اجوبه المسائل البهبهانیه التی سالها السید عبدالله البلادی البحرانی

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: أجوبة المسائل البهبهانية موضوع: فقه استدلالى نويسنده: بحرانى، آل عصفور، يوسف بن احمد بن ابراهيم تاريخ وفات مؤلف: 1186 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: دار إحياء الأحياء لعلماء البحرين و القطيف والأحساء تاريخ نشر: 1406 ه ق نوبت چاپ: اول مكان چاپ: قم- ايران محقق/ مصحح: ابو احمد بن احمد بحرانى

سرشناسه:بحراني، يوسف‌بن احمد، ۱۱۸۶ - ۱۱۰۷ق.

عنوان و نام پديدآور:اجوبه المسائل البهبهانيه التي سالها السيد عبدالله البلادي البحراني/ تصنيف الشيخ يوسف‌بن احمدبن ابراهيم العصفور البحراني، المتوفي سنه ۱۱۸۶؛ حققه و علق عليه ابواحمدبن احمدبن خلف‌بن احمد العصفور البحراني

مشخصات نشر:قم: المعموره علميه، ۱۴۰۶ق. = ۱۳۶۴.

مشخصات ظاهري:۱۱۷ ص.نمونه

شابك:بها:۲۵۰ريال

يادداشت:كتابنامه: ص. ۱۰۵ - ۱۰۲

موضوع:اسلام -- پرسش‌ها و پاسخ‌ها

شناسه افزوده:البحراني، احمدبن احمد، مصحح

رده بندي كنگره:BP۱۲/ب‌۳الف‌۳

رده بندي ديويي:۲۹۷/۰۷۶

شماره كتابشناسي ملي:م‌۶۴-۳۲۹۴

اشارة

مقدمة المصنف (قده)

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

لك الحمد يا من ترادفت علينا آلاؤه فلا يحيط بها العدّ و تواترت لدينا نعماؤه فلا نهاية لها و لا حدّ و الصلاة على قطب الرسالة بل الجوهر الفرد محمد و آله، الهالك من انحاز عنهم و صدّ.

أمّا بعد: فيقول الفقير المتعطش إلى الفيض الأقدس السبحاني يوسف بن أحمد بن إبراهيم البحراني بصّره الله تعالى بعيوب نفسه و جعل مستقبلة خيراً من أمسه، قد وردت علىّ بعض المسائل من عاليجناب عمدة السادة الفضلاء الأشراف و زبدة الأجلاء المتفرعين من درجة (عبد المناف) أخي بعقد المؤاخاة الإيمانية، و خلّي بصدق المصادقات النورانية المتسربل بسربال الفضل و التقوى، و الفائز بالحظ الوافر منه و النصيب [الأقرب الأوفى] الصفّي: مولانا السيد عبد الله بن السيد علوي لا زالت أقانه معمورة بالفيوضات الربانية، و ذاته مغمورة بالتوفيقات السبحانية،

طالباً سلمه الله تعالى ما [عند ملخصه] فيها من البيان و الترجيح و ما وصل إليه فهمه القاصر من التحقيق فيها و التنقيح و حيث كان أمره (دامت سلامته) واجب الامتثال على كل حال، و إجابته (زيدت كرامته) من أفضل الأعمال عند ذي الجلال، بادرت إلى ذلك مع ما في البال من الاشتغال بعوائق الأشغال و تراكم أمواج الهموم التي يضيق عن نشرها ميدان المقال مزيلا كل مسألة على حالها بالجواب [مغرضاً] لها بما يرفع عنها نقاب الخفاء و الارتياب سائلا من الحضرة القدسية الإعانة و الأمداد و الهداية إلى سبيل الرشد و السداد.

المسألة الأولى في الأذان و الإقامة

مسألة: قال: أدام الله إفضاله، و كثّر في الفرقة الناجية أمثاله: ما يقول شيخنا و مولانا دام ظله العالي بمحمد و آله خيرة المتعالي صلى الله عليهم صلاة دائمة بدوام الأيام و الليالي، في أن الأذان و الإقامة مستحبان مطلقاً أم لا؟ أو في بعض الصلوات، أو في الجمعة واجبان؟

الجواب: و منه سبحانه التوفيق للصواب أن الظاهر من ملاحظة الجمع بين الأخبار الواردة في هذا المضمار: هو استحباب الأذان مطلقاً! و أما الإقامة فالحكم فيها لا يخلو من الإشكال!.

لنا على الأول الأخبار الدالة على أن من صلى بأذان و إقامة صلى خلفه صفان من الملائكة و من صلى بإقامة بدون أذان صلى خلفه صف واحد و هي مستفيضة دالة بإطلاقها على صحة الصلاة منفرداً بدون

أذان لأي صلاة كانت.

و مثلها أيضاً جملة من الأخبار دالة على إجزاء الإقامة وحدها لمن صلى في بيته: منها (صحيحة الحلبي) و غيرها، و هي شاملة بإطلاقها لجملة الفرائض.

و حينئذ: فما ورد من أنه لا بد في الصبح و المغرب من الأذان مثل (موثقة سماعة و صحيحة ابن سنان) و غيرها أيضاً محمول على

زيادة تأكيد الاستحباب، و بيان الأفضلية فيها زيادة على سائر الفرائض.

و يزيد ذلك بياناً (صحيحة عمر بن يزيد) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإقامة بغير الأذان في المغرب فقال: ليس به بأس و ما أحب أن يعتاد

(1)و هذه الرواية أيضاً دالة بإطلاقها على جواز ترك الأذان في المغرب جماعة كانت أو فرادى. إذ لا إشارة فيها فضلا عن التصريح بكون تلك الصلاة فرادى.

و أظهر منها دلالة في ذلك ما رواه (الحميري في قرب الإسناد) في الصحيح عن (على بن رئاب) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) قلت تحضر الصلاة و نحن مجتمعون في مكان واحد أ تجزينا إقامة بغير أذان قال نعم

(2)و ما رواه الشيخ (3)عن (الحسن بن زياد) قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا كان القوم لا ينتظرون أحداً اكتفوا بإقامة واحدة.

و بذلك يظهر الجواب عمّا استدل به بعض الأصحاب على وجوب.


1) في التهذيب ج 1 ص 148.

2) في قرب الإسناد ص 76 طبع الهجري.

3) في التهذيب ج 1 ص 148.

الأذان في الجماعة من رواية (أبي بصير) عن أحدهما (عليهما السلام) قال

سألته أ يجزى أذان واحد ..؟ قال: إن صلّيت جماعة لم يجز إلا أذان و إقامة و إن كنت وحدك تبادر أمراً تخاف أن يفوتك يجزئك إقامة إلا الفجر و المغرب

الحديث (1)و مقتضى الجمع بين الأخبار حمل هذه على تأكيد الاستحباب و يزيد ما ذكرناه تأكيداً ما رواه في (كتاب الفقه الرضوي).


1) الكافي الفروع ج 1 ص 83.

حيث قال (عليه السلام) بعد أن عدّ فصول كل من الأذان و الإقامة قال

و الأذان و الإقامة من السنن اللازمة و ليستا بفريضة.

هنا بالنسبة إلى الأذان و أما الإقامة فلم أقف على شي‌ء من الأخبار بعد التتبع التام على ما يقتضي سقوطهما في شي‌ء من الفرائض، بل الأخبار كلها متفقة على ذكرها، و لا على التصريح فيها بوجوب أو استحباب سوى ما في (كتاب الفقه الرضوي).

فالحكم فيها لا يخلو من إشكال و الله العالم بحقيقة الحال.

المسألة الثانية في النية

مسألة: قال دام فضله و زيد نبله: هل القربة كافية في جميع العبادات أم لا؟

الجواب: و به الثقة في كل باب إنا لم نعثر على دليل يدل على قصد أمر زائد وراء قصد القربة و الإخلاص في جميع العبادات، و الناس في سعة ما لم يعلموا.

و قد اعترف بذلك أيضاً جملة من أصحابنا (رضوان الله عليهم).

و من أوجب زيادة على ذلك لم يستند فيه إلى نص و برهان من السنة النبوية أو القرآن! و إنما علله بوجوه اعتبارية و اختراعات عقلية لا تصلح أن تكون مؤسسة للأحكام الشرعية!.

نعم لو كان الفعل المستقر في

ذمة المكلف مما له أنواع يقع بحسبها و اجتمعت تلك الأنواع في الذمة: فلا بد [من] إيقاع أحدها على الخصوص من قصد زائد على مجرد إيقاع الفعل قربة له سبحانه مثلا الصلاة لما كانت يقع على وجه الأداء تارة و على وجه القضاء أخرى، فلو اشتغلت ذمة المكلف بظهر أداء و أخرى قضاء و قلنا بالمواسعة في القضاء فإنه يجب عليه قصد الأداء إن أراد إيقاع صاحبة الوقت، و إلا فقصد القضاء إن أراد إيقاع الفائتة.

و بالجملة فإنه متى كان الفعل المراد إيقاعه متعيناً في الواقع ذاتاً و صفة كفى إيقاعه بقصد القربة، و إن لم يتعين في نظر المكلف، و لا بأس بالإشارة هنا إلى تحقيق حررناه في بعض فوائدنا تتعلق بأصل النية و بيان أنها من قبيل الأمور الفطرية الجبليّة التي لا تحتاج إلى مزيد تكلف بالكلية و إن كان ذلك خارجاً عن الجواب إلا أنه مما له مزيد يقع عند أولى الألباب في هذا الباب، و مما يستعان على التخلص من شراك الوسواس الخناس، و الخروج من حيرة التيه في ذلك و الالتباس.

فأقول: إنا لم نقف في أصل النية في هذا المقام على ذكر لها في أخبار أهل البيت عليهم الصلاة و السلام بل و لا في كلام أحد من قدماء علمائنا الأعلام فضلا عما يترتب عليها من الفروع و الأحكام، و إنما أحدث البحث في ذلك (متأخروا الأصحاب) و أطنبوا في ذلك أي إطناب

و الظاهر أن منشأ البحث في أصل النيّة و ما يتفرع عليها من تلك الأمور مأخوذ من «العامة خذلهم الله تعالى» كما هو مصرح به في كتبهم جرياً على طريقتهم في بناء الأحكام الشرعية على مجرد العلل العقلية و الأمور الاستحسانية: فأخذ ذلك منهم جماعة من الأصحاب و حذوا حذوهم في ذلك الباب غفلة عما اقتضته أدلة السنة و الكتاب من الإبهام لما أبهم الله و السكوت عما عنه سكت الله!! قالوا: فالنية شرعاً هي القصد المقارن للفعل.

فلو تقدمت عليه و لم تقارنه كما إذا نوى صبحاً أن يفعل الفعل عصراً مثلا سمي ذلك عرفاً لا نية، فإذا استمر حتى قارن سمي حينئذ نية.

و لهم (رضوان الله عليهم) في بيان المقارنة في نية الصلاة اختلاف زائد [قال] (العلامة) أجزل الله تعالى إكرامه (في التذكرة) الواجب اقتران النية بالتكبير بأن يأتي بكمال النية قبله ثم يبتدأ بالتكبير بلا فصل و هذا تصح صلاته إجماعاً (قال): و لو ابتدأ بالنية بالقلب حال ابتداء التكبير باللسان ثم فرغ منها دفعة فالوجه الصحة (1)و نقل (الشهيد) عن بعض الأصحاب أنه أوجب إيقاع النية [مباشرة] بين الألف و الراء قال: و هو مع العسر مقتضى لحصول أول التكبير بلا نية.


1) تذكرة الفقهاء ص 112 الطبع الحجري.

