کتاب البیع

ghaemiyeh.com

اشارة

‌سرشناسه : حجت كوه‌كمره‌يي، محمد، ۱۲۷۱ - ۱۳۳۱.

عنوان و نام پديدآور : ... البيع / تقرير بحث محمد الحجه الكوه‌كمري؛ مع تعليقات هامه و رساله حجيه الشهره ابي‌طالب التجليل التبريزي.

مشخصات نشر : [قم]: جماعه المدرسين بقم، موسسه النشر الاسلامي، ۱۴۰۹ق. = ۱۳۶۸.

مشخصات ظاهري : [۴۸۸]ص.

فروست : جامعه مدرسين حوزه علميه قم. دفتر انتشارات اسلامي؛ ۴۷۸.

شابك : ۱۸۵۰ريال ؛ ۱۸۵۰ ريال (چاپ دوم)

يادداشت : بهمراه كتاب حاضر "رساله حجيه الشهره" بين قدما، اصحابنا في الفتاوي الفقيه الحائره لشروط خمسه تاليف ابي‌طالب التجليل التبريزي است.

يادداشت : چاپ دوم: ۱۴۰۹ق. = ۱۳۶۸.

عنوان ديگر : رساله حجيه الشهره.

موضوع : معاملات اموال شخصي و منقول (فقه)

شناسه افزوده : تجليل تبريزي، ابوطالب، ۱۳۰۵ - . رساله حجيه الشهره

شناسه افزوده : جامعه مدرسين حوزه علميه قم. دفترانتشارات اسلامي

رده بندي كنگره : BP۱۹۰/۱/ح‌۳ب‌۹ ۱۳۶۸

رده بندي ديويي : ۲۹۷/۳۷۲

شماره كتابشناسي ملي : م‌۶۸-۳۵۹۷

[متن كتاب البيع]

اشارة

صورة ما كتبه «ره» على ما قرّره المؤلف في الصلاة من ابحاثه طبعناه ههنا للتيمّن بخطه الشريف

بِسْمِ اللّه الرّحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّدنا محمد و آله الطيبين الطاهرين، و بعد، فيقول العبد الفقير إلى ربّه الغنيّ أبو طالب بن علي أكبر التجليل التبريزيّ، عفى اللّه عن جرائمهما: انى اكرر الحمد للّه على ما وفقني، مع اني غير حريّ لأن يبلغني التوفيق لتلقى ما أفاده أستاذنا العلامة، قائد العلم و الفضل، و امام النبوغ و الكمال، بدر سماء العلم، و مشكاة هدايته، القمر المنير، و الزعيم الكبير، من أنار العلم ببرهانه، و أقام قائمة الدين بمهجته، كنز المعارف الشرعيّة و قطب رحى الشريعة، آية اللّه الكبرى، الحبر المؤيّد، و السيّد السند، السيّد محمد الحجّة، أعلى اللّه مقامه، و جزاه عن العلم و الدين خير جزائه. و هو طاب مثواه قد أفجع القلوب برحلته و أيتم العلم بفقده. فوفدت إلى رضوان اللّه و بحبوحة جنانه و صحبة أوليائه، أيّها الأستاذ العظيم. و إليك معذرتي من قصوري فيما أهدى إليك و قلّة باعي عمّا يؤدّى حقّك.

و يشتمل كتابنا هذا على فصول

الفصل الأوّل في المباحث الراجعة إلى لفظ البيع

المبحث الأوّل في تعريف البيع و بيان حقيقته

اشارة

فنقول: إنّ البيع لما كان من الأمور الاعتباريّة. و الاعتباريّ هو الذي لا حقيقة له، فلا يمكن تعريفه بالتعريف الحقيقيّ، (1)

فمن الحرى ان نتعرض إجمالا لحقيقة الاعتبار و منشأ حدوثها، لما يترتب عليه من الفوائد العظيمة.فنقول و من اللّه الاستعانة: ان الإنسان بما انه جبلت في طبيعته الانس و الاجتماع مفتقر بالذات الى المعيشة الاجتماعية، و قد أحس بمقتضى ما أعطاه اللّه تعالى من الموهبة الكبرى اعنى العقل: ان نظم الاجتماع يحتاج إلى سلسلة أمور تخيلية في قبال الحقائق الخارجية لا يجتمع شمل الاجتماع من دونها، فتخيلها موجودة كالحقائق الخارجية، فحصل له في صقع تخيّله عالم وراء عالم الحقائق و هو عالم الاعتباريات فأسس بنيان الاجتماع على ركنين، ثانيهما سلسلة الأمور الاعتبارية، و هي الأمور التي تخيلها الإنسان موجودة في الخارج بعد ما لم يكن لها عين و لا أثر في صفحة الوجود، قد التزم باعتبارها موجودة و ترتيب آثار الوجود عليها.

و لما كان طريق الإنسان إلى التخيل هو الإدراكات الحسية، و ليس له الى التصورات سبيل غيرها كانت الصور المتخيلة هي الصور المدركة بالحواس، و ان اقتدرت النفس بخلاقيّتها على تركيبها كيفما تشاء، و التخيّل هو التصرّف في تركيب تلك الصور و إثبات الصورة لغير ما هي له.

فتكون حقيقة الاعتبار: إثبات صورة شي‌ء لغير ما هي له في الواقع بالفرض و التخيل.

و المراد من الصورة مطلق العارض على أمر، فيشمل جميع العوارض التي يتلقاها الذهن عارضة على الشي‌ء حتى الوجود، فإنّه و ان كان بحسب الخارج غير مغاير مع الماهية الّا انّه بحسب الذهن أمر يغاير الماهية عرض عليها بعد ما كانت متقوّمة بنفسها فهذا الوجود الثابت لماهيات حقيقية قد يتخيّله الذهن ثابتا لغير ما ثبت له، بل قد يتخيّله ثابتا لما يستحيل ثبوته له حقيقة كالكليّ، فإنّ وجوده في الخارج واجدا لوصف الكليّة غير آب عن الصدق على كثيرين بديهي الاستحالة، و مع ذلك كان من شأن الخيال ان يعطيه الوجود الخارجي مع حفظ وصف الكليّة له، كالفقير الكليّ يعتبره موجودا ثمّ يملكه و يعطيه ما هو من شؤون الموجود، و المال الكلىّ ككلىّ الحنطة و غيرها، ربما يعتبره موجودا و يرتّب عليه الآثار كبيع كليّ الحنطة و غيرها. و يهمنا إلحاق البحث في مقامين، بل التعرض لما ذكرنا كان مقدمة للبحث فيهما «الأول» طريق تعريف الأمور الاعتبارية و استنباط المعرف لها «الثاني» طريق اقامة الحجة و البرهان عليها، و يحتاج التحقيق فيهما الى تقديم مقدمتين.

«الاولى» انه قد علم مما ذكرنا أن الاعتباري مع انه أمر خارج عن دائرة الحقيقة يقوم على أركان حقيقيّة خارجيّة، (الأول) ما تلبس بالصورة المتخيّلة حقيقة، و ثبت له تلك الصورة واقعا (الثاني) ما اعتبر حصول تلك الصورة له، و تخيل ثبوتها في حقه، و ان كان وجوده أيضا ربما بكون اعتباريا غير ثابت في الخارج قد اعطى له الوجود بحسب الاعتبار، كاعتبار الملكية لكلي المالك أو لكلي المملوك (الثالث) نفس الاعتبار اعنى لحاظ تلك الصورة ثابتة لغير ما ثبت له في الحقيقة، و اللحاظ من أفعال النفس موجود حقيقة في الخارج لا يتطرق اليه شك و لا ارتياب.

«المقدمة الثانية» ان اللحاظ هو رؤية النفس لما في الخارج حقيقة في العلم و توهما في الخيال، في مرآة الذهن، فان علم النفس- ما عدا علمه لنفسها- ليس حضوريا بلا واسطة، لعدم إمكان تطرق النفس الى الخارجيات، في قالب البدن من دون واسطة، بل الملحوظ للنفس حقيقة هي الصور الحاصلة في الذهن لكنّها مرآتات الى الخارجيات، و المرآة بما هي مرآة عين المرئي، لاستحالة حكاية الشي‌ء، عن الشي‌ء، المغاير له، بل الرائي حين رؤيته للشي‌ء غافل عن نفس المرآة، بل هي فانية في المرئي غير منظورة باستقلالها للرائى، و ان كان المرئي بالذات هو نفس المرآة و تعلق الرؤية بالمرئى و وقوع النظر عليه في مرحلة وحدته مع المرآة، و اما في مرحلة التعدد أعني إذا لوحظ ان المرئي له وجود في الخارج في قبال وجود الصورة الذهنية القائمة بالنفس فغير مرئي للنفس.

و من هنا يحصل الفرق بين العلم و الخيال بعد اشتراكهما في وحدة المرئي مع المرآة في مرحلة أن للمرئى بالعلم وجودا في الخارج يغاير وجود المرأة اعنى الصورة الذهنية و له حقيقة تباين حقيقة تلك الصورة، بخلاف المرئي بالخيال فإنه ليس له وجود يغاير وجود الصورة الذهنية يكون ذا حقيقة تباين حقيقة الصورة المذكورة، بل وجوده بطفيل وحدته مع الصورة، و تحليه بحلية الوجود بتبع وجودها، فالمرئى بالخيال فاقد للحقيقة في قبال حقيقة الصورة الذهنية و واجد لها بعين حقيقة الصورة الذهنية المذكورة.

و قد تبين مما ذكران حقيقة المرئي بالخيال هي حقيقة المرآة فإن وجوده في الخارج لا يفترق وجود المرآة ابدا بخلاف حقيقة المرئي بالعلم فان حقيقته تتبدل بتبدل المرحلتين. فحقيقتها في مرحلة الوحدة مع المرآة عين حقيقة المرآة، و في مرحلة تباينه مع المرآة، له حقيقة تباين حقيقة المرآة.

إذا عرفت ذلك فلنذكر الكلام في مرحلتين. قد تبين لك مما ذكرنا أن المرئي بالخيال واجد للخارجية و الحقيقة، و ان حقيقتها الغير المتبدلة هي عين حقيقة الخيال، فان خارجيته تنحصر في مرحلة واحدة، و هي مرحلة وحدته مع الخيال، فكانت حقيقة الخيال حقيقة ثابتة للمتخيل. و قد عرفت ان المرئي بالعلم له مرحلتان مختلفتان، يتحد في إحداهما مع العلم و يغايره في الأخرى، و المرئي بالخيال له مرحلة واحدة و هي مرحلة وحدته مع الخيال فهو ذو حقيقة ثابتة غير متبدلة و هي عين حقيقة الخيال.

و من هنا يتبين أن الاعتباري غير فاقد للحقيقة بل له حقيقة هي عين حقيقة الاعتبار الذي هو التخيل، و التخيل من الصفات النفسانية الحقيقية له ما بحذاء في الخارج. نعم ليس الاعتباري واجدا لحقيقة مباينة لحقيقة الاعتبار، بل هو و الاعتبار حقيقة واحدة توجد في النفس، فالاعتبارى و ان كان فاقدا للحقيقة في قبال الاعتبار الا انه لا يأبى عن كونه واجدا للحقيقة و ان كانت حقيقته نفس حقيقة الاعتبار، و من هنا تحصل الخدشة في كلام الأستاذ- قد.

«ثم» ان طريق استكشاف حقيقة الاعتباريات هو لحاظ الصورة المعتبرة الثابتة للمعتبر عنه حقيقة ثم تسريته الى المعتبر له، و بعبارة أخرى لحاظ تلك الصورة مسندة إلى المعتبر له.

فإذا أردت كشف حقيقة الرئاسة مثلا فلا حظ الرأس في البدن ثم أثبته لزيد بالنسبة إلى قومه.

من المعلوم، ان المستعمل لكشف الحقائق في العلوم الحقيقية هو البرهان، لانه هو القياس الذي يفيد العلم و اليقين. و قد ذهب بعض المحققين الى ان البرهان لا يجري في العلوم الاعتبارية، و انها تفارق العلوم الحقيقية في كيفية الاستدلال. و هو و ان منع عن جريان البرهان فقط فيها، الا ان مناط المنع الذي اعتمد عليه فيه، موجود في بقية أنحاء الاستدلال، من الاستقراء و التمثيل و بقية أقسام القياس من الجدل و المغالطة و الخطابة و الشعر.

و توضيح المناط فيه: ان البرهان يفيد اليقين بالواقعيات، و الاعتباري فاقد للحقيقة رأسا، فكيف يقع في حيز البرهان و يستدل عليه بما يفيد العلم و اليقين بالواقعيات، مع ان العلم بواقعية شي‌ء فرع واقعيته في نفس الأمر، و بعبارة أوضح لا يراد من الاستدلال على الاعتباريات إثبات الوجود الحقيقي لها بل إثبات الوجود الاعتباري الذي يباين لسنخ الوجود الخارجي، و البرهان لا يفيد إلا إثبات الوجود الخارجي، و كذا الاستدلالات النافية في الاعتباريات لا يراد منها الا نفى ذلك الوجود الاعتباري، فلا يستعمل فيها البرهان النافي، فإنه يفيد نفى الوجود الخارجي دون الوجود الاعتباري.

و منه ينقدح وجه عدم جريان غير القياس من سائر أقسام الحجة المستعملة في الأمور الحقيقية اعنى الاستقراء و التشبيه، فان الفارق بينهما و بين القياس ان القياس بصورته يفيد اليقين بالنتيجة، و هما لا يفيدان بصورتهما الا الظن بحصول النتيجة في الواقع، فهما يشركان القياس في حصر انتاجهما للواقعيات و ان كان ظنا.

و كذا غير البرهان من صناعات القياس، فإنها أيضا لا تجري في الاعتباريات. اما الجدل، و المغالطة، و الخطابة، فلأنها جميعا لإثبات نتائجهم في الواقع، و تفيد الاعتقاد بحصولها في الخارج، و ان كان يختص كل منها بقسم من المبادي.

أما الشعر فهو و ان كان لتوهم جريانه في الاعتباريات بل اختصاصه بها مجال واسع، لكونه مفيدا للتخيل و قد عرفت ان حقيقة الاعتبار هو التخيل، الا ان التحقيق انه أيضا لا يجري في الاستدلال على الاعتباريات.

و توضيحه يحتاج الى بيان جريان سنخ التقسيم إلى الإنشاء و الاخبار في القياس أيضا.

فنقول: ان الكلام و الدليل يشتركان في الحكاية عن الواقع، و يفترقان في ان الكلام يحكى عنه حكاية تصوريّة، و الدليل يحكى عنه حكاية تصديقيّة، فيجري في الدليل أيضا الانقسام الى المطابق للواقع و غير المطابق له، المعبّر عنهما في الكلام بالصدق و الكذب.

و كذلك ينقسم الكلام، الى ما كان حاكيا محضا، عن معنى غير منوط في تحققه في نفس الأمر إلى وجود كلام ينبئ عنه، و هو المعبر عنه بالاخبار.

و الى ما كان حاكيا عن معنى يوجد بنفس هذا الكلام، و بعبارة أخرى: و كان الكلام متكفلا للحكاية و المحكي كليهما. بل يكون الكلام حينئذ ذات شؤون ثلاثة، إيجاد المعنى، و الحكاية عنه حكاية تصوريّة، و الحكاية عنه حكاية تصديقيّة، و هو المعبر عنه بالإنشاء. و يجرى نظير هذا الانقسام في القياس أيضا.

فإن من القياس ما هو بمنزلة الإنشاء في الكلام و هو القياس الشعري، و توضيحه: ان القياس الشعري لا يفيد إثبات نتيجته في الواقع بل هو قياس يفيد إيجاد التخيل، فهو كالكلام الإنشائي بنفسه موجد لما يحكى عنه، و لا يفي القياس الشعرى لإثبات أمر محقق في نفسه مع قطع النظر عن اقامة هذا القياس، بل القياس الشعرى هو الموجد له. و منه يعلم عدم جريانه كسائر صناعات القياس في مقام إثبات الأمور الاعتباريّة، فإن المطلوب فيه استكشاف الاعتبار و التخيل الحاصل لأحد أو جماعة، و ليس يراد منه إيجاد ذلك التخيل له أو لهم، حتى يتوسل بالقياس الشعرى.

هذا غاية التوجيه للتوهم المذكور، و التحقيق بطلانه، و ان كان ما ذكرنا في توجيهه متينا في نفسه الا ان المنع يتطرق اليه مما ذكرنا في المقدمة من منع كون الاعتباري فاقدا للحقيقة و الخارجية بل له حقيقة و خارجية قائمة بنفس حقيقة الاعتبار و خارجيته، فيصح اقامة البرهان عليه، فتأمل فيما ذكرنا هناك و لا نطيل بالإعادة فثبت ان الطريق الوحيد للاستدلال في جميع العلوم الحقيقية و الاعتبارية هو البرهان، و ليس له ند و لا رقيب، بل له الحكومة المطلقة في قاطبة العلوم.

و ثم ان المحقق المذكور بعد ما منع من جريان البرهان في الاعتباريات ذكر للاستدلال عليها طريقا و هو استكشاف ثبوت الاعتبارات من المصالح الثابتة لها، فإذا وجدت مصلحة في اعتبار أمر يثبت منه اعتبار العقلاء له لدوران اعتباراتهم على مدارها، فنقول: ان الطريق المذكور من صغريات البرهان بعد ثبوت الملازمة بين وجود المصلحة و اعتبار العقلاء، فهو من قبيل إثبات وجود احد المتلازمين عن وجود المتلازم الأخر غير المنفك عنه في الوجود، و ان كان ذلك منحلا الى برهانين، أو من قبيل إثبات وجود المعلول عن وجود علته. و ان منعت الملازمة بينهما يبطل الطريق المذكور رأسا. قد ساق الكلام في أثناء البحث الى ان دلالة الكلام الإنشائي على المنشئ كدلالة الأمر على الطلب من قبيل دلالة العلة على معلولها، فنذكر الوجه فيه لئلا يتوهم التنافي بينه و بين ما بينّاه في حقيقة الاعتباريات، من ان تقومها بنفس الاعتبار، و ليس لها خارجية وراءه، و ان الاعتبار من أفعال النفس معلول لها، و لا يعقل ان يكون لها علة أخرى لكون النفس فاعلا تاما في أفعاله المجردة التي منها الاعتبار و التخيل.

«و الوجه» ان اعتبار الإنشائيات كانت بنحو الكلية مبسوطة على جزئياتها فاعتبار صيغة الأمر طلبا كان بنحو الكلية، و من شأن الكلى انطباقه على الجزئيات و تعدده في عين وحدته بتعدد المصاديق فإذا وجد في الخارج مصداق لصيغة الأمر ينطبق كلى صيغة الأمر عليه و ينبسط عليه الاعتبار الكلى القائم عليه أيضا بانبساطه فالموجد لاعتبار الطلب و ان كان هو النفس المتخيلة المتكفلة لاعتباره الا ان الموجد لمصداق الطلب بعد تحقق كلى اعتباره هو الموجد لصيغة الأمر في الخارج.

ثم ان التحقيق بعد المصير الى كون الاعتبار اعنى التخيل من الأمور الحقيقية، عدم كون ما تعلق به الاعتبار واجدا لما يحاذي ذلك المفهوم، و بعبارة أخرى ليس لصيغة الأمر وراء ما له من الحقيقة الصوتية حقيقة أخرى تكون هي الطلب و تكون بينهما رابطة العلية و المعلولية و السببيّة و المسببية كما قد يتوهم، بل صيغة الأمر بنفسها هي المصداق لعنوان الطلب. و الدليل عليه من وجهين.

(الأول) ما بيناه تفصيلا من ان ما تعلق به الاعتبار اعنى التخيّل بالذات هو الصورة الذهنية و انما تعلق بالفرد الخارجي بواسطة الصورة الذهنية فالمتخيل في الحقيقة هو تلك الصورة دون الفرد الخارجي حتى يتوهم كون عنوان المتخيل واجدا لحيثية يحاذيها في الفرد الخارجي.

(الثاني) ان المشتق لا يزيد على تركيب ادبى و ليس واجدا لما يقابله من الحقيقة و الخارجية وراء حقيقة الذات و المبدء. (التحقيق) ان المحكي للمشتق بالمطابقة هو الذات فقط دون الذات و المبدء، أو المبدء فقط فليس المحكي لعنوان المتخيل الا نفس الذات التي تعلق بها التخيل لا هي و حيثية زائدة يحاذيها عنوان المتخيل.

(توضيحه و بيان الحال فيه) على ما يسعه المجال: ان المشتق قد ورد دائرة الكلمات الموضوعة من تطورات الوضع، فان التحقيق ان للوضع على ما بيناه في رسالتي الوضع و المشتق أنحاء، و من جملتها الوضع المقيد في قبال الوضع المطلق.

توضيح انقسام الوضع إليهما ان محصل الوضع جعل اللفظ علامة للمعنى، (و ان) أثبتنا في رسالة الوضع و أقمنا ثمانية وجوه من الأدلة على كون الوضع اعتبار وحدة اللفظ مع المعنى و كون وجود اللفظ وجودا للمعنى، و لازمه صيرورة اللفظ علامة له موجبا لخطوره في ذهن السامع عند التلفظ به.

و (الوضع) اعنى جعل العينية بين اللفظ و المعنى و محصله اعنى جعله علامة له، كما كانا مقدورين للواضع على إطلاقهما كذلك مقدوران له على نحو التقييد، فإن صلاحية الإطلاق لا تنفك عن صلاحية التقييد فصلوح الوضع للإطلاق يحكى عن صلوحه للتقييد و (توضيحه) ان الواضع يجعل لفظ زيد تارة علامة للشخص في جميع حالاته و آناته فيكون الموضوع له ذات زيد، و يجعله (تارة) علامة له في بعض حالاته دون بعض آخر، فيكون الموضوع له هو ذات زيد أيضا، الا ان اللفظ لا يحكى عنه الا في بعض الحالات، لعدم تحقق الوضع في بقية الحالات.

و بالجملة الموضوع له في كلا الوضعين واحد و هو ذات الشخص، و الفرق بينهما في نحوة الوضع، اعنى كون الوضع (في الأول) على نحو الإطلاق و (في الثاني) على نحو التقييد فالقيد مأخوذ في الوضع دون الموضوع له، و بعبارة اخرى: ان منشأ دلالة اللفظ على المعنى هو الوضع و هو فعل اختياري للواضع فقد يفعله و يحدث علاقة الوضع بين اللفظ و المعنى في جميع الحالات و الآنات، فيدل عليه اللفظ في جميع الحالات و الآنات، و قد لا يفعله و لا يحدث تلك العلاقة كذلك (فلا يدل) عليه في شي‌ء من الحالات و الآنات، و قد يفعل الوضع و يحدث علاقته بين اللفظ و المعنى في بعض الآنات بان يقول انى جعلت (هذا اللفظ) علامة (لهذا المعنى) أو وضعته له (من الان إلى سنة) كما هو المعمول في بعض الرموز المجعولة بين الناس، كذلك قد يفعل الوضع في بعض الحالات (بان يقول) انى جعلت هذا اللفظ علامة (لهذا المعنى) أو وضعته له في هذه الحال دون سائر الحالات، كل ذلك على بداهة من الإمكان.

إذا عرفت ذلك فنقول: ان وضع المشتقات من قبيل الوضع المقيد، توضيحه: ان الواضع بعد وضع ألفاظ (المبادي) و صوغ أنحاء أفعالها منه شق منها صيغة أيضا معينة للدلالة على ذات من ثبت له الحدث و كان موضوعها (هو الذات) فقط الا انه حصل وضع اللفظ له في حال ثبوت الحدث له فقط فكان الموضوع له اللفظ و المحكي للفظ هو الذات العارية عن جميع الخصوصيات (الا ان) وضع اللفظ له كذلك كان (بنحو التقييد) اعنى قد حصل وضع اللفظ لنفس الذات في بعض الحالات و لم يحصل في بعض آخر فتأمل فيما ذكرنا، و تفصيل الكلام في محله، و عليه جملة من الشواهد و منها انطباق المشتق في الخارج على الذات فقط، دون الذات و المبدء.

بل لا بدّ و أن يعرف بآثاره و لوازمه، فيصحّ أن يعرف بأيّ أثر اتفق.
تحقيق حقيقة الاعتبار و منشأ حدوثها

1) اعلم ان للاعتبارات دائرة وسيعة محيطة بجميع شؤون المجتمع، و يهديك إليها العلوم الاجتماعية التي موضوعها أنواع الاعتباريات. و قد تلقاها الشارع فيما يرجع منه الى الأمور الشرعية بالقبول، بل تصدى لاعتبارات مستقلة غير مسبوقة باعتبار العرف، و هذا علم الفقه قد تشكل برمته من اعتبارات شرعية أو عرفية أمضاها الشارع.

طريق تعريف الأمور الاعتباريّة و اقامة البرهان عليها
اشارة
المرحلة الاولى في طريق استكشاف حقيقة الاعتباريات
المرحلة الثانية في طريق الاستدلال على الأمور الاعتبارية
[تنبيه]
الموضوع له المشتق هو الذات، دون المبدء و دون الذات مع المبدء

فربما يعرّف بأنّه مبادلة مال بمال، أو تبديل مال بمال، أو تمليك مال بمال، أو العقد الدالّ على التمليك أو انتقال مال بإنشاء التمليك.

كلّ ذلك من تعريف البيع بآثاره و لوازمه، و ليس واحد منها تعريفا للبيع بذاته و حقيقته، لما عرفت من كونه فاقدا للذات و الحقيقة، فكيف يمكن أن يعرف بهما.

المبحث الثاني في تبيين ما يدور أحكام البيع مداره

اشارة

الذي يدور أحكام البيع مداره، و يقع فيه الربا، و المتعاملان فيه ما لم يفترقا بالخيار ماذا؟

فنقول في تحقيق ذلك: ان النسبة المتحققة بالاعتبار، إمّا ان تكون بالأصالة بين شخصين، و امّا بين مالين، أو بين مال و شخص.

فالأوّل: كالنكاح، فانّ النكاح هو علقة بين الزوج و الزوجة، و ان كان له مساس بالمال أعني الصداق، إلّا أنّه بالتبع، فلذا لو لم يعيّن الصداق في ضمن العقد لم يكن قادحا في صحّة النكاح. و كذا المصالحة هي علقة خاصّة تحصل بين شخصين، أعني ما يعبّر عنه بالفارسية (سازش) و إن كان لها أيضا مساس بالمال بالتبع.

و الثاني: كالبيع و الإجارة، فإنّهما علقتان حاصلتان بين مالين، فلا بدّ من تعيينهما في ضمن العقد. و أمّا لزوم وجود المتعاملين فهو بالتبع، فلذا لا يشترط تعيينهما عند العقد.

و الثالث: كالهبة و الوقف، فإنّهما علقتان حاصلتان بين المال و الشخص، أعنى المال الموهوب و الشخص الموهوب له في الهبة، و المال الموقوف و الشخص

الموقوف عليه في الوقف.

و لا يخفى عليك أنّ في البيع جهات ثلاث إحداها العقد الدّال على تحقق النسبة الخاصّة بين المالين، و الثانية نفس تلك النسبة و العلقة الخاصّة و الثالثة الأخذ و الإعطاء الحاصلان من المتبايعين بعد تحقق تلك النسبة، أعني ما يعبّر عنه بالفارسية (داد و ستد).

و من الواضح: أنّ ما يدور آثار البيع مداره هو حصول العلقة المذكورة، و أمّا العقد فهو إنّما وضع للدلالة عليه، و أمّا الأخذ و الإعطاء فهما مقتضى العلقة الحاصلة التي هي البيع بلا كلام، و إنّما الكلام في تشخيص تلك العلقة.

فذهب المشهور إلى أنّها تمليك مخصوص لكنه ينتقض بأنّه ربما يتحقق البيع في بعض الموارد مع أنّه ليس فيها تمليك أصلا.

منها: بيع العبد ممن ينعتق عليه و الالتزام فيه بتحقق الملكية آنا ما، و الملكية التقديرية تكلف.

و «منها» بيع العبد لنفسه فإنه يستحيل تمليك العبد لنفسه لاستحالة اتحاد المالك و المملوك.

و «منها» بيع آلات المسجد، مع انه قد وقع التسالم بين المتأخرين على ان الأوقاف العامّة ليست ملكا لأحد، بل الوقف رفع الملكية عنها، فلو كان التمليك مأخوذا في حقيقة البيع لم يصح بيع شي‌ء منها، لعدم إمكان تمليك ثمنه للمسجد مثلا، و كذا لم يصح شراء شي‌ء للمسجد من أوقافها، لعدم إمكان تمليك المثمن له.

و «منها» شراء العبد تحت الشدة من الزكاة فينعتق، حيث انه لا يدخل بالبيع في ملك احد حتى يصدق التمليك، بل يحرر بمجرد وقوع البيع عليه.

و «منها» ما ورد فيما لو كان الوارث عبدا من انه يشترى العبد من التركة فينعتق ثم يملك له ما بقي.

و «منها» البيع بإزاء الحق فان الحق لا يقبل التمليك لانه بنفسه إضافة أخرى تقابل إضافة الملكية.

و تسلسل هذه الموارد و غيرها ألجأ إلى الالتزام بعدم أخذ التمليك في حقيقة البيع، و يشهد له ما ورد في الحديث من «ان شرّ النّاس من باع آخرته بدنيا غيره». بل الحق ان البيع مجرد جعل شي‌ء بإزاء شي‌ء آخر، و إطلاقه يقتضي انتقال جميع ألوان كل منهما الى الآخر، و منها الملكية. و اما لو كان أحدهما بحيث لا يقبل اضافة من اضافات الأخر تسقط تلك الإضافة رأسا من دون ان تنتقل الى الآخر. فلا تنتقل إضافة الملكية الى العبد عند بيعه على من ينعتق عليه، لوجود المانع عن ذلك، و كذلك لا تنتقل في بيع الدين ممن هو عليه لعدم قابلية الدين لتملك من هو عليه و هكذا.

هذا غاية ما يمكن من توجيه كلام بعض المحققين ره، لكن يرد عليه: انه لو كانت حقيقة البيع جعل شي‌ء بإزاء شي‌ء آخر لما صح أخذه في العقد بنحو شرط النتيجة، بأن يقال: بعت هذا بذاك بشرط ان يكون هذا بإزائه، كما لا يصح ان يقال بعت هذا بشرط ان يكون مبيعا لك، مع انه لا إشكال في صحة أخذه في عقد البيع.

بل «التحقيق» انّ البيع اعتبار خاصّ وراء اعتبار جعل شي‌ء بإزاء شي‌ء آخر، و اعتبار تمليك بإزاء شي‌ء آخر (1)

فنقول: انه قد صرح في المصباح و معيار اللغة بأن الأصل في البيع مبادلة مال بمال.

و قد أورد عليها: بأن المبادلة من المفاعلة بين الاثنين تسند الى الجانبين، مع ان البيع فعل جانب واحد يسند اليه فقط و يقابله الشراء و يسند الى الجانب الأخر. و يدفعه أولا ما ذكره الشيخ المحقق الأصبهاني- قده- تحقيقا لمعنى المبادلة، من ان هيئة المفاعلة لمجرد تعدية المادة و انهائها الى الغير، مثلا الكتابة لا تقتضي إلا تعدية المادة إلى المكتوب فيقال كتب الحديث، من دون تعديته الى المكتوب اليه، بخلاف قولهم كاتبه، فإنه يدل على تعديتها الى الغير بحيث لو أريد إفادة هذا المعنى بالمجرد لقيل كتب اليه.

و ثانيا لو منعنا ما ذكره- قده- يدفعه انّ الفعل في باب المفاعلة يسند إلى من هو الأصيل في الفعل، و مع الأصالة في الطرفين يسند إليهما التفاعل، دون المفاعلة، و هذا ما ذكره الأدباء في الفرق بين المفاعلة و التفاعل و مقتضاه منع استناد المبادلة إلى القابل.

و ثالثا انه لو سلمنا استناد المفاعلة إلى الطرفين كان ذلك في المفاعلة الحقيقية، و لا يمنع ذلك عن اعتبار تحققها قائمة بفعل احد الجانبين كما في البيع فإن إيجاب البائع قد اعتبروه مصداقا للبيع.

و يشهد له عدم كون ما صدر عن المشتري أعني القبول إنشاء مستقلا في قبال الإيجاب، بل تثبيتا له و إمضاء لإنشائه، و بعبارة أخرى: لا ينشأ بالقبول اعتبار وراء اعتبار الإيجاب و الرضاء به. فالمبادلة ليس إلا ما أنشأ بالإيجاب، و لا يزيد بلحوق القبول عليه أمر زائد على المنشإ بالإيجاب.

ثم ان المراد من المبادلة مبادلة ملكية المالين، و ليست الملكيّة إلا أمرا اعتباريا، فتكون مبادلة ملكية المالين أيضا اعتباريا، فليس لها مصداق حقيقي خارجي، و انّما جعل لها مصداق اعتباري و هو العقد، فالعقد مصداق للبيع، و ان كان التعبير في بعض كلمات القوم بالسببيّة يشعر بتغاير هما، لكن ليس المراد السببيّة الحقيقيّة حتى يستلزم تغاير السبب و المسبب، بل المراد حصول البيع بالعقد لان العرف و العقلاء اعتبروه مصداقا لمفهوم البيع.

، نعم التمليك أظهر خواصّه، و يدور

1) قد عرفت فيما مرّ ان الاعتذار في تعريف الاعتباريات بأنها فاقدة للحقيقة، فلا يعرف بالتعريف الحقيقي باطل غير مسموع، و بيّنا لك طريق كشف حقيقة الاعتباريات. فالبيع واجد للحقيقة، و من اللازم البحث عنها لكونه الموضوع بالبحث في كتابنا.

مداره أحكام البيع.

و النقض بما ذكر من الموارد في غير محله، فان الالتزام بتحقق الملكية آنا ما في بيع العبد ممن ينعتق عليه، و شراء العبد الوارث من التركة، و شراء العبد تحت الشدّة من الزكاة عمل بلسان الروايات الواردة فيها، و ليس لأجل الضرورة، حتى يقال انا لا نلتزم باعتبار التمليك رأسا حتى تدعو الضرورة إلى التزام الملكية آنا ما «اما الأول» فقد ورد فيه انهم حين ملكوا عتقوا فإنه صريح في تحقق الملكية و لو حينا ما و «اما الثاني» فقد ورد فيه: (ان العبد يشترى من التركة فيعتق) فان قوله (عليه السّلام) فيعتق يدل على تحقّق الملكيّة قبل العتق و

«اما الثالث» فقد ورد فيه انه يشترى من الزكاة فيعتق، و في بعض الروايات ثم يعتق و هذه الروايات لو لم تكن وافية لإثبات الملكية آنا ما فلا محالة تدل على تحقق الملكية التقديرية، فإن العتق بعد الشراء لا يتحقق الّا ان تتحقّق الملكية في رتبة متقدمة على تحققه و اما بيع شي‌ء من آلات المسجد أو شرائه له فلا مانع من القول بتحقق الملكية فيه لإمكان القول بمالكية المسجد، فإن الملكية أمر اعتباري يمكن اعتبارها بالنسبة الى كل شي‌ء، و لا دليل على اشتراط كون المالك شخصا ذا شعور. و اما بيع الدين ممن هو عليه فلا مانع فيه أيضا من اعتبار ملكية الدين آنا ما له ثم سقوطه. و اما قولك فيلزم ان يكون الشي‌ء علة لعدمه و هو محال فيرده: ان الملكية أمر اعتباري كما نبهناك عليه و ليس امرا واقعيا حتى تفرض فيها العلية و المعلولية، فإنهما من شؤون الأمور الواقعية، و اما الأمور الاعتبارية فتحققها باعتبار معتبرها و عدمها بعدمه، و الملكية لما كانت من الاعتبارات العقلائية، و ملاك الاعتبارات العقلائية ترتب الأثر عليها فوجود الآثار العقلائية في اعتبار الملكية آنا ما يحكى عن تحققه، و الأثر الثابت له هو سقوط حق المطالبة الثابت لغيره، و بعد ترتب الأثر المذكور تسقط الملكية و يرتفع اعتبارها لعدم ترتب اثر عليه بعد.

و لا يخفى عليك انه ليس يلزم في اعتبار الملكية ترتب جميع آثارها بل يكفى فيه ترتب اثر واحد لتقوم اعتبار العقلاء بترتب اثر واحد، ألا ترى انه إذا عقد على الصغيرة فمات الزوج قبل بلوغها، فلو أجازت العقد بعد البلوغ و حلفت على رضائها بتزوجه لو كان حيا و لم تكن أجازت العقد لأجل الطمع في تركته، يحكم بزوجيتها للميت و توريثها منه، مع انه يستحيل ترتب غيره من آثار الزوجية عليها.

و نظيره ما ورد في الرواية ان الميت إذا ورد عليه جناية يصرف ربحها في إحسانه تعليلا بقوله ع. لانه النفع الذي اكتسبه بموته فيصرف في إحسانه، فإنه

يتضمن الحكم بتملك الميت و اكتسابه للدية، مع انه لا يمكن ان يترتب عليه آثار الملكية له من التصرف و غيره.

و اما ما استشهد به على عدم اعتبار التمليك في البيع من إطلاقه أحيانا على ما ليس فيه تمليك فلا يدل على ذلك فان مجرد الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز.

و اما الحقوق، فإنها و ان لم يقبل التمليك الا انها لا تقع مبيعا، فلا ينافي كون البيع تمليكا بل تقع عوضا، و هو يكشف عن عدم كون البيع تمليكا من الطرفين بل من طرف البائع، و اللازم في العوض مجرد وجود شي‌ء في مقابل المبيع ينتفع به البائع، كما تدل عليه لفظة الباء في قولك: بعت هذا بهذا.

و اما القبول فلا يدل أيضا على تمليك العوض فإنه مطاوعة محض لما دل عليه الإيجاب و (لهذا) لو قال بعت بدل قبلت لم يتحقق الإيجاب و القبول المتقوم منهما العقد، بل يصير هو و الإيجاب إيجابين و لأجل كون القبول مطاوعة الإيجاب يشترط فيه ان يقع في عقيب الإيجاب، لعدم إمكان المطاوعة قبل تحقق الفعل، نعم لو عبر بلفظ إيجابي دال على القبول التزاما صح البيع و جاز الابتداء به لكونه ذا اعتبارين، فباعتبار كونه إيجابا بالمطابقة صح الابتداء به و باعتبار كونه مطاوعة التزاما جاز الاكتفاء به في القبول.

إن قيد الإنشاء في التعريف خارج عن حقيقة البيع

اعلم انه كما سيجي‌ء في المقام الثالث و الرابع: انّ البيع من الأمور الاعتبارية. و الأمور الاعتبارية تختلف باختلاف الأنظار، فإنه ليس لها حقيقة وراء اعتبار المعتبرين، فإذا تحقق اعتبارها في بعض الانظار تتحصل حقيقتها و ان لم يعتبرها آخرون فالبيع العرفي بل بيع الصبيان في لعبهم بيع حقيقة لأجل تعلق اعتبارهم به، و ليس للشارع ان يحكم بعدم كونها بيعا، بل غاية ما يمكن

ان يحكم به عدم ترتب آثار البيع عليها، فما وقع للاعلام في تفسير لفظ الإنشاء الواقع في تعريف الشيخ للبيع، من أنه أضيف في التعريف ليشمل البيع العرفي، فاسد، لما عرفت من ان حقيقة البيع تتحقّق باعتبار اى معتبر كان، و ان البيع أمر اعتباري تتحصل حقيقته بمجرد تحقق الاعتبار، و ليس له مرحلتان مرحلة الحقيقة و مرحلة الإنشاء، كي يكون البيع الشرعي بيعا حقيقيا و البيع العرفي بيعا إنشائيا. و (لعل) منشأ التوهم عبارة الشيخ في رسالة الاستصحاب من ان الملكية أمر واقعي كشف عنها الشارع، و سيجي‌ء ان التحقيق خلاف ذلك كما هو مذهب الشيخ في المكاسب، بل المراد من ذكر لفظ الإنشاء في تعريف البيع، الاشعار بكونه من الأمور الإيجادية في قبال الإخبارات و الأمور القصدية الحاصلة بالقصد، و لو كان المراد منه ما زعمه اعلام المتأخرين للزم ان يكون الإنشاء مأخوذا في مادة البيع فيكون معنى بعت أنشأت إنشاء التمليك، و لا يخفى فساده. و ما ذكره بعض المحشين من ان مفاده ان البيع أمر إنشائي، لا يدفع الفساد، اللهم الا ان يريد ما ذكرنا.

المبحث الثالث في القيود المأخوذة في حقيقة البيع

و يعتبر في حقيقة البيع كون المعوّض عينا، و هو المائز بينه و بين الإجارة، فإنه يعتبر فيها ان يكون متعلقها منفعة و لا يجوز تعلقها بالعين، كما ان البيع لا يجوز تعلقها بالمنفعة.

و (ربما) يتوهّم انّ يصحّ بيع المنفعة استنادا بإطلاقه أحيانا على العقد الواقع على المنفعة كما في قوله عليه السّلام انّك لا تبيع الدار بل تبيع سكناها و فيه انّه انّما أطلق عليه مجازا و المصحّح له وجود علاقة المشاكلة و المصاحبة اعني اقتران

المنفعة بالعين القابلة للبيع.

و اعلم انه قد اتفقت كلماتهم على عدم اشتراط كون المبيع موجودا بالفعل لجواز بيع ما في الذمة اعنى الكلى المضاف إلى الذمة، و منه بيع ثمرة الشجرة بعامين: و الفرق بينه و بين إجارة الشجرة، ان البيع يتعلق بنفس الثمرة و لو بكليتها، و الإجارة تتعلق بقوة الاثمار الموجودة في الشجرة، و هي المسماة بالمنفعة، فإذا حصلت له الفعلية و وردت دائرة الوجود الفعلي تصير عينا، فان العين ما كان له الوجود الخارجي الفعلي. فالمنفعة بعد تبدلها من القوة إلى الفعلية، و تحليها بحلية الوجود الفعلي الخارجي، تصير عينا فالعين قبل الخروج إلى الفعلية منفعة، و المنفعة بعد الخروج إليها عين. و بالجملة الإجارة تفيد تمليك قوة الاثمار الموجودة في الشجرة بالفعل، و البيع يفيد تمليك نفس الثمرة التي هي عين خارجية في قبال نفس الشجرة.

«و اما العوض» فيشترط فيه مجرد المالية، فيصح جعل ما كان له مالية عوضا في البيع. و منه عمل الحر فإنه واجد لما هو ملاك المالية أعني كونه بحيث يبذل بإزائه المال بلا اشكال، و ان كان ربما يشكل في جعله عوضا من حيث عدم كونه ملكا بناء على اعتبار الملكية في العوض و هو المراد مما ذكره الشيخ ره بقوله:

فان قلنا بأنه قبل المعاوضة من الأموال فلا إشكال في جعله عوضا في البيع و الا ففيه اشكال، و الا فمالية عمل الحر مما لا يقبل الشك و الارتياب لكن ملكيته مما تطابق الشرع و الارتكاز و البرهان على انتفائها «اما الشرع» فلان المعهود منه ان من تمكن من أفعال كثيرة و يستغنى و يستطيع معها لا يعد مالكا لما يستطيع به و «اما الارتكاز» فهو أيضا يوافق الشرع في عده فقيرا لا يملك و «اما البرهان» فلان عمل الحر من منافعه، فيتبعه في كون الملكية منفية عنه، فان الحر غير مملوك حتى لنفسه فان تملك الإنسان لنفسه بالملكية المصطلحة محال

و اما الحقوق، فقال الشيخ الكبير ره: ان البيع من النواقل، فلا يصح تعلقها بالحقوق غير القابلة للانتقال.

و أشكل عليه في الجواهر، بأنها و ان كانت لا تقبل النقل و الانتقال الى غير من هي عليه، الا انه يمكن نقلها الى من هي عليه لا محالة، فتسقط، كما في بيع الدين ممن هو عليه.

و تعرض الشيخ ره لرد ما أورده صاحب الجواهر ره بقوله: و كذا لم يقبل الانتقال لان البيع تمليك الغير، و لا ينتقض ببيع الدين ممن هو عليه، الى ان قال: و السر ان الحق سلطنة فعلية (1)فيندفع ما أورده السيد ره عليه في تعليقته، من ان المانع المذكور في كلام الشيخ قده لا يشمل بيع الحق من غير من هو عليه، إذ قد عرفت ان محط كلام الشيخ مقالة صاحب الجواهر بإمكان بيع الحق ممن هو عليه فأراد به الرد عليه في ذلك.

و كذا يندفع ما أورده عليه، ثانيا، من منع استحالة بيع الحق ممن هو عليه، قياسا على بيع الدين ممن هو عليه في إفادة السقوط فان هذا كما ترى هو مقالة صاحب الجواهر بعينها التي سيق كلام الشيخ لأجل المنع عنها، و كان ظاهره وافيا في اندفاعه.


1) و المراد من الحق هو الحق المعهود اعنى حق الشفعة و الخيار و غير هما مما لا يقبل الانتقال على ما يساعده سياق الكلام، فان هذه العبارة تعليل لعدم انتقالها. و اما القسم الثالث من أقسام الحق الذي قد صرح «ره» بقابليته للنقل، فليس مشمولا لهذا التعليل البتة.إذا عرفت ذلك فاعلم ان المراد من التعليل المذكور، ان حقيقة ما هو من قبيل حق الشفعة و الخيار من الحقوق تستلزم السلطنة على الغير بنحو الفعلية، و اما الملك فهو علقة بين المالك و المملوك غير مقتضية للسلطنة على الغير الا بنحو الشأنية و التعليق، اعنى السلطنة على دفع الغير عن مملوكه إذا تزاحمه فيه، و اما مع عدم التزاحم فلا سلطنة عليه. و هذا بخلاف الحقوق المذكورة، فإن من له الحق مسلط على مطالبة حقه من الغير ما دام الحق باقيا فإذا انتفى الحق تنتفي السلطنة أيضا بانتفاء موضوعه.

توضيح مراده- قده- أن النسبة تتحقق بطرفين متغايرين، و يمتنع تحققها مع اتحادهما، فالسلطنة و هي نسبة تحصل بين المسلط و المسلط عليه يمتنع اتحاد طرفيها عند فرض تحقق نسبة السلطنة بينهما. و لما كان الحق عبارة عن السلطنة على الغير لم يعقل بيعه منه، لاستلزامه اتحاد المسلط و المسلط عليه. و اما بيع الدين ممن هو عليه اعنى تمليك الإنسان لما في ذمة نفسه، فغير مستلزم لاتحاد طرفي النسبة و الإضافة، فإن الذمة (1)و ان كانت قائمة بالشخص الا انها غير متحدة معه، بل كان قيامها به كقيام الاعراض بمعروضاتها.

و التحقيق انه لا دليل (2)يقتضي تغاير طرفي النسبة الحقيقية، فضلا عن الاعتبارية، و استحالة اتحاد طرفي النسبة و الإضافة أحيانا لأجل خصوصية خارجة عن حقيقة الإضافة بما هي اضافة، كإضافة العلية و المعلولية، فإنه يستحيل اتّحاد طرفيهما، لاستلزامه توقّف الشي‌ء على نفسه. و امّا فيما لم تكن خصوصيّة زائدة توجب تغاير الطرفين فالاستحالة ممنوعة.

اللهم الا ان يقال: انه كما يستحيل اتحاد طرفي الإضافة في بعض الإضافات الحقيقية الخارجية لأجل خصوصية تقتضي ذلك كذلك يمكن ان


1) الذمة هي العهدة، و هي اسم مصدر من العهد بمعنى الالتزام.و قد اعتبروها حيزا و موطنا، موجودا فيه الكلى بكليته، و شاغلا له، متعلقا للملكية. و مقوم هذا الاعتبار التزام الشخص و تعهده لأحد بدفع مال، بالبيع أو الإجارة أو الاستدانة أو النذر و العهد أو غيرها، و ان كان قد يحصل اعتبار شغل الذمة من دون التزام اختياري منه، من ناحية العرف أو الشرع.

2) قد بيّنا فيما وضعناه من الرسالة لبيان حقيقة المعنى الحرفي وجه استحالة اتحاد طرفي النسبة عند البحث عن حقيقة النسبة، لكن الأمر سهل فيما نحن فيه، لعدم كون السلطنة نسبة بل هي من مقولة الكيف من المقولات الحقيقية، أولا، و منع كون الحق سلطنة حقيقية، ثانيا.

يكون اعتبار بعض الإضافات الاعتبارية بنحو لا يمكن معه اتحاد أطرافها، و اضافة الحق من هذا القبيل. و يشهد له اتفاقهم على سقوط الحق لو فرض انتقاله الى من هو عليه.

و بالجملة لو قلنا باعتبار التمليك في البيع في جانب العوض أيضا لا يمكن جعل الحق عوضا لأن الحق كما أشرنا إليه آنفا، إضافة مستقلة في قبال إضافة الملكية، فلا يمكن تعلق الملكية به. و اما لو قلنا بان المعتبر من التمليك في حقيقة البيع، هو التمليك في جانب المبيع فقط، و اما في جانب العوض، فلا يعتبر الا مجرد كونه مما ينتفع به البائع (كما هو الحق) فلا إشكال في وقوع الحقوق عوضا.

هذا فيما إذا كان المجعول عوضا هو نفس الحق، و اما إذا جعل إسقاطه عوضا في البيع، يكون البحث في صحته من مصاديق البحث في صحة جعل الحر عوضا فيه.

و اما سقوط الحق الذي هو من شانه و ليس عملا لصاحب الحق فيمكن الإشكال في وقوعه عوضا من حيث الإشكال في ماليته.

و قد تحصل مما ذكرنا، ان المأخوذ من القيد في حقيقة البيع أمران:

«الأول» عينية المبيع وحده دون العوض، و ما نقل من الشيخ الكبير من ان البيع لنقل الأعيان فإنما أريد منه نقل الأعيان بالأصالة في قبال الإجارة التي إنّها لنقل المنافع كذلك و الا فلا إشكال في وقوع الأعيان عوضا في الإجارة، و السرّ فيه: انّه ليس نقل العوض فيهما الا بالتبع.

«الثاني» مالية كل من العوض و المعوض، فلا يقع حبة من الحنطة و لا قبضة من التراب عوضا أو معوضا في البيع لانتفاء المالية عنهما، و ان كانتا ملكا بغير اشكال و لذا لا يجوز التيمم عليها بدون اذن المالك، فان المعتبر في البيع هو مالية العوضين و هي مغايرة مع الملكية، و النسبة بينهما عموم من وجه، فقد تتحقق الملكية من دون تحقق المالية، كما في المثالين المتقدمين، و قد يعكس

الأمر، كما في الكلي المضاف إلى الذمة، فإنه مال و ليس بملك قبل تمليكه من الغير، و كما في عمل الحر، فإنه أيضا مال و ليس ملكا قبل التمليك من غيره، و لذا لو حبس لم يكن ما فاته من الاعمال مضمونا له و كذا لو كان مستطيعا من عمل يبذل بإزائه ما يكفي مؤنة الحج لا يعد مالكا لما يستطيع به من الحج.

و البيع انما يتحقق مع مالية العوضين و ان كان الملك منفيا عنهما كبيع الكلي الذي قد تقدم كونه مالا منفيا عنه الملك (1)و لا يتحقق مع ملكية العوضين عند انتفاء المالية عنهما، فلا يصح بيع قبضة من التراب مع انه ملك لا يجوز التصرف فيه بغير اذن مالكه.

و ربما يظهر من بعض اعتبار الملكية، و هو خلط بينها و بين المالية، نعم تعتبر ملكية العوضين بأعم من حصولها قبل العقد أو بنفس العقد غير حاصل قبله، و اما تحققها في رتبة متقدمة على العقد فغير معتبر في البيع بخلاف المالية فإن المعتبر منها تحققها في رتبة متقدمة على العقد.


1) اعلم انه لا إشكال في أخذ التمليك في حقيقة البيع في جانب المبيع، و ان استشكل الأستاذ «قده» في أخذه في جانب العوض بل جوز وقوعه عوضا بأعمّ من حيث الملك أو السقوط أو غير هما مما ينتفع به البائع. فلو وقع الثمن عوضا من حيث الملك، و المعتبر في البيع تمليك المبيع، كان مقتضى المقابلة و المعاوضة بينهما دخول كل منهما في ملك خرج عنه الأخر، فلو دخل في ملك لم يخرج عنه الأخر لم تتحقق المعاوضة بينهما.فيقع الإشكال في بيع الكلى، لما تقدم من استحالة كون الكلى مملوكا لمن في ذمته (وحلة) ان تعلق البيع بالكلي الموجود في ذمة البائع بملاحظة كونه في قوة الملك له، و انه إذا خرج الى الوجود العيني يكون ملكا له، فيقع البيع عليه لأجل اعتبار ما هو موجود في الخارج بالقوة، موجودا فيه بالفعل، تعويلا على تعهد البائع لا يجاده في الخارج، و بهذا الاعتبار صار مالا يرغب فيه الناس.و بالجملة وقوع الكلى متعلقا للبيع لأجل اعتباره موجودا في الخارج «و بعبارة أخرى» لا يتعلق البيع الا بالوجود الخارجي، لكنه يكفى الحاصل منه بالاعتبار، و ان كان لا يكتفى به عند القبض و الإقباض، لكونهما فعلا خارجيا لا يتعلق الا بالموجود في الخارج حقيقة. هذا و قد تبين مما ذكرنا الإشكال في الاستشهاد ببيع الكلى على عدم اعتبار الملك في العوضين.

المبحث الرابع في التمسّك بالإطلاقات الواردة من الشرع في البيع

اشارة

اعلم ان الاعتباريات كما سيجي‌ء تفصيله ليس لها حقائق وراء اعتبار معتبريها، فتختلف حقيقتها بحسب اختلاف اعتبار المعتبرين، فتكون حقيقتها عند معتبر غير ما كانت عند معتبر آخر. و اما الأمور الواقعية، فحقايقها على ما هي عليه في الواقع لا تختلف بحسب اختلاف الانظار، بل يتعلق بها العلم تارة و الجهل أخرى.

إذا عرفت ذلك فاعلم: ان البيع لو كان من الأمور الواقعية الحقيقية التي لا سبيل لغير الشارع إليها و انما كشف عنها الشارع كما ذهب اليه الشيخ ره في «الفرائد» (1)كان طريق تحصيل المعرفة على مصاديقه منحصرا في بيان الشارع، حيث لا سبيل اليه بحسب الفرض لغيره، فلم يجز التمسك بعمومات البيع الا بعد إحراز مصاديقه ببيان الشارع، حيث انه لا يجوز التمسك بحكم الا بعد إحراز تحقق موضوعه، و المفروض نفى السبيل لغير الشارع إلى حقيقة البيع من دون بيانه، فتحقق مصداق لها أو عدمه يخفى لغيره و لا يتبين الا ببيانه و لا يظهر الا بإظهاره. فمرجع الشك في جواز بيع و عدمه الى الشك في موضوع أحل اللّه البيع و غيرها من عمومات البيع، فيكون التمسك بها معه تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية.


1) لا تخفى سخافة هذا القول ان كان له قائل، يعلم وجهها مما أوردناه في الحاشية الثانية في شرح حقيقة البيع، و اما الشيخ قده فلعل مراده من نفى السبيل الى البيع لغير الشارع، خفاء اعتبار الشارع المتقوم به البيع عند المتشرعة على غيره من دون بيان منه و لو بالسكوت الكاشف بضميمة مقدمة خارجية عن مطابقة اعتباره لاعتبار العرف.

و اما لو كان من الأمور الاعتبارية كما صرح به الشيخ في مواضع عديدة من المكاسب، فان قلنا بعدم استقلال الشارع بالنسبة إلى حقيقة البيع باعتبار خاص، و تبعيته للعرف في اعتباره، و انما حكم بجواز بعض افراده و عدم جواز بعض آخر، يكون المرجع في إحراز تحقق البيع و عدمه نظر العرف، فيشمل عمومات البيع بمجرد حكم العرف بتحققه فان قام الدليل من الشرع بعدم جواز بيع، يكون مخصصا لها (1)بخلاف الوجه الأول فإن بناء عليه يكون الدليل الدال على عدم جواز بيع مخرجا إياه عن موضوع البيع، و تخطئة لحكم العرف بكونه بيعا هذا.

و اما إذا قلنا بان للشارع بالنسبة إلى البيع اعتبارا مستقلا في قبال اعتبار العرف، لا يكفى مجرد حكم العرف بتحقق البيع في التمسك بعموماته الشرعية، بل لا بد من إحراز اعتبار الشارع. نعم يكون اعتبار العرف عند فقد بيان الشارع لاعتباره في حقيقة البيع طريقا و مرآتا اليه، لقبح أخذ الشارع لما استقل باعتباره في قبال اعتبار العرف في موضوع احكامه و تكاليفه، من دون بيانه للمكلفين الذين سبق إلى أذهانهم اعتبار العرف، فإنه يستلزم اغرائهم في الجهل و تكليفهم بما لا يطاق، لما يتلقونها واردة على اعتبار العرف و لا يقدرون


1) الحكم بجواز البيع و عدمه، بعد كون المراد منهما الوضعيين، أعني الصحة و الفساد، مساوق لاعتبار البيع و عدمه، بناء على كون لفظ البيع موضوعا للصحيح، و كون حقيقته هي الصحيح، و ان الفاسد فاقد للحقيقة المتقومة بها البيع.و مع ذلك كان التفصيل و التفرقة بين الاعتبار و الحكم بالجواز، صحيحا خاليا عن المحذور، و المصحح له لحوق الاعتبار الثانوي، أعني ما عبرنا عنه فيما تقدم من الكلام في الاعتبار، بتكرار الاعتبار.و توضيحه فيما نحن فيه: ان البيع و ان كان بعد تحقق كلى اعتباره ساريا الى افراده قهرا الا انه يمكن اعتبار ما ليس بفرد له فردا له و ما كان فردا، غير فرد له باعتبار ثان، و نفى الجواز عن فرد من افراد البيع بعد تسليم كلى اعتباره، يكون بارتكاب هذا القسم من الاعتبار.

على امتثالها لعدم قدرة المكلف على امتثال التكليف، مع الجهل بموضوعه و فقد الطريق الى العلم بها.

هذا هو مقتضى التحقيق في المقام، و عليه ينطبق كلام الشيخ- ره- حيث قال: و اما وجه تمسك العلماء بإطلاق أدلة البيع و نحوه فلان الخطابات لما وردت على طبق العرف حمل لفظ البيع و شبهه في الخطابات الشرعية على ما هو الصحيح المؤثر عند العرف أو على المصدر الذي يراد من لفظ بعت فيستدل بإطلاق الحكم بحله أو بوجوب الوفاء على كونه مؤثرا في نظر الشارع أيضا. و يؤيده قوله فيما قبل: و يمكن ان يقال: ان البيع و شبهه في العرف إذا استعمل في الحاصل من المصدر الذي يراد من قول بعت عند الإنشاء لا يستعمل حقيقة إلا فيما كان صحيحا مؤثرا- الى ان قال- فالبيع الذي يراد منه ما حصل عقيب قول القائل بعت عند العرف و الشرع حقيقة في الصحيح المفيد للأثر «انتهى» و أنت بعد الإحاطة على ما ذكرناه تطلع على متانة هذا الكلام و سلامته عما أورد عليه.

و مما ذكرنا يظهر الفرق بين العبادات و المعاملات، حيث يتمسكون في صحة المعاملات بالعمومات الشرعية دون العبادات فإنها لم يتطرق إليها اعتبار العرف. بل انما استقل الشارع باعتبارها فلا بد في التمسك بالعمومات فيها من إحراز موضوعاتها من بيان الشارع، فلو كان له بيان فهو و الا تصير مجملة، و ليست مسبوقة باعتبار العرف حتى يؤخذ طريقا الى اعتبار الشارع فيها عند عدم بيانه، كما تقدم نظيره في المعاملات على بعض الوجوه، هذا.

ثم انه قد ادعى السيد ره تمسك الأصحاب بإطلاق أدلة العبادات أيضا، فذكر: انهم قد ارتكبوا ذلك، مع ان من مذهبهم كون ألفاظها موضوعة للصحيح منها، فينتفى الفرق بين كونها موضوعة للصحيح أو الأعم منه و من الفاسد، لجواز التمسك بالعمومات في المعاملات و العبادات على كلا الوجهين

(و هذا اشتباه منه- ره-) قد نشأ من خلط محل النزاع و هو التمسك بعمومات الاحكام بالتمسك بإطلاق الموضوعات، و الأصحاب انما تمسكوا بإطلاق ما كانت من الأدلة مسوقة لبيان الموضوعات، كقوله صلّى اللّٰه عليه و آله: صلوا كما رأيتموني أصلي، و قوله عليه السّلام: الا أحكي لكم وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قوله عليه السّلام: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب اربع خصال.

و لم يتمسكوا بإطلاق ما كانت منها مسوقة لأجل بيان الاحكام كقوله تعالى أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ (و السرّ في ذلك) ان الأدلة الواردة لأجل بيان الموضوعات كانت في مقام بيان اعتبار الشارع لحقيقة الصلاة و الوضوء و غير هما، فهي مع فقد الإطلاق اللفظي أيضا مقرونة بالإطلاق المقامى، اعنى كون المعصوم عليه السّلام في مقام بيان جميع ما يعتبر في موضوع حكم، فان لم يذكر فيها امرا يكشف عن عدم اعتباره فيه، كما بيناه في محله، و مع منعه أيضا صح التمسك بها بمعونة نظائر قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: صلوا كما رأيتموني أصلي، فإنه إذا اتبعه الامام عليه السّلام ببيان صلاته و لم يذكر فيها امرا، نحكم بعدم كونه معتبرا في الصلاة لأجل عدم اشتمال صلاة النبي عليه التي أمرنا بالصلاة مثلها (1)و اما عمومات الاحكام فالتمسك بها يتوقف على إحراز موضوعاتها، فلا يجوز التمسك بها في إثبات صحة فرد، بل يوجب الشك في اعتبار شي‌ء في الصلاة إجمال الدليل المأخوذ في موضوعه عنوان الصلاة. و هذا بخلاف أدلة المعاملات فان اعتبار الشرع فيها يحرز من اعتبار العرف، فيكون التمسك بعمومها تمسكا بها بعد إحراز موضوعها.


1) و فيه شبهة احتمال عدم ذكر الامام عليه السّلام لبعض خصوصيات صلاة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله، فان مجرد ذكره لخصوصيات يشتمل عليها صلاته صلّى اللّٰه عليه و آله، لا ينافي كونها مشتملة على خصوصية غيرها لم يذكرها الامام عليه السّلام. و الكافل لدفعها هو الإطلاق اللفظي أو المقامى و ليس غير هما حجة ثالثة يؤخذ بها عند فقدهما.

في دفع توهم استحالة كون الموضوع في أحكام البيع و نحوه هو الصحيح

اعلم ان بحث الصحة و الفساد الجارية في العبادات و المعاملات انما هو في أسبابها، حيث ان السبب هو الذي يتصف بالصحة و الفساد باعتبار التأثير و عدمه، و المسبب لا يتصف بالصحة و الفساد، بل بالوجود تارة و بالعدم أخرى.

فإن السبب ان تم له التأثير يوجد عنده المسبب، و الا لا يحصل و لا يوجد رأسا حتى يتصف بالصحة أو الفساد.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه سبق الى بعض الأوهام استحالة كون المراد عما، أخذ في موضوع الاحكام من البيع و غيره هو صحيحها، بل لا بد و ان يكون المراد منه أعمّ منه و من الفاسد، فإنّ الصحّة كون الشي‌ء جامعا لجميع الشرائط الدخيلة في تأثيره و منها مالا يتحصل الا بالحكم و لا يتكون الا من قبله نظير قصد القربة في العبادات فإنها من الأمور الدخيلة في تحقق الصحة و يستحيل حصولها الا بعد تعلق الأمر.

أقول: و منشأ هذا التوهم خلط الصحة و الفساد الحاصلتين قبل الأمر بالصحّة و الفساد الحاصلتين بعده، فإن الصحّة بالمعنى الثاني كون الشي‌ء جامعا لجميع الشرائط حتى ما تتحصل شرطيته بنفس هذا الحكم، دونها بالمعنى الأول، فإنها استجماع الشي‌ء لجميع الشرائط الدخيلة في تعلّق الحكم به.

المبحث الخامس في بيان حقيقة الملكية

اشارة

اعلم ان المفاهيم اعنى ما تحكي الألفاظ عنها على أربعة أقسام (أحدها) الأمور الواقعية الحقيقية التي لها وجود في الخارج لا يختلف

باختلاف الانظار و يترتب عليه الآثار الخارجية و يقبل الإشارة الحسية.

(ثانيها) الأمور التي كانت موجودة واقعا لكن لا في الخارج بل في الذهن.

و هذا القسم أيضا لا يختلف باختلاف الانظار، بل هي على ما هي عليه في الواقع، و ان كان لا يترتب عليها الآثار الخارجية.

(ثالثها) الأمور الانتزاعيّة الّتي لا خارجيّة لها و لكنها منتزعة من الخارجيات، و بعبارة أخرى، لها خارجية باعتبار منشأ انتزاعها، و لا تختلف أيضا باختلاف الانظار، كالفوقية و التحتية. و هذا القسم يسمى في الفلسفة بالاعتباريات. (1)

و يشهد له انه لا يحدث في المعنون بعنوان الفوق تغير بتغير الأمر الموجود بينه و بين الأرض عن مكانه. بل هو على ما هو عليه في حيزه الخاص له و كذا لا يحدث تغيّر في المعنون بعنوان التحت، بتغير الشي‌ء الذي وجد بينه و بين الأرض عن مكانه. فتبين ان الفوق و التحت عنوانان يحصلان لمعنونهما، من دون حيثية لهما يحاذيها عنوانهما، بل كان حصولهما لأجل أمر خارج عن حيطته.

و من هنا يبدو الاشكال فيما ذكرنا من حيث ان العنوان لا يطلق على المعنون الا بعد حصول مفهومه فلا يصدق عنوان الفوق مثلا على معنونه الا بعد ثبوت مفهومه له، و نعني من المفهوم: ما وضع له لفظه، فهو في صدقه على المعنون يشتمل على مفهوم ثابت له، فأين هو من الصادق على المعنون من دون حيثية ثابتة له، يحاذيها.

«و الجواب» انك بعد ما عرفت من البيان المتقدم: ان المعنون بعنوان الفوق غير واجد لحيثية يحاذيها، تعلم ان في الاشكال مغالطة توجهه الى خلاف الحقيقة، و «بيانها يتوقف» على بيان وضع المشتقات، و قد مضى فيه شطر من الكلام في تتمة البحث في الاعتباريات باصطلاح الأصول، و محصله: ان المشتقات اعنى ما هو المراد منها في بحث المشتق من الأصول، و هو المشتمل على المشتق حقيقة، و ما هو بمنزلته و هو جميع العناوين الجارية على الذوات باعتبار أمر خارج عن حقيقتها، موضوعة لنفس الذوات، لا هي و حيثية زائدة عليها، و ان كان وضعها لها متقيدا بصورة حصول أمر آخر و هو صدور الضرب مثلا عن الذات و حصول أمر بين ذات الفوق و بين الأرض في وضع كلمة الفوق عليها، فليس الموضوع له عنوان الفوق الا ذات المعنون، و هي مفهومه الواقع بحذائه و ان كان وضعه عليها بملاحظة وجود أمر خارج عنه.

و منه يعلم ان المشتقات بأجمعها عناوين اعتبارية بهذا الاصطلاح، و ان كان فيها فرق بين بعضها مع بعض، من حيث كون ما تقيد به وضعها على الذوات حدثا صادرا عنها، أو أمرا خارجا عن حيطتها، لا يرابطها في الوجود أصلا. و الفوق و التحت و ما شابههما من القسم الثاني.

و لك الخيار في تعميم الاصطلاح على جميعها نظرا الى عموم الملاك لها، أو تخصيصه بالقسم الثاني لعدم التمثيل في كلماتهم الا بمصاديقه، و الأمر سهل فيه بعد وضوح حقيقة الحال.

و بهذا الاصطلاح جرى النزاع المعروف في الوجود و الماهية، اعني البحث في مسئلة أصالة الوجود أو الماهية و اعتباريتهما التي هي أم المسائل في الحكمة المتعالية. و قد ألجأنا تكميل البحث في الاعتبار الى التعرض لحقيقة المسئلة المذكورة حتى لا يبقى محل كلام في الاعتبار. اعلم: ان كل أمر واحد بسيط في الخارج إذا لاحظه العقل يذعن بالبداهة باشتماله على جهتين، يشارك في إحداهما غيره من الخارجيات و هي الوجود، و يختص بالأخرى منهما و هي الماهية، فالخارجيات بسائطها و مركباتها من الإنسان و البقر و الحجر و الشجر و المدر و غيرها، إذا لاحظتها، تراها إنسانا و وجودا و بقرا و وجودا و حجرا و وجودا و هكذا.

و توضيحه: ان الإنسان إذا لا حظ كل أمر خارجي كالإنسان و الحجر و غير هما لا يرى.

في الخارج الا واحدا خارجيا، لكنه إذا انتقل إلى انه انما لاحظها في مرآة ذهنه و ان الملحوظ في الحقيقة أمر آخر يغايرها، و ان كان عينها بحسب اللحاظ له، يذعن بان ما في الخارج له جهتان، يتحد الملحوظ في الذهن بحسب إحداهما، و يغايره بحسب الجهة الأخرى و هي الوجود العيني الّذي هو منشأ لترتّب الآثار الخارجيّة.

فيبدو للعقل- بعد حكمه باستحالة شغل كلا الجهتين للخارج عرضا، لكون المفروض اشتمال كل واحد بسيط خارجي عليهما، و الا يلزم كون كل واحد خارجي اثنين متغايرين و هو خلف- ان الشاغل للخارج هل هو جهة الوجود، فيكون الخارج فارغا عن جهة الماهية و هي غير شاغلة له، أم هو الماهيّة، فيكون الخارج فارغا عن الوجود، و هو غير شاغل له كذلك.

و هذا منشأ اختلاف المسلكين في الأصالة و الاعتبارية للوجود و الماهية.

إما المسلك الأول و هو كون الوجود أصيلا و الماهيّة اعتبارية، فتقريبه: أن الوجود حقيقة واحدة متشككة لها مراتب لا تتناهى بحسب الشدة و الضعف، و ان الخارجيات بأجمعها هي الوجود، و الاختلاف بينها بحسب الاختلاف في مراتبه، و الحاصل في الذهن عن كل واحد منها صورة المرتبة الخاصة به من الوجود، و هي الماهية، و بعبارة أخرى ما يدركه الذهن له من الماهية هو حد تلك المرتبة الخاصة من الوجود، المميزة لها عن غيرها من مراتبه.

و الحدود المميزة لمراتب الوجود، بعد اتحاد تلك المراتب في الحقيقة و كون حقائقها بحت الوجود و صرفه، انما يحصل لها بملاحظة الوجود مع العدم، اعنى ذات المرتبة الخاصة، و هي الوجود مع فقدها لما يشتمل عليه مرتبة اخرى من مراتب الوجود.

فصدق الإنسان، و هو ماهية مرتبة من مراتب الوجود على تلك المرتبة نظير صدق عنوان الفوق على معنونة في كون صدقه على معنونه بملاحظة أمر يغاير لمعنونه و يباينه. فان صدق الإنسان على ذات مرتبة من الوجود و هي بحت الوجود و صرفه- لما تقدم من كون حقيقة جميع مراتب الوجود هي بحت الوجود و صرفه و ان كان يشتد و يضعف بحسب اختلافها- بملاحظة عدم مرتبة اخرى من الوجود و انتفائها عنها، و هو خارج عن ذاتها أعني بحت الوجود و صرفه، فالإنسان و غيره من الماهيات أمور اعتبارية، و الوجود هو الأصيل الشاغل للخارج. «و اما المسلك الثاني» فتقريبه ان الخارجيات متباينات بذواتها، و الشاغل للخارج هو الذوات المتباينة، و هي المسماة بالماهيات، و الحاصل في الذهن صور تلك الماهيات لا أنفسها، و ان كانت فانية عند لحاظ النفس لها في الملحوظات بحيث كانت النفس لا ترى في لحاظها الا الخارجيات، فهي بعينها كالصور المنقوشة في المرآة، الفانية فيما يواجهه من الأشياء و المتحدة معها بحسب اللحاظ، و ان كانت مباينة لها في الحقيقة.

و بالجملة ان الصورة الذهنية بحسب اللحاظ متحدة مع الماهية الخارجية و ان كانت الماهية الخارجية يترتب عليها الآثار دونها، فهي بالقياس إلى الصورة الذهنية مستحقة لصدق عنوان الوجود الخارجي، فليس للوجود حيثية ثابتة للمعنون به حقيقة، بل كان صدق الوجود عليها بلحاظ أمر آخر و هو الصورة الذهنية، فكان صدق الوجود على الخارجيات كصدق الفوق على معنونه بعينه.

و عليك بمراجعة أدلة كلا المسلكين في كتب المعقول. و المسلك الأول، هو المختار لصدر المتألهين في الاسفار و من تأخر عنه و منهم الحكيم السبزواري في المنظومة، و قد ذكروا للدليل عليه وجوها ستة، و لنا فيه وجه آخر وقع إليه إشارة ما في أثناء الكلام، و لا يسع المجال لبيانه، فان المختصر لا يفي بأزيد من هذا من المقال، مع ان الغرض فيما نحن فيه قد حصل بهذا المقدار.

و ليست من هذا القبيل الملكية و أمثالها، فما جعلها المحقق

1) الاعتباريات باصطلاح المعقول هي العناوين المطلقة على الأمور بملاحظة اقترانها بأمور أخر. و حقيقة الاعتبار على هذا الاصطلاح، جعل العنوان لأمر بملاحظة وجود أمر أخر، و المقوم له أمران «أحد هما» مركوب الاعتبار اعنى ما له الاعتبار «و الثاني» ملاكها اعنى ما عنه الاعتبار و هو المعبر عنه في لسان القوم بمنشإ الانتزاع «توضيحه» ان عنوان الفوق مثلا يحصل لمعنونه لأجل وجود شي‌ء بينه و بين الأرض، و يعاكسه عنوان التحت، فإنه عنوان يحصل لمعنونه بملاحظة وجوده بين شي‌ء و بين الأرض. ان كان يمكن كون ما حصل عنوانهما بلحاظه، امرا آخر أعم من تخلل شي‌ء بين شي‌ء و بين الأرض. بيان ذلك، ان المتحقق في الخارج و المتحلى بحلية الوجود عند تحقق الفوقية و التحتية، أمران. وجود كل من الشيئين في أين و حيز خاص له (و أمران آخران) و هما نفس الأين الخاص بكل منهما، و ليس ورائها وجود آخر يقابل بالفوقية أو التحتية، و لا يمكن فرض الوجود لها بالمركب من الوجودات المذكورة. فإن الوجود أمر بسيط لا يتركب من اجزاء متغايرة فليس لعنوان الفوق أو التحت ما بحذاء في الخارج وراء ذات المعنون بهما.

معنى الاعتباريّة في مبحث أصالة الوجود أو الماهية

الخراساني- قده- من عدّها من الأمور الاعتبارية الانتزاعية، فإنما هو خلط بين اصطلاحي الأصول و الفلسفة، فإن الملكيّة من قبيل الاعتباريات الأصولية دون الاعتباريات الفلسفيّة الّتي هي الانتزاعيّات كما عرفت.

(رابعها) الأمور التي لا حظ لها من الوجود لا في الخارج و لا في الذهن فتختلف لا محالة باختلاف الانظار. و يسمى هذا القسم في الأصول بالاعتباريات (1)و حقيقتها مجرد الفرض و الادعاء (توضيح ذلك) ان من الأشياء ما كان فاقدا لحيثية حقيقة، قد فرضوا كونه واجدا لها فصارت تلك الحيثية ثابتة لها فرضا. فهذا الفرض هو الاعتبار، و الوجود الحاصل لها فرضا سمى بالوجود الاعتباري، و يترتب عليه أثرها عند المعتبر.

و هذا بعينه ينطبق على المجاز العقلي الذي ذكره السكاكي، و هو فرض ما


1) قد مر الكلام فيها في الحاشية الأولى على التفصيل.

ليس بمصداق لمفهوم حقيقة مصداقا له ادعاء، ثم استعمال لفظه فيه. كان يفرض زيد مصداقا لمفهوم الأسد فيستعمل لفظ فيه، فليس هذا الاستعمال مجازا لفظيا و استعمالا للفظ في غير ما وضع له، بل استعمالا له في مصداقه و ان كانت مصداقيته له بحسب الفرض و الادعاء. و هذا و ان كان قد ذكره السكاكي لمجرد استعمال اللفظ الموضوع للمفروض في المفروض له و تعديته منه اليه بمقتضى القواعد الأدبيّة، لكنّه لا تنحصر فائدته في مجرّد استعمال اللفظ، بل ربما يكون الاعتبار لأجل ترتب جميع الآثار أو بعضها حسب ما يقتضيه نظر المعتبر.

مثلا الزوجية الحاصلة بين الزوجين التي هي إحدى الاعتباريات قد يعتبر تحققها بين الزوجين لترتيب جميع آثار الزوجية و قد يعتبر لأجل ترتيب اثر واحد من أثارها، كاعتبارها بعد موت احد هما لأجل التوريث فقط. و هو يجري في الألفاظ و الكتابات اعنى النقوش الموضوعة و يجري في غيرها مما ادى الغرض الى تعلق الاعتبار بها هذا.

و على ما ذكرناه في حقيقة الاعتبار يبتني ما ذكروه في المعقول، من ان للشي‌ء وجودان حقيقيان و وجودان اعتباريان و هما الوجود الكتبي و الوجود اللفظي، فإن كون الكتب و اللفظ وجودا للمعنى ليس الا بحسب الفرض المذكور (و هذا) تحقيق ما ذكره المحقق الخراساني ره في الكفاية من ان وضع اللفظ للمعنى ليس مجرد جعله علامة له، بل الوضع جعل اللفظ مرآتا للمعنى (1)بحيث لو القى اللفظ كان المعنى هو الملقى و اليه ينظر ما ذكره الحكيم


1) ليست مرآتية اللفظ للمعنى امرا اعتباريا معدوما حقيقة، بل اراءة اللفظ للمعنى أمر حاصل موجود نشاهده بالعين و العيان. و ما تعلق به الجعل و الاعتبار هو العينية بين اللفظ و المعنى، و كون اللفظ وجودا للمعنى. و الاراءة و المرآتية من خصائص العينية لعدم حكاية الشي‌ء عن الشي‌ء المغاير له.

السبزواري في منظومته.

إذ في وجودات الأمور رابطة يرشدكم صناعة المغالطة.

و لأجل كون اللفظ و الكتب وجودا للمعنى يجعلان موضوعا في القضايا اللفظية و الكتبية.

ثم ان الآثار المرتبة على الاعتباريات تختلف باختلاف معتبريها فان فرض ثبوت حيثية لشي‌ء كان فاقدا لها حقيقة، لا يستتبع الا ترتيب ما لها من الآثار عند المعتبر فقط (1)فربما يكون ترتيب اثر من الآثار مقدورا لمعتبر لم يكن مقدورا لمعتبر آخر، فترى ان اعتبار السلطان لورقة قرطاس، و تنزيلها بمنزلة الذهب و الفضة في وقوعهما أثمانا مرغوبة للناس، يجري في جميع نواحي مملكته و يعاملون معها معاملة الذهب و الفضة، و الصبيان يعتبرون بعين هذا الاعتبار فلا يترتب عليه أثر إلا في لعبهم.

و مما ذكرنا يعلم عدم ترتب الآثار الخارجية على الاعتباريات بمجرد الاعتبار، فلا يترتب على ورقة القرطاس الآثار التكوينية للذهب و الفضة من حيث الثقل و اللون و الزينة و غيرها لعدم كونها بيد المعتبرين. و بالجملة المترتبة على الاعتباريات هي الآثار العرفية و الشرعية التي بيد المعتبرين حسب اختلافهم دون الآثار التكوينية الخارجية.

إذا عرفت حقيقة الاعتبار فلنشرع في تحقيق الملكية التي هي إحدى الاعتباريات (2)

و المعنى المصطلح عليه جميع صيغ هذه المادة في أبواب المعاملات، هو الملك الاعتباري أعني اعتبار الملك الحقيقي (و هو الوجدان) و ما يعبر عنه بالفارسية (داشتن) بل ليس في الفارسية لغة تحاذي الملك في العربية، إلا ذلك، بل و لا في سائر اللغات الا ما كان من اللفظ مرادفا له مستعملا فيما يراد منه في الفارسية.

و بالجملة ان المستعمل من لفظ الملك في جميع اللغات، هو الألفاظ المترادفة للوجدان، فيعلم ان حقيقة الملك هي الوجدان. و يشهد له أيضا التبادر، لا سيما عند من له خبرة أيضا بغير العربية من اللغات، و كذا التتبع التام في موارد الاستعمالات من مآخذ اللغة و كلمات المصنفين فيها، و ان كانت ملاحظة موارد الاستعمالات تقضي باختصاصها بخصوصية، و هي كون الواجد ذا شعور بمعنى كونه واجدا بما انه ذا شعور، و عدم استعماله في غير ذوي الشعور إلا في مواضع عديدة، و لعله استعمال بالعناية أو مختصة لبعض مشتقاته كما سيجي‌ء من أهل اللغة، و لذا فسره جماعة بالسلطنة فإن القدرة و السلطنة من الصفات الخاصة لذوي الشعور، و اما في غير العربية من اللغات فلم نجد فيها من هذه الخصوصية عينا و لا أثرا، بل الكلمة المستعملة في موارد استعمالات الملك في سائر اللغات مستعملة في جميع مصاديق الوجدان فيقال في الفارسية عند كون الدار واجدا للبيوت أو كون البيوت واجدة للأبواب (دارد).

ثم ان التحليل العقلي لمصاديق الحقيقة المذكورة الجارية في جميع اللغات (المعبرة عنها) بالفارسية (داشتن) و بالعربية (الوجدان و الملك) يقضى بأنها استتباع شي‌ء بشي‌ء بحيث يتبعه ذلك الشي‌ء، بل المداقة العقلية فيه تقضى بكون منشأه كونه مقوما له، كتقويم العلة لمعلوله، و ان كان ذلك يشتد و يضعف بحسب المصاديق.

فقد يكون المالك مقوما للمملوك في ذاته و جميع شؤونه، كملك واجب الوجود جلت عظمته فهو مالك الملك و الملكوت، و الملك في حقه التقويم و الاستتباع لذوات الأشياء و جميع شؤونها من الاجزاء و الافعال و غيرها.

و قد يضعف بحيث يكون التقويم بحسب العنوان فقط كملك الفرس للجل و وجدانه، له (فان الفرس مقوم لعنوانه، فلا يصدق عليه عنوان الجل اعنى الموضوع على ظهر الفرس لولا وجود الفرس، بحيث انتفى عنوان الجل في العالم بانتفاء الفرس، و ان كان ذاته و هي النمد و الأديم و الخشب على الهيئة المصنوعة لها موجودة، و كوجدان البيت لباب فإنه مقوم له بعنوانه لا بذاته و اجزائه، فإنه لو انهدم البيت ينتفى عنوان الباب عن بابه فليس هو بابا و مدخلا للبيت فعلا و ان كان باقيا على ما هو عليه من المادة و الهيئة بل على ماله من القوة لصيرورته مدخلا، بحيث ربما يطلق عليه الباب بعنايتها.

و قد يكون مقوما له من حيث الاستعمال اعنى وقوعه في حيز العمل، و قد يكون من حيث التحيث و المكان، و قد يكون من حيث الوقتية و الزمان و غيرها.

و من أنحائه كونه مقوما له من حيث الافعال، كملك موسى لهارون عليه السّلام، فان ملكه له بحسب كونه عليه السّلام مقوما لأفعاله و مستتبعا لها و كونها في اختياره. بل تقويمه لأفعاله بتخلل وسائط لكونه مقوّما لاشتياقه التام نحو العمل و كون اشتياقه مقوّما لإرادته و كونها مقومة لتحريك عضلاته و كونه مقوما للافعال، هذا.

و يؤيده ما ذكره أهل اللغة في بعض مشتقات الملك، فقال في الصحاح «ملاك الأمر ما يقوم به، و يقال القلب ملاك الجسد و ملاك بالفتح التماسك، و ما تمالك ان قال ذلك، اى ما تماسك، و ملك الدابة، بضم الميم و اللام، قوائمها، و منه قولهم جائنا تقوده ملكه» و عليه ينطبق قوله في عداد ما ذكره «ملكت العجين أملكه ملكا إذا شددت عجنه» فان تشديد العجين تقويمه بحيث لا يتفرق و لا يسيل يقوم كيفما ألقيته، و كذا قوله ملك النبعة اى صلبها. و قال «في منتهى الارب» و هو كتاب نفيس عمل لشرح اللغات العربية و ترجمتها بلغة الفرس الملك: بازداشتن و ملك أمر بحركة: آب بدان جهت كه چون با قومي آب باشد هر كس مالك حكم خود و بدان أمر وى قائم و بر پا باشد، و ملاك الأمر بالفتح و يكسر: سرمايه أمر كه بدان قائم باشد، و يقال القلب ملاك الجسد و ماله ملاك اى تماسك، و ملاك الإبل: ناقة كه شتران پيرو آن باشند، و قال ملكنا الماء: سير كرد مرا آب، و قال ملكها ملكا: بزنى آورد آن را «انتهى» أقول: و إطلاق الملك على تزويج الرجل للمرأة لجعلها تابعة لنفسه و واقعة تحت قوامه، قال اللّه تعالى الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ.

ثم ان لازم التبعية المذكورة هو الاختصاص بل بينهما تلازم مفهومي بحيث لا ينفك لحاظ احد هما عن لحاظ الأخر، بل التمييز بين مفهوميهما مشكل جدا. و التحقيق ان الاختصاص من المفاهيم الانتزاعية، منتزعة من التبعية المذكورة غير منفكة عنها في الوجود فيكون من فسر الملكية به مصيبا في نظره و منه تعلم الخدشة فيما ذكره الأستاذ- ره- في بعض ابحاثه من إمكان كون شي‌ء واحد مملوكا لمالكين، فإنه يستلزم الخلف و ابطال فرض الملكية، لما عرفت من كون حقيقتها هي الاختصاص أو ما يستلزمه مفهوما، هذا.

و ربما يوجد في بعض مصاديق الوجدان ما يخفى فيه التبعية و الاختصاص و هي على قبيلين.

(احد هما) ما كان من قبيل العبد حيث يطلق عليه ان له سيدا و انه واجد للسيد و في الفارسية (زيد آقا دارد) مع ان العبد من توابعه و مماليكه، فالتبعية للعبد مسلوبة عن السيد و كذا الاختصاص، لإمكان كونه سيدا لعبيد و مماليك عديدة. لكن ملاحظة حقيقة الأمر تقضي بتحققهما له «اما تبعيته للعبد» فتوضيحه أن السيادة و العبودية من العناوين المتضايفة الحاصلة في رتبة واحدة، يفتقر تحقق كل منهما على ذات من ثبت له عنوانهما، اعنى السيد و العبد، فإذا فرضنا ذات العبد اعنى زيدا مثلا له سيد، فسيادته لزيد فرع وجود ذات زيد، و الا لم تعقل سيادة أحد له، فالسيادة لزيد من توابعه و ذاته مقومة لها لا يعقل تحققها من دون تحقق ذاته. و اما اختصاصه للعبد، فلانا لا نعني من كون زيد واجدا للسيد الا كونه واجدا لمن له السيادة عليه و الا فلا معنى لكونه واجدا لسيد له السيادة على عمرو مثلا، فالواجدية لسيد له السيادة على زيد مختصة لزيد غير حاصلة لغيره، و الواجدية لسيد له السيادة على عمرو مختصة لعمرو و غير حاصلة لزيد و لا لغيره. فالسيد اعنى بكرا مثلا له سيادتان، إحداهما تختص لزيد، و الأخرى تختص لعمرو، فلا زيد يشترك فيما يخص لعمرو، و لا عمرو يشترك فيما يخص لزيد.

(الثاني) ما إذا كان متعلق الوجدان هو الطبيعة كقولنا زيد يملك الذهب أو واجد له و بالفارسية (زيد طلا دارد) مع أنها مساوقة لقولنا تختص طبيعة الذهب لزيد و معناه عدم كون غيره مالكا للذهب.

و حل الاشكال يتوقف على بيان مقدمة، و هي ان الطبيعة موجودة في كل فرد بتمامها، و ليس الموجود في الفرد طبيعة ناقصة يتممها الفرد الأخر، و هذا هو الفرق بين الجزء و الجزئي، فإن الجزء بعض الكل و الجزئي تمام الكلى، فلو وقع فرد من الطبيعة متعلقا لفعل تكون الطبيعة متعلقة له، و من البديهي كون الافعال سوية في ذلك، و ان الاختصاص من جملتها، فيكون تعلقه بفرد من الطبيعة في قوة تعلقه بنفس الطبيعة.

إذا عرفت ذلك علمت انه إذا اختص لزيد فرد من الطبيعة يصدق لا محالة أن الطبيعة قد اختصت لزيد، فيكون استناد فعل الاختصاص إلى الطبيعة كاستناد سائر الأفعال إليها باستناده إليها بتمام افراده تارة و ببعضها اخرى، فلا يمكن تعيين أحدهما إلا بالقرينة. نعم ان الاختصاص إذا أطلق مستندا إلى الطبيعة يكون ظاهرا في اختصاص جميع الافراد، لكونه في مقابل الاشتراك، و الظاهر من الاشتراك في الطبيعة كونه بحسب الافراد دون أبعاض فرد منها و ان كان ذلك أيضا نوعا من الاشتراك. و اما إذا كان الاختصاص منهما بالالتزام غير مذكور في الكلام بنفسه، ينتفى هذا الظهور. فيحصل الفرق بين قولنا زيد يملك الذهب أو واجد له، و بين قولنا يختص الذهب لزيد، في دلالة الثاني على نفى مالك للذهب غير زيد دون الأول هذا.

و إذا عرفت حقيقة الملكية الحقيقية فلنتعرض لشرح الملكية المصطلحة الاعتبارية. فنقول: ان الملكية المصطلحة الاعتبارية هي اعتبار الملكية الحقيقية بالنسبة إلى عين من الأموال من جميع الجهات أو بالنسبة إلى منفعة أو جميع منافعه.

توضيحه: ان الملكية المعتبرة بالنسبة الى مال من الأموال على ثلاثة أقسام «الأول» الملكية المتعلقة لمنفعة العين دون نفسها «و الثاني» الملكية المتعلقة لنفس العين من جهة بعض التصرفات دون بعضها، و مقتضاه كون المالك مسلطا على التصرف فيه بذلك التصرف دون بقية التصرفات «و الثالث» الملكية المتعلقة بالعين من جميع الجهات، و مقتضاها التسلط التام للمالك على جميع أنحاء التصرفات، و الملكية المصطلحة هي الأول و الثالث من الاقسام، و الجامع بينهما: الملكية التامة المتعلقة لعين أو منفعة من جميع الجهات. و يقابلها القسم الثاني و هو المسمى بالحق.

و من ذلك تعلم حقيقة الحق، و انه من سنخ الملكية الاعتبارية و ان كان غير داخل تحت الملكية المصطلحة فيترتب عليه أحكام الملكية من كونها قابلة للزوال و السقوط بإزالة المالك و إسقاطه و قابلة للانتقال بنقله، هذا.

و يعلم من التأمل في تفاصيل ما ذكرناه في بيان حقيقة الملكية منشأ الأقوال الموجودة فيها.

(فمنها) القول بأن حقيقة الملك هي السلطنة، و ملخص الكلام في بيان منشأه: أن مفهوم الملك في لغة العرب على ما عرفت فيما تقدم، هو كون الإنسان أو غيره من ذوي الشعور واجدا للشي‌ء المملوك، و المساوي له من بسيط المفاهيم هو السلطنة لا غير، فأوجب ذلك التباس حقيقة الملك بالسلطنة مع الغفلة عن كون مفهوم الملك من المفاهيم المركبة لتقيده بكون فاعله من ذوي الشعور، و إلا فكان أصل مفهوم الملك و هو مطلق الوجدان أوسع دائرة من مفهوم السلطنة، و ان كان لحوق قيد الاختصاص بذوي الشعور عليه جعله مساوقا مساويا له في الوجود. و ليس الملك مفهوما بسيطا يتحد مع مفهوم السلطنة.

و (منها) القول بكون حقيقة الملكية هو الاختصاص، و قد عرفت انه قريب من التحقيق، لو لا ان الاختصاص ليس حقيقة لها بعنوانه، بل هو عنوان انتزاعي ينتزع من حقيقة الملكية و قد مر تفصيل الكلام فيه.

(و منها) ان الملك اعتبار مقولة الجدة، و منشأه: ان الجدة كما يشعر له التعبير عنها بالجدة قسم من الوجدان المفسر به الملك فيما تقدم، و لذا ربما يعبر عن مقولة الجدة بالملك. فأوهم ذلك كون الملك هو مقولة الجدة بعينها، و الملك الاعتباري اعتبار مقولة الجدة. و المنع يتطرق اليه مما ذكرناه، من كون الجدة قسما من أقسام الوجدان لا انها هي الوجدان مطلقا، و هو الوجدان الحاصل بالاحاطة بنحو ينتقل المحيط بانتقال المحاط. مضافا الى ان المقولة هي الهيئة الحاصلة من الوجدان المذكور دون نفسه، و ان أمكن دفعه بانا لا نعني من الوجدان عند تفسير الملك به الا تلك الهيئة لا الحدث الآني المتصرم الوجود.

(و منها) القول بأنها اعتبار مقولة الإضافة، و منشأه ما عرفت في صدر البحث من كون الملكية بمعنى المملوكية، و هي من الإضافة المقولية لكونها مع المالكية مفهومين متضايفين متكافئين في الوجود ذهنا و خارجا بحيث يلزم من تصور احد هما تصور الأخر، فتكون الملكية الاعتبارية اعتبار مقولة الإضافة، أعني ما هو من أنواعها (و فيه) ان كون الملكية من مقولة الإضافة أمر واضح، لا يراد من البحث إلا غيره، و هو كشف حقيقة مادتها و مادة جميع مشتقاتها، اعنى الملك، و من البديهي عدم كونه من مقولة الإضافة و انما دخلت الملكية بمعنى المملوكيّة فيها، بما لها من التضايف بينها و بين عنوان المالكية، و هو يحصل في مورد جميع الافعال بين المصدر المجعول من فاعلها و المصدر المجعول من مفعولها.

(و منها) القول بان الملك اعتبار مقولة الكيف، و منشأه كون الملك و الوجدان من الكيفيات العارضة على المالك فيكون اعتبار هما اعتبار مقولة الكيف، و ليس المراد منه اعتبار جنس الكيف، و لا اعتبار جنس الإضافة في القول السابق، حتى تصب عليه شآبيب الاعتراضات. و من توهمه فقد خلط المصداق بالمفهوم و النوع بالجنس.

فنقول: انه قد ذهب بعض الى كونها من مقولة الجدة، و مما

1) لا يجب في الاعتبار ترتيب جميع ما له من الآثار عند المعتبر بل قد يكون الاعتبار بالنسبة الى بعض الآثار دون بعض.

2) تحقيق حقيقة الملكية، بناء على الطريقة الّتي بيّنّاها في طريق كشف حقيقة الأمور الاعتباريّة، يستدعي البحث عن منشأ اعتبار الملكية.الملكية مصدر جعلي من الملك (و هو مصدر ملك يملك) و ربما يستعمل بمعنى المفعول و بهذا المعنى صح جعل المصدر منه و إلحاق الياء المصدرية عليه.

تحقيق حقيقة الملكية

ذكرنا تظهر سخافة هذا القول فإن حقيقة الجدة هي الهيئة الحاصلة من إحاطة شي‌ء بشي‌ء كالهيئة الحاصلة من التعمم و التقمص، و من البديهي عدم إحاطة المالك على القرى و الأراضي الوسيعة المملوكة له، و ربما يكون المالك في موضع بعيد عنها بمسافة كثيرة.

و نظيره في السخافة القول بأنها من مقولة الكيف، بتوهم ان الملكية سلطنة المالك على المملوك و قدرته عليه، و القدرة من مقولة الكيف، فتكون الملكية منها، مع الغفلة عن كون القدرة التي هي من مقولة الكيف هي القوة المنبسطة على العضلات توجب تحركها نحو المقدور بمجرد تعلق الإرادة به، و اين الملكية من هذا؟ و المالك ربما لا يقدر الا على بيع المملوك اعنى إنشاء لفظ بعت.

و الاشتباه انما نشأ من إطلاق القدرة و السلطنة عليه أحيانا، و ليس كلما أطلق عليه القدرة من القدرة الاصطلاحية التي هي من مقولة الكيف.

و ذهب بعض الى كونها من مقولة الإضافة، و هذا القول أيضا قريب منهما في الوهن، فان مقولة الإضافة مع ضعفها واجدة للحقيقة في الخارج. مثلا الأبوة و البنوة لا تحصلان الا بتكون الابن من نطفة الأب و الفوقية و التحتية لا تحصلان الا يكون كل من الجسمين المتصفين بهما في حيز خاص. و بالجملة البداهة تشهد بحصول تغير في طرفي الإضافة بعد تحققها عما كانا عليه قبله، و من الغنى عن البيان، عدم حدوث أمر خارجي في المالك، و لا في المال المملوك بحدوث الملكية، فهي من الأمور الاعتبارية التي ليست لها خارجية و حقيقة أمكن اندراجها في إحدى المقولات.

ثم ان المتقدمين رضوان اللّه عليهم ذهبوا الى ان الملكية و غيرها من مجعولات الشارع بأجمعها غير الأحكام التكليفية الخمسة و هي المسمى بالأحكام الوضعية منتزعة منها. (و بيانها) ان جزئية الركوع و السجود مثلا قد انتزعت من تعلق الأمر بأمور عديدة من جملتها الركوع و السجود، فحصل من تعلق أمر واحد بجميعها وحدة بينها و صار جميعها شيئا واحدا ذا أجزاء عديدة و منها الركوع و السجود. و كذا الزوجية، قد انتزعت من جواز وطى المرأة، و جواز النظر إلى أمها، و حرمة نكاحها، و حرمة الجمع بينها و بين أختها و غيرها من أحكام الزوجية. و كذا الملكية و الولاية و القضاوة و غيرها، فكل منها منتزعة عن عدة أحكام خاصة من غير ان يقع متعلقا للجعل برأسه و معنى الانتزاع تحقق المنتزع بتحقق منشأ انتزاعه و تبعيتها له وجودا و عدما و شأنية و فعلية و حدوثا و بقاء.

و منه يعلم بطلان كلام بعض المحشين من انتزاع الملكية عن العقد، فإنه مضافا الى ان العقد سبب لحدوث الملكية و السبب يباين المسبب في الوجود مع ان المنتزع موجود بعين وجود منشأ انتزاعه، ان وجود الملكية لا تتبع وجود العقد، فان العقد ينصرم آنا و يفنى فورا، و الملكية تبقى بعد العقد و لا تنفد بنفاده هذا.

و المذهب المذكور، اعنى كون مجعولات الشارع بأجمعها منتزعة من الأحكام التكليفية و ان استشكل في إطلاق الحكم الوضعي على جميعها، قريب من التحقيق، لو لا التخلف عنه في بعض الموارد، كالملكية و الزوجية و الضمان و غيرها مما يحصل للصبي، مع عدم توجه التكليف اليه قبل البلوغ، و قد عرفت ان المنتزع لا ينفك المنتزع منه في الوجود و العدم و القوة و الفعلية.

و منه يعلم عدم صحة الاعتذار عنه بحصول أحكام الزوجية في حق الصبي شأنا و ان كان تتوقف فعليتها على بلوغه، فإن الزوجية الفعلية الحاصلة للصبي قبل بلوغه غير قابلة للانتزاع عن جملة أحكام شأنية لا تصير فعلية الا بعد البلوغ.

و مما يدل على فساد المذهب المذكور ارتكاز الأذهان، فإنه أدل دليل على

بطلانه من العرف فان المعهود منهم بحسب الارتكاز فرض الملكية و الزوجية و غيرها ثم ترتيب الآثار و إجراء الأحكام عليها و هو المعمول في لسان الأدلة الشرعية، كقوله عليه السلام: لا يحل مال امرء مسلم الا عن طيب نفسه. فالحليّة فيها مرتبة على المالية بعد فرض ثبوتها من غير عكس و على هذا القياس جميع الموارد و يقطع به من له أدنى تأمل هذا.

و قد تحصل مما ذكرنا ان الملكية من الاعتباريات الصرفة، غير منتزعة من أمر آخر، يكون المجعول هو دون الملكية، بل الجعل و الاعتبار قد تعلقا بنفس الملكية و يجرى عليها أحكام الأمور الاعتبارية التي قد تقدم شرحها.

الفصل الثاني في المعاطاة

اشارة

و فيها مباحث:

المبحث الأول في كفاية الفعل في إنشاء البيع و عدمها

اشارة

اعلم ان المراد من المعاطاة تحقق الإعطاء من جانبين بالأصالة من احد هما، و بالتبع من الجانب الأخر- كما يشعر له كونها من المفاعلة- عن قصد التمليك منهما لما يعطيه.

فيكون الإعطاء من جانب الأصيل بمنزلة الإيجاب و من جانب غير الأصيل بمنزلة القبول اللفظيين. فلو فرض جواز الإنشاء بالفعل أيضا كان مجموع الاعطائين عقدا تاما مشتملا على الإيجاب و القبول، و يتحقق به البيع الصحيح اللازم، من غير فرق بينه و بين المتحقق بالعقد اللفظي.

و الإنشاء بالفعل جائز اتفاقا في بعض الموارد، كاشارة الأخرس، لما اتفقوا على كفايتها في إنشائه، و غير جائز اتفاقا في بعض أخر كإنشاء عقد النكاح فينحصر إنشائه في اللفظ بالاتفاق.

فالمهم في المقام إثبات كفاية الفعل في إنشاء البيع غير مقترن بإنشاء لفظي وارد على مورده أو عدمه بقول مطلق.

و التحقيق في ذلك يتوقف على أمور:

الأمر الأول تبيين أسباب الملكية أو الإباحة
اشارة

اعلم ان السبب لتحقق الملكية أو الإباحة عند المعاطاة أعني ما أنيط به الملكية أو الإباحة في الشرع و حكم الشارع بتحققهما عند تحققه بتصور على ستة وجوه.

«أحدها» ان يكون امرا خارجا عن حيطة اختيار المكلف، قد حكم الشارع بتحقق الملكية أو الإباحة معلقة على تحققه من دون ان يكون لاختياره مدخلية في تحققها، كتحقق الملكية للوارث بموت مورثه، فإنه قد حكم بتحققها لمجرد موت المورث من غير ان يكون لاختياره مدخلية في ذلك، و تحقق الملكية بالنسبة إلى منافع الموقوفة للطبقة التالية بمجرد موت الطبقة السالفة كذلك.

«ثانيها» ان يكون فعلا من أفعال المكلف تاما في السببية غير دخيل في سببيته قصد المكلف و لا اختياره بل يكون حكم الشارع بتحقق الإباحة أو الملكية لمجرد تحقق الفعل من المكلف و ان لم يقصد تحققها منه كحكم الشارع بالضمان لمجرد تحقق الإتلاف، و الإباحة المتحققة بأحد هذين القسمين ينبغي ان تسمى بالإباحة الشرعية، لعدم استنادها الى المالك بوجه من الوجوه أصلا و ملاكها في السعة و الضيق حكم الشارع و ضيقها.

«ثالثها» ان يكون السبب مجرد رضى المالك من دون اعتبار اقترانه بفعل أو قول يكشف عنه كالإباحة المعلقة في لسان الشرع على رضى المالك و طيب نفسه قال (ص) «لا يحل مال امرء مسلم الا عن طيب نفسه».

و الإباحة أو الملكية المتحققة بهذا القسم من السبب، تتبع في السعة و الضيق

كيفية اعتبار الشارع لرضى المالك سعة و ضيقا، لكنه بعد لحوق اعتبار الشارع عليه يؤثر في حصول الإباحة أو الملكية، من دون توقف على وجود ما يكشف عن تحققه، بحيث لا يحرم التصرف مع الجهالة به الا من حيث التجري.

«رابعها» ان يكون السبب المؤثر في الحكم بالملكية أو الإباحة رضى المالك أيضا لكن لا بمجرده بل بانضمام وجود كاشف عنه. و من الحاصلة بهذا القسم من السبب، اباحة التصرفات المتوقفة على اذن المالك، كما في موارد العقود الإذنية المعبرة عنها في لسان القوم بالعقود الجائزة و المعتبر فيه من الكاشف مجرد ما يكشف عن الرضا قولا كان أو فعلا، و يتبع الحكم فيه سعة و ضيقا على سعة وجود الكاشف، و ضيقه.

و الإباحة المتحققة بأحد هذين القسمين، ينبغي ان تسمى بالإباحة المالكية، لكونها منوطة برضى المالك و غير متحققة الا بتحققه.

«خامسها» ان يكون السبب في تحقق الملكية أو الإباحة إنشاء المالك و إيجاده لهما بالوجود التنزيلي.

توضيح ذلك، ان إيجاد الشي‌ء يكون على نحوين (احد هما) إيجاده بوجوده الحقيقي الواقعي (و الثاني) إيجاده بوجوده التنزيلي الاعتباري و ذلك يتوقف لا محالة على إبداع وجود تنزيلي له بتنزيل وجود شي‌ء بمنزلة وجوده فانيا فيه غير مغاير معه و جعله وجودا له تنزيلا بحيث يكون إيجادا له.

و منه وضع الألفاظ، لكون حقيقة الوضع جعل الألفاظ مراتا للمعاني و فانية فيها، بحيث كان إيجاد الألفاظ إيجادا للمعاني بأنفسها لا إيجادا لمجرد ما يدل عليها، فمن تكلم باللفظ و أوجده بلسانه كان موجدا لمعناه بالتنزيل.

و ان أردت مزيد التوضيح لذلك فنقول: ان من أراد قيام عبده أو قعوده فقد يتوسّل إليهما بإيجاد الوجود الحقيقي بان يتصدى بيده لإقامة العبد أو إقعاده،

و قد يتوسّل إليهما بإيجاد الوجود التنزيلي لهما بان يقول له قم أو أقعد (1).

و من هذا القبيل تحقق النكاح و البيع و سائر العقود و الإيقاعات عقيب إنشائها بالألفاظ الموضوعة لها، كلفظ أنكحت و بعت و اشتريت الى غيرها من صيغ العقود و الإيقاعات هذا.

و قد علم منه ان المدار في هذا القسم على إيجاد ما كان مسبوقا بالوضع قد جعل وجودا تنزيليا لما يراد إيجاده، فتكون إشارة الأخرس الموضوعة عرفا لإيجاده و إنشائه للبيع و التزويج كافيا في الإنشاء، و كذا النبذ المتداول في إنشاء البيوع قبل الإسلام.

و قد تحصل مما ذكرنا، ان من ذهب الى جواز الإنشاء بالأفعال، و ان الإنشاء الفعلي في البيع كالإنشاء القولي مصيب في مذهبه لو ساعد البرهان على وضع الافعال لإنشائه، و الا فمجرد إطلاق العرف لعنوان البيع على المعاطاة لا يجدى في إثبات كونها بيعا حقيقة، لكون البيع من الأمور الإنشائية المفتقرة في تحققها إلى الإنشاء. فلا يكون الإطلاق المذكور الا من قبيل المسامحات العرفية، كما اعترف به الشيخ- ره- في تضاعيف كلماته.

نعم البيع من المفاهيم العرفيّة المأخوذة منهم فيكون تعيينه سعة و ضيقا


1) هذا مبنى على ان الأمر وضع مصداقا للبعث كما هو احد الوجهين فيه (و ثانيها) و هو المشهور انه وضع مصداقا للطلب و الإرادة، و معنى الوضع المذكور اعتبار الأمر مصداقا لكلي البعث أو مصداقا لكلي الطلب. و الأول هو الحق، لشهادة الارتكاز بالمقابلة بين الأمر و النهي، و ليس النهي إلا موضوعا لمصداق الزجر، فيكون الأمر أيضا موضوعا لمصداق البعث. لعدم وجود ما يقابل الإرادة يكون النهي موضوعا له. و اما البغض فهو يقابل الحب دون الإرادة.فتحصل منه: ان الأمر بالقيام و النهي عنه كالإقامة باليد و الإقعاد بها، في كونهما مصداقا للبعث و الإلزام على القيام، أو الزجر و المنع عنه.و عليه يمكن الاستدلال بوجوب امتثال أوامر المولى و نواهيه، بكون المخالفة امتناعا عن تصرف المولى في ملكه و هو ظلم.

راجعا إليهم، الا ان ذلك في تعيين أصل المفهوم، دون تطبيقه على المصاديق بعد تعينه، فالعرف فيه غير محكم، لكونه خارجا عن وظيفته و كونه من الأمور الداخلة في دائرة حكومة العقل، لانه المرجع في تشخيص كونه شي‌ء مصداقا لمفهوم أو عدمه، بعد تبين المفهوم عنده من العرف (1)

«الثاني» و هو يتركب من جزئين «الأول» إثبات تبعية النبي و الأئمة عليهم السلام للعرف في طريقة المخاطبات و المحاورات «و الثاني» دفع الاشكال عن التبعية لطريقة العرف في تشخيص المصاديق للطبائع، و إطلاق أسماء الأجناس و ألفاظ الطبائع عليها.

اما الأول فتحصيله من وجوه «أولها» ان من راجع الروايات المروية عن النبي و الأئمة المعصومين عليهم السلام، يقطع بان طريقتهم في بيان الاحكام كانت بعين طريقة العرف في مخاطباتهم، و انهم كانوا لا يعدلون في بيان الاحكام الى نهج غير النهج الثابت للعرف في المخاطبات، و انما تعرضوا لبيان الاحكام بلسان العرف على النهج الثابت لهم في محاولاتهم «ثانيها» ان مقتضى عدم نقل قرينة قائمة منهم على العدول عن طريقة العرف و لو في واحدة من الخطابات الصادرة عنهم، الخارجة عن حد الإحصاء من الكثرة، الواردة في نقلها آلاف من الروايات القطع بجريهم على طريقة العرف في بيان الاحكام «ثالثها» انه ليس من شأن الشارع التصرف في مخاطبات العرف بل شأنه جعل الشريعة و تعليم الاحكام، فمن المستبعد جدا ان يخالفهم في ما جروا عليه من الطريقة في مخاطباتهم.

و الثاني ان المفهوم عند العرف من الألفاظ الموضوعة للطبائع و ان كانت طبيعة متعيّنة، و مقتضاه صدقها على ما كان من الافراد واجدا لتلك الطبيعة واقعا و حقيقة، و عدم صدقها على ما كان فاقدا لها واقعا و حقيقة.

و مع ذلك ربما يطلقون الألفاظ على أفراد، فاقدة للطبيعة الموضوعية عليها اللفظ واقعا و بالدقة العقلية، كإطلاقه على المصاديق الواقعية، بلا ضم قرينة.

و كذا السامعون يتلقونها شاملة على تلك الافراد كشمولها على الافراد الحقيقيّة بدون القرينة.

و بالعكس ربما ينفون صدق لفظ موضوع على طبيعة عن شي‌ء هو مصداق لها واقعا بالدقة العقلية، كسلب مفهوم الدم عن اللون الباقي في المحل بعد الغسل.

و قد ثبت بحسب الجزء الأول من الدليل عدم عدول الشارع عن الطريقة المألوفة المعمولة فيما بين العرف في استعمال الألفاظ.

فلو كان غرضه من استعمال لفظ موضوع على طبيعة، إناطة الحكم على مصاديقها الحقيقية المحفوظة لها عند العقل، مع ان بينها و بين المصاديق التي لها بحسب نظر العرف عموما و خصوصا من احد الجانبين أو كليهما، لأقام عليه قرينة معولة عليها في ذلك، فهو في إطلاقه لألفاظ الطبيعة غير مريد الا اناطة الحكم على ما لها من المصاديق عرفا، و ان لم يستعمل لفظ الطبيعة إلا فيها.

و هذا مع عدم سراية اللفظ الا بسريان الطبيعة، و عدم سريانها الّا على المصاديق الحقيقية، مشكلة، و عقد هذا البحث لحل هذه المشكلة و هي الملزمة بنفي حجيّة نظر العرف في تشخيص المصاديق.

«و حلها» ان إطلاق اللفظ الموجب لاخطار معناه في ذهن السامع، قد يكون لأجل إناطة الحكم بنفس ذلك المعنى، و قد يكون لأجل جعله وسيلة لاخطار معنى آخر في ذهنه، و جعل معنى اللفظ وسيلة للعبور اليه، ليكون هو المتعلّق للحكم دونه.

و من هذا القبيل استعمال ألفاظ الطبيعة في كلام الشارع تبعا للعرف، فاستعماله لفظ الموضوع على الطبيعة و إخطاره لها في أذهان السامعين، لأجل أن يجعلها عبرة إلى المصاديق الموجودة لها عند العرف فيتعلّق الحكم عليها، فهي المحكومة بالحكم دون المصاديق الحقيقة لها، بحيث لو كان فرد مصداقا لها حقيقة و لم يكن مصداقا لها عرفا، كان الحكم منفيا عنها، مع تسليم عدم كون اللفظ مستعملا الا فيما وضع له من الطبيعة.

و محصل ما ذكرنا انّ الإرادة الاستعمالية و ان تعلقت بنفس الطبيعة، الا انه قد انفكت عنه الإرادة الجدية، و تعلقت بما لها من المصاديق عرفا و ان لم يكن مصاديق لها حقيقة.

