منجزات المریض

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:مشكور حولاوي، مشكوربن محمد، - ق‌۱۲۷۳

عنوان و نام پديدآور:منجزات المريض/ تاليف مشكور الحولاوي النجفي؛ تحقيق ام‌علي مشكور

مشخصات نشر:قم: جماعه المدرسين بقم، موسسه النشر الاسلامي، ۱۴۱۵ق. = ۱۳۷۳.

مشخصات ظاهري:ص ۱۳۱

فروست:(موسسه النشر الاسلامي التابعه الجماعه المدرسين بقم‌۷۳۰)

شابك:بها:۱۳۰۰ريال

موضوع:منجزات مريض

شناسه افزوده:ام‌علي مشكور، مصحح

شناسه افزوده:جامعه مدرسين حوزه علميه قم. دفتر انتشارات اسلامي

رده بندي كنگره:BP۱۹۲/۷/م۵م۸ ۱۳۷۳

رده بندي ديويي:۲۹۷/۳۷۲

شماره كتابشناسي ملي:م‌۷۴-۱۳۴۴

اشارة

مقدمة الناشر

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين ابي القاسم محمد المصطفى و على أهل بيته الطيبين الطاهرين و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

و بعد، فمن دواعي الفخر و الاعتزاز ان تقوم مؤسّستنا بإحياء ما درس من علوم أهل البيت عليهم السلام و ما كتبه فقهاء الطائفة الإمامية و رجالاتها في شتى فنون العلم و تقديمه للأجيال المعاصرة و الآتية ليطّلعوا على مقدار الجهود و الاتعاب التي بذلها الأوائل من علمائنا و مفكّرينا في سبيل حفظ العلوم و تحقيق المطالب و تنقيح الآراء في مختلف الموضوعات العلمية الأمر الذي يبعث روح النشاط و يزيد الرغبة في نفوس طلبة العلم و بغاة المعرفة.

و يحمّلهم في نفس الوقت مسؤولية المحافظة و الرعاية لمشعل العلم و تأديته إلى الأجيال الآتية كما تسلّموه من أسلافهم الصالحين.

و الكتاب- الماثل بين يديك- هو عطاء فاضت به أنامل علم من أعلام الطائفة و مرجع من مراجعها الفقيه الورع آية اللّه الشيخ مشكور الحولاوي النجفي- نوّر اللّه مضجعه- تناول فيه البحث حول موضوع منجّزات المريض و هو من الأبحاث الفقهية الهامّة الذي طالما تعرّض له مشايخنا و فقهائنا

الأعاظم- رضوان اللّه عليهم أجمعين- بالبحث و التحقيق و تفاوتت آراؤهم الفقهية فيها، و المصنف- رحمه اللّه- في كتابه هذا أشار بالتفصيل الى جميع الأنظار المطروحة في هذه المسألة مختارا للصحيح منها و مبينا لسقم الضعيف، فجاء بحثا عليما جامعا و مفيدا نفع اللّه به مصنّفه يوم لا ينفع مال و لا بنون.

و قد قامت بتحقيقه و تخريجه و تقويم متونه و نصوصه حفيدة المؤلّف الأخت الفاضلة أم علي مشكور بعد أن قدّمت للكتاب مقدّمة نافعة حول حياة المصنّف (رحمه اللّه) و مشايخه و تلامذته و مؤلّفاته جزاها اللّه عن جدّها خير الجزاء.

وفّقنا اللّه و جميع العاملين في سبيل إحياء تراث أهل البيت- عليهم السلام- الخالد للمزيد في خدمة العلم و أهله انه خير موفق و معين.

مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

مقدّمة التحقيق

اشارة

الحمد للّه ذي النعم السابغة، و الآلاء الوازعة، و الفضائل الجسيمة، و المنن العظيمة، و الصلاة و السلام على علم الهدى، و العروة الوثقى، سراج الدجى، و من داست أقدامه بساط العلى، أحمد الخضراء، و محمّد الغبراء، صلوات اللّه و سلامه عليه و آله، غادية رائحة، لا معدودة و لا ممنوعة، دائمة غير مقطوعة، و على صحبه محيي الشريعة، الحافظين للوديعة، و من شايعه و تابعة و اقتفى أثره و أئتمّ بعترته.

و اللعنة الدائمة المتواصلة المترادفة على أعدائهم و مخالفيهم و غاصبي حقوقهم، و الناصبين لهم الحرب، حتى قيام القيامة، و ملامة النفس اللوّامة حيث لٰا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمٰانُهٰا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمٰانِهٰا خَيْراً (1).

و بعد، لا يخفى عليك أيها المؤمن بأنّ «خير الناس أنفع الناس للناس» و «العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، و أمثالهم في القلوب موجودة» و «مداد العلماء خير من دماء الشهداء».

فخير تركة خلّفها لنا العلماء الأعلام آثارهم العظيمة، و كتبهم القيّمة، التي


1) الأنعام: 158.

هدت الضالّين إلى الطريق المستقيم، و عبّدت ما كان صعب المسلك، و ذلك بجدّ الأنفس و اجتهادها في سبيل العلم المنير.

فأحيوا ما اخفي من سيرة أهل البيت عليهم السّلام، و فقههم، و نثروا دررهم على أجيال فصلت بينها و بينهم القرون. فقدّموا لنا كلامهم عليهم السّلام، و شرحوا ما استصعب، و أوضحوا ما خفي بالتأليف و التحقيق.

فولدت المآثر و الأحاديث و السير من جديد بعد أن قضت عمرا مديدا في ظلمات المكتبات، و صار بعضها مأكلا لصغائر المخلوقات، فجزاهم اللّه عن الإسلام و نبيّه و آله خير جزاء المحسنين.

و قد ألقيت مسؤولية كبرى على عاتق كل مؤمن و مؤمنة، ألا و هي أحياء أمر أهل بيت العصمة عليهم الصلاة و السّلام، فقد كشف لنا النقاب عن هذه الحقيقة قول الإمام الصادق عليه السّلام لخيثمة: «رحم اللّه عبدا أحيى أمرنا» (1).

فكفى فخرا لمن أحيى أمرهم عليهم السّلام أن يدعو له الإمام الصادق عليه السّلام بالرحمة من الرؤوف الرحيم.

و لذا، فتأدية لهذه المهمّة المقدّسة، و احياء لآثار أهل البيت عليهم السّلام، و العلماء الذين ساروا على نهجهم النيّر، بذل المحققون قصارى جهودهم في هذا الطريق المملوء بالأشواك، و جازوه بتوكّلهم على الحيّ القيّوم، و بذلهم الطاقات، و اللّه حسب لمن توكّل عليه.

و عند ما نظرت بصيرتي إلى آثار أجدادي رحمهم اللّه تعالى تقرح شكواها القلوب، فبعضها مفقود، و البعض الآخر لا زال مخطوطا لم ير النور- و ذلك لعدم اهتمام حفدتهم بهذا الشأن العظيم، و بعدهم عن هذا الطريق المضي‌ء،


1) وسائل الشيعة 8: 400 حديث 7.

و اهتمامهم بشؤون اخرى- توكّلت على الكافي القدير، و شرعت في تحقيق هذه الرسالة القيّمة المعنوية ب (منجّزات المريض)، التي هي شرح لإحدى عبارات شرائع الإسلام، و هي أثر من آثار جدّي فقيه أهل البيت عليهم السّلام، العالم الجليل، و العامل النبيل، التقيّ الورع الشيخ مشكور الحولاوي النجفي، طيّب اللّه ثراه، و جعل روضة الفردوس مثواه، راجية الانتباه من هذه الغفلة لكل من غفل عن هذا الطريق، و خصوصا حفدة المصنّف حفظهم اللّه تعالى و رعاهم، و ما توفيقي إلّا باللّه العلي العظيم.

ماهيّة الرسالة

لا يخفى على العاقل اللبيب أنّ الشريعة الإسلامية السمحاء باعتبارها نظاما كاملا للحياة تعرّضت لكل الجوانب، و وضعت حلولا لكل المشاكل التي تواجه الفرد و المجتمع.

و يخطئ من يعتقد بأنّ الإسلام لم يعط أي أهمية للشؤون المادية، و لم يعالج مشاكل المجتمع بشكل دقيق و مفصّل.

و من خلال المراجعة السريعة لمصدري التشريع الإسلامي- القرآن و السنّة- يتّضح جليّا زيف هذا الاعتقاد، و يتبيّن لنا مدى اهتمام الشريعة الإسلامية بحقوق الفرد بشكل خاص، و المجتمع بشكل عام.

و من الأمور التي عالجها التشريع الإسلامي المقدّس هي مسألة منجّزات المريض بقسميها: التبرعيّة، و غير التبرعيّة.

فتصرّفات المريض غير التبرعيّة الواقعة في مرض موته تحسب من أصل المال لا الثلث، و ليس للورثة أي دخل فيها، و هذا ما اتفق عليه علماؤنا كافة.

أما تصرفاته التبرعيّة الواقعة في مرض موته، فقد اختلف علماؤنا فيها على رأيين:

الأوّل: يذهب إلى احتسابها من أصل المال كالمنجّزات غير التبرعيّة، و ذهب إليه جمع من علمائنا منهم: الشيخ الكليني، و الشيخ الصدوق، و الشيخ المفيد، و الشيخ الطوسي.

الثاني: يذهب إلى احتسابها من الثلث، إلّا مع رضي الورثة فتحسب من أصل المال، و ذهب إليه جمع من علمائنا منهم: ابن الجنيد، و المحقق الحلّي، و الشهيد الأول.

و المصنّف رحمه اللّه يتعرّض لهذه المسألة بشكل مفصّل، حيث يبيّن أدلة القولين و يختار القول الأول و يقيم عليه الأدلة و البراهين، و يرد أدلة القول الثاني.

فيبدأ رحمه اللّه تعالى باستعراض الأدلة التي تؤيّد رأيه بشكل موجز من الكتاب و السنة و الأصول العملية و القواعد الفقهيّة، ثم يشرع بتفصيل هذه الأدلة بشكل واسع خصوصا الروايات- التي هي العمدة في هذا البحث- حيث يذكر كل رواية بشكل مستقل مبيّنا كيفية الاستدلال بمتنها، مع مناقشة سندها و ردّ ضعف بعضها.

و قد أوضح ذلك في ثلاثة مقامات:

الأول: ذكر سند الروايات بشكل مجمل حيث قال: إن أكثر الأخبار المزبورة من قسم الصحيح أو الحسن أو الموثّق، التي لا ينبغي الريب في حجية كل منها.

الثاني: ذكر المتن من الروايات بشكل مفصّل حيث بيّن كيفية دلالتها على المطلوب.

الثالث: شرع ببيان أدلة القائلين بالقول الثاني- و هي كثيرة- و التي عمدتها الأخبار المروية عن الأئمة عليهم السّلام، و قسم هذه الأخبار إلى ستة أقسام، و بدأ بذكر كل قسم بشكل مستقل، و الردّ عليها سندا و متنا.

و لأهميّة هذا الموضوع فقد ألّف عدد كبير من علمائنا رسائل مستقلّة منهم (1).


1) انظر تفصيل ذلك في الذريعة 23: 16- 19.

1- آقا نجفي الأصفهاني.

2- الميرزا أبو القاسم ابن الميرزا زين العابدين الحسيني الخاتون‌آبادي.

3- السيد أحمد ابن السيد محمّد باقر الموسوي البهبهاني الحائري.

4- الميرزا جعفر ابن الميرزا علي نقي الطباطبائي الحائري.

5- الشيخ محمّد جواد البلاغي.

6- الشيخ محمّد حسن كبّة.

7- الشيخ محمّد حسين الخاتون‌آبادي.

8- الشيخ محمّد رضا الكوازي.

9- الشيخ محمّد صالح المازندراني الحائري.

10- السيد عبد الحسين شرف الدين.

11- السيد عبد اللّه بن إسحاق الرضوي القميّ.

12- السيد علي الحائري.

13- السيد محمّد كاظم اليزدي.

14- الشيخ محمّد بن عبد علي آل عبد الجبّار القطيفي.

15- السيد محمّد بحر العلوم.

16- السيد محمّد ابن الميرزا حسين الخليلي الطهراني النجفي.

17- الشيخ محمّد الدرازي.

18- المولى محمّد الكرمنشاهي.

19- الشيخ مرتضى الأنصاري.

20- السيد مصطفى الكاشاني.

21- الميرزا القميّ.

نبذة من حياة المؤلّف

اسمه و نسبه و نشأته:

هو الشيخ مشكور بن محمّد بن صقر الحولاوي النجفي.

و الحولاوي: نسبة إلى آل حول- بفتح الحاء المهملة (1)، و قيل بكسرها (2)- قبيلة من العرب في العراق تسكن الحمّار بين سوق الشيوخ و القرنة.

ولد في بداية القرن الثالث عشر، و هاجر إلى مدينة النجف الأشرف صغيرا، و أدرك حصار الوهابين لها سنة 1216 ه. و أصبح تحت رعاية و عناية الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء، و صار بعده من العلماء الأعلام و الفقهاء المنظورين في النجف الأشرف، و رجع إليه في التقليد جماعة من أهل العراق.

و كان رحمه اللّه يعدّ من طبقة الشيخ محسن خنفر، و الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر، و الشيخ مرتضى الأنصاري.

و في عام 1270 ه (3)- و قيل 1271 ه- (4)في عهد السلطان ناصر الدين شاه سافر إلى مدينة مشهد المقدّسة لزيارة الإمام الرضا عليه السّلام، فأكرم


1) أعيان الشيعة 10: 126.

2) أعيان الشيعة 4: 295.

3) أعيان الشيعة 10: 126.

4) معارف الرجال 3: 6.

الايرانيون- حتى ناصر الدين- وفادته و بجّل أكمل تبجيل.

و ينقل السيد محسن الأمين عن ولد المصنف الشيخ محمّد جواد هذا السفر و ما جرى فيه قائلًا: و حدّثني ولده الشيخ محمّد جواد ابن الشيخ مشكور- و كان بصحبته لمّا زار المشهد المقدّس الرضوي-: انه لما ورد طهران زاره السفير العثماني فيها، فلم يردّ الزيارة للسفير، فاستاء السفير من ذلك، و كتب إلى وزارة الخارجية في الأستانة بذلك، فجاء الأمر إلى والي بغداد بأخذه إلى بغداد إذا وصل الحدود، فأرسلت الحكومة إلى الحدود من أحضره إلى بغداد محفوظا، و عاتبه الوالي على ما جرى في حق السفير، و أراد إبقاءه في بغداد تحت النظارة، فتوسط وجوه بغداد من الشيعة عند الوالي فخلّى سبيله (1).

و كان المترجم له رحمه اللّه يتصف بالأخلاق العالية، و الورع و التقوى، و حسن البيان.

قال الشيخ محمّد حرز الدين: و كانت الناس في النجف تقتدي بزهده و ورعه و تقواه (2).

و قال الميرزا محمّد مهدي اللكهنوي الكشميري: كان في التقدّس و التقوى من المشاهير الفائقين في عصره، و في أوائل الدولة أتى إلى طهران و ذهبت لزيارته، و قد شرع ببيان المواعظ و الدقائق اللطيفة (3).

و قال السيد محسن الأمين: و في سفره إلى إيران اجتمع بالسلطان ناصر الدين، و أخذ في وعظه حتى بكى (4).


1) أعيان الشيعة 10: 126.

2) معارف الرجال 3: 6.

3) نجوم السماء 1: 107.

4) أعيان الشيعة 10: 126.

أساتذته و شيوخه:

تتلمذ المصنّف رحمه اللّه تعالى على كبار علماء عصره، منهم:

1- الشيخ محسن الأعسم، صاحب كشف الظلام (1).

2- الشيخ علي ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، صاحب الخيارات (2).

3- الشيخ حسن ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، صاحب أنوار الفقاهة، و له إجازة رواية منه (3).

تلامذته و الراوون عنه:

حضر على المصنف رحمه اللّه تعالى جماعة من أهل الفضل و التحقيق، و صار بعضهم من مراجع التقليد.

و من ذلك تتضح المكانة العلمية المرموقة له، حيث كان يعدّ من طبقة المدرس الأكبر الشيخ محسن خنفر، و الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر، و الشيخ مرتضى الأنصاري (4). و من تلامذته:

1- الميرزا محمّد حسين الشيرازي (5).

2- الحاج ملا علي الكني الطهراني (6).

3- الحاج ميرزا إبراهيم السبزواري (7).


1) معارف الرجال 2: 174 و 3: 7، أعيان الشيعة 10: 126.

2) معارف الرجال 2: 94 و 3: 7، أعيان الشيعة 10: 126.

3) معارف الرجال 1: 211 و 3: 7.

4) معارف الرجال 3: 6، أعيان الشيعة 10: 126.

5) معارف الرجال 3: 7، أعيان الشيعة 10: 126.

6) معارف الرجال 2: 13، أعيان الشيعة 10: 126.

7) معارف الرجال 3: 7، أعيان الشيعة 10: 126.

4- الحاج ميرزا حسين ابن الميرزا خليل (1).

5- السيد محمّد الهندي (2).

6- الشيخ عبد الحسين بن علي الطهراني، و له منه إجازة في الرواية أيضا (3).

7- الشيخ محمّد حسن شريعتمدار الأسترآبادي الطهراني (4).


1) معارف الرجال 1: 279 و 3: 7، أعيان الشيعة 10: 126.

2) معارف الرجال 2: 35 و 3: 7.

3) معارف الرجال 2: 240.

4) معارف الرجال 2: 240.

مؤلّفاته:

1- رسالة منجّزات المريض (1).

و هي الرسالة التي بين يديك.

2- كفاية الطالبين لأحكام الدين:

و هي رسالة عملية كتبها لمقلّديه، مرتبة على ثلاثة أبواب: في الطهارة، و الصلاة، و الصوم، و خاتمة في الاعتكاف.

أولها: الحمد للّه الذي كرّم امة محمّد بالإسلام و أرشدهم إلى مناهج الحق و شرائع الأحكام.

توجد نسخة منها في خزانة الشيخ محمّد حسن كبة (2).

3- هداية السالكين من الأنام إلى حج بيت اللّه الحرام:

و هي في مناسك الحج، أولها: الحمد للّه ما طاف طائف بالمسجد الحرام.

و توجد نسخة خطبة اخرى عليها خط المؤلّف و خاتمة و شهادة مقابلتها مع الأصل و تأريخ الفراغ منها 9 ربيع الثاني سنة 1269 ه، في مكتبة سبط المؤلف الشيخ علي بن إبراهيم القمي (3).


1) الذريعة 23: 19 رقم 7876، معارف الرجال 3: 7، أعيان الشيعة 10: 126.

2) الذريعة 18: 93 رقم 833، معارف الرجال 3: 7، أعيان الشيعة 10: 126.

3) الذريعة 25: 176 رقم 126، معارف الرجال 3: 7، أعيان الشيعة 10: 126.

إطراء العلماء له:

مدحه و أطراه كل من ذكره من أصحاب السير و التراجم، منهم:

1- السيد محسن الأمين، قال: كان من أجلّاء فقهاء عصره، فقيها استاذا أخذ عنه جماعة من الفحول (1).

2- الميرزا محمّد مهدي اللكهنوي الكشميري، قال: يعتبر الشيخ مشكور من العلماء العظام و الفقهاء الفخام، و في التقديس و التقوى من المشاهير الفائقين في عصره، و هو مجتهد العرب، و من أجلّة فقهاء أهل البيت عليهم السّلام (2).

3- الشيخ محمّد حرز الدين، قال: من الأعلام و الفقهاء المنظورين في النجف الأشرف، رجع إليه في التقليد بعض أهل العراق (3).

4- آقا بزرگ الطهراني، قال: كان من أعاظم العلماء و مراجع التقليد (4).


1) أعيان الشيعة 10: 126.

2) نجوم السماء 1: 107.

3) معارف الرجال 3: 6.

4) طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) 1: 341.

وفاته و مدفنه:

قال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة: توفي في عام 1271 ه (1).

و قال الشيخ آقا بزرگ الطهراني في موضعين من الذريعة و في طبقات أعلام الشيعة، و الميرزا محمّد مهدي اللكهنوي الكشميري في نجوم السماء: توفي في عام 1272 ه (2).

و الصحيح أنه توفي في عام 1273 ه، عن عمر جاوز السبعين بقليل، و دفن في مدينة النجف الأشرف في الحجرة الثانية من جهة الشرق من الحجرات القبلية من الصحن، كما أخبرنا بذلك عمّنا سماحة الشيخ نور الدين مشكور.

و قال الشيخ محمّد حرز الدين في معارف الرجال: توفي في سنة 1273 ه في السنة الثانية لسفره إلى إيران (3).

و من الواضح أنّ السنة الثانية لسفره هي 1272 ه لا 1273 ه، لأنه سافر إلى إيران سنة 1271 ه.


1) أعيان الشيعة 10: 126.

2) الذريعة 18: 93، و 25: 176، طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) 1: 341، نجوم السماء 1: 107.

3) معارف الرجال 3: 6 و 7.

أولاده و أحفاده:

للمصنّف رحمه اللّه تعالى أربعة أولاد، هم:

1- الشيخ محمّد، و هو ابنه الأكبر الذي توفي في حياة والده، و خلّف ولده الفاضل العالم الفقيه الشيخ محمّد رضا.

2- الشيخ عبد الحسين، الذي توفي في حياة والده مسموعا على يد بعض تلامذة أبيه.

