ghaemiyeh.com
نام كتاب: حاشية المكاسب موضوع: فقه استدلالى نويسنده: عراقى، آقا ضياء الدين، على كزازى تاريخ وفات مؤلف: 1361 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: انتشارات غفور تاريخ نشر: 1421 ه ق نوبت چاپ: اول مكان چاپ: قم- ايران شابك: 1- 2- 92663- 964 مقرر: نجمآبادى، ميرزا ابوالفضل تاريخ وفات مقرر: 1385 ه ق محقق/ مصحح: مؤسسه آية الله العظمى بروجردى
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على رسوله محمّد و على آله الطيّبين الطاهرين.
عاش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بين المسلمين يتأملون عبادته من طهارة و صلاة و صوم و حج و ... فيتّبعونه في ذلك و يرجعون إليه فيما اختلفوا فيه أو شكّوا في صحّته، فلم يكن اختلاف بين المسلمين في ذلك و لم يكن الاجتهاد في زمانه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يتعدّى عملية بذل الجهد، لا كما أصبح عليه الآن ممّا يدلّ عليه اصطلاحا من استنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتها التفصيليّة.
أمّا ما يراه البعض من وقوع الاجتهاد من قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- كما ذهب إليه الآمدي في «الإحكام» (1)- فلا نتّفق معه، لأنّه يتنافى صراحة مع قوله تعالى:
وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ (2).
و ما رواه أبو داود في سننه عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب
كلّ شيء أسمعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أريد حفظه، فنهتني قريش، و قالوا: أ تكتب كلّ شيء تسمعه و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بشر يتكلّم في الغضب و الرضا؟! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فأومأ بإصبعه إلى فيه، فقال:
«اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلّا حقّ» (1).
و لأنّ الاجتهاد- و كما هو معلوم- يفيد الظنّ، باتّفاق الجميع على ذلك، حيث إنّه مخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظنّ بشيء من الأحكام الشرعيّة على وجه يحسن من النفس العجز عن المزيد فيه (2).
فإذا كان كذلك، فلم كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يتوقّف في العديد من الأحكام حتّى ينزل عليه الوحي من قبل اللّه تعالى و قد كان بإمكانه الاجتهاد في ذلك؟!
ثمّ إنّ الاعتقاد بمثل هذا القول و تبنّيه يعدّ مدخلا خطيرا يضعف القول القطعيّ بأنّ الشرع الّذي جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو من اللّه، كما أنّه أيضا يوهن الثقة المطلقة بأحكامه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم طالما أنّ الاجتهاد يحتمل الخطأ و الصواب، و ذلك منفيّ عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و معارض لقوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ (3).
إذن فالمسلمون لم يختلفوا في زمانه في شيء ممّا يبتلون به، لوجوده المقدّس بين أظهرهم يؤولون إليه في أحكامهم، إلى أن حان أوان رحيله إلى الرفيق الأعلى.
و ما تركهم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعده حيارى، بل خلّف فيهم شيئين اثنين جعلهما الموئل
و المرجع بعده عند الاختلاف: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟» (1).
إلّا أنّ أصحابه لم يتخلّفوا عن امتثال أمره حتّى قبيل وفاته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فكانت اولى هذه المسائل قضيّة الخلافة الشرعيّة بعده صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فخالفوا في ذلك النصّ الصريح، و الأمر الواقع، فكان ذلك أوّل خروج عن الخطّ النبويّ القويم، و أوضح انحراف عن التمسّك بالشقّ الثاني المتمثّل بالثقل الآخر الّذي خلّفه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لامّته من بعده.
و مع مرور الزمان و توالي الأيّام و السنون اتّسعت رقعة الخلاف، و تباعدت الآراء، و تشتّت المذاهب، كلّ يجتهد برأيه قبالة الرأي الصريح لأهل بيت العصمة- سلام اللّه عليهم- و لو أنّهم آبوا إليهم لانهالت عليهم البركات، و لكن ابتعدوا، فتفارقوا و اختلفوا.
و كان السبب في هذا الاختلاف و التشتّت هو أنّ الأمّة أبت إلّا أن تعرض عن الصراط الواضح و الامتداد الأمين و المأمون لصراط اللّه المستقيم، فكان الّذي يجب أن لا يكون. إنّ الامّة و بعد ابتعادها عن أهل البيت عليهم السّلام الّذين هم عدل القرآن، و اتّكالها على أدواتها القاصرة عجزت عن الوصول إلى الغاية المتوخّاة،
1) انظر! سنن الترمذي: 5/ 663 ح 3788، مسند أحمد: 3/ 17 و: 5/ 181، مستدرك الحاكم: 3/ 161 ح 4711، اسد الغابة: 2/ 12.
و ذلك خلال محاولتها استنباط الحكم الشرعي السليم و الصائب، و عدم الإحاطة الشاملة و الإلمام الدقيق بحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سنّته؛ يحتلّ المجال الأوسع و الأكبر في ميدان هذا الاضطراب الغريب.
فالمطالعة المتأمّلة لتأريخ الصدر الأوّل من الحكم الإسلامي، و بعد رحيل النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حيث ينبغي أن تكون الصورة أجلى لاتّصال العهدين، إنّ هذه المطالعة تكشف لنا هذا الاضطراب واضحا في تبيّن جملة من الحقائق المرادة.
فقد روي عن الخليفة الأوّل أنّه سئل إبّان خلافته عن ميراث الجدّة؟ فلم يهتد إلى الإجابة! و لم ير بدّا من الردّ بقوله: ما لها في كتاب اللّه من شيء، و ما علمت لها في سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من شيء، و لكن أسأل الناس!! و الواقعة مشهورة، حيث قيل: إنّه اندفع إلى المسلمين يسألهم عن ذلك، فقام بعض الصحابة فشهدوا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أعطاها السدس، فقضى أبو بكر بذلك (1).
و مثل ذلك روي عن الخليفة الثاني، حيث جهل أنّ المرأة ترث من دية زوجها (2). بل و لم يكن يعلم سنّة الاستئذان، و لا دية الأصابع (3).
فإذا كان هذا هو حال الصحابة الكبار فما بالك بحال غير الصحابة أو التابعين، و الذين يعتمدون في الكثير من أحكامهم على رأي اولئك و اجتهادهم؟!
و الأدهى و الأمرّ من ذلك أنّ الكثير من هؤلاء الصحابة قد انتشروا في بقاع الأرض الإسلامية و أخذ كلّ واحد منهم يحدّث بما يراه صحيحا أو يعتقد أنّه كذلك، حتّى اختلط السقيم بالسليم.
هذا الأمر يمثّل الجانب الأوّل الّذي أوجد صورة مشوّشة عن سنّة الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و هذا ما سلمت منه مدرسة أهل البيت عليهم السّلام، لأنّ علومهم تصدر عن معدن الرسالة و الوحي و بطرق أمينة موثوقة.
المشكلة الاخرى الّتي واجهها المسلمون عند ما انفردوا برأيهم عن أهل بيت نبيّهم عليهم السّلام هو اختلافهم في فهم النصّ و تفسيره، و شواهد ذلك كثيرة متكررة، و إن كنّا أشرنا في أوّل الحديث إلى ما يختصّ بالصدر الأوّل من الحكم الإسلامي؛ فإنّ من جاء بعد ذلك، و كنتيجة منطقيّة يكون اضطرابهم في الأحكام و فهم النصوص أوضح و أبين، و كمثال على ذلك تفسيرهم للحكم الشرعي الواقع على زكاة الخليطين حيث اختلفوا فيه بشكل واسع، و منشأ الاختلاف هذا هو اختلافهم في قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حديث الصدقة: «لا يجمع بين متفرّق و لا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة، و ما كان من خليطين فإنّهما يتراجعان بينهما بالسويّة» (1)و هكذا هو حال غيره من النصوص.
و العلّة الاخرى الّتي أدّت بهم إلى الاضطراب في تحديد الحكم الشرعي فتعود إلى حيرتهم أمام الاشتراك اللفظي للكثير من المفردات اللغوية العربية في
1) انظر! صحيح البخاري: 2/ 122، الامّ للشافعي: 2/ 14، المبسوط للسرخسي: 2/ 154، نيل الأوطار للشوكاني: 4/ 139، بداية المجتهد لابن رشد: 1/ 263، الموطأ: 1/ 263- 264.
الدلالة على المعنى. و لقد كان هذا الاشتراك سببا واضحا في إيجاد الاختلاف الكبير بين الفقهاء في كثير من الأحكام الفقهية المختلفة حيث تضاربت الآراء في تقدير مراد الشارع المقدّس من تلك الألفاظ.
و لذلك شواهد كثيرة في كتب القوم الفقهية لا يسعنا المجال لإيرادها و مناقشتها، و من ذلك حيرتهم في تحديد عدّة الحائض من قوله جلّ و علا:
وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ (1)، استدلالا بكلمة «القرء» و اشتراكها اللفظي بين الطهر و الحيض، فراجع.
و كذلك اختلافهم لوقت الذبح في الأيّام المعلومات المذكورة في قوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنٰافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ فِي أَيّٰامٍ مَعْلُومٰاتٍ (2)حيث اختلفوا في تحديد اليوم، لاستعماله في اللغة بما يشمل الليل أو يختصّ بالنهار.
و كذا اختلافهم في جواز أكل المحرم صيد البرّ في قوله تعالى: وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً (3)لورود لفظة «الصيد» على الاصطياد من جهة، و المصيد من جهة اخرى.
و ظاهرة اختلاف القراءات شكّلت مشكلة حسّاسة في اضطراب الكثير من الأحكام و تعارضها، و لعلّ من أوضح الحالات هو الاختلاف الحاصل في تفسير مراد قوله تعالى في آية الوضوء: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى
الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (1).
إلى غير ذلك من العوامل المؤثّرة في إيجاد هذا التفاوت البيّن في معرفة الحكم الشرعي و ما يترتّب عليه من تعارض واضح، و تفاوت مشهود في أشكال الأعمال العبادية المختلفة بين أبناء الدين الواحد، و الّتي أوضحها تعارض الأدلّة و عدم وجود النصّ في واقعة معيّنة.
إنّ هذا الافتراق بتفاوت درجاته و بلوغها إلى حدّ الحرمة من خلال اختلاف النظرة الواضحة في أدلّة الأحكام الشرعيّة يشكّل بلا شكّ غصّة مرّة في الحلوق لا مناص من الإقرار بوقوعها كأمر واقع، و تشكّل مؤثّرا واضحا لحصول ابتعاد هذه الامّة عن المنهل العذب و البحر الزاخر الّذي خلّفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لهذه الامّة، ذلك المعين الّذي لا ينضب و لا يبخل على روّاده و وارديه و لا يعجز عن إروائهم ما بلغوا.
لقد افترقت الامّة بعد نبيّها صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تعدّدت تبعا لذلك و بمرور الأيّام المذاهب الإسلامية، فتفرّقت السبل، فهي تتّفق حينا و تختلف أحيانا اخرى، و يتبيّن ذلك واضحا جليّا من خلال التأمّل لمفردات و دقائق الامور.
و قد أفرد فقهاء علماء تلك المذاهب الموسوعات الكثيرة و الواسعة، و الّتي قد يصل بعضها إلى خمسين مجلّدا، تحوي جملة واسعة من الآراء الفقهيّة
1) المائدة (5): 6.
و الأحكام الشرعيّة الخاصة بهذا المذهب أو ذاك، و الّتي قد تختلف اختلافا جوهريا مع الرأي المقابل للمذهب الآخر في كثير من وقائعه، و نلقي في هذه العجالة نظرة سريعة على كتب الفرق الإسلامية الفقهيّة و مؤلّفيها.
1- المذهب المالكي: يعتبر «الموطّأ» أهمّ أثر علميّ تركه مالك بن أنس إمام المذهب، و إنّه لم يدوّن ما يعرف باصول هذا المذهب، و كذا قواعده الشرعيّة في الاستنباط، و كتاب «الموطّأ» يحتوي على الحديث و الفقه، و يعدّ المصدر الأوّل المعوّل عليه عند المالكية.
و تتلمذ على يدي مالك عدد غفير من طلبة العلم الّذين أصبحوا من بعده القواعد الأساسية الّتي يرتكز عليها المذهب، و قد الّفت في هذا الاتّجاه جملة من الكتب المحدّدة لاصول المذهب، و أهمّها:
«التمهيد» لابن عبد البرّ الأندلسي (463 ه)، و «الاستذكار لمذهب الأنصار» له أيضا، و «المنتقى» لابن الوليد سليمان بن خلف الباجي (474 ه) و «تنوير الحوالك على موطأ مالك» لجلال الدين السيوطي (911 ه) و غيرها ...
و تعتبر هذه الكتب الشروح الخاصة بكتاب «الموطأ».
و كذلك المدوّنات الّتي كتبت في القرن الثالث الهجري و التي تعرف بالامّهات و هي: «مدوّنة سحنون الأسدية» و التي دوّنها أسد بن فرات تلقّيا عن ابن القاسم أشهر تلاميذ مالك و الّذي لازمه مدّة عشرين سنة، و «الواضحة في السنن و الفقه» لعبد الملك بن حبيب، «و الموازية» لابن الموازي، و «المستخرجة العتبيّة» لمحمد العتبي، و كذلك المختصرات و المتون و أهمّها: «رسالة ابن أبي
زيد القيرواني» و هي مختصر لمدوّنة سحنون، و «مختصر الشيخ خليل» و هو اختصار لما كتبه ابن الحاجب الّذي اختصر ما كتبه البرادعي، و على المختصر هذا شروح كثيرة.
2- المذهب الحنفي: يعدّ كتاب اللباب المنسوب إلى أبي حنيفة، و كتب محمّد بن الحسن الشيباني (189 ه) المصدر الأوّل للفقه الحنفي، و قد اختصر هذه الكتب بعد حذفه المكررات منها، الحاكم محمد بن أحمد المروزي (334 ه) في كتابه المعروف بالكافي.
و أهمّ كتب الحنفية: «المبسوط» للسرخسي و «تحفة الفقهاء» لعلاء الدين السمرقندي، و «بدائع الصنائع» للقاساني.
3- المذهب الشافعي: يعتبر كتاب «الامّ» للشافعي المصدر الأساسي و الأوّل لكلّ الفقه الشافعي حيث يضمّ جميع أبواب الفقه المعروفة، و له كتب اخرى ألّف بعضها في العراق و فيها آراؤه القديمة، و اخرى في مصر تتضمّن الأفكار و الآراء الجديدة له.
و بعد الشافعي كتب تلاميذه و فقهاء المذهب كتبا عدّة، أهمها: «مختصر المزني» لاسماعيل بن يحيى المزني (264 ه)، و هو أوّل من صنّف في مذهب الشافعي، و مختصره هذا من أهمّ مصنّفاته.
و «المهذّب» لإبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (476 ه)، و للمهذّب شروح كثيرة أهمّها: «المجموع» للنووي، و «التنبيه في فروع الشافعية» للشيرازي أيضا، و هذا أيضا عليه شروح كثيرة.
و «نهاية المطلب في دراية المذهب» لعبد الملك بن عبد اللّه الجويني (478 ه)، و «البسيط في فروع الفقه» للغزّالي أبي حامد (505 ه)، و «الوسيط في فروع المذهب» له أيضا، و «الوجيز في فقه الشافعي» له أيضا، و ....
4- المذهب الحنبلي: و يعدّ كتاب «المسند» لأحمد بن حنبل من أهمّ المسانيد المؤلّفة، و ليس له كتاب فقهي يعوّل عليه، بل الفقهاء هم الّذين كتبوا في المذهب و أكثروا.
و من أهمّ مصنّفاتهم: «مختصر الخرقي» لعمر بن الحسين الخرقي، و يعتبر أوّل كتاب فقهيّ في فقه أحمد بن حنبل و عليه شروح عديدة، أهمّها: «المغني» لابن قدامة، و كذا «التذكرة» لأبي الوفاء (513 ه)، و «الهداية» لأبي الخطّاب الكلوذاني (516 ه)، و «المستوعب» لمحمّد بن عبد اللّه السامريّ (610 ه) و غيرها ...
و هكذا و من خلال هذا العرض المختصر لنشأة المذاهب الفقهيّة المختلفة و المرور العابر على البعض من كتب تلك الفرق و تبلورها حول أئمّة خاصّة بها تفرّدوا بجملة من الآراء و الاصول الفقهيّة أو وافقوا الآخرين في البعض الآخر منها.
أمّا الشيعة فقد صانهم اللّه تعالى بلطفه من كلّ هذه التخبّطات و ذلك بالتزامهم بالشقّ الثاني الذي أوصى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الامّة بعده، موازيا لالتزامهم بكتاب اللّه تعالى، و ذلك الشقّ هو أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الّذين
لا يخالفون القرآن و لا يتعدّونه، بشهادة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لهم بذلك «و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».
فكان أمير المؤمنين عليه السّلام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو الفصل في ما يستجدّ من الأحداث و القضايا الّتي كان يعجز الآخرون عن بيان حكمها الشرعي.
روى عبد الرزاق في مصنّفه عن نافع مولى ابن عمر، عن أسلم مولى عمر:
أنّ رجلا سأل عمر عن بيض النعام يصيبه المحرم، فقال له عمر: أ رأيت عليّا! فاسأله، فإنّا امرنا أن نشاوره (1).
لكن مع هذا فإنّا نرى- مع الأسف- أنّ الفقه المنقول عن غيره أكثر ممّا هو منقول عنه عليه السّلام في كتب العامّة، و الأسباب جليّة غير خفيّة على المتأمّل كما أوضحنا.
فمدرسة أهل البيت عليهم السّلام مدرسة مستقلّة بنفسها في الفقه، حيث أنّ فقههم مستلهم من الكتاب الكريم و السنّة النبويّة المودعة عندهم.
و قد تجلّى هذا الاستقلال بوضوح أيّام الصادقين عليهما السّلام و ذلك لارتفاع الضغط و المحاصرة عن أهل البيت عليهم السّلام لانشغال السلطة آنذاك بالاضطرابات الّتي عمّت البلاد الإسلاميّة، و ذلك آخر سنوات الامويين و ضعف دولتهم و انهيارها و أول قيام العبّاسيين، فكانت الظروف مؤاتية للإمام الباقر عليه السّلام و بعده الإمام الصادق عليه السّلام لأن يظهرا علمهما و فقههما، فقد توسّعت حلقات دروسهما و كثر تلامذتهما، حتّى نقل أنّ تلاميذ الإمام الصادق عليه السّلام كانوا أكثر من أربعة
1) المصنّف لعبد الرزاق: 4/ 422.
آلاف انتشروا في أصقاع البلاد الإسلامية، و كان أكثر تمركزهم في مدرستي المدينة و الكوفة.
فقد روي عن الحسن بن عليّ الوشّاء قوله: «لو علمت أنّ هذا الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإنّي أدركت في هذا المسجد- أي مسجد الكوفة- تسعمائة شيخ، كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمّد» (1).
و قد تمكّن هذان الإمامان الهمامان عليهما السّلام في هذه الفترة أن يضعا الاسس العامّة للاجتهاد كالقواعد الاصولية مثل الاستصحاب و البراءة و الاحتياط، و أحكام التعارض بين الأخبار و التسامح و نفي الضرر و نحو ذلك، و كالقواعد الفقهيّة مثل قاعدة اليد، و سوق المسلمين، و الضمان، و الإتلاف، و أصالة الصحّة و عشرات القواعد الاخرى، و تبعهما في ذلك من بعدهم من الأئمّة عليهم السّلام حيث لم يكتفوا بذلك بل كانوا يدرّبون تلامذتهم على الاستنباط و الاجتهاد الصحيح.
فقد نقل عن الإمام الرضا عليه السّلام أنّه قال: «علينا إلقاء الاصول إليكم و عليكم التفريع» (2).
فعيّن الإمام الاصول و القواعد الكليّة، و ما على العلماء من الأتباع إلّا الاستنتاج و التفريع و الاستنباط، و قد ضبط الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي في آخر الفائدة الرابعة من «الوسائل» من الكتب المصنّفة خلال حياة الأئمّة الاثني عشر عليهم السّلام ستّة آلاف و ستمائة كتاب (3).
و ممّا يجب ألّا ينسى أنّ دور الفقهاء أنفسهم بإعطاء الزخم المعنوي و الفكر الثقافي و إمدادهم بما يجود به فكرهم الصائب من إرشادات قيّمة كان عاملا حسّاسا و هامّا في تقدّم تلك المدرسة.
و انتهى دور الحضور للأئمّة عليهم السّلام بغيبة الإمام المهدي- عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف- فأصبح التفكير الفقهي لا يتجاوز حدود تفسير النصوص الّتي جمعها أصحاب الأئمّة عليهم السّلام في اصولهم الروائية، و استمرّ الأمر كذلك حتّى اتّسعت شيئا فشيئا دائرة التفكير الفقهي و أخذت الكتب الفقهية تستقل عن الكتب الحديثية. فدوّنت المجاميع الحديثية المستقلّة ك «الكافي» و «من لا يحضره الفقيه» و «التهذيب» و «الاستبصار»، و دوّنت مجاميع فقهيّة مستقلّة أيضا.
و قد دوّنت هذه المجاميع على نحوين:
الأوّل: الكتب الفقهيّة الّتي اقتصرت على تلخيص الروايات و حذف أسانيدها من دون تفريع فروع زائدة على ما ورد فيها، مثل: «المقنع» و «الهداية» للشيخ الصدوق رحمه اللّه و «المقنعة» للشيخ المفيد رحمه اللّه و «النهاية» للشيخ الطوسي رحمه اللّه و غيرها.
الثاني: الكتب الّتي لم تتوقّف عند ذلك بل توسّعت في التفريع و الاستنباط مستعينة بطرق الاجتهاد الصحيحة، و كانت الزّيادة في هذه الطريقة للقديمين:
الحسن بن أبي عقيل العماني، و ابن الجنيد أبي علي الاسكافي (1)، و هما من أعلام المائة الرابعة، فقد ألّف ابن أبي عقيل «المتمسك بحبل آل الرسول»، و ألّف
1) انظر! الفوائد المدنية للأسترابادي: 30.
ابن الجنيد «تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة» و «المختصر الأحمدي»، فكان لهما الدور الفاعل و المؤثر في إشاعة الطريقة الاجتهادية.
و قد حذا حذو هذين العلمين الشيخ المفيد رحمه اللّه فإنّه و إن كان ينتقد ابن الجنيد على أخذه بالقياس- حسبما نسب إليه- إلّا أنّ طريقة تفكيره تدلّ على تبنّيه للخط الاجتهادي، و إن كان كتابه «المقنعة» على منهج الكتب المقتصرة على متون الروايات.
و قد تمخّضت طريقة الشيخ المفيد رحمه اللّه الاجتهادية عن شخصيّات فقهيّة كان لها الدور الكبير في تطوّر الفقه الإمامي كالسيّد المرتضى و الشيخ الطوسي- قدّس سرّهما-.
فقد كتب السيّد المرتضى كتابه «الذريعة إلى اصول الشريعة» في اصول الفقه، و «الانتصار» و «الناصريات» و غيرهما في الفقه، و أمّا الشيخ الطوسي رحمه اللّه فقد رسّخ قواعد الفقه الاجتهادي نظريا و تطبيقا أكثر من غيره، فقد ألّف كتابه «العدّة في اصول الفقه» في الاصول، و «المبسوط» في الفقه، و قد صرّح بهذا الانقلاب في مقدّمة «المبسوط».
و استقرّت هذه الطريقة و أخذت تتكامل رغم كلّ العقبات الّتي واجهتها، و كان لكبار الفقهاء من أمثال ابن إدريس و المحقّق و العلّامة و الشهيدين و المحقّق الثاني و من تأخّر عنه، الدور الكبير في ترسيخ الفقه الاجتهادي، و خاصّة الوحيد البهبهاني رحمه اللّه الّذي كان له الدور الأكبر في القضيّة بعد أن كادت الطريقة الأخباريّة تستأصل جذور الطريقة الاجتهادية و تكتسحها، ثمّ تلامذته و تلامذة تلامذته إلى أن وصل الدور إلى العلّامة الكبير الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري رحمه اللّه.
الشيخ مرتضى بن محمّد أمين الدزفولي النجفي، ينتهي نسبه إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاري.
ولد في دزفول سنة 1214 ه و توفّي في 18 جمادى الآخرة سنة 1281 ه و دفن في المشهد الغروي على يمين الخارج من الباب.
الاستاذ الإمام المؤسس شيخ مشايخ الإمامية، قرأ أوائل أمره على عمّه الشيخ حسين من وجوه علماء تلك البلدة، ثمّ خرج مع والده إلى زيارة مشاهد العراق و هو في العشرين من عمره، فورد كربلاء و كانت الاستاذيّة و الرئاسة العلميّة فيها لكلّ من السيّد محمّد المجاهد، و شريف العلماء، فرغب الأوّل إلى والده أن يتركه في كربلاء للتحصيل على إثر مذاكراته معه و ظهور قابليّته.
فبقي آخذا عن الاستاذين المشار إليهما أربع سنوات إلى أن حوصرت كربلاء بجنود داود باشا، فتركها العلماء و الطلّاب و بعض المجاورين- و هو في الجملة- إلى مشهد الكاظمين عليهما السّلام و عاد منها إلى وطنه حيث أمضى زهاء سنتين لا يكاد يقرّ له قرار حرصا على نيل حاجته و إرواء غليله من العلم، فإنّه كان عازما على الطواف في البلاد للقاء العلماء و الأئمّة لعلّ أحدهم يحقّق قصده، إذ قلّما أعجبه من اختاره، أو ملأ عينيه أحد، فعاد إلى كربلاء و أقام فيها سنة يختلف فيها إلى شريف العلماء.
ثمّ خرج إلى النجف فأخذ عن الشيخ موسى الجعفري سنتين إلى أن خرج
عنه عازما على زيارة مشهد خراسان مارّا في طريقه على كاشان حيث فاز بلقاء استاذه النراقي صاحب المناهج ممّا دعاه إلى الإقامة فيها نحو ثلاث سنين و مضطلعا بالدرس و التأليف حتّى كان النراقي لا يملّ من مذاكرته و مباحثته و حكي عنه أنّه قال: لقيت خمسين مجتهدا لم يكن أحدهم مثل الشيخ المرتضى.
ثمّ خرج إلى خراسان حيث أقام عدّة شهور، ثمّ عاد إلى بلاده مارّا بأصفهان أيّام رئاسة صاحبي «المطالع» و «الإشارات» و أصرّ الأوّل عليه بالإقامة فامتنع و خرج إلى وطنه دزفول، فوردها سنة 1244 ه فأقام خمس سنوات.
ثمّ خرج إلى العراق و ورد النجف سنة 1249 ه أيّام رئاسة الشيخ علي بن الشيخ جعفر، و صاحب «الجواهر»، و الأوّل أوجههما فيها، فاختلف إلى مدرسته عدّة أشهر، ثمّ انفرد و استقلّ بالتدريس و التأليف، و اختلف إليه الطلّاب و وضع أساس علم الاصول الحديث عند الشيعة و طريقته المشهورة المعروفة، إلى أن انتهت إليه رئاسة الإماميّة العامّة في شرق الأرض و غربها بعد وفاة الشيخين السابقين و صار على كتبه و دراستها معوّل أهل العلم، لم يبق أحد لم يستفد منها، و إليها يعود الفضل في تكوين النهضة العلمية الأخيرة في النجف الأشرف، و كان يملي دروسه في الفقه و الاصول صباح كلّ يوم و أصيله في الجامع الهندي حيث يغصّ فضاؤه بما ينيف على الأربعمائة من العلماء الطلّاب؛
و قد تخرّج به أكثر الفحول من بعده مثل: الميرزا الشيرازي و الميرزا حبيب اللّه الرشتي و السيّد حسين الترك و الشرابياني و المامقاني و الميرزا أبو القاسم
الكلانتري صاحب «الهداية»، و انتشرت تلاميذه و ذاعت آثاره في الآفاق.
و كان من الحفّاظ، جمع بين قوّة الذاكرة و قوّة الفكر و الذهن و جودة الرأي، حاضر الجواب، لا يعييه حلّ مشكلة و لا جواب مسألة، و عاش مع ذلك عيشة الفقراء المعدمين متهالكا في إنفاق كلّ ما يجلب إليه على المحاويج من الإمامية في السرّ خصوصا، غير مريد للظهور و المباهاة بجميع ذلك حتّى لم يبق لوارثه من ماله ذكر قطّ.
و كان طويلا صبيح الوجه على ما فيه من أثر الجدري يخضب بالحنّاء ضعيف البصر، لم يعقّب سوى بنتين توفّيتا بعده بيسير، و اقيمت لوفاته المآتم في ديار الإمامية كلّها، ورثاه العلماء و الأدباء بالعربية و الفارسية.
و ليس جزافا إذا قلنا بأنّ ما قام به الشيخ الأنصاري رحمه اللّه يضاهي ما قام به الشيخ الطوسي رحمه اللّه، فإنّ الشيخ الطوسي رحمه اللّه قام بانقلاب في الاصول و الفقه بصورة عامّة في أوائل تأريخ الفقه الاجتهادي، و الشيخ الأنصاري قام بانقلاب في الاصول و الفقه أيضا و خاصّة الفقه المعاملي بعد ما يقرب من ثمانية قرون.
و لا يخفى على من تتبّع سير الدراسة في الحوزات العلمية الشيعية أو درس فيها، أهميّة مؤلّفات الشيخ الأنصاري، و خاصة مؤلّفيه: «فرائد الاصول» و «المكاسب»، فقد استطاع بتضلّعه و إحاطته بأقوال المتقدّمين و المتأخّرين أن يجمع في شرح موضوع معيّن شتات الآراء المثبوتة في ثنايا الكتب و يركّز على كلمات معدودة، بدل الكمّ الهائل، و يختار من بين صفحات عديدة جملة مختصرة، لكنها تحتوي على أصل الفكرة، ثمّ بعد جمعه لذلك تبدأ مرحلة نقد
الأدلّة المعتمدة و الأقوال المطروحة، و هي مهمّة صعبة جدّا خصوصا و إنّ من يواجههم الشيخ هم عيون العلماء و أساطين العلم أمثال الطوسي و المحقّق و العلّامة و الشهيدين من المتقدّمين و غيرهم من المتأخّرين.
و قد اكتسبت حظّا عظيما، فمضافا إلى أنّ عليها مدار التدريس، شذّ من لم يعلّق عليها من مشاهير العلماء بعده، فممّن علّق على «الرسائل»: الميرزا موسى التبريزي، و الميرزا حسن الآشتياني، و الشيخ حسن المامقاني، و الشيخ ملّا كاظم الخراساني، و الشيخ آغا رضا الهمداني و غيرهم، و كلّ حواشيهم مشهورة مطبوعة، و ممّن علّق على «المكاسب»:
1- السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي
2- الشيخ آغا رضا الهمداني
3- الشيخ الميرزا أبو الفضل الطهراني صاحب «حاشية رجال النجاشي»
4- السيّد أبو القاسم الاشكوري و سمّى حاشيته «بغية الطالب»
5- الشيخ أحمد السلطانآبادي
6- المولى أحمد الشبستري النجفي
7- الشيخ أحمد بن الحسين التفريشي النجفي
8- الشيخ باقر بن جعفر البهاري الهمداني
9- الميرزا محمّد باقر بن محمّد مهدي الزنجاني
10- الشيخ محمّد باقر بن المولى مهدي بن المولى باقر النجمآبادي
11- الشيخ محمّد جواد البلاغي
12- الشيخ حبيب اللّه الرشتي النجفي
13- محمّد حسن بن محمّد صالح كبّة البغدادي
14- محمّد حسين بن الحاج محمّد حسن معين التجار الكمپاني الأصفهاني 15- جمال السالكين آغا رضا بن محمّد باقر التبريزي
16- المدرس الشهير آغا ضياء الدين العراقي استاذ الميرزا أبو الفضل النجمآبادي؛ صاحب كتابنا هذا.
ولد في سلطانآباد (ايران) سنة 1278 ه، فدرس الأوليات، ثمّ قرأ المقدّمات على والده و غيره.
هاجر إلى النجف الأشرف فأدرك بحث السيّد محمّد الفشاركي و غيره، ثمّ حضر دروس الميرزا حسين الخليلي و الشيخ محمّد كاظم الخراساني و السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي و شيخ الشريعة الأصفهاني و غيرهم، و استقل بالتدريس بعد وفاة الخراساني سنة 1329 ه، و كان لمجلس درسه إقبال ملحوظ لا سيّما في علم الاصول الّذي اشتهر به و ظلّ متولّيا للتدريس أكثر من ثلاثين سنة تخرّج عليه خلالها العدد الكبير من المجتهدين.
من تلاميذه: السيّد محمّد تقي الخوانساري، و السيّد عبد الهادي الشيرازي، و السيّد ابو القاسم الخوئي، و السيّد محسن الحكيم، و السيّد علي اليثربي الكاشاني، و الشيخ عبد النبي العراقي، و الشيخ محمّد تقي الآملي،
و الميرزا حسن اليزدي، و الشيخ محمّد تقي البروجردي، و صاحب كتابنا هذا الميرزا أبو الفضل النجمآبادي.
طبع من مؤلّفاته كتاب (القضاء) و كتاب (البيع) و (المقالات الاصولية) و (فروع العلم الإجمالي) و (حاشية العروة الوثقى).
توفّي في ذي الحجّة سنة 1361 ه، عن عمر تجاوز الثمانين.
يعتبر من بقية علماء السلف المعروفين بغزارة العلم و سعة العقلية كما يعتبر المعلم الأوّل بحقّ للعلوم الدينية و لا سيّما الاصول- فقد رقى منبر التدريس مدّة خمسين سنة متواصلة لم ينقطع فيها عن التدريس إلّا حين اضطرّته صحّته إلى ذلك في أواخر أيّامه.
و قد روى الكثيرون شيئا كثيرا عن ملكات أساتذة العلم و العلماء في السابق و لكن لم يرو للآن أحد مثلا يجاري به مواهب الفقيد العظيم و اتساع معارفه و كبر عقليته العلمية الأمر الّذي جعل منه استاذا كبيرا لطائفة كبيرة من العلماء المجتهدين، و لقد كان رأيه إلى حين مماته حجّة في المشاكل العلمية، و مجلس بحثه يعدّ بحقّ صورة صادقة للحرية الفكرية، فهو مجلس الدرس الّذي يقبل كلّ مناقشة و إن تكن غاية في التطرّف.
الحاج الميرزا أبو الفضل النجمآبادي نجل المرحوم الشيخ محمّد تقي بن المرحوم الشيخ هادي النجمآبادي الّذي كان من العلماء البارزين في عائلة النجمآبادي.
ولد الميرزا أبو الفضل سنة 1317 ه، في طهران.
درس مقدّمات علوم العربيّة من النحو و الصرف و غيرها في مدرسة جدّه المرحوم الشيخ هادي في محلّة «سنگلج»، و السطوح عند المرحوم والده، و الشيخ مسيح الطالقاني اللذين كانا يعدّان من كبار المدرّسين في مدرسة مروي العلمية في طهران.
بعد أخذه قسطا من علوم مرحلة السطوح أخذ بدراسة العلوم العقليّة على يد الحاج فاضل العراقي في مدرسة سيّد نصر الدين، و المرحوم الحاج الميرزا السيّد محمّد فاطمي القمي، ثمّ حضر بحث الخارج في الفقه و الاصول عند المرحوم السيّد محمّد تقي التنكابني الّذي كان من كبار العلماء و المحقّقين المتّقين.
قصد بيت اللّه الحرام و زيارة قبر رسوله الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، بعد وفاة والده الشيخ محمّد تقي و ذلك سنة 1342 ه. ق، بعد تشرّفه بالحجّ و في طريق عودته من ديار الوحي زار سوريا و لبنان و مصر و له فيها ذكريات ذكرها في كتابه «سفرنامه».
و جاء فيه: «كان الأمل يراودني في أنّي- و من خلال المحاورات المباشرة مع أهل السنّة- أستطيع المساهمة في التقريب بين الشيعة و مذاهب أهل السنّة، و كان هذا الخيال و الحلم يدور في ذهني و مخيّلتي مدّة مديدة من الزمن. و لكن و خلال سفري و تشرّفي بحجّ بيت اللّه الحرام، من خلال الحوار المباشر مع
الخواص و العوام من أهل السنّة في مكّة و المدينة و سورية و مصر و الاتّصال بهم عن قرب، وجدت- و مع كمال الأسف- أنّ حكمهم على الشيعة قاس جدّا، و أكثرهم ينسب إليهم الكفر و الارتداد و الخروج من الدين و الشيعة بريئون من كلّ هذه الاتّهامات.
لذا سدلت دون ما كان يجول في خلدي ثوبا، و صرفت النظر عن الحوار المباشر، لأدخل من باب آخر من أجل الوصول و لا أقلّ المساهمة في التقريب بين مذاهب المسلمين، و لأجل فتح الطريق و الورود في هذا الباب فكّرت في أن أ ترجم كتاب «المراجعات» للسيّد شرف الدين الموسوي العاملي ليكون في متناول أبناء العامّة في ايران».
استقرّ به المقام في النجف الأشرف بعد عودته من الحجّ، و واصل دراسته على أيدي أكابر علمائها.
حضر دروس الميرزا النائيني و آقا ضياء الدين العراقي في الاصول و الفقه، و خلال حضوره كتب تقريراته في الفقه من العبادات و حتّى السياسات، و كذا في المباحث الاصولية على شكل مسودّات و مبيضّات عرض جملة منها على استاذيه فأيّدا صحّة و متانة ما كتب، و ذلك في إجازتيهما له في الاجتهاد، و نرى ذلك جليّا في إجازة الميرزا النائيني المفصّلة الّتي يعرب فيها عن رضاه و حسن ظنّه و لطفه به رحمه اللّه كما ستراها في الصفحات الآتية.
في عام 1349 (ه. ق) و بعد أن نال درجة الاجتهاد عاد إلى طهران كارها، وفور وصوله باشر القيام بوظائفه الدينيّة من التدريس و ترويج التعاليم الإسلامية
في سنگلج و حسنآباد، في مسجد و مقبرة جدّه المرحوم الشيخ هادي كعالم ديني له مكانته العلمية و منزلته المرموقة.
في عام 1327 ه و بعد أن عادت مدرسة سپهسالار إلى وضعها الأصلي بعد فترة من الركود، و أصبحت مستعدّة لاستقبال طلاب العلوم الدينية، و لأنّ سند وقف تدريس الفقه و الاصول فيها مختصّ بعائلة النجمآبادي (الّتي تعتبر من العوائل العلمية العريقة في طهران، و خرج منها علماء بارزون كبار قلّ نظيرهم في العلم و العمل) أوّلا، و بطلب من آية اللّه العظمى السيّد البروجردي- قدّس اللّه نفسه الزكيّة- ثانيا، امتثل الميرزا أبو الفضل و قبل التدريس و الإشراف في المدرسة المذكورة، و اشتغل بمباحثة و تدريس رسائل و مكاسب الشيخ الأنصاري رحمه اللّه و شرح منظومة الحكيم السبزواري.
في سنة 1335 (ه ش) أقام الشيعة في پاكستان احتفالا كبيرا هناك بمناسبة ولادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، و قد سافر إلى هناك آية اللّه النجمآبادي مبعوثا من قبل آية اللّه العظمى البروجردي- قدّس سرّهما- ضمن وفد ضمّ بالإضافة إليه آيات اللّه: السيّد أحمد الشهرستاني رحمه اللّه و فريد الگلپايگاني، و الخطيب المقتدر و الشهير الشيخ محمّد تقي الفلسفي رحمه اللّه.
و قد ألقى حجّة الإسلام الشيخ الفلسفي في هذا الاحتفال الكبير محاضرة قيمة.
و لم يصلنا- و مع الأسف- عن هذه الرحلة و هذا الاحتفال و نشاطات الوفد أكثر من هذا.
استمرّ الميرزا أبو الفضل على تدريسه في مدرسة سپهسالار إلى أن توفّي بعد مرض ألمّ به سنوات عديدة، فكانت وفاته- رضوان اللّه عليه- سنة 1385 (ه. ق)، و جرى له تشييع مهيب يليق بمقامه الشامخ. و دفن في الحرم الطاهر للسيّدة فاطمة المعصومة- سلام اللّه عليها- في قم المقدّسة عند رجلي مؤسّس الحوزة العلمية في قم، و أحد أساتذته المرحوم آية اللّه العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري، تغمّده اللّه برحمته الواسعة.
كما قلنا فإنّ آية اللّه النجمآبادي كان منهمكا طوال عمره الشريف بطلب العلم و تدريس علوم الدين، و تقرير بحوث دروس أعلام عصره و أساتذته، و كذا التأليف في المجالات المختلفة.
و ما تركه لنا من الآثار الّتي تعدّ من الباقيات الصالحات، في مجالات الفقه و الاصول و الإمامة و المواضيع العقائديّة و الاجتماعيّة المختلفة، يمكن ذكرها كما يلي:
1- الخلل في الصلاة (تقرير دروس الميرزا النائيني في الفقه).
2- مباحث الألفاظ (تقرير دروس الميرزا النائيني في الاصول).
3- الأدلّة العقليّة (تقرير دروس آقا ضياء الدين العراقي في الاصول).
4- حاشية المكاسب، و تحتوي على بحوث المكاسب المحرّمة و البيع و الخيارات (تقرير دروس آقا ضياء الدين العراقي في الفقه)؛ و هو كتابنا هذا.
5- الغصب (تقرير دروس آقا ضياء الدين العراقي في الفقه).
6- القضاء (تقرير دروس آقا ضياء الدين العراقي في الفقه).
7- ترجمة كتاب «المراجعات» للسيّد شريف الدين العاملي ترجمه إلى الفارسيّة.
8- الكشكول.
9- رسالة في الوقف.
10- رسالة في الصيد و الذباحة.
11- رسالة في الوكالة.
12- رسالة بالفارسيّة بعنوان «ردّ بر مادّيگرى»؛ (الردّ على الماديّة).
13- رسالة في الخمس.
14- رسالة في تصرّفات المريض حين الموت.
15- رسالة في العصير العنبي.
16- رسالة في صلاة الجماعة.
17- رسالة في السعادة و السعداء.
18- رسالة في تنظيم و ترتيب الإمام علي عليه السّلام للقرآن.
19- رسالة في الحكومة في الإسلام.
20- رسالة في العبادة.
21- رسالة في الأخلاق.
22- تفسير عدّة آيات من سورة البقرة.
23- رسالة في تعارض البيّنات.
24- رسالة في المعاني الحرفيّة.
25- رسالة في الإجارة.
26- رسالة في قاعدة الجمع.
27- رسالة في تطهير الأواني.
28- رسالة في جواز البدار لذوي الأعذار.
29- رسالة في دم القروح و الجروح.
الكتاب الّذي تضعه (مؤسسة آية اللّه العظمى البروجردي قدّس سرّه الخيرية لنشر علوم أهل البيت عليهم السّلام) بين أيدي العلماء و المحقّقين هو الكتاب الأوّل من مؤلّفات آية اللّه النجمآبادي.
و هو تقريرات المؤلّف على بحوث آية اللّه الشيخ ضياء الدين العراقي رحمه اللّه في الفقه، و يشمل بحوثا مهمّة لكتاب «المكاسب» للشيخ الأنصاري قدّس سرّه من المكاسب المحرّمة و حتّى آخر الخيارات على شكل حواشي.
و النسخة الوحيدة التي هي الأصل لهذا الكتاب و عليها جرى التحقيق تفتقد- و مع الأسف- لبحث البيع، و قد أشرنا إلى ذلك.
و بالإضافة إلى ذلك فإنّها حاوية لكثير من الأخطاء و التصحيفات، و لكن و بهمّة لجنة التحقيق و جهودهم الحثيثة فقد خرج الكتاب بهذا الشكل اللائق
الّذي نرجو أن ينال رضى الجميع.
و من الجدير بالذكر أنّ مجموعة آثار المرحوم النجمآبادي قيد التحقيق في هذه المؤسسة و ستصدر تباعا إن شاء اللّه لتكون في متناول أيدي العلماء و المحقّقين، و من اللّه نستمدّ العون و التوفيق.
في الختام نتقدم بالشكر الجزيل لأصحاب الفضيلة الّذين ساهموا و بذلوا ما في وسعهم من جهد في هذا الكتاب تحقيقا و تصحيحا و إخراجا بالشكل اللائق به، و هم حجج الإسلام: السيّد محمّد الحسيني، الشيخ محمّد الرسولي، و الأخ محمّد حسين الرحيميان، و الأخ الحاج عبد الحسين تبريزيان، و الأخ كريم راضي الواسطي، و كان العمل بجميع مراحله تحت إشراف حجّة الإسلام الشيخ عبد اللّه المحمّدي.
كما نتقدّم بجزيل الشكر و الامتنان إلى الخلف الصالح للمؤلّف، الدكتور محمّد علي النجمآبادي لاهتمامه بآثار والده و حفظها، و بذله ما وسعه من جهد في تحقيقها و نشرها.
فللّه درّهم جميعا و عليه أجرهم و الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على حبيبه و نبيّه محمّد و آله الطاهرين.
مؤسسة آية اللّه العظمى البروجردي رحمه اللّه لنشر معالم أهل البيت عليهم السّلام
الإحكام في اصول الأحكام: لسيف الدين أبي الحسن علي بن أبي علي بن محمّد الآمدي، المتوفّى سنة 631 ه، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الاولى 1405 ه.
اسد الغابة: لعزّ الدين علي بن أبي الكرم محمّد بن محمّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير- المتوفّى سنة 630 ه، المكتبة الإسلامية.
أعيان الشيعة: للسيّد محسن الأمين العاملي، المتوفّى سنة 1371 ه، دار التعارف للمطبوعات، بيروت 1403 ه.
الامّ: لأبي عبد اللّه محمّد بن إدريس الشافعي، المتوفّى سنة 204 ه، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، 1393 ه.
بداية المجتهد و نهاية المقتصد: لمحمّد بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن رشد القرطبي، المتوفّى سنة 595 ه، دار المعرفة- بيروت، الطبعة السادسة 1402 ه.
تذكرة الفقهاء: للحسن بن المطهر، العلّامة الحلّي، المتوفّى سنة 726 ه، مؤسسة آل البيت عليهم السلام قم، الطبعة الاولى، 1414 ه.
حاشية المكاسب: للشيخ آقا رضا الهمداني، المتوفّى سنة 1322 ه، الطبعة الاولى 1420 ه.
الدرّ المنثور: لعبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي، المتوفّى سنة 911 ه، دار الفكر بيروت، الطبعة الاولى 1403 ه.
السرائر: لأبي جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي، المتوفّى سنة 598 ه، جماعة المدرسين، قم، الطبعة الثانية 1410 ه.
سنن الترمذي: لأبي عيسى محمّد بن عيسى بن سورة، المتوفّى سنة 279 ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
سنن أبي داود: لأبي سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، المتوفّى سنة 275 ه، دار إحياء السنّة النبويّة.
السنن الكبرى: للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي المتوفّى سنة 458 ه، دار المعرفة، بيروت.
شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الاولى، 1378 ه.
صحيح البخاري: لأبي عبد اللّه محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجعفي، المتوفّى سنة 256 ه، دار الفكر، بيروت.
الفوائد المدنية: للمولى محمّد أمين الأسترابادي، من أعلام القرن العاشر، دار النشر لأهل البيت عليهم السّلام.
المبسوط: لشمس الدين السرخسي، دار المعرفة- بيروت 1406 ه.
مجمع الفائدة و البرهان: للمولى أحمد الأردبيلي، المتوفّى سنة 993 ه، جماعة المدرسين، قم 1402 ه.
المستدرك على الصحيحين: لأبي عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه الحاكم النيسابوري، المتوفّى سنة 405 ه، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الاولى 1411 ه.
مسند أحمد: للإمام أحمد بن حنبل، المتوفّى سنة 241 ه، دار صادر، بيروت.
المكاسب: للشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري، المتوفّى سنة 1281 ه، مجمع الفكر الإسلامي، قم، الطبعة الثالثة، 1420 ه.
الموطأ: لمالك بن أنس، المتوفّى سنة 179 ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
نيل الأوطار: لمحمّد بن علي بن محمّد الشوكاني، المتوفّى سنة 1255 ه، دار الكتب العلمية، بيروت.
صورة إجازة آية اللّه الآغا ضياء الدّين العراقي قدّس سرّه للمؤلّف رحمه اللّه
صورة إجازة آية اللّه النائيني، و تأييد آية اللّه الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري قدّس اللّه سرّهما للمؤلّف رحمه اللّه
صورة إجازة آية اللّه الحاج السيّد أبو الحسن الأصفهاني قدّس سرّه للمؤلّف رحمه اللّه
صورة تفويض تولية مدرسة و مسجد آية اللّه الحاج الشيخ هادي النجمآبادي قدّس سرّه الّتي منحها آية اللّه النائيني و أيدها آية اللّه الحائرى قدّس سرّه للمؤلّف رحمه اللّه
صورة الصفحة الأولى من حاشية المكاسب و نموذج من خط المؤلّف قدّس سرّه
صورة الصفحة الأخيرة من حاشية المكاسب
ص: 1
بسم اللّه الرحمن الرحيم
قوله: (قد جرت عادة غير واحد على تقسيم المكاسب) (1).. إلى آخره.
يعني: أنّهم قسّموا الاكتساب باعتبار خصوص المكتسب به إلى الأقسام الثلاثة، و إن ذكروا انقسامه بانقسام الأحكام الخمسة باعتباره في نفسه، مع قطع النظر عن ملاحظة خصوص المكتسب به.
و بهذا اللحاظ مثّلوا الواجب و المستحب بالاكتساب للنفقة الواجبة و المستحبّة، و ظاهرهم أنّه باعتبار خصوص المكتسب به، لا وجود للواجب و المستحب، لأنّه ليس لنا من الأعيان، أو المنافع ما يجب أو يستحب الاكتساب به.
ثمّ المراد من اعتبار خصوصيّته في المكتسب به أعمّ من اعتبار خصوصيّة لتلك العين المكتسب بها مطلقا من غير ملاحظة لخصوصيّة المشتري كما في بيع الخمر- أو مع ملاحظة في المشتري- كما في بيع السلاح لأعداء الدين، و بيع
1) المكاسب: 1/ 13.
ص: 2
العنب ليعمل خمرا- فإنّ الخصوصيّة هنا قد لوحظت في خصوص العين و المشتري معا، فلا يرد عليهم خروج المثالين عمّا قالوه من تعلّق التحريم بالاكتساب باعتبار خصوصية في العين.
و أنّ التحريم فيهما باعتبار الإعانة على الإثم لا باعتبار الخصوصيّة في العين، لظهور جواز بيع العينين في غير خصوص الموردين، و ذلك لما عرفت من اعتبار الخصوصيّة في العين في المثالين، و لو لخصوص المشتري الخاصّ.
قوله: (فتأمّل) (1).
وجه التأمّل أنّ الزراعة و الرعي لم يثبت من الأخبار استحباب التكسّب بهما، بل المستحب نفس مباشرة الزراعة و خصوص هذا العمل، من غير فرق بين التكسّب بها و التبرّع بها لغيره، أو العمل بها لنفسه، و كذا المستحب اتّخاذ الشاة أو الشاتين في البيت لا للتكسّب بالرعي.
ففي «الوسائل»: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إذا اتّخذ أهل بيت شاة أتاهم اللّه برزقها، و زاد في أرزاقهم، و ارتحل عنهم الفقر مرحلة، فإن اتّخذوا شاتين أتاهم اللّه بأرزاقهما، [و زاد في أرزاقهم] و ارتحل الفقر عنهم مرحلتين، و إن اتّخذوا ثلاثة أتاهم اللّه بأرزاقها، و ارتحل عنهم الفقر رأسا» (2).
و نحوها غيرها ممّا دلّ على أنّ اتّخاذها في البيت بركة لأهلها (3).
ص: 3
و شيء منها لا دلالة فيه على استحباب التكسّب بالغنم أو بشيء من أجزائه، بل المستفاد منها استحباب الاتّخاذ في البيت، لكونه موجبا لإقسام الرزق.
و كذا الصناعة الواجبة كفاية إنّما يجب إيجادها في الخارج لرفع حاجة الغير، لا خصوص المعاوضة بها، و مجرّد جواز أخذ العوض لا يوجب وجوبه، فالصناعة حينئذ ليست ممّا يجب التكسّب بها، بل ممّا يجب إيجادها كفاية، و لو مع أخذ العوض.
قوله: (و معنى حرمة الاكتساب: حرمة النقل و الانتقال بقصد ترتّب الأثر) (1).
قد ذكروا لتوجيه موضوع الحرمة هنا- أي التحريم المستفاد من هذه الأخبار- امورا:
أحدها: ما اختاره المصنّف من كون موضوعه هو إنشاء النقل و الانتقال مشروطا بقصد ترتّب الأثر، فلا تحريم بدون هذا القصد.
ثانيها: مجرّد العقد و إيقاع الصيغة، و لو من دون قصد ترتّب الأثر.
ثالثها: كلّ من الإنشاء و ترتيب الآثار.
أقول: لا وجه للالتزام بشيء منها بعد ظهور كون المراد من الحرمة في المقام حرمة التصرّفات من جهة الفساد، فلا حرمة في المقام غير تحريم أكل مال الغير على وجه العدوان، فإنّ قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في النبوي المشهور: «إنّ اللّه إذا حرّم
1) المكاسب: 1/ 13.
ص: 4
شيئا حرّم ثمنه» (1)ظاهر- بل صريح- في إرادة بيان الفساد، و عدم تملّك الثمن ثمن جهة عدم ماليّة المثمن، لفرض تحريم الشارع لجميع المنافع، و إيجاب ذلك لسقوطه عن الماليّة.
و كذلك قول الصادق عليه السّلام في المروي عن «دعائم الإسلام»: «لم يجز بيعه و لا شراؤه» (2)، لا يراد به إلّا الفساد، و ليس استعمال النهي في مقام بيان الفساد إلّا كاستعمال الأمر في مقام بيان الجزئيّة و الشرطيّة و الحجيّة.
فكما لا يستفاد من الأمر في تلك المقامات إلّا الحكم الوضعي؛ فكذلك النهي في أمثال هذا المقام لا يستفاد منه إلّا الحكم الوضعي و هو الفساد، فالمراد من النهي و التحريم هنا بيان الفساد و حرمة ترتّب الآثار المتفرّعة على الفساد.
قوله: (الأوّل: الاكتساب بالأعيان النجسة) (3).. إلى آخره.
لا ريب أنّ النجاسة ليست من الموانع للصحّة، و إن أوهمت ذلك بعض العبائر، كعبارة «التذكرة» حيث قال: «يشترط في المعقود عليه الطهارة الأصليّة، فلا تضرّ النجاسة [العارضة] مع قبول التطهير، و لو باع نجس العين كالخمر و الميتة و الخنزير لم يصحّ إجماعا» (4)، انتهى.
ص: 5
بل الشرط إنّما هو ثبوت الماليّة المحقّقة بثبوت المنفعة المحللة، إلّا أنّ النجاسة قد يوجب ارتفاعها، و قد لا توجب، فإن أوجبت منعت عن الصحّة لذلك، و هذا كما في المائعات النجسة أو المتنجّسة و إلّا فالكافر و بعض أقسام الكلب سيجيء، بل سيجيء جواز بيع العذرة للزرع، كما عن بعضهم (1).
و في «القواعد» بعد عدّه ممّا يحرم الاكتساب به كلّ نجس لا يقبل التطهير قال: (و يجوز بيع الماء النجس لقبوله الطهارة) (2).
و كيف كان؛ فلا ريب في أنّه ليس المناط في الصحّة إلّا الماليّة، فكلّ عين حرم الانتفاع بها مطلقا أو الانتفاع المعتدّ به منها من جهة النجاسة أو غيرها بحيث لم يبق لها منفعة محلّلة يبذل بإزائها المال عرفا؛ لم يصحّ بيعها.
و هذا ظاهر، لكن هل الأصل في الأعيان النجسة حرمة الانتفاع بها إلّا ما خرج، أو الأصل جواز الانتفاع بها إلّا ما خرج؟ وجهان.
حكى أوّلهما عن الفخر و «التنقيح» (و الفاضل المقداد خ ل) مستدلّين عليه بدلالة الأخبار (3)، كقوله عليه السّلام في رواية «تحف العقول»: «أو شيء من وجوه النجس، فهذا كلّه حرام محرّم، لأنّ ذلك كلّه منهيّ عن أكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلّب فيه، فجميع تقلّبه في ذلك حرام» (4).
و المراد من وجوه النجس؛ الأعيان النجسة، و قوله: «لأنّ ذلك كلّه منهي عن أكله» .. إلى آخره، و قوله: «جميع التقلّب» يشمل جميع الانتفاعات،
ص: 6
و حينئذ يشمل الانتفاع بالميتة و لو بسدّ ساقية بها، و يشمل الخنزير، و لو بأخذ حبل منه، لاستقاء الزرع، و بالخمر و لو بأخذ الطين منه للسطح، و بالدم و لو للصبغ به، و أمثال ذلك من الانتفاعات بالأعيان النجسة، و الالتزام بالحرمة في جميع ذلك لعلّه مخالف للضرورة.
و الأوفق بالقواعد هو الوجه الثاني و هو مختار شيخ مشايخنا الشيخ جعفر الغروي، قال: (و ذلك لعمومات الحلّ و الإباحة و جواز الانتفاع بكلّ شيء، و عدم نهوض ما ذكر في الرواية للخروج عنه، خصوصا مع شمولها لغير وجوه النجس من سائر ما يحرم الانتفاع به، و شمولها لمثل النقل و التحويل الّذي لا يقول به أحد) (1).
قوله: (بجواز شربها اختيارا، كما عليه جماعة من القدماء (2)و المتأخّرين (3)، بل عن المرتضى رحمه اللّه دعوى الإجماع عليه (4)، فالظاهر جواز بيعها) (5).. إلى آخره.
لا ريب أنّ جواز البيع مترتّب على ثبوت الماليّة، لا على جواز الشرب، و مجرّد جواز الشرب ما لم يوجب فيها ثبوت الماليّة لا يجوّز البيع.
ص: 7
فتفريع جواز البيع على جواز الشرب غير وجيه، كما أنّه على القول بعدم الجواز للاستحباب بمجرّده لا يوجب عدم جواز البيع، بل المناط ثبوت الماليّة و هو ثبوت المنفعة المعتدّ بها من غير فرق بين كونها في حال الاختيار و الاضطرار.
و قوله عليه السّلام: «إنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه» (1)محمول على المنافع المقصودة من ذلك الشيء، و معلوم أنّ حرمة تلك المنافع موجب لإسقاط ماليّته، فيحرم عنه لذلك.
و لا ينتقض بالطين المحرّم أكله، لأنّ منافعه الاخر غير الأكل هي المقصود منه، لا الأكل، فهذا غير داخل في العموم.
قوله: (بل لأنّ المنفعة المحلّلة للاضطرار) (2).. إلى آخره.
و فيه ما عرفت من أنّ العبرة في جواز البيع بثبوت الماليّة، لا بالمنفعة المحلّلة في حال الاختيار، بل المنفعة لو كانت معتدّة بها سواء كانت حليّتها مطلقا أو في حال مخصوص يوجب ثبوت الماليّة، إذ هو موجب لجواز البيع، كما في الأدوية.
فلو قيل بعدم جواز البيع في الأبوال و إن انتفع بها للدواء لم يكن له وجه إلّا كون هذه المنفعة جزئيّة نادرة غير معتدّ بها، كما علّل به في «النهاية» (3)لا ما علّل به شيخنا قدّس سرّه.
ص: 8
قوله: (و أبعد منه ما عن المجلسي رحمه اللّه من احتمال حمل خبر المنع (1)) (2).. إلى آخره.
أقول: هذا حمل الأخبار على ما تقتضيه القواعد، و ذلك لما عرفت من أنّ جواز البيع متفرّع على ثبوت الماليّة، و هو متفرّع على ثبوت المنفعة المحلّلة.
و عرفت أنّ الأصل في الأعيان النجسة جواز الانتفاع بها إلّا ما خرج، و حينئذ فمقتضى القواعد جواز بيع العذرة في البلاد الّتي ينتفع بها للزرع الّتي لظهور ثبوت الماليّة لها لذلك، مع ثبوت الإجماع على جواز الانتفاع بها لذلك، فيعدّ القول بعدم جواز البيع مع ثبوت الماليّة عرفا، بل و شرعا أيضا مع فرض جواز الانتفاع لمجرّد التعبّد الشرعي، للخبر (3).
فهذا الحمل من جهة موافقة الخبرين (4)حينئذ معا على القواعد قريب، و إن كان من جهة جمعهما في كلام واحد لمخاطب واحد بعيدا، لكنّ البعد إنّما هو في تلك الرواية فقط، لا في باقي الروايات.
و حمل خبر المنع على التقيّة أيضا غير بعيد، كما ذكره بعضهم (5).
ص: 9
قوله: (و إلّا فرواية الجواز لا يجوز الأخذ بها من وجوه لا تخفى) .. إلى آخره (1).
قد عرفت أنّ الأوفق للقواعد هو الأخذ برواية «الجواز»، و مراده رحمه اللّه من الوجوه هو موافقة معاصري الإمام عليه السّلام من قضاة العامّة، و مخالفة الشهرة و الإجماع المنقول، و عموم تحريم بيع الأعيان النجسة المستفاد من قوله عليه السّلام:
«أو شيء من وجوه النجس» المذكور في رواية «تحف العقول» (2).
و يضعف الجميع كون الجواز موافقا للأصل و القواعد، و بعد التعبّد في أمثال ذلك، مع الحكم بجواز الانتفاع، إلّا أن يمنع التملّك رأسا و لو بالحيازة، كما حكي دعواه عن «المنتهى» (3)و هو أيضا بعيد، كما لا يخفى.
و من هنا قال الأردبيلي رحمه اللّه في «شرح الإرشاد»- بعد نقل عدم الجواز عن بعضهم (4)-: (و فيه تأمّل، و ينبغي عدم الإشكال في جواز البيع و الشراء و القنية فيما له نفع مقصود محلّل، لعدم المنع منه عقلا و شرعا، و لهذا ترى أنّ عذرة الإنسان تحفظ، بل تباع و ينتفع بها في الزراعات في بلاد المسلمين من غير نكير.
.. إلى أن قال: فلو لم يكن إجماع يمنع من قنية النجاسة و بيعها ينبغي
ص: 10
تجويزهما للأصل و حصول النفع المقصود للعقلاء، مع عدم دليل صالح لذلك) (1)، انتهى.
و عن المحقّق الخراساني موافقته (2).
و عن المحدّث الكاشاني: (أنّ المعتمد جواز بيع العذرة و نحوها تمسّكا بالأصل و عموم أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (3)، و عدم دليل معتدّ به على المنع، فإنّ النجاسة و الاستخباث لا يصلحان له، و لحديث: «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (4)، و لظاهر الإذن في المستثنيات من المحرّمات، ككلب الحائط، و العبد الكافر و نحوهما حيث إنّ استثناءها لوجود النفع فيها، فيصحّ بيع كلّ ما فيه نفع، و منها العذرة حيث ينتفع بها في الزرع و الغرس) (5)، انتهى.
قوله: (و لو وقع فيه فكذلك) (6).. إلى آخره.
و لا يخفى أنّ التعليل بالنجاسة في المني إنّما يصحّ مع وقوعه في الخارج، و إلّا فالمني مع كونه في الباطن لا نجاسة فيه، و كذا مع انتقاله من باطن إلى باطن، فلا يصحّ التعليل بها مع وقوعه في الرحم.
ص: 11
اللهمّ إلّا أن يكون المراد من قوله: (فكذلك) أي في عدم الإشكال في حرمة البيع، لا في التعليل بالنجاسة، و يكون الوجه في الحرمة حينئذ عدم الانتفاع به خاصّة.
لكن ينافيه قوله بعد ذلك: (فالمتعيّن التعليل بالنجاسة).
و وجه عدم انتفاع المشتري بهذا المنع، و إن كان هو مالك الامّ، تملّكه قهرا بدخوله في رحم الامّ، بدليل كون الولد نماء الامّ خاصّة في الحيوان، لا للأب خاصّة، و لا لهما معا، فلا يمكن أن يكون الانتقال بالشراء.
قوله: (لأنّ الولد نماء الامّ في الحيوانات عرفا) (1).
بل و شرعا أيضا، لأنّ الولد ملك لمالك الامّ بحسب الشرع أيضا، لا بحسب العرف فقط، فالتقييد بالعرف لعلّه في مقابل العقل، لأنّ تكوّن الولد من الماءين يقتضي كون الولد للأبوين، بحسب اقتضاء التكوّن، لا للامّ فقط.
قوله: (و للأب في الإنسان شرعا) (2).
ليس المراد من كونه نماء الأب كونه ملكا لمالك الأب دون مالك الامّ، لو كان الأبوان مملوكين، بل هو حينئذ نماء لهما، فيملكهما المالكان بالاشتراك بالسويّة، بل المراد من ذلك اللحوق الشرعي باعتبار ثبوت الولاية عليه للأب شرعا دون الامّ، فهو الأولى بالتصرّف في نفسه و ماله و لا ولاية للامّ عليه بوجه.
فهذا يكشف عن كونه نماء له خاصّة شرعا، لا لهما، و إن كان بحسب
ص: 12
العقل و العرف نماء لهما معا يرجّح نمائيّته للأب هنا بحسب العرف أيضا على خلاف حكمه في الحيوان.
قوله: (و قد ذكر العلّامة رحمه اللّه هنا من المحرّمات بيع عسيب الفحل (1)) .. إلى آخره (2).
اعلم! أنّ ماء الفحل يختلف أسماؤه بحسب اختلاف أحواله، فهو بعد خروجه من رأس الذكر منيّ، و قبله ليس بشيء، كما يظهر من «المصباح» حيث قال: (و سمّي منيّا لما يمنى به، أي: يراق- إلى أن قال-: و أمنى الرجل إمناء:
أراق منيّه، و المني: فعيل بمعنى مفعول) (3)، انتهى.
و من بعد حركته إلى أن يخرج؛ عسيب، و من بعد استقراره إلى رحم الانثى؛ لقاح.
و في «المجمع»: اللقاح- بالفتح- اسم ماء الفحل (4).
و عن «الفائق»: أنّ المراد بالملاقيح النطفة بعد استقرارها في الرحم، و العسب الماء قبلها (5)، انتهى.
و في حال كونه في الأصلاب؛ مضامين، قال في «المجمع»: و في الخبر:
ص: 13
«نهي عن بيع المضامين» (1)أي ما في أصلاب الفحول (2)، انتهى.
ثمّ إنّ المصنّف لما بيّن حكم هذا الماء في حال كونه منيّا أراد أن يبيّن حكمه باعتبار أحواله الاخر أيضا، فنقل عن العلّامة الحكم بتحريم بيع العسيب و الملاقيح (3).
و عن «جامع المقاصد»: (و في الحديث: «نهى عن عسيب الفحل» (4)- أي لا يؤخذ لضرابه كراء) (5).
و عن «نهاية ابن الأثير»: أنّه نهى عن عسيب الفحل- إلى أن قال-: و إنّما أراد النهي عن الكراء (6).
و عن «الفائق» للزمخشري: (النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نهى عن عسب الفحل أي عن كراء [قرعه]) (7).
و عن «المصباح»: و نهي عن عسب الفحل، و هو على حذف مضاف، و الأصل عن كراء عسب الفحل (8).
و عن «مفتاح الكرامة»: في وجه عدول العلّامة عمّا فهموه إلى البيع قال:
1) وسائل الشيعة: 17/ 352 الحديث 22731، و فيه: و نهى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن الملاقيح و المضامين.
2) مجمع البحرين: 2/ 409.
3) تحرير الأحكام: 1/ 160.
4) وسائل الشيعة: 17/ 111 الحديث 22114.
5) جامع المقاصد: 4/ 53.
6) النهاية لابن الأثير: 3/ 234 مادّة: «عسب».
7) الفائق للزمخشري: 2/ 428.
8) المصباح المنير: 409.
ص: 14
(لأنّ استيجاره الفحل للضراب ليس محرّما عند علمائنا) (1).
ثمّ نقل عن «التذكرة» و «نهاية الإحكام» و «السرائر» و «الشرائع»: أنّ اجرة ضراب الفحل ليست محرّمة عندنا (2)، بل نقل عن العلّامة أنّه مذهب أهل البيت عليهم السّلام، و أنّ ما قاله في «المبسوط» من أنّه لا اجرة له، لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نهى عن كسب الفحل، فهو حكاية مذهب المخالفين، فلا يتوهّم متوهّم أنّه اعتقاده (3).
قوله: (و علّل في «الغنية» (4)بطلان بيع ما في أصلاب الفحول بالجهالة، و عدم القدرة على التسليم) (5).
قيل: و بهما علّل أيضا في «التذكرة» حيث قال بعد حكمه بعدم الجواز:
(و لا نعرف خلافا بين العلماء في فساد هذين البيعين للجهالة، و عدم القدرة على التسليم، لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نهى عن بيع الملاقيح و المضامين) (6).
ثمّ المراد بالجهالة قيل: جهالة عينهما بحسب المقدار، و الأظهر إرادة ما ذكره في «المصباح» من أنّ ثمرته المقصودة منه غير معلوم، فإنّه قد يلقح و قد لا يلقح (7)، فهو عزيز، لكن هذا التعليل ذكره للكراء لا للبيع و هو أنسب من البيع، و المناسب للبيع هو الجهالة بالمعنى الأوّل.
و التحقيق أن يقال: إن اريد إيقاع العقد في جميع هذه المقامات بالبيع لم
ص: 15
يصحّ، لا للنجاسة و لا للجهالة، و لا لعدم القدرة على التسليم، بل لأنّ ما دلّ على أنّ الولد نماء للامّ في الحيوانات كاشف إمّا عن عدم تملّك البائع لهذا الماء، لعدم ماليّته، أو تملّك المشتري له قهرا بدخوله في رحم الانثى.
و على التقديرين لا يصحّ المعاوضة، لظهور أنّ الماليّة و بقاء العين الملكيّة للبائع عند البيع، و عدم تحقّق سبب آخر لتملّك المشتري قهرا شرطان، لصحّة البيع قطعا، و هذا هو المراد ما ذكره المصنّف رحمه اللّه بقوله: (لا ينتفع به المشتري) (1)فلا يصح البيع لذلك.
قوله: (و إن أوقع) (2).
العقد على نحو الإجارة صحّ، لأنّ الاجرة حينئذ بإزاء العمل، و هو ممّا ينتفع به المستأجر، و إن كان الانتفاع حقيقة بسبب هذا الماء المدخول في الرحم سواء قلنا بعدم ماليّته.
و قد ذكروا في محلّه أنّ عقد الإجارة قد يفيد تملّك العين إذا كان صرف المال في العمل ممّا يتوقّف عليه الانتفاع بذلك العمل، و لا يعتبر فيه حينئذ ما يعتبر في المعاوضة البيعيّة من المعلوميّة بالمقدار من الوزن أو الكيل، فالإجارة و إن كانت تمليكا للمنفعة إلّا أنّها قد تفيد تمليك العين في بعض الموارد بالتبع، و منه استيجار البئر للاستقاء، و الحمام للاستحمام، مع استلزامه لإتلاف الماء، و الفحل للضراب، و الكحال لذر الكحل في العين، و الصبّاغ للصبغ، و الكاتب
ص: 16
للكتابة، و الخيّاط للخياطة، و المنحة للحلب، و المرضعة للإرضاع، و أمثال ذلك من الموارد المسلّمة فيها صحّة العقد بعنوان الإجارة.
و إن تضمن تلك العين أيضا فالعقد على هذا في المقام إنّما يقع على إيصال النطفة إلى الرحم، و لا يفرق في الصحّة بين كونها مالا مملوكا للموجر و عدمه.
و قد صرّح بصحّة العقد على الإجارة في «جامع المقاصد» (1)، و صرّح جملة منهم بكراهة اجرة فحل الضراب، ككراهة استيجار اليهوديّة للإرضاع (2).
قوله: (تحرم المعاوضة على الميتة و أجزائها) .. إلى آخره (3).
أقول: لا ريب أنّ مقتضى القواعد جواز المعاوضة و صحّة البيع في كلّ ما ثبت فيه الماليّة، و لا ريب في ثبوت الماليّة في كلّ ما له منفعة محلّلة يرغب لأجلها بذل العوض بإزائه.
و لم يثبت من الشرع تحريم مطلق الانتفاع عن الميتة و أجزائها، بل دلّ رواية الصيقل (4)على جواز الانتفاع بجلودها، فإذا لا مانع من جواز البيع بعد فرض ثبوت الماليّة التابعة لجواز الانتفاع.
و إطلاق المنع عن الانتفاع محمول على الانتفاعات المحرّمة، لغلبتها و ندرة المنفعة المحلّلة.
ص: 17
و قد عرفت أنّ النجاسة بنفسها غير مانعة، و إن أوهمتها عبارة العلّامة في «التذكرة» (1)، لظهور جواز بيع العبد الكافر و الكلب.
و دعوى الإجماع موهومة بتعليل المدّعي عدم الجواز بعدم حلّ الانتفاع.
قوله: (لكن في صحيحة الحلبي و حسنته (2)) (3).
أقول: لا ريب أنّ المشتبه بالميتة بالشبهة المحصورة حكمها حكم الميتة إن جاز بيع المشتبه منها ممّن يستحلّ الميتة جاز بيع مقطوعها، لأنّ المانع هو حرمة الانتفاع المشتركة بينهما بالفرض، فالرواية مخالفة للقواعد، لا بدّ من توجيهها على وجه ينطبق على القواعد، و ليس القصد لخصوص بيع المذكّى مصحّحا بعد فرض عدم جواز الانتفاع بهما معا، خصوصا بعد فرض كون الأولى أيضا في تلك الشبهة الحرمة، كما في المقام.
و العبرة في الصحّة و الفساد بوجود الماليّة المفروض فقدها لا بالقصد الّذي لا مدخليّة له في الصحّة أصلا.
ص: 18
قوله: (و المراد به إمّا أخذ الخمر مجّانا) .. إلى آخره (1).
لا وجه للأخذ بقصد المجانيّة بعد أن لم يكن الدافع قاصدا لها، و الخمر و إن أسقط عنه الشارع الماليّة إلّا أنّه لم يسقط عنه الملكيّة بمعنى السلطنة و الأحقيّة، و حينما صار خلًّا صار ملكا لمالكه الأوّل، فيملكه الدائن المدفوع إليه الخمر وفاء عن الدين، كما قصده المديون الدافع بعنوان الوفاء.
غايته حصول الوفاء بعد الخليّة، لعدم الماليّة قبلها، و لا إشكال في ذلك، كما هو الظاهر.
قوله: (يحرم المعاوضة على الأعيان المتنجسة) (2).
قد عرفت أنّ الوجه فيه عدم الماليّة إذا توقّف منافعها المحلّلة المعتدّ بها على الطهارة، و لو فرض هناك منفعة معتدّ بها مع النجاسة تثبت فيها الماليّة و جاز بيعها لذلك، و ذلك كالدهن النجس للانتفاع به للسفينة، و لا وجه للمنع مع ثبوت هذه المنفعة.
ص: 19
قوله: (و يمكن أن يقال باعتبار قصد الاستصباح إذا كانت المنفعة المحلّلة منحصرة فيه) .. إلى آخره (1).
لا وجه لاعتبار قصد المنفعة في المبايعة، و لا لدعوى انصراف الإطلاق إلى كون الثمن بإزاء المنافع المقصودة، لأنّ البيع إنّما هو المبادلة بين المالين، لا بين المال و المنفعة، و المنفعة المحلّلة موجبة لثبوت الماليّة، و البيع يتبع في الصحّة وجود الماليّة، لا قصد المتتابعين للمنفعة المحلّلة.
نعم؛ مع العلم باستعمال المشتري ذلك المبيع في المنفعة المحرّمة لا يصحّ البيع بالنسبة إليه، كما سيجيء تحقيقه في شرح النوع الثاني بما يحرم التكسّب به من بيع هياكل العبادة و آلات القمار و أواني الذهب و الفضّة، و بيع العنب لمن يعلم أنّه يعمله خمرا، و أمثالهما بما كانت الماليّة، فيها موجودة قطعا (2).
و من ذلك بيع المائع النجس المتوقّف حليّة منافعه على الطهارة، و لو مع جهل المشتري، و ذلك لتحريم الإلقاء في الحرام الواقعي، كما دلّ عليه رواية الأعرج (3)على ما سيجيء بيانه.
ص: 20
قوله: (فالظاهر وجوب الإعلام وجوبا نفسيّا قبل العقد أو بعده) .. إلى آخره (1).
أقول: بل الظاهر من الخبر كون الوجوب شرطيّا. لقوله عليه السّلام: «و أمّا الزيت؛ فلا تبعه إلّا أن تبيّن له» (2)، و ظاهر النهي في أمثال المقام الفساد، و تطبيقه على القواعد- كما في النظائر- أنّ تحريم الإقباض موجب للفساد، و لإيجابه سلب القدرة على التسليم شرعا، و إن لم يوجب سلبها عقلا، و هي من الشرائط المسلّمة.
ثمّ التحريم هنا [ل] ظاهر الخبر و لو للتسبيب في الإلقاء إلى الحرام الواقعي، و لو مع عذر الفاعل.
قوله: (فوجوب رفع مثل هذا الحرام مشكل) .. إلى آخره (3).
أقول: وجوب الرفع بمقتضى القواعد العامّة و أدلّة النهي عن المنكر مشكل غاية الإشكال، خصوصا بعد عدم كون الفعل منكرا من الفاعل، لفرض عذره بالجهل، إلّا أنّه لا مانع من القول بالتحريم في خصوص المقام، للخبر (4).
مع إمكان دعوى كون المقام من قبيل إحداث المقتضي، لا من مجرّد عدم
ص: 21
المانع، لظهور أماريّته، بل المسلّم، بل فعله و إن كان هو البيع على الطهارة، فيكون الوقوع في النجاسة مستندا إليه.
قوله: (الأوّل: ما لا يقصد من وجوده على نحو الخاص إلّا الحرام، و هي امور: منها هياكل العبادة المبتدعة كالصليب و الصنم) .. إلى آخره (1).
التحقيق في وجه الفساد في بيع الصليب و أمثاله من آلات القمار و آلات اللهو و أواني الذهب و الفضّة و الدراهم المغشوشة مع ظهور ثبوت الماليّة في جميعها بعد معلوميّة عدم دلالة النهي عن الانتفاع بها بهياكلها المخصوصة على الفساد؛ هو ما سيجيء تحقيقه من أنّ القدرة على التسليم شرعا أيضا شرط في الصحّة، و حينئذ فكلّ مبيع منهي عن تسليمه إلى أحد أو إلى خصوص مشتر خاصّ غير مقدور التسليم شرعا، فيفسد لذلك، لا لعدم الماليّة، و لا لقصد البائع أو المشتري المنفعة المحرّمة، لظهور أنّ القصد إلى ذلك خاصّة، أو مع الاشتراك بينهما و بين المنفعة المحلّلة لا يوجب ذهاب الماليّة.
مع ظهور كون قصد الانتفاع بالمال و عدمه خارج عن حقيقة البيع و عقده لا وجه لإيجابه للفساد أو الصحّة، و الوجه ليس إلّا تحريم التسليم و الإقباض.
و لذا تراهم يصرّحون بدوران الفساد مداره.
فهذا العلّامة رحمه اللّه في «التذكرة» قال في هياكل العبادة: (إذا كان لمكسورها
1) المكاسب: 1/ 111.
ص: 22
قيمة و باعها صحيحة ليكسر، و كان المشتري من يوثق بديانته، فإنّه يجوز بيعها على الأقوى) (1).
و كذا المحقّق الثاني في «جامع المقاصد» قال بعد حكمه بالمنع: (نعم؛ لو باع رضاضها الباقي بعد كسرها قبل أن يكسرها، و كان المشتري موثوقا بتقواه و أن يكسرها أمكن القول بصحّة البيع، و مثله باقي الامور المحرّمة كأواني النقدين و الصنم) (2)، انتهى.
و المتأمّل في كلماتهم بعد التتبّع يقطع بأنّ مرادهم من الفساد إنّما هو مع تحريم التسليم و الإقباض لسلب القدرة على التسليم شرعا، لا لعدم الماليّة.
نعم؛ لا مالية للهيئة، لحرمة الانتفاع بها و وجوب إعدامها، و لا يوجب ذلك سلب الماليّة بالمرّة.
و ملخّص الكلام؛ أنّه إن صحّ الحكم بالفساد في أمثال هذه الامور، فلا يمكن أن يكون له وجه إلّا ما ذكر، و جميع ما ذكره شيخنا رحمه اللّه في ذلك من الوجوه لا يخفى ما فيها من المناقشة، كما يظهر ذلك بالتأمّل.
قوله: (و يدلّ عليه مضافا إلى كونه إعانة على الإثم و إلى أنّ الإلزام و الالتزام) .. إلى آخره (3).
و فيه؛ أنّ الإعانة على الإثم إنّما تصلح دليلا للتحريم، لا للفساد، و الكلام هنا هو في وجه الفساد، و الإلزام و الالتزام بصرف البيع في المنفعة المحرّمة لا
ص: 23
يوجب كون أكل الثمن أكلا للمال بالباطل، لأنّ الثمن في البيع إنّما هو بإزاء المبيع- و هو هنا العنب- لا بإزاء العمل.
و قد ذكروا في محلّه أنّ الشروط لا يوزّع بإزائها شيء من الثمن؛ فلا يوجب اشتراط التخمير أن يكون شيء من الثمن بإزاء هذا العمل، فهذا التعليل إنّما يتمّ في الإجارة بالنسبة إلى الأعمال المحرّمة، مثل إجارة البيت- مثلا- لأن يباع فيه الخمر.
و أمّا بيع العنب على أن يعمل خمرا؛ فالوجه في فساده هو ما ذكرناه من حرمة التسليم إلى هذا المشتري الخاص، و لو للإعانة على الإثم، و هي موجبة لسلب القدرة على التسليم شرعا، و إن لم توجب عقلا.
مضافا إلى عدم مشروعيّة الشرط، و عدم الرضا بالمعاملة بدون الشرط.
قوله في المسألة الثانية: (إذا قصد منها ذلك و قصد اعتبارها في البيع) .. إلى آخره (1).
قد عرفت ممّا تقدّم أنّه لا عبرة بالقصد و لا وجه لإيجابه للفساد، و إنّما المناط بحرمة التسليم، فيدور الفساد مداره، فكلّ مشتر علم أو ظنّ باستعماله الجارية في الغناء يحرم البيع بالنسبة إليه و يفسد، دون من يوثق به و أنّه لا يستعملها في المنفعة المحرّمة، فإنّه حينئذ يجوز البيع بالنسبة إليه لثبوت الماليّة، و عدم تحريم تسليمه بالنسبة إليه.
1) المكاسب: 1/ 127.
ص: 24
و عليه يحمل اختلاف أخبار الباب، فإنّ في بعضها التصريح بالجواز، مثل ما رواه عبد اللّه بن الحسن، عن أبي الحسن عليه السّلام قال: قلت: جعلت فداك؛ فأشتري المغنّية أو الجارية تحسن أن تغنّي اريد بها الرزق لا سوى ذلك.
قال عليه السّلام: «اشتر و بع» (1).
و ما رواه علي بن الحسين قال: سأل رجل علي بن الحسين عليهما السّلام عن شراء جارية لها صوت؟
فقال: «ما عليك لو اشتريتها، فذكّرتك الجنّة».
يعني بقراءة القرآن و الزهد و الفضائل الّتي ليست بغناء، «فأمّا الغناء، فمحظور» (2).
و في بعضها التصريح بالتحريم، مثل ما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه سأله رجل عن بيع الجواري المغنّيات؟
فقال: «شراؤهنّ و بيعهنّ حرام، و تعليمهنّ كفر، و استماعهنّ نفاق» (3).
و ما عن أبي الحسن الأوّل عليه السّلام في جواب من جعل ثلث قيمة الجواري المغنّيات له عليه السّلام.
قال: «لا حاجة لي فيها، إنّ ثمن الكلب و المغنّية سحت» (4).
و غير ذلك من الأخبار (5)، و طريق الجمع ما ذكر من التفصيل بالنسبة إلى الأشخاص.
ص: 25
قوله: (المسألة الثالثة: يحرم بيع العنب ممّن يعمله خمرا بقصد أن يعمله) .. إلى آخره (1).
و تحقيق القول في مسألة بيع العنب هو أنّه قد ورد أخبار بالمنع و الفساد في خصوص بيع الخشب ممّن يتّخذه صلبانا (2)، و إجارة الدوابّ و السفن لحمل الخمر و البيت لبيعه فيه (3).
و أمّا العنب؛ فلم يرد غير أخبار الجواز و لو ممّن يعلم أنّه يعمله خمرا.
و حيث كان ذلك منافيا للقواعد، أعني قاعدة حرمة الإعانة على الإثم، كما دلّ عليها الكتاب العزيز (4)، و النهي عن المنكر، و عدم ظهور الفرق بينه و بين بيع الخشب ممّن يصنعه صليبا أو صنما اشكل عليهم الأمر.
فمنهم من وجّه أخبار الجواز بموجّهات بعيدة هي في المعنى طرح لها رأسا، مثل حمل المشتري على كونه من أهل الذمّة، أو كون الخمر لإرادة التخليل، أو مع توهّم البائع ذلك من دون أن يكون عالما بجعله خمرا (5).
و منهم من توقّف في الحكم، و حكم بالإشكال و صعوبة الأخذ بها، لمخالفتها للقواعد.
ص: 26
و منهم من حمل الأخبار الناهية على الكراهة (1)بشهادة خبر رفاعة، حيث قال عليه السّلام فيه: «إنّ بيعه ممّن يطبخه أو يصنعه خلًّا أحبّ إليّ، و لا أرى به بأسا» (2).
و منهم من فصّل بين بيع الخشب و بيع العنب، فمنع عن الأوّل، و جوّز الثاني، عملا بالخبرين معا في موردهما، مع ظهور عدم إمكان كون المورد فارقا في الحكم (3).
مضافا إلى إمكان دعوى كونه مخالفا للإجماع المركّب.
و منهم من فصّل المسألة، فحكم بالتحريم مع الاشتراط- أي اشتراط البائع على المشتري جعل العنب خمرا- و كذا مع قصدهما، أو قصد البائع خاصّة لذلك، و بالجواز بدون الشرط، و مع عدم قصد البائع أيضا و إن علم كون ذلك من قصد المشتري، و أنّه لم يقصد من الشراء إلّا التخمير (4).
و عليه حمل أخبار الجواز الواردة في بيع العنب- أي صور عدم الاشتراط و عدم قصد البائع من البيع التخمير- كما هو الغالب المتعارف، فإنّ الغالب عدم قصد البائع المسلم من البيع إلّا تمليك العنب و تملّكه للثمن.
ثمّ أجابوا عن حرمة الإعانة على الإثم بمنع صدق الإعانة على الإثم على فعل البائع، مع عدم قصده للتخمير، و توقّف الصدق على القصد.
1) جامع المقاصد: 4/ 18، مجمع الفائدة و البرهان: 8/ 50، الحدائق الناضرة: 18/ 205، مفتاح الكرامة: 4/ 37.
2) وسائل الشيعة: 17/ 231 الحديث 22405 و 22406. لكن الرواية رواها الحلبي عن الصادق عليه السّلام مع اختلاف يسير.
3) مفتاح الكرامة: 4/ 38.
4) لاحظ! الحدائق الناضرة: 18/ 205 و 206، مجمع الفائدة و البرهان: 8/ 50.
ص: 27
و عن أدلّة النهي عن المنكر بعدم دلالتها على وجوب التعجيز عن المنكر، و لو بالمنع عن المقدّمات، بل غايته المنع عن نفس الحرام، و وجوب ردع من همّ بها و أشرف عليها بحيث لو لا الردع لفعل.
و لو سلّم ذلك؛ فإنّما يحرم البيع بمنع الانحصار، لحصول العجز حينئذ عن التخمير بعدم بيعه، لا مع عدم الانحصار، لعدم حصول العجز حينئذ بعد وجود مانع آخر يمكنه الشراء منه للتخمير.
هذا؛ و لكن يشكل الفرق- بناء عليه- بين بيع العنب لمن يعمله خمرا، و بين الخشب لمن يعلم أنّه يصنعه صنما، فإن بنى على التفصيل في بيع العنب، فينبغي التفصيل أيضا في بيع الخشب.
مع أنّ الأخبار المانعة فيه مطلقة، فلا بدّ من تقييدها أيضا بصورة الاشتراط، أو قصد البائع من البيع جعله صنما، و التقييد بهما في غاية البعد، بل حمل على فرض أمر واقع، لأنّ المسلم لا يقدم على مثل هذا البيع.
و كيف كان؛ فقد اتّفقت كلمتهم على [أنّ] مثل هذا البيع مترتّب على التحريم- أي تحريم تسليم المبيع- فكلّ مورد حكمنا بتحريم تسليم العنب إلى المشتري الخاصّ حكم بفساد بيعه بالنسبة إليه و حرمة ثمنه، و ليس ذلك إلّا ما قدّمناه من كون القدرة على التسليم شرعا؛ شرطا في صحّة البيع.
و لا وجه بعد ذلك للإشكال في الفساد بأنّ النهي متعلّق بما هو خارج عن المعاملة، أعني الإعانة على الإثم، أو المسامحة في الردع، كما ذكره المصنّف.
ص: 28
قوله: (و قد يستشكل في صدق الإعانة) .. إلى آخره (1).
الأقوال في ذلك ثلاثة:
أحدها: كون الإعانة هي فعل بعض مقدّمات فعل الغير، سواء قصد الحصول معه أم لا.
ثانيها: كونها ذلك، مع قصد الحصول لا مطلقا.
ثالثها: ذلك، مع وقوع المعان عليه أيضا، لا مع عدمه، و إن قصده.
و تحقيق القول في ذلك خروج القصد عن حقيقة معنى الإعانة، لعدم كونه جزءا للموضوع له و صدقها على مطلق فعل بعض مقدّمات فعل الغير، بل و مع وقوع ذلك الفعل منه أيضا، لأنّه بدونه لا يصدق إلّا قصد الإعانة دون الإعانة الواقعيّة، لظهور امتناع صدق الإعانة من دون وقوع المعان عليه.
فصدق العنوان بنفسه غير متوقّف على القصد، إلّا أنّ انتسابه إلى الفاعل ظاهر في إرادته و قصده له، كما في كلّ عنوان ينسب إلى الفاعل.
فإنّ الظاهر تعلّق قصده إلى ذلك العنوان، و إرادته له، فالقصد حينئذ مستفاد من الانتساب، لا أنّه مأخوذ في المادّة، كما توهّم.
و حينئذ فلو بنى على كون النهي عن الإعانة نهيا شرعيّا، و تحريمها تحريما شرعيّا كان المتّجه حرمة بيع العنب لمن يعمل خمرا، و إن لم يقصد بيعه ذلك، و كفاية علمه بعمله، لما عرفت من صدق الإعانة، و لو مع عدم قصد المقدميّة لفعل الغير.
1) المكاسب: 1/ 132.
ص: 29
لكن هذا المبنى ضعيف في الغاية، لظهور كون هذا النهي إرشاديّا، كالنهي عن المعصية، و الأمر بالطاعة، و عليه يكون النهي عن الإعانة تقريرا لحكم العقل بقبح التجرّي، و حرمته الّتي أثبتنا في محلّه كونها عقليّا لا شرعيّا.
و لا ريب أنّ التجرّي في مقدّمات الحرام لا يتحقّق إلّا بقصد المقدّمية، و قصد التوصّل به إلى المحرّم، و عليه يتّجه عدم التحريم مع عدم قصد الإعانة من البائع، فظهر اعتبار قصد الإعانة بما ذكر، لا بما ذكره من أخذه في مفهوم الإعانة بحسب الوضع.
لكن يبقى الإشكال حينئذ من جهة إطلاق أخبار المنع عن بيع الخشب لمن يعلم أنّه يعمله صنما (1)، مع بعد حملها على صورة وقوع القصد إلى الإعانة على جعله صنما، لظهور عدم وقوع هذا القصد من المسلم.
قوله: (و توهّم أنّ الفعل مقدّمة له) (2).
أي الشراء مقدّمة للتجرّي، لتوقّف تحقّق المركّب على تحقّق أجزائه.
قوله: (مدفوع بأنّه لم يوجد قصد إلى التجرّي حتّى يحرم، و إلّا لزم التسلسل، فافهم) (3).
يعني أنّ مقدّمة الحرام إنّما تحرم إذا أتى بها بقصد المقدميّة لا مطلقا، و التجرّي الحاصل بفعل الشراء بقصد التخمير غير مسبوق بقصد إلى التجرّي حتّى يوجد الشراء بقصد المقدّميّة إلى حصول الحرام أعني به التجرّي.
ص: 30
و لو احتاج التجرّي إلى سبق قصد إليه ليكون الشراء بنفسه أيضا تجرّيا كان التجرّي الآخر أيضا كذلك، و هكذا، فيلزم التسلسل.
و قوله: (فافهم) (1)إشارة إلى دقّة المطلب، لا إلى ضعفه.
قوله: (و يحتمل الفساد) .. إلى آخره (2).
قد عرفت وجه الفساد، و أنّه المتسالم عليه عندهم على تقدير تحريم التسليم و التمكين، و ظهور دلالة رواية «تحف العقول» بالتقريب المتقدّم، و كفاية التحريم من طرف البائع، و عدم كفاية قصد المشتري خاصّة للحرام، لأنّ العبرة بسلب القدرة على التسليم.
قوله: (ثمّ [إنّ] النهي في هذه الأخبار (3)لا يدلّ على الفساد) .. إلى آخره (4).
قد عرفت أنّ الفساد يدور مدار حرمة التسليم و الإقباض، فبعد فرض التحريم لا وجه للتأمّل في الفساد.
و المستفاد من الأخبار حرمة تسليم السلاح إليهم حال قيام الحرب دون ما عداه، و ظاهرها كون التحريم للإعانة على قتل المسلمين.
ص: 31
قوله: (و الفرق أنّ الأوّل لا يملك و لا يدخل تحت اليد) .. إلى آخره (1).
قد عرفت ممّا حقّقنا لك سابقا أنّه لا فرق بينهما في الملكيّة بمعنى السلطنة و ثبوت الأحقيّة، لعموم من سبق.
و إنّما الفرق بينهما في الماليّة و عدمها، فإنّه لا إشكال في انتفائها في الأوّل (2)، و ثبوتها في الثاني (3)بمعنى آخر، قدّمنا تفصيله، و حكمنا بكفايته في الضمان إذا كان مثليّا، و عدم كفايته في البيع لعدم تقابله بالمال.
قوله: (و يمكن الجمع بين الأخبار (4)بالحكم بكراهة وصل مطلق الشعر) ..
إلى آخره (5).
هذا هو المتعيّن في المقام، خصوصا بعد ظهور عدم ملازمة هذا الفعل للتدليس، و منع تحقّقه في كثير من الامور المذكورة.
ص: 32
نعم؛ في خصوص وصل الشعر بشعر الأجنبيّة يحتمل المنع و التحريم من جهتين:
احداهما: من جهة النظر، لكونه أيضا من العورة، فيحرم النظر إليه.
ثانيتهما: من جهة الصلاة، لكونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه.
و الأوّل حقّ، [ل] أنّ شعر المرأة إنّما هو عورة ما دام متّصلا بها دون المنفصل.
و الثاني أيضا منهيّ عنه مبنيّ على شمول ما لا يؤكل لحمه للإنسان، و هو في محلّ المنع.
بل المراد به ما عداه من الحيوانات الّتي يكون له لحم، و يراد للأكل، و لو في بعض حين، فيخرج عنه الإنسان؛ و الحشرات الّتي لا لحم فيها.
و في «الجواهر» في هذا المقام: (و ربّما حمل النهي المزبور على المنع من جهة الصلاة بشعر الغير و فيه؛ أنّه لا بأس به، كما حرّرناه في محلّه، أو على أنّه شعر امرأة أجنبيّة و هو عورة و فيه- مضافا إلى ترك الاستفصال في النصوص المزبورة- منع جريان حكم العورة عليه بعد انفصاله، فليس حينئذ إلّا الكراهة) (1)، انتهى.
1) جواهر الكلام: 22/ 114.
ص: 33
قوله: (المسألة الثانية: تزيّن الرجل بما يحرم عليه) .. إلى آخره (1).
أمّا تزيّن الرجل بلبس الحرير و الذهب؛ فممّا لا إشكال في حرمته، و أمّا تزيّن كلّ منهما بما يختصّ بالآخر، فالمتيقّن منه تأنّث الذكر، و تذكّر الانثى، أي:
تلبّس كلّ منهما بلباس الآخر بقصد التشبّه، لا بقصد دفع الحرّ و البرد أو غيرهما من الأغراض الاخر.
و الأولى الحكم بالكراهة فيما عدا الصورة المذكورة.
قوله: (بأنّ الظاهر من التشبّه صورة علم المتشبّه) (2).
يعني أنّ التشبّه إنّما يصدق في معلوم الحال دون مجهوله، فتوجّه أصل هذا الحكم بالنسبة إلى الخنثى محلّ منع.
قوله: (المسألة الثالثة: التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة المحترمة) ..
إلى آخره (3).
ص: 34
لا ريب أنّ التشبيب بنفسه ليس من العناوين المحرّمة، لظهور عدم ورود نهي من الشارع متعلّق بهذا العنوان، و من ادّعى الحرمة فإنّما ادّعاها لكونه ملزوما للعناوين المحرّمة، مثل التفضيح، و هتك الحرمة، و الإيذاء، و إدخال النقص عليها و على أهلها و إغراء الفسّاق بها، و تحقّقها في كثير من الموارد محلّ تأمّل و إشكال.
و على فرض التحقّق فلا ريب في عدم إمكان منع التحريم خصوصا عن عنوان الإغراء و التهييج، فإنّ تهييج القوّة الشهويّة بالنسبة إلى غير الحليلة لا يمكن إنكار تحريمه، بل يمكن استفادته من بعض الأحكام، مثل المنع عن الخلوة مع الأجنبيّة، و المنع عن جلوس الرجل مكان المرأة حتّى يبرد المكان، و أمثالهما من المحرّمات و المكروهات.
و كيف كان؛ فالمتّجه الحكم بالحرمة مع تحقّق أحد هذه العناوين المحرّمة، لا مع عدمه، و ليس التشبيب مطلقا ملازما لأحد هذه الامور، و هذه العناوين إن تحقّق فإنّما يتحقّق في المرأة المعيّنة، لا المرأة المجهولة.
و التقييد بالمؤمنة و المحترمة إنّما هو لبعض العناوين المذكورة، و إلّا فمن جهة الإغراء و التهييج لا فرق فيه بين المؤمنة و المسلمة و الكافرة خصوصا بعد حكمهم بحرمة النظر إلى نساء أهل الحرب.
إلّا أن يقال: إنّ التشبيب بالنسبة إليهنّ لا يستلزم المحرّم، لأنّ الاستيلاء بالنسبة إليهنّ موجب للملكيّة، و معها لا إشكال في حلّية جميع الانتفاعات منها.
نعم؛ ينبغي عدم الفرق بين المؤمنة المحترمة و غيرها من المسلمة و أهل الذمّة.
ص: 35
و أمّا التشبيب بالغلام؛ فلا ريب في حرمته، لظهور حرمة التهييج بالنسبة إليه من دون استثناء، مع ظهور ثبوت أكثر العناوين المتقدّمة فيه بالبداهة.
قوله: (الرابعة: تصوير ذوات الأرواح حرام) .. إلى آخره (1).
أقول: تصوير الجسم بصورة الحيوان ممّا لا إشكال و لا خلاف في حرمته، و هو المتيقّن من أخبار الباب (2)، و كذا التصوير بصورة الجنّ و الملائكة، لقوله عليه السّلام في رواية «تحف العقول»: «ما لم يكن مثال الروحاني» (3)، و ظهور عدم المعاوضة بينه و بين ما دلّ على التقييد بالحيوان، لعدم التنافي.
و كذا التصوير بصورة حيوان مخترع غير مخلوق، لإطلاق ما دلّ على حرمة التصوير بصورة الحيوان.
و إنّما الإشكال و الخلاف في تنقيش الجسم بصورة الحيوان، و اختار التحريم فيه أيضا جماعة (4)، للإطلاق.
و الأقوى ملاحظة مجموع أخبار الباب، و سياق أخبار النهي؛ الكراهة، و إن كان بناء عليه يلزم عدم الحكم بتحريم الأوّل أيضا، لأنّه لا مدرك له إلّا هذه
ص: 36
الأخبار الناهية (1).
فلو حمل على الكراهة؛ لم يبق مدرك للتحريم فيه إلّا أن يدّعى مع ذي الصورة بأسبابها، كما هو المتعارف في زماننا من أخذ عكس الصور بالمواجهة، لظهور صدق التصوير و التمثيل في الجميع، و صدق التشبّه بحضرة المبدع تعالى الّذي هو حكمة النهي و التحريم.
قوله: (و هل يكون ما فعل حراما من حيث التصوير، أو لا يحرم إلّا من حيث التجرّي؟ وجهان) (2).
و الأظهر كون التحريم من حيث التصوير، لكن لا ريب كونه مراعى بالإتمام كسائر الأفعال الّتي تكون مراعي بإتمام العمل، فيكشف الإتمام عن صدق العنوان من أوّل الأمر، بمعنى الاشتغال به من حيث الشروع في ذلك العمل.
فإن تمّ العمل صدق التصوير و الاشتغال به من أوّل الأمر، و إن لم يتمّ لم يتحقّق التصوير و لم يترتّب ما يترتّب عليه، إلّا أنّه يترتّب عليه ما يترتّب على التجرّي من العقاب و القبح العقلي، أو الحرمة الشرعيّة على الخلاف.
و لا فرق في ذلك بين الواجب و الحرام إلّا في تحقّق التجرّي في الحرام مع عدم الإتمام.
نعم؛ يمكن القول بتحقّق ثواب الانقياد في الواجب لو لم يكن مقصّرا في عدم الإتمام و الإبطال.
ص: 37
قوله: (بقي الكلام في جواز اقتناء ما حرم عمله من الصور، و عدمه) ..
إلى آخره (1).
و الأقوى جواز الاقتناء، لعدم ما يدلّ على وجوب الإتلاف، و عدم دلالة تحريم الفعل على تحريم الإبقاء.
بل لم يحك الخلاف في ذلك إلّا عن الأردبيلي في «شرح الإرشاد» (2).
و الأظهر أيضا جواز النظر، للأصل، و عدم الدليل على التحريم.
مضافا إلى ما يستفاد ممّا دلّ على جواز افتراش ما فيه افتراش التماثيل، و جعله على الوسائد، فإنّه لو حرم النظر لوجب النهي عنهما، لظهور جواز كلّ منهما، لجواز النظر.
ثمّ يترتّب على جواز الاقتناء و النظر جواز البيع و الهبة، و تحقّق الضمان بالإتلاف، لظهور ثبوت الماليّة عرفا، مع فرض عدم المنع من الشارع عن الانتفاع به، لجواز الاقتناء و النظر.
و قد صرّح بهذا التفريع جماعة (3)، بل لا وجه للمنع عن البيع بعد فرض ثبوت الماليّة، و عدم إسقاط الشارع لها عنه بالمرّة.
ثمّ إنّ ما ذكرنا من جواز النظر إلى الصورة إنّما هو من حيث كونها صورة
ص: 38
حيوان، مع قطع النظر عن الجهات الاخر، و إلّا فقد يحرم من بعض الجهات، ككون الصورة صورة أجنبيّة معيّنة يوجب النظر إليها حصول الاطّلاع على ذي الصورة، فإنّه ربّما يحرم إذا صار ذلك مقدّمة للحرام.
بل و كذا يحرم إذا كان النظر بشهوة، و إن لم تكن الصورة صورة أجنبيّة معيّنة، لظهور تحريم تحريك الشهوة بالنظر، إلّا على الزوجة أو المملوكة.
و من هنا يظهر أنّ النظر إلى المرآة الحاكية عن صورة الأجنبيّة أيضا محرّمة.
أمّا مع كون النظر محرّكا للشهوة؛ فلما عرفت، من غير حاجة إلى دعوى شمول الآية (1)، و الخبر (2).
و أمّا مع عدمه؛ فلإمكان دعوى دلالة آية الغضّ (3)عليه بمدلولها اللفظي، للملازمة العرفيّة بين حرمة النظر إلى الأجنبيّة و حرمة النظر إليها في المرآة، فتكون الدلالة؛ دلالة التزاميّة بالبيّن بالمعنى الأعم.
و قد عدّها بعضهم من الدلالة اللفظيّة.
أو يقال: إن سلم عدم الدلالة لفظا وجب الحكم بالتحريم من باب تنقيح المناط القطعي، و هو الاطّلاع على عورة الناس، و هو محرّم قطعا، فيكون الحكم بها في ما نحن فيه من جهة وجود ذلك المناط القطعي.
بل قد يقال: لازم هذا الوجه حرمة النظر إلى عكس صورة أجنبيّة معيّنة إذا كان حاكيا عن جميع خصوصيّاتها، لأنّ النظر إليه حينئذ موجب للاطّلاع عليها
ص: 39
بخصوصيّاتها، و هو محرّم.
بل قد حكم المحقّق الأردبيلي رحمه اللّه في كتاب الوديعة من «شرح الإرشاد»:
أنّ النظر إلى جارية الغير في المرآة تصرّف في مال الغير، فيحرم لذلك، و أنّه ليس مثل الجلوس تحت ظلّ حائط الغير و الاستضاءة بضوئه (1).
و كيف كان؛ فقد حكي عن غير واحد من الأصحاب القول بجواز النظر إلى صورة الأجنبيّة في المرآة استنادا إلى أصالة البراءة (2).
لكن لا يخفى أنّ مرادهم بيان حكم النظر من حيث هو، فيختصّ الحكم بما إذا لم يكن النظر بشهوة، و إلّا فقد عرفت حرمة كلّ نظر بشهوة إلى كلّ شيء، من غير فرق بين كون المنظور إليه إنسانا مجانسا أو غير مجانس، أو غير إنسان، لما عرفت من حرمة تحريك الشهوة بالنظر إلّا إلى الزوجة و المملوكة.
قوله: (الثامنة: الرشوة حرام) .. إلى آخره (3).
ما يأخذه الحاكم لأجل الحكم، أو لأجل أحد مقدّماته قبل الحكم، أو بعده يعنون بعناوين خمسة:
أحدها؛ الرشوة.
و ثانيها؛ الجعل.
ص: 40
و ثالثها؛ الإجارة.
و رابعها؛ الهدية.
و خامسها؛ الارتزاق.
لا إشكال و لا خلاف في حرمة الأوّل، بل الإجماع بقسميه عليها، بل قيل: إنّها من ضروريات الدين (1).
كما لا إشكال و لا خلاف في جواز الأخير، إنّما الإشكال و الخلاف في جواز الجعل و الإجارة، و في تعيين موضوع الرشوة.
أمّا الأوّل؛ فعن المفيد و القاضي: جواز الجعل للحكم بالحقّ مطلقا، و خروج ذلك عن موضوع الرشوة، و يلحق به الإجارة، لاتّحاد حكمهما عندهم في هذا المقام (2).
و عن «المختلف»: جواز الجعل و الإجارة مع حاجة القاضي، و عدم تعيين القضاء عليه، و عدم جوازه مع عدم الحاجة، أو تعيين القضاء عليه (3).
و أمّا تعيين موضوع الرشوة؛ فالظاهر أنّها الوصلة إلى الحاجة بشيء لا على نحو المقابلة بل على نحو إحداث الداعي في الشخص بدفع شيء إليه ليقوم بحاجته، و يلزمه حسن التحفي و قبح إظهاره، لوقوع الفعل ظاهرا بغير المقابلة و إن كان في الباطن مع المقابلة.
و إليه يرشد ما ذكر شيخ مشايخنا رحمه اللّه في «الجواهر» في توصيف الرشوة
ص: 41
بأنّ الأنفس السليمة مجبولة على التنزّه عنها (1).
و ذكر بعض المحقّقين: أنّ الّذي يظهر من ملاحظة الاستعمالات و التأمّل في مطاوي كلمات الفقهاء و أهل اللغة هو: أنّ الرشوة عبارة عمّا يعطيه أحد الشخصين صاحبه في مقابل عمل ليس من شأنه أن يقابل بالجعل و الاجرة عند أهل العقول و المعرفة، و لهذا كان التحفّي بها من لوازمها حصول الاستنكاف باستعمالها.
و بعبارة اخرى: يكون ذلك العمل مع كونه ممّا يعني به العقلاء، و يعتدّون به ممّا لا يقابلونه بعوض، بل يفعلونه من باب التعاون و التعاضد بين أبناء النوع، كإحقاق حقّ، و إبطال باطل، و ترك الظلم و الإيذاء، و تسليم الوقف إلى الموقوف عليه.
و لهذا وقع في بعض الروايات السابقة التعبير بقوله: «يرشو على أن يخرج من منزله، فيسكنه (2)» (3)، انتهى.
و الأظهر ما عرفت من أنّ المناط كون الدفع لا بعنوان المقابلة، بل من باب إحداث الداعي و سائر الامور من لوازمه، و كون العمل بما ليس من شأنه أن يقابل بالجعل غير مأخوذ في معناه وضعا، بل إنّما يتحقّق معناها في ضمنه و ضمن غيره.
و ما ذكره اللغويّون في تفسيرها غير مناف لما ذكر، لأنّ همّتهم بيان موارد
ص: 42
الاستعمالات لا تشخيص الوضع و الموضوع.
فعن «المصباح»: هي ما يعطيه الشخص للحاكم أو غيره ليحكم له، أو يحمله على ما يريد (1).
و عن «النهاية»: أنّها الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة (2).
و لا ينافي ما ذكرنا قوله بعد ذلك: و الراشي الّذي يعطي ما يعينه على الباطل، بعد كون المراد بيان موارد الاستعمال.
و في «القاموس»: و الرشوة: الجعل، و الجمع: رشا و رشا، و رشاه بها:
أعطاه إيّاها، و ارتشى: أخذها، و استرشى: طلبها، و الفصيل طلب الرضاع فأرشيته، و رشاه: حاباه و صانعه، و ترشّاه: لاينه (3).
و ما ذكره من موارد الاستعمال أيضا مؤيّد لما ذكرناه من كون الدفع لا على نحو المقابلة مأخوذا في معناها، و حينئذ فالرشوة موضوعا غير مخصوص بخصوص الحكم من الحاكم الشرعي أو الجائر أو غيرهما، بحقّ كان الحكم أم بباطل، أثّر في نفس الحاكم أو لم يؤثّر، مالا كان المدفوع أو غيره من البيع المحاباتي، أو الفعل كالتعظيم و التجليل و المدح و التوصيف، بل و دفع الصدقة الواجبة، غايته كونه صدقة و رشوة من جهتين.
هذا كلّه في موضوع الرشوة و صدقها لغة.
و أمّا الحكم و هو الحرمة؛ فظاهر أنّه غير تابع لمطلق هذا الموضوع بالنسبة إلى كلّ عمل و حاجة، بل المحرّم إنّما هو الرشاء في الحكم عدلا كان الحاكم أو
ص: 43
جائرا، لتقييده في الأخبار بكونه في الحكم (1)، فلا إشكال بالنسبة إلى الحاجة الاخرى غير الحكم، و إن صدق عليه اسم الرشوة، و إنّما يحرم أيضا مع كون المدفوع مالا، فلا يشمل الفعل مثل التعظيم و التجليل.
و الظاهر بطلان البيع المحاباتي، لكون المدفوع فيه مالا، فيحرم الدفع و يتبعه البطلان.
و يمكن القول ببطلان الصدقة أيضا، لفقد قصد القربة، أو لضميمة قصد عنوان محرّم.
ثمّ الّذي يظهر من أخبار الباب حرمة أخذ العوض لأجل الحكم أو النظر إلى المترافعين بأيّ عنوان كان من العناوين، من غير فرق بين كونه بعنوان الجعالة أو الإجارة، أو الرشوة، أو الهديّة.
و ذلك لأنّ النهي عن المعاملة قد يتعلّق بها بعنوانها الخاصّ بها، فلا يشمل ما عداها من العناوين- كالنهي عن الربا مثلا- فإنّ التحريم فيه مختصّ بخصوص المعاوضة الخاصّة، فلا يشمل الدفع بعنوان الهبة أو الإقراض من الطرفين، ثمّ الإبراء منهما أو بغير ذلك من العناوين المحقّقة لفائدة المعاوضة.
و قد يتعلّق بأصل أخذ العوض لهذا العمل بجميع أنواع المعاملات حتّى الهديّة الّتي ظاهرها المجانيّة و باطنها الرشوة- كما في المقام- فإنّ الأخبار صريحة في حرمة مطلق أخذ العوض، لا المعاملة الخاصّة، كما يكشف عنه تحريم الهدية، كما في رواية الأصبغ في وصف الوالي: «و إن أخذ الرشوة فهو مشرك» (2).
ص: 44
و إذا حرمت الهديّة حرم الجعل و الإجارة بطريق أولى.
و كذا الشهيد في «اللمعة» تعرّض لحكم الجعل و الإجارة دون الرشوة حيث قال: (و لا يجوز الجعل و الاجرة من الخصوم).
و في «الشرح»: (و لا من غيرهم لأنّه في معنى الرشا) (1).
فلم يتعرّض لحكم الرشوة، لكونه من الواضحات، فلم يحتج إلى البيان، و إنّما المحتاج إلى البيان حكم الجعل و الإجارة، لوقوع الخلاف فيهما، كما عرفت.
و السرّ في عموم التحريم هنا أنّ القضاء و الحكم وظيفة إلهيّة أوجبه الشارع عينا أو كفاية، لا يصحّ أخذ الاجرة عليه، لا لمجرّد الوجوب- لما سيجيء من عدم منع ذلك من جواز أخذ الاجرة- بل لكونه وظيفة إلهيّة يجب عليه تعالى إيصاله إلى عباده، فالنفع واصل من اللّه تعالى إلى خلقه، و العمل موهوب منه تعالى إليهم، فلا يجوز أخذ العوض لمثل هذا العمل.
هذا؛ مع أنّ معرفة الحقّ إنّما يكون مع خلوّ الشخص عن الميل إلى أحد الجانبين.
ثمّ إنّ ما ذكر إنّما هو بالنسبة إلى الحاكم المنصوب، و أمّا بالنسبة إلى الجائر، فلعدم مشروعيّة عمله، و عدم ماليّته.
نعم؛ يجوز أخذ الاجرة لتحصيل الحقّ بعدم حكم الحاكم المنصوب إذا توقّف على عمل له اجرة في العادة.
ثمّ الفرق بين الهديّة و الرشوة- على ما ذكرنا، مع كونهما معا مدفوعين، لا
1) الروضة البهيّة: 3/ 71.
ص: 45
على وجه المقابلة بالعمل، بل على وجه إحداث الداعي للعمل-: أنّ الإعطاء على هذا الوجه في الثاني مكشوف متبان عليه بينهما، بخلاف الأوّل، لأنّ عنوانه الظاهري إنّما هو على وجه المجانيّة الصرفة، و كون الغرض إيراث الداعي للحكم؛ أمر باطني غير مظهر و مذكور.
و لذا حكم بكونها غلولا، و مع عدم هذا الغرض في الباطن؛ لا إشكال في جوازه و حلّيّته.
و يدلّ على أنّ الرشوة غير الاجرة، ما ذكر في الرواية: من أنّ السحت اجور القضاة، ثمّ ذكر الرشوة، و كونها أشد و أنّها كفر باللّه العظيم (1).
ثمّ الواجب على كلّ أحد إنفاذ حكم الحاكم، لكونه بمنزلة حكم الإمام عليه السّلام فيجب حتّى على المجتهد الآخر ما لم يعلم بخطئه، فيجب على نفس الحاكم أيضا إن لم نقل بأولويّته عليه، و حينئذ فإن توقّف الإنفاذ على كتابته و تختّمه بخاتمه وجب عليه ذلك، و لا يجوز أخذ الاجرة عليه لذلك، لأنّ الواجب على الحاكم إنّما هو فصل الخصومة، و الفرض توقّفه على الكتابة أو التختيم و عدم حصوله بمجرّد إنشاء الحكم لفظا.
و قد توهّم بعض المتفقّهة من أهل زماننا جواز أخذ الاجرة للكتابة أو التختيم مستدلّا بأنّ الواجب على الحاكم إنّما هو مجرّد إنشاء الحكم دون الكتابة و غيرها.
و أنت خبير بأنّ هذا مناف لما استفدناه من أخبار الباب من أنّ الممنوع منه و المنهيّ عنه مطلق أخذ العوض لهذا العمل، و خروجه عن قابليّة أخذ العوض
1) وسائل الشيعة: 17/ 95 الحديث 22068.
ص: 46
بنفسه و بجميع توابعه الّذي يرجع أخذ العوض عنها إليه، لا أنّ المنهي خصوص عنوان خاص من عناوين المعاوضة حتّى يقتصر عليه و يرجع في غيره إلى أصالة البراءة.
قال في «المناهل»: (إذا حكم الحاكم للمدّعي بعد إقرار المدّعى عليه، فإن اقتصر المدّعي على ذلك فذاك، فإن التمس من الحاكم أن يكتب إقراره لتكون حجّة بيده فهل يجب إجابته أم لا؟ صرّح بالأوّل في «القواعد» (1)، و هو ظاهر «التحرير» و «الدروس» و «اللمعة» و «الروضة» و «المسالك» و «الكفاية» (2).
بل ادّعى في «المفاتيح» أنّه أشهر (3)- إلى أن قال-: لعلّ الاستحباب أرجح، إلّا أن يكون وصول الحقّ موقوفا على الكتابة، و المسألة محلّ إشكال (4).
ثمّ قال: أمّا عدم الوجوب في صورة عدم توقّف وصول الحقّ إلى المدّعي على الكتابة، فللأصل، و أمّا الوجوب في صورة التوقّف، فلدفع الضرر عن الغير، و كون الكتابة من مراتب النهي عن المنكر الواجب، و كونها إعانة على البرّ، و إمكان دعوى ظهور الاتّفاق على الوجوب حينئذ، فتأمّل) (5)، انتهى.
و ظاهر كلامه رحمه اللّه؛ أنّ الوجوب في صورة التوقّف من المتسالمات عندهم، بل قد عرفت دعواه ظهور الاتّفاق عليه.
ص: 47
مضافا إلى ما ذكرناه من وجوب الإنفاذ عليه أيضا كغيره، فإذا توقّف على الكتابة وجبت، لوجوب ما لا يتمّ الواجب إلّا به.
قوله: (فالظاهر عدم ضمانه، لأنّ مرجعه إلى هبة مجانية فاسدة) .. إلى آخره (1).
أقول: لا إشكال في الضمان، و لا مجرى لقاعدة «ما لا يضمن» في المقام بعد ما دلّ صريح الأخبار بكونه من السحت (2).
و لا وجه للقول بأنّه إنّما يدلّ على حرمة الأخذ لا على الضمان، فإنّ قاعدة «ما لا يضمن»- كما عرفت- إنّما هي تشخيص قصد الدافع من حيث التضمين و عدمه في صورة جواز أصل الدفع، لا فيما يحرم الدفع و الأخذ معا، فإنّه حينئذ لا يحصل الملكيّة، و إن لم يقصد الدافع تضمينه، و الدفع حينئذ ليس إلّا كدفع السلاح لأعداء الدين حال الحرب مجّانا بلا عوض.
و قد عرفت أنّ من يحرم البيع لهم في هذا الحال يحرم الدفع مطلقا و لو على وجه المجانية، و أنّ بطلان البيع إنّما هو لحرمة الدفع، فلا يحصل لهم الملكيّة باليد، المحرّمة، فالمانع حينئذ من الشارع لا من المالك.
نعم؛ لا ريب في حصول البراءة بالإبراء من المالك بعد التلف، و هو أمر آخر.
ص: 48
قوله: ( [و لو ادّعى الدافع أنّها رشوة أو اجرة على المحرم، و ادّعى القابض كونها هبة صحيحة] احتمل أنّه كذلك) .. إلى آخره (1).
و الأقوى هنا تقديم قول الدافع، لأنّه أعرف بنيّته، و أصالة الضمان في اليد، كذا لا يجري، لأصالة الصحّة هنا، إذ لا عقد مشترك اختلفا في صحّته و فساده.
قوله: (و في مرجع الضمائر اغتشاش) (2).
قد ذكر شارح «الصحيفة السجّاديّة» هذه الرواية بنحو آخر، و هو أنّه قال عليه السّلام: «البادي منهما أظلم، و وزره و وزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلى المظلوم» (3)و عليه؛ فلا اغتشاش في مرجع الضمائر.
قوله: (و ذكر بعض الأفاضل: أنّ المعتبر في اتّصاف الخبر بالصدق و الكذب [هو ما يفهم من ظاهر الكلام]) (4).. إلى آخره (5).
و تحقيق القول في ذلك أنّه إن قلنا: إنّ تحريم الكذب إنّما هو من جهة
ص: 49
الإغراء بالجهل و إلقاء المخاطب في خلاف الواقع، فلا ريب في حصوله في صورة التورية، لأنّ المراد بها إرادة معنى لا دلالة للفظ عليه من دون نصب قرينة مفهمة، فمفاد الكلام بحسب فهم المخاطب كذب صرف، فيكون موجبا لإلقائه في خلاف الواقع قطعا.
لكن هذا ممّا لم يقم عليه دليل، بل الأدلّة إنّما دلّت على حرمة الكذب من حيث هو، مع قطع النظر عن كونه موجبا لإلقاء المخاطب في خلاف الواقع، و ليس هو إلّا الخبر الغير المطابق للواقع بحسب إرادة المتكلّم من غير فرق بين كونه ظاهرا بحسب قانون الوضع و التخاطب فيما أراده أم لا.
و عليه؛ فيخرج الكلام مع التورية عن كونه كذبا، و إن فهم المخاطب خلافه، و لزوم كون إرادة المعنى من اللفظ مطابقا للوضع و قاعدة التخاطب في اتّصافه بالصدق أوّل الكلام، بل ما دلّ من الأخبار على نفي الكذب مع التورية دليل على عدمه، و أنّ الصدق و الكذب لا مناط إلّا بإرادة المتكلّم فقط.
قوله: (و يمكن أن يفرق بين المقامين) .. إلى آخره (1).
و تحقيق القول في ذلك و بيان الفرق بين المقامين هو أنّ مقام الوضع غير مقام التكليف، و مجوّز الحرام و رافعه لا يكون إلّا الضرورة و الاضطرار، فمع فرض إمكان التفصّي عن الكذب بالتورية لا ضرورة و لا اضطرار في الكذب، فلا يجوز.
و لذا أطبقوا في هذا المقام على وجوب التورية عند الاضطرار أو الإكراه
1) المكاسب: 2/ 27.
ص: 50
على الكذب، و إن لم يصرّح بوجوبه في الأخبار إلّا أن يقال بالعفو عنه شرعا، لإطلاق تلك الأخبار للعسر و التوسعة على العباد.
و أمّا في مقام الوضع- أي تأثير العقود و الإيقاعات في حصول مسبّباتها- فلا وجه بوجوب التورية فيها بعد معلوميّة أنّ ترتّب المسبّبات على أسبابها لا تكون إلّا بالإرادة مستقلّة بمن إليه الأمر للمسبّبات بأنفسها.
و ذلك لأنّ ما دلّ على أنّ التصرّف في الأملاك و النقل و الانتقال فيها موكول على اختيار المالك- أي على إرادته المستقلّة دون التابعة- مثل قوله: «الناس مسلّطون» (1)، و قوله عليه السّلام: «الطلاق بيد من أخذ بالساق» (2)- في الإيقاع يلزمه الدلالة على عدم التأثير في الأسباب الصادرة منهم بغير الاختيار، و إلّا لزم ترتّب الأثر بإرادة غير المالك و غير الآخذ بالساق.
و ذلك لظهور أنّ الفعل الّذي يكره عليه، كما أنّه مستند إلى المكره- بالفتح- كذلك مستند إلى المكره- بالكسر- لحصوله بإرادتهما معا، مع كون الاستناد إلى المكره- بالكسر- أقوى، لاستقلاله في الإرادة و تبعيّة إرادة المكره- بالفتح- حتّى أطبقوا في باب الضمان أنّ الضمان على المكره- بالكسر- دون المكره- بالفتح- لضعف المباشر بالإكراه و قوّة السبب.
فيكون الضمان أو قراره عليه دون المباشر، و حينئذ فلو اكره المالك على البيع فأنشأ البيع مكرها عليه، فلا وجه لتأثيره في النقل و الانتقال، و إن قصد، معنى الصيغة و حصل منه الإنشاء، لأنّ الفعل لم يقع منه بإرادة مستقلّة، بل بإرادة تابعة.
ص: 51
و مع عدم التأثير- و لو مع القصد- فلا وجه لوجوب التورية، لعدم ترتّب الأثر مطلقا قصد أو لم يقصد، و سيجيء زيادة توضيح في ذلك عند تعرّض المصنّف، لبطلان بيع المكره.
قوله: (و أمّا تأتي القربة في العبادات المستأجرة، فلأنّ الإجارة إنّما تقع على الفعل المأتي به تقرّبا إلى اللّه، نيابة عن فلان) .. إلى آخره (1).
و توضيح الكلام في هذا المقام أنّه إن فسّرنا القربة المعتبرة في العبادات بمجرّد قصد الامتثال- أي إتيان الفعل بداعي الامتثال- من دون نظر إلى الداعي على هذا الداعي صحّ ما ذكره، لأنّ الاجرة حينئذ إنّما تقع على الآتي به بقصد امتثال الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه.
فالاجرة إنّما هي لصرف العمل إلى الغير، و صرفه إليه إنّما هو بقصد امتثال الأمر المتوجّه إليه نيابة عنه، فحصلت القربة، لكون المأتي به بقصد امتثال الأمر، و استحقّ الآتي للاجرة، لكون الفعل صرفا إليه باعتبار كون الآمر قصد امتثاله المتوجّه إليه، و لا معنى لجعل نفسه نائبا عنه إلّا قصد امتثال الأمر المتوجّه إليه.
1) المكاسب: 2/ 128.
ص: 52
فقوله رحمه اللّه بعد ذلك: (فالأجير إنّما يجعل نفسه لأجل استحقاق الاجرة نائبا عن الغير في إتيان العمل الفلاني تقرّبا إلى اللّه) (1)إن اريد به شيئا آخر زيادة على ما ذكرناه من صرف العمل إليه بقصد امتثال أمره، فلا وجه و لا دليل عليه، لأنّه لم يدلّ في شيء من أخبار النيابة على وجوب أمر زائد على قصد امتثال أمر المنوب عنه، عن تنزيل نفسه بمنزلة المنوب عنه أوّلا ثمّ قصد امتثال آمره، بل لم يجب عليه إلّا قصد امتثال أمره و صرف عمله إليه.
و إنّما يتحقّق ذلك بمجرّد هذا القصد من غير حاجة إلى قصد التنزيل و النيابة زيادة على ذلك، فإنّها حاصلة بكون الأمر المقصود امتثاله متوجّها إلى المنوب عنه، فالنيابة من العناوين الطارئة الحاصلة بعد قصد الامتثال، لا من الامور الواجبة قصدها قبل قصد الامتثال.
فالعمل المقصود به امتثال أمر الغير من جهة كون ذلك الأمر أمرا لغيره يتّصف العمل بكونه عبادة مقصودا به القربة أي امتثال أمر الشارع.
و إن اريد به ما ذكرناه من صرف العمل إليه بقصد امتثال أمره فمرجأ بالوفاق.
و إن فسّرنا القربة المعتبرة في العبادات بأمر زائد على ذلك فهو كون الداعي على الامتثال استحقاقه تعالى للعبادة أو خوف العقاب، أو رجاء الثواب اشكل الأمر في ذلك، لأنّ الداعي على هذا القصد- أي قصد امتثال أمر الغير- ليس إلّا قصد الاجرة و استحقاقها من المستأجر.
فلا يتمّ بهذا التوجيه تحقيق حصول قصد القربة، و لا امتياز في الخارج بين
1) المكاسب: 2/ 128.
ص: 53
فعل النيابة و نفس العبادة حتّى يكون إيجاد أحدهما بقصد الاجرة، و الاخرى بداعي استحقاقه تعالى للعبادة، لأنّك قد عرفت أنّه لا معنى للنيابة إلّا إتيان العبادة بداعي امتثال الأمر المتوجّه إلى غيره.
و الفرض أنّه لا داعي لهذا الداعي إلّا استحقاق الاجرة، فلا يمكن تصحيح العبادة المستأجرة إلّا مع الاكتفاء في القربة المعتبرة في العبادة بمجرّد قصد الامتثال من دون نظر إلى الداعي على هذا القصد.
و يشكل ذلك باعتبارهم الخلوص في العبادة حتّى أنّه حكي عن شيخنا البهائي رحمه اللّه أنّه قال: ( [ذهب] كثير من علماء الخاصّة و العامّة إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب، و قالوا: إنّ هذا القصد مناف للإخلاص الّذي هو إرادة وجه اللّه وحده، و أنّ من قصد ذلك فإنّما قصد جلب النفع إلى نفسه، و دفع الضرر عنها، لا وجه اللّه سبحانه، كما أنّ من عظّم شخصا أو أثنى عليه طمعا في ماله أو خوفا من إهانته لا يعدّ مخلصا في ذلك التعظيم و الثناء، و ممّن بالغ في ذلك التعظيم السيّد الجليل صاحب المقامات و الكرامات رضي الدين علي بن طاوس- قدّس اللّه روحه-.
قال: يستفاد من كلام شيخنا الشهيد رحمه اللّه في «القواعد» أنّه مذهب أكثر أصحابنا، رضوان اللّه عليهم (1).
و نقل الفخر الرازي في «التفسير الكبير» اتّفاق المتكلّمين على أنّ من عبد اللّه لأجل الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب لم تصح عبادته، أورده عند
1) القواعد و الفوائد: 1/ 27.
ص: 54
تفسير قوله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً (1)(2).
و جزم في أوائل تفسير الفاتحة بأنّه لو قال: اصلّي لثواب اللّه، أو للهرب من عقابه فسدت صلاته (3).
و من قال بأنّ ذلك القصد غير مفسد للعبادة مع خروجها به من درجة الإخلاص.
و قال: أنّ إرادة الفوز بثواب اللّه و السلامة من سخطه ليست أمرا مخالفا لإرادة وجه اللّه، و قد قال تعالى في مقام مدح أصفيائه: كٰانُوا يُسٰارِعُونَ فِي الْخَيْرٰاتِ وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً (4)أي: للرغبة في الثواب، و الرهبة من العقاب.
و قال سبحانه: وَ ادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً (5).
و قال تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (6)أي: حالكونكم [راجين] للفلاح، أو لكي تفلحوا، و الفلاح هو الفوز بالثواب) (7)، انتهى.
و كيف كان؛ فإن قلنا بصحّة العبادة مع كون الداعي خوف العقاب أو رجاء الثواب، لعدم كونه منافيا لإرادة اللّه لا ينافيها أيضا كون الداعي ترتّب الامور الدنيويّة عليها الّتي ورد من الشرع أنّها من قبيل الخواصّ، لكونها مطلوبا منه
ص: 55
تعالى فلا ينافي لإرادة منه تعالى، لأنّه أمر بالطلب من عنده حتّى سمّي الدعاء عبادة.
فلا ريب أنّ إرادة الاجرة من عمله من الناس مناف للإخلاص، فلا أوثق من أن يقال باختلاف درجات العبادة بحسب قصد القربة، و عدم اعتبار الخلوص في العبادة المستأجرة، و كفاية مجرّد قصد الامتثال.
و إن كان بداعي الاجرة و كفاية العبادة بهذه الدرجة لسقوط التكليف و العقاب عن المنوب عنه، فأقلّ درجات صحّة العبادة مجرّد قصد الامتثال بأيّ داع كان.
و هذا هو الّذي يمكن حصوله ممّن يجبر بالعبادة من باب الأمر بالمعروف، فإنّ من يضرب عليه لأجل الصلاة لا ريب أنّ صلاته ليس إلّا لداعي الخوف من المخلوق.
و لو قلنا بالفساد سقط حكم الإجبار، و لم ينفع بوجه، لكون المجبور عليه فاسدا، فلا بدّ من القول بكفاية أقلّ الدرجات في الصحّة، و أنّه يحصل بمجرّد قصد الامتثال، ثمّ يتصاعد عن ذلك إذا كان الداعي هو الخوف من العقاب، أو رجاء الثواب.
و يتصاعد عن ذلك إذا كان الداعي مجرّد رضاه و استحقاقه تعالى للعبادة من غير شائبة أمر آخر.
كما يكشف عن ذلك ما رواه الكليني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «العبادة ثلاثة: قوم عبدوا اللّه- عزّ و جلّ- خوفا، فتلك عبادة العبيد، و قوم عبدوا اللّه تعالى طلبا للثواب، فتلك عبادة الاجراء، و قوم عبدوا اللّه حبّا له فتلك عبادة الأحرار،
ص: 56
و هي أفضل العبادة» (1).
و قوله عليه السّلام: «و هي أفضل العبادة» تدلّ على صحّة العبادة على الوجهين الأوّلين، كما أنّ أدلّة الأمر بالمعروف و أدلّة النيابة تدلّ أيضا على صحّة العبادة بمجرّد قصد الامتثال، و لو لداعي الخوف من الناس، أو استحقاق الاجرة.
فتكون العبادة مع قصد النيابة ذات وجهين: عبادة بالنسبة إلى المنوب عنه، لإيجابها حصول القرب له دون العامل، و معاملة بالنسبة إلى الفاعل، لوجوبها عليه بالإجارة، و يصحّ بها قصد الاجرة، و لذا كان الوجوب من هذه الجهة توصّليا.
قوله: (نعم؛ قد استدلّ على المطلب بعض الأساطين في شرحه على «القواعد» بوجوه: أقواها أنّ التنافي بين صفة الوجوب و التملّك ذاتي، لأن المملوك المستحقّ لا يملك و لا يستحقّ ثانيا) (2).. إلى آخره (3).
و توضيح الكلام في جواز أخذ الاجرة على الواجبات و عدمه يتوقّف على تمهيد مقدّمة، و هي إنّ الأفعال إنّما يصحّ معها المعاوضة و استيجار الشخص لها مع ثبوت نفع فيها للمستأجر، لا مع عدمه، حتّى أنّ الأمر بالعمل الّذي يوجب الضمان إذا تعلّق بمثل هذا العمل لم يوجب الضمان.
و لذا ذكروا أنّه لو قال لزيد: إنّك لو ذهبت إلى هذا المكان الموحش
ص: 57
المظلم، و رجعت، أو: اذهب إليه، و لك عندي كذا درهما، لم يلزمه شيئا، لعدم تحقّق معنى المعاوضة و عدم تحقّق استيفاء المنفعة.
و لذا ذكروا: أنّ السبق و الرماية خرج بالدليل، لحكمة التمرين و الاستعداد للجهاد (1)، فاقتصروا على خصوص مورد النصوص (2).
نعم؛ إذا كان للفعل منفعة بالنسبة إلى المستأجر صحّ الاستيجار تحقيقا، لمعنى المعاوضة و أوجب الأمر به الضمان للاستيفاء.
و من هنا حكموا بأنّ من قال في السفينة لغيره: ألق متاعك في البحر و علي ضمانه، أنّه ضامن لقيمة المتاع مع الإلقاء بأمره، لوجود النفع و هو الأمن من الغرق، بخلاف ما لو قال له ذلك في ساحل البحر، و إن ألقاه بأمره، لظهور عدم عود نفع من ذلك إليه، فلا وجه لضمانه، لعدم تحقّق الاستيفاء الّذي تحقّق في محلّه أنّه من أحد أسباب الضمان.
ثمّ النفع العائد إلى المستأجر أو الآمر إمّا أن يكون له حاصلا بفعله مطلقا من غير حاجة إلى قصد من الفاعل بفعله، أو يتوقّف على القصد، إمّا بعنوان النيابة أو بإهداء الأجر و الثواب.
إذا تمهّدت تلك المقدّمة ظهر لك أنّ الواجبات العينيّة المتعبّد بها كالصلاة اليوميّة خارجة عن مورد الإجارة، لظهور عدم عود نفع منها إلى المستأجر.
و إنّما يتصوّر الإجارة فيما فيه نفع بالنسبة إلى المستأجر إمّا بمطلق إيجاده و لو بإسقاط التكليف عنه- كما في الواجبات الكفائيّة كأحكام الميّت و الأذان
ص: 58
و الإقامة على القول بوجوبهما لبعض الصلوات اليوميّة- أو مطلقها أو بقصد النيابة،- كما في الصوم و الصلاة و الحجّ المستأجرة عن الميّت- أو بإهداء الثواب من دون قصد النيابة، كصلاة ليلة الدفن و قراءة القرآن إذ استؤجر الشخص لهما.
فإنّه لا ريب أنّ عود النفع فيهما إنّما هو بإهداء الثواب لا بقصد النيابة عن الميّت.
لكن يشكل ذلك بما سيجيء من المصنّف رحمه اللّه من أنّ ما يتوقّف ترتّب الثواب عليه على قصد القربة لا يصحّ استيجار الشخص له، لأنّ جواز الاستيجار يستلزم جواز الإتيان بداعي الوجوب من جهة الإجارة، و مع الإتيان بهذا الداعي يخرج الفعل من كونه عبادة فلا يكون العمل ممّا ينتفع به المستأجر، فيلزم من صحّة الاستيجار عدم صحّته و هو ظاهر البطلان (1).
و يمكن الجواب عن الثاني- أي قراءة القرآن- بأن ترتّب الثواب عليها لا يتوقّف على قصد الإخلاص، لأنّه مترتّب عليها، و لو مع عدم قصد الإخلاص، لأنّ ذلك في الجملة من قبيل الخواص.
و عن الأوّل- أي صلاة ليلة الدفن- بالتزام الفساد بعنوان الإجارة، و ما هو معمول في ذلك من دفع شيء لأجل الصلاة فإنّما هو من باب إحداث الداعي مع الاكتفاء في العبادة بمجرّد الإتيان بقصد الامتثال من غير نظر إلى الداعي على هذا الإتيان- كما قد تقدّم بيانه- لا من باب الإجارة و المعاوضة، كما هو ظاهر بملاحظة السيرة من عدم إجراء صيغة الإجارة.
و حيث قد تبيّن لك ذلك، فنقول: كلّ عمل صحّ عود النفع منه إلى غيره
1) لاحظ! المكاسب: 2/ 143 و 144.
ص: 59
جاز أخذ الأجر عليه، و مجرّد الوجوب غير مانع عن أخذ الاجرة عليه، لأنّه أعم من المجانية و عدمها، و كذا الصناعات الواجبة كفائية يجوز أخذ الاجرة عليها من غير إشكال، و إن فرض تعيّن وجوبها الغرض، للانحصار.
بل قد يجب صرف المال مثل الإطعام في المخمصة لوجوب حفظ النفس، و مع ذلك يجوز أخذ العوض، و ليس ذلك إلّا، لأنّ الوجوب أعمّ من المجانية و المعاوضة.
نعم؛ لو دلّ هناك دليل بالخصوص على كون الوجوب على وجه المجانية، إمّا تعبّدا من الشارع أو بإثبات حقّ من الشارع لأحد عليه، فيكون العمل مستحقّا للغير لم يخرج أخذ الاجرة عليه.
و الأوّل مثل القضاء الّذي ذكرنا أنّه وظيفة إلهيّة أوجبه اللّه تعالى على الناس عينا أو كفاية على وجه المجانية.
و الثاني كأحكام الميّت، لإثبات الشارع حقّا للميّت على الأحياء، فكلّ من يباشر حكما واجبا من أحكام الميّت فهو مؤدّ لحقّ الميّت عليه، و عمله عمل مستحقّ له عليه، فكيف يمكن أخذ الأجر عليه؟
و ما ذكره بعض الأساطين من أنّ التنافي بين صفة الوجوب و التملّك ذاتي، لأنّ المملوك المستحقّ لا يملك و لا يستحق ثانيا (1)، إنّما يتمّ فيما يثبت فيه الوجوب على وجه المجانية لا مطلقا.
و قد صرّح بما ذكرنا المصنّف فيما يأتي من كلامه، حيث قال: (و قد يفهم من أدلّة وجوب الشيء كفاية كونه حقّا لمخلوق يستحقّه على المكلّفين، فكلّ
1) شرح القواعد (مخطوط): 27، و نقل عنه في المكاسب: 2/ 130.
ص: 60
من أقدم عليه فقد أدّى حقّ ذلك المخلوق، فلا يجوز أخذ الاجرة عليه) .. إلى آخر ما ذكره (1).
تمّت المحرّمات مجملا.
1) المكاسب: 2/ 137.
ص: 61
ص: 62
ص: 63
قوله: (و بيع سكنى الدار الّتي لا يعلم صاحبها) (1).
إشارة إلى ما رواه إسحاق بن عمّار عن العبد الصالح عليه السّلام قال: سألته عن رجل في يده دار ليست له، و لم تزل في يده و يد آبائه من قبله قد أعلمه من مضى من آبائه أنّها ليست لهم و لا يدرون لمن هي فيبيعها و يأخذ ثمنها.
قال: «ما احبّ أن يبيع ما ليس له».
قلت: فإنّه ليس يعرف صاحبها، و لا يدري لمن هي، و لا أظنّه يجيء لها ربّ أبدا.
قال: «ما احبّ أن يبتع ما ليس له».
قلت: فيبيع سكناها أو مكانها في يده فيقول: أبيعك سكناها، فتكون في يدك، كما هي في يدي.
قال: «نعم، يبيعها على هذا» (2).
حيث أضاف البيع إلى السكنى دون العين، بل لم يجوّز بيع العين و جوّز بيع سكناها معلّلا بعدم جواز بيع ما ليس له.
فيشكل بأنّه إذا لم يجز مع العين لعدم الملكيّة، فينبغي أن لا يجوز بيع
ص: 64
السكنى أيضا لذلك، فما وجه التفرقة؟
و الّذي يمكن أن يحمل عليه الرواية، ليمكن التفرقة و هي إمكان أن يكون الدار صار لآبائه و أجداده من مالكها بعنوان الرقبى المقرون بمدّة كمائة سنة- مثلا- ثمّ مات مالكها الأصلي، و لم يعرفوا الأعقاب وارثه حتّى صارت العين من الأموال المجهولة مالكها، و كان تصرّفهم فيها على وجه الاستحقاق، لبقاء المدّة المضروبة، فيملكون المنفعة دون العين، فلذا جوّز الإمام عليه السّلام بيع الأوّل دون الثاني.
قوله: (و كأخبار بيع الأراضي الخراجية و شرائها) (1).
إشارة إلى رواية أبي بردة المسئول فيها عن بيع أرض الخراج.
قال عليه السّلام: «من يبيعها؟ هي أرض المسلمين».
قلت: يبيعها الّذي هي في يده.
قال: «يصنع بخراج المسلمين ما ذا؟» ثمّ قال: «لا بأس، يشتري حقّه فيها و يحوّل حقّ المسلمين عليه» (2).
حيث أضاف الشراء إلى الحقّ المستلزم لإضافة البيع إليه أيضا، فالإطلاق إنّما وقع في الخبر، و إلّا ففي كلمات الفقهاء لم يضيفوا البيع إلى الأرض حيث يقولون: يجوز بيع الأرض تبعا للآثار.
ص: 65
قوله: (كما أنّ لفظ الإجارة تستعمل عرفا في نقل بعض الأعيان كالثمرة على الشجرة) (1).
أو المراد وقوع الاستعمال في ألسنة العرف عند مكالماتهم، لا صحّة الاستعمال عند المعاملة و إجراء الصيغة، فإنّ الإجارة لا يصحّ إلّا في ما يجوز الانتفاع به مع بقاء عينه، و المقصود هنا تملّك الأثمار، فلا يجوز إجراء صيغة بلفظ الإجارة، و قد عقدوا البيع الأثمار بابا ذكروا فيه شروطه و آدابه.
قوله: (و أمّا عمل الحرّ؛ فإن قلنا: إنّه قبل المعاوضة عليه من الأموال فلا إشكال، و إلّا ففيه إشكال، من حيث احتمال اعتبار كون العوضين في البيع مالا قبل المعاوضة، كما يدلّ عليه ما تقدّم عن «المصباح» (2)(3).
هذا إشارة إلى ما ذكره بعض الفقهاء في جواب ما قد يورد على بعض الفروع المسلّمة في الحرّ و العبد.
و ذلك إنّهم ذكروا أنّ العبد إذا غصب فتلف تحت يد الغاصب بتلف سماوي ضمن الغاصب قيمته و قيمة منافعه الّتي فاتت تحت يده، بخلاف الحرّ، فإنّه لا يضمن غاصبه منافعه، و إن فاتت تحت يده، لكن لا بتسبيبه (4).
ص: 66
فقال بعضهم في وجه التفرقة: إنّ العبد مال و عمله أيضا مال بخلاف الحرّ، فإنّه لا ماليّة لشيء في نفسه و عمله (1).
ثمّ استشكل عليه بأنّ ذلك يستلزم عدم جواز استيجار الحرّ، مع أنّه من المسلّمات جوازه، و لا يمكن إنكاره (2).
فاجيب عن ذلك بصيرورة عمله مالا بالمعاوضة، و هو قبل المعاوضة ليس من الأموال، و إنّما يصير مالا بسبب المعاوضة (3).
و من هنا لو غصب الحرّ بعد الاستيجار ضمن الغاصب للمستأجر قيمة منافعه المستأجر لها الفائتة تحت يده.
فأشار شيخنا قدّس سرّه بقوله: (فإن قلنا: إنّه قبل المعاوضة عليه من الأموال فلا إشكال، و إلّا ففيه إشكال) (4)إلى ما ذكره هذا البعض.
و تحقيق القول في ذلك أنّ الماليّة من الحقائق العرفيّة، لا من المجعولات الشرعيّة، و هي ما يبذل بإزائه المال، فكلّ منفعة محلّلة يبذل بإزائه المال؛ مال في العرف و الشرع، من غير فرق بين مملوكيّة ذي المنفعة حرمته.
ضرورة عدم التفرقة في بذل المال بإزاء الأعمال عند العرف بين كون العامل بها حرّا أو مملوكا، بل قد يبذل بإزاء أعمال الأحرار ما لا يبذل بإزاء عمل العبيد.
فالقول بعدم ماليّة عمل الحرّ واضح الفساد، و أوضح منه فساد القول
ص: 67
بصيرورته مالا بالمعاوضة، فإنّ المعاوضة معاملة يتوقّف على الماليّة لا معنى لإحداثها لها، مع ظهور عدم وجه لإيجابها لها، و تعلّق الفعل بشيء لا يوجب تغيير ماهيّته، و هذا ظاهر.
فمن جهة الماليّة لا فرق بين عمل العبد و الحرّ، و إنّما الفرق في الدخول تحت اليد و عدمه، فإنّهم ذكروا أيضا: أنّ الحرّ لا يدخل تحت اليد، بخلاف العبد، و إنّما منشأ ذلك من المملوكيّة و عدمها.
و ذلك؛ لأنّ الضمان باليد إنّما هو للحيلولة بين المملوك و مالكه، و هي إنّما يتحقّق بالاستيلاء عليه على العبد، فإنّه موجب للحيلولة بين المملوك و مالكه.
و أمّا الحر؛ فلا يتحقّق بالاستيلاء عليه حيلولة أصلا، لأنّه مالك لنفسه، و الاستيلاء إنّما هو على المالك، بل لا تمييز هنا بين المالك و المملوك، و هما متّحدان.
و هذا معنى قولهم: إنّ الحرّ لا يدخل تحت اليد، فلا تجري فيه قاعدة الضمان باليد، و حيث تحقّقت الحيلولة جرى فيه قاعدة الضمان باليد، كما في صورة كون الحرّ أجيرا لآخر، فإنّ المستأجر حينئذ يملك عمله، فبالاستيلاء عليه يتحقّق الحيلولة بين المالك الّذي هو المستأجر و المملوك الّذي هو عمل الأجير الفائت تحت يده.
فاتّضح سرّ التفرقة، و كونها مطابقا للقواعد المبرهنة المسلّمة، فلا إشكال في صحّة جعل عمل الحرّ ثمنا للمبيع.
ص: 68
قوله: (و أمّا الحقوق الاخر كحقّ الشفعة و حقّ الخيار) (1).
ظاهر العبارة كون عمل الحرّ من الحقوق، مع أنّه من المنافع، لكن يمكن توجيهها بأنّ المنافع على قسمين:
منها؛ ما لا يقبل الإسقاط، كمنفعة الدار و ما ضاهاها من الأموال.
و منها؛ ما يقبل الإسقاط، كمنفعة الأحرار، و ذلك لأنّهم ذكروا: أنّ المستأجر إذا سقط حقّه عن الأجير سقط عنه عمله، بخلاف ما إذا سقط حقّه عن الدار المستأجرة- مثلا- فإنّه لا يسقط عنه ملكيّة منافعه.
و حينئذ فنقول: تملّك المنافع القابلة للإسقاط حقيقة من الحقوق، فإنّه لا معنى لصيرورة الشخص أجيرا إلّا إثبات حقّ للمستأجر عليه باستيفاء العمل المستأجر عليه منه، فبذلك صحّ قول المصنّف رحمه اللّه: (و أمّا الحقوق) (2)الاخر.
و ملخّص مرامه في الحقوق أنّها تنقسم على ثلاثة أقسام:
قسم لا يقبل المعاوضة، و إن قبل النقل، كحقّ المضاجعة، حيث صرّح بعضهم بجواز نقله إلى الضّرة، و لا يجوز أخذ العوض عليه، كما عن «التذكرة» (3).
و قسم لا يقبل النقل، و إن قوبل بالمال، كالحقوق المأخوذ فيها العنوان
ص: 69
الخاصّ، كحقّ الشفعة- مثلا- لو اريد نقله إلى غير المشتري، بل إلى المشتري أيضا فإنّه بالنسبة إليه قابل للإسقاط لا النقل، لامتناع كون الشخص ذا حقّ على نفسه، كما سيجيء.
و قسم يقبل المعاوضة و النقل معا، كحقّ التحجير، حيث لم يؤخذ في موضوعه العنوان الخاصّ، و هو مع ذلك ممّا يتموّل.
و القسمان الأوّلان ممّا لا يجوز جعلهما ثمنا للمبيع قطعا، و الإشكال في الثالث من جهة الأصل، لأنّه يقتضي الجواز، و من جهة ظهور أخذ المال في موضوع البيع لغة و عرفا، مع ظهور كلماتهم عند بيان شرائط العوضين في ذلك، لاعتبارهم الماليّة و عدم تصريحهم بجواز كون الثمن حقّا، مع أنّه موضع البيان.
