت حقيّته بشهادة قابليته للإسقاط يشمله عموم: «ما تركه الميّت من حق فهو لوارثه» (1)على ما أرسله في المسالك (2)كما حكاه الجواهر (3)، خلافا للشيخ (4)، فالتزم بعدم إرثه مستندا إلى نصّ مشتمل على قوله:
«و لا تورث الشفعة» (1).
و عمدة الإشكال عليه ضعف سند النصّ و عدم جبره بالعمل، حتى حكي عدول الشيخ عنه في خلافه، فلا يصلح مثله لرفع اليد عن المرسلة المجبورة بعملهم. ثمّ أنّه بناء على أنّها تورث كالمال يقسط على النصيب لا الرءوس، لأنّه مقتضى دليل إرثه، و به يمتاز عن تقسيطه بالإضافة إلى الشركاء المتعدّدين على ما تقدّم.
و لو عفا بعضهم ففي سقوط الحقّ من البقيّة أيضا، و عدم سقوطه بمقدار نصيبه، أو أنّ للبقيّة بعد العفو المزبور تمامه وجوه، و اختار في الجواهر (2)أخيرها، نظرا إلى كونه حقا واحدا منتقلا إلى الجميع، بنحو يوجب تزاحم المقتضيات في كلّ واحد التقسيط المزبور، و مع عدم التزاحم و لو بعفو غيره يثبت تمام الحق للباقي، كما لو انحصر الوارث من الأوّل فيه.
و فيه أنّ قضية وحدة الحق ليس إلّا سقوطه بعفو البعض رأسا، لعدم بقاء موضع للحقّ المزبور بعد إسقاطه، لأنّ لازم الوحدة كونه قائما بالمجموع، فلا مجموع بعد إسقاط البعض و اقتضاء الرواية لانتقال التمام إليه إنّما يتم مع الانفراد حين الانتقال، و إلّا فليس لكلّ منهم اقتضاء ثبوت التمام، بل غاية الأمر لكلّ واحد اقتضاء التقسيط بمقدار نصيبه في اعماله في ظرف ثبوته لمجموعهم، فالعفو إنّما يرفع موضوع الثبوت، فلا يبقى مجال الاعمال للبقيّة أيضا. اللهم [إلّا] أن يقال:
إنّ مرجع العفو إلى إخراج نفسه عن موضوع الحق لا رفع أصله، فيبقى ثابتا بتمامه للبقيّة.
و الأولى أن يدعى أنّ الحق و إن كان واحدا، و لكن بلحاظ قابليّته للتقسيط في ظرف الاعمال كان بمنزلة حقوق متعدّدة حسب تعدد الرءوس، و لازمة
قابليّة مثل هذا للتبعيض كما في الشركاء المتعدّدين على القول به. و حينئذ لا وجه لسقوطه رأسا بعفو البعض، و لا لثبوت التمام للباقي، لعدم اقتضائه أزيد من نصيبه، فينتهي الأمر إلى الالتزام بالوجه الثاني، و ربّما يساعده الاستصحاب أيضا، كما لا يخفى.
على المشهور، بل حكي الإجماع عليه عن الانتصار (1)خلافا للإرشاد (2)و جمع آخر حيث ذهبوا إلى السقوط، و الأصل مع الأوّل.
و في المقام نصوص عاميّة (3)دالة على رضى الشفيع في لزوم البيع و استقراره و قد وردت النصوص بلسان: «لا يصلح البيع» (4)تارة، و «لا يحلّ» (5)اخرى، و فيها أيضا: «فإن باع و لم يأذن فهو أحق بها» (6)و ظاهر الذيل ثبوت الحق بالبيع، فهو شاهد حمل الصدر على الإرشاد إلى الإعلام بالشفيع في استقرار بيعه، لا نفي الحليّة المساوق لنفي الصحّة أو اللزوم. و يمكن حمل الأحقيّة المنوطة بالبيع على الأحقيّة في الأخذ الفعلي الذي هو مقام إعمال الحق الثابت قبل البيع، و أنّ الغرض من نفي الحليّة نفي لزومه و استقراره لمكان الحق المزبور قبل البيع و إن كان ظرف اعماله بعد البيع.
و بهذا البيان يتمّ مدعى الإرشاد، كما أنّه بالبيان الأوّل يتمّ مدعى المشهور.
و حيث كان الاحتمالان متساويان كان مقتضى الأصل عدم السقوط بالإسقاط المزبور كما لا يخفى.
و حينئذ لا وجه للسقوط بالإسقاط قبل البيع، بخلاف ما لو بارك أو شهد البيع على اشكال في السقوط بمجرد ذلك، لعدم دلالتهما على العفو لا عقلا و لا عرفا، فالأصل يقتضي بقاء الشفعة.
و لو بلغه البيع بشياع أو تواتر و لم يطالب معتذرا بعدم التصديق بذلك لم يسمع، بل الظاهر على خلاف مدّعاه، و كذا لو أقام عنده شاهدي عدل لكونه مأمور بالتعبّد به، نعم لو أخبره عدل واحد له الدعوى المزبور، و الأصل أيضا يقتضي عدم السقوط، كما لا يخفى.
هذا
ففي بقاء الشفعة مطلقا، أو عدمه مطلقا، أو التفصيل بين صورة العلم بشفعته قبل البيع أو جهله وجوه أقواها الأول، للأصل لو لا إطلاق: «لا شفعة إلّا لشريك غير مقاسم» (1)الشامل للشركة حين البيع الأوّل محضا، و نظر الثاني إلى ظهور النصّ المزبور في الشركة الباقية إلى حين الأخذ، و لأنّه شرع لرفع الضرر الممنوع في المقام.
و في كلا الوجهين نظر، لأنّ الأخير لو سلّم كان حكمه، و الأوّل ممنوع جدا، و مبنى التفصيل توهم اقتضاء البيع مع العلم عفوه عن حقه، و هو أيضا أوّل شيء ينكر كما أنكرنا في شهوده و تبريكه، و اللّٰه العالم.
بأن باع ما يساوي مائتين بمائه، فعلى المختار من كون المنجزات من الأصل، فلا إشكال في أنّ للشفيع أخذه بالثمن الذي عليه عقده لصحّة البيع كما هو الشأن بناء على الثلث مع إجازة
1) وسائل الشيعة 17: 316 حديث 2 باب 3 من أبواب الشفعة.
الورثة، و أمّا مع عدمها فلا يصحّ من البيع إلّا ما يفي به ثلثه، فليس للشفيع إلّا أخذ ذلك بثمنه، و ذلك ظاهر.
بمعنى سقوط حقّه، فلا إشكال في صحّته، و يكفي ذلك في سقوطه بلا احتياج إلى الإسقاط بإنشائه، لعموم جواز الصلح بعد ما لم يكن على خلاف الكتاب و السنّة، مع فرض قابليّة المحلّ لتحقّقه بمثله، كما هو الشأن في شرط سقوطه في متن العقد. و بذلك يمتاز هذا الصلح أو الشرط مع شرط وقوع البيع بنحو النتيجة، أو الطلاق، أو غيرهما من العناوين الخاصّة في المعاملات، لأنها بملاحظة احتياجها إلى أسباب خاصّة يخرج عن قابليّة وجودها بإنشاء الصلح أو الشرط، كما لا يخفى.
و لو صالح على أن لا يأخذ بشفعة، أو أن يسقط شفعته فلا شبهة في صحّة صلحه، و ذلك يلازم مع سلطنته على هذه الأفعال أو التروك، و هو مستتبع لخروج ضدّها أو نقيضها عن حيطة سلطنة المصالح و الشارط، فلا يصحّ صدورها منها، و لذا التزموا في شرط عدم العزل في الوكالة عدم صحّة عزله، بل و في شرط تحرير العبد عدم صحّة بيعه، كالتزامهم في نذر الصدقة بنحو الفعل عدم صحّة بيعه، و عمدة النكتة فيه ما قدّمنا، كما لا يخفى.
أو شرط المتبائعان الخيار للشفيع، لا تسقط بأمثال هذه شفعته، لعدم اقتضاء أمثالها عفوه، كما هو الشأن في تبريكه كما تقدّم، فما عن الإرشاد (1)و غيره من الاشكال فيه بتوهم الدلالة على العفو منظور فيه. و نظير هذه لو كان الشفيع وكيلا في البيع، كما هو ظاهر، و تردد المحقّق (2)فيه لأماريّته على الرضى منظور فيه.
فإن لم نقل بالشفعة في مثله فلا اشكال، و إن قلنا فأخذه الشفيع ثم علم البائع عيبا في الثمن فله ردّه، لكونه قائما بعينه، و لا يبطل به أخذ الشفيع، بل لا بد من المشتري الرجوع إلى البائع بقيمته المأخوذة، لأنّه من صغريات التصرّف في زمان الخيار الغير المسقط له، و لقد حققنا شرحه في محلّه فراجع.
و ليس للشفيع أيضا الرجوع إلى المأخوذ منه لو كان قيمة المبيع أقل من الثمن الجعلي، لأنّ الشفعة توجب استحقاقه من الشفيع الثمن الجعلي، كما هو ظاهر أحقيّته منه بالثمن على ما هو مضمون النصّ كما تقدم. و لو ردّ البائع قبل الأخذ ليس للشفيع حينئذ أخذه، إذ لا معنى لفسخ حلّ العقد، و بذلك يمتاز باب الخيار عن باب الإقالة، و لقد تقدّم شرحه مفصّلا، و اللّٰه العالم.
فإن ذلك ربّما يصرف الشفيع من أخذه، لأنّه ملزم بأخذه بتمام الثمن الذي هو ضرر عليه.
و نظيره لو نقل بغير عقد البيع، فإنّه لا يبقى مجال للشفعة، لأنّها كما ذكرنا من توابع البيع، و اللّٰه العالم.
حرر في يوم الجمعة من ربيع المولود سنة اثنين و أربعين بعد ثلاثمائة بعد الألف من الهجرة النبوية عليه آلاف التحية على يد الفقير إلى ربه الباقي ضياء الدين بن محمد العراقي عفى عنهما اللهم اجعله ذخر لآخرتي.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم و به نستعين
و فيه فصول:
و الظاهر كونها مصدر آجر من باب المفاعلة و مصدره قياسا فعالة و مفاعلة، و عن بعض أنه مصدر آجر بمعنى الإيجاب، و حكي ذلك عن الرضي، و قيل: إنّه اسم مصدر.
و على أيّ حال الظاهر أنّ المراد منه ما هو المأخوذ من مفاد صيغته، و هو لا يناسب الأجرة، فما عن بعض الأعاظم من جعله بمعنى الأجرة منظور فيه، و حيث أن المضمون للعقد ما هو الحاصل منه لا مجال لتفسيره بنفس العقد إلّا بنحو من العناية.
و حقيقتها ليس إلّا إحداث علقة العوضيّة و البدلية بين المال و المنفعة، و ان ذكر العين في حيّز إنشائه من باب كونه متعلق المنفعة المعوضة، فكأنّه من قبيل الماهيّة المأخوذة في حيّز إنشاء طلب الوجود بمذاق بعض، فلا مجال حينئذ لتوهّم كون حقيقة التمليك المأخوذ في الإجارة قائمة بالعين، غاية الأمر ببعض مراتب وجوده، و لا لتوهّم كونها نحو اضافة قائمة بها مستتبعة لتمليك منافعها.
و لعلّ منشأ توهّم الأخير إضافة الصيغة إلى نفس العين، و لقد عرفت نكتته، كما أنّ نظر الأوّل لعلّه من جهة تخيّل أنّ المنافع التدريجيّة المعدومة حال العقد غير قابلة لتعلّق الملكيّة بها، لاحتياج الملكيّة إلى محل موجود. و فيه أنّ الوجود المحتاج إليه الملكيّة يكفيه الوجود الاعتباري و لو بتبع وجود منشأه أو غيره، و في المنافع و إن لم تكن بنفسها موجودا حال العقد إلّا أنّه يكفي في اعتباره وجود القابليّة للمنافع في العين على وجه يصلح لفعليّتها و لو تدريجا.
أحدها
، و إن كان هو أشبه بالمقتضي، و الأمر فيه سهل إذ على أيّ تقدير لا يكون العقد في المقام إلّا مصحّح اعتبارها، لما مرت الإشارة من أن حقائق هذه الأمور ليست من المؤثرات الخارجيّة، بل من الاختراعيات التي لا ظرف لها في الخارج، و إنّما هو صرف مصحّح اختراعها. و بذلك ربّما لا تنخرم قاعدة تقارن العلّة بجميع أجزائه للمعلول، مع أن الأمور التدريجيّة كالعقود ليس كذلك.
و توهم أنّ المؤثر هو تاء «قبلت»، و أنّ البقيّة معد إنشاء، و أن الإيجاب مؤثر لأمر باق إلى زمان القبول الذي هو جزء المؤثر، سفسطة من الكلام لا موجب للإلزام بها، بناء على ما أسلفنا من كون العقد بوجوده التدريجي مصحّح اختراع مثل هذه الحقائق، كما لا يخفى.
و هو أي العقد عبارة عن الإيجاب و القبول الراجع أوّلهما إلى إثبات معنى، و هو إحداث العلقة من قبله لا مطلقا، الذي مرجعه إلى حفظ وجوده من قبله. و ثانيهما مطاوعة هذا المعنى، و هو المستتبع لحفظها من الجهات الأخرى، فيتحقق بهما حينئذ العلقة المزبورة، مع فرض عدم شرط آخر من
إجارة أو قبض، و إلّا فلا يستتبع القبول أيضا إلّا حفظ الوجود من ناحية القابل أيضا. و أمّا وجوده بقول مطلق منوط بوجود القبض أو غيره من سائر الشرائط.
ثمّ إنّ عنوان العقد منتزع عن شدّ العهد و ربطها، و هذا المعنى يتبع نفس العهدين حدوثا، فلا مجال للحكم ببقائه إلّا بنحو من العناية، و لو من جهة تصحيح الفسخ من حينه إذ اعتبار حلّه كذلك ملازم مع اعتبار وجود العقد إلى الحين، فليس حينئذ عقديّة العقد من الاعتبارات المحضة كي يكون بقاؤه حقيقيا، بل هو نحو ربط بين العهدين خارجا، فبقاؤه ليس إلّا بنحو من العناية و التنزيل.
و المقام حينئذ من باب بقاء الأمر الحقيقي اعتبارا نظير البقاء في باب الاستصحاب، لا إبقاء الأمر الاعتباري حقيقة نظير بقاء الملكيّة و أمثاله. و بهذا البيان دفعنا شبهة التمسّك بالعام عند الشك في الفسخ، و بنينا على أصالة اللزوم بإطلاق وجوب الوفاء بالعقد، كما مرّ شرحه في بحث الخيارات فراجع.
ثمّ إنّ المعتبر منهما الدالان منهما بالوضع أو بغيره من القرائن اللفظية الوضعيّة، أو القرائن الحاليّة الحافة بالكلام على وجه يحدث ظهورا فيها، نظير الإطلاق المستند إلى مقدّمات الحكمة على مذهب السلطان، إذ بمثل ذلك يشمله كلام العلّامة من كون الصيغة بمثابة تفهم المخاطب به أنّه بم خوطب، و لا وجه لاختصاصه بالقرائن اللفظية الوضعية، كما أفاده شيخنا العلّامة في شرح صراحة ألفاظ العقود المعتبر فيها عند الأصحاب، كيف و استفادة الإطلاق في الصيغ من جهة من الجهات لا يكون مستندا إلى حق اللفظ، و لا إلى القرينة اللفظيّة الوضعيّة، لو لا دعوى عدم اعتبار الصراحة في المعنى المزبور بالنسبة إلى الجهات الزائد عن حق المعاملة.
و فيه تأمّل بل عموم ف بالعقد أيضا صادق، خرج منه ما لا يكون في معقد
كلام العلّامة، بقي الباقي تحته، كما لا يخفى.