3- الشيخ عبد اللّه.

4- الشيخ محمّد جواد، و هو أجلهم علما و ورعا و تقوى.

و لا يخفى أنّ لذريّة الشيخ مشكور الحولاوي- رحمه اللّه تعالى- دورا بارزا في الحوزة العلمية، حيث أنجب رحمه اللّه تعالى أولادا و أحفادا علماء و فضلاء و أساتذة بارزين.

و نحن نذكر هنا ترجمة مختصرة لأهم و أبرز أفراد هذه الأسرة العلمية:

(1) الشيخ محمّد جواد مشكور الحولاوي:

هو الشيخ محمّد جواد- و يقال له: جواد- (1)ابن الشيخ مشكور بن محمّد بن صقر الحولاوي النجفي.

ولد في مدينة النجف الأشرف في سنة 1247 ه، و نشأ و تعلّم فيها حتّى صار عالما فقيها أصوليا، له نوادر علميّة و أدبيّة كثيرة. و عند وفاة والده قام مقامه في أداء الواجبات الشرعية و إقامة الصلاة جماعة في الصحن العلوي الشريف، و قد نال رتبة الاجتهاد، و رجع إليه في التقليد جماعة من أهل العراق خصوصا العشائر الشرقيّة في العراق.

و يقول عنه معاصره الشيخ محمّد حرز الدين: اجتمعنا به في النجف الأشرف كثيرا، و استفدنا منه بعض آداب المجرّبين، و أجازنا أن نروي عنه، و كانت رئاسته دائرة لأمور:

منها: أنّ في النجف الأشرف فطاحل العلماء و الفقهاء.

و منها: ممانعة بعض المعاصرين لرئاسته، لأسباب لا ينبغي ذكرها.

و منها: الخلاف الذي وقع بينه و بين أفقه معاصريه الشيخ محمّد حسين الكاظمي في مسألة إرث بينه و بين أخته (2).

و في موضع آخر من معارف الرجال قال الشيخ محمّد حرز الدين: و قد سئلت عنه، فشهدت باجتهاده و قوّة علمه و تقاة و صلاحه (3).

و يقول عنه معاصره الآخر السيد محسن الأمين: رأيناه في النجف،


1) أعيان الشيعة 4: 295.

2) معارف الرجال 2: 222.

3) معارف الرجال 3: 8.

و عاشرناه، و كان سافر مع والده إلى بلاد إيران لزيارة الرضا عليه السّلام.

و من ظريف ما يحكى عنه أنه كان مسافرا مع بعض أولاد العلماء الذي لا يصل في العلم إلى درجة المترجم له، و هو الشيخ محمّد جواد ابن الشيخ محمّد حسين الكاظمي، فكان المترجم له يقوم إلى نافلة الليل و رفيقه نائم، فإذا فرغ من النافلة رفع رفيقه رأسه و قال: (نوم العالم خير من عبادة الجاهل) تظرفا و تلطفا (1).

و قد تتلمذ الشيخ محمّد جواد مشكور على فقهاء عصره، و حصل على إجازات في الرواية من بعضهم، منهم:

1- والده الشيخ مشكور الحولاوي (2).

2- الشيخ مرتضى الأنصاري (3).

3- المجدد الشيرازي، تتلمذ عليه قبل سفره إلى سامراء (4).

4- الميرزا حبيب اللّه الرشتي، حيث لازم بحثه كثيرا (5).

5- المولى علي الخليلي، و له منه إجازة في الرواية (6).

و تتلمذ عليه جمع من الفقهاء و الفضلاء، و خصوصا العرب، و أجاز البعض منهم في الرواية عنه، منهم:

1- الشيخ محمّد حرز الدين، و له منه إجازة في الرواية (7).


1) أعيان الشيعة 4: 295. و انظر: طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) 1: 341، معارف الرجال 2: 222 و 3: 8.

2) طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) 1: 341.

3) أعيان الشيعة 4: 295، معارف الرجال 2: 223.

4) هدية الرازي الى الإمام الشيرازي: 83.

5) معارف الرجال 2: 223.

6) أعيان الشيعة 4: 295.

7) معارف الرجال 2: 222.

2- الشيخ علي ابن الشيخ حسين آل عبد الرسول العبسي (1).

3- الشيخ محمّد رضا الغراوي (2).

4- الشيخ موسى آل عبد الرسول (3).

أما مؤلفاته، فالذي عرفناه منها:

1- رسالة عمليّة فتوائيّة لمقلّديه، طبعت في العراق.

2- حاشية على (كفاية الطالب) لوالده، طبعت مع الأصل في سنة 1324 ه.

و قد أطراه و مدحه كل من ذكره من أصحاب السير و التراجم منهم:

1- آقا بزرگ الطهراني قال: عالم جليل، و فقيه فاضل، من أجلّاء العلماء القائمين بالوظائف الشرعية (4).

2- السيد محسن الأمين قال: من فقهاء النجف و أئمة الجماعة فيها (5).

3- الشيخ محمّد حرز الدين قال: كان عالما فقيها أصوليا، و قد سئلت عنه فشهدت باجتهاده و قوة علمه و تقواه و صلاحه (6).

و قد توفي الشيخ محمّد جواد مشكور في 19 ربيع الثاني سنة 1335 ه في مدينة النجف الأشرف عن عمر ناهز التسعين، و شيّع بأحسن تشييع و تبجيل، و أقيمت له الفاتحة، حضرها العلماء و الوجوه، و دفن في الحجرة التي دفن فيها والده، في الصحن العلوي الشريف، و خلّف ثلاثة أولاد:

1- الشيخ مشكور الحولاوي.

2- الشيخ علي الحولاوي.

3- الشيخ حسن الحولاوي.


1) معارف الرجال 2: 111 و 223.

2) معارف الرجال 2: 287.

3) معارف الرجال 3: 69.

4) طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) 1: 341.

5) أعيان الشيعة 4: 295.

6) معارف الرجال 2: 222 و 3: 8.

(2) الشيخ محمّد رضا مشكور الحولاوي:

هو الشيخ محمّد رضا ابن الشيخ محمّد ابن الشيخ مشكور بن محمّد بن صقر الحولاوي النجفي.

قال الشيخ آقا بزرگ الطهراني في الطبقات: عالم، فقيه، كان من أجلّاء هذا البيت و أفاضل رجاله المبرزين.

تشرّف إلى زيارة الإمام الرضا عليه السّلام بخراسان، و بعد عودته مكث في طهران عدة سنين، فزرته هناك و أنا شاب، فرأيت آثار العلم و التقى ساطعة في جبينه بيّنة عليه، و كان بهيّ الطلعة، حسن الخلقة و الأخلاق.

رجع إلى العراق فتوفي في الطريق في سلطان‌آباد، و كان ذلك في ربيع الثاني ليلة الجمعة سنة 1313 ه، و نقل جثمانه إلى النجف الأشرف، و دفن في الحجرة القبليّة الثانية من جهة الشرق، و دفن بها بعده الأعلام من أسرته.

و كان له ولدان:

1- الشيخ محمّد تقي مشكور الحولاوي: و هو ابنه الأرشد، و كان عالما فاضلا، درس في النجف الأشرف و كان من تلاميذ خاله العلّامة التقي الشيخ علي بن إبراهيم القمي. ثم ذهب إلى إيران فصار إمام الجماعة في مدرسة المعيّر بطهران مدة، ثم سكن قم مدة أيضا، ثم سافر إلى مشهد الإمام الرضا عليه السّلام، فجاوره إلى أن توفي في سنة 1373 ه.

2- الشيخ علي نقي مشكور الحولاوي: و هو الذي توفي غريقا في شريعة الكوفة (1).


1) طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) 2: 272.

(3) الشيخ مشكور الحولاوي:

هو الشيخ مشكور ابن الشيخ محمّد جواد ابن الشيخ مشكور بن محمّد بن صقر الحولاوي النجفي.

ولد في سنة 1285 ه في مدينة النجف الأشرف، و نشأ و تعلّم فيها.

و كان عالما فاضلا، اشتهر بالتقوى و الصلاح و الورع و القداسة و الأخلاق الفاضلة، و صار إمام جماعة في الصحن الغروي الأقدس، يأتمّ به جماعة من سكان النجف الأشرف.

تتلمذ على بعض علماء عصره منهم:

1- والده الشيخ محمّد جواد مشكور الحولاوي.

2- الحاج ميرزا حسين الخليلي.

3- الشيخ آقا رضا الهمداني (1).

و تتلمذ عليه عدد من طلاب مدينة النجف الأشرف، منهم: ولده الشيخ حسين، و السيد محمّد آقا نجفي (2).

و الذي تعرّفنا عليه من مؤلّفاته هو:

1- ارجوزة في صلاة المسافر، طبعت في صيدا سنة 1348 ه، أوّلها:

نحمدك اللهم يا ذا الرحمة دلّ على وجوب شكر النعمة

(3)2- ارجوزة في الصيد و الذباحة، فرغ من نظمها سنة 1328 ه و طبعت مع سابقتها في سنة 1348 ه، أوّلها: قال سمي جده المشكور نجل الجواد العليم النحرير

(4)


1) معارف الرجال 3: 8.

2) معارف الرجال 2: 269.

3) الذريعة 1: 483 رقم 2396.

4) الذريعة 1: 484 رقم 2401.

3- شرح الشرائع، رأي الشيخ آقا بزرگ الطهراني منه مبحث صلاتي الآيات و المسافر و مقدارا من الزكاة، فرغ منه سنة 1318 ه (1).

و توفي الشيخ مشكور في مدينة النجف الأشرف في ليلة الجمعة 19 محرّم سنة 1353 ه، و دفن في مقبرة الأسرة مع والده و جده في حجرة من حجر الصحن الغروي الشريف، و خلّف ولدين:

1- الشيخ حسين مشكور.

2- الشيخ عباس مشكور (2).


1) الذريعة 13: 328 رقم 1210.

2) معارف الرجال: 1: 341 و 2: 94 و 223 و 3: 8.

(4) الشيخ حسين مشكور الحولاوي:

هو جدّي الشيخ حسين ابن الشيخ مشكور ابن الشيخ محمّد جواد ابن الشيخ مشكور بن محمّد بن صقر الحولاوي النجفي.

قال عنه معاصره الشيخ آقا بزرگ الطهراني: عالم أديب، و تقي صالح، ولد في مدينة النجف الأشرف سنة 1313 ه، و نشأ على يد أبيه الجليل و غيره من الأجلّاء بعد إكمال الأوليّات و المقدّمات، و حضر في الفقه و الأصول على الشيخ ضياء الدين العراقي، و السيد الميرزا عبد الهادي الشيرازي، و غيرهما.

و لمّا توفي والده قام مقامه في إمامة الجماعة في الصحن الشريف، و هو معروف بالورع و الصلاح، يأتمّ به جمع من أهل النسك و الدين، و هو من أهل الأخلاق أيضا، له سيرة محمودة، صحبناه منذ عشرات السنين، و جاورناه منذ عشر سنين فحمدنا صحبته و جواره (1).

و قال عنه معاصره الآخر الشيخ محمّد حسين حرز الدين في هامش معارف الرجال: نشأ في بيت العلم و الفضيلة و القداسة، يعدّ من العلماء الأبدال و الفقهاء الأجلّاء الثقات، حليف الورع و الصلاح، على جانب عظيم من حسن الخلق و لين الجانب و الاستقامة في الرأي في سيره و سلوكه. و إمام الصلاة يقيمها في الصحن الغروي من الجهة الجنوبيّة الشرقيّة بالمكان الذي كان يقيمها جماعة الشيخ مشكور والده، و قد ينوب عنه في إمامة الجماعة نجله الأكبر الفاضل التقي الشيخ نور الدين (2).

و قد تتلمذ الشيخ حسين مشكور رحمه اللّه على علماء عصره و فقهائهم منهم:


1) طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) 2: 894.

2) و استمر عمّنا سماحة الشيخ نور الدين مشكور بعد وفاة جدّنا الشيخ حسين مشكور بإقامة صلاة الجماعة مكان والده مدة من الزمن حتى نفي إلى إيران عام 1400 ه.

1- والده، تتلمذ عليه في الفقه.

2- الشيخ آقا ضياء الدين العراقي، تتلمذ عليه في الفقيه و الأصول، و في الأصول أكثر.

3- السيد الميرزا عبد الهادي الشيرازي، قرأ عليه الكفاية و تقريرات بحث الشيخ الأنصاري.

4- الشيخ محمّد علي الدمشقي، قرأ عليه المطوّل، و المغني اللبيب، و الشمسيّة.

5- السيد محسن الحكيم، قرأ عليه مكاسب الشيخ الأنصاري و رسائله الأصولية، و كذلك حضر بحثه الخارج في الفقه في شرح العروة الوثقى.

6- السيد حسين الحمّامي، قرأ عليه مكاسب الشيخ الأنصاري.

7- الشيخ عبد الرسول الجواهري، قرأ عليه كتاب المعالم.

8- الميرزا محمّد حسين النائيني، و له إجازة منه في الرواية.

9- السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني، قرأ عليه في الفقه، و له منه إجازة في الرواية (1).

و من مؤلّفات جدّنا الشيخ حسين مشكور التي تعرّفنا عليها هي:

1- منظومة في الفقه في الصوم، و الزكاة، و النكاح، و الطلاق، و العدد، تزيد على ألفين بيت.

2- أراجيز في الخمسة المعصومين عليهم السّلام، و في الحجة المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف، و علائم ظهوره.

3- تقريرات أساتذته في الأصول.

4- تعليقة على كتاب رياض المسائل.


1) معارف الرجال 3: 9.

5- تعليقة على كتاب اللمعة الدمشقية (1).

و قد توفي الشيخ حسين في ليلة السبت من شهر ربيع الأول عام 1388 ه، و خلّف تسعة أولاد أكبرهم سماحة الشيخ نور الدين مشكور حفظه اللّه تعالى.


1) طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) 2: 894، معارف الرجال 3: 8.

النسخ المعتمدة في التحقيق:

اعتمدت في عملي هذا على نسختين: إحداهما خطّية، و الأخرى حجرية.

أولا: النسخة الخطيّة المحفوظة في مكتبة جامع گوهرشاد في مدينة مشهد المقدسة، ضمن المجموعة المرقّمة 693، و هي الرسالة الثانية منها حيث تحتل الأوراق من 51- 69، مذكورة في فهرست المكتبة 2: 802، تأريخ كتابتها في القرن الثالث عشر، و هي بخط النستعليق، و قد رمزنا لها بالحرف «ك».

(2) النسخة الحجرية المطبوعة في سنة 1323 ه في طهران في مطبعة السيد مرتضى الطهراني، و قد تصدّى لطبعها صدر الدين القمي الشهير بصدر العلماء، و صحّحها سميّ المؤلّف و حفيده الشيخ مشكور ابن الشيخ محمّد جواد ابن المصنّف الشيخ مشكور الحولاوي النجفي، و تقع هذه النسخة في 63 صفحة، و قد رمزنا لها بالحرف «م».

و قد ورد في أول هذه النسخة ما يلي:

بسم اللّه تعالى شأنه العزيز الحمد للّه الذي اختص بالأزليّة و البقاء، و قهر عباده بالموت و الفناء، و الصلاة و السّلام على من استنقذنا من الضلالة و العمى، و أرشدنا إلى سبيل الرحمة و الهدى محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و عترته اولي الفضل و النهى.

أما بعد، فهذه رسالة وجيزة و مختصرة منيفة في ما ينجّزه المريض في مرض موته، صنّفها شيخ العلماء و المحققين، و وسطة قلادة الفقهاء و المدقّقين، كاشف معضلات المسائل الفقهيّة، حلّال مشكلات الوسائل الدينيّة، أصوليّة و فروعيّة، مولى الأنام، علّامة العلماء الأعلام، حجة الإسلام، المرضيّ قولا، و المقبول رأيا، و المشكور سعيا، الشيخ مشكور النجفي قدّس اللّه سرّه الزكي.

و لمّا كان إشاعتها بين العلماء المحققين من اللازم الواجب، و اذاعتها بين الفقهاء ضربة لازب، أحببت طبعها و تكثير نسخها طلبا لمرضاة الواحد الأحد و قضاء لبعض ما يجب.

و ورد في آخرها ما يلي:

من حق الوالد على الولد، و إخلادا لذكر المصنّف في كل عصر و بلد، قد تصدّى لطبعه كهف العلماء الأعلام، و قدوة الفقهاء العظام، طائف البيت و المقام، باب الأحكام، و ثقة الإسلام، المنهمك في القربات، و المتصدي لجميع الخيرات، منبع السعادات، و مرجع ذوي الحاجات، ملاذ الفقهاء و المجتهدين، غوث الفقراء و المساكين محمّد المدعوّ بصدر الدين القمي، الشهير بصدر العلماء الروانجي أدام اللّه على رءوس الأنام ظلّه السامي.

و أنا أقلّ خدمة طلبة العلم و العمل، تابع الهوى و الأمل سميّ المصنّف و أردأ خلفه، مصحّح هذا المؤلّف و أغلب صحفه، مشكور بن محمّد جواد مشكور، شكر اللّه مساعيه، و جعل باقي أيامه خيرا من ماضيه.

و المرجوّ من الاخوان الناظرين- بعد طلب المغفرة- العفو عن زلّات النظر، و الغمض عن هفوات البصر.

و قد طبع في دار الخلافة طهران، صانها اللّه عن الحدثان، في مطبعة السيد الأجلّ آقا سيد مرتضى الطهراني في شهر جمادى الثاني سنة 1323 ه.

منهجيّة التحقيق:

اعتمدت في تحقيقي لهذه الرسالة طريقة التلفيق بين النسختين اللتين مرّ وصفهما، و كان عملي فيها كالآتي:

(1) قابلت النسخة الخطيّة على النسخة الحجريّة، و أثبتّ الصحيح أو الأصحّ في المتن و ما قابلهما في الهامش، و بهذا العمل نكون قد حصلنا على متن صحيح عار عن الخطأ إن شاء اللّه تعالى.

(2) خرّجت ما يحتاج إلى تخريج- وفق القواعد الحديثة للتحقيق- من آيات قرآنيّة مباركة، و روايات شريفة، و أقوال من مصادرها الرئيسيّة، إلّا تلك المصادر المفقودة أو التي يعسر الحصول عليها فنقلت عنها بالواسطة.

(3) بيّنت و أوضحت الكلمات اللغوية الصعبة.

(4) عملت فهارس فنيّة كاملة، ليسهل على القارئ الحصول على مطلبه في هذه الرسالة.

و ختاما، فإني أحمد اللّه و أشكره على هذه النعمة العظيمة التي حباني بها، حيث وفّقني لإكمال تحقيق هذه الرسالة و إخراجها بهذا الشكل، و إني عازمة بحول اللّه و قوته على تحقيق ما أستطيع تحقيقه، و بالخصوص آثار أجدادي العلماء رحمهم اللّه تعالى، و آخر دعواي أن الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين و قدوة المهتدين سيّدنا و مولانا محمّد و على آله المعصومين المنتجبين.

أم علي مشكور 29/ رجب/ 1414 ه

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين، و رحم اللّه علماءنا و مشايخنا أجمعين و الحمد للّه ربّ العالمين (1).

قال قدّس اللّه نفسه:

أمّا منجّزات المريض (2)

الواقعة في وقت (3)مرضه الذي لم يتخلّل بينه و بين موته برء منه، مرضا بالمعنى الذي سيجي‌ء بيانه، فلا خلاف في صحتها و نفوذها من أصل المال بعد الموت و إن لم يجز الورثة إذا لم تكن تبرعا.

و أما إذا كانت كذلك- أي تبرعا بالمعنى الذي يأتي بيانه إن شاء اللّه، كالمحاباة في المعاوضات، و الهبة، و الوقف، و العتق- فلا خلاف أيضا في صحتها بالمعنى الأعم من الصحة في الفضولي و نحوه، و إنما الخلاف فيها بالنسبة إلى


1) لم ترد في «م».

2) شرائع الإسلام 2: 261.

3) وقت: لم ترد في «م».

نفوذها من أصل المال مطلقا، أو نفوذها من الثلث لا غير إلّا مع الإجازة من الورثة:

و تفصيل القول في ذلك: هو أنه قد قيل بأنها تنفذ من أصل المال مطلقا كالمنجّزات الغير التبرعية، و هو المحكي عن الكليني في الكافي (1)، و الصدوق في الفقيه (2)، و الشيخ المفيد في المقنعة (3)، و الشيخ في النهاية (4).

و ظاهر التهذيب (5)، و المرتضى (6)، و ابن البراج (7)، و ابن زهرة (8)، و ابن إدريس (9).

و حكي أيضا عن ابن حمزة (10)، و تبعهم في ذلك جماعة من المتأخرين (11)منهم: يحيى بن سعيد (12)، و الآبي (13)، و المحقق الأردبيلي (14)، و الحر العاملي (15)، و الخراساني في الكفاية (16)، و الفاضل البحراني في الحدائق (17)،


1) الكافي 7: 7 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا.

2) الفقيه 4: 149 باب 97.

3) المقنعة: 101.

4) النهاية: 608.

5) التهذيب 9: 201.

6) الانتصار: 309.

7) المهذّب 2: 105.

8) الغنية (الجوامع الفقهية): 542.

9) السرائر: 385.

10) الوسيلة: 375.

11) في «م» من المتأخرين جماعة.

12) الجامع للشرائع: 500.

13) كشف الرموز 2: 90.

