الرسائل الفقهیه

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه : مدرس، حسن، ۱۳۱۶ - ۱۲۴۹

عنوان و نام پديدآور : الرسائل الفقهيه/ تاليف حسن المدرس؛ تحقيق ابوالفضل الشكوري

مشخصات نشر : تهران: ستاد بزرگداشت پنجاهمين سالگرد شهادت مدرس، ۱۳۶۶.

مشخصات ظاهري : ص ۱۳۲

شابك : ۸۰۰ريال

وضعيت فهرست نويسي : فهرستنويسي قبلي

يادداشت : كتابنامه به‌صورت زيرنويس

موضوع : مدرس، حسن، ۱۳۱۶ - ۱۲۴۹ -- نقد و تفسير

موضوع : فقه جعفري -- رساله عمليه

رده بندي كنگره : BP۱۸۳/۵/م‌۴ر۵

رده بندي ديويي : ۲۹۷/۳۴۲۲

شماره كتابشناسي ملي : م‌۶۷-۷۰۵

اشارة

فهرس المطالب

المقدمة:

اطلالة على المدرس- عبقرية و اجتهاد فقهى 7

ولادة النور 9

اسرة الشهيد «المدرس» 10

نسب الشهيد السيد حسن المدرس 12

دراسته و اساتذته 13

بعض زملائه في الدروس 17

موقع الشهيد «المدرس» عليما و فقيها 28

مؤلفات الشهيد «المدرس» 38

تلامذة الشهيد «المدرس» 43

الشهيد المدرس و الحوزات العلمية 48

المدرس: زهده، تقوا، ايثاره 54

كتابنا الحاضر، و طريقتنا في تحقيقه 58

الهوامش 61

الرسائل الفقهيّة 67

المقدمة فى ذكر القاعدة 69

القسم الأول:

«رسالة سهو الإمام و المأموم» 71

القسم الثانى:

«رسالة قضاء الفوائت من الصلوات» 87

القسم الثالث:

«وجيزة في ضمان الغاصب، المعضوب الفائت» 103

القسم الرّابع «وجيزة في بعض مسائل العدة» 115

المقدمة: إطلالة على المدرس: عبقرية علميّة و اجتهاد فقهي

اشارة

ولادة النور

الضوء اسرع بمرات متعددة من الصوت ... هذه المقولة قاعدة ثابتة ... و على اساس هذه القاعدة ينعكس نور الانفجار الصاعق على الرؤى، قبل ان يرن صدا في المسامع ... و حوادث التاريخ على هذا المنوال أيضا، فصدى الاحداث على مسامع الشعوب يتأخر كثيرا عن وقوع الاحداث في قلب الواقع، و يتأخر كذلك عن استبصارها ...

و على هذا الاساس ذاته وقعت قصة مثيرة و ثائرة لولادة و حياة وليد وطأت قدماه الارض- قبل اكثر من مائه عام- في مشارف صحراء ايران. و عاد بعد ذلك معروفا به «بطل ميدان الفقه و الجهاد و مقارعة الظلم».

كان التقويم السنوي الهجري يشير الى سنة «1287» و كانت تخيم على ايران المسلمة و كل بقاع العالم الاسلامي ظلال ثقيلة و مظلمة من الظلم و الاستبداد و النفاق و الشرك. و عشعشت الابوام في كل ارجاء هذا البيت الكبير تنهش في بنيته. و فجأة تصدر يد التقدير و قلم الحكم و الحكمة الالهية؟ «اجمل المبدعين» امرا بوضع وليد في أنأى قرى ايران، على مشارف الصحراء، و قد كانت ولادته رصاصة الرحمة الالهية على قلب الانحطاط و الظلم و النفاق و الخراب، كان انفجارا حارقا للظلم، و آية الهيه كبرى للجميع.

و كان الصدى المدوّي لتجلي هذه الآية الالهية نظير اي صاعق آخر، فلم تحرم اذن سماعه، رغم ان «نوره» قد ابصره سكان الجبل المجاورين.

اجل: ففي ذلك اليوم، و على مشارف صحراء ايران اللاهبة الصامتة، في قرية مجهولة و جميلة «سرابه‌كچو» من توابع زواره في اردستان و لدى عائلة طاهرة و مثالية «اسرة السيد اسماعيل الطباطبائي الحسني» التي تنتمي الى الاسرة الاكبر «آل مير

عابدين زواره‌ئي» وطأ الارض وليد جديد سموه على اسم جده الاكبر الامام الحسن المجتبى «ع» «حسن».

و كان حقيقا ان يلقّب ب «آية اللّه المدرس» بعد ان اضحى السيد حسن عالما زاهدا و فيلسوفا و سياسيا كبيرا، و استادا من الطراز الاول للفقه و الاصول في حوزتي طهران و اصفهان، و لانه اظهر مهارة فائقة في تدريس الفقه و الاصول و الفلسفة و العرفان و الاخلاق، و لانه كان زاهدا تقيا اصبح «آية اللّه المدرس». و بهذا اللقب المعنوي الكبير لعب دور فقيه جامع للشرائط و دور مجتهد مجاهد في ميدان الفقه و السياسة في العالم الاسلامي، و قدّم للعالم الاسلامي الرؤية السياسية الاسلامية، و كان ثمن ذلك التضحية بالنفس و الشهادة و تحمل الواني التعذيب و التبعيد. ففتح برسالته الحقة قلب القرون، و وضع حجر الاساس للثورة الاسلامية في ايران.

و من هنا يمكن ان نعدّه المربي الثوري قبل فجر الثورة الاسلامية، و ان نلقبه بحق «بوابة التاريخ الثوري الاسلامي الحديث»

اسرة الشهيد «المدرس»

نشأ السيد حسن المدرس و اشتد عوده في اسرة علم و عرفان و التزام بالاسلام.

يرجع اصله النسبي الى الاسرة الطباطبائية، و هم من السادة الحسينيين، الذين يعدّهم التاريخ، منذ الحكم العباسي، مناضلين صامدين في وجه الحكام الجائرين.

والده عالم ملتزم، و داعية هادف، اوقف حياته على خدمة الاسلام و المسلمين، و كان يقضي اكثر اوقات سنته مهاجرا نائيا عن وطنه و اسرته؛ بغية الدعوة الاسلام، و تبليغ احكامه، و توجيه الامة و اصلاحها.

كان «السيد حسن» يقصد مدينة قمشۀ «شاه رضا» اكثر من غيرها؛ حيث كان جده العارف العلامة «مير عبد الباقي» احد علماء تلك المدينة. اما والده السيد «اسماعيل الطباطبائي» فرغم فقره و عسر حاله المادي كان غنيا جدا على المستوى المعنوي و الروحي، و ذا مقام رفيع. و لم يكن له همّ سوى دعوة الاسلام و هداية الجماهير.

يقول الشهيد السيد «حسن المدرس» نفسه بصدد «جده» ما يلي:

«والدي السيد «اسماعيل»، و جدي «مير عبد الباقي» من اسرة مير عابدين زواره، و من السادات الطباطبائية. كان عمل جدي و والدي الوعظ و الخطابة و تبليغ احكام الشريعة الالهية، و كان عمري حين وفاته احد عشر عاما». (1)

جده عالم زاهد و عارف نير هو المرحوم «مير عبد الباقي الطباطبائى»، كان يعدّ واحدا من عرفاء عصره و اركان زمانه. هاجر من زواره (1). الى «قمشۀ» و اختار السكن في الثانية. و قد كان نفسه صاحب الدور الايجابي الاكبر في تعليم و تربية حفيده «السيد حسن»، و هو الذي وجهه صوب العلم و المعرفة و التقوى.

لقد تعهد السيد «مير عبد الباقي»، ابان حياته، بتربية و تعليم السيد حسن، و حضه و اوصاه بعد وفاته أيضا- عبر وصيته- ان يستمر في تحصيل العلوم الدينية، و يمضي على طريق السلف من علماء الاسلام.

يقول السيد حسن المدرس بصدد مكانة جده الرفيعة في الزهد و العبادة ما يلي:

«.. كان جدي «مير عبد الباقي» احد دعاة الاسلام في عصره و زاهد زمانه. و قد هاجر من «زواره» الى «قمشۀ» الواقعة في جنوب «اصفهان»، و قد تعهد جدي تربيتي و تعليمي، و انا لم ابلغ السادسة من عمري. و حينما انتقل الى رحمة اللّه كان عمري أربعة عشر عاما، و قد هاجرت الى «اصفهان» لا كمال دراستي، بعد عامين من وفاته طبقا لوصيته ..» (3)

كانت والدة السيد حسن المدرس تدعى «خديجة» و هي من مدينة «زواره»، و قد تربّى «السيد حسن» في حجرها حتى سن السادسة. و بعد ان بلغ السادسة افترق والده عن والدته، و بقيت والدته في «زواره» عند اسرتها، و هاجر السيد حسن يصحبه ابيه السيد «اسماعيل» الى «قمشۀ» مقيما جوار جده العلامة العارف «مير عبد الباقي».

اما علة انفصال الزوجين فهي- كما يظهرها السيد محيط الطباطبائي، و هو من سكان تلك القرية- ترجع الى ان السيدة «خديجة» لم توافق على هجر «قمشۀ»، و مغادرة اسرتها. (4) و على اي حال، فعبر هذا التاريخ تتناغم حياة «السيد حسن»، الذي ذاع صيته في ارجاء المعمورة، تحت اسم «آية اللّه المدرس»، مع مآل المحرومين و المظلومين في تاريخ الاسلام و المسلمين.

و في مدينة «قمشۀ» بذل السيد إسماعيل و مير عبد الباقي كل جهدهما المشترك لتربية و تعليم طفلهما، فعلّموه الف باء اللغة، و قراءة القرآن، و الادب الفارسى، و مبادي علوم اللغة العربية.


1) كانت قرية تابعة لناحية «اردستان».

و في سن الحادية عشرة تختطف يد المنون من الطفل النابغة والده الشاب على عجل، لكن يد جدّه المملوءة بالحنان و العطف لا تزال تمن برعايتها عليه.

كساه جده العلامة- على الظاهر- زي اهل العلم، و هو في سن الثالثة عشرة، و هيّأ له غرفة في مدرسة الحاج عبد الحميد العلمية. و لكن قبل ان يبلغ «السيد حسن» الرابعة عشرة فقد والده الاكبر، الذي كان يخطط لحياته، و يحنو عليه.

غير ان «السيد حسن» و اصل دراسته لعلوم الشريعة- وفقا لوصية «مير عبد الباقي»- و بقي في «قمشۀ» بمدرسة الحاج عبد الحميد حتى سن السادسة عشرة، و اكمل خلال تلك الفترة دراسته لعلوم النحو، و الصرف، و سائر مبادي اللغة.

لقد قضى «السيد حسن» هذه المرحلة من حياته الدراسية بإباء، و زهد، و عسر حال. و كان يقاوم، دون استسلام، كل مشكلات الحياة الدراسية المجهدة. فقد كان فراشه في تلك المدرسة لحافا واحدا فقط، كان يتوسده صيفا، و يلتحف به شتاء».

و بعد سنين حينما اصبح «المدرس» عضوا في مجلس الشورى، و اخذ يناضل ضد طاغوت زمانه «رضا خان» اعاد للذكرى- و هو يرد لائحة قدمها «رضا خان» الى المجلس لغرض التصديق عليها، تقضي بشراء الملابس و الفرش للجيش، و من بينها «اللحف»- حكاية تلك الأيّام قائلا:

«لما كنت طالبا في مدرسة الحاج عبد الحميد قمشه‌اي، لم يكن لي سوى لحاف واحد، كنت افترشه صيفا، و التحف به شتاء، و بعد مرور ثلاثة اعوام، و هبت اللحاف لطالب آخر.

لقد اشترينا في العام الفائت «لحفا» للجيش، فما الذي حصل؟! ...» (5)

نسب الشهيد السيد حسن المدرس

اتضح مما تقدم ان الشهيد «المدرس» ينتمي لعائلة اصيلة، اشتهرت بمكارم و فضائل خلقية، و من هنا علينا ان لا نغفل الدور الاساسى لاسرته الاخلاقية في بناء شخصيته العلويّة المتميزة.

لقد كانت انفاس المرحوم «مير عبد الباقي» الطهور في محيط قمشه‌اي و في فضاء مدرسة الحاج عبد الحميد اكسيرا حياتيا، أثّر على وجود السيد «حسن» الطاهر النابغ بكل تفاصيله.

يتصل نسب «مير عبد الباقي» جد السيد حسن المدرس لابيه بالامام الحسن بن

علي «ع» بواسطة «32 رجلا»، فيتصل نسب السيد حسن بواسطة «33» بالامام الحسن المجتبى «ع». و قد نقشت شجرة نسب الشهيد المدرس على قبره في «كاشمر».

دراسته و اساتذته

السيد حسن الطباطبائي- كما كررنا ذلك مرارا- اشتهر فيما بعد ب «السيد حسن المدرس قمشه‌اي». و هو مثال الفقهاء و المجتهدين من الطراز الاول في العالم الاسلامي.

ابتدأ تحصيله الدراسي في «قمشۀ» في مدرسة الحاج عبد الحميد العلمية. و اقام في احد غرف هذه المدرسة، من سن الثالثة عشرة حتى السادسة عشرة. و حينما بلغ السادسة عشرة، و قد انهى تعلم قراءة القرآن و الادب الفارسي و علوم العربية، توجه صوب الحوزة العلمية في اصفهان- طبقا لوصية جده المرحوم مير عبد الباقي الطباطبائي- و قد كانت الحوزة العلمية في اصفهان آنذاك مركزا فريدا، متألقا للعلم و الفلسفة في ايران و العالم الاسلامي. حيث كانت هناك نجوم ساطعة و ادباء لامعة نظير: آية ... ميرزا عبد العلي النحوي الهرندي، و الآيات العظام: السيد محمد باقر درچه‌اي، و السيد صادق خاتون‌آبادي، و الشيخ مرتضي ريزي، و الشيخ عبد الكريم گزي، و الفلاسفة الضالعون بالحكمة لأصيلة بحق كالفيلسوف الشهير الآخوند ملا محمد كاشاني، و المتأله الفريد و الفيلسوف الزاهد ميرزا جهان‌گير خان قشقائي ... و امثالهم. فقد اضاء هؤلاء محيط اصفهان، بنور العلم و المعرفة و الفقه و الفلسفة، و عكفوا في مدارسها على تربية طلاب العلم.

من هنا اغرت حوزة اصفهان. بجاذبيتها القرية أيضا الطالب الفتى نابغتنا «السيد حسن». فشدّ الرحيل الى اصفهان بشجاعة لا نظير لها، و هو لم يتم السادسة عشرة بعد، فقيرا لا يملك شيئا سوى قلب ملئ بالايمان و الامل و التقوى و الاخلاص، و هيّأ لنفسه غرفة في مدرسة «جدّه كوجك»، اقام فيها لاكمال دراسته.

اقام «السيد حسن» في الحوزة العلمية في اصفهان ثلاثة عشر عاما كاملة، عاكفا ليل نهار على تحصيل العلوم الاسلامية و سائر معارف عصره. و كما يقول نفسه: «لقد حضرت عند اكثر من ثلاثين استاذا خلال ثلاثة عشر عاما، و عكفت على الافادة منهم». (14)

و قد بلغ «السيد حسن المدرس» خلال هذه المدة درجة الاجتهاد في الفقه و الاصول تحت اشراف العلمين السيد محمد باقر درچه‌اي و الشيخ مرتضى ريزي، و غيرهما من

الاساتذة. و قد مهر في علم الاصول، على وجه الخصوص، بحيث استطاع ان يقرر دورة اصولية استغرقت سنتين و نصف، للعلمين «درچه‌اي» و «ريزي». و لدى مقارنة ما تبقى من آثار «السيد حسن المدرس» ابان دراسته في اصفهان بالآثار الاصولية لكبار الاصوليين نظير آية الله الشيخ محمد حسين النائيني، و آية الله ضياء الدين العراقى، و امثالهما، نجد المدرس- و هو في اصفهان قبل ان تطأ قدماه ارض النجف مجتهدا اصوليا بارعا، ان لم يكن اقدر من النائيني و العراقي فهو في صفهما. لكنه بعد ان ورد النجف، و حضر ابحاث الاساتذة فيها، كالآخوند ملا محمد كاظم الخراساني «صاحب الكفاية»، و السيد كاظم اليزدي «صاحب العروة» و الميرزا الاول و الثاني، و بعد ان دوّن دورة كاملة لابحاثهم الفقهية و الاصولية، لم يعد بالامكان مقارنته باقرانه، كالنائيني و العراقي و الشيخ عبد الكريم الحائرى اليزدى، بل حتى مع صديقه و زميله و شريكه في البحث و الدرس آية الله السيد ابو الحسن الاصفهاني، فنعده في صف هؤلاء. بل اضحى «المدرس» اعمق و اكثر تألقا من جميع هؤلاء، نجوم سماء الاجتهاد و الفقاهة.

و ليس هذا القول ادعاء صرفا، بل ان قراءة و تفحص الحياة العلمية لهؤلاء العظام، و مقارنة آثار دراستهم، تكشف عن حقيقة هذا القول بوضوح. و قد أيّد الفقيه المجاهد آية الله العظمى الميرزا محمد تقي الشيرازي «قدس»- و هو استاذ جميع من تقدم ذكره من رجال عظام- رجحان ذكاء المدرس و علمه على الآخرين. فقد قال بصدد السيد حسن المدرس عبر كلمة قصيرة دالة ما يلي:

«ان هؤلاء ابناء رسول اللّه «ص»، لهم ما لاجدادهم من طهر، فقد كنت أدهش احيانا بذكائه و فراسته، و قد فاق جميع زملائه في مدة و جيزة، و كان على رأسهم في المنطق و الفقه و الاصول، و كانت قدرته على الموازنة و الحكم في غاية الكمال، و نهاية الاستقامة و التقوى» (15)

كان المدرس ايام التعطيل الدراسي، كالخميس و الجمعة و ايام الوفيات و غيرها عاكفا بشكل اساس على تحصيل العلوم و استيعاب الابحاث المرتبطة بالفلسفة و العرفان، و ما سواها من الابحاث، التي لا تتناولها الفصول الدراسية المعتادة. و قد شجع «المدرس» على الاهتمام بالعرفان و الفلسفة ما كان يلقاه من رعاية و حنو أولاها له الفيلسوف الكبير الآخوند «ملا محمد كاشاني»، الذي لمس في المدرس نبوغا و اخلاصا و جدية-، فقد كان يعلّم المدرس برعاية و اهتمام، بشكل خاص، و لم يحضر ذلك الدرس

الخاص سوى التلميذ اليافع و الاستاذ الهرم المتأله، و قد كان الدرس يستغرق الساعات.

كتب الشهيد المدرس خلاصة حياته الدراسية في حوزه اصفهان باللغة العربية، و بشكل مختصر جدا، في مقدمة كتابه الذي لا يزال في عالم المخطوطات و الموسوم ب «شرح الرسائل»، و يبدو ان هذا الكتاب نتيجة تحقيقه و تقريره لدروس آية الله السيد محمد باقر درچه‌اي و آية الله الشيخ مرتضى ريزي في علم اصول الفقه، على مستوى بحث الخارج. و أليك نص ما كتبه المرحوم المدرس بقلمه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم كان اوّل زمان ورودي في اصبهان للتحصيل في ثالث عشرة مضت من اوّل الحمل في سنة ثمان و تسعين و مائتين بعد الألف من الهجرة النبوية «ص» و كان اشتغالي في الزمان المذكور بجامع المقدمات في علم النحو و الصرف، و الى خمسة سنين كان اشتغالي بالمقدمات المعروفة: علم النحو و الصرف و المنطق و البيان عند الاساتيذ المتعددة، المتبحرة، منهم اثنان آية اللّه الشيخ عبد العلي الهرندى الاصل الساكن في الاصبهان في المحلة الواقعة جنب مسجد الجامع، و كان شيخا كبيرا ذا جربزة لا يوجد مثله الا قليل و لم ينحصر فضله في الادبيات و الصرف بل له فيها و في الفقه و الاصول و الرياضة تصانيف متعددة، لكن لعدم اقبال الدنيا كما هو عادتها به صار هو مع تصانيفه كأن لم يكن شيئا مذكورا في نظر الناس، و قد توفى «ره» بهذه الحالة في سنة اثنين و ثلاثمائة بعد الألف من الهجرة في موقفه رحمه اللّه، و الآخر الفاضل الكامل ملا محمد الكاشاني و قد احتوى من العلوم معقولها و منقولها و جمع فضائلها بحيث لم يكن له نظير في زمانه و قد رحل اقامته من الكاشان باصبهان سنة ستة و ثمانين و مائتين بعد الألف بعد ان كان فاضلا على ما علم من الخارج و كان في الاصبهان ساكنا في المدرسة محصلا و متحصلا مدرسا بعد ان كان متدرسا في سابق الزمان عند الاساتيذ المعتبرة منهم الحاج ملا حسين التويسركاني الاصل المسكن في الاصبهان. و كان في غاية الفقر و الفاقة و كنت مثله في زمان تحصيلي عنده لشرح اللمعة في الفقه و بعده القوانين و الفصول في الفاقة بحيث يترحم علي و اترحم عليه في ما بيننا و بين اللّه و كان ..... تحصيلي المعقول عنده في ازمنة التعطيل و هو كتاب شرح الهداية المبدى و شرح المنظومة و الشوارق و الشواهد الربوبية ثم حصّلت السطح في الفقه و الاصول في أربعة سنين مع تلفيقها في بعض ازمنة تحصيل المقدمات و كان في احوالي في هذا البين تزويجي ... و مات ابي في سنة

الثمانية من التحصيل، و كنت بعد ذلك في الاصبهان في أربعة سنين مشتغلا بخارج الاصول عند العالم الربّانى شيخ مرتضى ريزي الاصل الساكن فى الاصبهان في محلة در كوشك، و قد حصلت عنده في الاصول بحث حجية الظن في سنتين و ستة شهور تخمينا و كان هو من تلاميذ سيد العلماء الحاج سيد حسين التركي الاصل المشرف في النجف مسكنا و تحصيلا و مدرسا و مدفونا، و قد جمعت من تقريراته في الزمن المذكور قريبا من عشرة آلاف بيت كتابة متعلقة بالمسألة. و عند السيد الجليل العالم العامل السيد محمد باقر درچه‌اي الاصل محصلا في الاصبهان و بعد في النجف الاشرف من تلامذة الشيخ الاكبر و الجليل الاعلم المقنن لقوانين الاصول في زمانه الحاج ميرزا حبيب اللّه الرشتي الاصل النجفي المسكن و المجاور حفظه اللّه تعالى من الحوادث المسائل المتعلقة بالاستصحاب في ثلاثة سنين و ثلاثة شهور تخمينا و بعض المسائل المتعلقة بدليل الانسداد و الظن في اصول الدين، مع مسائل متفرقة. و قد كتبت ما حصلت عنده في قريب من خمسة عشر الف بيت من التقريرات ثم بعد ذلك هاجرت من الاصبهان الى مجاورة ابي الائمة و هادي الامة بقصد الزيارة أولا و التحصيل فى جواره ثانيا بتوفيق اللّه تعالى سنة احد و عشر و ثلاثمائة بعد الألف فى الهجرة النبوية في اواخر شهر شعبان .....

و هناك رواية اخرى عن حياة الشهيد «المدرس» نقلها السيد «محسن الامين» في اعيان الشيعة «ج 5، ص 621» عن جريدة الهاتف النجفية في عددها الصادر 7 رمضان 1361، نقلا و تعريبا عن جريدة «اطلاعات»، حيث كتب لها السيد «المدرس» ترجمة حياته، و لعل هذه الرواية مع ما تقدم منه تشكل ترجمة كاملة لحياة الشهيد «المدرس». و أليك بعض ما جاء في اعيان الشيعة:

«... مكثت في اصفهان ثلاث عشرة سنة و حضرت عند ثلاثين مدرسا في مختلف العلوم من العربية و الفقه و الاصول و الاصول و الفلسفة، و اعظم استاذ حضرت عنده في العربية هو الميرزا عبد العلي النحوي، الذي كان عمره يتجاوز الثمانين سنة. و في الفلسفة حضرت عن العالمين جهان‌گير خان و الآخوند ملا محمد علي، و كانا يعيشان عيشة زهد و انقطاع، و بعد قضية (الدخان) المشهورة هاجرت الى النجف، و حضرت عند اغلب علمائها تيمنا و تبركا، و لكن كان جل دراستي عند العالمين الخراساني و اليزدي رحمهما اللّه.

و مكثت في العراق سبع سنوات ثم رجعت الى اصفهان و اخذت أدرّس الفقه و الاصول في احدى المدارس على النهج الذي أدرّسه في مدرسة سبهسالار الآن، و اسال اللّه ان يوفقني لان اقضي بقية حياتي كذلك.»

و قد كان آية اللّه العظمى الشهيد السيد حسن المدرس، حين اقامته في العراق وجها علميا مشهورا و معروفا في الحوزة العلمية في العراق.

و كانت له علاقة و عشرة أيضا مع علماء و فضلاء تلك الديار.

بعض زملائه فى الدروس

اما الزملاء الذين اشتركوا مع المدرس تلامذة في ابحاث الخارج، التي كان يلقيها العلماء الاعلام «الخراساني، اليزدي، شيخ الشريعة الاصفهاني، و الميرزا الشيرازي الاول و الثاني .. و غيرهم»، و الذين كان للمدرس معهم رفقة و عشرة و صداقة فهم الاعلام: السيد اسماعيل الصدر، الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي. السيدين مصطفى و ابو القاسم الكاشاني، الشيخ ابو القاسم ملايري، السيد محمد تقي الخونساري، (19) الشيخ محمد حسين النائيني الغروي، الشيخ فضل اللّه النوري، الشيخ محمد ملايري، الشيخ حسين اليزدي، السيد هبة الدين الشهرستاني، السيد محمد صادق الطباطبائى، السيد محمود المرعشي، السيد علي كازروني، السيد ابو الحسن الاصفهاني ... (20)

و قد اضحى جميع هؤلاء الاعلام، بعد ذلك، ملجأ للمسلمين في حياتهم، و احتل كل واحد منهم موقعا مرجعيا، في بقعة من بقاع العالم الاسلامي. بل كانت لبعضهم، كالسيد ابو الحسن الاصفهاني، و الشيخ عبد الكريم الحائرى، و السيد محمد تقي الخونساري، مرجعية عامة في عالم التشيع.

و من بين هؤلاء الزملاء العظام كان للمدرس مباحثون أيضا، فقد كان يذاكر ابحاث الخارج- بشكل اساس- مع آية الله السيد ابو الحسن الاصفهاني، و آية الله السيد على كازروني، و السيد محمود المرعشي.

و قد كتب السيد المرعشي النجفي بهذا الصدد ما يلي:

«المرحوم آية اللّه السيد مير حسن المدرس قمشه‌اي من اجلاء علماء العصر و من

الرجال البارزين في المراحل الاخيرة. هاجر العظيم الى العتبات المقدسة «النجف» بعد ان اتم تحصيل المقدمات و شطرا من الخارج في اصفهان. و خلال عدة سنين انهى تحصيله طالبا عند الآيات العظام الشيخ الآخوند ملا محمد كاظم الخراساني، و السيد محمد فشاركي، و السيد محمد كاظم اليزدي، و شيخ الشريعة. و كان يذاكره المرحومين آية اللّه السيد ابو الحسن الاصفهاني، و السيد على الكازروني متولي مدرسة قوام الشيرازي «و هي احدى مدارس النجف الاشرف» و كانت مذاكرتهم عند العصر في مقبرة المرحوم آية اللّه العلامة، كما تذاكر مدة قليلة من الزمن مع والدي آية اللّه النسابة السيد محمود المرعشي النجفي المتوفي سنة 1338 ه ...» (21)

و رغم كون «المدرس» مجتهدا جامعا للشرائط، بل لعله الاعلم بين علماء عصره، و على حد تعبير زعيم الطائفة الاكبر الميرزا الشيرازي: «كان متقدما على سائر اقرانه في المنطق و الفقه و الاصول»، الا انه لم يدبج رسالة عملية للفتوى ليرجع له الناس، و لو قدر ان ينشر المدرس رسالة عملية بين الناس لكان حظه من التقليد اوفر مما كان عليه آية الله السيد ابو الحسن الاصفهاني، و آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي!

ان بعضى الاعلام و الفقهاء المعاصرين يرون «المدرس» اقدر و ارفع مستوى من آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري على المستويين السياسي، الاجتماعي، و العلمي الفقهي.

و يذهب بعضى اصحاب الرأي و المجتهدين المعاصرين الى ترجيح «المدرس» فقيها و علميا و سياسيا اجتماعيا على آية اللّه الشيخ عبد الكريم الحائري أيضا.

آية اللّه السيد محمد رضا بهاء الديني واحد من المجتهدين الذين طالت تجربتهم و الاساتذة الكهول في الحوزة العلمية بقم، يقول في مقام المقارنة بين المرحومين آية اللّه الشيخ عبد الكريم الحائري و الشهيد المدرس عليما و اجتماعيا:

«كان المدرس رجلا سياسيا و عالما دينيا، و رجل على هذا الطراز اكثر اهمية من عالم ديني فحسب، اذ السياسة مظهر الولاية، حيث ورد في الرواية: بني الاسلام على خمس ... فاذا توفرت الولاية و سياسة المسلمين تحققت لباقي فروع الاسلام مصداقية كاملة ...» (22)

و يقول أيضا:

«نعم؛ انهم لم يعرفوا المرحوم «المدرس»، لقد كان «المدرس» رجلا خارقا للعادة.

انه نموذج لرجل الدين الواقعي، فهو ان لم يكن ارفع مستوى من مراجع التقليد لم يكن اقل منهم ...» (23)

لقد كان للمدرس ابان وجوده في طهران علاقة و معاشرة مع اولئك العلماء الربانيين، الذين كانوا يشعرون بالمسئولية، و يهتمون بمستقبل الاسلام و الامة الاسلامية، و يعملون في واقع المجتمع، فضلا عما كانوا يتحلون به من كمالات علمية و معنوية. امثال العالم الرباني و المجتهد التقي المجاهد آية الله السيد ابو الحسن الطالقاني، الذي كان واحد زمانه في محاربة الظلم، و ألدّ المعارضين الصامدين للنظام الطاغوتي «نظام رضا خان»، فقد كانا يتشاوران في قضايا الاسلام و المسلمين، و يشتركان في السعي. (24)

و حينما كان المدرس في اصفهان مجتهدا و استاذا لابحاث الخارج كانت له علاقة وثيقة بالمجتهدين المخلصين المناضلين الواعين آية الله سيد العراقين، و الميرزا احمد بيدآبادي، و الشيخ نور اللّه الاصفهاني، و آخرين، و كان يشاركهم السعي في حل مشكلات المسلمين، و تقريب و جهات النظر.

لقد كان موقع «المدرس» العلمي، و نفوذه المعنوي عميقا شاملا الى حد بعيد؛ بحيث كان المعاصرون جميعهم يعترفون له بهذا الموقع، و يغبطونه عليه. بل يمكن القول ان البعض كان يحسده على موقعه العلمي و الاجتماعي و السياسي، و اثر هذا الحسد تعاون مع ظالم ك «رضا خان» ضد «المدرس»، كما دفع هذا الحسد بعضى رجال دين الوقت للتعاون مع رضا خان، و اصرار بيان لتثبيت موقع «رئيس وزراء» النظام الظالم، و من الطبيعي ان ينتهي ذلك الى الاضرار بالاسلام و المسلمين و آية اللّه المدرس. (25)

لم يتوفر الشهيد السيد حسن المدرس على هذا الموقع العلمي و الفقهي الرفيع دون عناء، فقد واصل دراسته بقلب تعتصره آلاف المشكلات، حيث كان يذهب في بعضى ايام التعطيل الدراسي ليعمل اجيرا عاديا؛ بغية توفير قوته اليومي، و هذه حقيقة تواتر نقلها عبر رفاقه. الحكاية التي سنأتي على نقلها رويت بوسائط متعددة على لسان الشهيد المدرس نفسه، و هي واحدة من قضايا و حكايات متعددة، نجزم مع تعددها رغم احتمال اختلاف تفاصيلها بصحة هذه الواقعة.

و الحكاية التالية تدلل على ما كان يتمتع به الشهيد المدرس من اباء و شهامة و شجاعة فائقة، رغم فقره و ضيق حاله. و هي حكاية تدور بين السيد حسن المدرس، واحد اقطاعي اصفهان المتنفذين، الذي يدعى «محمد رضا خان سرهنگ گزي».