و حينئذ لا يفيد في صحّة العقد إتيانه بلفظ مجازي مع كشف المراد بقرينة منفصلة، لأنّه لا يحدث ظهورا في المنفصل منه، فلا يصدق على الصيغة أنّ المخاطب به فهم المراد منه، كما هو ظاهر هذا.
ثم ليكن اللفظ المزبور دالا على تمليك المنفعة في إجارة الأملاك حتى العبد، و تمليك الأعمال في الذمة في إجارة الأحرار، سواء كان في عمل مخصوص أو في مطلق العمل، غاية الأمر يعتبر في العمل المخصوص كخياطة الثوب تعيين محلّه من ثوب كذائي بلا احتياج الى تعيين زمانه أو مكانه، بخلاف الإجارة على العمل المطلق فإنّه يحتاج الى تعيين زمانه، لعدم رفع الغرر فيه إلّا به.
ثم إن ذلك مبني على عدم اعتبار العرف في الأحرار منافع في قبال الأعمال الذميّة، و إلّا فليكن التقسيم المزبور جاريا في منافعهم كالعبيد.
و ربّما تثمر هذه الجهة في كيفية اعتبار الذمة للعمل، ففي ظرف استقرار الإجارة بأن مضى منه مقدار من الزمان يسع لإتيان العمل ثمّ طرأ العجز للتالي، فتنتج الدينيّة بقاؤه في عهدته إلى أن يموت، فينتقل إلى التركة بقيمته وقت الموت، و مع مطالبة المستأجر قبله فعليه القيمة وقت الأداء. و هذا بخلاف اعتبار المنعة، فإنّه بنفس التعذر كانت المنفعة بمنزلة التالفة، فينتقل عند المشهور إلى قيمته وقت التعذّر و هي تبقى في عهدته إلى حين الموت، كما لا يخفى.
و على أيّ حال، ظاهر جملة من الكلمات اعتبار الدينيّة في أعمال الحر، و لكن الذي يوهنه أنّ الإجارة الواردة على الحرّ بعين ما هو وارد على العبد و على سائر الأملاك، فلا يكون مفادها في الأحرار بغير مفادها في غيرهم، و انّ في
غيرهم يكون العمل في ذمّتهم بعد الإجارة نظير ذميّة التكليف في وجوب أدائه لا أنّه مال في ذمّته، بل لا يكون الحر إلّا مأمورا بإعطاء منافعه المملوكة للغير لغيره بلا اعتبارها في ذمته كذميّة سائر الديون، كما لا يخفى، و عليه فربّما تترتّب الثمرة السابقة كما لا يخفى.
و كيف كان يبقى في المقام مطلب آخر، و هو أنّ التمليك المزبور هل هو عين مفاد العقد، أو لازمة، و ذلك أيضا غالبيا أو دائميا؟ وجوه:
أقول: لا يخفى أن محطّ النظر في باب الإجارة جعل علقة البدليّة بين المالين بنحوه في البيع، غاية الأمر المبدل في المقام هي المنفعة و في البيع هو العين، كما أنّهما أيضا مشتركان في أنّ لهما نحو اضافة إلى المؤجر و البائع و لو لم يكونا مالكين، و لذا يصحّ أن يقال: ما استأجرت بل استأجر وكيلي. و هذه العلقة في مورد لا مانع فيه عن كسب لون الملكيّة يوجب في طرفيه كسب لونها، و في مورد يكون لهذه الجهة مانع لا يقتضي إلّا قيام البدل مقام مبدله فيما له من سائر الاعتبارات.
و من هذه الجهة نقول: إن استئجار الأوقاف على الجهات من سهم سبيل اللّٰه لا يوجب دخول المنفعة في ملك أحد، و هكذا الأجرة بل الأجرة يصير متعيّنا للمصرف المخصوص في الجهة المخصوصة و المنفعة تدخل في سهم سبيل اللّٰه المعد لمصارف مخصوصة.
و بهذه العناية أيضا نقول: إنّ معاطاة الإجارة عند القائلين بالإباحة لا تنتج إلّا اكتساب الطرفين لون السلطنة لا الملكيّة على التفصيل المتقدّم في كتاب البيع، بل و في المستأجر الفضولي لنفسه تعطي الإجازة دخول المنفعة في ملك المالك، مع أنّ العاقد ما قصد إلّا تملك المنفعة لنفسه.
و حلّ هذه الشبهة أيضا لا يتمّ إلّا بإخراج حيثيّة التمليك و التملّك عن مفاد
العقد، و ربّما يشهد لذلك أيضا صحة التمليك مجانا أو بعوض للمنفعة بنحو شرط النتيجة في ضمن عقد لازم، و لا يلتزمون مع ذلك بصحّة شرط الإجارة كالبيع بنحو النتيجة. و مثل هذه أقوى شاهد على اختلاف الحقيقتين كما لا يخفى.
ثم لا يخفى أنّ هذه العلقة من نتائج العقد لا نفسه، و لقد تقدّم شرح العقد في أول كتاب البيع فراجع.
ثم أنّ المنفعة في عقد الإجارة لا بدّ و أن تكون محدودة بحسب مدّة من الزمان، أو بحسب متعلّق العمل من ثوب و غيره، و أن تكون بعوض معلوم لما سيأتي من اشتراط العلم بالعوضين في الجملة في باب الإجارة أيضا.
بل و يعتبر فيها كالبيع أن يكون ممّن هو جائز التصرف بالبلوغ و العقل و الرشد و غيرها بلا إشكال في هذه الجهات بحسب الكلمات، بل و آية لا تؤتوا السفهاء (1)شاهد الأخير، و «لا يجوز أمر الصبي» (2)شاهد الأوّل، و حديث: «رفع القلم» (3)على وجه شاهد الوسط، و إلّا فيتمسك بعدم الفصل بينهما، مضافا إلى الأصل في الجنون المتّصل بالبلوغ، و لقد تقدّم تقريب دلالة هذه النصوص على سلب عبارتهما على وجه لا ينتج الإجارة و لو منه بعد البلوغ و الإفاقة في كتاب البيع.
نعم في الرشد لا يقتضي النصّ إلّا مجرد عدم استقلاله في التصرّف، و أمّا مع اجارة الولي و لو الحاكم الشرعي فلا يكون عموم الوفاء بالعقد و أف بإثبات الصحّة حينئذ، و من هذه القبيل معاملة الفضولي، و أنه أيضا يقبل الصحّة بالإجارة بجميع أقسامه، و لقد تقدّم شرحه مفصّلا في كتاب البيع الجاري كثير
من أدلّة الطرفين في المقام، و لقد بيّنا هناك أيضا أنّ مقتضى القاعدة كشف الإجازة عن الانتقال من حين العقد بنحو الكشف المشهوري لا كشف الفضولي.
نعم لو لم يساعده إلّا النقل فالالتزام بالكشف التعبّدي في المقام مشكل، لو لا الحاقه بالبيع من تلك الجهة أيضا بالإجماع، و إلّا فالنصوص الخاصّة المقتضية للالتزام بالكشف المزبور مخصوصة بالبيع كما لا يخفى.
و كيف كان يعتبر في الإجارة كالبيع
أو عددا، و قد يوجه له بعموم نفي الغرر (1)، و لكن فيه ضعف، بل يستفاد من كلماتهم في باب الصلح من جعلهم صحّته مع الغرر و الجهالة على وفق القاعدة أن مثل هذا العام غير مجبور بالعمل، بل العمدة قيام الإجماع على الحاقه بالبيع من هذه الجهة.
و في النصّ أيضا: عن أرض زيد أن نتقبّلها قال في ذيله: «تقبل من أربابها بشيء معلوم إلى أجل معلوم»، و في النبوي: «من استأجر أجيرا فليعلمه، أجره» (2). و ظاهر اعتبار العلم بالأجرة رفع الجهل عنه بالنحو المتعارف، ففي المكيل و الموزون يوكل و يوزن، و هكذا يعدّ في المعدود، و لا يكتفي في شيء منها بالمشاهدة.
و عن حواشي الشهيد نسبة الاكتفاء به إلى رواية حسنة، و لكن عدم ظفر من يوثق بسنده يوهن سنده، بل من قوله: «إلى أجل معلوم» يستفاد اعتبار معلوميّة المنفعة، و يتعدّى منه إلى الاكتفاء بالمتعلق في تحديد العمل و المنفعة
بلا احتياج إلى تعيين المدّة.
و مما ذكرنا ظهر ما في كلام المصنّف من قوله: و يكفي فيهما و في غيرهما المشاهدة، نعم لا بأس بها فيما كان طريق رفعه عند العرف ذلك، و لقد أشرنا أيضا أنه لا بدّ
بلحاظ تعيين متعلّقه كخياطة ثوب معيّن أو ثوبين كذلك.
ثم أن في تعيين شخص منفعة دون منفعة لا بدّ من التصريح به، إلّا إذا كان على وجه يكتفي فيه بانصراف إطلاقه، و يكفي فيه أيضا التصريح بجميع المنافع. و لو كان له بعض المنافع الحقيّة ففي انصراف لفظ الجميع إلى الظاهر منها أو شموله لها وجهان، أقواهما الأخير، و حينئذ فقد يشكل بلزوم الغرر الوجودي مع احتمال وجود المنافع الخفيّة. نعم لا بأس به مع العلم بانحصارها في الظاهرة و إن كان مع الالتفات بها كان المستأجر مستحقا لها أيضا، لشمول العام له أيضا.
و توهّم أنّ المنافع الخفيّة منتقلة تبعا للظاهرة كأسّ الجدار فلا يضرّ الجهل بها في المعاملة، مدفوع بأنّ الظاهر من لفظ العام كون الأجرة مبذولة بإزاء الجميع في عرض واحد، اللهم [إلّا] أن يدّعى أنّ خفاءها النوعي موجب لصرف الأجرة إلى الظاهرة، و أنّ الغرض من لفظ الجميع بيان استحقاق جميع المنافع في قبال الظاهرة. و أولى من ذلك أن يدّعى أن ما كان من شأنها الخفاء و على وجه لم يضع له طريق لتعيينه غير مشمولة لأدلّة الغرر و الجهالة، لانصرافها إلى ما كان له طريق لرفعه نوعا، فكان المقام من قبيل زبرة الحديد الذي ما وضع فيه الكيل، فإنّه لا يضرّ الجهل بمقداره في باب البيع، فكذلك هذه الجهات الخفيّة في المقام.
و حينئذ فلو كانت المنافع الخفيّة لها جهة ماليّة و اعتقد المستأجر وجودها،
فعلى الوجه الأخير كان له خيار تبعض الصفقة بظهور عدمها، و على التبعيّة كان له خيار تخلّف الوصف، و الوجه فيهما واضح. نعم لو لم يعتقد بوجودها فلا يكون بذله في قبالها إلّا على فرض الوجود، لأنّه حينئذ مصداق العام، و إلّا فتكون الأجرة مبذولة في قبال البقيّة، فلا خيار حينئذ بظهور عدمه بلا فرق فيه بين المسلكين كما لا يخفى.
أنه لو استأجر ليحمل متاعا إلى موضع معيّن بأجرة معيّنة و شرط كونه في وقت معيّن، و أنّه إن قصر عنه نقص عن أجرته شيئا معينا بنحو شرط السقوط أو الإسقاط جاز، و أما إن كان الشرط سقوط جميع الكرى أو إسقاطه فلا يجوز.
و الأصل في هذا التفصيل- بعد اقتضاء القاعدة بطلان هذه الشرط الغرري الساري إلى المعاملة فتبطل مطلقا- نصّ الحلبي المشتمل على قول أبي جعفر عليه السلام: «هذا شرط جائز ما لم يحط بجميع كراه» (1)، و كثرة القائلين به كاف لاعتبار سنده بلا اعتناء بالتضعيفات الرجاليّة. و ظاهر النصّ شرط إسقاطه، إذ هو المنساق من قوله: حططت من كراه بعد الأيام.
و في التعدي عنه إلى شرط السقوط في عقدي المسألة وجه، و ظهور قوله:
فكاريت إبل هذا الرجل في الإجارة، يمنع عن حمله على باب الجعالة، فلا وجه لحمله عليه، لمحض كونه خلاف القاعدة، خصوصا مع كون شرط إسقاط تمام الكرى فيها لا يكون خلاف القاعدة، بل بطلانه خلافها. غاية الأمر يرفع بمثل
1) وسائل الشيعة 13: 253 حديث 2 باب 13 من أبواب أحكام الإجارة.
النصّ المزبور عن قاعدة مبطلية الغرر في الآخر، فيقتصر على مورده حينئذ، و لا يتعدى إلى غيره إلّا بالمناط المنقّح، كما لا يخفى.
هذا ثم إنّ ظاهر النصّ كون بطلان المعاملة من جهة شرطه، فلا يرتبط المقام ببطلانها، لكونها من جهة الترديد في أصل المعاوضة، كما أن صورة شرط سقوط بعض الكرى أو إسقاطه غير مربوط بالإجازة بثمنين كي يقتضي النصّ تصحيحها، كما هو ظاهر، و حينئذ يبقى هو تحت قواعد البطلان للغرر.
و بالجملة الرواية المزبورة لكونها معمولا بها لدى الأصحاب كافية لإثبات المدّعى، بلا احتياج إلى التشبّث برواية ابن مسلم (1)، و لا نصّ أبي حمزة (2)، كي يرد عليه بعدم ارتباطها بالمدّعى، كما لا يخفى على من راجع الجواهر و تأمّل في مضمون النصّين.
و مما ذكرنا ظهر حال جملة من الفروع التي ذكرها الأصحاب و التزموا ببطلان الإجارة فيها، التي منها ما لو آجره على أنّه إن خاط ثوبه روميا فبكذا و إن خاطه عربيا فكذا، و هكذا إن اشتغل في يوم كذا فله كذا و في غده فله كذا، و من هذا القبيل لو آجر يوم بكذا أو كلّ شهر و لم يعيّن عدد الأيام أو الشهور. و توهم صحّته في الشهر الأوّل كما عن النهاية منظور فيه، لأنّ غرريّة العقد يوجب بطلان المعاملة في تمام أجزائه، و شمول أجر معلوم أو مدة معلومة لمثل ذلك أوّل الدعوى.
و منها: أنّ المشهور كراهة استعمال الأجير قبل أن يقاطعه على الأجرة، لصحيحة سليمان، حيث ضرب عليه السلام غلمانه في مثل الفرض من جهة مخالفتهم لنهيه (3)، و بذلك لا يدلّ مثل هذا الضرب على الحرمة الشرعيّة. و يؤيّد
الكراهة قوله: «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يستعمل أجيرا حتى يعلمه بما يوجره» (1)الظاهر في أن عمله يوجب نقصا في إتمامه المقتضي حزازة في العمل المزبور، و حينئذ لا وجه لحمل مثل هذا البيان للإرشاد إلى تعيين الأجرة كي لا ينتهي أمرهما إلى الترافع.
ثمّ إنّ بطلان الإجازة في هذه المعاملة لا يوجب عدم استحقاق الأجرة على الآخر بعد ما كان عمله بأمره، غاية الأمر يستحق حينئذ الأجرة الواقعية لا المسمّي قبله بالفرض.
ثمّ إنّ المحقق تعرض في شرائعه (2)أيضا في ذيل الفرع السابق كراهة تضمين الأجير إلّا مع التهمة، و يمكن حمله على صورة إتلاف الأجير من غير عمد مع عدم التهمة، جمعا بين ما دلّ على ضمان الأجير بإتلافه مطلقا (3)، و بين ما دلّ على عدم الضمان على كسر الحمال و إهراقه إلّا مع عدم المأمونيّة في تعمّده فيه (4).
: أنّه لو قدّر العمل الخاص كخياطة ثوب مخصوص بمدّة مخصوصة، قيل: تبطل، لأنّ الاستيفاء في المدة المزبورة قد لا يتّفق فلا يخلو عن شوب غرر.
و تردّد فيه المحقق في شرائعه (5)، و هو في محلّه لو كان الزمان غير معلوم وفائه بالعمل و إلّا فلا وجه لفساد الشرط و أن تخلّفه أيضا يوجب الخيار كما هو ظاهر.