و من هذا القبيل استعمال المجازات، فإنه جعل معنى اللفظ الموضوع له صراطا و عبرة و مجازا لحظور معنى أخر في الذهن، كما يشهد له التعبير بالمجاز، و الا فليس ما اشتهر بين القوم من كون المجاز استعمالا للّفظ في غير ما وضع له امرا يساعده البرهان، لعدم قابلية اللفظ لكونه مرآتا لغير ما وضع له و ما جعل وحدة اعتبارية بينه و بين اللفظ، لما تقدم في بعض ما علقناه في أوائل الكتاب من استحالة حكاية الشي‌ء إلّا عمّا يتحد معه، و سيجي‌ء توضيحه إنشاء اللّه تعالى في تعاليقنا.

عند البحث من ألفاظ العقد.

و معه لا منع عن تصدى
أدلة حجيّة نظر العرف في تشخيص المصاديق كحجيّته في تعيين المفاهيم

1) التحقيق حجية نظر العرف في تشخيص المصاديق، كحجيته في تعيين المفاهيم، لوجهين: «الأول» ان طريقة الفقهاء من أول أحدوثة الفقه الى يومنا هذا كانت جارية على تبعية العرف في تعيين إطلاقات الألفاظ و تشخيص صدقها على افراد مفاهيمها، فلولا دليل على حجية العرف فيهما الا هذه الطريقة الثابتة لهم لكانت كافية في إثباتها. فإن جريان طريقة الإمامية على حجية العرف فيهما، مع عموم الابتلاء بها في جميع المسائل الفقهية المروية يكشف بتا عن ثبوتها، و الا لما أبقا هم صاحب الشريعة عجل اللّه تعالى فرجه الشريف على مثل ذلك من الضلالة العظيمة.

العرف للتصرف في المفاهيم و توسعتها، تضييقها و تعميمها و تقصيرها، بل هي من الأمور الراجعة اليه ان شاء عممها و ان شاء قصر. فله ان يوسع في مفهوم بحيث يكون شاملا لفرد أو يضيقها، بحيث يكون قاصرا عن الشمول عليه. الا ان المتبع في تطبيقه على المصاديق بعد تعين أصل المفهوم من العرف عموما و خصوصا و سعة و ضيقا، هو العقل، و له الحكومة التامة في ذلك.

«سادسها» (1)ان يكون إيجادا من المالك لهما حقيقة و بوجود هما الواقعيين الحقيقيين، و هو في الإنشائيات كالإقدام بتعمير الطرق و الجسور و المساجد و نصب الأحجار عليها لانتفاع العموم بذلك فهذه كلها مصاديق حقيقية للوقف و إيجادها إيجاد لمفهوم الوقف حقيقة، فإن الوقف هو تحبيس العين و تسبيل المنفعة، كما ورد عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و من هذا القبيل وطى الزوج للمطلقة رجعيا فإنه مصداق للرجوع حقيقة.

و تحقق شي‌ء بهذا النحو من الإيجاد لا يحتاج الى قصد تحققه من الفعل، و ان كان لا بد من كونه مسبوقا بالقصد و لو بعنوان غير ذلك العنوان، لئلا يكون في صدوره غير اختياري، كما لو وطى المطلقة بقصد الزنا. و هذا بخلاف القسم المتقدم فيعتبر فيه اقتران الإنشاء بقصد عنوان المنشأ هذا.

و من الممكن في بحث المعاطاة القول بكونها من هذا القبيل، اعنى كونها


1) سيجي‌ء استحالة تحقّق الإباحة و التمليك و غيرهما من العناوين الاعتباريّة بهذا القسم من الإيجاد في تعليقة الأمر الثالث.

مصداقا للبيع حقيقة و الاقدام بها إيجادا للبيع بوجوده الحقيقي، بناء على كون حقيقة البيع هو الأخذ و الإعطاء «و فيه» منع كونهما مصداقا حقيقة للبيع على ما مرّ تفصيله، فإن الأخذ و الإعطاء أعم منه و من الإجارة و العارية و المصالحة و غيرها.

ثم ان تحقق الإباحة بالمعاطاة بعد منع جريان هذا القسم و سابقه فيها يكون مترددا بين بقية الأقسام غير القسم الأول، لعدم كون الإباحة الحاصلة بالمعاطاة من قبيل الإباحة الشرعية قطعا.

فيحتمل ان يكون من قبيل القسم الثاني، و مقتضاه ان يكون الشارع قد حكم بتحقق الإباحة بمجرد تحقق الإعطاء و ان كان ما تعلق به قصد المعطى هو حصول التمليك دون الإباحة.

و يحتمل ان يكون من قبيل الثالث و الرابع من الاقسام، و مقتضاه اناطة حصول الإباحة بالإعطاء بقصد المعطي لحصولها منه و لو في ضمن قصد التمليك، بناء على كون قصد التمليك متضمنا لقصد الإباحة، و كون قصدها مندكا في قصده.

الأمر الثاني في بيان ما يعتبر في كل واحد من الاقسام

فنقول: اما القسم الأول منها، فهو خارج عن محل البحث في المعاطاة، لما عرفت من عدم كون الإباحة الحاصلة بها داخلة تحته قطعا.

و اما القسم الثاني، فليس له شرط يعتبر في تحققه، بل يتبع حكم الشرع من جميع الجهات، و يكون في السعة و الضيق دائرا على مداره.

و اما القسم الثالث، فيعتبر فيه تعلق الرضاء بعنوان يكون معه منشأ للأثر، و الا فلو تعلق بعنوان لم يكن معه منشأ للأثر يسقط عن الاعتبار، و يخرج عن

حيطة هذا القسم، و لا يترتب عليه آثاره، و لا يحمل عليه احكامه، كما لو تعلق الرضا بالتصرف في مال الغير. و من هنا يعلم ان الإباحة لا تترتب على الرضاء الحاصل من المتعاطيين المكشوف عنه بالتعاطي، فان رضاء كل منهما بتصرف الأخر فيما أعطاه من العوض و تسليطه عليه كان لأجل توهم صيرورته ملكا له، و لم يتعلق رضاه بتصرفه فيه بعنوان كونه مالا له و باقيا على ملكه، حتى يكون موجبا لجواز تصرفه فيه كما في سائر البيوع الفاسدة. حيث ان رضاء كل من المتعاطيين بتصرف الأخر فيما أعطاه من العوض، كان لزعم انه صار ملكا له. فرضائه بتصرّفه فيه، كان بعنوان تصرفه مال نفسه، لا تصرفه في ماله. (1)

فنقول: انه يمكن الاشكال فيها بأنه يحتمل كون الرضا قد تعلق بالتصرف في عين المال، و ان صيرورته ملكا للآخذ بالمعاطاة بحسب زعمه من قبيل الداعي عليه. و من المعلوم انه يجوز التصرف في مال الغير باذنه و اباحته، و ان كان الداعي عليهما زعم تحقق أمر غير محقق في الواقع. و الجواب عنه يمكن بوجهين، يعلم منهما حقيقة الحال في المسئلة.

«الأول» دلالة قوله صلّى اللّٰه عليه و آله (1) «لا يحل مال امرء مسلم الا عن طيب نفسه» على اعتبار رضى المالك بالتصرف في ماله بعنوان كونه مالا له لوجهين «احد هما» ان تقدير الرواية: لا يحل التصرف في مال امرء مسلم، و يحل عن طيب نفسه. و ظاهرها اعتبار طيب النفس عن المسلم بالتصرف في ماله بعنوان كونه مالا له، فان الظاهر من العناوين المأخوذة في لسان الأدلة هو الموضوعية، دون الإشارة إلى ذوات معنونها (و فيه) ان المراد من عنوان التصرف في مال المسلم مطلق التصرف فيه، سواء كان بعنوان كونه مالا له أم لا، بداهة عدم حلية التصرف في مال الغير مع عدم طيب نفسه سواء كان التصرف بعنوان كونه مالا له أم لا، بل كان موضوع الحرمة، التصرف في ذات مال الغير مطلقا، من دون اعتبار العنوان فيه «و ثانيهما» ان طيب النفس المعتبر عن المالك، هو عدم وجود شي‌ء من السخط في نفسها بأي نحو كان، و لا يتحقق بمجرد رضاه بالتصرف بعنوان كونه مالا للمتصرف فقط، إذا لم يكن مالا له في الواقع، مع كونه ساخطا للتصرف فيه لو كان مالا له و لو ارتكازا.

«الثاني» ان ما يحتمل ان يكون من قبيل الداعي للرضا أو عنوانا مأخوذا في متعلقة هو العناوين التي يباين منشأها لمتعلق الرضا وجودا، كالضارب فإن منشأه اعنى الضرب، له وجود مغاير لوجود المعنون بعنوان الضارب. دون العناوين التي يستحقها ذات المعنون، و ليس لها منشأ مغاير لها وجودا، سواء كان استحقاقها لها حقيقة كما في افراد النوع بالنسبة إلى عنوانه، كاستحقاق ذات زيد لعنوان الإنسان، أو اعتبارا، و هي في جميع مصاديق العناوين الاعتبارية بالنسبة إليها، فإن ذواتها مصاديق لها اعتبارا، فهي مستحقة لصدقها عليها اعتبارا. فان وقوع العنوان داعيا لتعلق الرضا بمعنونه في القبيل الثاني لا ينفك عن وقوعه متعلقا له، لكون تعلق الرضا بذات معنونه تعلقا له بعينه.

و انما يمكن انفكاكه عنه في القبيل الأول من العناوين، فان مرجع كونها داعيا لتعلق الرضا بمعنونها الى داعوية منشأ انتزاعها، فمرجع داعوية عنوان الضارب لتعلق الرضا بمعنونه، الى داعوية صدور الضرب منه، و مرجع داعوية عنوان الكريم لتعلق الرضا بمعنونه، الى داعوية ملكة الكرم الثابتة له، و هكذا.

فمن الممكن تعلق الرضا بتلك العناوين و كونها مأخوذة في متعلقة، أو تعلقه بذات معنونها من دون مدخلية لها في تعلق الرضا.


1) تصديقه يتوقف على ان المالك إذا رضي بتصرف الغير في ماله، بزعم كونه مالا للمتصرف لا يجدى في حلية تصرفه فيه. و تحقيق الأمر فيها مما يترتب عليه فوائد عظيمة، لجريانها في موارد كثيرة.

و بالجملة الرضا الحاصل بالمعاطاة على نسق الرضاء الحاصل بالبيوع الفاسدة.

و قد فرق المحقق الخراساني- ره- بينها و بين المعاطاة، بأن انتقال العوض في البيوع الفاسدة بحسب زعم المتبايعين قد حصل بالقصد المتحقق قبل التعاطي، فيكون رضاء كل من المتبايعين حين التعاطي بتصرف الأخر في العوض مبنيا على كون تصرفه تصرفا في مال نفسه دون ماله، بخلافه في المعاطاة فإن صيرورته مالا له يكون بنفس التعاطي، فلم يحصل الانتقال الى ملكه حين التعاطي، بل يكون حصوله بعد تحققه.

«و فيه» ان الرضا المقارن للتعاطى و ان كان رضا بتصرف الآخذ في مال المعطى، دون مال نفسه، الا ان استمرار الرضا بالتصرف بعد تحقق المعاطاة يكون رضا بتصرفه في مال نفسه. فتكون التصرفات الواقعة

بعد التعاطي غير مقترنة برضا من هو مالك واقعا بالتصرف في ماله، بل كان رضاه بتصرف الآخذ فيه بعنوان صيرورته ملكا له بحسب زعمهما. و قد عرفت انه لا يجدى في تحقق الإباحة.

و اما الأقسام الثلاثة الباقية، فيعتبر فيها تطابق القصد مع الكاشف في أولها، و مع الإنشاء و الإيجاد في الأخيرين. فلو كان القصد أعم و اشتمل على ما لم يشمله الكاشف في الأول، و ما لم يتعلق له الإيجاد و الإنشاء في الأخيرين، لا يؤثر إلا فيما وقع تحت الكشف و الإيجاد. فإن مجرد القصد لا يكفي في ترتب الأثر في هذه الاقسام على ما هو المفروض فيهما و كذا لو كان أخص، و كان متعلق الكشف و الإيجاد أعم مما تعلق به القصد و اشتمل على ما لم يشتمل عليه، لا يترتب الأثر في صورة انتفاء القصد، فان مجرد تحقق الكشف أو الإيجاد من دون تحقق القصد غير كاف في ترتب الآثار.

و بالجملة ما كان من الأمور قصديا لا يعقل تحققه بدون القصد لاستلزامه الخلف في الفرض. و منه يعلم عدم تعقل حصول الإباحة بالمعاطاة إذا قصد منها التمليك و لم يقصد الإباحة منها هذا.

و قد ذكر الشيخ- ره- موارد لانتقاض هذه القاعدة تنبيها للطلاب و الا فكان شأن الشيخ- ره- تنبيها للطلاب موارد لانتفاض هذه القاعدة و إلا فكان شأن الشيخ (ره) أجل من الالتزام بمثل ذلك.

(فمنها) ان ترك ذكر الأجل في العقد المقصود به الانقطاع يجعله دائما فيتحقق به النكاح الدائم، مع انه لم يتعلق به القصد و انما تعلق بالمنقطع منه:

و فيه أن حقيقة الدائم و المنقطع أمر واحد، و هو النكاح، و الفرق بينهما في الدوام و الانقطاع فقط. فترك التأجيل لا يقدح في تطابق العقد و القصد في أصل النكاح، و يتحقق النكاح من دون التأجيل، لعدم تطابق العقد و القصد بالنسبة اليه، و يصير المؤثر من العقد غير مقيد بالتأجيل، و النكاح الحاصل به

خاليا عن الأجل و مقتضاه صيرورة النكاح دائما، لكون عدم التقييد موجبا للإطلاق (1)

و التحقيق ان يقال ان عقد النكاح بعد عدم ذكر القيد فيه يؤثر في حدوث علقة النكاح، و هي بنفسها مقتضية للدوام، لو لا عروض ما يقطعه، و هو التأجيل في العقد، و موت احد الزوجين أو الطلاق.

.

«و منها» ان البيع لا يفسد بفساد الشرط عند أكثر القدماء، مع ان القصد تعلق بتحقق البيع مشترطا بوجوده لا مطلقا «و توضيح ذلك» ان ما وقع عليه العقد إذا كان مباينا مع متعلق القصد فلا إشكال في عدم تحقق ما وقع عليه العقد، فان العقد وقع عليه مجردا عن القصد. و المبائنة تحصل بمجرد اضافة قيد و لحاظ الشي‌ء مقيدا به، فان المقيد بما هو مقيد يكون مباينا مع المطلق، بل قد ذكرنا في بحث الأقل و الأكثر الاستقلالي من الأصول: ان العدد إذا لوحظ بمرتبته الخاصة يكون مباينا مع ما تحته من الاعداد.

«و الجواب» ان الشرط عند قدماء أصحابنا التزام مستقل واقع في ضمن الالتزام بالمعاملة من دون ان يشترط به التزام المعاملة، فلا ينافي فساد الشرط صحة المعاملة الواقعة التزام الشرط في أثنائها، لعدم إناطة أحدهما بالاخر، حتى يكون فساد أحدهما موجبا لفساد الأخر. و قد خالفهم المتأخرون في ذلك، فذهبوا الى ان الالتزام بالمعاملة مقيد بحصول الشرط. و مقتضاه فساد المعاملة عند فساد الشرط، فان المقيد ينتفى بانتفاء القيد، بل كان هذا هو الموجب لاختلافهم في فساد المعاملة بفساد الشرط و عدمه.

و اما حديث المبائنة بين المطلق و المقيد، فالتحقيق أن المبائنة بينهما انما هي


1) و فيه ان العقد كما لا يفيد تقيده من دون تقيد القصد، كذلك لا يفيد إطلاقه من دون إطلاق القصد، تحقيقا لمقتضى قاعدة التطابق. فلا يفيد إطلاق عقد النكاح و خلوه عن قيد التأجيل مع تقيد القصد به.

فيما كان القيد دخيلا في حقيقة المقيد، و اما إذا لم يكن للقيد مدخلية في حقيقة المقيد، كما في قيد التأجيل بالنسبة إلى النكاح المنقطع، فلا يكون تقيده بالتأجيل موجبا لتباين حقيقته مع الدائم (1)لوحدة حقيقتهما و هي الزوجية. و لا مناص عن الالتزام بها في قبال العامة، حيث يتمسكون في نفى جواز التمتع و التحليل بالحصر الواقع في قوله تعالى «إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ».

«و الجواب» ان المتعة اعنى المنقطعة داخلة تحت الأزواج، فإن الزوجية كما تكون على الدوام، كذلك تكون على الانقطاع و التأجيل، و المحللة داخلة تحت ملك اليمين، فان التملك يتعلق تارة بنفس الأمة، و تارة بخصوص البضع و حيثية الاستمتاع منها.

و مما ذكرنا يعلم وجه اندفاع النقض بمورد آخر أيضا ذكره الشيخ- ره- لانتقاض القاعدة بقوله: و بيع الغاصب لنفسه يقع للمالك مع أجازته، على قول كثير.

بيان اندفاعه أن البيع علقة تحصل بين المالين. كما أنّ النكاح علقة تحصل بين شخصين. فإضافة البيع الى المتبايعين غير داخلة في حقيقته، كما أن إضافة النكاح إلى الصداق غير داخلة في حقيقة النكاح. فبيع الفضوليّ لنفسه و قصد تحققه له، ليس من القيود الدخيلة في حقيقة البيع، حتّى يجعله حقيقة مباينة مع البيع الواقع للمالك. و أمّا حقيقة البيع اعني التمليك فهي حاصلة فيهما على نسق واحد، فلا يكون وقوع ما قصد وقوعه للغاصب من البيع لمن هو مالك حقيقة موجبا لانخرام القاعدة العقلية المذكورة، أعني تبعيّة العقود، و ما قام


1) توضيحه ان الفارق بين الدائم من النكاح و المنقطع منه، استمرار الدائم لا إلى أجل، بخلاف المنقطع، فإنه يستمر إلى أجل معين. و اما قبل حلول الأجل في المنقطع فهو و الدائم على سواء، ليس لواحد منهما جهة فارقة يمتاز بها عن الأخر، بل كلاهما نكاح على نسق واحد، غير ثابت لأحدهما ما لم يثبت للآخر، و ان كان بينهما اختلاف في الأحكام بملاحظة ما بعد الأجل.

مقامها و هو غير العقود من الأمور القصديّة، للقصود.

و أمّا إذا كان متعلق العقد غير مباين مع ما وقع عليه القصد بل كان أحد هما أخصّ من الأخر، بأن يكون ما وقع عليه القصد مشتملا على متعلق العقد و غيره أو بالعكس، سواء كان قصور العقد عن الشمول على جميع ما تعلق به القصد لأجل عدم وفائه بها رأسا، أو لأجل إلغاء الشارع لها بعد ما كان وافيا لها، فيكون بمنزلة غير المذكور في العقد. فلا إشكال في عدم تحقق البيع في موارد الافتراق بين العقد و القصد، سواء كان ذلك لأجل عدم شمول القصد عليها مع شمول العقد أو بالعكس، لكون المفروض بحسب القاعدة المتقدمة اعتبار التطابق بينهما. و أمّا في مورد الاجتماع، فان كان وقوعه تحت العقد أو القصد متقيدا بالجزء الأخر الذي لم يشمله العقد و القصد معا لا يتحقق البيع بالنسبة إليه أيضا، لتباين متعلق القصد بالمرة، لما عرفت من تباين المطلق مع القيد بما هو مقيّد.

و أما لو كان وقوعه تحت العقد أو القصد غير مقيّد بوقوع الأخر تحتهما و غير مرتبط به، تحقق البيع بالنسبة إليه لا محالة. و توضيحه أنّ متعلق عقد البيع أعني المكيّة تنحلّ الى أجزاء عديدة بحسب كلّ جزء جزء من المال، و يكون كلّ جزء منه واجدا لملكيّة مستقلّة مفترقة عن الملكيّة الحاصلة للجزء الأخر منه، بحيث لو خرجت بقيّة الأجزاء عن ملكه بالتلف، أو انتقل الى غيره بالبيع أو غيره من النوافل، يبقى هذا الجزء على ملكة.

ألا ترى انحلال ملك التركة بحسب عدد الوراث فتكون لكلّ واحد منهم ملكيّة مستقلّة على حصّته من التركة، و أمّا لو كان للميّت حقّ قابل للتوريث، لا ينحل بموته إلى حقوق عديدة بحسب عدد الوراث على مذهب بعض الفقهاء، بل ينتقل بوحدته الى مجموع الوارث. و أمّا انحلال الملك فهو على بداهة من فتاويهم. و الحاصل: أنّ متعلق عقد البيع أمر انحلاليّ، فيكون العقد المتعلق به،

و كذا القصد الواقع عليه، منحلين إلى عقود و قصود عديدة بعدد أجزاء المال، فهما كالأمر بإكرام العلماء حيث ينحلّ إلى أوامر عديدة بعدد أفراد العلماء، تكون لكلّ منها إطاعة و عصيان مستقلان.

فعلم ممّا ذكرنا ان العقد لو تعلق على بعض ما وقع عليه القصد أو بالعكس تحق البيع بالنسبة إلى مقدار التطابق بينهما، لأجل انحلال العقد و القصد المتحقق بهما البيع، بعدد كل جزء جزء من اجزاء المبيع. بل و ان لم يتحقق الانحلال، لعدم وجود ريب في كون كل من العقد و القصد منبسطا على جميع اجزاء المبيع، فيكون كل من اجزائه متعلقا لهما و واقعا تحت القصد و منشأ بالعقد المنبسطين عليه.

و لأجل ذلك التزمنا بجريان البراءة في الجزاء المأمور به و لو مع نفى انحلال الأمر إلى أوامر عديدة، فإن الأمر منبسط على اجزاء المأمور به، فيكون الشك في جزئية شي‌ء للمأمور به شكا في انبساط الأمر عليه، و ان كان تعلق الأمر به على استقلاله خارجا عن مجرى البراءة، للعلم بكونه غير متعلق للأمر الاستقلالي برأسه.

و قد تحصل من جميع ما ذكرنا انه لا يمكن الالتزام بتحقق الإباحة بالمعاطاة على تقدير كون قصد المتعاطيين هو التمليك لاستلزامه تخلف العقد عن القصد و قد عرفت استحالته.

ثم ان المحقق الخراساني (قده) ذكر وجها لدفع الاستحالة المذكورة، بما محصله: ان المعاطاة مفيدة للملك حتى على القول بالإباحة، و عليه يرتفع محذور تخالف القصد، مع العقد أو ما يقوم مقامه. توضيح ذلك ان مراد القائل بالإباحة في المعاطاة إفادة المعاطاة لها قبل تحقق التصرف، و اما بعده، فقد وافقوا القائلين بالملك، و التزموا بحدوثه بعد التصرف، و لو بنقله الى غيره، بالنقل اللازم أو الجائز فإنه ليس للمالك الأصلي إلزامه بالرجوع فيه.

نعم لو رجع فيه و فسخه كان له استرداده منه. و اما لو ملكه ثانيا بنقل جديد من دون فسخ النقل الأول لم يكن له استرداده منه، لتغيره عما هو عليه حال الإعطاء.

و بالجملة لم يوجد احد يقول بجواز استرداد المأخوذ بالمعاطاة بعد التصرف فيه، و حاصله تحقق الإمضاء للمعاطاة من الشارع على طبق ما قصده المتعاطيان منها و هو التمليك بعد تصرف احد هما فيما أخذه من الأخر، فيكون نظير بيع الصرف و السلم في لحوق إمضاء الشارع بهما بعد تحقق التقابض في الأول و قبض الثمن في الثاني. و تأخر لحوق الإمضاء عن العقد و تحققه بعد أمر متأخر عنه لا يوجب تخلف العقد عن القصد كيف و لا مناص عنه في قاطبة البيوع حتى المنشئة باللفظ، لحصول الانفكاك بين تحقق الملكية و تحقق الإيجاب لا محاله بتخلل القبول بينهما، مع ان المقصود من الإيجاب إنشاء الملكية من حينه.

فتأخر حصول الملكية فيها كما لا يوجب التخلّف المذكور فيها، كذلك لا يوجبه في المعاطاة. و اما الإباحة الحاصلة من حين التصرف فلا يقدح أيضا في التطابق مع القصد، و قد مر نقل كلامه «ره» في ذلك فراجع.

و فيه انه لا دليل على تحقق الملكية بعد التصرف و اما عدم جواز الرجوع بعده فلأجل عدم بقاء المأخوذ بالمعاطاة على ما هو عليه حين الإعطاء، و المبيح انما يجوز له الرجوع فيما اباحه من الغير، إذا بقي على ما هو عليه حين الإباحة، و اما مع فقده فلا رجوع له، و كذا لا رجوع للآخر من المتعاطيين فيما أعطاه من العوض و لو مع بقاء ما أعطاه على ما هو عليه حين الإعطاء، لكون اباحته متقيدة بإباحة الأخر، لإناطة كل من الاباحتين الحاصلتين بالمعاطاة بالأخرى، فان كلا منهما قد دفع ماله و اباحه من الأخر، بشرط دفع الأخر أيضا ماله اليه و اباحته منه، فيكون رجوع احد هما فيما اباحه مستلزما لرجوع الآخر و امتناع الرجوع منه مستلزما لامتناعه من الأخر.

و بالجملة الحادث بالتصرف في أحد طرفي المعاطاة هو الإباحة اللازمة الآبية عن الرجوع (1)و هي غير الملكية. فالقول بحدوثها بعد التصرف، لمجرد امتناع الرجوع خارج عن مقتضى البرهان. و قد أفاد ما ذكرناه شيخ المشايخ الشيخ الجليل مرتضى الأنصاري «ره» عند تعرضه لكلام الشهيد في الأمر السابع من تنبيهات المعاطاة هذا.

و أبعد مما ذكره المحقق المذكور في دفع محذور التخلف عن القصود، ما التزمه بعض. من ان حصول الإباحة بالمعاطاة مع قصد التمليك منها، كان من باب تعدد المطلوب.

و هذا غفلة عن اختصاصه بالأوامر، و عدم جريانه في العقود و الإيقاعات، فإن المدار في باب الأوامر على ارادة المولى فلو علم تعلقها ببعض المطلوب عند تخلف العبد عن الإتيان بجميعه تجب متابعتها، سواء أنشأ له امرا بالخصوص أم لا.

و اما في العقود و الإيقاعات فالمدار فيها على تحقّق الإنشاء، و ليس مجرد القصد و الإرادة فيها منشأ للأثر ما لم يقترن بهما الإنشاء كما عرفت فيما مر.

نعم يمكن الالتزام بانحلال العقد الفعلي، اعنى المعاطاة- بعد فرض عدم إمضاء الشارع لها على طبق ما قصده المتعاطيان منها اعنى التمليك- الى جزئين، احد هما الإباحة، و الأخر جزء كان لحوقه عليها محصلا للتمليك. فالإباحة


1) لا معنى للإباحة اللازمة من المالك بحيث لم يكن له الرجوع، الا بحكم الشارع بدوام الإباحة بعد ما أقدم عليها المالك، فتنقلب إباحة شرعية. و الا فمقتضى سلطنته على ماله و ملكه تسلطه على قطع الإباحة، و ان أقدم عليها بنية الاستمرار.و بالجملة الإباحة فعل للمالك فهو العلة التامة لها، فله قطعها أو إبقائها. و اما انعدام موضوع الإباحة فهو موجب لانتفائها بانتفاء موضوعه، فالتعليل بدوام الإباحة بانتفاء موضوعها تعليل بعدم الشي‌ء على وجوده، و هو باطل بالضّرورة.

حينئذ مقصودة للمتعاطيين في ضمن قصد التمليك و غير واقعة على خلاف ما قصد عن المعاطاة، و الاشكال في المعاطاة كله مبنى على القول بكونها مفيدة للإباحة بنحو القسم الخامس من الأقسام المذكورة، أعني كونها سببا إنشائيا أثرت في حدوث الإباحة مع عدم اقترانها بقصدها من المعاطاة، و اما بناء على كونها من القسم السادس اعنى كونها مصداقا خارجيا لمفهوم البيع و التمليك، لكون مقتضى إطلاقها إعطاء جميع جهات المال من الجانبين، و ان حقيقة البيع لا تتعدى عنها، فالبيع و التمليك يحصلان بمجرد المعاطاة. و ان لم تقترن بقصدهما منها أصلا، بل ينطبق عليها عنوان البيع و التمليك قهرا من غير توقف على قصد هما منها.

الأمر الثالث في اختلاف أنواع العقود و الإيقاعات لصلاحية حصولها بالمعاطاة و عدمه
اشارة

و ان المعاملات من العقود و الإيقاعات بحسب كيفية حقائقها على قبيلين (1).


1) لا إشكال في كون قاطبة العقود و الإيقاعات أمورا اعتبارية، و يشهد له تحققها بإنشاء الصيغة، و من البديهي انه لا تتحقق بإنشاء الصيغة الا الأمور الاعتبارية. و سيجي‌ء في ثالثة ما علقناها من الحواشي على هذا الأمر: ان الأمور الاعتبارية يستحيل تحققها في الخارج بالمصداق الحقيقي و انه يختص بالأمور الحقيقية.و لم يذكر الأستاذ (قده) إمكان وقوع حقيقتها في الخارج إلا في ثلاثة منها، و هي الوقف و البيع و الهبة، اما البيع و الهبة فتعرض لهما تفصيلا في ثالثة ما علقناها من الحواشي على هذا الأمر.اما الوقف، فمن البديهي انه ليس تحبيسا للعين حقيقة و لا تسبيلا للمنفعة كذلك، بل المراد تحبيسها عن التمليك و التملك، و تسبيل المنفعة بتمليكها أو تمليك الانتفاع بها، و ان منع الواقف أو غيره عن الانتفاع بها خارجا.

(الأول) ما أمكن وقوع حقيقتها في صفحة الخارج، و تحليها بالوجود العيني الخارجي (كالوقف) فان حقيقته، اعنى تحبيس العين و تسبيل المنفعة، مما يمكن تحققها في الخارج.

«و الثاني» ما لا يمكن حصول حقيقتها في الخارج، و الواقع منها في الوجود اعتبار حصولها دون حقيقتها بنفسها. و من هذا القبيل الطلاق، و الوديعة، و العارية، و الكفالة، و الوكالة، و الصلح، و الرهن. فإن حقائقها غير قابلة لان توجد بأنفسها في الخارج، بل الممكن منها إنشائها بالأسباب الإنشائية، و إيجادها بالوجودات الاعتبارية. و سيجي‌ء زيادة توضيح له ان شاء اللّه تعالى.

و يعتبر في كلا القبيلين كون ما تتحقّق به المعاملة ظاهرا فيها بنفسه، أو بمعونة قرائن توجب ظهوره فيها. فان من القرائن ما يوجب ذلك، و منها ما لا تفي باحداث الظهور فيه، و انما يكشف عن مراد القائل أو الفاعل فقط.

و الحاصل: انه يعتبر في اللفظ الإنشائي ان يكون ظاهرا في المنشأ بنفسه أو بمعونة القرائن اللفظية، لكونها موجبة لظهور اللفظ (1)دون القرائن الخارجية،


1) لا معنى لإعطاء القرينة الظهور للّفظ، فان مناط اعتبار الظهور ههنا اعتبار الوضع، اعنى جعل الوحدة بينهما. و جعل اللفظ وجودا للمعنى بكليته كوضع لفظ الأمر للبعث، أو بمصداقه كوضع صيغة افعل و اعتباره مصداقا له، و هو وضع ألفاظ الإنشاء. و القرينة لا توجب الوضع بل إنما تحكي عن المراد فقط. و غاية ما يمكن من التفصيل بين القرائن، ان القرينة قد تحكي عن المراد من اللفظ و انه أريد منه ذلك و قد تحكي عن المعنى في عرض ذلك اللفظ و ان كان يدل بالالتزام على ارادته من اللفظ أيضا و على كلا التقديرين لا اعتبار بالقرينة في إنشاء العقود نعم لو كانت لفظا دالا على معناه بالوضع و كانت مقترنة بلفظ الإنشاء بحيث كان مجموعهما لفظا واحدا عرفا يكون مجموعهما إنشاء و تتحقق المعاملة بمجموعهما، و اما مع الافتراق أو كون القرينة فعلا فلا، و اما كثرة الاستعمال في معنى فليست من القرينة في شي‌ء، بل هي توجب وضع اللفظة له فهو المنشأ للظهور و الدلالة دون القرينة، و امّا الإطلاق فهو مدلول نفس الكلام عرفا، و ليس امرا آخر ليعدّ من القرائن الخارجيّة.

لعدم كونها موجبة له و ان كانت تكشف عن مراد المتكلم. اللهم الا ان توجد قرينة خارجية و وافية باحداث الظهور فيه، ككثرة الاستعمال الموجبة لانصراف اللفظ المطلق الى بعض افراده.

و كذلك يعتبر في الفعل المنشأ به المعاملة أو الفعل الذي توجد به حقيقتها اعنى المصداق الحقيقي لها، ان يكون ظاهرا فيها بنفسه أو بقرائن فعلية تقترن بالفعل و تحدث فيه الظهور في المعاملة. (1)و اما القرائن اللفظية فهي بالنسبة إلى الفعل كالقرائن الفعلية بالنسبة الى اللفظ، غير وافية لإحداث الظهور فيه، و ان كانت تكشف عن مراد الفاعل. و لأجل ذلك لا يمكن إيقاع البيوع الشرطية بالمعاطاة، فإن الفعل لا يصلح للدلالة على الاشتراط و لا اعتداد بالقرائن اللفظية الدالة عليه.

و بالجملة القرينة المعتد بها هيهنا هي القرينة الموجبة لإحداث الظهور.

فمن القرائن الموجبة لإحداث الظهور احتياج اللفظ أو الفعل في الدلالة على احد معنييها الى قيد، فإنه يوجب ظهوره في الأخر منهما عند عدم تقيده به، كظهور الأمر في الوجوب عند الإطلاق، مع كونه موضوعا في اللغة لمطلق الطلب الشامل على الوجوب و الندب، لافتقار الندب إلى إضافة قيد يدل على الرضاء بالترك و ذلك يجري في مصاديق المعاملات أيضا إذا توقف صيرورة الفعل مصداقا لأحد عنوانين- تردد كونه مصداقا لأحدهما- على انضمام قيد إليه، فإن خلوه عن القيد حينئذ يكون موجبا لظهوره في المصداقية للآخر منهما.

فمنه الإعطاء المشترك بحسب الحقيقة بين البيع و الهبة، حيث ان توقف


1) لا يكفي في الإنشاء ظهور الفعل اى كشفه عن المعنى بالدلالة العقلية أو العادية بل لا بد و ان يكون بالوضع اعنى جعل العينية بينهما حتى يكون إيجاده إيجادا للمعنى و وجوده وجودا له اعتبارا على ما تقدم في التعليقة المتقدمة.

كونه مصداقا للبيع على اقترانه بما يجعله ظاهرا في التمليك بالعوض، يوجب ظهوره عند فقده في التمليك الغير المعوض، و هو الهبة، و لعل اقترانه في المعاطاة بأخذ العوض يجعله ظاهرا في التمليك بالعوض هذا.

و اما استظهار التمليك من الإعطاء و كونه مصداقا لعنوانه مع كونه مترددا بحسب حقيقته بينه و بين عدة من المعاملات الغير المشتملة عليه، فالوجه فيه:

ان الإعطاء عند تجرده عن القرينة الحاصرة له في بعض الجهات، ظاهر في شموله على جميع الجهات. فينطبق الإعطاء حينئذ على خصوص التمليك دون غيره من محتملاته، فإن إعطاء جميع جهات المال هو التمليك.

بيان الظهور: ان الإطلاق كما ينعقد للفظ بكون المتكلم في مقام البيان لجميع الجهات الدخيلة فيما يريده، بحيث لا يبقى معه حالة منتظرة للسامع في فهم مراده واقعا، كذلك ينعقد للفعل أيضا، بكون الفاعل في مقام إيجاد جميع ماله مدخلية في مقصده. و هذا يحصل للمتعاطين عند المعاطاة فيؤخذ بمقتضى إطلاقها و هو إعطاء جميع الجهات.

و يشهد له، انك إذا أعطيت خبزا للفقير ثم انصرفت عنه، و انصرف هو عنك، كان فعلك هذا ظاهرا في إعطاء جميع جهات الخبز مطلقا بحيث لو طالبته بعد اكله و افنائه بعينه أو بقيمته، يذمك العقلاء بأنك لو قصدت إعطائه وديعة كان واجبا عليك ان تضمه بالقرينة. و كذلك الإعطاء الحاصل من المتعاطيين عند المعاطاة مطلق غير مقرون بالقرينة، مع كون المقام مقتضيا لابراز القيود الدخيلة فيما يريد عن الإعطاء من الإعارة أو الإجارة أو غيرهما.

و حيث قد أطلق فعله و لم يجعله مقرونا بقرينة دالة على اختصاص الإعطاء بخصوص المنفعة أو الانتفاع أو غير هما من جهات المال، كان ظاهرا في إعطاء جميع الجهات.

و لا تخفى متانة هذا التقريب في إثبات تحقق البيع بالمعاطاة، (1)

و الأمر الاعتباري هو المفهوم الذي ليس له ما بحذاء في الخارج فلا يعقل ان يكون له مصداق خارجي، فان المصداق ليس الا ما بحذاء المفهوم في الخارج. نعم يكون المصداق الاعتباري للمفهوم الاعتباري في الخارج اعتبارا، باعتباره مصداقا له في الخارج، كالانحناء حيث اعتبر مصداقا للتعظيم، و كستر الرأس بالقلنسوة، فإنه كان عند المتقدمين في عصرنا مصداقا للتعظيم و الاحترام، و قد جعل عند المتجددين مصداقا للتحقير و التوهين.

فعلى هذا يمكن ان يكون الإعطاء مصداقا اعتباريا للتمليك، لكنه يكون حينئذ إنشاء فعليا، كما ذهب اليه السيد- قده- و قد فر منه الأستاذ- ره- فانّ المراد منه هو الإيجاد بالمصداق الاعتباري و الوجود التنزيلي.

«و ثانيا» ان كون إعطاء شي‌ء في الخارج إعطاء لجميع جهاته عند الإطلاق و التجرد عن القرينة مسلم، لكون الإعطاء تسليطا للمعطى له على الشي‌ء المعطى، و إطلاقه يقتضي تسليطه عليه بنفسه و اجزائه و جميع الأوصاف القائمة به في الخارج، فيكون مسلطا عليه بجميع التصرفات الموجبة لتغير في اجزائه أو أوصافه الخارجية. لكن الملكية ليست من الأوصاف القائمة به في الخارج، بل هي أمر اعتباري قيامه بالمعتبرين، فلا يكون إعطاء الشي‌ء لأحد تسليطا له على ما كان أجنبيا عنه في الخارج بالمرة و ليس جزء له و لا صفة قائمة به في الخارج.

فان قلت: ليس المراد ان الإعطاء يتعلق بالملكية كسائر أوصاف المعطى، بل المراد ان إعطاء الشي‌ء بجميع جهاته يساوق التمليك.

قلت: انا قد سلمنا ان إعطاء الشي‌ء تسليط له على الشي‌ء بأنحاء التصرف، و السلطنة على التصرفات فيه لا يستلزم الملكية فضلا عن العينية بينهما، كما ينادى به الشيخ «قده» في المكاسب فرقا بين القول بالملكية و القول بجواز جميع التصرفات. «و التحقيق في المسئلة» تحقق البيع بالمعاطاة، لحكم العرف بذلك، و قد تقدم منا تفصيل الكلام في حجية حكم العرف في تشخيص المصاديق، كحجية حكمه في تشخيص المفاهيم.

و يعلم ذلك من ملاحظة الإطلاقات العرفية، فترى ان المتعاطيين بعد المعاطاة يقول أحدهما:

انى بعت المال الفلاني، و الأخر يقول: انى اشتريت هذا، و إذا سئل أحد هما: بكم اشتريت هذا؟

يقول: بكذا، و إذا سئل الأخر: بكم بعت المال الفلاني؟ يقول: بكذا، و يقول من أخذ ثوبا بالمعاطاة و كان له ثوبان آخران: انى أملك ثلاثة أثواب، و إذا سئل عن احد هما كم تملك من الدراهم؟ فيقول درهما، إذا أخذ بالمعاطاة درهما، و لم يكن له غيره، أو درهمين إذا كان له درهم غيره، و إذا سئل عن الأخر. ما فعلت بثوبك؟ يقول: فقد بعته، و إذا سئل كم لك من الأثواب؟

يقول: ثوبان، إذا كان له ثلاثة أثواب قبل المعاطاة، فإذا سئل منه ما فعلت بالثالث؟ يقول: فقد بعته، و نظائرها مما لا تحصى كثرة.

و عليك بملاحظة الإطلاقات الشائعة بين عرفنا و عرف غيرنا من الملل، و ذلك بحيث لو منعتهم عن الإطلاق المذكور شددوا عليك النكير بحسب ارتكازهم، و ان كانت المتشرعة منهم يتبعون فتاوى الفقهاء في الأحكام، لكنهم لا يتبعونهم في نفى إطلاق لفظ البيع. فان كان لك حجة من الشرع على تخطئة العرف في ذلك فهو المتبع، و الا يشملها أحكام البيع بجملتها، و ليس ذلك إلا الشهرة المتحققة من المتقدمين على عدم تحقق البيع عند المعاطاة، و قد وضعنا رسالة في حجية الشهرة المتحققة بين المتقدمين، الّا ان الشهرة في المسئلة ليست واجدة لشرائط الحجية التي ذكرناها في الرسالة، هذا.

ثم ان حقيقة البيع، اعنى التزام كل من البائع و المشتري بصيرورة ماله ملكا للآخر بإزاء صيرورة مال الآخر ملكا له، يحصل بأحد أمرين:

أحد هما، العقد، و قد تبين فيما مرّ انه مصداق اعتباري للبيع و ان التزام كل من البائع و المشتري فيه معقود بالتزام الآخر، و مقتضاه اللزوم.

الثاني، التزام كل منهما بصيرورة ماله ملكا للآخر بإزاء صيرورة مال الآخر ملكا له في قلبهما مع ترتيب الأثر عليه خارجا، و هو المعاطاة، أو ان المعاطاة هي تعاطى المالين مع الالتزام بصيرورتهما ملكا للآخر، و قد يحصل بإعطاء أحد هما و أخذ الآخر مع الالتزام المذكور.

و مقتضاه جواز البيع الحاصل بالمعاطاة، لكون كل من المتعاطيين مسلطا على التزامه، فله نفى استمراره و إعدامه، فيمكن القول بمتابعة الشرع و العقلاء للمالك في نفى اعتباره استمرارا و يمكن منعه و الالتزام بحكم الشرع باللزوم تعبدا، و هذا بخلاف العقد، فان الالتزام فيه معقود و مشدود بالتزام الآخر، فلا يجوز فسخه لأحد الجانبين منفردا.

لا سيما على القول بكون حقيقة المعاطاة الإعطاء و الأخذ. لو لا ان حقيقة البيع ليس مطلق التمليك الثابت بهذا التقريب كون المعاطاة مصداقا له، بل التمليك المقيد بالعوض. و ليس من القرائن الفعلية ما يوجب ظهور الإعطاء في ذلك.

1) و فيه أولا: ان الملكية المصطلحة أعني ملكية المال لمالكه، من الأمور الاعتبارية. و كذا التمليك، كما تقدم بيانها على التفصيل فيما وضعناه من الحاشية فيما تقدم لبيان حقيقة الملكية، و قد صرح الأستاذ (ره) به عند البحث في الملكية.

نعم اقتران الإعطاء بأخذ العوض عند المعاطاة قرينة على كونه إعطاء بعوض، لكن غايته الدلالة على مقابلة الفعلين، اعنى كون الإعطاء في مقابل الإعطاء، و التمليك بإزاء التمليك، و هذا ليس من حقيقة البيع في شي‌ء، بل المأخوذ في حقيقته، هو المقابلة بين المالين، دون التمليكين.

إذا عرفت هذه المقدمات فقد ظهر لك أمران:

الأول تعيين محل النزاع في المعاطاة

و ان محل الكلام بين المتقدمين رضوان اللّه عليهم في المعاطاة هو ما إذا قصد المتعاطيان مجرد الإعطاء. و انه هل يتحقق البيع بذلك أم لا.

فذهبوا الى ان المعاطاة ليست بيعا و انما هي إباحة محضة. و قد عرفت: أن نفيهم لتحقق البيع بالمعاطاة عين الصواب، و ان كان مقتضى ما ذكرناه من حديث الإطلاق انطباقها على الهبة لا الإباحة المجردة (1).

و بالجملة ان كلماتهم مصروفة عن المعاطاة إذا قصد منها الإباحة، فإن الكلام في تحقق البيع بها و عدمه مما لا يمكن نسبته إلى أدنى الطلبة، فضلا عن أعلام المتقدمين.

و نظيره في السخافة، البحث في كون المعاطاة مفيدة للإباحة بل الالتزام بها، إذا قصد منها التمليك. فليس محل البحث و الكلام عند المتقدمين رضوان اللّه عليهم الا ما ذكرنا.


1) و التحقيق كون المعاطاة بهذا المعنى مصداقا للتسليط على جميع أنحاء التصرفات و منع كونها مصداقا للتمليك.

الثاني تبيين مباني القول بكون المعاطاة بيعا

ان القائل بكون المعاطاة بيعا لا بد و ان يلتزم بأحد أمور ثلاثة (1)«الأول» ان تحقق البيع في الخارج غير مفتقر إلى إنشاء، بل يكفي في تحققه مجرد وجود ما يكشف عن قصد المتعاطيين، و يحكم الشارع بحدوث الملكية بمجرده. و ربما ينطبق على هذا الوجه أكثر كلمات الشيخ و السيد و غير هما من المتأخرين، مقتضاه الاكتفاء عن الإيجاب و القبول بمجرد لفظ يكشف عن قصد المتبايعين، و لو بنحو الاستيجاب و الإيجاب أو غيره، و تلغو حينئذ جميع ما ذكر اعتبارها في العقد، من كون اللفظ المتحقق به العقد ظاهرا في المراد و عدم كفاية المجاز و ان اقترن بقرائن تدل على ما أريد منه، و غيرها مما ذكر اعتباره في العقد مع انها مما لم يلتزم بها احد منهم. نعم قد التزم بها بعض الأخباريين عملا بظاهر بعض الاخبار.

و بطلانه يظهر من ملاحظة ان البيع هو تمليك البائع للمبيع، و مقتضاه تحقق الملكية للمبيع من جانبه، لا من جانب الشارع، حتى يكون حكم الشارع بحدوث الملكية مستلزما لتحقق عنوان البيع. و من الواضح ان الملكية أمر إيجادي، لا يحصل إلا بإيجاد له في الخارج، بأحد النحوين المذكورين فيما يأتي، فلا حكم الشارع يكفي في تحقق البيع، و لا قصد المالك من دون إيجاد منه يقتصر عليه في تحصله.

و قد أشار العلامة إلى نفى ذلك في باب الهبة بقوله و تحتاج إلى إيجاب و قبول


1) قد عرفت ان البيع يتحقق بالالتزام القلبي بشرط ترتيب الأثر عليه بالمعاطاة و هو غير الأقسام الثلاثة المذكورة.

و لا تكفي المعاطاة في الهبة كسائر التمليكات انتهى.

و من العجيب ما ذكره المحقق الثاني ره: ان المفتقر إلى الإنشاء هي اللازمة من العقود دون الجائزة منها، فالمعاطاة انما تحتاج إلى الإنشاء، إذا عنى من افادتها الملك افادة الملك اللازم، و اما إذا عنى منها إفادة الملكية المتزلزلة غير اللازمة، فلا يقدح فيها كون المعاطاة فاقدة للإنشاء.

و فيه ان توقف تحقق العقود اللازمة على وقوعها تحت الإنشاء، و عدم توقف الجائزة منها عليه ليس من حيث كونها لازمة أو جائزة، حتى يحكم بالتوقف عليه في كل مورد تحقق فيه اللزوم أو بعدمه في كل مورد تحقق فيه الجواز، بل من حيث كون العقود الجائزة من الأمور الإذنية، و لذا سميناها بالعقود الإذنية فيما مر.

و بالجملة ما هو المناط في حصول هذا الفرق بين اللازمة من العقود و الجائزة منها، هو كون مفاد العقود الجائزة إذنا في متعلقاتها، و الاذن يتحقق بحصول ما يكشف عن الرضا، فما كانت من العقود مفادها الملكية، لا تتحقق من دون تحقق الإنشاء، و ان كانت لازمه غير جائزة، كيف؟ و الهبة من العقود الجائزة و قد عرفت تصريح العلامة بعدم كفاية المعاطاة فيها.

«الثاني» كون المعاطاة إيجادا للبيع خارجا، بما هو مصداق لحقيقته بناء على كون المعاطاة مصداقا حقيقيا للبيع، و قد عرفت الاشكال فيه، و ان سلمنا كونها مصداقا للتمليك. لكون حقيقة البيع تمليكا بعوض و ليست المعاطاة مصداقا له بالقيد المذكور.

«الثالث» تحقق البيع و التمليك بالمعاطاة بنحو تحققها بالعقد اللفظي بأن تكون سببا إنشائيا لهما. و قد عرفت انه يتوقف على كونها موضوعة للتمليك، متعلقة بها التنزيل، اعنى تنزيلها منزلة التمليك عرفا بحيث يكون وجودها فانية في وجوده. و من التزم به نطالبه بدليل الوضع و التنزيل، و لعله أمكن الاستدلال

عليه بالسيرة.

«بيانها» ان المعهود من عمل الأصحاب إجراء آثار الملكية لما اهدى إليهم من دون إيقاع عقد عليه، و قد أهديت الجارية إلى النبي صلّى اللّٰه عليه و آله فعامل معها معاملة الملكية حتى استولد منها. فلا يبعد دعوى السيرة على الاكتفاء بالمعاطاة في خصوص الاهداء أو في مطلق التمليك حتى البيع كما عن أبي حنيفة حيث قال: ان البيع يتحقق بما يراه الناس بيعا و لا يخفى عليك ان الوضع المستدل عليه بالسيرة ليس امرا شرعيا بل عرفي يكون المرجع فيه هو العرف، فليس التمسك بسيرة المتشرعين الا من حيث كونهم من أهل العرف، فتكون سالمة عما أورد عليها الشيخ- ره- بأنها ربما تكون من سيراتهم الناشئة عن التسامح و قلة المبالاة بالدين. فإنه انما يرد على الاستدلال بها في إثبات حكم شرعي ثبت من الشرع، و اما الأمور العرفية فالحجة تقوم عليها بجريان سيرة الكفار فضلا عن المسلمين إذا تسامحوا بالدين.

و الحاصل انّه إذا ثبت تحقق الوضع في زمان من الأزمنة السالفة أو اللاحقة، كان موجبا لصحة البيع بالمعاطاة في ذلك الزمان و ان كان منشأ حصوله مجرد التخصص الحاصل من كثرة الاستعمال. فعليك بملاحظة ذلك في زمانك، فان ظفرت عليه فهو، و الا فلا مناص عن إنكار حصول البيع بالمعاطاة هذا.

و ههنا نكتة لطيفة لا بد من التنبيه عليها. و هي ان المعهود من العرف إطلاقهم لعنوان البيع، على نفس المعاطاة لا الحكم بتحقق البيع عند تحققها و تلقيها سببا لحصوله مغايرة معه في الوجود، فالمستفاد منهم كون المعاطاة مصداقا للبيع لا سببا إنشائيا موضوعا لإنشائه (1)و قد تقدم إبطاله.


1) قد عرفت ممّا بيّنّاه سابقا ان الإنشاء يساوق المصداقية، لكون الإنشاء إيجادا للشي‌ء بما له من المصداق الاعتباري، و قد عرفت أيضا مما قدمناه ان البيع يتحقق في مورد المعاطاة بالتزام المتبايعين بملكية مال بإزاء مال، و ان كان من شرطه ترتب الأثر عليه بالمعاطاة، فليست المعاطاة مصداقا للبيع و الإنشاء له.

فالمطلوب و هو وضع المعاطاة لإنشاء البيع غير مستفاد منهم، و المستفاد منهم، و هو مصداقية المعاطاة للبيع غير مطلوب، لعدم كونها مما يتبع العرف في إحرازها. فإن الحكم بالمصداقية من وظائف العقل، و ليس لغيره نظر متبع في ذلك. و قد عرفت منع حكم العقل بمصداقية المعاطاة للبيع. بخلاف الوضع فان المرجع في إحرازه هو العرف وحده، لكونه امرا راجعا إليهم.

تتمّة في مقتضى اختلاف المباني في المعاطاة

اعلم ان مقتضى المباني المتقدمة في المعاطاة بالنسبة إلى جريانها في غير البيع من العقود و الإيقاعات و عدمه ليس على نسق واحد فهي بناء على كونها مفيدة للتمليك تعبّدا من الشارع أو كونها سببا إنشائيا له ثبت وضعها عليه غير آبية عن جريانها في جميع العقود و الإيقاعات. و امّا بناء على كون جريانها في البيع لأجل ثبوت كونها مصداقا له، لا تجري في كثير من العقود و الإيقاعات لكون حقائقها آبية عن المصداق الحقيقي هذا و بينها فروق اخرى و من جملتها اقتضاء المبنيين الأوّلين للزوم المعاطاة و اقتضاء ثالثها لعدم لزومها فلنشرع في تحقيق ذلك.

المبحث الثاني في جواز المعاطاة أو لزومها

اشارة

و تحقيق القول يتوقّف على طي مرحلتين:

المرحلة الاولى في أقسام الجواز و اللزوم
اشارة

اعلم ان جواز المعاملة أو لزومها قد يكون بحكم تعبدي من الشرع و قد يكون من ناحية نفس المتعاملين: «أما الصورة الأولى» فاللزوم المتحقق بها على أقسام.

«الأول» ان يكون منشأ حكم الشرع به استحالة الجواز عقلا، لاستلزامه اعادة المعدوم المستحيلة عند العقل، كلزوم الإبراء، فإن منشأ حكم الشرع به استلزام الجواز عقلا لإعادة المعدوم، لكون حقيقة الإبراء إسقاط الملك أو الحق.

فالحكم بجوازه يستلزم الإعادة لهما بعد السقوط و الانعدام. (1)

«الثاني» ان يحكم به الشارع من دون استحالة عقلية في الجواز تقتضي اللزوم، بل لأجل استحالة شرعية ثابتة عند الشرع. كحكمه بلزوم العتق، لما ثبت منه ان الحر لا يعود رقا، الا ان يعرض عليه سبب آخر يقتضي رقيته ثانيا.


1) ان الموجود الاعتباري (أعني ما كان وجوده بالتخيل و الفرض) لا تستحيل اعادته بعد العدم، فمن الممكن قطع فرض وجود الملكية و اعتبار وجوده في ذمة المديون بالإبراء، ثم فرضها و اعتبار وجودها ثانيا بعد الرجوع من حين الإبراء، و لا تنافي بين فرض الملكية و عدم فرضها في زمان واحد، إذا اختلف زمان الفرضين. و انما التنافي بينهما إذا اتحد زمانهما و سيجي‌ء مثله من الأستاذ ره- في باب الفضولي.

«الثالث» ان يحكم به متقيدا ببعض الأحوال، كالحكم بلزوم بيع الحيوان إلا في الثلاثة.

اما الجواز و انحلال العقد المتحقق بحكم الشرع يكون «تارة» لأجل انتفاء موضوع العقد أحيانا، كحكمه بجواز العقود الإذنية المتقومة بالاذن، لأجل انتفائها و انقطاع استمرارها بانتفاء الاذن. كالوديعة، فإنها باقية ما دام بقاء الاذن فإذا انتفى انتفى عقد الوديعة بانتفائه، لتقومه بالاذن و وجب ردها الى مالكها. نعم قد حكم الشارع في جملة من الموارد باللزوم، مع انتفاء موضوع الاذن. «فمنها» الاذن بدفن الميت، فلا ينتفي بانتفائه حكم الدفن، و لا يستحل به نبش القبر «و منها» اذن المالك لغيره بإتيان الصلاة في ملكه، فلو بدا له في اذنه في أثناء اشتغال المأذون له بالصلاة لم يجب عليه قطعها و الخروج عن ملكه من حينه على قول «و منها» اعارة اللوح للسفينة، فلا يجب رده بانتفاء اذن المالك بعد شده و مسيرها، حيث تغرق لو فك اللوح منها.

و تارة لأجل علة تحدث في العقد مع بقاء موضوعه على ما هو عليه، كحكم الشرع بجواز الهبة، فإنّها مع عدم كونها من العقود الإذنيّة المتقومة بالإذن و المنفيّة بانتفائه، بل من العقود المفيدة للملك، قد حكم الشارع عليها بالجواز عند بقاء الموهوب. ثمّ إنّ الثابت بحكم الشرع، قد يكون اقتضاء العقد بالجواز لحكم الشارع باقتضائها له. و الجائزة من العقود بهذا النحو من الجواز، لا تصير لازمة، باشتراط اللزوم فيها. لكون اشتراط اللزوم فيها مخالفا و منافيا لمقتضاها، و لا باشتراطه في ضمن عقد أخر، لكونه مخالفا لمقتضى الشريعة و منافيا لما ثبت فيها من الحكم بالجواز. و قد يكون نفي اقتضاء العقد للزوم. كالوكالة فإنّها محكومة بالجواز، لكونها فاقدة لاقتضاء اللزوم. و الجائزة من العقود بهذا النحو من الجواز، لا يمتنع جعلها لازمة باشتراط لزومها في ضمن عقد آخر، لعدم التنافي بينه و بين الجواز

المحكوم به العقد في نفسه، ضرورة عدم التنافي بين المقتضي لشي‌ء و بين ما لا يقتضيه أصلا لا وجودا و لا عدما، و إنّما التنافي بين مقتضي وجود الشي‌ء و مقتضي عدمه.

و امّا الصورة الثانية، و هي أن يحصل اللزوم أو الجواز بجعل المتعاقدين، فكاللزوم الحاصل للعقد بإسقاط المتعاملين في ضمنه لما فيه من الخيارات، و الجواز الحاصل للعقد باشتراط الخيار فيه من المتعاملين، و ان كان الأصل في العقود هو اللزوم لما ذكره العلّامة من انّ الغرض منها لا يحصل إلا بلزومها، لعدم حصول الاطمئنان بالتصرّف في المعقود عليه المطلوب للمتعاملين إلا باللزوم.

ثمّ انّ الفرق بين اللزوم الحاصل بجعل المتعاملين، و اللزوم الحاصل من ناحية الشرع، هو جواز الإقالة أعنى انتفائها و انعدامها بتباني المتعاملين في الأول دون الثاني.

و الوجه فيه أنّ اللزوم حينئذ قد تحقق من ناحية المتعاملين بإلقاء كلّ منهما زمام ما حصل عنده من الالتزام بتمليك الأخر لما له فصار التزام كلّ منهما بيد الأخر، و وقع تحت سلطنته، كما أنّ التزام الأخر صار بيده و وقع تحت سلطنته، و مقتضاه عدم إمكان البداء لكلّ منها في التزامه، و لا ينافي ذلك جواز رد كلّ منهما لما تحت سلطنته من الالتزام الحاصل من الأخر إليه، فيعود العقد جائزا منفكا بفك كل منهما و منفسخا بفسخه.

تذييل في تقسيم الجواز و اللزوم بحسب المتعلق

اعلم أنّ الجواز و اللزوم يتعلقان تارة بنفس العقد و اخرى بالمال المعقود عليه و معنى الجواز عند تعلقه بالعقد كما في موارد الخيارات جواز فسخ العقد و

عند تعلقه بالمال جواز استرجاعه من غير ان يكون موجبا لانفساخ العقد و من القبيل الثاني الجواز الثابت للهبة فإنه حينئذ يتعلق بالمال الموهوب بمعنى جواز استرجاعه و استرداده و لا يكون استرجاعه فسخا لعقد الهبة أصلا و من الممكن ان يكون الجواز الثابت للمعاطاة أيضا من هذا القبيل فيكون ما استدل به الشيخ (ره) على لزومها من عموم آية الأمر بوفاء العقود غير وارد على مورده.

المرحلة الثانية في افتراق آثار البيع و التعهد و العقد

اعلم أنّ في مورد البيع أمورا ثلاثة، قد يجتمع بعضها مع بعض و قد يفترق، و يتحقق بعضها دون بعض، و يختص كل منها بأثر يثبت بثبوته و ينتفي بانتفائه.

«أحدها نفس البيع» و هو التمليك، و أثره سلطنة المشتري على المبيع، و نفوذ جميع تصرفاته، و عدم حليته للغير إلّا عن طيب نفسه. و ترتبها موقوف على بقاء المبيع في ملكه، و اما مع رجوع البائع، و إخراجه للمبيع عن ملكه، فهي غير مترتبة قهرا لانتفاء الحكم بانتفاء موضوعه بل ينقلب إلى البائع بانقلاب موضوعه اليه.

«و ثانيها العهد» و هو التزام المتبايعين بكون مال كل منهما ملكا للآخر، و أثره وجوب الوفاء به، لقوله (ص): «المؤمنون عند شروطهم» بناء على ان الشرط هو الالتزام. و من المعلوم ان الحكم بوجوب الوفاء، يتوجه إلى البائع أو المشتري، على تقدير تحقق العهد منهما. فلو منع احد هما عن بقاء عهده و أقدم على إعدامه ينقطع عنه توجه التكليف بالوفاء، لما عرفت من كون الحكم قائما بموضوعه، فليس له استقرار مع انتفاء موضوعه بل ينفذ بنفاده كما يبقى ببقائه.

«و ثالثها العقد» و هو شد العهدين من البائع و المشتري و إيصال أحد هما

بالاخر، فليس لأحدهما إعدام عهده لكونه مشدودا بعهد الأخر، بل قد القى كلّ منهما بالعقد زمام عهده الى الأخر، فالآخر هو المسلط على إعدام عهده لكون زمانه بيده و اختياره.

و هذا هو الوجه في تسميته بالعقد، فيكون معنى جعل الخيار من ناحية الشرع أو من ناحية نفس المتعاملين تخصيصا لشد العهد و إبقاء له تحت سلطة العاهد و اختياره الى آخر أزمنة الخيار.

و مما ذكرنا يعلم ان العقد بنفسه يقتضي اللزوم، و قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» إمضاء لمقتضاه. فكل بيع متضمن للعقد لازم قهرا، سواء تحقق باللفظ أو الفعل، فإنه لا منع عن تحققه بالفعل، كيف؟ و البيعة الشائعة في قديم الأزمان الحاصلة بالصفقة كانت من أشد العقود و لا تقبل فكّا و لا استرجاعا.

هذا و قد تبيّن انّ المدار في اللزوم على حصول العقد، من غير فرق بين ان يحصل باللّفظ أو الفعل.

فالمعاطاة لو ثبت كونها واجدة لشرائط العقد التي منها كونها ظاهرة في المعاملة المقصودة بها و فانية فيها، تصير معادلة للصيغة دالّة مثلها على التمليك بالمطابقة، و على عهد المتبايعين بالالتزام من غير فرق بينها و بين الصيغة اللفظيّة أصلا. و اما بناء على كونها مصداقا لنفس البيع، من غير انّ يكون سببا إنشائيا له يحصل به عقد البيع، فلا يترتّب عليه إلا أثر البيع، و هو عدم حلية التصرف فيما صار الى كل من المتبايعين إلا بإذنه و طيب نفسه. و لا ينافي ذلك جواز الاسترجاع، فان عدم حلية التصرف في المبيع إلّا بإذن المشتري و عدم حلية التصرف في الثمن إلّا بإذن البائع لأجل صيرورتهما ملكا لهما، لا ينافي خروج كلّ منهما عن ملك من دخل بالمعاملة في ملكه و عوده الى ملك مالكه الأصليّ. و أمّا أثر العقد، و هو اللزوم فغير مترتّب على المعاطاة حينئذ لعدم كونها عقدا، فهي بناء على المبنى المذكور مفيدة للملكيّة الجائزة غير اللازمة.

نعم يمكن الالتزام بلزوم المعاطاة بغير المعنى المذكور (1)بل بالمعنى التكليفي المساوق لحرمة الاسترجاع.

و منه يعلم ان الجواز الثابت للمعاطاة هو ما يقابل اللزوم المذكور، اعنى الجواز التكليفي الذي معناه جواز استرجاع كلّ من المتبايعين لما أعطاه، و لذا ينتفي حكم الجواز بنفاد ما أعطاه و تغيره عمّا هو عليه حال الإعطاء. و هذا بخلاف الجواز بالمعنى الأول، فإن موضوعه العقد، و يبقى ما دام العقد باقيا بالبقاء الاعتباري. فيجوز فسخه و ان تغيرت العين المعقودة عليها عمّا هي عليه، فإذا انفسخ العقد وجب ردها الى المالك الأصلي، بنفسها إذا لم تتلف بعد العقد، و الا ببدلها من المثل أو القيمة فإن العقد انما يتعلق بعنوان المالية القائمة بالعين، فإذا تلفت العين تقوم بالمثل و القيمة، و يكون مقتضى انفساخ العقد وجوب رد مثل التالف أو قيمته، لقيام عنوان المالية المتعلّقة للعقد بهما.

و قد علم أيضا أنّ ثبوت الجواز للمعاطاة ليس لأجل قيام المقتضي له أعنى كون المعاطاة متضمنة لما يقتضي جوازها، بل لأجل عدم قيام المقتضي للّزوم، فثبوت الجواز لها من باب عدم الاقتضاء لا اقتضاء العدم، فلا ينافي اقترانها أحيانا بما يقتضي اللزوم، كاشتراطه في ضمن عقد لازم آخر، أو تلف احدى العينين المتعلقة بهما المعاطاة هذا هو مقتضى التحقيق في وجه جواز المعاطاة، و امّا القوم فقد تمسكوا فيه بقيام الإجماع على استلزام اللزوم للفظ و دورانه مداره تارة، فيكون لازمه جواز كلّ معاملة خالية عن اللّفظ، و على جواز المعاطاة بعينها اخرى. و يختلف مقتضاه باختلاف التعبيرين. فمقتضى التعبير الأول كون الأصل في المعاطاة هو الجواز، فيتوقف إثبات اللزوم لها أحيانا على إجماع آخر


1) ان الجواز بناء على ما قدمناه في تفصيل البحث في المعاطاة يتعلق في مورد المعاطاة بنفس البيع كالبيع العقدي، فالتفرقة بينهما في متعلق الجواز غير صحيح.

يخرجها عن الأصل المذكور. و مقتضى التعبير الثاني، كون الأصل لزوم المعاطاة كسائر البيوع، و انما خرجت عنه لقيام الإجماع على جوازها، فيؤخذ بالقدر المتيقن منه، و يرجع في موارد الشك إلى أصالة اللزوم. ثمّ أنّ أصالة اللزوم لو ثبت في المعاطاة كان مبناها هو الإجماع المذكور، و الا فليس واحد من الوجوه الستة المذكورة في كلام الشيخ ناهضا على إثباتها، امّا غير الأخير منها فلان جريانها مبني على بقاء المال في ملك المشتري، فإذا خرج عن ملكه برجوع البائع تكون الوجوه المذكورة قاصرة عن الشمول عليه (1)و أمّا الأخير منها، اعنى التمسك بأدلّة الخيارات، كقوله عليه السّلام (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) فلأنّ مفهومها كعدم الخيار بعد الافتراق و ان كان يشمل جميع البيوع، و المفروض كون المعاطاة بيعا، الا انّ من المعلوم عدم وجود الخيار في المعاطاة، فهو قرينة على اختصاص الأدلّة المذكورة بغير المعاطاة، من البيوع المتضمنة للعقد.

هذا و تمام الكلام ببيان الحال في رواية يستدلّ بها على بطلان المعاطاة تارة، و نفي اللزوم عنها اخرى، و هي (2)ما رواها الشيخ بسنده عن الحسين بن


1) و الوجوه المذكورة تأبى عن رجوع البائع في ما صار ملكا للمشتري بغير اذنه، و الا لما صح التمسك بها على عدم جواز بيع المال بغير اذن مالكه، فإنه أيضا إخراج للمال عن ملكه. و الوجه في ذلك ان خروجه عن ملكه في رتبة متأخرة عن الرجوع، فهو لا يسوغ جواز الرجوع بغير اذنه.و التحقيق: الفرق بينه و بين بيع المال بغير اذن المالك، فان الرجوع إعدام ملكية المشتري من أول حدوثها، و جعلها غير حادثة من أصلها. فلا تكون الملكيّة حافظة لنفسها، لاستحالة كون ممكن الوجود حافظا لوجود نفسه، بخلاف بيع المال بغير اذن المالك، فإنّه إخراج له عن ملكه من حين تحقق البيع، فتكون الملكية المقارنة للبيع مانعة عن صحة البيع بغير اذن المالك.

2) وسائل الشيعة، أبواب أحكام العقود، باب 8 حديث 4، أقول: و لم يوثق خالد بن نجيح بخصوصه بل قيل: انّه من أهل الارتفاع، لكن روى عنه صفوان، ثبت ذلك بدليل ما رواه في مشيخة من لا يحضره بسند صحيح عن صفوان عنه، و هو دليل الوثاقة كما بيّنّاه في «معجم الثقات» راجع، ص 151 و 168 و سائر رجال السند ثقات بلا اشكال.

سعيد عن ابن ابى عمير عن يحيى بن الحجاج عن خالد بن نجيح عن ابى عبد اللّه عليه السلام- و قد وقع الخلط في المكاسب في سند الحديث- قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: الرجل يجيئني يقول: اشتر لي هذا الثوب أربحك كذا و كذا، فقال: أ ليس ان شاء أخذ و ان شاء ترك؟ قلت: بلى. قال: لا بأس، إنّما يحلل الكلام و يحرّم الكلام، الحديث.

و اعلم انّ هذه الرواية قد وردت في بيع ما ليس عنده و كانت مسوقة لبيان حكمه، و قد استدلّ بها بعض العامّة على عدم جواز بيع السلم.

توضيح المراد من الرواية يتوقف على بيان مقدمة، و هي: انّ بيع مالا يملكه البائع يكون (تارة) بأن يبيعه من احد، قبل ان يشتريه من مالكه، ثم يشتريه من مالكه و يعطيه إياه بعد ما اشتراه. فيكون عقد البيع مقدما على شراء المال من مالكه، و ان كان الوفاء به متأخّرا عنه، و هذا محرم في الشريعة. «و اخرى» بأن يقاوله في شراء مال من مالكه ثم بيعه منه بعد الشراء، أو في شرائه له عن المالك بدوا، و هذا لا إشكال في جوازه على كلا التقديرين، فإنّه على التقدير الثاني يكون وكيلا في شراء المال عن صاحبه، و على التقدير الأول يتملك المال عن مالكه بالشراء منه ثمّ يبيعه من الأخر بعد ما صار ملكا له. و بالجملة يتفاوت الأمر بين ان تكون المقاولة الحاصلة قبل شراء المال عن مالكه بعنوان العقد، و بين ان يكون مقاولة صرفه، و يكون تحقق العقد بعد شراء المال عن مالكه. فالعقد المتحقق قبل شراء المال من المالك في الصورة الأولى باطل غير سائغ في الشريعة و المتحقق بعده من العقد في الصورة الثانية مقرون بالصحة و مصون عن الريبة.

إذا عرفت ذلك فنقول: ان قوله: عليه السلام: أ ليس ان شاء أخذ و إن شاء ترك، كان في مقام السؤال عمّا هو ملاك الفرق فيما ذكرنا من الوجهين، و محصله ان العقد هل وقع قبل الشراء من المالك حتى يكون المشتري ملزما بعده

على العمل بمقتضى العقد أم وقع بعده؟ و انّما وقع قبل الشراء مجرد المقاولة، فيكون المشتري مختارا في الاقدام على العقد و أخذ المال، أو تركه و الامتناع عن أخذه. فأخبره الراوي بعدم كونه ملزما على أخذ المال، و أراد به عدم وقوع العقد قبل الشراء، و ان الواقع قبله مجرد المقاولة.

و منه يعلم ان معنى قوله عليه السّلام: «انّما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام». انّ الكلام الواقع بينهما قبل شراء المال من المالك ان كان عقدا يحرّم به البيع، و ان كان مجرّد المقاولة و تحقق العقد بعده يحل به البيع.

و ممّا ذكرنا تعرف انّ ما ذكره الشيخ (ره) من الوجوه لمعنى هذه الفقرة غير خالية عن الاعتساف.

المبحث الثالث في تنبيهات المعاطاة

التنبيه الأول في شرائط المعاطاة و أحكامها

شرائط المعاطاة و أحكامها تختلف بحسب الوجوه و الأقوال المختلفة الّتي تقدم تفصيلها.

امّا على القول بأنّها تفيد الإباحة الشرعية، فهي في الإطلاق، و التقييد، و السعة و الضيق تتبع الأدلّة الشرعية. فإن كانت واجدة لما يكون حجة في إطلاق إفادة المعاطاة لها و وافية لإثبات حصولها بالمعاطاة على الإطلاق، فهي المتبعة في طرد جميع الشرائط المحتملة مدخليتها في حصول الإباحة بالمعاطاة. و الا فيؤخذ بالقدر المتيقن منها، و هي المشتملة على جميع الشرائط المحتملة.

و اما على القول بأنّها تفيد الإباحة المالكيّة، فهي في العموم، و الخصوص، و الإطلاق، و التقييد، تتبع لعموم قصد المالك أو خصوصه و إطلاقه أو تقييده، فانّ عم شمولها على جميع الأحوال من دون تقيّد بحال دون حال فهي تفيد الإباحة في جميعها و ان اختص ببعض الأحوال لا تفيدها إلا في تلك الحال.

و امّا على القول بكونها تمليكا، يفيد حصول الملكيّة. فإن كان القول به مبنيّا على انّ المعاطاة عقد فعلى وضع لإنشاء البيع كالصيغة اللّفظية بعينها فلا إشكال في تحقق البيع بها. و كذا مع البناء على كفاية مجرد وجود الكاشف عن القصد، فيجري فيها جميع شروط البيع و احكامه.

و ان كان مبنيّا على تلقيها مصداقا للبيع، كان الجاري فيها من الشروط و الاحكام مجرد ما ثبت منها لعنوان البيع (1)و اما ما كان منها ثابتا للبيع بعنوان العقد، فيختص بخصوص البيع المشتمل على العقد، و لا يشمل المعاطاة، لكونها فاقدة للعقد بناء على المبنى المذكور. و بالجملة ان الالتزام بهذا المبنى يوجب التفرقة و التفكيك بين أحكام البيع و شروطه الثابتة لغير المعاطاة من البيوع. و مناط التفرقة، كون ملاك ثبوتها للمعاطاة، انطباق عنوان البيع أو عنوان العقد عليها.

و منه يعلم ان جريان الخيارات فيها مبنى على ثبوتها للبيع بعنوانه، لكن التحقيق المنع عن جريانها في المعاطاة. نظرا الى انّ مقتضى ظاهر أدلّة الخيارات و ان كان ثبوتها لعنوان البيع كقوله عليه السّلام «البيعان بالخيار ما لم يفترقا»، لكون ظاهر العنوان المأخوذ في الموضوع كونه بنفسه موضوعا للحكم، من دون ان يكون الموضوع في الحقيقة عنوان آخر يتحد معه العنوان المأخوذ في الموضوع


1) و كذا بناء على ما بنينا عليه في كون المعاطاة بيعا.

بحسب الوجود و انّما أخذ فيه مرآتا لذلك العنوان، الا انّ الظاهر ربما يصار الى خلافه لأجل قيام القرينة عليه. و هي حاصلة فيما نحن فيه حيث ان الفقرة التالية للفقرة المذكورة و هي قوله عليه السلام: (فإذا افترقا وجب البيع)، قرينة على ثبوت الحكم بالخيار في الحقيقة لعنوان عقد البيع. فإن المقتضي للزوم البيع و وجوبه هو العقد، و ليس لما كان من البيوع فاقدا للعقد لزوم، و لا وجوب، فكلّ فرد من البيع لم يكن واجدا للعقد لا يشمله قوله «ع» (البيعان بالخيار)، لعدم شمول قوله «ع» فإذا افترقا وجب البيع عليه. فكان عنوان البيع المأخوذ في لسان الرواية موضوعا لحكم الخيار مرآتا لعنوان العاقد للبيع، فالمدار في ثبوت الخيار على تحققه دون العنوان المأخوذ في ظاهر الرواية. و قد تحصل ممّا ذكرنا ان العبارة المتقدمة من الحديث المروي في كتب الخاصة، منطبقة على العبارة المروية منه في كتب العامة، و هي «المتعاقدان بالخيار».

هذا كله بناء على كون المعاطاة بيعا، و اما بناء على انّها معاملة مستقلّة في قبال البيع، و ان كانت مشاركة له في إفادة الملك، فالمرجع في إحراز شروطها و أحكامها هو الدليل الشرعي الدالّ على صحتها. و ليس هو إلا السيرة المدعاة على صحة المعاطاة و افادتها للملك، و هي دليل لبي فيقتصر فيها على القدر المتيقن، و هو الجامع لجميع الشروط المحتملة مدخليتها في الصحة.

التنبيه الثاني في كفاية الإعطاء و الأخذ من جانب واحد و عدمه

هل يعتبر في المعاطاة تحقق الإعطاء من كلا الطرفين بالفعل، كما هو ظاهر صيغة المعاطاة الجارية عليها اصطلاح المتأخرين، أم لا (1).


1) لا بأس بتحقق البيع بالإعطاء بعوض من جانب و الأخذ من الجانب الأخر، و يشهد له إطلاقات العرف، و قد عرفت انّها حجة متبعة.

و التحقيق التفصيل فيه بحسب اختلاف المباني في المعاطاة، فمقتضى القول بكونها عقدا اعتبار ذلك، لوجوب اشتمال العقد على الإيجاب و القبول فعلا من دون تحقق فصل بينهما. نعم لو قيل بكفاية الأخذ في الدلالة على القبول من دون توقف تحققه على إعطاء العوض، و كونه أيضا موضوعا عرفا للقبول بحيث كان فانيا فيه كذلك فلا إشكال في الاكتفاء به في المعاطاة، و يتحقق البيع بها و يترتّب عليها احكامه.

و كذا على القول بكفاية مجرد الكاشف عن القصد تحقق البيع من دون اعتبار وقوعه تحت الإنشاء و الإيجاد. فان واحدا من المتعاطيين إذا اعطى ماله بالعوض و أخذه الأخر يكشف ذلك عن رضا هما بالمعاوضة، و ان لم يتحقق رد العوض فعلا.

و امّا بناء على كون المعاطاة مصداقا للبيع، فالقول بصحة المعاطاة و تحقق البيع بها مشكل جدا. فإنّه لم يتحقّق حينئذ مصداق تمليك العوض، و يلزمه عدم كون الإعطاء مصداقا لتمليك المعوض، لكونه مشروطا بالعوض، فإذا انتفى الشرط ينتفى المشروط بانتفائه.

و كذا على القول بكونها سببا شرعيا للإباحة، فهي تتبع في السعة و الضيق لما يستفاد من الدليل الوارد فيها من الشرع، كما عرفت في التنبيه الأول، و هو السيرة الجارية عليها من المتشرعة، و القدر المتيقن منها ما لو تحقق كلا الاعطائين معا. (1)

و اما على القول بإفادتها للإباحة المالكية، فقد عرفت ان تحصيلها يدور مدار قصد المالك، أو قصده مع وجود ما يكشف عنه. فان تعلّق في مفروض


1) بل السيرة جارية على تحقق البيع عند المعاطاة على كلا التقديرين، سواء تحقق الإعطاء من الجانبين، أو من احد هما، من دون فرق بينهما أصلا.

المسئلة بإباحة ماله من الغير بشرط إباحته أيضا له بعوضه في الجملة، و لو غير مقارنة بصدور الإباحة منه، فلا إشكال في حصول الإباحة منه فعلا، و ان لم تتحقق الإباحة من الجانب الأخر معه. و ان تعلق قصده بإباحة ماله من الغير بشرط اقترانها بصدور الإباحة منه لعوضه، فلا يكون إعطائه لماله اباحة له إذا لم يتحقق معه إعطاء الأخر بالعوض، لعدم حصول الشرط المعتبر في تحقق الإباحة بذلك.

التنبيه الثالث في تشخيص البائع عن المشتري و تمييز هما

فاعلم ان تحصيل معنى البائع و هو الفاعل من البيع و سائر مشتقاته، يتوقف على معرفة معنى البيع. و قد عرفت فيما مرّ انّ معناه تمليك العين بعوض، فيكون البائع من تصدى لتمليكها بالعوض، و المشتري من يطاوعه فيه و يتملك العين كذلك و على هذا القياس، كان المبيع هو العين الملكة بالعوض، و الثمن هو العوض المجعول بإزائه.

و منه يعلم ان التعويل في تمييز المبيع عن العوض و تمييز البائع عن المشتري، على التقدم في الإنشاء و جعل من بدء بالإنشاء أولا بائعا و من تأخّر في الإنشاء مشتريا، و جعل متعلق الإنشاء المتقدم مبيعا، و متعلق الإنشاء الثاني عوضا في البيع، على غير الحقيقة و الصواب.

التعويل في تمييز المبيع و العوض على الثمن و المثمن، و ان ما هو المثمن من المالين مبيع، و ما هو الثمن عوض في البيع. فان البيع يتعلق في الصرف بالثمن و يكون الغرض الأصلي من البيع تمليكه فقد يكون الثمن هو المبيع، نعم الغالب منهما تعلق الغرض الأصلي من البيع بتمليك المثمن، لكنه ليست قاعدة مطردة

شائعة في عموم افراد البيع، حتى يجعل مناطا و ملاكا في تمييزها يرجع إليه في الموارد المشكوكة.

هذا و أنت بعد ما أحطت خبرا على ملاك التمييز بين البائع و المشتري، و بين المبيع و العوض، يبدو لك الإشكال في تعيينهما و تمييز هما في المعاطاة، من حيث ان تعلق المعاطاة على كلا العوضين على نسق واحد، و ليس في أحدهما ما يوجب التميز عن الأخر، حتى يتعين كون أحدهما مبيعا و الأخر عوضا. (1)و جعل كل منهما مبيعا و عوضا مبنى على اشتمال المعاطاة على معاوضتين، يكون كل منهما مبيعا في إحداهما و عوضا في الأخرى و هو كما ترى.

و قد تحصل ممّا ذكرنا انّه ليس في مورد المعاطاة مبيع و عوض يمتاز كل منهما عن الأخر، و هذا من أمارات عدم كونها بيعا، فلا بدّ على القول بصحتها و كونها مفيدة للملك، من الالتزام بأنّها معاملة مستقلة. و يمنعه حصر المعاملات في العدة المعروفة عناوينها، بناء على ما هو التحقيق فيه. و اما بناء على نفى انحصارها فيها و تجويز المعاملات بأيّ نحو اتفق تمسكا بعموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و عموم «المؤمنون عند شروطهم» كما ارتكبه السيد- ره- فلا بأس بالالتزام بها أصلا.

التنبيه الرابع في أقسام المعاطاة
اشارة

أقسام المعاطاة كثيرة جدا و التي تعلق الغرض ببيانها ههنا، لوجود الفرق بينها من حيث الأحكام الجارية عليها، أربعة أقسام، ذكرها الشيخ- ره-


1) تميز البائع عن المشتري و المبيع عن الثمن في المعاطاة، بناء على ما بنينا عليه من تحقق البيع عند المعاطاة، بان ما وقع الالتزام على ملكيته منهما هو المبيع، و ما جعل عوضا و ما بحذاء له هو الثمن، و من كان المبيع في جانبه هو البائع، و من كان الثمن في جانبه هو المشتري.

في المكاسب.

«الأول» ان يقصد كل من المتعاطيين. تمليك ماله بإزاء مال الأخر، و لا إشكال في صحة هذا القسم، على تقدير تسليم تحقق البيع بالمعاطاة.

«الثاني» ان يقصد كل منهما تمليك ماله بإزاء تمليك الأخر لما له بان تكون المقابلة بين التمليكين دون المالين. و هذا القسم غير داخل تحت البيع، لكون حقيقته مبادلة المالين، و جعل كل من المالين بإزاء المال الأخر. نعم لو ملّك كلّ منهما ماله بشرط تمليك الأخر أو كان تمليك الأخر من قبيل الداعي لتمليكه تكون داخلة تحت عنوان الهبة لجواز اشتراط تمليك الأخر في ضمن الهبة، أو جعله داعيا عليها و اما مع جعل المقابلة بين التمليكين، فلا تدخل تحت الهبة و لا المصالحة، فإن المصالحة إنشاء التسالم على تبديل المالين، و ليس مجرد تبديلهما فتكون معاوضة مستقلة. و قد أشرنا في التنبيه السابق الى أنّ التحقيق بطلان ما عدا المعاوضات المحصورة المتعينة.

«الثالث» ان يقصد احد هما تمليك ماله بإزاء إباحة الأخر لماله، و يقصد الأخر إباحة ماله بإزاء تمليك الأخر و قد وقع الإشكال في هذين القسمين من وجهين «أحدهما» عدم دخولهما تحت واحدة من المعاملات المحصورة المتعينة «ثانيهما» ما تعرض له الشيخ، من عدم صحة إباحة جميع التصرفات حتى المتوقفة على الملك، كالوطي و العتق و البيع و الوقف و هي ما تسالم عليه بعض الفقهاء و الحق الشهيد عليها الخمس و الزكاة، و زاد فيها بعض آخر غير هما. فنتعرض لتحقيق الحال فيها لتوقف التحقيق في المسئلة عليه فنقول.

اما الوطي فتوقفه على الملك لأجل الحصر الواقع في قوله تعالى «إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ» فإن مقتضاه عدم جواز وطى غير الزوجة إلا بعد صيرورتها ملكا للواطى، و لا تنافيه مشروعية التحليل عند الخاصة، لكونه أيضا

تمليكا. و الفرق بين تمليك الجارية و تحليلها بعد اشتراكهما في أصل التمليك، ان التمليك قد تعلق في الأول بنفس الجارية و في الثاني بحيثية الاستمتاع منها، و ان اشتراط إيقاعه بصيغة التحليل.

و اما غير الوطي، من المذكورات فلا دليل على توقفها على الملكية. و امّا ما اشتهر بينهم من انّه «لا بيع إلا في ملك» فليس في أحاديثنا ما يكون بهذه العبارة، نعم وقع التعبير بعبارة «لا بيع الّا فيما يملك» في كثير من الروايات الواردة في مسئلة عدم جواز البيع و العتق قبل ان يتسلط على المبيع و المعتق، و عدم جواز الطلاق قبل ان يتسلط على النكاح فلا يجوز الاقدام عليها بنحو ان يقول في العقد ان اشتريت عبدا فقد بعته منك أو أعتقته و ان تزوجت امرأة فهي طالق «فمنها» رواية محمّد بن قيس (1)قال: سألته عن رجل قال ان زوجت فلانة فهي طالق و ان اشتريت فلانا فهو حر و ان اشتريت هذا الثوب فهو في المساكين فقال: ليس بشي‌ء لا يطلق الا ما يملك و لا يعتق الا ما يملك و لا يتصدق الّا ما يملك «و منها» رواية أبي بصير (2)عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: كان الذين من قبلنا يقولون لإطلاق و لا عتاق الا بعد ما يملك الرجل «و منها» رواية يحيى بن سالم (3)عن أبي جعفر «ع» قال: سألناه عن الرجل يقول ان اشتريت فلانا أو فلانة فهو حر، و ان اشتريت هذا الثوب فهو في المساكين و ان نكحت فلانة فهي طالق. قال: ليس ذلك بشي‌ء لا يطلق الرجل الا ما ملك و لا يعتق


1) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات الطلاق، باب 12 حديث 2- و لم يصحح السند لأجل محمّد بن قيس فإنّه قال في المختلف: ان محمّد بن قيس إذا أطلق فإن روي عن الباقر عليه السلام اشترك بين الثقة و غيره راجع «معجم الثقات» ص 115.

2) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات الطلاق، باب 12، حديث 6 و هو حديث صحيح الإسناد.

3) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات الطلاق، باب 12 حديث 10 و لا بأس بسنده.

الّا ما ملك و لا يتصدق الّا ما ملك «انتهى».

و المراد من الملك المذكور في الروايات مجرد السلطنة (1)لا الملكية المصطلحة، بقرينة كونها ناظرة إلى إنكار مذهب العامة، و هو جواز العتق و البيع قبل السلطنة على العبد. مضافا الى وقوعها في سياق قوله «ع» «لإطلاق إلا فيما يملك» و ليس المراد من ملك الزوجة إلا التسلط عليها. هذا مع ان استعمال الملك في معنى السلطنة في الايات و الروايات أكثر من استعمالها في المعنى المصطلح، فلو لم يتعين حمله عليها فلا أقل من إجماله.

و السلطنة كما تحصل بالملكية المصطلحة كذلك تحصل بأمر المالك أو رضاه، و ربما تحصل بحكم الشارع و ان لم يرض به المالك. و لذا ذكروا في شرائط المتعاقدين: انّه يشترط في المتعاقدين كونهما مالكين أو مأذونين من قبل المالك أو من قبل الشارع. و عليه يدل قوله «ع» في التوقيع الشريف «الضيعة لا يجوز ابتياعها الا من مالكها أو بأمره أو رضى منه» و العطف فيها بكلمة أو تدلّ على تباين المعطوفات، و مقتضاه نفي اشتراط الملك بالمعنى المصطلح. و الجامع بين الثلاثة هو السلطنة، فالّذي يشترط في صحة البيع هو مطلق السلطنة الحاصلة، بأيّ نحو كان من الأنحاء المذكورة، كيف؟ و لا إشكال في جواز بيع الموقوفات لمتوليها، مع انّها غير مملوكة له و لا لغيره. و كذلك بيع الزكاة للحاكم مع عدم كونها ملكا له الى غير ذلك من الموارد.

و قد يستدلّ على اعتبار حصول الملكيّة المصطلحة للبائع بقوله عليه السلام «لا تبع ما ليس عندك» «و فيه» ان المراد منه النهي عن بيع ما لم يقبضه، فهو أيضا أجنبي عما نحن فيه.


1) بل المراد هو الواجدية، فأراد عليه السلام لا يطلق الرجل الا امرأة يجدها، و لا يعتق الا عبدا يجده، و لا يتصدق الا مالا يجده، و قد وقع الخلط في تفسير معنى الملك الحقيقي و الاصطلاحي بين السلطنة و الوجدان، فراجع ما قدّمناه من الكلام في حقيقة الملك.

و قد استدلّ عليه العلّامة (ره) بانّ البيع معاوضة، و معنى المعاوضة ان ينتقل كلّ من العوضين الى محل الأخر و هو يقتضي ان يكون المبيع قبل البيع ملكا للبائع الذي يدخل العوض في ملكه تحقيقا لمعنى المعاوضة (و فيه) انّ ما ذكره انّما هو في المعاوضة الحقيقية، و امّا في الاستعمالات العرفية فلا يراد منها الا ما يقابل المجان، بان يكون التمليك له في قبال ما بحذاء، كيف؟ و ربما يعدون النكاح من المعاوضات، باعتبار أن المهر عوض للبضع، مع انّه يجوز ان يعطي المهر غير الزوج إجماعا و بالجملة لا دليل على كون البيع معاوضة إلا ما عن المصباح من تعريف البيع بأنّه مبادلة مال بمال و ليس المراد من المبادلة إلا ما ذكرنا هذا.

فتحصّل ممّا ذكر انّه لا دليل يقتضي توقف التصرفات المذكورة على حصول الملكيّة المصطلحة، بل المعتبر فيها حصول السلطنة بأعمّ من حصولها لأجل حصول الملكيّة المصطلحة أو الاذن من ناحية الشارع أو المالك مع إمضاء له من الشرع. فالمهم في المقام إثبات أحد أمرين امّا اذن الشارع فيها ابتداء، و لا دليل على اذن الشارع فيها لغير المالك إلا في موارد خاصة أشرنا إلى بعضها.

و امّا الإمضاء و التجويز منه لإذن المالك فيها مطلقا حصل بالفعل، كالمعاطاة أو القول، كان يقول أذنت لك في البيع و أبحته لك، أو في خصوص ما حصل بالفعل.

و لا دليل عليه الا رواية «الناس مسلطون على أموالهم». و في دلالتها على المطلوب نظر، خفي على من استدلّ بها عليه (1)

و نتعرض لها على التفصيل بحسب الوسع و الطاقة، لكثرة الحاجة إليها في جميع أبواب المعاملات، لا سيّما البيع في كثير من مباحثه و إشباع الكلام فيها في مقامات. اعلم: ان المراد من السلطنة في محمولها هو السلطنة الاعتبارية، و الا فمن البديهي انّه ربّما تكون يد المالك قاصرة عن ملكه. فلو بنينا الأمر على مذهب الأستاذ (ره) من كون حقيقة الملك هي السلطنة، كانت القاعدة متضمنة لحمل الشي‌ء على نفسه، لكون معنى أموالهم هو أملاكهم، فتكون القضية لغوا خارج عن منهج العقلاء. و لا يعقل جعلها مسوقة لبيان فقد المانع عن السلطنة، لكون فرض الملكية في موضوع القاعدة مستلزما لفرض قيام المقتضي له و فقد المانع عن فعليته، بداهة عدم تحقق الشي‌ء إلا بعد استتمام العلة التامّة، المتحصلة من وجود المقتضي و الشرط و عدم المانع.

و التحقيق، انّ الملك له حقيقة ممتازة عن السلطنة، و هي الوجدان، و بالفارسيّة (داشتن) و السلطنة، أثر يترتب عليه كما بيّناه تفصيلا فيما مر. و بالجملة ان السلطنة من آثار الملك و الملك مقتض لثبوتها فيعقل المانع عنه بعد فرض الملكية.

إذا عرفت ذلك فنقول: ان ظاهر القاعدة، إثبات السلطنة للمالك بنحو الفعلية، كما هي ظاهر كلّ قضية. فهي تدلّ بالالتزام على وجود المقتضي للسلطنة و عدم المانع عنها. و لما كان اقتضاء الملك للسلطنة و ثبوتها للمالك بنحو الشأنية بديهيا، و إلا تلغو اعتبار الملك، صح ان يقال: ان القاعدة مسوقة لبيان فقد المانع عن السلطنة. الا انّه لا يمنع عن التمسك بإطلاق القاعدة في إثبات السلطنة في موارد الشك، فانّ كونها في مقام بيان فقد المانع في طول كونها في مقام بيان فعلية السلطنة، و إثبات السلطنة بنحو الفعلية و منه يعلم اندفاع ما ذكره المحقّق الأصبهاني (قد ره) من المحذور لكونها في مقام بيان فقد المانع. فنقول: إنّ الإطلاق إنّما ينعقد للموضوع في القضيّة، بل ليس معنى الإطلاق إلا ظهور القضية في كون المذكور فيها من الموضوع تمام الموضوع، فلا يكون للمحمول إطلاق. فلو قيل: القوم فاسقون، لم يكن معناه إثبات الفسق للقوم بجميع أنحائه و اقسامه بل معناه إثباته لهم بنحو الإهمال و لو بقسم واحد من أيّ اقسامه. فالمستفاد من القاعدة، سلطنة المالك على ماله بنحو من أنحاء السلطنة، لا بجميع أنحائها، كالسلطنة على التصرّف فيه بالمباشرة مثلا. فليس لها إطلاق يؤخذ به في موارد الشك.

لكنّ التحقيق صحة التمسك بها في إثبات السلطنة على جميع أنحاء التصرفات، لتعلق السلطنة في الرواية على ذات المال، فإن السلطنة لا تتعلّق بذات المال لعدم تعلّق القدرة و السلطنة إلا بالأفعال، و ان استعملت متعلّقة بذات المال كان بالعناية لا محالة، فتعلقها بالأموال في الرواية بعناية تعلقها بالتصرف فيها، و الظاهر بحسب أقرب المجازات تعلقها بجميع التصرّفات فيها. فاعلم ان مقتضى القاعدة سلطنة المالك على التصرفات في ماله من حيث انّها تقليب و تغيير في المال، لا من حيث كونها أفعالا صادرة عنه و موجبة للتصرف في نفسه و أعضائه، الذي باعتباره تعلق بها الاحكام، فحكم الحرمة قد تعلق بشرب الخمر بما انّه فعل من أفعاله، لا بما انّه تصرف و تقليب و تغيير في المال. فلا تنافي بين مقتضى القاعدة، و بين الأحكام الموجودة في مواردها. فنقول: ان القاعدة بقرينة قوله: «و على أنفسهم» في آخرها مختصة للاحرار، و غير شاملة للعبيد و الارقاء. لكنّ المراد منها الأحرار الاعتبارية، في قبال الارقاء الاعتبارية، و الّا فكلّ النّاس عباد اللّه و أرقائه بحسب الحقيقة.

فلا تكون نواهي الموالي العرفية، تكليفيها، و وضعيها، عن تصرف العباد في أموالهم، واردة على مورد القاعدة.

و اما النّواهي الصادرة عن المولى الحقيقي، ففيها تفصيل بحسب التكليف و الوضع. اما التكليفيّة، فقد عرفت في المقام الثالث عدم التنافي بينها و بين مقتضى القاعدة. و اما الوضعية كالنهي عن تمليك المال بنحو الربا و القمار و غيرهما، فهي مستلزمة لاختصاص إمضاء الشارع للقاعدة بغيرها من مواردها، فالتمسك عند الشك في ورود النهي الوضعي في مورد من مواردها، يتوقف على إجراء أصالة عدم الردع، و اما بناء على تلقيها رواية مأثورة مطلقة، يشك في تخصيصها، فيؤخذ بمقتضى إطلاقها من دون توقف على إجراء الأصالة المذكورة. فنقول: ان الثابت من العقلاء بحسب هذه القاعدة اعتبار السلطنة للمالك على أنحاء التصرفات في ماله، و منها التصرفات الاعتبارية، كالبيع و الإجارة و الإعارة، اعني ازالة ملكيته عن المال و إثبات الملكيّة لغيره عليه أو على منفعته أو الانتفاع به و المراد من الملكيّة الثابتة بإثباته، و الزائلة بإزالته، هي الملكيّة المتقومة باعتبار العقلاء، فمعنى سلطنته عليها تغير اعتبار العقلاء بتغييره. و امّا ما به يحصل تغيير اعتبارهم، فليس مقتضى السلطنة المذكورة كون تعيينه بيد المالك، بل هو غير مفوض اليه، و المفوض إليه السلطنة على تغيير اعتبارهم، دون تعيين ما يحصل به ذلك. فلهم ان يعتبروا المعاطاة محصلا للبيع أو يجعلون المحصل له خصوص العقد المشتمل على اللفظ، أو غيره ممّا اقتضت إرادتهم.

فتبيّن انّه لا يمكن الاستدلال بالقاعدة، على نفي شرطية ما يحتمل الشرطية، في معاملة من المعاملات، امّا أنواع المعاملات، فهي أقسام من التصرفات في المال، يؤخذ عند الشك في جوازها، بإطلاق القاعدة في سلطنة المالك على جميع أنحاء التصرفات. فنقول: انه لا إشكال في توسعة اعتبار السلطنة للمالك الاعتباري على إزالة الملكيّة عن نفسه و إدخال ماله تحت ملكيّة غيره، لما يترتب عليها من الفائدة العظيمة لتوقف اعتبار جميع المعاملات عليها. و ان كان ذلك يستحيل في الملك الحقيقي، لامتناع بقاء المتقوم، مع قطع المقوم بالكسر تقويمه عنه، حتى يمكن إدخاله تحت تقويم غيره. نعم يصير موجودا ثانيا بتقويم غيره، لكنّه يكون موجودا غير الموجود الأوّل، هذا.

و ممّا ذكرنا يعلم أن إطلاق السلطنة في القاعدة يشمل السلطنة على البيع و الإجارة و الوقف و غيرها ممّا يتضمّن ازالة الملك عن نفسه أو إيّاها مع إثباته لغيره.اعلم ان مقتضى حقيقة الملك، اعنى التقويم و الاستتباع، سلطنة المالك على المملوك بنحو السلطنة التامّة و عدم سلطنة غيره عليه، لخروجه حينئذ عن التبعية للمالك، و خروجه عن استتباعه. و المشاهد من العرف اعتبارها في الملك الاعتباري أيضا على هذا النحو، فلا يسوغون لغير المالك تصرفا في المال إلا بأذنه. و انّما المهم في المقام استظهار ذلك من القاعدة، لتكون مرجعا عند الحاجة.

فنقول: انّه يمكن ان يقال: ان تعلق السلطنة في الرواية بنفس المال في معنى تعلقها على التصرف فيه، و حفظه عن التصرف معا، و بعبارة أخرى، تعلقها على التصرف وجودا و عدما و اجازة و منعا. و يتفرع عليه عدم جواز التصرف في المال لغير المالك، بمجرد رضاه، حتى يقترن بالإذن، فإن مقتضاها عدم جواز وقوع تصرف في المال خارجا من تحت سلطنة، و كون الجائز من التصرف فيه محصورا فيما كان منها مستندا إلى سلطنة المالك. و من المعلوم أن مجرد الرضا بفعل الغير لا يوجب استناد فعل الغير اليه.

من حيث احتمال كون

1) هذه قاعدة عقلائية، و ان ورد بها الحديث في غوالي اللئالي (كما في البحار ج 2 ص 272) و قد شاع الاستدلال بها في جميع أبواب المعاملات، و به ينجبر ضعف سندها لو كان التمسك بها لأجل الورود.

المقام الأول في معنى قاعدة السلطنة
المقام الثاني في إثبات الإطلاق لها
المقام الثالث في عدم التنافي بين القاعدة و الأحكام التكليفيّة
المقام الرابع في التنافي بين مقتضى القاعدة و الأحكام الوضعية المتعلقة بالمال
المقام الخامس في عدم جواز الاستدلال بها على نفي القيود المحتملة في المعاملات
المقام السادس في سلطنة المالك على تمليك المال من غيره

المراد منها نفى الحجر عن المالك، و انّه ليس محجورا عن التصرف في ماله، فيكون النظر فيها مصروفا عن بيان ما يجوز للمالك و ما لا يجوز «و يؤيده» كون الرواية مسوقة في قبال الأدلة المثبتة للحجر على الصبي و المجنون و غيرهما، عن التصرف في أموالهم. فهي كالأدلة النافية للحجر عن الصبي بالبلوغ غير مثبتة لجواز كلّ تصرف للمالك في ماله. و على تقدير تسليمه، لا يثبت بها الا جواز التصرف من الجهات الراجعة إلى المالك، لا مطلق الجهات حتى الراجعة إلى الشرع، كجواز ضرب العبد، و شرب الخمر المملوكين له، بحيث ان تكون أدلّة تحريم التصرفات المحرمة كضرب العبد و شرب الخمر و غير هما مخصصة لعمومها.

و بالجملة لا ريب في ان المراد منها، تسليط المالك على جهات من المال يرجع أمرها إليه، لا تسليطه على جميع جهات المال، حتى جهة موضوعيته لثبوت الأحكام الشرعية عليه (1)بان يكون مسلطا على رفع الحرمة عن الخمر

المقام السابع في دلالة القاعدة على نفى السلطنة عن غير المالك

1) لا يخفى عليك ان الموضوعية للحكم ليست جهة تقابل سائر جهات المال، بل المال بجميع حيثياتها موضوعة للحكم، فإن أيّ تصرف فرض تسلط المالك عليه، لا يخلو عن حكم من الأحكام الخمسة. فقاعدة السلطنة مقتضية لتسلط المالك على ماله بجميع أنحاء التصرفات، بحيث لو منعه احد عن تصرف فيه كان قياما منه على خلاف مالكيته. و لو منعه العقلاء بما هم عقلاء كان تخصيصا للقاعدة.

المملوك له أو إثباتها له، فانّ من البديهي انّه لا سبيل لغير الشارع إليها. هذا و قد تحصل منه، ان التمسك برواية التسليط على جواز اذن المالك لغيره في التصرف في ماله بالبيع و العتق و غير هما فاسد جدا.

ثمّ إنّهم ذكروا موارد للنقض على توقّف التصرّفات المذكورة على الملك، و قد أجيب عنها بوجوه غير صحيحة.

«فمنها» جواز بيع الواهب و ذي الخيار، مع انّه قد انتقل المال الى غيرهما بالبيع و الهبة «و ربما يورد عليه» بان البيع يكشف عن قصد الرجوع في الهبة للواهب، و قصد الفسخ للبيع الأوّل لذي الخيار، فتقع الهبة و البيع على المال المذكور بعد صيرورته ملكا لهما و مستردا إليهما «و فيه» ان الرجوع و الفسخ من الأمور الإنشائية فلا يتحققان بمجرد القصد، و لذا لو قصد الرجوع و الفسخ من دون اقدام على البيع المذكور لم يتحققا بمجرده. فان تصرف الواهب و ذي الخيار، من أيّ مقولة كان، من مقولة اللفظ أو الفعل، و من مقولة الحقائق أو الاعتباريات، مصداق حقيقي للرجوع و الفسخ (1)كما ان تصرف ذي الخيار


1) و فيه ما قدمناه في التعليقات السابقة من منع ان يكون للأمور الاعتبارية مصداق حقيقي.و اما حصول الفسخ، بتصرف البائع ذي الخيار في المبيع، و لو عن غير قصد منه لعنوانه، مع كونه امرا اعتباريّا فالوجه فيه يظهر مما قدمناه في بيان تحقق البيع عند المعاطاة.(و توضيحه) ان البيع كما يتحقق بالالتزام الإنشائي في الخارج، اعني العقد، و بالالتزام القلبي مع ترتيب الأثر عليه خارجا كما بيّناه، كذلك الفسخ له اعنى ترك الالتزام و رفع اليد عنه، فقد يحصل بإنشائه في الخارج، و قد يحصل بمجرد تركه في القلب، مع ترتيب الأثر عليه خارجا، و هو العمل على خلاف الالتزام بملكيّة المبيع للمشتري، و هو كلّ تصرف صدر منه بغير إذن المشتري و امّا تصرف الواهب، فصدق الرجوع عليه لأجل كون المراد منه مجرد استرداد ما أعطاه، و ليس المراد منه فسخ عقد الهبة كما ذكره الأستاذ (قده).

في العوض المنتقل اليه مصداق حقيقي للإمضاء. يدلّ عليه قوله عليه السّلام في مورد وطى الأمة المشتراة «ذلك رضى منه» فأطلق الرضا على نفس الوطي.

و بالجملة قول الواهب أو ذي الخيار: بعت، بما انّه إنشاء للتمليك، مصداق حقيقي للرجوع و الفسخ. سواء قصدا منه عنوانهما أم لا، بل يتحققان بمجرد وقوع البيع على المال الموهوب أو المتعلق للبيع الثابت له الخيار فيه. و لذا حكموا في باب الطلاق بانّ الزوج لو أنكر الطلاق كان رجوعا منه و ان لم يقصد منه ذلك.

و منها انعتاق العمودين عن الولد من دون حصول ملك له عليهما و فيه مضافا الى انّ المدعى توقفه على الملكيّة هو العتق الاختياريّ، دون الانعتاق القهري ان انعتاقهما عن الولد مسبوق بحصول الملك له و لو آنا ما، كما هو مقتضى قوله عليه السلام «لأنّهم حين ملكوا عتقوا» فإنّه صريح في صيرورتهما ملكا له و لو آنا ما و الوجه في سقوطها بعد الان عدم ترتب آثار الملكيّة عليها شرعا فيصير بقائه لغوا و امّا حدوثها فلأجل ترتب اثر الانعتاق عليها هذا. و الّذي يمكن به النقض في المسئلة لحصول الانعتاق من دون الملك، انعتاق أم الولد عن حصة ولدها من تركة أبيه، لعدم تصريح في الرواية بصيرورتها ملكا له.

(و منها) انّه لو قال لمالك العبد: أعتق عبدك عنى، صح العتق عنه، قبل صيرورتها ملكا له «و يجاب عنه» بما ذكره العلّامة «في التذكرة» بأنّه من قبيل الاستيجاب و الإيجاب بالبيع، فيتحقق البيع و يصير العبد ملكا للأمر قبل وقوع العتق عليه.

و التحقيق ان العتق على تقدير تسليم توقفه على الملك انّما يتوقف على

حصول الملك للمعتق دون المعتق عنه، و المفروض في النقض المذكور، ان المعتق هو نفس المالك فلا نقض. و اما ما ذكره العلامة من حصول البيع به بنحو الاستيجاب و الإيجاب، فإنّما أراد منه دفع اشكال ثبوت ثمن العبد في ذمة الأمر مع عدم وقوع البيع. و بالجملة ان الأدلّة على تقدير دلالتها، فإنّما يدل على توقف العتق على ملكية العبد للمعتق دون ملكيته للمعتق عنه، بل يجوز عتق المالك عن الميت سواء كان بأمره أم لا، و سواء كان واجبا على المعتق عنه أم لا.

و انّما الاختلاف بين الأنحاء المذكورة في ولاء المعتق، الّتي وردت في رواية العجلي، قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل كان عليه عتق رقبة فمات من قبل ان يعتق رقبة، فانطلق ابنه و ابتاع رجلا من كيسه فأعتقه عن أبيه، و ان المعتق بعد ذلك قد أصاب مالا ثمّ مات و تركه لمن يكون ميراثه؟ فقال «ع»: ان كان الرقبة التي كانت على أبيه في ظهار أو شكر أو واجبة عليه فانّ المعتق سائبة لا سبيل لأحد إليه.

قال: و ان كان توالى قبل ان يموت الى احد من المسلمين فضمن جنايته و حدثه كان مولاه و وارثه ان لم يكن له قريب يرثه.

قال: و ان لم يكن توالى الى احد حتى مات فان ميراثه لإمام المسلمين ان لم يكن له قريب يرثه من المسلمين قال: و ان كانت الرقبة التي على أبيه تطوعا و قد كان أبوه أمره أن يعتق عنه نسمة فإن ولاء المعتق هو ميراث لجميع ولد الميت من الرجال.

قال: و يكون الذي اشتراه فأعتقه بأمر أبيه كواحد من الورثة إذا لم يكن للمورث قرابة من المسلمين أحرار يرثونه.

قال: و ان كان ابنه الذي اشترى الرقبة فأعتقها عن أبيه من ماله بعد موت أبيه تطوعا منه من غير ان يكون أبوه أمره بذلك، فإن ولائه و ميراثه للذي اشتراه من ماله فأعتقه عن أبيه إذا لم يكن للمعتق وارث من قرابته «انتهى».

نعم ذهب المشهور في خصوص مسئلة عتق المالك عن الغير بأمره، إلى تحقق الملكيّة أولا للمعتق عنه ثمّ تحقق العتق عنه ثانيا، لأجل تصحيح ما تسلم فيما بينهم من ثبوت قيمة العبد في ذمة الأمر و اشتغالها بها.

و قد نهجوا في إثباتها مناهج مختلفة «منها» ما ذكره الشيخ- قده- من ان قول المالك اعتقت يفيد تمليك العبد للمعتق عنه أولا ثمّ عتقه عنه ثانيا و قال فيه المحقق، انّ هذا تحكم «و منها» ان التمليك يحصل بأوّل حرف من حروف اعتقت و العتق يحصل بالاخر من حروفها «و منها» انّ التمليك يحصل بالأمر الصادر عن المعتق عنه قبل تحقق العتق عنه و منها ما ذكره العلامة من ان التمليك يحصل بالعقد المتحقق بالاستيجاب و الإيجاب الحاصلتين من قول الأمر أعتق عبدك عنى و عتق المالك عنه بعدها.

و الالتزام بهذه الوجوه لأجل الاضطرار بتحصيل سبب لصيرورة العبد ملكا للآمر يقتضيها كون قيمة العبد على ذمته، كالاضطرار بالتزام تحقق الفسخ قبل التلف، حيث حكموا بتلف المبيع في ملك البائع و كونه ملكا له عند التلف إذا أتلفه في زمن الخيار، و الا فكيف يلتزم العلامة بحصول البيع بالاستيجاب و الإيجاب، مع انّه منع عن حصول البيع بهما مضافا الى ان الإيجاب ههنا ليس الا العتق و هو فعل و قد منعوا عن حصول التمليك بالفعل، فان العتق و ان كان يحصل بقول المعتق أعتقت الّا انّه ليس إيجابا للبيع الا باعتبار كونه عتقا للعبد، و ليس تحققه باللّفظ أو غيره دخيلا في كونه إيجابا للاستيجاب المذكور.

و مضافا الى انّه ربما يقع الفصل بين العتق و بين الأمر به، مع انّه يشترط الموالاة بين اجزاء العقد.

و التحقيق منع اقتضاء كون قيمة العبد على ذمة الأمر لصيرورته ملكا له رأسا، توضيحه: إنه لا إشكال في انّ من جملة أسباب الضمان استيفاء عمل الغير بامره به، لكون عمل المسلم محترما مضمونا بقيمته. نعم لو كان عملا غير

عقلائي، أو هتك حرمته بنفسه، بانّ أقدم عليه مجانا لا يضمن الأمر له، و كذا لو كان الهتك لحرمته من ناحية الأمر بأن يأمره بالعمل مجانا فإنّه لو عمل حينئذ مجانا كان اقداما منه لهتك عمله، و لو عمل بنية الضمان لم يكن اطاعه في امره فيكون غير مضمون عليه.

و من جملة الأعمال المضمونة البيع و العتق، لكونهما مالا يقابل بالقيمة، و ان كانت ماليتهما طريقية. «توضيحه» انّ المالية قد تكون بالنظر الى ذات الشي‌ء في نفسه، و قد تكون بالنظر الى كونه مرآة لأمر تدور المالية مداره، و من هذا القبيل مالية البيع و العتق، اعني قول المالك بعت أو أعتقت لكونه بنفسه فاقدا للقيمة و واجدا لها بما هو مرآة للمبيع أو المعتق.