يقول المدرس:

«حينما قدمت الى اصفهان لإكمال الدراسة كنت مضطرا؛ بغية تهيئة قوتي، و مستلزمات دراستي ان ابدل زيّ، و اذهب الى القرى للعمل اجيرا فيها. و ذات يوم ذهبت الى قرية «گز»، و اشار رب العمل و هو كان احد عمال «محمد رضا خان» و أنا لا أعرفه، الى حائط بستان من بساتينه، و قال لي: اهدم هذا الجدار، و خذ ريالين اجرة عملك وقت العصر، فقبلت العقد و شرعت بالعمل، و قريب الظهر وقف قريبا مني فارس، و قال لي: ايها الخادم ساعدك اللّه، لا تهدم ما تبقى من الجدار. فقلت له: ايها السيد انا لا اعرفك، و قد قال لي شخصى آخر اهدم الجدار، و لا بدّ من ان اكمل عملي. فقال: ايها الرجل ان البستان ملكي، و اقول لك كفى! لا تهدم اكثر من ذلك. قلت: من الممكن ان تكون صاحب البستان، لكنني لا اعرفك، و قد كلفني رب العمل، فلا بد ان يأتي هو، و يقول لي: لا تهدم. فغضب الفارس و قال: ابن اللعين يريد مني سند الملك «الطابو». فقلت له: لست ابن لعين، و البينة على من ادعى و اليمين على من انكر! فاخذ الفارس يفكر قليلا، ثم ابتعد مسرعا من ذلك المكان. و فجأة قدم فارسان مأموران، و انتقلا بي الى منزل «سرهنگ»، فقال لي الاقطاعي: أ تدري لم لم يؤدباك هناك؟

قلت: لا.

قال: لانني احسست بالضعف في وجودي لاول مرة، اذ لم يقف امامي حتى الآن اي شخصى: قل الآن ما هي هويتك؟

اجبته: انا السيد حسن طالب علم، اذهب الى قرى اصفهان احيانا للعمل بغية توفير مستلزمات اكمال دراستي. ثم لبست جبتي و وضعت عمامتي على رأسى. امر المرحوم محمد رضا خان احد اعوانه باصدار حوالة على احد تجار اصفهان، ليعطي السيد حسن ثلاثين تومانا شهريا، و يوصلها الى غرفته، و لا يطالبه بوثيقة الوصول. بعد ذلك جلبوا الغداء فأكلنا، ثم عدت الى اصفهان و ...» (26)

بعد ان تعرفنا بشكل مختصر و اجمالي على واقع المدرس الدراسي في مراحله المختلفة يحسن بنا ان نلقي أيضا نظرة سريعة على حياة اساتذة الشهيد المدرس

المشهورين، و نطل على شخصيتهم المعنوية، و العلمية، و النضالية؛ لكي نتمكن من معرفة افضل للروح الطاهر الذي ربى في احضانه هذا النموذج الهادي من العظماء، و قدمه هدية للمجتمع الاسلامي، فقديما قيل: «المرء على دين خليله».

اساتذته الأعلام

اشارة

التقى الشهيد المدرس اساتذة متنوعين و متعددين، و افاد منهم، و على حد قوله انه افاد من ثلاثين مدرسا في اصفهان فقط. (27) و التقى في العراق أيضا اساتذة و مجتهدين كثيرين. و لكن لا يسعنا هذا المجال ان نترجم لجميع هؤلاء و نتعرف عليهم بدقة.

من هنا نقتصر على ترجمة مختصرة لعدد من اعلام اساتذته الذين اشرنا إليهم عبر حديثنا:

1- مير عبد الباقي الطباطبائي:

لا شك ان اوّل استاذ مربي للسيد حسن المدرس هو جده العالم الزاهد المرحوم «مير عبد الباقي الطباطبائي»، الذي كان يسكن «قمشۀ»، و يمارس الوعظ و الارشاد فيها.

يقول المدرس بهذا الصدد:

«تعهد جدي مير عبد الباقي في سن السادسة تربيتي ..» (28) «كان مير عبد الباقي زاهدا تقيا من اصحاب الكرامات و الرياضة الروحية. و كان يسكن محلة «فضل‌آباد» في مدينة «قمشۀ». توفي عام 1301 ه، و دفن عند مشارف مدينة «شاه رضا»» (29)

2- آية اللّه الشيخ عبد العلي النحوي الهرندي:

يعرف بالشيخ عبد العلي النحوي، و قد لاحظت ترجمته بقلم المدرس آنفا. و قد اثنى المدرس على علمه و تقواه، و حزن لفقده.

3- آية اللّه الشيخ مرتضى ريزي:

«ريزي» احد اساتذة «المدرس» الذين احتلوا اهمية خاصة في حياته، و كان لهم الاثر الكبير عليها. و قد كتب «المدرس» بحثا مفصلا عن العلاقة التي كانت تربط التلميذ بالاستاذ، و قد اشرنا لها سابقا. كما قرر ابحاث الظن من دراسات «ريزي»

الاصولية.

ولد الشيخ مرتضى ريزي في حدود عام 1250 ه في قرية «كانت تسمى «ريز»، و تدعى اليوم «زرين شهر». والده الشيخ عبد الوهاب ريزي، و قد ابتدأ الشيخ مرتضى دراسته على يد والده.

كان الشيخ مرتضى ريزي على مستوى روحي رفيع مضافا لما كان له من اجتهاد و فقاهة. و كان يعقد في ليالي الجمع مجلسا لدعاء كميل في «تخت‌فولاذ» باصفهان، و هو الموقع الذي تحتله «مقبرة الشهداء» اليوم، و كانت تشارك في هذا المجلس جماهير غفيرة من الناس، و قد روي بهذا الصدد:

ان الشيخ مرتضى ريزي كان يقرأ دعاء كميل في «تخت‌فولاذ» بصوته الرخيم الحميم، و كان يشترك في مجلس دعائه ما يقرب من عشرين الف نفر من اهالي اصفهان.

في احدى الليالي، و بينها كان يناجي ربه وسط الدعاء اخذ يصيح: اين انتم ايها العصاة؟ فيرتفع من وسط المجموع صوت يقول: لبيك، لبيك! ان «تقي» حاضر. و حينما يلتفتون الى مصدر الصوت يجدون مجتهد اصفهان الكبير «النجفي» مشاركا سرا في مجلس الدعاء، ليفيد من فيضه الروحي» (30)

توضح هذا الرواية المستوى الروحي الرفيع، الذي كان يتمتع به الشّيخ ريزي. و قد افاد السيد حسن المدرس من هذه الارواح الطاهرة لعرفاء إلهيين و زهاد واقعيين، حتى تمكن ان يكون «المدرس الشهيد» و يبلغ المستوى المعنوي و الروحي الرفيع.

4- آية اللّه السيد محمد باقر درچه‌اي:

هو احد المجتهدين الكبار، و كان يعدّ احد مراجع التقليد في عصره كانت له حوزة دراسية كبيرة، و كان يلقي دروسه على الغالب في مدرسة «نيم آورد» في اصفهان، كما هو حال الآخوند «ملا عبد الكريم».

انتقل آية اللّه درچه‌اي الى رحمة ربه عام 1342 ه، و قد ربى جمعا من رجال التاريخ الذي يعد كل واحد منهم نموذجا للعالم الملتزم في الفقاهة و المعرفة و الاخلاص و التقوى و الكياسة و الادارة.

و هناك رجلان من بين هؤلاء الرجال كان لهما الاثر الكبير في العالم الاسلامي و هما:

آية اللّه العظمى السيد حسين البروجردي «مرجع الطائفة»، و الشهيد السيد حسن المدرس رضوان اللّه عليهما. (31)

كتب الشهيد المدرس- كما اشرنا آنفا- الابحاث العالية «الخارج» التي كان يتلقاها من استاذه «درچه‌اي»، كما اشاد كثيرا بتقوى استاذه و علمه. (32)

لقد كان المرحوم السيد درچه‌اي نادرة زمانه في تقواه، و قد امتلأت حياته المعنوية بوقائع مذهلة، تدلل على تقواه، و أليك الحكاية التي نقلها احد تلاميذه درسه في أخريات عمره، حيث تدلل بوضوح على تقوى هذا المجتهد، و عظيم احتياط هذا الفقيه الكبير:

«دعى احد التجار الكبار المرحوم «درچه‌اي» و جمعا من العلماء و الطلبة الى وليمة في داره. و قد كانت وليمة ضخمة، امتلأت مائدتها بالوان الاطعمة، و كان الاهتمام باعدادها و تشكيلها كبيرا أيضا، تناول المرحوم «درچه‌اي» على عادته اليومية قليلا من الطعام، ثم نهض لغسل يديه و فمه. بعد ذلك قام المضيّف و قدم للسيد «درچه‌اى» سندا لمعاملة؛ بغية ان يصادق عليه. و قد كانت فتوى السيد حرمة المعاملة. هنا ادرك السيد ان هذه الوليمة كانت مقدمة لامضاء المعاملة و التصديق على السند، فحسبها «الوليمة» رشوة. فجأة تغير لونه و ارتعش بدنه و قال لمضيفه: اي عمل سيئ ارتكبته بحقك، لكي تطعمني هذا الزقوم؟ لم لم تأتني بهذا السند قبل تقديم الطعام، لكي لا ألوث يدي بهذا الغذاء المشبوه؟ ثم نهض من المجلس مضطربا، و اسرع الخطى صوب المدرسة، فجلس قرب حديقة المدرسة مقابل غرفته، ثم وضع اصبعه في داخل فمه، و تقيّئ كل ما اكله في تلك الوليمة، فهدا اضطرابه و تنفس الصعداء.» (33)

5- الفيلسوف الالهي ميرزا جهان‌گير خان قشقائى:

هو احد اساتذة الشهيد المدرس الاساسيين في الفلسفة و الحكمة- كما جاءت الاشارة الى ذلك في اعيان الشيعة أيضا «ج 5، ص 21». كان الميرزا من نوادر عصره، و لم يكن له حتى وفاته مسكن سوى حجرة صغيرة في اصفهان، كما انه لم يتزوج طول حياته.

يقول شهيدنا الاستاذ مطهري:

«عشق جهان‌گير خان قشقائي التحصيل العلمي و هو كبير، فتابع طلب العلم، حتى اضحى استاذ الفلسفة المعترف به في اصفهان. و قد كان المرحوم مضافا

لموقعه العلمي و الفلسفي نموذجا في الانضباط الاخلاقي و متانة الشخصية. و بقي حتى وفاته مرتديا للباسه الاعتيادي الاول، دون ان يغيره، و كان محبوبا بشغف من قبل تلامذته و معارفه. و قد تلمذ على يد «محمد رضا قمشه‌اي»، و يحتمل انه ادرك في بداية حياته العلمية حضور دروس الميرزا عبد الجواد حكيم خراسانى المقيم في اصفهان، و الملا اسماعيل الأصفهاني درب‌كوشكي.

ولد جهان‌گير خان عام 1243 في مدينة «دهقان» الاصفهانية، و توفي في اصفهان عام 1328 ه، و قبره معروف في «تخت‌فولاد» اصفهان». (34)

و بصدد زهد ميرزا جهان‌گير خان يقول الشهيد المدرس:

«درست الفلسفة أيضا على يد عالمين كبيرين: جهان‌گير خان، و الآخوند ملا محمد كاشي. و كان هذان الاستاذان يعيشان في المدرسة، و كانت حياتهما حياة زاهدة قطعت علاقتها بالدنيا». (35)

6- آية اللّه الحكيم الكبير الآخوند ملا محمد كاشي:

كانت للشهيد المدرس علاقة عاطفية خاصة مع استاذه «كاشي»، و قد شارك في حضور دروسه العامة لاربع سنين، كما تلمذ على يده ايام التعطيل الدراسي- بشكل خاص في الحكمة و العرفان. و لم يقف احد على اسرار هذه العلاقة الروحية بين العارفين الكبيرين اللذين قضا حياتهما زاهدين فقيرين سوى الاستاذ و تلميذه، كما يصرح المدرس:

«لقد كان يعطف علي، و احنو له أيضا، و قد كانت هذه العلاقة خاصة بيننا، و لم يعلمها احد الا اللّه تعالى».

لقد كان ل «كاشي» اكبر الاثر على تلميذه النموذجي «المدرس» في البناء الاخلاقي و العرفاني و الفلسفي. و قد كان السيد البروجردي احد تلاميذ الآخوند كاشي أيضا.

و قد كتب الشهيد مطهري حوله ما يلي:

«الآخوند ملا محمد كاشي المقيم في اصفهان معاصر ل «جهان‌گير خان»، و كان تلميذا ل «محمد رضا قمشه‌اي». عاش في مدرسة الصدر باصفهان، و قضى حياته

عازبا، و كان رجلا مرتاضا تبرز في سلوكه بعض الممارسات المذهلة.

و قد تلمذ على يده عدد من كبار الطائفة، نظير: الحاج رحيم رباب، و المرجع الكبير السيد حسين البروجردي، و جمع آخر من تلامذته (و قد سمعت منه حين تلمذي عليه في بروجرد انه تلمذ على يد الآخوند، و انه كانت تبرز على سلوكه حالات غريبة.

توفي الآخوند كاشي عام 1332 في اصفهان، و دفن قرب قبر جهان‌گير خان في مقبرة «تخت‌فولاد» باصفهان». (36)

7- السيد محمد صادق الاصفهاني خاتون‌آبادي:

كان استاذا للشهيد المدرس في مرحلة السطوح. و قد كان المدرس يحترمه و يجله كثيرا. فحينما كان يرد مجلسا من المجالس العامة كان المدرس يثب من مكانه لاستقبال استاذه السابق. (37) و قد كان «خاتون‌آبادي» من خيرة تلامذة الآخوند الخراساني البارزين. و قد اعان استاذه و ساهم في كتابة «كفاية الاصول». و كان مجتهدا في الفقه و الاصول، و ذاع صيت درسه في كتاب «الرسائل».

هاجر مع من هاجر من العلماء و المجتهدين عام 1345 ه الى قم، بمعونة الشهيد نور اللّه الاصفهاني، ليتجمعوا هناك معارضة لبعض ممارسات «رضا خان»، و تفرق جمعهم بوفاة الحاج نور اللّه بطريقة مشكوكة.

ارّخ الاستاذ جلال الدين همائي عام وفاة المرحوم خاتون‌آبادي سنة 1328 ه، في حين ارّخه كاتب آخر تناول «المدرس» في بحث عام 1346 ه. (38)

و قد نشر مؤخرا كتاب للخاتون‌آبادي تحت اسم «كشف الحق» او «اربعين خاتون‌آبادي»، و هو عبارة عن مجموعة احاديث انحصرت بالامام المهدي الموعود عجل اللّه تعالى فرجه مع شرح و تفسير لطيف لهذه الاحاديث. و قد صدر الكتاب عن مؤسسة البعثة عام 1361 ه، ش.

8- آية اللّه فتح اللّه شريعت اصفهاني:

اشتهر المرحوم ب «شيخ الشريعة»، و هو احد كبار فقهاء الطائفة و علمائها في القرن الرابع عشر الهجري، و قد تخرج على يده فقهاء و عرفاء كبار، كالفقيه الشهيد السيد

حسن المدرس، كما اشار الى ذلك آية اللّه النجفي المرعشي في رسالته الخطية. و قد كانت تربط السيد المدرس بالشيخ فضلا عن رابطة التلمذة علاقة شخصية خاصة صميمة قريبة جدا.

ولد «شيخ الشريعة» باصفهان عام 1266 ه، و تلمذ على يد كبار العلماء كصاحب روضات الجنات.

و قد انتقلت إليه المرجعية العامة للطائفة بعد وفاة آية اللّه الميرزا محمد تقي الشيرازي، لكنه لم يعش طويلا بعد ذلك فقد توفي عام 1339 ه بعد ستة اشهر من تقلده مقام المرجعية العامة. و له مؤلفات ذات اهمية كبيرة في الفقه و الاصول، جاء على ذكرها تفصيلا كتاب «علماء معاصرون» للواعظ التبريزي. (39)

9- آية اللّه ميرزا حسين الخليلي:

احد اساتذة الشهيد المدرس في النجف الاشرف. (40) و قد كان الشيخ الخليلي «قدس» احد اساتذة جامعة النجف، و واحدا من مراجع التقليد فيها.

والده علي ابن ابراهيم، من سكان مدينة «ري» قرب طهران، سكن النجف، و هو من تلامذة المرحوم الشيخ محمد حسين الكاظمي. له مقلدون كثيرون في الهند و لبنان و العراق و ايران. كان الشيخ الخليلي في البدء من انصار- تأسيس الحكومة «المشروطة» في ايران، و عاضد الآخوند الخراساني و ملا عبد اللّه المازندراني في هذا السبيل. الا انّه راوده الشك بعد حين في قضية «المشروطة» فعدل عن رايه الاول، و اصدر فتوى «بتحريم المشروطة». (41)

10- آية اللّه المجاهد ميرزا محمد تقي الشيرازي:

الميرزا الشيرازي قائد الجهاد الجماهيري ضد الانجليز، و صاحب الفتوى الشهيرة بهذا الصدد.

احتل موقع الزعامة و المرجعية العامة للتقليد بعد وفاة آية الله السيد محمد كاظم اليزدي. و من مؤلفاته تعليقة على كتاب «المكاسب» للشيخ الانصاري، و قد طبعت هذه التعليقة على الحجر في طهران. (42)

يعرف هذا الرجل الكبير ب «الميرزا الثاني»، و قد ربى تلامذة مبرزين و لائقين، و كان الشهيد السيد حسن المدرس واحدا من هؤلاء.

و يقول المرحوم «امير عبد الجواد» المعروف ب الاديب النيشابوري: ان الشهيد المدرس كتب بخط مقروء تقريرا للدروس العالية التي كان يلقيها المرحوم الميرزا حسن الشيرازي «الميرزا الاول» و المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي «الميرزا الثاني». و يظن انها قد نهبت حينما هجم رجال الشرطة على داره. (43)

افجع آية اللّه الميرزا الثافي العالم الاسلامي بوفاته عام 1338 ه.

11- آية اللّه السيد محمد فشاركي:

تلمذ الشهيد المدرس أيضا- كما اشار آية اللّه المرعشي النجفي في رسالته، و كما مر منا سلفا- على يد العالم التقي و الفقيه الكبير السيد محمد ابن قاسم فشاركي الاصفهاني. (44)

كان «فشاركي» احد تلامذة الميرزا الاول، و كانت له حوزة درس في «سامراء» ابان حياة استاذه، و كان يعد احد الفقهاء المبرزين.

و حينما رحل الميرزا محمد حسن الشيرازي «صاحب الفتوى المشهورة بتحريم التنباكو»، اعتبر كثير من اهل العلم السيد محمد فشاركي «اعلم» الفقهاء، و طلبوا منه التصدي للزعامة، و قبول مرجعية التقليد. لكنه- بما كان يتمتع به من تقوى و بعد نظر- رفض بشدة هذا العرض و قال:

«انا لسنا اهلا و لا لائقا لهذا الموقع. حيث ان الزعامة الشرعية تستدعي العلم بامور اخرى، عدا الفقه و الاصول، كالقضايا السياسية و الاجتماعية، و معرفة ظروف و ملابسات الامور. لكنني رجل محتاط و غير حاسم، و كثير الوسوسة في القضايا و المواضيع، و لو قبلت الزعامة الشرعية و مرجعية التقليد فسوف يجر ذلك امور المسلمين الى فاجعة! انا لا بدّ ان ابقى مشغولا بالبحث و التدريس. و سماحة الميرزا محمد تقي الشيرازي يتمتع بكفاءة و لياقة لهذا الامر، فاذهبوا صوبه:» (45)

و قد انتقل هذا الفقيه العظيم الى رحمة ربه في ذي القعدة عام 1316 ه.

طبيعي ان يأتي «المدرس» طاهرا حرا تقيا إلهيا، بعد ان تلمذ و درس على يد امثال هؤلاء الاساتذة الالهين المتقين، الذين تعالوا فوق المادة، و تحرروا من اسر الشهوات الدنيوية.

ان الانفاس الطاهرة لها اثر عجيب؛ حيث يمكن ان تحيي النفوس الميتة، و كيف بروح إلهي مؤمن مستعد كروح الشهيد السيد حسن المدرس!

12، 13، 14- الا علوم الثلاث: الآخوند محمد كاظم الخراساني صاحب «كفاية الاصول» و زعيم حركة المشروطة، و الميرزا محمد حسن الشيرازي «صاحب فتوى التنباكو»، و السيد محمد كاظم اليزدي، صاحب «العروة الوثقى».

كان هؤلاء الاعلام مراجع تقليد الطائفة في العصور المتأخرة، و ملئت شهرتهم الآفاق، و لا حاجة هنا للافاضة في تعريفهم. و قد كان جميعهم اساتذة للشهيد «المدرس».

و قد صرح الشهيد «المدرس»- كما نقلنا ذلك آنفا- بتلمذه على يد الاستاذين الخراساني و اليزدي.

اما بالنسبة لتتلمذ «المدرس» على يد الميرزا الاول فقد صرح الاديب النيشابوري «ميرزا عبد الجواد»- كما نقلنا ذلك- ان الشهيد المدرس كتب دورة لدروس الميرزا الاول و الثاني.

كما ان شهادة الميرزا الشيرازي بشأن المدرس معروفة و مشهورة، و هي شهادة استاذ لتلميذه، و قد نقلناها سلفا.

لقد جلس «الشهيد المدرس»، سنين طوال، تحت منابر كل هؤلاء الاساتذة من حكماء محكمين و فقهاء متقنين، تلميذا مستفيدا، فأفاد من علومهم و معارفهم و تقاهم، حتى اضحى- عن هذا الطريق- فقيها على طراز اساتذته. و بنى حوزة دراسية واسعة للفقه و الاصول و العرفان و الاخلاق و نهج البلاغة، و ربى للامة تلامذة نموذجين، كآية اللّه الميرزا علي آقا الشيرازي، و مهدي إلهي قمشه‌اي، و الميرزا ابو الحسن الشعراني ... و امثالهم.

في هذا الضوء لا نطيل اكثر مما تقدم في تعريف اساتذة «المدرس» في الحوزة العلمية، و نعطف الحديث على تحليل شخصية العلمية و موقعه العلمي، و تعريف مؤلفاته و آثاره، و بعض من تلامذته.

موقع الشهيد «المدرس» علميا و فقهيا

السيد «حسن المدرس» الفقيه المظلوم في تاريخ الاسلام و ايران المعاصرين، مجهول مشهور، فهذا الوجه المقدس، رغم ذياع صيته و شهرته العالمية- ظل مجهولا في معظم ابعاده.

لقد صدرت حول هذا الشهيد المظلوم، حتّى الآن، كتب، و مقالات، و لقاءات صحفية، سعى كل واحد منها الى تعريف وجه من وجوه: شجاعته، ايمانه، اخلاصه، خدمته و صلابته، مطالبته بالاستقلال، تقواه و اصالته الاسلامية .. و ثم كشفت عن نضال شهيد الاسلام و الحرية ضد الاستعمار و الاستبداد.

و رغم كل هذه المحاولات القيمة الا ان الانصاف يقتضينا القول: ان الوجه النضالي و السياسي للسيد «المدرس» لم يعرف حتى الآن كما يجب، و لم يؤد حقه؛ اذ ان جميع هذه الكتابات و المحاولات القيمة لم تتعد حدود البيلوغرافية و الترجمة الشخصية التقليدية؛ و لذا فان «قواعد الرؤية السياسية» للمدرس و اسلوبه في الافادة من الاسلام سياسيا لم يعد حتى الآن واضحا، و مكتوبا.

و مع هذا يلزمنا الاعتراف أيضا: ان مظلومية و ضياع هذا الفقيه المجاهد، شهيد القرون، تتأكد في حقل اغفال مقامه العلمي الرفيع، و الجهل بشخصيته الفقهية المتينة المحكمة. فالسواد العام من المسلمين، بل حتى الكثير من الخواص و فضلاء عصرنا يجهلون الموقع العلمي الرفيع لهذا الشهيد الكبير، و ليس لهم علم بما تركه «المدرس» و ما كان له من دور علمي في الدراسات الفلسفية و الأصولية و الفقهية، و الاخلاقية، و التاريخية، و الحديثية- خصوصا في نهج البلاغة-، كما ان قدرات «المدرس» الادبية في الشعر العربي و الفارسي بقيت مجهولة لدى الجميع!

لقد اغفلوا ان هذا الشهيد الفقيه التقى طول مدة دراسته اكثر من خمسين استاذا ماهرا في مختلف العلوم الاسلامية، و حضر دروسهم، و استفاد منهم.

لقد بلغ آية اللّه العظمى السيد «حسن المدرس» درجة الاجتهاد في حدود الخامسة و العشرين من عمره الكريم، و بعد بلوغه هذا المستوى الرفيع، شدّ الرحال من اصفهان صوب النجف الاشرف؛ بغية اثراء فقاهته و تعميقها. و ما بقي من آثار المدرس، ابان وجوده في اصفهان- قبل رحيله الى النجف- خصوصا تقريره لابحاث العلمين «ريزي» و «درچه‌اي» ادل شاهد على هذا المدعى: انه بلغ درجة الاجتهاد، قبل انتقاله الى النجف.

كان «المدرس» علميا و حوزويا شخصية نموذجية متحيزة. فقد اضحى فقيها جامعا لشرائط الفتيا، و محلا لرجوع الامة إليه في تقليدها. الا انه لم يكن على استعداد لنشر رسالته العملية. و لكن احتفظت يد القدر لنا- جملة آثار و مؤلفات فقيهة و اصولية غنية و عميقة، تركها المدرس، و هي شاهد على ما نقول.

قبل ان يكون «المدرس» رجل سياسة، كان رجلا اصوليا، و فقيها حوزويا. فكان

في النجف مذاكرا و قرينا للسيد «ابو الحسن الاصفهاني» مرجع الطائفة. و قد كان- كما يعترف المطلعون بذلك- متفوقا على قرينه و مذاكره «السيد ابو الحسن الاصفهاني» من كل الجهات، بل كان يفوق الشيخ عبد الكريم الحائري أيضا لما جمع بين الفقاهة و السياسة أيضا.

حينما سئل السيد «بسنديده» الاخ الاكبر للامام الخميني: ما هو مستوى الشهيد «المدرس» فقهيا و حوزويا، و ما هي نسبته لمراجع التقليد في زمانه؟ يجيب السيد بسنديده قائلا:

«كان ارقى من الجميع، فقد كان ممتازا عليهم من كل الجهات، لكنه لم يكن بصدد نشر رسالة عملية .. لم يكن القياس ممكنا بين «المدرس» و الآخرين ...» (49)

هذه مقولة عالم ادرك حضور درس «آية المدرس» «ابحاث الخارج» في طهران لمدة سنتين، كما انه يعرف العلماء الآخرين.

كما تقدم من آية اللّه «بهاء الديني» الجواب عن سؤال مشابه. و قد اجاب آية اللّه «بهاء الديني» عن الدافع لسفره الى «كاشمر» لزيارة مرقد الشهيد «المدرس» مع ما عليه من كهولة مضنية، قائلا:

«قبره [السيد حسن المدرس] اليوم هناك [في كاشمر] مزار و قد قال نفسه الى «رضا خان»: اينما دفنتني فسيتحول ذلك المكان الى مزار! و جاذبية السيد هي التي دفعتنا الى الذهاب الى هناك، و لو حال دون ذهابي آلاف الرجال لما استطاعوا». (51)

لقد كان المدرس في حوزة العراق- في حضور درس آية اللّه الخراساني و اليزدي و الميرزا الاول و الثاني- زميلا لرجال نظير: النائيني، و العراقي، و الكمپاني «الشيخ محمد حسين الاصفهاني»، و السيد ابو الحسن الاصفهاني، و أمثالهم. و رغم كل هؤلاء العظام لاحظنا ان استاذ هؤلاء الكبار يرجع «المدرس» على الجميع في الفقه و الاصول و المنطق.

من هنا يلزمنا ان نقرأ حياة «المدرس» بوصفه فقيها جامعا للشرائط، لا بوصفه «رجل دين» اعتيادي، ناضل بوعي ضد الطاغوت. اجل! فاجتهاد «المدرس» و فقهه

هو الذي ضمن سلامة خطه السياسي، و هو يخوض ميدانا متشابكا، و يطوي مرحلة معقدة و خطيرة، من تاريخ ايران السياسي. فقد كانت فقاهته و رؤيته الفلسفية و السياسية مسببا لسلامة الاصول و الرؤية السياسية التي انتهجها، و التي كانت منطلقة من آراءه الفقهية؛ و لذا نجده يمارس عمله بوصفه «الولي الفقيه». و قد صرح في احدى خطبه اثناء جلسات مجلسى الشورى تفسيرا لنيابيته، وردا على مزاحم الجهلة و المناوئين فقال:

«ان نيابتي في المجلس هي في الواقع نيابة إلهية» (52)

1- اشارة لما تقدم من الميرزا محمد حسن الشيرازي بصدد ذكاء و نبوغ «المدرس».

عنى بذلك انه الولي الفقيه، و ان هذه الولاية ولاية إلهية تشريعية.

لقد طرح الشهيد «المدرس» عبر رسائله الفقهية الاستدلالية، التي لم تطلها يد التلف، و لم تصل إليها يد طاغوت زمانه و عملائه الوحشيين، و التي وصلت إلينا- منهجه الفقهي، و قدّمه للاجيال.

فقد دلل على مهارة فائقة، و هو يطرح المشكلات الفقهية المعقدة، و ينقل الآراء فيها، و يناقش الوجوه. و حينما تقرأ كتاباته يتداعى الى ذهنك الشيخ الاكبر الفقيه القدير «مرتضى الانصاري» «قدس»، و ينتقل ذهنك قهرا الى كتاب «المكاسب»، و غيره من مؤلفات الشيخ الانصارى. بل يتردد القاري: أ هل ان الذي يحدثنا هو «الشيخ الانصاري»، فيستدل بهذا العمق و يبحث بهذا المشمول، أم انه تلميذه بالواسطة الفقيه المجهول المظلوم الشهيد «السيد حسن المدرس»؟ لم يقتصر على مناقشة آراء السلف من الفقهاء، بل، من خلال ما اعتمد من منهج اصولي، وضع آراء اساتذته موضع المناقشة أيضا و قلّب وجوه الرأي فيها- مع رعاية الادب و بخلقه الرفيع-، ثم اقام رأيه المختار على سوقه، مستدلا بقواعد الفقه و مباني الاصول.

من هنا يشتد اسف المطالع و حزنه على ضياع و اتلاف اكثرية مؤلفات و آثار هذا الفقيه المخلص.

يدلنا على مقام «المدرس» العلمي انه لم يترك البحث و التحقيق و التدريس منذ بلوغه حتى آخر لحظات شهادته، في حوزات اصفهان، و النجف، و طهران، و في تبعيده، و خلال ظروفه المختلفة!

مبتدءا من افقر ايام «المدرس» حينما كان طالبا يافعا في المدرسة، و انتهاء بايام

تألقه العالمي و نفوذه السياسي، لم يهجر «المدرس» التفقه في الدين.

حينما اضحى «المدرس» مجتهدا من الطراز الاول، و منتخبا من قبل فقهاء النجف و اصفهان في المجلس بطهران، اخذ يدرّس اهل العلم و الفضل في مدرسة «سبهسالار» بطهران درسين من الابحاث العالية «الخارج» كل يوم احدهما في الفقه و الآخر في الاصول. و قد استمر في هذين الدرسين، دون توقف، حتى ليلة اعتقاله من قبل عملاء و ازلام «رضا خان»، الذين رأسهم «دركاهي»، و ابعاده الى اقصى نقاط ايران «خواف» على الحدود مع افغانستان، و حبس هناك في قلعة خربة.

لقد جعل «المدرس» التدريس على رأس فعالياته أيضا، حينما عاد من النجف الى اصفهان. و اختار لتدريسه «مدرسة جده كوجك» مكانا، حيث كان يعد فيما مضى واحدا من طلابها، فالقى دروسه العالية «الخارج» في الفقه و الاصول في ذلك المكان. و بحكم ما كان يتمتع به «المدرس» من عمق و نفوذ بصيرة اضحى في مدة و جيزة اشهر اساتذة الحوزة العلمية الاصفهانية، و اصبح قرينا لا عرف مجتهدي تلك المدينة، نظير الشهيد آية اللّه نور اللّه الاصفهاني، و امثاله.