قوله: (و لا ينتقض ببيع الدين على من هو عليه) (1).
و توضيحه أنّه رحمه اللّه حيثما ذكر أنّ ما لا يقبل النقل لا يصحّ جعله ثمنا، لأنّ البيع تمليك، و التمليك لا يتحقّق فيما لا يقبل النقل، اورد عليه أنّ بيع الدين ممّن هو عليه، صحيح إجماعا، مع أنّه لا نقل فيه و لا انتقال، لامتناع تملّك الشخص على نفسه، بل لا أثر للبيع فيه إلّا السقوط، فتكلّف في الجواب عن ذلك بأنّ الملكيّة علاقة بين المالك و المملوك، لا بين الشخصين حتّى لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد، فيعقل تملّك الشخص لا في ذمّته، فيؤثر تمليكه السقوط، و هذا بخلاف الحقّ، لأنّه سلطنة، فعليه لا يعقل قيام طرفها بشخص واحد.
هذا ملخّص مراده رحمه اللّه، و هو من وضوح الفساد بمكان، و ذلك لظهور أنّ
1) المكاسب: 3/ 9.
ص: 70
الملكيّة و إن كانت علاقة بين المالك و المملوك، و هما متغايران إلّا أنّ ذلك إنّما هو فيما إذا كان المملوك عينا خارجيّا، لا فيما إذا كان المملوك كلّيا في الذمّة، فإنّ الملك الكلّي لا حقيقة له إلّا ثبوت حقّ من شخص على آخر في أخذ ذلك الكلّي منه، فلا يعقل تملّك الشخص لما [في] ذمّته، لظهور أنّ الشخص لا ذمّة له لنفسه حتّى يملكه، و لو كان كذلك لكان لكلّ شخص عينا لتملّكه لما في ذمّته، و الذمّة إنّما تتصوّر بالنسبة إلى الغير، لا بالنسبة إلى نفسه.
و توضيح الكلام في هذا المقام يتوقّف على بيان حقيقة البيع، ليرتفع الإشكال بحذافيره، فنقول:
لا ريب أنّ البيع اسم للمعنى لا للّفظ، كما قد يتوهّم ممّن عرفه بالإيجاب و القبول، فإنّه مجاز في النسبة باعتبار السببيّة و المسببيّة، كإطلاق الإحراق على الإلقاء في النار باعتبار التسبيب، و إلّا فحقيقة البيع من المعاني التوليديّة المسببيّة عن فعلي البائع و المشتري.
و ذلك المعنى علاقة بين المالين، كما أنّ النكاح علاقة بين الشخصين، و تلك العلاقة عبارة عن بدليّة عين لشيء.
و البيع قد يطلق بمعنى اسم المصدر، أي: الفعل الخالي عن النسبة، فيراد منه هذا المعنى، و هو المراد في عناوين الأبواب كقولهم: كتاب البيع و النكاح، فإنّ جميع ما يذكر في ذلك الكتاب أحكام و شرائط لتحقّق هذا المعنى، و لذا يقولون: و تتوقّف على إيجاب و قبول، ثمّ يذكرون ألفاظ الإيجاب و القبول.
و قد يطلق بمعنى المصدر، فيراد منه هذا المعنى باعتبار الانتساب إلى الفاعل، فيطلق على فعل البائع و المشتري معا مرّة باعتبار مسببيهما، لحصول
ص: 71
هذا المعنى، فيقال: لا بيع بينهما، و البيّعان بالخيار ما لم يفترقا (1).
و يطلق على فعل البائع خاصّة اخرى، و هو الشائع باعتبار أنّ هو المقصود بالأصالة في المعاملة هو المبيع خاصّة حتّى كان الفعل لم يصدر إلّا من البائع، و الصادر من المشتري قبول صرف.
و لذا قيل: إنّ التمليك من المشتري ضمني دون البائع، فصحّ انتساب ذلك المعنى إلى الفعلين مرّة، و إلى فعل البائع خاصّة اخرى بالاعتبارين، و حينئذ فحقيقة بيع المصدري هو عقد بدليّة عين بمال أو بشيء الشامل للحقّ أيضا، كما هو الأظهر.
و البدليّة معنى عام يتحقّق في جميع المقامات أوّلا، ثمّ يترتّب عليها إمّا الملكيّة و هي الأثر الغالب، لأنّ البدليّة إنّما هي باعتبار الملكين، فيترتّب عليها الملكيّة ما لم يمنع عنها مانع.
و يترتّب عليها امور اخر مع المانع و هي كالإسقاط في بيع الدين ممّن هو عليه، و الانعتاق في بيع العبد ممّن ينعتق عليه، و الوقفيّة فيما إذا اشترى من الموقوفة شيء للصرف في الجهات الموقوفة عليها، فإنّ المال المتعيّن للصرف إلى جهة لا مالك له، و المبادلة لا توجب ملكيّة شائعة و إن أوجبت ملكيّة لا حقة.
إن قلت: إنّهم ذكروا امتناع تحقّق المال بلا مالك إذا لم يكن من المباحات الأصليّة.
قلت: الحقّ امتناع تحقّق الملك بلا مالك، لظهور أنّ الملكيّة علاقة بين المالك و المملوك، فيمتنع قيامها بطرف واحد.
1) وسائل الشيعة: 18/ 5 الباب 1 من أبواب الخيار.
ص: 72
و أمّا المال؛ فهو على أقسام ثلاثة:
إمّا لا مالك له أصلا كالمباحات.
لا يقال: إنّها ليست من الأموال قبل الحيازة، و إنّما تصير مالا بالحيازة، لظهور عدم جواز بيعها قبل الحيازة.
قلنا: عدم جواز البيع أعم من عدم الماليّة، و هو هنا لعدم الملكيّة لا لعدم الماليّة، فإنّها إنّما يتحقّق في الأشياء باعتبار المنافع الموجودة فيها، و لا ربط للاستيلاء و عدمه في الماليّة.
و إمّا له مالك كالأموال المملوكة.
و إمّا متعيّن وضعا للصرف إلى جهة معيّنة، و له أفراد كثيرة:
منها؛ المنذور المعيّن.
و منها؛ الزكاة بعد العزل، و قبل الدفع إلى الفقير.
و منها؛ المنافع المعيّنة الموقوفة بالوقف العام، كما حقّق في محلّه، فإنّ جميع ذلك من الأموال المتعيّنة للصرف إلى جهة خاصّة لا مالك لها، و لا داعي لإثبات المالك في جميع هذه المقدّمات بالمحتملات، كما تكلّفوا في الوقف بالنسبة إلى العين الموقوفة.
فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ الملكيّة و الانعتاق و الإسقاط و الوقفيّة من الآثار المترتّبة على البيع على حسب مواردها، و حقيقة البيع هو البدليّة المتحقّقة في جميع هذه الموارد، و لا داعي لتكلّف تصوّر ملكيّة شخص لما في ذمّته، مع وضوح أنّ الذمّة إنّما هي بالنسبة إلى الغير، لا بالنسبة إلى نفسه.
مع أنّه لو تصوّر ذلك و تحقّق لم يكن وجه لترتّب السقوط عليه و انعدامه
ص: 73
بعد أن لم يكن معدم، و كذا لا حاجة إلى تصوير ملك آنا مّا في بيع العبد ممّن ينعتق عليه.
مع أنّه لا دليل عليه، و الأخبار الواردة في عدم تحقّق العتق إلّا في ملك (1)محمول على أحد الأمرين:
إمّا مطلق الملك لا الملك من المعتق، فيراد منه عدم جواز عتق الحر.
أو يراد منه العتق الاختياري، فلا يشمل مثل الانعتاق الحاصل بعد البيع.
قوله: (مع أنّ النقل ليس مرادفا للبيع) (2).
فيه؛ أنّ ما ذكره المحقّق رحمه اللّه (3)تعريف للبيع كسائر التعاريف، و لم يقل أحد بلزوم كون المعرّف مرادفا للمعرّف، و إنّما المعتبر فيه كونه موضحا و مبيّنا لحقيقة المعرّف و مساويا له في الصدق، لا كونهما متّحدا في الوضع و الموضوع له.
و أمّا التفسير؛ فإن كان من لغة إلى لغة اخرى كتفسير العبراني بالعربي، و العربي بالفارسي؛ يعتبر فيه الألفاظ المترادفة في اللغتين، ليتمّ كمال التفسير، و إن كان بتلك اللغة لم يعتبر فيه ذلك أيضا، بل تعيين الموضوع له بألفاظ مفهمة و لو غير مترادفة، و هذا ظاهر.
ص: 74
قوله: (إنّ النقل بالصيغة أيضا لا يعقل إنشاؤه بالصيغة) (1).
و فيه ما عرفت أنّ ما ذكره رحمه اللّه تعريف للبيع لا تفسير لما وضع له لفظ البيع حتّى يلزم منه أن يكون معنى «بعت» في الإنشاء «نقلت» بالصيغة.
ثمّ تفطّن رحمه اللّه إلى ذلك، لكنّه قال: (و لا يندفع هذا بأنّ المراد أنّ البيع نفس النقل الّذي هو مدلول الصيغة) (2)فجعله مدلول الصيغة إشارة إلى تعيين ذلك الفرد من النقل، لا أنّه مأخوذ في مفهومه حتّى يكون مدلول «بعت»: «نقلت» بالصيغة.
أقول: بعد التفطّن إلى المعنى الثاني لا ينبغي احتمال إرادة المعنى، فضلا عن اختياره، و وروده أوّلا يوجب حمل الكلام على ما ليس بمراد، خصوصا مع وضوح الفساد.
قوله: (نظير تملّك ما هو مساو لما في ذمّته، و سقوطه بالتهاتر) (3).
يعني أنّه كما يتحقّق السقوط بمجرّد الملكية في ذلك، كذلك يتحقّق السقوط بمجرّد الملكيّة عند تملّك ما في الذمّة.
و فيه؛ أنّ الإشكال إنّما هو في تعقّل تملّك ما في الذمّة، لا في ترتّب السقوط على الملكيّة، فإنّ تحقّق الملكيّة في النظير ممّا لا مانع فيه، لتعذّر الشخصين، بخلاف المقام، فهذا النظير لا يدفع عن المنازع شيئا من الإشكال.
ص: 75
قوله: (فإذا لم يعقل ملكيّة ما في ذمّة نفسه لم يعقل شيء ممّا يساويها، فلا يعقل البيع) (1).
و فيه ما عرفت من عدم مساواة المبادلة للتمليك، و هي متحقّقة في جميع المبايعات، و إن لم تتحقّق الملكية فلا ملازمة بين عدم تعقّل ملكيّة ما في ذمّة نفسه، و عدم تعقّل البيع.
قوله: (فقد تحقّق ممّا ذكرنا أنّ حقيقة تمليك العين بالعوض ليست إلّا البيع، فلو قال: ملّكتك كذا بكذا، كان بيعا، و لا يصحّ صلحا و لا هبة معوّضة، و إن قصدهما) .. إلى آخره (2).
غرضه رحمه اللّه من ذلك الردّ على ما ذكره الشيخ رحمه اللّه في «الجواهر» من أنّ البيع هو الأصل في تمليك الأعيان بالعوض، فيقدّم على الصلح و الهبة المعوّضة (3).
و ما ذكره مبنيّ على مختاره من كون البيع تمليكا، لأنّه حينئذ يتعيّن إنشاء التمليك بالعوض في البيعيّة.
و أمّا بناء على ما اخترناه من كون التمليك مترتّبا على البيع و من آثاره لا هو نفسه فلا بأس بالقول بأنّ الأصل في تمليك الأعيان بالعوض هو البيع، لا بمعنى أصالة الحقيقة في اللفظ، بل بمعنى الاقتضاء و الانصراف، مع الإطلاق.
ص: 76
و ذلك؛ لأنّ إنشاء الأثر المشترك بين الصلح و الهبة المعوّضة، و توهّم أنّ الصلح لا يتحقّق إلّا بإنشاء التسالم فاسد. فإنّ قول أحد الشريكين لآخر: لك ما عندك، ولي ما عندي، صلح مع عدم تحقّق إنشاء تسالم فيه، بل الصلح إنّما يمتاز عن سائر العقود بكونه مركّبا من إيجابين في مقابل الإيجاب و القبول، لا بكونه إنشاء للتسالم، كما قد حقّق في محلّه.
قوله: (بل هو تمليك على وجه ضمان المثل، أو القيمة، لا معاوضة للعين) (1).
توضيح الكلام في ذلك؛ أنّ كلّ عين من أعيان الأموال له خصوصيّة و ماليّة، و الضمان قد يتعلّق بهما معا- كما في الغاصب مع بقاء العين- و قد يتعلّق بالماليّة دون الخصوصيّة- كما في صورة التلف- لأنّ تلف الخصوصيّة لا يوجب دفع الضمان عن الماليّة، فيشتغل ذمّته بالمثل أو القيمة بمجرّد التلف، فما يدفعه بعد ذلك تشخيص لما في ذمّته في ضمن خصوصيّة اخرى الّذي هو عين مال المغصوب منه الباقي بعد تلف العين، لا معاوضة بين الخصوصيتين. فما يدفعه عين ما أخذه لا شيء آخر.
و هذا في الغصب واضح، و القرض أيضا نظيره إلّا في عدم الإثم، فإنّ القرض حقيقته رفع اليد عن الخصوصيّة مجّانا، و إبقاء للماليّة في الذمّة، و لذا يترتّب عليه الثواب، لما فيه من المجانية، بخلاف المعاوضة و بمجرّد القبض تنقلب المالكيّة المفروضة عن الخصوصية إلى ما في الذمّة، و التشخيص لا يمكن
1) المكاسب: 3/ 15.
ص: 77
إلّا من ذيها و يتخيّر ذو الذمّة بين عين مال المقرض و غيره.
و ليس للمقرض إلزامه بالتشخيص في ماله.
و من [هنا] قيل: إنّ القرض من العقود اللازمة من طرف المقرض، و الجائزة من طرف المقترض حيث يجوز له الوفاء بكلّ من عين مال المقرض و غيره (1)، لكن الحقّ كونه من العقود اللازمة من الطرفين، لظهور أنّ الوفاء عمل بمقتضى القرض لا إبطال له.
و لو كان جائزا من طرفه لزم أن يؤثّر فسخه، فليسلّط المقرض على عين ماله من دون حاجة إلى تشخيص المقرض، و هو باطل قطعا.
و كيف كان؛ فعدم كون القرض من المعاوضات من أوضح الواضحات، و لا يحتاج إلى ما استدلّ به رحمه اللّه. بقوله: (و لذا لا يجري فيه ربا المعاوضة، و لا الغرر المنفي فيها، و لا ذكر العوض، و لا العلم به) (2).
أمّا عدم جريان ربا المعاوضة فيه؛ فلأنّ في ربا المعاوضة يعتبر اتّحاد الجنس، و كونهما من المكيل و الموزون، بخلاف القرض، لأنّه يصحّ في القيميّات و إن لم تكن من المكيل و الموزون، مع كون العوض قيمة و هي مغايرة للمال المقترض، و مع ذلك لا يجري فيه الربا، لأنّ العبرة هنا بمطلق جرّ النفع من غير اشتراطه بشيء، فعدم جريان ربا المعاوضة فيه دليل على عدم كونه معاوضة.
لكن للخصم أن يناقش في ذلك بأنّ مجرّد ذلك لا يدلّ على عدم كونه معاوضة، لإمكان اختلاف المعاوضات في أحكام الربا، و لا يجب أن يكون
ص: 78
جميع المعاوضات متّحدا في حكم الربا، فللشارع أن يجعل للمعاوضة القرضيّة نحوا من الربا، و لغيرها نحوا آخر.
و أمّا عدم جريان الغرر المنفي فيها؛ فالظاهر أنّ المراد بالغرر، غرر المجازفة لا الإبهام و المخاطرة، لأنّ البطلان في غرر الإبهام- كبيع أحد العبدين- عقلي، كما حرّر في محلّه، و المخاطرة- كبيع عبد الآبق- لا يتصوّر في القرض، لأنّ القبض شرط في القرض، و مع القبض لا يتصوّر مخاطرة.
فلم يبق إلّا غرر الجزاف- كبيع ما في الصداق- و هذا لا يجري في القرض، لصحّة إقراض الطعام بكيل مجهول أو بصنجة مجهولة الوزن، و كذا قرض حفنة من درهم مجهولة العدد، فيملك المقرض بمجرّد القبض و يصحّ.
غايته لزوم العدّ للمقرض في الدراهم، لإمكان الوفاء، و لزوم تحفّظ الكيل و الصنجة المجهولتان أيضا لإمكان الوفاء، و مع التلف أو عدم العدّ يتخلّص بالصلح.
هذا ما يستفاد من كلامه رحمه اللّه، لكنّه خلاف ما صرّح به جملة من الفقهاء، كالعلّامة و المحقّقين و غيرهم حيث اشترطوا العلم في القرض، بل صرّحوا بالبطلان مع الجهالة (1)، و مقتضاه عدم حصول الملكيّة مع الجهالة.
و لو تمّ ذلك في القرض جرى عليه الإيراد المتقدّم في الربا من عدم دلالة ذلك على عدم كون القرض من المعاوضات.
و أمّا عدم ذكر العوض- أي ما يتحقّق به الوفاء- و عدم العلم به فلمعلوميّة كون العوض إمّا مثلا أو قيمة، فلا يحتاج إلى الذكر، و العلم بخصوصيّة ما يوفى به
1) شرائع الإسلام: 2/ 68، قواعد الأحكام: 1/ 156، جامع المقاصد: 5/ 24.
ص: 79
لا عبرة به بعد معلوميّة كلّي ما في الذمّة، فحيث ذكروا العلم بالعوض، فالمراد بالغرر بالنسبة إلى خصوص مال القرض، فلا تكرار.
و يرد على ذلك أيضا ما اورد على سابقيه من عدم دلالة ذلك على عدم كونه معاوضة، لإمكان اختلاف المعاوضات في الأحكام، و إلى ما ذكر من الإيرادات أشار بقوله: (فتأمّل).
[قوله:] (ثمّ إنّ ما ذكرنا تعريف للبيع المأخوذ في صيغة «بعت» و غيرها من المشتقات) (1).
يعني أنّ مشتقّات البيع إنّما يشتقّ من البيع، بمعنى التملّك بالعوض.
و أمّا سائر المعاني الّذي يذكر كالتمليك المتعقّب بالقبول و الانتقال، و نفس الإيجاب و القبول، فلا يشتقّ منه شيء من المشتقّات، و إنّما هي معنى للفظ البيع فقط.
قوله: (حتّى الإجارة و شبهها الّتي هي في الأصل اسما لأحد طرفي العقد) (2).
يعني أنّ البيع لمّا كان في الأصل موضوعا لأحد طرفي العقد، و هو خصوص لفظ الإيجاب، فاستعماله في مجموع الإيجاب و القبول يكون من قبيل استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ، فهو أهون من استعمال ألفاظ سائر العقود في مجموع الإيجاب و القبول، حيث إنّه لم يكن شيء منها في الأصل اسما لأحد طرفي العقد.
ص: 80
بل كلّها أسماء للمعاني، و مع ذلك في عناوين أبواب المعاملات يستعمل في نفس العقد المركّب من الإيجاب و القبول.
قوله: (و كذلك لفظ النقل و الإبدال و التمليك و شبهها، مع أنّه لم يقل أحد بأن تعقّب القبول له دخل في معناها، نعم تحقّق القبول شرط للانتقال في الخارج [في نظر الشارع] لا في نظر الناقل، إذ التأثير لا ينفكّ عن الأثر، فالبيع و ما يساويه معنى من قبيل الإيجاب و الوجوب لا الكسر و الانكسار، كما تخيّله بعض (1)فتأمّل) (2).
توضيح الكلام في بيان معنى العبارة هو أنّ تعقّب القبول خارج عن معنى البيع، كخروجه عن معنى النقل و الإبدال و التمليك، و لا دخل له في معناها جزءا و لا شرطا.
نعم؛ تحقّق القبول شرط للانتقال في الخارج، لا في نظر الناقل، لأنّ الإنشاء حيث كان إيجادا، و حصول الإيجاد بدون الوجود كان ممتنعا، فلا بدّ أن يلزم بأنّ الإيجاد الانتسابي لا يعتبر في تحقّقه القبول، إذ الأثر لا ينفكّ عن التأثير.
فإذا فرض حصول التأثير و تحقّق الفعل بسبب الإنشاء، فلا بدّ من الالتزام بحصول الأثر، فلذا فكّك رحمه اللّه بين التمليك الواقعي و بين التمليك في نظر المملك، و القبول إنّما هو شرط في الأوّل دون الثاني.
ص: 81
فالتمليك الحاصل بالإنشاء لا يعتبر فيه القبول، و التمليك الّذي يعتبر فيه القبول إنّما يتحقّق إذا تعقّبه القبول، و لا يتحقّق إذا لم يتعقّبه القبول.
(فالبيع و ما يساويه معنى من قبيل الإيجاب و الوجوب، لا الكسر و الانكسار)، فإنّ الكسر و الانكسار لا يتصوّر فيهما الانفكاك، و ليس هناك كسران، بخلاف الإيجاب و الوجوب، فإنّ الإيجاب أيضا إنشاء قد يصادف الوجوب الواقعي، كما إذا صدر عن العالي فيتحقّقان معا واقعا، و قد لا يصادفه لفقد شرطه، كما إذا صدر عن السافل، فيتحقّق الوجوب في نظر الموجب لا الوجوب الواقعي، أمّا عدم الوجوب الواقعي، فلفقد شرطه، و أمّا تحقّق الوجوب في نظر الموجب، فلامتناع انفكاك الأثر عن التأثير، هذا ملخّص مرامه رحمه اللّه.
و فيه؛ أنّ اختلاف النظر لا يوجب تغيّر الواقع و تعدّده، فإذا فرض حصول تأثير بالإنشاء واقعا، فلا بدّ له من أثر واقعي و لا يكفي فيه الأثر التخيّلي.
سلّمنا ذلك، لكن لا يجب أن يكون كلّ منشئ جاهلا بالواقع فيعتقد حصول الأثر مع عدم تحقّقه في الواقع، فما حقّقه رحمه اللّه ممّا لم يظهر لنا وجهه، و لعلّ الملجئ إلى ذلك ما بنى عليه بعضهم من كون الإنشاء إيجادا و التعليق ينافيه (1).
و قد أبطل ذلك المحقّقون، و أوضحوا فساده بما لا مزيد عليه و بيّنوا، لعدم جواز التعليق وجوها اخر يأتي ذكرها في محلّه.
و نحن نشير الآن إلى بيان معنى الإنشاء و حقيقته، ليتّضح أنّه ليس من الإنشاء في شيء، فنقول:
1) القواعد و الفوائد: 1/ 65 القاعدة 35، جامع المقاصد: 8/ 305، مسالك الإفهام: 5/ 276، لاحظ! المكاسب: 3/ 165.
ص: 82
قد قسّموا النسب الكلاميّة، إلى الخبريّة و الإنشائيّة، و المراد من الخبريّة ما فيها جهة الكشفيّة، و من الإنشائيّة ما ليس فيها هذه الجهة.
و بعبارة اخرى: إن كان في النسبة نظر إلى الواقع فهي خبريّة، و إن لم يكن فيها هذا النظر بل هي هي بنفسها من دون أن يكون فيها حكاية أصلا فهي إنشاء، من غير فرق بين أن تكون هذه النسبة حاصلة بالكلام، أو مدلولة له، و إذا كانت مدلولة للكلام، فلا يكون إلّا مدلولة للهيئة أو لأداة، لأنّ النسبة و كيفيّاتها في الكلام من المعاني الحرفيّة لا يمكن أن يدلّ عليها بالوضع ما يكون وضعه وضع الأسماء.
و قد بيّنا في بحث المشتقّ اختلاف كيفيّة الوضع في الأسماء و الحروف و أنّ الهيئات أيضا وضعها وضع الحروف.
و كيف كان؛ فمن النسب المدلولة لهيئة «اضرب»- مثلا- فإنّ هذه الهيئة إنّما وضعت لأن تكشف عن أنّ هذه المادّة لوحظت منسوبة إلى فاعل ما على نحو المطلوبيّة منه، فإذا كانت النسبة بهذه الكيفيّة صارت إنشاء لما لم يكن فيها جهة كشف و حكاية، و إلّا فمن حيث التقدّم على الكلام و كاشفيّته عنها لا فرق بينها و بين الخبريّة.
فكما أنّ المخبر بخبره لا يوجد النسبة المكشوفة، بل يكشف عنها بالوضع، كذلك النسبة الطلبيّة لا يوجدها المنشئ بالتلفّظ، بل يكشف عنها بالوضع.
فالقول بحصول الإيجاب من القائل بقوله: «اضرب» و إن اريد منه إيجاد الوجوب، و حصول التأثير حتّى لا ينفكّ عنه الأثر، ليلزم منه الالتزام بحصول
ص: 83
الوجوب، و لو في نظر الموجب؛ فهو فاسد.
و إن اريد منه الكشف عن المطلوبيّة، فهو حقّ و صواب، و قد حصل ذلك بالكلام، كما يحصل المخبريّة أيضا بالكلام الخبري، و أين ذلك من إيجاد الوجوب في شيء؟
و من النسب الإنشائيّة المدلولة للحرف؛ النسب الطلبيّة المدلولة للام الأمر في قولك: «ليضرب».
و أمّا النسب الإنشائيّة الحاصلة بالكلام كالجملة الخبريّة الواردة في مقام الإنشاء كالقضايا الواردة في مقام المدح و الذمّ، و من هذا القبيل من الإنشاء إنشاءات العقود، و الإيقاعات، و توضيح الإنشائيّة فيها يحتاج إلى زيادة بسط؛ فنقول:
كلّ قضيّة من القضايا خبريّة كانت أو إنشائيّة، كما أنّها تشتمل على نسب تكشف عنها بالوضع كذلك تشتمل على نسب تحصل بنفس الكلام لم تكن حاصلة قبله، مثلا قولك: زيد عالم، يشتمل على نسب يكشف عنها اللفظ، و هو علم زيد، و على نسب عديدة تحصل و توجد بهذا القول باعتبارات شتّى، فباعتبار كون هذا كلاما تامّا يصدق أنّك تكلّمت، و باعتبار كون ذلك موجبا لعلم المخاطب يصدق أنّك أعلمت، و باعتبار كون الصفة المكشوف عنها صفة الحسن يصدق أنّك مدحت، إلى غير ذلك من النسب بحسب التكلّمات و المقامات.
و هذه النسب الحاصلة بالكلام من جهة عدم جهة كشف فيها و حكاية نسمّيها نسبا إنشائيّة، لكن إنّما يكون الكلام باعتبار هذه النسب إنشاء، إذا كان المقصود بالأصالة للمتكلّم من الكلام إحدى هذه النسب دون النسبة المكشوفة
ص: 84
عنها بالكلام، و يكون الكشف عن تلك النسبة توطئة لتحقّق هذه النسبة، كنسبة الحكم إلى العام توطئة لصحّة الاستثناء في القضيّة الاستثنائيّة؛
كما إذا استعمل الجملة الخبريّة في مقام المدح و الذمّ، فإنّ الكشف عن الواقع بنفسه حينئذ غير مقصود، بل إنّما جيء به ليتحقّق بهذا الكلام إظهار حسنه، ليكون مادحا له، أو إظهار قبحه، ليكون ذامّا.
و أمّا إذا لم تكن هذه النسب مقصودة و يكون المقصود بالأصالة نفس النسبة المكشوفة كان الكلام خبريّة إن كانت تلك النسبة خبريّة، و حينئذ فنقول:
قولك: «بعت» قد يستعمل في مقام الإخبار، فيستفاد منه وقوع البيع سابقا، و قد يستعمل في مقام بيان إرادة الالتزام بالمبادلة، فلا يراد من النسبة المكشوفة نفس الكشف، بل إنّما أظهر الكشف لإظهار الالتزام، و تحقّقه من طرفه.
و لذا يعتبر في هذا المقام بصيغة الماضي، لكونه أقوى في الدلالة على الالتزام، بخلاف الاستقبال، فإنّهم استشكلوا في الوقوع في العقود بلفظ الاستقبال.
مع أنّهم لم يستشكلوا استعماله في مقام الإنشاء في غير هذا المقام، كما إذا ذكر في مقام إنشاء الطلب منه، و قد يستعمل الجملة الاسميّة في مقام الإنشاء، كقول المولى لعبده: أنت حرّ لوجه اللّه، و قول الزوج لزوجته: أنت طالق.
و استشكلوا الوقوع هنا بصيغة الماضي، مع أنّهم لم يستشكلوا وقوعه بها في العقود، بل أطبقوا على البطلان بالجملة الاسمية في العقود، مع إطباقهم على الصحّة في الإيقاعات، و ليس ذلك من جهة المجازيّة و الاقتصار على القدر المتيقّن، و إلّا لم تختلف العقود و الإيقاعات في ذلك.
أمّا عدم المجازيّة؛ فلظهور أنّها عندهم استعمال اللفظ في غير الموضوع
ص: 85
له، و النسبة الحاصلة بالكلام و إن لم تكن ممّا وضعت لها اللفظ و كانت مقصودة للمتكلّم إلّا أنّها ليست ممّا استعمل فيها اللفظ، بل المتكلّم أفادها بغير الوضع، لكن بمعونة الوضع، حيث جعل الموضوع له توطئة لإفادة المقصود بالأصالة.
هذا؛ مع ما ذكروه و تسالموا عليه من أنّه لا مجازيّة في الحروف، و لا فيما هو وضعه وضع الحروف، و لو كان هنا مجازيّة فلا بدّ أن تكون في الهيئة لا في المادّة، و هو ظاهر.
و أمّا وجه التفرقة بين العقود و الإيقاعات هو أنّ المسبّب في العقود لمّا كان مسبّبا عن فعلين، و كان المقصود من الإنشاء من كلّ طرف حصول الالتزام من طرفه لينضمّ إليه الالتزام من الطرف الآخر ليحصل المسبّب، فلا يناسبه حينئذ إلّا التعبير بصيغة الماضي.
و هذا بخلاف الإيقاع، فإنّ المسبّب فيها لمّا كان مسبّبا عن فعل واحد كان الأنسب فيها التعبير بالجملة الاسميّة، لأنّ فيها دلالة على الدوام و الثبوت، فلا يناسبه الانتساب إلى نفسه بصيغة المتكلّم، بل الأنسب الحكم بالثبوت و التحقّق، و هذا ظاهر.
فاتّضح من تحرير ما أوردناه من بيان حقيقة الإنشاء و أقسامه؛ أن لا إيجاد للوجوب حينئذ إلا إنشاء المدلول للهيئة أو الأداة في قولك: اضرب، و لا إيجاد للتمليك أو التبديل من طرفه لينضم إليه القول من الطرف الآخر، ليحصل الملكيّة أو البدليّة من مجموع الفعلين.
فإن كان هناك إيجاد فإنّما هو إظهار و الالتزام بالتمليك أو التبديل لا نفس التمليك و التبديل، فلا حاجة إلى القول بحصول الملكيّة في نظر التملّك، و لا إلى القول بحصول الوجوب في نظر الموجب في المثال الأوّل.
ص: 86
قوله: (و يشكل ما ذكراه (1)) .. إلى آخره (2).
و ذلك لأنّ المراد من المطلقات بناء على القول بالصحيح هو المقيّدات، فلا وجه حينئذ للتملّك بالإطلاقات، لأنّه إنّما يصحّ إذا لم يكن التقييد مرادا من المطلقات.
قوله: (نعم؛ يمكن أن يقال: إنّ البيع و شبهه [في العرف إذا استعمل في الحاصل من المصدر الّذي يراد من قول القائل: بعت، عند الإنشاء لا يستعمل (حقيقة) إلّا في ما كان صحيحا مؤثّرا و لو في نظر القائل]) (3).. إلى آخره.
حاصله توجيه التمسّك بالإطلاق بناء على الصحيح، على الأعم من الصحيح الشرعي و العرفي، و الصحيح العرفي لا يعتبر فيه شيء من القيود، فيصحّ التمسّك بالإطلاق لذلك.
و فيه؛ أنّ ما ادّعاه الشهيدان (4)إنّما هو وضعها للصحيح عند الشارع، لا الصحيح عند العرف، فلا يكون هذا توجيهها للتمسّك بالإطلاق على قولهما.
و الأولى توجيه كلامهما بإرادة الحقيقة في الصحيح عند المتشرّعة، لا الشارع، و لا يضرّ ذلك التمسّك بالإطلاق في لسان الشرع.
ص: 87
قوله: (إذا عرفت ما ذكرناه فالأقوال في المعاطاة على ما تساعده ظواهر كلماتهم ستّة) (1).
مبنيّ على الاكتفاء بالظواهر و الاعتماد على الحكاية، و إلّا فبعد تدقيق النظر في كلمات المتقدّمين يظهر أن ليس عندهم إلّا قول واحد، انفرد به الشيعة و لم يخالفهم إلّا البعض من العامّة، كبعض الحنفيّة (2)و ابن شريح في الجليل (3)و أحمد و مالك في الجليل و الحقير (4).
و توضيح الكلام في ذلك أنّ التعاطي من المتعاطيين يتصوّر على وجهين:
أحدهما: أن يقصد المعطي أوّلا بفعله إنشاء البيع، و الآخر بفعله ثانيا إنشاء القبول، أي ينزّل فعله بمنزلة قوله: «بعت» عند الإنشاء، كما في إشارة الأخرس، و الثاني بمنزلة قول القائل: «قبلت»، أو «اشتريت». ثمّ الملكيّة حينئذ إن حصلت تحصل لكونها أثر الإنشاء.
الثاني: أن لا يقصد أحدهما بفعله ذلك، بل مجرّد قصد التمليك و إيجاد المبادلة الفعليّة، كما لو أوجداها بعد الإيجاب و القبول اللفظيين، فإنّ التعاطي حينئذ حال عن قصد الإنشاء قطعا.
و محطّ نظر المتقدّمين و مورد كلماتهم مع العامّة إنّما هو هذا القسم من
ص: 88
التعاطي، لا الأوّل، لأنّ مقصدهم إنّما هو التعرّض لحكم ما هو المتعارف و المتداول بين الناس، و هو ليس إلّا ذلك قطعا، كما لا يخفى.
مضافا إلى صراحة كلمات جملة منهم.
منها: قوله في «المبسوط» في المعاطاة (1): (قال أبو حنيفة: يكون بيعا صحيحا، و إن لم يحصل الإيجاب و القبول) (2).
و منها: قوله في «السرائر» بعد ذكر اعتبار الإيجاب و القبول مفرعا عليه:
(فإذا دفع قطعة إلى البقلي أو إلى الشارب فقال: أعطني، فإنّه لا يكون بيعا و لا عقدا، لأنّ الإيجاب ما حصلا (3)، و الإيجاب و القبول أعم من اللفظي و الفعلي).
و ليس المراد بهما اللفظين بالخصوص، و إلّا لم يكن وجه لقوله: (فإنّه لا يكون بيعا)، بل كان ينبغي أن يقول: فيكون بيعا فاسدا، لفقدان شرط الصحّة، لا نفي البيعيّة من أصله.
و ليس ذلك إلّا من جهة أنّ مرادهم أنّ البيع من مقولة الإنشاء، و إنشاءه مركّب من الإيجاب و القبول، فيمتنع تحقّقه بدون الإنشاء في قبال العامّة حيث ذهبوا إلى تحقّقه بالتعاطي بدون الإنشاء (4).
فالنزاع مع العامّة في تحقّق البيع و عدمه، لا في أنّ هذا القسم من البيع الفعلي هل يفيد الملك اللازم، أو الجائز، أو يفيد الإباحة؟
و إن قصد الملك فإنّه لا وجه لشيء من ذلك، لأنّه إن كان بيعا فهو إمّا فاسد
ص: 89
لا يفيد ملكا و لا إباحة، و إمّا صحيح يفيد ملكا لازما، لأنّه ليس لنا بيع جائز من غير جهة الخيار، بل إطلاق الجواز في البيع و إن جاز الفسخ في غير محلّه.
و منها: ما في «الغنية»: (و اعتبرنا حصول الإيجاب و القبول)- إلى أن قال:
أعطني بقلا، فيعطيه، فإنّ ذلك ليس ببيع، و إنّما هو إباحة للتصرّف) (1).
و هذا أيضا صريح فيما ذكرنا، حيث فرّع على اعتبار الإيجاب و القبول نفي البيعيّة لا الفساد، و حكم هذا التعاطي عندهم عدم تحقّق البيع به و حصول الإباحة المترتّبة على الملكيّة الجائزة قولا واحدا، فمرادهم من الإباحة هي الملكيّة الجائزة، و من عدم الملكيّة المترتّبة على البيع و هي الملكيّة اللازمة، كما جزم به المحقق الثاني قدّس سرّه (2).
و أمّا القول باللزوم المنسوب إلى المفيد رحمه اللّه (3)فلا دلالة في عبارته المحكيّة عليه، كما حكى الاعتراف به عن العلّامة في «المختلف» (4)، و ستعرف به شيخنا رحمه اللّه فيما سيجيء، فإنّه قال في «المقنعة»- على ما حكي-: (ينعقد البيع على تراض بين الاثنين فيما يملكان التتابع له إذا عرفاه جميعا و تراضيا بالبيع و تقابضا و افترقا بالأبدان) (5).
و هذا كما ترى لا تصريح فيه بعدم تحقّق الإنشاء اللفظي، و لم يصرّح به،
ص: 90
لمعلوميّة اعتباره، بل قوله: (ينعقد البيع) معناه: يؤثّر الإيجاب و القبول في الملك اللازم على تقدير وجود هذه الشرائط، فاعتبر التقابض و الافتراق بالأبدان، لئلّا يبقى معه خيار المجلس حتّى يتحقّق اللزوم.
و القول بالفساد و إن نسب إلى «النهاية» (1)إلّا أنّه نسب إليه أيضا رجوعه عنه في غيرها و القول بإباحة جميع التصرّفات مع عدم الملكيّة أو ما لا يتوقّف على الملك خاصّة (2).
و قد عرفت أنّه لم يذهب إليه أحد ممّن سلف، و إنّما نشأ القول به ممّن تأخّر زعما منهم أنّه مراد من تقدّم و ما ذهبوا إليه هو الّذي يقتضيه الأصل و القواعد.
أمّا عدم تحقق البيع؛ فلظهور كون البيع من مقولة الإنشاء، فلا يتحقّق بدونه، و إطلاق البيع عليه عند العرف مبنيّ على التسامح باعتبار إفادته فائدة البيع، و لو في الجملة.
و أمّا إفادته الملك؛ فإنّما هو لليد، و توضيح الكلام في ذلك يتوقّف على تمهيد مقدّمة، و هي أنّ الملكيّة كالماليّة من الموضوعات الواقعيّة الّتي يرجع إلى العرف في تحقّقها، و إن كان الشارع أيضا قد يثبتها، و كذا في أسبابها ما لم يثبت من الشارع منع بالنسبة إلى أحدهما كما يثبت المنع عن حصول الملكيّة بالاستيلاء على الحرّ و المنع عن تأثير المنابذة، و هي الحصاة في حصول الملكيّة، و حينئذ ممّا لم يثبت من الشارع منع سببيّة ما هو سبب عند العرف
ص: 91
للملكيّة، فلا وجه للتوقّف في تأثيره.
و لا ريب أنّ من الأسباب الملكيّة عند العرف اليد، و لم يثبت من الشرع تصرّف و منع بالنسبة إليها، بل يثبت تأثيرها و ثبوت الملكيّة بها في الجملة، كما في المباحات الأصليّة، و ثبوت التأثير هنا كاف في استكشاف كون اليد في نفسها من الأسباب المقتضية للملكيّة، لظهور كون المتعلّق من المباحات من قبيل عدم المانع، و ليس هو جزءا من المقتضي حتّى يوجب فقده فقد التأثير.
و حينئذ فكلّما تعلّق اليد بما لم يكن فيه سلطنة مانعة سواء لم يتعلّق به سلطنة أصلا- كما في المباحات- أو ارتفعت بالنسبة إليه بالخصوص من جهة تسلط المالك إيّاه، أو بالعموم من جهة إباحته لكلّ من أثبت يده عليه- كما في نثار العرس- ثبتت الملكيّة.
ثمّ الملكيّة لمّا كانت لها مراتب مختلفة، و كانت اليد مملّكة فيما لم يكن فيه سلطنة للغير كان التملّك باليد بحسب المرتبة تابعا لتمليك المالك، لأنّ رفع مراتب السلطنة إنّما هو بيد المالك، فيحصل له باليد كلّ مرتبة قصده المالك من ملك الرقبة و المنفعة و الانتفاع.
ثمّ اليد إن كانت مستقلّة غير تابعة أفادت ملكيّة مستقلّة، كتملّك المباحات بالحيازة، و لا ينقطع هذه العلاقة إلّا بالإعراض المبطل لليد الرافع للسلطنة، لا بمجرّد النيّة أو إنشاء الإعراض، بأن يقول: أعرضت عن مالي هذا، أو رفعت عنه سلطنتي، أو أسقطت حقّي عن مالي.
و ذلك؛ لأنّ إزالة الملكيّة ليس إلّا كإثباتها، فكما أنّ الملكيّة تحصل باليد كذلك يزول بزوال اليد، فالإعراض مخرج للملك، كما أنّ اليد يدخل له.
ص: 92
و يشهد بذلك مراجعة العرف، و قد حكم الشارع على طبقه أيضا، كما في البعير الملتقط في غير كلأ و ماء الّتي تركها صاحبها أنّه يملكه الملتقط، و فيما يخرج بالغوص من المال الّذي غرق في البحر أنّه يملكه المخرج، و ظاهر أنّ ذلك إنّما هو من جهة كون الإعراض مخرجا و اليد مملكا.
و لذا لم يخالف أحد في خصوص التملّك باليد فيما يتساقط من الزرع من الحبّات، و فيما يلتقط في البرّ من القشور و أرواث الدواب، و لم يحصل وسوسة لأحد في ترتيب آثار الملكيّة على هذه الملتقطات، و لا ينطبق هذه الأحكام في أمثال هذه الفروع إلّا على كون الإعراض مخرجا عن الملك، و اليد مدخلا له فيه.
و لذا فصّلوا في تراب الصياغة بين علم الصائغ بإعراض صاحبه، فيجوز حينئذ للصائغ تملّكه، و عدمه فلا يجوز.
و ما ذكرناه واضح على المتتبّع في كلمات الفقهاء، بل يمكن أن يدّعى أنّ ذلك من الضروريّات عندهم.
و لذا تراهم اتّفقوا على الحكم بالإباحة المراد بها الملك هنا كإباحة المتاجر و المساكن و المناكح في الخمس، مع اتّفاقهم على التمثيل بدفع القطعة إلى البقلي أو الشارب الّتي لا يتصوّر فيها الانتفاع إلّا بالمبادلة، و مع ذلك لم يتعرّض أحد منهم لمدرك الحكم بالإباحة، و ليس ذلك، إلّا لمعلوميّة كون اليد من الأسباب المملّكة بحيث لا يحتاج إلى التعرّض لبيانه.
و إن كانت اليد تابعة كان تملّك الثاني متفرّعا على تملّك الأوّل، و الأوّل بسلطنته على التسليط سلّط الغير على ماله، و لذا لا تنقطع علقته عن المال بالمرّة سواء حصل تملّك الثاني بالإنشاء أو بنفس اليد، فيبقى له علقة ضعيفة في الغاية،
ص: 93
كما إذا حصل التملّك بالإنشاء، و الأوّل كالعلقة الباقية بعد البيع بين البائع و المبيع، و كذا بين المشتري و الثمن يكشف عنها رجوع العينين إليهما بعد الفسخ.
و ذلك لأنّ الفسخ إنّما يفيد الإبطال، و الإخراج لا الإحداث و الإدخال، لظهور أنّه ليس من الأسباب المحدثة للملك، بل هو [من] أسباب إبطال السبب المحدث للملك.
و يكشف عمّا ذكرنا، حكمهم بجواز الإقالة بعد التلف من غير إشكال، فيرجع كلّ منهما إلى البدل الحقيقي من المثل و القيمة، و وجه الاستكشاف أنّ حكمهم هذا لا يستقيم إلّا مع عدم انقطاع علقة البائع عن المبيع بعد البيع، و كذا علقة المشتري عن الثمن بعد الاشتراء.
و ذلك، لأنّه مع الانقطاع لا وجه لاستحقاق القيمة بسبب الإقالة بعد التلف، بل مقتضى القاعدة عدم مشروعيّة الإقالة إلّا مع وجود العينين لا مع تلفهما أو تلف أحدهما.
و ذلك؛ لأنّ الإقالة عندنا فكّ عقد بعقد، و ليس [من] البيع في شيء كما يقوله العامّة (1)، و إذا كان فكّا، فهو فكّ من حين البيع، و حينئذ فيكون المبيع قبل الإقالة باقيا في ملك المشتري، و الثمن باقيا في ملك البائع، فيكون تصرّفهما تصرّفا في ملكهما، فالإتلاف الحاصل قبل الإقالة يكون إتلافا لمال نفسهما، لا مال غيرهما.
و ظاهر أنّه يمتنع أن يكون إتلاف الشخص لمال نفسه موجبا لضمانه لغيره، فالإقالة لا تصلح أن تكون سببا لكون الإتلاف السابق موجبا للرجوع إلى
1) انظر! جواهر الكلام: 24/ 352.
ص: 94
المثل أو القيمة قطعا، و إيجابه الرجوع إليهما بعد الإقالة، لقيام كلّ منهما مقام العينين حين الإقالة فهو متوقّف على سبق تعلّق حقّ بالعينين، لظهور أنّ الرجوع إلى المثل أو القيمة إنّما هو من جهة البدليّة، فينتقل الحقّ من المبدل بعد تعذّره إلى البدل.
و تعلّق الحقّ بالعينين من جهة الإقالة متوقّف على تحقّق الإقالة، و تحقّقها متوقّف على بقاء متعلّقها، و متعلّقها إنّما هو الربط الواقع بين خصوص العينين لا بين ماليّتهما، و ظاهر أنّه لا بقاء للربط بعد انعدام المرتبطين، فمقتضى القاعدة حينئذ عدم جواز الإقالة بعد تلف أحد العينين.
و أمّا على ما ذكرنا من بقاء علقة المالك بعد البيع فيصحّ الإقالة من غير إشكال، و ذلك لأنّ بقاء العلقة لكلّ من البائع و المشتري في العينين يوجب بقاءهما، و إن كانتا تالفتين، لظهور أنّ العين المتعلّق بها حقّ الغير لا تنعدم بالتلف، فبقي المثل في الذمّة، و إن كانت العين قيميّا، و لا ينتقل إلى القيمة قبل الإقالة، لبقاء الضمان بالمسمّى الحاصل بالعقد قبلها.
و الّتي تنعدم بالتلف إنّما هي العين الّتي لا تعلّق للغير بها، فكلّ من المبيع و الثمن مضمون للبائع و المشتري، و لو بعد البيع، لكن بالبدل المعيّن، و إنّما حصل التعيين بسبب عقد البيع.
و لذا قالوا: إنّ المبيع مضمون بالمسمّى، و أنّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده (1)، و حينئذ فإذا تحقّق الإقالة و بطل الربط الحاصل بين المالين انتقل الضمان المتحقّق بالقبض بعد البيع الباقي بعد التلف إلى البدل الحقيقي، فيرجع
1) انظر! المكاسب: 3/ 180- 182.
ص: 95
إلى المثل أو القيمة حين الإقالة، لأنّه وقت الانتقال إلى القيمة، لبطلان الضمان بالمسمّى حال الإقالة لا القيمة وقت التلف، أو وقت القبض، أو أعلى القيم من وقت القبض إلى زمان التلف، أو الإقالة.
و لا بأس بذكر ما ذكره شيخ مشايخنا رحمه اللّه في جواهره في هذا المقام: (قال المحقّق قدّس سرّه في «الشرائع»: إذا تقايلا رجع كلّ عوض إلى مالكه، و حينئذ فإن كان موجودا أخذه، و إن كان مفقودا ضمن بمثله إن كان مثليّا و إلّا بقيمته، قال في قيمته يوم التلف، كما صرّح به جماعة كنظائره، لأنّ الضمان متعلّق بالعين ما دامت، فإذا تلفت تعلّق بقيمتها يومئذ.
و ليس المراد من الضمان اشتغال ذمّة المالك بقيمة ماله، بل المراد قيام القيمة يوم التلف مقام العين في صحّة تعلّق الإقالة لمعلوميّة بدليّة المثل أو القيمة عن العين في كلّ ما يتعلّق بها، و ربّما احتمل القيمة يوم القبض لأنّه ابتداء الضمان، و ضعفه واضح كوضوح ضعف احتمال الأعلى من يوم القبض إلى يوم التلف أو الإقالة.
نعم؛ قد يقال بضمان القيمة يوم الإقالة، لأنّه يوم التعلّق.
و فيه؛ أنّ الإقالة لا يشتغل ذمّة، بل ليست إلّا فسخا للعقد، فلا بدّ من قيام بدل العين قبلها.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ القيمة يوم التلف قامت مقام العين، فمع فرض تغيّرها إلى يوم الإقالة تقوم كلّ قيمة مقام الاخرى إلى قيمة يوم الإقالة، إذ ليس قيام القيمة يوم التلف مقام العين بأدنى من قيام كلّ من أفراد القيمة عن الآخر، بل هو أولى، بل الظاهر أنّ الّذي قام مقام العين كلّي القيمة، و إن قارنت تلك الخصوصيّة
ص: 96
في يوم التلف، و لا يشتغل ذمّة بها حتّى يشخص، فيبقى كلّ فرد من أفرادها قائما مقام الآخر إلى يوم الإقالة، فيتعيّن ذلك الفرد، لأنّه هو الّذي قارن الاستحقاق) (1)، انتهى.
و لا يخفى عليك أنّ ما ذكره رحمه اللّه مبنيّ على جعل الإقالة بين القيمتين، لقيامهما مقام العينين، كما يكشف عنه قوله: (لمعلوميّة بدليّة المثل أو القيمة عن العين في كلّ ما يتعلّق بها) أي: كما أنّ الإقالة تتعلّق بالعينين كذلك تتعلّق بالقيمتين، لقيامهما مقام العينين.
و كذا قوله: (فلا بدّ من بدل العين قبلها).
و فيه؛ أنّ قيام القيمة مقام العين إنّما هو إذا كان للعين مقام، و لا مقام للعين إذا كانت تالفة في ملك المالك بيد المالك من غير تعلّق حقّ للغير به، و إلّا لكان من أتلف شيئا من ماله مالكا لقيمته، فيلزم أن يكون غير المالك بالفعل مالكا لجميع ما أتلفه، و فساده ظاهر، فالإشكال إنّما هو في أصل قيام القيمة مقام العين في المقام.
و قد ظهر أنّه لا يدفع لهذا الإشكال إلّا الالتزام ببقاء العلقة من البائع و المشتري في العوضين، كما يقتضيه حكمهم بالضمان بالمسمّى، و لا وجه للانتقال إلى القيمة ما دام الضمان بالمسمّى باقيا، و إنّما يتحقّق سبب الانتقال عند الإقالة من جهة إبطالها الضمان بالمسمّى، لا من جهة كون الإقالة بنفسها مشغلة للذمّة، كما لا يخفى.
و يكشف عمّا ذكرنا أيضا حكمهم بجواز الأخذ بالشفعة للشفيع و لو بعد
1) جواهر الكلام: 24/ 357- 358.
ص: 97
وقف المشتري و بطلان الوقف بسبب أخذ الشفيع و حكمهم ببطلان العتق بعد الفسخ من ذي الخيار على بعض الوجوه، و ظاهر أنّه لو لا بقاء العلقة للبائع و عدم بطلان العلاقة السابقة رأسا لم يكن وجه لعود الحرّ رقّا، و الثاني كالعلاقة الباقية بين المالك الأوّل و العين في العقود الجائزة المملكة، فإنّ القدرة على الإبطال و استرجاع العين فيها إنّما هو من جهة ضعف في الملكيّة الحاصلة بها، و قوّة علاقة المالك الأوّل في العين بها يتمكّن من استرجاعها من دون حاجة إلى جعل حق من الشارع أو المالك، كما في العقود اللازمة، فإنّها لما أفادت ملكيّة قوية من جهة المعاوضة، كانت مقتضية للزوم و توقّف التمكّن على الفسخ على جعل حق من الشارع أو المالك.
و من هنا قالوا إنّ الجواز في العقود الجائزة من آثار نفس الملكيّة السابقة فيكون حكما من أحكام العقد بخلاف الخيار في العقود اللازمة فإنّه سلطنة طارئة يثبت للمالك الأوّل بعد كون العقد مقتضيا بقطع سلطنته عنه بالمرّة.
ثمّ من خصائص الحقّ سقوطه بالإسقاط، كما أنّ من خصائص الحكم عدم سقوطه بالإسقاط و سلطنة الواهب على إرجاع المال إلى نفسه حكم من أحكام ملكه، فلا يسقط بإسقاطه.
و لنا أيضا سلطنة اخرى على العين قبل وجودها يسمّى عندهم بملك أن يملك، و هذه السلطنة سلطنة، فعليه تكون جائزة مرّة و لازمة اخرى، فكليّة جائزة يمكن إزالتها قبل موت الموصى بالردّ فلا يملك القبول حينئذ بعد موته.
و الثاني كسلطنة مالك العين للنماء المتجدّد في ملكه، و هذه السلطنة اللازمة يمكن نقلها إلى الغير، كما في بيع الثمرة قبل وجودها حيث يصح، و كما يصحّ نقل السلطنة المتقدّمة على ملك الرقبة كذلك يصحّ نقل السلطنة المترتّبة
ص: 98
على ملك الرقبة من دون ملك الرقبة، و ذلك كما في الوصاية، فإنّ الوصي يتسلّط على التصرّف في الثلث بتسليط الموصي من دون أن يكون ملكا له.
و من هذا القبيل استيلاء المرتهن على بيع العين المرهونة بالشرط المعبّر عنه بالوكالة اللازمة، فإنّ المراد بهذا الاستيلاء جعل السلطنة للبيع الثابتة للمالك بمقتضى مالكيّته للعين المرهونة للمرتهن، فيكون المرتهن حينئذ مستحقّا للبيع و مسلّطا عليه، لا كونه وكيلا عنه، لظهور عدم إمكان جعل الوكالة الّتي هما من العقود الإذنيّة لازمة.
و حيث قد عرفت ما مهّدناه لك من المقدّمة ظهر لك أنّ كون اليد من الأسباب المملّكة ممّا لا يعتريه شبهة، كما أنّ في كون المرجع في تأثيرها من حيث أقسام الملك هو قصد الملك أيضا ممّا لا يعتريه شبهة؛ و حينئذ ففي اليد التابعة إن قصد المملّك تسليطه التملّك على وجه المجانية أفادت اليد ذلك، كما في الصدقات و الهدايا و الهبات.
و إن قصد منه التملّك على وجه الضمان المنصرف إلى البدل الحقيقي أفادت اليد أيضا ذلك، كما في القرض، و إن قصد منه التملّك على وجه الضمان بالمسمّى لم يفد اليد بمجرّدها ذلك، لأنّ الضمان بالمسمّى إنّما هو من آثار الإنشاء و لا تصلح اليد و لا قصد التملّك لذلك.
بل يحصل التملّك بالضمان المطلق إلى أن يحصل التسليط من الآخر و إثبات اليد من الأوّل، فيكون الضمان بالمسمّى مراعى بحصول التملّك من الآخر، فتبرّع البدليّة حينئذ من اليدين مع قصد كلّ منهما الضمان بالمعيّن، و يكون اليد هنا بمنزلة الإنشاء في البيع، فكما أنّ المبادلة تتحقّق هناك بالتسمية
ص: 99
من الطرفين كذلك هنا تتحقّق باليد من بعد التسليطين على الوجه الّذي عرفت.
و كما لا تتحقّق هناك المبادلة بإنشاء واحد، كذلك لا تتحقّق هنا بيد واحدة، فلو تحقّق العطاء من طرف واحد دون الآخر كان تملّكه مراعى بإعطاء الآخر للبدل المعيّن، فلو لم يتحقّق عطاء ذلك البدل المعيّن من الآخر، لم يكن للأوّل المطالبة بخصوص ذلك البدل المعيّن.
بل له المطالبة بعين ماله إن كانت باقية، و إلّا فبمثله إن كانت مثليّة و بقيمته يوم التلف إن كانت قيميّة، و ذلك لظهور أنّ اليد لا توجب الضمان إلّا بالبدل الحقيقي، و لم يتحقّق هنا ما أوجب الضمان بالمسمّى من اليد أو الإنشاء.
نعم؛ تصرّف الأوّل مع عدم قصده لدفع البدل المعيّن يكون حراما، و هذا لا يوجب تغيير حكم الضمان.
و نظير المقام في حصول البدليّة باليد؛ بدل الحيلولة في الغصب، فإنّ البدليّة فيه أيضا تحصل باليد، و لذا لا يجوز للغاصب استبدال ما دفعه إلى المغصوب منه بدلا عن العين المغصوبة، فتلزم البدليّة إلى أن يتمكّن من دفع نفس العين.
هذا تمام الكلام في بيان إفادة التعاطي للملكيّة، و أمّا كونها على سبيل الجواز؛ فلما عرفت من بقاء علقة ضعيفة للمالك الأوّل بملكيّته السابقة بها يتمكّن من إرجاع إلى نفسه و لم يتحقّق هنا ما يوجب اللزوم، كما تحقّق في الصدقة، حيث ورد فيها أنّ الرجوع إليها كالرجوع إلى القيء (1)، و كما في الوفاء عن الدين، فإنّه ليس للمديون استبدال ما دفعه لحصول البراءة بقبض الدائن
1) وسائل الشيعة: 19/ 204 الحديث 24430 و 205 الحديث 24432 و 24433.
ص: 100
و انقطاع علقته عن المال بالمرّة، بخلاف المقام الّذي لم يتحقّق فيه شيء من ذلك.
و لو فرض الشكّ في ذلك فالمرجع استصحاب بقاء العلقة السابقة لا الملكيّة المتحقّقة، كما سيجيء تحقيقه عند تعرّض المصنّف له، إن شاء اللّه.
قوله: (و كيف كان؛ ففي الآيتين (1)مع السيرة كفاية) (2).
قد عرفت ممّا تقدّم أنّ مفروض كلام القوم القائلين بالإباحة مع نفي البيعيّة غير مفروض كلامه رحمه اللّه، و خفي مرادهم من زمان الشهيد الثاني رحمه اللّه إلى زماننا هذا، و في مفروض كلامهم لا وجه للتمسّك بالآية (3)و عمومات البيع (4)، و في مفروض كلامه لا يتّجه إلّا القول باللزوم أو الفساد دون الملكيّة الجائزة فضلا عن الإباحة المجرّدة.
و حينئذ فعن قوله: (إلّا أن يقال: إنّهما لا تدلّان على الملك) .. إلى آخره (5).
غنى و كفاية، و لا حاجة إلى هذه التكلّفات الّتي يكفي لفسادها مجرّد تصوّرها من غير حاجة إلى بيان، فإنّه لو بنى على هذه التدقيقات لانسدّ باب الإفادة و الاستفادة من العبارات.
ص: 101
مضافا إلى استلزام نفس هذا القول للقواعد الجديدة الّتي تقضي ضرورة الفقه بفسادها، نبّه عليها شيخ مشايخنا في شرحه على «القواعد» (1).
قوله: (و إن لم يخطر ببال المالك الأوّل الإذن في شيء من هذه التصرّفات) (2).
حاصله؛ أنّ التمليك بالتوكيل يمكن كما في: أعتق عبدك عنّي، و تصدّق بمالك عنّي.
و لا يمكن ذلك في المقام، لعدم خطور الإذن في التصرّفات المتوقّفة على الملك المستلزم للتوكيل، و أمّا عدم الخطور، فلكون المفروض التعاطي بقصد التمليك المستلزم لغير نفسه عن المال بالمرّة.
قوله: (و التلف من الجانبين [مع التفريط] معيّنا للمسمّى) (3).
أي: لا بتلف سماوي، لأنّ التلف السماوي مع الإباحة لا يوجب الضمان.
ص: 102
قوله: (و مع حصوله في يد الغاصب أو تلفه فيها فالقول بأنّه المطالب، لأنّه يملك بالغصب، أو التلف في يد الغاصب غريب، و القول بعدم الملك بعيد جدّا) (1).
حاصله؛ أنّ المال الّذي وقع في يد المباح له إذا غصب، أو تلف في يد الغاصب لا يطالبه إلّا المباح له، و مع فرض عدم مالكيّته لا وجه لمطالبته، لأنّ مطالبة المال إنّما هو وظيفة المالك دون غيره، فلا بدّ من القول بتملّكه و لا موجب له إلّا الغصب أو التلف في يد الغاصب و هو غريب، و القول بعدم الملك مع الحكم بأنّ له المطالبة بعيد جدّا.
قوله: (مع أنّ في التلف القهري) (2).
أي: في يد أحد المتعاطيين.
قوله: (و مع عدم الدخول في الملك يكون ملك الآخر بغير عوض) (3).
أي: و مع عدم دخول التالف في الملك قبل التلف و معه و بعده يكون ملك الآخر بغير عوض، و نفى الملك عن الطرفين حتّى لا يلزم ذلك مخالفا للسيرة و بناء المتعاطيين.
ص: 103
قوله: (فإنّ تبعيّة العقود للقصود و عدم انفكاكها عنها إنّما هو لأجل دليل صحّة ذلك العقد) (1).
و فيه؛ إنّ المراد من تبعيّة العقد للقصد أنّ مقتضى السلطنة على المال أن لا يؤثر السبب مطلقا أثرا لم يقصده المالك، لأنّ ذلك مناف لدليل السلطنة، فلا وجه للتفرقة بين السبب القولي و الفعلي مطلقا، و لا لقوله: (نعم؛ إذا دلّ الدليل على ترتّب أثر عليه حكم و إن لم يكن مقصودا) (2)، فإنّ ذلك عين ما أبطله الخصم بدليل السلطنة، فلا يمكن ثبوت ذلك و لو بالدليل، لمنافاة ذلك لحقيقة الملكيّة.
قوله: (فإنّهم أطبقوا على أنّ عقد المعاوضة إذا كان فاسدا يؤثّر في ضمان كلّ من العوضين القيمة، لإفادة العقد الفاسد الضمان عندهم فيما يقتضيه صحيحه، مع أنهما لم يقصدا إلّا ضمان كلّ منهما بالآخر) (3).
و فيه؛ إنّ المراد بقاعدة ما يضمن- كما سيجيء تحقيقه- تشخيص اليد المتعقّبة بالعقد من حيث الضمان و عدمه، لأنّ العقد بنفسه ممّا يوجب الضمان، و لذا لا ضمان في الفاسد من تعقّبه باليد على المال، و حينئذ فترتّب الضمان هنا من آثار اليد، و لا ربط له بالتعبّد، فلم يترتّب على الإنشاء أثر غير مقصود.
ص: 104
قوله: (و كذا الشرط الفاسد لم يقصد المعاملة إلّا مقرونة به غير مفسد عند أكثر القدماء (1)) (2).
و فيه؛ إنّ من صحّح العقد بدون الشرط جعله مع الشرط من باب تعدّد المطلوب، و حينئذ فلم يترتّب على العقد أثر غير مقصود.
و كذا في بيع ما يملك و ما لا يملك، فإنّ بيع الجملة بمنزلة بيوع متعدّدة لا يستلزم بطلان بعضها بطلان الآخر، و التقييد بالجملة قيد للالتزام يوجب فقدها خيار تبعّض الصفقة للطرف الآخر.
قوله: (و بيع الغاصب لنفسه يقع للمالك مع إجازته على قول كثير) (3).
و فيه؛ ما تقدّم من أنّ الركن في البيع هو العوضان، فمع كون العوضين شخصيين لا يجب معرفة المالكين، و لا قصدهما في البيع، فإنّ البيع- كما عرفت- حقيقة إحداث العلاقة بين المالين، و هي البدليّة لا بين المال و الشخص، كما في الهبة و الصدقة.
بل قد عرفت أنّ الملكيّة من آثار البيع لا نفس حقيقته، فتعيين المالك حين البيع من كلّ من المتبايعين في البيع الشخصي أجنبي عن حقيقته لا ربط تخلّفه بتخلّف القصد عن أصل البيع.
و هذا بخلاف البيع الكلّي، لأنّ حقيقته إثبات السلطنة على الشخص، فلا بدّ من تعيينه، بل لو باع شيئا بذمّة شخص غير معيّن بطل العقد، و إن كان مع
ص: 105
الإطلاق ينصرف إلى ذمّة العاقد، و لا يسمع دعواه الوكالة عن غيره.
قوله: (و ترك ذكر الأجل في العقد المقصود به الانقطاع يجعله دائما على قول نسبه في «المسالك» و «كشف اللثام» (1)إلى المشهور) (2).
و فيه إنّ من يقول بانقلابه دائما لا يجعل العقدين حقيقتين مختلفتين، بل يجعلهما حقيقة واحدة بنفسها تقتضي الدوام، فمع الإطلاق يحمل عليه، لا من جهة تعلّق القصد به بالخصوص، بل من جهة تعلّق القصد بأصل الحقيقة، و اقتضائها في نفسها ذلك.
و هذا بخلاف الانقطاع، فإنّه لا يتحقّق إلّا بإحداث المانع عن هذا الاقتضاء بذكر الأجل.
و هذا نظير ما ذكروه من أنّه لو نسي ذكر الشرط في العقد وقع مطلقا، و إن كان الرضى مقيّدا لأنّ مجرّد ذلك لا يوجب عدم تأثير العقد الواقع عن قصد فيما اقتضاه.
قوله: (و أمّا ما ذكره من لزوم كون إرادة التصرّف مملّكا، فلا بأس بالتزامه إذا كان مقتضى الجمع) .. إلى آخره (3).
و فيه؛ أنّ المراد غرابة الحكم بحيث يمكن دعوى العلم بعدم وقوع مثله في الشريعة، فإنّه ليس إلّا مثل كون صياح الديك مفسدا للنكاح.
و عليه فلا ترفع الغرابة إقامة الدليل عليه، مع ما في مقتضى الجمع الّذي
ص: 106
ذكره من المناقشة الواضحة، فإنّ الدليل إذا ذلّ على جواز التصرّفات المتوقّفة على الملك بعد الأخذ ذلّ ذلك على حصول الملكيّة بالأخذ، و لا وجه حينئذ لمعارضة ذلك بالأصل، من جهة إمكان عدم حصول الملكيّة حين الأخذ عقلا.
و لو بنى على مثل هذه المناقشات لانسدّ باب الاستنباط، فإنّه ليس ذلك إلّا مثل أن يقال: إذا دلّ الدليل على جواز جميع التصرّفات بعد الحيازة في المباحات أنّه لا يدلّ على حصول الملكيّة بالحيازة، فيتمسّك بالأصل إلى أن يقع التصرّف المتوقّف على الملك، فيحصل الملكيّة قبله بإرادة التصرّف.
أو يقال: إذا دلّ الدليل على وجوب الغسل إذا التقى الختانان، أنّه لا يدلّ [على] حصول الجنابة بالالتقاء، لأصالة عدم تحقّق الجنابة، فيتحقّق إمّا ما قبل الغسل بإرادة الاغتسال، و فساد مثل هذه المناقشات لا يحتاج إلى البيان.
قوله: (فيكون كتصرّف ذي الخيار، و الواهب فيما انتقل عنها بالوطء [و البيع و العتق] و شبهها) (1).
أي: كما أنّ الإرادة مملّكة فيهما قبل التصرّف كذلك في المقام، و ذلك لتوقّف صحّة تصرّفهما على سبق الملك، و الفرض عدم تحقّقه قبل التصرّف.
فوجب الالتزام بحصوله قبله بمجرّد الإرادة، فيكون الإرادة مملّكة في الهبة، لكونها رجوعا في العين الموهوبة، و مملّكة في ذي الخيار، لكونها فسخا، فيزول ملكيّة من عليه الخيار، فيملّكه ذو الخيار، فيقع التصرّف حينئذ بعد الملكيّة.
1) المكاسب: 3/ 48.
ص: 107
إذا عرفت ذلك ظهر لك أنّ قياس المقام بهما قياس مع الفارق، فإنّ الملكيّة المسبّبة عن الإرادة في المقام ملكيّة ابتدائيّة من دون سبق علاقة بين المباح له و العين المباحة، و مثل ذلك لم يتحقّق في الواهب و ذي الخيار.
بل لم تكن الإرادة فيهما في الحقيقة مملّكة و إنّما صارت مزيلة لملكيّة المتّهب و من عليه الخيار، ثمّ حصلت الملكيّة لهما بالعلاقة الباقية في العين الموهوبة للواهب بعد الهبة بالملكيّة السابقة- على ما عرفت تحقيقه- و بالعلاقة الحادثة بعد العقد بجعل الشارع أو المتعاقدين في ذي الخيار.
قوله: (و أمّا ما ذكره من تعلّق الأخماس و الزكوات إلى آخر ما ذكره، فهو استبعاد محض، و دفعه بمخالفته للسيرة رجوع إليها) (1).
يعني: أنّ تعلّق هذه الامور بغير الأملاك مع حصول الإباحة لا ضير فيه، و استغرابه بمجرّد استبعاد لا دليل على بطلانه، و دفع هذا الاستبعاد المحض و القول ببطلانه- أي بطلان تعلّق هذه الامور بغير الأملاك- من جهة مخالفته للسيرة، حيث إنّها تدلّ على تعلّق هذه الامور بغير الأملاك رجوع إلى السيرة، أي لم يكن البطلان حينئذ من جهة كونه من القواعد الجديدة، بل صار البطلان، لكونه خلاف السيرة.
و فيه؛ إنّ المراد استغراب تعلّق هذه الامور بغير الأملاك بعد الفراغ عن بطلانه و معلوميّة تعلّقها بالمأخوذ بالمعاطاة، لا الحكم بعدم التعلّق بناء على الإباحة من جهة قيام السيرة على عدم تعلّق هذه الامور بغير الأملاك حتّى يكون
1) المكاسب: 3/ 48.
ص: 108
في مدّعاه راجعا إلى السيرة، مع أنّ قيام السيرة متمّم لما ادّعاه من الغرابة.
قوله: (مع أنّ تعلّق الاستطاعة الموجبة للحجّ، و تحقّق الغنى المانع عن استحقاق الزكاة لا يتوقّفان على الملك) (1).
و فيه؛ إنّ أعميّة وجوب الحجّ عن الملك، لثبوته ببذل الزاد و الراحلة لا يوجب ثبوته بإطلاق إباحة المأخوذ بالمعاطاة، فإنّ من ابيح له دار قوّم بألف- مثلا- لا يوجب ذلك عليه وجوب الحجّ عن الملك.
و كذا أعميّة الغنى عن الملك لشبهة بكون الشخص ذا ضعة لا يوجب ثبوته بالإباحة، أ ترى أنّ من ابيح له نفقته في تمام السنة يحرم عليه أخذ الزكاة كلّا، فإنّ الغنى لا يتحقّق إلّا بأمرين: إمّا الملكيّة الفعليّة لتمام مئونة السنة، أو الملكيّة بالقوّة بكونه ذا عمل يقدر به على تحصيل مئونته و شيء منهما غير حاصل للمباح له.
قوله: (و أمّا كون التصرّف مملّكا للجانب الآخر فقد ظهر جوابه) (2).
أي: ممّا ذكر في تعلّق الأخماس من كونه استبعادا محضا، ظهر جواب أيضا.
و فيه ما عرفت من أنّ المراد غرابة الحكم، و هي لا ترفع بدلالة الدليل، بل بإراءة النظير.
ص: 109
قوله: (و أمّا كون التلف مملّكا للجانبين، فإن ثبت بإجماع أو سيرة، كما هو الظاهر كان كلّ من المالين مضمونا بعوضه) .. إلى قوله: (استصحابا لأثر العقد) (1).
ملخّص مراده رحمه اللّه: أنّ الإجماع لمّا دلّ على كون التلف مملّكا و عدم ضمانه بالمثل و القيمة و الملكيّة كانت أعمّ من الضمان و المجانبة دلّت قاعدة «على اليد» على الضمان.
و حيث لم يكن الضمان بالبدل الحقيقي تعيّن الضمان بالمسمّى، و حيث إنّ الأصل عدم الملكيّة إلّا في الزمن المتيقّن حكم بتحقّقها في آخر أزمنة إمكانه، و هو أنّ ما قبل التلف، كما حكم به قبل تلف المبيع في يد البائع استصحابا لملكيّة المشتري.
و فيه ما عرفت من أنّه لا مجرى للأصل بعد قيام الدليل، و حينئذ فإن دلّ الإجماع على كون التلف من مال ذي اليد كان اللازم الحكم بالملكيّة من أوّل الأمر، و لو لهذا الإجماع، و كيف و ثبوت آثار الملك من أوّل الأمر أيضا متيقّن؟
كما أنّ في التلف أيضا لو لم يكن دليل على تملّك المشتري بالعقد، و لم يكن قطع ببقاء ملكيّته إلى حين التلف لحكموا بعدم تماميّة العقد إلّا بالقبض، و لو لخصوص هذه الرواية؛ و هي: «كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه» (2).
و من هنا ظهر أنّ التنظير بتلف المبيع ممّا لا وجه له، لأنّهم إنّما حكموا فيه
ص: 110
بالملك آنا مّا من جهة القطع بتأثير العقد، مع القطع بعدم تحقّق مزيل لأثره، و عدم صلاحيّة التلف لإزالة الأثر من أوّل الأمر، فلا حاجة هناك إلى الاستصحاب.
و في المقام إنّما يراد الحكم بالملكيّة آنا مّا من جهة أصالة عدم الملك، مع أنّ ثبوت أثر الملك حينئذ كاشف عن ثبوته من أوّل الأمر، فلا وجه للتمسّك بالأصل و الالتزام بالملك التقديري من جهة الأصل.
هذا على تقريب القوم من الملك التقديري في تلف المبيع، و أمّا على ما حقّقناه، فالملك التقديري باطل من أصله في جميع موارده.
و قد عرفت بطلانه في بعض موارده فيما تقدّم و نقول هنا أيضا- بعد دلالة الدليل على عدم ضمان البائع للمثل أو القيمة:- إنّ القبض و الإقباض من متمّمات البيع، لا بمعنى اشتراطهما في الصحّة، بل بمعنى اشتراطهما في الخروج عن العهدة، فإنّ ضمان البائع للمبيع ضمان عقدي، لا ضمان يدي ليترتّب على يده الضمان، فيضمن المثل أو القيمة بالتلف.
بل الضمان هنا من مقتضيات نفس العقد، فيجب عليه الخروج عن عهدة المبيع برفع اليد عنه، فإن تلف قبل القبض انفسخ العقد لامتناع الخروج عن عهدة المبيع، و لا ضمان للمثل أو القيمة، لعدم كون يد البائع يد ضمان، لأنّ ضمانه ضمان العهدة من جهة العقد، و ضمان اليد إنّما هو من جهة ارتفاع السلطنة.
و البائع هنا مكلّف بإعطاء السلطنة، و الفرض عدم حصوله بعد منه، فلا حاجة حينئذ إلى الالتزام بالملك التقديري.
و إنّما نشأ الشبهة من جهة عدم التفرقة بين الضمان العقدي و الضمان اليدي، و ظاهر أنّ الضمان العقدي لا يقتضي دفع المثل أو القيمة بالتلف.
ص: 111
قوله: (و أمّا ما ذكره من صورة غصب المأخوذ بالمعاطاة، فالظاهر على القول بالإباحة .. إلى قوله: (نعم؛ لو لم يقم إجماع كان تلفه من مال المالك لو لم يتلف عوضه قبله) (1).
و فيه ما قد عرفت من أنّ الغرض استغراب الحكم، و التشنيع على القائل بالإباحة و الالتزام عليه على جميع التقادير.
و حاصله؛ أنّ المأخوذ بالمعاطاة إذا غصب؛ إن قيل بكون الغاصب ضامنا للأخذ قبل التلف؛ لزم أن يكون الغصب مملّكا، و إن قيل بكون ضامنا له عند التلف لزم؛ أن يكون التلف عند الغاصب مملّكا، و إن قيل بكونه ضامنا للمأخوذ منه فهو مخالف للمعلوم من طريقتهم من ترتّب جميع آثار الملك بالنسبة إلى الأخذ دون المأخوذ منه.
و لا يخفى ما في كلا الحكمين من الغرابة، لا يرتفع ذلك ببيان ما اقتضاه القول بالبراءة المجرّدة.
مع أنّ الحكم بضمان الغاصب للمالك ممّا لا وجه له بعد فرض ثبوت جميع آثار الملك بالنسبة إلى الأخذ، و أيّ فرق بين هذا الأثر و سائر الآثار؟
قوله: (و أمّا ما ذكره من حكم النماء فظاهر المحكيّ عن بعض أنّ القائل بالإباحة لا يقول بانتقال النماء إلى الآخذ) (2).
و فيه؛ أنّ حكم النماء بمقتضى القواعد على القول بالإباحة غير خفي على
ص: 112
بعض الأساطين، و ليس الغرض إلّا التشنيع على القول بالإباحة بأن حكم النماء حينئذ بجميع التقادير مستغرب، لأنّه إن قيل بأنّ النماء يحدث في ملك الآخذ دون العين فهو مستغرب من وجهين:
أحدهما: كون حدوث النماء مملّكا.
و الآخر: عدم تبعيّة النماء للعين.
مع أنّ من القواعد المقرّرة تبعيّة النماء في الملك للعين، و إن قيل بأنّ النماء يحدث في ملكه مع العين كان حدوث النماء مملّكا للعين، و يلزمهم التفصيل حينئذ في المأخوذ بالمعاطاة بأنّه إن لم يكن له نماء لم يملكه إلّا بالتصرّفات المتوقفة على الملك أو التلف، و إن كان له نماء ملّكه بهما و بحدوث النماء، كلّ ذلك من الغرائب.
و احتمال حدوث النماء في ملك المالك الأوّل مفروغ بطلانه عنده، لأنّ القائلين بالإباحة ملتزمون بثبوت جميع آثار الملك بالنسبة إلى المباح له، و حدوث النماء في ملكه أيضا من تلك الآثار، و لا وجه لإخراج ذلك منها، خصوصا بعد شمول الإذن له أيضا، و حينئذ فكيف يمكن الجواب عنه بأنّ الظاهر المحكيّ عن بعض كذا، مع أنّ ما احتمله ليس إلّا ما استغربه؟
قوله: (ثمّ إنّك بملاحظة ما ذكرنا تقدر على التخلّص عن سائر ما ذكره) (1).
أقول: ما أورده أخيرا ممّا لا مخلص عنه، و لا يمكن الذبّ عنه، و لذا لم يتعرّض للجواب عنه.
1) المكاسب: 3/ 50.
ص: 113
قوله: (بناء على أصالة اللزوم في الملك، و للشكّ في زواله) .. إلى آخره (1).
و فيه؛ أنّ استصحاب بقاء علقة المالك الأوّل حاكم على هذا الاستصحاب، لظهور أنّ الشكّ في بقاء ملك الثاني بعد الرجوع مسبّب عن الشكّ في بقاء علقة المالك الأوّل عند تمليكه و عدمه، فاستصحاب ملك الثاني على فرض تماميته لا يجري ما دام استصحاب الحاكم جاريا.
قوله: (بل ربّما يزاد استصحاب بقاء علقة المالك الأوّل) (2).
هذا التعبير ربّما أشعر بتماميّة الدعوى بدون هذا الاستصحاب، مع أنّ الدعوى لا تتم إلّا بهذا الاستصحاب، و إلّا فمجرّد بطلان استصحاب ملك الثاني لا يوجب ثبوت الجواز المقصود من إبطال أصالة اللزوم، بل يكون المال حينئذ بعد الرجوع مردّدا بين شخصين يجب الرجوع فيه إلى القواعد المقرّرة لأمثاله، من الرجوع إلى الصلح، أو القرعة، أو قاعدة العدل.
إلّا أن يقال: إنّ الدعوى؛ مجرّد بطلان الاستصحاب لا الحكم بالجواز.
قوله: (مضافا إلى [إمكان دعوى] كفاية تحقّق القدر المشترك في الاستصحاب فتأمّل!) (3).
قد ذكر رحمه اللّه في الاصول في باب استصحاب الكلّي ما يدفع الإيراد المتقدّم،
ص: 114
و هو أنّ ما ذكر من الإيراد إنّما يتوجّه على تقدير إرادة إثبات خصوص الفرد اللازم دون ما إذا اكتفى باستصحاب القدر المشترك.
و قد اختار هناك جريان الاستصحاب في الرافع دون المقتضي- كما في المقام- فيترتّب عليه آثار ذلك الكلّي المشترك خاصّة دون آثار كلّ من الفردين.
مثلا من تيقّن بحدث مردّد بين الأصغر و الأكبر ثمّ توضّأ يترتّب على استصحاب بقاء كلّي الحدث عدم جواز الدخول في الصلاة دون آثار خصوص الجنابة، من عدم جواز الدخول في المسجد، و حرمة قراءة العزائم [و] حينئذ ليس في أصل استصحاب الكلّي، بل في كفايته للمطلوب في المقام.
و ذلك؛ لأنّ المطلوب إثبات خصوص الفرد اللازم- أي الملك المستقرّ باستصحاب كلّي الملك- و قد تقرّر أنّ استصحاب الكلّي لا يثبت خصوص الفرد، فلا ينفع حينئذ في المقام استصحاب القدر المشترك.
و الأولى في المقام؛ أنّ الاختلاف بالتزلزل و الاستقرار اختلاف في الشدّة و الضعف، لأنّ علاقة الماليّة قد تكون شديدة لا ترتفع بالرجوع، و قد تكون ضعيفة ترتفع بالرجوع، و هذا لا يوجب اختلافا في الحقيقة، لأنّ الشديد و الضعيف متّحدان بالحقيقة، و حينئذ فالشكّ في الخصوصيتين مع التعيّن بتحقّق أصل الحقيقة لا يمنع من جريان استصحاب بقاء أصل الحقيقة، و لا يوجب ذلك توقّف صحّة الاستصحاب فيه على صحّة استصحاب الكلّي، لظهور أنّه لا يتوقّف صحّة الاستصحاب على العلم بالمستصحب بجميع خصوصيّاته و مشخّصاته، بل يكفي فيه العلم بتحقق فرد من تلك الحقيقة، و إنّ شكّ في خصوصيّاته المنضبطة و المشخّصة.
ص: 115
و لذا يجري استصحاب بقاء البياض مع الشكّ في الرافع، و إن لم يعلم بخصوصيّة ذلك البياض المتيقّن في السابق من حيث الشدّة و الضعف.
و الموقوف على صحّة استصحاب الكلّي إنّما هو فيما إذا كان المتيقّن السابق مردّدا بين (في) الوجود، لا مثل المقام الّذي يرجع الشكّ فيه إلى الشكّ في بعض أوصاف الموجود، فلا إشكال في استصحاب الملك، و لو مع الشكّ في التزلزل و الاستقرار.
قوله: (و منشأ هذا الاختلاف؛ اختلاف حقيقة السبب المملّك، لا اختلاف حقيقة الملك) (1).
أقول: كون المنشأ في اختلاف حكم الشارع بالجواز و اللزوم اختلاف حقيقة السبب المملّك؛ لا ينافي منشئيّة اختلاف حقيقة الملك أيضا، فإنّ من الجائز أن يكون الأسباب مختلفة عند الشارع في التأثير، بأن يؤثّر بعضها في الملكيّة الجائزة، و اخرى في الملكيّة اللازمة،
فاختلاف حكم الشارع حينئذ و إن كان باعتبار اختلاف الأسباب، لكن بملاحظة اختلاف المسبّبات.
قوله: (مع أنّه يكفي في الاستصحاب الشكّ) .. إلى آخره (2).
و فيه؛ أنّ هذا الشكّ يرجع إلى الشكّ في كون المقام مجرى للاستصحاب أم لا؟ و مثل هذا الشكّ كيف يمكن الحكم بكفايته في الاستصحاب؟
ص: 116
قوله: (مع أنّ المحسوس بالوجدان أنّ إنشاء الملك) [.. إلى آخره] (1)
و فيه؛ أنّ اختلاف حقيقة الملك لا يستلزم الاختلاف في كيفيّة الإنشاء، بل الاختلاف في الأسباب و كون الإنشاء على نهج واحد لا يوجب الاتّحاد في الأسباب؛ و اختلاف المسبّبات يتبع اختلاف الأسباب، فإنّ التمليك على وجه الصدقة غير التمليك المطلق، و التمليك على ذي رحم غير التمليك على غير ذي رحم، و التمليك بشرط العوض غير التمليك لا بشرط العوض.
فيختلف المسبّبات حينئذ باختلاف الأسباب، و إن كان الإنشاء في الجميع على نهج واحد.
و كيف كان؛ فكون الإنشاء على نهج واحد لا دلالة فيه على اتّحاد حقيقة الملك.
قوله: (أنّ اللزوم و الجواز لو كانا من خصوصيّات الملك) .. إلى قوله:
(و هو باطل في العقود) (2).
و فيه؛ أنّ اللزوم و الجواز من خصوصيّات الملك، و تخصيص قدر المشترك بإحدى الخصوصيّتين باختلاف الأسباب المختلفة في التأثير بحكم الشارع، و كون العقود تابعة للقصود إنّما يراد به التبعيّة في المعاني الإنشائيّة و كيفيّاتها من حيث الإطلاق و التقييد، لا في آثارها و لوازمها و كيفيّة مسبّباتها.
فإنّ من أوجد صيغة الوقف يترتّب عليه اللزوم، و إن لم يقصده الواقف أو
ص: 117
قصد خلافه، و من أنشأ الهبة ترتّب عليه الجواز و إن لم يقصده أو قصد خلافه.
و ذلك؛ لظهور أنّ القصد لا مدخليّة له في كيفيّة تأثير الأسباب، و إنّما القصد له مدخل في إرادة مدلول الإنشاء و إطلاقه أو تقييده، و حينئذ فالمختار من القضيّة المنفصلة كون التخصيص بإحدى الخصوصيتين بحكم الشارع.
لكن لا يترتّب عليه لزوم إمضاء الشارع العقد على غير ما قصده المنشئ، لما عرفت من أنّ التبعيّة في القصد إنّما هو في المدلول فقط، لا في اللوازم و الآثار و كيفيّة تأثير الأسباب، و هذا ظاهر.
قوله: (فجواز تملّكه عنه بالرجوع فيه من دون رضاه مناف للسلطنة [المطلقة]) (1).
و فيه؛ أنّ ذلك إنّما ينافيه إذا لم يكن ذا حقّ في الرجوع، لظهور أنّ عموم السلطنة و إطلاقها لا ينبغي التملّك بالحقّ، و إلّا لكان أدلّة الخيار و الجواز و الهبة مخصّصة لعموم السلطنة، و هو بديهي البطلان، و حينئذ فالشكّ في التملّك بالرجوع يرجع إلى الشكّ في ثبوت الحقّ، و لا تعرّض لعموم السلطنة لنفي الحقّ، و حينئذ فالقول بأنّ غاية مدلول الرواية سلطنة الشخص على ملكه، و لا نسلّم ملكيّته له بعد رجوع المالك الأصلي؛ في المتانة.
1) المكاسب: 3/ 53.
ص: 118
قوله: (و منه يظهر جواز التمسّك بقوله عليه السّلام: «لا يحلّ مال امرئ إلّا عن طيب نفسه (1)») (2).
و تقريب الاستدلال؛ أنّ الحليّة إذا اضيفت إلى العين يراد منها حليّة الفعل المتعلّق، و المقدّر هنا يعمّ الانتفاع و التملّك، فلا يجوز شيء منهما إلّا عن طيب نفسه، و يجري فيه أيضا ما تقدّم في عموم السلطنة.
مع أنّ الظاهر إرادة خصوص الانتفاعات الّتي تتعلّق بها الحليّة و الحرمة، دون التملّك الّذي لا يتعلّق به غير الصحّة و الفساد، فإنّ المراد من التملّك هنا نفس الحكم الوضعي، أي: الدخول في الملك الراجع، و هذا لا معنى لتعلّق الحلّ به، بل لا يحكم حليّة إلّا الحصول أو عدمه.
قوله: (و التوهّم المتقدّم في السابق جار هنا) (3).
كذا في بعض النسخ، و عليه يجب الحمل على إرادة التوهّم مع جوابه، لأنّ التعليل الّذي بعده مناسب للجواب، لا لأصل التوهّم.
و في بعض النسخ: (غير جار هنا)، و عليه يناسبه التعليل المذكور بعده.
و كيف كان؛ فالمراد من التوهّم المذكور أنّ غاية مدلول الآية حرمة أكل مال الغير، و كون المأخوذ بالمعاطاة بعد الرجوع مال الغير عين المتنازع، و هذا
ص: 119
شكّ في موضوع العام لا في عمومه، فلا يمكن رفعه بالعموم.
و ملخّص مراده رحمه اللّه في الجواب عنه أنّ النهي عن الأكل يرجع إلى النهي عن التملّك، لأنّ المراد بالأكل هو الأكل على أن يكون ملكا للآكل بدليل الاستثناء، فالمنهي هو تملّك مال الغير إلّا بالتجارة.
و التملّك بالرجوع ليس تملّكا بالتجارة، فيكون حراما، و إذا كان حراما لم يكن مؤثّرا، و إذا لم يكن مؤثّرا كان الملك لازما، و الاستدلال حينئذ بمجموع الجملتين، لأنّ الحصر مستفاد منها معا لا من المستثنى فقط و إفادتهما للحصر مثبتة على كون الاستثناء متّصلا، لأنّ الحصر مع الانقطاع مجازي، و الكلام معه في قوّة الجملتين مستقلّتين، كأن قيل: لا تأكلوا بالباطل، و كلوا بالتجارة، و سيجيء منه رحمه اللّه في باب الإكراه أنّ الاستثناء في هذه الآية (1)منقطع، و عليه فلا وجه للتمسّك بالحصر المستفاد من هذه الآية.
نعم؛ لا بأس به بناء على الاتّصال، بأن يجعل الاستثناء مفرّغا، فيكون المستثنى منه محذوفا أي: لا تأكلوا أموالكم بوجه من الوجوه، لأنّه- أي الأكل- بجميع الوجوه باطل إلّا أن تكون تجارة عن تراض- أي: إلّا بوجه التجارة-، و حينئذ فالتقييد بالباطل بمنزلة التعليل لحرمة الأكل، فلا يكون قيدا للمنهي عنه حتّى يكون الاستثناء منقطعا.
و يرد عليه حينئذ ما تقدّم من أنّ النهي عن التملّك لا يشمل التملّك بالحقّ قطعا، و إلّا لكان أدلّة الخيار و الجواز في الهبة مخصّصا لعموم هذه الآية، و هو بديهي الفساد، فالشكّ في المقام إنّما هو في ثبوت الحقّ في التملّك بغير رضاه أم لا، و ظاهر أنّ العموم لا تعرّض له حينئذ لو وقع هذا الشكّ أصلا.
1) النساء (4): 29.
ص: 120
قوله: (و يمكن التمسّك أيضا بالجملة المستثنى منها) (1).
هذا إنّما يتمّ على تقدير كون الاستثناء منقطعا، و إلّا فلا معنى للتمسّك بالمستثنى منه، مع قطع النظر عن الاستثناء، أمّا بناء على الانقطاع حيث كان الجملتان بمنزلة جملتين مستقلّتين، فلا بأس بالاستدلال بالجملة المستثنى منها فقط.
و تقريب الاستدلال حينئذ؛ أنّ المستفاد من الجملة الاولى حرمة كلّ آكل و تصرّف باطل عرفا، و التملّك بغير رضاء المالك باطل عرفا، فيكون حراما، فلا يكون الرجوع مؤثّرا، فيكون الملك لازما.
و يرد عليه حينئذ أنّ حكم العرف بالبطلان إنّما هو بعد إحراز عدم الحقّ و إلّا فمع إحراز الحقّ- كما في صورة ثبوت الخيار- فلا يحكم العرف أيضا بالبطلان قطعا، و مع الشكّ في ثبوت الحقّ يكون البطلان أيضا عند العرف مشكوكا فلا ينفعنا حينئذ حرمة كلّ تصرّف و تملّك باطل عرفا.
قوله: (و [قد] يستدلّ أيضا بعموم قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)) (3).
و فيه- مع ما سيجيء من عدم دلالته على اللزوم في العقود- عدم شموله للمعاطاة خصوصا بناء على ما بنينا عليه من عدم إرادة الإنشاء بالتعاطي.
ص: 121
قوله: (و كذلك قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «المؤمنون عند شروطهم» (1)) (2).
و سيجيء- إن شاء اللّه- في الخيارات من عدم دلالة ذلك على اللزوم، و عدم إطلاق الشرط في اللغة على مطلق الالتزام، و من ادّعى الإطلاق ادّعى الإطلاق على الالتزام في ضمن البيع و نحوه، و مع ذلك شموله للتعاطي و لو مع قصد الإنشاء ممنوع.
قوله: (فتأمّل) (3).
وجه التأمّل أنّ القائل بعدم الملك رأسا إنّما ينبغي اللزوم من جهة عدم قوله بالملك فلعلّه على تقدير القول به تنبيه، فلا يحصل الاتّفاق من القائلين بهذين القولين على بطلان الثالث.
قوله: (و بالجملة فما ذكره في «المسالك» من قوله) .. إلى آخره (4).
قال في «المسالك» في شرح قول المحقّق رحمه اللّه: (سواء في ذلك الحقير و الخطير، ما هذا لفظه: ردّ به على بعض العامّة، حيث اكتفى بالمعاطاة في المحقّرات، و أقامها فيها مقام البيع، و اختلفوا في تحديدها، فقال بعضهم: ما لم
ص: 122
يبلغ نصاب السرقة، و أحالها آخرون على العرف، كرطل خبز و غيره ممّا يعتاد فيه المعاطاة، و هو تحكّم.
و الّذي اختاره متأخرو الشافعيّة، و جميع المالكيّة انعقاد البيع بكلّ ما دلّ على التراضي، و عدّه الناس بيعا و هو قريب من قول المفيد رحمه اللّه و شيخنا المتقدّم و ما أحسنه و أمتن دليله، إن لم ينعقد الإجماع على خلافه) (1)، انتهى.
و مراده من الشيخ المتقدّم ما حكاه أوّلا عن بعض معاصريه من القول باللزوم، لكن بشرط كون الدالّ على التراضي لفظا.
إذا عرفت ذلك ظهر لك أنّ حقّ العبارة أن يقول بعد ذكر قول: من اكتفى بكلّ ما دلّ على التراضي و عدّه الناس بيعا: ليشمل المعاطاة، لا بعد ذكر قول: من اعتبر مطلق اللفظ في اللزوم، فإنّ العبارة حينئذ تفيد خلاف المقصود.
قوله: (إلّا أنّ المظنون قويّا تحقّقه على عدم اللزوم) (2).
من الغريب رفع اليد عن الأدلّة الثمانية الدالّة على اللزوم بالإجماع الظنّي، بل ليس ذلك إلّا لعدم تلك الأدلّة، و عدم كون التعاطي من البيع في شيء.
قوله: (بل يظهر منها أنّ إيجاب البيع باللفظ دون مجرّد التعاطي كان متعارفا بين أهل السوق و التجّار) (3).
يعني أنّهم إذا أرادوا اللزوم لم يكتفوا بالتعاطي، بل أوجدوا البيع بالإيجاب و القبول اللفظيين، و هو كذلك حتّى في زماننا هذا، لكن ليس ذلك إلّا لعدم كون
ص: 123
التعاطي عندهم من إنشاء البيع في شيء، و إنّما يكتفون به في المحقّرات تساهلا، لترتّب الفائدة المقصودة لهم عليه، و هو مطلق الملك.
و إن أرادوا البيع حقيقة- كما في الخطير- فلا يكتفون إلّا بالإيجاب و القبول اللفظيّين، و لو كان في الأخبار دلالة فإنّما تدلّ على ذلك، لا على أنّ البيع على قسمين: لفظي لازم، و فعلي جائز.
بل عرفت أن لا معنى للبيع الجائز، لأنّ اللزوم من مقتضيات ذات البيع، و الجواز على خلاف مقتضى ذاته إن ثبت كان ذلك خيارا، و لا يوجب ذلك صيرورة البيع جائزا.
قوله: (الرابع: أن يراد من الكلام المحلّل خصوص المقاولة) (1).
لا يخفى عليك أنّ هذا المعنى إنّما يتمّ بملاحظة صدر الرواية (2)، و إلّا فمع قطع النظر عن الصدر- كما هو المفروض- يكون إرادة هذا المعنى من الكلام من قبيل المعمّى، فالأولى إخراج هذا المعنى عمّا يحتمل الكلام في نفسه.
قوله: (و كذا المعنى الثاني، إذ ليس هنا مطلب واحد) ... (3).
و فيه؛ أنّ المطلب الواحد هو استرباح المشتري الأوّل من الثاني، فيحلّ إن
ص: 124
وقع بالمقاولة أوّلا، ثمّ البيع ثانيا بعد الشراء، و يحرم إن وقع بالبيع قبل الشراء.
ثمّ لا يخفى أنّ الجواب عن الخبر لا ينحصر بصرف الدلالة، بل على تقدير الدلالة أيضا يجاب بأنّ ظاهره في المعاطاة خلاف الإجماع، لحصول الإباحة قطعا، و حمله على نفي اللزوم؛ تأويل لا شاهد عليه.
قوله: (فتأمّل) (1).
إشارة إلى منع عدم إمكان المعاطاة، لأنّ البيع قبل الشراء كما يكون مع كون المبيع عند مالكه كذلك قد يكون مع كون المبيع عنده.
هذا؛ مع ما سيجيء منه رحمه اللّه من حكمه بجريان حكم المعاطاة مع العطاء من طرف واحد، فيمكن في المقام بأخذ البائع الثمن من المشتري.
ثمّ لا يخفى أنّ الحصر هنا إضافي لا يفيد أنّ المحلّل مطلقا هو الكلام.
قوله: (إنّما هذه المراوضة) (2).
أي: المواصفة، فيكون كالمقاولة، فلا يضرّ ذلك، لعدم كونه داخلا في الإنشاء.
قوله: (و إنّما يكره حين العقد) (3).
هذا على ما فهمه البعض (4)، و يحتمل إرادة كراهة أصل بيع المرابحة،
ص: 125
و أولويّة بيع المساومة، كما يشهد به التأمّل في أخبار الباب (1).
قوله: (الأوّل: الظاهر أنّ المعاطاة قبل اللزوم على القول بإفادتها الملك بيع) (2).
و مقابل الظاهر احتمال كونها معاوضة مستقلّة، و قد عرفت أنّ ذلك هو الحقّ الموافق للتحقيق، و عليه فلا إشكال في عدم جريان شيء من شرائط البيع و أحكامه ممّا اختصّ دليله بالبيع، مثل معلوميّة العوضين و خيار المجلس و الحيوان.
نعم؛ يجري فيها ما كان من أحكام مطلق المعاوضة، كالربا على القول به، و قد نبّهناك على أنّ عدم كون المعاطاة بيعا ممّا اتّفقت عليه كلمتهم، و لم يخالف في ذلك إلّا شرذمة من العامّة (3).
فمراد تحقّق البيع بها من دون إنشاء لاغترارهم بإطلاق البيع عليها في العرف.
فاعترضهم أصحابنا- رضوان اللّه عليهم- و نبّهوا على أنّها ليست بيعا و لا عقدا، بل معاوضة مستقلّة (4)، و لم ينسب إليهم القول بالبيعيّة إلّا المحقّق الثاني
1) وسائل الشيعة: 18/ 61 الباب 14 من أبواب أحكام العقود.
2) المكاسب: 3/ 66.
3) انظر! الفتاوى الهندية: 3/ 2، المجموع: 9/ 162 و 163، فتح العزيز: 8/ 101. و لاحظ! المكاسب: 3/ 31، و تذكرة الفقهاء: 1/ 462.
4) الكافي في الفقه: 352 و 353، شرائع الإسلام: 2/ 13، القواعد و الفوائد: 1/ 178 القاعدة 47، جامع المقاصد: 4/ 58.
ص: 126
في «جامع المقاصد» (1)، و هو إمّا لكونه في مقام بيان حصول الملك بها، فأرسل كونها بيعا تسامحا، و هو يريد حصول الملك بها أو لزعمه التلازم بين حصول الملكيّة و البيعيّة.
و قد عرفت عدم الملازمة و تصريحاتهم بنفي البيعيّة، و حينئذ فالاستظهار من «جامع المقاصد» من أنّ كونها بيعا ممّا لا كلام فيه حتّى عند القائلين بكونها فاسدة؛ كالعلّامة رحمه اللّه في «النهاية» مستدلّا على ذلك باستدلالهم عليها بقوله تعالى: أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (2)ممّا لا وجه له (3)، لما عرفت من أنّه خلاف ما اتّفقت عليه كلمتهم، و الاستدلال بالآية ليس في كلام من تقدّم على المحقّق، و إنّما تمسّك بها هو قدّس سرّه، و من تأخّر عنه.
قوله: (و أمّا على القول بإفادتها للإباحة؛ فالظاهر أنّه بيع عرفي) (4).
قوله: (كما أنّه لو تمسّك بها بالسيرة كان مقتضى القاعدة العكس) (5).
وجه التفرقة بين الدليلين؛ أنّ الأوّل عام فتنفى الشرائط المشكوكة بالعموم، و أمّا الثاني حيث إنّه دليل لبّي لا لسان له، فيرجع إلى أصالة عدم المشروعيّة و عدم حصول الأثر، فيقتصر على الخارج المتيقّن من الأصل، و هو الجامع لجميع الشرائط.
ص: 127
هذا على تقدير القول بدلالة عموم «الناس مسلّطون» (1)على ذلك، و إلّا فقد تقدّم منه رحمه اللّه أنّ عمومه باعتبار أنواع السلطنة، و الشكّ هنا في الأسباب، فلا يمكن رفعه بعموم الأنواع.
قوله: (و إن قلنا بإفادة الملك، فيمكن القول بثبوت الخيار فيه مطلقا) (2).
و فيه، أنّه لا وجه لتصوّر الخيار فيما هو مبنيّ على الجواز، فإنّ الخيار حقّ لا يثبت إلّا فيما يقتضي اللزوم بالأوجه أيضا، لمّا لم يكن من أوّل حدوثه بيعا يصير بيعا بعدم اللزوم، لظهور أنّ اللزوم لا يصير غير البيع بيعا.
قوله: (فلو حصل الإعطاء من جانب واحد لم يحصل ما يوجب إباحة الآخر أو ملكيّته) (3).
أقول: هذا بناء على ما بنى عليه رحمه اللّه من حصول الملكيّة بتحقّق قصد إنشاء البيع بالعطاءين في غاية الإشكال، لأنّ إعطاء البائع حينئذ بمنزلة إنشاء الإيجاب، و إعطاء المشتري بمنزلة إنشاء القبول، فلو حصل الإعطاء من جانب صار كالإيجاب بلا قبول، أو كالقبول بلا إيجاب، فيشكل ملك الآخر العوض
ص: 128
الّذي لم يحصل فيه عطاء بعد.
و جعل الآخذ إنشاء التمليك للعوض إنّما يصحّ لو بنينا على حصول الملكيّة بالمعاطاة، فيشتغل ذمّته بالعوض الخاص.
و أمّا بناء على الإباحة؛ فلا معنى لاشتغال الذمّة بغير الملك، و لا معنى أيضا لحصول الإباحة فيما لم يتحقّق فيه إباحة أصلا، و تعلّق الإباحة بالكلّي أيضا لا معنى له.
بل يشكل بناء على الملكيّة أيضا فيما لم يتحقّق فيه إعطاء أصلا، كما فيما ادّعاه بعضهم (1)، و قام عليه السيرة من أخذ الماء مع غيبة السقاء، و وضع الفلس في المكان المعدّ له إذا علم من حال السقاء الرضا بذلك، و كذا غير الماء من المحقّرات، كالخضروات، فإنّه في ذلك- بناء على ما بنى عليه- لا إنشاء من طرف البائع، و لا إنشاء من طرف المشتري، إلّا أن يلتزم بتحقّق الإنشاء بالأخذ و اغتفار الفصل الطويل بين هذين الإنشاءين من دون إقامة الدليل على ذلك.
و أمّا بناء على ما بنينا عليه من حصول الملكيّة باليد من دون حاجة إلى الالتزام بتحقيق الإنشاء من الجانبين، فنقول حينئذ: إذا حصل العطاء من طرف قاصدا تمليكه بعوض مخصوص يملكه الآخذ مضمونا عليه يجوز تصرّفه فيه على تقدير دفعه العوض الّذي أراده المعطي منه، لتقيّد رضاه في التصرّف فيه على ذلك.
و على تقدير عدم دفعه ذلك العوض الخاصّ و إتلافه لم يضمن له إلّا الأقلّ من المسمّى و البدل الحقيقي، لأنّه إن كان المسمّى هو الأقلّ، فالمالك أقدم على
1) لاحظ! المكاسب: 3/ 75.
ص: 129
عدم ضمانه إلّا به، فلا يضمن الزائد لإسقاط المالك ضمانه، و إن كان البدل الحقيقي هو الأقلّ لم يضمن الزائد عنه، لعدم تحقّق ما يوجب الضمان هنا غير اليد، و هي لا تقتضي إلّا الضمان بالبدل الحقيقي.
و ضمان المسمّى إنّما يحصل بالإنشاء، و المفروض عدمه، و حينئذ فلو دفع ما يسوّي درهما بدرهمين من دون أخذ الدرهمين ثمّ أتلفه الآخذ لم يستحقّ منه إلّا الدرهم على تقدير كونه قيميّا و إلّا فلا يستحق منه إلّا المثل.
نعم؛ عليه أن يدفع ما تقاولا عليه، لئلّا يكون غاصبا في تصرّفه، و إلّا فيحصل البراءة بدفع المثل في المثلي، و القيمة حال التلف في القيمي إن قلنا به في الغصب، كما هو المشهور، فإنّ المقام حينئذ يكون منه.
قوله: (ثمّ لو قلنا بأنّ اللفظ الغير المعتبر في العقد كالفعل في انعقاد المعاطاة أمكن خلوّ المعاطاة من الإعطاء و الإيصال رأسا فيتقاولان) (1).
أقول: لا معنى لانعقاد المعاطاة باللفظ الغير المعتبر، لأنّه إن قصد به الإنشاء كان تبعا فاسدا، فلا يؤثّر شيئا من الملك أو الإباحة قطعا، و المفروض عدم تحقّق الإعطاء و الإيصال الموجب لتحقّق الملكيّة، و إن لم يقصد الإنشاء بل كان مجرّد مقاولة على مبادلة شيء بشيء، فلا يكون من البيع في شيء.
و من الغريب حكمه رحمه اللّه بعدم استبعاد الصحّة حينئذ، كصدق البيع عليه.
1) المكاسب: 3/ 76.
ص: 130
قوله: (الثالث: تميّز البائع عن المشتري في المعاطاة الفعليّة) (1).
حيث إنّه رحمه اللّه بنى على كون المعاطاة بيعا استصعب التمييز بين البائع و المشتري من جهة عدم إنشاء لفظيّ، حتّى ذكر رحمه اللّه في بعض صورها وجوها تأتي الإشارة إليها، و نحن لمّا بنينا من عدم تحقّق قصد الإنشاء في التعاطي المعمول بين الناس، و عدم كونه من البيع في شيء و إنّما يكتفى به في مقام البيع عن البيع، في غنى عن ذلك، لأنّه حينئذ لا بيع حتّى يتميّز بين البائع و المشتري.
و أمّا التمييز بينهما و لو في غير المقام، فكلّما ذكروه في ذلك من قبيل اللوازم و الآثار، و حقيقة التمييز إنّما يظهر بما ذكرناه في بيان حقيقة البيع و كيفيّة إنشائه، فإنّ أحد العوضين فيه لمّا كان مقصودا بالأصالة و الآخر مقصودا بالتبع كان مالك المقصود بالأصالة بايعا، و مالك المقصود بالتبع مشتريا.
فمالك الثمن إنّما يكون مشتريا، لأنّ الثمن إنّما يقصد به التوصل إلى المقاصد، و ليس هو بنفسه من المقاصد، فيكون صاحبه مشتريا لذلك، بخلاف سائر الأموال، فإنّها مقصودة بنفسها بالذات، و حينئذ فكلّ معاوضة كان أحد العوضين فيه ثمنا كان صاحب العوض الآخر بائعا، و صاحب الثمن مشتريا.
و إنّما يقع الإشكال فيما إذا كان العوضان معا عروضا، كما إذا أراد بيع اللحم بالحنطة- مثلا- أو الحنطة باللحم، فهل إجراء صيغة البيع- أعني الإيجاب- وظيفة صاحب اللحم أو الحنطة؟ فنقول يمنع في ذلك المقصود بالأصالة،
1) المكاسب: 3/ 77.
ص: 131
و المقصود بالتبع إن كان، و إلّا كان المقام؛ مقام الصلح لا البيع، و ميزان المقصود بالأصالة و التبع إنّما هو بلحاظ قيام أحد العوضين مقام الثمن دون الآخر.
و هذا ظاهر بالرجوع إلى العرف، فإنّ بائع اللحم إذا بذل بإزاء لحمه الحنطة كان صاحب الحنطة مشتريا و صاحب اللحم بائعا، فإنّ المقصود بالأصالة في هذه المعاملة هو اللحم، لأنّ صاحب اللحم لا غرض له بالحنطة، و إنّما تقبّلها بلحاظ الماليّة بخلاف صاحب الحنطة، فإنّ غرضه متعلّق باللحم، و إنّما جعل الحنطة وسيلة لتحصيل غرضه.
و قد يكون في مقام آخر بالعكس، كما إذا كان المقصود بالأصالة هو الحنطة و جعل اللحم وسيلة لتحصيله، و قد يكونان معا مقصودة للمتعاملين بالذات لا بلحاظ الماليّة فقط، كان المورد محلّا للصلح لا للبيع، فالصلح و البيع يفترقان زيادة على كيفيّة الإنشاء من حيث المقام و المحلّ أيضا.
قوله: (ففي كونه بيعا و شراء بالنسبة إلى كلّ منهما) (1).
و فيه؛ أنّه لو بنى على ذلك لزم صدق البيع و الشراء على فعل كلّ من البائع و المشتري، و لو مع الإنشاء اللفظي، و هو ظاهر البطلان.
بل قد عرفت أنّ البيع و الشراء أمران متقابلان يمتنع تصادقهما على فعل واحد، لظهور امتناع تصادق المقصود بالأصالة، و المقصود بالتبع على محلّ واحد.
1) المكاسب: 3/ 78.
ص: 132
قوله: (أو كونه بيعا بالنسبة إلى من يعطى أوّلا، لصدق الموجب عليه (1)).
الإعطاء أوّلا و إن ذكره بعضهم إلّا أنّك قد عرفت أنّه من اللوازم و الآثار، فإنّ البائع لمّا كان مالكا للمقصود بالأصالة، و الثمن وسيلة إلى تحصيله وجب عليه الإعطاء أوّلا على البائع، لأنّ كلّ من أعطى أوّلا صار بائعا لذلك.
قوله: (أو كونه معاوضة مستقلّة لا يدخل تحت العناوين المتعارفة) (2).
قد عرفت أنّ هذا هو الصواب حتّى فيما كان أحد العوضين من الأثمان، لكن لا بطريق الإنشاء- كما زعمه- بل بطريق الأسباب، كما حقّقناه.
قوله: (الرابع: إنّ أصل المعاطاة- و هي إعطاء كلّ منهما الآخر ماله- يتصوّر بحسب قصد المتعاطيين على وجوه) (3).
ذكر رحمه اللّه وجوها أربعة بحسب قصد المتعاطيين عند قصد الإنشاء بالتعاطي، بل زاد بعضهم وجوها اخر حكموا بصحّتها للعمومات ك أَوْفُوا (4)و أمثاله (5).
ص: 133
لكن لا يخفى عليك أنّ عقود المعاملات محصورة، فما لم يدخل في إحداها لم يمكن الحكم بصحّتها.
و الحقّ إنّ الإنشاء بالفعل عندهم في المعاملات غير صحيح إلّا مع الاضطرار، كما في إشارة الأخرس نعم، يكتفى بالفعل- أي التعاطي أو العطاء في مقام كلّ عقد عن إنشاء- فيكتفى بالتعاطي في مقام البيع عن إنشائه، و في مقام الهبة عن إنشائها، و في مقام الرهن أو الوقف عن إنشائهما، لا أنّه يقصد بالفعل إنشاء هذه العقود حتّى يكون الفعل في هذه المقامات من العقد الفعلي كي يتمسّك لصحّتها بالعمومات، و حكم هذه القصود عند الإعطاء مع عدم قصد الإنشاء ظاهر.
قوله: (فيكون إطلاق المعاطاة عليه من حيث حصول المعاملة فيه بالعطاء دون القول) (1).
الظاهر أنّ إطلاق المفاعلة على ما لم يكن الفعل بين اثنين غير واقع، و عدم كون المقام مثل المصالحة و المساقاة و المزارعة و المؤاجرة ظاهر، لأنّ الصلح الملحوظ من الطرفين على نحو سواء متقوّم بالمتعاملين، كما أنّ السقي و الزراعة أيضا متقوّم بهما مباشرة من أحدهما و تسبيبا من آخر، و ليس المؤاجرة إلّا كالمبايعة صحّتهما مبتنية على ملاحظة القيام بالطرفين مع قطع النظر عن الملحوظيّة على سبيل الاستقلال و التبعيّة.
و أمّا الإطلاق على الرهن و القرض و الهبة؛ فغير واقع، بل غير صحيح.
نعم؛ يصحّ القول بأنّ هذه هبة معاطاتيّة و رهن معاطاتي، لكن لم يرد من
1) المكاسب: 3/ 80.
ص: 134
المعاطاة إلّا معاطاة البيع، و إنّما نسب الرهن و الهبة إليها باعتبار المشابهة من عدم إنشاء اللفظي، و حصول الأثر بالفعل، أثر اللفظ.
هذا؛ مع أنّ في احتمال صدق المعاطاة على عطاء واحد مع وجود العطاءين، و كونه القدر المتيقّن من مورد المعاطاة لا يخلو من شيء.
قوله: (و هذا بعيد عن معنى البيع و قريب إلى الهبة المعوّضة) (1).
وجه البعد عن البيع عدم حصول المبادلة بين المالين، و وجه القرب إلى الهبة المعوّضة خلوّ كلّ مال عن العوض.
و وجه عدم إجراء حكم الهبة المعوّضة عليه أنّ التمليك هنا بإزاء التمليك، فلا يتحقّق الأوّل إلّا بعد تحقّق الآخر، و في الهبة المعوّضة لوحظ التمليك الآخر على نحو الاشتراط، و يكون في الحقيقة قيدا للالتزام بعد الرجوع، كالاشتراط في ضمن البيع حيث يوجب تخلّفه ثبوت الخيار البطلان، ثمّ التمليك يلازم التملّك، فلا يمكن الحكم بتوقّفه على تمليك الثاني، و على فرض قصده ذلك لم يكن إعطاء الأوّل تمليكا، فيرجع ذلك إلى المبادلة بين المالين.
و الحاصل؛ أنّ التمليك بإزاء التمليك إمّا يرجع إلى المعاوضة بين المالين، و إمّا يرجع إلى الهبة المعوّضة، و لا ثالث لهما.
1) المكاسب: 3/ 81.
ص: 135
قوله: (كما صرّح في «التذكرة» (1)بأنّ قول الرجل لمالك العبد: أعتق عبدك عنّي بكذا) (2).
و إذ قد علمت ممّا سبق أنّ الالتزام بالملك التقديري في قول الرجل: أعتق عبدك عنّي، مع حصول العتق عنه أيضا باطل، و توضيح الكلام في ذلك يتوقّف على بيان مقدّمتين:
الاولى: أنّ التملّك كما يكون بالعقد و الإنشاء كذلك قد يكون بالضمان، و الضمان كما يكون باليد كذلك قد يكون بالاستيفاء، و الاستيفاء كما يكون بالانتفاع كذلك قد يكون بالاستدعاء.
و لذا ذكروا أنّ الأمر بالعمل موجب للضمان دون العمل بدون الأمر، فإنّه حينئذ متبرّع به، و كذلك الأمر بصرف المال فيما يعود نفعه إليه موجب للضمان دون الأمر بالإتلاف من دون عود نفع إليه.
و من هذا الباب قول جالس السفينة لصاحبه: ألق متاعك في البحر و عليّ ضمانه، فإنّه يضمن بذلك قيمة المتاع بصرفه المال فيما يعود إليه نفعه و هو النجاة من الغرق، بخلاف قوله في ساحل البحر ذلك، فإنّه حينئذ ليس من صرف المال فيما يعود إليه نفعه في شيء، فلا يكون استيفاء، بل مجرّد أمر بالإتلاف و هو غير موجب للضمان.
الثانية: أنّ الإدخال في الملك بغير الاختيار من غير ولاية من جهة كونه
ص: 136
منافيا لسلطنة الشخص على نفسه غير صحيح، و إنّما خرجنا عن ذلك بالدليل في موردين: أحدهما في الإرث، و الآخر في البطون اللاحقة من الموقوف عليهم، و ليس لنا ملك قهري فيما عداهما.
لكن ليس من ذلك صرف المال في دين الغير بقبول الدائن من غير حاجة إلى قبول المديون، فإنّ الصرف في الدين وجه من وجوه المصارف في المال لا ربط لرضاء المديون في ذلك.
إذا عرفت ما مهّدناه لك من المقدّمتين ظهر لك أنّ براءة ذمّة المستدعي من العتق في الكفّارة لا تحتاج إلى الدخول في ملكه، بل يكفي في ذلك حصول العتق، و لو عن ملك غيره، لكن مع نيّة الوفاء عمّا في ذمّة المستدعي ثمّ يملك المعتق على المستدعي ما عيّنه من جهة ضمانه بالاستيفاء، لا من جهة حصول البيع و إنشائه بلفظ العتق، مع عدم تفطّنه لإرادة البيع من لفظ العتق أصلا و رأسا.
و من هنا صحّ العتق و استحقّ القيمة من المستدعي و إن لم يعيّن القيمة عند الاستدعاء، كأن قيل: أعتق عبدك عنّي و عليّ قيمته، فإنّه حينئذ يصحّ العتق و يرجع إلى المقوّمين و إن لم يعلما بها حين العتق و الاستدعاء.
و لو كان ذلك بيعا لوجب اعتبار المعلوميّة في العوض، فليس ذلك إلّا لعدم كونه من البيع في شيء.
ص: 137
قوله: ( [و دعوى أنّ الملك التقديري هنا أيضا لا يتوقّف على دلالة دليل خاصّ ...] مدفوعة بأنّ عموم «الناس مسلّطون على أموالهم» (1)إنّما يدلّ على تسلّط الناس على أموالهم، لا على أحكامهم) (2).
يعني: أنّ دخول العوض في ملك غير من خرج عنه المعوّض ليس من وجوه السلطنة و شئونها حتّى يثبت بالعموم، لظهور أنّ توقّف الإخراج على أسباب خاصّة ليس قصورا في السلطنة، فالعموم حينئذ ساكت عن ذلك و مهمل من هذه الجهة.
فلو لم يكن هناك دليل من العقل و النقل على امتناع دخول العوض في ملك غير من خرج عنه المعوّض لم يكن العموم أيضا متعرّضا و مثبتا لجوازه، و حينئذ فلا يكون دليل الامتناع من العقل و النقل حاكما على عموم السلطنة، و الحاكم على عموم السلطنة إنّما هو أدلّة الحجر، بل جميع أدلّة الموانع حاكمة على أدلّة المقتضي، كحكومة أدلّة الخيارات على أدلّة لزوم العقود، فحكومة دليل الامتناع هنا ممّا لا وجه له.
قوله: (فتأمّل) (3).
لعلّه إشارة إلى بطلان القول بالملك القهري آنا ما حينئذ أيضا، لأنّ التعارض و التزاحم إذا كان بالعموم من وجه وجب الرجوع إلى قاعدة الجمع بين
ص: 138
الدليلين لا التزام بالملك التقديري.
نعم؛ لو دلّ الدليل على صحّة التصرّفات المتوقّفة على الملك بالإباحة المطلقة بالخصوص كان مقتضى الجمع بينه و بين دليل توقّف البيع على الملك؛ القول بالملك التقديري، لا ما إذا كان الدليل عموم السلطنة.
قوله: (و أمّا حصول الملك في الآن المتعقّب بالبيع) .. إلى آخره (1).
يعني: أنّ التصرّف هنا كاشف عن حصول الملك قبله في الآن المتّصل به، لتحقّق الرجوع قبله، و يشكل ذلك بوجوب الالتزام بحصول الرجوع بمجرّد الرضا بالتصرّف، فيجب الالتزام بذلك مع الفسخ القولي أيضا، و هو باطل إجماعا.
و التحقيق فيه يظهر ممّا ذكرناه لك سابقا من أنّ للمالك سلطنتين: إحداهما على المال، و الاخرى على نفس السلطنة.
و الثانية و إن كانت من آثار الاولى و حال الاجتماع ليس إلّا سلطنة واحدة في الخارج، إلّا أنّهما متعدّدان بحسب التحليل، يظهر ذلك بملاحظة الافتراق، فإنّ السلطنة على المال قد يفترق عن السلطنة على التسليط، كما في المولّى عليه، فإنّ المال مملوك للمحجور عليه و جميع آثار الملك مترتّب عليه، كعود النماء إليه و حصول الاستطاعة له، و مع ذلك ليس له سلطنة النقل إلى غيره.
كما أنّ الولي؛ له حينئذ سلطنة نقل أموال المولّى عليه من دون أن يكون المال مملوكا له، و حينئذ فنقول: إذا وهب المالك ماله لغيره، فالهبة إنّما تؤثّر نقل
1) المكاسب: 3/ 88.
ص: 139
المال لا إزالة السلطنة على النقل، فتبقى العين الموهوبة على ملك من انتقل إليه حيثما أراد الواهب و يرجع إليه حيثما أرجعه.
و إذا بقي للواهب سلطنة النقل إلى نفسه فبتلك السلطنة يتسلّط على النقل إلى غيره أيضا، و لا يحتاج إلى الالتزام بحصول الملك آنا ما قبل التصرّف، لدخول المعوّض في ملكه، لا يكفي في ذلك بقاء تلك العلقة و وجود تلك السلطنة، فإرجاع المال إلى غيره عين إرجاعه إلى نفسه، فيتحقّق الرجوع و الملكيّة بنفس هذا التصرّف مرّة واحدة، فالعلاقة السابقة هي الّتي أوجب إرجاع الثمن إليه بقصده البيع لنفسه من غير حاجة إلى الالتزام بفعليّة التملّك قبل البيع من دلالة دليل عليه.
و منه يظهر الكلام في تصرّف ذي الخيار، فلا حاجة إلى الالتزام بالملك التقديري في شيء من الموارد الّتي ذكروها.
قوله: (و مقتضى ذلك أن يكون تسليط الشخص لغيره على ماله و إن لم يكن على وجه الملكيّة يوجب جواز التصرّفات المتوقّفة على الملك، فتأمّل) (1).
و لا يخفى أنّ حكم الجماعة بملكيّة الغاصب للثمن مع علم المشتري بالغصب إنّما هو لبنائهم على عدم تحقّق المعاوضة و كون التمليك مجانيا، لأنّ تسليط الغاصب على ماله مع عدم إرادته منه غير ما يعلم أنّه لا يستحقّه تسليط مجاني ليس من المعاوضة في شيء.
و حينئذ فتجويزهم التصرّفات المتوقّفة على الملك إنّما هو لبنائهم على
1) المكاسب: 3/ 89.
ص: 140
حصول الملكيّة له باليد لا لترتّبه على الإباحة، و قوله: (فتأمّل) لعلّه إشارة إلى ذلك.
قوله: (فيشكل الأمر فيه من جهة خروجه عن المعاوضات المعهودة شرعا) (1).
أقول: خروجه عن المعاوضات المعهودة لا يوجب إشكالا في ترتّب أحكام الإباحة، فإنّها لا تتوقّف إلّا على الإذن، بل الرضا، و إن استفيد ذلك بالقرائن، و لا تتوقّف على إنشاء أصلا، و التقييد بالعوض إنّما يوجب توقّفها عليه، لا ترتّب أحكام المعاوضة، فعدم كون الإباحة بالعوض من المعاوضات في غاية الوضوح.
و لا وجه لجعل ذلك نوعا من الصلح من جهة صدق التسالم عليه، لظهور أنّ مجرّد ذلك لا يوجب صيرورته صلحا، و إلّا لكان الإقالة أيضا صلحا، لأنّها تسالم على فسخ البيع و نحوه، بل لا يخلو معاملة عن تسالم.
و قد ذكرنا أنّ الصلح إنّما يفرق عن سائر العقود بالتركّب عن الإيجابين، لا بكونه إنشاء للتسالم، أو إنشاء بلفظ الصلح، أو بصدق التسالم عليه مطلقا.
و التعبير بالتسالم إنّما هو للتنبيه على أنّه مفاعلة لا فعل و انفعال، و ليس له متعلّق خاصّ، بل يجامع آثارا كثيرة.
و قول المتصالحين: لك ما عندك، ولي ما عندي، كما دلّ عليه الخبر (2)
ص: 141
ليس من الفعل و الانفعال في شيء، فالوجه حينئذ حصول الإباحة بتحقّق الرضا بالتصرّف من دون أن يصير المال ملكا للمباح له، و جواز جميع التصرّفات عدا المتوقّفة على الملك و حصول الملكيّة للمبيع بدفع للعوض من جهة اليد، فالواقع من أحدهما حينئذ إباحة، و من الآخر هبة، يترتّب على كلّ منهما ما يترتّب عليه مع الانفراد.
و لا وجه للحكم باللزوم لا مطلقا، و لا من طرف المباح له خاصّة، و إن بنينا على كونه معاوضة مستقلّة، لأنّ مجرّد ذلك لا يوجب خروج حقيقة الإباحة عن كونها إباحة، فيكون التمليك من الآخر مجانيا، إلّا إذا خرج الإباحة عن حقيقتها، فيمكن حينئذ إخراج التمليك عن المجانية بأن جعل المقابلة بين المال و المنافع، فالواقع من المبيح حينئذ يكون إجارة، و المال من المباح له عوضا للمنفعة، فتكون المعاطاة حينئذ معاطاة إجارة، و هو خلاف المفروض.
و الحاصل؛ أنّ اللزوم هنا لا يتصوّر إلّا بإخراج الإباحة عن حقيقتها و جعلها من قبيل الإجارة، و باقي الكلام فيها في التنبيه الخامس.
و منه يظهر الكلام في الإباحة بالإباحة، و جريان أحكامها في الطرفين من غير حاجة إلى جعلها مشمولة لعموم التجارة و البيع، أو جعلها نوعا من الصلح، أو معاوضة مستقلّة مستفادا مشروعيّتها من عموم «الناس مسلّطون على أموالهم» (1)بل يكفي فيها ما دلّ على جواز التصرّف في مال الغير برضاه.
1) المكاسب: 3/ 91.
ص: 142
قوله: (و لو كانت هذه إجارة فاسدة لم يجز له العمل، و لم يستحق اجرة مع علمه بالفساد، و ظاهرهم الجواز بذلك) (1).
و فيه؛ أنّ جواز العمل إذا لم يكن في عين من أموال الآمر بالعمل لم يتوقّف على رضى الآمر، فضلا عن صحّة الإجارة، و إذا كان في عين من أمواله، فإنّما يتوقّف على رضاه لا على صحّة الإجارة، فهو حينئذ لازم أعم، لا دلالة فيه على الإجارة فضلا عن صحّته.
و أمّا استحقاق الاجرة، فإنّما هو للضمان من جهة تحقّق الاستيفاء بالأمر، و الاستدعاء مع عدم قصد التبرّع من العامل، لا من جهة وقوع الإجارة، و لذا لا يستحقّ العامل الاجرة إلّا بعد العمل، و لا المسمّى إلّا مع كونه بقدر اجرة المثل أو أقلّ منها، لأنّ العامل حينئذ متبرّع بالنسبة إلى الزائد من اجرة المثل عن المسمّى.
أمّا مع كون المسمّى أزيد؛ فلا وجه لاستحقاقه بعد فرض عدم وقوع عقد الإجارة و عدم تملّكه للاجرة بالإنشاء، و الضمان لا يقتضي أزيد من البدل الحقيقي.
قوله: (و [كذا] لو وهب بغير عقد، فإنّ ظاهرهم جواز الإتلاف، و لو كانت هبة فاسدة لم يجز، بل منع من مطلق التصرّف) (2).
قد عرفت أنّ اليد من الأسباب المملّكة، فلا إشكال حينئذ في حصول الملكيّة باليد بعد العطاء، لكن جواز الإتلاف و جواز مطلق التصرّف لا دلالة
ص: 143
فيهما على الملكيّة، لأنّه يكفي فيهما مجرّد الرضا الإباحيّة، فليس شيء منهما لازما مساويا لها حتّى يستدلّ بهما عليهما.
قوله: (لكون الفعل مفيدا للتمليك فيهما) (1).
و فيه؛ أنّ الفعل الّذي لم يقصد به الإنشاء- كما هو المتداول عند الناس في البيع و الإجارة- لا وجه لإفادته الملكيّة بالنسبة إلى المنفعة.
و قد عرفت أنّ الاستحقاق بسبب الاستيفاء غير الاستحقاق بسبب الملكيّة فمن رضي بسكنى داره في مدّة معلومة- مثلا- باجرة معيّنة من دون إنشاء صيغة الإجارة، فإنّما يستحقّ الاجرة بسكناه في تلك المدّة من جهة الضمان بالاستيفاء، لا من جهة المعاوضة و تملّك الساكن للمنفعة، و إلّا وجب عليه دفع الاجرة.
و إن لم يقع منه سكنى في تلك المدّة و هو باطل بالبديهة. بل استحقاق تلك الاجرة المعيّنة إنّما هو على تقدير كونها مساويا لاجرة المثل أو أقلّ منها، و أمّا مع الزيادة، فلا وجه لاستحقاقها، و إن رضي بتلك الزيادة قبل السكنى من أوّل الأمر، لأنّ الرضا بمجرّده ليس من الأسباب المملّكة، و لا ممّا يوجب به اشتغال الذمّة.
نعم؛ جواز التصرّف و إباحته متوقّف على دفع تلك الزيادة، و لكن هذا أمر آخر لا ربط له باشتغال الذمّة و حصول الملكيّة، فإنّ المالك إذا كان سبب تملّكه للاجرة استيفاء الغير للمنفعة لا يملك عليه أزيد من اجرة المثل، و الرضا إنّما ينفع مع وقوعه في ضمن الإنشاء لا مطلقا، و الفرض هنا عدمه.
1) المكاسب: 3/ 93.
ص: 144
و أمّا مع كون الاجرة المعيّنة أقلّ من اجرة المثل فإنّما لا يملك الزيادة لكونه متلفا للزيادة برضاه بالأقلّ على نحو المجانية مع عدم إقدام المستوفي للمنفعة في الضمان بأزيد ممّا عيّنه، فلا يتحقّق بالنسبة إلى الزيادة سبب الضمان، و الفرض عدم الاستحقاق إلّا بالضمان، فلا يستحقّها.
قوله: (و ظاهر المحكي عن «التذكرة» (1)عدم القول [بالفصل] بين البيع و غيره) .. إلى آخره (2).
لا يخفى أنّ العبارة المحكية لا دلالة فيها على ما ذكره، و إنّما المراد من العبارة أنّ من خالف في البيع من العامّة حيث حكم بتحقّقه بالتعاطي خالف في الرهن فحكم بتحقّقه بالعطاء بعنوان الرهن من دون إنشاء، و كما حكم ببطلانه في البيع يحكم ببطلانه في الرهن أيضا، فإنّهما معا من مقولة الإنشاء لا تتحقّقان بدونه أمّا أنّ التعاطي في البيع يفيد في البيع الإباحة و الملكيّة الجائزة، فلا نظر إليه في العبارة، فأين ذلك من نفي القول بالفصل بين البيع و غيره مطلقا من حيث الصحّة و الفساد حتّى تكون معنى العبارة: كلّ من حكم بالصحّة في البيع حكم بها في الرهن، و من حكم بالبطلان فيه حكم به في الرهن أيضا؟ و هذا ظاهر.
ثمّ إنّ عدم جريان المعاطاة في الرهن على ما بنينا عليه ظاهر، و ذلك لظهور أنّ المقصود من الرهن إثبات تعلّق حقّ من الدائن على العين المرهونة زائدا على تعلّقه بذمّة المديون، فيتبع الحقّ حينئذ على العين و الذمّة معا.
ص: 145
و ظاهر أنّ اليد بمجرّدها لا دليل على إثباتها لذلك من دون إنشاء، و إن كان الإنشاء وحده أيضا لا يكفي في ذلك، بل لا بدّ من تحقّق القبض بعده أيضا، إلّا أنّ ذلك من جهة دلالة الأدلّة على اشتراط القبض في الصحّة، و إلّا فالرهن لا يتحقّق إلّا بالإنشاء.
ثمّ الرهن لا يتصوّر فيه الجواز من الراهن، لظهور منافاته لحقيقته الّتي هي إثبات حقّ من المرتهن على العين المرهونة دون الراهن على المرتهن، فلا معنى للجواز من طرفه.
و على أيّ حال؛ فليس الوجه في عدم جريان المعاطاة فيه لزومه، و عدم تصوّر الجواز فيه مع الإجماع على توقّف العقود اللازمة على اللفظ، بل الوجه ما عرفت.
و بما ذكر يظهر عدم جريانها بناء على ما بنينا عليه في المزارعة و المساقاة و المضاربة، لظهور أنّ استحقاق حصّة خاصّة من النماء و الربح لا يمكن إلّا بالعقد و الإنشاء و لا دليل على حصول ذلك بمجرّد التراضي و اليد.
نعم؛ تجري المعاطاة في العقود الإذنيّة كالوديعة و العارية و الوكالة، فإنّ آثارها تكفي فيها مجرّد الإذن، و لذا اكتفوا بالقبول الفعلي، فيصحّ ترتيب آثارها باليد و إن لم يحصل هناك إنشاء إيجاب و قبول.
و كذا الفسخ بالخيار و الإقالة و الرجوع على الزوجة، فإنّه يكفي فيه مطلق الكاشف عن الإرادة.
ص: 146
قوله: (و لأجل ما ذكرنا في الرهن يمنع من جريان المعاطاة في الوقف) (1).
و تفصيل جريانها فيه بناء على ما بنينا عليه يتوقّف على معرفة حقيقة الوقف، و كيفيّة تأثيره، فنقول: حقيقته تحبيس الأصل و تسبيل الثمرة، أي بإخراج المال عن نفسه، و تسبيل ثمرته، و التسبيل ينقسم على وجوه لا يخلو أنواعه عن هذه الثلاثة مع اشتراك الجميع في الإخراج عن النفس:
الأوّل: تمليك الانتفاع، أي جعل العين الموقوفة كالمباحات الأصليّة من حيث الانتفاع، فيجوز لكلّ من الموقوف عليهم خصوص الانتفاع بها بنفسه لا بالمعاوضة عليه، كوقف المساجد و المدارس و الرباط.
الثاني: تعيينها للصرف في جهة خاصّة كالوقف للصرف في التعزية و معونة المحتاجين من الزوّار و المجاورين، أو مطلق وجوه البرّ، و هذا يوجر و يعاوض بمنافعها، و يصرف العوض فيما عينه الواقف.
الثالث: تمليك المنفعة، أي تسليط الموقوف عليهم على العين تسليطا أقوى من الأوّل، فيرجع منافع العين الموقوفة إليهم مطلقا، سواء استوفوها بأنفسهم أو بالمعاوضة عليها، فيكون لكلّ واحد فيها حصّة معيّنة يختصّ به، بخلاف الأوّل، بل إن غصبها غاصب ضمن قيمة ما استوفاه، أو فات تحت يده لهم، بخلاف الأوّل.
فلو سكن المدرسة- مثلا- غير الموقوف عليه غصبا لم يضمن لأحد و إن
1) المكاسب: 3/ 94.
ص: 147
عصى بسكونه، و يسمّى الأخير في لسانهم بالوقف الخاصّ، كما أنّه يسمّى الأوّلان بالعام، و الحقيقة لما ذكرنا لا ما توهّم من قلّة الموقوف عليه و كثرته، فإنّ مجرّد ذلك لا يوجب اختلاف الحقيقة، كما هو ظاهر.
إذا عرفت ذلك، فنقول: توقّف حصول هذه الآثار على الإنشاء ظاهر، لأنّ مجرّد اليد لا وجه لتأثيرها لخصوص هذه الآثار حتّى بالنسبة إلى من لم يتحقّق بالنسبة إليه يد أصلا، فليس ذلك إلّا بالأدلّة الخاصّة الّتي لا دلالة فيها على حصولها بمجرّد القصد و القبض، و القبض و إن كان شرطا في الصحّة أو اللزوم، لكن لا يتحقّق الوقف بمجرّده، بل إنّما هو متمّم لتأثير الإنشاء.
نعم؛ في خصوص وقف المسجديّة لما عرفت من أنّ الخروج عن الملك يكتفي فيه بفعليّة رفع اليد من دون حاجة إلى الإنشاء.
و من هنا احتمل الشهيد في «الذكرى» تبعا للشيخ قدّس سرّه الاكتفاء بغير اللفظ في خصوص وقف المساجد (1)، لما قيل: إنّه فيها من قبيل فكّ الملك، و لا يجري ذلك في غيرها من الأوقاف (2).
و بما ذكرنا يتّضح الحكم أيضا في الرقبى و العمرى و الحبس و السكنى، فإنّ ما يلزم فيها ملك المنفعة، و هو ما كان مقيّدا بوقت خاص لا ريب في توقّفه على الإنشاء، و ما يلزم فيها ذلك لا بأس بالاكتفاء فيه باليد لترتّب ذلك عليها أيضا.
ص: 148
قوله: (أمّا على القول بالإباحة؛ فواضح) (1).
كون التلف ملزما على القول بالإباحة معناه عدم جواز الرجوع إلى المثل أو القيمة بعد التلف، و إلّا فاللزوم مع الإباحة من المتنافيين، فالغرض ترتّب أثره عليه على هذا القول لا اللزوم الواقعي، لظهور الفرق بين عدم إمكان الاسترداد من جهة فقد الموضوع و عدمه من جهة فقد العلاقة و قطع السلطنة.
قوله: (و توهّم جريان قاعدة الضمان باليد هنا مندفع بما سيجيء) (2).
إشارة إلى ما سيذكره من قوله: (و التمسّك بعموم على اليد هنا في غير محلّه) (3).. إلى آخر ما سيجيء.
قوله: (و أما على القول بالملك، فلما عرفت من أصالة اللزوم) (4).
و لا يخفى عليك أنّه رحمه اللّه خالف بذلك طريقة الأصحاب، فإنّهم أطبقوا على أصالة الجواز في المعاطاة، لما هو عليه من عدم كونها من البيع في شيء، و لذا لم يتمسّك لصحّتها أحد منهم بعمومات البيع و العقود، و إنّما خرجوا من حكمه مع التلف، لامتناع التراد، لا لانقلاب الجائز لازما، و كون التلف ملزوما.
ص: 149
و لذا عبّر عن اللزوم بعضهم في المقام بامتناع التراد، و من عبّر باللزوم فقد سامح، فإنّه لا وجه لتحقّقه بعد عدم ثبوته من أوّل الأمر.
و أمّا شيخنا رحمه اللّه فقد سلك مسلكا آخر و بنى على اللزوم حقيقة، لكن في خصوص صورة التلف للأدلّة الثمانية المتقدّمة العامّة لصورتي الوجود و العدم، خرج عنهما خصوص صورة الوجود- أي وجود العينين- بالإجماع، و بقي الباقي- و هو صورة التلف- تحت العمومات، فاللزوم عنده حينئذ للأدلّة الثمانية لا يكون التلف ملزما، و هو خارج عن طريقتهم، كما عرفت.
ثمّ دفع عن نفسه توهّم جريان استصحاب الجواز الثابت قبل التلف بكون متعلّق الجواز هنا خصوص العينين دون العقد، لأنّ الإجماع المخرج عن العمومات إنّما تعلّق بجواز تراد العينين لا بجواز نفس العقد، فلا يبقى متعلّق له بعد التلف.
و على فرض الشكّ في ذلك و احتمال تعلّقه بالعقد لا مجرى أيضا للاستصحاب، لكون الشكّ حينئذ في الموضوع، و لا مجرى للاستصحاب مع الشكّ في الموضوع، فلا دليل في مقابلة أصالة اللزوم على ثبوت أزيد من جواز تراد العينين الّذي لا يتحقّق، إلّا مع بقائهما.
و هذا كما ترى خارج عن طريقتهم.
و الحقّ ما عرفت من ترتّب حكم اللزوم بالتلف، بمعنى عدم إمكان العمل بالجواز لفقد الموضوع، و عدم تحقّق ما يوجب الضمان لا اللزوم الحقيقي و تغيّر علقة المالك الأوّل في ما ملكه.
ص: 150
قوله: (و فيه أنّها معارضة بأصالة براءة ذمّته عن مثل التالف [عنده]، أو قيمته) (1).
يعني: أنّ الحكم بالجواز يقتضي الحكم باشتغال الذمّة بالمثل أو القيمة بعد الفسخ و الرجوع، كما في الإقالة بعد التلف في البيع الإنشائي، و هو خلاف الأصل.
قوله: (و التمسّك بعموم على اليد هنا في غير محله) .. إلى قوله: (و ليس هذا من مقتضى اليد قطعا) (2).
و فيه؛ أنّ ما ذكره منقوض بالإقالة بعد التلف، فإنّه لا ريب في الرجوع إلى المثل أو القيمة بعد الإقالة.
مع إمكان أن يقال: إنّ هذه اليد قبل تلف العين لم يكن يد ضمان إلى آخر ما ذكره، مع وضوح أنّ الرجوع إلى المثل أو القيمة فيها ليس إلّا من جهة الضمان باليد، كما يكشف عنه قولهم: إنّ المبيع مضمون بالمسمّى، و لم يريدوا بهذا الضمان إلّا ضمان اليد، كما سيتّضح لك عند بيان المراد من قولهم: (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده).
قوله: (و لكن يمكن أن يقال: إنّ أصالة بقاء السلطنة حاكمة على أصالة عدم الضمان [بالمثل أو القيمة، مع أنّ ضمان] التالف ببدله معلوم) .. إلى قوله:
(فلا أصل) (3).
و فيه؛ أنّ حكومة أصالة بقاء السلطنة على أصالة عدم الضمان ممّا لا وجه لها، لظهور أن ليس السلطنة على من تلف العين في يده من آثار السلطنة على
ص: 151
العين الموجودة، و إنّما هي من آثار الضمان المقطوع بعدمه، بعد فرض كون التلف بإذن مالكه على وجه المجانية، و عدم الضمان، كما هو مقتضى الإباحة.
فالحقّ أنّه على القول بالإباحة الّتي لم يظهر لنا قائل ممّن تقدّم لا وجه لتوهّم اللزوم، لاستحالته في العقود الإذنيّة.
نعم؛ ليس لمن بيده العين الموجودة الردّ بتضمين من تلف العين في يده، لما عرفت من عدم موجب الضمان لا لزوم الإباحة.
قوله: (و لو كان أحد العوضين دينا في ذمّة أحد المتعاطيين، فعلى القول بالملك يملكه من في ذمته فيسقط عنه) (1).
قد عرفت فيما بيّناه لك في بيع الدين ممّن عليه الدين أنّ المترتّب على البيع أوّلا هو السقوط من غير حاجة إلى الالتزام بترتّب الملكيّة، ثمّ السقوط، و هذا إنّما هو في البيع الحاصل بالإنشاء.
و أمّا في التعاطي الّذي لم يحصل به الإنشاء على ما بنينا عليه فدفع المديون عينا عمّا في ذمّته و لو مع عدم الانطباق إيفاء للدين، يسمّى عندهم بالمعاملة الوفائيّة لا يحتاج إلى إنشاء، بل تتحقّق بالقبض و التراضي.
فلو دفع من في ذمّته خمسة دراهم- مثلا- عينا يسوّي عشرة دراهم بعنوان الوفاء عمّا في ذمّته و قبل الآخر عنه بالقبض بعد الإقباض و تراضيا على ذلك برئ و يلزم، كما أنّه لو دفع عنه ما يسوّي در همين و قبل الآخر بالقبض برئ
1) المكاسب: 3/ 98.
ص: 152
أيضا و لزم، و ليس لأحدهما الرجوع على الآخر في الصورتين.
كما لو كان الإيفاء بالجنس و الذمّة إذا برئت لا يعود إلّا بأسباب حادثة توجب اشتغالها، و الاشتغال السابق ممّا لا يعقل عوده، فقوله رحمه اللّه: (و يحتمل العود) (1)ممّا لا وجه له.
قوله: (و لو عادت العين بفسخ) .. إلى قوله: (أجودهما ذلك) (2).
إنّما اختار عدم الجواز لما بنى عليه من أصالة اللزوم، و الاقتصار في الخروج عنها على القدر المتيقّن مع المناقشة في الاستصحاب من جهة الشكّ في الموضوع.
و أمّا بناء على ما اخترناه من أصالة الجواز؛ فلا ريب في جواز الترادّ، لأنّ الخروج عن الملك إنّما يمنع جواز الرجوع من جهة فقد الموضوع لا لضعف في سلطنة الارتجاع، فإذا عادت العين إلى ملكه عادت سلطنة الارجاع عليها، لأنّها عين ما ملكه الباقي، مع بقاء سلطنة الارتجاع، إنّما منع عن فعليّتها خروجها عن ملكه، فإذا ارتفع المانع أثر المقتضي أثره.
قوله: (نعم؛ لو كان غير معاوضة كالهبة، و قلنا) (3).
و فيه؛ أنّ المانع غير منحصر في الخروج عن قانون المعاوضة، بل التمليك
ص: 153
لا يعقل من غير المالك إلّا على وجه النيابة المفروض عدمها بالنسبة إلى المباح له، فإنّ المباح له إنّما يملك المتّهب عن نفسه لا عن المبيح، لظهور أنّ تصرّفات المباح له ليس على وجه النيابة و الوكالة.
إلّا أن يقال: إنّ المباح له و إن لم يقصد ذلك إلّا أنّه يكفي في ذلك مجرّد الرضا و عموم الإذن من المبيح.
قوله: (فإن جعلنا الإجازة كاشفة) .. إلى آخره (1).
هذا مبنيّ على القول بالكشف الحقيقي في الإجازة في الفضولي، و سيجيء بطلانه، بل عدم القول به ممّن تقدّم.
قوله: (و لو امتزجت العينان أو إحداهما) (2).
تحقيق الكلام في صورة الامتزاج بناء على ما بنينا عليه هو أنّه مع حصول الامتزاج في العينين معا لا وجه لرجوع أحدهما على الآخر، لما عرفت من أنّ السلطنة على الرجوع من كلّ منهما تتوقّف على تمكّنه من ردّ عوضه على ما كان عليه، و هو هنا غير حاصل، لأنّ المزج مع عدم الامتياز موجب للشركة، و الشركة توجب ضعف السلطنة الاولى على ما هي عليها، فيكون الامتزاج حينئذ كالتلف ملزما، و هذا مع الامتزاج من الطرفين ظاهر.
و أمّا مع الامتزاج من أحدهما دون الآخر؛ فقد يتوهّم أنّ من لم يحصل
ص: 154
عنده الامتزاج له السلطنة على الارتجاع إذا رضي بالاشتراك، لتمكّنه من دون مال صاحبه على مال صاحبه على ما هو عليه من دون نقص السلطنة بالشركة بالنسبة إلى ماله، و قد رضي به، فمع بقاء عين ماله و رضاه بالنقض لا وجه لسقوط حقّه و سلطنته على الرجوع إلى ماله.
و لكن يدفعه أنّ رجوعه كما يستلزم نقصا في سلطنة صاحبه أيضا على ماله الّذي امتزجه معه، و لا حقّ له على إلزام صاحبه بقبول هذا النقص مع كون تصرّفه بالامتزاج في حال ملكيّته، فالمانع عن الرجوع بالنسبة إليه استلزامه النقص على صاحبه بالنسبة إلى سلطنته على ماله الآخر، فلا فرق حينئذ في تحقّق اللزوم بين حصول الامتزاج من أحدهما أو من الطرفين، و لا وجه للحكم بالجواز و حصول الشركة، هذا حكم الامتزاج الموجب للاشتراك.
و أمّا مع الاشتباه الغير الموجب للاشتراك؛ فلا وجه لسقوط الجواز مع بقاء العين الموجب، لإمكان الرادّ غايته الاشتباه بغيره، فيرجع إلى الصلح، كما في سائر موارد التخلّص عن حقّ الغير مع الاشتباه.
قوله: (و لو تصرّف في العين تصرّفا مغيّرا للصورة) (1).
و تحقيق القول في ذلك على ما بنينا عليه هو أنّ التصرّف المغيّر إن وقع من الطرفين كان ملزما لهما، لعدم تمكّن كلّ منهما من ردّ مال صاحبه على حاله الّذي أخذه منه، دون من لم يقع منه، فإنّه حيثما يتمكّن من ردّ مال صاحبه على
1) المكاسب: 3/ 101.
ص: 155
النحو الّذي أخذه، فله الرضا بردّ ماله المغيّر عمّا كان عليه.
و مجرّد تغيّر الصورة مع بقاء العين لا وجه لإسقاطه حقّ الإرجاع، فمع رجوعه مع هذا التغيّر و رضاه بذلك و تمكّنه من ردّ مال صاحبه على ما هو عليه لا وجه لامتناعه عن الردّ.
و ما جعله رحمه اللّه مبنى للوجهين من جريان الاستصحاب و عدمه لا يخفى ما فيه.
قوله: (و ذكر في «المسالك» (1)وجهين) .. إلى آخره (2).
احتمال البيعيّة بالتلف أو بعد إطباقهم على عدم كون المعاطاة بيعا حال وقوعها في قبال العامّة؛ في غاية الغرابة، و كونها معاوضة برأسها (3).
قد عرفت أنّه الموافق للتحقيق- و هو مراد الجميع- غايته أنّها معاوضة سببيّة لا إنشائيّة، كما ظهر لك تفصيلها فيما تقدّم، و حينئذ فتفريع أحكام البيع عليها حين التلف أو من أوّل الأمر ممّا لا وجه له.