و ان أردت مزيد التوضيح لها فنقول: ان من الاعمال ما يصدر عن الفاعل بلا واسطة، و منها ما يصدر عنه تسبيبا و بتوسيط عمل آخر، و الضمان كما يحصل بالأمر بما كان من الاعمال من الوتيرة الاولى، كذلك يحصل بالأمر بما كان منها من الوتيرة الثانية، أعني العتق و البيع بل الإنشائيات بأجمعها، فلا فرق في حصول الضمان بين الأمر بالعتق و البيع، و الأمر بإلقاء مال في البحر لإنقاذ أهل السفينة الذي هو من الأعمال الصادرة عن الفاعل بنفسها من دون واسطة هذا.

و قد تبين لك بعد ملاحظة جميع ما ذكرنا، ان اعتبار حصول الملكية للمعتق عنه في مسئلة «أعتق عبدك عني» كان لأجل صحيح استقرار ضمان العبد في ذمته، و ان التحقيق عدم توقف الضمان على حصول الملكية، كما لو استقر عليه الضمان بإتلاف مال الغير بالمباشرة.

و من المناسب للمقام التعرض لعكس المسئلة المذكورة، و هو ان يقول المالك لغيره «أعتق عبدي عنك» ففي صحة العتق حينئذ إشكال، و ان منعنا عن اعتبار الملك للمعتق، لما تقدم من اعتبار سلطنة المعتق على العتق في صحة

وقوعه عنه، و انّه لا دليل على تحققها له باذن المالك له فيه.

التنبيه الخامس في جريان المعاطاة في غير البيع من العقود و الإيقاعات و عدمه

و قد تعرض الشيخ- ره- في هذا المقام لكلام من المحقق الكركي- ره- و نحن نتبعه في ذلك ثم نذكر ما هو التحقيق في المسئلة.

قال المحقق الكركي- ره-: اعلم انّه لم يتعرّض القدماء لجريان المعاطاة في غير البيع من العقود و الإيقاعات إلا بعضهم في الهبة، و الحق عليها بعض آخر الإجارة. ثمّ قال: و ذلك انّه إذا أمره بعمل على عوض معيّن و عمله و استحق الأجرة فلو كانت هذه إجارة فاسدة لم يجز له العمل و لم يستحق اجرة مع العلم بالفساد.

«و فيه» أولا انّ فساد الإجارة لا يوجب عدم جواز العمل له خصوصا إذا لم يكن مستلزما للتصرف في مال الآمر. و امّا ثبوت الأجرة المعينة فلا نسلمه، بل الثابتة منها اجرة المثل، و وجه ثبوته كون عمله مضمونا على الأمر لاستيفائه لعمل المأمور لا مجانا، كما مرّ توضيحه في التنبيه السابق.

و ثانيا انّ المعاطاة في الإجارة انّما تحصل بإعطاء المنفعة، و لذا مثل «ره» بعمل الحر لا بغيره من الأمثلة الدائرة من اجارة البيت و غيرها، فإن المنفعة لا تنفك عن العين فلا يحصل إعطاء المنفعة إلا بإعطاء العين، و هو ظاهر في تمليك العين كما قدمناه، و امّا عمل الحر فهو منفك عن عين مملوكة فيمكن إعطائه من دون إعطاء العين، و هو يتحقق بنفس إيجاد العمل. فنقول حينئذ ان إعطاء المنفعة لو تحقق بالعمل حين الاشتغال به، لم يعقل ذلك لعدم تمامية العمل، و ان كان بعد تمامه، فقد انعدم العمل بمجرد التمام، و لم يبق حتّى

يتحقق به الإعطاء. (1)

إذا عرفت ذلك فلنشرع في تحقيق المقام فنقول: يختلف الحكم في المسئلة بحسب المباني المختلفة.

امّا على القول، بانّ السبب الفعلي كالسبب القولي، و انّ المعاطاة تؤثر في كلّ ما يؤثر فيه اللفظ، و كذا على القول، بانّ مجرد الكاشف يكفي في العقود و الإيقاعات، فلا إشكال في جريانها في عموم العقود و الإيقاعات.

و امّا بناء على ما هو التحقيق في المعاطاة، من أنّها إيجاد لنفس حقيقة المعاملة في الخارج، و ان ما تعلق به الإيجاد في الخارج مصداق لحقيقة المعاملة، بخلاف العقد فإنّه إيجاد للمعاملة بالسبب، فلا بدّ من ملاحظة حقيقة كلّ فرد فرد من المعاملات.

فما كان منها مما يمكن تحققه في الخارج بنفسه، و كان له مصداق يمكن إيجادها به حقيقة (2)كالهبة فإنّ حقيقتها اعنى التمليك يوجد بنفس الإعطاء، و الإعطاء مصداق خارجي له كما تقدم، و الوقف بناء على انّ حقيقتها تحبيس العين و تسبيل المنفعة، كما يستفاد من قوله صلى اللّٰه عليه و آله «حبس العين و سبل الثمرة» فإنّها مما يمكن إيجادها في الخارج بمصداقها، كتعمير المسجد بإلصاق اللبن عليه، فإنّه مصداق لحبس العين و تسبيل المنفعة بلا اشكال.

و اما نوع العقود و الإيقاعات، فحقايقها مما لا يمكن إيجادها في الخارج، فمنها


1) و فيه ان مقتضي تحقق الإعطاء بنفس العمل، تحقق الإعطاء به على نحو التدريج، كتحقق سائر العناوين المنطبقة على التدريجيّات. كعنوان العقد المنطبقة، على الإيجاب و القبول المتحققين على التدريج.

2) قد تقدّم منّا على التفصيل قيام البرهان على امتناع كون حقائق المعاملات واجدة لمصاديق حقيقية، و انّما المتحقق لها من المصاديق، مصاديق اعتباريّة، و هي المسماة بالوجودات الإنشائية، و إيجاد المعاملات بها يسمى إنشاء، فراجع تعرف حقيقة الحال.

«حقيقة النكاح» أعني إيجاد علقة الزوجية «و حقيقة الطلاق» اعني ازالة العلقة المذكورة، و «حقيقة العتق» بأقسامها، أعني التحرير، «و حقيقة الوصية» اعنى التمليك معلقا على الموت، ليس لها مصداق خارجي أمكن إيجادها به حقيقة. نعم الإعطاء مصداق للتمليك كما تقدم، فتتحقق به حقيقة الوصية، لو لا انّ التعليق على الموت المعتبر فيها ليس أمرا قابلا لأنّ يوجد له مصداق حقيقي.

و نظير المذكورات «المصالحة» و «الوقف» و «الضمان» بناء على كون حقيقتها التمليك.

أما الاولى. فلانّ حقيقتها، و هي التسالم الاعتباري الواقع على المال، لا يوجد لها مصداق خارجا، و الذي له مصاديق حقيقة، هو التسالم الحقيقي، دون الاعتباري الذي تقوم به المصالحة.

و اما الثانية، فلانّ التمليك بالنسبة إلى الطبقة الاولى، و ان كان يحصل بالإعطاء، إلّا انه لا يمكن تحصيله بالنسبة إلى الطبقة الثانية و غيرها من الطبقات، بما يكون مصداقا له حقيقة. هذا شأن الأوقاف العامة، و اما الأوقاف الخاصة، فليس يوجد لها مصداق و ان قلنا بكون حقيقة الوقف هو التحبيس و التسبيل، فانّ التخصيص بجماعة ليس ممّا أمكن دلالة فعل عليه.

و اما الثالثة، فلانّ حقيقتها كحقائق ما تقدم من العقود غير قابلة لان توجد في الخارج بنفسها. هذه جملة من العقود و الإيقاعات ذكرناها توضيحات للمطلب، و عليك بملاحظة حقائق جميع المعاملات من العقود و الإيقاعات.

و قد عرفت ان الضابط في جريان المعاطاة فيها كون حقائقها ممّا أمكن إيجادها في الخارج بأفعال تكون مصاديق لها، بان تكون ظاهرة فيها و لو بمعونة الاقتران بقرائن خارجية توجب ظهورها فيها. و يمكن التمثيل له، بما لو اعطى

درهما للخباز و أخذ منه الخبز، فانّ وضع دكان الخباز لأجل إعطاء الخبز للناس بحذاء القيمة، قرينة توجب ظهور إعطاء الدرهم في عطائه بإزاء الخبز، فمن رآه من بعيد يحكم بأنّه يعطي درهما ليشتري به الخبز، فالإعطاء بمعونة القرينة المذكورة مصداق لحقيقة البيع، اعنى التمليك بعوض. و يمكن التمثيل له أيضا بالمراكب المعدة للاكراء فإذا أعطى المكاري مركبا لمسافر يركبه و أعطاه المسافر درهما يكون ذلك قرينة، توجب ظهور إعطاء المركب في الإجارة.

أو ممّا لم يمكن إيجادها في الخارج بالمصداق الحقيقي، بأن يكون الفعل المترقب كونه مصداقا للمعاملة غير ظاهر فيها، كمطلق الإعطاء بالنسبة إلى حقيقة البيع، حيث انّه أعم من البيع و الهبة، و ليس اقترانه بإعطاء آخر صادر من الأخذ قرينة على كونه بنحو المعاوضة، لما يحتمل ان يكون كلّ من الاعطائين إعطاء مجانيا لا بعوض.

و اما حكم المعاطاة الجارية في غير البيع من العقود و الإيقاعات فيختلف بحسب اختلافها، فانّ منها ما لا يقبل الجواز أصلا، كالعتق و الوقف و نظائرهما المحكومة في الشرع باللزوم ابدا، فلا يجرى فيها حكم الجواز الثابت في معاطاة البيع، فانّ ثبوت الجواز لها كان لأجل عدم قيام المقتضي للزومها، فلا ينافيه تحقق المقتضي للزوم في المعاطاة الحاصلة في غيرها من المعاملات، لعدم المعارضة بين الاقتضاء و اللااقتضاء، و انّما المعارضة و التنافي، بينه و بين اقتضاء العدم.

التنبيه السادس في ملزمات المعاطاة

قد مرّ منا سابقا أن منشأ لزوم البيع هو جهة العقد، و ان المعاطاة فاقدة

للعقد كما بيّناه، فلا اقتضاء فيها للّزوم أصلا فيجوز التراد من الطرفين، و استرداد كل منهما بما أعطاه من المال. و من هنا يعلم انّه يشترط فيه كون ما أعطاه كل من الطرفين، و أخذه من الأخر باقيا على ما هو عليه حال التعاطي، (1)

و بالجملة لا تصير الإباحة لازمة بتلف المباح، فضلا عن حدوث تغير فيه، بل المالك له السلطنة على الرجوع في إباحته بمطالبة العين أو المثل أو القيمة عند تلفها.

و امّا ما ذكره الأستاذ «ره» «ففيه أولا» عدم اناطة الحكم على صدق عنوان الاسترداد، لعدم ثبوته بدليل لفظي أخذ في موضوعه عنوان الاسترداد.

و «ثانيا» عدم تسليم المنع عن صدق الاسترداد عليه عرفا، لصدق عنوان الاسترداد على أخذ ما أعطاه عرفا، و ان حصل فيه من التغير ما حصل، لحكم العرف بكونه عين المأخوذ. و لا ينافيه حكمه بحصول التغير فيه.

و «ثالثا» تحقق حقيقة الاسترداد بذلك عقلا، فضلا عن نظر العرف المبنى على المسامحة، فإنّ الوجود إذا حصل فيه غاية ما يمكن من التغيير بحسب الماهية، فضلا عن كونه لا بحسبها، لا ينقلب إلى وجود آخر، بانقلاب ماهيته بل هو هو لكن تغيرت ماهيته. و ان كان يشتد أو يضعف لا محالة، لكون الماهية حدّ الوجود في الشدّة و الضعف. فوجود الإنسان هو عين وجود النطفة قبل انقلابها إنسانا، و الوحدة محفوظة له بعد صيرورتها إنسانا. و هذا ممّا ادعوا عليه البداهة.

و قد علم من جميع ما ذكرنا بقاء متعلق الإباحة في ملك المبيح بعد حصول التغيير فيه بأنحائه، فمقتضى قاعدة السلطنة جواز استرداده عن المباح له.

من دون طرو ما يوجب تغييرا فيه، بحيث ان يصير بعده غير ما هو عليه حال الإعطاء. فإنّه لا يمكن الاسترداد له حينئذ، و انّ أخذه كان أخذا بغير ما أعطاه، من دون صدق الاسترداد عليه. و كذا لا يمكن الاسترداد

1) اعلم، أنّ حصول التغيير فيما تعلق به الإباحة، لا يوجب لزومها، و المنع عن الرجوع فيها و استرداد متعلقها. و يشهد له ملاحظة غير ما نحن فيه من موارد الإباحة، فإنّ من المسلم عند القوم جواز استرداد ما اباحه من غيره بعد طرو التغيير عليه في يده. و لو تلف في يد المباح له بتفريط منه، كان للمبيح مطالبة المثل أو القيمة. و لو حصل فيه عيب، كذلك لا يمنع المالك عن مطالبته بعينه، بل له استرداد ما أعطاه مع ما نقص عنه من القيمة.

للجانب الأخر و ان كان ما أعطاه باقيا على ما هو عليه حال الإعطاء لكون إعطائه له بعوض فحصول التغيير في العوض يخرج استرداد ما أعطاه بعوض عن الإمكان هذا.

و اما بناء على ما هو مبنى المتأخرين في المعاطاة، من كونها سببا فعليا كالسبب القولي، تكون المعاطاة عقدا يقتضي اللزوم. و عليه يتوجه الاعتراض عليهم بجريان الخيارات برمتها في المعاطاة لكونها ثابتة من ناحية الشرع للبيع المقتضي للزوم، و منه المعاطاة بناء على المبنى المذكور، من غير فرق بينها و بين البيوع المنشئة باللّفظ، في اشتمالها على العقد، و اقتضائها في حد أنفسها للزوم. و هذا ممّا لا يمكن الالتزام به.

و عليه يبتنى استدلالهم على لزوم المعاطاة بتغير احد العوضين، بانّ ثبوت الجواز لمكان قيام الإجماع عليه، و هو دليل لبى فيقتصر منه على القدر المتيقن، و هو الجواز قبل حصول التغيير في العوضين. و اما بعده، فالمتبع عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» لعدم تخصيصها إلا بصورة ما قبل التغيير.

و فيه «أولا» انّ معقد الإجماع في كلام المحقق الكركي (قده) و غيره ممّن ادعاه: ان اللزوم يحتاج الى اللّفظ، و حصوله مشروط بحصول المعاملة باللّفظ.

و هو يعاكس التعبير عنه بما تقدم، فانّ مقتضاه انقلاب الأصل إلى جانب الجواز، و كون الأصل في المعاطاة هو الجواز، لعدم اشتمالها على اللفظ، و انّما يصار الى خلافه بالدليل، و القدر المتيقن منه صورة تغير عين العوضين. فمع تغير مجرد الأوصاف يرجع الى أصالة الجواز، الثابتة بقيام الإجماع على جواز المعاملة الغير المشتملة على اللفظ.

«و ثانيا» ان التمسك بالعمومات، مع الشك في حكم بعض أحوال الفرد، انّما يصح فيما إذا كان الفرد في كلّ آن و آن فردا مستقلا للعموم. و امّا إذا كان في جميع الأحوال فردا واحدا له، علمنا بخروجه في حال من الحالات، ثم

شككنا فيه في الان اللاحق، لم يجز التمسك فيه بالعموم. بل هو مورد استصحاب عدم الحكم الثابت بالعموم. و من المعلوم انّ كلّ واحدة من المعاملات فرد واحد من العقود، و يشملها عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» في جميع حالاتها بشمول واحد، و لا يصير افرادا عديدة بطرو حالات مختلفة عليها. و هذه قاعدة أذعن بها الشيخ «ره» في الكتابين، فليس له ان يتمسك بعموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»، مع الشك في لزوم المعاطاة عند طرو التغير على العوضين، بحسب الوصف، بعد خروجها عن عموم الآية قبل طرو التغير.

و بالجملة يجوز استرداد ما أعطاه إذا كان هو و العوض باقيين على حال الإعطاء، فلو تغير احد هما عمّا هو عليه حال الإعطاء صار غير ما أعطاه و أخذه الأخر، و لو بالامتزاج بشي‌ء بما لا يمكن التفصيل و التفكيك بينهما، فيستحيل الاسترداد بانتفاء موضوعه.

و منه يعلم انّ مرجع اللزوم في المعاطاة إلى نفاد موضوع الجواز، بخلاف اللزوم في المعاملة العقدية، لكون الحكم به فيها، مع بقاء موضوع الجواز. فانّ موضوع اللزوم و الجواز في المعاملة العقدية هو العقد الباقي و لو بعد نفاد العوضين، بل كان انتفاء الجواز عنها لمكان الدليل الشرعي، أعني قيام الإجماع على اللزوم، من قبيل انتفاء المحمول مع بقاء الموضوع هذا.

بقي الكلام في التفصيل بين الخيارات في جريانها في المعاطاة و عدمه فنقول:

انّ ما كان منها ثابتا بالأدلّة الخاصة الواردة في خصوص البيع المقتضي للزوم لا يشمل المعاطاة الغير المقتضية له بناء على ما تقدم. و ما كان منها ثابتا بالأدلّة العامة كخيار الغبن، الثابت بقاعدة لا ضرر، يجري في جميع المعاملات حتى الحاصلة منها بالمعاطاة. و مقتضى ثبوته للمعاطاة بعد تغير العوضين الضمان بالمثل أو القيمة.

التنبيه السابع في كيفيّة حصول الملك في المعاطاة بالتلف

قد عرفت ان اللزوم في المعاطاة بتلف احد العوضين، مع البناء على المصداقية، انّما هو لأجل انتفاء موضوع الرجوع فيها. فالمعاطاة لا تتغير حالها عمّا هي عليه، بتلف احد العوضين أو كليهما و كذا بناء على اشتمالها على السبب الفعلي، و كونها عقدا مفيدا للتمليك، لكون حصول الملك حينئذ من حين الإعطاء، فلا تنقلب المعاطاة بتلف احد العوضين عمّا هي عليها قبله.

و امّا بناء على إفادة المعاطاة للإباحة، فإن قصد المتعاطيان منها التمليك، أمكن القول بأنّ المعاطاة بيع عرفي لم يمضه الشارع الا بعد التلف، نظير إمضائه لبيع الصرف و السلم بعد القبض. و لا يلزم عليه ما ذكره الشهيد «ره» من اللازم، أعني: صيرورة المعاطاة بيعا بعد التلف، حتى يكون التلف سببا لحصول البيع، مع إنّه ممّا لا يمكن الالتزام به. و امّا الإباحة الحاصلة قبل التلف، فقد قيل بانّ حصولها لأجل تسليط المالك عليه، و قد تقدم نقل ذلك من صاحب الكفاية «قده» و بيان ما فيه من الإشكالات فراجع.

و ان قصد منها الإباحة، يبدو الإشكال في الملكية الحاصلة بعد التلف. فإنّه لو قلنا بانّ حصولها لأجل تحقق البيع، مع عدم كون المعاطاة قابلة لتحقق البيع بها لكونها صادرة عن قصد الإباحة، يلزمه ما ذكره الشهيد من المحذور. أعني:

صيرورة التلف سببا لتحقق البيع. و عليه لا مجال عن الالتزام بكون حصول الملكية لأجل معاوضة مستقلة (1)و الدليل على صحتها عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و


1) و فيه ان المحقق للمعاوضة المستقلة، ان كان هو التلف يلزم الإشكال الثاني، من صيرورة التلف مملكا. و ان كان هو المعاطاة الواقعة قبله، يلزم الإشكال الأول، من عدم صلاحية المعاطاة الصادرة عن قصد الإباحة لإفادة التمليك. و مورد الإشكالين و ان كان هو البيع، الا انّه لا فرق بينه و بين مطلق التمليك في توجههما.

«المؤمنون عند شروطهم» لكونه مقتضيا لصحة جميع المعاوضات. و ان قلنا بعدم قيام ذلك دليلا على صحة جميع المعاوضات (1)فهو حكم تعبدي لأجل دليل خاص، و هو السيرة المحققة على حصول الملكيّة بعد التلف. نعم يمكن إدراجها تحت الصلح، لو لا انّ حقيقته ليست مطلق التمليك، بل إنشاء التسالم عليه، و هو غير محقق فيما نحن فيه. و تظهر ثمرة الخلاف في جريان الأحكام المختصة بالبيع في المعاطاة، كحرمة الربا بناء على اختصاصه بالبيع، و عدمه.

التنبيه الثامن في التفصيل بين شروط البيع في جريانها في المعاطاة

اعلم انّ ما كان من الشروط شرطا لعنوان البيع، يعتبر حصوله في تحقق البيع بالمعاطاة، لكونه مقتضى اشتراط البيع به. فانّ المشروط ينتفي إذا انتفى شرطه، فينتفى البيع بانتفاء شرطه، سواء كان بيعا بالصيغة أو بالفعل. و اما ما كان منها شرطا للصيغة، و بعبارة اخرى كان شرطا لتحقق البيع باللّفظ، ينتفي بانتفائه البيع باللّفظ.

فلو اقترن اللّفظ الفاقد له بفعل، ففي حصول المعاطاة به أو عدمه تفصيل.

فلو قصد من الفعل إنشاء التمليك به رأسا فلا إشكال في صحة المعاطاة، و ان لم


1) بدعوى كونها ناظرة بحسب المرتكز في الأذهان إلى العقود و المعاملات المعروفة المعلومة الشائعة بين الناس، و كونها واردة إلى الأذهان المسبوقة بحصر المعاملات و العقود، و عدم خطور معاملة أو عقد من العقود غير المعاملات المعمولة فيها.

يقصد منه إنشاء التمليك، بل تعلق قصده منه بالوفاء لمقتضى العقد اللّفظي الواقع قبله لم تتحقق به المعاطاة. هذا بناء على كون البيع من الأمور الإنشائية، التي تحتاج إلى الإنشاء باللّفظ، أو الفعل، أو الإيجاد له بوجوده الخارجي، أو بوجوده التنزيلي. و اما بناء على انّ البيع يكفي في تحققه مجرد وجود الكاشف عن رضاء المتعاملين، كالعقود الإذنية في كفاية وجود الكاشف عن الرضا، في تحققها، كما يظهر من كلمات المتأخرين، و ان لم يلتزموا بآثاره من كفاية وجود مطلق اللفظ الكاشف من دون اعتبار الماضوية و غيرها من الشرائط المذكورة في كلماتهم. هذه هي الوجوه المبتنية على كون المعاطاة بيعا.

و اما بناء على كونها مفيدة للإباحة، فإن علم برضاء المالك بالتصرف على الإطلاق، و لو مع عدم صحة العقد، فلا إشكال في تحقق الإباحة و لو بنحو تعدد المطلوب. بان يكون قاصدا لحصول التمليك بالصيغة على تقدير صحة التمليك بها شرعا، و حصوله مطلقا على تقدير عدم صحته. كما هو المتعارف بين الناس في زماننا هذا، فإنهم يقصدون من بيوعهم تحقق التمليك على النحو الشرعي، لو تحقق ما لها من الشرط شرعا، و تحققه على الإطلاق، لو لم يتحقق و ما ذكرناه هو المراد من كلام المحقق الثاني «ره» حيث قال «لو أوقع البيع بغير ما قلناه و علم التراضي منهما كان معاطاة».

و مثله ما ذكره الشهيد «ره» عند بيان عدم كفاية الإشارة مع القدرة على النطق: «انها تفيد المعاطاة مع الافهام الصريح» و منه يعلم، انه لا وجه لما أورده الشيخ على المحقق بقوله: «ان الصيغة الفاقدة لبعض الشرائط لا تتضمن إلا إنشاء واحدا، و هو التمليك، و من المعلوم ان هذا المقدار لا يوجب بقاء الاذن الحاصل في ضمن التمليك بعد انتفائه، و الموجود بعده ان كان إنشاء آخر في ضمن التقابض، خرج عن محل الكلام، لأن المعاطاة تحصل به لا بالعقد الفاقد للشرائط».

الفصل الثالث في العقود

المبحث الأول في حدود اعتبار اللفظ في العقود

اعلم ان مقتضى القاعدة في كل عقد هو اللزوم (1)لما ذكره الشيخ «ره»، حتى في المعاطاة بناء على كونها عقدا لاشتمالها على السبب الفعلي. و القدر المتيقن من الإجماع المنعقد على خلافها، هو توقف اللزوم على اللفظ، فيما إذا تمكن منه العاقد، فيقتصر عليه. و اما إذا لم يتمكن منه، و لو بالعرض، بان يعرض عليه الخرس مثلا لمرض أو غيره، فالمرجع فيما صدر عنه من العقد هو القاعدة المذكورة. فهو مع عدم تضمنه للفظ كالعقد المتضمن له في اللزوم، لعدم قصوره عنه في جهات العقد، الا اشتماله على اللفظ، و هو غير قادح فيه، لعدم عموم الدليل القائم على اعتباره، و هو الإجماع المتقدم ذكره، فهو و العقد اللفظي على سواء في اقتضاء القاعدة لزومهما.

و من هنا يعلم كفاية إشارة الأخرس، في صيرورة بيعه لازما، و ان تمكن من التوكيل. لعدم وجود ما يوجب الفرق بين إشارته، و بين اللفظ الصادر عن غيره، في قيام المقتضى للزوم فيهما، و عدم وجود مانع شرعي عنه. و مقتضى هذا التقرير كفاية معاطاة الأخرس أيضا، بناء على مذهب الشيخ «قده» من


1) قد تقدم بيان حقيقة العقد و كونها مقتضية للزوم.

كونها عقدا فعليا قام الإجماع على جوازه، لعدم قيام الإجماع على توقف اللزوم على اللفظ، إلا في غير ما صدر من العقود عن الأخرس، فيؤخذ في حقة بمقتضى القاعدة الأولية في لزوم العقود. و هذا مما لا يلتزم به الشيخ «ره» قطعا، و اما بناء على ما تقدم من ان تحقق الملكية بالمعاطاة لأجل كونها مصداقا للتمليك، و ليست سببا إنشائيا كاللفظ فليست عقدا رأسا، حتى يتوهم دخولها تحت قاعدة لزوم العقود.

ثم ان إشارة الأخرس كاللفظ الصادر عن غيره وجود تنزيلي للمعنى (1)فتكون في عرض اللفظ في تحقق إنشاء المعنى به. فهي في رتبة مقدمة على الكتابة، لكونها وجودا تنزيليا للفظ و وجودا تنزيليا للمعنى بتوسط اللفظ. فان المراد من الكتابة ههنا ليس هو الوجود الكتبي الذي يرادف الوجودات الثلاث له أعني الخارجي و الذهني و اللفظي، فإن الوجود الكتبي الذي يعد وجودا للشي‌ء في عدادها، هو نقش المعنى، بل المراد منها نقش اللفظ، و ليس هو الا وجودا تنزيليا للّفظ. فيكون إنشاء المعنى بها في طول إنشائه باللفظ، و المراد من الإشارة هو الإشارة إلى المعنى، و لا يراد ههنا ما يراد منها في قراءة الأخرس في الصلاة بالإشارة، حيث ان المعتبر هناك هو الإشارة إلى ألفاظ فاتحة الكتاب و ما يختار من السورة بعدها بتحريكه للسانه. لكون المعتبر منها في الصلاة


1) اعلم انه لا إشكال في اشتراط حصول الإنشاء من الأخرس، في تحقق البيع منه، و كذا غيره من المعاملات. و مقتضاه حصول قصده لإنشاء المعاملة بالإشارة، و اعتباره لصيرورة الإشارة مصداقا للمعاملة. فإن قصد إنشاء المعاملة باللّفظ أو الإشارة أو غير هما تكون باعتبارها مصداقا للمعاملة.و الفرق بين إشارته و بين اللفظ الصادر من غيره- بعد اشتراكها في تعلق الاعتبار بكونهما مصداقا للمعاملة- ان تعلق الاعتبار باللفظ مسبوق بالوضع و التعيين، على ما تقدم في التعليقات المتقدمة (و قد أنيط) إمضاء العقلاء للاعتبار المذكور بكونه مسبوقا بالوضع و التعيين. فإذا لم يتمكن من إيجاد ما وضع لان يعتبر مصداقا لها، جازت المعاملة بكل ما يقدر عليه و يتمكن منه، و كان اعتباره بكونه مصداقا للمعاملة نافذا و ملحوقا لإمضاء العقلاء بشرط ان يفهم المراد منه.

مجرد التلفظ بالفاظها، بحيث لا يضر بها الجهل بمعانيها. و المعتبر من اللفظ ههنا، ليس مجرّد اللّفظ بما هو لفظ، بل بما هو مرآة للمعنى فانيا فيه. فإذا تعذر اللفظ، ينوب عنه ما يكون مرآة للمعنى و فانيا فيه و هو الإشارة إلى المعنى.

و بالجملة ان الإشارة و الكتابة إذا لوحظتا من حيث كونهما وجودا للمعنى كانت الأولى مقدمة على الثانية، لكونها في رتبة اللفظ و هو في رتبة متقدمة على الكتابة.

إذا عرفت ذلك فلنشرع في بيان ألفاظ العقد. و البحث فيه يقع تارة من جهة المادة، و اخرى من جهة الهيئة.

المبحث الثاني في مادة ألفاظ العقد

اشارة

اعلم انّ البيع لا يكفي في تحقّقه مجرّد وجود الكاشف بل هو من الأمور الإنشائية الإيجادية في الخارج، فلا بد في تحققه من إيجاده خارجا، اما بوجوده الحقيقي، أعني ما تتقوم به حقيقته الاعتبارية، كالمعاطاة (1)بناء على ما تقدم من كونها مصداقا لحقيقة التمليك.

و إما بوجوده التنزيلي، و ذلك يتوقف على جعل شي‌ء وجودا تنزيليا له.

و هو المراد من الوضع المصطلح عليه (2)

و ربما يحصل تعين قهري له و قد عبروا عنه بالوضع التخصّصى، و مما ذكرنا يعلم أنه نتيجة الوضع و ان إطلاق الوضع عليه بالعناية. و بالجملة ان ما يناسب المعنى اللغوي لكلمة الوضع هو ما ذكرنا، و ان أمكن منع تحققه بهذا المعنى في قاطبة اللغات الرائجة في الألسنة، و الالتزام بان التعين الحاصل لها غير مسبوق بالتعيين. ثم ان المتعلق للوضع قد يكون اعتبار الوحدة بين اللفظ و طبيعة المعنى، و اعتبار كون وجود اللفظ وجودا لها على نسق الوجود الذهني، بحيث لا يمتنع صدقها على المصاديق الخارجية واحد أو كثيرين. و بعبارة أخرى اعتبار وجوده وجودا ذهنيا للمعنى.

و من هذا القبيل وضع أسماء الأجناس في قاطبة اللغات المتداولة في الألسنة.

«و قد يكون» اعتبار الوحدة بينه و بين الطبيعة و كونه وجودا لها على نسق الوجود الخارجي، و بعبارة أخرى اعتبار وجوده وجودا خارجيا للمعنى و محصله اعتبار اللفظ مصداقا لطبيعة المعنى.

و من هذا القبيل وضع أسماء الإشارة، و الضمائر، حيث إنها موضوعة لان يعتبر مصاديق للإشارة. و الفارق بين أسماء الإشارة و الضمائر أن المشار إليه في أسماء الإشارة يكون نفس الأشياء، و في الضمائر هي بما انها مضمرة في الخاطر.

و من هذا القبيل وضع ألفاظ الانشائات كالأمر، و النهي، و ألفاظ الترجي، و التمني، و التعجب، و غيرها.

و قد يكون اعتبار الوحدة بينه و بين الطبيعة بما هي واقعة في حيز الوجود الخارجي، و بعبارة أخرى اعتبار الوحدة بينه و بين مصداق الطبيعة و صيرورته وجودا اعتباريّا لمصداق من مصاديقه الحقيقيّة فيكون وجودا للطبيعة في طول ما لحقها من الوجود خارجا. و محصله اعتبار وجود اللفظ وجودا لمصداق الطبيعة. و من هذا القبيل وضع الحروف و الافعال. لكون وضع الافعال مركبا بحسب الهيئة و المادة من وضعين، الأول، وضع موادها، و هو وضع الأسماء، و الثاني، وضع هيئاتها و هو وضع الحروف.

فالحروف، و هيئات الأفعال (أعني ما عد الإنشائيات منها و هي الأوامر و النواهي) موضوعة لاعتبارها متحدة مع مصاديق النسب و الروابط. فكلمة «من» موضوعة للربط بين المبتدإ و المبتدإ منه، و كلمة «الى» موضوعة للربط بين المنتهى و المنتهى اليه «و اللام» موضوعة للربط بين المختص و المختص له «و الكاف» موضوعة للربط بين المثل و المثل له «و على» موضوعة للربط بين المستعلى و المستعلى عليه و «قد» موضوعة للربط بين مفاد مدخولة و القلة، إذا كان مضارعا، و بينه و بين التحقق إذا كان ماضيا، بهذا النحو من الوضع.

و خصوصية طرفي النسبة و الربط غير داخلة تحت الموضوع له في الحروف، بل هي بجميعها موضوعة للربط فقط، و ان تقيد وضع كل واحد منها بخصوص صورة كون طرفي الربط على خصوصية. و قد تقدم منا بيان الوضع المقيد فيما تقدم من الكلام في وضع المشتقات استطرادا.

و منه يتوجه المنع على من جعل كلمة «من» مثلا موضوعة للابتداء و كلمة «الى» موضوعة للانتهاء و هكذا، لا سيما من جعل الموضوع له فيهما عين الموضوع له في كلمة الابتداء و الانتهاء، و هو المحقق الخراساني «ره» في الكفاية.

ثمّ ان صعوبة فهم حقيقة المعاني الحرفية و هي النسب و الروابط قد أوجب إغلاقا في تشخيص أوضاعها. و نحن نتعرض لحقيقتها، مع التحفظ على تجزية البحث فيها، عن غيره من الأبحاث المساوقة له، صونا عن الإطالة. فنقول: ان النسب و الروابط تكون حقيقة و بالذات، بين العلل و معاليلها، و بين الاعراض و معروضاتها، ثمّ تحدث بين غيرها باعتبار ثبوتها بينها، و أنت إذا لاحظت أطراف الروابط، ترى ان مرجعها الى الروابط المتحققة بين الاعراض و معروضاتها، أو بين العلل و معلولاتها. و الروابط الموضوعة لها ألفاظ الحروف بجملتها هي الروابط بين الاعراض و المعروضات أو الراجعة إليها، و الحاصلة بين غيرها باعتبار تحققها بينها. و كل ربط حصل بين غيرها هو باعتبار حصوله بين عرض و معروض، مثلا الربط بين المثل و الممثل له باعتبار حصول الربط بين عرض و بين المثل، و بينه و بين الممثل له، فالربط بين زيد و الأسد في قولنا: زيد كالأسد، يرجع إلى حصوله بين الشجاعة و الأسد، و بينها و بين زيد.

و عليك بالدقة التامة في موارد حصول الربط، حتى يتبين لك كونه أصيلا بين طرفيه أو حاصلا بلحاظ حصوله بين غير هما.

و بالجملة، فمن البديهي أن الربط لا يتحقق حقيقة إلا بين العلل و معلولاتها أو الاعراض و معروضاتها، و جميع العالم ليس الا العلل و المعلولات و الاعراض و المعروضات.

و الربط من شؤون وجود المعاليل و المعروضات، و بعبارة أخرى، الربط مندك في وجوداتها. اما النسب و الروابط بين الاعراض و المعروضات، فهي من شؤون وجود المعروضات و مندكة فيها، فالقيام إذا وجد في الخارج لزيد كان وجوده عين الوجود لزيد، و قد اندك في وجوده كونه له. و كذا السواد إذا وجد في جسم كان وجوده عين الوجود له، اعنى ان وجود العرض قد اندك في ذاته «انه له» بحيث لو انعدم كونه له، انعدم وجوده من أصله. و هذا طور وجود الاعراض.

و هو الوجه لاستحالة انتقال الأعراض، فان انعدام الربط بوجود المعروض، عن وجود الاعراض، انعدام لوجود العرض بذاته، فان وجد ثانيا لمعروض آخر، كان وجودا مباينا للوجود الأول. و قد انعدم الأول و انوجد الثاني من أصله.

و اما النسب و الروابط بين العلل و المعاليل فهي مندكة في وجود المعاليل، و قد اندك في وجود كل معلول «انه لعلته» اعني ما عبروا عنه عند أعمال الدقة في ذوات الوجودات الإمكانية بالافتقار و التعلق، و ان وجود الممكن بذاته افتقار إلى العلة و تعلق عنها.

و هذا طور الوجودات الإمكانية، و الربط بالعلل عين ذواتها، بحيث كان انعدام الربط و التعلق عن وجود المعلول انعداما لوجوده بعينه، لا مستلزما له مغايرا عنه.

و مما ذكرنا يعلم: ان الربط لا يقع في حيز الذهن، فإنّه عين الوجودات الإمكانية و العرضية، و هي لا تدخل في الذهن، و الا يلزم انقلاب الذهن بالخارج. و الداخل في الذهن هو الماهيات بعد تجردها عن الوجود الخارجي.

و من هنا يبدو الإشكال في مفهوم القضايا الذهنية المتضمنة للربط بين موضوعاتها و محمولاتها.

و «الجواب» ان الربط يحدث فيها بين وجود الموضوع و وجود المحمول بما هما وجودان خارجيان، فان الوجود الذهني و ان كان في قبال الوجود الخارجي، و مغاير معه بالنسبة إلى الماهية الملحوظة، الا انّه بعينه وجود خارجي بما انّه كيف نفساني، أو غيره ممّا يمكن ان يقال في حقيقته. و لأجل ذلك كان الربط بين الموضوع و المحمول في القضايا الذهنية هو مصداق الربط لا مفهومه.

«و توضيحه» ان محكي جملة «الإنسان، منتصب القامة» ليس لحاظ مفهوم الإنسان و مفهوم الربط و مفهوم انتصاب القامة بالبداهة، بل لحاظ مفهوم الإنسان، و مفهوم منتصب القامة مع الربط بينهما.

و الحاصل ان وجود انتصاب القامة، عند تصور الإنسان المنتصب القامة في الذهن، بما ان له نحو من الوجود الخارجي تحقق بينه و بين وجود الإنسان في الذهن بما ان له نحو من الوجود الخارجي، مصداق الربط و النسبة.

و يظهر ما ذكرنا من ملاحظة الصور الخارجية، فصورة زيد في الجدار في حال القيام، متركبة، من صورة زيد و صورة القيام، مع ربط خارجي بينهما حاصل بعروض صورة القيام على صورة زيد يحكي معه مجموع الصورتين عن زيد في حال القيام. و من البديهي انّه ليس في الجدار صورة زيد، و صورة القيام، و صورة الربط. بل الموجود في الجدار صورة زيد في حال القيام و بعبارة أخرى صورتان مع وجود مصداق الربط بينهما، بحيث يحكيان معه عن صورة زيد في حال القيام «و بعبارة اخرى» انّ مصداق الربط الحاصل بين الصورتين في الجدار يحكى عن مصداق آخر للربط حاصل بين وجود زيد و وجود القيام في الخارج.

و قد انقدح من تفاصيل ما ذكرنا: ان المحكي للحروف هو مصاديق الربط حتى في القضايا الكلية المنطبق محكيها على كثيرين.

و منه يعلم صحة ما ذكروه من كون الموضوع له خاصا في الحروف و انّ ما ذكره صاحب الكفاية، من كون الموضوع له الحروف كليا، من دون فرق بينها و بين الأسماء، باطل، و ان كان ما ذكره الأستاذ «قده» في دفعه غير كاف فيه، من ان المعاني الحرفية غير مستقلة باللحاظ حتى يحكم عليها بالكلية أو الجزئية.

حيث يرد عليه ان ما ذكره، بنفسه قضية متضمنة للحكم عليها بعدم الاستقلال، فلو بنى على ما ذكره لما صحّ قوله ان المعاني الحرفية كذا و كذا. فان موضوع القضية لا بد من لحاظه مستقلا حتى يحكم عليه، «و الحل» انّها تستقل باللحاظ حينئذ بمعونة مفهوم اسمي يكون مرآتا لها و حاكيا عنها و هو مفهوم الربط و ما ساوقه.

في مباحث الألفاظ فإن المراد منه

1) قد عرفت مما قدمناه سابقا، أن البيع يحصل في مورد المعاطاة بأمر قلبي، و هو الالتزام بملكية مال بإزاء مال آخر مع ترتيب الأثر عليه خارجا، و تقدم أيضا ان البيع أمر اعتباري فيستحيل ان يكون له وجود حقيقي.

2) اعلم أن حقيقة وضع اللفظ للمعنى تعيينه للاستعمال فيه. و حقيقة استعمال اللفظ في المعنى هو التكلم باللفظ مرآتا للمعنى، و لا يكون ذلك إلا بإفناء اللفظ في المعنى و اعتباره عين المعنى و وجوده عين وجوده.

أقسام الوضع
وضع الحروف
حقيقة المعاني الحرفيّة

جعل اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى و جعله مرآة فانيا فيه (1)فيكون استعماله في المعنى افناء للفظ فيه و إيجادا له بوجوده التنزيلي. و من هنا يستحيل استعمال


1) قد تقدم الاشكال فيه في بعض التعليقات السابقة.

اللفظ في أكثر من معنى واحد، ضرورة استحالة افناء شي‌ء واحد في شيئين (1)ثم ان اعتبار الوضع و التنزيل في ألفاظ العقود لا يسقط المجازات عن الاعتبار بها فيها، بل المجازات برمّتها قد تعلق الوضع بها بتبع تعلقها بالمعاني الموضوعة لها بالأصالة. و توضيحه ان وضع اللفظ للمعنى، يوجب وضعه لتوابعه بالتبع. (2)ألا ترى انه لو نصب علم على هامة باب دار زيد تكون علامة لداره و لدار عمر و أيضا بالتبع، بحيث يمكن به تعريفه أيضا إذا كان باب داره بحذاء باب دار زيد. و لعله هو المراد لمن ادعى الوضع النوعي للمجازات، اعنى الوضع التبعي الذي يحصل بتبع وضع اللفظ لمعناه الحقيقي.

نعم لا يكون بالأصالة إلا مرآة للمعنى الحقيقي و فانيا فيه، فلا يتبادر منه عند إطلاقه إلا ذلك لكنه إذا قامت قرينة تصرفه عنه يكون مرآة و فانيا فيما له من المعنى المجازي اللازم لمعناه الحقيقي. ثم إذا قامت قرينة أخرى تصرفه عنه، يكون مرآتا لما يلزمه، و هكذا. فتكون المعاني المجازية مترتبة بعضها على بعض، كترتب جميعها على المعنى الحقيقي، و تكون القرينة الصارفة عن بعضها قرينة معينة لبعض آخر منها. نعم لو كان هناك معاني مجازية متعددة في عرض واحد لاحتاج إلى قرينة معينة أخرى، تكون معينة لواحد منها و سيجي‌ء بيان المراد


1) المراد من افناء اللفظ في المعنى اعتبار وجود اللفظ وجودا للمعنى و تخيّل وجوده وجودا له.و تقدم ان حقيقة استعمال اللفظ في المعنى، التكلم به باعتبار كونه هو المعنى.و منه يعلم ان منشأ استحالة استعمال اللفظ في معنيين، استحالة اجتماع تخيلين متعددين في النفس في زمان واحد. و قد يعبر عنه باجتماع اللحاظين لكون التخيل قسما من اللحاظ. و بالجملة يستحيل تحقق لحاظين في النفس في آن واحد، نعم يمكن لحاظ كلا المعنيين بلحاظ واحد، فيكون اللفظ حينئذ مستعملا في مجموع المعنيين دون كل واحد منهما باستقلاله.

2) قد تقدم تفصيل القول في التعليقة السابقة في ان الوضع هو اعتبار الوحدة بينه و بين المعنى، و من البديهي انّه لا يستلزم الوحدة بينه و بين لوازم المعنى، و غاية ما يلزمه دلالة اللفظ لها كما مثل له الأستاذ «ره» و هي غير حصول الوحدة بينها و بين اللفظ.

من القرينة و ما يعتبر فيها.

و قد تبين ان اعتبار الوضع و التنزيل في ألفاظ العقود لا يخصصها بالألفاظ الموضوعة لها، بل ربما يجوز الإنشاء لها بالألفاظ المجازية، و ان اعتبر كونها حينئذ مرآتا و فانيا في معاني العقود (1).

و اما الكناية اعني استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي للإشعار به على لوازمه و آثاره، كقولك زيد طويل النجاد للإشعار بشجاعته، فليس يجوز الإنشاء بها، لما عرفت من عدم جواز الإنشاء باللفظ لما هو لازم معناه الحقيقي إلا إذا جعل مرآة له، فلو لم يصرف عن معناه الحقيقي، و استعمل مرآة له و فانيا فيه، لا يجوز به إنشاء ما له من اللوازم. نعم ربما يكشف عنها اللفظ و يدل عليها بالدلالة الالتزامية، الا انّ مجرد الكشف لا يعتد به في باب الانشائات، بل المدار على كون اللفظ فانيا في المعنى المنشأ حتى يكون وجوده وجودا له. و لو أخذ اللفظ مرآتا للمعنى اللازم في عرض كونه مرآتا للمعنى الحقيقي يلزمه محذور استعمال اللفظ في المعنيين. و يزيد عليه محذور جمع المترتبين في مرتبة واحدة. و لو أخذ مرآتا لخصوص المعنى اللازم، دون المعنى الحقيقي يكون مجازا خارجا عن عنوان الكناية هذا.

و قد اختار السيد «ره» جواز الإنشاء بالكناية، بتقريب ان الإنشاء و ان كان قد تعلق أو لا بالمعنى الملزوم الا انّه قد تعلق بالمعنى اللازم أيضا ثانيا بتبع تعلقه بالمعنى الحقيقي.

قلت: إن الإيجاد التبعي لا يكون إلا في موارد محصورة «فمنها» الأفعال التوليدية كالإلقاء في النار فإنّه إيجاد للإحراق بالتبع «و منها» الأمور اللازمة


1) تقدم منا، المنع فيه.

لأمور أخر عقلا لا ينفك عنها في الوجود (1)

مضافا الى انّه قد بيّنا سابقا أن الإنشاء يكون بلفظ هو مصداق للمنشإ، و ليس مقتضى التلازم كون المصداق لأحد هما من الصيغة مصداقا للآخر، بل هو مقتضى العينية و الاتحاد. نعم يمكن ان يكون اعتبار احد هما مستلزما لاعتبار الأخر، بأحد نحوين:

«الأول» ان يكون أحد هما أثرا يترتب على الأخر بحيث ينحصر فيه أثره و فائدته، فيكون اعتباره من دون اعتبار ترتبه عليه فاقدا للثمرة و الفائدة، و هو خلاف منهج العقلاء في اعتباراتهم، كما في غير الأوّل من الأمثلة.

«و الثاني» تنزيل احد هما بمنزلة الأخر، و بعبارة أخرى: اعتبار احد هما عين الأخر، إما على الإطلاق أو بالنسبة إلى وقوعه في حيز الإنشاء، كما في التوابع العرفية. فيكون اعتبار تحققه اعتبارا لتحقق ما نزل بمنزلته، هذا.

و الفارق بين النحوين: كونه مصداقا لكليهما باعتبار واحد في النحو الثاني، و كونه مجرد كاشف عن تعلق الاعتبار بغيره من دون أن يكون مصداقا له في النحو الأوّل، هذا.

و امّا ما ذكره الأستاذ «ره» من ان إنشاء الوجوب لذي المقدمة إنشاء لوجوب المقدمة أيضا، فنقول: إنّه لا يكون ذلك إلا، على النحو الثاني أي كون وجوب المقدمة عين وجوب ذي المقدمة في اعتبار العرف، و امّا على النحو الأوّل، فليس اعتبار الوجوب و الطلب لذي المقدمة مستلزما لاعتبار الوجوب و الطلب للمقدمة أيضا، لترتب الفائدة على مجرد اعتبار الوجوب و الطلب لذي المقدمة، تعويلا على إلزام العقل لإيجاد المقدمة قبل إيجاد ذي المقدمة بلا حاجة لإنشاء الوجوب الشرعي للمقدمة.

كوجوب المقدمة اللازم عقلا لوجوب ذي المقدمة، فإن العقل يحكم باستحالة انفكاك وجوبها عن وجوب ذي المقدمة، فيكون إنشاء وجوب الشي‌ء إنشاء لوجوب ما يتوقف عليه بالتبع.

و من هذا القبيل جعل القضاوة للقاضي، و إرجاع المتخاصمين اليه، و جعل الحكومة للحاكم و إيجاب طاعته، و جعل الحجية لقول الفقيه و إرجاع الناس في تلقى الاحكام اليه، فيكون قوله عليه السلام «اما الحوادث الواقعة


1) لا يخفى ان الواقع في حيز الإنشاء يكون لا محالة من الأمور الاعتبارية. و من البديهي انه يمكن تفكيك المتلازمين في الاعتبار و التخيل، الّا ما كان منهما متلازمين في التصور كالأبوة و البنوة.

فارجعوا الى رواة حديثنا» إنشاء للحجية لهم بالتبع، و يكون قوله «ع» في تلوها فإنهم حجتي عليكم مجرد توكيد و توضيح يستغني عنه بالفقرة السابقة.

«و منها» الأمور اللازمة لأمور أخر عرفا (1)كتوابع الشي‌ء اللازمة له عرفا فلو أنشأ بيع الدار كان إنشاء لبيع مفتاح بابه أيضا بالتبع هذا.

و اما ما نحن فيه فليس من واحد منها فلا يتصور فيه الإنشاء تبعا لعدم وجود الملازمة بين المعنى الحقيقي للفظ و المعنى الكنائي له، كيف؟ و الا لما احتيج في إنشاء المعنى الكنائي إلى قرينة تدل عليه، بل كان يتحقق إنشائه بتبع إنشاء المعنى الحقيقي من دون توقف على ضم قرينة اليه. و بالجملة لا يستلزم طول نجاد الشخص و قامته ان يكون شجاعا، فكم من طويل النجاد و القامة يكون غير شجاع، و كم من قصير النجاد و القامة يكون أشجع من طويل النجاد و القامة.

المبحث الثالث في هيئة ألفاظ العقد

يعتبر في هيئة ألفاظ العقد أمور:

«الأول» ان تكون هيئة كل من الإيجاب و القبول ظاهرة في الإنشاء و الإيجاد و هيئات الصيغ مختلفة في ذلك.

اما صيغة الماضي، فهيئتها موضوعة لنسبة تحقق المبدء الى الذات. فان كان المتكلم في مقام الاخبار، يكون ذلك اخبارا عن تحققه في الزمان الماضي، و ان لم يكن في مقام الاخبار عن تحقق المبدء فلا بدّ و ان يتحقق المبدء بنفس


1) قد تقدم الكلام فيه في التعليقة السابقة.

الصيغة، حتى يتحصل معنى الصيغة (1)

و الذي ينبغي بيانه ههنا: ان استعمال الماضي في عدة قليلة من المواد- و هي المواد الموضوعة للعقود و الإيقاعات و عدة قليلة جدا من غيرها من المواد الاعتبارية- في الإنشاء، لا يوجب وضع هيئته بأعم منه و من الاخبار في ضمن المواد الغير المحصورة. و من البديهي ان الهيئة المستعملة فيها موضوعة بوضع كلّى شامل على المتحققة في جميع المواد.

بل التحقيق انّ صيغة المتكلّم من صيغ الماضي من مواد العقود و الإيقاعات، و ما شابههما من المواد الاعتبارية المتحققة باللّفظ، تعلق بها وضع ثانوي، بنحو التعيين أو التعين. و هو وضعها مصداقا لطبايع موادها. فكلمة بعت، و آجرت، و صالحت، قد وضعت مصداقا للبيع و الإجارة و المصالحة، و هكذا.

فهي ظاهرة في الإنشاء إذا لم يكن المتكلم في مقام الاخبار عن المعنى.

و أما هيئة المضارع فهي موضوعة لحركة الذات نحو المبدء و ترقب صدور المبدء عنها (2)

و ان لم يصرح بالحال، انصرف الى حال التكلم.

و قد علم ممّا ذكرنا عدم صحة الالتزام بكون المضارع موضوعا لحركة الذات نحو المبدء، أو ترقب حصول المبدء منه، أو منشأيّة الذات له كما قيل، فانّ كلّ ذلك على خلاف المتبادر منه، و المتبادر منه مجرد صدور المبدء من الفاعل، كما هو المتبادر لا غير من الفعل الماضي، و الفرق بينهما في دلالة الماضي على السبق الزماني له، و المضارع على عدم سبقه.

في الحال أو الاستقبال. فلو أريد منه الإنشاء، يكون الحاصل منه

1) قد تقدم ان نحوة الوضع في الإنشاء تباين نحوته في الاخبار «و محصله» ان الوضع لو تعلق باعتبار الوحدة بين اللفظ و بين طبيعة المعنى يكون اخبارا، و لو تعلق باعتباره مصداقا للطبيعة يكون إنشاء. و لا يمكن الجمع بينهما في واضع واحد، و قد تقدم شطر من الكلام في وضع الحروف و هيئات الافعال، و سيجي‌ء إتمام الكلام فيه.

2) لا يعقل الترقب لما كان موجودا في حال الترقب مع علم من يترقبه بوجوده من حينه، و التحقيق انّه أخذ في معنى الماضي السبق الزماني، و أخذ في معنى المضارع عدم السبق الزماني، فيشمل الحال و الاستقبال. و السبق و عدم السبق لا بدّ و ان يلاحظ بالنسبة الى حال، فانّ صرّح بتعيين حال كان السبق و عدم السبق بالنسبة إليه، كما في قولنا: زيد يجي‌ء بعد عام و قد ضرب قبله بأيام، و كما في قولنا عنه حكاية حال الماضي: يضرب زيد، إذا تحقق الضرب بعد ذلك الحال.

مفهوما كالوعد، و لا يحصل به إنشاء تحقق المبدء، إلا إذا انضم إليها قرينة توجب ظهورها فيه، فيحصل بها إنشائه حينئذ لكن لا بمجرد وجود مطلق القرينة الكاشفة عن مراد المتكلم، لما عرفت من ان الاعتبار في الإنشائيات بالقرينة الموجبة لإحداث الظهور في اللفظ، و ما يصير اللفظ بها مرآة للمعنى فانيا فيه (1). و عليه يحمل ما ورد من جواز الإنشاء بلفظ المضارع.

و اما هيئة صيغة الأمر فهي و ان كانت موضوعة للإنشاء رأسا الا انّ الموضوع له صيغة الأمر إنشاء طلب المبدء عن الغير، فلا يصلح لإنشاء نفس المبدء. نعم ربما يستظهر عن رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر «عليه السلام» وقوع القبول في عقد النكاح بلفظ الأمر. و هو ما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن علي بن محمد عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر «ع» قال، جائت امرأة إلى النبي «صلّى اللّٰه عليه و آله» فقالت:

زوجني. فقال رسول اللّه «ص»: من لهذه فقام رجل فقال: أنا يا رسول اللّه، زوجنيها. فقال «ص»: ما تعطيها فقال: ما لي شي‌ء قال لا، فأعادت، فأعاد رسول اللّه «ص» الكلام، فلم يقم احد غير الرجل. ثم أعادت فقال رسول اللّه «ص» في المرة الثالثة: أ تحسن من القرآن شيئا قال نعم. قال قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلمها إياه «انتهى».

«و فيه» ان الرواية مسوقة لبيان جواز جعل القرآن مهرا في النكاح فتعرض الامام «ع» لحكاية فعل النبي «ص» بما يكفي في الدلالة عليه، فلا يكون عدم ذكره لإنشاء القبول من بعد إيجاب النبي «ص»، دليلا على عدم تحققه. بل و لعلّه إنشاء القبول ثانيا بعد قول النبي: زوجت. و لم يذكره الامام «ع» لعدم مساس الحاجة لذكره فيما يريد بيانه.


1) تقدم منّا الكلام في ذلك على التفصيل فلا تغفل.

و اما هيئة اسم الفاعل و ما ضاهاه من الصفة المشبهة و غيرها. فهي موضوعة للابسية المبدء للذات (1)و قد يعبر عنها باتصاف الذات بالمبدء و هو مسامحة في التعبير، فليس معناها متضمنا لتحقق المبدء فلا يصلح لإنشاء المبدء بها أصلا. نعم وقع الإنشاء بها في العتق، و الطلاق لمكان خصوصية فيهما ليس المقام محلا لبيانها.

و ممّا ذكرنا يعلم عدم وجود الفرق بين اللغات، و جواز الإنشاء بغير العربية كما يجوز بها، لما عرفت من ان تحقق الأمور الإنشائية إنّما يتوقف على مجرد إيجاد ما يكون وجودا حقيقيا لها و هو أجنبي عن بحث العقود أو وجودا تنزيليا لها و ذلك يحصل بالوضع و جعل شي‌ء وجودا تنزيليا للمعنى من غير فرق فيها بين اللغات أصلا، بداهة عدم وجود فارق بين العربية و غيرها في حصول الوضع و التنزيل. و الالتزام باعتبار العربية لمجرد التأسي بالنبي «ص» مجرد استحسان، لا يعول عليه في فقه الإمامية.

المبحث الرابع في شروط العقد

الشرط الأول الترتيب بين الإيجاب و القبول

و قد فصل الشيخ «قده» في اعتباره بما وقع محل نقض من المتأخرين عنه.

«و محصله» ان اعتبار الترتيب بتقديم الإيجاب على القبول إذا كان القبول بلفظ


1) قد تقدم الكلام منّا في وضع المشتقات تفصيلا، فراجع.

قبلت و رضيت و أمثالهما. و عدم اعتباره، إذا كان بلفظ اشتريت و ملكت و تملكت و أمثالها.

بيان ذلك، بحيث ترتفع السترة عن مراده (قده) و يندفع ما أورد عليه من النقوض: أن يقال: إنّه لا ريب في كون البيع و غيره من العقود، مفتقرا الى ايجادين، يصدر احد هما من الموجب، و الأخر من القابل. و ليس يكفي فيه مجرد الإنشاء بمعنى فرض وجود المنشأ بل لا بدّ من إيجادهما للمنشإ خارجا بماله من الحقيقة الاعتبارية، بحيث يترتب على إنشائه وجود المنشأ حقيقة، بلا حالة منتظرة يتوقف عليها وجوده خارجا. و ليس المراد منه ترتب الملكية في الخارج على إنشاء كل منهما، حتى يستشكل فيه بعدم ترتبها على مجموع الإيجاب و القبول أحيانا كما في بيع الصرف، فضلا عن ترتبها على احد هما. بل المراد: انّه يعتبر في تحقق البيع أن يكون كلّ من الموجب و القابل، في مقام إيجاد الأمر المترقب منه فعلا بحيث يترتب على إيجاده وجود ذلك الأمر في الخارج بحقيقته الاعتبارية.

ثمّ انّ تحقق مفهوم القبول يتوقف على وجود إيجاب هو مطاوعته، فلا يمكن إيجاد حقيقته الا بعد تحقق الإيجاب. فلو قال: قبلت، قبل الإيجاب، لم تحصل به حقيقة القبول في الخارج. نعم يمكن إنشاء القبول بفرض تحقق الإيجاب و تقدير حصوله، الا ان تحقق القبول به أيضا يكون بحسب الفرض و التقدير، لما أخذ في حقيقته التبعية للإيجاب، فلا تصير متحققة في الخارج الا بتحقق الإيجاب كذلك. فلا يترتب على القبول المبنى على الفرض الّا انكشاف رضى القابل بحصول البيع، و لا يكتفى بمجرد انكشافه في أبواب الانشائات.

و هذا بخلاف تملكت و ما شابهها، فانّ مفهومها أمر مستقلّ لم يؤخذ فيه التبعية للإيجاب، بل يقبل التحقق خارجا و ان لم يقترن بتحقق التمليك، كما لو نوى تملك المباحات، أو اللقطة. نعم لما كان العقد غير متحقق الا من إيجاب واحد و قبول واحد، و لا يتحقق من إيجابين مستقلين، يكون قول المشتري تملكت

أو اشتريت بعد قول البائع بعت محققا للعقد، باعتبار كونه إنشاء للقبول التزاما. و امّا لو قدم ذكره على قول البائع بعت أو ملكت ينسلب عنه عنوان القبول مطابقة و التزاما، لعدم استلزامه للقبول الا باعتبار وقوعه عقيب بعت و ملّكت، فيكون تقديمها أيضا كتقديم رضيت و قبلت، غير خالية عن المحذور.

لكن التحقيق انّ الملازمة المتوهمّة بين البيع و الإيجاب، و بين الشراء و القبول في «باب البيع» و بين الموجب و الزوجة و القابل و الزوج في «باب النكاح» غير ثابتة لتعدد منشأ اعتبارهما، فإنّ منشأ اعتبار الزوج و الزوجة و كذا اعتبار البائع و المشتري اعتبار حقيقة النكاح و البيع. و منشأ اعتبار الموجب و القابل اعتبار تحصل العقد. و الملازمة انّما تكون إذا كان منشأ اعتبارها امرا واحدا، فلا جهة تقتضي نفي الانفكاك بين الموجب و الزوجة و القابل و الزوج في النكاح، و لا بين الموجب و البائع و بين القابل و المشتري في البيع. و قد صرحوا بوقوع الإيجاب من الزوج، إذا أراد تزويج أمته و جعل عتقها صداقا فيه، فيقول تزوجتك على ان تكوني حرّة، فإذا لحق به القبول من الأمة تصير زوجة له. و كذا صرحوا بوقوع الإيجاب من المشتري في بيع السلم فيقول أسلمتك.

و ممّا ذكرنا يعلم انّه لا بأس بتلقى لفظة اشتريت إيجابا، إذا قدمت على بعت. و تكون بعت حينئذ إنشاء للقبول بالالتزام، كما انّ اشتريت تكون إنشاء له حينئذ إذا تأخرت عن بعت. و كلاهما شائعة في العرف بلا منع بحسب اعتبارهم أصلا. و الحاصل ان المعتبر في البيع هو الإيجاب من احد الجانبين، و القبول من الأخر، سواء تحقق الإيجاب من البائع و القبول من المشتري، أو بالعكس. و سواء حصل إنشائهما بالمطابقة أو الالتزام.

الشرط الثاني الموالاة بين الإيجاب و القبول
اشارة

اعلم ان صدق البيع على الإيجاب و القبول، انما هو باعتبار كونهما معاملة واحدة. (1)كما أن صدق الصلاة على الاجزاء المتشتتة من الركوع و السجود و غير هما، باعتبار وحدة بينها توجب كونها عملا واحدا فيصدق عليها بما انّها عمل واحد، عنوان الصلاة. و لما كانت الوحدة بين الإيجاب و القبول، أو اجزاء الصلاة من الركوع و السجود و غير هما غير متحققة حقيقة، لكون كل منها عملا مستقلا منحازا عن غيره بحسب الحقيقة، يكون المعيار فيها اعتبار حصولها في نظر العرف. فكلما تحققت الوحدة في نظرهم بين اجزاء الصلاة يصدق عليها عنوانها. و مع انتفاء الوحدة بينها عرفا ينسلب عنها عنوانها، كما لو اتى بجزء منها في اليوم، و بجزء آخر منها في الغد، لا يصدق عليها عنوان الصلاة. لأجل مجرد عدم تحقق الوحدة بينها عند العرف، و ان لم يتخلل بينها واحد من القواطع.

ثم انّ تحقق الوحدة يختلف بحسب اختلاف مواردها باعتبار اشتمال بعضها على خصوصيات غير ثابتة لبعض آخر منها، فربما يقدح مقدار من الفصل بالوحدة المعتبرة بين شيئين لا يقدح في الوحدة المعتبرة بين غير هما، فالفصل الغير القادح في وحدة أجزاء الصلاة ربما يكون قادحا في وحدة اجزاء القراءة، و الفصل الغير القادح في وحدة أجزاء القراءة ربما يكون قادحا في وحدة أجزاء آية واحدة، و كذلك الفصل الغير القادح في وحدة أجزاء آلائه ربما يكون قادحا في وحدة كلمة واحدة فيقدح في وحدتها مقدار من الفصل بين الحروف لا يقدح


1) بل الحق ان الإيجاب من البائع هو البيع، و القبول مجرد شرط في تحقق البيع به، كما مرّ بيانه منّا على التفصيل آنفا.

ذلك المقدار من الفصل في وحدة الآية إذا تحقق بين كلماتها.

إذا عرفت ذلك فقد تبين لك منشأ اعتبار الموالاة بين الإيجاب و القبول، و انّ ذلك اعتبار الوحدة بينهما في كونهما معاملة واحدة و صدق عنوان البيع عليهما، و قد أنيط اعتبارها باعتبار وجود الربط بين اجزاء العقد.

فتوجه عليه الإشكال «تارة» بأنّ دليل صحة المعاملة. لا ينحصر في «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»، فلا تبطل المعاملة الحاصلة بهما لأجل فقدانها لبعض ما يعتبر في العقد، لكفاية ما كان من الأدلة غير مسوقة بعنوان العقد، كقوله تعالى «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» و غيره، في الحكم بصحتها، و تكون غاية الفرق بينها و بين المتحققة بالإيجاب و القبول المتصلين في مجرد اللزوم و الجواز (1)و كونها غير لازمة، لفقدانها لمناط اللزوم اعنى العقد، لإناطة اللزوم في المعاملة بتحققه كما تقدم. فيصير حاصل الاشكال كون الفصل قادحا في لزوم المعاملة فقط مع حصول المعاملة الصحيحة بالإيجاب و القبول، و انّ تحقق بينهما الفصل.

«و اخرى» بأنّ الارتباط بين الإيجاب و القبول بما يعتبر في تحقق العقد بها، يحصل في قلب المتعاملين و ان تخلل بينهما فصل طويل في الخارج (2).

و بالجملة انّ منشأ اعتبار الموالاة بين الإيجاب و القبول، في صدق أصل


1) و الجواب عنه ما تقدم من انّ البيع يتحقق على طورين «احد هما» تحققه بالالتزام في نفس المتعاملين مع ترتيب الأثر عليه خارجا بالأخذ و الإعطاء «و ثانيهما» تحققه في الخارج عن نفس المتعاملين، و هو العقد، فلا يكون تحقق البيع بالإيجاب و القبول اعني تحققه في الخارج عن نفس المتعاملين إلا بتحقق العقد، فيكون فقدان شرط العقد مقتضيا لعدم تحقق البيع بالإيجاب و القبول، لا عدم لزومه مع تحقق أصل البيع.

2) «يرد عليه» ان الربط بين الشيئين لا يكون إلا في حيّز وجودهما، فالربط بين الإيجاب و القبول المتحققين في الخارج عن نفس المتعاملين، الدخيل في تحقق عنوان البيع بهما في الخارج، لا يحصل في نفس المتعاملين، مع الفصل الطويل القاطع للربط بينهما في الخارج.

عنوان البيع و غيره من المعاملات على مجموعهما، فيكون تخلل الفصل بينهما بما يقدح في تحقق الوحدة موجبا لبطلان المعاملة رأسا و ان كان مقداره المعتبر له في صيرورته قادحا في صحة المعاملة مختلفا بحسب اختلاف الموارد في نظر العرف.

فربما يكون مقدار من الكلام الغير المربوط بالمعاملة قادحا في الوحدة، لا يقدح فيها. ذلك المقدار من الفصل بالسكوت، و ربما يكون مقدار من الفصل بالسكوت قادحا فيها لا يكون ذلك المقدار من الفصل بالكلام المربوط بالمعاملة قادحا فيها.

و منه يعلم الوجه فيما ورد من الأمر بإعادة الخطبة من جانب الزوج قبل قبوله لإيجاب الزوجة فانّ الكلام المربوط بالمعاملة غير قادح في وحدتها، الا بمقدار أكثر ممّا يقدح فيها الفصل بالكلام الغير المربوط بالمعاملة أو السكوت.

تتمة في بيان مصطلح الروايات في كلمة الاستثناء

قال الشهيد «ره» في القواعد: انّ الموالاة معتبرة في العقد و نحوه، و هي مأخوذة من اعتبار الاتصال بين المستثنى و المستثنى منه، فقال بعض العامة: لا يضر قول الزوج بعد الإيجاب الحمد للّه و الصلاة على رسول اللّه قبلت نكاحها.

و منه الفورية في استتابة المرتد، فيعتبر في الحال، و قيل إلى ثلاثة أيّام. و منه السكوت في أثناء الأذان، فإن كان كثيرا أبطله. و منه السكوت الطويل في أثناء القراءة أو قراءة غيرها، و كذا التشهد. و منه تحريم المأمومين في الجملة قبل الركوع، و انّ تعمدوا أو نسوا حتى ركعوا فلا جمعة. و اعتبر بعضهم تحريمهم معه قبل الفاتحة. و منه الموالاة في التعريف، بحيث لا ينسى انّه تكرار، و الموالاة في سنة التعريف، فلو رجع في أثناء المدة استؤنف ليتوالى. انتهى

كلامه أقول: و ليس مراده من المستثنى هو مصطلح النحويين كما توهم، بل هو اصطلاح خاص في الروايات يطلق على ذكر «إنشاء اللّه».

و وجهه انّه ذكر بنحو الاستثناء في قوله تعالى «وَ لٰا تَقُولَنَّ لِشَيْ‌ءٍ إِنِّي فٰاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلّٰا أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ» (1)فاعتبروا اتصالها بالكلام.

و قد ذكروا في باب اليمين انّ ذكر إنشاء اللّه يمنع عن انعقاد اليمين، و اعتبروا اتصال ذكرها بذكر اليمين. و قد وقع النزاع بينهم فيما يقدح في اتصالها بالكلام، و هو أوّل النزاع في مقدار ما يقدح بالاتصال. و قد كان حدوثه بين الصحابة في عصر رسول اللّه صلّى اللّٰه عليه و آله، فأفتى ابن عباس بجواز تخلل أربعين يوما، تمسكا بفعل النبي «ص»، فإنّه «ص» نسي ذكرها إلى أربعين يوما حتى نزل قوله تعالى «وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذٰا نَسِيتَ» إلخ، و من هنا ذهب بعض الى جواز تخلل أربعين يوما في خصوص صورة النسيان.

و قد روي انّ الربيع صاحب المنصور كان بينه و بين أبي حنيفة عداوة فأراد أن يستخفه عند المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين إنّ هذا يخالف جدك في جواز تأخير المستثنى فقال يا أمير المؤمنين هو يريد أن يبيعك الناس ثمّ إذا خرجوا يذكرون المستثنى.

و بالجملة انّ النزاع بينهم في مقدار ما يقدح في الاتصال، انّما نشأ بينهم في أوّل الأمر في اتصال المستثنى اعني ذكر المشية بالمستثنى منه، ثم نشأ منه النزاع في مقدار ما يقدح في الاتصال بين الإيجاب و القبول، و الاتصال بين تحريم الامام و تحريم المأمومين في صلاة الجمعة، و اتصال أجزاء الأذان بعضها ببعض، و كذا اجزاء القراءة، و اتصال تعريف السنة. و ما ذكرناه هو المراد للشهيد «قده» فافهم و تأمل.


1) سورة الكهف، الآية 23.

الشرط الثالث التنجيز

بان لا يكون العقد معلقا على شي‌ء، و التعليق يكون «تارة» في نفس الإنشاء «و تارة» يكون في المنشأ، مع كون الإنشاء منجزا في نفسه.

امّا التعليق في الإنشاء، فيستحيل عقلا، فانّ الكلام اخبارا كان أو إنشاء يدور أمره بين الوجود و العدم فعلا، و لا يعقل فيه التعليق أصلا. فلو كان موجودا كان إخبارا أو إنشاء بالفعل، و ان لم يكن موجودا فهو مع ما ينطبق عليه من العناوين غائب في ظلمات العدم. و لا يعقل التردد في وجود شي‌ء بحسب الواقع و نفس الأمر، بل هو امّا موجود واقعا أو معدوم كذلك و هذا واضح لا يحتاج الى مزيد توضيح.

اما التعليق في المنشأ فهو بمكان من الإمكان، فإنّ الإنشاء كما يجوز ان يتعلق بالملكية الفعلية، يجوز ان يتعلق بالملكية على تقدير، و كما يجوز إنشاء الملكية الفعلية و اعتبار تحققها فعلا كذلك يجوز إنشاء الملكية التقديرية و اعتبار تحققها فعلا.

توضيح ذلك انّه لا تعليق حينئذ في الإنشاء و الإيجاد و لا في وجود الملكية و حصولها، ضرورة استحالة التعليق في الوجود أيضا، فإنّ الإيجاد و الوجود أمر واحد، و الوجود إذا اعتبر بالنسبة إلى الموجد و الفاعل يعبّر عنه بالإيجاد، و إذا اعتبر في حد نفسه يعبر عنه بالوجود. بل التعليق انّما هو في الموجد اعنى متعلق الوجود و هو الماهية، و ان كان إطلاق الماهية في الاعتباريّات لا يخلو عن مسامحة.

و الحاصل أنّ الملكية المتعلقة للوجود الفعلي يكون على طورين، احد هما

الملكية الفعلية، و الأخر الملكية التقديرية فإنّ الملكية التقديرية لون من الملكية (1)

و هو ينافي معنى الشرط فانّ معناه عدم حصول المشروط الا بوجوده.

بل الملكيّة التقديرية، ليست الا وجود الملكيّة عند وجود الشرط، و عدم الملكيّة عند عدم الشرط.

فان قلت: ان المنشأ هو التعليق و الارتباط، بين الملكيّة و الأمر المعلّق عليه. و هو أمر فعلى.

قلت: انّ وجود التعليق و الارتباط قائم بوجود المعلّق، فلو لا وجود المعلّق لم يكن للتعليق وجود.

فليس هنا أمر فعلى قبل وجود المعلّق يكون هو المنشأ بالفعل.

«و حلّ الاشكال» يتوقف على تبيين مفاد القضايا الشرطيّة، و هو الربط بين مفاد جملة الشرط و مفاد جملة الجزاء. و من البديهي أن الربط لا يتحقق الا بتحقق طرفيه، فلازمه ان تكون القضيّة الشرطيّة فاقدة للمحكي لو لم يتحقّق الشرط. فتبطل القضيّة الشرطيّة قبل تحقق الشرط، و لم يجز استعمالها الا بعد تحقق الشرط.

«فالتحقيق» ان المصحح لاستعمال القضيّة الشرطيّة في معناها، هو تحقق طرفيها خارجا في مرآة ذهن المتكلّم، و كذا المصحح لحكايتها عنه عند السامع تحققهما في مرآة ذهنه، و ان كان لا عن إذعان و تصديق لا من المتكلم و لا من السامع بكل واحد من الشرط و الجزاء في نفسه، بل يتعلّق الإذعان و التصديق بما هو محكي القضية الشرطية و هو الربط بينهما خارجا في مرآة الذهن و بعبارة أخرى: مفاد القضيّة الشرطيّة تحقق الربط بين وجودهما ذهنا، و هو مصداق حقيقي للربط في نفسه و مرآة لتحققه بين وجودهما خارجا، بل عين الربط الموجود بين وجود مفاد الشرط و مفاد الجزاء خارجا، لاتحاد المرآة مع المرئي بحسب اللحاظ المرآتى، فتنطبق القضية الشرطية على الربط الموجود بينهما عند تحققهما خارجا.

إذا عرفت ذلك فنقول: انّ جملة الجزاء قد يكون اخبارا، فيكون مدلولها امرا محققا في الخارج في نفسه، و قد يكون إنشاء فيكون مفاده تحقق عنوان اعتباري بهذا اللفظ، و كونه مصداقا لذلك العنوان. و قد تقدم أنّ تقوم الأمر الاعتباري بالاعتبار، فيكون محكي القضية الشرطية حينئذ تحقق الربط بين محكي جملة الشرط و بين اعتبار كون لفظ الأمر الواقع في الجزاء طلبا و مصداقا للطلب، و كذا ايّ عنوان اعتباري آخر أريد إنشائه بجملة الجزاء.

و بعبارة اخرى: انّ مفاد القضيّة الشرطيّة حينئذ هو الربط و التعليق بين محكي جملة الشرط الموجود في مرآة الذهن بالفعل و بين إنشاء الطلب أو إنشاء غيره من الإنشائيّات. فلا يتعلّق الاعتبار بكون أكرم في قولنا «ان جائك زيد فأكرمه» طلبا، الا عند تحقق المجي‌ء، و لا يصير مصداقا للطلب، الا عند تحقّقه.

و ان كانت الأحكام الشرعية مقصورة على الملكية الفعلية، و غير جارية على الملكية التقديرية.

1) «و فيه» انّ الملكية التقديريّة لو كان لونا خاصّا من الملكيّة موجودا بالفعل قبل تحقق الشرط، كان لازمه بقاء هذا اللون و النوع من الملكيّة من حين الإنشاء الى ما بعد حصول الشرط، من غير حصول تغيّر فيه بتحقق الشرط، لعدم تعلق الإنشاء إلا بتحقق هذا اللون دون اللون الآخر.

و قد علم مما ذكرنا عدم لزوم التفريق بين السبب و المسبب بل المسبب أمر فعلى كالسبب من دون فصل في التحقق بينهما أصلا. و علم أيضا انّ المنشأ حتمي الحصول بعد تحقق الإنشاء، و انّما التعليق في لون المنشأ و هو على لونه التعليقي موجود فعلا، فيتحقق الجزم فانّ المعتبر منه الجزم بحصول المنشأ لا بحصول الملكية الفعلية، حتى يكون التعليق فيها قادحا في تحقق الجزم.

ثمّ انّ المراد من التعليق هو التعليق على أمر استقبالي أو على أمر حالي غير معلوم الحصول، و اما التعليق بالأمر الفعلي المعلوم الحصول، فهو تنجيز في الحقيقة على صورة التعليق. فيكون خارجا عن أقسام التعليق رأسا.

إذا عرفت ذلك فنقول: ان الاستقصاء في أبواب الفقه تقضي بجواز التعليق في جملة من الموارد، كالوصية، و التدبير، فإنّهما تعليق للتمليك أو العتق على الموت، و عدم جوازه في جملة أخرى منها، كالبيع، و الوقف. و قد صرحوا ببطلان الظهار لو قال أنت علىّ كظهر أمّي ان دخلت الدار، و صحتها لو قال ان دخلت الدار فأنت علىّ كظهر أمّي. و كذا الوكالة، قد صرحوا بعدم جواز التعليق فيها، إذا وقع في نفس الوكالة و جوازه إذا وقع في العمل الموكل به.

و قد نقل الشيخ «ره» عن بعض، حكاية دعوى العلامة الإجماع على صحة أن يقول الموكل: أنت وكيلي في ان تبيع عبدي يوم الجمعة، و على عدم صحة انّ

يقول الموكل: أنت وكيلي، و لا تبع عبدي إلّا في يوم الجمعة. و هذا ينافي ما ذكره العلّامة في التذكرة. بل العلّامة قد ادعى الإجماع هناك على بطلان كليهما، و لعلّ ذلك اشتباه عمن اعتمد على حكايته. و ممّا يشهد لعدم صحة نسبة الدعوى المذكور إلى العلّامة ما ذكره الشيخ «ره» بعد النقل المتقدم بقوله: ثمّ انّ التعليق امّا مصرح به و امّا لازم من الكلام كقوله ملكتك هذا بهذا يوم الجمعة، الى ان قال: و لذا احتمل العلّامة في النهاية و ولده في الإيضاح بطلان بيع الوارث لمال مورثه بظن موته مثلا فان العقد و ان كان منجزا في الصورة الّا انّه معلق، و التقدير ان مات مورثي فقد بعتك «انتهى» فانّ ما ذكره من المثال للازم من الكلام و نسب إلى العلامة الالتزام ببطلانه (و هو ملكتك هذا بهذا يوم الجمعة) عين المثال الذي ذكر حكاية دعوى الإجماع عن العلّامة على صحته (اعني قول الموكل أنت و كيلى في ان تبيع عبدي يوم الجمعة) بل هو أقرب الى البطلان من حيث التصريح فيه بالتعليق هذا.

و كيف كان فلا بدّ من تحقيق الفرق بين الموارد المذكورة، فنقول: انك قد عرفت استحالة التعليق في نفس الإنشاء بالبديهة العقلية، و عدم إمكان وقوعه رأسا حتى يدعى بطلانه. فالموارد المختلفة المذكورة كلها من قبيل التعليق في المنشأ.

فلا يمكن التفرقة بينها الا بناء على ما التزم به المحقق الخراساني «ره» في باب الاستصحاب، و الطلب و الإرادة، من حصول قسمين من الطلب، عند الأوامر الشرطية. أحد هما، الطلب الفعلي، و هو الطلب بعد حصول الشرط.

و الأخر، الطلب الإنشائي، و هو الطلب قبل حصوله.

و بنى عليه الفرق بين الواجب المشروط، و الواجب المعلق الذي اصطلح عليه صاحب الفصول «ره» و محصله: انّ الفرق بينهما- بعد اشتراكهما في تنجيز الطلب الإنشائي لاستحالة التعليق و الاشتراط فيه- انّ التعليق في الواجب

المشروط يكون في الطلب الفعلي، و في الواجب المعلق يكون في متعلقة، بعد إطلاقه في نفسه.

و هذا بعينه يتصوّر في العقود، توضيحه: انّ عقد البيع قد يتضمن التعليق في التمليك الفعلي، بعد إطلاقه من حيث التمليك الإنشائي المتقوم بالإنشاء لاستحالة التعليق في الإنشاء. و قد يتضمن التعليق في متعلقة و هو الملكية، و يكون التمليك حينئذ فعليا بكلا قسميه.

فمن الممكن ان يحمل ما كان من الموارد غير جائز في التعليق على القسم الأوّل، أعني تطرق التعليق إلى أصل التمليك الفعلي، و ما كان من الموارد جائزا فيه التعليق على القسم الثاني أعني كون التعليق في متعلقة بعد تنجزه في نفسه هذا. و قد وافقه السيد «ره» في تصوير تقسيم الطلب إلى الإنشائي و الفعلي.

و «فيه» مضافا الى- كونه منافيا لما صرح به «قده» في باب الأوامر من الكفاية من كون إطلاق الواجب على المشروط قبل حصول شرطه إطلاقا مجازيا، فإنّه لو تضمن الطلب بأيّ نحو من أنحائه لم يكن إطلاق عنوان الواجب عليه مجازا- انّ المراد من الطلب الإنشائي المذكور في كلامه على ما فسّره في باب الطلب و الإرادة، إرادة المعنى من لفظ الأمر. و أنت خبير بانّ مجرد ارادة المعنى من اللّفظ ليس طلبا، يجعل من اقسامه (1).

و من ذلك يعلم بطلان ما ذهب اليه تبعا للشيخ «ره» من جواز الاستصحاب في الأحكام المشروطة كما في انّ العنب إذا غلى ينجس، لعدم وجود طلب حقيقة قبل حصول الشرط حتى يكون مجرى للاستصحاب.

فالالتزام منه تبعا للشيخ «ره» بجريان الاستصحاب فيها- مع ما بنى عليه في


1) بل ليس ارادة المعنى من اللفظ الإنشائي إلّا اعتبار كونه مصداقا له حين الاستعمال كما بيّناه سابقا على التفصيل كما بيّنا أيضا منع تعلّق الاعتبار بكونه مصداقا خارجا للطلب أو غيره من العناوين في جزاء القضيّة الشرطية إلّا عند تحقّق الشرط فراجع.

باب الأوامر من نفي تحقق الطلب عند الأوامر الشرطية بحسب الحقيقة، و ان إطلاقه عليها على سبيل المجاز- فاسد جدا. و ان كان صحيحا مع البناء على ما اختاره الشيخ- ره- من إرجاع الواجب المشروط إلى الواجب المعلّق الذي ذكره صاحب الفصول «قده» اعني كون التعليق و الاشتراط في الواجب، لا في أصل الوجوب، بل هو فعلى حتى قبل حصول الشرط. فيتحقق مجرى الاستصحاب لإمكان جريانه في الملازمة الموجودة فعلا بين الوجوب و بين حصول الشرط في موطنه، فيستصحب في المثال المتقدم ثبوت الملازمة بين الحكم بالنجاسة و غليان العنب بعد صيرورته زبيبا و ان لم يثبت به آثار الغليان من النجاسة و الحرمة فعلا فانّ الملازمة بين الغليان و الحرمة أو النجاسة أمر مجعول شرعا قابل لجريان الاستصحاب فيه، هذا (1).

و لكن لا يخفى عليك انّ إنشاء الملازمة انّما يكون بالقضيّة الشرطيّة. و امّا إذا كان دليل الحكم على غير نحو القضيّة الشرطيّة، كما في المثال المتقدّم، فإنّ الأدلّة الواردة فيه بجميعها كانت بلسان العنب الغالي ينجس و أمثاله، و ليس فيها ما يكون بنحو القضية الشرطية. لا تكون مشتملا على إنشاء الملازمة. و معه لا يبقى مورد لجريان الاستصحاب أصلا.

و كيف كان فلا إشكال في جواز التعليق بناء على ما اختاره الشيخ «ره» في الأصول، و قد التزم «ره» بمقتضاه من جواز التعليق في جميع الموارد ما لم يقم إجماع على خلافه، و هو مقرون بالصواب، لو لا انّ الدليل الشرعيّ لا ينحصر في


1) قد تقدم منّا انّ صيغة الأمر أو غيرها من ألفاظ الإنشاء لا يتعلّق الاعتبار بكونها مصداقا للطلب و لا غيره من العناوين الاعتبارية إلّا بعد تحقق الشرط، و تقدّم أيضا انّ محكي القضيّة الشرطيّة- و هو الربط بين تحقق مفاد الشرط و الجزاء- غير متحقق في الخارج قبل تحققهما. فلا يمكن اجزاء استصحاب في الطلب، و لا في الربط بين الشرط و الجزاء و هو الملازمة المذكورة في كلام الأستاذ «قده».

قيام الإجماع، بل كان مقتضى الإطلاقات الشرعية من آيتي «أحل اللّه البيع» و (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و غيرهما حجية ما سبق اليه العرف من الاعتبار و كونه ممضى بإمضاء الشرع.

فالتحقيق منع اناطه جواز التعليق بعدم قيام الإجماع على عدمه بإطلاقه، بل الإناطة به بعد إحراز جوازه بحسب اعتبار العرف. و الّا فمجرّد كونه غير سائغ في اعتبارهم حجة متبعة، بمقتضى ما ثبت من الشرع من إمضاء اعتباراتهم.

و بالجملة ما لا يجوز فيه التعليق من العقود بحسب نظر العرف لا يجدى في جوازه عدم قيام الإجماع على البطلان، بل يتوقف الحكم بالجواز معه على وجود دليل شرعي يقتضي الجواز، و لا دليل عليه الّا الإطلاقات الشرعيّة المسوقة لإمضاء اعتبارات العرف. و امّا لو ثبت عندهم، يكفي في ثبوته شرعا مجرد عدم قيام الإجماع على خلافه، لما عرفت من عدم وجود استحالة فيه عقلا من استلزامه للتفريق بين السبب و المسبب كما ادعاه صاحب الجواهر «قده» و استلزامه لعدم حصول الجزم كما ادعاه العلّامة، بل ذكره من شروط العقد ثمّ فرع عليه بطلان التعليق.

الشرط الرابع التطابق بين الإيجاب و القبول

و المراد منه وقوع القبول على ما وقع عليه الإيجاب من العوضين، مشترطا بما أخذ فيه من الشروط. فلو قال: بعت هذا بعشرة دراهم و قال المشتري اشتريت نصفه بخمسة دراهم لم يصح. و امّا لو قال لأحد: بعتك هذا و قال غيره قبلت صح. و الوجه انّ القبول كما مرّ مطاوعة لما أوجبه الموجب، فلا بدّ ان يكون مطابقا معه حتى يصدق عليه انّه مطاوعة و قبول له. فلو لم يطابقه كان إنشاء

مستقلا آخر، و لم يتحقق العقد منه و من الإيجاب، فإنّ قوام العقد بإيجاب و قبول، فلو انتفى احد هما انتفى العقد بانتفائه. و قد عرفت انّ القبول لا يتحقّق من دون مطابقة الإيجاب، لكون المطاوعة مأخوذة في مفهومه.

نعم لا يعتبر التطابق في كل ما أخذ في الإيجاب من القيود بل انّما يعتبر في خصوص ما تتقوم به حقيقة العقد. و قد عرفت انّ قوام حقيقة البيع بالثمن و المثمن لكونها علقة تحصل بين المالين. كما انّ قوام عقد النكاح بالزوج و الزوجة، كونه علقة تحصل بين الزوجين، فلو قالت الزوجة زوجتك على صداق كذا و قبله الزوج بأقلّ ممّا ذكره صح إجماعا، لتطابق الإيجاب و القبول فيما يتقوم به النكاح، اعنى المتزاوجين، و ان لم يتطابقا في غيره، كالصداق.

و بالجملة المعتبر في عقد البيع تطابق الإيجاب و القبول في الثمن و المثمن، لتقوم حقيقة البيع بهما. و لا يعتبر تطابقهما في تعيين البائع و المشتري لعدم كونهما ممّا تتقوم به حقيقة البيع، الّا فيما توقف مالية كلا العوضين أو أحد هما على تعيينهما أو تعيين أحدهما، كما في البيع الذمّي فإنّ كليّ الحنطة لا يعنون بعنوان المالية ما لم يضف إلى ذمة البائع. فلا يجوز تخلف القبول عن الإيجاب في تعيينه، لتقوم مالية الكلى بالإضافة إلى ذمة معلومة، فتكون الإضافة إليه من مقومات البيع.

فان قلت: انّ هذا نظير بيع ما يملك و ما لا يملك فكما يصحّ البيع في بعض المنشأ مع فساد الباقي فليكن كذلك فيما نحن فيه، فيحكم بصحة أصل البيع لما حصل فيه التطابق بين الإيجاب و القبول.

قلت: هذا قياس مع الفارق، فانّ التمليك في بيع ما يملك و مالا يملك قد تعلق بكل منهما، و انّما أمضاه الشارع بالنسبة إلى ما يملك فقط، و قد تقدّم انّ التمليك ينحل الى اجزاء عديدة بعدد اجزاء لمبيع. و امّا في ما نحن فيه، فلم يتحقق العقد رأسا، لعدم تحقق القبول اعني مطاوعة الإيجاب بل انّما حصل إنشاء آخر غير مربوط بالإيجاب أصلا.

الشرط الخامس بقاء أهليّة الإنشاء للمتعاملين
اشارة

ايّ ان يقع كلّ من إيجابه و قبوله في حال يصح الإنشاء عن كلّ واحد من المتبايعين، فلو كان المشتري في حال الإيجاب غير قابل للقبول، أو خرج البائع حال القبول عن قابلية الإيجاب لم ينعقد.

هكذا أفاد الشيخ «ره» في المكاسب، لكنّه لا يمكننا الركون اليه على كليته.

فانّ من الشرائط ما يتوقف عليه حصول العقد و تحققه كالحياة و العقل «و منها» مالا يتوقف عليه تحقق العقد و تحصله، بل انّما كان دخيلا في ترتب الآثار العرفيّة و الشرعيّة عليه.

اما القسم الأوّل من الشروط، فلا ريب في اشتراط بقائه من أوّل الشروع بالإيجاب إلى اختتام القبول، لما عرفت من انّ ما صدر عن الموجب، هو إيجاد التمليك و من القابل مطاوعة ذلك. فلا بدّ من بقاء التمليك حين إقدام المشتري بالقبول، حتى تصح مطاوعته، و الّا فلو فرض زوال حياة لموجب أو عقله بعد الإيجاب، لم يمكن تحقق القبول بعده، لعدم بقاء التمليك المشروط بالحياة و العقل حتى يمكن مطاوعته.

و هذا بناء على ما هو التحقيق، من كون القبول مطاوعة محضة للإيجاب، و عدم كونه إنشاء و إيجادا في قبال الإيجاب، و مع التنزل عنه، و الالتزام بكون القبول إنشاء و إيجادا مستقلا في قبال الإيجاب، كان مقتضاه أيضا اعتبار.

ذلك لأجل اعتبار الارتباط بينهما، و توقف حصول العقد بهما على كونهما مرتبطين. و لا يتحقق ذلك مع انعدام الإيجاب في حال القبول، بانعدام شرطه.

و اما القياس بالوصية من حيث انّ قبولها انّما يتحقق بعد موت الموصى «ففيه» منع كون الوصية عقدا يكون القبول داخلا في حقيقته. بل الوصية إنّما تتقوم بمجرد إنشاء التمليك من الموصى، من دون ان يكون لقبول الموصى له مدخلية في قوامها. و لذا لو اوصي بشي‌ء للمسجد، و غيره من الموقوفات، لا يتوقف نفوذها على قبول المتولي و الحاكم. و انّما عدها الفقهاء من العقود، لأجل انّ الموصى ليس له تسلط على إلزام الغير بالقبول، لا لأجل انّ الوصية لا تتحقق بدون القبول.

و امّا العقود الجائزة فعند فقدها لهذا الشرط أو غيره يترتب عليها آثار الاذن، لعدم توقفها على تحقق عنوان العقد، فلو قال لأحد وكلتك ثم نام قبل قبوله له جاز له التصرف.

و اما القسم الثاني من الشرائط أعني ما ليس لها مدخلية في تقوم العقد، و انّما يتوقف عليها ترتب الآثار الشرعية و العرفيّة كالملكية في عقد البيع، فلا يعتبر حصولها للمشتري حين إيجاب البائع أو للبائع حين قبول المشتري، لعدم كون فقدان العقد لها قادحا في انعقاده. فلو كان المشتري مكرها حين الإيجاب ثمّ ارتفع عند الإكراه و رضي بالإيجاب عند القبول صحّ البيع، بل و لو تأخر رضاه به عن لحوق القبول، لما عرفت من عدم توقف انعقاد العقد على تحققه. و كذا لو باع شيئا ثم ملكه صح البيع لعدم اعتبار الملكيّة في تحقق العقد. و لذا التزموا بصحة العقد الفضولي، مع كونه غير مقرون باذن المالك.

فرع في اختلاف المتبايعين في حكم شروط العقد

لو اختلف المتعاملان اجتهادا أو تقليدا في شروط الصيغة فهل يجوز ان يكتفى كلّ منهما بما يراه الآخر أم لا.

فنقول انّ الاحكام على أقسام ثلاثة.

«الأول» الحكم الواقعي، و هو الّذي يتعلق بذات الموضوع، من دون تقيّد بالعلم أو الجهل بها.

«و الثاني» الحكم الواقعي الثانويّ، و هو الحكم الذي لم يتقيد موضوعه بعلم المكلّف و لا جهله، لكنّه تقيد بغير هما من العناوين الطارية، كالاضطرار و العسر و الحرج. كالأمر بالتيمم حيث تقيد موضوعه بالحرج في استعمال الماء، و هو حكم واقعي في حق فاقد الماء، و يترتب عليه آثار الحكم الواقعي المترتبة على الوضوء. فيجوز له الدخول في المسجد، و مس القرآن، و غير هما ممّا يشترط بالطهارة.

«و الثالث» الحكم الظاهري و هو الحكم الذي تقيد موضوعه بالجهل بالحكم الواقعي الموجود في مورده و كلّ الأقسام الثلاثة تشترك في كونها حكما حقيقة، و الميز بينها بحسب الموضوع. و به يحصل الجمع بينها و يندفع محذور اجتماع حكمين أو أزيد، على موضوع واحد.

و في قبال هذه الأقسام بأسرها الحكم العذري، المنسلب عنه عنوان الحكم حقيقة، بل هو مجرّد جعل العذر على تقدير مخالفة الواقع هذا.

و من هنا يعلم التحقيق في المسألة. و توضيحه انّ مع البناء على جعل الحكم من عند الشارع، على طبق ما استنبطه المجتهد من الأدلّة في حقه و في حق مقلديه بأحد الأقسام الثلاثة، يلزم القول بصحة العقد في حقّ كلا المتعاقدين. امّا من اقتضى اجتهاده أو تقليده عدم شرطية ما لم يشتمل عليه ما صدر عنه من الإيجاب أو القبول فلكونه محكوما بنفي شرطيته. و اما الجانب الأخر، فهو و انّ كان محكوما بحسب الاجتهاد أو التقليد ببطلان ما صدر عنه من الإيجاب أو القبول لو كان فاقدا له، الّا انّه لا يقتضي نفي الصحة عمّا صدر عن

غيره (1)

توضيحه: انّه وقع الخلط بين الأحكام التكليفية و الوضعية، في اعتبار كون متعلقها فعل من توجه اليه الحكم. و نشأ منه، القول بانجعال الحكم الظاهري بالصحة أو الفساد بالنسبة الى ما صدر عنه فقط. مع الغفلة عن أن اعتبار كون متعلق الحكم فعل من توجه اليه الحكم، مختص بخصوص الأحكام التكليفية لامتناع تكليف كلّ مكلّف الّا بفعله. و امّا الأحكام الوضعيّة، فلا يعتبر في توجهها إلى احد، كون متعلّقها فعلا له، بل يتوجّه الحكم الوضعي بالفعل، بالصحّة و الفساد و غير هما، إلى كلّ من يترتّب عليه الأثر بالنسبة اليه.

و منه يعلم انّه لا فرق بين كون المجعولة على طبق ما استنبطها المجتهد أحكاما ظاهرية مسبوقة بأحكام واقعية أو غير مسبوقة بأحكام غيرها و هو التصويب، ضرورة عدم كونها مسبوقة بأحكام غيرها أو غير مسبوقة، دخيلا فيما ذكرنا.

فاقدا له، حتى على القول بالتخطئة و اشتراك الجميع في الأحكام لعدم إحرازه للحكم الواقعي المشترك إلّا بالبيّنة و الأمّارة. فليس له العلم الوجداني بالحكم الواقعي المشترك بينه و بين غيره حتى يصير موجبا للبطلان، للعلم حينئذ ببطلان ما كان فاقدا له، و لو كان قد صدر عن غيره. و به يندفع ما ذكره الفقيه الطباطبائي «ره» في الحاشية من انّ القول بالصحّة مستلزم للتصويب.

هذا و امّا على القول بعدم جعل الحكم على طبق ما ادّى اليه نظر المجتهد و انّ المجعول عنده ليس الّا العذر كما هو مقتضى التحقيق، فلا يمكن الحكم بالصحة لعدم إحراز كون العقد حينئذ على وفق حكم الشرع في حقّه و في حقّ مقلديه.


1) التحقيق هو بطلان المعاملة، إذا كانت فاقدة لشرط، في حق من يراه شرطا، و لو كان الفاقد له من الإيجاب أو القبول ما صدر عن غيره.

الفصل الرابع في الضمانات

المبحث الأوّل في دليل ضمان المأخوذ بالبيع الفاسد

اشارة

قد بيّنا لك سابقا انّ ملك الغير انّما يجوز التصرف فيه مع اذنه بالتصرّف فيه بعنوان انّه ملكه، فلو اذن بالتصرف في ملك له باعتقاد انّه ملك للغير لا يجدى في جوازه. و منه يعلم انّ ما أقبضه البائع من ملكه الى الغير إيفاء بالعقد الفاسد الواقع عليه لا يجوز فيه التصرف. و ان كان متضمنا للاذن بتصرف الغير فيه لا محالة، الّا انّ ذلك لا يوجب جواز تصرفه. فإنّه إنّما اقبضه بزعم انّه صار بالعقد ملكا للغير، فلم يصدر منه الاذن بالتصرف فيه بما انّه ملك له، فيكون تصرف الغير فيه تصرفا في مال لم يأذن فيه مالكه. فيترتب عليه أحكام المأخوذ بغير اذن المالك، و يجب رده الى مالكه.

و امّا وضعا فيستقر عليه الضمان، و قد تمسكوا في وجهه بالحديث النبوي «على اليد ما أخذت حتى تؤدي».

و نحن نتعرض له، ثم نتبعه ببيان ما هو التحقيق في وجهه، فنقول: انّ التمسك به يتوقف على إثبات أمرين «الأوّل» حجيته و اعتبار سنده «و الثاني» دلالته على المطلب.

سند حديث على اليد

إن الحديث لم ينقل في كتب أصحابنا، و انّما رواها العامّة في أربعة من

صحاحهم (1)و قد وقع الاختلاف بينهم في ألفاظها، فالمذكور في بعض الصحاح حتى تؤدي بالياء، و في بعضها حتى تؤد مجردة عن الياء و الضمير، و في بعضها حتى تؤدّه بالضمير، و في بعضها حتى تعطى.

و راوي الحديث الحسن البصري المعروف عن سمرة بن جندب، اما الحسن فهو غنى عن البيان في الضعف و السقوط، و امّا سمرة فهو من فسقة زمن رسول اللّه، و هو الّذي ضرب على رأس ناقة رسول اللّه صلّى اللّٰه عليه و آله فشجها فخرجت إلى النبي «ص» فشكته.

و عن أبي جعفر عليه السلام، أنّ سمرة بن جندب كان له عذق في حائط رجل من الأنصار و كان منزل الأنصاري بباب البستان و كان يمر به الى نخلة و لا يستأذن فكلمه الأنصاري إذا جاء فأبى سمرة فجاء الأنصاري إلى رسول اللّه «ص» فشكى إليه فأخبره الخبر فأرسل إليه رسول اللّه «ص» قال إذا أردت الدخول فاستأذن فلما ابى ساومه حتى بلغ من الثمن له ما شاء اللّه لصاحب البستان فأبى أن يبيعه فقال لك بها عذق مذلل في الجنّة فأبى أن يقبل فقال رسول اللّه «ص» اذهب فاقلعها و ارم بها إليه فإنّه لا ضرر و لا ضرار (2)«انتهى».

و ورد في حقه: انّه بذل له معاوية مأة ألف درهم على ان يروي انّ هذه الآية نزلت في على عليه السلام «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا إلى قوله تعالى وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ» و انّ هذه الآية نزلت في ابن ملجم لعنه اللّه «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ» فلم يقبل فبذل مأتي ألف درهم فلم يقبل فبذل ثلاثمائة ألف فلم يقبل فبذل


1) الجامع الصغير، ج 2 ص 158 ط دار الفكر في بيروت، روى الحديث نقلا عن احمد بن حنبل في «المسند» و ابى داود و النسائي و الترمذي و ابن ماجة في صحاحهم و الحاكم في «المستدرك» عن سمرة.

2) تنقيح المقال، ج 2 ص 68 ط النجف.

اربعمأة ألف فقبل (و كان قد استخلفه زياد على البصرة و اتى الكوفة و قد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له زياد: هل تخاف ان تكون قتلت؟ قال: لو قتلت مثلهم ما خشيت، و قد عاش حتّى حضر مقتل الحسين (عليه السلام) و كان من شرطة ابن زياد، و كان أيّام مسير الحسين «ع» إلى العراق يحرض الناس على الخروج إلى قتاله. و مع ذلك كلّه فما ظنّك بحديث بلغ الغاية في الضعف و السقوط، و إن التجأ بعضهم إلى اشتهاره في الفقه، فإنّه و ان كان ربما يوجد ذكره عند الاستدلال في كلام بعض فحول الإماميّة كالشيخ- ره- في باب الغصب من المبسوط، الّا انّ التمسّك به منهم كان في مقام المعارضة مع العامّة و الاحتجاج عليهم، فهو من باب التمسّك بما كان حجّة عندهم. و لم يذكروه في المعارضات و الاحتجاجات الواقعة فيما بينهم، و لم يستندوا إليه في فتاويهم، حتّى يستكشف بذلك كونه حجّة عندهم. ثم على تقدير ثبوت انجباره بالشهرة فإنّما يثبت بالنسبة إلى مضمونه لا بالنسبة إلى سنده حتّى يصحّ الاستناد بخصوصيّات ألفاظه.

و اما الثاني فنقول لو تنزلنا عمّا ذكرناه في الأمر الأوّل لم يبق إشكال في معنى الرواية و دلالتها على المدعى، توضيح. ذلك يتوقف على التكلم في مفرداتها و بيان المراد منها، فنقول:

مفردات ألفاظ حديث على اليد و بيان المراد منها

المراد من «اليد» فيها ليس هو العضو الخاص (1)فانّ لكلّ من أسامي


1) انّ مقتضى كون إطلاق اليد في الرواية بما انّها مظهر للاستيلاء، ثبوت الحكم للاستيلاء، كما انّ تعلق الحكم في الآية بالأعضاء بما انّها مظهر للافعال، أوجب تعلقه بالأفعال الصادرة منها. فيكون معنى على اليد (على الاستيلاء) دون ما ذكره الأستاذ «قده» في معناها، و هو تعلق الحكم بالمستولي و تأويل الاستيلاء إلى المستولي بعد تأويل اليد الى الاستيلاء، لو صح اخرج الكلام عن الفصاحة.و الذي يقتضيه دقيق النظر: ان جعل متعلق الضمان، في الرواية، هو اليد، لأجل اعمال نكتة مهمة. و هي الاشعار بأمرين «أحد هما» توكيد ثبوت الضمان، و انّ الضمان يثبت بمجرد الأخذ و لو مع عدم صدق الاستيلاء عرفا «و الثاني» انّ المضمون عليه هو الآخذ، و لو بأمر من غيره، و انّ الآخذ مضمون عليه و لو عن غفلة و لا عن شعور، على نسق أخذ اليد، فإنّها عضو يصدر عنه الأخذ لا عن شعور.

الأعضاء اطلاقان، احد هما بما هو عضو خاص، و الثاني بما هو مظهر لفعل من الافعال، و منه قوله تعالى «إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (1)فالمسئول عنه انّما هو الأفعال الصادرة من تلك الأعضاء دون أنفسها، و إطلاق اليد فيما نحن فيه أيضا بهذا النحو الثاني أعني بما انّها مظهر للقدرة و الاستيلاء. و المراد من لفظة ما بقرينة تعلق الأخذ به هو المال الخارجي، فيكون المعنى على المستولي ما أخذ من المال حتى تؤدي. و من المعلوم انّ لفظة على ظاهرة في الاستعلاء، فالمعنى ان المال المأخوذ له قد استعلى عليه. و ليس المراد من استعلاء المال عليه هو الاستعلاء الحقيقي قهرا، فالمراد منه استعلائه عليه اعتبارا، و هو الاستعلاء على عهدته و ذمته.

و لازمه وجوب إسقاطه عن الذمة عقلا بما يتحقق به إسقاطه عنها، و هو يختلف بحسب كون الحاصل من الذمة عملا من الأعمال أو عينا من الأعيان، فإن كان عملا من الاعمال كان إسقاطه بالإتيان به.

و حيث لم تستعمل لفظة على الّا في الاستعلاء، و انّما استفيد عنها ثبوت الحكم بالالتزام، لا تختص الرواية بخصوص المكلفين و يشمل الصبي و المجنون، فإنّه ليس يراد من لفظة على إثبات التكليف، حتى يختص شمول الرواية بالمكلفين، بل المراد منه هو الاستعلاء، و مقتضاه ثبوت التكليف و الضمان،


1) سورة الإسراء، الآية 36

فحيث لم يتحقق شرائط التكليف من البلوغ و العقل لا يتحقق التكليف، و يتحقق الضمان وحده، فكان معنى الاستعلاء متحققا في حق الصبي و المجنون و يكون مقتضاه فيهما ثبوت الضمان، وحده، لعدم وجود المانع عنه، و ان كان اقتضائه لتوجه التكليف إليهما مقرونا بالمانع، على ما هو التحقيق من كون الأحكام الوضعية مجعولة برأسها.

و امّا بناء على ما هو مذهب الشيخ «ره» من كون الأحكام الوضعية منتزعة عن الأحكام التكليفية، فلا معنى لثبوت الضمان للصبي و المجنون، مع عدم توجه التكليف إليهما. و ثبوت التكليف للصبي بعد بلوغه انّما ينتزع منه ثبوت الضمان بعد بلوغه أيضا، لكون المنتزع تابعا في القوة و الفعلية للمنتزع منه. و من هنا يظهر النظر فيما ذكره من شمول الرواية على الصبي و المجنون.

و اعلم انّ الضمان انّما يتعلق بالشي‌ء بعنوان المالية لا بما انّه عين خارجية، و لذا قد يتعلق بالكلّي، فلو تلفت العين المتعلق بها الضمان يتعلق الضمان بما تتقوم به ماليته. و سيأتي ان شاء اللّه تعالى ان تقوم مالية الشي‌ء في القيميات بالقيمة و في المثليات بالمثل، و من هنا يعلم كيفية استفادة ضمان المثل و القيمة من رواية على اليد، فان الاستعلاء المستفاد منها ليس هو الاستعلاء الحقيقي حتى ينتفى بتلف المال، لأجل انتفاء العرض بانتفاء معروضة، بل الاستعلاء الاعتباري الذي اعتبره العقلاء لأجل تعلق غرضهم به، فلا ينتفى بانتفاء المال ما لم يحصل الغرض من اعتبارها. فلا بدّ من إسقاطه حينئذ بما تتقوم به ماليته، لما عرفت من انّ تعلق الضمان بالشي‌ء ليس بما انّه عين خارجي، بل بما هو مال و معنون بعنوان المالية.

المبحث الثاني في قاعدة الضمان و عكسه

اعلم انّ الشيخ «ره» ذكر انّ المسألة المذكورة من صغريات القاعدة المعروفة.

كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و كل عقد لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.

و الكلام فيه يستدعي بيان معنى القاعدة ثم بيان دليلها فنقول: انّ المراد من لفظ العقد المذكور فيها مطلق ما اشتمل على المعاوضة، فيشمل العقود اللازمة و الجائزة بل ما كان فيه شائبة الإيقاع فيعمّ الجعالة و الخلع. و الظاهر من عموم كل عقد هو العموم الأفرادي كما انّ ظهور لفظيّ الصحيح و الفاسد في الصحيح و الفاسد الفعليين. فيتحقق التنافي بين ظهورها ضرورة استحالة كون فرد من العقد صحيحا و فاسدا بالفعل لكونهما في قوة النقيضين.

فلا بدّ من رفع اليد امّا من ظهور الصحيح و الفاسد في فعليهما و حمل احد هما على التقديري، فيكون المعنى حينئذ انّ كل عقد صحيح يضمن به، يضمن به أيضا لو كان فاسدا، أو انّ كل عقد فاسد يضمن به لو كان صحيحا، يضمن به و ان كان فاسدا، و بعبارة أخرى يضمن من العقود الفاسدة، ما كان منها بحيث لو كان صحيحا يضمن به.

و امّا من ظهور كل عقد في العموم الأفرادي، كما هو الراجح لكون ظهور الصحيح و الفاسد في فعليهما أقوى من ظهور العموم في الأفرادي، فلا بدّ من حمل العموم على العموم النوعي فالمعنى انّ كل نوع من العقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، فيكون ظهور الصحيح و الفاسد في الفعلي منهما محفوظا، لإمكان

وجود الصحيح و الفاسد في نوع من العقد فعلا، هذا.

و لكنّه لا يساعده ما تسلم في الفقه من انّ بعض أنواع العقود ليس محكوما بحكم واحد، فلا يمكن الحكم عليه بقول واحد بأنّه يضمن بصحيحه فيضمن بفاسده أو لا يضمن بصحيحه فلا يضمن بفاسده، بل بالضمان في بعض أصنافه و بعدمه في بعض آخر منها. «كالصلح» فإنّه يضمن به لو كان بين مالين، و لا يضمن به إذا لم يكن بين مالين، كما لو كان احد طرفيه امرا آخر، كالإبراء و غيره. «و الهبة» فإنّها بمعوضتها، و لا يضمن بغير معوضتها.

«و العارية» فإنّها تضمن بعارية الذهب و الفضة، و العارية المشروطة بهما بالضمان. «و الإجارة» «و البيع» فإنّه لا يضمن بالمشروط منهما بعدم الأجرة أو الثمن و يضمن بغيرها هذا.

فالحاصل من ملاحظة جميع الوجوه، حمل ظهور كل عقد على العموم في أصناف العقود، و لكنه يعاكسها مقتضى دليل القاعدة، لاقتضائه الملازمة بين الصحيح و الفاسد في كلّ فرد فرد من العقود، فمقتضاه حفظ ظهور كلّ عقد في العموم الأفرادي و التصرف في ظهور الصحيح و الفاسد في فعليهما، و حاصلها انّه لا دليل على الضمان بالفاسد من افراد نوع أو صنف لعقد من العقود، و يضمن بالصحيح من افراده.

و المراد بالضمان هو معناه العرفي المستعمل فيه في نوع الموارد حتى في باب الضمان اعنى التعهد و الالتزام، كما في قوله عليه السلام «انّما يضمن الإمام قراءة المأموم» فإنّ معناه أن قراءة المأموم على عهدة الامام، و هو متعهد بها. ممّا ذكرنا يظهر ما في تفسير الشيخ «ره» له بكون درك المضمون و خسارته عليه، فانّ الدرك و الخسارة أمر تقديري، و الدرك ربّما لا يحصل أصلا، أو يحصل بعد مدة من الأخذ. فكون الخسارة و الدرك عليه أمر تقديري معلق على حصول أصل الخسارة و الدرك، و امّا الضمان فهو أمر فعلى يحصل بمجرد الأخذ، فلا

يصحّ تفسيره بأمر تعليقي لم يتحقق فعلا، بل معناه هو التعهد و الالتزام كما ذكرنا و هو أمر فعلى يحصل بمجرد الأخذ.

و المراد بلفظة الباء في بصحيحه أو بفاسده اما الظرفية، و المعنى انّ كل ما يضمن في صحيحه يضمن في فاسده، و امّا السببيّة، فهي بمعنى السببيّة الناقصة لا محالة، لعدم كون العقد الصحيح علّة تامّة للضمان، فانّ ترتب الضمان على العقد مشروط بالقبض و امّا قبل القبض فلا ضمان، فليس عقد البيع موجبا للضمان قبله، فانّ المبيع قبل القبض مضمون على البائع، و كذا عقد الإجارة أو النكاح و الخلع.