و نقل (السيد السند في المدارك) عن (العلامة و الشهيد) أنهما أوجبا استحضار النية إلى انتهاء التكبير لأن الدخول في الصلاة إنما يتحقق بتمام التكبير .. و رده: بلزوم العسر و أن الأصل براءة الذمة من هذا التكليف، و أن الدخول في الصلاة يتحقق بالشروع في التكبير لأنه أول جزء من الصلاة بإجماعنا فإذا قارنت النية أوله فقد قارنت أول الصلاة لأن جزء الجزء جزء و لا ينافي ذلك توقف التحريم على انتهائه .. انتهى (1)و في البال أني وقفت من مدة على كلام (العلامة رضوان الله عليه) الظاهر أنه في (أجوبة مسائل السيد مهنا بن المدني) في المقارنة و أنه قال حكاية عما يفعله إني أتصور الصلاة من فاتحها إلى خاتمتها [و أحضرها


1) مدارك الأحكام ص 159 الطبع الحجري.

ببالي] ثم أقصد إليها و أقارن النية بها و الكتاب لا يحضرني الآن لأحكي صورة كلامه و لكن في البال أن حاصله ذلك ..

و أقول لا يخفى عليك بعد تأمل: معنى النية و حقيقتها أن جملة هذه الأقوال بعيدة عن جادة الاعتدال فإنها مبنية على أن النية عبارة عنه بذا الحديث النفسي و التصوير الفكري .. و هو غاية جمة قول المصلي إذا صلى فرض الظهر أداء لوجوبه قربة إلى الله تعالى ..!.

و المقارنة بها بأن يحضر المكلف عند إرادة الدخول في الصلاة، ذلك بباله و ينظر إليه بعين فكره و خياله، ثم يأتي بعد الفراغ منه بلا فصل بالتكبير كما هو المجمع على صحته (عندهم) أو يبسط ذلك على لفظ التكبير و يمده بامتداده كما هو القول الآخر أو يجعله بين الألف

و الراء، كما هو القول الثالث.

و كل ذلك محض تكلف و شطط و غفلة عن معنى النية أوقع في الغلط فإنه لا يخفى على المتأمل أنه ليست النية بالنسبة إلى الصلاة إلا كغيرها من سائر أفعال المكلف في قيامه و قعوده و أكله و شربه [و غدوة] و مجيئه و نكاحه و صومه و نحو ذلك و لا ريب أن كل عاقل غير غافل لا يصدر عنه فعل من هذه الأفعال إلا مع قصد و إرادة سابقة عليه ناشئة عن تصور ما يترتب على ذلك الفعل من الأعراض الباعثة و الأسباب الحاملة على ذلك بل: هي أمر طبيعي و خلق جبلي لو أراد الانفكاك عنه لم يتلبس له إلا بعد تحول النفس عن تلك الدواعي الموجبة و الأسباب الحاملة و لهذا قال بعض من عقل بذا المعنى من الأفاضل: «لو كلفنا العمل بغير نية لكان تكليفاً لما لا يطاق» و مع هذا [لا يقوى] المكلف في شي‌ء من هذه الأفعال يحصل له عسر في النية و لا إشكال، و لا وسوسة، و لا تفكر، و لا ملاحظة مقارنة و لا نحو ذلك مما اعتبروه في هذا المجال.

فإذا شرع في الصلاة أو نحوها من العبادات اضطرب في أمرها و حار في فكرها و ربما اعتراه في ذلك الحال الجنون مع كونه في غير ذلك الوقت على غاية من الرزانة و السكون.

و هل [هناك] فرق بين العبادة و غيرها من الأفعال إلا بقصد القربة فيها و الإخلاص لذي الجلال.

و هنا لا يوجب تشويشاً في البال و لا اضطراباً في الفكر و الخيال،

و إن أردت مزيد إيضاح لما قلناه و إفصاح عن صحة ما ادعيناه: فانظر إلى نفسك إذا كنت جالساً في مجلسك و دخل عليك رجل عزيز [يحق] بالتواضع له و القيام في حال دخوله قمت له إجلالا و إعظاماً كما هو الجاري بين جملة من الأنام، فهل يجب عليك أن تتصور في بالك أقوم تواضعاً لفلان لاستحقاقه [بذلك] و إلا لكان قيامك له بغير نية فلا يسمّى تواضعاً و لا يترتب مدح و لا ثواب أم يكفي مجرد قيامك له خالياً من هذا التصور، و أنه مع عدم هذا التصور واقع بنيّة و قصد مقارن للإجلال و الإعظام الموجب للمدح و الثواب ..!.

و من المعلوم أنك لو فعلت ذلك بخيالك أو ذكرته على لسانك لكنت مسخرة لكل سامع و مضحكة في المحافل و المجامع.

و هذا [شأن] النية في الصلاة أيضاً، فإن المكلف إذا دخل وقت العمل مثلا و هو عالم بوجوب ذلك الفرض عليه سابقاً و عالم بكيفيته و كميته و كان الفرض الحامل له عليه امتثال أمره سبحانه أو طلب رضاه أو نحو ذلك ثم قام من مكانه و سارع إلى الوضوء و توجه إلى مصلاه و وقف مستقبل القبلة و أذن و أقام .. ثم قال: الله أكبر .. و استمر في صلاته .. فإن صلاته صحيحة شرعية مشتملة على النية و القربة.

و بالجملة: فالنية المعتبرة في أي فعل كان عبارة عن انبعاث النفس و ميلها و توجهها إلى ما فيه غرضها و مطلبها عاجلا أو آجلا و هذا الانبعاث و الميل إذا لم يكن حاصلا لها قبل فلا يمكنها اختراعه و اكتسابه بمجرد النطق باللسان، أو تصوير تلك المعاني في الجنان هيهات! هيهات ..! بل هذا من جملة الهذيان مثلا إذا غلب على قلب المدرس أو المصلي حب

الشهرة و حسن الصيت و استمالة القلوب إليه بكونه صاحب فضلية أو كونه ملازماً للعبادة و كان ذلك هو الحامل على تدريسه أو عبادته: فإنه لا يتمكن من التدريس و الصلاة بغير نية القربة أبداً و إن قال بلسانه أو تصور بقلبه أصلي أو أدرس قربة إلى الله.

و ما دام لا يتحول عن تلك الأسباب الأولية، و لا ينقل عن تلك الدواعي السابقة .. إلى غيرها مما يقتضي الإخلاص له سبحانه فلا يتمكن من نية القربة بالكلية فإذا كانت النية إنما هي عبارة عن هذا القصد البسيط الذي لا تركب فيه بوجه و لا يمكن مفارقته لصاحبه بعد تصور تلك الأسباب الحاملة الموجبة للفعل إلا بعد الدخول في الفعل و كيف يتم (ما ذكروه) من معاني المقارنة المقتضي للتركيب و حصول الابتداء فيها و الانتهاء و أنها تحصر بين حاصرين من الهمزة و الراء إلى غير ذلك من التخريبات العارية من الدليل و الخارجة عن نهج السبيل.

المسألة الثالثة في وجوب السورة

مسألة قال دامت أيامه و رفعت [أعلامه]: هل [أن] السورة في الفريضة واجبة أو مستحبة؟.

الجواب: و منه تعالى إفاضة الحق و الصواب أن الحكم في هذه المسألة عندي لا يخلو من إشكال ..! و للتوقف فيها مجال لتعارض الأخبار الواردة في هذا المضمار على وجه لا يمكن الحكم بما هو مراد أولئك السادة الأطهار [سلام الله عليهم] مع عدم الصراحة في كثير مما استدلوا به في المقام بل و لا الظهور التّام الذي يمكن الاعتماد عليه في الأحكام و الاحتياط عندي فيها سبيله كذلك واجب الاتباع لدخوله في الشبهات التي لا ريب في وجوب سلوك طريق الاحتياط فيها [و الارتداع].

و توضيح ذلك أن نقول: من الأخبار التي استدل بها على الوجوب (صحيحة منصور بن حازم) قال

قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة و لا بأكثر

(1)


1) الفروع ج 1 86 من الكافي، التهذيب ج 1 153، الاستبصار ج 1 160.

و قد طعن (السيد السند قدس سره في المدارك) في هذه الرواية بأن في طريقها (محمد بن عبد الحميد): و هو غير موثق مع أن المنهي فيها وقع عن قراءة الأقل من سورة و الأكثر: و هو في الأكثر محمول على الكراهة على ما سنبيّنه فيكون في الأقل كذلك حذراً من استعمال اللفظ في حقيقته و مجازه انتهى (1)و فيه أولا: أن [منع] توثيق (محمد بن عبد الحميد) [ممتنع] و لعله (قدس سره) اعتمد على عبارة (العلامة في الخلاصة)، و ما كتبه (جده الشهيد الثاني نور الله ضريحهما في حواشيها) قال (العلامة) ما هذا لفظه: (محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر)، روى (عبد الحميد) عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) و كان ثقة من أصحابنا الكوفيين انتهى فكتب (شيخنا الشهيد الثاني) في الحاشية: هذه عبارة النجاشي و ظاهرها أن الموثق الأب لا الابن انتهى.

و أنت خبير بأن ما ذكرها في (المدارك) احتمل بالنسبة إلى عبارة (الخلاصة) لكنه لا يتم في عبارة (النجاشي) لأن العبارة بعينها من (كتاب النجاشي) و بعدها بلا فصل: له كتاب النوادر .. [إلى آخره].

و حينئذ فمرجع الضمير له [هو] مرجع ضمير كان، كما لا يخفى على العارف بأسلوب الكلام من الأعيان.


1) مدارك الأحكام ص 166.

و لا معنى لرجع الضمير الأول للأب و الثاني للابن للزوم التفكيك في الضمائر: و هو معيب في كلام الفصحاء ..! بل من قبيل التعمية و الألغاز ..! و أيضاً أن (محمداً) هو صاحب الترجمة و جميع ما يذكر فيها يرجع إليه إلا مع قرينة خلافه و لهذا قد عدّ (العلامة في الخلاصة) طريق (الصدوق) إلى (منصور بن حازم) في الصحيح.

و (محمد) المشار إليه في الطريق و جزم بتوثيقه جملة من علمائنا الأعلام .. منهم: (الميرزا محمد) صاحب كتاب (الرجال) و (شيخنا المجلسي في الوجيزة) و (شيخنا أبو الحسن في البلغة) و غيرهم ..

[و من] مواضع الاشتباه في مثل ذلك ما ذكره (النجاشي) في ترجمة

(الحسن بن علي بن النعمان) حيث قال: (الحسن بن على بن النعمان) مولى بنى هاشم و أبوه علي بن النعمان ثقة ثبت له (كتاب النوادر) صحيح الحديث كثير الفوائد [إلى آخره].

(و السيد السند صاحب المدارك) كتب في حواشيه على (الخلاصة) على هذا الموضع حيث نقل (العلامة): فما هذه العبارة [استفاد] منه بعض مشايخنا توثيقه و عندي في ذلك توقف، و (المصنف رحمه الله) جعل حديثه من الصحيح في (المنتهى) في بحث التخيير في المواضع الأربعة.

و كأنه ظهر له توثيقه .. و لا يبعد استفادته من هذه العبارة انتهى.

أقول: و الذي وقفت عليه في كلام أصحابنا من علماء الرجال و غيرهم هو التوثيق.

و لم يتوقف في ذلك أحد منهم، فإذا كانت الترجمة مقصودة لرجل [فجميع] ما يذكر فيها إنما هو يعود إليه كما هو في كتب الرجال المعوَّل عليه، إلا مع القرينة على خلافه كما أشرنا إليه آنفا ..!.

فما توهمه (قدس سره) في المقام ظاهر السقوط عند علمائنا الأعلام.

و أما ثانياً: فلأن ما ذكره من أن النهي محمول على الكراهة ففيه أن ما وجّه به الكراهة: و هو [ما نبهت الإشارة] إليه بقوله «سنبيّنه» من قيام

الدليل عنده على جواز القرآن في الفريضة .. فتحمل هذه الرواية و نحوها مما دل على النهي عن القرآن على الكراهة جمعاً مدفوع بأن الظاهر من الأخبار كما اختاره جملة من العلماء الأبرار هو التحريم كما أوضحناه في (حواشينا على المدارك).