و جريان خيار العيب و الغبن فيها أيضا ممّا لا وجه له، و ذلك؛ لما عرفت من أنّ الخيار لا يعقل أن يتعلّق إلّا بما فيه اقتضاء اللزوم لا بما هو مبتن على الجواز، و لا اقتضاء فيه أصلا للّزوم، و حينئذ فمع بقاء العينين لا إشكال في جواز
ص: 156
التراد، و مع التلف لا إشكال في سقوط هذا الجواز، لامتناع التراد.
و إن كان هناك عيب أو عين و لا وجه للرجوع إلى المثل أو القيمة، لعدم موجب له بعد عدم كون اليد هنا موجبا للضمان بالبدل الحقيقي حالت عنه العلاقة الحاصلة بين المالين- كما في المعاوضة الإنشائيّة- حتّى يكون إبطال تلك العلاقة بالفسخ موجبا للرجوع إلى البدل الحقيقي، فإنّ المعاوضة هنا- كما عرفت- إنّما حصلت باليدين، و التعيّن، حصل بهما لا بالإنشاء، فلا يمكن إبطالها إلّا بإبطال اليدين أعني به التراد المفروض امتثالا بالفسخ، و إبطال أثر الإنشاء المفروض عدمه.
قوله: (و الأقوى عدم ثبوت خيار الحيوان هنا) (1).
أي: و إن بنينا على كون المعاطاة بيعا فالأقوى ذلك، لاختصاص دليله بالبيع اللازم دون الجائز، لقوله عليه السّلام في دليل خيار الحيوان: «فإذا مضت ثلاثة أيّام فقد وجب الشراء» (2).
قوله: (و أمّا خيار العيب و الغبن فيثبتان على التقديرين) (3).
أي: تقدير اللزوم و الجواز ذلك، لعدم اختصاص دليلهما بخصوص البيع فضلا عن اختصاصه بخصوص قسم اللازم منه، كما كان في خصوص خيار الحيوان.
ص: 157
قوله: (كما أنّ خيار المجلس منتف) (1).
و ذلك أيضا من جهة اختصاص دليله بالقسم اللازم منه، لقوله عليه السّلام في دليله: «فإذا افترقا وجب البيع» (2).
قوله: (و الظاهر أنّ هذا تفريع على القول بالإباحة) (3).
لا وجه لهذا الحمل بعد معلوميّة أنّ الإباحة و الإذن لا يعقل أن يكون بيعا، فالوجهان إنّما يتوجّهان على القول بالملك.
و التعليل الّذي ذكره لا يخفى ما فيه، لما عرفت من تصريحاتهم بعدم كونها بيعا، و إن أفادت ملكا متزلزلا.
قوله: (فهل يرجع ذلك الإنشاء القولي إلى حكم المعاطاة؟) (4).
إجراء حكم المعاطاة على الإنشاء الغير المعتبر مطلقا أو بشرط التعقّب بالقبض غريب، و أغرب منه دعوى ظهور كلمات المشايخ فيه حتّى قول المحقّق بعد ذكره الشروط المعتبرة مطلقا في الصيغة أنّه: لو أوقع البيع بغير ما قلناه و علم
ص: 158
التراضي منهما كان معاطاة (1).
فإنّه ليس المراد بذلك أنّ الإنشاء الغير الجامع لشرائط الصحّة كان معاطاة، و فساد الحمل أوّلا، لأنّ حقّ العبارة على ما ذكره شيخنا رحمه اللّه أن يقول: كان في حكم المعاطاة، لا كان معاطاة.
و فساد الحكم ثانيا، لعدم تفرّعه على اعتبار الشرائط في العقد، مع عدم ذكره منشأ الحكم اقتضى ما تقدّم من كلامه فساده.
بل المراد أنّ مع فساد الإنشاء و العلم ببقاء التراضي الحاصل في ضمنه و عدم تقييده بصحّته كان التقابض الحاصل بعده- لا بقصد إنشاء البيع به- معاطاة، و هو صريح فيما ذكرناه من ترتّب أثر المعاطاة على التقابض، لا بقصد الإنشاء فيما ذكره من ترتّبه على الإنشاء القولي الغير المعتبر، أو الإنشاء الفعلي، كما هو ظاهر.
نعم؛ قول الشهيد في «الروضة» في مقام عدم كفاية الإشارة مع القدرة على النطق أنّها تفيد المعاطاة مع الإفهام الصريح (2)صريح فيما ذكره، لكنّه مبنيّ على تحمّل إرادة المتقدّمين من المعاطاة المحكومة عندهم بالصحّة المعاطاة بقصد الإنشاء.
و قد عرفت فساده، و عدم إرادتهم ذلك بما لا مزيد عليه، فإنّ الإنشاء بالإشارة مع القدرة على النطق ممّا لا يترتّب عليه أثر عندهم أصلا، لا أنّه يترتّب عليه الإباحة أو الملكيّة الجائزة، دون اللزوم، فإنّ هذا ليس من الفساد في شيء.
ص: 159
مع أنّ كلماتهم في اختصاص الإشارة بالأخرس ظاهر في إرادتهم الفساد بالنسبة إلى غيره.
قوله: (و ربّما يجمع بين هذا الكلام و ما تقدّم من المحقّق و الشهيد الثانيين (1)فيقال) (2).
هذا الكلام من صاحب «مفتاح الكرامة» (3)، و هو في غاية المتانة و نهاية الاستقامة، فإنّ قول المحقّق: (لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملك و كان مضمونا عليه) (4)ظاهر في إرادته القبض المبتني على ذلك العقد المشكوك فيه الرضا بالملكيّة و التصرّفات على تقدير عدم الاستحقاق بذلك العقد.
و قوله سابقا: (و علم التراضي منهما كان معاطاة) (5)مراده: هذا القبض الحاصل بعد الإنشاء من دون أن يقصد به الإنشاء، لكن في صورة العلم بالرضا، من غير فرق بين حصوله حال الإنشاء بالقول الغير المعتبر أو بعده عند القبض، فلا تنافي بين الكلامين بوجه.
و بما ذكرنا يتّضح ما في قول شيخنا رحمه اللّه: (أقول: المفروض أنّ الصيغة الفاقدة لبعض الشرائط) (6).. إلى آخر ما ذكره، فإنّ المعاطاة عند هذا الجامع هو
ص: 160
التقابض بدون قصد الإنشاء، كما عرفت.
قوله: (و أمّا إن وقع الرضا بالتصرّف بعد العقد) (1).
قد عرفت أنّ هذا هو مراد المحقّق، بل كلّ من تقدّم، و هو أيضا مراد من جمع بين كلامي المحقّق (2)، كما عرفت، و لا يرد عليه شيء ممّا استشكله، كما سيتّضح.
قوله: (الأوّل: كفاية هذا الرضا المركوز في النفس، بل الرضا الشأني) (3).
و فيه، أنّ الرضا بالتصرّف و التملّك بعد العقد إذا كان مبنيّا على استحقاقه بالعقد السابق، كما هو المفروض، فهو حينئذ موجود بالفعل، و ليس من الرضا الشأني في شيء، غايته عدم الالتفات إلى هذا الرضا المركوز في النفس، و هذا لا يخرجه عن الفعليّة إلى الإنشائيّة.
قوله: (بل يكفي وصول كلّ من العوضين إلى المالك الآخر) (4).
قد عرفت أنّ هذا هو مراد كلّ من تقدّم، و تقدّم له من الشواهد في كلماتهم ما لا يعدّ و لا يحصى، بحيث لم يبق لك في ذلك شكّ و لا شبهة، فإنّ النزاع بين الخاصّة و العامّة إنّما هو في الحاجة إلى الإنشاء و عدمه، لا في كفاية العقد الفعلي و عدمها.
ص: 161
و قد عرفت صراحة عبائرهم في ذلك، بحيث لا يمكن رفع اليد عنها بقول العلّامة رحمه اللّه في ردّ كفاية المعاطاة في البيع: إنّ الأفعال قاصرة عن إفادة المقاصد (1).
فإنّ مقصوده من ذلك إثبات الحاجة إلى الإنشاء اللفظي و عدم كفاية الفعل بوجه، فأراد إبطال قول الخصم بأبلغ وجه، لا أنّ النزاع إنّما هو مع قصد الإنشاء بالفعل، فإنّه إذا لم يكف الفعل مع قصد الإنشاء، فلا يكفي بدونه بطريق أولى، و مثله في عدم الدلالة قول المحقّق بأنّ الأفعال ليست كالأقوال في صراحة الدلالة (2).
قوله: (قد عرفت أنّ اعتبار اللفظ في البيع، بل في جميع العقود ممّا نقل عليه الإجماع، و تحقّق فيه الشهرة العظيمة) (3).
لا يخفى عليك أنّ اعتماده رحمه اللّه على هذا الإجماع المحكيّ و الشهرة المحقّقة كالاعتراف منه بعدم تحقّق شيء من العقود بالإنشاء الفعلي، فلا وجه للتمسّك بشيء من عمومات البيع و العقود في صحّة المعاطاة.
فعلى تقدير قصد الإنشاء بالفعل فيها ليس إلّا كالمنابذة و رمي الحصاة في عدم تحقّق البيع بها، بل عدم تحقيق شيء من العقود بالإنشاء الفعلي مطلقا كالمتسالم بينهم.
ص: 162
و إنّما خرج عن ذلك إشارة الأخرس، لكونها بمنزلة اللفظ بالنسبة إليه، كبدليّة الجنب عن الرجل الأقطع، فيترتّب عليها حكمه بالنسبة إليه خاصّة، كما يترتّب حكم الرجل على الجنب بالنسبة إلى خصوص الأقطع.
و لذا لا يكفي في ذلك مطلق العذر، كما إذا فرض بعذر التكلّم في الصحيح من جهة شدّة البرد- مثلا- فإنّه لا ريب في عدم كفاية الإشارة بالنسبة إليه عن لفظه، فالإشارة إنّما تكفي في الأخرس، لكونها بمنزلة الكلام بالنسبة إليه عرفا، فيصدق على إشارته العقد دون غيره.
و من هذا الباب ما ورد في طلاقه (1)، لا أنّه حكم تعبّدي ثبت من جهة الرواية، و إلّا لوجب الاقتصار على موردها، و لم يجر التعدّي عنه إلى غيره، لعدم العلم بالمناط و أولويّة البيع من الطلاق بالتسامح، لكون الاهتمام في الفروج أزيد إنّما تتمّ على تقدير ثبوت كون ذلك من باب التسامح و هو غير معلوم، فإنّه قيل بالاكتفاء في الطلاق بقوله: اعتدّي (2)و لم يكتف بمثله في البيع، كما أنّه قيل بالاكتفاء في النكاح بالاستيجاب و الإيجاب (3)دون غيره، فليس المستند في المقام قياسه بالطلاق، و لا تعذّر التكلّم في حقّه، فإنّه لا يتمكّن من المباشرة.
و أمّا التوكيل؛ فغير متعذّر في حقّه، لأنّه من العقود الإذنيّة الّتي لا يعتبر فيها اللفظ، و يكتفى فيها بكلّ مظهر للرضا، كما عرفته في ما تقدّم.
فالحصر المستند بما ذكرناه من كون الإشارة بالنسبة إليه بمنزلة الكلام عرفا و بناء الفقهاء- رضوان اللّه عليهم- على ذلك، و إلّا لم يتمّ شيء ممّا ذكروه من
ص: 163
الفروع من صحّة عقده، و لو مع التمكّن من التوكيل و إجراء هذا الحكم في جميع عقوده و إيقاعاته مع عدم ورود النصّ في غير الطلاق.
و بما ذكرنا اتّضح ما في قوله رحمه اللّه: (بل لفحوى ما ورد من عدم اعتبار اللفظ في طلاق الأخرس (1)) (2).
قوله: (ثمّ لو قلنا بأنّ الأصل في المعاطاة اللزوم) (3).
جعل الحكم بالصحّة و اللزوم في إشارة الأخرس مطابقا للأصل بعد الاعتراف بما تقدّم من الشهرة المحقّقة و الإجماع المنقول على اعتبار اللفظ في العقود؛ من الغرائب، فإنّ خروج الحكم عن الأصل في إشارة الأخرس من المتسالم عند الجميع.
و لذا تراهم متعرّضين فيها للمنشإ و المدرك، و يعلّلون الحكم فيها بورود النصّ، و لو في بعض مواردها، و لو كان ذلك مطابقا للأصل لما احتاجوا إلى هذه التعليلات.
قوله: (ثمّ الكلام في الخصوصيّات المعتبرة في اللفظ) (4).
أقول: بعد ما عرفت من اعتبار الإنشاء في العقود، و أنّه لا يكفي في تحقّقها مجرّد التعاطي من دون إنشاء، فيقع الكلام حينئذ فيما يعتبر في ذلك الإنشاء من
ص: 164
الشرائط، و وقع النظر في ذلك من جهات:
الأوّل: من جهة اعتبار اللفظ و عدمه.
و قد عرفت و ستعرف اعتباره، بل قيام الإجماع عليه في ما عدا الأخرس للنصّ و القواعد.
الثاني: من جهة الدلالة من حيث الصراحة و الاكتفاء بالكناية.
الثالث: من حيث اعتبار العربيّة.
الرابع: من جهة اعتبار الهيئة من حيث اعتبار الماضويّة و عدمه.
الخامس: من جهة اعتبار خصوصيّة لفظ خاصّ ممّا عنون به تلك المعاملة.
السادس: من جهة لزوم المطابقة بين الإيجاب و القبول.
السابع: من جهة الترتيب و اعتبار تقدّم الإيجاب على القبول.
و حيث إنّ هذه الامور ممّا لم يقم عليها دليل واضح فالمعتمد حينئذ هو حكم الأصل في ذلك، لأنّه المرجع عند فقد الدليل، و حينئذ فنقول:
إنّ هذه الامور منها ما يشكّ في اعتبارها في المعاملة بحسب ماهيّتها العرفيّة؛
و منها ما يشكّ في اعتبارها فيها بعد الفراغ عن جهة تحقّقها من جهة اعتبار الشرع في ترتّب الأثر عليها.
فإن كان من قبيل الأوّل، فلا ريب أنّ الأصل فيه الفساد، و لأنّ المعلوم من الأدلّة إمضاء الشارع للمعاملة على النهج المتعارف عندهم المتداول فيما بينهم، و لم يثبت من الشارع إسقاط اعتبار شيء ممّا يعتبر عندهم فيها، و حينئذ فما لم يعلم كونه على النهج المتعارف و لم يعلم اجتماعه للشرائط المعتبرة عندهم في
ص: 165
ماهيّتها العرفية لم يعلم إمضاؤه من الشارع، فلا يترتّب عليه الأثر.
و أمّا ما كان من هذه الامور خارجا عن الشرائط المعتبرة في الماهيّة قطعا، و شكّ في اعتباره من جهة تصرّف شرعي، فلا ريب أنّ الأصل حينئذ الصحّة، لأنّ الأصل عدم اعتبار ذلك المشكوك في تلك المعاملة، و حينئذ فنقول:
أمّا اللفظ؛ فالظاهر عدم اعتباره من جهة العرف، لظهور الصدق بالإنشاء الفعلي على بعض التقادير، و إنّما ثبت اعتباره من الشرع، لما قام عليه الإجماع، كما عرفت فيما تقدّم من كلماتهم.
مضافا إلى ما يستفاد من كلماتهم من النهي عن الإنشاء بالامور المذكورة، فإنّ النهي عنها ليس إلّا من جهة كونها إنشاء بالفعل لا من جهة خصوصيّة فيها، و الإنشاء بالتعاطي من جهة عدم تعارف الإنشاء به- كما عرفت- لم يرد فيه نصّ بالخصوص، و إلّا فلا فرق بين عدم الاعتبارين من جهة الشرع بين الإنشاء بالتصفيق و المنابذة أو بالتعاطي، و هذا ظاهر.
و قد يتوهّم دلالة ما تقدّم في الرواية: «إنّما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام» (1)على ذلك، و فسادها ظاهر، فإنّ هذا الكلام مع قطع النظر عن خصوص المورد لا وجه لدلالتها على ذلك، و مع ملاحظة خصوص المورد ففساد الدلالة أظهر و أشنع.
أمّا الأوّل؛ فلأنّ المدّعي حصر الآلة باللفظ، لا حصر أصل التحليل به، مع أنّه خلاف الضرورة، لظهور حصوله بالإرث و الحيازة و التعاطي و الإباحة.
و العبارة الصالحة للمدّعى أن يقال: إنّما يحرّم و يحلل بالكلام إذا كان الحصر في خصوص المعاملات.
1) الكافي: 5/ 201 الحديث 6، وسائل الشيعة: 18/ 50 الحديث 23114 مع اختلاف يسير.
ص: 166
و أمّا الثاني؛ فلأنّ السؤال إنّما وقع عن حكم المعاملة بعد تقدّم المقاولة قبل تملّكه للمبيع، فأجابه عليه السّلام بأنّه: إذا وقعت المعاملة عن الرضا الفعلي، و لم تكن مبتنية على المقاولة السابقة، فلا بأس بها، ثمّ عقّبه بقاعدة كليّة بقوله عليه السّلام:
«إنّما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام» (1).
و حينئذ فلا بدّ أن يكون جوابه عليه السّلام من أحد أفراد هذه القاعدة لا محالة، و ظاهر أنّه بناء على ما ادّعى دلالته عليه هذا الكلام، لا يكون الجواب من أفراد هذا الكلام.
فما ذكر على فرض تسليم دلالة الكلام عليه غير مراد في المقام، لخصوص مورد السؤال و الجواب.
و الأوجه في توضيح المراد من هذا الكلام هو أن يقال: إنّه عليه السّلام لمّا أجاب بصحّة المعاملة من جهة وقوعها عن الرضا الفعلي و عدم ابتنائها على المقاولة السابقة، و كأنّ السائل توهّم مانعيّة المقاولة، أو عدم تملّكه حالها تعبّدا أراد عليه السّلام بيان قاعدة كليّة لدفع هذا التوهّم، و أنّه لا يناط الحليّة و الحرمة في المعاملات بما توهّم، بل المحرّم و المحلّل إنّما هو إنشاء المتعاملين و كلامهما.
و المراد بمحرّمية الكلام ما إذا اشتملت المعاملة على ما يوجب الفساد، و حينئذ و إن لم يكن المحرّم ثابتا في خصوص المورد، و لكن إنّما ذكر استطرادا و متمّا للقاعدة الكليّة، فالحصر حينئذ يكون من قبيل حصر القلب.
و كيف كان؛ فلا دلالة في الرواية على توقّف صحّة المعاملة على الإنشاء اللفظي.
1) مرّ آنفا.
ص: 167
نعم؛ يمكن استفادة ذلك منها بوجه آخر، و هو التعبير عن المعاملة مع الإطلاق بالكلام، فيستكشف منه أن لا تحقّق لها إلّا بالكلام، و إلّا لعبّر عنها بما يعمّه.
هذا؛ مع أنّ في ما تقدّم من دعوى الإجماع كفاية، و أمّا سائر ما ذكره من الامور المتقدّمة- عدا الأمر السادس- لا ريب في عدم اعتبارها في تحقّق الماهيّة العرفيّة، و حينئذ فمع إقامة الدليل على شيء منها من جهة الشرع فالأصل فيها الصحّة.
قوله: (و لعلّ الأحسن منه أن يراد) .. إلى آخره (1).
و فيه؛ أنّ هذا الجمع الذي ذكره أيضا ممّا لم يقم عليه دليل و لا حجّة، و مجرّد كون القرينة في الاستعمال مقارنة حال أو سبق مقال لا يوجب عدم كون الإفادة بالألفاظ.
قوله: (و لذا لم يجوّزوا العقد بالمعاطاة) (2).
و فيه ما عرفت من أنّ المعاطاة عندهم ليست من إنشاء المقاصد بغير الأقوال، فلا ربط بالمقام، و على فرض إرادتهم ذلك فلا دلالة فيه على ما ذكروا ذلك، لأنّ المفروض حينئذ إنشاء البيع بالفعل و تفهيم المعنى بنفس الفعل، و لو بقرينة سبق مقال، و أين هذا من الإنشاء باللفظ و التفهيم به بقرينة حال؟
و ظاهر أنّ المنع عن الأوّل لا يستلزم المنع عن الثاني، و ما ذكروه في
ص: 168
المعاطاة من أنّها لا تكفي في البيع و إن حصل من الأمارات ما يدلّ على إرادة البيع إنّما يراد به، و إن كان التقابض على وجه البيعيّة، كالتقابض الواقع بعد البيع، لا أنّه لا يكفي الإنشاء بالفعل و لو بضميمة القرائن الخارجيّة.
قوله: (و يمكن أن ينطبق على ما ذكرنا الاستدلال المتقدّم) (1).
لا يخفى عليك ما في هذا الانطباق و عدم إرادته بذلك ما ذكر قطعا، كما اعترف بذلك بقوله، و لكن هذا الوجه لا يجري في جميع ما ذكروه من أمثلة الكناية.
قوله: (ثمّ إنّه ربّما يدّعى أنّ العقود المؤثرة في النقل و الانتقال أسباب شرعيّة توقيفيّة) (2).
و فيه؛ أنّ الرجوع إلى أصالة عدم ترتّب الأثر- كما عرفت- إنّما يتّجه على تقدير كون الشكّ في أصل الصدق و تحقّق الماهيّة العرفيّة دون ما إذا كان الشكّ في اعتبار أمر زائد من جهة الشرع، فإنّه حينئذ لا ريب في كون المرجع أصالة الصحّة، للإطلاق.
و قد تقرّر في محلّه أنّ الأصل العملي إنّما يرجع إليه مع عدم أصل لفظي، و كون المعاملات من الماهيّات العرفيّة و عدم كونها من المخترعات الشرعيّة ظاهر لا ستر فيه، غايته اعتبار بعض الشرائط و الموانع في بعضها يقتصر على ثبوتها مؤخّرا.
ص: 169
قوله: (و قد عرفت سابقا أنّ تعريف البيع بذلك تعريف بمفهومه الحقيقي) (1).
و فيه ما قد عرفت من أنّ حقيقة البيع هي العلقة البدليّة الحاصلة بين العينين بإنشاء مستقلّ من طرف، و المطاوعة من الطرف الآخر، و ليس من التمليك في شيء، و لذا لو باع العين الخارجي من زيد باعتقاد كونه عمرا فتبيّن كونه زيدا صحّ البيع و لزم، و إن لم يتحقّق طيب النفس في البيع عليه بالخصوص.
و لو كان تمليكا لم يكن وجه لتملّك زيد مع عدم كون البائع قاصدا له بالخصوص صحّ البيع للموكّل من غير إشكال.
و قد صرّحوا بأنّ العينين ركنان في البيع، و الشخص غير ملحوظ فيه، و لا يلائم ذلك كون البيع تمليكا.
نعم؛ يترتّب عليه الملك، و لكن لا يلازمه ذلك، بل ينفكّ عنه إذا كان هناك مانع عن ترتّب الملك، كما في بيع العبد ممّن ينعتق عليه، فيترتّب عليه الانعتاق، و بيع الدين ممّن عليه الدين، فيترتّب عليه البراءة.
و بما ذكره المستشكل من أنّ التمليك ظاهر في الهبة، و ذلك لما عرفت من اقتضاء التمليك ملحوظيّة الشخص في الإنشاء، فيكون قوله: ملّكتك، في نفسه ظاهرا في التمليك المجّاني الأعم من الصدقة و الهبة، و مع التعقيب بالعوض يكون ظاهرا في خصوص الهبة، حيث إنّ الشخص ملحوظ في التمليك، و الاشتراط لا يصحّ إلّا في الهبة، فيكون من الهبة المشروطة فيها الثواب.
1) المكاسب: 3/ 132.
ص: 170
فقوله: ملّكتك هذا بكذا يمكن أن يكون من الهبة المشروطة فيها الثواب إن اريد من قوله: بكذا، بيان شرط الثواب، أي بشرط أن تملّكني ذلك.
و يمكن أن يكون بيعا لو استفيد- و لو بقرينة المقام- إرادة المبادلة، فتكون الباء حينئذ للمقابلة، كما في قولك: بعتك هذا بذاك.
قوله: (و أمّا لفظ «شريت» فلا إشكال في وقوع البيع به، لوضعه له، كما يظهر من المحكيّ عن بعض أهل اللغة) (1).
كون الشراء موضوعا للمعنيين على نحو الاشتراك اللفظي و كونه من الأضداد خلاف ما يقتضيه دقيق النظر، و الظاهر أنّ معناه الموضوع له اللفظ هو ما ذكره في «القاموس» أخيرا من ترك الشيء و التمسّك بغيره من غير فرق بين كون ذلك الشيء مالا أو غيره (2).
و عليه فيكون إطلاق الشراء في قوله تعالى: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ (3)واردا على سبيل الحقيقة من غير تجوّز و إطلاق عمل البائع و المشتري معا سواء، إلّا أنّه بالنسبة إلى المشتري لمّا كان ملحوظا فيه جهة المطاوعة يطلق عليه بصيغة الافتعال، للدلالة على المطاوعة، و مع التجرّد عن ذلك ينصرف إلى عمل البائع، لظهور اللفظ حينئذ في الاستقلال، و إلّا فهما
ص: 171
متّحدان من جهة تحقّق أصل المعنى.
بل الّذي هو عمل للبائع إنّما هو ذلك دون البيع، و البيع إنّما ينسب إليه باعتبار كونه موجدا له بالتوليد، لا كونه عملا له من دون واسطة، و ذلك لما عرفت من أنّ البيع موضوع لنفس العلقة الحاصلة بين المالين بإنشاء مستقلّ من طرف، و المطاوعة من طرف آخر.
و هذه العلقة لمّا كانت قائمة بالمتعاملين معا، لأنّ كلّا منهما موجد لجزء العلّة و هما معا فاعل واحد صحّ الاستثناء إليهما معا باعتبار الفاعليّة، كما في قوله عليه السّلام: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (1).
و لكن لمّا كان البائع مستقلّا في الإنشاء، و المبيع هو المقصود في المعاملة صار البائع كأنّه هو الموجد خاصّة لهذه العلقة، و المبيع هو الّذي يقع عليه المبادلة هو الّذي يدفع من طرفه خاصّة دون ما يدفع من الطرف الآخر، فاستند البيع إليه عند الإطلاق، لأنّه المستحق لذلك، و استند المبيع إلى ما يدفعه، لأنّه المقصود بالذات، و صارت النسبة إلى المشتري متوقفة على القرينة و إن صحّت أيضا باعتبار كونه جزء للعلّة.
و بهذا المعنى أطلق البيع في قوله تعالى: أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (2)حيث إنّ الحلال إنّما هو نفس الماهيّة لا عمل البائع خاصّة، كما أنّه بهذا المعنى أيضا مبدأ لاشتقاق الأفعال، حيث إنّ المنسوب إلى الفاعل إنّما هو نفس هذه العلقة لا العلقة المنتسبة، و ليس له مصدر بهذا الاعتبار يكون الملحوظ فيه نسبة هذا المعنى.
ص: 172
نعم؛ له مصدر و اسم مصدر هما متأخّران عن الأفعال مأخوذان من المبيع بالمعنى المتقدّم بعد الانتساب لا يشتقّ منهما الأفعال، نظير مصادر الفعل المزيد فيه، بل هما معا مشتقّان من المصدر المجرّد، كما لا يخفى، و المصدر المتأخّر عن الفعل هنا هو البيع بالمعنى الّذي يعبّر عنه في الفارسيّة ب «فروختن».
و إنّما قلنا من المصدر المتأخّر، لما فيه من ملاحظة النسبة بعد انتساب أصل البيع إلى الفاعل، لظهور أنّ المنسوب إلى الفاعل هنا بالنسبة الناقصة ليس نفس تملّك العلقة، بل العلقة المنتسبة بعد اعتبار صدورها من البائع، و الاسم المصدر المتأخّر عنه هو المعرّى عن النسبة الثانية دون الاولى، و يعبّر عنه في الفارسيّة ب «فروش»، و كون ذلك ملحوظا فيه نسبة واحدة ظاهر.
و أمّا الشراء فهو أيضا مصدر متأخّر، و له مصدر و اسم مصدر، بملاحظة جهة الانفعال و المطاوعة أيضا يعبّر عنهما في الفارسيّة ب «خريدن» و «خريدارى»، و ليس لهما لفظ في الفارسيّة من غير جهة الافتعال.
و حاصل الكلام في هذا المقام أنّ البيع و الشراء من المتباينين لا يتصادقان على شيء واحد، و مع ذلك لا يستندان إلّا إلى البائع.
أمّا البيع؛ فلكونه موضوعا للعلقة بين المالين على ما تقدّم تفصيله، و هو بهذا المعنى ليس من المصدر و لا اسم المصدر، بل هو من أسماء الأعيان.
و على هذا الاعتبار يكون مبدأ لاشتقاق الأفعال، نظير اشتقاق التدهّن من الدهن، و التموه من الماء.
و إنّما ينسب إلى البائع خاصّة، لكونه عمدة في الإيجاد، حيث إنّ الملحوظ في المعاملة تركا و أخذا هو المبيع، فالبائع هو الموجد دون المشتري،
ص: 173
و المشتري لمّا كان ملحوظا فيه جهة المطاوعة لم يصحّ نسبة البيع إليه، لظهور التنافر بين جهة الإيجاد و المطاوعة، و إطلاقه على عمل المشتري و إن نقل عن «الجامع» (1)، و حكي عن بعض أهل اللغة أنّه أيضا من الأضداد (2)، إلّا أنّ ما استشهدوا به لذلك ممّا لا شهادة فيه على ما ذكره، لأنّ احتمال التغليب في «البيّعان» قائم.
و الحمل على عمل البائع في قوله عليه السّلام: «لا يبيع أحدكم على بيع أخيه» (3)ممكن، و مع ذلك كونه من الأضداد بديهي الفساد، لأنّ الإطلاق على عمل المشتري باعتبار الموجدية كالبائع ممكن، غايته كون الإطلاق من التعرية من جهة المطاوعة، و ملاحظة مجرّد التسبيب في الإيجاد، و مع ذلك لا يخلو عن مخالفة لظاهر الاستعمالات، بل لم نجد إطلاقه صريحا على عمل المشتري في شيء من الأخبار و الآثار.
و أمّا الشراء؛ فلأنّه- كما عرفت- ترك الشيء و التمسّك بغيره، و هذا المعنى يختصّ بعمل البائع، لأنّه التارك دون المشتري، و ذلك لما عرفت أنّ الملحوظ في المعاملة هو المبيع، فيكون الشاري هو البائع.
و حيث أنّ صاحب الثمن مطاوع لعمل البائع يطلق عليه المشتري، و لا يصحّ أن يطلق عليه الشاري.
فكونه من الأضداد بيّن الفساد، فإنّ الشراء لم يطلق على معنى البيع، و لا
ص: 174
البيع على معنى الشراء، بل هما من المتباينين و لا ينسبان إلى البائع، و إنّما ينسبان إلى صاحب المثمن على نحو المطاوعة، فيقال عليه: إنّه مبتاع و مشتري، فالإنشاء من طرفه «ابتعت» و «اشتريت»، لا «بعت» و «شريت» و الإنشاء بهما مختصّ بالبائع.
و بما ذكرنا يتّضح النظر فيما ذكره في «الجواهر» في هذا المقام، قال رحمه اللّه:
(و يتحقّق إيجابه- أي البيع- ب «بعت»، بل و ب «شريت»، على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل لعلّها كذلك، لاشتراك كلّ من لفظي البيع و الشراء بين المعنيين، فهما حينئذ من الأضداد، كما عن كثير التصريح به.
بل في «مصابيح» الطباطبائي: لا خلاف بينهم في وضعهما للمعنيين، فيصحّ استعمال كلّ منهما حينئذ في الإيجاب و القبول على الحقيقة.
و لا يقدح الاشتراك و إلّا لامتنع الإيجاب بالبيع، و لا ظهورهما في [أشهر] معنييهما، لوضوح القرينة المعيّنة لغيره، و هي وقوع البيع من المشتري، و الشراء من البائع على أنّ استعمال الشراء في البيع كثير.
بل قيل: إنّه لم يرد في الكتاب العزيز غيره، نحو: وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرٰاهِمَ (1). [و] الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا بِالْآخِرَةِ (2). وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ (3).
و كذا استعمال البيع في الشراء كثير [أيضا]، و منه: «البيّعان بالخيار ما لم
ص: 175
يفترقا» (1)و «لا يبيع أحدكم على بيع أخيه» (2)على المشهور في تفسيره، كما ستعرفه في محلّه، و غير ذلك من الشعر و النثر.
و دعوى هجر ذلك فيها في العرف المتأخّر ممنوعة، إذا اريد بها الهجر على وجه يكون مجازا و مسلّمة، و لكن لا يقدح إذا اريد بها غير ذلك، فلا بأس باستعمال كلّ منهما حينئذ في الإيجاب و القبول.
نعم؛ الظاهر أنّ «بعت» في القبول تتعدّى إلى مفعول واحد، و «شريت» في الإيجاب إلى مفعولين، كبعت فيه.
فلو قال البائع: شريتك العين، تعيّن الإيجاب من وجهين: أحدهما وقوع ذلك من البائع، و الثانية التعدية إلى مفعولين.
و لو قال: شريتها، فمن وجه واحد، و كذا القبول لو قال المشتري: بعتها، أو بعت.
و لو وكّل اثنين في بيع موصوف و ابتياعه بثمن واحد، فقال أحدهما للآخر: بعت، أو شريت، فقال الآخر: بعت، أو شريت، فإن أوجبنا تقديم الإيجاب أو قال الأوّل: بعت، و الثاني: شريت كان بيعا، حملا للعقد على الصحيح، و للصيغتين على ظاهرهما، و إلّا احتمل ذلك مطلقا نظرا إلى الغالب من تقديم الإيجاب، و إن لم يجب، أو في غير صورة العكس فيبطل، لتعارض الأمارتين، أو يصحّ شراء ترجيحا لدلالة اللفظ، و هو الأقرب) (3)، انتهى.
ص: 176
و فيه ما عرفت من تضادّ معنى البيع و الشراء و عدم تصادقهما على شيء واحد، و مع ذلك يصحّ الإيجاب بهما للبائع بلفظ «بعت» و «شريت».
و أمّا في القبول؛ فيصحّ ابتعت و اشتريت، لا ب «بعت» و «شريت»، و استعمال بعت في القبول متعدّيا إلى مفعول واحد لم نجد له أثرا في الأخبار و الآثار و لا في العرف.
نعم؛ يمكن القول بالصحّة ب «شريت» على نحو من التجوّز.
قوله: (و لو وكّل اثنين في بيع موصوف) (1).
فيه؛ أنّ تمييز البائع عن المشتري- كما عرفت- ليس بقصد عنوان البيع و الشراء، بل إنّهما بملحوظيّة العوض على نحو الاستقلال و البيع، فإنّ تحقّق ذلك و طابق اللفظ لذلك وضعا كان صاحب العوض الملحوظ على نحو الاستقلال بايعا و الآخر مشتريا، و إن لم يطابق لذلك كان البيع فاسدا لفساد الإنشاء باستعمال الغلط، و إن لم تتحقّق ذلك و كان العوضان ملحوظين على نحو الاستقلال كانت المعاملة حينئذ صلحا صحيحا إن طابقه اللفظ وضعا و إلّا كان صلحا فاسدا، لفساد الإنشاء باستعمال الغلط.
قوله: (و في الوجهين ما لا يخفى) (2).
لا ريب أنّ التقييد بالعربيّة أمر زائد على ما يتحقّق به الماهيّة العرفيّة،
ص: 177
فالأصل عدم اعتبارها، و التأسّي بالفعل إنّما يجب على تقدير معلوميّة الوجه، لا مع عدمها.
و اعتبار الماضويّة لا دلالة فيه على اعتبار العربيّة بوجه.
قوله: (و هل يعتبر عدم اللحن من حيث المادّة و الهيئة بناء على اشتراط العربي؟ الأقوى ذلك) (1).
لا وجه لهذا البناء، بل الحقّ اعتباره، لعدم العبرة بالغلط في شيء من اللغات، و توقّف تحقّق الماهيّة العرفيّة على الإنشاء الصحيح دون الغلط، فوجه الاعتبار أصالة عدم تحقّق الماهيّة العرفيّة أصالة عدم ترتّب الأثر، للزوم الاقتصار على المتيقّن من أسباب النقل شرعا.
قوله: (و عن القاضي في «الكامل» (2)و «المهذّب» (3)عدم اعتبارها)- إلى قوله:- (و لا يخلو هذا من قوّة) (4).
بل لا وجه لاعتبار الماضويّة، لظهور تحقّق العقد بدونها عرفا، و عدم دليل على الاعتبار شرعا، و الاحتمال يدفع بالأصل، فيتحقّق بالمضارع و بالجملة
ص: 178
الاسميّة، كقولك: هذا مبيع لك بكذا مثلا.
نعم؛ لا يصحّ بالأمر، لتمحّضه لإنشاء مباين للإنشاء العقدي، كما لا يجوز أيضا بالاستفهام و التمنّي.
قوله: (فإن كان بلفظ «قبلت» فالظاهر عدم جواز تقديمه) (1).
و هو كذلك، بل هو مقطوع به في كلامهم، و قد صرّح جملة منهم بخروجه عن محلّ النزاع، و الوجه فيه إنّ «قبلت» لمّا لم يكن له معنى سوى المطاوعة و قبول فعل الغير، و امتنع تحقّق المطاوعة الحاصلة بالإنشاء قبل وقوع الغير، لظهور امتناع تحقّق التأثّر قبل تحقّق التأثير، فكما أنّه يمتنع الانكسار في الخارج بدون الكسر كذلك يمتنع تحقّق المطاوعة للإيجاب بدون الإيجاب، أو للإيجاب المتأخّر، و إمكان تحقّق حالة الرضا للنفس بأمر مستقبل أمر غير إنشاء القبول و التأثّر، و إمكان تعقّل تقدّم الأوّل لا يستلزم إمكان تعقّل الثاني.
و بهذا يجاب عمّا يقال: إنّ الرضا بشيء لا يستلزم تحقّق فعله، فقد يرضى الإنسان بالأمر المستقبل، لا بما أجابه شيخنا قدّس سرّه بقوله: (بل المراد [منه الرضا بالإيجاب على وجه يتضمّن إنشاء نقل] ماله في الحال إلى الموجب على وجه العوضيّة، لأنّ المشتري ناقل كالبائع.
و هذا لا يتحقّق إلّا مع تأخّر الرضا عن الإيجاب، إذ مع تقدّمه لا يتحقّق النقل في الحال، فإنّ من رضي بمعاوضة ينشئها الموجب في المستقبل لم ينقل
1) المكاسب: 3/ 143.
ص: 179
في الحال ماله إلى الموجب بخلاف من رضي بالمعاوضة الّتي أنشأها الموجب سابقا، فإنّه يرفع بهذا الرضا يده من ماله، و ينقله إلى [غيره على] وجه العوضيّة) (1).
لأنّ ما ذكرناه من الوجه بعدم الجواز جار في الإنشاء القبول في مطلق العقود، و لو فيما لا يتضمّن قبوله لنقل أصلا، كما في الهبة و الوكالة و العارية، و كلماتهم في خروج التقديم بلفظ «قبلت» عن محلّ النزاع عام في جميع العقود.
هذا؛ مضافا إلى أنّ ترتّب النقل في الحال ليس من لوازم الإنشاء، فإنّ إنشائيّة الإنشاء أمر و ترتّب الأثر أمر آخر، و حينئذ فنقول: إنّ فرض تعقّل إنشاء القبول مع التقدّم و التأخّر، فعدم ترتّب الأثر في الحال مع التقدّم و ترتّبه مع التأخّر لا يوجب خروجه مع التقدّم عن كونه أحد ركني العقد، لظهور أنّ ترتّب الأثر إذا توقّف على أمرين من الإيجاب و القبول، فإنّما يتحقّق بتحقّق الجزء الأخير من غير فرق بين كون ذلك هو الإيجاب أو القبول.
فالقبول مع التأخّر إنّما يترتّب عليه النقل في الحال، لكون الجزء الأخير للعقد، و مع التقدّم يتوقّف على تحقّق الإيجاب، فيتحقّق النقل حينئذ لتحقّق الجزءين.
هذا إن اريد بقوله رحمه اللّه: (إذ مع تقدّمه لا يتحقّق النقل في الحال) (2)أنّه يتأخّر النقل في الحال [يعني] أنّه يتأخّر النقل عن القبول مع التقدّم).
و إن اريد بذلك عدم تضمّنه لإنشاء النقل أصلا مع التقدّم، ففيه أنّه لا وجه
ص: 180
للتفرقة بذلك بعد فرض صحّته و حصول إنشائه و تعلّقه بإيجاب واحد، فإنّ الدلالة على إنشاء النقل في لفظ «قبلت» إنّما ينشأ من جهة تعلّقه بالإيجاب المتضمّن للمعاوضة دون ما لا يتضمّن للمعاوضة.
و هذا لا يفرق في حصوله بعد صحّته قبل الإيجاب أو بعده، و لا دخل للتأخّر في الدلالة على إنشاء النقل، و هذا ظاهر.
و ما ذكرناه هو المراد ممّا حكي عن «نهاية الإحكام» من أنّ الأصل في القبول «قبلت» و غيره بدل، لأنّ القبول على الحقيقة ممّا لا يمكن الابتداء به، فعلّل عدم الجواز بعدم الإمكان، لا بعدم تضمّنه لإنشاء النقل و خروجه عن كونه أحد ركني العقد (1).
قوله: (و إن كان التقديم بلفظ «اشتريت» أو «ابتعت» أو «تملّكت» أو «ملّكت هذا بكذا» فالأقوى جوازه) (2).
و ذلك لأنّه ليس المنشأ في شيء من هذه الألفاظ نفس القبول و المطاوعة، كما كان في لفظ «قبلت»، بل المنشأ فيها أمر هو أثر لفعل البائع و متّصف بالمطاوعة في نفس الأمر، و الدلالة عليها إنّما هي بالهيئة الّتي هي وضعها وضع الحروف، فلا تكون ملحوظة على سبيل الاستقلال ليس إلّا نفس الفعل المنسوب إلى القابل، فلذا يجوز الابتداء به دون «قبلت».
ص: 181
و هذا هو المراد في «النهاية» من أنّ «اشتريت» ليس قبولا حقيقة (1)أي ليس المنشأ به نفس القبول، و إنّما هو بدل، أي المنشأ فعل هو منسوب إلى القابل واقعا، فلذا صار الأصل في القبول «قبلت» الّذي لا يمكن الابتداء به، دون «اشتريت» و نحوه ممّا يجوز الابتداء به.
فقوله: إنّما هو من جهة عدم كون المنشأ نفس القبول، لا من جهة أنّ مفاده كمفاد بعت، و أنّه ليس فيه من حيث هو معنى القبول، لكن لمّا كان الغالب وقوعه عقيب الإيجاب و إنشاء انتقال مال البائع إلى نفسه إذا وقع عقيب نقله له إليه يوجب تحقّق المطاوعة و مفهوم القبول أطلق عليه القبول، كما ذكره شيخنا رحمه اللّه (2).
و ذلك لأنّ المنشأ في ألفاظ الإيجاب هو الإدخال، و الدخول مفهوم من ذكر العوض، و لا يتفاوت في كونه قبولا بين التقدّم و التأخّر.
و بذلك ظهر لك النظر في كثير ممّا ذكره شيخنا رحمه اللّه في هذا المقام، و لا يحتاج إلى ذكره كلّ فقرة منها بالخصوص.
قوله: (و من جملة الشرائط الّتي ذكرها جماعة التنجيز في العقد) (3).
لا يخفى أنّ ما تقدّم من الشرائط من اعتبار اللفظ و العربيّة و الماضويّة و الترتيب و الموالاة إنّما هو شرائط لما يتحقّق به إنشاء البيع.
ص: 182
و أمّا التنجيز؛ فإنّما هو شرط لأصل إنشائه، أي لا بدّ أن يكون إنشاء البيع على نحو التنجيز لا التعليق، فالتعليق و التنجيز كيفيّتان لأصل الإنشاء لا خصوصيّا فيما يتحقّق به الإنشاء.
و هذا هو السرّ في خلوّ جملة من العبائر عن ذكره في هذا المقام، أعني مقام بيان شرائط ألفاظ الإيجاب و القبول و كيفيّتها، لا أنّه ليس معتبرا عندهم في البيع.
و سيتّضح أنّ هذا الشرط ممّا اتّفقت عليه كلمتهم في جميع أبواب العقود و الإيقاعات عدا ما استثني من التعليقات الخاصّة في بعض العقود، كالوصيّة و التدبير و الكتابة.
و لا بأس بنقل بعض العبائر كي يتّضح لك أنّ هذا الحكم ممّا لا يمكن إنكاره مع عدم استثناء أحد منهم في ذلك رواية، فلا بدّ من معرفة وجه اتّفاقهم على ذلك، و سيتبيّن لك وجهه.
فنقول: فعن نكاح «التذكرة»: (عقد النكاح لا يقبل التعليق، بل شرطه الجزم فلو علّقه على وقت أو وصف مثل: إذا جاء رأس الشهر، أو إن قدم زيد فقد زوّجتك ابنتي، فقال الزوج: قبلت النكاح لم ينعقد، و به قال الشافعي)- إلى أن قال-: (و لو اخبر بمولود فقال لغيره: إن كان بنتا فقد زوّجتكها، أو قال: إن كان بنتا- و طلّقها زوجها، أو مات عنها، أو انقضت عدّتها- فقد زوّجتكها، ... أو قال:
إن مات أبي و ورثت جاريته فقد زوّجتكها، و بان أنّ الأمر كما قدّم، لم ينعقد شيء من هذه الصور عندنا.
و للشافعيّة وجهان مبنيّان على أنّه إذا زوّج أمة أبيه أو باعها على ظنّ أنّه
ص: 183
حيّ فبان أنّه ميّت (1)وقت العقد هل يصحّ فيه العقد فيه قولان للشافعيّة، فإن قلنا:
لا يصحّ العقد هناك مع أنّه أطلق؛ فهنا مع التعليق أولى، و إن قلنا: يصحّ عند الإطلاق ففي هذه الصورة وجهان:
أحدهما: أنّ النكاح صحيح، لأنّ الصحيح إن خرج على تقدير هذا التعليق، فإذا صرّح به فقد صرّح بمقتضى العقد، و به قال أبو حنيفة، و أصحّهما عند الشافعيّة أنّه لا يصحّ- كما قلنا- لفساد الصيغة.
و لو بشّر ببنت، فقال: إن صدق الخبر فقد زوّجتكها، فقال بعض الشافعيّة:
يصحّ و لا يكون ذلك تعليقا، بل هو تحقيق، كما لو قال: إن كنت زوجتي فأنت طالق يكون بتنجّز الطلاق (2)، و يكون «إنّ» بمعنى «إذا»، كما في قوله تعالى:
وَ خٰافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (3).
و كذا لو اخبر من له أربع نسوة بموت إحداهنّ، فقال لرجل: إن صدق الخبر، فقد نكحت ابنتك، فقال ذلك الرجل: زوّجتكها، يصحّ، و هذا إنّما يصحّ إذا تيقّن صدق المخبر في ما فرض، و إلّا فكلمة «إنّ» من المتردّد فيما دخلت عليه تعليق و اشتراط، و هذا حقّ عندنا أيضا) (4)، انتهى.
سيجيء أنّ التعليق على ما علّق العقد أو على تحقّق الموضوع ممّا لا وجه لقدحه و لا لاعتبار الجزم من جهتهما، فإنّ الأوصاف المنوّعة و المشخّصة مع توقّف ارتفاع الغرر على العلم بها لا يوجب الاعتقاد بانطباقها على المورد،
ص: 184
فتصحّ المعاملة بمجرّد الاعتبار مع جهل كلّ من المتعاقدين بالحال.
فقوله رحمه اللّه: (لم ينعقد شيء من هذه الصور عندنا) الظاهر في دعوى إجماع الإماميّة عليه، لا بدّ من توجيهه، فإنّه- أعلى اللّه مقامه- معترف بصحّة التعليق في نظائر المقام و عدم اعتبار الجزم من جهتها، فهل يمكن أن يتوهّم اعتبار الجزم بلحوق القبول في صحّة الإيجاب، أو الإجازة في صحّة إنشاء عقد الفضولي؟
و عن كتاب البيع من «النهاية»: (و لا بدّ و أن يقع الإيجاب و القبول منجّزا، فلو علّقه على شرط لم يقع، كما لو قال: إن دخلت، لأصالة بقاء الملك.
و لو علّقه على مشيّة المشتري، بأن قال: بعت هذا بألف إن شئت، فقال:
اشتريت، لم يقع أيضا، لما فيه من التعليق، كما لو قال: إن دخلت الدار.
و يحتمل هنا الصحّة، لأنّ هذه صفة يقتضيها إطلاق العقد، فإنّه لو لم يشأ لم يشتر، و الحقّ الأوّل، فإنّه حال الإيجاب غير عالم بحاله، فلم يوقع الإيجاب منجّزا) (1)، انتهى.
و عن كتاب البيع من «التذكرة» بعد ذكره اعتبار الجزم: (فلو علّق العقد على شرط لم يصحّ، و إن كان الشرط المشيّة، للجهل بثبوتها حال العقد و بقائها مدّته، و هو أحد قولي الشافعيّة، و أظهر الوجهين لهم الصحّة، لأنّ هذه صفة يقتضيها إطلاق العقد، لأنّه لو لم يشأ لم يشتر) (2)، انتهى.
و عن كتاب الضمان منها قال: (يشترط فيه التنجيز، فلو علّقه بمجيء الشهر، أو قدوم زيد لم يصح)- إلى أن قال-: (و لو قال: إن لم يؤدّ إليك غدا فأنا
ص: 185
ضامن، لم يصحّ عندنا، و به قال الشافعي، لأنّه عقد من العقود، فلا يقبل التعليق، كالبيع و نحوه.
و قال أبو حنيفة: لو قال رجل لآخر: إن لم يعطك فلان مالك فهو علي، فتقاضاه صاحب المال، فلم يعط المديون شيئا ساعة تقاضاه، لزم الكفيل استحسانا، و كما أنّ عقد الضمان لا يقبل التوقيت، فلو قال: أنا ضامن إلى شهر فإذا مضى و لم اغرم فأنا بريء.
قال ابن شريح: إذا جاز على القديم للشافعي ضمان المجهول أو ما لم يجب صحّ التعليق، لأنّ من ضرورة الضمان قبل الوجوب تعليق مقصوده بالوجوب، و به قال أبو حنيفة.
و قال الجويني: و في تعليق الإبراء القولان بالطريق الأولى، فإنّ الإبراء إسقاط، قال: و كان لا يمنع من جهة القياس المسامحة به في الجديد أيضا، لأنّ سبب امتناع التعليق في الصور المشتملة على الإيجاب و القبول خروج الخطاب و الجواب بسببه عن النظم اللائق بهما، فإذا لم يشترط القبول فيه كان بمثابة الطلاق و العتاق، و كلّ هذا عندنا باطل، فإنّ التعليق في الضمان و الإبراء مبطل لهما عملا بالاستصحاب) (1).
و عن كتاب الوكالة منها: (لا يصحّ عقد الوكالة معلّقة بشرط أو وصف)، قال: (فإن علّقت عليهما، مثل أن يقول: إن قدم زيد، أو إذا جاء رأس الشهر فقد وكّلتك، عند علمائنا، و هو أظهر مذهبي الشافعيّة، لأنّه عقد يملك به التصرّف حال الحياة لم يبن على التغليب و السراية، فلم يجز تعليقه بشرط كالبيع، و لأنّ
1) تذكرة الفقهاء: 2/ 85- 86.
ص: 186
الشركة و المضاربة و سائر العقود لا يقبل التعليق، فكذا الوكالة.
و قال بعض الشافعيّة و أبو حنيفة و أحمد: يصحّ تعليقها على الشرط، لأنّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال في جيش مؤتة: أميركم جعفر، فإن قتل فزيد بن حارثة، فإن قتل فعبد اللّه بن رواحة، و التأمير في معنى التوكيل.
و لأنّه لو قال: أنت وكيلي في بيع عبدي إذا قدم الحاج، أو وكّلتك في شراء كذا في وقت كذا، صحّ إجماعا، و محلّ النزاع في معناه.
و الفرق ظاهر بين تنجيز العقد و تعليق التصرّف مثل أن يقول: وكّلتك في بيع العبد و لا تبعه إلّا بعد شهر، فهذا صحيح، و ليس للوكيل أن يخالف.
و اعلم! أنّ بعض الشافعيّة خرج الخلاف بينهم في وجوب التنجيز و صحّة التعليق على أنّ الوكالة هل تفتقر إلى القبول؟ إن قلنا: لا تفتقر جاز التعليق، و إلّا لم يجز، لأنّ فرض القبول في الحال و الوكالة لم تثبت بعد، و تأخّرها إلى أن يجعل الشرط مع الفصل الطويل خارج عن قاعدة التخاطب).
ثمّ قال: (و قد بيّنا بطلان الوكالة المعلّقة على الشرط، و هو أظهر قولي الشافعيّة، فلو تصرّف الوكيل بعد حصول الشرط فالأقرب صحّة التصرّف، لأنّ الإذن حاصل لم يزل بفساد العقد و صار كما لو شرط في الوكالة عوضا مجهولا، فقال: بع بكذا على أنّ لك العشر من ثمنه، تفسد الوكالة، و لكن إن باع يصحّ، و هو أحد وجهي الشافعيّة، و الثاني لا يصحّ، لفساد العقد، و لا اعتبار بالإذن الضمني في عقد فاسد.
ألا ترى أنّه لو باع بيعا فاسدا و سلّم إليه المبيع لا يجوز للمشتري التصرّف فيه و إن تضمّن البيع و التسليم الإذن في التصرّف و التسلّط عليه و ليس بجيّد، لأنّ
ص: 187
الإذن في تصرّف المشتري باعتبار انتقال الثمن إليه و الملك إلى المشتري، و شيء منهما ليس بحاصل، و إنّما أذن له في التصرّف لنفسه ليسلم له الثمن، و هذا إنّما أذن له في التصرّف عن الآذن لا لنفسه.
قال بعض الشافعيّة: أصل المسألة ما إذا كان عنده رهن بدين مؤجّل فأذن المرتهن في بيعه على أن يعجل حقّه من الثمن، و فيه خلاف سبق.
و هذا البناء يقتضي ترجيح الوجه الثاني، لأنّ ظاهر المذهب للشافعيّة هناك فساد الإذن و التصرّف، فإن قلنا بالصحّة- و هو الّذي اخترناه نحن- فتأثير بطلان الوكالة أنّه يسقط الجعل المسمّى إن كان قد سمّي له جعلا و يرجع إلى اجرة المثل.
و هذا كما أنّ الشرط الفاسد في النكاح يفسد الصداق و يوجب مهر المثل و إن لم يؤثر في النكاح) (1)انتهى.
و عن كتاب القراض منها: (يجب التنجيز في العقد، فلا يجوز تعليقه على شرط أو صفة، مثل: إذا دخلت الدار، أو إذا جاء رأس الشهر فقد قارضتك بكذا، كما لا يجوز تعليق البيع و نحوه، لأنّ الأصل عصمة مال الغير) (2)انتهى.
و عن «التحرير»: (لو حلف بالطلاق لم يقع، و كذا لو علّقه بشرط سواء كان معلوما أو مجهولا، و كذا لو علّقه بمشيّة اللّه تعالى سواء قال: أنت طالق إن شاء اللّه، أو إلّا أن يشاء اللّه، أو متى شاء اللّه، أو إذا شاء اللّه، أو ما شاء اللّه، و كذا إن شاء زيد، أو إن يشاء، أو إلّا أن يشاء، سواء قال زيد: شئت أو لا أو إن طلعت
ص: 188
الشمس، أو عند طلوعها، أو عند هلال شوّال، أو إن كان الطلاق يقع بك، سواء علم بإمكان وقوع الطلاق بها أو لا.
و لو قال: أنت طالق في مكّة- أو بمكّة- وقع، لأنّ وقوعه يستلزم تحقّقه في كلّ مكان، و لو قال: أردت إذا كنت بمكّة وقع الشرط) (1).
و عن ظهاره: (و هل يشترط تجريدها من الشرط؟ قال السيّد المرتضى رحمه اللّه: نعم، و اختاره ابن إدريس رحمه اللّه (2)، قال الشيخ: لا يشترط، فلو قال:
أنت عليّ كظهر أمّي إن دخلت الدار، أو وطئتك وقع الظهار، مع حصول الشرط (3)، و به روايات كثيرة صحيحة (4).
فلو ظاهر إحدى زوجتيه، إن ظاهر ضرّتها ثمّ ظاهر الضّرة وقع الظهار، و لو ظاهر زوجته إن ظاهر فلان الأجنبيّة و أطلق أو نوى الظهار شرعيّا، فإذا ظاهرها و هي أجنبيّة لم يقع الظهاران فإن تزوّجها، و ظاهر منها صحّ، و هل يقع ظهاره المشروط؟ فيه إشكال ينشأ من جعل الشرط منوطا بالاسم، فيقع، و بالوصف فيبطل.
و قوّى الشيخ؛ الثاني (5)، و إن قصدا النطق بلفظ الظهار وقع الظهار المشروط عند مواجهة الأجنبيّة، و لو قال: إن تظاهرت من فلانة الأجنبيّة فامرأتي عليّ كظهر أمّي، و كانت أجنبيّة و قصد الشرعي لم يقع ظهاره منها و هي
ص: 189
أجنبيّة، و إن قصد النطق بظهاره منها وقع عند مواجهتها و إن تزوّجها و ظاهرها وقع الظهاران إن قصد الشرعي و لو قال إن شاء اللّه لم يقع.
و لو قال: إن لم أتزوّج عليك فأنت عليّ كظهر أمّي، لم يتحقّق الظهار إلّا عند الموت و لا كفّارة في التركة) (1)انتهى.
و عن كتاب الإيلاء منه: (و هل يشترط تجريده عن الشرط الأقرب ذلك) (2).
و عن كتاب الوقف من «التذكرة»: (يشترط في الوقف التنجيز، فلو علّقه على شرط أو صفة لم يصحّ، مثل أن يقول: إذا جاء زيد فقد وقفت داري، أو قال:
إذا جاء رأس الشهر وقفت عبدي، كما لا يصحّ تعليق البيع و الهبة) (3)انتهى.
و عن «جامع المقاصد»: يشترط في الوقف امور: أحدها: تنجيزه، فلو علّق على شرط أو صفة مثل أن يقول: إذا جاء زيد فقد وقفت داري، و إذا جاء رأس الشهر وقفت عبدي لم يصحّ، لعدم الجزم، كما لا يصحّ تعليق البيع و الهبة).
ثمّ قال: (و استثنى في «الدروس»: ما إذا كان المعلّق عليه واقعا و الواقف عالم بوقوعه، كقوله: وقفت إن كان اليوم جمعة) (4)انتهى.
و عن «المسالك» بعد قول المحقّق رحمه اللّه: (و لو قال: وقفت إذا جاء رأس الشهر، أو إن قدم زيد، لم يصحّ، قال رحمه اللّه: نبّه بالمثالين على أنّه لا فرق بين تعليقه بوصف لا بدّ من وقوعه كمجيء رأس الشهر، و هو الّذي يطلق عليه الصفة، و بين تعليقه بما يحتمل الوقوع و عدمه، كقدوم زيد، و هو المعبّر عنه بالشرط،
ص: 190
و اشتراط تنجيزه مطلقا موضع وفاق، كالبيع و غيره من العقود، و ليس عليه دليل بخصوصه) (1)انتهى.
هذه جملة من العبائر؛ يظهر منها الاتّفاق على الحكم في الجملة من غير فرق بين العقود و الإيقاعات، و لا بين اللازم من العقود و جائزها، و قد عرفت من كلماتهم أنّهم لم يتعرّضوا لوجه الحكم، بل أخذوا في التفريع بعد إرسالهم الحكم إرسال المسلّمات.
و قد رأيت التصريح من «المسالك» بعدم الدليل عليه بخصوصه، و لذا صرّح شيخنا رحمه اللّه فيما يأتي من كلامه؛ أنّ العمدة في المسألة هو الإجماع (2).
قوله: (صرّح به العلّامة في «التذكرة» (3)) .. إلى آخره (4).
أقول: لا يخفى عليك أنّ العلّامة لم يصرّح بعبارته المنقولة عنه بوجه الاشتراط، و إنّما صرّح بأصل الاعتبار؛ اعتبار الجزم، ليفرّع عليه البطلان بالتعليق، و ليس المراد أنّ الجزم من لوازم الإنشاء و التعليق ينافيه العلّة حينئذ عدم قابليّة الإنشاء للتعليق، كما قد توهّم، و سيجيء منه رحمه اللّه نقله عن بعضهم.
بل لم يصرّح إلّا باعتبار شرط، و هو الجزم، و أرسل ذلك إرسال المسلّمات و لم يتعرّض لوجه الاشتراط.
نعم؛ جعل وجه الاعتبار في «القواعد» توقّف الرضا عليه تخيّلا منه مراد
ص: 191
من اعتبره (1)، و سيظهر لك بطلانهما معا.
ثمّ إنّ من جملة ما ذكره من الوجه لاعتبار الجزم و بطلان التعليق في العقود و الإيقاعات امور:
أحدها: عدم قابليّة الإنشاء للتعليق، و أنّه مناف لأصل الإنشاء.
ثانيها: أنّ الانتقال بحكم الرضا، و الرضا لا يكون إلّا مع الجزم، و التعليق ينافيه.
ثالثها: أنّ ظاهر ما دلّ على سببيّة العقد ترتّب مسبّبه عليه حال وقوعه، فتعليق أثره بشرط من المتعاقدين مخالف لذلك.
رابعها: توقيفيّة الأسباب الشرعيّة الموجبة لوجوب الاقتصار فيها على المتيقّن، و ليس إلّا العقد العاري عن التعليق (2)، و سنبيّن أيضا عدم ورود شيء ممّا ذكره عليهما.
قوله: (و تفصيل الكلام؛ أنّ المعلّق عليه إمّا أن يكون معلوم التحقّق) (3).
جعل أقسام التعليق ستّة عشر، ثمّ أتبعه بذكر حكمها بما لا يخلو عن اضطراب و غلق، و توضيح الكلام في بيان حقيقته و أقسامه و تمييز ما يضرّ منها في العقود و الإيقاعات عمّا لا يضرّ، و عدم منافاته على الإطلاق لحقيقة الإنشاء
ص: 192
يتوقّف على بيان امور:
الأوّل: أنّ حقيقة الإنشاء عبارة عن إظهار النسبة على وجه لا يكون لها نظر إلى غيرها، و لا يكون فيها جهة كشف أصلا، فلا تصلح لأن تتّصف بالمطابقة و المخالفة من غير فرق بين كونها مدلولة للكلام مكشوفة عنها بالوضع أو حاصلة بالكلام.
و الأوّل لا يكون إلّا مدلولا للهيئة أو الإرادة، لظهور أنّ النسبة من المعاني الحرفيّة لا يمكن أن يدلّ عليها المادّة، فما كان مدلولا للهيئة كصيغة أمر الحاضر، و ما كان مدلولا للحرف كصيغة أمر الغائب، و الجملة الاستفهاميّة و نحوها ممّا تكون النسبة الإنشائيّة بالأداة، و ما كان حاصلا بالكلام كالجملة الخبريّة الواردة في مقام الإنشاء، كالمدح و الذمّ.
و من هذا القبيل إنشائيّة العقود و الإيقاعات، فقولك: زيد عالم، مدلوله الوضعي هو النسبة الخبريّة، أي الكشف عن ثبوت العلم له، لكنّه بعد الإظهار و الكشف يحدث نسب عديدة لم تكن حاصله قبل الكلام و هي الإظهار و الإخبار و الإعلام و المدح و التوصيف و التكلّم، و لا يخلو كلام خبري- بل الكلام الإنشائي أيضا- عن شيء من النسب الحاصلة به نسمّيها عناوين طارئة تتوقّف حصولها على تماميّة الكلام و استعمال ألفاظها في المعاني الموضوعة لها.
ثمّ الكلام الخبري إن صيغ لبيان نفس الموضوع له، و لم يكن المقصود بالذات إلّا الموضوع كان خبرا، و لم يكن من الإنشاء في شيء و إن لم يكن الموضوع له مقصودا بالذات، بل قصد تبعا و توطئة للنسبة الحاصلة، نظير إرادة العموم قبل الاستثناء، كان الكلام حينئذ إنشاء.
ص: 193
فزيد عالم في المثال المذكور قد يكون إخبارا إذا لم يقصد المتكلّم غير معناه الوضعي، و قد يكون إنشاء إذا كان في مقام المدح، أي إذا قصد الموضوع له توطئة لحصول النسبة الحاصلة بالكلام، و هي إظهار صفته الحسنة.
فالنسبة الحاصلة- و لو بقرينة المقام- إن كانت هي المقصودة من الكلام كان الكلام إنشاء، و إن لم تكن مقصودة و إن كانت حاصلة كان الكلام إخبارا.
و من هنا يظهر أنّ الجملة الخبريّة المستعملة في مقام الإنشاء لا مجازيّة فيها أصلا، لظهور أنّ الاتّصاف بالحقيقة و المجاز إنّما هو باعتبار الاستعمال في الموضوع له و عدمه، لا باعتبار النسب الحاصلة بالكلام، فإنّها و إن قصدت بالإفادة تتوقّف على استعمال الألفاظ في الموضوع له، ليكون ذلك توطئة لحصول المقصود بالذات.
و لذا لا ترى فرقا بحسب الاستعمال بين قولك: زيد عالم، في مقام الإنشاء و الإخبار، بل لا مجازيّة في الإنشائيّة المستفادة بسبب الأداة أيضا، و ذلك لأنّ الجملة الفعليّة أو الاسميّة قبل دخول أداة الاستفهام و إن كانت خبريّة إلّا أنّ خبريّتها إنّما هي للإطلاق، لا هي نفس الموضوع له حتّى يلزم مجازيّة بالنسبة إليها بعد دخول حرف الاستفهام.
و كيف كان؛ فالتفرقة بين الخبر و الإنشاء إنّما هي بكون النسبة مقصودة للمتكلّم من الكلام ناظرة إلى النسبة الاخرى أو غير ناظرة، لا أنّها نابتة بنفسها، أو حاصلة بالكلام، فإنّ قولك: اضرب، إنّما هو إنشاء باعتبار النسبة المكشوفة عنها بالوضع، و هي ممّا يمتنع تأخّره عن اللفظ، فلم يكن الإنشائيّة فيه باعتبار الإحداث و الإيجاد قطعا.
ص: 194
نعم؛ يعرضه عناوين طارئة كالتكليف و الإلزام و الإيجاب و الطلب و أمثالها، كما يعرضه الخبر نحو هذه العناوين كالإعلام و الإخبار و الإظهار و أمثالها.
و الحاصل؛ أنّ التفرقة بينهما بالإيجاد و الإحداث في الإنشاء دون الإخبار فاسد، و التفرقة ما ذكر.
إذا عرفت [ذلك] ظهر لك فساد ما قيل من أنّ الإنشاء لا يقبل التعليق و الإيجاد، بل هي باعتبار ثبوت جهة الكشفيّة في النسبة و عدمه، و النسبة مطلقا قابلة للتعليق و عدمه (1)، فإنّ هيئة «افعل»- مثلا- موضوعة لأن تكشف عن أنّ هذه المادّة ملحوظة منسوبة إلى المخاطب على نحو المبعوثيّة إليه إمّا مطلقا، أو على تقدير أمر آخر.
و على التقديرين لا تخرج النسبة عن كونها إنشاء، و كذا الإنشائية في الخبر الوارد في مقام الإنشاء، فإنّ التعليق الواقع فيه إنّما يكون قيدا للنسبة المكشوفة عنها بالوضع، لا للنسبة الحاصلة بالكلام، غايته أن يكون النسبة الحاصلة بالكلام على تقدير إطلاق تلك النسبة التزاما مطلقا، و على تقدير اشتراط تلك النسبة التزاما مشروطا، من غير فرق بين إنشاء البيع و المدح و الذّم و التمنّي، فيقال: إن أعطاني زيد كذا فهو سخي، أو إن منعني عن الشيء الفلاني فهو بخيل، أو ليت زيدا إن جاءني أكرمني.
نعم؛ يمكن القول بأنّ الإنشاء ينافي التعليق، و هو حينئذ كذلك في الإخبار أيضا، لظهور أنّ التوقّف إنّما يتصوّر قبل التحقّق، و أمّا بعده فلا يتعقّل التوقّف، و هو ظاهر، فيقصد من التعليق حينئذ تعليق أصل الفعل، أي إظهار النسبة
1) نسبه في المكاسب: 3/ 170 إلى المتوهّم و قال: (و ربما يتوهّم).
ص: 195
الإنشائية أو الخبريّة، و ظاهر أنّهما بعد الحدوث لا يتصوّر فيهما التعليق، و نحو هذا التعليق لا يتصوّر وقوعه فضلا عن النزاع في صحّته و بطلانه، و التعليق بمعنى آخر خال حينئذ عن محلّ الكلام، أي إظهار النسبة الإنشائيّة و إحداثها ينافي التعليق.
الثاني: أنّ ترتّب الأثر على الإنشائيّة أثر خارج عن الإنشاء لا يتوقّف إنشائيّة الإنشاء على ترتّبه، فلا يضرّه العلم بعدم ترتّب الأثر فضلا عن الشكّ فيه، فإنّ إنشاء عقد الفضولي حال علمه بعدم تعقّب الإجازة إنشاء لا نقص في الإنشائيّة، كما لا نقص في إنشائيّة إيجاب البائع مع علمه بعدم ترتّب الأثر عليه بدون تعقّبه لإنشاء القبول، فتوقّف ترتّب الأثر على اشتمال الإنشاء على الشرائط و فقد الموانع أمر آخر لا ربط له بحقيقة الإنشاء.
الثالث: أنّ الإنشاءات تختلف بحسب الأثر، فمنها ما يكون أثره الفعليّة كالبيع و النكاح و الطلاق، و منها ما يكون أثره الإعداد و إنشائيّة لترتّب الأثر عليه في الزمان المتأخّر كالوصيّة و المكاتبة و التدبير، فإنّ المعلول من إنشاء الوصيّة هو صيرورة المال بحيث يصير ملكا للموصى له عند موت الموصي، و المعلول من إنشاء المكاتبة إعداد العبد للانعتاق عند أداء مال الكتابة، و المعلول للثالث إعداد العبد للانعتاق عند موت المولّى، و هذا بخلاف البيع، فإنّ أثره ثبوت الملكيّة بنفس الإنشاء.
و لا ريب أنّ هذا الاختلاف إنّما هو لاختلاف أصل الماهيّة و كيفيّة التأثير و التسبيب بحسب جعل أصل السبب، لا بحسب اختلاف قصد المنشئ في إنشائه بحيث يدور مدار قصده، كما سيتّضح.
ص: 196
و حيث عرفت ما ذكرناه لك من الامور فنقول: التعليق في العقود و الإيقاعات إن اريد به التعليق في أصل الإنشاء- أعني به فعل الشخص من حيث كونه فعلا له- فهو كالتعليق في أصل الإخبار أمر غير متعقّل ضرورة، استحالة فعليّة الوجود، و التوقّف ليس من محلّ الكلام في شيء، و إنّما الكلام في مقامين:
أحدهما: تأخّر الأثر بالتعليق على أمر متأخّر عن الإنشاء.
و ثانيهما: تعليق الإنشاء على ما لا يعلم بتحقّقه.
أمّا الأوّل؛ فقد عرفت أنّه يجوز بالنسبة إلى الإنشاءات الّتي شرعت للإعداد لا للفعل، كما في الوصيّة و الوصاية و التدبير و المكاتبة، فإنّ الوصيّة تمليك حيث ينقطع عنه الملكيّة بالموت و تأثيره الفعلي إعداد المال لأن يملكه الموصى له، فهو حينئذ ملك أن يملك، و الوصاية جعل ولاية حيث ينقطع السلطان و الولاية عن الموصي بالموت، و يلزم بعد الموت، لعدم التمكّن و إلّا فليس حقيقتها إلّا النيابة.
و التعليق في التدبير مقوّم لماهيّته، و المكاتبة عقد فكّ الرقبة بدفع مال معيّن، فتوقّف فعليّة الحريّة على الدفع من مقتضيات البدليّة، كتوقّف استحقاق الأجير للاجرة على العمل المستأجر له.
و أمّا البيع؛ فإنّما شرع للتأثير و الفعليّة، فتأخّر تأثيره عن حال وقوعه تصرّف في كيفيّة تأثير الأسباب، و هو خارج عن اختيار المنشئ، فقولك: بعتك هذا إذا جاء رأس الشهر الفلاني، إن اريد به عدم تأثيره إلّا في ذلك الوقت فهو تفكيك للمسبّب عن السبب، و هو خارج عن اختيار المكلّف، و إن اريد به عدم
ص: 197
حصول المبادلة و البيع إلّا في ذلك الوقت فهو مناف لقصد إنشاء المبادلة بنفس الكلام، لظهور أنّ العنوان الطاري ينطبق على الكلام و يوجد بوجوده و يمتنع تأخّره عنه بإرادة المنشئ، و إن لم يرد إنشاء المبادلة بنفس الكلام فلم يتحقّق منه العنوان الطاري الّذي يتوقّف التأثير على تحقّقه.
و هذا بخلاف التعليق الواقع في الأوامر كقولك: افعل كذا إذا جاء وقت كذا، و ذلك لما عرفت من أنّ الإنشاء فيها على نحو آخر غير نحو الإنشاء في العقود و الإيقاعات، فإنّ الإنشائيّة في العقود و الإيقاعات إنّما هي بالنسبة الحاصلة بالكلام، و في الأوامر و النواهي بالنسبة المدلولة للكلام المكشوفة عنها بالوضع، فالتعليق فيها يرجع إلى التعليق في النسبة المكشوفة، و قد عرفت أنّها قابلة للتعليق و التنجيز معا، فإنّ الهيئة مع الإطلاق تكون كاشفة عن أنّ هذه المادّة ملحوظة منسوبة إلى الفاعل على وجه المبعوثيّة إليه، و مع التقييد بأمر آخر تكون كاشفة عن كونها ملحوظة منسوبة إليه على وجه المبعوثيّة على تقدير تحقّق ذلك الأمر.
هذا إن اريد التعليق في أصل النسبة المكشوفة بالوضع، فيكون الفعل في الأوّل واجبا مطلقا، و في الثاني واجبا مشروطا، فلا يجب عليه شيء من المقدّمات قبل تحقّق ذلك الشرط، فهما مختلفان في العنوان الطاري لا في النسبة الإنشائيّة المكشوفة عنها بالهيئة.
و المراد بالعنوان الطاري تعلّق الوجوب به، فإنّه يكون فعليّا في الأوّل، و موقوفا في الثاني، و هذا أمر آخر لا ربط له بالإنشائيّة المكشوفة عنها باللفظة.
و قد يراد به التقييد في نفس الفعل لا في أصل النسبة، كما لو علّق الأمر
ص: 198
بالزمان المتأخّر، فإنّ الزمان حينئذ قيد للفعل، لا لأصل النسبة، و ذلك كما في الأمر بالحجّ قبل الوقت، و الأمر بالصوم من أوّل الليل.
و الواجب حينئذ يسمّى عندهم معلّقا لا مشروطا، و يفترقان بعدم وجوب المقدّمات قبل تحقّق المعلّق عليه في الأوّل دون الثاني، و ذلك لظهور عدم تنجّز الأمر قبله حينئذ في الأوّل و تنجّزه في الثاني.
و نظير هذه التفرقة ما ذكره الفقهاء- رضوان اللّه عليهم- في باب الوكالة من التفرقة بين تعليق إنشاء الوكالة بأمر متأخّر فتبطل، و بين تعليق الفعل الموكّل فيه و تقييده بزمان متأخّر فتصحّ.
فلو قال: وكّلتك إذا جاء رأس الشهر الفلاني، بطلت الوكالة، للتعليق، دون ما إذا قال: وكّلتك الآن، و لكن لا تبع إلّا إذا جاز رأس الشهر الفلاني، فإنّه لا يصحّ له البيع إلّا في ذلك الزمان المعيّن.
و القسمان في التعليق في الأمر كالقسمين في التعليق في الوكالة، و التفرقة بين القسمين في المقامين ظاهر، و مع ذلك أنكر شيخنا الأنصاري رحمه اللّه في الأوّل- أي في الأمر- فردّ عليه سؤال الفرق بينه و بين الوكالة (1).
و أمّا الثاني؛ فملخّص القول فيه أنّ كلّا من الأخبار و الإنشاء ينطبق عليه عنوان آخر، و هو فعل توليدي للمخبر و المنشئ كالإعلام و الاستعلام و طلب الفعل و الترك و الإرشاد، و التعليق إنّما يصحّ فيهما بالنسبة إلى الفعل الثاني أعني التوليدي لا الأولي، بل قد عرفت استحالة التعليق بالنسبة إليه.
و أمّا بالنسبة إلى عنوان الطاري؛ فإمّا أن يكون ممّا يعتقد المتكلّم ارتباطه
1) المكاسب: 3/ 163 و 164.
ص: 199
به كما إذا كان علم المخبر بما يخبره منوطا بأمر، فيعلّق عليه إخباره، كقولك:
الأمير في الدار إن كان الفلاني في الباب، و في الإنشاء كقول الطبيب: اشرب الدواء الفلاني إن كنت على حالة كذا، لتوقّف الصلاح باعتقاده عليه.
فهذا النحو من التعليق في الخبر و الإنشاء معا ممّا لا كلام فيه، سواء كانت النسبة الإنشائيّة مدلولة للكلام أو حاصلة به، كما قيل في التمنّي: يا ليت زيدا إن جاءني أكرمني، و في المدح: نعم الرجل زيد إن كان عالما تقيّا، و زيد حسن الوجه إن لم يكن فيه كذا من الوصف.
و إمّا أن يكون التعليق بامور غير مربوطة بالقضيّة الخبريّة أو الإنشائيّة، أي لم يكن العناوين الطارئة باعتقاده مرتبطة به، و هذا القسم من التعليق يوجب انتفاء العنوان رأسا، و جعل الكلام لغوا في الخبر و الإنشاء معا.
و الأوّل مثل قولك: إن كان الخبز غاليا فالبطيخ حلو- مثلا-، و الثاني كقولك: اشرب الدواء إن كان الطير في الهواء، فإنّ شيئا منهما ليس إعلاما و إرشادا، و المتكلّم حينئذ لاغ أو مستهزئ.
و من هنا تبيّن السرّ في التفرقة بين تعليق العقود و الإيقاعات على ما هو معلّق عليه في الواقع، و بين تعليقها على ما لا يرتبطان به حيث لم يعلم بتحقّقه، و أمّا مع العلم بالتحقق فهو تأكيد، كقولك: إن كنت ابني فلا تفعل كذا، و حينئذ فنقول:
لمّا كان الإنشائيّة في العقود و الإيقاعات باعتبار العناوين الطارية، كالالتزام بالمبادلة في البيع- مثلا- كان التعليق في الامور الغير المرتبطة بها في ترتّب الآثار عليها موجبا لعدم تحقّق تلك العناوين بها، فتبطل لعدم انطباق تلك
ص: 200
العناوين عليها، كعدم انطباق الإعلام على الخبر المعلّق على أمر غير مرتبط به، كما عرفته في المثال، فالبطلان حينئذ إنّما هو لإيجابه سلب العناوين المقصودة في العقود و الإيقاعات.
و المقصود تحقّق الالتزام من طرفه، و التعليق ينافيه، و لذا عبّر بعضهم عن اعتبار التنجيز باعتبار الجزم، ثمّ فرّع عليه بطلان التعليق (1).
فالمقصود من الجزم إنّما هو بالنسبة إلى الامور الراجعة إليه- أي الجزم- بمضمون العقد و الإيقاع، لا الجزم بترتّب الآثار، فإنّ ذلك لا وجه لاعتباره.
بل قد عرفت الحكم بصحّته مع القطع بعدم ترتّب الأثر فضلا عن الشكّ فيه، و ذلك كما إذا جرى الفضولي للعقد مع قطعه بعدم تعقّبه للقبول من المشتري، ثمّ اتّفق القبول منه بعد الإيجاب، فإنّه لا كلام أيضا في صحّة العقد معه، و لا وجه لاعتبار العلم بترتّب الأثر على الإنشاء، سواء كان من جهة الامور المتأخّرة المعتبرة في الصحّة، كالقبض في بيع الصرف- مثلا- أو من جهة الامور المعتبرة وجودها حال الإنشاء، كالملكيّة في البيع، و الزوجيّة في الطلاق، فلا إشكال حينئذ في الصحّة، كما إذا قال: بعتك هذا إن كان في ملكي، أو إن كانت هذه زوجتي فهي طالق.
و الحاصل؛ أنّ الغرض من إنشاء العقود و الإيقاعات حصول الالتزام من المنشئ بسبب الإنشاء، و تحقّق العناوين الطارية، و التعليق على الامور الغير المتوقّفة عليه التأثير ينافيه، لكونه موجبا لعدم تحقّق ذلك العنوان، بخلاف
1) انظر! تذكرة الفقهاء: 1/ 462، و القواعد و الفوائد: 1/ 65 القاعدة 35، و لاحظ! المكاسب: 3/ 164 و 165.
ص: 201
التعليق على الامور المتوقفة عليه التأثير.
فإن قلت: إنّ إنشاء الأمر يصحّ تعليقه على ما يشتهيه الآمر، فيحقّق معه الطلب المشروط، فلم لا يصحّ تعليق البيع على ما يشتهيه البائع، فيحقّق معه المبادلة المشروطة و يترتّب الأثر عند وجود الشرط؟ فكما أنّه لا يحتاج إلى إنشاء آخر للطلب عند وجود شرطه، و يكون الشيء واجبا بذلك الإنشاء كذلك في البيع يتحقّق المبادلة على تقدير وجود الشرط بذلك الإنشاء من غير حاجة إلى إنشاء آخر.
قلت: فرق بين المقامين، و ذلك لأنّ الإنشائيّة في الأوامر و النواهي إنّما هي باعتبار النسب المدلولة للهيئة أو الأداة بالوضع، و قد عرفت أنّها قابلة للتعليق، و لا واقع لما يرتبط به إلّا ما اعتبره المنشئ، بخلاف العقود و الإيقاعات الإنشائيّة فيها إنّما هي باعتبار ترتّب العناوين الطارئة.
و التعليق على غير ما يترتّب عليه التأثير ينافي بها، فإنّ من أظهر المبادلة على تقدير مشيّة زيد لم يكن مبادلا فعليّا، و لم يتحقّق منه مبادلة اخرى على تقدير مشيّته.
و الأثر إنّما يترتّب على المبادلة لا على مجرّد مشيّتها و الرضا بها.
و هذا بخلاف الأمر، فإنّ الوجوب يترتّب على العلم بإرادة الآمر منه من غير فرق بين كون الكاشف عنه إنشاءه أو إخباره.
و لذا لو أخبر الآمر بأنّه يريد منه الفعل الفلاني وجب عليه امتثاله، و حينئذ فإذا أمر المولى بشيء مشروطا بشيء آخر حصلت منه النسبة الإنشائيّة الّتي دلّت عليه اللفظ، لكن لم يحصل بكلامه الإنشائي العنوان الطاري الّذي كان
ص: 202
يحصل به لو لا التعليق، و هو صيرورته طالبا و آمرا بإنشائه ذلك.
نعم؛ يستكشف منه الإرادة على ذلك التقدير، فيجب الفعل عنده لذلك- أي للعلم بالإرادة- لا تحقّق الطلب منه بهذا الإنشاء، فهما- أي إنشاء الآمر و إنشاء العقد- مع التعليق متساويان في عدم ترتّب العنوان الطاري، إلّا أنّهما مفترقان في ترتّب الأثر.
و ذلك أنّ الأثر في العقود إنّما يترتّب على تحقّق ذلك العنوان الطاري، و في الأوامر على العلم بالإرادة من غير مدخليّة في ذلك العنوان الطاري أصلا، فضلا أن يكون ذلك إنشاء، أو عنوانا طاريا على الكلام، بخلاف العقود، فإنّه لا يكفي فيها مجرّد العلم بالإرادة و الرضا، و هذا ظاهر.
فاتّضح بما ذكرنا حكم جميع الأقسام، بل و فساد ما ذكره في «المسالك» عند قول المحقّق في كتاب الطلاق: (و يشترط في الصيغة تجريدها عن الشرط و الصفة في قول مشهور)؛
قال رحمه اللّه: (نبّه بقوله: «على مشهور»، على ضعف مستنده، فإنّه ليس عليه نصّ، و إنّما أوردوا عليه أدلّة ظاهريّة كقولهم: إنّ النكاح أمر ثابت متحقّق، فلا يزول إلّا بسبب متحقّق، و وقوعه مع الشرط مشكوك فيه.
و قوله: إنّه مع عدم الشرط إجماعيّ، و لا دليل على صحّته بالشرط و نحو ذلك، فإنّ هذا كلّه يندفع بعموم الأدلّة الدالّة على ثبوت حكم الطلاق حيث يقع أعمّ من كونه منجّزا أو معلّقا على شرط)- إلى أن قال-: (و سيأتي أنّ الظهار يصحّ تعليقه على شرط، و به نصوص (1)تفيده، و ذلك يؤنس لقبول مثل هذه الأحكام
1) وسائل الشيعة: 22/ 332 الباب 16 من كتاب الظهار.
ص: 203
التعليق في الجملة، و اختلفوا في وقوع الإيلاء معلّقا، و من جوّزه كالشيخ (1)و العلّامة في «المختلف» احتجّ عليه بعموم القرآن (2)(3)الدالّ على وقوعه من غير تقييد السالم عن المعارض.
و هذا الدليل وارد هنا، و عموم «المؤمنون عند شروطهم» (4)يشمل الجميع، و في تعليقه حكمة لا تحصل بالمتنجّز، فإنّ المرأة قد تخالف الرجل في بعض مقاصده، فيفعل ما يكره، و يمنع ما يرغب فيه، و يكره الرجل طلاقها من حيث إنّه أبغض المباحات عند اللّه تعالى (5)، و من حيث أنّه يرجو موافقتها فيحتاج إلى ترجيح الطلاق بفعل ما يكرهه، أو ترك ما يريده فإمّا إن تمنع فتفعل فيحصل غرضه أو تخالف فتكون هي المختارة للطلاق، و قد تقدّم في خبر من علّق طلاق امرأته على تزويجها، و سؤاله النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأجابه بأنّه لا طلاق قبل النكاح (6)، و لم يجبه بأنّ الطلاق المعلّق على شرط باطل.
و المراد بالشرط المعلّق عليه هو ما يحتمل وقوعه، و عدمه كدخول الدار، و بالصفة ما لا بدّ من وقوعه عادة كطلوع الشمس) (7)، انتهى.
و لا يخفى عليك أنّه يلزم الشهيد الثاني رحمه اللّه على ما ذكره أن يحكم بعدم قدح التعليق في شيء من العقود و الإيقاعات.
ص: 204
و هذا ممّا يقتضي ضرورة الفقه بخلافه، و لا يلتزم هو أيضا بجواز التعليق على أمر مجهول متأخّر كقولك: بعت، أو آجرت إن جاء زيد غدا، فهو رحمه اللّه و إن أجاد و أنصف فيما تنبّه له من فساد ما ذكروه من التعليلات و الأدلة الظاهريّة الّتي لا يعوّل عليها لإثبات الأحكام إلّا أنّه بعد الإجماع- بل الضرورة- على قدح التعليق في الجملة لا يمكن إنكاره بالمرّة، بل لا بدّ من بيان الضابط بحيث لا يرد نقض، و بيان السرّ بحيث لا يرد عليه إشكال في حكمه بجميع أقسامه و موارده.
و الحاصل؛ أنّ التعليق في العقود قد يكون لبيان اعتبار خصوصيّة في موضوع الإنشاء، كالشروط المنوّعة و المشخّصة الّتي مرجعها إلى اعتبار وصف عنواني، كقولك: بعتك هذا الثوب إن كان من قطن، أو هذه الحنطة إن كانت جيّدة.
و قد يكون لإثبات حقّ زائد، كقولك: بعتك هذا بكذا درهما بشرط أن تصوغ لي خاتما.
و قد يكون تحديدا للمتعلّق، كتقييد الموكّل فيه بكونه في وقت كذا أو مكان كذا.
و قد يكون تحديدا للإنشاء، كما في الشروط المعتبرة في الأوقاف، فإنّها ليست إلّا بيانا لكيفيّة الوقف.
و قد يكون تحديدا للزوم، كما هو الحال في اعتبار الامور الّتي توجب فقدها للخيار.
و قد يكون تحديدا للمتعلّق من جهة صحّة التأثير، ككون المبيع ممّا ينتفع به و عدم كونها أمّ ولد و عدم كون المطلّقة حائضا أو في طهر المواقعة، و عدم كون
ص: 205
المزوّجة في العدّة.
و قد يكون تحديدا للإنشاء باعتبار ما يعتبر في المنشئ، كالبلوغ و العقل، و عدم كونه محجورا عليه.
و قد يكون تحديدا له باعتبار ما يعتبر في نفسه، كإقران الإيجاب بالقبول.
و قد يكون تصريحا بإناطة التأثير بوجود المقتضي كتعليق الفضولي العقد على الإجازة، لأنّ العقد- كما سيجيء- آلة، و المقتضي إنّما هو الإجارة.
و قد يكون تصريحا بإناطة التماميّة بوجود جزء المقتضي، كقولك: بعتك هذا إن قبلت، فإنّه لا إشكال في عدم قدح التعليق في شيء ممّا ذكروا ما يشبهها، و إنّما القادح من التعليق ما يوجب عدم تحقّق العنوان الطاري من المنشئ.
و قد عرفت أنّه التعليق على امور غير مرتبطة في التأثير، و لا موجبة للتحديد مجهولة للمنشي، أو ما يوجب إرادة تأخّر المسبّب عن الأسباب المجعولة للتأثير في الفعليّة، لا للإعداد، كما عرفته ببياننا المتقدّم.
قوله: (و ربّما يتوهّم أنّ الوجه في اعتبار التنجيز .. إلّا أنّ الكلام ليس فيه) (1).
هذا هو الّذي ذكرنا استحالة التعليق بالنسبة إليه، و أنّه خارج عن محلّ الكلام.
1) المكاسب: 3/ 170.
ص: 206
قوله: (و إن كان الكلام في أنّه كما يصحّ إنشاء الملكيّة المتحقّقة على كلّ تقدير)- إلى قوله-: (فلا ريب في أنّه أمر متصوّر واقع في العرف و الشرع كثيرا، كما في الأوامر و المعاملات من العقود و الإيقاعات) (1).
قد عرفت الفرق بين الأوامر و أنّه لا يتحقّق الالتزام و المبادلة الفعليّة الّتي هي أنسب في التأثير في العقود مع التعليق، و الوجوب في الأمر تابع للعلم بالإرادة، و هو حاصل مع التعليق أيضا، و حينئذ فمن قال بعدم قابليّة الإنشاء للتعليق إن أراد به منافاته لتحقّق الالتزام و المبادلة الفعليّة، و أنّه موجب لعدم تحقّقها؛ فلا بأس به.
قوله: (و يتلو هذا الوجه في الضعف ما قيل) (2).
قد عرفت أنّ هذا الدليل إنّما ذكره لبطلان التعليق بالوصف، و عرفت أنّ المراد بذلك بيان كيفيّة تسبيب هذه الأسباب في التأثير، و بيان أصل التشريع، لا دلالة خصوص قوله تعالى: أَوْفُوا (3)حتّى يناقش فيه بما ذكره.
يعني أنّ هذه الأسباب- أعني العقود و الإيقاعات- عدا الخارج منها بالدليل لم يشرع إلّا في التأثير في الفعليّة دون الإعداد و التقرير من قوله تعالى:
ص: 207
أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1)لم يثبت إلّا على الماهيّة العرفيّة، و ليس حقيقة البيع عندهم إلّا المبادلة العرفيّة الّتي هي سبب شرعا للملكيّة.
و أمّا إنشاء إرادة المبادلة في المستقبل و تأثيره فعلا في إعداد المال لحصول البدليّة فيه؛ ليس من حقيقة البيع في شيء، و حقيقته ليست إلّا المبادلة الحاصلة بالإنشاء، و مع إرادة حصولها بالإنشاء فالتعليق يرجع إلى تأخّر سببها عنها، و هو أمر خارج عن اختيار المنشئ و تصرّف في السبب الشرعي، فيبطل لخروجه عن الأسباب الشرعيّة.
و إلى ما ذكرنا يشير أيضا ما ذكره الفاضل القمّي رحمه اللّه في رسالته، حيث قال:
(إنّ أصل النقل لا بدّ أن تحصل بنفس الإنشاء، و ذلك لا يكون إلّا بالجزم و القطع بذلك، و التعليق ينافي ذلك، و اللفظ المذكور في العقد هو الناقل، فلو علّق تأثيره على حصول شيء آخر فلم يحصل النقل بذلك اللفظ و هو خلاف المفروض) (2)انتهى.
و بهذا البيان يظهر لك سقوط جميع ما أورده رحمه اللّه عليه، فلاحظ و تأمّل حتّى يظهر لك الحال.
قوله: (مع أنّ تخلّف الملك عن العقد كثير جدّا) (3).
الظاهر أنّه أراد بذلك مثل انتقال منافع العين الموقوفة إلى البطون المتأخّرة، فإنّه منفصل عن زمان العقد و مثل انتقال العين الموصى بها إلى الموصى له بعد موت الموصي، و انتقال الموهوب إلى الموهوب له بعد القبض،
ص: 208
و تملّك عامل القراض لحصّته المقرّرة بعد ظهور الربح، و تملّك العامل في المزارعة و المساقاة حصّته من الفائدة بعد ظهور الثمرة، و تملّك المستأجر للمنفعة المتأخّرة عن زمان العقد، فيما إذا وقع العقد قبل زمان الإجارة.
و لا يخفى عليك عدم ظهور شيء ممّا ذكر نقضا على ما ذكره المستدلّ، خصوصا المثال الأخير، و ذلك لظهور أنّ الزمان في الإجارة مشخّص للمنفعة، و لا تخلف فيها للملكيّة بوجه، غايته تأخّر الوجود لا الملكيّة.
و الجواب عن سائر الأمثلة: أنّ كيفيّة الأسباب متأخّرة، و لا يقاس ما شرع للفعليّة بما شرع للإعداد، و كيفيّة التأثير فيها على النحو المتقدّم قد ثبت فيه بالأدلّة القطعيّة و لم يستدلّ المستدلّ إلّا بظاهر الأدلّة في خصوص العقود و الإيقاعات المتنازعة، و حينئذ ثبوت تأثير بعض العقود في الإعداد بالأدلّة الواضحة لا يكون نقضا لما استظهره المستدلّ من ظاهر الأدلّة.
و ليس المراد التمسّك بالقضيّة العقليّة حتّى يكون التخلّف في مورد نقضا لتلك القضيّة، بل المراد أنّ المستفاد من الأدلّة أنّ هذه الأسباب للفعليّة و اشتراط التأخّر لكيفيّة السببيّة، فلا يتوجّه عليه حينئذ ما ذكر بوجه.
قوله: (مع أنّ ما ذكره لا يجري في مثل قوله: بعتك إن شئت) .. إلى آخره (1).
قد عرفت أنّ التعليق على ما هو معلّق عليه في الواقع لا قدح له و لا يوجب البطلان، فلا وجه للنقض به، و عرفت أنّ هذا التعليل إنّما هو للتعليق على الصفة باصطلاحهم لا الشرط و لا وجه للنقض به.
1) المكاسب: 3/ 171.
ص: 209
قوله: (مع أنّ ما ذكره لا يجري في غيره من العقود الّتي قد يتأخّر [مقتضاها]) (1).. إلى آخره.
أقول: على ما استظهرنا مراده رحمه اللّه من العبارة المتقدّمة يلزم كون هذه العبارة تكرارا لما سبق، فلا بدّ من حمل العبارة المتقدّمة على إرادة عدم تحقّق الملك رأسا و لو في خصوص البيع، و هذه العبارة على صورة التأخّر كالأمثلة المتقدّمة، و تخلّف الملك عن البيع رأسا لا يكون إلّا لفقد الشرط، كالقبض في المجلس في بيع الصرف، و معه يكون فاسدا لا وجه للنقض به.
قوله: (ثمّ الأضعف من الوجه المتقدّم) .. إلى آخره (2).
لا يخفى عليك بما تقدّم أنّه لا يدفع من هذا الأصل شيء ممّا ذكره، لأنّ الإطلاق منصرف إلى الماهيّات العرفيّة، و ليست هي إلّا ما اريد به الفعليّة، دون الإعداد، فيبقى ما عداه تحت أصالة الفساد.
قوله: (و علّل ذلك بعدم الجزم حال العقد) .. إلى آخره (3).
قد عرفت أنّ الجزم إنّما يعتبر في العقود بالنسبة إلى ما يرجع إلى المنشئ- أي لا يكون متردّدا فعله- و أمّا الجزم بترتّب الأثر و عدم الشكّ فيه من جهة قابليّة المحلّ أو وجود شرط الصحّة، أو فقد المانع عنها فلا وجه لاعتباره أصلا.
و هذا محكوم بقدح التعليق و هو لا يقتضي أزيد من اعتبار الجزم في مقابل
ص: 210
الترديد، لا الجزم في مقابل الشكّ في التأثير.
و نظر ذلك اعتبار الجزم في النيّة بالنسبة إلى العبادة، فإنّ المراد به هناك أيضا بالنسبة إلى ما يرجع إلى عمل المكلّف نفسه- أي تمييزه- لما يأتي به في النيّة، و عدم ترديده العمل بين كونه امتثالا لأحد الأمرين لا الجزم بالصحّة من جهة العلم بالاشتمال على جميع الشرائط و فقد الموانع، فإنّ ذلك ممّا لا دليل على اعتباره، و إن وقع الخلط في كلامهم في مقامين، فلاحظ و تأمّل!
قوله: (و إن كان لعدم الاعتبار برضاهما) (1).
لا يخفى أنّه حينئذ يكون كالفضولي، فيلحقه حكمه، فيصحّ برضا متأخّر، كالمكره إذا رضي بالعقد بعد الإكراه، و كون الحكم فيه على خلاف القواعد للتعبّد يأباه ظاهر كلماتهم، كما لا يخفى على من لا حظها.
قوله: (و يدلّ عليه النبوي المشهور: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (2)) (3).
قد اشتهر التمسّك بهذه الرواية للضمان باليد، و لحمله من الفروع الفقهيّة بحيث يظهر منهم أن لا مدرك لها غير هذه الرواية، و أرسلوا دلالتها عليها إرسال
ص: 211
المسلّمات، لكن حدثت المناقشة في دلالتها من بعض الأواخر حتّى رموها بالإجمال، فوجب نقل المناقشة، ثمّ بيان وجه الاندفاع و وضوح الدلالة.
قال في «العوائد» بعد نقل الرواية: (ظاهر هذا الكلام على الطريق المتعارف [في المحاورات] أن يقدّر ثابت أو كائن أو نحوهما من أفعال العموم على أن يكون خبرا مقدّما للموصول، و جملة «ما أخذت» مبتدأ مؤخّرا، و تكون الجملة خبريّة، أي: ما أخذت اليد ثابت عليها كائن فيها، ككون الأعيان على محالّها، نحو: زيد كائن على السطح.
و لكن لا شكّ أنّ المطلوب ليس إخبارا، و أنّ المراد باليد ليس نفسها، و لا بما أخذت عينه، بل المراد باليد هو ذو اليد من باب تسمية الكلّ باسم جزئه، بل أظهر أجزائه و أدخلها في المقام حيث إنّ الأخذ يكون باليد كتسمية الجاسوس بالعين، و الترجمان باللسان.
و المراد بالموصول واحد من متعلّقاته، كردّه أو حفظه أو ضمانه أو نحوها، و المراد بالجملة إنشاء الحكم الشرعي أو الوضعي، فلا بدّ في الكلام من تجوّز في اليد و تقديرين:
أحدهما؛ تقدير متعلّق الظرف.
و الثاني؛ تقدير مضاف الموصول.
فإنّ جعل المضاف من الامور الوضعيّة- كضمان و نحوه- يكفي تقدير الثبوت في الأوّل، فيكون المعنى: ضمان ما أخذت اليد ثابت على ذي اليد، و إن جعل غيره نحو الردّ أو الحفظ.
فلمّا لم يكن لثبوت الحفظ أو الردّ على ذي اليد معنى محصّل فلا بدّ إمّا من
ص: 212
جعل متعلّق الظرف الوجوب ليكون المعنى: واجب على ذي اليد ردّ ما أخذت أو حفظه، أو تقدير مضاف آخر للمضاف إليه ليكون [المعنى:] ثابت على ذي اليد وجوب ردّ ما أخذت أو حفظه، أو غيرهما لا ينتقل أذهاننا إليه الحال).
ثمّ قال: إذا عرفت ذلك، فنقول: (الاستدلال بالحديث على ضمان المثل أو القيمة بعد التلف إنّما هو على فرض تقدير الضمان الشامل لردّ العين مع البقاء و المثل أو القيمة مع التلف، و لا دليل على تعيّنه أصلا.
فإن قيل: استدلال الفقهاء و احتجاجهم على الضمان خلفا بعد سلف و فهمهم ذلك دليل على أنّه كان لهم قرينة على تقديره، و إن خفيت علينا.
قلنا: مع أنّه لم يعلم ذلك من جميع الفقهاء و لا أكثرهم، و إن علم من كثير منهم [و] ليس ذلك من الأحكام الشرعيّة الّتي يحكم فيها بالاتّفاق بضميمة الحدس و الوجدان، و لا يصلح عمل جماعة دليلا لشيء لا يدلّ على أنّه لقرينة تقدير الضمان، بل لعلّه لاجتهادهم تقدير جميع المحتملات [عند عدم] تعيين المقدّر، أو لمظنّة شيوع تقديره، أو لدليل اجتهاديّ آخر.
فإن قيل: المتبادر من هذا التركيب إثبات الضمان.
قلنا: ممنوع جدّا، و لو راجعت إلى أمثال هذا التركيب الّتي ليس الذهن فيها مسبوقا بالشبهة علم عدم التبادر، مع أنّه على فرض التسليم لا يفيد، لأصالة تأخّر حدوث التبادر، حيث إنّ ذلك ليس من مقتضى الوضع اللغوي لهذا التركيب.
فإن قيل: ليس هنا شيء آخر يصلح أن يكون غايته الأداء إلّا الضمان، لعدم إمكان غيره عند التلف، فيجب تقدير الضمان الّذي يمكن ثبوته في صورتي
ص: 213
بقاء العين و تلفها، فمع البقاء يؤدّى العين، و مع التلف؛ المثل أو القيمة.
قلنا: أداء المثل أو القيمة ليس أداء ما أخذت، بل أداء شيء آخر، فلا يكون «حتّى تؤدّي» غاية للضمان في صورة التلف أيضا، فإنّ مقتضى تقدير المفعول أن يكون مفعول «تؤدّي» أو نائب فاعله على تقدير كونه بصيغة المجهول ما يرجع إلى الموصول، أي: ما اخذت، و معنى أداء ما أخذت: أداء عينه دون المثل أو القيمة، بل إطلاق الأداء على الغير غير صحيح، فلا يتحقّق أداؤه في صورة التلف أصلا.
و على هذا تكون الرواية لبيان حكم صورة التلف، [و لا يعلم منه حكم صورة التلف] و لا يلزم أن يستفاد من كلّ حديث حكم جميع صور الواقعة، و لمّا لم يكن لتقدير الردّ أو الأداء معنى سليسا، إذ ليس قولك: [يجب] أداء ما اخذ أو ردّه حتّى تؤدّى، [أو ردّ] بسليس، فالأظهر تقدير الحفظ من الضياع و التلف أو نحوه.
و على فرض عدم تعيّن [تقدير] «ما اخذت» [للمفعول] فلا شكّ في احتماله، [و معه] فالحكم بتقدير الضمان غير موجّه قطعا، فلا دلالة في الرواية على ثبوت ضمان المثل أو القيمة.
بل في دلالته على وجوب أداء العين مع بقائه نظر، لأنّ الاستدلال [له] بها إمّا لأجل تقدير الأداء و الردّ، و هو غير معلوم؛ لجواز تقدير الحفظ و نحوه، فيكون معنى الحديث: يجب على ذي اليد حفظ ما أخذت إلى زمان أدائه.
أو لأجل قوله: «حتّى تؤدّي»، و لا دلالة له أيضا؛ لأنّ وجوب الحفظ- مثلا- إلى زمان الأداء لا يدلّ على وجوب الأداء، كما إذا قال الشارع: عليك
ص: 214
بقصر الصلاة في السفر حتّى تدخل الوطن، فإنّه لا يدلّ على وجوب دخول الوطن أصلا.
و منه يظهر عدم تماميّة الاحتجاج بها على وجوب ردّ العين أيضا، و إن كان ذلك ثابتا بأدلّة اخرى، مع أنّ في الرواية إجمالا من وجهين آخرين يشكل التمسّك بها في [بعض] الموارد الّتي تمسّكوا بها على فرض تعيّن تقدير الردّ أو الضمان.
أحدهما: باعتبار الأخذ، فإنّهم يتمسّكون بها في كلّ موضع حصل فيه التصرّف في مال الغير، و لو لم يصدق عليه الأخذ أيضا، و إثباته من الرواية مشكل.
و ثانيهما: باعتبار المؤدّى إليه الّذي يجب تقديره أيضا، فهل هو المالك أو من ناب منابه من الوكيل و الوليّ أو من أخذ منه، و لو كان غاصبا؟ و يشكل من هذه الجهة أيضا التمسّك بها في بعض الموارد (1)انتهى.
و توضيح الكلام في بيان وجه الدلالة على وجه ينكشف به اندفاع هذه الشبهات يتوقّف على التعرّض لمفاد كلّ كلمة من ألفاظ هذه الرواية، فنقول:
إنّ كلمة «على» وضعت للاستعلاء على نحو وضع الحروف، أي:
للكشف عن ملاحظة خصوصيّة في مدخولها، و هي ارتباطها بما قبلها على جهة العلوّ، فهذه خصوصيّة ملحوظة في استعمال المدخول، لا أنّ الاستعلاء معنى لتلك الكلمة استعملت فيه، يدلّ على ذلك، الجمع بينهما في قولك: استعلى
1) عوائد الأيّام: 108- 110، و ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
ص: 215
عليه، كما قد حرّر ذلك في بحث المشتقّ من الاصول (1)، فقولنا: زيد على السطح، هذا النحو من الارتباط و هو علوّه عليه الّذي هو عين استقراره فيه.
ثمّ العلوّ إمّا حسّي و إمّا معنوي، و الأوّل كارتباط الحمل بالحامل، و الثاني كارتباط المال المضمون بالضامن، فإنّ الربط هنا أيضا على جهة العلوّ لكنّه معنويّ لا حسيّ، فكلمة «على» في قولك: عليه كذا من المال، لم يستعمل إلّا في الاستعلاء.
و نسب المال إليه بطريق الاستعلاء باعتبار كونه حملا عليه و وزرا، و المديون حامل له، يشعر ذلك بالتزامه به، لأنّ الحامل لا يلزم بحمله، كما أنّ نسبة الفعل إليه أيضا ب «على» إنّما هو بهذا الاعتبار، فقولك: عليه فعل كذا، إنّما يفهم منه الوجوب و الالتزام من جهة التغيير عن النسبة ب «على»، فيستفاد الحكم التكليفي من جهة كون المحمول فيه من الأعيان.
فلا فرق في معنى الكلمة و لا في تقدير المتعلّق بين قولك: عليه كذا من الفعل، أو عليه كذا من المال، فمفاد الكلامين واحد، و متعلّق الجارّ أيضا شيء واحد.
و إنّما افترقا في استفادة الحكم التكليفي و الوضعي من جهة الاختلاف في المنسوب إلى الشخص، و قد قرّر في محلّه، لا مجازيّة في الحروف و ما يقع منها إنّما هو في المتعلّق، و في المقام لا يجوز في المتعلّق أيضا، بل ليس إلّا كون العلوّ غير حسّي.
و كيف كان؛ فلا مفاد لهذه العبارة إلّا عين حقيقة الضمان، فإنّه ليس إلّا
1) كفاية الاصول: 41 و 42.
ص: 216
التعهّد بالمال و كون وزره عليه و الغرامة بالبدل عند الحيلولة، و التلف من آثاره، كما أنّ وجوب الحفظ و الإيصال أيضا من آثاره، فلا فرق حينئذ بين قولك: فلان ضامن لكذا من المال، أو عليه ذلك المال، من غير حاجة إلى تقدير الضمان، و هما متّحدان في الدلالة على الضمان مختلفان في كيفيّة الدلالة من حيث الاسميّة و الحرفيّة، و الضمان غير الدين، و النسبة بينهما عموم من وجه يجتمعان بحسب المورد، و يفترقان أيضا، كما في المضمون عنه، فإنّه مديون غير ضامن.
و كما في الأيادي المتعاقبة في الغصب، فإنّ كلّا منهما عدا من تلف المال في يده ضامن للمالك غير مديون، لرجوعه إلى من تلف المال بيده فهو يؤدّي ما استقرّ في ذمّة غيره، و قد تقدّم تفصيله.
و أمّا اليد؛ فقد استعملت في معناها الحقيقي، و لا تجوّز فيها أصلا، و إنّما التجوّز في نسبة الضمان إليها، فالمجاز في النسبة لا في الكلمة.
و توهّم كونها مستعملة في الشخص بعلاقة الكلّ و الجزء فاسد، بل هذه العلاقة ليست من العلائق المصحّحة لتجوّزه في شيء من الموارد، و ما جعلوه من هذا الباب كاستعمال الرقبة في الإنسان، و اللسان في الترجمان، و العين في المرئيّة، أيضا فاسد.
أمّا الأوّل؛ فلظهور أنّ الرقبة لو كانت مستعملة في الإنسان لم يختلف صحّة الاستعمال باختلاف المنسوب إليها من الأفعال، مع أنّ الاختلاف ظاهر، لأنّه يصحّ قولك: فلان اعتق رقبة، أو فكّ رقبة، و لا يصحّ نسبة غيرهما من الأفعال إليه، كقولك: رأيت رقبة، أو جاء رقبة، أو مات رقبة.
فيكشف ذلك عن عدم المجازيّة في الكلمة، بل المجاز إنّما هو في النسبة
ص: 217
و أمّا استعمال اللسان في الترجمان، و العين في المرئيّة، و إن كان من المجاز في الكلمة إلّا أنّه ليس لعلاقة الكلّ و الجزء من شيء، بل إنّما هو من باب الاستعارة، لعلاقة المشابهة، لأنّ الشخص إذا تمحّص في جهة راجعة إلى بعض الأعضاء كالترجمان فيما يرجع إلى اللسان و المرئيّة فيما يرجع إلى العين، فينزل بمنزلة ذلك العضو، فيطلق اللفظ الموضوع لذلك العضو عليه على وجه الإضافة، كيد فلان خاصّة، كيد فلان و لسانه، و العلاقة حينئذ ليس إلّا المشابهة باعتبار إفادة ذلك الشخص فائدة ذلك العضو من غير مدخليّة لخصوص الجزئيّة في صحّة هذا الاستعمال.
كما يكشف ذلك عن قولك: سيف السلطان، مع أنّ السيف ليس من أجزاء الإنسان، فليس ذلك إلّا لمشابهة الشخص بالسيف بالنسبة إلى ذلك الإنسان.
و من ذلك القبيل إطلاق يد اللّه و عين اللّه و سيف اللّه، فإنّ هذه الإطلاقات ليست لعلاقة الكلّ و الجزء قطعا، بل يمكن أن يقال: أن لا تجوّز في هذه الألفاظ حال الإضافة، لأنّ مفاد الإضافة بيان النسبة بين الشيئين، و هو موقوف على استعمال اللفظ في الطرفين، فقولنا: يد اللّه، معناه أنّه من اللّه تعالى بمنزلة اليد من الشخص، و كذا العين.
ص: 218
و منه أيضا: «حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة» (1)، و يكشف عن ذلك- بل يدلّ عليه- صحّة الإطلاق من غير إضافة و إن كان هناك قرينة على التجوّز.
و منه يظهر أنّ الماء المضاف ليس ماء مجازيا، بل إنّما هو ممّا اضيف إليه بمنزلة الماء من سائر الأجسام، فلفظ الماء في قولك: ماء الرمّان، أو ماء العنب ليس مجازا في الكلمة، و لم يستعمل إلّا في معناه الحقيقي، و الإضافة أفادت الارتباط التنزيلي، و كلّ من المضاف و المضاف إليه أحد طرفي النسبة، فقولك:
النار فاكهة الشتاء إنّما عنى إثبات التنزّل منزلة الفاكهة للنار، لا تسميتها بالفاكهة مجازا، و ماء الوجه أيضا كذلك، و المراد به العزّ، و الإضافة أفادت تنزيله بالنسبة إلى الوجه منزلة الماء، فإنّ الوجه من غير عزّ كالبطيخ من غير ماء.
إذا عرفت ذلك؛ فالتحقيق في المقام أنّ اليد لم تستعمل إلّا في ما وضعت له إلّا أنّه كنّى به عن القهر و الاستيلاء، لأنّ كمال السلطنة و الاستيلاء من جهة كونها تمام في هذا الإسناد، و لذا ذكروا في باب الغصب أنّه لا ضمان مع ضعف اليد، و إن وقع القبض باليد.
و المراد بالموصول ما يشمل العين و المنفعة و الحقّ، و بالأخذ السلطنة و الاستيلاء، فيكون المعنى: على المتسلّط و المستولي الشيء الّذي تسلّط عليه عينا كان أو منفعة أو حقّا.
و الأداء كناية عن رجوع الأمر إلى المضمون له و استقلاله بماله، سواء كان ذلك بالوصول إليه أو بمجرّد التخلية بينه و بين المال، و تمكّنه منه، أو عفوه و إسقاطه.
1) الكافي: 2/ 315 الحديث 1.
ص: 219
و لمّا كان الخروج عن العهدة غالبا بالأداء، و كان الغرض إفادة أنّ هذا الضمان لا مزيل له إلّا من طرف المضمون له عبّر بهذه العبارة.
و لا يخفى أنّ متعلّق الأخذ و الأداء شيء واحد، و المؤدّى هو عين المأخوذ، و البدل عين المبدل عند الحيلولة و عند التلف.
و توضيح الكلام في ذلك: أنّ مقتضى تعهّد الشخص بالمال و ضمانه المستفاد من صريح الرواية و منطوقها- من غير حاجة إلى تقدير الضمان- هو بقاء المال عنده، و لو بعد التلف، فينتقل المال بعد الجزئيّة إلى الكليّة، أي: تبطل خصوصيّته و يسقط ردّه و يتعلّق ماليّته بذمّته.
و حينئذ فإذا عيّن الضامن تلك الكليّة في خصوصيّة خارجيّة فقد أدّى الّذي أخذه بماليّته لا بخصوصيّته، فالبدل حينئذ عين المبدل من جهة و غيره من اخرى.
و حاصل الكلام؛ أنّ المأخوذ مضمون قبل التلف و بعده، و معنى ضمانه:
تعهّده به و التزامه بردّه التزاما وضعيّا، و أثر هذا الضمان قبل التلف وجوب حفظه و ردّ عينه، و بعد التلف ردّ ماليّته إمّا بالمثل أو القيمة، لتعذّر ردّ خصوصيّته، لا أنّه يتبدّل المأخوذ بعد التلف بالمثل أو القيمة، و يحصل المبادلة القهريّة.
و لذا لو فرض إعادة المعدوم بإحياء الميّت بإعجاز- مثلا- بعد أخذ القيمة، تسلّط المالك على أخذ عين ماله و ردّ ما أخذه من القيمة، كتسلّط الضامن على أخذ عين ماله، و ليس ذلك إلّا لعدم حصوله المبادلة بالتلف، بل إنّما سقط ردّ الخصوصيّة، لتعذّره، و بقي الماليّة الّتي هي المقصودة بالأصالة في الأموال تؤخذ في ضمن خصوصيّة اخرى، فالخصوصيّة الّتي تلفت لا بدل لها، و القيمة المؤدّاة هي الماليّة المأخوذة و بدليّتها باعتبار تغيّر الخصوصيّة لا باعتبار تبدّل الاستحقاق.
ص: 220
و بهذا البيان يرتفع الإشكال عن حكمهم ببقاء العين المقصود به في ملك المغصوب منه عند الحيلولة و لو بعد أخذ القيمة، و ذلك لما عرفت من أنّ أخذ القيمة ليس أخذا للبدل من جهة حصول المبادلة.
بل إنّما هو أخذ لماليّة ماله بعد تعذّر أخذ خصوصيّته، فإنّ اللازم على الغاصب أوّلا إيصال المال بخصوصيّته و ماليّته، و بعد تعذّر الخصوصيّة يتعيّن عليه إيصال ماليّته، و لا يتحقّق الوصول إلّا بدخول القيمة في ملكه، فيجتمع القيمة و المغصوب معا في ملك المغصوب منه من دون أن يلزم اجتماع بين العوض و المعوّض، كما استشكلوا في الحكم بذلك، فردّ القيمة غرامة للمالك لحصول الحيلولة، لا أنّه معاملة، أو معاوضة قهريّة.
و لذا يطلق عليها بدل الحيلولة، أي: غرامة حصلت بسبب الحيلولة، و الحال كذلك مع التلف أيضا، فإنّ القيمة معه غرامة حصلت من جهة حصول التلف بمن دون (1)
1) إلى هنا تمّت النسخة في هذا المبحث.
ص: 221
قوله: (بعد اتّفاقهم على بطلان إيقاعه) (1).. إلى آخره.
اعلم أنّ المسلّم من الاتّفاق على المنع من الفضولي إنّما هو باب العتق و الطلاق، و أمّا ما عداهما فلا يخلو إمّا أن يكون ممّا لا يقع فيه البحث عن كون الإجازة فيه كاشفة أو ناقلة، بل تكون الإجازة علّة تامّة يتحقّق المضمون الّذي تعلّقت به من حين الإجازة، و ذلك كما في إجازة الرجوع إلى الطلاق إذا أنشأه غير الزوج فضوليّا، حيث إنّ إجازته بنفسها رجوع، و يتحقّق بها الرجوع من حينها أو يكون قابلا لأن يقع فيه البحث عن الكشف و النقل، فالأوّل أيضا ممّا وقع الاتّفاق فيه على البطلان بالفضولي، بمعنى عدم ترتيب الأثر على الفضولي أصلا و إنّما الأثر مترتّب على نفس فعل المجيز.
و الثاني: وقع فيه البحث عن صحّة الفضولي فيه و إن كان المتسالم بين المشهور هو البطلان، لكن لم يظهر اتّفاق الكلّ فيه، فدعوى الاتّفاق على بطلان الفضولي في الإيقاع على نحو العموم ممنوعة.
1) المكاسب: 3/ 346.
ص: 222
قوله: (و إن كان الّذي يقوى في النفس لو لا خروجه عن ظاهر الأصحاب) (1).. إلى آخره.
هل المعتبر في نفوذ العقد الصادر عن الفضولي هو استناده إلى المالك مع رضاه إلى فعل الفضولي، أم يكفي مجرّد رضاه و لو لم يتحقّق الاستناد؟
احتمالان:
الظاهر المتسالم عليه الأصحاب هو الأوّل، و مال المصنّف إلى الأخير لو لا خروجه عن ظاهر الأصحاب (2).
و استدلّ على ذلك بعمومات أدلّة العقود، مثل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3)و آية التجارة (4)و حديث: «لا يحلّ مال امرئ إلّا بطيب نفسه» (5)و ما دلّ على كون سكوت المولى عن نهي العبد عن نكاحه عند العلم به إقرارا به (6)، و حديث عروة البارقي المتضمّن للقبض و الإقباض قبل إجازة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تقريره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إيّاه (7)مع أنّه لو لم يكتف بالرضا الباطني لكان القبض حراما؛ إذ ليس للفضول أن يقبض ما عنده و يقبض به بدله.
و ذكر أخيرا منع تسالم الأصحاب على اعتبار الاستناد، لأنّهم يعبّرون
ص: 223
كثيرا باعتبار الرضا، مثل قولهم في مقام الاستدلال على الصحّة بأنّ الشرائط كلّها حاصلة إلّا الرضا، و مثل قولهم في مقام الاستدلال على عدم كفاية السكوت في الإجازة بأنّه أعمّ من الرضا (1)، و لا يخفى ما في الكلّ.
أمّا أوّلا: فلأنّ ما يميل إليه في المقام مخالف مع ما استدلّ به على نفوذ عقد المكره بالإجازة بفحوى صحّة عقد الفضولي بها، و ذلك لما عرفت من أنّ مبنى دعوى الفحوى كان على التزام باعتبار الاستناد في العقد، حيث يقال بأنّ عقد الفضولي فاقد لجهتين، و هما الاستناد و الرضا، و عقد المكره فاقد لجهة واحدة، و هو الرضا، و ما هو فاقد لجهتين لو صحّ بالتعقّب بالإجازة تكون صحّة الفاقد لجهة واحدة بها أولى، و هذا الاستدلال مناف مع اختيار عدم اعتبار الاستناد؛ إذ على القول بعدم اعتباره يصير حال العقد الفضولي كعقد المكره من غير أولويّة في البين أصلا.
و أمّا ثانيا: فلما في ما ذكره من منع تسالم الأصحاب، و ما نقله من العبائر، لا تدلّ على حصر ما يعتبر بخصوص الرضا بلا اعتبار الاستناد، و ذلك لأنّ الرضا يطلق بمعنيين:
الأوّل: طيب النفس.
و الثاني: الاختيار، و إطلاقه بالمعنى الثاني شائع كثير في استعمالات أهل العرف و اللغة، و منه قول العامّة العمياء في وجه تسمية الرضا عليه السّلام بالرضا: لأنّه اختاره المأمون لولاية العهد (2).
ص: 224
فيمكن أن يكون مرادهم من الرضا في هذه الكلمات هو الاختيار، و لا أقلّ من الاحتمال، فلا يكون منافيا مع ما يظهر منهم في غير مورد الاتّفاق على اعتبار الاستناد.
و أمّا ما استدلّ به من العمومات، ففيه: أنّه لا دلالة في شيء منها على عدم اعتبار الاستناد لو لم تكن دلالته على اعتبار الاستناد تكون أظهر.
أمّا آية وجوب الوفاء؛ فلأنّ مقتضى تقابل الجمع بالجمع أعني «أوفوا» و «العقود» هو التوزيع، أعني وجوب وفاء كلّ أحد بعقد نفسه، و لا إشكال أنّ عقد الأجنبيّ لا يصير عقد الراضي به ما لم يتحقّق الاستناد إليه، فبالاستناد يضاف عقد الفضولي إليه ثمّ يشمله وجوب الوفاء.
و كذا الكلام في آية التجارة، فإنّ التجارة عبارة عن التكسّب و اعتبر فيها الرضا، و لا بدّ من استناد التجارة الصادر عن الفضولي إلى المالك حتّى تصير تجارته، فتحلّ بواسطة الرضا، و أمّا الرضا بتكسّب الغير فهو خارج عن مورد الآية، كما لا يخفى.
و أمّا حديث الحلّ، فلأنّه إنّما يدلّ على اعتبار طيب النفس و الرضا في العقد، و لا ينفي اعتبار ما عداه؛ إذ ليس في مقام حصر ما يعتبر في العقد بالرضا، و يكون حاله كحال «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (1)حيث إنّه يدلّ على اعتبار فاتحة الكتاب في الصلاة لا على عدم اعتبار ما عداها فيها.
و أمّا ما دلّ على أنّ سكوت المولى عند علمه بنكاح عبده إقرار، فهو على
1) عوالي اللآلي: 3/ 82 الحديث 65، لاحظ! وسائل الشيعة: 6/ 37 الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة.
ص: 225
خلاف مراده قدّس سرّه أدلّ، حيث إنّه يدلّ على أنّ السكوت منه حينئذ إقرار، و لا إشكال أنّ الإقرار أمر وجودي يثبت للأمر الصادر عن العبد، فهو إجازة من غير كلام؛ و إنّما الكلام في الاكتفاء بمحض الرضا الباطني على تبرّزه في مرحلة الخارج بإقرار و نحوه.
و بالجملة؛ فالسكوت بما هو سكوت ليس موجبا لنفوذ النكاح، و لم يجعل كذلك في الخبر منشأ لنفوذه، بل هو بما هو إقرار يقتضي النفوذ، و هذا خارج عن محلّ البحث، و لذا يستدلّ على ثبوت الفوريّة في جملة من الخيارات بكون السكوت إقرارا- أي سكوت من له الخيار عن الفسخ- مع علمه بأنّ له الخيار يجعل تثبيتا للعقد و دالّا على إجرائه على وفقه، و هو يقتضي سقوط خياره، فدلالة السكوت على فوريّة الخيار إنّما هي لأجل كونه إقرارا و تثبيتا، كما سيأتي توضيحه.
و الحاصل؛ أنّ هذا الدليل لا يدلّ على صحّة الاكتفاء بالرضا، و لو لم يكن مع الاستناد لو لم يجعل دليلا على اعتبار الاستناد؛ لمكان التعبير بكون السكوت إقرارا، كما لا يخفى.
و أمّا رواية عروة البارقي فسيأتي الكلام فيها مفصّلا.
فالمحصّل ممّا ذكرناه اعتبار الرضاء و الاستناد معا في صحّة عقد الفضولي و عدم صحّة الاكتفاء بالرضا.
و لا فرق في ما ذكرنا بين ما كان متعلّق فعل الفضولي ملكا للغير و كانت الحاجة إلى إجازة المسبّب بالدرجة الثانية، أعني مفاد الاسم المصدري، أو كان متعلّقه ممّا تعلّق به حقّ الغير، و كانت الحاجة إلى الإجازة بالنسبة إلى الدرجة
ص: 226
الأولى من المسبّب، أعني معناه المصدري، كبيع الراهن بلا إذن المرتهن؛ و كنكاح بنت الأخ و الاخت بلا إذن العمّة و الخالة، و كنكاح الباكرة بلا إذن وليّها لو قيل باعتبار إذنه، و كنكاح العبد أو فعله ما يتبع به بعد عتقه بلا إذن مولاه؛ إذ الجميع مشترك في اعتبار الإجازة زائدا على الرضا الباطني، و لا يصحّ الاكتفاء بالرضا الباطني في شيء منها.
أمّا فيما كان المحتاج إلى الإجازة هو المعنى الاسم المصدري كبيع مال الغير فضوليّا فلما تقدّم من أنّ عقد الفضولي لا بدّ من أن يستند إلى المالك، فما لم يستند إليه لا يصير عقده، فلا يشمله العمومات الدالّة على صحّة العقود مثل عموم أَوْفُوا و نحوه.
و أمّا ما كان المحتاج إلى الإجازة فيه هو المعنى المصدري فلأنّه بعد فرض تعلّق حقّ الغير و وقوفه على إذنه فيتوقّف نفوذه على أحد أمرين: إمّا إسقاط حقّ الغير لكي يمضي بصيرورته طلقا عن حقّ الغير، كما إذا أسقط المرتهن حقّه عن العين بعد بيع الراهن، أو إلى تنفيذه لو لم يسقط حقّه و الرضا الباطني لا إسقاط و لا تنفيذ، فيحتاج إلى فعل وجوديّ يكون منفّذا بعد فرض الحاجة إلى التنفيذ.
قوله: (ثمّ إنّه لو اشكل في عقود غير المالك فلا ينبغي الإشكال في عقد العبد) (1).. إلى آخره.
اعلم؛ أنّه يحتمل أن يكون المراد من العصيان المذكور في الخبر الوارد في صحّة نكاح العبد إذا أجازه المولى فعلا «بأنّه لم يعص اللّه سبحانه و إنّما عصى
1) المكاسب: 3/ 348.
ص: 227
سيّده، فإذا أجاز جاز» (1)هو العصيان التكليفي أي الحرمة التكليفيّة، و يحتمل أن يكون بمعنى الوضع أعني التجاوز عن حقّ المولى، أي فعل ما يتوقّف صحّته على إذن المولى و كان زمامه بيده، فعلى الأوّل ترتفع الحرمة التكليفيّة بمجرّد رضا المولى باطنا من غير حاجة إلى الإجازة، و على الثاني فيتوقّف صحّة ما فعله على إذنه أو إجازته.
إذا عرفت ذلك؛ فاعلم أنّ مبنى ما أفاده قدّس سرّه- من عدم تحقّق المعصية الّتي هي مناط المنع في الإجازة بعد الرضا بالباطني و لو لم يأذن المولى- يتمّ على الاحتمال الأوّل، و لا يخفى ما فيه؛ ضرورة فساد هذا الاحتمال؛ لأنّ العصيان لو كان بهذا المعنى لزم صحّة نكاحه و لو مع عدم الرضا أيضا لكون النهي حينئذ راجعا إلى ناحية السبب، أعني مقام التلفّظ بصيغة العقد و استعمالها حسبما تقدّم.
و قد مرّ أيضا أنّ حرمة السبب لا يوجب فساد المعاملة، فالالتزام بالحرمة التكليفيّة مقتض للالتزام بعدم الفساد، كما لا يخفى.
قوله: (ثمّ اعلم أنّ الفضولي) (2).. إلى آخره.
الفضولي إمّا أن يبيع لنفسه و إمّا يبيع عن المالك، و على الثاني فإمّا أن يكون مع سبق النهي عن المالك، أولا، فهنا ثلاث صور، و المتيقّن من صحّة الفضولي هو الأخير، أعني ما إذا باع الفضولي عن المالك مع عدم سبق النهي عن
ص: 228
المالك، إذ القائلين بالصحّة في هذه الصورة اختلفوا في الصحّة في الاوليين.
و بالجملة؛ فالكلام الآن في هذه الصورة قد وقع الخلاف في صحّة الفضولي فيها، و المشهور على الصحّة، و هو الحقّ، و البحث عن صحّة الفضولي فيها في مقامين:
الأوّل: في ما يطابق مع القاعدة، و الأدلّة العامّة تقتضي صحّتها أم لا؟
الثاني: في ما تقتضيه الأدلّة الخاصّة لو فرض عدم مطابقة صحّته للأدلّة العامّة، أو مع قطع النظر عنها.
أمّا المقام الأوّل؛ فالحقّ كون صحّة الفضولي مطابقا مع القاعدة، و تقريب ذلك تارة يقع على مسلك المصنّف قدّس سرّه من الاكتفاء بالرضا الباطني و القول بعدم الاحتياج إلى الاستناد، و اخرى ما حقّقناه من الحاجة إلى الاستناد؛ لأنّه يختلف التقريب على اختلاف المسلكين.
أمّا الأوّل؛ فتقريبه محاذيا لما في الكتاب أن يقال: إنّ مقتضى العمومات مثل: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)و أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (2)هو صحّة البيع مطلقا سواء كان مع الرضا أم لا، و سواء كان الرضا سابقا أم لاحقا، و لكنّها خصّصت بما يدلّ على اعتبار الرضا، و الدليل الدالّ على الرضا إمّا مطلق، أي يدلّ على اعتباره مطلقا و لو كان لاحقا، أو يكون مجملا من هذه الجهة، و على الأوّل فيدلّ على كفاية الرضا اللاحق، و على الثاني يكون المتيقّن منه هو اعتبار الرضا في الجملة، أمّا خصوص الرضا السابق و المقارن فلا يدلّ عليه دليل، و إذا شكّ في اعتباره يكون
ص: 229
المرجع هو العامّ؛ لكون التخصيص بالدليل المنفصل المجمل، هذا غاية تقريبه قدّس سرّه و لا يخفى ما فيه.
أمّا أوّلا: فلأنّه ما لم يتمّ الاستناد لا يكون شيء من العمومات دليلا على الصحّة؛ لما ذكرنا في مفاد عموم أَوْفُوا من أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي التوزيع، فكلّ أحد يجب عليه الوفاء بعقده لا بالعقد الصادر عن آخر أجنبيّ عنه، فالعقد الصادر عن الفضول ما لم يستند إلى المالك لا يصير المالك متعلّقا لخطاب الوفاء به، سواء قلنا: إنّ مفاد أَوْفُوا حكم وضعي- كما هو الحقّ على ما سيأتي- أو أنّه حكم تكليفي ينتزع عنه الحكم الوضعي، على ما اختاره المصنّف قدّس سرّه على ما سيأتي.
و أمّا آية الحلّ؛ فلا شبهة أنّ المراد من البيع فيها هو المعنى الاسم المصدري، أعني ما هو نتيجة البيع بالمعنى المصدري، و ما هو عبارة عن المبادلة بين المالين الّذي هو التجارة بمعنى التكسّب، و معلوم أنّه لم يتحقّق من الفضول، و إنّما الصادر عنه البيع المصدري و بالإجازة يصير بيعا و تجارة من المجيز، فمع عدم الاستناد ليس بيعا بالمعنى الاسم المصدري، و بالإجازة يصير بيعا و تجارة من المجيز، فمع عدم الاستناد ليس بيعا بالمعنى الاسم المصدري حتّى يتعلّق به حكم الحلّ ببركة العموم.
و أمّا ثانيا: فلأنّ ما أفاده من انفصال المخصّص عن العامّ ممنوع، كيف، و آية التجارة (1)من العمومات الواردة في مساق بقيّة العمومات، و قد خصّص بقيد الرضاء بقيد متّصل؟ و كون التخصيص فيها بالمتّصل يستلزم كون ما عداها
1) النساء (4): 29.
ص: 230
من سائر العمومات التي لم يذكر فيها ذاك المخصّص أيضا كذلك، و ذلك بعد اشتراكها مع عموم تلك الآية المباركة في المفاد و المؤدّى، و أنّها أجمعها مثبتات بمعنى واحد و هو إمضاء المعاملات العرفيّة المقتضي لصحّتها.
و أمّا ثالثا: فلأنّ محصّل ما أفاده قدّس سرّه يرجع إلى تأسيس الأصل في كلّ شرط، و أنّ الأصل فيه هو التأخّر، ضرورة؛ أنّ مقتضى ما أفاده هو عدم استفادة اعتبار تقارن الرضاء مع العقد، بل الدليل الدالّ على اعتباره يدلّ على أصل اعتباره في الجملة، و عند الشكّ في اعتبار تقارنه يدفع اعتباره بالأصل، فيكون شرطا و لو مع التأخّر.
و لا يخفى أنّ فتح هذا الباب لإبداع احتمال تأخّر كلّ شيء شرط من شروطه، و هذا و إن كان ممكنا في نفسه، إلّا أنّه بعيد في الغاية، بل طبع اشتراط كلّ شيء يقتضي اعتبار مقارنته مع المشروط، و هو الأصل فيه، إلّا أن يقوم الدليل على الاكتفاء بالوجود المتأخّر أيضا.
هذا تمام الكلام في التقريب الأوّل مع ما فيه.
و أمّا الثاني:- أي التقريب على مسلكنا- فبيانه يتوقّف على مقدّمة و هي:
أنّه لا إشكال أنّ باب العقود و الإيقاعات إنّما هو باب الإيجاد و الإنشاء، لكنّ الإيجاد ذات تنقسم على قسمين:
فمنها: ما يتعلّق بالامور الخارجيّة الّتي موطن وجودها و عالم تحقّقها هو الخارج.
و منها: ما يتعلّق بالامور الاعتباريّة الّتي لا وعاء لوجودها إلّا عالم الاعتبار.
ص: 231
و بين القسمين فرق، إذ في الخارجيّات يترتّب وجودها على إيجادها بلا مهلة، و لا يعقل التفكيك بينهما، فإذا تحقّق الكسر يتحقّق الانكسار، أو التسخين يتحقّق التسخّن.
و أمّا في الاعتباريّات ففيها مرحلتان: مرحلة وجود المنشأ في موطن الإنشاء، و هذه المرحلة كالخارجيّات لا ينفكّ المنشأ فيها بوجوده الإنشائي عن الإنشاء، و دخله تحقّق المنشأ في عالم الاعتبار، و هذه المرحلة يمكن انفكاكها عن الإنشاء، و ذلك فيما إذا توقّف تحقّقه على اعتبار أمر آخر اعتبره من بيده الاعتبار، إذ ليس كلّ منشئ ممّن بيده الاعتبار، و على هذا ففي مثل ملّكت الماء أيضا يتحقّق المعنى الإنشائي بالإنشاء، لكنّه لا تحقّق له في عالم الاعتبار.
إذا ظهر ذلك؛ فنقول: أمّا الخارجيّات؛ فلا يخلو إمّا أن تقبل النيابة كالضرب و نحوه، أو لا تقبل النيابة، و على كلا التقديرين فشيء منهما لا تقبل الفضولي، أمّا ما ليس قابلا للنيابة فواضح؛ إذ كلّما تحقّق يكون مستندا إلى مباشرة محضا.
و أمّا ما يقبل النيابة فإن كان بإذن من الغير سابقا على وقوعه يكون مستندا إلى الإذن، و إن لم يكن مع سبق الإذن فلا يصير بالإذن اللاحق مستندا إلى الإذن، كما إذا ضرب أحد و أنت تجيز ضربه بعد العلم بصدوره، و ذلك لأنّ ضربه هذا له جهتان، و هما جهة صدوره عن الفاعل بالمعنى المصدري و جهة صدوره و تحقّقه في الخارج بالمعنى الاسم المصدري، و إذا استنابه في ضربه يستند الضرب إلى المنوب عنه، و إذا أجازه بعد صدوره لا يستند إليه بالإجازة، لا بمعناه المصدري و لا بمعناه الاسم المصدري، أمّا معناه المصدري، فلاستحالة انقلابه عمّا وقع
ص: 232
عليه، و المفروض أنّه صادر عن الفاعل و لا يعقل أن يصير بالإجازة مستندا إلى المجيز.
و أمّا المعنى الاسم المصدري متحقّقة حين الإيجاد من غير تراخ و توقّف في تحقّقه على أمر مترقّب، و الشيء الواقع لا يعقل أن ينقلب عمّا وقع عليه، ففي مثله يستحيل تأثير الإجازة المتأخّرة، فلا يتمشّى فيه الفضولي بوجه من الوجوه.
و أمّا الاعتباريّات؛ فما لا يقبل منها النيابة أيضا لا يقبل الفضولي، و القابل منها للنيابة فبالنسبة إلى المعنى المصدري لا يؤثّر الإجازة المتأخّرة في استناده إلى المجيز، كما في المعنى المصدري من الخارجيّات، و بالنسبة إلى المعنى الاسم المصدري تكون هي قابلة، و ذلك لإمكان تخلّف وقوعه عن وقوع المعنى المصدري؛ لأجل توقّفه على أمر مترقّب من اعتبار من بيده الاعتبار أو الإجازة أو نحو ذلك، و على هذا؛ فيكون المعنى الاسم المصدري الواقف لو لا الإجازة متنفّذا بالإجازة، و تكون هي متنفّذا له.
و منه يظهر أنّ الإجازة لا بدّ من أن تقع على عقد متحقّق بحيث تؤثّر في نفوذه و ترتيب الأثر عليه، لا أن تكون هي بنفسها ممّا يترتّب عليه الأثر كان في البين عقد أم لا، و يترتّب على ذلك أنّه يعتبر في مورد تأثير الإجازة أمران:
أحدهما: أن يكون ترتّب الأثر على متعلّق الإجازة متوقّفا عليها بحيث لولاهما لما ترتّب عليه الأثر، فلو كان هو بنفسه ممّا يترتّب عليه الأثر- كانت في البين إجازة أم لا- لكان خارجا عن مورد الفضولي، و ذلك كأداء الدين من المتبرّع و الزكوات و الأخماس، حيث إنّ نفس تأديتها يوجب تخلية المديون
ص: 233
منها بلا توقّف فيها على إجازة المديون، فلا يقع فيها الفضولي، و لا يصير بالإجازة مستندا إلى المجيز.
و ثانيهما: أن تكون الإجازة مقيّدا لفعل الفضولي، و لم يكن ممّا يترتّب عليه بنفسه الأثر، و لو لم يكن في البين فعل فضولي، و لو كان كذلك لكان خارجا عن باب الفضولي، و ذلك كما في مثل الرجوع و جميع العقود الإذنيّة الّتي تكفي فيها الإذن، حيث إنّ الإجازة فيها رجوع أو إذن.
إذا تبيّن ذلك؛ فنقول: إذا كان مصبّ الإجازة هو المعنى الاسم المصدري لا المعنى المصدري لعدم قابليّته لأن يلحقه الإجازة يكون مرجع الشكّ في صحّة الفضولي إلى الشكّ في اعتبار صدور المعنى المصدري عمّن يعتبر إجازته، فإنّه لو كان صدور المعنى المصدري منه معتبر في صحّة العقد لم يكن الفضولي صحيحا، و لو لم يكن معتبرا لما كان مانعا عنها، و حيث رجع الشكّ إلى اعتبار صدور المعنى المصدري عمّن له الإجازة زائدا عن اعتبار استناد المعنى الاسم المصدري إليه؛ يدفع اعتباره بالإطلاقات، حيث إنّه بعد الإجازة يستند العقد أو البيع أو التجارة- كلّما كان من نظائر ذلك موضوعا لحكم في أحد من العمومات، مثل: أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1)و نحوه (2)- إلى المجيز، و بعد استناده إليه و كون الشكّ في الصحّة ناشئا عن الشكّ في اعتبار حيث صدور المعنى المصدري عن المجيز يدفع اعتباره ببركة الإطلاقات و العمومات، و لا يلزم حينئذ المحذور الّذي
ص: 234
أوردناه على مسلك المصنّف قدّس سرّه من أنّه مع عدم الاستناد لا دلالة في العمومات أصلا (1).
و ظهر الفرق البيّن بين المسلكين و تبيّن فساد التمسّك بالعمومات على المسلك الأوّل دون المسلك المختار، هذا إذا انتهت النوبة إلى الشكّ في اعتبار استناد الإنشاء إلى من له الإجازة زائدا عن اعتبار استناد المنشأ إليه.
و يمكن دفع الشكّ بالتمسّك ببناء العقلاء بأن يقال: إنّ المعتبر عندهم في أبواب المعاملات هو استناد المعنى المنشأ و الاسم المصدري إلى من بيده الإجازة، و لا يعتبرون استناد المعنى المصدري إليه.
و ممّا ذكرنا كلّه؛ يظهر ما في كلام شيخ الفقهاء في «كشف الغطاء» من تأسيس الضابط لما يصحّ فيه الفضولي بأنّ كلّما يصحّ فيه النيابة يصحّ فيه الفضولي (2).
وجه الضعف هو ما بيّناه من عدم جريان الفضولي في كلّ ما تصحّ فيه النيابة، و ذلك كما في مثل أداء الدين و نحوه، فإنّه تصحّ فيه النيابة مع أنّه لا تصحّ فيه الفضولي.
اللهمّ إلّا أن يقيّد الضابط بقيد آخر، و هو قيد أن لا يجري فيه التبرّع، فإنّه مع زيادته تفيد الكليّة، فإنّ ما تصحّ فيه النيابة لا التبرّع يقع فيه الفضولي كلّيا، كما لا يخفى.
هذا تمام الكلام في إيضاح كون صحّة الفضولي على طبق القاعدة.
ص: 235
قوله: (و إن وجّهنا شراءه على وجه يخرج عن الفضولي) (1).. إلى آخره.
و ذلك لأنّ عروة كان وكيلا في شراء الشاة بدينار (2)، فكان ما اشتراه من الشاتين بدينار مشمولا للوكالة، إذ الوكالة ما تعلّقت بخصوص شاة واحد على نحو التقييد بشرط لا؛ حتّى يكون شراء الشاتين خارجا عن تحت الوكالة، فيكون مورد الفضولي هو بيعه أحد الشاتين الّذين اشتراهما؛ إذ لم يتعلّق به الوكالة.
قوله: (و لكن لا يخفى أنّ الاستدلال بها يتوقّف على دخول المعاملة) (3)..
إلى آخره.
أورد على الاستدلال بالرواية بامور:
[الأمر] الأوّل: أنّ تقريب الاستدلال بها يتمّ مع ظهورها في توكيل عروة في خصوص شراء الشاة بحيث ينصدم به احتمال كونه وكيلا مفوّضا، و أمّا مع احتمال الوكالة المفوّضة فلا يتمّ الاستدلال، و ذلك لقيام احتمال كونه وكيلا في بيع الشاة و إقباض المثمن و قبض الثمن، و مع قيام الاحتمال يبطل الاستدلال لو لم يدفع بدافع.
هذا؛ مع إمكان دعوى ظهور الرواية في الوكالة المفوّضة، إلّا أنّه لا يحتاج
ص: 236
إلى دعواه مع انهدام أساس الاستدلال بصرف الاحتمال، و لا دافع له إلّا دعوى ظهور الرواية في تقييد الوكالة.
الأمر الثاني: ما أشار إليه المصنّف قدّس سرّه بقوله: (لا يخفى أنّ الاستدلال بها يتوقّف على دخول المعاملة) (1).. إلى آخره. و هو يتمّ بناء على ما اختاره من عدم الحاجة إلى الاستناد، بل يكفي في الصحّة رضاء المالك، و على ذلك يورد على الاستدلال بالرواية بدعوى ظهور علم عروة برضاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بما فعله من البيع و قد أيّده بقبض الثمن و إقباض الشاة، مع أنّه لو كان فضوليّا لكان القبض و الإقباض حراما و لم يكن محلّ لتقرير النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إيّاه في فعله، فمن تقريره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يستكشف جواز فعله، و جوازه منوط بعلم عروة برضاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بما فعله، و إلّا لكان حراما، و مع العلم برضاه يخرج عن كونه فضوليّا بناء على عدم الحاجة إلى الاستناد، هذا محصّل مراده.
و فيه ما لا يخفى؛ أمّا أوّلا: فلفساد المبنى، و قد تقدّم بما لا مزيد عليه.
و أمّا ثانيا: فلما في ما ذكره من النيابة بالقبض و الإقباض، و ذلك لأنّه بناء على المختار من اعتبار الاستناد في صحّة العقد نقول: الّذي يحتاج إلى الاستناد إنّما هو العقد، و أمّا القبض و الإقباض فيكفي في جوازهما منه، و خروج فعله عن كونه محرّما لكن لا يخرج بذلك فعله السببي عن كونه فضوليّا لأجل فقد الاستناد و لو كان الرضا محقّقا.
و بالجملة؛ فدلالة هذه الفقرة من الرواية على صحّة الفضولي غير قابل للإنكار، و أنّه لا ينافيه وقوع القبض و الإقباض الغير الجائز وقوعهما عن
1) المكاسب: 3/ 351.
ص: 237
الفضولي؛ و ذلك لإمكان علم عروة برضاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بوقوعهما.
الأمر الثالث: ظهور الرواية في كون بيع عروة لإحدى الشاتين معاطاتيّا، و قد تقدّم في باب المعاطاة كفاية وصول كلّ من العوضين عن صاحبه إلى الآخر بأيّ طريق كان، و إنّما العبرة في صحّة المعاملة المعاطاتيّة هو العلم بالرضا، فيخرج عن الفضولي حينئذ، و إليه يشير بقوله قدّس سرّه: (خصوصا بملاحظة أنّ الظاهر وقوع تلك المعاملة على جهة المعاطاة) (1).. إلى آخره.
و لا يخفى ما فيه؛ أمّا أوّلا: فلمنع ظهور الرواية في كون المعاملة معاطاتيّا خصوصا مع ملاحظة كونه من أهل اللسان، و كون التكلّم بصيغة مثل «بعت» و «قبلت» قليل المئونة لديه من غير حاجة إلى حضور من تجري الصيغة له.
و أمّا ثانيا: فلمّا تقدّم في باب المعاطاة من احتياج المعاطاة إلى إنشاء فعليّ، و لا يكفيه فيها صرف وصول كلّ من العوضين إلى البائع و المشتري، و قد قلنا: إنّ مثل تلك المعاملة لا تفيد الملكيّة، بل هي مفيدة للإباحة، و إنّ ما ذكره القائل بالإباحة و لو كان ممنوعا في مطلق المعاطاة و لكنّه مقبول في المحقّرات الّتي جرت السيرة بالاكتفاء بمجرّد الوصول و لو كان بواسطة حيوان.
و لا شبهة في تحقّق الإنشاء الفعلي في قضيّة عروة، حيث إنّه وقع القبض و الإقباض فيدخل في باب الفضولي من غير إشكال.
قوله: (و جميع ما ذكر فيها من الموهنات موهونة) (2).. إلى آخره.
و هذه الموهنات مثل ما يورد على حكمه عليه السّلام بأخذ الوليدة قبل السؤال
ص: 238
عن دين البائع من أنّه هل باع بلا إذن من أبيه أو أنّه يدّعي الوكالة عنه (1).
و مثل حكمه عليه السّلام بأخذ الوليدة قبل السؤال عن السيّد أنّه هل أجازه أم لا؟ (2)و نحو ذلك.
و وجه دفعها هو أنّ مولانا أبا جعفر عليه السّلام ليس عنه نقل هذه القضيّة عن أمير المؤمنين عليه السّلام في مقام نقل ما وقع منه عليه السّلام في مجلس قضائه، بل هو في مقام نتيجة قضائه.
و حاصل حكمه الّذي به طيّ مجلس القضاء بلا غرض في نقل ما وقع من المتخاصمين من القيل و القال، فهذه الوجوه طرّا واهية، و عمدة ما يرد على الروايات من الوهنات ثلاثة وجوه:
الأوّل: حكمه عليه السّلام بأخذ ابن الوليدة مع أنّه حرّ ولد عن الوطي بالشبهة، و ذلك لجهل المشتري ببطلان البيع، كما يظهر من مناشدته مع أمير المؤمنين عليه السّلام و تعليمه عليه السّلام إيّاه بأخذ ابن البائع.
و لا يخفى أنّ الولد نشأ عن الوطي بالشبهة حتّى في صورة الإجازة على القول بالكشف الحكمي، لأنّ مقتضى الكشف الحكمي لا يكون ترتيب جميع ما يترتّب على وقوع البيع من حينه حتّى لوازمه و ملزوماته، حسبما يأتي شرحه.
نعم؛ يصحّ ترتيب جميع الآثار بناء على الكشف الحقيقي، لكنّه لا نقول به، و لا يمكن القول به، كما سيأتي شرحه.
الثاني: حكمه بحبس ابن البائع للوليدة حتّى يأخذ ابنه عن السيّد، مع أنّ البائع حرّ لا يجوز حبسه في مقام أخذ ابنه المتولّد عن الوليدة.
ص: 239
الثالث: حكمه بنفوذ إجازة السيّد لبيع أمته بعد ردّه الكاشف عنه مطالبة في مجلس القضاء، و أخذه إيّاها مع ابنها بعد الحكم بأنّ له الأخذ، إذ نفس المطالبة تدلّ على الردّ بالالتزام حيث إنّه لو أجاز البيع لما احتاج إلى الترافع، كما أنّ الأخذ ردّ فعليّ، مثل الرجوع في العدّة بالفعل أو الفسخ الفعلي، مع أنّ الإجازة لا تكون مؤثّرة بعد الردّ بالإجماع.