و امّا سببية العقد الفاسد فقد ذكر الشيخ «ره» في تصويرها وجهين:

«احد هما» انّ سببيّته لأجل كونه علّة و سببا للقبض، و القبض سبب للضمان، فيكون العقد الفاسد سببا للضمان بتوسط القبض. «و الثاني» ان يكون العقد الفاسد سببا بنفسه لحصول الضمان مشروطا بتحقق القبض.

و تحصيل الوجهين يبتني على ما ذكره من الدليلين على الضمان بالفاسد احد هما قاعدة الاقدام، و مقتضاها كون العقد سببا للضمان، فإنّ إقدام البائع بالضمان كان بإيجاده للعقد، و ثانيهما، قاعدة اليد و مقتضاها كون الأخذ و القبض سببا للضمان.

و هذا مجمل الكلام في معنى القاعدة، و البحث فيها ليس لأجل كونها حجة بنفسها، حتى يرد عليه ما ذكره بعض المحشين «ره» من انّها لم ترد في لسان دليل تكون حجة يستمسك بها (بل لأجل تحصيل معناها) حتى تظهر دلالة المدرك عليها و عدمها.

المبحث الثالث في دليل قاعدة الضمان

فنقول ان المدرك لها كما أشرنا إليه أمران أحد هما قاعدة الاقدام و الثاني رواية على اليد.

اما «الأول» ففي دلالته عليها اشكال من وجوه أحدها عدم الدليل عليه.

«و ثانيها» ان الاقدام بالضمان في العقد الفاسد كان بالمسمى و لم يتعلق به الضمان، و ما تعلق به الضمان و هو المثل و القيمة الواقعيّان فلم يقدم المالك على ضمانهما.

و قد ذكر المحقق الخراساني «ره» وجها لاندفاعه، و هو انّ ما أقدم عليه البائع هو العوض الخاص اعنى المسمى، و الشارع لم يمض بمقتضى فساد العقد خصوصية المسمى فقط، فيكون جنس العوض باقيا على ما هو عليه من دون إلغاء له من الشارع، فينطبق على المثل و القيمة الواقعيين.

«و فيه» ان البائع إنّما أقدم على شي‌ء معين من المال فقط، و لم يصدر منه اقدامان، تعلق احد هما بجنس العوض، و الأخر بكونه متخصصا بخصوصية المسمى. بل الصادر منه اقدام واحد تعلق بالخاص، فإذا فرضنا ان الشارع ألغى اقدامه به لا يبقى له اقدام غير ملغى من عند الشارع. كيف؟ و قد عدل في تعريف البيع عن تعريف الشيخ «ره» بأنّه تمليك بعوض الى تعريفه بأنّه مبادلة مال بمال، تبعا للمصباح، و هو كما ترى أمر بسيط، غير مأخوذ فيه واحد من تلك القيود، حتى يمكن اعتبار الجنس و الفصل منها، فيكون الأمر على مبناه أشكل.

«و ثالثها» ان الاقدام أعمّ من الضمان من وجه و أخص منه بوجه آخر، إذ

قد يكون الاقدام و لا ضمان، كما قبل القبض في بيع الصحيح و الفاسد كليهما، و قد يوجد الضمان من دون الاقدام كما في البيع الفاسد إذا شرط في عقده كون ضمان المبيع على البائع و لو بعد القبض.

و قد منع بعض المحشين «ره» على المكاسب كون الإقدام أعم من الضمان تعليلا بانّ القبض ممّا يتوقف عليه صحة البيع، ففقد الضمان قبل القبض لأجل عدم صحة البيع رأسا لا لأجل توقفه على أمر آخر بعد البيع يكون اقتضاء العقد للضمان متقيدا بحصوله.

«و فيه» انّ ما ذكره انّما يجري في الصحيح من البيع، و اما الفاسد منه فهو فاسد من قبل القبض الى بعده، و لا يحدث فيه أمر بتحقق القبض، فعدم الضمان قبل القبض لأجل عدم كفاية الاقدام بالبيع الفاسد في حصوله. و لا زمه كون الإقدام أعم من الضمان.

و التحقيق ان الاقدام ليس دليلا مستقلا في قبال قاعدة اليد، بل هو إثبات الصغرى له حتى تنطبق عليه كبرى على اليد. «توضيحه» ان قاعدة اليد محصصة بصورة عدم هتك المالك لحرمة ماله بتسليط الغير عليه مجانا، و الا فليس معه ضمان على من أتلف المال بيده. و الاستدلال بها على ثبوت الضمان فيما نحن فيه، يتوقف على إحراز عدم كون المال مهتوكا من عند مالكه، فقولنا هو اقدام على الضمان بيان لكون المقام من صغريات قاعدة اليد، و انه لم تهتك حرمة المال من ناحية المالك بتسليط الغير عليه مجانا، فيكون مجموعهما دليلا واحدا أقيم على إثبات الضمان.

«ففيه» مضافا- الى ما عرفت من ان سندها في غاية الضعف و لم يتحقق عمل المشهور بها حتى ينجبر بذلك ضعفة- ما ذكره الشيخ ره من اختصاصها بالأعيان و انّه لا يشمل المنافع لوجهين.

«احد هما» ما ذكره الشيخ وجها له من عدم قابلية المنافع للأخذ فلا

تشملها على اليد ما أخذت.

«و الثاني» عدم قابلية الأداء فإن المنافع قبل استيفائها لم يتحقق الاستيلاء عليها و بعد استيفائها لم يمكن ردها فسكنى الدار مثلا لا يمكن رد ما استوفي منها، و ما يمكن ردها برد عين الدار و رفع اليد عنها، هو سكناها بعد الرد و رفع اليد عنها. و لا يحصل بذلك رد السكونة المستوفاة قبل الرد. و الظاهر من الغاية في الرواية اختصاص موردها بما أمكن أدائه.

ثمّ انّ المحقق الخراساني قده تعرض في الحاشية لرد الشيخ ره فيما تقدم من الوجه، بانّ المنافع أيضا تدخل تحت الضمان بتبع العين. فكما ان أخذ العين يوجب ضمانها، فكذلك يوجب ضمان المنافع، فالمنافع مضمونة على المستأجر بتبع ضمان العين المستأجرة هذا.

و يمكن الرد على الوجه الثاني أيضا، بأن ما استوفاها من السكونة و ان لم يمكن ردها، بل غاية ما يمكن رد السكونة الغير المستوفاة، الا انّ سكونة الدار لها هيئة وحدانية يحصل معها الوحدة بين ما استوفاها من السكونة و ما وقع منها بعد الرد. و بهذا الاعتبار يصدق عليه عند الاستيفاء انه استوفى سكنى الدار بقول مطلق، و يصدق عليه عند الرد، أنّه أدى سكنى الدار كذلك. فالمنع عن شمول رواية اليد على المنافع لعدم صدق التأدية بالنسبة إليها غير متوجه.

هذا و لكن لا يخفى على المتأمل ما في كلام المحقّق صاحب الكفاية «ره» ضرورة انّ تبعية المنفعة للعين لا تكفي في تعلق الضمان بالمنفعة باستقلالها بل مقتضاها دخول المنافع تحت الضمان المتعلق بالعين تبعا و من المعلوم في أبواب الخيارات و الغصب انّ المنافع مضمونة مستقلا بحيث يوجب رد قيمها عند استيفائها و لو كان ضمان المنافع بتبع ضمان العين لكان المضمون فرق قيمة العين مع المنفعة و العين بدونها.

مضافا الى انّ المنفعة ربما لا تكون تابعة للعين، كما إذا آجر ملكا ثم باعه

من غير المستأجر، فيحصل الافتراق حينئذ بين العين و المنفعة، و كون العين ملكا لغير من ملك المنفعة، و المنفعة ملكا لغير من ملك العين، و لو مع فسخ الإجارة، لعدم رجوعها بفسخ الإجارة إلى مالك العين، بل يرجع الى البائع و يصير ملكا لغير من ملك العين. و مقتضاه كونها مضمونة لغير من يضمن له العين. فثبوت الضمان بها يحتاج الى دليل غير ضمان العين.

و بعبارة اخرى ان تعدد الضمان يقتضي تعدد المضمن، فلا بدّ من تحصيل الدليل على ثبوت ضمان المنفعة، غير دليل ثبوت الضمان للعين. فلا يكفي وجود الدليل على ضمان العين في إثبات الضمان لها (و يدل عليه- مضافا الى الرواية الاتية لأبي ولاد- ما رواه (1)الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن فضال عن علي بن عقبة عن موسى بن أكيل النميري عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في رجل اكترى دارا و فيها بستان فزرع في البستان و غرس نخلا و أشجارا و فواكه و غير ذلك و لم يستأمر صاحب الدار في ذلك فقال: عليه الكراء، الرواية. و ما رواه (2)بإسناده عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن عبد اللّه بن هلال عن عقبة بن خالد قال: سألت أبا عبد اللّه «ع» عن الرجل أتى أرض رجل فزرعها بغير اذنه، حتى إذا بلغ الزرع، جاء صاحب الأرض فقال: زرعت بغير اذني فزرعك لي، و عليّ ما أنفقت، إله ذلك أم لا؟

فقال: للزارع زرعه، و لصاحب الأرض كراء أرضه. و رواه الكليني عن محمّد بن يحيى مثله، و هي و ان كانت واردة في خصوص الأرض الّا انّها تدلّ على عموم الحكم بإلغاء العرف لخصوصية الأرض عن موضوعه، لعدم فرق بين الأرض و غيرها في أحكام الضمان.).

و يقرب ما ذكرنا ملاحظة حال الاعراض مع معروضاتها. فانّ العرض قد يلاحظ بما هو عرض، فيكون حينئذ تابعا للمعروض، غير مستقلّ في حد نفسه، و غير محكوم بحكم على استقلاله. و قد يلاحظ بما هو موجود من الموجودات فيقع حينئذ في قبال المعروض، و يستقل باللحاظ، و يكون محكوما بأحكام تخصه في قبال المعروض. و هذا هو الفرق بين المعاني الاسمية و الحرفية فإنّ الاسم ما تعلق به اللحاظ مستقلا. و المعنى الحرفي ما لم يستقل باللحاظ كذلك، بل تعلق


1) وسائل الشيعة، كتاب الغصب، الباب 2، الحديث 2.

2) وسائل الشيعة، كتاب الغصب، الباب 2، الحديث 1.

به اللحاظ في ضمن ملحوظ غيره. و من هنا يعلم فساد ما قرره في الكفاية من كون المعاني الحرفية أيضا كلية، من دون فرق بينها و بين المعاني الاسمية إلّا في مقام الاستعمال. «وجه الفساد» انّ المعنى الحرفي لا يقبل اللحاظ بنفسه حتى يحكم عليه بأنّه كلي بل معنى (من) مثلا إذا لوحظ في نفسه منفكا عن مدخولة ينقلب معنى اسميا و يكون مطابقا للفظة الابتداء (1).

و التحقيق انّ الأخذ ههنا ليس بمعنى الأخذ باليد حتّى لا يمكن تعلقه بالمنافع.

و اما الاستدلال على القاعدة بقوله صلّى اللّٰه عليه و آله «لا يحلّ مال امرء مسلم الّا عن طيب نفسه» فغير جيد لظهوره في الحرمة التكليفيّة و كذا بقوله صلّى اللّه عليه و آله «لا ضرر و لا ضرار» فانّ معناه على ما هو التحقيق في محله عدم جعل الشارع لحكم يوجب الضرر. و اما الضرر المتوجه من الغير فلا يدلّ على رفعه نفى الضرر و الضرار.

نعم لا بأس بالاستدلال بقوله عليه السلام حرمة مال المسلم كحرمة دمه فانّ معنى احترامه عدم كونه مهدورا فكما لا يهدر دم المسلم بل يتدارك بالقصاص أو الدية فكذلك لا يهدر ماله و يتدارك بالمثل أو القيمة.

المبحث الرابع في تفصيل حكم الضمان في مورد الإجارة

و ربما يذكر موارد لانتقاض القاعدة.

«منها» كون العين المستأجرة مضمونة في الإجارة الفاسدة على مذهب


1) قد تقدم منا القول البسيط في تحقيق المعاني الحرفيّة، و التصديق لما ذهب اليه المتقدمون، من كونها معاني جزئية، و تعرضنا أيضا لمنع كلام صاحب الكفاية «قده» و منع ما ذكره الأستاذ «ره» ههنا في دفعه، فراجع.

بعض مع عدم كونها مضمونة في الإجارة الصحيحة و يتوقف التحقيق في انتقاض القاعدة على التعرض لأصل الحكم.

فنقول: انّه قد وقع الخلط بين الحيثيات المختلفة للعين المستأجرة. و قد صار ذلك منشأ للاختلاف في عدة من المسائل، و ما نحن فيه من جملتها.

توضيحه انّ للعين المستأجرة حيثيتان. «إحداهما» الحيثية التي يتوقف استيفاء المنفعة المملكة بالإجارة عليها. «و الأخرى» الحيثية التي لا يتوقف عليها استيفائها. و الاولى، كحيثية ركوب الدابة و حيثية سكنى الدار، و الثانية، كحيثية انامة الدابة و رعيها و علفها و غيرها من الحيثيات غير الدخيلة في استيفاء منفعة الركوب عنها.

و لا يخفى انّ ما يقع تحت الإجارة عند إجارة الدابة هو ركوبها، دون سوقها و رعيها و انامتها و سائر تصرفاتها. بل هي محفوظة للموجر و غير سائغة لغيره بغير اذنه. و كذا ما يقع تحت اجارة الدار هو سكناها دون غيرها من التصرفات فيها.

و ممّا تفرع على الخلط بينها، وقوع الخلاف فيما بينهم إذا آجر المستأجر ما استأجره من غيره، بعد الفراغ عن جواز أصل الإجارة، في انّ جواز تسليمه اليه هل يتوقف على اذن المالك أم لا. فقيل: لا يتوقف عليه، فانّ المفروض أنّ الشارع قد أجاز له في الإجارة و اذن فيها، من دون توقف على اذن المالك و الاذن في الشي‌ء اذن في لوازمه. و قيل: يتوقف و لا يجوز التسليم بدون اذن المالك، فإن المستأجر انّما يستحق استيفاء المنفعة من العين دون تسليمها الى غيره.

و كلّ من الاستدلالين صحيح، في إحدى الحيثيتين. فالاستدلال بأنّ الاذن في الشي‌ء اذن في لوازمه، صحيح بالنسبة إلى الحيثية المتوقفة عليها استيفاء المنفعة الواقعة تحت الإجارة، فإنّ استيفائها يستلزم التصرف في تلك الحيثية. و الاستدلال الثاني، صحيح بالنسبة إلى الحيثية الغير المتوقف عليها

استيفاء المنفعة الواقعة تحت الإجارة. فيكون القول بعدم جواز التسليم، ناظرا الى تسليم هذه الحيثية من العين، و القول بالجواز الى تسليم الحيثية المتوقفة عليها استيفائها. فيصير النزاع بينهم كالنزاع اللفظي.

و ممّا ذكرنا يعلم حكم المسألة المبحوثة عنها ههنا، لما علم منه انّ الحيثية المتوقفة عليها استيفاء المنفعة أمانة شرعية بيد المستأجر بمقتضى عقد الإجارة الممضى من قبل الشرع، فتكون غير مضمونة عليه. و امّا الحيثية الأخرى، فهي أمانة من عند المالك لا يقتضيها عقد الإجارة الممضى من قبل الشرع فهي أيضا غير مضمونة على المستأجر.

فالحيثيتان على سواء. في مورد الإجارة الصحيحة، لعدم كون إحداهما عند صحة الإجارة مضمونة على المستأجر. و امّا في مورد الإجارة الفاسدة فيحصل الافتراق بينهما، لانقطاع التأمين بالنسبة إلى الحيثية المتوقفة عليها استيفاء المنفعة المملكة بالإجارة، لكون تأمينها في مورد الإجارة الصحيحة تأمينا شرعيا حصل بإمضاء الشرع لعقد الإجارة، فهو منفي عنها في مورد الإجارة الفاسدة، لعدم لحوق إمضاء الشرع عليها. و اما الحيثية الغير المتوقف عليها استيفائها فهي أمانة بيد المستأجر بتأمين من المالك، لا يقتضيه عقد الإجارة وجودا و عدما. فلا يحصل فيه تزلزل بفساد عقد الإجارة و عدم لحوق إمضاء الشرع عليه. و الضابط بقاء التأمين مع فرض فساد العقد و عدمه. فما انقطع عنه التأمين بفساد العقد يكون مضمونا على المستأجر، و ما لم ينقطع عنه التأمين بفساد العقد، لا يكون مضمونا عليه، سواء تعلق به التأمين من الشرع أو من المالك (1)هذا كلّه بالنسبة


1) أريد به التأمين بغير العقد و ان كان التأمين بالعقد أيضا تأمينا للمالك، و الفارق بينهما انّ الأوّل تأمين بلا عوض فهو هتك لحرمة ماله و ان لم يلحقه إمضاء الشرع لكون أدلّة الضمانات مقيدة بعدم هتك المالك لحرمة ماله كما تقدم من الأستاذ «قده». و الثاني تأمين بعوض فمع منع الشارع انتقال العوض اليه يسقط عنه التأمين، تحقيقا لمعنى المعاوضة.

إلى ضمان العين.

و اما ضمان المنافع، فنقول: انّ المنفعة الواقعة موردا للإجارة، أعني ما كانت الإجارة تمليكا لها مضمونة في الصحيح و الفاسد كليهما. امّا في الصحيح فلانّ الضمان مقتضى الإجارة لما قد اندكت في حقيقتها المعاوضة. و امّا في الفاسد فلعدم وجود المؤمن بالنسبة إليها. و امّا المنفعة الخارجة عن مورد العقد الغير المقتضي عقد الإجارة لتمليكها فهي أيضا مضمونة في الصحيح و الفاسد لعدم تعلق التأمين بالنسبة إليها.

إذا عرفت حكم المسألة، فنعقبه بالبحث في انتقاض القاعدة به و عدمه، فنقول: انّه ذكر الشيخ في دفعه: انّ مورد عقد الإجارة هو منفعة العين دون نفسها، فكون العين مضمونة أو غير مضمونة بحسب فساد العقد أو صحته لا يوجب انتقاض القاعدة، فإنّها خارجة عن مورد عقد الإجارة. فإنّ مورد الإجارة هو منفعة العين دون نفسها، فلا يكون حصول الافتراق بين صحيح الإجارة و فاسدها في حصول الضمان لها و عدمه ناقضا لعموم القاعدة.

و أشكل عليه صاحب الكفاية «ره» في الحاشية، بانّ ذلك مبني على ما ذهب إليه في تعريف الإجارة من كونها تمليك المنفعة، و امّا على ما هو الحقّ من كونها علقة خاصة متعلقة بنفس العين، و كون تمليك المنفعة من لوازمها، كما يشهد له تعلق عنوان الإجارة بالعين، فالانتقاض غير مندفع.

أقول: و المراد من مورد العقد فيما نحن فيه، الأمر الذي وقع عليه المعاوضة، و ما يقتضي العقد ضمانه أو عدمه، دون ما تعلق به عنوان العقد. و ليس هو في الإجارة إلّا خصوص المنفعة، و امّا في البيع فهو العين بنفسها.

المبحث الخامس في سائر موارد انتقاض قاعدة الضمان

اشارة

«فمنها» الصيد الذي استعاره المحرم من المحلّ، بناء على فساد العارية فإنّهم حكموا بضمان المحرم له بالقيمة، مع انّ صحيح العارية لا يضمن به.

و قد ذكر الشيخ «ره» في دفعه: انّه يجب على المحرم إرسال ما بيده من الصيد و الأداء لمالكه بقيمته، فالمستقرّ على ذمته قهرا بعد العارية هو القيمة دون نفس العين، فوجوب دفع القيمة يثبت قبل التلف بسبب وجوب الإتلاف لا بسبب التلف، فتكون خارجة عن مورد القاعدة رأسا.

و يتوجّه عليه الاشكال بوجوه «الأول» منع فساد المعاملة رأسا و انّ الثابت بحسب الأدلّة حرمة أخذ الصيد للمحرم، و هي لا تقتضي فساد المعاملة، فإنّ الحرمة في المعاملة غير مستلزمة لفسادها.

«و الثاني» عدم وجود الدليل على وجوب الإرسال، فإنّ ما ثبت بحسب الأدلّة حرمة الإمساك، و ترك الإمساك كما يحصل بإرسال الصيد، كذلك يحصل برده الى مالكه، فلا وجه لضمان القيمة. مضافا الى انّهم لم يذكروا في كلماتهم: وجوب الإرسال، و هذا هو المحقق «ره» قد ذكر في الشرائع بما هذه عبارته. و لا يجوز للمحرم انّ يستعير من محل صيدا لأنّه ليس له إمساكه فلو أمسكه ضمنه و زاد في الجواهر «و أرسله» بمقتضى استنباطه. و قد أوجب ذلك توهم السيد «ره» كونه من عبارة الشرائع.

«و الثالث» انّ تأدية المعير ماله من المستعير، تأمين مالكي صدر منه، و ليس تأمينا شرعيا، حتى ينتفي عند فساد عقد العارية. فإنّه حيث كان

من العقود الجائزة لا يوجب تأدية المال من المستعير شرعا، فاداء المعير له تأمين له من عند نفسه، من دون ابتناء على عقد يقتضيه. فلا يوجد حينئذ فارق بين صحيح الإجارة و فاسدها.

و الذي يقتضيه النظر في توجيه هذا الحكم، هو كون استعارة المحرم موجبة لرفع الملكية عن الصيد، فيصير الصيد من المباحات يجوز أخذه لكل واحد، من دون فرق بين مالكه قبل الاستعارة و غيره، فلو أخذه المالك الأولي لا يكون أخذا له بماله، بل أخذا بمال مباح، يجوز أخذه لكل احد. فيكون اقدام المحرم حينئذ بالاستعارة إتلافا لمال الغير فيضمن قيمته.

و من هنا يعلم عدم انتقاض القاعدة بذلك لكون الضمان بالإتلاف خارجا عن مقتضى القاعدة رأسا.

و منها المنافع الغير المستوفاة، فإنّها مضمونة في البيع الفاسد، و غير مضمونة في البيع الصحيح.

و ربما يذكر في دفعه: انّ المنافع مضمونة في البيع الصحيح أيضا بتبع العين «و فيه» أنّ الثمن في البيع يقابل بالعين، و ان كانت المنافع أيضا موجبة لزيادة الثمن، إلّا أنّ مجرد ذلك لا يوجب وقوع الثمن بحذاء العين و المنافع كليهما، كما زعمه بعض المحشين «ره» (1).

و التحقيق في دفعه: انّ المنافع خارجة عن مورد البيع، و ما وقع تحت المعاوضة هو العين دون المنافع، فتعلق الضمان بالمنافع في الفاسد من البيع، خارج عن مقتضى القاعدة رأسا، كما تقدّم بيانه في الإجازة.


1) ان البيع يفيد تمليك المنافع بتبع تمليك العين و مقتضى وقوع الثمن بحذاء العين وقوعه بحذاء المنافع أيضا بالتبع، و المبادلة تتعلق بالعين بالأصالة و بمنافعها بالتبع، و عليه يندفع الاشكال عن هذا الوجه و توجه المنع الى ما ذكره الأستاذ «ره» من الوجه.

و منه يعلم وجه اندفاع النقض، بضمان الحمل في الفاسد دون الصحيح، فانّ الحمل أيضا خارجا عن مورد البيع.

تتمة في نفي الأولويّة بين ضمان الصحيح و ضمان الفاسد

قد علم من مطاوي كلماتنا انّ الضمان في العقد الفاسد و عدمه، في عرض الضمان في العقد الصحيح و عدمه، من دون أولويّة بينها أصلا. لما عرفت من انّه كلما كان هناك تأمين مالكيّ أو شرعيّ فلا ضمان، لكون حرمة المال مهتوكة بالتأمين. و كلما لم يكن هناك تأمين مالكيّ أو شرعيّ يثبت الضمان لعدم كون حرمة المال مهتوكة من ناحية الشرع أو المالك كما تقدم.

و موارد الصحيحة من العقود، و الفاسدة منها، مصاديق هذه القاعدة الكلية، بلا مزية لانطباقها على مواردها، في ثبوت الضمان و عدمه.

امّا الشيخ «ره» فقد جعل عدم الضمان في الفاسد اولى من عدمه في الصحيح. و منشأ ذلك استدلاله على القاعدة بالأقدام، و عليه يتوجه ان يقال: انّ سبب الضمان هو الإقدام، فإذا كان في الصحيح غير مؤثر في الضمان مع لحوق الإمضاء به من الشرع، فكيف يؤثر في الضمان في الفاسد مع عدم لحوق الإمضاء به من الشرع.

و قد عكسوا في الأولويّة، و جعلوا الضمان في الفاسد اولى من الضمان في الصحيح، و منشأه الاستدلال على القاعدة برواية اليد. و عليه يتوجّه ان يقال: انّ ثبوت اليد على شي‌ء يؤثر في ضمانه الّا ان يقع عليه عقد يقتضي خلافها، فالعقد الصحيح إذا لم يقتض خلافه، فالفاسد لا يقتضيه بطريق اولى.

فثبوت الضمان في الفاسد يكون اولى من ثبوته في الصحيح.

المبحث السادس في وجوب ردّ المبيع بالبيع الفاسد فورا

من الأمور المتفرعة على فساد العقد وجوب رد المبيع إلى البائع فورا و ذكر الشيخ «ره» في وجهه: انّ الإمساك آنا ما تصرف في مال الغير بغير اذنه (1)لقوله عجل اللّه تعالى فرجه الشريف (2)لا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره الّا بإذنه، ثمّ ناقش في صدق التصرف عليه.

و وجه المناقشة انّ التصرف بمعنى التقليب و التقلب و مجرّد الإمساك ليس تقليبا ثم على تقدير ثبوت حرمة الإمساك (3)لا يثبت به وجوب الرد الّا على القول بكون النهي عن الشي‌ء مقتضيا للأمر بضده اعني عكس المسألة المعنونة في الأصول من انّ الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضده و هي غير ثابتة فضلا عن عكسها مضافا الى انّ هناك ضد ثالث و هو تخلية اليد عنه فلا يجب عليه الردّ و عليه يتفرّع عدم كون مؤنة الرد عليه بل على ذمة المالك و التحقيق في وجه وجوب الرد التشبث برواية اليد لدلالتها على أنّ المأخوذ مستقر على عهدة الأخذ حتى يرده الى المالك فلا يسقط من ذمته الّا بالردّ و الأداء فيكون الردّ واجبا عليه لتوقف تفريغ ذمته عليه و يتفرع عليه كون مؤنة الرد التي تقتضيها طبيعة الردّ على عهدته و اماما زاد عليها فلا مقتضي لثبوته عليها.


1) قد تقدّم منّا بيان وجه انتفاء الاذن بفساد العقد فراجع.

2) الوسائل، كتاب الغصب، الباب 1 الحديث 4.

3) و يدلّ عليه قوله صلى اللّٰه عليه و آله لا يحلّ مال امرء مسلم الّا عن طيب نفسه فانّ تعلق عدم الحلية إلّا بإذن المالك، على ذات المال، يقتضي عموم الحكم على الإمساك، و الاستيلاء عليه، و التصرف و التقليب فيه، بجميع أقسامها على الإطلاق.

المبحث السابع في ضمان المنافع قبل الردّ

اشارة

اعلم انّ المنافع على أقسام ثلاثة: «الأول» ان تكون منافع للعين التي لا تقبل التمليك و التملك «و الثاني» المنافع المستوفاة من العين القابلة للتمليك و التملك «و الثالث» المنافع الغير المستوفاة منها.

«اما الأول» فهو خارج عن مورد البحث في باب البيع، و البحث فيه يكون في مسائل باب الإجارة.

«و اما الثاني»، فنقول: انّ المنافع المستوفاة للمشتري مضمونة عليه عند فساد العقد. و قد استدلّ عليه الشيخ «ره» بقوله صلّى اللّٰه عليه و آله لا يحلّ مال امرء مسلم الا عن طيب نفسه «و فيه» انّ ظاهره نفى الحليّة و إثبات الحرمة التكليفيتين، فلا تدلّ على ثبوت الضمان.

و التحقيق انّ الدليل عليه هو قاعدة الاحترام، بناء على ما تقدّم من اقتضائها عدم صيرورة مال المسلم ضائعا و مهدورا. فلو أتلفه غيره بغير اذنه، لم يكن مهدورا، بل يضمن المتلف بعوضه سواء فيه العين و المنفعة. و قد ذهب في «الوسيلة» إلى نفى الضمان محتجا بانّ الخراج بالضمان و سيأتي البحث عنها.

«و اما الثالث» و هو المنافع الغير المستوفاة، و لا دليل على ثبوت الضمان فيها. فانّ مقتضى ما تمسكنا به في تضمين المنافع المستوفاة، ثبوت الضمان على من أتلفها تحفظا على عدم صيرورتها ضائعة و مهدورة. و امّا لو تلفت في نفسها، من دون استناد الى احد بالمباشرة أو التسبيب، لا يمكن تضمين احد لأجل التحفظ على عدم صيرورتها مهدورة.

و منه يعلم الوجه في عدم اقتضاء دليل نفي الضرر أيضا له، فانّ نفي الضرر

عن احد لا يقتضي إثباته لغيره.

حديث الخراج بالضمان

هذا تمام الكلام في الوجوه و نتبعها بالبحث في المرسلة المشهورة «الخراج بالضمان» و لو ثبت اعتبارها سندا و دلالة يكون مانعا عن مقتضى دليل التضمين فيما يشمله من أقسام المنافع و هو المنافع المستوفاة، و تكون نسبته معها نسبة المقتضي مع المانع و الحكومة معهما للمانع، و يلزمها انتفاء المقتضى بالفتح و انّ تحقّق المقتضي لثبوته.

فنقول: قد ذكر ابن حمزة في الوسيلة عدم ثبوت الضمان محتجا بهذه المرسلة، و هي من روايات العامة لم يوجد نقلها في كتب الخاصة، و ان كانت مذكورة في جميع صحاح العامّة (1)ما عدا صحيحي البخاري و مسلم، و قد أوردها الحاكم في المستدرك (2)و هو يشهد لكونها جامعة للشرائط المعتبرة عند الشيخين، و مقتضاه اتفاق العامّة على صحتها. و انّما رووها فيما قضي الى عمر بن عبد العزيز في عبد اشتري و استعمل ثم انكشف كونه معيبا فقضى انّ عمله للبائع، فروي عليه عروة عن عائشة انّه وقع مثله في حياة رسول اللّه صلّى اللّٰه عليه و آله فقال رسول اللّه «ص» انّ عمله للمشتري لأنّ الخراج بالضمان، هذا.

و اما بيان المراد منها فنقول: لا إشكال في انّ المراد من الخراج، هو المنافع.

و الباء فيها اما للسببيّة و اما للمقابلة، فيكون المعنى انّ من ضمن شيئا تكون


1) نقل الحديث في «الجامع الصغير» (ج 1 ص 636، ط دار الفكر في بيروت) عن احمد بن حنبل في مسنده و أبي داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة في سننهم عن عائشة ثم قال: حديث صحيح.

2) رواه في «المستدرك» (ج 2 ص 15 ط حيدرآباد الدكن) بخمسة أسانيد عن عائشة.

منافعه له.

و المراد من الضمان في الرواية بناء على ما فسّرناه سابقا بتعهد المال و دخوله في العهدة أحد أمور:

«الأول» ارادة التعهد بمعنى اسم المصدر، من دون لحاظ صدوره من الفاعل، فيشمل العهدة الحاصلة بتعهده، و الحاصلة بجعل الشارع من دون ان يقدم عليه، كما في ضمان المغصوب، فإنّه مضمون عليه بحكم الشرع و ان لم يقدم بنفسه على ضمانه و تعهده.

«الثاني» إرادة التعهد بالمعنى المصدري أعني إرادة العهدة الصادرة منه فلا يشمل العهدة الحاصلة له من ناحية الشرع.

«الثالث» ارادة خصوص العهدة المذكورة مع لحوق الإمضاء به من الشرع.

و الأول يوافق ما ادعاه أبو حنيفة، من شمول الرواية على المغصوب، فأفتى فيمن غصب البغل بانّ الكراء للغاصب. و عند ذلك قال أبو عبد اللّه عليه السلام «و لمثل هذه الفتيا تمنع الأرض بركاتها».

و الثاني يوافق لما ادعاه جماعة من العامّة، من كون الرواية شاملة على كلا قسمي الضمان، الصادر منه بإمضاء من الشرع، و الصادر منه لا بإمضائه، و لم يوافقهم من الخاصة إلّا ابن حمزة.

و الثالث يوافق مقتضى القاعدة العقلائية، من كون المنافع تابعة للعين و مملوكة لمالكها.

و امّا الأول، فيضعفه مع كونه مخالفا لظاهر الحديث، انّه لم يقل به احد من الخاصة، و ما ورد فيه من تشديد النكير على ابى حنيفة في مقالته به.

و اما الثاني، فيضعفه انّ الباء ليست إلّا للسببيّة أو المقابلة، فمعنى الرواية:

أنّ الخراج بإزاء الضمان، أو أنّه بسببه. و من البديهي انّ المراد من الخراج هو الخراج المجعول له شرعا، فالمعنى انّ من ضمن شيئا فله خراجه شرعا. و ليس

المراد منه ما جعله الضامن لنفسه، حتى يكون المعنى أنّ من ضمن شيئا جعل الخراج لنفسه، فيستظهر من الضمان- بقرينة المقابلة بينه و بين الخراج الشرعي- الضمان الشرعيّ، الذي أمضاه الشرع. فإنّه لو كان المراد من الضمان هو الضمان العرفيّ لكانت نسبة الخراج معه نسبة الحكم مع الموضوع لا نسبة المسبب مع سببه أو المقابل مع مقابله (1)مضافا الى انّ التمسك بإطلاق الضمان انّما يمكن إذا لم يكن في مورده ضمان معهود احتمل كون المراد منه ذلك المعهود، و الّا فلا ينعقد له إطلاق يؤخذ به كما ذكروه في الأصول (2). و قد عرفت فيما مرّ أنّ مأثورة الخراج بالضمان ليست من كلمات قصار النبي صلّى اللّٰه عليه و آله فتكون غير ناظرة إلى مورد خاص يكون قرينة على بيان المراد منه. بل هي كلمة تنطق بها فيما قضى إليه في عبد اشترى، ثم استعمل فقال «ص»: الخراج بالضمان.

فيحتمل ان يكون المراد من الضمان خصوص الموجود في مورد الرواية و هو البيع الصحيح الحاصل فيه الخيار لأجل كون المبيع معيبا فلا يكون له إطلاق يشمل الضمان في مورد البيع الفاسد و هو الضمان الغير الممضى من الشرع.

و ممّا يؤيد ما ذكرناه انّ عروة نقلها في عين هذا المورد حيث قضي الى عمر بن عبد العزيز في عبد اشتري و استعمل.

و بالجملة لا بدّ و ان تحمل الرواية على مقتضى القاعدة العقلائية أعني كون خراج العين و منافعها لمالكها، و لا يستبعد كون ما ذكره «ص» مسوقا لبيان القاعدة المذكورة المعلومة من العقل رأسا من دون ان يتضمن لجعل حكم


1) من المعلوم انّه لا يعتبر كون سبب الحكم الشرعي امرا شرعيا مجعولا من عند الشارع كما انّه لا بأس بجعل أمر، شرعا بحذاء أمر غير مجعول من عند الشارع.

2) و التحقيق منعه كما حققه بعض المحققين بما لا مزيد عليه.

شرعي من ناحية الشرع. و الشاهد له عدم كونه صادرا عنه «ص» عند بيان الأحكام، بل قد ذكره دليلا على ما قضى به فيما ترافعوا اليه هذا. و ما ذكرناه يجرى على مختار الشيخ «ره» أيضا في تفسير الضمان بكون تلفه عليه و كون الخسارة واقعة في ماله الأصلي، فإنّ كون التلف عليه يكون تارة من ناحية الشرع و تارة بإقدام من نفسه مع إمضاء له من الشرع.

ثم انّ القاعدة مع تفسير الضمان بكلّ من المعنيين منتقضة في جملة من الموارد «منها» ضمان المبيع قبل القبض فإنّه في عهدة البائع و يقع تلفه عليه مع انّ منافعه للمشتري «و منها» ضمان البيع على البائع عند اشتراط كون تلفه عليه مع انّ منافعه للمشتري «و منها» ضمان العارية المضمونة، فإنّها مضمونة على المستعير، مع ان منافعها ملك للمعير، و انّ كان قد أباح له الانتفاع بها.

و امّا بناء على تفسير الضمان في الرواية بما ذكره شيخ الطائفة «قده»، من انّ معنى الضمان فيها ان يكون وقوع الخسارة عليه في ملكه، يخرج ما ذكر من الموارد عن موضوع الرواية تخصصا.

أمّا الأخيران فلعدم كون المستعار، و لا البائع فيهما مالكين للمال المضمون، و امّا الأول فلانّه و ان ذهب المشهور الى انّ تلف المبيع قبل القبض من مال بايعه، و يصير ملكا له آنا ما قبل التلف ثم يتلف في ملكه، و لكنّ الكلام في منافع المبيع قبل التلف و لا يفرض ان تكون له منافع في الآن المحلوق بالتلف الذي يصير فيه المبيع ملكا للبائع. فالمنافع قبل التلف لا تدخل تحت محل الكلام لكونها منافع له في حين كونه ملكا للمشتري (1)و لو فرض وجود منافع


1) كون المبيع من حين البيع الى تحقق القبض، بحيث لو تلف في أيّ آن من الآنات المتخللة بينهما لوقع في ملك لبائع يكفي في اقتضاء الرواية كون خراجه له. فانّ المراد من الخراج، هو الخراج الحاصل للشي‌ء في أزمنة كونه بحيث لو تلف كان في ملكه، لا خصوص الخراج الحاصل عند تحقق التلف.و امّا اعتبار كونه ملكا له عند تحقق المنافع، فلا يقتضيه تفسير الضمان بكون تلف المضمون في ملكة. و غاية ما يقتضيه، اعتبار كونه عند تحقق المنافع بحيث لو تلف كان في ملكه. و امّا فعلية وقوع التلف في ملكه فلا يعتبر عند تحقق المنافع، حتى يعتبر كونه ملكا له بالفعل.

له في تلك الان، لا بأس بالالتزام بكونها ملكا له.

و قد تحصل ممّا ذكرنا انّه لو أريد من الضمان في الرواية كون المضمون ملكا للضامن كانت الرواية كناية عن كون المنافع ملكا لمالك العين، فتكون منطبقة على القاعدة العقلائية من كون منافع العين لمالكها، و لا بأس بوقوعها في كلام النبي صلّى اللّٰه عليه و آله لما ذكرها في مقام الاستدلال على ما حكم به في القضاء. و قد بيّنا في محلّه انّ الدليل المذكور في كلام النبي «ص» و الأئمة «ع» لا بدّ و ان يكون أمرا عقلائيا مرتكزا في أذهان المخاطبين أو أمرا شرعيا يكون أبين من المستدلّ عليه.

المبحث الثامن في وجوب ردّ المثل في المثليات و القيمة في القيميات

اشارة

لا إشكال في وجوب رد المثل عند تلف العين في المثليات. و القيمة في القيميات.

و البحث ههنا في موضعين الأول، بيان مفهوم كل من المثلي و القيمي.

و الثاني، بيان الدليل على الحكم المذكور حتى يتبين به حكم موارد الشبهة.

الموضع الأوّل في مفهوم كلّ من المثلي و القيمي
اشارة

اعلم انّ المشهور ذكروا في تعريف المثلي و القيمي «انّ المثلي ما تساوت

اجزائه بحسب القيمة» و المراد منها أحد أمرين «أحدهما» ما كانت نسبة قيمة كلّ جزء منه الى قيمة الكل نسبة نفس الجزء إليه، بأن تكون قيمة ثمنه ثمن قيمة الكلّ، و قيمة ربعه ربع قيمة الكل، و قيمة نصفه نصف قيمة الكل.

و هي بهذا التفسير، يستشكل في شمولها على جملة من الموارد، اعني ما لو كان للهيئة الاتصاليّة مدخليّة في المالية بحيث يوجب انفصال الاجزاء نقصا في القيمة. كالنعلين، فإنّ قيمة كلّ فرد من النعلين في حال انفراده، ليست نصف قيمة زوجهما عند اجتماعهما.

و الثاني ما تساوت قيمة أجزائه عند ملاحظة بعضها مع بعض، لا عند ملاحظتها مع الكل. بحيث لو فرض انقسام العين الى نصفين، تكون قيمة كلّ منهما مساوية مع قيمة النصف الأخر. و لو فرض انقسامها إلى أثلاث، تكون قيمة كلّ ثلث متساوية مع قيمة الثلث الأخر، و هكذا. فيشمل التعريف حينئذ على ما لو كانت للهيئة الاتصالية مدخلية في القيمة. فإنّ فقدان الهيئة الاتصالية عند لحاظ كلّ واحد من الاجزاء منفرد لا يوجب تفاوتا في قيمة كلّ واحد من الاجزاء مع الأخر. فقيمة كلّ فرد من النعلين في حال انفراده يساوي قيمة الفرد الأخر في حال انفراده، و ان كان عند اجتماعهما يزيد قيمة المجموع من حيث المجموع على مجموع قيمة الفردين في حال الانفراد، هذا.

و التحقيق في بيان معنى المثلي ان يقال: انّ المراد منه ليس معنى آخر وراء المعنى اللغوي العرفيّ. و ليس استعماله في لسان الفقهاء عن اصطلاح حادث بينهم، بل المراد منه المعنى اللغويّ، أعني ما كان له مثل بحسب المتعارف (1)

و امّا ما ذكروها من التعاريف للمثلي، فهي ضوابط مضروبة منهم، لما تكون من الأشياء مضمونة بالمثل. «فمنها» ما ذكره شيخ الطائفة بل اشتهر فيما بينهم و هو «ما تساوت اجزائه الصادقة عليها حقيقة واحدة، في القيمة بالنسبة» و الظاهر منه ما يكون مشتملا على اجزاء فعلا يصدق على كلّ جزء اسم تلك الحقيقة، كالمغصوب من الحنطة و الشعير و غيرهما من الغلات، و كلّ ما كان من هذا القبيل فهو مثلي، فيكون المثلي من جنس المكيل أو الموزون، و ان كان التطابق بينهما و بين مقتضى التعريف المذكور محلّ نظر هذا. و لا يخفى عليك انّ الضمان بالمثل لا يختص بالمكيل و الموزون و ما يكون من المغصوب أو غيره ذا أجزاء متساوية في اعتبار العقلاء في التضمين بالمثل، بداهة عدم وجود وجه فارق بينهما و بين غيرهما ممّا يكون واجدا للمثل بحسب المتعارف في الغرض الداعي لهم على اعتبار التضمين بالمثل، و الفائدة الملحوظة لهم فيه الّتي يناط بها اعتبار هم. و الوجه فيما ذكره الشيخ «ره» انحصار المثلي في زمانه و ما يتلوه من الأزمنة- ما عدا الأعصار و الأزمنة المقارنة لعصرنا- فيما يكال أو يوزن، و ما يكون ذا أجزاء متساوية من الغلّات و غيرها. و امّا في الأزمنة المتأخرة فقد حدثت المكينة و صار بسببها غالب المصنوعات مثليا ذا أمثال كثيرة فلا منع للشيخ و لا لغيره الّا من حيث التعبير بما لا يتمّ به الطرد و العكس في بعض الأمثلة، و الّا فالمرتكز في أذهانهم لا يكاد يختلف بحسبه. اعلم انّ من المسلم عدم تعلق الضمان في القيميات بالمثل لو وجد له مثل على التصادف، سواء وجد عند الضامن أو غيره بحيث يمكن له تحصيله منه. فلا المالك يجوز له المطالبة بالمثل من الضامن، و لا الضامن يكفي له دفع المثل في إبراء ذمته، و هو عمدة الإشكال في التقريبات المذكورة لتعلق الضمان بالمثل في المثليات و بالقيمة في القيميات، و يجري في جميعها ممّا استقصاه الأستاذ «قده» فيما يأتي.

و قد حصلنا الوجه في دفعه، و توضيحه يتوقف على بيان منشأ الضمانات فنقول: لا إشكال في انّ الضمان يتعلق بالشي‌ء من حيث كونه مالا، و لذلك لا يتعلق بما كان من الأشياء فاقدا للمالية. و ملاك المالية وقوع الشي‌ء موردا لرغبة العقلاء، و من المعلوم انّها لا تتعلق الّا بالموجود الخارجي، فإنّه المنشأ للأثر و الكليّ فاقد للمالية، و غير مرغوب عند العقلاء لعدم ترتب الأثر عليه.

و اما بيع الذميّ و السلم، مع اعتبار المالية في طرفي البيع، فنمنع عن تعلق البيع فيهما بالكلي، و الشاهد له أنّ الكليّ مع انّ موطنه هو الذهن لا يكفي إيجاده في الذهن في إيجاد متعلقهما من المبيع أو الثمن، بل المتعلق للبيع في البيع الذميّ و السلم، هو المصداق الخارجي، أعني ما تحلى بحلية الوجود الخارجي.

غاية الأمر: أنّ متعلق البيع قد يكون موجودا لا على التعيين، و هو الموجود بالوجود السعي المنطبق معه الوجود على كلّ واحد من الموجودات، و الموجود بالوجود السعي العاري عن جميع خصوصيات الافراد، المنطبق على كلّ واحد منها، و ان كان يستحيل تحققه في الخارج كذلك، الّا انّه يتحقق في مرآة الذهن. و بعبارة أخرى يتحقق في الخارج بحسب رؤية النفس، فهو بحسب رؤية النفس فرد خارجي غير متخصص بخصوصيات فرد من الافراد، و منطبق على كلّ واحد منها.

إذا عرفت ذلك فنقول: انّ في مورد المثلي أعني ما كثر مثله بحسب المتعارف، إذا تواردت الأمثال أعني الأفراد المتماثلة في الجهات التي تتعلق بها رغبة العقلاء، واحد بعد واحد إلى أذهان العقلاء، أعني انّهم إذا أدركوا كلّ فرد فرد منها، انتقلت أذهانهم إلى الجامع بين جميعها، و هو الموجود بالوجود السعي العاري عن جميع خصوصيّات الافراد، المنطبق على كلّ واحد واحد منها. فتتعلق رغبتهم به بملاك واحد، دون كلّ فرد فرد منها، بل تكون متعلقة لها بما هي منطبقة له. و بعبارة اخرى: انّ العقلاء بعد ملاحظة كلّ فرد فرد منها ينظرون الى جميعها بنظر واحد، و يتداخل جميعها، و يكون المرئي لهم امرا واحدا فيعتبرون المالية له. و الحاصل انّ المعدود في عداد ما تعلق به رغباتهم يكون هو الموجود السعي المنطبق على موجودات كثيرة، و هو الحنطة الموجودة مثلا، فتنطبق على جميع مصاديق الحنطة الموجودة في الخارج.

و بتقريب آخر: إنّ المماثلة التامّة بين الأمثال في جميع الجهات الدخلية في تعلق رغبات العقلاء بها، أوجب اعتبار المالية عندهم للجامع لها، و قيام المالية في اعتبارهم بالجهة المشتركة بينها.

بخلاف القيميات، فإنّ المالية يعتبر لكل واحد واحد منها بشخصه، منحازة عن المالية، المعتبرة للآخر. فمقتضى القاعدة في المثليات كونها مضمونة بالجامع القائم بها و بأمثالها لكنّه، لأجل إضافة كلّ واحد منها الى مالكه، و كونه مملوكا له بعينه، اقتضت سلطنته عليه مطالبته بعينه و وجوب رده اليه و لم يجز إمساكه إلّا بإذنه. و بتقريب أصح: إنّ رغبة العقلاء و انّ تعلقت به بما انّه منطبق للجامع إلّا انّه حيث أمكن تعلق رغبة مالكه بشخصه لأجل خصوصية فيه تختص له، تعلق الضمان في اعتبار العقلاء بشخصه. فإذا تلفت عينه و استحالت رعاية رغبة خصوص المالك لزم رعاية رغبة العقلاء فقط، و هي قائمة بالجامع المنطبق عليه و على غيره من الأمثال، و مقتضاه التضمين بالمثل.

و اما القيميات فالمتعلق للضمان هو أشخاصها، فكلّ شخص منها بما انّه تعلق رغبة العقلاء بشخصه، كان مضمونا بضمان يخصّه، و يختص بمالية غير مالية الأخر، فلو وجد لواحد منها عند تلفه مثل يماثله من جميع الجهات و لو عند المضمون عليه أو عند من يسهل له تحصيله منه لم يضمن به.

فالموجود عند المضمون عليه من المثل، ربما يكون متعلقا لرغبته بأزيد من مقدار وقوع التالف محل رغبة للعقلاء فله المنع عن دفعه الى المضمون له، فانّ ماليته تباين مالية التالف، و ليست ماليته ماليّة قائمة بجامع بينهما حتى يكون تلف أحدهما موجبا لضمان الجامع في ضمن الأخر، و ان كان تساوي ماليته مالية التالف عند العقلاء و مقدار وقوعه محلّ رغبة لهم، لكنّه لا يلزم الضامن بدفعه بخصوصه لأجل كونه ملكا له مسلطا عليه، و احتمال ان تكون لشخصه خصوصية عنده توجب مزيد رغبته اليه. و كذلك لا يلزم المضمون له بأخذه، لاحتمال ان تكون لشخصه خصوصية عنده توجب قلة رغبته اليه. و الذي لا يتفاوت بالنسبة إليه رغبات الأشخاص، أعني ما هو الميزان و المعادل لتمييز مقدار الرغبات بالنسبة إلى الأموال، هو القيمة، فالمضمون عليه يلزم بدفع القيمة بمقدار وقوع التالف محلّ رغبة عند العقلاء، هذا.

و ما ذكرناه من التفصيل لبيان موارد ما يضمن فيه بالقيمة، و ما يضمن فيه بالمثل من الأموال بحسب نظر العرف و العقلاء. و لا إشكال في انّ الحجة المتبعة في أبواب المعاملات هو نظر العرف بمجرد عدم قيام الردع و المنع عنه من الشرع. مضافا الى انّ التعويل في تعيين المضمون به في إطلاقات قاطبة أدلة الضمانات التي خرجت في الكثرة عن حد الإحصاء، إلّا ما شذ و ندر منها، على نظر العرف و العقلاء فهو جهة قطعية في تشخيص ما يضمن من الأشياء بالمثل و ما يضمن بالقيمة، لا يعدل عنها في استكشاف نظر الشارع.


1) معنى «المثلي» بحسب اللغة هو المنسوب الى المثل. فيصحّ انّ يراد منه بحسب العرف و اللغة. ماله مثل، أو ان يراد منه: ما يضمن بالمثل. و المراد منه عند إطلاقه في أبواب الضمانات ما يضمن بالمثل كما انّ المراد من القيمي فيها ما يضمن بالقيمة. فهما من العناوين المنتزعة للموضوعات عن الأحكام المتعلقة بها، فيبطل ما ذكره الأستاذ «قده» في معناهما لغة و عرفا، و عليه يتفرع عدم صحة ابتنائه عليه في تعيين افراد هما.

منشأ تعلق الضمان في القيميات بالقيمة حتى مع وجدان المثل

و القيمي بخلافه و هو ما لم يكن له مثل بحسب المتعارف. و لا وقع للإشكال عليه بأنّه ان أريد وجود المثل له من جميع الجهات فغير مطرد، لعدم وجود المثل من جميع الجهات لكثير من المثليات، بل المثل من جميع الجهات غير موجود

لشي‌ء من الأشياء. و ان أريد وجود المثل من بعض الجهات، فغير مطرد، لوجود المثل من بعض الجهات لكثير من القيميات، فانّ الضمان يتعلق بحيثية مالية الشي‌ء (1)، فكلّ خصوصية لا دخل لها في ماليته لا تدخل تحت الضمان، فالمراد من المثل حينئذ ما كان مماثلا له في الجهات و الخصوصيات الدخيلة في ماليته، و ان لم يكن مماثلا له في الجهات و الخصوصيّات غير الدخيلة في ماليته.

و التوضيح انّ مالية الشي‌ء قد يكون قائمة بخصوصياته الفردية المشخصة له، و قد تكون قائمة بالجامع الموجود في ضمنه الذي له افراد غيره. فيمكن الخروج حينئذ عن عهدة الضمان المتعلق بالجامع الموجود في ضمنه عند تلفه برد فرد آخر من افراده، لصدق رد الجامع عليه، بخلاف ما كان من الأشياء تقوم ماليته بخصوصياته المفردة و المشخصة، فلا يمكن ردّه حينئذ برد فرد آخر من نوعه أو صنفه، فيتنزل لا محالة إلى أداء ما به مالية الشي‌ء و هو القيمة (2)و هي


1) ليست المالية حيثية تحاذي سائر حيثيات المال. بل جميع حيثيات الشي‌ء- ما عدا ما كانت منها ساقطة في اعتبار العقلاء، و منزلة بمنزلة العدم في عدم وقوع شي‌ء بحذائه- بذاتها مصداق لعنوان المال اعتبارا فالضمان يتعلّق بذواتها لا بحيثية منضمة إليها ثابتة للشي‌ء في قبالها. و ما تقدّم من انّ ملاك اعتبار المالية لشي‌ء وقوعه محلّ رغبة للعقلاء، فيتحصل منه أنّ الضمان إنّما يتعلق بشي‌ء من حيث وقوعه محل رغبة للعقلاء فهو حيثية تعليلية.

2) القيمة ما يتقوم الشي‌ء عند العقلاء بملاحظته، حيث انّ قوام الشي‌ء في رغبة العقلاء اعني مقدار وقوعه محلّ رغبة لهم يعلم بالقياس إليها.و بالجملة القيمة مقياس الأشياء في وقوعها محلّ رغبة للعقلاء، فينزل الضمان عند فقد المثل للتالف بحسب المتعارف الى ما يساويه في مقدار وقوعه محلّ رغبة لهم. و الوجه في تنزله الى خصوص القيمة بعد اشتراكها مع غيرها من الأموال في المساواة للتالف في مقدار وقوعه محلّ رغبة لهم، عدم اختلاف رغبات الأشخاص إليها بملاحظة خصوصيّات فيها لشخص دون شخص، و لو تنزل الى جامع ما يساوى التالف في مقدار وقوعه محل رغبة للعقلاء، كان مقتضاه جواز تفريغ الذمة بكلّ ما يختاره المضمون عليه، و ربما يكون ذلك غير مرغوب للمضمون له لأجل خصوصية فيه.

تختلف بحسب اختلاف البلاد و الازمان، فقد يكون الدرهم أو الدينار، أو غير هما ممّا تعارف في زماننا هذا، و ربّما تكون في بعض القرى الحنطة هذا.

ثمّ انّ كون شي‌ء مثليا أو قيميا في بلد أو زمان، لا يقتضي كونه كذلك في جميع البلاد و جميع الأزمنة. بل الاعتبار بكونه ذا مثل و مماثل بحسب المتعارف، فأيّ بلد أو زمان يوجد له المثل بحسب المتعارف فهو مثلي فيه، و إن كان قيميا في زمان أو بلد آخر و بالعكس.

فكم من أشياء كانت قيمية في الأزمنة المتقدمة، ثمّ صارت مثلية في الأزمنة المتأخرة، كالكتاب، فإنّه كان في الأزمنة السابقة من القيميات، فصار مثليا في هذه الأزمنة، لكون شيوع الطبع موجبا لإيجاد كتب كثيرة متماثلة من جميع الجهات.

فالكتب المطبوعة بجميعها من قبيل المثليات ما لم يندر نسخها بحيث تعذر تحصيلها، بخلاف الكتب الخطية، فإنّها غير متماثلة إلّا في النادر. و كالثوب، فانّ الأثواب المنسوجة بالمعامل الحديثة، متماثلة من جميع الجهات بخلاف الأثواب المنسوجة باليد في الأزمنة المتقدمة.

و بالجملة فجميع الأشياء المصنوعة بالماكنة في المعامل الحديثة في زماننا من قبيل المثليات، لوجود المماثلة بين كلّ صنف منها. و لا يصنع فيها فرد واحد فاقدا للماثل، بل من كلّ صنف أفراد كثيرة، يكون بينها مماثلة تامة.

و الحاصل، انّه لا يعتد بكون شي‌ء قيميا أو مثليا في الأزمنة المتقدمة بل يلاحظ حاله في الزمان الحاضر، و ان قام الإجماع على خلافه فيما تقدم من الأزمنة. فإنّ الإجماع إنّما قام على كونه قيميا مثلا لأجل عدم وجود المثل له بحسب العادة، فإذا صار بحيث كان له المثل بحسب العادة، يخرج عن معقد الإجماع. بل لو ورد نصّ على كون شي‌ء قيميا أو مثليا لا يعتد به في زمان متأخر عن زمان صدور النص، فإنّه إنّما حكم في الحديث بكونه قيميا، لأجل

عدم وجود المثل له بحسب العادة في ذلك الزمان. فلو انقلب حاله في الزمان المتأخر، و صار بحيث كان له المثل بحسب العادة يخرج عن تحت الحديث «الثاني» في تحصيل الدليل على الحكم المذكور، و الحاجة إليه بعد تسلم أصل الحكم فيما بينهم لأجل وقوع الخلاف في أوان تعلقه.

الموضع الثاني في الدليل على ضمان المثليّات بالمثل و القيميّات بالقيمة
الدليل الأوّل

ما استدل به شيخ الطائفة «قده» على وجوب ردّ المثل في المثليات، و هو آية الاعتداء.

«فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ».

و الذي يقتضيه النظر ان الآية مصروفة عمّا نحن فيه رأسا بل هي ناظرة إلى أحكام الجهاد، بقرينة صدر الآية قال تعالى «الشَّهْرُ الْحَرٰامُ بِالشَّهْرِ الْحَرٰامِ وَ الْحُرُمٰاتُ قِصٰاصٌ فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» (1)و ما قبلها قوله تعالى.

«وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَ لٰا تُقٰاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ حَتّٰى يُقٰاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قٰاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذٰلِكَ جَزٰاءُ الْكٰافِرِينَ» (2)الى ان قال تعالى «الشَّهْرُ الْحَرٰامُ بِالشَّهْرِ الْحَرٰامِ» الآية.


1) سورة البقرة، الآية 194.

2) سورة البقرة، الآية 191.

و مورد الآية «واقعة الحديبيّة» و مجملها انّ رسول اللّه صلّى اللّٰه عليه و آله أراد أن يدخل مكة في شهر ذي القعدة لأجل الإتيان بمناسك الحج فمنعه كفار مكة فنزلت «الشَّهْرُ الْحَرٰامُ بِالشَّهْرِ الْحَرٰامِ، الآية» فحجّ النبي «ص» في شهر ذي القعدة من السنة الاتية فقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ إلخ متفرع على صدر الآية «الشَّهْرُ الْحَرٰامُ بِالشَّهْرِ الْحَرٰامِ وَ الْحُرُمٰاتُ قِصٰاصٌ» فالمعنى انّ الشهر الحرام يدخله القصاص، و من اعتدى فيه يجوز قصاصه بمثل ما اعتدى. و لذا لم يتعرض رسول اللّه «ص» للجهاد معهم في ذلك العام، بل اقتصر على أداء مناسك الحج و رجع، لأجل المكافاة و المماثلة لمنعهم عن ذلك.

و ممّا يشهد لخروج ما نحن فيه عن عموم الآية انّ الخطاب في قوله تعالى «فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» الى المسلمين فيكون المراد ممن اعتدى غير المسلمين.

و ممّا يشهد له أيضا تعلق الاعتداء بغير الأموال و هو الأنفس (1).

هذا كلّه مضافا الى انّ من المحتمل كون كلمة ما في قوله تعالى «بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ» مصدريّة، فيكون محصله اعتبار المماثلة في المعتدى به. اللهم الّا ان يثبت اعتبارها بالملازمة أو الإجماع المركب على عدم التفرقة بينه و بين اعتبار المماثلة في أصل الاعتداء.

ثمّ انّ مع تسليم ذلك كلّه و الغمض عمّا أوردنا على الاستدلال بالاية، انّما يثبت بها جواز التقاص عمن تعدى عليه بمثل ما تعدى به، و لا تثبت به كيفية الضمان الثابت على ذمة المعتدى.

و بالجملة التمسك في المقام بالاية يتوقف على تعدية مفادها عن القصاص في الحرم الى مطلق القصاص، و منه الى الأموال، و تنزيل الاعتداء بالمال بمنزلة


1) و فيه انّ الاعتداء لا يكون الّا بين شخصين، لكنّه قد يكون بالإضرار له في نفسه، و قد يكون الإضرار له في ماله، و مقتضى إطلاق الاعتداء شموله على كلا النحوين.

الاعتداء بالنفس، و عن الكفار الى المسلمين، و جعل المراد من المثل المعتدى به، دون خصوص الاعتداء، أو إثبات الملازمة للمتعدى به بالملازمة بين اعتبارها و اعتبار المماثلة في الاعتداء بالملازمة، أو الإجماع المركب.

و الذي يظهر من ملاحظة الروايات الواردة في تفسيرها: انّ الآية ليست مسوقة لبيان اعتبار المماثلة في المعتدى به أو نفس الاعتداء، بل مسوقة لبيان تجويز أصل الاعتداء، و المراد منها، انّه يجوز القصاص في الحرم، و انّه يجوز الاعتداء عليهم كما اعتدوا عليكم، مكافأة لما أقدموا عليه، و جزاء سيئة سيئة بمثلها، من دون تعرض لاعتبار المماثلة في مقدار الاعتداء أو المعتدى به.

فمن جملة روايات الكليني (1)ما رواه عن ابى عبد اللّه عليه السلام في رجل قتل رجلا في الحرم فقال «ع»: يقام عليه الحد في الحرم صاغرا لانّه لم ير للحرم حرمة، و قد قال اللّه تعالى «فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» (2)يعني في الحرم، و قال «فَلٰا عُدْوٰانَ إِلّٰا عَلَى الظّٰالِمِينَ» (3)انتهى.

فمن الواضح عدم المماثلة بين كل جناية و حدها كالسرقة و قطع اليد بل المماثلة في أصل جواز الاعتداء في الحرم.

الدليل الثاني

ما استدلّ به شيخنا الأنصاري «ره» في المكاسب و هو الأقربيّة قال:

الضمان يتعلق بالمثل، لأنّه أقرب الى التالف من حيث المالية و الصفات، ثم بعده قيمة التالف من النقدين و شبههما و هي مخدوشة من وجهين.


1) الوسائل، أبواب مقدمات الإحرام، الباب 14، الحديث 1 و رواه الشيخ في التهذيب بسند صحيح.

2) سورة البقرة، الآية 194.

3) سورة البقرة، الآية 193.

«أحدهما» ما أوردوه عليها و على الاستدلال بالاية المتقدمة، من أنّ مقتضاهما لا ينطبق على مذهب المشهور، بل كان بينهما عموم من وجه، لاقتضائهما تعلّق الضمان بالمثل إذا وجد المثل، و ان كان على غير المتعارف، بخلاف المشهور فإنّهم حكموا بضمان القيمة لو كان التالف فاقدا للمثل بحسب المتعارف و ان وجد له مثل ندرة.

و اقتضائهما تعلق الضمان بالقيمة إذا تنزلت قيمة المثل تنزلا فاحشا عن قيمة التالف، بخلاف المشهور فإنّهم حكموا فيها بتعلق الضمان بالمثل.

و ثانيهما ان الأقربية يقتضي عند عدم وجود المثل من حيث جميع الصفات، تعلق الضمان بالمثل من حيث بعض الصفات، لا التنزل إلى القيمة، بمجرد فقدان المثل من جميع الصفات و الجهات. (1)كما انّ الأقربيّة المعتبرة عندهم عند تعذر صرف المال الموقوف في الموقوف عليه تقتضي مراعاة الأقرب فالأقرب، فلا يجوز صرف المال الموقوف على مسجد عند تعذر صرفه فيه، الّا في المسجد الأقرب له ثم الأبعد فالأبعد، و لا يجوز صرفه في مطلق المصارف الخيرية.

الدليل الثالث
اشارة

ما ذهب إليه جماعة من اعلام المتأخرين خلافا للمشهور بقاء ضمان العين


1) و فيه أيضا منع، من حيث انّ القيمة أقرب الى التالف في قيامه مقامه، لمساواتها مع التالف في مقدار وقوعها محل رغبة للعقلاء. و تقديم المثل على القيمة لأجل مساواته مع التالف في جهتين، رغبة نوع العقلاء، و رغبة المالك بحسب ما يخصه من الخصوصيات. فمع عدم إمكان رعاية كلتا الجهتين، يراعى جهة مساواته للتالف في وقوعه محلّ رغبة لنوع العقلاء، بأداء القيمة.فإن قلت: إنّ مقتضى ما ذكر، تعلق الضمان بالمماثل له في بعض الصفات، مع ما به التفاوت بينه و بين التالف من القيمة.قلت: المماثل في بعض الصفات لا يكون واجدا لما يوجب مزية رغبة المالك، بل كثيرا ما تكون رغبة المالك الى قيمة التالف أزيد من رغبته الى الناقص مع أرش المنقصة.

بعد التلف، و عدم انتقاله الى المثل و القيمة (1)

«و منها» ما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسن قال: كتبت الى أبي محمد عليه السلام: رجل دفع الى رجل وديعة و أمره أن يضعها في منزله، فوضعها في منزل جاره، فضاعت. هل يجب عليه إذا خالف امره و أخرجها عن ملكه؟ فوقع «ع»: هو ضامن لها ان شاء «انتهى». و رواه الصدوق بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب، قال: كتب رجل الى الفقيه «ع» و ذكر مثله. (وسائل الشيعة، ج 13 ص 229) «و منها» ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن «ع» قال سألته عن رجل استأجر دابة فأعطاها غيره فنفقت قال ان كان شرط ان لا يركبها غيره فهو ضامن لها و ان لم يسمّ فليس عليه شي‌ء انتهى. و رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن يحيى، و رواه علي بن جعفر في كتابه. (وسائل الشيعة، ج 13 ص 255) «و منها» ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن على بن محبوب عن أيوب بن نوح عن عبد اللّه بن المغيرة عن سعيد بن عثمان عن زياد عن ابى جعفر (ع) قال: قلت: إن حمالا يحمل لنا، فكاريناه فحمل على غيره فضاع، قال: ضمّنه و خذ منه (انتهى) و رواه الصدوق بإسناده عن عثمان بن زياد (الوسائل، ج 13 ص 278) «و منها» ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد عن حريز عن محمد بن مسلم قال قلت لأبي عبد اللّه «ع»: رجل بعث بزكاة ماله لتقسم، فضاعت، هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال: إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن الى ان قال: و كذلك الوصي الذي يوصى اليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربّه الذي أمر بدفعه إليه، فان لم يجد فليس عليه ضمان. (الوسائل، ج 13 ص 417) «و منها» ما رواه أبو الصباح عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: كلّ من أضر بشي‌ء من طريق المسلمين فهو له ضامن. (الوسائل، ج 19 ص 181) «و منها» ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه «ع» قال: قال رسول اللّه صلّى اللّٰه عليه و آله: من اخرج ميزابا أو كنيفا أو أوتد وتدا أو أوثق دابة أو حفر شيئا في طريق المسلمين فأصاب شيئا فعطب، فهو له ضامن «انتهى» و رواه الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم، و رواه الصدوق مرسلا. (الوسائل، ج 19 ص 182) «و منها» ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن الحسن الصفار قال: كتب الى الفقيه عليه السلام في رجل دفع ثوبا الى القصار ليقصره، فدفعه القصار الى قصار غيره ليقصره، فضاع الثوب، هل يجب على القصار انّ يرده إذا دفعه الى غيره و ان كان القصار مأمونا؟ فوقع «ع»: هو ضامن له إلّا أن يكون ثقة مأمونا ان شاء اللّه تعالى «انتهى». (الوسائل، ج 13 ص 275) هذا، و لم أجد فيها ما يعارضها بالدلالة على تعلق الضمان- بالتلف- بالمثل أو القيمة إلّا ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن على بن محبوب عن ابى الجوزاء عن حسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد بن على عن آبائه «ع» قال أتاه رجل تكارى دابة فهلكت و أقر أنّه جاز بها الوقت، فضمنه الثمن و لم يجعل عليه كراء «انتهى» و رواه بإسناده عن محمد بن احمد بن يحيى عن أبي جعفر عن ابى الجوزاء مثله، (الوسائل، ج 13 ص 257) و لكنّها رواية مطرودة لما تضمن الفتوى بما قال فيه أبو عبد اللّه- على ما في الرواية الاتية لأبي ولاد- في مثل هذه الفتيا تمنع الأرض بركاتها. و قد حملها الشيخ على التقية لما توافق فتوى أبي حنيفة.

و ذكروا في تقريبه وجوها.
الروايات الدالة على تعلق الضمان بالعين حتى بعد التلف

1) و هو مقتضى التتبع التامّ في الروايات الواردة في أبواب الضمانات، من البيع و الإجارة، و الوصية، و الغصب، و الرهن، و اللقطة، و الوصية، لدلالتها بتعلق الضمان بعين التالف و لو بعد التلف، و أنّ متعلق الضمان بعد التلف هو عين التالف، دون المثل و القيمة. «فمنها» ما رواه عبد اللّه بن جعفر في قرب الاسناد عن عبد اللّه بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر «ع» قال: سألته عن رجل أصاب شاة في الصحراء هل تحلّ له؟ قال: قال رسول اللّه «ص»: هي لك أو لأخيك أو للذئب، فخذها و عرّفها حيث أصبتها فإن عرفت فردها الى صاحبها، و ان لم تعرف فكلها و أنت ضامن لها، ان جاء صاحبها يطلب ثمنها ان تردها «انتهى» و رواه علي بن جعفر في كتابه (الوسائل، ج 17 ص 365) و فيه دلالة على انّ متعلق الضمان بعد التلف هو التالف و ان كان قيميا. و يكون المضمون حينئذ هو التالف، و المطالب للمضمون له هو القيمة. «و فيه» دلالة أيضا على تنزيل القيمة منزلة التالف في الردّ و الأداء، حيث جعل مفعول الرد ضمير الشاة الفائتة.

التقريب الأول تفكيك جهات العين المضمونة

ذكره صاحب الكفاية «ره» بيانه: أنّ العين المضمونة تشتمل على جهات ثلاث «إحداها» الخصوصيات الشخصية المفردة له «ثانيها» الجهة الصنفية اعني الحيثيات الدخيلة في صنفه الجامعة بينه و بين افراد أخر «ثالثها» الجهة الجنسية اعني ماليته الجامعة بينه و بين كل شي‌ء يساوي معه في المالية، سواء كان معه صنف واحد أم لا.

و هذه الجهات قد تتفق في الحكم، و قد تفترق، و يكون بعضها محكوما بحكم لم يتعلق بغيره، كما في الأخماس و الزكوات. فانّ متعلق الخمس و الزكاة جهة مالية الشي‌ء فقط دون سائر جهاته. فالواجب على من تعلق الخمس أو الزكاة بماله إعطاء قدر هما من مالية العين فيجوز له اعطائهما بغير ذلك العين.

و كما في إرث الزوجة، فإنّها ترث مالية ربع التركة أو ثمنها و اما سائر حيثيات التركة فهي بأجمعها لسائر الورثة، فيجوز لهم إعطاء حصتها في ضمن غير عين التركة و يعاكسها الحبوة على مذهب بعض، من انّ عينها للولد الأكبر و يشترك في ماليته هو و غيره من الورثة.

إذا عرفت ذلك فاعلم: انّ مقتضى قاعدة اليد بقاء الشي‌ء المأخوذ على ذمة الآخذ ما دام لم يؤده، و الأخذ بالعين آخذ لجميع جهاته الثلاث. و قد عرفت سابقا أنّ كون قاعدة اليد مغياة بالأداء، يقتضي كونها متخصصة و متضيقة بما أمكن أدائه.

فكلما خرجت احدى الجهات الثلاث عن إمكان الأداء تسقط عن الذمة و تبقى غيرها من الجهات في الذمة، فلو تلفت العين المأخوذة و خرجت عن إمكان

الأداء، تسقط العين بعينيّتها عن الذمة. و اما جهتا المالية و الصنفية فلا تسقطان عن الذمة بسقوطها، لإمكان أدائها في ضمن فرد آخر. و قد عرفت جواز التفريق و التفكيك بين الجهات الثلاث فيجب أداء المثل المشتمل على جهتي الصنفية و المالية من التالف. و إذا لم يوجد له مثل، تسقط جهة الصنفية أيضا عن الذمة و تبقى في الذمة جهة المالية وحدها. فيجب حينئذ أداء القيمة، و هو الموجب لفراغ الذمة.

و قد علم ممّا ذكرنا انّه لا يتجدد الضمان بتلف العين، و لا ينتقل عن العين الى المثل و القيمة، بل الضمان يتعلق من الأول لجميع الجهات الثلاث. و تعلقه بالمثل أو القيمة، لأجل سقوط بعض الجهات عن الذمة، و تحقق الباقي في ضمنها. و يلزمه وجوب رعاية قيمة حال الأداء، بخلاف ما لو انتقل الضمان بالتلف من العين إلى القيمة فيكون الاعتبار حينئذ بقيمة يوم التلف.

التقريب الثاني بقاء العين في الذمة و كون أداء المثل و القيمة من آثارها

و قد ذكره بعض بما محصّله: انّك قد عرفت سابقا انّ شغل الذمة بالمال المأخوذ اعتباري، فلا يقدح تلفه في بقاء شغل الذمّة، بل يستمرّ بمقتضى قاعدة اليد حتى يتحقق الأداء. فوجوب أداء المثل و القيمة بعد التلف ليس لأجل انتقال الضمان إليهما و صيرورة الذمة مشغولة بهما، بل يكون من آثار بقاء العين التالفة في الذمة و اشتغالها بها. كما ربّما يتفرع عليهما ذلك عند تعذر أدائها من دون تحقق التلف، كما لو سقطت في البحر، فيجب أداء بدل الحيلولة، و هو المثل أو القيمة. فإنّ من المعلوم بقاء تعلق الضمان بالعين معه، بحيث لو تمكن من

أدائها ثانيا بعد أداء المثل وجب أدائها. فيعلم من ذلك انّ وجوب أداء المثل و القيمة من آثار بقاء ثبوت الضمان بالعين، و اشتغال الذمة بها.

«و بالجملة» انّ الضمان لا ينتقل بالتلف الى المثل و القيمة، بل و في القيمة أيضا يطالب بنفس العين، و في بعض الروايات الواردة في الأرض المغصوبة «جعلها اللّه طوقا في عنقه من تخوم الأرض السابعة» (1).

ثم انّ مقتضى كون الضمان امرا اعتباريا، كونه متقوما بالفرض و التنزيل.

لما عرفت فيما مرّ انّ حقيقة الاعتبار هو الفرض و التشبيه، و تنزيل شي‌ء بمنزلة شي‌ء آخر (2)و هي تكون لا محالة بلحاظ الأثر، و الّا يكون لغوا لا يليق بحال العقلاء. و من المعلوم انّ التشبيه يحتاج الى وجه شبه بين المشبه و المشبه به، فاعتبار الضمان بعد تلف العين لا يكون إلّا لأجل ترتيب الأثر عليه و ليس هو الّا وجوب أداء المثل أو القيمة. فإذا تحقق أداء المثل أو القيمة يسقط اعتبار تعلق الضمان بها رأسا، لما عرفت من انّ بقائه يستدعي كونه لغوا.

فتحصل ممّا ذكرنا انّ ضمان العين كما يكون ساقطا بأداء نفسها بل يختتم وجوده بنفسه، لكون الضمان مغيى من أوّل ثبوته بتحقق أدائها، كذلك يسقط بأداء المثل أو القيمة، لكن لا لأجل حصول غايته، بل لأجل انّ بقائه لغو غير مقرون بأثر يترتب عليه.

و ممّا ذكرنا يعلم: انّ الاعتبار عند أداء القيمة، بقيمة يوم الأداء دون


1) لا اشعار فيها ببقاء تعلق الضمان بالعين بعد التلف، لعدم كون الأرض ممّا تقبل التلف.

2) قد تعرضنا في التعليقة الاولى من الكتاب على التفصيل انّ حقيقة الاعتبار هو التخيل فهو أمر ذهني، و التشبيه تفعيل من الشبه كالتفسيق و التكفير، فحقيقته نسبة الشباهة بشي‌ء إلى شي‌ء آخر، و هو غير تخيل ثبوت صورة شي‌ء لشي‌ء.و اما التنزيل فإنّما يصحّ تفسير الاعتبار به، ان أريد منه التنزيل بتخيل ثبوت صورة شي‌ء لشي‌ء، دون تنزيله بالعمل في ترتب الآثار، و الّا يكون التنزيل أثرا للاعتبار مرتبا عليه، لا عينه.

قيمة يوم التلف، لكون الاعتبار بها فرع انتقال الضمان بالتلف إلى القيمة كما عليه المشهور، و قد عرفت انّ التحقيق خلافه.

التقريب الثالث بقاء العين في الذمة، و أداء المثل و القيمة بالتنزيل
اشارة

و هو الّذي ذكره السيد «ره» في الحاشية و بيانه: انّ مقتضى قاعدة اليد، بقاء ضمان العين في العهدة الى انّ يتحقق أدائها. فإذا لم يتحقق الأداء، لا يسقط الضمان عن العهدة، حتى بعد تلف العين الّا انّ أدائها قد يتحقق بأداء غيرها، بتراض من الطرفين، أو بحكم العرف، أو الشرع بذلك. (1)

و اما لو تراضيا بشي‌ء بدلها و تحقق أدائها بأدائه، فلا إشكال في سقوطها عن الذمة، سواء تراضيا بالمثل، أو القيمة، مع بقاء العين، أو تلفها، و يكون المتبع في تعيينه خصوص نظرهما.

اما لو حكم العرف أو الشرع بحصول أدائها بشي‌ء يكون المدار، في تحقق أدائها به، في صورة من الصور أو جميعها، على سعة حكمها أو ضيقه. فلو حكم العرف أو الشرع بتحقق أدائها بالمثل أو القيمة، تسقط العين التالفة عن الذمة بأدائه.

ثمّ انّ الاعتبار يكون حينئذ بقيمة يوم الأداء قهرا. لما عرفت من ابتناء كون الاعتبار بقيمة يوم التلف، على انتقال الضمان بتلف العين الى المثل و القيمة. و اما بناء على بقاء ضمان العين، كما هو المتعين بمقتضى هذه الوجوه، فلا وجه للالتزام به.


1) قد تقدم منّا بيان دلالة رواية علي بن جعفر عن أخيه «ع» على تنزيل أداء القيمة منزلة أداء العين التالفة و إطلاق أدائها على أداء القيمة فراجع.

اشكال و دفعه

و قد اندفع بالوجوه المذكورة، الإشكال المتوهم، في حصول البراءة بأداء المثل أو القيمة، مع الالتزام ببقاء العين بعد التلف في الذمة.

توضيح الاشكال: أن قوله صلّى اللّٰه عليه و آله «على اليد ما أخذت حتى تود» يدل على توقف فراغ الذمة على أداء ما هو المأخوذ بالحمل الأولى أو بالحمل الشائع الصناعي، و بعبارة أخرى، أداء نفس المأخوذ أو ما هو من افراده، و حيث انّ المأخوذ ليس إلّا جزئيا خارجيا لا يكون له افراد ينحصر أدائه في تأدية نفسه. فسقوط العين عن الذمة بأداء المثل أو القيمة ينافي مدلول الرواية، فلولا رفع المنافاة بينهما بالتقريبات المذكورة، لم يبق مجال غير الالتزام بانتقال الضمان بالتلف الى المثل و القيمة. و الوجه في قيامها على رفع المنافاة المذكورة يختلف بحسب كلّ واحد منها.

امّا التقريب الأول فقد تقرر فيه أنّ أداء المثل و القيمة أداء لنفس المأخوذ حقيقة، لانحلال العين الى جهات يكون أخذها أخذا لكل واحد منها، و أنّ أداء القيمة أداء لجهة ماليتها، و أداء المثل أداء لها و لجهة صنفيتها.

و اما التقريب الثاني، فلما ثبت فيه: أنّ ضمان العين يسقط بأداء المثل و القيمة لكون اعتباره بعد فاقدا للأثر و هو يستلزم كونها لغوا.

و اما التقريب الثالث، فلمّا عرفت فيه: أنّ سقوط ضمان العين بأداء المثل أو القيمة، من باب الوفاء بالدين بغير الجنس، و انّ أدائهما نزل بمنزلة أداء نفس العين عرفا أو شرعا، فيكون أدائهما أداء لها.

تزييف التقريبات الثلاث
«اما التقريب الأول»

ففيه أولا: أنّ من المعلوم أنّ الشي‌ء ما لم يتشخص لم يوجد، سواء اخترنا أنّ التشخص بنفس الوجود، أو بأمر آخر. و بالجملة لا

ريب في أنّ الموجود في الخارج لا بدّ و أن يكون متعينا، و الكلى بوصف كونه كليّا لا يمكن انّ يوجد في الخارج، و الكلي الطبيعي إنّما قبل بوجوده في الخارج في ضمن افراده لا بكليته، و اتصافه بالكليّة انّما هو في ظرف الذهن. فيوصف فيه بالكلية و يسمى هو مع الوصف كليّا عقليا، و هو وحده كليا طبيعيا، و نفس الوصف كليا منطقيا.

و الحاصل انّ الإنسانية الموجودة في ضمن فرد من الإنسان ليست هي الإنسانيّة الكلية الصادقة على الكثيرين، بل هي حصة من كلي الإنسان، متغايرة مع الحصة الموجودة منها في ضمن فرد آخر. نعم إذا لاحظنا الإنسانية الموجودة في ضمن ذلك الفرد منها و تحققت طبيعة الإنسان في ظرف الذهن، لم يمتنع حينئذ صدقه على كثيرين، فلو صدق على متفقة الحقائق سمى بالنوع، و لو صدق على مختلفها سمى بالجنس. و بالجملة انّ المشترك فيه الكثيرون هو الإنسانيّة الموجودة في الذهن. و امّا الإنسانية الموجودة في الخارج في ضمن زيد فهي متشخصة لا محالة، و غير مشتركة بين الكثيرين، بداهة أنّ إنسانية زيد في الخارج غير إنسانيّة عمرو في الخارج، و إنسانية عمرو في الخارج غير إنسانية بكر فيه. و بهذا الاعتبار تصير الإنسانيّة نوعا يشترك فيها زيد و عمرو و بكر هذا.

و من الواضح عندك، أنّ المراد من كلمة «ما» في رواية اليد هو العين الخارجية، فيكون الضمان متعلقا بها، فلا يتعلق الضمان بالكلي المشترك بينه و بين أمور أخر- لما عرفت من استحالة تضمن الفرد الخارجي للكلي المشترك بين الافراد- حتى يقال: إن شطرا من متعلق الضمان أعني الكلى المشترك بينه و بين افراد أخر يبقى بعد تلف العين في ضمن فرد آخر. بلى يفنى بفناء العين جميع الجهات الموجودة فيها، و الباقي في ضمن فرد آخر هو أمر آخر غير الموجود في ضمنه.

و بالجملة تفكيك العين المأخوذة إلى جهات عديدة، و الحكم ببقاء بعضها بعد فناء العين في ضمن المثل أو القيمة، و ان كان مستحسنا بحسب بادي النظر، و قد تبع صاحب الكفاية ره في ذلك جمع من تلامذته و غيرهم، إلّا أنّه واضح البطلان، بعد ملاحظة قواعد الفن.

«و ثانيا»: إنّه لا وجه لحصر التفكيك في الجهات الثلاث المذكورة و التنزل بعد انعدام واحدة منها إلى الأخرى بالمرة. بل لو التزمنا بالتفكيك، وجب تفكيكها لا محالة إلى الجهة النوعية، و الجهة الجنسية، على مراتبها من الجنسية القريبة، و الجنسية البعيدة، الى ان ينتهي إلى جنس الأجناس.

و الالتزام بعد تعذر الجهة الصنفية، بضمان الجهة النوعية، و بعد تعذرها بضمان الجهة الجنسية القريبة، و بعد تعذرها بضمان الجهة الجنسية البعيدة، و هكذا، لا التنزل بعد تعذر مجرد الجهة الصنفية، إلى القيمة، و الالتزام بضمانها دون الجهة الصنفية و الجنسية.

«و ثالثا»: انّ بقاء تعلق الضمان بكلي المالية، بعد تعذر الجهة الفردية و الجهة الصنفية، يقتضي وجوب ردها في ضمن فرد من افرادها. فلا موجب لتعيّن رد القيمة أعني المالية المحضة بل جاز ردها في ضمن أي شي‌ء يساويها في المالية. كما في سائر الموارد التي تعلق الحكم فيها بحيثية المالية. فيجوز رد الزكاة من مال آخر غير القيمة، كما يجوز ردّها من عين المال المتعلق بها أو من القيمة. و منشأ الالتزام بهذا المعني، خلط مطلق المالية بالمالية المطلقة و الممحضة. و الفرق بينهما بين، كما عرفت.

و رابعا: إنّه لا دليل على جواز التفكيك بين الجهات ههنا، و انّما وقع التفكيك في باب الزكاة و إرث الزوجة لقيام الدليل عليه.

«و اما التقريب الثاني»

فيرد عليه أنّ الغاية كما أشرنا إليه سابقا توجب تضييقا و تقييدا في المعنى، فكون ضمان العين المأخوذة مغيى بالأداء يقتضي

تقيّدها بما أمكن أدائه. فالضمان قد تعلق من بادى الأمر بالعين الممكن أدائها، فإذا تلفت العين و لم تكن بحيث أمكن أدائها، تخرج عن موضوع دليل الضمان رأسا.

«و اما التقريب الثالث»

و ان كان مفاده بمكان من الإمكان، لجواز تنزيل الشارع أداء المثل أو القيمة منزلة أداء نفس العين، و جعل التخيير بينهما. فانّ التخيير بين الشيئين كما يجوز عرضا كذلك يجوز طولا، بان يكون أحدهما منزّلا بمنزلة الأخر عند تعذره. كالتيمم بالنسبة إلى الوضوء، فانّ التيمم نزل منزلة الوضوء عند تعذره. و التخيير بينهما طولى فتحصل الطهارة بالتيمم عند عدم وجدان الماء، كما كانت تحصل بالوضوء عند وجدانه. فيجوز ان يكون ردّ المثل منزلا بمنزلة ردّ نفس العين المأخوذة عند تعذر أدائها فيترتب عليه آثار ردّ العين، و منها سقوط ضمانها.

إلّا أنّك خبير بانّ الاكتفاء بالتيمم مكان الوضوء عند تعذر الماء، و ترتيب آثاره عليه، كان لأجل قيام دليل شرعي على التنزيل، و أي دليل له أصرح و أبين من قوله عليه السلام «التراب احد الطهورين و يكفيك عشر سنين» (1).

و امّا فيما نحن فيه فلا دليل يدلّ على تنزيل أداء القيمة و المثل منزلة أداء العين التالفة و ترتيب آثاره عليه، (2)إلّا قيام الإجماع على براءة الذمة عند تلف العين بأداء المثل أو القيمة. و هو لا يقتضي قيامه على تنزيله منزلة أداء العين، فيكون مخصصا لعموم الغاية لا حاكما عليها كما توهم.

فإذا ثبت عدم كون دليل حصول البراءة بأداء المثل أو القيمة حاكما على


1) في حديث زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: انّ التيمم احد الطهورين و في حديث السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السلام انّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله قال يا أبا ذر تكفيك الصعيد عشر سنين، الوسائل، أبواب التيمم الباب 23 الحديث 4 و 5».

2) قد تقدم دلالة رواية علي بن جعفر عليه.

غاية رواية اليد، و أنّ مع تقديمه على مدلول الغاية، لا بدّ من التصرّف في ظاهرها بالتخصيص. فما المرجح لارتكاب التخصيص في الغاية على ارتكابه في أصل المغيى؟ إذا دار الأمر، بين توجه التخصيص إلى الغاية، حتى يكون المعنى أنّ ضمان العين الغير التالف يبقى إلى حين أداء العين أو المثل و القيمة عند تلفها، و بين توجهه الى المغيى، حتى يكون المعنى أنّ ضمان العين الغير التالفة يبقى الى ان يتحقق أدائها بعينها هذا.

هذه جملة الإشكالات الواردة على كلّ واحد من التقريبات الثلاث بخصوصها. و يزيد عليها ما يعمّ على جميعها و يتوجه البطلان منه الى عمومها.

و هو: انّ لسان أدلة الضمان في جميع موارد الضمانات واحد (1)فلا يجوز ان يكون الضمان فيما نحن فيه ببقاء العين في العهدة، لعدم استقامته في بقية موارد الضمانات منها ضمان إتلاف مال الغير من دون تسليط اليد عليه، فإنّه يتعلق بالمثل أو القيمة لا محالة لعدم تحقق الضمان ما دامت العين باقية، بل حدث بنفس إتلاف العين. فلو فرض انّ وجوب ردّ المثل أو القيمة كان لأجل تعلق الضمان بالعين، و صيرورتها مضمونة على ذمة المتلف بنفس تحقق الإتلاف، يلزمه فرض الوجود للعين التالفة ثمّ تعليق الضمان به، و هو كالأكل من القفا. و أمّا في مورد تحقق اليد العدوانية، فإنّما قيل بكون متعلق الضمان بعد التلف هو نفس العين التالفة، إبقاء للضمان المتعلق بها قبل التلف. و امّا عند كون حدوث الضمان بنفس التلف و تجدده من حينه، فلا ملزم لتعليق الضمان حينئذ على العين (2)، ثم إيجاب ردّ المثل أو القيمة لأجل


1) قد عرفت في بعض التعاليق السابقة دلالة صريح الاخبار على كون متعلق الضمان هو العين التالفة و بقاء تعلق الضمان بها بعد التلف، ما دام لم يتحقق أداء المثل أو القيمة. فإذا تحقق أدائهما، يعد أدائهما أداء لها، فتسقط عن الذمة لتحقق أدائها.

2) قد عرفت انّه مقتضى صريح عدة من الروايات.

اشتغال الذمّة بها. و منها ما لو أخذ العين أمانة ثمّ أفرط عليها و أتلفه، يثبت الضمان حينئذ بنفس الإتلاف. فلو فرض تعلق الضمان بالعين كان كالفرض السابق نظير الأكل من القفا.

و بالجملة تقديم رواية اليد، على فرض تسليم دلالتها على بقاء تعلق الضمان بالعين بعد التلف، و غمض النظر عن الاشكال المتقدم في دلالتها عليه، على جميع أدلة الضمانات ضعيف جدا (1).

و الضمان يطلق في أبواب القصاص و الحدود، على أعضاء البدن عند وقوع جناية عليها من الغير. بل ورد في الحديث «انّ من اخرج الغير من بيته فهو له ضامن حتى يدخله في بيته» فلو بنى على كون متعلق الضمان هو نفس التالف يلزمه دخول ما وقع عليه الجناية من الأعضاء في العهدة، و هو تكلف.

بل الضمان في جميع موارد استعماله بمعنى عدم هدر دم المؤمن أو ماله، بحيث لو أهرق دمه أحدا و أتلف ماله كان عليه بدلهما، و نعم ما فسّره الشيخ «ره» به، من انّ الضمان كون خسارة المضمون عليه (2).


1) قد بيّنا فيما مرّ: انّه لم يوجد في أدلة الضمانات ما يدلّ على انتقال الضمان بالتلف الى المثل أو القيمة، إلّا رواية محمولة على التقية. و أوردنا ثماني روايات تدلّ على بقاء تعلق الضمان بعين لتالف.

2) الضمان فعل للشخص، يتعدّى بنفسه، و يتعلق بالمضمون، سواء كان فعلا حقيقيا يحاذيه في الخارج حدث يصدر من الضامن و يقع عليه، أو فعلا اعتباريا اعتبر صدوره من الضامن و وقوعه على المضمون.و بالجملة انّ للفظ الضمان معنى يصدر من الضامن و يقع على المال، فلا يمكن تفسيره بالتلف المال و خسارته عليه لانّه يسند فعلهما الى المضمون و يتعدى الى الضامن بتوسيط حرف (على) بعكس فعل الضمان في استناده الى الضامن و تعلقه بالمضمون و تعديه اليه بنفسه.و التحقيق: انّ حقيقة الضمان في جميع موارد استعمالاته من ضمان الأموال و الأنفس، تضمن الضامن للمضمون و حصول المضمون في ضمنه، بتضمن ذمته له و حصوله في ضمنها، باعتبار كون الذمة جزء منه، و ان تضمن الذمة هو تضمنه بنفسه. و يترتب عليه كونه ملزما بدفعه عند تلفه بدفع ما نزل بمنزلته، و هو الدية في النفوس و أعضاء البدن، و المثل أو القيمة في الأموال، فيكون تلفه و خسارته واقعة في ماله. و الوجه في ترتبه عليه أنّ الذمة بمعنى العهدة و الالتزام، فمعنى كون الشخص ضامنا بشي‌ء وقوعه في التزامه، و صيرورته ملتزما برده، إما بسبب التزام نفسه أو بإلزام العرف و الشرع له.

هذا كله تحقيق المسألة بحسب الأدلّة العامّة و يؤيّده بعض ما ورد في موارد خاصة، كرواية أبي ولاد حيث قال عليه السلام «قيمة بغل يوم خالفته» بعد قول الراوي «أ ليس كان يلزمني» (1)و في رواية اخرى «كان عليه تبعته» (2)و معنى «عليه»، كونه على عهدته كما ذكرناه في بيان معنى رواية اليد، فهو بعينه نظير على اليد في الدلالة على ثبوت الضمان (3)فالقول ببقاء تعلق الضمان بالعين في غاية السقوط، فثبت انّ الحق مع المشهور (4)حيث حكموا بتبدل متعلق الضمان بتلف العين، و ان كان الالتزام منهم بتبدله بالمثل و القيمة لا يخلو عن نظر.

و الذي يحتمل بحسب مقام الثبوت أمران «أحدهما» انتقال الضمان في المثليات الى المثل، و في القيميات إلى القيمة، ثمّ انتقاله ثانيا إلى القيمة


1) ليس فيها تصريح بالضمان، حتى يدلّ على تعلّقه بالقيمة.

2) التبعة، مصدر تبع يتبع، و كثيرا ما يستعمل بمعنى التابع. و يطلق تبعة العصيان على كون العاصي معاقبا و مؤاخذا، لما يتبع ارتكابه به. و معنى الرواية كان عليه تبعة التلف اي يجب عليه أداء المثل أو القيمة، فليس فيها دلالة الأعلى مجرد وجوب أداء المثل أو القيمة و هو لا يدلّ على تعيين متعلّق الضمان.

3) قد تقدم من الأستاذ «قده» انّ المدخول لكلمة «على» في قولنا عليه كذا لو كان فعلا من الافعال كان معناه وجوب الاقدام به تكليفا و قد بيّنا في التعليقة السابقة انّ المراد من التبعة أداء المثل أو القيمة و هو فعل، فليس معنى عليه تبعته، إلا إيجاب أدائهما تكليفا.

4) بل كان مقتضى ما قدمناه من الاخبار، عدم تبدل الضمان و بقاء تعلقه بالعين التالفة بعد تلفها، و سيجي‌ء منع قيام الشهرة على ما ذكره «قده».

في المثليات بتعذر المثل، و انتقاله ثالثا الى المثل إذا لم يؤد القيمة حتى تمكن من المثل، و انتقاله رابعا إلى القيمة أيضا إذا تعذر المثل بعده، و هكذا.

و ثانيهما انتقال الضمان بتلف العين، الى عنوان كلى يكون تعلق الضمان بالمثل و القيمة لأجل كونهما مصداقا له، و هو عنوان البدل. فوجوب رد القيمة في القيميات لأجل كونها هي المصداق المحقق لعنوان البدل، و وجوب رد المثل في المثليات لأجل كونه هو المصداق المحقق لعنوانه. و كذا وجوب رد القيمة عند تعذر المثل في المثليات، لأجل كون القيمة محققة لعنوان البدل، و مصداقا له عنده.

و امّا في مقام الإثبات: فلسان أدلّة الضمان مختلف في ذلك، فالمذكور في بعضها تعلق الضمان بالمثل و القيمة. و في بعضها كالرواية المذكورة في المستدرك، «إذا تلف كان عليه بدله» بل ربّما ذكر تعلق الضمان بالقيمة في مورد تعلقها بالمثل و بالعكس. فيمكن حمل ما ذكر فيها تعلق الضمان بالبدل على ما دلّ منها على ضمان المثل و القيمة و أخذ البدل عنوانا مشيرا إليها، فيكون موضوع الضمان في الحقيقة هو المثل و القيمة، و تعلقه في ظاهرها بعنوان البدل بما هو مرآة لهما بما هو هو. و يمكن حمل ما ذكر فيها تعلق الضمان بالمثل أو القيمة، على ما ذكر فيها تعلق الضمان بالبدل، و كون وقوعهما متعلقا للضمان لأجل كونهما مصداقا له. و كلاهما يوافق لنظر العرف. و نظائرهما كثيرة في العرف.

و الذي يقرب الى النظر، كون متعلق الضمان هو عنوان البدل (1)لو لا


1) ثبوت عنوان البدلية لشي‌ء ينتزع من جعله قائما مقام شي‌ء آخر، و هو يكون فيما نحن فيه بجعله قائما مقام التالف في تعلق الضمان به. فثبوت عنوان البدل له متفرع على تعلق الضمان، فهو في رتبة متأخرة عن تعلق الضمان، فكيف يكون عنوانه متعلقا للضمان حاصلا في رتبة متقدمة على تعلقه.

المانع عنه عقلا. بيانه: انّ المفاهيم الاعتباريّة لا تقوم بها الاحكام بل يسرى منها الى مصاديقها، فتكون هي المقوم لها دون المفاهيم الاعتبارية، بداهة عدم كونها واجدة لما يحاذيها في الخارج. فليست هي متعلقة للأمر و النهي في الحقيقة، بل الأمر بالصلاة مثلا يتعلّق في الحقيقة بالركوع و السجود و القراءة و غيرها من اجزائها. و لذا بنينا في محلّه على انّ الشك في الركوع و السجود و غيرهما من اجزاء الصلاة شك في نفس المأمور به فيكون موردا لجريان البراءة و ليس شكا في المحصل له (1)حتى يكون موردا لجريان الاشتغال.

فعلم مما ذكرنا انّ عنوان البدل و ما ضاهاه من العناوين الاعتبارية ليست متعلّقة للضمان، و المتعلق للضمان في الحقيقة عند تعلقه في لسان الدليل بعنوان البدل هو المثل و القيمة، بل ليس المتعلق له، هو عنوانهما. لكونهما أيضا من العناوين الاعتبارية، تكون تعلق الضمان بها تعلقا لمعنونها في الحقيقة.

فالمتعلق له الضمان هو مصداق المثل و القيمة، أعني ذات الدرهم و الدينار أو الحنطة و الشعير و غيرهما من الأجناس المثلية.

إذا عرفت ما ذكرنا كله فلنتعرض لتعيين الأصل الذي يرجع اليه عند الشك في تعلق الضمان بالمثل أو القيمة، فنقول: يمكن القول بأنّ الأصل ضمان المثل، لكونه أقرب الى التالف، أو ضمان القيمة، لأصالة براءة الذمة عن ضمان المثل، أو تخيير الضامن، لأصالة براءة ذمته عمّا زاد على ما يختاره، أو تخيير المالك، لأصالة عدم سقوط الضمان عن ذمته الّا بدفع ما يرضى


1) و الوجه فيه انّ التكبير و القراءة و الركوع و السجود و غيرها مع كيفيّة خاصة، اعتبر بمجموعها مصداقا للصلاة، و هو التخضع عند اللّه و القيام بوظيفة العبد في حال حضوره عند مولاه، لا ان تكون هي ذواتها، و يكون صدق مفهوم الصلاة عليها بالعرض محاذيا في الخارج لحيثية منضمة إليها، بل كانت ذواتها مستحقة لحمل عنوان الصلاة عليها اعتبارا بحسب اعتبار الشرع فيكون الشك في كل واحد منها شكا في أجزاء الصلاة، لا في أجزاء أمر آخر يكون محصلا للصلاة.

به المالك، أو تخيير المجتهد و كون الضامن و المضمون له ملزما على ما يختاره لدوران الأمر بين المحذورين (1).

و لا يخفى عليك أنّ صورة حصول التراضي بين المالك و الضامن خارجة عن محلّ البحث، لكون محل البحث تعيين ما ثبت للمضمون له في ذمة المضمون عليه، و هو غير البحث فيما يسقط به المضمون عن ذمة المضمون عليه، فليس سقوط بما تراضى عليه، هو و المضمون له، امرا أمكن جعله دخيلا في تحقيق ما نحن فيه. و الّا فلا إشكال في حصول البراءة عند تراضيهما بشي‌ء و لو بغير المثل و القيمة، فليس إجراء أصالة عدم سقوط الضمان بما لا يرضى به المضمون له من وجوه المسألة. ثم انّ اجراء أصل البراءة في ضمان المثل و تعيين القيمة لتعلق الضمان ممّا لا وجه له، لعدم كون النسبة بينهما نسبة الأقل و الأكثر، يكون ما زاد في واحد منهما على الأخر مجرى للبراءة بل نسبة المتبائنين، بداهة أنّ المالية الموجودة في ضمن المثل هو مطلق المالية السارية فيه و في القيمة و غيرها من الأموال المتساوية له في المالية، فلا يمكن تعيين القيمة لتعلق الضمان، لأجل مجرد نفي تعلق الضمان بخصوصية المثل. و من المبين في محلّه انّ مورد جريان البراءة لا يكون الّا الشك في أصل وجود التكليف، نعم يتحقق ذلك عند الشك في جزئية شي‌ء للمكلّف به، لكون مرجعه الى الشك في إحاطة جناح التكليف، و انبساط ذيله عليه، و عدمه. بخلاف ما نحن فيه، لعدم كون القيمة من اجزاء المثل حتى ينحل التكليف بالضمان، الى تكليف معلوم تعلق


1) مورد تخيير المجتهد هو ما إذا دار الأمر له بين المحذورين في مقام الاستنباط، و هو يكون بورود دليلين متنافيين، سواء كان الدليلان اجتهاديين تنافيا في الدلالة على حكم واقعي أو فقاهيين تنافيا في الدلالة على حكم ظاهري.و الوجه في كون المقام من موارد تخيير المجتهد جريان أصلين متنافيين فيه، و هو أصالة التخيير للمالك و للضامن، أو أصالة الاشتغال لكل منهما كما سيأتي.

بالقيمة، و الى تكليف مجهول تعلق بخصوصية المثل. بل هو من موارد جريان قاعدة الاشتغال، لكون الشك في تعيين أحدهما شكا في متعلق التكليف، و انّه خصوص المثل أو خصوص القيمة. و بعبارة أخرى الشك فيما نحن فيه في تعلق الضمان بخصوص الحنطة، أو خصوص الدرهم و الدينار. و هو يقتضي وجوب الاحتياط بأداء كليهما.

هذا إذا لو حظ جريان الأصل في ما توجّه من التكليف الى المضمون عليه، و امّا إذا لوحظ جريانه فيما توجه منه الى المضمون له أعني حرمة أخذه بغير ما يملكه في ذمة المضمون عليه، فالمتعين فيه أيضا كونه من موارد جريان أصالة الاشتغال، لكون الشك في انّ متعلق الحرمة هو أخذ القيمة أو أخذ المثل (1).

و مقتضى الاشتغال في الموردين، إلزام الاحتياط للمضمون عليه بأداء المثل و القيمة كليهما، و إلزام المضمون له بالامتناع عن أخذ واحد منهما، فيتحقق التنافي بما لا يمكن رفعه إلّا بإرادة الدافع لكلّ من المثل و القيمة هبة مالا يضمنه منهما للمضمون له، و يمكن إيجابها له لأجل توقف إبراء ذمته عليه. و يمكن أيضا إرجاع الأمر إلى المجتهد و إلزام كل منهما لخصوص ما اختاره المجتهد من المثل أو القيمة (2).


1) لا يحرم عليه أخذ كليهما إذا دفعهما الضامن اليه باختياره فانّ دفعه لهما لا يكون إلّا بإرادة دفع واحد لا بعينه منهما بعنوان كونه دفعا لما يملكه المدفوع اليه و دفع الأخر كذلك بعنوان كونه دفعا لما لا يملكه، فلا يحرم له الأخذ، و انّما يحرم إذا دفعهما بنية كون كليهما ملكا للمدفوع اليه، و لا يمكن ذلك بعد علم الدافع بكون واحد منهما ملكا لنفسه و عدم كون كليهما ملكا للمدفوع اليه.

2) التحقيق انّ الأمر يدور بين أمور أربعة «الأول» إلزام الضامن بدفع كل من المثل و القيمة «و الثاني» إلزامه بدفع ما يختاره المضمون له «و الثالث» إلزام المضمون له بأخذ ما يختاره المضمون عليه «و الرابع» إلزامهما بما يختاره المجتهد.اما الأول ففيه مضرة بينة، فتنتفي بمقتضى القاعدة، و الثاني و الثالث متكافئان، و يقبح ترجيح أحدهما على الأخر مضافا الى أنّ في إلزام أحدهما لما يختاره الأخر ظلما عليه فيتعين الأخير، و هو إلزام كل منهما لما يختاره المجتهد، و لعلّ الأقوى العمل بالقرعة و عدم اختيار احد الطرفين إلّا بها.

المبحث التاسع في زيادة القيمة بعد يوم التلف

اعلم انّ زيادة قيمة المثل عن قيمة العين التالفة يوم التلف على وجوه.

«الأول» ان يزيد في القيمة السوقية فالأقوى فيه وجوب تحصيله و دفعه الى المالك و جواز مطالبة المالك له منه لعموم «الناس مسلطون على أموالهم» و عموم «كل مغصوب مردود» و لا وجه لنفي وجوب تحصيل المثل بقاعدة نفى الضرر، فإنّه لا يمكن إجرائها فيه لكونه وجوبا مقدميا ترشح من قبل وجوب الدفع لا يمكن نفيه إلّا بنفي وجوبه. و اما إجرائها في نفس وجوب الدفع فهو و ان كان بمكان من الإمكان، الّا أنّه مقرون بالمانع فقيل: أنّها فيما نحن فيه مثبتة و لا حجية لمثبتتها. «و فيه» انّ إثبات كون وجوب القيمة بعد نفي وجوب رد المثل، انّما يكون بعمومات الضمان. بل المنع عن جريانها انّما هو لأجل أن صدورها من الشارع كان للامتنان على الأمة، و جريانها فيما نحن فيه و ان كان فيه امتنان للضامن، الّا انّه خلاف الامتنان في حق المالك. و المعتبر في جريانها كونها امتنانا على الأمة لا على شخص في قبال شخص. و لا عبرة بما ذكره السيد «قده» في وجه عدم جريانها من انّه بنفسه أقدم على الضرر فليس طرو الضرر عليه من قبل الشرع بل من قبل نفسه، فانّ هذا خلط منه «ره» بين الاقدام الشرعي و الاقدام العرفي كما ارتكبه من أوّل أبواب الضمانات الى هنا.

و قد بيّنا انّه ليس المعتبر في تحقق الضمان، الّا عدم اقدام المالك على المجان و الضرر. بحيث لو لم يقدم على الضرر و لم يعط ماله على المجان بل أعطاه بعوض لم يكن هاتكا لاحترام ماله و ان كان لأعلى الوجه الشرعي فلو لم يكن مضمونا كان ذلك هتكا لحرمة ماله من ناحية الشرع لا من ناحية نفسه فينا في عموم

قاعدة الاحترام كما تقدم (1).

«الثاني» ان لا تكون الزيادة في القيمة السوقية، بل صار المثل بحيث لا يوجد الّا عند من لا يبيعه إلّا بأزيد من القيمة السوقية. و الأقوى فيه عدم وجوب التحصيل، لعدم وجود المانع المذكور عن جريان قاعدة لا ضرر في الوجه المتقدم ههنا، فإنّه لا يلزم من جريانها خلاف الامتنان لأحد. إذ الضرر لا يتوجّه حينئذ الّا الى من يبيع المثل بأزيد من القيمة العرفية (2)و ليس ذلك ضررا بل هو مجرد سلب المنفعة بل سبب منفعة تقع في غير موردها.

«و الثالث» انّ تكون قيمة المثل في محلّ الدفع أزيد منها في محل التلف و الأقوى فيه جواز المطالبة لعموم الناس مسلطون على أموالهم.

و قد استشكل فيه السيد «ره» بانصراف أدلّة الضمانات الى بلد التلف كما في مورد القرض و السلم. قلت: انّ وجه الانصراف في القرض و السلم لزوم تعيين أوصاف متعلقها في ضمن العقد رفعا للإبهام و الجهالة الموجبتين للغرر و منها محل الدفع و الأداء فلو لم يتعيّن في ضمن العقد ينطبق على محلّ وقوع العقد


1) محصل كلامه «قده» كون اقدام المالك بالضرر في ماله موجبا لهتك حرمته و مانعا عن جريان قاعدة الاحترام فيه سواء كان اقداما شرعيا أو اقداما غير سائغ في الشرع، و انّ إقدام الشرع بضرر في ماله ينافي لمقتضي قاعدة الاحترام. و هو بعينه تصديق لما ذكره السيّد «ره» فإنّه أيضا لم يذكر إلا التفصيل بين اقدامه بالضرر بنفسه و بين اقدام الشارع به باستقلاله و لم يذكر فيه التفرقة بين الاقدام الشرعي منه و الاقدام الغير السائغ في الشرع حتى يتوجه اليه ما ذكره الأستاذ «ره» من المنع.

2) ربما ينسبق الى الوهم أنّ إلزام المضمون له بأخذ القيمة مع كون المضمون هو المثل يوجب الضرر عليه. و يمنعه انّ قيمة المثل تساويه في مقدار وقوعه محل رغبة للعقلاء، فليس فيه مزية على القيمة عندهم حتى يكون دفعها مستلزما للضرر. و اما وجوب دفع المثل في غير هذه الصورة فلأجل كونه هو المضمون في ذمّة الضامن، فإذا تعذر وجوده أو وجد عند من لا يبيعه إلّا بأزيد من قيمته عند العقلاء، وجب دفع القيمة التي تساويه في المالية من دون توجه ضرر منه الى المضمون له.

و ينصرف اليه لا محالة. فيكون قياس ما نحن فيه عليهما قياسا مع الفارق، و لو سلم انصراف أدلة الضمان فيما نحن فيه يكون لا محالة إلى محل وقوع الغصب لا محل وقوع التلف.

المبحث العاشر في وجوب ردّ القيمة عند تعذّر المثل في المثليات

اشارة

فنقول: انّ بعد ما تسلم فيما مرّ من اشتغال الذمّة بالمثل بتلف العين لا ينقطع الاشتغال به و لا يسقط عن الذمة بتعذر أدائه، فإنّ الكلي لا يسقط عن الذمة بتعذر تحصيله في الخارج، كما لو كان المبيع أو الثمن كليا فتعذر تحصيله في الخارج، و التعذر إنّما يوجب سقوط الحكم التكليفي، و اما الحكم الوضعي أعني ملك المضمون له في ذمة الضامن فلا يسقط بالتعذر. و ممّا يبعد احتمال انتقال الضمان بتعذر المثل منه الى القيمة، انّ الضامن لو لم يؤدها حتى تمكن من أداء المثل ثانيا، يجب عليه أداء المثل ثانيا، و لا يكفي أداء القيمة. مع انّه لو اشتغلت ذمته بالقيمة عند تعذر المثل لم ينتقل منها الى المثل ثانيا، مع بقاء اشتغال الذمة بالقيمة، لكونهما متباينين كما تقدم آنفا، و انّما يمكن المصير الى خلافه بالتزام أحد أمور.

«الأول» منع اشتغال الذمة عند تلف العين بالمثل أو القيمة و بقاء اشتغال الذمة بالعين و لو بعد التلف، و الالتزام معه بوجوب أداء القيمة عند تعذر المثل بعين التقريبات المتقدمة في وجوب أداء القيمة في القيميات عند تلف العين.

و قد مرّ الاشكال فيها و عدم نهوض واحدة منها دليلا على الحكم المذكور (1).


1) قد تقدم منّا انّه مقتضى صريح عدة من الروايات فراجع.

«الثاني» الإجماع المدعى قيامه على وجوب رد القيمة عند تعذر المثل.

«الثالث» اسراء الحكم الوارد في باب القرض و السلم بوجوب رد القيمة عند تعذر العين و تعميمه على ما نحن فيه بتنقيح المناط فيه.

«الرابع» التمسك بعموم قاعدتي السلطنة و نفي الضرر و الضرار (و فيه منع) امّا قاعدة السلطنة ففيها انّ التمسك بها فرع إثبات اشتغال ذمة المضمون عليه بالقيمة، و إثبات ملك المضمون له للقيمة في ذمته. و امّا عموم نفى الضرر فلأنّه انّما يثبت به عدم سقوط الضمان بالمثل بتعذر تحصيله، دون وجوب رد شي‌ء آخر مباين مع المضمون رأسا.

«الخامس» التمسك بالعرف فإنّهم يحكمون بوجوب رد القيمة عند تعذر المثل «قلت» لو بنى الأمر على التمسك بالعرف، لكان التمسك بها على إثبات اشتغال الذمة بالقيمة بتعذر نفس العين و تلفه اولى.