14) زبدة البيان: 468.

15) بداية الهداية 2: 192.

16) الكفاية: 151.

17) الحدائق 22: 418.

و السيد الطباطبائي في الرياض (1)على ما حكي عن بعضهم.

و حكي عن كشف الرموز نسبته إلى الأكثر (2)، و في الرياض نسبته إلى الشهرة بين القدماء ظاهرا (3). و لعل الأمر كذلك حيث لم يحك الخلاف في الحكم المزبور إلّا عن نادر منهم، كما ستعرفه إن شاء اللّه، بل عن الانتصار (4)و الغنية (5)دعوى الإجماع عليه بالنسبة إلى الهبة.

و قيل: بأنها إنما تنفذ من الثلث، إلّا مع اجازة الورثة فتنفذ من الأصل كالوصية، و هو المحكي عن ابن الجنيد (6)، و الشيخ في المبسوط (7). و ربما حكي عن الصدوق، و لعلّه في غير الفقيه، و إلّا فهو في الفقيه (8)كما عرفت.

و تبعهم في ذلك المصنف (9)، و العلّامة (10)، و الشهيد (11)، و المحقق الثاني (12)، و الشهيد الثاني (13)، و المقداد في التنقيح (14)، و ابن فهد في المهذّب (15).

و اختاره شيخنا رحمه اللّه في الجواهر (16)، و قد حكي عن غير واحد نسبته إلى عامة المتأخرين، بل في المسالك نسبته إلى الأكثر (17)، و منهم سائر المتأخرين.


1) رياض المسائل 2: 60.

2) كشف الرموز 2: 90.

3) رياض المسائل 2: 60.

4) الانتصار: 309.

5) الغنية (الجوامع الفقهية): 542.

6) نقله عنه العلّامة في المختلف: 510.

7) المبسوط 4: 43.

8) الفقيه 4: 149 باب 97.

9) شرائع الإسلام 2: 261.

10) المختلف: 510.

11) الدروس: 249.

12) جامع المقاصد 11: 93.

13) مسالك الافهام 1: 312.

14) التنقيح الرائع 2: 422.

15) المهذّب البارع 3: 141.

16) جواهر الكلام 28: 282.

17) مسالك الافهام 1: 312.

و لا يخفى أنّ الخلاف المزبور بين الفريقين جار في جميع المنجّزات التبرعية بالنسبة إلى مزاحمة إرث الورثة حتى الإمام عليه السّلام، خلافا لظاهر الشيخ من حيث إنه حكم بنفوذ الوصية من الأصل مع فقدان الورثة غير الإمام عليه السّلام (1). و لا ريب أنّ ثبوت ذلك في الوصية يوجب إجراءه في المنجّز تبرعا إذ هو لا ينقص عنها، كما هو واضح.

و أما بالنسبة إلى مزاحمة الدين، فيختص بما عدا العتق منها.

و أما هو- أي العتق مع فرض مزاحمته للدين خاصة، أوله مع إرث الورثة، باعتبار اختلافه باستيعابه للتركة و عدمه- فإنّ لهم فيه خلافا آخر، ستأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه.

و على كل حال، فالذي يقوى في النظر في محل الخلاف المزبور هو القول الأول، و ذلك للأصل بقسميه:

من أصل عدم كون المرض سببا للحجر على المالك.

و من استصحاب حكم الحالة السابقة على المرض من نفوذ التصرّف من المالك من غير حجر عليه في ذلك.

و للقاعدة المسلّمة الثابتة بالعقل و النقل من نحو قوله صلّى اللّه عليه و آله:

«الناس مسلّطون على أموالهم» (2)، ضرورة أن مقتضاها نفوذ التصرف من المالك و إن كان مريضا، إذ لا خلاف في عدم خروج المال عن ملك المريض ما دام حيا.

و لعموم أو إطلاق أدلة صحة نوع كل واحدة من وجوه منجّزاته التبرعيّة، كالعتق و الصدقة و الهبة مثلا.


1) التهذيب 9: 187 ذيل الحديث 753، الاستبصار 4: 121 ذيل الحديث 458.

2) رواه العلّامة في التذكرة 1: 489، و الأحسائي في العوالي 1: 222 و 457 حديث 99 و 198، 2: 138 حديث 383، 3: 208 حديث 49، و المجلسي في البحار 2: 272 حديث 7.

و لعموم آية الوفاء بالعقود (1)بالنسبة إلى ما كان منها من العقود، و يتعدّى إلى ما كان من غيرها من محل النزاع بضميمة عدم القول بالفصل، مضافا إلى ما سمعت من حكاية السيدين (2)الإجماع عليه بالنسبة إلى بعض موارده، المؤيدة بما في الرياض من استظهار شهرة الفتوى به بين القدماء (3).

و لظاهر قوله تعالى فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4)، على ما روى الشيخ في تفسيره في الصحيح عن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً هذا يدخل فيه الصداق و الهبة (5).

و الوجه في دلالتها هو أنها قد دلّت بإطلاقها على صحة الهبة من الأزواج و إن كنّ في مرض الموت مطلقا من غير تقييد لذلك بكونه من الثلث.

و للنصوص المستفيضة، و هي:

الصحيح أو الحسن المروي في الكافي و التهذيب عن أبي شعيب المحاملي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «الإنسان أحق بماله ما دامت الروح في بدنه» (6).

و الخبر المروي فيهما عن إبراهيم بن أبي بكر الأزدي، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «الميت أولى بما له ما دامت فيه الروح» (7).


1) «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» المائدة: 1.

2) السيد المرتضى في الانتصار: 309، و السيد ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 542.

3) رياض المسائل 2: 60.

4) النساء: 4.

5) التبيان 3: 103.

6) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 9، التهذيب 9: 187 حديث 751.

7) الكافي 7: 7 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله حيا حديث 3 و فيه (الأسدي) بدل (الأزدي)، التهذيب 9: 187 حديث 752.

و ما رواه المشايخ الثلاثة عن عمار بن موسى في الموثق في بعض طرقه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح، إن أوصى به كلّه فهو جائز له» (1).

و ما رواه المشايخ الثلاثة أيضا عن عمّار الساباطي في الموثّق عن أبي عبد اللّه عليه السّلام على اختلاف في متنه: ففي الفقيه و بعض نسخ الكافي قال عليه السّلام: «الميت أحق بماله ما دام فيه الروح تبين به، فإن تعدّى فليس له إلّا الثلث» (2).

و في بعض نسخ الكافي قال: الميت أحق بما له ما دام فيه الروح تبين به؟

قال: «نعم، فإن أوصى به فليس له إلّا الثلث» (3).

و ما رواه في الكافي و التهذيب عن سماعة عن أبي بصير (4)عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام (5): الرجل يكون له الولد أ يسعه أن يجعل ما له لقرابته؟ فقال: «هو ما له يصنع به ما يشاء إلى أن يأتيه الموت» (6).

و ما رواه المشايخ عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام مثله، إلّا أنه زيد عليه في بعض طرق الكافي قوله: «و لصاحب المال أن يعمل بماله ما يشاء


1) الكافي 7: 7 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 2، الفقيه 4: 150 حديث 520، التهذيب 9: 187 حديث 753، الإستبصار 4: 121 حديث 459.

2) الفقيه 4: 137 حديث 477، التهذيب 9: 188 حديث 756، الاستبصار 4: 122 حديث 463.

3) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 7.

4) عن أبي بصير: لم ترد في «ك» و الكافي، و وردت في «م» و الفقيه و التهذيب.

5) في «م» و التهذيب: قلت له.

6) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 8، الفقيه 4: 149 حديث 518، التهذيب 9: 188 حديث 755.

ما دام حيا إن شاء وهبه، و إن شاء تصدّق به، و إن شاء تركه إلى أن يأتيه الموت، فإن أوصى به فليس له إلّا الثلث، إلّا أنّ الفضل في أن لا يضيّع من يعلوه و لا يضر بورثته» (1).

و ما رواه في التهذيب عن عمّار الساباطي في الموثق عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قلت: الرجل يجعل بعض ماله لرجل في مرضه، قال عليه السّلام: «إذا أبانه جاز له» (2).

و ما رواه في الكافي و الفقيه عن مرازم، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل يعطي الشي‌ء من ماله في مرضه، قال عليه السّلام: «إذا أبان فيه فهو جائز، و إن أوصى به فهو من الثلث» (3).

و ما رواه في الفقيه عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهما السّلام: إنّ رجلا من الأنصار توفي و له صبية صغار، و له ستة من الرقيق فأعتقهم عند موته [و ليس له مال غيرهم] (4)، فاتي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فأخبر بذلك، فقال صلّى اللّه عليه و آله: «ما صنعتم بصاحبكم؟»، فقالوا: دفناه، فقال صلّى اللّه عليه و آله: «لو علمت ما دفناه مع أهل الإسلام، ترك ولده (5)يتكففون (6)الناس» (7).

و ما رواه في التهذيب من صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه


1) الكافي 7: 8 باب: أنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 10، التهذيب 9: 188 حديث 755، الإستبصار 4: 121 حديث 462.

2) التهذيب 9: 190 حديث 864، الإستبصار 4: 121 حديث 461.

3) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 6، الفقيه 4: 149 حديث 19.

4) لم ترد في النسختين أضفناها من المصدر.

5) في «م»: صبية صغارا.

6) يتكففون الناس: أي يسألوهم بالأكف.

7) الفقيه 4: 137 حديث 478.

عليه السّلام قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه و أوصى بوصيته، و كان أكثر من الثلث، قال عليه السّلام: «يمضي عتق الغلام، و يكون النقصان فيما بقي» (1).

و حسنته أيضا عن أبي جعفر عليه السّلام: عن رجل أوصى بأكثر من الثلث و أعتق مملوكة في مرضه، فقال عليه السّلام: «إن كان أكثر من الثلث ردّ إلى الثلث، و جاز عتق الغلام» (2).

و هذه النصوص كما ترى بمكانة لا سبيل إلى القدح فيها بوجه من الوجوه، و ذلك لأنها بمكانة من القوة و الاعتبار من جهة السند، و على مرتبة عظيمة من وضوح الدلالة على المدّعى، و على أكمل حال من السلامة عن المعارض المعادل، فضلا عن الراجح عليها.

و توضيح ذلك على وجه لا تبقى شائبة إشكال فيما هنا لك يحتاج إلى بسط في المقال (3)برسم مقامات ثلاثة و حينئذ فنقول:


1) التهذيب 9: 194 حديث 780، و رواه الكليني في الكافي 7: 17 باب: من أوصى بعتق أو صدقة أو حج حديث 4، و الصدوق في الفقيه: 4: 157 حديث 546، و الشيخ في الاستبصار أيضا 4: 120 حديث 454.

2) الكافي 7: 16 باب: من أوصى بعتق أو صدقة أو حج حديث 1.

3) في «م»: المقام.

أمّا المقام الأوّل

فلأنّ أكثر الأخبار المزبورة من قسم الصحيح أو الحسن أو الموثّق، التي لا ينبغي الريب في حجيّة كل منها، كما هو محرّر في محلّه.

و ما عدا ذلك منها- و هو القليل- فإنه و إن كان من قسم الضعيف إلّا أنه مندفع الضعف من وجوه، يكفي بعضها منفردا في دفعه، فضلا عن اجتماع جميعها، و ذلك لاعتضاده بالحجة من الصحيح أو الحسن أو الموثّق، فإنّ ذلك من أقوى وجوه التبيّن في الخبر.

و بظهور الشهرة بين القدماء كما قيل، بل لا يبعد دعوى القطع بها.

و بما عرفت من دعوى الإجماع في الانتصار (1)و الغنية (2).

مضافا إلى روايتها في الكتب المعتبرة، و إلى الاستناد إليها و العمل بمضمونها من جملة من أعيان الطائفة و قدمائها الفائزين بقرب العصر من عصر الأئمة عليهم السّلام، الذي يسهل معه الاطلاع على الأحوال التي يعرف منها السليم و السقيم من الأخبار المروية عنهم عليهم السّلام.

و مضافا إلى موافقة مضمونها لما عرفت من الأصول العقلية، و القواعد الشرعية.

و لا يخفى عليك أنّ اجتماع مثل هذه الأمور المذكورة، و حصولها لخبر من الأخبار في المواضع الخلافية على النحو المزبور، ممّا هو عزيز الاتفاق.


1) الانتصار: 309.

2) الغنية (الجوامع الفقهية): 542.

و أمّا المقام الثاني

فيحتاج بيانه على الوجه الأكمل إلى التفصيل في الأخبار المزبورة، و ذلك لاختلافها في كيفية الدلالة على المطلوب، و حينئذ فنقول:

أما صحيح المحاملي أو حسنته (1)، و خبر إبراهيم الكرخي (2)، و موثق عمّار الساباطي الأول (3)، و رواية عمّار بن موسى (4)، فهي ظاهرة الدلالة على المدّعى على وجه لا ينبغي التأمل فيه، و ذلك لدلالتها أجمع- بلازم ما صرّحت به من ثبوت أحقيّة الرجل أو الإنسان أو الميت مطلقا إذا كان مريضا، حملا للمطلق على ما هو الغالب، إذ الغالب في الموتى أن يكون موتهم مسببا عن عروض مرض لهم. و أولويّته بماله، الظاهر في إرادة الجميع منه، لإطلاقه، مع فقد ما يوجب تقييده بالثلث أحقيّة و أولوية ثابتة له ما دامت الروح في بدنه- دلالة صريحة على نفوذ تصرّفه في ماله و عدم الحجر عليه في ذلك مطلقا، سواء


1) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 9، التهذيب 9: 187 حديث 751.

2) الكافي 7: 7 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 3، التهذيب 9: 187 حديث 752.

3) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 7، الفقيه 4: 137 حديث 477، التهذيب 9: 188 حديث 756، الإستبصار 4: 122 حديث 463.

4) الكافي 7: 7 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 2، الفقيه 4: 150 حديث 520، التهذيب 9: 187 حديث 753، الإستبصار 4: 121 حديث 459.

كان تصرّفه فيه منجّزا أم معلّقا على موته، تبرّعا كان أم لا، كما يقضي بذلك تعقيب اللفظ المزبور بما في رواية عمّار الساباطي الثانية (1)، كما ستعرف إن شاء اللّه، و بما في رواية أبي بصير على ما في بعض طرق الكافي (2).

و يكونان شاهدين على المراد من اللفظ المزبور الواقع في غيرهما، خصوصا و المنساق من الأحقية و الأولوية له في الأخبار المزبورة إنما هي بالنسبة إلى الورثة دون غيرهم، و خروج ما قام الدليل من النص، و اتفاق الفتوى عدا شاذ على خروجه كالوصية، أو المعلّق على موته مطلقا من إطلاق الأخبار المزبورة، لا يقدح في ظهورها في الباقي الذي عليه المدار في حجّية الأخبار و غيرها من الأدلة السمعية.

كما أنّه لا ريب في عدم توجيه المناقشة في ظهورها في المقصود بما قيل: من إمكان كون المراد منها ثبوت أحقيّة الميت بالنسبة إلى خصوص الثلث من ماله لا مطلقا، خصوصا إذا قرئ قوله فيها «بماله» بفتح اللام لا بكسرها، بملاحظة نصوص حصر ما للميت من أمواله بالثلث الآتية في أدلة الخصم، التي لا أقل مع ملاحظتها من حصول قدح في دعوى ظهور الأخبار المزبورة في مطلوب المستدل، إن لم يكن الحاصل مع الملاحظة المزبورة الظهور في خلافه، كالمناقشة أيضا في ذلك بدعوى تعيّن كون المراد من لفظ «ماله» الواقع في بعضها خصوص الثلث، و هو رواية عمّار بن موسى، لقوله فيها: «إن أوصى به كلّه فهو جائز له» بعد قوله: «الإنسان أحق بماله ما دام فيه الروح»، إذ لو لم يحمل لفظ «ماله» فيها على خصوص الثلث و أريد منه معناه الحقيقي، للزم إما مغايرة الضمير لمفسّره، الممنوعة عند جماعة من الأصوليين إن أريد من الضمير المتعلق


1) التهذيب 9: 190 حديث 864، الإستبصار 4: 121 حديث 461.

2) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 80.

ب (أوصى) العائد إليه خصوص الثلث، أو الحكم بنفوذ الوصية بجميع المال على الورثة، الذي لا قائل به إن أريد من الضمير المزبور المعنى المطابق لمعنى مفسّرة.

ثم قال صاحب المناقشة المذكورة: و التخلّص من المحذور الثاني بحمل الوصية على خصوص التنجيز دون الأعم و دون معناه المعروف، لا وجه له، إذ هو ليس بأولى ممّا قلناه.

و حينئذ فتكون الرواية المزبورة شاهدا على كون ذلك هو المراد من اللفظ المزبور، الواقع في الروايات الباقية.

و بعد هذا فلا يستقيم للمستدل دعوى ظهور الأخبار المزبورة في مطلوبه، و ذلك لاندفاع المناقشة الأولى بوضوح: انّ حمل الأخبار المزبورة على المعنى الذي ذكره المناقش، حمل على المعنى المجازي المحتاج إلى القرينة، التي هي مفقودة في المقام، إذ ليس فيه ممّا يتخيّل صلاحيته لذلك، سوى ما ذكر في المناقشة من ملاحظة أخبار الحصر بالثلث، و هي كما لا يخفى لا تصلح لذلك:

أمّا أولا: فلما قيل فيها من مغايرة موضوع حكمها لموضوع حكم الأخبار المزبورة، لكونه في بعض تلك الأخبار المشار إليها بلفظ: الرجل يموت، الظاهر في من تلبّس بالموت فعلا. و بلفظ ما هو بمعناه في البعض الآخر مع فقد القرينة الصارفة، بخلاف أخبار المستدل فإنه في بعضها بلفظ: الرجل، و في بعضها بلفظ: الإنسان، و في بعضها بلفظ: الميت. و لا ريب في أنّ المراد منه في الجميع هو الإنسان قبل تلبّسه بالموت، بقرينة قوله فيها: «ما دام فيه الروح».

و أمّا ثانيا: فلأنّ الغرض المقصود في المقام من دعوى ظهورها في المطلوب إنما هو بالنسبة إليها في حد ذاتها مجردة عن ملاحظة المعارض لها، الذي من جملته أخبار الحصر بالثلث.

و لو كان المقصود ذلك حتى مع الملاحظة المزبورة، لكان الأولى في المناقشة

في دلالة الأخبار المزبورة على المدّعى المناقشة في ذلك بدعوى إمكان الحمل على ما يستفاد من ملاحظة أخبار العطية، و إبراء الزوجة من دينها و صداقها اللّذين في ذمة زوجها، وهبتها لصداقها. و أخبار العتق لصراحتها و أخصيتها من الأخبار المزبورة، كما ستعرف إن شاء اللّه ممّا هو غير موجود في أخبار الحصر.

و أمّا ثالثا: فلأنه كما لزم ملاحظة الحصر بالثلث مع الأخبار المزبورة، يلزم أيضا ملاحظة باقي أخبار الباب، التي من جملتها أخبار الإبانة معها، ضرورة أنّ اللازم على الفقيه في مقام النظر و الاستنباط لحكم من الأحكام الشرعية ملاحظة جميع الأخبار الواردة في ما تعلّق نظره به و إن كانت متعارضة، ثم الأخذ بما يحصل منها عنده مع عدم التعارض، و بما يترجّح لديه من أحد المتعارضين معه.

و إن كان الشأن كذلك، فلا ريب في أنّ الظاهر مع ملاحظة جميع الأخبار المشار إليها من الأقسام الثلاثة في ما نحن فيه، حمل إطلاق كل من أخبار الحصر بالثلث، و الأخبار المزبورة على المفصّل من مدلول أخبار الإبانة، و ذلك لدلالتها على ما سيأتي بيانه إن شاء اللّه على نفوذ تصرّف الميت من الأصل مع الإبانة التي هي كناية عن التنجيز و عدم نفوذه إلّا في قدر الثلث مع الوصية.

و حينئذ فيحمل ما في الأخبار المزبورة من أحقية الميت بما له ما دام فيه الروح على صورة التنجيز، و ما في أخبار الحصر بالثلث على صورة الوصية، كما لعلّه يشعر بإرادة ذلك من أخبار الحصر خبر ابن سنان (1)الذي هو من جملتها، فتأمل جيدا و لا حظ.

ثم لا يذهب عليك أنه لا فرق في احتمال المعنى الذي حاوله المناقش في الأخبار المزبورة من حيثية القرب و البعد من ظاهر اللفظ بين قراءة قوله فيها


1) التهذيب 9: 242 حديث 939.

«أحق بماله» بكسر اللام كما هو الظاهر، و قراءته بفتحها، و ذلك لأنه على القراءة الثانية يكون المجرور بالباء ما الموصولة، و اللام المفتوحة هي اللام الجارة التي هي حقيقة في معنى الملك، أو الغالب استعمالها فيه من سائر معانيها.

و حينئذ فيكون معنى قوله: «الرجل أحق بماله» في الأخبار المزبورة هكذا:

الرجل أحق بالذي له، أي: في ملكه. و لا ريب في عدم التفاوت بين المعنى المزبور، و بين المعنى المفهوم منه، على تقدير قراءته بالكسر.

بل يمكن دعوى أنه على تقديره قراءة الفتح أقوى في الشمول و البعد من احتمال ارادة الثلث، بناء على كون اسم الموصول من صيغ العموم مع خلوّ المقام من أمارات العهد، كما هو الشأن في ما نحن فيه، فتأمّل جيدا.