نعم يمكن توجيه ذلك بغير ما وجهه (قدس سره) و هو أن ظاهر الأخبار المستفيضة الدالة كما قلنا على تحريم القرآن هو عبارة عن الجمع بين السورتين [في الفريضة] بعد الحمد، لا مجرد الزيادة على السورة و لو ادعى أيضاً شمول القرآن لذلك بمجرد هذه الرواية كما ذهب إليه البعض فيمكن توجيه الكراهة حينئذ ما استفاضت [به] الأخبار، و اتفق [عليه] الأصحاب (رضوان الله عليهم) على جواز العدول من سورة إلى أخرى في الجملة، و إن اختلفوا في تجديده فإنه يدل على جواز قراءة ما زاد على سورة، فيتحتم حمل النهي هنا عما زاد على الكراهة البتة و بذلك يضعف الاعتماد عليها و الركون في اختيار الوجوب إليها.

و مما يستدل به على الوجوب أيضاً (صحيحة معاوية بن عمار)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من

غلط في سورة فليقرأ قل هو الله أحد ثم ليركع ..

حتى أنه يفهم من بعضهم وجوب قراءة «قل هو الله أحد» في هذه الصورة.

و فيه: أن هذه الرواية معارضة بصحيحة زرارة (1)قال

قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل قرأ سورة في ركعة فغلط، أ يدع المكان الذي غلط فيه و يمضي في قراءته أو يدع تلك السورة و يتحول منها إلى غيرها ..؟ فقال: كل ذلك لا بأس به، و إن قرأ آية واحدة فشاء أن يركع بها ركع.

[و الاحتمال] المخرج عن الاستدلال قائم من الطرفين، و جار في الروايتين ..!.

و منه أيضاً (صحيحة محمد بن إسماعيل قال

سألته قلت: أكون في طريق مكة فننزل للصلاة في مواضع فيها الأعراب أ نصلي المكتوبة


1) التهذيب ج 1 ص 221 و 36.

على الأرض فيقرأ أم الكتاب وحدها أم نصلي على الراحلة فنقرأ فاتحة الكتاب و السورة ..؟ قال: إذا خفت فصلِّ على الراحلة المكتوبة و غيرها، و إذا قرأت الحمد و السورة أحب إلي، و لا أرى بالذي فعلت بأساً

(1)و هذه الرواية مما استدل بها (المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي قدس سره في كتاب الوسائل) على الوجوب حيث إنه اختار فيه ذلك و هي بالدلالة على العدم أشبه ..!؟. قال (قدس سره) بعد نقلها: أقول لو لا وجوب السورة لما جاز لأجله ترك الواجب من قيام و غيره، انتهى (2)و فيه: أن معنى الرواية أن السائل لما سأل أنه إذا تعارض الصلاة على الأرض مع ترك السورة للخوف مع الصلاة في المحمل و قراءة السورة .. فأيهما يختار ..؟ أجاب بأنك إذا خفت فالصلاة في المحمل أولى و ليس في ذلك دلالة على أنه من حيث المحافظة على السورة و إن كان ذلك هو مراد السائل لأنهم (عليهم السلام) كثيراً ما يجيبون بما هو أعم من السؤال بل قد يخيبون بقواعد كلية عن السؤال بالأمور الجزئية ..

و من الظاهر بل الأظهر هنا أن أولوية الصلاة في المحمل إنما هو من حيث الإقبال على العبادة، و فراغ البال لها الذي هو روحها.

و مؤيد الاستحباب هنا قوله (عليه السلام) «و إذا قرأت الحمد و سورة» بمعنى في صلاتك في المحمل فهو «أحب إلي» فإن [مراد] هذه العبارة هو الاستحباب و من ذلك جملة من الأخبار قد تضمنت نفي البأس عن الاقتصار على الفاتحة لمن أعجلت به الحاجة: و هو يدل بمفهومه على ثبوت البأس لمن ليس كذلك.

و فيه أولا: أن ثبوت البأس أعم من التحريم ..! ثانياً: أن ما دلّ على الاستحباب كما سيأتي إن شاء الله تعالى صريح الدلالة على ذلك بمنطوقه و المفهوم لا يعارض المنطوق..


1) مروي في الكافي ج 1 من الفروع ص 128، و أيضاً جاء في التهذيب ج 1 ص 337 و جاء منه في موضع آخر ج 3 1 و 6 من صلاة الخوف.

2) وسائل الشيعة ج 4 ص 736 الحديث الأول في الباب الرابع.

و ربما يستدل على الوجوب بالأخبار الدالة على النهي عن القرآن في الفريضة .. أن يقال أن النهي حقيقة في التحريم و لا وجه لتحريم ذلك إلا من حيث إنه يلزم زيادة واجب في الصلاة عمداً: و هو مبطل لها.

و فيه أولا: أن ذلك مبني على تحريم القرآن.

و ثانياً: أن العبادة واجبة كانت أو مستحبة توقيفية من الشارع فمن الجائز كون السورة مستحبة و النهي عن الإتيان بثانية لكونه خلاف الموظف شرعاً .. إذ كما أن التشريع يحصل بزيادة الواجب [باعتقاد] شرعيته، و وجوبه كذلك يحصل بزيادة مستحب باعتقاد توظيفيه و استحبابه في ذلك المكان، و أما من حيث كونه قرآناً فلا تبطل الصلاة به سواء قلنا بوجوب السورة أو استحبابها.

نعم ربما يمكن الاستدلال على ذلك بالأخبار الدالة على التحريم العدول من سورة التوحيد و الجحد إلى ما عدا سورتي الجمعة و المنافقين و اتفاق جمهور الأصحاب على ذلك، و من تلك الأخبار (صحيحة الحلبي)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا افتتحت صلاتك بقل هو الله أحد و أنت تريد أن تقرأ غيرها فامض فيها و لا ترجع إلا أن تكون في يوم الجمعة

الحديث.

و (صحيحة أبي نصر)

عنه (عليه السلام) قال: ترجع من كل سورة إلا من قل هو الله أحد، و قل يا أيها الكافرون

(1)و بمضمونهما أخبار أخر.


1) الأول مروي في التهذيب ج 1 ص 322، و الثاني في الكافي الفروع ج 1 ص 87.

و وجه الاستدلال بها أنه لو لا وجوب السورة هنا لما حرّم العدول عنها و ليس وجوبها ناشئ عن مجرد الشروع فيها إذ لا شي‌ء من المستحب يجب بالشروع فيه إلا ما خرج بدليل خاص كالحج .. و متى حرم العدول عنها وجب إتمامها، و متى ثبت الوجوب في هاتين السورتين ثبت في غيرها، إذ لا قائل بالفصل و جواز العدول في غيرها مع الإتيان بسورة كاملة بعد ذلك لا ينافي أصل الوجوب بل يؤكده.

و هذا أقوى ما يمكن أن يستدل به على الواجب و إن كان بعض مقدماته لا [تخلوا] من مناقشة ..! و أما ما استدل به على الاستحباب فمنه (صحيحة على بن رئاب)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن فاتحة الكتاب تجوز وحدها في الفريضة

(1)و (صحيحة الحلبي) عنه (عليه السلام) قال: إن فاتحة الكتاب تجوز وحدها في الفريضة

(2)و جملة من الأخبار قد دلت على جواز التبعيض و الجمع.


1) مروي في التهذيب ج 1 ص 154 و الاستبصار ج 1 ص 160.

2) مروي في التهذيب ج 1 ص 154.

صريح في عدم الوجوب.

و في بعض أخبار التبعيض أنه (عليه السلام) قرأ بمن خلفه آخر سورة المائدة ثم التفت إليهم بعد الفراغ فقال إنما أردت أن أعلمكم.

و أنت خبير بأن هذه الأخبار أصح سنداً و أصرح دلالة و من ثم ذهب إلى العمل بها جمهور متأخري الأصحاب، لكن اتفاق «العامة» خذلهم الله تعالى على الاستحباب و عملهم بالتبعيض مما يؤمن

الاعتماد عليها و الحكم بمضمونها.

و الظاهر أنه لذلك عدل متقدموا أصحابنا عن العمل بها مع صحتها و صراحتها.

و بالجملة فالحكم عند محل إشكال و الاحتياط لازم على كل حال.

المسألة الرابعة في الجهر و الإخفات

مسألة: قال دامت سلامته و تمت سعادته: هل الجهر و الإخفات في موضعهما واجبان أم لا؟

فإن الدليل المشهور على الوجوب غير واف بالمطلوب.

و على تقدير الوجوب هل هما حقيقتان متباينتان أم لا؟.

و على تقدير الوجوب لو جهر ببعض الكلمات في موضع الإخفات هل يقدح أم لا؟.

و هل يفرق بين الأوليتين و الأخيرتين لو اختار المكلف التسبيح أم لا؟.

و لو كان الإمام يعتقد عدم الوجوب و المأموم يعتقده بتقليد [أ يقرء] ذلك و الإمام يجهر في بعض مواضع الإخفات و لم يعلم المأموم، فهل يجب إعلامه و هل يجوز له الإمامة بذلك المأموم بناء على صحة صلاته خصوصاً في نفس الأمر إذا اعتبر عليه الإخفات مع القول بأنهما حقيقتان

متباينتان و جهر أقل الجهر بحيث يساوي أعلا الإخفات أو أقل أم لا؟.

و هل يستحب الجهر في ظهر يوم الجمعة أم لا؟.

فالمأمول منكم دام علاكم كشف مسألة الجهر و الإخفات بالدليل الشافي.

الجواب: فإنه سبحانه هو الهادي إلى جادة الصواب، أن هذا السؤال يشتمل على مسائل فلا بد من إفراد كل منها بما يخصه من البحث و الدلائل.

(الأولى) في وجوب الجهر و الإخفات في مواضعهما و عدمه.

و مما يدل على الوجوب (صحيحة زرارة)

عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه، و أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه؟ فقال: أي ذلك فعل متعمداً فقد نقض صلاته و عليه الإعادة، و إن فعل ذلك ناسياً أو ساهياً أو لا يدري فلا شي‌ء عليه و قد تمت صلاته.

هذه الرواية رواها في (الفقيه) عن (حريز) و طريقه [إليه] في المشيخة صحيح و صحيح [و هي] المروية في طريق (الشيخ قدس سره)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: رجل جهر بالقراءة فيما لا ينبغي الجهر فيه أو أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه و ترك القراءة فيما ينبغي القراءة فيه أو قرأ فيما لا ينبغي القراءة فيه؟ فقال: أي ذلك فعل ناسياً أو ساهياً فلا شي‌ء عليه

(1)


1) الفقيه ج 1 ص 115، التهذيب ج 1 ص 181، الاستبصار ج 1 159.

و ما رواه (الصدوق في من لا يحضره الفقيه) عن (الفضل بن شاذان) عن الرضا (عليه السلام) قال: [في حديث أنه ذكر العلة التي من أجلها] جعل الجهر في بعض الصلوات و لم يجعل في بعض

لأن الصلوات التي يجهر فيها إنما هي صلوات تصلّى في أوقات مظلمة فوجب أن يجهر فيها ليعلم المار أن هناك جماعة

(1)و طريق (الصدوق) في المشيخة إلى (الفضل عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري عن علي بن محمد بن قتيبة) و هما و إن لم يذكرا في كتب الرجال بمدح و قدح لكن لا يخفى على الممارس أن إكثار (الصدوق) الرواية عنهما مقرونة في أكثر المواضع بالتراضي عنهما مع ما هو عليه كسائر علمائنا المحدثين، من [التصلّف] في نقل الحديث مما يدل على صحة ما ينقله عنه كما شهد به في صدر كتابه. [و] قال (السيد السند في المدارك) بعد نقل حديث يشتمل سنده على هذه الرجلين أقول: أن (عبد الواحد بن [محمد بن] عبدوس) و إن لم يوثق صريحاً لكنه من مشايخ (الصدوق) المعتبرين الذين أخذ عنهم الحديث فلا يبعد الاعتماد على روايته ثم توقف في (علي بن محمد بن قتيبة).


1) الفقيه ج 1 ص 201، علل الشرائع ص 79، عيون الأخبار ص 552.