و القول بمنع الإجماع و جعل الرواية دليلا على صحّة الإجازة حتّى بعد الردّ كما في حاشية العلّامة الطباطبائي قدّس سرّه (1)كما ترى.
و هذه عمدة الإشكالات الواردة على الرواية، و لكنّها كلّها مندفعة.
أمّا الأوّل؛ فلإمكان حمل أخذ الوليدة مع كونه حرّا على حبسه لأخذ قيمته يوم ولد حرّا؛ لكونه نماء ملك سيّد الوليدة، و حيث وقع حرّا من وطي المشتري يكون غرامته عليه و يجب عليه تأدية قيمته، فلسيّد الوليدة حبس ولدها الحرّ لكي يأخذ بقيمته.
و أمّا الثاني؛ فبحمل حبس بائع الوليدة لأجل استرداد الثمن الّذي قبضه عن المشتري و الغرامات الّتي ورد على المشتري من حيثيّة شراء الوليدة، فإنّ له الرجوع بها على البائع إذا كان جاهلا بكون البائع فضولا.
و أمّا الثالث؛ فبأنّه ليس في الرواية ما يدلّ على صدور الردّ من المالك لا قولا و لا فعلا، و رفع الأمر إلى الحاكم و مطالبة الوليدة عن المشتري لا يكون ردّا قوليّا، كما أنّ أخذ الوليدة عنه لا يكون ردّا فعليّا، بل كلّ واحد منهما أعم من الردّ، و إنّما المطالبة و الأخذ منه جري على جري طبق الملك السابق، و الجري على طبقه أعمّ من الردّ.
1) حاشية المكاسب للسيّد رحمه اللّه: 153.
ص: 240
نعم؛ هما يدلّان على عدم الإجازة الّذي هو أمر عدمي لا على الردّ الّذي هو أمر وجودي، و الذي لا ينفع بعده الإجازة هو الردّ الّذي يكون وجوديّا.
و أمّا عدم الإجازة فلا يضرّ بالإجازة اللاحقة أصلا، فليس حال الإجازة و الردّ في باب الفضولي كحال الإجازة و الفسخ في باب الخيارات في ما ثبت فيه فوريّة الخيار، حيث إنّ نفس ترك الأخذ بالخيار و الفسخ إجازة للمعاملة و يسقط به حقّه دون باب المقام.
و الفرق بينهما: أنّ الخيار حقّ ثابت لذيه إرفاقا له، و يكون ترك الأخذ به موجبا لتفويت حقّه بسبب تصرّف من عليه الخيار في العين، حيث إنّ ملكه قبل الفسخ، و هذا بخلاف باب الفضولي، فإنّ المالك قبل الإجازة و الردّ لا يحصل تفويت في حقّه أصلا، و إنّما الإجازة منه بمنزلة إحداث معاملة جديدة، فكما أنّه ليس عليه أن يبيع ماله فورا، بل هو مختار في البيع و تركه كذلك ليس عليه فوريّة الإجازة، بل له الخيار فيها.
و الحاصل؛ أنّ الرواية لا تدلّ على صدور الردّ و إنشائه منه لا قولا و لا فعلا حتّى يكون الإجازة بعد الردّ و كانت غير مؤثّرة بالإجماع.
هذا؛ مضافا إلى أنّه لو سلّمنا كون المخاصمة و المطالبة ردّا قوليّا، و أخذها من المشتري ردّا فعليّا لم يكن اشتمال الرواية على كون الإجازة بعد الردّ مضرّا بالاستدلال بها على صحّة الفضولي بالإجازة.
و توضيح ذلك؛ أنّ استفادة عموم الحكم عن دليل وارد في مورد لا يخلو عن أحد وجوه:
الأوّل: أن يكون المورد مع بقيّة الأفراد نوعه فيسري الحكم عنه إلى بقيّة الأفراد من النوع، لاشتراكها معه في اندراجها تحت نوع واحد، مثل ما ورد من
ص: 241
قولهم: رجل فعل كذا فله كذا، حيث إنّ المحكوم عليه و إن كان فردا واحدا إلّا أنّه يحكم بشمول حكمه إلى كلّ فرد من أفراد الرجل المشترك معه في النوع.
الثاني: أن تكون القضيّة بلفظها متكفّلة لإثبات العموم لاشتمالها على أدواته، أو كونها مطلقة دالّة على العموم بإجراء مقدّمات الحكمة فيها.
الثالث: أن يكون مجموع القضيّة من صدرها و ذيلها دالّة على العموم بدلالة سياقيّة، فإن كان استفادة العموم من الرواية في المقام بالوجه الأوّل يرد عليه عدم اتّحاد المورد مع بقيّة الأفراد في الحكم، لقيام الإجماع على عدم تأثير الإجازة بعد الردّ، فيكون حكم الإجازة في مورد الرواية مخالفا مع حكمها في سائر الموارد.
و إن كان بالوجه الثاني يرد عليه بلزوم تخصيص المورد المستهجن القبيح حيث لا يجوز إلغاء حكم عامّ لانطباقه على مورد يكون خارجا عن تحته بالتخصيص.
و على الثالث، فيمكن استفادة العموم بما تحقّقه، لكن المورد ليس من قبيل الأوّل، و ذلك؛ لعدم اتّحاد المورد مع بقيّة أفراد نوعه، و لا من قبيل الثاني، لعدم ما يدلّ على العموم.
فيتعيّن أن تكون من قبيل الثالث، و بقرينة أنّ قول الإمام عليه السّلام في مقام تعليم المشتري: «خذ ابنه الّذي باعك الوليدة حتّى ينفذ البيع لك»، و قول الباقر عليه السّلام:
«فلمّا رأى ذلك سيّد الوليدة أجاز مع ابنه كلاهما» (1)يدلّان على مفروغيّة قابليّته مع الفضولي، لأن ينفذ بالإجازة، فلفظة «ينفذ» في «ينفذ البيع» و «أجاز مع ابنه» ظاهر في تعلّق الإنفاذ و الإجازة بما فعله الابن، و صدر عنه.
1) وسائل الشيعة: 21/ 203 الحديث 26900.
ص: 242
فهنا ظهوران: ظهور النفوذ و الإجازة في كونهما متعلّقين بالبيع الفضولي، و ظهور مطالبة المالك و أخذ الوليدة في كون الإجازة بعد الردّ بناء على تسليم (1)ظهورهما في الردّ قولا و فعلا.
فحينئذ يجب أن يلاحظ الأظهر منهما، فإن كان في البين أظهريّة يؤخذ بها و يجعل قرينة على صرف الظهور الآخر، و إلّا فيصير الخبر مجملا يسقط عن الاعتبار، لكن لمّا كانت الكلمتين في كون الإجازة متعلّقة بالبيع الفضولي أظهر، بل هما نصّ في ذلك و مطالبة المالك بالوليدة و أخذها من المشتري لها ظهور في كون الإجازة بعد الردّ قابلين للصرف بقرينة أظهر، فيجعل ظهور كلمة «النفوذ» و «الإجازة» قرينة على صرف هذين الظهورين، و يحملان على كراهة المالك للبيع بلا إنشاء الردّ منه، بحيث لا يكون بعده قابلا للإجازة.
و الحاصل؛ أنّ دلالة هذا الخبر على قابليّة البيع الفضولي للإجازة غير قابل للإنكار، كما لا يخفى.
قوله: (و ربّما يستدلّ أيضا بفحوى صحّة عقد النكاح من الفضولي في الحرّ و العبد) (2).. إلى آخره.
المقصود من الوارد في صحّة نكاح الفضولي في العبد هو النصّ الوارد في صحّة نكاحه الواقع بغير إذن مولاه معلّلا «بأنّه لم يعص اللّه تعالى، و إنّما عصى
ص: 243
سيّده، فإذا أجاز جاز» (1).
و من النصّ الوارد في الحرّ هو النصّ الوارد في موارد مخصوصة، كنكاح الأب لابنه، و نكاح الامّ لابنها، و نكاح الوصيّ (2)، فالكلام هاهنا في مقامين:
[المقام] الأوّل: في الاستدلال بالطائفة الاولى، و تقريب الاستدلال بها على وجهين:
الأوّل: طريق الفحوى و الأولويّة، و توضيحه يتوقّف على بيان أمرين:
[الأمر] الأوّل: إنّ القياس المنصوص العلّة عبارة عمّا إذا لم يكن في الكلام ما يوجب اختصاصه بالموضوع المذكور فيه و لا في علّة الحكم المذكورة في الكلام ما يوجب احتمال دخل إضافتها إلى خصوص المورد المعلّل في كونها علّة، نظير ما إذا ورد- مثلا- الخمر حرام، لأنّه مسكر، حيث إنّه ليس في الحكم- أعني الحرمة- ما يوجب اختصاصه بالخمر، بل كلمة «حرام» في هذه القضيّة يحمل على كلّ حرام في العالم في قضايا اخر، كحكمه على الخمر في تلك القضيّة، و لا في العلّة إضافة إلى الموضوع بحيث يصير منشأ لاحتمال اختصاص إسكار الخمر في كونه علّة للحرمة.
ففي مثل هذه القضيّة تكون العلّة المذكورة من قبيل منصوص العلّة الموجب لتعدّي الحكم عنها إلى كلّ ما يتحقّق فيه العلّة، فيقال مثلا: النبيذ مسكر بالوجدان، و كلّ مسكر حرام، فالنبيذ حرام، فيكون النتيجة قضيّة مركّبة [من موضوع] اخذ من صغرى القياس، أعني قولنا: النبيذ مسكر، و محمول اخذ من كبراه، أعني قولنا: و كلّ مسكر حرام.
ص: 244
هذا؛ و أمّا مع إضافة العلّة إلى الموضوع، كما إذا كان في المثال المذكور الخمر حرام لإسكارها يدلّ قوله: لأنّها مسكر، فلا يخلو إمّا أن يستفاد إلغاء خصوصيّة إسكار الخمر في كونه علّة للحرمة، بل الإسكار بما هو إسكار، و لو مع عدم إضافته إلى الخمر يكون علّة للحرمة من الخارج، فيدخل في المنصوص العلّة كالقسم الأوّل.
و إمّا أن لا يستفاد من الخارج إلغاء خصوصيّة إسكار الخمر في دخله في العلّة، فيخرج عن باب منصوص العلّة، و لا يمكن إسراء الحكم بهذه العلّة المحتمل اختصاصها بالمورد عن موردها إلى غيره من الموارد.
الأمر الثاني: قوله عليه السّلام: «إنّه لم يعص اللّه، و إنّما عصى سيّده» (1)علّة لصحّة نكاح العبد بالإجازة، و قد اضيفت العلّة فيه إلى المورد، و هو قوله: «عصى سيّده» فعصيان السيّد صار علّة للحكم، و فيه احتمالان:
الأوّل: أن يكون المراد بالعصيان مخالفة الحكم التكليفي، أعني ارتكاب مخالفة المولى و فعل ما يعدّ معصية له.
الثاني: أن يكون المراد منه هو الحكم الوضعي، أعني التصرّف في حقّ المولى بنكاحه، لكون نكاحه حقّا للمولى، حيث إنّ له أن يختار بعبده ما يشاء.
فعلى المعنى الأوّل تختصّ العلّة بالمورد، إذ ليس في التصرّف في حقّ غير المولى من موارد الفضولي عصيان تكليفي بالنسبة إلى ذلك، لعدم مولويّة في البين يصدق معها، بل يختصّ العصيان بالنسبة إلى مخالفة العبد مع مولاه.
فلا يمكن تعميم الحكم عن مورد العبد إلى سائر الموارد بواسطة عموم
1) وسائل الشيعة: 21/ 114 الحديث 26666.
ص: 245
العلّة، بل لو كان في البين فحوى يتمسّك بها، و إلّا فلا يصير هذا الخبر دليلا على العموم أصلا.
و على الثاني يتمّ التمسّك بالعلّة المنصوصة بلا احتياج إلى التمسّك بالفحوى، و ذلك لأنّ العصيان إذا صار بمعنى الوضع و اريد منه التصرّف في حقّ السيّد يصير المعنى هكذا: العبد لم يعص اللّه تعالى حتّى يتغيّر عمّا وقع عليه، بل إنّما تصرّف في سلطان السيّد، و كلّما كان تصرّف في سلطان السيّد ينفذ إذا أجاز، لكونه ذا حقّ رضي، و بعد إسقاط خصوصيّة السيادة، و جعل الملاك رضاء صاحب الحقّ يتحصّل المعنى من أنّه عصى آدميّا، و إذا أجاز الآدمي جاز، فيدلّ على صحّة كلّ فضولي سواء كان نكاح العبد، أو غيره.
إذا عرفت ذلك فنقول: تماميّة التمسّك بالفحوى متوقّف على كون العصيان هو بمعنى التكليف لا الوضع، و لكنّ الظاهر منه هو الوضع لا التكليف، و ذلك لإمكان أن لا يكون من السيّد نهي، كما إذا لم يكن مطّلعا على إرادة العبد للنكاح.
مع أنّ نهي المولى عنه و عصيانه له لا ينفكّ عن عصيان اللّه سبحانه لوجوب إطاعته لسيّده شرعا.
و على ذلك فالخبر المذكور يدلّ على صحّة الفضولي في غير مورد نكاح العبد بلا حاجة إلى التمسّك بالفحوى.
و من ذلك ظهر التقريب الثاني في الاستدلال بالخبر أعني التمسّك من غير طريق بالفحوى.
فإن قلت: الاستدلال بما دلّ على صحّة الفضولي في نكاح العبد على صحّته في غير مورد نكاحه؛ فاسد، لثبوت الفرق بين نكاح العبد و هي غيره،
ص: 246
حيث إنّ في نكاح العبد كان التصرّف في حقّ الوليّ بإيجاد النكاح بالمعنى المصدري، نظير توكّل العبد عن غيره، أو فعله ما يتبع به بعد العتق، و في ما عدا تصرّف العبد يكون التصرّف في حقّ الغير بالمعنى الاسم المصدري، و صحّة التصرّف بالإجازة في المعنى المصدري لا يقتضي صحّته بها في المعنى الاسم المصدري.
قلت: نكاح العبد ممّا يتوقّف صحّته على الإجازة بالمعنى الاسم المصدري، لما عرفت من أنّ نكاح العبد حقّ للمولى، و له أن يختار له ما يشاء و ليس وزانه وزان توكّل العبد عن الغير، أو فعله ما يتبع به بعد العتق ممّا لا يكون المعنى الاسم المصدري متعلّق حقّ المولى، و إنّما كان التصرّف في حقّه في المعنى المصدري محضا، بل وزان نكاحه وزان التصرّف في ما بيده من الأموال الّتي ملك للمولى، بناء على امتناع ملك العبد، أو متعلّق حقّه بناء على صحّة تملّك العبد.
بل الحكم في جميع ما كان تصرّفا في حقّ الغير يكون كذلك كبيع العين المرهونة بلا إذن المرتهن، و بيع المحجور عليه ماله بلا إذن الديّان بعد الحكم عليه بالحجر، و مع الورثة ما انتقل إليهم بالإرث بلا إجازة الديّان في صورة استيعاب الدين، فإنّ البيع في جميع هذه الفروض فضولي يحتاج المعنى الاسم المصدري منه إلى الإجازة.
و المثال المحقّق لمّا يكون المعنى المصدري متوقّفا على الإجازة؛ هو تصرّفات العبد بالتوكّل عن الغير و ما يتبع به بعد العتق، و عقد بنت الأخ و الاخت على العمّة و الخالة.
ص: 247
و قد تحصّل من مجموع ما ذكرنا صحّة التمسّك بما ورد في نكاح العبد (1)على صحّة الفضولي مطلقا و لو في غير نكاحه بطريق القياس المنصوص العلّة، و ظهر وجه التمسّك بطريق الفحوى، مع ما فيه بما لا مزيد عليه، هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.
المقام الثاني: في الاستدلال بالطائفة الثانية، أعني ما دلّ على صحّة الفضولي في نكاح الحرّ، و تقريب الاستدلال بها إنّما يتمّ بالتمسّك بالفحوى، فإنّ صحّة الفضولي في النكاح مع الاهتمام بشأنه و لزوم رعاية الاحتياط فيه تقتضي صحّته في غيره من بقيّة أبواب العقود بالطريق الأولى، و لا مناقشة في هذا الاستدلال إلّا ما ذكر في الكتاب، من دعوى وهنه بالنصّ الوارد في الردّ على العامّة القائلين بالفرق بين تزويج الوكيل المعزول مع جهله بالعزل، و بين بيعه بقولهم بالصحّة في الثاني و البطلان في الأوّل حيث يقول الإمام عليه السّلام في ردّهم:
«سبحان اللّه ما أجور هذا الحكم و أفسده، فإنّ النكاح أولى و أجدر أن يحتاط فيه لأنّه الفرج و منه الولد» (2).
فإنّه يدلّ على أنّه لو كان الفضولي صحيحا في البيع [يكون] صحيحا في النكاح بطريق أولى، فقد جعل عليه السّلام البيع أصلا و النكاح فرعا فصحّة البيع تقتضي أولويّة صحّة النكاح، و على هذا فلا يتمّ أولويّة صحّة البيع عن صحّة النكاح، فلا يصحّ التمسّك بالفحوى، و لكنّه مندفع.
و توضيح ذلك يحتاج إلى بيان امور: الأوّل: الوكالة إمّا إذنيّة أو عقديّة،
ص: 248
و المراد بالأوّل هو صحّة ما إذا كان عمل الوكيل برضا الموكّل بلا تفويض من الموكّل إليه، بل كان محض رضاه، و المراد بالثاني هو تفويض الموكّل فعله الّذي وكّل الوكيل فيه إلى الوكيل و صيرورة الوكيل بالتفويض بمنزلة الموكّل نفسه، ففي الأوّل لا بدّ في صحّة فعل الوكيل من مقارنته مع رضا الموكّل واقعا، فلو رجع الموكّل عن الإذن و فعل الوكيل مع جهله برجوع الموكّل يقع باطلا؛ لانتفاء الرضا الّذي هو كان شرطا في صحّة عمل الوكيل.
و في الثاني؛ لا يبطل فعل الوكيل بمجرّد عزل الموكّل إيّاه ما لم يبلغ العزل إلى الوكيل؛ لأنّ الأمر المفوّض إليه لا يرفع عنه بمجرّد العزل الواقعي، بل سلب التفويض عنه يتوقّف على نزعه عنه الموقوف على بلوغ العزل إليه، بل قبل البلوغ هو وكيل واقعا، أي ما سلب عنه التفويض الحاصل بالتوكيل واقعا و لو أنشأ عزله ألف مرّة، و هذا هو الفارق بين الوكالة الإذنيّة و العقديّة.
الأمر الثاني: أنّ في فعل الوكيل بعد العزل مع جهله به جهتان: جهة توسعة للموكّل، و جهة تضييق عليه، أمّا جهة توسعته فلنفوذ فعل الوكيل عنه، و عدم فسخ وكالته بمجرّد العزل بحيث يحتاج في إسناد فعل الوكيل إلى نفسه إلى إنشاء وكالة مستأنفة، بل فعل الوكيل بلا توكيل جديد يستند إليه، و أمّا جهة تضييقه فلنفوذ فعل الوكيل على الموكّل، رضي به أم لا، و هذا ظاهر، فالحكم بصحّة ما يفعله الوكيل بعد العزل؛ الجاهل به يمكن أن يكون من الجهة الاولى و كان جعله للإرفاق على الموكّل و التوسعة له، و يمكن أن يكون من الجهة الثانية، و لا بدّ في تشخيص ذلك من بيان الإمام عليه السّلام، لعدم كونه أمرا أجنبيّا يمكن استنباطه للمكلّفين، بل يختصّ بيانه بوظيفة الشارع.
ص: 249
الأمر الثالث: إذا كان أمران أحدهما أهمّ من الآخر كالنكاح و البيع- مثلا- فإذا ثبت في الأهمّ منهما توسعة تكون ثابتة في المهمّ منهما بطريق أولى، و إذا ثبت في المهمّ منهما تضييق يكون ثبوته في الأهمّ بطريق أولى، فالفحوى و الأولويّة يتعاكس فيهما بالنسبة إلى التوسعة و الضيق، فالضيق الثابت في المهمّ ثبوته في الأهمّ يكون أولى، و التوسعة بالعكس.
إذا تبيّن هذه الامور نقول: عدم انفساخ الوكالة بمجرّد العزل قبل حكم الوكيل يكون ضيقا على الموكّل بمقتضى نفوذ فعل الوكيل عليه، و الإمام عليه السّلام يريد أن يردّ على العامّة بأنّ هذا الحكم الذي هو الضيق على الموكّل إذا كان ثابتا في البيع الّذي هو مهمّ بالنسبة إلى النكاح، و أنتم تقولون بثبوته و تحكمون بصحّة بيع الوكيل بعد العزل واقعا، فيكون ثبوته في النكاح الّذي أهمّ من البيع بطريق أولى، فلم لا تقولون به في النكاح؟!
و لا يخفى أنّ هذا المعنى غير مناف مع التمسّك بفحوى صحّة الفضولي في البيع إذا كان صحيحا في النكاح، و ذلك لأنّ صحّته في النكاح توسعة، و إذا ثبت التوسعة في النكاح الأهمّ و تكون ثبوتها في البيع بطريق أولى.
و بالجملة؛ أولويّة بقاء الوكالة بعد العزل عنه ما لم يعلم به الوكيل في النكاح أجنبي عن أولويّة صحّه الفضولي في البيع عن صحّته في النكاح، و هذا الّذي استفيد معنى حسن لا ربط له بباب الفضولي حتّى تصير موهنا، لا الاستدلال بالفحوى في إثبات صحّة الفضولي في البيع.
و ممّا ذكرنا ظهر أنّه لا يحتاج إلى ما أفاده المصنّف قدّس سرّه في وجه أولويّة الاحتياط في النكاح، و محصّله: أنّ التزويج الصادر عن الوكيل قبل علمه بعزله؛
ص: 250
إن بنينا على بطلانه و حكمنا بعدم تحقّق الازدواج و أنّ المرأة خليّة عن الزوج، فلو تزوّجت بالغير و كان النكاح في الواقع صحيحا يلزم الزناء بذات البعل، و لو بنينا على صحّته و كان في الواقع باطلا لزم الزناء بغير ذات البعل، فالأمر يدور بين الحكم بالبطلان المحتمل معه وقوع الزناء بذات البعل، أو الحكم بصحّته المحتمل معه الزناء بالخليّة عنه، بكون الحكم الثاني أقرب إلى الاحتياط (1)، هذا محصّل ما أفاده قدّس سرّه.
و لا يخفى أنّه و إن كان حسنا في نفسه لكنّه لا يرتبط بالخبر، إذ ليس الغرض من الرواية الحكم بلزوم الاحتياط في النكاح عند الشكّ في بطلان الوكالة بالعزل قبل علم الوكيل به.
و بعبارة اخرى: ليس الغرض منه بيان الحكم الظاهري عند الشكّ في صحّة النكاح واقعا، بل المقصود منه بيان صحّه النكاح و عدم عزل الوكيل بمجرّد العزل قبل العلم به واقعا، غاية الأمر، يكون بيانه ببيان أولويّة صحّته عن صحّة البيع، حيث إنّ الحكم بالصحّة حكم تضييقي و هو في الأهمّ أولى كما بيّنا (2).
فتحصّل: أنّه لا غبار في التمسّك بالأخبار الدالّة على صحّة الفضولي في النكاح (3)و إثبات صحّته في البيع بالفحوى و طريق أولى.
ص: 251
قوله قدّس سرّه: (ثمّ إنّه ربّما يؤيّد صحّة الفضولي بل يستدلّ عليها بروايات كثيرة وردت في مقامات خاصّة مثل موثّقة جميل) (1).. إلى آخره.
تقريب دلالة ما ورد في باب المضاربة على صحّة الفضولي بعد الإجازة أن يقال: وردت أخبار كثيرة على أنّه لو تعدّى العامل في المضاربة عمّا اشترط عليه من اشتراط شيء خاصّ، أو التجارة في مكان مخصوص فاشترى ما نهى عن اشترائه، أو اتّجر في غير المكان الّذي امر بالتجارة فيه، يكون الّذي أمر بالتجارة فيه ضامنا، و عليه الخسارة، و الربح بينهما على ما شرطاه (2).
و لا يخفى؛ أنّ كون الربح بينهما يتوقّف على صحّة معاملة العامل مع أنّها لم يكن مأذونا فيه، فلا بدّ من أن نلتزم بتعقّبها بما يصحّحه بعد ظهور الربح من الرضاء بها، بناء على مختار المصنّف من كفاية الرضاء لو لم يكن استناد في البين (3)، أو الإجازة اللاحقة بناء على المختار من عدم الاكتفاء به بصرف الرضاء و اعتبار الاستناد، فيصير الخبر بهذه العناية دليلا على صحّة الفضولي بالإجازة.
هذا؛ و لكن الإنصاف عدم دلالة تلك الطائفة من الأخبار على المدّعى بوجه من الوجوه.
و توضيحه: أنّ تلك الأخبار على طائفتين: إحداهما: ما تدلّ على ضمان
ص: 252
العامل عند التعدّي بإتيان نفس ما نهاه المالك عن إتيانه، الثانية: ما تدلّ على ضمانه عند التعدّي بالاتّجار في غير ما عيّنه المالك.
ثمّ مقتضى عموم أدلّة المضاربة هو عدم ضمان العامل للخسارة و أنّ الربح بينهما على ما شرطاه، أمّا عدم ضمانه و كون الخسارة على المالك فبمقتضى أمانته، و أنّه ليس على الأمين ضمان، و أمّا كون الربح بينهما على ما شرطاه فبمقتضى دليل المضاربة، و مع التعدّي يخرج عن الأمانة فتكون الخسارة عليه، و هذا مطابق مع القاعدة، لكن لمّا لم يكن ما صدر عنه عن وكالة بل مخالفا لما أذن فيه كان اللازم بطلان معاملته، و مقتضى ذلك كون عين المال الّذي اشتراه المشتري عن العامل باقيا على ملك المالك، فله ارتجاعه مع بقائه، و الرجوع إلى مثله أو قيمته عند تلفه، و للمشتري أيضا الرجوع إلى العامل بعين ثمنه مع وجوده، أو مثله أو قيمته عند تلفه، فلا خسارة حينئذ حتّى تكون على العامل كما لا ربح حتّى يكون بينهما، إذ لا معاملة حتّى يترتّب عليها الخسران أو الربح، فالحكم بكون الخسارة على العامل و الربح بينهما على ما شرطاه لا يوافق القاعدة، فلا بدّ له من توجيه، و يختلف وجهه في الطائفتين المذكورتين.
أمّا فيما دلّ على ضمان العامل إذا تعدّى بالاتّجار في غير ما عيّنه المالك فيمكن أن يقال: إنّ النهي عن التجارة في ما اتّجر العامل فيه لا يرجع إلى نفس التجارة، بل هو متعلّق إلى أمر خارج عنه فهي مأذون فيه، و وقع عن توكّل من المالك، غاية الأمر أنّها وقعت في مكان نهي عنه.
و على هذا؛ فيصحّ مطلقا على تقدير ظهور الخسارة و الربح، إلّا أنّه مع ظهور الخسارة تكون الخسارة على العامل؛ لمكان تعدّيه، و مع ظهور الربح
ص: 253
يكون بينهما بمقتضى المضاربة، فحينئذ تكون صحّة ما صدر عن العامل بسبب الوكالة، و يخرج عن حريم باب الفضولي، و أمّا فيما دلّ على ضمانه عند تعدّيه بإتيان نفس ما نهاه المالك فلا يتمشّى.
هذا الّذي ذكرناه في التعدّي بالاتّجار في غير ما عيّنه المالك، بل يكون ما فعله غير مأذون فيه، و وقع على خلاف ما وكّل فيه، و حينئذ يمكن أن يقال بأنّ الحكم بالصحّة حكم تعبّدي كما في الحكم بالصحّة في التجارة بمال الصبيّ حسب ما يأتي شرحه، و لكنّه بعيد في الغاية.
و يمكن أن يقال بكون ما يفعله العامل على خلاف ما وكّل فيه يكون بإذن المالك على نحو الخطاب الترتّبي بأن قال المالك: لا تعامل هذه المعاملة الخاصّة، فإن عاملتها و ظهر فيها الربح فأنت مأذون فيه، و الخطاب الترتّبي أمر ممكن معقول حسب ما أثبتنا إمكانه في الاصول، و لكنّه يحتاج إلى دليل يدلّ على وقوعه، إذ هو غير موافق مع القاعدة و يحتاج إثباته إلى دليل قويّ، و الدليل عليه في المقام كون المالك في مقام الاسترباح، و أنّه إنّما نهى المالك عن المعاملة الخاصّة لأجل تخيّله الخسران فيها، فيستفاد من نفس إقدامه على المضاربة بأنّه في مقام الاسترباح، و من كونه في مقام الاسترباح أذنه لكلّ معاملة يظهر فيه الربح، فيكون النهي عن معاملة خاصّة معلّقا على خسرانها، فحينئذ يصحّ كلا الحكمين، أعني كون الخسارة على العامل و كون الربح بينهما، أمّا الأوّل فلأنّه تعدّى بفعله المنهيّ عنه، و أمّا الثاني فلفعله ما اذن فيه بالخطاب الترتّبي، و في كلتا الصورتين تخرجان عن باب الفضولي و لا ترتبط به أصلا.
و الحاصل؛ أنّ في أخبار باب المضاربة احتمالات ثلاثة: الأوّل: أن يكون
ص: 254
الحكم بصحّة المعاملة مع كونها غير مأذون فيها تعبّديّا، و هذا بعيد في الغاية.
الثاني: أن يكون لأجل تعقّبها بما يوجب الصحّة و هو الرضاء و الإجازة، و على هذا فينطبق على الفضولي، و وجه الكشف عن التعقّب بالرضاء و الإجازة هو كون المالك في مقام الاسترباح، و أنّه يريد الربح، فإذا ظهر الربح يرضى بمقتضى موافقته مع إرادته، و هذا أيضا بعيد لوجهين:
[الوجه] الأوّل: أنّ رضاه أو إجازته بعد ظهور الربح لا تصيّر المعاملة المذكورة مورد تعلّق عقد المضاربة، حتّى يكون الربح بينهما على ما شرطاه، بل اللازم منه كون الربح بتمامه للمالك، و للعامل اجرة مثل عمله إن كان يستحقّ شيئا أو لا يستحقّ شيئا أصلا، لمكان تعدّيه و أنّه فعل على خلاف إذن المالك، و هذا هو الأقوى، فالحكم بكون الربح بينهما لا ينطبق على تصحيح فعل العامل على طبق الفضولي.
[الوجه] الثاني: أنّ انكشاف ما يصحّح المعاملة من الرضاء أو الإجارة لو تمّ فإنّما هو مع ظهور الربح، و أمّا مع الخسران فلا تصحّ المعاملة أصلا؛ لعدم ما يدلّ على تعقّبها بما يوجب صحّتها، و لازم ذلك رجوع المالك بعين ماله بمن عنده إذا كان باقيا مثله، أو قيمته لو كان تالفا، فلا خسارة حينئذ حتّى تكون على العامل أو على غيره، ضرورة، أنّه فرع صحّة المعاملة.
الاحتمال الثالث (1): ما ذكرناه و قوّيناه، و هو المتعيّن على ما بيّناه.
1) و يشعر به كلام «الجواهر» و «المسالك» في باب المضاربة، فراجع و تأمّل، «منه رحمه اللّه» (لاحظ! جواهر الكلام: 26/ 354 و 355، و مسالك الإفهام: 4/ 351 و 352).
ص: 255
ص: 256
ص: 257
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به نستعين و الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين.
الكلام في الخيار و أقسامه و أحكامه.
و قبل الشروع في الأقسام لا بدّ من تقديم أمرين:
أحدهما؛ بيان حقيقته و ما هو متعلّقة.
فنقول: قد عرّف جماعة حقيقة الخيار في المعاملات بأنّه ملك فسخ العقد (1)، و ظاهره أنّ متعلّق الخيار الّذي هو من سنخ الحقوق و السلطنة هو فسخ العقد و تركه، فحقيقة الخيار هي السلطنة على الفسخ و عدمه، فيكون الاختيار بين النقيضين، و لازمه؛ أنّ ذا الخيار قادر بإعمال أثر سلطنته في الفسخ ليرفع العقد، و قادر في عدم الفسخ، و لا يفسخ حتّى يبقى العقد.
و فيه؛ أنّ إعمال الخيار في الفسخ له معنى محصّل، إذ بعد ما كان الحقّ
1) المكاسب: 5/ 11، إيضاح الفوائد: 1/ 482.
ص: 258
الخيار، فمن آثاره قدرته على الفسخ، فإذا فسخ فهذا إعمال للخيار بإعمال القدرة، و أمّا طرف الفسخ لو كان نقيضه، و هو تركه، فهو ليس إعمال الخيار فيه، لأنّه إن كان المراد بترك الفسخ و لو في آن، فحينئذ يلزم زوال الخيار للمتبايعين في المجلس أو غيره في زمان الخيار لو تركا الفسخ متردّدا في الإمضاء من دون رضا به، و لم يلتزم به أحد.
و إن كان المراد ترك الفسخ مستمرّا إلى انقضاء زمان الخيار، فحينئذ و إن زال الخيار، و لكن لا بالإعمال، بل بزوال ظرفه و زمانه، مضافا إلى أنّه ينافي ذلك ما في أخبار الخيار من تعليل زوال الخيار بعد التصرّف بأنّه رضا منه (1)إذ ظاهره يعطي بأنّ مجرّد ترك الفسخ ليس مزيلا للخيار، بل لا بدّ من الرضا ببقاء العقد.
لا يقال: إنّ المراد من العبارة المذكورة أنّ التصرّف بشرط الرضا مسقط للخيار، فيكون زوال الخيار بالإسقاط لا بالإعمال بمجرّد الرضا بالمعاملة، فليست هي دالّة على أنّ السقوط بالإعمال بالرضا.
لأنّا نقول: إنّ الإسقاط موقوف على الإنشاء، و لا يكفي فيه مجرّد الرضا كمطلق الإيقاعات، مع أنّ الخبر علّل زوال الخيار بنفس الرضا (2)، و ليس المراد تحقّق الإسقاط بالإنشاء الفعلي المسبوق بالرضا، أعني التصرّف عن الرضا بالمعاملة، و إلّا لعلّل بأنّه أسقط الخيار بالتصرّف و بالإنشاء الفعلي، فتعليله بنفس الرضا كاشف عن أنّ تمام الملاك في زواله هو الرضا المنكشف بالتصرّف، فاعتبار التصرّف من باب الكاشفيّة، بحيث لو انكشف الملاك بغير التصرّف لزال الخيار أيضا.
ص: 259
و يؤيّد ما ذكرنا أنّه قال عليه السّلام: «و ذلك رضا منه بالشرط» (1)فلو كان المراد الإسقاط بالفعل، لكان المناسب ذكر العقد بدل الشرط، لأنّ الخيار حقّ في العقد لا في الشرط، يعني المعاملة، فمعنى الرضا بالبيع هو الرضا بأثر العقد أبدا، و ليس ذلك إلّا إعمال الخيار بالرضا بالمعاملة، فتأمّل.
فانقدح ممّا ذكرنا؛ أنّ الخيار عبارة عن السلطنة على إزالة العقد بفسخه و إقراره و إبقائه بالرضا به، فيكون متعلّق الاختيار هو الأمر الدائر بين الوجودين، أعني الفسخ و الإبقاء بالرضا.
فلا مجال لما أورده الشيخ رحمه اللّه على تعريف بعضهم بأنّه ملك إقرار العقد و إزالته (2)، بأنّ المراد من إقرار العقد إن كان بمعنى إلزام العقد و جعله غير قابل لأن يفسخ، ففيه؛ أنّ مرجعه إلى إسقاط الخيار، فلا يؤخذ في تعريف نفس الخيار (3)، فإنّه مع إقرار العقد و إلزامه و إن يزول الخيار، و لكنّه كان بإعماله و جعل العقد لازما، لا بإسقاطه، نظير الإجازة في باب الفضولي.
نعم؛ سيأتي في محلّه أنّ نفس الرضا الثابت في النفس لا يكفي في زوال الخيار ما لم يكن له كاشف من قبل ذي الخيار، لأنّ المستفاد من قوله عليه السّلام:
«و ذلك» .. إلى آخره بقرينة كون اسم الإشارة إشارة إلى التصرّف، هو أنّ المزيل للخيار الرضا المستكشف بكاشف بعنوان أنّه طريق إلى الرضا، فالتصرّف و أمثاله و إن كان معتبرا في زوال الخيار و لكن لا بعنوان أنّه إنشاء لإسقاط الخيار، بل
ص: 260
بعنوان كونه كاشفا عن الرضا، نظير الإجازة في الفضولي، و أمّا إعمال الخيار بالفسخ فلا بدّ فيه من الإنشاء.
فالحاصل؛ إذا استكشف الرضا بالتصرّف و إن كان الخيار يزول، و لكنّه إن كان بالإسقاط يكون سقوط الخيار من قبيل إذهابه بإذهاب القدرة الّتي هو المنشأ للخيار و السلطنة، فيكون من قبيل إذهاب الواجب المشروط بإذهاب شرطه، و أمّا إن كان ذلك باعتبار أنّ الرضا المستكشف بالتصرّف من قبيل إعمال الخيار، فيكون حينئذ زوال الخيار من قبيل زوال الوجوب في الواجب المطلق بالامتثال و إتيان متعلّقة، كما لا يخفى، و المدّعى كون المقام من قبيل الثاني لا من قبيل الأوّل.
ثمّ إنّ الشيخ رحمه اللّه قال: إنّ التعبير عن الخيار بأنّه ملك، لعلّه من جهة التنبيه إلى أنّ الخيار من الحقوق لا من الأحكام، فيخرج ما كان من قبيل الإجازة في عقد الفضولي (1).. إلى آخره.
أقول: هذا الاستظهار مبنيّ على أن لا يكون الملك مستعملا في كلماتهم في السلطنة، و كذلك في الأخبار، و أمّا لو كان يطلق الملك و لا يراد منه المقابل للسلطنة و ما هو من آثاره، بل يراد نفس السلطنة فلا وجه له، و استعمال الملك في كلماتهم و إطلاقه في الأخبار على السلطنة المحضة الّتي هي من قبيل الحكم كثيرة جدّا، كما في حديث معروف: «لا طلاق إلّا في ملك، و لا بيع إلّا في ملك» (2)بالنسبة إلى بيع الوليّ و المتولّي و الوكيل، فإنّ المراد من الملك في هذه
ص: 261
الموارد ليس إلّا السلطنة، و كذلك في بيع الكلّي في الذمّة إلى الغير.
و بالجملة؛ إطلاق الملك على السلطنة ليس بعزيز، فحينئذ لا يمكن أن يكون الوجه في التعبير عن الخيار بأنّه ملك منحصرا من جهة كونه حقّا قابلا للإسقاط و للنقل و للإرث، و غير ذلك من الأحكام، بل لا يمكن استفادة حقّية الخيار من شيء من الأدلّة المثبتة للخيار من الخيارات الخاصّة بعناوين خاصّة، كخيار الحيوان و المجلس و غيرهما، و لا من الأدلّة المثبتة له من حيث الضرر لو لا الخيار، كخيار الغبن و غيره، لأنّ غاية دلالة تلك الأدلّة هو إثبات السلطنة على الفسخ و الإمضاء، و هو أعمّ من كونها من آثار الحقّ أو كونها مجعولة ابتداء لمن له الخيار.
فالدليل على كون الخيار حقّا ليس إلّا الإجماع (1)على كونه قابلا للإسقاط و الانتقال من جهة الإرث و نحوه، فالتعبير عن الخيار بالملك يمكن أن يكون من باب شرح الاسم و التعبير عن الشيء بما هو لازمه، فليس الوجه ما أفاده قدّس سرّه بل يمكن أن يكون المراد من الملك السلطنة، و يكون من قبيل تعبير الشيء بلازمه، كما لا يخفى.
الأمر الثاني: لا بد من تأسيس ما هو الأصل في البيع حتّى يرجع إليه عند الشكّ.
1) كما يستظهر من كلام شيخنا قدّس سرّه في أحكام الخيارات كون الوجه ذلك «منه رحمه اللّه».
ص: 262
فنقول: ذكر جماعة تبعا للعلّامة قدّس سرّه أنّ الأصل في البيع اللزوم (1)، و المراد به يمكن أن يكون أحد امور:
الأوّل؛ أن يكون المراد منه أنّ البيع بطبعه الأصلي يوجد لازما، كما يقال:
إنّ الجسم بذاته الأوّلي الأصلي فيه الاستدارة، و هذا المعنى يحتمل وجهان:
أحدهما؛ أن يكون المراد أنّ مقتضى طبع البيع أن يكون موجبا لقطع الملكيّة عن المالك بحيث لا يبقى له علاقة أصلا، فيكون اللزوم مأخوذا في ماهيّة البيع و حقيقته لو خلّي و ذاته، بخلاف مثل الهبة، فإنّها لا يوجب قطع جميع العلائق عن المالك، فيكون الجواز مأخوذا في ماهيّتها، لا أن يكون من أحكامها، بناء على هذا المعنى على فرض تماميّته [فهو] أصل مختصّ في خصوص البيع، و لكنّه لا يناسب جعل الجواز في الهبة من أحكامها الشرعيّة، كما عن الشيخ قدّس سرّه (2)، بل لا بدّ من جعلها في قبال البيع من حيث إنّ فيها تبقى علاقة ضعيفة للمالك، و هم لا يلتزمون بذلك.
و الآخر؛ أن يكون المراد أنّ طبع كلّ عقد ناقل للملك أن يوجب قطع جميع العلائق عن الملك، كما أنّ طبع الجسم يقتضي الاستدارة، فحينئذ لو كان في مورد يثبت خلاف ذلك، لا بدّ أن يكون بقسر قاسر و جبر جابر، كجعل الخيار من قبل الشارع، و على هذا لا يختصّ هذا المعنى بباب البيع، بل يجري في كلّ عقد، فلا يصحّ حينئذ جعل الهبة في قبال البيع، لأنّ كون الأصل هو اللزوم بهذا المعنى
ص: 263
إذا لم يكن منافيا لجعل الشارع حكما على خلافه في خصوص مورد.
فهذا الحكم قد يكون من جهة جعل الخيار لأحد المتبايعين أولهما في مثل باب البيع، و قد يكون من جهة جعل السلطنة و جواز الرجوع للمالك الأوّل في استرجاع مال غيره إليه في باب الهبة، فمجرّد كون المجعول في باب البيع هو الخيار و في باب الهبة هو جواز الاسترجاع لا يوجب تفاوتا في ما هو مقتضى أصل العقد، أعني قطع جميع العلائق، فلا وجه لجعل البيع في قبال الهبة، كما صنعه شيخنا قدّس سرّه (1).
و بالجملة؛ الأصل بهذا المعنى لو ثبت، و إن كان أصلا كلّيا يجري في جميع العقود الناقلة، و لكن هو بنفسه محتاج إلى دليل يثبته و إلّا فلا يثمر مجرّد احتماله، فلا بدّ من التكلّم فيما تقتضيه الأدلّة الشرعيّة، كما سيجيء.
الثاني؛ أن يكون المراد به الغلبة بأن يقال: الغالب في أقسام البيع و أفراده هو اللزوم، فالمشكوك في لزومه و جوازه يلحق بالغالب.
و فيه؛ أنّه ممنوع من حيث الصغرى و الكبرى.
الثالث؛ أن يكون المراد به الاستصحاب، بمعنى أنّ الأصل بقاء أثر البيع بعد الفسخ عند الشكّ في اللزوم، و هذا المعنى يتمّ لو لم يكن لنا دليل اجتهاديّ في المقام، و البحث الآن ليس في ذلك، بل في أنّ الأصل الاجتهادي أيّ شيء يقتضي؟
نعم؛ لو لم يكن لنا دليل اجتهادي يبيّن حال البيع بما هو مقتضى العقد، فعند الشكّ يرجع إلى الاستصحاب، و ليس حينئذ هو أصلا مبيّنا حال البيع بما هو عقد، كما لا يخفى.
1) المكاسب: 5/ 14 و 15.
ص: 264
الرابع؛ أن يكون المراد من الأصل القاعدة المستفادة عن العمومات، فالعمدة التكلّم فيها.
فنقول: قد يستدلّ لكون البيع بل كلّ عقد أصله اللزوم إلّا أن يقوم دليل من الخارج على عدمه، بقوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)(2).
و قد قرّر بعض الأعاظم (3)الوجه فيها بأنّ «أوفوا» في الآية كناية عن كون المكلّف محروما عن نقض العهد، أي يحرم عليكم نقض العهود، و المراد من الحرمة الحرمان، كما هو معناه لغة (4)، فالآية ليست في مقام بيان الحكم التكليفي من وجوب الوفاء بالعقد، لأنّ العقد عبارة عن الربط الحاصل بين الإنشاءين، و هو ليس أمرا قابلا للبقاء و الرفع بعد ثبوته و حدوثه، حتّى يمكن الوفاء به و عدم الوفاء به، و كون المراد الوفاء بمضمونه يعني الوفاء بما هو لازم مضمونه و هو آثاره، خلاف الظاهر.
فإذا لم يكن الوفاء بالعقد بما هو تحت قدرة المكلّف بعد حدوثه، فلا بدّ أن يكون المراد من الأمر الإرشاد، و معنى الإرشاد أنّ العقد إذا حدث لا يكون قابلا للنقض، فمعناه؛ أنّ المكلّف محروم عن نقضه بعد ثبوته، فهذه الآية بتمام مدلولها يدلّ على الحكم الوضعي، يعني كون العقد لازما من دون نظر إلى الحكم التكليفي أصلا.
و فيه؛ أنّه لو كان لنا لفظة تحرّم على المكلّف نقض العهد كان لهذا المقال
ص: 265
مجال، و أمّا مثل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فلا وجه لصرفه عن ظاهره، و جعله كناية عن ذلك.
و أمّا المحذور الّذي أشار إليه؛ فالإنصاف أنّ حمل الآية على غير معنى وجوب ترتيب الآثار على العقد خلاف الظاهر، ضرورة أنّ الوفاء بالعقد ليس إلّا عبارة عن العمل على طبق مضمونه الّذي هو ترتيب الآثار على العقد، و من المعلوم أنّه مقدور للمكلّف، كما أنّه مقدور له أن لا يرتّب الآثار عليه بعدم قبض المبيع إلى المشتري و نحوه، فإذا كان الوفاء هو العمل على طبق العقد مقدورا للمكلّف، فيصحّ الإيجاب عليه تكليفا، فلا وجه لحمل اللفظ على خلاف ظاهره.
فهذا التقريب لا يتمّ و لا يثبت به المدّعى، فينحصر التقريب بما أفاده شيخنا قدّس سرّه في المقام و المعاطاة (1).
و حاصل بيانه؛ أنّ الآية دلّت على وجوب الوفاء بالعقد يعني العهد، و معناه: الوفاء به، العمل على طبق مضمونه، و هو ليس إلّا تمليك المال للغير، و العمل على مقتضى هذا المضمون عبارة عن عدم التصرّف فيه بغير رضا صاحبه الّذي انتقل المال إليه، فإذا وجب الوفاء به مطلقا فيحرم عليه التصرّف مطلقا، أي في جميع الأحوال، لأنّه نقض للعقد، و من الأحوال التصرّف بعد الفسخ؛ فيكون حراما بمقتضى إطلاق الآية، فحينئذ يكشف ذلك عن عدم تأثير الفسخ، لأنّه لو كان مؤثّرا في إزالته لا يكون التصرّف حراما، فإذا ثبت حرمته بمقتضى إطلاق الآية، فيكشف ذلك آنا بعدم تأثير الفسخ و كونه لغوا، و هذا المعنى ملازم مع لزوم
1) المكاسب: 3/ 110- 114 و 5/ 17 و 18.
ص: 266
العقد، فتدلّ الآية بالحكم التكليفي على الحكم الوضعي (1).
و قد اورد على التقريب المذكور بأنّ الحكم المستفاد من الآية المتعلّق بالعقد إنّما هو من قبيل الحكم المتعلّق بالواجب المشروط، بمعنى أنّ وجوب الوفاء تابع للعقد حدوثا و بقاء، فكما أنّ الواجب المشروط لا يقتضي حفظ شرطه.
ففي المقام أيضا كما أنّ لزوم الوفاء لا يقتضي حدوث العقد فكذلك لا يقتضي لزوم إبقائه، بل غاية ما يلزم هو وجوب الوفاء في ظرف ثبوته، و المفروض احتمال كون الفسخ رافعا للعقد، فلا يكون باقيا بعد، فالتمسّك بالآية لإثبات بقاء العقد بعد الفسخ و كونه لازما من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية، كما أورد الشيخ قدّس سرّه هذا الإشكال بعينه على الآيتين الآتيتين (2).
و أجاب- دام ظلّه- عن الإيراد بأنّه يتمّ على فرض أن يكون العقد من الامور الاعتباريّة الّتي إذا تحقّق في الخارج كان ممّا يكون قابلا للبقاء حقيقة، مثل عنوان التقابل بين شخصين في الخارج، فإنّه و إن كان من الاعتباريّات، و ليس له ما بحذاء مستقلّ غير ما هو منشأ انتزاعه في الخارج، و لكنّه من الاعتباريّات الخارجيّة الّتي لها القابلة للبقاء إذا تحقّق، و لو ببقاء منشأ انتزاعه، و كذلك مثل عنوان بدليّة شيء عن شيء.
فالعقد لو كان من هذا القبيل يمكن أن يقال: إنّ وجوب الوفاء به بالعمل بمقتضى مضمونه تابع له حدوثا و بقاء، كما أنّ ذلك ظاهر كلّ حكم علّق على
ص: 267
عنوان قابل للبقاء، كنجاسة الكرّ إذا تغيّر بأحد الأوصاف الثلاثة، فحينئذ لمّا كان وجوب الوفاء بعد قول: «فسخت» موقوفا على كون العقد باقيا حقيقة، فالتمسّك ب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لا يثبت بقاءه، فيكون تمسّكا بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
و أمّا إذا لم يكن الأمر كذلك- كما هو التحقيق- فلا يتمّ.
بيان ذلك؛ أنّ العقد عبارة عن الربط المتحقّق بين الإرادتين المبرزتين بالإنشاء، بمعنى أنّ العقد ينتزع من تبعيّة جعل القابل إرادته تبعا لإرادة الموجب، و مطاوعة إرادته المبرزة بالإيجاب بقبوله المبرز، و هذا المعنى من الامور الواقعيّة الّتي لا يكون باعتبار امور، بل لو فرض أنّ الشارع ينفي اعتبار الارتباط بين الإرادتين لا يرتفع هذا الارتباط الواقعي، غاية الأمر لا يؤثر شيئا.
فالحاصل؛ أنّ العلقة الحاصلة بين الإرادتين المنشأتين بالإنشاء، و إن كان من الامور الإضافيّة الارتباطيّة الّتي ليس لها ما بإزاء في الخارج ممتاز مستقلّ، و لكن هذه العلقة من الإضافات الّتي لها واقعية كالتقابل، و ليست واقعيّتها بصرف اعتبار المعتبر، بل و لو لم يكن معتبر فهو بعد الإنشاء متحقّق، إلّا أنّه لا إشكال في أنّها ليست من الامور القابلة للبقاء، ضرورة أنّه بمحض حدوثها تنعدم و تزول.
فعلى هذا؛ لا يمكن أن يكون ما هو مضمون هذا العلقة- أعني الملكيّة- دائرا مدارها حدوثا و بقاء، و إلّا يلزم أن لا يكون الملكيّة باقية بانعدام العلقة، مع أنّه واضح البطلان، فحينئذ لا بدّ و أن يكون هذه العلقة بمحض حدوثها مؤثّرة في الملكيّة مطلقا و تكون بقاء الملكية مستندة إلى استعداد ذاتها للبقاء، من دون استناد إليها.
ص: 268
ففي مثل ذلك إذا أوجب الشارع الوفاء بما هو مضمون العقد و مقتضاه، فلا يعقل أن يكون الوجوب حدوثا و بقاء دائرا مدار العقد، لعدم قابلية العقد للبقاء، كما عرفت، بل وجوب الوفاء بقاء بما هو من مقتضيات مضمون ذلك العقد الحادث المعدوم ليس إلّا، فالتمسّك ب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لا يتوقّف على إحراز بقاء العقد أصلا، حتّى يقال: بعد قول: «فسخت» مع الشكّ في تأثير الفسخ بشكّ في بقاء العقد، فيكون من باب التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، كما لا يخفى.
إن قلت: إنّ قولهم في باب فسخ العقد الخياري: إنّه فسخ و حلّ عقد من حينه لا من حين العقد، دليل على كون العقد أمرا قابلا للبقاء إلى حين الفسخ، و إلّا لا معنى لكون الفسخ الحلّ من حينه، فيستكشف من ذلك أنّ وجوب الوفاء في العقد في كلّ آن فرع تحقّق العقد و ثبوته في ذاك الآن.
قلت: إنّ المراد من كون الفسخ هو حلّ العقد من حينه بعد قيام الدليل على ذلك، مع عدم كون العقد قابلا للبقاء لما عرفت، لا بدّ أن يكون البقاء التنزيلي لذلك الحادث الأوّلي، لا البقاء الحقيقي على [أيّ] نحو وجد، و إلّا لا يعقل ذلك.
فعلى هذا دليل الفسخ فيما ورد كونه مؤثّرا يكون من قبيل الحاكم، و يثبت به كون العقد باقيا بالبقاء الادّعائي التنزيلي، فكلّما شكّ في كون الفسخ مؤثّرا يشكّ في أصل ورود الحاكم، مع القطع بالبقاء حقيقة، فيكون من قبيل [الشكّ] في ورود المخصّص أو مخصّصيّة الموجود، فيرجع إلى عموم العامّ بلا كلام.
نعم؛ في المقام إشكال على الشيخ قدّس سرّه حسبما عليه من مبناه في معنى عقد البيع و ما هو مضمونه، و هو الملكيّة.
و ملخّص الإشكال؛ أنّ وجوب الوفاء بالعقد و إن لم يكن مشروطا ببقاء
ص: 269
العقد، لأنّ المراد هو الوفاء بما هو مقتضى مضمون العقد بترتيب آثار مضمون العقد عليه، و لكنّ المفروض أنّ مضمون عقد البيع عبارة عن الملكيّة، على ما عرّف به البيع بأنّه تمليك العين بالعوض، فمعنى الوفاء بهذا المضمون هو ترتيب آثار الملكيّة عليها مطلقا.
فحينئذ؛ نقول: إنّ إطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ إمّا أن يقتضي لزوم العمل بمضمون العقد مطلقا، بنحو كان المراد منه لزوم حفظ الملكيّة بعدم إيجاد المانع، كما إذا كان المراد من مثل قوله: صلّ في المسجد، لزوم إيجاد الصلاة فيه، و لو بإحداث المسجد، فيكون المراد من الآية لزوم العمل و الوفاء بمضمونه، بحيث كان الواجب على المكلّف حفظ الملكيّة أيضا، بأن يحرم عليه إزالتها و لو بإيجاد المانع، فهو مع أنّه خلاف الظاهر عن مثل هذه القضيّة من كون الحكم تابعا لموضوعه و غير حافظ له، يلزم منه أن لا يجوز للمكلّف إزالة الملكيّة عمّن انتقل إليه العين، و لو بنقل جديد من البيع أو القبول بالهبة أو غيرهما، مع أنّه بديهيّ البطلان، بل مثل هذه الامور من آثار العقد الأوّل لا منافيا له.
و أمّا أن يكون لزوم العمل بالمضمون بترتيب آثار الملكيّة، من دون نظر إلى حفظ نفس الملكيّة، بل مع فرض بقائها يجب الوفاء على طبق هذا المضمون، فهو لا ينافي إزالة الملكيّة بإيجاد الفسخ أو مثله ممّا يوجب زوال الملكيّة.
فحينئذ؛ إذا تحقّق قول: «فسخت» لشكّ في بقاء الملكيّة من جهة الشكّ في تأثير الفسخ، فلو تمسّك ب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ للحكم ببقاء الملكيّة، يكون من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية، كما هو ظاهر للشكّ في كون الملك باقيا حتّى يجب الوفاء على طبقه.
ص: 270
فلو اثبت بقاؤه من جهة لزوم العمل يلزم الدور،- كما لا يخفى- فلا يرتفع المحذور من جهة اخرى على مسلك الشيخ رحمه اللّه غير الجهة الّتي دفعنا الإشكال عنه.
و أمّا على المسلك المختار في تعريف البيع بأنّه عبارة عن نحو علاقة بدليّة يوجب أن يصير كلّ من العوضين بدلا عن الآخر، و يتلوّن بلونه، فلا يلزم محذور أصلا، بل يتمّ الاستدلال بالآية بلا دور و إشكال، فإنّ جواز بدليّة أحد العوضين عن الآخر لا يزول بالتصرّفات الناقلة، بل و لو انتقل أحد العوضين بعقد جديد إلى من انتقل عنه، كان بدليّة بدله، أو بدليّة نفس هذا العين عن بدله السابق باقية، فلا يكون شيء منافيا بعنوان البدليّة إلّا الفسخ، لأنّ اعتباره إزالة أصل علقة البدليّة و رجوع كلّ واحد من العينين إلى حالها السابق.
فحينئذ؛ لو كان المراد من قوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لزوم ترتّب الأثر على هذه العلقة البدلية و لزوم إبقائها لا ينافيها سائر التصرّفات الناقلة، و ينافيها الفسخ، فمقتضى إطلاقها فساده و عدم تأثيره في رفع العلقة.
و لكن الّذي يسهّل الخطب؛ أنّ غاية الأمر جريان هذه التفرقة في عقد البيع، و أمّا سائر العقود كعقد النكاح فلا يجري هذا المسلك فيه، إذ ليس فيه اعتبار بدلية أصلا، مع أنّهم في مثله يفرّقون بين الطلاق و الفسخ، و أنّ الطلاق لا ينافي لزوم عقد النكاح بخلاف الفسخ، فلا يختصّ عن التفرقة بين الفسخ و سائر النواقل، حتّى على مسلك الشيخ قدّس سرّه.
فنقول: التحقيق كون الاستدلال بالآية يتمّ على مختاره أيضا و أنّه فرق واضح بين الفسخ و سائر النواقل، لأنّها ينافي مع بقاء الملكيّة الّتي هي من
ص: 271
مقتضيات العقد، و لا ينافي مع أصل العقد، و مع العلقة الحاصلة بين الإيجابين.
بل التحقيق؛ أنّ إجراء باقي النواقل و جوازها من آثار تلك العلقة، فالوفاء بالعقد بما له من المضمون لا ينافي مثل هذه التصرّفات، و أمّا مثل الفسخ؛ فاعتباره و عنايته رفع أصل العلقة، و زوال العقد فكأنّه بقي إلى حين الفسخ و الحلّ به، و لو ادّعاء.
فالذهن العرفي إذا اعتبر ذلك في الفسخ دون الانتقالات الاخر فيستكشف أنّ الفسخ برفع أصل مقتضى الملكيّة.
فحينئذ؛ إذا شكّ في مورد في كون العقد مؤثّرا شكّ في أصل وجود الحاكم و ثبوت المخصّص، فالتمسّك بالآية لإثبات بقاء العقد و عدم تأثير الفسخ لا يكون تمسّكا بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، بل التمسّك فيما جرت السيرة على التمسّك به، كما لا يخفى، فتأمّل.
و قد يستدلّ لإثبات اللزوم بمثل: أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1)و آية تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2)(3).
و الجواب عن ذلك ما أفاده شيخنا قدّس سرّه من أنّه بعد قول: «فسخت» نشكّ في بقاء التجارة و البيع بمعنى الملكيّة، فيكون تمسّكا بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، و لا يتمّ بقاء التجارة إلّا باستصحاب بقائها، و هو يغنينا عن التمسّك بالآيات (4).
ص: 272
و قد يستدلّ بمثل «الناس مسلّطون على أموالهم» (1)، فإنّ مقتضى عموم السلطنة أن لا يجوز أخذ ماله من يده و لو بالفسخ من دون رضاه (2)، و إلّا يلزم أن لا يكون مسلطا على المنع عن تصرّف الغير في ماله و لو بالتملّك.
و من ذلك ظهر جواز الاستدلال بمثل: وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ (3)فإنّ التصرّف في مال الغير بالتملّك بدون رضاه أكل للمال بالباطل، و كذلك «لا يحلّ مال امرئ إلّا بطيب نفسه» (4)، كما لا يخفى.
و فيه؛ أنّ الفسخ ليس من قبيل التصرّف في مال الغير، إذ ليس هو تملّكا للعين، بل هو حلّ العقد و إزالته، فليس من قبيل التملّك في باب الشفعة.
و بعبارة اخرى؛ كمال الفرق بين الفسخ من جهة الخيار و التملّك في باب الشفعة و باب الهبة، و غيرها من العقود الجائزة، و باب حقّ الرهانة و غيرها من الحقوق الّتي تكون متعلّقا بالعين، فإنّه مثل تلك الأبواب، الحكم الأوّلي المجعول له تملّك مال الغير لا إزالة العقد الأوّل، كما في العقود الجائزة، أو جعل له حقّ في العين من آثاره جواز تملّكها مع بقاء العقد على حاله، كباب الشفعة و الرهن.
و هذا النحو من الاعتبار و إن كان في باب البيع منافيا لسلطنة المالك بمقتضى قاعدة السلطنة، و يكون أكلا للمال بالباطل، و كذلك تصرّف في مال المرء بغير طيب نفسه، و لكن باب الخيار ليس من هذا القبيل، بل حيث كان
ص: 273
الخيار متعلّقا بالعقد فانفسخ يكون حلّا له، و فكّا للعلاقة الحاصلة، و هو ليس تملّكا لمال الغير، حتّى يكون منافيا للقواعد المذكورة.
نعم؛ لازم فكّ العقد رجوع كلّ واحد من العوضين إلى مالكه الأوّل، لكن لا بالفسخ، حتّى يقال: إنّه أيضا تملّك لمال الغير، و لو بالواسطة بل بسببه الأوّل الّذي كان المالك ماله قبل البيع، فليس في الفسخ شائبة التصرّف في مال الغير أصلا، حتّى ينافي القواعد، فلا مجال للاستدلال بها للمقام.
و قد يستدلّ أيضا بمثل «المؤمنون عند شروطهم» (1)و معنى الشرط هو العهد و الإلزام، فعلى هذا تقريب الاستدلال به أنّ معناه: المؤمن مع شرطه و توأم لإلزامه، و لا يبطله و لا يزيله، فيكون إخبارا في مقام الإنشاء، يعني لا بدّ و أن يكون المؤمن مع شرطه، فيكون لسانه لسان «يجب على المؤمن الوفاء بشرطه» على نهج: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.
و الإشكال عليه بأنّ الشرط- كما عن أهل اللغة- لا يشتمل إلّا الإلزام الضمنيّ لا الإلزام الابتدائي، فلا ربط له بباب البيع الّذي هو محلّ الكلام.
فيمكن الجواب عنه أنّه مع التسليم، فنقول: إذا فرضنا اشتراط شرط في ضمن عقد البيع، فمقتضى إطلاق ذلك الخبر لزوم العمل و الوفاء بنفس الشرط كما لا يخفى، و كلّ عقد يجب الوفاء بشرطه يجب الوفاء بنفسه بالاتّفاق، فيثبت بذلك الخبر لزوم البيع الّذي جعل في ضمنه شرط، ثمّ يثبت لزوم البيع بلا شرط بعدم القول بالفصل.
و بالجملة؛ لو ثبتت الملازمة بين لزوم الشرط و لزوم العقد، و كذلك بين
1) وسائل الشيعة: 21/ 276 ذيل الحديث 27081.
ص: 274
جواز العقد و جواز الشرط، فحينئذ لو اشترط في بيع شرط و شككنا في كون ذلك البيع بنفسه لازما أو غير لازم، فمقتضى عموم «المؤمنون» .. إلى آخره، لزوم الشرط، فيحكم بلزوم البيع أيضا من باب الملازمة، ثمّ نقول بلزوم البيع الخالي عن الشرط أيضا بعدم القول بالفصل، فتأمّل.
و قد يستشكل في الحديث من جهة اخرى؛ و هي أنّه لما نقطع بكون العقود الجائزة الّتي يجعل في ضمنها الشرط خارجة عن هذا العموم، لما سمعت من كون الشرط تابعا للعقد في اللزوم و الجواز، و مع الشكّ في كون فرد من العقود الجائزة أو اللازمة، فالتمسّك بعموم الشرط لإثبات كونه من اللازم يكون من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة (1).
و يمكن الجواب؛ أنّ ذلك يضر بالاستدلال به، لو كان خروج العقود الجائزة عن تحت العموم بالمخصّص اللفظي، و أمّا لو كان لبيّا كما هو الظاهر في المقام، إذ ليس دليل على خروجها سوى الإجماع، فحينئذ لا بأس بالتمسّك بالعامّ لإثبات اللزوم و تعيين المصداق، كما حقّق في محلّه.
نعم؛ إنّما الكلام في أصل الملازمة، فإنّه يمكن منعها، و ذلك لاحتمال أن يكون الشرط ممّا يجب الوفاء مع عدم كون العقد لازما، بأن يكون الشرط من قبيل الواجب المشروط، و يكون واجب الوفاء مع بقاء العقد، فلا ينافي كون العقد جائزا يجوز إزالته حتّى لا يبقى موضوع للشرط، كما لا يخفى.
و انقدح ممّا ذكرنا: أنّ دلالة «المؤمنون» موقوف على كون الشرط، غير منحصر بالالتزامات الضمنيّة، بل يشمل مطلق الالتزامات، و لو كان ابتدائيّا، كما هو ليس ببعيد.
1) المكاسب: 5/ 24.
ص: 275
و سيأتي من الشيخ قدّس سرّه فيما بعد الاعتراف بكونه أعمّ، كما ورد في بعض الأخبار التمسّك به (1)، للزوم الوفاء بالنذر و اليمين، فلا إشكال في كونه دليلا للمقام أيضا.
و ممّا يستدلّ به للمقام قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا، و إذا افترقا وجب البيع (2)» (3).
وجه الاستدلال أنّه دلّ على أنّ البيع واجب و نافذ بعد انقضاء المجلس مطلقا، فيدلّ على أنّه لا خيار في البيع بعد المجلس أصلا.
و يمكن المناقشة فيه؛ بأنّ غايته هو الوجوب من ناحية هذا الخيار، أي المجلس لا مطلقا، بمعنى أنّه لما كان البيع ممّا لا يجب الوفاء به قبل انقضاء المجلس، فبانقضائه يصير واجبا من تلك الجهة، فلا ينافي ثبوت الخيار من جهات اخر.
و كذا الكلام بالنسبة إلى قوله: «لا خيار لهما بعد الرضا» (4)يعني من ناحية هذا الخيار الثابت لو لا الرضا بالعقد بإعماله، فتأمّل، فإنّه ليس الغرض إثبات اللزوم للعقد مطلقا حتّى من جهة الخيارات المنصوصة بها الثابتة بأدلّتها، بل الغرض إثبات اللزوم في الجملة، و لا إشكال في أنّ اللزوم كذلك يثبت بهما.
فحينئذ؛ كلّما ثبت خيار من دليل فيجوز الفسخ به، و ليس الخبران منافيين لهما، و أمّا الفسخ اقتراحا بحيث يكون ذلك من آثار العقد الجائز في نفسه فلا
ص: 276
يجوز، لدلالتهما على عدم نفوذه و مؤثريّته.
و بالجملة؛ الظاهر عدم مجال لإنكار كون الخبرين دالّين على كون اللزوم من مقتضيات البيع في الجملة، و هذا يكفي لما هو محلّ الكلام، كما لا يخفى.
فتحصّل ممّا ذكرنا أفاد- دام ظلّه- أنّ ما يمكن التمسّك به من العمومات في مطلق العقود قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)و كذلك «المؤمنون عند شروطهم» (2).
و بناء على شمول الشرط للالتزامات الابتدائيّة، فلو بقي الشكّ و لم يمكننا التمسّك بالعمومات فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل، و مقتضى الأصل قد يقال: هو استصحاب بقاء ملكيّة كلّ من المشتري و البائع في ما انتقل إليه بالعقد بعد الفسخ من أحدهما، كما في كلام الشيخ قدّس سرّه (3).
و لكنّ الأولى في تأسيس الأصل أن يقال: الأصل عدم جعل الشارع لهما الخيار في حلّ العقد، أو عدم جعله السلطنة في استرجاع العين لهما إذا انتقل بالعقد، حيث إنّه قبل الشرع ما جعل الشارع هذه السلطنة لهما، و نشكّ أنّه بعد جعل العقد سببا هل جعل لهما أيضا السلطنة و الخيار أم لا؟ فنستصحب العدم الأزلي، و من آثاره عدم جواز الرجوع بالفسخ و عدم مؤثريّته؛ إذ لا مجال لاستصحاب بقاء الملكيّة بعد الفسخ، لأنّ الشكّ في زوال الملكيّة بالفسخ مسبّب عن جعل الشارع لهما الخيار أو السلطنة، و مع جريان الأصل في الشكّ في
ص: 277
السبب لا تصل النوبة إلى المسبّب.
أقول: و أيضا يمكن منع الأصل المزبور على مسلك شيخنا قدّس سرّه من جهة اخرى، و هي رجوع الشكّ إلى الشكّ في المقتضي، فتأمّل.
ثمّ إنّه قد يستشكل بأنّا لو بنينا على كون الجواز و اللزوم من مقتضيات نفس العقد، بمعنى لزوم العقد هو كونه موجبا لقطع جميع العلائق عن العين و جوازه قطع بعض مراتبها و بقاء الاخرى الّتي من آثاره جواز استرجاع العين إلى ملكه، فعلى هذا استصحاب بقاء العلاقة في الجملة يقدّم على الأصل المزبور، لا لما ذكره الشيخ قدّس سرّه من بقاء علاقة الملك للمالك الأوّل، أو بقاء ما هو من آثاره، حتّى يقال: إنّ الملك قد زال بالعقد قطعا.
و كذلك ما هو من متفرّعاته، و لا بقاء سلطنته إعادة العين، حتّى يجاب أنّه يستحيل اجتماع سلطنتين على تلك العين (1)، و أمّا بعد زوال الملكيّة نشكّ في أصل حدوثه.
بل المراد استصحاب بقاء مرتبة ضعيفة من علاقة الملك بالنسبة إلى العين الّتي كانت تلك المرتبة في ضمن الملكيّة؛ إذا اعتبار علاقة الملكيّة بالنسبة إلى المراتب الضعيفة من تلك العلاقة كمرتبة الشديدة من السواد بالنسبة إلى المرتبة الضعيفة، فهذه العلاقة قد تشتدّ فيسمّى ملكا، و لها حينئذ آثار خاصّة، و قد يضعف فتسمّى حقّا كحقّ الاختصاص و أمثاله.
و من هنا نقول: إنّ العين المملوكة إذا غرقت و صار المالك آيسا عنها يخرج عن ملك المالك، و مع ذلك لو أخرجها الماء يعود إلى ملكه بلا احتياج إلى
1) بمعنى أنّ الإعادة زوال العين، و مع ثبوت نفسها لا معنى للسلطنة «منه رحمه اللّه».
ص: 278
قصد التملّك جديدا، و لا يجوز تملّكها للغير بدون إذنه.
نعم؛ لو أخرجها الغوّاص يصير ملكه بمقتضى قاعدة من سبق إلى شيء، و أنّ (1)حقّ الاختصاص لا يمنع الحيازة.
ففي ما نحن فيه كان في ضمن الملكية قبل النقل للمالك تلك المرتبة الضعيفة لا بحدّها، و من آثار تلك المرتبة من العلاقة استرجاع العين لو زال ملكيّتها عن المالك، فبعد العقد نشكّ في لزومه حتّى تكون جميع مراتب العلاقة [العلائق] زائلة، و في جوازه حتّى تكون تلك المرتبة باقية، فبالاستصحاب مترتّب عليها آثارها، و هي جواز استرجاع العين بالفسخ أو التملّك، و هذا الأصل حاكم على الأصل السابق، كما لا يخفى.
و لكن فيه، أوّلا؛ لا يكون الموضوع في القضيّة المشكوكة مع المتيقنة واحدا عرفا، و إن كانت بالدقّة العقليّة متّحدة، كما نقول مثل ذلك في الشكّ في بقاء مرتبة الرجحان بعد زوال الوجوب في الواقع، عقيب الحظر أو توهمه.
و ثانيا؛ من أين لنا استكشاف أنّ من آثار تلك المرتبة الضعيفة استرجاع العين لو زالت عن ملك المالك؟ فالأصل في المقام ليس إلّا ما ذكره شيخنا قدّس سرّه من بقاء ملك كلّ من المتبايعين فيما انتقل إليه بعد الفسخ (2)، أو ما ذكرنا من الأصل عدم جعل الشارع الخيار و السلطنة في العقد، فافهم.
ص: 279
الكلام في أقسام الخيار:
أحدها: خيار المجلس، و البحث فيه في طي مسائل:
الاولى؛ قد وقع في كلماتهم التعبير عن هذا الخيار بخيار المجلس، مع أنّه لم يرد نصّ بهذا العنوان، بل ما في النصوص هو «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع» (1).
و في بعض الأخبار عن أبي جعفر عليه السّلام: «إنّي ابتعت أرضا فلمّا استوجبتها قمت فمشيت خطى ثمّ رجعت فأردت أن يجب البيع» (2)هكذا في رواية اخرى (3).
و الأخبار بهذا المضمون كثيرة: ليجب البيع حين افترقنا (4).
و يمكن أن يكون الوجه في تعبيرهم بهذا العنوان هو أنّهم لمّا استفادوا من جعل الافتراق غاية للخيار، إنّما هو موضوع هذا الخيار و ظرفه عبارة عن الحالة الاجتماعيّة الحاصلة للمتبايعين حال البيع، و التعبير عن ذلك بالمجلس من جهة أنّه من الأفراد الغالبة، و إلّا فالمراد هو تلك الحالة الاجتماعيّة حال البيع المستفادة من جعل الغاية لانقضاء الخيار هو افتراق المتبايعين عن ذلك.
فعلى هذا لا بدّ من التكلّم فيه، و أنّ المراد من حالة الاجتماع هل هو
ص: 280
خصوص ما إذا كانا مجتمعين في مكان شخصيّ مستقرّ، فلا يشمل حالة اجتماعهما في المحمل أو السفينة، لعدم اجتماعهما في المكان المستقرّ، أو المراد كونهما في محلّ واحد، و إن لم يكن له مكان مستقرّ، فيدخل المحمل و السفينة في الموضوع، و يخرج ما لو كانا ماشيين، لعدم اتّحادهما في المحلّ و اجتماعهما في المجلس، أو المراد أعمّ من ذلك، بمعنى أنّه يصدق عليهما أنّهما مجتمعان، و لو باعتبار طريق المشي، فالافتراق حينئذ يصدق بتفرّقهما عن ذلك الطريق، أو عن القرب الّذي كان بينهما حال المشي، فيكون المدار على الاجتماع البدني عرفا، أو المراد أعمّ منه أيضا، و هو كونهما على الحالة الّتي أوجدا البيع، و لو لم يصدق عليهما الاجتماع عرفا، كما إذا أوجب البائع في بغداد و قبل المشتري بواسطة تلفون و نحوه في النجف؟ وجوه؛
و الّذي يساعده العرف هو الاحتمال الثالث، بقرينة الافتراق، فإنّ الظاهر أن يكون لهما حال البيع من جهة اجتماع، و لو من حيث المكان أو المحلّ أو الطريق، بخلاف ما إذا لم يصدق عليهما جهة اجتماع عرفا أصلا، و لو كانا مجتمعين في البيع، كما لا يخفى.
ثمّ إنّ الافتراق الموجب لانقضاء الخيار- كما سيجيء-، له أفراد يقينيّة و أفراد مشكوكة، و حكم مورد الشكّ الرجوع إلى استصحاب بقاء الخيار، أو الرجوع إلى أصالة اللزوم، كلام يأتي إن شاء اللّه عند تعرّض الشيخ في خيار الغبن من الرجوع إلى استصحاب حكم المخصّص أو عموم العامّ في مورد الشكّ (1).
1) المكاسب: 5/ 207- 212.
ص: 281
المسألة الثانية؛ لا إشكال في ثبوت هذا الخيار للمتبايعين إذا كانا بنفسيهما مباشرا لإجراء الصيغة، كما هو ظاهر، و أمّا الوكيل عنهما فتارة يقع الكلام في الوكيل و اخرى في الموكّل.
أمّا الكلام في الأوّل؛ فلا إشكال في عدم ثبوت الخيار له إذا كان وكيلا في مجرّد إجراء الصيغة، بمعنى أن لا يكون وكيلا لا في العقد أي في أصل قصد التمليك، و لا في البيع يعني في نقل المال إلى غيره، بل هو وكيل في مجرّد القول، و كان تمام امور العقد و البيع بيد الموكّل، و ذلك لأنّ في الحقيقة ليس هو وكالة في شيء، بل هو مجرّد تصوّر، و إلّا فلا يصحّ هذا النحو من البيع أصلا.
فهذا القسم خارج عن محلّ الكلام في محلّ البحث رأسا، و أمّا في غير هذا القسم؛ فله صور ثلاثة:
أحدها؛ أن يكون وكيلا في مجرّد العقد، بمحض أنّه لم يكن وكيلا في مجرّد العقد، بمعنى أنّه ليس وكيلا في التصرّف في المال و لو بعنوان البيع المسبّب عن العقد من قبل المالك، بل ليس له إلّا الوكالة في مجرّد إجراء الصيغة و العقد الّذي هو سبب للنقل السببيّ.
ثانيها؛ أن يكون وكيلا في التصرّف في المال على وجه المعاوضة بالعقد، بأن يقال له: اشتر لي هذا المال، أو بع هذا العبد.
الثالث؛ أن يكون وكيلا في المال بجميع أنحاء التصرّفات المعاوضي أيضا، نظير العامل في القراض، و نظير أولياء القاصرين في أموالهم.
أمّا في الأوّل؛ فقال شيخنا قدّس سرّه: إنّه لا خيار للوكيل، لأنّ المتبادر من النصّ
ص: 282
غير الوكيلين المذكورين، و إن عمّمناه لبعض أفراد الوكيل (1).
و حاصل الوجه في ذلك هو أنّ لفظة «البيّعان» لا يشتمل مثل الوكيل الّذي له الوكالة في مجرّد العقد و الإنشاء فقط، لأنّ الظاهر من هذه القضيّة أنّ من قام به البيع يعني التصرّف في المال على وجه المعاوضة، و لو لم يكن المال له، و هذا المعنى مقصود في من لم يكن وكيلا في المعاوضة، بل كان وكالته منحصرا في العقد فقط.
و فيه؛ أنّه بعد أن كان العقد علّة تامّة لتحقّق البيع في الخارج بحيث لا يمكن التخلّف بينه و بين البيع في الخارج، فالوكالة الثابتة من قبل المالك و إن كان في مجرّد العقد و لكن لازمه ثبوت السلطنة للوكيل في نفس البيع أيضا، و إن لم يكن هذه السلطنة بعنوان كونها من طرف المالك؛ بحيث كان نائبا عنه بجعله القصدي، بل توكيله القصدي ليس إلّا في خصوص العقد، و لكنّ السلطنة على البيع من قبيل لوازم الماهيّة بالنسبة إلى السلطنة على العقد بالوكالة، كوجوب المقدّمة بالنسبة إلى إيجاب ذيها، فحينئذ إذا ثبتت وكالته في العقد بما هو سبب للبيع و علّة له، و أوقع العقد الموجب لوقوع البيع، يصدق عليه أنّه بيع، و أنّه ممّن قام به البيع و لو بإيجاد علّته، كالإحراق بالنسبة إلى الإلقاء في النار.
نعم؛ الفرق بين هذا القسم و ما إذا كان وكيلا في أصل البيع أنّه في الثاني يصدق على المالك أنّه أوقع البيع تسبيبا حقيقة و مباشرة ببدنه التنزيلي، و يصدق على الوكيل أنّه أوقع البيع بما هو البيع بما هو وكيل فيه.
و في الأوّل لا صدق على المالك أنّه أوقع البيع مباشرة ببدنه التنزيلي في
1) المكاسب: 5/ 28 و 29.
ص: 283
أصل البيع، بل إنّما صدق عليه أنّه أوقع البيع مباشرة ببدنه التنزيلي في إيجاد سببه و هو العقد، و هذا الفرق ليس بفارق حقيقة بعد اشتراكهما في صدق البيع على الوكيل في كليهما.
فالحاصل؛ أنّه لا وجه لمنع صدق «البيّع» على الوكيل، هكذا أفاد دام ظلّه.
و لكن يمكن الدعوى بأنّ ظاهر لفظ «البيّع» لا يشمل من كان وكيلا في مجرّد إجراء الصيغة، و مسلّطا على مجرّد ذلك، إذ العقد بما هو عقد و إن كانت علّة تامّة لوقوع البيع في الخارج، و لكن لفظ البيع ظاهر أو منصرف إلى من كان بيده المعاوضة و الإعطاء و الأخذ.
و الفرق بينهما؛ إذا كان وكيلا في البيع و المقام هو أنّ الاعتبار العرفي بحسب المقامين يختلف، فإنّه فيما نحن فيه إذا كان له السلطنة في مجرّد إجراء الصيغة نحو اعتباره أنّه وكيل من قبل المالك لإيجاد السبب و المقتضي لأن يضاف البيع إلى المالك بلا واسطة اتّصاله بنائبه، بخلاف ما إذا كان وكيلا في البيع أيضا، فإنّ نحو اعتباره أنّه مسلّط من قبل المالك لأن يتّصل البيع إلى نفسه بما هو المالك الشرطي لأن يتّصل بالمالك الحقيقي بواسطة.
و بعبارة اخرى؛ الظاهر من «البيّع» على ما يساعد عليه العرف من له البيع، إمّا تسبيبا أو مباشرة، و هذا المعنى لا يتحقّق فيما إذا كان وكيلا في مجرّد إجراء العقد، فإنّ العقد- على فرض عليّته- يوجب تحقّق البيع في الخارج مضافا إلى المالك، و متّصلا به بلا واسطة، لا إلى الوكيل بما هو مالك تنزيلا، كما لا يخفى.
و أمّا الوجه الثاني في الّذي أفاده شيخنا قدّس سرّه لعدم ثبوت الخيار للوكيل الّذي
ص: 284
استدلّ به لعدمه في القسم الآتي أيضا.
و حاصل مراده؛ أنّ أدلّة الخيار تقتضي ثبوت الخيار في مورد يكون الشخص مسلّطا على التصرّف في العوض الّذي انتقل إليه، حتّى يمكنه نقله إلى الطرف بالفسخ أو بغيره، و المقام ليس كذلك، إذ المفروض عدم سلطنته إلّا على مجرّد العقد و الصيغة (1).
و بهذا الوجه أيضا يستدلّ لعدم الخيار في القسم الثاني، و هو ما إذا كان وكيلا في البيع من دون أن يكون وكيلا في المال، على نحو يكون له التصرّف فيه بعد البيع (2).
ففيه؛ أنّ المسلّم من أدلّة ثبوته لمن كان له السلطنة على العقد و إيجاده أو إعدامه بما هو البيع، و طن لم يكن له السلطنة على نفس المال بقلبه و انقلابه، إذ كما سيأتي في محلّه أنّ الخيار من آثار نفس العقد لا المال المبيع و السلطنة عليه، فحينئذ إذا صدق العقد المشتمل على البيع و سبب له فيكفي لثبوت الخيار به، فتدبّر.
نعم؛ في الوجه الأوّل لا يثبت الخيار من جهة ما مرّ من عدم شمول البيع له، كما لا يخفى، لا من جهة عدم سلطنته على المال بعد البيع، إلّا إذا قلنا بأنّ دليل لزوم العقد هو عدم جواز التصرّف في المنتقل عنه، و لو بفسخ عقده و أنّ الفسخ من جهة كونه تصرّفا في المال و لو بواسطة انحلال العقد ينافي اللزوم.
يمكن تصحيح ما أفاد قدّس سرّه من أنّ دليل الخيار لا يثبت الخيار إلّا فيما إذا كان
ص: 285
الشخص قادرا و مسلّطا على ما انتقل إليه بجميع أنحاء التصرّفات الّتي منها نقله إلى الطرف بالفسخ (1).
و لكن قد مرّ أنّ الفسخ ليس تصرّفا في المال بوجه من الوجوه، و أنّه ليس إلّا حلّ العقد، و أنّ بعد الفسخ يرجع كلّ من المالين إلى مالكه الأوّل بسببه الأوّل، فالإنصاف عدم تماميّة هذا الوجه.
و أمّا الوجه الآخر الّذي أفاده قدّس سرّه، من أنّ ملاحظة حكمة الخيار تبعّد ثبوته للوكيل المذكور (2).
ففيه؛ أنّ الحكمة و إن اقتضت اختصاص الخيار بالمالك، و لكنّها مع ذلك ليست علّة حتّى يدور الحكم مدارها، بل حينئذ لا بدّ من اتباع ظهور اللفظ، و من المعلوم أنّ لفظة «البيّعان بالخيار» على فرض شمولها للمقام، لا قصور لها لأن يثبت الخيار فيه.
هذا كلّه حكم الوكيل في القسم الأوّل، فقد عرفت أنّ الوجه في عدم ثبوت الخيار له عدم شمول لفظ «البيّع» له، إذا كان وكيلا في مجرّد إجراء الصيغة من أمر زائد.
و أمّا الموكّلان في هذا القسم؛ فالّذي ينبغي أن يقال فيهما ثبوت الخيار لهما فيما إذا كانا حاضرين في مجلس العقد، و لا وجه لدعوى انصراف «البيّع» إلى العاقد المالك، فحينئذ تمام العبرة بالموكّلين في القضاء و خيار المجلس و بقائه، لا بالوكيلين.
ص: 286
و أمّا القسم الثاني؛ و هو الّذي ذكره الشيخ قدّس سرّه ثالث الأقسام (1)، و هو ما إذا كان الوكيل وكيلا في المال، بعنوان بيعه إلى الغير و أخذ بدله عنه.
و بعبارة اخرى؛ كان وكيلا في البيع و الإعطاء بعده بعنوان القبض و أخذ بدله، كأن يقال له: اشتر بهذا المال عبدا لي، فقد عرفت حكمه ممّا سبق، و أنّه لا مانع من ثبوت الخيار للوكيل، لكونه بيعا عرفا، و قد سمعت عدم تماميّة ما أفاده الشيخ رحمه اللّه في وجه عدم الخيار من قوله: إنّ أدلّة الخيار مسوقة لإفادة سلطنة كلّ من العاقدين- على ما نقل عنه- بعد الفراغ عن تمكّنه من ردّ ما انتقل إليه (2)، كما أنّ الظاهر ثبوت الخيار للموكّلين أيضا لشمول الإطلاق لهما.
و أمّا القسم الثالث، و هو ما إذا كان الوكيل تامّ السلطنة في المال، كعامل القراض و أولياء القاصرين، فله الخيار، لما ذكرنا من صدق البيّع لهما، و عدم الوجه لدعوى الانصراف إلى المالك، كما مرّ وجهه، و ليس الوجه في ثبوت الخيار كونه من قبيل المالك وكيلا في المال حتّى بعد العقد، حتّى يكون خياره من جهة وكالته في التصرّفات بعد العقد، لأنّ الخيار لا يكون ممّا هو القابل للنقل إلى الوكيل بالوكالة، فينحصر الوجه في ثبوته بما قدّمنا.
كما أنّه نظرا إلى صدق «البيّع» على المالك يثبت له الخيار أيضا إذا كان حاضرا في المجلس، و دعوى تبادر المتعاقدين من النصّ أيضا لا وجه له.
كما أنّ وجه ثبوته للمالك من جهة ثبوته للوكيل مع كونه نائبا عنه يستلزم ثبوته للمنوب عنه، كما يستفاد من كلام الشيخ رحمه اللّه (3)أيضا لا يخفى ما فيه، حيث
ص: 287
إنّ ثبوت الخيار للوكيل ليس من جهة نيابته، لأنّ الخيار ليس أمر وضعه و رفعه بيد المالك حتّى يمكن له أخذ النائب فيه، بل وجه ثبوته له من جهة صدق كونه بيعا و شمول الدليل الشرعي له، فبالنسبة إلى المالك لو لم يصدق عليه العنوان- أي «البيّع»- فلا وجه لثبوته له، و لو بنينا على شمول الدليل له و صدق العنوان عليه فلا ربط له بجهة الوكالة، كما لا يخفى.
و بالجملة؛ فالحقّ ثبوت الخيار للوكيل و الموكّل في كلا القسمين إذا كانا حاضرين، فتأمّل.
ثمّ إنّه لا إشكال في أنّ الخيار ثابت لكلّ واحد من البائع و المشتري، بمعنى أنّ لكلّ منهما إذا كانا أصيلين خيار مستقلّ لا ربط له بخيار الآخر، إذ قوله: «البيّعان بالخيار» بالنسبة إليه إلى البائع و المشتري من قبيل العموم السّرياني، فيثبت الحكم لكلّ منهما، كما هو الظاهر من كلّ حكم تعلّق على التثنية أو الجمع، فإنّه ظاهر في ثبوت ذلك الحكم لكلّ من الفردين أو الأفراد.
فحينئذ؛ إذا بادر أحدهما بالفسخ يزول أصل العقد، فلا يبقى خيار للآخر من جهة زوال موضوعه، كما أنّه إذا بادر أحدهما بإمضائه يصير العقد لازما من قبله، و يبقى خيار الآخر بحاله، فيصير العقد من قبله خياريا، و هذا ممّا لا إشكال فيه.
و إنّما الكلام في مورد اجتماع الوكيلين مع الموكّلين، بناء على ثبوت الخيار للجميع، فإنّه هل يثبت الخيار لكلّ من الوكيل و الموكّل من الطرفين، بحيث يكون لكلّ من الوكيل و الموكّل في كلّ طرف خيار مستقلّ برأسه، أو الخيار لكلّ من الطرفين ليس إلّا لنفس الطبيعة بما هي صرف وجود البائع
ص: 288
و صرف وجود المشتري، لا أن يكون لهما برأسه في قبل الموكّل؟ وجهان مبنيّان على أنّ المراد من «البيع» في كلّ طرف هل هي الطبيعة بوجودها الساري في أيّ فرد تحقّقت، حتّى يثبت لكلّ من الوكيل و الموكّل خيار مستقلّ في كلّ من الطرفين، أو المراد من «البيع» هو الطبيعة بما هو صرف الوجود من دون نظر إلى الأفراد؟
و الثمرة بين الوجهين أنّه على الوجه الأوّل يصير حكم كلّ من الوكيل و الموكّل حكم البائع و المشتري فيما إذا كانا أصليّين، فبفسخ كلّ واحد منهما يزول العقد، فلا يبقى موضوع لخيار الباقي، و بإمضاء كلّ واحد منهما لا يسقط الخيار عن الباقي، فيبقى له اختيار فسخ العقد و إمضائه.
و على الثاني؛ كلّ واحد من الوكيل و الموكّل إذا قام بإعمال الخيار فسخا أو إمضاء، لا يبقى مجال لخيار الآخر، لأنّ الفرض قيام الخيار لصرف وجود الطبيعة المنطبق على أوّل وجودها، فكلّ من الوكيل و الموكّل إذا بادر بإعمال الخيار يتحقّق به أوّل وجود الطبيعة، فلا يبقى مجال لإعمال الآخر أصلا، و لو أعمل الأوّل خياره بإمضاء العقد.
و الظاهر من الدليل و هو قوله: «البيّعان بالخيار» ثبوت الحكم و تعليقه بالنسبة إلى كلّ من البائع و المشتري على نفس الطبيعة و صرف وجودها، لا على الطبيعة السارية، فيتعيّن الوجه الثاني.
فحينئذ لو قام كلّ من الوكيل و الموكّل بإعمال الخيار بفسخ أحدهما و إمضاء الآخر، فلا بدّ من التساقط و عدم تقديم أحدهما، لعدم الترجيح، كما لا يخفى.
ص: 289
و من ذلك ظهر ما في إطلاق كلام شيخنا قدّس سرّه من أنّه كلّما سبق أحدهما بإعمال الخيار سقط عن الباقي بلزوم العقد أو بانفساخه (1)، إذ قد علمت أنّه لا يتمّ إلّا على الوجه الثاني، فتدبّر.
ثمّ إنّه هل هي العبرة في انقضاء الخيار بتفريق الوكيل و الموكّل كليهما عن مجلس العقد، أو العبرة بتفريق أحدهما، و إن بقي الآخر مع الطرف الآخر، أو العبرة بخصوص ذهاب الوكيلين و لو بذهاب أحدهما؟ أو بتفريق الموكّلين بالخصوص و لو بذهاب أحدهما وجوه.
و التحقيق أن يقال أيضا: إنّ المراد بالافتراق إن كان افتراق البيّعين بوجودهما الساري، بأنّ المراد افتراق البائع بتمام وجوده، و كذلك افتراق المشتري، فما دام بقاء واحد من الوكيل أو الموكّل من كلّ طرف مع بقاء واحد منهما من الطرف الآخر يبقى الخيار بحاله، لعدم صدق افتراق البيعين بوجودهما الساري، و صدق عدم افتراقهما الّذي جعل غاية لبقاء الخيار.
و إن كان المراد افتراق البيّعين أحدهما من الآخر بما هما صرف الطبيعة و صرف الوجود، فحينئذ لو كان انقضاء الخيار معلّقا على افتراقهما، فلازمه عدم انقضاء الخيار ما دام كان واحد من الوكيل أو الموكّل من أحد الطرفين باقيا مع واحد منهما من الطرف الآخر.
فلو ذهب الموكّل من كلّ طرف مع بقاء الوكيلين، أو ذهب الوكيلان مع بقاء الموكّلين، أو ذهب الوكيل من طرف مع الموكّل من طرف آخر لا ينقضي الخيار، فينحصر انقضاؤه بما إذا افترق كلّ من الوكيل و الموكّل من أحد الطرفين، سواء
1) المكاسب: 5/ 31.
ص: 290
كانا من الطرف الآخر باقيا أم لا، لما سيأتي من أنّه يكفي في صدق الافتراق ذهاب أحد الجانبين عن مجلس البيع.
و الوجه في ذلك؛ هو أنّ انقضاء الخيار إذا كان متعلّقا على افتراق طبيعة البائع عن طبيعة المشتري، فما دام الطبيعة باقية و لو في ضمن أحد الطرفين لم يصدق افتراق الطبيعتين عن الآخر، فيصير الحال كالقسم الأوّل.
و لكن التحقيق؛ أنّه بناء على كون حكم الانقضاء معلّقا على افتراق البائع عن المشتري بما هما صرف الطبيعة، تحقّق الافتراق بأوّل وجود ذهاب كلّ فرد من أحد الطرفين، لأنّ الفرض صدق الطبيعة بما هي صرف الوجود بأوّل وجودها، فإذا ذهب الوكيل أو الموكّل من أحد الطرفين يصدق افتراق طبيعة التعيين، كما هو ظاهر.
و أمّا لو كان الحكم ببقاء الخيار معلّقا على عدم افتراقهما، فالظاهر بقاء الخيار ما دام بقاء واحد من الوكيل أو الموكّل من كلّ طرف، مع بقاء كلّ منها من الطرف الآخر، إذ عدم افتراق أحد الطبيعتين عن الآخر صادق، و لو ببقاء فرد من أحد الطرفين مع بقاء فرد من الطرف الآخر، فيصير حكمه حكم الطبيعة السارية.
و حيث إنّ الحكم علق على عدم الافتراق، فالتحقيق الوجه الأخير، فما دام بقاء واحد من الطرفين مع بقاء الآخر من الطرف الآخر، يكون الخيار ثابتا للباقي.
لا يقال: إنّه و إن كان الموضوع في الحكم بالخيار هو عدم الافتراق، و لكنّه قد علق في ذيل الخبر بانقضائه على الافتراق، بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «فإذا افترقا وجب
ص: 291
البيع» (1)و هو كما مرّ يتحقّق بأوّل وجود الطبيعة، فهو قرينة على أنّ المراد من قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما لم يفترقا» ليس بيان أنّ الحكم معلّق على عنوان عدم الافتراق بما هو هذا العنوان، بل تمام المناط في البقاء و الانقضاء هو صدق الافتراق و عدم صدقه، و إنّما عبر عمّا هو المناط بذلك، لكون صدق عدم الافتراق غالبا ملازما لعدم صدق الافتراق.
لأنّا نقول: الظاهر أنّ الأمر في المقام عكس ذلك، و أنّ عدم الافتراق قرينة التصرّف في الافتراق، إذ قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «فإذا افترقا وجب البيع» ليس إلّا تفريعا بما هو مفهوم قوله: «هما بالخيار ما لم يفترقا» فهو تابع له في المدلول، لا أنّه أمر مستقلّ في قباله، فما هو تمام الموضوع هو قوله: «ما لم يفترقا».
و قد مرّ أنّ صدق ذلك لا يمكن إلّا بأن لم يبق أحد من الوكيل و الموكّل من كلّ واحد من الطرفين.
و إن شئت قلت: القضيّة من قبيل معدولة المحمول، لا من قبيل السالبة الكليّة، حتّى تكون نقيضها الموجبة الجزئيّة، فيرتفع بأوّل وجود الافتراق.
و معنى كونها معدولة المحمول أنّ الخيار لطبيعة البائع بما هو صرف الطبيعة الصادقة فيه أنّه الغير المفترق عن طبيعة المشتري بما هو صرف، و صدق كون البائع بما هو البائع لم يفترق عن المشتري يدور مدار بقاء الطبيعة بحالها، و لو في ضمن فرد منه، كما هو ظاهر.
و من ذلك علم أنّ نظر الشيخ رحمه اللّه من قوله: يكون الخيار باقيا و لو بقي واحد
1) وسائل الشيعة: 18/ 9 الحديث 23021.
ص: 292
من أحد الطرفين مع واحد من الطرف الآخر (1)لعلّه إلى ما ذكرناه.
فلا وجه لما أورد عليه الاستاد من أنّ تمامية قوله مبنيّ على أن يكون المراد من البائع العموم الساري، و من المشتري أيضا كذلك، و يكون المراد حينئذ عموم السلب لا سلب العموم، أو يكون عدم الافتراق كناية عن الاجتماع، يعني الطبيعتين بما هما طبيعتا الصادق، مع بقاء فرد من كلّ طرف.
و هذان الاحتمالان كلاهما خلاف الظاهر، بل الظاهر من تعلّق الحكم على عنوان عدم الافتراق أنّه بما هو هذا العنوان تمام الموضوع، و أنّ المراد من البائع و المشتري أيضا هو الطبيعة، فيكون بقاء الخيار ما دام لم يتحقّق افتراق أحد الطبيعتين من الآخر، و نقيض ذلك تحقّق الافتراق من أحد الجانبين بأوّل وجوده، و مع صدق النقيض لا يمكن صدق عدم الافتراق، و إلّا يلزم اجتماع النقيضين، و هو بديهي البطلان، توضيح الدفع قد ظهر ممّا ذكرنا فلا تحتاج إلى التكرار، فالتحقيق ما أفاده الشيخ قدّس سرّه كما لا يخفى.
ثمّ إنّه لو بنينا على عدم الخيار للوكيل، و قلنا بالخيار للموكّل، فهل يجوز أن يفوّض الموكّل إليه الخيار أم لا؟
قال الشيخ قدّس سرّه: الأقوى العدم، إذ المتيقّن من دليل ثبوت الخيار للعاقد في صورة القول به عند العقد، لا لحوقه به بعده.
نعم؛ يمكن توكيله في الفسخ أو في مطلق التصرّف فسخا أو التزاما (2).
ص: 293
أقول: مراده من تفويض الخيار ليس تفويضه بالنقل بعنوان المصالحة عليه و نحوه، و إلّا لا اختصاص لذكر الوكيل في ذلك، فإنّه لو قلنا بأنّ خيار المجلس من الحقوق القابلة للنقل، فيجوز نقله إلى كلّ أحد بأحد الأسباب الناقلة.
و إن بني أنّه من الحقوق القائمة بعنوان خاصّ لكونه بائعا بما هو بائع، فلا يجوز نقله إلى أحد أصلا، و أمّا توريثه فمن جهة كون الوارث قائما مقام المورث، فحينئذ فالمراد من تفويضه إلى الوكيل أن يجعل الوكيل ذا خيار، و ذا حقّ خياري، بأن يكون المراد أنّه بقوله: إن ما جعله الشارع لي فهو لك، فيثبت له الخيار بقوله: «البيّعان بالخيار» سواء فوّض الأمر إليه قبل العقد أو بعده.
و على هذا نقول: الأقوى العدم، لعدم إثبات دليل الخيار إلّا بعنوان البيّع، فإذا منعنا صدق هذا العنوان المتوقّف على كون الشخص مسلّطا على العين حين العقد بجميع أنحاء السلطنة على الوكيل، فلا يمكن إثبات ذلك لغير هذا الموضوع.
هذا تمام الكلام في الوكيل.
و هل يثبت الخيار للفضولي أم لا؟ بنى شيخنا قدّس سرّه على عدم ثبوته له، و لكن لا من جهة عدم صدق البيّع على الفضولي، لأنّ البيع بمعنى النقل العرفي، و هو صادق عليه، بل من جهة فحوى ما سمعت من عدم ثبوته للوكيلين الغير المستقلّين (1).
1) المكاسب: 5/ 33.
ص: 294
أقول: إنّه قدّس سرّه سلّم أنّ البيع العرفي يصدق على البيع الفضولي، و إن لم يصدق عليه البيع الشرعي، فحينئذ نقول: إنّ المراد من صدق البيع عرفا لا شرعا إمّا أن يكون المراد أنّ الشارع خطّأهم في المصداق، بمعنى أنّ العرف و الشرع كانا موافقين فيما هو مفهوم البيع، و فيما هو مصداقه الواقعي، فما هو المصداق للبيع حقيقة لا يكون مختلفا بحسب الأشخاص و الأنظار، و لكن العرف لما كان غير محيط بجميع الخصوصيّات الواقعيّة فربّما يخطأ نظره الطريقي، فما ليس مصداقا للبيع يتوهّم أنّه مصداقه له، كالسراب الّذي يحسبه الضّمان ماء، مع كون المفهوم من الماء و مصداقه متّحدا عند الجميع، فيكون من قبيل الخطأ في المصداق، و لكن الشارع العالم بالواقع و خطأ العرف يخطّأهم و يقول: إنّه ليس ببيع، يعني ليس بيعا حتّى ما هو بنظرهم بيع، فالمراد أنّه بيع عرفا بتخيّل البيع، لا أنّه بيع واقعي عرفي.
فيرد عليه؛ أنّ لفظ «البيع» ليس موضوعا للبيع التخيّلي، بل اسم للبيع الواقعي، كما هو شأن جميع الألفاظ، فإنّها اسم للمعاني الواقعية النفس الأمرية، فبناء على كون المراد من كون بيع الفضولي بيعا بتخيّل العرف، و إن لم يكن بيعا واقعيّا فلا مجال لأن يقال: يصدق «البيّع» على البائع الفضولي قطعا، لأنّ «البيّع» اسم لمن قام به الحقيقي.
فهذا الاحتمال لا يمكن تصحيحه بوجه أصلا، مضافا إلى أنّ الشيخ قدّس سرّه في موارد عدم إمضاء الشرع للبيوع العرفية لا يقول برجوع عدم الإمضاء إلى التخطئة، بل بناؤه على أنّه راجع إلى أنّ ما هو مصداق للبيع عند الشارع، غير ما هو مصداق للبيع عند العرف، مع كون ما هو مصداق عندهم بيعا حقيقيا عندهم، حتّى بنظر الشارع.
ص: 295
و هذا هو التحقيق، كما سيجيء في محلّه من أنّ البيع من الامور الاعتبارية، يختلف باختلاف الأنظار و الاعتبارات، فالنظر يكون تمام الموضوع فيما هو بيع عند كلّ طائفة، و إن كان الجميع متّفقين فيما هو مفهوم البيع، و أنّه من قبيل النقل، و لكنّهم يختلفون في المصداق، كما لا يخفى.
و إن كان المراد من كونه بيعا عرفا هو أنّ البيع الفضولي بيع واقعي عرفي، و إنّما هو البيع الحقيقي عرفا ينطبق على الفضولي واقعا، و معنى عدم كونه بيعا عند الشارع حينئذ أنّه ليس ما هو مصداق للبيع الشرعي، بمعنى أنّ مفهوم البيع عند الشرع و العرف و إن كان واحدا، و لكنّ ما هو مصداق لذلك المفهوم عند الشارع و في نظره شيء غير ما هو مصداق حقيقي لذلك في نظر العرف.
كما نرى بالوجدان اختلاف الطوائف في الامور الاعتباريّة التي يكون موجودة لهم، مع اتّفاقهم في أصل ما هو الجامع بين تلك الامور، مثلا؛ مع أنّهم متّفقون في مفهوم التعظيم الّذي من الامور القصدية، نرى أنّ مصداقه عند طائفة رفع القلنسوة عن الرأس، و عند اخرى بحركة اليد، و عند ثالثة بشيء آخر، فهكذا البيع بحسب العرف و الشرع، في موارد لم يمض الشارع يكون من هذا القبيل.
فحينئذ نقول: إمّا أن يكون المراد من كون بيع الفضولي بيعا عند العرف أنّه بيع عند عامّتهم، بمعنى أنّ ما هو البيع عند عامتهم ينطبق على الفضولي و إن لم ينطبق عليه البيع الشرعي.
ففيه؛ أنّ البيع الفضولي الشرعي على قسمين:
أحدهما؛ أنّ الفضولي الّذي يوقع البيع كان في نظر العرف ممّن له السلطنة
ص: 296
التامّة على المال، بأن يراه العرف مالكا فعليّا للمال بأحد الأسباب الّتي تكون في نظرهم مملّكا، كما إذا كان المال تحت سلطانه بالقمار أو بالسرقة أو بنهب أو بأخذه عن المالك بعنوان العشور، و نحو ذلك الّتي كانت في نظر العرف موجبا لحكمهم بكونه هو المالك و إن لم يكن مالكا شرعا.
و ثانيهما؛ أنّه مع كونه فضولا شرعا كان في نظرهم أيضا فضولا، كما إذا لم تكن له سلطنة على المال أصلا، بل كان عند مالكه بحيث لا يمكن لهذا الفضول التوجّه إلى هذا المال، فكيف بالتصرّف فيه؟!
ففي القسم الأوّل؛ إذا باع الفضول و قصد النقل، يصدق عليه أنّه بيّع، و عليه بيعه و أنّه بيع عرفي بلا إشكال، و لكن في الثاني لا يصدق عليه أنّه بيّع عند العرف أصلا، فإنّه كما في القسم الأوّل من جهة كون العاقد فضوليّا عند الشارع لا يصدق عليه أنّه بيّع شرعا، فكذلك في القسم الثاني يكون العاقد في نظر العرف أيضا فضولا، فإنّ لهم أيضا بيع فضولي و غير فضولي، فلا يصدق عليه أنّه بيع عند العرف أصلا، فلا وجه لإطلاق كلام الشيخ قدّس سرّه من كون بيع الفضولي بيعا و نقلا عرفا (1).
و إمّا أن يكون المراد من صدق البيع عرفا أنّ البيع الفضولي لما كان بنظر الفضول بيعا و نقلا فإنّه ينشأ التمليك بعنوان النقل الخارجي، و بقصد أن يتحقّق النقل و البيع بنفس هذا الإنشاء، فيكون إنشاؤه بحسب نظره بيعا حقيقة؛ إذ قد مرّ أنّ البيع على حسب ما هو مصداقه يختلف باختلاف الأنظار.
فإذا صار بيع الفضولي بنظره بيعا حقيقة فيصدق عليه مفهوم البيع عرفا،
1) المكاسب: 5/ 33.
ص: 297
يعني أنّ العرف يعتقد أنّ هذا بيع حقيقة عند الفضولي، فيكون المراد من الصدق عرفا أنّه بعد الفراغ عن كونه بيعا بحسب اعتقاد الفضولي، و أنّه بنظره أوجد النقل، فيصدق عليه مفهوم البيع عند العرف؛ لعدم اختلاف المفهوم بحسب الأنظار، فالمراد من صدق البيع عرفا صدق المفهوم حقيقة بنظر العاقد و لو لم يصدق في نظرهم.
فحينئذ يرد عليه؛ أنّه لا يختصّ الصدق حينئذ بالعرف، فإنّ مفهوم البيع إذا بنينا على عدم الاختلاف فيه بحسب الأنظار، و إنّما الاختلاف في المحقّقات و المصاديق، فكما أنّ العرف يصدّق كون البيع المذكور بيعا حقيقة، فكذلك الشارع يصدّق بذلك، فلا وجه لاختصاص العرف بذلك.
مضافا إلى أنّ المراد من البيع الوارد في النصّ هو من يصدق عليه أنّه البيع العرفي، فحينئذ يختصّ مورده بمن يكون فضولا شرعا، مع كونه في نظر العرف مسلّطا على المال بجميع أنحاء السلطنة، فعدم ثبوت الخيار للفضولي الّذي لا يكون مسلّطا على المال في نظرهم لعدم صدق البيع عليه.
و أمّا في الفضولي المسلّط؛ فلو قلنا بعدم ثبوت الخيار له فلا بدّ أن يكون من جهة ما قلنا من كون حكمة الخيار هو الإرفاق على المالك، أو أنّ أدلّته ظاهرة في ثبوته لمن كان له السلطنة على ردّ العين و نقلها و لو بالفسخ بعد العقد، و هو منفيّ في المقام، و لكن قد تقدّم عدم تماميّة ذلك.
فالحقّ أن يقال بثبوت الخيار للفضولي مع صدق «البيّع» عليه عرفا، و على هذا إذا أجاز المالك، فإن قلنا بكون الإجازة ناقلة فخيار الفضول من حين الإجازة، لتماميّة البيع بها، و إن قلنا بكونها كاشفة فيثبت الخيار من حين العقد؛
ص: 298
لكون البيع متحقّقا وقوعه و مؤثرا في الملكيّة، فحينئذ يكون المدار على التصرّف و الاجتماع هو مجلس الإجازة؛ إذ هو من حين الإجازة يصير بيعا لا حين العقد، و الحكم ببقاء الخيار و انقضائه بالافتراق و عدمه متعلّق بالبيع، فمن حين صيرورته بيعا يصير الافتراق و الاجتماع موضوعا للحكم، كما لا يخفى.
اللهمّ إلّا أن يدّعى بانصراف النصّ إلى العاقد عند العقد، أو أنّه هو القدر المتيقّن الّذي يثبت له الخيار، لا لحوقه بعد وقوع العقد.
و فيه؛ أنّ المراد بالعقد ليس إلّا البيع بما هو بيع، و المفروض كونه معلّقا على الإجازة، و قبلها ليس عقدا بما هو بيع؛ لأنّ الكلام بناء على كون الإجازة ناقلة، و أمّا بناء على الكشف، فالمدار حينئذ هو مجلس العقد، لا مجلس الإجازة، لأنّ الفرض صيرورة الفضول بيعا بنفس العقد لتحقّق البيع به، فيدور بقاء خياره و انقضائه على الافتراق من هذا المجلس و عدم تفرقه.
هذا كلّه هو الكلام في الفضولي، و أمّا المالك؛ فهل يثبت له الخيار بعد الإجازة أم لا؟
قال الشيخ قدّس سرّه: فيه وجه مع حضور المالك في مجلس العقد، و اعتبار مجلس الإجازة على القول بالنقل فيه وجه (1).
و تحقيق المقال في هذا المقام أنّه لما كان في باب الإجازة مسلكان:
أحدهما؛ ما سلكه الشيخ قدّس سرّه من أنّ الإجازة ليست اعتبارها من جهة أن يصير العقد بالإجازة عقد المالك و يصير مضافا إليه، بل وجه اعتبار الإجازة ليس إلّا من جهة أنّه لو لا الإجازة يلزم التصرّف في مال المالك بلا رضاه، فاعتبارها
1) المكاسب: 5/ 33.
ص: 299
ليس إلّا من جهة أن يتحقّق الرضا بعقد الفضول، فيكون العقد باقيا على عدم انتسابه إلى المالك، غاية الأمر إذا تحقّق الرضا من مالك فيؤثّر ذلك الغير المنسوب إلى المالك (1).
و ثانيهما؛ مسلك المشهور من كون اعتبار الإجازة، لأنّ العقد عقد المالك يكون منسوبا إليه، و أنّ معنى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ: أوفوا بعقودكم.
فحينئذ أمّا على المسلك الأوّل؛ فلا وجه لثبوت الخيار للمالك أصلا، لا بناء على النقل و لا على الكشف، لأنّ الفرض أنّ اعتبار الإجازة من المالك ليس إلّا من جهة كون الرضا شرطا لتأثّر العقد، من دون أن يصير العقد عقده، أو أن يكون هو البائع، فيكون رضا المالك مثل رضا المرتهن في صحة بيع العين المرهونة من دون انتساب البيع إليه كما لا يخفى.
فظهر من ذلك أنّه لا وجه لقول الشيخ قدّس سرّه ما سمعت.
و أمّا على المسلك الثاني؛ فلا بدّ من القول بثبوت الخيار للمالك المجيز، ضرورة أنّه عليه بالإجازة يصير البيع بيعه، فهو فحينئذ على النقل يثبت له الخيار من حين الإجازة، و المدار على مجلس الإجازة اجتماعا و افتراقا، كما هو ظاهر.
و أمّا بناء على الكشف؛ فالمدار على مجلس العقد، إذ هو من حين وقوع العقد كان بيعا بالإجازة المتأخرة، كما لا يخفى.
و أمّا ما في كلام شيخنا قدّس سرّه من احتمال كون الإجازة التزاما من المجيز بالعقد فلا خيار أصلا (2)، ففيه؛ أنّ الإجازة رضا بحدوث العقد، و مسقط الخيار
ص: 300
الرضا ببقاء العقد، فلا يكون مطلق الإجازة التزاما بالعقد بقاء أو حدوثا، كما لا يخفى، و لعلّه أمره بالتأمّل إشارة إلى ما ذكرنا.
ثمّ إنّه في مورد يثبت الخيار للوكيل، لو مات الوكيل في المجلس و لم يكن الموكّل ذا الخيار من جهة عدم حضوره في المجلس، فهل ينتقل إلى الموكّل، أو إلى وارث الوكيل، أو يسقط رأسا؟ وجوه:
يمكن أن يقال: إنّه ينتقل إلى الموكّل من جهة أنّ جعل حقّ الخيار حقيقة إرفاق له؛ لإمكان استرجاع ماله إذا ندم، فإذا كانت العلّة ذلك فلا بدّ أن ينتقل الخيار إليه.
و يمكن أن يقال بانتقاله إلى الوارث بمقتضى كونه حقّا للوكيل، فيكون من تركته بعد موته، فينتقل إلى وارثه بمقتضى عموم دليل الإرث.
و يمكن القول بسقوطه و عدم انتقاله إلى الموكّل و لا إلى الوارث.
أمّا عدم انتقاله إلى الموكّل؛ فلأنّ الإرفاق على فرض كونه ممّا له دخل في ثبوت الخيار للمالك ليست علّة تامّة حتّى يدور ثبوته مداره، بل هو المقتضي له إذا كان بيّعا و مجتمعا مع المشتري حين البيع، و المفروض أنّه غائب حينه، و لذا لم يثبت له الخيار من أوّل الأمر في قبال الوكيل.
و أمّا عدم انتقاله إلى الوارث؛ للشكّ في عموم دليل الإرث بالنسبة إلى ما نحن فيه، لاحتمال أن يكون جعل الخيار للوكيل مشروطا بكونه مباشرا في الإعمال في الفسخ أو الإمضاء، فلا يكون ممّا تركه الميّت أصلا؛ لانتفاء الموضوع، كما لو جعل الخيار للأجنبي مشروطا كونه مباشرا في إعماله.
و كلام الشيخ قدّس سرّه في ذلك مختلف بحسب المقامات، ففي مسألة إرث
ص: 301
الزوجة الخيار و عدمه في غير المنقول علّل عدم ثبوت الخيار لها أوّلا بأنّها لما لم تكن مسلّطة على ردّ العين و لو بالإقالة، فليس لها الخيار أيضا، لأنّ الخيار على ما يستفاد من أدلّته يثبت لمن كان له السلطنة على العين في ردّها بعد الفراغ، و الزوجة ليست كذلك، كما أنّه علّل بذلك في المقام؛ لعدم ثبوت الخيار للوكيل الغير المستقلّ (1).
و من المعلوم أنّ مقتضى هذا التعليل عدم ثبوت الخيار في ما نحن فيه للوارث.
و في مسألة ما إذا جعل المتبايعان الخيار للأجنبي فمات علّل عدم انتقال الخيار إلى الوارث بأنّه يرجع إلى جعل الخيار له بقيد كونه مباشرا في إعماله، فإذا مات يسقط الخيار بزوال موضوعه (2)، و من الواضح أيضا أنّ مقتضى ذلك في المقام سقوط الخيار بموت الوكيل؛ لأنّ وكالته في الردّ و الإمضاء كانت مختصّة به بما هو مباشر.
و لكن التحقيق أن يقال: إنّ الوكيل إذا مات لا ينتقل خياره إلى الموكّل؛ لأنّ الإرفاق على فرض كونه علّة لجعل الخيار للمالك يختصّ بما إذا كان هو «البيّع» مع كونه حاضرا في المجلس، و ما نحن فيه ليس كذلك، إذ الفرض عدم جعل الخيار له من حيث كونه بيّعا و حاضرا في مجلس العقد، و لا دليل على انتقاله من الوكيل بما هو بيع إلى الموكّل؛ فحينئذ لا بدّ إمّا من القول بسقوطه، أو انتقاله إلى الوارث، و حيث إنّ ثبوته له لم يكن إلّا من جهة كونه بيعا من دون النظر
ص: 302
إلى كونه بنفسه مباشرا في الإعمال فالحقّ انتقاله إلى الوارث بعد موته، فتأمّل.
مسألة: إذا كان العاقد واحدا، إمّا بأن يكون وكيلا من الطرفين، أو كان وكيلا من المشتري، فباع عن نفسه أو العكس، سواء كان وكالته بعنوان الولاية أو الوكالة المحضة، ففي الصورة الاولى إذا كان الموكّلان حاضرين في المجلس، فبناء على مبنى الشيخ قدّس سرّه في انقضاء الخيار بتفرّق الجميع (1)، فمجرّد تفرّقهما لا يسقط الخيار لو بنينا على ثبوت الخيار للوكيل من الطرفين؛ بعدم حصول الفرقة التامّة؛ لبقاء اجتماع البائع مع المشتري عند بقاء الوكيل من الطرفين.
و أمّا إذا لم يكونا حاضرين كما هو ظاهر عنوان الشيخ قدّس سرّه (2)، فهل يثبت خيار المجلس لهذا العاقد من الطرفين، فينحصر سقوطه بأحد مسقطات الخيار غير التفرّق أم لا يثبت له الخيار؟ وجهان:
أمّا وجه عدم ثبوته أن يقال: إنّ ظاهر قوله: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» اعتبار التعدّد في الموضوع المجعول له الخيار من جهتين:
أحدهما؛ قوله: «البيّعان» فإنّه ظاهر في كون البائع غير المشتري.
ثانيهما؛ جعل الغاية التفرّق، فلا بدّ أن يكون الموضوع ما له شأنية ذلك، و إلّا لا معنى لجعل التفرّق غاية.
و أمّا وجه ثبوته؛ أن يقال: لصدق البائع و المشتري عليه، فله ما لكلّ من البائع و المشتري من الأحكام، و منها الخيار، و التعبير عن البائع و المشتري بقوله:
ص: 303
«البيّعان» لبيان تعدّد الموضوع و لو من حيث الاعتبار، فيثبت لهما حكمهما، و جعل الافتراق غاية يمكن أن يكون بالنسبة إلى ما يمكن فيه الافتراق، فيكون موجبا لانقضاء الخيار بذلك فيما يمكن فيه الافتراق، لا اختصاص أصل الخيار بذلك المورد.
و التحقيق أن يقال: إنّ الغاية لو كانت غاية للموضوع و قيدا له، بمعنى كون الموضوع الّذي يثبت خيار البيّعين الغير المفترقين فلازمه ثبوت الخيار في المقام؛ لأنّ الفرض أنّه على هذا لا تقييد في الحكم، فيرجع الكلام إلى أنّ البيّعين ما لم يفترقا و لم يحصل لهما صفة الافتراق فلهما الخيار، و لو من جهة عدم تعقّل افتراق.
و إن كان غاية للحكم؛ بأن يكون المعنى أنّ الخيار ثابت إلى زمان الافتراق، فالظاهر عدم ثبوت الخيار، لأنّ تقييد الحكم بوصف كان من صفات الموضوع ظاهر في أنّ هذا الوصف ممّا تحقّقه فيه، و إلّا لا معنى للتقييد.
فإذا فرضنا كونه ظاهرا في الاختصاص بمثل ذلك الموضوع الّذي يمكن تحقيق هذا الوصف فيه فليس لنا دليل على التعميم بالنسبة إلى ما نحن فيه، و الظاهر من قوله: «البيّعان بالخيار» .. إلى آخره كون الغاية غاية للحكم، فيتعيّن الثاني، و لو فرض الشمول أيضا فمقتضى الشكّ في أصالة اللزوم في العقد هو عدم ثبوت الخيار، كما لا يخفى.
مسألة: قد يستثنى من عموم خيار المجلس بعض أشخاص المبيع.
منها؛ ما إذا كان ممّن ينعتق على المشتري أو الثمن على البائع، و المشهور
ص: 304
كما قيل (1)عدم ثبوت الخيار فيه مطلقا بالنسبة إلى العين و القيمة.
و الكلام في المقام لا بدّ و أن يكون بعد الفراغ عن حصول العتق بمجرّد الملكيّة سواء كان المتبايعان عالمين بكون المبيع ممن ينعتق أم لا، فإنّه لا إشكال في حصول العتق بمجرّد الملكيّة و العقد، كما أنّه لا بدّ أن يكون البحث بعد البناء على حصول الملك في زمن الخيار، كما هو المشهور، و إلّا فلو بني على العدم- كما هو مذهب الشيخ (2)- فلا وجه لسقوط الخيار؛ لعدم تحقّق عتق حتّى يكون مانعا عن بقاء الخيار، كما أنّه لو بنينا على أن العتق أيضا موقوف على انقضاء الخيار فلا وجه أيضا لسقوطه، و الظاهر عدم قائل بالثاني، بل الكلّ متّفقون على حصول العتق بمجرّد الملكية.
فحينئذ نقول: الكلام من جهتين يقع في المقام:
الاولى؛ في عدم ثبوت الخيار بالنسبة إلى استرجاع العين إلى مالكه.
و الثانية؛ في أنّه هل يسقط الخيار رأسا حتّى بالنسبة إلى القيمة أم لا؟
أمّا الكلام في الجهة الاولى؛ فقد أذعن الشيخ قدّس سرّه أنّه لا إشكال في عدم ثبوت الخيار بالنسبة إلى نفس العين (3)، و هذه الدعوى منه إمّا بحسب القول أو الدليل، فإن كان المراد عدم الإشكال بحسب الأقوال و الظاهر أنّه في محلّه،
ص: 305
حيث إنّ التفصيل المنقول عن بعض من أنّ الخيار و العتق إمّا مترتبان على العقد أو على الملك، أو الأوّل بالأوّل و الثاني بالثاني أو بالعكس (1)ليس في مقام إثبات الخيار في أصل العين، بل من القريب أن يكون في مقام إثبات الخيار بالنسبة إلى القيمة.
و بالجملة؛ فينبغي التأمّل في كلام الشيخ قدّس سرّه.
و أمّا عدم الإشكال بحسب الدليل؛ فنقول: هنا دليلان من الطرفين:
أحدهما عموم «البيّعان بالخيار» و نحوه، الدالّ على ثبوت الخيار في استرجاع العين للمتبايعين مطلقا.
و الآخر الأدلّة الدالّة على أنّ الحرّ لا يعود رقّا، و هو أيضا مطلق، فإن بنينا على أنّ مفاد ما يدلّ على عدم عود الحرّ رقّا أن المملوك إذا صار حرّا فهو الموجب لأن يصير حرّيته منجزة، غير قابلة للعود إلى المالكية، فلو كان للغير فيه حقّ أن يتملّكه فالحريّة موجبة لزواله و سقوطه، فالدليل متكفّل لبيان عدم بقاء تزلزل في الملك بعد ما صار حرّا، فلو كان في بقيته تزلزل الحريّة يزيله، فحينئذ يقع التعارض بين دليل الخيار و تلك الأدلّة؛ إذ دليل الخيار يدلّ على أنّ للمشتري حقّ استرجاع عينه المبيعة مطلقا و لو صار حرّا، و هي تدلّ على أنّ الحرّ لا يعود، فليس للمشتري حقّ استرجاعه.
فلو قلنا: إنّ العتق و الخيار كلاهما يحصلان بالعقد، أو كلاهما يحصلان بالملك، فيقع التعارض بينهما في أصل حدوث الخيار، و إن قلنا: إنّ الخيار يحصل بالعقد، و العتق يحصل بالملك، أو بالعكس، فيقع التعارض بينهما في بقاء
1) لاحظ! مقابس الأنوار: 240، و المكاسب: 5/ 40.
ص: 306
الخيار بعد العتق في الأوّل، و في حدوث الخيار في الثاني.
فحينئذ؛ لو قلنا بتقديم دليل الحريّة من جهة كونه نصّا كما ادّعاه بعضهم (1)لكون الظاهر من قوله: الحرّ لا يعود رقّا الحكومة بالنسبة إلى دليل الخيار و ما شابهه، فلا بدّ من الالتزام بعدم ثبوت الخيار و سقوطه بالنسبة إلى العين في جميع فروض التفصيل السابق.
و أمّا لو لم نقل بالتقديم؛ بل بنينا على التساقط و إن كان ذلك خلاف الظاهر، فلا بدّ حينئذ من التفصيل بمقتضى الرجوع إلى الأصل؛ إذ لو بنينا على أنّ الخيار و العتق كلاهما يحصلان بالعقد أو بالملك، أو العتق بالعقد و الخيار بالملك، فمقتضى الأصل عدم تأثير الفسخ في الاسترجاع، للشكّ في ثبوت الخيار.
و إن بنينا على أنّ الخيار يحصل بالعقد، و العتق يحصل بالملك، ففي مرتبة حصول الخيار ليس عتق، فيثبت الخيار بلا مزاحم، فبعد صيرورة المبيع معتقا نشكّ في زوال الخيار، فمقتضى الأصل بقاؤه، فالتفصيل المنقول عن بعضهم يتمّ، و لكن بعد الفراغ عن عدم تقديم دليل «الحرّ لا يعود» على دليل الخيار، و وصلت النوبة إلى الأصل، و إلّا فلو قدّمناه عليه بمقتضى الحكومة فلا وجه للتفصيل أصلا.
و من ذلك ظهر أنّه لو بنينا على أنّ دليل العتق نصّ في عدم العود، لا مجال لما عن المفصّل، مع التزامه بذلك، كما لا يخفى.
1) المكاسب: 5/ 40.
ص: 307
و أمّا الكلام في الجهة الثانية، و هو ثبوت الخيار لهما في استرجاع القيمة و عدمه، فنقول: المتبايعان إمّا أن يعلما حين البيع بأنّه ممّن ينعتق على المشتري و على البائع و إمّا أن لا يعلما بذلك.
ففي صورة عدم العلم فحينئذ نقول: إمّا أن يبنى على أنّ الخيار حقّ متعلّق بالعين، و إمّا أنّه حقّ متعلّق بالعقد، فإن بنينا على الأوّل- كما هو مذهب الشيخ، قال قدّس سرّه: إنّه يعتبر في الفسخ بالخيار أو بالتقايل خروج العين عن ملك من انتقل إليه إلى ملك من انتقل عنه (1)- لم يكن وجه للخيار في ما نحن فيه، إذ برفع العقد بالفسخ لا يقبل المنعتق عليه لأن يخرج عن ملك المشتري إلى ملك البائع و لو تقديرا، لأنّ تملّك المشتري لمن ينعتق عليه ليس على وجه يترتّب عليه أثر سوى الانعتاق، فلا يجوز بعد الفسخ تقدير دخوله في ملك المشتري و خروجه منه إلى البائع ثمّ انعتاقه مضمونا على المشتري آنا ما.
و فيه؛ أن المقام ليس أشكل ممّا إذا تلف العين في يد المشتري بإتلافه أو إعتاقه عمدا، فإنّ العين إذا تلف في يد المشتري أو أعتقه عمدا، بعد بنائهم على أنّ الخيار لا يسقط، يلتزمون بأنّه آنا مّا قبل الفسخ يعتبر دخوله في ملك [المشتري] و منه إلى البائع، ثمّ تلفه مضمونا على المشتري.
مع أنّه لا معنى لاعتبار دخول العين التالفة في ملك أحد بعد تلفه؛ لعدم اعتبار الملكيّة بالنسبة إلى التالف، فلا بدّ أن يكون المراد اعتبار دخولها في ملك
1) المكاسب: 5/ 41.
ص: 308
المشتري بماليّته، و منه إلى ملك البائع ثمّ تلفه مضمونا على المشتري.
و هذا المعنى يمكن بعينه في المقام، لأنّ اعتبار دخول الحرّ في ملك المشتري لا يستلزم أن يصير الحرّ مملوكا له حقيقة، بل هذا الاعتبار بمجرّد تصحيح أن يصير ضمانه عليه، فهو كما لا مانع عنه في باب التلف و العتق العمدي فليكن كذلك في المقام، فلا مانع من الحكم ببقاء الخيار بالنسبة إلى القيمة و لو قلنا: إنّ الفسخ يوجب خروج المبيع عن ملك من انتقل إليه و دخوله في ملك من انتقل عنه، فتدبّر.
كما أنّه لا إشكال في ثبوت الخيار لو لم نقل بذلك، بل بنينا على أنّ مقتضى الفسخ ليس إلّا ردّ العين إن كان باقيا، بلا اعتبار دخوله آنا مّا قبل الفسخ في ملك من انتقل إليه ثمّ منه إلى البائع، و ردّ قيمتها و بدلها إن لم يكن باقيا أو لم يكن ردها، فإنّه على هذا مقتضى الجمع بين دليل الخيار المقتضي لردّ العين لو لم يمنع عنها مانع و ردّ ماليتها مع وجود المانع و بين دليل «الحرّ لا يعود رقّا»، هو ثبوت الخيار بالنسبة إلى ردّ القيمة و البدل، و الحكم بكون العتق بمنزلة تلف العين.
هذا كلّه بناء على كون الخيار حقّا متعلّقا بالعين، و أمّا بناء على كونه حقّا متعلّقا بالعقد- كما تقدّم- فلا إشكال في عدم سقوطه و بقائه، إذ الخيار على هذا ليس إلّا ملك فسخ العقد من دون نظر إلى العين أصلا، و أثر الفسخ أيضا ليس إلّا إزالة العلقة، و بعد زوال العلقة، العينان ترجعان إلى حالهما الأوّل بمقتضى الأولي إن لم يكن مانع في البين، و أمّا مع وجود المانع كالتلف أو الحريّة أو النقل إلى آخر بعقد لازم، فلا بدّ أن يقوم منها بدلها بمقتضى كونه مضمونا بالعوض، كما هو ظاهر.
ص: 309
هذا كلّه فيما إذا لم يكن المتبايعان عالمين بأنّه ينعتق، و أمّا إذا كانا عالمين بذلك، أو كان أحدهما عالما، فقد يقال بعدم ثبوت الخيار لهما في الأوّل، و لخصوص العالم به في الثاني.
و لو بنينا على الخيار بالنسبة إلى القيمة في الصورة السابقة، سواء قلنا بأنّ الخيار حقّ يتعلّق بالعين أو قلنا بكونه متعلّقا بالعقد، و ذلك لأنّ مع علمهما قد تواطئا و أقدما على إخراجه عن المالية الّذي بمنزلة إتلافه؛ إذ نقل العين مع العلم بالانعتاق إبطال لماليّتها و تفويت لمحلّ الخيار، فكان كتفويت نفس الخيار باشتراط سقوطه، فلم يبق حقّ بالنسبة إلى العقد أو العين حتّى يتعلّق ببدلها مع تعذّر ردّه على الثاني، أو يؤثّر في رجوع القيمة بعد الفسخ على الأوّل.
و قد صرّح بعضهم بارتفاع خيار البائع بإتلاف المبيع و نقله إلى من ينعتق عليه كالإتلاف له من حيث المالية، فدفع الخيار به، أولى و أهون من رفعه (1)، فتأمّل.
و فيه؛ أمّا بناء على كون الخيار حقّا متعلّقا بالعقد؛ فهذا الدليل على فرض تماميّته، و مع الغمض عمّا سيجيء، لا يثبت سقوطه و عدم ثبوته، إذ لا وجه لكون إقدامهما على هذه المعاملة مسقطا لحقّهما عن العقد و رضاهما ببقائه.
نعم؛ لو شرط العتق بعد العقد اختيارا فربّما يكشف ذلك عن رضاهما ببقائه، و يكون أوله إلى شرط السقوط، بخلاف ما إذا كان العتق قهرا عليهما فحينئذ لا مانع من بقاء خيارهما بالنسبة إلى العقد.
و أمّا بناء على كون الخيار حقّا متعلّقا بالعين ففيه؛ أنّا لا نسلّم أنّ مجرّد
1) المكاسب: 5/ 39 و 43، و انظر! مفتاح الكرامة: 4/ 599.
ص: 310
علمهما على خروج العين عن الماليّة بعد العقد إقدام منهما على إتلاف العين مطلقا، أي حتّى بماليّتها؛ إذ هما لم يقدما إلّا على البيع و الشراء، و هما ليسا إتلافا للعين و ماليتهما، لعدم قصدهما إلّا التمليك و التملّك، و الانعتاق حكم شرعي تعبّدي قهريّ لا ربط له بهما، بل لو قصدا الانعتاق بطل.
و تنظير المقام بسقوط الخيار بالإتلاف بعد العقد (1)ليس في محلّه؛ لأنّ الإتلاف بعنوان كونه كذلك لا يكون مسقطا للخيار، بل كلّ تصرّف كاشف عن الرضا بالبيع بعد تحقّقه و ثبوته موجب لسقوط الخيار.
و ما نحن فيه ليس كذلك؛ إذ ليس منهما إتلاف، و مجرّد التلف القهري لا دليل على كونه أيضا كاشفا عن الرضا ببقاء البيع، كما في التلف السماوي بعد البيع.
و الحاصل؛ أنّ البيع و الشراء ليس إتلافا من المتبايعين مع علمهما بالانعتاق بحسب قصدهما، فهو كما لو باعا مع علمهما بالخيار، فإنّه ليس إقداما على الخيار و جعلا له حتّى يكون راجعا إلى اشتراط الخيار في مثل خيار المجلس المجعول من الشرع.
فإذا لم يكن ما نحن فيه من قبيل الإتلاف فلا مانع من الحكم بثبوت الخيار بمقتضى عموم أدلّته، غاية الأمر لمّا لم يمكن استرجاع العين، يجب دفع البدل كما مرّ، و لعلّ أمر الشيخ قدّس سرّه بالتأمّل (2)ناظر إلى ما ذكرنا. فتأمّل.
و ممّا استثني من أقسام البيع عن خيار المجلس؛ العبد المسلم المشترى
ص: 311
من الكافر، بناء على عدم تملّك الكافر المسلم اختيارا، فإنّه قد يقال بعدم ثبوت الخيار لأحدهما.
أمّا بالنسبة إلى العين؛ فلفرض عدم تملّك الكافر للمسلم، و أمّا بالنسبة إلى القيمة؛ فلما تقدّم من أنّ الفسخ يتوقّف على رجوع العين إلى مالكه الأصلي و لو تقديرا لتكون مضمونة له بقيمته على من انتقل إليه، و المفروض أنّ رجوع المسلم إلى الكافر غير جائز.
و التحقيق أنّه لو بني على؛ أنّه الخيار حقّ متعلّق بالعقد فمقتضى القاعدة ثبوت الخيار بالنسبة إلى العين و القيمة، و ذلك لما حقّق في محلّه أنّه لا دليل على عدم تملّك الكافر للمسلم إلّا الإجماع.
و أمّا مثل آية: وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (1)أو حديث: «الإسلام يعلو و لا يعلى عليه شيء» (2)لا تدلّ إلّا على نفي السلطنة و الاستعلاء الشرعي، فلا ينافي الملكية مع الهجر عن السلطنة و الاستيلاء؛ لعدم كون مجرّد الملكيّة سبيلا و استعلاء، كما أوضح ذلك الشيخ قدّس سرّه في بحث البيع (3)، فلم يبق حينئذ إلّا الإجماع، و هو أيضا لم يقم إلّا على عدم التملّك و التمليك الاختياري، و لذا نقول: إنّه يتملّك بالإرث و غيره من الأسباب القهريّة، فتأمّل.
فعلى هذا؛ بناء على كون الخيار متعلّقا بالعقد فلمّا لا يلزم من فسخه تملّك العين اختيارا، إذ الفسخ ليس تمليكا للعين بل هو عبارة عن حلّ العقد و رفعه،
ص: 312
و بعد رفعه يرجع كلّ واحد من العوضين إلى حاله الأوّلي الأصلي قبل هذا العقد قهرا، من دون اعتبار تمليك أو تملّك من أحد الطرفين، فالفسخ ليس مملّكا و موجبا للملكيّة، بل اعتباره مثل قتل زيد من حيث انتقال أمواله إلى وارثه، فكما أنّ القتل ليس تمليك المال إلى الوارث اختيارا، فهكذا الفسخ ليس إلّا حلّ العقد الّذي كان مانعا عن بقاء المال في ملك صاحبه الأوّل، فلا مانع عن الخيار أصلا، لعدم كونه خلاف الإجماع، بل مقتضى القاعدة ثبوت الخيار لكلّ من البائع و المشتري.
و لكنّه قد يقال بعدم الخيار من جهة اخرى؛ و هي أنّ المثبت للخيار ظاهره و لسانه الإرفاق و الامتنان، و من المعلوم أنّ الإرفاق يقتضي الخيار إذا لم يعارضه الإرفاق بالنسبة إلى شخص آخر، مع أنّه في المقام كذلك، لأنّ رجوع المسلم إلى الكافر خلاف الإرفاق بالنسبة إلى العبد المسلم، بل إلى عموم المسلمين.
فإذا صار إرفاق البائع أو المشتري معارضا بإرفاق ثالث فأصل دليل الخيار منصرف عن مثل هذا المورد، كما نقول بذلك في مثل قاعدة «لا ضرر» و غيره ممّا ورد للامتنان على نوع العباد.
و فيه؛ أوّلا أنّه لا يتمّ فيما إذا كان العبد راضيا بكونه باقيا في ملك الكافر.
و ثانيا؛ أنّ مجرّد كون العبد ملكا للكافر مع عدم سلطنته عليه لا يكون خلاف إرفاق و امتنان بالنسبة إلى العبد و غيره.
نعم؛ لو كان عدم دخوله في ملك الكافر موجبا لأن يصير حرّا فدخوله في ملكه خلاف الامتنان له، و أمّا مع فرض أنّه يبقى على الملكيّة فليس مجرّد كونه ملكا للكافر خلاف إرفاق أصلا.
ص: 313
فالأولى التمسّك في سقوط الخيار و عدم ثبوته بالنسبة إلى الكافر بأن جعله لغوا بالنسبة إلى العين؛ لأنّ الفرض أنّه بعد الفسخ لا يصلح لأن يكون العبد باقيا في ملكه، بل لا بدّ من بيعه ثانيا، و أمّا بالنسبة إلى المشتري فلمّا كان المقصود من خياره إرجاع عينه، فلا مانع من ثبوت الخيار له.
اللهمّ إلّا أن يقال بأنّ إرجاع العين أو قيمته لا يستلزم إرجاع العبد إلى الكافر بالفسخ، بل عليه إرجاع قيمته إليه.
و فيه؛ أنّ رجوع العبد من الآثار القهريّة للفسخ، فتأمّل.
و إن قلنا: إنّ الخيار حقّ يتعلّق بالعين، كما هو مذهب الشيخ قدّس سرّه (1)و قد تقدّم (2)، فبالنسبة إلى العين ليس للبائع و لا للمشتري، بمقتضى الإجماع على عدم تملّك الكافر المسلم اختيارا، و لا تمليكه كذلك، لأنّ الفسخ على هذا تصرّف في العين بتملّكها عنه أو تمليكها، و هو لا يجوز.
و أمّا بالنسبة إلى القيمة؛ فلا وجه لسقوط الخيار أصلا و لو قلنا بعدم الخيار فيمن ينعتق على المشتري، و ذلك من جهة أنّ تقدير المسلم في ملك الكافر بمقدار يثبت بدله على المشتري ليس سبيلا للكافر على المسلم أصلا، و لا إجماع على خلافه أيضا، و لذا يجوز للكافر أن يشتري من ينعتق عليه و لو كان مسلما، كما لا يخفى.
ثمّ إنّه بقي الكلام في كلام الفخر قدّس سرّه في «الإيضاح» من التفصيل بين البائع الكافر فليس له الخيار، و المشتري المسلم فله الخيار، قال قدّس سرّه في محكيّ
ص: 314
إيضاحه: إنّ البيع بالنسبة إلى الكافر استيفاء، و بالنسبة إلى المشتري كالبيع (1).
و تقريب ما أفاده أنّ الكافر لمّا لا يكون أمر البيع بيده؛ لأنّه يجب على المسلمين بيع عبده المسلم، و لو لم يقدم صاحبه يباع عليه، كما في الخبر (2)، فلا يصدق عليه البيع من طرفه، فإذا لم يصدق فليس له الخيار؛ لعدم صدق عنوان البيع الّذي هو موضوع الخيار، عليه.
و أمّا بالنسبة إلى المشتري أيضا و إن لم يكن بيعا، إذ البيع إنّما هو من الطرفين، فإذا انتفى من أحدهما لا بدّ أن ينتفي من الطرف الآخر؛ و لكنّه بيع تنزيلا في حقّه بإمضاء الشارع، فيكون بالنسبة إليه كالبيع، فيترتّب عليه جميع آثاره، و منها الخيار.
و من هذا البيان ظهر عدم ورود إشكال الشيخ قدّس سرّه عليه بقوله من أنّه لا معنى لتحقّق العقد البيعي من طرف واحد، فإنّ شروط البيع إن كانت مجتمعة يتحقّق من الطرفين و إلّا فلا يتحقّق أصلا (3).
و ذلك؛ لأنّه صرّح في كلامه أنّه بالنسبة إلى المشتري كالبيع، و ثبوت الخيار له من جهة كونه بيعا تنزيلا (4)، فالأولى في رفعه منع أصل المبنى و أنّ بيع الكافر أيضا بيع حقيقة، لا أنّه استيفاء للعوض و الماليّة، و لذا يعتبر فيه جميع ما يعتبر في غيره من أقسام البيع، كما أنّه يقصد البائع و المشتري ما يقصدان في غيره من أقسام البيوع، و مجرّد كونه مجبورا لا يخرجه عن البيع، فتدبّر.
ص: 315
و منها؛ شراء العبد نفسه بناء على جوازه، قال الشيخ قدّس سرّه: إنّ الظاهر عدم الخيار فيه، و لو بالنسبة إلى القيمة؛ لعدم شمول أدلّة الخيار له (1).
و فيه؛ أنّ الوجه في عدم شمولها إن كان من جهة دعوى اعتبار مغايرة البائع للمشتري و أنّه لا يعقل تملّك الشخص لنفسه، ففيه؛ يكفي المغايرة الاعتباريّة، و هي المصحّحة للتملّك أيضا، نظير تملّكه ما على نفسه كالدين إذا باعه الدائن على المديون، غايته أنّه بعد هذا الاعتبار يسقط عن المالية و عن كونه مملوكا، فلا وجه لدعوى عدم شمول أدلّة الخيار له.
و إن كان من جهة أنّه بالشراء ينعتق و يصير حرّا و الحرّ لا يعود رقّا، ففيه؛ أنّه يصير حينئذ من قبيل ما إذا كان المبيع ممّن ينعتق على المشتري الّذي قد تقدّم أنّه لا مانع عن الخيار فيه بالنسبة إلى القيمة و لو بناء على كون الخيار حقّا متعلّقا بالعين.
فالتحقيق؛ أنّ في جميع هذه الموارد لا مانع عن الخيار بالنسبة إلى القيمة؛ و أمّا بالنسبة إلى العين فقد سمعت عدم الخيار في المسألة الاولى و الأخيرة، و أمّا بالنسبة إلى الثانية أيضا الاختيار بالنسبة إليها لو استفدنا من خطاب قوله: بيعوه إلى المسلمين، أنّ فحواه عدم جواز ثبوت علقة الملكيّة للكافر بالنسبة إلى المسلم حدوثا و بقاء أصلا، و إلّا ففيه ما مرّ، من عدم مانع على مقتضى القاعدة.
و كذلك تبيّن حال ما إذا اشترى جمدا في شدّة الحرّ أو نظيره ممّا لا يكون قابلا للبقاء بعد البيع، فإنّه لا مانع من ثبوت الخيار لكلّ واحد من البائع و المشتري، فيكون أثره بعد الفسخ ردّ القيمة.
1) المكاسب: 5/ 45.
ص: 316
و هكذا في مثل ما إذا باع الدين لمن عليه الدين، فإنّه لا مانع من ثبوت الخيار لكلّ منهما و إن سقط الدين بمجرّد البيع عمّن عليه؛ إذ بالفسخ يرجع الدين إلى الذمّة أو قيمته، كما لا يخفى.
مسألة: مقتضى كون موضوع الخيار عنوان البيع في خيار المجلس عدم ثبوت هذا الخيار في سائر العقود، سواء كان من العقود [اللازمة] أو الجائزة؛ لعدم شمول الدليل لشيء منها.
و كون حكمته الإرفاق فيثبت في غير البيع أيضا لا يصير دليلا على التعدّي؛ لأنّه على فرض تسليمه حكمة في المورد، مع أنّه حكمة لا علّة، كما أنّ خيار الحيوان من جهة اختصاص دليله بباب البيع لا يجري في غيره، فما يحكى عن الشيخ قدّس سرّه من التعدّي (1)، لا وجه له.
مسألة: لا إشكال في كون مبدأ هذا الخيار من حين العقد، فيما إذا حصلت الملكيّة بمجرّد العقد، إلّا في الفضولي على إشكال فيه،- كما سيأتي- و ذلك؛ لأنّ تحقّقه منوط بتحقيق موضوعه، فإذا فرضنا عنوان البيع يتحقّق بنفس العقد، و كذلك الملكيّة فلا بدّ من الالتزام بثبوت الخيار؛ لعدم جواز انفكاك الحكم عن موضوعه مع عدم المانع.
و أمّا في مثل بيع الصرف و السلم قبل القبض، فإن بنينا على أنّ المراد من البيع هو المعنى العرفي فيكون المراد من قوله: «البيّعان» بمعناه العرفي، فلا
1) المبسوط: 2/ 82، و انظر! المكاسب: 5/ 46 و 47.
ص: 317
إشكال في ثبوت الخيار قبل القبض و إن توقّف الملكيّة على القبض شرعا؛ لأنّه يصدق البيع العرفي بنفس المعاملة؛ إذ في نظرهم لا يتفاوت أنواع البيوع في تحقّق الملكيّة بالإيجاب و القبول، و لا فرق في ذلك بين أن نقول بوجوب التقابض عليهما تكليفا في المجلس، أو قلنا بأنّه شرط شرعيّ لحصول الملكيّة، و إن كان الحقّ عدم وجوب التقابض عليهما؛ لأنّه إذا كان شرطا في تأثير العقد فقبله لا تأثير للعقد شرعا، فإذا لم يكن تأثير فلا وجه لوجوب الوفاء بالتقابض شرعا.
و بعبارة اخرى؛ شرط تعلّق وجوب الوفاء هو كون العقد مؤثّرا في الملكيّة، و شرط تأثير العقد هو التقابض، فكيف يقتضي التكليف المشروط حفظ شرطه؟
و كيف كان؛ بناء على كون المراد من البيع هو البيع العرفي في الحديث لا مانع من ثبوت الخيار لهما و إن لم نقل بوجوب التقابض تكليفا، و أثره صلاحيته لوقوع الصلح عليه و إسقاطه، و أنّه لو فسخ يخرج العقد عن قابليّته للحوق القبض به حتّى يصير مملّكا شرعا.
و إن قلنا بكون المراد من البيع بمعناه الشرعي، كما هو الظاهر؛ للانصراف بمقتضى ارتكاز كون جعل الخيار للإرفاق و الامتنان بالنسبة إلى المتبايعين فيما لو لا الخيار لكانا ملزمين في المعاملة، فحينئذ؛ إمّا أن نقول بكون القبض في الصرف و السلم شرطا في الملكيّة و حصولها خارجا، أو أنّه شرط في أصل البيع.
و الفرق بينهما أنّه على الأوّل يكون البيع الشرعي بمعنى ماله أهليّة ترتّب الأثر الملكي محقّقا بنفس الإيجاب و القبول، غاية الأمر أنّ تأثيره في الملكيّة الفعليّة مشروط بالقبض.
ص: 318
و على الثاني لا يكون قبل القبض بيع و لا ماله الأهليّة، بل الإيجاب و القبول من قبيل الإيجاب المنفرد، فيكون القبض متمّما للمقتضي و جزء له، و إن كان هذا خلاف الظاهر.
فإن بنينا على ذلك فلا إشكال في عدم الخيار؛ لعدم تحقّق البيع قبل القبض، فلا يصدق العنوان المأخوذ في لسان الدليل إلّا بعد التقابض.
و على الأوّل؛ فثبوت الخيار و عدمه يدور مدار أن يكون المراد من البيع ما هو المؤثّر في الملكيّة فعلا، أو ما فيه مقتضى الملكيّة و لو لم يؤثّر فعلا. فإن قلنا بالأوّل فيثبت لهما الخيار؛ لصدق العنوان كما هو المفروض، و إن قلنا بالثاني كما هو الظاهر بمقتضى ما ذكرنا من الانصراف فلا خيار.
اللهمّ إلّا أن يقال بمنع الانصراف، و أنّ غاية الأمر تسلّم كون المراد البيع الشرعي، أمّا أنّه لا بدّ و أن يكون مؤثّرا في الملكيّة خارجا، فلا، فتدبّر.