و لاندفاع المناقشة الثانية مع ما فيها من بعد احتمال ارادة المعنى الذي ذكره من لفظ «ماله» في الرواية المزبورة، فضلا عن تعيّنه، ضرورة ابتناء ذلك على كون الضمير المتعلّق ب (أوصى) مرادا منه خصوص الثلث، و هو في غاية البعد، لكونه خلاف الظاهر المعتضد إرادته بشاهد الإتيان به، مؤكدا بكل ضرورة وجود مقتضى التوكيد معه من توهم احتمال التخصيص بخصوص الثلث، بخلاف المعنى الذي ذكره المناقش، فإنه لا ريب في انتفاء الموجب للتوكيد معه بإمكان اختيار أول الوجهين من وجهي الترديد.

و نجيب عما ذكره من المحذور اللازم عليه بالمنع من ممنوعية مغايرة الضمير لمفسّره مطلقا، إذ القدر المسلّم ممنوعيته من ذلك إنما هو المغايرة بينهما بغير العموم و الخصوص، و أما المغايرة بينهما بالوجه المزبور- كما في نحو المقام من كون المراد بالضمير الأخص من معنى مفسّرة، حيث تقوم القرينة على ارادة ذلك منه- فلا بأس فيها، كما هو رأي جماعة من الأصوليين أيضا، و بإمكان اختيار الوجه الثاني من الوجهين المزبورين.

و نجيب عما ذكره من المحذور اللازم عليه بإمكان التخلّص منه بحمل

(أوصى) فيها على خصوص التنجيز، أو بحمل الجواز فيها على معناه المعروف من خصوص حكم التكليف، كما يشعر به تعديته باللام إلى الضمير.

و بإمكان حمله أيضا على الصحة بالمعنى الأعم من الصحة في نحو الفضولي.

و بإمكان حمل الحكم في الرواية المزبورة على ما في التهذيب (1)من الحمل على صورة انتفاء الوارث للميت غير الإمام عليه السّلام، إذ لا ريب في اندفاع المحذور الذي ذكر مع ارادة كل من الوجوه المذكورة عدا الوجه الأخير فإنه محل نظر، لعدم الدليل عليه، كاندفاعه بما سمعت ممّا ذكره المناقش من الاحتمالين، مع تسليمه عدم أولوية ما ذكره منهما.

مضافا إلى أنه لا موجب للتصرّف في الضمير بدعوى إرادة الأخص منه، لإمكان منع دعوى تحقق الإجماع على عدم نفوذ الوصية بجميع المال على الورثة، و ذلك لمخالفة والد الصدوق رحمه اللّه، فإنّ المحكي عنه القول بذلك (2)، عملا بظاهر هذه الرواية، و مخالفة قول الأكثرين بمجردها لا تصلح سببا للتصرف المزبور في الرواية.

و أمّا رواية عمار الثالثة (3)، و رواية مرازم (4)، و كذا رواية عمار الثانية على ما في التهذيب (5)و ما في بعض نسخ الكافي (6)، فإنها أجمع صريحة الدلالة على المطلوب و إن احتيج في دلالة بعضها على تمامه إلى ضميمة عدم القول بالفصل، و ذلك لأنها نصّت على جواز جعل الرجل بعض ماله لرجل في مرضه،


1) التهذيب 9: 190 حديث 864.

2) الفقيه 4: 149.

3) التهذيب 9: 190 حديث 864، الإستبصار 4: 121 حديث 461.

4) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 6، الفقيه 4: 149 حديث 19.

5) التهذيب 9: 188 حديث 756.

6) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 7.

و على جواز عطيته للشي‌ء من ماله في مرضه، و على أحقيته بماله ما دام فيه الروح، التي قد عرفت أنها كناية عن نفوذ التصرّف.

و إذا كان كل واحد من الأمور المذكورة من الجعل و العطية و التصرّف بماله واقعا مع الإبانة، التي هي في المقام كناية عن التنجيز في الأمور المزبورة، و عدم تعليقها بموته، كما تقتضي بذلك قرينة مقابلتها بالوصية كما في رواية مرازم (1)، و رواية الساباطي الثانية على ما في التهذيب (2)و بعض نسخ الكافي (3)، و خبر أبي بصير إذا كان بالزيادة المروية في بعض طرق الكافي (4)، و ذلك لظهور المراد في قوله: «و إن أوصى فليس له إلّا الثلث» الواقع في الأخبار المزبورة بالعطف على فعل الإبانة دون الاستئناف.

مضافا إلى عدم إمكان حملها- أي الإبانة في الروايات المزبورة- على غير المعنى الذي ذكرناه، ممّا يخرج معه عن الدلالة على المطلوب من ارادة معنى التعريف و الإظهار منها، سواء أريد ذلك بالنسبة إلى نفس التصرّف من الميت، أو بالنسبة إلى متعلّقه من المال، أو بالنسبة إليهما معا، و ذلك لوضوح أنّ التعريف و الإظهار بجميع صورهما لا مدخلية له في تثبيت نفوذ تصرّف الميت فيما عدا الثلث اتفاقا، سواء كان التعريف للورثة أم لا.

و احتمال حمله على خصوص التعريف للورثة، حيث تحصل- بعد معرفتهم بتصرّفه التنجيزي- الإجازة منهم، مما لا ينبغي الإصغاء إليه، كما لا يخفى.

نعم، يمكن أن يكون المراد من الإبانة في رواية العطية و الجعل الذي هو بمعناها على الظاهر، الدفع إلى المعطى له و التسليم إليه، ليحصل القبض


1) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 6، الفقيه 4: 149 حديث 19.

2) التهذيب 9: 188 حديث 756.

3) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 7.

4) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 10.

المشروط به صحة العطية شرعا، و معه فلا يتوجه قدح في دلالة الروايتين على المطلوب، كما لا يخفى، ضرورة أنّ المراد من الروايتين حينئذ الحكم بنفوذ العطية على الورثة إذا كانت صحيحة.

و مما ذكرناه من القرينة المزبورة على معنى الإبانة يندفع احتمال أن يكون المراد من الجواز في رواية الساباطي الثانية (1)و رواية مرازم (2)، معناه المعروف من حكم التكليف، لا المضي و النفوذ المراد به الحكم الوضعي.

كما أنه يندفع بها أيضا احتمال أن يكون المراد من (بعض ماله)، أو (الشي‌ء من ماله) في الروايتين المزبورتين خصوص الثلث، أو ما لم يزد على الثلث، مضافا إلى ترك الاستفصال منه عليه السّلام، الذي لا ريب في إفادته لعموم المقال.

و من الإحاطة بجميع ما ذكرناه يعلم عدم صحة المناقشة في دلالة هذه الأخبار على المطلوب، بدعوى الإجمال في الإبانة و غيرها.

كما أنه من ذلك يتضح لك وجه الاستدلال على المطلوب برواية عمار الثانية على رواية الفقيه (3)و بعض نسخ الكافي (4)، إذ بملاحظة ما ذكرناه من قيام القرينة على كون الإبانة في الرواية المزبورة على رواية التهذيب (5)و البعض الآخر من نسخ الكافي (6)، كناية عن التنجيز، مع ضميمة وحدة الراوي لهذه


1) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 7، الفقيه 4: 137 حديث 477، التهذيب 9: 188 حديث 756، الإستبصار 4: 122 حديث 463.

2) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 6، الفقيه 4: 149 حديث 19.

3) الفقيه 4: 137 حديث 477.

4) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بما له ما دام حيا حديث 7.

5) التهذيب 9: 188 حديث 756.

6) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا.

الرواية في الكتابين.

و في رواية مرازم يتضح كون المراد من التعدّي فيها على رواية الفقيه و بعض نسخ الكافي هو الوصية، و صح التعبير عنها بالتعدّي، لمكان كون أثرها إنما يتحقّق بعد الموت، فهي إذا تعدّ و تجاوز من الميت في تصرّفه من الوقت الذي له فيه الأحقية بماله مطلقا، و هو زمان وجود الروح في بدنه إلى زمان لا يكون فيه الأحقية له بما له مطلقا، و هو زمان ما بعد الموت.

و من هنا يندفع القدح في الرواية المزبورة بكونها مختلفة النسخ، فإنّ ذلك إنما يقدح مع اختلافها في المعنى، أما مع اتحادها فيه- كما في المقام حسب ما عرفت- فلا.

و أما رواية سماعة (1)فإنها صريحة الدلالة على المطلوب بتمامه، و على وجه لا يحتاج إلى بيان، و ذلك لعموم الجواب فيها و إن كان السؤال خاصا.

و لا يقدح في ذلك عمومها للتصرّف بالوصية الذي قد علمت خروجه بالنص و الاتفاق، إذ قد عرفت أنّ ذلك لا يقدح في ظهور العام في الباقي، الذي هو المناط في الحجية.

كما أنه لا يقدح في دلالة الرواية المزبورة احتمال أن يكون المراد من إتيان الموت فيها- الذي هو الغاية لنفوذ تصرّف الميت- هو زمان المرض، استنادا إلى إطلاق اللفظ المزبور في بعض الأخبار على المعنى المزبور، ضرورة أنّ ذلك مجاز يحتاج إلى القرينة المفقودة في المقام، و ما استند إليه لا يصلح لذلك، إذ مجرّد إطلاقه في بعض الاستعمالات على المعنى المزبور لقيام قرينة في ذلك البعض، لا يصلح قرينة على إرادته منه في استعمال آخر مع الخلو عن القرينة، فتأمل جيدا.


1) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 8، الفقيه 4: 149 حديث 518، التهذيب 9: 188 حديث 755.

و مثلها في ذلك رواية أبي بصير إذا كانت بدون الزيادة الموجودة فيها في بعض طرق الكافي، و أما معها فهي واضحة الدلالة في غاية الوضوح (1).

و أما رواية مسعدة فهي ظاهرة الدلالة على المطلوب، لأنّ توجيه الذم من النبي صلّى اللّه عليه و آله- الذم الشنيع إلى الميت، معلّلا بقوله: «ترك ولده يتكففون الناس»، أي: يسألونهم بالأكف، على ما وقع منه من إعتاق جميع مماليكه الستة- ظاهر غاية الظهور في نفوذ العتق في الجميع، إذ لولاه لما كان يستحق الذم المزبور بمقتضى التعليل المذكور، و ذلك لانتفاء العلّة المزبورة ببقاء الثلثين لولده.

و احتمال كون الذم المزبور بالنسبة إلى تصرّف الميت بالثلث، كما ترى، و حينئذ فتتم دلالتها بالنسبة إلى غير العتق بضميمة عدم القول بالفصل.

و أما روايتا محمّد بن مسلم (2)، فهما صريحتان في الدلالة على المطلوب و إن كانت الأخيرة أصرح.


1) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 10، التهذيب 9: 188 حديث 755، الإستبصار 4: 121 حديث 462.

2) الكافي 7: 16 و 17 باب: من أوصى بعتق أو صدقة أو حج حديث 1 و 4، الفقيه 4: 157 حديث 546، التهذيب 9: 194 حديث 780، الإستبصار 4: 120 حديث 454.

و أمّا المقام الثالث

اشارة

فجملة القول فيه هو أنه لا ريب في أنّ المعارض في المقام للأخبار المزبورة إنما هو أدلة القول الثاني، التي هي منحصرة في النصوص المروية عنهم عليهم السّلام، كما ستعرف إن شاء اللّه، و هي على كثرتها على ما قيل لا تقاوم أخبار المختار، و ذلك لرجحانها على الأخبار المشار إليها من وجوه عديدة:

منها: بعض ما مرّ ذكره في المقام الأول.

و منها: الموافقة لظاهر القرآن من عموم آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)، و إطلاق آية فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (2)حسب ما عرفت، بخلاف الأخبار المشار إليها، فإنها مخالفة له كما لا يخفى.

و منها: المخالفة للعامة (3)، بخلاف الأخبار المشار إليها، فإنها موافقة لمذهب الكل أو الأكثر منهم، كما صرّح به كثير من أصحابنا، كما أنه يشهد لذلك رواية ما يوافقها عنه صلّى اللّه عليه و آله في صحاحهم التي عليها المدار عندهم.

و منها: ما عرفت من قوة دلالة هذه الأخبار على المطلوب، صراحة في بعض، و ظهورا في بعض آخر، على وجه يبعد أو يتعذّر فيها التأويل، بخلاف الأخبار


1) المائدة: 1.

2) النساء: 4.

3) في «م»: لغيرنا.

المشار إليها، فإنها مع إمكان التأويل في ما هو دال منها، منها ما هو غير واضح الدلالة على خلاف المختار، و منها ما هو قاصر عن افادة تمام مطلوب الخصم، و منها ما هو غير دال عليه عند التحقيق أصلا، كما ستعرف ذلك إن شاء اللّه.

مضافا إلى ما ستعرف من صعوبة مطابقة ظاهرها لما سيأتي ذكره من الخصوص (1)من تقييد حكمهم المزبور بحال المرض، و تقييدهم المرض بالمخوف، على ما ذهب إليه جماعة، و من تقييد بعضهم المرض بالقريب من زمان الموت دون ابتداء المرض و أثنائه مع البعد من زمان الموت، كما إذا كان من الأمراض الطويلة.

و منها: تأيّد الأخبار المزبورة بالسيرة المستمرة على عدم امتناع المريض، و عدم منع الغير له من فعل التبرعات المنجّزة، و عدم ضبطه هو، و عدم الضبط عليه من وارث أو وصي لما يفعله منها بطومار (2)و نحوه ليرجع إليه بعد الموت.

و تأيّدها بما ذكره بعض من وافقنا دليلا على المختار من أنه لو لم تصح المنجزات تبرعا في الحال- أي: من حين وقوعها مطلقا، أي: سواء زادت على قدر الثلث أم لا- لما لزمت بالبرء من المرض لو مات مطلقا.

و اللازم المزبور باطل بالاتفاق، فالملزم- و هو عدم صحتها في الحال، أي:

غير موقوفة على الإجازة من الورثة بعد الموت مطلقا- باطل أيضا.

و حينئذ فلا ريب في ثبوت القول المختار في المقام، كما لا يخفى.

و الملازمة ظاهرة، بناء على أنّ الظاهر من إطلاق أخبار القول الثاني، و فتوى العالمين بها، أنّ السبب الموجب لعدم صحة المنجّزات تبرعا في الحال،


1) من الخصوص: لم ترد في «م».

2) قال ابن منظور في لسان العرب 4: 503 «طمر»: قال ابن سيده: الطامور و الطومار: الصحيفة، قيل: هو دخيل، قال: و أراه عربيا محضا، لأنّ سيبويه قد اعتدّ به في الأبنية، فقال: هو ملحق بفسطاط.

و بقاؤها موقوفة على الإجازة إذا صدرت من المريض، إنما هو صدورها منه في حال المرض مع تعقّبه بالموت مطلقا، سواء فصل بينهما برء أم لا، إذ لا ريب على الوجه المزبور في ثبوت الحكم المزبور للمنجّزات في صورة عروض البرء من المرض الذي وقعت فيه، لتحقق سببه الذي قد عرفت، مع خلو المقام مما يفضي بلزومها مطلقا، إذ ليس فيه إلّا البرء الذي لا ريب في عدم كونه سببا للزومها، للأصل المعتضد بالاتفاق على العدم.

هذا و لا يخفى عليك ما في الوجه الثاني مما يمنع من كونه مؤيدا للمختار، فضلا عن أن يكون دليلا عليه، و ذلك لوضوح بطلان سند الملازمة المزبورة، إذ لا ريب في أنّ المنساق من أدلة القول الثاني، و فتوى القائلين به، بل وقع التصريح به من غير واحد منهم، أنّ السبب الموجب للحكم في المنجّزات تبرعا بما قالوه: هو صدورها في مرض الموت، أي المرض الذي يتسبّب عنه الموت، الذي لا ريب في عدم صدقه على المرض الذي وقعت فيه في صورة الفرض من عروض البرء منه، و ما زاد على ذلك منفي بالأصل.

و حينئذ فيكشف عند طروء البرء انتفاء السبب للحكم على المنجّزات بما قالوه: من كون المرض الذي وقعت فيه مرض الموت، و يظهر عند ذلك ثبوت ما هو ثابت لها بمقتضى ذاتها من الصحة على وجه اللزوم.

و حينئذ فالملزوم ثابت لها من حين وقوعها، لا من حين وقوع البرء. و على هذا فالبرء كاشف عن اللزوم لا سبب له، كما أنّ الموت كاشف عن عدمه.

و هذا واضح كوضوح أنّ المريض ما دام حيا باقيا على وصف الكمال، لا حجر و لا منع يتعلّق به شرعا بالنسبة إلى جميع وجوه تصرفه في ماله من تبرّعي و غيره، من منجّز و غيره.

و حينئذ فيجوز له التصرّف بماله بأنحاء التصرّف، كما أنه يجوز للغير التصرّف بما كان تصرّف المريض سببا لتسليطه على التصرّف في أمواله، من

غير فرق بين ما يوجب الخروج عن ملكه و غيره، و ذلك كلّه للأصول العقلية، و القواعد الشرعية، و قضاء السيرة المستقيمة، و ظهور الاتفاق عليه من الخصوم.

و من هنا حمل بعضهم أخبار الأولوية و الأحقية على ذلك، و ليس في أدلتهم من أخبار و اعتبار ما ينافي ذلك، ضرورة أنّ أقصى ما يستفاد منها الحكم بعدم النفوذ في المنجّزات بالنسبة إلى ما زاد على قدر الثلث بدون اجازة الورثة، على حد الحكم في الوصية بما زاد على قدر الثلث، التي لا ريب في انتفاء حكم من الشارع على فعلها، غير الحكم بعدم النفوذ بدون الإجازة من الورثة.

و هذا هو المراد من الحجر الذي ذكروا في كتابه أنّ المرض من جملة أسبابه، كما يقضي به التأمل في سياق كلامهم في ذلك المقام، مضافا إلى ما عرفت من عدم دلالة شي‌ء من أدلتهم على أزيد مما ذكرنا.

و أما ما حكاه فخر المحققين (1)، و المحقق الثاني (2)من الرواية عن أحدهم عليهم السّلام، قال عليه السّلام: «المريض محجور عليه في تصرّفه» فلا يصلح بنفسه مثبتا لحكم مخالف، لما عرفت من الأدلّة، مع إمكان حمله على ارادة ما ذكرناه من معنى الحجر في كلام الأصحاب، مضافا إلى أنّ الظاهر (3)أنّ الرواية المزبورة ليست من طرق أصحابنا، و من هنا أنكرها بعضهم، و إنما هي من طرق العامة التي هي و نحوها خارج عن صنف الحجة من أخبار الآحاد، كما صرّح به بعضهم، و حكى عليه الشيخ الإجماع في العدة (4).

و من هذا تعلم ما في الوجه الأول من دعوى استقامة الطريقة على عدم امتناع المريض، و عدم منع الغير له من فعل المنجّزات التبرعيّة، فإنّ السر فيه ما


1) إيضاح الفوائد 2: 593.

2) جامع المقاصد 11: 96.

3) أنّ الظّاهر: لم ترد في «ك».

4) عدّة الأصول 1: 237.

ذكرناه من جواز تصرّف المريض ما دام حيا مطلقا، و عدم الحجر عليه في شي‌ء من تصرفاته بالنسبة إلى حكم التكليف.

و أما دعوى استقامة الطريقة على عدم ضبطه، و عدم الضبط عليه بطومار و نحوه، مما ذكر في الوجه الأول، فلا ينبغي التأمل في عدم دلالته على المختار، ضرورة أنه لا ملازمة بين القول الثاني و لزوم الضبط على المريض شرعا، فضلا عن لزومه على غيره بوجه من الوجوه.

و حينئذ فلا دلالة في السيرة المزبورة على بطلان دعوى عدم النفوذ إلّا من الثلث، كما يقوله الخصم بوجه من وجوه الدلالة، فتأمل جيدا.

لا يقال: إنّما ذكرتم من حصول الوجوه المزبورة من المرجّحات الشرعية و غيرها لأخبار القول المختار لا يفيدها رجحانا على معارضها من أخبار القول الثاني، لكون التعارض الواقع فيما بينهما بالعموم و الخصوص المطلقين، الذي لا ريب في أنه لا يلاحظ فيه المرجّحات الداخلية، فضلا عن المرجّحات الخارجية، بل المتعيّن فيه الأخذ بالخاص و طرح العام في محل التعارض و إن حصل للعام من المرجحات التي يرجّح بها في غير هذا القسم من أقسام التعارض ما فقده كلا أو بعضا الخاص، كما هو محرر في محلّه.

كما أنه لمكان أخصيّة أخبار القول الثاني من أخبار المختار مطلقا، يلزم لما عرفت الأخذ بها، و طرح أخبار المختار، كما ستعرف ذلك عند ذكر أدلة الخصم إن شاء اللّه.

لأنّا نقول: إنّ ما ذكر من حكم التعارض بالوجه المزبور إنما يسلم في غير صورة ما إذا كان العام مقرونا بقرينة تمنع من إرادة التخصيص، و تؤكد إرادة الظاهر من العموم للحصة التي هي محل التعارض بينه و بين الخاص.