و نحن نقول لا مجال للتوقف فيه لما ذكرناه أولا و لهذا ذكره (العلامة رحمه الله) في القسم الأول من (الخلاصة) و صحح في ترجمة (يونس بن عبد الرحمن) طريقين: و هو فيهما (1)و قال (النجاشي) في حقّه أنه تلميذ (2)(الفضل بن شاذان) و راوية كتبه.

و قد عدّ حديثه في (المنتقى) في «صحر» في آخر باب السفر.

و بالجملة: فجلالة شأنهما أظهر من أن يحتاج عند الممارس إلى بيان.

و ما رواه في الكتاب المذكور: قال

سأل (محمد بن عمران) أبا عبد الله (عليه السلام) قال: لأي علة يجهر في صلاة الجمعة و صلاة المغرب و صلاة العشاء الآخرة و صلاة الغداة و سائر الصلوات [مثل] الظهر و العصر لا يجهر فيهما؟ «إلى [أن قال]»: لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لما أسري به إلى السماء كان أول.


1) الخلاصة ص 185.

2) رجال النجاشي ص 183.

صلاة فرض الله عليه الظهر يوم الجمعة فأضاف [الله عز و جل] إليه الملائكة [تصلي خلفه] و أمر نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يجهر بالقراءة ليتبين لهم فضله ثم فرض عليه العصر و لم يضف إليه أحدا من الملائكة و أمره أن يخفى القراءة لأنه لم يكن وراءه أحد ثم فرض عليه المغرب و أضاف إليه الملائكة و أمره بالإجهار و كذلك العشاء الآخرة، فلمّا كان قرب الفجر نزل ففرض الله عليه الفجر فأمره بالإجهار ليتبيّن للناس فضله كما بيّن للملائكة فلهذه العلّة يجهر فيها

الحديث (1)و هذه الأخبار كما ترى صريحة في الوجوب:

أما الأول: فلمّا تضمنه من وجوب الإعادة مع الإخلال بها عمداً.

و أما الثاني: لدلالته على تخصيص الاغتفار بالناسي و الساهي دون العامد: و إلا لكان تارك القراءة عمداً فيما يجب فيه القراءة لا إعادة عليه و لا قائل و لفظ ينبغي و لا ينبغي في الخبرين بمعنى الوجوب و التحريم كما هو في كثير من الأخبار.

و منه ما في الصحيح [عن] زرارة [قال]

أخبرني عن الوجه.


1) الفقيه ج 1 ص 201، علل الشرائع ص 115.

الذي ينبغي أن يوضأ [الذي قال الله عز و جل] فقال (عليه السلام): الوجه الذي أمر الله عز و جل بغسله الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه [و لا ينقص منه]

الحديث (1)و في صحيحة أخرى [عنه أيضاً]

فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل «إلى أن قال في [غسل] اليدين» فعرفنا أنه ينبغي [لهما] أن يغسلا

الحديث (2)إلى غير ذلك من المواضع التي حضرني منها الآن ما يقرب من ثلاثة عشر موضعاً.

نعم هو خلاف [لما] هو الشائع الآن و المتعارف في هذا الزمان.

و أما الثالث: للتصريح فيه بالوجوب حسبما هو المراد و المطلوب.

و أما الرابع: فلتضمنه للأمر منه سبحانه للرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) بالجهر و الإخفات في تلك الصلوات و أمره سبحانه للوجوب يتعين إلا مع قيام قرينة [على] عدمه: لقوله سبحانه فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ (3).

.


1) الفقيه ج 1 باب حدّ الوضوء 88 ص 15.

2) الكافي الفروع ج 1 ص 10، الفقيه ج 1 ص 30 العلل ص 103 التهذيب ج 1 ص 17 الاستبصار ج 1 ص 33.

3) آية 63 من سورة النور.

و محل الخلاف في الأمر وجوباً و استحباباً إنما هو في أوامر السنة المطهرة، كما حققه جملة من المحققين.

و كلما ثبت في حقه (صلى الله عليه و آله و سلم) من الأحكام جرى في أمته، إلا ما قام دليل باختصاصه به: لأن حلاله حلال و حرامه حرام إلى يوم القيامة.

و يؤيد ذلك أيضاً الأخبار المستفيضة بملازمتهم (عليهم السلام) على ذلك فإنهم (عليهم السلام) قد يتركون المستحبات في بعض الأوقات و يفعلون بعض المكروهات إظهاراً للجواز و لئلا يظن الناس بسبب ملازمتهم على الفعل، [أو الترك] الوجوب أو التحريم، كما لا يخفى على من تتبع الأخبار و تصفح تلك الآثار.

و يؤيده أيضاً أن يقين البراءة لا تحصل إلا به و لعدم ظهور المنافي في خلافه كما ستعرف إن شاء الله تعالى.

و مما يدل على الاستحباب صحيحة (علي بن جعفر) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال

سألته عن الرجل يصلي من الفريضة ما يجهر فيه بالقراءة هل عليه أن لا يجهر؟ قال: إن شاء جهر و إن شاء لم يفعل

(1)و أنت خبير بأن جملة من طرق الترجيح الواردة عن أصحاب العصمة صلوات الله عليهم عاضدة للإخبار الأول، فتكون هي التي عليها المعول: لأن منها الشهرة في الرواية، و منها مخالفة العامة، و منها


1) قرب الإسناد ص 94 الطبع الحجري.

الاحتياط، و كلها مع تلك الأخبار فيتعين حمل هذه الرواية على التقية، كما صرح به شيخ الطائفة رحمه الله (1)و اعتراض (المحقق) عليه عار عن التحقيق كيف و التقية أحد طرق الترجيحات المنصوصة بل لا يكاد يوجد اختلاف في أخبارنا إلا و منشأه التقية.

و ما ذكره بعض مشايخنا المتأخرين: من أن العامة أيضاً منهم من يقول بالوجوب فيه.

إن الذي نقله (العلامة في المنتهى) عن الجمهور كافة: هو الاستحباب و لم يخالف فيه منهم إلا (ابن أبي ليلى) خاصة فالحمل على التقية متعين.

و ما اصطلحوا عليه من الجمع بين الأخبار بحمل الأمر على الاستحباب و النهي على الكراهة، حتى رجحه بعضهم على الترجيح بمخالفة التقية و إن أجمع العامة على أحد القولين، لا مستند له من النصوص بل هو خلاف الوارد عنهم (عليهم السلام) و المنصوص.

و ما استدل به بعضهم على الاستحباب من الأصل: فجوابه أن قيام الدليل على خلافه يوجب الخروج عنه و من قوله سبحانه


1) التهذيب ج 1 ص 181.

وَ لٰا تَجْهَرْ بِصَلٰاتِكَ وَ لٰا تُخٰافِتْ بِهٰا وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلًا (1)باعتبار أن الأمر بقراءة الوسط شامل للصلوات كلها فليس مما يعتمد عليه [إذ قصارى] ما تدل عليه الآية بمعونة الأخبار الواردة في تفسيرها: هو النهي عن الجهر المفرط و الإخفات الذي لا يسمع نفسه و تحريمهما و الأمر بالوسط و وجوبه فهذا الوسط مجمل في تفصيله و بيان إجماله إلى الأخبار كسائر الإجمالات الواقعة في القرآن.


1) آية 110 من سورة الإسراء.

و قد عرفت مما قدمنا تخصيص الجهر ببعض الصلوات و الإخفات ببعض فيلزم من الآية بمعونة الأخبار المذكورة الوجوب حينئذ فيكون الآية دليلا على الوجوب كما لا يخفى، و بما أوضحناه من التحقيق يتضح لك ما في كلام (السيد السند في المدارك) من توجيه الاستحباب عملا برواية (علي بن جعفر) و دعواه أوضحيتها سنداً و أظهريتها

دلالة مع اعتضادها بالأصل و ظاهر القرآن فإنه بمعونة ما شرحناه لك مجرد [دعوى عار عن] البرهان.

(الثانية) أن الجهر و الإخفات هل هما حقيقتان متباينتان أم لا؟.

الذي يقرب بالبال العليل، و يخطر بالخاطر الكليل أنهما حقيقتان متباينتان و إلا لم يتم اختصاص بعض الفرائض بالجهر وجوباً أو استحباباً و بعض بالإخفات كذلك، و انقسام الصلاة بسببيهما إلى جهرية و إخفاتية و النصوص على خلافه لكن على تقدير التباين فحقيقة كل منهما عبارة عما ذا الذي رجحه بعض متأخري أصحابنا حوالة ذلك على العرف و أنت خبير بما في حوالة الأحكام الشرعية على العرف من الخفاء، بل هو من قبيل التعريف بالأخفى إذ [أن] مرادهم بالعرف: هو العرف العام و هو متعذر المعلومية، أو تعسر و الرجوع إلى الخاص فرع العلم بالعام المستلزم لتتبعه و العلم باختلافه.

و الأقرب عندي كما استفدته منه و الذي (نور الله ضريحه و طيب ريحه) أن الفرق بينهما باعتبار اشتمال الصوت على الجرس و عدمه فمع اشتماله عليه يسمى جهراً و مع عدمه إخفاتاً، و لعل العرف يساعد على ذلك: و في كلام أهل اللغة: الجهر بمعنى الإعلان و الخفت، و الإخفاء بمعنى إسرار المنطق و سره و منه قوله تعالى يَتَخٰافَتُونَ [بَيْنَهُمْ] أي يسر بعضهم إلى بعض (1)


1) سورة طه 103.

و من الظاهر أن الإعلان بالصوت و رفعه إنما يكن بواسطة الجرس المشتمل عليه الصوت إذ بدونه لا يمكن رفعه و الإعلان به، و إن تفاوت شدة و ضعفاً و ما لم يشتمل على جرس فهو إسرار و إن سمعه القريب كما يفعله المتساران بالحديث فيسر أحدهما إلى الآخر كلاماً غير مشتمل على الجرس لئلا يسمعه من سواهما كما عرفت من قوله سبحانه يَتَخٰافَتُونَ بَيْنَهُمْ، و في الأخبار المتقدمة ما يؤيد ذلك كقوله في خبر (الفضل بن شاذان) الأمر بالجهر لأجل سماع المارّ فيعلم بالجماعة و في الثانية: لسماع الملائكة و الناس ليبين لهم فضله (صلى الله عليه و آله و سلم) فإن ذلك لا يكون إلا مع اشتمال الصوت على الجرس فإن الإعلان بالصوت و إن تفاوت شدة و ضعفاً لا يمكن بدون ذلك كما عرفت و لذا ترى من أضر ملاقاة الهوى صوته حتى بح صوته لا يمكنه الإعلان به و رفعه.

(الثالثة) لو جهر ببعض الكلمات في موضع الإخفات أو بالعكس؟ فعلى القول بالاستحباب لا إشكال، و على القول بالوجوب فإن كان عامداً فقد أبطل صلاته كما دريت من (صحيحتي زرارة المتقدمتين) و وجهه ظاهر، و إن كان سهوا فلا شي‌ء عليه حسبما دلتا عليه أيضاً: فيمضي في صلاته مطلقاً و هذا مما استثنى بهذه الرواية من القاعدة.

من سهى في واجب ثم ذكر قبل الدخول في واجب آخر فإنه يجب عليه الرجوع لما سهى فيه و تداركه، إلا في هذا الموضع على أحد القولين.

(الرابعة) لو اختار المكلف التسبيح في آخرتي الرباعية و ثالثة الثلاثية: فظاهر أن الحكم فيه بالنسبة إلى الجهر و الإخفات كسائر أذكار الصلاة.

قال (السيد السند قدس سره في المدارك) ذكر جمع بين الأصحاب أنه يجب الإخفات في هذا الذكر تسوية بينه و بين المبدل و نفاه ابن إدريس للأصل و فقد النص، و أجاب عنه في (الذكرى) بأن عموم الإخفات في الفريضة كالنص و هو غير واضح و إن كان الاحتياط يقتضي المسير إلى ما ذكره، انتهى (1)أقول: ما ادعوه من أن التسبيح بدل عن القراءة و هي إخفاتية فيجب الإخفات أيضاً.