أو
في حكمها لإذن أو غيره، فلا يصحّ من الأجنبي إلّا بإجازته على ما تقدم الكلام فيه سابقا، كما لا يصحّ من المكره أيضا، لحديث: «رفع ما استكرهوا عليه» (1)و لو لم يصل إلى حدّ الإلجاء المسقط للتكليف، إذ يكفي فيه مجرد كون اقدامه على العمل عن كره لا عن طيب، و يكفي فيه أيضا مجرد كونه مكرها عليه في هذا الحال مع كراهته عن اختيار المندوحة و لو مع تمكّنه.
و هذا المقدار غير كاف في سقوط التكليف، و لعلّه لذا جعل المضطر في قباله في الحديث، و لقد تقدّم تفصيل البحث في هذه الكبرى المشتركة بين المقام و باب البيع مستقصى فراجع، ما ذكرنا هناك على المورد حرفا بحرف.
و يعتبر أيضا
، لما عرفت من اعتبار تعيين الأجل، و ربما تغني معلوميته من جهة المتعلّق عن ضبط المدّة كما أشرنا إليه سابقا فراجع.
و هي أي الإجارة بمعنى عقدها لازمة، لأصالة اللزوم في كليّة المعاملات على ما حقّقناه في بحث خيارات البيع فراجع.
و حينئذ لا تبطل و لا ينفسخ إلّا بالتراضي بالإقالة بلا اشكال فيه على ما تقدم في البيع إلى عموماتها الجارية في المعاوضات الماليّة التي منها ما نحن فيه، بلا جريانها في غيرها كالنكاح و الوقف و الصدقات. و أمّا الإيقاعات فهي خارجة عن موضوعاتها، لانصرافها إلى العقود المنوطة بتراضي الطرفين، كخروج العقود الجائزة عنها أيضا، لعين ما مرّ.
و لقد تقدّم في باب الشفعة شرح الإقالة بكونه من باب الجواز في المعاطاة، من تملك كلّ منهما ما في يد الآخر بعنوان الرجوع عن المعاوضة، فليس من
1) وسائل الشيعة 5: 345 حديث 2.
سنخ الفسخ في باب الخيارات، فراجع ما كتبناه هناك، و لقد تكلمنا في البيع أيضا في بعض فروعها من شرط الزيادة و النقيصة في قيمتها، فراجع هناك ترى جريانها في المقام أيضا.
ثم إنّ من الأمور الموجبة لحلّ العقد المزبور الفسخ بخيار الغبن، و غيره من الخيارات الثابتة بعموم: «لا ضرر» (1)حتّى مثل خيار العيب على التقريب المتقدّم في بحث خيارات البيع، و في ثبوت الأرش في المقام اشكال: من كونه بدل وصف الصحّة، و من أنّه حكم تعبدي مخصوص بالبيع الغير الجاري في المقام.
و المراد بالعيب في المقام أيضا ما يوجب نقص المنفعة، و إلّا فلا ضرر فيه في الإجارة و إن كان نقصا في المبيع. كما أنّ مقتضى القاعدة في المقام كون العيب الحادث موجبا للخيار و لو كان بعد القبض، لصيرورته منشأ نقص المنفعة التدريجيّة، فيوجب مثله أيضا ضرريّة العقد من الأوّل، نظير صورة تلف العين المستأجرة بعد قبضه، فإنّه موجب لانفساخ الإجارة من حينه.
نعم لو حصل التلف في مال الإجارة من الأعيان بعد قبضها لا يوجب خيارا، لعدم استناد الضرر المزبور إلى العقد، فلو تلف قبل القبض كان مجرى قاعدة التلف قبل القبض، و الأصحاب بنوا على جريانها في باب الإجارة إلحاقا لها بالبيع من تلك الجهة.
و يمكن تطبيقها أيضا على القاعدة بجعل القبض في العقود المعاوضة في أنظار العرف من تبعات العقد و متمّماته، على وجه يكون الضرر الناشئ قبل القبض كالناشئ في أثناء العقد قبل تمامه، و أنّ عموم: «كلّ مبيع تلف قبل القبض» أيضا في مقام تقرير هذا النظر بلا كونه حكما تعبديا على خلاف
1) وسائل الشيعة 17: 341 حديث 3 باب 12 من أبواب إحياء الموات.
القواعد، فحينئذ لا قصور في جريانها في المقام أيضا. و لكن قد أشرنا سابقا أنّ عمدة الكلام في ذلك الاحتمال كون ذلك من الأحكام العرفيّة، و لقد تأمّلنا فيه.
و على أيّ حال لا اشكال عندهم في تسرية هذه القاعدة بباب الإجارة و إجرائها في مال الإجارة. و أمّا في العين المستأجرة فالقاعدة تقتضي الانفساخ حتّى بالتلف بعد القبض فضلا عن قبله.
ثم إنّ ذلك كله في الخيارات الضرريّة العقديّة، و أما غيرها مثل خيار الحيوان و المجلس و أمثالهما فجريانه في المقام ممنوع، لاختصاص أدلّتها بالبيع.
و أيضا لا تبطل الإجارة بالبيع، لاختلاف محلّي النقل و الانتقال على وجه لا مضادّة بينهما، نعم للمشتري خيار الفسخ مع جهله بكون العين مسلوب المنفعة مدّة من الزمان، بملاحظة أن نقص المنفعة ملازم لنقص ماليّة العين الموجب للضرر من ناحية عقده كما هو ظاهر.
و لا تبطل أيضا بالموت مطلقا عند المصنّف و جماعة منهم المحقق في شرائعه (1)، خلافا للمشهور بين قدماء الأصحاب حيث ذهبوا إلى البطلان مطلقا، و ذهب بعض الأعاظم إلى التفصيل بين موت المؤجر و المستأجر من البطلان في الأخير دون الأوّل.
و عمدة نظره إلى فوت المستوفي للمنفعة، فلا يبقى لغيره سلطنة على استيفائها فتبطل بموته. و هذا بخلاف فوت المؤجر فإنه لا يمنع شيء عن بناء العقد على صحّته، و لا يرد النقض بموت العامل المؤجر نفسه فإنّ منافعه أيضا قائمة بنفسه، فمع فوته لا يبقى موقع لصحّة الإجارة، إذ هو خارج عن محلّ البحث و داخل في
1) الشرائع 2: 179.
عنوان تلف العين المستأجرة، و نزاعنا في فرض تلف المؤجر مع بقاء العين المستأجرة على حالها.
نعم يرد عليه بأنه كذلك مع شرط المباشرة بنحو وحدة المطلوب، و إلّا فأدلّة الإرث يوجب قيام الوارث مقام المورث في الاستيفاء. و حينئذ فعمدة القولين القولان الأوّلان.
و عمدة وجه الخلاف بينهم اختلافهم في فهم المراد من النصّ الوارد في المقام المشتملة على السؤال عن امرأة أجرّت ضيعتها عشر سنين على أن يعطي الأجرة في كلّ سنة عند انقضائها، لا يقدّم لها اجرة ما لم يمض الوقت، فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها، يجب على ورثتها إيفاء الإجارة إلى الوقت أم تكون الإجارة منقضة بموت المرأة؟ فكتب عليه السلام: «إن كان لها وقت مسمّى لم تبلغه فماتت فلورثتها تلك الإجارة، و إن لم تبلغ ذلك الوقت أو بلغت ثلثه أو نصفه أو شيئا منه فيعطى ورثتها بقدر ما بلغت من ذلك الوقت إن شاء اللّٰه» (1).
و ذلك لأنّه إنّ حمل الوقت في قوله: «لها وقت مسمّى» على وقت أصل الإجارة، و حملت الإجارة على الأجرة بالنسبة إلى ما سيأتي، فلا بدّ من استفادة بقاء الإجارة على صحّتها، و أنّ الفقرة الأخيرة محمولة حينئذ على عدم البلوغ إلى الوقت المزبور، و أن التخصيص في الأجرة بقدر ما بلغت، لكونه المقدار المستحق عليه فعلا، و إلّا فالبقيّة تابع اقتضاء الأجل المضروب، فلا ينافي الصحّة في البقيّة.
و إن حملت الإجارة على معناها أو بمعنى الأجرة ما مضى من الوقت بنحو الإجمال فلازمه الحكم ببطلان الإجارة، و أنّ الفقرة الأخيرة حينئذ كان بيانا
1) وسائل الشيعة 13: 268 حديث 1 باب 25 من أبواب أحكام الإجارة.
لأصل استحقاقها من الأجرة، و أنّ ذلك تفصيل للإجمال السابق مع كون الوقت فيهما بمعنى واحد أو بمعنيين من دون إضراره بالمقصود أبدا.
و عليه فأمكن تقوية الأخير وفاقا للشهرة بين القدماء، لو لا دعوى قوّة عمومات الصحّة على وجه لا يصلح رفع اليد عنها بمثل هذه الرواية المجملة القابلة للحمل على أحد الوجهين، من حمل الإجارة على ما بقي من المدّة، أو على ما مضى منه، الذي لازمة حمل الفقرة الأخيرة على بيان مقدار استحقاقه الفعلي كي يناسب الأوّل، أو على أصل الاستحقاق كي يناسب الثاني، مع أنّ لازم البطلان الاقتصار على موت المؤجر، و لا وجه للتعدّي إلى الموت المستأجر إلّا بالمناط، و هو أشكل، و أشكل من الجميع توهم بطلان الإجارة رأسا على وجه غير قابل لإجازة الوارث أيضا، إذ ذلك كلّه تحت المنع كما لا يخفى.
هذا ثم إنّ الظاهر من كلماتهم أنّه لا تبطل الإجارة بوجود مانع عن استيفاء المنفعة من طرف المستأجر، مثل أن يصير محبوسا أو لجهة أخرى، بل و لا يوجب ذلك خيارا له و لو كان ذلك قبل قبضه فضلا عن بعده، و ذلك يكشف عن أن تلف المنفعة قبل القبض لا يوجب البطلان في باب الإجارة، بل ما يوجب بطلانها هو تلف العين، و ذلك أيضا من جهة كشف ذلك عن عدم قابليّة العين في المدّة المزبورة، المستتبع لكشف عدم وجود المنفعة من الأوّل في طرف الإجارة، و لذا نقول بانفساخ العقد من حين الهلاك.
و لو كان بعد القبض فذلك غير مرتبط بقاعدة التلف قبل القبض، نعم إنّما يكون المقام من صغريات هذه القاعدة في فرض تلف مال الإجارة من العين قبل قبضه، و ظاهر الجواهر (1)في مسألة هلاك العين قبل القبض كون بناء
1) الجواهر 27: 277.
الأصحاب على اجراء هذه القاعدة في باب الإجارة حتّى من طرف الثمن، و جعل الانفساخ بهلاك العين المستأجر أيضا من صغريات هذه القاعدة. و فيه ما عرفت، بل الصغرى له ما ذكرنا من الغرض، إذ هو الذي يصدق عليه تلف المنفعة قبل قبضه مع فرض العين على قابليته لها.
و توهم عدم صدق التلف عليها مع فرض القابليّة المزبورة، مدفوع بأنّ القابليّة الثابتة تنعدم أيضا تدريجا بانعدام زمان استيفائها، فبذلك يصدق عليه التلف قبل القبض.
و ربّما يشهد لذلك حكمهم بضمان الغاصب للعين و لو يحبسه بلا استيفاء، فإنّه لا معنى له إلّا بصدق تلف المنفعة بحبسه، مع عدم قصور في قابليّة العين للمنفعة. نعم في حبس الحر لا يلتزمون للضمان، لعدم ملكيّة منافعه لأحد، فلا موجب لضمانه. نعم لو كان أجيرا يلتزم بضمان غاصبه بحبسه أيضا.
و من هذا البيان أيضا ظهر أنّ من صغريات قاعدة تلف المنفعة قبل القبض صورة حبس العين المملوكة بلا استيفاء نفعها.
و توهّم أنّ اليد على العين حينئذ مضمن المنافع فتكون المنافع و لو بماليتها محفوظة في ذمّة الضامن، فكانت المنافع بمنزلة الموجودة فيخرج عن مجرى قاعدة التلف قبل القبض، مدفوع بأن الظاهر من موضوع القاعدة هو التلف السماوي الوارد على العين حقيقة بلا اعتناء بوجود بدلها أو نفسها في العهدة.
و الشاهد عليه التزامهم بالقاعدة و جريانها في العين المبيعة و لو كانت في حبسها من المالك أو غيره بمحض تلفها سماويا، مع أنّ يدها عليها يد عادية موجبة للضمان، فما لا يجري فيها القاعدة المزبورة صور استيفائها قبل القبض فإنّه من باب إتلافها كإتلاف العين المبيعة قبل قبضها، فإنّ القاعدة منصرفة عن صورة الإتلاف كما لا يخفى.
و بالجملة لو كان مدار جريان القاعدة على صورة تلف العوضين قبل القبض، فلا بدّ من جريانها في المقامين المزبورين، لأنّ بانقضاء الزمان يصدق خروج المال عن قابليّة الانتفاء، و مع هذا الخروج لا يبقى مجال لاعتبار الوجود في المنافع التدريجيّة، لأنّ اعتبار وجودها بملاحظة وجود منشأ اعتبارها من قابليّة العين للانتفاع المزبور، فمع خروج العين عن هذه القابلية و تلفها بمضي الزمان يعتبر العقلاء تلف المنفعة، من غير فرق بين حبس المستأجر أو حبس العين، غاية الأمر في فرض حبس العين كانت مقتضيات التضمين موجودة فيضمن بخلافه في فرض حبس المستأجر.
و عليه فلا محيص بناء على التعدي من باب البيع إلى المقام الحكم بانفساخ الإجارة بالتلف المزبور قبل القبض، مع أنّ بناء الأصحاب ليس على ذلك، بل في الفرض الأوّل يحكمون ببقاء الإجارة على صحتها و لزومها أيضا، بخلافه على الثاني فإن ظاهرهم الالتزام بخيار المستأجر من جهة ضرر تفويت شخص المنفعة عليه و ان كان له بدل في ذمّة الضامن، بل ربّما يشكل عليهم بأنّ الضرر في الفرض الأخير غير مستند إلى العقد، و المضار الواردة الخارجة عن العقد غير موجبة للخيار، و إلّا يلزم الخيار في الغصب بعد القبض أيضا.
اللهم [إلّا] أن يقال: إنّ القبض في العقود المعاوضي من متمّمات العقد، بحيث يحسب الضرر الوارد في أثناء القبض أو قبله بمنزلة الوارد في أثناء العقد، المحسوب استنادها إلى العقد، فيخرج ضرره حينئذ بالخيار. و هذا بخلاف الضرر الحاصل بعد القبض فإنّه ناشئ عما هو أجنبي عن العقد، فلا يجبر بالخيار، بل لا يستحقّ المستأجر إلّا البدل، كما لا يخفى.
و لكن لازم ذلك كون التلف قبل القبض أيضا موجبا للبطلان و لو في غير مورد الضمان بمقتضى القواعد و لو لا النصّ الوارد في التلف قبل القبض، مع أنّه ليس كذلك، لما عرفت من أنّ بناء الأصحاب في فرض جنس المستأجر
إلى انقضاء زمان الإجارة قبل قبضه لا يوجب ضمانا و لا فسادا و لا خيارا.
و حينئذ لا محيص إما من منع كون القبض المزبور من متمّمات العقد، أو منع المتمّمية له من غير جهة الخيار بالضرر. و الأوّل يورث الإشكال في الالتزام بالخيار، و الثاني يوجب الالتزام بالتفكيك في المتمّمية بالنسبة إلى الآثار، و هو أيضا لا يخلو عن اشكال، لعدم ارتكاز الذهن في حكمهم بمتمّمية القبض للعقد إلى التفصيل بين أنحاء الأمر، كما لا يخفى.