و أمّا في الصورة المفروضة فهو ممنوع، بل الحكم فيها إنما هو الحكم على العام و الخاص المتعارضين كليا من لزوم ملاحظة المرجّحات في تقديم أحدها على

الآخر، و ذلك لوضوح أنّ العام حينئذ إن لم يكن أقوى من الخاص في الدلالة على تلك الحصة، فلا يقصر عنه في ذلك، و دعوى انفهام التخصيص حينئذ عرفا ممنوعة أشد المنع.

و لا ريب أنّ العام فيما نحن فيه من جزئيات الصورة المفروضة، و ذلك لما عرفت من اشتمال موثقة عمار الثانية خصوصا على رواية التهذيب (1)، و خبر أبي بصير إذا كان بالزيادة التي في بعض طرق الكافي (2)، على قرينة المقابلة التي لا ريب في أنها تمنع من كون المراد من لفظ المال الذي هو متعلّق الأحقية فيهما خصوص الثلث، و مساق الباقي من أخبار الأحقية و مساق الخبرين المزبورين واحد، خصوصا بعد ملاحظة خبري الإبانة و أخبار العتق معها.

و بعد الغض عما سمعت نمنع من دعوى لزوم تقديم الخاص على العام مطلقا، بل يختص ذلك بالحال الغالب من أحوال الخاص و العام دون النادر منها، و هو ما إذا بلغ العام نهاية القوة دلالة و تعددا و اعتضادا بالعواضد الكثيرة المعتبرة، حتى يبلغ الخاص لفقده ذلك نهاية الضعف، كما هو الشأن في ما نحن فيه، كما لا يخفى على المتأمل.

فإنّ اللازم في الحال المزبور، إسقاط الخاص و العمل بالعام، و من هنا عمل غير واحد من الأصحاب في نظير ما نحن فيه بالعام و تركوا الخاص في غير مقام، كما يطلعك على ذلك التتبع و السبر (3).

و الوجه في هذا و سابقه ظاهر بعد التأمل جيدا.

و بعد الإحاطة بأطراف جميع ما ذكرناه في طريق الاحتجاج على ما اخترناه من القول الأول، لا يحتاج الناظر في المقام إلى النظر في حجة الخصم،


1) التهذيب 9: 188 حديث 756.

2) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 10.

3) السير: التجربة. لسان العرب 4: 340 «سبر».

خصوصا بعد العلم بانحصارها بالنصوص المروية عنهم عليهم السّلام، إذ ليس في الكتاب العزيز، و لا في طريق من طرق العقل ما يشهد لمقالة الخصم، كما انه لا سبيل إلى دعوى حصول الإجماع في المقام.

و من هنا لم يدّعه أحد ممن تكثرت منه دعواه في غير مقام سوى ما عرفت عن الغنية (1)بالنسبة إلى العتق، الذي لا يخفى ما فيه بالنسبة إلى خصوص المقام، و مع ذلك كلّه فلا ينبغي ترك التعرّض لها لغاية زيادة البيان و كمال إيضاح البرهان على ضعف قول الخصم.

و حينئذ فنقول:

احتجّ أهل القول الثاني بأقسام من الأخبار:

القسم الأول

منها: صحيح يعقوب بن شعيب (2)قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يموت ما له من ماله؟ فقال عليه السّلام: «له ثلث ماله» (3).

و خبر عبد اللّه بن سنان عن الصادق عليه السّلام: ما للرجل من ماله عند موته؟ فقال عليه السّلام: «ثلث ماله، و إن لم يوص فليس على الورثة إمضاؤه» (4).

و صحيح علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام: ما للرجل من ماله عند موته؟ قال عليه السّلام: «الثلث، و الثلث كثير» (5).


1) الغنية (الجوامع الفقهية): 542.

2) هكذا في النسختين الخطية و الحجرية، و في جميع المصادر شعيب بن يعقوب، و في الكافي: شعيب بن يعقوب عن أبي بصير.

3) الكافي 7: 11 باب: ما للإنسان أن يوصي به بعد موته و ما يستحب له من ذلك حديث 3، الفقيه 4: 136 حديث 473، التهذيب 9: 191 حديث 770، الإستبصار 4: 119 حديث 452.

4) التهذيب 9: 242 حديث 939.

5) التهذيب 9: 243 حديث 940.

و ذيل خبر العلاء بياع السابري (1)عن الصادق عليه السّلام الوارد في قضية الامرأة، قال فيه عليه السّلام: «إنما لها من مالها ثلثه» (2).

و الوجه في دلالة الأخبار المزبورة على مطلوب المستدل، هو أنها قد دلّت على نفي كون ما عدا الثلث من أموال الرجل الذي يموت، و الرجل عند موته له، بناء على ظهور كون المراد من كل من القيدين المزبورين المشرف على الموت، و وضوح أنّ النفي المزبور بعد ملاحظة ما هو معلوم من الاتفاق من عدم خروج شي‌ء من أموال الإنسان عن ملكه ما دامت فيه الروح، و صريح في إرادة عدم نفوذ تصرّفه بالنسبة إلى ما عدا الثلث، و إلّا لم يكن للنفي المزبور معنى، و هذا هو المطلوب.

هذا، و لكن لا يخفى عليك ما في دعوى دلالة هذه الأخبار على مطلوب الخصم، و ذلك لأنّ المعنى الذي بني عليه الاستدلال بها مجاز لا يصار إليه إلّا مع القرينة، و هي في المقام مفقودة.

أما الدعوى الاولى، فلأنّ المتبادر من موارد الأخبار المزبورة إنما هو الرجل بعد موته، لا الرجل المشرف على الموت، و ذلك واضح في صحيح يعقوب من قوله: الرجل يموت، بعد تسليم الخصم عدم ارادة معنى الاستقبال من قوله، و لاقتضاء السياق ارادة المضي من (يموت).

و كذلك الشأن في مورد باقي الأخبار المزبورة من قوله: للرجل عند موته، و ذلك لأنّ لفظة (عند) حقيقة في مكان حضور المضاف إليه أو زمانه لغة، و عرفا، التي لا ينافيها ثبوت استعمال اللفظ المزبور في بعض الموارد في مكان مشارفة حضور المضاف إليه أو زمانه، لكون الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز.


1) بياع السابري: لم ترد في «ك».

2) الكافي 7: 43 باب: المريض يقر لوارث بدين حديث 3، الفقيه 4: 170 حديث 595، التهذيب 9: 160 حديث 661، الإستبصار 4: 112 حديث 431.

و أما الدعوى الثانية فواضحة، إذ ليس في الأخبار المزبورة، و لا في الخارج عنها ما يدل على ارادة المعنى الذي ذكروه من مواردها.

و تجشّم كون القرينة عليه الأخبار الآتية من أدلة الخصم، كما ترى، لوضوح عدم صلاحيتها لذلك، مع ما فيه من أنّ حمل الأخبار المزبورة على المعنى الذي ذكروه بملاحظة باقي أخبارهم، ليس بأولى من حملها على المعنى الذي ذكرناه، مع تقييدها بحال الوصية، بملاحظة ما مضى من أخبار الإبانة و غيرها.

مضافا إلى ما يبعده الحمل على ما ذكروه من لزوم التجوّز- على تقديره- في نفي كون ما عدا الثلث له، الظاهر في نفي الملك، الذي هو بملاحظة سبق ملكه له، بمعنى الخروج منه، و ذلك بحمله على معنى عدم نفوذ التصرّف.

و من الاحتياج إلى علاج كثير في تصحيح الاستدلال بها على وجه تطابق مذهب الخصم، و ذلك لمباينة عنوانها لعنوان مذهبه بالأخصية منه من حيث اختصاص عنوانها بحال مشارفة الموت، و بالأعمية منه من حيث إطلاق عنوانها بالنسبة إلى كونه مريضا، و كون التصرّف تبرعيا.

و حينئذ فيحتاج المستدل إلى علاج يدفع الأول بضميمة عدم القول بالفصل، و دفع الثاني بالنسبة إلى صورة التنجيز بالنسبة إلى التقييدين معا بالإجماع.

و من هنا يظهر لك رجحان الحمل على المعنى الذي ذكرناه، إذ لا يلزم على تقديره شي‌ء مما ذكر و لا غيره، غير أنه على تقديره يجب حمل إطلاق المطلق منها بكون الثلث له على ما صرّح به في خبر ابن سنان (1)من تقييد ذلك بحال الوصية به لا مطلقا.

و أما ذيل خبر العلاء (2)فلا ينبغي إدراجه في طي أدلة محل النزاع، إذ هو


1) التهذيب 9: 242 حديث 939.

2) الكافي 7: 42 باب: المريض يقر لوارث بدين حديث 3، الفقيه 4: 170 حديث 595، التهذيب 9: 160 حديث 661، الإستبصار 4: 112 حديث 431.

من أدلة مسألة إقرار المريض، لاختصاصه سؤالا و جوابا بالامرأة التي أقرت عند حضور الموت بأنّ ما في يدها لغيرها، و لا ريب في خروج المسألة المزبورة عن موضع النزاع، و انه لا تلازم بينهما في حكم الخروج من الأصل أو الثلث، كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى.

القسم الثاني

خبر جرّاح المدائني قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن عطية الوالد لولده، فقال عليه السّلام: «إذا أعطاه في صحته جاز» (1).

و موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن عطية الوالد لولده، فقال عليه السّلام: «إذا كان صحيحا فهو ماله يصنع به ما يشاء، فأما في مرضه فلا يصلح» (2).

و صحيح الحلبي: سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق فتبرئه منه في مرضها، فقال عليه السّلام: «لا» (3).

و موثقة سماعة قال: سألته عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق أو بعضه فتبرئه منه في مرضها، قال: «لا، و لكنها إن وهبت له جاز ما وهبت له من ثلثها» (4).

و رواية أبي ولّاد قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يكون لامرأته عليه الدين فتبرئه منه في مرضها، قال عليه السّلام: «بل تهبه له، فتجوز


1) التهذيب 9: 201 حديث 801، الإستبصار 4: 127 حديث 480.

2) التهذيب 9: 200 حديث 800، الإستبصار 4: 127 حديث 481.

3) التهذيب 9: 201 حديث 802.

4) التهذيب 9: 201 حديث 803.

هبتها، و يحتسب ذلك من ثلثها إن كانت تركت شيئا» (1).

و هذه الأخبار على ما قيل من أقوى أدلة الخصم على مطلوبة، و ذلك لصراحة دلالة خبري الهبة على ذلك، و ظهور ما عداهما فيه من خبري العطية و أخبار الإبراء، بعد تنزيل إطلاق المنع في الجميع على المفصّل في خبري الهبة، مع كون الأخبار المزبورة أخص من أخبار القول الأول الذي لا ريب معه في لزوم تقديمها على تلك الأخبار.

و يندفع ما فيها من أخصيّة مدلولها من المدّعى بضميمة عدم القول بالفصل، كاندفاع ما في بعضها من ضعف السند بالاعتضاد بالحجية منها من الصحيح و الموثق، و بالشهرة بين المتأخرين كما سمعت.

هذا، و لا يخفى عليك ما في هذه الأخبار من القصور عن إثبات مدّعى الخصم، و ذلك لما في خبر المدائني (2)، و موثقة سماعة الاولى (3)، و صحيح الحلبي (4)من انتفاء القائل بها على ظهورها من المنع من العطية و الإبراء في حال المرض مطلقا، سواء زادت قيمة المعطى و قدر المبرإ منه على قدر الثلث أم لا، بل الاتفاق من الأصحاب قائم على عدمه.

و دفع ذلك بدعوى الحمل لها على معنى أنه لا تصح العطية و البراءة من الأصل، و إنما يصحان من الثلث، فيه- مع أنّ الحمل المزبور بعيد عن السياق، خصوصا بالنسبة إلى سياق خبري العطية، إذ لا تعرّض فيهما للأصل و الثلث، و إنما السؤال فيهما عن العطية بقول مطلق، و الجواب منه عليه السّلام بأنه في حال الصحة يفعل في ماله ما يشاء، و أما في حال المرض فليس له ذلك مع كون


1) التهذيب 9: 195 حديث 783، الإستبصار 4: 120 حديث 157.

2) التهذيب 9: 201 حديث 801، الإستبصار 4: 127 حديث 480.

3) التهذيب 9: 200 حديث 800، الإستبصار 4: 127 حديث 481.

4) التهذيب 9: 201 حديث 802.

المقام مقام بيان- أنّ ذلك لا يجدي في مقام الاستدلال، ضرورة أنه لا يكفي مجرد الاحتمال، سيما إذا كان ذلك خلاف الظاهر، كما هو الشأن في المقام، لوضوح كون الحمل المزبور خلاف الظاهر من الأخبار المذكورة، مع انتفاء القرينة في الخارج و الداخل عليه.

و مجرد موافقته لمدلول خبر الهبة لا يصلح لأن يكون قرينة، لوضوح أنّ ما بين مورد الخبرين المشار إليهما، و بين مورد خبري العطية، التباين الكلي، لا العموم و الخصوص المطلق، إلّا على تكلّف.

مضافا إلى أنه مع الغض عما في الخبرين المشار إليهما من القدح المانع عن اعتبارهما- على ما ستعرف إن شاء اللّه تعالى- ليس الحمل المزبور للموافقة المزبورة بأولى من الحمل على ما يوافق مدلول أخبار الإبانة المتقدّمة، من كون المنع من العطية المنجّزة في حال المرض إذا كانت من غير إبانة و تسليم، كما حمل عليه الموثق من الخبرين المزبورين في التهذيب (1).

و عليه فلا يبعد أن يكون الوجه في إطلاق الجواز في حال الصحة، و إطلاق المنع في حال المرض غلبة التسليم في العطية في الحال الأول، و غلبة العدم في الحال الثاني، لمشغولية فكر المريض و عجزه.

كما أنه يبعّد الحمل المزبور في صحيح الحلبي منافاته لظاهر موثق سماعة (2)، و خبر أبي ولّاد (3)، من كون المنع من الإبراء في حال المرض مطلقا لا يختص بكونه من الأصل، بل حتى لو كان من الثلث، بقرينة تعقيب ذلك فيهما بتجويز الهبة و احتسابها من الثلث.


1) التهذيب 9: 201.

2) التهذيب 9: 201 حديث 803.

3) التهذيب 9: 195 حديث 783، الإستبصار 4: 120 حديث 157.

هذا كلّه مضافا إلى عدم تعيّن الحمل المزبور في الأخبار المزبورة، و ذلك لإمكان حمل المنع فيها على الكراهة، كما حمل عليه الموثق منها في التهذيب (1)أيضا، الذي لا ريب في إمكانه في خبر المدائني (2)، و ذلك بتقييد الجواز في العطية حال الصحة في منطوقه بقيد نفي الكراهة، فإنّ المفهوم يكون حينئذ الجواز في حال المرض معها.

كما انه لا ريب في أولويته مما ذكروه إن لم يكن متعيّنا في موثقة سماعة (3)، لكونه الظاهر من لفظ (لا يصلح) الواقع فيها، و أقرب المجازات إلى الحقيقة و أشيعها استعمالا إن لم يكن هو الحقيقة في صيغة النهي الواقع في الصحيح.

و لعلّ العلّة في الحكم بالكراهة في المقام ما ذكره الشيخ قدّس سرّه في التهذيب- بعد حمله الموثقة المزبورة عليها-: من كون العطية حال المرض إضرارا بالورثة، و إيحاشا لهم بتخصيص أحدهم بالعطية (4)، الذي لا ريب في جريانه في مورد خبر المدائني، و كذا في مورد الصحيح، من حيث كون الإبراء في معنى العطية، و الزوج من جملة الورثة.

و لا يقدح في صحة التعليل المزبور نفي الكراهة عن العطية، و ما في معناه في حال الصحة، لظهور عدم جريانه في العطية و ما في معناه إذا كانا في حال الصحة، و ذلك إما لعدم صدق الإضرار بالورثة في العرف بالعطية في الحالة المزبورة بخلاف حالة المرض، لكون المدار في صدق الإضرار و عدمه على تأهل المال لأن يكون للورثة بحسب الظن، أو بحسب الإقدام من المعطي كما في الحالة


1) التهذيب 9: 201.

2) التهذيب 9: 201 حديث 801، الإستبصار 4: 127 حديث 480.

3) التهذيب 9: 201 حديث 803.

4) التهذيب 9: 201.

الثانية، و عدم التأهل كذلك كما في الحالة الأولى.

أو لكون المقصود من الإضرار في المقام ما يختص بالورثة بحسب ظاهر الإقدام، لا مطلقا، حتى لو كان الإقدام في العطية من المعطي على الإضرار بنفسه، كما في الحالة الأولى.

كما أنّ الإيحاش للورثة لا يتحقق مع كون العطية لأحد الورثة في حال الصحة، كما لو كانت لغيرهم، فإنه لا يحصل من تصرفه بإعطاء و غيره في الحالة المزبورة وحشة أصلا، بخلاف ما لو وقع ذلك في حال المرض، فتأمل جيدا.

كما أنه لا يتوجه على الحمل المزبور، و الحمل المتقدّم، ما اعترض به الفاضل الكاشاني على الشيخ رحمه اللّه، في ما حكيناه عنه في التهذيب من حمل الموثقة المزبورة على الوجهين المزبورين (1)، حيث قال على ما حكي عنه: إنّ التأويل الأول- أي: الحمل على الكراهة- ينافيه ما مرّ من بعض الأخبار الدالة على تحريم الإضرار بالورثة.

و التأويل الثاني ينافيه ظاهر خبر جرّاح المدائني (2)من الاقتصار في شرط الجواز على الصحة من المرض- إلى أن قال-: فالصواب أن نحمل هذه الأخبار على ظواهرها، و يخص المنع من العطية بمورده من خصوص الوارث، و سرّه ما ذكره الشيخ رحمه اللّه من الإيحاش، فإن فعل حسب ذلك من الثلث، كما تدل عليه الأخبار الأخيرة. انتهى.

فإنه كما ترى، و ذلك للمنع من دعوى حرمة الإضرار بالورثة، للأصل السالم عن المعارض، عدا ما أشار إليه من رواية مسعدة بن صدقة (3)التي لا صراحة في دلالتها على التحريم، بل يمكن دعوى عدم ظهورها في ذلك، إذ


1) التهذيب 9: 201.

2) التهذيب 9: 201 حديث 801، الإستبصار 4: 127 حديث 480.

3) الفقيه 4: 137 حديث 478.

ليس فيها إلّا قوله: «لو علمت ما دفناه مع أهل الإسلام»، و هو بعد القطع بعدم إرادة ظاهره من خروجه عن الإسلام حقيقة، جار على ما هو المعروف من طريقته صلّى اللّه عليه و آله، و طريقتهم عليهم السّلام من المبالغة في التحذير من المكروهات بما يلحقها بالمحرّمات، كما وقع منهم عليهم السّلام من المبالغة في الحث على المستحبات بما يلحقها بالواجبات.

و مع التسليم لدعوى ظهورها في ذلك، فلا ريب في عدم صلاحيتها لإثبات حكم مخالف للأصل، و لظاهر موثقة سماعة (1)المتقدّمة في أدلة المختار، و الاتفاق من الأصحاب مع كونها ضعيفة السند.

و من هنا تعلم ما في اعتراضه الأول، و ما في قوله: و الصواب. إلى آخره.

و أما اعتراضه الثاني ففيه: إنه لا يقدح في قبول التأويل مخالفة ظاهر مؤوّل، فضلا عن مخالفة ظاهر غيره إذا قضى به ضرورة الجمع بين الأخبار، و قام عليه شاهد من كلامهم عليهم السّلام، بل اللازم حينئذ تأويل الظاهر المخالف أيضا، كما هو الشأن فيما نحن فيه.

كما أنه لا يخفى أنّ الشاهد على ذلك ما سمعت من أخبار الإبانة، لصراحتها بجواز العطية، فتأمّل جيدا.

و أمّا موثقة سماعة الثانية (2)، و خبر أبي ولّاد (3)، ففيهما ما في تلك من أنّ مضمونها من عدم صحة الإبراء مما في الذمة و صحة هبته، مما لا يقول به أحد، و ذلك لأنّ الإبراء مما في الذمة صحيح بالاتفاق دون هبته، فإنّ الحكم فيها إما بالعكس كما هو رأي جماعة، أو بمساواتها له في الصحة لا غير.

و لا يخفى أنّ دعوى دلالتها على ما ذكرنا من عدم صحة الإبراء مما في الذمة


1) التهذيب 9: 201 حديث 803.

2) التهذيب 9: 201 حديث 803.

3) التهذيب 9: 195 حديث 783، الإستبصار 4: 120 حديث 157.

واضحة بالنسبة إلى الموثقة المزبورة، و أما بالنسبة إلى خبر أبي ولّاد، فلأن ذلك هو المفهوم منه بمقتضى السياق، مضافا إلى ما يؤيده من قرينة قوله المتعرض لبيان الحكم فيه من الاحتساب من الثلث و عدمه، إذ لو كان جائزا عنده عليه السّلام كالهبة لكان أولى بالتعرّض لبيان الحكم فيه منها، لكونه المسؤول عنه دونها.

و من الواضح أنه ليس في بيانه عليه السّلام لحكم الهبة دلالة على بيان حكمه بوجه من وجوه الدلالة، و مشاركة لها في الجواز المدّعى دلالة الخبر عليه لا يدل على مشاركته لها في الحكم المذكور لها في الخبر المزبور.

كما أنه يشهد لما قلناه ثبوت المنع من الإبراء فقط، كما في صحيح الحلبي (1)، أو مع النصّ على جواز الهبة، كما في الموثقة المزبورة (2).