أما أولا: فإن المستفاد من الأخبار كما أوضحناه بما لا مزيد عليه في (رسالتنا ميزان الترجيح في أفضلية التسبيح) هو العكس و إن الأصل هو التسبيح الذي نقل عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ثم الأئمة من بعده صلوات الله عليهم المداومة في صلاتهم جماعة و فرادى عليه و على ذلك أيضاً دلت أخبار النهي عن القراءة و النفي لها المؤذن بمرجوحيتها إن لم ينقل بالمنع عنها.

و من ثم ذهب بعض متأخري أصحابنا هو التخيير و كلامه (قدس سره) عندي ليس بذلك البعيد و في صحيحة عبيد بن زرارة (2)ما يدل على أن الإجزاء بالفاتحة


1) مدارك الأحكام ص 169 الطبع الحجري.

2) الكافي الفروع ج 1 ص 83، التهذيب ج 1 ص 225.

إنما هو من حيث اشتمالها على الدعاء و التحميد و هو مؤذن بفرعيتها على التسبيح كما لا يخفى.

و أما ثانياً: فمع تسليم البدلية فوجوب التساوي بين البدل و المبدل منه في جميع الأحكام تحتاج إلى دليل و من ذلك يظهر قوة ما ذهب إليه (ابن إدريس)، و نقل عن (العلامة) أيضاً الميل إلى ذلك.

(الخامسة) إذا اعتقد الإمام استحباب الجهر و المأموم وجوبه فلا تخلو إما أن يجهر الإمام في موضع الإخفات و بالعكس أم لا؟.

و على الأول فإما أن يعلم المأموم بذلك أم لا.

فهنا صور ثلاث:

الأولى: أن يجهر الإمام في موضع الإخفات أو بالعكس مع علم المأموم بذلك، و الظاهر أنه لا ريب في بطلان القدوة لإخلال الإمام ببعض الواجبات باعتقاد المأموم فيكون صلاة الإمام باطلة في اعتقاده، و متى حكم ببطلانها امتنع الاقتداء فيها.

الثانية: الصورة بحالها لكن مع عدم العلم للمأموم بذلك، و الظاهر هو الصحة، و لو انكشف الحال بعد الفراغ و يكون حكم هذه المسألة بالنسبة إلى هذا المأموم حكم من اقتدى بإمام ظاهر العدالة ثم انكشف له

عدمها، أو صلى بصلاة إمام مستكملة لشرائط الصحة ثم ظهر بطلانها و إعادتها.

الثالثة: إن يجهر الإمام في الجهرية و يخافت في الإخفاتية و إن كان يعتقد عدم الوجوب، و الظاهر أيضاً هنا صحة القدوة بل أولى علم المأموم به أو لم يعلم، لأن الاختلاف في الفروع الناشئ عن اختلاف الأدلة لا يوجب فسقاً بل هذا مقتضى التكليف و لأن صلاته في هذه الصورة في نظر المأموم صحيحة مستكملة للشرائط، و اعتقاد عدم الوجوب فيما يعتقد المأموم وجوبه غير [مؤيد] في المقام إلا على رأى بعض الأعلام من وجوب نية الوجوب في كل واجب من أفعال الصلاة و لا نعرف له دليلا يعتمد عليه، و لا حجة توجب المصير إليه.

و الذي حققه جماعة من محققي أصحابنا (رضوان الله عليهم) أنه إذا صلى المكلف و آتى بجميع أفعال الصلاة على الوجه المأمور به شرعاً و إن لم يعرف الواجب من الندب فصلاته صحيحة لإتيانه بالمأمور به و امتثاله المقتضي للجزاء و قصد القربة آت على جميع أفعالها و لا دليل على سواه كما تقدمت الإشارة إليه.

نعم لو اشتملت الصلاة على بعض الأحكام المترددة بين الوجوب أو الاستحباب و التحريم فقصد القربة لا يأتي عليه بل لا بد و الحال هذه من ملاحظة الترجيح في أدلة تلك الأحكام و إلا فسلوك جادة الاحتياط.

و أَما قوله (سلمه الله تعالى) و هل يجوز له الإمامة بذلك المأموم إلخ فهذا السؤال لا مجال له إلا على القول بوجوب نية الإمامة على الإمام.

و لا أعرف به قائلًا و لا عليه دليلا، فإنه لو صلى المصلي بنية الانفراد مع علمه بأن من خلفه يأتم به صحت صلاته و صلاة من خلفه.

لا أعرف فيه خلاف بل نقل الإجماع فيه على الصحة.

نعم ذكروا أن نية الإمامة شرط في حصول الثواب على دليل و لو قلنا بوجوب النية كما صرحوا به في صلاة الجمعة و العيدين فيجوز له الإمامة أيضاً.

و يبغي الكلام في المأموم على حسب ما ذكرنا في الصورة المتقدمة.

(السادسة) هل الأفضل الجهر في ظهر الجمعة أم يجب الإخفات كسائر الصلوات الإخفاتية؟ الذي دلت عليه (صحيحة محمد بن مسلم) و (صحيحة

الحلبي و حسنته) أيضاً، و رواية (محمد بن مروان) هو الجهر.

و مورد الأولى: الجماعة و الثانية: ظاهرها المنفرد و الثالثة صريحة فيه و الرابعة: مطلقة.

و لقائل هذه الروايات في ذلك (صحيحة جميل) و (صحيحة

علي بن جعفر) و حمل هذه على التقية كما أجازت به (الشيخ قدس سره) متجه، إذ ظاهر كلام (العلامة رحمه الله) أن ذلك مذهب الجمهور كافة (1)و في بعض تلك الأخبار ما يشير إلى ذلك.


1) تذكرة الفقهاء ص 117، الطبع الحجري.

المسألة الخامسة في استحباب الجمعتين في الجمعتين

مسألة: قال لا زال محفوفاً بالعز و الإقبال: هل الجمعتان واجبتان في الجمعتين أم مستحبتان؟.

الجواب: و به تعالى الثقة و إليه المرجع و المآب: أن الأظهر هو الاستحباب إذ ما اعتمدوه من أدلة الوجوب معارض بمثله مع قبول تلك الأخبار التأويل دون هذه فما استندوا إليه في الوجوب رواية (عبد الملك الأحول عن أبيه)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من لم يقرأ في الجمعة بالجمعة و المنافقين فلا جمعة له

(1)و (صحيحة صباح بن صبيح) قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل أراد أن يصلي الجمعة فقرأ بقل هو الله أحد، قال: يتم ركعتين ثم يستأنف

(2)


1) مروي في التهذيب ج 1 ص 247.

2) مروي في الكافي الفروع ج 1 ص 119، التهذيب ج 1 ص 247.

و (صحيحة عمر بن يزيد) قال

قال أبو عبد الله (عليه السلام): من يصلي الجمعة بغير الجمعة و المنافقين أعاد الصلاة في سفر أو حضر

(1)و ما عدا هذه الروايات فقصاراه الدلالة على توظيف ما تبين السورتين في الفريضتين المذكورتين كسائر السور الموظفة في الفرائض المخصوصة. و الجواب عن تلك الروايات بالمعارضة (بصحيحة علي بن يقطين) قال

سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمداً، قال: لا بأس [بذلك]

(2)و (صحيحته الثانية) المروية في (كتاب من لا يحضره الفقيه) قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجمعة في السفر ما أقرأ فيهما؟ قال: اقرأهما بقل هو الله أحد

(3)و (موثقة يحيى الأزرق) قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) قلت له: رجل صلى الجمعة فقرأ سبح اسم ربك الأعلى و قل هو الله أحد، قال: أجزأه

(4)و (صحيحة عبد الله بن سنان) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول في صلاة الجمعة: لا بأس بأن تقرأ فيها بغير الجمعة و المنافقين إذا كنت مستعجلا

(5)


1) مروي في الكافي الفروع ج 1 ص 120، التهذيب ج 1 ص 247.

2) مروي في التهذيب ج 1 ص 247.

3) مروي في الفقيه ج 1 ص 136، الكافي الفروع ج 1 119.

4) مروي في التهذيب ج 1 ص 322.

5) مروي في الفقيه ج 1 ص 136، التهذيب ج 1 ص 322.

و رواية (محمد بن سهل عن أبيه) قال

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمداً، قال: لا بأس

(1)و طريق الجمع: حمل تلك الأخبار على تأكد الاستحباب و إلا لزم طرح هذه، إذ لا محمل لها تحمل عليه متى عمل على تلك الأخبار و جمع (الصدوق رضي الله عنه) بحمل هذه الأخبار على الرخصة لمن كان مريضاً أو مستعجلا أو مسافراً يأباه ذكر التعمد في (صحيحة علي بن يقطين) و رواية (سهل) إذ مفاده عدم العذر، كما لا يخفى [من قوله] في الرواية الأولى «لا جمعة له» ليس صريح في الإبطال لوقوع التعبير به. و بمثله في الأخبار في مقام التأكيد لما عبر به عنه و نقصان الفضل مع الإخلال: كقوله (عليه السلام)

«من تكلم في حال الخطبة فلا جمعة له».

و قوله

«لا صلاة لجار المسجد إلا فيه»

(2)و نحو ذلك مما يقف عليه المتتبع و


1) مروي في التهذيب ج 1 ص 247.

2) مروي في التهذيب ج 3 ص 249.

أَما الإعادة في الروايتين الأخيرتين فإنه وقع مثله في الأحكام المستحبة تبنيها على التسوية بشأنها و المحافظة عليها، كما في (صحيحة الحلبي) الدالة على أن الناسي للأذان و الإقامة يرجع لهما و يعيد الصلاة ما لم يركع (1)و (صحيحة علي بن يقطين) الدالة على أن ناسي [الأذان] و الإقامة إن ذكر و قد فرغ من صلاته تمت صلاته و إلا فليعد (2)مع ما عرفت في الأذان من دلالة الأخبار على الاستحباب و اتفاق الأصحاب على الاستحباب في الإقامة في الجملة على أن القول بالوجوب فيها لا ينطبق على مدلول من الرجوع متى ذكر قبل الفراغ إذا لو أجبر المتروك سهواً متى تجاوزه المصلي إلى ركن مضى من غير رجوع.

و بالجملة فالقول بالاستحباب هو الأظهر في المقام و الأقرب لأخبار أهل البيت (عليهم السلام).

.


1) مروي في التهذيب ج 1 ص 215، الاستبصار ج 1 ص 155.

2) مروي في التهذيب ج 1 ص 216، الاستبصار ج 1 ص 155.

المسألة السادسة في تولى الأمور الحسبيّة

مسألة قال أيده الله تعالى بتأييده و أضاف [و أفاض] عليه من رواشح الفضل و مزيده: ثم لا يخفى عليكم أن كثيراً من أصحابنا (عطر الله مراقدهم) صرحوا بأن لا يتولى صرف الخمس و الزكاة إلا الفقيه الجامع لشرائط الفتوى و المطالع [الظالع] عن نيل تلك المراتب العالية، و في وقت الوالد أذن لنا في تولى أمور الحسبيات: فالمأمول منكم أيدكم الله أن تكتبوا لنا عن دليل أصحابنا في عدم الجواز، و إن رأيتم المصلحة (للعبد) في تولي أخذ ذلك من الزكاة و الخمس فاكتبوا له إجازة بذلك لأن المحتاجين كثيرون، فالاعتماد على الله و عليكم.

و إن كان بحسب معتقدكم الشريف عدم المصلحة في ذلك فاكتبوا لنا بذلك أيضاً، فإنا لأمركم طائعون و على رأيكم معتمدون؟.

الجواب: و منه سبحانه الأمداد بالصواب.

إن المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) أن صرف الزكاة إلى مستحقها، و كذلك حق الأصناف من الخمس لا يتوقف على نظر الحاكم الشرعي، بل لو صرفه من عليه

أجزأ.