كان «المدرس» مؤمنا بان، «العالم الملتزم»، العارف بزمانه، المتحلي باخلاق الاسلام، لا يمكن اعداده عن طريق الفقه و الاصول فقط؛ لذا عكف- الى جانب تدريسه ذينك الدرسين- على تدريس التفسير و الاخلاق على هدي نهج البلاغة: و قد كان «المدرس» شديد الاسف على هجران تدريس علوم القرآن في الحوزات العلمية، و على النتيجة الناشئة جراء هذا الوضع من عجز العلماء عن اعداد تفسير قرآني يتفاهم مع حاجات عصره و لغته!

و من هنا شمر ساعد الجد لتلافي هذا النقص، و قدم اطروحة لدراسة القرآن، و تأليف تفسير جامع و معاصر، لكن نداء الشهادة الذي اخذ يلوح في الافق، و اعتقاله و سجنه لعشر سنين حال دون تحقيق هذا العمل المقدس. (53)

حينما كان الشهيد «المدرس» مقيما في اصفهان، كان يدرس الطلاب، ايام الخميس، دروسا في الاخلاق. و قد كان درسه في الاخلاق قائما على اساس كتاب «نهج البلاغة». و في ضوء تتبعنا يكون «المدرس» اوّل العلماء المعاصرين و المتأخرين الذين درّسوا «نهج البلاغة»، و قد توفروا على ارقى درجات الفقاهة و ذياع الصيت. فاحيى «المدرس بذلك «نهج البلاغة» في حوزات الطائفة.(1)


1) و الثاني من فقهائنا ممن اضحى استاذا لنهج البلاغة هو الاستاذ آية اللّه العظمى الشيخ المنتظري.)

كان المرحوم الميرزا علي الشيرازي «قدس» احد اساتذة «نهج البلاغة»، و هو احد اساتذة الشهيد «مطهري»، و قد اثنى عليه كثيرا «مطهري» في مقدمة كتابه «رحلة في نهج البلاغة» (54)، كما كان في نفس الوقت استاذا لآية اللّه العظمى السيد البروجردي أيضا. و قد صرح نفسه «رحمه اللّه» انه تعلم «نهج البلاغة» على يد الشهيد «المدرس»، و قال واصفا ايام دراسته لدى «المدرس» في اصفهان:

«... كان «المدرس» يعيش حياة مدهشة، فلم يترك سلوكه الطلابي «بما يمتاز من زهد و بساطة و صدق» طول حياته، فقد كان مأكله لقمة من الخبز، و لباسه قطعة من قماش. و حينما عاد من النجف اخذ يلقي على الطلاب ايام الخميس دروسا في الاخلاق، و كان درسه في الاخلاق قائما على اساس «نهج البلاغة». و ذات يوم ذهبت الى درسه، فوجدته حاضر البديهة بشكل مذهل، فكان يقرأ نص النهج من الحافظة، يستشهد له باشعار العرب و نثرها و امثالها. فشدني درسه و حضرته مدة من الزمن.

كان يوصي و يخاطب الطلاب: ايها السادة ان الشخصية الانسانية تتقوم بالاخلاق الانسانية، فقد قال النبي: بعثت لاتمم مكارم الاخلاق. و ارفع كتاب اخلاقي هو «نهج البلاغة»، اقرءوه، و علموه للآخرين:

و على اي حال فقد كان «المدرس» المحفز الاساس الذي دفعني الى «نهج البلاغة».

لقد حضرت في اصفهان درس السيد «درچه‌اي»، و الآخوند «كاشاني»، و الميرزا محمد حكيم. كما حضرت في النجف درس السيد «اليزدي» و الآخوند «الخراساني»، ثم عدت الى اصفهان ابان احداث «المشروطة». فعملت في التجارة لسنين متعددة، فنصحني «المدرس» يوما و قال لي: من الحيف ان تغير مسيرة حياتك، تابع تجارة الدنيا و الآخرة، و هو البحث و الخطابة و الارشاد. و على اثر ذلك عكفت على البحث و الدراسة و الارشاد.

لقد كنت اصغر من «المدرس» ببضع سنين، لكنه اكمل دراسته بسرعة. فحينما رحل الى النجف كان عمره في حدود الثانية و العشرين، و حينما عاد الى اصفهان كان في حدود الثلاثين، و كان عندئذ رجلا متكاملا جامعا ...» (55)

اجل! فقد كان «المدرس» شعلة نور إلهي، و آية ربانية عظمى لعباد اللّه، و قد كان حديثه مؤثرا على النفوس الطاهرة تأثيرا عميقا، بحيث كان قادرا على تحويل مسيرة

حياة الانسان!

لم يقتصر «المدرس» في اصفهان على تدريس مادة «الفقه»، و الاصول، و الاخلاق، و نهج البلاغة. بل كان يدرس الى جانب تلك المواد ما يسميه معاصروه ب «المعقولات»، يعني: الفلسفة و المنطق. حيث تعلمهما على يد حكماء مشهورين كالميرزا جهان‌گير خان، و الآخوند كاشاني، اللذين يعدان من حكماء الاسلام.

و قد كان «المدرس» مؤمنا بان لهذين الدرسين قيمة كبرى- خلافا لاسلوب بعض الفقهاء- و قد بذل جهدا كبيرا في تحصيلهما، كما اشار الميرزا الاول لتفوقه في «علم المنطق» (56)»

«كان «المدرس» في الصباح يلقي دروس الفقه و الاصول بمدرسة «جدّه كوجك»، و يلقي دروس المنطق و شرح المنظومة «الفلسفة» عصرا بمدرسة «جده بزرگ»، و كان يدرس الاخلاق على اساس نهج البلاغة يوم التعطيل المرسوم بين الطلاب «الخميس» ...» (57)

بحكم ما كان يتمتع به آية اللّه العظمى السيد حسن المدرس من علم و تقوى حق اختياره للدورة الاولى لمجلس المشروطة من قبل مراجع التقليد في النجف الآخوند «الخراساني» و الملا عبد اللّه المازندراني بوصفه مجتهدا من الطراز الاول، و ليكون مشرفا على مصوبات السلطة التشريعية؛ وفقا لملحق المادة الثانية من الدستور الاسبق في «نظام المشروطة» بايران. و قد أنتخب السيد حسن المدرس مع أربعة مرشحين آخرين من قبل المجلس بين عشرين فقيه كبير رشحوا لاستلام هذه المسئولية. و أليك ترجمة وثائق الترشيح و الانتخاب:

انطلاقا ملحق المادة الثانية من الدستور رشح مراجع تقليد الطائفة الشيعية في النجف آية اللّه الشيخ عبد اللّه المازندراني، و آية اللّه الشيخ محمد كاظم الخراساني عشرين مجتهدا و فقيها متدينا الى مجلس الشورى في كتابهم التايي:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

مجلس الشورى الوطني المحترم شيد اللّه اركانه.

ان الفصل الثاني من متمم الدستور يقرر رسميا؛ بغية الاشراف على القوانين و التأكد عدم مخالفتها لاحكام الشريعة ترشيح عشرين مجتهدا عادلا عارفا

بمقتضيات العصر الى المجلس لانتخاب خمسة افراد او اكثر باكثرية الآراء او بالقرعة، ليكونوا اعضاء في المجلس المحترم، و يكون رأي هذه اللجنة في مجالها مطاعا و متبعا، و كل قانون تشخص اللجنة مخالفته للشريعة المطهرة يكون ملغيا و ليست له صفة قانونية او تنفيذية.

و على ضوء هذه المادة الشريفة، التي تعد بمثابة روح السياسة الاسلامية، و حافظ لهذا الروح الذي هو اساس السعادة، اصبحنا منذ زمن في مقام الفحص و الاستفهام في امهات البلاد الاسلامية، و رغم ان هناك- بحمد اللّه- الكثير ممن يتمتع بالمواصفات المذكورة، الذين تقر بوجودهم عين الاسلام، محن ثبت لنا واقعهم بمعرفتنا الشخصيت او بشهادة الشهود المعتبرين، الا ان بقاء جملة هؤلاء في مواقعهم اهم و ألح، كما ان توجه جملة أخرى منهم الى مدينة «طهران» امر عسير، و مع كون الكثير من السادة العظام من اهل طهران جامعي لتلك المواصفات الا ان دوامهم المستمر في المجلس امر مزاحم و لا يطاق بالنسبة لهم، لذا نكتفي بترشيح السادة المدونة اسماؤهم، مع الاعتذار عن الغاء الالقاب و عدم رعاية التقديم و التأخير:

من النجف الاشرف زاده اللّه تعالى شرفا و عزا: السيد مصطفى الكاشاني، الشيخ اسماعيل محلاتي، الميرزا محمد حسين النائيني، السيد ابو الحسن الاصفهاني، الشيخ مهدي المازندراني، الشيخ ضياء الدين العراقي، الشيخ عبد اللّه الكلبايكاني.

من مشهد المقدس: السيد اسد اللّه القزويني،

من طهران: حجة الاسلام البهبهاني، امام جمعه خوئي، السيد محمد البهبهاني.

من اصفهان: الحاج آقا نور اللّه، السيد حسن المدرس قمشه‌ء.

من تبريز: الميرزا ابو الحسن انجزي.

من شيراز: السيد علي الكازروني.

من يزد: مير سيد علي الحائري.

من قم: الميرزا زين العابدين.

من همدان: الشيخ محمد باقر.

من سلطان‌آباد: آغا نور الدين.

من گلبايگان: الآخوند ملا زين العابدين.

ان السادة المرشحين ثبت تحلي بعضهم بالمواصفات بمعرفتنا الكاملة الشخصية، كما ثبت ذلك في البعضى الآخر بشهادة الشهود. يتعين على السادة الذين سينتخبون الى

عضوية المجلس رعاية تطبيق القوانين المتعلقة بالمواد القضائية و فصل الخصومات و الحدود و القصاص و غير ذلك، و بما ان صدور الحكم في هذه الموارد مسئولية خاصة بحكام الشرع الانور و ليس لهيئة الدولة المعظمة دخل سوى الارجاع الى المجتهدين العدول نافذي الحكم، كما ليس لها تصرف في اجراء الحكم الصادر على كائن من كان، فسن مثل هذه القوانين و المقررات لحكام الشرع الانور خارج أيضا عن صلاحيات المجلس، بل هو محدد و مبين في الشريعة. و مهمة المجلس المحترم في هذه الامور تنحصر في تعيين اسلوب الارجاع و التنفيذ و تشخيص مصاديق المجتهد نافذ الحكومة: و ستعين المصاديق الواقعية باذن اللّه. و بالنسبة للسادة العلماء العظام الذين يحتلون مركز النيابة في المجلس، فرغم اتصاف عدد منهم بالشروط المطلوبة في هيئة رقابة المجلس، لكن الهيئة مسئوله عن الاشراف على تطابق قوانين المجلس السياسية مع احكام الشريعة و من هنا نعتذر عن عدم ادخالهم بهذه العجالة في تلك الهيئة، و مع ذلك تؤخذ و جهات نظرهم بالاعتبار لدى الهيئة المعيّنة إن شاء اللّه تعالى.

الاحقر عبد اللّه المازندراني امضاء و مهر

الاحقر الجاني محمد كاظم الخراساني امضاء و مهر

و بعد وصول هذا البلاغ الى مجلس الشورى الوطني، التمس المجلس السادة المرشحين، بواسطة البرق و الابلاغ الكتبي، للحضور في المجلس. و قد اجاب كل واحد منهم برقية المجلس بشكل من الاشكال، لكن اكثريتهم اعتذرت عن الحضور في المجلس.

في تاريخ 7 شعبان 1328 اجاب المجلس علماء النجف بكتابه المرقم 1792/ 4722 و أليك نصه:

حضرات حجج الاسلام آية اللّه الخراساني و المازندراني و دامت افاضاتهما في الجلسة المنعقدة في 7 شعبان انتخب الميرزا زين العابدين القمي بالاجماع، و انتخب بالقرعة السيد ابو الحسن الاصفهاني، و مير سيد علي الحائري، و السيد حسن المدرس قمشه‌اي، و امام جمعه خوئي، لاطلاع الذوات المقدسة.

و قد أبلغ المنتخبون بواسطة البرق، و كانت البرقية المبعوثة للسيد حسن المدرس هي التالي:

اصفهان- بواسطة مجمع الولاية المحترم- جناب مستطاب ملا الانام الميرزا السيد حسن المدرس قمشه‌اى سلمه اللّه.

وجود جنابكم المستطاب العالي المحترم كواحد ممن انتخبهم مجلس الشورى الوطني من مرشحي العلماء العظام.

تفضلوا بالحركة الى طهران و شرفوها عاجلا، لينتفع عموم الشعب ببركة حضور حضرتكم العالية.

وافق المدرس، و امام جمعة خوئي، و الميرزا ابو الحسن انجزي، و الشيخ باقر الهمداني على عضوية المجلس، لكن الباقين اعلنوا رفضهم. و قد كتب السيد ابو الحسن الاصفهاني و مير سيد علي الحائري الى المجلس:

مجلس الشورى الوطني المقدس شيد اللّه تعالى اركانه.

رغم تشكري لانتخاب النواب العظام ايدهم اللّه تعالى لخادم الشريعة المطهرة بسمة عضوية هيئة المجتهدين العظام المقدسة، و رغم تطلعي لخدمة الدين و الدولة، لكن موانع متعددة تحول دون توفيقي لهذا العمل، كما كتبت للسادة الاعلام و اخبرتهم بانني ساقدم اعتذاري عن قبول المركز في المجلس.

الداعى ابو الحسن الموسوي الاصفهاني

بحكم نقاهتي الصحية و ضعف مزاجي فانا معذور من تحقيق هذا المقصد العالي.

الحائري.

اجل: بهذا الاسلوب دخل «المدرس» الى المجلس، و كان دخوله سببا لخدمات عظمى، كان «المدرس» انسانا نموذجيا متميزا للغاية، حيث جمع في شخصه الصفات البارزة للصديقين، و الحكماء، و الشهداء، و الفقهاء، و السياسيين، و المجاهدين، و الادباء، و الكتاب، و الزهاد الكبار.

لقد ورث «المدرس» دون مبالغة، شجاعة و حمية «ابو ذر»، و زهد «سلمان»، و كياسة «ابن عباس»، و قيادة «مالك الاشتر»، و لباقة و حذاقة «مؤمن الطاق»، و فصاحة و ادب «الرضي»، و فقاهة «الشيخ الطوسي»، و اصولية «الآخوند الخراساني»، و القدرة الاستدلالية للشيخ «مرتضى الانصاري»، و حكمة و تواضع «سقراط»، و رسالية اجداده الاطهار: امرهم بالمعروف، و نهيهم عن المنكر، تحملهم للمسئولية، و طلبهم الشهادة ..

لكن المؤسف حقا هو ان اعداء الاسلام الحاقدين اكتشفوه بسرعة، قبل غيره من زملاءه و اصدقاؤه العلماء، و خوفا من جهاده ابعدوه الى قلعة «خواف»، و بعد عشر سنين من الابعاد و السجن قتلوه شهيدا في مدينة «كاشمر».

مؤلفات الشهيد «المدرس»

اشارة

رغم ان الشهيد السيد حسن «المدرس» كان مدرسا لا على مراحل الدراسة في الحوزة العلمية «بحث الخارج»، لكنه كان كاتبا أيضا.

و قد كتب هذا الفقيه الشهيد معظم آثاره باللغة العربية، التي كانت آنذاك اللغة العلمية الوحيدة السائدة في الحوزات العلمية الاسلامية. كما كتب قسما من مؤلفاته باللغة الفارسية، و هي النزر. و قد تميز نثره العربي بالتلقائية و السهولة، دون اي تكلف او صنعة.

ابتدأ «المدرس» الكتابة عبر تقرير لابحاث اساتذته. و قد كانت العادة الجارية في الحوزات العلمية، و لا تزال بشكل من الاشكال قائمة حتى اليوم، هي: ان يقوم أليق تلامذة الاستاذ بضبط ما يلقيه و كتابته، ثم يدعى ما كتبه الطالب «تقريرات». و تعد قدرة الطالب و نجاحه على كتابة تقريرات الابحاث العالية و ليلا بارزا من ادلة اجتهاد الطالب. ابتدأ «المدرس» منذ شروعه حضور ابحاث «الخارج» في اصفهان بكتابة تقرير ابحاث اساتذته. و لعله استمر على هذا النهج حتى آخر ايام وجوده في العراق مستفيدا من اساتذة حوزته العلمية.

و قد ترك لنا «المدرس» تقريرات ممتعة في علمي الاصول و الفقه لابحاث «الخارج» التي كان يلقيها آية اللّه الشيخ «ريزي» و السيد «درچه‌اى»، و قد كتب «المدرس» هذه التقريرات قبل بلوغه الثلاثين، و مع ذلك فلمس فيها مهارة مجتهد مطلق.

و بعد ان هاجر الى النجف الاشرف مشارك في دروس الآخوند الخراساني و السيد كاظم اليزدي في الفقه و الاصول، مدة طويلة، و قد افاد منهما، كما اعترف نفسه. و على القاعدة و في ضوء دأبه المستمر لا بد ان يكون المدرس قد كتب تقريرا كاملا لابحاث اساتذته. كما حضر، مدة من الزمن، دروس الفقيه المجاهد الميرزا محمد تقي الشيرازي «الميرزا الثاني» و افاد منها، و يظهر انه قد كتب تقريرا لابحاث الميرزا أيضا. بل ذهب بعض رجال العلم و الادب كالاديب «النيشابوري» الى: ان السيد حسن حضر قسما من ابحاث الميرزا الاول السيد محمد حسن الشيرازي صاحب فتى تحريم «التنباكو»، و كتب تقريرا لابحاثه، ضاع على اثر هجوم عملاء الطاغوت «رضا خان» على منزل «المدرس»

في طهران.

غير ان الثابت هو ان «المدرس» حضر ابحاث الميرزا الثاني «الشيخ محمد تقي الشيرازي» مدة من الزمن، كما حضر ابحاث الاستاذين الكبيرين «الخراساني» و «اليزدي» مدة طويلة، و يظهر انه ان لم يكتب دورة كاملة من تقريرات ابحاثهم، فقد كتب قسما من تلك الابحاث، و لكن لم يصل لا يدينا ايّ اثر لهذه التقريرات، و قد قال «الاديب النيشابوري» بهذا الصدد ما يلي:

«... كانت لدى «المدرس» تقريرات ابحاث متعددة، تمثل ما كتبه من دروس اساتذته في اصفهان، و ابحاث مراجع و اساتذة النجف، التي أتلفت على الاظهر، بعد هجوم رجال الشرطة ليلا على داره و نهبهم لكتبه. نظير: تقريرات الميرزا حسن الشيرازي و الميرزا محمد تقي الشيرازي، التي كتب منهما دورة مقروءة». (58)

و الاديب النيشابوري عالم ثقة ممن يعتمد عليهم، كما انه كان معاصرا للمدرس. و حينما يقول جازما. ان المدرس ترك دورة من تقريرات الميرزا الاول و الثاني و بخط مقروء، فهذا يعني انه قد رأى هذه التقريرات بنفسه.

على اي حال فقد ترك «المدرس» مؤلفات و كتابات متعددة، اعم من تقريرات الابحاث، و مما اجاد ابداعه الشخصي، و قد ضاع اكثرها على يد خصومه الخونة، و لم يبق منها الآن سوى نزر يسير، وصل ناقصا، و البعض الآخر كاملا. و لم نضع اليد عليها الا بعد بحث و تنقيب كبير، و كان لحفيد الشهيد السيد علي المدرس سهم اساس في مضمار هذه الخذمة.

نأتي الآن على ذكر ما بقي من كتابات المدرس، التي اطلعنا على وجودها الفعلي او السابق بالمباشرة او بالواسطة، مع شرح مختصر لها:

1- الكتاب الاصفر «كتاب زرد»

و هو احد كتب الشهيد «المدرس» المهمة، و قد كتبه باللغة الفارسية، و هو يتناول تاريخ ايران السياسي للفترة التي عاصرها الشهيد. و قهر كشف «المدرس» عبر هذا الكتاب عن الكثير من الحقائق، و فضح عددا من الجواسيس. لذا يحتل هذا الكتاب اهمية بالغة، و قد جاء بخط يده الدقيق في «437» صفحة، و كان هذا الكتاب مفقودا الى

وقت قريب، و قد عثر عليه بجهود مشكورة بذلها احد ابناءه مؤخرا. على امل ان يوضع هذا الكتاب القيم في متناول اهل التحقيق، لينتفع منه عموم القراء.

2- خاطرات «خواف»

كتب الشهيد «المدرس» هذا الكتاب عند مرحلة ابعاده و سجنه في قلعة خواف. و يتضمن الكتاب خواطر الشهيد في ذلك السجن الانفرادي، التي استمر فيه عشرة سنين، و قد جاء في 180 صفحة بخط المرحوم.

و هذا الكتاب أيضا موجود لدى احد ابناء الشهيد «المدرس»، و يظهر ان نسخة هذا الكتاب، قد عثر عليهما بعد جهود متظافرة.

3- قواعد نظم العدلية

طبع هذا الكتاب جديدا بواسطة الجهاد الجامعي في اصفهان عام 1406 بمناسبة انعقاد «مؤتمر تعريف و احياء ذكرى «المدرس»». و جاء في «581 صفحه من القطع الرقعي. و هو من مؤلفات الشهيد «المدرس» التي شاركه في تأليفها «مشير الدولة» و «امام جمعه خوئي».

و قد كتب هذا الكتاب بوصفه كتابا قانونيا يوضح قواعد النظم في مجلس الشورى، و هو في بابين: استقل الباب الاول تحت عنوان «قواعد نظم العدلية» و حمل الباب الثاني عنوان «في المحاضر الشرعية و محاكم الصلح». و يستحق هذا الكتاب دراسة قانونية و فقهية.

4- حاشية على كتاب النكاح لمسجد شاهي

المرحوم آية اللّه الشيخ «محمد رضا النجفي مسجد شاهي» احد العلماء و الفقهاء المشهورين في عصره، و قد زامل الشهيد المدرس في بعض الدروس، كما ذاكره أيضا. و قد كتب كتابا فقيها في باب النكاح. و قد كتب المرحوم «المدرس»- على طريقة السلف من علماء الشيعة- حاشية على هذا الكتاب، فسجل بذلك فتاواه الخاصة في باب النكاح على حواشي هذا الكتاب. و يظهر ان هذا الكتاب موجود الآن لدى رجل دين يدعى «العلامة الفاني». (59).

5- تعليقة على «كفاية الاصول»

«كفاية الاصول» تأليف الآخوند محمد كاظم الخراساني، من الكتب الغنية المختصة في علم اصول الفقه، و هو كتاب دراسي على مستوى «السطوح» في الحوزات «العلمية الشيعية، يتداوله الطلاب بالدرس منذ زمن ليس بالقصير. و يعد هذا الكتاب احد المتون الاصولية الاستدلالية المعمقة، و قد كتب العلماء و المجتهدون شروحا و تعليقات كثيرة على هذا الكتاب، و تعليقة الشهيد «المدرس» واحدة من هذه التعليقات.

و كتابة تعليقة على «الكفاية» من قبل الشهيد المدرس احد الادلة على تمكن و عمق هذا الرجل العظيم في محيط علم اصول الفقه.

يحتفظ بالنسخة الاصلية لهذا الكتاب الآن ابن الشهيد الدكتور عبد الباقي المدرس. (60)

6- رسالة في الترتب:

و هو بحث اصولي.

7- رسالة في الشرط المتأخر:

دراسة اصولية.

8- رسالة حول «لزوم القبض و عدمه فى الموقوفات و غيرها»:

و هي بحث يتناول احدى القضايا الخلافية المعقدة في الفقه الاسلامي.

9- مجموعة خطابات و مقالات و رسائل «المدرس»

كان للشهيد «المدرس» ابان حياته خطب و مقالات و مقابلات كثيرة في مجلس الشورى، و في المحافل السياسية و الاسلامية، و في الصحف و المجلات. و لو قدر ان يجمع كل هذا الانتاج، و يبوب، فسوف يضحي كتابا من عدة اجزاء. و قد نشرت «دار ابو ذر» بعض هذه المقابلات و الخطب المقالات عام 1356 ه. ق، و جاءت طباعته- بحكم امكانات ذلك الوقت- رديئة و ناقصة. و يبدو ان مؤسسة التاريخ نظمت هذه المقالات و المقابلات و الخطب في عدة اجزاء، و هي معدّة الآن للطبع.

10- شرح الرسائل

«فرائد الاصول» او «الرسائل» كتاب قيم من مصنفات الفقيه و الاصولي القدير «الشيخ مرتضى الانصاري» رضوان اللّه تعالى عليه. و يعدّ هذا الكتاب منذ امد بعيد متنا دراسيا محترما في الحوزات العلمية الشيعية، و لا يزال المتن الدراسي الذي لم يحتل موقعه حتى الآن بديل جديد.

و قد كتبت حول هذا الكتاب اللائق شروح و تعليقات و حواشي كثيرة منذ زمن الشيخ الانصاري حتى يومنا القائم، و قد استوعب بعضها الكتاب باكمله، و جاء البعضى الآخر منها ناقصا غير شامل. و يمكن عدّ حاشية الميرزا الآشتياني «صاحب كتاب القضاء» التي جاءت تحت اسم «بحر الفوائد»، و حاشية الشيخ آغا رضا الهمداني «صاحب مصباح الفقيه، و حاشية الملا رحمة اللّه كرماني، و حاشية العلامة الميرزا موسى التبريزي من الحواشي العميقة و الجيدة لكتاب «الرسائل»».

و قد كان الفقيه الاصولي الشهيد السيد حسن المدرس قمشه‌اي احد شراح رسائل الشيخ الانصاري أيضا، و لا يزال شرحه حتى الآن في عالم المخطوطات.

و قد كتب «المدرس» شرحه للرسائل كتقرير لدروس استاذيه في اصفهان الشيخ ريزي و السيد درچه‌اي. و قد شمل الشرح كل كتاب الرسائل سوى بحث القطع و باب التعادل و الترجيح.

كتب «المدرس» هذا الشرح و هو في اصفهان، قبل هجرته الى النجف، حينما كان شابا حديث السن، و هذا مؤشر على تمتع «المدرس» بامكانات عقلية عالية.

و قد هيّأت مقدمات تحقيق هذا الكتاب؛ بغية احياءه و نشره قريبا باذنه تعالى. و النسخة الخطية الوحيدة لهذا الكتاب من ممتلكات حفيد «المدرس» السيد علي المدرس الموقر.

11- الرسائل الفقهية

يحتوي هذا الكتاب با على مجموعة رسائل موجزة في بعض ابواب الفقه. و هو الكتاب الذي نقدمه الآن، و نسخته الخطية الملحقة بكتاب «شرح الرسائل» بخط الشهيد المدرس نفسه. و سيأتي في خاتمة هذه المقدمة شرح اوفى لهذا الكتاب.

12- رسالة في علم الكلام

مما بقى من آثار الشهيد «المدرس» كتيب صغير حول بعضى مسائل علم الكلام.

و النسخة الاصلية لهذا الكتيب موجودة لدى حفيده السيد علي المدرس.

** مضافا لما تقدم ذكره هناك أيضا الكثير من كتابات الشهيد «المدرس»، التي لم تصل الى ايدينا حتى الآن، و قد نهبت هذه الكتابات- على حد قول المرحوم الاديب النيشابوري- من قبل شرطة نظام الجائر «رضا خان»، و من جملتها تقريرات دروس «الخارج» التي القاها مراجع التقليد في العراق.

تلامذة الشهيد «المدرس»

اشارة

قضى الشهيد «المدرس» سنوات طويلة مدرسا في الحوزات العلمية باصفهان و النجف و طهران، و كان له «بحث خارج». و كان الفقه و الاصول و المنطق و الفلسفة و الاخلاق في نهج البلاغة مواده الدراسية الاساسية. و من الطبيعي ان يشارك في حضور دروسه الكثير من طلاب العلم، و ان يفيدون من هذا الحضور المبارك. غير ان المؤسف- بحكم عوامل مختلفة، كان العامل الامني على رأسها لم يعرف حتى الآن طلاب «المدرس» بشكل دقيق. فقد كان التظاهر بالارتباط بالمدرس، ايام حكم «رضا خان»، و التلمذ على يده جريمة لا تغتفر؛ و لذا كان يسعى الناس الى اخفاء علاقتهم بالمدرس؛ لاجل حفظ حياتهم. و من ثم انتقل الى رحمة اللّه اكثرية طلاب مدرسته، دون معرفة قضية تلمذهم عليه. فلم نتمكن من الوقوف على اسماء طلاب «المدرس» في متابعتنا، الا على عدد قليل جدا منهم، قدر لهم البقاء سالمين من تطاول يد الطاغوت عليهم لاعتزالهم الحياة السياسية! كما ان اثنين ممن درس على «المدرس» احتلوا مواقع في النظام، لقربهم من البلاط البهلوي «الاسرة التي اغتالت المدرس»، و على اي حال أليك اسماء بعض تلاميذ «المدرس»:

1- آية اللّه الميرزا علي آغا الشيرازي:

هو واحد من فلاسفة و عرفاء و فقهاء و اطباء العالم الاسلامي، شخصية نادرة، جمعت العلم و الاخلاق. و كان يتمتع بشكل كبير- على حد قول الشهيد مطهري- بتدريس نهج البلاغة. (62) و قد لاحظنا من قبل انه تلمذ على يد «المدرس» في نهج البلاغة و علم الاخلاق. و بغية معرفة اكبر بما للشيرازي من مقام علمي و معنوي راجع رحلة في نهج البلاغة للشهيد مطهري.

انتقل هذا الرجل العظيم الى رحمة اللّه عام 1357 ه.

2- آية اللّه مهدي إلهي قمشه‌اى:

الاستاذ المرحوم قمشه‌اي يعد احد الفلاسفة المعاصرين و المؤمنين الراسخين.

حضر بحوث المرحوم «المدرس» في الفقه و الاصول، مدة طويلة من الزمن، في مدرسة سبهسالار بطهران، كما كان هو نفسه يمارس تدريس الفلسفة و المنطق في تلك المدرسة.

ترجم آية اللّه قمشه‌اي القرآن الكريم الى اللغة الفارسية و تعد ترجمته المشهورة لدى الجميع افضل ترجمة للقرآن الكريم.

و قد ترجم نفسه بوصفه واحدا من تلامذة الشهيد المدرس.

3- آية اللّه الحاج ميرزا ابو الحسن شعراني:

فيلسوف تقي و متكلم زاهد، و هو تلميذ آخر من تلامذة الشهيد «المدرس» في مدرسة سبهسالار بطهران. و قد قطف ثمار المعرفة من الرجل العظيم، و تعلم دروسا من حياته الالهية.

و قد عدّ المرحوم إلهي قمشه‌اي «شعراني» زميلا له في درس «المدرس». (64)

4- السيد كمال الدين نوربخش دهكردي:

اصبح السيد كمال الدين استاذا جميعا، و هو صاحب مؤلفات أيضا. من اهل قرية «كرد»، التي هي اليوم مدينة «شهر كرد»، و من تلاميذ المرحوم السيد محمد باقر درچه‌اي، و الشهيد السيد حسن المدرس. و المشهور ان «نوربخش» اشتغل في ادارة المعارف للتدريس، وفق توصية «المدرس».

5- الشيخ محمد حسين برهان:

ولد في قمشه‌ء «شاه رضا» من توابع اصفهان. و قد كان ايام الديكتاتورية احد خطباء «طهران» المشهورين. الذين حملوا على نظام «رضا خان» الديكتاتوري في خطبهم. و قد كان احد المشاركين في درس الشهيد «المدرس» بمدرسة سبهسالار.

6- جلال الدين همائي

طرح «همائي» في احد مصادر حياة «المدرس» بوصفه تلميذا للشهيد. (65) لكن المرحوم «همائي» في مقدمة كتاب «همائي‌نامه» ذكر اسماء اساتذته، دون ان يتعرض باية

اشارة الى انه تلمذ على يد المرحوم «المدرس». و يبدو ان هذا الامر كان تقية؛ حيت ان هذا الاثر طبع ايام حكومة الطاغوت. كما ان هناك احتمالا آخر، و هو ان «همائي» ذكر اسم المدرس، دون تقية، لكن الرقابة على المطبوعات آنذاك حذفت الاسم. و لاجل الاطلاع الكامل على حياة «همائي» راجع مقدمة كتاب «همائي‌نامه» و «الشعوبية».