و من هذا تعلم ما في دعوى كون الإضراب في الخبر المزبور للترقّي، فتأمّل جيدا.

هذا و لا يدفع القدح في الروايتين المزبورتين بما قلناه ما تكلّفه بعض الأصحاب لدفعه، من دعوى أنّ الإمام عليه السّلام كان يعلم أنّ حق المرأة لم يتعلّق بذمة الزوج، و إنما كان عينا موجودة، فلذلك منع عليه السّلام من الإبراء، لكونه لا يقع على الأعيان، و أمر بالهبة لكونها تقع عليها.

فإنه كما ترى، و ذلك لامتناع ما ذكره من الوجه في خبر أبي ولّاد (3)، فإنّ السؤال فيه إنما هو عن الإبراء عن الدين، و لمخالفته للظاهر بما في الموثقة، ضرورة أنّ الظاهر من قوله فيها: عن الرجل يكون عليه لامرأته الصداق أو بعضه، أنّ الصداق في ذمة الزوج، لا أنه عين موجودة، و إلّا لقال بدل (عليه): عنده.


1) التهذيب 9: 201 حديث 802.

2) التهذيب 9: 201 حديث 803.

3) التهذيب 9: 195 حديث 783، الإستبصار 4: 120 حديث 157.

مضافا إلى أنه يمكن دفعه بوجه آخر، و هو أنّ الإمام عليه السّلام كان قد علم أنّ الإبراء المسؤول عنه كان من الزوجة معلّقا على الموت، و لو من ملاحظة المعلوم من عادة غالب النساء من أنهن لا يسمحن بإبراء الزوج عن الصداق ماد من في حال الحياة، لتعلّق غرض لهن في بقائه في ذمته، و إن سمحن بذلك فإنما يسمحن بعد الموت.

و مراده عليه السّلام من الهبة التي جوّزها هي الهبة المعلّقة على الموت أيضا، و حينئذ فمنعه عليه السّلام من الإبراء و إن كان قد تعلّق بما في الذمة، إنما هو لعدم صحة إبراء على الحقيقة، و عدم تأديته معه معنى الوصية، بخلاف الهبة المعلّقة فإنها و إن كانت لا تصح هبة على وجه الحقيقة مع التعليق، إلّا أنها معه تفيد معنى الوصية عرفا، فتصح حينئذ وصية، إذ لا يعتبر فيها لفظ مخصوص، بل يكفي فيها كل لفظ دال على المقصود.

و على هذا الوجه، فلا دلالة في الخبرين على مطلوب المستدل بوجه، كما لا يخفى.

نعم، يمكن دفع القدح المزبور في الخبرين، مع عدم خروجهما عن الدلالة على مطلوبه، بناء على احتمال عموم جواز الرجوع في الهبة مطلقا، حتى لو وقعت على ما في الذمة، الذي لم نعثر على قائل به.

و على القول بعدم لزوم هبة أحد الزوجين للآخر، فإنه على تقدير هما يمكن أن يكون غرضه عليه السّلام من النهي عن الإبراء و الأمر بالهبة، الإرشاد إلى مصلحة دنيوية بالنسبة إلى الزوجة، بمقتضى العادة في الغالب من النساء، من تعلّق غرض لهن في بقاء الصداق في ذمة الزوج ما دمن في الحياة، على معنى أنه لا ينبغي للزوجة في حال المرض إبراء الزوج من صداقها، لأنّه يفوّت معه غرضها مطلقا، المعلوم ثبوت كونه غرضا لها، بملاحظة ما أشرنا إليه لو برأت من المرض، لأنه لازم لا يمكن الرجوع به، و إنما الذي ينبغي لها حينئذ أن تهبه له،

لأن الهبة لمكان جواز الرجوع بها لا يفوت معها الغرض المزبور لو فرض برؤها من المرض.

و لكن هذا الوجه كما ترى في غاية الضعف.

هذا كلّه مضافا إلى ما في جميع أخبار هذا القسم من كون الثابت بها أخص من المدّعي.

و دعوى تتميم دلالتها عليه بضميمة عدم القول بالفصل، لا تتم بدون حصول القطع، بالإجماع المركب في المقام، الذي هو كما لا يخفى غير حاصل في هذا المقام، خصوصا و القول بالفرق بالنسبة إلى بعض أفراد محل النزاع متحقق، كما سمعت عن الغنية من القول بالفرق بين الهبة و العتق من أنها تنفذ من الأصل، و هو لا ينفذ إلّا من الثالث، مدعيا الإجماع في المقامين (1).

و إلى ما في الضعيف منها من انتفاء الجابر له، إذ ليس في المقام إلّا الشهرة بين المتأخرين الذي قد عرفت الحال فيها من عدم إفادتها الظن هنا، فلا يحصل بواسطتها التبيّن الذي عليه المدار في قبول خبر غير العدل.

كما أنه لا يرفع عنه ضيما موافقة الموثق، لكونه بما عرفت من تحقق القدح في نفسه مع معارضته بما مرّ من أدلة المختار ساقطا عن درجة الاعتبار، فلا يفيد اعتبارا لغيره، كما لا يخفى.

القسم الثالث

منها: خبر علي بن عقبة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: في رجل حضره الموت فأعتق مملوكا ليس له غيره، فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك، كيف يصنع؟


1) الغنية (الجوامع الفقهية): 542.

قال عليه السّلام: «ما يعتق منه إلّا الثلث، و سائر ذلك الورثة أحق به و لهم ما بقي» (1).

و خبر السكوني عن أبي جعفر عليه السّلام، عن أبيه عليه السّلام، عن علي عليه السّلام: إنّ رجلا أعتق عبدا عند موته ليس له مال غيره، قال: «سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: يستسعى في ثلثي قيمته للورثة» (2).

و ما رواه في المسالك عن صحاح الجمهور، ثم قال: و هو أجود ما في الباب متنا و سندا، و من ادعى خلاف ذلك فالسيرة تردّه، و هو أنّ رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد له في مرضه لا مال له غيرهم، فاستدعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فجزّأهم ثلاثة أجزاء و أقرع بينهم، فأعتق اثنين و أرقّ أربعة (3).

و هذه الأخبار كما ترى واضحة الدلالة على ما تضمّنته من بعض مطلوب الخصم على وجه لا يتوجه إليها شائبة قدح في ذلك، و لكن لا يخفى عليك ما فيها مما يمنع من الاستناد إليها في إثبات دعوى الخصم، و ذلك:

أولا: ما في جميعها من ضعف السند، مع عدم الجابر لها في المقام، إذ ليس فيه مما يتخيّل صلاحيته لذلك، إلّا الشهرة بين المتأخرين، التي قد عرفت الحال فيها في خصوص المقام، فلا نعيده.

على أنه لو سلّم وجود الجابر لها، فإنما ينفع بالنسبة إلى ما عدا النبوي منها، و أما هو فلا تفيده ذلك فائدة، لما عرفت من حال خبر الواحد الذي انفرد


1) التهذيب 9: 194 حديث 881، الإستبصار 4: 120 حديث 455. و فيهما اختلاف بسيط عمّا في النسختين.

2) التهذيب 8: 229 حديث 828، الإستبصار 4: 7 حديث 22.

3) المسالك 1: 238.

العامي بروايته و لم يكن مرويا من طرق أصحابنا، من أنه ليس من صنف الحجة من خبر الواحد، و كونه مرويا في صحاح الجمهور لا يغنيه غنى، بحيث يخرجه عن العنوان الذي أشرنا إليه.

و من هذا تعرف ما في المسالك (1)مما ذكرنا سابقا من أنه أجود ما في الباب متنا و سندا.

و ثانيا: ما في جميعها أيضا من القصور عن افادة تمام مدّعى الخصم، ضرورة أنّ ما تضمنته إنما هو بعض أفراد محل النزاع، و هو خصوص العتق من المريض إذا لم يكن له مال غير من تعلّق به الإعتاق.

و حينئذ فيبقى ما عدا ذلك من محل النزاع- و هو خصوص العتق من المريض مع فرض وجود مال له غير من تعلّق به- خاليا من الدليل.

و دعوى تتميم دلالتها على تمام المدّعى بضميمة عدم القول بالفصل، قد عرفت ما فيها في القسم السابق على هذا القسم من أخبار الخصم، فلا حاجة إلى الإعادة، كوضوح بطلان دعوى دلالتها عليه من طريق الأولوية.

و ذلك بدعوى كون الخارج عنها من محل النزاع أولى بثبوت الحكم الذي اشتملت عليه فيه مما ذكرته، و هو العتق، لكونه في الشرع مبنيّا على التغليب دون الخارج من أفراد محل النزاع، فإنّ ابتناءه في الشرع على الوصف المزبور مما يكشف عن كونه أقوى في الوقوع و الثبوت فيما تعلّق به من سائر الأسباب الشرعية مما لم يكن في الشرع مبنيّا على الوصف المزبور.

و حينئذ فإبطاله في حال من الأحوال، لعارض من العوارض، يدل على إبطال ما دونه في ذلك الحال بالعارض الذي أبطله بطريق أولى، فإنّ الدعوى


1) المسالك 1: 238.

المزبورة كما ترى بمكانة لا يخفى عليك توجّه القدح إليها، و ذلك للمنع من كون العتق الواقع في الأخبار المزبورة و نحوه من كل عتق وقع، مع كون المعتق ليس له مال سوى من تعلّق به عتقه من العتق المبني على التغليب، إن كان مرادهم من التغليب في العتق معنى السراية، حيث يقع على شقص.

ضرورة أنّ العتق الواقع على الوجه المزبور في هذه الروايات لا يسري إلى غير محلّه لو وقع على حال قابل للسراية، كأن يقع من المريض مع الوجه المفروض على شقص من العبد كالثلث، فإنه لا ريب في عدم سرايته حينئذ، ضرورة انتفاء شرطها من وجود مال للمعتق غير المستثنيات، بقدر قيمة ما يسري إليه العتق.

و إن كان مرادهم من التغليب غير ما ذكرناه، من أنّ العتق متى وقع على محل صح و ثبت فيه و إن استلزمت صحته و ثبوته فيه إسقاط حق للغير ثابت له بسبب من الأسباب، من غير بدل شرعي، كما هو الشأن في مقام السراية من جعل القيمة بدلا من حق المالك، منعنا ثبوت ذلك في الشرع للعتق، لعدم دليل عليه، بل الدليل قائم على بطلانه مع الاستلزام المذكور، كما هو واضح.

و من هنا لا يصحّ العتق للعبد المرهون مع ردّ المرتهن اتفاقا.

و كذا العتق للعبد الجاني عمدا جناية تستغرق قيمته.

و كذا الحال إن كان مرادهم منه تقديم العتق على غيره من الأسباب الشرعية، حيث يتواردان معا على محل واحد، كبيع أو وقف مثلا صدر من أحد الوكيلين على عبد، مع صدور العتق من الوكيل الآخر في زمان واحد، لعدم ما ينهض على ذلك من الأدلة الشرعية.

هذا، و لكن مع التسليم لما منعناه، فلا ريب في أنّ الدعوى المزبورة إنما تتم مع دلالة المعتمد من الأخبار المزبورة على بطلان العتق بالنسبة إلى ما زاد على

الثلث، و ذلك ممنوع على مدّعية، ضرورة صراحة رواية السكوني (1)بصحته في الجميع، و لكنه يستعى العبد بقيمة قدر حصة الورثة منه، كتصريح بعض الأصحاب من أهل القول الثاني كالعلّامة في التحرير (2)، بل لعلّ الاقتصار الواقع في الحدائق على حكاية هذا قولا، و الآخر القول بالنفوذ على الورثة مجانا في الموضع المفروض في الروايتين (3)، فيه دلالة على انتفاء القول بالبطلان فيما زاد على الثلث أصلا و رأسا، و لكن الظاهر من العلّامة في القواعد (4)القول به.

و رواية ابن عقبة (5)لا تأبى الحمل على ما يوافق رواية السكوني (6)، و ذلك لإمكان حمل ما فيها من قوله عليه السّلام: «و لهم ما بقي» على إرادة القيمة لا العين.

و لا ينافيه قوله عليه السّلام قبله: «و سائر ذلك الورثة أحق به»، كما هو واضح.

كما أنّ ما قبلها من قوله عليه السّلام: «ما يعتق منه إلّا ثلثه» على معنى أنه ما يعتق منه مجانا، و الشاهد على ذلك رواية السكوني، و قاعدة ابتناء العتق على التغليب، التي لهجت بها ألسنتهم.

و مع التسليم لدلالة الأخبار المزبورة على بطلان العتق فيما عدا الثلث أصلا و رأسا، فإنّا نمنع من دعوى ثبوت الأولوية من ملاحظة ثبوت ابتناء العتق شرعا على التغليب، بناء على ما عرفت من أنّ القدر الثابت للعتق شرعا إنما هو


1) التهذيب 8: 229 حديث 828، الإستبصار 4: 7 حديث 22.

2) التحرير 1: 305.

3) الحدائق 22: 600.

4) قواعد الأحكام 1: 335.

5) التهذيب 9: 194 حديث 881، الإستبصار 4: 120 حديث 455.

6) التهذيب 8: 229 حديث 828، الإستبصار 4: 7 حديث 22.

التغليب بمعنى السراية، لا غير.

و حينئذ فالوجه في المنع هو وضوح أنّ ثبوت التغليب له بالمعنى المزبور لا يفيد كونه أقوى من غيره، مما لم يكن من الأسباب مبنيا على الوصف المزبور، بل ذلك حكم شرعي تعبّدي، لا يكشف ثبوته عن قوة السبب. و لذلك اختصت السراية في موضع خاص، و هو ما اجتمع فيه الشرائط الخاصة التي ذكروها في بابه.

و الحاصل أنّ الحكم من الشارع بتعدّي أثر السبب إلى غير محلّه، لا يدل بوجه من وجوه الدلالة على كون ذلك السبب أقوى بالنسبة إلى كل سبب لم يثبت من الشارع تعدّيه إلى غير محلّه، كما هو واضح، ضرورة أنّ ثبوت الحكم المزبور بسبب من الأسباب يجري مجرى تعدّي البيع إلى الثمر قبل التأبير، و نحوه مما حكم الشارع فيه بالتبعية، لما وقع عليه من السبب في تعلّق أثر ذلك السبب به، كتعلّقه بالمتبوع.

مضافا إلى أنه يعتبر في صحة قياس الأولوية مع زيادة الفرع على الأصل، بكون الوصف الذي ظهر كونه علّة للحكم فيه أشد منه في الأصل، مساواة ذلك الفرع للأصل في جميع أوصافه التي ثبت معها الحكم فيه، مما يحتمل أن يكون له مدخلية في عليّة الحكم الثابت له، أي للأصل.

و حينئذ فمع تسليم دعوى الأولوية في المقام، فإنما يمكن دعواها هنا بالنسبة إلى ما يساوي العتق الذي ذكرته الروايات من المنجّزات في جميع أوصافه، التي ثبت معها الحكم ببطلانه فيما زاد على الثلث، التي منها كون المريض لا مال له غير من تعلّق به الإعتاق، الذي لا ريب في إمكان احتمال كونه له مدخلية في عليّة الحكم المزبور لما يلزم مع فرضه من تحقق شدّة الإضرار و الإجحاف بالورثة، التي لا ريب في انتفائها مع وجود مال آخر للمريض، ضرورة إمكان كون الوصف المزبور مفسدة، منع الشارع من نفوذ العتق حينئذ، حذرا من

لحوقها لعباده لو لم يمنع من ذلك.

و على هذا فلا يدخل في دلالة الأخبار المزبورة بملاحظة الأولوية المدّعاة في المقام، إلّا ما وقع من المنجّزات تبرعا، مع عدم وجود مال للمريض غير ما تعلّق به تصرّفه المنجّز لا غير، بل يمكن أن يقال باختصاص الأولوية المدعاة بالنسبة إلى ما كان من المنجّزات عبادة، مع اعتبار الوصف الأول دون ما عدا ذلك منها، و ذلك لإمكان أن يكون علّة الحكم في العتق المفروض في الروايات هي منافاة وصف شدة الإضرار و الإجحاف لوصف العبادية فيه، التي لا ينبغي الريب في تحققها مع القصد في العتق إلى ذلك، فتأمّل و أعط النظر حقه و لا تغفل.

و ثالثا: ما فيها أجمع من كونها معارضة بما عرفت من أدلة المختار، التي قد عرفت كونها أقوى من جميع أدلة الخصم، فضلا عن هذه الأخبار منفردة عن غيرها من وجوه كثيرة من وجوه الرجحان.

كما أنك قد عرفت أنّ دعوى أخصيتها من أخبار المختار لا يدفع عنها ضيما، فإنّ اللائق بها حملها على ما يخرجها عن وصف معارضة أدلة المختار، الموجب لطرحها لو لم يكن هناك منه مناص، و ذلك بحملها على ما حمل عليه في المسالك رواية ابن عقبة من كون المراد من العتق فيها الوصية به (1)، كما لعلّه يومى‌ء إليه قوله عليه السّلام في الرواية المزبورة في الجواب: «ما يعتق منه»، و لم يقل: ما ينعتق منه، كما لا يخفى.

كما أنه يشهد للحمل المزبور وقوع مثل ذلك في أخبارهم عليهم السّلام على وجه لا يبعد معه دعوى كونه شائعا في عرفهم عليهم السّلام.

و من الأخبار المشار إليها خبر عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه


1) المسالك 1: 238، التهذيب 9: 194 حديث 881، الإستبصار 4: 120 حديث 455.

عليه السّلام قال: «أصل الوصية أن يعتق الرجل ما شاء، و يمضي ما يشاء، و يسترق من كان أعتق، و يعتق من كان استرق» (1).

و منها: خبر عبد الرحمن بن سيابة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إذا مرض الرجل فأوصى بوصية عتق أو تصدّق، فإنه يرد ما أعتق و تصدّق» إلى آخر الحديث (2).

و منها: خبر زرارة قال: «إذا أتى على الغلام عشر سنين، فإنه يجوز له في ماله ما أعتق و تصدّق، إذا أوصى على وجه معروف و حق هو جائز» (3).

و ذلك لأنّ الإعتاق في الخبر الأول في موضعين، و في كل من الخبرين الأخيرين في موضع، و كذا التصدّق فيهما بمعنى الوصية به، كما لا يخفى.

و منها: رواية عبد الرحمن الطويلة (4)، على ما ستعرف إن شاء اللّه تعالى.

و لا ينافيه نسبته فيها إلى المريض، لجواز كونها باعتبار كونه السبب القوي فيه من جهة ايصائه به، إذ لا ريب في جواز نسبة الفعل إليه كالمباشر و إن اختلفا من وجه آخر، كما يرشد إليه وقوعه في كلام الأصحاب.

و لعلّك مما ذكرناه في وجه النسبة- على تقدير الحمل المزبور- تعلم أنّ حمل الروايات على التدبير أولى فيها من الحمل المزبور، و ذلك لأنّ نسبة العتق إلى المريض على تقديره نسبة إلى الفاعل المباشر، لا إلى السبب، كما هو اللازم على تقدير الحمل المزبور، و عدم التعرّض في الكتاب المذكور للحمل المزبور في الخبر النبوي، لمكان خلوّه مما ذكر في ذلك الكتاب من علّة الحمل المزبور في رواية


1) التهذيب 9: 191 حديث 767.

2) التهذيب 9: 191 حديث 768.

3) الكافي 7: 28 باب: وصية الغلام و الجارية. حديث 1، التهذيب 8: 248 حديث 898.

4) الكافي 7: 26 باب: من أعتق و عليه دين حديث 1، التهذيب 8: 232 حديث 841، الإستبصار 4: 8 حديث 27.

ابن عقبة من اشتمالها على قرينة تمنع من حمل العتق فيها على المنجّز، و هي فرض كون العتق فيها واقعا من الرجل حال حضور الموت، الذي هو حال يمتنع أو يبعد معه مباشرة العتق، كما هو واضح.

و حينئذ فيكون المراد من نسبته إليه في تلك الرواية إيصاءه به باعتبار كونه حينئذ سببه القوي، إذ لا ريب في أنّ الخبر المزبور لم يشتمل على أكثر من فرض كون العتق المذكور فيه واقعا في حال المرض، الذي لا يبعد معه وقوعه منه على جهة المباشرة، فضلا عن دعوى الامتناع معه.

و أما عدم التعرّض لذلك في رواية السكوني (1)، فلعدم نقلها في الكتاب المزبور، و إلّا فهي كرواية ابن عقبة في الاشتمال على القرينة التي ادعي كونها فيها قرينة على الحمل المزبور، و ذلك لأنّ قوله فيها: أعتق عند موته، بمنزلة قوله في رواية ابن عقبة: حضره الموت فأعتق، في المعنى، كما هو واضح، كوضوح أنى تعليل الحمل المزبور بما سمعت لا يخلو من نظر، و ذلك لوضوح أنه لا تلازم بين امتناع المباشرة في العتق في الحال المفروض، و امتناع التنجيز فيه في تلك الحال، ضرورة إمكانه مع امتناع المباشرة بالتوكيل فيه في الحال المزبور، مضافا إلى أنّ حضور الموت إن فرض على حال من الأحوال كونه مانعا من مباشرة العتق، فهو في تلك الحال مانع من فعل الوصية مطلقا، أو خصوص الحادثة من طريق اللفظ، فتأمل جيدا، و اللّه العالم.