«السادس» الأقربية المذكورة في كلام الشيخ «ره» و قد عرفت الاشكال فيها فيما مرّ (1)هذا كلّه مضافا الى انّه لو تنزلنا عن جميع ذلك فغاية ما يثبت ردّ بدل الحيلولة دون البدل الحقيقي، بحيث لو تمكن من أداء المثل كان عليه أدائه و استرداد ما دفعه من القيمة، و كان للمالك ردها و مطالبة المثل (2).

ثم اعلم انّ مقتضى ما ذكرناه من بقاء اشتغال الذمّة بالمثل بعد تعذره،


1) قد تقدم منّا دفع ما ذكره من الاشكال.

2) هذا الاشكال كسابقه مبنى على كون المضمون في الذمة في المثليات هو المثل. و امّا بناء على ما هو الحق المستفاد من الروايات، من بقاء نفس التالف في الذمة، يكون وجوب دفع القيمة في حال تعذر المثل في عرض وجوب دفع المثل في كون تعلق وجوب الدفع بكل منهما بما هو بدل عن التالف بخلاف ما لو التزمنا بانقلاب الذمة من التالف الى المثل و وجوب دفع القيمة عند تعذره بدلا عنه، فإنّه يكون وجوب دفع القيمة في طول وجوب دفع المثل، و تعلق الوجوب بها بما هي بدل عن المثل. فلا يكتفى به الّا عند تعذر تحصيل المثل، فإذا تيسر وجب دفعه و استرداد بدله.

كون الاعتبار في تعيين القيمة بيوم الدفع. فانّ وجوب الرد قد تعلق بكلي القيمة المجردة عن الألوان الحاصلة لها بحسب اختلاف الازمان، و هو حين الرد ينطبق بالحمل الشائع على قيمة يوم الرد. لعدم كون القيمة في غيره من الأيّام مصداقا لعنوان القيمة حين الرد، نظير سائر الكليات كصلاة الظهرين و العشاء فإنّها تنطبق على التمام في الحضر و على القصر في السفر، و يكون القصر هو المصداق لها في السفر. و هذا بخلاف ما لو قلنا بانتقال الضمان بتعذر المثل إلى القيمة و انقطاع المثل عن الذمة و اشتغالها بالقيمة. فإنّ فيه وجوها كثيرة لا جدوى في تفصيلها بعد بطلان أصلها، فالإعراض عنه أجدر.

بقي الكلام في تحقيق ما أشرنا إليه من جواز مطالبة المثل، بعد ارتفاع التعذر، و لو مع دفع القيمة في حال التعذر و عدم جوازها. فالتحقيق عدم جواز المطالبة، لحصول فراغ الذمّة عن المثل بدفع الفرد التنزيلي له أعني القيمة، و سقوط اضافة المثل الى المالك بذلك و هذا بخلاف بدل الحيلولة فإنّه لا يسقط بدفعه اضافة المثل الى المالك.

و ينبغي التنبيه على أمرين:

أحدهما المعيار في تعيين قيمة المثل عند تعذره

اعلم أنّ تعيين قيمة المثل عند تعذره لا يمكن إلّا بملاحظة التقدير، و أنّ المثل لو كان موجودا لكان مقوما عند العقلاء بهذه القيمة. فهل الاعتبار بقيمته في أوّل أزمنة وجوده بحسب الفرض و التقدير، أو في آخرها، أو وسطها. فانّ من المعلوم انّ القيمة تختلف بحسب تلك الأزمنة، فإنّ للشي‌ء في أوّل وجوده قيمة ليس له تلك القيمة بعده، و له في آخر وجوده قيمة ليست له قبله.

فنقول انّ القيمة المضمونة تنطبق على قيمة المثل بمجرد فرض تحققه و وجوده، فتنطبق قهرا على أوّل أزمنة تحققه و حصوله. نعم قد يكون الشي‌ء في برهة من الزمان من أوّل أزمنة وجوده بحيث لا يكون محلّ رغبة للناس بحسب المتعارف، فلا يعتد في تعلق الضمان بقيمته فيها، لكون البناء في أبواب الضمانات على المتعارف.

و ثانيهما تبدل ضمان العين بالقيمة بخروجها عن المالية

لو خرجت العين المأخوذة عن المالية و صارت بحيث لا تقابل بالقيمة، كما لو أخذ منه الثلج في الصيف و لم يدفعه حتى حضر الشتاء. فهل تبقى بعينها في ذمة الآخذ بحيث تفرغ ذمته بمجرد أدائها، أم تشتغل بالقيمة و يتبدل الضمان إليها.

فاعلم، انّه إذا فرض عنوانان كان لكل منهما أحكام و آثار تخصه، لا تجتمع تلك الاحكام و الآثار؟ إلّا في مجمع العنوانين. و اما إذا افترق أحد العنوانين عن الأخر، فلا يعقل ترتب أحكام الآخر و آثاره عليه. و من المعلوم عندك أنّ الملكية و المالية عنوانان متخالفان، بينهما عموم من وجه. فقد يجتمعان كما في أكثر الموارد، و قد تتحقق المالية وحدها، كما في الأراضي المباحة قبل حيازتها، فإنّها مال و ليست بملك لأحد، و قد تتحقق الملكية وحدها، كما في الأشياء اليسيرة، فإنّها ساقطة عن اعتبار المالية في العرف. مع انّه لا إشكال في كونها ملكا لا يجوز التصرف فيها إلّا بإذن مالكها، اللّهم الّا انّ يبلغ في القلة و الخفة إلى حد سقط عن اعتبار الملكية أيضا. كما لو وقع غبار على ثوبه عند تخريب دار الغير، فانّ الظاهر جواز الصلاة فيه و عدم حرمة تصرفه.

و بالجملة لا إشكال في وجود التباين الجزئي بين الملكية و المالية فلا بدّ من

تمييز ما يخص لكل منهما من الاحكام و الآثار، حتى يعلم ما يثبت منها عند تحقق واحد منهما مفترقا عن الأخر. فنقول: انّ موضوع الحكم في أبواب الضمانات، هو جهة المالية من الأشياء (1)دون جهة ملكيتها. بخلاف الحكم التكليفي، أعني حرمة التصرف، فانّ موضوعها جهة الملكية منها. فلا يجوز التصرف في حبة حنطة تكون ملكا للغير. و منه يعلم انّ العين المضمونة إذا خرجت عن المالية ينقطع عنها الضمان، و يتعلق بالمالية القائمة بالقيمة. و لما كان تبدل الضمان إلى القيمة لا يتحقق بمجرد تنزل مالية العين المضمونة بل تبقى مضمونة الى ان تتنزل ماليتها إلى أدنى مراتبها، يكون الاعتبار بقيمة الآن الأخر قبل سقوطها عن القيمة.

المبحث الحادي عشر في أنّ الاعتبار في القيمة بقيمة يوم التلف

اشارة

قد عرفت سابقا انّ الواجب في القيميات أداء القيمة، و انّ القيمي هو ما لم يوجد له مثل بحسب المتعارف، فيشمل ما إذا وجد له مثل على غير المتعارف، كما لو كان المغصوب عبدا مشابها لعبد آخر من جميع الجهات. و أحسن منه التمثيل، بكون المغصوب نصف عبد فيوجد له مثل يماثله من


1) قد تقدم منّا فيما مر أنّ الضمان يتعلق بذات المضمون، و كونه مالا اعني كونه ممّا يرغب فيه العقلاء من شروط تعلقه.و بعبارة اخرى: إنّ المالية حيثية تعليلية لتعلق الضمان، فإذا سقط المضمون عن المالية، كان سقوطه عن المالية، كالتلف و الانعدام، موجبا لانقطاع تعلق الضمان به.و منه يعلم الوجه في وجوب أداء ما له من القيمة في الان الأخر قبل سقوط عن المالية، فانّ الواجب، بناء على انقطاع الضمان من التالف بالتلف، أداء ماله من القيمة في الان الأخر قبل التلف، و يجري فيه ما نذكر له من البرهان طابق النعل بالنعل.

جميع الجهات، و هو النصف الأخر (1)لما عرفت سابقا من كون الاعتبار في وجود المثل عند العقلاء بالمتعارف، و عدم اعتبارهم في صيرورة شي‌ء مثليا بوجود مثل له نادرا. و هذا بخلاف ما لو بنينا في التضمين بالمثل في المثليات باية الاعتداء، أو أقربية المثل الى التالف، فإن الأقرب بالعين التالفة هو المثل، و ان وجد نادرا هذا.

و الذي نريده بالبحث ههنا بيان المراد من القيمة، و انّ المتحمل فيها بحسب بادى النظر وجوه «أحدها» قيمة يوم الغصب «و ثانيها» قيمة يوم التلف «و ثالثها» قيمة يوم الأداء «و رابعها» أعلى القيم بين يومي الغصب و التلف «و خامسها» أعلى القيم بين يوم التلف و يوم الأداء «و سادسها» أعلى القيم بين يوم الغصب و الأداء.

فالتحقيق بناء على بقاء العين بعد تلفها في العهدة و عدم انتقال الضمان منها بالتلف الى المثل و القيمة، كون الاعتبار بقيمة يوم الأداء. (2)

و لا يخفى عليك أنّ الأمر المتقدم المتصرم لا يكون له قيمة فعلا حتى يكون هو المصداق الفعلي لعنوان القيمة عند إطلاقها في قولنا يجب عليه رد القيمة. بل انّما كان واجدا للقيمة في ظرف تحققه و هي المصداق لعنوان القيمة و لعنوان البدل في ذلك الظرف، فقولنا يجب عليه ردّ قيمتها تكون إشارة إلى قيمتها في ظرفه.

و توضيحه: أنّ لعنوان القيمة مصاديق مختلفة بحسب اختلاف الازمان، فربما يكون مقدار من الدرهم و الدينار أو غير هما مصداقا للقيمة في زمان لا يكون ذلك المقدار منها مصداقا لها في زمان آخر. فهي عند إطلاقها في كلّ زمان لا ينطبق إلا على مصداقها في ذلك الزمان، و لا ينطبق على ما يصير مصداقا لها في التالي، أو كان مصداقا لها في السابق، بل المنطبق لها عند إطلاقها في كل زمان هو المصداق له بالفعل، إلّا أنّ المراد من القيمة عند إطلاقها فعلا في قولنا يجب دفع قيمة العين المتصرمة هو مصداقها في ظرف تحقق العين بعناية كونها مصداقا لها في ظرفها، و الّا فليس لها مصداق فعلا تنطبق عليه.

«الثاني» انّ انقطاع ضمان العين التالفة و سقوطها عن الذمة بأداء المثل أو القيمة لا يكون الّا بارتكاب التنزيل بأحد وجهين «أحدهما» تنزيل القيمة بمنزلة نفس العين المضمونة فتصير القيمة بحسب هذا الاعتبار و التنزيل نفس المضمون، فيكون أدائها أداء للمضمون فيسقط ضمانه بأدائه.

«و ثانيهما» تنزيل أداء القيمة بمنزلة أداء المضمون. و مقتضى التدقيق فيه رجوعه الى الوجه الأوّل، فإنّ الأداء لا يتعلق به التنزيل باستقلاله، بل يكون تنزيله بحسب متعلقة لا محالة. و غاية الفرق بينهما، أنّ التنزيل قد يتعلق بالقيمة قبل تحقق أدائها و قد يتعلق بها في حينه غير مسبوق بتعلقه بها قبله.

ثمّ انّ من المحتمل قريبا تحقق تنزيل القيمة منزلة التالف عند التلف، و مقتضاه صحة إطلاق تعلق الضمان بالمثل و القيمة، و عدم التنافي بينه و بين إطلاق تعلقه بنفس التالف.

و لازمه كون متعلق التنزيل هو قيمة يوم التلف لكونها هي المصداق لعنوان القيمة عند التنزيل، فقول القائل عند التلف: نزلت القيمة بمنزلة العين التالفة، ينطبق قهرا على ما هو مصداق لها في حينه و لم يتعلق التنزيل بقيمة متأخرة منزلة أمر متأخر آخر حتى تنطبق على مصداقها في الزمان المتأخر.

و يدلّ على بتية الاحتمال المذكور و اصابته للحقّ قوله عليه السلام في رواية على بن جعفر المتقدمة «و أنت ضامن لها انّ جاء صاحبها يطلب ثمنها ان تردها» فإنّه قد صرّح فيها بتعلق الضمان بالعين التالفة، ثمّ تعلق المطالبة بالثمن، مع انّه لا يجوز للمضمون له الّا مطالبة متعلّق الضمان، فيه دلالة على كون القيمة منزلة بمنزلة المضمون، فأطلق على ردّ القيمة ردّ العين التالفة، و هو متفرع على التنزيل المستفاد من الجملة السابقة «فالرواية متضمنة لإفادة تنزيل الثمن بمنزلة المضمون بأعمال اللطف في كيفية البيان».

«الثالث» نظر العرف و العقلاء فإنّهم إنّما يغرمون الضامن بدفع قيمة يوم التلف و ان ارتفعت قيمته أو نقصت بعده. و هو حجة متبعة في أبواب الضمانات عدا ما عدل عنه الشارع، لكون منشأ تحققها اعتبار العقلاء، و لم يثبت ردع عنه بل ثبت منه الإمضاء، كما تقدم في الوجه الثاني.

و كون الاعتبار بقيمة يوم التلف هو المشهور بين أصحابنا، و ان لم تكن المسألة ممّا تكون الشهرة حجة فيها، الّا انّ فيه دلالة على ارتكازه في أذهانهم، و من عدل عنه فإنّما هو لأجل توهم أنّ بقاء تعلق الضمان بالتالف الذي هو أيضا من مرتكز الأذهان ينافي ذلك، و قد عرفت نفي تحقق المنافاة بينهما، بل ثبت استلزام القول ببقاء تعلق الضمان بالتالف له فلا تغفل.

لعدم اشتغال

1) المراد من النصف هو النصف المشاع و لا يعقل تضمين النصف المشاع بالنصف الأخر عند التلف، بداهة أنّ تلف النصف المشاع لا ينفك من تلف النصف الأخر فلا يصحّ التمثيل به فيما نحن فيه.

2) التحقيق بناء على ما قدمناه من دلالة الروايات على كون المضمون هو نفس التالف، و عدم انتقال الضمان منه بالتلف الى المثل و القيمة: وجوب أداء قيمة يوم التلف، و ان جعله الأستاذ متفرعا على القول بانتقال الضمان بالتلف الى المثل و القيمة، و الدليل عليه من وجوه.«الأول» أنّ متعلق الضمان بعد التلف بناء على ما قدّمناه هو العين الموجودة قبله، و ان كان تعلق الضمان بها امرا متأخرا عنه، كما يشهد له جعل متعلق الضمان بعد التلف في جميع الروايات المتقدمة هو الضمير العائد إلى العين الموجودة، و ليس المتعلق للضمان استمرار وجوده الى حين تعلق الضمان لكونه امرا معدوما لا يعقل تعلق الضمان به، و بالجملة يتعلق الضمان في الحال بأمر متقدم عنه زمانا، و لا بأس بالتفكيك بين المتعلق، و المتعلق به، زمانا، في الاعتباريات.

الذمة بالقيمة رأسا، و اشتغالها بنفس العين، و كون تعلق وجوب الأداء بالقيمة في القيميات لأجل الأداء بغير الجنس، أو لغير ذلك من التقريبات السابقة.

فينطبق على قيمة يوم الأداء، لكون قيمة العين المشغولة بها الذمة في حين الأداء قيمة يوم الأداء قهرا لعدم افتقارها الى البيان و افتقار غيرها اليه، فتتعين بمقتضى الإطلاق المقامي الثابت بمقدمات الحكمة. و توضيحه: انّ قيمة يوم الأداء مما يلتفت إليها المكلف بنفسه، و اما قيمة غيره من الأيام فلا يلتفت إليها المكلّف بنفسه، بل تحتاج الى البيان. فمقتضى عدم وجود البيان تعيّن قيمة يوم الأداء.

و امّا بناء على المشهور من انتقال الضمان من العين بمجرد تلفها الى المثل و القيمة و تحقق اشتغال الذمة بالقيمة من حين التلف، تنطبق القيمة على قيمة

يوم الاشتغال، و هو يوم التلف بمقتضى مقدمات الحكمة. بداهة أنّ المستفاد من أكرم العدول وجوب إكرام العادل فعلا، دون من كان عادلا في السابق، أو يصير عادلا في ما بعد. نعم لو وقع الاشتغال بالقيمة من حين الغصب، بانّ يكون تلف العين في يد الغاصب كاشفا عن تعلق الضمان بقيمتها من حين الغصب بنحو الشرط المتأخر، كما سيجي‌ء تصحيحه في باب الفضوليّ كان الاعتبار بقيمة يومه. إلّا أنّ من المعلوم عدم تعلق الضمان بالقيمة قبل التلف، كما يشهد له ما ذكره الشيخ، في معنى الضمان، من انّه لو تلف كان خسارته عليه. بل و في بعض (نسخ المكاسب) كان خسارته عليه عند التلف، و هو أصرح فيما ذكرنا.

و امّا القول بوجوب ردّ أعلى القيم بين يومي الغصب و التلف، أو بين يومي التلف و الأداء، أو بين يومي الغصب و الأداء، فليس له وجه يعتمد عليه.

فانّ الغاصب انّما يضمن ما أخذه، و هو العين، بجميع الجهات الموجودة فيه. فلو طرء عليها المنقصة في جهة من جهاته، كان عليه تداركها. بخلاف ما لو وقع النقصان في أمر خارج عما أخذه الغاصب، و لم يكن للغاصب مدخلية في حصوله، كما لو وقعت المنقصة في قيمة المغصوب عند الناس بحسب اختلاف رغبتهم، لم يعقل تضمين الغاصب به. و ما قيل من انّ الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال، فليس له دليل يدلّ عليه بكليته. بل الحق انّ الغاصب يؤخذ بأعدل الأحوال و لا يطالب منه الّا بما يستحق الغير منه.

«فان قلت»: انّ الضمان يتعلق بحيثية مالية الشي‌ء، و لذا لو سقط عن المالية كانت ماليته مضمونة في ضمن القيمة. فلو حصلت منقصة في ماليته كانت مضمونة لا محالة «قلت» انّ الدخيل في تعلق الضمان هو المالية المطلقة، أعني كونه بحيث يبذل بإزائه المال. و امّا تقومها بكثير من القيمة أو قليلها فأمر

خارج منه، راجع الى كثرة رغبة الناس اليه و قلتها (1).

و بالجملة، انّما يضمن الغاصب المنقصة الحاصلة في المغصوب من قبله، مع استنادها اليه، و لا يضمن المنقصة الحاصلة له لا عن قبله (2)من دون مساس له أصلا هذا كله مقتضى القواعد الموجودة في الضمان، فلا يعدل عنه الّا أن يوجد نصّ يدلّ على خلافه فيؤخذ به.

و قد ادّعوا دلالة رواية أبي ولاد، على اعتبار قيمة يوم الغصب. و هي ما رواه الكليني (3)عن عدة من أصحابنا عن احمد بن محمد عن بن محبوب عن أبي ولاد الحناط، قال: اكتريت بغلا الى قصر ابن هبيرة ذاهبا و جائيا بكذا و كذا، و خرجت في طلب غريم لي، فلمّا صرت قرب قنطرة الكوفة، خبرت ان صاحبي توجه إلى النيل فتوجهت نحو النيل. فلمّا أتيت النيل خبرت انّ صاحبي توجه الى بغداد، فاتبعته فظفرت به، و فرغت ممّا بيني و بينه و رجعنا إلى الكوفة، و كان ذهابي و مجي‌ء خمسة عشر يوما، فأخبرت صاحب البغل بعذري، و أردت أن أتحلل منه ممّا صنعت و أرضيه. فبذلت له خمسة عشر درهما فأبى أنّ يقبل، فتراضينا بأبي حنيفة فأخبرته بالقصة و أخبره الرجل، فقال لي: ما صنعت بالبغل؟ فقلت: قد دفعته اليه سليما، قال: نعم بعد خمسة عشر يوما


1) هذا مبني على ما تقدم منّا من تعلق الضمان بذات الشي‌ء، و كونه ممّا يرغب فيه العقلاء شرط في تعلقه. و لا يخفى عليك أنّ مقتضى ما تكرر من الأستاذ «ره» من كون متعلق الضمان هو المالية القائمة بالشي‌ء انحلال الضمان بانحلال المالية فإذا حصل فيها منقصة ينتقل ضمان التالفة منها إلى المالية القائمة بالمثل أو القيمة.

2) و فيه منع واضح من حيث انّ الفارق بين يد الغصب و يد الامانة ضمان الغاصب للتلف و المنقصة الحاصلين في المغصوب و لو من ناحية غيره و عدم ضمان الأمين إلّا بما حصل من التلف أو المنقصة بتفريط منه.

3) الوسائل، كتاب الإجارة، الباب 17، و سنده صحيح.

قال: فما تريد من الرجل؟ فقال أريد كراء بغلي، فقد حبسه على خمسة عشر يوما فقال: ما أرى لك حقا لانّه اكتراه الى قصر ابن هبيرة، فخالف و ركبه الى النيل و الى بغداد، فضمن قيمة البغل و سقط الكراء. فلمّا رد البغل سليما و قبضته لم يلزمه الكراء.

قال: فخرجنا من عنده و جعل صاحب البغل يسترجع فرحمته ممّا افتى به أبو حنيفة فأعطيته شيئا و تحلّلت منه، و حججت تلك السنة فأخبرت أبا عبد اللّه عليه السلام بما افتى به أبو حنيفة، فقال: في مثل هذه القضاء و شبهه تحبس السماء مائها و تمنع الأرض بركتها.

قال: فقلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: فما ترى أنت. فقال: أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل و مثل كراء بغل راكبا من النيل الى بغداد و مثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة توفيه إياه.

قال: فقلت جعلت فداك: قد علفته بدراهم، فلي عليه علفه؟ فقال: لا، لأنّك غاصب.

قال: فقلت له: أرايت لو عطب البغل و نفق أ ليس كان يلزمني؟ قال:

نعم قيمة بغل يوم خالفته.

قلت: فإنّ أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز؟ فقال: عليك قيمة ما بين الصحّة و المعيب يوم ترده.

فقلت من يعرف ذلك قال: أنت و هو، إما انّ يحلف هو على القيمة فيلزمك، فان رد اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك. أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكترى كذا و كذا فيلزمك.

فقلت: إنّى كنت أعطيته دراهم و رضي بها و حللني فقال عليه السلام إنّما رضي بها و حللك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور و الظلم، و لكنّ ارجع اليه و أخبره بما أفتيتك به فان جعلك في حلّ بعد معرفته فلا شي‌ء عليك بعد ذلك

الحديث.

لا يخفى عليك أنّ ما افتى به أبو حنيفة مبني على النبوي المشهور «الخراج بالضمان» كما يظهر من قوله فضمن قيمة البغل فسقط الكراء.

و قد استشهد الشيخ «ره» بقوله عليه السلام نعم قيمة البغل يوم خالفته على تعلق الضمان بقيمة يوم الغصب و فيه انّ معنى «نعم» إثبات مضمون ما سبق بنحو الاخبار أو الاستفهام، فهي في جواب أقام زيد؟ بمعنى قام، و في جواب أ لم يقم زيد؟ بمعنى لم يقم. بخلاف بلى، فانّ معناها نقض النفي و جعله إيجابا. فهي في جواب الم يقم زيد بمعنى قام زيد و لذا كان معنى بلى في جواب قوله تعالى «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ» أنت ربنا، و لو قيل في موضعها: نعم لكان كفرا فان معناه حينئذ لست أنت بربنا.

و التحقيق في معنى الرواية، انّ أبا ولاد استشكل في قول الامام عليه السلام بقوله: جعلت فداك قد اعلفته بدراهم فلي عليه علفه، فلمّا أجابه الإمام «ع» بقوله: لا لأنّك غاصب، استشكل ثانيا بما ذكر له أبو حنيفة دليلا على فتواه، من انّه خالف فضمن قيمة البغل و سقط الكراء في قباله فقال:

أ رأيت لو عطب البغل أو نفق أ ليس كان يلزمني؟ فأجابه «ع» بقوله: نعم قيمة بغل يوم خالفته. و معناه ليس يلزمك قيمة البغل يوم المخالفة حتى يسقط الكراء في قباله. و ما ذكرناه ممّا لا سترة عليه، فتكون الرواية دليلا على ابطال القول بتعلق الضمان بالقيمة يوم الغصب، لا على إثباتها.

و بالجملة، الرواية من صدرها الى ذيلها ناظرة إلى اشتغال ذمة الغاصب بالكراء و عدمها، و كلّما وقعت فيها من الأسئلة و الأجوبة، سيقت لبيانهما، فذكر أبو حنيفة في جواب ما ذكره المدعى: انّه لما خالف ضمن القيمة فأوجب ذلك سقوط الكراء عنه، و بنى فيه على ما ذهب اليه من انّه إذا ضمن القيمة سقط عنه الكروة. و منشأه اما الالتزام بخروج العين المغصوبة بضمان القيمة عن

ملك مالكها، كما سيجي‌ء القول به في بدل الحيلولة عن بعض، فيكون خروج العين عن ملكه مستتبعا لخروج منافعها، أو النبوي المشهور «الخراج بالضمان».

ثمّ إنّ أبا ولاد لما استشرف بحضور الامام «ع»، فأخبره بفتوى أبي حنيفة، فوجده منكرا لفتواه، و معتقدا باشتغال ذمته بالكراء، جعل يذكر له ما يقتضي سقوط الكراء. فقال: جعلت فداك قد أعلفته بدراهم فهي موضوعة عن الكراء فلا اضمنها؟ فأنكره الإمام «ع» و علله بكونه غاصبا. ثمّ ذكر ما سمعه من أبي حنيفة فقال: أ ليس كان يلزمني قيمة البغل لو هلك أو عطب و أضاف عليه قوله: لو هلك أو عطب، لأجل كون ضمان القيمة يوم المخالفة مراعى بهلاكه أو مشروطا به بنحو الشرط المتأخر.

و بالجملة فقد علل أبو ولاد على سقوط الضمان، بما علل به أبو حنيفة، من لزوم قيمة البغل، و اقتضائه لسقوط الكراء. فأنكره الإمام عليه السلام بقوله:

نعم قيمة البغل يوم المخالفة، يعني: ليس يلزمك قيمة البغل يوم المخالفة. بل في يوم التلف أو يوم الأداء. و محصله عدم سقوط الكراء عنه، لعدم تحقق ضمان القيمة من حين المخالفة، فالغاصب عند استعماله للبغل لم يكن ضامنا للقيمة حتى يسقط عنه كرائه، بل انّما يضمنها بعد التلف.

ثمّ أراد أبو ولاد أن يذكر له ما يستلزم تعلق الضمان بالقيمة قبل تلف العين أو ردها. فقال: فإن أصاب البغل كسر أو دبر أو غمر، يعنى: أ ليس يضمن الأرش بمجرد حصول العيب فيه؟ فأجابه الإمام «ع» بأنّه انّما يضمن الأرش يوم الرد، و لا يحصل الضمان قبله عند حصول العيب.

و الوجه فيه انّ الأوصاف كالمنافع، لا تقع تحت الضمان بالاستقلال، بل يتعلق الضمان بالعين موصوفة بما لها من الأوصاف. و لا يتعلق الضمان بالأرش بزوال بعض أوصافها، لعدم كون الوصف متعلقا لضمان مستقل حتى ينتقل

بفواته إلى قيمة، بل ليس هناك إلا ضمان واحد، تعلق بالعين متصفة بأوصافها، فلا ينتقل الضمان إلى القيمة ما دام لم تتلف العين، و تبقى في العهدة ما لم يردها. فإذا أراد أنّ يردها، كان فقدانها لوصف كان ثابتا لها عند وقوعها تحت اليد و تعلق الأخذ بها، يقتضي أن يضم اليه فرق الواجد للوصف و فاقده. و بالجملة لم يتعلق الضمان بالأرش عند زوال الوصف، حتى ينطبق على أرش يوم التلف. بل كان وجوب رد الأرش في يوم أداء العين لأجل إسقاط الضمان المتعلق بالعين الواجدة للوصف هذا.

و أنت إذا تأملت فيما ذكرنا، لا يبقى لك ريب في بطلان ما ذكره الشيخ «ره»، من دلالة قول الامام عليه السلام في الرواية على تعلق الضمان بقيمة يوم المخالفة. مضافا الى أنّه لو تنزلنا عن جميع ما ذكر و التزمنا بأنّ كلمة نعم في كلام الامام «ع» مسوقة، لإثبات اللزوم، و انّه يلزمك قيمة البغل، لم يكن وجه لتعلق الظرف بالمضاف و هو القيمة بتأويلها الى ما يتقوم به، حتى تكون متضمنة لمعنى الفعل. بل الظاهر تعلقه بالفعل المقدر، فانّ تقدير كلامه (ع) حينئذ يلزمك قيمة بغل يوم خالفته فلا دلالة فيه حينئذ الّا على كون تعلق الضمان بالقيمة في يوم المخالفة، من دون دلالة له تعيين يوم القيمة فيبقى هو على ما تقتضيه القواعد.

ثمّ انّ في ليل الرواية إشكالا من حيث جعل الاشهاد و الحلف أو الرد بجميعها وظيفة لواحد من المتداعيين، مع ان القاعدة كون البينة للمدعي و اليمين على من أنكر. و ربما تحمل الرواية على كون الواحد مدعيا في وقت و منكرا في وقت آخر، و هو في غاية البعد. و لا مناص من طرحها رأسا أو الالتزام بمضمونها في موردها و جعل القاعدة مخصصة بغير مورد البغل كما فعله الشيخ ره.

و التحقيق انّ المراد هو الحلف المتعارف الذي يقطع معه النزاع و معنى قوله عليه السلام: أنت أو هو في جواب سؤال أبي ولاد بقوله: فمن يعرف ذلك: ما

يقال في العرف، من قولهم أنتما أعرف من غيركما. و ليس المراد بيان طريق القضاوة عند ترافعهما إلى القاضي، حتى يكون مفاده منافيا لما تقتضيه القاعدة.

و بالجملة أراد الإمام عليه السلام منه: اقطعوا النزاع إما بان يحلف هو أو تحلف أنت أو بشهادة شهود يشهدون بما وقع. و إنّما أسند الإشهاد إلى المالك فانّ الشهود غالبا انّما شاهدوه عنده فهو اعرف لهم. هذا تمام الكلام في التضمين بالمثل و القيمة عند تلف العين.

المبحث الثاني عشر في بدل الحيلولة

اشارة

إذا تعذر الوصول الى العين المأخوذة لأجل طرو مانع لا يمكن معه ردها الى مالكها، كما لو سقطت في البحر، فلا إشكال في وجوب ردّ بدلها من المثل أو القيمة. و انّما الإشكال في وجهه.

فنقول: انّ الشيخ «ره» قد استدلّ عليه بقاعدة التسليط. و الذي يحتمل في تعيين مجراه وجوه «الأول» أجزائها في نفس العين المتعذر دفعها الى مالكها «و الثاني» إجرائها في حيثية ماليتها (1)«و الثالث» إجرائها في سلطنة المالك عليها.

و يرد على الوجه الأول: أنّ مقتضاه جواز مطالبة المالك بالعين، و ليس مقتضاه جواز المطالبة بغيرها إذا تعذر دفعها بنفسها، بداهة انّ ثبوت السلطنة على عين لا توجب ثبوتها على عين غيرها.

و يرد على الوجه الثاني: ما بيّناه سابقا من انّ المالية الموجودة في ضمن


1) قد تقدّم منا نفي كون المالية حيثية تحاذي سائر حيثيات المال، بل الماليّة تنتزع من جميع حيثيات المال الدخيلة في رغبة العقلاء اليه.

العين غير المالية الموجودة في ضمن غيرها، فإذا تلفت العين تتلف المالية الموجودة في ضمنها أيضا بتلفها، و إذا تعذر الوصول إليها تعذر الوصول إلى المالية الموجودة في ضمنها. فثبوت السلطنة للمالك على مطالبتها لا يقتضي ثبوتها على مطالبة المالية الموجودة في ضمن غيرها.

و يرد على الوجه الثالث: انّ سلطنة المالك على ماله، انّما تثبت بنفس هذه القاعدة، فلا يمكن إجراء القاعدة في نفس السلطنة، و بعبارة أخرى: ما يحصل من قبل جريان القاعدة لا يمكن ان يكون موضوعا لها.

و بالجملة لا وجه للتمسك بقاعدة التسليط على جواز مطالبة البدل و انّما يجوز ذلك مع الالتزام بأحد أمرين، «أحدهما» مذهب من ذهب الى تفكيك جهات العين، و جعل كلّ واحدة منها مضمونة برأسها، و منها جهة ماليتها و انّ تلفت العين لا يوجب انعدام موضوع الضمان المتعلق بجهة المالية، لبقائها في ضمن المثل أو القيمة «و ثانيهما» مذهب من ذهب ببقاء العين في الذمة بعد التلف، و كون جواز مطالبة المثل و القيمة، و وجوب ردهما من آثاره.

و اما بناء على المذهب المشهور المنصور، من انقلاب الضمان من العين التالفة إلى المثل و القيمة، فلا وجه للتمسك بالقاعدة أصلا. اللّهم الّا ان يقال:

مقتضى قاعدة اليد، بقاء العين المضمونة في ذمة الآخذ الى انّ تتلف حتى يتحقق أدائها من مالكها و أثر اعتبار حصولها في ذمته عند عدم التعذر جواز المطالبة بنفسها، و عند التعذر جواز المطالبة بمثلها أو قيمتها، و إلّا يلزم كونه لغوا فاقدا للأثر فالرواية بما انّها تدلّ ببقاء المأخوذ في الذمة، حتى في صورة التعذر، تكون دالة بالالتزام على ترتب اثر عليه. و ليس الأثر المترتب عليه عند العقلاء الّا جواز مطالبة المالك ببدلها، و وجوب دفعه اليه للضامن. ثمّ انّ بدل الحيلولة إنّما يقوم مقام العين المتعذرة في الانتفاع بها، و لا يقوم مقامها في ذاتها، فانّ العين لم تتلف و لم تنعدم بذاتها، بل المنقطع عن المالك انّما هو ماليتها. فالواجب

للضامن أنّ يقيم مقامها عينا آخر، فينتفع بها المالك، و يستعمل لماليتها، مكان مالية العين المأخوذة منه بأنحاء الاستعمالات، حتى تحصيل المال بها بالمبادلة و غيرها.

و بالجملة، الواجب على الغاصب عند تعذر دفع العين المغصوبة، دفع منافعها و ماليتها الفائتة عن المالك في مدة تعذر دفعها اليه و غيبوبتها عنه. الّا انّها حيث لا تنفك عن العين، وجب عليه دفع عين متضمنة لها، ينتفع بها المالك بدل انتفاعه عن العين المتعذرة. كما في دفع منافع العين المستأجرة إلى المستأجر، حيث انّه لا يكون الّا بدفع نفس العين.

مسائل حول بدل الحيلولة
المسألة الأولى هل البدل المدفوع الى المالك عند تعذر دفع العين المأخوذة منه، تصير ملكا له في مدة التعذر أم لا؟

فاعلم انّ مقتضى جواز جميع التصرفات له، حتى المتوقفة على الملك، صيرورته ملكا له. و الذي يحتاج الى النظر بعد تسليم أصل حدوث الملكية، كون حدوث الملك من حين التسليم أو آنا ما قبل الإقدام بالتصرف المتوقف على الملك، نظير ما التزموا بحدوثه آنا ما قبل التصرف في غير هذا المورد.

و قد ذكر المحقق صاحب الكفاية «قده»: إنّ مقتضى الإباحة المطلقة لتصرف المالك فيه، صيرورته ملكا له من أوّل الأمر. «و فيه» أنّ الثابت إباحة عموم التصرفات بأنواعها، من دون تخصيص فيها لبعض دون بعض. و لم تثبت اباحة مطلق التصرف بحيث أمكن التمسك بإطلاقه على حصول الملك من حين الأخذ. مضافا الى ما حققناه سابقا، من عدم توقف التصرفات

المتوهمة توقفها على الملك، الّا على ثبوت السلطنة للمتصرف عليها. لقصور الأدلّة عن الدلالة على توقفها على الملك إلّا في خصوص العتق.

بالجملة لا موجب للالتزام بحدوث الملك، لا من حين الدفع، و لا عند الاقدام بالتصرفات، لولا الأدلة الخاصة الواردة في موارد خاصة.

المسألة الثانية هل تصير العين المغصوبة ملكا للغاصب بصيرورة البدل المدفوع الى المغصوب منه ملكا له أم لا؟

مقتضى ما ذهب اليه بعض، من أنّ المضمون يصير ملكا للضامن آنا ما قبل تحقق الضمان حتى انّه حيث يتلف، يتلف في ملكه، هو صيرورتها ملكا له، لكونها مضمونة عليه.

نعم انّما يتطرق المنع اليه من سخافة أصل المبنى لاستلزامه صيرورة المالك ضامنا لمملوكه عند تلفه في يده و هو بديهي البطلان.

و ربما يستدلّ على صيرورتها ملكا للغاصب، بانّ بقاء العين في ملك المغصوب منه مع دخول البدل في ملكه يستلزم الجمع بين البدل و المبدل منه، و هو غير ممكن. فالمبدل يخرج عن ملكه لا محالة بدخول البدل فيه، و يدخل في ملك الضامن لخروج البدل عنه فيحصل منها معاوضة قهرية بين المالك و الضامن، نعم تكون الملكية الحادثة في الطرفين ملكية متزلزلة غير مستقرة، مغياة بارتفاع التعذر و طرو إمكان الوصول اليه بعد تعذره.

«و فيه» انّ المحال هو الجمع بين البدل و المبدل منه بعنوانها، دون مطلق الجمع بين ملكين غير معنون أحدهما بعنوان البدل و الأخر بعنوان المبدل منه و قد بيّنا سابقا أنّ بدل الحيلولة يدفع الى المالك بدلا عن جهة مالية العين

المتعذرة، أو عن جهة سلطنة المالك عليها، على اختلاف المبنيين من المختار لنا و المذكور في كلام الشيخ «ره» فإنّ الفائت عن المالك، هو جهة مالية العين المتعذرة دون جهة ملكيتها. و ان كان المراد من فوات جهة المالية فواتها عن المالك، و الحكم بوجوب ردّ البدل إليه لأجل التلافي لمالية العين المتعذرة، و قد عرفت فيما مرّ انّ بينها و بين الملكية عموما من وجه. فالجمع بين العين المتعذرة و البدل في ملك واحد لا يقتضي الجمع بين البدل و المبدل منه، و انّما يلزم الجمع بينها إذا حكم باجتماع جهة المالية من العين المتعذرة و البدل، للمالك، هذا.

و لكنّ المعهود من العرف صيرورة العين المتعذرة ملكا للغاصب برد بدله الى المالك، نظير بقايا العين التالفة كقطعات الزجاجة المنكسرة، فإنّها تصير ملكا للغاصب بعد ردّ بدلها الى مالك العين التالفة فلو أمكن تلقيه سيرة مستمرة إلى زمن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله تكون ذلك مع عدم ردع ثابت منه حجة متبعة.

المسألة الثالثة

لو أحدث الغاصب حدثا في العين المغصوبة بما لا يمكن معه الانتفاع منها في جهة من الجهات، من دون ان يستلزم لفوات نفس العين أو سائر منافعها، كما لو وطئ الحيوان المغصوب، فيحرم أكله و ان جاز الانتفاع به في غير الأكل كالركوب و غيره، و يحكم بإخراجه عن البلد و بيعه في بلد آخر.

فمقتضى القاعدة ضمان المنفعة الفائتة، لو كانت واجدة لمالية وراء مالية العين بحيث تقابل بالمال في نفسها. و اما العين و غير الفائتة من منافعها فلا تكون مضمونة بالبدل، و انّما يضمن به خصوص المنفعة الفائتة، لعدم وقوعها في

حيز التلف و الفوات (1)، و كون الفائت خصوص منفعة من منافعها، فالمضمونة بالقيمة هي وحدها إذا حازت شرائط التضمين. و لكنّه ينافيه مفاد النصوص الواردة حيث تدل على ضمان نفس الدابة الموطوئة بأداء قيمتها.

ثمّ انّه بعد ما تسلم على خلاف القاعدة كونها مضمونة بالقيمة، يقع الكلام في صيرورة الدابة ملكا للغاصب بأداء قيمتها. و يمكن ان يقال بنفيها، و كون ضمان القيمة و إيجاب أدائها من باب الكفارة و التغرير المالى.

كما في الصيد إذا أصابه المحرم، فإنّه قد حكم عليه بوجوب رده الى الفقراء و صيرورته ملكا لهم، كفارة لما صدر عنه من الاصطياد في حال الإحرام. فإن الكفارة كما تحصل بجعل شي‌ء منه ملكا للفقراء كذلك يمكن بجعله ملكا لمن ضمن عليه قيمته أيضا. فلا تصير الدابة ملكا للواطى، بل تبقى في ملك المغصوب منه، و ان وجب على الغاضب رد قيمتها أيضا. فلا تحصل المعاوضة القهرية المقررة في المسألة السابقة، الحاصلة بصيرورة العين المضمونة بالقيمة ملكا للضامن بدفع قيمتها الى المضمون له.

هذا و لكنّ الذي يظهر من التأمل في الأخبار الواردة في المسألة، خروج الدابة عن ملك المغصوب منه بأداء قيمتها، و صيرورتها ملكا للواطئ، كسائر موارد الضمانات، و ان حصل فيه وجه يمكن جعله فارقا له.


1) و التحقيق انّ فوات المنفعة لا ينفك عن حصول تغيّر في العين أوجب سقوطها عن قابلية الانتفاع عنها باستيفاء المنفعة المذكورة، ففوات منفعة الأكل عن الدابة الموطوئة، لأجل حصول تغير فيها، أوجب سقوطها عن حيز الانتفاع بالأكل، و هو حصول قذارة معنوية فيها يحدث فيه بالوطي.فما ورد في الحديث من تضمين الدابة بالقيمة لا ينافي مقتضى القاعدة، من تضمين خصوص التالفة بالقيمة، فإنّ التلف لا يراد منه انعدام الشي‌ء بالمرة، بل كان صيرورة الدابة قذرا بحيث لا يحلّ أكلها نوعا من التلف.

الفصل الخامس في شرائط المتعاقدين و يشتمل على مباحث

المبحث الأوّل في اشتراط العقل و البلوغ

اشارة

اعلم: انّه لا إشكال في عدم ترتب الأثر على قول الصبي غير المميز و المجنون في العقود، لعدم صدق العقد على قولها رأسا (1)فينتفي عنه أحكام العقد بانتفاء موضوعه، و ينسلب عنه بانسلاب متعلقة.

و اما الصبي المميز، فقد ادعي الإجماع على بطلان عقده، بل على كونه مسلوب العبارة، كما سيجي‌ء. و يتوقف التحقيق فيه، على تمييز ماله من الجهات المختلطة، و الاقسام المختلفة. فنقول: انّ عقد الصبي يكون على أقسام:

الأول

عقد الصبي لنفسه بالاستقلال، من دون سبق اذن و لا لحوق اجازة عليه من ناحية وليه.

و الظاهر أنّ بطلان عقده بهذا المعنى، ممّا أطبقت عليه قاطبة المسلمين عامة


1) المراد من الصبي غير المميّز لا محالة، هو الصبي الذي لا يعرف معنى البيع و لا يميزه عن غيره و لا يعرف قصد إنشائه، و الّا فلا إشكال في صدق العقد على ما يصدر منه مع المعرفة بمعناه و تحقق قصد الإنشاء و سائر ما يعتبر في العقد من الشروط.

و خاصة، و مما يشهد على بطلانه منافاة صحته مع جعل الولاية عليه، لاستلزامه لكونه لغوا.

الثاني
اشارة

عقد الصبي لنفسه مع سبق اذن الولي أو لحوق أجازته. و يمكن القول بصحته، بتقريب أنّ في عقده جهة منقصة توجب بطلانه في نفسه، فإذا اقترن بإذن الولي أو إجازته ترتفع بها جهة المنقصة، و يستتم في صيرورته مؤثر في آثار العقد. و لا إشكال في صيرورة العقد الباطل، لأجل منقصة فيه من حيث المقتضي أو من حيث طرو مانع عليه بعد استتمام المقتضي في نفسه، صحيحا مؤثرا بلحوق الاذن عليه. أما ما كان فيه منقصة من حيث المقتضي كعقد الباكرة لتزويج نفسها، فانّ فيه منقصة من حيث المقتضي، ترتفع بلحوق اذن الولي عليه. و ما كان فيه المنقصة من حيث ثبوت مانع عن تأثيره بعد استتمام المقتضي في نفسه كعقد الراهن، حيث إن تأثيره يتوقف على اذن المرتهن، لكون تعلق الرهن به مانعا عن تأثير العقد فيه بغير اذن المرتهن.

و التحقيق منع صحة هذا القسم أيضا كسابقه. لشمول قوله عليه السلام «الصبي لا يجوز امره» (1)

قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنة أو أقل أو أكثر و لم يحتلم، قال: إذا بلغ و كتب عليه الشي‌ء «و نبت عليه الشعر ظ» جاز امره الّا ان يكون سفيها أو ضعيفا.

على مطلق ما صدر عنه من العقد، و ان اقترن باذن

1) روى في الوسائل «كتاب الحجر الباب 2».عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن ابن محبوب عن عبد العزيز العبدي عن حمزة بن حمران عن حمران عن أبي جعفر (ع) في حديث، قال: إنّ الجارية ليست مثل الغلام، إنّ الجارية إذا تزوجت و دخل بها و لها تسع سنين ذهب عنها اليتم، و دفع إليها مالها، و جاز أمرها في الشراء و البيع، و أقيمت عليها الحدود التامّة، و أخذت لها و بها. قال: و الغلام لا يجوز أمره في الشراء و البيع، و لا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمسة عشرة سنة، أو يحتلم، أو يشعر، أو يشعر أو ينبت قبل ذلك. و عن الصدوق في «الخصال» عن أبيه، عن سعد عن احمد بن محمد عن ابن ابى نصر عن ابى الحسين الخادم بياع اللؤلؤ- و السند صحيح الى ابى الحسين الخادم و هو أيضا ثقة على ما حققناه في معجم الثقات من وثاقة من يروى عنه ابن أبي نصر- عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: سأله أبي و انا حاضر عن اليتيم متى يجوز امره؟ قال: حتى يبلغ أشدّه. قال: و ما أشده؟ قال: احتلامه، قال:

الولي. فإن الظاهر منه عدم جواز أمر الصبي على إطلاقه، سواء كان في العالم شي‌ء غيره أم لا، كما هو قضية جميع الإطلاقات، فيشمل ما إذا اقترن بإذن الولي أو لم يقترن به.

و «امّا ما ذكره الشيخ ره» من أنّ إطلاق عدم الجواز على عقد الصبي، كإطلاقه على عقد الفضولي، في عدم تنافيه مع الجواز، إذا لحقته اجازة المالك.

كما يقال: لا يجوز لبيع الفضولي بل يتوقف على اجازة المالك. «ففاسد جدا» فانّ ما ذكره من التنظير بإطلاق عدم الجواز على الفضولي مقلوب على نفسه، فانّ قولنا لا يجوز بيع الفضولي بل يتوقف على اجازة المالك أقوى شاهد، على عدم صحة إسناد عدم الجواز اليه مجردا عن التقييد. بل انّما يصح اسناد عدم الجواز اليه متقيدا بقولنا: بل يتوقف على اجازة المالك فإسناد عدم الجواز إلى أمر الصبي على الإطلاق يدل على عدم جوازه مطلقا حتى مع اذن الولي و أجازته (1).


1) فانّ فيه دلالة على تقيد قولنا لا يجوز بيع الفضولي بقيد «في نفسه» مجردا عن الاذن و غيره، المشعر بعدم منافاته لجواز البيع الفضوليّ مع سبق الاذن أو لحوق الإجازة. و هو مفاد كل قضية طبيعيّة كان موضوعها نفس الطبيعة بما هي هي.و التمسك بإطلاق «لا يجوز أمر الصبي» على بطلان عقد الصبي مطلقا حتى مع اذن الولي و أجازته، مبني، على كون قضيّة لا يجوز أمر الصبي كلّية استغراقية، فيدل اسناد عدم الجواز إلى أمر الصبي على الإطلاق، على عدم جواز عقد الصبي حتى مع اذن الولي أو إجازته.و امّا لو كانت قضيّة طبيعيّة موضوعها نفس الطبيعة بما هي هي، لا تنافيه صحة عقده متقيدا بإذن الولي أو إجازته. و المائز في كل قضية انّها من القضايا الكلية الاستغراقية أو الطبيعيّة بما هي هي، هو العرف.

و الثالث تصديه بإجراء العقد وكالة عن وليه. فيكون ما صدر عنه من العقد عقدا للولي في الحقيقة، لكون الوكالة متضمنة لتنزيل عمل الوكيل بمنزلة عمل الموكل، و جعله مستندا اليه. فلا يشمله قوله عليه السلام «لا يجوز أمر الصبي» لصحة سلب استناده اليه. فهو في فعله نائب عن الولي، و ان كان مرجع الولاية أيضا الى النيابة عن الصبي.

و قد استدلّ أبو حنيفة على صحة هذا القسم من بيع الصبي بقوله تعالى وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ. فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ» (1)و ذكر: أنّ المعاملة الحاصل بها الابتلاء، تكون قبل البلوغ لا محالة. فالآية تدلّ على صحة معاملات الصبي قبل بلوغه.

و أجاب عنه الشافعي، بأنّ المعاملة التي يحصل بها ابتلاء الصبي، هي صورة معاملة لا حقيقتها. فإن الابتلاء يحصل بمقدمات المعاملة و صورتها.

و لا يخفى عليك انّ الآية على تقدير تسليم دلالتها فإنّما تدل على صحة معاملات الصبي قبل بلوغه.

و أجاب عنه الشافعي، بأنّ المعاملة التي يحصل بها ابتلاء الصبي، هي صورة معاملة لا حقيقتها. فإن الابتلاء يحصل بمقدمات المعاملة و صورتها.

و لا يخفى عليك انّ الآية على تقدير تسليم دلالتها فإنّما تدل على صحة المعاملة الصادرة عنه للاختبار و الابتلاء، و اما سائر معاملاته فلا دلالة للاية على صحتها. و لا يبعد التفرقة بينهما و بين الصادرة منه للاختبار، لعدم قيام الإجماع على وحدة حكمها و نفى الفصل بينهما، لذهاب جماعة من الخاصة إليها.

و من الشبيه للآية في ذلك ما ورد من صحة معاملات الصبي إذا كان ابن عشر سنين، لما يحتمل ان يراد منه التعبد بصحة معاملاته في خصوص هذه السنة مائزة عما تسبقه أو تتلوه من السنوات (2)كما يحتمل ان يكون إشعارا


1) النّساء، الآية 6.

2) من البديهي انّه لا خصوصيّة لكون الصبي ابن عشر سنين، حتّى يكون فاقدا لها بعد تلك السنة، فالاحتمال المذكور في غاية الضعف و السقوط.

بتحقق البلوغ بذلك هذا مضافا الى ما ذكره الشافعي من انّه لا دليل على صحة المعاملة الحاصل بها الاختبار، بل هو يحصل بمقدمات البيع و مجرد صورته، و ليس في الآية لفظ البيع حتى يتمسك بظهوره في حقيقة البيع.

ثمّ انّ قوله: لا يجوز أمره، انّما يقتضي عدم جواز الأمر المستند إلى الصبي، فإذا استند عمل الصبي إلى الولي، لم يشمله لانقطاع إضافته عن الصبي «توضيحه» انّ الجواز من شؤون حقيقة البيع، و انّما يستند الى اللفظ بتبع استناده الى معناه. و من المعلوم انّ حقيقة البيع لا تستند الا الى الموكل، (1)و لذا لا يترتب أحكام المتبايعين الّا عليه. و قوله عليه السلام: البيعان بالخيار، و غيره ممّا تضمن لاحكام المتبايعين يختصّ به، دون الوكيل المتصدي لإجراء الصيغة. و يختصّ به، دون الموكل من الاحكام مترتبا على العقد بما هو لفظ. كما إذا كان أجيرا في إجراء الصيغة فتتعلّق الأجرة به، دون الموكل. نعم لو ثبت صحة دعوى الإجماع في كلام بعضهم، على انسلاب الاعتبار عن لفظ الصبي، و كونه مسلوب العبارة، لاقتضى بطلان عقد الصبي، و لو وكالة عن الولي.

و ربما يستدلّ عليه بقوله صلّى اللّٰه عليه و آله «رفع القلم عن الصبي و المجنون» و مورد الرواية واقعة الخليفة الثاني، حيث أمر برجم امرأة مجنونة، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أما سمعت قول النبي «ص»: رفع القلم عن الثلاثة الصبي و المجنون إلخ (2)و هذا كما ترى يشهد بكونها مسوقة لبيان رفع المؤاخذة بأعمّ من الدنيوية منه و الأخروية.


1) لا يخفى انّ قوله عليه السلام لا يجوز امره كما يقتضي بطلان عقد الصبي في البيع كذلك يقتضي بطلان عقده في الوكالة. فالتشبث به على نفي صحة الوكالة رأسا المستلزم لعدم استناد عقد الصبي في البيع الى الموكّل بمكان من الإمكان.

2) الوسائل، أبواب مقدمات العبادات، الباب 4، الحديث 11 و الحديث مشهور بين الفريقين.

و منه يعلم عدم صحة دعوى الشيخ «ره» اختصاص المؤاخذة في الرواية بخصوص الأخروية من المؤاخذة بل الصحيح عمومها عليها و على الدنيوية، و هي الحدود و الضمانات، ففيها دلالة على عدم اقتضاء بيع الصبي للتضمين بالعوض. إلّا انّ المرفوع بهذه الرواية، مؤاخذة نفس الصبي، دون مؤاخذة غيره.

فليس فيها دلالة على عدم تضمين موكله.

فالعقد الصادر منه حيث استند بمقتضى الوكالة إلى غيره، كان مؤاخذة منه دون الصبي المتصدي لإجراء الصيغة، فلا يشمل المؤاخذة الحاصلة به عموم رفع القلم عن الصبي. بل و لا يشملها ما إذا باع عن نفسه، ثمّ اجازه بعد بلوغه. فانّ الرفع ظاهر في كونه منة على الأمّة، فلا يشمل ما لم يكن في رفعه منة عليهم. نعم لو كان ما صدر عنه من العقد موجبا للمؤاخذة بما هو لفظ صدر عنه، كما لو تكلم به في الأرض المغصوبة يشمله رفع القلم عن الصبي و يفي بنفي المؤاخذة المترتبة عليه.

و بالجملة الرواية مساوقة لحديث الرفع، فيجري فيها ما ذكر وافية من الشروط و قد منعوا عن جريانه في نفى صحة بيع المضطر، لكونه منافيا للمنة على الأمة و من جملة شروطه كون مجراه مما يكون في وضعه ثقل، فلا يشمل المندوبات. و منه يعلم أنّ ما ارتكبه الشيخ من التمسك بهذه الرواية على بطلان عبادات الصبي غير صائب.

بقي الكلام فيما ذكره الشيخ «ره» للاستئناس بالحكم بالبطلان في المسألة و هو ما ورد في الحديث (1)

عمدهما خطأ تحمله العاقلة، و قد رفع عنهما القلم «انتهى» أقول: على بن السندي هو علي بن إسماعيل السندي، ثقة قاله نصر بن الصباح و نقله الكشي في رجاله ص 499 و قال المجلسي في رجاله ص 158 هو حسن كالصحيح لتوثيق ابن الصباح غير الموثق.

و اما أبو البختري فلم يوثق بخصوصه لكنّه ممّن روي عنه ابن أبي عمير، روي في «الوافي» بسند صحيح عن ابن أبي عمير عنه، و هو دليل على وثاقته كما بيّنّاه في «معجم الثقات» ص 151 فراجع.

من انّ عمد الصبي و خطأه واحد

1) روي في الوسائل «كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس الباب 36 الحديث 2، عن عبد اللّه بن جعفر في «قرب الاسناد» عن على بن السندي عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام، انّه كان يقول في المجنون و المعتوه الذي لا يفيق و الصبي الذي لم يبلغ:

«و بيانه» انه يدلّ على تنزيل عمد الصبي بمنزلة خطأه فيكون ما صدر عنه من العقد فاقدا للعقد و منزلا بمنزلة عدمه.

«و فيه أوّلا» انّ الشارع ليس من شأنه التصرف في الموضوعات غير الشرعية و تنزيلها بمنزلة العدم أو غيره. و التنزيل انّما يجوز له فيما كان دخيلا في ترتب حكم شرعي مأخوذا في موضوعه، كالعمد في القتل، حيث انّ له مدخلية في الحكم بثبوت الدية، فجاز للشارع حينئذ تنزيل عمد الصبي و المجنون بمنزلة الخطاء. و امّا ما لم يكن مأخوذا في موضوع حكم شرعي، بل انّما كان دخيلا في ثبوت الموضوع و قوامه، فليس للشارع ان يتصرّف فيه بالتنزيل أو غيره (1)

كذلك ما كان سببا أو دخيلا في تحقق أمر اعتباري تصدى لاعتباره الشرع أو العرف، لأنّ تنزيل الشارع له بمنزلة العدم يكشف عن تخصيص و تضييق في اعتباره إذا كان ممّا استقل به، أو في إمضائه لاعتبار العرف ممّا سبقه العرف فيه.

فالقصد الدخيل في تحقق البيع، الذي هو من الاعتباريات، ممّا يمكن للشارع قطع السببيّة عنه في بعض الصور، فانّ مرجعه الى التصرف في اعتبار البيع بتضييقه و تخصيصه.

، كالقصد المقوم لتحقق البيع.

«و ثانيا» إنّ الألفاظ المترادفة يفترق بعضها عن بعض بخصوصيات، و لو


1) توضيحه: أنّ ما كان سببا و مقوما لحصول أمر آخر تكوينا لا ينقطع عنه السببيّة و التأثير بتنزيل الشرع له منزلة العدم، بل يؤثر في حصوله و تحققه. و امّا ما كان سببا و مؤثرا في حصول الحكم الشرعي، فحيث انّ سببيّته و تأثيره كان بجعل الشارع ينقطع عنه السببيّته و التأثير بتنزيل الشارع له منزلة العدم، فانّ مرجعه الى التخصيص و التضييق في جعل الحكم المسبب عقيب حصوله.

باختصاص بعضها بالاستعمال في مورد، غير المورد الذي يختص به استعمال الأخر. و الترادف انّما حصل بين الألفاظ من خفائها، و الّا فلا يكون لفظ مرادفا للّفظ آخر من جميع الجهات. (1)

نعم ربّما يحدث الترادف بين لفظين أو أزيد لأجل صيرورة خصوصياتها منسية بمرور الزمان، أو لأجل شيوع استعمال لفظ موضوع لمعنى في معنى آخر مجازا، بحيث يحصل له وضع ثانوي، فيصير مرادفا مع اللفظ الموضوع له بالأصالة. و من أجل كثرة وقوع هذا القبيل من الترادف ارتكب بعض المدققين لإنكار الترادف بالمرة.

مثلا إنّ من الألفاظ المترادفة الإنسان و البشر، و الدقة فيهما تقضي بانّ كل واحد منهما يختص بخصوصية في مقام الاستعمال. فلفظ الإنسان انّما يطلق في قبال الجن، و لا يطلق في قبال الملك.

فلو قيل في قوله تعالى «مٰا هٰذٰا بَشَراً إِنْ هٰذٰا إِلّٰا مَلَكٌ كَرِيمٌ»: ما هذا إنسانا لكان مستهجنا، كما أنّه يستهجن إطلاق البشر في قبال الجن. (2)أو ممّا ذكرنا يعلم انّه لا يجوز اسراء الحكم المتعلق بلفظ من المترادفين الى الأخر لمجرد المرادفة فلا يجوز من تنزيل عمد الصبي و المجنون بمنزلة الخطأ جعل قصد هما بمنزلة عدم القصد، لمكان اشتمال لفظ العمد على خصوصية لا يشمل عليها لفظ القصد أو غيره، فلو عبرنا بدل القتل العمدي بالقتل القصدي، أو عبرنا في أبواب المعاملات بالعمد مكان القصد، لكان مستهجنا جدا. (3)


1) لا إشكال في حصول الترادف حقيقة بين كلمتين في لغة واحدة. و منشأه انّه ربّما اختصت كلمة لمعنى في قرية أو بلدة من أهل لغة، و اختصت كلمة اخرى ذلك المعنى في قرية أو بلدة أخرى من أهل تلك اللغة، كما يترائى مثله من الاختلاف بين قبائل العرب في القواعد النحوية و غيرها. و كما جاز الافتراق بين أهل بلدة و بلدة أخرى في اللغة، كذلك جاز الافتراق بينهم في بعضها بطريق اولى.

2) قد تقدم منّا إمكان تخصيص استعمال اللّفظ في المعنى الموضوع له ببعض الموارد دون بعضها من دون أخذ قيد في الموضوع له، في أوائل الكتاب عند البحث في وضع المشتقات فراجع.

3) الظاهر أنّ الخصوصية الممتازة بها لفظ العمد عن لفظ القصد أمران: «أحدهما» اختصاص استعماله في قصد ذات الفعل، الموجب فقده لصيرورته صادرا عن الخطاء، قصد العناوين الموجب فقده لعدم تحقق تلك العناوين، من دون ان يوجب فقده صيرورة ذات الفعل صادرة عن خطاء. «الثاني» اختصاصه بكون متعلّقه ممّا لا ينبغي فعله، فهو يقابل الخطاء في كلا الخصوصيّتين.

«و ثالثا» انّ تنزيل شي‌ء منزلة شي‌ء قد يكون في ترتب أثر عليه، و قد يكون في عدم ترتبه عليه. و الثاني كتنزيل شي‌ء بمنزلة عدمه، و الأول كما فيما نحن فيه حيث نزل العمد بمنزلة الخطأ في ترتب أثر الخطأ عليه، و الشاهد له قوله عليه السلام، عمده خطأه تحمله العاقلة، فلا تكون الرواية دليلا على كون عمد الصبي بمنزلة الخطأ في عدم ترتب الأثر عليه.

و ممّا ذكرنا يعلم النظر في الاستدلال بهذه الرواية على عدم قدح الارتكاب بتروك الإحرام المشروطة بالعمد، كما فعله شيخ الطائفة «ره» بل الرواية تختص بباب الديات هذا.

و يمكن الاستدلال على بطلان عقد الصبي وكالة عن غيره، بما ذكروه في باب الوكالة من اشتراط البلوغ في الوكيل، بل قد ادعى الإجماع عليه هناك.

و ذكروا أيضا أنّ الوكالة انّما تجوز فيما يجوز ان يفعله الوكيل لنفسه، و حيث إنّ الصبي لا يجوز له البيع لنفسه لم يجز له البيع وكالة عن غيره. و لكنّه لا يخفى عليك انّ ما لا يجوز من الصبي هو البيع دون التلفظ بالعقد، و هو انّما يكون وكيلا في التلفظ بالعقد و إجراء الصيغة. و اما البيع فلا يستند الا الى الموكل، (1)

و بالجملة معنى مادة «وكل» هو: التسليم و التفويض، و من المعلوم أنّه لم ينسلخ بحسب الاصطلاح عمّا هو معناه لغة و ان زاد فيه خصوصيات تخصصه لبعض مصاديقه دون بعض كما هو المعمول في الاصطلاحات. إذا عرفت ذلك فاعلم انّه لا يمكن تفويض الأعيان أو الأفعال إلّا ما كان منها تحت سلطة المفوض و اختياره و ليس هو في الأفعال إلا الفعل و الترك المستندين اليه فالمسلط عليه الوكيل بتفويض الموكل هو الفعل أو الترك المستندان الى الموكل فقط. و الفعل المستند الى الموكّل لا يمكن صدوره عن الوكيل، و الفعل الصادر عن الوكيل لا يمكن استناده الى الموكّل إلّا بالتنزيل و الاعتبار، فانّ الفعل الصادر عن الشخص لا يمكن استناده الى غيره، الّا بالتنزيل و اعتبار ما صدر عنه فعلا صادرا عن غيره.

امّا ذات الفعل و حقيقته، عنه قول الوكيل: بعت، فلم يصدر إلّا من الوكيل، فهي مستندة اليه لا محالة دون غيره.

و امّا عنوانه الاعتباري- و هو عنوان البيع- فهو قائم بالاعتبار، و المفروض انّ الاعتبار قد تعلق بكونه فعلا للموكّل.

ثمّ انّ المتعلق للتفويض الى الوكيل في مورد البيع هو الاقدام بالبيع، و قد يكون هو الاقدام بالبيع و جميع الأمور الراجعة إليه من تسليم المعوض و أخذ العوض و الفسخ أو الإمضاء بعد وقوعه، و الفارق بين القسمين أنّ الوكيل لا يشمله «المتبايعان بالخيار» في القسم الأوّل لكونها مسوقة لجعل الحق لمن كان من شأنه الفسخ و الإمضاء، و هو الموكل، و المفروض انّه لم يفوضهما الى الوكيل، فيكون المشمول لها هو الموكل. بخلاف القسم الثاني فإنّ مقتضاه شمولها على الوكيل، لكونه قد فوّض إليه إمضاء المعاملة و فسخه.

حقيقة الوكالة و تضمّنها للتنزيل

1) التحقيق في المقام يتوقف على بيان معنى الوكيل. فاعلم أنّ الوكول في اللغة بمعنى التفويض، يقال: و كلّ عليه الأمر، و توكّل عليه في امره، و أوكّل عليه الأمر، و وكّله فيه بالتشديد، بمعنى فوض. و تعدية توكّل بكلمة على لأجل الاشراب فيه معنى اعتمد، و تعدية وكّل بالتشديد الى الشخص لأجل الاشراب فيه معنى جعل، فمعنى وكله بالتشديد جعله وكيلا، و الوكيل فعيل بمعنى المفعول و هو من فوض إليه الأمر.

كالوكيل في إجراء صيغة النكاح فانّ النكاح يستند إلى الزوجين، و هما المتناكحان، دون من يتصدّى للعقد و إجراء الصيغة.

و الحاصل انا لم نجد دليلا على بطلان عقد الصبي المميز و كونه مسلوب العبارة، و قد عرفت نفي دلالة ما ادعى دلالته عليه، و مقتضى الأصل بعد عدم قصور عقده و استتمامه و استجماعه لجميع ما يعتبر فيه هو صحته. لما يشمله عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ، بناء على ما هو مقتضى التحقيق من

كونها مسوقة لبيان الحكم الوضعي، و كون الأحكام الوضعية مجعولات بأنفسها، و كونها غير منتزعة عن الأحكام التكليفية. و اما بناء على ما اختاره الشيخ «ره» من كون الأحكام الوضعية منتزعة عن الأحكام التكليفية، فلا محالة تكون أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مسوقتين لبيان ما للبيع و العقد من الأحكام التكليفية (1)

ثمّ انّ الظاهر من «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» هو الحكم التكليفي لظهور الأمر في التكليف. و أما «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» ففيها وجهان «الأول» ظهور أحل في الحلية التكليفية و يؤيده وقوعها في قبال قوله تعالى «وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» فانّ المراد منه هو التحريم التكليفي لا محالة، لكون المراد من الربا هو الزائد في أحد العوضين على الأخر، دون نفس المعاملة الربوية. «و الثاني» حمله على الحلية الوضعيّة بقرينة تعلقها بنفس البيع، دون التصرف في العوضين، فالمراد منها حلية البيع بمعنى نفوذها.

، فلا تشملان على عقد الصبي و بيعه، لاشتراط الأحكام التكليفية بالبلوغ. و اما انتزاع صحة العقد عن التكليف المتوجه بعد البلوغ ففيه مضافا الى استحالة تقدم المنتزع على المنتزع منه و عدم إمكان انتزاع الأمر المتقدم عن المتأخر: انّه على تقدير صحة انتزاع الحكم الوضعي عن الحكم التكليفي المتأخر يتوقف ذلك على الدليل، و لا يصار اليه بلا دليل.

ثمّ انّه ربّما يتوهم دلالة رواية أم سلمة على صحة وكالة الصبي عن غيره في إجراء العقد و ملخص القول في دفعه انّ أم سلمة ذكرت لتزوجها من رسول اللّه صلّى اللّٰه عليه و آله ثلاثة موانع «أحدها» انّ لها أولادا و ليس لها مالا يفي بمؤنتهم «و ثانيها» انّه كانت لرسول اللّه «ص» زوجات أخر تغلب عليها الغيرة بسببها و لا تطيق الاصطبار عليها «و ثالثها» انّه ليس لها وليّ يزوجها منه.

فأجاب رسول اللّه «ص» عن الأول بأنّ اللّه يكفي لهم عنها، و عن الثاني


1) لا يخفى انّ البحث في كون الأحكام الوضعية مجعولة برأسها أو منتزعة من الأحكام التكليفية، انّما هو في مقام الثبوت، و امّا في مقام الإثبات، فربّما يعكس الأمر و يصرح في الأدلّة بها دون ما في موردها من الأحكام التكليفية، فابتناء ارادة الحكم الوضعي أو التكليفي من الآيتين على البحث المذكور غير صحيح.

بانّ اللّه يرفع عنها غيرة النساء. و عن الثالث بجعل ولدها وليا عليها و امره بتزويجها منه. و كان ذلك لأجل رفع الكراهة عن أمّ سلمة، و الّا فالمرئة البالغة الثيبة لا ولاية عليها في الإسلام.

و قد علم ممّا ذكرنا، وجه اندفاع التوهم المذكور، و كون الرواية أجنبيّة عمّا نحن فيه لوجهين، «أحدهما» انّ تصدى الصبي لإجراء الصيغة في الرواية، كان عن ولاية له على امه، و لم يكن عن وكالة منها، حتى يستدلّ به على جواز وكالة الصبي «و الثاني» كون ولاية الصبي على التزويج في الرواية، صورة ولاية، دون مالها من الحقيقة شرعا. الرابع ان تكون المعاملة متحققة بين بالغين، و مستندة إليهما، و كون الصبي مجرد آلة و واسطة بينهما في الإيصال، بأن يكون واسطة في إيصال اللّفظ أو إيصال المال و كونه حاملا له من أحدهما إلى الأخر. فمن المعلوم عدم شمول أدلّة عدم جواز أمر الصبي على هذا القسم، لعدم كون الصبي أحد المتعاملين، لا أصالة، و لا وكالة. و انّما كان واسطة في إيصال لفظ أحدهما إلى الأخر، فهو بمنزلة آلات نقل الصوت أو واسطة في نقل المبيع إلى المشتري أو نقل الثمن إلى البائع فيكون بمنزلة حيوان يحمله اليه.

لكنّ الاشكال يطرء عليه من حيث عدم تحقق العقد حينئذ فإنّ الصبي لو وقع واسطة في إيصال الإيجاب أو القبول، لاختل العقد لكونه مستلزما لانتفاء الاتصال و الموالاة بين الإيجاب و القبول. و لو وقع واسطة في نقل المال لم يتحقق البيع و لو بنحو المعاطاة، لعدم تحقق الإعطاء المعتبر في المعاطاة فإنّ إعطاء الصبي لا يستند الى المالك حتى يوجب تحقق المعاطاة منه (1)إلّا بان يكون عمله منزلا


1) اعلم انّ مقتضى ما تقدم منا من انّ المحقق للبيع في مورد المعاطاة هو الالتزام من الجانبين بملكية مال بإزاء ملكية مال آخر مع ترتيب الأثر عليهما، هو تحقق المعاطاة بإيصال المال الى الجانب الأخر و لو بواسطة الصبي أو غيره فإنّه يتحقق ترتيب الأثر المذكور بإيصال كلّ من الجانبين لما بيده من المال إلى الأخر و لو بنحو الإرسال، فإنّ الإيصال كما يتحقق بالإعطاء كذلك يتحقق بالإرسال.

بمنزلة عمله، فيرجع الى الوكالة و يخرج عن فرض هذا القسم، و يدخل تحت القسم الثالث.

مضافا الى ان إيصال الصبي للمال قاصر عن الدلالة على كون قصد المالك إعطاء جميع جهات المال حتى تتحقق المعاطاة بل غاية ما يدلّ عليه هو الرضاء بالتصرف فيه.

و بالجملة انّه لا تتحقق المعاملة مع توسط الصبي بين المتعاملين الّا ان يحرز إيكال المالك اجراء العقد إلى المشتري و تكفله لكل من الإيجاب و القبول وكالة في الأول و أصالة في الثاني.

«تنبيه»

اعلم انّه ربّما استدل على بطلان بيع الصبي، بما ورد من نهى رسول اللّه «ص» عن كسب الصبيان، و هو ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه «ع» قال:

نهى رسول اللّه صلّى اللّٰه عليه و آله عن كسب الإماء فإنّها ان لم تجد زنت إلّا امة قد عرفت بصنعة يد، و نهي عن كسب الغلام الصغير الذي لا يحسن صناعة بيده فإنّه ان لم يجد سرق انتهى.

و يظهر فساده من انّ النهي انّما تعلق في الحقيقة على المكتسب، لأنفس الكسب. فانّ الكسب اعني فعل الصبي لا يجوز أن يتعلق به الحكم، لاشتراط الاحكام بالبلوغ. فالنّهي في الرواية مسوق لبيان كراهة التصرّف في ما اكتسبه الصبي أو الأمة لكونه مشتبها بالحرام، فيكون الحديث أجنبيا عن التعرض لصحة بيع الصبي أو فساده.

المبحث الثاني في اشتراط القصد

اعلم انّه يعتبر في تحقق العقد ثلاث مراتب من القصد.

«الاولى» قصد اللّفظ، و يحترز به عما إذا صدر عنه اللّفظ في المنام أو صدر عن سبق اللسان.

«الثانية» قصد المعنى و هو قصد استعمال اللفظ فيه، و يحترز به عن اللّفظ المهمل و ما إذا كان نظر المتكلم الى نفس اللّفظ، كقولنا: ضرب فعل ماض، فانّ الموضوع فيها نفس اللّفظ، دون معناه.

«الثالثة» قصد إنشاء البيع باللّفظ (1)فانّ البيع من الأمور الإيجادية و الإنشائية في الخارج، فلا محالة يكون إنشائه بالعقد و إيجاده به مشروطا بقصد إيجاده به ضرورة عدم تحقق الإنشاء إلّا بالقصد. نعم بناء على ما ذهب اليه بعض، من عدم كون البيع من الأمور الإيجادية، يكفي في تحققه مجرد وجود اللّفظ الكاشف، و ان لم يقصد به الإنشاء.

و بذلك يحصل الاحتراز عمّا إذا قصد باللفظ الكناية عن إنشاء معنى آخر.


1) ليس قصد الإنشاء أمرا آخر وراء اعتبار قصد المعنى من اللّفظ، فإنّ ألفاظ الإنشاء بناء على ما تقدّم منا موضوعة ليعتبر مصداقا للمعاني، فاستعمالها فيها هو اعتبار كون اللّفظ مصداقا لها.و قصد المعنى منها هو بعينه قصد كونها مصداقا له، و هو المسمى بقصد الإنشاء، و قد تقدم منا الكلام المبسوط في ذلك.و محصله: أنّ لفظ اضرب مثلا وضع ليعتبر مصداقا للطلب، و كذا لفظ بعت وضع بحسب الوضع الثانوي ليعتبر مصداقا للبيع، فاستعمالهما في معناهما ليس إلّا التلفظ بهما مع اعتبار كونهما مصداقا للطلب و البيع، و قصد استعمالهما في معناهما ليس الّا قصد تحقق طبيعة الطلب و البيع بهما.

المبحث الثالث في اشتراط كون العوضين معلومين للمتبايعين

و منشأ اعتباره كون البيع من قبيل المعاوضات، و المعاوضة متقومة بالعوض و المعوض، فيعتبر تعيينهما لا محالة في تحقق المعاوضة (1)

لكنّ التحقيق: أنّه يكفي في تعلق الاعتبار بخروج شي‌ء عن ملك أحد في الخارج، لحاظ عنوان منطبق على ذلك الشي‌ء بماله من الاجزاء في الخارج. و ممّا يشهد له أنّ المصالحة المالية متضمنة لخروج المال عن ملك احد هما و دخوله في ملك الآخر، و يكفي في صحّتها لحاظ أيّ عنوان منطبق على العوضين في تحقق المعاوضة بينهما، فلو قال بعتك هذا بما في البيت تحقّق اعتبار المعاوضة، و ان لم يعلم به. فاشتراط العلم بالعوضين في البيع بالمعنى الّذي أريد منه في الشرع لا تقتضيه حقيقة المعاوضة، و لعلّ وجه اعتبار تعيين العوضين في البيع عرفا و شرعا دون المصالحة كون الغرض من البيع هو المال، فلا ينبغي كونه مجهولا بخلاف المصالحة فإنّ الغرض منها هو مجرد الصلح لماليته.

و لا يعتبر فيها تعين المتعاملين، لعدم توقف حقيقة المعاوضة عليه، فانّ المعاوضة علقة حاصلة بين المالين. فلا يتوقف تحققها على تعين المتعاملين، و ان كان ربّما يحصل ذلك بالتبع لكون المعاوضة انتقال كل من المالين الى مكان الأخر، فيصير كلّ منهما ملكا لملك الأخر.

و بالجملة تعين المتعاملين أمر قهري عند حصول المعاوضة، لا انّه ممّا يتوقف عليه حقيقة المعاوضة. و هو على عكس حقيقة النكاح. فإنّها علقة


1) غاية ما يمكن ان يقال في توجيهه: أنّ حقيقة المعاوضة هي اعتبار خروج كل من العوضين عن ملك احد هما و دخوله في ملك الأخر، و تعلق الاعتبار بخروج شي‌ء عن ملك احد يتوقف على لحاظه و هو يتوقف على كونه معينا معلوما عند المعتبر، فكلّ جزء من اجزاء العوضين يخرج بالمعاوضة عن ملك أحدهما و يدخل في ملك الأخر، لا بدّ و ان يكون مبينا و معلوما عند المتبايعين. فالجهل به ينافي حقيقة المعاوضة.

حاصلة بين الشخصين، فيتوقف تحققها على تعيينهما. و لا يتوقف على تعيين الصداق لعدم مدخليّة ذلك في تحقق علقة الزوجية بين الشخصين، لعدم كون اعتباره في النكاح لأجل توقف حقيقة النكاح عليه.

و الحاصل انّ حقيقة كلّ من العقود لا تتوقف الّا على ما تتقوّم به حقيقة المعاملة، و قد عرفت انّ ما تتقوّم به علقة البيع ليس الّا المالين الواقعين عوضا و معوضا في المعاملة، فلا يتوقف تحققها الّا على تعيينهما دون تعيين المتعاملين.

نعم ربّما يتوقف عليه تحقق البيع بالعرض، كما إذا كان أحد العوضين أو كلاهما كليا، فإنّ الكلي إذا لم يستند إلى ذمة شخص معيّن لا يعتبر له مالية في العرف، فوقوع الكلى طرفا للمعاوضة يتوقف على تعيّن من أضيف إلى ذمته تحقيقا لماليّته، إلّا أنّ توقف البيع عليه ليس بما هو، بل لكون العوض أو المعوض بحيث لا يعدّ مالا إلا بتعيين من أضيف إليه.

المبحث الرابع في اشتراط الرضا و طيب النفس

اشارة

و يشترط في العقد صدوره عن الرضا و طيب النفس و يقابله صدور العقد عن اكراه من الغير. و معنى الاشتراط به بطلان العقد من أجل فقدانه له بعد استجماعه لغيره من الشروط الدخيلة في استتمامه.

ثمّ انّ الاشتراط به انّما هو بعد تحقق العقد و تقومه في نفسه، كما يظهر ذلك من كلمات الأصحاب و من الأدلة الدالة على اعتباره، كقوله تعالى «تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» فاعتباره انّما هو في المرتبة التالية لمرتبة تحقق العقد، و تقومه بحصول جميع ما له دخل فيهما من الشروط، و قد عرفت سابقا أنّ قصد الإنشاء و ارادة حصول البيع ممّا يعتبر في تحقق العقد.

فيبدو الإشكال حينئذ من حيث إنّه كيف يجتمع الإكراه و فقد الرضا مع الإرادة الّتي هي المرتبة الأكيدة من الشوق؟ نعم ربما يشتمل الفعل على مضرة تقتضي الكراهة، إلّا أنّ رجحان ما فيه من المنفعة عليها، يكون موجبا لحصول الشوق به، و انقداح الإرادة له في نفس الفاعل. و هذا هو الحال في كثير من الافعال، بل الغالب فيها عدم كونها متعلقة للشوق بذاتها و محبوبة في نفسها، بل يتعلق الشوق بها بالعرض و باعتبار ترتب جهة محبوبة عليها و من جملتها ما يكون مكروها في نفسه، إلّا أنّ ترتب جهة محبوبة عليه، يوجب تحرك الشوق نحوه، و انقداح ارادة حصوله في النفس.

و الحاصل انّه لا ينافي وجود جهة الكراهة في الفعل تعلق الشوق و الإرادة به فأمكن ان يقال: إنّ الإكراه على البيع لا ينافي حصول طيب النفس و الرضا به و ترك الشوق اليه، كالدواء المر غير الملائم للذائقة، فإنّه بذاته مكروه للإنسان، الّا انّه يتعلق الشوق به ثانيا و بالعرض، باعتبار حصول الشفاء به.

و بالجملة لا فرق بين بيع المضطر و بيع المكره في عدم كون كل منهما محبوبا لذاته بل مكروها و مبغوضا للبائع، و كونهما محبوبين في رتبة ترتب المصلحة عليهما. فلو كان المراد من اعتبار طيب النفس اعتباره في مرتبة ذات البيع يلزمه الحكم ببطلان بيع المضطر و بيع المكره كليهما، و لو كان اعتباره في المرتبة الثانية يلزمه الحكم بصحة كليهما.

نعم غاية ما يوجد من الفرق بينهما، انّ المصلحة في بيع المكره و هو التخلص عن الظالم يترتب على نفس البيع، و المصلحة في بيع المضطر أمر يترتب على ما يحصل بالبيع، اعنى التسلط على الثمن أو الثمن. و هو لا يوجب فرقا فيما هو المطلوب في المقام من الحكم بالصّحة أو البطلان.

و توضيحه: أنّ الإرادة، سواء كانت تكوينية أو تشريعية، إذ تعلقت بأمر، تسري إلى مقدّماته و تتعلّق بها بتبع تعلقها به سواء كانت واحدة أو متعددة، و سواء

كانت عرضية، بأن يكون تأثيرها في حصول ذي المقدمة في مرتبة واحدة، أو طولية، بأن يكون تأثير بعضها مترتبا على تأثير بعض آخر، بوقوعها في سلسلة العلل و المعلولات، حتى تنتهي الى مقدمة لا يتوقف حصولها على مقدمة أخرى. فإذا تعلقت الإرادة بما هو محبوب بذاته، كحفظ النفس مثلا يصير كلّ واحدة واحدة من مقدماته متعلقة للإرادة، من دون فرق بين القريبة منها الى حصول ذي المقدمة و البعيدة منها.

فعلم ممّا ذكرنا: أن كون البيع مقدمة قريبة لحصول الغرض الأقصى و ما هو المحبوب و المراد بالذات في بيع المكره، و مقدمة بعيدة له في بيع المضطر، لا يوجب فرقا في تعلق الشوق و الإرادة بهما بل يقع كل منهما متعلقا للإرادة لمكان توقف المراد بالذات عليهما.

ثمّ انّه ربّما يتبادر الى بعض الأذهان، انّ الذي أوجب بطلان بيع المكره كون الكراهة فيه من ناحية الغير الذي أكرهه عليه. و هو أيضا غير مرضى عندنا فإنّ الكراهة في بيع المضطر أيضا ربّما تكون من ناحية الغير، كما لو أكرهه غيره على تحصيل الثمن و دفعه اليه.

هل كان الإكراه مانعا مستقلا عن صحة البيع أو كان مرجعه الى اشتراط الرضا

يظهر من جميع ما ذكرنا. انّ التمسك بقوله تعالى «تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» أو ما دلّ من الروايات على اعتبار طيب النفس و الرضا في البيع غير مقرون بالصحة.

لاشتماله على التراضي و طيب النفس من حيث ترتب عنوان تعلق به الرضا و طيب النفس عليه و ان كان فاقدا له في ذاته بيع المضطرّ طابق النعل بالنعل.

فلم يبق إلا ان تكون للإكراه موضوعية في نفى الصحة عن البيع بنحو المانعية،

من دون ان يكون مرجعها الى اشتراط الرضا و يكون الدليل في إثباتها هو الاخبار الواردة في باب الطلاق، و عموم حديث الرفع بناء على تعميمه على رفع جميع الآثار.

و انّما يختصّ حديث الرفع لإثبات خصوص بيع المكره، دون المضطر، مع انّ من جملة المرفوعات به هو ما اضطروا إليه، لأنّ الحديث مسوق لأجل الامتناع و التوسيع على العباد. فلا يشمل لا محالة على بيع المضطر لعدم وجود الامتنان في رفع أثره، بل الامتنان في إمضائه بخلاف بيع المكره فانّ من الواضح كون رفع أثره موافقا للامتنان.

هذا كلّه تقريب ما ذكره السيد «ره» في المقام.

و يرد عليه، مضافا الى منع ما بنى عليه التقريب، من كون بيع المكره و بيع المضطر مكروهين لبايعهما في مرتبة ذاتهما، و محبوبين لهما، في مرتبة ترتب المصلحة عليه. و محصل المنع: أنّ مقتضى التحقيق في باب اجتماع الأمر و النهي، انّ اختلاف العنوان لا يكفي في إمكان تعلق الإرادة و الكراهة فعلا على معنون واحد، فضلا عن ان يكون الاختلاف في الرتبة مع وحدة العنوان، فالصحيح ان يقال: انّ البيع قبل طروّ الإكراه أو الاضطرار الموجبين لترتب المصلحة عليه كان مكروها، فإذا بدا ترتّب المصلحة عليه زالت الكراهة عنه و تبدلت بالشوق و الإرادة.

«أولا» إنّ الظاهر من كلمات الأصحاب- حيث ذكروا بعد القول ببطلان بيع المكره انّه لو رضى به بعد تحققه صح- أنّ بطلان بيع المكره ليس إلا لأجل عدم اقترانه بالرضا و طيب النفس، لا لأجل أنّ الإكراه أوجب بطلان البيع مع كونه مشتملا على طيب النفس و الرضا. و هو المستفاد من الروايات الواردة في بطلان بيع المكره.

فمنها رواية منصور بن يونس (1)قال: سألت العبد الصالح و هو بالعريض، فقلت له: جعلت فداك إنّى تزوجت امرأة و كانت تحبني، فتزوجت عليها ابنة خالي، و قد كان لي من المرأة ولد، فرجعت الى بغداد فطلقتها واحدة، ثم راجعتها ثم طلقتها الثانية، ثمّ خرجت من عندها أريد سفري هذا حتى كنت بالكوفة أردت النظر الى ابنة خالي، فقالت أختي و خالتي: لا تنظر إليها و اللّه ابدا حتى تطلق فلانة. فقلت: ويحكم و اللّه مالي إلى طلاقها من سبيل.

فقال لي: ما هو شأنك ليس لك الى طلاقها من سبيل؟ فقلت: انّه كانت لي منها ابنة و كانت ببغداد و كانت هذه بالكوفة، و خرجت من عندها قبل ذلك بأربع، فأبوا على إلا تطليقها ثلاثا، و لا و اللّه جعلت فداك ما أردت اللّه و لا أردت إلا أن أداريهم عن نفسي. و قد امتلأ قلبي من ذلك. فمكث قليلا مطرقا ثمّ رفع رأسه و هو متبسم، فقال: أمّا بينك و بين اللّه فليس بشي‌ء، و لكن إن قدموك الى السلطان أبانها منك. انتهى.

فقوله ما أردت اللّه و انّما أردت أنّ أداريهم في نفسي صريح في فقدان عقده عند الإكراه لطيب النفس و الرضا فأفتى الإمام عليه السلام ببطلان العقد على فرض مسألة الراوي.

و منها قوله عليه السلام في رواية يحيى بن عبد اللّه بن حسن (2)لا يجوز طلاق في استكراه إلى ان قال و انّما الطلاق ما أريد منه الطلاق من غير استكراه «الحديث».

«و ثانيا» انّه لا دليل على موضوعية الإكراه في المنع عن صحة المعاملة.


1) الوسائل، كتاب الطلاق، أبواب مقدماته باب 38، و سنده صحيح.

2) الوسائل، كتاب الطلاق، أبواب مقدماته باب 37، و عبد اللّه هذا لم يتعرّض لتوثيقه و لكنّه كان شيخ بنى هاشم في زمانه و باقي رجال السند ثقات.

«امّا الروايات» فقد عرفت انّ دلالتها على بطلان عقد المكره مقرونة بالدلالة على عدم وجود الرضا و فقد ارادة تحقق مضمون العقد «و اما حديث الرفع» فلأنّه لا يقتضي رفع أثر المكره بالمعنى الذي تقدم في رواية منصور بن يونس، اعني الإقدام على البيع لأجل المداراة مع الأخت و الخالة. فإنّ من المعلوم عدم إمكان التمسك به على رفع حرمة شرب الخمر لأجل المداراة مع الناس.

و ممّا ذكرنا يعلم الإشكال في تمسّك الشيخ «قده» أيضا على بطلان بيع المكره بحديث الرفع. مضافا الى انّ المنع يتطرق اليه بناء على ما تسلمه من كون بطلان عقد المكره لأجل فقدانه للرضا، فانّ حديث الرفع على ما حققه في الفرائد لا يصلح لرفع الآثار المترتبة على احد العناوين الثانوية المذكورة فيه، بل إنّما يصلح لرفع الآثار المترتبة على ذات الموضوعات من غير تقيد بتلك العناوين أو عدمها. فلا يجوز التمسك بها على رفع الأثر المترتب على البيع المتقيد بالرضا، و هو عدم الكره، أو بالعكس على ما ذكره.

«و ثالثا» عدم صدق الرضا على البيع مع الإكراه عرفا.

و ممّا يدلّ على فقدان بيع المكره للرضا و طيب النفس مع كونه مقرونا بالإرادة و القصد، عدم التنافي بينها، قوله تعالى «مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ- إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ» (1)الآية فإنّها تدلّ على انّهم كفروا لا عن طيب نفس منهم بل كانت قلوبهم مطمئنة بالايمان مع انّهم انّما كفروا عن قصد، و الا لم يصدق عليهم أنّهم كفروا رأسا هذا.

ثمّ انّه ذكر بعضهم في تقريب الفرق بين بيع المضطر و بيع المكره في صحة الأوّل دون الثاني: عكس ما ذكره السيد، و هو كون كليهما واجدين للرضا و طيب النفس. فالتزم بكون كليهما فاقدين للرضا و طيب النفس. ثمّ بنى عليه


1) سورة النحل الآية 106.

أن بيع المكره تفرد عن بيع المضطر باشتراط الرضا فيه دونه فأوجب فقدانها بطلان الأول دون الثاني.

و ذكر في وجهه: انّ الأدلّة الدالّة على اعتبار الرضا و طيب النفس كانت في مقام التوسيع و الامتنان، فلا تشمل بيع المضطر لكون اعتبار هما فيه منافيا للامتنان. فالفرق بين بيع المكره و بيع المضطر بعد اشتراكهما في فقدان الرضا و طيب النفس، انّ بيع المكره فاقد لما يشترط في صحته، و بيع المضطر فاقد لما لا يشترط في صحته فلا يقدح فقدانه فيها.

المبحث الخامس في جهات الفرق بين بيع المكره و المضطر

الجهة الأولى كون المكره فاقدا للاستقلال دون المضطر

التحقيق كما ذكره الشيخ في المكاسب و هو الظاهر من المشهور، انّ الفرق بين بيع المكره و بيع المضطر فقدان بيع المكره للرضا و طيب النفس دون بيع المضطر. و من هنا صح التمسك على بطلان بيع المكره بقوله تعالى «تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» (1)و قوله عليه السلام «لا يحلّ مال امرء مسلم الا عن طيب نفسه» (2).

و قد انهى الشيخ «ره» في تحقيق ذلك في ضمن كلام قصير و بيان يسير


1) سورة النساء، الآية 29.

2) البحار ج 73 ص 350 نقلا عن تحف العقول في خطبة النبي صلّى اللّٰه عليه و آله في حجة الوداع: قال «ص» و لا يحلّ لمؤمن مال أخيه الا من طيب نفسه.

حيث قال «و الحاصل، انّ الفاعل قد يفعل لدفع الضرر، لكنّه مستقل و مخلى طبعه فيه، بحيث تطيب نفسه بفعله، و ان كان من باب علاج الضرر. و قد يفعل لدفع ضرر إيعاد الغير على تركه، و هذا ممّا لا تطيب النفس به».

و توضيحه حيث ترتفع السترة عن كلامه، و ينكشف عن غطاء الخفية مرامه. أن سراية الإرادة إلى المقدمة، تكوينية كانت أو تشريعية، تتبع كيفية توقف المراد و ترتبه عليها، لا على إطلاقها بل مقيدة بحصول قيد كانت سراية الإرادة إليها أيضا عند تقيدها بالقيد المذكور. و من هنا يحصل الفرق بين وجوب الطهارة عن الحدث و بين وجوبها عن الخبث في كون الواجب في مورد الطهارة عن الحدث متقيدا بقصد القربة بحيث لو لم يحصل قصد القربة عند الغسل لم يتحقق به الطهارة و لم يحصل الواجب. و في مورد الطهارة عن الخبث غير متقيد به.

و من هذا القبيل، الفرق بين بيع المضطر و المكره، فانّ الواجب بالذات و ما تعلقت الإرادة به أولا، و هو حفظ النفس مثلا، يتوقف تارة على إيجاد البيع مطلقا من غير تقيد بحصول طيب النفس، كما في مورد بيع المكره. فانّ حفظ النفس عند اكراه الغير له و إيعاده بالقتل إنّما يتوقف على إيجاد البيع مطلقا، من دون اعتبار تقييده بالاقتران بطيب النفس و الرضا، لكونهما من الأمور القلبية الخفية على الغير. و تارة على إيقاعه متقيدا بحصول طيب النفس، كما في مورد بيع المضطر، فانّ حفظ النفس عند المجاعة و بدوّ الاضطرار يتوقف في حق من يتعبد بالشرع على بيع داره بالرضا و طيب النفس، لعدم حلّ ما يأخذه من الثمن الا ببيعها عن طيب النفس و الرضا، فتتعلّق الإرادة لا محالة بتحصيلهما. بخلاف بيع المكره فلا تتعلق ارادة المكره بتحصيلهما، لعدم توقف حصول الغاية عليه، و هي مجرد دفع شر الغير.

نعم ربّما يتعلق ارادة المكره بتحصيل الرضا في نفسه عند البيع المكره عليه،

لأجل عروض جهات اخرى تتوقف عليه. كما إذا أراد المكره عند إكراهه على طلاق امرأته عدم تزوجها من غيره لا على الوجه الشرعي الموجب للزنا، أو أراد المكره عند إكراهه على بيع ماله حلية ما يأخذه من الثمن عن المشتري، أو غير هما من الأغراض و الجهات الطارية، صح الطلاق و البيع و غير هما. إلا أنّ ذلك خارج عن مورد البحث. و المبحوث عنه في المقام مجرد فرض ارادة المكره عن البيع دفع مضرة الغير.

فالمكره عليه من البيع نظير مورد الطهارة عن الخبث في عدم توقف المراد الا على ذات المقدمة، و يقابله بيع المضطر في كون مورده ممّا يتوقف تحقق المراد على المقدمة متقيدا بقيد، و هو قصد القربة في الطهارة، و طيب النفس في بيع المضطر، فكما كان المصلى يتعب نفسه في تحصيل الطهارة عن الحدث من أيّ شي‌ء حصل و على أيّ شي‌ء توقف، لأجل الوصول الى نعيم الجنّة، و الاحتراز عن حميم النار، فكذلك المضطر يتعب نفسه في تحصيل الرضا و طيب النفس من أيّ شي‌ء حصل و على اى شي‌ء توقف (1)فانّ الغرض الأقصى له و هو صيرورة الثمن ملكا مباحا له يتوقف على البيع عن الرضا و طيب النفس.

لقوله تعالى «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» و قوله صلّى اللّٰه عليه و آله «لا يحل مال امرء مسلم الا عن طيب نفسه».

نعم ربما يتعلق غرضه بمجرد السلطنة على الثمن دون صيرورته ملكا مباحا له، و هو لا يتوقف على الرضا بالبيع، بل يحصل الغرض المذكور مع فساد البيع.

الّا أنّ هذه الصورة خارجة عن مورد البحث في بيع المضطر، لعدم كونه حينئذ


1) لا يخفى انّ مجرد توقف حلية الثمن المأخوذ بالبيع، على اقترانه بالرضا و طيب النفس، و كون البيع المقترن به هو المحلل دون غيره يوجب تحرك الشوق نحو البيع بجميع ما يعتبر فيه من الشروط.

مضطرا على البيع بل على مجرد السلطنة على الثمن بأيّ نحو حصل، سواء صار ملكا له مباحا شرعا أم لا. و هي لا تتوقف الا على صورة البيع، دون البيع المستجمع لشرائط الصحة التي منها حصول الرضا و طيب النفس. إلا انّ هذه الصورة خارجة عن فرض البحث و هو الاضطرار بالبيع.

لا يقال فعلى ما ذكرت يخرج بيع المكره عن كونه بيعا أصلا، لعدم توقف حفظ النفس و دفع شر الغير الا على التكلم بلفظ بعت، و لو عن تورية فإنّه يقال:

انّ المكره على البيع ربّما لا يلتفت الى التورية، فيقصد معنى البيع لا محالة بالإكراه.

الجهة الثانية تعلّق القصد في بيع المضطرّ بالمسبب دون بيع المكره

اعلم أنّ سريان الإرادة و ترشحها انّما يكون في الأمور المترتبة، من المرتبة المتأخرة إلى المتقدمة عنها في المرتبة. و لذا تتعلق الإرادة أولا بالغرض الأقصى، ثمّ تترشح منه الى ما توقف عليه ذلك، ثمّ يتعلق ثالثا على ما يتوقف عليه حصول المرتبة الاولى، و هكذا. كما لو غلب عليه العطش، و اشتاق الى شرب الماء، فتتعلّق ارادته أوّلا بشرب الماء، و يتعلق ثانيا بتحصيل الماء، و ثالثا بأمر العبد بإحضاره، و هكذا. و كما إذا أراد إتيان الصلاة، تتعلق إرادته أولا بإتيان الصلاة، ثم تتعلق ثانيا بالتوضي، و تتعلق ثالثا بتحصيل ما يتوضى به من الماء، و هكذا.

و بالجملة انّ تعلق الإرادة بالمسبب، هو الموجب لتعلقها بالسبب دون العكس. و امّا إذا تعلقت الإرادة أوّلا بالسّبب، فان كان علّة تامة لحصول المسبب بحيث يترتب عليه المسبّب من غير توقف على حصول شرط أو ارتفاع

مانع، سواء تعلقت بذاته أو من أجل غيره و علم بكونه كذلك، يكون ارادة السبب ارادة له بالتبع. و ان كان علّة غير تامّة، و توقف ترتب حصول المسبب عليه على وجود شرط أو ارتفاع مانع، أو كان علّة تامّة له في زعمه، و لم يكن كذلك في الواقع، لا يقع المسبب تحت الإرادة بتبع ارادة السبب.

و منه يظهر الفرق بين بيع المضطر، و بيع المكره. فإنّ الإرادة تتعلّق في بيع المضطر أوّلا بالمسبب اعني حقيقة البيع فتترشح منه الى سببه، و هو العقد.

فيصح البيع لعدم قصور فيه لوقوع كل من السبب و المسبب تحت الإرادة. و امّا في بيع المكره فتتعلّق الإرادة أولا بالسبب، اعني العقد مع جميع ما يعتبر فيه من الإرادة الاستعمالية و الجدية أعني جعل اللّفظ مرآتا لتحقق البيع (1)

و غاية ما يمكن أن يقال في التفكيك بينهما: إنّ الإكراه يتعلّق بمجرد العقد، غير المقيّد بالرضا و طيّب النفس، و ليس هو مصداقا للبيع فعلا بل أمر يصلح لأن يكون مصداقا له بلحوق الرضا و طيب النفس عليه، فالإكراه عليه ليس إكراها على ما هو مصداق للبيع فعلا.

و يدفعه: أنّ لازم وقوع العقد بجميع ما يعتبر فيه حتى قصد إنشاء البيع و ارادة تحققه في حيز الإكراه، وقوع الرضا أيضا في حيزه بناء على ما تقدّم من الأستاذ «ره» من استحالة التفكيك بين الرضا و الإرادة لكون القصد و الإرادة هو المرتبة الأكيدة من الرضا و الشوق. و إن كنّا قد نابي عنه من أجل عدم كون الرضا بمعنى الشوق أولا، و عدم كون الإرادة هو المرتبة الأكيدة له ثانيا، اللّهم الا ان يمنع عن وقوع الإرادة في حيز الإكراه لكونها من الأمور الخفية على الغير، و قد تقدم دفعه من الأستاذ في آخر المقدمة الأولى.

لوقوع الإكراه عليه. و لو لم يتعلق الإكراه إلا على مجرد التلفظ بلفظ الإيجاب أو القبول خرج عن محل الكلام، فانّ المفروض في بحث بيع المكره تعلق الإكراه بالعقد.

فلا تترشح الإرادة منه الى المسبب، و هو حصول حقيقة البيع في الخارج. لعدم


1) قد تقدم منّا، عند البحث في حقيقة البيع و المعاطاة، أنّ العقد هو المصداق الإنشائي للبيع، و ليس سببا للبيع حتّى يغاير وجوده وجود البيع، فوقوع الإكراه على العقد هو بعينه، وقوعه على البيع.

كون العقد علّة تامة لها، بل يتوقف حصولها معه على حصول طيب النفس و الرضا، سواء علم بذلك المكره أو لم يعلم، و زعم أنّ تحقق البيع في الخارج يترتب على مجرد العقد. لما عرفت من انّ تعلق الإرادة بالمسبّب بتبع تعلّقها بالسبب، ينحصر فيما إذا كان السبب علّة تامّة له مع علم المريد به.

الجهة الثالثة ضعف الإرادة في بيع المكره دون بيع المضطر

اعلم انّ العلماء ذكروا في الأبواب المتفرقة من الغصب و القصاص، و الديات:

انّ السببيّة من جملة موجبات الضمان في الأموال و النفوس. و موردها كلما كان استناد العمل الى السبب أو الى المباشر مع كون السبب أقوى في التأثير منه و اقسامه أربعة.

«الأول» ان تكون الواسطة بين الفعل و السبب شيئا فاقدا للشعور، كتوسط السكين بينه و بين القطع و القتل.

«و الثاني» ان تكون شخصا واجدا للشعور، لكنّه كان في وساطته فاقدا للإرادة، كما لو أدخل في طعامه سما و لم يعلمه، فأكله كان المباشر للقتل هو نفسه، إلّا أنّه أقدم به لا عن ارادة.

«الثالث» ان تكون شخصا واجدا للشعور و الإرادة كليهما، و لكن كانت ارادته من نفسه بمنزلة العدم كما لو كان طفلا غير مميز.

«و الرابع» ان تكون شخصا واجدا للشعور و الإرادة الكاملة لكنّه كان فاقدا للاستقلال في إرادته و كان ضعيفا فيها، كالقاضي في حكمه، فإنّ الحكم يصدر منه عن ارادة إلا أنّه غير مستقل فيها، بل تتبع الشهود في شهادتهم. فلو شهدوا على ارتكاب شخص بالسرقة فحكم القاضي بقطع يده، كانت ديتها

على الشهود، و ان كان المباشر هو القاضي. و كالمتلف لمال الغير عن اغترار، كما لو دفع اليه المال فأتلفه ثمّ انكشف كونه للغير، فانّ الضمان يستقرّ على ذمة من اغرّه و ان كان المغرور قد أقدم عليه عن إرادة الا انّه غير مستقل فيها.

و من جملة موارد هذا القسم هو المكره. فان المكره غير مستقل في عمله، و ان كان مريدا له، لكون ارادته مغلوبة لإرادة المكره بالكسر. فلا يترتّب على عمله- بما انّه عمل له- أثر لا في الأموال و لا في النفوس. الا القتل، فإنّهم صرحوا بعدم جوازه و لو عن اكراه «و السر فيه» انّ الإكراه انّما يحصل إذا قطع أو ظنّ بأنّه لو ترك الاقدام لتوجه اليه الضرر من ناحية المكره، و لا ضرر أعظم من القتل يقطع أو يظنّ بتوجهه اليه عند تركه لقتل الغير. و نفوس المؤمنين متساوية في الحرمة، فلا يجوز له الاقدام بقتل الغير دفعا لمضرة عن نفسه، و ان كان الضرر المتوجه إليه أيضا قتلا (1)و الحاصل انّ البيع و ان كان مستندا الى المكره بالفتح، إلا انّه لم يكن مستقلا في إرادته. و هذا هو الفارق بين بيع المكره. و بيع الفضولي، حيث حكموا بكفاية لحوق الرضاء في صحة الأوّل و عدمها في الثاني، و توقف صحته على إنشاء الوكالة قبل البيع أو الإجازة بعده. فانّ المانع عن صحة بيع المكره انّما هو عدم استقلال المكره في بيعه مع كونه مستندا اليه، و يرتفع المانع عنها و يتحقق الاستقلال بلحوق الرضا عليه. و المانع عن صحة بيع الفضولي هو فقد استناده الى المالك رأسا، فلا بدّ من إيجاد الرابط بينه و بين المالك، و استناده إليه بالوكالة أو الإجازة.


1) مقتضى هذا التقريب اعتبار كون الضرر المتوجه اليه، عند تركه لما اكره عليه من العمل، أعظم منه أو مساويا له و ان كان العمل المكره عليه إضرارا ماليا لقوله عليه السلام «حرمة مال المسلم كحرمة دمه».

تحقيق القول في الفرق بين بيع المضطر و المكره

إذا عرفت هذه المقدمات، تقدر على جواب مسألة الفرق بين بيع المكره و بيع المضطر. و حاصل الجواب من وجوه.

«الأول» اشتمال بيع المضطر على ارادة تحقق البيع في الخارج، بخلاف بيع المكره. فإنّه و ان اشتمل على الإرادة الاستعمالية و الإرادة الجدية أعني جعل اللفظ مرآتا لحقيقة البيع، الا انّه فاقد لإرادة تحقق البيع في الخارج (1).

«و الثاني» حصول الرضا و طيب النفس في بيع المضطر، دون بيع المكره.

لما عرفت من انّ الإكراه لا يكاد يتعلق بالرضا و طيب النفس، لكونهما من الأمور القلبية الخفية على الغير (2). نعم لو كان المكره معصوما يطلع على القلوب يمكنه ان يكره البائع على تحصيل الرضا و طيب النفس، فيصحّ بيع من أكرهه عليه. فانّ المراد من المكره في محل الكلام ليس هو المكره المصطلح عليه في الأصول، بل المراد: هو الفاقد العادم للرضا و طيب النفس، و ان لم يتوجه إليه الإكراه المصطلح. كما لو كان ملزما على البيع لأجل مداراة أهله كما هو المذكور بعينه في الرواية المتقدمة مع انّه لا يصدق عليه المكره بحسب الاصطلاح. كيف و لو شرب الخمر مداراتا لأهله أو غيرهم، لم ترتفع عنه الحرمة و المؤاخذة.

و بالجملة الاعتبار في المكره المصطلح عليه في باب البيع، على عدم حصول


1) قد عرفت فيما علقناه على البحث في اعتبار قصد الإنشاء انّ قصد معنى البيع من لفظ بعت و هو المعبر عنه ههنا بجعل اللفظ مرآتا لحقيقة البيع هو بعينه قصد إنشاء البيع في الخارج فلا يعقل التفرقة بينهما فراجع.

2) قد عرفت فيما علقناه على المقدمة الثانية أنّ مقتضى مبناه «قده» هو الالتزام بوقوع الرضا أيضا في حيز المنع و الإكراه و تحقق الرضا في نفس المكره بالفتح، بإلزام الغير.

الرضا و طيب النفس، و لذا ذكر العلامة انّه لو نوى البيع صحّ (1)

«الثاني» قوله صلّى اللّٰه عليه و آله «لا يحلّ مال امرء مسلم إلا عن طيب نفسه» فانّ المتبادر من قوله الّا عن طيب نفسه كونه مسوقا في قبال إلزامه و إكراهه على رفع اليد عنه، و عدم ممانعته عن تصرف الغير فيه «توضيحه» انّ التصرّف في مال المسلم عن طيب نفسه في قبال التصرف فيه عن سخطه و كراهته، و التصرف في مال الغير عن كراهة لا يكون الا بجبره و إلزامه و إكراهه على رفع اليد عنه و ترك ممانعته عنه. و بالجملة الرواية تدلّ على عدم حل التصرّف في مال المسلم بإلزامه و إكراهه على رفع اليد عنه و إيعاده على ممانعته عن تصرّف الغير فيه.

و هذا بخلاف المضطر الى بيع ماله فإنّه إنّما أقدم عليه بمقتضى طبعه من فعل ما يترجح نفعه أو مضرة تركه على مضرته، و ينطبق ما ذكره الشيخ في كلامه المتقدم على هذا الوجه.

.

«و الثالث» استقلال المضطر في بيعه، بخلاف المكره فإنّه غير مستقل في إرادة البيع و مغلوب فيها لإرادة المكره بالكسر.

و منه يعلم انّه لا حاجة في إثبات بطلان بيع المكره إلى الأدلّة الدالّة على اعتبار الرضا و طيب النفس، فضلا عن الأدلّة المدعاة دلالتها على مانعية الإكراه، لعدم شمول إطلاقات البيع كقوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» عليه، لكون الاستناد مأخوذا فيه، و قد عرفت في المقدمة الثالثة ضعف استناد البيع الى المكره بالفتح. و الضعف في الاستناد كما أوجب نفى توجه الضمان الى المباشر عند ضعف ارادته، لأجل عدم شمول إطلاق من أتلف مال الغير فهو له ضامن عليه، كذلك يوجب نفي صحة البيع، لأجل عدم شمول أدلتها عليه.


1) التحقيق انّ الدليل على الفرق بين بيع المكره و المضطر أمران «الأوّل» قاعدة السلطنة، و تقريب دلالتها على بطلان بيع المكره دون المضطر من وجهين «أحدهما» أنّ تأثير العقد المتحقق بإكراه الغير و إلزامه له على التكلّم بلفظ بعت و قصد تحقق البيع به لغفلته عن إمكان التخلص عنه بالتورية، يوجب سلطنة الغير على ماله. و قد تقدم في بيان مفاد القاعدة دلالتها على نفي سلطنة الغير على ماله. «و ثانيهما» انّ سلب الاستقلال عن المالك، في التصرف ماله أو تركه، يستلزم سلب سلطنته على ماله.

نعم ما كان من الأدلّة ممّا تعلق الحكم فيه بذات البيع، من دون أخذ الاستناد فيه كقوله تعالى «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» يشمل بيع المكره أيضا على نسق شموله على غيره، و يحتاج تخصيصه بغير المكره إلى الأدلّة الدالة على اعتبار الرضا في البيع.

و امّا ما ادعى دلالته على كون الإكراه مانعا عن صحة البيع اعني حديث الرفع فالإشكال فيه من وجوه.

«امّا أولا»، فلانّ المرفوع به كما تقدمت إليه الإشارة، هو الآثار المترتبة على ذوات الأشياء، غير مقيدة بواحد من العناوين الثانوية المذكورة فيه، من الجهل و النسيان و الإكراه و غيرها. فلا يرتفع بحديث الرفع وجوب سجدتي السهو لتقيد موضوعه بالسهو و النسيان، و لا ضمان دية قتل العمد لتقيد موضوعه بالعمد، و كذلك لا يرتفع بفقرة رفع ما استكرهوا عليه من الحديث اثر بيع المكره، فإنّه إنّما يترتب الأثر على البيع المتقيد بالرضا و طيب النفس في قبال الكراهة.

«و امّا ثانيا» فلإمكان منع إرادة جميع الآثار حتى الآثار الوضعية. نعم انّ مقتضى التحقيق عموم الرفع لجميع الآثار، لوجود الشاهد عليه في مورد الرواية.

«و أمّا ثالثا» فلانّ مورد الحديث محمول على التقية، فيوجب ذلك و هنا في التمسك بها.

لكنّ التحقيق أنّ المسؤول عنه في الرواية، ليس هو خصوص الاستكراه على الحلف بالطلاق و العتاق. ليكون الجواب و ما ذكر دليلا عليه في كلام الامام عليه السلام محمولا على التقية، لكون الحلف بالطلاق و العتاق مخالفا لمذهب الإمامية. بل المسؤول عنه هو الكبرى الكلية أعني الاستكراه على اليمين، ثمّ فرع عليها الصغرى اعني الحلف على العتاق و الطلاق، فيكون الجواب أيضا

متوجها الى الحكم الكلى، من دون نظر إلى بطلان الصغرى في نفسها أصلا، كما يظهر ذلك بأدنى تأمل، و يشهد له وقوع السؤال عن الكبرى في جملة من الروايات.

ثمّ إنّه على تقدير كون السؤال عن الحلف بالطلاق و العتاق، نمنع عن كون الحكم المذكور في الجواب عن تقية. بل الحكم في الرواية ينطبق على ما هو عليه في الواقع كما هو الشأن في جميع الروايات الواردة في مورد التقية.

و لم نجد فيها ما يكون مخالفا للحكم الواقعي، بل كانت كيفيّة وقوع التقية فيها ذكر الحكم على نحو يتوهم السامع خلافه. كما في قوله عليه السلام في مجلس المنصور: «ذلك للإمام إن أفطرت أفطرنا»، فإنّ الإمام «ع» لم يذكر فيها ما يخالف الواقع، و انّما اتقى عنه بإلحاق قوله «إن أفطرت أفطرنا» على قوله «ذلك للإمام» فزعم المنصور إنّه يريد من الامام إيّاه.