و لهذا أنه يصدق في دعوى صرفه بغير بينة و لا يمين و من خالف من أصحابنا (كالشيخ المفيد رحمه الله) و قليل معه حيث أوجبوا حملها إلى الإمام مع حضوره أو نائبه الخاص أو العام، لم نقف له على دليل، بل الأخبار بقبول أخبار من هي عليهم تأبى ذلك و ترده.

و كما يتولى ذلك المالك بنفسه يتولاه وكيله المعين لذلك عموماً و خصوصاً.

نعم يستحب للمالك دفعها للحاكم لأنه أبصر بمواقعها و يكون حينئذ من قبيل الوكيل عن المالك، فما نقله (دام ظله) عن كثير من أصحابنا من تصريحهم بأنه لا يتولى صرف الخمس و الزكاة إلا الفقيه إلخ إن أشار به إلى من نقلنا خلافه في المسألة فهو مع كونه قولا عارياً عن الدليل و القائل به من أصحابنا أقل القليل، و إلا فلعله غفلة منه (سلمه الله) أو أنه اطلع على نقل لم نقف عليه.

نعم لو امتنع من هي عليه من إعطائها كان للحاكم الشرعي جبره و أخذها منه قهراً فيكون الحاكم هو المتولي صرفها بعد قبضها و يكون من جملة الأمور الحسبية المناطة بنظره، و لعله (زيد علاه) أراد هذا المعنى و إن قصرت العبارة عن أدائه.

و بالجملة فالذي يناط بنظر الحكم في مسألة الخمس و الزكاة إنما هو أخذها قهراً من الممتنع كما ذكرنا و صرفها، و مثله قبض حصة الإمام من الخمس فإنها منوطة بنظره حيث إنه نائبه (عليه السلام) و القائم مقامه، بل نائب كل غائب.

و أما الكلام في تولي الأمور الحسبية لغير الفقيه الجامع للشرائط فتحقيق

القول فيه أنه لا ريب أن هذا المنصب مخصوص بالأئمة (عليهم السلام) أو من عينوه خصوصاً أو عموماً مع الحضور أو الغيبة، و قد استفاضت أخبارهم (صلوات الله عليهم) بأنه يرجع في ذلك إلى من روى حديثهم و نظر في حلالهم و حرامهم و عرف أحكامهم مع الاتصاف بالعدالة و التقوى فإنه حاكم و قاضٍ على الأمة من جهتهم و خليفة عليهم من قبلهم و الراد عليه كالراد عليهم حسبما تضمنه (مقبولة عمر بن حنظلة) و رواية (أبي خديجة) و توقيع الصاحبي (1)

سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة أ يحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً و إن كان حقا ثابتا له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت و ما أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله و علينا ردّ، و الراد علينا كالراد على الله، و هو على حد الشرك بالله

الكافي ج 1 ص 67.

و أما رواية أبي خديجة فعن أبي عبد الله عليه السلام قال:

بعثني أبو عبد الله عليه السلام إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شي‌ء من الأخذ و العطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا و حرامنا، فإني قد جعلته عليكم قاضياً، و إياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر

التهذيب ج 6 ص 303.

و أما توقيع الإمام صاحب الأمر عليه السلام: عن إسحاق بن يعقوب قال

سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام: أما ما سألت عنه أرشدك الله و ثبتك ..

إلى أن قال

و أما الحوادث الواقعة فارجعوا إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم و أنا حجة الله، و أما محمد بن عثمان العمري فرضي الله عنه و عن أبيه من قبل فإنه ثقتي و كتابه كتابي

إكمال الدين و إتمام النعمة ص 266، الغيبة ص 197، الاحتجاج ص 163.

و غيرها.

1) رواية عمر بن حنظلة: قال

و هل المراد برواية أحاديثهم و معرفة أحكامهم يعني جميع أحاديثهم و كذلك معرفة جميع أحكامهم أو يكفي البعض الذي يتم به الفرض؟ الظاهر الثاني فإن اشتراط رواية جميع أحاديثهم و الإحاطة بها و معرفة كل أحكامهم، سواء كان في (الكتب الأربعة) أو غيرها يؤدي إلى أن لا يوجد هذا الفرد على مرور الأزمان.

و لذا ترى كل من تأخر من الأصحاب يستدرك على من تقدمه من الفضلاء بسبب اطلاعه على ما لم يطلع عليه من تقدمه، و هذا عند الممارس للفن أمر ظاهر لا ينكر.

و قد استقصينا في (كتاب المسائل الشيرازية) جملة من المواضع التي غفلوا فيها عن النصوص مع أنها في (الكتب الأربعة) المتداولة [بينهم] فيهم على أن ما يحتاج إليه من أحاديث النكاح مثلا لو كان الواقعة المحتاج إليها فيه لا يتوقف على أحاديث الصلاة و نحوها و هكذا ..

و يؤيد ذلك ما في رواية (أبي خديجة) من قوله (عليه السلام) «

و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه»

إلخ.

فما ذكره بعض الأصحاب من اشتراط الإحاطة بالجميع ليس بموجه، و قد فهم من كونه حاكماً و قاضياً من جهتهم (صلوات الله عليهم) رجوع جميع الأمور الحسبيّة عملا بحق النيابة.

ثم إنه لو لم يوجد الفقيه المذكور أو تعذر الوصول إليه، فالظاهر أنه لا خلاف في جواز تولي عدول المؤمنين العارفين فمن لم يبلغ تلك المرتبة العلية لسائر الأمور الحسبيّة [عدا] ما يتعلق بالحكم و القضاء

و الإفتاء دفعاً للحرج المنفي بالشريعة السمحة السهلة لم يلزم من الضرر و التضرر في أموال الأيتام و الغيب و الفروج و نحوها، كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار و رأى ما يحدث في الأقطار على ممر الأدوار، و لأنه تعاون على البر و التقوى.

و يدل على ذلك أيضاً ظاهر (صحيح ابن بزيع) قال

مات رجل من أصحابنا و لم يوص فرفع أمره إلى القاضي الكوفي فصيّر (عبد الحميد) القيم بماله و كان الرجل خلف ورثة صغاراً و متاعاً و جواري فباع (عبد الحميد) المتاع فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه في بيعهن إذ لم يكن الميت صيّر إليه وصيته و كان قيامه هذا بأمر القاضي لأنهنّ فروج قال فذكرت ذلك لأبي جعفر (عليه السلام) فقلت يموت الرجل من أصحابنا و لم يوص إلى أحد و يخلّف جواري فيقيم القاضي رجل منا ليبيعهنّ [أو قال يقول بذلك رجل منا] فيضعف قلبه لأنهن فروج فما ترى في ذلك القيم؟ قال فقال: إذا كان القيم مثلك أو مثل (عبد الحميد) فلا بأس.

و الظاهر كما استظهره بعض مشايخنا المتأخرين المماثلة في العدالة و الضبط لأموالهم، و أما القضاء و الحكم و الإفتاء: فالمشهور بل ادعى عليه الإجماع غير واحد من أصحابنا اختصاص ذلك بالفقيه الجامع للشرائط.

و لكن المنقول عن (الشيخ أحمد بن فهد الحلّي) و (الشيخ

حسين بن مصلح الصيمري) و (الشيخ حسين بن منصور صاحب

الحاوي) جواز ذلك لفاقد بعض الشرائط مع عدالته عند تعذر الفقيه الجامع، دفعاً للحرج و جعلوا ذلك من قبيل وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و نقل صاحب (الحاوي المذكور) أنه يقتصر في الحكم على ما يحققه أمّا غيره من المسائل الاجتهادية فيعتمد فيها الصلح، فإن تعذر تركه.

و حجة المانع على ما يفهم من كلام (شيخنا الشهيد الثاني) في رسالته التي في المنع من تقليد الأموات هو الإجماع.

أقول: و الظاهر عندي هو القول بالمنع و اختصاص ذلك

بمن وردت فيه تلك الأخبار الدالة على أنه القاضي و الحاكم من جهتهم (عليهم السلام) لا لما ذكروه من إجماع، فإنه ليس بذلك الدليل الذي ينقطع به النزاع، بل الأخبار المستفيضة عن أهل الذكر (عليهم السلام)، كقول أمير المؤمنين صلوات الله و سلامه عليه (لشريح) على ما رواه (المشايخ الثلاثة)» جوز الله تعالى مراتبهم

«يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبي أو وصي أو شقي

(1)و ما رواه في (الفقيه) و مثله أيضاً في (التهذيب) عن (سليمان بن خالد) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي

(2)و الحصر في النبي و الوصي إضافي بالنسبة إلى من تصدر في ذلك بغير إذنهم لما عرفت من الأخبار الدالة على [أن] من عرف أحكامهم و روى


1) رواه الكليني في الفروع ج 7 ص 406، و رواه الصدوق في الفقيه ج 3 ص 4 و رواه أيضاً في المقنع ص 132 س 9 الطبع الحجري و رواه الشيخ في التهذيب ج 6 ص 217.

2) رواه في الفقيه ج 3 ص 4، و رواه في التهذيب ج 6 ص 217 و رواه في الفروع أيضاً ج 7 ص 406.

حديثهم: فهو حاكم و قاضٍ من جهتهم.

و ما رواه (المشايخ الثلاثة) عن الصادق (عليه السلام) من أن القضاة أربعة واحدة في الجنة و ثلاثة في النار (1)ثم عدّ ما عليه الليم إلى أن انتهى إلى الرابع فقال: و رجل قضى بالحق و هو يعلم في الجنة.

و مثلها جملة من الأخبار التي يطول بنقلها الكلام، و كلها صريحة


1) رواه الكليني في الفروع ج 7 ص 407، و رواه الصدوق في الفقيه ج 3 ص 3، و رواه الشيخ في التهذيب ج 6 ص 218، و رواه أيضاً المفيد في المقنعة مرسلا ص 112 س 22 الطبع الحجري.

في المنع من الحكم و الإفتاء إلّا لذلك المخصوص في تلك النصوص بالاستثناء.

و كيف كان فمثل سيدنا (أدام الله تعالى سعادته و أجزل إفادته) ممن قسم أوج الورع و التقوى في العلم و العمل و حاز النصيب الوافر الأقوى من اجتناب الخطأ و الخطل ممن لا يرتاب في جواز قيامه بالأمور الحسبية و انتظامه في سلك حملة الشريعة المحمدية، و إن توقف (دامت أيامه) لمزيد ورعه و احتياطه في الدخول في تلك الأمور فهو حسبما استدعى (رفعت أعلامه) من محبة مأذون و مأمور.

المسألة السابعة في تعريف الأيمان

مسألة: قال لا زال مؤيداً بالتوفيق و الإجلال: و ما أقل ما يحصل به الإيمان من العقائد بحيث تدفع الزكاة و الخمس و تصح مناكحته و غير ذلك من أحكام الإيمان فهل هو مجرد إقراره بالمعارف الخمس من التوحيد و العدل و النبوة و الإمامة و المعاد، و إن كان لو سئل عن دليل ذلك لم يعرفه و لم يمكنه إقامة الدليل كما هو في أكثر الناس في هذا الزمان تفضلوا ببيان ذلك.

الجواب: و به الثقة في كل باب أن هذه المسألة مما طال فيها زمام الكلام بين علمائنا الأعلام، و قد حققنا هذا المقام بما لا يحوم حوله نقض و لا إبرام في كتابنا (أعلام القاصدين إلى مناهج أصول الدين) و لنشير هنا إلى نبذة مما هنا لك بينة المدارك واضحة المسالك.

فنقول: الأظهر عندنا كما عليه جملة من جهابذة أصحابنا منهم

(المحقق خواجه نصير الملة و الحق و الدين الطوسي و الزاهد العابد المجاهد المولى الأردبيلي) و تلميذه (السيد السند صاحب المدارك و المحدث الكاشاني) و غيرهم: هو الاكتفاء بمجرد اعتقاد ذلك من غير توقف على الدليل بأي معنى اعتبر من كونه على النهج الميزاني أو ما تطمئن به النفس كما هو اختيار (شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني قدس سره).