و أمّا بيع الفضولي بالنسبة إلى المالك بناء على أنّ الإجازة لا يوجب إضافة البيع إلى المالك، بل العقد يصير مؤثّرا بما هو فضولي لا بما هو عقد للمالك فلا خيار للمالك، لعدم صدق عنوان البيع عليه، سواء قلنا بالنقل أو الكشف على اختلاف المسالك فيه.
و أمّا بناء على أنّ الإجازة تصيّر العقد عقده، فبناء على النقل فلا خيار له إلّا من حين إجازته؛ لعدم صدق العنوان إلّا بعدها، و أمّا بناء على الكشف، فقد يقال بأنّ لهما الخيار من حين العقد إذا كانا حاضرين في مجلسه؛ إذ العقد إذا وقع على مالهما مع كونه مؤثّرا في الملكيّة- كما هو الفرض بشرط لحوق الإجازة به- فيكفي ذلك لتحقّق خيارهما ليخرج العقد عن قابليّة لحوقها به بعد الفسخ.
ص: 319
و لكن فيه بعد ما كانت الإجازة و لو بوجودها المتأخّرة معتبرة في صحّة إضافة البيع إليهما، فلا يمكن صدق العنوان قبل تحقّقها و إن تحقّق أصل البيع قبلها، و إلّا يلزم الخلف، ضرورة أنّ الغرض من الإجازة صيرورة العقد مضافا إليهما، فلو صدق عليهما البيع قبل تحقّق الشرط فيلزم عدم اعتبار الشرط.
فالحقّ عدم ثبوت الخيار لهما إلّا بعد الإجازة، غاية الأمر أنّه على الكشف الحكمي يعتبر إضافة العقد إليهما من الأوّل، و لكن على كلّ تقدير صدق البيّع عليهما لا يتحقّق إلّا بعد الإجازة، و أمّا بالنسبة إلى الفضول لو قلنا بالخيار كما في الفضول الشرعي الأصلي بنظر العرف فله الخيار من حين العقد؛ لصدق العنوان عليه بمجرّد صدور العقد، كما لا يخفى.
و هي أربعة على ما اشتهر بينهم: شرط السقوط في ضمن العقد، و الإسقاط بعده، و التفرّق، و التصرّف. فلا بدّ من التكلّم فيها جميعا.
الأوّل: شرط سقوطه في ضمن العقد، و لا خلاف- على ما حكى الشيخ قدّس سرّه- في سقوطه به (1)، كما عن الآخر دعوى الإجماع عليه (2).
فأصل المسألة من المسلّمات عندهم، و إنّما الإشكال في الدليل عليه، فقد استدلّوا بعموم «المؤمنون عند شروطهم» (3)و تقريب الاستدلال به واضح،
ص: 320
و لو قلنا باختصاصه في الإلزام في ضمن البيع، لأنّ شرط السقوط هو الإلزام في ضمن البيع، فيجب الوفاء به.
ثمّ إنّه قد يستشكل عليه بمعارضته لعموم قوله: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (1)، فإنّ إطلاقه يقتضي الخيار و لو مع شرط عدمه و سقوطه، بل بعد ما كان ثابتا للعقد بأصل الشرع، فاشتراط عدم ثبوته شرط مخالف للسنّة، فيوجب ذلك تقديم دليله على دليل الشرط (2).
و أجاب الشيخ قدّس سرّه عنه بما يحتمل وجوها. و حاصل ما أجاب أولا أنّه لا موقع للمعارضة، لأنّ أدلّة الخيار مسوقة لبيان ثبوته بحسب أصل الشرع، فلا ينافي سقوطه بالمسقط الخارجي، بل التأمّل في دليل الشرط يقتضي بأنّ المقصود منه رفع اليد عن الأحكام الأوّليّة الثابتة للمشروطات، فلا يعارضه أدلّة تلك الأحكام (3).
و ظاهر هذا الجواب أنّ أدلّة الخيار مدلولها ثبوت الخيار للمتبايعين بالعنوان الأوّلي، فلا ينافي عدم ثبوته لما يعرضه من ناحية الشرط من العنوان الثانوي.
و فيه؛ أنّ المراد من كون أدلّة الخيار يثبت له بعنوانه الأوّلي لا يخلو إمّا أن يكون أنّ أدلّة الخيار لا تقتضي إلّا ثبوت الخيار بعد البيع، مع قطع النظر عن دلالته على عدم قابليّة للسقوط و الإسقاط، فلا يعارض ما يقتضي سقوطه بعد البيع.
ص: 321
فمقتضى ذلك أنّه لو شرط المتبايعان سقوطه بعد ثبوته فلا يكون بين دليل الشرط و الخيار معارضة و منافاة؛ لأنّ دليل الخيار يدلّ حينئذ على ثبوته بالبيع من دون نظر إلى أنّه ليس قابلا للسقوط بالإسقاط، و دليل الشرط يدلّ على السقوط بعد الثبوت.
و أمّا إذا شرطا سقوطه، بمعنى عدم ثبوته، فالمعارضة ثابتة، ضرورة أنّ الفرض كون مفاد أدلّة الخيار ثبوته بمجرّد البيع، و دليل الشرط يدلّ على عدم الثبوت رأسا، فيقع التنافي بينهما، بل الشرط حينئذ مخالف للسنّة، كما لا يخفى.
و ظاهر الكلمات أنّ شرط السقوط يرجع إلى المعنى. و إن كان مراده أنّ أدلّة الخيار تدلّ على أنّ البيع يقتضي ثبوت الخيار لا أنّها يقتضي ثبوته بالفعل، بل تمام مدلولها أنّ البيع بما هو مقتض له لو لم يكن مانع، فحينئذ لا ينافي دليل الشرط؛ لكون مرجع عدم الثبوت إلى إيجاد المانع، فلا تنافي بين مدلولي الدليلين؛ لكون مفاد أحدهما أنّ البيع مقتض للخيار، و مفاد الآخر أنّ الشرط مانع عن تأثير المقتضي.
و فيه؛ أنّ مانعيّة الشرط عن تأثير مقتضي الخيار في الخيار بعد تسليم دلالة أدلّة الخيار في كون البيع مقتضيا تنجّزيا في الخيار موقوفة على كون الشرط نافذا و واجب العمل، و نفوذه كذلك موقوف على تقديم أدلّة الشرط على الخيار، و تقديمها عليها موقوف على مانعيّة الشرط، فيلزم الدور.
و بعبارة اخرى؛ مانعيّة الشرط و اقتضاؤه لزوم العقد و سقوط الخيار تعليقي مشروط بكونه واجب الوفاء، و وجوبه بمقتضى دليل الشرط متوقّف على عدم كونه مخالفا للسنّة، و عدم كونه كذلك متوقّف على عدم تأثير البيع و العقد
ص: 322
المقتضي للخيار، و إلّا لكان الشرط خلاف السنّة، و هو موقوف على مانعيّة الشرط فعلا.
و من هنا نقول: إنّ المانع التعليقي أو المقتضي كذلك لا يزاحم المقتضي التنجيزي في شيء من الموارد، لأنّ أمره في الحقيقة راجع إلى التخصيص و التخصّص، و الثاني مقدّم كما لا يخفى.
و على كلّ تقدير لا يرفع إشكال المعارضة و كون الشرط مخالفا للسنّة.
نعم؛ يستفاد من مطاوي كلام الشيخ قدّس سرّه أنّ مقتضي الخيار لا يكون البيع بما هو مطلقا، بل من أوّل الأمر المقتضي له هو العقد بشرط لا، لا طبيعة العقد حتّى لا يوجد العقد بدون الخيار.
فعلى هذا لو شرط المتبايعان عدم ثبوت الخيار لا مجال لتوهّم المعارضة أصلا؛ لأنّه على هذا لا مقتضي للخيار بوجه من الوجوه لضيق الدائرة من جهة أصل جعل الحكم (1).
و هذا و إن كان يرفع به إشكال المعارضة، و لكنّ الكلام في صحّة المدّعى، فإنّه لا يمكن إثبات ذلك؛ لعدم الدليل عليه، بل الدليل قائم على عدمه؛ لأنّ عموم قوله: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» أنّ البيع مطلقا يقتضي ثبوت الخيار، و الظاهر منه كون العقد بنفسه مقتضيا لذلك مطلقا، كما لا يخفى.
فتلخّص أنّ دفع الإشكال بما في كلام الشيخ قدّس سرّه من الوجوه المتعدّدة لا يمكن على ما مرّ، خصوصا الدعوى الأخيرة؛ إذ لازمه عدم ثبوت الخيار بمجرّد الشرط، و لو لم يكن دليل على نفوذه، كما إذا كان الشرط من قبيل الشرط
1) المكاسب: 5/ 54 و 55.
ص: 323
الفاسد، و لم يلتزم به المدّعي أيضا.
و ظهر أيضا دفع ما يظهر من كلامه المتقدّم من أنّ أدلّة الخيار دالّة على ثبوت الخيار بعنوانه الأوّلي، و الأحكام الثابتة للعناوين الأوّليّة لا يشمل حال عروض العناوين الثانويّة، فالبيع إذا عنون بشرط عدم ثبوت الخيار فيه قلّما يصير معنونا بالعنوان الثانوي، فلا يشمله أدلّة الخيار (1).
و وجه الاندفاع؛ أنّ الخيار لو كان مختصّا بالبيع مع قطع النظر عن حال عروض العنوان الطاري فلازم ذلك عدم ثبوته في هذا الحال و لو لم يكن دليل على نفوذ الشرط؛ لعدم شمول دليل الخيار لذلك الحال حسب الفرض، مع أنّه قدّس سرّه لا يقول بذلك.
و بالجملة؛ لا وجه لتخصيص الدليل بالعنوان، بل بإطلاقه يشمل تمام الحالات، فتبقى المعارضة بحالها حينئذ، كما لا يخفى.
و لمّا كانت العمدة لما تمسّك به الشيخ قدّس سرّه في المقام لتقديم أدلّة الشرط على أدلّة الخيار في المقام هو ما تعرّضه في أواخر الباب عند ذكر شرائط صحّة الشرط من تقديم الأدلّة المثبتة للحكم في الأشياء بعنوانها الثانوي على الأدلّة المثبتة لها بالعنوان الأوّلي إذا كان حكم العنوان الأوّلي من قبيل المباح أو الكراهة أو الاستصحاب دون الوجوب و الحرمة (2)، فينبغي التعرّض لأصل هذا المقال ثمّ بيان أنّه هل ينطبق ما نحن فيه على ما أفاده قدّس سرّه و يثمر شيئا أم لا؟
فنقول: قال قدّس سرّه- عند بيان المراد من الحكم الواقع في الكتاب و السنّة-:
ص: 324
الّذي اعتبر في نفوذ الشرط عدم مخالفته له هو الّذي يثبت على وجه غير قابل للتغيّر بالشرط لأجل تغيّر موضوعه بالاشتراط (1).
توضيح ذلك؛ أنّ حكم الموضوع قد يثبت له وجه من حيث نفسه و مجرّدا عن ملاحظة عنوان آخر طارئ عليه، و لازم ذلك عدم التنافي بين ثبوت هذا الحكم و حكم آخر له إذا فرض عروض عنوان آخر لذلك الموضوع.
كما يكون كذلك حال أغلب المباحات و المستحبّات و المكروهات بل جميعها، حيث إنّ تجويز الفعل و الترك إنّما هو من حيث ذات الفعل، فلا ينافي في طروّ عنوان يوجب المنع عن الفعل أو الترك كأكل اللحم، فإنّ الشرع قد حكم بإباحته في نفسه بحيث لا ينافي عروض التحريم له إذا حلف على تركه، أو أمر الوالد به، أو عروض الوجوب له إذا صارت مقدّمة للواجب، أو نذر فعله. و قد يثبت له لا مع تجرّده عن ملاحظة العنوانات الخارجيّة الطارية عليه، و لازم ذلك حصول التنافي بين ثبوت هذا الحكم و حكم آخر له.
و هذا نظير أغلب المحرّمات و الواجبات، فإنّ الحكم بالمنع عن الفعل أو الترك مطلق لا يقيّد بحيثيّة تجرّد الموضوع إلّا عن بعض العنوانات، كالضرر و الحرج، فإذا ورد حكم آخر من غير جهة الحرج و الضرر فلا بدّ من وقوع التعارض بين دليلي الحكمين، فيعمل بالراجح بنفسه أو من الخارج.
إذا عرفت ذلك فنقول: الشرط إذا ورد على ما كان من قبيل الأوّل لم يكن الالتزام بذلك مخالفا للكتاب، لفقد مناط التنافي كما سمعت، و إذا ورد على ما
1) المكاسب: 6/ 26.
ص: 325
كان من قبيل الثاني كان التزامه مخالفا للكتاب و السنّة (1).
فالحاصل؛ أنّ المشروط لو كان من المباح أو المستحبّ و نحوهما من حيث الترك فليس الشرط مخالفا لهما، و أمّا لو كان من قبيل الواجب فالشرط تركه، أو الحرام فالشرط فعله، فهو المخالف للكتاب و السنّة، و لا يجوز اشتراطه، هذا ملخّص ما أفاده في باب الشرط (2).
و فيه؛ كما أنّ دليل الحرمة و الوجوب مطلق يشمل جميع الحالات، فكذلك دليل باقي الأحكام حتّى الإباحة مطلق يشمل جميع العوارض، مع أنّه لو لم يكن دليلها مطلقا شاملا لحال الشرط و عدمه فلا بدّ أن ينتفي تلك الأحكام بمجرّد الشرط كما عرفت، و لو كان فاسدا من جهة اخرى بحيث لا يشمله أدلّة الشرط؛ لعدم شمول الدليل لهذا الحال، كما هو المفروض، و لم يلتزم بذلك.
و بالجملة؛ فهذا البيان لا يرفع المعارضة من المقام، و لا يثمر بالنسبة إلى أصل المسألة الّتي تعرّضها الشيخ قدّس سرّه في محلّه (3).
فالتحقيق أن يقال: إنّ الشرط إذا ورد في مورد الحكم الغير الإلزامي لما يكون مرجع الحكم، كذلك إلى عدم مقتضي الحكم أصلا، فلهذا يثبت الإباحة و أمثالها، فإذا فرض أنّه طرأ على مثل هذه الامور الثابتة لها هذه الأحكام عنوان يقتضي التحريم أو الوجوب، فلا يكون لها معارض، ضرورة أنّ الحكم الثابت لا عن اقتضاء لا يزاحم المقتضي، بخلاف ما إذا تعلّق الشرط بما كان من قبيل
ص: 326
الواجب و الحرام، فإنّهما ثبتا عن اقتضاء، فإذا طرأ عليها عنوان آخر، يقتضي الحكم على خلاف ما ثبت لهما على حسب الجعل الأوّلي الشرعي، فيقع التعارض بينهما قهرا، كما لا يخفى.
إذا تبيّن ذلك فنقول: إنّ ثبوت الخيار في البيع لو كان مرجعه إلى أنّ البيع لمّا ليس له اقتضاء الوجوب و اللزوم، فيجوز حلّ عقده،- أي ينفذ- فمعنى الخيار أنّه ليس بلازم و لا واجب الوفاء، فحينئذ إذا شرط سقوط الخيار فلا يعارض الدليل المثبت للخيار؛ لعدم التنافي بين ما فيه اقتضاء اللزوم و ما ليس فيه اقتضاء أصلا.
و لكن قد عرفت فيما تقدّم أنّ الخيار حقّ في العقد اللازم لا أنّه حكم بعدم اللزوم و عدم الوجوب، و أنّه مع كون العقد فيه اقتضاء اللزوم و كونه لازما بالفعل جعل الشارع فيه حقّا للمتبايعين؛ بحيث لهما إزالة العقد و رفعه لأن يرتفع الوجوب و الحكم برفع موضوعه، و إن كان يجب عليهما الوفاء لو كان موجودا، فحينئذ لا بدّ و أن يكون جعل هذا الحقّ عن اقتضاء و مناط أوجب إثبات هذا الحقّ لهما، فإذا تعلّق به الشرط أيضا فالتعارض ثابتة؛ لكون المفروض أنّ حكم الشرط أيضا اقتضائيّ و يجب الوفاء به.
فاتّضح من ذلك أنّ الوجه المذكور لمّا كان مبناه غير تامّ فلا يندفع به الإشكال أيضا.
فالأولى أن يقال في مقام دفعه- بعد أنّ سقوط الخيار بعد ثبوته حقيقة يجوز بلا كلام، و لا يكون مخالفا للكتاب و السنّة قطعا-: إنّ المقتضي لثبوت شيء إذا تحقّق فيرى العرف و العقلاء مقتضاه ثابتا و ينزّلونه منزلة الموجود،
ص: 327
و يرتّبون عليه آثاره، و لو لم يتحقّق بنفسه بعد في الخارج، نظير العلاقة الّتي اعتبرها علماء البيان من المجاورة و الإشراف، و ليس ذلك إلّا من جهة بنائهم على مرتكزات العرف، حيث إنّه إذا أشرف وقوع شيء خارجا لثبوت مقتضيه ففي نظرهم كأنّ نفس المقتضي بالفعل محقق (1).
فحينئذ نقول: إنّ مرجع شرط سقوط الخيار في الحقيقة إلى شرط الإسقاط و لو تنزيلا لتحقّق مقتضيه، و ليس جهة عدم ثبوته الّذي من ناحية رفع اقتضاء المقتضي محلّ النظر و الاعتناء، بل يرون ذلك إسقاطا لما ثبت.
فإذا فرضنا أنّ العقلاء بناؤهم على ذلك و أنّ الاعتبار العرفي مساعد معه، فمن جهة عدم ردع الشارع عن بنائهم نستكشف الإمضاء.
إن قلت: يكفي في الردع قولهم عليهم السّلام: «كلّ شرط خالف الكتاب و السنّة فهو باطل» (2)، لكون المفروض أنّ مرجع الشرط في الحقيقة إلى عدم الثبوت و إن كان اعتبر الإسقاط تنزيلا.
قلت: ليس ما ذكر قابلا لردعهم؛ لعدم بنائهم على عدم الثبوت، بل إنّما بناؤهم على أنّه إسقاط، و لا إشكال في أنّ الإسقاط ليس مخالفا للأمرين، فردعهم عن هذا البناء لا يتحقّق، إلّا أن يكون هناك دليل مفاده أنّه ليس بإسقاط عند الشارع و لو تنزيلا حتّى يستكشف أنّه عنده باطل و بناء غلط، و لمّا ليس لنا دليل كذلك فعدم الردع يكفي لثبوت إمضائه.
ص: 328
فحينئذ؛ لا يمكن أن يصير الأدلّة العامّة مثل قوله: «إلّا ما خالف» .. إلى آخره، رادعة. بل ما نحن فيه نظير السيرة الثابتة للعقلاء على العمل بخبر الواحد الغير المفيد للعلم.
مع أنّ العمومات الناهية عن العمل بالظنّ بمرأى و منظرهم، لأنّ رادعيّة تلك العمومات يتوقّف على أن لا يكون هذه السيرة ممضاة عند الشارع، و إلّا يخرج عن كونه ظنّا، و يصير علما تنزيلا.
فلو كان ردع الشارع و عدم إمضائه موقوفا عليها و شمولها للمورد يصير دورا، كما لا يخفى، فتأمّل فإنّ المسألة غير خالية عن الإشكال.
فالتحقيق؛ أن يقال- بعد ظهور الأمر في أنّ الخيار من سنخ الحقوق القابلة للإسقاط-: إنّ شرط سقوطه بمعنى عدم ثبوته ليس مخالفا لدليل الخيار، من جهة أنّ منافاته موقوف على أن يكون الخيار أمر ثبوته و بقائه و عدمه كذلك بيد الشارع مطلقا كالحكم، بحيث لا يكون للمكلّف اختيار فيه.
و لكن لا شكّ في أنّ الأمر ليس كذلك بدليل جواز إسقاطه، بل ما هو المجعول بدليل الخيار عبارة عن أمر تعليقيّ، بمعنى أنّه و إن كان الدليل يقتضي ثبوته منجّزا و أصل الجعل و المجعول ثابت في البيع مطلقا إلّا أنّ حقيقة المجعول نحو اعتباره من الامور التعليقيّة بقاء و حدوثا معلّق على عدم إعدام من قبل ذي الخيار بشرط أو غيره، و معلوم أنّ الدليل على ثبوت المعلّق لا يقتضي حفظ المعلّق عليه.
و إن شئت قلت: إنّ الخيار من الامور الّتي يكون حفظه بيد الشارع من جهة لا من جميع الجهات، بخلاف الحكم، فثبوته التنجّزي حدوثا و بقاء متفرّع
ص: 329
على عدم إعدامه المكلّف بالشرط، فحينئذ؛ دليل الشرط لا ينافي دليل الخيار، و لعلّ ذلك مراد الشيخ قدّس سرّه، فراجع و تأمّل.
ثمّ إنّ شرط السقوط إن كان مرجعه إلى عدم الثبوت حقيقة- كما هو الظاهر من كلام المشهور- فحكمه تقدّم، و إن كان مرجعه إلى شرط أن لا يفسخ ذو الخيار بعد العقد، حتّى يكون من قبيل شرط الفعل لا شرط النتيجة كما في الأوّل، فقد يقال بأنّ مثل هذا الشرط لا يقتضي الأزيد من الحكم التكليفي من وجوب الوفاء بترك الفسخ، و لا يقتضي سقوط الخيار و عدم تأثير الفسخ لو فسخ عصيانا؛ لأنّ شرط أن لا يفسخ لا يكون راجعا إلى عدم ثبوت الخيار، بل غايته التزام بعدم الإعمال، فمقتضى دليل وجوب الوفاء ليس إلّا حرمة الفسخ.
فحينئذ؛ لو فسخ فقد أثم، لا أنّ الفسخ لغو بل مقتضى عموم دليل الخيار من جهة كونه إعمال الحقّ مؤثّرا.
و من هنا ذهب بعضهم إلى جواز بيع منذور الصدقة، و يصير البيع حنثا للنذر و موجبا للكفّارة (1)، فما يترتّب على مخالفة الشرط في غير هذا المقام من تسلّط المشروط له على الفسخ من جهة مخالفة الشرط لا يترتّب هنا؛ لأنّه بعد الفسخ لا يبقى عقد يكون قابلا للفسخ و عدمه.
و لكن يمكن أن يقال: إنّ شرط أن لا يفسخ معناه عدم السلطنة على الفسخ، و أنّه ليس له سلطنة على ترك الشرط، كما أنّ معنى نذر التصدّق هو قصد سلطنته في ماله على خصوص الصدقة، فلا يبقى له سلطنة على غيرها، فلو باع يكون لغوا، ففي ما نحن فيه مرجع الشرط المزبور إلى سلب سلطنة ذي الخيار
1) حكاه المحقّق التستري في مقابس الأنوار: 194، عن الشهيد الثاني قدّس سرّه، لاحظ! المكاسب: 5/ 65.
ص: 330
على الفسخ، فإذا صار مثل هذا الالتزام واجبا بمقتضى دليل الشرط فلو فسخ يكون بلا أثر؛ لكون فسخه كفسخ الأجنبي الّذي ليس له السلطنة عليه رأسا.
فالحاصل؛ أنّه لو كان معنى شرط عدم الفسخ هو مجرّد الالتزام على عدم الفسخ من دون أن يكون فيه جهة اختصاص للمشروط له، بل يكون مرجعه إلى عدم إيجاد هذا الفعل، فوجوب الوفاء به لا يقتضي إلّا ثبوت تكليف عليه، مثل أنّه عليه أن يترك الزنا و السرقة، فلو فسخ يقع قهرا، غاية الأمر عصيان التكليف بالمخالفة الساقط فعلا بالعصيان.
و أمّا لو كان معنى الشرط أنّ للمشروط له على المشرط الإلزام بترك الفسخ، بحيث كان مرجعه إلى بيان أنّ السلطنة على ترك الفسخ على الشرط مختصّ به بقرينة لام الاختصاص، فلازم ذلك عدم بقاء سلطنة للمشروط عليه على الفسخ و عدمه، إذ لا يعقل أن يكون له السلطنة التامّة كذلك، مع كون السلطنة على ترك الفسخ مختصّا بالمشروط له، فحينئذ إذا فسخ المشروط عليه يصير لغوا.
و أمّا ما استدلّ به الشيخ قدّس سرّه لإثبات سلب السلطنة عن المشترط وضعا بقوله: لعموم وجوب الوفاء بالشرط الدالّ على وجوب ترتّب آثار الشرط من عدم الفسخ في جميع الأحوال الّتي منها بعد الفسخ، فيستلزم ذلك عدم الأثر للفسخ كما تقدّم نظيره في الاستدلال بعموم وجوب الوفاء بالعقد على كون فسخ أحدهما بلا رضا الآخر لغوا و عدم رفعه وجوب الوفاء (1).
ففيه؛ أنّه فرق بين المقام و ما سبق من حيث إنّه قد مرّ أنّ العقد بعد ما وقع لا
1) المكاسب: 5/ 57.
ص: 331
يكون قابلا للرفع حقيقة بالفسخ، فمعنى وجوب الوفاء به حرمة التصرّف فيما انتقل إلى الغير بالعقد، فحينئذ إذا دلّ مثل: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ على ذلك حتّى بعد قول: «فسخت» يكشف من ذلك عدم التأثير له بخلاف المقام؛ إذ الشرط لو لم يكن مفاده بنفسه ثبوت حقّ الاختصاص للمشروط له على المشترط، بل يكون مفاده مجرّد الإلزام على المشروط، فلا يمكن التمسّك بدليل وجوب الوفاء به على لغويّة الفسخ لو صدر من المشروط عليه؛ لبداهة أنّ الحكم لا يعقل أن يشمل مرتبة عصيانه أو إطاعته، لأنّ هذين المرتبتين مرتبة سقوط الحكم لا ثبوته.
فإذا كان مفاد دليل الشرط هو حرمة الفسخ فلا يعقل أن يكون هذا الحكم باقيا إلى بعد الفسخ حتّى يستكشف من بقاء الحرمة كون الفسخ الّذي وقع في المرتبة السابقة لغوا غير مؤثّر، فلا يتمّ الاستدلال.
فالأولى هو ما بيّناه أنّ مرجع شرط أن لا يفسخ إلى أنّ للمشروط له على المشرط السلطنة على ترك الفسخ، و أنّه لا يكون السلطنة على الفسخ باقيا له، بل فسخه كفسخ الأجنبي، فتدبّر.
الثالث: أن يكون المراد شرط فعل الإسقاط لا شرط عدم ثبوت الخيار الّذي يكون من قبيل شرط النتيجة.
فعلى هذا لو فسخ بعد العقد ففي تأثير الفسخ و عدمه وجهان، كما أشار إليه الشيخ قدّس سرّه قال: و مقتضى ظاهر هذا الشرط وجوب الإسقاط بعد العقد، فلو فسخ بعد العقد و أخلّ بالشرط ففي تأثيره الوجهان المتقدّمان في شرط ترك الفسخ، و الأقوى عدم التأثير، لما مرّ في شرط ترك الفسخ من عموم «المؤمنون عند
ص: 332
شروطهم» حتّى يشمل بعد الفسخ (1).
و فيه؛ أنّ المراد من شرط إسقاط الخيار بعد الفسخ إمّا أن يكون الالتزام بالإسقاط في حال عدم إعمال الخيار بالفسخ أو الإمضاء؛ بأن يكون المراد إزالة الخيار بالإسقاط إن لم يزله بالفسخ أو الإمضاء، فهو لا يقتضي لغويّة الفسخ؛ لأنّ شرط الإسقاط حينئذ يكون من قبيل الواجب المشروط الّذي لا يقتضي حفظ شرطه.
و إن كان المراد حفظ العقد بترك الفسخ بعد العقد و إسقاط الخيار أيضا فيكون شرط الإسقاط راجعا إلى أمرين:
أحدهما؛ شرط ترك الفسخ و عدم إعمال الخيار به.
و الآخر؛ إسقاط بقاء أصل الخيار.
و الأوّل من لوازم الثاني، فحينئذ باعتبار كونه شرط ترك الفسخ يرجع إلى القسم الثاني، و هو ما إذا شرط ترك الفسخ و حكمه.
و قد مرّ أنّ استدلال الشيخ قدّس سرّه بعموم «المؤمنون» .. إلى آخره للحكم بلغويّة الفسخ ليس في محلّه.
و أمّا باعتبار الثاني فيرد عليه أيضا بأنّ وجوب الوفاء بالشرط أعني الإسقاط لا يمكن إلّا بعد أن لا يقع و لا يصدر عنه الفسخ، و كان العقد باقيا، و أمّا إذا صدر منه، فلا يبقى خيار يكون قابلا للإسقاط.
فالأولى للاستدلال هو ما ذكرناه في شرط ترك الفسخ من أنّ الظاهر من مثل هذا الشرط أن يكون المشترط على المشرط حقّ اختصاص، و أن يكون
1) المكاسب: 5/ 57.
ص: 333
المقصود من الشرط قصر سلطنة المشترط فيما شرط عليه للمشروط له، فلا سلطنة له بالنسبة إلى خياره إلّا على إسقاطه، و يصير فسخه من قبيل فسخ الأجنبي.
هذا؛ و التحقيق أنّ شرط الإسقاط لا يستلزم عدم تأثير الفسخ، فلو فسخ قبل الإسقاط وقع، لأنّ شرط الإسقاط من شرط الفعل لا النتيجة، و إلّا لكان راجعا إلى القسم الأوّل، فحينئذ لا بدّ أن يكون الخيار باقيا ما لم يسقط، و معنى بقائه ليس إلّا كون ذي الخيار قادرا على إعماله؛ إذ قد مرّ في المباحث السابقة أنّ الشخص لو لم يكن له سلطنة على ماله بوجه أصلا فلا يعتبرون العقلاء له ملكيّة بالنسبة إلى هذا المال، بل لا بدّ و أن يكون لنفسه أو وليّه عليه نحو سلطنة.
و حقّ الخيار من هذا القبيل، لأنّ حقيقته- على ما تقدّم- هو القدرة على الفسخ و الإمضاء، فلو لم يكن له قدرة على الفسخ فلا معنى لكونه ذا خيار.
فحينئذ؛ لو كان معنى شرط الإسقاط راجعا إلى الفعل، فلا يعقل هذا المعنى إلّا مع سلطنة ذي الخيار على الفسخ وضعا و إن كان للمشروط له عليه حقّ الإسقاط شرعا، و لذا يجبر عليه ما دام الخيار باقيا، و لكن هذا الحقّ في مثل هذا المورد لا يقتضي سلب قدرة ذي الخيار؛ لما تقدّم من أنّ هذا المعنى لا يتصوّر إلّا مع عدم خيار له أصلا.
و الحاصل؛ أنّه لا مجال لمقايسة المقام بصورة اشتراط ترك الفسخ في جواز التمسّك بدليل الشرط بعد الفسخ، حتّى يكشف من ذلك لغويّة الفسخ لو فسخ، و القياس مع الفارق و إن استشكلنا في أصل المقيس عليه أيضا، إلّا أنّه مع التسليم فيه، كان الوجه فيه لجواز التمسّك بدليل الشرط إمكان أوّل شرط ترك
ص: 334
الفسخ إلى شرط سقوط الخيار، بحيث يكون من قبيل شرط النتيجة، و هذا بخلاف المقام الّذي المفروض أنّه من قبيل شرط الفعل، فتأمّل.
و من هذا البيان ظهر حكم ما لو لم يفسخ و لم يسقط أيضا، فإنّه لو كان المراد من شرط الإسقاط إسقاط الخيار في الآن الأوّل من الإمكان و هو آن بعد العقد، فلو تخلّف عنه و لم يسقط فحصل تخلّف الشرط، فللمشروط له خيار التخلّف؛ إذ المقصود من الشرط جعل العقد مستحكما و حفظه عن معرضيّة الزوال بالفسخ في الآن بعد العقد، و المشروط عليه بتخلّفه عن ذلك مع سلطنته على الفسخ تخلّف الشرط و ما أتى به.
و إن كان المراد من الإسقاط إسقاط الخيار في مجموع زمان المجلس و لو بجزئه الأخير فلا يحصل التخلّف إلّا بانقضاء المجلس، و إذا انقضى المجلس و حصل التفرّق فحصول تخلّف الشرط و عدمه يبتنى على أن يكون الملاك في تخلّف الشرط هو نقض الغرض و الوقوع في الضرر الّذي كان الغرض من الشرط دفعه، أو الملاك هو تفويت الحقّ، فإن كان الملاك هو الأوّل فلا يحصل تخلّف شرط في المقام؛ إذ المفروض كون الغرض من الشرط حفظ العقد عن الزوال و قد حصل، و إن جعلنا المناط هو تفويت الحقّ فيحصل خيار التخلّف لفوت حقّ الإسقاط بانقضاء المجلس، كما لا يخفى.
هذا كلّه؛ بناء على وقوع الفسخ مؤثّرا، و أمّا بناء على عدم مؤثريّته لو فسخ؛ فخيار التخلّف و عدمه مبنيّ على ما ذكر، سواء كان المقصود من شرط الإسقاط، الإسقاط في الآن الأوّل، أو في تمام زمان المجلس.
فما في كلام الشيخ قدّس سرّه من القول بعدم حصول خيار التخلّف على القول
ص: 335
بعدم تأثير الفسخ مطلقا (1)، لا يتمّ إلّا على القول بأنّ مناط خيار تخلّف الشرط هو نقض الغرض.
كما أنّ قوله: و على القول بتأثير الفسخ فللمشروط له خيار التخلّف لو أخّر الإسقاط (2)، لا يتمّ إلّا إذا كان المقصود من شرط الإسقاط في آن الأوّل بعد العقد لا مطلقا.
ثمّ إنّ الشيخ قدّس سرّه ذكر هنا حكم تأثير شرط الإسقاط قبل العقد، مع عدم ذكره في متن العقد و عدم تأثيره (3)، و لا خفاء في أنّ ذلك من صغريات الشرط الغير المذكور في ضمن العقد الّذي سيجيء حكم كليّة كبرى ذاك الشرط.
و مجمل القول فيه في المقام؛ أنّ المتبايعين إذا تقاولا قبل العقد، و شرطا قبله إسقاط الخيار بعد العقد من دون ذكره فيه، فلا يخلو إمّا أن يتبايعا على هذا الشرط مع الإشارة بنحو الإجمال، بأن يقول مثلا: بعتك على ما ذكر أو على الشرط، و يقبل المشتري كذلك، فلا إشكال في صحّته و لزومه؛ إذ هو في الحقيقة من المذكور في متن العقد، بل ليس هو من أقسام الشرط الضمني الغير المذكور في متن العقد.
و إمّا لا يكون لهما إشارة إليه أصلا لا إجمالا و لا تفصيلا، و هذا على قسمين، لأنّه إمّا يكونان حين العقد غير قاصدين للشرط أصلا، بأن يكونا غافلين عنه رأسا، فلا إشكال حينئذ في عدم نفوذ الشرط و صحّة العقد بلا شرط، بناء على عدم شمول دليل الشرط للشرط الابتدائي، لأنّ الفرض أنّ الالتزام ما
ص: 336
حصل في ضمن العقد أصلا، فلا يشمله دليل الشرط، و العقد أيضا ما وقع عليه، فلا يدلّ عليه- أي نفوذه- دليل العقد أيضا، بل العقد من جهة إطلاقه يجب الوفاء به بمقتضى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.
و إمّا أن يكونا قاصدين له و إن لم يشيرا إليه بلفظ، بأن يوقعا العقد بانيين على الالتزام بالإسقاط بعده.
و هذا أيضا على قسمين؛ إذ تبانيهما على الشرط قد يجعل من قبيل شرط أصل البيع، بأن يكون من قصدهما البيع على فرض ذلك الالتزام بحيث كان أصل البيع بالنسبة إلى ذلك الالتزام المتباني عليه من قبيل الواجب المشروط، فلا إشكال أيضا في عدم نفوذ الشرط لا بدليل الشرط، لأنّ المفروض أنّه لا يشمل الالتزامات الابتدائيّة الغير المذكورة في متن العقد، فبناء على أنّ الشرط هو الإلزام و الالتزام المبرز في ضمن العقد لا يكون مثل ذلك الالتزام شرطا، و التقاول السابق على العقد أيضا إمّا مجرّد وعد أو من الشروط الابتدائيّة.
و لا بدليل صحّة العقد و لزومه مثل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، ضرورة أنّ كلّ ما كان من قبيل الواجب المشروط فهو لا يقتضي حفظ شرطه أصلا، فحينئذ؛ يكون العقد نافذا بدون الشرط، و ليس ذلك من التعليق الباطل في البيع إجماعا؛ لأنّ المفروض تحقّق التزامهما خارجا و حصول ما علّق عليه.
فما نحن فيه من قبيل ما إذا قصد مع شيء مبتنيا على أنّه ماله و كان كذلك واقعا، و قد يجعل الشرط من قبيل القيود الراجعة إلى قيود أحد العوضين، بأن يكون من قصدهما البيع الخاصّ من دون أن يكون أصل البيع مشروطا على التباني المذكور و إيقاع البيع مطلقا، بل كان من قصدهما التبادل على النهج
ص: 337
المخصوص، أي التبادل بين العينين المقيد بذاك الشرط و الالتزام المنويّ.
فحينئذ؛ و إن لم يكن دليل الشرط أيضا مقتضيا صحّة الشرط و لزوم العمل به؛ لعدم ذكره في ضمن العقد، و لكن لمّا كان أصل البيع مقيّدا فدليل وجوب الوفاء بالعقد يكفي لإثبات نفوذ الشرط، بداهة أنّ العقد حينئذ كما كان نفوذه بمقتضى «أوفوا» مثبتا لجميع ما هو من لوازم العوضين الغير المذكورة في ضمن العقد، مثل وصف الصحّة و غيره من أوصاف العوضين، لأجل فقد المتعاقدين تلك اللوازم ارتكازا، فكذلك مثبتا لما يكون من قبيل قيود العوضين بحسب قصدهما، كما لا يخفى.
و بعبارة اخرى؛ ما هو واقع بحسب قصدهما هو العقد الخاصّ لا المطلق، فدليل نفوذ العقد أيضا لا بدّ و أن يصحح ذلك العقد الخاصّ، و هو لا يمكن إلّا بأن يكون الشرط أيضا نافذا.
و من ذلك يظهر ما في كلام الشيخ قدّس سرّه من إطلاق القول بعدم نفوذ مثل هذا الشرط.
نعم؛ لو شكّ في أنّ التباني المذكور من قبيل الأوّل أو الثاني، فيكون داخلا في مسألة الشكّ في رجوع القيد إلى الهيئة أو المادّة فيما إذا ورد صيغة «افعل» مع قيد و شكّ في رجوعه إلى الهيئة حتّى يكون الطلب مشروطا غير واجب الامتثال إلّا في ظرف حصول القيد، أو إلى المادّة حتّى يكون الطلب مطلقا يجب امتثاله.
و في تلك المسألة بنينا على أنّ القيد إذا كان من قبيل القرينة المتّصلة يوجب إجمال اللفظ، و لا يمكن التمسّك حينئذ بإطلاق الهيئة لإثبات الوجوب،
ص: 338
فمقتضى الأصل، البراءة، ففي ما نحن فيه إذا فرضنا صيرورة اللفظ مجملا من جهة الشك المزبور فلا دليل على نفوذ الشرط، كما لا يخفى.
ثمّ إنّ المحكيّ عن العلّامة في «التذكرة» أنّه لو نذر المولى عتق عبده إذا باعه، بأن يقول: للّه عليّ أن اعتقك إذا بعتك، فلا يجوز له بيعه بشرط ينفي الخيار و سقوطه، فلو باعه كذلك فلا يصحّ؛ لصحّة النذر فيجب الوفاء به، و لا يتمّ إلّا مع الخيار (1).
أقول: تفصيل الكلام في هذا الفرع و توضيحه يظهر بعد بيان أصل المبنى له، و هو أنّه إذا نذر أحد عملا و فعلا معلّقا على شيء فهل يجوز له التصرّفات المنافية للنذر و الوفاء به قبل حصول المعلّق عليه أو مطلقا أم لا؟ فإذا نذر التصدّق بعين لو شفى ولده، أو نذر صلح عين إذا آجرها مثلا، فهل لا يجوز بيعه و لا صلحه و نحوهما ممّا ينافي العمل بالنذر، أم يجوز فيصحّ التصرّفات المنافية وضعا، غاية الأمر عصيانه من جهة عدم الوفاء بالنذر؟
و تنقيح البحث في ذلك أنّه إذا علّق نذره على حصول شيء في الخارج من باب الاتّفاق، كما إذا علّق عتق عبده على بيعه، فتارة يجعل أصل نذره معلّقا حصول ذاك الشيء في الخارج، بأن ينشأ النذر المشروط، كما إذا قال: لو شفي ابني فللّه عليّ التصدّق بعين كذا؛ بحيث يصير أصل النذر معلّقا كالواجب المشروط، و لا بأس به لجواز التعليق في النذر.
و اخرى يجعل أصل نذره مطلقا، و لكن يجعل المنذور معلّقا، كما إذا نذر بالفعل عتق عبده على فرض بيعه، فيكون المنذور الفعلي هو العتق على فرض
1) تذكرة الفقهاء: 1/ 495، المكاسب: 5/ 60.
ص: 339
البيع اتّفاقا، فيصير من قبيل الواجب المعلّق.
و على كلّ واحد من التقديرين إمّا أن نقول: إنّ النذر لا يثبت إلّا حكما تكليفيّا محضا من دون وضعي لا استقلالا و لا بالتبع، و إمّا أن نقول بإثباته له أيضا، أعني اختصاص العين المنذورة في المصرف المنذور، فيوجب سلب سلطنة الناذر عنها، و قصرها بالجهة المنذورة.
و على القول بإثبات الحكم الوضعي به، فإمّا أن يبنى على ثبوته ابتداء، بأن أفاد النذر أوّلا و بالذات حقّ الاختصاص للمنذور له بالنسبة إلى العين المنذورة، بحيث يصير ذلك سببا لوجوب الوفاء بالنذر، فالتكليف تابع للوضع، و إمّا أن يبنى على العكس.
فإن قلنا بأنّ النذر لا يفيد إلّا مجرّد التكليف، فلا إشكال في جواز جميع التصرّفات مطلقا في كلا القسمين من النذر المشروط و المطلق قبل حصول المعلّق عليه و بعده؛ لكون سلطنة المالك على ماله باقية كما كان، غاية الأمر أنّ في التصرّفات المنافية يكون عاصيا، و أمّا الغير المنافية فلا معصية أيضا.
و إن قلنا بثبوت الحكم الوضعي من النذر بتبع التكليف، فيكون الحكم الوضعي و هو الحق و اختصاصه بالجهة المنذور فيها تابعا للحكم التكليفي إطلاقا و اشتراطا، فإن كان نذره مطلقا و المنذور و هو العتق معلّقا على حصول أمر في الخارج يثبت قبل حصول البيع وجوب الوفاء وجوبا معلّقا، بمعنى كون الوجوب فعليا و الواجب و هو العتق معلّقا، فحينئذ يختصّ سلطنة الناذر بعد البيع بخصوص العتق، و لازمه عدم نفوذ التصرّفات الاخر؛ لعدم السلطنة له بالنسبة إليها.
ص: 340
نعم؛ يجوز له أن يتصرّف قبل البيع في العين على وجه لا يمكن بعده البيع، لأنّ الوجوب المعلّق المستتبع لحكم وضعي لا يقتضي حفظ موضوعه من ناحية المعلّق عليه، بل تمام مفاده حفظ موضوعه على فرض كون المعلّق عليه حاصلا من باب الاتّفاق، فالحكم الوضعيّ التابع له أيضا كذلك، و لازمه عدم السلطنة له بالنسبة إلى التصرّفات المنافية للعتق لو تحقّق البيع في الخارج، فلا يصحّ شرط إسقاط الخيار بعد البيع في متن العقد و لا في غيره.
و إن كان أصل النذر معلّقا؛ كأن قال: إن بعتك فللّه عليّ عتقك، فالحكم التكليفي أيضا يصير مشروطا، و قبل البيع لا حكم و لا تكليف أصلا، و لكن لمّا كان الواجب المشروط مع العلم بحصول شرطه يصير مطلقا من غير ناحية شرطه،- كما حقّقناه في محلّه- فالإرادة الفعليّة المنوطة قبل حصول البيع حاصل؛ إذ المفروض علم البائع بحصول البيع خارجا، فلازم تبعيّة الحكم الوضعي للحكم التكليفي تحقّق الحكم الوضعي أيضا قبل حصول البيع.
فيكون حكم هذه الصورة أيضا حكم ما إذا كان النذر مطلقا، و التعليق كان بالنسبة إلى المنذور؛ فيجري اللوازم هنا أيضا.
و إن قلنا بكون النذر مثبتا للحكم الوضعي ابتداء؛ بحيث يكون وجوب الوفاء تابعا لثبوت الاختصاص في الرتبة السابقة في مقام الثبوت، كما هو التحقيق و قد تقدّمت الإشارة إليه، فإن كان النذر حينئذ مطلقا و كان المنذور معلّقا، فلا إشكال في عدم جواز التصرّفات المنافية لقصر السلطنة بالنسبة إلى الجهة المنذورة بالفعل، فلا سلطنة بالنسبة إلى التصرّفات الاخر، فلا يصحّ منه شرط سقوط الخيار.
ص: 341
و إن كان النذر معلّقا و مشروطا، فقبل حصول المعلّق عليه لا نذر، فلا حكم لا وضعيّا و لا تكليفيّا، و ليس حكم هذا القسم حكم ما لو قلنا بكون الوضع تابعا للتكليف من أنّه في صورة العلم بحصول المعلّق عليه يصير الحكم فعليّا؛ لأنّ الحكم الوضعي و هو قصر السلطنة إلى جهة خاصّة لا يكون من قبيل الحكم التكليفي تابعا للعلم بحصول المعلّق عليه؛ لأنّ الحكم التكليفي لمّا كان من قبل الإرادة فمع العلم بحصول المعلّق عليه أو لحاظ حصوله و فرض ثبوته عند الحاكم يحصل له الإرادة الفعلية.
و أمّا الحكم الوضعي؛ و هو اختصاص العبد بالعتق على فرض البيع المستلزم لانحصار سلطنة الناذر في ملك الجهة لمّا كان من آثار النذر و الالتزام، و المفروض كون النذر معلّقا على حصول البيع في الخارج، فلا يمكن حصوله قبل حصول المعلّق عليه خارجا و لو مع العلم بحصوله بعد ذلك، فأصل ثبوت الحكم الوضعي و انحصار السلطنة في الجهة المنذورة فيها يحصل بعد المعلّق عليه.
فحينئذ؛ لو صدر منه عمل آخر و تصرّف مناف للعمل بما هو مقتضى النذر المذكور بعد البيع، كما إذا نذر في المثال السابق صلح العبد بعد البيع أو سقوط الخيار، فأيّ وجه لعدم جواز مثل ذلك التصرّف و تقديم النذر الأوّل؟
مع أنّ كلّا من التصرّفين في عرض الآخر بحسب دليل وجوب الوفاء بهما؛ إذ الفرض أنّ قبل حصول المعلّق عليه لا حكم لنا بالنسبة إلى كلّ واحد من النذرين؛ لعدم تحقّق موضوعه و هو النذر الفعلي، و بعد حصول المعلّق عليه نسبة دليل وجوب الوفاء بالنسبة إلى كلّ واحد منهما على حدّ سواء.
ص: 342
و كذلك دليل وجوب الوفاء بالنذر و دليل الوفاء بالشرط، و المفروض عدم إمكان الجمع بينهما للتنافي و المزاحمة بينهما فتحوّل الدليل بالنسبة إلى النذر الأوّل موقوف على بطلان الثاني، و بطلانه موقوف على صحّة النذر الأوّل، حتّى لا يبقى مجال للنذر الثاني، و هو موقوف على اختصاص الدليل به، و هذا دور واضح.
و مجرّد تقدّم أحدهما زمانا بحسب الإنشاء لا يقتضي ترجيح الأوّل على الثاني، بعد كونهما متساويين في الفرديّة بالنسبة إلى العامّ، و ما نحن فيه نظير قيام إحدى البيّنتين على ثبوت شيء في زمان، و قيام بيّنة اخرى على خلاف ما أفاده الاولى في زمان متأخّر عن الاولى، و مثل ما إذا حصل للمرأة دم يمكن أن يكون حيضا في زمان، ثمّ حصل آخر في زمان متأخّر عن ذلك الزمان، مع عدم إمكان الجمع بينهما، فحينئذ قاعدة الإمكان بالنسبة إليهما على حدّ سواء لا ترجيح لأحدهما بالنسبة إلى آخر بمجرّد التقدّم و التأخّر زمانا، كما لا يخفى.
و التحقيق في دفع الإشكال في أمثال ما نحن فيه- بعد الفراغ عن كون مثل النذر و الشرط مفيدة للوضع، و أنّ النذر المعلّق جائز بلا إشكال، و يكون مثل قوله: إن بعتك فللّه عليّ عتقك ظاهرا في تعليق أصل النذر- هو أن يقال: لمّا لا ريب في أنّه لو كان لنا مقتض تنجّزيّ لشيء و مقتض تعليقي لضدّه و معارضه، فلا بدّ من تقديم الأوّل على الثاني؛ لعدم قابليّة الثاني للمعارضة، بعد فرض كون تأثيره معلّقا على عدم تأثير الآخر، بخلاف الأوّل الذي لا تعليق فيه؛ بل هو مطلق فيؤثّر أثره، بل و يصير مانعا عن تأثير الآخر، و قد تقدّم هذا المعنى في شرط عدم ثبوت الخيار عند ملاحظة النسبة بين اقتضاء البيع للخيار و دليل الشرط.
ص: 343
و من المعلوم؛ أنّه لا اختصاص لذلك بالمقتضي بلا واسطة، بل إذا تحقّق هذا المعنى في رتبة مقتضي المقتضي، بأن كان المقتضي للمقتضي للشيء تنجّزيّا و المقتضي للمقتضي الآخر تعليقيّا فلا موقع للثاني أصلا، بل تقدّم الأوّل لحفظ المناط المزبور بين جميع مراتب المقتضيات.
و من هذا القبيل ما نحن فيه؛ لأنّ القدرة على العمل بالنذر حين العمل شرط في صحّته و أصل انعقاده، و هكذا الشرط.
و المكلّف في المقام بعد البيع ليس له إلّا قدرة واحدة، إمّا العتق بشرط ترك إسقاط الخيار، و إمّا الإسقاط بشرط ترك الفسخ، إذ صرف القدرة في أحدهما يزاحم لصرفها في الآخر، فيقع التزاحم بينهما في هذه المرتبة، و لكنّ التزاحم يبقى بحاله لو لم يكن في الرتبة السابقة بين مقتضي كلّ من القدرتين نسبة التعليق و التنجيز مثل ما عرفت.
و المقام ليس كذلك؛ حيث إنّ المقتضي لمقتضي نفوذ النذر الأوّل بالنسبة إلى المقتضي لمقتضي الآخر تنجّزي، و للثاني تعليقي؛ لأنّ ما هو المقتضي للقدرة على العمل بالنذر الأوّل و الشرط كذلك حين العمل بهما هو إبقاء القدرة قبل حصول المعلّق عليه، و التمكّن من أن يبقي القدرة بعد البيع قبل البيع؛ لعدم صدور عمل منه يوجب زوالها بعد البيع.
فحين صدر منه النذر الأوّل كان له التمكّن من أن يبقي قدرته على العتق بعد البيع تمكّنا تنجّزيّا من دون أن يكون معلّقا على شيء أصلا.
و لكن حين صدور النذر الثاني أو الشرط ما كان له التمكّن من إبقاء قدرته على العمل بالنذر الثاني أو الشرط بنحو التنجيز، بل تمكّنه على إبقاء القدرة
ص: 344
معلّق على أن لا يصرف التمكّن في إبقاء القدرة على العمل بالنذر الأوّل، و هو متوقّف على عدم نفوذ النذر الأوّل، فلا يزاحم الثاني للأوّل، بل هو صحيح دون الثاني.
و من هنا ظهر حكم كلّ ما هو من قبيل ما نحن فيه، و أمّا مثل البيّنتين المتعارضتين و دمين يجري في كلّ منهما قاعدة الإمكان، فلا يكون من قبيل المقام ممّا لا يكون تحت اختيار المكلّف بحسب المقتضيات و الشرائط، فافهم.
و من مسقطات خيار المجلس بل كلّ خيار إسقاطه بعد العقد، و لا خلاف في أصل الحكم، بل ادّعي الإجماع عليه (1)، فأصل الحكم ممّا لا إشكال فيه، و إنّما الكلام في مدركه، و التحقيق في المدرك هو من جهة الامتياز بين الحكم و الحقّ، مع كون كلّ منهما مجعولا من قبل الشارع، و أمر جعلهما بيده، إلّا أنّ الحكم كما أنّ أمر جعله بيده فكذلك أمر رفعه و سقوطه، فليس للمكلّفين فيه ربط و جهة تصرّف لا وضعا و لا سقوطا و لا بقاء.
و أمّا الحقّ؛ فهو و إن كان أمر جعله بيد الشارع، و لكن الشارع جعل أمر بقائه و إسقاطه بيد المكلّف، فقوام الحقّ أن يكون أمر إبقائه و إعدامه بالإسقاط بعد جعله بيد المكلّف، و كلّ ما لم يكن كذلك فهو من قبيل الحكم، و إن كان قد يعبّر عنه بالحقّ، كما يقال: للمؤمن على المؤمن حقوق كذا، فأمثال هذه الامور الّتي ليس أمر إسقاطه بيد المكلّف كلّها من الأحكام و إن عبّر عنها بالحقّ مسامحة من جهة، كعيادة المريض و نحوها.
و أمّا الفرق بينهما بأنّ الحقّ ما هو القابل للانتقال دون الحكم، ففيه؛ أنّ
1) المكاسب: 5/ 61.
ص: 345
كثيرا من الحقوق الّتي قابل للإسقاط ليس قابلا للانتقال، كحقّ المضاجعة و أمثاله.
و بالجملة؛ فإذا كان قوام الحقّ بما ذكرنا من كونه قابلا للإسقاط فلا يحتاج في جواز إسقاطه و صحّته إلى دليل.
نعم؛ لا بدّ من قيام الدليل على كونه من مصاديق الحقّ، من إجماع و نحوه؛ إذ لا امتياز بينهما مفهوما، و لو سلّمناه لا يحصل به التمييز بين المصاديق، كما لا يخفى.
و لمّا كان الإجماع قائما على كون الخيار من الحقوق فلا يحتاج جواز إسقاطه إلى دليل آخر.
و أمّا ما استدلّ به الشيخ قدّس سرّه من النصّ الوارد في خيار الحيوان بأنّه رضى بالبيع بتقريب أنّه يدلّ على أنّه بمثل الرضا بالبيع يسقط الخيار و التصرّف من جهة كونه كاشفا عن الرضا مسقط، و بفحوى مثل «الناس مسلّطون على أموالهم» (1)لأنّه يدلّ على كونهم مسلّطون على حقوقهم بالأولويّة، و لا معنى لتسلّطهم على مثل هذه الحقوق الغير القابلة للانتقال إلّا نفوذ تصرّفهم فيها بما يشمل الإسقاط (2)، فليس على ما ينبغي؛ إذ مع فرض عدم إحراز كون حقّ الخيار قابلا للإسقاط من الخارج لا يمكن إثباته بمثل ذلك.
و أمّا النصّ فقد مرّ أنّ الرضا بالبيع وجه كونه موجبا لزوال الخيار ليس من جهة سقوط الخيار و إسقاطه بذلك، بل من جهة أنّه إعمال للخيار، كما يسقط
ص: 346
التكليف بالإطاعة أو المعصية.
و أمّا مثل «الناس مسلّطون» فقد تقدّم في محلّه أنّه لا يكون مشرّعا للسبب، بل غاية دلالته أنّه يجوز جميع أنحاء التصرّفات و لكن بأسبابها الشرعيّة المعيّنة من قبل الشارع، كما لا يخفى.
ثمّ الإسقاط هل يحصل بمجرّد الرضا أم يحتاج إلى الكاشف؟ و بناء على الاحتياج لا بدّ من اللفظ أو يكفي فيه مطلق الكاشف؟ و على التقديرين هل يكتفى فيه الكاشفيّة عن الرضا و لو بعنوان الحكاية أو تحتاج إلى الإنشاء؟
الأقوى عدم الاكتفاء بمجرّد الرضا الباطني، لأنّ الرضا بالإسقاط ليس إسقاطا، فإنّه من مقولة الفعل، فلا يكفي فيه محض الرضا و لو قلنا بكفاية الرضا في الإجازة في باب الفضولي، لأنّه بناء على الاكتفاء به من جهة أن يحصل إضافة العقد إلى المالك و هي تحصل بالرضا، أو من جهة أن التصرّف في مال الغير لا يحلّ بدون رضاه، كما أنّ الأقوى عدم الاحتياج إلى اللفظ بل يحصل بأيّ كاشف و مبرز؛ لصدق الإسقاط و لو بالإشارة، كما أنّ الأقوى الاحتياج إلى الإنشاء؛ لكون الإسقاط من الإنشائيّات و الإيقاعات، و قد ادّعي الإجماع على أنّها لا يحصل بصرف الرضا (1).
و من ذلك ظهر؛ أنّه لو قال أحدهما لصاحبه: أسقطت الخيار من الطرفين فرضي الآخر به لا يكفي ذلك في سقوط الخيار و لو قلنا بكفايته في إجازة الفضولي؛ لعدم كون الرضا بإسقاط الغير إسقاطا، و لا كون الإيقاع ممّا يكون قابلا للإجازة، فتدبّر.
1) لاحظ! المكاسب: 5/ 61 و 62.
ص: 347
فرع؛ لو قال أحدهما لصاحبه: اختر، فإن اختار المأمور الفسخ فلا إشكال في انفساخ العقد؛ لكونه ذي الخيار بذاته، فبانفساخه يزول العقد، و لكن لو اختار الإمضاء أو لم يخيّر أحد الطرفين فهل يسقط خيار الآمر بمجرّد قوله: اختر لو لم يكن قرينة في البين، أو لم يسقط؟ وجهان.
و ينبغي أوّلا بيان الوجوه المحتملة في مثل هذا اللفظ، فنقول: قد يقال:
اختر في مقام تفويض الخيار إلى المخاطب، بمعنى جعل أمر إعماله بيده، فيكون لبّا راجعا إلى جعله وكيلا في إعماله الخيار فسخا أو إمضاء، و لازم هذا المعنى سقوط خيار الآمر بمجرّد ذلك لو لم يختر أحد الطرفين، أو اختار الإمضاء من قبل نفسه بإعمال خيار نفسه، لا من قبل الآمر بإعمال خياره.
و قد يراد من ذلك تمليكه الخيار و نقله إليه، و قد تقدّم أنّ مثل الخيار ليس قابلا للنقل الاختياري.
و قد يراد منه إسقاط الخيار، و لازمه عدم بقاء الخيار و لو لم يمض المأمور.
و قد يقال به في مقام الرضا بالبيع بجعل هذا اللفظ كاشفا بأنّي لا خيار لي بل أمضيت العقد فالخيار منحصر بك، و لازمه عدم بقاء الخيار له.
و قد يقال في مقام امتحان المخاطب و استكشاف حاله في أنّه هل يفسخ أو يمضي؟ و لازمه عدم سقوط الخيار.
و قد يراد به إظهار ندامته عن البيع، و لكنّه لم ينشأ الفسخ لمنافاته لشأنه مثلا.
هذا هو المحتملات في معنى اللفظ، و الجمود على لفظ «اختر» ما لم يكن
ص: 348
قرينة على شيء من الوجوه لا يقتضي شيئا ممّا ذكرنا، فلا يكون مجرّد هذا الكلام دليلا على الإسقاط أو السقوط بالرضا، كما لا يخفى.
نعم؛ ربما يقال: إنّ الغالب في موارد هذا اللفظ ما إذا كان من قصده إسقاط الخيار بذلك، و عليه يحمل ما ورد في ذلك رواية «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (1)أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر على فرض صحته.
و فيه ما لا يخفى، لمنع الغلبة أوّلا، و منع حجيّتها ثانيا، و الرواية ممّا لم يعمل به، أو يحمل على مورد القرينة.
و ممّا ذكرنا ظهر أنّ المتبايعين لو فسخ أحدهما فلا إشكال في زوال العقد، و لو أمضى الآخر قبله أو بعده لكون كلّ منهما ذا خيار مستقلّ بالنسبة إلى الفسخ و الإمضاء، فلا مزاحمة بينهما أصلا.
و من جملة المسقطات افتراق المتبايعين عن مجلس البيع، و ذكره في جملة المسقطات و إن كانت مسامحة؛ إذ هو ليس إسقاطا للخيار حقيقة، بل هو لارتفاع موضوعه من قبل انقضاء مدّته، و لكنّهم ذكروه فيها استطرادا.
و بالجملة؛ لا إشكال في سقوط الخيار به، و لا يعتبر كشفه عن رضاهما بالبيع و إن كان ظاهر بعض الأخبار مثل قوله: «فإذا افترقا فلا خيار لهما بعد الرضا» (2).
و إنّما الكلام فيما يتحقّق به وصف الافتراق، و التحقيق فيه أن يقال: إنّ المدار فيه هو العرف، و من المعلوم أنّه لا يحكم بالافتراق عن الحال الّذي كانا
ص: 349
عليه عند البيع بمجرّد تغيّرهما أو أحدهما عن تلك الحالة مطلقا، فلو تباعد أحدهما عن الآخر بمقدار إصبع بل بمقدار شبر و إن كان ذلك افتراقا عن الحالة حين البيع حقيقة، إلّا أنّه لما كان العرف لا يرى ذلك افتراقا، بل يصدق عليهما أنّهما لم يفترقا عرفا، فلا يسقط به الخيار قطعا.
أمّا إذا تباعدا بخطوة فلا يبعد صدق الافتراق عرفا، و لا يعتبر صدق الخطى الّتي أقلّه ثلاثة فحينئذ؛ النصّ في شراء الإمام عليه السّلام أرضا و أنّه قال: فلما استوجبتها قمت و مشيت خطى ليجب البيع حين افترقنا (1)محمول على المتعارف من أن كان غرضه من المشي الافتراق، فبحسب العادة يمشي خطى و لا يكتفي بالواحدة أو أقلّ كما هو ظاهر.
كما أنّ الواضح عدم حصول الافتراق بقرب أحدهما إلى الآخر بالنسبة إلى حال البيع، إذ الافتراق بمعنى إبانة أحدهما عن الآخر بالنسبة إلى حال البيع، و القرب موجب للاتّصال بأزيد ممّا كانا عليه.
و أمّا لو حصل لهما تغيّر حال عما كانا عليه حين البيع بالحركة إلى أحد الجانبين، بمقدار لو كان ذلك المقدار إلى الخلف مثلا لحصل الافتراق، بأن حرّك أحدهما إلى طرف اليمين أو اليسار مع بقاء مقدار القرب بينهما بحسب المسافة؛ فيحصل الافتراق أيضا؛ لأنّه يصدق عليهما حينئذ افترقا عن الحال الّذي كانا عليه حين البيع من الهيئة الاجتماعيّة حال البيع، كما لا يخفى.
ثمّ إنّه قد مرّت الإشارة إلى أنّه لا يعتبر في زوال الخيار بالافتراق أن يكون افتراقهما بعنوان الرضا بالبيع، فإنّ زوال الخيار بالافتراق ليس من جهة إعمال
1) وسائل الشيعة: 18/ 8 الحديث 23019 و 23020.
ص: 350
الخيار بالرضا حتّى يكون محتاجا إلى الرضا، بل سقوط الخيار حينئذ من جهة انتهاء غايته، فيكون من قبيل الإسقاط، كما مرّت الإشارة إليه.
و الرضا الوارد في الرواية بأنّه لا خيار بعد الرضا لا بدّ أن يكون مسامحة في التعبير، بعناية أنّ الافتراق لما كان موجبا لزوال الخيار، و زوال الخيار موجب للزوم البيع و استقراره، فالرضا بزوال الخيار بحصول غايته رضا بالبيع، و إلّا فحقيقة يكون لزوم البيع بزوال الخيار بانقضاء غايته لا بإعمال الخيار بالرضا بالبيع، فيكون من قبيل إسقاط الحكم بتفويت شرطه لا بامتثاله، كما إذا صار المسافر حاضرا، فتدبّر.
مسألة: إذا حصل الافتراق بالإكراه مع المنع عن التخاير، فهل يوجب ذلك أيضا زوال الخيار أم لا؟ المعروف- كما حكي (1)- عدم سقوط الخيار من جهة حديث الرفع و قوله عليه السّلام: «ما استكرهوا عليه» (2).
بيان ذلك و تحقيق الأمر يحتاج إلى بيان ما يجري فيه حديث الرفع، لا إشكال في أنّ حديث الرفع بالنسبة إلى كلّ فقرة بعد ما لم يمكن أن يكون المراد منه رفع العناوين بنفسها الّتي اضيف الرفع إليها، كالإكراه و الاضطرار و أمثالهما، بداهة وقوعها في الخارج تكوينا، فلا بدّ أن يكون المراد منه رفع الآثار الشرعيّة للموضوعات بعناوينها الأوّليّة لأجل طروّ هذه العناوين العرضية.
ص: 351
ثمّ إنّه كما لا بدّ أن يكون لذلك الموضوع الّذي طرأ عليه الإكراه و غيره أثر شرعيّ كان المقصود من الرفع رفعه كذلك، يعتبر أن يكون رفعه مطابقا للامتنان على العباد، إذ الحديث ورد في مقام الامتنان، فلا يرتفع به ما ليس فيه الامتنان على العباد، كما هو ظاهر.
فنقول: إنّ الخيار و إن كان من الأحكام و الآثار الشرعيّة الّتي أمر جعله و رفعه بيد الشارع، و لكن الشارع ما جعل هذا الخيار مطلقا، بل في ظرف عدم الافتراق بعد البيع، فالموضوع الّذي جعل حكمه الخيار عدم الافتراق، فحينئذ لو كان الافتراق غاية للمجعول، بأن يكون جعله الخيار غير مغيّا و كان الخيار المجعول مغيّا، فلو كان رفع الخيار و إفناؤه بعد الافتراق من المجعولات الشرعيّة أيضا؛ إذ تقييد المجعول بالغاية يدلّ على انتفاء الحكم عمّا بعد الغاية بالدلالة اللفظية المفهوميّة، فحينئذ؛ يكون للافتراق أثرا شرعيّا، و هو رفع الخيار.
فإذا صار «ممّا استكرهوا عليه» يرفع هذا الأثر الشرعي و ينزل وجوده كالعدم، فنقول: إنّ ما ترتّب على الافتراق لو لم يكن عن إكراه عند تحقّق الإكراه مرفوع، فنقيضه و هو الخيار ثابتا، باقيا.
و أمّا لو كانت الغاية غاية لأصل الجعل، بمعنى أن جعل الشارع للخيار ما دام عدم الافتراق كما هو الظاهر من كلّ قضيّة غائية، و قد برهن في محلّه.
فحينئذ مفهومه عدم جعل الخيار بعد الغاية لا جعل عدم الخيار، و عدم الجعل ليس حكما شرعيا و أثرا مجعولا للافتراق، فإذا لم يكن كذلك فلا يكون للافتراق أثر شرعي كان قابلا للرفع بالإكراه عليه و لو بنينا على جريان الحديث في الأحكام الوضعيّة.
ص: 352
و لمّا كان التحقيق كون الغاية غاية للحكم و الجعل، فالحقّ أنّ الإكراه على الافتراق لا أثر له شرعيّا، بل الافتراق بمجرّد حصوله يوجب سقوط الخيار، سواء كان قادرا على الفسخ و لم يفسخ حتّى حصل الافتراق بالإكراه، أو كان ممنوعا عنه، فإنّ منعه عن الفسخ لا يوجب زوال الخيار في مورد لم يزل الخيار بزوال موضوعه.
و الحاصل؛ أنّه لا مدخليّة لمنعه عن الفسخ في بقاء الخيار مع الافتراق المكره عليه و عدم منعه، بعد كون الافتراق إذا تحقّق بأيّ نحو يوجب زوال الخيار.
كما أنّه لو بنينا على عدم الخيار بالإكراه على التفرّق عدم الخيار بالافتراق المكره عليه، و قلنا: إنّه كالعدم في بقاء الخيار لا نفرّق أيضا بين أن يكون ممنوعا عن الفسخ أو لا، فالتفصيل بين ما إذا كان مع الإكراه على الافتراق ممنوعا عن الفسخ أيضا فيكون خياره باقيا، أو لا يكون ممنوعا، فلا يبقى خياره بعد الافتراق، ممّا لا وجه له.
اللهمّ إلّا أن يكون النظر إلى مقتضى الامتنان، فإنّه مع المنع عن الفسخ و الإكراه على الافتراق كون الافتراق موجبا لزوال الخيار خلاف الامتنان، فالامتنان يقتضي بقاء الخيار و رفع أثر الافتراق، بخلاف ما إذا كان قادرا على الفسخ، فليس امتنان في رفع أثر الافتراق المكره عليه، بناء على كون رفع الخيار من آثاره، فتأمّل جيّدا.
و مع ذلك كلّه؛ التحقيق ما عليه الأصحاب من عدم زوال الخيار بالإكراه بشرط المنع عن الفسخ، و أنّ الغاية غاية للخيار لا للجعل، لأنّ الجعل أثر آنيّ
ص: 353
غير قابل للبقاء حتّى يفي بالغاية، و ما هو القابل للبقاء هو الخيار، فالغاية أيضا غاية له، فحينئذ فالمفهوم للغاية عدم بقاء الخيار بعد الافتراق و رفعه به، فيكون المفهوم حينئذ حكما شرعيّا من آثار الغاية.
فإذا صار الافتراق ممّا استكره عليه فمع عدم المنع عن الفسخ و قدرته على التخاير لا يقتضي الامتنان رفع أثره ببقاء الخيار، و أمّا إذا منع عنه فمقتضى الحديث و الامتنان هو رفع أثره ببقاء الخيار، و جعل وجوده كالعدم.
فاتّضح من ذلك وجه نظر الأصحاب إلى اعتبار المنع عن التخاير في بقاء الخيار، فلا وجه لما في كلام الشيخ قدّس سرّه من التأمّل في ذلك (1).
و ظهر أيضا المراد بالرضا في قوله: «فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا» (2)ليس المراد الرضا بالعقد قبل الافتراق أو بعد الافتراق؛ إذ الرضا بالعقد إن كان المراد منه قبل الافتراق و الافتراق كاشف عنه، فيلزم أن لا يكون الافتراق بنفسه مزيلا له و غاية للخيار، و هو خلاف كلامهم من كون الافتراق غاية للخيار، و خلاف قوله في الخبر: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (3).
و إن كان المراد منه الرضا بالعقد بعد الافتراق فلا وجه للاعتبار؛ إذ بعد الافتراق لا خيار له بالنسبة إلى العقد حتّى يحتاج زواله بالإعمال إلى الرضا، فلا بدّ أن يكون المراد الرضا بالافتراق، فيكون مفاده مفاد حديث الرفع حسبما عرفت.
ص: 354
و ممّا ذكرنا ظهر حال ما إذا اكره أحدهما على الافتراق و منع عن التخاير مع إكراه الآخر على البقاء في المجلس و منعه عن التخاير أيضا، فإنّ حال المكره على البقاء كذلك حال المكره على الافتراق.
و أمّا لو لم يكن الآخر مكرها على البقاء في المجلس مع إكراه الأوّل على الافتراق مع منعه عن التخاير، فهل يختصّ عدم سقوط الخيار بالمكره على الافتراق، و أمّا الآخر فيسقط خياره لو لم يصاحب المكره على التفرّق و الخروج عن المجلس مطلقا، أو لا يسقط خياره أيضا مطلقا، أو يفصّل بين ما إذا بقي في المجلس فيبقى خيارهما، و بين ما إذا ذهب عن المجلس فسقط خيارهما بذهابه عن المجلس مختارا؟ وجوه.
قد يقال بعدم سقوط خيارهما مطلقا، للأصل و أنّ المنصرف من قوله:
«حتّى يفترقا» هو الافتراق الناشي عن رضائهما معا (1).
و يدلّ عليه صحيحة الفضل المتقدّمة (2)بإناطة سقوط الخيار بالرضا منهما المنفي بانتفاء أحدهما.
و فيه؛ أنّ من المعلوم أنّ قوله: «حتّى يفترقا» يكون من متفرّعات قوله:
«البيّعان بالخيار ما لم يفترقا»، و من المعلوم أنّ الخيار الثابت للبيّعين ليس خيارا واحدا قائما بهما معا حتّى يكون سقوطه بافتراقهما، بل الثابت لكلّ منهما خيار مستقلّ مختصّ به، فيكون افتراق كلّ منهما غاية لخيار نفسه، فلا بدّ أن يكون
ص: 355
تفرّق كلّ منهما ناشئا عن رضاه بالخصوص كان الآخر راضيا به أم لا، فأحدهما إذا صار مكرها بالافتراق مع منعه عن التخاير فبذهابه يحصل الافتراق قهرا لو لم يصاحبه الآخر، فحينئذ هذا الافتراق بالنسبة إلى المكره مع المنع عن التخاير لمّا لم يكن عن رضاه فلا أثر له في سقوط خياره.
و أمّا بالنسبة إلى الآخر المختار في المصاحبة و البقاء، أو التخاير و عدمه، فيكون عن رضاه و إلّا لصاحبه، أو اختار الفسخ لو كان مختارا فيهما أو أحدهما.
فتحصّل أنّ التحقيق سقوط الخيار بالنسبة إلى كلّ من كان مختارا في المصاحبة و بقي في المجلس أو كان مختارا في الفسخ، كما أنّ الحكم في عكس ذلك كذلك، فلو كان أحدهما مكرها على البقاء مع منعه عن التخاير، و الآخر مختارا في الافتراق أو فيه دون الافتراق، فاختار الافتراق أو عدم الفسخ، يسقط الخيار بالنسبة إليه دون المكره على البقاء مع منعه عن التخاير، كما لا يخفى.
مسألة: و لو زال الإكراه عن الافتراق الموجب لبقاء الخيار بالنسبة إلى المكره، فهل الخيار باق ببقاء المجلس الّذي زال الإكراه فيه أم لا، بل الخيار حينئذ فوريّ، أم فيه تفصيل؟
فيه التفصيل بحسب المقامات، و هو أنّ الافتراق الحاصل بالإكراه قد يكون على وجه لو كان المتبايعان بهذا الحال حين البيع لا خيار لهما رأسا، كما إذا اكرها على الافتراق بوجه خرجا عن كونهما في مجلس و مكان واحد عرفا، و قد يكون على وجه لو كانا كذلك حين البيع يثبت لهما الخيار، كما إذا اكرها على
ص: 356
تغيّر مكانهما بمقدار لو لا الإكراه لسقط خيارهما لصدق الافتراق.
و على الثاني؛ إمّا أن نقول بالافتراق الّذي جعل غاية للخيار لا بدّ أن يكون بذاته مقيّدا بكونه صادرا عن رضاهما، بمعنى أن نقول بأنّ غاية الخيار الافتراق الّذي يكون عن رضا، بحيث كان الرضا قيدا للافتراق لا لأوّل وجوده، و إن كانت الطبيعة قد تحصل بأوّل وجودها و لكن ما هو الغاية هو الافتراق الصادر.
و إمّا أن نقول: إنّ الرضا قيد لأوّل الوجود لا قيد للافتراق، فيكون الغاية غاية لصرف طبيعة الافتراق، بحيث كان أوّل الوجود صادرا عن الرضا لا أصل الافتراق، و لو بثاني وجوده.
فإن حصل الافتراق على النهج الأوّل أو الثاني و قلنا بكون الرضا قيدا لأوّل وجود الافتراق فلا يمكن حينئذ حصول الغاية و هو الافتراق عن رضا؛ إذ حين تحقّق أوّل وجود الافتراق ما صدر عنه عن اختيار و كان مكرها عليه، و حين زوال الإكراه لا افتراق بأوّل وجوده، و لا يمكن تحقّقه بعد ذلك؛ لأنّه على الأوّل لا اجتماع حتّى يمكن إزالته بالافتراق.
و على الثاني يكون الافتراق بعد زوال الإكراه ثاني وجوده لا أوّله، فلا سبيل حينئذ إلى أن يلاحظ الافتراق بالنسبة إلى حال بعد الإكراه؛ لأنّ الافتراق بعد الإكراه لا يمكن أن يصير ما جعل غاية.
فحينئذ لا بدّ إمّا من القول بكون الخيار باقيا إلى أن يسقط بأحد المسقطات الاخر بمقتضى الاستصحاب، و إمّا من القول بالفورية بمقتضى عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ على الخلاف في الرجوع إلى استصحاب المخصّص أو عموم العامّ.
و إن حصل الافتراق على النهج الثاني و لكن قلنا بكون الرضا قيدا لأصل
ص: 357
الافتراق، بمعنى أن نقول: إنّ الغاية هو الافتراق الصادر عن رضا و لو بأوّل وجوده، و لكن يكون متعلّق أوّل الوجود هو المقيّد مع القيد.
فحينئذ؛ لما يمكن حصول الغاية؛ إذ الفرض أنّ الافتراق عن الرضا بعد ما حصل مع كونه ممكن الحصول؛ لأنّ الاجتماع في المجلس بعد باق، فلا بدّ من القول ببقاء الخيار إلى أن يحصل الافتراق.
فالمهمّ الاستظهار من الدليل، و أنّه هل المستفاد منه أن يكون الرضا قيدا لأوّل وجود الافتراق، أو لأصله، فنقول: أمّا حديث الرفع؛ فلا يثبت به إلّا أنّ الافتراق عن إكراه لا أثر له، لا أنّه يثبت أنّ الغاية أيّ افتراق، فتأمّل.
فيبقى الخبر و ما هو المدرك لأصل الخيار، و هو قوله: «و لا خيار بعد الرضا» بناء على كون الرضا رضا بالافتراق لا البيع، و الظاهر منه هو الرضا إلى الافتراق عن الحال الّذي كان المتبايعان عليه حين البيع، فيكون الرضا قيدا لأوّل وجود الافتراق لا لمطلقه، فحينئذ يتعيّن الأوّل و أنّه لا يمكن حصول الغاية بعد الإكراه بمطلق الافتراق.
مسألة: من مسقطات هذا الخيار التصرّف على وجه يكشف عن الرضا بالبيع نوعا، و النصّ على سقوط الخيار به (1)، و إن ورد في خيار الحيوان و لكن الأصحاب لمّا استفادوا منه اتّحاد المناط و الملاك فلم يفرّقوا بينه و بين مطلق الخيار؛ لعدم خصوصية له.
1) وسائل الشيعة: 18/ 13 الباب 4 من أبواب الخيار.
ص: 358
الثاني من أقسام الخيارات: خيار الحيوان، لا خلاف بينهم في ثبوت الخيار في الحيوان للمشتري في الجملة، و إنّما الكلام في أنّ المراد من الحيوان كلّ ما له روح و لو لم [يكن] المقصود منه حياته و حيوانيّته، فيشمل مثل السمك و الجراد و العلق و دود القزّ و أمثالها ممّا لا يكون المقصود بقاؤها، أم يختصّ بما يكون المقصود بقاؤه و كونه حيوانا، فيخرج السمك و أمثاله ممّا يكون المقصود لحمه، أو جهة اخرى عن تحت أدلة هذا الخيار؟
الأقوى الثاني؛ إذ الظاهر من النصّ (1)أو المنصرف إليه هو ثبوت الخيار في الحيوان المقصود روحه و كونه حيوانا، فأمثال ما ذكرناه ممّا لا يكون الغرض روحه و بقاؤه خارج عن المنصرف إليه النصّ و إطلاقات الباب، كما لا يخفى.
و أمّا الحيوان المشرف على الموت بحيث يزهق روحه قبل مضيّ ثلاثة أيّام، كالصيد المجروح بالكلب المعلّم و نحوه، ففي ثبوت أصل الخيار فيه و عدمه، و على فرض الثبوت ففي كون الخيار ممتدّا إلى آن قبل الموت، أو إلى ثلاثة أيّام أو يكون قويّا، وجوه.
أمّا وجه عدم الثبوت؛ فلدعوى انصراف الأدلّة إلى ما يكون له استعداد البقاء إلى الثلاثة، ففيما إذا كان ممّا يموت قبل الثلاثة و ليس له حياة مستقرّة، و المقصود منه لحمه مثلا، لا يكون مشمولا للأدلّة.
و أمّا وجه الثبوت؛ فلكونه حيوانا فشملته الإطلاقات، و لكنّ الأقوى عدم
1) وسائل الشيعة: 18/ 10 الباب 3 من أبواب الخيار.
ص: 359
الثبوت و الشمول، للانصراف.
و بناء على الشمول، أمّا وجه فوريّة الخيار؛ فلأنّه القدر المتيقّن، و بالنسبة إلى ما زاد عنه مقتضى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ هو اللزوم؛ إذ انتهاء الخيار إلى ثلاثة بالنسبة إلى الحيوان القابل بقاؤه إليه، فكأنّه قال: ثلاثة أيّام للمشتري بشرط أن يكون باقيا.
و أمّا الوجه للبقاء إلى آن قبل الموت؛ فلاستصحاب الخيار إلى تلك الحالة بعد ثبوته بنفس العقد و الثلاثة انتهى. و غاية لوقت الخيار بالنسبة إلى الحيوان القابل للبقاء إلى ما بعد الثلاثة.
و أمّا وجه كون الانتهاء الثلاثة، فلأنّ الموضوع الحيوان المعنون به حين البيع، و لا يشرط بقاؤه إلى الثلاثة بصفته.
و الأقوى بناء على ثبوت الخيار الحكم ببقائه إلى الثلاثة؛ لإطلاق الأدلّة و أنّ المعتبر الحيوانيّة حين البيع.
و لكن ذلك كلّه بناء على عدم القول بكون التلف في زمن الخيار يشمل مثل ذلك ممّا لا يكون التلف من قبل البائع، بل يكون المشتري و البائع كلاهما عالمين بموته و أنّهما يقدمان عليه كذلك.
و أمّا لو بنينا على كون مثل ذلك أيضا داخلا في عموم دليل التلف في زمن الخيار فلا مجال لكون الخيار باقيا إلى الثلاثة؛ لصيرورة العقد بالموت و التلف منفيّا، كما سيأتي في محلّه.
ص: 360
مسألة: اختلفوا في اختصاص خيار الحيوان بالمشتري فيما لو كان المبيع حيوانا و ثبوته للبائع حينئذ أيضا، أو الخيار لمن انتقل الحيوان به، مثل ما جعل الحيوان ثمنا، دون من لم ينتقل إليه.
المشهور على الأوّل، ففي ما إذا لم يكن المبيع حيوانا فلا خيار لأحدهما، و لو كان الثمن حيوانا.
و ينبغي أوّلا تأسيس الأصل العملي لموارد الشكّ ثمّ التكلّم في الأصل الاجتهادي، و أنّ مقتضى العمومات أيّ شيء هو؟ ثمّ البحث فيما يقتضيه الأخبار الخاصّة في المقام.
فنقول: أمّا إذا كان المبيع حيوانا؛ فلا إشكال في ثبوت الخيار للمشتري إجماعا و سنّة مستفيضة (1)كما سيأتي.
و أمّا بالنسبة إلى البائع؛ فتارة ليس له خيار المجلس، كما إذا فرض شرط سقوط خيار المجلس، أو ما اجتمعا حين البيع في مجلس واحد على نحو يكون معتبرا في ثبوت خياره، و اخرى يكون في المعاملة خيار المجلس.
أمّا إذا لم يكن له خيار المجلس؛ فمقتضى الأصل العملي لزوم البيع؛ للشكّ في كون فسخه مؤثرا؛ إذ حين البيع لم يعلم ثبوت الخيار له، فيوجب ذلك الشكّ في تأثير الفسخ بالنسبة إلى العقد، فمقتضى استصحاب بقاء أثر العقد على حاله بعد الفسخ عدم تأثيره، فيثبت لزوم العقد.
1) وسائل الشيعة: 18/ 10 الباب 3 من أبواب الخيار.
ص: 361
و أمّا في صورة ثبوت خيار المجلس؛ فاستصحاب أصل بقاء الخيار بعد انقضاء المجلس ممّا لا وجه له؛ لأنّ من أقسام القسم الثالث من استصحاب الكلّي و هو الشكّ في حدوث فرد يكون باقيا على فرض حدوثه حين حدوث الفرد المقطوع ارتفاعه، و ذلك لأنّ كلّ واحد من الخيارات حقّ غير الآخر، فقبل انقضاء المجلس لو كان خيار الحيوان ثابتا يتحقق حقّان و خياران.
و الشاهد على ذلك أنّه بإسقاط أحدهما لا يسقط الآخر، و حينئذ نقول: إنّه نشك حين حدوث خيار المجلس أنّه هل حدث خيار آخر أم لا؟ فخيار المجلس المتيقّن حدوثه نقطع بزواله، و أمّا خيار الحيوان؛ فنشكّ في أصل حدوثه، فكيف يستصحب الخيار الثابت سابقا؟
نعم؛ يمكن استصحاب السلطنة على الفسخ الثابت في المجلس الّتي هي نتيجة الحقّ و أثر الخيار؛ إذ السلطنة لا تعدّد فيها بتعدّد سببه، و لا يختلف نوعها بتبدّل الخيار، فلا مانع من استصحاب السلطنة على الفسخ.
و أمّا إذا كان الثمن حيوانا بالنسبة إلى من انتقل إليه الحيوان؛ فيجري فيه ما تقدّم بعينه، و أنّ مقتضى الأصل هو اللزوم فيما إذا لم يكن خيار المجلس في البين، و الأصل بقاء السلطنة فيما إذا كان خيار المجلس، فالأصل العملي هنا أيضا يختلف حسب اختلاف ثبوت خيار المجلس و عدمه.
و أمّا العمومات؛ فقد تمسّك الشيخ بمثل ذيل رواية الفضيل الواردة في خيار المجلس من قوله: «و إذا افترقا وجب البيع، و لا خيار بعد الرضا» (1)، فإنّه يدلّ بالعموم على لزوم البيع مطلقا بانقضاء المجلس خرج عنه المشتري إذا كان
1) وسائل الشيعة: 18/ 6 الحديث 23013.
ص: 362
المبيع حيوانا و بقي الباقي (1).
و فيه؛ أنّ من الظاهر أنّ المراد من وجوب البيع ليس وجوبه من كلّ جهة حتّى نقول بخروج ما خرج، بل المراد هو الوجوب من جهة خيار المجلس غيره، فلا ينافي جوازه من جهة اخرى، فلا يكون دليلا في المقام.
و قد يستدلّ بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بالنسبة إلى ما ليس فيه خيار المجلس، فيثبت في غيره بعدم القول بالفصل، و أمّا فيما فيه خيار المجلس؛ فلا يمكن التمسّك فيه لإحراز بقاء السلطنة على الفسخ بالاستصحاب.
فالتعميم لا يمكن إلّا بضمّ عدم القول بالفصل، كما في كلام الشيخ قدّس سرّه (2)و تقريب الاستصحاب ما قد تقدّم عن الشيخ قدّس سرّه من أنّ معنى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وجوب الوفاء بما هو مضمون العقد بترتيب آثاره مطلقا حتّى بعد الفسخ، فيكشف عن عدم كون الفسخ مؤثّرا فيثبت اللزوم (3).
و لكن قد تقدّم سابقا أيضا الإشكال بأنّه من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، و أنّه لا يعلم بقاء العقد و لا مضمونه بعد الفسخ حتّى يجب الوفاء به بترتيب أثره.
و أمّا الكلام في الأخبار الخاصّة الواردة في خصوص الباب؛ فهي بين طوائف أربع:
ص: 363
الاولى؛ ما يكون ظاهره اختصاص الخيار بالمشتري، و لكن من حيث كون الحيوان هو المبيع، أو هو الثمن، أو كان الثمن و المبيع كلاهما حيوانا، مطلق من حيث اللفظ.
مثل ما في صحيحة فضيل: قلت: ما الشرط في الحيوان؟
قال: «ثلاثة أيّام للمشتري».
قلت: و ما الشرط في غير الحيوان؟
قال: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (1).. إلى آخره.
و مثل رواية عليّ بن أسباط عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: «الخيار في الحيوان ثلاثة أيّام للمشتري» (2).
و مثل صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «في الحيوان كلّه شرط ثلاثة أيّام للمشتري» (3).
و مثل صحيحة ابن رئاب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «الشرط في الحيوانات ثلاثة أيّام للمشتري» (4).
الثانية؛ ما يدلّ على اختصاص الخيار بالمشتري و نفيه عن البائع فيما إذا كان المبيع حيوانا.
مثل ما عن «قرب الإسناد» قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل اشترى جارية لمن الخيار، للمشتري، أو للبائع، أولهما كلاهما؟
ص: 364
قال: «الخيار لمن اشترى ثلاثة أيّام نظرة، فإذا انقضت ثلاثة أيّام فقد وجب الشراء» (1).
الثالثة؛ ما يكون ظاهره في كون الخيار في المعاملة الّتي فيها حيوان لصاحب الحيوان و لمن انتقل إليه الحيوان من دون بيان كونه مشتريا أو بايعا أو كلاهما.
مثل صحيحة محمّد بن مسلم: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا و صاحب الحيوان بالخيار (2)ما لم يفترقا» (3).
و مثل رواية ابن فضّال، قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السّلام: «صاحب الحيوان المشتري بالخيار ثلاثة أيّام» (4).
الطائفة الرابعة؛ ما هي ظاهرة في ثبوت الخيار للمتبايعين إلى ثلاثة أيّام في المعاملة الّتي فيها حيوان، و لكن من حيث كونه مبيعا أو ثمنا مطلق أو مهمل.
مثل صحيحة اخرى لمحمّد بن مسلم: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان، و فيما سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا» (5).
و لا يخفى؛ أنّه لو اخذ بإطلاق هذه الطوائف الأربع لكان بين كلّ طائفة منها معارضة، فإنّ الطائفة الاولى مفادها إثبات الخيار للمشتري في المعاملة الّتي
1) قرب الإسناد: 78، وسائل الشيعة: 18/ 12 الحديث 23031.
2) هذه الطائفة تحتاج إلى المراجعة، حيث لم يظهر لنا وجودها رأسا، «منه رحمه اللّه».
3) وسائل الشيعة: 18/ 5 الحديث 23011، و فيه: البيّعان بالخيار حتّى يفترقا و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيّام.
4) وسائل الشيعة: 18/ 10 الحديث 23023.
5) وسائل الشيعة: 18/ 10 الحديث 23025.
ص: 365
كان فيها حيوان من دون نظر إلى كونه مبيعا أو ثمنا، بل مقتضى إطلاقها أعمّ من كليهما.
و الطائفة الثانية؛ يثبت الخيار لخصوص المشتري بشرط كون الحيوان بيعا لا مطلقا، فيعارض الاولى.
و الثالثة؛ يثبت الخيار لصاحب الحيوان مشتريا كان- فيكون الحيوان مبيعا أو بائعا- فيكون الحيوان ثمنا، أو كلاهما، فيعارض الطائفتين.
و الرابعة؛ مثبتة للخيار للمتبايعين في مطلق معاملة كان فيها حيوان ثمنا أو مثمنا، فتعارض الجميع، هذا مقتضى النظر الاولى.
و لكن بعد التأمّل يظهر بأنّ الطائفة الاولى لا تعارض الثانية؛ حيث إنّ الظاهر من المشتري في الأخبار الاولى هو مشتري الحيوان، فيكون موردها ما إذا كان الحيوان مبيعا، و وجه الظهور في قوله: ما الشرط في الحيوان؟ فإنّه من الواضح أنّ المراد الخيار في ردّ الحيوان.
مضافا إلى أنّ الحكمة في جعل الخيار لما كان هو الإرفاق على العباد من حيث إنّهم لعلّه يطّلعون في الثلاثة على بعض العيوب الخفيّة في الحيوان الّتي لم يحصل الاطّلاع عليه عند البيع.
فهذا المعنى يوجب الارتكاز الّذي يصير من قبيل القرائن الحافّة الموجبة لأن يصير اللفظ منصرفا إلى مشتري الحيوان، فكأنّه قيل: ثلاثة أيّام لمشتريه أو لمشتري الحيوان، فيكون مفاد الطائفة الاولى مع مفاد الثانية واحدة، فكلاهما حينئذ يكون مفادهما ثبوت الخيار للمشتري بشرط كون الحيوان مبيعا.
و أمّا الطائفة الثالثة الظاهرة في كون الخيار لصاحب الحيوان، إطلاقها
ص: 366
يقتضي أنّ الخيار للمشتري إن كان المبيع حيوانا، و للبائع إن كان الحيوان ثمنا، و لكليهما إن كان كلاهما حيوانا، فيعارض الطائفة الثانية الّتي كان مرجع الاولى إليها.
فحينئذ الأمر يدور بين رفع اليد عن مفهوم الطائفة الاولى، فإنّ [مقتضى] قوله: «ثلاثة أيّام للمشتري» أنّه ليس بغير المشتري خيار، سواء انتقل إليه الحيوان و كان صاحب الحيوان، أو لم ينتقل إليه الحيوان.
و بعبارة اخرى؛ ظاهرها أنّ خيار الحيوان مختصّ بالمشتري، مع كون مورده أيضا فيما إذا كان المبيع حيوانا، فمفهومه أنّه ليس لغير المشتري خيار و لو انتقل إليه الحيوان، و لا للمشتري إذا لم ينتقل إليه.
فحينئذ؛ إمّا لا بدّ من رفع اليد عن مفهومها، و حمل قوله: «للمشتري» على ما إذا كان المبيع حيوانا، يعني في مورد كان الحيوان منحصرا لوقوعه مبيعا الخيار مختصّ بالمشتري لا البائع و لا لكليهما، أو رفع اليد عن إطلاق الطائفة الثالثة و حمل «صاحب الحيوان» على خصوص المشتري فيما إذا كان المبيع حيوانا، و التعبير عن المشتري بصاحب الحيوان لكون الغالب في المعاملة الّتي فيها الحيوان كون الحيوان مبيعا، فالمشتري هو صاحبه.
و الأقوى؛ حمل الطائفة الثالثة على الاولى، و الحكم باختصاص الخيار بالمشتري بشرط كون المبيع حيوانا. و ذلك، لأنّه لو اخذ بإطلاق «و صاحب الحيوان» يلزم لغوية لفظ «المشتري» في الأخبار المتعدّدة، فتكرّر ذلك فيها يقتضي أنّ للمشتري خصوصيّة، و ليس ذكره لمجرّد كونه صاحب الحيوان من باب الاتّفاق.
ص: 367
و من ذلك ظهر دفع توهّم أنّ ذكر المشتري و الخيار له من جهة أنّ المبيع كان هو الحيوان فقط، و كان المشتري هو صاحب الحيوان، فلا يدلّ على عدم الخيار للبائع إذا كان هو صاحب الحيوان لأجل كون الثمن حيوانا.
توضيح الدفع؛ أنّ تكرار لفظ «المشتري» و الاكتفاء به يشهد أنّ الخيار في المعاملة الّتي فيها الحيوان مختصّ بالمشتري إذا كان المبيع حيوانا، مع أنّ غالب الأخبار مطلق من جهة كون الثمن حيوانا و عدمه، فاختصاص الخيار بالمشتري في مطلق المعاملة الّتي فيها الحيوان ظاهر كمال الظهور في عدم ثبوت الخيار للبائع، و لو كان هو صاحب الحيوان أيضا.
بل اقتران ذكر خيار الحيوان بخيار المجلس الثابت للمتبايعين مع تخصيصه في الحيوان بالمشتري ممّا يوجب الاطمينان بأنّه ليس للبائع خيار، و لو كان ممّن انتقل إليه الحيوان، و إلّا لكان مقتضى المقام الاستفصال.
و أمّا حمل قوله: «و صاحب الحيوان بالخيار» على المشتري من جهة كون الغالب في كلّ معاملة حيوانيّة كون الحيوان هو المبيع، فيكون المشتري هو الصاحب فممّا لا بأس به، بل قريب.
بل في بعض الأخبار التصريح بكون المراد من صاحب الحيوان هو المشتري، كما في خبر ابن فضّال السابق، و صاحب الحيوان المشتري بالخيار ثلاثة أيّام فيتعيّن حينئذ هذا الحمل، كما لا يخفى.
بقي الكلام في الطائفة الرابعة، فإنّها ظاهرة جدّا في ثبوت الخيار لكلّ من البائع و المشتري في مطلق معاملة كانت فيها حيوان، سواء كان المثمن فقط أو الثمن كذلك أو كلاهما، فيعارض الأخبار السابقة الدالّة على اختصاص الخيار
ص: 368
بالمشتري، مع كون مورد الخيار ما إذا كان المثمن هو الحيوان.
غاية الأمر بمقتضى تصريح رواية «قرب الإسناد» بعدم الخيار للبائع في مورد كان المثمن حيوانا تخصّص تلك الطائفة بما إذا كان الثمن و المثمن حيوانا أو كان الثمن فقط، و حيث إنّه لم يقل أحد بثبوت الخيار للمتبايعين فيما إذا كان الثمن حيوانا دون ما إذا كان الثمن حيوانا، بل لو كان قول فبالعكس.
مع أنّ أخبار «صاحب الحيوان بالخيار» يكون ظاهرة في اختصاص الخيار بمن انتقل إليه الحيوان و إن حملناها على المشتري، فلا بدّ من حمل تلك الطائفة على مورد كان الثمن و المثمن كلاهما حيوانا.
فحينئذ؛ لا بدّ إمّا من رفع اليد عن إطلاق الطائفة الاولى و حملها على مورد كان الحيوان خصوص المثمن، و أنّ قوله: «ثلاثة أيّام» للمشتري، يعني في خصوص ما إذا كان صاحب الحيوان هو المشتري فقط، و أمّا إذا كان كلّ من الثمن و المثمن، فيكون خارجا من شمولها و داخلا تحت قوله: «المتبايعان بالخيار في الحيوان إلى ثلاثة أيّام».
و يؤيّد هذا الجمع أنّ الإرفاق في جعل خيار الحيوان- و هو الاطّلاع على الامور الخفيّة- يقتضي أن يكون الخيار ثابتا لكلّ من البائع و المشتري في مورد كان الثمن و المثمن كلاهما حيوانا؛ لعدم اختصاص الإرفاق بخصوص المشتري.
و لا يلزم من ذلك القول بثبوت الخيار لخصوص البائع فقط فيما إذا كان الثمن حيوانا دون المثمن؛ إذ الإرفاق ليس دليلا بنفسه، بل هو موجب لقوّة الدليل، و في مورد كان الثمن حيوانا دون المثمن لا دليل على ثبوت الخيار أصلا؛ لما ذكرناه من أنّ أخبار «و صاحب الحيوان» محمول على المشتري،
ص: 369
و أن التعبير عنه به للغلبة.
نعم؛ لازم هذا المعنى أن يحمل قوله في ذيل صحيحة ابن مسلم: «و فيما سوى ذلك البيّعان بالخيار» .. إلى آخره، على معاملة لم يكن فيها الحيوان مثمنا أو لم يكن فيها حيوان أصلا، فإنّه لو اخذ بظاهرها من حملها على ما سوى كون الثمن و المثمن كلاهما حيوانا، فإطلاقه يقتضي عدم خيار الحيوان أصلا، حتّى مع كون المثمن حيوانا، و هو خلاف صريح الأخبار السابقة.
اللهمّ إلّا أن يقال بتخصيصه بها.
و أمّا مع الأخذ بظهور الأخبار السابقة في عدم الخيار للبائع و لو مع كون الثمن؛ لكونها في مقام التحديد و الحكم بالتعارض بين الطائفتين؛ لعدم إمكان الجمع بوجه آخر، فلو لم يكن في البين إجماع على خلاف ما هو مقتضى الجمع المذكور يتعيّن بعدم كونه تبرّعيّا بعد الالتفات إلى ما هو حكمة خيار الحيوان.
و لكن لو قلنا من جهة عدم قائل بما هو نتيجة الجمع لا مجال إلى الالتزام به، فلا محيص عن الرجوع إلى ما هو مقتضى قواعد باب التعارض.
و من المعلوم أنّ الأكثريّة من حيث عدد الأخبار ليس من المرجّحات في الأخبار، و لو قلنا به في باب البيّنات في القضاء؛ لعدم الدليل عليه في تعارض الأخبار.
و المراد من المشهور أو الأشهر أيضا ليس كثرة العدد و قلّته، بل المراد به هو الشهرة في النقل في كتب أصحاب الحديث، كما أنّه من حيث صحة السند العدالة ليست في المقام مرجّحا؛ لكون الأخبار في كلا الطرفين صحيحة، كما أنّ الشهرة من حيث الفتوى على طبق مضمون الطائفة الاولى لا يكون موجبا
ص: 370
للترجيح، مع عدم إحراز إعراض الأصحاب عن الطائفة الثانية حتّى يوجب ذلك و هنا فيها.
فيبقى الكلام في موافقة الكتاب، و هو قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، فإنّه في مورد لم يكن للبائع خيار المجلس يدلّ على وجوب الوفاء، بالعقد بلزوم ترتيب أثره حتّى بعد الفسخ، فيثبت اللزوم في غيره، يعني في مورد كان له خيار المجلس بعد انقضائه بعدم القول بالفصل.
هذا بناء على عدم جواز التمسك بالعامّ فيما إذا خصّص بالنسبة إلى زمان الأول بالإضافة إلى زمان زماني، كما هو مسلك الشيخ على ما سيأتي في خيار الغبن (1). و أمّا بناء على جواز الشكّ كما هو التحقيق، فيكون أخبار الطائفة الاولى موافقة ل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مطلقا، كان للبائع خيار الحيوان أو لم يكن.
غاية الأمر في مورد لم يكن له خيار المجلس مقتضى أَوْفُوا الحكم بعدم الخيار له بمقتضى الأخبار من حين العقد، و في مورد كان له خيار المجلس الحكم بعدمه له أيضا من حين العقد و إن كان له الخيار من جهة اخرى، فإنّ اللزوم من جهة لا ينافي الجواز من جهة اخرى أو الحكم بعدم الخيار بعد انقضاء المجلس لو بنينا على التنافي.
هذا بناء على المختار من جواز التمسّك بالعامّ المخصص بالنسبة إلى زمان الأوّل من العمل به فقد علمت جواز الترجيح بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ من جهة الترجيح بموافقة الكتاب.
و أمّا على مسلك الشيخ قدّس سرّه فقد علمت أنّه تمسّك بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
1) المكاسب: 5/ 207- 209.
ص: 371
في مورد لم يكن للبائع خيار المجلس و تعميم مدّعاه في مورد كان له هذا الخيار بالنسبة إلى ما بعد انقضائه بعد القول بالفصل.
و لكنّك خبير بأنّ عدم القول بالفصل في المقام ليس إلّا في الحكم الواقعي الفرعي، يعني من قال بثبوت الخيار للبائع قال به في كلا الموردين، و من قال بعدمه قال بالعدم أيضا في كلا الموردين، فالحكم في كلا الموردين واحد إجماعا و هذا المعنى يوجب ترجيح الأخبار الدالّة على ثبوته مطلقا بعد مساعدة أَوْفُوا بِالْعُقُودِ على الترجيح في أخذ الموردين لو لم يكن الحكم الاصولي في المورد الآخر على خلاف المورد الأوّل، و ما نحن فيه في مورد لم يكن هناك أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الحكم الاصولي الشرعي في الخبرين المتعارضين هو التخيير بين الخبرين؛ لعدم مرجّح في المورد، و مقتضى التخيير بين الخبرين أنّه لو اخذ بالخبر الدالّ على ثبوت الخيار للمتبايعين أنّ الخيار ثابت للبائع في هذا المورد، و بعدم القول بالفصل نقول بثبوت الخيار له مطلقا و لو في مورد لم يكن له خيار المجلس.
و بعبارة اخرى؛ بعد ما كان الحكم الظاهري المستفاد من الأخبار العلاجيّة في أحد الموردين خلاف ما يقتضيه تلك الأخبار في المورد الآخر، فلا وجه للأخذ بأحدهما في مورد و تعميم المدّعى في الآخر بعدم القول بالفصل في الحكم الواقعي الشرعي. إذ لقائل أن يقول: لم لا ينعكس الأمر؟ و حيث لا يجوز الترجيح بلا مرجّح فيتكافئان فيتساقطان، و لا بدّ من الرجوع إلى الأصل العملي.
و قد سمعت أنّ مقتضاه اللزوم لو لم يكن في البين خيار المجلس، و استصحاب بقاء السلطنة على الفسخ في مورد كان خيار المجلس.
ص: 372
و أمّا على المختار من جواز التمسك بعد التخصيص أيضا؛ فلا مانع من الأخذ بالأخبار الدالّة على عدم الخيار للبائع و اختصاصه بالمشتري مطلقا، بناء على التعارض و عدم الجمع الدّلالي لكونها موافقة لعموم أَوْفُوا و هذا بناء على عدم صحّة الجمع المزبور.
و لكن مقتضى دقيق النظر يقتضي ما ذهب إليه جماعة و تبعهم في «المسالك» من كون الخيار لصاحب الحيوان و من انتقل إليه، سواء كان بائعا في المعاملة أو مشتريا أو كليهما (1)، و ذلك؛ لأنّ صحيحة ابن مسلم المشتملة على جملة «و المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان» (2)صريحة في أنّ لكلّ منهما الخيار، و مقتضاه أنّ في كلّ معاملة حيوانيّ لهما الخيار، و لو كان الحيوان في أحد الطرفين فقط.
غاية الأمر بمقتضى صحيحة ابن رئاب السابقة عن «قرب الإسناد» الصريحة في عدم الخيار للبائع فيما إذا كان المبيع حيوانا، لا بدّ من رفع اليد عن إطلاق تلك الصحيحة الدالّة على ثبوت الخيار لهما مطلقا في خصوص مورد كان المثمن فقط حيوانا، و حيث كان ثبوت الخيار لهما معا في مورد كان الثمن فقط حيوانا دون مورد كان المثمن حيوانا خلاف الإجماع ظاهرا، فلا بدّ من حملها على مورد كلّ منهما حيوان.
فحينئذ؛ الأخبار السابقة الظاهرة في اختصاص الخيار بالمشتري و لو كان العوضان كلاهما حيوانا، غاية الأمر ظاهرة في الاختصاص، و مقتضى القاعدة
ص: 373
هو رفع اليد عن ظهورها بمقتضى نصّ هذه الصحيحة و حملها على مورد كان الحيوان هو المثمن فقط، كما هو صريح رواية «قرب الإسناد» كما رفعنا اليد عن ظاهر تلك الصحيحة في الإطلاق حتّى في مورد يكون المثمن حيوانا بمقتضى نصّ رواية «قرب الإسناد».
فحينئذ؛ يصير مورد الأخبار السابقة ما إذا كان المثمن حيوانا لا مطلقا، و نتيجة الجمع بينهما هو ثبوت الخيار للمشتري فقط إذا كان المثمن حيوانا، و للمتبايعين إذا كان العوضان حيوانا كلاهما.
و إذا حملنا الأخبار السابقة على مورد يكون المثمن حيوانا يبقى إطلاق خبر «و صاحب الحيوان بالخيار» بالنسبة إلى ثبوت الخيار لخصوص البائع فيما إذا كان الثمن حيوانا بلا معارض، فهي المرجع حسبما تقتضيه نتيجة الجمع بين مجموع الطوائف. و يؤيّده ما ذكرناه من كلمة جعل الخيار، فتأمّل جيّدا.
ثمّ إنّ مقتضى إطلاق الأخبار في كون انتهاء هذا الخيار ثلاثة أيّام عدم الفرق بين الأمة و غيرها من أصناف الحيوان، بل في رواية «قرب الإسناد» التصريح بالثلاثة في خصوص الجارية، فالقول بكون منتهى الخيار فيها انقضاء زمن استبرائها اجتهاد في مقابل النصّ.
مسألة: مبدأ هذا الخيار من حين العقد، كما عليه المشهور، فلو بقي المجلس إلى ثلاثة أيّام ينقضي و يبقى خيار المجلس حتّى يتفرّقا، و الدليل عليه اتّحاد سياق الأخبار المشتملة على بيانها و خيار المجلس مقارنا أحدهما بالآخر، فكما أنّ في خيار المجلس من جهة وضوح المبدأ- و هو كونه من حين العقد- ما تعرّض إلّا لبيان انتهائه، فكذلك هذا الخيار لا تعرّض إلّا لمنتهاه، و هو الثلاثة.
ص: 374
و أمّا الابتداء، فحكمه من هذه الجهة حكم خيار المجلس و اتّحاد السياق فيها في حمل الظهور، كما لا يخفى.
و مع ذلك قد خالف فيه ابن زهرة و الشيخ و ابن إدريس فجعلوه مبدأه من حين الافتراق (1).
و العمدة لما يمكن الاستدلال لهم أمران:
أحدهما؛ ما هو الوجه العرفي، و هو أنّه قد مرّ أنّ الحكمة في جعل هذا الخيار الإرفاق و الامتنان على العباد من جهة أنّهم لعلّه اطّلعوا على أمر كان مختفيا عليهم حين البيع، و من المعلوم أنّ الإرفاق لا يتصوّر إلّا إذا كان المكلّف في ضيق و كلفة لو لا ذلك، و هذا المعنى قبل انقضاء خيار المجلس غير متحقّق، فلا بدّ أن يكون مبدأ هذا الخيار بعد انقضاء المجلس.
و فيه؛ أنّه قد تقدّم أنّ الحكمة بما هي لا يكون دليلا حتّى يدور الحكم مداره، بل هو على فرض ثبوته يوجب قوّة الدليل، و هو مفقود في المقام، بل قد عرفت وجود خلافه.
و أمّا الثاني: ما هو مقتضى حكم العقل من أنّ العقد و إن كان له جهة إضافة إلى المجلس و إضافة إلى الحيوان، و هما لو كانتا تقيّدتين يمكن أن يكون لكلّ جهة خيار، بأن يكون العقد بما هو مقيّد بالمجلس موضوعا لخيار المجلس، و بما هو مقيّد بالحيوان موضوعا لخياره إلى ثلاثة أيّام، و لكن من المعلوم أنّ هاتين الجهتين ليستا تقييديّة بل تعليليّة، فحينئذ يصير موضوع الخيار ذات العقد.
1) غنية النزوع: 220، المبسوط: 2/ 85، السرائر: 2/ 247، و لاحظ! المكاسب: 5/ 92.
ص: 375
فعلى هذا لا يعقل اجتماع الخيارين المستقلّين فيه؛ إذ يستلزم اجتماع السلطنتين المستقلّتين بالنسبة إلى موضوع واحد شخصيّ، فكما لا يمكن اجتماع الملكين بالنسبة إلى عين فارد خارجيّ.
و فيه؛ أنّ العقد و إن كان واحدا ذاتا وجهة، و الجهتان المذكورتان تعليليّة، و لكن بعد تسليم أنّ في العقد هاتين الجهتين فيحصل له حدّان؛ إذ كلّ واحد من العلّتين يقتضي ثبوت خيار في العقد.
و من المعلوم أنّ الخيار بالنسبة إلى العقد بحسب الاعتبار نظير العرض القائم بالموضوع، و من الظاهر أنّ موضوع كلّ عرض بما هو موضوع ذاك العرض لا يعقل أن يكون دائرة موضوعه أوسع عن دائرة موضوع ضدّه أو مثله، فالعقد بما هو معروض خيار المجلس يحصل له حدّ به موضوع له، كما أنّ عرضه و هو الخيار بما هو عرض ذاك الموضوع، و بما هو معلول لعلّته و هو المجلس لا يمكن أن يكون دائرته أوسع من موضوعه أو علّته.
ثمّ إنّ المفروض في هذا العقد مقتض لخيار آخر، و هو الحيوان، و موضوعه أيضا العقد، و لكن لا بما هو موضوع خيار المجلس بحدّه المختصّ به حتّى يلزم اجتماع المثلين، بل بما هو موضوع نفسه بحدّه الّذي يكون توأما لهذا الخيار.
و بعبارة اخرى؛ كلّ واحد من العلّتين بنفسه مقتض لحفظ الخيار، و من الظاهر أنّ الخيار الّذي يكون معلولا لأحدهما بما هو معلوله يستحيل أن يكون دائرته أوسع من دائرة علّته، فما يحفظ بأحدهما غير ما يحفظ بالآخر، و إلّا يلزم أن يكون شيء واحد معلولا للعلّتين.
ص: 376
فحينئذ؛ لا بدّ و أن يكون العقد بما هو معروض لأثر أحد العلّتين غير ما هو معروض لأثر العلّة الاخرى، و لو كانت المغايرة بالحدّ لا بالذات، فيرتفع المحذور حينئذ من اجتماع سلطنتين بالنسبة إلى شيء واحد.
و إن شئت قلت: إنّ كلّ واحد من السلطنتين باعتبار غير ما يكون الاخرى، و لا مانع من هذا المعنى بعد ما كان المدار في الامور الاعتباريّة كونها موافقة للاعتبارات العقلائيّة، و المفروض أنّ الدليل في مقام الإثبات أيضا موجود لكون دليل خيار الحيوان مطلقا من حيث الأحوال، فيكفي ذلك لإثبات المقصود.
ثمّ إنّ المراد من زمان العقد الّذي قلنا كون مبدأ الخيار من حينه هو الّذي بنينا عليه في خيار المجلس؛ إذ بعد أن تبيّن المستفاد من وحدة السياق في الأخبار من حيث مبدأ الخيارين، و أنّ ما تعرّض الفرق بينهما من جهة الانتهاء فالسكوت من طرف المبدأ يفيد اتّحادهما فيه.
فالكلام في مبدأ هذا الخيار بعينه هو ما تقدّم في خيار المجلس من أنّ المبدأ حين صدق «البيّع»، و هو الأصيل حين العقد إن لم يكن القبض شرطا في الصحّة، و بعد القبض إن كان شرطا، و في العقد الفضولي بعد الإجازة على القول بالنقل، و حين العقد على القول بالكشف حقيقة أو حكما، و هكذا في المقام.
مسألة: اختلفوا في المراد من الثلاثة الّتي ظرف لهذا الخيار، و الاحتمالات فيه كثيرة.
ص: 377
الأوّل: أن يكون المراد ثلاثة أيّام مع لياليها، على أن يكون المراد من اليوم يوم و ليلته، بنحو يكون هو جزءا لمدلول اليوم و اللفظ مستعملا فيهما.
و لا خفاء في أنّ المراد من ليلة كلّ يوم هي السابقة عليه، لأنّ ليلة كلّ يوم يسمّى باسم يومه، فليلة يوم السبت هي ليلة السبت، و هكذا غيرها.
و لازم هذا المعنى أنّه لو وقع العقد أوّل الليل كان مدّة الخيار ثلاثة أيّام بلياليها الثلاثة، و لو وقع في نصفها كان المراد من اليوم الأوّل هو و نصف من ليله، و لو وقع في أوّل النهار يكون هو اليوم فقط، فيصير ظرف الخيار ثلاثة أيّام بالليلتين المتوسّطتين.
و هنا احتمال آخر؛ على هذا أيضا بأن يكون المراد من ليلة كلّ يوم ليلتها اللاحقة به، و ذلك للفرق بين مثل يوم السبت و يوم الأحد ممّا لو كان المراد منها هذا اليوم الخاصّ مع ليلته، و بين مثل اليوم المطلق أو ثلاثة أيّام إذا كان المراد بها مع لياليها، حيث إنّ الظاهر من الثاني الليلة اللاحقة، و بناء على ذلك يصير الأمر بالعكس، بمعنى أنّ العقد لو وقع في أوّل الليل أو نصفه فلا يجب ذلك الليل من زمن الخيار، بل يحسب أوّله من أوّل النهار، و لكن الأقوى الأوّل.
الثاني: أن يكون المراد الأيّام بلياليها أيضا، و لكن على أن يكون دخول الليالي بعنوان التبعيّة، فالأيّام لا تشمل إلّا نفس النهار، و لكن لما كان ليالي تلك الأيّام من قبيل توابعها، فهي داخلة فيما تعلّق الحكم به تبعا، كدخول توابع الدار فيها إذا بيع الدار، و حينئذ؛ إذا كان العقد واقعا في أوّل الليل يدخل الليالي الثلاثة، و إذا وقع في أوّل النهار يدخل الأخيرتين.
فهذا الاحتمال مع الأوّل مشترك من حيث النتيجة، و الفرق بينهما أنّه على
ص: 378
الأوّل اريد من اليوم هو و ليلته بخلاف الثاني.
الثالث: أن يكون اليوم مقدار البياض من النهار، فيكون المراد من ثلاثة أيّام مقدار البياض من ثلاثة أيّام و لو ملفّقا من اليوم و الليل، أو من النهارين مع ليلته، فزمن الخيار على هذا لا بدّ أن يحسب بمقدار ثلاثة أيّام، ففي أوقات تساوي الليل و النهار يصير ستة و ثلاثين ساعة.
الرابع: أن يكون المراد نفس النهار بما هو، من دون إرادة الليل لا أصالة و لا تبعا و لا بعنوان التلفيق منه و من اليوم أصلا، و هذا على قسمين:
الأوّل: أن يكون المراد بياض ثلاثة أيّام و لو ملفّقا بأنّ المراد مقدار بياض ثلاثة أيّام بشرط أن يكون ذلك المقدار أيضا من بياض النهار.
و الثاني: أن يكون بياض ثلاثة أيّام من دون تلفيق، فالمراد ثلاثة أيّام حقيقة.
فهذان الوجهان مشتركان في أنّ الليل ليس داخلا في زمن الخيار، و إنّما اعتباره من باب استمرار الخيار، و لكن الفرق بينهما أنّه على الوجه الأوّل لو وقع العقد في أوّل الظهر يستمرّ الخيار إلى أوّل الظهر من اليوم الرابع، و على الثاني إلى غروب اليوم الرابع.
هذا بالنسبة إلى عالم التصوّر، و أمّا تحقيق الأمر؛ فأقرب الاحتمالات هو الأخير؛ لأنّ اليوم حقيقة في النهار الّذي مبدؤه البياض في طرف الصبح، و منتهاه البياض من طرف الليل.
و أمّا إرادة اليوم و الليلة على أن يكون دخول الليل نحو الجزئيّة- كما هو الاحتمال الأوّل- فهو مجاز لا يصار إليه إلّا بدليل، و هو في المقام و غيره ممّا
ص: 379
علّق الحكم فيها على اليوم كباب الإجارة و التراوح و الإقامة و أمثالها، و كذلك إرادة الليل تبعا يحتاج إلى دليل و هو مفقود في المقام و غيره.
و أمّا إرادة مقدار اليوم و لو من الليل؛ فهو أبعد، كما هو ظاهر؛ إذ هو اسم للنهار فقط، و إرادة البياض و لو بمقدار اليوم الواحد من اليومين فهو أيضا خلاف الظاهر؛ إذ اليوم اسم لخصوص ما بين طلوع الشمس إلى الغروب لا المقدار من الوقت، سواء كان ليلا أو نهارا، و لا لمقدار من البياض و لو تلفيقا.
فما يظهر من الشيخ قدّس سرّه من التلفيق عند الانكسار (1)ممّا لا وجه له.
نعم؛ يبقى الكلام فيما إذا وقع العقد في أوّل النهار، و لكن مضى من النهار مقدار لا يضرّ بصدق اليوم الكامل على بقيّته عرفا، و إن يضرّ باليوم الحقيقي.
ففي مثله قد يقال: لمّا كان ظاهر العنوان في لسان الدليل اعتباره بما له من المدلول الحقيقي موضوعا للحكم، فلا بدّ من مراعاة ما هو مدلوله بالدقّة خصوصا في التحديدات، فلا يلاحظ فيها المسامحات العرفية، فحينئذ؛ في المثال لا يجوز احتساب اليوم الأوّل من الثلاثة الّتي ظرف للخيار.
و لكن فيه؛ أنّ اليوم إذا صدق على مثل ذلك عرفا، و الحكم أيضا تعلّق بما هو المدلول للفظ عند العرف- كما هو الضابط في الألفاظ الواقعة في الأدلّة الشرعيّة- فلا وجه لرفع اليد عن هذا الضابط.
نعم؛ فيما إذا قام الدليل على كون المناط المعنى الحقيقي فيصار إليه، كما لا يخفى.
ثمّ إنّه إن انتهت النوبة إلى الشكّ؛ فمقتضى الأصل بقاء الخيار، فهو أيضا
1) المكاسب: 5/ 95.
ص: 380
يوافق لحمل الأيّام على اليوم التامّ لو كان الشكّ منحصرا بالنسبة إلى كون المراد مجموع ما أوّله طلوع الفجر و آخره الغروب أو، أعمّ منه و من أن يمضي منه مقدار قليل من أوّله، فتأمّل جيّدا!
مسألة: في مسقطات هذا الخيار، و هي امور:
الأوّل؛ اشتراط سقوطه في العقد و الإشكال في كون شرط سقوط الخيار يرجع إلى شرط خلاف السنّة، قد مرّ الكلام فيه في خيار المجلس مع الجواب عنه.
و الكلام في المقام؛ أنّه قد يشترط في متن العقد سقوط خيار الحيوان من رأس، بأن شرط لا خيار له من جهة الحيوان، فلا إشكال فيه و أنّه نافذ، و يوجب سقوط الخيار، و قد يشترط سقوط بعضه، بأن لا يكون له الخيار في بعض الأوقات الثلاثة، و هذا على أقسام؛ لأنّه إمّا أن يشترط سقوطه في خصوص اليوم الأوّل مثلا، و إمّا في خصوص اليوم الثاني، و إمّا في اليوم الثالث بالخصوص دون الأوّلين.
و ظاهر كلام الشيخ قدّس سرّه أنّه لا بأس به مطلقا، حيث إنّه بعد أن نقل عن بعض التصريح بجواز شرطه بالنسبة إلى بعض الأوقات، قال: لا بأس به (1). فإطلاق كلامه يعطي نفي البأس مطلقا.
و لكنّ التحقيق التفصيل، و ذلك لأنّ جواز شرط سقوطه في بعض الأوقات
1) المكاسب: 5/ 97، و انظر! مفتاح الكرامة: 4/ 559.
ص: 381
عادة يقرّب بأنّ الشارع إذا جعل حقّ الخيار في الحيوان ممتدّا مستمرّا إلى ثلاثة و جعل أمر إبقائه و إعدامه بيد المكلّف، فكما أنّ المكلّف يقدر على إعدامه رأسا، فكذلك له أن يجعله قصيرا إمّا بإسقاط بعضه من الأوّل أو من الآخر.
و بعبارة اخرى؛ الخيار و إن كان حقّا شخصيّا لا تعدّد فيه بوجه أصلا، و لكنّه لما كان من الامور الممتدّة المستمرّة، فالمكلّف كما أنّه قادر على إعدامه من أصله فأيضا قادر على أن يقطع بعضه من أيّ طرف منه، و مع ذلك لا يخرج عن الوحدة الشخصيّة، و إنّما اختلف حدّه.
و أنت خبير بأنّ غاية هذا التقريب أنّه يجوز سقوط بعضه إمّا من الأوّل أو من خصوص الآخر، و أمّا من الوسط فلا، و ذلك لأنّ التقطيع من الوسط مع حفظ الطرفين مستلزم لتحقّق شخصين من حقّ الخيار.
و قد أشرنا إلى أنّ الخيار حقّ واحد شخصي ليس قابلا للتعدّد أصلا، فلو أسقطه من اليوم الثاني، فلا بدّ أن لا يبقى له الخيار في اليوم الثالث أيضا، فينحصر أمر جواز سقوطه على هذا التقريب بالأوّل و الآخر، مع ما في أصل هذا التقريب، كما سيظهر.
و اخرى يقرّب بأنّ الخيار من الحقوق الوجداني الّذي ليس له جهة استعداد و أجزاء أصلا، و ليس من الامور التدريجية الّتي يوجد تدريجا، بل من الامور القارّة الّتي إذا تحقّق يتحقّق بتمام ذاته كالملكيّة.
نعم؛ هذا الأمر القارّ بالذات إذا وجد يكون بحسب استعداد ذاته قابلا للبقاء إلى مدّة خاصّة، كالملكيّة الّتي لها استعداد البقاء إلى الأبد بعد وجودها لو لم يمنع عنه المانع، فليس من الامور الممتدّة الّتي يكون الامتداد مقوّما لأصل
ص: 382
ذاته كالخطّ، بل بذاته أمر آنيّ الحصول، و إنّما الامتداد إلى ثلاثة أيّام ظرف لبقائه بعد حدوثه.
فحينئذ؛ لو أسقط هذا الحقّ من اليوم الوسط فلا يعقل بقاؤه في اليوم الثالث إلّا بأن يكون الزائل عائدا، فإذا لم يكن لنا دليل على عوده، فلا يمكن الحكم ببقائه في اليوم الثالث، كما أنّه بقاء على هذا التقريب لو أسقطه من الأوّل فلا بدّ من القول بسقوطه رأسا؛ لأنّه بعد ما زال أصل الوجود القارّ بالذات فعوده يحتاج إلى الدليل.
نعم؛ له إسقاطه من الآخر؛ لأنّ مرجعه إلى إزالة بقائه بعد حدوثه فهو جائز، كما أنّ له إسقاطه اختيارا في اليوم الثالث أو الثاني، فتعيّن حينئذ لأن يقال بأنّه ليس له شرط سقوطه في بعض الأوقات إلّا بالنسبة إلى الآخر لا الأوّل و الوسط.
اللهمّ [إلّا] أن يقال بأنّ شرط السقوط في المقام لمّا هو أعمّ من السقوط بعد الوجود و من شرط عدم الحدوث، فبالنسبة إلى الأوّل أيضا له أن يشترط عدم حدوثه في وقت خاصّ من الزمان الّذي يصلح لأن يوجد فيه.
غاية الأمر هذا الشرط يمنع عن حدوثه في ذاك الزمان المخصوص، و بعد انقضائه يوجد الخيار؛ لعدم المانع مع وجود المقتضي، كما لا يخفى.
و لكن هذا لا يجري في الوسط؛ لأنّه إسقاط بعد الحدوث، و بعد إزالته، عوده يحتاج إلى دليل.
و أنت خبير بأنّه لو كان عوده بعد إسقاطه من الوسط محتاجا إلى الدليل، فكذلك إسقاطه من الأوّل ثمّ عوده،- أي حدوثه بعد زمان الإسقاط- أيضا
ص: 383
يحتاج إليه؛ إذ الخيار حقّ وجدانيّ مبدأ حدوثه حين العقد، و إذا حدث فيه يبقى إلى ثلاثة أيّام لو لم يمنع عنه مانع، و إذا أحدث مانعا عن أصل حدوثه في خصوص اليوم الأوّل لكونه بذاته مقتضيا للحدوث فيما بعد انقضاء تلك المدّة أيضا يحتاج إلى الدليل، و ليس لنا مثله؛ لأنّه ما قام من الدليل هو جواز رفعه رأسا، و أنّه بذاته يقتضي الجدوى في خصوص أن بعد العقد، أمّا مع وجود المانع حينه، فلا يعلم أنّ مقتضى ذاته حدوثه في الآن البعد.
و لكن الإنصاف أنّه لو التزمنا بجواز شرط سقوطه من الآخر، أي كان شرط عدم بقائه بعد الحدوث جائزا، لكان مقتضى القاعدة جواز شرط عدم حدوثه في خصوص الزمان الأوّل؛ لأنّ اعتبار شرط عدم حدوثه بالنسبة إلى ما يقتضي الخيار من قبل اعتبار المانع بالنسبة إلى المقتضي، و المقتضي له هو الحيوانيّة الّتي يقتضي ثبوته في جميع أوقات الخيار، فإذا منع عن خصوص الزمان الأوّل فحدوثه يكون بعد انقضاء زمان المانع قهرا، و لا يوجب ذلك تعدّد الحقوق، بل الحقّ الواحد بأوّل وجوده يكون من آثار المقتضي، غاية الأمر أنّه إذا منع عن أوّل وجوده في الزمان الأوّل يحصل بعده.
إلّا أن يقال: لا نعلم أنّ الحيوانيّة مقتض للخيار في جميع الأوقات، بل القدر المتيقّن أنّه مقتض للخيار المتّصل بالعقد، و بعد وجوده يكون باقيا بمقتضى ذاته، فإذا تحقّق ما يمنع عن تأثير المقتضي في ذاك الوقت فلا دليل على تأثيره بعد انقضائه، و لو شككنا فالاستصحاب يقتضي أيضا عدم حصوله، فتعيّن أنّ القدر المتيقّن جواز الإسقاط من الآخر، فتأمّل.
و من المسقطات؛ التصرّف من ذي الخيار في ظرف الخيار.
ص: 384
قد تقدّم في أوّل الباب أنّ جعل التصرّف بعنوان كونه كاشفا عن الرضا من المسقطات مسامحة.
و كيف كان؛ لا كلام في سقوط الخيار و عدم بقائه إذا صدر من ذي الخيار تصرّف في العين في الجملة، و إنّما الكلام في أنّ التصرّف المسقط أيّ نحو منه، و أنّه بنفسه هل يسقط الخيار؟ فالتصرّف هو المسقط له كالفسخ بالفعل أو من جهة أنّه كاشف عن الرضا؟
و منشأ الاختلاف اختلاف الأنظار فيما يستفاد من الأخبار، و قد اضطربت كلماتهم في تنقيح المسألة، فعلينا أوّلا ذكر الأخبار و الوجوه المحتملة فيها ثمّ تحقيق الأمر.
فنقول بعونه تعالى: إنّ من الأخبار ما يرويه ابن رئاب: «فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل ثلاثة أيّام فذلك رضا منه، و لا يشترط له».
قيل له: و ما الحدث؟
قال: «إن لا مس أو قبّل أو نظر منها إلى ما كان محرّما عليه قبل الشراء» (1).
و منها صحيحة الصفّار: كتبت إلى أبي محمّد عليه السّلام في الرجل اشترى دابّة من رجل فأحدث من أخذ الحافر أو نعلها، أو ركب ظهرها فراسخ، أله أن يردّها في ثلاثة أيّام التي فيها الخيار بعد الحدث اللذين يحدثهما أو الركوب الّذي يركبها؟
فوقّع عليه السّلام: «إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء إن شاء اللّه» (2).
ص: 385
و منها ما في ذيل الصحيحة المتقدّمة عن «قرب الإسناد» قلت له: أ رأيت إن قبّلها المشتري أو لامس، [قال: فقال: «إذا قبّل أو لامس] (1)أو نظر منها إلى ما يحرم على غيره؟ «فقد انقضى الشرط و لزم البيع» (2).
و لا إشكال في أنّ جميع هذه الأخبار مشتركة في جعل مناط سقوط الخيار تصرّف ذي الخيار.
و لكن الوجوه المحتملة في ذلك عديدة:
أحدها؛ كون المناط هو مطلق التصرّف، سواء كان دالّا على الرضا بالبيع و بقائه أم لا، و على فرض كونه بنفسه دالّا سواء قطعنا من الخارج أنّه ما تصرّف بعنوان الرضا أم لا، فحينئذ يكون المراد من قوله: «فذلك رضا منه بالبيع» جعل التصرّف و مطلق الحدث رضا تعبّديّا بالبيع، أي مجرّد التصرّف يكون بمنزلة الرضا بالبيع تعبّدا.
ثانيها؛ أن يكون المناط في السقوط هو التصرّف مطلقا، و لكن السبب في جعله من جهة كونه دالّا على الرضا بالبيع في غالب موارده، و لو في بعضها لم يدلّ من جهة قرينة محفوفة بالكلام دالّة على عدم كونه بعنوان الرضا، فتكون الدلالة على الرضا في نوع موارده و لو بالدلالة التصوريّة من قبيل الحكمة في جعله مسقطا للخيار.
و هذا من قبيل الأوّل في عدم اعتبار استكشاف الرضا في الحكم بسقوط الخيار، بل مع القطع بعدم الرضا أيضا مسقط، و إنّما الفرق بينهما أنّ الثاني لا
ص: 386
يشمل التصرّفات الغير الدالّة على الرضا نوعا أو شخصا، بخلاف الأوّل، فإنّ المسقط فيه هو مجرّد التصرّف.
نعم؛ الظاهر أنّ التصرّفات الّتي ليست لها دلالة على الرضا و لو مع عدم القرينة هي نادرة، أو مجرّد الفرض لا مصداق لها.
ثالثها؛ أن يكون المناط هو التصرّفات الّتي لها الدلالة على الرضا نوعا، أي ما يكون من قبيل الظهور في باب الألفاظ، بأن يكون التصرّف لو خلّي و طبعه كان موجبا للانتقال إلى أنّه صدر عن الالتزام بالعقد.
و هذا أخصّ من القسمين، لأنّه لا يشمل ما لا دلالة له أصلا، لا تصوّرا و لا تصديقا، و لكنّه أعمّ من أن يكون هناك قرينة منفصلة عن الكلام كانت موجبة للقطع بعدم الرضا أو الظنّ أم لا، لأنّ المراد منه هو التصرّف الّذي لو خلّي و طبعه لكان موجبا للانتقال إلى أنّه صدر عن الالتزام بالبيع تصوّرا و لو لم يوجب التصديق به، فيخرج التصرّفات الّتي لا ظهور لها أصلا.
و كذلك إذا اضيف بالقرينة على وجه صار ظاهرا في عدم الرضا أو مجملا، بأن يكون مختصّا بما يصلح للقرينيّة، و لكنّه تشمل التصرّفات الظاهرة في الرضا بنفسها و إن علمنا بدليل منفصل بعدم رضائه.
الرابع؛ أن يكون المراد التصرّفات الدالّة على الرضا، فعلا؛ بحيث كان موجبا للتصديق الفعلي على أنّه صدر عن رضا، فيكون المدار على الرضا الشخصي، فلو كان التصرّف بنفسه ظاهرا بحيث كان موجبا للانتقال إلى الرضا تصوّرا، و لكن لم يوجبه تصديقا على نحو القطع فعلا، فلا يوجب السقوط، و هذا أخصّ من جميع الأقسام.
ص: 387
ثمّ إنّه على القسمين الأوّلين يكون التصرّف بنفسه مسقطا من دون دخل للرضا، فاعتبار التصرّف من باب الموضوعيّة، غاية الأمر في الثاني يكون كشفه عن الرضا نوعا حكمة، و في الأوّل ما لوحظ ذلك أصلا.
و على كلا التقديرين لا بدّ من حمل قوله: «فذلك رضا منه» من قبيل التنزيل تعبّدا، أي إحداث الحدث بمنزلة الرضا في كونه مسقطا، فيكون جزء لقوله: «و إن أحدث».
و على الثالث؛ يحتمل وجهان: أن يكون التصرّف- بعد الفراغ عن ظهوره بنفسه في الرضا بما هو- مسقطا فيكون من قبيل حجيّة الظاهر في باب الألفاظ تعبدا و لو مع علم على خلاف إرادة الظاهر، فلازمه كون التصرّف بنفسه مسقطا و لو مع العلم بعدم الرضا من الخارج، أو يكون مسقطيّته بلحاظ كشفه و طريقيّته إلى الرضا، فالمسقط حقيقة هو الرضا.
غاية الأمر جعل التصرّف الظاهر بنفسه في الظاهر دليلا لاستكشاف الرضا المسقط تعبّدا، فيكون التعبّد في استكشاف الرضا المسقط بالتصرّف لا في جعل نفس التصرّف، فحينئذ؛ مع العلم بعدم الرضا لا يكون التصرّف دليلا للإسقاط.
نعم؛ لا ينافي الظنّ بالخلاف إذا لم تكن بحجّة بالخصوص.
و على الرابع؛ يكون تمام المدار على الرضا الفعلي.
ثمّ إنّه عليه هل يشترط أن يكون له مظهر من قبيل التصرّف فيكون التصرّف شرطا لكون الرضا مسقطا، أو لا يشترط في سقوط الخيار بالرضا شيء، و إنّما جعل التصرّف معتبرا من باب أنّه ممّا يستظهر به الرضا، فلو علم
ص: 388
الرضا من الخارج يوجب السقوط من دون لزوم صدور تصرّف أصلا؟
فالبحث هنا في مقامات:
أحدها؛ أنّ المستفاد من الأخبار أيّ واحد من هذه الاحتمالات.
ثانيها؛ على فرض استفادة المعنى الثالث، هل المسقط نفس التصرّف الظاهر في الرضا بالظهور التصوّري الفعلي، أو الرضا المستكشف تعبّدا؟
ثالثها؛ أنّه على فرض استفادة الوجه الرابع، الرضا الفعلي يشترط وجود المظهر له أم لا؟
أمّا الكلام في المقام الأوّل؛ فالتحقيق أنّ المستفاد من الأخبار هو الثالث، و ذلك، لأنّه أمّا الوجه الرابع؛ فواضح أنّه منتف و لا سبيل إليه؛ إذ لو كان المدار على الرضا الفعلي لكان الحقّ جعل المسقط هو الرضا الفعلي المستكشف، لا الحدث و التصرّف، مع أنّ الأخبار بأسرها ناطقة بأنّ المسقط هو الحدث.
و أمّا قوله: «فذلك رضا منه» فليس دليلا على كون الرضا الفعلي مسقطا؛ لأنّه يكون كذلك قوله: «فذلك رضا» من قبيل الإخبار عن الواقع، مع أنّه ظاهر في كونه جزء لقوله: «و إن أحدث حدثا»، و مع كونه كذلك فلا يمكن أن يكون المراد منه إلّا كونه الرضا التعبّدي، إمّا بجعل التصرّف رضا تنزيليّا، و إمّا بجعل الرضا منكشفا بالحدث تعبّدا، و إلّا فلو كان المراد هو كون المسقط الرضا الشخصي الفعلي فلا معنى لسؤال الراوي ثانيا بقوله: و ما الحدث؟ كما هو ظاهر فتأمّل!
و أمّا عدم الأوّلين و انحصار الاستفادة بالوجه الثالث؛ فمن وجهين:
أحدهما؛ غاية التعبير في جعل الحدث موجبا لإسقاط الخيار بقوله:
ص: 389
«فذلك رضا منه بالبيع» سواء جعل الجزاء نفس قوله: «فذلك رضا» أو جعل الجزاء قوله: «فلا شرط له» و جعل «فذلك رضا» بمنزلة العلّة؛ لأنّه لو كان الحدث مطلقا بما هو حدث موجبا للسقوط فلا يبقى مجال لجعله بعنوان أنّه رضا مسقطا، أو جعل ذلك علّة لكون الحدث مسقطا، و احتمال أنّه من باب التنزيل يكون خلاف الظاهر، فيكون نفس غاية جعل الحديث بعنوان أنّه رضا بالبيع مسقطا ظاهرا كمال الظهور في أنّ التصرّف بما هو ليس ملاكا للمسقطيّة، بل بما هو رضا و بعنوان كشفه عنه مسقط.
لا يقال: بناء على الثالث أيضا ليس التصرّف بما هو رضا مسقطا؛ لعدم اعتبار دلالته على الرضا، بل و لو مع الظنّ بعدم الرضا أيضا كان موجبا للسقوط، بل و لو مع القطع بعدم الرضا على أحد الوجهين، فحينئذ؛ لا بدّ من الالتزام بالتنزيل و لا محيص عنه على كلّ تقدير.
لأنّا نقول: على الوجه الثالث الدلالة على الرضا بالدلالة التصوريّة بحيث، كان التصرّف موجبا للانتقال إلى الرضا، فيكون فعليّة.
و بعبارة اخرى؛ الظهور فعلي و إن لم يكن هناك تصديق بالنسبة إلى الرضا الفعلي للظنّ أو القطع الخارجي على إرادة خلاف الظاهر، فإذا كانت الدلالة فعليّة، فالتصرّف من قبيل الحاكي بالنسبة إليه و لو تصوّرا كالظهور في باب الألفاظ، و بعناية أنّ المرآة عين المرئيّ بوجه يصحّ أن يقال: هو رضا بالبيع، كما لا يخفى.
الوجه الثاني؛ تخصيص الحدث الموجب للإسقاط بالأمثلة المذكورة في الأخبار، فإنّ التصرّف لو كان مطلقا موجبا للإسقاط فلا وجه لسؤال الراوي بعد
ص: 390
قول الإمام عليه السّلام: «فإن أحدث فيه حدثا فذلك رضا منه فلا شرط له» بقوله: و ما الحدث؟
فمنه يستفاد أنّه ما فهم الإطلاق من قوله: «فإن أحدث حدثا» مع كونه من أهل اللسان.
ثمّ إنّ الإمام عليه السّلام أيضا ما أجابه بأيّ حديث أو مطلق التصرّف، بل أجاب بمثل تقبيل الأمة و لمسها و النظر إليها، و من المعلوم أنّ مثلها لا يصدر ممّن لا بناء له على الالتزام بالعقد نوعا؛ إذ من لم يكن بانيا على الالتزام يرى نفسه بالنسبة إلى العين كالأجنبي، فلا يقدم على مثل تلك الامور الّتي لا تصدر عن غير الزوج؛ لأنّ صدورهما على وجه الشهوة و الملاعبة، خصوصا مع القرينة في ذيلها، فلو كان المدار على التصرّف بعنوان الموضوعيّة فلا مجال لذكر مثل النظر لعدم كونه إحداث حدث في البيع، و لذا في الموارد الّتي لا يحرم النظر إليها بغير الزوج لا يحرم و لو مع منع المالك.
فيعلم من ذلك أنّ عدّ مثل النظر على الوجه المحرم لغير الزوج من الأحداث المسقطة ليس إلّا من جهة كشفه عن الرضا، نوعا، و أنّ اعتبار إحداث الحدث في المسقط ليس له موضوعية، بل من باب كونه كاشفا نوعيّا عن الرضا، و الالتزام بالعقد بقاء.
فقوله عليه السّلام في صحيحة الصفّار جوابا عن السائل عن التصرّف في الدابّة بمثل أخذ الحافر و النعل أو الركوب إلى فراسخ: «فإن أحدث فيها حدثا» (1)و إن كان مطلقا، و المطلق يقتضي الحمل على العموم، و أنّ الحدث بأيّ نحو فعل
1) وسائل الشيعة: 18/ 13 الحديث 23033.
ص: 391
يوجب سقوط الخيار، و لكن بعد جعل الحدث بما هو رضا مسقطا في الصحيحة المتقدّمة- على ما تقدّم- لا تبقى إطلاق في تلك الصحيحة.
مضافا إلى أنّ الحدث فيها ينصرف إلى ما كان من صنف المذكورة في سؤال السائل، و لا إشكال في أنّ مثل الركوب إلى فراسخ بل النعل و أخذ الحافر يكشف نوعا عن الالتزام بالعقد.
و يقوّي ذلك أنّه عليه السّلام قيّد كون الحدث مسقطا بقوله: «إن شاء اللّه»، فلو كان الحدث بما هو مسقطا لكان الحكم إنشاء محضا، فلا معنى حينئذ لقوله: «إن شاء اللّه».
فذلك يشهد بأنّه اريد من كون الحدث مسقطا باعتبار كشفه عن الرضا، فمعناه حينئذ أنّه إن أحدث حدثا فقد وجب الشراء؛ لكونه راضيا به إن شاء اللّه.
و بالجملة؛ المستفاد من سوق الأخبار هو كون التصرّف بما هو كاشفا عن الرضا و بعنوان أنّه رضا مسقط.
ثمّ من مجموع ما ذكرنا علم أنّ المستفاد من الأخبار بناء على الوجه الثالث هو الوجه الثاني، و كون التصرّف الكاشف مسقطا بلحاظ طريقيته النوعيّة.
و بعبارة اخرى؛ المسقط هو الرضا حقيقة، غاية الأمر أنّ الشارع أعمل التعبّد في استكشاف بالتصرّف الظاهر فيه نوعا، أي لو خلّي و طبعه، و ذلك من جهة أنّه على الوجه الأول يكون المسقط حقيقة هو التصرّف بما هو تصرّف، فلا بدّ أن يلاحظ على نحو الموضوعيّة فيرجع لبّا إلى القسمين الأوّلين.
فحينئذ ينافيه قوله: «فذلك رضا منه بالبيع»، فتعيّن الوجه الثالث ثمّ بناء
ص: 392
عليه يتعيّن الوجه الثاني منه، كما لا يخفى، و يكون هذا هو مراد أكثر الفقهاء المنقول كلماتهم في طي إفادات الشيخ قدّس سرّه إلّا العلّامة قدّس سرّه مع الاضطراب و التردّد و بعض آخر (1).
و العجب أنّ الشيخ قدّس سرّه مع تصريحه بعدم التوافق بين كلمات الأصحاب و ما يستفاد من الأخبار وقع في الإشكال و عمّم المسألة عليه من جهة الاستظهار عن الأخبار (2)، و التحقيق هو ما أشرنا إليه، بل لا ينافيه كلمات أغلبهم، فافهم و تأمّل في ما نقله الشيخ قدّس سرّه من عباراتهم تجدها موافقة لما استفدنا، و اللّه العالم.
الثالث من الخيارات؛ خيار الشرط، أي الثابت باشتراطه في العقد، لا خلاف فتوى في جواز شرط الخيار و نفوذه، و لا أنّه لا يتقدّر بحدّ و بمدّة مخصوصة.
و يدلّ على ذلك الإجماع المدّعى في المقام (3)، و الأخبار المستفيضة [من] العامّة و الخاصّة.
فمن الأوّل ما ادّعي تواتره (4): «إنّ المسلمين عند شروطهم» (5)، و يزيد في
ص: 393
بعض الأخبار «إلّا شرطا خالف كتاب اللّه فلا يجوز» (1).
و في بعضها الآخر: «إلّا شرطا حرّم حلالا أو حلّل حراما» (2).
و أمّا ما ورد من اعتبار كون الشرط الجائز موافقا للكتاب (3)فالمراد منه عدم المخالفة، كما يأتي تفصيل ذلك في باب الشروط.
و من الثانية صحيحة ابن رئاب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال: «و إن كان بينهما شرط أيّام معدودة و هلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع» (4)و غير ذلك من الأخبار الواردة في الموارد الخاصّة، كما في اشتراط الفسخ بردّ الثمن، كما سيأتي، فأصل المسألة كالمسلّم عندهم.
و لكنّه يجري الإشكال الّذي قد تقدّم في شرط السقوط، هنا أيضا من كونه يرجع إلى شرط خلاف الكتاب؛ لأنّ شرط الخيار يكون مخالفا ل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و الجواب عن ذلك كما سبق، و لعلّ عدم تعرّض الشيخ قدّس سرّه أيضا [لذلك] أو لما يأتي في بحث أحكام الشروط.
و إنّما المهمّ في المقام؛ هو تحقيق أنّ اشتراط الخيار في البيع الّذي سيقع في ضمن عقد لازم غيره، هل يجوز أم لا؟ مثل أن يشترط في عقد الصلح الخيار في البيع الّذي يقع بينهما فيما بعد.
فنقول: بناء على مسلك الشيخ رحمه اللّه من كون تقديم دليل الشرط على دليل لزوم العقد من قوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ من جهة كون دليل اللزوم لا تشمل
ص: 394
العناوين الثانويّة، فلا يصحّ هذا الشرط (1)لأنّ شرط الخيار لا يصير عنوانا للبيع بحسب العرف، إلّا أن يكون شرطا في ضمنه بحيث يصير من قيوده و توابعه، فإذا جعل شرط الخيار في البيع من قيود عقد آخر فلا يصير من قيوده، بل بالنسبة إليه يكون من قبيل الأجنبي.
و بالجملة؛ قيديّة الشرط للبيع لا يحصل إلّا بأن يكون أمرا متّصلا بالكلام، و أمّا لو كان منفصلا عنه فلا يصير مرتبطا به عرفا، فلا يحصل له العنوان الثانوي حتّى يقال بتقديمه على دليل اللزوم، و لذا قلنا بأنّ الشرط الغير المذكور في العقد ليس نافذا.
و أمّا على مسلكنا من كون تقديم دليل الشرط على لزوم العقد من جهة التزاحم بين المقتضي التنجيزي و التعليقي فربّما نلتزم بنفوذ مثل هذا الشرط.
بيان ذلك؛ أنّ لزوم العقد عبارة عن عدم السلطنة على حلّه أو عدم السلطنة على استرجاع العين، غاية الأمر بعدم تأثير الفسخ لو فسخ نستكشف ذلك.
فلو قلنا: إنّ العقد لما اقتضى عدم جعل حقّ الخيار فليس لأحدهما سلطنة على حلّه أو عدم السلطنة؛ فلا بدّ و أن نقول: إنّ اللزوم بمعنى عدم الخيار أو عدم الجواز الحكمي كلاهما من مقتضيات العقد، و هو في هذا الاقتضاء تنجيزي فحينئذ يعارض مقتضى الشرط.
و كذلك لو قلنا: إنّ العقد يقتضي الملكيّة و أنّها تضادّ مع الخيار يكون عدم جعل الخيار أيضا من مقتضيات العقد و لو بالواسطة، و لكن ليس شيء من ذلك
1) لاحظ! المكاسب: 6/ 54- 57.
ص: 395
معنى اللزوم في العقد، بل اللزوم فيه ليس إلّا عبارة عن عدم جعل سلطنة و حق للغير بالنسبة إلى فسخه أو استرجاع العين.
و من المعلوم أنّ اللزوم بهذا المعنى ليس حكما اقتضائيّا يقتضيه العقد، بل هو لا يقتضي إلّا تحقّق مضمونه و هو حصول الملكيّة، فإذا لم يجعل الشارع للغير بالنسبة إلى العين و فسخ العقد حقّا و سلطنة فينتزع من ذلك لزوم العقد، و إلّا فأصل العقد لا يقتضي عدم جعل الخيار لا بمدلوله المطابقي كما هو ظاهر؛ لأنّه ليس إلّا التمليك و التملّك، و لا بمدلوله الالتزامي و هو كون الملكيّة مضادّة لجعل الخيار، و هو أيضا واضح.
فإذا فرضنا أنّ اللزوم ليس حكما يكون من مقتضيات العقد بل من جهة عدم جعل الحقّ للغير و هو أيضا واضح.
فإذا فرضنا أنّ اللزوم في العقد ليس حكما يكون من مقتضيات العقد، بل من جهة عدم جعل الحقّ للغير ينتزع عنوانه، فلا يكون العقد حينئذ مقتضيا لعدم الخيار حتّى يزاحم المقتضي له، و هو الشرط.
نعم؛ اللزوم بمعنى عدم جواز استرجاع العين و عدم السلطنة عليه من مقتضيات العقد بالدلالة الالتزاميّة؛ إذ العقد يقتضي الملكيّة، و هي تقتضي سلطنة المالك على منع الغير عن تملّك ماله، فالعقد يقتضي منع الغير و عدم سلطنته على تملّك المال، و لكن لا ربط له بما نحن فيه؛ لأنّ شرط الخيار لا يكون مرجعه إلى ذلك، بل إلى جعل حقّ الخيار بالنسبة إلى العقد، و قد مرّ أنّ العقد لا يقتضي عدم ذلك.