و حينئذ فإتمام ما أفادوا في المقام من التفصيل بين جنس المستأجر و بين حبس العين المستأجرة قبل القبض من الصحّة و اللزوم في الأوّل و الخيار في الثاني لا يكاد يتمّ بمقتضى القواعد، نعم ربّما يدلان على عدم جريان مناط قاعدة تلف المبيع قبل القبض في المقام بالنسبة إلى تلف المنفعة، نعم لا يبعد التزامهم بها في ظرف تلف العين في مال الإجارة، لأنّه من صغريات هذه القاعدة، كما أنّه في فرض تلف العين المستأجرة لا يحتاج الحكم بانفساخ العقد إلى هذه القاعدة، بل يحكم بالانفساخ على ما أسلفنا حتّى بالهلاك بعد القبض أيضا، كما لا يخفى.
ثم إنه لا يبطل عقد الإجارة بتعيين مدّة المنفعة في زمان منفصل عن العقد، للإطلاقات بعد اعتبار العقلاء وجود المنفعة بوجود القابليّة في العين لها، نعم لو قصد بعقده انفصال التمليك عن العقد بجعله في الزمان المنفصل، فهو تعليق في مضمون عقده، فيبطل إجماعا، كما هو الشأن في جميع العقود أو الإيقاع الغير المبني أصل وضعها على التعليق كالوصيّة أو التدبير و أمثالهما، بل في الشروط في ضمن العقود كالنذور أيضا لا دليل على مضرية التعليق فيه.
و لا فرق فيما ذكرنا أيضا بين العقود اللازمة أو الجائزة حتّى مثل الوكالة، و عن العلّامة: أنه لو قال وكلتك على أن تفعل غدا صحّ، و لو قال: وكّلتك غدا
على أن تفعل، يبطل التعليق في الأخير دون الأوّل، و مقامنا أيضا من هذا القبيل حيث أنّ الزمان تارة قيد المنفعة فيصحّ، و اخرى ظرف التمليك فيبطل التعليق.
و كيف كان نقول: إنّ ظاهر كلماتهم الإطباق على أنّ المستأجر كالمستعير أمين، نظرا إلى أنّ المدار في الأمانة كون يده عليه بإذن المالك بنحو لا يتوقّع غرضا فيه عاجلا أم آجلا، فخرج يد المستام.
نعم لو اعتبرنا فيه علاوة عما ذكر كونه لمصلحة المالك ربّما تشكل أمانيّة يدي المستأجر و المستعير، لأنّه لمصلحة نفسهما، و لكن يمنع اعتبار هذا القيد، لما ورد في النصّ في باب المستعير بأنه أمين (1)فتعدّى منه إلى يد المستأجر.
و توهّم أنّ المالك في اذنه في المستأجر مقهور لمحض مقدميّته لاستيفاء المنفعة و قبضه، و مثل ذلك ينصرف عنه عنوان الاذن الموجب للأمانيّة، و بذلك ربّما يمتاز المقام من باب العارية، لعدم مقهوريّة في أصل الاذن. نعم لو لم يكن قبضه مقدّمة استيفائه، كما لو تمكن منه و لو كان العين في يد المالك، أمكن إلحاق إقباضه حينئذ بباب العارية، و لكن مثل ذلك لا ينتج الكليّة في باب الإجارة.
مدفوع بمنع أخذ الاختيار في التأمين، فلم لا يمكن كون التأمين واجبا مقدمة لاستيفاء المنفعة، و الشاهد على ذلك ظهور التزامهم في شرط العارية بنحو السبب في ضمن العقد بعدم خروج يد المستعير عن الأمانة بمحض مقهوريّة المالك بشرط في اذنه و تأمينه.
1) وسائل الشيعة 13: 235 باب 1 من أبواب العارية.
و عليه فلا بأس بالالتزام بظاهر الأصحاب في كون يد المستأجر كالمستعير يد أمانة، فلا يضمن حينئذ إلّا مع التعدّي بلا اشكال ظاهرا في عقدي المسألة، و يدلّ عليه ما في نصّ علي بن جعفر من قوله: «إن اشترط أن لا يركبها غيره فهو ضامن و إن لم يسمّ فليس عليه شيء» (1)، و في صحيحة الحلبي أيضا: «إن كان جاز الشرط فهو ضامن» (2).
و هل يصحّ شرط الضمان مع عدم التعدي؟ فيه وجهان، المشهور عدمه، خلافا للرياض (3)تبعا للأردبيلي حيث صار إلى الصحة.
و مبنى المسألة أنّ الأمانة ممّا تقتضي عدم الضمان، أو أنّه لا تقتضي الضمان قبال سائر الأيادي المقتضية له، و لعلّ مقتضى الجمع بين أدلّة أيادي الأمانيّة مع عموم: «على اليد» (4)الحكم ببقاء اليد على اقتضائه، و أنّ الأمانيّة مانعة عن الاقتضاء المزبور. و لازمة كونه موجبا و مقتضيا لعدمه، فدليل الشرط حينئذ غير صالح لمزاحمة ما يكون مخالفا، لأنّ نفي مخالفته حينئذ فرع عدم مانعيّة الأمانة، و هذه الجهة منوطة بصحّة الشرط فيدور، فيصير الشرط حينئذ مخالفا للسنّة قهرا.
نعم لو كان لدليل الأمانة نظر إلى تحديد اقتضاء اليد بغيرها، كان لصحّة الشرط مجال، لعدم مخالفة مضمون الشرط لمقتضى الأمانة، إذ هما من قبيل الاقتضاء و اللااقتضاء و لا مزاحمة بينهما، و لكن أنى لنا بإثباته، إذ الأمر يدور بين رفع اليد عن ظهور عموم: «على اليد» في فعليه تأثيره مع بقائه على اقتضائه، أو رفع اليد عن ظهوره في اقتضائه أيضا.
و لئن شئت قلت: إنّ المقام من باب التخصيص أو التزاحم، و الأصل هو الثاني، فلازمه بطلان الشرط. و لكن الذي يوهنه ورود النصّ بالضمان بالشرط في العارية (1)مع أنّه يد أمانة أيضا، فذلك يؤيّد كون المقام من باب التخصيص لا من باب التزاحم، كيف و على التزاحم يلزم الالتزام بتخصيص عموم مخالفة الشرط للسنّة، و هو أبعد من الالتزام بالتخصيص في عموم اليد، و لا أقل من تصادم الظهورين، فيجري عليها حكم المجمل، و المرجع في المقام أصالة عدم مخالفة الشرط للسنّة فتصحّ، و حينئذ المسألة في غاية الاشكال.
و على أيّ حال
، بل لو لم تقتضي غيره يكفي في الحكم بإلزام الغير عليه سلطنة الناس على ما لهم بإخراجه عن ذمة الغير، بلا احتياج إلى اقتضاء العقد تعجيله بانصراف أو غيره، بل لو لا قاعدة السلطنة المزبورة مقتضى عموم وجوب الوفاء من الطرفين بمضمون العقد وجوب اقدام كل منهما بالوفاء بما عقدا عليه.
و توهّم أنّ مبنى العقود على التقابض الموجب لاستحقاق الموجب تسلّم المال بعد تسليمه، كما هو الشأن في تمليكه الإنشائي المقتضي لتبعيّة القابل في جميع المراحل، حتى مرحلة القبض و الإقباض للموجب، فلا يستحق الموجب الأجرة إلّا بعد تسليم المنفعة، مدفوع بأنّ التبعيّة في الإيجاب العقدي لا يقتضي التبعيّة في التقابض، المترتّب على تمام العقد بعنوان الوفاء بالمعاملة، إذ نسبة الأمر بالوفاء إلى كلّ منهما على السويّة.
نعم ربّما يرتكز في الأذهان العرفيّة سلطنة كلّ منهما على الامتناع من الأداء عند امتناع الغير عنه، و مثل هذه الجهة من الأحكام العرفيّة الممضاة عند
1) وسائل الشيعة 13: 236 حديث 1 باب 1 من أبواب العارية.
الشرع، لو لا دعوى صلاحيّة إطلاق وجوب الوفاء من كلّ منهما لردعهم، و ذلك أيضا لو لم نقل كونها حينئذ من الشرائط الضمنيّة الموجبة لتضيّق مضمون العقد بمثله. و لو لا هذه الجهة أشكل التشبّث بعموم وجوب الوفاء بالشرط في الشروط الضمنيّة على ما حقّقناه في بحث الشروط فراجع. و لكن هذا المعنى من المسلّمات عندهم، و ربّما يكفي ذلك لتخصيص وجوب الوفاء بغير صورة الامتناع، أو لاستفادة كونه من الشرائط المضيّقة لمضمون العقد كي يشمله عموم الوفاء بالعقد (1)بما له من الخصوصيّة، كما لا يخفى.
ثمّ إنّ مورد حق الامتناع في الأعيان المملوكة إنّما هو قبل أداء العين بامتناعه منه، و إلّا فبعد أدائها و لو آنا ما فقد حصل التقابض الذي هو مصداق الوفاء بعقده.
و أمّا في أعمال الحر فيمكن أن يقال: إنّ مجرد تسليم الحرّ نفسه للعمل آنا ما لا يكفي في قبضه، لعدم صدق اليد على المنفعة بمجرده، لأنّه لا يد له على العمل بلا واسطة و لا بواسطة اليد على العين، لعدم صدق اليد على الإحراز، فالقبض فيهم لا يكون إلّا بإيجادها أو بإبقاء تسليمه نفسه إلى آخر المدّة بحيث يكون تفويت المنفعة من قبل المستأجر، فإنّ تفويته حينئذ بمنزلة استيفائه، فيصدق عليه حينئذ عدم امتناعه.
و حينئذ فقد يتوهّم أنّ لازم استحقاق الحر في كلّ آن من آنات تسليمه اجرة ذاك الآن، لأنّه الذي فوّت المستأجر بتفويته ففوته بمنزلة استيفائه الموجب لاستحقاق الأجير الأجرة. و أمّا الآنات المستقبلة فبعد ما فوّت على المستأجر فلا يصدق في حقّها الاستيفاء، فلا يستحق أجرتها بمحض العلم ببقاء التسليم المزبور إلى آخر المدّة.
1) المائدة: 10.
و لا يخفى ما فيه من أنّ ما أفيد إنّما يتم على فرض اناطة استحقاق الأجرة على قبض المنفعة، فإنّ التفويتات المزبورة التدريجيّة بعد ما كانت بمنزلة القبض، فيكون قبض المنفعة في الأحرار أيضا تدريجية.
و أمّا لو قلنا بأنّ الاستحقاق من الطرفين مطلق، و إنّما لهما حق امتناع في ظرف امتناع الأخر من أداء العمل إلى آخر المدّة، فلا حق للمستأجر من حبس الأجرة، فيجب أداء تمامها بمحض المطالبة. نعم لو انكشف الامتناع في أثناء المدّة كان له حق استرداد ما أعطاه أولا بمقدار امتناعه من الزمان، كما لا يخفى.
هذا و لو شرط دفعها نجوما معيّنة، أو بعد المدّة يعني مدّة الإجارة صحّ الشرط بعد تعيّن زمان الأداء، و لو بانصرافه إلى الزمان المتّصل بزمان انقضاء الإجارة، لعموم ف بالشرط، من دون فرق بين الإجارة على معيّن أو الكلّي في الذمّة. و توهّم قياس المقام بباب السلم في البيع من الاحتياج إلى القبض في المجلس فيما هو المنفعة شبه السلم في البيع، منظور فيه.
و كيف كان للمستأجر أن يؤجر بالأقل أو الأكثر إن لم يشترط عليه المباشرة بلا إشكال في شطري المسألة، أمّا الأوّل فلعموم سلطنة الناس على أموالهم (1)، و أمّا الثاني فلأنّ الشرط المزبور يعيّن سلطنة المستأجر في خصوص ما اشترط فليس له السلطنة على ضدّه و نقيضه، فلا يصحّ منه الإجارة و لو قلنا بأن الشرط في المقام كسائر المقامات من باب تعدد المطلوب لا وحدته، و إلّا فلو قيل بأن مرجع الشرط المزبور إلى تحديد دائرة المنفعة المملوكة بسكنى نفسه لا الأعم منه و سكنى غيره فأمر بطلان الإجارة أوضح.
1) عوالي اللئالي 2: 138 حديث 383.
و من هذا القبيل ما شرط على المستأجر عمله الخاص كالسكنى مثلا في قبال غيره، فإنّه أيضا راجع إلى تحديد المنفعة الجامعة بين المتباينات غير ما شرط.
و نظير ذلك أيضا لو شرط المستأجر على الأجير عمله المخصوص من خياطة بنحو خاص أو غيرها، فإنّه ينحصر الوفاء للأجير بإتيان فعله المعيّن دون غيره، كما أنّه لو شرط مباشرة الأجير بنفسه العمل ليس له استئجار غيره في هذا العمل، نعم لو آجره نفسه لإيجاد الخياطة بنحو الإطلاق كان له الوفاء بعقده بايجار غيره للخياطة، لأن اختيار القضاء بيده، و كل ذلك ظاهر واضح.
نعم قد يستشكل في انصراف العمل المضاف إليه عند الإطلاق إلى عمل نفسه و عدمه، و مع التشكيك يحكم بالإطلاق لو لا بلوغه إلى حدّ المضرّ الإجمالي، فإنه حينئذ يكون المورد من قبيل القرائن الحافة بالكلام المانع عن انعقاد الظهور في إطلاق كلامه، فيقتصر على المتيقّن و يرجع إلى أصالة عدم ورود العقد على الزائد.
و قد يترتّب على الإطلاق من حيث عمل نفسه أو غيره عدم صحّة إجارة نفسه في الوقت المضروب مع اجارة غيره في هذا الوقت على الأوّل و عدم صحّته على الأخير، لأن الوقت المخصوص مورد سلطنة المستأجر الأول على إلزامه بالعمل، فلا سلطنة له على ضدّه و نقيضه، فلا يصح اجارة نفسه لغيره في الوقت المزبور.
و لو فرض على فرض الإطلاق عدم التمكن من اجارة غيره و انحصر الوفاء بعمل نفسه، فلا إشكال في وجوب الوفاء عليه و إتيانه عند مطالبة المستأجر، إنّما الكلام في أنّه في هذه الصورة لا يصحّ اجارة نفسه لغيره كصورة الاشتراط، أم لا بأس بإجارة نفسه للغير، و أنّ المقام من باب الضدّ الذي لا يقتضي نهيه فسادا.
قد يقال: بأنّ مقتضى سلطنة المستأجر حينئذ أيضا على إيجاده بإلزامه به قصور عن السلطنة على إيجاد نفسه للغير الذي هو ضدّه، فليس المقام حينئذ من باب التكليف المحض، كي تجيء فيه مسألة الضدّ الغير المنافي للقدرة الوضعيّة على الإجارة و إن كان حراما تكليفا، فضلا عن صرف الأبديّة العقليّة بمقتضى المختار في باب الضدّ.
و لكن يمكن أن يدّعى بأن حق المستأجر بعد ما تعلّق بالجامع فلا سلطنة له إلّا على الجامع لا على الفرد، فبالنسبة إلى الفرد لم يتوجّه إلّا تكليف محض بملاحظة حكم العقل بلابدّية إيجاد المملوك في ضمن المقدور من فردي الجامع، بلا اقتضاء ذلك قصورا في سلطنة على الشخص، فلا بأس في إيجار نفسه لغيره حينئذ و إن خالف العقل أو الشرع في هذا الاقدام، لكن مجرد ذلك لا يوجب قصورا في سلطنة الأجير على اجارة نفسه للغير.
و لكن التحقيق أن يقال: إنّ السلطنة على الجامع يمنع عن نقيضه أيضا، و في هذا الحال ينطبق النقيض على تركه، فلا سلطنة له على هذا الترك، فلازمه عدم سلطنة على ملزومه أيضا فتبطل الإجارة أيضا. مع أنه في ظرف إلزام عقله بإيجاد العمل في الوقت المضروب للمستأجر الأوّل لا يقدر على الوفاء بالإجارة الثانية، فكيف يتوجّه إليه الأمر بالوفاء المستتبع للصحّة.