القسم الرابع

منها: خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إن أعتق رجل عند موته خادما له، ثم أوصى بوصية أخرى، ألغيت الوصية و أعتقت الجارية من


1) التهذيب 8: 229 حديث 828، الإستبصار 4: 7 حديث 22.

ثلثه، إلّا، أن يفضل من الثلث ما يبلغ الوصية» (1).

و خبر إسماعيل بن همام عن أبي الحسن عليه السّلام: في رجل أوصى بمال لذوي قرابته و أعتق مملوكا له، و كان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث، كيف يصنع بوصيته؟ قال عليه السّلام: «يبدأ بالعتق فينفذه» (2).

و وجه الدلالة في هذين الخبرين على مطلوب الخصم، هو أنهما قد دلّا على أنّ حكم العتق- المفروض فيهما من عتق الخادم و المملوك الذي هو منجّز، كما يدل عليه ما فيهما من ظاهر نسبته إلى المريض، و ما في الثانية من الحكم بتقديم العتق في التنفيذ على الوصية بالمال، مع أنه مؤخّر عنها، كما هو الظاهر من صورة السؤال المفروض فيه، ضرورة أنه لو كان المراد منه في هذا الخبر الوصية به للزم الحكم بما لا قائل به من الأصحاب من تقديم المؤخّر على المقدّم في الوصايا المترتبة- هو الخروج من الثلث، دلالة صريحة في الخبر الأول، و ظاهرة في الخبر الثاني، ضرورة ظهور قوله عليه السّلام: «يبدأ بالعتق فينفذه» بعد فرض السائل المزاحمة بينه و بين الوصية، كما يدل عليه قوله: و كان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث، في كون مخرجه من الثلث كالوصية، و إلّا لم تتحقق المزاحمة، التي فرضها السائل بينه و بينها.

هذا، و لا يخفى عليك ما في هذين الخبرين مما ذكرناه في أخبار القسم الثالث من الوجوه التي قد عرفت أنها تمنع من التعويل على ما هي فيه من الأخبار.

و حينئذ فاللازم في هذين الخبرين ما هو اللازم في تلك الأخبار، من الحمل على كون العتق عتق وصية، ضرورة إمكانه هنا حسب ما عرفت من الوجه في


1) الكافي 7: 17 باب: من أوصى بعتق أو جارية أو حج حديث 2، التهذيب 9: 197 حديث 786.

2) الكافي 7: 17 باب: من أوصى بعتق أو جارية أو حج حديث 3.

إمكانه في تلك الأخبار.

مضافا إلى ما في كل واحد من الخبرين المزبورين من القرينة الدالة على ارادة المعنى المزبور من العتق المفروض فيها، و ذلك لما في الخبر الأول من وصفه عليه السّلام الوصية المفروضة فيه بكونها «اخرى»، مع أنه لم يذكر فيه معها سوى العتق المزبور، ضرورة أنه- مع كون الحال كما عرفت- لو لم يكن العتق فيه وصية لما كان معنى لوصف الوصية بالوصف المزبور البتة.

و لما في الخبر الثاني من دخول العتق المفروض في معنى قول السائل: كيف يصنع بوصيته؟ إذ من الواضح أنّ المراد من لفظ (وصيته) هو مجموع ما ذكر في السؤال قبله من الوصية بمال و عتق المملوك معا، فإنّ ذلك هو متعلّق السؤال، كما يدل عليه ما ذكر فيه من جوابه عليه السّلام، لا خصوص الوصية بمال، و إلّا لكان الجواب عنه عليه السّلام بغير المذكور فيه، كما هو واضح.

و لا يمنع من إرادة معنى الوصية في الخبر الثاني ما أشرنا إليه في توجيه الاستدلال به، من أنه يلزم على تقديره الحكم بما لا قائل به، من تقديم الوصية بالعتق المتأخرة على الوصية المتقدّمة عليها من الوصية بمال لذوي قرابته، كما يدل عليه ظاهر صورة السؤال، فإنّ الحكم في الوصايا المترتبة تقديم المقدّم في التنفيذ على المؤخّر.

و ذلك لأنا نمنع من كون مجرد انتفاء القائل بمضمون الرواية قرينة صارفة لها عن ظاهرها، على وجه تكون حجة شرعية بالنسبة إلى المعنى المخالف للظاهر مطلقا حتى لو كان متعيّنا حينئذ، لوضوح أنه لا يفهم من الخطاب مع ملاحظة ذلك كون المراد منه خلاف ظاهره، كما هو الشأن المعتبر في كون الشي‌ء حجة، خصوصا مع ملاحظة تطرّق احتمال الكذب و التقية إليها.

و من ذلك كلّه يعلم الحال في مخالفة مضمون الرواية للإجماع، فتأمل.

مضافا إلى وجود القائل بمضمون الخبر المزبور، فإنّ القول محكي عن

الشيخ (1)، فتأمّل.

القسم الخامس

منها: ما استدل به العلّامة قدّس سرّه على ما حكي عنه في المختلف (2)، زيادة على ما مضى مما ذكرناه من أخبار القول الثاني، و هو عدّة أخبار:

منها: ما رواه في الكافي عن عبد الرحمن في الصحيح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألني أبو عبد اللّه عليه السّلام: «هل يختلف ابن أبي ليلى و ابن شبرمة؟» فقلت: بلغني أنه مات مولى لعيسى بن موسى، و ترك عليه دينا كثيرا، و ترك مماليك يحيط دينه بأثمانهم، فأعتقهم عند الموت، فسألهما عيسى بن موسى عن ذلك، فقال ابن شبرمة: أرى أن تستسعيهم في قيمتهم فتدفعها إلى الغرماء، فإنه قد أعتقهم عند موته.

و قال ابن أبي ليلى: أرى أن تبيعهم و تدفع أثمانهم إلى الغرماء، فإنه ليس له أن يعتقهم عند موته و عليه دين يحيط بهم، و هذا أهل الحجاز اليوم يعتق الرجل عبده و عليه دين كثير فلا يجيزون عتقه إذا كان عليه دين كثير.

فرفع ابن شبرمة يده إلى السماء فقال: سبحان اللّه يا بن أبي ليلى متى قلت بهذا القول؟! و اللّه ما قلته إلّا طلب خلافي.

فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «فعن رأي أيهما صدر الرجل؟» قال: قلت: بلغني أنه أخذ برأي ابن أبي ليلى، و كان له في ذلك هوى، فباعهم و قضى دينه.

قال عليه السّلام: «فمع أيهما من قبلكم؟»


1) المبسوط 4: 10.

2) المختلف: 517.

فقلت له: مع ابن شبرمة، و قد رجع ابن أبي ليلى إلى رأي ابن شبرمة بعد ذلك.

فقال عليه السّلام: «أما و اللّه إنّ الحق لفي ما قال ابن أبي ليلى و إن كان قد رجع عنه».

قلت: هذا ينكسر عندهم في القياس.

فقال عليه السّلام: «هات قايسني».

فقلت: أنا أقايسك؟! فقال: «لتقولنّ بأشد ما يدخل فيه من القياس».

فقلت له: رجل مات و ترك عبدا، لم يترك مالا غيره، و قيمة العبد ستمائة درهم، و دينه خمسمائة درهم، فأعتقه عند الموت، كيف يصنع؟

قال عليه السّلام: «يباع العبد و يأخذ الغرماء خمسمائة درهم، و يأخذ الورثة مائة درهم».

فقلت: أ ليس قد بقي من قيمة العبد مائة درهم عن دينه؟

فقال عليه السّلام: «بلى».

قلت: أ ليس للرجل ثلثه يصنع فيه ما يشاء؟

قال عليه السّلام: «بلى».

قلت: أ ليس قد أوصى للعبد بالثلث من المائة حين أعتقه؟

فقال عليه السّلام: «إنّ العبد لا وصية له، إنما ماله لمواليه».

فقلت له: فإذا كان قيمة العبد ستمائة درهم، و دينه أربعمائة درهم.

قال: «كذا يباع العبد فيأخذ الغرماء أربعمائة درهم، و يأخذ الورثة مائتين، فلا يكون للعبد شي‌ء».

قلت له: فإن كان قيمة العبد ستمائة درهم، و دينه ثلاثمائة درهم، فضحك عليه السّلام و قال: «من هنا أتي أصحابك فجعلوا الأشياء شيئا

واحدا، و ما علموا السنّة، إذا استوى مال الغرماء و مال الورثة، أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء، لم يتهم الرجل على وصيته، و أجيزت وصيته على وجهها، فالآن يوقف هذا العبد و يستسعى، فيكون نصفه للغرماء، و ثلثه للورثة و يكون له السدس» (1).

و ما رواه أيضا في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أحدهما: في رجل أعتق مملوكه عند موته و عليه دين، قال عليه السّلام: «إن كان قيمته مثل الذي عليه و مثله جاز عتقه، و إلّا لم يجز» (2).

و رواه في الفقيه عن ابن أبي عمير، عن جميل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، مثله (3).

و رواه في التهذيب في الصحيح أو الحسن عن زرارة مقطوعا (4).

و ما رواه أيضا عن حفص بن البختري في الصحيح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا ملك المملوك سدسه استسعى و أجيز عتقه» (5).

و ما رواه أيضا عن الحسن بن الجهم في الموثّق قال: سمعت أبا الحسن عليه السّلام يقول في رجل أعتق مملوكا له و قد حضره الموت، و أشهد له بذلك، و قيمته ستمائة درهم، و عليه دين ثلاثمائة درهم، و لم يترك شيئا غيره، قال عليه السّلام: «يعتق منه سدسه، لأنه إنما له منه ثلاثمائة درهم، و يقتضي منه ثلاثمائة درهم، فله من الثلاثمائة ثلثها، و هو السدس من الجميع» (6).


1) الكافي 7: 26 باب: من أعتق و عليه دين حديث 1، التهذيب 8: 232 حديث 841، الإستبصار 4: 8 حديث 27.

2) الكافي 7: 27 باب: من أعتق و عليه دين حديث 2.

3) الفقيه 4: 166 حديث 580.

4) التهذيب 8: 232 حديث 840، الإستبصار 3: 70 حديث 239 و 4: 7 حديث 24.

5) الإستبصار 4: 8 حديث 26.

6) الكافي 7: 27 باب: من أعتق و عليه دين حديث 3، الإستبصار 4: 8 حديث 25.

و ما في الفقيه و التهذيب عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام انه قال في الرجل يقول: إن متّ فعبدي حر، و على الرجل دين، قال: «إن توفّى و عليه دين قد أحاط بثمن العبد بيع العبد، و إن لم يكن أحاط بثمن العبد استسعي العبد في قضاء دين مولاه، و هو حر إذا وفّاه» (1).

هذا، و لا يخفى أنّ وجه الاستدلال بالأخبار المزبورة على مذهب الخصم، إنما هو من حيث دلالتها على أنّ العتق المنجّز الصادر عند موت المولى، إذا لم يكن له مال غير المعتق، و كان عليه دين بقدر قيمته نصفه أو أقل منه، إنما ينفذ منه على الورثة مجانا قدر ثلث الزائد على قدر الدين، و الباقي من قيمة المعتق خاصة، و ما عدا ذلك من قدر حق الغريم و ثلثي الورثة من الزائد عليه يستسعى المعتق فيه للغريم و الورثة، التي لا ريب مع تسليمها- أي الدلالة المزبورة- في كون الأخبار المذكورة نصّا فيما ذهب إليه الخصم في المقام و إن احتيج معها في إثبات تمام دعواه إلى ضميمة على حد ما سبق في أخبار القسم الثالث و الرابع من أخبار مذهب الخصم.

و إنما قلنا بانحصار وجه الاستدلال بهذه الأخبار في الوجه الذي ذكرناه، لعدم دلالتها على غير ما ذكرنا مما يصلح لأن يكون وجها للاستدلال بها على مذهب الخصم، سوى ما فيها من دلالتها على بطلان العتق في بعض الصور المفروضة فيها، التي ربما يتوهم من ملاحظة ذلك فيها ظهور وجه آخر للاستدلال بالأخبار المزبورة، و ذلك باعتبار منافاة ما دلت عليه من الحكم المزبور لمقتضي أدلة القول الأول، إذ لا ريب في أنّ مقتضاها صحة العتق و نفوذه على الغريم و على الورثة جميعا في جميع الصور المفروضة فيها.


1) الفقيه 3: 70 حديث 240، التهذيب 8: 232 حديث 839، الإستبصار 4: 9 حديث 28.

و من هنا قال به في المقام بعض من رجّح تلك الأدلة المشار إليها، حيث لم يعتد بالأخبار المزبورة في تخصيص عموم تلك الأدلة، و يكون الاستدلال بها حينئذ من الخصم إلزاميا لنا.

و لا ريب في فساد الوهم المزبور، لوضوح أنّ ما دلّت عليه من الحكم المنافي المقتضى أدلة المختار مشترك الإلزام، و ذلك لمنافاته أيضا لمقتضى أدلة الخصم في صورة ما إذا كان قيمة المعتق دون قدر الدين.

و مثله ضرورة أنّ مقتضى أدلة الخصم في الصورة المفروضة صحة العتق في قدر ثلث الزائد على قدر الدين، كما ذهب إليه في المقام بعض من رجّح الأدلة المذكورة للقول الثاني، حيث لم يعتد بهذه الأخبار، مع أنّ الأخبار المزبورة قد دلّت على بطلانه مطلقا.

و من هذا تعلم أنه لا وجه لذكر ما خلي من الأخبار المزبورة عن الدلالة على ما ذكرنا من وجه الاستدلال بها في المقام، كصحيح الحلبي (1)، و صحيح زرارة أو حسنته (2)، فتأمّل جيدا.

و كيف كان فالجواب الدافع للتعلّق بهذه الأخبار في المقام هو:

أولا: إنّ مواردها خارجة عن محل النزاع الواقع بين الأصحاب في منجّزات المريض، و ذلك واضح بالنسبة إلى صحيح الحلبي، ضرورة أنّ مورده إنما هو العتق التدبيري لا المنجّز.

مضافا إلى ما فيه من اشتماله على ما لا يقول به أحد من أصحاب القولين في محل النزاع، من حرية العبد كلّه في صورة نقصان الدين عن قدر قيمته إذا و في دين مولاه، و أنه لا شي‌ء للورثة من القيمة أصلا.


1) الفقيه 3: 70 حديث 240، التهذيب 8: 232 حديث 839، الإستبصار 4: 9 حديث 28.

2) التهذيب 8: 232 حديث 840، الإستبصار 3: 70 حديث 239 و 4: 7 حديث 24.

كما أنّ فيه ما أشرنا إليه، من خلوّه من الوجه الذي ذكرنا انحصار وجه الاستدلال بهذه الأخبار فيه.

و أما ذلك بالنسبة إلى الأخبار الباقية، فلوضوح كون موردها إنما هو العتق المنجّز عند الموت مع مزاحمة الدين له و لو في شقص من المعتق، الذي هو- كما أشرنا إليه في صدر المبحث- خارج عن محل النزاع المزبور، حتى ما يزاحم منه حق الورثة في صورة زيادة قيمة المعتق على قدر الدين، و ذلك لأنّ كلا من الفريقين من الأصحاب فيه على الوجه المفروض- لمكان هذه الأخبار- على أقوال ثلاثة، على ما حكاه عنهم غير واحد منهم و إن كنا لم نتحققه، كما ستعرف إن شاء اللّه:

أحدها: ما حكي عن الشيخ المفيد (1)، و الشيخ (2)، و ابن البراج (3)- الذين هم من جملة أهل القول الأول- من القول ببطلان العتق في الفرض المذكور (4)، إلّا إذا كانت قيمة المعتق بقدر الدين، و مثله فيصح حينئذ و لكنه يستسعى المعتق في قدر دين الغريم، و في قدر ثلثي الزائد عليه للورثة، و ينفذ مجانا في قدر الثلث منه، عملا بما دلّ على ذلك من هذه الأخبار التي هي لأخصيتها من أدلة القول الأول، مع صحتها إسنادا، و صراحتها دلالة، لا ينبغي التأمل في لزوم تحكيمها على عموم الأدلة المشار إليها.

و ثانيها: ما ذهب إليه الفاضل ابن إدريس من صحة العتق مطلقا، و سقوط حق الغريم و الورثة من المعتق عينا و قيمة (5)، عملا بعموم أدلة المختار، بعد


1) المقنعة: 101.

2) النهاية: 608.

3) المهذب 2: 105.

4) في «ك»: المزبور.

5) السرائر: 385.

دعوى عدم نهوض هذه الأخبار لتخصيص تلك العمومات:

إما لأصله من عدم حجية أخبار الآحاد، ضرورة عدم خروج الأخبار المزبورة عن ذلك الحد بتواتر أو غيره.

و إما لما عرفت سابقا من بلوغ العمومات المشار إليها مرتبة عظيمة من القوة، بحيث بلغت الغاية و تجاوزت النهاية التي لا ريب معها في عدم قابلية الخاص للمعارضة لها، فضلا عن تقديمه عليها.

مضافا إلى ما ستعرف إن شاء اللّه من عدم صراحتها في ما يوجب المعارضة لتلك العمومات، من كون العتق المفروض فيها منجّزا، إن لم يكن الظاهر من العمدة منها خلافه.

و ثالثها: ما ذهب إليه المصنّف في الكتاب (1)، و العلّامة (2)من بطلان العتق مع مساواة الدين لقيمة المعتق، و صحته فيما عدا ذلك، مع استسعائه في قدر الدين للغريم، و في قدر ثلثي الزائد عليه للورثة، و ينفذ مجانا في قدر الثلث منه، عملا بمقتضى عموم أدلة القول الثاني الذي ذهب إليه مطرحا لهذه الأخبار بالنسبة إلى ما تعارضها فيه تلك العمومات.

و لعل الوجه فيه ما ذكرناه، و عملا بها فيما عدا ذلك، مما عضدها فيه قاعدة ابتناء العتق على التغليب، و عموم أدلته على وجه من الحكم بالاستسعاء، فتأمل.

ثم لا يخفى عليك أنّ الطاهر من اقتصار الأصحاب و النصوص المزبورة في هذا المقام على خصوص العتق مع القيود المخصوصة، من غير تعرّض لما عداه من المنجّزات، و لا لنفسه مع فقد أحد القيود المزبورة، اختصاصه مع اجتماعها بالنزاع المزبور، ضرورة عدم إمكان التعدية منه إلى غيره في هذا المقام بوجه


1) شرائع الإسلام 2: 262.

2) التحرير 1: 305.

أصلا حتى جهة الأولوية.

و حينئذ فاللازم فيما عداه من المنجّزات، و فيه مع فقد أحد القيود، الحكم بمقتضى أدلة القولين في المنجّزات، فتأمل جيدا.

هذا كلّه مضافا إلى إمكان دعوى مغايرة مورده هذه الأخبار لمحل النزاع في منجّزات المريض، و ذلك لأنّ العنوان المعتبر فيما دلّت عليه هذه الأخبار إنما هو كون العتق عند الموت كما في بعض منها، أو حضوره كما في البعض الآخر مطلقا من غير تعرّض فيها لاعتبار حال المرض في ذلك، بخلاف العنوان المعتبر في محل النزاع في المنجّزات، فإنه حال المرض مطلقا و إن لم يكن وقوع المنجّز معه عند الموت.

و حينئذ فيكون الثابت بهذه الأخبار من هذا الوجه أعم من المدّعى، و ذلك و إن كان لا يقدح في صحّة الاستدلال بها على ثبوت الأخص، لكنه يوجب في هذا المقام قدحا فيها من وجه آخر، و ذلك من حيث اشتمالها على ما لا يقول به أحد منهم على الظاهر من الحكم بما دلّت عليه بإطلاقها في غير محل الدعوى، و هو العتق المنجّز الواقع عند الموت في حال الصحة من المرض العرفي، فإنّ الظاهر أنه لا خلاف بينهم في صورة الفرض في صحة العتق و نفوذه من الأصل، و سقوط حق الغريم بالنسبة إلى العتق.

نعم، يمكن القول بصحة عموم الحكم بما دلّت عليه الأخبار في الوصية بالعتق، الواقعة على الوجه المفروض في المنجّز منه، التي وقع الخلاف في حكمها، إذا كانت على حد ما ذكرناه في المنجّز من القيود على قولين:

أحدهما: قول الشيخ المفيد (1)، و من وافقه (2).


1) المقنعة: 101.

2) منهم الشيخ الطوسي في النهاية: 608، و ابن البراج في المهذّب 2: 105.

و ثانيهما: قول المصنّف (1)و العلّامة (2)، و ذلك بأن يقال: إنّ الوصية بالعتق مع مزاحمة الدين لها و لو في شقص من الموصى بعتقه حيث لا مال للمولى سواه، إذا كانت عند الموت مطلقا، سواء كانت في حال المرض أم لا، لا يتعلق بها الأحكام التي اشتملت عليها الأخبار المزبورة من الحكم بالبطلان، إلّا إذا كانت قيمة الموصى بعتقه بقدر الدين و مثله، فتصح حينئذ، و يعتق الموصى بعتقه، و لكنّه يستسعى بقدر حق الغريم و حق الورثة من ثلثي الزائد على قدر حق الغريم من قيمته، بخلاف ما إذا لم تكن الوصية به عند الموت، فإنّ الحكم فيها كما هو الشأن في الوصية بغيره من بطلانها بقدر حق الغريم و حق الورثة في جميع الصور مطلقا، أي: سواء كان الموصي حين أوصى في حال صحة أو مرض.