و أمّا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فهو أيضا لا يدلّ على أزيد ممّا اقتضاه نفس العقد،
ص: 396
فإنّ معنى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ليس إلّا وجوب الالتزام بمضمون العقد أي حصول الملكيّة، ثمّ الحركة إلى طبقه ما دام باقيا، و أمّا بعد ارتفاعه فلا اقتضاء له، كما لا يخفى، فالحقّ نفوذ الخيار. و اللّه العالم.
ثمّ نذكر جملة من أحكام الشرط هنا في طي مسائل:
الاولى؛ يشترط تعيين مدّة الخيار ابتداء و انتهاء، فلو لم يتعيّنا مدّة من أحد الطرفين فله صور:
فتارة؛ لا يذكرون مدّة أصلا، كأن يقول: بعتك هذا بهذا على أن يكون لي الخيار.
و اخرى؛ يذكر مدّة مطلقة، كأن يقول: في مدّة، أو يقدّره بأمر مجهول مطلقا كأيّام.
و ثالثة؛ يذكرون زمانا مجهولا، كأن يقول: إلى زمان قدوم الحاجّ.
و على كلّ تقدير إمّا أن يجعل الشرط في نفس العقد المشروط فيه، و إمّا أن يجعل في ضمن عقد آخر.
أمّا إذا جعل في نفس هذا العقد؛ فالأقوى فساد العقد في جميع الصور المتقدّمة؛ لأنّ ابتداء المدّة في جميع تلك الصور و إن كان بمقتضى الانصراف إلى زمان العقد معلوما، و لكن انتهاؤها لما كان مجهولا فيكون غرريّا، فإذا صار الشرط كذلك يوجب صيرورة أصل البيع غرريّا؛ لما سيأتي في محلّه من أنّ الغرر في الشرط ليسري إلى البيع، فإذا صار هو غرريّا يكون أصل البيع فاسدا؛ لما ورد من أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نهى عن بيع الغرر (1).
1) عيون أخبار الرضا عليه السّلام: 2/ 50 الحديث 168، عوالي اللآلي: 2/ 248 الحديث 17.
ص: 397
ففساد الشرط حينئذ من جهة فساد أصل البيع، لا من جهة أنّ الشرط لمّا كان فاسدا يوجب [فساد] البيع، إذ الشرط الغرريّ لا يعلم فساده بداية لفقد الدليل عليه.
و ما نقل عن بعض من المرسلة المطلقة من أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نهى عن الغرر، بإطلاقه غير معمول به، و لذا لا يقولون بفساد الصلح إذا كان غرريّا، ففساد الشرط من ناحية فساد العقد (1)، كما لا يخفى.
و من ذلك ظهر أنّه لو جعل الشرط على أحد الوجوه المتقدّمة هو الخيار في عقد آخر، لا وجه لفساد أصل البيع المشروط له الخيار و لا الشرط.
أمّا البيع؛ فلعدم كون هذا الشرط موجبا للغرر فيه؛ لعدم كونه من قيده و شرائطه الراجعة إلى قيود العوضين.
و أمّا الشرط؛ فلأنّه لا دليل على فساد مطلق الغرر، كما أشرنا إليه.
نعم؛ لو قلنا على فساد مثل هذا الشرط أيضا من جهة غرريّته يكون فساد الشرط لا من جهة فساد البيع، بل ربّما يكون الأمر بالعكس، كما هو واضح.
هذا؛ و لكنّه قد نقل عن جماعة من أعاظم القدماء القول بالصحّة فيما لو كان الشرط مطلق الخيار، كأن يقول: على أن يكون لك الخيار (2)، و بعضهم نقل الإجماع عليه (3).
و في محكيّ «الخلاف» دعوى ورود أخبار الفرقة على الصحّة، و أنّه
ص: 398
يحدّد بثلاثة أيّام (1)، بل و بعضهم احتمل إلحاق صورة ذكر المدّة مجهولة بالأوّل (2)، بل و بعض المتأخّرين كالعلّامة الطباطبائي قدّس سرّه قد جزم بالصحّة (3)، و قوّاه بعض من تأخّر عنه (4)، و دليلهم دعوى الشيخ قدّس سرّه ورود أخبار الفرقة بذلك و أنّه حدّد بثلاثة أيّام، فيكون من قبيل خبر مرسل منجبر بالإجماع المنقول.
و في «مفتاح الكرامة»: و ليس في الأدلّة الشرعيّة ما يخالفه؛ إذ الغرر مندفع بتحديد الشارع، و ظاهره عدم كونه هنا غررا، فيكون خروجه عن دليل الغرر من باب التخصّص، و لكن على فرض تماميّة الدليل، الحقّ أنّه من باب التخصيص، خصوصا ما إذا كان المتعاقدان جاهلين بالتحديد (5).
و إنّما الكلام في أصل الدليل؛ إذ من البعيد وجود أخبار خاصّة في المسألة ظاهرة الدلالة، مع عدم ذكر متنها في كتاب «الخلاف»، مع أنّ بناء الشيخ قدّس سرّه على ذكر الأخبار فيه، و أمّا الإجماعات المنقولة فالغالب أنّها من تابعي الشيخ رحمه اللّه أو السيّد، فينتهي الأمر بالأخرة إلى أحدهما، فلا يصلح للجبر.
مضافا إلى أنّ الخبر موقوف على وجود خبر ضعيف يكون بحسب المتن ظاهر الدلالة، و من المعلوم أنّ دعوى الشيخ قدّس سرّه ورود الأخبار لا يكفي؛ إذ لعلّ دلالتها كانت على حسب اجتهاده.
و بالجملة؛ لا دليل في المقام يمكن الاتّكال عليه في مقابل دليل الغرر،
ص: 399
و إن كان حمل كلام الشيخ قدّس سرّه على الأخبار الواردة في خيار الحيوان، بدعوى إطلاق الشرط فيها في غاية البعد؛ لبداهة أنّ المراد بالشرط في قوله: «أمّا الشرط في الحيوان» هو الشرط الإلهي، كما أنّه ورد فيها أيضا: و أمّا الشرط في غير الحيوان قال: «البيّعان بالخيار حتّى يفترقا» (1)و كذلك حمله على خبر حنّان (2)المتقدّمة أيضا بعيد، فالمسألة بحسب الفتوى في غاية الإشكال، و إن عرفت أنّه بحسب الدليل الأقوى البطلان.
ثمّ إنّ المراد من الغرر عبارة عمّا يكون الجهل فيه بمثابة لو لا بالنظر المسامحي؛ لحكم العرف بأنّه غرر، و ما لو لم يكن كذلك و لو مع الدقّة يكون خارجا، مثل الجهل بالتفاوت اليسير بين المكيلات.
نعم؛ لا اعتبار بالمسامحات العرفيّة كتسامحهم في الجهل بزمان الحصاد أو الدّياس، أو لساعة أو لساعتين من اليوم، فإنّ ذلك ليس من جهة أنّهم لا يرونه غررا حتّى يقال بأنّ الغرر في الشرع أوسع دائرة من الغرر عند العرف، بل مع أنّهم لو كان الأمر في مقام المداقّة يعترفون بكونها غررا، و لكن مع ذلك يتسامحون و يقدمون في المعاملات على مثل ذلك الغرر.
فحينئذ؛ بعد ورود النهي عن بيع الغرر مع كونه مطلقا لا بدّ من التعميم، كما ورد الأخبار أيضا في مثل الحصاد و الدياس في السلم (3)، فلا بدّ من تعيين مدّة الخيار ابتداء و انتهاء على وجه يرتفع الجهالة رأسا، و لكنّه لا يعتبر أن تكون المدّة
ص: 400
متّصلة بالعقد، بل يجوز اشتراط الخيار مطلقا، سواء كان ظرفه متّصلا بالعقد أو منفصلا عنه أيّ مقدار من الزمان يكون؛ لعموم أدلّة الشرط، و لا بأس بصيرورة العقد جائزا بعد ما صار واجبا؛ لورود الدليل (1)، و لا وجه لمنع الشافعي عنه لذلك (2)، كما لا يخفى.
الثانية: لو عيّن زمن الخيار من طرف نهايته دون مبدئه، كأن يقول: على أن يكون لي الخيار إلى انقضاء ثلاثة أيّام، يتعيّن مبدؤه من حين العقد، إذ هو المنصرف و المتبادر من الإطلاق، و أمّا لو كان مبدأ الخيار منفصلا عن العقد يتعيّن كيفما كان من أوّل جزء ذلك الزمان المجعول فيه، كأن يقال: على أن يكون لك الخيار من الغد إلى يومين.
و إذا جعل مبدأه من حين انقضاء خيار المجلس بأن يقول: على أن يكون لك الخيار من بعد حصول انقضاء التفرّق، فتارة يعلم أو يطمئن زمان التصرّف أو يوثق به، فلا إشكال في صحّة هذا الشرط. و اخرى لا يعلم و لا يوثق ذلك، بل مردّد بين الأقلّ و الأكثر فلا يصحّ؛ لصيرورته بالجهل بالابتداء غرريّا، فيوجب الغرر في البيع.
و لا يقال: إذا فرضنا اليقين بانقضاء المجلس في زمان، كما إذا نعلم بأنّ المجلس في أوّل الغروب لم يكن باقيا، و لكن لا نعلم أنّ التفرّق حصل قبله أو المجلس كان باقيا بحاله إلى الغروب، فيمكن رفع الجهل باستصحاب بقاء المجلس إلى الغروب، فيحصل العلم بأنّ انقضاء المجلس في أوّل الغروب
ص: 401
شرعا، فيكون من قبيل ضمّ الوجدان بالأصل قد احرز الموضوع و ارتفعت الجهالة.
و يظهر ذلك حكمهم بصحّة شرط الكتابة في العبد أو غيرها من الأوصاف مع الجهل بتحقيقها بمجرّد العلم بثبوتها سابقا، كما سيأتي، فيصحّ أن يقال: بعتك العبد الموصوف سابقا و شرطت لك كتابتها، مع أنّه مثل ما نحن فيه.
فإنّه يقال: إنّ استصحاب بقاء المجلس إلى زمان نعلم بعدم بقاء المجلس في ذلك الزمان لا يثبت حدوث التفرّق فيه إلّا على القول بالأصل المثبت.
بيان ذلك؛ أنّ رفع الجهالة لا يمكن بإحراز زمان معيّن يكون التفرّق فيه، و أمّا زمان معيّن نعلم بعدم بقاء المجلس فيه فلا يترتّب عليه أثر عمليّ؛ لأنّ ما هو المثمر إحراز الزمان المنطبق عليه حدوث التفرّق و انقضاء المجلس، و استصحاب بقائه إلى الغروب المعلوم حصول التفرّق عنده بالنسبة إلى الحكم بكونه زمان التفرّق مثبت.
و هذا بخلاف باب الأوصاف المحرزة سابقا، فإنّ المثمر فيها إحراز ثبوت الوصف في العين الّذي يقع عليه العقد، فيمكن إحراز الوصف بالأصل و إثبات جزء الموضوع به، و المفروض ثبوت الآخر بالوجدان.
فإن قلت: إنّ الاستصحاب لا يجري إلّا إذا يترتّب على المستصحب أثر شرعيّ مع قطع النظر عن الأثر الناشي من قبل الاستصحاب، و في مثل الأوصاف المشترطة لا يكون الأثر و هو رفع الغرر، و صحّة الشرط [ليس] من آثار نفس الوصف، بل من آثار إحرازه، لا يمكن أن يشمل لمثل ذلك دليل الأصل، و إلّا يلزم الدور لو لم يثبت الأثر في الرتبة السابقة على جريانه.
ص: 402
قلت: هذا إنّما هو بناء على كون المراد من اليقين و الشكّ في دليل الاستصحاب هو المتيقّن، و أمّا بناء على كون المراد نفس اليقين و أمن على أنّك لست بشاكّ فيترتّب على الاستصحاب حتّى الآثار المترتّبة على اليقين بنفسه، و حيث إنّ المختار في معناه ذلك حسبما حقّقناه في محلّه، فلا مانع من الاستصحاب المزبور، فتدبّر.
الثالثة؛ لا اختصاص لشرط الخيار بما إذا جعل و شرط للمتعاقدين أنفسهما، بل يجوز لهما شرط الخيار للأجنبي بلا إشكال، لعموم دليل الشرط.
ثمّ إنّ من يجعل له الخيار تارة واحد، فيصير ذا حقّ خيار، فله الفسخ و الإمضاء، سواء منعه المتعاقدان أم لا، لأنّ ذلك معنى كونه ذا الخيار، و اخرى يجعل للاثنين مثلا، و هو يتصوّر على أنحاء:
الأوّل؛ أن يجعل لكلّ منهما خيار مختصّ به، و على هذا لكلّ منهما إعمال خياره ما دام العقد باقيا، فإن أجاز أحدهما سقط خياره بالخصوص، كما أنّه لو فسخ أحدهما يزول العقد رأسا، و إذا فسخ أحدهما في حال إجازة الآخر يؤثّر الفسخ فينفسخ، فليس المقام حينئذ من قبيل ما إذا وكّل اثنين في إعمال خياره، فإنّه كلّ من سبق منهما بإعماله إجازة أو فسخا لا يبقى مجال لإعمال الآخر؛ لعدم بقاء الموضوع، فلو فسخ أحدهما مقارنا لإجازة الآخر لا يؤثّر شيء منهما للساقط.
الثاني؛ أن يجعل خيار واحد لهما معا، فحينئذ؛ لا يؤثّر شيء من الفسخ و الإجازة إلّا إذا اتّفقا عليهما، كما هو واضح.
الثالث؛ أن يجعل خيار واحد للجامع بينهما، فحينئذ كلّ من سبق إلى
ص: 403
إعماله إجازة أو فسخا لا يبقى مجال للآخر؛ لزوال الخيار بإعماله، فلو أجاز أحدهما في حال فسخ الآخر بأن تقارن الإجازة و الفسخ يتساقطان؛ لعدم ترجيح لأحدهما، فيبقى الخيار على حاله.
ثمّ إنّ الأجنبي المجعول له الخيار لا يجب عليه مراعاة المصلحة لمن له الخيار؛ لكونه مسلّطا على حقّه.
نعم؛ لو جعل بشرط كونه أمينا في ملاحظة المصلحة فيجب عليه مراعاتها، و أمّا إذا جعل له الخيار بداعي أنّه يلاحظ المصلحة، و باعتقاد أنّه أمين و لم يجعل عنوانا فلا يجب أيضا عليه رعايتها.
الرابعة؛ لا إشكال في أنّه يجوز للمتعاقدين اشتراط استيمار الأجنبي، بأن يشترط أن يستأمر المشروط عليه عن الأجنبي فيأتمر بأمره، أو الايتمار بأمره ابتداء.
ففي الجملة؛ لا خلاف في أصل المسألة، و إنّما الكلام في المراد منه؛ إذ قد يكون المقصود منه شرط جعل الخيار للأجنبي و لكن اشترط أن يكون إعماله بتوسّط المشروط عليه على أحد التقديرين، و لازمه على هذا الفرض أنّه يكون للأجنبي إسقاطه؛ إذ المفروض كونه حقّا له.
نعم؛ ليس له الإعمال بالفسخ و الإمضاء، فبناء عليه ليس لأحد المتعاقدين لا قبل الاستيمار و الأمر و لا بعدهما خيار، بل نتيجة الشرط جعل الخيار للأجنبي بشرط توكيله المشروط عليه في الإعمال، فبالنسبة إليه ينتج وجوب امتثال أمره مطلقا.
و قد يكون المقصود منه جعل الخيار للمستأمر- بالكسر- أو المؤتمر
ص: 404
معلّقا على استيماره المستأمر- بالفتح- أو أمره ابتداء، و لازمه عدم الخيار للأجنبي أصلا و لا للمستأمر قبل الاستيمار أو الأمر، بل له حقّ الخيار بعد أمره، كما أنّ له الإعمال بالفسخ و الإمضاء بعده، و كذلك الإسقاط.
و قد يكون المقصود جعل الخيار للمستأمر أو المؤتمر مطلقا، و لكن يجعل معلّقا على إعماله بأمر الأجنبي، و لازمه حصول الخيار قبل الاستيمار و الأمر، فله الإسقاط قبله، و لكن ليس له الفسخ قبله.
و قد يكون المقصود جعل الخيار المعلّق على أمر الأجنبي، و لكن مشروطا بأن يكون إعماله بيد المستأمر.
و قد يكون المقصود جعله للمستأمر بالفتح.
و على كلّ تقدير قد يكون التعليق في أصل الخيار، و قد يكون في الإعمال دون الخيار، و في جميع الصور الإعمال بيد المستأمر- بالفتح- فالصور أربعة، فإن كان هنا [ك] قرينة على إرادة واحد بالخصوص فلا إشكال، أمّا إذا كان المقصود جعل الخيار منجّزا و كان التعليق يرجع إلى الإعمال سواء جعل الخيار للأجنبي أو المستأمر فواضح؛ لكونه راجعا إلى شرط الخيار المنجّز المعلوم بدليّة و نهاية.
و أمّا إذا كان المقصود جعل الخيار معلّقا على أمر المستأمر- بالفتح- فقد يشكل من جهة أنّ الخيار إذا صار معلّقا فيلزم أن يكون أمره موجبا و موجدا للخيار و لتوكيل المستأمر- بالكسر- في الإعمال في رتبة واحدة، و هذا غير ممكن؛ لأنّ الأمر بالإعمال يتوقّف على ثبوت الخيار في الرتبة السابقة؛ إذ الحكم إنّما يتحقّق بعد ثبوت موضوعه، و إلّا فلا يعقل تحقّق الفعل.
ص: 405
و فيه؛ أنّه لا مانع من أن يتحقّق بإنشاء واحد أمران طوليان رتبة أحدهما بالنسبة إلى الآخر، غاية الأمر أنّه من الأمر بالإعمال يستكشف حصول الخيار آنا مّا في الرتبة السابقة على التوكيل في الإعمال، كما إذا كان للبائع أو المشتري خيار في العين المبيعة و باع ذو الخيار ذاك العين بقوله: بعتها، قالوا بأنّ هذا البيع بيع و فسخ.
مع أنّ الفسخ يحتاج إلى الإنشاء، و البيع أيضا موقوف على الفسخ، فوجّهوا ذلك بكونه بمنزلة «فسخت» و «بعت» و إن كان الإنشاء واحدا. فتأمّل، فإنّه يمكن أن يقال: إنّ الفسخ تارة يتحقّق بنفس الفعل.
و قد يشكل أيضا بأنّه يلزم التعليق في الخيار و هو باطل (1).
و فيه؛ أنّه لا مانع من التعليق في الشرط، كما سيأتي في جعل الخيار مشروطا بردّ الثمن.
و قد يشكل من جهة كونه مستلزما للغرر؛ إذ المفروض تعليق الخيار على أمر الأجنبي، و هو غير معلوم التحقّق، فيكون من قبيل شرط الخيار على فرض قدوم الحاج (2).
و فيه؛ أنّه ليس غرريّا بمجرّد عدم العلم بحصول المعلّق عليه إذا كان مبدأ الخيار زمانا و منتهاه معلوما، كما هو المفروض، بأن يقال: و شرطت لك الخيار إن أمر الغير في زمان كذلك، و إلّا فليس يصحّ الشرط على فرض ردّ مثل الثمن.
و قياس المقام بشرط الخيار إذا قدم الحاجّ مع الفارق؛ لأنّ المقصود من
ص: 406
مثله جعل الخيار في زمان مخصوص له تعيّن واقعي مع عدم علم أحد المتعاقدين به، و لا ريب أنّه يوجب الغرر بخلاف ما نحن فيه، كما تقدّم.
هذا كلّه إذا قامت القرينة على إرادة إحدى الصور الأربعة، و أمّا إذا لم يكن قرينة أصلا، بحيث لم يكن في البين إلّا قوله: و شرطت لك استيمار الغير في النسخ و الإمضاء، أو بأمر الغير مثلا في المدّة المعلومة، فهل يمكن حينئذ استظهار إحدى المعاني معيّنا أم لا؟
فنقول مستعينا باللّه: الظاهر من الإطلاق كون المقصود التعليق بالنسبة إلى خصوص إعمال الخيار مع كون نفسه منجّزا، فيكون ظاهرا في جعل الخيار منجزا بنفس هذا العقد، و ذلك لأنّ الظاهر من الفسخ أو الإجازة الّتي جعل شرطا للسلطنة على الفسخ أو الإمضاء هو كون الأمر بالإعمال مفروغ الثبوت في الرتبة السابقة على هذا الأمر، كما في سائر موارد تعلّق الأمر بفعل يكون من متعلّقات الموضوع الخارجي، مثل: صلّ في المسجد، أو أكرم زيدا.
فإذا قيل: و شرطت لك استيمار الغير في الفسخ أو الإمضاء، أو ايتمارك بأمر فيهما، فظاهره جعل الخيار بالفعل، و لكن إعمال ذلك لا بدّ أن يكون بيدك على فرض أمر الغير.
و هذا لا إشكال فيه، و إنّما الكلام بعد ذلك تعيين كون الخيار للأجنبي، و إنّما جعل إعماله بيد المستأمر، أو يكون الخيار أيضا للمستأمر، كما أنّ إعماله بيده، كلّ واحد من الاحتمالين يكون في عرض الآخر بالنسبة إلى إطلاق اللفظ و إن كان الأقوى هو الثاني، و هو كون الخيار للمستأمر لا الأجنبي و لو من جهة ارتكاز الذهن، من أنّ الأصل في أن يكون لأحد المتعاقدين، و أنّ جعله للأجنبي
ص: 407
الثالث يحتاج إلى ملاحظة أمر زائد عن أصل ما يكون ملحوظا في غالب المعاملات.
فعلى هذا يجوز للمستأمر إسقاط خياره قبل الأمر، و لكن ليس له الفسخ، و لو فسخ لم ينفذ لكون إعماله مشروطا بالأمر من الأجنبي المستأمر- بالفتح- و أمّا إذا أجاز فلو كان المقصود منه الإسقاط فلا إشكال فيه، و أمّا لو كان المقصود إعمال الخيار بالإمضاء فلا يفيد؛ إذ هو معلّق على أمر المستأمر- بالفتح-.
و لو بنينا على أنّ الخيار للأجنبي المستأمر فأمر بالإجازة فليس للمؤتمر الفسخ؛ لعدم خيار له و إنّما هو بمنزلة الوكيل لذي الخيار، بل في الصورة الاولى الّتي يكون لنفس المستأمر- بالكسر- لو أمره بالإجازة فليس له الفسخ، لأنّ المفروض اشتراط إعماله بما يأمر به الأجنبي؛ إذ الغرض من استيماره أو أمره ليس إلّا العمل بما يأمر، فليس سلطنة إعمال الخيار على غير ما يأمر به.
نعم؛ لو أمره بالفسخ لا يجب عليه في كلتا الصورتين و إن لم يمكنه الإجازة؛ لأنّ غاية الأمر أنّه بالأمر على الفسخ يكون مسلّطا عليه، لا أنّه يجب عليه ذلك، إلّا إذا كان عدم فسخه مع عدم إسقاط خياره ضررا على صاحبه، فحينئذ لو لم يفسخ فله الخيار؛ للضرر، و إلّا فلا وجه لوجوب الفسخ عليه، سواء طلب منه صاحبه أم لا؛ لعدم كون هذا الشرط راجعا لجعل حقّ للمتعاقدين على الآخر حتّى يتوهّم ثبوت الخيار لصاحبه لو لم يفسخ مع طلبه، كما توهّم (1).
ثمّ إنّه في اعتبار مراعاة المستأمر- بالفتح- للمصلحة في أمره بكلّ من الفسخ و الإمضاء، كلام تقدّم التحقيق فيه، و أنّه لا يعتبر، فتدبّر.
1) لاحظ! المكاسب: 5/ 125.
ص: 408
مسألة: و من أفراد خيار الشرط: ما يضاف إليه البيع، و يقال له: بيع الخيار و بيع الشرط الّذي محلّ ابتلاء النوع، و هو أن يبيع شيئا لغيره و يشرط عليه بأنّه لو ردّ عليه مثل الثمن في مدّة معيّنة كان له الخيار في حل العقد، أو كان له فسخ العقد، و هو لا إشكال في جوازه عندنا، و الأصل فيه الأخبار الخاصّة.
منها؛ موثّقة إسحاق بن عمّار، روى أنّه سأل أحد أبا عبد اللّه عليه السّلام أنّه مسلم احتاج إلى بيع داره فمشى إلى أخيه، فقال له: أبيعك داري هذه، و يكون لك أحبّ إليّ من أن يكون لغيرك، على أن تشترط لي: إذ جئتك بثمنها إلى سنة تردّها عليّ.
قال: «لا بأس بهذا إن جاء بثمنها ردّها عليه».
قلت: أ رأيت لو كانت للدار علّة لمن يكون؟
قال عليه السّلام: «للمشتري، ألا ترى أنّها لو احترقت كانت من ماله» (1).
و غير ذلك من الروايات الّتي أورد جملة منها الشيخ قدّس سرّه في الكتاب (2).
ثمّ إنّه ينبغي أوّلا بيان الوجوه و الاحتمالات في معانيها و المراد منها، ثمّ استظهار أحدها لو أمكن، و إلّا فالرجوع إلى مقتضى القاعدة في كلّ منها.
فنقول بعونه تعالى: فمن المحتملات ما أفاده الشيخ قدّس سرّه (3).
ص: 409
الأوّل؛ أن يراد منها تعليق أصل الخيار على حلّ العقد على ردّ مثل الثمن فيكون المراد من قوله: «إن جئتك بثمنها تردّها عليّ» أنّه على فرض الردّ في المدّة المضروبة كان لي خيار حلّ العقد و ردّ المال بالفسخ، فلا خيار للبائع قبل ردّ الثمن أصلا.
الثاني؛ أن يكون المراد تعليق الفسخ على ردّ مثل الثمن، بأن يكون له الخيار مطلقا، و لكن إعماله في المدّة متوقّف على ردّ الثمن، و هذا يكون على قسمين:
أحدهما: كون ردّ الثمن معلّقا عليه للسلطنة على الفسخ بإنشاء آخر بعد ردّ الثمن، فلا يكون مجرّد ردّ الثمن دليلا على الانفساخ و لا على الفسخ الفعلي، بل لو أراد الفسخ كان محتاجا على إنشاء آخر.
و ثانيهما: أن يكون ردّ الثمن فسخا أيضا، بمعنى أنّ ما هو الشرط هو السلطنة على الفسخ بالفعل الخاصّ، فيصير ردّ الثمن ذا جهتين: فمن أنّه ردّ للثمن؛ معلّق عليه للشرط، و من حيث أنّه قصد به الفسخ؛ من قبيل الشرط، كما في مثل الفسخ بالبيع إذا باع ذو الخيار عين الخيارية بقوله: بعت هذا.
الثالث؛ أن يكون المراد من الشرط صيرورة العين المبيعة ملكا للبائع على فرض ردّه الثمن و تمليكه إيّاه، فيكون من قبيل شرط النتيجة، فلا يكون مربوطا بجعل خيار و لا شرط القدرة و السلطنة على الفسخ؛ إذ على هذا لا يكون المراد إلّا أنّه على فرض تمليكه مثل الثمن و ردّه إلى المشتري كانت العين المبيعة ملكا له.
الرابع؛ أن يكون المراد اشتراط انفساخ العقد بردّ الثمن من دون فسخ،
ص: 410
فيكون المراد أنّه على فرض ردّ مثل الثمن يصير العقد منفسخا قهرا بنفسه.
الخامس؛ أن يكون المراد اشتراط الإقالة على تقدير ردّ الثمن، فيكون المقصود أنّه على فرض ردّه فعلى المشتري أن يقيله البيع.
و الاحتمال الأوّل، و هو كون الاشتراط راجعا إلى شرط الخيار للبائع بشرط ردّ الثمن بعيد على حسب ما يستفاد من الأخبار، و ذلك؛ لأنّ ما هو معلّق على ردّ الثمن في رواية إسحاق بن عمّار و رواية سعيد بن يسار (1)هو ردّ المشتري عين الثمن إلى البائع.
و المراد من ردّه العين بعد ردّ الثمن إمّا هو الردّ الملكي، بأن يكون ملزما بتمليك العين على تقدير الردّ، و إمّا الردّ الخارجي، على أن يكون المراد أن العين لمّا صار بإعطاء الثمن ملكا للبائع، فيجب على المشتري ردّها إليه، فالمراد أنّه إذا جاء بالثمن يردّ العين إليه؛ لأجل أنّه صار ملكا للبائع.
فإن كان المراد المعنى الأوّل فلا ينطبق إلّا على كون المراد من «جاء بالثمن يردّ العين إليه؛ لأجل أنّها صارت ملكا للبائع بالشرط» هو شرط الإقالة على فرض ردّ الثمن من دون ربط بباب شرط الخيار أو الفسخ أصلا.
و إن كان المراد المعنى الثاني؛ فهو أيضا لا يناسب كون ردّ الثمن معلّقا عليه للردّ على مجرّد الثمن، فلو كان المعلّق على إعطاء الثمن هو الخيار فلا بدّ من أن يترتّب على إعطائه ثبوته.
و نقول: و إن جاء بالثمن فله الخيار، فوجوب ردّ العين على المشتري لا يجب بأن يثبت له الخيار ثمّ ينفسخ فيصير ملكا له بالفسخ، مع أنّه رتّب الردّ
1) وسائل الشيعة: 18/ 18 الحديث 23045 و 19 الحديث 23047.
ص: 411
و وجوبه على نفس المجيء بالثمن، فلا يرتبط بكون الخيار متعلّقا على ردّ الثمن.
و أمّا ما هو المعلّق على إعطاء الثمن في رواية معاوية (1)فهو كون الدار دارا للبائع بمجرّد إعطاء الثمن، فلو كان إعطاؤه موجبا للخيار فليس مجال لترتّب صيرورة الدار ملكا للبائع بمجرّد دفع الثمن، بل بعده يحتاج إلى الفسخ، و ليس في الرواية غير ترتّب الملكيّة عين و لا أثر.
و أمّا رواية أبي الجارود (2)فما علّق فيها ردّ الثمن أيضا و إن كان هو البيع، فالمعنى الابتدائي المستفاد منه أنّ الشرط عبارة عن تعليق أمر البيع له على ردّ مثل الثمن فيناسب كون الخيار معلّقا على ردّ الثمن.
و لكن الظاهر أنّ المراد من البيع هو المبيع، كما يطلق كثيرا عليه (3)، فيكون المعنى أنّ المبيع لك لو جئتني بالثمن، فيكون مفاده مع الرواية السابقة واحدة.
مضافا إلى أنّ كون أمر البيع له لا يدلّ على أنّ الغرض كون الخيار معلّقا على ردّ الثمن؛ إذ من الممكن أن يكون تعليق الفسخ و الإمضاء على ردّ الثمن؛ إذ على فرض كون الخيار مطلقا و لم يكن له الفسخ قبل ردّ الثمن، فيصحّ أن يقال:
إنّ البيع ليس أمره [له]، فبالردّ يصير أمر البيع له باعتبار سلطنته على الفسخ.
و بالجملة؛ بعد أن كان المراد من جميع هذه الأخبار بيان معنى واحد فلا بدّ من حمل هذه الرواية على ما هو ظاهر غيرها لو لم يثبت ظهور نفسها فيه.
ص: 412
فتلخّص أنّ الاحتمال الأوّل بعيد عن مساق أخبار الباب، كما لا يخفى.
و هكذا الاحتمال الثاني الّذي اشتراط السلطنة على الفسخ بعد ردّ الثمن مع كون الخيار مطلقا بمعناه الأوّل أيضا بعيد، فإنّ ردّ الثمن لو كان معلّقا عليه للسلطنة على إنشاء الفسخ بعده فلا معنى لكون ردّ المشتري مترتّبا على إعطاء الثمن، كما في الروايتين الأوليين (1)، أو صيرورة المبيع ملكا له مترتّبا كما في الاخريين، بل لا بدّ أن يكون المترتّب على إعطائه هو السلطنة على الفسخ و الإمضاء، فاللازم أن يقول: فإن جاء بالثمن فله الفسخ أو السلطنة على حلّ العقد.
و أمّا المعنى الثاني منه، بأن يقصد من ردّ الثمن إنشاء الفسخ به، فهو أيضا لا يناسب الروايتين الاوليين الدالّة على تعليق ردّ المشتري العين على إعطاء البائع الثمن، بقوله: «تردّها إليه» إذ الظاهر منه أنّ نفس الردّ يكون ممّا اشترط لو جاء بالثمن، فهو الجزاء المترتّب على الإعطاء، فلو كان المشروط هو الفسخ بنفس الردّ من البائع لا يكون ردّ المشتري حينئذ شرطا مترتّبا على إعطائه، بل لا بدّ من حمله على أنّ المراد منه الردّ الخارجي؛ لأجل كونه ملكا للغير و أنّه إخبار عن الواقع مع كونه خلاف ظاهرهما.
نعم؛ بالنسبة إلى الروايتين الاخريين لا يبعد هذا الاحتمال، و لكن حملهما على ذلك مستلزم لأن لا يكون قوله: «فالدار بيع» أو «المبيع لك» من قبيل الشرط المترتّب على الجزاء؛ لأنّ الإعطاء لو كان فسخا فبالفسخ يصير المبيع ملكا للبائع قهرا، فيصير «فالدار دارك» إخبارا عن الواقع، مع أنّه ظاهر في كونه
1) المراد من الاوليين و الاخريين هي الروايات الأربع المذكورة في المكاسب قدّس سرّه، «منه رحمه اللّه».
ص: 413
نفس المشروط، فعلى هذا تبقى الاحتمالات الثلاثة الأخيرة.
أمّا احتمال كون الشرط هو الانفساخ على فرض إعطاء الثمن فهو ممّا يكون باطلا مخالفا للكتاب و السنّة؛ إذ يعتبر أن يكون الانفساخ شرعا بسبب و هو الفسخ (1)لكون الشيء مبيعا فلا يمكن حمل الروايات عليه، فينحصر الأمر حينئذ باحتمالين:
أحدهما؛ صيرورة العين ملكا للبائع بمجرّد ردّه الثمن من قبيل شرط النتيجة.
ثانيهما؛ اشتراط الإقالة.
و الأوّل هو الظاهر من الخبرين الأخيرين، لكونهما ظاهرين كمال الظهور في أنّ العين على تقدير ردّ الثمن يصير ملكا للبائع بلا فسخ و إقالة.
و أمّا ثاني الاحتمالين يمكن استفادته من الخبرين الأوّلين بناء على أن يكون المراد بالردّ هو الملكي، يعني يكون المقصود من قوله: «تردّها إليّ» يملّكها له بعنوان الإقالة، و لكن حملها على الردّ الخارجي من جهة صيرورة العين ملكا للبائع بنفس إعطائه الثمن أيضا ممكن، و التعبير ب «تردّها عليه» مع كون المقصود أنّه بالإعطاء يصير ملكا له، لا مانع منه.
و على كلّ حال؛ بعد احتمال الوجهين فيهما لا يمكن رفع اليد عن ظهور الأخبار الاخر الظاهرة تمام الظهور في شرط النتيجة.
و لكن الّذي يسهّل الخطب كون هذه الصور غير شرط الانفساخ- و هو
1) عدم كفاية نفس الشرط للتسبيب لا يخلو من التأمّل، إذ لم يثبت كونه يحتاج إلى السبب الخاصّ، فراجع! «منه رحمه اللّه».
ص: 414
الاحتمال الرابع- بجميعها صحيحة، و مطابقة للقواعد بمقتضى عموم دليل الشرط.
و لا يقال: إنّ القسم الأوّل من تلك الاحتمالات- و هو كون الخيار معلّقا على ردّ الثمن- لا يكون مقتضى القواعد، بل مقتضاها بطلانه؛ لكونه مستلزما للتعليق، فيوجب الغرر؛ لعدم العلم بحصول المعلّق عليه فلا يعلم حصول الشرط.
لأنّا نقول: أمّا التعليق؛ فأوّلا لا مانع منه في الشرط، و ثانيا إنّ الشرط هو القضيّة التعليقيّة، أعني الملازمة بين ردّ الثمن و الخيار، و هي إذا جعلت شرطا و مجعولا منهما، فلا يستلزم تعليقا، و أمّا الغرر: فيندفع بالعلم بابتداء ظرف الشرط و انتهائه إلى سنة أو أكثر أو أقلّ.
و بالجملة؛ بعد صحّة الاحتمالات و الصور مطلقا- سوى ما عرفت- لا وجه لتطويل الكلام في استظهار أحدها أو تعيين الأظهر.
و على كلّ حال؛ لا خفاء في أنّ المتعارف بين الناس هو شرط القدرة على الفسخ بعد ردّ الثمن، و هو المحتمل بوجهين:
الأوّل؛ كون الخيار معلّقا على الردّ، فقبل الردّ لا خيار.
الثاني؛ تعليق الفسخ و الإعمال و إطلاق الخيار، و هو الشائع بين الناس، كما يشاهد في الأوراق المتداولة بين أيديهم، فإنّهم يكتبون: و إلّا فالعقد لازم و الخيار ساقط، و قد عرفت أنّ هذا و كذا المعنى الأوّل غير مستفاد من الأخبار، كما لا يخفى.
هذا كلّه بناء على كون جميع الأخبار في مقام بيان حكم واحد و معنى
ص: 415
فارد، و إلّا فمع الغضّ عنه يمكن استفادة شرط الإقالة من الخبرين الأوّلين، و شرط النتيجة من رواية معاوية بن ميسرة، و شرط الخيار على تقدير أداء الثمن أو إعماله بالفسخ من رواية أبي الجارود، بناء على أنّ المراد بالبيع هو نفس العقد لا المبيع، كما أشرنا إليها، فافهم و استقم.
ثمّ إنّه إذا اشترط الخيار على فرض ردّ الثمن حسبما هو المعمول بين الناس قد يشكل في الثمن الّذي هو المعلّق عليه، بأن ردّ الثمن إن كان بعنوان التمليك بنفس الردّ، فيصير هذا المال ملكا للمشتري بلا عوض، فإذا فسخ البائع بعده فيلزم عليه أداء مثل الثمن ثانيا؛ لأنّ لازم الفسخ و أثره رجوع كلّ من العوضين إلى صاحبه، و المفروض أنّ ما أدّاه أوّلا ليس ثمنا لهذا المبيع المردود إليه؛ لكونه ملكا له قبل الفسخ.
مع أنّ المعمول الاكتفاء بأداء مثل الثمن المردود قبل الفسخ و إن كان الإعطاء قبلا بعنوان الأمانة لأن يقدر على الفسخ، فيلزم أن لا يتعيّن الثمن المؤدّى بعد الفسخ لأن يصير هو العرض؛ إذ الفرض إنّما هو يرجع إلى المشتري بالفسخ هو مثل الثمن إذا كان غير موجود، و مثله كلّي في الذمّة لا يتعيّن إلّا بإعطاء فردّ من ذاك الكلّي بعنوان الوفاء عمّا في الذمّة، و المؤدّى قبل الفسخ لم يكن أداؤه بهذا العنوان، لعدم الفسخ قبله، و لا في حال الأداء حتّى يكون اشتغال ذمّة في البين، فيصير الردّ بعنوان الأداء، مع أنّ المفروض عدم إعطاء الثمن إلّا بعنوان الأمانة.
فحينئذ؛ لا بدّ و أن يجوز للبائع بعد الفسخ الإبدال و استرداد ما أعطاه إلى المشتري، و لازمه أنّه لو تلف في يد المشتري من غير تعدّ عدم كون تلفه عليه بل
ص: 416
من البائع، فله الرجوع عليه بمثل الثمن الثابت في ذمّته بالفسخ، مع أنّهم لا يلتزمون بشيء من ذلك، و إن كان الردّ بعنوان الأمانة و لكن بقصد أن يصير أداء الكلّي به بعد الفسخ أيضا، فكان هذا الردّ بعنوان الأمانة مقدّمة للفسخ، و الخيار مشتمل على شرط ضمني أيضا، و هو أن يكون الإعطاء الردّ الأماني بعنوان أن يصير أداء لما في الذمّة، كما هو المرتكز في الأذهان.
فصحّة ذلك تبنى على كفاية تحقّق الوفاء و القبض الّذي يعتبر في الخروج عن العهدة بمجرّد قصد صيرورته وفاء و قبضا و إن لم يكن في الخارج كذلك؛ لأنّ الفرض أنّه حين الإقباض لم يكن وفاء لما في الذمّة بل بعنوان الأمانة، و في حال اشتغال الذمّة لم يتحقّق وفاء و قبض، فصحّته مبنيّ على ما ذكرنا من الاكتفاء بمثله عن القبض.
و لمّا كان التحقيق في مطلق قبض ذلك فنقول به في المقام أيضا، مع أنّه لو سلّمنا عدم الاكتفاء به يمكن التصحيح في المقام باعتبار إمكان أن يكون من قبيل الوفاء الخارجي بنفس الأداء عين الردّ قبل الفسخ؛ إذ حين الردّ و إن لم يكن له اشتغال حتّى يكون الردّ فراغا عنه.
و لكن لما كان من قصده بالفعل صيرورة المال المعطى وفاء لما يحدث في الذمّة بعد الفسخ فيصدق عليه بأنّه أداء و لو باعتبار وجوده البقائيّ، و ذلك من جهة كون قصده بالفعل صيرورة وفاء يوجب لأن يصدق على هذا المال أنّه يصير وفاء لما في الذمّة، كما لا يخفى، فتأمّل.
ثمّ إنّه ينبغي بيان امور:
الأوّل؛ أنّ الثمن المشروط ردّه إذا لم يقبضه البائع عن المشتري، قال في
ص: 417
«المكاسب»: إنّ للبائع الخيار و إن لم يتحقّق الردّ منه، بناء على أن يكون شرط الخيار هو الردّ، و ذلك من جهة أنّ الردّ شرط للخيار على تقدير قبضه لا مطلقا، فإذا لم يقبض أصلا فله الخيار، فإن لم يفسخ حتّى انقضت المدّة لزم البيع (1).
و فيه؛ أنّ الخيار إذا جعل معلّقا على ردّ عين الثمن فإرجاع جعل ردّ الثمن الّذي هو المعلّق عليه للخيار إلى كونه شرطا على تقدير قبضه، له وجه بناء على دعوى كون ذلك هو الظاهر من الشرط، و أمّا إذا جعل الشرط ردّ مثل الثمن و لو مع وجود الثمن بعينه- و قلنا بصحّة ذلك، كما سيأتي تفصيله- فلا وجه لهذه الدعوى، بل الظاهر عدم الخيار إلّا بردّ ما جعل شرطا و لا يتوقّف ذلك على قبضه عن المشتري أوّلا.
و أمّا إذا قبضه البائع فلا يخلو إمّا أن يكون من قبيل الكلّي، و إمّا أنّه معيّن، بمعنى أنّ أصل الثمن إمّا أن يكون كلّيا، و إمّا أن يكون عينا شخصيّا.
أمّا الأوّل؛ فسيأتي حكمه.
و أمّا الثاني؛ فإذا قبضه البائع فحينئذ اشتراط ردّ مثل الثمن و لو مع بقاء العين بمعنى أن يجعل الخيار معلّقا على ردّ مثل الثمن و لو مع التمكّن من ردّ العين فقد يستشكل بأنّ هذا شرط مخالف لمقتضى الفسخ من جهة أنّه عبارة عن حلّ العقد.
و من المعلوم أنّ مقتضاه رجوع كلّ واحد من العوضين إلى حاله الأوّل قبل العقد، فيلزم من ذلك رجوع عين الثمن إلى المشتري، كما أنّ المبيع يرجع إلى البائع.
1) المكاسب: 5/ 131.
ص: 418
و قد تقدّم أنّ ردّ الثمن المعلّق عليه الخيار المقصود منه أن يقع هو أداء الثمن بعد الفسخ، فإذا اشترط ردّ مثله و لو مع بقاء عينه، فمعناه أن يكون ردّ مثل الثمن بعنوان وقوعه أداء للثمن بعد الفسخ، و قد علمت أنّ هذا خلاف مقتضى الفسخ فيكون باطلا.
نعم؛ مع تلف عين الثمن و عدم التمكّن من ردّه يمكن أن يقع مثل الثمن بدلا عنه؛ إذ الفسخ مقتضاه ما ذكر مع بقاء العين و أقرب إليها من حيث المالية مع تلفها.
و من ذلك ظهر أنّه لو اشترط ردّ القيمة في المثليّ أو العكس مع علم إمكان ردّ العين مثلا يجري هذا الإشكال أيضا؛ لما ذكر من الوجه بالنسبة إلى مقتضى الفسخ و لزوم رعاية الأقربيّة عند التلف، كما لا يخفى.
و فيه؛ أنّ مقتضى طبع الفسخ و إن كان ذلك، و لكن هذا اللازم ليس من قبيل لوازم ماهية الفسخ بحيث لا يمكن انفكاكه عنه و لو بإحداث المانع عن ذلك، بل هو بالنسبة إليه من قبيل المقتضي، فكما أنّ تلف العين قبل الفسخ يوجب عدم تأثير الفسخ إلّا في رجوع مالية العين بعدم اعتبار الماليّة لها مع انعدامها، فهكذا أثر الفسخ مختصّ بردّ ماليّة العين دون نفسها لو اشترط ذلك؛ و ذلك لأنّه من المسلّمات أنّه لو كان شخص مديونا لغيره بعشرة دنانير مخصوصة يجوز تبديلها عند الوفاء؛ بغيرها بالمراضاة من الطرفين.
و من المعلوم أنّه ليس ذلك من باب الصلح أو غيره من العناوين، بل هو بنفسه مراضاة لا إشكال في صحّتها، و حقيقتها يرجع إلى إغماض صاحب الدين عن خصوصيّة ماله، مع بقاء ماليّته على ماله، و إن وجب على المديون أداؤها
ص: 419
بخصوصياته لو لا التراضي بالغير، فإذا كان أصل هذه المراضاة مشروعا بنفسها فحينئذ لا مانع من جعلها تحت الإلزام بمثل الشرط.
فحقيقة الفسخ بمقتضى طبعه و إن تستلزم ردّ المال بعينه إلى المشتري لا مثله أو قيمته، و لكن حيث كان الإغماض عن الخصوصية مشروعا من صاحبه فيجوز جعله ملزما به بالشرط، بمعنى كونه مؤثّرا في عدم رجوع تلك الخصوصيّة إلى صاحبها، فالشرط يصير بمنزلة الدافع عن مقتضى طبع الفسخ، و يكون من قبيل المعارضة بين مقتضى التعليقي و التنجيزي.
و من ذلك علم حال شرط أداء المثل لو كان العين قيميّا، أو القيمة لو كانت مثليّا على فرض تلفه، فلا إشكال في شيء من ذلك حسب مقام الثبوت.
فما عن الشيخ قدّس سرّه من الإشكال في ذلك (1)لا نعرف وجهه.
هذا كلّه بالنسبة إلى عالم الثبوت، و أمّا في مقام الإثبات، فتارة يقول المشترط: لك الخيار بشرط ردّ عين الثمن لو كان، و ردّ بدله لو لم يكن، فلا إشكال فيه، و كذلك لو صرّح بأنّه و شرطت لك الخيار بشرط ردّ مثل الثمن مع التمكّن عن أداء نفسه، و لا مانع عنه أصلا لا ثبوتا و لا إثباتا؛ لكون المقصود واضحا.
و أمّا لو قال: و شرطت لك الخيار بشرط ردّ الثمن، فلو كنّا نحن و جمود اللفظ فالمعلّق عليه الخيار تردّ عين الثمن مطلقا أمكن أم لا، و لكن لمّا كان المقصود من بيع الدار و نحوها في مثل هذه البيوع الشرطيّة معلوما من جهة احتياج البائع إلى الثمن و صرفه بالنقل و الانتقال غالبا فلو كان المقصود من ردّ
1) المكاسب: 5/ 132.
ص: 420
الثمن عينه يلزم لغويّة شرط الخيار معلّقا على ردّ العين؛ لعدم التمكّن عليه.
فربّما يوجب هذا الارتكاز موجبا لصيرورة العنوان أعمّ من ردّ العين و بدلها، و قرينة على أنّ المراد نفسها لو أمكن، و بدلها لو لم يمكن، كما لا يخفى.
و أمّا إذا قيل: و شرطت لك الخيار على تقدير ردّ مثل الثمن مطلقا، فربّما يوهم الجمود على ظاهر اللفظ أن يكون الشرط هو ردّ مثل الثمن، و لو مع وجود العين و التمكّن من ردّها.
و لكنّ الظاهر في المقام قد يكون عكس السابق؛ إذ الظاهر من جعل الشرط ردّ مثله، من جهة أنّ الغالب هو عدم التمكّن من ردّ الثمن؛ لما عرفت من الاحتياج إلى صرف الثمن و إتلافه، فيكون مثل الثمن من قبيل الوصف الوارد مورد الغالب، بمعنى أنّ المقصود منه هو ردّ ماله إليه عينا لو كان باقيا، و بدله لو لم يكن، لا أن يكون مأخوذا بعنوان الموضوعيّة، كما هو واضح.
و أمّا لو قيل: و شرطت عليك ردّ قيمة الثمن في المثليّ على تقدير عدم التمكّن من ردّ العين أي الثمن بنفسه أو ردّ مثل الثمن في القيمي على تقدير تلف العين، فلا بدّ في مثله من الأخذ بما هو مفهوم اللفظ و عنوانه، و الارتكاز السابق و الغلبة المتقدّمة لا تجري في المقام؛ لعدم تحقّق غلبة في عدم التمكّن من ردّ المثل في المثلي و القيمي في القيمة كما هو ظاهر.
و أمّا إذا كان الثمن كليّا، فقد يكون من قبيل الدين في ذمّة البائع، و قد لا يكون في ذمّته بل المشتري يشتري بثمن كلّي في ذمّته ثمّ يؤدّي ذلك الكلّي بإقباض فردّ منه إلى البائع.
فإن كان من قبيل الثاني فحكمه حكم صورة كون الثمن عينا معيّنا في
ص: 421
الوجوه المتقدّمة من اشتراط ردّ عينه أو بدلها و غيرهما.
و إن كان من قبيل الأوّل فردّ عين الثمن في المقام لا يمكن لسقوطه عنه بمجرّد البيع، لأنّ الإنسان لا يملك على ذمّته شيئا، فمعنى ردّ الثمن في مثله ليس إلّا بردّ الثمن لا عينه، فيكون المراد بردّ الثمن لو علّق الخيار على ردّ الثمن هو ردّ بدله و ردّ ماليّته لا عينه لتلفها بنفس البيع، كما لا يخفى.
الأمر الثاني: [فيما] يسقط هذا الخيار، منها الإسقاط، و يختلف ظرف جوازه بحسب الوجوه المتقدّمة في تصوير شرط الخيار، فإنّه قد تقدّم بأنّ الوجه الرابع من تلك الوجوه و جعل ردّ الثمن شرطا للانفساخ فاسد.
و أمّا الوجه الخامس و هو جعله شرطا للإقالة فهو أيضا بلا ربط بباب الخيار، فتبقى الوجوه الثلاثة المتقدمة.
فحينئذ؛ ينبغي البحث في كلّ منها، فنقول بعون اللّه تعالى: أمّا إذا جعل الخيار مطلقا و الردّ شرطا لجواز الفسخ بمدّة- كما هو الثاني- أو جعل الردّ فسخا فعليّا مع كون الخيار أيضا مطلقا- كما هو الوجه الثالث-؛ فلا إشكال في جواز إسقاطه بعد العقد؛ لكونه على هذا حقّا ثابتا بالفعل قابلا للإسقاط، فيجوز إسقاطه بلا كلام.
و أمّا إذا جعل الردّ شرطا لأصل الخيار، بأن يكون المشروط خيار المعلّق على ردّ الثمن فيقع الإشكال في جواز إسقاطه بعد العقد قبل الردّ، و ذلك من جهة أنّ الخيار لم يكن حينئذ ثابتا بمجرّد العقد، فحال البائع بعد العقد كحاله قبله،
ص: 422
فكما أنّه ليس له إسقاط الخيار قبله إذا فرضنا ثبوت خيار بعده كخيار الحيوان، فكذلك في المقام بعد ما فرضنا أنّ الخيار لم يكن ثابتا له بعد العقد، فليس له إسقاطه لعدم ثبوت حقّ له، فيكون إسقاطه من قبيل ما لم يجب، فحينئذ ظرف إسقاطه على الوجه الأوّل ينحصر بما بعد الردّ.
و من هنا قال في «التذكرة»: إنّه لا يجوز إسقاط الخيار للشرط و الحيوان بعد العقد، بناء على حدوثهما من زمان التفرّق و انقضاء خيار المجلس (1).
هذا؛ و لكن يمكن الجواب عنه بأنّ ردّ الثمن المعلّق عليه الخيار لو كان من قبيل جزء المقتضي له ليتمّ الإشكال، و كان من قبيل إسقاط ما لم يجب، كما يتبيّن.
و أمّا لو بنينا على أنّ المقتضي له نفس العقد و لو بالشرط، و أنّ ردّ الثمن هو من قبيل الشرط الموجب لتحقّق القابليّة في المحلّ كما هو الظاهر من التعليق، فلا يرد، إذ المقتضي لثبوت الشيء إذا تحقّق فالعقلاء لمّا يعتبرون الثبوت بالنسبة إلى المقتضى- بالفتح- و يرتّبون عليه أحكام الوجود، لا سيّما فيما إذا علم بعدم تحقّق المانع في البين، و لهذا يعتبرون الحقّ فعلا لمن نصب شبكة و لو لم يتحقّق الصيد فعلا.
ففي ما نحن فيه لمّا كان المقتضي لأصل الخيار متحقّقا بالفعل فيعبرونه لصاحبه بالفعل، فلا يصير إسقاطه من قبيل ما لم يجب، بل الموجود.
نعم؛ لو كان المراد إسقاط الخيار الفعلي، بأن يكون الغرض رفع الخيار الفعلي، فهذا لا يصحّ، إذ المفروض أنّ ظرف الخيار بعد الردّ.
1) نقل عنه في المكاسب: 5/ 135، لاحظ! تذكرة الفقهاء: 1/ 520.
ص: 423
و لكن لو كان المراد من الإسقاط الدفع بأن يكون الإنشاء فعليّا و السقوط بمعنى عدم الحدوث فيما بعد، فلا مانع منه، فيكون ذلك من قبيل إبداع المانع لما له التأثير لولاه.
فالحاصل؛ لا مانع من جواز إسقاطه بعد العقد على كلّ واحد من الوجوه الثلاثة.
و من ذلك ظهر حال خيار الحيوان و الشرط بعد العقد و قبل التفرّق، بناء على حدوثهما بعده، فإنّه يجوز إسقاطهما أيضا و لو قبله، و ما ذكره في «التذكرة» لا محلّ له.
و أمّا الفرق بين المقام و بينهما بأنّه و لو لم نقل بجواز الإسقاط فيهما و لكنّه نقول به في ما نحن فيه، من جهة أنّ المشروط له مالك للخيار هنا قبل الردّ و لو من حيث تملّكه للردّ الموجب له، بخلاف مورد كلام «التذكرة» لكون الخيار فيه معلّقا على التفرّق الّذي ليس بيد ذي الخيار (1).
ففيه؛ أنّه لا فرق بين المقامين من هذه الجهة؛ إذ كما أنّه يمكن الرد ليتمكّن من السلطنة على الفسخ فيمكن له التفرّق أيضا حتّى يحصل له السلطنة عليه في الخيارين، مع أنّ فرض كونه مالكا للخيار خلاف المفروض، كما لا يخفى، فتدبّر.
و منها؛ التصرّف في الثمن على ما قيل (2)، لإطلاق ما دلّ على أنّ تصرّف ذي الخيار فيما انتقل إليه رضا بالعقد، و قد عمل الأصحاب بتلك المطلقات في غير مورد النصّ كخيار المجلس و الشرط.
و تفصيل الكلام أنّ البيع بشرط الخيار قد يكون وقوعه من البائع؛ لكونه
ص: 424
محتاجا إلى الثمن و صرفه لأداء دين و نحوه، و قد يكون بيعه لأجل احتياجه لصرفه، بل لأجل أنّ المبيع لو كان بيده في زمان مخصوص لاخد منه غصبا، فبيعه لحفظه فقط.
و إذا كان من قبيل الأوّل؛ فلا يبقى إشكال في عدم سقوط خياره بالتصرّف في الثمن، و لو كان معيّنا شخصيّا؛ إذ المفروض أنّ البيع مبنيّ على صرف الثمن و نقله، فيصير من قبيل التصريح بكون الشرط ردّ مثل الثمن، و إلّا فيصير الشرط لغوا.
و إذا كان من قبيل الثاني؛ فلا إشكال أيضا في سقوط الخيار بالتصرّف في الثمن و لو كان ما وقع عليه العقد كليّا؛ لكون التصرّف حينئذ رضا بالبيع، كما في سائر الموارد الّتي نقول بالسقوط و لو لم تكن موردا للنصّ.
و من ذلك نقول بأنّه لو شرط ردّ عين المدفوع من الثمن، فلا بدّ و أن يكون المقصود من البيع هو القسم الثاني، و إلّا فلا معنى للشرط كذلك، و هكذا حمل الإطلاق على ردّ عين المدفوع أيضا في مورد كان من قبيل الثاني.
فنظر الشيخ قدّس سرّه من هذا التشقيق إلى ما ذكرنا من أنّ تمام الملاك هو غرض البائع، فلا بدّ من رعايته أنّه على أيّ الوجهين يقدم على نقل ماله فعلا، فحينئذ لو شككنا في مورد أنّ البيع واقع على أيّ القسمين يلحق بالأوّل، نظرا إلى ما هو الغالب، فتأمّل (1).
ثمّ إنّه من تمام ما ذكرنا ظهر أنّ الإشكال على كلام الأردبيلي قدّس سرّه (2)إنّما يرد
ص: 425
لو كان مراده من عدم سقوط الخيار بالتصرّف المنسحب في غير مورد النصّ باتّفاق الأصحاب هو الإطلاق.
و أمّا مع حمله على القسم الأوّل؛ فكلامه متين، بل لا محيص عنه، كما أنّ الردّ المنقول عن «مصابيح» الطباطبائي قدّس سرّه (1)لا يكون إطلاقه في محلّه؛ إذ الخيار ليس معلّقا على الردّ على جميع الوجوه المتقدّمة، بل في الوجه الثاني منها كان كذلك.
نعم؛ في الوجه الأوّل الّذي كان أصل الخيار معلّقا على الردّ، كلامه تامّ، بناء على ما ذكرنا سابقا من أنّ الرضا المنكشف بالتصرّف في مورده ليس بمعنى إسقاط الخيار، بل بمعنى إعماله بالرضا بإبقاء العقد في قبال الفسخ؛ لأنّ المقصود من الرضا إذا كان هو إعمال الخيار بالرضا المنكشف بالتصرّف فلا يمكن تحققه إلّا في ظرف الخيار الّذي بعد الردّ، فقبله لا خيار فلا يكون التصرّف دليل إعمال الخيار بالرضا.
نعم؛ لو اخترنا ما اختاره الشيخ قدّس سرّه من أنّ التصرّف الكاشف مسقط للخيار (2)، بأن يكون إزالة الخيار و لزوم العقد من جهة إسقاطه لا إعماله بالرضا التخايري، لا مجال لإيراد «المصابيح» على الأردبيلي قدّس سرّه مطلقا، حتّى بناء على الوجه الأوّل؛ لما تقدّم من جواز إسقاط الخيار قبل الردّ بالقول بنفس تحقّق مقتضيه، فيصير اعتراض الشيخ قدّس سرّه على «المصابيح» مبنيّا على ذلك، لكن لم يعلم من «المصابيح» أنّه يقول يكون التصرّف في زمان الخيار
ص: 426
الّذي دليل الرضا، يوجب زواله من جهة الإسقاط لا الإعمال.
و أمّا بناء على الوجه الثالث من كون الخيار مطلقا و الردّ موجبا للفسخ فأيضا بناء على كون التصرّف مسقطا فلا يرد إشكال «المصابيح» على الأردبيلي قدّس سرّه، كما هو مختار الشيخ قدّس سرّه (1).
و أمّا بناء على كون الرضا إعمالا للخيار في مقابل الفسخ- كما هو المختار-؛ فيمكن أن يقال بعدم كون التصرّف موجبا لسقوط الخيار؛ لعدم إمكان إعمال الخيار قبل الردّ؛ إذ الفرض جعل الردّ شرطا لإعمال الخيار بالفسخ، فكما أنّه لا يقدر على إعمال الخيار بالفسخ قبل الردّ، فكذلك لا يمكن إعماله قبله، لأنّه إذا لم يكن أمر الفسخ بيده فلا يكون أمر إعمال الخيار و الإمضاء بيده؛ لعدم تعلّق القدرة بأحد الطرفين بشيء، إذا لم يكن الطرف الآخر مقدورا.
و لكن يمكن الجواب عن ذلك بأنّ شرط كون الفسخ حاصلا بالردّ مع الخيار مطلقا لا يقتضي كونه إعمال الخيار بالإمضاء أيضا معلّقا على الردّ، و طرف الإمضاء ليس هو الفسخ، بل هو عدم الإمضاء، و هو لا يلازم مع الفسخ، كما هو ظاهر.
فحينئذ على مسلكنا أيضا لا يتمّ الإشكال على المحقّق الأردبيلي قدّس سرّه.
هذا كلّه مبنيّ على الوجه الثاني، و أمّا على القسم الأوّل فقد عرفت عدم سقوط الخيار و لو بالتصرّف في طرفه، كما لا يخفى.
و أمّا المناقشة في كلام «المصابيح» بأنّ الشرط لو كان هو الخيار معلّقا
1) المكاسب: 5/ 137.
ص: 427
على الردّ تستلزم الجهالة، فيوجب البطلان، كما عن «الجواهر» (1).
فالحقّ أن يجاب عنها بأنّ الجهالة تلزم لو كان المجعول نفس الخيار معلّقا، و أمّا لو كان هو الجملة الشرطيّة بكلا طرفيها و العلقة بين الأمرين، و كان المعلّق عليه بيد المشترط له و تحت اختياره، و كانت المدّة معلومة- كما هو المفروض- فلا جهل أصلا، لا كما أفاده الشيخ قدّس سرّه بأنّها لا تقدح مع تحديد زمان السلطنة على الردّ و الفسخ بعده (2)إذ يرد عليه بأنّه لا يثمر ذلك مع الجهل في أصل الردّ عدم العلم به في نفسه، و إلّا لجاز جعل الخيار معلّقا على قدوم الحاجّ في مدّة معيّنة، كأن يقال: إن قدموا من اليوم إلى رأس السنة فلك الخيار، مع أنّه باطل كما هو ظاهر.
الأمر الثالث: لا إشكال في أنّه لو تلف المبيع كان من مال المشتري، سواء كان قبل ردّ الثمن أو بعده، بناء على الأوّل من الوجوه المتقدّمة و كذلك الثاني منها، و ذلك؛ لكونه ماله و تلف في يده، و هكذا على الوجه الآخر لو تلف قبل الردّ، و يدلّ عليه- مضافا إلى كونها مقتضى القاعدة- أخبار الباب (3)على ما تقدّم.
و أمّا لو تلف بعد الردّ فيكون من مال البائع؛ لأنّه أمّا على الوجه الثالث
ص: 428
لحصول الفسخ فصار مالا بالردّ للبائع أمانة في يد المشتري، و كذلك الوجه الرابع لحصول الانفساخ به و انتقاله إلى البائع أيضا.
و أمّا لو تلف الثمن؛ فهو من مال المشتري، بناء على الوجه الثالث و الرابع لو كان بعد الردّ؛ لصيرورته ملكا للمشتري به.
و أمّا لو تلف بعد الرد؛ فبناء على الوجه الأوّل و كذا الثاني، فيمكن أن يقال: إنّ تلفه من مال المشتري أيضا، و إن كان ملكا للبائع؛ لكونه تلفا في زمان خيار البائع، و التلف فيه ممّن لا خيار له.
و لكنّ الإشكال في شمول تلك المسألة للثمن أيضا، فإنّ القدر المتيقّن منها هو المبيع، مثل صحيحة ابن سنان: «و إن كان بينهما شرط أيّاما معدودة فهلك في يد المشتري فهو من مال بايعه» (1)الواردة في خيار الحيوان و غيرها.
لكن ظاهر كلمات الأصحاب عموم قاعدة التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له بالنسبة إلى الثمن أيضا، و التفصيل سيجيء في محلّه.
و أمّا لو تلف قبل الردّ فبناء على الوجه الثاني و الثالث من كون الخيار مطلقا و الفسخ معلّقا، فحكمه حكم بعد الردّ في الصورة الاولى و الثانية؛ لكونه تلفا في زمان الخيار.
و أمّا بناء على الوجه الأوّل فيكون من مال البائع؛ لعدم كونه التلف في زمان الخيار، و مجرّد احتمال تزلزل العقد لإمكان الردّ لا يثبت الخيار الفعلي.
نعم؛ لو استفدنا من أخبار الباب من قوله عليه السّلام في خيار المجلس: حتّى
1) وسائل الشيعة: 18/ 20 الحديث 23048.
ص: 429
ينقضي شرطه و يصير المبيع للمشتري (1)أنّ المدار لزوم العقد بقول مطلق، و أنّه ما لم يكن العقد ثابتا مطلقا فالتلف على من كان العقد لازما عليه، لكان المدار على مطلق التزلزل و إن كان حاصلا بعد اللزوم.
و لكن لو بنينا على أنّ مورد الرواية هو الخيار المتّصل بالعقد، و أنّ الوجه في اعتبار انقضاء الشرط- أعني الخيار لأجل أن يصير العقد لازما- فلا وجه لهذا الكلام أصلا، و الظاهر هو الثاني، فيكون التلف من مال البائع لو كان قبل الردّ، فافهم.
الأمر الرابع: أنّ الردّ المشروط به الخيار أو جواز الفسخ، أو الفسخ قد يشترط أن يكون إليه، أو من قام مقامه من وكيله أو وليّه أو وارثه، و قد يشترط أن يكون إلى المشتري من دون تقييد و لا تعميم أصلا، بل يطلق و يقال بشرط ردّ الثمن، و قد يشترط ردّه إلى المشتري بما هو شخصه.
فإن كان من قبيل ذلك- أي الأخير- فلا يكفي في ثبوت المعلّق إلّا الردّ إلى نفسه، فلو صار غائبا أو عرض أمر آخر لا يمكن الردّ إليه عقلا أو شرعا، فلا خيار و لا فسخ بالردّ إلى غيره؛ لعدم حصول الشرط.
إن كان من قبيل الأوّل؛ فلا إشكال أيضا في كفاية الردّ إلى الوكيل أو الوارث بمقتضى عموم الشرط.
و إن كان من قبيل الثاني فحكمه حكم القسم الثاني من جهة عموم دليل النيابة و الولاية، بناء على ثبوت الولاية للحاكم بالنسبة إلى مثل ذلك؛ لعموم
1) لاحظ! وسائل الشيعة: 18/ 5 الباب 1 من أبواب الخيار.
ص: 430
«السلطان ولي الممتنع» (1).
و من ذلك يعلم كفاية الردّ إلى عدول المؤمنين عند عدم الحاكم، بناء على كون المقام داخلا في الامور الحسبيّة.
و لكن الكلام في ثبوت السلطنة للحاكم كذلك، و لو فرضنا ثبوته له هل مثل هذه الامور من الحسبيّات أم لا؟ فحينئذ فلو لم يثبت الأوّل يكفي لإثبات سلطنة الحاكم ثبوت الثاني، أي كون هذا الأمر من الامور الحسبيّة الّتي لا يرضى الشارع بتعطيلها، فلا مانع من الردّ إليه لو كان، و إلى عدول المؤمنين مع فقده، بل إلى المعتمدين من الفساق مع عدمهم.
و ممّا ذكرنا علم حال ما لو اشترى الأب للطفل و اشترط ردّه إليه، فإنّه لو اشترط الردّ إليه بخصوصه، فلا يكفي الردّ إلى الجدّ لو امتنع الأخذ، و لا إلى الطفل و لا الوكيل، كما أنّه لو شرط الردّ إلى الصغير بالردّ إلى وليّه يكفي الردّ إلى الجدّ و لو مع إمكانه إلى الأب.
و أمّا لو شرط الردّ إليه بنحو الإطلاق، فيكفي الردّ إلى الجدّ في جواز الفسخ؛ إذ الظاهر من اعتبار الردّ إليه بعنوان أنّه وليّ، فيقوم مقامه الجدّ في ذلك، كما لا يخفى.
و لو اشترى الحاكم للطفل، فهل يكفي الردّ إلى حاكم آخر مطلقا، أو مع عدم التمكن إليه، أو لا يكفي؟ وجوه.
و التحقيق؛ أنّه لو اشترط إليه بخصوصه و شخصه فلا يكفي الردّ إلى حاكم آخر، سواء قلنا بكون قبول الحاكم الآخر مزاحمة للأوّل في المعاملة أم لا،
1) لاحظ! المكاسب: 3/ 558.
ص: 431
و على تقدير المزاحمة سواء بنينا على جوازها أم لا، و ذلك لعدم حصول الشرط و هو الردّ الخاصّ.
و أمّا لو اشترط الردّ بعنوان أنّه حاكم؛ فيجوز الفسخ بالردّ إلى الحاكم الآخر مطلقا، سواء منعنا الأمرين أم لا.
مسألة: لا إشكال بل لا خلاف في عدم اختصاص خيار الشرط بالبيع، و إنّما الكلام في اختصاصه بالعقود اللازمة المعاوضية كالإجازة و الصلح و المزارعة و نحوها، أو يعمّها و غيرها، فلا يشمل العقود الجائزة و الإيقاعات، أو يعمّها أيضا، و لا يشمل الإيقاع، أو يعمّ العقود و الإيقاعات إلّا ما خرج.
و ينبغي أوّلا تحرير ما تقتضيه القاعدة ثمّ تفصيل المقام، فنقول بعونه تعالى: مقتضى قولهم عليهم السّلام: «المؤمنون عند شروطهم» (1)هو نفوذ كلّ شرط في كلّ محلّ مطلقا ما لم يمنع عنه شيء، فكلّما شكّ في صحّة شرط لا مانع من التمسّك به؛ للحكم بصحّته.
و قول الشيخ قدّس سرّه: إنّ الشرط لم يجعل غير السبب للفسخ سببا، فحينئذ كلّ مورد علم أنّه قابل للفسخ بإقالة أو خيار مجلس و نحوه، فيصحّ اشتراط خيار الفسخ فيه أيضا، و إلّا فما لم يحرز تأثير الفسخ فلا يمكن جعله سببا بالعقد؛ لعدم كون «المؤمنون» مشرّعا (2).
ص: 432
فيه؛ أنّه إن أراد أنّا لو علمنا بعدم قابليّة العقد أو الإيقاع للانفساخ بوجه من الوجوه من قبل الشارع أو بحكم العقل، فلا كلام في عدم صحّة شرط الخيار فيه، و هذا ليس محلّا للبحث، و إن أراد أنّه لم يكن الفسخ بلا شرط سبب الخيار فيه فلا مانع حينئذ من جعله سببا بالشرط شرعا بمقتضى عموم «المؤمنون عند شروطهم».
و لا فرق من هذه الجهة بين ما علم سببيّة الفسخ فيه للانفساخ لأجل جهة خاصّة و بين غيره، فإنّ ما يكون قابلا للفسخ بخيار المجلس- مثلا- لا يكون الفسخ فيه مؤثّرا من غير جهة المجلس، فكما أنّه لا مانع من جعله مؤثّرا بالشرط فلا مانع من جعل الفسخ مؤثّرا في عقد لم يكن فيه خيار المجلس أيضا.
ص: 433
و الصلاة و السلام على محمّد و أهل بيته.
و بعد؛ الكلام في خيار الغبن، و قد استدلّ عليه بوجوه:
منها؛ إرجاعه إلى خيار تخلّف الشرط بأنّه لمّا كانت المعاملة تقتضي تساوي كلّ من الثمن و المثمن، فكأنّ ذلك يرجع إلى شرط ضمني في العقد، فإذا ظهر التخلّف يوجب الخيار (1).
و لكن مع ما في أصل هذا الكلام من النظر و في شمول أدلّة الشروط لذلك، أنّ ما ذكر يقتضي عدم عقد بحث مستقلّ لهذا الخيار كما هو دأب الأوّلين و الآخرين.
و منها؛ التمسّك بآية تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2)(3).
و هي لا تدلّ أيضا، و التقريب المذكور في دلالتها يقتضي بطلان المعاملة
ص: 434
إن اعتبر في مناط التراضي حصول الدواعي الخارجيّة و الحكم بلزوم تحقّقها بالمعاملة، مع أنّ المفروض أنّ المعاملة وقعت صحيحة.
فكيف كان فهي؛ و كذلك آية لٰا تَأْكُلُوا (1)أجنبيّتان عن إثبات الخيار، كما لا يخفى، و إن قال الشيخ قدّس سرّه: و لو استدلّ عليه بالثانية كان أحسن (2).
و فيه؛ أنّه [إن] اريد من الباطل الباطل عند العرف، كما هو الظاهر و مقتضى السياق، فهو يدلّ على بطلان المعاملة الغبنيّة، مع أنّ المقصود نفوذ الفسخ بها، و أكل المال بعد الفسخ ليس بالباطل عند العرف، و ليس داخلا في ما نهي عنه، و إن اريد البطلان الشرعي فهي تدلّ على النهي عن أكل المال بلا سبب صحيح شرعي.
و أمّا إثبات حرمة الأكل بعد إبطال السبب الشرعي بها و جعلها كناية عن نفوذ الفسخ فهو في غاية البعد.
ثمّ إنّ الاستاذ- مدّ ظلّه- بيّن وجها في دلالة الآية الاولى على المطلوب، و هو أنّها تدلّ على اشتراط المراضاة في المعاملة، و هي إنّما متحقّقة ما لم ينكشف التزايد و التناقص، و بعد انكشافهما فتنقلب المراضاة، فعليه لو لم يؤثّر الفسخ يلزم عدم الاشتراط، فلا بدّ بعد إمّا من المراضاة و إمّا تأثير الفسخ.
و لكن ذلك يتمّ لو اعتبر في المعاملة أزيد من التراضي حين الإنشاء و العقد، بل اعتبر استقرار التراضي، أو اعتبر التراضي في الواقع، بحيث لو انكشف حقيقة الأمر حين الإنشاء يكون التراضي عند ذلك محقّقا، و أنّى
ص: 435
للمستدلّ بإثبات مثل ذلك؟! كما لا يخفى.
ثمّ إنّه ذكر- دام ظلّه- وجها لصحّة الاستدلال بالآية الثانية منضمّة بالآية الاولى لا يهمّنا ذكره.
و أهمّ ما استدلّ به لإثبات هذا الخيار هو حديث «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» (1)، و هو لا يخلو عن التماميّة و إن أخدش فيه الشيخ قدّس سرّه بوجوه لا ينثلم بها الغرض.
الأوّل؛ أنّه يمكن (2)نفي الضرر عن المشتري المغبون بغير الفسخ، فإنّ انتفاء اللزوم لا يلازم الفسخ، بل يتخيّر المغبون بين الالتزام بالعقد و إمضائه لكلّ الثمن، أو ردّه في المقدار الزائد (3).
و جوابه يظهر ممّا يأتي.
الثاني؛ أن يلتزم باختيار الفسخ له إذا لم يرض الغابن بردّ الزائد، و لكن لا بعنوان الهبة الجديدة حتّى يرد عليه ما أوردوا، بل يغرمه المغبون تداركا عن الضرر الوارد عليه، فإن لم يلتزم بذلك فيثبت له الخيار.
مع أنّه إذا دار الأمر بين الأمرين أو إثبات الخيار للمغبون من أوّل الأمر يلزم الضرر على الغابن بغير التدارك، و أيّ ضرر عليه أعظم من حلّ العقد، مع أنّ
1) عوالي اللآلي: 1/ 220 الحديث 93، وسائل الشيعة: 25/ 400 الحديث 32217 و 420 الحديث 32257 و 428 الحديث 32281- 32283.
2) و لا يخلو كلامه قدّس سرّه في بيان هذا الاحتمال عن إجمال، فإنّه رحمه اللّه قال: نفي اللزوم و إثبات تزلزل العقد لا يلازم إثبات الخيار .. إلى آخره [المكاسب: 5/ 161]، فإنّه مع الالتزام بتزلزل العقد و نفي اللزوم انحصار حقّ المغبون بالرجوع إلى الزائد كيف يلتزم بذلك، و إن دفع الاستاد- دام ظلّه- ذلك بأنّ مراده قدّس سرّه تزلزل العقد بالنسبة إلى الزائد لا إلى الكلّ، فتأمّل. «منه رحمه اللّه».
3) المكاسب: 5/ 161.
ص: 436
أفراد المسلمين بالنسبة إلى هذا الحكم متساوية؟ فيلزم الترجيح بلا مرجّح.
فالمحصّل؛ أنّ هذا الحديث لا يثبت الخيار، أو يثبته و لكن لا من أوّل الأمر (1).
و يردّ ذلك ما نذكره بعد ذكر مقدّمة، و هي: أنّه هل هذه القاعدة شأنها سلب الوجوب، أو إيجاب السلب؟ بمعنى، هل هي في المقام مثلا يرفع اللزوم فقط أم لا، بل يقتضي ذلك، أو إثبات الغرامة على الغابن؟
و عليه أيضا هل يكون التخيير للغابن، فلو أقدم بصرافة طبعه إلى ردّ الزائد لا يكون للمغبون الامتناع، أم لا، بل يكون له التخيير له؟
لازم كلام الشيخ قدّس سرّه في مكاسبه اقتضاؤها الأمرين أوّلا ثمّ إثبات التخيير للغابن ثانيا (2).
فنقول: لمّا كان مفاد هذه القاعدة هو الحكم الإرفاقي الامتناني، فلا يبعد أن يدّعى أنّها لا تقتضي إثبات الغرامة على الغابن، لأنّه إذا كان مقتضى الحكم بصحّة المعاملة الغبنيّة هو الالتزام بوقوع كلّ جزء من أجزاء الثمن و المثمن في مقابل كلّ جزء من أجزاء الآخر، فالغابن ما أوجب تلف مال على المغبون، بل إنّما أتلف ماليّة ماله، بمعنى أنّه إذا باع سلعة قيمتها عشرة دنانير بخمسة دنانير، فقد أتلف المشتري ماليّة خمسة دنانير على البائع، و أوجب خلوّ كيسه عن هذا المقدار من الماليّة.
و قد بيّنا في محلّه- في مقام تعارض الضررين- أنّ من أوجب ضررا ماليّا على آخر، بمعنى أنّه أتلف عين مال المسلمين أو الماليّة التي أوجب أن يكون
ص: 437
المال بحكم تلف عينه، فالقاعدة تقتضي نفيه، و أمّا إذا لم يوجب ذلك بل أوجب إقدام أحد تلف الماليّة و نقص القيمة فالقاعدة لا تقتضي نفيه.
مثلا إذا أحدث خانا في مقابل خان الآخر، أو أرخص سعر ماله بحيث أوجب ذلك نقص قيمة خان الآخر، أو يتوجّه بسببه ضرر ماليّ على الآخر ينزّل قيمة ماله، فالقاعدة لا توجب رفع سلطنته عن ماله لدفع الضرر المالي عن الآخر؛ لأنّه خلاف الإرفاق و الامتنان في حقّه، فيوجب الترجيح بلا مرجّح فيلزم الضرر عليه، بخلاف ما لو أحدث بالوعة- مثلا- في ملكه بحيث أوجب فساد جدار الجار و فساد داره، فالقاعدة تمنعه عن هذه السلطنة الموجبة لتلف المال عن الآخر.
فعلى ذلك؛ فلا سبيل إلى تغريم الغابن و إثبات شيء عليه، لأنّه خلاف الإرفاق و الامتنان في حقّه كذلك.
إذا عرفت هذه المقدّمة؛ فأقول: على ما استفدت من كلامه- دام ظلّه- لا مجرى للاحتمال الأوّل المذكور في كلام الشيخ قدّس سرّه، و كذلك يظهر بطلان الاحتمال الثاني (1)بمعنى أنّ مقتضى القاعدة هل هو رفع الضرر أم دفعه؟
فإن التزمنا بكونه أمرا بقائيّا، فما دام لم يستقرّ فالحديث لا يرفعه، فيكون الاحتمال الثاني في كلام الشيخ قدّس سرّه و هو إثبات التخيير للغابن (2)متعيّنا، لأنّ بسبب التدارك و إقدامه على إعطاء الغرامة لا يبقى بعد ضرر حتّى يرفع بهذا الحديث.
ص: 438
و كذلك إن التزمنا بالأوّل، و لكن قلنا بأنّ التدارك يكشف عن دفع هذا الأمر الحدوثي و عدم ثبوته من أصله في علم اللّه، كما هو ظاهر كلام الشيخ قدّس سرّه في ردّ استصحاب المحقّق الثاني رحمه اللّه في المقام (1).
و إن لم نقل بذلك، بل قلنا بأنّ الضرر إذا حدث فليس قابلا للدفع، فيكون أمر الأرش و الفسخ بيد المغبون و ليس للغابن الامتناع.
هذا كلّه مبنى كلام الشيخ قدّس سرّه و أساس احتمالاته، و علينا إبطال أساس هذه المقدّمة، ثمّ تحقيق ما هو الحقّ.
فأقول: لا خفاء في أنّ الضرر أمر حدوثي؛ لأنّه تابع للعقد و جاء من ناحيته، و لا ريب أنّ العقد أمر حدوثي و إنّما يكون بقاؤه اعتبارا لصرف صدق الفسخ؛ لأنّه بمعنى الحلّ، و إنّما يتعلّق بما هو متّصل و معقود حتّى يحل، فلذلك اعتبروا فيه البقاء لهذا الأثر فقط، و إلّا فإنشاء الإيجاب و القبول ليس أمرا قابلا للبقاء و الثبات.
فلا معنى لأن يقال: إنّ الضرر ثابت و باق إلى أن يتدارك، و إلّا فيفسخ، فاعتبار هذا المعنى إنّما نشأ من قبل الشارع لذلك فقط، فلا يمكن إسراؤه إلى غير ما اعتبره.
و أمّا القول بأنّ التدارك كاشف عن عدم ثبوت الضرر من رأسه؛ فهو قول بلا دليل، بل و خرص عليل، فإنّ العرف و الوجدان يصدّقان بأنّ العقد إذا كان منشأ للضرر فبثبوته يثبت الضرر، فالغرامة لو التزم به إنّما يرفع الأمر الثابت لا أن يدلّ على أنّه كأن لم يثبت، و إن التزمنا بالكشف في بعض المقامات فإنّما هو
1) المكاسب: 5/ 162.
ص: 439
لقيام الدليل الكاشف عنه عليه، أو لضيق الخناق.
فحقّ التحقيق في المقام- كما عليه أهله- أن يقال بأنّ القاعدة المذكورة لا تفيد في المقام إلّا رفع اللزوم و إثبات الخيار للمغبون، و لكن بعد البناء على ما هو الحقّ عندنا من معنى حديث «لا ضرر»- على اختلاف الأقوال فيه- من استفادة نفي الحكم الضرري منه، أو نفي الأثر أو الضرر الغير المتدارك و غيره.
و أمّا ما التزمنا به من المعاني؛ فهو نفي الضرر أصلا في الشريعة السمحة السهلة حكما كان أو موضوعا، كلّما نشأ عنه الضرر، فهو منفي بطريق العموم، ففي المقام «اللزوم» و إن لم يكن حكما شرعيّا بل هو عبارة عن عدم الخيار، فإنّ العقد بالنسبة إلى اللزوم و الجواز سواء، كما حقّقنا في أوّل الخيارات بأنّه لا اقتضاء محض، و لو لا ذلك فكيف يثبت به الخيار، و كذلك كيف يجوز شرط السقوط؟ فهو كاشف عن عدم انتزاع اللزوم من ذات العقد، بل هو منتزع ممّا لم يشرّع فيه الخيار، و لا ينافي ذلك قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)، فإنّه لا يدلّ على أزيد من وجوب الوفاء ما دام العقد باقيا، فقاعدة الضرر تنفي هذا الأمر المنتزع و إن لم يكن حكما شرعيّا.
و أمّا الّذين التزموا بالمعنى الأوّل؛ فلا يمكنهم القول بذلك إلّا مع إرجاع اللزوم إلى الحكم، فيلزم أن لا يكون قابلا للتغير كما في العقد الجائز، و قد عرفت تحقيق الحال في أوّل خيار الشرط، و سيأتي توضيحه إن شاء اللّه.
فتبيّن أنّ بهذا الحديث الشريف لا يثبت إلّا خيار الفسخ للمغبون، كما فهمه الأصحاب طرّا، و عليه الإجماع ظاهرا.
1) المائدة (5): 1.
ص: 440
مسألة: يشترط في هذا الخيار الجهل بالغبن، و استفادته من نفس اللفظ أو من الخارج خلاف.
و كيف كان فهو في الجملة إجماعي، فلو علم بالقيمة فلا غبن و لا خيار؛ لأنّه أقدم على الضرر، و قد علمت أنّ قاعدة نفي الضرر قاعدة إرفاقيّة و حكم امتناني، و معلوم أنّه ليس للمقدم إرفاق و امتنان.
ثمّ هنا نكتة لا بأس بالإشارة إليها، و هي أنّه من أقدم على المعاملة الغبنيّة مع القطع بالتدارك، فلازم مقالة الشيخ قدّس سرّه أن نلتزم بثبوت الخيار له إذا لم يتدارك؛ لأنّه ما أقدم على الإطلاق، أمّا بناء على كون الضرر حدوثيا، فبناء على الكشف فلما لم يتدارك فلم يحصل الكاشف و لا المكشوف عنه، فقد حصلت معاملة ضرريّة فيجري فيها القاعدة.
و كذلك بناء على عدم الكشف، أو قلنا بأنّ الضرر أمر بقائي فيستقرّ بعدم التدارك؛ لأنّه إذا لم يتدارك مع أنّه كان مقدما بناء عليه، فقد استقرّ الضرر، مع أنّه بذلك كلّه أخذ، فيمكن أن يكون ما ذكر تأييدا على ما ذكرنا من القاعدة لا ينتفى في المقام إلّا اللزوم، و لا يثبت بها شيء غيره من الغرامة و غيرها، و إلّا فلازمها الالتزام المذكور.
و لو أقدم على ما يتسامح فبان أزيد منه بحيث يوجب الزائد مع المقدم عليه مجموعا الغبن، و لا يكون كلّ منهما يوجب شيئا، فاحتمالان في ثبوت الخيار و عدمه.
فإن قلنا: إنّ المنفيّ من أنّه ما أقدم على المجموع و الضرر متوجّه منه، و إنّما أقدم على المتسامح فيه بشرط لا، و من أنّ الضرر الناشئ من قبل اللزوم
ص: 441
و هو الزائد، لا يوجب أمرا، بل هو في نفسه ممّا يتسامح، و الأقوى الأوّل.
لو اختلف البائع و المشتري في ثبوت الغبن و عدمه، فإمّا أن يكون ذلك من اختلافهما في القيمة وقت العقد أو من جهة الاختلاف بعده، بأن يدّعي أحدهما تغيّرها بعده حتّى يكون الزيادة و النقيصة من جهته، و ينكر الآخر أصل التغيّر حتّى لا يوجب الخيار، أو يوجبه على اختلاف الموارد. فالشيخ قدّس سرّه أفتى فيهما بأنّ القول قول منكر ثبوت الخيار؛ لأصالة عدم التغيّر و اللزوم (1).
و إمّا أن يكون ذلك من جهة اختلافهما في تأريخ العقد و إن كانا متّفقين في التغيّر، و قد أرجع قدّس سرّه حكم هذه الصورة أيضا إلى الاوليين (2).
ثمّ قال قدّس سرّه: و لمّا كان تأريخ التغيّر معلوما و لكنّ الشكّ في سبقه على العقد و عدمه، فالأصل و إن اقتضى تأخّر العقد الواقع على الزائد إلّا أنّ إثبات وقوع العقد به يكون مثبتا (3).
هذا؛ ثمّ قال- دام ظلّه-: علينا تحقيق أمر أوّلا، و هو أنّ الحالة السابقة على العقد لو كانت معلومة من حيث تساوي قيمة الثمن و المثمن و عدمه هل يثمر شيئا أم لا؟
فنقول: فلو كانت الحالة السابقة معلومة فالاستصحاب التنجّزي لا يثمر؛ لأنّ المقصود من جريانه نفي قاعدة الضرر بسببه أو إثباتها، و هما متوقّفان على أن يكون العقد واقعا على المتساويين و عدمه، فهما إمّا أن يكونا علّة لثبوت الضرر، أو نفيه، أو موضوعا لأحدهما.
و كيف كان؛ فإثبات وقوع العقد على المتساويين و عدمه بسبب
ص: 442
الاستصحاب ثمّ إثبات الضرر به أو نفيه يكون مثبتا، لأنّ الوقوع و عدم الوقوع المذكور يكون من لوازم عقليّة المستصحب.
و أمّا الاستصحاب التعليقي؛ و هو أنّه لو كان العقد واقعا على المتساويين لم يكن ضرريّا أو على عدمه فيكون ضرريّا، أيضا لا يفيد، لأنّ المعلّق و المعلّق عليه ليسا حكما شرعيّا، فتأمّل.
فعلى ذلك حال ما لو كان (1)للقيمة حالة سابقة على العقد و ما لو لم يكن سواء.
إذا ظهر ذلك فتبيّن أنّ التمسّك لإثبات اللزوم و عدم كون العقد ضرريّا بأصالة عدم التغيّر أيضا يكون مثبتا و لا يفيد شيء أصلا، فلا مناص إلّا بالتمسّك بأصالة عدم الضرر الّذي كان العقد متّصفا به قبل وجوده، و لكنّ المسألة مبنيّة على أن لا يكون القيد- و هو «لم يكن ضرريّا»- قيدا للعقد اللازم الموجود، فارغا عن الوجود، بمعنى أن لا يحدث العنوان في العقد، فإنّه لو كان العقد الموجود الّذي لم يكن ضرريّا محكوما باللزوم فتصير القضيّة ظاهرة في السالبة بانتفاء المحمول، فلا يثمر استصحاب العدم الأزلي.
و أمّا لو لم يكن كذلك بل كان نفس العقد متّصفا بعدم كونه ضرريّا، فيجري فيه استصحاب نقيض الموضوع، فيثبت نقيض الحكم الملازم لحكم العامّ.
فالحاصل؛ أنّه إن أمكن إجراء الأصل الموضوعي بالنحو المذكور- و صورته: أن يقال بأنّ العقد لازم إلّا ما كان ضرريّا ثمّ شكّ في هذا العقد بأنّه ضرري أم لا- فيستصحب عدم الضرريّة المتّصف بها العقد قبل وجوده، فيثبت
1) أي: يشترط أن يكون الترتب شرعيّا، كما في حرمة العصير إذا غلى، «منه رحمه اللّه».
ص: 443
نقيض حكم أصل الموضوع، و هو عدم اللزوم، و هو ملازم لحكم العامّ، و إلّا فلا سبيل إلّا بالتمسّك إلى أصالة اللزوم و استصحابه، و من ذلك ظهر حكم الصورتين الأخيرتين.
يشترط في ثبوت الخيار أمر آخر، و هو أن يكون الغبن فاحشا، و قد حدّ ذلك بحدود، و الظاهر أنّ القدر المتيقّن منه هو الزائد عن العشر، و أمّا العشر و ما نقص عنه فهو متسامح فيه بالنسبة إلى كلّ معاملة، و الأحسن جعل المعيار هو العرف و أهل الخبرة على ما أظنّ.
و أمّا ما لو شكّ في فرد من أنّه من المتسامح فيه أو غيره، فقد قال الشيخ قدّس سرّه: المرجع أصالة ثبوت الخيار، ثمّ احتمل أن يكون أصالة اللزوم هو المرجع (1).
نقول: يختلف الحكم باختلاف المبنى، فإن قلنا بأنّ الضرر منصرف إلى ما لا يتسامح فيه، بحيث لا يطلق على ما لا يتسامح فيه الضرر، فتصير الشبهة مفهوميّة، لأنّ منشأها عدم معرفة حدّ المفهوم من جهة الانصراف. فلمّا كانت القاعدة حاكمة على أصالة اللزوم.
فإن قلنا بأنّ إجمال الحاكم يسري إلى المحكوم فقاعدة اللزوم أيضا يصير مجملا، فلا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر من استصحاب عدم التأثير و غيره.
و إن قلنا بأنّ نظر الحاكم إنّما يكون في مقدار المتيقّن من مفهوم الحاكم و نظره، فلا يسري إجماله إلى عموم اللزوم، و يكون هو المرجع، و القاعدة غير جارية؛ لأنّ مفهوم العامّ إذا صار مجملا فلا يجوز التمسّك به إلّا في الأفراد
1) المكاسب: 5/ 170.
ص: 444
المتيقّنة كونها مشمولا.
و أمّا إن قلنا بأنّ كلا منهما ضرر و إنّما اخرج بناء العقلاء المتسامح فيه عن العموم، لا أن يكون غير مشمول عليه من الأوّل، فتجري القاعدة في المشكوك فيه بلا ارتياب، و لا يتوهّم عدم جوازه لأنّ الشبهة مصداقية؛ لأنّه قد تحقّق في محلّه جواز التمسّك بالعموم في المصداق إذا كان المخصّص لبيّا (1).
مسألة: فالمدار في الضرر في المقام هل هو الحالي أو المآلي؟
لا ريب أنّ المناط في باب المعاملات الضرر المالي، كما يستفاد من نفس القاعدة، و أجراها الأصحاب في أبواب المعاملات فيما إذا كان الضرر شخصيّا ماليّا مطلقا.
و لا مجال لمقايسة المقام بباب التكاليف و العبادات، فإنّ المناط فيها غير المقام، و ليس هناك المعاملة و قاعدة الضرر مخصّصة فيها من جهة الضرر المالي بالاتّفاق، كما ورد النصّ عليه في باب الوضوء (2).
و من المعلوم أنّه ليس مخصوصا به، بل يجري في التراب و شرائه للتيمّم أيضا، كما أجروه في الآلات لتحصيل الماء للوضوء، لأنّ الأصحاب- قدّست أسرارهم- فهموا بأنّ لا خصوصيّة لماء الوضوء في ذلك، بل المناط في غيره أيضا موجود، و هو كون الواجب بالنسبة إلى مثل هذه الشروط مطلقا.
ص: 445
و بالجملة؛ فليس في باب التكاليف و العبادات معاملة، بل إنّما المقصود بها تحصيل الشرط، مضافا إلى أنّ أغلب التكاليف إنّما هو ضرري، فأصل التكليف ينافي مع نفي الضرر، فيستكشف من ذلك أنّ الضرر في باب التكاليف غير منفي، فإذا كان المقصود بها تحصيل الشرط الواجب المطلق أو مقدّمته فيجب ما لم يصل إلى حدّ الحرج، و لذلك ترى الشرّاح بعد قول الماتن و هو: (و لو فقد التراب) يذكرون: عقلا و شرعا.
و من المعلوم أنّه لا يصدق الفقدان الشرعي إلّا إذا وصل حدّ التحصيل إلى حدّ الحرج، أو الضرر بحال المكلّف، و إلّا فمن تمكّن من تحصيل التراب للتيمم بشرائه و لو بأضعاف قيمته، فلا يصدق عليه الفاقد ما لم يضرّ بحاله، حتّى يوجب الحرج عليه، فمن ذلك كلّه ترى الأصحاب- قدّست أسرارهم- متسالمين بمحكوميّة القاعدة في باب التكاليف، فاغتنم.
مسألة: الظاهر أنّ ظهور الغبن كاشف عن ثبوت الخيار من زمان حدوث العقد إن لم يكن المتمسّك به في إثبات الخيار هو الإجماع، و إلّا فيؤخذ بقدر المتيقّن منه، و هو بعد الاطّلاع على الغبن، و قد عرفت تماميّة دلالة القاعدة عليه (1).
و أمّا ما يتراءى من بعض الآثار الدالّة على ثبوته بعد الظهور مثل التصرّف فإنّه لا يكون مسقطا إلّا بعد الظهور، فهو لمّا كان مسقطيّته من جهة الكشف عن
1) مع أنّ الضرر أمر واقعي، فالحكم دائر مداره، «منه رحمه اللّه».
ص: 446
الرضا، و معلوم أنّه لا كشف إلّا بعد الظهور فلذلك اشترط فيه كونه بعد الظهور، و كذلك نظائره.
و أمّا المناط في إسقاط هذا الخيار و إعماله، فنقول: أمّا إسقاطه فيجوز مطلقا و لو قبل ظهور الغبن؛ لأنّه خفيف المئونة، فإذا ثبت مقتضيه- و هو العقد- و لو لم يتمّ سائر معدّاته، فلمّا كان في معرض ثبوت الحقّ و تزلزل المعاملة فيسقطان الخيار حتّى تنجّزت المعاملة، و هذه ثمرة مهمّة يتعلّق بها الغرض العقلائي، و مرجع ذلك إلى إبراء كلّ منهما الآخر على تقدير وجود الحقّ، أو إبراء أحدهما.
و لا يتوهّم أنّ التعليق هنا مضر؛ لأنّه لا يتعلّق في صورة الإنشائيّة، و إنّما التعليق يكون في لبّ الواقع، و قد ذكرنا أنّه لا يضرّ إذا كان التعليق على ما يتوقّف عليه مفهوم الإنشاء و موضوعه؛ لأنّه لا دليل على بطلان التعليق إلّا الإجماع، و المتيقّن منه في غير هذا المورد (1).
و بالجملة؛ إذا كان للحقّ وجودا و عدما أبواب متعدّدة، بعضها اختياره بيد ذي الحقّ فله فتحه من ناحيته أو سدّه، كما في الإيجاب الّذي ينشئه الموجب، مع أنّه لا يترتّب الأثر على فعله خاصّة، بل متوقّف على امور اخر، إلّا أنّ غرضه
1) و هو ما لا يتوقّف عليه مفهوم الإنشاء، مثل اشتراط قدوم الحاجّ أو اشتراط أمر محقّق الوقوع المسمّى بالوصف، و أمّا غير ذلك من الموارد فلم يدلّ عليه دليل، خصوصا ما كان المنشأ فيه معلّقا، «منه رحمه اللّه».
ص: 447
سدّ باب عدم الأثر من ناحية نفسه، كذلك في المقام غرض المسقط فتح باب عدم هذا الحقّ من ناحيته، لأنّا بيّنا في محلّه أنّ الحقّ ما يكون له طرفان، زمام أحدهما بيد الشارع و الآخر بيد من له الحقّ، بخلاف الحكم، فإنّه أمر مجعول من الشارع، و لا يكون أمر وضعه و رفعه إلّا بيده.
و كيف كان؛ فلمّا كان الخيار من مقولة الحقّ فيجوز إسقاطه، و كذلك شرط سقوطه في متن العقد.
و أمّا إعمال هذا الخيار فلا يعقل إلّا بعد تحقّقه، بمعنى ظهوره و صيرورته معلوما؛ لأنّ الإعمال الّذي هو عبارة عن رضا التخايري- أي لب الرضا لا إنشاؤه- لا يتعلّق إلّا بما كان له طرفان، و قبل ظهور الحقّ لا يتحقّق هذا المعنى.
فلو كان قاطعا بثبوت الحقّ فأقدم، فلا إشكال في سقوط خياره به، إنّما الكلام فيما لو كان شاكّا لجهله بالموضوع، أو الحكم، فيحتمل فيه وجهان:
السقوط؛ نظرا إلى أنّه مع كونه محتملا لثبوت الحقّ، فكأنّه أقدم على حال و رضي بالمعاملة.
و عدمه؛ لأنّه مع كونه محتملا لعدم ثبوت الحقّ و رجاء عدمه أقدم، فلا موجب لسقوطه؛ لأنّه ليس كاشفا قطعيّا عن الرضا و الالتزام، و هو الأقوى، لأنّه لا أقلّ يوجب الشكّ فيرجع إلى استصحاب بقاء الخيار.
و كيف كان؛ فإن كان التصرّف بعنوان الالتزام بالمعاملة فلا ريب في كونه مسقطا، و أمّا إن لم يكن كذلك، بمعنى لم يتحقّق كونه مسقطا فعليّا، فالتحقيق هو التفصيل المذكور، و الأصل عدم السقوط في ما اشتبه إلّا ما قام الإجماع عليه.
ص: 448
الثاني من مسقطات هذا الخيار تصرّف المشتري المغبون أو البائع تصرّفا ناقلا على نحو اللزوم، و قد نسب ذلك إلى المشهور (1)، و قد وقع في المقام كلام بين الشهيد في «اللمعة» و المشهور، فإنّه التزم بعدم السقوط و ردّ البدل إلى المغبون (2)، و تلقّاه بالقبول شيخنا قدّس سرّه لكونه مقتضى للقاعدة، و أنكر تحقّق الإجماع على خلافه (3).
قال- دام ظلّه-: الظاهر أنّ ما التزم به الشيخ قدّس سرّه هنا خلاف ما عليه من المبنى كما يظهر من كلامه قدّس سرّه في باب خيار المجلس (4)و لكن يظهر من كلامه في خيار الشرط الالتزام به لبدل مع تلف العين (5)، فلا منافاة بين ما التزمه هنا و ما كان مسلكه في حقّ الخيار على ما أظنّ من كون الخيار حقّا متعلّقا للعين، فما لم يكن العين باقية فلا يبقى الموضوع لها، و لا دليل على انقلابها بالبدل مع التعذّر، كما لا يلتزم به قدّس سرّه.
فلازم ذلك وقوع التعارض و المزاحمة بين حقّ الخيار و العقد الناقل للعين، ثمّ الالتزام ببطلان التصرّف الناقل بعد فسخ من له الحقّ، لتقدّم مقتضيه أو القول بصحّته؛ لعدم بقاء الموضوع للفسخ و الخيار (6).
و لكن على ما هو التحقيق عندنا من كون الخيار حقّا متعلّقا للعقد و سلطنة
ص: 449
على حلّه، كما هو ظاهر الأدلّة بلا مساس له بالعين.
نعم؛ لمّا كان الفسخ مقتضيا لرجوع كلّ مال إلى مالكه الأوّل، لأنّه إبطال للعقد، فيصير من تبعات الفسخ هو هذا المعنى، بلا لزوم أن يكون له دخل في ثبوت الحق، حتّى يكون من أحكام هذا الحقّ و ثبوته بقاء العين- كما يظهر من بعض (1)- فلازمه تأثير الفسخ بلا لزوم مزاحمة و الرجوع إلى البدل، جمعا بين اقتضاء الفسخ و ثبوت الحقّ و صحّة التصرّفات الناقلة، لكونها أيضا عن حقّ، فأدلّة لزومها مقتض لذلك.
و من ذلك ظهر أنّه لا يمنع عن هذا الحقّ شيء من التصرّفات اللازمة أو الجائزة، فما دام العين باقية على حالها بلا أن يكون متعلّقا لحقّ الغير، فيرجع إلى مالكها.
و أمّا إن صار متعلّقا لحقّ الغير فيرجع إلى البدل إن لم ترجع بنفسها أو باختيار من عليه الخيار، و إلّا فلا يلزم بالفسخ، لعدم تعلّق حقّ لذي الخيار بالعين مستقلّا، كما عرفت. ففيما إذا كانت مقولة بالعقود الجائزة يكون رجوع نفس العين مشروطة، و ظهر أيضا حكم سائر التصرّفات.
هذا كلّه في تصرّف المغبون، أمّا الكلام في تصرّف الغابن فلا وجه لسقوط خيار المغبون، فإن فسخ فوجد العين خارجة عن ملك الغابن فقد احتمل هنا وجوها على اختلاف المبنى.
فإن قلنا بأنّ الخيار حقّ تعلّق بالعين، فلما كان تعلّق حقّ ذي الخيار مقدّما على الحقّ الّذي انتقل إليه العين و من عليه الخيار، فيكون أمر العقد الناقل بيده،
1) نقله عن جماعة في المكاسب: 5/ 187.
ص: 450
فله الإمضاء و له الإبطال و تلقّي العين من يد المشتري الأوّل، لكونه من أصله إن قلنا بأنّ الخيار ثابت بأصل المعاملة المعيّنة، و الظهور إنّما يكون كاشفا له، فيكون من قبيل حقّ الراهن أو الشفيع، أو من حين الفسخ، لأنّ الحقّ و إن كان ثابتا بأصل إلّا أنّ استقراره إنّما يكون بظهور السبب، فيبقى الملك.
و إن لم يلتزم بذلك، بل إلى ما هو الحقّ عندنا من كون الحقّ متعلّقا بالعقد، و ليس لازمه سلطنة على العين أوّلا، فلازمه استقرار العقد الثاني و رجوع ذي الخيار بعد الفسخ إلى البدل، و لا فساد في التصرّفات في زمن الخيار- كما يتوهّم (1)- لازمة كانت أم جائزة، و إنّما منع من ذلك في خيار الشرط فقط، لكون البناء على بقاء العين (2)، و يأتي تحقيق ذلك كلّه في مبحث أحكام الخيار إن شاء اللّه.
مسألة: لا يسقط هذا الخيار بالتصرّفات المغيّرة للعين من طرف الغابن، و لا خفاء أنّها تكون على أنحاء، و فروعها كثيرة، و حكمها غير مشكلة بل معلومة.
بل الإشكال في أحد الفروع من هذه المسألة، و هو أن يكون التغيير بسبب زيادة عينيّة في العين، بأن يغرس الغابن في الأرض المغبون فيها، ففيه احتمالات ثلاثة:
ص: 451
إمّا تسلّط المغبون على القلع بلا أرش؛
و إمّا أن لا يتسلّط أصلا؛
و إمّا بأن يتسلّط مع الأرش، كما التزموا به في باب الأرض المغصوبة و الشفعة على قول، أو كما حكموا في باب الفلس إذا رجع الأرض المغروسة بعد التفليس إلى المشتري، أو مثل ما قال به المشهور في باب الشفعة و العارية.
و بالجملة؛ فأكثر الأصحاب- قدّست أسرارهم- ما تعرّضوا لحكم الفرع لعدم النصّ، و أمّا الّذين منهم قد تعرّضوا فقد أجملوا.
قال في «المسالك»: إنّ هذه المسألة- أي خيار الغبن- كثير الفروع، و لم يتعرّضوا لبيان حكمه، لفقد النص فيه (1)، انتهى بمضمونه.
و الظاهر أنّ تنزيل المقام بباب الفلس ليس في محلّه؛ لأنّ الحقّ هناك جائز من حين الفلس، فالغرس وقع في ملك مستقرّ للمفلّس، فالأرض فيه من حين التفليس ينتقل إلى البائع من جهة أنّ صاحب المال أولى بماله إن يكون من جهة الخيار، فإنّ لازمه انتقال ما وقع عليه العقد بجميع منافعه من حين الفسخ إلى الفاسخ.
بخلاف باب الفلس، فإنّ فيه يتلقّى صاحب العين ماله من حين الفلس، و لذلك يمكن دعوى انعقاد الإجماع ظاهرا على عدم ثبوت حقّ إلزام المالك المفلّس في القلع، و لم ينقل الخلاف إلّا من الشيخ قدّس سرّه (2)، حتّى ذهبوا إلى عدم تعلّق اجرة لبقاء الغرس في الأرض أيضا إجماعا، و لكن قالوا: إنّ لازم كلام
ص: 452
الشيخ و اختلافه في أصل المسألة يعطي الخلاف في ذلك أيضا (1)، فراجع.
و كذلك تنزيل المقام بباب الشفعة و العارية أيضا يمكن القول بأنّه في غير محلّه؛ لأنّ حقّ الشفيع و المعير فيهما يتعلّق بأصل العين، فلهما إرجاعها بجميع منافعها.
نعم؛ لمّا وقع الغرس عن حقّ، و ليس عرق ظالم، فلدفع الضرر المنفي في الشريعة التزموا بالأرش، بخلاف المقام، فإنّ الحقّ فيه على ما هو التحقيق لا يتعلّق إلّا بالعقد، و لا سلطنة لصاحب الحقّ على العين.
و كيف كان؛ من جهة افتراق خيار الغبن عمّا عرفت، و فقد النصّ فيه و تعارض الوجوه الاعتباريّة و تزاحم الضررين التزم شيخنا قدّس سرّه في «المكاسب» بأنّ لكلّ من المالكين تملّك ماله و تخليصه بلا ثبوت حقّ على الآخر، بل عليه أن يتدارك الضرر المتوجّه منه إلى الآخر (2).
ثمّ بيّن الاستاد- دام ظلّه- بعد ذكر مقدّمتين لتصحيح إثبات حقّ القلع للمالك، مع أنّه تصرّف في مال الغير و خلاف لسلطنته، و لا يكون الغارس ظالما حتّى يؤخذ بأشقّ الأحوال، كما ورد عليه النصّ في نظير المقام بأنّه- أي الغاصب- يرفع بناءه (3)، فإنّه غرس عن حقّ فكيف يتصرّف في ماله و يرجّح حقّ مالك الأرض عليه؟ و ما وجه ترجيح حقّه و حفظ سلطنته دون الغارس؟
أمّا المقدّمة الأولى؛ فهي أنّ اختيار تصرّف الناس في ملكهم ثابت،
ص: 453
و سلطنتهم على أموالهم باقية ما لم يناف مع سلطنة الآخر في ماله، و إلّا فينقطع، لأنّه لا خفاء أنّ الحكم المستفاد من القاعدة إرفاقي و الناس فيه شرع، و في الأحكام الإرفاقية و الامتنانية لا بدّ من أن يلاحظ حال جميع الناس على سبيل التسوية.
و الثانية؛ أنّه إذا تعارض بين السلطنتين فارتفعت إحداهما و انعزلت عن التأثير بالنسبة إلى أحد الشخصين فلمّا لم تكن المعارض فيجوز تصرّف الآخر و إعمال سلطنته.
إذا ظهرت المقدّمتان؛ فنقول في المقام: إن لكلّ من الغارس و المالك أمرين:
أمّا للأوّل؛ فأحدهما إبقاء ما غرسه و الآخر إشغال الأرض.
و للثاني؛ أحدهما تفريغ أرضه و الآخر قلع الشجر، ففي كلّ واحد من الطرفين أحد الأمرين مقدّمة للآخر، فالإبقاء مقدّمة للإشغال، و كذلك القلع مقدّمة للتفريغ، و لكنّ التفريغ ليس منافيا لسلطنة الغارس.
نعم مقدّمته و هو القلع مناف؛ لأنّه تصرّف في مال الغير و رفع لسلطنته، بخلاف طرف الغارس، فإنّ في نفس الإبقاء الّذي هو المقدّمة يكون تصرّفا في مال الغير، فيكون مقامنا من تعارض السلطنتين.
و لا مخرج للرجوع إلى قاعدة الضرر و جعلها حاكما- كما قد يقال- لأنّا أشرنا في محلّه، بأنّ كلتا القاعدتين قد سيقت للامتنان و جعلت للإرفاق، فلا يكون لأحدهما حكومة على الآخر و لا نظر، بل لا بدّ من الرجوع إلى قاعدة اخرى حاكمة عليهما، أو لاصول.
ص: 454
و بالجملة؛ فكلّ منهما يتصرّف في مال الآخر حفظا لماله و سلطنته، و لكن على ما عرفت تصرّف المالك لا يكون أوّلا إلّا في ماله، و لا يكون في ما يتصرّف فيه- و هو تفريغ الأرض- سلطنة للغارس، و لكن يستتبع هذا التصرّف؛ التصرّف في مال الغارس من ناحية مقدّمته الّتي هي القلع، فالمقدّمة و إن كانت محرّمة بخلاف نفس ذيها، إلّا أنّ من المعلوم أنّ ذا المقدّمة لا يكتسب الحكم من ناحيتها، بل الأمر بالعكس، فالقاعدة منطبقة على تصرّف المالك بلا معارض، إلّا من جهة كونه ملزوما للتصرّف في مال الغير، و ملزوما لما ينافي سلطنته.
و لا دليل على المنع من مثل ذلك، و إلّا يلزم انقطاع السلطنة عموما؛ لأنّها في الأغلب ملازم أو مقارن لنفي السلطنة عن الغير، و لازمه أن لا يتسلّط أحد لتخليص ماله، بخلاف تصرّف الغارس و إبقائه مغروسه، فإنّ نفس ذلك يكون تصرّفا في مال الغير، و رافعا لسلطنته، و يكون عليه نفسه سلطنة من طرف المالك، و لما كانت القاعدة منصرفة عن تصرّف و سلطنة تكون تصرّفا في مال الآخر بنفس هذا التصرّف، فهي لا ينطبق على سلطنة الغارس، لأنّ الأرض بجميع منافعها قد انتقل إلى المغبون و انحلّ العقد و رجع الملك إلى مالكه الأوّل، و لازمه انقطاع سلطنة الغارس عنه، فمن أين جاء حقّ الإبقاء له؟ و السلطنة له عليه الّتي هي عين السلطنة على الأرض، مع أنّها منقطعة، و غاية ما يمكن من الدعوى أنّ رفع سلطنته موجب للضرر عليه مع أنّه منفيّ.
و فيه؛ أنّ مقام الضرر غير مقام السلطنة، و قد بيّنا أنّ قاعدة الضرر لا يمنع عن السلطنة، بل هي حاكمة عليها، مع أنّه متدارك بالأرش.
ص: 455
ثمّ بيّن- دام ظلّه- بيانا آخر الدالّ على أنّ سلطنة الغارس إنّما يكون في طول سلطنة المالك للأرض، و هو أنّ الغارس ما لم يصل حركة ماله و غرسه إلى الأرض المغروسة لم يصدق التصرّف، و بمحض وصوله إلى ملك صاحب الأرض- و هو عبارة عن أوّل سكون يتحقّق بعد الحركة- يصدق عليه التصرّف في ملك الغير، و لا يفترق فيه بين الإبقاء و الإشغال الّذي قلنا يتحقّق به التصرّف في مال الغير، ضرورة أنّ العرف لا يرى بينهما الفرق.
و أمّا تصرّف مالك الأرض في ملك الغارس فلا يصدق إلّا بعد تصرّفه في ملك نفسه بتخليته و تفريغه و لو كان مساوقا لتصرّف الغارس.
و بعبارة اخرى؛ إنّ تصرّف الغارس في ملكه عين تصرّفه في ملك الغير، بخلاف طرف مالك الأرض.
و الأمر كما ذكره- دام ظلّه- حقيقة و إن كان محتاجا إلى دقّة، و إنّما التزم بذلك بعد أن أورد على بيانه الأوّل بأنّ عموم «الناس مسلّطون» (1).. إلى آخره، منصرف عمّا يلزم منه نفي سلطنة الغير مطلقا، سواء كان التنافي بنحو الاستلزام أو العليّة أو غير ذلك، و لا يكون له لسان خاصّ.
ثمّ أتى- دام ظلّه- ببيان ثالث لإثبات كون الغارس مهاجما و مالك الأرض مدافعا.
بيان ذلك؛ أنّه نفرض أوّلا الأمر بالنسبة إلى الحدوث ثمّ بمقايسة المقام عليه ينكشف الغطاء عمّا نحن فيه.
1) عوالي اللآلي: 1/ 222 الحديث 99 و 457 الحديث 119، و 2/ 138 الحديث 383، و 3/ 208 الحديث 49.
ص: 456
أقول: إذا أراد الغارس نصب الشجر من أوّل الأمر في ملك الغير مع كونه غير ذي حق فأراد مالك الأرض منعه، لا ريب أنّ كلّ واحد منهما متصرّف في مال الآخر، و لكن تصرّف المالك إنّما يكون للدفع.
و لا خفاء أنّ الدافع لا يتوقّف سلطنته على عدم سلطنة المهاجم، بخلاف المهاجم، فإنّ القضية فيه دوري، بمعنى أنّ المهاجم و إن كان مسلّطا على ماله إلّا أنّه بسبب التهاجم لما كان يخرج ماله عن الاحترام فينقطع سلطنته عنه، فيرتفع المانع عن سلطنة المالك فيتنجّز سلطنته فيستحيل أن يصير معلّقا على عدم سلطنة الغارس الّذي هو معلّق، فكذلك بالنسبة إلى الإبقاء، و إن كان يتخيّل في بادي النظر أنّ الأمر فيه بالعكس، و لكن ليس الأمر كذلك، فإنّ الإبقاء ليس إلّا إحداثات متعاقبة، فإنّه هو إيجاد الوجود بمعنى إدامته، ففي كلّ آن يصدق أنّه محدث لإبقائه ما حدث بإحداثه أوّلا، ففي كلّ آن يصدق عليه المهاجم و على المالك الدافع.
أقول: يمكن استكشاف هذا التقريب من مطاوي كلمات الأصحاب في نظائر المسألة في باب الشفعة و العارية و الإجارة و غيرها و إن لم يصرّحوا بذلك- قدّست أسرارهم- و لقد أجاد- دام ظلّه- في إفاداته لكشف القناع عن المقام و إن كان ما نقلته لا يفي بمرامه.
و يمكن التمسّك بقاعدة الحرج لإثبات حقّ القلع للمالك بعد تعارض الضررين و سلطنتين، كما عرفت، فإنّ من لوازم تخلية كلّ مالك ماله المشغول بمال الغير تعارض القاعدتين غالبا، فلو منع المالك لذلك عن تصرّفه و تخليته يلزم الحرج قطعا.
ص: 457
و قد صرّحوا في باب الصلح بأنّه إذا خرجت أغصان شجرة إلى ملك الجار، له عطفها بنفسه إن أمكن، و إلّا قطعها، و لا يحتاج إلى إذن الحاكم أيضا فيما لو امتنع مالك الأغصان مباشرته ذلك (1).
فرع آخر: إذا ثبت لمالك الأرض حقّ القلع فلا يحتاج في ذلك رجوعه إلى الحاكم حتّى يجبره لو امتنع الغارس المباشرة بنفسه، بل يجوز لصاحب الأرض أن يباشر بنفسه؛ لأنّه إذا لم يكن له حقّ الإبقاء فقد خرج ماله من هذه الجهة عن الاحترام.
مع أنّا فرضناه مهاجما و إن لم يخرج ماله عن الحرمة من رأسه، و لأنّ إلزامه على القلع فلمّا لم يرجع إلى مصلحته، لا دليل على هذا الإلزام، كما أشاروا إليه في باب العارية و الشفعة و غيرها (2).
و بالجملة؛ لا مجال بالتمسّك بقاعدة الاحترام و عدم جواز التصرّف في مال الغير، كما قد يتوهّم.
فرع ثالث: إذا قلع صاحب الأرض الغرس فعليه الأرش، فهو التفاوت ما بين كونه مقلوعا و ثابتا لا باقيا، و لكنّ الحكم ليس لقاعدة الضرر؛ لأنّا قلنا: إنّه لا يثبت بها نفي الضرر المالي، أي الماليّة، لأنّه ملازم لإثبات الحقّ في ذمّة الغير، مع أنّه مناف لسلطنته، و قد أشرنا أنّهما لا يتعارضان، بل لقاعدة الاحترام من أنّ «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» (3).
ص: 458
مع أنّ الغارس ليس بظالم، و القلع ليس بأمره و مصلحته، بل لمصلحة المالك و أمره، فعليه الأرش حفظا لاحترام مال الغارس.
فلا يتوهّم أنّه إذا فرضتموه مهاجما فلازمه نفي حرمة ماله، لأنّا فرضناه مهاجما من جهة إبقاء ماله في الأرض المغروسة فيها بعد الفسخ؛ لا أن يكون مهاجما من الأصل، كما في الغاصب الّذي هو مهاجم من الأوّل بخلاف ما نحن فيه، فإنّ الغرس بقاؤه في نفسه محترم لأنّ أصل وضعه يكون عن حقّ، فاحترام الخصوصيّة الشجرية باق.
نعم؛ لا نلتزم بتغريم التفاوت بين كون الشجر مقلوعا و باقيا على الأرض، بل الملتزم هو التفاوت بين خصوصيّة الشجرية و الخشبيّة؛ لأنّ ما لم يكن له حقّ الإبقاء بل لو رضي المالك بالبقاء، فعلى الغارس الاجرة لا مجّانا، فلا موجب لتقويمه باقيا على الأرض، كما قد يتخيّل، حتّى يعطى التفاوت بينه و بين المقلوع.
و بالجملة؛ ما لم يقم دليل على نفي حرمة الخصوصية فقاعدة الاحترام محفوظة، و اقتضاؤها لغرامة الماليّة ثابت.
أقول: أمّا الفقهاء- قدّست أسرارهم- تمسّكوا لإثبات الأرش في نظائر الباب بقاعدة الضرر، و لم أجد من صرّح أو أشار بمدرك غيرها، و ما دريت أنّ قاعدة الاحترام هل هي قاعدة مستقلّة، أم هي متّخذة من هذه القاعدة «لا ضرر» و نظائرها؟
و أمّا الاستاد- دام ظلّه- لمّا كان مسلكه عدم تقديم قاعدة الضرر على السلطنة لما أشرنا آنفا، و قد وسّع مع ذلك دائرة هذه القاعدة حتّى بالنسبة إلى
ص: 459
اشتغال الذمّة، بمعنى أنّه أفاد أنّ الناس كما أنّهم مسلّطون على أموالهم، كذلك على ذممهم، فكلما استلزم إجراء هذه القاعدة إثبات شيء على ذمّة الغير فهي لا تجري؛ لأنّه مناف لسلطنة الغير على ذمّته، فبالنسبة إلى [هذا] يصير مخالفا للامتنان.
و أنت خبير بأنّه لا يستفاد من هذه القاعدة سوى السلطنة على الأموال، و لا إشعار فيها لإثبات السلطنة على الذمم كما أفاد، مع أنّ بسبب إضرار الغير يشتغل الذمّة قهرا، إلّا أن يثبت سلطنة الناس على ذممهم من هذه القاعدة بالأولويّة، كما زعمه بعض، فتأمّل.
و لا يبقى للغارم اختيار حتّى يمنع عن اشتغال ذمّته، مضافا إلى انصراف قاعدة السلطنة عن السلطنة بالنسبة إلى الذمّة لو لم نقل بعدم شمولها لها أصلا، مع أنّه يلزم من ذلك تضييق دائرة قاعدة «لا ضرر» جدّا، و هي قاعدة سارية، بل عليها أساس جلّ الفروع الفقهيّة في أبواب المعاملات و غيرها، فكيف يلتزم بما ذكر؟!
ثمّ إنّه لما كان تعسّفا في جعل الغارس عند قلع غرسه مدافعا، مع أنّه في الحقيقة مهاجم، ذكر- دام ظلّه- تقريبا آخر لجعله ذا حقّ في الهجم، و مسلّطا على ذلك مع كونه مهاجما.
بيانه: أنّه إذا فرضنا كون مالك الأرض مسلّطا عليها بجميع منافعها بعد الفسخ، بحيث لو لا ذلك لزم الدور المذكور، فلازمه تسلّطه على القلع أيضا من جهة سلطنته على تخلية أرضه، و إن كانت المقدّمة محرّمة، إلّا أنّه لما كان تقع سلطنة الغارس في طول سلطنة المالك و معلّقا على عدمها له، فيخرج بذلك
ص: 460
المقدّمة عن الحرمة؛ لخروج المال عن الاحترام.
فالمحصّل أنّه كان يدور الأمر بين التخصيص و التخصّص، فهكذا الكلام بعينه يجري في المقام بالنسبة إلى الغارس، فإنّ الحقّ لمّا تعلّق بعين غرسه فيتسلّط عليه بأيّ نحو شاء ما لم يناف سلطنة الآخر في نفس هذا التصرّف.
و لا خفاء في أنّه إذا صار ذا حقّ في التصرّف- و هو حجمه- فلازمه صيرورته ذا حقّ في ما يتوقّف عليه من المقدّمات، و هي الحفر و غيره، فعند ذلك تقع سلطنة مالك الأرض في طول سلطنة الغارس، و تصير متوقّفا على عدم سلطنة الغارس على ماله، مع أنّ سلطنة الغارس كانت منجّزة.
فظهر أنّ سلطنة المالك على الأرض الموجب لاستحقاق دفعه الغارس و منعه عن التصرّف في ماله دوريّ و تعليقي، فيستحيل أن يمنع عما هو منجّز، فمن ذلك يخرج ماله عن الحرمة من هذه الجهة الخاصّة، و لا يستحقّ الدفع و يصير حجم الغارس مشروعا، فتأمّل.
و لو رضي المغبون بالبقاء، فهل على الغابن الاجرة أم لا؟ فقد أهمل حكم هذا الفرع الشيخ قدّس سرّه بل أطلق القول باستحقاق المغبون الاجرة (1)، مع أنّ صور المسألة أربعة؛ لأنّه إمّا أن يكون بأمر الغابن و استدعائه أو بأمر المغبون، و كلّ منهما إمّا أن يقصد المجّان أم لا.
فإن كان بأمر الغابن الّذي هو صاحب الغرس فيستحقّ المغبون الأجرة، سواء قصد الآمر المجّان أو الاجرة إذا كان رضا المغبون بقصد الاجرة، و الظاهر أنّ حكمه مسلم؛ لما ذكر في محلّه أنّ من موجبات الضمان الأمر.
1) المكاسب: 5/ 198.
ص: 461
و أمّا إن كان بأمر المغبون و رضاه فإن قصد الاجرة، فإن كان برضا الغارس يستحق؛ لأنّه لم يصدر من قبله ما يوجب ضمانه، و قصد المقدم لا يوجب ضمان الغير، و إلّا فلا، و مقتضى تعليل الشيخ قدّس سرّه في المقام هو استحقاقه الاجرة مطلقا، و تفصيل القول و المسألة في باب الإجارة.
أقول: كلام الشيخ قدّس سرّه في المقام مجمل (1)، و قد ساقه لبيان استحقاق الاجرة في الجملة لا مطلقا، و أمّا تعليله إنّما هو في مقام ذكر إحدى المقتضيات، ضرورة أنّه قدّس سرّه أحال شرح المسألة إلى محلّه في باب الإجارة و غيرها (2)، ثمّ تعرّض- دام ظلّه- لذكر الفروع الراجعة إلى تغيّر العين من حيث الخلط و المزج، و بين الضابطة في الاستهلاك، و هو ما إذا يرى العرف الشيء المخلوط بحكم المعدوم، و إلّا يثبت الشركة العينيّة مطلقا و أورد على كلام الشيخ قدّس سرّه ما لا يهمّنا الآن ذكره.
مسألة: اختلف الأصحاب في كون خيار الغبن على الفور أم التراخي، و عمدة احتجاج الأوّلين هو أصالة اللزوم، فإنّها قد انعزلت لأجل الضرر، و بعد أن صار المغبون متمكّنا من تداركه و لم يتدارك فكأنّه بنفسه أقدم.
و بالجملة؛ المقتضي- و هو الأصل بعد رفع المانع و هو الضرر الجائي من ناحية الشارع- مؤثّر.
و عمدة احتجاج الآخرين هو الاستصحاب، و قد طال التشاجر بينهم
ص: 462
فأقول: قد تشكّك قدّس سرّه في جريان الاستصحاب أوّلا من جهة اختلاف الموضوع و تغيّره، من أنّ الموضوع في زمان الحدوث كان من لم يتمكّن من تدارك الضرر بالفسخ، و هو في زمان البقاء قد تغيّر حتّى في نظر العرف، فإنّ تمام الموضوع هو العنوان لمّا لم يتعيّن بالدليل اللفظي و إلّا فلو كان ثابتا باللفظ فأمكن انسحابه بنظر العرف و مسامحته (1).
و فيه؛ أنّ ذلك مردود من جهتين:
أمّا أوّلا؛ فلأنّ الموضوع إنّما هو الذات المتضرّر و إن لم يكن اللفظ معيّنا للعنوان إلّا أنّ نفس هذا المعنى مستكشف ممّا يثبت به الحقّ و هو القاعدة، فإنّ مدلوله ذلك، و لا خفاء أنّ هذا العنوان بمسامحة العرف باق و لو بعد زمان التمكّن كما في نظائره من عنوان المسافر و الحائض و الماء المتغيّر و غيرها.
و أنت خبير بأنّ ذلك صحيح لو كان مدرك خيار الغبن هو قاعدة «لا ضرر» مع أنّه ناقش فيها الشيخ قدّس سرّه (2)، مضافا إلى أنّه مع تسليمه أيضا لا يخلو ما أفاده- دام ظلّه- عن الإشكال، فتأمّل.
و ثانيا؛ لو بنينا في الموضوع على الدقّة فأيضا باق، لأنّ ما قال قدّس سرّه من أنّ الموضوع هو من لم يتمكّن من تدارك الضرر من جهة الفسخ، مدفوع بأنّه ليس كذلك، بل الموضوع هو من لم يتمكّن من غير جهة الفسخ؛ لأنّ الموضوع لا
ص: 463
يتجدّد بالمحمول و لا يتعيّن به بمعنى، بل لا بدّ أن يكون محدودا و معيّنا في نفسه ثمّ يتعيّن حكمه بالمحمول، فالموضوع للحكم إنّما هو من لم يتمكّن من غير جهة (1)الفسخ لتدارك ضرره، فالشارع يجعل له الخيار حتّى يتمكّن من التدارك بهذا الطريق، و هذا العنوان- و هو عدم التمكّن من غير جهة الفسخ- ثابت حتّى بعد انقضاء زمان تمكّن من الأخذ بالخيار، فلا بأس بالاستصحاب، و لا مجال لإنكاره من جهة شبهة تغيّر الموضوع.
و أمّا الشبهة من جهة كون الشكّ في المقتضي، لأنّ الشكّ إنّما يكون في أمد الخيار و كميّة اقتضاء ثبوت هذا الحقّ، مع أنّ الشيخ قدّس سرّه لا يرى حجيّة الاستصحاب عند الشكّ في المقتضي (2).
فمع ما في أصل ذلك أنّه ليس الشكّ فيه، بل في وجود الرافع- بيان ذلك:
أنّه لما بيّنا في صدر المبحث أنّ اللزوم ليس إلّا عبارة عن عدم جعل الخيار، و بسبب عدم نفوذ التصرّفات و لو بعد الفسخ الملازم لعدم جعل الحقّ في زمان وقوع العقد، يثبت اللزوم، و أمّا بعد استكشاف ثبوت الحقّ من جهة نفوذ التصرّفات بعد الفسخ بسبب الدليل المثبت للخيار فهو الملازم لعدم وجوب إبقاء العقد- فاقتضاء الخيار و الحقّ الثابت بنفس العقد يتحقّق.
و كذلك اقتضاء عدم وجوب الإبقاء ثابت و إنّما الشكّ يكون في انقضاء الزمان الّذي يتمكّن فيه من أخذ الخيار مانع عن اقتضائه أم لا؟
ص: 464
نعم؛ لو جعلنا اللزوم حكما مجعولا أو منتزعا من وجوب الوفاء عبارة عن وجوب إبقاء العقد، بحيث يكون ذلك من مقتضياته، و على ذلك يكون الخيار أمرا عارضا خارجا عن نفس العقد، فيرجع الشكّ إلى مقدار اقتضاء الحقّ.
و قد عرفت أنّ ذلك خلاف التحقيق عندنا و عند الشيخ قدّس سرّه، فظهر أنّه لا مسرح لإنكار الاستصحاب من هذه الجهة أيضا إن شاء اللّه.
ثمّ إنّه قد اعترض الشيخ قدّس سرّه على المستدلّين باللزوم- بعموم وجوب الوفاء المستفاد من الآية (1)- بأنّ عموم الأزمان تابع لعموم الأفراد، و إذا خرج فرد من العقد عن تحت العموم فلا يبقى للتمسّك بالعموم الزماني بالنسبة إلى الخارج مجال، إذا كان الزمان ظرفا للحكم و استمراره، لا أن يكون بحيث يرجع أخذه في طيّ الدليل إلى تعدّد الحكم حتّى يرجع الشكّ إلى قلّة المخرج و كثرته، و بيّن ذلك قدّس سرّه بمثالين و جعل ما نحن فيه من قبيل الأوّل (2).
و اعترض عليه السيّد في «الحاشية» بأنّ في الأوّل أيضا يرجع الشكّ إلى الزيادة و النقيصة (3)، و أثبت ذلك بما يطول ذكره.
أقول: إنّ الاعتراض وارد على الشيخ قدّس سرّه لو كان العموم الأزماني مستفادا من إطلاق الدليل القابل لاستفادته منه في الجملة و لو متأخّرا عن زمان العقد، و لازمه التمسّك بالإطلاق في الزمان المتأخّر عن العقد بمقدار ما يمكن الأخذ بالخيار و تدارك الضرر، و لا ينافيه تخصيص هذا الفرد من العقد و إخراج عموم
ص: 465
اللزوم بالنسبة إليه عن عمومه، و لا يوجب بسببه تقييد الإطلاق أيضا، لأنّ كلّ واحد منهما مستفاد من جهة غير جهة الآخر، و لا ربط لأحدهما بالآخر.
و أمّا لو قلنا بأنّ عموم الأزمان أيضا مستفاد من اللفظ، بأن يكون نفس العقد علّة تامّة للزوم المعاملة بالنسبة إلى الزمان، و لا يحتاج إثباته إلى مقدّمات الحكمة- كما هو التحقيق- فإنّ بناء المتعاقدين من أوّل الأمر على بقاء أثر العقد دائما، مع أنّ نفس مدلول أَوْفُوا متكفّل له، كما أنّ المستشكل أيضا معترف بذلك، فإذا لم يتكفّل الدليل بسبب تخصّصه بأدلّة الخيار من أول الأمر في هذا الفرد من العقد لهذه الجهة، و لم يشمل له العموم.
و بعبارة اخرى؛ انفكّ بين العلّة و المعلول لدليل التخصيص، فلا يبقى مجال للتمسّك بالعموم مجال أصلا في الفرد المخرج؛ لأنّ الدليل ما شمله أصلا حتّى يقال بأنّ الشكّ إنّما هو في زيادة الخارج و كثرته.
نعم؛ يفيد ذلك إذا شكّ في آخر زمان المعاملة، أي في الزمان عن وقوع العقد لازما، فيرتفع فيه الزائد بالأصل؛ لأنّه يكون الشكّ فيه بعد شمول الدليل له و دخوله تحت العموم.
فالمحصّل أنّ الشكّ يقع في صور ثلاثة، التمسّك بأصالة العموم يفيد في صورتين.
فتبيّن أنّ الحقّ في هذه الجهة من الكلام يكون مع الشيخ رحمه اللّه، و لا مجال للتمسّك بعموم اللزوم في المقام، و أنّ الخيار يكون على التراخي بعد تشييد أساس مبنى الاستصحاب، كما عرفت، فهو حاكم على الاصول المعارضة له في المقام.
ص: 466
هذه جملة من إفاداته- دام ظلّه- في خيار الغبن، و قد تمّ الكلام فيه في العشر الثاني من ذي القعدة الحرام سنة 1343. و لنشرع في ذكر خيار التأخير بعون الملك العلّام، و نعم الموفّق و المعين عزّ اسمه تعالى.
ص: 467
اعلم! أنّ موضوع خيار التأخير هو ما إذا باع شخص متاعا و ما أسلم المبيع، و ما أقبضه صاحبه الثمن حتّى ينقضي ثلاثة أيّام، فقبل مضيّها البيع لازم، و بعد انقضائها يكون الخيار للبائع.
و الدليل عليه الّذي هو العمدة الإجماع المنقول مستفيضا (1)، بل المحصّل؛ لأنّه لم يظهر الخلاف فيه إلّا من الشيخ في بعض كتبه (2)، و في الاخرى الوفاق (3)، و بعض المتأخّرين من الأخباريّين (4)، و كيف كان؛ قد سبقهم و لحقهم الإجماع.
ثمّ بعد ذلك حديث «لا ضرر» (5)الّذي تمسّك به العلّامة و غيره (6). و فيه ما سنشير إليه.
و الثالث الأخبار (7)، و لكنّها ظاهرة في فساد البيع بعد ثلاثة أيّام، فإنّ مضمونها أنّه لا بيع له أو لا بيع لهما، و لكنّها بضميمة فهم الأصحاب جلّا منها
ص: 468
الخيار و إن كان فيه التأمّل، مع انضمام أصالة عدم الفساد و استصحاب الصحّة، تصير دليلا للمطلوب أيضا.
إنّما الكلام في كيفية استفادة المطلوب منها.
قال الشيخ قدّس سرّه: لمّا اضيف عدم البيع إلى المشتري فقط في أكثرها فيستكشف من أنّ المراد به هو عدم اللزوم و عدم استقرار البيع له، و لو كان المراد به الفساد فلا اختصاص به (1).
و يمكن أن يكون المراد به نفي الاختصاص عنه، كما هو مفاد اللام، بمعنى نفي أعلى مراتبه، فيكون كناية عن ثبوت حق للبائع على المبيع لا كمثل سائر البيوع الّتي ينقطع عنه حقّ البائع لتحقّق قبض الثمن.
و الأولى أن يكون المراد من البيع المبيع، و استعماله فيه شائع، كما [في] نفس هذه الأخبار، مثل رواية ابن يقطين، قوله: عن الرجل يبيع البيع (2)و كذا غيرها (3)، فيكون المراد به نفي الكمال عن المبيع و تحقّقه بأعلى مراتبه، و هو أن لا يكون فيه حقّ للبائع كما في نظائره ممّا إذا تعذرت إرادة نفي الحقيقة، بل هو من الاستعمالات الشائعة.
إنّما الإشكال في رواية ابن يقطين، ففيها نفي البيع عنهما، و لكنّها بعد ما في أصل سند رواياته عموما- لما قال صاحب «الجواهر» في لباس المصلّي من الصلاة من أنّه و إن كان ثقة إلّا أنّه لما كان من الوزراء فكان الإمام عليه السّلام كثيرا يراعي
ص: 469
حاله في أمر التقيّة، فلا يمكن الاعتماد برواياته، كما يعتمد بسائر ثقات الجماعة (1)- أنّه لمّا كانت مشتملة على ما قام الإجماع على خلافه فمطرحة.
مضافا إلى أنّه إذا علم إجمالا إعراض المشهور عن رواية إمّا بطرحه رأسا أو بتأويلها؛ فلا يحصل لنا الوثوق الّذي هو المناط في اعتبار الخبر، و إن أمكن لنا تأويلها أيضا بجعلها من قبيل شمسين و حسنين، أي من باب التغليب أو إجراء الكلام على نسق واحد.
و كيف كان؛ فالأمر فيها بعد ما عرفت سهل، إنّما المهمّ التكلّم في الشرائط الّتي استفادوا لهذا الخيار و مدركها.
منها؛ عدم تسليم المبيع، و قد ذكر الوجه فيه لما في ذيل رواية ابن يقطين قوله: «فإن قبض بيعه» (2)بناء على قراءة «قبّض» بالتشديد و جعل اسم المصدر بمعنى المبيع (3).
و قد ردّ ذلك في «الرياض» باحتمال قراءة «البيع» بالتشديد و لفظ «قبض» بالتخفيف (4).
و في «المكاسب» ضعف هذا الاحتمال (5)بما لا يضعف، لأنّه أجرى أوّلا قدّس سرّه أصالة عدم التشديد في «البيع» فمع أنّها معارض بإجرائها في «قبض»
1) جواهر الكلام: 8/ 105.
2) و صدر هذه الرواية و إن كان مشتملا على ما يدلّ على المدّعى، إلّا أنّه يكون من جملة سؤال السائل و يصير مبنيا على أنّ القيود المأخوذة في كلام السائل هل هو مأخوذ في الجواب و الحكم إليه أم لا، بل المستند ما يذكره الإمام عليه السّلام؟ «منه رحمه اللّه».
3) المكاسب: 5/ 220.
4) راجع! رياض المسائل: 1/ 525.
5) المكاسب: 5/ 220 و 221.
ص: 470
لا أصل لهذا الأصل لكونها مثبتا، مضافا إلى أنّ الاحتمال الثاني أولى، لأن مرجع الضمير و هو «الثمن» فيه أقرب.
ثم أنكر رحمه اللّه استعمال لفظ «البيع» مفردا ثانيا (1).
و فيه؛ أنّه دعوى بلا دليل.
و كيف كان؛ إن لم يكن الثاني أقوى فاحتماله يكفي في بطلان الاستدلال به، و تصير محتملا و سائر الأخبار خال عن هذه الفقرة، و قد عرفت حال أصل الرواية.
ثمّ إنّه لما جعل قدّس سرّه من جملة أدلّة هذا الخيار حديث «لا ضرر» فقال: إذا كان البائع أقبض المبيع فليس الخيار في حقّه إرفاقا؛ لأنّ الإرفاق في حقّه إنّما هو إذا كان المبيع مضمونا عليه، مع كونه ممنوعا من التصرّف فيه، و إذا صار مقبوضا فلا ضمان و لا إرفاق (2).
و يردّه أنّ العكس أولى بالإرفاق؛ لأنّه إذا كان المبيع في يده فلا أقلّ له وثيقة للوصول به ثمنه، بخلاف ما لو أقبضه، فإنّ الضرر فيه أولى؛ لأنّ ثمنه في معرض التلف، و ليس في يده شيء، مع أنّه لو تلف المبيع فقد تلف مال نفسه في يده (3).
فإذا لم يبق المجال للتمسّك بقاعدة «لا ضرر» لإثبات أصل الخيار فحالها بالنسبة إلى إثبات الشرط المزبور معلوم.
ص: 471
نعم؛ لمّا انحصر دليل الخيار بالإجماع و ليس له إطلاق أو عموم، فيجب الأخذ بالقدر المتيقّن منه، و هو ما لو كان هذا الشرط موجودا، كما يظهر من كلماتهم، و يظهر من ذلك أيضا حال سائر الفروع المذكورة (1)المتفرّعة على هذا الشرط.
منها؛ أن يكون عدم قبض الثمن لعدوان البائع من عدم إقباضه المبيع، فلا يثبت الخيار؛ لأنّ القدر المتيقّن ما لم يكن كذلك.
و منها؛ أن يقبض بعض المبيع فالظاهر سقوط الخيار أيضا.
و منها؛ أن يقبض المبيع من غير إذن بائعه بحيث يكون له استرداده، فهل هو كلا قبض أم لا؟ فقد احتمل الشيخ هنا وجوها، و جعل المبنى رفع ضمان البائع بمثل هذا القبض و عدمه حتّى يرتفع الضرر أو لا (2).
و لا يخفى أنّه لو جعل المبنى ذلك يختلف حكم باقي الفروع أيضا، و قد عرفت بطلانه، فالمتّبع هو ما سلكنا، فيجب أن ينطبق عليه حكم هذا الفرع و سائر الفروع أيضا و هو الأخذ بالقدر المتيقّن.
و من الشروط كون المبيع شخصيّا، فلا خيار فيما إذا كان كليّا، و قد ذكر المستند فيه في «المكاسب» وجوها:
الأول؛ اشتراط معاقد الإجماعات به.
ص: 472
الثاني؛ عدم جريان قاعدة الضرر إذا كان كليّا؛ لأنّه ليس مضموما على البائع قبل القبض.
الثالث؛ استفادته من الروايات.
أمّا رواية ابن يقطين؛ ففيها قوله: «باع البيع» المراد به المبيع، فلمّا لم يطلق المبيع على الكلّي ما لم يقبض بخلاف الشخصي، فإنّه وقوع البيع عليه لما كان يشرف صيرورته مبيعا فيطلق عليه المبيع.
أمّا غيرها؛ ففي إحداها لفظ «المتاع» و هو ظاهر في الشخصي، و في الاخرى لفظ «الشيء» و هو أيضا ظاهر في الشخصي الخارجي، كما في قوله:
«كلّ شيء لك حلال» (1).
و لكن يمكن الخدشة في الكلّ:
أمّا في الأوّل؛ فلأنّ جملة الكلمات خالية عن الاشتراط، مع أنّ المشتمل عليه يمكن أن لا يكون من باب التقييد بل صرف البيان (2)، مضافا إلى أنّه قد نقل على الخلاف كما في «جواهر» القاضي، فإنّ المأخوذ في معقد إجماعه و نقله هو ما إذا لم يكن المبيع شخصيا (3).
و أما في الثاني؛ فلأنّك عرفت أنّه ليس القاعدة هي المبنى في المسألة، مع أنّه أيضا يترتّب عليه الضرر؛ لأنّه إذا كان كليّا و لو لم يكن ممنوعا من التصرّف في ماله، إلّا أنّه يجب عليه الوفاء بالعقد و ردّ مال الغير بيده.
ص: 473
و بالجملة؛ يكفي في المنع بطلان الأساس.
و أمّا في الرواية الاولى؛ فيمكن الدعوى بأنّه في الكلّي أيضا إذا اضيف إليه البيع يتحقّق الإشراف فيه في الرتبة السابقة قبل الإضافة، فيطلق عليه المبيع أيضا لجعله معرضا للبيع، إلّا أن يدّعى انصرافه إلى ما إذا كان المبيع شخصيّا، و لكن يتبيّن ضعف خصوص هذه الرواية.
و أمّا اختصاص لفظ «المتاع» في الرواية الاخرى أيضا ممنوع، كما أنّ لفظ «الشيء» كذلك.
و لكن لا يذهب عليك أنّه من مجموع ذلك كلّه يمكن أن يحدس الفقيه بالاشتراط و يبعد أن يجترئ على الفتوى بالخلاف.
و من الشروط؛ عدم كون خيار آخر للمتعاقدين، أمّا الروايات فساكتة عنه، و أمّا الكلمات و إن كان بعضها مشتملة عليه، إلّا أنّه لم يظهر لها مستند حتّى يعتمد عليه.
و قد يقال: أوّلا بانصراف الأخبار إلى غير هذه الصورة، و كون التأخير موجبا للخيار إذا لم يكن عن حقّ ثانيا مع أنّ كون الخيار لهما بمنزلة اشتراط التأجيل، و لكنّهما مبنيّان على عدم وجوب إقباض الثمن و المثمن في زمان الخيار، مع أنّ التحقيق خلاف ذلك، بل لهما المنع عنه بشرط الفسخ و إلّا فمقتضى العقد و كذلك مقتضى قاعدة السلطنة وجوب تخلية كلّ منهما يده عن مال الآخر و تسليمه إلى صاحبه، مع أنّ الالتزام بما ذكر يوجب كون مبدأ هذا الخيار من حين التفرّق و عدم ثبوته في الحيوان، و الظاهر قيام الإجماع على خلافهما (1).
1) المكاسب: 5/ 229.
ص: 474
و قد يفرّق بين ما إذا كان الخيار الآخر للبائع أم للمشتري، ففي الأوّل لمّا يمكن له جبر ضرره- و هو ضمان العين بسبب خيار كان له- و لم يجبر، فقد أقدم على ضرره، فلا يبقى له موضوع خيار التأخير، بخلاف الثاني، فلا مقتضي لسقوطه (1).
و ضعّف الشيخ قدّس سرّه ذلك بأنّ ضرر الثلاثة بعد الثلاثة لا يندفع بالخيار في الثلاثة (2).
و ردّه الاستاذ- دام ظلّه- بأنّه قد يجعل الشارع كلّ آن من التأخير في الثلاثة ضررا مستقلّا و يحكم بنفيه، و قد يجعل المجموع الضرر المتوجّه إليه في الثلاثة إلى أوّل زمان بعد الثلاثة ضررا واحدا ثمّ ينفيه.
و كيف كان؛ فإن كان له خيار آخر قبل الثلاثة فيمكن الالتزام بما قاله المفصّل؛ لإمكان رفع ضرره من غير ناحية خيار التأخير، بأن يمنع عن توجّه الضرر إليه بالفسخ من جهته، فإذا لم يفسخ فكأنّه أقدم على الضرر قبل الثلاثة و ارتضى به، و لا يفرق في ذلك كيفما كان مفاد خيار التأخير من القسمين الّذين أشرنا إليهما، كما لا يخفى، و إن كان يظهر من الاستاد- دام ظلّه- الفرق.
ثمّ إنّ مبدأ هذا الخيار هل هو من حين التفرّق أم من حين العقد؟
و قد استظهر الشيخ قدّس سرّه من روايات الباب، الأوّل (3)، و ما أعلم وجه ذلك، فإنّها ظاهرة بل صريحة في الثاني، كما يستفاد ذلك من قوله عليه السّلام: «فإن جاء بينه
ص: 475
و بين الثلاثة» (1)، فإنّ الضمير في «بينه» راجع إلى الاشتراء الدالّ عليه لفظ «يشتري» أو «اشترى»، و كذلك سائر فقرات الروايات، مثل قوله عليه السّلام: «من اشترى بيعا فمضت ثلاثة أيّام و لم يجئ» (2).
و بالجملة؛ بعيد إرجاع الضمائر فيها إلى التفرّق، لأنّ في بعضها و إن لم يكن صريحا رجوعها إلى العقد و الاشتراء إلّا أنّها بقرينة الباقي يكشف فيها الأمر، كما أنّ الشيخ قدّس سرّه التزم بهذا القول و جعله أقوى، إلّا أنّه جعل عدم المجيء في ثلاثة أيّام كناية عن عدم التقابض في الثلاثة (3).
نعم؛ قد يستشكل من وجهين:
الأوّل؛ من لفظ «جاء»، فإنّ صدق المجيء متوقّف على التفرّق، كما في «الجواهر» (4).
و لكن الأمر فيه سهل، فإنّه كناية عن الإقباض، و لا يبعد الدعوى بشيوع استعماله في الإقباض و الإتيان، و لا مسرح عنه بعد ما عرفت و لو لم يكن شائعا.
الثاني؛ من جهة الحكم باللزوم في الثلاثة مطلقا، مع أنّ الغالب مقارنتها بخيار المجلس، فلا بدّ من الالتزام بثبوته من حين التفرّق حتّى يصدق ذلك.
و فيه؛ مضافا إلى أنّه ليس في الروايات لفظ اللزوم لا بأس بالتزام التجزية فيه، بمعنى جعل العقد لازما من هذه الجهة؛ لأنّ كلّ سبب يقتضي مسبّبا خاصّا، بنحو يكون وجوده و عدمه تابعا له.
ص: 476
و كيف كان؛ فما جعله في «المكاسب» أقوى فمتعيّن، و لا وجه للقول بالآخر.
و كلّها محلّ نظر و كلام.
الأوّل؛ اشتراط سقوطه في العقد، و قد حكي عن جماعة جوازه (1)، و استشكل في «المكاسب» قدّس سرّه فيه، و جعل مبنى الجواز جواز إسقاطه في الثلاثة و عدمه، فإنّ ما يجوز إسقاطه بالاختيار يجوز اشتراط سقوطه (2).