اللهم [إلّا] أن يقال: إنّ ما هو مستتبع للصحّة قيام المصلحة في الوفاء المستتبع للأمر الفعلي لو لو المزاحمة، و هذا المعنى في المقام موجود بإطلاق الخطاب، و إن لم يكن حجة على فعلية الأمر بحكم العقل، و لكن حجيّته على قيام المصلحة في العمل باق على حاله، كما هو الشأن في جميع أبواب المزاحمات، فلا ينافي نفي القدرة على الوفاء تكليفا مع الصحّة، و ما هو مناف معه هو نفي القدرة عليه وضعا، فيرجع إلى الجواب الأوّل. مع أن ما أفيد إنّما يصحّ لو كانت
صحّة المعاملة ملزومة للقدرة المطلقة، و إلّا فهي بنحو الترتّب المصحّح للأمر الفعلي كذلك حاصلة، كما هو التحقيق عندنا من صحّة الترتّب في الأمر بالضدين، كما حقّق في محلّه.
هذا كلّه مضافا إلى أنّ الإجارة بعد ما كانت بصدورها موضوع الأمر بالوفاء، فإذا صدر العقدان و لو تدريجا كانا موضوعي الأمر بالوفاء في عرض واحد، فلا وجه لمرجحيّة أسبقية أحد العقدين في الوجود في فرديّته للعام دون الآخر، و حينئذ فمع التزاحم لا يقتضي العقل من حيث امتثال الأمر بالوفاء بكلّ منهما إلّا التخيير لا تعيين الأوّل فيه.
و حينئذ فليس بطلان الإجارة الثانية إلّا من جهة قصور سلطنة الأجير على نقيض مورد الإجارة، المنطبق في المورد على الترك الملازم لتروك بقية الأفراد.
و لازمة قصور سلطنته على لوازمه من إيجاده لغيره، و هو مستتبع وضعا لقصور سلطنته على إجارته للغير، إذ هي لا تتعلق إلّا على ما هو في حيطة سلطنة الأجير وجودا و عدما. و مثل هذه الجهة حيثيّة زائدة عن صرف القدرة العقلية على أمثال التكاليف كي ترد عليه الإشكالات السابقة.
و لئن شئت قلت: إنّ العمل في ذمّة الأجير في الزمان المضروب إذا كان ملكا للمستأجر الأوّل، فبمحض إيجاده للغير يفوّت الذمّة بفوت زمان يمكن وجوده فيه، فيلزم أن يكون الأجير بإيجاده العمل للغير مفوتا للكلّي المملوك للغير في ذمته، و هذا التفويت خارج عن سلطنته، فتخرج لوازمه عنها أيضا، بل لازم هذا البيان صيرورته ضامنا للمستأجر فيجيء في تفويته خيار على الأجير، نظير الخيار في تفويت المنافع في الأعيان المملوكة قبل قبضها على ما تقدّم، بل لازمة أيضا حرمة العمل المضاد لمورد الإجارة بمناط مقدّمته لتفويت حق الغير، لا بمناط الضد كي تجيء فيه الشبهة المعروفة في باب الضدّ.
ثم إنّ ذلك كلّه في صورة إتيانه بالعمل المضاد للعمل الأوّل، و أمّا لو أتى بعينه غاية الأمر لا بداعي الوفاء بأمر إجارته، بل بداعي أمر غير المستأجر، فذلك تارة في فرض كونه أجيرا للغير بكلّي في ذمّته، و اخرى بأن يكون من باب الإجارة على شخص العمل المعيّن في وقت خاص.
فعلى الأوّل فلا يكاد يتعيّن الكلّي بالموجود، بل يصير الموجود محسوبا لإطاعة أمر الغير، غاية الأمر مع ضيق الوقت حرام لما تقدّم، فلا يستحق الأجرة على الأمر، لعدم ماليّته للحرام، بل كان ضامنا للمستأجر الأوّل مع خياره، كما أشرنا.
و أمّا على الثاني فلا قصور في صيرورته وفاء للأوّل و لغوية قصده لغيره، لأنّ المفروض مملوكية شخص هذا العمل للأوّل فيقع له قهرا، فلا يبقى مجال توهّمه لغيره. نعم لا يكاد امتثال الأمر بالوفاء بمثله، و لكنّه غير مضر بوقوعه له قهرا كما لا يخفى.
هذا ثم إنّ مقتضى ما ذكرنا أنّ من أضداد المستأجر عليه خارجة عن سلطنة الأجير و إن كان في الذميات محرمة بمناط مقدمتها، لفوت الذمّة التي هي متعلق حقّ الغير. و أمّا في غيرها فلا يكون في البين إلّا المضادة لا المقدميّة، فلا وجه لحرمتها من هذه الجهة.
و أمّا حيث قصور السلطنة عليه بمناط سلطنة غيره على ضدّه، فلا يقتضي إلّا خروجه عن حيّز الجواز الفعلي، لا أنّه يدخل في المحرم تكليفا. غاية الأمر نتيجة عدم سلطنته عليه عدم صحّة إجارته لغيره، لا أنّه محرم وجودا. و حينئذ فلو أتاه لغيره بأمره ربّما يوجب تضمين الغير، و مع ذلك كان العامل ضامنا للمستأجر الأوّل بالمثل.
و توهّم عدم مالكيّة العامل للمتضادين، فلا يملك حينئذ إلّا أحد المعيّنين المنطبق على المملوك للأوّل، فلا يستحقّ من الثاني شيئا، واضح الفساد، إذ
لا قصور في ملكيّة المتضادين لمالك واحد في آن واحد، و إنّما القصور في سلطنته على كلّ منهما. و من هذه الجهة نلتزم بفساد إجارته بضدّ العمل الأوّل، و لكن لو أتاه بأمر الغير كان ضامنا له مع اشتغال ذمّته ببدل المنفعة للمستأجر الأوّل.
و من هنا ظهر حال اعمال الغاصب العين المملوكة المستأجرة في ضدّ المنفعة الشخصية المملوكة، فإنّه ضامن بمقتضى القاعدة بضمانين: لمالك العين بدل ما استوفاه، و لمالك المنفعة بقبضه للعين المانع عن استيفاء المالك ملكه بلا محذور في هذا الالتزام أيضا. و لو كان الغاصب هو المستأجر فلا يكون ضامنا في المسمّى فقط، بل ضامن للمثل بالنسبة إلى المالك علاوة عن المسمّى، كما هو ظاهر.
لا تجوز الإجارة في البيت و الدار و الحانوت و الأجير بالأكثر، إلّا إذا أحدث عملا فيها على الأشهر.
و الأصل في العقد الأوّل من عقدي الفرع ما ورد تارة بما اشتمل على الحانوت و الأجير (1)، و اخرى بما اشتمل على البيت و الأجير (2)، و ثالثة بما اشتمل على الدار (3). و فسّر الحانوت بالدكان تارة و بالخان اخرى، و مع إجمال المفهوم يصير الدكّان و لو للفحوى متيقنا.
و في بعض النصوص كراهة إجارة الرحى (4)، و في السفينة بالبأس (5). و قد
يتوهّم استفادة الحرمة منه، لأن شبهته دعا السائل على السؤال عنه، فهو متوجّه إلى ما هو في ذهنه و تقرير له، كما أن «لا بأس» ردع لما ارتكز في ذهنه الذي دعاه على السؤال عنه. و بهذه الجهة ربّما تختلف المقامات حيث اختلاف مرتكز ذهن الراوي على حسب مناسبة المقام من حيث الحكم التكليفي أو الوضعي نفيا و إثباتا.
و حينئذ فربّما يستفاد في المقام الحرمة، فربّما يستفاد من البأس في المقام الحرمة الوضعيّة لا التكليفيّة المحضة و لو بمناسبته للمقام. نعم في أخبار الكراهة كنصّ الرحى (1)لا بد من الحمل على التكليف، كما لا يخفى.
و فيه أنّ معهوديّة الكراهة التكليفية في بعض المقامات أيضا ربّما يوجب سؤاله عن الإجارة، و حينئذ فمن المحتمل كون الداعي على السؤال ذلك، فإثبات البأس في هذا المورد لا ينتج إلّا الكراهة، و مع مثل هذه الجهة لا يستفاد منها أيضا أزيد من الكراهة.
كما أن في الأرض أيضا نصّ ظاهر في الحرمة تارة مطلقا (2)، و اخرى مقيدا بأجرة الذهب و الفضة (3)، و ثالثة بالتفصيل بين المزارعة و الإجارة بالمنع عن الثاني و تجويز الأول (4)، و آخر صريح في الجواز (5).
فيحمل الأوّلين أيضا على مراتب الكراهة كما هو ظاهر، و هو أولى من التقييد بغير الذهب و الفضّة، لبعد حمل مطلقات الجواز على الموارد النادرة، و أولى أيضا من حمل نصّ الجواز على المزارعة لبعده أيضا و لو بقرينة قوله:
«و ليس الأرض مثل الحانوت».
و حينئذ لا يبقى في النصوص ظاهر في الحرمة المنصرفة في أمثال المقام إلى الوضعيّة، إلّا النصوص السابقة المشتملة على الحانوت و البيت و المداد و الأجير.
و في التعدي عنها إلى مطلق المسكن و لو بمثل السفينة و الخان و الحمّام و أمثالهما إشكال، و في تكملة أستاذنا العلّامة التعدي إلى مطلق المسكن لو لا جعل تقابله مع الحانوت في كلامه المردد بين الدكّان و الخان قرينة إرادته من المسكن ما أعدّ للسكنى من البيت أو الدار، و فيه تأمّل. هذا كلّه الكلام في العقد الأوّل من عقدي المسألة.
و أمّا العقد الثاني فالأصل فيه ما في حسنة الحلبي المشتملة على الدار، و فيه أيضا: «إلّا أن يحدث فيها شيئا» (1)، و لم أظفر في غير هذا النصّ ما دلّ على الأشياء المزبورة، فوجه التعدي إلى غير الدار ليس إلّا دعوى عدم التفصيل بينها و بين غيرها، فإن تمّ فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال.
ثم على فرض التعدي ظاهر النصّ من قوله: «بأكثر ممّا استأجرها» كون مال الإجارة من سنخ واحد، و أن التفاوت بينهما كان ممحّضا في القلّة و الكثرة.
و حينئذ ففي التعدي عنه إلى فرض اختلاف مال الإجارة أشكل، لو لا ما في نص آخر من إطلاق قوله: «فضل الحانوت و الأجير حرام» (2)، فإنّه لا قصور لشموله للمختلفين.
ثم إنّ في ذيل رواية أبي الربيع جواز اجرة بعض الدار بمثل اجرة تمامه و منع عن الأجرة الأزيد من التمام (3)، و نظيره أيضا صحيحة الحلبي، و بهما يرفع
اليد عما دلّ على المنع عن الأزيد بالنسبة إلى كلّ جزء، كما لا يخفى.
الإجارة، و كذلك بعده قبل مضي زمان يمكن الاستيفاء منه، بلا اشكال من جهة ما أشرنا سابقا من أنّ منشأ اعتبار وجود المنفعة القابلة لطروء الملكيّة عليه هو وجود قابليّة العين لها في ظرفها، فمع التلف يكشف عن عدم القابليّة المزبورة، فلا اعتبار حينئذ لوجود المنفعة رأسا، فلا يصلح المعدوم على الإطلاق لطروء صفة الملكيّة عليه.
نعم لو بقي العين مقدارا من الزمان القابل للاستيفاء فلا قصور للعين في القابليّة، و بها يعتبر الوجود لمنفعتها.
و حينئذ فإن كان الهلاك المزبور قبل القبض من جهة حبس المؤجر لها عليه، فعن التذكرة سقوط كراه بمقدار حبسه (1)، و في الجواهر منع سقوطه قبل فسخ المستأجر (2)وفاقا لجامع المقاصد (3)، و ظاهرهما ثبوت الخيار بمثل هذا الهلاك لا البطلان، و ذلك ينافي مع إجراء قاعدة التلف قبل القبض على صريح الجواهر في باب الإجارة، إذ جريانه موجب لشمول القاعدة مطلق التلف السماوي و إن كان العين في يد البائع و المؤجر يد ضمان و غصب بشهادة التزامهم به في تلف المبيع و فرقهم بين التلف و الإتلاف، فإنّ إطلاق كلماتهم هناك يشمل التلف السماوي و لو كان يد البائع عليه يد غصب و امتناع بلا حق، و حينئذ فليكن في المقام أيضا كذلك.
و حينئذ فالالتزام بالخيار في المقام كاشف عن عدم جريان قاعدة التلف قبل القبض في المقام، سواء أريد من التلف الموضوع للقاعدة تلف العين أو المنفعة، بل الثاني أوهن في مصداقية القاعدة، لأن لازمة بطلان الإجارة بغصب العين في المدة المضروبة من المؤجر أو من أجنبي.
و بالجملة نقول: إن في باب الإجارة بعد تسلّم كلماتهم على عدم البطلان بغصب العين من المؤجر أو الأجنبي قبل هلاك العين، و لو هلك قبل قبضها لا يبقى مجال اجراء القاعدة في الإجارة في طرف العين المؤجرة، نعم ما يحكم فيه بالبطلان هو صورة الهلاك قبل مضي زمان يمكن استيفاء المنفعة رأسا، و في مثله لا يختصّ البطلان بقبل القبض، بل تبطل الإجارة بفوت قابليّة العين لها و لو بعد القبض، فالذي هو مورد تسلمهم في مجرى القاعدة المزبورة حينئذ هو العين الواقعة مال الإجارة لا غيرها.
ثم إنّ وجه الخيار في صورة الغصب من المؤجر أو الأجنبي واضح، لأنّ التلف حينئذ موجب لاشتغال الذمّة بالمثل، و ربّما يتعلّق الغرض بالشخص و هو غير مثله، فتبدل خصوصيّة المملوك موجب للخيار بمناط نقض غرضه.
و توهّم أن نقض الغرض الثابت من أمر خارج عن العقد غير مجبور بالخيار، و إلّا فيلزم ثبوته بالغصب بعد القبض أيضا و لم يلتزم به أحد، مدفوع بأنّ ذلك كذلك لو لا كون التقابض في العقود المعاوضي من متمّمات العقد و محسوبا من شؤنه، و إلّا فالتلف الوارد على العين المخصوصة قبل القبض في اعتبار العرف بمنزلة الوارد في أثناء العقد، و يحسب نقض الغرض من قبله من النقض الناشئ من نفس العقد فيجبر بخياره.
و أمّا إن كان التلف مع عدم غصب أحد على وجه لا يكون في ضمان أحد، فلا يكون من باب تلف خصوصية المال، بل يحسب المال حينئذ تالفا محضا.
و قضية التقابض المزبور يوجب اعتبارهم كون هذا التلف في أثناء العقد، و لازمة الحكم بالبطلان، و لعلّ نظر المصنّف أيضا إلى هذه الصورة.
و ربّما يوقع ذلك في وهم كون ذلك بمناط جريان قاعدة التلف قبل القبض. و لكن فيه أنّ بناءهم في تلك القاعدة ليس على الفرق بين كون التلف بيد مضمنه أو غيرها، فنفس هذه التفرقة يكشف عن عدم جريانه في المقام، بل عمدة الوجه في البطلان في هذا الفرض من جهة احتسابهم التقابض من تبعات العقد، فكان التلف الوارد في أثنائه بمنزلة الوارد في أثناء العقد الموجب للبطلان. و هذا بخلاف الصورة الأولى فإن مضمنية اليد موجب لعدم صدق التلف على المال رأسا، بل التالف هو الخصوصيّة الشخصيّة و مثله لو حصل في أثناء العقد أيضا لا يوجب إلّا خيارا، كما هو ظاهر، و اللّٰه العالم.