و كذا حديث الاستكراه فإنّه لم يقع فيها ما يخالف الواقع، و قد حصل التقية فيها بذكر قوله عليه السلام رفع إلخ، بعد نفيه لصحة الحلف بالطلاق و العتاق. و أوهم ذلك أنّ الحكم ببطلان الحلف بالطلاق كان لأجل عروض الاستكراه عليه، فلم ينسبق إلى أذهانهم أنّه لأجل كونه باطلا في نفسه.

و بالجملة، انّ حديث الرفع كلام مستقلّ أنشأه الإمام عليه السلام عقيب نفي صحة الحلف بالطلاق و العتاق. بل و في رواية الراوندي قال: لا، ثم قال:

رفع إلخ. و فيه دلالة على وقوع التراخي بين الكلامين، و هو يؤيد كون رفع إلخ كلاما مستأنفا منقطعا عمّا قبله، فيرتفع الوهن عنه بجعل الكلام المتقدم عليه بيانا لمورده.

المبحث السادس في اختصاص حكم الإكراه بصورة عدم إمكان التخلص

اعلم انّ الإكراه يختصّ بصورة عدم إمكان التخلص، و لا أثر له مع التمكن من رفعه، و الكلام فيه يقتضي التحقيق في صدق عنوان الإكراه مع إمكان التخلص، و شمول الأدلّة الدالّة على نفى الحكم عن المكره عليه مع إمكان التخلص، و عدمهما.

و مجمل القول فيه انّ مدخلية الإكراه في عدم ترتب الحكم تكون «تارة» لأجل منافاته مع ما يعتبر في ترتب الحكم، كما فيما نحن فيه على ما هو مقتضى التحقيق فيما تقدم، من انّ المعتبر في صحة البيع هو الاستقلال و الرضا و طيب النفس. فالإكراه إنّما يوجب بطلان البيع لمنافاته معها، لا لأجل كونه بما هو مانعا عن صحة البيع، و الحكم في هذه الصورة لا يدور مدار الإكراه وجودا و عدما.

«و تارة» لأجل كونه بعنوانه مانعا عن توجه الحكم، كما في الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة الواقعة في غير المعاملات، و كذا أحكام المعاملات بناء على ما ذهب اليه السيد «ره» فالتحقيق حينئذ عدم تحقق الإكراه عند إمكان التخلص منه، لارتفاع عنوان الإكراه معه لغة و عرفا و عقلا.

أمّا لغة و عرفا، فلأجل أنّ مادة الإكراه و الاستكراه الواقعين في لسان الأدلّة هو الكراهة فلا يتحققان بعد انتفاء الكراهة، و ليس معنى هيأه الإكراه إلا إيقاع الغير فيها و كذا هيأه الاستكراه لها معنى يرجع اليه فلا يصدقان مع إمكان التخلص.

و امّا عقلا، فلأجل أنّ إكراه الغير على فعل، لا يتحقق إلا مع كونه علّة

تامّة في داعوية المكره- بالفتح- اليه و توجّه ارادته نحوه. و لا يتحقق ذلك مع قدرة المكره- بالفتح- على إيجاد المانع، فضلا عن أن يزيد عليه كون أمر آخر مقدور له شرطا أو جزء دخيلا في تحقق أصل المقتضي. فلا يتحقّق الإكراه مع إمكان التورية بالتلفظ بالصيغة مع عدم ارادة معنى منه، أو إرادة معنى الاخبار أو إنشاء معنى آخر غير البيع.

فان قلت: انّه لا يوجد مورد لا تتأتى فيه التورية و لم يتمكن المتكلم منها، فلو فرض عدم تحقق الإكراه مع إمكان التورية، يلزمه عدم تحقق الإكراه في مورد من الموارد أصلا فيكون سوق أدلّة رفع الإكراه و الاستكراه لغوا قلت: هذا الاشكال يرد على الأدلّة الدالّة على الاستثناء عن حرمة الكذب و جوازه في بعض الموارد بنحو آكد، فإنّها على كثرتها مع النادر، لعدم تحقق الكذب مع التورية. فإنّ المعتبر في تحقق الكذب و عدم مطابقة ما قصد من اللّفظ مع الخارج، و إنّ الألفاظ بما هي لا تتصف بالصدق و الكذب، و لا بما هي حاكية بنفسها عن المعنى. و لذا لو خفيت القرينة في الكناية أو المجاز على السامع و كان ظاهر اللّفظ غير مطابق مع الواقع لم يصدق عليه عنوان الكذب، بل إنّما يصدق ذلك عند عدم مطابقة ما قصد المتكلم من اللّفظ مع الواقع.

و بالجملة ما هو المعتبر في تحقق الكذب، عدم مطابقة ما أراه المتكلم باللّفظ مع الواقع، لا ما أراه اللّفظ و حكى عنه بنفسه، سواء قصده المتكلم أم لا. و لا اعتداد بمطابقة ما فهمه السامع من اللّفظ مع الواقع و عدمه، كما عرفت في المجازات و الكنايات. فلو قصد المتكلم من اللّفظ غير ما يحكى عنه، و طابق ما قصده عنه مع الواقع، و لم يطابق ما حكى عنه اللّفظ بنفسه لم يصدق عليه عنوان الكذب. و يشهد لما ذكرناه قوله عليه السلام في واقعة إبراهيم «ع» «ما كذب إبراهيم و قال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ. إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ» فإنّه يدلّ على نفي الكذب عن إبراهيم و ان كان كلامه تورية مسوقا لإيهام خلاف الواقع.

نعم ربما يكون التكلم باللّفظ مع قصد غير ما يحكى عنه اللّفظ حراما، لكونه إغراء بالجهل. و ذلك فيما ترتب عليه مفسدة غير متداركة، و امّا لو لم يترتّب عليه مفسدة، أو كانت متداركة بمصلحة، لم يكن محرما بوجه من الوجوه أصلا.

و هذا الاشكال قد ألجأ السيد و المحقق الى الالتزام بكون التورية كذبا و قد عرفت بطلانه «و دفع الإشكال» في كلا المقامين يتوقف على بيان مقدمة.

و هي أنّ الألفاظ ليست منظورة للمتكلّم، بل محط النظر له هو المعاني، و الألفاظ فانية فيها. و منشأ ذلك كما تقدّمت الإشارة إليه في أوّل الكتاب، كون اللّفظ وجودا تنزيليا للمعنى. فالمنظور من التكلّم بلفظ، هو المعنى الذي جعل اللّفظ وجودا تنزيليا له و صار قالبا له. فالمتكلم لا يلتفت عند استعمال اللّفظ بحسب ارتكازه الا الى ذلك المعنى، و لا يلتفت الى غيره، و انّما ينظر الى اللفظ بنظر آلي مرآتي. و من هنا احتاج الاستعمال في المجاز إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي.

فالتورية أعني إرادة المعنى من اللّفظ بغير ما كان قالبا له، أو إرادة نفس اللّفظ استقلالا من دون جعله مرآتا للمعنى، مخالفة للارتكاز، فقلما يوجد أن يسير الإنسان إلى خلاف ارتكازه. نعم يلتفت الإنسان كثيرا إلى إمكان التورية أو إرادة مجرد اللّفظ من دون المعنى، الا أنّه يغفل عنه عند استعمال اللّفظ بحسب ارتكازه، و يقصد من اللّفظ ما يحكى عنه من المعنى قهرا.

و الالتفات اليه حين الاستعمال و المنع عن الارتكاز، ليس من شأن عامّة الناس بل هو شأن الأوحدي منهم.

و قد تبين من ذلك أنّ منع صدق عنوان الكذب و الإكراه عند إمكان التورية، لا يستلزم حمل الأدلة المسوقة للاستثناء من حرمة الكذب و جوازه في موارد على الفرد النادر، بل يكون غالب الموارد باقيا تحت الأدلّة، منطبقا عليه عنوان الكذب أو الإكراه المأخوذ في موضوعها. و الخارج عنها لإمكان التورية

فيه قليل جدّا، لا يوجب حمل تلك الأدلّة على النادر، فضلا عن جعلها لغوا فاقدا للمورد.

ثمّ انّه ربما يتوهم من واقعة عمار جريان حكم الإكراه عند إمكان التورية نظرا الى أنّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله لم يمنعه عن كلمة الكفر و لم يأمره بالتورية بل أمره بإعادة كلمة الكفر عليهم.

و وجه الاندفاع، مضافا الى انّ تحقق الإكراه عند إمكان التورية أو عدمه من جملة الموضوعات الخارجية، فليس يجب على الشارع بيانه و لا هو من شأنه:

انّ عمار بعد ما تكلّم بكلمة الكفر من غير التفات إلى التورية بحسب ارتكازه، كما هو شأن كل من تكلم بلفظ، عدا الأوحدي منهم، تحقق له عنوان الإكراه لا محالة. فلم يكن عاصيا في ذكر كلمة الكفر حتى يردع عنه النبي «ص».

بل ربّما كان له جهة محسنة، لصيرورته من أجل طرو الإكراه ممّا رخصة اللّه تعالى فيه. و الإتيان بما رخص اللّه تعالى فيه محبوب له، كما ورد «إنّ اللّه تعالى يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يحبّ أن يؤخذ بعزائمه» فهو يحبّ الإفطار و التقصير من المسافر، كما يحبّ الصيام و الإتمام من الحاضر، فما بال النبي صلّى اللّٰه عليه و آله ان يمنع عمارا عن صدور أمر محبوب للّه تعالى منه، هذا.

و قد يتوهم انّ التكلم بكلمة الكفر حرام بنفسه، فلا ترتفع حزازته بالتورية، فلو لا طرو عنوان الإكراه لم ترتفع حرمتها و حزازتها و انّ تشبث بالتورية.

و فيه: أنّ حرمة التكلم بكلمة الكفر بنفسه ممنوع جدّا، كيف؟

و من البديهي عدم حرمة التكلم بها بعنوان النقل و الاخبار. و منشأ التوهم خلط كلمة الكفر بالشتم و السب فإنّ التكلم بالفاظهما، لمكان وجود مفسدة التحقير و التوهين فيه، صار محرما و ان لم يقصد المعنى منها أو قصد منها التورية، فافهم ذلك.

المبحث السابع في أقسام الإكراه و انقسامه حسب أقسام الواجب

اعلم أنّ الإكراه حيث كان بمعنى أمر الغير و إلزامه على فعل، يتصور فيه لا محالة ما يتصوّر من الأقسام في الواجب، من التعييني و التخييري، و العيني و الكفائي، و المضيق و الموسع.

و لا إشكال في شمول أدلّة نفي الإكراه، على الإكراه العيني التعييني المضيق، و هو القدر المتيقن من مواردها.

و امّا الإكراه التخييري، أعني ما تردد متعلّقة بين فعلين، فان كان للجامع بينهما اثر يرتفع لا محالة بأدلّة نفي الإكراه. و امّا ما اختصّ من الآثار لواحد منهما بعينه، فلا يرتفع بها لعدم تعلّق الإكراه و الإلزام عليه، بل على الجامع بينه و بين الطرف الأخر، و المفروض عدم كونها مترتبة على الجامع.

و هذا بعينه نظير مقدمة الواجب إذا كان لها مصداقان، فلا يتّصف بالوجوب منهما الا المباح الفارغ عن جهة الحرمة، فكذلك لا يتّصف بالإكراه إلا ما كان فاقدا للمحذور.

نعم مع البناء على كون الوجوب التخييري نحوة خاصة من الوجوب، تتعلّق بكلا الطرفين، و يتّصف كلّ منها بالوجوب. يصير كل من طرفي الترديد للإكراه موصوفا بعنوان المكره، لما عرفت من أنّ الإكراه نظير الإيجاب بعينه، فيحذو حذوه في جملة الانقسامات، فيصحّ حينئذ رفع الآثار المترتبة على كلّ منهما بخصوصه بأدلّة رفع الإكراه، الا انّه حيث جعلنا من شروطها عدم إمكان التخلص، يمنع عن شمولها عليهما لأجل فقدانهما لشرطه. هذا فيما إذا فرض ترتّب اثر على واحد منهما بخصوصه، و امّا لو كان لكلّ واحد منهما اثر يخصّه و لم يمكن

الإتيان بالجامع في ضمن فرد غير مشتمل على اثر خاص يترتّب عليه، لم يبق مفرّ عن الإكراه و انسد طريق التخلص عنه و تعلّق الإلزام بإتيان واحد من الأطراف المشتملة على آثار خاصة لا محالة.

نعم لو اشتمل واحد من الأطراف على أثر أزيد على ما يشتمل عليه جميعها لم يشمله أدلّة نفي الإكراه، و يلاحظ آثار الأطراف بعضها مع بعض و يقدم الأقلّ أثرا على غيره و لو من حيث قلّة الاهتمام بملاكه.

و «اما الكفائي» من الإكراه، أعني ما توجّه منه الى شخصين بحيث لو ارتكب أحدهما بالمكره ارتفع الإكراه عن الأخر، و إلا توجّه الإيعاد و الإضرار إلى كليهما، كما انّ إتيان أحد الشخصين أو الأشخاص بالواجب الكفائي يوجب سقوط الوجوب عن الأخر، و يعاقب كلّ منهما عند تركهما معا.

و ربّما يمثل له بتوجه الإكراه إلى واحد من الأب و الجد، و هو غلط إذا المعتبر في الإكراه توجه الضرر الى نفس المكره أو من يرجع اليه، فالضرر يتوجه الى كل من الأب و الجد لانّ الضرر المتوجه إلى الأب يرجع الى الجد أيضا و بالعكس.

و الاولى، التمثيل بفقيهين يكره أحدهما لا على التعيين على فتوى أو حكم جزئي. فالتحقيق انّ كل واحد منهما إذا علم أو ظنّ بارتكاب الأخر به عند تركه، لم يرتفع الآثار عن فعله إذا ارتكب به، لارتفاع الضرر عنه بارتكاب الغير، فيرتفع عنه موضوع الإكراه. و كذا لو احتمله بما يرتفع معه خوف توجه الضرر اليه، و امّا لو خاف من توجّه الضرر اليه صدق في حقه الإكراه. و كذا لو علم بتوجّه الضرر اليه لعلمه بعدم ارتكاب غيره بالفعل المكره عليه، بطريق اولى.

و امّا الموسع، اعني ما لو اكره على عمل في وقت موسع. فلو علم في أول الوقت بأنّه لا يتمكن من ارتكابه بعد لو تركه فيه، صار موضوع الإكراه

مضيقا بالعرض، و قد تقدّم أنّه لا إشكال في شمول أدلة الإكراه على المضيق.

و امّا لو لم يعلم به لم يجز له ارتكابه قبل ضيق الوقت، لعدم كون الإكراه داعيا الى ارتكابه له بالفعل. و الاعتبار بفعلية داعوية الإكراه، دون التقديري الاستقبالي منه.

و بالجملة الموسع من المكره نظير الموسع من الواجب، فكما انّ التوسعة في وقته تصير موجبة لجواز تركه قبل تضيق الوقت، كذلك التوسعة في وقت المكره توجب عدم جواز الارتكاب قبل تضيق الوقت، لكون الأمر على عكس الواجب.

المبحث الثامن في توجّه الإكراه إلى الوكيل

لو توجّه الإكراه إلى الوكيل، لم يوجب الا نفي الآثار المترتبة على الوكالة. فلو نذر ترك التصدي بالعقد عن وكالة، ترتفع الحرمة عنه بالإكراه. و اما صحّة عقده المستند الى الموكّل بالجعل و التنزيل فلا ترتفع، لصيرورتها مستندة الى غير من توجه إليه الإكراه، فلا يقدح توجّه الإكراه إليه في صحة العقد المستند الى الموكّل إذا لم يكن مكرها في التوكيل.

و بالجملة انّ من له العقد و كان العقد مستندا اليه غير مكره، و المكره غير من له العقد و من استند اليه (1)و امّا لو توجه الإكراه إلى الموكل ترتفع صحة العقد بذلك، لكون من بيده العقد مكرها عليه، و اما كون الوكيل غير مكره في التصدي بالعقد لا يوجب صيرورة العقد غير مكره لعدم استناد العقد اليه.


1) قد تقدّم منّا في التعاليق المتقدمة انّ دليل عدم صحّة بيع المكره عليه، هو قاعدة السلطنة، و حديث عدم حلية مال الغير الا عن طيب نفسه. و هما انّما ينفيان صحّة العقد إذا أكره عليه المالك، و اما إذا كان المكره هو الوكيل و لم يكن المالك مكرها فلا وجه لبطلان العقد.

المبحث التاسع في حكم لحوق الرضا بعد صدور العقد عن إكراه

لو رضي المكره بالعقد بعد ما صدر عنه اكراها جاز العقد اتفاقا، عدا عن قليل منهم.

و يظهر وجهه من ملاحظة ما اخترناه فيما يقدح في صحة بيع المكره، و ما يقدح في صحة بيع الفضوليّ، اما بيع المكره فقد تقدّم أنّ المختار فيما يقدح في صحته هو ضعف الاستناد اليه الموجب لعدم كونه مشمولا لإطلاقات البيع.

و امّا بيع الفضوليّ فسيجي‌ء انّ المختار فيما يقدح في صحته كونه فاقدا للاستناد الى من بيده الوفاء به، فإذا ارتفعت المنقصة القادحة في صحة الفضوليّ اعني فقد الاستناد الى المالك بحصول الرضا و طيب النفس منه، فالمنقصة القادحة في صحة بيع المكره اعني ضعف الاستناد اليه ترتفع بحصولهما بطريق اولى.

«و كذا بملاحظة ما اختاره الشيخ «ره» في المسألتين» حيث اختار أنّ القادح في صحّة عقد الفضوليّ فقدانه لشرط الصحّة و هو الاذن أو الإجازة، و القادح في صحة عقد المكره فقدانه لشرط آخر لها، و هو الرضا و طيب النفس، فكما يصير بيع الفضولي صحيحا بلحوق ما كان فاقدا له من الشرط أعني الإجازة، كذلك بيع المكره أيضا يصير صحيحا بلحوق ما كان فاقدا له من الشرط، لأجل استكمال شرائط الصحة و عدم بقاء حالة منتظرة لصيرورته صحيحا.

«و امّا بناء على ما اختاره السيد «ره» في المسألة» من انّ بطلانه لأجل كون الإكراه بما هو مانعا عن صحته بعد ما كان مستجمعا لجميع شرائط العقد حتى الرضا و طيب النفس، فيشكل الحكم بصحة البيع بحصول الرضا بعده.

«امّا أولا» فلانّ بطلان عقد المكروه عدم ترتّب الأثر عليه من الأوّل لم يكن لأجل فقدان الرضا و طيب النفس، بل المفروض حصولهما من أوّل الأمر، و انّما كان بطلان العقد لأجل طرو مانع مستقل أعني الإكراه عليه.

(اما ثانيا) فلأنّه لو فرض ارتفاع الإكراه أيضا بعد صدور العقد لم يوجب ذلك ارتفاع الإكراه الحاصل حين العقد، بل انّما ينعدم الإكراه بعده، و انعدام الإكراه بعد صدور العقد لا يوجب انعدامه حين صدوره، فالمانع عن صحة العقد و هو الإكراه حين العقد لم يرتفع بعد. و هذا بخلاف مختار الشيخ «ره» و ما اخترناه، من كون بطلان عقد المكره لأجل فقدان الشرط اعني الاستقلال أو الرضا و طيب النفس، لملائمة الحكم بصحة العقد عند حصول الاستقلال أو الرضا بعد زمان العقد معهما. فإنّ المؤثر حينئذ و هو الشرط حيث كان معدوما في زمان العقد لم يحصل التأثير منه فإذا وجد بعد زمان العقد يؤثر في صحته، كما هو شأن سائر الشرائط، كالتقابض، فإنّه إذا تحقّق و لو بعد سنة عن زمان العقد يؤثر في صحته. و اما فيما اختاره السيد، فالمؤثر هو وجود المانع أعني الإكراه، و قد كان محققا في زمان العقد و قد أثّر في بطلانه، فيستحيل انقلابه عمّا هو عليه بعد تحققه. و ليس المؤثر في بطلان البيع هو الإكراه بوجوده البقائي، حتى يرتفع بطلانه من حين ارتفاع الإكراه، بل هو بوجوده الحدوثي. و لذا لو مات المكره بعد وقوع العقد لم يرتفع أثر الإكراه عمّا اكره عليه من العقد، فكيف يمكن الحكم بصحة العقد بعد ارتفاع الإكراه، المستلزم لانقلاب الموجود عمّا هو عليه كما عرفت.

ثمّ انّه يمكن توجيه صحة العقد بلحوق الرضا عليه بعده، بناء على ما اختاره السيد «قده» أيضا بوجهين.

«الأول» ان يقال: انّ دليل مانعية الإكراه عن صحة العقد و هو حديث الرفع مسوق للامتنان على العباد، فلا يشمل ما ليس في رفعه امتنان على العباد.

و من المعلوم انّه ليس في رفع أثر بيع المكره بعد ارتفاع الكراهة امتنان عليه، بل الامتنان في خلافه، فلا يشمله حديث الرفع. و الحاصل انّه لم يشمل منع الإكراه من أوّل الأمر على هذه الصورة، و المانع و هو الإكراه بوجوده الحدوثى و ان كان أمرا محققا لا يمكن قلبه عمّا هو عليه، الا انّ الحكم بمانعيته استمرارا حكم شرعي أمره بيد الشارع وضعا و رفعا، فالتخصيص في عمومات أدلّة الوفاء بالعقد ينحصر في غير هذه الصورة.

و توضيحه انّ عموم حديث الرفع و كذا عمومات الوفاء بالعقد تشمل كل قطعة قطعة من الزمان، فخروج قطعة منها عن تحت العموم لا يوجب خروج قطعة اخرى، فيلاحظ تخصيص كلّ قطعة بالنسبة إلى نفسها، فلو فرض تخصيص عمومات الوفاء بالعقد برفع اثر بيع المكره في قطعة من الزمان، لا يقتضي ذلك تخصيصه به في قطعة اخرى منه.

«و فيه» انّ الزمان لا يكون مفردا للعمومات و مقوما لأفرادها، بل هو ظرف لها، فالعموم يشكل كلّ فرد من افراده بشمول واحد، فلو فرض خروج فرد عن تحت العام ينقطع شموله بالنسبة إليه، فلا يشمله ثانيا فلا يمكن التمسك بالعموم في الان الثاني (1).

و منه يعلم أنّ التمسك بعمومات الوفاء بالعقد على إثبات صحة العقد بعد ارتفاع الإكراه غير صحيح، و انّه يبقى مشمولا لحديث الرفع، لما عرفت من انّ شمول عمومه على كل فرد شمول واحد عليه في جميع الحالات و الأزمنة، فلا يمكن ان يشمله في زمان دون زمان، و لو شك فالأصل بقاء حكم المخصص.

الثاني تقيد أدلة الوفاء بالعقد بغير صورة الإكراه و تقييد دليل رفع الإكراه


1) سيجي‌ء منافي أوائل باب الفضوليّ، إثبات جواز التمسك بالعموم في حكم فرد خرج عن العموم لزوال فرديته أو لأجل التخصيص، بعد عود فرديته، أو خروجه عن تحت المخصص و ارتفاع التخصيص عنه فراجع.

بصورة وجود الامتنان، فتشمل أدلّة الوفاء بالعقد ما إذا تحقق قيدها، و لا تشمل صورة عدم تحققه رأسا كما في سائر موارد التقييد نظير قوله عليه السلام «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» فإنّه لو فرض تخصيص أدلّة وجوب الوفاء بالعقد به لم يشمل على عقد البيع بعد حصول الافتراق، لكنّه إذا فرض كون تقديمه عليها بنحو التقييد يصير وجوب الوفاء مقيدا بصورة ما بعد الافتراق، فيشمل ما إذا تحقق قيدها و يرتفع عند عدم تحققه.

«و فيه» انّ نسبة حديث الرفع مع أدلّة الأحكام الواقعيّة، هي الحكومة.

و قد حقق الشيخ «ره» في محلّه أنّ مرجع الحكومة إلى التخصيص، دون التقييد.

و تقدم الإشكال في التمسك بها على تقدير التخصيص.

ثمّ انّ جريان حديث الرفع يوجب اشكالا على المبنيين الأولين، فينبغي التعرض له و لدفعه. و مجملة: أنّ جريان حديث الرفع كما يوجب رفع الآثار المرتبة على الكل، كذلك يوجب رفع الآثار المرتبة على كل واحد من الاجزاء، فجريانه عند تعلق الإكراه بالعقد كما يوجب رفع الآثار المرتبة على العلّة التامّة، أعني العقد مع وجود شرائطه و رفع موانعه، كذلك يوجب رفع الأثر المترتب على نفس المقتضي أعني العقد. و هو الصحة التأهلية و القابلية (1)لترتّب الملكية عليه بعد استجماع الشرائط و رفع الموانع، فإذا ارتفعت القابلية لم يثمر استجماع الشرائط بحصول الرضا و طيب النفس في ترتّب الملكية لفقد المقتضي رأسا نعم لم تنعدم ذات المقتضي بجريان حديث الرفع، الا أنّه ارتفع وصف


1) إنّ القابليّة و التأهل في الأمور الحقيقيّة، اعني أن القوّة لها نحوة وجود قائم بالمحلّ.و امّا الأمور الاعتباريّة، فحيث انّ تحقق كل أمر اعتباري بالاعتبار، و هو قائم بالمعتبر بالكسر، و لا حقيقة له سوى ذلك، حتّى يثبت للشي‌ء بالفعل و يكون له قوّة ذلك قبل فعليّته.اللّهم الا ان يتعلّق اعتبار آخر بتحقق القوّة و القابليّة له قبل ذلك، و لا دليل عليه، بل الثابت خلافه لعدم فائدة في اعتباره.

اقتضائه و المآل واحد.

و بالجملة إنّ المقتضي عند وجوده لم يتحقّق له شرط التأثير، فلم تحصل العلّة التامّة لتؤثر في حصول الملكيّة، و إذا تحقّق الشرط كان المقتضى قد انعدم من قبله، فلم تحصل العلّة التامّة أيضا.

و أجاب عنه الشيخ «ره» بانّ حديث الرفع انّما يفي برفع الآثار الثابتة لذات الفعل المكره عليه مع قطع النظر عن طرو الإكراه، و امّا الآثار الثابتة له من ناحية نفس جريان حديث الرفع بعد عروض الإكراه عليه فلا يفي بنفيها.

و كون العقد قابلا بحيث إذا ارتفع عنه الإكراه يوجب الملكية هو من آثار جريان حديث الرفع. و الا فالعقد كان علّة تامّة للملكية لا قابلا للتأثير فيها و علّة ناقصة لها. و بعبارة اخرى: إنّ الأثر الثابت للعقد مع قطع النظر عن جريان حديث الرفع هو إيجاب الملكيّة و العليّة التامّة لها و كون العقد قابلا لإيجاب الملكيّة إذا تعقبه الرضا اثر ثابت له بنفس جريان حديث الرفع فلا يجوز نفيه به.

و التحقيق في الجواب من وجهين.

«الأوّل» أنّ الجزئية من الأمور الانتزاعية العقلية، و ليست من الأمور الشرعية التي تكون أمرها وضعا و رفعا بيد الشارع (1).

«و الثاني» انّ حديث الرفع انّما يجرى لنفى اثر الجزء إذا كان ذا أثر، بأن يكون دخيلا في ترتب الأثر على الكل، اعني أن يكون الأثر المترتب على الكل متقوما من جملة آثار يترتّب كل واحد منها على واحد من الاجزاء.

كما في اجزاء العلل الحقيقية، (2)و فيما كان من العلل الاعتبارية كذلك في


1) و فيه منع واضح، من حيث انّه ليس يراد من اجراء حديث الرفع نفي جزئية العقد حتى يورد عليه بما ذكره، بل نفي تأثيره في حصول الملكيّة و هو أمر شرعيّ ثبت بحكم الشرع.

2) المراد من اجزاء العلة هو أجزاء المقتضي لا محالة، لا هو و الشرط و عدم المانع، التي هي أجزاء العلّة التامّة، لكون المؤثر في المعلول هو المقتضي وحده. و الشرط إنّما يؤثر في تأثير المقتضي فيه،و أما عدم المانع فلا يؤثر في شي‌ء، و اعتباره جزء للعلّة التامّة لكون نقيضه مؤثرا في نفي تأثير المقتضي.

كون الأثر المترتب عليها متشكلة من الآثار المرتبة على الاجزاء، كالصلاة فإن النهي عن الفحشاء المترتب عليها يتقوم من آثار يترتب كل واحد منها على بعض اجزائها- و بعبارة أخرى كلّ جزء من اجزاء الصلاة يؤثر في حصول النهي عن الفحشاء، بخلاف ما إذا كان الأثر المترتب على الكلّ أمرا واحدا بسيطا يترتّب على المجموع بمجموعيته (1)، كما فيما نحن فيه. فإنّ الملكيّة أمر بسيط يترتّب على مجموع العلّة التامّة، فالعقد المجرد عن الرضا لا يترتّب عليه أثر حتى يرتفع بحديث الرفع.

ثمّ انّ الفرق بين بيع المكره و الفضوليّ انّ المنقصة في بيع المكره هي ضعف الاستناد إليه لأجل كونه فاقدا للرضا و طيب النفس و هما أمران قلبيان يتم العقد بحصولهما في القلب و لا يفتقر إلى إنشاء في الخارج بخلاف بيع الفضوليّ فإنّ المنقصة فيه هي عدم استناده الى المالك فيحتاج إيجاده إلى إنشاء في الخارج من دون كفاية مجرد الرضا في قلبه


1) ليس المجموع إلا نفس الاجزاء بأسرها، فتأثير المجموع في حصول أمر بسيط هو بعينه تأثير الاجزاء، فكلّ جزء جزء منها يؤثر في حصوله في ضمن الكل و ان كان في وحدته مع فقد بقيّة الأجزاء غير مؤثر في شي‌ء، و شمول حديث الرفع على العقد يسقطه عن التأثير و لو في ضمن الكل، فلا يتحقق معه الأثر الحاصل من تأثير جميع الاجزاء «و التحقيق في الجواب» ان يقال: إن تعلق الإكراه بالعقد و انطباق عنوان المكره عليه انّما هو بوجوده الحدوثي، و امّا بوجوده البقائى، فالمفروض ارتفاع الكراهة عنه و ليس المؤثر في حدوث الملكيّة هو العقد بوجوده الحدوثى، بل هو بوجوده البقائي المقارن لحصول الشرائط، بداهة عدم تأثير وجود العلّة في الماضي، في حصول المعلول في الحال، و ان كان تحقق شرطها في الحال. فلا يوجب جريان حديث الرفع في العقد بوجوده الحدوثى في رفع آثاره بوجوده البقائي.

المبحث العاشر في أنّ حدوث الملكيّة بلحوق الرضا من حين الرضا أو العقد

في انّ صحة عقد المكره و تأثيره في حدوث الملكية بلحوق الرضا عليه، من حين العقد أو من حين الرضا، و هو النزاع المعبر عنه بالكشف أو النقل في بيع الفضوليّ. و الكلام ههنا هو الكلام فيه بعينه.

فلو قلنا هناك بالنقل و حصول الملكيّة من حين الإجازة، لأنّ الأصل عدم حصول الملكيّة إلى حين الإجازة، و انّ المعلول لا يكون الا مقارنا لتحقق العلّة التامّة زمانا فلا يعقل تقدّم أحدهما على الأخر أو تأخره عنه، و قد فرضنا أنّ العلّة التامّة لحصول الملكيّة لا تستكمل و لا تتحقّق إلا بالإجازة، فتكون الملكيّة المترتبة عليها أيضا لا محالة حاصلة من حين الإجازة. فإنّ العقد و الملكيّة و ان كان من قبيل العلل و المعلولات الاعتباريّة، إلا أنّ وزانها وزان الحقائق. (1)

فالقول بالكشف يحتاج الى دليل خاص، و هو موجود في باب الفضولي على ما استنبطه الشيخ «ره» من بعض الروايات، فإن أمكن تعميمه على ما نحن فيه فهو، و الا فيتوجه القول بحصول الملكية من حين الإجازة.

و لو قلنا بانّ الكشف في الفضوليّ هو مقتضى القاعدة، بناء على انّ الدخيل


1) توضيحه: أنّ المحقق لعلية العقد و غيره من العلل الاعتباريّة، هو اعتبار حصول المعلول عند حصولها و عدمه عند عدمها، كما انّ المحقق لعلية العلل الحقيقيّة حصول المعلول عند حصولها و عدمه عند عدمها حقيقة- و نعني من كونه محققا للعلية عدم تحققها الا مع حصوله- فعدم حصول المعلول عند حصول العلّة، و وقوع الانفكاك بينهما في الحقائق كما ينافي عليتها حقيقة، كذلك ينافي في الاعتباريّات، عليّتها اعتبارا. و لا يخفي أنّ المراد من العلّة هو العلّة، التامّة، و إلا فلا بأس بانفكاك المعلول عن العلّة الناقصة.

في صحة البيع هو العنوان المنتزع له من لحوق الإجازة و هو التعقب بها دون نفس الإجازة، و ليس ذلك أمرا متأخرا عن العقد و ان كان منتزعا عن أمر متأخر، توجه القول بحصولها من حين العقد في بيع المكره.

و امّا لو قلنا في الفضوليّ بالكشف الحقيقي، كما هو مقتضى التحقيق في بابه، كان الحكم كذلك في المكره.

بيانه أنّ استناد الأفعال الاعتباريّة كما يحصل بالمباشرة كذلك يحصل بالتسبيب. فلو المكره.

بيانه أنّ استناد الأفعال الاعتبارية كما يحصل بالمباشرة كذلك يحصل بالتسبيب فلو أكرم ضيفا لزيد غيره، و أذن هو فيه أو رضى به أو اجازه بعده، فربما يستند الإكرام اليه و يكون الضيف ممنونا منه، كما يكون ممنونا منه إذا أكرمه بنفسه. بخلاف الأفعال الحقيقية كالأكل و الشرب و القيام و الجلوس و غيرها، فإنّها لا تستند الى غير المباشر بها. (1)

و العقد من جملة الأفعال الاعتباريّة، فيستند الى غير العاقد بإجازته، كما يستند اليه بالتوكيل أو الاذن، فيصير العقد بالإجازة منزلا بمنزلة عمله، فيشمله عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» لما سيجي‌ء من أنّ خطاب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لا يتوجه إلا إلى من استند اليه العقد، فلا يكون عقد الفضوليّ مشمولا له. فانّ من استند اليه العقد أعني الفضوليّ، ليس بيده السلطنة و الملكية، و من هي بيده، اعني المالك، لم يستند اليه العقد. فإذا حصل استناد العقد اليه بلحوق رضاه و أجازته يشمله خطاب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بالنسبة اليه، و يصير واجب الوفاء في حقه.


1) سيجي‌ء منّا بيان ملاك التسبيب بما يعلم منه أنّ الرضا بإكرام الغير لزيد أو الإذن فيه أو الإجازة بعده لا يوجب التسبيب، و سيجي‌ء أيضا أنّ استناد الأفعال الحقيقية الى غير من صدرت عنه بالتسبيب أحيانا يوجب انقلابها عن كونها حقيقية، و صيرورتها اعتباريّة، و بعبارة أخرى يكون استنادها الى غير من صدرت عنه و ثبوتها له بالاعتبار.

و منه يعلم أنّ الملكية تحصل من حين العقد، لمكان انّ الإجازة يجعل العقد الصادر عن العاقد مستندا الى المالك، فيؤثر في حصول الملكيّة من حينه، لاستحالة الانفكاك بين العلّة التامّة و معلولها. فيندفع ما أورده الشيخ على القول بالكشف، من استلزامه لأخذ الزمان في متعلق الإجازة، و تقيد الإجازة به، فإنّ الإجازة على إطلاقها تقتضي حصول الملكية من حين العقد، لصيرورة الشرط المفقود اعني الاستناد حاصلا من حين العقد.

و توضيحه انّ زمام الأمور الاعتباريّة بيد معتبرها، فيعتبر تارة حصولهما في زمان الاعتبار، و اخرى في الماضي أو المستقبل منه. و لا بأس بحصول التفكيك فيه بين الإيجاد و الموجد، و انّما يستحيل ذلك في الحقائق.

هذا معنى الكشف الحقيقي. و امّا بناء على ما اختاره الشيخ «ره» من كون الشرط في صحة العقد هو الرضا بوجوده الحقيقي، لا تحصل الملكية الّا من حين تحققه، لاستحالة إيجاد أمر حقيقي في الزمان المتقدم عن زمان الإيجاد.

هذا كله بيان الحال في الفضوليّ و هو بعينه جار في عقد المكره، و ان كان التعبير فيه بالكشف مبنيّا على المسامحة.

تكملة في اشتراط اذن السيد

من شروط المتعاقدين اذن السيد إذا كان العاقد عبدا و هو و ان كان مقتضى صريح الآية الا انّه خارج عن ابتلاء المكلفين في هذه الأزمنة «فالإعراض عنه و ترك البحث فيه أجدر».

الفصل السادس في اشتراط كون المتعاملين مالكين أو مأذونين عنهما و فيه مباحث:

المبحث الأوّل في الدليل عليه

و من شروط المتعاقدين ان يكونا مالكين أو مأذونين من قبل المالك، أو من قبل الشارع. و يمكن جعله من شرائط العوضين، بان يقال: يشترط أن يكون كلّ منهما ملكا لواحد من المتعاملين أو مأذونا له المعاملة فيه. و يدلّ على اعتباره الأدلّة الأربعة.

اما من الكتاب فقوله تعالى (1)«لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» فان المراد من التراضي، تراضي ذوي الأموال، الّذين أضيف إليهم الأموال في الآية. و قوله تعالى (2)«أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» المستدلّ به على وجوب الوفاء بالعقود، فإنّه لا يشمل عقد الفضوليّ فيبقى تحت أصالة الفساد رأسا.

و من السنّة روايات كثيرة منها التوقيع الشريف (3)«الضيعة لا يجوز ابتياعها الّا عن مالكها أو بأمر منه أو رضى منه».


1) سورة النساء، الآية 29.

2) سورة المائدة، الآية 1.

3) بحار الأنوار، ج 53 ص 161.

و لا إشكال في قيام الإجماع عليه، كما لا إشكال في دلالة العقل فانّ قوله صلّى اللّٰه عليه و آله لا يحلّ مال امرء مسلم الّا عن طيب نفسه (1)، ليس الّا تقريرا لحكم العقل. و الأصل في هذا الشرط، هو الملكية و كون المتعاقدين مالكين، و اما إلحاق المأذون من قبل المالك أو الشارع فلأجل تنزيل عقده منزلة عقد المالك، اما بتنزيل نفسه أو بتنزيل الشارع، فإذا ثبت التنزيل صح العقد لا محالة. و لا إشكال في تحقق التنزيل مع التوكيل و الاذن قبل العقد، و انّما الإشكال في تحققه في العقد الفضوليّ، إذا لحقه رضى المالك بعد.

و قبل الخوض في تحقيق ذلك ينبغي تقديم مباحث ترجع الى تعيين موضوع عقد الفضوليّ و بيان اقسامه.

المبحث الثاني هل يخرج العقد برضا المالك عن كونه فضوليّا أم لا؟

اشارة

ثم لو عقد مع عدم اذن من المالك لكنّ علم برضاه في نفسه فهل يكون العقد فضوليا باطلا الا مع لحوق الإجازة أم لا.

و استدلّ الشيخ «ره» على صحته بقوله تعالى «تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ»، و قوله صلّى اللّٰه عليه و آله لا يحلّ مال امرء مسلم الا عن طيب نفسه»، مدعيا لدلالتهما على اعتبار مجرد الرضا، فيصح العقد بمجرد رضاه. و ان كان قد يؤبى عن صدق عنوان الفضوليّ على العقد الفاقد لمجرد رضى المالك و طيب نفسه، الا انّه لا


1) مستدرك الوسائل، ج 3 ص 146 و فيه: و عنه صلّى اللّٰه عليه و آله.قال: المسلم أخو المسلم لا يحل ماله الا عن طيب نفسه و روى عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال في حديث: و لا يجوز أخذ مال المسلم بغير طيب نفس منه.

يصغى اليه بعد عدم كون عنوان الفضولي بما هو مأخوذا في لسان دليل من الأدلّة.

و قد استشعره أيضا من كلمات بعض الأصحاب، ثمّ قال: و الّذي يقوي في نفسي هو كفاية مجرد الرضا، لو لا مخافة مخالفة القوم.

أقول: و الذي يقوي في نفسي هو خلافه، و عدم كفاية مجرد الرضا، بل توقف صحته على تحقق الاذن أو الإجازة من المالك، ليتحقق بهما استناد العقد اليه. و ذلك لعدم شمول إطلاقات أدلّة المعاملات كقوله تعالى «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» و قوله تعالى، لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ، و قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ على العقد الصادر من غيره.

«اما الآية الاولى» فلانّ من الواضح انّ معناها أحل اللّه بيوعكم (1)فانّ البيع المذكور فيها و كذلك العقود المذكور في الآية الثالثة ينصرفان الى البيع و العقود الصادرة عمن توجه اليه الخطاب. و توضيحه: انّ الافعال المأخوذة في لسان الخطابات الشرعية، بأعمّ من المسوقة منها لبيان الحكم التكليفي أو لبيان الحكم الوضعي، تنصرف الى ما صدر عمن توجه اليه الخطاب فالصيام في قوله تعالى «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ» ينصرف الى صيام من أمر بإتمامه، و كذا الحج في قوله تعالى «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ» ينصرف الى حج من أمر بإتمامه (2)

و الصواب من القاعدة المضروبة في كلامه، خصوص ما إذا كان الخطاب متضمنا لتوجه حكم تكليفي إلى المخاطب، فيكون المراد من الفعل المتعلق للحكم هو الفعل الصادر عنه لا محالة، لعدم إمكان توجه التكليف الى احد، إلا بفعله. و امّا إذا تضمن الخطاب توجيه حكم الى غير المخاطب كما هو المعمول في أمر الغائب، أو تضمن الخطاب لذكر فعل غير متعلق الحكم أو تضمن الخطاب حكما وضعيا كقولنا: الذبح يوجب حلية المذبوح و طهارته، فلا ينصرف الفعل الى خصوص فعل المخاطب ما لم يقترن بقرينة تخصصه به، فالذبح في المثال لا ينصرف الى خصوص ذبح المخاطب بل يشمل ذبح كل من صدر عنه الذبح هو أو غيره.

.

1) التحقيق انّ الآية مسوقة لبيان حكم ذات البيع بما هي، من غير ملاحظة كونه صادرا من المالك أو غيره، سواء كان المراد بالتحليل هو الوضعي أو التكليفي بقرينة المقابلة بتحريم الربا، فهي كقولنا أحلّ اللّه شرب الماء و حرم شرب الخمر، فليس المراد منه الا بيان حكم ذات شرب الماء أو الخمر، من دون ملاحظة كون الشارب هو مالك الماء أو غيره. فليس فيه دلالة على حلية شرب الماء لغير المالك و لا على عدمها، و كذلك آية تحليل البيع ليس فيها دلالة على تحليل بيع غير المالك و لا على عدمه، و انّما هي مسوقة لبيان انّ البيع بما هو ليس ممنوعا في الشريعة.

2) كون المراد من الصوم و الحج في الآيتين خصوص صوم من أمر بإتمامه أو حجّة لأجل انّه لا يعقل إتمام صوم الغير و حجه، لكون كلّ منهما عملا واحدا لشخص واحد لا يمكن صدور بعضه من احد و بعضه من آخر نعم يمكن تصدى الغير بإتمام حج الميت نيابة عنه إذا مات في أثنائه لكنّه لأجل اعتبار ما صدر عنه صادرا عن الميت، فالاستشهاد بالآيتين على ما ذكره في غير محله.

و هذا ممّا لا شبهة فيه و لا وجه للقول بشمول الآيتين على العقد الفضوليّ الصادر من الغير، فانّ المخاطب لهما انّما هو من كان بيده الوفاء و ترتيب الآثار و هو المالك. فعنوان البيع أو العقود في الآيتين انّما يختصّ بخصوص المستند منها الى المالك، و عقد الفضولي و بيعه حيث كانا فاقدين للاستناد الى المالك، لا يشملهما عموم الآيتين.

«و اما الآية الثانية» فلانّ المراد من التجارة فيها، بقرينة صدرها، هو تجارة الآكل، و الأكل كناية عن التصرف. فلا تشمل الآية على تجارة غير المالك، إذا المالك هو الذي توجب التجارة جواز اكله و تصرفه فيه، دون غير ممّن لم تستند التجارة اليه. فاعتبار الرضا في صحة التجارة إنّما هو بعد تحقق الاستناد، فلو لم يتحقق الاستناد لا يكفي وجود الرضا، ضرورة عدم ترتب الأثر على حصول الشرط مع انتفاء أصل المقتضي.

«و اما الآية الثالثة» فهي مساوقة لقوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» فكما لا يجب الوفاء بالعهد لغير العاهد كذلك لا يجب الوفاء بالعقد لغير العاقد (1)

لا لما ذكره الأستاذ «قده» من أنّ مقتضى مقابلة الجمع بالجمع لا لما ذكره الأستاذ «قده» من نفى وجوب الوفاء لغير العاقد، الظاهر في صدق الوفاء في حقّه و ان المنفي هو وجوبها، و لا لما ذكر المحقق النائيني «قد» من أنّ مقتضى مقابلة الجمع بالجمع في الآية وجوب وفاء كلّ أحد بعهده، لعدم الدليل عليه.

و قد علم ممّا ذكرنا انّ الخطاب في الآية لا يتوجه الى المالك بوفاء عقد صدر من الفضوليّ لعدم صدق الوفاء بالنسبة إلى عقد صدر من غيره في حقه أصلا فشمول الخطاب في الآية عليه يتوقّف على حصول استناده اليه و صيرورته فاعلا له فالمهمّ في إثبات صحة الفضوليّ إثبات حصول استناد عقد الفضوليّ إلى المالك بالإجازة و سيجي‌ء منّا التعرض لإثباته عن قريب. ثمّ انّ المحقّق الأصبهاني «قده» جعل مجرد انتساب العقد الى المالك كافيا في توجه خطاب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ اليه و تمسك فيه بانّ المنع عن توجه الخطاب في الآية بوفاء عقد الفضولي إلى المالك لأجل انّ من لا عقد له لا وفاء له و كون مجرد الانتساب اليه موجبا لصدق انّه عقده و بيعه و قد علم بطلان ما ذكره «قده» ممّا بيّناه في حقيقة الوفاء و الموقع له في التوهم المذكور ما زعمه من انّ اذن المالك و أجازته لا يوجب استناد عقد الفضوليّ اليه و ذكر في وجهه انّ استناد العقد الى غير من صدر عنه لا يكون الّا بالتسبيب و ليس الإذن في العقد فضلا عن الإجازة تسبيبا له لعدم تحقق التسبيب الّا مع الإلزام و ليس الإذن إلّا مجرد الترخيص و إرخاء العنان و سيجي‌ء منّا إثبات تحقق الاستناد بمجرد الاذن أو الإجازة فراجع.

.

1) الوفاء هو العمل بما التزمه على نفسه، فيختصّ الخطاب في الآية بالمالك إذا عقد على ملكه و صدر عنه عقد تعلق بملكه، و لا يشمل الخطاب على غير المالك إذا عقد على ملك غيره فضولا، لأنّ عقده ليس على نفسه، فلا يصدق الوفاء في حقه، و على تقدير صدق الوفاء ليس الوفاء بيده بل بيد المالك. و اما المالك فلا يصدق في حقه الوفاء أيضا لأنّه لم يصدر عنه عقد رأسا، مضافا الى انّه لا يتعلّق اعتبار العرف بكون ما صدر عن الفضوليّ عقدا و بيعا ما لم يلحقه اجازة المالك، فلا يشمله الآية، لانتفاء موضوعها، هذا.

و العاقد للعقد الفضوليّ ليس له أهلية الوفاء، و من له أهلية الوفاء و هو المالك، لم يستند العقد اليه.

و بالجملة لا يشمل إطلاق الآيات المذكورة على بيع الفضولي و عقده، إلّا بتنزيلهما بمنزلة فعل البائع، حتى يعدّا عقدا و بيعا صادرين عن المالك،

و يعد الملك علة فاعلية له. (1)

«الأول» إنشائه ثانيا لنفس الفعل المنشأ بإنشاء غيره، بحيث لا يكون ما صدر منه، فعلا مباينا لما صدر من غيره و غير معدود فعلا مغايرا له بل يكون إنشائه واردا على مورد الإنشاء الأول غير منشأ به الا عين المنشأ بإنشاء غيره و بعبارة أخرى: توارد إنشائهما على منشأ واحد.

و ربّما ينسبق الى التوهم كون حصول استناد بيع الفضوليّ إلى المالك بالإجازة بهذا النحو، ببيان أنّ إنشاء المالك للإجازة بما انّها إمضاء ما صدر عن الفضوليّ من الإيجاب أو القبول، إنشاء له بالتبع، لكون إنشاء المعنى إنشاء للازمه بالتبع. فيستند إيجاب الفضوليّ أو قبوله إلى المالك، استناد الفعل إلى منشئه فيحصل العقد من جزئين احد هما ما صدر عن الجانب الأصيل من الإيجاب أو القبول و ثانيهما ما صدر عن المالك من الإنشاء التبعي. و فيه مضافا إلى انّ لازمه وقوع الفصل الطويل القادح لصحّة العقد بين الإيجاب و القبول غالبا، أنّ إنشاء معنى بلفظ هو إيجاد اللفظ باعتبار كونه مصداقا له، فلا يكون إنشاء معنى، إنشاء للازمه، بداهة انّ كون شي‌ء مصداقا لأحد المتلازمين لا يقتضي كونه مصداقا للآخر.

«الثاني» إنشاء استناد الفعل الصادر من غيره الى نفسه، و حصول استناد عقد الفضوليّ إلى المالك بهذا النحو، هو مذهب الأستاد «قده» و قد بالغ في تقريبه. و فيه انه لا يحصل الا بان يقول:

أسندته الى نفسي و ما شابهه، و اما قوله: أجزت أو أنفدت فليس إلا إنشاء إنفاذ فعل الغير لا إنشاء إسناده إلى نفسه.

«الثالث» ان يصدر منه فعل تعلق الاعتبار العرفي بعينيته لما صدر من غيره. و استناد بيع الفضوليّ إلى المالك بهذا النحو لا يكون الا بتعلق الاعتبار العرفي بكون الإجازة عين بيع الفضوليّ، و المعهود من العرف عدم تعلق اعتبارهم بصيرورة لفظ مصداقا لمفهوم الا بلحاظ ما وضع له من المعنى، فتعلق اعتبارهم يكون لفظ بعت مصداقا للبيع بلحاظ كون مادته موضوعة له،و ليست مادة أجزت إلا موضوعة للإنفاذ فلا يتعلّق الاعتبار الا بكونه إنفاذا لبيع الغير لا عينه و نفسه.

مضافا الى انّ أقدامهم لاعتبار شي‌ء لا يكون الا بلحاظ فائدة تترتب عليه، و لا فائدة ملحوظة لهم في اعتبار استناد عقد الفضوليّ إلى المالك حتى يتوسل إليه بالاقدام باعتبار كون الإجازة الصادرة من المالك عين العقد الصادر من الفضوليّ، و لا مانع من صحة بيع الفضوليّ مع إنفاذ المالك له و ان لم يتحقق استناده اليه. و امّا ما ألجأنا إلى البحث عن حصول الاستناد الى المالك، عدم شمول الأدلّة الشرعية على بيع الفضوليّ و عقده إلا بحصوله، مع انّه لو دعت مصلحة إلى اعتباره تصدوا لاعتباره برأسه، من دون حاجة الى التوسل اليه، بالتصدي لاعتبار كون الإجازة عين عقد الفضوليّ.

«الرابع» ان يصدر منه فعل اعتبر صدوره منه صدور الفعل الصادر من الغير. من دون ان يعتبر العينيّة بين نفس الفعلين. و فيه ما تقدّم في الوجه السابق.

«الخامس» اعتبار العرف و العقلاء الفعل الصادر من الغير صادرا منه و مستندا إليه لأجل رضاه به من دون ان يصدر منه فعل، بل يكون متعلّق التنزيل و الاعتبار هو الفعل الصادر من الغير، فينزل بمنزلة الصادر منه و يعتبر كونه صادرا عنه. و هذا القسم يعاكس الأقسام المتقدمة في عدم الحاجة الى صدور فعل من الغير رأسا. و منه يعلم بطلان ما ذكره الأستاد «قده» من عدم إمكان حصول استناد الفعل الى غير من صدر عنه الا بلحاظ صدور فعل منه.

لكنّ حصول استناد عقد الفضوليّ إلى المالك بهذا النحو ممنوع من وجهين «الأول» ما تقدّم منّا عند التكلم في قاعدة السلطنة: انّ مقتضاها عدم نفوذ التصرف في المال بغير اذن مالكه أو إجازته و عدم كفاية مجرد الرضا فيه فراجع «الثاني» انّ المعلوم من العرف انّهم لا يسندون البيع و لا غيره من العقود الى المالك، بمجرد حصول الرضا في قلبه. فربما يحصل في قلبه الرضا و الكراهة، مرة أو مرّات عند التروي حتى يحصل الجزم منه بالإجازة أو الردّ. فمن البديهي انّهم لا يلزمون المالك على العمل على طبق عقد الفضوليّ بمجرد حصول الرضا به في قلبه و زوال الكراهة عنه حتى و لو عاد إليه الكراهة، بحيث كان عليه بينه و بين ربّه، عدم التعدي عن مقتضى عقد الفضوليّ و ان لم يعلم بذلك و لم يطلع عليه غيره.

لكنّ المستفاد من بعض الروايات كفاية مجرد رضى المالك في صيرورة ما صدر عن الفضوليّ بيعا صحيحا، و هو قوله عليه السلام في التوقيع الشريف: «الضيعة لا يجوز ابتياعها الا عن مالكها أو بإذنه أو رضى منه» و قوله «ع» في رواية يزيد الكناسي الاتية في تعاليقنا في ضمن روايات النكاح بناء على إلغاء خصوصية عقد النكاح «ليس يجوز عليها رضاء في نفسها و لا يجوز لها تأب و لا سخط في نفسها حتى تستكمل التسع و إذا بلعت التسع جاز لها القول في نفسها بالرضا و التأبي و جاز عليها بعد ذلك».

و عليه يمكن دفع الإشكالين المذكورين و محصله: انّ المستفاد من الرواية المقدّمة، أنّ المناط هو القول في نفسها بالرضا، أو التأبي. و لعل المراد منه اختيار احد الجانبين، و اعتباره في قلبه لوقوع النكاح أو عدمه، و الجزم به بعد التروي. فيندفع الإشكال الثاني و كذا الإشكال الأوّل، لكون ملاك ما ذكر، اقتضاء قاعدة السلطنة لوقوع البيع باختيار المالك و هو حاصل برضاه.

و عليه فمقتضى التحقيق بناء على ما سيجي‌ء من استناد البيع الى المالك بالتسبيب، كون التسبيب حاصلا بمجرد الرضا و الاختيار في القلب، من دون احتياج إلى إظهاره.

«السادس» حصول استناد فعل الغير اليه بالتسبيب و يمكن الاشكال فيه من وجهين:

«أحدهما» ما تقدّم عن المحقّق الأصبهاني من منع حصول التسبيب من المالك إذا عقد الغير عن إذنه فضلا عمّا إذا عقد لا عن إذنه، و لحقته إجازته، لعدم تحقق التسبيب إلا بالإلزام و ليس الإذن إلا مجرد الترخيص و إرخاء العنان «و الجواب» عنه يتوقف على تقديم مقدمة، و هي: انّ ألفاظ الإنشاء على ما بيّناه عند البحث في الوضع، موضوعة ليعتبرها المتكلم عند الاستعمال مصداقا لمعانيها، فلفظ اضرب مثلا وضع ليعتبره المتكلم مصداقا لطلب الضرب، و كذلك لفظ بعت وضع ليعتبره المتكلّم مصداقا للبيع، و هو نحوة استعمال ألفاظ الإنشاء في معانيها. و امّا صيرورة لفظ اضرب طلبا عرفا و تعلّق اعتبار العرف بكونه مصداقا له فقد ينفك عن اعتبار المتكلّم، كما إذا لم يبلغ إلى المأمور و لم يسمعه، لعدم صلوحه للتأثير، أو كان مشروطا بشرط لم يتحقق، على ما تقدم بيانه منّا عند البحث في مفاد القضايا الشرطية. و كذلك لفظ بعت، فإنّه و ان تعلق اعتبار المتكلم بكونه بيعا عند تلفظه إلا أنّه لا يستتبع لحوق اعتبار العرف به بمجرده، كما إذا لم يتعقب بالقبول.

إذا عرفت ذلك فنقول: إن اعتبار العرف لا يتعلّق بكون ما صدر عن الفضوليّ من قوله بعت بيعا، قبل اجازة المالك. و الدليل عليه من وجوه «أولها» أنّ عدم تعلّق اعتبارهم بحدوث الملكية به، يستلزم عدم تعلق اعتبارهم بكونه بيعا، فإنّ حقيقة البيع هو التمليك أو المبادلة، و التمليك هو إيجاد الملكية و المبادلة إدخال كل من المالين في ملك خرج عنه الأخر أعني إيجاد ملكيته للآخر و إيجاد ملكية مال الأخر له، فلو لم يعتبر العرف ملكية المبيع للمشتري و دخوله في ملكه لم يتحقق اعتبار إيجاد الملكيّة للمشتري، لكون الإيجاد و الوجود امرا واحدا، يطلق عليه الإيجاد بالنسبة إلى الموجد بالكسر و الوجود بالنسبة إلى الموجد بالفتح.

«ثانيها» أنّ اعتبارهم لكون ما صدر عن الفضوليّ بيعا ينافيه اعتبارهم للسلطنة التامّة للمالك. بل مقتضى اعتبارهم للسلطنة التامّة للمالك عدم اعتبار ما ينافيها كما تقدمت الإشارة إليه في بعض ما تقدّم من تعليقاتنا على الفضوليّ.

«ثالثها» انّ الاعتبار لا يصدر منهم بغير فائدة تترتّب عليه، و لا فائدة في اعتبارهم لكونه بيعا و عقدا. بداهة عدم ترتيبهم لأثر عليه بل عدم إلزامهم حتى نفس العاقد الفضوليّ على العمل بمقتضى ما صدر عنه، و لا يعدونه بترك العمل بمقتضاه غير واف لعهده و عقده، كما أنّ قول الآمر:

اضرب، عند عدم ترتيبهم لأثر عليه فيما إذا لم يبلغ الى العبد، و لم يسمعه، لا يعتبرونه طلبا فعلا، و لا يعدون العبد إذا خالفه مخالفا لطلب المولى.

فتحصل أنّ عقد الفضولي ساقط في اعتبارهم و مسلوب عنه عنوان البيع و العقد، ثمّ إذا لحقه اجازة المالك يصير عقدا و بيعا، و يترتّب عليه جميع آثارهما. فكان اجازة المالك سببا لصيرورة ما صدر من الفضوليّ بيعا و عقدا فإقدام المالك بالإجازة تسبب لكون الفضوليّ بائعا و عاقدا.

«الوجه الثاني» من الاشكال انّ قول المالك أجزت أو أنفذت، جعل العقد مؤثرا نافذا في أحداث الملكية، و هذا هو شأن الشروط. فانّ الشرط ما أثر في تأثير المقتضي، و المؤثر في المعلول هو المقتضي وحده و انّ كان له شرائط عديدة كثيرة، فيكون استناد الفعل اليه وحده، دون الشروط و فقد الموانع و لا الى مجموعها. و ان أبيت إلا عن تأثير الشرط و فقد المانع في حصول المعلول في عرض المقتضى، يستند المعلول الى مجموعهم دون خصوص الشرائط فضلا عن شرط واحد.

و الجواب انّ مقتضى ما ذكر عدم استناد الفعل بلا واسطة الى فاعل الشرط بالمباشرة و لكنّ قد يستند اليه بالتسبيب و ذلك فيما إذا كان موجبا لتأثير المقتضي جبرا بحيث لم يبق للمقتضي اختيار في ترك العمل، و هو في جميع موارد كون المقتضي من غير ذوي الشعور كالمفتاح المقتضي لفتح الباب و النّار المقتضي لاحراق الحطب، فانّ تحريك المفتاح و تقريب الحطب بالنّار شرط في تأثير هما في فتح الباب و الإحراق، و يستند فتح الباب و إحراق الحطب الى محرك المفتاح و مقرب الحطب بالتسبيب. و قد يكون الفاعل ذا شعور، لكنّه يتعلق به إلزام الغير بحيث ينسلب عنه الاختيار في صدور فعل منه، كإجازة المالك أو إذنه في بيع غيره لماله، فإنّهما يجعلان ما صدر عن الغير بيعا عرفيّا و يوجبان صيرورته بيعا عند العرف من دون مداخلة اختياره فيه.

وجوه استناد الفعل الى غير من صدرت عنه

1) و نحن نتعرض، لاستقصاء جميع الوجوه المتصورة في استناد الأفعال الاعتباريّة الى غير من صدرت عنه حتى يتبيّن تحقق استناد عقد الفضوليّ إلى المالك بالإجازة أو عدمه، لشدة الاهتمام به، لتوقف جواز التمسك بالعمومات على إثباته أولا، و توقف ترتيب أحكام المتعاملين على المالك المجيز له.فنقول: إنّ استناد الأفعال الاعتباريّة الى غير من صدرت عنه، يتصوّر من وجوه ستة.

و التنزيل من الأمور الاعتبارية الإنشائية، يحتاج إلى إيجاد له في الخارج، بقول، أو فعل، و لا يكفي فيه مجرد الرضا الباطني. و بعبارة سهلة إنّ حقيقة التنزيل هو التشبيه، و لا يوجد التشبيه الا بما يوجده في الخارج. ألا ترى أنّه لو لم يتكلّم القائل بقوله: زيد كالأسد، لم يتحقق التشبيه في الخارج، و انّ رضى به في قلبه.

نعم لو كان الرضا موضوعا لحكم شرعي يترتب عليه بمجرد تحققه، كالإباحة التكليفيّة المترتبة عليه، في قوله عليه السلام «لا يحلّ مال أمر مسلم الا عن طيب نفسه» و امّا لو توقف ترتب حكم على صيرورة العقد بمنزلة عقد المالك، كما هو المفروض في الحكم الوضعي، أعني الصحة المستفادة من الآيات المتقدمة كما عرفت، فلا يترتّب الحكم ما لم يتحقّق حقيقة التنزيل في الخارج. و الحاصل انّ الكلام في الإباحة المالكية الصادرة من المالك، دون الإباحة الشرعية الحاصلة بحكم الشرع، و قد تقدم توضيح الفرق بينهما في باب المعاطاة. و الإباحة و البيع و العقد الصادرة من غير المالك لا يستند اليه الا مع تحقق التنزيل، امّا من الشارع كما في باب بيع مال الصبي، أو من نفس المالك كما فيما نحن فيه، هذا.

و اما بناء على أنّ إطلاقات أدلة المعاملات يشمل المالك و غيره بتقريب انّ معنى الحل و الوفاء في الآيتين المتقدمتين في حق البائع و المشتري هو التمليك و التملك، و في حق الغير، المعاملة مع المبيع معاملة مال المشتري، و مع الثمن معاملة مال البائع، في عدم جواز التصرّف في المبيع إلا بإذن المشتري، و عدم جوازه في الثمن إلا بإذن البائع، كما هو مختار الشيخ و جماعة ممّن تقدمه.

فيقتضي إطلاق الأدلّة صحة العقد الصادر من غير المالك، من غير فرق بينه و بين العقد الصادر منه. فلا بدّ في المصير على خلافه من مخصّص أو مقيد، و ليس له مخصّص أو مقيد إلا آية التراضي، و حديث طيب النفس. و هما انّما تدلان على التخصيص أو التقييد، بمجرد رضى المالك من دون اعتبار أمر آخر ينضمّ اليه.

و منه يعلم الكلام في كفاية لحوق رضا المالك بعد العقد، أو عدمها الا مع إنشاء الإجازة.

المبحث الثالث في عقد المالك المحجور

لو كان العاقد محجورا عن ماله، كما لو تعلّق به حق الرهانة، كان عقده عليه فضوليّا. يعتبر في صحته اذن المرتهن، و نظيره تزويج الباكرة لنفسها بناء على توقف صحته على اذن الولي. و التحقيق بناء على ما قدّمناه في وجه الحاجة في صحة عقد الفضوليّ الى الإذن أو الإجازة، هو التفصيل بين هذا القسم و غيره من أقسامه، في كفاية لحوق مجرد الرضا فيه دون بقية الأقسام. فإنّ وجه الحاجة في صحة عقد الفضوليّ إلى لحوق الإجازة بناء على ما قدمناه هو كونه فاقدا للاستناد الى المالك، لأجل كونه صادرا من غير المالك و صيرورته بالإجازة منزلا بمنزلة الصادر منه.

و امّا لو كان العقد صادرا عن المالك و انّما منع عن تأثيره و نفوذ لأجل تعلق حق الغير على ملكه، انتفى وجه الحاجة الى اعتبار إنشاء الإجازة لكون الاستناد الى المالك حاصلا قبل لحوقها حقيقة و كفى مجرد حصول رضا المرتهن، و ان لم يستتبع الإجازة و الاذن.

و بالجملة إنّ هذا القسم من الفضولي، نظير بيع المكره، في كفاية لحوق مجرد الرضا، لاشتراكهما في الاستناد الى المالك حقيقة، و إنّ افترقا في كون ما توقف عليه صحة بيع المكره هو رضا المالك، و ما توقف عليه صحة بيع الرهن هو رضا المرتهن. و قد تقدّم تفصيل القول في المكره فراجع. «و إذا عرفت ذلك فلنشرع في البحث في أصل المبحث» فنقول انّ للبيع الفضوليّ ثلاثة أقسام «قد تعرّض الشيخ «ره» لها في ضمن ثلاث مسائل».

المبحث الرابع في ان يبيع الفضوليّ للمالك مع عدم كونه مسبوقا بالمنع من قبله

اشارة

إذا باع الفضوليّ للمالك مع عدم كونه مسبوقا بالمنع من ناحيته فقد استدلّ على صحته بأنّ عمومات البيع يشمل الفضولي الا أنّ قوله تعالى «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» و قوله صلّى اللّٰه عليه و آله «لا يحلّ مال امرء مسلم الا عن طيب نفسه» يخصصها، و يمنعها عن الشمول على الفضوليّ، في صورة عدم حصول رضا المالك، فتبقى صورة حصول رضاه به داخلة تحت العمومات.

و يرد الاعتراض عليه من وجهين.

«الأول» أنّه لا يجوز التمسك بالعمومات في حكم فرد، في حال من الحالات بعد خروجه عن تحتها في حالة سابقه عليها، و لا في زمان من الأزمنة، بعد خروجه عن تحتها في زمان سابق عليه (1)

توضيحه: أنّ زيدا في المثال المتقدم فرد واحد للعدول في كلا الزمانين، و امّا شمول العام عليه مرّتين فلأجل زوال فرديته ثمّ صيرورته فردا له ثانيا، فالفرد للعموم في كلا الزمانين هو زيد، و ان زالت فرديته في أثنائهما، فليس الفرد للعموم في ثاني الزمانين غير الفرد له في أوّلها.

ثمّ انّه لا فرق فيما ذكرنا بين خروج فرد عن تحت العام لأجل زوال فرديته أو لأجل شمول المخصص عليه، كما لو قيل أكرم العلماء، ثمّ قيل و لا تكرم الفساق منهم. و توضيحه: انّ عنوان الفساق لو كان عنوانا مشيرا الى ذوات الفساق من غير مدخلية لعنوانه في تعلق الحكم لا يدخل احد منهم تحت أكرم العلماء ثانيا بعد زوال الفسق عنه، لبقاء تعلق حكم المخصّص به و عدم زواله بزوال الفسق. و امّا لو كان عنوانا دخيلا في تعلّق الحكم، يزول عنه حكم المخصص، و ينقطع عنه شمول أكرم الفساق مع شمول أكرم العلماء عليه. فيتعلق به حكم وجوب الإكرام لصيرورته بعينه واجدا لملاك تعلقه، كغيره من افراد العلماء غير الفساق، و لا يضرّ كونه مسبوقا بالفسق لكون العبرة بكونه عالما و غير فاسق بالفعل.

. بل المرجع في تعيين

1) لا بأس التمسك بالعموم في حكم فرد من افراد العام بعد ما كان فردا له في زمان، ثمّ خرج عن فرديته في زمان آخر، ثمّ صار فردا له ثانيا بعده، لكون شمول الحكم على افراد موضوعه يدور مدار فرديتها. فلو قيل: أكرم العدول، يشمل زيدا العادل فإذا صار فاسقا ينقطع عنه شموله، ثمّ إذا صار عادلا ثانيا يشمله أكرم العدول بلا إشكال. و امّا ما ذكره «قده» وجها لعدم جواز التمسك فيه بالعموم من انّ الزمان لا يكون مفردا للعموم و لا يصير فرد له فردين بحسب تبدل زمانه الى زمان آخر، فمسلم، لكنّه لا يقتضي ما اختاره «قده».

حكمه استصحاب حكم المخصص أو غيره من الأصول. و ذلك لعدم كون الزمان مفردا للعمومات و تبدّل زمان الى زمان آخر لا يوجب تبدل الفرد الى فرد آخر. و هذا بعينه ما ذكره الشيخ «ره» في موارد اخرى.

و امّا لو ساق الدليل الى كون اعتبار الطيب و الرضا بنحو التقييد لأدلّة البيع، دون تخصيصها، لاندفع الاشكال، لكون التقييد موجبا لقصر شموله من الأوّل على الافراد الواجدة للقيد. فلا يلزم عليه اشكال دخول فرد تحت العمومات بعد خروجه عنها، بل يكون أوّل أزمنة شمولها على الفضولي زمان حصول الرضا و طيب النفس من المالك.

«و الثاني» منع شمول العمومات عليه كما تقدم بيانه.

و التحقيق في المسألة يتوقف على تقديم مقدمات:

المقدمة الاولى في أنّ الافعال الاعتباريّة لا تصلح لأن تستند الى غير من صدرت عنه
اشارة

اعلم أنّ الافعال الصادرة من الإنسان على قسمين، «أحدهما الافعال المقوليّة» التي لها ما بحذاء في الخارج امّا بنفسها أو بمنشإ انتزاعها كالأكل و الشرب و التلفظ و غيرها.

و الثاني الافعال الاعتباريّة التي ليس لها حقيقة تحاذيها في الخارج، بل حقيقتها مجرد الاعتبار تشبيه شي‌ء بمنزلة شي‌ء و تنزيله بمنزلته كالتزويج و البيع و العقد و غيرها.

و القسم الأول، أعني الافعال المقولية، لا يستند الا الى من صدر عنه، و من كان علّة فاعلية لوجودها (1)

اما ما كان من الافعال من القبيل الأول، فلا يستند الى غير من صدرت عنه لا حقيقة و لا اعتبارا. امّا حقيقة، و هو الاستناد الحاصل بالتسبيب، فلانّ التسبيب الى حصولها لا يوجب قيامها بالمسبب بالكسر، الذي هو مناط استناد هذا القبيل من الافعال. و اما اعتبارا، فإنّها حيث كانت أعراضا لفاعلها قد اندك في ذاتها انها له، فلا يمكن اعتبارها مستندة الى غير من صدرت عنه، الا بتخيلها و اعتبارها عارضة على غيره، فتنقلب عن ذاتها و تصير مصداقا اعتباريّا للفعل على حدة غير الصداق الحقيقيّ المذكور. بخلاف ما كان من القبيل الثاني فإنّه يمكن استنادها الى غير من صدرت عنه حقيقة بالتسبيب، و اعتبارا بدونه.

.

1) اعلم انّ الأفعال المقولية الحقيقية على قبيلين، أحدهما الافعال القائمة بفاعلها قيام الاعراض بمعروضاتها كالقيام و القعود و الأكل و الشرب و غيرهما، و ثانيهما الافعال القائمة بغير فاعلها، كالإحراق، و الإقعاد، و الإقامة، و غيرها. لكون وجودها عين وجود الحرقة، و القعود، و القيام، القائمة بالغير، فإنّ الإيجاد و الوجود أمر واحد يطلق عليه الإيجاد بالنسبة إلى الموجد بالكسر و يطلق عليه الوجود بالنسبة إلى الموجد بالفتح. و من هذا القبيل جميع الأفعال التي تقوم مادتها بغير الفاعل، و هي غالب الافعال المصوغة من باب الافعال أو التفعيل.

و اما الأفعال. الاعتباريّة، فلمّا كان أصل تحققها و تقومها بالاعتبار، و ليس لها جهة واقعيّة تصلح لانّ تستند الى غير من صدرت عنه اعتبارا، و بعبارة اخرى، ان يكون تحقق جهة صدورها أيضا بالاعتبار. فيكون الفعل الصادر عن شخص مستندا الى غيره بالاعتبار و التنزيل، كالتزويج يصدر من الوكيل فيستند الى الزوجين اعتبار.

و الحاصل انّ الافعال الاعتباريّة لا تأبى عن الاستناد الى غير من صدرت عنه. بل أمرها بيد المعتبر، فقد يعتبر استنادها الى غير من صدرت عنه، مع بقاء استنادها الى من صدرت عنه. كالبيع على قول من حكم بثبوت الخيار لكل من الوكيل و الموكل لأجل شمول قوله عليه السلام «البيعان بالخيار» على كليهما، لاستناد البيع الى كلّ منهما، حقيقة إلى الوكيل، و اعتبارا الى الموكل. و قد لا يعتبر لها استنادا الى من صدرت عنه، كالتزويج فإنّه لا يستند الا الى من تعلقت به علقة الزوجية (1)، و ان كان صادرا عن الوكيل.

العقود و الإيقاعات برمّتها من الاعتباريات

إذا عرفت ذلك فاعلم: انّه لا ريب في كون العقود و الإيقاعات برمتها من الاعتباريات ليس لها ما بحذاء في الخارج. فعقد البيع مثلا ليس له خارجية


1) التزويج و الإنكاح، بمعنى إيجاد الزوجية، و هو فعل المتعاقدين. و الّذي يستند الى الزوجين هو الزوجية دون إيجادها، قال اللّه تعالى «وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ الآية» و اما استناد الإنكاح و التزويج الى الزوجين عند تزويج الغير لهما فليس الا بالتسبيب الحاصل بالتوكيل أو الاذن أو الإجازة، كما تقدّم منّا بيانه في استناد البيع الصادر من غير المالك اليه، فراجع.

يحاذيها الا مجرد اللّفظ، و هو من حيث هو نظير قولك ضربت، لا يترتّب عليه أثر وضعي ممّا يترتّب على العقود، نعم ربّما يترتّب عليه أثر تكليفي من الحرمة و الحلية و الأثر الوضعي انّما هو للعقد، و العقد هو في الحقيقة هو ربط شي‌ء بشي‌ء و شد كلّ منهما بالاخر و ذلك لا يتحقق في مورد المعاملة حقيقة بل تنزيلا و اعتبارا، فإذا قال أحدهما: بعت و الأخر: اشتريت، فكأنّما انعقد فيها عقد، ارتبط به ما صدر عن كل من المتعاملين بما صدر من الأخر فقوله بعت فعل حقيقي لا يقبل الاستناد الى غير من صدر عنه، و اما العقد فهو فعل اعتباري يقبل الاستناد الى الغير، باعتبار الوكالة أو غيرها (1).

و ممّا ذكرنا يعلم إمكان استناد عقد الفضوليّ إلى المالك بلحوق أجازته عليه، لعدم فرق بينه و بين العقد عن وكالة أصلا. فكما أنّ اذن المالك و توكيله يجعل العقد الصادر عن الغير عقدا صادرا عن المالك و مستندا اليه فكذلك لحوق أجازته يمكن ان يجعله صادرا منه و مستندا إليه.

الإشكال في استناد عقد الفضوليّ إلى المالك بلزوم انقلاب الشي‌ء عمّا هو عليه

ثمّ انّ ههنا اشكالا يظهر اندفاعه ممّا ذكرنا، و هو ما ذكره السيد «ره» بقوله. الإجازة لا تغير ما وقع عليه بحيث ينقلب النسبة، الا ترى انّه لو أمر بضرب احد فضرب يصدق أنّه ضربه لكنّ لو ضربه و اطلع هو عليه بعد ذلك


1) استناد العقد الى المالك دون لفظ بعت مع كون وجوده عين وجود العقد لأجل عدم تحقق مناط الاستناد اليه الا فيه و هو تسبيب المالك الى وجوده و كون إجازته مؤثرة في صيرورة ما صدر عن الفضوليّ من اللّفظ عقدا و صيرورة وجوده وجودا للعقد، و امّا وجود اللّفظ فلم يحصل تسبيب من المالك بالنسبة إليه بل كان موجودا قبل اجازة المالك كما بيّناه تفصيلا فيما مرّ.

فرضي به لا يصدق أنّه ضربه انتهى.

و وجه الاندفاع أنّ ما وقع من النسبة حتى يستحيل انقلابها عمّا هي عليه بالإجازة، هي نسبة اللفظ الصادر من الفضوليّ اليه، و ليست هي منقلبة عن الفضوليّ إلى المالك، و لو بعد الإجازة. و لذا لو تعلق باللفظ اجرة كانت للفضوليّ، و لو كان محرما لعوقب هو دون المالك. و امّا العقد فهو و ان تحقق في الخارج بذلك اللّفظ، و لذا يطلق البيع عليه، و يقال: انّه بيع عن فضولة، إلا أنّه لم يتحقق له نسبة و استناد الى المالك، لكونه أجنبيّا عنه و لا إلى الفضوليّ لكون المفروض سلبه للعقد عن نفسه، و إيجاده له عن قبل المالك. و لذا لو نذر ان لا يبيع لم يحنث.

فالعقد عقد صحيح صدر من أهله، و وقع في محله. و المفقود في البين هو استناده و إضافته إلى المالك، و عرفت انّ شمول إطلاقات البيع و عمومات الوفاء بالعقد على عقد منوط بتحقق استناده الى المالك، فإذا أجازه المالك يحدث له الاستناد الى المالك، فيشمله العمومات و الإطلاقات، و ليس هناك قلب نسبة الى نسبة بل احداث نسبة بعد ما كانت معدومة.

و امّا قوله لو أمر بضرب احد فضرب إلخ ففيه أولا إنّ المثال واقع في غير محلّه، فانّ الضرب من الأفعال الحقيقية التي لا تستند الى غير من صدرت عنه (1). نعم لو فرض انطباق عنوان اعتباري عليه، كالتأديب مثلا لا بأس باستناده الى غير من صدر عنه.

«و ثانيا» انّ تحقق الاستناد بأمر في مورد من الاعتباريّات، لا يستلزم تحققه به في مورد آخر، بل المرجع فيه الى نظر العقلاء (2).


1) قد تقدّم منّا الكلام في استناد الأفعال الحقيقيّة مبسوطا، فراجع.

2) بل يتحقّق به حصول الاستناد في مورد آخر أيضا بعد وحدة الملاك، و لا ينافيه الإرجاع إلى نظر العقلاء، لعدم تعلّق نظرهم بشي‌ء إلا عن ملاك.

المقدمة الثانية في تفكيك الجهات المختلفة للاعتباريّات

اعلم أنّ للاعتبارات جهات مختلفة، فما يترتّب من الحكم و الأمر على اعتبار، ليس يلزم ان يترتّب على اعتبار آخر. و لا بدّ من تفكيك الجهات، و ترتيب الأثر على كلّ منهما بما يستحقه بحسب اعتبار العقلاء. فربّما يكون عمل واحد خارجي ينطبق عليه عناوين مختلفة من الاعتباريات، لكل منهما حكم على حده.

فلو تصدى بإجراء صيغة العقد نيابة عن غيره بأمر شخص آخر، و اتفق كون التلفظ بالعقد موجبا لإتلاف مال، ينطبق على لفظ صيغة العقد وجوه و عناوين مختلفة من الاعتبارات. و هي عنوان التكلم، و عنوان النيابة، و عنوان التفويت، و يترتب عليه آثار و أحكام مختلفة بحسبها، فاللّفظ بما هو تكلم يستند الى اللافظ، و بما هو عقد نيابة عن المالك يستند اليه، و بما هو تفويت يستند الى من امره به لأجل التسبيب.

و من هنا قد اعترضنا على السيد «قده» في المقدمة السابقة حيث قال لو أمر بضرب احد فضرب إلخ بأنّ وجوه الاعتبارات يختلف بحسب الموارد و الحالات، و لا يجوز الحكم على مورد بما حكم به على مورد آخر قياسا له عليه. كيف؟ و قد عرفت أنّ فعلا واحدا في مورد واحد يختلف حكمه، بحسب انطباق عناوين مختلفة عليه، كما عرفت. فما زعمك بفعلين متباينين ذوي عنوانين مختلفين.

المقدمة الثالثة في الفرق بين حقيقة التوكيل و الإجازة بكون التنزيل في الشخص أو في العمل

انّ الاعتبار اعني التنزيل قد يتعلّق بالشخص بتنزيله منزلة شخص آخر.

و قد يتعلّق بفعله، و ينزل بمنزلة فعل شخص آخر. و الاعتبار الأوّل حيث تحقق يغني عن الاعتبار الثاني من حيث انّه إذا تنزل شخص منزلة شخص آخر، يترتب عليه ما يترتب عليه لا محالة، فيكون فعله بمنزلة فعل الأخر كأنه صدر منه.

و الفارق بين الاعتبارين، انّ الاعتبار الأوّل أعني تنزيل شخص بمنزلة شخص آخر لا يستدعي إلا وجودهما ثمّ إذا صدر منه فعل بعده، يكون بمنزلة فعل الآخر. و امّا الاعتبار الثاني، أعني تنزيل فعل بمنزلة فعل الآخر يستدعي تحقق الفعل منه في الخارج حتى يتعلق به تنزيله بمنزلة فعل الآخر و من القبيل الأول، اعتبار الولاية و الوكالة فإنّ اعتبار الولاية اعتبار تنزيل الولي بمنزلة الصبي، و اعتبار الوكالة تنزيل الوكيل بمنزلة الموكل. نعم قد يكون التنزيل المذكور من جهات، و قد يكون من جهة واحدة فقط، كالتنزيل المتعلّق بالوكيل في خصوص إجراء الصيغة.

و من القبيل الثاني، تنزيل عقد الفضولي بمنزلة فعل المالك. و من هنا يعلم وجه الفرق بين التوكيل و الإجازة (1).


1) الفرق بين الإجازة و التوكيل و الاذن كون الإجازة هو إنفاذ عقد الغير بالمطابقة و كون التوكيل و الاذن إنفاذا له بالالتزام فانّ معنى التوكيل بالمطابقة هو التفويض و معنى الإذن بالمطابقة هو الإباحة.

و قد عرفت: انّ كلا التنزيلين يشتركان في كون الفعل الصادر من واحد، بمنزلة الصادر من الأخر. فإذا تحقق الإجازة تجعل العقد الصادر من الفضولي بمنزلة العقد الصادر من المالك، فيترتّب عليه احكامه من حين العقد. لانّ المنزل بمنزلة عقد المالك، هو العقد الصادر من الفضوليّ في تلك الزمان، فيكون كأنّه صدر العقد من المالك في تلك الزمان أيضا.

و من هنا كان مقتضى التحقيق هو القول بالكشف الحقيقي، دون الكشف اللغويّ، فضلا عن الكشف الحكمي المتضمّن للقول بالنقل لولا الروايات. فإنّه لا معنى للقول فيه بالنقل أصلا، فإنّ المفروض عدم حدوث عقد آخر حين الإجازة حتى يترتّب عليه آثار العقد من حينه.

المقدمة الرابعة في تفكيك الجهة الحقيقيّة من العقد عن الجهة الاعتباريّة
اشارة

اعلم انّ المسببات تابعه في الأحكام لأسبابها و لذا ذكر جماعة منهم المحقق الخراساني «قده» في الكفاية: انّ المسبب يقع تحت القدرة بتبع السبب و انّها تتعلّق بالمسبب بتبع تعلّقها بالسبب. فلا يمكن جريان حكم المسبب الا مع جريانه في السبب.

و من هنا يظهر بطلان ما ذكره المحقق النائيني «قده» من انّ الإجازة انّما توجب استناد المسبب الى المالك و اما استناد السبب أيضا إليه فلا دليل على اعتباره في صحة عقد الفضوليّ، قال: إنّه و ان اعتبر رضا المالك و الاستناد إليه في صيرورة العقد صحيحا إلا أنّ القدر المتيقن من اعتبار هما في ناحية المسبب، و امّا صدور الإجازة عمن له حق الإجازة أو نائبه فلا دليل على اعتباره «انتهى».

حيث إنّه لا يمكن استناد المسبب أعني الملكيّة (1)إلى المالك إلا باستناد السبب اعني عقد البيع اليه. فالتحقيق صيرورة قول الفضوليّ: بعت فعلا للمالك و مستندا اليه بلحوق أجازته عليه، و يتبعه استناد حصول الملكيّة للمشتري أيضا إليه قهرا. و ليس يلزم عليه انقلاب الفعل عمّا وقع عليه بالإجازة، كما ذكره «قده» بقوله «و لو اعتبر استناد السبب أيضا الى المالك فالإجازة لا تغيّر الفعل عمّا وقع عليه» فانّ كون بعت سببا لحصول الملكية ليس من حيث هو لفظ معتمد على مقطع الفم بل من حيث هو بيع و عقد.

و بالجملة إنّ السبب لحصول الملكيّة «هو بعت» بما هو منطبق لعنوان اعتباري اعني عنوان العقد و البيع، و امّا بما هو لفظ فكسائر الألفاظ لا تؤثر في حصول الملكيّة شيئا و ما ذكره في التنظير له بصلاة النائب، من أنّ المستند منها الى المنوب عنه هو نفس الصلاة دون الأفعال المحققة لها من الركوع و السجود و غيرها غير صحيح، فإنّ الركوع و السجود بما هما ركوع و سجود، يستندان الى المنوب عنه، نعم ذات الحركة المتحصلة بها الركوع أو السجود لا تستند الى غير من صدرت عنه، و الاشتباه انّما نشأ من الخلط بين الأفعال الحقيقيّة و الاعتباريّة.

و بالجملة انّ اللازم في صحة عقد الفضوليّ استناد قوله بعت الى المالك بما هو عقد و بيع، لا بما هو لفظ. و الفرق بينهما أنّ اللفظ بما هو لفظ من جملة


1) المراد بالمسبب على ما صرح به في كلامه هو البيع، و الا فليست الملكيّة إلا وصفا للمال و ليس يستند الى العاقد أو المالك. و المراد بالسبب هو العقد، كما تداول في الألسنة من كون العقد سببا للبيع، و لكن التحقيق على ما تقدم منّا كون العقد عين البيع و انّ العقد هو البيع المتحقق باللّفظ، كما انّ عقد الإجارة هو الإجارة المتحققة باللفظ، و كذا غيرها من العقود و الإيقاعات فالبحث فيهما خارج عن مقتضى البحث في الأسباب و المسببات، و ان كان إشكال التفرقة بينهما في الاستناد الى المالك و عدمه بناء على ما ذكرنا أوكد.

الافعال الحقيقية التي يستحيل استنادها الى غير من صدر عنه، و اما بما هو بيع و عقد فهو من الأمور الاعتباريّة، فلا يستحيل استناده الى غير من صدر عنه. و قد بيّنا الفرق بينهما في المقدمة المتقدمة، و الاشتباه في المقام إنّما نشأ من الخلط بينهما.

توهم اشكال التفكيك في العقد الفضوليّ بين تحقق السبب و المسبب و دفعه

ثمّ إنّه لا يتوسم التفكيك بين تحقق السبب و المسبب في عقد الفضوليّ.

بناء على ما قدّمناه من أنّ المؤثر هو عقد الفضوليّ، و يكون أثره بعد الإجازة، و ذلك لأنّ العقد ليس سببا تامّا لحصول الملكيّة، بل مراعى بحصول الرضا، قد أنيط تأثيره على تحققه على ما ذهب اليه الشيخ «ره» فلا يصير سببا تامّا الا عند تحققه، فيترتب عليه حصول الملكيّة من دون أن يكون بينهما فرجة و انفكاك.

توضيحه: أنّك قد عرفت سابقا أنّ الاعتبار يختلف باختلاف المعتبرين، فربما يعتبر الشخص شيئا لا يوافقه اعتبار العقلاء، كما لو اعتبر بيع ما لا تناله يد الإنسان كالقمر و النجم. و ربّما يوافقه اعتبار العقلاء لكن يتخلف عنه اعتبار الشرع و لا يوافقهم في الاعتبار. فتعلّق اعتبار الفضوليّ بعقد لا يستلزم تعلّق اعتبار العقلاء به، و لو تبعه تحقق اعتبارهم لم يستلزم تحققه تحقق الاعتبار من الشرع فلا ملازمة بين الاعتبارات الثلاث في أصل وجودها فضلا عن خصوصياتها، و القيود الدخيلة في حصولها. فكون عقد الفضوليّ سببا تامّا لحصول الملكيّة في اعتبار البائع الفضوليّ، أو اعتبار قاطبة العقلاء، لا يستلزم كونه سببا تامّا في اعتبار الشرع. بل يمكن اعتبار الشرع له مراعى بتحقق الرضا من المالك على مذهب الشيخ «ره» أو باستناده الى المالك على ما اخترناه.

و لا يقدح فيه تأخر حصولهما عن العقد لكونه حينئذ من جملة الشرائط المطلقة، فإنّ الشرائط على قسمين (1)«منها» ما يعتبر تحققه عند السبب بنحو المقارنة. «و منها» ما يعتبر تحققه مطلقا، و لو متأخرا عن تحقق السبب، كاعتبار التقابض في بيع الصرف و السلم، فانّ وجودهما سبب لحصول الملكيّة، و يتوقف تأثيره فيها على حصول التقابض في المجلس و لو متأخرا عن العقد.

و من هذا القبيل اعتبار الرضا في العقد على مذهب الشيخ «قده» نعم هو من جملة الشرائط التي يعتبر تحققها عند تحقق السبب، بناء على ما استظهره السيد قده.

و من هنا يظهر الاشكال فيما ذكره المحقق النائيني «قده» ردا على الشيخ «ره» في ذيل كلامه المتقدم: إنّه لو دل الدليل على اعتبار الإذن فالظاهر منه السابق. لأنّه كسائر الشروط لا بد و ان يكون مقارنا للعقد و ألا يصير كل شرط قابلا لأن يتأخر انتهى.

و اما بناء على اعتبار الاستناد كما بيّناه فليس شرطا بل محققا لموضوع العقد و مقوما له.

المقدمة الخامسة دفع الاشكال عن صحّة الفضوليّ في العقود و الإيقاعات الجائزة
اشارة

اعلم انّ محل النزاع في باب الفضولي، هو ترتب الأثر على ما صدر عنه من العقد، بلحوق اجازة المالك، و عدمه. و الإجازة بناء على الكشف، يوجب


1) الانقسام إليهما في خصوص الشرائط المأخوذة في الاعتباريات على ما سيجي‌ء بيانه في بحث الكشف، و اما الشرائط المأخوذة في الأمور الحقيقية فلا انقسام فيها إليهما لاستحالة التفكيك بين الأثر و المؤثر التام و اجزائه.

ترتّب الأثر عليه من حين تحققه.

و منه يظهر الاشكال فيما ذكره المحقّق النائيني «قده» من عدم جريان النزاع في العقود و الإيقاعات الجائزة كالوكالة و الجعالة و الفسخ و غيرها، تعليلا بأنّ الإجازة فيها تؤثر بنفسها في الأثر من دون ان يبقى محل لتأثير عقد الفضوليّ.

فالإجازة لفسخ الفضوليّ بنفسها فسخ، و الإجازة لجعالة الفضوليّ بنفسها جعالة، و الإجازة لتوكيل الفضولي بنفسها توكيل. فالبحث عن تأثير ما صدر عن الفضولي فيها ساقط رأسا.

و توضيح الإشكال أنّ عقد الفضولي بناء على الكشف يترتّب عليه الأثر من حين تحققه بالإجازة اللاحقة عليه، فالإجازة للعقود الجائزة على تقدير كونها مستقلّة بالتأثير إنّما تؤثر من حينها، و لا تصلح للتأثير فيما قبلها، فلا غنى فيها عما صدر عن الفضوليّ قبلها. فلو وكل غيره في إجراء عقد، ثمّ أجاز المالك توكيله إياه، فمع صحة ما صدر عن الفضوليّ من التوكيل، بلحوق الإجازة، يصحّ العقد الصادر من الوكيل، بخلاف ما لو فرض بطلان التوكيل و استقلال الإجازة بالتأثير.

تحقيق المسألة

إذا عرفت هذه المقدمات تبين لك إمكان استناد العقد الصادر من الفضوليّ بالإجازة، إلى المالك، و صيرورته عقدا له. فلا بدّ حينئذ من تحصيل الدليل عليه من اعتبارات العقلاء أو من الاعتبارات الشرعيّة على تقدير عدمه.

فنقول: إنّ التفطن بميز الافعال الاعتباريّة، و تفكيكها عن الأفعال الحقيقيّة، يعطى الإذعان بحصول الاستناد فيها الى غير من صدرت عنه بالإجازة، و انّها كالوكالة توجب حصول الاستناد الى المجيز.

الا ترى أنّه لو أمر خادمه بتأديب شخص يستند التأديب اليه، و كذا لو رضي به و رحب خادمه بعمله بعد ما صدر عنه أيضا و كذا لو أمر بإعزاز شخص و تعظيمه و توهينه و تحقيره، أو رضي بها و رحب فاعلها بعد اقدامه بها تستند اليه (1)من غير فرق بينهما أصلا.

و هذه الأمثلة قد ذكرناها لتقريب المطلب، و إلا فصحة ما صدر عن الفضوليّ، و صيرورته مستندة الى المالك في المعاملات فممّا لا تكاد تخفى، فتراهم يقدم أحدهم بمعاهدة عن قبل الأخر فإذا أمضاه و أجاز يسندونها اليه بلا اشكال. و تراهم كثيرا يكتب أحدهم بتعاهد باسم احد و عنوانه فإذا أمضاه و ختمه بخاتمه تكون مستندة و مضافة اليه (2)، و هذا كلّه ممّا لا اشكال فيه


1) لا يستند الى شخص ما صدر عن غيره من التأديب أو التعظيم و التحقير و غيرها بمجرد رضاه به نعم قد يكون مجرد إظهار الرضا بالتأديب و التعظيم و التحقير بنفسه مصداقا لها، فإنّ حقيقة التعظيم و التحقير هي إظهار العظمة أو إظهار الحقارة، فإظهار الرضا بما صدر عن غيره من التعظيم أو التحقير، بنفسه تعظيم أو تحقير لكونه إظهارا باستحقاقه للتحقير أو التعظيم، و الاستحقاق بالتعظيم أو التحقير يكون بالعظمة أو الحقارة واقعا، فإظهار استحقاقه بالتعظيم أو التحقير إظهار لعظمته أو حقارته. و حقيقة التأديب تعذيب احد لإيقاعه في الأدب فإظهار الرضا بتعذيب غيره بما انّه بيان لكونه مستحقا له بنفسه تعذيب و إيذاء له بنفسه، فلو قصد هو أيضا من تعذيبه له بذكر هذا الكلام إيقاعه في الأدب، يصدق عليه التأديب.

2) وجه استناد المعاهدة المكتوبة الى من ختمه بخاتمه غير وجه استناد بيع الفضوليّ إلى المالك إذا أجازه فالقياس بينهما قياس مع الفارق فانّ الوجه في استناد المعاهدة المكتوبة الى من ختمها بخاتمه، انّ من يكتب المعاهدة لغيره لا يقصد منه اراءة معانيها، فإن كان ما كتبه جملة أخبار لا يقصد منها الاخبار، و ان كان جملة إنشاء، كالأمر و غيره، لا يقصد منها إنشاء الأمر و غيره، فلا يصدق عليه أنّه أخبر بكذا أو أمر بكذا. فإذا أخذه غيره و ختمه بخاتمه يصدق عليه انّه أخبر بكذا و أمر بكذا و كتب كذا و كذا دونه فان ختم ذيل المكتوبة بالخاتم انّما هو تعيين و بيان لمن أراد منها معانيها و جعلها مرآة لمعانيها إنشاء كان أو إخبارا فختمه لذيل المكتوبة اسناد لها الى نفسه فإذا ختم ذيلها و قصد به معانيها يصدق عليه انّه أخبر بكذا أو أمر بكذا بخلاف عقد الفضوليّ لكون المفروض تصديه لقصد إنشاء البيع بما صدر عنه من اللّفظ.

و لا شبهة تعتريه.

و تحقيق الاستناد بالرضا و الإجازة مشهور في الاعتبارات الشرعيّة، أيضا، كأداء الزكاة، و رد المظالم، و التصدق، و غيرها (1)فلو تصدق أحد بمال غيره ثمّ علم فأجاز ففي الرواية انّ التصدق يكون له، هذا مقتضى التحقيق في المسألة.

المبحث الخامس في التقريبات المختلفة لدليل الشيخ «ره» على صحّة عقد الفضولي بالإجازة

اشارة

و ينبغي التعرض لما تقدّم من الدليل المذكور في كلام الشيخ «ره» من أنّ مقتضى عمومات الوفاء بالعقد يشمل كل عقد صدر من الغير، خرج من تحتها ما كان منها غير ملحوق برضى المالك، و بقي تحتها عقد الفضولي إذا رضي به المالك و اجازه. فنقول انّه يمكن التقريب له بوجوه.

التقريب الأوّل

ما ذكره الميرزا الرشتي قدّس اللّه سرّه «و ملخصه» أنّ المعتبر في صحة العقد الصادر من غير المالك، هو حصول رضاه به و طيب نفسه، بأعمّ من الفعلي، و التقديري، و هو كونه بحيث لو اطلع بوقوع العقد لرضي به. فإذا أجاز المالك


1) لا يخفى انّ استنادها الى المالك بلحوق أجازته لكون الإجازة سببا لصيرورة ما صدر منه مصداقا لها فالمناط في حصول استنادها الى المالك هو التسبيب كما أنّ اجازة المالك لما صدر عن الفضوليّ يجعله بيعا و مصداقا للبيع.

يكشف عن وجود الرضا في نفسه حين العقد كشفا لغويا بمعنى كونه طريقا عمليا الى حصول الشرط اعني الرضا حين العقد.

فتحصل الملكية من حين العقد من غير مدخلية للإجازة في حصولها أصلا الّا أنّه لا يعلم بحصولها بدون الإجازة، فإذا تحققت الإجازة يعلم بكون الملكية حاصلة من حين العقد. و يترتّب عليها جميع أحكامها تكليفيّة و وضعيّة، من دون توقف على حصول الإجازة. فيكون تصرف المشتري في المأخوذ عن الفضوليّ محلّلا واقعا و ان كان محكوما بحسب الظاهر بالتحريم لجهله بحصول التمليك و صيرورة المأخوذ عن الفضوليّ ملكا مباحا.

فإذا تحققت الإجازة لا تؤثر إلا في مجرد تحقق العلم له بصحة العقد و تحقق التمليك، لكشفها عن وجود الرضا التقديري للمالك حين العقد، و ان كان غير مطلع بوقوع العقد في حينه على ملكه حتى يصير رضاه به فعليّا. بل قد يحصل الرضا التقديري مع وجود السخط بالفعل و يجتمع معه و معناه حينئذ انّه لو علم بالمصالح التي يعلم بها حين الإجازة لرضي به.

و هذا التقريب لا يساعده ظاهر الأدلّة، فإنّ ظاهر اعتبار الرضا الفعلي الحقيقي، لظهور كل لفظ في الحقيقي من معناه، و ارادة التقديري من اللّفظ خلاف ظاهره. كيف؟ و لو كان وجود الرضا التقديري كافيا في المقام يلزم كفايته في سائر المقامات، لوحدة الدليل على اعتباره في جميعها، و هو قوله عليه السلام لا يحلّ مال امرء مسلم الا عن طيب نفسه.

التقريب الثاني

ما ربّما يوجد في بعض الكلمات، من انّ المعتبر في صحة الفضوليّ هو الرضا الفعلي، إلا أنّه لا يعتبر فيها مقارنة الرضا بالعقد، بل يكفي فيها وجود الرضا و لو

متأخرا عن العقد. و بعبارة اخرى: إنّ المعتبر في صحة عقد الفضوليّ وجود الرضا افعلي مطلقا بأعمّ من وجوده المتأخر، فيؤثر وجود الرضا المتأخر في صحة العقد المتقدم و ترتّب الآثار عليها.

و لا يقدح فيه كونه متأخرا عن العقد، لإمكان الشرط المتأخر كما بينه في الكفاية. غاية ما في الباب، كون اعتبار المتأخر في العقد المتقدم، و تأثيره فيه، بوصف تأخره. و لا أظنّ أن يكون الشيخ «ره» قد اراده من كلامه، و ان كان هو مقتضى ظاهر بعض عباراته، فإنّ شأنه أجل من التكلم بمثل هذه المقالة.

التقريب الثالث

ما ذكرنا من التقريب في تفسير مراد الشيخ من الدليل المذكور. و هو انّ المعتبر في صحة البيع هو الرضا الفعلي المقارن للعقد، دون الأعمّ منه و من المتأخر، لأجل استحالة الشرط المتأخر و كونه مخالفا لظاهر أدلّة اعتبار الشروط.

توضيحه: انّه قد تبيّن ممّا ذكرنا سابقا انّ كون العقد منشأ للأثر ليس بما هو لفظ بل بما هو عقد و هو عنوان اعتباريّ ينطبق على اللّفظ يوجد بوجوده و لا ينعدم بانعدامه بل له بقاء اعتباري بعد انعدام اللّفظ. و لذا يتعلق به الفسخ و الإلزام، و الا فلا معنى لإلزام العقد، أو فسخه، بعد انعدامه. فيكون حصول الرضا من المالك بعد صدور العقد عن الفضوليّ، شرطا مقارنا اعتبر تحققه في صيرورة العقد سببا تامّا بنحو المقارنة، فيصير العقد عقدا تامّا بتحقق الرضا و يؤثر في حصول الملكيّة من حين صيرورته كذلك، و هو المسمّى بالنقل. فيكون موافقا لظاهر الأدلّة.

نعم لا يعتبر تحققه مقارنا لحدوث العقد، و انّما اعتبرت مقارنته للعقد

في الجملة و اما ما توهمه السيد «قده» من دلالة قوله تعالى تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ على اعتبار الرضا مقارنا لحدوث العقد استنادا بكون كلمة عن في الآية نشوية ممنوع فانّ ذلك إنّما يدلّ على مقارنة العقد بالتراضي في الجملة (1).

كيف؟ و لو اعتبر الرضا بنحو الحدوث، لم ينفع رضى المالك في ارتفاع حكم الغصب بعد حدوثه. نعم يوجب ارتفاع عنوان الغصب من حين الرضا لا من أوّل الأمر.

و بالجملة انّ اشتراط تأثير العقد بالإجازة نظير اشتراطه بالقبض، فكما يكفي تحقق القبض بعد العقد و لو بشهر، كذلك يكفي تحقق الرضا بعد العقد.

و الحاصل أنّ اعتبار المقارنة في الحدوث مؤنة زائدة يحتاج إثباتها إلى دليل يدلّ عليه كاعتبار الطهارة في الصلاة، فإنّه اعتبر تحققها في صحة الصلاة من حين الحدوث.

ثمّ إنّه ليس المؤثر في الملكية هو مجموع العقد و الرضا، بل المؤثر فيها هو العقد وحده، و انّما اعتبر الرضا في تأثيره بنحو الشرطية. و الفرق بين الجزء و الشرط، أنّ الجزء ما كان داخلا تحت المقتضي أو السبب أو الجهة الفاعليّة و ما شئت فسمه، و الشرط ما كان مؤثرا في تتميم فاعلية الفاعل أو قابلية القابل.

فليس الرضا جزء للسبب، لكون السبب هو العقد، و ان كان غير تامّ في سببيّته لحدوث الملكيّة و الرضا انّما يؤثر في تتميم حينئذ العقد و جعله سببا تامّا فيكون مقارنا للسبب التامّ لا محالة، و يترتّب عليه الأثر من حين تحقق الرضا.

فلا يعقل كونه كاشفا الا بنحو الكشف الحكمي، لكون مقتضي ما ذكر


1) الإنصاف انّه لا مجال لإنكار كون «من» في الآية نشوية، فتدلّ على اعتبار كون التجارة ناشئة عن التراضي لا محالة.و الذي يحسم الاشكال ما بيّناه سابقا من انّ عنوان البيع و التجارة لا يصدقان على ما صدر من غير المالك رأسا، و انّما يصير مصداقا لهما إذا استند الى المالك، و ذلك لا يحصل الا بعد تحقق رضى المالك و أجازته.

هو النقل و حدوث الملكية من حين حصول الرضا، و ان كان قد حكم الشارع بحدوث الملكيّة من حين حدوث العقد تعبدا.

و ما ذكرنا من التقريب يساعده ظاهر الأدلّة بناء على ما اختاره الشيخ «ره» من شمول ظاهر أَوْفُوا بِالْعُقُودِ على كلّ عقد صدر من ايّ عاقد ثمّ تقييده بقوله تعالى «تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ»، و قوله صلّى اللّٰه عليه و آله «لا يحلّ مال امرء مسلم الا عن طيب نفسه»، و ان كان مقتضى التحقيق عندنا اعتبار تحقق الاستناد الى المالك في صحّة العقد و شمول الإطلاقات و العمومات عليه.

هذا تفصيل الكلام فيما تقتضيه القاعدة من صحّة البيع أو بطلانه.

المبحث السادس في الأحاديث المستدلّة بها على صحّة بيع الفضوليّ

اشارة

و قد ورد روايات خاصّة في موارد جزئيّة، تدلّ بإلغاء الخصوصيّة على صحة البيع الفضوليّ بقول مطلق، بل يستكشف منها قاعدة كليّة جارية في جميع مصاديق البيع الفضوليّ. و ان أبيت إلا عن عدم دلالة الروايات الا على صحة خصوص الفرد المذكور في الرواية، يعم الاستدلال بها على صحة مطلق البيع الفضوليّ بضميمة الإجماع المركب، فإنّه لم يفرق أحد في القول بالصحّة أو عدمها بين مصاديقه.

فمنها رواية عروة البارقي

و هي ما أرسلوها في بعض كتب الفقه و الحديث. و لم توجد مسندة من طرق الخاصة، و انّما رويت مسندة في كتب العامة (1)و هي مذكورة في جميع


1) رواه في «السنن الكبرى»- و هو أعظم كتاب في الأحاديث الفقهيّة للعامّة- ج 6 ص 112 بثلاثة أسانيد.

الصحاح الست الا صحيح البخاري (1)أو صحيح مسلم، لكنّ في متنها اختلافا بين الصحاح المذكورة كما سيجي‌ء، و ذكروها أيضا في الكتب المعمولة لضبط معجزات النبي صلّى اللّٰه عليه و آله في باب استجابة دعواته، لما تضمنت دعاء رسول اللّه «ص» لعروة و استجابته.

و بالجملة لم توجد هذه الرواية مسندة في كتب الشيعة الا أنّها مشهورة معمولة بها فيما بينهم أيضا و تمسكوا بها في جملة موارد، منها للبيع الفضوليّ، فاستندوا إليها في كتب صنفوها لأجل البحث و الاستدلال فيما بينهم، كمختلف الشيعة للعلامة «ره» فإنّها كما يشعر عليه اسمه، كتاب عمل لبيان الآراء المختلفة لفقهاء الشيعة، و لهم كتب صنفوها في قبال العامّة في مقام البحث و الاحتجاج معهم، فربّما تمسكوا فيها بما لم يكن حجة فيما بينهم، لكونه معتبرا عند العامّة، حتى انّهم ربّما تمسكوا بالقياس مع انّ من المعلوم انّ القياس لم يكن من مذهبهم، ككتاب تذكرة الفقهاء للعلامة «ره» أيضا.

فاشتهار رواية في القسم الأول من الكتب و تمسكهم بها فيه يوجب انجبار ضعف سندها، بخلاف اشتهارها في القسم الثاني من كتبهم، فانّ ذلك لا يكشف عن اعتبار الرواية عندهم.

إذا عرفت ذلك فاعلم: انّ المروي في بعض الكتب، انّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله دفع الى عروة دينارا و قال له اشتر لنا به شاة أو أضحية على اختلاف النقل فاشترى به شاتين ثم باع إحداهما في الطريق بدينار فاتى النبي «ص» بالشاة و الدينار، فقال رسول اللّه «ص»: بارك اللّه في صفقة يمينك انتهى.

فكان في اشترائه لشاتين، و بيعه لإحديهما ثانيا، فضوليّا، إلا أن يراد


1) لكنّ البخاري مذكور في أحد الأسانيد المذكورة للحديث في السنن الكبرى و ان لم يكن موجودا في «صحيح البخاري».

من الشاة في قول النبي «ص» له اشتر لنا شاة، جنس الشاة، فينطبق على الواحد و المتعدد، فلا يكون فضوليّا في اشترائه لشاتين، بل في مجرد بيعه لاحديهما ثانيا هذا.

و لا يخفى عليك انّ من المسائل المعنونة عندهم: انّه إذا أعطاه المالك دينارا، و أمره بشراء شاة، فاشترى به شاتين، هل تكون إحداهما له، أو تكون كلتاهما لمالك الدينار الذي أمره باشتراء الشاة.

فذهب أبو حنيفة إلى كون احدى الشاتين ملكا له، فعليه لا يكون في اشترائه للشاة، و كذا في بيعه لإحدى الشاتين فضوليّا فإنّه إنّما باع ملك نفسه، و في بعض الكتب، أنّه أتى إلى النبي «ص» بشاة و دينار فأعاد النبي «ص» الدينار اليه.

و اما بناء على بطلان ما ذهب إليه أبو حنيفة، و كون المراد من الشاة في قول النبي صلّى اللّٰه عليه و آله اشتر لنا شاة، فرد واحد من الشاة، دون جنسها، يكون في اشترائه لشاتين و بيعه لاحديهما فضوليّا، فيقع بيعه لها في ملك المالك الاولى، و هو بايع الشاتين، فيكون قوله «ص» بارك اللّه في صفقة يمينك اجازة لاشتراء شاتين. و لا يمكن ان يكون اجازة له و لبيع إحداهما، لتوقف أجازته له على قابلية بيع احدى الشاتين للصحّة بإجازة النبي «ص»، على صيرورته ملكا له «ص» و توقفها على أجازته للاشتراء، فلا يمكن صدور الإجازة من النبي «ص» لكليهما في عرض واحد.

و روى ابن الشيخ «ره» في أماليه (1)عن الحكيم بن حزام (2)إنّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله دفع اليه دينارا، و قال اشترلنا به شاة، فاشترى به شاة ثمّ


1) أمالي الشيخ ج 2 ص 13.

2) الحديث مروي عن حكيم بن حزام مسندا في كتب العامّة منها سنن البيهقي ج 6 ص 113 ط حيدرآباد الدكن.

باعه بدينارين، ثم اشترى شاة أخرى بدينار، فجاء إلى النبي «ص» بشاة و دينار. فقال النبي «ص» له: بارك اللّه في صفقة يمينك انتهى فيكون في بيعه للشاة بدينارين و اشترائه لشاة اخرى بدينار فضوليّا و ذكرها في ثاقب المناقب- لم يذكر المجلسي «ره» هذا الكتاب في البحار بل قد عبّر عنه ببعض المناقب القديمة- و نسبها إلى عروة (1)و مقتضاه تعدد الواقعة لعروة، أوّله و لحكيم بن حزام.

و دعاء النبي صلّى اللّٰه عليه و آله بقوله بارك اللّه في صفقة يمينك وقع في حق عدة. منهم عروة البارقي، فجعل اللّه فيه ببركة دعائه خيرا و بركة، فكان عروة يقول: فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل ان أصل إلى أهلي فانتفع بأربعين آلاف (2)و منهم حكيم بن حزام، كما تقدم في الرواية.

و منهم عبد اللّه بن جعفر، حيث كان طفلا صغيرا، و كان يلعب بالطين و يجعله قطعا عديدة، فقال له النبي «ص» ما تفعل؟ قال أريد أنّ اتجر بها، فقال له النبي «ص»: بارك اللّه في تجارتك. فبلغ ببركة دعاء النبي «ص» من الغنى الى حيث كان يعد من كبراء أغنياء المدينة. و منهم عرفة المدني، و ذكر الشيخ «ره» فيه: انّه ممّن دعا له رسول اللّه «ص» بقوله بارك اللّه في صفقة يمينك (3)و ذكره العلامة في عرفة الأزدي و لعلّ المراد منها واحد، و لعلّه كان في المدينة و كان من طائفة الأزد هذا.

و ممّا ذكرنا يعلم فساد ما ذكره بعض متأخري الرجاليين من تخطئة الشيخ و العلامة «ره» بأنّ الذي دعا له النبي «ص» بقوله بارك اللّه في صفقة


1) مستدرك الوسائل، أبواب عقد البيع و شروطه، باب 18 حديث 1، نقله عن ثاقب المناقب لأبي جعفر محمد بن على الطوسي.

2) رجال المامقاني، ج 2 ص 251.

3) رجال المامقاني، ج 2 ص 251.

يمينك هو عروة لا عرفة.

و بالجملة لا إشكال في انّ الروايات المذكورة متضمّنة لوقوع البيع الفضوليّ و اجازة النبي «ص» له، فيكون دليلا على صحة البيع الفضولي الملحوق بالرضا كما تقدم بيانه. و فيها دلالة على كون صحة الفضوليّ مرتكزة في ذهن عروة فعمل على طبق مركوز ذهنها، و لم يردع عنه النبي «ص».