مع أنّه لم يتحقّق جوازه فيه؛ لأنّه لم يتحقّق مقتضيه و هو الضرر بالتأخير لم يثبت قبل الثلاثة.
ثمّ قوّى قدّس سرّه جواز إسقاطه في الثلاثة نظرا إلى ثبوت سبب مقتضي الحقّ و هو نفس العقد، و تنظّر في جواز اشتراط سقوطه في العقد (3).
و لكن الّذي يستخرج من جملة كلامه أنّ هذين القسمين من المسقط توأمان في الحكم، فإن صحّ أحدهما صحّ الآخر، و إلّا فلا، و لا يبعد الالتزام بهذه الملازمة و إن استشكل فيه بعض المحشّين بإنكار الملازمة، من أنّ عدم جواز الإسقاط إنّما هو لمانع شرعي تعبّديّ، لا لمانع عقلي حتّى لا يؤثّر عموم دليل الوفاء بالشرط (4)(5).
ص: 477
و بالجملة؛ لا ينبغي إنكار الملازمة، فعلى ذلك ينبغي أن يحرّر أنّ المقتضي لهذا الخيار ما هو؟ حتّى يكشف القناع عن المسألتين؛
فنقول: قد أشرنا آنفا في تصحيح إسقاط الخيار في ضمن العقد أو اشتراط سقوطه بأنّ الحقّ و إن لم يكن بعد ثابتا، إلّا أنّه لما كان مقتضيه- و هو العقد- ثابتا، و العرف لا يفرّق في ثبوت الشيء نفسه أو مقتضيه، بمعنى أنّه إذا رأى مقتضي شيء ثابتا يحكم بثبوت نفسه، و يرتّب عليه أحكام الثبوت بلا تأمّل، مع أنّ للشرع ليس بناء غير ما بنى عليه العرف، فعلى ذلك اشتراط سقوط الخيارات في العقد الّتي يكون هو مقتضيها لا بأس به، و لا يكون من إسقاط ما لم يجب.
و لكن هذا الكلام لا يجري في خيار التأخير؛ لأنّ موضوعه و مقتضيه إنّما هو نفس التأخير المستلزم لتحقّق مناطه و هو الضرر (1)، و إلّا فالعقد قبله لازم، بخلاف سائر الخيارات، مثل المجلس و الغبن و غيرهما، كما يستفاد من أدلّتها، بخلاف أدلّة الباب و أخبارها، فإنّها جعلت الموضوع نفس التأخير من الثلاثة بلا إشارة إلى العقد.
فالقول بأنّ العقد مقتض للخيار و سبب له بل كلاهما قول بلا دليل، فما هو موضوع له يكون نفس التأخير، فهو مثبت لهذا الخيار، فما دام لم يثبت المقتضي يكون إسقاطا لما لم يجب و لو بعنوان مقتضيه لو اسقط في العقد أو في الثلاثة، هذا ما يقتضيه النظر الدقيق.
فانقدح بذلك؛ أنّ الإجماع لو تحقّق في جواز الإسقاط في إحدى
1) كما عرفنا ذلك من باب مناسبة الحكم و الموضوع، لا أن يكون هذا الخيار حكما تعبّديا محضا، فتأمّل، «منه رحمه اللّه».
ص: 478
المسألتين فيلتزم بالجواز، و إلّا فلا دليل عليه، و ينبغي التوقّف، كما يظهر أيضا من كلمات شيخنا الأنصاري قدّس اللّه نفسه الزكيّة (1).
و من مسقطات هذا الخيار بذل الثمن إلى البائع بعد الثلاثة، و هو منقول عن «التذكرة» (2)لرفع ما هو ملاك في هذا الخيار من تضرّر البائع بالتأخير، و كونه ممنوعا من التصرّف.
و قال الشيخ رحمه اللّه: و لا مجال للتمسّك بالاستصحاب، لتغيّر الموضوع أو كون الشكّ في المقتضي (3).
و لكن الأوّل مردود، مع احتمال عدم انحصار العلّة و المناط في الضرر، خصوصا بالنسبة إلى البقاء، كما تعرّض لذلك المحشّون في المقام (4).
و من المسقطات أخذ الثمن من المشتري، بناء على عدم الاكتفاء بالبذل، و إلّا فلا يحتاج إليه، و سبب مسقطية ذلك إنّما هو لدلالته على الرضا، فيرتفع التزلزل المستند إلى رفع اللزوم.
و قد فرّق الشيخ قدّس سرّه بين الأخذ و المطالبة بعدم السقوط بالثاني، لعدم دفع الضرر المستقبل بها، و صرف المطالبة لا تدلّ على الرضا و لا يكون إقداما (5).
و فيه؛ أنّها و إن لم تدلّ على الرضا في المستقبل، و لكن حين المطالبة و الآن المقارن له تدلّ عليه، و كاشف عن التزامه بالعقد و لو آنا مّا، فيثبت اللزوم، ثمّ
ص: 479
بعد ذلك رفعه ثانيا محتاج إلى الدليل، فلا ينبغي الفرق بين المطالبة و الأخذ، فتأمّل.
ثمّ هل يكون هذا الخيار على الفور أو التراخي؟
و قد قاس المقام في «المكاسب» قدّس سرّه إلى مطلق الخيار، من أنّه لما قلنا فيه بكون العموم الأزماني تابعا للأفراد، فإذا خرج فرد من العقد عن العموم فيخرج هذا الفرد عن وجوب الوفاء من حيث الزمان أيضا بالتبع، فلا يبقى بعد للتمسّك بالإطلاق من حيث الزمان بالنسبة إلى الخارج مجال؛ لكونه تابعا لشمول العموم جميع الأفراد (1).
قال- دام ظلّه-: يمكن الدعوى بالفرق بين المقامين؛ لأنّا لمّا بيّنا هناك بأنّ عموم الأزمان و إن كان تابعا للأفراد، إلّا أنّ العقد يكون علّة لثبوت العموم من حيث الأزمان، ثمّ إثباته دائما يكون بالإطلاق، و لذلك قلنا بأنّه لو لم يشمل فرد من أوّل الأمر لخروجه بسبب الخيار عن تحته، فلا يمكن إدخاله ثانيا تحت العموم، ثمّ يتمسّك في الزيادة و النقصان بالإطلاق، بخلاف ما لو خرج فرد بعد شمول العموم له من الآخر أو الوسط، ثمّ شكّ في خروجه إلى آخر الأبد، أو لا يتمسّك في نفي الزائد بالإطلاق.
إذا تذكرت ذلك، فنشير إلى أمر آخر حتّى يتّضح الفرق، فنقول: إنّ الأحكام الثابتة للأفراد يكون على نحوين:
1) المكاسب: 5/ 237.
ص: 480
قسم يثبت لشخص الفرد؛
و قسم يثبت للطبيعة.
و الفرق بينهما أنّ الأوّل ليس قابلا لأن ينحلّ إلى أحكام متعدّدة لفرد واحد، بخلاف الثاني، فإنّه قابل للانحلال.
مثلا إذا حرّم الشارع شخص شرب خمر، فبتركه يتحقّق امتثال واحد، و أمّا في طرف الفعل فقابل للانحلال إلى ارتكابات متعددة، فكلّما شرب يتحقّق عصيان مخصوص.
و كذلك مثل شخص سفر إذا حكم الشارع لكونه محرّما بوجوب الإتمام فيه، و شخص هذا السفر إذا تبدّل في الأثناء إلى الجواز لانقلاب الحرمة، يتبدّل الحكم و يثبت أحكام القصر لشخص هذا السفر، فيكشف ذلك عن كون الحكم ثابتا لطبيعة الفرد لا لشخصه، و إلّا فالشخص ليس قابلا للتغيّر.
إذا ظهر ذلك فأقول: إذا دخل العقد الّذي يثبت فيه خيار التأخير من أوّل الأمر تحت العموم، و شمله وجوب الوفاء، فبعد تحقق ما هو الّذي يكون علّة تامّة للزوم- و هو العقد- فيرتّب عليها المعلول، و هو شخص هذا الفرد الّذي تعقّبه خيار التأخير، فإذا عرض الجواز على هذا الفرد بعد الثلاثة بسبب التأخير فإذا شكّ في كونه خارجا عن تحت العموم و وجوب الوفاء أبدا أو في بعض الزمان، يمكن أن يتمسّك بإطلاق وجوب الوفاء في الزائد على القدر المتيقّن الّذي يرتفع به ما هو كان علّة لهذا الخيار أو حكمة له، و هو الضرر.
و لا يتوهّم عدم قابليّة الشخص لأن يصير في بعض الزمان لازما و بعضه جائزا، لما عرفت أنّه يمكن أن يكون وجوب الوفاء ثابتا لطبيعة الفرد الّتي هي
ص: 481
قابلة لأن تصير ذاته جائزا لبعض الزمان و لازما لبعضه الآخر، بخلاف الخيارات السابقة الّتي كانت ثابتة بسبب نفس العقد، مثل الغبن و غيره، حيث لم يشمله عموم وجوب الوفاء من الأوّل، فانفكّ بينه و بين المخرج.
فانقدح بذلك الفرق بين المقامين، حيث لا يمكن التمسّك بالإطلاق هناك بخلاف هاهنا، و لكن بعد إمكان كون فرد ذا حكم واحد يكون ذا مراتب، كما في المثال الّذي عرفت، و هو حرمة الخمر الّتي لا تكون إلّا حكما واحدا و تكون ذا مراتب؛ بحيث يترتّب على مخالفة هذا الفرد أحكام متعدّدة، ففي كلّ دفعة من الارتكاب يرتكب حرمة خاصّة، فكذلك طبيعة الوجوب الّتي هي الظاهرة من دليله ثابتة لكلّ فرد من البيع، لا أن يكون شخص الوجوب، حتّى لا يكون قابلا للإثبات و الثبوت بعد انقطاع الإطلاق، فلا تغفل.
أي الخيار المسبّب عن الرؤية، و قد يقال له: خيار تخلّف الوصف.
اعلم! أنّ الأوصاف المتّحدة و الملحوظة في المبيع، منها ما يكون من قبيل الدواعي الّتي لا يوجب تخلّفها شيئا، لا البطلان و لا الخيار، كما في مسألة توهّم كون العبد كاتبا فاشتراه بزعمه ذلك، و كلامهم في باب [بيان خ ل] هذا الخيار من تخلّف الوصف و إن كان مطلقا، إلّا أنّهم لمّا فصّلوا في باب الأوصاف و جعلوا بعضها من قبيل ما أشرنا، فكلامهم في هذا الباب يكون منصرفا عن مثل هذه الأوصاف؛ للقرينة المذكورة.
و منها؛ ما يكون داخلا في القصد المتعلّق بالبيع؛ بحيث يوجب تقيّد المبيع
ص: 482
حتّى يرد البيع على القيد و المقيّد، و يتعلّق القصد بهما، فإنّ تخلّف مثل هذا الوصف يوجب بطلان البيع، لا أن يكون موجبا للخيار؛ لأنّ ما هو المعتبر في الإيجاب و القبول- و هو القصد- إنّما تعلّق بأمرين قوام القصد بهما، لا أن يكون صدقه على أحد [من] المقيّد و القيد مقدّما على الآخر (1)، بل في عرض واحد، و لذلك يحكم ببطلان العقد إذا تخلّف الوصف، لأنّ ما وقع لم يقصد، و ما قصد لم يقع.
و منها؛ ما يكون داخلا في القصد و لكن لا بالأصالة، بل بالتبع، بمعنى أن لا يكون بحيث يوجب تحليل موضوع العقد إلى أمرين، و لا يكون خارجا عن القصد أيضا، بمثابة يكون من تبعاته الخارجة، كما في القسم الأوّل، و هذا ما يوجب تخلّفه الخيار لفوات الحقّ بسببه.
و الأحسن أن يعبّر عن ذلك بتخلّف الوصف، و سابقه بتخلّف القيد، فالثاني يوجب في الحقيقة تركّب متعلّق العقد، بخلاف ما يوجب ثبوت خيار الرؤية.
و لا يخفى أنّ كلّ ذلك خارج عمّا له مدخليّة في تحقّق وصف الصحّة، و أنّ هذه الأقسام إنّما تكون بعد الفراغ عن رفع ما يوجب الجهل بالمبيع، فإنّ الضابط فيه هو معرفة الجنس و المقدار، و امتياز شخص عن شخص إذا كان الشخص متعلّقا للبيع.
و كيف كان؛ إن تخلّف الوصف الّذي يوجب خيار الرؤية لمّا كان الوصف مدخولا في قصد البيع بالتبع- على ما عرفت- فنفس العقد يكفي في إثبات
1) و بعبارة اخرى؛ الفرق بين هذا القسم و الآخر هو أنّ الاختلاف هنا إنّما يكون بحيث يكون الفاقد مغايرا في نظر العرف للواجد، بمعنى أنّه يراهما شيئين حقيقة مختلفين ذاتا، بخلاف القسم الأخير، فلا يراهما إلّا شيئا واحدا مع تغيير ما، «منه رحمه اللّه».
ص: 483
الخيار، و لا يحتاج إلى أدلّة الوفاء بالشرط (1)، بخلاف ما يوجب تخلّف الشرط.
إذا عرفت ما ذكرنا فنقول: إنّما الإشكال في ما يوجب ثبوت هذا الخيار، و من أين ثبت هذا الحقّ؟ و ما وجه دخوله في القسم الأخير دون الأوّل و الثاني؟
و هل يكون المقام من باب تعدّد المطلوب أم غيره؟
فربّما يقرّب في وجه ذلك بأنّ المقام ليس من باب تعدّد المطلوب، بل ليس المطلوب إلّا واحدا، و هو ذات المتّصف بالوصف الكذائي (2).
و تحقيق ذلك؛ أنّ القصد إنّما بذات المتّصف، و لكن نفس الذات باستعداد ذاته يقع عليها التمليك و التملّك، بمعنى أنّ العقد الكاشف عن القصد إنّما يوجب اختصاص المشتري بذات المبيع و يحدث له أعلى مراتب الاختصاص.
و أمّا بالنسبة إلى الوصف الّذي يتحقّق به الماليّة فيحدث نفس هذا القصد مرتبة نازلة من الاختصاص الموجب لثبوت الحقّ؛ لأنّ نفس الموضوع ليس قابلا لتعلّق الاختصاص به أكثر من ذلك.
و بالجملة؛ القصد لا يكون إلّا واحدا ذا مرتبة واحدة، لا يكون له شدّة و ضعف، و إنّما الاختلاف هو بسبب اختلاف استعداد المحلّ الّذي يتعدّد بحسب التحليل، فيختلف الأثر بسببه، فلمّا تحقّق أنّ نتيجة تعلّق القصد و إثبات الملكيّة بالنسبة إلى الوصف إنّما هو ثبوت حقّ فيه للمشتري، و لمّا لم يكن الوصف من
1) فالفرق بين الباب و باب الشروط؛ أنّ ما يشترط فيه، يجب أن يكون مقدورا، و لذا التزموا بأنّه لو لم يكن مقدورا لم يشمله أدلّة الوفاء مطلقا، بخلاف الأوصاف في هذا الباب، فإنّها أعمّ من المقدور و غيره، فالقول بأنّ منشأ هذا الخيار إنّما هو من باب تخلّف الشرط و إدخاله فيه، في غاية البعد، بل لا دليل عليه، «منه رحمه اللّه».
2) لاحظ! المكاسب: 5/ 248- 256.
ص: 484
الأوصاف المقوّمة للصحّة على الفرض، و لا أن يكون متعلّقا لقصد مستقلّ حتّى يوجب التقيّد و جعل متعلّق العقد أمرين، فلم يتحقّق بتخلّفه موجب للبطلان، بل تخلّفه يثبت الخيار فقط؛ لتحقّق الضرر المالي بسببه.
هذه خلاصة ما استفدت من تحقيقاته- دام ظلّه- الّذي استظهر من مطاوي كلمات الشيخ قدّس سرّه.
و ربّما يقرّب الأمر بوجه تعدّد المطلوب، و هو أنّ القصد إنّما يتعلّق بالمرتبة النازلة إلى نفس الذات، و بمرتبة أكمل إليها مع الوصف، و لمّا كان المقصود بالوصف ممّا يتعلّق به غرض عقلائي الّذي يبذل بإزائه الماليّة فتخلّفه يوجب نقض الغرض، فيثبت به الخيار (1).
و يردّ التقريب الأوّل ببيان أنّه هل القصد الّذي تعلّق بالمجموع من الذات و الصفة، تعلّق بالذات مع فقد الصفة أيضا أم لا؟ فإنّ تعلّق، فلازمه الالتزام بتعدّد المطلوب، و إن لم يتعلّق بالذات وحدها، فلازم ذلك في صورة التخلّف البطلان لا الخيار؛ لأنّ القصد لم يتعلّق بها أصلا، فيصير داخلا في «ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع» فكيف يحكم بالصحّة؟
فالمتعيّن في حلّ الإشكال التقريب الثاني، و عليه يثبت الأرش أيضا لنقص الماليّة الّتي وقع القصد عليه، لا لنقض الغرض، كما يوهم ظاهر هذا التقريب، لأنّ نقض الغرض ليس مناطا للخيار؛ لأنّه ربما يكون الغرض يتعلّق به الغرض العقلائي، مع أنّه لا يبذل بإزائها الماليّة الّذي هو المناط لثبوت الخيار.
هذا تمام الكلام في ما تقتضيه القاعدة من إثبات هذا الخيار.
1) لاحظ! المكاسب: 5/ 254 و 255.
ص: 485
و أمّا الكلام في الأخبار الخاصّة فما يكون منها مقيّدا للمقام، بمعنى أنّه ظاهر فيه، هو الرواية الاولى الّتي ذكرها الشيخ قدّس سرّه، و هو صحيحة جميل (1).
و أما صحيحة زيد الشحام (2)فالظاهر أنّه ينطبق مع قاعدة «من باع شيئا ثمّ ملك»، فالمراد بها: أنّه اشترى عددا معيّنا من السهام قبل خروج السهام منهاضا، بزعم انطباق سهم البائع على ما أنهض، فاتّفق بعد التسهيم صار الأمر كما زعم، فيقول عليه السّلام: «لا تشتر حتّى تعلم» (3)، و لكن إن اشتريت كان البائع بالخيار إن شاء قبل أو ردّ ما فعل قبل العلم بتملّكه و لكن بمعاملة جديدة، فيكون منطبقا لما ذكرنا.
و يمكن تطبيقه على المقام (4)، بأن يكون البائع مالكا للسهم و اشتراه المشتري بزعم اتّصافه بصفات خاصّة، ثمّ بان بعد العقد عدم اتّصافه بها، فيقول عليه السّلام: «لا تشتر حتّى تعلم أين يخرج السهم؟» (5)بمعنى تتصفّح المبيع.
ثمّ إنّه اشترط في المبيع إذا كان غائبا أن يوصف بما يرتفع به الغرر و الجهل، و إن كان تعبيراتهم عن ذلك مختلفة، و لكنّ المراد واحد.
و يمكن أن يقال: مقصود الكلّ هو أن يعرف الثمن و المثمن، و يوصف كلّ منهما بأوصاف يختلف الثمن باختلافها، فإذا خالف أحدهما عمّا وصفا فيثبت الخيار.
ص: 486
و إنّما عمّمنا الكلام بالنسبة إلى كلا الثمن و المثمن، لأنّ الظاهر أنّ هذا الخيار ليس مختصّا بالمشتري، بل للبائع أيضا، لجريان قاعدة الضرر فيما إذا اختلف الثمن عمّا وصف، أو ظهر المبيع أزيد من حيث الوصف عمّا وصف، كما أوضح ذلك في باب ظهور العوضين على خلاف الشرط، أو الوصف في أواخر كتاب البيع (1)، فراجع. لو كان دليله هذه القاعدة.
و لو قلنا بأنّ دليله الرواية الخاصّة أيضا يعمّم، ضرورة أنّه ليس مفادها إثبات الخيار تعبّدا حتّى لا يتجاوز عن موردها، بل الغرض منها هو جعل حكم موافق لما ارتكز في الأذهان من الضرر الناشي عن تخلّف وصف أحد العوضين، مع أنّ المقصود إنّما هو غيره، و الإقدام وقع على واجد الوصف.
و الحاصل؛ أنّ الحكم المستفاد من الرواية ليس من التعبّد، بل المتيقّن أنّها من الموارد الّتي علم المناط فيه، فليس الخيار مختصّا بالمشتري لو نقص المبيع عمّا وصف، بل يكون للبائع أيضا، لو ظهر كونه زائدا عمّا وصف.
مع أنّه يمكن أن يكون المرجع للضمير في قوله عليه السّلام: «لو قلّب» هو البائع، و كذلك غيره من الضمائر، مع أنّ الإجماع قائم على ثبوته له.
و إذا عرفت المناط في التوصيف و ميزانه، فلا يشينه الأمر بأنّه قد بيّن بعض ضابطة معرفة الوصف بما يعتبر في السلم (2)، مع أنّهم اشترطوا فيه بأن لا يوصف المسلم فيه بحيث ينتهي إلى عزّة الوجود (3)لأنّ من جعله ضابطة فقد
ص: 487
جعله في نفسه ذلك، مع قطع النظر عمّا يلزم من المحذورات الخارجيّة.
و كذلك لا وقع للإشكال الّذي بيّنه الشيخ قدّس سرّه (1)في المقام بأنّه لو كان ضابطة المعرفة ما ذكر، يلزم عدم الاكتفاء بصرف الرؤية، فلم تحصل الإحاطة بجميع ما يعتبر من الصفات المرغوبة (2).
لأنّ التوصيف قائم مقام الرؤية؛ لأنّ المحلّ أنّه يتسامح عند الرؤية بما لا يتسامح عند غياب المبيع، فكأنّ العرف يرى للرؤية موضوعيّة، مثلا إذا وقع البيع على العبد الغائب يعتبرون أن يوصف بأنّه حبشي أو زنجي، بخلاف ما إذا وقع على الحاضر، فلا يعتبرون ذلك أصلا، بل يكتفون بصرف الرؤية.
و أمّا ما أجاب قدّس سرّه من إشكال عدم رفع الغرر بتوصيف البائع- لأنّ الاتّصاف في الواقع بعد مشكوك، مع أنّه يعتبر العلم بصفات المبيع، بأنّ إخبار البائع إنّما هو بمنزلة الاشتراط بكون المبيع متّصفا بما يخبر به، فكأنّه يتعهّد المخبر ذلك، فهذا غير التقييد الّذي يوجب كون المقيّد مشكوك الوجود، حتّى يلزم عدم رفع الغرر (3)- فغير وجيه؛ لأنّه يعتبر كون المبيع معلوما في الرتبة السابقة على البيع و العقد حتّى يردا على المعلوم، و التزام البائع الاتّصاف في ضمن العقد لا يوجب ذلك.
فحقّ الجواب أن يقال بأنّه يشترط العلم بالمبيع أو ما يقوم مقامه، و إخبار البائع لمّا يوجب وثوق المشتري بالاتّصاف، فيحصل العلم به قبل وقوع العقد
ص: 488
عليه، و ذلك لاكتفاء العرف بإخبار البائعين و وثوقهم به، و لمّا يحصل لهم الوثوق و العلم العادي بالاتّصاف، ففي الرتبة السابقة على العقد في الحقيقة يخرج المبيع عن كونه مجهولا.
و لعلّ مراده قدّس سرّه من الاشتراط أيضا هو الوثوق و الاطمينان للمتّصف له، كما يحصل له ذلك إذا اخبر عن الكيل و الوزن، و يكتفي به عن اعتبارهما بنفسه.
و لكنّه بقي إشكال في المقام لا بأس بالإشارة إليه، و هو أنّه إذا وصف المبيع الشخصي بشيء، ككون العبد حبشيّا، ثمّ بان الخلاف بعد الشراء، فلا ريب أنّ ذلك لا يكون بتغيّر من ناحية المشروط عليه، و تقصير من البائع، بل إنّما هو أمر تقديريّ لا يكون إلّا بيد اللّه و لا ربط له بالمشتري.
و بالجملة؛ تخلّف الوصف إنّما هو من قبل ذات المبيع و خارج عن تحت اختيار البائع، فكيف يثبت عليه حقّ للمشتري حتّى يوجب الخيار؟ و هذا بخلاف باب تخلّف الشرط، فإنّه لما اشترط فيه كون الشرط تحت اختيار المشروط عليه فيتحقّق الفرق بينه و بين المقام، فإنّ فيه يثبت الحقّ من نفس الشرط، فتخلّفه يوجب الخيار.
و أمّا في باب تخلّف الوصف؛ فلم يثبت من أوّل الأمر حقّ للمشتري حتّى يفوّته البائع فيوجب الخيار؛ بداهة أنّه لم يكن الوصف ثابتا من الأوّل، فمن أين يجيء الحق؟! فما توجّه من طرف البائع ضرر إلى المشتري حتّى ينفى بحديث «لا ضرر»، و إن كان يكون من قبل اللّه، إلّا أن يرجع إلى الغبن أو العيب.
و مع تسليم ثبوت الحقّ المالي له بسبب التوصيف و الغضّ عمّا عرفت فنقول: غاية ما يوجب ذلك إنّما هو الأرش، لأنّ المفروض أنّ التخلّف بمنزلة
ص: 489
إتلاف البائع حقّا ماليّا للمشتري، فبحكم قاعدة الإتلاف و أبواب الضمانات يجب عليه أن يبذل البدل، و لكن رفع اللزوم الثابت للعقد من أين؟ و ما الدليل لثبوت الخيار؟
و لا يخفى أنّ ذلك لا يختصّ بباب الوصف، بل الإشكال وارد على تخلّف الشرط أيضا، ففيه لا موجب لثبوت الخيار، بل تخلّف الشرط إنّما هو بمنزلة التلف المالي أيضا، فيجري فيه قاعدة الضمان.
و لكن بعد ما عرفت بكون الرواية الصحيحة الخاصّة بهذا الخيار واردة، و قد عمل بها، فلا وقع للإشكالين، مضافا إلى شمول حديث الضرر له أيضا، لأنّه إذا فرض اتّصاف المبيع بما يوصف، و اوقع العقد عليه بانيا على عدم التخلّف، ثمّ بان الخلاف، فيوجب الضرر بلا شبهة، و لا يلزم أن يكون الاتّصاف حقيقة موقوفا ثمّ فقد حتّى يشمله حديث «لا ضرر»؛ لأنّه لا دليل على ذلك، بل يكفيه فرض الوجود و البناء عليه.
و أمّا حديث عدم القدرة؛ فلا يضرّ أصلا بعد التزام المتبايعين بالاتّصاف و إيقاع عليه.
فالحاصل؛ أنّ الدليل الخاصّ قائم على المطلوب، مع أنّك عرفت أنّ لسانه موافق لحديث نفي الضرر، فهو أيضا يشمله، و قد تبيّن أنّه لا يرفع إلّا اللزوم الّذي يتوجّه منه الضرر لا إثبات الأرش؛ لأنّه خلاف الامتنان على الطرف الآخر.
فظهر من ذلك عدم الدليل على ثبوت الأرش، و الخيار بينه و بين حلّ
ص: 490
العقد، كما عن بعض (1).
و أيضا ظهر من ما ذكرنا في أوّل الأمر كون المقام من باب تعدّد المطلوب، فلا وجه لبطلان العقد من رأسه في صورة التخلّف، كما استشكل في ذلك في «مجمع [الفائدة و] البرهان» و غيره (2).
و قد أشار إلى دفع الإشكالات قدّس سرّه في باب خيار الشرط من «المكاسب» و الشرط الفاسد و عدم لزومه فساد العقد، بتوهّم كونه من التجارة الّتي لا تراضي فيه؛ مفصّلا ما ينفع للمقام، و يستفاد من كلامه مسألة تعدّد المطلوب، و إن لم يصرّح بهذا اللفظ (3).
تنبيه: يسقط هذا الخيار بامور:
الأوّل؛ بعدم المبادرة على الفسخ؛ لأنّه فوريّ؛ لدخوله تحت إطلاق لزوم العقد أوّلا ثمّ خرج عنه بقدر ما يتدارك به الضرر، و ما فات به من نقض الغرض فإن فسخ فورا فيرتفع العقد من رأسه، و لو أخّر فلا مانع من التمسّك بأصالة اللزوم، و لا مجال للرجوع إلى الاستصحاب هنا، بخلاف ما ذكرنا في بعض الخيارات السابقة.
الثاني؛ بالتصرّفات بعد الرؤية، لأنّه ظهر أنّ التصرّف بعد ثبوت الحقّ
ص: 491
يكون إعمالا للخيار، فإنّ السقوط يتحقّق بأمرين: الإسقاط و الإعمال الكاشف عن الرضا.
الثالث؛ بالتصرّف قبلها، و ليس ذلك مسلّما، بل فيه وجوه، ثالثها ابتناء المسألة على جواز إسقاطه قبل الرؤية، و هو حسن؛ لأنّ السقوط و الإسقاط توأمان، فالحريّ التكلّم في جواز إسقاطه و عدم جوازه.
و لا ريب أنّه مبنيّ على كون الرؤية سببا للخيار، أم كاشفا له، أم شرطا له، فإن كان سببا للخيار فلا إشكال في عدم جواز إسقاطه قبلها؛ لعدم ثبوت الحقّ رأسا لا بنفسه و لا بمقتضيه- كما في بعض الخيارات السابقة- بخلاف ما لو كان على الآخرين، فإنّه يجوز إسقاطه، و لا يتوهّم أنّه على الثالث يلزم التعليق، بمعنى أنّه ما دام لم ير- أي المبيع- لما لم يتحقّق الشرط، فإسقاط الخيار قبل الرؤية يرجع إلى أنّ الآن يسقط الخيار الّذي يحتمل أن يكون ثابتا بعد الرؤية، فالآن يسقط ما لو رأى المبيع و كان له خيار، فالخيار الساقط أصل وجوده معلّق على الرؤية.
ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكرته لا يفي بالجواب عن الإشكال، لأنّ التعليق في الآن غير مضرّ إذا كان أصل الخيار الّذي قصد إسقاطه ثابتا، و المفروض أنّ شرط أصل وجوده هو الرؤية، فكيف يعقل ثبوت المشروط بدون شرطه؟
فمرجع إثبات الخيار قبل تحقّق شرط أصل ثبوته يكون إسقاط ما لم يجب، بل لم يوجد، فتدبّر؛ لأنّ التعليق على نفس موضوع الإنشاء، و ما هو محقّق بعنوان متعلّق الشرط و نفس المنشأ، لا بأس به.
ثمّ إنّ من المعلوم كون الرؤية كاشفا عن ثبوت الحقّ بنفس العقد، لأنّ سببه
ص: 492
إمّا هو نقض الغرض، و إمّا الضرر الحاصل من التلف أو تخلّف الشرط، فكلّ منها حاصل بنفس العقد من أوّل الأمر.
و غاية ما يمكن أن يدّعى كون الرؤية شرطا له، و قد عرفت أنّه لا يضرّنا؛ لأنّ المقتضي إذا ثبت يكفي لثبوت الحق؛ لاعتبار العقلاء تحقّقه و لو لم تتحقّق العلّة التامّة.
إنّما الكلام في جواز إسقاطه و شرط سقوطه في نفس العقد، فقد ذكر الشيخ قدّس سرّه في ذلك وجوها بل أقوالا، ثمّ استقرّ رأيه قدّس سرّه على عدم جوازه؛ للزوم الغرر به الناشي من التنافي الثابت بين تعهّد البائع الموجب للوثوق و رفع الجهل، و بين شرط السقوط الملازم لنفي الالتزام الموجب للالتزام بالمبيع على أيّ تقدير (1).
و لكن يرد [على] ذلك أنّ تعهّد البائع يستفاد منه أمران:
أحدهما؛ الوثوق الحاصل بنفس إخباره بالاتّصاف؛ لأنّ الشخص العاقل عموما يخبر عمّا هو ثابت في الواقع و لا يقتحم على الكذب عمدا.
ثانيهما؛ التزامه الموجب لثبوت الخيار في صورة التخلّف.
ثمّ لا ريب أنّه إذا اشترط السقوط في العقد، فما يفوت إنّما هو الثاني دون الأوّل الكافي في رفع الغرر، و موجب للوثوق و درجة من الاطمينان، هذا أوّلا.
و يرد عليه ثانيا بأنّ اشتراط السقوط لا يوجب رفع التعهّد؛ لأنّ حقّ الخيار ليس ملازما للتعهّد، بل هو أمر مجعول ثابت بالشرع تعبّدا.
ثمّ اعترضنا على كلامه- دام ظلّه- بأنّ فرض كلام الشيخ إنّما هو فيما إذا
1) المكاسب: 5/ 259- 261.
ص: 493
حصل الوثوق بتعهّد البائع؛ بحيث لو لم يتعهّد لم يحصل الوثوق أصلا.
فأجاب- مدّ ظلّه- بأنّ الوثوق ليس لازما خاصّا للتعهّد، بل هو أعمّ منه، فإنّه ثابت عموما بسبب نفس إخبار البائع و توصيفه و لو لم يتعهّد، ففي مورد خاصّ و لو لم يحصل الاطمينان ما لم يتعهّد البائع إلّا أنّه لما كان إخبار البائع نوعا يوجب الوثوق فيكتفى بالوثوق النوعي؛ لكونه كافيا في رفع الغرر.
و لا يخفى أنّ هذا الجواب مبنيّ على أن يكون الغرر المنهيّ الغرر النوعي، بحيث لا يعتنى بالغرر الشخصي، و فيه تأمّل واضح، كما لا يخفى.
مسألة: لا يسقط هذا الخيار ببذل التفاوت؛ لأنّه و إن أمكن تدارك الضرر المالي به إلّا أنّه لا يندفع به الضرر الناشي من نقض الغرض المتعلّق بالخصوصيّة الكذائيّة، فتدارك ذلك منحصر بثبوت حقّ الخيار له.
إنّما الإشكال في جواز اشتراط الإبدال لو ظهر مخالفا للوصف، يظهر من كلام الشهيد قدّس سرّه فساد الشرط و مفسديّته للعقد (1).
أمّا الشيخ قدّس سرّه؛ فقال: إنّ اشتراط ذلك إمّا أن يرجع إلى كون الثمن بإزاء البدل في صورة ظهور الخلاف، فلازم ذلك أمران: انفساخ المعاملة الواقعة أوّلا، ثمّ وقوع معاملة جديدة بينه و بين البدل، و معلوم أنّ الشرط لا يكفي و لا يوجب لهما.
و إمّا أن يرجع الشرط إلى وقوع معاملة و تمليك و تملّك بين البدل و المبدل منه إذا ظهر الخلاف، و هذا يرجع إلى وقوع هذه المعاملة تعليقيّة و غرريّة (2).
ص: 494
أقول: أمّا ما قال به قدّس سرّه في الأوّل من أنّ الفسخ و وقوع المعاملة بين البدل و الثمن لا يقعان بصرف هذا الشرط؛ فالظاهر أنّ هذا كلام متين مقبول، لأنّهما يحتاجان إلى أسباب خاصّة، و الشرط لا يصير سببا لهما، بمعنى أنّه لم يثبت من الشرع كون الشرط سببا للفسخ أو المعاملة الكذائيّة، و الشكّ يكفي في عدم جواز مثل هذا الشرط و عدم وقوع الفسخ.
و أمّا إن رجع الشرط إلى اشتراط تمليك و تملّك بلا أن يكونا بعنوان المعاوضة، حتّى يقال: إنّها محتاجة إلى سبب خاصّ، فأيّ محذور فيه؟ إلّا ما أشار قدّس سرّه إلى لزوم ذلك كون هذه المعاملة تعليقيّة و غرريّة، مع أنّه لا يلزم أحدهما أصلا.
أمّا الاولى؛ فإنّ الشرط معلّق و لا يوجب صيرورة العقد معلّقا، بل هو مبنيّة واقع على هذا الثمن و المثمن، و الشرط التعليقي لا يؤثّر في العقد شيئا، و أمّا تعليقيّة نفس الشرط فلا محذور فيه؛ لعدم انعقاد الإجماع الّذي هو الدليل على عدم جواز كون العقد معلّقا في باب الشروط.
و أمّا الثاني؛ فإنّ الغرر إنّما هو مرفوع بتوصيف البائع و الوثوق بقوله الّذي يكون مثل هذا الشرط مؤكّدا له.
فانقدح بذلك أنّه لا محذور من الشرط المذكور و لا فساد فيه، و على الفرض لا يوجب فساد العقد إن كان المراد به الوجه الثاني، كما هو الظاهر، فتأمّل.
ص: 495
مسألة: لو اختلفا في تغيّر الوصف، بمعنى أنّه قال المشتري: اختلف الوصف، و أنكر البائع.
محصّل ما بنى عليه قدّس سرّه في «المكاسب» هو تقديم قول المشتري و إثبات الخيار (1).
أقول: ينبغي تحرير المسألة بحيث يستكشف مركز النزاع و الاختلاف، فنقول: إنّ اختلافهما إمّا يرجع إلى ثبوت أصل الوصف و عدمه، بمعنى أنّهما متسالمان [على] ذكر الوصف للمبيع الشخصي، إلّا أنّهما اختلفا في التغيّر قبل العقد أو بعده، أو في أصل اتّصاف المبيع به و عدمه، بمعنى أنّ البائع يدّعي أنّ هذا المبيع الشخصي لم يكن من أصله متّصفا بالوصف من أوّل الأمر، و المشتري يقول: كان متّصفا به، أو يرجع اختلافهما إلى ذكر الوصف للمبيع و اشتراطه في العقد و عدمه.
و لا ريب أنّ القسمين بحسب الحكم يختلفان، فالأوّل في احتمال الأوّل منه يمكن الحكم بجريان الاستصحاب و بقاء الوصف إلى زمان وقوع العقد، إلّا أنّ ذلك لا يفيد إن كان سبب الخيار هو الضرر؛ لأنّ المفروض كون موضوع اللزوم هو العقد الّذي لم يكن ضرريّا، و الاستصحاب لا يثبت هذا الموضوع و إن كان سببه هو الأخبار الخاصّة، فاستصحاب بقاء الوصف يثمر، و يتحقّق موضوع اللزوم؛ لأنّه باستصحاب بقاء الوصف يصدق كون المبيع مرئيّا مع الوصف، و هذا
1) المكاسب: 5/ 267 و 268.
ص: 496
بخلاف مسألة الضرر، فإنّه من لوازم الموضوع بخلاف هذا، فهو نفس الموضوع.
و أمّا الثاني منه؛ فاستصحاب عدم الوصف من الأوّل أيضا يثمر على الإخبار، بخلاف ما إذا كان الضرر سببا، سواء كان الاستصحاب العدم الأزلي أو غيره.
و أمّا إن كان اختلافهما في الثاني؛ فلا محذور من إجراء أصالة عدم الاشتراط و الاتّصاف، و كذلك عدم التقييد، و إن كان منشأ رفع الغرر البناء على الرؤية السابقة و استصحاب بقاء الوصف و كون المبيع باقيا عليها، فيجرى استصحاب عدم اللحاظ و أصالة كون المبيع ملحوظا مجرّدا.
و بالجملة؛ في جميع هذه الصور أصالة الإطلاق محكمة، فيبنى على اللزوم، كما أنّ في الأوّلين إذا لم يفد الاستصحاب يصير المرجع أيضا اللزوم و استصحاب عدم تأثير الفسخ.
مسألة: الكلام في خيار العيب، الّذي يستفاد من كلام شيخنا رحمه اللّه كونه من جزئيّات خيار الوصف و الشرط (و الاشتراط، خ ل)، و جعل مبناه كون البناء على الصحّة بحيث يكون إطلاق العقد يقتضي كون العوضين صحيحا، فكأنّ الإطلاق صار بنحو قيد مطلق المبيع بهذا الوصف، سواء كان كليّا أم شخصيّا، فهو بمنزلة شرط ضمني، و إنّما ترك ذكره في العقد اعتمادا على أصالة السلامة (1).
و فيه؛ أنّه إن تحقّق اقتضاء الإطلاق و وصف الصحّة، بحيث أوجب ظهور
1) المكاسب: 5/ 271.
ص: 497
اللفظ في الصفة الصحيحة، و انصراف المطلق منه و اتّصاف المبيع بالصحّة و عدم كونه معيبا، فلا يحتاج بعد إلى أصل السلامة، و إن لم يصل بهذا الحدّ و لم يوجد الظهور في اللفظ، فأصل السلامة لا يثبت الحقّ، لأنّ الأصل يكون أمارة؛
كما يشترى مثل اللحم و الجلد من السوق مبنيّا على أمارة التذكية الموجودة فيهما، فهو لا يكون أزيد من الدواعي و لا يزيد على القطع، حتّى لو قطع بذلك الوصف و أقدم فلا يوجب له بثبوت حق على الآخر (1).
و بالجملة؛ ما لم يحصل التقييد اللفظي و الانصراف فلا يوجب شيء الخيار؛ لما عرفت من أنّه لا يكون شيء يقيّد في المقام غير أصل السلامة، و هو لا يوجب التقييد أصلا.
و إنّما الكلام في الانصراف المذكور و منشأه، و لم يتحقّق بعد ما يوجبه، فلا موجب لإدخال خيار العيب في خيار الأوصاف و الاشتراط.
و يؤيّد ذلك أنّه لو كان من جزئيّات خيار الوصف- مع أنّ منشأه الضرر- أن يكون له الخيار بين الردّ و الإمساك، لا أنّ يتعيّن عليه الردّ أو الأرش، كما أنّ الأوّل لازم خيار الاشتراط و الوصف، مع أنّ المستفاد من أدلّة هذا الخيار ليس ذلك، بل يتعيّن عليه الردّ لا الخيار بينه و بين الإمساك بالجميع.
و لا يتوهّم أنّ له الإبراء؛ لأنّه ليس حكما شرعيّا مستفادا من أدلّة الخيار، بل هو أمر آخر غير طرف الحقّ، و لذلك ترى أنّهم أوّلوا الرواية الرضوي (2)
ص: 498
المستفاد منها الخيار بين الأمرين (1)(2).
فيستكشف من ذلك كلّه أنّ هذا الخيار نحوه غير أنحاء الخيارات الاخر، و ليس مقتضى لقاعدة الضرر و غيرها، كما في خيار الغبن و الرؤية، فإنّ منشأ الأوّل الضرر المالي المحض- كما عرفت- و الثاني نقض الغرض الّذي يترتّب عليه الضرر المالي؛ لأنّ الغرض العقلائي تعلّق بالواجد.
و أمّا هذا الخيار؛ فيمكن أن يقال: إنّ أصله يكون بين الأمرين، فإنّ وصف الصحّة من جهة إذا فقد فيوجب نقض الغرض، مع أنّه يصير منشأ للضرر المالي.
و أمّا منشأه ليس إلّا تخلف الداعي الذي لو تعلّق بغير هذا الوصف لم يوجب حقّا، و لكنّ الشارع خصّص المقام بذلك، و لذلك ترى أنّه صار صاحب أحكام خاصّة غير ما تقتضيه القاعدة، كما في الخيارات الاخر، مثل إثبات الأرش فيه و عدم سقوطه بالتصرّف رأسا، فهو خيار تعبّدي محض دلّت الأخبار عليه، و لو لا ذلك يلزم تخصيص أكثر أحكام الوصف و الاشتراط مع عدم اقتضاء الدليل ذلك (3).
و أمّا ما ذكره قدّس سرّه من رواية يونس (4)فيحتمل أوّلا كون الشرط فيه ضمنيّا، و ثانيا كون تعيين الأرش لا للتعيين، بل كونه من قبيل الأمر الوارد عقيب الحظر،
1) كما في «المكاسب»، فإنّه يستفاد من الرضوي الخيار بين الردّ و الإمساك أوّلا، فأوّلوا ذلك لكونه مخالفا لما هو طبيعة أصل هذا الخيار، و كيفيّة تشريعه بين الردّ أو الأخذ بالأرش و إبراء الأرش لا ربط له بطرفي الخيار، كما لا يخفى، «منه رحمه اللّه».
2) المكاسب: 5/ 275 و 276.
3) ضرورة أنّه بعد جعل خيار العيب من جزئيّات الخيارين مع عدم كونهما صاحب هذه الأحكام، فلا بدّ [من] تخصيص الخيارين من حيث هذه الأحكام، «منه رحمه اللّه».
4) وسائل الشيعة: 18/ 108 الحديث 23257، المكاسب: 5/ 274.
ص: 499
بمعنى ورد لدفع توهّم تعيّن الردّ.
فلمّا عرفت أنّه خيار تعبّدي غير سائر الخيارات و ليس مبنيّا على القاعدة، و ليس من الشروط الضمنيّة، فالحقّ ما جعله في «المسالك» قدّس سرّه من أنّه لو اشترط في متن العقد وصف الصحّة يثبت خيار آخر (1)، و لا دليل على كونه مؤكّدا لما يقتضيه الإطلاق كما صنعه الشيخ قدّس سرّه (2).
مع أنّ الإطلاق يقتضي كونهما واحدا لو لم يدلّ دليل على الاختلاف، و معلوم أنّ التصريح يصير بيانا للإطلاق، و يمنع عما يقتضيه لو لم يكن ذلك (3).
ثمّ إنّه قال الشيخ قدّس سرّه بعدم استفادة التخيير بين الردّ و الأرش من الأخبار، مع التزامه بسقوط الردّ بالالتزام بالعقد (4).
فنقول: إذا رضي المشتري في المعيب بالأرش، فيستكشف منه رفع هذه عن الردّ و ارتضائه بالعقد، فيتعيّن الأرش.
و بالجملة؛ مناط سقوط الردّ و ثبوت الأرش جاء فيما إذا رضي بالأرش؛ لأنّ المانع يتحقّق بأمرين: إمّا إسقاط حقّ الرد، و إمّا إعمال الخيار المعبّر بالرضا التخايري، و لا معنى للتخيير إلّا ذلك، فإنّه يستفاد من مجموع الأخبار المثبتة للأمرين بعد لحاظ مناط تعيّن الأرش أنّ ذا الخيار يرى نفسه من أوّل الأمر مخيّرا بين الأمرين، و يختار كلّا من الطرفين بعد الإعراض عن الآخر.
ص: 500
ثمّ إنّه إن كان مبنى خيار العيب هو الضرر و تخلّف الغرض- كما في خيار الغبن و الرؤية- فلا ريب بثبوته بنفس العقد، و إن لم يكن كذلك بل كان المستند الأخبار الخاصّة و كونه خيارا خاصّا تعبّديا- كما بنينا عليه- فهو تابع للأخبار.
فيمكن أن يستفاد من الصحيحة ثبوته بالعقد؛ لقوله عليه السّلام: «و لم يتبرّأ إليه و لم يحدث فيه شيئا» (1)، ضرورة أنّ الظاهر منهما تأثير التبرّي قبل العلم بالعيب.
و كذا إحداث الحدث مطلقا في سقوط الخيار إن لم نقل بكون المراد منهما تأثيرهما و مانعيّتهما عن الحقّ الّذي يثبت بعد الظهور، و لا خفاء في أقربيّة الاحتمال الأوّل؛ لكون ظاهرهما المانعيّة عن الحقّ الثابت لا ما سيثبت.
و أمّا الموثّقة فهي الظاهر على خلاف الاولى؛ لأنّ فيها قوله عليه السّلام: «ردّه على صاحبه إن كان الثوب قائما بعينه» (2)بعد قول السائل: فيجد به عيبا، و إن لم يستفد منه ذلك، فلا أقلّ أنّها من الجهتين ساكتة، فإن استغني بالاولى فلا يحتاج إلى أمر آخر، و إلّا فلا بدّ من الرجوع في المقام إلى القواعد المقتضية من أصالة عدم تأثير الفسخ قبل ظهور العيب و غيرها، فتأمّل.
فإنّه لم يتحقّق كون مثل هذا العقد مشمولا لأدلّة اللزوم من الأوّل حتّى يلتزم بقاعدة اللزوم، أو يؤثر أصالة عدم تأثير الفسخ و إن أمكن التفكيك بين بينهما، بأن يتمسّك بأصالة عدم الانتقال الّذي هو الملازم لعدم تأثير الفسخ، و هما ليسا تابعين لقاعدة اللزوم و عدمه.
تذنيب: لمّا كان مورد أدلّة هذا الخيار منحصرا بالمبيع و ظهوره معيبا فلا
ص: 501
دليل على التمسّك بها لإثباته إذا خرج الثمن معيبا، إلّا أن يتمسّك له بالمناط المتيقّن و ارتكاز قاعدة الضرر أو التمسّك بعموم الدليل و عدم تخصّصه بالمورد و الالتزام بكون ما ذكر فيها من قبيل التمثيل، كما هو الظاهر. و لعلّ المسألة غير خلافيّة، فلا يحتاج إلى هذه التجشّمات.
و أمّا إسقاط الردّ في هذا الخيار يتحقّق بامور:
الأوّل؛ بالالتزام بالعقد و التصريح به، و هذا في الحقيقة يكون إعمالا للخيار لا إسقاطا له، و لذلك لا يسقط الأرش به.
الثاني؛ إسقاط أصل الخيار الّذي يسقط به الأرش أيضا، لأنّ الخيار ليس إلّا هو و الردّ، ضرورة أنّ منشأ كلّ منهما هو الخيار، فإذا سقط الخيار فلا يبقى بعد مجال للحق.
الثالث؛ بتغيّر العين، و هذا التغيّر أحسن من التغيّر بالتصرّف؛ لما سيظهر لك.
و هو إمّا أن يكون قبل العلم بالعيب أو بعده، و لقد أجاد شيخنا قدّس سرّه في تحقيق المقام حيث قال قدّس سرّه- بعد ذكر الروايات و نقل عبارات الأصحاب-: إنّ التصرّف قبل العلم إن كان يتغيّر به العين فيوجب سقوط الخيار (1)، و ذلك لإطلاق قوله عليه السّلام في مرسلة جميل: «إن كان الثوب قائما بعينه ردّه» (2).
ص: 502
و أمّا التصرّفات الغير المغيّرة فلا دليل على سقوطه [بها] بل الدليل على خلافه قائمة و لا نحتاج إلى ذكره هنا.
و أمّا بعد العلم فكذلك، نعم أيضا يسقط في هذه الصورة إذا دلّ على الرضا نوعا، و ذلك ليس للتصرّف حقيقة، بل السقوط إنّما هو لإعمال الخيار، و إلّا فمطلق التصرّف ليس هاهنا موجبا للسقوط و لو قلنا به في خيار الحيوان؛ لتباين هذا الخيار معه رأسا و اختصاص أدلّته- على الفرض- ببابه، و أمّا المسقط في الصورة الاولى منحصر بما عرفت.
و ذلك كلّه؛ لأنّ الظاهر من الصحيح المنقول عن أبي جعفر عليه السّلام (1)كون إحداث الحدث مطلقا قبل العلم يوجب السقوط، و لكن يتقيّد ذلك بإطلاق قوله عليه السّلام في المرسلة و تعليق الخيار فيها بقيام العين على حالها، فإنّها ظاهرة في الأعم من كونه قبل العلم و بعده، فهي قابلة لأن يقيّد الاولى، و الصحيح يقيّد المرسلة بكون المراد فيها قبل العلم.
و أمّا الدليل على كون التصرّف الدالّ على الرضا بعد العلم و إن لم يغيّر العين [مسقطا] فهو الأدلّة العامّة الدالّة على أنّ الرضا الكاشف مسقط (2).
و من ذلك ظهر أنّ تلف العين سواء قبل العلم أو بعده أيضا مسقط له، و كذلك التصرّفات الناقلة؛ لأنّ العين في الحقيقة و إن لم يتغيّر بها إلّا أنّ العقلاء يعتبرونها و يرونها في حكم تغيّر العين.
ص: 503
مسألة: المشهور على أنّ وطء الجارية يمنع عن ردّها مطلقا، و الدليل عليه الأخبار الخاصّة (1).
فإن بنينا بأنّ الوطء يوجب تغيّر العين، كما لا يبعد الالتزام به؛ لأنّ الظاهر أنّ التصرّفات العرضيّة يعدّ عند العرف و العقلاء بمنزلة تغيّر العين، حتّى يرون بين حاليها كمال التباين و يهتمّون بهذا الأمر (2)، كما يشهد به قوله تعالى: حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (3).
و بالجملة؛ على ذلك يكون الحكم موافقا للمرسلة (4)، و إنّما خصّ بالذكر (5)لاهتمامها و كونه محلّا للحاجة و السؤال.
و إن بنينا على عدم كونه بحكم التغيّر فلا بدّ من كون هذه الأخبار مخصّصا لما يستفاد منها كون مناط المسقطية قبل العلم بالعيب تغيّر العين.
و الحاصل؛ أنّه لا كلام في هذا المقدار، إنّما الإشكال في أنّه مانع عن الردّ بكلّ عيب حتّى الحبل أم لا؟ و قد وقع الخلاف في ذلك، فجمع من الأصحاب- و لعلّه المشهور- ذهبوا إلى الثاني (6)، و البعض الآخر إلى الأوّل (7).
1) وسائل الشيعة: 18/ 102 الباب 4 من أبواب أحكام العيوب.
2) في أخبار خاصّة، «منه رحمه اللّه».
3) البقرة (2): 230.
4) وسائل الشيعة: 18/ 30 الحديث 23069.
5) قال المفسّرون: في هذا التعبير نكتة لطيفة و هي: أنّه تعالى لتهييج غيرة الزوج حتّى لا يطلّق قد عبّر تعالى بأنّ الطلاق الثالث ينتهي إلى مقاربة الغير مع الزوجة، «منه رحمه اللّه».
6) لاحظ! المكاسب: 5/ 293.
7) لاحظ! المكاسب: 5/ 295.
ص: 504
و منشأ الاختلاف الأخبار الواردة في المقام الّتي مفادها استثناء الحبل (1)من عدم جواز الردّ بعد وطء الجارية بالعيب [و] الحبل، فذهب خلاف المشهور إلى أنّ المراد الحبل من المولى الموجب لبطلان العقد اعتمادا على ظاهر الأخبار الدالّة على وجوب الردّ (2)، الكاشفة عن فساد المعاملة، و لكنّ المشهور لم يعتنوا بذلك، بل حملوها و الأوامر الواردة فيها على الإرشاد بثبوت الخيار و دفع توهّم الحظر.
و بالجملة؛ في المقام شيخنا قدّس سرّه قال: و إن كانت النسبة بين هذه الأخبار و ما دلّت على كون الوطء مانعا عن الردّ العموم من وجه بالنظر البدويّ، إلّا أنّه ذكر وجوها قدّس سرّه لتقييد هذه الأخبار بالحبل من المولى، فيخصّص الأخبار الدالّة على المنع بالوطء.
ثمّ ذكر قدّس سرّه: و لو منع من التقيّد فبعد التعارض يرجع إلى العمومات الدالّة على أنّ إحداث الحدث مسقط أو إلى ما دلّ على جواز الردّ ما دامت العين باقية بحالها (3)، هذا ملخّص ما أفاده قدّس سرّه.
و لكن التحقيق على ما استفدت من إفاداته- مدّ ظلّه- هو ما نذكر، و لا بدّ أن يعلم أوّلا أنّ الأصل المعتمد عليه في المقام- بعد فرض التعارض- هو ما استفدنا من الأخبار في المقام من كون مناط السقوط بقاء العين بحالها و عدمها، و ليس مجال الرجوع إلى التصرّف و إحداث الحدث، لما عرفت.
ثمّ إنّ تحقيق الحقّ بعد معرفة النسبة بين الأخبار، فنقول: إنّ حمل الحبل
ص: 505
في الأخبار إلى كونه من المولى خروج عن ظاهر لفظ «يردّ» الوارد في المقام و غيره، فإنّ الظاهر منه هو الترادّ التمليكي (الاعتباري) و المبادلي، لا الترادّ العيني الخارجي الملازم لبطلان العقد، و كون الجارية أمّ ولد.
و بالجملة؛ المراد من الردّ هو الإخراج عن الملك لا الإخبار عن عدم حصول التملّك رأسا، فعلى ذلك ينحصر بالحبل من غير المولى، فتصير النسبة بينها و بين الاخرى العموم مطلقا؛ لأنّ العيب فيها أعمّ من ذلك و غيره، و لكن لا يشمل الحبل من المولى؛ لأنّه حكم فيها بأنّه ليس للواطي الردّ، و معلوم أنّه لا معنى لعدم الردّ مع خروجها حابلا عن المولى، و كذلك الأخبار المانعة عن الردّ تعمّ عيب الحبل و غيره، و هذه مختصّة بالحبل.
فإذا استقرّت كون النسبة عموما مطلقا فلا ريب أنّ المرجع يكون هذه الأخبار.
فرع: و قد اطلقت الروايات على أنّ الأرش إنّما هو نصف العشر في صورة الوطء (1)، و كذلك أطلق المشهور في فتاويهم.
و يمكن أن [يكون] المراد ما هو الغالب من ظهورها حابلا و هو كونها ثيّبا، و يحمل الروايات عليه أيضا (2)، فيلتزم بغرامة العشر إذا طلع البكر حابلا، كما في سائر مقامات الغرامات من وطء الأمة.
و الشاهد على هذا الحمل مرسلة «الكافي» (3)، فإنّها دالّة على التفصيل،
ص: 506
و قد ادّعى الإجماع عليه في «السرائر» و غيره (1).
و بالجملة؛ فإن تمّ ذلك و أمكن جبر المرسلة بما عرفت فلا يبقى الإشكال، و إلّا فلا بدّ من الرجوع إلى الأصول في مورد البكر، و لمّا كان الشكّ و الدوران بين الأقلّ و الأكثر فالمرجع البراءة بالنسبة إلى الزائد عن العشر فيها.
فرع آخر: لو وطئ الأمة في دبرها ثمّ ظهرت حابلا، فهل يجوز الردّ أيضا، أم الجواز مختصّ بالوطي في الدبر؟ (2)
و قد مال شيخنا قدّس سرّه إلى دعوى الانصراف، كما في سائر مقامات الوطء (3)، مع أنّه ليس الأمر كذلك؛ لأنّ ما هو المناط في الوطء في القبل بعينه موجود في الدبر، و كمال الفرق بين المقام و في باب الحيض و غيره، و لو سلّم ذلك فأيضا نقول بالانصراف في أصل الوطء المانع عن الردّ.
فرع ثالث: لو انضمّ إلى الحبل عيب آخر هل يمنع عن الردّ أم لا؟
قال شيخنا قدّس سرّه: لو لم يكن العيب الآخر مقتضيا للردّ لم يكن مانعا قطعا؛ لأنّ ما يدلّ على كون الوطء مانعا عند وجود العيب الغير الحمل لا يدلّ على كون غيره مانعا، بل على عدم كونه مقتضيا (4).
أقول: قال- دام ظلّه-: لو بني على كون العيوب المتعدّدة لا يوجب إلّا خيارا واحدا- كما هو الحق ظاهرا- فإذا اجتمع عيوب متعدّدة فالجامع يكون علّة للخيار، و لا يؤثّر أحدها بوحدتها شيئا، فلو اجتمع ما يمنع عنه الردّ بسبب
ص: 507
الوطء مع ما لا يمنعه كالحبل فلا ترجيح لتأثير غير الممنوع منهما، مع أنّ الحقّ ليس إلّا واحدا و قوامه على الفرض يكون بهما، و أحدهما غير مقتض للثبوت، و الأدلّة المانعة عن الردّ ما خصّصت إلّا بالحبل، و غيره على الممنوعيّة باقية، فتأمّل (1).
الرابع من مسقطات الردّ: حدوث عيب عند المشتري، و هو إمّا يحدث قبل قبضه أو في زمن الخيار، و إمّا يحدث بعدهما.
و من المعلوم أنّ المسقط هو الثاني. و أمّا الأوّل فهو في حكم حدوثه في ملك البائع، كما أفاد شيخنا قدّس سرّه (2).
و لكن الأمر لا يتمّ إلّا بالتزام أحد الأمرين- كما نشير- لأنّا لو كنّا و ظاهر الأدلّة المثبتة للخيار الدالّة على تعليقه بقيام العين بحالها، و كذلك قوله عليه السّلام: «فإن أحدث فيه حدثا» (3).. إلى آخره، لم يستفد منها إلّا ثبوت الحقّ في طرف عدم التغير مطلقا.
و أمّا قاعدة التلف؛ فلا يقتضي إلّا ضمان العيب الحادث على من ليس له الخيار، و أمّا تغيير أساس الشرط المذكور فلا دلالة لها عليه، فلا بدّ إمّا من التزام انصراف الأدلّة الدالّة على قيام العين و عدم تغيّره بالتغيّر من غير هذه الجهة، أي التغيّر بعد انقضاء القبض و حصوله و انقضاء الخيار.
ص: 508
و بعبارة اخرى؛ العيب المستند إلى المشتري و إحداثه و عند استقرار الملكيّة، كما لا يبعد دعوى ذلك؛ لأنّ هذا الاشتراط ليس إلّا لرعاية حقّ المالك و عدم توجّه الضرر من ناحية المشتري إليه، و محلّها إنّما يكون إذا خرجت العين عن ملكه رأسا و وقعت عهدة الضمان على المشتري، فالانصراف في محلّه.
و إمّا القول بأنّ المراد من قاعدة التلف ليس فقط جعل عهدة الضمان، بل الغرض من تأسيسها و كذلك قاعدة التلف قبل القبض، تنزيل المبيع منزلته قبل وقوع العقد عليه و صيرورته مصبّا له؛ بحيث لو كان كذلك و لم يخرج بعد عن ملك البائع كيف، لكان يترتّب عليه من الآثار، كذلك في زمن الخيار يكون في حكم ما لم يخرج عن الملك يترتّب عليه كلّ ما لها من الآثار قبله.
و بالجملة؛ حدوث العيب (1)على العين ما لم تستقرّ في ملك المشتري يكون بحكم حدوثه قبل خروجها عن ملك البائع، فبأحد الوجهين يخرج عن القاعدة المستفادة من الرواية، و هي مشتملة [على] عدم تغيّر العين، فيتمّ الأمر و لم يخرج عن مقتضى الدليل و القاعدة (2).
و بذلك ظهر النظر بل بطلان ما نقل عن «الدروس» من تحديد الفسخ لو حدث في زمن الخيار عيب بالفسخ و تأثيره في أيّام الخيار، فلو انقضى زمان الخيار فلم يفسخ لم يؤثر بعده (3).
1) كما يعاملون مع البيع عند عدم استقرار البيع، كما ذكرنا في جميع أبواب المعاملات، فمن ذلك يستكشف التنزيل، «منه رحمه اللّه».
2) و ذلك لما تبيّن من حكومة قاعدة التلف قبل القبض و في زمن الخيار على هذه القاعدة، فيوسع دائرة موضوع هذه القاعدة، كما هو شأن جميع القواعد الحاكمة، «منه رحمه اللّه».
3) الدروس الشرعية: 3/ 289. و نقل عنه في المكاسب: 5/ 302.
ص: 509
و كذلك ما يظهر من عبارة المحقّق قدّس سرّه من كون المبيع في زمن الخيار على عهدة المشتري (1). و لعلّ كلام الأوّل أيضا ناظر إليه.
و أمّا ما يحدث بعد استقرار البيع؛ فهو إن أوجب تغيّر العين فلا خلاف في كونه موجبا للسقوط، و الضابط في التغيير هو ما يوجب النقص، لا خصوص ما يلزم الغرامة و الأرش.
و قد أطلق شيخنا قدّس سرّه في صيرورته موجبا للسقوط حتّى ما يستلزمه بعد الردّ، مثل الشركة و تبعّض الصفقة و غيرهما (2).
و لا خفاء أنّ ذلك يختلف باختلاف المبنى، فإنّ المدرك للخيار لو كانت قاعدة الضرر يتمّ الإطلاق، ضرورة أنّه و إن لم يكن ضرر قبل الردّ، و لكن يحصل ذلك بسبب التشريك العارض بعده.
و أمّا إن كان المبنى الدليل الخاصّ و هو قوله عليه السّلام: «و إن كانت العين قائما بعينه فردّ» (3).. إلى آخره، فلا يصحّ الإطلاق، بداهة أنّه حين الردّ، العين قائمة بحالها، و إنّما الشركة حاصلة بعده، إلّا أن يقال: إنّ المراد من بقاء العين بحالها أن يدخل في ملك المشتري كما خرج، حتّى يشمل التغيّر الّذي هو نتيجة و أثر للردّ، و استفادة هذا المعنى من الجملة السابقة- خصوصا مع تفريع الردّ على بقاء العين بحالها- في غاية البعد (4).
ص: 510
فعلى هذا؛ لا بدّ من التفصيل و اختصاص المانعيّة بالتغيّر الحاصل قبل الردّ؛ لما تحقّق أنّ المدرك هو الأدلّة الخاصّة و الضرر لو كان هو حكمة للتشريع لا علّة.
و أمّا الضابط للتغيّر و إن لم يكن تحديده، إلّا أنّه مثّل في الرواية بالصبغ و الخياطة (1)فيستظهر منه كون المراد من قيام العين هو ما يقابل الأعم من تلفها و تغيّرها، و لكنّ المراد من التغيّر هو النقص فلا يشمل الزيادة، فمثل السمن لا يمنع الردّ قطعا، ضرورة أنّ تشريع ذلك- أي مانعيّة العيب الحادث- لمّا كان لرعاية حقّ البائع فلا يشمل ما لا يوجب نقصا في المبيع.
و لكن لا فرق في ذلك بين ما يوجب النقص حسّا أو غيره، فيشمل مثل نسيان الدابّة الطحن، أو نسيان العبد الكتابة، لأنّه لمّا يشمل مثل الشركة الحاصلة بسبب الصبغ و الخياطة، فشموله له لذلك أولى.
و بالجملة؛ لا اختصاص بما يوجب النقص الخارجي، بل يعمّ جميع ما يرى في العرف نقصا للعين، فتأمّل، فإنّه لا يخلو ما أفاده- دام ظلّه- عن تهافت.
مسألة: اختلفوا في أنّ منع العيب الحادث عن الردّ متوقّف على بقائه، بحيث لو زال عاد الممنوع و يرجع الحقّ، أم لا، بل بمحض عروض العيب يرتفع الحقّ رأسا؟
الأقوى الأوّل، لأنّ حقّ الخيار أمر قابل للبقاء و الاستمرار ما دام مقتضيه موجودا، و العيب الحادث يمنع تأثيره ما دام ثابتا، و لا دليل على كونه مسقطا.
1) الكافي: 5/ 207 الحديث 2، وسائل الشيعة: 18/ 30 الحديث 23069.
ص: 511
فما أفاد في المقام شيخنا قدّس سرّه من أنّه لا دليل على ثبوته بعد السقوط (1)إنّما يتمّ لو كان العيب الحادث موجبا لسقوطه، و هو ممنوع جدّا؛ لأنّه إمّا أن يكون الدليل على هذا الخيار هو قاعدة الضرر فهي لا يقتضي أزيد ممّا ذكرنا، لأنّه لمّا لوحظ في المانعيّة حقّ البائع فالردّ حين وجود العيب يوجب الضرر عليه، فلذا يمنع عن الردّ، و أمّا بعد ارتفاع العيب الحادث؛ فيرتفع الموضوع أيضا.
و بالجملة؛ إنّ هذا الخيار هو بمنزلة واجب موسّع، فإذا حدث العيب فيصير بمنزلة ما لو زاحم الواجب الموسّع في بعض زمانه أمر و واجب مضيّق آخر، ضرورة أنّ ذلك لا يوجب سقوط الوجوب رأسا، كذلك الخيار كأنّه حقّ مجعول من أوّل الأمر محدودا و مشروطا تأثيره بعدم هذا المانع، و إن احتملنا السقوط من أصله فلا يزيد عن الشكّ، فيرجع إلى الأصل، و لا خفاء أنّه لا أصل في المقام إلّا استصحاب بقاء الخيار (2).
و إن كان الدليل الأخبار الخاصّة، فلا يستفاد منه أيضا إلّا المانعيّة حين وجود العيب؛ لأنّ الظاهر أنّه انيط الردّ على بقاء العين على حالها لا أصل ثبوت الحق- أي الردّ- كما يتوهّم، و إن كان يحتمل من قوله عليه السّلام في الرواية الاخرى:
«فإن أحدث فيه حدثا» (3).. إلى آخره، بعد استظهار كون المراد مطلق الحدوث خلاف ذلك، و لكنّهما لما كانا مثبتين فلا تعارض بينهما، مع أنّه لا بدّ من حملها على الاولى (4).
ص: 512
ثمّ إنّه لا يقاس على ذلك فيما لو أخرج المعيب عن ملكه ثمّ أعاده بسبب الخيار أو غيره، ضرورة فرق واضح بينهما، و إن كان يستفاد من ظاهر كلام السيّد قدّس سرّه في «التعليقة» عدم الفرق (1)، و لا يخفى ضعفه.
فرع: لو رضي البائع بردّ المعيب مع العيب الحادث و أخذ الأرش فالحقّ أنّه يجوز الردّ بعنوان الخيار؛ لأنّ الظاهر أنّ حكم السقوط ترخيصي شرّع رعاية لحقّ البائع، فمع التراضي لا مانع من ثبوت الحقّ و لا يحتاج إلى الإقالة.
هذا؛ و لكن لم يظهر لي الفرق بين الإقالة و الفسخ في المقام، فإنّ فيها أيضا يؤخذ الأرش.
ثمّ إنّ المراد بالأرش هنا غير الأرش المصطلح، و هو ما يلاحظ فيه النسبة بين الصحيح و المعيب، بل المراد به ما تراضى المتعاملان به، و القيمة الواقعيّة غير ملحوظة فيها النسبة؛ لأنّ الأصل في باب الضمانات هي القيم الواقعيّة أو ما يتعهّد بها، و إنّما يعدل عنه فيما إذا قام الدليل عليه من تصرّف الشارع فيها، ضرورة أنّ ذلك لم يثبت إلّا فيما إذا أخذه المشتري.
تذنيب: من العيوب الحادثة المانعة عن الردّ الشركة، و قد أشرنا إليه سابقا، و لكن لمّا فصّل الأمر شيخنا قدّس سرّه و أشار إلى أقسامها (2)، فلا بأس علينا أيضا أن نشير إلى جملة ممّا أفاده قدّس سرّه، فنقول:
قال رحمه اللّه: إذا اشترى شيئين فظهر أحدهما معيوبا، أو شيئا واحدا فظهر بعضه معيبا، فأراد ردّ المعيب خاصّة فلا خفاء أنّه إمّا يوجب الشركة على البائع أو
ص: 513
تبعّض الصفقة (1).
الظاهر أنّ مراده (2)من حصول الشركة في الصورة المفروضة هو أن يطلع المبيع الواحد- كمنّ من الشعير- بعضه فاسدا فأراد ردّ المبيع بعضه بالنسبة، أي يقدّر الّذي ظهر فاسدا.
فلا ريب أنّ ذلك لا يمكن إلّا على نحو الإشاعة، و لذلك قال: إنّه يوجب الشركة، و هذا التصوير غير معنون في كلمات من تفحّصت كلامهم.
نعم؛ ما هو مذكور هو التصوير الثاني، و هو ما إذا كان المبيع شيئين فظهر أحدهما معيبا الّذي يوجب ردّه فقط تبعّض الصفقة على البائع، و لمّا يوجب ذلك فقد حكموا بعدم جواز الردّ هكذا، بل تعيّن الأرش (3).
و لكن لا يتمّ هذا على الإطلاق؛ لأنّ تبعّض الصفقة الّتي يوجب الخيار إنّما هو ما إذا أوجبه العقد لا غيره ممّا يوجب تخلّف الدواعي، ففي المقام لا موجب لهذا الخيار، ضرورة أنّ ما أوجب تبعّض الصفقة هو خيار العيب لا العقد.
نعم؛ إن أوجب التفكيك بين أجزاء المبيع ضررا على البائع كما إذا كان مصراعي باب أو مثله، فالضرر أيضا يوجب خيار تبعّض الصفقة، و أمّا ما لم يكن كذلك بل كان من باب تخلّف الدواعي فالدليل لا يثبت هذا الخيار إلّا فيما كان موجب التبعّض نفس العقد، كما عرفت، و إلّا فتخلّف الدواعي أكثر من أن تحصى يقع و لا يوجب شيئا.
ص: 514
ثمّ إنّه قدّس سرّه بعد أن أشار إلى عدم جواز ردّ المعيب خاصّة بأنّه و إن كان يمكن دفع ضرر البائع بإثبات الخيار له أيضا- الّذي عرفت الإشكال فيه- إلّا أنّه لمّا يوجب الضرر على المشتري؛ لأنّه ربّما تعلّق غرضه بإمساك الصحيح، فالأولى الحكم بعدم ثبوت الخيار له أوّلا (1).
و لا يخفى عليك أنّ المقام غير ما ذكرنا سابقا من أنّ خيار المشتري إذا أوجب الضرر بنفسه على البائع فلا يثبت الخيار له من أوّل الأمر؛ لأنّ هناك لمّا يتعارض الضرران من أوّل الأمر و يسقطان، فيرتفع المقتضي للخيار بخلاف المقام، فإنّ الضرر على البائع يحدث بعد الردّ، و إلّا فقبله ليس ضرر حتّى يوجب التعارض، و لذلك المقتضي هنا موجود فلا مانع من القول بثبوت الخيار.
و أمّا ما أشار به شيخنا قدّس سرّه إلى المانعيّة من أنّ ردّ الشقص المعيب يوجب حدوث الخيار للبائع أيضا، فيسترجع الصحيح و المعيب، مع أنّه ربّما تعلّق غرض المشتري بإمساك الصحيح .. إلى أن قال قدّس سرّه في آخر كلامه: إنّ إثبات الحقّ له أوّلا، ثمّ الحكم بثبوت الخيار للمشتري ثانيا الّذي يستلزم رفع أثر الخيار له رأسا، ليس بأولى من منعه من أصله (2).
ففيه؛ أنّه عرفت أوّلا لا يحكم بثبوت الخيار للبائع مطلقا، مع أنّه لو قلنا بثبوته له مطلقا أو في الجملة، لا نسلّم عدم ترتّب الأثر على خيار المشتري، كيف؟ و ربّما لا يفسخ البائع و لا يأخذ بخياره.
و ثانيا؛ لا وجه لما أفاد قدّس سرّه من أنّه ربّما تعلّق غرض المشتري .. إلى آخره،
ص: 515
ضرورة أنّه ليس له هذا الحق- أي إمساك الصحيح على أيّ حال- مضافا إلى أنّه ليس مجبورا على الردّ حتّى يقال بأنّ إلزامه بذلك أوجب الضرر.
و ثالثا؛ بعد مساعدة الدليل الشرعي على ثبوت الحقّ له لا وجه لمنعه عنه؛ لما ذكر من عدم الأولويّة، و قد أشرنا إلى أنّه ربّما يكون الأولويّة محقّقة لترتّب الأثر عليه.
ثمّ إنّه قدّس سرّه في المقام ذكر كلاما في الردّ على صاحب «الجواهر قدّس سرّه» لا بأس بالإشارة إليه.
ملخّص ما قال شيخنا قدّس سرّه في «الجواهر» دليلا على عدم ثبوت الردّ و حقّ الخيار في الشقص المعيب وحده، هو: أنّه ما ثبتت من الأدلّة إلّا خيار واحد لمجموع المبيع لا الخيارات المتعدّدة لكلّ من الأجزاء، و لا الخيار الواحد في كلّ منها، فعلى ذلك لا سبيل إلى القول بالخيار في المعيب وحده (1).
قال قدّس سرّه في «المكاسب» ردّا عليه، بأنّه لا إشكال في أنّ المستفاد من الأدلّة إثبات الخيار لمجموع المبيع، إنّما الإشكال في أنّ ثبوته له كذلك إنّما هو لثبوته في الجزء المعيب خاصّة أوّلا، ثمّ في الجزء الآخر خيار التبعّض، أم يثبت فيه و في الجزء الآخر بالسراية، بمعنى أنّهما بمنزلة شيء واحد، ففي الحقيقة في الجزء الآخر أيضا يكون خيار العيب لا تبعّض الصفقة (2).
و لا يذهب عليك أنّ هذا الكلام بظاهره غير تامّ، ضرورة أنّ ما سلّمه أوّلا لا يجتمع مع ما ذكره من التشقيق، و لا يصلح لردّ كلام صاحب «الجواهر» قدّس سرّه، بل
ص: 516
بظاهره تسليم لكلامه، كما أنّه اعترض عليه المحشّون أيضا (1)حتّى انتسب الغلط إلى النسّاخ، كما احتمله الاستاد- دام ظلّه- لأنّه لا يقبل التأويل بظاهره.
و كيف كان؛ فالتحقيق أنّ أدلّة خيار العيب مثل قوله عليه السّلام: «أيّما رجل اشترى شيئا و به عيب أو عوار» (2).. إلى آخره، و كذلك غيره، إنّما مساقها مساق خيار الحيوان، من أنّها ظاهرة في ثبوت الحقّ و كون الخيار في نفس المعيب لا هو و غيره من باب الملازمة و الوحدة العرفية، فيكون إثبات الخيار في الآخر لتبعّض الصفقة لا غير.
فظهر أنّ ما التزم به في «الجواهر» قدّس سرّه لا يساعده الأدلّة، فلا محيص عن القول بثبوت الخيار للمشتري في الشقص المعيب خاصّة، بعد ما بيّنا لك بطلان ساير ما يحتمل من الموانع عن القول به.
و الحمد للّه ربّ العالمين و أسأله التوفيق.
فرعان؛ يذكر فيهما ما ظن سقوط الأرش به:
الأوّل: ما إذا وقعت المعاملة في المتجانسين فظهر أحدهما معيوبا، قيل:
لمّا ظهر من الشرع في باب الربا عدم ملاحظة وصف الصحّة في صيرورتها موجبة لاختلاف الجنس حتّى لو كان أحد العوضين فاقدا لها، لم تجر الزيادة في الطرف الآخر.
ص: 517
و بالجملة؛ الجيّد و الرديّ، و كذا الصحيح و المكسور، و كذا المعيب حتّى المصوغ و غيره جنس واحد في الربا، و لا يجوز التفاضل فيها، فلذلك أخذ الأرش لفقد وصف الصحّة يوجب الزيادة و الربا، فمنع عنه (1).
و استشكل في ذلك في «المكاسب» قدّس سرّه و توقّف في الفتوى (2).
و لكنّك خبير بأنّ المسألة ليست بهذه المثابة، لأنّه لا ريب أنّ الظاهر المستفاد من الأدلّة أنّ الأرش غرامة متجدّدة حكم بها الشارع في الموارد الخاصّة، و لا ربط لها بأحد العوضين، و ما يوجب الربا إنّما هو الزيادة في أحد العوضين على حسب تعاهد المتعاملين عند المعاملة، و القول بالكشف أو الفسخ أو غيره لا دليل عليه أصلا، فلا مانع منه، فالقول بعدم سقوط الأرش في المتجانسين قويّ.
الثاني؛ خروج المبيع خصيّا، خصوصا إذا كان من العبيد، فإنّه لمّا كان هذا العيب ممّا لم يوجب نقصا في القيمة فلا موجب لثبوت الأرش (3).
و نوقش في ذلك بأنّ عدم نقص القيمة إنّما هو لتعلّق الأغراض الفاسدة من بعض الناس بفقد هذه الصفة، و إلّا ففي نفسه ذلك موجب لنقص القيمة (4).
و ردّ ذلك شيخنا قدّس سرّه بأنّ عدم اعتناء الشارع بما يقصد من الأغراض لا يوجب سقوط الماليّة العرفيّة عن الوصف، خصوصا إذا كان محلّ رغبة عامّة
ص: 518
الناس و توجّه كثير منهم (1).
و فيه نظر؛ لأنّ المناط في الماليّة للشيء هو ما إذا رتّب الأثر الشرعي عليها.
و بعبارة اخرى؛ ماليّة الشيء ما لم يكن بإمضاء الشارع و لم يكن الغرض المطلوب من الشيء و وصفه ممّا حلّله الشارع، فهذه الماليّة تكون بمنزلة العدم؛ لأنّ المفروض أنّ الشارع نهى عن الغرض منه فتصير المنفعة المقصودة منه كمنفعة الخمر و غيرها ممّا لا ماليّة لها، فيدخل ما نحن فيه في قوله: «إنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه» (2)و كثرة الراغب و قلّته لا يثمر شيئا بعد ما عرفت.
فالقول بثبوت الأرش فيما إذا صار النقص في نفسه موجبا لنقصان القيمة في الشرع لا يخلو عن قوّة، بخلاف ما لو لو يكن النقص موجبا له، كما فيما لم يكن الغرض المقصود منه منهيّا عنه، و لا يبعد أن يكون ذلك مثل الخصى في الحيوانات.
و أمّا ما يوجب سقوط الردّ و الأرش معا امور: منها؛ العلم (3)بالعيب قبل العقد، و الدليل عليه مفهوم صحيحة زرارة و قوله عليه السّلام فيه: «و لم ينبّه (4)» (5)و إن تأمّل شيخنا قدّس سرّه في دلالته (6).
ص: 519
و الظاهر أنّ نظره في أنّ القيد وارد لبيان الموضوع، خصوصا مسوق لبيان مورد الأرش و ثبوته.
و لكن لا إشكال في كون المفهوم تامّ الدلالة على المدّعى؛ لكون القيد مسوقا للتحديد، و أنّ المانع من الردّ إنّما هو حدوث الحدث، و أنّ تأثير العيب و حدوث الخيار به منوط بعدم القيدين: التبرّي، و التنبيه (1)، مع أنّ الشيخ قدّس سرّه استدلّ بمفهوم الجزء الآخر من الرواية (2)، كما سيظهر.
ففي مثل المقام هل يجوز اشتراط خيار العيب أم لا؟ و هذا يتصوّر على أنحاء:
الأوّل؛ اشتراط الخيار المطلق عند وجود العيب، و هذا لا إشكال فيه، لأنّه يرجع إلى اشتراط خيار الشرط.
الثاني؛ أن يرجع اشتراط ذلك إلى جعل الخيار الخاصّ و هو خيار العيب، حتّى يترتّب عليه ماله من الآثار الشرعيّة، و لا ريب أنّ ذلك يصير تشريعا فيفسد؛ لأنّ موضوع هذا الخيار في الشرع لا يتحقّق، مع جهل المشتري بالعيب، فيرجع إلى إثبات حكم الشرع في غير موضوعه.
الثالث؛ أن يكون المراد به إثبات الخيار بلوازمه، بمعنى أن يكون المجعول بالشرط هو خيار العيب و ما يترتّب عليه من اللوازم الشرعيّة، بحيث يكون الجميع ثابتا بنفس الشرط، لا أن يكون الغرض إثبات أصل الخيار بنفسه فقط، كما في الصورة الثانية.
ص: 520
و الظاهر أنّه لا بأس بذلك؛ لعموم دليل الشرط الّذي هو مقتض لأصل جوازه و عدم مانع عنه الّذي كان في الصورة الثانية، لأنّ إثبات اللوازم هنا إنّما يكون بنفس الشرط أيضا، كما كذلك أصل الخيار، و ليس الغرض أن يترتّب على نفس العيب حتّى يلزم المحذور السابق.
و بالجملة؛ أنّ ذلك يرجع إلى إثبات خيار العيب مع لوازمه بالشرط، و لعلّ ذلك مراد صاحب «الجواهر» من جواز إثبات خيار العيب في صورة العلم بالعيب، و في الحقيقة الغرض من الشرط إثبات لوازم الخيار، و هو يكون مرآة و عنوانا لها لو لم يكن لذاته أثر.
ثمّ إنّ التبرّي يتصوّر على معان- كما ذكره شيخنا قدّس سرّه (1)-:
الأوّل: التبرّي عن عهدة العيوب، قال رحمه اللّه: و لمّا كان ما يوجب الوثوق، إنّما هو تعهّد البائع، فلمّا ارتفع ذلك فلا يبقى للخيار مقتض؛ لأنّ لازمه الإقدام على الضرر و الاشتراء بأيّ نحو كان (2).
لكنّ ذلك يتمّ بناء على كون علّة الخيار الضرر، مع الالتزام بكون الموجب للوثوق هو التعهّد، و قد عرفت النظر في كليهما من أنّ المدرك الأخبار الخاصّة الّتي قد أثبتت الخيار لنقض الغرض، و أنّ الموجب للوثوق نفس إخبار البائع لا تعهّده.
ص: 521
نعم؛ لو رجع التبرّي إلى نفس العيوب الّتي يكون لازم ذلك فرض المبيع معيوبا، كما يصنعون كذلك بعض الدلالين، فإنّهم إذا عرضوا شيئا للبيع يقولون:
نبيع ذلك مع جميع عيوبه، فإذا أقدم المشتري أيضا على اشتراء مثل ذلك فقد رضي بكونه معيبا، فعند ذلك لا يتحقّق مقتض للخيار، ضرورة أنّ المقتضي له إنّما إذا اشتري شيء على أن يكون صحيحا فظهر معيبا، و المفروض أنّ الإقدام إنّما يكون على خلاف ذلك.
و إلى ذلك يرجع الصورة الثالثة، و هي أن يكون المراد من التبرّي، التبرّي عن الخيار الّذي هو حكم العيب، و إلّا فالتبرّي عن نفس الخيار مع الالتزام بالصحّة الّذي هي منشأ حكم الشارع بالخيار، ضرورة أنّ حكم الخيار إنّما هو من حكم الشارع المترتّب على تخلّف الوصف، فالتبرّي عنه مع الالتزام بثبوت منشأه يرجع إلى رفع الحكم و التصرّف فيه.
فعلى ذلك؛ لا بدّ أن يرجع الشقّ الثالث في كلام الشيخ إلى الشقّ الأوّل منه، لا العكس كما صنعه الشيخ رحمه اللّه بناء على مسلكه قدّس سرّه من كون مرجع هذا الخيار إلى اشتراط وصف الصحّة ضمنا.
و أمّا بناء على مسلك الاستاد- مدّ ظلّه- من كون منشأه هو نقض الغرض المالي نظير خيار الغبن فلا معنى للتبرّي عن نقض الغرض؛ لأنّه حاصل على كلّ حال.
فلا بدّ أن يكون المراد من التبرّي هي الصورة الثالثة، أي التبرّي من نفس الخيار، بمعنى إسقاطه، و لا يلزم المحذور السابق؛ لعدم الالتزام بالمنشإ بعد إنكار إرجاعه إلى اشتراط الوصف الضمني.
ص: 522
هذا كلّه ما تقتضيه القاعدة في المقام، و لكن بعد ما عرفت من الأدلّة الخاصّة و صحيحة زرارة (1)الّتي هي المدرك لخيار العيب ناطقة بأنّ من شرائط ثبوته عدم التبرّي من العيوب، فإذا تبرّى منها فالغرض ما تعلّق إلّا بالجامع بين الصحيح و المعيب، ففي كلّ منهما يحصل الغرض، و الكاشف عن [هذا] هو الإقدام على المعاملة التبرئيّة.
إنّما الكلام في أنّ التبرّي من العيوب أو الخيار هل يوجب ارتفاع سائر أحكام العيوب الّتي منها التلف المستند إليها إذا كان في زمان خيار من الخيارات أم لا؟ و إنّما قلنا و فرضنا كون التلف في زمن خيار آخر؛ لأنّ التلف إن كان مستندا بخيار العيب، بمعنى أنّه لم يكن له خيارات اخر من الخيارات الزمانيّة لم يكن التلف في ضمان البائع، بل يوجب سقوط خيار العيب.
فلا يخفى ما في عبارة بعض المحشّين- قدّس أسرارهم- في المقام عند توجيه عبارة الشيخ قدّس سرّه (2).
و كيف كان؛ الظاهر أنّه لا مقتضي لارتفاع سائر الأحكام؛ لأنّ مفاد قوله عليه السّلام: «كلّ مبيع تلف قبل قبضه» (3).. إلى آخره، و كذلك «كلّ مبيع تلف في زمن الخيار» (4).. إلى آخره، إن كان أنّ التلف لمّا كان سببه في عهدة البائع فالتلف يكون من كيسه، و يحصل الموجب للارتفاع؛ لأنّ السبب و هو العيب ليس في عهدة البائع.
ص: 523
و إن لم يكن كذلك، بل المستفاد منهما أنّ التلف عند كذا يكون على عهدة البائع بلا نظر إلى جهة السبب، فلا يبقى مجال توهّم الارتفاع، و لا إشكال أنّ المستفاد من الأدلّة ليس إلّا الثاني، لأنّك عرفت سابقا أنّه ليس مدلولهما إلّا أنّهما مسوق لتنزيل المبيع بعد خروجه عن ملك البائع منزلة قبل الخروج.
اعلم! أنّه أورد بعد ذلك شيخنا قدّس سرّه في المقام موارد يوجب السقوط و الأرش (1)، و لم يكن للاستاد- مدّ ظلّه- في المقام كلام مهمّ غير ما حقّقه الشيخ إلّا ما يرجع إلى اختلاف مبناهما، فنذكر عمدة الكلام الّتي هي الجامع لما يقتضيه الدليل و القاعدة في هذه الموارد الّتي منها زوال العيب قبل العلم به، و مفرّع عليه بعض الموارد الاخر الّذي أفاد قدّس سرّه هو الفرق بين الأرش و الرد.
أمّا الثاني؛ فلأنّ ظاهر ما يقتضيه دليل الردّ هو أن يكون حينه مغبونا، فإذا زال العيب فينتفي الشرط.
و أمّا الأوّل؛ فلأنّه يثبت استحقاق المطالبة لفوات الوصف عند العقد فلا موجب لسقوط الأرش إلّا الإبراء.
و لكنّ ما ذكره أوّلا مبنيّ على الالتزام بالمفهوم في القضيّة الملفوظة بها في لسان الدليل، مع الالتزام بلزوم تلبّس المشتق (2)بالمبدإ حين الجري، مضافا إلى كونه متلبّسا به وقت النسبة.
و أمّا ما أفاده قدّس سرّه من ثبوت الأرش لكون العقد مقتضيا له (3)، فلا ريب أنّ
ص: 524
المقتضي للردّ أيضا ليس إلّا العقد الواقع على المعيب، فكيف يلتزم بالتفصيل و يقال بكون الردّ تابعا للعيب الفعلي بخلاف الأرش، مع الالتزام بكون منشأ الخيار هو الضرر و الآن ليس ضررا، فالأرش غرامة تدور مدار النقص و الضرر، و لا مجال لإثباته بالاستصحاب أيضا؛ لأنّه لا يعقل أن يثبت بالاستصحاب حقّا على الغير بعد ارتفاع موضوعه، و إنّ ما ذكرنا سابقا و سنذكر إنّما هو غير ذلك.
هذا كلّه لو استفيد المفهوم من الدليل، أمّا مع عدم الاستفادة أو الشكّ فالمرجع الاستصحاب، و لا مانع عنه كما قد يتوهّم (1)لأنّ مركز الحقّ و معروضه يوم انطباق الدليل المثبت للحقّ ما كان إلّا ذات المبيع، و لم يثبت دخول الخصوصيّات و دخلها في ثبوت الحق، و لا ريب أنّ الموضوع الكذائي بعد باق على حاله.
و كذلك لا مانع من استصحاب الخيار، و لا مجال للتمسّك باستصحاب اللزوم حتّى يقال بوروده على استصحاب الخيار، لما عرفت مرارا أنّه بعد خروج عقد أوّلا عن دائرة اللزوم- بمعنى أن لا يشمله حين وقوعه- لا يبقى بعد مجال للتمسّك به عند الشك.
و منها؛ أن عروض مانع الردّ على المعيب الّذي لا يجوز أخذ الأرش فيه إمّا للزوم الربا، و إمّا لعدم كون قيمة للنقص الّذي يكون فيه أو لغير ذلك، هل يمنع مع ذلك عن الردّ أيضا أم لا؟
إن قلنا بأنّ الدليل الدالّ على ثبوت الأرش متعيّنا عند عروض ما يمنع عن الردّ جزء الرواية، و هو ما يدلّ على ثبوت الأرش مسوق للمورد الغالب؛ لأنّ
1) أشار إليه في المكاسب: 5/ 325.
ص: 525
غالب العيوب يجري فيها الأرش، فيتعيّن الثاني؛ لأنّ المفروض أنّ مفاد الرواية على ذلك يصير الحكم بسقوط الردّ في الموارد الغالبة الّتي يمكن فيها أخذ الأرش، و أمّا ما لم يمكن فلا مقتضي للسقوط.
و إن قلنا بأنّ أصل الحديث مسوق لما هو الغالب، بمعنى أنّ تشريع هذا الحكم- و هو الردّ و عدمه- إنّما شرّعت في الموارد الغالبة الّتي يمكن فيها أخذ الأرش.
و حاصل هذا الاستظهار يرجع إلى دعوى الملازمة بين الأرش و الردّ، و لا خفاء في أنّ الدعوى الثاني و إثباته مشكل، فمن يتأمّل يشهد بأنّه إنّما منع عن الرد؛ لأنّ الضرر المالي أو نقض الغرض يتدارك غالبا بالأرش.
هذا، و لكنّي كلّما تدبّرت في ذلك ما عرفت وجه الفرق بين الإطلاقين، و كيف ينطبق على المدّعى؟! إلّا أن يرجع الكلام إلى ما يدّعيه شيخنا قدّس سرّه من الانصراف (1)، و اللّه العالم.
و منها؛ أنّه إذا عرض شيء على المبيع يمنع عن الردّ لا يوجب سقوط الأرش؛ لأنّه لا ربط لأحدهما بالآخر و إن ثبت بينهما ملازمة فإنّما في أصل الثبوت و موجبه لا في البقاء.
و بالجملة؛ لا يوجب سقوط الردّ بعد ثبوته و اشتغال ذمّة الغارم به إلّا الإبراء أو التأدية، كما لا يخفى.
1) المكاسب: 5/ 329.
ص: 526
مسألة: يذكر فيها مهمّات مسائل اختلاف المتبايعين في الخيار، من موجبه و مسقطه و فسخه، لو اختلفا في حدوث العيب في زمن ضمان البائع فالقول قول المنكر، فلو قلنا بكون موجب الخيار هو الضرر فلا يفيد شيء من الاصول؛ لكون الضرر من اللوازم العادية لها إلّا أصالة عدم الخيار، و إن لم يكن الموضوع ذلك، بل هو ما يستفاد من الرواية، و هو الشيء المعيب، فالاصول الجارية متعدّدة، كأصالة عدم كون المبيع عند العقد معيبا، و أصالة عدم الخيار، و أصالة عدم تقدّم العيب على العقد.
و القول أيضا قول البائع و لو كان تأريخ العقد معلوما؛ لأنّه لا أثر لأصالة عدم تقدّم العقد على حدوث العيب؛ لأنّه لا يثبت وقوع العقد على المعيب الّذي هو موضوع للخيار؛ و لا يحتاج إلى إثبات الصحّة حتّى يرتفع الخيار؛ لأنّ عدم الخيار مترتّب على عدم العيب لا الصحّة.
و بالجملة؛ في هذه الصورة القول قول منكر الخيار، و كذلك فيما لو جهل تأريخهما؛ لأنّه و إن لم يجر الاستصحاب فيهما لعدم تحقّق شرائطه، إلّا أنّ أصالة عدم الخيار بحاله باق.
و أمّا الاصول الجارية في المقام لكون القول قول المشتري المنكر لحدوث العيب عنده، فكلّها باطلة، أمّا استصحاب عدم وصول حقّ المشتري به و عدم أخذه العين على الوجه المقصود، فلا معنى له بعد الالتزام بعدم كون حقّه إلّا هذا المبيع الخارجي الموجود، و عدم كون وصف الصحّة من أجزاء المبيع، بل هو من
ص: 527
الأعراض الّتي لا يوجب نقصها شيئا، و إثبات خيار العيب فيه مخالف للقاعدة.
و بالجملة؛ ما يستحقّ المشتري إلّا ذات المبيع، و الوصف خارج عن الحقّ رأسا، و كذلك عدم استحقاق البائع كلّ الثمن؛ لما عرفت من عدم وقوع شيء منه في مقابل وصف الصحّة، فكيف يمكن القول بعدم استحقاقه جميعه، و كذلك استصحاب عدم اللزوم؛ لأنّه فرع ثبوت الخيار؟ و قد عرفت أنّه لا إشكال من استصحاب عدم الخيار.
فإذا انقدح ممّا ذكرنا أنّ القول في المقام قول البائع، فلا بدّ أن يحلف على عدم العيب في ضمانه على نحو البتّ إن كان قد اختبر، و أمّا لو لم يختبر و كان مستند إنكاره أصالة السلامة، فإن قلنا بكون حجّيتها من باب الأمارة الّتي قد نزّلت الظن فيها منزلة اليقين، فيتحقّق له اليقين التعبّدي فيحلف أيضا على البتّ.
و أمّا إن قلنا بكونها من باب الأصل الّذي يكون مفاده إثبات حكم في طرف الشكّ، و مع حفظه فلا بدّ فيه من التفصيل بين أن يكون المراد بالبتّ هو اليقين المطلق، بمعنى أنّه و لو كان مستنده الحكم الظاهري الشرعي فيجوز له الحلف أيضا، و إن لم نقل بذلك- كما لا يبعد أن يكون التحقيق ذلك (1)- و قلنا بأنّ المراد بالبتّ كشف الواقع و عدم استتاره، بحيث يراه حقيقة فلا يجوز له الحلف كذلك.
ثمّ إنّه في المقام لمّا قوّى في «التذكرة» الاكتفاء بالحلف على نفي العلم (2)اعتراض شيخنا عليه و كذلك على الشهيد الثاني رحمه اللّه بأنّ الإطلاق في غير محلّه؛
ص: 528
لأنّ المراد بالاكتفاء به لو كان في سقوط أصل الدعوى به و عدم سماع البيّنة بعد رأسا، ففيه إشكال.
نعم؛ لو أريد به سقوط الدعوى ما لم تقم البيّنة فله وجه (1).
و الظاهر أنّ الاعتراض غير وارد، بيان ذلك: أنّه تحقّقت قاعدة في باب القضاء أنّ الحلف لا بدّ أن [يكون] على نفس ما عليه التداعي، و كذلك تسلّمت قاعدة اخرى، و هي أنّ الدعوى على عمل الغير لا يوجب على المنكر المدّعى عليه إلّا الحلف على نفي العلم، كالدعوى على الوارث، و إذا حلف كذلك يترتّب عليه جميع آثار ما يترتّب على الحلف بالبتّ و البيّنة، فيسقط الدعوى رأسا فيخصّصون بذلك القاعدة الاولى.
فالغرض أنّ التفكيك بين الحلف بنفي العلم و ترتيب آثار الحلف عليه غير جائز، فإن اكتفي في المقام بالحلف بنفي العلم فلا بدّ من الالتزام بسقوط الدعوى به رأسا، كما في غير المقام، و إن التزم بالقاعدة الاولى من وجوب ورود القسم على ما تداعيا عليه، و ما وقع فيه النزاع و هو في المقام حدوث العيب و عدمه، فلا بدّ من عدم الاكتفاء بمثل هذا الحلف، فتأمّل.
قد ذكر شيخنا قدّس سرّه عند ذلك فروعا الراجعة إلى تنازع الوكيل و الموكّل مع الأصيل بأقسامه (2)، و المهمّ منها هو أنّه لو ادّعى المشتري العيب و أنكر الوكيل- الّذي هو بائع- سبق العيب على العقد، و ردّ الحلف إلى المشتري فحلف فأخذ بالخيار، هل للمشتري الردّ على الموكّل أم لا؟ ففيه احتمالات بل أقوال،
ص: 529
و جعلوا مبنى الخلاف هو أنّه هل اليمين المردودة حكمها حكم البيّنة أم لا؟ بل يكون بمنزلة إقرار الرادّ.
و فيه؛ مضافا إلى ما في أصل التنزيل- كما حرّر في محلّه- لا ريب أنّها مع التسليم إنّما هو بمنزلة البيّنة بالنسبة إلى طرفي الدعوى لا بالنسبة إلى الغير، و هو الموكّل في ما نحن فيه، خصوصا مع إنكار الوكيل استحقاق المشتري شيئا منه أو من البائع الموكّل، فكيف يمكن القول باستحقاقه الرجوع إلى الموكّل.
و المهمّ الآخر هو التفصيل (1)بين أن يكون مستند إنكار المنكر الاصول الشرعيّة فيجوز له الرجوع إلى الموكّل، و بين أن يكون مستند اختباره و وجدانه الصحّة.
و فيه؛ أنّ التفصيل المذكور عليل؛ لأنّ مفاد الأمارة الشرعيّة، إذا كان تنزيل الشكّ بمنزلة العدم، بحيث يكون لازم ذلك عند من قامت الأمارة لديه كان الواقع بمرأى و مسمع منه، فإذا كشف الواقع فكشف له الرجوع إلى الموكّل.
و أمّا الكلام في المسقط ففي امور:
منها؛ اختلافهما في علم المشتري بالعيب قبل العقد، فالقول قول المنكر إلّا إذا كان مسبوقا به.
و منها؛ اختلافهما في زواله قبل علم المشتري أو ردّه، قال شيخنا قدّس سرّه: فيه وجهان، الأقوى أنّ القول قول من يدّعي بقاء الخيار، و الدليل عليه
1) فصّل في جامع المقاصد قدّس سرّه: (4/ 360)، «منه رحمه اللّه».
ص: 530
الاستصحاب، بخلاف قول منكره، فإنّه لما يدّعي المانع مع أنّ الأصل عدمه فقوله مخالف للأصل (1).
و لكنّ ذلك بناء على ما هو التحقيق من أنّ المقتضي للخيار نفس العقد، و العلم إمّا شرط أو كاشف.
و منها؛ اختلافهما فيما لو زال أحد العيبين اللذين أحدهما سابق على العقد و الآخر في ضمان المشتري، في أنّ العيب الحادث هو الزائل حتّى يرتفع المانع عن تأثير العيب السابق على العقد، أو الزائل العيب القديم حتّى يرتفع الخيار.
الّذي قال به الشيخ قدّس سرّه هو: أنّ القول بحسب ما تقتضيه القاعدة بقاء العيب القديم، و لا يعارضه بقاء العيب الجديد؛ لأنّ بقاءه بنفسه لا يوجب سقوط الخيار، بل لا بدّ من الالتزام به بأنّ لازمه زوال العيب السابق حتّى يسقط الخيار (2).
و فيه؛ أنّ الأثر مترتّب على نفس بقاء العيب الجديد و ليس لازما أن يرتفع العيب القديم لأنّه لو فرض بقاؤه أيضا يرتفع الخيار، بمعنى أنّه يسقط الردّ، و هنا قد اتّفق أنّ لازمه في الواقع زوال العيب بلا أن يكون زواله منشأ للأثر حتّى يلزم المحذور، و هو الأصل المثبت.
و الّذي تذكّرت هو أنّه- دام ظلّه- كأنّه قوّى فتوى الشيخ قدّس سرّه ببيان أنّ الحقّ جريان استصحاب العيب القديم، لأنّ الاستصحاب الجديد ليس منشأ للأثر؛ ضرورة أنّ لازم استصحابه رفع العيب السابق واقعا، و معه لا يبقى المقتضي للخيار حتّى يؤثر المانع، فيبقى الاستصحاب الثاني بلا أثر بخلاف الأوّل، و لكن
ص: 531
المقتضي إنّما يؤثر في ظرف عدم المانع، و باستصحابه الّذي لازمه رفع العيب الجديد حتّى يؤثر القديم، يلزم المحذور، و هو الأصل المثبت، فتأمّل.
و كيف كان؛ فليس لاستصحاب العيب القديم أثر إلّا أن يرتفع به العيب الحادث، فيلزم المحذور، و إن قيل (1): إنّ أثره الغير الملازم لذلك هو ثبوت الأرش، فبطلانه واضح؛ ضرورة أنّه مضى أنّ التحقيق أنّ الأرش تابع لحدوث العيب لبقائه، فمع ارتفاعه أيضا لا يرتفع الأرش.
و منها، اختلاف المتبايعين في عيب زائدا على القدر المتيقّن، فيقول المشتري: إنّه حدث في ضمان البائع، و البائع: إنّه حدث بعد استقراره ملكا للمشتري.
فالظاهر أنّه لا مانع من استصحاب اللزوم و عدم الخيار، مستندا إلى أصالة عدم تقدّم العقد على العيب المشكوك فيه، و لا يعارضه عدم تقدّم العيب؛ لأنّه لا يثبت وقوع العقد على المعيب الذي هو الموجب للخيار بخلاف الأوّل، فإنّه لا يلزم أن يقع العقد على الصحيح، و لا يتوهّم أنّه لا يجري الأصل لكون الشك؛ لكونه مسببا عن الخيار، لما عرفت من عدم جريانه في السبب.
و أمّا الاختلاف في الفسخ و عدمه فيقع الكلام فيه في فرعين:
الأوّل؛ لو اختلفا في الفسخ و كان زمان الخيار منقضيا، حلف المنكر على نفي علمه بالفسخ، و نقل شيخنا قدّس سرّه عن «الدروس» احتمال أخذ المشتري أقلّ
1) كما احتمله المحشّون، و اعترضوا بذلك على شيخنا قدّس سرّه، «منه رحمه اللّه».
ص: 532
الأمرين من الأرش، و ما زاد من الثمن عن قيمة المثمن لو كان تالفا؛ لأنّ المشتري بزعمه مديون بالبائع مقدار قيمة المبيع، فعليه أن يراعي في الواقع ما يرى من اشتغال ذمّته، فليس له أن يأخذ إلّا مقدار ما يرى نفسه في الواقع مطالبا و ذا حقّ على الآخر، فلا بدّ من أخذه أقلّ الأمرين (1).
و لكن ذلك يتمّ إذا فرض لدعواهما قدر جامع بحيث لا يرجع تنازعهما إلى المتباينين، و هذا يتمّ إذا قلنا بأنّ بعض الثمن يقع في مقابل وصف الصحّة.
فعلى ذلك، و لو فرض أن يكون أيضا عينا خارجيّا فلا خفاء أنّهما متسالمان في استحقاق المشتري جزءا من هذا العين، فيحقّق موضوع أقل الأمرين؛ لأنّ المفروض أنّ المشتري يرى نفسه مديونا بالبائع مقدار قيمة المبيع التالف، فيلزم رعاية ما يحصل به براءة ذمّته و ذمّة البائع في الحقيقة باعتقادهما، و هو موقوف برعاية أقلّ الأمرين.
و أمّا لو لم نقل بذلك- كما هو التحقيق- فلمّا لم يجتمع في الصورة المفروضة قدر مشترك بين الدعويين، ضرورة أنّ المشتري مدّع بأنّه مستحقّ لنفس الثوب الّذي مثلا وقع ثمنا، و البائع يرى ذمّته مشغولة بمقدار الأرش، فالمشتري يرى نفسه مشغولة ذمّته مثلا بعشرين تومانا قيمة للمبيع، و استحقاقه عين الثوب، و البائع مشغولا ذمّته بخمسة توامين من باب الأرش، فلا يجتمع دعواهما في شيء حتّى يثبت أقلّ الأمرين.
هذا بالنسبة إلى نفس العينين و شخصيّتهما، و أمّا بالنظر إلى ماليّتهما أو كان الثمن دينا فيتحقّق الجامع أيضا، فلمّا يوجب ذلك التهاتر فلا بدّ من رعاية أقل
1) المكاسب: 5/ 348 و 349، و راجع! الدروس الشرعيّة: 3/ 289.
ص: 533
الأمرين أيضا، جمعا بين الحقّين باعتقادهما، و أخذا بلازم دعواهما و إقرارهما.
و منها، اختلافهما في تأخّر الفسخ عن زمان يمكن أن يؤثر و يقع صحيحا، فالظاهر أن القول قول من يدّعي الصحّة لجريان أصالة الصحّة، و لا مانع منها، و لا موقع لاستصحاب عدم وقوع الفسخ إلى انقضاء زمان الخيار المعبّر عنه بأصالة التأخّر؛ لما ثبت في محلّه من حكومة أصالة الصحّة على الاستصحاب (1)و إرجاع الكلام إلى أصل عدم المانع؛ لعدم جريان أصل الصحّة في الإيقاعات، فلا حاجة له، مع أنّ ما ذكره من الدليل لا أصل له؛ لعدم الفرق بين العقود و الإيقاعات.
أقول مستعينا من اللّه: إنّ أحسن ما يمكن أن يستفاد منه الضابطة في هذه المسألة، هو من ذيل رواية ابن مسلم في قصّة ابن أبي ليلى و سؤاله عنه عن أنّ عدم الشعر على ركبة الجارية المشتراة عيب أم لا؟ و ابن مسلم ينقل عنه عليه السّلام:
«كلّما زاد أو نقص عن الخلقة الأصليّة فهو عيب» (2)، و لا سبيل في تعيين هذا الموضوع إلى العرف؛ لعدم استفادة ضبط عنهم في ذلك.
و بالجملة؛ المستفاد من هذه الرواية أنّ كلّ ما نقص عن الخلقة الأصليّة سواء أوجب نقصا ماليّا أم لا، ضرورة أنّ المستفاد من صدر الرواية و ذيلها أنّ المناط النقص في العين أو الزيادة الّتي أوجب رغبة الناس عن العين، و الخروج
ص: 534
عن الخلقة الأصليّة بسبب غلبة وجود خلافها في أفراد نوع المبيع لا يوجب خروجها عن كونها معيبا حتّى ينقلب المناط.
نعم؛ يوجب ذلك خروج مسألة أصالة السلامة عن صيرورتها موجبا للخيار.
بيان ذلك؛ أنّه لمّا لم يغلب الأفراد على خلاف الخلقة الأصليّة كان المشتري إذا أقدم على شراء شيء ممّا انقلب عن حقيقتها الأصليّة مبنيّا على أصالة السلامة، فلذلك كان لو خرج المبيع معيبا بمعنى خارجا عن الخلقة الأصليّة يوجب الخيار، و إذا خرج الأفراد عمّا تقتضيه الخلقة الأصليّة و صارت الغالبة فيها على خلافها، خرجت أصالة السلامة عمّا يقتضيه من الخيار؛ لعدم كون بناء المشتري في الشرى على السلامة حتّى يوجب الخيار.
بل يكشف عن إقدامه على الشراء على أيّ نحو كانت العين، لا أن يوجب ذلك بغيرها عن كونها معيبا و داخلا في الصحيح، و لكنّ الموجب لذلك- أي خروج الخلقة الأصليّة- عن اقتضائه الخيار إذا كان الموجب لخروج الأفراد عن الخلقة الأصليّة شيئا مستندا إلى نفس المبيع، بمعنى أن يكون السبب لغلبة الأفراد على خلاف الخلقة الأصليّة أمرا داخليّا مستندا إلى ذواتها فما لم يكن ممّا عرض كذلك لم يوجب الخروج عنها، و هذا كالأراضي الّتي اتّفقت في ناحية خاصّة صارت كثيرة الأحجار فخرجت عمّا تقتضيه مطلق الأراضي بحسب طبيعتها الأصليّة.
و كذلك الاستحاضة في النساء، فإنّها و إن كانت طبيعة الإنسان يقتضي الصحّة و لكنّ النساء خرجت عن ذلك، بحيث صارت اقتضاء أغلب أفرادها أنّه
ص: 535
لا بد أن يتعقّب حيضهنّ و كذا نفاسهنّ بذلك المرض، بخلاف مسألة الخراج على الأرض، فإنّه ليس عيبا أصلا؛ لأنّه ليس نقصا مستندا إلى عين المبيع، بل هو أمر خارج فلا يوجب خيار العيب أصلا؛ لما عرفت من الضابطة الّتي استفيدت من كلام الإمام عليه السّلام.
و كذلك الغلفة ليست بعيب؛ لأنّها ليست زيادة في العين؛ و كونها محلا للخطر أمر على حدة يأتي نظيره.
فانقدح بما ذكرنا؛ أنّ المناط في العيب هو النقص أو الزيادة المستندة إلى الطبيعة الأصليّة، و شيوع أغلب الأفراد لا يخرجها عن كونها عيبا، فلو اشترط على ذلك كون المبيع على الطبيعة الأصليّة فيثبت بذلك خيار العيب الّذي زال لزوال مبدئه و خروج أصالة السلامة عن اقتضائها، فيترتّب على الاشتراط جميع لوازم العيب.
و كذلك الزوائد و النواقص الغير المستندة إلى الذات، مثل حلق الرأس أو حلق اللحية و الخراج على الأرض و غيرها ليست من العيب، فلو اشترط مثل هذه الامور لا يثبت عند التخلّف إلّا خيار تخلف الشرط، و أنّ المناط في النقص ليس النقص المالي، بل مطلق الزيادة أو النقيصة [داخل] في العيب، و لو لم يوجب نقصا في الماليّة؛ لما هو ظاهر الرواية المتقدّمة، و لا شاهد لاختصاصه بما ذكر، سوى ما يدّعيه الشيخ من الاحتمالات المخالفة لظاهر الرواية (1).
فمثل الخصاء في العبيد و كذا الثيبوبة في الإماء عيب، و إن لم يوجب الأوّل نقصا في الماليّة، بل أوجب الزيادة؛ لأنّ العرف يراه نقصا، و تعلّق أغراض بعض
1) المكاسب: 5/ 359.
ص: 536
الناس به لا يوجب عدم كونها نقصا.
و كذا الثاني؛ لكونها نقصا في المبيع و العين، مع أنّها يوجب النقص المالي أيضا، فجميع لوازم العيب يترتّب عليهما.
و أمّا الاحتمالات الّتي ذكرها شيخنا قدّس سرّه للرواية، و محصّلها عدم استفادة أزيد من الردّ لمّا لم يوجب النقص المالي فالحقّ أنّها ممنوعة، كما أشار نفسه الزكية في بعضها بالتأمّل و أمر به (1).
أمّا الأوّل؛ و هو عدم كون نبات الشعر بنفسه عيبا، بل لكشفه عن المرض في العضو؛ فأوّلا مخالف لظاهر الرواية، و ثانيا إنّما استفدنا ما ذكر من القاعدة الّتي ذكرها الإمام عليه السّلام في ذيلها، و قد عرفت أنّها مطلقة، و تطبيق الراوي القاعدة على المورد لا يوجب تخصيصها بالمورد- على فرض تسليم كون المورد منطبقا على المدّعى- لأنّه مضافا إلى كون العبرة بعموم الدليل، الإمام عليه السّلام لم يطبّق القاعدة على المورد، بل إنّما هو من تطبيق ابن أبي ليلى أو صاحبه.
و أمّا الثاني- و هو كون ذكر ذلك مقدّمة لصيرورته موجبا للردّ؛ لأنّه أظهر أفراد لوازم العيب- فهذا الدعوى بديهة البطلان من وجوه- كما أشار إليه السيّد قدّس سرّه في حاشيته (2)- ضرورة أنّا لا نريد إثبات المدّعى بإطلاق هذه الرواية حتّى يدّعى انصرافها، بل المقصود إثبات كونه عيبا.
و بعبارة اخرى؛ هي في مقام تعيين الموضوع، مع أنّ انصرافها ممنوع.
و أمّا الثالث- و هو عدم دلالة الرواية على أزيد ممّا يدلّ عليه العرف- و هو
ص: 537
لا يساعد على كون مثل الخصى بل مطلق ما لم يوجب النقص المالي عيبا.
و قد أكثر في طيّ الكلام لإثبات ذلك (1)، و أنت خبير بأنّه أيّ نقص أعظم عند العرف من أن يكون العبد عاجزا أن يصدر عنه ما يتوقّف عليه تحقّق الرجوليّة؟ و أمّا تعلّق أغراض بعض الناس إليه قد عرفت أنّه لا يوجب خروجه عن النقصية و كونه عيبا.
و أمّا الرابع- و هو مسألة تعارض العرف و الشرع في العيب و تقديم العرف- و قد عرفت أنّه عند العرف يكون عيبا، و الشرع أيضا مساعد معه؛ لأنّ المناط عنده كلّ ما زاد أو نقص عن الخلقة الأصليّة.
و بالجملة؛ لا يجوز التفكيك بين ما يوجب الرد و بين العيب على ما يستفاد من الدليل، و عدم ضرورة دعت إلى التأويل.
مسألة: قد جرى دأبهم بأنّهم يذكرون بعد بيانهم ماهيّة العيب و الضابطة فيه بعض الصغريات لذلك، و ليس ذلك إلّا لأنّه لما يكون لكلّ ماهيّة من الماهيات أفراد مقطوعة (2)دخولها فيها، و أفراد متيقّنة خروجها عنها، و أفراد مشكوكة، فيذكرون ذلك للتمييز بينها.
ثمّ لا ريب أنّ مثل حمّى الدقّ و كذلك القرع و الصمم و الخرس عيب، لأنّها الّتي يقتضي الطبيعة بحسب غالب أفرادها عدمها.
و أمّا مثل حمّى اليوم أو الساعة فهي مشكوكة الصدق، ففي مثل ذلك لا بدّ
ص: 538
من الرجوع إلى الأصل، و الظاهر أنّ الأصل في المقام اللزوم؛ للشكّ في تحقق موجب الخيار.
و أمّا مثل استحقاق القصاص و القتل للردّة أو السرقة فهي لا تدخل في الضابطة الّتي بيّنا، و هي اقتضاء الطبيعة عدم الشيء، لأنّ الطبيعة بالنسبة إلى مثل هذه الامور، لا اقتضاء محض، و يكون نظير ما ذكرنا في الخراج على الأرض ليس مربوطا بالطبيعة، كما في الإصبع الزائدة أو العين الزائدة، فإنّها الّتي تقتضي الطبيعة عدم هذه الزيادة.
و نظير المقام عدم الختان في العبد، فإنّه ليس أوّلا زيادة في العين، و لا ما لا تقتضي الطبيعة عدمه، و لا ما يراه العرف عيبا ثانيا؛ لأنّه ليس كلّما أمر الشارع بإزالته عن البدن أن يكون وجوده عيبا.
نعم؛ هذه الامور لكونها موجبا لصيرورة المبيع في معرض التلف- إن أوجب ذلك رغبة الناس عن المبيع بحيث صار موجبا لنقصان القيمة- فيتحقّق فيه الموجب لخيار الغبن، فيوجب هذه الامور خيار الغبن، و إلّا فلا خيار في البين، و ليس مثل الختان من قبيل ما أوجب تحقّق الطبيعة الثانويّة في العين، حتّى يزيل أثر ما تقتضيه الطبيعة الثانوية، ففي المقام لمّا كان مقتضى الطبيعة الثانوية المتحقّقة بسبب غلبة الأفراد فيها، و هي كون العبد مختونا، لما أشرنا سابقا أنّ الموجب لانقلاب الطبيعة الاولى هو ما يكون أمرا داخليّا كالاستحاضة في النسوان، بحيث يلزم الزيادة و النقصان و التغيّر في نفس العين، و هذا يوجب انعزال أصل السلامة عن التأثير، كما أوضحنا سابقا.
ص: 539
و أمّا الحبل في النساء فاستقرّ رأي الشيخ قدّس سرّه- تبعا لجماعة- بأنّه عيب (1)، لكنّه على القاعدة لا يتمّ؛ لأنّه لا زيادة و لا نقصان في العين حتّى يقتضي الخلقة الأصليّة عدمها، ضرورة أنّ الحبل يكون كثمار الأشجار بحيث تقتضي الطبيعة وجوده، حتّى أنّ العقم عيب لا قبول الحمل يكون نقصا.
و كيف كان؛ فلم يثبت من الشرع كونه عيبا، و أمّا عند العرف فمن هذه الجهة أيضا لا يكون عيبا.
و أمّا الأخبار الدالّة على كون الوطء مانعا عن الردّ بكلّ عيب إلّا عن الحبل (2)، فلا تدلّ على كون الحبل عيبا، ضرورة أنّه حكم شرعيّ يثبت في هذا المورد، و إلّا ففي مضامينها و ألفاظها لا شاهد على ذلك، و لا دلالة على كونه عيبا.
و أمّا ممنوعيّتها عن الوطء و عجزها عن الخدمة؛ فليست عيبا، أي ليست نقصا فيها؛ لأنّها داخلة في الدواعي الخارجيّة.
نعم؛ إن أوجب هذه الامور نقصا في الماليّة و قيمتها السوقيّة، يمكن أن يثبت بها خيار الغبن، و أمّا كونها محلا للخطر عند الوضع، فبعد أن ظهر أنّ أصل الحمل ليس بعيب فكذلك توابعه، فيصير نظير الاحتمالات الخطريّة في سائر المبيعات.
و بالجملة؛ فإنّ تمّ الإجماع على كونه عيبا- كما ادّعاه في «المسالك» (3)-
ص: 540
و موجبا لثبوت الخيار فيثبت المدّعى، كما أنّ حصول الحبل عند المشتري و صيرورته مانعا عن الردّ بعيب آخر أيضا يكون كذلك، أي يحتاج إلى الإجماع، و إلّا فغيره لا دليل يساعد عليه.
و منها؛ عدم الختان في العبد، فقد عدّه في «التذكرة» من العيوب (1)و تبعه شيخنا قدّس سرّه و لكن لا مطلقا، بل إذا كان موجبا لنقص في الماليّة (2)لكونه محلّا للخطر و إعراض الناس عنه لذلك؛ بحيث لا يرغبون ببذل المال له بما يبذل لغيره.
قال قدّس سرّه: و لكن لمّا كان غالب ما يجلب من العبد من بلاد الشرك لا يكون مختونا فانقلب بذلك ما يقتضيه أصل خلقته (3).
و لكنّك عرفت الكلام في أصل كونه عيبا أوّلا، و صيرورة الثاني- أي الجلب من بلاد الشرك- للانقلاب ثانيا.
و من جملة العيوب المسلّمة إباق العبد، و منشأه قد يكون نقصانا في العقل و رذالة في الطبع، و قد لا يكون كذلك، بل سببه عدم ميله بالعبوديّة عن المولى الأوّل، و عدم ارتضائه بالتوقّف تحت يده لجهة من الجهات الّتي لا يرجع إلى قصور فيه، فإن كان على النحو الأوّل فيوجب الخيار قطعا، و إن كان الثاني، ففيه إشكال، الأقرب عدم ثبوت الخيار لعدم نقص فيه لأنّ أن منشأه كان ظلم عليه مثلا تقصير العباد.
و بذلك يجمع بين ما يدلّ على كونه موجبا للخيار و ما يدلّ على أنّه ليس عهدة الإباق على البائع، لا بما ذكره شيخنا قدّس سرّه من كونه في مقام رفع توهّم كون
ص: 541
الإباق من قبيل أحداث السنة (1)، فإنّه ليس ما يوجب توهّم ذلك حتّى يحتاج إلى الدفع، فتأمّل.
و من جملة العيوب الّتي تسالموا عليها الثفل الخارج عن العادة في الزيت و مثله، و الظاهر أنّه لا إشكال في صيرورته موجبا للخيار، إنّما الكلام في المقام في رواية روي عن علي عليه السّلام الدالّة على حكمه عليه السّلام في مثل المقام بأن يعطي البائع إلى المشتري بمقدار الدردي الّذي في السمن (2)، و هذا لا يوافق القواعد بظاهره، و كيف كان؛ فهي ذات احتمالات:
الأوّل؛ أن يكون الدردي و الثفل موجبا لنقص في السمن؛ بحيث يراه العرف خارجا عن الخلقة الأصليّة لصيرورته معيبا، فلذلك يوجب الخيار لفقدان وصف الصحّة، و الإمام عليه السّلام يبيّن حكم أحد طرفي الخيار، و هو الأرش، و لما يرى عليه السّلام المصلحة في تعيينه في السمن؛ لعدم تمكّن الغارم و هو البائع من إعطاء و غيره، أو لغير ذلك من المصالح، فلذلك الإمام عليه السّلام يعيّن الأرش في شيء خاصّ و التأدية من جنس نفس المبيع، لأن لا يضيع حق المشتري.
و هذا الاحتمال ملازم لجعل المبيع جميع العكّة بما فيها، بحيث لا يوجب اختلاطه مع الدردي إلّا فقدان وصف لا نقص العين.
و احتمل شيخنا قدّس سرّه احتمالات اخر لا يوافق القواعد.
أحدها فإنّها إمّا يوجب بطلان البيع، و هو ما لو باع العكّة بعد وزنها جملة، كلّ رطل منها بكذا، فطهر امتزاجه بغيره بحيث أوجب نقصا في كميّته لا في
ص: 542
وصفه، فقال قدّس سرّه في هذه الصورة: إنّ البيع صحيح، و لا يقدح الجهل بنفس المبيع الّذي هو الأرطال، لمعلوميّة كميّة مجموع العكّة (1).
مع أنّك ترى أنّه لو لم يكن نفس العكّة الموزونة مصبّا للعقد- بل يكون الأرطال مصبّا له- يوجب بطلان البيع؛ لمجهولية المبيع؛ لما تحقّق في باب بيع الصبرة أنّه ما لم تكن الأرطال المشتملة عليها الصبرة معلومة لا يجوز جعلها مبيعا.
و لو جعل مصبّ العقد مجموع ما في العكّة المعلومة الأرطال، فظهر بعضها غير العين يوجب ذلك خيار تبعّض الصفقة، فكيف يمكن الالتزام بأن تطبيق ظاهر الرواية بهذه الصورة لا يوجب مخالفة للقواعد؟ مع أنّه ليس فيها أثر عن خيار الصفقة.
و احتمل قدّس سرّه احتمالين آخرين أيضا لا يوافق ظاهر الرواية، بحيث لا يلزم مخالفة للقواعد إن تحمل الرواية على ما احتملناه أوّلا كما احتمله أيضا قدّس سرّه (2).
فرع: قد ظهر أنّ مطلق المرض الّذي يوجب خروج المبيع عن الخلقة الأصليّة موجب للخيار، و يختصّ من بين الأمراض الجنون و البرص و الجذام و القرن، أنّها و لو حدثت إلى سنة يوجب الخيار، و الأخبار الدالّة عليه مستفيضة.
و يحتمل أن يكون المراد بقوله عليه السّلام فيها: «إنّ أحداث السنة يرد بعدها» (3)أنّ للمشتري الردّ إلى آخر السنة، و لو ظهرت العيوب في أوّل السنة أو وسطها.
ص: 543
فهي دالّة على أمرين:
الأوّل؛ أنّ هذه الامور يوجب الخيار و لو ظهرت بعد انقضاء سنة من زمان العقد.
الثاني؛ أنّ الخيار فيها ليس فوريّا، بل زمانه ثابت إلى انقضاء السنة.
و يحتمل أن يكون المراد به الأوّل فقط بلا تكفّل للثاني، و لكنّ الاحتمال الأوّل بعيد؛ لأنّ قوله عليه السّلام: «أحداث السّنة» أنّ للسنة مدخليّة في أصل حدوث هذه العيوب، و لأنّ ظاهر قوله عليه السّلام: «ترد» أنّ هذا الحكم أي جواز الردّ إنّما يكون ثابتا، و لو حدثت هذه العيوب إلى سنة.
مضافا إلى أنّ الرواية المنسوبة إلى الحلبي (1)- الّتي تكون في مقام شرح الحكم و تعيين موضوعه- صريحة في الاحتمال الثاني، مع أنّه يصير شارحة لسائر الأخبار.
فكيف كان؛ المهمّ في المقام هو مسألة الجذام الّذي هو أحد من هذه الأربعة الموجبة للخيار، مع أنّه يوجب انعتاق العبد و خروجه عن الملكيّة، ففيه تتعارض الإطلاقات الثلاثة.
أحدها ذلك، و هو إطلاقات انعتاق العبد بعروض الجذام عليه.
ثانيها؛ إطلاقات تلف المبيع و ما في حكمه موجبا لسقوط الخيار،
ثالثها؛ إطلاقات هذه الأخبار في صيرورة الجذام موجبا للخيار.
و لكنّ الظاهر أنّ الاولى حاكم على الأخيرين؛ لما رأينا من عادة الشارع تقديم الحريّة على سائر الأحكام لرأفته بالعباد، بحيث صار من مسلّمات الفقه
1) وسائل الشيعة: 21/ 209 الحديث 26910.
ص: 544
أنّ في مورد تعارض الانعتاق مع شيء آخر يغلب جانب الحريّة، فيقع التعارض بين الثانية و الثالثة.
فإن التزمنا بكون المراد بالردّ في أخبار الخيار- الظاهر في ردّ نصّ العين- ردّ المبيع بجميع مراتبه الّتي منها ردّ ماليّته فقط، فلا بأس بتقديم أدلّة الخيار على ما يدلّ [على] مسقطيّة التلف خيار العيب، كما لا يبعد القول به، ضرورة أنّه بعد ثبوت كون مثل الجذام موجبا لانعتاق العبد و خروجه عن الملكيّة مع ذلك، ورد الدليل على صيرورته موجبا للخيار، فالظاهر أنّ هذه الأدلّة ناظرة و حاكمة على ما يدلّ على سقوط الخيار بما في حكم التلف.
و إن لم نلتزم بذلك، بل أبقينا الردّ على ظاهره، فهما بعد التعارض يتساقطان، فالمرجع أصالة اللزوم، فتأمّل.
و أمّا العيوب الّتي قد عدّها بعض مثل الكفر و غيره (1)، فقد ظهر ممّا قدّمنا أن المناط في العيب على ما يستفاد من الأدلّة هو ما أوجب نقصا في نفس العين، فعلى ذلك لا يوجب شيء من مثل ما ذكر خيار العيب.
نعم؛ لو أوجب مثل الكفر نقصا في القيمة السوقيّة يصير موجبا لخيار الغبن، و لو لم يصر موجبا له بل صار منشأ لرغبة الناس عنه، و قلنا: إنّ ذلك يوجب خيار الغبن، ففي الكفر و نظائره و لو لم ينقص بسبب الكفر نقصا في قيمة العبد، و لكن أوجب رغبة الناس عنه، فيوجب خيار الغبن أيضا، و إلّا فلا مقتضي لخيار أصلا.
1) لاحظ! المكاسب: 5/ 389، تذكرة الفقهاء: 1/ 539.
ص: 545
مسألة: لمّا كان معرفة نسبة قيمة المعيب إلى الصحيح متوقّفا على معرفة القيمة السوقية للمبيع صحيحا و معيبا، فيحتاج ذلك إلى المقوّم، و هو في المقام يتصوّر على أصناف:
الأوّل؛ من كان يخبر عن القيمة السوقية للصحيح و المعيب بلا معرفة و خبرويّة له فيهما، بل يستند إلى حسّه بأنّه رأى في السوق أن مثل هذا المبيع يباع بكذا صحيحه و كذا معيبه فقط.
الثاني؛ أن يكون ممّن يطّلع على خصوصيّات المبيع و تمييز صحيحه عن معيبه، و خليطه عن غيره، و مقدار خليطه، مثل الصائغ العارف بعيار الذهب و الفضّة، بحيث لو عرف ذلك و حصل التمييز يعرف القيمة و يرتفع الاشتباه، و هذا أيضا إنّما مخبر عن حسّ.
الثالث؛ أن يخبر عن القيمة السوقية، و لكن منشأ إخباره كثرة مزاولته و ممارسته بالبيع و الشرى لمثل هذا المتاع، و يرجع ذلك إلى الحدس لا إلى الحسّ؛ لأنّ منشأ إخباره ليس القيمة السوقية الفعليّة، بل أخبره بحدس، بل يحكم بأنّ هذا قابل لأن يشترى بكذا، و لو لم يكن سوق هذا المتاع رابحا فعلا، و لم يكن له راغب الآن، و هذا يسمّى بأهل الخبرة.
و في اشتراط التعدّد و العدالة في هذه الثلاثة، حتّى يقبل قولهم، و عدمه وجهان، و الظاهر أنّه لا إشكال في اشتراطهما، بل مطلق شرائط الشهادة في الأوّلين؛ لأنّ مناط الشهادة و هو الإخبار عن الحسّ موجود في كليهما، و قد ثبت
ص: 546
أنّ كلّ ما كان مستند (1)الإخبار الحسّ فهو داخل في الشهادة، و أمّا الأخيرة فليس داخلا في عنوان الشهادة قطعا، فاعتبار العدالة أو التعدّد فيها من هذه الجهة لا يجري.
إنّما الكلام في وجه اعتبار قول أهل الخبرة، فإن قلنا: إنّ منشأه ارتكاز العقلاء برجوع جهّال كلّ قوم في فنّ خاصّ إلى عالميه، كما لا يبعد أن يكون منشأ حجيّة قول المفتي للمستفتي ذلك لا غير (2)، فكما لا يشترط فيه التعدّد فكذلك في المقام.
و أمّا اشتراط العدالة و عدمه فالظاهر أنّه لا دليل عليه في المقام، مع أنّ الدليل قائم على عدمه، و هو لزوم العسر و الحرج.
و إن لم نقل بحجيّة قول المفتي من هذه الجهة- أي الارتكاز- بل ثبت بدليل خاصّ اعتبار قوله، فاحتمال الاكتفاء بقول واحد من أهل الخبرة ما لم يوجب حصول القطع تعبّد، لأنّ المفروض عدم حجيّة الظنّ من هذه الجهة، و إن قلنا بجريان دليل انسداد صغير في المقام ببيان أنّه لا طريق إلى حصول القطع بالقيمة الواقعيّة لهذه الأشياء، لاختلافها و عدم انضباطها من جهة أصلا، فلو لم يكتف بالظنّ يلزم تضييع الحقوق غالبا، فأيضا لا يحتاج إلى التعدّد و العدالة، بل يكفي حصول الوثوق، كما في الأوّل.
فكيف كان؛ لا مجال لاحتمال اعتبار التعدّد، بل لا بدّ إمّا من الاكتفاء بالظنّ، و إمّا الالتزام بحصول القطع، و قد عرفت أنّ الأقوى هو الأوّل.
ص: 547
ثمّ إنّه لو فقد المقوّمون، أو توافقوا، أو اختلفوا، فقلنا بالتساقط، فهل المرجع الالتزام بالأقلّ أو الأكثر أو التفصيل؟
الحقّ الأخير، ضرورة أنّه لو ثبت اشتغال ذمّة البائع بالأرش من أوّل الأمر، فالظاهر أنّ الأقوى القول بالاشتغال بالأقلّ؛ لكون المقام من دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر، و إن لم يثبت ذلك، بل كان الأرش من باب التضمين، بمعنى أنّه يشتغل أوّلا ذمّته على نحو التعليق بوصف الصحّة، ثمّ يتبدّل عند المطالبة بالقيمة و هو الأرش، لعدم إمكان تداركها بنفسه فتعيّن الأكثر؛ لأنّ الشك يرجع إلى المحصّل و الشكّ في حصول البراءة بأداء الأقلّ بدلا عمّا اشتغلت الذمّة به أوّلا.
و لو اختلف المقوّمون، ففيه احتمالات، و الّذي قوّاه شيخنا قدّس سرّه و نسبه إلى المعظم هو وجوب الجمع بين البيّنات بنحو الالتزام بالتبعيض، بمعنى أن يعمل ببعض مضمون كلّ واحد منها؛ لأنّ كلّا منها حجّة شرعيّة، و عند عدم إمكان العمل بالجميع من حيث المجموع يجب العمل بقدر الإمكان، و التخيير لمّا يوجب طرح أحدها رأسا، مع أنّ الجمع مهما أمكن أولى من الطرح، جعل ذلك وجها لترجيح الجمع على التخيير.
ثمّ قال قدّس سرّه: و إنّما لم نلتزم بذلك في أحكام اللّه، لأنّ الحقّ فيها لمّا كان راجعا إلى شخص واحد.
فكيف كان؛ يلزم تضييع الحقّ في الجملة، و لا يحصل فرق بينه و بين التخيير اللازم لطرح إحدى البيّنتين (1)، هكذا أفاد قدّس سرّه.
1) المكاسب: 5/ 405- 406.
ص: 548
و فيه؛ أنّه اريد من إثبات الجمع، إثبات مرجّح داخليّ للعمل بالبيّنتين، و ترجيحه على التخيير و الطرح، فمع أنّه لا فرق بين ذلك و بين التخيير؛ لاستلزامه تخصيصا في أدلّة البيّنات كما في التخيير؛ فإنّ كلّ واحد منها بالنسبة إلى ما يشهد له و يحكم عليه من القيمة من أجزائه يرجع إلى شهادة بكلّ جزء منه بأنّ قيمته كذا مثلا، إذا يشهد بأنّ قيمة الصحيح لمثل هذا المبيع عشرة توامين، فلازم قوله، هو أنّ نصفه خمسة، و ربعه تومانان و نصف، فأدلّة تصديق البيّنة في كلّ واحد منها يرجع إلى تصديقات متعدّدة في الحقيقة.
فإذا التزمنا بالتبعيض في قبول أقوالهم، لازمه تكذيب بعض كلامهم و عدم تصديق جملة منه، و هكذا بالنسبة، فيستلزم ذلك التخصيص في أدلّة التصديق، إلّا أنّ هنا كأنّه عرضيّ و في التخيير طوليّ، [و] أنّ ذلك أصل عقلائي موضوع في مورد الشكّ، و قد صرّح شيخنا قدّس سرّه بأنّ الأصل لا يصير مرجّحا للدليل؛ لتأخّره رتبة عنه (1).
و إن اريد من ذلك إثبات المرجّح الخارجي من جهة الجمع بين الحقوق و عدم تضييع حق أحدهما رأسا كما هو ظاهر مقالته قدّس سرّه (2)(3).
1) المكاسب: 5/ 407، راجع! فرائد الاصول: 4/ 151 و 152.
2) المكاسب: 5/ 407.
3) و الحاصل أن يكون الجمع بين الحقوق مقتضيا لذلك، فنقول: إنّ ذلك أيضا أصل عقلائي، و إنّما يكون هو المرجع إذا لم يكن دليل اجتهادي، مع أنّ قاعدة «الناس» في المقام محكم لصيرورتها بعد حكم الشارع مخصصا، و هنا إنّما يكون الشكّ في التخصيص الزائد، فيرجع إليها في الزائد منه و لا محذور أصلا، «منه رحمه اللّه».
ص: 549
الظاهر أنّ الشرط في اصطلاح الفقهاء هو عبارة عن الإلزام و الالتزام.
إنّما الكلام في أنّه هل هو مطلق الالزام و لو كان ابتدائيا، أم الإلزام الضمني في البيع و نحوه؟ كما صرّح به في «القاموس» و إن لم يلحق به و نحوه (1)؟ و لكن الظاهر أنّه لا خصوصيّة للبيع، بل هو من قبيل التنظير.
و كيف كان؛ فالّذي قوّاه شيخنا قدّس سرّه هو كونه أعمّ، و حمل كلام «القاموس» على الغفلة، و استدلّ على ما ارتضاه قدّس سرّه بوروده و استعماله في الأخبار و الآثار في الأعمّ (2).
و لكنّك خبير بأنّ الاستعمال أعم، نعم؛ العمدة في دليله هو استعمال الإمام عليه السّلام لفظ «الشرط» في مثل العهود و الأيمان (3)لأنّه لما كان عليه السّلام في مقام تطبيق الشرط عليهما فلا يمكن الدعوى بكونه على نحو المجازية، فيكون من قبيل الاستعمال الّذي هو أعم، ضرورة أنّ ظاهر التطبيق يقتضي أن يكون على نحو الحقيقة.
و هذا يفيد؛ إذا كان هذا الحديث معمولا به و معتمدا عليه، و لكنّه أيضا غير تامّ، لأنّه لما قام الإجماع على عدم وجوب العمل بالشروط الابتدائيّة، فيصير
ص: 550
الحديث موهونا، و إلّا يلزم تخصيص الأكثر، فلا يصحّ الاستدلال به على شيء، و إذا لم يتمّ الدليل على المعنى الأعمّ فلا بدّ من الرجوع إلى علائم الحقيقة الّتي منها التبادر، و لا يبعد الدعوى بأنّ المتبادر منه هو المعنى الأوّل، و هو الارتباط بين أمرين و الالتزام بنحوه لا المطلق.
ثمّ إنّ الشروط المذكورة ضمنا في العقود قد يتعلّق بنفس الإرادة، و قد يتعلّق بالمراد، بيان ذلك؛ أنّه إذا يشترط مثل الخياطة في عقد بيع مثلا فإمّا أن يكون إرادة البيع بنفسه معلّقا بالخياطة، بحيث لو لم يوجد الخياطة لم تكن الإرادة أصلا.
و يصير ذلك من قبيل الواجب المشروط على مسلك الاستاد- مدّ ظلّه- و هو أن يكون الإرادة متعلّقة بشيء بشرط تحقّق شيء آخر، كما في مسألة الحجّ المشروط بالاستطاعة، فإنّ إرادته إنّما هو فعليّ، و لكن هذه الإرادة الفعليّة معلّقة على الاستطاعة.
و لا تنافي بين ذلك؛ لأنّه لمّا كانت الأحكام تتعلّق بالمفاهيم الذهنيّة الحاكية عن الخارج، فالحاكم يرى المعلّق عليه موجودا، فيرتّب حكمه عليه، فليس الشرط معدوما صرفا حتّى يلزم كون الإنشاء و الإرادة تعليقيّا محضا.
فالمحصّل؛ أنّ الإرادة المتعلّقة بالواجب المشروط فعليّ من جهة، و تعليقي من جهة، فالحاكم بوجوب الحجّ من زمان صدور حكمه يريد الحجّ من المكلّفين، و لكن بشرط تحقق الاستطاعة، و هذا ما نسمّيه بالإرادة المنوطة، فالإرادة المتعلّقة بالبيع المشروط قد يكون كذلك.
و إمّا أن يكون الإرادة مطلقة، و إنّما المشروط و المعلّق هو المراد، و هذا
ص: 551
نظير الواجب المعلّق، بحيث يكون الوجوب فعليّا و الواجب استقباليّا.
ثمّ إنّه يترتّب على هذين التصويرين ثمرات:
منها؛ أنّه إذا كان الشرط على النحو الأوّل فلو لم يكن لنا قوله عليه السّلام:
«المؤمنون عند شروطهم» (1)يكفي في وجوب العمل بالشرط ما يدلّ على وجوب الوفاء بالعقود، ضرورة أنّه لمّا كان الوفاء بالعقد واجبا فيجب شرطه أيضا من باب مقدّمة الواجب، فإنّ العقد ليس مطلقا حتّى يوفى به بدون الشرط.
و لا يتوهّم أنّه يلزم على ذلك بطلان العقد عند عدم الوفاء بالشرط؛ لأنّ المقام إنّما هو من باب تعدّد المطلوب، فمرتبة من العقد معلّق على الشرط و مرتبته الاخرى مطلقة.
ثمّ التخلّف يوجب الخيار من باب نقض الغرض، بخلاف ما لو كان التعليق و الشرط على النحو الثاني، فلا يكفي في وجوبه ذلك، بل يحتاج إلى دليل وجوب الوفاء بالشرط؛ لأنّ الوجوب المستفاد ممّا يدلّ على وجوب الوفاء بالعقد تابع لموضوعه، و المفروض أنّ موضوعه مركّب و ليس ما يدلّ على وجوب الشرط، فإذا انتفى هذا الجزء منه فينتفي الموضوع، فلا يشمله دليل وجوب الوفاء بالعقد، فيحتاج إلى دليل الشرط، حتّى يلزمنا العمل به، فيتحقّق موضوع أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)أيضا.
و منها؛ مسألة الشرائط الضمنيّة، فإنّه يمكن الدعوى بأنّ الشرط منصرف إلى ما يتلفّظ به، فلا يشمل الشروط الضمنيّة الدليل الدالّ على وجوب العمل
ص: 552
بالشرط، فلا دليل على وجوب الوفاء بالشرط الضمني.
و لكن على التصويرين لا يتمّ هذا الكلام بإطلاقه، ضرورة أنّه لو قلنا بأنّ الشرط يتعلّق بالمراد لا بنفس الإرادة، بحيث يبقى إرادة البيع في ما ذكر مطلقا و البيع يصير مقيّدا، فإنّه يمكن أن يقال أيضا: يكفي في وجوب الوفاء بالشرط دليل وجوب الوفاء بالعقد مقدّمة؛ لأنّ المفروض أنّ القرينة قائمة على أنّ العقد وقع على البيع الخاصّ المقيّد لا المطلق، فيجب الوفاء بالشرط مقدّمة حتّى يتحقّق الوفاء بالعقد الواقع على البيع المضيّق.
و أمّا لو قلنا بأنّ الشرط يتعلّق بنفس الإرادة، فلا دليل على وجوب الوفاء بمثل هذه الشروط و عدم كفاية الدليل الدالّ على وجوب الوفاء بالعقد؛ لما عرفت أنّ الموضوع على ذلك يصير من قبيل الواجب المشروط، و هو لا يقتضي حفظ شرطه، فلا يصير مثل هذا العقد مشمولا للدليل إلّا بعد الوفاء بالشرط، فلا يعقل إثبات وجوب العمل بالشرط بهذا الدليل.
و منها؛ الشرائط الملفوظة بها في المعاطاة الّتي يقع بالفعل، أو الشرائط الضمنيّة- أي غير المصرحة بها- في العقود اللفظيّة، فإنّه يمكن الالتزام فيها بالقول بأنّ الشرط لما كان هو ما يدلّ على الربط بين الشيئين، فلازم أن يكون ذلك بجميع مراتبه أمرا ربطيّا حتّى بوجوده اللفظي.
فلمّا لم يكن بين الفعل و القول ربطا لفظيّا اصطلاحيّا كما في الشرائط المأخوذة في مثل عقد المعاطاة، و كذلك لا ربط بين عقد البيع لفظا و الشرائط المدلولة عليها بمثل الإشارة و نحوها، فبمثل هذا التشكيك يمنع عن شمول دليل وجوب الوفاء بالشرط بمثل هذه الشروط؛ لما عرفت من أنّ ما يدلّ على الربط
ص: 553
المعنوي لا بدّ أن يكون بوجوده اللفظي أيضا مربوطا ربطا اصطلاحيّا في نفسه (1).
و لكن بالنظر إلى التفصيل المذكور أيضا لا يتمّ الإطلاق؛ لأنّه لو قلنا بأنّ ظاهر الشرط يدلّ على أنّ الربط إنّما يكون بين المراد و الملتزم، به لا بين نفس الإرادة و الإنشاء، فيكفي في لزوم الوفاء بمثل هذه الشروط التمسّك بقوله تعالى:
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)ضرورة أنّه لمّا قامت القرينة على وقوع العقد على شيء خاص، بمعنى وقوع البيع مثلا لا مطلقا بل منضمّا بأمر خارجي، فيكون مشمول دليل العقد ما تواطئا عليه و قصداه، و لا يحتاج على ذلك إلى «المؤمنون عند شروطهم» (3)بخلاف ما لو قلنا بأنّ الشرط يتعلّق بنفس الإرادة و الإنشاء، فلا دليل على وجوب الوفاء بالشروط المذكورة؛ لأنّه يصير العقد المشروط من قبيل الواجب المشروط، فلا يشمله ما يدلّ على وجوب الوفاء بالعقد؛ لعدم اقتضاء الواجب المشروط حفظ شرطه، فلا يجري فيه عنوان المقدّميّة كما كان جاريا في الشقّ الأوّل.
و منها؛ الشروط في العقود الجائزة؛ فقد ذهب المشهور إلى عدم وجوب الوفاء بها، و السيّد المحشي المتأخّر، إلى وجوب الوفاء بها ما دام العقد الّذي هو موضوع للشرط موجودا (4)، و يمكن جعل مبنى كلامهم أيضا على ما بيّنا.
ص: 554
بيان ذلك؛ أنّه لو بنينا أنّ الشرط يتعلّق بالمنشإ لا بنفس الإنشاء، بحيث يكون الإرادة مطلقة و المراد مقيّدا، فيتمّ مسلك المشهور؛ لعدم الدليل على الوجوب؛ لعدم شمول دليل الشرط لمثلها؛ لما اشتهر من أنّه لا معنى لوجوب الشرط مع عدم وجوب المشروط، و كذلك عدم شمول دليل وجوب الوفاء بالعقد عليه؛ لعدم جريان عنوان المقدميّة و غيرها، فلا مقتضي للوجوب أصلا.
و أمّا لو بنينا على تعلّق الشرط و ارتباطه بنفس الإرادة و الإنشاء، فلمّا يصير الشرط على ذلك أمرا مستقلا، بحيث يكون الالتزام بمضمون نفس العقد تابعا للشرط؛ لأنّه لما يصير على ذلك من قبيل الواجب المشروط، فأصل وجوب المشروط الّذي هو الإلزام في المقام يجيء من ناحية الشرط، كما في وجوب الحجّ الجائي من قبل الاستطاعة.
و بالجملة؛ بناء على جعل العلقة و الربط بين نفس الالتزام و الشرط، العرف يفكّك بين الشرط و المشروط بنحو ما عرفت، بمعنى أنّه لا يراه تابعا للعقد، فلا مانع من شمول دليل وجوب الوفاء بالشرط لمثل هذه الشروط، إلّا أنّه وجوبه مشروط ببقاء موضوعه و هو العقد، فتصير النتيجة وجوب الشرط ما دام العقد باقيا.
ثمّ إنّك بعد ما عرفت من ترتّب هذه الثمرات على ما ذكرنا من التصويرين، فينبغي أن يقال: إنّ اختلاف الأصحاب في ما ذكر من الفروع، إنّما يكون على اختلاف المبنى، و لا ينبغي القول على الإطلاق بوجوب الوفاء بالشروط المذكورة أو عدم وجوبه، و إن كان يظهر من بعض عباراتهم خلاف ما ذكرنا من المبنى، فيحمل على المسامحة.
ص: 555
هذا كلّه في مقام التصوّر (1)، و أمّا في مقام التصديق، فيمكن الدعوى بأنّ مرتكز أذهان العرف في المقام هو تعليق نفس الإرادة و الإنشاء على الشرط؛ بحيث يأبى الالتزام بأنّه يقع أوّلا إرادة مطلقة، ثمّ يعلّق و يجعل ارتباطا بين ما أراده و أمرا آخر.
ففي مثل ما إذا قيل: بعتك بشرط الخياطة، يتبادر من أوّل الأمر أنّ مجموع الهيئة و المادّة يرتبط بالخياطة، لا أن يكون الهيئة مطلقة، و المادّة معلّقة و مرتبطة.
و لا يتوهّم أنّ المقام من قبيل دوران الأمر بين تقييد المادّة فقط، أو الهيئة و المادّة معا، ضرورة أنّه إن قلنا بأنّ التقييد و الارتباط إنّما يكون بين الخياطة و البيع، لا يلزم تقييد الهيئة الدالّة على الإنشاء و الالتزام أصلا، بخلاف ما لو جعلنا العلقة بين الهيئة الدالّة على الإنشاء و الخياطة، فإنّه يستلزم تقييد المادّة تبعا، فإنّه لا يعقل أن يكون أصل الطلب مقيّدا بوقت أو مكان أو شيء خارجي بلا أن يكون المطلوب مقيّدا به.