7- ابن يوسف الشيرازي:

«ضياء الدين حدائق» المعروف ب «ابن يوسف الشيرازي» احد تلامذة المرحوم «المدرس» أيضا. «ابن يوسف» شيرازي و كان ابنا لاحد علماء تلك المنطقة المشهورين.

اتم القسم الاعظم من دراسته في طهران على يد اساتذة الحوزة آنذاك. ثم عاد الى مسقط رأسه «شيراز»، و اقام فيها حتى موته. و على الرغم من المعلومات الكثيرة التي توفر عليها «ابن يوسف»، لكنه لم يستطع الصمود امام التحولات المتلاطمة، لتلك الحقبة من الزمان.

و لم يتمكن من الاستقامة على خط استاذه «المدرس» الفكري، فمال نحو البلاط:

البلاط، الذي قتل معلمه و استاذه! (66)

لقد كان «ابن يوسف» محصلا مجدا في حوزة الشهيد المدرس بمدرسة سبهسالار «طهران»، و له مؤلفات جيدة في مختلف المواضيع، ك «امثال القرآن الكريم»، و «فهرست الكتب الخطية العربية و الفارسية في مدرسة سبهسالار»، و «ما هو نهج البلاغة»، و غيرها ... (67)

8- بديع الزمان فروزانفر:

يعد احد محققي و ادباء و كتاب ايران المعاصرين، و هو وجه علمي و ادبي في الوسط الجامعي بايران. و لا يشك احد في لياقته الادبية و قدرته الكتابية، الا ان الوثائق الموجودة تشير الى ان ضياع و انحراف «فروزانفر» عن خط الاستاذ الفكري كان اكثر سوءا مما اصبح عليه زميله «ابن يوسف». حيث كان قربه الاكيد من البلاط سببا لصيرورته اسير الثقافة الغربية الملوثة، و قد ظهرت على سلوكه ممارسات منحرفة يبعد ان تصدر من رجل علم.

و على اي حال فان «فروزانفر» احد طلاب الشهيد المدرس، و لكن المؤسف هو ان مترجمي حياة «فروزانفر» الذين جمعوا مقالاته و طبعوها اغفلوا تلمذه على «المدرس».

و قد ذكر المرحوم الاستاذ «مهدي إلهي قمشه‌اي» الذي زامل «فروزانفر» في

مدرسة سبهسالار و حضرا معا دروس «المدرس» خاطرة ظريفة. و تدلل هذه الخاطرة على نفوذ بصيرة «المدرس» في معرفة الشخصيات، كما توضح نقاط الضعف التي منيت بها شخصية فروزانفر منذ البدء:

سئل «فروزانفر» ذات يوم «المدرس»، فاجابه المدرس قائلا: هذا السؤال يحكي عن طلبك للجاه! و انت تريد ان تستخدم في جهاز الهيئة الحاكمة، و بهذه الروحية تفقد شخصيتك:

ثم ذكر المقولة التالية: نعم السلطان الذي كان على باب العلماء، و بئس العالم الذي كان على باب السلاطين.

ثم قرأ بيت الشعر التالي:

«اذا كان العالم الذاهب الى بيت الحكام حسن السمعة فى حال ذهابه، فسوف يعود سيئ السمعة من بيوتهم» (68)

9- السيد على اصغر سدهي.

10- السيد ابو الحسن سدهي.

11- الآقا صدر كوپائي.

12- الشيخ محمود مفيد.

13- الشيخ محمد باقر الفت.

14- الشيخ محمد باقر النجفى.

و كل هؤلاء علماء اعلام في اصفهان، كانوا يحضرون درسه باصفهان، قبل رحيله الى طهران.

15- الميرزا ولي اللّه جليلى:

• كان مجيدا لفن التصوير مضافا الى معرفته الحوزوية الاسلامية. و حينما كان المدرس سجينا، استنسخ صورة من صور «المدرس» و اطّرها، و قدمها هوية لاسرته.

16- محمد شريعت سنكلجي:

شارك «شريعت» في حضور دروس الشهيد بمدرسة سبهسالار لمدة قصيرة.

17- آية اللّه السيد مرتضى بسنديده:

هو الاخ الاكبر للامام الخميني «دام ظله و عبر لقاء مع آية اللّه «بسنديده» صرح قائلا: «تلمذت عند المرحوم (المدرس) مدة سنين فى طهران» و لديه خواطر كثيرة حول تلك المرحلة.

18- الشيخ علي اكبر كلاردشتي. 19- الشيخ محمد على لواساني. 20- السيد رضي لاهيجاني. 21- ابن الدين آل آقا. 22- شيخ الاسلام ملايري.

و قد كان كل واحد من هؤلاء الاعلام استاذا لطلاب العلم على مستوى السطح في مدرسة سبهسالار الى جانب تلمذه على يد «المدرس». و كان المرحوم «شيخ الاسلام ملايري» شخصية اسلامية سياسية، و كان نائبا في المجلس، كما كان وصي الشهيد «المدرس»، و كان يقوم ببعض اعماله، حين كان الشهيد سجينا في قلعة «خواف». و هو الذي أماط اللثام، لاول مرة عن استشهاد «المدرس» الذي كتم امره. و خطب في الذكرى السنوية لشهادة رجل التاريخ «المدرس» في مجلس الشورى يوم 27 مرداد عام 1320 ه. ش، قائلا:

«رغم ان السادة المحترمين اطنبوا في خطبهم المتعلقة باعادة الاملاك: النقود و الجواهر، و لكن اعتقاد المخلص هو ان الجوهر الغالي لبلد ما هو انسان و آدم ذلك البلد. فاذا خسرناه لا يعوض. «ماكياول» قبل خمسة قرون يقول: اذا ذهب مال من يدك لا تتحسر عليه، فسوف يعوّض، و اذا شارف اعتبارك على الانكار فلا تحزن عليه، لانه ممكن الاعادة، و لكن عليك ان تسعى لحفظ شجاعتك، فاذا فقدت الامة شجاعتها فلا عوض لها. كل السادة المحترمين يعلمون بشهادة الحق و التاريخ ان نظير المرحوم المدرس المقتول، السيد الكبير و الشجاع الذي اجتمع فى شخصه حب الوطن و الطهارة الروحية و الرؤية الثاقبة، لم اره انا، و لم يره خبير:

و باعتباري وصيا له، وفق اكثر فى وصية خطية، و باعتباري مدونا لتاريخ

عشرين عاما من حياته «كيف اصبح و كيف اضحى» فانني كنت معتقدا بان المرحوم قتل و قد وقع قتله الفجيع في 29 رمضان للّه العام الفائت، لكن احد السادة صحّح الخطاء، و قال انه قتل في 26 رمضان على التحقيق و بالوجه الذي اقدمه الآن الى السادة:

بعد ان كلف «نوائي» المجرم المشهور في الشرطة بقتل المرحوم «اسدي» [محافظ خراسان آنذاك]، و قدم تقريرا ضمنه: ان «اسدي» في هذه الاضطرابات كان يتمنى ان يأتي بالمدرس الى خراسان؛ اصدروا امرا بقتل المدرس! ...

و في النتيجة كان يوم 26 رمضان و قبل الافطار بقليل، حيث كان المرحوم السيد صائما، صنع الشاي، و القى شخصان هما «حبيب اللّه خلج» و «حبيب اللّه مستوفي» سما مهلكا في الشاي، و قدماه للمرحوم السيد. فقال لهما: اصبرا حتى يحل الافطار، فقالا له: لا، انت مجبور لتشرب. استأذنهما ان يصلي ركعتين، و بعد ان صلى شرب الشاي، ثم قام للصلاة، و بعد مرة وجدا ان السم لم يؤثر، حينئذ جاء الانزال الثلاثة المنحطون، و خنقوا السيد و هو يصلي». (69)

و بهذا و فى شيخ الاسلام ملايري لحق الصداقة و الصحبة و تلمذته على يد الشهيد المدرس، و دافع امام الملاء العام عن الدم المقدس المسفوك، و فضح قاتلي «المدرس» المنحطين.

*** على أية حالة فهذا العدد هم اشهر الافراد الذين استطعنا التعرف عليهم من بين مئات الطلاب الذين تعلموا لدى الشهيد المدرس. و الدراسة التفصيلية لحياة بعضى هؤلاء و التعرف على البعض الآخر من تلامذة المدرس المجهولين يستدعي فرصة مناسبة اخرى، سنتوفر عليها يوما ما اذا وفقنا اللّه.

الشهيد المدرس و الحوزات العلمية

كان آية اللّه مدرس ابن الحوزة، الابن الذي عانى فيها، و بقي وفيا لها. لقد جرب المعاناة الطلابية منذ صباها و طفولته، بدءا بمدرسة الحاج عبد الحميد قمشه‌اي، و مدرسة جدّه كوجك في اصفهان، و انتهاء بمدرسة الصدر في النجف الاشرف. و ادرك عبر هذه السنين قيمة و اصالة الحوزات العلمية، و ضرورة دوام حياه هذه المراكز العلمية الملتزمة بفعالية.

لم ينس «المدرس» ابدا الحوزات العلمية طول حياته، فحينما اضحى رجل ايران المحبوب و المقتدر، و نائبا في المجلس كمجتهد من الطراز الاول بقي على حبه لحياة المدرسة، سالكا نهج طلبة العلوم الاسلامية في الحياة، دون ادنى فرق يذكر، فهو في المجلس كما كان في النجف و في مدرسة الصدر! و من هنا عرف «المدرس» في الحوزات العلمية و في مدرسة سبهسالار، قبل ان يعرف في اي مركز آخر.

كان «المدرس» مؤمنا بضرورة تسلح طلاب العلوم الاسلامية بسلاحي العلم و التقوى معا. و اي منهما بمفرده لا يحل المشكلة. و قد نقل ابنه المرحوم «حجة الاسلام السيد اسماعيل السيد حسن المدرس» بهذا الصدد ما يلي:

«كان «السيد حسن المدرس» يوصي الطلاب على الدوام بالتقدم العلمي، و ان الاسلام اعتبر طلب العلم فريضة، لكن العلم وحده غير كاف، فيجب على المسلم ان يتسلح بسلاحي العلم و التقى. ان الانجليز لديهم علم، و ليس لديهم تقوى. و لو تسلح المسلمون بالعلم و التقى فسوف لا يتسلط عليهم اي احد». (70)

كان المدرس مؤمنا بضرورة تعلم طلاب العلوم الاسلامية اللغة العربية و آدابها بشكل جيد قبل تعلم اي شي‌ء آخر، لان اللغة و آدابها مفتاح كل العلوم الاسلامية، فاذا كان التحصيل الدراسي لطالب العلم في اللغة و آدابها محكما فسيوفق في تحصيل سائر العلوم الاخرى.

و عبر الرسائل المتعددة التي وجهها السيد حسن المدرس من سجن «خواف» الى ولده السيد عبد الباقي، اكد الشهيد على اهمية الدراسة الحوزوية، و خصوصا آداب اللغة و الفلسفة:

«... رابعا: بالنسبة لقضية التحصيل الدراسي، فسوف تصرف بعض نهارك و مساءك- بالطبع- في صناعتك «الطبا»، اما البعض الآخر، الذي سيكون مجموع ساعاته في النهار و الليل ست ساعات، فعليك ان تخصصه لقراءة الدروس و مذاكرة العلوم الاخرى، و اعزم على الحزم و عدم الاهمال، فكل درس بلا قراءة و مذاكرة تكون فائدته قليلة.

خامسا: وضعت المنطق و الفلسفة نصب عينك، و من الواضح ان المقصود من

الفلسفة الفلسفة الإلهية، و من المنطق هو المقدمة المختصرة، و لكن العلوم الادبية مقدمة، كلما تقدمت خلالها خطوة كان لذلك عشرة اقدام من التأثير في العلوم الاخرى. و عليك البدء فعلا بدراسة المقدمات من الصرف و النحو و المنطق. و بعد دراسة عامة للمنطق ابتدأ بالفلسفة، دون ان ترفع اليد عن العلوم الادبية و لو الى آخر الحياة. وفقك اللّه لانهاء حياتك في البحث و دراسة الفلسفة الالهية.

سادسا: ليس هناك استاذا اعرفه لتدريس الموضوعين افضل علما و اخلاقا من الشيخ محمد علي اللواساني ابن الشيخ عيسى، او يندر وجود غيره. فحصّل كلا الدرسين لديه قبل طلوع الشمس، و هو قد جعل التدريس جزء من اجزاء التعقيب لصلاة الصبح، فسوف يرعى اليتامى، و يلقي الدروس على طلاب المدارس العلمية. و يلزمك حتما استشارته في انتخاب الكتاب الدراسي لكلا الموضوعين، و في تحديد بداية الدرس. حتى لو كانت من صرف مير و العوامل و الكبرى في المنطق. آمل الافادة من علومه و اخلاقه، و السلام عليكم، السيد حسن المدرس» (71)

و لو عدنا لقراءة هذه الرسالة سنجد ملاحظات في غاية الروعة تعكس رؤية الشهيد المدرس للحوزات العلمية. كان الشهيد مؤمنا- كما قلنا- بأولوية اللغة العربية و آدابها و مقدميتها لكل العلوم الاسلامية و كان يرى فائدة في تحصيل و دراسة اللغة بشكل مستمر. حيث اعتقد ان دراسة اللغة تساهم في التقدم عشر خطوات في تحصيل العلوم الاسلامية الاخرى.

و كان يرى ضرورة علم المنطق و دراسته بشكل مختصر، و في حدود رفع الحاجة و التعرف على المصطلحات، و كان يعتبر الغوص في «المنطق» اكثر من الحد المطلوب اتلافا للوقت. اما الفلسفة و خصوصا الفلسفة الالهية فيراها هدفا و مقصدا اساسيا، الافضل ان ينهي الانسان عمره في الاشتغال بها.

و قد اكد الشهيد المدرس خلال ذلك على «عنصر المذاكرة» بشكل اساس، و اتى على ذكر هذا العنصر ثلاث مرات في هذه الرسالة المختصرة. و ذهب الى عدم نفع كل درس، دون مذاكرة و قراءة. فعنصر المذاكرة بين الزميلين في البحث ظاهرة تميزت بها الحوزة العلمية عن سائر الجامعات العلمية، و قد اكد الشهيد المدرس على الاحتفاظ بهذه الظاهرة، و ذهب الى ضرورة دوام حياتها، مؤكدا و موصيا.

القضية المهمة الاخرى التي اشارت لها هذه الرسالة القيمة هي قضية الالتفات الى فكر الاستاذ و اخلاقه و تقواه، فلا بد ان يكون العلم توأم العمل، و الا فلا يستطيع الاستاذ ان يربي تلميذا نافعا للمجتمع.

كان الشهيد «المدرس» آسفا لهجر الاهتمام بالعلوم الاسلامية المتنوعة الذي اولته الحوزات العلمية القديمة، في الحوزة العلمية المعاصرة، و اختصار الطلاب على العكوف لدراس الفقه و اصوله فقط، و كان يتطلع لتستعيد الحوزة العلمية شمولها العلمي السابق. و قد خطى الشهيد المدرس نفسه الخطوة الاولى على هذا الطريق، بغية اصلاح النظام الدراسي في الحوزات العلمية، و كانت خطوة «المدرس» العملية الاولى هي: ان يبدأ بنفسه تدريس الفلسفة و المنطق و الاخلاق على هدي نهج البلاغة في حوزة اصفهان مضافا لتدريسه الفقه و الاصول، و عكف على تربية و اعداد اهل الفضل.

ثم ابتكر الشهيد المدرس خطوة اخرى و هي: ابتدأ في مدرسة «سبهسالار» بتدوين برنامج دراسي و تحقيقي اختصاصي لتفسير القرآن المجيد؛ بغية ان يدون تفسير جامع بشكل جامعي، يتناسب مع مستوى ثقافة و فكر و استيعاب الامة في ذلك الزمان.

جمع المدرس عددا من العلماء و الفضلاء حوله؛ لاجل ان يعد تفسيرا جماعيا، لاول مرة في تاريخ التشيع. قال بعض السادة: ان مثل هذا التفسير الذي تريد مكتوب! سأل المدرس: اي تفسير هو؟! فقالوا له انه «تفسير الطنطاوي». فاخذ الاستاذ الشهيد المدرس مجلدا من ذلك التفسير و قرأه كاملا، ثم قال: ان هؤلاء لم يفهموا روح القرآن، علينا نحن البدء بهذا المشروع.

بعد ذلك اعدّ طرحا مختصرا، لكنه في غاية الجودة و الشمول لاعداد هذا الكتاب، لكن المؤسف ان يتعطل هذا الطرح، كسائر آمال هذا الفقيه العالم القرآني، باعتقاله، و تبعيده، و شهادته. و نص الطرح هو كالتايي:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم يحتل تحصيل علوم القرآن و تفسيره ضمن العلوم الدراسية الاخرى على مستوى الدروس المتوسطة «السطح» و العالية «الخارج» المرتبة الاولى من الاهمية. لكن المؤسف ان هذه العلوم كغيرها من العلوم الاسلامية المهمة اضحت متروكة و انا اعتقد ان كتابا كاملا نافعا ليس في متناول ايدينا، و خصوصا تفاسير الشيعة.

و يلزم- بغية تحقيق هذا العمل- كتابة تفسير وفق الطرح التالي- بحيث ان يأتي متوفرا على المزايا المذكورة و ان يدرّس على مستوى المرحلة المتوسطة و العالية-:

1- الادبية: يعني التقاط المهمة من زاوية: البيان، الصرف، الاشتقاق، الاعراب، اللغة.

2- نزول الآية.

3- التفسير: يعني بيان مدلول الآية بشكل اجمالي، و ربطها بسياقها السابق و اللاحق، و تعيين، لمعكم و المتشابه و الناسخ و المنسوخ و دفع الشبهات الواردة على بعض الآيات، و بيان بعضى الانكار العلمية المرتبطة بالآية و تطبيقها على معلومات العصر.

4- الكلام: يعني بيان دلالة الآية على الجوانب العقائدية في المبدأ و المعاد و النبوة و نحوها.

5- الفقه: يعني بيان ما يدل من الآية على الاحكام التكليفية.

6- الفلسفة: يعني بيان دلالة الآية على قضايا الحكمة و العرفان و المواعظ و الاخلاق و السياسة، اي القضايا المتعلقة بالحضارة و المجتمع، ....» (71)

كان المدرس مؤمنا بضرورة انطلاق طلاب العلوم الاسلامية من اسر جدران المدارس، بل لا بدّ لهم من الدخول في قلب الواقع الاجتماعي، و فهم مشكلاته. و على هذا الاساس كان يقول: يجب ان ينخرط طلاب العلوم الاسلامية في الخدمة العسكرية. فقد سعى الى اقرار قانون الخدمة العسكرية الالزامية في مجلس الشورى، دون استثناء طلاب العلوم الدينية، اما الجو العام فقد كان يريد تحقيق هذا الاستثناء، لكن المدرس لم يك شخصية تخضع للجو الضاغط.

«زار «المدرس» مدينة اصفهان بعد قطيعة طويلة، فاستقبلته الجماهير، و اتخذ من مدرسة چهارباغ «الباستين الاربعة» محلا و قد كان استاذه الاسبق آية اللّه السيد محمد صادق خاتون‌آبادي من جملة مستقبليه و زائريه، و قد اجله «المدرس» اجلسه صدر المجلس. فقال السيد خاتون‌آبادي للمدرس: سيدنا المدرس! ان الجميع يقدرون اسلوبك في العمل و جهادك و نضالك المنطلق خالصا من اساسك الديني. و لكن هناك مناقشات في المجلس حول قانون الخدمة العسكرية الالزامية، و يستحسن ان تستثني طلاب العلوم الدينية منها. فقال له المدرس: حضرة الاستاذ! كنت في البدء على هذا الرأي، ثم التفت الى ان جمعا من العناصر الأمية الفاشلة في الحياة تفر من الخدمة العسكري و تنخرط في سلك

الطلاب، ثم تترك هذا السلك.

ثم لو ان الطلاب تعلموا الفنون العسكرية و تدربوا على السلاح العصري فهو امر مفيد جدا». (73)

كان «المدرس» مؤمنا بالاهمية البالغة لتنظيم حياة طلاب العلوم الاسلامية و للتحصيل الجاد الشامل و للوعي الاجتماعي و السياسي و العسكري لطلاب العلوم الاسلامية. و كان مستاء من ظاهرة امية بعض المعممين، و لم يخف استياءه.

«قام المدرس- ذات يوم- بزيارة قرية مهيار الواقعة في اطراف اصفهان، و نزل ضيفا في دار محمد حسين انصاري، فأقيم مجلس عزاء هناك. ارتقى المنبر احد الوعاظ يلقب «موسوي» فشد المجلس بصوته الرنان الحزين. و بعد ان اتم الواعظ مجلسه اذن المؤذن للصلاة، قام المدرس للوضوء متجها صوب حوض الدار، فشاهد رجلا كبيرا يتوضأ بشكل غير صحيح، نادى الواعظ و قال له: ايها السيد ان المنبر لا يعني اقامة مجلس العزاء و ترخيم الصوت فقط، فقد كان هدف الامام الحسين «ع» ارفع من ذلك، يجب عليك ان تعلم الناس اخلاق الاسلام و احكام الوضوء و الصلاة أيضا. و لو كنت دقيقا في اداء دورك و مسئوليتك لما توضأ هذا الرجل الكبير بشكل غير صحيح، فهل انت تنتظر فقط ان تلد سخلة العجوز فترسل لها آنيتك ليأتوك بحليب السخلة: لقد عين لك اللّه مسئوليات اخرى، يجب عليك ان تجتمع بالناس اسبوعيا و تعلمهم على الاقل مسائل الاحكام، و هذا لا يستدعي علما أيضا، بل يكفيك ان تأخذ الرسالة العملية للمجتهد، و تقرأها على الناس». (74)

كان الشهيد «المدرس» شديد الحساسية بالنسبة لقضايا الحوزات العلمية و طلابها، و كان يتطلع الى اليوم الذي تصل فيه الحوزات العلمية الى الحد المطلوب على مستوى العلم و العمل. كان «المدرس» يرفض المقولة المشهورة «ان نظم الحوزات في اللانظم» و سعى الى تنظيم القضايا المالية و الدراسية للحوزة، و قد تعرض لمحاولة اغتيال مسلحة من قبل اللصوص آكلة اموال الموقوفات سحتا؛ لانه اراد تنظيم واردات الموقوفات، لكنه نجا منها. كما تآمروا عليه في مدرسة سبهسالار لهذا السبب ذاته، و كشفت المؤامرة قبل وقتها، و أحبطت. لقد كانت حياة «المدرس» الشخصية منظمة تنظيما دقيقا شاملا.

ننقل بهذا الصدد خاطرة للمرحوم السيد محمد رضا الخراساني الاصفهاني لنختتم بها الحديث:

«... ان شخصية المرحوم «المدرس» العلمية و العملية تهيمن على الجميع. و حينما عاد من النجف اقام حوزة درسه في مدرسة جده كوجك باصفهان. و كنت اذهب احيانا الى تلك المدرسة للقائه، و على العكس من اولئك الذين يرون ان «نظم الحياة الطلابية في اللانظم» كان «المدرس» ملتزما بنظم امور الحياة التزاما غريبا.

فلو راقب شخص دقائق اعماله خلال سنة، فمن المحتمل ان لا يجد تغييرا في أية دقيقة خلال السنة. كان يبتدأ صباحه بالتدريس في الساعة السابعة حيث يدرّس الفقه، و بدءا من الساعة التاسعة يدخل غرفته لمدة نصف ساعة و بين الساعت 11- 12 قبل الظهر كان يجلس لاستقبال مراجعيه، حيث يستثمر هذا الوقت لتناول الشاي حينا و للتدخين حينا آخر. كان ملتزما باداء الصلاة جماعة في اوّل وقت الظهيرة، و كان يسعى ان لا يكون هو امام الجماعة، بل يقتدي بالآخرين. ثم يذهب بعد ذلك الى منزله. و على رأس الساعة الثالثة بعد الظهر يرجع الى المدرسة. و كان يدرس اوّل الصباح ايام الخميس درسا في نهج البلاغة، و كان يسحر الطلاب بدرسه هذا، و كان يخصص وقت العصر يومي الخميس و الجمعة لاعماله الشخصية». (75)

نعم! هكذا كان «المدرس»: فسلام عليه يوم ولد، و يوم استشهد صائما، و يوم يبعث مع الصديقين و شهداء التاريخ.

المدرس: زهده، تقواه، ايثاره

اكتسب «المدرس» الكمالات المعنوية و العرفانية، الى جانب اكتسابه للكمالات العلمية. فكان نموذج العارف الزاهد بمعنى الكلمة. و رغم ان «المدرس»- على حد تعبير آية اللّه بهاء الديني لم يكن اقل مستوى من مراجع تقليد زمانه، لكنه لم يفكر اطلاقا بالتصدي لمقام الزعامة، فحيث كان يجد عددا من المجتهدين «من به الكفاية» متصديا للتقليد و الزعاعة، لم يتصد لمقام الزعامة و المرجعية بايثار و تجاوز للذات، قلّ نظيره. بل احتل موقعه في العمل السياسي، ليؤكد الوحدة الكاملة بين الدين و السياسة، و هذا اكبر مظهر من مظاهر الايثار التى يمكن ان يمارسه فقيه في تلك الحقبة. و على هذا المنوال من

الايثار اعرض المرحوم العلامة الطباطبائي «صاحب تفسير الميزان» عن الرئاسة، و عكف على احياء القرآن. و لم يكن ذلك الا بحكم ما تمتع به اولئك العظام من تقوى، و من ادراك لاهمية الدور الذي لعبوه، دون ان يأبهوا بالسمعة و الصيت و الزعامة.

انجز «المدرس» الكثير من اعمال البر العامة، دون ان يكون مستعدا ان يكتب له اسم عليها، فيشتهر بها. فقد كان تأسيس مستشفى «فيروزآبادي» بمدينة «شهر ري» من ابتكار «المدرس» و كان له الدور الاكبر في البدء ببناء هذا المستشفى.

يقول السيد «نجفي ملايري» بهذا الصدد ما يلي:

«... من القضايا الاخرى التي لم يطلع عليها احد: بناء مستشفى فيروزآبادي، حيث دعى «المدرس» ذات يوم السادة:

فيروزآبادي، ناظم العلماء، ملايري، قوام الدولة، مؤتمن الملك، مشير الدولة، وثوق الدولة، فيروز الدولة، و مستوفي.

الى داره و قال:

انكم في غنى «عن رواتب المجلس، فاجمعوا هذه النقود، و ابنوا مستشفى فوافق الجميع على اقتراح المدرس، و تعهد فيروزآبادي مسئولية متابعة الموضوع، و اشتروا بستان «حرمة الدولة» كل عشرة امتار بتومان. و بعد حين التحق بهذا الجمع المرحوم فرازي و آخرون، و بنوا المرحلة الاولى من المستشفى. اقترح «المدرس» ان تسمى المستشفى باسم «فيروزآبادي»، حيث تحمل مسئولية البناء، و بقي «فيروزآبادي» يخدم في المستشفى حتى آخر حياته». (76)

كان الدور الاول في التأسيس نصيب المدرس- كما هو ملاحظ-، و لكن لم يسمع من «المدرس» انه ادعى له دورا في تأسيس هذا المشروع على الاطلاق، و ليس هذا الا لتقواه و ايثاره، و عدم اعتناءه بطنين الالقاب و ذياع الصيت.

كما ان سحب الماء من منطقة «كوهرنك» الى مدينة اصفهان، التي لا تزال تنتفع به، هو من ابتكار الشهيد «المدرس» أيضا. ففي ذي الحجة من عام 1344 ه عزم على زيارة اصفهان بعد ان تركها و استقر في طهران نائبا في مجلس الشورى. فجلب معه عددا من المهندسين؛ بغية دراسة امكانية و طريقة نقل الماء من «كوهرنك» الى اصفهان، و وضع خطة المشروع. اتجه المهندسون الى تلك المنطقة و رسموا الخرائط الاولية و قدموها للمسئولين. هذه هي قصة الخطوة الاولى لنقل الماء الى اصفهان، و بعد ذلك تتابعت

الجهود على نفس هذا الطريق، و وصلت الى نتائج مهمة. (77)

كما يعرف الكل ان «المدرس» هو الذي اكمل بناء مدرسة سبهسالار بطهران، و اعمر مرافقها، و بلّط جدرانها، و اسس فيها مكتبة عامرة، لكنه لم يوافق حتى على اقتراح مهندس البناء بان ينقش اسمه تذكارا في زاوية من البناء بوصفه الذي اكمل بناء المدرسة:

كل هذه الوقائع تدلل ان «المدرس» لم يكن اسير السمعة و الصيت، و انه كان زاهدا على المستوى الاجتماعي كما هو حاله في الزهد بحياته الشخصية.

كان «المدرس» عارفا، ملتزما بصلاة الليل، كثير التهجد و الدعاء، و كان يجهد في تهذيب نفسه. يقول الشيخ حسن علي الاصفهاني (1)، بصدد عرفان و تقوى و تهجد الشهيد المدرس:

كان المدرس متهجدا ملتزما بصلاة الليل، و لم يترك صلاة الليل ليلة واحدة، طول المدة التي قضيناها معا في مدرسة الصدر بالنجف الاشرف، خصوصا حينما كنا ننام على سطح المدرسة ليلا، كان عابدا، كثير المطالعة و ... و على الرغم من كون «المدرس» رجلا سياسيا عمليا، يظنه بعض السطحيين في احكامهم انه لا يؤمن بكرامات و معجزات اولياء اللّه، لكنه كان مؤمنا ايمانا كاملا بكرامات الاولياء. فقد نقل في خاتمة كتابه المخطوط «شرح الرسائل» حكاية مفصلة حول كرامات امير المؤمنين «ع»، و فتح باب ضريحه المبارك امام قاصد بدوي، و في سياق نقله يؤكد امكانية و مصداقية مثل هذه الكرامة لامير المؤمنين «ع» تأكيدا تاما.

و هذه القضية تدلل على امتزاج العرفان و الاعتقاد و التهجد و الدعاء بالعمل و السياسة و ادارة الدولة لدى «المدرس».

كان كادحا في حياته الشخصية، مقتصدا، زاهدا، قانعا. كان يذهب في ايام التعطيل الدراسي، حينما كان طالب علم في اصفهان، الى اطراف مدينة اصفهان ليعمل اجيرا هناك، و يكسب قوته اليومى من هذا الطريق. و عند ما عاد من النجف الى اصفهان، و


1) هو تلميذ بارز من تلامذة ملا محمد كاشي و السيد خاتون‌آبادي، و شريك «المدرس» مدة من الزمن في غرفة واحدة بمدارس النجف الاشرف، و قد اقام اواخر عمره في مشهد الرضا «.»، و هو رجل عرفان و كرامات معروفة لدى اهل تلك الديار.)

اضحى مجتهدا بارزا و استاذا قديرا في حوزة اصفهان كان كما كان أولا ترابيا بسيطا و قضى حياته بقناعة كاملة و زهد. و اشترى في اصفهان ارضا خربة، و كان يصنع بنفسه ايام التعطيل لبن البناء، و بهذه اللبنات بنى لنفسه- بمعونة بعض اصدقاءه- بالتدريج دارا سكينة. و حينما حلّ في طهران لم يكن لديه دار مسكن، بل نزل في دار والد زوجته، و قد اعترف له المخالف و المؤالف بانه عاش ابسط عيشة و حينما كان المدرس في قلعة، «خواف» سجينا لتسع سنين، لم يفقد متانة شخصيته و وقاره و صبره بحكم إلهيته و تقواه و زهده. و في باحة القلعة الصغيرة اخذ المدرس بزراعة «البادمجان» ليتقوت بما يزرعه بيده، و يستغني عما يقدمه السجن من غذاء!

كان هناك عقيد في الجيش يدى «نظام الملكي»، و رغم خدمته في جيش النظام الا انه كان عاشقا للشهيد المدرس، و استطاع هذا العقيد تحت غطاء بعضى المبررات ان يزور قلعة «خواف»، و بالتالي يلتقي «بالمدرس»، و قد وصف لقاءه القلعة و المدرس بما يلي:

«... حينما دخلت القلعة اخذت بتفتيش غرفها، فدخلت «المدرس»، وجدته جالسا، و امامه مجموعة من الكتب، و منقلة من طين، و نارجيله، و كوب شاي، و قدر صغير ... فسلمت عليه، نظر الي و قال: من انت، فتسلم؟ قلت: سيدي انا احد عشاقك و قد دخلت القلعة بحجة، لكنني اريد في الواقع الاطمئنان على سلامتك، قال: بلّغ سلامي للاصدقاء. ثم لم استطع ان اتكلم معه اكثر من ذلك.