بقي في المقام شيء آخر، و هو أنّ الخيار الثابت بفوت المنفعة قبل القبض إنّما هو في صورة عدم كون إمساكه بحقّ، و إلّا فلو كان عن حق، و لو بملاحظة أنّ من بناء المتعاقدين في ضمن العقد، و بملاحظة كونه من أحكام نفس العقد عرفا، أنّ لكلّ منهما الامتناع عن الأداء عند امتناع الآخر، ففي هذه الصورة لا يكون الامتناع غصبا، فتلف العين في يده حينئذ لا يوجب ضمان المنافع، بل هو بمنزلة إتلاف نفسه، لامتناعه عن أداء عوضه، فلا مقتضى للخيار حينئذ، بل المؤجر يستحقّ اجرة المسمّى بنفس عقده كما هو ظاهر. و لا أظنّ في الكلمات المثبتة للخيارات أيضا أن تكون ناظرة إلى مثل هذه الصورة كما هو ظاهر.
ثم أنّه يكفي في رفع امتناع المستأجر في الأعيان المؤجرة مجرد قبض العين، إذ به يسقط حق امتناع المستأجر، فلو غصبه المؤجر جديدا لا يوجب ذلك امتناعا جديدا، لخروجه عن شمول الشرط الضمني الحاصل في العقد أو من أحكامه، فطبع العقد حينئذ يقتضي لزوم الوفاء من الطرفين. نعم في إجارة الأحرار
أنفسهم ليس كذلك، بل مهما امتنع عن العمل و لو بعد تسليم نفسه في أثناء المدة كان للمستأجر الامتناع عن الأجرة الباقية.
و عمدة النكتة فيه أنّ العين المؤجرة و هو نفس الحر لا يصلح وقوعه تحت اليد، فلا يصلح للمقبوضيّة، فلا يكون قبض الحر للمنفعة إلّا بإيجادها، و مهما امتنع من الإيجاد يصدق حينئذ أنّه امتنع عن أداء المعوّض، فللمستأجر حينئذ أن يمتنع عن أداء العوض. و هذا بخلاف الأعيان المملوكة، فإن قبض منافعها إنّما هو بقبض عينها، فبمجرد حصول القبض يحصل قبض المنافع الذي هو مناط سقوط حق امتناع المستأجر، كما لا يخفى.
نعم في المقدار الذي سلّم الحر نفسه للعمل فلم يستوفي المستأجر و لم يأمره بعمله، كان التفويت مستندا إليه، فهو بمنزلة استيفائه، فلا يبقى له حق لأداء مال الإجارة حينئذ كما هو واضح.
و على أيّ حال ظهر ممّا ذكرنا ما ذكره المصنّف بقوله: و لو منعه ظالم عن العين بعد القبض صحت الإجارة و يرجع المستأجر على الظالم بلا إشكال، لقاعدة لزوم المعاملة و ضمان الغاصب في الموانع الشخصيّة، نعم قد يكون منع الظالم عن استيفاء المنفعة نوعيا، كصورة استيلاء العسكر على البلد على نحو يحتسب أنّ البلد مما لا ينتفع بعماراته عرفا، فربّما يلحق ذلك أيضا بصورة خرابه المستتبع لبطلان الإجارة في مدة خراب العين المستأجرة، ففي مثل هذه الصورة لا مجال لصحّة الإجارة في المدة المزبورة.
كما أنه لو كان منع الظالم شخصا متوجّها إلى حبس المستأجر المانع عن استيفائه لا حبس العين المستأجرة لا وجه للبطلان، و لا رجوع المستأجر إلى الظالم أيضا، لعدم مقتضى لتضمينه لا من يد كما هو الفرض، و لا من إتلاف لمنع صدق الإتلاف مع عدم استيفائه المنفعة. و لا فرق فيما ذكرنا أيضا بين كون
ذلك قبل القبض أو بعده كما أشرنا إليه سابقا.
و لو كان الظالم المزبور غاصبا للعين يرجع المستأجر على الظالم في بدل ماله التالف، من جهة أنّ يده على العين يد على شئونها من القابلية المنشأ لاعتبار وجود المنفعة، و أمّا حكم خياره فلا بدّ و أن يفصل بين الغصب قبل القبض أو بعده بالخيار في الأوّل و عدمه في الثاني، نظرا إلى بنائهم على كون القبض من متمّمات المعاوضة، فيكون الضرر الوارد من قبل فوت خصوصيّته من المضار العقديّة المجبورة في أبواب المعاوضات دون غيرها.
و لا فرق في ذلك أيضا بين كون الغاصب أجنبيا أو نفس المؤجر، نعم ربّما يفرّق بينهما بأنّه في فرض غصب المؤجر للمستأجر الامتناع عن أداء الأجرة و لو كان غصبه بعد قبضه من جهة أن في غصبه امتناع عن تسليم المنفعة التدريجيّة، بخلاف غصب الأجنبي فإنّه لا موجب لامتناع المستأجر حتى لو كان الغصب قبل القبض بنحو لا يتمكّن على التسليم، إذ لا امتناع حينئذ من قبل المؤجر كي به يجوز الامتناع من قبل المستأجر.
و من التأمّل فيما ذكرناه أيضا ظهر الحكم فيما لو انهدم المسكن من غير تفريط من قبل المستأجر، فإنه إن كان ذلك سببا لفوت منفعة معتدّة بها، حتى مع فرض اعادة العين، فلا إشكال في انفساخ الإجارة من الأول بالنسبة إلى المقدار الفائت من زمان الانهدام، لعدم بقاء العين حينئذ على القابلية المنشأ لاعتبار وجود المنفعة، و تبقى الإجارة بالنسبة إلى بقية المدة القابلة غير لازم بمناط خيار تبعض الصفقة، من دون فرق في ذلك بين المقدار المستوفاة و غيره، لأنّ الاستيفاء غير مانع عن ثبوت الخيار بالنسبة إليه، غاية الأمر على المستوفى ردّ بدله بالفسخ.
و أمّا إن لم يكن سببا لفوت منفعة معتدّة بها و لو بإعادة العين كما كان
فورا، فلا مقتضى للخيار، لأنّ المفروض أنّ المقدار الفائت في أنظارهم بمنزلة العدم، فكأن العين باقية على قابليّتها المنشأ لاعتبار عدم تلف شيء من منافعها. و إن كان الهدم المزبور بتفريط من المستأجر فكان بحكم إتلافه، فالظاهر أنّ بناءهم على كون الإتلاف بمنزلة الاستيفاء، فلا موجب حينئذ لفسخ الإجارة و لا لانفساخه، و من هذا الباب إتلاف المشتري المبيع قبل قبضه في عدم كونه منشأ لانفساخ المبيع.
و على أيّ حال ظهر ممّا ذكرنا أنّه في فرض الانهدام بلا تفريط تنفسخ الإجارة بالنسبة إلى زمان الانهدام، و فسخ المستأجر و رجع بنسبة المتخلف من الأجرة و الزم المالك بالعمارة، لامضائه الإجارة في مقدار يمكنه الاستيفاء، و له التبعض في الفسخ أيضا بالنسبة إلى المقدار الغير المستوفاة بملاحظة انحلال العقد إلى العقود حتّى بالنسبة إلى حكم فسخه، كما هو الشأن فيما لو وجد عيبا في بعض الصفقة، فإنّ ظاهرهم جواز الاقتصار بحلّ العقد المتعلّق بالمعيب دون غيره.
لم يتعرضها المصنّف:
: أن من قواعد باب الإجارة كون نتيجتها تمليك المنافع دون العين، بضمّ لزوم بقائها على حالها، و حينئذ فربما يستشكل في إجارة المرضعة و الآبار و الحمّام المستتبعة لتلف العين من مياههما و تلف اللبن في الاولى، مع أنّ صحّة إجارتها من المسلمات بالسيرة و غيرها، و لذا وقعوا في حيص و بيص، و وجّهوها بتوجيهات لا يرضى بها الطبع السليم و الذوق المستقيم.
و التحقيق في حل الإشكال في المرضعة و الآبار أن يقال: إنّ للأعيان الصادرة عن الأمور المسطورة اعتباران: أحدهما كونها شيئا في حال ذاتها و موجودات في قبال مصادرهما، و اخرى كونها ناشئة من قبل العين، و من شئونها
التي عبارة عن فعليّة ما للعين من القابليّة و الشأنيّة.
و لا يخفى أنّ الأعيان المزبورة بالاعتبار الأوّل من الأمور القارة، و بالاعتبار الثاني من الأمور التدريجيّة، فهي بهذا الاعتبار يحسب عند العرف من منافع العين، و أن لا يحسب كذلك بالاعتبار الأوّل، و حينئذ لا قصور في تملك هذه الجهة التدريجيّة المحسوبة من شئون العين و قابليّتها له.
و توهم عدم صدق المنفعة على الأعيان حتى بهذا الاعتبار في غاية الدفع، لأنّ العرف محكم في تشخيص هذه العناوين، و لا أظنّ تشكيك أحد في صدق المنفعة على مثل هذه الأمور الحاصلة بفعلية قابليّة العين تدريجا، نعم ما لا يحسب منفعة هو الأعيان بالاعتبار الأوّل.
و لئن شئت تقول: إنّ للأعمال أيضا مثل ذين الاعتبارين، فالصلاة في المسجد أو في مكان بما هو شيء موجود لا يحسب من منافعه، و إنّما يحسب منها لو لوحظ بما هو من شئون المكان و مرحلة حركة قابليته إلى مرحلة الفعلية، فهذه الحركة محسوبة من شئون العين و منافعها، من دون فرق بين كون نتيجة الحركة المزبورة عينا أو غير عين.
و إلى ذلك البيان أيضا نظر الجواهر (1)فيما أجاد ردا لأبي حنيفة (2)حيث استشكل في إجارة المكان للصلاة فيه بأن الصلاة غير قابلة لبذل المال بإزائها، فأفاد في ردّه بأنّ ما لا يصلح لبذل المال بإزائه هو الصلاة بما هو شيء في حيال ذاتها و بما هو فعل المصلّي، و أمّا أنّه بما هي من شئون المكان و مرحلة حركة مرتبة قابليّة إلى الفعليّة فهو من شئون المكان و من منافعه المحلّلة القابلة لبذل المال بإزائه.
و بالجملة نقول: إنّ مثل الاعتبارين في الأعيان المزبورة و الأعمال المسطورة مثل الاعتبارين الطارئين على المفاهيم من حيث الاسميّة و الحرفيّة على بعض المسالك، فبالاعتبار للتبعيّة للغير المسمّى بلحاظها حرفيا يكون منفعة دون الاعتبار الآخر بنحو الاسميّة.
و من هذا البيان ربما ترتفع الشبهة في إجارة الأراضي لكلئها و الأشجار و البساتين لأثمارها، و بما ذكرنا من الفرق بين الاعتبارين في الأثمار يفرّق بين إجارة الأشجار و بيع الأثمار كما لا يخفى.
و حينئذ فمن قصّر صحّة تمليك الأثمار بخصوص بيعها إنّما هو لقصور نظره عما ذكرنا من الاعتبارين، و إلّا فليس له مثل هذا التخصيص كما في نظائرها.
و أمّا إجارة الحمّام فلا شبهة في أنّ الانتفاع منه مستتبع لتلف مقدار من العين عرفا، فهذا المقدار محسوب من تبعات الانتفاع بالعين، و ما هو لازم في باب الإجارة بقاء العين في المقدار الزائد عما ينوط به الانتفاع، و ربّما يختلف ذلك باختلاف أنحاء الانتفاعات كما هو ظاهر.
ثم إنّ ذلك أيضا على فرض كون الدخول فيه من باب الإجارة، و إلا فلو كان من باب بذل الانتفاع بما له من المقدمات بالقيمة، كما يشهد له عدم الإضرار بجهل مقدار الانتفاع و لو زمانا فالأمر أسهل.
ثم إنه من الموارد المنتجة إجارة العين تمليك عين آخر اجارة الشبكة للصيد، و هو أيضا ليس من باب تملك العين، بل هو من باب تملك منفعة مبيحة لحيازة الأعيان المملوكة بالحيازة لا بعقد الإجارة، و إنّما نتيجة الإجارة المزبورة صيرورة الشبكة مقدّمة للحيازة، فربّما لا يكون بابه مربوطا بباب المرضعة و الآبار، و عليه فلا تنافي الموارد المزبورة لقواعد باب الإجارة، فما في الجواهر من جعل هذه الموارد سنخا آخرا من المعاوضة خارجة عن قواعد الإجارة بإطلاقه منظور فيه.
: أنّه يظهر من بعضهم اعتبار اذن الزوج في صحّة إجارة نفسها للإرضاع مطلقا و قيّده آخر بصورة عدم مزاحمته للاستمتاع، و بنى الأوّل على أنّ جميع منافع الزوجة متعلّق حق الزوج، و ردّه الآخر بعدم تعلّق حقّه إلّا بخصوص استمتاعه.
و التحقيق أن يقال: إنّه بعد عدم اقتضاء علقة الزوجيّة أزيد من السلطنة على الاستمتاع، انّ هذه السلطنة إن كان تعلّقها بها بنحو الإطلاق المستتبع للسلطنة على حفظ مقدمات استمتاعه، فلا بدّ من المصير إلى عدم صحّة الإجارة و لو لم يرد الزوج استمتاعا، إلّا إذا فرض ذلك بإذن منه الغير المنافي للسلطنة المزبورة إذ عقد الإجارة المزبورة بعد ما كان مفوتا لاستمتاعه المسلّط عليه في زمانه فهو خارج عن حيطة سلطنته فيبطل.
و إن كانت السلطنة المزبورة متعلّقة بالاستمتاع في ظرف قابليّتها للتحقّق، فلا يكاد يصلح مثل هذه السلطنة للمنع عن صحّة الإجارة، إذ بالإجارة يخرج المحل عن قابليّة الاستمتاع، فالسلطنة عليه تعليقي لا يصلح لأن يمنع عن نفوذ عقد الإجارة الذي هو مقتضى تنجيزي للصحّة، كما لا يخفى على من لاحظ أمثالها.
و حينئذ فلا يكون منعه أيضا صالحا لإبطال الإجارة فضلا عن شرطيّة اذنه فيها، كما أنّه لو كان وجوب التمكين على الزوجة حكما تكليفيا محضا بلا سلطنة وضعية للزوج عليه، و لو كان هذا الحكم مطلقا أيضا لا يمنع عن صحّة الإجارة، إذ غاية ما يلزم من الحكم المزبور حرمة تفويته بالإجارة، و مثل هذا النهي لا يقتضي الفساد في أبواب المعاملات كما لا يخفى.
و حيث كان الأمر كذلك يبقى الكلام في بيان كيفية سلطنة الزوج على الاستمتاع المزبور فنقول: ان طبع الزوجيّة نظير الملكية يقتضي السلطنة على الاستمتاع عرفا بنحو الإطلاق، و لازمة عدم صحّة إجارته بلا اذن منه لو لا
التشكيك في إطلاق السلطنة المزبورة، و أن غاية ما ثبت هو السلطنة في ظرف قابليّة المحل، و لازمة عدم صلاحيّته للمنع عن صحّة الإجارة و لو بمنعه عنها.
اللهم [إلّا] أن يقال: إن وجوب التمكين عند أمرها مانع عن نفوذ الإجارة شرعا، لاشتراطه بالقدرة على الوفاء شرعا، فصحّة الإجارة بالنسبة إلى مثل هذا الأمر من الموانع اللبية العقليّة الغير المانع عن التمسّك بإطلاق الأمر، بخلاف نفوذ الأمر المزبور إذ هو من الموانع الشرعية و المخصّصات اللفظية، ففي مثله يقدّم إطلاق الأمر و يستكشف منه بطلان الإجارة.
و لئن شئت قلت بأنّ المقتضي من المصلحة في وجوب التمكّن تنجيزي، و المانع عن نفوذ الإجارة من حيث القدرة على الوفاء تعليقي، و المانع التعليقي لا يصلح للمانعيّة عن المقتضي المزبور.
لا يقال: إنّ العقد في ذاك الطرف أيضا مقتضى تنجيزي للنفوذ فيتزاحمان.