و قد تحقّق أنّه عند دوران الأمر بين الالتزام بالتقييدين، أو التقييد الواحد و بقاء إطلاق الآخر بحاله، أنّ الثاني متعيّن، كما بنوا على ذلك في باب الأحكام.
لأنّ هذا التوهّم مدفوع بأنّ في باب الأحكام لمّا استفدنا من الشرع أنّه لمّا رأينا قد يتعلّق الشرط بالهيئة، و قد يتعلّق بالمادّة، فقد انقلب الارتكاز هناك،
1) فحينئذ منشأ الخيار أيضا يصير إمّا نفس الشرط عن جهة أنّ مرجعه إلى تعليق العقد و لزومه بالشرط، فلا يجب الوفاء بالعقد إلّا إذا و في بالشرط، و إلّا فعلى المبنى الآخر لا بدّ و أن يكون في جميع الصور الآتية الخيار ناشئا عن ناحية نقض الغرض أو الإجماع، فافهم، «منه رحمه اللّه».
ص: 556
فلذلك عند الاشتباه و الدوران جعلت الضابطة فيها ما ذكر من التقييدين و التقييد الواحد.
و أصل سرّ ذلك في الفرق، أنّه لمّا كانت العليّة في الأحكام تعلّق القيد فيها بالهيئة فانقلب الارتكاز فيها، و انعزل اللفظ عن الظهور الّذي كان له، و لكن ما وصلت الغلبة بحيث يعطي الظهور باللفظ، و لذلك عند الشكّ يرجع فيها إلى ما أشرنا من الأصل اللفظي، بخلاف باب المعاملات، فليس فيها شيء يوجب انقلاب الارتكاز، فيصير بمنزلة القرائن الحافّة المتّصلة بالكلام، فتأمّل.
و أمّا في باب المعاملات؛ لمّا كان موضوعات عرفيّة، و لم يتصرّف الشارع فيها من هذه الجهة شيئا، ففيها الارتكاز العرفي باق على حاله، و لا ريب أنّه وارد على الاصول اللفظيّة؛ لأنّها جارية عند الشكّ في الموضوع و المعنى، و بعد ثبوت الارتكاز المذكور لا يبقى شكّ حتّى يحتاج إلى الأصل.
فإذا اتّضح ذلك؛ فالتحقيق أنّ الحقّ في جميع هذه الموارد من الشروط مع المشهور، إلّا في مسألة الشروط في العقود الجائزة، ففيه لمّا لم يكن محذور من شمول «المؤمنون عند شروطهم» له- على ما حقّقنا من المبنى- فالحقّ مع الّذين يرون وجوب الوفاء بالشروط فيها، هكذا أفاد- دام ظلّه-.
و لكن يمكن منع ما ذكر من الارتكاز في باب المعاملات، بل العكس فيها أيضا أغلب و أكثر؛ لأنّ لازم ما أفاد أن يكون نفس المعاملة تابعا للشرط، بحيث لو لم يكن الشرط لم يقصد المعاملة رأسا، مع أنّ أقلّ قليل من الشروط يكون بهذه المثابة، بحيث يجعل أصل المعاملة تابعا له، بل الغالب أنّ من يريد معاملة، يريدها مطلقا، ثمّ يتبعها بشرط.
ص: 557
فمن يريد بيع داره مثلا فالظاهر أنّ إرادته يتعلّق به مطلقة، ثمّ يبيعها ضمنا و تبعا بخياطة ثوب مثلا، و لازم ذلك كون المراد مقيّدا بالخياطة، لا أصل انعقاد الإرادة متوقّفا عليه، و إن كان يمكن أن يدفع ذلك بأنّه يمكن من باب تعدّد المطلوب، و لكنّه بعيد، فتأمّل.
و قد اشترط في صحّة الشرط امور، نشير إلى أهمّ مطالبها. و لنذكر مقدّمة ما يبتنى عليه في الجملة الامور المشروطة.
فاعلم! أنّه لمّا كان الشرط حقيقة عبارة عن الربط و جعل العلقة بين الشيء و الشخص الذي يكون طرفا للعقد أو غيره، فلا بدّ أن يكون بين المشروط و الملتزم به العلقة الخارجيّة، بمعنى يكون له مساس مع الملتزم به مع قطع النظر عن الاشتراط، فلو لم يكن بينهما ارتباط و لا مساس، بحيث يكون الملتزم به أجنبيّا عن المشروط عليه، فلا معنى للالتزام به و جعل الربط بينهما، و لذلك اشترط في صحّة الشرط، أوّلا أن يكون مقدورا للمشروط عليه لا في ذاته، بل يكون تحت اختياره.
ثمّ إنّ الشروط باعتبار أخذ هذا الشرط فيها يتصوّر على أنحاء:
الأوّل؛ أن يشرط ما لم يكن تحت القدرة أصلا، لا بنفسه و لا بمقدّماته، كاشتراط جعل الزرع سنبلا على من ليس له زرع، و لا هو أهل لذلك أصلا، و هذا- مع أنّه يوجب عدم إمكان تمشي قصد الإنشاء و لا يقدم عليه العقلاء- غير مقدور، فلذلك يصير باطلا.
ص: 558
الثاني؛ أن يشرط ذلك على من له الزرع و جميع مقدّمات صيرورة الزرع سنبلا بيده، ثمّ إنّ مثل ذلك إمّا أن يكون بنحو يحصل العلم العادي بسبب الإقدام بالمقدّمات بترتّب النتيجة عليها، و إمّا لم يوجب ذلك، من جهة أنّه و إن كانت المقدّمات العادية تحت الاختيار إلّا أنّ الأرض المزروعة فيها أرض سبخة، أو السنوات كثير الآفة توجب فساد الزرع غالبا.
و إمّا أن لم يكن كذلك، بل الأرض المزروعة فيها من الأراضي المعمورة المعمولة المتعارفة و السنة أيضا من السنوات المتعارفة قليل الآفة، فإن كان مثل ذلك فلا مانع من صحّة الشرط، ضرورة أنّه و إن كانت صيرورة الزرع سنبلا بيد اللّه تعالى إلّا أنّ مقدّماته العادية بيد الناس.
و بمثل ذلك حمل شيخنا قدّس سرّه كلام الشيخ رحمه اللّه في اشتراط الحمل و نظيره في الأمة أو البهيمة (1)، و يكون من قبيل الأفعال التوليديّة الّتي اشترط على من ليس أهلا لإيجادها، إلّا أنّه ما اشترط المباشرة أيضا حتّى يوجب عجزه، بل اطلق الأمر بحيث يوجدها و لو بإيجادها بمقدّماتها، و الرجوع إلى أهلها، فمن ذلك يكون مقدورا و يقدم عليه العقلاء، فلا محذور فيه.
و كذلك؛ المفروض أنّ الاطمينان بل العلم العادي حاصل بترتّب النتيجة، فلا محذور من جهة الغرر أيضا، فلا فرق بين ذلك و بين اشتراط الوصف الحالي.
و أمّا لو لم يعلم بترتّب النتيجة على المقدّمات، كما لو خرجت السنة عن العادة، أو الأرض كذلك، بمعنى كثرت [الآفة] فهذا يوجب الغرر، بمعنى أنّه يحصل الفرق بينه و بين الوصف الحالي، لأنّ الوصف الحالي لمّا خرج عن عالم
1) المكاسب: 6/ 18.
ص: 559
الإمكان وقوعا أو امتناعا فيكتفى فيه بصرف الاطمينان الحاصل من التزام المشروط عليه، بخلاف الشرط الاستقبالي.
ففيه؛ و إن كانت المقدّمات العاديّة بيد المشروط عليه، إلّا أنّ المناط هو الوثوق بترتّب النتيجة حتّى يدخل تحت القدرة نفس المشروط، و المفروض أنّه لا اطمينان من الخارج، و لم يفد التزام المشروط عليه في حصول الاطمينان؛ لخروجه عن اختياره، بل هو داخل في الاتفاقيّات الدهريّة، فلا يكتفى فيه بالتزام المشروط عليه، فيستلزم اشتراط مثله الغرر.
إلّا أنّ الكلام في فساد هذا الشرط؛ لأنّ الظاهر أنّ أدلّة نفي الغرر لا يجري في الشروط، كما يأتي تحقيقه، بل إنّما المضرّ من الشرط الغرري هو ما أوجب الغرر في المشروط، فإن كان المشروط ممّا نفي فيه الغرر و نهي عنه، كما في البيع و نحوه، فإن سرى الغرر إليه فيوجب الفساد و إلّا فلا، و كذلك فيما لا يفسده الغرر و لا يضربه أصلا، كما في الصلح و نحوه، فلا مقتضي للفساد فيه أيضا.
مع أنّه لو كان ترتّب النتيجة مشكوكا لاحتمال عروض المانع، فإن كان عنده أصل عقلائي يرتفع بسبب إجرائه المانعيّة، تكتفى به في رفع الغرر حتّى في ما كان الغرر مضرّا فيه، و أمّا لو تيقّن عدم ترتّب النتيجة فيدخل في القسم الأوّل.
هذا كلّه فيما لو اشترط الفعل، و أمّا شرط النتيجة، فنقول: أمّا أنّه يشترط ما يكفي في وقوعها مطلق السبب حتّى هذا الشرط مثل الوكالة و غيرها، فمثل ذلك فلا إشكال في صحّة اشتراطه.
و أمّا فيما لم يكن كذلك، فإمّا أن يعلم بأنّ المراد إيجادها و لو بإيجاد سببه الضمني، كما لو اشترط البيع و اريد إيجاد الإيجاب، بمعنى إيجاد المقتضي و رفع
ص: 560
المانع من ناحية المشترط عليه أو السبب التام فيما لو كان أمر القبول أيضا بيد المشترط عليه اختيارا، بمعنى قهرا كما لو كان القابل غلامه أو أباه، أو التماسا، كما لو علم أنّ القابل يرتضي بالقبول بالتماس المشروط عليه.
و أمّا فيما لم يعلم ذلك فلا إشكال في بطلان الشرط، و لكن لا لكونه غير مقدور، بل لكونه مخالفا للكتاب، لاشتراط جعل سبب ليس في الشرع سببا.
و أمّا الكلام فيما شكّ في تحقّقه بالشرط و عدم تحقّقه به، فإن قلنا بأنّ الشرط عبارة عن نفس الإلزام و الالتزام، فيدخل المقام في باب الشبهات المصداقيّة المعروفة، فيشكّ في جواز التمسّك بدليل وجوب الوفاء بالشرط و عدمه؛ لأنّه عامّ قد خصّص بالمخصّص اللبي الّذي هو القدرة، فإن الحاكم به العقل.
و إن قلنا بأنّ الشرط عبارة عن النتيجة الحاصلة من الإلزام و الالتزام فيخرج عن الشبهة المصداقيّة المعروفة؛ لأنّ الشكّ إنّما هو في أصل تحقّق الموضوع لا في اتّصافه بالوصف العنواني المتّحد عنوانا للحكم، و كيف كان؛ الظاهر فساد مثل هذا الشرط أيضا.
الشرط الثاني، أن لا يكون الشرط مخالفا للكتاب و السنّة، قد اختلف مضمون الأخبار الدالّة على اشتراط ذلك في صحّة الشروط، فنشير إجمالا إلى ما يستفاد من ظاهر كلّ واحد من الأخبار الواردة في المقام بترتيب ذكرها شيخنا قدّس سرّه في مكاسبه (1).
أمّا الرواية الاولى؛ ففيها قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من اشترط شرطا سوى كتاب اللّه-
1) المكاسب: 6/ 21- 26.
ص: 561
عزّ و جلّ- فلا يجوز لها و لا عليه» (1)فهي ذو احتمالين، يمكن أن يكون المراد من «سوى كتاب اللّه» الصفتية، بمعنى عدم الموافقة، أو يكون المراد منه المخالفة لكتاب اللّه، فليست هذه الرواية ظاهرة في إحدى الطرفين تعيينا، فهي من هذه الجهة مجملة، لا يستفاد منها مانعيّة المخالفة أو اشتراط الموافقة.
و أمّا رواية البريرة (2)، فهي مع أنّها عامية، لا يستفاد منها أيضا أحدهما، بل هي قابلة لأن يكون المراد منها المخالفة (3).
و أمّا صحيحة ابن سنان (4)الّتي هي مهمّة، و يمكن استكشاف شرطيّة الموافقة منها، فهو مبنيّ على أن يقدّم ذيلها على صدرها، بمعنى أن نجعل صدرها المستفاد منه مانعيّة المخالفة توطئة و مقدّمة للذيل، و إلّا فلو جعلنا الذيل تتمّة لما يستفاد من الصدر- و لازم ذلك جعل الصدر قرينة للذيل- فلا يتمّ المطلوب.
و لا يبعد الدعوى بأنّ سوق العبارة حاكم بأنّ الصدر مقدّمة و توطئة للذيل، لا أن يكون حكما مستقلّا، بل الحكم إنّما هو الكبرى المستفاد من قوله عليه السّلام:
1) وسائل الشيعة: 21/ 297 الحديث 27121.
2) مسند أحمد: 7/ 243 الحديث 24838، صحيح البخاري: 2/ 217 الحديث 2536 و 230 الحديث 2578، السنن الكبرى للبيهقي: 10/ 295، كنز العمّال: 10/ 322 الحديث، و في الكافي: 5/ 485- 487 الحديث 1- 6 مع اختلاف، وسائل الشيعة: 21/ 161 و 162 الحديث 26790- 26802 و 23/ 65 الحديث 29115.
3) و إن كان الظاهر منها- بقرينة قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و اعتباره بكون الشرط في كتاب اللّه- تحقّق الموافقة، «منه رحمه اللّه».
4) وسائل الشيعة: 18/ 16 الحديث 23040.
ص: 562
«المسلمون عند شروطهم في ما وافق كتاب اللّه» (1).
و هذا بخلاف رواية ابن بكير (2)الواردة في باب غير المأكول، فإنّ صدرها يكون قوله عليه السّلام: «إنّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله» .. إلى آخره. حتّى يقول عليه السّلام: «فاسدة» ثمّ يتمّ عليه السّلام ذيلها: «بأنّ اللّه لا يقبل تلك الصلاة حتّى يصلّي في غيره ممّا أحل اللّه أكله».
ففيها، الظاهر أنّ الذيل متمّم للصدر، و الصدر إنّما هو الكبرى الكليّة الدالّة على [الفساد]، فيستفاد من مجموعها أنّ غير المأكول مانع، و إن كان يمكن فيها أن يجعل كل من القضيتين مستقلا لبيان حكم، غير ما يستفاد من الآخر، بأن [يستفاد] من الصدر المانعيّة و من الذيل الشرطيّة.
و كيف كان؛ كلا الاحتمالين في الصحيحة بعيد، و أمّا باقي الأخبار فكلّها ظاهرة في مانعيّة الشرط المخالف.
ثمّ نذكر أوّلا الفرق بين المانعيّة و الشرطيّة و الثمرة المترتّبة عليهما، و بعد ذلك نشير إلى ما هو الحقّ من الاستظهار في المقام.
أقول: لو كانت المخالفة مانعة فيثمر جريان الأصل فيما إذا شكّ في مانعيّة شرط خاصّ، و أمّا لو كانت الموافقة شرطا فلا يثمر الأصل؛ لأنّ أصالة عدم المخالفة لا يثبت كون الشرط موافقا للكتاب.
ثمّ إنّه هل يمكن استفادة كليهما في المقام، كما احتملنا ذلك في باب غير المأكول أم لا؟ و قد بيّنا هناك بأنّه لو جعلنا الشرط جزء للمقتضي فلا يعقل أن
ص: 563
يجعل صدر المشروط مانعا؛ لأنّه كلّما ينتفي المعلول ينسب إلى العلّة الاولى، بمعنى عدم المقتضي الّذي لا تأثير للمانع إلّا بعد تماميّته، و هو لا يتمّ إلّا بتحقّق الشرط، فلا تصل النوبة إلى المانع أصلا، و أمّا لو لم نجعله جزءا للمقتضي فلا بأس بذلك.
و لكنّ الظاهر أنّ الأصحاب لم يفهموا في المقام كذلك، فيدور الأمر في المقام بين أحدهما.
ثمّ إنّه لمّا كان المقام من باب تنافي دليلي المثبتين؛ لأنّ الأخبار المخالفة دالّة على أنّ الشرط المخالف باطل، و الأخبار الموافقة على أنّ الموافق صحيح، فلا تعارض بينهما حتّى يقال بأنّه لمّا كان التنافي بين مفهوم الأوّل الدالّ على أنّ غير المخالف صحيح و هو أعمّ من منطوق الثاني الدالّ على أنّ الموافق صحيح، فلا بدّ من حمل الاولى على الثانية.
و قد أشرنا إلى أنّه لا يمكن جعل المخالف مانعا، و غير المخالف المساوق للموافقة المستفاد من بعض الأخبار شرطا، فيدور الأمر بين أن يجعل العمل بمفهوم الأخبار الّتي دالّة على مانعيّة المخالف أو ما دلّت على شرطيّة الموافقة، و لمّا يمكن العمل بهما من نحو تعدّد المطلوب، و قد ظهر أنّ النسبة الأعمّ مطلقا، فقد يحتمل لذلك تقديم الأخبار الدالّة على شرطيّة الموافقة، و الالتزام بأنّ المخالفة مانع و الموافقة شرط، و لازم ذلك أن لا تتحقق الصحّة بتحقّق عدم المخالفة، بل يحتاج بعده إلى صدق الموافقة.
و لكن تتميم ذلك موقوف على أمر، و هو أنّه إذا ورد عامّان متنافيان و اختصّ الأفراد الخارجي من أحدهما لصيرورتها مصداقا للآخر، فهل يوجب
ص: 564
تخصيصه بها، و يرفع اليد عن عمومه المستفاد من اللفظ؟
مثاله: لو ورد دليل بعدم إكرام الفساق، و دليل آخر بوجوب إكرام [أهل] البلدة الفلانيّة، و اتّفق أنّ أهل هذه البلدة كلّهم كانوا فسّاقا، فهل يؤخذ بما يدلّ على حرمة إكرام الفسّاق، و يجعل اتّصاف الأفراد الخارجيّة بالفسق وجها لتخصيص الدليل الدالّ على إكرام أهل [البلدة]، و يرفع اليد عن هذا الدليل رأسا.
مع أنّ النسبة بينهما العموم من وجه، أم لا؟ بل يبقى كلاهما على ظهوره؛ لأنّ القضايا مسوقة و ظاهرة في الأفراد الحقيقيّة الفرضيّة، لا الأفراد الخارجيّة.
فعلى ذلك لا يعمل معهما معاملة العموم و الخصوص المطلق، بل لا بدّ من الرجوع إلى المرجّحات في تقديم العامّين من وجه، أحدهما على الآخر، من الظاهريّة و الأظهريّة و غيرهما.
ففي المقام؛ و إن كان بحسب المفهوم بين المخالف و الموافق العموم مطلقا، مع أنّ الأفراد الخارجيّة من غير المخالف عين الموافق، و لا يوجد فرد في الخارج يكون غير مخالف للكتاب و لم يكن موافقا له، بل هما في الخارج متلازمان، و لكن بحسب جريان الأصل ينفك بينهما.
و يظهر الثمرة عنده كما عرفت، و إن كان الغير المخالف بحسب الأفراد الفرضيّة أعم، إلّا أنّه لمّا كان التحقيق الأخذ بظهور القضايا و مفهومها، و عدم الاعتناء بالمصداق الخارجي لما تسالموا من أنّ المعتبر من القضايا المتعارفة في العلوم إنّما هي القضايا الحقيقيّة، فلا بدّ من الأخذ بمفهومها، و لا وجه لتقديم أحدهما على الآخر بصرف أنّهما متلازمان في المصداق الخارجي.
ص: 565
فما قال به شيخنا قدّس سرّه في المقام من أنّ المراد بالموافقة عدم المخالفة، لموافقة كلّ شرط غير مخالف للعمومات المرخّصة في الكتاب (1)، غير مفيد شيئا من حيث إحراز الشرط و جريان الأصل، مع احتمال أن يكون الأمر بالعكس.
و بالجملة؛ على حسب ما يستفاد من ظاهر الأدلّة لا دليل على الالتزام بوحدة المطلوب من إرجاعها بعضها إلى بعض، و رفع اليد عن ظهورها.
و لكن الذي يسهّل الخطب و يوهن هذا الاحتمال، هو أنّه، أوّلا أنّ الظاهر من سياق هذه الأخبار أنّها في مقام اشتراط أمر واحد لا أمرين، فقد يعبّر عنه بعدم كون الشرط محلّلا للحرام أو محرّما للحلال و قد يعبّر بعدم كونه مخالفا للكتاب، و قد يعبّر بكونه موافقا له.
و ثانيا؛ أنّ الأصحاب لم يفهموا منها إلّا اشتراط أمر واحد، فيدور الأمر بين جعل الاشتراط كون الشرط غير مخالف.
و حمل بعض ما تدلّ على اشتراط الموافقة، على أنّه قد عبّر عنها باعتبار كون الموافقة من أحد مصاديق الغير المخالف، لا أن يكون في حدّ نفسه موضوعا للحكم، أو رفع اليد عن ظهور ما تدلّ على اشتراط كونه غير مخالف و حملها على كونها كناية عن الموافقة (2).
و لكن لمّا أوضحنا أوّلا من أنّ من الأخبار ما يمكن أن يستفاد منه اشتراط الموافقة هو حديث ابن سنان فقط، و البعض الآخر مجملة رأسا، و جلّها ظاهرة في مانعيّة المخالف، و لكن الاستفادة من حديث ابن سنان موقوف على أن نجعل
ص: 566
الصدر قرينة للذيل، و أنت خبير بأنّ ذلك ليس أولى من العكس، و لا أقلّ من أنّ ذلك أيضا يصير مجملا، فيصير المرجع ما تدلّ على مانعيّة المخالفة.
مضافا إلى أنّه لو جعلنا الموافقة شرطا فيلزم القول ببطلان مطلق الشروط عند الشكّ، مع أنّ بناء الأصحاب في باب المعاملات على الصحّة و عدم الالتزام بالفساد، بل يجرون- قدّست أسرارهم- أصالة عدم المخالفة، كما يستفاد من مقالة الشيخ قدّس سرّه أيضا، الّذي هو مرآة للمشهور (1).
ثمّ إنّه بعد أن تحقّق أنّ المناط هو المخالفة، و أنّ الشرط الغير المخالف صحيح، فالآن نشرع في شرح الشرط المخالف و توضيحه، فنقول: قد أفاد شيخنا قدّس سرّه بأنّه لمّا عبّر عن الشرط المخالف في بعض الأخبار بما هو محلّل للحرام و محرّم للحلال فيصير الضابط ذلك (2).
و أنت خبير بأنّه لو جعلنا المدار ذلك، يلزم أن يكون كلّ ما يشترط إمّا محلّلا للحرام أو محرّما للحلال، لأنّه إذا اشترط مثلا على أحد خياطة الثوب، فقد حلّل أمرا حراما، ضرورة أنّه كان قبل الشرط حراما على الشارط إجبار المشروط عليه، و الآن يحلّل ذلك على نفسه بتوسّط الشرط، و كذلك لو اشترط عدم التسرّي، فيصدق أنّه حرّم أمرا كان قبل الشرط حلالا من الشرع.
و بالجملة؛ لو جعلنا ذلك ضابطة يلزم عدم تحقق مصداق للشرط الصحيح، أو تخصيص الأكثر.
و دفع ذلك بأنّه لا إطلاق لدليل المباحات حتّى يشمل لها و لو بعد عروض
ص: 567
عنوان آخر من جهة طروّ عنوان الشرط عليها (1)مدفوع بأنّه إذا جعلنا الضابطة عدم تحليل الحرام و عكسه، يصدق عنوان تحريم الحلال، و لو كان دليل المباحات لا يشملها بعنوانها الثانوي. إذا اشترط- مثلا- عدم التسرّي، فإنّ دليل جواز التسرّي و لو لم يشمل بعد اشتراط عدمه و الالتزام بتركه، إلّا أنّ ذلك لمّا كان في الرتبة السابقة على الشرط حلالا و الشرط يرد عليه.
كما أنّ الحرمة العارضة للغنم من جهة الوطء سببها طروّ عنوان الموطوئيّة على الغنم الحلال، فلا يتغيّر الغنم عن عنوانه الأوّلي ثمّ يرد عليه عنوان الموطوئيّة الملازمة للحرمة، فتأمّل.
و المفروض أنّه ما تغيّر عنوانه قبل طروّ الشرط، بل الغرض تعلّق برفع حليّة بسبب نفس الشرط، فيصدق أنّه بالشرط حرّم الحلال الّذي كان في الرتبة السابقة على الشرط.
نعم؛ لو كان المحرّم للحلال هو دليل وجوب الوفاء بالشرط، فلمّا كان الأمر الحلال عرض عليه العنوان الثانوي من جهة الشرط، فيلزم دليل وجوب الوفاء ما حرّم أمرا حلالا، بل حرّم ما خرج عن حكمه الأصلي يكون عدم شمول دليل المباحات العنوان الثانوي مفيدا في رفع المحذور.
و الحال أنّ الأمر ليس كذلك، بل لا بدّ أن يكون الشرط في الرتبة السابقة على صيرورته مشمولا لدليل الوفاء صحيحا و غير مخالف للكتاب حتّى يشمله دليل الوفاء، مع أنّ نفس الشرط في المقام مخالف للكتاب؛ لكونه بنفسه واردا على الحلال و محرّما له، كما لا يخفى.
1) لاحظ! المكاسب: 6/ 26 و 27.
ص: 568
نعم؛ [لو] جعلنا المناط في البطلان المخالفة للكتاب لا يستلزم ذلك، ضرورة أنّ عنوان المخالفة للكتاب لا يتحقّق إلّا بعد طروّ الشرط للمشروط و تحقّق عنوان المشروطيّة، و لا ريب أنّه إذا لم يكن لدليل المباحات إطلاق يشمل العناوين الثانوية اللاحقة للموضوعات، فلم يكن الحكم الأولي باقيا بعد جعلها في مصبّ الشرط، فلا يكون الشرط مخالفا للكتاب، فيدور الأمر بين جعل المدار المخالفة أو المحلليّة للحرام و عكسه.
و الظاهر أنّ النسبة بينهما عموم مطلقا و لا شاهد على الحمل بعد كونهما مثبتين، و عدم ثبوت وحدة المطلوب كما كان الدليل عليها عند الدوران بين شرطيّة الموافقة أو مانعيّة المخالفة (1).
و من المعلوم؛ أنّ الأخبار لا تساعد على وحدة المطلوب في المقام، لأنّها في كلّ من الطرفين مستفيضة، و كذلك فهم الأصحاب ما استقرّ ظاهرا على أحد الطرفين خاصّة، فلا داعي للأخذ بأحدهما دون الآخر، فالقاعدة تقتضي بالعمل بما يجعل المناط في الصحّة عدم تحليل الحرام و تحريم الحلال، لكون دائرتها أوسع.
و لكنّ الّذي يوهن ما ذكرنا في تحليل الحرام و عكسه، و إنكار جعل المدار ذلك، هو أنّ تحليل الحرام إنّما يقصد بتوسّط الشرط، و لا خفاء أنّ رتبة التحليل
1) قد تعرّض شيخنا قدّس سرّه في باب القدرة على التسليم مسألة دوران الأمر بين شرطيّة شيء و مانعيّة نقيضه، و أفاد بأنّ جريان الأصل إنّما يفيد في الضدّين، كاشتراط العدالة أو مانعيّة الفسق، لا في غيرهما؛ كمسألة العلم و الجهل (المكاسب: 4/ 187)؛ و تعرّض لها صاحب «الجواهر» قدّس سرّه أيضا في مسألة اعتبار الخلوّ عن الحيض في الطلاق فراجع (جواهر الكلام: 32/ 36- 38)، «منه رحمه اللّه».
ص: 569
متأخّرة عن نفس الحلال، و كذلك عن الشرط، ضرورة أنّه اريد أن يحلّل أو يحرّم أمرا بالشرط، فيقع الشرط في رتبة الحلال أو الحرام الّذي يشترط تبديلهما، فيتعنونان بالشرط قبل تعلّق الحكم الشرعي بهما، فلو قلنا بعدم إطلاق لدليل المباحات حتّى يشمل العناوين الثانوية، فلا يكون على ذلك تحليل حرام باقيا على عنوانه الأولي، بل تحريم لحلال عرض عليه عنوان الشرط و صار مشروطا، و لا يصدق عنوان التحريم إلّا بعد وقوع الحلال في مصب الشرط، فتأمّل.
ثمّ إنّه لا يخفى بعد تسليم إنكار الإطلاق لأدلّة المباحات، فنقول: لا يثمر ذلك للأفراد المشكوكة.
بيان ذلك: أنّه و لو شكّ في دخول فرد تحت دليل الإباحة، و المفروض أنّه لا إطلاق للدليل حتّى يتمسّك به بعد طروّ عنوان الشرط و الشكّ في صيرورته واجب الوفاء بإطلاق الدليل، و الحكم بعدم كونه واجب الوفاء، و لكن أيضا لا دليل لنا في الطرف الآخر حتّى يتمسّك به، و ندخله في تحت دليل وجوب الوفاء؛ لعدم العموم في دليل الشرط، ضرورة أنّه بعد كون دليل الوفاء مخصّصا بالمتّصل لا يبقى على عمومه.
فالتمسّك بقوله عليه السّلام: «المؤمنون عند شروطهم إلّا ما خالف كتاب اللّه» (1)يلزم التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، و التمسّك به على مسلكنا و كذلك على المسلك المعروف لا يجوز، لصيرورة ما هو تمام الموضوع جزء له، أو لأنّ الشبهة المصداقيّة بيانها خارج عن وظيفة الشارع، و كذلك لا يجوز و لو كان
1) وسائل الشيعة: 21/ 276 ذيل الحديث 27081.
ص: 570
المخصّص منفصلا، و إن لم يكن في المقام كذلك (1)، فإذا لم يكن في الطرفين عموم أو إطلاق فبقي استصحاب حال الفرد المشكوك فيه قبل جعله في مصبّ الشرط بلا معارض؛ بداهة أنّ الشكّ سببيّ.
ثمّ إنّ لبعض المحشّين في المقام كلاما نتعرّضه، ثمّ نبيّن تحقيق المقام، قال رحمه اللّه ما محصّله: إنّه لو لم يكن لنا دليل الوفاء و كنّا نشترط ترك مباح لكنّا ملتزمين بترك ذاك المباح أم لا، بل كنّا مرتكبه تمسّكا بحليّته (2).
و من المعلوم؛ ما كنّا نرى أنفسنا ملتزمين بالترك، فإذا لم يفد أصل الاشتراط في تغيّر العنوان، فلا يثمر دليل الوفاء فيه.
نعم؛ لو كان دليل المباحات مقيّدا بعدم طروّ عنوان آخر، لكان يثمر نفس الاشتراط في تقطيع دليل الإباحة، و لا يستلزم تحريم الحلال بالشرط، و المفروض أنّه قدّس سرّه لم يلتزم بذلك، بل غاية ما التزم به هو عدم إطلاق لدليل المباحات حتّى يشمل العناوين الثانويّة الّتي منها الشرط.
و بالجملة؛ فمع تسليم ذلك قد عرفت أنّه لا يثمر، بل يحتاج إثبات التحريم بدليل وجوب الوفاء بالشرط، فيلزم أن يحرّم الحلال بالشرط، مع أنّه يجب أن يكون الشرط مع قطع النظر عن حكم الشارع مانعا.
فانقدح أنّ عدم الإطلاق لا يرفع المحذور، و الظاهر أنّه التزم فيها بالجمع العرفي بأنّه يقتضي الالتزام بالإباحة إلى زمان الاشتراط ثمّ الالتزام منه بدليل
ص: 571
الشرط، و أمّا في المحرّمات و الواجبات يكون الحكم فيها اقتضائيّا أو غير ذلك، فلا يقتضي الجمع، بل لا بدّ من تقديمها أو الرجوع إلى استصحاب حكم قبل الاشتراط.
فالتحقيق أن يقال: إنّ الباب يكون من باب التزاحم، فلمّا يكون دليل المباحات و حكمها لا اقتضائيّا، و دليل الشرط عن اقتضاء، فيرجّح ذلك عليها، و يقدّم الشرط عليها؛ لكون المناط فيه أقوى، بخلاف دليل المحرّمات و الواجبات، فيتزاحمان فيسقطان، و يرجع إلى الاستصحاب؛ لعدم اقتضاء الجمع فيها شيئا.
و لكن يرد عليه قدّس سرّه بأنّه التزم بالجمع العرفي أيضا بين أدلّة الحرج و الضرر، و أدلّة المحرّمات و الواجبات في باب التعارض (1)، فلا يثمر هذا التحقيق أيضا.
فنقول: الحقّ يظهر بعد ذكر مقدّمة، و هي أنّه قد يجعل ذات موضوعا لحكم ملحوظا فيها جميع الحالات المتضادّة، بحيث مع كلّ واحد منها لو لم يكن الآخر يرجع إلى واجب مشروط، و مرجع ذلك إلى عدم كون الذات بنفسها علّة للحكم، بمعنى أن يكون نفس الذات فيها مصلحة تامّة مقتضية بنفسها؛ لكونها تمام المناط لحكم الشارع، و لا يكون لشيء آخر له مدخليّة أصلا.
و لا خفاء أنّ الواجبات و المحرّمات يكون كذلك، فإنّ الشارع لاحظ فيها ذات الخمر مطلقا، مع اجتماعه مع كلّ واحد من العناوين المتضادّة إجمالا أو تفصيلا، و حكم بكونها حراما.
و كذلك الصلاة، و حكم بوجوبها كذلك، فلمّا كان تمام المقتضي فيها نفس
1) لاحظ! المكاسب: 6/ 27.
ص: 572
الذات بلا تأثير للخارج في ثبوت الحكم، فيستحيل أن يزاحمه شيء إلّا مصلحة أو مفسدة راجحة، و لكن لا بأن يصير ذلك موجبا لتقييد الذات بالنسبة إلى هذا المزاحم الخارجي.
و قد يجعل الذات موضوعا للحكم بحيث يكون لا اقتضاء محضا بالنسبة إليه؛ بمعنى أنّ ذاته لا يأبى عن ذلك لو لم يك مقتض يعارض لذلك، و لا ريب أنّ الأحكام الإباحيّة جلّها كذلك، و إنّما هي ترخيصات من الشارع نشأت عن عدم اقتضاء الذات بالنسبة إلى الوجود و العدم، أو الفعل و الترك.
و لمّا لا يمكن أن يصير الذات فيها علّة للحكم، بل التأثير إنّما هي لها بشرط عدم مقتض آخر يزاحمه، فلا يعقل إطلاق للذات بالنسبة إلى المقتضيات الاخر؛ ضرورة أنّ المقتضي و لو كان في كمال الضعف، لا يعارض إلّا اقتضاء، فالحكم فيها لا بدّ أن يكون مهملة في مقابل الإطلاق.
فإذا كان ثبوت الحكم للموضوع بهذه المثابة، فلا يمكن أن يستكشف منه عدم المانع عنه، فكلّ ما احتمل أن يكون مانعا عنه، بمعنى يثبت كونه مقتضيا لأمر مخالف للحكم الإباحي، فليس لنا أن نستدلّ بدليل الإباحة لبقاء حكمها، بخلاف القسم الأوّل من الأحكام الاقتضائيّة؛ لأنّه لمّا يثبت أنّ الذات فيها يمكن كونها بنفسها علّة للحكم بلا تأثير شيء آخر فيه، فيستكشف من إطلاقها الذاتي عدم وجود مانع لها، إلّا ما يثبت من الحكم المخالف بسبب ترجيح لمصلحته و مقتضيه على هذا الحكم الاقتضائي، بحيث تثبت الحكومة و النظر لها كأدلّة الضرر و الحرج.
و كيف كان؛ فالإطلاق الذاتي في الأحكام الاقتضائيّة يكتفى بها لرفع
ص: 573
الشكّ و عدم تأثير المزاحم المشكوك فيه، بخلاف الأحكام الإباحيّة، لما عرفت من عدم تصوير الإطلاق فيها ذاتا.
هذا كلّه في الإطلاق الذاتي، و أمّا الإطلاق اللحاظي، و هو أن يكون الحاكم ملاحظا للحكم و الموضوع و يحكم بثبوته له حيثما كانا، و إنّما كانا في أيّ حال تحقّقا، فلم يثبت في أحد القسمين أصلا، حتّى يقال بأنّه و لو لم يتحقّق الإطلاق الذاتي فيتمسّك عند الشكّ بالإطلاق اللحاظي؛ ضرورة أنّ الأحكام الثابتة للموضوعات إنّما هي ثابتة لها بحسب ظاهر أدلّتها لها بنفسها، بلا نظر إلى العوارض الطارئة عليها، فالحرمة ثابتة للخمر لذاتها، و لم يقم دليل على أن الشارع لاحظ في حكمه العناوين الطارئة أيضا ثمّ أثبت المحمولات لموضوعاتها، بل غاية ما ثبت قصر نظره إلى (على) الذات.
إذا عرفت هذه المقدّمة فنقول: إذا اشترط الالتزام بترك مباح أو فعله، فلا يمكن التمسّك بإطلاق أدلّة المباحات، للزوم تحريم الحلال؛ لأنّه ليس لها إطلاق ذاتي و لا لحاظي، بل الأحكام الثابتة لها بعد ما عرفت إنّما هي حكم حيثي، بمعنى أنّ حيثيّة ذاتها لا يأبى عن الحكم بإباحتها و الترخيص في فعل شيء أو تركه كما ترى الأصحاب- رضوان اللّه عليهم- ملتزمين بذلك، فعلى ذلك كلّما ثبت حكم ناشئ عن الاقتضاء، سواء كان شرطا أو غيره فيكون واردا عليه.
فالحليّة الثابتة للغنم لما لم يكن حيثيّة ذاته آبيا عن ثبوت الحليّة له، بلا لحاظ تأثير لذاته فيه، بل عدم وجود المصلحة الملزمة فيها، و عدم المقتضي الخارجي المخالف، دعى إلى الحكم بالإباحة، فعلى فرض الالتزام بكون الإباحة من الأحكام الشرعيّة المجعولة لا يستلزم أن يكون الذات علّة و مقتضية له.
ص: 574
و أيضا؛ لا يستلزم أن يثبت الحكم بلا علّة، بل نفس عدم المصلحة الملزمة و عدم المقتضي الآخر، أمر وجودي يكفي في كونهما علّة، و هذا بخلاف الأحكام الإلزاميّة، فإنّها لمّا نشأت عن نفس الذات و تأثيرها مستقلا في ثبوت الحكم، فكلّما تحقّق الذات نحكم بثبوت الحكم، و لو وجد ألف مقتض مخالف لما يكن الحكم مقيّدا به لم يؤثّر شيئا، و لذلك يقال: إنّ الأحكام فيها فعليّة.
فالمحصّل؛ أنّ الطريق لاستكشاف الإطلاق في الواجبات و المحرّمات يوجد، و في المباحات لا طريق لنا إليه، و لذلك يقع [بينها و] بين الدليل المخالف للاولى التعارض، يحتاج في ترجيحه عليها إلى الدليل الخارجي، بخلاف الثابتة، فإنّه إذا كان للدليل المخالف مقتض يقدّم عيها، و لا يحتاج إلى المقدّم الخارجي.
ففي الاولى لا يرفع اليد عن الإطلاق الأوّل بمقدار ما يثبت من الخارج تقييد إطلاقها، و في الثانية ليس كذلك، أي: لا يحتاج إلى إثبات الخروج من الحكومة الثابتة من الخارج، بل لمّا لم يكن إطلاق رأسا فيخرج قهرا.
و أمّا الكلام في ما يكون فيه اقتضاء الفعل أو الترك من جهة لا مطلقا، و هو الاستحباب و الكراهة، فلمّا كان الفصل المتحقّق فيهما- و هو عدم المنع عن الترك، أو عدم المنع عن الفعل- نشأ عن اقتضاء في الحكم، فيجري فيه ما قلنا في الإباحة؛ ضرورة أنّ الحكم فيهما مركّب من الجنس و الفصل، و لا يستقلّ نفس الجنس في كونه حكما، و الكلام ليس في اقتضاء الوجود حتّى يقال بأنّه لا يعارضه شيء، بل في الاقتضاء بالنسبة إلى الحكم الشرعي.
ثمّ لا بأس أن نذكر بيانا آخر توضيحا للأمر، فنقول: إنّه لا إشكال في أنّ
ص: 575
الإرادة على نحوين: الإرادة المنوطة، و الإرادة المطلقة، و كذلك الحكم المترتّب عليهما ينقسم بهما، و إطلاق الحكم يقتضي أن يكون الموضوع الّذي مقيّد بأمر، و الإرادة أيضا انيطت به، كون قيده موجودا، بمعنى أن يكون مفروض الوجود، مثل ما إذا حكم الشارع مطلقا بوجوب الحجّ عند الاستطاعة، لما يرى الاستطاعة في عالم الإنشاء موجودا، فيحكم مطلقا، و لو لم يكن القيد موجودا فيحكم مهملة.
ثمّ إنّه لمّا يكون الأحكام الاقتضائية نفس موضوعاتها كافية في أن تكون مناطا للحكم، بلا دخل شيء فيها، فالحكم الإطلاقي فيها لا يحتاج إلى تقييد أصلا، بخلاف الأحكام الإباحيّة لمّا لم يكن أن يكون الذوات فيها علّة، بل ثبوت الحكم مقيّد بعدم ثبوت مقتض خارجي، فالحكم على نحو الإطلاق فيها يتوقّف أن يلاحظ المقتضيات المزاحمة، ثمّ يفرض عدم تحقّقها حتّى يحكم حكما فعليّا مطلقا، و يخرج الحكم فيها عن الحيثيّة و الإهمال، و لا خفاء أنّه يلزم على ذلك أن تقيّد المادّة حتّى تبقى الهيئة الدالّة على الإنشاء على إطلاقها.
و أمّا إذا لم يتقيّد المادّة كذلك، بل لوحظت مهملة، و لازمه أن يتقيّد الهيئة الدالّة على الإنشاء و يكون الحكم مقيّدا بمعنى مهملا.
و بالجملة؛ ففي المباحات إطلاق الحكم و إهماله يدور مدار تقييد المادّة أو الهيئة، و لو لم نقل بتقديم تقييد الهيئة، و لا أقلّ من الإجمال، فليس لنا سبيل إلّا الالتزام بكون الأحكام فيها حكم حيثيّتي بالمعنى السابق، و هذا نكتة فارقة بين أدلّة الأحكام الاقتضائيّة، و اللّااقتضائيّة، كما أنّ الأصحاب لمّا كان لهم طريق استكشاف إطلاق الحكم في الاقتضائيّات فلذلك التزموا فيها بالإطلاق،
ص: 576
بخلاف اللّااقتضائيّة، فلم يكن طريق للاستكشاف، فبنوا فيها على الإهمال و الحيثيّة.
هذا؛ و لكن لا يتمّ هذا البيان لما يورد عليه، فالأحسن تغييره و تبديله بما نشير، و هو أنّ الحكم الفعلي بالإباحة يتوقّف نظير الواجب المشروط المقيّد فيه الوجوب بتحقيق الشرط على تقييد الإنشاء بعدم المقتضيات الخارجيّة، و أمّا الحكم الحيثيّتي، و هو الحكم بعدم إباء نفس الذات عن كونها مرخّصا في الفعل و الترك، و هذا العنوان ثابت و لو اجتمع مع ألف مقتض خارجي، فهذا لمّا لم يحتج إلى لحاظ المعارضات الخارجيّة فلا يوجب تقييد الإنشاء، بل هو على إطلاقه باق، فيدور الأمر بين تقييد الإنشاء و إطلاقه، و لو لم نلتزم بحفظ إطلاق الإنشاء، فلا أقلّ من الإجمال، فليس لنا طريق الحكم بكون الأحكام الإباحيّة فعليّة.
ثمّ إنّه إذا ثبت كونها أحكاما تبيّن حيثيّة الذات، فالالتزام بعدم وجوب الوفاء بالشروط المتعلّقة بالمباحات لاستلزامها تحريم الحلال يكون دوريّا.
بيان ذلك؛ أنّ معنى عدم وجوب الوفاء بالشرط هو اللّاوجوب، و التمسّك بعدم الوجوب لاستلزامه تحريم الحلال يتوقّف على عدم كون الشرط مقتضيا، و إثبات ذلك بهذا الاستلزام موقوف على كون الأمر المشروط مقتضيا و باقيا على حليّته.
مع أنّ بقاءه على ذلك موقوف على أن لا يكون الشرط مقتضيا لعدم الحليّة، فيستلزم الدور، و كذلك تطبيق مخالفة الكتاب عليها مستلزم للدور، فيستحيل الالتزام بتطبيق دليل الشرط المحرّم للحلال على الحليّة اللّااقتضائيّة.
فلا بدّ من القول باختصاصه إمّا بالحليّة الاقتضائيّة، و إمّا بكون المراد به
ص: 577
الحلال بالمعنى الأعم الّذي من مصاديقه الوجوب، بقرينة كون المراد من التحليل المقابل لذلك في الرواية هو الوجوب الجائي من قبل الشرط، كما أنّ الأصحاب لم يفهموا منه إلّا ذلك، و لم يطبقوه إلّا على المحلّلات الاقتضائيّة، و المراد بها أن يكون عن اقتضاء، كما في في الواجبات و المحرّمات، إلّا أنّ الفرق بينهما أنّ الحليّة الاقتضائيّة إنّما يكون الاقتضاء فيها في الجعل، و لا يعقل أن يكون اقتضاء في الذات كما في غيرها.
و إذا تحقّق كون المراد بها الحليّة الاقتضائيّة، فقد يقع الإشكال في بعض الموارد.
أحدها؛ رفع وجوب الوضوء الّذي يوجب الضرر المالي الغير القابل للتحمّل، فلو اشترط في ضمن عقد مثل هذا الوضوء، فلا خفاء أنّ الرخصة بترك الوضوء الضرري إنّما نشأت من الاقتضاء، و إلّا لم يعقل أن يسقط الوضوء الّذي مقتضيه تامّ و يتبدّل بالتيمم، فالظاهر كما أنّ نذر مثل هذا الوضوء واجب الوفاء، كذلك يجوز اشتراطه و يجب الوفاء به.
و ثانيها؛ الإباحة الثابتة من قبل تسلّط الناس على أموالهم، فمن المعلوم أنّها ثبتت أيضا عن اقتضاء، فلازم ما ذكرنا أن لا يصحّ اشتراط أن يعامل معاملة غبنيّة، مع أنّه يصحّ.
و لكن يمكن أن يجاب عن الأوّل؛ بأنّ أدلّة الضرر و الحرج إنّما ترفع الاقتضاء عن قبل نفسها، و لا تنافي أن يثبت الاقتضاء من قبل أمر آخر مثل الشرط و غيره، فتأمّل.
فإنّ لسان هذه الأدلّة إنّما هو الحكومة و اقتضاء العدم، و هو ملازم لرفع
ص: 578
المصلحة، عن مثل هذه العبارة، فكيف يمكن أن يثبت مؤثّر آخر موجب لإثبات المصلحة.
و عن الثاني؛ بأنّ غاية ما يثبت من ذلك حرمة مثل الشرط، و الحرمة لا ينافي الصحّة، مثل ما إذا نهى الوالدين عن معاملة، فلا ريب أنّه يحرم هذه المعاملة، و لكن تصحّ قطعا.
ثمّ إنّ هذا كلّه فيما يقتضيه أصل أدلّة المباحات من أنّ ظاهرها و غالبها إنّما يثبت الإباحة الاقتضائيّة، فهكذا يقتضي طبع نفسها و أدلّتها، و لا ريب أنّ ذلك موقوف على أن يكون علّة الحكم و مناطه نفس ذات الموضوع.
و أمّا فيما لم يحرز ذلك، و شككنا في كون الحكم اقتضائيّا أو لا اقتضائيّا، فلا يبعد أن يدّعى بالأوّل؛ لما يقتضيه طبع الإنشاء من كون الحكم فعليّا، و لازم ذلك أن يكون المصلحة في نفس الجعل.
فهنا إطلاقات ثلاثة:
أحدها؛ كون الظاهر أنّ العلّة للحكم و مناطه نفس الذات، لا الأمر الخارج.
و ثانيها؛ طبع الإنشاء، و إطلاقه يقتضي أن يكون الحكم فعليّا.
و ثالثها؛ كون الإنشاء مطلقا لا مقيّدا، كما هو لازم الحكم الفعلي.
فإن ثبت الأوّل فهو المرجع، و إلّا فالثاني، و إن لم يثبت كلاهما و شككنا في صحّة شرط- و قد عرفت أنّ دليل الوفاء لمّا كان مخصصا أو مقيّدا فلا عموم يتمسّك به، مع كون الشبهة مصداقيّة- فإن كان للمشروط حالة سابقة على الشرط فاستصحابها هو المرجع، و إن لم تكن الحالة السابقة، كما لو شرط رقيّة مولود أحد أبويه مسلم مثلا، و لم يكن دليل يقتضي حريّته، فأصالة عدم المخالفة محكم.
ص: 579
سواء رجع إلى ما أفاده شيخنا قدّس سرّه (1)أم لم يرجع (2)، هذا ما يقتضيه القاعدة و الاصول في باب الشرط، و عليك بتطبيق الصغريات عليها.
و قد انتهى الكلام هنا في بيان الشرط الثالث الّذي هو أهمّ الشروط، و قد كثر النقض و الإبرام فيه، و اضطربت كلمات بعض متأخّري المتأخّرين في توضيحه (3)، و لقد أجاد- دام ظلّه- في ما أفاد، و إن كان ما نقلته لا يفي بمرامه- دام ظلّه- و اللّه الموفّق و المعين.
بقي في المقام توضيح رواية محمّد بن مسلم (4)، فالّذي قوّاه الاستاد- دام ظلّه- فيها، احتمالان، و هما مشتركان في أنّ محلّ الكلام في الرواية من الحكم المخالف للكتاب هو مسألة اشتراط الطلاق، لا الامور الواقعة في حيّز الشرط، فإنّ الظاهر أنّ مفاد الرواية إنّما يكون من قبيل نذر الزجر، مثل ما لو نذر بأنّه لو شرب فيحجّ بيت اللّه، فإن حقيقة الالتزام إنّما هو حجّ بيت اللّه، و شرب الخمر إنّما هو مقدّمة له، فكذلك في الرواية، فحقيقة الالتزام الشرطي و التعهّد إنّما تعلّق بالطلاق.
و أمّا ترك التسرّي و الهجر و التزويج فهي مقدّمات لما ألزم على نفسه، فلا يقال: إنّه اشترط هذه الامور بالطلاق، بل يقال: إنّه اشترط الطلاق و التزم به عند
ص: 580
إتيانه بهذه الامور، كما في نذر الزجر و الشكر.
و أمّا اختصاص أحد الاحتمالين، فهو أن يكون المراد باشتراط الطلاق في أحدهما، بأن يعلّقه على ذلك الامور، و لكن لا أن يقع الطلاق بنفس الاشتراط عند التخلّف، بل يجري صيغة الطلاق عند وجوب الوفاء بالشرط، و هذا مخالف لكتاب اللّه و سنّة نبيّه صلى اللّه عليه و آله و سلم من جهة التعليق في الطلاق.
و الآخر؛ بأن يكون المراد به وقوع الطلاق بنفس هذا الشرط، و هذا مخالف من جهتين: الجهة السابقة، و أنّ للطلاق صيغة خاصّة و سبب مخصوص (1).
و أمّا تطبيق الإمام عليه السّلام في الرواية الشرط المخالف بالآيات الدالّة على تحليل التزويج و غيره كما تراءى في بادي النظر، فهو ليس من باب تطبيق الشرط المخالف؛ لما عرفت من أنّها في الحقيقة ليس شرطا، بل إنّما هي مقدّمات و تهيئة للشرط؛ لأنّ الشرط ليس إلّا عبارة عن الإلزام و الالتزام، و جعل العلقة اللزوميّة الّتي ليست تابعة للإرادة، بخلاف الالتزام بالمقدّمات، فإنّها عبارة عن الالتزام العملي و البناء عملا على الفعل أو الترك الّذي هو قائم بقيام الإرادة، و كلّما انقلبت ينعدم المراد، كما أنّا أشرنا سابقا بأنّه قد يصير بذلك شرط ترك المباح مخالفا لكتاب اللّه (2)، بمعنى أنّ إرادة ترك العمل و إن لم يكن مخالفا
1) فهذا يصير نظير الواجب المشروط ظاهرا، «منه رحمه اللّه».
2) كما أنّه ظهر بذلك النظر في ما في كلام النراقي قدّس سرّه من أنّه منحصر مورد الرواية بما كان نفس حكم المشروط مخالفا للكتاب، و إلّا فالالتزام بترك المباح أو فعل الحرام ليس مخالفا له؛ لأنّ الالتزام في مقابل الحكم الشرعي ليس مخالفا للكتاب (عوائد الأيّام: 151)؛ وجه النظر عدم التفرقة بين نحوين من الالتزام، «منه رحمه اللّه».
ص: 581
للكتاب، إلّا أنّ الالتزام بذلك- بمعنى جعل اللزوم في مقابل ترخيص اللّه تعالى- ربّما يكون مخالفا للكتاب.
و بالجملة؛ ليس الالتزام بالامور المجعولة مقدّمة للطلاق إلّا من الالتزام الأوّل الّذي خارج عن غير الشرط، كما في كلّي النذور و العهود الزجريّة، فعلى ذلك لا بدّ من حمل كلام الإمام عليه السّلام إلى أنّه من باب الإرشاد، [مضافا] إلى أنّ هذه الامور محلّلة في الكتاب، لم تجعل مع ذلك بين نفسك و بين تركها (و بينها) العلقة اللزوميّة؟ لا أنّه مخالف للكتاب فيبطل الشروط المذكورة مع ورود النصّ الصحيح بصحّتها، مضافا إلى التزام الأصحاب ظاهرا بصحّتها، أو الحمل على التقيّة؛ لكون هذا الطلاق على مذهب العامّة صحيحا، و يقع بنفس الشرط، و لذلك عدل عليه السّلام عن تصريحه ببطلانه بالكناية عنه بهذا اللسان من الإرشاد إلى حكم آخر، فظهر أنّ ما أفاده شيخنا قدّس سرّه (1)لا يطابق القواعد، فتأمّل.
الشرط الثالث، أن لا يكون الشرط منافيا لمقتضى العقد.
اعلم! أنّ اشتراط ما ينافي مقتضى العقد يتصوّر على أنحاء: قد يكون ممّا يمنع عن تحقّق القصد و إنشاء المعاملة، كما إذا اشترط ما يقطع بكونها من لوازم العقد و عدم التفكيك بينه و بين العقد (2)، مثل ما إذا اشترط في عقد البيع عدم سلطنة المشتري على المبيع، أو عدم تصرّفه فيه بنحو أصلا، فمثل هذه الشروط مع قصد البيع الكاشف عن النقل و الانتقال متضادّان، فيتعارض بين دليل الشرط
ص: 582
و دليل الوفاء بالعقد، فإن لم يوجد مرجّح فيحكم بتساقطهما، كما زعمه بعض، و لكن يمكن أن يقال بترجيح جانب العقد.
بيان ذلك؛ أنّه لا إشكال أنّ البيع ذاتا لا يتوقّف على وقوع الشرط و صحّته، بخلاف الشرط، فإنّه لمّا كان عبارة عن جعل العلقة بين مضمون العقد و المشروط فيتوقّف على تحقّق المضمون.
ثمّ إنّ الظاهر أنّ القصد المتعلّق بالعقد المشروط ليس تمام القصد معلّقا عليه؛ بحيث لا يكون قصد بالنسبة إلى الذات و لو بمرتبة ضعيفة، بل يمكن دعوى القطع- لما يرتكز عليه الأذهان- بأنّ القصد المطلق بمرتبة ضعيفة منه إنّما تعلّق بنفس المضمون عند التحليل، بلا لحاظ الشرط و دخله فيه، و مرتبته الشديدة تعلّق به مع الشرط.
و لازم ذلك أنّ بفقدان الشرط لا ينتفي القصد رأسا، فلا مانع من أن يشتمل دليل الوفاء للمضمون كما في كلّي باب تعدّد المطلوب، ضرورة أنّه بفقدان القيد لا يخرج المقيّد عن أصل الدليل المثبت للحكم، فلا يبقى لدليل الوفاء بالشرط مورد؛ لأنّه من أوّل الأمر لمعارضته للعقد سقط، فليس بطلان مثل هذه الشروط لكونها مخالفا لكتاب اللّه.
و لا يخفى أنّه لا فرق في هذه الجهة و الحكم بصحّة العقد و بطلان الشرط، بين أن يكون الشرط و الالتزام مرتبطا بنفس الإنشاء أو بالمنشإ، فإنّه و إن كان نفس الإنشاء معلّقا عليه، إلّا أنّه لا بدّ من التفكيك في دليل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)و الالتزام بعدم شموله للقيد؛ لما عرفت.
1) المائدة (5): 1.
ص: 583
و إن كان الشرط ممّا يشكّ كونه منافيا (1)لمقتضى العقد، بحيث لا يمنع عن تحقّق القصد حتّى يستلزم التنافي، فإن كان إطلاق دليل أو عمومه، يتمسّك به لإثبات ما اشترط منعه، كما إذا اشترط منع المشتري عن بيع المبيع، و قلنا بأنّ عموم «الناس» يثبت هذا التصرّف، و كونه ممّا لا ينفك عن التملّك.
و إن لم يكن المشروط من اللوازم بهذا الظهور، بل كان بنحو يمكن أن يكون مغفولا عنه، كما إذا اشترط المنع عن تصرّف خاص، بحيث يكون في الواقع منافيا لمقتضى العقد، و لكن كان غير ملتفت إليه، و لذلك لا يمنع عن تمشي القصد بأصل البيع مثلا.
فإن بنينا على تعدّد المطلوب، كما هو الظاهر من فهم الأصحاب ذلك، و لذلك لم يجعلوا عدم اشتراط المنافي من شرائط صحّة العقد، بل جعلوه من شرائط صحّة الشرط، فاللازم الحكم بصحّة دون الشرط؛ لتعلّق القصد على كلّ حال بذات المقيّد.
و إن بنينا على وحدة المطلوب فلمّا يقع التعارض بين دليل الوفاء بالعقد و دليل الوفاء بالشرط- لأنّ كلا منهما يمنع عن الآخر؛ ضرورة أنّ الشرط لمّا لم يمنع عن القصد، فلا دليل على الالتزام ببطلانه من رأسه- فيقتضي الوفاء.
و أمّا العقد؛ فلمّا كان المقصود منه مجموع القيد و المقيّد على الفرض، و لم يتعلّق القصد بما لم يتعلّق به الشرط حتّى يتجزى بين المحلّين كما في الأوّل، فيحكم ببطلانهما؛ لعدم الترجيح لأحدهما.
و كيف كان؛ فالظاهر أنّه لا تصل النوبة إلى التمسّك بكون الشرط مخالفا للكتاب.
1) و إن كان في الواقع منافيا، «منه رحمه اللّه».
ص: 584
و إن شككنا في كون الشرط من اللوازم و عدمه، الّذي أفاد شيخنا قدّس سرّه في «المكاسب» (1)بعد نقل كلام المحقّق الثاني قدّس سرّه أوّلا، هو الرجوع إلى عموم أو إطلاق مثبت لأنحاء السلطنة إن وجد، أو إلى عموم الوفاء بالعقد إن استكشفنا من الدليل ثبوت الأثر المشروط للعقد لو خلّي و طبعه.
ثمّ ذكر قدّس سرّه فهم الأصحاب في بعض المقامات؛ الأوّل، و في بعض الثاني، ثمّ قال قدّس سرّه في انتهاء الكلام: و إن لم يرتفع الشبهة بذلك، فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل، و هو عدم ثبوت الأثر على نحو لا يتغيّر (2).
و ينبغي تنقيح البحث هكذا: لا بدّ أن يعلم أوّلا أنّ اللوازم على قسمين:
أحدهما؛ لوازم مضمون العقد كالسلطنة على المبيع مثلا.
ثانيهما؛ لوازم نفس العقد كالخيار.
ثمّ إنّ الشكّ في كلّ منهما يوجب الشكّ في حدوث العلقة اللزوميّة المقصودة من الشرط عرفا، و قد يوجب الشكّ فيه شرعا.
أمّا الأوّل؛ فلأنّه إذا شكّ أنّ عدم الضمان في العارية، هل هو من اللوازم الغير القابلة للانفكاك عند العرف أم لا؟ فمرجع الشكّ إلى تحقّق علم إجمالي بين أن يكون هذا العقد، و هذه المعاملة عند العرف على نحو يكون لا ينفكّ منه عدم الضمان، و أن لا يكون من لوازمه الغير القابلة للانفكاك، فإذا اشترط فيه الضمان فيرجع الشكّ إلى أصل تحقّق العقد و المعاملة، فإذا شكّ في أصل تحقّق المضمون- و الشرط ليس إلّا عبارة عن إحداث علقة لزوميّة بين المضمون و بين
ص: 585
الشيء- فيشكّ في حدوث نفس العلقة، لعدم العلم بتحقّق ما يقوم به العلقة.
ثمّ إن بنينا على أنّ الشرط عبارة عن نفس العلقة اللزوميّة، فليس لنا ما يتمسّك به بصحّة الشرط و لو على ما هو من جواز التمسّك بالعام المخصص بالدليل اللبي في الشبهات المصداقيّة؛ لأنّ الشك هنا في أصل وجود المصداق العامّ، لا اتّصافه بالصفة المخصّصة بها، كما إذا شكّ في عقد البيع بأنّ العاقد كان قاصدا أم لا، فلا يجوز التمسّك بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)، و هو كما إذا شكّ في كون زيد من جيران المولى و عدمه عند أمره بإكرامهم، و أنّ ما يجوز التمسّك بالعام إنّما إذا شكّ في كونه من أعدائه أم لا.
فكيف كان؛ فلا يجوز التمسّك ب أَوْفُوا بالشرط في هذه الصورة، فيحكم بفساد الشرط لا محالة و صحّة العقد بلا إشكال؛ لعدم وجود ما ينافيه من قصد و غيره.
و إن بنينا على أنّ الشرط هو إنشاء الإلزام و العلقة، فلا إشكال في تحقّق موضوع الشرط و أصله، و إنّما الإشكال في قابليّة المحلّ.
فإن قلنا بأنّ العمومات الّتي منها عموم دليل الشرط متكفّل لبيان قابليّة المحلّ، كما أنّها متكفّل لحكم أصل الإلزام، فيثبت صحّة الشرط.
و إن قلنا بأنّها ليست متكفّلة لذلك، فلا طريق إلى إثبات صحّة الشرط، ضرورة أنّ الوفاء بالشرط لازم إذا احرزت قابليّة المحلّ، و ما دام لم يحرز قابليّة فمن المعلوم أنّه لا يثمر عموم وجوب الوفاء.
نظير ما إذا شكّ في أنّ عقد البيع الواقع على الديدان أو الخمر مثلا يجب
1) المائدة (5): 1.
ص: 586
الوفاء به أم لا، و بنينا على أنّ البيع عبارة عن إنشاء التمليك، فلا يثمر التمسّك ب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، فإنّه و إن كان الشكّ في القابليّة و عدمها، و ترتيب الآثار و عدمه من تبعات الإنشاء و صحّته و فساده، إلّا أنّه ما لم يكن الدليل بنفسه متكفّلا لإثبات القابليّة لم يثمر العموم و صحّة الإنشاء بالنسبة إليها. هكذا أفاد- دام ظلّه-.
و أنت خبير بأنّه مع تسليم كون ترتيب الآثار على المنشأ و عدمه من آثار صحّة الإنشاء و فساده، و إدخال الإنشاء في دليل الوفاء و شمول العموم له الحكم بعدم صحّة الشرط لعدم تكفّل العموم بنفسه إثبات قابليّة المحلّ يقرّب القول بالتناقض، إلّا أن ينكر شمول العموم من أوّل الأمر لمثل هذا الإنشاء؛ لكون الحكم بصحّته ملازما لأمر عقلي خارجي، و هو قابليّة المحلّ، و إلّا لم يترتّب على صحّة هذا الإنشاء أثر، و إثبات الملازم الخارجي بذلك يلزم الدور؛ ضرورة أنّ الحكم بدخول هذا الإنشاء تحت العموم يستلزم القول بقابليّة المحلّ لترتيب آثار الصحّة على الإنشاء، و الحكم بقابليّته متوقّف على شمول العام لهذا الإنشاء.
فالحريّ الالتزام بخروج هذا الفرد من الإنشاء، و كذلك كلّ ما كان دخوله مستلزما لأمر عقليّ عن تحت العام رأسا، كما حقّق ذلك في محلّه، من أنّ العام إذا كان شموله لبعض الأفراد مستلزما لأمر عقلي و متوقّفا عليه، فلا يشمله العام.
نعم؛ لو كان دليل خاصّ كذلك، فلمّا يستكشف منه اللزوم العرفي و إلّا يلزم لغويّة الدليل لو لم يلتزم بالدلالة العرفيّة، كما إذا حكم باستصحاب طلوع اللحية الملازم لاستصحاب الحياة، فلا بدّ من إثبات اللازم أيضا بنفس الخاصّ،
ص: 587
و أمّا في العمومات، فلما لم يكن المدلول منحصرا بالفرد الملازم فليست دلالة عرفيّة حتّى يلتزم به.
و قد أوضحنا ذلك عند بيان رواية عليّ بن جعفر عليه السّلام في بيان الساتر، و هو قوله: رجل صلّى و فرجه خارج و هو لا يعلم (1).. إلى آخره، و أشار إلى ذلك (2)أيضا شيخنا قدّس سرّه في «الجواهر» في المقام (3).
و إن لم يكن الشكّ في تحقّق العلقة عرفا، بل إنّما الشكّ فيه شرعا، بمعنى أنّ اليقين حاصل بثبوت العلقة عند العرف؛ لعدم كون المشروط عندهم من اللوازم، و لكن شك في أنّ الشرع هل خطّأهم في ذلك، الراجع إلى تصرّف منه في العقد المشروط فيه و عدمه، فلمّا كان في الحقيقة مرجع الشكّ إلى كون الشرط مخالفا للكتاب و عدمه، فلا مانع من التمسّك بأصالة عدم المخالفة، فعند ذلك يثمر عموم دليل الوفاء بالشرط، و أمّا الشكّ في تصرّف الشارع، فيرتفع بعدم الردع و إطلاق الدليل الدالّ على الوفاء بالعقد.
و من ذلك ظهر لك أنّ العمومات في أبواب المعاملات إنّما يثمر التمسّك بها بعد إحراز صحّة المعاملة عند العرف، و لذلك قلنا في محلّه: إنّ العمومات كلّها ناظرة إلى بناء العرف و دأبهم في معاملاتهم، فلا يثمر التمسّك بها ما لم يحرز صحّتها عند العرف.
الشرط الرابع: عدم كون الشرط مجهولا، و لا يخفى أنّ الشروط بهذا
ص: 588
الاعتبار ينقسم إلى قسمين:
أحدهما؛ ما يكون من توابع المبيع و نحوه، و بعبارة اخرى؛ من الامور الداخليّة في الشيء، فيجعل مصبّا للشرط.
ثانيهما؛ ما ليس كذلك، بل هو أمر خارج يشترط وجوده أو عدمه في العقد.
أمّا الأوّل؛ فالظاهر أنّه لا بأس به أن يكون مجهولا، لأنّه كما أنّ توابع المبيع الداخلة فيه لو لم يجعل مشروطا لا يضرّها مجهوليّتها، كذلك إذا جعلت مصبّا للشرط يغتفر ذلك.
بمعنى أنّه لمّا كان المناط في ذلك العرف، و رأيناهم لا يعتنون بمجهوليّة التوابع، مثل أساس البيت و جدرانه و أبوابها، و الشارع أيضا ما خطّأهم في ذلك، يستكشف من بنائهم في مثل هذه الامور على المسامحة، و اكتفائهم بمعلوميّة أصل المبيع بجملته من حيث المجموع.
و لو جعلت مثل هذه الامور مشروطا و كونها ملحوظا استقلالا عند الشرط، و عدمه عند عدمه، لا يوجب الفرق، ضرورة أنّه عند عدم اشتراطها كانت ملحوظة ضمنا أيضا.
و بالجملة؛ يمكن الدعوى كليّا بأنّ بناء العرف في ما يكون من قبيل التوابع المسامحة و عدم الدقّة فيها، كما مبناهم الدقّة في غيرها، و إلى ذلك يمكن أن يكون نظر العلّامة- أعلى اللّه مقامه- و غيره في الفرق بين الأمثلة (1)، فتأمّل.
و أمّا الثاني؛ فالكلام فيه مبنيّ على سراية الجهل بالشرط في نفس
1) تذكرة الفقهاء: 1/ 493 و 499، و لاحظ! المكاسب: 6/ 52.
ص: 589
المشروط فيه؛ لأنّه لا دليل مستقلا يدلّ على اعتبار العلم بالشرط مطلقا، و لو لم يسر إلّا ما روي من أنّه نهي عن الغرر (1)، و لكن لمّا كان الأصحاب أعرضوا عنه و احتملوا فيها الحذف.
و لذلك تراهم يرون اغتفار الجهل في باب الصلح موافقا للقاعدة (2)، و لو لا النصوص الخاصّة في سائر أبواب المعاملات كما في البيع ما يرون الجهل مضرّا فيها، فتصير هذه الرواية موهونة، هكذا أفاد- دام ظلّه- و لا يخلو عن التأمّل (3).
و بالجملة؛ قال- دام ظلّه-: فلا بدّ من التحقيق في أنّ مجهوليّته هل يسري في المشروط فيه أم لا؟ فلما كان الشرط بمنزلة جزء ما وقع عليه العقد، و الجهل به يسري إلى المبيع أو الثمن و نحوهما، فيكفي في فساده ما دلّ على فساد نفس المعاملة بسبب الجهل، فيكتفى في اشتراط كون الشرط معلوما ما دلّ على اشتراط معلوميّة الثمن و المثمن في باب البيع و باب الإجارة و نظائرهما من أبواب المعاملات.
إنّما الكلام في أنّ مجهوليّته يوجب فساد المعاملة رأسا أم لا، و لا خفاء
1) عيون أخبار الرضا عليه السّلام: 2/ 50 الحديث 168 من الباب 31، عوالي اللآلي: 2/ 248 الحديث 17.
2) و يؤيّد ما ذكره- دام ظلّه- ما أفاده صاحب «الجواهر» قدّس سرّه في أوّل باب الصلح (جواهر الكلام: 26/ 217 و 218)، و إن كان يظهر من شيخنا قدّس سرّه- على ما نقله في باب اشتراط القدرة على التسليم و غيره من بعض الأساطين- خلافه (المكاسب: 4/ 175- 181). و أمّا اغتفار الجهالة في الصلح مطلقا إنّما هو لورود روايتين صحيحتين عليه، فراجع (وسائل الشيعة: 18/ 445 الباب 5 من كتاب الصلح)، «منه رحمه اللّه». لاحظ! جواهر الكلام: 26/ 217- 219.
3) لا إشكال في اعتبار الحديث؛ للعمل به، حتّى أرسلوا في كلماتهم إرسال المسلّم إطلاقه، أي نهي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن الغرر، و تمسّكوا به في جميع أبواب المعاملات على ما استوفي الكلام في ذلك شيخنا قدّس سرّه في قدرة التسليم من شروط البيع فراجع (المكاسب: 4/ 175- 181)، «منه رحمه اللّه».
ص: 590
في أنّ ذلك مبنيّ على البناء على تعدّد المطلوب و وحدته في الجملة، فإن بنينا على الثاني، فلا ريب أنّه يوجب الفساد بلا كلام.
و أمّا على الأوّل، فإن قلنا بأنّ قوله عليه السّلام: «نهى النبي عن بيع الغرر» (1)يدلّ على أنّ البيع الواقع في الخارج بجميع مراتبه منهيّ عنه، فبناء عليه أيضا يوجب الفساد، و إن قلنا بأنّه لا يدلّ على أزيد من أن البيع ما هو المغرور فيه منهيّ عنه، و من المعلوم أنّ المغرور فيه ليس إلّا البيع المقيّد.
و أمّا ما استخرجنا من ضمنه البيع المطلق الذي تعلّق القصد به بمرتبة ضعيفة منه، كما أشرنا، فلا يوجب الفساد رأسا، بل ما تعلّق به القصد الأكيد، فيبقى الأوّل تحت دليل الوفاء، و لكن لمّا كان التفكيك تعبّدا في المقام؛ لأنّ الظاهر أنّ الجهل أمر يسري في البيع بجميع مراتبه و يكون مثل الربا، و لذلك يوجب فساد المعاملة مطلقا، كما فهم الأصحاب أيضا كذلك (2)، و إن كان بناؤهم في الشرط الفاسد على خلاف ذلك، فإنّ المشهور ذهبوا إلى عدم مفسديّته، و لا يبعد أن يكون اختلاف كلمات العلّامة قدّس سرّه و غيره، مبنيّا على ما ذكرنا.
الخامس: أن لا يكون الشرط على ما ذكره العلّامة قدّس سرّه مستلزما لأمر محال (3)، كما إذا اشترط في البيع على المشتري أن يبيعه بالبائع، فلمّا يلزم من ذلك الدور- كما يأتي بيانه- فبطل اشتراط مثل ذلك، لأنّ المستلزم للمحال محال.
ص: 591
قال- دام ظلّه-: إنّ الإشكال لا يختصّ بذلك أوّلا، بل يجري في كلّ ما يتوقّف على الملكيّة الجائية من قبل هذا البيع، أعمّ من أن يكون من قبيل الأحكام الوضعيّة، كالبيع و نحوه، أو الأفعال، كالأكل و نحوه، و كذلك يجري أيضا في ما لو اشترط بيعه على غير المالك و نحوه.
و العذر عن خروج مثله، لعدم توقّف البيع أو الوقف على الغير على ملكيّة الواقف و البائع، بل ربّما يتحققان و يصدران عن غيرهما، كالوليّ و الوكيل و نحوهما (1)باطل؛ لأنّه لما استشكلوا في باب الفضولي من أنّ الإجازة كيف يؤثر في صحّة البيع عن الفضول و إدخال الثمن في ملك المالك الأصلي، مع أنّ الفضول باع المبيع عن نفسه و أخرجه بعنوان الإخراج عن ملكه، و لا بدّ أن يدخل الثمن في كيس من خرج عنه المثمن؟
فمن جملة الأجوبة الّتي دفعوا الإشكال بها، هو إنكار لزوم خروج المثمن عن كيس من يدخل الثمن فيه (2)، و قد تلقّى ذلك شيخنا قدّس سرّه بالقبول (3)، فكان اللازم عليه التعميم؛ لعدم لزوم كون البائع مالكا، مع أنّ الدور يلزم عند اشتراط ما ذكر.
ثمّ إنّ تقرير الدور على ما أفاده- دام ظلّه- هو أنّ البيع الأوّل يتوقّف على الاشتراط، و هو الالتزام بالبيع ثانيا؛ ضرورة أنّ إنشاء البيع إنّما يكون مقيّدا، فيتوقّف على الشرط على نحو الشرط المتأخّر، و لا ريب أنّ الشرط و هو البيع ثانيا يتوقّف على قابليّة المحلّ، و هو كونه مملوكا له، و ذلك يتوقّف على تحقّق
ص: 592
البيع الأوّل و صحّته، و لا يختلف ذلك بتعدّد المطلوب و وحدته؛ لأنّه و إن لم يكن على تعدّد المطلوب جميع مراتب البيع الأوّل يتوقّف على الشرط، و كذلك الشرط يتوقّف على جميع مراتبه حتّى المقيّد منه، إلّا أنّه لمّا كانت المراتب موجودة تحت وجود واحد.
فإذا توقّف أحد مراتب الوجود على أمر لازمي كما في البيع المشروط، فإنّ المقيّد منه يتوقّف على الشرط، لازمه يتوقّف على هذا الشيء بمرتبته الاخرى، فإنّ الشرط المتوقّف على قابليّة المحلّ و إن لم يتوقّف على البيع المقيّد، بل على ما يحصّل القابليّة، و هو ذات البيع، إلّا أنّه إذا كان هذا اللازم متلازم الوجود مع أمر هو متوقّف على المتوقّف عليه لهذا اللازم، فإنّ ذات البيع و إن لم يكن متوقّفا عليه و لكن متلازم الوجود مع البيع المقيّد، فيجري بين الشرط و ذات البيع مناط الدور؛ ضرورة [أنّه] إذا توقّفت مرتبة من الوجود الواحد على شيء فيوجب أن يكون جميع مراتبه متوقّفة عليه.
فالمحصّل؛ أنّ تعدّد المرتبة لا يوجب التفكيك بين المتلازمات في الوجود الّتي تكون تحت وجود واحد، و ما لم يتعدّد الوجود لم يمنع عن السراية، فلا يمكن التفكيك بين المتوقّف و المتوقّف عليه، و لا يرتفع الدور و التوقّف بسبب الالتزام بتعدّد المرتبة، بل يحتاج رفعه إلى الاختلاف في الوجود.
فحقّ الجواب أن يقال: إنّه إذا كان بشيء مقدّمات متعدّدة، بعضها اختياريّة و بعضها ليس كذلك، فلا يعقل اشتراط هذا الشيء على نحو الإطلاق، بل المشروط لا بدّ و أن يكون بلحاظ ما هو تحت الاختيار، فالبيع المشروط لا خفاء في أنّ له مقدّمات للوجود، منها الإيجاب، و منها القبول، و منها رضا الشارع
ص: 593
و إمضاؤه، بحيث لو انتفى أحدها لم يوجد البيع.
فإذا اشترط ذلك فلا يكون هو مشروطا بقول مطلق، بل المشروط إنّما هو ما يكون تحت قدرة المشتري، و ليس إلّا رفع المانع من قبله بإيجاد الإيجاب، و سائر مقدّماته خارجة عن تحت الشرط، فعلى ذلك لا يستلزم الدور؛ لأنّ بيع المشتري المشروط و إن كان يتوقّف على البيع الأوّل، إلّا أنّ البيع الأوّل لا يتوقّف إلّا على إيجاب المشتري الغير المتوقّف على البيع أصلا، ضرورة أنّ الملكيّة شرط للبيع لا شرط للإيجاب.
لا يقال: إنّ الإيجاب مطلقا و إن لم يتوقّف على التملّك إلّا أنّ الإيجاب المؤثر يتوقّف عليه، و لا ريب أنّ المشروط ليس إلّا الإيجاب المؤثّر الناشي عن التملّك.
لأنّا نقول: و إن كان الأمر كذلك، إلّا أنّ المؤثريّة ليست شرطا للإيجاب، بحيث لو لا الملكيّة لم يتحقّق إيجاب؛ لما عرفت من أنّ الملكيّة شرط للبيع لا الإيجاب، بل إنّما هي مع سائر المقدّمات للبيع كلّها متلازمات الوجود، و تكون من قبيل الأجزاء للمركّب (1)الّتي لمّا لم يكن كلّ واحد منها منفردا لضيق التأثير موجبا لتحقّق المركب، فيكون تأثيراتها عند اجتماع الجميع و انضمامها، لا أن تكون متلازمات الوجود، تأثير كلّ منها مشروطا بوجود الآخر، كذلك في المقام، الإيجاب شرط بلا مدخليّة للمؤثريّة، بمعنى أن يكون هي شرطا، بل إنّما هي عنوان مشير إلى ما هو شرط، لما عرفت من عدم تعقّل الاشتراط في المؤثّرات في الوجود.
1) نظير أجزاء الصلاة و غيرها، «منه رحمه اللّه».
ص: 594
فانقدح أنّ ما هو في حيّز الشرط في الحقيقة ليس إلّا صرف الإيجاب؛ لما عرفت من أنّ ما هو تحت القدرة عند الاشتراط ليس إلّا ذلك، و أمّا غيره من مقدّمات البيع الثاني المتوقّف على تحقّق البيع الأوّل، فلمّا لم يكن عند الاشتراط بحيثها، فهي خارجة عن حيّزه، فحقيقة الاشتراط يرجع إلى سدّ باب عدم البيع من الجهة الّتي تحت اختيار المشتري و ارتفاع المانع من قبله.
و أمّا ما ذكروه من الجواب من أنّ صحّة البيع لا يتوقّف على صحّة الشرط، بل إنّما يتوقّف لزومه على ذلك، و الشرط إنّما يتوقّف على الاولى فلا يلزم دور (1)، ففاسد؛ لما عرفت في تقريب الدور من أنّ قوام البيع و أصل تحقّق إنشائه موقوف على الشرط، فكيف يمكن التفكيك بين الصحّة و اللزوم؟
أقول: هكذا أفاد [في] المقام- دام ظلّه- و لكن مشي القوم في أصل تقريب الدور و جوابه على الظاهر غير مشيه (2)- مدّ ظلّه- فإنّه قرّب الدور طبقه على البيع الأوّل، و هم أجروه في نفس الشرط، لتوقّف الالتزام به على كون المشروط عليه مالكا للمشروط عند الشرط، و يكون تحت سلطنته، و هو متوقّف على البيع الأوّل، و المفروض أنّ البيع متوقّف عليه، و هذا دور واضح، بخلاف ما أفاده- دام ظلّه- فيجري فيه مناط الدور بناء على عدم جواز التفكيك بين المتلازمات في الوجود، كما سبق، و كذلك الجواب غير ما أفاده- مدّ ظلّه- و إن كان في غاية الدقّة، فتأمّل.
و من جملة الشروط التزامه في متن العقد، و قد أفاد شيخنا قدّس سرّه [في] المقام
ص: 595
بأنّه لا يلتئم بين ما تقتضيها القاعدة في المقام و كلام الأصحاب (1)، و قد عرفت ممّا أوضحناه في أوّل مبحث الشرط بأنّ ما ذكره قدّس سرّه من الإشكال في المقام إنّما هو مبنيّ على أن يكون المنشأ بالعقد معلّقا على الشرط، حتّى يكفي في لزومه ما يقتضي وجوب الوفاء بالعقد مقدّمة.
و أمّا لو لم يكن كذلك، بل الإنشاء بنفسه قيّد به، كما هو التحقيق، وفاقا بفهم الأصحاب فليس ما يقتضي وجوب الوفاء بالشروط الضمنيّة؛ لأنّ دليل الوفاء بالعقد لا يشمل إلّا نفس العقد المشروط عند تحقّق شرطه، و دليل الوفاء بالشرط لا يشمل أيضا إلّا شرطا يكون له مبرز حين العقد، و لا يكفي فيه بناء العقد عليه.
نعم؛ لو بنينا على وجوب الوفاء بالشروط الابتدائيّة و قد ابرز الشرط في الابتداء على نحو يصدق الالتزام فيشمله، و لكن لا ربط لذلك بالشروط الضمنيّة.
هذا؛ و لا يخفى أيضا ما ذكره قدّس سرّه في بعض الأمثلة من المناقشة (2).
أمّا مسألة النكاح و عقد الانقطاع لو خلّي عن ذكر الأجل ينقلب دائما، فيمكن أن يكون طبع عقد النكاح يقتضي الدوام حتّى يرد عليه ما يقلبه عن ذلك، و إلّا فيبقى على ما هو عليه من اقتضاء طبعه، فلا ربط له بعدم تأثير التواطؤ السابق على العقد في العقد، و كذلك مسألة الربا، فإنّه يمكن أن لا يكون وقوع العقد مبنيّا عليه.
ص: 596
و من جملة الشرائط الّتي احتملها بعض (1)عدم تعليق الشرط، و الكلام فيه قد يقع من حيث منافاته لنفس الشرط، و قد يكون من حيث سراية التعليق عنه إلى العقد، أمّا الأوّل فهو مبنيّ على جريان ما دلّ على فساد العقد بالتعليق في الشرط أيضا.
أمّا الوجوه العقليّة إن تمّ فالظاهر جريانه؛ لأنّ منها لزوم التفكيك بين السبب و المسبّب؛ لأنّ العقد سبب لحصول الملكيّة مثلا بمحض وقوعه، فلو علّق على وقوع أمر مستقبل يلزم أن يمنع عن تأثير سببيّة السبب، فهو كما أنّه ممنوع (محال) في الأسباب العقليّة، كذلك مستحيل في كلّ ما عدّ من الأسباب، شرعيّا كان أم عاديّا.
و لا خفاء أنّ ذلك بعينه جار في الشرط؛ ضرورة أنّه ليس إلّا جعل العلقة اللزوميّة بين المشروط عليه و أمر خارجي، فلو علّق هنا على أمر آخر مثل أن يقال: إن جاء زيد فعليك أن تخيط لي ثوبا، فيلزم التفكيك بين الشرط و ما يستتبعه إلى مجيء زيد أو يوم الجمعة مثلا.
و لكن ذلك مردود من أصله؛ لأنّ العقد ليس أمرا واقعيّا موجودا في الخارج، و له لوازم قهريّة غير منفكّة عنها، بل هو أمر اعتباريّ ناشئ عن الإنشاء، و تابع للقصد، فكيفما تحقّق القصد يتحقّق العقد بلوازمه و إن كان بعض الامور القصديّة يكون غير منفكّ عن وجوده الخارجي ما يكون من لوازمه، مثل الحركة للتعظيم، فلا يعقل أن يقصد من حركة اليوم التعظيم في الغد، لكن من البديهة أنّ الامور التابعة للإنشاء من العقود و الإيقاعات ليست كذلك.
1) لاحظ! المكاسب: 6/ 57 و 58.
ص: 597
و أمّا الوجه الشرعي الّذي هو العمدة من الدليل و هو الإجماع، فالظاهر عدم جريانه في الشرط؛ لأنّ القدر المتيقّن من معقده ليس إلّا العقود.
و أمّا من حيث السراية إلى العقد، فإن كان الشرط نفس العلقة اللزوميّة، و ذلك لمّا كان تحقّقها تابعة للخارج، فهي معلّقة، فيلزم أن يصير العقد المعلّق عليه أيضا معلّقا، فيبتني بطلان العقد من رأسه، أو من حيث يقيّده على تعدّد المطلوب و وحدته.
و أمّا إن كان الشرط هو إنشاء الالتزام، فلا خفاء أنّه منجّز، و إنّما المنشأ معلّق، فيصير نظير الواجب المشروط، فلا يوجب تعليقا في العقد، و لمّا كان المتعيّن الأخير فلا وجه لاشتراط صحّة الشرط بعد كونه معلّقا، كما ترى المعظم لم يلتزموا بذلك.
و أمّا ما أفاد شيخنا قدّس سرّه من الجواب عن هذا الشرط (1)فلا يخلو عن النظر؛ ضرورة أنّه لو كان فرض وجود كل أمر معلّق يخرجه عن التعليق في طرف وجود المعلّق، يلزم أن لا يتصوّر التعليق أصلا، و هو كما ترى.
و توضيح ذلك أنّ الشرط على ثلاثة أقسام:
أحدها؛ ما يتعلّق بصفة من صفات المبيع.
ثانيها؛ ما يتعلّق بفعل من الأفعال.
ثالثها؛ ما يتعلّق بنتائج الأفعال و غاياتها.
1) المكاسب: 6/ 58.
ص: 598
أمّا الأوّل، فالشرط فيه يرجع إلى اشتراط ردّ المبيع موصوفا بالصفة الفلانيّة، و إلّا فلا يعقل اشتراط الاتّصاف بأمر خاصّ في المبيع الشخصي، مع أن لا يكون المراد به توصيفه بذلك لو لم يكن متّصفا كما هو المفروض، و إلّا يرجع إلى شرط الفعل.
ثمّ إنّه لا إشكال في هذا الشرط لو كان المبيع متّصفا به؛ لتحقّق معنى الالتزام المقوّم للشرط. إنّما الكلام فيما لو لم يكن في الواقع الوصف موجودا، فكيف يعقل تحقّق معنى الالتزام؟ مع عدم إمكان تمشّي القصد عند ذلك؛ لأنّ الإنشاء و إن كان خفيف المئونة، حتّى قيل بأنّه يمكن تمليك السماء، إلّا أنّه لا يمكن ترتيب الآثار على الإنشاء إلّا إذا كان المنشأ قابلا له، و لذلك نقول في باب الفضولي بأنّ الإجازة يوجب أن يترتّب الأثر على بيع الفضول، لتوقّف القابليّة عليها.
و كيف كان؛ فلا شبهة في أنّ ترتّب الأثر موقوف على القابليّة، فلذلك نقول بعدم تحقّق حقيقة الشرطيّة عند عدم تحقّق العلقة اللزوميّة واقعا، فلا يجري قاعدة «المؤمنون عند شروطهم»؛ ضرورة أنّها لا يصدق إلّا بعد تحقّق عنوان الشرط، و قد عرفت أنّه متوقّف على تحقّق العلقة؛ و هي منتفية.
و أمّا منشأ الخيار و سببه هو أنّه و إن لم يتحقّق حقيقة الشرطيّة، إلّا أنّه لا ريب أنّ الإنشاء الموجب لتحقّق الإناطة الموجب لإغرار المشروط له، مع أنّ غرضه تعلّق به موجود، و يكفي في صيرورته موجبا له نقض غرضه بانتفاء الوصف، و إنّما هو سبب لثبوت الحق للمشروط له، و اطمينانه ليس إلّا نفس الإناطة، و لا يتوقّف ذلك على تحقّق العلقة اللزوميّة، بل منشأها صرف الإنشاء و لو كان صوريّا.
ص: 599
فعلى ذلك، فينبغي التفكيك في شروط الأوصاف بين الشرطيّة و الإناطة حتّى يتميّز الموجب للخيار عمّا ليس موجبا له، و لا يدخل هذه الشروط في باب الشروط مطلقا لافتراق عنوانه عنها في الجملة.
أمّا الكلام في شروط النتيجة، فالمهمّ منه ما كان مشكوكا في كونه ذا السبب الخاصّ و عدمه، كالملكيّة المطلقة على ما مثّل به شيخنا قدّس سرّه (1)و تفصيل القول في ذلك هو أنّه إذا شككنا في شرط كون نفس الشرط و عموم قاعدة «المؤمنون» .. إلى آخره، يكفي في تحقّقه أم لا، فإن لم يكن «المؤمنون عند شروطهم» مخصّصا و أحرزنا مع ذلك قابليّة المحلّ لوجوب الوفاء بالشرط، أو كان دليل الشرط متكفّلا لبيان القابليّة لو لم نحرزها من الخارج، لكان يكفينا في صحّة مثل هذا الشرط عموم «المؤمنون» .. إلى آخره، و لكن أين ذلك؟
نعم؛ أمّا مسألة التخصيص و احتمال كونه مخالفا لكتاب اللّه، فيمكن دفعه و خروجه عن عنوان المخالفة بإحراز أصالة عدم المخالفة، كما سبق، و يدخل بعد ذلك في مصاديق العام، فيشمله عموم وجوب الوفاء، و لكن ذلك إنّما يثمر إذا قلنا بأنّ أصالة عدم المخالفة يثبت قابليّة المحل؛ لأنّها و إن كانت من آثار الشكّ في أن يكون للشرط أسباب خاصّة، إلّا أنّه لا خفاء في أنّها من آثاره العقليّة.
بمعنى أنّ الشكّ في القابليّة و عدمها و إن نشأت عن كون الشرط المشكوك فيه من الامور الّتي لها سبب خاصّ، فيصير من قبيل الشكّ السببي و المسبّبي، و لكن إنّما تكون القابليّة و عدمها من الآثار العقليّة لهما.
1) المكاسب: 6/ 60 و 61.
ص: 600
و قد تحقّق في محلّه أنّ الآثار العقليّة و لو كانت لنفس الأحكام الشرعيّة لا يثبت باستصحاب الأحكام، إلّا إذا كان الأثر أعمّ من الحكم الظاهري و الواقعي، كعدم مؤاخذة المسبّب عن أعمّ من عدم الحكم الواقعي و الظاهري عند النّسيان و الاضطرار، كما في حديث الرفع، بخلاف القابليّة، فإنّها ليست إلّا آثار عدم السبب الخاص للشرط واقعا؛ إذ لا معنى لكونها مسبّبا عن عدم السبب الخاصّ أعم من كون عدمه واقعا أو ظاهرا، بل المقابليّة و عدمها إنّما هي من الصفات القهريّة الواقعيّة تابعة لجعل السبب الخاصّ واقعا و عدمه، فتأمّل.
و بالجملة؛ فإذا لم يمكن إثبات القابليّة بما عرفت من الأصل، للزوم الأصل المثبت لكونها من اللوازم العقليّة لعدم المخالفة، و أيضا لم يكن العامّ متكفّلا لحكم المورد و بيان القابليّة، فلا طريق إلى إثبات صحّة الشرط فيما شكّ من الغايات من كونها ذوي الأسباب الخاصّة و عدمها، فكيف يمكن الحكم بصحّة اشتراط غير ما يثبت بالدليل- مثل الوكالة و الوصاية- عدم كونهما محتاجا إلى السبب الخاصّ من مثل الملكيّة المطلقة و غيرها من المشكوكات؟
إلّا أن يقال بأنّه لمّا رأينا وقوع الملكيّة المطلقة و تحقّقها في الشرع بالأسباب المتعدّدة، و هي جميع ما ذكر في أبواب المعاملات، فيستكشف من ذلك عدم كونها ممّا يحتاج وقوعها إلى سبب خاصّ، فالأولى إخراجها لذلك عن الأفراد المشكوكة، هكذا أفاد- دام ظلّه-.
و لا يخلو عندي عن التأمّل، فإنّه يمكن أن يقال أوّلا، بأنّ المقابلية و عدمها إنّما هي من الآثار التي أعمّ من الظاهر و الواقع؛ لعدم السبب الخاصّ، أو كون الواسطة خفيّا، كما لا يبعد، و عدم الالتزام بعدم كون الملكيّة ممّا يحتاج إلى
ص: 601
السبب و وقوعها، حتّى بغير ما عدّلها من الأسباب في أبواب المعاملات؛ ضرورة أنّ ما يثبت ليس إلّا وقوعها بكلّ واحد ممّا عدّ من الأسباب في أبواب المعاملات، لا وقوعها و تحقّقها بكلّ سبب (1)حتّى الشرط الملازم؛ لعدم احتياجها إلى السبب مطلقا.
و أمّا الكلام في شروط الأفعال و مقدار اقتضائها، ففي مراحل:
المرحلة الاولى في أنّ شرط الفعل هل يقتضي وجوب الوفاء أم لا؟
و المخالف في ذلك الشهيد قدّس سرّه فإنّه ذهب إلى أن اشتراط ذلك في العقد لا يقتضي أزيد من جعل العقد عرضة للزوال عند التخلّف (2).
و المشهور- بل كاد أن تكون المسألة إجماعيّة- ذهبوا إلى وجوب الوفاء به؛ لظاهر سياق قوله عليه السّلام: «المؤمنون عند شروطهم» (3)على ما فهمه الأصحاب من كون ذلك إنشاء بصورة الإخبار، مضافا إلى القرائن الخارجيّة اللاحقة به المستفادة من الأخبار، و لأنّ الشرط (4)ليس معناه إلّا الإلزام و الالتزام، و لكونه جزء من العقد، فدليل وجوب الوفاء بالعقد يشمله، و لأنّ معنى الشرط و الغرض منه ليس تعليق العقد عليه حتّى يوجب ذلك خروج العقد من اللزوم أيضا، كما
ص: 602
زعمه الشهيد (1)، بل الغرض منه إيجاد علقة لزوميّة بسبب العقد بين المشروط عليه و العمل (2).
ففي الحقيقة يرجع إلى تمليك الأمر المشروط بسبب العقد الحاصل، كما أفاده المحقّق الثاني قدّس سرّه (3)و أشار إليه شيخنا (4)كما سيأتي، و غير ذلك من الأدلّة.
فكيف كان؛ فالمسألة من المسلّمات عند الأصحاب.
إنّما الكلام في المرحلة الثانية؛ و هي أنّه بعد البناء على الوجوب و ثبوت الحكم التكليفي هل يجوز للمشروط له إجبار المشروط عليه عند امتناعه أم لا؟
و تحقيق ذلك موقوف على معرفة حقيقة الشرط و ما يثبت به، فنقول: هل المراد من شرط الخياطة- مثلا- في ضمن العقد، إنشاء التزام و تعهّد هذا العمل فقط بلا جعل سلطنة للطرف؟ كما في إنشاء الأحكام التكليفيّة، فإنّ فيها يستفاد الإلزام من نفس إنشاء الأحكام، بمعنى أنّه بنفس إنشاء الحكم ينشأ الإلزام و يبرز الإرادة، بحيث لا يكون قبل ذلك في الرتبة السابقة على الإنشاء للمكلّف أو للشارع إلزام و إرادة، بل إن كان للشارع إرادة يرجع إلى إمضاء إلزام العبد و إرادة المكلّف، و نتيجة ذلك ليس إلّا إثبات حكم تكليفي؟
أو ليس كذلك، بل يثبت بسبب الشرط و يجعل به الملتزم أوّلا علقة بين نفسه و بين العمل المشروط، و يتعهّد بذلك كما في الإجارة على عمل، ففيه يجعل
ص: 603
الموجر أوّلا و بالذات بين نفسه و بين العمل العلقة اللزوميّة، و يترتّب على ذلك سلطنة للمستأجر عليه؛ لكون العمل متعلّقا به.
فكذلك في المقام يترتّب على الشرط و الالتزام سلطنة للمشروط له، إلّا أنّ الفرق بينهما أنّ في باب الإجارة لما يكون أثرها تمليك المنفعة، و الملكيّة ليست قابلة للإسقاط بخلاف الشرط، فإنّه لا يفيد التمليك، بل أثره إثبات الحقّ بسبب الشرط على ما عرفت، و هو متعلّق بالطرفين، فيجوز لمن يتعلّق به إسقاطه.
أم يكون المستفاد من الشرط احتمال ثالث؟ و هو أن يثبت به أوّلا و بالذات السلطنة للمشروط له، و يترتّب على ذلك التعهّد و جعل العلقة بين المشروط و المشروط عليه، و أثر ذلك إنّما هو إثبات حقّ الإجبار بلا ثبوت حقّ الإسقاط؛ لعدم ثبوت حقّ على ذلك، إن ما يثبت ليس إلّا الحكم، إلّا أنّ الفرق بين هذا الشقّ و الأوّل أنّ الثابت في الأوّل هو الحكم التكليفي (1)، و في هذا الفرض هو الحكم الوضعي، نظير الملكيّة الغير القابلة للإسقاط.
فينبغي تحرير الكلام هكذا و استظهار أحد هذه الوجوه، فعليه يبتني ما عرفت من الآثار (2)، و إلّا فعن لفظة اللام الواقعة في حيّز الشرط لا يستفاد شيء من الملكيّة المستتبعة للحقّ و غير ذلك؛ لأنّه يمكن أن يقال بأنّها إنّما تكون الانتفاع، لا الاختصاص و الملكيّة.
ثمّ لا يبعد الدعوى أنّ المراد من الشرط و جعل الالتزام إنّما هو المعنى الثاني؛ لبطلان المعنى الأوّل في المقام و بعد الثالث؛ ضرورة أنّ باب الأحكام
ص: 604
الوضعيّة غير الأحكام التكليفيّة؛ لأنّ فيها الإنشاء يرجع إلى التزام و إرادة في الرتبة السابقة، لا مثلها أن يكون موجدا للإلزام، بل لمّا جعل علقة لزوميّة بين نفسه و بين العمل أوّلا فينشأ ذاك الالتزام و التعهّد.
و لا يكون المراد أيضا جعل سلطنة أوّلا و بالذات للطرف المشروط له، بل يكون باب الشرط كسائر أبواب المعاملات- مثل الإجارة و غيرها- من حيث الالتزام بالعمل و تعهّده أوّلا، فيستتبع ذلك ثبوت السلطنة لمن له الحقّ و الملك، فله أن يطالب بحقّه، و يلزم الطرف على التسليم.
كما فهموا كذلك في باب النذر، إذا نذر كون غنم خاصّ صدقة أو اضحّية، فحكموا بأنّه لا يجوز للناذر التصرّفات المنافية لما نذر، و ليس ذلك إلّا لأنّهم استظهروا من قوله: للّه عليّ أن أتصدّق به، يصير متعلّقا لحق اللّه تعالى، و يخرج عن سلطنته، فكذلك في باب الشرط (1).
هذا؛ و أمّا ما أفاده شيخنا قدّس سرّه في المقام بقوله: و كيف كان فالأقوى (2).. إلى آخره، لا يخلو عن المصادرة؛ لأنّ وجوب الوفاء بالعقد و الشرط لا يقتضي جواز الإجبار بالعنوان الخاصّ (3)و هو صيرورة المشروط متعلّقا لحقّ المشروط [له]، و يمكن أن يدّعي المنكر بأنّ العقد لا يقتضي الوجوب إلّا على النحو الواجب المشروط، و أمّا الشرط فلا يقتضي أزيد من الوجوب التكليفي.
و أمّا أنّ الشرط يكون كالعوضين يقتضي خروج المشروط عن مال
ص: 605
المشروط عليه، و تملّكه المشروط له فكذلك، دعوى بلا دليل؛ ضرورة أنّه ما لم يثبت وجه دلالة الشرط و إفادته ما ذكر- كما بيّنا- لم يفد الدليل المذكور شيئا لهم.
المرحلة الثالثة؛ في أنّه هل للمشروط له الخيار بين الفسخ و الإجبار عند التمكّن من الإجبار، أم ليس له إلّا الإجبار؟ غاية ما تمسّك به القائلون بالأوّل- كما ذكره شيخنا قدّس سرّه احتمالا لهم (1)- هو أنّ الوفاء بالشرط حقّ لازم على المشروط عليه، يجيز عليه إذا بنى المشروط له على الوفاء بالعقد، و أمّا إذا لم يبن، لامتناع المشروط عليه عن الوفاء، فيكون كما إذا تراضيا على الفسخ.
أقول: إنّ الوفاء بالعقد ليس إلّا واجبا مطلقا، و أمّا الخيار إنّما جاء من قبل نقض الغرض الموجب له الإناطة الواقعة بين العقد و الشرط، فإذا لم يف المشروط عليه بالشرط، فيصير ذلك موجبا للضرر، و الضرر إنّما هو منفيّ في الشريعة، فيوجب ذلك ثبوت الخيار و التسلّط على الفسخ.
و أنت خبير بأنّ الضرر إذا صار منشأه لزوم العقد يوجب ثبوت الخيار، حتّى لا يكون الحكم الشرعي موجبا للضرر، و أمّا إذا أمكن دفعه في الرتبة السابقة على الفسخ بالإجبار فلا تصل النوبة به، بمعنى يرتفع موضوعه و لا يكون الموجب للضرر لزوم العقد، بل إنّما جاء من قبل عدم ارتضائه بالإجبار.
المرحلة الرابعة؛ إذا تعذّر الشرط هل يتعيّن الفسخ، أم يتخيّر المشروط له بين أخذ الأرض و بينه؟
قد عرفت من أوّل الخيارات إلى هنا أنّه لمّا لا يقع الثمن في المعاملات طرّا
1) المكاسب: 6/ 71 و 72.
ص: 606
إلّا في مقابل ذات المبيع، و لا يقع شيء منه في مقابل الأوصاف و الشروط (1)، و لذلك قلنا في باب العيب بأنّه لو لم يكن النصّ الخاصّ على ثبوت الأرش لما كنّا ملتزمين به؛ لما عرفت من أنّ القاعدة لا يقتضي أزيد من أنّ الأوصاف و الشروط لما يوجب نقضا للغرض [نلتزم] ثبوت الخيار، فكذلك في ما نحن فيه لمّا كان الشرط لا يوجب إلّا زيادة الماليّة، لا أن يبذل بإزائه المال، فلا يوجب تخلّفه إلّا الخيار.
إلّا أنّه لمّا كان مدرك هذا الخيار على ظاهر تسليم شيخنا قدّس سرّه قاعدة الضرر (2)، فيرد على مبناه- كما أفاده قدّس سرّه في خيار الغبن- بأنّ هذه القاعدة يقتضي ثبوت الأرش متعيّنا أو التخيير بينه و بين الفسخ، بتقريب أنّ القاعدة ترفع اللزوم و وجوب الوفاء الخاصّ، و هو ما إذا لم يتدارك الضرر (3)، فكذلك في ما نحن فيه نقول بأنّ المرتفع بها إنّما هو اللزوم الّذي لم يتدارك الضرر الشرط به، فلا بدّ من الحكم بتعيّن الأرش أو التخيير، و أمّا نحن لمّا أبطلنا ذلك، ففي فسحة من الإشكال.
المرحلة الخامسة؛ لو تعذّر الشرط و خرج العين عن يد المشروط عليه، بحيث لو فسخ المشروط له لم يمكنه الوصول إلى المبيع، إمّا لتلفه، و إمّا لخروجه عن ملك المشتري.
و هذا على قسمين؛ لأنّه إمّا أن يكون العقد الواقع على المبيع لا ينافي
ص: 607
الوفاء بالشرط، و إمّا أن يكون منافيا له، فالظاهر عدم الإشكال في صحّة العقد و عدم سقوط خيار المشروط له، فلو فسخ يرجع إلى بدله إذا لم يكن الخروج و العقد منافيا للوفاء بالشرط، كاشتراط خياطة الثوب الخاصّ في المبيع و انعدم الثوب، و قد تحقّق أنّ انعدام موضوع ما شرط فيه لا يوجب سقوط حقّ المشروط له.
إنّما الإشكال فيما لو كان العقد الواقع عليه منافيا للوفاء بالشرط، كما لو اشترط عتق العبد المبيع، ثمّ باعه المشتري أو وقف المبيع أو وهبه.
و قد ارتضى شيخنا قدّس سرّه بأوسط الوجوه الثلاثة المحتملة في المقام، و هو أن يكون صحّة العقد الثاني و لزومه موقوفا على إجازة المشروط له، ثمّ قال قدّس سرّه: فإذا ردّ و لم يجز ففسخ، ففي الانفساخ من حينه أو من أصله، أو الرجوع إلى القيمة، وجوه (1).
و أنت خبير بأنّ هذه الاحتمالات مبنيّة على أن يكون العقد الثاني مع عدم إمضاء المشروط له صحيحا، و هذا ينافي مع ما هو التحقيق في المقام، من أنّ الشرط يوجب ثبوت الحقّ للمشروط و يستتبعه ثبوت سلطنة على المشروط.
و من البديهة عدم اجتماع السلطنتين التامّتين لشخصين في أمر واحد، فلازم ذلك قسر سلطنة المشروط عليه عن المشروط فيه، فيصير الباب من مثل الفضولي، بأنّ أصل صحّة العقد موقوفة على الإجازة، لا من قبيل باب الشفعة؛ لأنّ ما ثبت من الأدلّة فيها هو ثبوت حقّ و سلطنة للشريك على فسخ العقد، لا على أصله، بحيث يقتضي منع الشريك عن النقل رأسا.
1) المكاسب: 6/ 76- 77.
ص: 608
و لو لم يكن هذا التفصيل في ذيل كلامه قدّس سرّه أمكن حمل عبارته الاولى على كون المراد من الفسخ الردّ، كما في بعض المقامات يستعمل كذلك.
ثمّ لا فرق في ذلك بين أن يكون تصرّفه بالعتق أو غيره؛ لأنّه و لو كان بناء العتق على التغليب من عدم عوده رقّا، و لكن ذلك لا يمنع عن الفسخ المستلزم لردّ البدل.
المرحلة السادسة؛ هل يكون هذا الحقّ الجائي من قبل الشرط قابلا للإسقاط أم لا؟ و قد حقّقنا ذلك آنفا، و أنّه يكون للمشروط له إسقاط شرطه إذا كان ممّا يقبله، لا من قبيل الملكيّة و السلطنة.
و إنّما الكلام هنا فيما لو كان متعلّق الشرط من أجزاء المبيع، بحيث و لو لم يشرط كان داخلا في المبيع، فلو أسقط المشروط له مثل هذا الشرط، هل يوجب ذلك سقوط حقّه عمّا يقتضيه من الدخول جزءا للمبيع أصل العقد أم لا؟
كما إذا اشترط دخول البيض للدجاجة، أو الحمل للدابّة، أو أساس الدار في المبيع، فلا ريب أنّه و لو لم يكن الشرط كان نفس العقد يقتضي دخول هذه التوابع في المبيع.
الظاهر أنّ المسألة مبنيّة على أنّ اشتراط مثل هذه الامور تأكيد، أو حكم مستقلّ برأسه، و لازمه العدول عمّا يقتضيه نفس العقد و إثباته لما التزموا بخروجه تحت الشرط، و لا يبعد استظهار المعنى الثاني؛ ضرورة أنّ التأكيد خلاف الأصل، مع أنّ تأكيد مثل هذه الامور بصورة الشرط بعيد.
فالتحقيق؛ أنّه بعد إسقاط مثل هذا الشرط لا يبقى بعد حق للمسقط بالنسبة إلى ما عرفت من التوابع.
ص: 609
المرحلة السابعة؛ لا إشكال في أنّ الشرط من حيث هو، لا يقسّط عليه الثمن، و هذا أمر وفاقيّ و قد خرج عن ذلك ما لو كان متعلّق الشرط جزءا للمبيع، مثل ما لو جعل المساحة في بيع الأرض شرطا، أو كيلا معيّنا في بيع المكيل كذلك، و قد وقع مثل اشتراط ذلك مطرحا للأنظار في أنّه لو تخلّف الشرط، هل يكون مثل باقي أبواب الشروط لا يوجب تقسيط الثمن، أم لا؟
و جعلوا مبنى كلامهم أنّ اشتراط أصواع معيّنة في بيع الصبرة، أو أجربة كذلك في بيع الأرض، ظاهره يقتضي بأنّ المبيع ليس إلّا ذات الأرض و الصبرة، و أنّ ما ذكر من الكيل أو الوزن أو المساحة شروط بمنزلة الأوصاف، خارجة عن حقيقة المبيع، أم لا، بل ذلك كلّه لما كان مقوّما للمبيع و جزءا له غالبا، فهذه إنّما هي عناوين للمبيع ذكرت بصورة الشرط، و ليس كاشتراط الكتابة و غيرها في العبد من الأوصاف الزائدة و الخارجة عن المبيع.
ثمّ إنّ تخلّف الشرط في مثل هذه الامور، يتصوّر على أنحاء أربعة، لأنّه إمّا أن يكون المبيع ممّا يختلف أجزاؤه أم متّفقة، و في كلّ منهما إمّا أن يكون التخلّف بالزيادة أو النقيصة (1)، و لا بدّ أن يعلم أولا أنّ المقام إنّما هو من باب تعارض الوصف و الإشارة، بمعنى أنّ من يدّعي التقسيط يرى أن ما هو مذكور من مثل هذه الامور بصورة الشرط، العرف يحكم بأنّه في الحقيقة عنوان للمبيع، لا أن يكون شرطا، بل هو بمنزلة الإشارة أو جزء للمشار إليه، و من يدّعي عدمه يعامل مع هذا الشرط معاملته مع باقي الشروط، و يكون مبنى كلامه أنّ إرجاع الشرط إلى ما ذكر خلاف ما يقتضيه ظاهر القضيّة الشرطيّة، فهي باقية على
1) و إن كنت بعد التفحّص ما رأيت أن يجعلوا مبنى الخلاف على ذلك، «منه رحمه اللّه».
ص: 610
ظاهرها و ليست جزءا للإشارة، هكذا احتمله بعض، فجعل النزاع صغرويّا بهذا المعنى (1)، و بعض ذهب إلى أنّه يقتضي هذا السنخ من الشرط التقسيط بمساعدة العرف، و إن لم يرجع إلى الإشارة (2).
فكيف كان؛ أمّا الكلام في الصورة الاولى و هو ما إذا كان المبيع ممّا يختلف (3)أجزاؤه و ظهر ناقصا، و لا يبعد أن يكون بناء المشهور فيه على معاملة الجزء، و العمدة في دليلهم و ما هو محطّ نظرهم هو أنّ ارتكاز الأذهان يساعد بأنّ هذه الشروط غير الشروط الحقيقيّة، و إنّما هي جزء لما هو مبيع حقيقة، و العرف يحكم بأنّه عنوان في الواقع لما قسط عليه الثمن، مضافا إلى ورود الرواية في مختلف الأجزاء، فيثبت في متّفقه بالطريق الأولى، هكذا يدّعون.
و يمكن أن يدّعى الارتكاز على عكس ذلك، و هو أنّ ظاهر القضيّة الشرطيّة على ما هو المرتكز في الأذهان إنّما هو خروج متعلّق الشرط عن كونه جزءا للمبيع، و إلّا لما يؤتى بصورة الشرط، و لا يفرق بين هذا الشرط الّذي تعلّق بما هو من أجزاء المبيع و غيره، و إلّا لكان يجعل بنفسه في حيّز العقد.
و بالجملة؛ التزاحم إنّما هو بين الارتكازين، فلا بدّ من الرجوع إلى فهم العرف في التقديم.
و أمّا الكلام في الصورة الثانية؛ ما إذا كان المبيع ممّا يختلف أجزاؤه، فالعمدة فيها الرواية الواردة على خصوصها، بحيث لو تمّت دلالتها لا يبعد أن يتمّ
ص: 611
الدليل بها، و هي رواية ابن حنظلة (1).
و لكن لا يخفى فيه الإشكال من جهات:
الاولى؛ أنّ فيها استعمل لفظ الأرش (2)في مقام استرجاع ما فضل من الثمن المقابل نقص من المبيع، مع أنّ الأرش إنّما هو غرامة من كيس البائع.
الثانية؛ مخالفة ذيلها للقواعد المسلمة.
الثالثة؛ أنّ قول السائل فيها: «باع أرضا على أنّه جربان معيّنة»، و إن كان ظاهر لفظ «على» يقتضي بأن يكون مدخوله بصورة الشرط، و لكن في مقام الحكاية يناسب مع أن يكون المحكيّ بصورة الشرط، أو جعل جزءا.
و بالجملة؛ الظهور الّذي يكون للفظ «على» في الشرطيّة ليس له في مقام الحكاية يقينا، بل يحتمل أن يكون المحكي المسئول عنه عن الإمام ما جعل الأجربة جزءا للمبيع، لا أن يكون بصورة الشرط، و لذلك أجاب عليه السّلام بالتقسيط، فعلى ذلك لفظة «على» إخبار عمّا يجتمع مع الأمرين، و يكفي في عدم جواز التمسّك بها الاحتمال.
الرابع؛ أنّ ظاهر هذه الرواية صادقة و مشتملة على ما لو احرز من الخارج كون مثل هذا الشرط شرطا خارجا لا جزء، فلا بدّ في مثل هذا المورد رفع اليد عن القاعدة المسلّمة، و هي كون العقود تابعة للقصود، للعمل بهذه الرواية، مع ما عرفت من حالها.
ص: 612
و إمّا أن يلتزم بتقييد الرواية بمثل هذا المورد، فيدور الأمر بين رفع اليد عن ظهور الرواية أو سندها، و من المعلوم أنّ إبقاء الأوّل متعيّن، مضافا إلى أنّ الّذين أفتوا بمفاد هذه الرواية أن يكون معتمدهم الرواية، و لعلّه كان نظرهم إلى ما عرفت من الارتكاز.
فالحاصل؛ أنّه إن لم تدفع هذه الإشكالات مع أنّ الارتكاز المذكور قد عرفت غير تامّ، فتصير المسألة مشكلة، و لكنّه يمكن دفع جلّ الإشكالات بالتأمّل.
الصورة الثالثة؛ هو ما إذا كان في متّفق الأجزاء، و تبيّن المبيع زائدا على ما اشترط، فأبتدئ بما بيّن- دام ظلّه- أوّلا من مبنى الكلام في هذه الصورة، ثمّ نتعرّض لما أفاده شيخنا قدّس سرّه في المقام.
قال- دام ظلّه-: إذا تجعل صبرة مشروطا بكونها عشرة أصوع مبيعا مثلا، قد يراد منه كون الذات مبيعا مشروطا بعدم نقصانه عن العشرة، و أمّا في طرف الزيادة فليس مشروطا أبدا، بل يكون الذات بالنسبة إليها لا بشرط، بمعنى أنّ الذات في أيّ مرتبة من مراتب الزيادة وجدت، فهي مبيعة، فمثل ذلك يلزم العقد، و لا يوجب لأحد الطرفين من البائع و المشتري [الخيار].
أمّا الأوّل؛ فلأنّه أنّ الذات بجميع مراتبه، بمعنى أنّها في أيّ مرتبة من مراتب الزيادة تحقّقت، تكون مبيعا، و بجملتها وقعت في مقابل الثمن المسمّى.
و أمّا الثاني؛ فلأنّ الشرط على ذلك إنّما كان راجعا إليه، يعني أن لا تكون الذات أنقص من العشرة، و قد تحقّق ذلك، و لا ريب أنّ إحراز هذا المعنى من الشرط موقوف على الخارج.
ص: 613
و إمّا أن يكون المراد به عدم النقيصة و الزيادة معا، بمعنى أن يرجع الشرط إلى الطرفين، و يكون المراد على ذلك من العشرة بشرط لا، من الزيادة، و هذا يحتمل الوجهين: الأوّل أن يكون الذات بشرط أن لا يكون زائدا على العشرة في عالم المبيعيّة مبيع، أو أن لا تكون في عالم الوجود الخارجي زائدا عليها، فإنّ المراد بشرط عدم الزيادة المعنى الأوّل، فيصحّ البيع و يثبت خيار الشركة للمشتري؛ لكون الزيادة من العشرة للبائع.
و إن كان المعنى الثاني؛ فلازمه بناء على وحدة المطلوب فساد البيع؛ لأنّ المفروض أنّ البيع كان مشروطا بأن لا تكون الأرض في وجودها الخارجي زائدا على العشرة، و قد انكشف الخلاف، بخلاف المعنى الأوّل، فإنّ الشرط كان راجعا إلى طرف مبيعيّة الأرض، و قد وقع العقد على الأرض، فتبيّنه زائدا لا يضرّ شيئا لا بالشرط و لا بالعقد؛ لأنّ الأرض في طرف المبيعيّة لا يتجاوز عمّا وقع عليه العقد، و أمّا بناء على تعدّد المطلوب فيصحّ العقد و يثبت الخيار للبائع بين إمضاء العقد بمجموع الأرض أو الفسخ لتخلّف الوصف.
فانقدح أنّ اشتراط عدم الزيادة الراجع إلى بيع الأرض مثلا بشرط لا، بالنسبة إلى ما زاد عن العشرة بمعنى واحد لا يصير منشأ لاحتمالين، بل على كلّ منهما يكون بشرط لا، بمعنى غير الآخر كما عرفت، فلا يتمّ كلام شيخنا قدّس سرّه بإطلاقه، و لكن يرتفع الإشكال بعد التأمّل في بقيّة ما أفاده قدّس سرّه في المقام من بيان وجه النظر في ترجيح أحد الاحتمالين (1)لأنّ ظاهر كلامه قدّس سرّه أنّ ذلك فرع لكلامه السابق، و هو أنّه لو جعلنا الشرط عنوانا للمبيع، فبعد تبيّن الزيادة لمّا كان
1) المكاسب: 6/ 87.
ص: 614
المبيع عشرة أذرع فلا ينتقل إلى المشتري أزيد منه، بل يكون للبائع فيثبت للمشتري خيار الشركة؛
بخلاف ما لو جعلنا الشرط من قبيل سائر الشروط، بأن لا يحدث في المبيع شيئا إلّا عنوان الوصفيّة، فلازم ذلك انتقال الأرض بمجموعها؛ لأنّ المفروض بما أنّ الأرض بما هي، كان مبيعا إلى المشتري، و ثبوت خيار تخلّف الشرط أو الوصف للبائع.
فعلى ذلك يتمّ أساس كلامه قدّس سرّه و لا يرد عليه شيء؛ ضرورة أنّ كلا الاحتمالين مبنيّ على الاشتراط الراجع إلى بشرط لا بمعنى واحد، و هو أن يكون الذات بما هي مبيعا بشرط لا، و معناه أن يكون حال هذا الشرط حال سائر الشروط، أو العشرة بشرط لا مبيعا، الراجع إلى كون الشرط عنوانا.
و كيف كان؛ التزم شيخنا قدّس سرّه في المقام بالفرق بين صورة الاشتراط و تبيّن الزيادة، و بين ما إذا تبيّن ناقصا، فحكم بأظهريّة كون هذه الشروط بالنسبة إلى الزيادة كالوصف، و عدم الرجوع إلى استثناء الزائد (1)، و إنّما العنوان إنّما يكون بالنسبة إلى النقيصة، و لكنّك عرفت إن لم يتمّ الارتكاز المذكور في طرف النقيصة لمعارضته بضدّه من الارتكاز، و صيرورته لا أقلّ من تساقطهما و عدم تأثير أحدهما، فيصير حال صورة النقيصة حال الزيادة، على ما استظهره الشيخ قدّس سرّه فيها (2).
الرابع؛ أن يتبيّن الزيادة في مختلف الأجزاء، و قد اتّضح حاله ممّا سبق.
و أمّا الإشكال فيه- كما في الصورة الثانية- بأنّ التسقيط لا يمكن في مختلف
ص: 615
الأجزاء إمّا بنفسه و إمّا لصيرورته موجبا للجهل من أصله (1)فهو مردود، مع أنّ المناط المعلوميّة حين الإنشاء و البيع، فكيف يؤثر الجهل الطاري على فرض التسليم إليه فلا تغفل، و قد تعرّض شيخنا قدّس سرّه لدفعه بما لا مزيد عليه (2).
هذا هو الكلام في شرائط صحّة الشرط و أحكامه.
و أمّا الكلام في أحكام الشرط الفاسد فيقع في مسائل:
الاولى؛ هل الشرط الفاسد مفسد للعقد، أم لا؟ و من المعلوم أنّ الكلام فيه فيما لا يكون هناك خلل في العقد من حيث الشرائط الّتي كانت راجعة إلى نفسه إلّا من حيث الشرط يوجب فساد العقد أم لا، فيما إذا صار العقد فاسدا من جهة الضرر أو من جهة كونه أكلا للمال بالباطل، أو من جهة آخر لا ربط له بالمقام، كما لا يخفى.
و بالجملة؛ فقد استدلّ للقول بكون الشرط الفاسد مفسدا، بوجوه:
الأوّل، ما عن «المبسوط» من أنّ للشرط قسطا من الثمن، فإذا كان الشرط مجهولا ينقص عن الثمن و يقع بإزائه ما ليس بمعلوم مقداره، فيسري الجهالة إلى العوض نفسه (3).
و أنت خبير بأنّ ذلك فاسد من وجوه، و قد تعرّض لها شيخنا قدّس سرّه (4).
ص: 616
الثاني؛ أنّ التراضي وقع على العقد المشروط، فإذا فسد الشرط و لم يمكن الوفاء به فيكون أكل كلّ واحد من العوضين أكلا للمال بالباطل؛ لعدم وقوع التراضي على العقد الفاقد للشرط (1).
و فيه؛ منع كون مجرّد ارتباط العقد بالشرط مقتضيا لذلك، و إنّما المقتضي له ما إذا كان الارتباط بنحو وحدة المطلوب (2)، و إلّا فمع تعدّده يكون التراضي بالمعاوضة بين الذات ثابتا من أول الأمر، فلا يحتاج إلى تراض جديد، فليس أكلا للمال بالباطل.
و الفرق بين ما نحن فيه من ذكر المشروط في العقد بعنوان الاشتراط يفهم تعدّد المطلوب، بخلاف ما إذا تخلّف أصل العنوان للمبيع، كما إذا اشترى الحمار فيظهر أنّه فرس مثلا، فإنّ في مثله يفهم وحدة المطلوب بالنسبة إلى عنوان المبيع، كما لا يخفى.
و الفرق بينهما إنّما هو فهم العرف، و وجود الكاشف للأوّل دون الثاني، و إلّا فلا يكون ما ذكره الشيخ قدّس سرّه فارقا، فراجع فتبصّر، مع أنّه يفيدك الأمثلة الّتي أوردها قدّس سرّه نقضا (3).
الثالث؛ بعض الأخبار الّتي لا دلالة لها إنصافا، و قد ذكرها شيخنا قدّس سرّه مع أجوبتها (4).
فكيف كان؛ لا دليل على كون الشرط الفاسد مفسدا للعقد و موجبا لفساد
ص: 617
المعاملة، فمقتضى القواعد هو صحّة العقد، مضافا إلى دلالة الأخبار الخاصّة على ذلك، و قد تعرّض لذكرها الشيخ قدّس سرّه (1).
ثمّ إنّ في المقام فروعا لا بأس بالإشارة إليها:
الأوّل؛ أنّه على القول بعدم كون الشرط الفاسد مفسدا، فلو كان المشروط له عالما بفساد الشرط، فلا إشكال في عدم ثبوت الخيار له؛ لعدم كون العقد مقيّدا واقعا، و لا كون التراضي منوطا و مشروطا به؛ لأنّ المفروض علمه بعدم تأثير له، و لغويّة الشرط.
و أمّا مع الجهل بالفساد، فقد يقال بعدم الخيار أيضا؛ لأنّ العمدة في الخيار عند تخلّف الشرط هو الإجماع و أدلّة نفي الضرر، و الإجماع له القدر المتيقّن، و هو ما إذا كان الشرط صحيحا، و قاعدة الضرر الاعتماد عليها محتاج إلى الجبر بالعمل؛ لأنّ العمل بها مطلقا موجب لتأسيس فقه جديد (2).
و فيه؛ أنّ الوجه في التمسّك بقاعدة الضرر في خيار تخلف الشرط، ليس إلّا كون لزوم المعاملة المشروطة و المنوطة على فرض عدم الشرط موجبا للضرر في نقض الغرض الجائي من قبل ذات المعاملة، و هذا المناط بعينه موجود في المقام، فليس الوجه في جريانها ملاكا آخر، حتّى يقال: إنّه يحتاج إلى الجبر بالعمل، فالحقّ ثبوت الخيار، كما إذا ظهر عدم مقدوريّة الشرط.
الثاني؛ لو بنينا على أنّ الشرط الفاسد مفسد، فلا أثر لإسقاط المشروط له الشرط بعد وقوع البيع، لأنّه وقع فاسدا لكون الشرط مفسدا، فلا يمكن تصحيح
ص: 618
الفاسد؛ لعدم انقلاب الواقع عما هو عليه، كما هو ظاهر.
الثالث؛ لو كان الشرط فاسدا، و لكنّه ذكر قبل العقد لفظا و لم يذكر في متن العقد، بل وقع العقد مبنيّا عليه، فهل يبطل العقد بذلك، بناء على أنّ الشرط الفاسد مفسد، أم لا؟ قولان، فمن قال بعدم مفسديّته، كان مبناه أنّه إذا لم يذكر في متن العقد فيكون وجوده كعدمه، فليس العقد منوطا و لا مشروطا، بل هو مطلق يجب الوفاء به.
و لكنّ التحقيق هو ثبوت الخيار، لأنّ أصل الشرط بما هو شرط و إن لم يكن متحقّقا، و لكنّ الخيار ما كان الخيار، لما ذكرنا سابقا أنّه لا يكون إلّا من جهة إناطة العقد و اشتراطه، و كون تخلّفه موجبا لنقض الغرض المعاملي، و لا ريب أنّ هذا المعنى بعينه موجود في المقام؛ لكون وقوع العقد مبنيّا عليه، فمع ظهور فساده لزم التخلف، كما سبق.
الرابع؛ لو كان فساد مستندا إلى عدم تعلّق غرض عقلائي به، فما يظهر من كلام جماعة- على ما حكي- أنّه بناء على إفساد الشرط الفاسد كونه لغوا غير مفسد للعقد في ما نحن فيه (1).
و لعلّ الوجه فيه أنّ مع لغويّة الشرط لا يوجب تخلفه ضررا ماليا، فيوجب الخيار، و لا يخلو المقام عن تأمّل، فلا تغفل.
هذه جملة ما استفدت من مقالاته- دام ظلّه- في باب الخيارات، و قد كان عنوان البحث «مكاسب» شيخنا قدّس سرّه في ما نقلنا عنه قدّس سرّه في طيّ الكلمات إشارة إلى إفاداته قدّس سرّه في باب خيارات كتابه ذلك، و لمّا تعرّض- مدّ ظلّه- في مطاوي
1) المكاسب: 6/ 20 و 21، و لاحظ! 91 و 92.
ص: 619
البحث لذكر مهمّات أحكام الخيار، فلعلّه كان مغنيا عن ذكره مستقلّا؛
و بذلك ختم الكلام في باب الخيار- مدّ ظلّه- هنا، ثمّ شرع في البحث عن كتاب الغصب، و قد شرعت بكتابة إفاداته- مدّ ظلّه- الآن في جزوة على حدة، و على اللّه التكلان.
و كان أوان اختتام هذا البحث في العشر الأخير من الربيع الثاني 1344 ه، أسأل اللّه أن يجعل عواقب امورنا خيرا، و يوفّقنا لما يحبّ و يرضى، آمين.
ص: 620
ص: 621
أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ 10، 126، 171، 207، 228، 233، 271
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً 54
الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا بِالْآخِرَةِ 174
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ 121، 222، 228، 264، 265، 267، 268، 269، 270، 273، 276، 299، 331، 356، 359، 362، 370، 371
تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ 271
كٰانُوا يُسٰارِعُونَ فِي الْخَيْرٰاتِ وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً 54
وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ 272
وَ ادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً 54
وَ خٰافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 183
وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرٰاهِمَ 174
وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ 174
وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا 311
يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ ... 54
ص: 622
ص: 623
أ رأيت إن قبّلها المشتري أو لامس قال: فقال: إذا قبّل أو لامس 385
إذا اتّخذ أهل بيت شاة أتاهم اللّه برزقها 2
الإسلام يعلو و لا يعلى عليه شيء 311
الناس مسلّطون على أموالهم 50، 127، 272، 345، 346
إنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه 3، 7
إنّ بيعه ممّن يطبخه أو يصنعه خلًّا أحبّ إليّ 26
إنّما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام 165، 166
أنّه سأله رجل عن بيع الجواري المغنّيات؟ فقال: شراؤهنّ و بيعهنّ حرام 24
إنّي ابتعت أرضا فلمّا استوجبتها قمت فمشيت 279
أو شيء من وجوه النجس، فهذا كلّه حرام محرّم 5
البادي منهما أظلم، و وزره و وزر صاحبه عليه 48
بأنّه لم يعص اللّه سبحانه و إنّما عصى سيّده 226، 242، 244
البيّعان بالخيار ما لم يفترقا 171، 275، 279، 293، 320، 348، 353، 354، 363
حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة 218
الخيار في الحيوان ثلاثة أيّام للمشتري 363
الخيار لمن اشترى ثلاثة أيّام نظرة 364
ص: 624
سأل رجل عن شراء جارية لها صوت؟ فقال: ما عليك لو اشتريتها 24
سألته عن رجل في يده دار ليست له ... قال: ما أحبّ أن يبيع ما ليس له 63
سبحان اللّه ما أجور هذا الحكم و أفسده 247
الشرط في الحيوانات ثلاثة أيّام للمشتري 363
صاحب الحيوان المشتري بالخيار ثلاثة أيّام 364
الطلاق بيد من أخذ بالساق 50
العبادة ثلاثة: قوم عبدوا اللّه- عزّ و جلّ- خوفا 55
فإذا افترقا فلا خيار لهما بعد الرضا 348، 353
فإذا افترقا وجب البيع 157، 290
فإذا مضت ثلاثة أيّام فقد وجب الشراء 156
فإن أحدث فيه حدثا فذلك رضا منه فلا شرط له 390
فلمّا رأى بذلك سيد الوليدة أجاز مع ابنه كلاهما 241
في الحيوان كلّه شرط ثلاثة أيّام للمشتري 363
قلت: جعلت فداك؛ فأشتري المغنّية أو الجارية ... قال: اشتر و بع 24
كلّ شرط خالف الكتاب و السنّة فهو باطل 327
كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي 10
كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه 109
لا حاجة لي فيها، إنّ ثمن الكلب و المغنّية سحت 24
لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب 244
لا يبيع أحدكم على بيع أخيه 173، 175
لا يحلّ مال امرئ إلّا عن طيب نفسه 118
ص: 625
لا يحلّ مال امرئ إلّا بطيب نفسه 222، 272
لم يجز بيعه و لا شراؤه 4
ما احبّ أن يبيع ما ليس له 63
ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيّام للمشتري 363
ما لم يكن مثال الروحاني 35
المتبايعان بالخيار في الحيوان إلى ثلاثة أيّام 364، 368
المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا و صاحب الحيوان بالخيار ما لم يفترقا 364
ممّا استكرهوا عليه 351
من يبيعها؟ هي أرض المسلمين 64
المؤمنون عند شروطهم 121، 203، 273، 276، 319
نهى عن عسيب الفحل 13
و إذا افترقا وجب البيع، و لا خيار بعد الرضا 361
و المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان 372
و إن أخذ الرشوة فهو مشرك 43
و أمّا الزيت؛ فلا تبعه إلّا أن تبيّن له 20
و صاحب الحيوان بالخيار 373
و لا خيار بعد الرضا 357
ص: 626
ص: 627
1- القرآن الكريم
2- الأربعون، للشيخ البهائي، محمّد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي الجبعي العاملي، الطبعة الحجريّة، سنة 1274.
3- الانتصار، للسيّد الشريف المرتضى، علم الهدى أبي القاسم عليّ بن الحسين الموسوي، المتوفّى سنة 436 ه. ط/ دار الأضواء- بيروت، سنة 1405 ه.
4- إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد، للشيخ أبي طالب محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي، الملقّب ب «فخر المحققين»، المتوفّى سنة 771 ه. ط/ مؤسّسة مطبوعات إسماعيليان- قم، سنة 1387 ه.
5- تحرير الأحكام، للعلّامة الحلّي، (الطبعة الحجرية) ط/ مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام بقم.
6- تحف العقول عن آل الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم، لأبي محمّد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني، المطبعة الحيدريّة في النجف، الطبعة الخامسة، سنة 1380 ه.
7- تذكرة الفقهاء، للعلّامة الحلّي، (الطبعة الحجرية) ط/ المكتبة المرتضوية بقم.
ص: 628
8- التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، للفقيه جمال الدين بن مقداد بن عبد اللّه السيوري، المتوفّى سنة 826 ه. من منشورات مكتبة آية اللّه المرعشي بقم، سنة 1404 ه.
9- تهذيب الأحكام في شرح المقنعة، للشيخ الطوسي، ط/ دار الكتب الإسلامية بطهران، سنة 1365 ش.
10- الجامع للشرائع، ليحيى بن سعيد الحلّي، ط/ مؤسّسة سيّد الشهداء عليه السّلام، 1405 ه.
11- جامع المقاصد في شرح القواعد، للشيخ علي بن الحسين الكركي، المعروف ب «المحقّق الثاني» المتوفّى سنة 940 ه. ط/ مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث، سنة 1408 ه.
12- جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، للشيخ محمّد حسن النجفي، المتوفّى سنة 1266 ه. ط/ دار الكتب الإسلامية بطهران، سنة 1365 ه. ش.
13- جواهر الفقه، للقاضي ابن البرّاج، ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي، 1411 ه.
14- حاشية المكاسب للخراساني، للشيخ محمّد كاظم الخراساني، الطبعة الحجريّة.
15- حاشية المكاسب للسيّد، للعلّامة المحقّق السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، ط/ دار المعارف الاسلامية، تهران و مؤسّسة دار العلم، قم، سنة 1378.
16- الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، للشيخ يوسف البحراني، المتوفّى سنة 1186 ه. ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
ص: 629
17- الخلاف، للشيخ الطوسي، ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم، سنة 1407 ه.
18- الدروس الشرعيّة في فقه الإماميّة، للشهيد الأوّل، أبي عبد اللّه محمّد بن مكّي العاملي، المستشهد سنة 786 ه. ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم، سنة 1414 ه.
19- دعائم الإسلام، تأليف النعمان بن محمّد بن منصور بن أحمد بن حيّون التميمي المغربي، ط/ دار المعارف في القاهرة، سنة 1383 ه.
20- ذكرى الشيعة، للشهيد الأوّل، ط/ مؤسسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث، قم، سنة 1419 ه.
21- رسائل المحقّق الكركي، للمحقق الثاني، المتوفّى سنة 940 ه. من منشورات مكتبة آية اللّه المرعشي بقم، سنة 1409 ه.
22- الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، للشهيد الثاني، زين الدين بن علي الجبعي العاملي، المستشهد سنة 966 ه. من منشورات مكتبة الداوري بقم، سنة 1410 ه.
23- رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل، لآية اللّه المحقّق السيّد علي الطباطبائي، المتوفّى سنة 1213 ه (الطبعة الحجرية) ط/ مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث بقم، و الطبعة الحديثة ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم، الطبعة الاولى، سنة 1412 ه.
24- السرائر، الحاوى لتحرير الفتاوي، للفقيه أبي جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي. ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم، سنة 1410 ه.
25- سنن الدار قطني، تأليف علي بن عمر الدار قطني، ط/ عالم الكتب، بيروت،
ص: 630
الطبعة الرابعة، سنة 1406 ه.
26- السنن الكبرى، تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، المتوفّى سنة 458 ه. ط/ دار المعرفة- بيروت.
27- شرائع الإسلام في مسائل الحلال و الحرام، للمحقق الحلّي أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن، المتوفّى سنة 672 ه. من منشورات دار الأضواء- بيروت، سنة 1403 ه.
28- شرح القواعد، للشيخ جعفر بن خضر بن يحيى، المعروف ب «كاشف الغطاء» المتوفّى سنة 1228 ه، مخطوطة مكتبة آية اللّه المرعشي بقم، تحت الرقم 4996.
29- صحاح اللغة، لإسماعيل بن حمّاد الجوهري، المتوفى سنة 393 ه. ط/ دار العلم للملايين، بيروت، سنة 1407 ه.
30- عوائد الأيّام في بيان قواعد الأحكام، تأليف المولى أحمد بن المولى محمّد مهدي النراقي، المتوفّى سنة 1245، من منشورات مكتب الإعلام الإسلامي، 1417 ق.
31- عوالي اللآلي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة، لابن أبي جمهور الأحسائي، الشيخ محمّد بن علي بن إبراهيم، ط/ مطبعة سيد الشهداء عليه السّلام بقم، سنة 1403. ه
32- عيون أخبار الرضا عليه السّلام، للشيخ الصدوق، أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي، ط/ انتشارات جهان، طهران.
33- غنية النزوع، للسيّد أبي المكارم بن زهرة، المتوفّى سنة 585 ه. المطبوع
ص: 631
بالطبعة الحديثة من منشورات مؤسّسة الإمام الصادق عليه السّلام.
34- الفتاوى الهنديّة، لجماعة من علماء الهند، ط/ دار إحياء التراث العربي.
35- فرائد الاصول، للشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري، المتوفّى سنة 1281 ه، من منشورات مجمع الفكر الإسلامي بقم، سنة 1419 ه. ق.
36- الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السّلام، ط/ مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث بقم، سنة 1406 ه.
37- القاموس المحيط، لمجد الدين محمّد بن يعقوب الفيروزآبادي، المتوفّى سنة 817 ه. ط/ دار المعرفة- بيروت.
38- قرب الإسناد، لأبي العبّاس عبد اللّه بن جعفر الحميري القمي، من أصحاب الإمام العسكري عليه السّلام، ط/ مكتبة نينوى الحديثة بطهران.
39- قواعد الأحكام في معرفة الحلال و الحرام، للعلّامة الحلّي، (الطبعة الحجرية) ط/ الشريف الرضي بقم، و الطبعة الحديثة، ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم، سنة 1413 ه.
40- القواعد و الفوائد، للشهيد الأوّل، ط/ مكتبة المفيد بقم.
41- قوانين الاصول، للمحقّق الفقيه الميرزا أبي القاسم القمي، الطبعة الحجريّة.
42- الكافي، لثقة الإسلام الكليني، أبي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق، المتوفّى سنة 329 ه. ط/ دار الكتب الإسلامية، سنة 1388 ه.
43- الكافي في الفقه، للفقيه الأقدم أبي الصلاح الحلبي، المتوفّى سنة 447 ه.
ط/ مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بأصفهان، سنة 1403 ه.
ص: 632
44- كشف اللثام، لبهاء الدين محمّد بن الحسن بن محمّد الأصفهاني، المعروف ب «الفاضل الهندي»، المتوفّى سنة 1137 ه (الطبعة الحجرية) من منشورات مكتبة آية اللّه المرعشي بقم، سنة 1405 ه.
45- كفاية الأحكام، للعلّامة محمّد باقر بن محمّد مؤمن السبزواري، المتوفّى سنة 1090 ه (الطبعة الحجرية) ط/ مركز النشر- اصفهان.
46- كفاية الاصول، للشيخ محمّد كاظم الخراساني، ط/ مؤسسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث بقم.
47- كنز العمّال، لعلاء الدين علي المتّقي الهندي، ط/ مؤسّسة الرسالة، 1409 ه.
48- اللمعة الدمشقيّة، للشهيد الأوّل، ط/ دار ناصر بقم، سنة 1406 ه.
49- المبسوط في فقه الإمامية، للشيخ الطوسي. ط/ المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
50- مجمع البحرين، للفقيه الشيخ فخر الدين الطريحي، المتوفّى سنة 1085 ه.
ط/ المكتبة المرتضويّة لإحياء آثار الجعفرية، سنة 1365 ه. ش.
51- مجمع الفائدة و البرهان في شرح إرشاد الأذهان، للمولى أحمد بن محمّد، المعروف ب «المقدّس الأردبيلي» المتوفّى سنة 993 ه. ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم، سنة 1402 ه.
52- المختصر النافع في فقه الإمامية، للمحقّق الحلّي، ط/ دار الكتب بمصر.
53- مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، للعلّامة الحلّي، ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم، سنة 1413 ه.
54- مسالك الإفهام في شرح شرائع الإسلام، للشهيد الثاني، زين الدين بن علي
ص: 633
الجبعي العاملي، المستشهد سنة 966 ه. ط/ مؤسّسة المعارف الإسلامية بقم، سنة 1414 ه.
55- مستدرك الوسائل، للميرزا حسين النوري الطبرسي، المتوفّى سنة 1320 ه.
ط/ مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث بقم، الطبعة الاولى، سنة 1407 ه.
56- المصابيح، تأليف السيّد محمّد مهدي الطباطبائي، الملقّب ب «بحر العلوم»، مخطوطة مكتبة آية اللّه الگلپايگاني، تحت الرقم 31/ 107.
57- المصباح المنير، لأحمد بن محمّد بن علي المقري الفيوميّ، المتوفّى سنة 770 ه ط/ دار الهجرة بقم، سنة 1405 ه.
58- المغني لابن قدامة، لأبي محمّد عبد اللّه بن أحمد بن محمّد بن قدامة المقدسي، ط/ عالم الكتب- بيروت.
59- مفاتيح الشرائع، للمولى محمّد محسن، المعروف ب «الفيض الكاشاني»، المتوفّى سنة 1091 ه. ط/ مجمع الذخائر الإسلامية بقم، سنة 1401 ه.
60- مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة، للسيّد محمّد جواد الحسيني العاملي، المتوفّى سنة 1226 ه. (الطبعة الحجرية)، ط/ مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث بقم.
61- مقابس الأنوار، للشيخ أسد اللّه التستري، من منشورات مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، الطبعة الحجريّة.
62- المقنعة، لأبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي، الملقب بالشيخ المفيد، المتوفّى سنة 413 ه. ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم، سنة 1410 ه.
ص: 634
63- المكاسب، للشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري، المتوفّى سنة 1281 ه، من منشورات مجمع الفكر الإسلامي بقم، سنة 1415 ه.
64- المناهل، لآية اللّه المجاهد السيّد محمّد الطباطبائي، المتوفّى سنة 1242 ه.
ط/ مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث بقم.
65- من لا يحضره الفقيه، للشيخ الصدوق، أبي جعفر محمّد بن علي ابن الحسين بن بابويه، القمّي، المتوفّى سنة 381 ه. ط/ دار الكتب الإسلامية، سنة 1390 ه.
66- منية الطالب في حاشية المكاسب، للشيخ موسى النجفي الخوانساري، الطبعة الحجريّة.
67- نهاية الإحكام في معرفة الحلال و الحرام، للعلّامة الحلّي، ط/ مؤسّسة إسماعيليان، سنة 1410 ه.
68- النهاية في غريب الحديث و الأثر، تأليف مجد الدين أبي السعادات المبارك ابن الجزري، ابن الأثير، المتوفّى سنة 606 ه. ط/ المكتبة العلمية- بيروت.
69- النهاية في مجرد الفقه و الفتاوى، للشيخ الطوسي، ط/ انتشارات قدس محمّدي بقم.
70- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي المتوفّى سنة 1104 ه. ط/ مؤسسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث- قم، سنة 1412 ه.
ص: 635
تقسيم المكاسب بحسب الأحكام الخمسة 1
الاكتساب بالأعيان النجسة 4
بيع أبوال ما يؤكل لحمه 6
بيع بول الإبل 7
بيع العذرة 8
بيع المني 10
المعاوضة على الميتة 16
بيع الميتة منضمّة إلى المذكّى 17
التكسّب بالخمر 18
المعاوضة على الأعيان المتنجّسة 18
الاكتساب بالدهن المتنجّس 19
هل وجوب الإعلام نفسي أو شرطيّ؟ 20
ما يحرم التكسّب به 21
المعاوضة على الجارية المغنّية 23
بيع العنب ممّن يعمله خمرا 25
التكسّب بما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأنا 30
بيع ما لا منفعة فيه 31
ص: 636
الاكتساب بعمل محرّم في نفسه 31
تدليس الماشطة 31
تزيين الرجل بما يختصّ بالنساء، و بالعكس 33
تكليف الخنثى 33
التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة المحترمة 33
تصوير ذوات الأرواح 35
اقتناء ما حرم عمله من الصور 37
الرشوة 39
أخذ الرشوة لغير الحكم 47
اختلاف الدافع و القابض 48
سبّ المؤمنين 48
الكذب 48
الفرق بين الإكراه و الاضطرار في الكذب 49
الاكتساب بما يجب على الانسان فعله 51
حرمة التكسّب بالواجبات 51
البيع اختصاص المعوّض بالعين 63
جعل عمل الحرّ عوضا 65
أقسام الحقّ و ما يصلح منها أن يقع عوضا 68
المعاطاة 87
دعوى كاشف الغطاء في المقام 101
ص: 637
المناقشة فيما ادّعاه كاشف الغطاء 103
هل المعاطاة لازمة أم جائزة؟ 113
ما يدلّ على اللزوم من الكتاب و السنّة 117
القول بالملك اللازم قول ثالث 121
الوجوه المحتملة في معنى الحديث 123
تنبيهات المعاطاة 125
جريان الخيار في المعاطاة 127
حكم الإعطاء من جانب واحد 127
خلوّ المعاطاة من الإعطاء و الإيصال رأسا 129
تميّز البائع من المشتري في المعاطاة الفعليّة 130
أقسام المعاطاة بحسب قصد المتعاطيين 132
جريان المعاطاة في غير البيع 142
عدم جريان المعاطاة في الوقف 146
ملزمات المعاطاة 148
لو كان أحد العوضين دينا في الذمّة 151
لو كان الناقل غير معاوضة 152
لو امتزجت العينان أو إحداهما 153
لو تصرّف في العين 154
هل المعاطاة بعد التلف بيع أو معاوضة مستقلّة؟ 155
هل العقد غير الجامع لشرائط اللزوم معاطاة أم لا؟ 157
ألفاظ عقد البيع 161
الخصوصيّات المعتبرة في ألفاظ العقود 163
دعوى أنّ العقود أسباب شرعيّة توقيفيّة 168
ص: 638
الإيجاب بلفظ «اشتريت» 170
هل تعتبر العربيّة في العقد؟ 176
هل يعتبر عدم اللحن في العقد؟ 177
هل تعتبر الماضويّة في العقد؟ 177
عدم جواز تقديم القبول بلفظ «قبلت» 178
جواز تقديم القبول بلفظ «اشتريت» و نحوه 180
التنجيز في العقد 181
أقسام التعليق في العقود 191
وجوه اخر لاشتراط التنجيز 206
اشتراط أهليّة المتعاقدين معا حين العقد 210
الاستدلال على الضمان 210
بيع الفضولي 221
صور البيع الفضولي 227
الاستدلال لصحّة بيع الفضولي بفحوى صحّة نكاحه 242
ما يؤيّد صحّة بيع الفضولي 251
الخيارات بيان حقيقة الخيار و متعلّقه 257
الأصل في البيع اللزوم 261
خيار المجلس 279
هل للموكّل تفويض حقّ الخيار إلى الوكيل؟ 292
عدم ثبوت الخيار للفضولي 293
عدم ثبوت الخيار بالنسبة إلى نفس العين 304
ص: 639
ثبوت الخيار بالنسبة إلى أخذ القيمة 307
مبدأ خيار المجلس 316
مسقطات خيار المجلس 319
الافتراق عن إكراه 350
الخيار يبقى بزوال الإكراه أم لا؟ 355
خيار الحيوان 358
اختصاص خيار الحيوان بالمشتري 360
الدليل على الاختصاص 362
دخول الليلتين المتوسّطتين في الثلاثة أيّام 376
مسقطات خيار الحيوان 380
خيار الشرط 392
بيع الخيار 408
مسقطات خيار الشرط 421
لو تلف المبيع كان من المشتري 427
جريان خيار الشرط في كلّ معاوضة لازمة 431
مناط الضرر الموجب للخيار 444
ظهور الغبن كاشف عن ثبوت الخيار من زمان الحدوث 445
مسقطات خيار الغبن 446
لو تصرّف الغابن تصرّفا مغيّرا للعين 450
هل خيار الغبن على الفور أم التراخي؟ 461
شرائط خيار التأخير 471
مسقطات خيار التأخير 476
هل خيار التأخير على الفور أو التراخي؟ 479
ص: 640
خيار الرؤية 481
مسقطات خيار الرؤية 490
لو اختلفا في تغيّر الوصف 490
خيار العيب 496
مسقطات خيار العيب 501
وطء الجارية مانع عن ردّها بالعيب، و الدليل عليه 503
حدوث العيب عند المشتري 510
مسقطات الأرش 516
الاحتمالات في ما يضاف إليه التبرّي 520
اختلاف المتبايعين 526
الاختلاف في مسقط الخيار 529
الاختلاف في الفسخ و عدمه 531
ماهيّة العيب 533
تعارض المقوّمين 545
الشروط الّتي يقع عليها العقد 549
شروط صحّة الشرط 557
حكم الشرط الصحيح 597
شروط الأفعال 601
أحكام الشرط الفاسد 615
فهرس الآيات 621
فهرس الأحاديث 623
فهرس المنابع 627
فهرس المطالب 635