و حينما خرجت سألت السجان: من هذا السيد؟ قال: هذا هو «المدرس». قلت:

ما ذا يعمل؟ قال: يعبد، يقرأ، يكتب، و ما تراه في باحة القلعة من زرع هو عبارة عن بطاط و بصل و بادمجان، زرعه بيده. و قد خصص بعض وقته لزراعة هذه المحصولات، حيث يستهلك قسما منها و يرسل الزائد للبيع خارج القلعة. و القدر الذي شاهدته على المنقلة يحتوي على بادمجان، يطبخه بالماء بلا سمن، و يأكله مع لبن و خبز، و لا يستفيد من تموين السجن حتى الامكان». (78)

اجل: هكذا كان المدرس، و لانه على هذا المستوى الالهي المقاوم بقي خالدا في التاريخ و سيبقى، و العالم اسير ارادته، التي تعالت على قشور الحياة الدنيا، و انما حصل المدرس على ذلك بحكم العبادة الخاصة. فحينما استشهد لم يترك إرثا لاسرته، سوى دار صغيرة في «طهران»، و ارض زراعية صغيرة أيضا في ضواحي مدينة قمشه‌اي بقرية «اسبه»، مع اثاث الدار البسيط. اما امواله في السجن فقد ضبطتها دائرة الشرطة و كانت

على النحو التالي:

نقد: «30» ريال، بطانية سوداء 1، كنوف شتوية 1، مخدة بيضاء 1، جورب قطني مستعمل 3 ازواج، رداء شتوي اسود 1، جبة مستعملة 1، جية منسوجة 1، قطعة قماش سوداء للعمامة 1، ابريق نحاس 1، كيس قماش 1، حزام فتق 1، خاتم فضي 1، كيس نعناع يا بس 1، كيس رز 600 غرام، عونيات 1، كتاب 5 جلد، طشت نحاس 1، عليه معدنية 5، قدر نحاس 1، كيس خضروات 1، صحيفة معدنية 1، كوب شاي 1، صحن كوب شاي 1، مرآة صغيرة 1، حذاء قطني مستعمل «گيوه» 1. و قد قومت كل ادواته ب «1600» ريال معادل «160» تومان، و قد كانت كلفة دفنه «12» ريال!!

هذه هي صورة «المدرس» الفقيه، المدرس الفيلسوف المدرس المجاهد، المجاهد المقاوم الذي لا يقهر. ان حياة و موت هذا الفقيه المظلوم تشبه كثيرا في كل جوانبها حياة الصحابي الكبير ابو ذر الغفاري و موته مظلوما في التبعيد! سلام عليهما يوم ولدتهما أماهما، و سلام عليهما يوم حلقا من اسر بدنيهما مظلومين غريبين، و سلام عليهما يوم يحشران مرة اخرى.

كتابنا الحاضر، و طريقتنا في تحقيقه

كما اشرنا في الفقرة «10» من «مؤلفات المدرس» الى ان هناك للشهيد السيد «حسن المدرس كچوئي قمشه‌اي» مجموعة رسائل صغيرة بقيت من آثار «المدرس» مضافا الى مؤلفاته الكبيرة. و انصب البحث في هذه الرسائل على ابواب فقهية، بشكل استدلالي، اعتمادا على منهج الاجتهاد لدى علماء اصول الفقه كالشيخ الانصاري في كتابه الكاسب.

اطلقنا على هذه المجموعة اسم «الرسائل الفقهية»، و النسخة الخطية الاولى لهذه الرسائل الصغيرة ملحقة بالنسخة الخطية لكتاب «شرح الرسائل» للمرحوم المدرس، و قد جاءا معا في مجلد واحد. و النسختان غير مرقمتين، و هما بخط المدرس نفسه، و ليس لهما نسخة اخرى. و النسخة الوحيدة هي من ممتلكات صديقنا المحترم حفيد «المدرس» السيد علي المدرس، صاحب كتاب «المدرس الشهيد». و قد احتفظ بشكل جيد بهذه النسخة طول الايام السود لحكم الطاغوت. و قد قال لي: ايام وزارة «شريف امامي» التفت الى وجود هذه النسخة لدينا، فارسل شخصا إلينا لشرائها (مقابل مبلغ من المال في حدود مليون تومان)، لكفني خشيت ان تكون هناك نية سوء في البين، و لعل هذه

النسخة ستتلف او تهرب الى خارج ايران، و من ثمّ لا يبقى اي اثر علمي للمدرس، و لذا كتمت اصل الموضوع، و لم نسلمه النسخة.

على اي حال فالكتاب الذي بين ايدينا مجموعة رسائل صغيرة، و غير معنونة، في الفقه الاسلامي، و قد قمت بتنوين هذه الرسائل تحت العناوين التالية:

1- رسالة في سهو الامام و المأموم.

2- رسالة في قضاء الصلاة الفائتة.

3- وجيزة في بعض مسائل الغصب.

4- وجيزة في بعض مسائل الرجوع و العدة.

الرسالتان الاولى و الثانية كاملتان في موضوعهما، اما الوجيزتان فهما ناقصتان.

فالرسالة الصغيرة جدا المتعلقة بالعدة لا تشتمل على مسألتين مختصرتين، اما الرسالة المتعلقة بالغصب فهي تشتمل فقط على المسألة الثالثة من المقصد الرابع من كتاب جامع و مفصل، كتبه «المدرس» في بحث الغصب. لكن المؤسف ان اكثر اوراق هذا البحث مفقودة و لم يبق منه الا هذا البحث المختصر في المسألة المشار إليها. و مع ذلك يبقى هذا المقدار القليل ممتعا للغاية، و دليلا على تألق «المدرس» الفقهي و احاطته الكاملة بمباني الفقه و الاصول. كما تتمتع الرسائل الاخرى بقيمة تاريخية، حيث تدلل على حجم نبوغ «المدرس» الفقهي و العلمي.

و عبر نشر هذه الرسائل و احياء تراث المدرس العلمي يخرج وجه المدرس العلمي من عالم المجهول، و يتضح على اساس هذا التراث اجتهاده المطلق في الفقه الاسلامي و تمكنه من قواعد الاستنباط الفقهي.

من هنا يتحتم علينا القول: ان الدافع الاكبر لنا في تصحيح و نشر هذه الرسائل و كتاب «المدرس» الآخر الموسوم ب «شرح الرسائل» هو ان نوضح لابناء الحوزات العلمية مقام «المدرس» الفقهي و قدرته العلمية، لتعرف- بشكل افضل- الحوزات ابنها الشجاع المجهول قدره الفقهي و الاصولي، و بذلك يماط اللثام عن هذا البعد من شخصية «المدرس». و لو طرح السؤال التالي:

ما هو المنهج المتبع في تحقيق و تصحيح هذه الرسائل، و ما هو اسلوب اعدادها للطبع؟ يلزمني في مقام الجواب القول: انني قمت بمجموعة اعمال في تحقيق هذا الهدف و هي كالتالي:

1- ان الاخطاء الناشئة من سهو القلم، التي عثرت عليها في النسخة الاصلية وضعتها في الهامش، و ثبت الصحيح في المتن، واضعا اياه بين علامتين: «».

2- كانت جميع ابحاث هذه الرسائل فاقدة للعناوين الاصلية و الفرعية معا. لذا قمت بوضع عناوين متناسبة مع موضوع كل بحث، سواء أ كانت فرعية أم اصلية، مستلهما ذلك من المتن، و بغية فرزها عن اصل الكتاب وضعتها داخل معقوفتين []. كما جعلت كل اضافة قدرت حاجة المتن إليها من كلمة او جملة توضيحية داخل هذين المعقوفتين أيضا.

3- دونت المصادر الاصلية للاقوال المنقولة او الاحاديث الواردة في المتن في هامش صفحاتها، مع ذكر الصفحة و الجزء و عنوان المصدر بشكل دقيق.

4- اوضحت في عدة موارد بعض الكلمات الصعبة الموجودة في المتن، و سجلت هذا الايضاح في الهامش.

5- نقحت الكتاب و نظمته وفقا لاصول التحقيق الشائعة في زمننا، و قدمته للطبع.

و قد صورت بعض صفحات النسخة الخطية في ذيل هذه المقدمة، لاجل عرض نموذج من خط الشهيد المدرس و املاءه للجميع، و بغية ان يتضح للقراء اسلوبنا في العمل.

6- بعد كل ما تقدم من خطوات، قمت باعداد هذه المقدمة في التعريف بنبوغ و مقام الشهيد المدرس العلمي، و تعريف اساتذته و تلاميذه و آثاره العلمية. و قد اولينا هذه المقدمة اهمية خاصة، لان التعريف بشخصية المدرس العلمية و الفقهية لم يدخل عالم التدوين، و لانني احس بفراغ في هذا المجال. رغم ان هذه المقدمة- كما اعتقد- كثيرة النقص، و يلزم اكمالها بعون اللّه في المستقبل؛ ليحتل «المدرس»- الذي كان مذاكرا خاصا لآية اللّه العظمى السيد ابو الحسن الاصفهاني، و زميلا للنائيني و الكمپاني و الشيخ عبد الكريم الحائري- موقعه الحوزوي اللائق و المطلوب، كما هو الحال بالنسبة لاقرانه.

على أية حالة انها «هدية نملة لحضرة سليمان» و انا على امل ان يتقبل- إن شاء اللّه- مولاي الكبير ولي العصر عجل اللّه تعالى فرجه، و روحي لتراب مقدمه الفداء، من عبده الصغير، حيث جاء عملي للتعريف باحد اصدق و اشجع جنوده، الا و هو «الشهيد السيد حسن المدرس» ... آمين.

أبو الفضل شكوري

23 شوال 1407 ه، الموافق ل 30/ 3/ 66 ه. ش

الهوامش

1- اعيان الشيعة، الامام السيد محسن الدينى، ح 5، ص 21، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، الطبعة 1983 م.

2- جاء في الصفحة 21 من الجزء الخامس من اعيان الشيعة ما يلي: و جدي لأمّي «مير عبد الباقي» و هذه النسبة غير صحيحة على الاطلاق؛ اذ ان «مير عبد الباقي» هو والد السيد اسماعيل وجد «المدرس» لابيه. اما جده لامه فهو رجل من اهل «زواره» ء و يقطن هذه القرية، و لم يهاجر الى «قمشه» ه اطلاقا، و قد كان سبب انفصال الزوجين السيد اسماعيل «والد المدرس» و السيدة خديجة «والدة المدرس» هو ان السيدة لم توافق على ترك موطنها و اهلها و الهجرة الى بلاد الغربة، بينما كان السيد اسماعيل تواقا الى الهجرة و السكن في «قمشه» ء مجاورا لابيه السيد مير «عبد الباقي»، و لو كان «مير عبد الباقي» والد السيد «خديجة» فلا معنى لهذه الحكاية. مضافا الى ان نسب السيد حسن المدرس الذي ينتهي به الى الامام الحسن المجتبى «ع» يحدد السيد «مير عبد الباقي» جدا للسيد حسن، كما كتب آية اللّه المرعشي النجفي سلسلة نسب «المدرس». راجع كتاب «المدرس» بطل الحرية، ح 1، ص 6- 54، و الكتاب لا يزال بالفارسية تحت اسم «مدرس قهرمان آزادى». و كتاب «الشهيد المدرس نابغة ايران الوطني» ص 36، و هو كتاب بالفارسية تحت اسم «مدرس شهيد نابغه ملى ايران».

و يبدو ان خطأ «اعيان الشيعة» نشأ من سهو مطبعي، او جراء اشتباه المترجم، حيث ان السيد مكي في كتابه «المدرس بطل الحرية» نقل قسما من اصل المقابلة المنشورة في جريدة «اطلاعات» نقلا من محيط الطباطبائي، و لم نزد فيها اطلاقا كلمة «لأمّي».

3- اعيان الشيعة، ح 5، ص 21.

4- المدرس بطل الحرية، ح 1، ص 56، و المدرس الشهيد، ص 35. راجع هذين الكتابين معا؛ بغية المقارنة و اكمال المعلومات. و ستلاحظ مثلا ان السيد علي المدرس «مؤلف المدرس الشهيد» لم يشر الى قضية انفصال السيد اسماعيل عن السيدة خديجة، بل مرّ على الحدث بغموض. 5- المدرس مجاهد لا يقهر «غير مطبوع»، مؤلفه عبد العلي باقي، و هو عبارة عن خاطرات الشيخ محمد باقر محسني ملايري، و هو احد رفاق الشهيد المدرس، و الكتاب بالفارسية تحت اسم «مدرس مجاهدى شكست‌ناپذير».

6- اعيان الشيعة، ص 21.

7- مقدمة كتاب «شرح الرسائل» النسخة الخطية بخط الشهيد المدرس.

8- اعيان الشيعة، ح 5، ص 21.

9- مقدمة شرح الرسائل.

10- المدرس مجاهد لا يقهر.

11- اعيان الشيعة، ح 5، ص 21.

12- نفس المصدر السابق.

13- المدرس مجاهد لا يقهر.

14- اعيان الشيعة، ح 5، ص 21.

15- المدرس الشهيد نابغة ايران الوطني، ص 11، المدرس بطل الحرية، ح 1، ص 48.

16- ورد في 52، ص 21 من اعيان الشيعة ما يلي: «و توفى ولدي و عمرى احدى عشر سنة». و في ضوء هذا القول تكون وفاة والد «المدرس» اسبق من وفاة جده بثلاث سنين. الا ان الثابت في ضوء ترجمة حياة المدرس المكتوبة بخط الشهيد، و التي اعتمدناه في هذا البحث هو ان وفاة والد «المدرس» وقعت في السنة السادسة من وجوده في اصفهان، اي بعد ثمان سنين من وفاة جده تماما. و اذا الغينا احتمال سهو القلم تكون الرواية الثانية هي الراجحة؛ اذ ان رواية اعيان الشيعة منقوله بعدة وسائط، مع بقاء احتمال سهو القلم وسيلة أيضا نستخدمها لازالة التعارض.

17- مقدمة شرح الرسائل.

18- اعيان الشيعة، ح 5، ص 21.

19- المدرس مجاهد لا يقهر، ص 115.

20- المصدر السابق، ص 11- 13. المدرس الشهيد نابغة ايران الوطني، ص 36.

21- المدرس الشهيد نابغة ايران الوطني ص 36.

22- مجلة الحوزة «فارسية»، السنة الثالثة، العدد 4، ص 42.

23- المصدر السابق.

24- المصدر السابق، ص 11.

25- بغية الوقوف على نموذج من هذا القبيل من البيانات الصادرة بامضاء الاعلام آية اللّه الشيخ عبد الكريم الحائري، و الشيخ محمد حسين الغروي الاصفهاني؛ راجع كتاب: التشيع و المشروطة في ايران و دور الايرانيين المقيمين في العراق، عبد الهادي الحائري، ص 189 ... و راجع هذا الكتاب أيضا بغية فهم كامل و تحليل دقيق و سليم لمواقف كل واحد من علماء تلك الفترة ازاء «رضا خان»، و لتاريخ الدورة الخامسة و السادسة من مجلس الشورى الوطني، و لقصة الجمهورية، و للصورة الكاملة لمباحثات المجلس في تلك الدورة. 26- المدرس مجاهد لا يقهر، ص 207.

27- اعيان الشيعة، ح 5، ص 21.

28- المصدر نفسه.

29- المدرس مجاهد لا يقهر، ص 10.

30- نفس المصدر.

31- راجع همائي‌نامه ص 18- 12، و مقدمة كتاب «شعوبية» لجلال الدين همائي.

32- مقدمة شرح الرسائل.

33- همائي‌نامه، ص 1.

34- الخدمات المتبادلة بين ايران و الاسلام، الشهيد مطهري، ص 610 من الاصل الفارسي.

35- اعيان الشيعة، ح 5، ص 21.

36- الخدمات المتعادلة، ص 611.

37- المدرس مجاهد لا يقهر، ص 151.

38- المصدر السابعة، ص 28، و همائي‌نامه، ص 21.

39. للاطلاع الاكبر راجع: علماء معاصرون ص 122، المدرس الشهيد نابغة ايران الوطني، ص 36، المدرس مجاهد لا يقهر، ص 23.

40- المدرس مجاهد لا يقهر، ص 10.

41- معارف الرجال، الشيخ محمد حرز الدين، ح 1، ص 80- 276.

42- علماء معاصرون، ص 121 و ما بعدها.

43- راجع: المدرس مجاهد لا يقهر، ص 117.

44- راجع: المدرس الشهيد نابغة ايران الوطني، ص 36، و المدرس مجاهد لا يقهر، ص 11.

45- الفوائد الرضوية، الشيخ عباس القمي، 24، ص 594.

46- راجع: اعيان الشيعة، ح 5، ص 21.

47- راجع: المدرس مجاهد لا يقهر، ص 117.

48- المدرس بطل الحرية، ح 2، ص 48.

49- ضبط في ضوء شريط مسجل للقاء مع آية اللّه بسنديده، في مؤسسة تاريخ الثورة الاسلامية.

50- مجلة الحوزة، السنة الثالثة، العدد 4، ص 42.

51- المصدر السابق

52- راجع: المدرس الشهيد نابغة ايران الوطني، و خطب و مقالات الشهيد المدرس.

53- راجع: المدرس الشهيد نابغه ايران الوطني، ملاحق الكتاب، ص 556، و راجع أيضا مجلة كيهان الثقافي «فارسية»، السنة الثانية، العدد 9، ص 29.

54- راجع: رحلة في نهج البلاغة، ص 9- 11. و بعض ما قاله المرحوم الاستاذ الشهيد مطهري بصدد المرحوم ميرزا على آقا عبارة عن:

«كانت لي علاقة بنهج البلاغة منذ الصغر، لكنني لم اعرفه جيدا، ... حتى صيف عام 1320 ه حيث كنت مقيما في قم، ففررت من حر صيفها الى اصفهان! و قد كانت صدفه عابرة عرفتني رجلا كان عالما بنهج البلاغة، فاخذ بيدي، و اوردني عالم نهج البلاغة على هون. و عندئذ امتلكنى احساس عميق بانني كنت اجهل نهج البلاغة ... و قد كان ذلك الرجل في الواقع عالما ربانيا، و لكن لا اجرأ على القول: انني كنت متعلما على سبيل النجاة ... لقد كان الرجل فقيها و فيلسوفا و طبيبا و اديبا و ... و قد كان الدرس الوحيد الذي يجلس بعشق لإلقاءه هو نهج البلاغة. لقد تناغمت روحه مع هذا الكتاب، و كان نبضه يدق، و قلبه يخفق مع هذا الكتاب.

كان اديبا محققا، و فيلسوفا متألها، و فقيها كبيرا، و طبيبا شامخا، هو العالم الرباني المرحوم ميرزا على آقا الشيرازي الاصفهاني «قدس»، لقد كان حقا رجل الحق و الحقيقة ... و كلما جاء الى قم طلب منه علماؤها المقدمون ان يرتقي المنبر واعظا، و قد كان حديثه معنى روحيا محلقا قبل ان يكون مقولات و الفاظ ...»

55- المدرس مجاهد لا يقهر، ص 135.

يظهر ان «المدرس» حينما غادر الى النجف، و حينما عاد الى اصفهان كان عمره اكبر من ذلك، و يبدو ان المرحوم ميرزا على آقا قدر هذا العمر تخمينا.

56- المدرس الشهيد نابغة ايران الوطني، ص 13.

57- المدرس مجاهد لا يقهر، ص 38.

58- المصدر السابق، ص 117.

59- اخذنا معلوماتنا بهذا الصدد من الاستاذ الشيخ حيدر علي محقق الاصفهاني، حيث قال انني رأيت هذا الكتاب و حاشيته.

60- اخذت هذه الحقيقة من صديقنا المثقف السيد علي المدرس «حفيد المدرس» حيث قال لنا: ان هذا الكتاب محفوظ الآن عند الدكتور عبد الباقي المدرس.

61- العناوين 4، 5، 6، اخبرنا بها آية اللّه المرعشي النجفي، و ليس لكاتب هذه السطور علم بمحل و اسلوب حفظ هذه الكتب. و للاطلاع راجع المدرس الشهيد نابغه ايران الوطني، ص 36.

62- رحله في نهج البلاغة، المقدمة ص 11.

63- رابع: المدرس مجاهد لا يقهر ص 155.

64- راجع المصدر السابق.

65- المصدر نفسه، ص 115.

66- استجوب ابن يوسف بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران في كلمة الثورة.

67- لاجل الاطلاع الاوسع راجع: امثال القرآن الكريم، لابن يوسف الشيرازي، المقدمة و الخاتمة.

68- المدرس مجاهد لا يقهر، من 156.

69- نقل ملخصا من كتاب: المدرس الشهيد نابغه ايران الوطني، ص 366.

70- المدرس مجاهد لا يقهر، ص 123.

71- قسم من رسالة لم تنشر بعد، ارسلها الشهيد الى ولده الدكتور عبد الباقي، لدي كاتب السطور نسخة مصورة منها، و النسخة الاصلية موجودة لدى السيد على المدرس.

72- المدرس الشهيد نابغة ايران الوطني، ص 556.

73- المدرس مجاهد لا يقهر، ص 151، (خواطر الشيخ مرتضى اردكاني).

74- المصدر نفسه، ص 178، (خواطر السيد حسن مهياري الموسوي).

75- نفس المصدر، ص 236.

ينبغي الالتفات الى ان السيد حسن المدرس كان له ايام الجمع درس في الاسفار الاربعة، يعقده ببيته، و يلقيه على بعض الفضلاء.

76- المصدر السابق، ص 117، (خواطر محسني ملايري حول المدرس).

77- راجع المصدر السابعة، ص 78.

78- المصدر السابق، ص 183، (خواطر العقيد نظام الملكي حول المدرس).

الرّسائل الفقهيّة

اشارة

القسم الأول: «رسالة سهو الإمام و المأموم»

اشارة

المقدّمة في ذكر القاعدة

[القاعدة]:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

«لا سهو للامام مع حفظ المأموم، و للمأموم مع حفظ الإمام».

هذه القاعدة مستنبطة من الأخبار المعتبرة، (1)و متفق عليها بين الأصحاب فى الجملة؛ بحيث لم يمنع أحد منها على سبيل الكلّية. (2)

إنما الكلام هنا فى مقامات [، سنبحثها بالتفصيل إنشاء اللّه تعالى]


1) راجع: وسائل الشيعة ج 5/ 338، كتاب الصلاة، ابواب الخلل الواقع فى الصلاة، باب 24.

2) راجع: السيد ميرزا حسن البجنوردي: «القواعد الفقهيّة» ج 2/ 339، المحقق السيد محمد جواد العاملى: «مفتاح الكرامة» ج 3/ 44- 340، الشيخ محمد حسن النجفى: «جواهر الكلام» ج 12/ 404، حيث قال: «لا يلتفت إذا سها المأموم، بل عول على صلاة الإمام. و كذا لا شك على الإمام، إذا حفظ عليه من خلفه؛ بلا خلاف أجده فى كل من الحكمين، بل فى المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه».

المقام الأوّل: فى ذكر دليل حجّية حفظ الإمام و المأموم

اشارة

1- لما ذا جعل حفظ الإمام و المأموم حجة للآخر؟

2- بيان المختار فى المسألة

3- بسط الكلام فى توضيح المختار و المرام.

4- عصارة التحقيق فى المسألة

[1 لما ذا جعل حفظ الإمام و المأموم حجة للآخر؟]

[المقام] الاول فى أن حجّية ذلك الحفظ، هل تكون لأجل كونه من أفراد الخبر، لتشمله أدلّة حجّية الخبر؛ فيتكلّم فى شرائط الخبر، هل هى موجودة هنا أم لا؟ أو تكون لأجل كونه من أفراد الشهادة، حتّى تشمله ادلتها؛ فيتكلّم في شرائطها كذلك؟

و إما لأجل ان هذا فى نفسه طريق عزرىّ، (1)أو واقعىّ ثانوى؛ بمعنى كونه طريقا ظاهريّا، يفيد الإجزاء أم لا؟ على الاختلاف الأصحاب.

أو حكم مجعول لهذه الواقعة بخصوصها؟ اى كونه حكما اوّليّا لهذه الواقعة؟ و هذا هو الّذي يعبّر عنه: «بالسببيّة و الموضوعيّة».

و على بعض التقادير «أصل»، أو «أمارة».


1) عزره على الأمر عزرا: أخبره به. عزه على الفرائض و الأحكام: وقّفه عليها. «المنجد فى اللغة و الأعلام»/ 503، الطبعة السابعة عشر، ذيل كلمة «عزر».

فى كل المذكورات خلاف، احتمالا او محتملا؛ و تختلف الثمرة من الأحكام و الشرائط، باختلاف الآراء؛ فكل على مذهبه بما هو من لوازمه.

[2- بيان المختار فى المسألة]

[مقتضى] الحق و التحقيق فى المقام. هو القول: بأن هذا طريق ظاهرى، كسائر الطرق الشرعيّة التى وضعها الشارع للجاهل؛ و المكلف مأمور بالعمل به. و وجه العمل و حجّيتها قد قرّر فى محله؛ و إن احتملنا فى مقامه كونها فى بعض الموارد، و منه ما نحن فيه، حكما مجعولا للموارد؛ (1)و كان واقعيّا، بمعنى كونه ذا مصلحة كالأحكام الواقعيّة اللوحيّة.

و احتمال الاصل و الامارة، إنما يتصور فى الأول، لا فى الثانى؛ حيث أنه على احتمال الثانى نفسه واقع، و لم يكن له واقع غير نفسه.

و لذا لم يتصور فيه كشف الخلاف، بخلاف الاول، فان كشف الخلاف فيه متصور؛ و لذا اختلفوا فى أنه اذا كشف الخلاف، هل تجب الإعادة أم لا؟ و قد اخترنا فى مقامه، أنه مع كشف الخلاف بعد المضى من العمل، لم تجب الإعادة.

لأن المكلف أتى بما هو مأمور باتيانه، و بر أذمّته؛ و الشك بالنسبة إلى وجوب الإعادة بدوى يدفع بالأصل.

و كيف كان، بعد ثبوت ذلك، اى أن ذلك الحكم من الشارع، كسائر أحكامه فى طرق الأحكام، يجب اتباعه من باب التعبّد؛ ظهر أن الاحتمالات الآخر من كونه خبرا، او شهادة، او طريقا عزريّا، موهونة. مضافا إلى أن المصير إلى الاحتمالين الأوّلين، محتاج إلى تجشّم (2)كثير.

منه، أن هذا الخبر الخاص، او الشهادة الخاصة، لم يكونا مشروطين بشروطهما التى تكون فى ساير الموارد، من العدالة، و التعدّد و أمثالهما. و أمثال تلك المحاذير كثير، لو قبل بهما.

هذا تنقيح المرام فى المقام، و نتّضح ذلك بمطالب و نقول:


1) فى النسخة: (كونه) حكما محبولا للموارد.

2) «التّجشّم» هو «تقبّل التكلّف و المحاذير». قال فى المنجد: «جشم الأمر جشما و جشامة: تكلّفه على مشقة.جشّمه الأمر: كلّفه إيّاه 1. الجشم: الثّقل و الأمر الثّقيل. الجشيم: الغليظ الثقيل». المنجد فى اللغة و الأعلام/ 92، ذيل كلمة «جشم».

[3- بسط الكلام فى توضيح المختار و المرام]

لا ريب أن جعل الأحكام و التّصرّف فيها و فى متعلقتها، كلها بيد الشارع.

فالواجب على المكلف، هو التّعويل على ما وصل من الشارع إليه.

و نحن نجد أن حال الشارع فى المقامات، مختلف بالنسبة إلى جعل الحجّة؛ و لو كانت واحدة. فحجّية الخبر مختلفة بالنسبة إلى اختلاف الموارد. فتارة ما يكون راويه عادلا؛ كما فى الإخبار عن الأحكام. و تارة يكتفى بالإسلام، بل مع عدمه أيضا؛ كقبول خبر ذى اليد بملك ما فريده، و إن كان كافرا.

و تارة يعتبر الوثوق. و تارة يكتفى بمجرّد ادّعائه، كادّعاء الأمين على تلف المأمون عنده؛ و أمثال ذلك كثيرة ذكرها موجب للإملال. و واضح أن الكل، مع اختلافه، إنما يكون بجعل الشارع و نظره؛ و فيما نحن فيه نقول:

أن الشارع قد اعتبر الحفظ، و جعله طريقا، أو حكما لهذا المكلف الجاهل بالواقع؛ و نفس ذلك حجة شرعيّة لم يكن داخلا تحت أحد من العناوين الاخر، بل هو فى نفسه عنوان على حدة. و ليقرب ذلك: بأنه لو فرض كون ذلك داخلا، فى أحد العناوين الاخر، كان الأنسب بذلك هو: عنوان «الخبر»؛ و فى دخوله تحته محذورات شديدة:

1.

منها: تجشّم القول بعدم اشتراطه بشروط الخبر، من العدالة و الوثاقة، و امثالها من البلوغ و غيره.

2.

و منها: أن هذه القاعدة مسلمة، حتّى ممّن يقول، بأن أدلة حجّية الأخبار، لم تشمل «الخبر الحدس»؛ بل تنحصر ب «بالحسّ».

3.

و كذا، ممن ذهب إلى منع حجّية أخبار الآحاد رأسا.

و أمثال ذلك النقائص كثيرة، لا تخفى على المتأمّل فى المقام.

[4- عصارة التحقيق فى المسألة]

نتيجة [كل ما مضى من التحقيق (1)]، أن يقال: أن هذا فى نفسه دليل مستقل، قد جعله الشارع حكما اوليا، او ثانويّا.

و بعد عرفان ذلك، ظهر أن التكلم هنا: فى تعارض أدلة حجّية الأخبار الآحاد، لتقيّدها بالعدالة مع هذا الدليل، لعدم تقيّده بها؛ و أن بينهما عموما من وجه؛ ثمّ الرّجوع


1) فى النسخة: «نتيجة الكل و التحقيق.»

إلى المرجّحات و تقديم الكتاب.

أو أن هذا الدليل فى مورد أدلة حجّية أخبار الآحاد، فليقدم عليها؛ كلها ممّا لا مجال لها بعد ما قرّرناه، أو [أثبتناه]. (1)

حاصل الكلام أن الشارع قد اعتبر هذا الخبر الخاص فى هذا المورد الخاصّ، و لم يكن مكافات لذلك مع ما بيّن فى آية النبأ (2)، من اشتراط العدالة.

و ذلك؟ لأن اشتراط العدالة، إنما هو لأجل التبيّن، حتّى لم يوقع فى الجهالة و الندامة؛ و ذلك الخبر فى هذا المورد، متبيّن فى نفسه؛ لأن الشارع قد اعتبره بالخصوص، فلم يكن مشمولا للآية بوجه.

المقام الثّاني: فى شروط الخبر الرافع للسهو

اشارة

1- قيمة خبر فاقدى صلاحية الإخبار و الشهادة؟

2- فائدة في بيان عدم وجوب الإعادة لو بان نقصان الصلاة.

3- تنبيه فى حل تعارض حفظ المأمومين

[1- قيمة خبر فاقدى صلاحيّة الأخبار و الشهادة؟]

المقام الثانى، فى أنه هل يكفى لرفع السهو، خبر الفاسق، و الصّبي المميّز، و المرأة، أم لا؟ و كذا الأمر فى كفاية الواحد من المأمومين؛ و أن لم يكن موثوقا به، و لم يفسد قوله الظنّ، [هل يكفى لرفع السهو أم لا؟]

أقول: بعد أن أثبتنا سابقا، أن الشارع جعل الحفظ من الإمام و المأموم، كل واحد منهما على الاخر حجة شرعيّة، كسائر الطرق المجعولة؛ لا مجال لإيراد تلك المباحث، حيث ان «المعلق عليه الحكم» هو صدق «الإماميّة و المأموميّة». مع كونهما حافظين.

و ذلك، و إن كان مطلقا لو لم نقل بالعموم اللغوى، الّا أنه أفاد العموم بحكم العرف العام أو الخاص، او يجريان مقدمات الحكمة.


1) فى النسخة: «أو إثباته».

2) يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلىٰ مٰا فَعَلْتُمْ نٰادِمِينَ. سوره حجرات/ 6

و كيف كان، فالمناط صدق «الإماميّة و المأموميّة» مع الحفظ. و لذا لو قلنا: أن عبادة الصبي المميّز مشروعة، كان حفظه معتبرا على المأمومين.