و الاشكال فيها بأنّه يحتمل ان يكون عروة وكيلا مفوضا من جانب النبي صلّى اللّٰه عليه و آله فلا يكون فضوليّا في بيعه و شرائه غير وارد، فإنّه يبعد هذا الاحتمال، نقل الواقعة في حق الحكيم أيضا، فإنّه يستبعد ان يكون هو و عروة كلاهما وكيلين مفوضين (1).

يبقى الاشكال فيها بأنّ عروة أو الحكيم كان يعلم برضى النبي «ص» و إلا كان تصرفه محرما لا يجوز تقرير النبي «ص» عليه. فلا يكون لا محالة فضوليّا في الاشتراء و البيع. و الجواب ما قدّمناه من عدم كفاية مجرد رضى المالك في صحة البيع الصادر عن غيره (2)، بل لا بد من حصول الاستناد إليه، بالاذن الملحوق، أو بالإجازة اللاحقة. نعم لا يحرم عليه التصرّف مع العلم بالرضا، إلا


1) و من العجيب انّه «ره» حكم بتعدد الواقعة، و استبعد تعدد من يكون وكيلا مفوضا للنبي صلّى اللّٰه عليه و آله مع انّه يحصل بمجرد تفويض الأمر إليه في إتيانه إليه بشاة بما دفعه من الدينار لحصول غرضه به بأيّ نحو كان.

2) و فيه عدول عن بيان وجه جواز تصرّف عروة في مال النبي صلّى اللّٰه عليه و آله بتسليم الشاة إلى الغير ليتصرّف فيها بأيّ تصرف شاء من التصرفات السائغة للمالك حتى البيع و الذبح و غيرهما و الوجه فيه ينحصر في اذن النبي «ص» امّا بنحو التفويض كما تقدّم في الحاشية المقدمة أو بنحو الاذن بطريق الأولويّة «و بيانه» انّ الإذن في اشتراء شاة بدينار اذن له في اشتراء شاتين بدينار ثمّ بيع احدى الشاتين و الإتيان إليه بشاة و دينار بطريق اولى لحصول غرضه به بطريق اولى، و ان أمكن الإشكال فيه بأنّ الأولويّة في اشتراء الشاتين بدينار و امّا بيع احدى الشاتين فلا. قلت لعلّه فهم عروة انّ غرض النبي «ص» تعلق بشاة واحدة فتحصل الأولويّة المذكورة بمجموع المعاملتين.

انّ صحة بيعه و شرائه تتوقف على صدور الإجازة من النبي «ص»، فتبيّن انّه كان في اشترائه للشاتين ثمّ بيعه لاحديهما فضوليّا، ثم لحقتها أجازه النبي بقوله.

بارك اللّه في صفقة يمينك.

و بالجملة لا إشكال في رواية عروة في الجملة سندا و دلالة أما سندا فلما تقدم من كونها معمولة بها عند الأصحاب، نعم يوجب ذلك انجبار ضعفها بالنسبة إلى الحيثية المعمولة بها عندهم، و اما بالنسبة إلى الخصوصيات المستفادة من الرواية فلا تكون منجبرة، لا سيّما رواية حكيم بن حزام، لعدم اشتهار الرواية المنسوبة إليه فيما بينهم، و المشتهر هو الرواية المنسوبة إلى عروة و «أما دلالة» فلما بيّناه في ظهورها في صحة البيع الفضوليّ مع لحوق الإجازة.

و منها رواية محمد بن قيس

و هي ما رواه (1)الصدوق عن محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال قضى أمير المؤمنين «ع» في وليدة باعها ابن سيدها، و أبوه غائب.

فاستولدها الذي اشتراها فولدت منه، فجاء سيدها فخاصم سيّدها الأخر، فقال: وليدتي باعها ابني بغير اذني. فقال «ع»: الحكم أنّ يأخذ وليدته و ابنها، فناشده الذي اشتراها، فقال له: خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفذ لك البيع، فلمّا رآه أبوه قال له: أرسل ابني، قال لا و اللّه لا أرسل ابنك حتى ترسل ابني. فلمّا راى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه الرواية اعلم انّ محمد بن قيس مشترك في رجال الحديث بين عدة اثنان منهم ممّن كتب في قضايا أمير المؤمنين عليه السلام و هما محمّد بن قيس الأسدي (2)و محمّد بن قيس


1) نقل الشيخ «قده» هذه الرواية في المكاسب عن دروس الشهيد و وصفها بالصّحة. أقول:رواها في الدروس في آخر بيع الحيوان ص 349.

2) قال في جامع الرواة ج 2 ص 185 نقلا عن النجاشي: محمد بن قيس الأسدي له كتاب في قضايا أمير المؤمنين عليه السلام.

البجلي (1)و حيث انّ محمد بن قيس في هذه الرواية إنّما يرويها عن الباقر «ع» و يروي عنه عاصم بن حميد يعلم كونه هو البجلي و هو موثوق به.

إذا عرفت ذلك فاعلم: انّه يرد على الرواية عدة من الإشكالات منها: انّها تدل على أنّ أمير المؤمنين عليه السلام حكم لمجرد دعوى المدعي قبل استطلاع الحال عن المدعى عليه و ملاحظة مقالته، و لا يجوز الحكم للقاضي إلا بعد استماع مقالة المدعى و المدعى عليه كليهما و منها: انّه «ع» علم المدعى عليه بما يستنقذ معه ابنه عن سلطة المدعى، و تعليم القاضي لأحد المتداعيين ينافي روية القضاوة و منها: أنّ الابن لا يلحق بمالك الوليدة و منها: انّ حبس المشتري لابن سيد الوليدة غير مجوز في الشريعة.

و يسهل دفع الجميع الا ما استشكل به الشيخ «ره» في الرواية، و هو أنّ ظاهر الرواية وقوع الإجازة بعد الرد، و هو غير جائز إجماعا.

و توضيحه: أنّ في الرواية دلالة على كون الإجازة مسبوقة بالردّ من وجوه منها: ان تخاصم سيد الوليدة إليه ظاهر في رده للبيع و الا لم يقدم بالمخاصمة.

و منها: أمر الإمام عليه السلام بأخذه للوليدة و ابنها مطلقا من غير تقييد بصورة عدم الرد، ففيه دلالة على رده و منها: أخذ السيد لها فلو لا رده للبيع لم يستردها عن المشتري. و منها مناشدة المشتري إليه، فإنّه لما رأى ردّ المالك لبيع الوليدة جعل يتوصل الى استنقاذ ابنه بالمناشدة (2)

إذا عرفت ذلك فنقول: ان تخاصم مالك الوليدة في الرواية ثمّ أخذه لها بأمر الإمام عليه السلام مبنيان على دعوى وقوع البيع بغير إذنه و عدم انتقالها الى ملك المشتري حيث قال وليدتي باعها ابني بغير اذني، و انّما ناشده المشتري مخافة امتناعه عن الإجازة بالمرة فعلّم له الامام «ع» ما يجيز به المالك بيع الوليدة.

بقي في الرواية إشكال و هو انّه «ع» كيف أمر بأخذ الابن مع انّه لا يجوز حبس المسلم، و يدفعه انّ الأخذ ليس بمعنى الحبس بل بمعنى الاعتراض له بأنّه أوقعه في الاستيلاد من جارية الغير، فلا تغفل.

.

1) قال في جامع الرواة ج 2 ص 184، نقلا عن النجاشي: محمد بن قيس البجلي له كتاب القضايا، المعروف.

2) اعلم انّ المنقصة في صيرورة ما صدر عن الفضوليّ عقدا و بيعا صحيحا مؤثرا في حصول الملكيّة، هي فقدانه لمجرد رضى المالك أو هو مع أجازته. فحيث تحقق الرضا أو الإجازة ارتفعت المنقصة لا محالة، و لو مع سبق الكراهة، و يشهد بكفاية الرضا مع سبق الكراهة صحة عقد المكره إذا رضي، اللّهم الا ان يسبقه ما يفوّت مورد العقد أو ما يسقط العقد عن صلاحية التأثير و هو إنشاء الرد و منشأ سقوطه عن صلاحية التأثير بإنشاء الرد أنّ تعلق الرد بما صدر عن الفضولي ليس بما هو مؤثر في الملكيّة فعلا بل بما فيه اقتضاء التأثير فالرّد انّما يوجب نفي اقتضائه للتأثير دون فعليته و الا فليس فيه فعلية التأثير حتى يتعلق بها الرد فلا يؤثر في الملكيّة و لو بلحوق الرضا أو الإجازة عليه بعده لسقوطه عن اقتضاء التأثير.

و يمكن الجواب عنه بوجوه:

الأول وقوع التنافي بين ظهور بعض فقراتها مع ظهور بعض آخر، ففوله عليه السلام خذ ابنه حتى يجيز لك البيع، و قول أبي جعفر «ع» عند النقل حتى أجاز البيع، ظاهران بل صريحان في قابلية البيع للإجازة و عدم لحوق الرد به، و قد عرفت انّ ظاهر عدة من الفقرات وقوع الرد قبل الإجازة و سقوط البيع بالرد عن قابلية الإجازة، و لا شك في انّ الرواية لو لم تكن صريحة في الأوّل فلا محالة تكون أظهر فيها من ظهورها في الثاني فيقدم عليه. و يؤوّل دلالتها على وقوع الردّ بنحو من التأويل.

الثاني انّ الرد من الأمور الإنشائية الإيجادية، فيحتاج إلى إنشاء له في الخارج، و ليس في الرواية دلالة على إنشاء المالك للرد و انّما تدلّ على عدم رضاه بالبيع، و لا يكفي مجرد ذلك في حصول الردّ حتى يسقط عن كونه قابلا للإجازة.

الثالث انّ من المحتمل كون أمير المؤمنين عليه السلام عالما بإجازة المالك لبيع ولده سابقا، أو وقوعه بإذنه رأسا فحيث انّه «ع» لم يكن مأمورا بالعمل بمقتضى علمه، بل بمقتضى الامارات و الأدلّة الظاهريّة، فأراد انتهاء المخاصمة إلى إجازته ثانيا، حتى يكون منعه «ع» عن أخذ الوليدة غير مخالف لمقتضى الامارات الظاهرية. و إنّما قال للمشتري خذ ابنه حتى يجيز لك البيع، لئلا يظهر له انّ المالك قد أجاز البيع فيما سبق حتى يعلم بكذبه في دعواه. و يقوّي هذا الاحتمال بملاحظة الروايات الواردة في قضايا أمير المؤمنين «ع» فراجع في البحار.

و نذكر رواية منها هيهنا لإيضاح المطلب فنقول: انّه روي في البحار (1)عن عاصم بن سمرة السلوبى في حديث إنّ غلاما ادعى على امرأة انّها امّه فأنكرت فقال عمر: عليّ بأمّ الغلام فاتي بها على اربع اخوته، و أربعين قسامة يشهدون انّها لا تعرف الصبي، و ان هذا الغلام مدعيّ غشوم ظلوم يريد انّ يفضحها في عشيرتها، و انّ هذه جارية لم تتزوج قط، و انّها بخاتم ربها، الى ان قال: فقال علي «ع» لعمر: أ تأذن لي ان أقضي بينهم، فقال عمر سبحان اللّه كيف؟ و قد سمعت رسول اللّه يقول: أقضاكم علي بن أبي طالب، ثمّ قال للمرأة: أ لك شهود؟ قالت: نعم، فتقدم الأربعون قسامة فشهدوا بالشهادة الأولى.

فقال علي عليه السلام لأقضين بينكم اليوم بقضية هي مرضاة الرب من فوق عرشه، علمنيها حبيبي رسول اللّه صلّى اللّٰه عليه و آله ثم قال لها أ لك ولى؟

فقالت: نعم، هؤلاء إخوتي. فقال لإخوتها أمري فيكم و في أختكم جائز؟ قالوا نعم، قال اشهد اللّه و اشهد من حضر من المسلمين. أني قد زوجت هذه الجارية


1) بحار الأنوار، ج 40 ص 304 و الوسائل، أبواب عقد النكاح باب 1 حديث 6 ملخصا.

من هذا الغلام بأربعمائة درهم، و النقد من مالي. يا قنبر عليّ بالدراهم، فأتاه قنبر بها فصبها في يد الغلام، فقال «ع»: خذها و صبها في حجر امرأتك و لا تأتني إلا و بك اثر العرس، فصب الدراهم في حجر المرأة، فقال لها: قومي. فنادت المرأة: النار النار يا ابن عم محمد، تريد أن تزوجني من ولدي، هذا ولدي، زوجني إخوتي هجينا فولدت منه هذا، فلمّا ترعرع و شب أمروني منه و اطردوه، و هذا و اللّٰه ولدي، انتهى.

فترى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كيف زوج المرأة من ابنها و أعطى صداقه من ماله و أمره بالعرس في الظاهر، مع علمه بكونها امّه ليوقعها في الإقرار، و يظهر حقيقة الحال بإقرار نفسها. و لم يظهرها بمقتضى علمه لعدم كونه «ع» مأمورا بالعمل به، و كان مأمورا بالعمل بمقتضى الأدلّة و الأمارات الظاهريّة.

فمن الممكن ان تكون الرواية المبحوثة عنها في المقام من هذا القبيل، و يكون أمره «ع» بأخذ المالك للوليدة، ثم أمره للمشتري بأخذه ابنه حتى يجيز البيع، لأجل التطبيق في الظاهر على كبرى عدم صحة بيع الفضوليّ إلا بإجازة المالك. و لا يقدح ذلك كلّه في الاستدلال بها في المقام. فانّ محل الحاجة في الاستدلال بها خصوص ما ذكر فيها من الكبرى بقوله «ع» خذ ابنه حتى يجيز لك البيع. و هي مقرونة بالصحة في نفسه، و انّما الإشكال في تطبيقها على مورد الرواية.

فتبيّن ممّا ذكر ان تطبيقها عليه انّما هو في الظاهر، و الا فالإجازة كانت حاصلة من قبل، في علمه عليه السلام فلا يكون موهنا للتمسك بالكبرى المذكورة فيها.

و منها الروايات الواردة في نكاح الفضولي
اشارة

و هي في نحو من ثمانية موارد أو أكثر «منها» ترويج العبد لنفسه من دون

اذن المولى و فيه روايات كثيرة تدلّ على صحة النكاح بلحوق اجازة السيد عليه.

و منها: صحة تزويج الصغيرين بإجازتهما له بعد البلوغ، بل قد حكم فيها بترتيب آثارها عليه من حين تحقق العقد، و أنّه لو مات احد الصغيرين قبل بلوغ الأخر، يستحلف الأخر بعد بلوغه، فان حلف بالإجازة يورث منه. و بالجملة تدلّ هذه الروايات على تزويج الفضوليّ بالإجازة.

و منها: صحة تزويج الباكرة لنفسها إذا أجازه وليها فيما بعد، بناء على اشتراط صحة تزويجها لنفسها، بإذن الولي. الى غير ذلك من الموارد المذكورة في باب النكاح.

و حاصل الاستدلال انّ الروايات حيث دلت على صحة عقد الفضوليّ في النكاح على اختلاف موارده، تدلّ على صحة مطلق العقد الفضولي بتنقيح مناط الصحة عقلا فانّ المناط في صحة إنشاء الفضوليّ بالإجازة، في النكاح و غيره من العقود، واحد. بل دعوى الأولوية القطعية، بانّ النكاح على ما هو عليه من الأهميّة، لتعلقه بأمر البضع، حيث تحقق بالفضوليّ كان غيره اولى به قطعا هذا.

مع انّه يمكن التمسك فيها بعموم العلّة المنصوصة في بعض الروايات الواردة في نكاح العبد لنفسه بغير اذن سيده و هو قوله «ع» انّه لم يعص اللّه بل عصى سيده فإذا أجاز جاز، و معناه انّه لم يصدر منه أمر يخالف ما جعل في الشريعة، بل الحاصل في عقده من المنقصة عدم اذن سيده له. فإذا أجاز ارتفعت المنقصة المذكورة و جاز العقد.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ جميع الروايات الواردة في صحة العقد بالإجازة اللاحقة على قسمين «القسم الأول» الروايات الواردة في صحة تزويج الباكرة لنفسها بلحوق اجازة وليها عليه، و هي أكثر الروايات الواردة في الباب، و كلّها

راجعة إلى ارتفاع المانع عن صحة العقد بالإجازة اللاحقة بعد تمامية المقتضي في نفسه.

و توضيحه: أنّ الأصيل في كلّ عقد من يترتّب اثر العقد عليه، فالأصل في عقد النكاح هو الزوجان، فإذا صدر العقد منهما، تحقق المقتضي من غير جهة منقصة فيه. نعم قد يكون هناك مانع عن الصحة، كما إذا كانت الزوجة باكرة تزوج نفسها أو كان الزوج عبدا، فتكون صحة العقد مراعاة بحصول الإجازة عن الوليّ في لأوّل، و عن السيد في الثاني، فصدور الإجازة عن الولي أو السيد يؤثر في ارتفاع المانع عن صحة العقد، و ذلك نظير بيع المالك لماله مع تعلق حق الرهانة عليه.

و هذا بخلاف البيع الفضوليّ المبحوث عنه في المقام، فإنّ جهة المنقصة فيه عدم تمامية المقتضي، لا وجود مانع عن الصّحة، بعد استتمام المقتضي في نفسه. لما بيّناه سابقا من أنّ جهة المنقصة في عقد الفضوليّ كونه فاقدا للاستناد الى المالك (1)، و الاحتياج إلى الإجازة لأجل تحصيل استناد العقد الصادر من الفضولي إلى المالك. و بعبارة اخرى: انّ المبحوث عنه في المقام انّ الاستناد الى المالك هل يحصل بالإجازة أم لا فالمستفاد من هذه الروايات من صحة تزويج العبد لنفسه بإجازة سيده أو الباكرة بإجازة وليها أجنبي عنه بالمرة.

و القسم الثاني، و هو الروايات الواردة في تصحيح عقد النكاح، إذا صدر من غير الزوجين [و هي من عمدة الأدلّة على صحة الفضولي و هي روايتان في تزويج الفضوليّ غير الولي:

1- ما رواه الكليني (2)عن عدة من أصحابنا عن سهل و عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد بن عيسى جميعا عن ابن محبوب عن نعيم بن إبراهيم عن عباد بن كثير عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: سألته عن رجل زوج ابنا له مدركا من يتيمة في حجره قال ترثه ان مات و لا يرثها لانّ لها الخيار و لا خيار عليها.

2- ما رواه الشيخ (3)عن أحمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد عن علي بن مهزيار عن محمد بن الحسن الأشعري قال كتب بعض بنى عمى الى أبي جعفر الثاني عليه السلام ما تقول في صبية زوجها عمها فلمّا كبرت أبت التزويج قال فكتب الىّ لا تكره على ذلك و الأمر أمرها «انتهى» و ست روايات في تزويج الولي:

1- ما رواه الشيخ (4)بإسناده عن محمد بن يحيى عن عبد اللّه بن محمد عن علي بن الحكم عن ابان ابن عثمان عن الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (ع) في حديث قال إذا زوج رجل ابنه فذاك الى ابنه و إذا زوج الابنة جاز «انتهى» يحتمل ان يراد منهما الكبيران، فتلحق الرواية بالروايتين الأوليين.

2- ما رواه الكليني (5)عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال سأله رجل عن رجل مات و ترك أخوين و ابنة و البنت صغيرة فعمد أحد الأخوين الوصي فزوج الابنة من ابنه ثمّ مات أبو الابن المزوج فلمّا ان مات قال الأخر: أخي لم يزوج ابنه فزوج الجارية من ابنه فقيل للجارية أي الزوجين أحبّ إليك الأول أو الأخر قالت الأخر ثمّ انّ الأخ الثاني مات و للأخ الأوّل ابن أكبر من ابن المزوج فقال للجارية اختاري أيهما أحبّ إليك الزوج الأوّل أو الزوج الأخر فقال: الرواية فيها انّها للزوج الأخير و ذلك انّها قد كانت أدركت حين زوجها و ليس لها ان تنقض ما عقدته بعد إدراكها.

3- ما رواه الشيخ عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب الخزاز عن يزيد الكناسي (6)قال قلت لأبي جعفر عليه السلام متى يجوز للأب ان يزوج ابنته و لا يستأمرها قال إذا جاوزت تسع سنين فان زوجها قبل بلوغ التسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين قلت: فان زوجها أبوها و لم تبلغ تسع سنين فبلغت ذلك فسكتت و لم تأب ذلك أ يجوز عليها قال: ليس يجوز عليها رضاء في نفسها و لا يجوز لها تأب و لا سخط في نفسها حتى تستكمل التسع سنين و إذا بلغت التسع سنين جاز لها القول في نفسها بالرضا و التأبي و جاز عليها بعد ذلك الى ان قال: قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى الجارية فقال: يا أبا خالد ان الغلام إذا زوجه أبوه و لم يدرك كان بالخيار إذا أدرك و بلغ خمسة عشر سنة أو يشعر وجهه أو ينبت في عانته قبل ذلك قلت: فإن أدخلت عليه امرأته قبل ان يدرك فمكث معها ما شاء اللّه ثم أدرك بعد و كرهها و تأباها قال: إذا كان أبوه الذي زوجه و دخل بها ولد منها و اقام معها سنة فلا خيار له إذا أدرك و لا ينبغي له ان يرد على أبيه ما صنع و لا يحل له ذلك.

4- ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن احمد بن يحيى عن موسى بن جعفر البغدادي عن ظريف بن ناصح عن ابان، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال إذا زوج الرجل ابنه كان ذلك الى ابنه و إذا زوج ابنته جاز ذلك (7).

5- ما رواه الكليني عن عبد اللّه بن محمد عن علي بن الحكم عن ابان بن عثمان عن الفضل بن عبد الملك (8)قال عليه السلام إذا زوّج الرجل ابنه فذلك الى ابنه و ان زوّج الابنة جار.

6- ما رواه الكليني عن عدة من أصحابنا عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد و عن علي بن إبراهيم عن أبيه جميعا عن الحسن بن محبوب (9)عن على بن رئاب عن أبي عبيده قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن غلام و جارية زوجهما وليان لهما و هما غير مدركين فقال النكاح جائز أيهما أدرك كان له الخيار فان ماتا قبل ان يدركا فلا ميراث بينهما و لا مهر الا ان يكونا قد أدركا و رضيا قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الأخر قال ذلك عليه ان هو رضي قلت: فان كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية و رضى النكاح ثمّ مات قبل ان تدرك الجارية أ ترثه؟ قال نعم يعزل ميراثها منه حتى تدرك و تحلف باللّه ما دعاها إلى أخذ الميراث الا رضاها بالتزويج ثمّ يدفع إليها الميراث و نصف المهر قلت: فان ماتت الجارية و لم تكن أدركت يرثها الزوج المدرك؟ قال: لا لأنّ لها الخيار إذا أدركت قلت: فان كان أبو هما هو الذي زوجها قبل ان تدرك قال يجوز عليها تزويج الأب و يجوز على الغلام و المهر على الأب للجارية «انتهى».

و وجه دلالتها على صحة مطلق عقد الفضوليّ إلغاء العرف لخصوصية عقد النكاح، و تعميم الحكم بجواز عقد الفضوليّ فيه، على عقد البيع و غيره من العقود.

و هذا غير دليل الأولوية و تنقيح المناط، الذين تصدى الأستاذ «قده» بردهما. نعم انّ في الروايات الواردة في صحة تزويج الولي للطفل بإجازته بعد البلوغ خصوصية تأبى عن التعميم الى مطلق عقد الفضولي، و هي خصوصية الولاية فلعلّ صحة تزويج الطفل له بإجازته بعد بلوغه لأجل كون التزويج صادرا من اهله، و ان اعتبر في صحته اجازة الطفل بعد بلوغه.

مضافا الى انّ مقتضى جملة من الروايات كون الطفل ملزما بالقبول، و عدم قدح رده في صحة تزويجه.

و كيف كان فلا إشكال في قيام الروايتين الأوليّين على إثبات صحة بيع الفضوليّ بإلغاء الخصوصيّة من غير اشكال.] فلا بأس بدلالتها على صحة بيع عقد الفضوليّ في البيع، بناء


1) قد بيّنا سابقا ما محصّله انّ الحاجة الى إثبات استناد عقد الفضوليّ إلى المالك بإجازته انّما هي في مقام الإثبات أعني في شمول الايات عليه و امّا في مقام الثبوت فلا دليل على اعتباره و كون صحة البيع مقصورا بما إذا استند الى المالك.

2) الوسائل، كتاب الفرائض، أبواب ميراث الأزواج باب 11 حديث 2.

3) الوسائل، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح، باب 6 حديث 1.

4) الوسائل، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح، باب 6 حديث 4.

5) الوسائل، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح، باب 8 حديث 1.

6) وسائل، أبواب عقد النكاح، باب 6 حديث 9.

7) وسائل، أبواب عقد النكاح، باب 13 حديث 3.

8) وسائل، أبواب عقد النكاح، باب 6 حديث 4.

9) وسائل، كتاب الفرائض، أبواب ميراث الأزواج باب 11 حديث 1.

على ما اخترناه من أنّ توقف صحة العقد الفضوليّ على اجازة المالك هو مقتضى القاعدة. لعدم استناد العقد الى المالك رأسا إلا مع أجازته، فالكلام حينئذ في تحقق الاستناد بالإجازة و عدمه، فإذا ثبت ذلك في باب النكاح يحكم به، فيه، و في باب البيع، و سائر الأبواب، من العقود و الإيقاعات، لعدم وجود فرق بين عقد النكاح و غيره في ذلك و اما بناء على ما اختاره الشيخ «ره» من أنّ توقف صحة العقد الفضوليّ على الإجازة تخصيص تعبدي لعمومات البيع، كان الحكم به في البيع لأجل الروايات الواردة في النكاح قياسا باطلا لعدم العلم بمناطات الاحكام لا هنا و لا في غيره من مسائل الفقه (1).


1) لا فرق في دلالة الروايات الواردة في باب النكاح على صحة عقد الفضوليّ بين المباني المختلفة بناء على التقريب المتقدم اعني إلغاء الخصوصية دون تنقيح المناط الذي استشكل فيه الأستاذ «قده».

أولوية البيع بالصحّة من النكاح

امّا الأولويّة فلم تثبت، بل هي ممنوعة، لصحيحة (1)علاء بن سيابة و موثقته- بناء على الخلاف في أبان ابن عثمان الواقع في سند الرواية لكنه من أصحاب الإجماع- قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن امرأة وكلت رجلا بانّ يزوجها من رجل، فقبل الوكالة، فأشهدت له بذلك، فذهب الوكيل فزوجها. ثمّ إنّها أنكرت ذلك الوكيل و زعمت انّها عزلته عن الوكالة، فأقامت شاهدين أنّها عزلته.

فقال: عليه السلام: ما يقول من قبلكم في ذلك قال: قلت يقولون في ذلك: فان كانت عزلته قبل انّ يزوج، فالوكالة باطلة، و التزويج باطل، و ان عزلته و قد زوجها، فالتزويج ثابت على ما زوج الوكيل، و على ما أنفق معها من الوكالة، إذا لم يتعدّ أمرت به، و اشترطت عليه، في الوكالة.

قال: ثمّ قال: يعزلون الوكيل عن وكالتها و لم تعلمه بالعزل؟ قلت: نعم، يزعمون انّها لو وكلت رجلا و أشهدت في الملإ و قالت في الملإ اشهدوا أني قد عزلته و أبطلت وكالته بلا أن تعلم في العزل و ينفذون جميع ما فعل الوكيل في النكاح خاصة، و من غيره لا يبطلون الوكالة الا انّ يعلم الوكيل بالعزل، و يقولون المال منه عوض لصاحبه، و الفرج منه عوض إذا وقع منه ولد.

فقال عليه السلام: سبحان اللّه ما أجور هذا الحكم و أفسد، إنّ النكاح أحرى أن يحتاط فيه و هو فرج و منه يكون الولد.

إنّ عليا «ع» أتته امرأة تستعديه على أخيها، فقالت: يا أمير المؤمنين إني وكّلت أخي هذا بأنّ يزوجني رجلا و أشهدت له ثمّ عزلته من ساعة تلك،


1) الوسائل، كتاب الوكالة باب 2 حديث 2.

فذهب يزوجني ولي بينة أنّي قد عزلته قبل انّ يزوجني. فقال الأخ:

يا أمير المؤمنين إنّها وكلتني و لم تعلمني أنّها عزلتني عن الوكالة حتى زوجتها كما أمرتني. فقال لها ما تقولين؟ قالت: قد أعملته يا أمير المؤمنين.

فقال لها أ لك بينة بذلك، فقالت: هؤلاء شهودي بأني قد عزلته. فقال أمير المؤمنين كيف تشهدون فقالوا: نشهد أنّها قالت اشهدوا أني قد عزلت أخي فلانا بتزويجي فلانا و إنّي ملّكته لأمير، قبل ان يزوجني. فقال: أشهدتكم على ذلك بعلم منه و محضر فقالوا: لا، فقال: تشهدون أنّها أعلمته بالعزل كما أعلمته بالوكالة، فقالوا: لا قال أرى الوكالة ثابتة و النكاح واقعا، اين الزوج؟

فجاء فقال: خذ بيدها بارك اللّه لك فيها.

فقالت يا أمير المؤمنين أحلفه أني لم أعلمه العزل و لم يعلم بعزلي إيّاه قبل النكاح، قال عليه السلام و تحلف قال: نعم يا أمير المؤمنين، فحلف و أثبت وكالته و أجاز النكاح انتهى.

و هي كما ترى تدلّ على أنّ أهمية أمر النكاح تقتضي أولوية النكاح بالصحة من غيره دون أولويّة الغير منه.

و قد استشكل في الرواية بأنّه كيف جعل الامام عليه السلام الاحتياط في الحكم بالصحّة مع انّ فيه شبهة الزنا. و قد أجيب عنه بأنّ موافقة الحكم بالصحّة للاحتياط من حيث كون الحكم بالبطلان أشد شبهة منه، فانّ فيه شبهة الزنا بمعقودة الغير.

أقول إنّ مقتضى الاحتياط تجديد عقد النكاح أو تطليقها، و ما ذكره من الحكم بصحة العقد، لم يرد به كونه مقتضى الاحتياط. بل هو كلام مستأنف أجيب به عن مسئول السائل، غير منوط بقوله: و النكاح أحرى بالاحتياط.

و بالجملة قوله عليه السلام: إنّ عليا إلخ ليس بيانا لمقتضى الاحتياط،

بل هو جملة مستأنفة بعد الاعراض عمّا ذكر من قوله عليه السلام: و النكاح أحرى بالاحتياط ردا للعامّة، ذكره لبيان حكم المسألة.

و منها الروايات الواردة في باب المضاربة

و من جملة ما ذكره الشيخ استيناسا لصحّة الفضوليّ، الروايات الواردة في باب المضاربة، في مسألة انّه إذا كان العامل المضارب قد نهاه المالك عن نحو من المعاملة و شرط عليه معاملة خاصة أو نهاه عن السفر الى محل خاص فتخلف عنه المضارب (1)فدلّت الروايات على صحة معاملة المضارب و انّه يكون الربح بينهما و الضمان عليه. فان كان المراد من الحكم في الرواية بصحة معاملة المضارب خصوص صورة اجازة المالك لها فيما بعد، كان عين مسألة معاملة الفضوليّ، و ان كان المراد الحكم بصحة المعاملة مطلقا و ان لم تصدر الإجازة عن المالك كان حكما تعبديّا موجبا لاستيناس صحّة الفضولي بالإجازة.

و فيه إشكال، أمّا بناء على كون مفادها حكما تعبّديا بصحة معاملة المضارب مطلقا، فلوقوع التعبد بجواز التصرف في مال الغير في جملة من الموارد، كجواز بيع مال المحتكر، و جواز أكل الثمرة الممرورة بها. فلعلّ الحكم بصحة معاملة المضارب من غير توقف على اجازة المالك من جملتها، فلا يحصل الاستيناس به لما نحن فيه من الحكم بصحة مطلق البيع بلحوق اجازة المالك، و كونها سببا لصيرورته صحيحا. و بالجملة صحة البيع تعبدا للمضارب أجنبيّ عن المقام بالمرّة لكون المبحوث عنه في المقام سببيّة الإجازة لصحة البيع و عدمها.

و امّا بناء على تقييد الروايات بصورة لحوق اجازة المالك بالمعاملة فيشكل فيه، من حيث أنّ المضاربة إذا صحّت بالنسبة إلى المعاملة الواقعة يكون ضمانها على المالك، كما انّ ربحها يكون بينه و بين العامل.


1) الوسائل، كتاب المضاربة باب 1.

و من هنا ينقدح حينئذ الإشكال في الروايات و لو مع قطع النظر عن الاستدلال بها في المقام، بان يقال: انّ المضاربة ان صحّت بالنسبة إلى المعاملة الواقعة، يجري عليها حكم المضاربة من كون الضمان للمالك و الربح بينه و بين العامل على ما هو حكم المضاربة، و انّ لم تصح المضاربة بالنسبة إليها فلا معنى لكون الربح بينهما. و الحاصل انّه لا يلائم الحكم بضمان العامل المضارب مع الحكم بكون الربح بينهما.

و قد أجاب السيد عن الاشكال بوجهين (1)

و منه يعلم انّه لو أنشأ عقد المضاربة على مطلق التجارة بماله ثمّ نهي في خارج العقد عن إخراج ماله في سفر أو عن معاملة خاصّة فأخرجه في سفر أو أقدم على تلك المعاملة الخاصّة يصدق عليها عنوان التجارة المأخوذة في عقد المضاربة فيترتّب عليها حكم المضاربة و هو كون حصة معينة من الربح للعامل و يكون ضامنا لخسارتها لنهي المالك عن خصوصية تلك المعاملة و لا منافاة بين كون طبيعة المعاملة السارية فيه و في غيره موردا للمضاربة و كون الخصوصيات المحفوفة منهية عنها لجواز إنشاء الإذن لكلي طبيعة المعاملة، و المنع عن الخصوصيّات المحفوفة بها فرد من افرادها، لكون الاذن و المنع من الأمور الاعتباريّة يمكن قيامها بأمرين متلازمين فضلا عن قيامهما بأمرين يوجد المأذون منهما كثيرا بدون الأخر.

.

أحدهما: انّ نهي المالك عن تصرّف خاص أو السفر إلى جهة خاصّة لا يستلزم النهي عن المعاملة، و بعبارة أخرى: يمكن ان يكون ما صدر عنه من المنع تكليفيّا دون ان يكون منعا وضعيّا، حتّى يستلزم كون التصرّف غير مأذون فيه


1) و التحقيق في الجواب انّ المضاربة ليس فيها اقتضاء بنفسها لكون الضمان على المالك بل هو من حيث ان حقيقة المضاربة- و هي المعاهدة على تجارة الغير بماله بإزاء حصة من الربح- يستلزم الاذن في تجارة الغير بماله و لا ضمان على من تصرف في مال الغير باذنه و انّما الضمان على من تصرف في مال الغير بغير اذنه، و ما افتى به الأصحاب من انّ شرط الضمان على العامل في المضاربة يجعلها قرضا، فلا دلالة فيه على دخول نفي الضمان عن العامل في حقيقة المضاربة بل الوجه فيه انّه لا يمكن جمع الإذن لأحد في التصرف مع تضمينه به الا بنحو القرض اعني تمليكه منه بإزاء مثله.

بالإذن الوضعي.

و فيه أوّلا: انّ المفروض في بعض الروايات، وقوع النهي عن نفس المعاملة لا عن أمر خارج عن المعاملة، حتّى يقال بأنّ النهي عنه لا يستلزم النهي عن المعاملة.

و ثانيا: إنّ النهي التكليفي لا يجوز صدوره الا عمن له جهة مولوية كالأب بالنسبة الى ابنه و امّا نهي المالك للعامل المضارب فلا يعقل ان يكون نهيا تكليفيّا.

و الثاني: حمل الروايات على صورة تعدد المطلوب، بان يكون قد منع العامل عن السفر، و على تقدير مخالفته أجاز له المعاملة فيه. فالضمان إنّما هو من جهة المخالفة في المطلوب الثاني، و كون المعاملة صحيحة و الربح بينهما من جهة المخالفة في المطلوب الأول، و هو أصل التجارة المربحة.

و فيه انّه لا يتصوّر تعدد المطلوب في أبواب العقود و الإيقاعات، فإنّها أمور إنشائية، فمع صدور إنشاء واحد من المالك لا يتصوّر إنشاء أمرين متعددين على التقديرين.

و قد أجاب المحقق النائيني «قده» عن الإشكال، بأنّ اخبار المضاربة على قسمين، قسم تعلق النهي فيه بأمر خارج عن أصل المعاملة كالسفر، و قسم تعلق النهي فيه بنفس المعاملة.

اما القسم الأول، فمرجع النهي فيه الى النهي عن المعاملة الموجبة للخسران و المعاملة المربحة فغير منهي عنها.

و امّا القسم الثاني، فاشتراكهما في الربح في هذا القسم ليس لأجل الإجازة اللاحقة، بل لأجل صحة المعاملة بنحو الترتب.

أقول: أما ما ذكره في الجواب عن القسم الأوّل، فلا دلالة في الروايات على ذلك لكون معناه اشتراط الضمان للمضارب، و ليس في الروايات دلالة عليه.

و امّا ما ذكره في الجواب عن القسم الثاني، أعني الترتب في الاذن بالمعاملة، فهو عبارة أخرى عن تعدد المطلوب الذي ذكره السيد «ره» لكنّ السيد «ره» قد ذكره في الجواب عن القسم الأول، و لعلّه سهو و اشتباه عن المقرّر، و الا فلا معنى للترتب في القسم الثاني.

و منها الروايات الواردة في الاتجار بمال اليتيم
اشارة

و من جملة ما ذكره الشيخ «ره» استيناسا لصحة الفضوليّ، الروايات الواردة في الاتجار بمال اليتيم (1)بالبيان المتقدم في الاستيناس بروايات المضاربة. و الكلام فيها يقع في جهتين:

الجهة الأولى

صحة التمسك و الاستدلال بها في المقام، و التحقيق المنع عنها، اما أولا:

فلانّ الروايات بجملتها صريحة في معاملة الولي أو الوصي أو ظاهرة فيها للانصراف، و ليس فيها رواية متعرضة لحكم اتجار غير الولي و الوصيّ.

و من المسلم ان يد الولي و كذا يد وصيه يد المولى عليه، و لا يتوقف صحة معاملتهما على الإجازة. و اما ثانيا فلانّ الروايات ليس فيها دلالة على وجود الإجازة حتى يصحّ الاستدلال بها على صحة الفضوليّ و لا الاستيناس، لانّ الحكم بصحة المعاملة حكم تعبدي غير منوط بتأثير الإجازة في صحة عقد الفضوليّ أو عدمها التي هي المبحوث عنها في المقام. و امّا قوله انّ حكم الشارع بصحة البيع بنفسه إجازة مالكية لكونه هو المالك الحقيقي، فهو أشبه بالمزاح من الحقيقة، فإنّ المراد


1) الوسائل، كتاب المضاربة، الباب 10.

من اجازة المالك في باب الفضوليّ هو اجازة المالك الاعتباري، و لا كلام في اجازة المالك الحقيقي مالك الملك و الملكوت.

الجهة الثانية

بيان معنى الروايات و ما فيها من الاشكال و دفعه. فنقول: ان تصرف الولي في مال المولى عليه هو مقتضى ولايته فلا يعقل إثبات الضمان له الا مع نفي موضوع الولاية عنه.

هذا مضافا الى وجود التعارض بينها، من حيث انّ المحكوم في بعضها كون الربح و الضمان له و في بعضها الربح لليتيم و ضمنه، و في بعضها الربح بينهما و لا ضمان. فهذه عويصة يتوقف حلها على بسط في الكلام.

فنقول: انّ الروايات بجملتها ناظرة إلى جهة الاستقراض أو المضاربة، و مسوقة لبيان حكم استقراض الوليّ أو الوصيّ أو مضاربتهما، فالأولى بيان حكم الجهتين أولا، ثمّ ذكر الروايات حتى يتضح ما ذكرنا لمن ينظر إليها، فنقول:

امّا مضاربة الوصي فهي على ثلاثة أقسام:

«الأول»: ان يكون الوصيّ مأذونا فيها من قبل وليّ الطفل، أعني الأب أو الجد. فتكون صحيحة، و يجري عليها أحكام المضاربة، من عدم كون الضمان عليه، و كون الربح بينه و بين الطفل.

«الثاني»: ان يكون اقدامه على المضاربة و الاتجار بمال اليتيم لأجل حفظه، فيكون واجبا عليه تخييرا إذا أمكن حفظه بوجه آخر، أو تعيينا إذا توقف حفظه على خصوص التجارة. و حكمها كسابقه في الصحة و عدم كون الضمان عليه.

و كون الربح بينه و بين الطفل.

«الثالث»: ان يقدم عليها على الإطلاق لا عن اذن الولي و لا عن مصلحة الحفظ لمال اليتيم فتكون المضاربة فاسدة، و امّا المعاملة الواقعة عليها فصحيحة ماضية، لوقوعها على مال اليتيم من وليه. و بطلان المضاربة لا توجب بطلان الولاية الثابتة له بوصية الولي، كما انّه لو باعه ببيع فاسد لا يكون موجبا لبطلان الولاية. و يكون ربح المعاملة للطفل لوقوع المعاملة على عين ماله، من غير عنوان المضاربة، و ان كان غرضه وقوع المعاملة عليه بعنوان المضاربة، و امّا ضمان المعاملة فهو يكون ثابتا على الولي لترتبه على المضاربة الفاسدة. و لا فرق في بطلان هذا القسم بين ان يكون الوليّ مليا أو فقيرا.

و امّا استقراض الوليّ فنقول: الوليّ ان كان مليا صح استقراضه فتكون المعاملة الواقع عليها الاستقراض في ملك الولي، فيكون ربحها له كما انّ وضعيتها تكون عليه. و ان كان فقيرا لم يصح استقراضه لمال اليتيم، لئلا يلزم وقوعه في معرض التلف. و امّا المعاملة الواقعة عليه بعد الاستقراض تكون واقعة على مال اليتيم، لبطلان الاستقراض و صحة صدورها عن ولي اليتيم و وقوعها على ماله، يكون ربحها له، و امّا ضمانها فيكون على ذمّة الولي لترتبه على الاستقراض الفاسد.

إذا عرفت ما ذكرنا تقف على عدم وجود التعارض بين الروايات المختلفة الواردة في الباب، و كون كل واحدة منها ناظرة إلى بيان حكم صورة من المسألة.

امّا رواية محمد بن مسلم (1)عن أبي عبد اللّه عليه السلام انّه سئل عن رجل اوصى الى رجل بولده و بمال لهم، و اذن له عند الوصيّة ان يعمل بالمال و ان يكون الربح بينه و بينهم. فقال: لا بأس به من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك و هو حي. انتهى و كذلك رواية خالد بن بكير الطويل (2)قال: دعاني أبي حين


1) الوسائل، كتاب الوصايا، باب 92 حديث 1.

2) الوسائل، كتاب الوصايا، باب 92 حديث 2.

حضرته الوفاة، فقال: يا بني اقبض مال إخوتك الصغار و اعمل به و خذ نصف الربح و أعطهم النصف و ليس عليك ضمان. انتهى فصريحتان في بيان حكم الصورة الاولى من المضاربة، كما يشهد له عنوان العمل المذكور في الروايتين فانّ معناه هو المضاربة.

و امّا رواية أبي الربيع (1)فهي مسوقة لبيان الصورة الثانية من المضاربة بمال الطفل، قال: سئل أبو عبد اللّه عليه السلام عن الرجل يكون في يديه مال لأخ له يتيم و هو وصية أ يصلح له ان يعمل به؟ قال: نعم كما يعمل بمال غيره و الربح بينهما، قال: قلت: فهل عليه ضمان؟ قال: لا إذا كان ناظرا له انتهى و قوله «ع» ناظرا له أريد منه كونه لأجل رعاية حال اليتيم و حفظ ماله دون ما هو المصطلح بيننا كما يشهد له تعبير الشيخ «ره» منه بقوله: ان كان نظرا الى اليتيم، و قال العلّامة: ان كان نظرا و شفقة و إرفاقا للصبي.

و اما رواية سعيد السمان (2)، قال سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول:

ليس في مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر به، فان اتجر به فالربح لليتيم، و ان وضع فعلى الذي يتجر به «انتهى» فهي مسوقة لبيان حكم الصورة الثالثة من المضاربة بمال اليتيم، اعني ما إذا لم يكن اقدامه بالمضاربة عن وصية من الولي و لا نظرا الى الطفل، و بعبارة أخرى لم يتقيّد بواحد من القيدين هذه جملة من الروايات الواردة في حكم المضاربة بمال اليتيم.

و إما الاستقراض بمال اليتيم فقد عرفت انّ له صورتان.

الاولى: ان يكون الولي فقيرا فلا يجوز له المضاربة بمال اليتيم فان ضارب كان ربح ما أقدم به من المعاملة للصبي و ضمانه على الولي و الى هذا ينظر رواية


1) الوسائل، كتاب الزكاة، أبواب من تجب عليه باب 2 حديث 6.

2) الوسائل، كتاب الزكاة، أبواب من تجب عليه، باب 2 حديث 2.

ربعي بن عبد اللّه (1)عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قلت له: رجل عنده مال اليتيم فقال: إن كان محتاجا و ليس له مال فلا يمسّ ماله و انّ هو اتجر به فالربح لليتيم و هو ضامن انتهى.

و الثانية: ان يكون الولي مليا يكون الربح حينئذ له و الضمان عليه، و اليه ينظر رواية منصور الصيقل (2)قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن مال اليتيم يعمل به، قال فقال: إذا كان عندك مال و ضمنته فلك الربح و أنت ضامن للمال، و إذا كان لا مال لك و عملت به فالربح للغلام و أنت ضامن للمال انتهى. و رواية أسباط بن سالم (3)قال: قلت لأبي عبد اللّه «ع» كان أخ هلك فاوصى الى أخ أكبر مني، و أدخلني معه في الوصية، و ترك ابنا له صغيرا و له مال أ فيضرب به أخي فما كان من فضل سلمه لليتيم و ضمن له ماله فقال: ان كان لأخيك ما يحيط بمال الميت ان تلف فلا بأس به، و ان لم يكن له مال فلا يعرض لمال اليتيم انتهى.

توضيح المراد من الروايتين أنّه ذكر الأصحاب: أنّ القراض أعني المضاربة إذا ضمنه العامل ينقلب قرضا كما يدلّ عليه المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام من ضمن عاملا كان الربح له فرواية منصور الصيقل و ان كانت واردة في المضاربة كما هو المفروض في سؤال الراوي الّا انّه حيث ذكر الامام «ع» ضمان العامل بقوله فضمنته إلخ لانقلبت المضاربة قرضا، فالحكم المذكور في الرواية على كلا التقديرين من كون الولي مليا أو عدمه راجع الى القرض دون القراض و المضاربة، و كذا رواية أسباط بن سالم، فانّ المفروض فيما سأله عنه «ع» بقوله: فيضرب به أخي كون مورد السؤال هو المضاربة، الا أنّ


1) الوسائل، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به باب 75 حديث 3.

2) الوسائل، كتاب الزكاة، أبواب من تجب عليه باب 2 حديث 7.

3) الوسائل، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به باب 75 حديث 1.

قوله عقيب ذلك: و ضمن له ماله يوجب انقلابها الى القرض، فذكر الامام «ع» في بيان حكمه: ان كان لأخيك مال إلخ.

و بالجملة التفصيل بين الملي و غيره انّما هو في القرض دون المضاربة بصورها، و ان وجد به القول في المضاربة، إلا أنّه لم نجد رواية تدلّ على ذلك.

نعم ربما يوهمه ما رواه محمّد بن مسلم (1)عن أبي عبد اللّه عليه السلام في مال اليتيم قال: العامل به ضامن، و لليتيم الربح إذا لم يكن للعامل مال ان عطب اداه. انتهى. فانّ ظاهرها بيان حكم العامل يعنى المضارب، فتدلّ على التفصيل فيه بين الملي و غيره، لكن التأمل في قوله عليه السلام ان عطب اداه، بما انّه عبر فيه بالتأدية، تدلّ على اشتغال ذمته بمال الطفل و ذلك انّما هو في القرض، فانّ مال الطفل حينئذ يصير ملكا له و تشتغل ذمته بعوضه و يصدق التأدية في حقه بخلاف المضاربة.

و منها رواية ابن أشيم

و ممّا تأيد به الشيخ «ره» في الاستدلال بصحّة الفضوليّ رواية ابن أشيم و لفظه مشترك بين عدة من الرجال و الظاهر كونه موسى بن أشيم لكون المكنى به في لسان الروايات هو، دون غيره و ذكروا فيه: انّه من الغلاة، و امّا غيره ممن سمى به فمجاهيل لم يعرف حالهم، فالرواية ضعيفة السند. و هو يزيد على ضعف دلالتها، و انّما نتعرض لها تبعا للشيخ «ره».

فنقول روي ابن أشيم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن عبد لقوم مأذون في التجارة دفع اليه رجل ألف درهم، فقال: اشتر بها نسمة و أعتقها عني و حج عني بالباقي، ثمّ مات صاحب الالف، فانطلق العبد فاشترى أباه فأعتقه


1) الوسائل، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به باب 75 حديث 2.

عن الميت و دفع إليه الباقي يحج عن الميت فحج عنه، و بلغ ذلك موالي أبيه و مواليه و ورثة الميت جميعا فاختصموا في الألف، فقال موالي العبد المعتق. انّما اشتريت أباك بمالنا، و قال الورثة: إنّما اشتريت بمالنا، و قال موالي العبد. انّما اشتريت أباك بمالنا. فقال أبو جعفر «ع» امّا الحجة فقد مضت بما فيها لا ترد، و أمّا المعتق فهو يرد في الرق لموالي أبيه، و اي الفريقين بعد، أقاموا البيّنة على انّه اشتري أباه من أموالهم كان له رقا انتهى.

أقول: حصول التأييد بها لصحة عقد الفضولي يتوقف على ارتكاب التكليف في أمرين أحد هما أن يكون عند العبد المعتق مال من مواليه، و مال من موالي أبيه، و مال من ورثة الميت، و تعلقت المعاملة بعين واحد منها و هو بعيد جدا، بل الظاهر وقوع المعاملة ذمية و قصد وقوعها لواحدة من الطوائف المذكورة.

و منه يظهر الإشكال في الرواية فإنّ القصد حيث كان من الأمور القلبية، يسمع فيه قول القاصد لكونه أعرف بقصده من غيره، و عتقه لوالده عن الميت يدل على قصده لوقوع الشراء للميت، فكيف أنيط الحكم بإقامة البيّنة و انّ من اقام البيّنة كان العبد له.

و ثانيهما: كون اشتراء العبد لأبيه من قبيل عقد الفضوليّ، و صيرورته صحيحا بلحوق الإجازة، الظاهر فيه وقوع التخاصم بينهم في العبد، و هو يتوقف على عدم كونه مسبوقا بالإذن و كون أموالهم وديعة عنده، و امّا إذا كان مسبوقا بالإذن كما هو مقتضى كونه مأذونا في التجارة من ناحية سيده، و ان العبد إذا كان مأذونا في التجارة من عند سيده و كان مشتغلا بالبيع و الشراء فربما يؤدي إليه مالا غير سيده ليتجر به.

ثمّ انّ الرواية بملاحظة نفسها أيضا غير عرية عن الاشكال، بل فيه اشكال من وجهين أحدهما انّ قوله عليه السلام امّا الحجة فقد مضت بما فيها لا ترد مخالف لمقتضى القواعد، فانّ العبد المملوك حيث كان لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ وَ هُوَ

كَلٌّ عَلىٰ مَوْلٰاهُ، يتوقف صحة عمله على اذن سيده لا سيّما إذا كان عملا ماليّا يستحق اجرة عليه، مضافا الى انّ الحج عبادة و العبادة لا تلائم مع النهي فكيف يصحّ منه الحج من دون اذن سيده.

و ثانيهما: الحكم فيها برد المعتق رقا إلى موالي أب المعتق بالكسر مع انّ فرض وقوع الشراء عليه في الرواية يقتضي خروجه عن ملكه، و ان لم يعرف من هو دخل في ملكه. و بالجملة الحكم برده الى مالكه الأوّل و انّ كان مقتضى الاستصحاب، إلا أنّ مجراه فيما إذا شك في خروجه عن ملكه، و امّا إذا كان المفروض خروجه بالشراء عن ملكه فلا يبقى مورد للاستصحاب. اللّهم الا ان يقال انّ المالك الأول يدعي فساد الشراء، فيوجب ذلك شكا في حصول النقل. و عليه يشكل ابتناء الحكم على إقامة موالي المعتق بالكسر أو ورثة الميت للبيّنة على وقوع الشراء لهم، فإنّ البيّنة للمدعي و المدعى هو موالي العبد المعتق بالفتح بكونهم مدعين لفساد الشراء.

و يمكن دفعه أيضا بكونهم مدعين لوقوع الشراء على مالهم بما لهم و هو غير معقول أصلا فالمدعي لهم عدم وقوع الشراء رأسا، و الباقون يدعون ثبوت الشراء، فموالى العبد المعتق منكرون في الحقيقة، فكانت إقامة البيّنة حقا للفريقين دونهم. و من جملة الروايات المذكورة للتأييد صحيحة الحلبي (1)قال:

سألته عن الرجل يشتري ثوبا و لم يشترط على صاحبه شيئا، فكرهة ثمّ رده على صاحبه، فأبى أن يقيله إلا بوضيعة. قال: لا يصلح له أنّ يأخذ بوضيعته، فان جهل فباعه بأكثر من ثمنه ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد «انتهى» و تقريب الاستدلال بها انّ الإقالة هو حل العقد و توضيحه إنّ العقد عبارة عن تسليم كل من المتعاقدين عهده و التزامه بالبيع إلى الأخر، فلا يقدر كلّ منهما على نقض


1) الوسائل، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود باب 17 حديث 1.

عهده، و المسلط عليه هو الجانب الأخر، لكونه مسلطا على رد التزام صاحبه.

فإذا تراضيا بذلك ورد كل منهما ذمام التزام الأخر إليه، ينحل العقد، و يرجع كل من الثمن و الثمن الى مالكه الأول. و هذا معنى الإقالة فلا يجوز فيها الزيادة و النقيصة، فلو رد البائع الثمن إلى المشتري مع نقيصة فيه لا تتحقق الإقامة بل يبقى الثمن في ملك المشتري و لا يرجع الى ملك البائع فلو باعه ثانيا يجب عليه رد الزيادة إلى المشتري كما تدلّ عليه الرواية، و ذلك يتوقف على صحة الفضوليّ و الّا فلا يصحّ بيعه لمال المشتري، حتى يجب ردّ ثمنه اليه.

و فيه: انّ رد المشتري للمبيع إلى البائع مع نقيصة في الثمن لعلّه قد كان بعقد حديد، و التعبير بقوله: فأبى أن يقيله مضافا الى أنّها يحتمل ان يكون بالباء الموحدة- كما في بعض النسخ- يحتمل ان يراد من الإقامة معناه اللغوي.

و بالجملة لو فرض رده للمبيع إلى البائع بالإقالة الفاسدة دون عقد جديد آخر كان صحة بيعه له ثانيا متوقفة على إجازة المشتري، و ليس في الرواية دلالة على أجازته له. و على تقدير وقوع اجازتة كان ما يترتّب على البيع من الزيادة و النقيصة راجعة إليه، دون الزيادة فقط. مضافا الى انّه يمكن ان يكون الثمن فيه من غير جنس الثمن في البيع الأوّل فلا يفرض حينئذ زيادة عليه أصلا.

و منها موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه

قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن السمسار أ يشتري بالأجر فيدفع اليه الورق فيشترط عليه أنّك تأتي بما تشتري فما شئت أخذته و ما شئت تركته فيذهب فيشتري ثم يأتي بالمتاع يقول خذ ما رضيت و دع ما كرهت قال لا بأس.

قال الشيخ «ره» في تقريب الاستدلال بها انّه يحتمل أن يكون شرائه لنفسه ليكون الورق عليه فرضا فيبيع من صاحب الورق ما رضيه من الأمتعة و

يوفيه دينه.

و يحتمل ان يكون شرائه لصاحب الورق باذنه مع جعل خيار له على بائع الأمتعة، فيلتزم بالبيع فيما رضي و يفسخه فيما كره.

و يحتمل أن يكون فضوليّا عن صاحب الورق فيجيز ما يريده و يرد ما يكره فإذا احتمل مورد السؤال لهذه الوجوه، و حكم الامام عليه السلام بنفي البأس مع ترك الاستفصال عن المحتملات يعم الحكم على جميع التقادير.

أقول: إن الشائع المتعارف بين الناس في مثل مفروض الرواية جعل الخيار له، فنفى البأس في كلام الامام عليه السلام ينصرف اليه، و لا يشمل سائر المحتملات في بادى النظر.

هذا تمام الكلام في أدلّة صحة بيع الفضوليّ بالإجازة، من الأدلّة العامّة و الخاصّة. و العمدة فيها كما عرفت هي الأدلة العامّة، و اما الروايات الخاصّة، فقد عرفت منع دلالتها. فلا بدّ من البحث عن دلالة الأدلّة المدعاة دلالتها على بطلانه، حتى يلاحظ حالها مع الأدلّة المتقدمة، و ليس فيها دليل خاص بل جميعها من قبيل الأدلّة العامّة. فالنسبة بينها على تقدير دلالتها و بين الأدلّة المتقدمة عموم من وجه.

المبحث السابع في أدلّة بطلان البيع الفضولي

اشارة

استدلّوا على بطلان بيع الفضولي بالأدلّة الثلاثة:

الكتاب

فمن الكتاب قوله تعالى «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ

تَرٰاضٍ» (1)و تقريب دلالتها على بطلان بيع الفضوليّ من وجهين:

الأول: الحصر المستفاد من الاستثناء فيكون مقتضاه حرمة أكل مال الغير بلا تجارة، أو مع تجارة لاعن تراض، و بيع الفضولي تجارة لاعن تراض لعدم اطلاع المالك عن وقوعه فضلا عن رضاه به.

و الثاني: تقييد التجارة بكونها عن تراض و هو و ان كان وصفا للتجارة، الا أنّه حيث ذكر في مقام التحديد يكون ظاهرا فيه، و انّ أبينا عن ثبوت المفهوم للوصف.

و قد أورد الشيخ «ره» على الوجه الأول، بأنّ الاستثناء في الآية منقطع و هو لا يدلّ على الحصر. و على الوجه الثاني، بأنّ ظهور القيد في الاحتراز انّما هو إذا لم يكن لذكره فائدة اخرى، كان يكون واردا مورد الغالب، كما فيما نحن فيه.

أقول إنّ ما ذكره من منع كون الاستثناء المنقطع مفيدا للحصر ما هو المشتهر بينهم لكنّه غير صحيح.

توضيحه انّ المستثنى ان لم يكن داخلا في المذكور كان استثنائه عنه لغوا، غير صالح لأن يذكر في كلام العقلاء، فالمستثنى عند انقطاع الاستثناء أيضا داخل في المذكور بنحو من الدخول. فالاستثناء في قولهم جائني القوم الا حمارا لأجل شمول الحكم بالمجي‌ء على توابع القوم، فأن القوم و القبيلة إذا جاؤا يكون معهم مراكبهم و مواليهم لا محالة، فهي توابع القوم و الحكم عليهم بالمجي‌ء حكم عليها أيضا بالتبع، فاستثناء الحمار عنهم إخراج عن الحكم بالمجي‌ء بعد شموله عليه بالتبع، و قد عبّر عنه بعضهم بالدخول تحت حكم المستثنى منه. و بالجملة الحكم على القوم بالمجي‌ء حكم بمجي‌ء ما هو بحكمهم.

فتحصل ممّا ذكرنا أن الاستثناء المنقطع لا يعقل في كلام العقلاء إلا فيما


1) سورة النساء، الآية 29.

إذا كان توهم دخول المستثنى تحت الحكم المذكور قبل الاستثناء.

و منه يعلم بطلان ما اشتهر بينهم من منع دلالة الاستثناء المنقطع على الحصر، و هذا ما ارتكبه المخالفون لعلاج قوله صلّى اللّٰه عليه و آله لعلى عليه السلام:

«أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا انّه لا نبي بعدي» و منع استفادة عموم المنزلة منه، عليه السلام: مع أنّ دلالتها على عموم المنزلة بمكان من الوضوح و الا فلا معنى لاستثناء النبوة عنها. فالمعنى: أنت مني بمنزلة هارون من موسى و انّ كل ما هو ثابت لي ثابت لك إلا النبوة، و ذلك أيضا ليس لأجل منقصة فيك، بل لأجل أنّه لا نبي بعدي.

و بالجملة التجأ المخالفون في منع دلالة الرواية على عموم المنزلة إلى منع دلالة الاستثناء المنقطع على الحصر، ثمّ اشتهر ذلك حتى شاع ذكره في الكتب النحوية و الأصوليّة، و قد ذكر بعض من لا خبرة له من مصنفي الخاصة و تبعه المتأخرون عنه مع الغفلة عن كونها كلمة باطلة ذكرها المخالفون لإخفاء الحق.

و قد تحصل من جميع ذلك انّ منع دلالة الآية على الحصر في غير محله، لكنّه لا توجب دلالة الآية على بطلان بيع الفضولي.

اما بناء على ما بنينا عليه من أنّ المنقصة الحاصلة في عقد الفضوليّ فقده للاستناد الى المالك، فلانّ الظاهر من التجارة في الآية هو التجارة الصادرة عمن توجه اليه الخطاب بالاية اعني الآكلين، و الآكل في التجارة هو المالك من الجانبين، فالآية لا تشمل على التجارة الصادرة عن غير المالك رأسا، لعدم كونها منتسبة إلى المالك و أنّما يحصل انتسابها الى المالك و تصير تجارة له بصدور الإجازة منه، فمقتضى اعتبار كون تجارة المالك عن تراض صدور الإجازة منه عن تراض. و امّا قبل استنادها الى المالك و صيرورتها تجارة له، فلا تشمل الآية عليها حتى تدلّ على اعتبار التراضي فيها.

و امّا بناء على مذهب الشيخ «ره» من كون بطلان الفضولي لأجل فقده

للرضا لكونه شرطا في صحّة التجارة، فنقول: انّ التجارة هي أمر معنوي يحدث باللّفظ و لا يفنى بفنائه بل يبقى بعده كما بيّناه فيما مرّ على التفصيل، فما دام لم يجتمع لها شروط التجارة لا تصحّ و لا تؤثر في الملكيّة، و من جملة شروطها هو الرضا فإذا انضم إليها رضى المالك و استجمع له هو و غيره من الشرائط تؤثر في الملكيّة لا محالة. و لا دليل على اعتبار الرضا مقارنا لحدوث التجارة، (1)بل مقتضى الدليل اعتباره مقارنا لوجود التجارة بأعمّ من الحدوث و البقاء فإنّه لا أثر يترتّب على حدوث التجارة، و ما يترتّب عليها من الآثار من الجواز و اللزوم و الفسخ و غيرها، انّما يترتّب على وجود التجارة دون حدوثها بما هو حدوث. نعم لو فرض ترتّب أثر على لفظ العقد بما هو يترتّب عليه حين حدوثه لعدم قابليته للبقاء. و امّا ما كان من الآثار مترتبة على نفس التجارة، و هي أمر معنوي تحدث و تبقى فهي تترتّب على وجودها بأعمّ من الحدوث و البقاء.

الاخبار
اشارة

و امّا من الاخبار فهي اخبار كثيرة تدلّ على النهي عن بيع ما لا يملك (2)

«فالأولى» ما رواه بقوله قال النبي «ص» لا بيع الا فيما تملك.

الثانية: ما أرسله عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله قال لا طلاق إلا فيما تملكه و لا بيع الا فيما تملكه، و هذه و ان ذكر فيها بعض سندها الا أنّها مرسلة إلى عمرو بن شعيب، و بينه و بين صاحب الكتاب وسائط كثيرة مجهولة.

و الثالثة: ما رواه بقوله «و عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله قال لا طلاق فيما لا تملك و لا عتق فيما لا تملك و لا بيع فيما لا تملك» و فيها مضافا الى عدم حجيتها لإرسالها وجوه من الإشكال.

الأول انّ المراد من الملك ليس ملك المبيع بل ملك البيع بقرينة قوله «ص» لا طلاق فيما لا تملكه لعود الضمير فيها الى الطلاق دون المرأة و الا لم يذكّر الضمير و امّا كلمة ما فهي مصدرية توقيتية و ليست موصولة يعود الضمير إليها و إلّا لم يستعمل في ذوي العقول.

اللهم الا ان يقال: انّ مرجع ملك البيع و العتق و الطلاق الى ملك المبيع و المعتق و الزوجة، لكون حقيقة المملوكية هي التبعية و الاختصاص كما تقدّم منّا في أوائل الكتاب. و من المعلوم انّ من تتبعه العتق و البيع و الطلاق و تخصه ليس الا من تتبعه و تخصه المبيع و العبد و الزوجة، بداهة أنه لا يخص بيع مال شخص أو طلاق زوجته أو عتق عبده لغيره و لو فرض جوازه لغير جاز له أيضا لا محالة.

و الثاني: انّه لا إشكال في جواز البيع لغير المالك إذا اذنه فيه و كذا لا إشكال في جواز العتق و الطلاق و البيع لغير المالك باذنه فوجه التخلص عن الروايات في جوازها بإجازته، هو الوجه في التخلص عنها في جوازها باذنه.

و وجه التخلص فيها انّ المراد منها نفي تحقق البيع و العتق و الطلاق فيما لا يملكه استقلالا، من غير مدخلية للمالك في تحققها، دون ما إذا كانت مقرونة بإذنه أو إجازته.

الثالث: انّ من البديهي عند العرف و العقلاء عدم صحة بيع غير المالك و عتقه و طلاقه بغير اذنه و أجازته، بحيث لا يتوهمها احد، فلا يمكن كون الروايات مسوقة للنّهي عنها و إرشادا إلى بطلانها و فسادها، و كذا لا إشكال في صحتها باذن المالك، و انّما الكلام في صحتها بالإجازة.

و من المستهجن جدّا سوق هذا التعبير لخصوص بيان عدم صحة البيع بالإجازة، لا سيّما انّ قوله عليه السلام «لا بيع فيما لا تملك» خطاب الى غير المالك، و ظاهره توجيه الحكم الى المخاطب، مع انّ ترتيب آثار البيع بيد المالك، فالحكم بعدم ترتيب آثار البيع انّما يتوجّه اليه.

و هذا هو شاهد جلي على عدم كون الحديث في مقام بيان حكم الفضوليّ، بل في مقام بيان حكم ما لو باع المالك مالا قبل ان يصير مالكا له.

و بالجملة هذه الروايات مسوقة للنهي عن البيع و العتق قبل تملكه للمبيع و المعتق، و عن الطلاق قبل التزوج و النكاح باعتبار انّه يتملكها فيما بعد. و يشهد له ما التوقيتية، فالمعنى أنّ البيع و الطلاق و العتاق لا يجوز إلا في زمان تملكها.

و امّا اخبار النهي عن بيع ما ليس عندك فقد ذكر الشيخ ره في المكاسب أنّها مستفيضة حكيم بن حزام عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و من العجيب انّه لم ينقل له رواية في كتب أحاديثنا في ذلك فضلا عن الاستفاضة، و ان ذكر فيها اخبار لغيره.

نعم له رواية في النهي عن بيع ما لا تقبضه، رواها في الوسائل عن مجالس الشيخ ره و أنهى سنده الى حزام بن حكيم بن حزام، و لعلّ اضافة الحزام في الأول اشتباه من الكتاب، و الا لم يعرف حزام بن حكيم بن حزام في الرجال.

ثمّ انّ الرواية المشتملة على النهي عن بيع ما ليس عندك في جوامع الشيعة هذه:

اعلم انّه لا إشكال في دلالة قوله تعالى «تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» عليه لدلالته على اعتبار منشأية التراضي للتجارة و كونها ناشئة عنه. و التحقيق بناء على ما تقدم منّا من عدم كون ما صدر عن الفضوليّ عقدا و بيعا و انّه انّما يصير عقدا و بيعا بإجازة المالك و رضاه توقف صدق تجارة عن تراض عليه، على لحوق الإجازة لكون صيرورته عقدا و بيعا ناشئة عن اجازة المالك.

(3)

«الأول» انّ النهي فيهما و ان كان إرشادا إلى الفساد الا انّ النهي إرشاديا كان أو مولويا لا يمكن تعلقه الّا بالفعل الاختياري و قد تقدّم منّا انّ ما صدر عن الفضولي ليس بيعا عرفا و انّما يصير بيعا عرفيا بإجازة المالك من غير مدخلية لاختيار الفضولي فيه فلا يمكن توجيه خطاب لا تبع إلى الفضولي باعتبار انّه يمكن ان يجعله المالك بيعا بإجازته.

«الثاني» تخصيصها على تقدير شمولها على المسألة بالأخبار الدالّة على صحة بيع الفضولي بإجازة المالك.

«الثالث» معارضتها بأخبار صحيحة السند، رواها المشايخ الثلاثة الدالّة على جواز بيع ما ليس عنده، و يشتمل بعضها على إنكار الإمام عليه السلام على العامّة في الحكم ببطلان ما ليس عنده و نقضه لهم ببيع السلم، و ذلك يقوي احتمال التقية في لحديثين المتقدمين، لا سيّما مع اشتمال أحدهما النهي عن ربح ما لم يضمنه، و هو مقدوح في مذهب الخاصة، و قد شدد فيه النكير على أبي حنيفة في رواية أبي ولاد المتقدمة بانّ في مثل هذه الفتيا تمنع السماء مائها و تمنع الأرض بركتها.

و اما اخبار النهي عن بيع ما لم يقبضه، فهي مع معارضتها باخبار آخر صريحة في النهي عن بيع ما اشتراه و لم يقبضه فهي أجنبيّة عمّا نحن فيه بالمرّة.

أو

1) اعلم انّه لا إشكال في دلالة قوله تعالى «تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» عليه لدلالته على اعتبار منشأية التراضي للتجارة و كونها ناشئة عنه. و التحقيق بناء على ما تقدم منّا من عدم كون ما صدر عن الفضوليّ عقدا و بيعا و انّه انّما يصير عقدا و بيعا بإجازة المالك و رضاه توقف صدق تجارة عن تراض عليه، على لحوق الإجازة لكون صيرورته عقدا و بيعا ناشئة عن اجازة المالك.

2) اعلم انّه لم ينقل النهي عن البيع فيما لا يملكه فيما بأيدينا من جوامع الحديث على ما تتّبعت إلّا في «غوالي اللئالى» و قد أرسلها عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله في ثلاث روايات، نعم روي في الوسائل «كتاب التجارة، أبواب عقد البيع، باب 2 حديث 1» حديثا صحيحا يتضمن توقيع العسكري عليه السلام «لا يجوز بيع ما ليس يملك و قد وجب الشراء من البائع على ما يملك» و المراد منه عدم الجواز الوضعي بقرينة انّ المراد من وجوب الشراء هو الوجوب الوضعي و القول بجواز عقد الفضولي بعد تحقق استناده الى المالك بإجازته لا ينافي ذلك. و امّا روايات «غوالي اللّئالي» فقد نقلها في «مستدرك الوسائل» ج 2 ص 460».

3) ما رواه الشيخ ره بإسناده عن احمد بن محمد عن محمد بن الحسين عن علي بن أسباط عن سليمان بن صالح عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال نهى رسول اللّه صلّى اللّٰه عليه و آله عن سلف و بيع و عن بيعين في بيع و عن بيع ما ليس عندك و عن ربح ما لم يضمن. (2) ما رواه الصدوق بإسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه في مناهي النبي صلّى اللّٰه عليه و آله قال: و نهى عن بيع ما ليس عندك، و الجواب عنهما من وجوه.

بيع ما ليس عندك، أو بيع ما لا سلطنة له عليه و لا يقدر على إقباضه.

فنتعرض ههنا للجواب عنها إجمالا، و نتبعه بالجواب تفصيلا اما الجواب الإجمالي فنقول: انّ البحث في كلّ مسألة لا بدّ و أن يكون بعد فرض موضوعها و إلا ينقلب البحث الى غيره و موضوع هذه المسألة هو بيع الفضولي، فلا بدّ في البحث عن صحته أو فساده كونه مفروض الوجود، فالبحث عن بيع الفضوليّ بعد طرو اجازة المالك عليه و صيرورته مستندا إليه ليس بحثا عن بيع الفضولي، بل عن بيع المالك و ما كان مستندا اليه (1)فالروايات على كثرتها انّما تدل على بطلان بيع الفضوليّ و هو مسلم قبل لحوق اجازة المالك، و أما بعد أجازته له يخرج عن كونه فضوليّا، فيكون البحث فيه خارجا عن مسألة الفضولي رأسا.

توضيحه أنّ البيوع المتحققة في الخارج، قد تكون معنونة بعنوان بيع المالك


1) قد تقدم منّا انّ منشأ استناد عقد الفضولي إلى المالك بالإجازة هو التسبيب، لصيرورته بيعا بالإجازة، و عليه يمكن ان يتوهم أنّ مقتضاه كون استناد العقد و البيع إلى المالك في طول استناده إلى الفضوليّ فنفى البيع عن الفضولي يستلزم نفيه عن المالك.و الجواب أنّ التسبيب على قبيلين: أحدهما تحريك الغير نحو العمل و التأثير في المعلول بتوسطه، و الثاني جعل ما صدر عن الغير بيعا و عقدا مثلا، و الطولية انّما هي في القسم الأوّل و امّا في القسم الثاني فالجاعل لما صدر عن الفضولي بيعا هو المالك بالمباشرة، فيستند اليه لا محالة بلا واسطة، و ان كان ما جعله المالك مصداقا لهما صادرا من الفضولي و بهذا الاعتبار يستند ان إليه أيضا.

على الاستقرار حدوثا و بقاء و هو البيع الصادر من نفسه أو معنونة بعنوان بيع الفضولي كذلك. و قد تكون معنونة بعنوان بيع الفضولي ثم يبدل الى عنوان بيع المالك، و قد تقدّم بيان ذلك و بيان كيفيّة كون بيع واحد مصداقا لعنوانين متقابلين.

و بالجملة فقد أثبتنا فيما مرّ تبدل عنوان بيع الفضولي بعد لحوق اجازة المالك عليه الى عنوان بيع المالك، فلا بدّ من ترتيب أثر كلّ من العنوانين عند تحققه، لا بعد تبدله الى العنوان الآخر و امّا الجواب التفصيلي فهو انّ المستفاد من جميع هذه الاخبار على تقدير تسليم دلالتها انّما هو شرطية الرضا، و لا بأس بصيرورة عقد الفضوليّ مؤثرا بعد رضى المالك. و توضيحه يتوقف على بيان مقدمتين.

الاولى: انّه لا فرق في العلّة بين أن توجد اجزائها دفعة واحدة أو على التدريج بان يوجد جزء من المقتضي ثم يوجد جزء آخر منه مع تخلل زمان بينهما و يوجد المقتضي ثمّ توجد شرائطه في دفعه واحدة أو على التدريج، و شرط بعد شرط، أو يوجد المقتضي و شرائطه مع وجود المانع، ثمّ ينعدم المانع بعد زمان منه. و بالجملة فالمقتضي بعد استتمامه في نفسه و استجماعه لجميع شرائطه و فقدانه لجميع موانعه، يؤثر في الأثر من دون فرق في حصولها دفعة واحدة أو على التدريج.

و الثانية: انّ فساد عقد الفضوليّ أعني كونه غير مؤثر في الأثر انّما يراد منه عدم ترتب أثر العقد كالملكية فيما نحن فيه، و لا يراد منه عدم ترتب أثر عليه مطلقا حتى يصير اللّفظ الصادر من الفضولي لغوا في حكم العدم كلفظ الصبي على ما تقدم. و بعبارة أخرى. ليس الفضولي كالصبي المسلوب العبارة، بل لا اشكال بين قاطبة القائلين بصحة الفضولي أو فسادها في صحة إنشائه، و لذا أطلقوا عليه بيع الفضوليّ و انّما الإشكال في ترتب أثر المعاملة أعني الملكيّة مثلا عليه.

إذا عرفت المقدمتين، علمت انّ فساد بيع الفضولي انّما هو معلول عن فقدانه لو احد من الشرائط، و هو رضى المالك به بعد حصول المقتضي أعني الإنشاء.

وقع النهي في الروايات عن عنوان المعاملة دون إنشائها حتى يكون دليلا على فساده، فإذا حصّل الرضا تستتم العلّة فتؤثر أثرها: و بالجملة لا يعقل ان يكون فقدان شي‌ء مستندا الى فقدان شي‌ء ثمّ لا يوجد بوجوده.

«تنبيه»

لا يخفى عليك أنّ استناد الرضا في التوقيع الشريف بلفظة (من) بعد إمكان إضافة المصدر الى الفاعل بنفسه كما في رواية أخرى ليس لغوا بل كان لأجل بيان فائدة- و قد قيل انّ زيادة الحروف في لسان العرب غير معقول- فإنّ زيادة كلمة، في كلام الفصحاء يكون لا محالة لأجل فائدة، و هي فيما نحن فيه التنبيه على انّ المعتبر من رضى المالك في صحة البيع ليس مجرد طيب نفسه، بل طيبها عن اختيار. و بالجملة انّ المراد من الرضا هو الاصطفاء و الاختيار، و من هنا تمسك بعض على بطلان البيع عند الغبن بتجارة عن تراض.

الإجماع

و من الإجماع ما ادعاه الشيخ «ره» في الخلاف حيث نقل الإجماع على بطلان بيع الفضولي و هو- مع كونه غير حجة بالنسبة إلينا، لما بينا في محله انّ إجماعات الشيخ «ره» في الخلاف و ابن زهرة في الغنية كانت لأجل الاستدلال بها في قبال العامّة فهي حجة عليهم لا علينا- لا تعويل على الإجماع الذي ادّعاه الشيخ «ره» على أقول ببطلان الفضولي في الخلاف، كيف و لم يذهب اليه من القدماء الا اثنان منهم أو ثلاثة، بل قد خالفه الشيخ ره في سائر كتبه فالاحتجاج بنقل الإجماع في الخلاف مستغرب جدا.

العقل

اما العقل فقد استقلّ على عدم جواز التصرّف في مال الغير بدون اذنه، و فساد تصرّفاته فيه. و قد وافقه الشرع فيهما، فكان بيع الفضولي حراما و فاسدا بدلالة العقل و الشرع عليه. قلت: انّ الصادر من الفضولي هو إنشاء البيع، اعني لفظ العقد. و ليس ذلك تصرّفا في مال الغير بل تصرفا في لسانه و تحريكا له فلا معنى لحرمته، الا فيما كان التكلم واقعا في ملك الغير، فيصير محرما لكونه تصرفا في فضاء الغير. و كل ذلك خارج عن محل البحث.

نعم يمكن الالتزام بإنصافه بالحرمة المقدمية لأجل كونه علّة منحصرة تامّة للتصرف. و لكنّه ظاهر الفساد- مضافا الى انّ الحرمة الغيرية العارضة عليه حرمة تكليفية لا محالة، و المبحوث عنه في المقام فساد المعاملة، و من المبرهن عليه في الأصول انّ الحرمة في المعاملة لا تستلزم فسادها- لو فرض كون الحرمة وضعية، يكون مقتضاها عدم ترتب الأثر على بيع الفضولي قبل لحوق الإجازة، و امّا بعده فلا مقتضى لفساد البيع و حرمته، لعدم كون التصرف المترتّب عليه تصرفا بغير اذن المالك، حتى يترشح منه الحرمة إلى مقدمته. و بالجملة لو تصرّف في مال المالك بإقباضه من المشتري قبل أجازته للبيع كان ذلك تصرفا حراما، لكنّه لا ينافي جوازه بعد الإجازة و المعلوم من القائلين بصحة بيع الفضولي تحريم التصرّف في المبيع قبل لحوق الإجازة، حتى على القول بالكشف فانّ مقتضاه ترتيب آثار البيع عليه من حين العقد. و امّا صيرورة التصرفات الواقعة قبل الإجازة مباحة فلا. و امّا دلالة العقل بفساد بيع الفضولي من دون اجازة المالك و عدم تأثير عقده في حدوث المعاملة فلا ينكره احد، و المتنازع فيه انّما هو بيعه بعد لحوق الإجازة.

ثمّ انّ بعد تسليم الأدلّة المذكورة، ليس فيها دليل خاص، بل هي بجملتها

عمومات مخصصة بالروايات الخاصّة الدالّة على الصحّة. و على تقدير ملاحظة العمومات من الطرفين مع قطع النظر عما يدلّ على صحة بيع الفضولي من الأدلّة الخاصة، يقدم العمومات الدالّة على الصحّة، على العمومات الدالّة على الفساد، لكونها أخصّ منها مطلقا (1).

و بالجملة لا إشكال في تقديمها على عمومات الفساد امّا لأجل تخصيصها بها أو لأجل تقييدها أو لكونها حاكمة عليها و نافية لموضوعها.

المبحث الثامن في أن يبيع الفضولي للمالك مع كونه مسبوقا بمنعه عنه

و الحكم فيها هو الحكم في المسألة السابقة، و يجري فيها الأدلّة العامّة الدالّة على صحة الفضولي هناك، و ان لم يشملها الروايات الخاصّة الواردة في المسألة السابقة، لوحدة ملاك البحث فيهما إلا زيادة سبق المنع هنا.

فالكلام لو كان انّما هو في اقتضائه للبطلان، من حيث انّ المنع قبل تحقق البيع يكشف عن عدم رضاء المالك بالعقد بعد تحققه فيتحقق الردّ بتحققه، و معه لا إشكال في بطلان عقد الفضولي أصلا.

و فيه: أنّ رد البيع لا يتحقق بالمنع السابق عليه بيانه انّ الرد كالإجازة


1) لا يخفى انّ النسبة بين «تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» و هي العموم المستدلّ به على البطلان «و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و هي العموم المستدلّ به على الصحّة نسبة الأخصّ مع الأعمّ، على عكس ما ذكره الأستاذ قده، لكون مطلق التجارة أخصّ مطلقا من العقود، فضلا عن التجارة عن تراض، اللّهم الا بناء على صدق التجارة على المعاطاة و منع صدق العقد عليها، فتكون النسبة بينهما عموما من وجه.و التحقيق منع دلالة تجارة عن تراض على بطلان بيع الفضولي رأسا بل بالعكس تدل على صحته بلحوق الإجازة كما بيّناه سابقا فهي من أدلّة صحة الفضولي دون فسادها.

من الأمور الإنشائية، فلا يكفي فيه مجرد عدم الرضا الباطني، كما انّه لا يكفي في الإجازة مجرد الرضا بل يحتاج إلى الإنشاء لها في الخارج. فلا يتحقّق الردّ مع فقد الإنشاء، بلا عبرة بكشف المنع السابق عن عدم رضاه به فيها بعد. و امّا نفس المنع في السابق فهو و ان كان إنشاء الا انّه لا يعقل إنشاء الرد به لتوقفه على وجود موضوعه و هو البيع، فلا يعقل الرد بالنسبة إليه قبل تحققه (1).

المبحث التاسع في أن يبيع الفضولي لنفسه

اشارة

و ثالث الاقسام بيع الفضوليّ لنفسه، سواء كان مع العلم يكون المبيع ملكا للغير، كبيع الغاصب، أو الجهل به مع العلم بالحكم، أو بالعكس. و هذه المسألة تشتمل على جهات، يمكن ان تكون فارقة بينها و بين المسألتين المتقدمتين.

«الاولى» عدم شمول الروايات الخاصّة المتقدمة في المسألة الأولى عليها إلا رواية محمد بن قيس لا تحتمل فيه ان يكون بيع الابن لوليدة أبيه لنفسه و يرده انّ الظاهر بيعه لأبيه كما يشهد له إنكاره و امّا رواية الحلبي فقد عرفت انّه ليس فيها دلالة على صحة بيع الفضولي أصلا.

«الثانية» أولوية هذه الصورة لشمول المنع عليها في الروايات الناهية عن


1) يمكن الاشكال فيه بانّ المنع و النهي و البعث و الأمر، لها بقاء اعتباري بعد إنشائها، فإذا تحقق البيع من الفضولي يصير المنع بوجوده البقائي ردا له. و الجواب: انّ النّهى يسقط بارتكاب الفضوليّ للبيع لما تسلم بينهم من سقوط الأمر و النهي بالإطاعة و العصيان، و الوجه فيه انّ اعتبارها لأجل أن تكونا داعيين لإيجاد متعلقها أو تركه فإذا أوجده المكلّف أو تركه يسقط الاعتبار المذكور لانتفاء مورده.

بيع ما ليس عنده، أو بيع مالا يملك لإمكان المنع عن شمولها على المسألة الأولى بإسناد الفضولي لبيعه الى المالك، فينسلب عنه استناده الى نفسه فلا يشمله النهي عن بيعه. و امّا هذه المسألة فلا مجال لجريان هذا الوجه فيها، لإسناد الفضولي البيع الى نفسه.

أقول: إنّ هذه الروايات برمتها كما مرّت الإشارة إليه راجعة إلى النهي عن بيع مال قبل شرائه لاحتمال عدم تحقق الشراء بعد، و امتناع المالك عن بيعه منه، كما يشهد له ذكره في سياق النهي عن طلاق مالا يملكه و النهي عن عتاق مالا يملكه، فتكون أجنبيّة عمّا نحن فيه بالمرّة. و على تقدير تسليم شمولها على ما نحن فيه فغاية ما تقتضيه فساد البيع و عدم ترتّب أثره عليه. و ليس فيها اقتضاء نفي قابلية الإيجاب و القبول رأسا (1)بل انّما تقتضي عدم ترتب ثبوت الملكيّة عليهما، بعد استتمامهما في الاقتضاء، لأجل فقدانهما لشرط التأثير في ثبوتها، اعني الرضا أو الاستناد الى المالك على اختلاف المبنيين و بالجملة ليس مقتضاها ترتّب عدم الأثر على الإيجاب و القبول، بل مجرّد عدم ترتّب الأثر. فلا تنافي ترتّب الأثر عليه بتحقق الشرط المفقود.

و بالجملة المنقصة في العلّة التامّة دون المقتضي، و المقتضي تامّ في اقتضائه فهو علة ناقصة لفقد الشرط، فإذا حصّل يرتفع نقصانها و تصير علة تامّة توجب


1) و يرد عليه ما ذكره الشيخ «ره» عند البحث في مسألة من باع شيئا ثمّ ملكه بما محصّله:انّ النهي عن بيع، إرشاد إلى فساده، و أنّ توقف صحة معاملة على شرط لاحق لا يقتضي الحكم بفسادها على الإطلاق، لكون معنى صحة المعاملة وقوع ما قصد منها و لو مع شرط لاحق. فالنهي عن معاملة يقتضي فسادها و لو مع حصول شرائطها. و التحقيق في الجواب عن الاخبار ما ذكرنا من الوجوه في الجواب عنها في المسألة الأولى، لجريانها في منع دلالة الاخبار على بطلان بيع الفضولي بلحوق اجازة المالك مع قصده لوقوعه لنفسه أيضا، من غير فرق بينه و بين ما إذا قصد وقوعه للمالك أصلا.

ترتّب حصول الملكيّة عليها.

«الثالثة» اشتراك هذه المسألة فيما هو مناط البطلان في المسألة الثانية أعني كون البيع مسبوقا بمنع المالك فانّ بيع الغاصب ممنوع من قبل المالك لا محالة.

«و فيه أولا» كون مفروض المسألة أعمّ من بيع الغاصب و غيره كما تقدم.

و ثانيا انّ المالك لا يرضى ببيع الغاصب إذا كان لنفسه و امّا باعتبار صيرورته مستندا اليه بلحوق أجازته عليه فلا يقتضي تحقّق الغصب منعه عنه و كراهته به.

و ثالثا أنّ سبق المنع من المالك لا يقدح في صحته بلحوق أجازته عليه.

و بالجملة قد عرفت اشتراك المسألة الثانية مع المسألة الاولى في الحكم و جريان حكمها فيها، و انّما الكلام في المقام في جهات تختص بها المسألة الثالثة، و انّها هل توجب فرقا بينها و بين المسألتين المتقدمتين أم لا.

«الرابعة» عدم إمكان تحقق البيع مع قصد الفضوليّ وقوعه لنفسه توضيحه انّ حقيقة البيع هو المعاوضة بين المالين، و معنى المعاوضة تبدّل كل من العوضين الى محل الأخر و دخوله فيما خرج عنه الأخر، فالفضولي إذا قصد وقوع البيع لنفسه فقد قصد دخول العوض في ملكه، مع خروج العوض عن ملك غيره، فلم يقصد وقوع حقيقة البيع و انّما قصد وقوع صورة البيع أعني إعطاء ملك الغير للتسلط به على الثمن. فلم يتحقق منه إنشاء البيع أصلا بداهة تقوم الإنشاء بالقصد فيكون بيعه حينئذ نظير بيع الصبي فاقدا للإنشاء فلا يصلح لترتّب الأثر عليه رأسا كما أنّ بيع الصبي لا يصلح لترتّب الأثر عليه و لو بإجازة نفسه بعد بلوغه.

و بالجملة، أنّ لحوق اجازة المالك انّما يوجب رفع منقصة بيع الفضوليّ من جهة فقده لشرط من شروط البيع، اعني الرضا أو الاستناد الى المالك على ما قربناه، بعد استكماله من حيث المقتضي و سائر الشرائط بجميعها. و اما بعد

وجود المنقصة في أصل إنشائه لفقده لما يتقوم به الإنشاء، فلحوق اجازة المالك لا يجدي في تصحيحه.

و تلخيص الاشكال أنّ المفروض في مسألة بيع الفضولي صدور البيع منه، و انّما الكلام في ترتّب الأثر عليه بإجازة المالك و عدمه، و لم يصدر فيما نحن فيه بيع من الفضوليّ فلم يتحقق موضوع المسألة حتى يشمله البحث عن محمولها.

و أجاب عنه الشيخ «ره» بانّ القصد في بيع الغاصب مبني على جعل نفسه مالكا حقيقيا ادعاء نظير الادعاء في استعمال اللّفظ اعني المجاز العقلي الذي ادعاه السكاكي و اللّفظ لا يستعمل حينئذ إلا في إراءة ما هو معناه الحقيقي.

«و توضيحه» انّ المتكلّم يدعي كون زيد فردا للأسد فينطبق عليه مفهوم الأسد طبعا، و يترتّب عليه كون استعمال لفظ الأسد فيه استعمالا في معناه الحقيقي.

«و بالجملة» يستعمل لفظ الأسد في معناه الحقيقي و ينطبق ذلك على زيد حقيقة لدعوى كونه فردا له، و كذلك فيما نحن فيه يجعل الفضولي نفسه مالكا ادعاء فينطبق عليه عنوان المالك حقيقة فيصحّ منه قصد المعاوضة لنفسه و خروج المبيع عن ملكه كما يدخل الثمن في ملكه.

و فيه أولا، انّ الملكيّة كما تقدم في أوائل الكتاب من الأمور الاعتبارية التي قوامها بالاعتبار، فالغاصب إذا ادعى و اعتبر نفسه مالكا تحصل حقيقة الملكيّة في حقه لكنا قد حققنا في محلّه أنّ الآثار الثابتة عند كلّ أحد لا يترتّب إلا على اعتباره، فاعتبار الغاصب لا يترتّب عليه الآثار العرفية و الشرعيّة، بل هي لا تترتّب الا على اعتبار العرف و الشرع. و بالجملة انّ ما يحصل بدعوى الغاصب حصول الملكية في اعتباره، و ليست هي منشأ أثر لحصول المعاوضة العرفية و الشرعيّة، و ما هو منشأ الأثر لحصولها الملكية له في اعتبار العرف و الشرع.

و ثانيا انّ الادعاء لا يسوغ إلا جواز استعمال اللّفظ فيه حقيقة، و لذا لا

يترتّب أثر من آثار الأسد و لا خصوصيّة من خصوصياته على زيد حقيقة، و لا يصير ذا مخلب و لا ذا أنياب و لا يكون له زئير، نعم ما كان من آثاره ثابتا له أيضا حقيقة تثبت له مع ادعاء كونه أسدا و عدمه كالشجاعة، نعم يمكن إثبات الآثار المختصة بالأسد لزيد ادعاء و اعتبارا لا حقيقة و واقعا، و بالجملة لا تثبت الآثار لموضوعها إلا في وعاء ثبوته، فلو تحقق فرد من الأسد في وعاء الحقيقة، يثبت له آثار الأسد أيضا حقيقة، و لو ثبت في وعاء الدعوى و الاعتبار لا تثبت له آثار الأسد إلا في وعاء الدعوى و الاعتبار أيضا.

هذه قاعدة كلية لا يتخلف عنها مورد من الموارد، و من هنا لا تثبت آثار الأحكام الواقعيّة إلا عند ثبوتها في الواقع، و امّا عند ثبوتها في الظاهر فلا يترتّب عليها إلّا الآثار الظاهريّة، فالطهارة الثابتة بالاستصحاب لا يترتّب عليها الا جواز الصلاة ظاهرا، و امّا جوازها واقعا فلا يترتّب إلا على ثبوت الطهارة الواقعيّة. فادعاء الغاصب لكونه مالكا لا يمكن ان يترتّب عليه المعاوضة حقيقة، بل في وعاء ادعائه، و اما المعاوضة الحقيقية فلا تتحقق بذلك.

«الخامسة» أنّ اجازة المالك إن تعلقت بما قصده الغاصب من وقوع البيع له كانت إجازة لما هو غير بيع حقيقة، لعدم إمكان تحقق المعاوضة بين الغاصب و المشتري، لما عرفت في الجهة السابقة من أنّ المعاوضة تستلزم دخول كل من العوض و المعوض في ملك خرج عنه الآخر، فلو فرض دخول العوض في ملك الغاصب مع خروج المعوض عن ملك غيره لم يتحقّق معنى المعاوضة، و كانت الإجازة اللّاحقة عليها إجازة لغير المعاوضة، و إن تعلقت على معاوضة بين المالك و المشتري، أعني دخول العوض في ملكه، كما انّ المعوض خرج من ملكه، كانت إجازة لأمر لم ينشأه الفضولي. فلا يؤثر في نقل الملك إلا إذا فرض كونها سببا مستقلا له.

و أجاب عنه الشيخ «ره» بانّ كون البيع للفضولي أو غيره خارج عن

حقيقة البيع، فلا يقدح قصد كونه لنفسه في صحة المعاوضة، و الإجازة تلحق على أصل المعاوضة فتجعلها بيعا صحيحا مصروفا الى المالك، لما يستلزم خروج المعوض عن ملكه دخوله في ملكه أيضا.

نعم استشكل فيما لو فرض كون الفضولي مشتريا يشتري لنفسه بقوله:

تملكت أو ملكت، و قول البائع له: ملكتك، لصراحة ضمير المتكلّم في تملكت و ضمير المخاطب في ملكتك في إنشاء الملكيّة للفضوليّ، و لا يمكن لحوق الإجازة عليه بمعنى وقوع الملكيّة للمالك، لمنافاته لمقتضى الإنشاء فإنّ المنشأ وقوعه للغاصب. ثمّ ذكر في التفصي عنه انّ تمليك البائع للفضوليّ و كذا تملكه لنفسه انّما هما من حيث إنّه مالك، فالفضوليّ يشتري عن البائع من حيث عدّ نفسه مالكا، و حيث انّ الثابت للشي‌ء من حيثية تقييدية ثابت لنفس تلك الحيثية فالمسند إليه في قوله تملّكت هو مالك الثمن حقيقة و انّما أسند إلى نفسه لدعوى كونه هو المصداق لذلك العنوان، فإذا لحقته إجازة لمالك يجعلها صحيحة بعين ما أنشأ عليه و يصير المبيع ملكا له لكونه هو المصداق الحقيقي لعنوان مالك الثمن، فيكون الشراء المستند الى هذا العنوان مستندا اليه.

«و فيه أولا» انّ ادعاء الفضولي كونه مالكا للثمن في شرائه لنفسه لا يجعله فردا ادعائيا لعنوان المالك، بل يجعله فردا حقيقيّا له في اعتباره، لما تقدم من ان تقوم الملكيّة بالاعتبار و ان لم يترتّب عليه الآثار العرفيّة و الشرعيّة، كما بيّناه في الجهة السابقة. و على تقدير تسليم صيرورته مالكا ادعائيا نمنع من ترتّب اثر عنوان المالكيّة عليه بمجرد الادعاء.

«و ثانيا» أنّ ما ذكره «ره» من ثبوت الحكم الثابت للفرد من حيثية تقييدية لنفس تلك الحيثية محل تأمل «توضيحه» أنّ تعلق الحكم بفرد من حيث السريان إلى الكلى و عدمه يتصوّر على وجوه.

«الأول» ان يكون موضوعه هو الفرد بخصوصياته المشخصة و شؤناته المفردة

كان يقول: أكرم زيدا فلا يسري الحكم إلى كلي العالم.

«الثاني» أن يكون موضوع الحكم هو الفرد بوصف كونه عالما كأن يقول:

أكرم زيدا العالم، و الحكم في هذا القسم كسابقه لا يسرى الى كلي العالم، لعدم تحقق حكمه الا عند تحقق موضوعه. و المفروض أنّ موضوعه ليس مجرد عنوان العالم بل زيد بوصف كونه عالما.

«الثالث» ان يكون موضوع الحكم هو الفرد بعنوان كونه عالما كأن يقول أكرم زيدا لأنه عالم، و هذا يوجب سريان الحكم إلى الكلي في الأحكام الشرعيّة الكليّة، فإنّ العلّة المنصوصة تكشف عن إرادة إكرام مطلق العالم مثلا في نفس المولى، و من الواجب متابعة ارادة المولى سواء أمر به أم لا، فلو غرق ولد المولى يجب على العبد إنقاذه و ان لم يأمر به بل و ان لم يلتفت به أصلا لوجود ارادة إنقاذ الولد في ارتكاز خاطره. و امّا في العقود و الإيقاعات فليس مجرد الإرادة و القصد منشأ للأثر ما دام لم يخرج الى عالم الإنشاء، و الإنشاء على فرد لا يترتّب عليه الأثر إلا في ذلك الفرد دون سائر أفراد الكلي، و ان كان الإنشاء عليه معللا بكونه من افراد الكلي المذكور، بداهة أنّ الإنشاء الشخصيّ لا يتجاوز عن الفرد المتعلق له إلى سائر أفراد الكلى، و ان كان مشمولا لعموم الملاك، إلّا انّ هذا الإنشاء الشخصي لا يشمل غير متعلقة.

«الرابع» ان يكون الحكم متعلقا للفرد بما هو فرد من افراد الكلي، فيكون الحكم المنشأ عاما لجميع أفراد الكلي و تعلق الحكم بالفرد المذكور بما هو منطبق لعنوان الكلي.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ إنشاء الفضولي الشراء لنفسه لا يتعدى عن القسم الأول و الثالث، فانّ المفروض إنشائه لنفسه فيكون من القسم الأول، أو معلّلا بكونه مالك الثمن فيكون من القسم الثالث. و على أي تقدير فالمنشأ بإنشاء الفضولي شرائه لنفسه دون عنوان المالك، فإنّ غاية ما يجديه

التعليل هو وجود الملاك في كلي عنوان المالك و لا يوجب ذلك ثبوت إنشاء الشراء للكلي بل لا بدّ في مقام الإنشاء إمّا من لحاظ نفس المنشأ أو ما يكون مرآتا له. و هذا نظير الوضع طابق النعل بالنعل، فإنّ الوضع هو إيجاد العلقة بين اللّفظ و المعنى و ذلك يتوقف على ملاحظة اللّفظ و المعنى الموضوع له، إمّا بنفسه أو بما يكون مرآتا له، كما في وضع العامّ و الموضوع له الخاص (1). لكن المرآتية إنّما تكون في الكلي بالنسبة الى افراده، و امّا عكسه أعني كون الفرد مرآتا للكلي فغير معقول، و لذا لا يتصوّر الوضع الخاص و الموضوع له العام. و هذا بعينه جار في العقد، فانّ الوضع و العقد من واد واحد، فلا يعقل جعل الفضولي الشراء لنفسه مرآتا الى كل عنوان المالك.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ كون الشراء لعنوان المالك لم يقع تحت الإنشاء، بل الواقع تحت الإنشاء كونه لنفسه، و لا يعقل أن يكون الإنشاء الشخصي الواقع على فرد شاملا لكلي عنوان المالك حتى ينطبق على المالك الحقيقي. فما أفاده الشيخ «ره» في الجواب منحرف عن الصواب.

و التحقيق في دفع الإشكال إلغاء كونه لنفسه عن الإنشاء رأسا لعدم البأس بإلغاء القيود الواقعة تحت الإنشاء ما لم يوجب الاختلال في أركان العقد «توضيحه» أنّ العقد علقة خاصة بين طرفين، فهما مقومان للعقد، و الاختلال في واحد منهما يوجب الاختلال في العقد و تغييره يوجب التغيير فيه. و قد بيّنا في أول الكتاب انّ العقود مختلفة بحسب الأطراف المقومة لها، فالنكاح علقة حاصلة بين شخصين أعني الزوجين، فالاختلال و التغيّر في واحد منهما يوجب الاختلال و التغيّر في النكاح. و بعبارة أخرى تخرج العلقة المنشئة بالعقد عمّا هي عليه، و هذا بخلاف المهر فانّ المهر خارج عن حقيقة النكاح، و انّما


1) قد تقدّم منّا الكلام في حقيقة الوضع و اقسامه بما لا مزيد عليه فراجع.

حكم الشارع به لحرمة البضع و عدم كونه مجانا، فلو تعيّن في ضمن العقد فهو و الّا ينصرف الى المثل. و بالجملة ليس المهر ممّا تتقوم به علقة النكاح، فالاختلال فيه لا يوجب اختلالها فلو أصدق ملك الغير في ضمن العقد يبطل الصداق وحده، و لا يوجب بطلان العلقة النكاحية. و الهبة و الوصية علقتان تحصلان بين مال و شخص، فلا بدّ في احتفاظهما من احتفاظ المال و الشخص، و التغيير فيهما يوجب تغييرا في العلقة القائمة بهما. و البيع علقة تحصل بين مالين يكون قوامها بهما دون المتبايعين. «توضيحه» أنّ البيع مبادلة مال بمال؛ و معناها انتقال كل منهما الى موضع الأخر، فلو كانا ملكين، و لا بدّ لكلّ ملك من مالك، تقتضي المبادلة انتقال كلّ منهما الى ملك مالك الأخر. و لو كانا غير ملك كالمال الموقوفة و الزكاة، فالمبادلة بينهما تقتضي دخول كلّ منهما في موضع الأخر من وقف أو زكاة أو غيرهما. و بالجملة اقتضاء البيع لوجود شخصين إنّما هو إذا كانت المبادلة في ملك، من حيث استلزام الملك لمالك له، من دون ان يكونا من أركان البيع. فالاختلال فيهما بإلغاء شخص معيّن مذكور في ضمن العقد، لا يوجب بطلان علقة البيع، لعدم تقومها بالشخص كما عرفت: فالإجازة في بيع الفضولي يتعلّق بنفس المبادلة و المعاوضة، مع إلغاء جهة كونه للفضولي، فيوجب دخول كل من العوضين في ملك خرج عنه الأخر فيقع الاشتراء لمالك الثمن قهرا و يدخل الثمن في ملكه لخروج المثمن عنه.

هذا و لكنّ الذي يقتضيه ما قواه الشيخ في تعريف البيع من كونه تمليكا بعوض أنّه علقة حاصلة بين شخص و مال فانّ معناه جعل المشتري مالكا للمال، و كون التمليك متقيّدا بكونه بعوض لا ينافي كونه علقة حاصلة بين شخص و مال كما في الهبة المعوضة، فإنّ كونها معوضة لا ينافي كونها علقة بينهما، و عليه يكون إلغاء شخص الفضوليّ عن العقد موجبا لاختلاله لتطرق الاختلال الى العقد من اختلال أركانه. فلا بدّ من تسليم إشكال العلّامة في هذا القسم من

بيع الفضوليّ أعني استلزام القول بصحته استحالة عقلية، و لا بأس به بعد عدم قيام الإجماع على الصحّة، لوجود مخالف نظير العلامة «ره» في جلالة القدر و عظم الشأن، و قد تبعه من المتأخرين التستري رضوان اللّه عليه.

و التحقيق ان يقال: إنّ في مورد البيع أمران متلازمان أعني التمليك بعوض و المبادلة بين المالين، بحيث لو فرض كون أيّ منهما محققا لحقيقة البيع كان الأخر لازما لحقيقته. امّا استلزام الأول للثاني، فلأنّ المأخوذ فيه كونه بعوض فتقع المبادلة و المعاوضة بين متعلق التمليك و عوضه المستفاد من باء المقابلة، و امّا استلزام الثاني للأوّل، فلانّ المبادلة بين المالين في الملكية تستلزم تمليك مالك الثمن بالمثمن و بالعكس. و إذا ثبت كون كلّ منهما ملتزما للآخر يكون إنشاء أحدهما إنشاء للآخر فيكون إنشاء التمليك بعوض إنشاء للمبادلة و إنشاء المبادلة إنشاء للتمليك بعوض بالالتزام. و بالجملة يتحقق عند إنشاء كلّ واحد منهما انشائان، أحدهما بالمطابقة، و الأخر بالالتزام. فلا بدّ حينئذ من ملاحظة ما هو محط النظر منهما للمنشئ بالكسر و ما كان المنشئ في مقام إيجاده، فيكون غيره قابلا للالغاء لعدم كونه قادحا فيما هو حقيقة العقد المنشأ و ان كان هو المنشأ بالمطابقة.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ حقيقة المنشأ في عقد البيع كما يشهد له مراجعة العرف هو المبادلة، لكون غرضهم من البيوع المتعارفة فيما بينهم هو أخذ الثمن و إعطاء المثمن، فلا بأس حينئذ بإلغاء جهة التمليك إذا كان المشتري فضوليّا لعدم قدحه فيما به قوام العلقة المنشئة حقيقة و بالجملة إنّ اجازة المالك تتعلّق بما تعلق به إنشاء المتبايعين حقيقة و ما كانا في مقام إيجاده لبا، نعم لو فرض كونهما في مقام إنشاء التمليك لبا دون جهة المبادلة، يحسن القول ببطلان بيع الفضولي و عدم قابليته للإجازة، لاستلزامها إلغاء ما تتقوم به حقيقة العلقة المنشأ حقيقة.

«السادسة» إشكال لا يليق بالذكر لفساده بأفسد ما يكون، لكنّا نذكره تبعا للشيخ «ره» و هو انّ البائع من الفضولي لو علم بكونه فضوليّا فباعه بماله، و دفعه اليه، و ملكه منه يصير ملكا له فإذا تصرّف فيه لم يجز له الرجوع فيه فلا يعقل حينئذ صحة البيع بإجازة المالك، لاستلزامها دخول الثمن في ملك البائع مع خروج المبيع من ملك الفضولي، و هو ينافي حقيقة المعاوضة كما تقدم بيانه.

و فيه أولا مع صيرورة المبيع ملكا للفضوليّ بالإقباض، فإنّ البائع لم يقصد تمليكه مجانا بإزاء دخول الثمن في ملكه، و حيث لم يدخل الثمن في ملكه لم يتحقق أيضا تمليك المبيع.

و ثانيا انّه لو فرض حصول التمليك بالإقباض لا يزيد لا محالة على التصريح بالملكيّة بقوله ملكتك، فكما يجوز له الرجوع مع التصريح يجوز له الرجوع مع الإقباض أيضا. و بالجملة، الحكم بعدم جواز رجوعه في ماله مع تمليكه من الفضولي خال عن السند.

و ثالثا انّه يجوز له الرجوع حتى بعد الإتلاف، لكون إتلاف الفضولي للمبيع مضمونا عليه، لعدم كونه مهتوكا من قبل المالك. «توضيحه» أنّ الشارع حكم بحرمة مال المسلم كحرمة دمه، و مقتضاها كون إتلافه موجبا للضمان، و لم يهتكها الشارع إلا ان تكون مهتوكة من ناحيته، فلو أباحه من غيره مجانا يكون ذلك هتكا منه لماله، فلا يكون إتلافه موجبا للضمان و امّا لو كان مبنيّا على المعاوضة. و أباحه لا مجانا بل في قبال العوض، لا يكون ذلك هتكا منه و ان كانت المعاوضة غير صحيحة لا شرعا و لا عرفا. و بالجملة المدار في هتك المالك لحرمة ماله و عدمه على الإباحة المبتنية على المعاوضة في نظره، و ان كانت غير مبتنية عليها عرفا و شرعا و عدمها.

و ههنا فرعان:
الأول في تعيين المشتري إذا قال: اشتريت لزيد في ذمّة عمرو
اشارة

لا فرق في صحة بيع الفضولي بلحوق الإجازة، بين أن يكون أحد العوضين أو كلاهما عينا خارجيا أو كليا في الذمة، فإنّ الكلي من حيث هو، و إن كان غير قابل للتمليك لعدم كون الكلي بما هو موجودا في الخارج لكنّه حيث أضيف إلى ذمّة شخص معيّن يصير قابلا للتمليك لأجل اعتبار الوجود له في ذمته، سواء تحققت الإضافة قبل البيع كان يملك زيد منا من الحنطة في ذمّة عمرو فيبيعه الفضولي، أو كان بنفس البيع كان يبيع منا من الحنطة في ذمة زيد، و لا إشكال في ذلك أصلا. و إنّما الإشكال في صورة اختلاف ما يدلّ على تعيين من هو في ذمته، بأنّ يقول اشتريت بدرهم لزيد في ذمة عمرو، فانّ مقتضى قوله: لزيد ثبوت الدرهم في ذمته لاستلزام كون البيع له دخول المبيع في ملكه و خروج الثمن منه، سواء قصد أم لم يقصد، فيناقض قوله في ذمة عمرو. و لا يخفى عليك انّ جهة البحث لزوم التناقض و التنافي بينهما لبا لا بين ظاهر اللّفظين حتى يرتفع بحمل أحدهما على الأخر، لكون المفروض في محل البحث القطع بتعلق قصد الفضولي بكلّ منهما. فالأمر يدور بين إثبات كلا القيدين، و الغائهما معا و ترجيح أحدهما على الأخر. أمّا إثبات كليهما فيستلزم ثبوت ثمنين، و من المستحيل ثبوت ثمنين في بيع واحد، و ليس لأحدهما ما يوجب ترجيحه على الأخر فلا بدّ من الغائهما و الحكم ببطلان بيع الفضولي رأسا و عدم وقوعه لا لزيد و لا لعمر و أصلا.

لكن الذي يقتضيه دقيق النظر إلغاء قيد لزيد لكونه في طول قيد في ذمة عمرو سواء قدم في الذكر أو أخر و توضيحه يتوقف على بيان مقدمة. و هي انّ الكلي بما هو ليس له مالية و لا يبذل بإزائه المال، بل كان قوام ماليته بالإضافة إلى ذمّة شخص و عهدته، فإذا أضيف إلى تعلق الاعتبار بكونه مالا فيبذل بإزائه المال، بل كان قوام ماليته بالإضافة إلى ذمّة شخص و عهدته، فإذا أضيف إلى ذمّة تعلق الاعتبار بكونه مالا فيبذل بإزائه المال فالشخص الذي أضيف الكلي إلى ذمته من مقوّمات العقد و حصول الاختلال فيه يوجب الاختلال في عقد البيع، لا لتقوم البيع بأركان ثلاثة و هو أحدها بل لأجل أن أحد ركني العقد و هو الكلي يتوقف على إضافته إلى الذمّة فالاختلال فيه يوجب الاختلال في أحد ركني العقد. و ان كان تعين مالك الثمن أو الثمن فليس ممّا يتوقف عليه حقيقة البيع لكونه علقة حاصلة بين المالين فلا يتوقف الا على تحققهما، لكنّ مقتضاه تعين مالك الثمن.

إذا عرفت ذلك فاعلم انّ قيد «في ذمة عمرو» في المثال مسوق لبيان ما هو من مقوّمات المعاملة لكون تعين الذمة ممّا يتوقف عليه مالية الكلى فإلغاؤه يوجب إلغاء المعاملة. و امّا قيد «كونه لزيد» فحيث كان بيانا لمن يصير بالعقد مالكا للمبيع فليس من مقوّمات العقد، بل هو في مرتبة متأخرة عن تقوم حقيقته، فيكون في طول ما سيق قيد «في ذمة عمرو» لبيانه و في رتبة متأخرة عنه. و لا بأس بالغاية لعدم إخلاله في حقيقة العقد، و التعبير بالإلغاء من باب ضيق البيان و الا فهو بعد وقوع المعاوضة يكون لغوا بنفسه (1).


1) الاولى في تقريب حكم المسألة ان يقال: إنّ بعد كون المفروض تعلّق قصده بمفاد كلّ من القيدين، يمتنع تعلّقه بلازمهما في الخارج، اعني كون الثمن في ذمة زيد و هو اللازم لمفاد قيد لزيد، و كون البيع لعمرو و هو اللازم لمفاد قيد في ذمة عمرو، في المثال المذكور، و إلا يلزم قصد وقوع تمام البيع لشخصين، من غير اشتراك، و قصد كون تمام الثمن في ذمّة شخصين من غير اشتراك أيضا،و هما منافيان لقصد حقيقة البيع. فلم يقصد عن كل من القيدين الّا ما هو مفادهما بالمطابقة، فيكون شرائه هذا بعينه من قبيل القسم الثالث، و هو شراء الفضوليّ بقصد وقوع الشراء لغير مالك الثمن، و الحكم فيه وقوع الشراء للمالك بإجازته، و امّا وقوعه لغيره فيستلزم دخول المبيع في ملك لم يخرج عنه الثمن.