و ثانيا: بالنسبة إلى ما عدا صحيح الحلبي (3)بأنّ منها ما ليس بظاهر في كون العتق المفروض فيه منجّزا، كصحيح حفص (4)، بل هو محتمل له و للوصية، مضافا إلى ما فيه من مخالفة الفتوى و سائر هذه الأخبار، لخلوّه مما فيها من التقبيل بكون العتق عند الموت، و كونه مع دين على المولى الذي لا مال له سوى المعتق.

و منها ما ليس بصريح في ذلك كصحيح عبد الرحمن (5)، و صحيح زرارة أو حسنته (6)، و موثق ابن الجهم (7)، إذ ليس فيها ما يدل على كون العتق المفروض منجّزا، سوى نسبة العتق فيها إلى الميت، التي غايتها الظهور في ذلك.


1) شرائع الإسلام 2: 262.

2) التحرير 1: 305.

3) الفقيه 3: 70 حديث 240، التهذيب 8: 232 حديث 839، الإستبصار 4: 9 حديث 28.

4) الإستبصار 4: 8 حديث 26.

5) الكافي 7: 26 باب: من أعتق و عليه دين حديث 1، التهذيب 8: 232 حديث 841، الإستبصار 4: 8 حديث 27.

6) التهذيب 8: 232 حديث 840، الإستبصار 3: 70 حديث 239 و 4: 7 حديث 24.

7) الكافي 7: 27 باب: من أعتق و عليه دين حديث 3، الإستبصار 4: 8 حديث 25.

و حينئذ فيلزم فيها ما لزم في أخبار القسم الثالث و الرابع من أخبار الخصم، من لزوم الحمل على الوصية، لما عرفت من قوة المعارض و إن كان عاما، مضافا إلى ما فيها مما يقضي بالحمل المزبور من قرينة كون وقوع العتق حال حضور الموت باللفظ المزبور، كما في موثق ابن الجهم، أو بما هو بمعناه كما في الصحيحين، فإنّ ذلك قرينة على كون المراد من العتق المفروض فيها عتق الوصية، بملاحظة ما سمعت عن المسالك من أنّ الحال المزبور يمنع من مباشرة العتق (1). مضافا إلى ما في ذيل صحيح عبد الرحمن من قوله عليه السّلام: «لم يتهم الرجل في وصيته» (2)و أجيزت وصيته على وجهها، فإنه ظاهر في كون العتق المتعرّض لبيان حكمه فيه عتق وصية على وجه لا ينبغي التأمل فيه، فضلا عن إنكاره.

و احتمال التجوّز في إطلاق لفظ الوصية على المنجّز لمشابهته لها في حكم الخروج من الثلث لا من الأصل على رأي الخصم، فيه- مع أنه لا يدفع المدّعى من الظهور فيما قلناه- أنه ليس بأولى من احتمال التجوّز في نسبة العتق إلى الميت بإرادة الوصية به، لوضوح صحة نسبته إليه حينئذ، باعتبار كونه السبب القوي فيه.

و بعد هذا فبطلان الاحتمال المزبور واضح، كوضوح بطلان احتمال أنّ إطلاق لفظ الوصية في كلامه عليه السّلام تبع فيه إطلاق السائل لفظ الوصية على المنجّز في قوله: أ ليس الرجل قد أوصى للعبد بالثلث من المائة حين أعتقه، و ذلك للمنع من صراحة قول السائل في المنجّز، حتى يكون الإمام عليه السّلام قد تبعه في ذلك، و ضرورة صحة احتمال إرادة الوصية منه، فتأمل جيدا.


1) المسالك 1: 238.

2) الكافي 7: 26 باب: من أعتق و عليه دين حديث 1، التهذيب 8: 232 حديث 841، الإستبصار 4: 8 حديث 27.

و يؤيد ما ذكرناه من المعنى المراد من هذه الأخبار فهم الأعيان من علمائنا القائلين بما اشتملت عليه هذه الأخبار من الأحكام في الوصية بالعتق للمعنى المزبورة منها، و إلّا لخلى حكمهم بتلك الأحكام فيها من الدليل، ضرورة بطلان ارادة المعنيين المزبورين من لفظ (أعتق) الواقع في اسئلتهما، و انتفاء دليل على ذلك في المقام سواها.

و صحيح الحلبي (1)إن لم ينهض على بطلان ذلك فيها لمكان مساواتها في الأحكام، فلا ينهض للدلالة على ثبوت ذلك فيها، كما لا يخفى، لعدم دلالته على تمام ما قالوه فيها، لا لما قيل من أنّ مورده العتق التدبيري، و هو كالمنجّز، لوضوح فساده، لكون التدبير كالوصية في الأحكام إن لم يكن منها، لا كالمنجّز، كفساد دعوى ثبوت الأحكام المزبورة فيها بطريق الأولوية من ثبوت تلك الأحكام في المنجّز من جهة الأخبار المزبورة، لكونه الظاهر منها، نظرا إلى أنّ المنجّز أقوى من الوصية، لكونه تصرّفا من المالك، و للخلاف في كونه من الأصل أو الثلث بخلافها في الأمرين معا.

و حينئذ فثبوت بطلانها في حال من الأحوال مع كونه أقوى، يقضي ببطلان الوصية في تلك الحال، لكونها أضعف منه بطريق أولى، و ذلك لبطلان سندها من الاعتبارين المزبورين:

أما الأول، فلوضوح استواء العتق المنجّز و عتق الوصية في الاستناد إلى المالك، الذي هو المناط في صحتهما، و إنما يختلفان فيما لا مدخلية لوجوده و عدمه في قوة واجده و ضعف فاقده من صفة مباشرة المالك.

و من هنا أبطلنا بيع الموكل و الوكيل لما وكّل على بيعه من اثنين إذا اقترن عقداهما، بناء على الأصح من عدم انعزال الوكيل إلّا بالإعلام بالعزل.


1) الفقيه 3: 70 حديث 240، التهذيب 8: 232 حديث 839، الإستبصار 4: 9 حديث 28.

و أما الثاني، فلأنّ غاية ما يستفاد منه- بعد تسليم كون الخروج من الأصل كاشفا عن قوة المتّصف به، و عدمه كاشف عن ضعف فاقده- احتمال كون العتق المنجّز أقوى، لوقوع الخلاف فيه، و عدم احتمال ذلك في عتق الوصية، للاتفاق على خروجه من الثلث، و ذلك لا يفيد في المقام شيئا، كما هو واضح بأدنى تأمل.

مضافا إلى ما فيها- بعد تسليم سلامتها مما ذكرناه كلّه- من كون الثابت بها أخص من المدّعى، مع عدم إمكان تتميم دلالتها عليه في خصوص ما تضمّنته من الحكم، بضميمة عدم القول بالفصل، و ضميمة دعوى الأولوية بالنسبة إلى الخارج من موردها، كما لا يخفى عليك بعد التأمل في ذلك.

القسم السادس

منها: ما رواه بعض المتأخرين على ما سمعت من الأخبار المتقدّمة، و هي الأخبار الدالة على نفوذ إقرار المريض بدين عليه من الأصل، مع عدم التهمة المصرّح بها في بعض، و المومى إليها في بعض، كما ستعرف، و نفوذه من الثلث معها، التي منها: صحيحة منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه دينا، فقال عليه السّلام: «إن كان الميت مريضا فأعطه الذي أوصي له» (1).

و منها: موثقة أبي أيوب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: في رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه دينا، فقال عليه السّلام: «إن كان الميت مريضا فأعطه الذي


1) الكافي 7: 42 باب: المريض يقر لوارث بدين حديث 2، الفقيه 4: 170 حديث 594، التهذيب 9: 159 حديث 656.

أوصى له» (1).

و منها: صحيحة ابن مسكان، عن العلاء بياع السابري، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن امرأة استودعت رجلا مالا، فلمّا حضرها الموت قالت له: إنّ المال الذي [دفعته] (2)إليك لفلانة، و ماتت المرأة، و أتى أولياؤها الرجل فقالوا له: إنه كان لصاحبتنا مال، و لا نراه إلّا عندك، فاحلف ما لنا قبلك شي‌ء، أ يحلف لهم؟ فقال عليه السّلام: «إن كانت المرأة مأمونة عنده فيحلف لهم، و إن كانت متهمة فلا يحلف، و يضع الأمر على ما كان، فإنما لها من مالها ثلثه» (3).

و منها: صحيحة إسماعيل بن جابر قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل [أقرّ] (4)لوارث له و هو مريض بدين عليه، قال عليه السّلام: «يجوز عليه إذا كان الذي أقرّ به دون الثلث» (5).

و ما في هذه الرواية من قوله عليه السّلام: «دون الثلث» و إن كان منافيا لما في الأخبار المتقدّمة ظاهرا، إلّا أنه يمكن دفعه بحمل لفظ «دون» فيها على معنى (من) أو على أن يكون المراد من ذلك الثلث فما دون، لوقوع التعبير بهذه العبارة مقصودا منها المعنى المزبور في الأخبار في غير موضع، بل قيل: إنّ ذلك واقع في استعمالات أهل اللغة، و على نحوه حمل قوله 1 ى:


1) التهذيب 9: 160 حديث 657، الإستبصار 4: 111 حديث 427.

2) في النسختين: أو دعته، و ما أثبتناه من المصادر.

3) الكافي 2: 42 باب: المريض يقر لوارث بدين حديث 3، الفقيه 4: 170 حديث 595، التهذيب 9: 160 حديث 661، الإستبصار 4: 112 حديث 431.

4) في النسختين: أوصى، و ما أثبتناه من المصادر.

5) الكافي 7: 42 باب: المريض يقر لوارث بدين حديث 4، الفقيه 4: 170 حديث 592، التهذيب 9: 160 حديث 659، الإستبصار 4: 112 حديث 429.

فَإِنْ كُنَّ نِسٰاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ (1)الآية.

و التقريب في دلالة هذه الأخبار- على ما ينفع الخصم في إثبات مطلوبه، مع وضوح خروجها عن محل النزاع من خصوص المنجّزات تبرعا، إذ لا ريب في كون الإقرار بالدين ليس منها- هو على ما قيل: إنها قد دلّت على تعلّق حق الورثة في ثلثي تركة الميت في الجملة، دلالة مستفادة من الحكم فيها بنفوذ إقراره بالدين الواقع في حال المرض من الثلث مع التهمة له، إذ لو لا ذلك لما كان وجه للحكم المزبور، فيحمل الفرض.

و لا ينافي ذلك الحكم فيها بنفوذه من الأصل مع عدم التهمة، لأنّ تعلّق الحق بمحل لا ينافيه انتفاؤه عنه في حال من الأحوال.

و من هنا لم يناف تعلّق حق الغرماء بمال المفلّس الحكم بنفوذ إقراره بدين سابق، كما هو مذهب جماعة من الأصحاب.

و لا ريب في أنّ ثبوت ذلك بدلالة الأخبار المزبورة عليه، يقضي بثبوت مطلوب الخصم، من عدم نفوذ كلّ تصرّف من الميت ممّا لو نفذ لأسقط الحق المزبور، و لا يعارضه حق المالك، لأنّه وارد عليه.

هذا مع إمكان التقريب في دلالة هذه الأخبار على مطلوب الخصم بوجه آخر، و هو أنه يستفاد من تقييد الحكم فيها بنفوذ الإقرار في حال المرض من الثلث بحال التهمة، و بنفوذه من الأصل بحال عدمها، مع معلومية أنّ المراد من التهمة في المقام إنما هو الظن بسبب ظهور أمارات تقتضي بعدم صدق المقر في إقراره بثبوت دين عليه للمقر له، و أنّ مراده في الواقع إنما هو إعطاء ما أقرّ به له مجانا، و لكنه عدل عن التعبير عنه بعبارته إلى التعبير باسم الدين تدليسا، لينفذ للمقر له على كل حال استفادة واضحة أنّ الحكم في الصورة الأولى بنفوذه من


1) النساء: 11.

الثلث لا من الأصل إنما هو لمكان كون الإقرار حينئذ مظنونا أنّ المراد منه العطية مجانا، لا عوضا عما في ذمته، الذي لا ريب بعد فرض استفادته منها في ظهوره في كون الحكم المزبور في الصورة المفروضة حكم العطية من حيث أنها عطية، لا من حيث كونها عبّر عنها باسم الدين تدليسا.

هذا، و كيف كان فلا يخفى عليك عدم نهوض هذه الأخبار لما ينفع الخصم في ثبوت دعواه، و ذلك واضح على الوجه الأول في تقريب دلالتها، ضرورة أنّ غاية ما يستفاد منها على تقديره إنما هو الدلالة على تعلّق حق للورثة في ثلثي تركة الميت في الموارد الخاص، الذي لا ريب في أنّ ثبوته لا ينفع الخصم في ثبوت مطلوبه بوجه من الوجوه.

كما أنّ الأمر كذلك لو كان المستفاد منها ثبوت ذلك في الجملة، كما هو واضح، و إنما ينفع لو فرض دلالتها على ذلك على جهة الإطلاق التي لا يخالف الخصم في انتفائها على الوجه المزبور في هذه الأخبار.

و أمات على الوجه الثاني فكذلك أيضا، لوضوح أنّ الظاهر من مدخلية الأخبار المزبورة أنّ المراد من الاتهام إنما هو الاتهام بالعطية بعد الموت، التي هي في المعنى وصية، لا الاتهام بالعطية المنجّزة، و لا بالأعم منها، كما يشهد لذلك ملاحظة الوجدان في ذلك، فإنّ ذلك هو الذي يقع في النفوس من اتهام المقر بالدين في حال المرض.

و لا ينافي ما قلناه من معنى الاتهام الحكم في الإقرار المزبور بحكم المنجّز من النفوذ من الأصل، لو مات المقر بعد البرء من المرض الذي وقع فيه الإقرار و إن مات في مرض آخر.

و كذا الحكم بعدم صحة الرجوع فيه بعد حصول الوصف المزبور، و ذلك لأنّا لا ندّعي أنّ الشارع حكم بواسطة الأخبار المزبورة بكون الإقرار المفروض

مع التهمة وصية لا بمنزلة الوصية مطلقا و انما ندعي أنه حكم بكون الإقرار مع الاتهام بالكذب، و إرادة العطية بعد الموت، التي هي في المعنى وصية بحكم الوصية في الخروج من الثلث، لمكان هذه الأخبار التي بها خرجنا فيه عن مقتضى أدلة الإقرار العام، لاعتبارها و أخصيتها من تلك الأدلة.

و حينئذ فاللازم في الحكم المزبور على الإقرار الخاص، الاقتصار على خصوص مورد الأخبار المزبورة، الذي لا ريب في خروج الإقرار مع حصول البرء من المرض الذي وقع هو فيه عنه، ضرورة ظهورها في كون المرض الذي وقع فيه الإقرار هو المرض الذي تسبّب عنه الموت، على وجه لا يشمل صورة تخلّل البرء بين المرض و الموت.

و حينئذ فاللازم فيها الأخذ بمقتضى عموم تلك الأدلة، من الحكم بلزوم الإقرار، و خروج قدر ما أقرّ به لو مات و إن كان في مرض آخر من الأصل، لسلامتها حينئذ عن المعارض.

هذا، و مع تسليم كون المراد من الاتهام في الأخبار المزبورة، الاتهام بالعطية المنجّزة أو الأعم منها، فلا يفيد التعلّق بها في مطلوب الخصم شيئا أيضا، و ذلك لأنّ اللازم حينئذ الاقتصار في الحكم الذي تضمنته على خصوص العطية المنجّزة، المعبّر عنها باسم الدين تدليسا، لكونها مورد الأخبار المزبورة.

و لا موجب للتعدّي إلى غيرها من العطية التي لم تكن على الوجه المزبور، فضلا عن غيرها من سائر المنجّزات من دعوى أولوية أو ضميمة عدم القول بالفصل، فإنّ القائل به متحقق، و لا قياس صحيح، ضرورة أنّ احتمال كون العلّة في حكم الأصل التدليس فيها الذي لا ريب في صلاحيته لعليّة الحكم المزبور، و ذلك لإمكان أن يكون الحكم بالخروج من الثلث معه لمكان قبحه عقوبة و مؤاخذة له بالحكم بضد المقصود، فتأمل جيدا.

هذا، و قد حكي عن العلّامة رحمه اللّه في المختلف الاستدلال على القول

المزبور بعد الاستدلال عليه بما مرّ من الأخبار، بأنه إن كانت المؤخّرات من الثلث فالمنجّزات كذلك، و المقدّم حق بالإجماع، فكذا التالي (1).

و بيان الملازمة هو أنّ المقتضي لحصر الوصية بالثلث هو النظر إلى الورثة و الشفقة عليهم، و هذه العلّة منبّه عليها في كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله من قوله صلّى اللّه عليه و آله: «إنّ اللّه تصدّق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم» (2).

و نحوه في كلام الأئمة عليهم السّلام (3).

و العلّة المزبورة موجودة هنا، كما أنه وقع الاستدلال من بعض المتأخرين أيضا بأنه لو لم تكن المنجّزات من الثلث لاختلت حكمة الحكم بحصر الوصية في الثلث، و التالي باطل، فكذا المقدّم.

و بيان الملازمة هو أنه لو كانت المنجّزات من غير الثلث لالتجأ كل من يريد الزيادة على الثلث إلى العطايا المنجّزة، و حينئذ فلا ريب في اختلال حكمة الحكم المزبور.

هذا، و لا يخفى عليك فساد كل من الوجهين المزبورين، و ذلك لما في الأول منها من منع كون علّة الحكم في الوصية ما ذكر فيه من النظر إلى الورثة و الشفقة عليهم بدفع الإضرار بهم، اللازم لإمضاء الوصية عليهم في صورة الزيادة على قدر الثلث، لعدم النص عليها من قبل الشاهد.

و ما ذكروه من كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله، و ما أشار إليه من كلام الأئمة عليهم السّلام، الذي هو على الظاهر خبر أبي بصير على رواية الكافي له (4)،


1) المختلف: 517.

2) انظر: سنن النسائي 6: 247.

3) الكافي 7: 8 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 10، التهذيب 9: 188 حديث 755، الإستبصار 4: 121 حديث 462.

4) الكافي 8: 7 باب: إنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيا حديث 10.

ليس فيهما دلالة على ذلك بوجه من وجوه الدلالة، كما لا يخفى.

مضافا إلى إمكان دعوى كون العلّة في الحكم المزبور في الوصية هي تعليق المريض الإضرار بالورثة دون نفسه، التي لا ريب في انتفائها في المنجّز، ضرورة أنّ الإضرار فيه كما يتعلّق بالورثة على تقدير الموت، يتعلّق به نفسه على تقدير برئه.

مضافا إلى أنه منقوض بمنجّزات الصحيح، لجريان الدليل المزبور فيها، مع أنه لا خلاف في خروجها من الأصل.

لا يقال: إنّ المال في حال المرض في معرض ملك الورثة، بخلافه في حال الصحة.

لأنا نمنع من اختصاص حال المرض بكون المال فيه في معرض ملك الورثة دون حال الصحة، ضرورة أنّ دعوى نسبة ذلك إلى حال المرض إن كانت لمكان حصول الظن معه بالتلف، ففيها: إنّ حال الصحة قد يغلب معه الظن بذلك على وجه أبلغ من حال المرض، كما إذا كان الإنسان في حال المراماة، أو في وقت حلول الطاعون، و نحوه من الأمراض المهلكة التي من شأنها العموم.

و إن كانت لمكان قربه من زمان الموت، ففيها ما لا يخفى من أنه ربّ مريض عاش أكثر من الصحيح.

و لما في الثاني من أنّ دعوى لزوم اختلال حكمة الحكم بحصر الوصية في الثلث، إنما تتم لو لم توجد في الخارج صورة يمتنع فيها التنجيز بالعطية لشي‌ء و لا يمتنع فيها الوصية بذلك الشي‌ء.

و أما مع وجود صورة كذلك في الخارج، فلا ريب في فساد الدعوى المزبورة، إذ لا ريب حينئذ في انتفاء الاختلال في الحكمة المزبورة، و تحقق الصورة المزبورة في الخارج مما لا شك فيه، و ذلك لأنّ شدة الحرص على الأموال في غالب نوع الإنسان و الشح فيها تمنع الإنسان من السخاء فيها ما دام متلبّسا

بأمل الحياة، الذي لا يقطعه كونه في مرض و إن كان مخوّفا، ضرورة احتمال البرء بخلاف السخاء فيها فيما بعد الموت، فإنه سهل على النفوس الصحيحة، كما هو واضح.

و حينئذ فلا ريب في أنّ التنجيز بالعطية مطلقا فضلا عنها مع الزيادة على الثلث، لمكان كونه سخاء بالمال في زمان أمل الحياة قد يمنع منه الحرص و الشح إن لم يكن هو الغالب، بخلاف الوصية، لكونها سخاء بالمال بعد الموت، فتأمل جيدا.

قد تمّت، و ختمت هذه الرسالة الشريفة في يوم الخميس من الثاني و العشرين من شهر جمادى الآخرة في سنة الثلاث و العشرين و ثلاثمائة بعد الألف من الهجرة النبوية، على يد أقل [العباد] العبد الآثم الشجي محمّد علي غفر اللّه له و لوالديه.

و قد تمّ تحقيق هذه الرسالة القيّمة على يد الفقيرة إلى ربّها، الراجية عفوه و مغفرته، خادمة أهل البيت عليهم السّلام أم علي مشكور، في التاسع و العشرين من رجب المرجّب سنة 1414 ه.