لأنّه يقال: إنّ العقد مقتضى للمصلحة التعليقية، و التزاحم بين المصلحتين يوجب تقدّم المصلحة التنجيزية على التعليقي، و في مثله لا تنتهي النوبة إلى مقتضى المقتضي و لو تنجيزيا. نعم لو كان المقتضيان في هذه المرتبة تعليقيان تنتهي النوبة إلى ترجيح ماله مقتضى تنجيزي مثل العقد و أمثاله، و لذا قدّمنا العقد في النفوذ في فرض كون السلطنة تعليقيّا كما لا يخفى فتدبّر.
و بمثل هذا البيان ترتفع شبهة عدم وجود الإطلاق في الطرفين، كي تدخل المسألة في صغريات مسألة التخصيص و التخصص كما لا يخفى.
: أنّه لا بدّ من مشاهدة الصبي أو الصبيّة في صحّة الإجارة، حذرا عن الغرر الناشئ عن الجهل بسنة، و مقدار استعداده للتغذي، و احتياجه إلى التربية. إذ بمثل ذلك ربما تختلف ماليّة عمل المرضعة، بل هو مورد أغراضهم و إن لم تختلف ماليّته، و هو يكفي للزوم الغرر المبطل فيها. نعم مع عدم تعلّق
الأغراض النوعيّة، و لا فوت الماليّة بفوت الخصوصيّة، لا يضرّ بصحّة الإجارة.
و عليه فربّما يدخل فيه تعيين الزمان أو المكان أيضا.
ثم إنّ مورد الإجارة إن كان لخصوصيّة الصبي المزبور دخل فيه، فبموته يترتّب بطلان الإجارة: إمّا رأسا، أو بمقدار زمان لا يمكن استيفاؤه المنفعة المزبورة، و إلّا فلا وجه لبطلانها بموته، بل مع التمكّن عن إرضاع طفل آخر يتعيّن الاعمال به. نعم لو شرط في متن العقد خصوصية بنحو تعدّد المطلوب، كان لكلّ واحد منهما الخيار.
و من هذا الباب موت المرضعة، فإنّه أيضا تارة طرف العقد شخص نفسها بنحو وحدة المطلوب، و اخرى إرضاعها و لو بتسبيب منه في ذمّتها مع شرط نفسها بنحو تعدّد المطلوب، و اخرى بلا شرط أبدا. فعلى الأوّل تبطل الإجارة، و على الثاني يصحّ بخيار، و على الأخير يبقى صحيحا بلا خيار و يخرج دينه من تركتها و يستأجر مرضعة أخرى، و اللّٰه العالم.
: أنّه لو تنازعا في تسليم العمل بين المرضعة و المستأجر، قيل: يقدم قولها، لتعذر الاستشهاد عليه غالبا، فيدخل فيما لا يعلم إلّا من قبلها. و فيه منع لا يخفى، و حينئذ مقتضى الأصل عدم التسليم، فيقدّم قول المستأجر.
ثم لا يخفى أنّ للمولى إجارة أمته للإرضاع ما لم يحتج إليه ولدها، و مع الاحتياج إليها بخصوصها فلا شبهة في وجوبه عليه، فلا تبقى قدرة على إرضاع غيره في هذه الصورة، فلا يقدر حينئذ على الوفاء بالمعاملة، فتصير المسألة من صغريات المسألة السابقة، فراجع إليها.
: أنّه لا إشكال في اعتبار قابليّة العين للانتفاع به في زمان الإجارة بمنفعة معتدّة عقلائية، فصحّة الإجارة تدور مدار ذلك إن كان سواء مطلقا أو مقيدا بزمان دون زمان. و عليه فلو اتّفقت المنفعة المزبورة للدرهم و الدينار أيضا و لو في زمان صحّت الإجارة في تلك الأعيان ما لم يكن نادرا بحكم العدم.
ثم في وقت اتّفاق المنفعة لها مقتضى القاعدة ضمان منافعها بغصب العين كسائر الأعيان، و ذلك لا ينافي مع بنائهم غالبا على عدم تضمين منافعها، لأنّه لا منفعة لها غالبا، بل النظر إلى مثلها غالبا إلى مالية عينها محضا. و في مثل هذه الأحيان لا تصحّ إجارتها.
و حينئذ التفكيك بين صحّة الإجارة و ضمان المنفعة ركيك. كما أنّ ملازمة صحّة إجارتها لصحّة وقفها أيضا منظور فيه، لإمكان دعوى اعتبار نحو دوام للانتفاع بها، و لو بلحاظ بعض أزمنة السنوات لا جميعها في الوقت دون الإجارة.
ثم إنّه لو اختلفت مالية المنفعة في زمان دون زمان لا يلزم تعيين زمان الاختلاف قبال الأجرة المعيّنة، بل يكفي في دفع الغرر تعيين أجرة واحدة في قبال الجميع، كما هو الشأن في بيع صبرة مختلفة الأجزاء، و مجرّد أوّل الأمر بالتبعّض في فسخ المعاملة و انفساخه إلى الغرر في المعاوضة الضمنية لا يضرّ، لمنع اعتبار منعه بأزيد ممّا وقع في حيّز إنشائها بلا نظر فيها إلى العقود التحليلية الضمنيّة، لعدم الدليل في قبال قواعد الصحّة. نعم لو كان مورد الإجارة من قبيل الكلّي في المعيّن، لا يصحّ العقد مع اختلاف الافراد في الماليّة، كما أشرنا إليه في بابه.
: أنّه لو آجر دابة لأن يحمل عشرة أقفزة من الحنطة فحمل عليها أزيد:
فتارة يراد منه العشرة بشرط لا بنحو وحدة المطلوب، و اخرى بنحو تعدده، و ثالثة لا بشرط. و على التقادير تارة يكون ذلك من فعل مالك الدابة، و اخرى من فعل المستأجر.
فإن كان المتصدي للحمل هو المستأجر: فعلى الأوّل فقد يتوهم أنّه يستحقّ المؤجر أجرة المثل علاوة عن المسمّى، لأنّه باستيفائه ضدّ منفعته المملوكة أتلف حقّه و أتى بما لا يستحقّ مثله إلّا المالك، كما أنّه بعقده على منفعة خاصّة يستحق المسمّى فعلى المستأجر حينئذ أجرتان.
أقول: لا يخفى أنّ صحّة هذا الكلام مبنيّة على اعتبارهم ملكيّة المتضادات في زمان واحد، و مثل هذا الاعتبار عندهم تحت المنع، و ذلك لا من جهة استلزامه صحّة العقدين على شيء في زمان واحد، إذ يمكن الفرار عنه بعدم الملازمة، لإمكان استناد البطلان إلى قصور سلطنته عليهما، و عدم قدرته على الوفاء بعقدهما، و لا من جهة استتباعه ضمان المنافع الغير المحصورة المتضادة الغير المستوفاة بغصب العين على القول به.
و لا يظنّ التزامه أيضا من أحد لإمكان الفرار عنه بأن ضمان المنافع الغير المستوفاة لا يكون إلّا من جهة اليد، و معلوم أنّ الاستيلاء التام على المنافع المتضادة غير ممكن، فلا يكون تحت اليد إلّا أحدها بلا عنوان، و لذا لا يضمن الغاصب عند عدم الاستيفاء إلّا أحد المتضادات لا جميعها. نعم لو استوفى واحدا منها كان مقتضى مضمنيّة الإتلاف موجودا في خصوصه، فلا مزاحمة حينئذ لليد المقتضي لضمان الجامع كما هو ظاهر.
بل عمدة الوجه في منع اعتبار الملكيّة المزبورة، هو أن لازم هذا الاعتبار كون الغاصب للعين المستأجرة الغير المستوفى لمنافعها ضامنا لكليهما أو لأحدهما بلا عنوان، و ذلك لأنّ يده حينئذ مضمن لأحد المنفعتين لما حقّقنا. و مثل هذا اليد إمّا موجب لضمانه لهما فرارا عن الترجيح بلا مرجّح و لو بالتنصيف بينهما، أو لأحدهما بلا عنوان، عكس ضمان الأيادي المتعدّدة لمالك واحد.
و مثل هذا المعنى بكلا شقّيه خلاف كلماتهم إذ الظاهر منهم عدم ضمان الغاصب المزبور إلّا للمستأجر، فيكشف ذلك عن عدم اعتبار الملكيّة للمتضادّات في زمان واحد فالمالك لا يملك منها إلّا واحدا عينه للمستأجر الغاصب حينئذ لا يضمن إلّا للمستأجر كما لا يخفى.
و حينئذ فنقول: إنّ لازم ما ذكرنا عدم استحقاق المالك من المستأجر إلّا المسمّى و اجرة مثل الزائد و إن كان استيفاؤه لضدّ مورد الإجارة حراما عليه
تكليفا، نظرا إلى أنّه نحو تصرف في العين على وجه لم يكن مأذونا فيه، نعم لو كان استيفاء الزائد بأمر من المالك على وجه لا يفهم المجانيّة منه لا يكون حراما أيضا، كما لا يخفى.
فإن قلت: بناء على هذا لا وجه لضمان مثل الزائد أيضا، إذ المفروض أنّ العشرة بشرط لا مضادة مع خمسة عشر، و المالك أيضا حسب الفرض لا يملك إلّا أحد المنفعتين، و لقد ملكه باختياره للمستأجر، فيقتضي ذلك عدم ضمان الغاصب المزبور لغير المستأجر رأسا.
قلت: لا يخفى أنّ التضاد بين المنفعتين المزبورتين ليس تضادا ذاتيا، بل إنّما هو من جهة التضاد في حديهما، و مثل هذه الجهة خارج عن مورد الضمان و لو جعلا، بل مورده عند العقلاء ليس إلّا نفس المحدودين، و الخمسة الزائدة مع العشرة المحدودة بذاتهما لا مضادة بينهما وجودا، فهما لا يخرجان عن مورد الضمان، غاية الأمر لا يستحق المالك بالنسبة إلى ذات العشرة إلّا المسمّى، و إنّما يستحقّ في قبال الخمسة الزائدة ضمان مثله.
نعم في المضادات الذاتيّة ففي فرض استيفاء واحد منها فلقد أشرنا بخصوصه مضمون كان أعلى قيمته أو أدنى، و في فرض عدم الاستيفاء فعلى المختار فلا يضمن إلّا أدناها، لأنّ ضمان الجامع المنطبق على الأدنى أيضا لا يوجب الاشتغال بقيمة الأدنى، لقصور المقتضي عن الزائد.
نعم لو كان اليد على العين يدا على جميع المنافع المتضادة كان لضمان الأعلى قيمة وجه من جهة ما عرفت من اعتبارهم مراتب المالية بين المتضادات في باب التضمين، فالمالك و إن لم يملك إلّا واحدا منها و لكن ما لم يكن لأحدهما مزية زائدة، و إلا فذو المزية مورد حق المالك. و لكن ذلك مبني على قصور اليد على المنافع المتضادة و هو أوّل الكلام.
و المسألة إنصافا من هذه الجهة لا تخلو عن اشكال، فتدبّر في المقام غاية
التدبّر.
و على أيّ حال لو كانت المتضادات متساوية من حيث الماليّة لم يكن الغاصب إلّا ضامنا لواحد منها، و مع كون العين مستأجرة لا يضمن إلّا للمستأجر و إن لم يحل له استيفاء ضدّ مورد الإجارة من جهة ما أشرنا إليه، من أنه نحو تصرّف في العين على وجه غير مأذون، و لكن ذلك لا يقتضي ضمان غير المستأجر، كما هو ظاهر من البيانات السابقة فتدبّر فيها.
و أمّا الصورة الثانية فالأمر من جهة التضمين كما سبق، نعم هنا ربّما يقع مورد خيار المالك، فبامضائه لا يستحقّ إلّا اجرة مثل الزائد علاوة عن المسمّى، و أمّا مع الفسخ فيستحق اجرة مثل الجميع.
و أمّا الصورة الثالثة فالحكم كما كان بلا خيار أيضا.
هذا كلّه أيضا في فرض عدم غرور المستأجر في استيفائه الزائد من قبل المالك، و إلّا فلا ضمان عليه لقاعدة الغرور، فليس عليه حينئذ في الفروع الثلاثة إلّا المسمّى. كما أنّه لو كان المتصدّي هو المالك فلا شبهة أيضا في عدم استحقاقه من المستأجر في جميع الفروض المزبورة إلّا المسمّى بلا خيار له حتى في الفرع الثاني، لإقدامه على ضرره كما هو ظاهر.
ثم إنّ ذلك كلّه أيضا حكم ضمان المنافع، و أمّا ضمان العين فمع عدم كون استيفاء الزائد بأمر المالك، فيد المستأجر على العين يد ضمان، لتعدّيه، فيضمن العين بتمامها.
و توهم التبعيض بين مقدار استحقاقه فلا يضمن و بين غيره فيضمن بالنسبة، منظور فيه، لأنّه بمجرّد التعدي عن مورد الاستحقاق يخرج يده على العين من الأمانة، و يؤيّده أيضا رواية أبي ولّاد (1).
1) وسائل الشيعة 13: 255 حديث 1 باب 17 من أبواب أحكام الإجارة.
نعم مع إذن المالك لا موجب لضمانه، إلّا إذا شرط الضمان بنسبة الزائدة أو مطلقا، بناء على صحّة شرط الضمان في عقد الإجارة مثل العارية، و إلّا فلا مقتضى للضمان أيضا أصلا، و اللّٰه العالم.
: أنّ ظاهر كلماتهم اعتبار إباحة المنفعة في صحة الإجارة، و مقتضى القاعدة ليس إلّا الإباحة الفعلية و لو عقليّة ظاهريّة، لأنّه بها كان مقدور التسليم، فلا قصور في شمول العمومات له، و لكن ظاهر رواية تحف العقول (1)و بعض أخبار أخر مثل قوله: «إذا حرم شيء حرم ثمنه» (2)بناء على شمول الثمن لمال الإجارة أيضا، كون المانع الحرمة الواقعية الفعلية و لو كانت غير منجزة لو لا دعوى انصرافها إلى الحرمة المنجزة، كي يكون النصوص على وفق القاعدة من جهة، و إن لم يشمل ما كان ملزوم حرمة فعليّة فالقاعدة تقتضي أيضا في مثله البطلان. كما أنّ الكلمات أيضا قابلة لمثل هذا الحمل، فلا قصور في صحة الإجارة مع جريان عموم الحليّة الظاهريّة.
و على أيّ حال لا فرق بين الحرمة الذاتيّة أو العرضيّة، فلو آجر نفسه للاشتغال بعمل في المكان المغصوب مع انحصار مصداقه به، يمكن المصير إلى عدم صحة الإجارة و بطلانه حتّى على جواز اجتماع الأمر و النهي، لعدم القدرة على التسليم، و به يمتاز باب المعاملات عن العبادة. نعم مع عدم الانحصار لا قصور في صحّة الإجارة للقدرة على التسليم بالنسبة إلى الجامع، فيجب عليه تسليم المباح، و لو سلم الفرد الحرام ففي كونه مسقطا للواجب اشكال، و حينئذ فلا بأس بالالتزام بضمانه لما فوّته على المستأجر من العمل المحلّل.
نعم لو كان مورد الإجارة حينئذ العنوان المترتّب على الحرام كطحن
الحنطة، لا قصور في كونه وفاء لما وجب، لعدم الحصر، نعم مع إيجاده بالفرد المحرم تبطل الإجارة حتّى بالنسبة إلى العنوان المترتّب أيضا، لعدم القدرة و لو استوفاه غاصب لا قصور في ضمانه، لأنّه منفعة محلّلة و إن كانت منوطة بمنحصر.
نعم لا ضمان عليه بالنسبة إلى الفرد المحرّم، لعدم ماليّته و لكن مع ذلك أمكن دعوى أن استيفاءه ربّما يوجب تفويت ضدّه من المنافع المحلّلة، فيضمن لها للإتلاف المزبور كما لا يخفى.