لنا أن الإيمان لغة و شرعاً هو التصديق، و حقيقته الإذعان بأي طريق حصل، و التكليف بما زاد من الدليل بأي معينيّة يحتاج إلى الدليل.

نعم لا بد من حصول ذلك و لو بالتقليد على جهة الإذعان القلبي و التصديق اليقيني بحيث يكون جازماً متيقناً لذلك.

و يفهم من جملة من أخبارنا أن المعرفة بالتوحيد بل بالنبوة و نحوهما أمر بديهي لا كسبي كما نقلناه في ذلك الكتاب المشار إليه.

و هو مؤيد لما قلناه و من الظاهر المشهور الذي هو في الظهور كالنور على الطور أن الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يكلف الناس عند طلب الإيمان منهم بأزيد من الإقرار بالشهادتين و الالتزام بما جاء به من الأوامر و النواهي، فمن أقر بذلك مع إذعان و تصديق حكم بإيمانه و استوجب الجنة بذلك و من أقر بذلك لا عن إذعان و تصديق حكم بإسلامه و أجرى عليه أحكامه من الطهارة و حفظ الدم و المال و المناكحة و نحوها

أعم من أن يكون مع إنكار في الباطن كالمنافقين أو لا كالمؤلفة قلوبهم الذين تألفهم (صلى الله عليه و آله و سلم) و لم ينقل عنه طلب شي‌ء زائد على ذلك.

و مما يؤيد ذلك استفاضة الأخبار بالنهي عن التعمق في علم الكلام و الوقوف على ظاهر ما في السنة النبوية و كلام الملك العلام كما روي عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) حين خرج وراء أصحابه يخوضون في القدر فقال بعد أن غضب حتى احمرت وجنتاه

ما بهذا أمرتم تضربون كتاب الله بعضه ببعض فما أمركم الله فافعلوا و ما نهاكم عنه فانتهوا

(1)و ما روى عن (عبد العزيز بن المهتدي) قال سألت الرضا (عليه السلام) عن التوحيد؟ فقال: كل من قرأ قل هو الله أحد و آمن بها فقد عرف التوحيد، قلت: كيف يقرأها قال: كما يقرأها الناس

(2)و الظاهر أن السائل توهم من كلام الإمام (عليه السلام) أن مراده بالقراءة مثل الدرس و التعلم و التفكر و نحوها حيث سأل عن كيفية القراءة فأجابه (عليه السلام) بأن المراد قراءتها على وجه التلاوة كما يتلونها الناس بمعنى الاكتفاء بمجرد ظواهر المعاني المتبادرة من حاق اللفظ عند من أنس اللغة.


1) راجع مقدمة كتاب البرهان.

2) المروي في كتاب التوحيد ص 284.

و ما رواه في (التوحيد) بسنده عن (عبد العظيم الحسني) قال

دخلت على سيدي علي بن محمد بن علي بن موسى (عليه السلام) فلما بصرني قال: مرحباً بك يا أبا القسم، أنت ولينا حقا قال: فقلت له يا بن رسول الله إني أريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضياً أثبت عليه حتى ألقى الله عز و جل فقال: هاتها يا أبا القسم فقلت: إني أقول: إن الله تبارك و تعالى واحد لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ، خارج عن الحدين حدّ الإبطال و حدّ التشبيه، و إنه ليس بجسم و لا صورة [و لا عرض و لا جوهر] بل هو مجسم الأجسام، و مصور الصور، و خالق الأعراض و الجوهر، و رب كل شي‌ء و مالكه و جاعله و محدثه، و إن محمداً عبده و رسوله خاتم النبيين فلا نبي بعده إلى يوم القيامة و أقول: إن الإمام و الخليفة و ولي الأمر من بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي، ثم أنت يا مولاي، فقال (عليه السلام): و من بعدي [ابني الحسن] فكيف للناس بالخلف من بعده قال قلت: و كيف [ذاك] يا مولاي؟ قال: لأنه لا يرى شخصه و لا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً و عدلًا كما ملئت ظلماً و جوراً، [قال]: فقلت أقررت و أقول: إن وليّهم ولي الله و عدوهم عدو الله و طاعتهم طاعة الله، و معصيتهم معصية الله، و أقول: إن المعراج حق، و المسألة في القبر حق، و إن الجنة حق و إن النار حق، و الصراط حق، و الميزان حق، و إن الساعة آتية لا ريب فيها، و إن الله يبعث من في القبور، و أقول: إن الفرائض الواجبة بعد الولاية الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الحج و الجهاد، و الأمر بالمعروف و النهي عن

المنكر، فقال علي بن محمد (عليهما السلام) يا أبا القسم هذا و الله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فأثبت عليه، ثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة

(1)فهذا الحديث كما ترى ينادي بأوضح دلالة على أن مجرد التصديق بهذه المعارف هو دين الله الذي ارتضاه لعباده و لم يسأله الإمام (عليه السلام) بعد إظهاره اعتقاده بذلك عن الدليل على شي‌ء منها: فلو كان إيمانه متوقفاً وراء ما ذكر على معرفة الدليل لما قبل منه ذلك إلا بعد إقامة الدليل على كل منها، و لما حكم بأنه بمجرد ذلك دين الله الذي ارتضاه لعباده و دعي له بالثبات عليه. و بالجملة فمتى اعتقد المكلف معنى ما دلت عليه كلمة الشهادة و صدق النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في كل ما علم ثبوته عنه فلا ريب في إيمانه، نعم بقي الإشكال في بعض عوام (الشيعة) الضعيفة العقول ممن لا يعرف الله تعالى إلا بمجرد هذه الترجمة حتى لو سئل عنه من هو؟ فربّما قال محمد أو علي كما شاهدناه من بعضهم، أو لا يفرق بين النبي و الإمام، أو لا يعرف الأئمة كملا، أو لا يعرف من المعارف أصلا فضلا عن التصديق بها!؟.

و ظاهر أن مثل هؤلاء لا يحكم بإيمانهم بل هم بحسب الأحكام الدنيوية من جملة المسلمين، و في الآخرة من المرجئين.


1) المروي في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق (قدس سره) ص 81.

و في إعطائهم من الزكاة المشروطة بإيمان المستحق إشكال و ليس كذلك [في] النكاح فإن شرطه الإسلام لا الإيمان كما استفاضت به الأخبار، و اشتراط الإيمان وقع غفلة من جمهور (متأخري أصحابنا) بناء على حكمهم بإسلام المخالفين مع ترادف الأخبار بالمنع من مناكحتهم و قد أوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه في (رسالة الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب).

و الأحوط أن لا يعطى من هؤلاء المستضعفين شيئاً من الزكاة أو الخمس إلا بعد تلقينهم المعارف الخمس (1)و تصديقهم بذلك.


1) التوحيد و العدل و النبوة و الإمامة و المعاد.

المسألة الثامنة في حكم القاصد للمسافة

مسألة: قال أيده الله تعالى بالتوفيق و سقاه رحيق (1)التحقيق و ما اعتقادكم في القاصد للأربعة الفراسخ و الرجوع في يومه أو في ضمن العشرة، فهل يجب عليه التقصير كما هو مذهب (الثقة الجليل) أو التخيير، كما هو مختار (الشيخ) في أحد أقواله أو الإتمام كما هو المشهور؟

الجواب: و منه سبحانه نستمد الهداية للصواب أن تفصيل القول في هذا المقال على وجه يسهل الأخذ به لجملة الأفهام: أن يقال إنه لما اختلفت الأخبار الواردة في تحديد المسافة الموجبة للتقصير، فبين ما دل على أنها ثمانية فراسخ، و ما دل على أنها أربعة اختلفت أنظار أصحابنا (رضوان الله عليهم) في الجمع بينهما على الأقوال.

أحدها: ما هو المشهور تقييد أخبار الأربعة بالرجوع ليومه فيتحتم التقصير عندهم مع إرادة الرجوع ليومه و الإتمام فيما عداه.


1) الرحيق بمعنى الخالص الصافي الذي لا شوب فيه.

و ثانيها: وجوب التقصير [عندهم] مع إرادة الرجوع ليومه و التخيير مع عدم ذلك: و هو المنقول عن (ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه، و الشيخ في النهاية) إلا أنه منع من التقصير في الصوم و خصّه بالصلاة فيكون هذا ثالث الأقوال. و رابعها: حمل أخبار الأربعة على التخيير، يعني أن قاصد الأربعة إلى ما دون الثمانية فيتخير بين القصر و الإتمام يرجع ليومه أو يرجع بالكلية.

و هو اختيار (الشيخ في كتابي الأخبار) على ما فهمه الأكثر من كلامه.

و خامسها: التقييد بالرجوع ليومه، كما في القول الأول إلا أنه يتخيّر بين القصر و الإتمام: نقله في (الروض) و نسبه إلى (الشيخ و الشهيد في الذكرى).

و كذا أشار إليه في (الروضة) و نسبه إلى (الذكرى) و فهمه من كلام (الشيخ في كتابي الأخبار) لا يخلو من تأمل و في (غيره) لم أقف عليه.

و سادسها: قصد الأربعة ما لم ينقطع سفره بأحد القواطع المقررة من نية إقامة العشرة أو مضي ثلاثين يوماً متردداً أو وصول منزله: و هو الأظهر من الأخبار، و عليه تنطبق على وجه لا يعتريه ذلل و لا غبار.

و توضيحه: أن المسافة الموجبة للتقصير: هي ثمانية فراسخ لا غير لكنها أعم من أن يكون متصلة ذهاباً أو ملفقة من الذهاب و الإياب فكما أن القاصد ثمانية متصلة لو جلس على رأس أربعة منها مثلا أياماً من غير أن ينقطع سفره بأحد القواطع المتقدمة فإن حكمه التقصير لبقائه على حكم السفر فكذلك حكم من جلس على رأس الأربعة التي هي محل البحث فإنه ما لم ينقطع سفره بأحد القواطع المذكورة فهو على حكم السفر، و لا فرق بين الصورتين إلا التلفيق في هذه و عدمه في تلك و إلا فالكل مشترك في قصد ثمانية فراسخ، و إلى هذا القول مال جملة من (متأخري المتأخرين) من أصحابنا (رضوان الله عليهم).

و مما يدل على هذا القول و يدفع ما عداه أخبار (عرفات) حيث تضمنت الإنكار الشديد و التوبيخ الأكيد لأهل (مكة) على الإتمام في خروجهم إلى عرفات مع أنها على أربعة فراسخ من (مكة) و الخروج للحج كما صرحت به تلك الأخبار مع القطع بعدم الرجوع ليؤمهم مضافاً إلى نهي السائل بزيادة على ذلك عن الإتمام و أمره بالتقصير.

و هذا مما يدفع القول بالتقييد بالرجوع ليومه كما عليه الأكثر في عدم رجوع أهل (مكة) ليؤمهم كما عرفت، و يدفع أيضاً القول بالتخيير لعدم مجامعته لما عرفت من الذم و الإنكار عليهم في الإتمام و قوله (عليه السلام)

و أي سفر أشدّ منه لا تتم ..

فما جنح إليه في (المدارك) من اختيار التخيير و قوله: أنه لا ينافي ذلك نهي أهل (مكة) عن الإتمام [بعرفات] لأنا نجيب عنها بالحمل على الكراهة أو على أن المنهي عنه الإتمام على وجه اللزوم انتهى (1)محتمل لو لم يكن في المقام إلا مجرد النهي خاصة أما مع إردافه بالأمر بالتقصير و التسجيل على مخالفة ذلك و قوله (عليه السلام): أي سفر أشدّ منه فهو أصرح دلالة على تحريم الإتمام في المقام من أن يخفى على ذوي الأفهام.