و كذا حفظ المأموم حجة على الإمام، و إن كان واحدا فاسقا، أو صبيّا مميزا، أو امرأة، و غير ذلك من الأفراد التى ربما يتوهم عدم شمول الإطلاق لها.

و لما كان هذا الصدق، بالنسبة إلى هذه الأفراد على السواء، [ف] نقول:

أنه لو تعارض حفظ الإمام البالغ العادل، مع حفظ المأموم الصّبي المميز، او الفاسق، او المرأة، لم نقل بترجيح الأول، لعدم وجه تأييد له؛ حيث أن ما يكون المناط فى المقام، يكون فى الطرفين موجودا. و يعاضد ما ذكرنا، أن أكثر الأصحاب، لم يفرق فى تلك الموارد المختلفة، من حيث رفع حكم السهو.

ملخص الكلام: أن حكم المذكور، من أن حفظ الصّبي المميّز، سبب لرفع حكم السهو، إنما هو مبنى على مشروعيّة عبادته، حتى يصدق عليه أنّه امام، او مأموم، فيكون حفظه معتبرا، و لو كانت المشروعيّة حكما ندبيّا؛ و حينئذ لا فرق بين أن يقال: أن السببيّة التى من الأحكام الوضعيّة مجعول، او منتزع من الأحكام التكليفيّة. اما الأول، فلأن تعلقه لم يكن مشروطا بالبلوغ. و اما الثاني، فلأن المفروض أن عبادته شرعيّة.

و بعد تسليم ما ذكرنا من المبنى، و أن الحفظ سبب لرفع حكم السهو حتّى من الصّبي، ظهر أن العمومات الواردة فى أن أفعال الصّبي و أقواله لا اعتبار بها، و أنه لا يجوز أمره على سبيل الإطلاق، لم تكن منافية للسببيّة الثابتة فى المقام و حجّيتها؛ حتى بالنسبة إلى الصبي بعد مشروعيّة عبادته.

لأن هذا، إما تخصيص لعموم المطلق بالنسبة إلى المورد، و إن كان عموما من وجه بالنسبة إلى ملاحظة الأدلة الطرفين؛ و إما تكون الأدلة الدالّة على شرعيّة عبادته فى مورد العمومات المذكورة، فلم يكن بينهما تناظر أصلا؛ و هذا هو المعبر فى لسان الأصوليّين «بالتّخصيص الموردى».

فكيف كان، فالعمل فى المقام إنما هو بهذه السببيّة المجعولة من الشارع مطلوب، بعد تسليم شرعيّة عبادته.

و أما توهّم أنه على فرض تسليم شرعيّة عبادته، نمنع حجّية حفظه و سببيّته لرفع حكم السهو من مثله، أو من كان مكلفا، و منع الملازمة؛ فتخيّل صرفة. لأن الحفظ من توابع الجماعة، و قد فرض مشروعيّتها على الصّبي، و معنى مشروعيّتها عليه، هو أن ما تعلق به من الأحكام، يكون ثابتا فى حقّه، و واضح أن من جملتها هو الحفظ؛ فيكون هذا التوهّم موهونا.

2- [فائدة فى بيان عدم وجوب الإعادة لو بان نقصان الصلاة]

2- [فائدة فى بيان عدم وجوب الإعادة لو بان نقصان الصلاة] (1)

قد سبق ممّا قرّرنا، أن الحفظ هنا حجة شرعيّة فى نفسه، قد جعله الشارع حكما واقعيّا لهذه الواقعة المشكوكة؛ و هذا هو معنى «السببيّة و الموضوعيّة»، كالامارات المجعولة من قبل الشارع بالخصوص، كاليد و أمثالها.

فحينئذ يترتب جميع آثار الواقع عليه، نظير عدم وقوع السهو أصلا؛ اى هذه الصلاة المشكوكة فيها، مع الحفظ و مراعاته كأن لم يكن شكّ فيها.

فلو بان بعد الصلاة، أن فى الصلاة المأتى بها نقصا، هل تجب الإعادة أم لا؟

ظاهر ما قلنا، من أن للحفظ «سببيّة» لرفع حكم الشك، و أنه موجب للتّنويع فى الصلاة، كالحاضر و المسافر؛ عدم وجوب الإعادة، بل عدم المعنى لكشف الواقع، لأنه مبنيّ على ثبوت واقع غير ما أتى به، و هو فى المقام منفى على الفرض.

الا أنه ربما يقال: أنا نسلم السببيّة، و مع ذلك نقول بوجوب الإعادة لو كشف نقصان ما يوجب الإعادة. و ذلك؟ لأن الحفظ انما يرفع حكم السهو الّذي لولاه يجب مراعاته، كالبناء على الثلاث لو شكّ أحد [من] الامام و المأموم بين الاثنين و الثلاث لو لم يحفظه الاخر، و مع الحفظ و مراعاته على الاثنين؛ و كذا أمثال ذلك؛ و هذا هو حكم السهو، و هو مرفوع بالحفظ. و اما حكم وجوب الإعادة بعد الصلاة، لو كشف نقصان الصلاة؛ فليس من أحكام السهو حتى يرفع بالحفظ، بل هو لأدلّة مبنيّة لما هو الواجب واقعا، فهى بحالها، و مقتضاها الإتيان بهذه الأجزاء و الشرائط، و لم تحصل الا بوجوب إيقان الصلاة؛ فلذا تجب الإعادة على هذا الفرض.

أقول: هذا بظاهره كلام صحيح، ألّا أنه بعد أن سلمنا المقدمات الثلاث و أثبتناها، يتمّ الجواب من هذا لأشكال، و هى:

أنه إذا كان الشارع، فى مقام بيان الحكم الوضعى، مع كونه ناظرا إلى الواقع، و كان الكلام مطلقا، لا شكّ أن ما يثبت بهذا الخطاب، هو الحكم الفعلى الواقعى للمكلف، و كان «المكلف به» الفعلى هو ما يثبت بذلك، و كأنه جعل جعل الشارع هذا الحكم فى هذا الموضوع، و حكم بعدم وجود حكم آخر؛ و هذا محصول ما حصل بالتّنويع.

اذا عرفت ذلك فاعلم، أن ما نحن فيه هو كذلك؛ حيث أن الشارع فى هذا المقام و يكون فى مقام بيان الحكم الوضعى الفعلى على المكلف، مع كونه ناظرا، الى الواقع؛ بما لا يخفى على المتأمل.


1) فى النسخة: «فائدة».

فحاصل الكلام: هو، أن المكلف به الفعلى، هو تلك الصلاة المشكوك فيها مع مراعات الحفظ، و أن وقعت ثلاث ركعات؛ فإنه ليس غير هذا مأمور به، فقد أتى المكلف به و ليس له تكليف غير ذلك، فذمّته قد برئت من التكليف؛ فالشك فى وجوب الإعادة بدوى يدفع بالأصل.

و ببيان آخر أتمّ، هو أن نقول: نحن و إن سلمنا أن أدلة الاجزاء و الشرائط فى الصلاة مثلا، أمارات ناظرة، الى الواقع، و كان مداليلها أحكاما واقعيّة مطلوبة؛ إلّا أنه بعد ما ورد من الشارع حكم آخر، مخالف لما دلت عليه هذه الأدلة، مع كونه ناظرا إلى الواقع أيضا فى مورد هذه الأدلة، علم أن الشارع قد وضع هذه الادلة، فى غير ذلك المورد، و كان مطلوبه هنا بالخصوص، حكما واقعيّا آخر. و لا ضير فى ذلك، بعد أن أمثاله كثيرة فى الأحكام و الموضوعات، بما لا يخفى على المتّبع فى الفقه و فروعاته.

و بعد الاطلاع بما ذكرنا، ظهر اندفاع الأشكال، و أن وجوب الإعادة لا دليل عليه.

[3- تنبيه فى حلّ تعارض حفظ المأمومين]

إذا تعارض المأمومان مثلا فى المحفوظ، فهل الحكم التساقط و رجوع كل منهما إلى محفوظة؟ أو حكم الشك، أى الأصل فيه، و هو البطلان؟ أو التخيير؟ أو المرجحات الخارجيّة؟ فيه احتمالات:

و لا يخفى أن ذلك الاختلاف، مبنيّ على كون الحفظ طريقا للحكم، لا على فرض كونه سببا و موضوعا؛ فإنه لا خلاف فى أنه على هذا الفرض، يكون من قبيل المزاحمين؛ فيكون حكمه هو «التخير».

و أما على فرض كونه سببا و موضوعا؟ فنقول: أنه لو فرض وجود العلم الإجمالى على مخالفة أحدهما الواقع، كما هو الغالب، بل فى كل الموارد؛ و الفرض أن الشبهة محصورة؛ لا يجوز ارتكاب الأطراف؛ فحينئذ ينبغى القول بالتساقط، ثم رجوع كل منهم إلى محفوظه، أو حكم الشك فى الموارد الباطلة.

فأن قلت: كما أن العلم الإجمالى موجود بمخالفة أحدهما للواقع، كذا يكون بالنسبة إلى أن أحدهما موافق «للواقع» (1)فيجب الاحتياط فيه.

قلت: أنه لا يمكن الاحتياط بالنسبة إلى هذا الفرد، لعدم إمكان الإتيان بهما معا؛ و


1) فى النسخة: «للوافق»

اختيار أحدهما دون الاخر، ممّا لم يحرز به الواقع، فلم يكن هذا الإجمالي منجزا.

و الدليل على القول الثانى: هو، أن كل واحد منهما دليل شرعى و حجة شرعية؛ و ليس طريق فى المقام ورائها؛ و قد تعارضا، فلا بد من الحكم بالتخير بعد فقدان المرجح.

و هذا القول يرجع إلى القول الثالث، و هو أن الواجب هنا، الرّجوع بالمرجحات، و دليله هو ما ذكرنا فى هذا القول. و المرجّح فى المقام يحصل بالوثوق و الأكثرية و أمثال ذلك؛ و هذا هو الحق على هذا الفرض، بعد أن قلنا أن الحفظ «خبر»، و أن أدلة حجّية الأخبار تشمل الأخبار عن الموضوعات؛ و كذا أدلة التعارض، لكن فى كل المقامات كلام ليس هنا مورد بيانه.

و أما إذا كان الحفظ «أصلا»، كما هو احتمال آخر أيضا، فيقع فيه القولان الأوّلان، من التساقط و التخيير؛ دون الأخير، إلا على احتمال ضعيف.

المقام الثّالث فى تحقيق المراد من الحفظ الواقع فى أخبار الباب

اشارة

1- فى تعيين المراد من الحفظ.

2- مسألة فى بيان وظيفة الإمام، لو شكّ و لم يعلم بحفظ المأموم.

3- مسألة فى رافعية الحفظ فى الشكوك الصحيحة و المبطلة.

4- مسألة فى حجّية الحفظ بالإطلاق أو التقييد.

[1- فى تعيين المراد من الحفظ]

المقام الثالث فى تعيين المراد، من الحفظ الواقع فى أخبار الباب، فنقول:

معناه اللغوى واضح؛ حيث أن المعرف يطلقون ذلك و أرادوا به «الضبط» (1)و إن كان هذا المعنى يختلف باختلاف المتعلق. و لم يثبت فى مقامنا معنى آخر بالخصوص من الشارع (2)، فليحمل على ما هو المراد من إطلاق اللغة. (3)


1) فى النسخة: «ألظبط»

2) راجع: وسائل الشيعة ج 5/ 340، أبواب الخلل فى الصّلاة، باب 24

3) «الحفظ نقيض النسيان و هو التّعاهد و قلّة الغفلة». لسان العرب ج 7/ 441، ذيل كلمة «حفظ» فى باب «الظاء». «حفظ الشّي‌ء حفظا: منعه من الضّياع و التّلف، صانه من الابتذال». المنجد فى اللغة و الأعلام/ 142، ذيل كلمة «حفظ».

فنقول: المراد بحفظ الإمام أو المأموم، كل واحد منهما الآخر؛ أنه لكون «ضابطا» لما فعله الآخر، اى لم يسه بمثل سهو الآخر فيه.

فاذا كان المأموم ساهيا فى شي‌ء من الصلاة، و لم يكن كذلك فى هذا الشي‌ء، فيصدق أن الإمام «حفظ» المأموم. و هذا هو المستفاد من قوله عليه السلام: «و ليس على من خلف الإمام سهو، إذا لم يسه الإمام». (1)انتهى. حيث عبّر فيه عن «الحفظ» ب «عدم السهو». فاذا ثبت ذلك، فاعلم، أنه إذا كان الإمام ظانا، لم يكن ساهيا، فقد كان حافظا لما ثبت آنفا، فيرجع المأموم الساهى إليه و لا بأس.

و هذا الّذي قلنا فى معنى «الحفظ»، ليس أمرا آخر غير المعنى اللغوى. فان اهل اللغة و العرف، يطلقون «الحفظ» فى فعل من ائتمن عنده مال فى مكان، مع كونه ظانّا ببقائه، فأنهم يقولون أن هذا الشخص «حافظ».

و لو قيل عليهم، أنّه ليس متيقنا ببقاء المال، بل ظانا به؛ فلم يكن «حافظا» و لم يصدق عليه «الحفظ»؛ لاعترضوا على المعترض، و لم يعتنوا بقوله بوجه من الوجوه. و نزيد على ذلك للتقريب و نقول:

أن الحفظ شرط فى صحة المنفرد مطلقا، و ذلك يظهر من فحوى فتاواهم، و قد أفتوا أن من كان ظانا فى أجزاء صلاته [هل] أنها واقعة؟؛ كانت صلاته صحيحة، و يصدق أنّه قد حفظ صلاته؛ و ليس فرق فى المقامين فى معنى الحفظ.

حاصل الكلام: أنه كما يتحقق الحفظ باليقين الواقعى، كذلك يتحقق بالظن؛ و ذلك لأجل معناه الّذي ذكرناه من حيث العرف و اللغة، و هو «الضبط»؛ يتحصل بكل منهما، (2)بعد أن عبّر عليه السلام عنه ب «عدم السهو» (3)و هو أعم من أن يكون متيقنا و ظانا، بعد أن التفسير للسهو بالشك فى المقام مسلّم؛ لا لأجل أن الحفظ مرادف للعلم، و هو يطلق فى الشرعيات على «الظن» أيضا، فكذا مرادفه.

و القول، بأن الظن داخل فى الحفظ حكما او موضوعا، بل ذلك الكلام، موهون،


1) وسائل الشيعة ج 5/ 340، أبواب الخلل فى الصلاة، باب 24، حديث 8.

2) اى اليقين و الظن.

3) عن ابى عبد اللّه 4: «... ليس على الامام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتفاق (بايقان) منهم، و ليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام و ...» وسائل الشيعة ج 5/ 340.

مخدوش من وجوه متفرقة:

1- منها: أن مرادفة الحفظ للعلم ممنوع؛ بل هما أمران متقابلان، بل معنى الحفظ ما ذكرناه آنفا، و معنى العلم مشهور مستفيض. (1)

«أنه صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت هى به».

شرح: «المذكور» يتناول الموجود و المعدوم، الممكن و المستحيل بلا خلاف؛ و يتناول المفرد و المركب، و الكلى و الجزئى. و «التجلّى» هو الانكشاف التّام. فالمعنى: أنه صفة ينكشف بها لمن قامت به ما من شأنه أن يذكر، انكشافا تامّا لا اشتباه فيه، فيخرج عن الحد: الظن و الجهل المركب، و اعتقاد المقلد المصيب أيضا. لأنه فى الحقيقة عقدة على القلب، فليس فيه انكشاف تام، و انشراح تنحل به العقدة. «فقه الملوك و مفتاح الرّتاج على خزينه كتاب الخراج» ج 1/ 10- 9- و قال المظفر فى منطقه: «العلم حضور صورة الشي‌ء عند العقل». او فقل:

«انطباعها فى العقل»، لا فرق بين التعبيرين فى المقصود. «المنطق» ج 1/ 14.

• القطع، و يرادفه فى اصطلاح الأصوليّين «العلم» و اليقين. مفهوم هذه الأسماء واضح، و لم يثبت لها فى هذا الاصطلاح معنى يغاير معناها اللغوى. «اصطلاحات الأصول»/ 210.

2- منها: أنه على فرض تسلم الترادف، نمنع ما ذكر من أن العلم لما كان فى الشرعيات قد يطلق على الظن، فيكون مرادفه كذلك.

و ذلك؟ لأن أحكام الألفاظ مبنيّة على مناسبات عرفيّة، و لم يكن للاستحسان فيها ربط؛ فربما يطلقون لفظا فى مقام و لا يطلقون مرادفه فى ذلك المقام، كقولهم: «أعتق رقبة»، دون «جيدا»؛ مع أن الرقبة و الجيد مرادفان.

3- منها: أن إطلاق العلم فى الشرعيات، على الظن مطلقا، ممنوع؛ بل ذلك خلاف الأصل، يقتصر على ما ثبت، دون ما إذا أطلق العلم حمل على المعنى الأعم.

و بعد التيّا و الّتي، فأصل المسألة، و هو أن الحفظ بالتحقيق واضح بمدرك واف، دون مدرك الّذي ذكره «شيخنا الأستاذ». (2)

فالمدعى متفق عليه، و الاختلاف إنما يكون فى المدرك؛ فالأمر سهل.

و يعاضد أصل الحكم: أن بنائهم سابقا و لاحقا، على وجوب متابعة الامام للمأموم، و كذا العكس؛ بمجرد الإشارة من كل منهما، أنه لم يكن ساهيا، و كان عمل الكل على ذلك، و لم يكونوا بحيث أن يقتصروا فى المتابعة، إذا علموا بأن الحافظ عالم و منشأ حفظه اليقين؛ و لم يسألوا عنه بعد الفراغ كيفية حفظه، هل هو من العلم؟ أو الظن؟

بل يظهر من حالهم: أنهم، لو سئلوا عنه بعده و أجاب بأن مدركه الظن، لم يكونوا


1) قال المحقق الشريف الجرجانى فى شرح المواقف: أعلم أن أحف ما قيل فى الكشف عن ماهية «علم المطلق»:

2) راجع: هامش صفحة 37 من هذا الكتاب.

معودين للصلاة. و هذا أمر كانه ضرورى بالفعل بالضرورة؛ بحيث لا يداينه ريب و لا شك، فالمخالف مكابر. و قد ثبت لا تعسف للمذهب، على المدرك الّذي اخترناه، دون ما اختاره «الأستاذ أدام اللّه بقائه». (1)

2- مسألة فى بيان وظيفة الإمام لو شكّ و لم يعلم بحفظ المأموم

2- مسألة فى بيان وظيفة الإمام لو شكّ و لم يعلم بحفظ المأموم (2)

لو شك الإمام مثلا، و لم يعلم بحفظ المأموم، هل هو موجود أم لا؛ هل يجب الاستخبار من المأموم أم لا؟ و تحقيق ذلك: هو، أن مقتضى أدلة الشكوك، هو العمل بمقتضاها. [ألّا أنه] خرج من ذلك ما إذا أوجد الحفظ، فرفع حكم الشك مشروط بالحفظ، فالحفظ شرط و هنا مشكوك الوجود؛ فالأصل عدمه، مع أن وجوب الاستخبار تكليف زائد، و البراءة تدفعه.

و بهذين الأصلين يتمّ المطلوب، فالعمل حينئذ بمقتضى ما دلت عليه أدلة الشكوك.

و ربما قيل: أن أدلة الشكوك، (3)شاملة لغير ما اذا يوجد الحفظ. بمعنى أن صورة وجود الحفظ، خارجة عن عمومات أدلتها؛ و ما إذا لم يوجد الحفظ و لم يحتمل أيضا، مشمولة لها قطعا.

و أما الفرد الّذي يكون وجود الحفظ محتملا، كما فيما نحن فيه، فشمول أدلة الشكوك له، غير معلوم. و كذا شمول أدلة المخصص، أو العام المخصّص، و الحكم بدخوله فى العموم، عملا بالظاهر، ممنوع؛ لأنه من قبيل التمسك بالعام فى الشبهات المصداقيّة؛ و هو فى حيّز المنع على التحقيق.

و أجيب عن ذلك: بأنا لو سلمنا عدم جواز التمسك بالعام فى الشبهات المصداقيّة، نقول بالجواز هنا. اى فيما إذا كان العام من قبيل المقتضى، و المخصص من قبيل المانع؛ و ذلك يكون فيما إذا كان بين الحكم و الموضوع مناسبة.

ففيما نحن فيه نقول: الأدلة الدالة «لحكم الشكوك» (4)، من الصحة و البطلان،


1) الظاهر أن المراد من «الأستاذ ادام اللّه بقائه»، استاذه الاصولى و الفقيه «الشيخ مرتضى ريزى» قدس سرّه.(المصحّح)

2) فى النسخة: «مسألة»

3) فى النسخة: «... أدلة الشكوك شاملة لغير (تلك الصورة يقينا و كذا) ما اذا لم يوجد الحفظ ...». و لكن الكلمات الواقعة بين القوسين، شطبت برسم خطوط.

4) فى النسخة: «للحكم الشكوك».

مقتضية للحكم المتفرع عليها؛ و ما يكون مع الحفظ «مانعا» (1)عن ذلك.

فاذا شك فى مانع آخر، هل وجد أم لا؟ فالعمل بمقتضى معين.

ففيما نحن فيه، لا بأس بالبناء على العمومات و الاطلاقات الواردة فى بيان حكم الشكوك. و ليس هذا فى الحقيقة تمسكا بالعام فى الشبهة المصداقية؛ بل هو عمل بقاعدة «المقتضى و المانع». و قد قررنا بيان ذلك فى الأصول مفصلا.

3- مسألة فى رافعية الحفظ فى الشكوك الصحيحة و المبطلة

3- مسألة فى رافعية الحفظ فى الشكوك الصحيحة و المبطلة (2)

هل الحفظ رافع للأحكام التى تكون للشكوك الصحيحة؟ أم يعمّها و الباطلة؟

احتمالات.

و تحقيق ذلك: هو، أن الأدلة الدالة، على أن الحفظ رافع لحكم الشك؛ ظاهرها عامة صورة الشكوك المبطلة. أى أن حكم الشكوك المبطلة أيضا مرفوع، مع وجود الحفظ.

و كذا الأدلة الدالة على عدم وجود حكم الصحيح للشك فى الموارد الخاصة، كالأوّليين، و المغرب، و امثالهما، عامة صورة الحفظ و عدمه؛ فبينهما عموم من وجه، فالتعارض فى ماده الاجتماع. فحينئذ، إما أن يقال بتقديم أدلة الحفظ، و الحكم بالصحة، أو تقديم أدلة الشكوك المبطلة، و عدم تأثير الحفظ فى المقام، و الحكم بالبطلان، أو التساقط؛ و الرجوع إلى ما هو المدرك فى المقام من الأصول المعتبرة؛ كل محتمل. وجه الأول: أن ادلة الحفظ حاكمة على الشكوك المبطلة، و ذلك؟ لأنها ناظرة إليها؛ بمعنى، مجعولة فى مورد أدلة الدّالة على الشكوك المبطلة، فتكون أدلة الحفظ مقدمة على أدلة الشكوك؛ ففى المقام يحكم بالصحّة.

وجه الثانى: أن أدلة الشكوك، عامه موافقة لحكم الأصل الأوّلى فى الشكوك، و هو البطلان، فيحكم بمقتضاها؛ و أنها أيضا ناظرة إلى أدلة الحفظ كمال الكلام إلى أن الحفظ معتبر فى غير تلك الشكوك المبطلة.

و وجه التساقط (3): هو، أن مقتضى التّعارض، من دون المرجع من أحد الطرفين، هو «التساقط»، و الرجوع إلى أصل الاشتغال و قاعدته العقليّة، و استصحابه، و استصحاب الصّحة، و استصحاب وجوب إتمام العبادة؛ و أمثال ذلك من الأصول و


1) فى النسخة: «مانع».

2) فى النسخة: «مسألة»

3) فى النسخة: «و الوجه التساقط».

القواعد المعتبرة فى المقام.

و لم يمكن الاستدلال باصالة عدم الزيادة، لصيرورة الأصل مثبتا لو أثبتنا بها الصّحة؛ و لكونه مخالفا للاجماع. بل الوجه فى المقام، هو العمل بإطلاقات: «إذا شككت فابن على الأكثر» (1)

«يا عمّار! أجمع لك السهو كله فى كلمتين: متى شككت فخذ بالأكثر، فاذا أسلمت، فأتمّ ما ظننت أنك نقصت».

وسائل الشيعة ج/ 2128، كتاب الصلاة، ابواب الخلل فى الصلاة، باب 8، حديث 1

• عن موسى الساباطى، عن أبى عبد اللّه ع، قال:

«إذا سهوت فابن على الأكثر، فاذا فرغت و سلمت، فصل ما ظننت إنك نقصت».

نفس المصدر/ 321، حديث 3

، و إتمام الصلاة بذلك. لكن مع ذلك كله، فالاحتياط باعادة الصلاة، [و] لا ينبغى تركه.
4- مسألة فى أن الحفظ حجة مطلقا أو مع التقيد بحصول الظن؟

4- مسألة فى أن الحفظ حجة مطلقا أو مع التقيد بحصول الظن؟ (2)

هل الحفظ حجة شرعية مطلقا؟ أم مقيد بما إذا حصل الظن بالواقع المراجع بسبب الحفظ، حتى يكون حجة، و لو مع الشك و الاحتمال؟

هذا الفرع، مبتن على أن الأصل فى مجعولات الشارع، هل التعبدى الصرف؟ أو الطريق الصرف؟

و معنى الأول: أن هذا هو المطلوب للشارع، و يكون ذا مصلحة، ليس الغرض منه أمرا خارجا عنه؛ و هذا هو معنى «الموضوعيّة و السببيّة» فى مجهولات الشارع.

و الثانى: فى قبال ذلك المعنى الّذي ذكرناه للموضوعيّة؛ فافهم.

و ما يكون من قبيل الأول؛ لا يقوم مقامه شي‌ء، و لا يقاومه، الا ما يكون مثله؛ بخلاف ما يكون من قبيل الثانى، لأن المطلوب به، غيره. فكلما أوصل إلى المطلوب يقوم مقامه.

إذا عرفت ذلك، فاعلم، أن الأصل فى المجعولات من قبل الشارع، هو «التعبّدى»؛ إلا ما ثبت بالدليل، أن الغرض من جعله، هو التقرير لطريق العقلاء، و أمثال ذلك.

و بعد ذلك، فالحفظ فيما نحن فيه، حجة تعبّدا، و لو لم يحصل الظن بالواقع لأجله.

و أما صورة الظن على الخلاف؟ فسيجي‌ء الكلام فيه إنشاء اللّه تعالى. (3)


1) عن عمّار، عن ابى عبد اللّه، قال:

2) فى النسخة: «مسألة»

3) مع الأسف، لم نصل، إلى سائر الآثار الفقهيّة، لهذا الفقيه المجاهد الشهيد؛ فلعلها توجه فى بعض المكتبات، او عند بعض الأشخاص، فتعرف فى الآتية و تطبع.

صورة فوتوغرافية لمقدمة المدرس

لكتاب شرح الرسائل <>

<> صورة فتوغرافية للصفحة الاولى من رسالة سهو الامام و المأموم

صورة فتوغرافية للصفحة الاخيرة من رسالة سهو الامام و المأموم

<> صورة فتوغرافية للصفحة الاولى من رسالة الغصب

القسم الثانى رسالة قضاء الفوائت من الصلوات

الفصل الأول فى بيان أمور يبتنى عليها البحث.

اشارة

1- الأمر الأول: فى أن القضاء هل يكون بالأمر الأوّل، أم لا؟

2- الأمر الثانى: فى بيان وجوب القضاء، بالأدلة الأخر، غير الأمر الأول.

3- الأمر الثالث: فى بيان المراد من الفوت الواقع فى الأدلة.

1- فى أن القضاء هل يكون بالأمر الأول أم لا؟

الكلام فى قضاء الصلوات. تحقيق المقام من حيث الأصول و القواعد، يحتاج إلى بيان أمور:

[الأمر الأول] (1): فى أن القضاء هل يكون بالأمر الأول، أم لا؟ فنقول: ألحق أن القضاء، لم تكن بالأمر الأول، بل بالأمر الاخر؛ بوجوه:

الأول: أن الظاهر من الأمر بالشي‌ء، فى وقت خاص، هو أن يكون ذلك الشي‌ء مطلوبا للامر، فى ذلك الوقت الخاص، دون خارجه.

و إذا كان مطلوبا له فى غير ذلك الوقت أيضا، فلا بدّ من الأمر به ثانيا. و ليس المداد من ذلك «الظاهر» ما يكون منشأه الغلبة، حتّى يقال: بأن غير ذلك أيضا، حقيقة؛ حتى يكون الأمر مشتركا لفظيّا، أو قدرا مشتركا بينهما؛ بل المراد به، هو ما يكون منشأه التبادر، فإرادة غير ذلك مجاز، محتاج إلى نصب القرنية، و مع فقدانها، لا بدّ من أن يحمل


1) فى النسخة: «الأوّل»

اللفظ على ظاهره.

و ما قلنا، لا يختصّ بخصوص الزمان، بل يجرى فى كل قيد أخذ بهذه الحيثيّة؛ بل فى غير الزمان أظهر.

و هذا مدرك قول من يقول: بأن الظاهر، فى مثل هذا الخطاب، هو، أن المطلوب كان واحدا، لا متعددا.

الثانى: ما اتفقوا عليه، كما قال الشهيد الثانى: من أن الظاهر من القيد الوارد فى الكلام، هو التأسيس، بأن يكون احترازيا. و ظاهر أن هذا، إنما ينطبق مع ما ذكرنا فى الوجه الأول.

الثالث: أنه لو كانت القضاء بالأمر الأوّل، لكان إطلاق القضاء عليها مجازا، فأنها أداء على ذلك الفرض، و اللّازم باطل، لأنه خلاف الظاهر، و لا دليل عليه؛ فالملزوم مثله.

هذا كله، مع أنه على قول من اعتقد، أن مفاد الأمر هو «الغور»، لا يمكن تحقق ذلك.

و كذا على قول من اعتقد، أن مفاده «المرّة».

فالمطلب واضح، بالأصول اللفظية الّتي ذكرناها؛ و أما بالأصول العملية، و الأدلة الأخر؛ فالمطلب أيضا على نهج المذكور، و ذلك؟ لأن القدر المسلم من هذا الأمر الموقت، هو ثبوت التكليف باتيان المأمور به، فى ذلك الوقت.

و أما مع فواته فى الوقت، بأحد الوجوه الآتية إن شاء اللّه، فلم تكن التكليف ثابتا بعده؛ و مع الشك فالبراءة تدفعه. فلا بد من إثباته من دليل آخر.

فأن قلت: الأستصحاب حاكم على البراءة، بل وارد على احتمال عليها؛ فالتكليف يثبت به. قلت، اجرائه ممنوع، و ذلك لوجوه.

الأول: أن الشك إنما يكون فى اقتضاء المستصحب، الدّوام و البقاء، لأن الفرض، أن ما ثبت بالأمر هو الصلاة فى الوقت الخاص؛ و الاستصحاب مع الشك فى المقتضى، ليس حجة على التحقيق، كما هو المشهور. لكنا اخترنا حجيّته فى الأصول.

الثانى: إنا نقول بعدم بقاء المستصحب على سبيل القطع، لأنا بعد ما استظهرنا فى الأصول القطعيّة، أن الزمان جزء للمأمور به؛ فبعد انقضائه، لم يبق المأمور به رأسا، لأن الكل ينتفى بانتفاء جزئه.

الثالث: أنا لو سلمنا جريان الاستصحاب فى المقام، لم يثبت به مطلوب المورد؛ و هو أن القضاء إنما تكون بالأمر الأول. بل تثبت حينئذ بالاستصحاب، و هو دليل آخر غير

الأمر الأول، و ذلك ظاهر.

فان قلت: باستصحاب ما يكون قبل الوقت، و هو الوجوب المعلق (1)، يتمّ المطلوب و نحكم بوجوب الصلاة مثلا خارج الوقت؛ لو لم يأت بها المكلف فى الوقت.

قلت: أولا، أن هذا أيضا غير إثبات القضاء بالأمر الأول. و ثانيا، أن أصل ذلك الوجوب محل كلام؛ فأن الأكثر منعوا من تعلق الخطاب به. و ثالثا، على فرض تسليمه، قد ارتفع بدخول الوقت، فلم يكن طريق لاستصحابه. و رابعا، على فرض تسليم ذلك كله، و القول باستصحابه، لا يمكن إتيان المكلف بالصلاة خارج الوقت به، لصيرورة «الأصل مثبتا».