ثم إنّ القدرة على التسليم المعتبر في صحّة الإجارة كما أشرنا إليه هو القدرة على تسليم العين و لو آنا ما قبل زمان المنفعة المستأجرة، و حينئذ فالمانع عن الصحّة هو العجز من زمان العقد إلى زمان العمل بلا مضي زمان يمكنه التسليم، و حينئذ فلو غصبه غاصب بعد زمان التمكّن عن التسليم فلا يوجب مثل ذلك بطلان العقد، بل هو داخل في معاقد كلماتهم بأنّ الغصب قبل القبض يوجب الخيار، و بعده تصحّ الإجارة بلا خيار و يكون الغاصب ضامن للمستأجر.
ثم إنّ ذلك التفصيل إنّما يتمّ لو كان العجز المزبور غير موجب لإلحاق المنفعة بالمعدوم، و إلّا فتبطل الإجارة بطروئه و لو بعد القبض، نظير إباق العبد و انهدام الدار و صيرورة السمك في الماء و الطير في الهواء. و عليه فينحصر مثال العجز عن التسليم الغير الملحق للمنفعة بالإتلاف بالغصب المزبور على التفصيل المسطور كما لا يخفى، بل في الأحرار المؤجرين الذي لا يقع العين تحت القبض، بل لا يكون تسليم المنفعة فيها إلّا بإيجاد العمل، فمهما طرأ العجز من جهة حبسه بعد تمكنه لا تبطل الإجارة أيضا، بل الحابس ضامن للمستأجر.
نعم لو طرأ العجز من غير جهة حبسه من حين العقد إلى آخر زمان الإجارة تبطل الإجارة رأسا في الثاني، و تبطل من حين طروء العجز في الأوّل، و كان حالهم من تلك الجهة كغيرهم كما لا يخفى.
و بمثل هذا البيان ربّما يجمع بين شتات المسألة من التفصيل بين أنحاء الغصب مع بقاء العين على قابليّتها، و من التزامهم بالبطلان عند طروء العجز مهما حصل من غير جهة حبسهم في إجارة الأحرار لأعمالهم، و كذا التزامهم ببطلان الإجارة مهما حصل تلف المنفعة عرفا و لو بعد قبض العين، إذ كل واحد تحت كبرى مستقل غير الآخر فتدبر.
و منها: أنّ القول قول منكر الإجارة مع عدم بيّنة المدّعي في فرض النزاع في أصل وقوع الإجارة، للأصل، و قول المستأجر في قدرة الأجرة و التفريط و قيمة العين، للأصل في الأوّل و الأخير. نعم بناء على عهدة العين في باب الضمان لا القيمة أمكن المصير إلى الاشتغال، فلا يخرج عن العهدة إلّا بإيثار الأكثر، و تقديم قول الأمين في عدم التفريط، لعموم: «ليس عليه إلّا اليمين»، بل و أصالة عدمه.
و القول قول المالك في ردّ العين و قدر المستأجر منها، لأصالة عدم رده، و عدم تعلّق الإجارة بالزائد عما يعترف المالك به.
و كل موضع تبطل فيه الإجارة تثبت فيه مع استيفاء المنفعة أجرة المثل، لقاعدة الإتلاف و احترام المال. و أمّا مع عدم الاستيفاء فمع كون العين في يده كان اليد على العين يدا على شئونها، و به يضمن منافعها الغير المستوفاة أيضا. و أمّا لو كان العين في يد المؤجر و أتى بالمنفعة وفاء لعقده، نظير الحر الآتي بالعمل بعنوان الوفاء بعقده، فلا إشكال أيضا في تضمينهم المستأجر أيضا، و لو لم يكن العمل راجعا إليه بل كان من قبيل كنس دار جاره.
و عمدة الوجه فيه هو أنّ العمل بعد ما أوتي بداعي الوفاء بالعقد، فكان ذلك من باب نحو تسبيب من قبل المستأجر، فيجري فيه مناط الأجرة في الأعمال الناشئة بداعي إرادة الغير، و هذا المقدار من التسبيب أيضا مورد إطباقهم على صرف الضمان إلى الأمر أو من بحكمه.
نعم لو قصد المأمور المجانبة فكان عمله مهتوكا، فلا يضمن غيره و لو بإتلافه أو يده، فكأن قاعدة اليد و الإتلاف أو التسبيب بالأمر و نحوه متكفّلة لإثبات ضمان مال المحترم فارغا عن احترامه على عهدة ذي اليد و مثله، فما لم يحرز احترام المال ليس شأن عموم اليد أو الإتلاف ضمانه، فكأنّ قاعدة الاحترام بمنزلة الصغرى لهذه العمومات، فكلّ واحد من هذه القواعد متكفّل شيئا غير الآخر.
و لذا نقول: إنّ عموم اليد (1)في غير محترم المال كالحربي مثلا غير موجب للضمان، و ذلك أيضا ليس من جهة التخصيص، بل من باب التخصص و نفي الموضوع، كما أنّ قاعدة احترام المال في نفسه أيضا لا يوجب ضمان تلفه على أحد، بل ليس شأنه إلّا أنّ المال صالح للبدليّة و أما على من كان بدله فليس مثل ذلك متكفلة له.
و من هذا البيان ربّما يتضح مطلب آخر، و هو أنّ عمدة النظر في قاعدة ما يضمّن بصحيحة يضمن بفاسده، ليس إلّا تعيين مورد ضمان المال ليد أو إتلاف، بل بعد الفراغ عن أنّ شأن أمثال هذه القواعد إثبات الضمان في مورد احترام المال على ذي اليد و المتلف و من بحكمه بتسبيبه و لو بأمره و إرادته.
بقي الكلام و تمام النظر و الشبهة إلى كون المال المزبور خصوصا مع علم
1) عوالي اللئالي 2: 345 حديث 10.
المالك بفساد العقد و إقباضه العين و إيجاده العمل بداعي الوفاء بالمعاملة الفاسدة مهتوكا من قبل المالك أم لا؟
ففي مثل هذا الفرض لا يبقى مجال التمسّك بالعمومات المزبورة لإثبات الضمان بالقيمة الواقعيّة، لعدم إحراز موضوعها كما أشرنا، بل لا محيص إلا من التشبّث ببقاء احترام المال، و لو بجعل اقدام الطرف بالضمان قرينة عدم كون المالك في مقام هتك حرمة ماله، فبعد ذلك القواعد المزبورة يوجب قرار الضمان على المتلف و ذي اليد و حينئذ فينحصر مدرك القاعدة المزبورة على البيان المسطور بقاعدة الإقدام بالمعنى الذي أشرنا إليه، لا بمعنى كونه بنفسه موجب للضمان، كي يرد عليه بأنّ ما أقدم عليه هو الضمان الجعلي فيما استقرّ، و ما استقر هو الضمان الواقعي الغير المقدم عليه.
و حينئذ فلقد أجاد الشهيد في تمسّكه بمدرك القاعدة المزبورة بقضيّة الإقدام على الضمان لو لا ترديفه (1)بعموم على اليد و أمثاله، إذ يمكن دعوى خروج مفادهما في فرض احترام المال عن محط النظر و الاشكال، فتمام النظر في المورد إلى بقاء الاحترام و عدمه، و في هذه الجهة ينحصر المدرك بقاعدة الإقدام بالتقريب الذي نحن أشرنا إليه، كما لا يخفى.
و مما ذكرنا أيضا ظهر وجه مدرك عكسه، من أن اقدامه على قبض ماله مجانا، و تسليطه غيره عليه و لو بعنوان كونه مال طرفه وفاء للمعاملة الفاسدة، أيضا هتك لحرمة ماله، أو لا يكون هتكه إلّا بتسليط غيره على ماله بعنوان أنه ماله لا مال طرفه. فعلى الأخير لا يتمّ العكس حتّى مع العلم بالفساد، بخلافه على الأوّل. ففي مثل المقام أيضا لا مجال للتشبّث بعموم اليد و الإتلاف، للشكّ في صغراهما في مثل المقام، فالمهم إثبات صغرى الاحترام في مثله أيضا، فتدبر
1) هكذا في النسخة الخطيّة، و الصحيح: إردافه.
و اللّٰه العالم.
و كيف كان يصحّ اجارة المشاع، للعمومات، بعد عدم صلاحيّة مجرد الإشاعة للمانعية، إذ المستأجر حينئذ يصير بمنزلة المالك في كيفية استيفاء المنافع المشاعة، إمّا برضا الطرفين، أو إلزام الطرف على الإفراز.
و يضمن الصانع ما يجنيه و إن كان حاذقا كالقصّار بخرق الثوب، و هكذا الطبيب و البيطار و الحجّام و الحمّال، لعموم ضمان المتلف المستفاد من مضامين النصوص، و في صحيح الحلبي: «كل عامل أعطيته أجرا على أن يصلح فأفسد فهو ضامن» (1)، و في خبر السكوني: «من تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه، و إلّا فهو ضامن» (2)، و انّه ضمّن ختّانا قطع حشفة غلام (3)، إلى آخر.
و لا إشكال في شمول النصوص صورة خطئه في معالجته، و إنّما الإشكال في الشمول لصورة عدم خطئه بحسب القواعد المعمولة عندهم في المعالجة. فظاهر الجواهر تضمينهم (4)، لإطلاق النصين، علاوة على عموم قاعدة الإتلاف، و على فرض التشكيك في انصراف الصحيحة عن هذه الصورة يكفي إطلاق البقيّة.
ثم أنّه لو كان الصانع المفسد للمال عبدا كان لازما على مولاه في عمله و سعيه، فإن قصر عن السعي كان على ذمة العبد يتبع به بعد عتقه، و ذلك كلّه من جهة الجمع بين القاعدة و النصّ الوارد على قوله: «ليس على مولاه شيء
و ليس لهم أن يبيعوه و لكنّه يستسعى فإن عجز فليس على مولاه» (1)، و مقتضى النصّ المزبور تعلّق حقهم بعمله، فلهم استسعاءه و لو لم يكن مأذونا من قبل مولاه.
و عليه أيضا يحمل ما في الحسنة من ضمان المولى (2)، و هذا المقدار و إن كان خلاف القواعد، و لكنه لا بدّ و أن يرفع اليد عنها بالنصّ المعمول به. نعم مع قصوره عن السعي يبقى مقتضى القواعد من كون إتلافاته على رقبته على حالها، و حيث إنّ النصّ مختصّ بالماليّات فلم يتعدوا منها إلى الجنايات، فيبقى على عموم القاعدة من أنّ ديته الخطئي على رقبة العبد يتبع بعد عتقه، و أمّا في العمدي فلولي الدم الاسترقاق أو القصاص.
و حينئذ فما في كلماتهم من اختلاف الأقوال من إلحاق المحقّق الجناية بالماليّات بإطلاق كلامه، أو إلحاق الماليات بالجنايات (3)، في المشي على طبق القاعدة و طرح النصوص، كما هو ديدن ابن إدريس (4)، و تبعه المحقق الثاني (5)، أو المصير إلى ضمان المولى في الماليات بمقتضى الحسنة (6)، و طرح الصحيحة (7)، أو حمله على أحد أفراد ما تفي به ذمته، منظور فيه، فتدبّر.
1) وسائل الشيعة 13: 252 حديث 3 باب 11 من أبواب أحكام الإجارة.
2) وسائل الشيعة 13: 251 حديث 2 باب 11 من أبواب أحكام الإجارة.
3) الشرائع 2: 187.
4) السرائر: 272.
5) جامع المقاصد 7: 283.
6) وسائل الشيعة 13: 252 حديث 3 باب 11 من أبواب أحكام الإجارة.
7) وسائل الشيعة 13: 251 حديث 2 باب 11 من أبواب أحكام الإجارة.
: أنّ طبع عقد الإجارة لا يقتضي أزيد من تملّك المستأجر منفعة العين أو العمل في ذمة الأجير على وجه، و استحقاق الأجير و المؤجر أجرته المسمى بلا استحقاق نفقة نفسه أو ماله على المستأجر، نعم لو انصرف العقد في شخص مورد إلى مثل هذه الجهة، كان ذلك بمنزلة اشتراطه في متن العقد، فينزّل على النحو المعتاد فرارا عن الغرر. و لعلّ ما ورد من النصّ في باب الأجير من أنّ نفقته على المستأجر (1)منزّل على هذه الصورة، و إلّا فإطلاقه غير معمول به فيطرح.
نعم لو كان العين في معرض صدق الإتلاف بعدم الإنفاق، يجب على المستأجر إنفاقه مع استحقاق رجوعه إلى المالك فرارا عن غصبه بتفريطه، و إلّا فلا دليل على وجوب حفظ الأمانة ما لم يصدق عليه تفريطه و إتلافه كما أفاده الجواهر (2)رحمه اللّٰه.
: أنّه يعتبر في المؤجر سلطنته على الإيجار، فلا تنفذ اجارة الطبقة الاولى من الموقوف عليهم بأزيد من زمانهم، لو لا ولايتهم على الطبقة الثانية، ملحوظا فيه أيضا مصلحة الوقف أو مصلحة الطبقة الثانية، بل و مع التولية من قبل الواقف يكفي فيه عدم المفسدة، كما لا يخفى.
و من هذا الباب إيجاد وصي الصبيان أنفسهم أو أموالهم، فإنّ سلطنته غير محدودة إلى زمان كبرهم، فمع عدم المفسدة ينفذ عقده عليهم حتى بعد كبرهم، كما هو الشأن في أوليائهم الإجباري، إذ شأن دليل الوصاية توسعة ما للموصى في زمان حياته إلى بعد موته مفوضا إلى وصيّه، فإذا لم يعتبر في تصرّفه في مال الصبي و نفسه المصلحة و يكفي فيه عدم المفسدة، فكذا الأمر في وصيته.
: أنّه إذا دفع سلعته إلى شخص ليعمل فيه عملا، فإن عيّن الأجرة و عقد عليه و لو معاطاة بعقد إجارة أو جعالة فهو، و إلّا فإن كان عاملا يصرف أمره فمع تعيين أجرته السوقية فيضمن الآمر تلك الأجرة، و إلّا فللعامل تعيين اجرة عمله، لأن مراتب ماليته عمله تحت نظره و اختياره.
ثم لو لم يكن لهذا العمل قيمة سوقية، فتارة من جهة تسامحهم فيه مع وجود الماليّة له، و اخرى لعدم الماليّة له، و اخرى لعدم الماليّة له رأسا. فعلى الآخر فليس على العامل أجرة أصلا و وجهه واضح، و على الأوّل فلا قصور في استحقاقه مع عدم قصده المجانيّة و لو مسامحة على وفق السوق، نعم لو ادعى الآمر ذلك ربّما يدعى تقديم الظاهر على أصالة عدم المجانية، و فيه نظر.
: أنّ مقتضى وجوب الوفاء بعقد الإجارة وجوب تهيئة مقدمات الانتفاع على المؤجر، و في كون هذه المقدمات من مال المؤجر لو لا الاشتراط في متن العقد أو انصرافه إلى عادة عرفية إشكال، إذ مجرد وجوب التهيئة به عليه لا يقتضي المجانية.
و توهم عدم وجه للرجوع إلى المستأجر أيضا مدفوع بأن رجوعه إليه بمناط تسببه الناشئ عن الوفاء بعقده، و هو الذي أوجب الرجوع إليه في فرض فساد العقد أيضا، و حينئذ فما عن الجواهر (1)ردّا على مثل المسالك (2)و الروضة (3)و التذكرة (4)و حكمهم بضمان المستأجر منظور فيه، فتدبّر، و اللّٰه العالم.
و أنا العبد الفقير إلى اللّٰه الغني محمد ابن الحاج رضا ابن الحاج محمد علي الحسّون النجفي قد أتممت تحقيق هذا المقدار من كتاب شرح التبصرة في السابع عشر من شهر شعبان المعظّم سنة 1411 ه سائلا اللّٰه العلي القدير أن يتقبّل مني هذا العمل المتواضع، و أن يغفر لي و لوالديّ و لمن يلوذ بي، انه سميع عليم، و آخر دعوانا أن الحمد للّٰه ربّ العالمين.