و حينئذ فإن كان مراد (ابن عقيل) بما نقل عنه من تلك (العبارة) هو هذا المعنى الذي ذكرناه فلا ريب في حسن نسبته لآل الرسول (صلى الله عليه و عليهم)، لأنه المفهوم من أخبارهم (عليهم السلام) إلا أنه لا وجه لتقييده بالرجوع لما دون العشرة إذ يجوز أن لا يرجع إلا بعد عشرين


1) المدارك ص 345 الطبع الحجري.

يوماً و لم ينقطع سفره بنية إقامة، و لا وصول منزل، فإنه يبقى على حكم السفر.

و مما يدل على هذا القول أيضاً رواية (صفوان)

عن الرضا (عليه السلام) قال سألته عن رجل خرج من (بغداد) يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى بلغ (النهروان) و هي أربعة فراسخ من (بغداد)، أ يفطر إذا أراد الرجوع و يقصر؟ قال: لا يقصر و لا يفطر لأنه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ، إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتهادى به السير إلى الموضع الذي بغله، و لو أنه خرج من منزله يريد (النهروان) ذهاباً و جائياً لكان عليه أن ينوي من الليل سفراً و الإفطار، فإن هو أصبح و لم ينو السفر فبدأ له بعد أن أصبح في السفر قصّر و لم يفطر يومه ذلك

(1)و أنت خبير بأن قوله (عليه السلام): يقصر و لا يفطر جواباً عن سؤال الحكم في رجوعه من (النهروان) إلى (بغداد) و هي على أربعة فراسخ في الرد على من قال بالتخيير في قصد الأربعة كصاحب (المدارك) و من تقدمه. و قوله (عليه السلام): و لو أنه خرج من منزله إلخ، مع قوله سابقاً لأنه خرج من منزله و ليس يريد ثمانية فراسخ: دال على أن قصد الأربعة


1) مروي في كتاب التهذيب ج 1 ص 416 و الاستبصار ج 1 ص 115.

مع نية الرجوع قصد للثمانية كما حققناه سابقاً.

و على أنه مجرد قصد الأربعة مع إرادة الرجوع مطلقاً كاف في التقصير إذ لا تقييد فيه بيوم، كما يدعونه.

و قوله (عليه السلام): لكان عليه أن ينوي من الليل إلخ، صريح في تحتم التقصير و ردّ على من [قال] بالتخيير.

و أما قوله: و إن هو أصبح إلخ، فالظاهر أن معناه أنه متى أصبح يعني متى لا ينوي السفر إلا بعد مضي الزمان الذي يطلق عليه الصبح و هو بعد دخول الظهر فإنه يجب عليه المضي في صوم ذلك اليوم و إن وجب عليه التقصير في الصلاة.

و كيف كان فالأحوط لمن قصد الأربعة مطلقاً الجمع بين الفريضتين قصراً و إتماماً و الله العالم.

المسألة التاسعة في اشتراط العدالة في مستحق الزكاة

مسألة: قال أدام الله تعالى توفيقه و سهل إلى سبل الفضائل و الفواضل طريقه: هل العدالة شرط في مستحق الزكاة أو لا، و كذا الخمس؟

الجواب: و الله تعالى الهادي إلى جادة الصواب أن الأظهر عدم اشتراط ذلك في كل من الموضعين لعدم الدليل عليه، بل عموم الأخبار و إطلاقها في كلا الموضعين ينادي بالعدم مؤيداً ذلك بدلالة الأخبار أيضاً على إعطاء الأطفال و الأيتام من ذلك مع أن العدالة منتفية في حقهم.

نعم في (مرسلة داود الصيرمي) المنع من إعطاء الزكاة لشارب الخمر، و الظاهر أنها مستند من منع من إعطاء الزكاة لمرتكب الكبائر.

و الأحوط الوقوف على ما تضمنته «حسب».

المسألة العاشرة في مرتبة الفقاهة

مسألة: قال أيده الله تعالى بتأييده و سدده بتسديده: و هل يجوز لعبدكم العمل بما يفهمه من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) مع تمكنه من معرفة صحة الحديث و ضعفه و لو بمراجعة كتب الرجال و كذا الاطلاع غالباً على الأقوال و الاحتياط مع الإمكان أم العمل موقوف على معرفة العلوم التي ذكروها أهل التقليد و الاجتهاد كالأصول و غيرها و هل نجيب إذا سألنا بالمسائل الخلافية مع الأمر بالاحتياط أم لا؟ أفتونا بجميع ذلك مثابين مأجورين بحق محمد و آله الخيرة البررة صلوات الله عليهم أجمعين.

الجواب: و منه سبحانه نستمد الهداية للصواب أن ما ذكروه أصحابنا الأصوليون (رضوان الله عليهم) من توقف العلم و العمل للفقيه على تلك العلوم

أمر لا نعرف له مستندا بل ظاهر الأخبار ترده كأمرهم (عليهم السلام) للشيعة البعيدي الشقة عنهم بالرجوع إلى جملة من رواتهم، و جملة أخبارهم.

و من المعلوم أن ما عدا العربية و اللغة من تلك العلوم غير متعارف في تلك الأزمان و لا معول عليها بين أولئك الأعيان، بل مدارهم مجرد الرواية عن أهل الذكر صلوات الله عليهم مشافهة أو بوسائط و لو من تلك الأصول المتداولة بينهم.

نعم لا ريب أن ممارسة هذه العلوم مما يفيد زيادة في القوة التي بها تستنبط معاني تلك الأخبار و الملكة التي عليها في ذلك المعوّل و المدار لكن العمدة التامة في ذلك زيادة على ما هنالك هو التقميص بقميص الورع و التقوى و الفوز بحظ الوافر منه و النصيب الأقوى و الملازمة على جملة الطاعات و العبادات، و الانزجار عن جملة المنهيات من المحرمات و المكروهات، فإن ذلك في الفيض من الفياض من أعظم الأسباب لمن أخذ به و ارتاض، وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا (1)ثم إن مثل سيدنا أدام الله تعالى إجلاله و أعلى في درجات العلا إقباله ممن لا يشك في ورعه و تقواه و احتياطه في عمله و فتواه، فإذا تبادر إلى ذهنه الشريف، و انتقش بلوح فهمه المنيف شي‌ء من معاني تلك الأخبار الحسان مع النظر في السند و لو بمراجعة الكتب المدونة في ذلك الشأن فلا بأس بالعمل بذلك، لكن الواجب مع ذلك مراجعة كتب أصحابنا الاستدلالية فإنها مما تعين أعظم الإعانة على ذلك، فإنها في الحقيقة كالشروح للأخبار


1) آية 69 العنكبوت.

في التنبيه على معانيها و الجمع بين مختلفاتها، و مع ذلك فالواجب التتبع بجملة كتب الأخبار العالية المنار، و عدم الاقتصار على مجرد الكتب الأربعة المشهورة: ككتاب (عيون أخبار الرضا (عليه السلام) و كتاب الأمالي و كتاب معاني الأخبار) و نحوها من الكتب التي جمعها (شيخنا المجلسي قدس سره) في كتاب (بحار الأنوار جزاه الله تعالى أفضل الجزاء في دار القرار).

فإن كثيراً من الأحكام التي شنّع جملة من (متأخري المتأخرين) من أصحابنا (رضوان الله عليهم) على من قال بها ممن تقدمهم بكونها خالية عن المستند وجدت مستنداتها في هذه الكتب

المشار إليها (1)و ما ذكره (شيخنا الشهيد الثاني في درايته) من حصر الاستدلال في هذه الكتب الأربعة خاصة لا وجه له، فإن استفاضة الكتب المشار إليها و تواتر نقلها عن مصنفيها أمر لا ينكر و ظاهر لا يستر، و إن [كانت] أقل مرتبة من تلك.

و بالجملة: فالواجب على الفقيه استفراغ الوسع في تحصيل تلك الأدلة من مظانها [و] طلبها من معادنها، و ربما وجد الخبر في هذه الكتب الأربعة مطلقاً أو مجملا أو عاماً، و له مقيد أو مفصل أو مخصص في غيرها.

و من الواجب أيضاً النظر في مختلفات الأخبار و الجمع بينها بالقواعد المقررة عن أهل العصمة صلوات الله عليهم بعد إعطاء التأمل حقه في معرفة الاختلاف و كونه على وجه لا يمكن التطبيق فيه بينها و الائتلاف، فإن كثيراً من أخبار ترى في بادي النظر متنافية، و إذا تأملت في معانيها و قراءتها حق التأمل وجدتها مؤتلفة متصافية.

و أما الجواب بنقل الخلافات في المسائل، فلا ثمرة مهمة فيه للسائل نعم في أمره بالاحتياط وقوف على سواء الصراط كما قد استفاضت به الروايات عموماً و خصوصاً و من ذلك (صحيحة عبد الرحمن بن الحجاح)

عن أبي الحسن (عليه السلام) عن رجلين أصابا صيداً و هما محرمان، الجزاء بينهما؟ أم على كل واحد منهما جزاء؟ قال: لا بل عليهما أن يجزي كل واحد منهما الصيد، قلت: إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه فقال (عليه السلام) إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا

(2)


1) الكتب المشار إليها: ككتاب الخصال و عيون أخبار الرضا (عليه السلام) و إكمال الدين و إتمام النعمة و معاني الأخبار و التوحيد و قرب الإسناد و الفقه الرضوي دعائم الإسلام و تفسير القمي و تفسير العياشي و الكافي لأبي الصلاح الحلبي و بشارة المصطفى لشيعة المرتضى و الوسائل، و المستدرك إلخ.

2) مروي في كتاب الكافي الفروع ج 4 ص 391، التهذيب ج 5 ص 466 الحديث 277.

و قد استوفينا جملة من الأخبار الواردة في هذا المضمار في (كتاب المسائل الشيرازية) و لنقطع الكلام حامدين للملك العلام على مزيد فضله التام، الذي من أعظم الفوز بسعادة الإتمام، مصلين على خيرته من الأنام محمد و آله أشرف ذوي العقول و الأحلام، سائلين منه سبحانه العفو عن فوات الأقلام و الصفح عن زلات الأقدام راجين منه تعالى شأنه الحشر في زمرة سادتنا و أئمتنا عليهم أفضل الصلاة و السلام، مع الوالدين و الوالد، بل و جملة إخواننا الكرام، و [يسقينا] بكأس حميم في هذه الدار فنسأله أن يلحقنا بهم في دار القرار.

و المأمول من ذلك الأخ الشفي و المهذب الأبلغي، بل من جملة الإخوان الناظرين في هذه السطور، و المتأملين بهذا المسطور أن يسدلوا ذيول التسامح على ما يجدونه من القصور و الخلل و يصححوا ما عثروا عليه من الخطأ و الخطل بعد إعطاء التأمل حقه في المقام، و التدبر فيما اشتمل عليه من النقض و الإبرام و الله سبحانه أن يصمني بالتوفيق و يجعله لي خير صاحب و رفيق.

و كتبه بيمناه الداثرة أعطاه الله تعالى كتابه بها في الدار الآخرة فقير ربه الكريم و أسير جوده العظيم يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني حامداً مصلياً مسلماً مستغفراً، بتاريخ سلخ شهر ربيع المولود من السنة السادسة و الخمسين بعد المائة و الألف من الهجرة النبوية على هاجرها و آله أفضل الصلاة و التحية آمين آمين آمين.

تمت بقلم الفقير إلى الله الغني محمد بن علي من خط مصنفها حفظه الله تعالى من الآفات في كربلاء المعلى بتاريخ يوم الخميس سادس عشر شهر رجب الأصب سنة 1272.

تمت أجوبة المسائل البهبهانية الذي سألها السيد عبد الله البلادي أصلا و البهبهاني موطناً لعلامة الدهور و فهامة العصور الشيخ يوسف (بن عصفور) البحراني الدرازي، على يد الفاني الجاني أبو أحمد بن أحمد البحراني العصفوري وفقه الله لمراضيه و جنبه معاصيه بتاريخ: ليلة الجمعة الخامس من شهر ربيع المولود سنة 1405 الهجري.

و الحمد لله أولا و آخراً به تبتدأ الأسماء و به تختتم الأشياء.