اللهم إلّا أن يقال: على فرض تسليم ما ذكر، لم يثبت كونه بأمر جديد أيضا، إلّا بتعميم الأمر لمثل هذا الاستصحاب؛ و فيه تأمل.

و كذا الحال فى الاستصحابات الأخر وجوديّة، كاستصحاب بقاء التكليف. و عدميّة، كاستصحاب عدم فراغ الذمّة، و أمثال ذلك؛ فأن أكثر ما أوردناه على السابق، يرد هنا أيضا. و ليتأمل. و أما الادلة الدالة على وجوب القضاء، فانها و أن كانت مثبتة للتكليف، و نحن نسلم ذلك، الّا أنها نافية لما يعتقده (2)الخصم: «من أن القضاء إنما تكون بالأمر الأول». فأنه يمكن التمسك بها، بأنها قرينة على عدم كونها بالأمر الأول؛ بل هى محتاجة الى الدليل الاخر.

و كيف كان، فادعاء أن القضاء إنما تكون بالأمر الأول، فى غاية الوهن، فلا نشتغل بالنقض و الإبرام فى هذا المقام.

2- فى بيان وجوب القضاء، بالأدلة الأخر، غير الأمر الأوّل

الأمر الثانى: في بيان وجوب القضاء فى الجملة، بالأدلة الأخر، غير الأمر الأول.

فنقول:

وجوبها فى الجملة ممّا لا خلاف فيه، بل بحدّ الضرورة. (3)و الادلة اللفظيّة التى، مفادها قولهم: «اقض ما فات كما فات» (4)كثيرة، بحيث تغنى عن البيان و التّعداد؛ و لعلّها


1) فى النسخة: «التكليفي»، و لكن شطبت و كتبت فى الهامش: «المعلق».

2) فى النسخة: «يعت له الخصم»

3) مقصوده ره: الضرورة الفقهية».

4) عن زرارة، قال: قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر، فذكرها فى الحضر؟ قال: يقضى ما فاته كما فاته. و ... وسائل الشيعة ج 5/ 359، أبواب قضاء الصلاة، باب 6، حديث 1

هو معقد الإجماعات. (1)

و الضرورة أيضا قائمة بمقدار إطلاقها، فلا جدوى للتعرض فى أصل ذلك؛ بل شأن القضيّة فى مثل ذلك: أن يتعرض للمصاديق و الخصوصيات، لعله يكون بعضها مورد المناقشة، من حيث التطبيق.

3- فى بيان المراد من القوات الواقع فى الأدلّة

الأمر الثالث: فى بيان المراد من الفوت الواقع فى الأدلّة. فنقول: ما يحتمل فى المقام أمور ثلاثة:

الأوّل: أن يكون المراد به، فوت «المكلف به»، و لو بالتكليف الشّأنى؛ أى يكون شاملا لما منع لأجل المانع، و إلّا فأصل الاقتضاء كان موجودا. كالنائم و المجنون و أمثالهما، دون الصّبي.

الثّاني: أن يكون المراد به، هو فوت «المصلحة»، و حينئذ يشمل الصّبي أيضا.

الثالث: أن يكون المراد به، هو فوت «المكلف به المنجّز الفعلى»، و ينحصر المصداق حينئذ، فى البالغ العاقل العالم المختار التارك للمأمور به عمدا. هذا.

و الاحتمالان الأولان فى غاية الوهن، حيث أنهما خلاف المتبادر من لفظة «الفوت»، و لم يثبت المراد الشرعى، غير ذلك المعنى المتبادر فى المقام بخصوصه؛ فلا بد من حمله على ذلك.

و إثبات خلافه فى بعض الموارد، كوجوب قضاء الصوم على الحائض، مع عدم تعلق التكليف الفعلى عليها، حين كونها حائضا، و أمثال ذلك فى المقام؛ لا يصير سببا لانصراف اللفظ هنا عن معناه اللغوى. غاية الأمر ثبوت خلافه فى بعض الموارد، و لا منافات.

إذا عرفت ما ذكرنا من الأمور، تنبّهت للأصل الأولى من حيث هو فى المقام، و أن مقتضى تلك القواعد، هو وجوب القضاء،- لا لأمر الأول، بل للأدلة الأخر- على من فات منه التكليف الفعلى المنجزّ.

و ما يكون على خلاف ذلك، سلبا أو إيجابا، لا بد له من دليل خاص، غير ما ذكرنا من الأمور.


1) راجع: «مفتاح الكرامة» ج 3/ 382، 383، جواهر الكلام ج 13/ 11، 12.

4- بحث فيما إذا كان جنونه لأجل تسبيب نفسه.

إنما الكلام، فيما إذا كان جنونه لأجل تسبيب نفسه، كأكل موجبه. و مقتضى ما ذكرنا سابقا، سقوط وجوب القضاء عنه أيضا، لعدم صدق «الفوت» مع ذلك، و إطلاق «المجنون» عليه أيضا؛ فتشمله أدلة الرفع.

و خالف فى ذلك الشهيد ره. و مستنده على ذلك ظاهرا، كما حكى، هو: انصراف إطلاق المجنون إلى غيره، فلم تشمله أدلة الرفع، و صدق الفوت عليه أيضا؛ لأن الامتناع بالاختيار، لا ينافى الاختيار. فان «التكليف الفعلى المنجز». متعلق به حال جنونه هذا؛ و أن لم يكن قادرا بالفعل، فيجب عليه القضاء. (1)

و فى كلا مستنديه كلام:

1- أما فى الأول؟ فلان انصراف ادعاء المجنون إلى غير ذلك الفرد، محتاج إلى ما يحتمل لذلك، و هو مفقود فى المقام؛ فالإطلاق باق بحاله.

2- و أما فى الثانى؟ فلانا نمنع القاعدة المذكورة، لعدم دليل «عليها»، (2)مصحح لها.

و على فرض تسليمها، نمنع عدم التنافى فى تعلّق التكليف الفعلى؛ بل هو بالنسبة إلى العقاب. و لذلك المعنى نظائر لا نطيل الكلام بذكرها. و كيف كان، فالفرق بين قسمى المجنون، لا دليل عليه.

5- بحث فيا لو أدرك أحد مقدار ركعة من الزمان المكلف به، ثم جنّ؟

فرع: لو أدرك المجنون مقدار ركعة من الزمان، من أول زمان «المكلف به»، حال إفاقته؛ ثم جن، فهل يجب القضاء عليه بعد الإفاقة أم لا؟

ألحق هو الثانى، لوجوه:

الأوّل: أنا قد قلنا سابقا ان المناط فى وجوب القضاء، هو صدق «الفوت»، و هنا لم يصدق، حيث أن صدق مبنيّ على تعلق التكليف به واقعا، و فى المقام لم يتعلق به؛ غاية الأمر أنه جاهل به. و لذا لو اشتغل بالعمل فى أوّل الوقت، و صلى ركعة ثمّ جن فى وسط الصلاة، يكشف ذلك عن عدم كونه مكلفا من أول الأمر؛ و لم يصد الفوت حتّى تجب القضاء.


1) فى الجواهر ج 13/ 3 نقل ملخص هذا القول عن الشهيد الثانى عن كتاب الذكرى، و نقضها فى الصفحة 7 من ذلك المجلد.

2) فى النسخة: «عليه»

الفصل الثّاني: تحقيق حول قضاء الصلوات الفائتة من المجنون:

اشارة

1- سقوط القضاء من المجنون، إذا كان جنونه من غير تسبيب نفسه.

2- بحث فيما إذا كان جنونه لأجل تسبيب نفسه.

3- بحث فيما لو أدرك أحد مقدار ركعة من زمان المكلف به، ثمّ جنّ؟

4- بحث فيما لو شك فى جنونه، حال الصلاة الماضية وقتها؟

5- فى سقوط القضاء من المغمى عليه كالمجنون.

1- سقوط القضاء من المجنون، إذا كان جنونه من غير تسبيب نفسه.

و لنشتغل ببعض تلك الموارد؛ و من جملتها «المجنون». فنقول: إن كان جنونه لأجل أمر سماوى، فلا شك فى عدم وجوب القضاء عليه، بعد إفاقته؛ من أجل عدم صدق الفوت عليه، بالتحقيق الّذي ذكرناه فى معنى «الفوت».

و كذا لو فرض صدقه عليه، كما إذا كان «الفوت» بالمعنى الآخر.

و ذلك لعموم أدلة الرفع (1)، لحذف المتعلق و جريان مقدمات الحكمة؛ مع القول بأن أدلة الرفع شاملة لتمام الآثار، و منها سقوط القضاء.

مضافا إلى الأدلة الخاصة الواردة فى ذلك؛ منها: «كلما غلب اللّه عليه فهو أولى بالعذر»، (2)و أمثال ذلك.

و بالجملة، المسألة إجماعيّة، (3)بل بحيث تقرب من الضرورة الفقهائيّة. (4)


1) «رفع القائم عن ثلاثة: عن الصبىّ حتى يبلغ، و عن النّائم حتى يستيقظ، و عن المجنون حتى يفيق». عوالى اللئالى. ج 1/ 209 حديث 48 و أيضا ج 3/ 528، حديث 3. تحقيق الحاج مجتبى عراقى. و أيضا وسائل الشيعة ج 19/ 66 (باب 36 من ابواب قصاص النفس حديث 2).

2) عن على بن حديد، عن مرازم، قال: سألت أبا عبد اللّه (ع)، عن المريض لا يقدر على الصلاة؟ قال: فقال: «كلّما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر». وسائل ج 5/ 354 باب 3 من ابواب قضاء الصلوات. و هناك احاديث كثيره أخرى فليراجع.

3) راجع: مفتاح الكرامة ج 3/ 377.

4) «الضرورة الفقهائيّة» و «الفقهية»، تستعمل فى مقابل «ضرورة المذهب و الدين»؛ و المقصود منها: «ما كان متفق عليه بين الفقهاء بحدّ أقوى من الإجماع»، و الفرق بينهما: أن منكرى المذهب و الدين يخرجون منه و يرتدون و لكن منكرى الضرورية الفقهية ليسوا كذلك

و مثل ذلك حكم الحائض و النفساء، و كلما عرض مانع شرعىّ على الفرض المذكور.

الثانى: أن وجوب القضاء مبنى على وجود المأمور به، و هو مفقود فيما نحن فيه؛ لأن الزمان بمقدار أدائه جزء له، و هو لم يكن موجودا فى الواقع؛ فالكل ينتفى بانتفاء جزئه.

الثالث: أن الشبهة فى مثل ذلك بدوى، لا مانع من إجراء البراءة فيها. و لا يذهب عليك، أن الوجوه المذكورة، جارية فيما لو أدرك من آخر الوقت، مقدار أداء ركعة، فمقتضى الوجوه عدم وجوب القضاء، لو لم يأت بالركعة المذكورة؛ لأن الفرض عدم وجود الزمان بقدر أداء المأمور به، فكيف عن عدم وجوده، و عدم تعلق التكليف؟!

وجه الدفع: أن الشارع نزّل إدراك وقت الركعة من آخر الزمان من «المكلف به»، بمنزلة إدراك جميع وقته؛ و رتّب حكم إدراك جميع الوقت عليه. و لذا نقول: أنه أداء صرفة، لا قضاء، و لا ملفق، كما قد يتوهم. و الأدلة كثيرة، مورد ذكرها فى أغلب كتب الفقهية فى باب الحيض. (1)

و حينئذ، لو أفاق المجنون، و قد بقى من آخر الوقت مقدار أداء ركعة، و لم أت بها، يصدق عليه الفوت بعد التنزيل المذكور. فالفرق بين إدراك زمن الركعة من أوّل الوقت، و بين إدراكه من آخره، ظاهر. مضافا إلى ورود الا جماعات، و الشهرات من الطرفين.

و كيف كان، لا وجه للتأمل فى حكمهما، بعد التأمل فيها ذكرنا. و التمسك فى المقامين بقاعدة «الميسور»، لا جدوى له، لعلة تماميّة القاعدة، (2)أولا. و عدم جريانها فى المقام فى الجملة، على فرض تماميّتها، [ثانيا].

2- بحث فيما لو شك فى جنونه، حال الصلاة الماضى وقتها؟

فرع: لو شك فى جنونه حال الصلاة الماضية وقتها، هل تجب عليه القضاء أم لا؟ وجهان، و للمسألة صور كثيرة:

منها، أنه قاطع بترك الصلاة فى وقتها، و لكن كان شاكّا فى كونه مجنونا وقت الصلاة، حتّى لا تجب عليه القضاء، أم لا، حتّى تجب عليه. و هذا ينقسم إلى قسمين:

الأوّل: أن يكون حاله السابق العقل، بأن يكون الشبهة فى جنونه بدويّا، بمعنى عدم كون حاله السابق جنونا، لا أطباقيّا و لا أدواريّا.


1) راجع: مفتاح الكرامة ج 1/ 384 (كتاب الطهارة).

2) الظاهر أن الاصح هو: «لعدم تمامية القاعدة»؟

و لا شك فى هذا القسم، فى الحكم بوجوب القضاء، حيث أن أصل العدم، يرفع الجنون المشكوك الوجود، بالشك البدوى، و استصحاب العقل، الّذي هو الحالة السابقة يقينا، لا مانع منه.

فثبت عليه وجوب القضاء، و لا مجرى لأصالة البراءة، لأنه مسببىّ بالنسبة إلى الأصلين المذكورين؛ كما لا يخفى.

الثانى: أن لا يكون الحالة السابقة فيه، العقل دائما، بل كان عليه جنون أدواري، فحينئذ لا يمكن استصحاب العقل بتقرير المذكور. و أصل عدم الجنون معارض باصالة عدم العقل؛ حيث يقال: بأن كلا منهما وجودى، او عدمى، فلم تثبت وجوب القضاء، و لا عدمه.

نعم، لو قلنا بأن العقل لم يكن شرطا فى تعلق التكليف، بل يكون الجنون مانعا، يمكن القول بوجوب القضاء، باجراء أصالة عدم وجود المانع.

إلّا أن التحقيق فى العبادات بالخصوص، خلافه، و إن كان محتملا فى المعاملات.

و ربما يقال: أنه كان (1)الأصل فى الإنسان، العقل. بمعنى، أن ما ينبغى أن يكون الإنسان عليه، هو أن يكون عاقلا؛ نظير السلامة، فيما إذا شك فى الإنسان، [هل] أنه سالم من العيوب الموجب للفسخ، أم لا. فعند الشك فيه، هل هو عاقل، أم لا؟ حكم بالأول؛ للأصل المذكور، و يترتب عليه وجوب القضاء.

و فيه: أنه لا دليل لهذا الأصل أصلا. و بعد ذلك كله، فالمنظور فى المقام، عدم وجوب القضاء، لأن العقل شرط؛ إما مطلقا، و إما فى خصوص العبادات، فلا بد من إحرازه؛ و لم يحرز فيما نحن فيه، و الترديد كاف للمطلوب. مضافا إلى إجراء البراءة، فى التكليف المشكوك.

لا يقال: أن قاعدة الاشتغال، تحكم بوجوب القضاء.

لأنا نقول: أصل المقتضى للاشتغال مشكوك، حيث أن من شروط تعلق التكليف هو العقل، و هو مشكوك الوجود عند وقت العمل؛ فلم يثبت تكليف أصلا، حتى يثبت الاشتغال.


1) فى النسخة: «أنه كاكان كان الأصل ...»

5- فى سقوط القضاء عن المغمى عليه، كالمجنون.

و مما ذكرنا فى السابق، فى حكم المجنون، و القواعد الّتي بيّناها فيه؛ يظهر حال «المغمى عليه». و أن الأمر فيه أيضا، عدم القضاء؛ سواء قلنا بأنها بالأمر الأول، أولا.

أما الأول: فلأن تعلق الأمر به، بحيث يثبت به التكليف، مشروط بكونه قادرا، عالما، على الفعل «المكلف به». و ظاهر، أنه فاقد للشروط العامة لبعضها، فلم يوجد أمر فى حقه أصلا.

أما الثانى: فلأن الأدلة المثبتة للقضاء، إنما هى جارية مع صدق «الفوت». و هذا يتوقف على تعلق التكليف، و عدم المجي‌ء بالمكلف به، و قد قلنا آنفا بعدمه؛ فلا يصدق «الفوت» أصلا. و قد ظهر من ذلك، أن التمسك بالاشتغال فى المقام، ليس كما ينبغى، لعدم وجود المقتضى له؛ بل المقام يقتضي البراءة.

هذا كله، مع ما يكون من الاجماعات المنقولة، و الشهرة العظيمة، (1)و النصوص المعتبرة، (2)مضافا إلى الاعتبار، و ندرة القائل بالخلاف. بل لعله لم يوجد إلّا «الصدوق»، على ما قيل، (3)و إن كان كلامه محتملا، لوجه لا ينافى الحق و التحقيق.

ملخص الكلام: أن المظنون، هو، أنه يمكن القطع بالإجماع المحقق، لأجل تراكم الأدلة المذكورة، لكل متفقه، فكيف للفيقه الجامع؟! مضافا إلى الاستدلال بقوله عليه السلام: «كلما غلب اللّه عليه، فهو اولى بالعذر» (4)و قد يتوهم، أن الاستدلال بهذا الخبر فى المقام، مبنى على أن يكون ذلك الخبر، رافعا للاحكام كلها، حتّى [الأحكام] الوضعية، من المغمى عليه مثلا؛ حتى يرفع به سببيّة الفوت للقضاء؛ و ليس كذلك، للإجماع القائم على عدم ارتفاع الأحكام الوضعيّة بالإغماء. و لذا حكم فى حقه بالضمان و أمثاله.

و فيه: منع المبنى، فان الاستدلال به صحيح، و لو لم ترفع به الأحكام الوضعيّة؛ لأنه


1) راجع: جواهر الكلام ج 13/ 4، مفتاح الكرامة ج 3/ 378، حيث قال (ع): «فلا قضاء على الغير و المجنون و المغمى عليه، هذا هو المشهور كما فى الذكرى و الروض و غاية المرام و مجمع البرهان و المصابيح، و الأشهر كما فى الروضة و الروض أيضا و الرياض و ...».

2) عن الحلبى، أنه سئل أبا عبد اللّه (ع) عن المريض هل يقضى الصلوات إذا غمى عليه؟ فقال: لا، إلّا الصلاة الّتي أفاق فيها. وسائل الشيعة ج 5/ 352، باب 3، من ابواب قضاء الصلوات. و هناك نصوص كثيرة متعلقة بما نحن فيه، فليرجع.

3) راجع: مفتاح الكرامة ج 3/ 378، حيث قال ده: و قل حمل الصدوق فى الفقيه الاخبار الدالة على القضاء فى المغمى عليه على الاستحباب».

4) راجع: وسائل الشيعة ج 5/ 352، ابواب قضاء الصلوات، باب 3

رافع للاحكام التكليفية قطعا. خصوصا بملاحظة قوله (ع): «فهو أولى بالعذر».

فان المناسب مع ذلك، هو الحكم التكليفى، لا الحكم الوضعى. فحينئذ يكون مفاد الخبر: أن المنع عليه، مثلا، مغلوب من اللّه، فهو معذور ممتنع، و المعذور الممتنع لم يكن مشمولا للخطاب من الشارع، لعدم الإمكان فى حقه؛ فلم يتعلق به تكليف أصلا.

و ظاهر، أنه مع ذلك لم يكن مكلفا به، بالوجوب او غيره. و بهذا يتم لاستدلال، ثم بعد ذلك لا يتحقق الفوت، حتى يقال: بأنه سبب للقضاء، و يقال: بأنه مرفوع بالخبر، حتى يرد أن الأحكام الوضعيّة لا ترفع به. فالأشكال فى غير محله.

الفصل الثالث حول سقوط القضاء عن فوائت الكافر

اشارة

1- المقدمة: فى صدق فوت الصلاة بالنّسبة للكافر.

2- المقام الاول: فى تعيين مصداق الكافر فيما نحن فيه.

3- المقام الثانى: فى تحديد مسقطات الكافر.

4- المقام الثالث: فى تعيين المراد، من الإسلام المجبّ ما قبله.

5- تذنيب: فى تلخيص التحقيق حول فوائت الكافر.

1- فى صدق فوت الصلاة بالنسبة للكافر

الكلام فى سقوط القضاء عن الكافر؛ فنقول:

أنه لا ريب فى أن الكافر مطلقا، سواء كان أصليّا، أو مرتدا، أو ممن أنتحل فى الإسلام و لكن يكون كافرا بحكم الشارع، فى الحكم مشمول لعموم أدلة «وجوب القضاء على كل من فات العمل منه».

و ذلك؟ لأن موضوع الأدلة، و هو «الفوت»، موجود فيه، حيث أن العمل منه مقدور، و لو بالواسطة. فان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار، فى تعلق التكليف.

فالأدلة المثبتة للتكليف، شاملة له؛ حيث أن التحقيق، هو أن الإسلام شرط لصحة العمل، لا لتعلق التكليف. و لذا أجمع الأصحاب ظاهرا، على أن الكفار، إذا ماتوا مع كفرهم، كانوا معاقبين على الفروع؛ كما كانوا كذلك بالنسبة إلى الأصول. (1)فثبت من


1) راجع: كشف المراد فى شرح تجريد الاعتقاد، من شورات مكتبة المصطفوى بقم، من صفحة 251 إلى 254 و تأمّل فى مباحثه حول التكليف، و كون الكفّار مكلّفا، و كونهم معذبا فى الآخرة لترك التكليف. و أيضا الى الفصول الغروية فى الاصول الفقهيّة/ 427، الطبع الحجرى، للشيخ محمد حسين الأصفهاني، حيث قال: «... و لهذا صحّ قول أصحابنا بأن الكفار معاقبون على الفروع، كما أنهم معاقبون على الأصول، مع جهدهم بكثير من فروع الأحكام، فإن علمهم الإجمالى بثبوت احكام كثيرة فى هذه الشريعة كاف فى توجه التكاليف الثابتة فيها إليهم، و ان جهلوا تفاصيلها مع تمكّنهم من معرفتها. هذا كله بحسب الأصل ...»

المذكورات، صدق «الفوت» فى حق الكافر مطلقا، فالقضاء ثابتة، صادقة عليه.

لكن ورد الإجماع، بل الضرورة من المذهب، (1)بل الدين، كما قيل، (2)على سقوط القضاء منه. و ظاهر أن إطلاق «السقوط» هنا، بمعناه الحقيقى؛ لما ثبت آنفا من صدق الفوت. بخلاف إطلاقه فى الصّبي و المجنون، و أمثالهما، فأنه بخلاف ذلك، لخلاف ذلك. (3)

و الكلام فيما نحن فيه، يقع فى مقامات، [نبحثها بالتفصيل إنشاء اللّه تعالى].

2- فى تعيين مصداق الكافر فيما نحن فيه

[المقام] الأول: فى تعقر مصداق الكافر الساقط عنه القضاء، فنقول:

أن الفوت و إن كان صادقا فى جميع أقسامه، إلّا أن أدلة السقوط، لما كانت من قبيل الشهرة و الإجماع، و أمثالهما، و لم يكن لها إطلاق يأخذ به؛ يجب أخذ ما هو القدر اليقينى منه؛ و واضح أنه هو الكافر الأصلي. فيجب صرف الأدلة المذكورة إليه، لشيوع إطلاق الكافر عليه فى الأخبار، و المرتد على غيره، و المسلم على انتحل فيه؛ و إن كانا كافرين أيضا فى الحكم.

و أمّا قوله صلى اللّه عليه و آله: «الأسلام يجبّ ما قبله»، (4)و إن كان بظاهره ناطقا:

بأن الإسلام يرفع به ما يكون قبله ممن لم يكن مسلما.


1) قال فى الجواهر ج 13/ 6: «و كذا سقط القضاء بالكفر الأصلي بلا خلاف أجده فيه، بل فى المنتهى و غيره الإجماع عليه».و قال فى «مفاتيح الشرائع» للفيض الكاشانى، تحقيق السيد مهدى الرجائي ج 1/ 182: «من ترك صلاة فريضة مع استكمال شرائطها، و ... لزمه القضاء، إلّا الجمعة و العيدين، و ... اما ما فات منه فى الصغر او الجنون او الكفر الاصلى، فلا، بالضّرورة من الدين».

2) جواهر الكلام ج 13/ 6، نقلا عن مفاتيح الشرائع.

3) الظاهر، أن جملة «الخلاف ذلك» زائدة، لان لها، ليس مفهوم صحيح، فى مجموع الكلام.

4) الخصائص الكبرى ج 1/ 249 (نقلا عن الجواهر ج 13/ 6) و راجع أيضا: «القواعد الفقهيّة» ج 1/ 46- 36، الميرزا حسن البجنوردي، حيث بحث هناك هذه القاعدة بالتفصيل.

و هذا المعنى يشمل السقوط عن جميع أقسام الكافر، ممّن لم يصدق عليه الإسلام، و لو اسما. إلّا أنه لم يكن قابلا لصرف الأدلة المذكورة إليه، لما فيه.

مضافا إلى كونه نبويا، أنه مجمل بالنسبة إلى بيان أقسام الكافر، أى وارد فى بيان غير ذلك، و هو أن الإسلام كان حكمه «كذا». (1)و أنه موهون لكثرة التخصيصات الواردة عليه، و لعلّه سيجي‌ء الإشارة إلى كيفيتها بعون الملك الوهاب.

و احتمال كونه مستندا للاجماع و الشهرة، و غيرهما، على فرض تسليمه، لم يفد شيئا لذلك، لكونه مجملا بالنسبة إلى ما ذكرنا. و العملة هو الأدلة السابقة، و القدر المتيقن، هو سقوط القضاء عن الكافر الأصلي.

3- فى تحديد مسقطات الكافر

المقام الثانى: فى تحديد ما يسقط من الكافر المذكور، فنقول: الواجب حينئذ، النظر إلى الحد المشمول للأدلة المذكورة؛ و الأدلة المذكورة و إن كانت لبّية، كما ذكرنا، لكن الأخذ بإطلاق اللفظ المشتملة عليه، لازم فى مقام الإعمال؛ كما هو معروف فى معقد الإجماعات إذا كان لفظا؛ فهنا معقد الأدلة هو لفظ «سقوط القضاء»، فلنتكلم فى إطلاقه، و نقول:

قد ذهب مرارا، أن إطلاق هذا اللفظ، صادق لما يكون قابلا للسقوط، أولا. و تحققه، حتى يسقط، ثانيا. و كونه من الموقتات، حتّى يصدق السقوط، ثالثا. إذا عرفت ذلك، علمت، أن مثل الأحكام الوضعيّة كله من أروش الجنايات، و قيم المتلفات، و ما عليه من الديون الشرعية كالزكات، و الخمس (2)و أمثال ذلك؛ و كالجنابة و أمثالها. لم تسقط منه بهذه الأدلة المذكورة.

و ذلك؟ لأنها، و أمثالها، مما لم تكن قابلة «للسقوط». (3)حيث أن التحقيق و الحق.

أنها أمورات واقعيّة، و ما هذا شأنه، لم يرفع و لم يسقط أصلا من حيث القاعدة، و عدم كونها من الموقتات، حتّى يقال فيها بسقوط القضاء، و هذا ظاهر.

نعم، يمكن القول بسقوط الحجّ، لو صار فقيرا بعد تمكنه فى حال الكفر، و إن لم يكن من الموقتات الّتي تصدق عليه القضاء، لكونه من العبادات، هى لكونها مجعولة من قبل


1) فى النسخة: «كذ».

2) كتب رحمه اللّه فى ها مثل النسخة: «و فيها تأمل».

3) فى النسخة: «للسقوق».

الشارع، قابلة للسقوط؛ لأن المقام، مقام الامتنان.

فثبت بما ذكرنا «تحديد ما يسقط عن الكافر»، بالأدلة المذكورة.

4- فى تعيين المراد من الإسلام المجبّ ما قبله

المقام الثالث: فى أن المراد بالإسلام الّذي «يجبّ ما قبله» هل الأيمان الخاص؟ أو الإسلام بالمعنى الأعم؟

و تظهر الثمرة، فيما إذا صار الكافر مخالفا. فعلى الأول، لا يفيد إسلامه، لسقوط ما عليه فى حال كفره؛ و أما على الثانى، فلا.

لكن الثانى، هو الظاهر من لفظ الإسلام، حيث يطلق خصوصا فى مقابل الكفر؛ و ذلك غير مخفى على من تنظر فى أخبارهم عليهم السلام، و لا سيّما مع التأمّل. (1)

و حينئذ لو صار الكافر مخالفا، باقرار الشهادتين، يسقط عنه ما ذكرنا. و لا منافات لذلك مع عدم سقوط المذكورات، لو صار بعد ذلك مؤمنا؛ كما سيجي‌ء بيانه إنشاء اللّه تعالى. (2)

5- تذنيب فى تلخيص التحقيق حول فوائت الكافر

5- تذنيب فى تلخيص التحقيق حول فوائت الكافر (3)

قد ظهر مما ذكرنا: أن عموم أدلة وجوب القضاء، على من صدق عليه الفوت، شملت الكافر بأقسامه، و قد مرّ بيان حكم الكافر الأصلي.

و أما الكافر الغير الأصلي، أى المرتد، و إن كان مشمولا لعموم أدلة وجوب القضاء


1) و من جمله تلك الأخبار: ... عن سماعة قال: قلت لابى عبد اللّه 4: أخبرنى عن الاسلام و الإيمان أ هما مختلفان؟ فقال (ع): أن الايمان يشارك الإسلام و الإسلام لا يشارك الأيمان. فقلت: فصفهما لى، فقال: الإسلام شهادة أن لا إله الا اللّه و التصديق برسول اللّه قصص، به حقنت الدّماء و عليه جرت المناكح و المواريث، و على ظاهره جماعة الناس. و الإيمان الهدى و ما يثبت فى القلوب من صفه الاسلام و ما ظهر من العمل به، و الأيمان ارفع من الإسلام بدرجة، إن الايمان يشارك الاسلام فى الظاهر و الإسلام لا يشارك الايمان فى الباطن، و إن اجتمعا فى القول و الصفة. اصول كافى ج 2/ 21، النسخة المصححة بيد نجم الذين الآملى (حسن‌زاده) و تقديم على اكبر الغفارى. (كتاب الايمان و الكفر، باب ان الايمان يشارك الاسلام و الاسلام لا يشارك الايمان). و أيضا راجع فى المصدر نفسه الصفحات التالية: 22، 23، 24، 25، 26، 27، 42، 43، 44 و صفحات أخر.

2) لم نعثر مع الاسف- على ما اشار إليه المؤلف بقوله: «كما سيجي‌ء بيانه»، حيث فقدت اكثر آثاره بعد هجوم عملاء الطاغوت على داره، و تبعيده و سجته و قتله.

3) فى النسخة: «تذنيب» فقط.

الخ، و لكن لم يظهر كونه مشمولا لأدلة سقوط القضاء عن الكافر، بل ظهر عدمه؛ حيث أن الأدلة المذكورة، موردها الكافر الأصلي، و الموضوع فيما نحن فيه، ليس كذلك، بل هو «مسلم» بالمعنى الّذي ذكرنا آنفا، و إن كان كافرا من حيث الحكم. فهو داخل فى عداد المخالف الّذي، لم يكن كافرا من حيث الحكم فيما نحن فيه؛ فنقول:

الأدلة المذكورة سابقا، لا تدل على سقوط القضاء عنهما إذا استبصرا، لما مرّ من أن موردها، هو الكفر الأصلي؛ إلّا أنه «وردت» (1)الأخبار، فى سقوط قضاء ما فات عنهما، (2)الا الزكات. و مقتضى إطلاق تلك الأخبار، عدم الفرق فى ذلك الحكم، بين ما إذا لم يأتيا أصلا، أو أؤتيا بهما موافقا لمذهبهما، او مخالفا له.

فالتفصيل، كما عن بعض (3)فى غير محله إن كان المستند للحكم هو الأخبار، و أما إن كان الشهرة أو الإجماع، فيمكن التفصيل.

و لكن لم يظهر لنا الآن، ما يصلح للحكم المذكور، غير الأخبار الواردة فى ذلك. و الشهرة و الاجماع منقولان بالنسبة إلينا، فلم يفيدان شيئا فى المقام.

و لا يخفى أن المراد بما يسقط، هو ما حققنا سابقا، و هو الّذي يكون قابلا لذلك، بأن كان من المجهولات مع القيود الأخر، التى ذكرناها.

فان قلت: فعلى ذلك لا اختصاص باستثناء الزكات، بل هى داخلة فيما لم يسقط.

قلت: انها أيضا من مجهولات الشارع، فيصحّ استثناءه من الساقطات؛ دون ما إذا لم يكن قابلا للسقوط أصلا، بأحد الوجوه المذكورة.


1) فى النسخة: «ورت»

2) فى النسخة: «عنهما منهما»

3) راجع: الجواهر ج 13/ 9

القسم الثالث: «وجيزة فى ضمان الغاصب، المغصوب الفائت»

اشارة

«نكتة لا بدّ من معرفتها قبل الورود فى البحث»

ايها القارئ الكريم! أن الوجيزة الحاضرة الّتي ستقرئها، مسألة واحدة من كتاب او رسالة، كان قد صنّفها الشهيد «المدرس» ره حول «مسائل الغصب» فى الفقه الإسلامي. و كانت الرسالة على ثلاثة مقاصد «على الأقل)، و كل مقصد أيضا يشتمل على مسائل و فروع.

و لكن المؤسف أن اكثر اوراق هذه الرسالة القيّمة فقدت بحكم ما تحمل المصنف الشهيد قدس سرّه من اعتداوات متكررة، وجهتها الحكومة البهلوية الجائر إليه؛ حيث كانت ربيبة الاستعمار البريطانى فى ايران، ابان تلك الفترة. و بقيت من الرسالة «مسألة واحدة» فقط! و هى «المسألة الثانية من المقصد الثالث» التى تلاحظها الآن بين يديك؛ و هى مع هذا مفيدة جدّا.

(المصحح)

مباحث هذه المسألة تنحسكّ إلى:

اشارة

1- المقدمة فى عنوان المسألة 2- بحث فى صيرورة الحيوان المغصوب هزالا، ثم سمينا.

3- بحث فى إتلاف الحمل بيد الغاصب.

4- فى ضمان القيمة السوقيّة، على فرض حصول التفاوت فى يد الغاصب.

1- المقدمة فى عنوان المسألة

المسألة الثانية من المقصد الثالث: ما يظهر من عبارات القوم، صريحا و ظاهرا،

هو (1)أنهم ذكروا، أن الغاصب يكون ضامنا للفائت من المغصوب، عينا أو منفعة، أصليّا او بدليا؛ سواء كان ذلك التفويت بالكسر، أو بغيره من أقسام التفويت. و يدل على ذلك، بعد ظهور الاتفاق من الأصحاب عليه، فى الجملة؛ صحيحة أبى ولّاد، فانها ظاهرة، بل صريحة فى ضمان ما ذكر. (2)

أكثريت بغلا إلى قصر ابن هبيرة ذاهبا و جائيا بكذا و كذا، و خرجت فى طلب غريم لى، فلما صرت قرب قنطرة الكوفة، خبرت ان صاحبى توجه الى النيل، فتوجه نحو النيل، فلما اتيت النيل خبرت أنه توجه إلى بغداد، فابتعته و ظفرت به، و رجعت إلى الكوفة إلى أن قال:

فأخبرت أبا عبد اللّه عليه السلام، فقال: أرى له عليك مثل كراء البغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل، و مثل كراء البغل من النيل إلى بغداد، و مثل كراء البغل من بغداد إلى الكوفة و توفّيه إياه. قال: قلت: قد علفته بدراهم، فلى عليه علفه؟ قال: لا، لأنك غاصب. فقلت: أ رأيت لو عطب البغل أو نفق كان يلزمنى؟ قال: نعم، قيمة بغل يوم خالفته. قلت: فأن أصاب البغل كسر أو دبر أو عقر؟ فقال: عليك قيمة ما بين الصحّة و العيب يوم تردّه عليه.

قلت: فمن يعرف ذلك؟ قال: أنت و هو، إما أن يحلف هو على القيمة فتلزمك، فان ردّ اليمين عليك، فحلفت على القيمة لزمك ذلك، أو يأتى صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين اكترى، كذا و كذا، فيلزمك.

وسائل الشيعة ج 17/ 313، كتاب الغصب باب 7 أقول: شأن صدور الرواية منه عليه السلام، خصوص الدابة كما تلاحظها، فعلى هذا، إن لم يكن التعليل بإن: «... لأنك غاصب»، موجودا فيها، كان التمسك و الاستدلال بها، فيما عدا الدابة، مشكلا. و لكن ارتفع هذا الأشكال، مع هذا التعليل.

«المصحّح»

فالمسألة فى الجملة ممّا لا إشكال فيها؛ و إنما الإشكال واقع، فى موارد الثلاثة المتفرعة على المسألة:

2- بحث فى صيرورة الحيوان المغصوب هزالا ثم سمينا

[المورد] الأول: إذا صار [الحيوان] المغصوب السمن، هزالا فى يد الغاصب، ثم سمينا فى يده أيضا. و الأقوال فيه ثلاثة:

الأوّل: ضمان الغاصب تفاوت هزاله مع سمنه. و الدليل عليه، كما قال «شيخنا الأجل»، استصحاب الاشتغال.

توضيحه: أن اشتغال ذمة الغاصب بالهزال ثابت، و ارتفاعه بالسمن اللّاحق غير معلوم، فالشّك فى الرافع؛ فيحكم بالاشتغال باستصحابه.

و فيه: أن المدعى حق، و هو الحكم بالضمان فى الفرض المذكور، إلّا أنا لا تحتاج بالاستصحاب، فى مثل ذلك المورد.


1) فى النسخة: «و هو»

2) محمد بن الحسن باسناده عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبى ولّاد. قال:

و بيانه: أن ما دل على الاشتغال فى الزمن السابق، هو بعينه يدل عليه فى الزمن اللاحق، مضافا إلى عدم الفائدة، فى استصحاب الاشتغال فى مورد الاشتغال.

الثانى: عدم الضمان؛ فان الأدلة المثبتة له، منصرفة عن مثل ذلك المورد، أي غير شاملة له، لعدم الضرر، و عدم الظلم، و العرف يحكم بأن المردود مع الوصف المذكور، هو نفس المعضوب، و التدقيق العقلى، بأن ما كان زال و ما وجد، لم يكن غير ملحوظ فى الأحكام الشرعيّة. هذا ما قال «شيخنا الأستاذ».

و فيه: أن الاستدلال فى عدم الضمان بالأدلة اللفظية، بانصرافها عن المقام، و بالدليل العقلى، بعدم وجود موضوعه فيه، يكون فى محله؛ لكن الاستدلال بالعرف، فى إثبات المدعى فى المقام، لم يكن فى موردة.

و ذلك؟ لأن المدعى هو «عدم الضمان»، و لا دخل للعرف فى إثباته، لعدم كون النزاع فى مفهومه، و لا للشك فى مصاديقه.

اللهم إلا أن يقال: لما ثبت من الخارج، أن الواجب على الغاصب، ردّ العين المغصوبة، كما كانت عليه حين الغصب كما و كيفا؛ و مقتضى ذلك، أن الغاصب ضامن بهذه العين مع خصوصيّاتها، إلى أن «يردّها» (1)إلى مالكها، كما كانت عليه. و مورد البحث مشكوك، فى أنه هل يصدق ردّ العين كما كانت عليه؟ أم لا؟ و هل يشمل ذلك المفهوم، مثل ذلك المصداق أم لا؟ فيحكم بالرجوع إلى العرف. هذا غاية تصحيح الاستدلال بالعرف فى المقام.

و فيه: بشاعة ظاهرة (2)ثم يرد على أصل الاستدلال، أن انصراف أدلة الضمان، و عدم حكم العقل به، عن مورد البحث، لم يستلزم عدم الضمان، لإمكان إثباته بالدليل الآخر. و قد مرّ أنه ثابت بالاشتغال، و لم تكن معارضة بينها و بينه بوجه.

الثالث: التّفصيل بينما إذا حصل السمن اللاحق بفعل الغاصب، و عدمه؛ بعدم الضمان فى الأول دون الثانى.

أقول: هذا حسن بالاعتبار و الاستحسان، و لكن لم يكن عليه دليل يصح الاستناد به، إلا ما دلّ على أن المناط فى الضمان، هو عدم حصول الضرر على


1) فى النسخة: «ردّها»

2) «بشع» الباء و الشين و العين أصل واحد، و هو كراهة الشّي‌ء و قلّة نفوذه. قال الخليل: البشع طعم كريه فيه جفوف و مرارة كطعم الهليلج البشعة. و ... و المصدر البشع و البشاعة ...، الطعام البشيع الّذي لا يسوغ فى الحلق.معجم مقاييس اللغة ج 1/ 250، تحقيق محمد عبد السلام هارون.

«المغصوب منه»، و عدم الظلم عليه.

و فيه: أن كلاهما موجودان فى كلاهما، فالمتّبع، هو الحكم بالضمان، لأجل الاشتغال.

و لنا فى تحقيق ذلك دقة حسنة، و هى، أن مبنى الاختلاف و ملاكه، فى أن الضمان المغصوب، هل يكون ثابتا فى أول زمان الغصب إلى زمان الردّ، و بحيث يكون ضمان كل آن و زمان، أمرا مستقلا، غير زمان آخر لاحق أو سابق؟ أو يكون الضمان، أمرا واحدا، منوطا بعدم ردّ المغصوب، كما كان فى زمان الغصب؟ فعلى الأول يحكم بالضمان، لثبوته فى ذمّة الغاصب، و عدم ثبوت رافع له.

و على الثانى، يحكم بالعدم، لفرض ردّ المغصوب كما كان فى زمان الغصب. لكن المستظهر من الأدلة، النظر الدقيق، هو الأول. و كذا فحاوى كلمات القوم.

قال، «شيخنا الأستاذ أدام اللّه بقائه»: هذا كلّه إذا كان العائد مثل الذاهب. و أما لو كان مغايرا له، بدلا عنه؛ فالغاصب ضامن على قول واحد.

أقول: إن ثبت إجماع على ذلك فنعم الوفاق، و إلّا فالتفصيل لا دليل عليه.

فالكلام فيه، هو الكلام فيما إذا كان العائد مثل الذاهب، فليتأمّل.

3- بحث فى إتلاف الحمل بيد الغاصب

المورد الثانى: ما إذا أتلف الغاصب، الحمل و أمثاله. و الأقوال هنا أربعة:

1- الأول ضمان الحمل فقط.

2- الثانى، ضمان الأرش، بتقويم الحائل حاملا مجهّضا.

3- الأكثر منهما.

4- ضمانهما معا، و هذا هو الصواب، و الأدلة القائمة على غيره، أمور موهومة، غير قابلة للذكر، فلنقتصر فى إثبات الحق و نقول:

أن هذا، مقتضى قاعدة الضمان و التلف، (1)لأن الغاصب فى الفرض المذكور، أتلف أمرين، مع إثبات يده عليهما، من غير الإذن؛ يوجب ضمانهما؛ و التداخل احتمال بعيد لم يعلم وجه له، مع إنه كليّته ممنوع، فإن فى المقام تلف «وصف» و «عين»، و كانا معا متعلقين للغرض. و فقد انهما ضرر على المالك؛ و تدارك أحدهما لم يتدارك الآخر. هذا مع


1) راجع: آية اللّه الميرزا حسن البجنوردي: «القواعد الفقهيّة» ج 2/ 39- 4؛ تحرير المجلة ج 1/ 69، محمد حسين آل كاشف الغطاء.

احتمال التمسك بهما، ربما يستظهر من أن الغاصب، يؤخذ بأشدّ الأحوال، و إن كان شموله لمثل ذلك قابلا للمنع.

و بالجملة: هذا القول فى غاية المتانة، غير مخالف للأدلة؛ فيكون هو المتبع.

و قد نسب إلى العلامة، فيما إذا تلف الحمل فى يد الغاصب، تفصيل، لا بأس بذكره فى المقام و هو أن الحمل، إما أن يسقط ميتا، أو حيّا.

و على الأول، يضمن الغاصب، تفاوت قيمة الحائل حاملا و مجهضا؛ لا الحمل. لأن الفرض عدم سببيّة الغاصب للاسقاط و تفويته، و لم يكن الحمل الميّت مقوّما؛ فلم يتعلق بالنسبة إليه ضمان على الغاصب. و على الثانى، يتصور أمور:

1- الأول: أن يكون التفاوت أكثر من قيمة الحمل.

2- الثانى: بالعكس [الأوّل].

و على الثانى يؤخذ القيمتين. و كذا على الأول. قال، «شيخنا الأستاذ» (1): هذا التفصيل حسن، إلّا قوله، «بأخذ القيمتين» فيما إذا كان التفاوت. أكثر من قيمة الحمل.

للزوم تعدد الغرامة مع كون المغرم واحدا. توضيح ذلك: أن قيمة الحمل على الفرض المذكور، داخلة فى التفاوت، فأخذ التفاوت مع قيمة الحمل، يوجب المحذور المذكور. و التحقيق كما قال، هو أخذ التفاوت مع قيمة الحمل، باستثناء قيمة الحمل من التفاوت.

هذا آخر كلام، العلامة. أقول:

ما ذكره من المحذور ممنوع، لأن التفاوت بين «الحائل» و «الحامل»، إنما يكون باعتبار الوصف من حيث هو؛ من غير ملاحظة عين الحمل، فلم يكن الحمل داخلا فيه.

و يوضع ذلك فيما إذا قطع صوف الحيوان، أو دبره، أو شعره، مع إتلافها بعد ذلك. فان القول بالضمانين هنا، ممّا لا إشكال فيه، و إن كان التفاوت أكثر من قيمة العين.

و على فرض تسليم ذلك، ما حقق شيخنا الأجل فى آخر كلامه، من أخذهما معا، و إخراج قيمة الحمل، ممّا لا ثمرة له، و ليس إلّا الأخذ بالتفاوت.

فالتعبير بأخذهما مع إخراجها، لا يخلو عن الخرازة. ثم أصل المدعى ممنوع أيضا، لما ذكرنا من أن الحق فى المقام مطلقا، هو الأخذ بالتفاوت و قيمة العين معا، لثبوت الضمانين بفقدان الأمرين: «الوصف» و «العين».


1) الظاهر أن مراده ره استاذه الفقيه العلّامة «الشيخ مرتضى ريزى» قدس سرّه.

4- فى ضمان القيمة السوقيّة على فرض حصول التفاوت فى يد الغاصب

الأمر الثالث: الإشكال واقع فى ضمان «القيمة السوقية»، إذا تفاوتت مع كون المغصوب فى يد الغاصب؛ و أختلف فى ذلك على القولين:

الأول: للمشهور، و هو عدم الضمان.

و الثانى: لغيره [أى لغير المشهور]، و هو الضمان. و أستدل للاول بوجوه:

1- الأول، أن العين المغصوبة، لم تتفاوت بالنقص و الكسر، و أمثالهما. و الاختلاف فى قيمتها، حصلت لاختلاف رغبات الناس فى زمان الغصب، و ذلك خارج من المغصوب، لم يصر سببا لتعلق ضمان على الغاصب؛ زائدا من المغصوب حين الغصب.

2- الثانى، أن ضمان القيمة، إنما يكون فيما إذا كان ردّ العين متعذرا، و قد قلنا: أنه معلق على فقدان العين، و فيما نحن فيه، يكون العين موجودة؛ و على فرض فقدانه، لم تصر قيما، بل مثليا.

3- الثالث، أنه مستلزم للجمع بين العوض و المعوّض.

4- الرّابع، حصول غاية قاعدة اليد، و هى الأداء؛ فيرفع الضمان الثابت باليد. هذا كلّه، مضافا إلى عدم مجي‌ء ما يدل على الضمان فى هذا المقام، و أمثاله.

و القول الأخر قد نسب إلى «صاحب الرياض» قائلا او ناقلا، و إلى بعض آخر، و استدلال عليه بوجوه:

1- الأول: «قاعدة لا ضرر» (1)

2- الثانى: «حكم العقل»، حيث يلزم من عدم ضمان التفاوت، ظلم على المغصوب عنه.

3- الثالث: بناء العقلاء على عدم الاكتفاء، بردّ العين فى مثل المقام.

و أورد على الأول، أوّلا: بعدم الضرر فى المقام، بل غايته عدم النفع. و ثانيا: منع جريان القاعدة، فى غير ما يتعلق بأعيان الأموال و الأنفس.

و [أجيب] عن الثانى، أوّلا: بعدم موضوعه. و ثانيا، لو سلمنا وجود الموضوع، نقول: غاية ما ثبت بالعقل هو «القبح»، و ذلك لا يستلزم الضمان. و [أجيب] عن الثالث، بمنعه أولا، و بأن بنائهم إنما يكون حجة، لو لم يثبت الردع من الشارع، و هو موجود، لما ذكر من الأدلة القائمة للوجه الأول.


1) راجع: الميرزا حسن البجنوردي: «القواعد الفقهيّة» ج 1/ 176.

قال «شيخنا الأجل»: و التحقيق؛ أن يقال بالضمان مع ذهاب الماليّة كلّا، و عدمه مع عدمه.

و فيه: أن ذلك التفصيل، مما لم يدل عليه دليل من عقل او نقل: فإن تمسك «بقاعدة الضرر»، نقول، بجريانها فى القسمين. و الصواب أن يقال: إن ثبت الإجماع على عدم الضمان، فهو المعين؛ و إلّا فمقتضى قاعدة الضرر، هو الضمان. و القول بأن المقام، من قبيل «عدم النفع» ليس إلّا مجرّد الاختلاف فى التعبير، حيث أن تشخيص موضوع الضرر بيد العرف، لا ريب أنهم أطلقوا الضرر فى مثل المقام.

ثم أعلم: أنه لا خلاف و «لا ارتياب» (1)فى أن العين المغصوبة، مضمونة على الغاصب مع بقائها؛ لمعنى وجوب ردّها على الغاصب.

و أما مع تلفها فى يدها؟ فالمضمون هو المثل، إن كانت مثليا، ثم القيمة إن لم تكن مثليّا. و المثل و القيمى تعاريف كثيرة، قابلة للنقض و الإبرام، و ليس هنا مقام التفصيل. (2)و الأقرب فى النظر، هو تشخيص الموضوعين بالعرف. فالمثلى ما يكون معا ملتهم عليه بالمثل؛ و القيمى ما يكون معاملتهم عليه بالقيمة.

فكيف كان، يمكن المناقشة: أن تعذر العين، لم يوجب التبديل إلى المثل، أوّلا؛ [ثم إلى القيمة ثانيا]، (3)فما الوجه فى ذلك؟ و يمكن تصحيحه بوجوه:

الأول: «الاشتغال». توضيح ذلك، هو أن الاشتغال اليقينى ثابت، فتجب البراءة اليقينيّة، و هى لا تحصل إلا باتيان المثل مع إمكانه، دون القيمة مع الإمكان المذكور.

و ببيان آخر: مراتب الاشتغال أربع:

1- الأول: «الامتثال بالعلم التفصيلى».

2- الثانى: «بالعلم الإجمالي».

3- الثالث: «الظن»، [أى الامتثال بالظن].

4- الرابع: «الاحتمالي» [أى بالعلم الاحتمالي].


1) فى النسخة: «و لا إتياب».

2) من بعض هذه التعاريف ما قيل: 1 المثلي ما يتساوى أجزائه من حيث القيمة، و القيمى ما لم يتساو أجزائه من حيث القيمة كالثوب و الأراضى.2 المثلى ما تماثلت أجزائه و تقاربت صفاته 3 المثلى هو المتساوى الأجزاء و المنفعة المتقارب الصفات 4 المثلي ما تساوى أجزائه فى الحقيقة النوعيّة 5 و عن بعض العامة أن المثلى ما قدّر بالوزن و الكيل و ... ربئ: كتاب المكاسب للشيخ الأنصارى/ 106/ 105، الطبع الحجرى بخطّ طاهر خوشنويس.

3) فى النسخة: «ثم إلى القيمة لم لم تبدل أوّلا إلى القيمة».

و الأوّل غير ممكن فى الفرض. و الثانى يحصل بردّ المثل و القيمة معا، و هو خلاف الاجماع، و موجب للضرر و الظلم؛ فلا بد من الثالث مع إمكانه. و هو ممكن فى المقام.

حيث أن ردّ المثل و تقدّمه على القيمة معا، ترجيح مع المرجح، و هو أن المثل أقرب إلى العين مع تعذرها، فهو المعين دون القيمة. هذا كله، مع إمكان المناقشة، بعدم الاشتغال اليقينى أولا بالنسبة إلى العين، حتى يتبدل إلى المثل، أو القيمة.

و ذلك؟ لأن اشتغال الذمة إنما يكون بالنسبة إلى أمر كلى، و ليست العين كذلك؛ و بل ليس مع وجودها إلا حكم تكليفى، و هو وجوب ردّها إلى المغصوب منه. هذا الكلام ما أستفيد من الشيخ الأستاذ.

و فيه: أن منع الاشتغال بالنسبة إلى العين، مما لم يكن قابلا للقبول؛ فان الاشتغال غير التعلق بالذمة، مع أن اشتغال كل شي‌ء بحسبه، فاشتغال العين المعيّنة، هو ما ذكره من «وجوب ردّها على مالكها».

و كيف كان، فاشتغال اليقينى ثابت، و لا يرفع إلا بردّ المثل مع إمكانه، بعد فقدان العين. و لإثبات المدعى وجوه آخر استحسانيّا، [تذكرها عطفا على الوجه الأول]:

[الثانى] و منها: «قاعدة الميسور».

[الثالث منها]: ان المقصود و المطلوب من المالك هو نسبته الماليّة إلى ملكه، لا الخصوصيّة، و الماليّة تحصل فى المثل.

و امثال ذلك كثيرة لا تثبت المطلوب. فالإجماع إن ثبت، فنعم الوفاق؛ و إلّا فالدليل هو الآيات الثلاثة، و هى قوله تعالى:

1- «وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئٰاتِ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهٰا وَ ...» (1)

2- «فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ». (2)

3- «وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ» (3)

هذا كما ذكره الأستاذ. و أما وجوب القيمة فى القيمى، فيدل عليه أمور:

الأول: «طائفة من الأخبار»:


1) سورة يونس/ 27، و مثله أيضا فى الكتاب العزيز: «ممن جاء بالسيّئة فلا يجزى إلّا مثلها و هم لا يظلمون» سورۀ الأنعام/ 60

2) سورة البقرة/ 194

3) سورة النحل/ 126

منها صحيحة أبي ولّاد (1)و ما يدل على ردّ قيمة المأكول من الملغاة فى الطريق؛ و النبوي الدال على ذلك أيضا، و أمثال ذلك ممّا هو مذكور فى مقامه.

و أجيب عن ذلك: أن هذا لا يثبت الكلية، بل مثبت للحكم فى الموارد الخاصة.

الثانى: تعذّر المثل و العسرة»، فتجب القيمة.

و فيه: أن ذلك لعله لأجل تبدل المثل لتعذره إلى القيمة، لا لأجل اشتغال الذمة بالقيمة، من أول الأمر.

الثالث: «الانسداد الصغير و مقدماتها»، كما قيل، موجودة فى المقام، و هى انسداد باب العلم تفصيلا، لتشخيص أن الواجب، هل ردّ القيمة من أول الأمر؟ أم لا؟ و عدم إمكان الاحتياط بردّ القيمة و المثل معا؛ و البراءة بعدم ردّهما معا، لكونهما خلافا للإجماع، و عدم جواز الرجوع إلى التخيير و القرعة، لكونهما مخالفين للأصل.

أما الأول؟ فلان مجراه فى المساويين، و عدم المرجح، و لو احتمالا، و هو هنا موجود بالنسبة إلى القيمة.

و الثانى؟ فلعدم ثبوت مجيئه، بحيث يمكن التمسك به فى مثل المقام.

و بعد ذلك، يجب الأخذ «بالامتثال الظنى»، و هو يحصل بملاحظة الفتاوى و الإجماعات المنقولة بردّ القيمة.

قال «شيخنا الأستاذ»: قد ورد ما يدل على ردّ المثلى فى القيمى، كردّ «القصعة» و «المأكول» و أمثال ذلك.

أقول: نمنع كون مثل ذلك من القيمى، بل من المثلى، لما حققنا فى مقامه: أن المناط فيهما هو معاملة العرف؛ و لا ريب أن مثل «القصعة» فى نظرهم من المثلى لا القيمى. فانهم.

قال شيخنا الأجل: الوجوه المستدلة بها لإثبات وجوب ردّ القيمة فى القيمى، لم تكن تماما على الإطلاق. و أما الأخبار؟ فلأن مواردها هى الجزئيات، و على فرض وجود عموم، أو إطلاق فيها، لم يثبت المطلوب أيضا. حيث أنه لم يثبت المثلى و القيمى المصطلحان فعلا، فى زمان الشارع؛ و أمثاله حتى تحمل الأخبار عليه.

قلت: نمنع وجود اصطلاح خاص بالنسبة إليهما فعلا، بل هما بمعناها العرفيّة. و قد قلنا: أن المناط فيهما هو معاملة العرف؛ فهذا الكلام فى غير محله.

و أما دليل انسداد المذكور؟ فلأن الترجيح بالتفاوى و الإجماعات المنقولة جانب


1) وسائل الشيعة ج 17/ 313، كتاب الغصب، باب 7.

القيمى، إنما يكون إذا لم يكن لذلك معارض؛ و هو هنا موجود؛ و هو الآيات الثلاثة الدالة على وجوب ردّ المثل مطلقا.

القسم الرّابع: «وجيزة فى بعض مسائل العدة»

اشارة

1- لو اختلف الزّوجين فى الرّجوع؟

مسألة: لو اختلف الزوج و الزوجة فى الرجوع، فقال الزوج: أنه [وقع] العدة؛ و قالت الزوجة: أنه وقع بعد العدّة.

فقد يقال: أنه لا اصل فى البين، لأن أصالة عدم وقوعه بعدها، معارضة بأصالة عدم وقوعه فيها، فكل منهما مدعى من وجه و منكر من وجه؛ فالقاعدة التّحالف، و كون كل واحد منهما باقيا على ما كان. و هذا أحد موارد الّذي تعلم فيه مخالفة العلم التفصيلى، لارتفاع الرجوع المجمع عليه بينهما.

و قيل: أن الأصل مع الزوج، حيث يدعى وقوع الرجوع فى العدة؛ فهو يدعى صحة الرجوع، و الزوجة تدعى فساده، فالأصل مع الزوج، فهو منكر.

و فيه: أوّلا أن جريان الأصل المذكور انما هو مع قابليّة المحل، و بعد احراز القابلية، و هى هنا مشكوكة، حيث لم يتحقق هاهنا أن هذا الرجوع هل يكون قابلا و صالحا لرفع البينونة أم لا؟

و ثانيا، أن مورد المسام من هذا الأصل هو بالنسبة إلى فعل المكلف نفسه، لا بالنسبة إلى ترتيب آثار فعل الغير. لأن الأدلة اللفظية لهذا لاصل سنة و كتابا، مثل قوله عليه السلام: «ضع أمر أخيك على أحسنه» (1)و أمثاله، أنما هو بالنسبة إلى الأحكام التكليفيّة، كالوجوب و الحرمة، و أمثالهما، كل بحسب مورده. و ما استدل به للصحة


1) .... عن أبى عبد اللّه (ع)، قال: قال أمير المؤمنين ع فى كلام له: ضع أمر أخيك على أحسنه، حتى يأتيك ما يغلبك منه، و لا تظننّ بكلمة خرجت من أخيك سوء، و أنت تجد لها فى الخير محملا.وسائل الشيعة ج 18/ 614 (كتاب الحجّ، أبواب العشرة، باب 161، حديث 3.)

الوضعيّة، اى الصحة و الفساد، بمعنى ترتيب الأثر، أمران:

الأول: «السيرة»، و هو دليل لبّى، فالقدر المتيقّن منها هو بالنسبة إلى فعل المكلف نفسه، لا بالنسبة إلى ترتيب الأثر فى فعل الغير.

الثّاني: «الإجماع»، و قد حكى عن صاحب الرسائل منعه؛ و الحق خلافه، حيث أنهم يتمسكون فى مثل المقام بالأصل المذكور؛ كما لا يخفى على من تتبع أبواب المتاجر مظان ذلك الأصل. فانهم و استقم رأيك.

ملخص الكلام: أن للأصل المذكور هنا، إيرادين:

الأول: أن الشكّ هنا فى قابليّة الرجوع، و لا يثبت بالأصل الّا صحة التأهل و هو لا يفيد شيئا.

الثانى: أن مورده بالنسبة إلى فعل المكلف، لا فى ترتيب الأثر على فعل الغير، كما هو المطلوب هنا.

و أجيب: عن الاول، أوّلا، بتمامية الأصل المذكور مع الشكّ فى القابليّة أيضا، بأن يكون الشك فى اجزاء الرجوع مثلا، لما مرّ أن دليله الإجماع، و هو جار هنا أيضا. و ثانيا، أن ما نحن فيه ليس من قبيل ذلك، بل من قبيل الشك فى شرطه، الّذي هو وقوعه قبل انقضاء العدّة.

و [أجيب] عن الثّاني: أيضا، بأن دليله، كما مرّ آنفا، هو الإجماع، و هو جار مطلقا.

و قد يقال بالنقض بالمتبايعين، حيث أن إجراء اصل الصحة فى فعل أحدهما يترتب عليه أثر فعل الغير.

و أجيب: بأن الأمر كذل إذا كان الفعل بين اثنين، و ما نحن فيه يكون الفعل الّذي هو الرجوع للواحد، و هو الزوج.

و فيه: أن الحق ليس لذلك، بل لما مرّ من جريان الإجماع مطلقا. و قد يعارض ذلك الاصل، باستصحاب البينونة.

و فيه: أن اصالة الصحة، أصلا كانت او أمارة، مقدمة على الاستصحاب، اصلا كان او أمارة، كما أن الاستصحاب اصلا كان او أمارة، مقدم على سائر الأصول؛ لما قرّر فى الأصول مفصلا. فثبت تماميّة اصالة الصحة، لكان الاصل مع الزوج، فيقدم قوله مع يمينه.

و قد قيل: أن هاهنا أصلين آخرين:

1. احدهما: أن الرجوع فعل و عمل للزوج، و ليس لغيره فيه طريق، فلا يعلم إلّا من قبله، فاذا قال، يصدّق.

و فيه: على فرض تمامية تلك القاعدة، أن مورده هو الأمور الخفيّة القلبية، و ليس الرّجوع كذلك، حيث أنه اما فعل او قول، و كلاهما من الأمور الظاهرة الّتي للغير طريق إليه.

2. الثّاني: استصحاب الزوجية التى كانت فى زمان العدّة؛ حيث أن المطلقة الرجعية زوجة.

و فيه: مضافا إلى معارضة باستصحاب البينونة، أن وقوع الرجوع بعد العدّة لا يثبت به إلّا بالأصل المثبت، و حاله واضح.

فالحق فى المقام، هو اصالة الصحة، لكن هى محكومة بقوله تعالى: هنّ مصدّقات (1)، حيث أنه أمارة، و هى مقدمة على الأصل.

فثبت أن الأصل مع الزوجة، فهذا هو القول الثالث الموافق مع التحقيق فتأمل جيدا.

2- تعارض البيّنة مع قول النساء.

مسألة: لو تعارضت البيّنة مع قول من يعتبر قوله كإخبار النساء بحيضهنّ، و بما يكون عند هن من الأمور مخفيّة، و مثل إخبار ذى اليد بالطهارة و النجاسة و امثالهما؛ فأن بينهما عموما من وجه؛ فهل تقدم البيّنة أو القول المذكور؟

بناء الأصحاب فى مثل المقام على الاوّل، و لم يعلم وجهه من حيث القاعدة، و اىّ مرجع يقتضي ذلك؟

و قيل: يحتمل ان يقال: أن دليل البيّنة مفادها مفاد الأمارة، و الدليل على قول من يعتبر قوله، مفادها مفاد الأصل، بمعنى أن المفهوم من الأول هو الأمارة، و من الثانى الأصل.

و فيه: أن ذلك ادعاء لا يعم وجهه فانهما بيان أىّ شي‌ء يكونان؟

و قيل: باقوائيّة البيّنة من حيث هى، لأن اعتبارها من الضروريات.

و فيه: يختصّ الكلام بمورد يكون اعتبار القول للذكور يقينا، كاخبار المرأة بحيضها، و امثال ذلك. و بالجملة لم يعلم عليّ وجه ذلك إلى الآن!


1) لم نعثر على آية فى القرآن بهذا المضمون، يمكن أن يكون إشارة إلى أن النساء مصدقات فى اشرع، فيما يختصّ بهن، كشهادتهن بمواقع شروع الدماء الثلاثة و انقطاعها، و امثال ذلك.