و بالجملة إنّ ههنا إضافتان «إحداهما» إضافة المال إلى ذمّة عمرو «و الأخرى» إضافة الشراء الى زيد، و الاولى غير قابلة للالغاء بخلاف الثانية، لكونها خارجة عن حقيقة العقد و غير مقومة لقوائمه، و ان كان القيد المسوق لبيانها بيانا للإضافة الأولى أيضا بالالتزام الا انّ ذلك ممّا يتفرّع على المعنى المطابقي فحيث سقط المعنى المطابقي عن العقد بالالغاء يسقط المعنى الالتزامي أيضا بتبعه. نعم لو كان كلا القيدين مسوقين لبيان الإضافة اللاميّة اعني اضافة الشراء للمشتري، أو الظرفية اعني اضافة المال إلى الذمّة و العهدة كان القيدان عرضيين يقع التعارض بينهما و اما لو كان أحدهما مسوقا لبيان الإضافة اللاميّة و الآخر مسوقا لبيان الإضافة الظرفية، يقدم منهما ما كان مسوقا لبيان الإضافة الظرفية، سواء قدم في الذكر أواخر. و ما قيل من أنّ العقد يتمّ بالقيد المذكور أولا أيّاما كان منهما فيلغو ذكر القيد الثاني لوقوعه بعد تمامية العقد ممنوع، فانّ العقد لا يتمّ في بيع الفضولي و لا يترتّب عليه الأثر بل يتوقف على لحوق الإجازة، فالعقد بعد ذكر القيد الأوّل غير تامّ يقبل التقييد به ثانيا.

هذا و قد عدلنا في التمثيل بما عرفت عمّا ذكره الشيخ «ره» من شراء الفضولي لنفسه في ذمة عمرو لأجل توضيح اندفاع المغالطة الواقعة في المطلب، و إذا اتضح لك الحال فيما ذكرنا من المثال فنقول: انّه لا فرق بين ان يشتري لزيد في ذمة عمرو أو لنفسه في ذمة زيد، فإنّ الإسناد إلى نفسه في قوله اشتريت في قوة التصريح، فانّ الفعل يثبت لفاعله بالطبع بحيث لو صرح بكونه لنفسه كان تأكيدا للمذكور، و ثبوته لغيره يحتاج إلى قرينة صارفة. فهو قابل للالغاء بعد

معارضته لقيد في ذمة عمرو و ان كان مؤكدا بألف تأكيد لوقوعه في طول قيد في ذمة عمرو فيكون ساقطا على ما تقدم بيانه.

و منه يعلم فساد ما ذكره المحقق النائيني «ره» بعد تقديم مقدمتين ذكر في إحداها اقتضاء صدور العقد من شخص كونه لنفس العاقد، و مقتضاه كون الكلي في ذمته. و في الثانية ان كلّ قيد وقع بعد تمامية أركان العقد بحيث لم يكن منافيا لمقتضاه و كان منافيا لبعض الخصوصيّات الخارجة عن حقيقة يقع لغوا. و لقد أجاد في إلغاء القيد المنافي لبعض الخصوصيات الخارجة عن حقيقة العقد، لكنّه أخطأ في التعبير بانّ كل قيد وقع بعد تمامية أركان العقد، الظاهر في البعدية الزمانية التي صارت منشأ لما وقع فيه من المغالطة، بل الحق في التعبير أنّ كلّ قيد وقع مع تمامية أركان العقد يكون لغوا ساقطا.

تنبيه

قد عرفت انّ النزاع في تقديم احد القيدين المتعارضين على الآخر لبي لا يرجع إلى نزاع في اللّفظ بل النزاع و ما ذكرنا فيه من وجه التقديم يشمل ما لو لم يذكر واحدا منهما أو كليهما في اللفظ بان يقول اشتريت بدرهم و يقصد كون الشراء لزيد و يقصد أيضا كون الدرهم في ذمّة عمرو قد أطبقوا في كفاية القصد في تعيين وقوع الفعل لنفسه أو لغيره كالصلاة عن نيابة عند الوكالة أو غيرها.

و هذا لا ينافي ما تكرر منا، من عدم ترتب الأثر في العقود على مجرد القصد القلبي ما لم يخرج الى حيز الإنشاء، و السر فيه انّ ذلك في الأمور الإنشائية، و امّا الأفعال الصادرة عن الشخص و من جملتها نفس الإنشاء الصادر من البائع فمجرد القصد يكفي في تعيين وقوعها لنفسه أو لغيره. و بالجملة ليس نفس الإنشاء من جملة الإنشائيات فانّ الإنشائيات هي الأمور الواقعة تحت الإنشاء فليس نفس

الإنشاء من جملتها لعدم وقوعه تحت الإنشاء.

و ممّا ذكرنا يعلم أنّه لو قصد الشراء لغيره ثمّ أنكره البائع يقدم قوله مع اليمين و يحكم بوقوع الشراء لنفسه حكما ظاهريا يؤخذ به لانسداد الطريق الى الحكم الواقعي. و منه يعلم بطلان ما زعمه بعض من انّه حكم واقعي و ان العقد يقع له واقعا و امّا ما ذكره المحقّق النائيني «قده» في المقام من انّ وقوع العقد لغير العاقد في طول وقوعه لنفسه و انّ العقد لا يكون لغيره ما أمكن كونه له ممنوع. بل كان كلاهما في رتبة واحدة، و انّما الفرق بينهما أنّ وقوعه لنفسه لا يحتاج الى بيان، و هو من جملة الأمور التي كان عدم البيان بيانا له، و اما وقوعه لغيره فيحتاج الى بيان و جهة معينة له و مجرد فقدها موجب لتعين كونه لنفسه، فمع كون المفروض كفاية القصد في تعيين كون الشراء لغيره يكون الشراء واقعا له، و ان كان المحكوم في الظاهر وقوعه لنفسه ليمين المنكر بعد عدم وجود طريق إلى إحراز قصده.

الفرع الثاني في جريان حكم الفضولي في المعاطاة

و لا بدّ في تحقيقه من ملاحظة المباني المختلفة في كلا المسألتين أما المعاطاة فقد تقدّم الاختلاف في كونها مفيدة للملكية أو الإباحة. فعلى القول بكونها مفيدة للملكيّة، فامّا ان نختار في وجهه: انّ الفعل كالقول سبب لإنشاء البيع، و ان السبب لإنشاء البيع لا ينحصر في اللّفظ فتكون المعاطاة كالبيع اللفظيّ في شمول نزاع الفضولي عليه و ترتّب الملكيّة عليها بلحوق الإجازة، على كلا المبنيين فيه من كون المفقودة من الشرط هو الرضا أو الاستناد الى المالك لتحققها بالإجازة.

و امّا ان نختار ما قرّرناه سابقا من أنّ الإعطاء إيجاد لنفس مصداق التمليك.

و عليه ربما يتوهم عدم جريان نزاع الفضوليّ فيه و عدم كفاية لحوق الإجازة في صيرورتها مستندة الى المالك لاستحالة انقلاب استناد ما تحقق من مصداق التمليك عما وقع عليه، لكنّه فاسد. و توضيحه: أنّ ما صدر من المتعاطيين بملاحظة كونه امرا خارجيا حقيقيا ليس الّا مجرد الإعطاء، و يترتّب عليه ما كان له من الآثار، و ليس ذلك إلا الحرمة التكليفيّة من حيث وقوعه في المكان المغصوب أو غيرها من الآثار التكليفيّة لكنّه قد ينطبق عليه عنوان اعتباريّ و هو التسليط. فلو كان التسليط لبعض جهات المال، يفيد فائدة العارية أو الإجارة أو الوديعة. و ان كان لجميع جهاته، يفيد فائدة الهبة و البيع، فتكون هذه الآثار الوضعية مترتبة على الإعطاء بما هو منطبق لعنوان اعتباري دونه بما هو وجود خارجي حقيقي.

ثمّ انّ التسليط انّما ينفذ إذا تعلق بمال المعطي، فلو تعلق بمال غيره لم يثمر في ترتّب أثر من الآثار المذكورة عليه، و يلازمه اعتبار أن يكون المعطى مالكا فلو كان المعطى فاقدا لهذا الوصف لم يترتّب على ما صدر عنه من التسليط أثر من آثاره، لكنّه يمكن ان يقترن به ما يوجب صرفه الى المالك و جعله مستندا إليه أعني الإجازة، لما عرفت من انّ العناوين الاعتباريّة تقبل الاستناد الى غير من صدرت عنه بخلاف العناوين الحقيقيّة.

و امّا على القول بكون المعاطاة مفيدة للإباحة، فالمختار فيما تفيده امّا هو الإباحة الشرعية أو الإباحة المالكيّة.

فعلى القول بكونها مفيدة للإباحة المالكيّة كان الحكم بترتبها على المعاطاة الصادرة من الفضوليّ تابعا لدليلها- و هو السيرة- فلو عممناها على المعاطاة الصادرة عن الفضوليّ أمكن القول بإفادتها للإباحة، و امّا لو خصصناها

للمعاطاة الصادرة من نفس المالك لم يكن وجه لإفادتها للإباحة.

و على القول بكونها مفيدة للإباحة المالكية فلو قلنا بأنّ الإباحة المالكيّة الحاصلة في المعاطاة هو الرضا القلبي، و هو أمر حقيقي لا يقبل الاستناد الى الغير، توجه المنع عن صحة معاطاة الفضولي. و امّا لو قلنا بأنّها أمر إنشائي يتسبب الى تحقّقها بالإعطاء، كان قابلا للاستناد الى المالك بالإجازة، إلا أنّ الإباحة لما كانت من العقود الجائزة تحصل بمجرد الإجازة و تكون الإجازة بنفسها محققة لها من دون حاجة الى إنفاذ ما صدر عن الفضولي.

و بالجملة اعتبار المعاطاة الصادرة من الفضوليّ مفيدة للإباحة بلحوق اجازة المالك مع كون الإجازة مفيدة لها بنفسها أشبه شي‌ء بالأكل من القفا، فيكون لغوا ساقطا عن اعتبار العقلاء. و لا يتوهم الفرق بين ترتّب الإباحة على المعاطاة بلحوق الإجازة و بين ترتّبها على نفس الإجازة بأنّ الأولى تشمل أذيالها على التصرّفات الواقعة من حين صدور المعاطاة على القول بالكشف، و الثانية تتمحض لما بعد الإجازة. فإنّ المنكشف بالإجازة عند القائلين بالكشف هو الآثار الوضعية، و المفروض انّ ما يترتّب على صحة معاطاة الفضولي بلحوق الإجازة عليها ليس الا نفس الإباحة، و لا تؤثر الإباحة في الأثر الوضعي أعني جواز التمليك من غيره على ما حققناه فيما تقدم، و امّا الأثر التكليفي أعني حلية التصرّف في مال الغير، و ان كان يترتّب على الإباحة، لكنّها تنوط بالرضا و طيب النفس من المالك و لا يمكن تحققها قبل حصولهما لقوله «ص» «لا يحلّ مال امرء مسلم الا عن طيب نفسه».

الفصل السابع في الإجازة و الرّد و فيه مباحث:

المبحث الأوّل في كون الإجازة كاشفة أو ناقلة

اشارة

فاعلم أنّه وقع الخلاف بينهم بعد الفراغ عن صحّة بيع الفضولي بلحوق الإجازة في حدوث الملكية بها من حين العقد، أو من حين لحوق الإجازة و هو المعبّر عندهم بنزاع الكشف و النقل.

وجه القول بالنقل

امّا وجه النقل فهو أنّ العقد علة ناقصة للملكية يتوقف استكمالها على لحوق الإجازة. فإذا لحقته الإجازة تستتم في عليته و تصير علّة تامّة، فيتبعها حدوث الملكية من حين استتمامها، فإنّ الإجازة على أيّ المبنيين من كونهما متمّمة لبيع الفضوليّ من حيث فقده للرضا أو الاستناد، دخيل في علية العقد للملكية، فلا تحدث الملكية إلا بعد تحققها، كما هو شأن سائر شرائط العقد كالتقابض مثلا.

و امّا وجه الكشف-

و المراد منه كما شرنا اليه حدوث الملكية بالإجازة من حين العقد- فيستلزم التفكيك بين العلّة التامّة و معلولها، و تحقق المعلول قبل تحقق العلّة التامّة. و بعبارة أخرى يستلزم التفكيك بين الإيجاد و الوجود، و هو

أمر غير معقول بعد اتحادهما حقيقة و كون التعدد بينهما اعتباريّا.

فهذه عويصة وقع القائلون بالكشف في مخمصتها، بخلاف القول بالنقل، فإنّه بعينه هو مقتضى لزوم الاقتران بين العلّة و معلولها و تفصيل الكلام انّ للكشف أقساما ثلاثة.

أقسام الكشف
الكشف اللغويّ

و المراد منه هو الذي استقرّ عليه اصطلاحهم في الأصول اعني ان تكون الإجازة طريقا محضا إلى حدوث الملكيّة من حين العقد. و بعبارة أخرى: ان تكون واسطة في الإثبات دون الثبوت بحيث أن يكون دخيلا في حصول العلم بتحقق الملكية من دون ان يكون له مدخليّة في نفس تحققها، بداهة انّ العلم و الجهل لا يوجبان انقلاب الواقعيّات عمّا هي عليها، فيكون العقد بنفسه علّة تامّة لحدوثها. و عليه يكون حدوث الملكيّة من حين العقد مطابقا لمقتضى قاعدة الاقتران بين العلّة و المعلول، و يكون تأخرها عنه هو المستلزم للتفكيك بين العلّة و المعلول و بين الإيجاد و الوجود و الكشف بهذا المعنى هو الذي ذهب اليه المحقق الرشتي «ره» و ذكر أنّ الرضا انّما اشترط به العقد بأعمّ من الفعلي و التقديري منه، و أنّ الرضا التقديري أيضا يكفي في صحته، و هو كون العقد بحيث لو علم المالك بوقوعه لرضي به و هو أمر مقارن للعقد.

فليست الإجازة حينئذ إلا كاشفة عن وجوده و محققة لمقدم الشرطية المذكورة، و ليس المعتبر في العقد هو تحقّق مقدمها بالفعل، بل تحقق النسبة اللّزوميّة بين مقدمها- و هو العلم بالعقد- و تاليها- و هو الرضا- و لا يستلزم تحققها تحقق المقدم و التالي بالفعل. بل لا ينافي تحقق السخط بالفعل في نفسه، كما ذكره جماعة في دخول الصديق في البيت و لو كان صاحبه ساخطا له فعلا لعدم

علمه بكونه صديقا له، و كونه بحيث لو علم به لرضي.

و بالجملة إنّ الإجازة على هذا المبنى تكشف عن تحقّق الشرط الواقعي من حين العقد من دون مدخليّة لنفس الإجازة فيه أصلا، بحيث لو علم بانّ المالك يجيز العقد في المستقبل جاز ترتيب آثار الملكية و ان لم يعلم به فعلا، و بعبارة أخرى: تكون الإجازة في الدلالة على كون العقد واجدا للشرط المعتبر فيه بمنزلة قيام البيّنة على موت زيد في سالف الأزمنة، فيترتّب بقيامها احكامه عليه من حينه فتورث تركته ممّن يصلح له في ذلك الزمان دون من يصلح له في حين قيام البيّنة. و على هذا تندفع الاستحالات المذكورة طرا لكنه مردود من وجوه.

الأول أنّه يعتبر في صحة عقد الفضولي صيرورته مستندا الى المالك و لا يحصل الاستناد إلا بالإجازة.

الثاني انّ المعتبر فيها من الرضا هو الفعلي منه كما تقتضيه آية التراضي، و امّا ما تقدم من ذهاب جماعة إلى كفاية الرضا التقديري في الدخول الى بيت الصديق انّما هي في الأحكام التكليفيّة، على ما هو مقتضى دليلها من قوله صلّى اللّٰه عليه و آله «لا يحلّ مال امرء مسلم الّا عن طيب نفسه» (1). و بالجملة انّ المعتبر في ترتّب الآثار الوضعية حصول التراضي، و في حصول الآثار التكليفيّة حصول طيب النفس، و كم فرقا بينهما.

الثالث انّ الإجازة لا تكشف عن وجود الرضا التقديري للمالك اعني كونه بحيث لو علم به لرضي. بل ربما يكون ساخطا لوقوع العقد ثمّ ينقلب سخطه الى الرضا.


1) قد تقدّم منّا فيما مرّ أنّ سوق هذه الرواية لأجل عدم جواز التصرّف فيما يدفعه المالك بإكراه الغير، فليست في مقام بيان جميع ما يعتبر في حل التصرّف في مال الغير حتى يتمسك بإطلاقها على كفاية مجرد طيب النفس عن السخط، و لو مع عدم تحقق الرضا فيها فعلا.

الكشف الحقيقي
اشارة

و قد سلك القائلون به مسالك مختلفة نذكرها على التفصيل ليتضح حقيقة مرامهم.

المسلك الأوّل

ما ذكره صاحب الفصول «قده» و توضيحه: أنّ الأمر المتأخر ربّما يكون دخيلا في تحقق وصف مقدم عنه مقارن لتحقق الموصوف، و يكون المعتبر في حكمه هو الوصف المقارن له دون ذلك الأمر المتأخر، كالجنين حيث اعتبر في توريثه كونه ولدا ينفصل، فالانفصال أمر متأخر يؤثر في توصيف الولد فعلا بأنّه ولد ينفصل.

و من هذا القبيل لحوق الإجازة بعقد الفضوليّ فإنّه أنّما يؤثر في حصول وصف مقارن له اعني كون ملحوقا بالإجازة و متعقبا لها، و هو وصف موجود في حين تحقق العقد، و المعتبر في صحة العقد هو هذا الوصف دون نفس الإجازة المتأخرة عنه. و ذكر أنّ كلما زعموا كون الشرط فيه شرطا متأخرا من هذا القبيل، و الشرط في الحقيقة هو الوصف المقارن دون الأمر المتأخر، و ان كان هو المؤثر في حصول الوصف المذكور في حين تحقق الموصوف. و ليس من البعيد تأثير الأمر المتأخر زمانا في حصول وصف فعلا بل مؤمن الأمور الشائعة، فيوصف اليوم بأنّه مقدم للغد مع أنّ الغد أمر متأخر عنه. و يوصف الخروج لقدوم احد بالاستقبال، بملاحظة قدومه و هو أمر متأخر، مع انّه لولا قدومه لم يصدق عليه عنوان الاستقبال. و بوصف أول الشهر بعنوانه في قبال آخرها مع انّه أمر غير متحقق في حينه. و كذا يوصف آخر الشهر بعنوانه في قبال أولها مع أنّه أمر قد انعدم في حينه، و له نظائر كثيرة.

و توضيح التقريب فيما نحن فيه أنّ عموم آية الوفاء يشمل جميع أقسام العقد، و هي أربعة، المقارن بالرضا، و المسبوق به، و الملحوق به، و الفاقد له في جميع الأزمنة. و قد خرج من تحتها الأخير من الاقسام بمقتضى آية التراضي، و بقي في تحتها بقية الأقسام بأجمعها. فالعقد الملحوق بالرضا كالمسبوق و المقارن له مشمول لآية الوفاء بالعقود من غير فرق بينه و بينهما أصلا لاشتمال جميعها على الشرط فعلا.

و فيه أوّلا: أنّ المعتبر في صحة العقد بمقتضى الآية الشريفة هو ذات الرضا دون الأوصاف الثلاثة المذكورة، أعني كون العقد مسبوقا أو مقارنا أو ملحوقا بالرضا. نعم لا بأس بالالتزام به فيما كان له دليل كالجنين، لما قام الدليل على توريث ولد لم ينفصل بعد. فالمعتبر بمقتضاه هو الوصف الفعلي دون الانفصال المتأخر، و امّا فيما نحن فيه فالمعتبر بحسب مدلول الآية الشريفة هو نفس الرضا و هو أمر متأخر عن عقد الفضولي.

و ثانيا: إنّ انتزاع الوصف للأمر الموجود فعلا من الأمر المتأخر عنه انّما هو في الإضافات الاعتباريّة، و امّا الإضافات المقولية الحقيقية الموجودة في الخارج بأنفسها و بمنشإ انتزاعها كالأبوة و البنوة، فلا يعقل تحققها الا بعد اجتماع طرفي الإضافة في الوجود، و لا يعقل انتزاعها بمجرد تحقق أحد طرفي الإضافة.

و امّا الإضافات الاعتباريّة فليس يستحيل فيها تأثير أمر متأخر عن أمر متقدم منها، و سيجي‌ء أنّ تأثير الإجازة في صحة العقد من جملة التأثيرات الاعتباريّة، بل العقد و الإجازة و اشتراطها في العقد كلها من الاعتباريّات.

و عليه لا بأس بانتزاع وصف الملحوقية للعقد من الإجازة المتأخرة عنه، لكنّ مع بناء الأمر عليه لا يبقى مجال الى الالتجاء في تأثير الإجازة في العقد المتقدم إلى تأويل الشرط بالوصف المقارن أصلا كما سيأتي.

المسلك الثاني
اشارة

كون الإجازة بوجودها الخارجي شرطا في تأثير العقد السابق و يكون حقيقة الشرط هو نفس الإجازة دون التعقب و غيره من العناوين المنتزعة منها، فالمؤثر في صحة عقد الفضوليّ هو نفس الوجود المتأخر للإجازة، و هذا هو المصداق الحقيقي للشرط المتأخر بل هو أحد الأمثلة التي ذكروا له. و المحذور فيه استحالة تفكيك العلّة عن معلولها، مع انّه لا يمكن تخلل الفصل بين العلّة و المعلول الا بقاء الترتيب، و امّا من حيث الزمان فلا بدّ من وجودهما في زمان واحد. و من المعلوم الذي لا يطرء عليه الترديد انّ العلّة التامّة تتركب من أمور ثلاثة، كلّ واحد منها دخيل في حصول المعلول، و منها وجود الشرط فيستحيل تأخره عن وجود المعلول، و قد ذكر في كلمات القوم وجوه كثيرة في دفعه يوجب تفصيلها تطويلا في المقام و لنذكر منها وجوها.

الوجوه المذكورة لدفع اشكال هذا المسلك
منها

ما ذكره صاحب الجواهر «قده» من أنّ الاستحالة المذكورة إنّما هي في العقليّات دون الشرعيّات فإيراد الاستحالة فيها مذكور في غير محلّه.

و ربّما أجيب عنه بأنّ الأمور المستحيلة يمتنع تحققها سواء كان في العقل أو الشرع فالتناقض مستحيل في أي موطن فرض تحققه في الشرعيات أو العقليات و كذلك سائر المستحيلات.

و منها

ما ذكره المحقق الخراساني «قده» في الكفاية و فيما علقها على الفقه

و الأصول، و محصله: انّ الإرادة من الأمور الذهنيّة فلا تتعلّق الا بما وجد في ظرف الذهن فالدخيل في أحكام المولى وضعيها و تكليفيها ليس الا لحاظ الأمور، و هو أمر مقارن لها سواء كان الملحوظ أمرا متقدما أو مقارنا أو متأخرا.

و بالجملة المقتضي، و الشرط، و جميع ما له دخل في تحقق ارادة المولى ليس إلا ما وجد في ذهن المولى، و الّا فلا يعقل مدخليّة الخارج في الإرادة الذهنيّة.

قلت: ما ذكره بظاهره ممّا يقتضيه البرهان الا أنّه وقع مغالطة فيه لا بدّ من التنبيه عليها و هو أنّ الدخيل في تحقق الإرادة، سواء كان بنحو الاقتضاء أو الشرطية هو اللّحاظ الذهني الا انّه بما هو مرآة و كاشف عن الخارج، دونه بما له تقوم ذهني. بداهة أنّ المصالح و المفاسد المرتبة على الأمور التي توجب إرادة المولى و تقتضي حكمه، إنّما تترتّب على الوجودات الخارجيّة، دون الوجودات الذهنيّة، لكنّ الإرادة لما كانت مستحيلة التعلق بالخارج تعلّقت لا محالة باللّحاظ الموجود في الذهن بما هو مرآة عن الخارج، و بعبارة أخرى المناط في حكم المولى و ارادته هو العلم، و حقيقته الكاشفية المحضة عن الخارجيات.

و بالجملة المقتضي للحكم بالملكية هو العقد الخارجي بحقيقته الملفوظة دون لحاظه و تصوره، و كذا الشرط له هو الإجازة بوجودها الخارجي، فيعود اشكال الشرط المتأخر، و استحالة تأثير الأمر المتأخر في الأمر المتقدّم منه.

و منها

ما هو مقتضى التحقيق من الفرق بين الأمور الحقيقيّة المقوليّة و الأمور الاعتباريّة التي ليس لها حقيقة إلا مجرد التشبيه و تنزيل المعدوم منزلة الموجود، كدعوى كون زيد أسدا ادعاء و كونه منزلا بمنزلة الأسد (1)و لا يجري فيها


1) قد تقدم منّا تفصيل القول في حقيقة الاعتباريّات و أحكامها في أوّل الكتاب فراجع.

الاستحالات الجارية في الأمور الحقيقية المقوليّة إلا فيما كان واجدا لملاكها. و بالجملة لا بدّ من ملاحظة ملاك كل استحالة و الحكم بها عند تحقق ملاكها.

التحقيق في دفع الاشكال

و التحقيق في المقام انّه يجوز اعتبار الشرط المتأخر في حصول الملكية المتقدمة مع انّه لا يجوز تأخر الشرط.

توضيحه: أنّه لا يستحيل التفكيك بين العلّة و المعلول في الاعتباريّات، و انّه يجوز تقدم المعلول على العلّة و بالعكس، كيف؟ و الاستحالة جارية على القول بالنقل أيضا، لما يلزم عليه أيضا التفكيك بين العلّة و المعلول، لتقدم العقد على الملكية الحاصلة من حين الإجازة زمانا.

و بالجملة لا بأس بالتفكيك بين العلّة و المعلول في الإعتباريّات، و لكنّه يستحيل تأخر الشرط فيها أيضا، فإنّ تأخره مساوق لعدم تحققه في الظرف الذي اعتبرت شرطيته فيه و لا يعقل تحقق المشروط بدون شرطه كما انّه لو اعتبرت شرطيته في الظرف المتأخر لا يكفي تحقّقه في الحال، لعدم تحقّقه في الظرف الّذي اعتبرت شرطيته فيه.

و الحاصل انّه ليس كل حكم يجري في الحقائق و الأمور المقولية، يجري في الاعتباريّات أيضا، و ليس وزانها وزان الحقائق في جميع الأحكام. بل لا بدّ من ملاحظة البرهان المؤدي إلى ثبوت كل حكم في الحقائق فإن كان قائما في الاعتباريّات أيضا يجري الحكم فيها، و الا فلا تلازم بين وجود حكم في الحقائق و وجوده في الاعتباريّات (1)فالتناقض مع كون استحالة وقوعه في الحقائق من البديهيات، لا يستحيل وقوعه في الاعتباريّات، لجواز اعتبار


1) قد تقدّم منّا الكلام في جريان البراهين في الاعتباريّات في أوائل الكتاب فراجع.

اجتماع الوجود مع العدم.

و من هنا يعلم بطلان ما ذكروه وجها لعدم جواز اجتماع الأمر و النهي من كون الأحكام الخمسة متضادات بأسرها.

توضيحه: أنّ الضدان أمران وجوديان، و الأمور الاعتباريّة ليس لها وجود حقيقة، بل هي إعدام منزلة بمنزلة الوجودات فلا يكون فيها أمران متضادان وقع التضاد بينهما، نعم يستحيل اجتماع الأمر و النهي لأجل جريان برهان آخر فيه و هو برهان الخلف. و بالجملة لا يصحّ إطلاق المتضادين على الأمر و النهي بمعناه المصطلح، و لو أطلق فإنّما يراد منه التضاد اللغويّ.

و قد تحصل ممّا ذكرنا انّه لا يجري استحالة التفكيك بين العلّة و المعلول في الاعتباريّات، لعدم جريان ملاكها فيها، و هو لزوم تقدم الشي‌ء على نفسه.

و يجري فيها برهان الخلف، كما لو فرض تأخر الشرط مع تقدم المعلول، و اما لو فرض اعتبار شرطية ما هو المتأخر، لا يجري فيها برهان الخلف، فليس فيه استحالة أصلا (1).

و تتميم البحث أنّ حقيقة الاعتبار هو الفرض و التنزيل و ليس يلزم منه ترتّب جميع الآثار المترتبة على الحقيقة على ما اعتبروا نزل بمنزلتها فزيد إذا اعتبر كونه أسدا ليس يلزم ترتّب جميع آثار الأسد عليه، بل مجرد الشجاعة فقط. و إن شئت تبين المطلب في المقام فعليك بملاحظة ما ذكره بعض المحققين من كون الملكية اعتبار مقولة الجدة و هي إحاطة شي‌ء بشي‌ء بنحو خاص، فإذا اعتبر تحققها بين زيد و ماله، لا يترتّب عليه جميع آثار مقولة الجدة. و لذا لا يلزم منه إحاطة زيد بمملوكه، بل ربّما يكون المملوك عقارا و ضياعا في صقع بعيد


1) قد تقدّم منّا في أوائل الكتاب انّه لا مانع عن جريان البرهان و غيره من الأقيسة بما هي في الاعتباريّات إذا استكملت شرائط استنتاجها بحسب المادة و الهيئة.

من الأرض لا تصل يده إليها. و المرتب عليه من أحكام الجدة هو السلطنة الحاصلة للمحيط على المحاط (1)أو كون الملكية اعتبار مقولة الإضافة- و من جملة أحكامها لزوم كون طرفي الإضافة موجودين في الخارج بالفعل- لكنّ الملكية ربّما تتحقق مع عدم كون أحد طرفيها أو كليهما موجودا بالفعل، كما إذا كانا كليّين، و يجوز وقف الأولاد و تمليك بطن بعد بطن.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لو قلنا بكون المجعول في باب الأسباب الشرعيّة هو نفس السببيّة و العلية، يكون المجعول في العقود علية العقد للملكية، لكنّه لا يترتب عليها جميع الأحكام المترتبة على العليّة في الأمور الحقيقية، لعدم جريان جميع البراهين الجارية في العليّة الحقيقية فيها (2)

الأول: تعلّق الاعتبار بكون شي‌ء سببا أو مقتضيا أو شرطا، و هو المعبّر عنه بانّ المجعول نفس السببيّة و الشرطيّة. و عليه لا فرق في جريان برهان الخلف في الأحكام الثلاثة المذكورة في كلام الأستاذ «قده» من غير فرق بين الأوّل منها و الأخيرين. امّا تقدم المقتضي على المعلول زمانا فلعين ما ذكره الأستاذ «قده» في الأوّل، من انّ المقتضي ما يتولد منه المعلول، ففرض حدوث المعلول مع كون المقتضي معدوما فعلا فرض عدم تولده منه، سواء كان موجودا من قبل أو كان يوجد فيما بعد.

و امّا الشرط المتأخر مع تقدّم تحقق المشروط عليه، فلانّ الشرط ما تعلّق و اشترط وجود المعلول بوجوده، ففرض تحقق المعلول مع كون الشرط معدوما فعلا فرض عدم تعلقه به.

و الثاني: اعتبار تحقق شي‌ء عند تحقق شي‌ء فينتزع منه العليّة، أو اعتبار عدم تحققه الا عند تحقق شي‌ء و ينتزع منه الشرطية. و هذا القسم لا يجري فيه حكم العلّة و الشرط بل يتبع نحوة اعتبار المعتبر، فانّ اعتبر مقارنتها زمانا يؤخذ به، و انّ اعتبر تحقق الشي‌ء لو تحقق شي‌ء فعلا أو تحقق في الماضي أو كان يتحقق فيما يأتي، من غير اشتراط المقارنة يؤخذ به أيضا.

الثالث: اقتضاء شي‌ء أو شرطيته واقعا في حدوث أمر اعتباريّ بماله من الوجود الحقيقي الّذي هو عين وجود الاعتبار، اعني التخيل و اللحاظ- كما تقدّم منّا قبيل هذا- بان يكون شرطا أو مقتضيا، و ان كان المقتضي في الحقيقة هو النفس المتخيلة و غيره شرط في تحققه.

فلمّا كان التخيل أمرا ذهنيّا يكون المؤثر فيه من الشرط أو المقتضي أمرا ذهنيا لا محالة، فتحقق الشرط أو المقتضي في الخارج إنّما يؤثر فيه بما تحكي عنه الصورة الذهنية، و بما هو منطبع في مرآة الذهن. و عليه يمكن كون الشرط أو المقتضي تحقق أمر في الخارج في الماضي أو المستقبل كما يمكن كونهما هو تحققه فعلا لاشتراكهما في الانطباع في الصورة الذهنية فعلا، و بعبارة أخرى في وجودها بالوجود الذهني فعلا و لو بوصف المضي أو الاستقبال. لكنّه إذا كان المقتضي أو الشرط هو تحققه بالفعل لا يكفي ذلك في تحقق المعلول لعدم حكاية مرآة الذهن عن تحققه فعلا بل في الماضي أو المستقبل.

.

1) السلطنة ثابتة في مورد مقولة الجدة للمحاط دون المحيط، لكون حقيقة الجدة على ما ذكروها إحاطة شي‌ء بشي‌ء بحيث ينتقل المحيط بانتقال المحاط.

2) قد عرفت منّا انّ مناط جريان البرهان في الاعتباريّات جريانه في الاعتبار اعني تخيّلها و لحاظها، لكون تحققها و وجودها عين وجود التخيل و اللحاظ. فاعلم أنّ العلّة و السبب و المقتضى و الشرط و ما ساوقها، يكون في الأمور الاعتباريّة على أنحاء ثلاثة.

فمن جملة أحكامها استحالة وجود المعلول قبل وجود المقتضي، و هذه جارية في العليّة الاعتباريّة. فإنّ المقتضي ما يتولد منه وجود المعلول، فلو فرض وجود المعلول قبل وجود علته يلزم الخلف.

و من جملة أحكامها استحالة وجود العلّة قبل وجود المعلول زمانا. و هذه غير جارية في الاعتباريّات لعدم جريان برهان لزوم تقدم الشي‌ء على نفسه فيها كما تقدم، و إلا كان من اللازم اجتماع أجزاء العقد من أول حروفها الى آخرها في الوجود مع أنّه غير معتبر قطعا، بل يجوز الفصل بين الإيجاب و القبول بما لا يقدح عرفا. فلا وقع لإشكال فخر المحققين، و ليس يصحّ قياس حروف العقد بالمعدات المتدرجة الحصول في الأمور الحقيقية، كوضع القدم على كلّ عتبة عتبة من المرقاة فإنّها معدات متدرجة للكون على السطح. لأنّ المتدرجة من المعدات يكون كلّ واحدة منها علة برأسها يؤثر في تحقق معلول مقارن لها، فالقدم الأوّل علّة للكون على العتبة الاولى، و القدم الثاني علّة للكون على العتبة الثانية، و العلّة للكون على السطح هي القدم الأخير. و هذا بخلاف حروف العقد فإنّ الملكيّة أمر بسيط يترتّب على مجموعها، و ليس يترتّب على كلّ واحدة منها معلول مستقل.

و من جملة أحكامها استحالة شرطية الأمر المتأخر في وجود الأمر المتقدّم، و هذه أيضا غير جارية في الإعتباريّات، لعدم جريان برهان الخلف فيها، كما كان يجري في استحالة تأخر المقتضي.

توضيح الفرق بينهما أنّ المقتضي ما يتولد و يترشح منه وجود المعلول قبل وجود المقتضي و يلزمه أن لا يكون مترشحا و متولدا من المقتضي المتأخر بخلاف الشرط، فإنّه لا يؤثر في وجود المعلول، بل في قابلية المحل، فلا يجري فيه برهان الخلف الجاري في تأخر المقتضي عن وجود المعلول. و لو قلنا بانّ الجعل في الأسباب و المسببات الجعليّة لا يتعلّق بالسببيّة بل المجعول وجود المسبب عند وجود السبب فالأمر أسهل، لكون زمام الاعتباريّات بيد معتبرها فيجوز له اعتبار الملكية إذا كان الشرط المتأخر محققا في ظرف تحققه و ان لم يعلم به المكلّف، كما في الأغسال المتأخرة للمستحاضة حيث اعتبرت في صحّة الصوم المتقدم. نعم لو كان الشرط هو وجود شي‌ء في ظرف الحال يكون تأخره مع اعتبار الملكية فعلا مستلزما للخلف، و ليس اعتبار الرضا المتأخر من قبيل الشرط المتأخر بل من قبيل كون المتأخر شرطا.

و ممّا ذكرنا يعلم القدح فيما ذكره المحقق النائيني «قده» حيث قال: انّه لا يعقل تحقق المعلول بدون تحقق اجزاء علّته، فانّ حكم العلل التشريعية حكم العلل التكوينيّة، سواء قلنا بجعل السببيّة أم قلنا بجعل الاحكام عند تحقق أسبابها. أمّا على الأوّل فكما لا يمكن تحقق المعلول بدون علته في التكوينيّات كذلك لا يمكن تحقق الملكيّة بلا اجازة، لانّ الشارع أنشأ السببيّة للإيجاب و القبول و الرضا. و امّا على الثاني يكون الحكم بالملكية على نحو القضيّة الحقيقيّة على الموضوعات المقدرة وجودها، بحيث انحل هذا الحكم إلى أحكام عديدة، كحكمه بوجوب الحج على المستطيع فكيف يعقل تحقق الحكم و فعليته قبل الاستطاعة. فكون الإجازة بوجودها العيني شرطا لتحقق الملكية و مع ذلك

يحصل بالإيجاب و القبول موجب لتحقق الحكم بلا موضوعه، نظير تحقق المعلول التكويني بلا علته. فعلى هذا كلّ ما ورد في الشريعة فلا بدّ من حمله بدليل الاقتضاء على انّ الشرط هو الوصف الانتزاعي- الى ان قال- نعم يرد إشكال تأثير المعدوم في الموجود لكنه ليس بإشكال أصلا لأنّ المؤثر في المعلول المترتّب على الأمور التدريجيّة كالكون على السطح المترتّب على الصعود درجة درجة هو الجزء الأخير و سائر الأمور معدات، انتهى كلامه.

أقول: و في كلامه مواقع للنظر يعلم وجهه ممّا ذكرنا.

امّا ما ذكره من انّ حكم العلل التشريعية حكم العلل التكوينيّة، فقد عرفت انّه لا يجري في العلل التشريعية جميع ما يجري في العلل التكوينيّة، بل هي تابعة لملاكها و متوقفة على سريانه. و قد عرفت أيضا أنّه لا بأس باعتبار الشرط أمرا متأخرا عن المعلول لعدم وجود برهان يقتضي المنع عنه، و الذي يقتضي البرهان المنع عنه هو تأخر الشرط، لاستلزامه الخلف في الفرض (1).

و امّا ما ذكره من إرجاع الشرط إلى كونه قيدا للعقد و انّه لا بدّ أن يكون القيد هو الوصف المنتزع منه، فنقول: أنّ اعتبار الشارع لثبوت الملكية من حين العقد بملاحظة وجود الشرط في موطنه اعني ظرف التأخر، و ان لم يعلم المكلّف بوجوده، ليس فيه جهة استحالة و الذي يوجب جعل القيد هو الوصف المنتزع من الرضا نفس وجوده- على تقدير تسليم ما ذكره من إرجاع الشرط الى قيد الموضوع- انّ المصدر بما هو لا يصلح لأنّ يقع قيدا للموضوع بل لا بدّ من إرجاعه إلى وصف لا انّ الرضا بوجوده الخارجي لا يعقل ان يكون دخيلا في الحكم بالملكية.

و ما ذكره أخيرا في دفع اشكال تقدم العلّة على المعلول من كون اجزاء


1) قد عرفت تفصيل الكلام فيه في التعليقة المتقدمة فراجع.

العقد معدات لحصول الملكية، فقد عرفت ما فيه و ما هو مقتضى التحقيق، فلا نطيل بالإعادة.

المسلك الثالث
اشارة

ان يكون العقد مؤثرا في حصول الملكية من حين الإجازة لكنّ الملكية التي يحدثها العقد في حين الإجازة هي ملكية ممتدة إلى حين العقد، فتكون الإجازة بناء على ما قدّمناه محدثة لسببية العقد للملكية من حينه (1)و إطلاق الشرط عليها حينئذ مبني على التسامح، لكون الشرط هو ما يوجب تتميم فاعلية الفاعل أو تتميم قابلية القابل، فيصير العقد سببا للملكية من حين الإجازة، فيرتفع اشكال الشرط المتأخر رأسا لعدم كون الإجازة حينئذ دخيلا في التأثير المتقدم بل في التأثير الفعلي المقارن لها. و هذا مسلك ذكره بعض المتقدمين و اعترض عليه الشيخ «ره» بوجوده، و هو المسلك الذي تلقيناه بالقبول، و تصدينا لدفع الإشكالات الواردة عليها برمتها.

إشكالاته
اشارة

و الاشكال السديد الذي لو اندفع لم يبق وقع لبقية الإشكالات أمران.

الإشكال الأول

ان مقتضاه انفكاك التأثير عن الأثر و الإيجاد عن الوجود، لكون المفروض فيه أنّ التأثير من حين الإجازة مع انّ الأثر أعني حصول الملكيّة من حين


1) و ذلك يكون لا محالة بعد وجود قابلية و اقتضاء في العقد، توجب الإجازة صيرورته سببا فعليا، و هذا نوع من أنواع الشرط، يكون مقرّبا للأثر منه، و متمّما له في الاقتضاء. فانّ للمقتضي و الشرط أنواعا لا يسع المجال لبيانها.

العقد و هو محال لكون الإيجاد و الوجود و التأثير و الأثر أمرا واحدا، إذا نسب إلى المعلول يعبّر عنه بالوجود و الأثر، و إذا نسب إلى الفاعل و العلّة يعبّر عنه بالإيجاد و التأثير.

الإشكال الثاني

استلزامه لاجتماع مالكين على مملوك واحد في المدة المتخللة بين العقد و الإجازة، لكون المفروض عدم حصول الانتقال إلى المشتري الى حين الإجازة و انّما يحدثه العقد من حينها، فيكون المبيع باقيا على ملك مالكه الأول، و المفروض أيضا سببية العقد في حين الإجازة لحدوث الملكية المستمرّة إلى حين العقد للمشتري، فيلزم اجتماع مالكين على مملوك واحد و هو محال.

و امّا ما ذكره الشيخ «ره» في الاشكال عليه فثلاثة.

الإشكال الأوّل

أنّ الملكية الحادثة في حين الإجازة انّما تكون ممتدة إلى حين العقد إذا كان مضمون العقد هو الملكية من حينه، فيكون تأثير العقد حينئذ في الملكية من حينه، و هو باطل فانّ مضمون العقد هو نفسي الملكية من غير تقيد بكونها من حينه.

الإشكال الثاني

أنّه يلزم انقلاب العقد عمّا هو عليه لصيرورة العقد المحقّق في الخارج على صفة عدم التأثير منقلبا بلحوق الإجازة إلى كونه مؤثرا و متصفا بوصف التأثير.

الإشكال الثالث:
اشارة

فقدان الدليل على كون الإجازة موجبة لحدوث وصف التأثير في العقد،

و انّما قام الدليل على مجرد وقوع مضمون العقد أعني الملكية و تقريب تأثير العقد الفضولي في الملكية من حينه بوجوه.

التقريب الأوّل

ان تكون الإجازة شرطا في تأثير بأن يكون العقد تامّا في اقتضائه للملكية و تكون الإجازة شرطا في تأثيره، فإذا لحقته الإجازة يؤثر في حصول الملكية من حينه. و بعبارة أخرى يكون تأثير العقد في حدوث الملكية من حين لحوق الشرط عليه أعني الإجازة لكنّ الحادث بالعقد في حين الإجازة هو الملكية الممتدة إلى حين العقد.

و لا يتطرق الى هذا التقريب الوجهان الأخيران ممّا ذكره الشيخ في الاشكال، فإنّ مقتضاه كون العقد قبل الإجازة على صفة الاقتضاء و لم ينقلب عنه الى غيره بعد الإجازة، بل صار واجدا للشرط أعني الإجازة بعد ما كان فاقدا له. و لم توجد في العقد صفة بسبب الإجازة حتى يحتاج الى الدليل، فيورد عليه بأنّه لا دليل على حدوث الملكية من دون حدوث وصف في العقد، فانّ العقد كان واجدا لوصف الاقتضاء قبل الإجازة، و الإجازة انّما يؤثر في حدوث الملكيّة لاستكمال العلّة التامّة المركبة من انّ المقتضي و الشرط و عدم المانع بحصولها، لكون المقتضي اعني العقد موجودا قبل الإجازة، فإذا تحققت تحصل العلّة التامّة لا محالة.

نعم يتوجّه إليه الإشكال الأوّل ممّا ذكره «ره» و هو عدم كون العقد مقتضيا لحصول الملكية من حينه. و يدفعه أيضا أنّ التقريب يتمّ فيما لو فرض كون صريح العقد حدوث الملكية من حينه، كما لو آجر بيتا له من أوّل الشهر فالملكية الحادثة بعد الإجازة هي الملكيّة من أوّل الشهر، و في قوة هذا التصريح إطلاق العقد، لاقتضائه حدوث الملكية من حينه.

التقريب الثاني

ان تكون الإجازة محدثة لوصف التأثير في حدوث الملكية للعقد، فيصير العقد بتحقق الإجازة مؤثرا في أحداث الملكية من حينه. و ان شئت تنظيره بالمثال فمثله بحكم العامي إذا أجازه الفقيه الحاكم، فلو فرضنا نفوذ حكم العامي بإجازة الحاكم بعد ما لم يكن نافذا بنفسه تكون الإجازة محدثة في حكمه وصف التأثير من حينه، و يترتّب عليه بالإجازة ماله من الآثار قبلها، فكذلك اجازه المالك لبيع الفضوليّ يوجب تأثير العقد في الملكية، فإذا صار العقد مؤثرا تحدث الملكية من حينه كما لو كان مؤثرا من دون الإجازة و يترتّب عليها آثارها، فلو تصرف البائع إلى الفضوليّ في المبيع يضمنه لمالك الثمن، لما يصدق عليه من أتلف مال الغير فهو له ضامن، لتبدل إضافته إلى مالكه الأول، إلى مالك الثمن بإجازته من حين العقد.

و لا يتوجّه على هذا التقريب الإشكال الأوّل ممّا ذكره الشيخ «ره» نعم يتوجه إليه الأخير انّ ممّا ذكره من الإشكالات، و هما انقلاب العقد بعد تحققه بوصف عدم التأثير إلى كونه مؤثرا فيها (1)

و توضيحه أنّ العقد يعتبره العقلاء في زمان عدم تحقق الإجازة، غير مؤثر في الملكية، و لا يعتبرونه مؤثرا فيها، و امّا بعد تحقق الإجازة فيتبدّل اعتبارهم، فيعتبرونه مؤثرا، فما وقع و هو الاعتبار الحاصل منهم في زمان عدم تحقق الإجازة لم ينقلب الى غيره، و انّما حدث لهم اعتبار آخر في زمان تحقق الإجازة.

و امّا الإشكال الأخير فهو واضح الاندفاع بعد ثبوت ما ذكرنا من العرف و العقلاء، لكفاية مجرد عدم ثبوت الردع عنه في ثبوته شرعا.

و عدم وجود الدليل على احداث

1) لا يخفى انّ اشكال الانقلاب مندفع من رأسه لما تقدّم من أنّ وجود الأمر الاعتباري في الخارج لا ينفك عن وجود الاعتبار، و من المعلوم انّه لا يلزم من صيرورة العقد مؤثرا في الملكية بالإجازة من حينه، انقلاب في الاعتبار، بل انّما يلزم تبدل اعتبار حاصل في زمان الى اعتبار آخر في زمان آخر.

الإجازة لوصف التأثير في العقد، و انّما قام الدليل على حصول مضمونه أعني الملكية فقط.

التقريب الثالث

التقريب المبتني على ما هو مقتضى التحقيق فيما تقدم و هو ان يحدث بالإجازة استناد العقد الى المالك فيصير العقد بلحوق الإجازة مستندا اليه من حينه، فيؤثر في حدوث الملكية من حينه لا محالة. و لا يتوجّه إليه شي‌ء من الإشكالات المذكورة، «امّا الإشكال الأول» فهو واضح الاندفاع «و امّا الإشكال الانقلاب» اعني انقلاب ما هو غير مؤثرا إلى كونه مؤثر، فوجه اندفاعه: انّ ما وقع غير مؤثر لم ينقلب إلى التأثير، و ما هو مؤثّر لم يقع غير مؤثر.

فإنّ الواقع من العقد قبل الإجازة غير مؤثر في حصول الملكية هو العقد الغير المستند الى المالك، و هو لم يصر مؤثرا بعد الإجازة حتى يلزم الانقلاب، و المؤثر في الملكية بعد الإجازة هو العقد المستند الى المالك، و هو لم يتحقّق قبل الإجازة.

«و امّا الإشكال الثالث» اعني فقد الدليل فلانّ المفروض في الاشكال فقد الدليل على تأثير الإجازة في جعل العقد مؤثرا في الملكية و هو غير مذكور في هذا التقريب، بل المذكور فيه تأثير الإجازة في صيرورة العقد مستندا اليه فيشمله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

و امّا ما ذكرنا من الوجهين في الاشكال و هما العمدة في دعوى استحالة الالتزام بالكشف الحقيقي بهذه الطريقة- و هي الطريقة الحقيقية في السلوك الى الكشف الحقيقي- فالالتزام بها، التزام بالكشف الحقيقي بتكرار وصف الحقيقة، و هو مبني على مزيد الإتقان و لا يتطرق إليه جهة بطلان.

فالوجه في اندفاع الأوّل منهما، منع استحالة اجتماع المالكين على مملوك

واحد (1)و ممّا يشهد له انّ المالكية و المملوكيّة طرفان لإضافة واحدة، فلو استحال التعدد في جانب استحال التعدد في الجانب الأخر.

و بالجملة لا تمانع بين مالكين و يجوز ان يكون مملوك واحد طرف اضافة لمالكين كما أنّ المالك الواحد يجوز ان يكون طرف اضافة لمملوكين، و ان التمانع انّما هو بين الآثار و الأحكام المترتبة على كلّ من المالكين اعني السلطنة فلو أمكن رفع التمانع و التنافي بين آثارهما، لم يبق وجه استحالة لاجتماع مالكين، امّا بتقييد سلطنة كلّ منهما بسلطنة الأخر بأن يكون كلّ منهما سلطانا على المملوك، في قبال غيرهما، دونه في قبال الأخر كما في المال المشترك على الإشاعة بين مالكين. بناء على مذهب جماعة من كون كل جزء جزء من اجزاء المال مملوكا لكليهما فيكون كلّ منهما سلطانا له في قبال غير هما و امّا بتقييد سلطنة كلّ منهما بحسب الأزمان، بأن يكون كلّ منهما سلطانا عليه في زمان، فلم تجتمع السلطنة عن كلّ منهما عليه في زمان واحد حتى يلزم التنافي بينهما.

و محصله تقسيم الاحكام المتنافية بينهما بحسب الازمان فيترتب عليه آثار ملكيّة أحدهما في زمان، و آثار ملكية الأخر في زمان آخر (2).


1) قد تقدم منّا وجه استحالة اجتماع مالكين على مملوك واحد، و هو منافاته لحقيقة الملكية، بخلاف اجتماع مملوكين لمالك واحد، و امّا كون مال واحد بجميع اجزائه ملكا لمالكين على الإشاعة، فاعتباره اعتبار كونه ملكا لمجموعها، و مقتضاه تسلط مجموعهما عليه دون كلّ واحد منهما.

2) ليس هذا تقسيما و تخصيصا في أحكام كلّ واحدة منهما، بل هو مقتضى ترتّب آثار الملكية على كلّ واحدة منهما عند تحققها. و قد عرفت منّا أنّ تحقق الملكية خارجا بتحقق اعتبارها، بل كان وجودها عين وجوده. فقبل تحقق الإجازة يترتّب أحكام ملكية المالك الأوّل، لكون المتحقق قبل الإجازة هو اعتبارها، و بعد تحقق الإجازة يترتّب أحكام ملكيّة المشتري، لكون المتحقق بعد الإجازة هو اعتبار الملكيّة للمشتري. و قد تقدم منّا توضيح الكلام فيه عن قريب فراجع.

و امّا الإشكال الثاني فتوضيح اندفاعه: أنّه كما أن تأثير العقد من حين الإجازة كذلك وجود الملكية من حينها، لكنّ الموجود بهذا الوجود الحادث من حين الإجازة هو الملكية الممتدة إلى حين صدور العقد، فلا يلزم تفكيك بين وجود التأثير و وجود الأثر (1)غاية الأمر كون الأثر وجود ملكية ممتدة إلى السابق، كما انّه يمكن تأثير العقد في وجود ملكية ممتدة إلى اللاحق، كعقد الوقف على البطون المتوالية فهو يوجب وجود الملكية للمال الموقوف الى يوم القيمة. و بالجملة كما أنّ الحادث بالعقد في وقف البطون المتوالية وجود ملكية كان أمدها إلى المستقبل بل الى يوم القيمة، كذلك الحادث بالعقد في حين الإجازة وجود ملكية أمدها إلى حين حدوث العقد. و ليس يستحيل في الأمور الاعتباريّة إيجاد الأمر السابق أو اللاحق بوصف كونها كذلك في الحال، و انّما يستحيل ذلك في الأمور الحقيقيّة و بالجملة انّ الملكية حيث كانت من الأمور الاعتباريّة يمكن إحداثها بوصف امتدادها الى السابق في الحال، و ان كان اعتبارها كذلك يحتاج الى وجود أثر لها بوصف امتدادها الى السابق في الحال، كما إذا كان للمبيع منفعة أتلفها المالك في المدّة المتخللة بين العقد و الإجازة، فيصير ضامنا لها باعتبار ملكيتها للمشتري من حين العقد، لما يصدق عليه أنّه أتلف مال الغير، و ان كان حين الإتلاف متلفا لمال نفسه لتبدل إضافته إليه بالإضافة إلى المشتري. و ليس هذا الا مقتضى حقيقة البيع فانّ حقيقته تبديل الإضافتين، دون احداث ملك للمشتري أو البائع و ان كان تبدل الإضافتين


1) لكنّه يرد عليه بظاهره: استحالة التفكيك بين الماهية و وجودها زمانا و هي أقوى من استحالة التفكيك الزماني بين وجود التأثير و وجود الأثر.و يظهر ممّا قدّمناه من أنّه ليس للأمور الاعتباريّة وجود حقيقي وراء وجود الاعتبار و هو الخيال، و انّما يسند وجوده إليها من باب كون وجود المرآة وجود المرئي بالتبع. فيستحيل التفكيك بينهما. اما المتخيل و المرئي بمرآة الخيال فلا بأس بكونه أمرا متقدما أو أمرا استقباليّا.

عند الإجازة من حين العقد يحتاج الى مزيد بيان، و قد عرفت انّه ليس فيه مجال للإشكال. و نظير هذا بعينه حدوث الزوجية للصغيرين من حين العقد إذا عقد عليها وليهما بإجازة أحدهما حتى بعد موت الأخر، فقد أحدث عقد النكاح في حين الإجازة الزوجية الممتدة إلى حين العقد، و يترتّب عليها آثار الزوجية من حينه فيرث كلّ منهما عن الأخر إذا مات بعد العقد و قبل الإجازة، كما هو صريح رواية أبي عبيدة الاتية و غيرهما من الروايات.

(الثالث من أقسام الكشف: الكشف الحكمي)

الكشف الحكمي و ملخص القول فيه دلالة الأدلّة الشرعية على حدوث الملكية من حين عقد الفضوليّ بلحوق اجازة المالك عليه، ثمّ صرفها عن ظاهرها و حملها على كونها في مقام جعل الأحكام الشرعيّة الثابتة للملكية شرعا في مورد بيع الفضوليّ مع انتفاء موضوعها، لأجل قيام الأدلّة العقليّة على استحالة حدوث الملكية بلحوق الإجازة من حين العقد. و قد التجأوا في التفصي عنها الى ارتكاب وجوه من التكلفات على ما مرّ بيانها و بيان ما في كلّ واحد منها من الإشكالات. و منهم من جعل الحيلة في حمل الأدلّة الشرعيّة على خلاف ظاهرها، بحملها على إرادة خصوص أحكام الملكيّة، دونها مع نفس الملكية.

و هو المسمى عندهم بالكشف الحكمي. و كلّ ذلك لأجل ما توهموه من دلالة العقل على بطلان مدلول الأدلّة الشرعية من حدوث الملكية في حين الإجازة بعد ما كانت معدومة من قبلها مستمرّة إلى حين العقد. فهي أقوم دليل على ما اخترناه بمقتضى البراهين العقلية، إذا اندفع ما توهموه من الاستحالات الموجودة فيه و قد عرفت اندفاعها برمتها، فالقول الوحيد الحقيق بالاختيار هو الوجه الأخير

الذي ذكره بعض المتقدمين، و ان رفضوه لأجل ما توهموا فيه من الاستحالة الا انّ الحق هو الأحقّ بالاتباع.

المبحث الثاني في ثمرة الخلاف بين النقل و الكشف على أقسامه

اشارة

قد عرفت تفصيل الكلام في أقسام الكشف و وجوه الفرق بين معانيها فيما مرّ، و هذا التذييل كما ترى في العنوان معقود لبيان ثمرة الخلاف بينها إلا أنّه يتوقف على بيان ما تحصل من التفاصيل المتقدمة ليتضح المطلوب في المقام، فنقول: إنّ حقيقة النقل كما هو واضح حصول الملكية من حين الإجازة و عدمه قبل تحققه. و اما الكشف فله أقسام ثلاثة:

«الأول» الكشف الصرفة و هو الذي عبّرنا عنه فيما تقدم بالكشف اللغويّ و محصله عدم مدخلية الإجازة في تحقق الملكية أصلا بل كان العقد بنفسه تام التأثير في حدوثها، و غاية الأمر استكشاف ذلك بالإجازة و بعبارة اخرى: إنّ الإجازة تؤثر في إحراز حصول الملكية و العلم به و امّا نفس الملكية فهي غنية في حصولها في الواقع عن لحوق الإجازة.

«و الثاني» الكشف الحقيقي و محصله مدخلية الإجازة في حصول الملكية في الواقع. و هو على قسمين.

«أحدها» ان تكون مدخلية الإجازة في حصول الملكية باحداث وصف في العقد مقارن له يكون الدخيل في حصول الملكية هو الوصف في الحقيقة، و هذا القسم نظير الكشف اللغوي في حدوث الملكية بمجرد حصول العقد، من غير ترقّب للحوق الإجازة، لوجود الوصف الدخيل فيه بمجرد حصول العقد

مقارنا له. غاية الأمر انّه يعلم وجوده بالإجازة، و يترتّب عليه الحكم بحدوث الملكية بمجرد تحقق العقد، إذا علمنا من الخارج بانّ المالك يجيز في المستقبل.

و لو جهلنا به كان مقتضى الاستصحاب الحكم بفقد الملكية في الظاهر، فلو أجاز المالك فيما بعد يعلم بحدوث الملكية من حين العقد و جواز التصرّف للبائع و المشتري في الثمن و الثمن في الواقع، فلا يعاقبان على ما صدر عنهما من التصرّف الا بناء على حرمة التجري و استحقاق العقاب عليه.

«ثانيهما» ان تكون مدخلية الإجازة في حصول الملكية بنحو الشرط المتأخر، على اختلاف المباني للقائلين بإمكانه. و هي كثيرة، و العمدة منها ثلاثة:

المبنى الأول: ما هو مبنى صاحب الكفاية على ما تقدم من رجوع شرطية المتأخر في الأمر المتقدم الى لحاظه مقارنا للأمر المتقدم، و حكمه حكم السابق بعينه في كون حدوث الملكية من حين العقد، و جواز التصرّف لكل من المتبايعين فيما أخذه عن الأخر، و ان كان حراما في الظاهر الى ان يعلم بلحوق اجازة المالك.

المبنى الثاني: ما نسبناه الى الشيخ «ره» و ان كان المنسوب إليه في كلمات بعض هو المبنى الأوّل، و انّ ما اختاره صاحب الكفاية «قده» هو الذي بنى عليه الشيخ «ره» و هو منع استحالة شرطية الأمر المتأخر في الأمر المتقدم في الأمور الاعتباريّة التي حقيقتها التنزيل و الاعتبار، نظير الاستصحاب فإنّه إبقاء الموجود في الزمان المتقدم و الحكم ببقائها في الزمان المتأخر تنزيلا و ان كان ذلك مستحيلا في الأمور الحقيقية. و عليه يكون حدوث الملكية و ما يتفرع عليها من الأحكام الوضعية من حين العقد. و امّا الأحكام التكليفيّة من حرمة التصرّف أو جوازه فهي من الأمور الحقيقية، لمكان أنّ الإرادة و الكراهة المتقومتين بنفس المولى من الحقائق، فلا يتصوّر مدخلية الأمر المتأخر في حدوثها

في الزمان المتقدم (1)بخلاف الملكية فإنّها أمر اعتباري لا بأس بتأثرها عن الأمر الموجود في الزمان المتأخر و تأثيره فيها. و عليه تكون الملكية الحادثة بالعقد الفضوليّ كملكية الصبي و المجنون لا يترتّب عليها جواز التصرّف.

و منه يعلم النظر في كلام الشيخ «ره» حيث قال و اما الثمرة بين الكشف الحكمي و الحقيقي مع كون نفس الإجازة شرطا يظهر في مثل ما إذا وطئ المشتري الجارية قبل إجازة مالكها فأجاز، فإنّ الوطي على الكشف الحقيقي حرام ظاهرا لأصالة عدم الإجازة و حلال واقعا لكشف الإجازة عن وقوعه في ملكه. و وجه النظر إنه لو أراد من الكشف الحقيقي ما نسبناه اليه فقد عرفت انّ التحقيق عدم ترتب الأحكام التكليفية قبل الإجازة لا ظاهرا و لا واقعا، و لو أراد ما اختاره صاحب الكفاية «قده» كما نسب إليه، ينافي حكمه هذا لما ذكره قبل ذلك بقوله «و اما الثمرة على الكشف الحقيقي بين كون نفس الإجازة شرطا و كون الشرط تعقب العقد بها و لحوقها له فقد يظهر بجواز تصرف كلّ منهما فيما انتقل إليه بإنشاء الفضولي إذا علم إجازة المالك فيما بعد» حيث صرح بعدم جواز التصرّف بناء على كون الشرط نفس الإجازة و ان علم اجازة المالك فيما بعد و مقتضاه عدم جواز التصرّف واقعا اللهم الا ان يبني في هذا الكلام على المبنى الذي نسب اليه و في كلامه المتقدم على المبنى الذي نسبناه نحن اليه و ليس ببعيد فإنّه ربّما يصدر عنه أمثال هذه لتربية أذهان المتعلمين.


1) لا يخفى انّ الأحكام التكليفيّة أعني الحرمة و الوجوب و الكراهة و الندب من الأمور الاعتباريّة، فيمكن اعتبارها و لو من غير تحقق الإرادة و الكراهة، الا إنّها حيث كانت منتزعة من الأمر و النهي، و الفائدة الملحوظة في اعتبار الأمر و النهي هي تحقق مراد المولى أو ترك مكروهة.فلا جدوى في اعتبار الأمر و النهي عند عدم ترتّب الفائدة المذكورة لعدم وجود الإرادة و الكراهة للمولى، أو لعدم إمكان تحقق مراد المولى أو ترك مكروهة لانقضاء وقت الطاعة، فضلا عمّا إذا اجتمعت كلتا الجهتين كما فيما نحن فيه.

المبنى الثالث: ما هو مقتضى التحقيق من حدوث الملكيّة في زمان الإجازة دون زمان العقد لكنّ الحادث في زمان الإجازة هو الملكية الممتدة إلى زمان العقد و هذا يشترك في الحكم مع سابقه في عدم ترتّب الأحكام التكليفيّة لعدم ترتّبها على محض الاعتبار الذي عليه بناء هذا القسم و سابقه.

الثالث من وجوه الكشف هو الكشف الحكمي، و ملخصه حكم الشارع بترتّب آثار الملكيّة من حين العقد تعبدا، و امّا نفس الملكية فزمان حدوثها زمان تحقق الإجازة، و عليه فلو وطئ الجارية قبل الإجازة يكون حراما في الظاهر و حلالا في الواقع، و لكنه لو استولدها لا تكون الجارية أم ولد لعدم صدقها الا على الجارية الموطوئة حين كونها مملوكة للواطى، فهو و ان كان بحكم الملك في جواز الوطي قبل الإجازة إلا انّها ليست مملوكة له و لم تحصل علاقة الملكيّة بينها و بين المشتري قبل الإجازة. و كذا بناء على القسمين الأخيرين للكشف الحقيقي.

فإنّ الجارية و ان اعتبرت علاقة الملكية بينها و بين المشتري حين الوطي إلا إنّه ليس يكفي في ترتّب آثار أم الولد، بناء على اعتبار حلية الوطي في صيرورتها أم ولد، و لذا لو وطى المالك جارية المزوجة لم يترتّب عليها آثار أم الولد.

الأمور التي ذكروها ثمرة للخلاف بين النقل و الكشف
منها

كون النّماء لمن انتقل عنه كل من العوض و المعوض على القول بالنقل و لمن انتقل اليه على القول بالكشف و هو واضح لا يحتاج الى توضيح.

و منها
اشارة

جواز فسخ الأصيل و إبطاله للعقد قبل إجازة الآخر على القول بالنقل و عدمه

على القول بالكشف (1)

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ مقتضى صريح قوله عليه السلام في الرواية الآتية «لأنّ لها الخيار و لا خيار عليها» يعني اليتيمة الّتي زوجت فضولة، بناء على تعميم حكمه لمطلق العقد، عدم جواز فسخ الجانب الأصيل للعقد فيما نحن فيه.

و فيه إشكال من وجهين، الأوّل ما تقدّم من عدم وقوع البيع قبل لحوق الإجازة فلا ملزم لعدم جواز التخلف عنه للأصيل، و الثاني انّ الالتزام من الأصيل انّما تعلق بصيرورة ماله ملكا لغيره بإزاء صيرورة ماله أيضا ملكا له فهو قبل صدور الإجازة و تحقق الالتزام من الأخر بصيرورة ماله ملكا للأصيل غير ممنوع عن التصرّف في ماله بأنحاء التصرّفات. و الجواب عنهما: انّه قد حصل التعاهد بين الفضولي و الأصيل، فالأصيل ملزم بمقتضى عهده و عقده و لا يجوز له التخلف عنه، و امّا الفضولي فحيث لم يكن بيده العمل بمقتضى عهده فهو غير مأمور بالوفاء و لا ينافيه عدم تعلّق اعتبار العرف بتحقق ما وقع عليه التعاهد عنهما من صيرورة أحد العوضين ملكا لمالك الآخر و صيرورة الآخر ملكا لمالكه، لعدم منافاته مع كون من حصل منه العهد ممنوعا عن التخلف عنه.

و ترتّب هذه الثمرة على القولين وقع محطا للاختلافات، و نحن نبيّن مباني المسألة لكي يتّضح حال ما ذكروه من الإشكالات في تعليقات المكاسب، و أنت بعد معرفة المباني و تفصيل بعضها عن بعض تعرف الواردة من الإشكالات و غير واردتها، و انّ كلّ اشكال مبني على مبنى غير قادح على تقدير الابتناء على مبنى غيره و هي وجوه.
مباني المسألة
«الوجه الأوّل»

دعوى كون قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» كقوله تعالى «أوفوا بالعهود» مسوقا لبيان الحكم التكليفي،- كما هو مذهب العلامة «قده» و أنّه يحرم نقض العقد و


1) لا يخفى أنّ مقتضى ما هو الحق من أقسام الكشف- و هو الكشف الحقيقي- عدم تعلّق اعتبار العقلاء قبل الإجازة بحصول النقل و الانتقال، بل عدم تعلّقه بتحقق البيع. و انّما يتعلق الاعتبار بحصول النقل و الانتقال من حين العقد بعد الإجازة. فلا فرق بين القول بالنقل و الكشف على هذا المبنى في عدم تعلق الاعتبار قبل لحوق الإجازة بحصول النقل و الانتقال.

يجب الوفاء به تكليفا كحرمة مخالفة النذر و وجوب الوفاء به، و انّ العقد من كل احد يورث وجوب الوفاء به بعنوانه، كما انّ النذر يورث وجوب الوفاء به بعنوان الوفاء، فلو كان متعلّقا للوجوب بعنوان غيره كان مؤكدا لا محدثا له و موجبا لصيرورته واجبا بعنوان الوفاء.

و يستفاد من الآية الشريفة بناء على هذا التقرير وجوب الوفاء ما دام موضوعه اعني العقد باقيا، نعم لو انتفى موضوع العقد ينسلب عنه حكم وجوب الوفاء بانسلاب موضوعه، فلو فرضنا العقد عقد بيع السلم أو الصرف وجب على المتبايعين اقباض العوضين ما دام في مجلس واحد، فإذا حصل الافتراق بينهما يرتفع عنهما وجوب الوفاء لانحلال العقد و انعدامه بالافتراق. و كذا لو انعدم العقد بالإقالة منهما، أو اعمال الخيار عمن هو له من المتعاقدين بالفسخ، تكون قضية وجوب الوفاء به سالبة بانتفاء موضوعها. و من المعلوم انّ محل النزاع الذي بنينا عليه البحث في بيع الفضوليّ هو كون العقد مفروض التحقق، و لذا يطلق عليه عقد الفضوليّ و بيعه و ما شابههما من الألفاظ. فصدور العقد من الفضوليّ مسلم فتشمله آية الوفاء بالنسبة إلى الجانب الأصيل، و امّا بالنسبة إلى الجانب الآخر فلا، لعدم استناد العقد إليه رأسا. و مقتضى وجوب الوفاء في حق الأصيل انتظاره الى ان يعلم الإجازة أو الرد من مالك ما يأخذه من الفضولي، و هذا من غير فرق بين كون الإجازة كاشفة أو ناقلة.

«الوجه الثاني»

كون الآية الشريفة مسوقة لبيان الحكم الوضعي أعني لزوم العقد، فالمعنى انّ كل عقد لازم إلا ما خرج. و معنى اللزوم من كلّ جانب كما يأتي في الخيارات صيرورة اختيار كلّ منهما في حل العقد و فسخه بيد الجانب الأخر كما أنّ البيعة إلقاء زمام امره بيد من بايعه، و رفع البيعة عنه بمعنى ردّ زمام أمره إليه، فكلّ من المتعاقدين يجعل اختيار امره بالعقد بيد الأخر، فهو مختار في رد

اختيار أمره اليه. و لذا تصح الإقالة.

فالاصيل من المتعاقدين في عقد الفضوليّ قد جعل اختيار امره بيد الجانب الآخر، و ألقى إليه زمام أمره، و إن كان المالك في الجانب الأخر لم يجعل امره بيده، و لم يلق زمامه اليه قبل الإجازة. فلا يقدر الأصيل على فسخ المعاملة، ما لم يصدر الردّ لها من المالك في الجانب الآخر، سواء قلنا بالنقل أو الكشف. هذا كلّه لو قلنا بكون العقد على حدة بالنسبة إلى كلّ من المتعاقدين، و محصّله عدم جواز الفسخ للأصيل على كلا القولين.

و امّا لو قلنا بأن لزوم العقد أمر واحد بسيط لا يجوز معه الفسخ لكلّ واحد من الطرفين، و يجوز الفسخ من دونه لكلا الطرفين، يكون الأصيل قادرا على الفسخ قبل الإجازة، لعدم صيرورة العقد لازما قبله سواء قلنا أيضا بالنقل أو الكشف.

«الوجه الثالث»

انّ لكلّ جزء جزء من أجزاء المركب حكم وضعي برأسه و هو الصحة، بمعنى تأهله لترتب الأثر عليه بانضمام بقية الأجزاء اليه. و هي حاصلة لكل جزء ما دام لم تسقط بقية الاجزاء عن قابلية الانضمام اليه كما ذكروه في الاستصحاب. فلو ترك بقية أجزاء المركب كان بطلانه مستندا الى فقد بقية الاجزاء. و امّا الأجزاء المأتية بها فلا تبطل بانتفاء بقية الأجزاء ما لم تسقط عن قابليّة انضمام بقية الأجزاء، و من هنا منعنا عن شمول قوله تعالى «وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» عليها و منه يعلم انّه لا يجزي فسخ الأصيل في رفع الصحة التأهلية لما صدر عنه من الإيجاب مثلا ما دام لم يسقط القبول عن قابليّة الإجازة من الجانب الآخر.

«و فيه» انّ الصحّة التأهلية لكلّ جزء بعد تماميته في نفسه باشتماله على جميع شرائطه، و من جملة شرائط الإيجاب أن لا يبطله الموجب قبل تحقق القبول

من الجانب الآخر، أو قبل حصول شرط من شرائط صحة العقد فالإيجاب مع ابطال الموجب له غير تامّ في جزئيته فلا يتّصف بالصحّة التأهلية رأسا. و اليه ينظر ما ذكره الشيخ «ره» بقوله: و هذا مبني على ما تسالموا إلخ، و قد تمسّك في دفع اشتراط صحّة الإيجاب بعدم إبطاله له قبل لحوق الإجازة، بإطلاق آيتي «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ».

«و توضيحه» أنّ مقتضى إطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ كون موضوع وجوب الوفاء هو مطلق العقد، و انّ العقد واجب الوفاء على إطلاقه، فتقيد وجوب الوفاء به بحصول شرط خارج عن تقوم العقد ينفيه إطلاق الآية.

ثمّ أشار «قده» في ذيل كلامه بعدم خلوه عن الاشكال «و توضيح الإشكال فيه» انّه قد تقدم في أوائل الكتاب تبعا له «قده» أنّ معنى المعاهدة إنّما يحصل مع بقاء الإيجاب إلى زمان تحقق القبول، و الا لم يصدق العقد عليها، لفقد الارتباط بين الإيجاب و القبول. فلو أبطله الموجب قبل تحقق القبول ينقطع بقائه إلى زمان القبول، و لا يحصل الارتباط بينهما، فيوجب ذلك عدم صدق العقد عليه، و صحة التمسك ب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ متوقفة على صدق العقد.

و امّا التمسك بإطلاق الآية على عدم جواز ابطال الموجب لإيجابه بعد تحقق القبول و قبل تحقق شروط العقد كالإجازة و غيرها فلا مناص عنه، لتمامية العقد بلحوق القبول، و ان لم يحصل شرط تأثيره، فجواز إبطال الموجب الأصيل لإيجابه قبل الإجازة و بعد تحقق القبول منفي بالآية.

و من هنا يعلم أنّ المراد من القبض الذي ذكره مثالا ليس مطلق القبض الذي هو مقتضي الوفاء بالعقد بل هو القبض الذي له مدخلية في صحّة العقد و ترتّب الأثر عليه، كالقبض قبل الافتراق في بيع الصرف و السلم.

و عليه يبطل ما ذكره المحقق النائيني قده، حيث ذكر أنّه لا يجوز لكلّ من المتبايعين في بيع الصرف و السلم إبطال ما أنشأه بعد تمامية العقد، و قبل

تحقق القبض. مع انّ الملكية متوقفة على القبض، لأنّ كلا منهما ملزم بما التزم على نفسه. و هو التسليم و التسلّم فإنّهما من الشروط الضمنيّة التي ينشأها المتعاقدان. انتهى و وجه البطلان ما عرفت من أنّ القبض قبل الافتراق أعني ما يتوقف عليه الملكية في بيع الصرف و السلم، ليس ممّا التزم به المتعاقدان في ضمن العقد، بل ما هو من الشروط الضمنية التي ينشأها المتعاقدان بإنشاء العقد ضمنا هو التسليم و التسلم مطلقا من دون تقيدهما بالوقوع قبل الافتراق، فيجوز للمتعاقدين تأخير القبض و الإقباض الى ما بعد الافتراق. و المفروض أنّ الافتراق يوجب بطلان العقد، و معه لا يجب التسليم و التسلم وفاء لمقتضى العقد. و الحاصل انّ وجوب الوفاء بالعقد فرع بقاء موضوعه، و من المعلوم جواز نفي موضوع العقد لهما بالافتراق.

«الوجه الرابع» ان يكون المراد من الآية الشريفة «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» الوفاء (1)بمضمون العقد و الالتزام بترتيب آثاره عليه، فالوفاء بعقد البيع ترتيب آثار ملكية المبيع للمشتري و ملكية الثمن للبائع، من عدم جواز الرجوع، و حرمة التصرّف فيه بغير إذنه، من غير فرق بينه و بين غيره في رعاية كونه ملكا له. فوجوب الوفاء حينئذ فرع تحقق مضمون العقد لا يترتّب عليه وجوب الوفاء لانتفاء موضوعه، و ان تحقق العقد، لكون موضوع الحكم بوجوب الوفاء هو مضمون العقد، دون نفسه، و هو غير محقق.

و على هذا المبنى يختلف حصول الثمرة بين النقل و الكشف، حسب اختلاف المسالك المتقدمة في الكشف. فعلى القول بالكشف اللغويّ، أو الكشف الحقيقي


1) قد تقدم منّا ان الوفاء هو العمل بمقتضى ما التزمه على نفسه، فالأصيل يجب الوفاء عليه بمقتضى ما التزمه على نفسه فلا يجوّز له التصرّف فيما التزم بانتقاله عن ملكه و ان كان لا تتحقق ملكيته للغير في اعتبار العرف الا بعد الإجازة كما تقدّم تفصيله في بعض الحواشي القريبة.

على طريقة صاحب الفصول من كون شرط صحة عقد الفضوليّ أمرا مقارنا له يحصل في حينه، و كذا على القول بالشرط المتأخر و تصحيحه بإرجاع الشرط الى لحاظ تحقق الإجازة في موطنه مقارنا للعقد، لم يجز الفسخ للأصيل لتحقق الملكية من حين العقد، و آية الوفاء تنادي بالوفاء لما هو مضمون العقد، و هو الملكية في عقد البيع فيكون القول بالكشف على هذه الأقوال الثلاثة مفترقا عن القول بالنقل في جواز فسخ الأصيل لعقد الفضوليّ و عدمه، و ان كان مقتضى الأصل على القول بالكشف أيضا جواز الفسخ ظاهرا، إلا أنّه إذا تحققت الإجازة، تنكشف مخالفة مقتضى الأصل للواقع و عدم انفساخه بفسخه واقعا.

و امّا بناء على الوجه الذي نسبناه الى الشيخ ره، من تصحيح كون الإجازة بوجودها الخارجي شرطا متأخرا للعقد، و كذا بناء على الوجه الثالث من الكشف الحقيقي أعني ما اخترناه من حصول الملكية الممتدة إلى زمان العقد في حين الإجازة، لم يبق فرق بين النقل و الكشف لعدم حصول الملكية حين العقد على كلا القولين، فيجوز فسخ الأصيل لعقد الفضوليّ لأنسلاب آية وجوب الوفاء عنه بانسلاب موضوعه.

و قد تحصّل من جميع ما ذكرنا ان ظهور الثمرة بين الكشف و النقل في جواز فسخ الأصيل للعقد و عدمه يختلف بحسب المباني المختلفة في الكشف، امّا على المبنيين الأولين فالفسخ غير جائز على الكشف و النقل، كما لا فرق بينهما في عكس ذلك اعني جواز الفسخ بناء على المبنى الثالث. و امّا بناء على المبنى الرابع ففيه تفصيل، بحسب المسالك المختلفة في حقيقة الكشف، فمع البناء على المسالك الثلاثة المتأخرة، تنتفي الثمرة و جاز الفسخ على الكشف و النقل.

و مع البناء على المسالك الثلاثة المتقدمة، أعني الكشف اللغويّ و مسلك صاحب الفصول و الوجه الأوّل من الكشف الحقيقي، يحصل الفرق بين الكشف و النقل و جاز الفسخ مع الأوّل دون الثاني.

و منها

جواز تصرّف الأصيل فيما انتقل عنه بناء على النقل، فينتفي مورد الإجازة أعني العقد، بتصرف الأصيل قبلها، كما لو عقدت على تزويجها من أحد مع فضولي، ثمّ تزوجت من غيره قبل إجازة الأول. و عدم جوازه بناء على الكشف (1).

و التحقيق انّ ترتّب هذه الثمرة أيضا يختلف باختلاف المباني المتقدمة امّا مع بناء الأمر على انّ آية الوفاء تفيد لزوم العقد بالنسبة إلى الأصيل، و ان كان جائزا بالنسبة إلى الجانب الآخر نظير الخيار الواقع في العقد، فإنّه يوجب نفي لزوم العقد بالنسبة الى من له الخيار لا مطلقا، فيحصل التبعيض في العقد من حيث اللزوم و عدمه، و يكون العقد لازما بالنسبة الى احد الجانبين و غير لازم بالنسبة إلى الجانب الآخر. و الفرق بين عقد الفضوليّ و العقد الواقع فيه الخيار بعد اشتراكهما في كونهما لازمان من جانب، كون التزلزل في الأوّل في حدوث التأثير، و في الثاني في بقائه. فلا يجوز تصرف الأصيل و يبطل التزويج الثاني من المرأة المزوجة نفسها بعقد فضوليّ قبله من غيره. و لا ينفع أصالة عدم الإجازة في الحكم بجواز تصرفاته بل لا ينفع العلم بعدم تحققها فضلا عن نفيه بالأصل، ضرورة ان العقد لازم من جانب الأصيل ما لم يفسد العقد من الجانب الآخر فالأمر إليه فإنّ أجاز لزم العقد من جانبه أيضا، و أنّ ردّ يفسد العقد برده.

و امّا مع بناء الأمر على انّ مفاد آية الوفاء وجوب الوفاء بمضمون العقد، فجواز التصرّفات في مورد العقد و عدمه يدور مدار تحقق مضمون العقد قبل الإجازة و عدمه، و هو كما مرّ يختلف بحسب المسالك المختلفة في الكشف، فلا يجوز التصرّف بناء على الثلاثة الأوّل منها لتحقق مضمون العقد بناء عليها


1) قد تقدّم منّا وجه عدم جواز تصرف الأصيل عند البحث في عدم جواز فسخه فراجع.

بنفس تحقق العقد من غير ترقّب للحوق الإجازة، و يجوز بناء على الثلاثة الأخر منها نظير القول بالنقل.

فترتّب هذه الثمرة على الاختلاف في الكشف و النقل، مبني على اختيار المبنى الأخير في المسألة مع اختيار أحد المسالك المتأخرة من مسالك الكشف.

و قد اختلف كلام الشيخ في اختيار مسالك الكشف، فحيث حكم بالفرق بين النقل و الكشف و جواز التصرّف بناء على الأوّل دون الثاني، بنى على احد المسالك الثلاثة الأخيرة للكشف مع اختيار الوجه الخامس في معنى الآية.

و حيث تصدى في الذيل لذكر مقتضى عموم وجوب الوفاء سلك فيه مسلكا غيره أعني أحد المسالك الثلاثة المتقدمة من مسالك الكشف، فلا تزعمن للشيخ رد الخلط بين المسالك إلا لأجل تمرين الأذهان و تربيتهم.

و بعد ملاحظة ما ذكر من تشريح المسالك المختلفة في الكشف و المباني المختلفة في مفاد آية الوفاء تقدر على تمييز الإيرادات الصحيحة عن سقيمها، فربّ إيراد كان مبنيّا على مسلك، بنى فيما أورد عليه على مسلك غيره، و نشأ توهم الإيراد من خلطهما. هذا كله بحسب القواعد الجارية في الباب.

و في المسألة نصّ و هو ما رواه عباد بن كثير عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال سئلته عن رجل زوج ابنا له يتيمة قال ترثه ان مات و لا يرثها لانّ لها الخيار و لا خيار عليها انتهى.

و مفاده بعد الأخذ بإطلاقه و تسريته الى غير مورده، الحكم بجواز التصرّف مطلقا لجانب الفضولي و عدم جوازه لجانب الأصيل. و المراد من الخيار في التعليل بقرينة بعض النصوص الأخر تسلط اليتيمة على إجازة العقد و رده كما سيأتي، و ليس المراد منها هو الخيار المصطلح اعني التسلط على فسخ العقد بعد استتمامه من الجانبين، حتى يصير قرينة على خروج مورد الرواية عن فرض عقد الفضوليّ.

ثمّ انّ الشاهد للتعدي عن مورد الرواية إلى غيره- اعني من النكاح

الى البيع و غيره من العقود- هو عموم التعليل، و انّ منشأ هذا الحكم مجرد تسلط جانب الفضوليّ على الإجازة و الرد، فيعمّ الحكم جميع عقود الفضوليّ بعموم ملاكه، و لا يخفى عليك أنّ الرواية تدلّ على انّ جانب الفضوليّ في عقد النكاح يرث مطلقا سواء أجاز أم لا و هو مخالف للإجماع، بل لصريح رواية أبي عبيدة عن أبي جعفر عليه السلام (1)فيقيد به إطلاقها هذا.

و قد ذكر بعض الأعلام لنزاع الكشف و النقل ثمرات أخر نتعرض لبعض منها.

و منها

خروج احد المتبايعين عن قابليّة التمليك بالموت أو غيره. فإن كان هو الأصيل و مات قبل تحقق الإجازة، ينتقل ما يقتضي العقد خروجه عن ملكه من العوضين إلى الورثة بناء على النقل، فإنّه حين موته لم يخرج عن ملكه، فلو أجاز الجانب الأخر لعقد الفضولي بعده لم يؤثر في خروجه عن ملكهم، الا عن عقد جديد من الورثة، أو بإجازتهم لما صدر عن العقد من الميّت، ضرورة تسلط الناس على أموالهم و عدم جواز إخراج مال احد عن ملكه إلّا بإذنه.

و بالجملة يصير العقد بموت الأصيل فضوليا من الجانبين، فلا يكفي لحوق الإجازة عليه من أحد الجانبين في صيرورته نافدا و مؤثرا في الأثر، بل يتوقف على لحوق الإجازة عليه من الجانب الأخر أيضا. و امّا على القول بالكشف تكون إجازة الفضولي كاشفة عن خروجه عن ملك الأصيل من حين العقد، فيكون غير مملوك له حين موته حتى ينتقل إلى الورثة، بل المنتقل إليهم يكون


1) و هي الرواية المتقدمة منافي جملة أخبار النكاح.

هو العوض المدفوع اليه. و هذا واضح لا سترة عليه على جميع مباني الكشف (1).

و قد نفى بعض الأعاظم ترتّب هذه الثمرة و استقرب نفوذ الإجازة على كلا القولين. «و محصّل ما ذكره في وجهه» أنّ ما يقتضي العقد خروجه عن ملك الأصيل و ان كان ينتقل إلى الورثة بموته على القول بالنقل و يصير ملكا لهم، إلا انّ الملكية الحاصلة لهم من سنخ الملكية الحاصلة لمورثهم، و المفروض انّ ملكيته للمورث كانت متزلزلة واقعة في معرض الانتقال الى الجانب الآخر بإجازته، فتكون الملكية الحاصلة للورثة أيضا كذلك، و يكون لحوق الإجازة موجبا لخروجه عن ملكهم.

و قد عكس «ره» و جعل ظهور الثمرة في صورة موت جانب الفضولي، مع انّ الثمرة منفية في هذه الصورة، فإنّه لو قلنا باشتراط كون المجيز مالكا في حين العقد، لم تنفذ الإجازة على كلا القولين، و لو قلنا بعدم الاشتراط تنفذ إجازة الورثة على كلا القولين أيضا.

هذا كلّه إذا فرضنا موت احد المتبايعين، و امّا لو فرضنا خروجه عن قابليّة التمليك للمال بان يكون المبيع مصحفا أو عبدا مسلما، و ارتد من يقتضي العقد انتقاله اليه من المتبايعين، فلا فرق أيضا بين القول بالنقل و القول بالكشف بجميع أقسامه، إلا الكشف الصرفة. و امّا وجه التسوية بينهما انّه لو كان تمليك


1) يمكن الإشكال فيه، بانّ العقد و هو الالتزام من الجانبين له بقاء اعتباري، و بهذا الاعتبار يتعلّق به الإجازة و الرد، فإذا مات أحد المتعاقدين قبل الإجازة ينقطع التزامه، فينتفي مورد الإجازة رأسا.و الجواب أنّ الإجازة بناء على الكشف تتعلّق بالعقد من أصل وجوده، لا ببقائه و استمرار وجوده، و لذا يصير مؤثرا في الملكية من حين حدوثه، و لو كانت تتعلّق به بوجوده البقائى لم يصر مؤثرا في الملكية من حين حدوثه، و موت احد المتعاقدين لا يوجب انعدام التزامه من أصله، بل انّما يوجب انقطاع استمراره.

العبد المسلم من الكافر بما هو غير جائز لم يكن بأس بجواز الإجازة و نفوذها بناء على الكشف لحصول التمليك حينئذ بنفس العقد، و انّما تكشف الإجازة عن كونه كذلك. لكنّ التحقيق انّ تمليك العبد المسلم من الكافر بما هو لم يكن موضوعا للحرمة و عدم الجواز، بل الموضوع لهما هو تسليط الكافر عليه، فانّ الدليل عليه ينحصر في قوله تعالى «لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (1)و قوله صلّى اللّٰه عليه و آله «الإسلام يعلو و لا يعلى عليه»، و مقتضاهما عدم جواز تسليط الكافر على المسلم، و هو أعمّ من التمليك و الإجازة، لكون الإجازة تسليطا للكافر على المسلم من دون فرق بين كونها كاشفة أو ناقلة- و نعني من الجواز و عدمه هو الجواز الوضعي بمعنى النفوذ و عدمه- و امّا وجه جواز الإجازة على القول بالكشف الصرفة، أنّ الإجازة على هذا القول كاشفة محضة من غير ان تكون دخيلا في صيرورة العقد مؤثرا أو في حدوث وصف فيه يوجب تأثيره، فهي بمنزلة قيام البيّنة على صيرورة المسلم ملكا للكافر، كما لو قامت البيّنة على موت مورث لكافر، له عبد مسلم ورثة منه، فلا إشكال في جوازها.

و بالجملة الإجازة على هذا القول طريق علمي، لا يؤثر إلا في إحراز كون العقد نافذا من حينه، و المفروض أنّ المشتري كان مسلما في حين العقد و انّما ارتدّ بعد تحققه، فلا يقدح حينئذ وقوع الإجازة بعد ارتداده.

و منها

تلف احد العوضين بعد العقد و قبل الإجازة فإنّه يوجب بطلان العقد على القول بالنقل، و لا يوجبه على القول بالكشف، و توضيحه: انّ الملكية لا


1) سورة النساء، الآية 141.

تتعلق بالمعدوم لعدم قابليته بها فإذا تلف أحد العوضين و انعدم يخرج عن قابلية التمليك، فلا يصحّ تمليكه، كما هو مقتضى جواز الإجازة على القول بالنقل، فإنّ الإجازة على هذا القول توجب التمليك و هو انّما يصحّ مع بقاء العوضين على قابلية التمليك الى حين الإجازة. و امّا على القول بالكشف، فالمؤثر تامّ التأثير في حدوث الملكيّة بناء على اختيار الكشف الصرف هو العقد، و المفروض سلامتهما عن التلف في حينه، و امّا بناء على اختيار غيره من مباني الكشف فالإجازة و ان كانت دخيلة في حصول الملكية، إلا أنّ مدخليتها في حصولها من حين العقد فيكون متعلّق الملكية امرا موجودا غير تالف ألا بعد تعلق الملكية به. و ثمرته كون ضمانه للمشتري و صيرورته مالكا لبدله.

و منه يعلم عدم صحّة ما ذكره المحقّق النائيني «ره» من نفي هذه الثمرة، قائلا بعدم الفرق بين صحّة البيع بلحوق الإجازة، حينئذ و عدمه، لانّ تلف المبيع قبل القبض من مال بايعه، فعلى كلا التقديرين من القول بالكشف و الالتزام بصحّة البيع و القول بالنقل و الالتزام بعدم صحته يكون تلفه من مال البائع.

وجه عدم الصحّة منع التسوية بينهما، فانّ التلف على القول بالنقل يوجب بطلانه من رأسه، و على القول بالكشف يوجب لانفساخه آنا ما قبل التلف.

و كم فرقا بين بطلان العقد من رأسه و بين صحته ثمّ انفساخه آنا ما قبل التلف.

و تظهر ثمرة الفرق بينهما فيما إذا كان له نماء بعد العقد قبل التلف، فإنّها تكون للبائع في الصورة الاولى، و للمشتري في الصورة الثانية. و قد خفي عليه «قده» هذه الثمرة، فجعل يسوي بين القولين مع انّه على تقدير عدم ترتّب ثمرة عليه أيضا يرد عليه المنع من وجهين الأوّل عدم اختصاص نزاع الكشف و النقل بباب البيع، بل يجري في جميع أبواب العقود من الإجازة و النكاح و غيرها، و ان

شئت وضوح الأمر لك فافرض دارا آجره فضولي من غيره ثمّ غصبه ثالث، فأجاز المالك لعقد الإجارة، فإنّ ضمان منفعة الدار للمشتري على القول بالكشف و للبائع على القول بالنقل. و قد تقدم في مورد رواية أبي عبيدة كون الإجازة كاشفة بعد موت احد الزوجين و موجبة لثبوت الإرث، و هذا منفي على القول بالنقل- اعني حدوث الزوجية من حين الإجازة- لعدم قابلية الميّت بعد موته للتزويج، هذا.

و إذا عرفت الفرق بين القولين في الإجازة بعد تلف احد العوضين فقس عليه خروجه عن قابليّة التمليك، فلو كان أحد العوضين خلا ثمّ صار خمرا بعد العقد و قبل الإجازة صحّ البيع و حصل التمليك على القول بالكشف دون القول بالنقل. و ان كان على القول بالكشف أيضا تزول الملكية عنه بعد صيرورته خمرا إلا إنّه يكفي في صحة لحوق الإجازة بالبيع الواقع عليه ثبوت حق التحليل للمشتري. اللّهم إلا ان يؤخذ بما ذهب اليه صاحب الجواهر «ره» من دلالة الروايات على اعتبار بقاء العوضين على قابلية التمليك من حين العقد الى حين الإجازة و هو ممنوع، أو بما ذهب اليه السيد «ره» من كون صحة بيع الفضولي على خلاف القاعدة، و انّها مستفادة من الأدلّة الخاصّة و عدم وجود دليل عليها بما يشمل هذا الصورة، هذا.

و يعكس الحكم على عكس الفرض بأن يفرض كون احد العوضين خمرا حين العقد ثمّ صار خلا قبل الإجازة، فيصحّ البيع بناء على النقل، دون الكشف، لعدم كون العوضين حينئذ واجدين لقابليّة الملكية حين التمليك، و ان كان يصير قابلا له بعد انقضاء أو ان التمليك.

هذه جملة من الثمرات المترتبة على النزاع في الكشف و النقل. و الضابط فيها ترتّب كل أثر تعلق بالملكية من حين العقد على القول بالكشف، و عدمه على القول بالنقل.

و من جملتها

تعلق الخمس و الزكاة و حصول الاستطاعة الى غير ذلك من الثمرات

و ينبغي التنبيه على أمور.

التنبيه الأوّل فيما لو قصد المالك خلاف ما حكم به العقل من النقل أو الكشف

قد عرفت من تفاصيل ما قدّمناه أنّ النزاع بين الكشف و النقل لا يرجع الى جهة شرعية، و لا عرفية، بل إلى جهة عقلية، و أنّ محط النزاع حكم العقل بالكشف أو النقل مع رعاية جهات الاستحالة و الإمكان. فلو قصد المجيز وقوع الإجازة على خلاف حكم العقل- اي خلاف ما هو ثابت في الواقع- كان باطلا بداهة عدم إمكان وجود ما ينافي حكم العقل.

و إنّما الإشكال في انّه إذا قصد من الإجازة وقوعها على خلاف ما يقتضيه العقل هل تبطل الإجازة من رأسها أم تنطبق على ما يقتضيه العقل. و الذي ذكر الشيخ «ره» وجهين في الاشكال فيه هو ذلك دون أصل عدم وقوع الإجازة على طبق ما قصده المجيز، و التحقيق انّ ذلك يتصوّر على قسمين:

«الأوّل» ان يكون قصده لوقوع الإجازة على خلاف ما يقتضيه العقل على وجه الشرطية، بأن يقول في الإنشاء القولي مثلا أجزت العقد بشرط ان تكون الملكية حاصلة من حين الإجازة، و يكون مقتضى العقل حصولها من حين العقد. أو بشرط أن تكون حاصلة من حين العقد، و يكون مقتضى العقد حصولها من حين الإجازة و النزاع في هذا القسم من مصاديق النزاع المعروف من كون بطلان الشرط في العقود موجبا لبطلان المشروط و عدمه، فانّ مرجع النزاع فيه إلى انّ الإنشاء هل يبطل ببطلان ما ذكر فيه من الشرط أم لا، فيشمل العقد

و الإجازة على حد سواء، فانّ الفارق بينهما و هو احتياج إنشاء العقد الى القبول و عدم احتياج إنشاء الإجازة إليه، لا مدخليّة له في بطلان الإنشاء ببطلان شرطه أو عدمه قطعا.

فعلى القول بصحة المشروط استنادا الى تعدد المطلوب كما هو مبنى السيد «ره» أو كون الشرط التزاما في التزام كما هو مختارنا تكون الإجازة نافذة على طبق ما يقتضيه العقل.

«الثاني» ان يكون قصد وقوع الإجازة على خلاف ما يقتضيه العقل بنحو القيدية، فتكون الإجازة الصادرة منه نحوة خاصة من الإجازة تتصف بالصحّة و الفساد.

توضيحه: انّ القيد و المقيد يوجدان بوجود واحد لا ينفك أحدهما عن الآخر في الوجود، فالجنس المتقيد بفصل لا يمكن ان ينفك في الوجود عن فصله، و كذلك لا يمكن ان ينفك الفصل في الوجود عن جنسه، بل يوجدان بوجود واحد فارد. (1)

و توضيحه: أنا قد بيّنا فيما مرّ أنّ صيغة كلّ عقد أو إيقاع مصداق لعنوانه، فصيغة عقد البيع مصداق لعنوان البيع، و إنشائها إيجاد المصداق له، فالغاء قيده عنه يوجب كونه إيجادا لمصداق البيع من غير ان يكون إيجادا لمصداق القيد، فهو إلغاء لبعض المنشأ و هو المصداقية للقيد، و إبقاء لبعضه و هو المصداقيّة للبيع.

و السر في الفرق بينه و بين الرقبة المؤمنة في المثال المذكور، تعلّق الحكم في الثاني بالأفراد، فانّ الحكم في قولنا أعتق رقبة مؤمنة قد تعلق بالنكرة و هو الفرد المردد بين الأفراد، و من المعلوم انّ افراد الرقبة المؤمنة متباينة مع أفراد الرقبة الغير المؤمنة في الخارج.

و في الأوّل، بالطبيعة فإنّ الإيجاد يتعلّق بالطبيعة لا محالة، و انّما تصير فردا بعد لحوق الإيجاد، و من المعلوم انّ ذات الطبيعة جزء للطّبيعة المقيدة فإنّها هي مع زيادة.

و قد تحصّل ممّا ذكرنا انّ مقتضى التحقيق عكس ما ذكره الأستاذ «قده» من كون إلغاء القيد في الانشائات إلغاء للمقيّد، و عدم كون إلغاء الشرط إلغاء للمشروط.

و على هذا التقرير تكون الإجازة فردا خاصا اجتمع فيه القيد

1) و حق التوضيح ان يقال: انّ قولنا أعتق رقبة مؤمنة إيجاب لعتق فرد من الرقبات المؤمنة الموجودة خارجا بنحو القضيّة الحقيقيّة، و هي مباينة للرقبات غير المؤمنة الموجودة خارجا، فلو أعتق رقبة غير مؤمنة كان عتقا لما يباين المطلوب. و ليس للرقبة في الخارج وجود و لقيد المؤمنة وجود آخر، حتى يكون عتقه للرقبة بلا قيد المؤمنة عتقا لبعض المطلوب، هذا و لكن التحقيق إمكان التفكيك بين القيد و ذات المقيد في العقود و الإيقاعات.

و المقيد لا يمكن وجود أحدهما مع إلغاء الآخر عن الوجود، بل هما أمر واحد يتّصف بالصّحة أو الفساد، و بالوجود أو العدم، فإذا بطل قيد الإجازة تبطل نفس الإجازة من رأسها.

التنبيه الثاني في عدم كفاية مجرد الكاشف عن الرضا في الإجازة

هل يكفي في تحقق الإجازة مجرد الكاشف فعلا كان أو قولا صريحا أو غيره كما هو مذهب الشيخ «ره» أم لا بدّ من قول أو فعل يحصل به الإنشاء كما هو مختارنا وجهان، يعطيهما ملاحظة منشأ اعتبار الإجازة. و بيّنا لك تفصيل القول فيه فيما مرّ، و ملخصه: انّ الشيخ «ره» قد جعل منشأ اعتبار الإجازة تخصيص عمومات أدلّة البيع- بعد تسليم شمولها على بيع الفضوليّ- بأدلّة اعتبار طيب النفس و الرضا، و امّا بناء على ما اخترناه فمنشأ اعتبارها في بيع الفضولي نفي شمول عمومات أدلّة البيع عليه رأسا لانصرافها عن بيع لم يستند الى مالك العوضين، فيكون وجه الحاجة الى لحوق الإجازة كون بيع الفضولي فاقدا للاستناد و مفتقرا إلى أمر يحصل به استناده الى المالك حتى يدخل في عموم الأدلّة (1).


1) قد تقدم منّا عدم كون ما صدر عن الفضوليّ بيعا في اعتبار العرف الا بلحوق اعتبار المالك بكونه بيعا، لتبعيّة اعتبار العرف لاعتبار المالك، لما جعلوا له من السلطنة التامّة على ملكه فالحاجة في صيرورته بيعا نافذا، الى لحوق اعتبار المالك به، دون ما ذكره الأستاذ «قده» من الاستناد اليه و ان كان ذلك يستتبع حصول استناده إليه أيضا.

و مقتضى ما اختاره الشيخ «ره» هناك ما ذهب اليه ههنا من كفاية وجود مطلق الكاشف عن الرضا، بل كفاية مجرد حصول الرضا في نفس المالك و طيبها و ان لم يوجد كاشف يكشف عنه، غاية الأمر البناء على عدمها بمقتضى الأصل في الظاهر. فيكون التصرّف عند وقوعه قبل الإجازة سائغا بحسب الحكم الواقعي و غير موجب للعقاب إلا بناء على ثبوت العقاب للتجري، لكنه حيث قام الإجماع على عدم استقلال الرضا الباطني في تأثيره في صحة الفضوليّ تقيّد الرضا بالقدر المتيقن ممّا وقع عليه الإجماع، و هو مطلق الكاشف. فما ذهب اليه الشيخ «ره» صحيح بمقتضى ما بنى عليه في منشأ اعتبار الإجازة و ان كان في سوق استدلاله عليه ههنا نظر.

و امّا مقتضى ما بنينا عليه في وجه حاجة بيع الفضولي إلى الإجازة من كونه فاقدا للاستناد الى المالك، فيعتبر في الإجازة ان تكون على وجه يوجد بها استناد عقد الفضولي إلى المالك.

و بالجملة الاستناد أمر إيجادي يحتاج إلى إيجاد له في الخارج، فقد يكون ذلك بالتوكيل و هذا فيما إذا سبق إيجاده على نفس إيجاد العقد، و قد يكون بالإجازة، و هو فيما إذا كان بعد إيجاد نفس العقد. فكما يعتبر في الوكالة ما يحصل به إنشاء تنزيل عقد الوكيل بمنزلة عقد المالك و استناده اليه، كذلك في الإجازة. و الحاصل أنّ استناد العقد الى المالك كنفس العقد يحتاج إلى إنشاء و إيجاد، لاشتراكهما في كون كليهما أمرين ايجاديين.

و منه يعلم صحة ما ذكره بعضهم من أنّ الإجازة كالبيع، و ان كان ما جعل التنظير فيه- و هو استقرار الملك- غفلة عن وجه الاشتراك بينهما. ثمّ إنّ

الكلام فيما يحصل به إيجاد الاستناد مرجوع الى ما تقدّم في المعاطاة، و الذي أدى اليه أبحاثنا هناك، أنّ إيجاد المعنى في الخارج قد يكون بوجوده التنزيلي، و هو اللّفظ الذي صار وجودا تنزيليا له بالوضع أو بكثرة الاستعمال أو بما تقترنه من القرينة- و الضابط كل لفظ صار ظاهرا فيه- و قد يكون بوجوده الحقيقي، و ما هو مصداق حقيقي له في الخارج (1)و تقدم أنّ إيجاد البيع في الخارج بالمعاطاة بهذا النحو من الإيجاد، لكون المعاطاة مصداقا حقيقيّا للبيع اعني مبادلة المال بالمال، و ذلك يختلف بحسب العقود و الإيقاعات المختلفة، فكان لبعضها مصداق حقيقي يمكن إيجاده به في الخارج و بعضها ليس له ذلك فينحصر إيجاده في إيجاده بوجوده التنزيلي كالنكاح، فإنّ أقرب فعل يتصوّر كونه مصداقا له هو المواقعة و ليست هي مصداقا للنكاح بل مصداق للزنا.

و امّا تمكين المرأة المعقودة عليها من نفسها كان مصداقا لإجازة عقد النكاح الصادر من الفضولي، و السر في ذلك أن تمكينها للمعقود له من نفسها التزام بأثر النكاح فهو إيجاد لإجازة النكاح بوجودها الحقيقي و مصداقها الواقعي.

و منه يعلم الضابط فيما يحصل به اجازة البيع و يوجد به استناده اليه و هو كلّ لفظ يكون وجودا تنزيليا لها حتى ينتزع من وجودها استناد العقد الى المالك، أو فعل يكون مصداقا لها حقيقة (2)فلا يجدي فيها مجرد الكاشف، لكون المطلوب من الإجازة هو حصول الاستناد. و ليس له مع قطع النظر عن الإجازة وجود


1) قد تقدم منّا منع ان يكون للأمور الاعتباريّة مصداق حقيقي فراجع.

2) قد تقدم منّا انّ وجه الحاجة الى الإجازة، إحراز تحقق اعتبار المالك بكون ما صدر، عن الفضوليّ بيعا. و لكنه قد بيّنا انّه لا يجدى مجرد حصول الاعتبار في نفسه، ما لم يتحقق بمصداقه الاعتباري في الخارج، و هو قوله أجرت البيع أو أنفذت، و هو مصداق اعتباري لانفاذ البيع، أو بترتيب الأثر على ما تحقق في نفسه خارجا، كتسليم المبيع و أخذ الثمن، كما ذكرنا مثله في تحقق نفس البيع في باب المعاطاة.

و تحقق تكون الإجازة كاشفة عنهما. و الكشف انّما يعقل في الأمور التي لها وجود و تحقق في الخارج مع قطع النظر عن الكاشف، و ان شئت فعبّر عنه فيما نحن فيه بانّ الكاشف في الإجازة عين المنكشف و المنكشف عين الكاشف.

ثمّ انّ ما ذكرنا من كون الفعل مصداقا للإجازة صريح ما رواه (1)الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن محمد بن إسماعيل بن بزيع- و سند الحديث صحيح أعلائي- قال: سألت أبا الحسن و هو الرضا عليه السلام عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوجت نفسها رجلا في سكرها، ثمّ أفاقت فأنكرت ذلك، ثمّ ظنّت انّه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج إحلال هو لها، أم التزويج فاسد لمكان السكر و لا سبيل للزوج عليها فقال: إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها قلت و يجوز ذلك عليها قال: نعم «انتهى».

فقوله عليه السلام فهو رضى منها صريح في كون إقامة المرأة مع الزوج مصداقا للرضا (2)لكنّ التمسّك بالروايات لا يخلو من الاشكال من وجوه شتى.

«منها» انّ قول الراوي فزوجت نفسها رجلا في سكرها ظاهرة في تزويج نفسها بالمباشرة دون التسبيب و التوكيل. فيكون مفروض الرواية خارجا عن مسألة الفضولي. نعم يمكن دفعه بانّ التزويج و ان كان بحسب ذاته ظاهرا في المباشرة و غير ظاهر في التسبيب إلا أنّ كثرة استعماله فيه أوجبت ظهورها فيه.


1) الوسائل، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح الباب 14 الحديث 1.

2) ليس في ذلك تأييد لما ذهب اليه «قده» لكون مذهبه كون الإجازة مصداقا للاستناد و إيجادا له بوجوده الحقيقي دون كونها مصداقا للرضا، و لعل وجه إطلاق الرضا على قيام المرأة مع الزوج، التنبيه على انّ الرضا الموجب لصحة العقد ليس هو الرضا الباطني بوقوع التزويج و اختياره و اعتباره في نفسها، بل صدور عمل يكون ناشئا عنها، كما هو الحق فيما يتحقق به الإجازة على ما بيّناه.

«و فيه» انّ غاية ذلك صيرورته متساوي الاحتمال بالنسبة إلى المباشرة، و امّا ترجّح احتمال التسبيب على احتمال المباشرة فلا. فلا يمكن استظهار التسبيب و التوكيل منه، حتى يوجب صدور العقد من غيرها، و جعله بعد إلغاء توكيلها في حال السكر فضوليّا يحتاج الى لحوق إجازتها بعد الإفاقة.

«و منها» أنّ قوله عليه السلام فأنكرت، يدلّ على الردّ فتقع الإجازة بعد الرد، و معه لا تؤثر في تصحيح العقد كما يأتي في التنبيه الآتي. و على تقدير رفع الاشكال عنه بحمل الإنكار على إنكارها لوقوع العقد لعدم التفاتها بوقوعه في حال السكر، يعود الاشكال من قوله ففزعت فإنّه صريح في فزعها من لزوم التزويج، فهو ردّ فعلىّ يكون نافذا كالرد القولي. ضرورة أنّ الإجازة تتحقق بالفعل أيضا فإنّهما يرتضعان من ثدي واحد (1).

فان جاز تحقق أحدهما بالفعل جاز تحقق الآخر أيضا، و قد ذكروا هذا الإشكال في رواية أبي ولاد و قد تقدّم عدم اندفاعها (2)الا بحملها على قضيّة شخصيّة كانت تقتضي الحكم في الواقع بصحّة البيع.

و منها انّ قوله فطنت انّه يلزمها فأقامت معه صريح في انّ قيامها مع الرجل كان لتوهم لزوم العقد، فهي أجازه على تقدير، اعني تقدير كون العقد لازما في الواقع، و امّا على تقدير عدم لزومه في الواقع فلا. و قد بيّنا في أحكام العقد الفاسد انّ رضاء البائع بتصرّف المشتري مبنيّا على عقد فاسد بزعم صحته لا يجدى في جواز تصرفه فيه فالمرأة حيث قامت مع الزوج لزعم لزوم العقد يكون قيامها كاشفا عن رضاها بالعقد على تقدير لزومه في نفسه واقعا، دونه على


1) قد تقدم منّا انّ الردّ هو إسقاط العقد عن صلاحيّة التأثير، فلا مقابلة بين الإجازة و الردّ لكون الرد راجعا إلى الشأنية و الصلاحية و الإجازة راجعة إلى الفعلية.

2) قد تقدّم منّا بيان عدم توجه الاشكال من رأسه فراجع.

تقدير عدم لزومه في نفسه. و هذا أسد الإشكالات، و لا يدفعه حمل و لا تأويل، بل لا مناص معه الا من طرح الرواية.

التنبيه الثالث في كون تأثير الإجازة موقوفا على عدم كونها مسبوقة بالردّ

اعلم أنّ تأثير الإجازة في صحة بيع الفضوليّ موقوف على عدم كونها مسبوقة بالرد. و هذا من جملة قضايا قياساتها معها لا يحتاج إلى إقامة البرهان عليها.

توضيحه: أنّ الرد في مورد الخيارات يوجب طرو المانع عن تأثير المقتضي أعني العقد، فيوجب نفى التأثير بعد تمامية المقتضى.

و امّا الردّ في مورد بيع الفضولي يوجب إعدام المقتضي و عدم تماميته رأسا، لأنّ تماميّة العقد في اقتضائه منوطة بحصول استناده الى المالك كما تقدّم، و الرد يمنع عن حصوله، فيكون مانعا عن اقتضاء العقد لترتّب الأثر، من غير ان تصل النوبة إلى فقدان الأثر لأجل طرو المانع. و انتفاء الأثر عند انتفاء المقتضي من بديهيات العقل، فلو دلّ دليل شرعي على خلافه كالرواية السابقة يكون مؤولا أو مطروحا، و قد عرفت في التنبيه السابق ما فيها من جهات الضعف.

و امّا ما ذكره الشيخ «ره» من اقتضاء قاعدة السلطنة تأثير الردّ في سقوط العقد عن قابليّة الإجازة فغير صحيح لما تقدّم في أوائل الكتاب من أنّ مقتضاها صحّة أنواع تصرّفات المالك في ملكه، و امّا صحة كيفيّة خاصّة من تصرف فلا تستفاد من القاعدة (1).


1) اعلم انّ مقتضى قاعدة السلطنة، سلطنة المالك على جميع ما يتعلّق بماله، من تصرّفه فيه بنفسه، و منعه عن تصرف غيره، حتى وضعا بجميع اقسامه، و منها إسقاط العقد الواقع على ماله عن صلاحية التأثير. و ليس التمسك فيه بقاعدة السلطنة تمسكا في إثبات ما يحصل به التصرّف، و انّما يكون تمسكا بها في إثبات ما يحصل به التصرّف، إذا تمسك بها على إثبات وضع لفظ أو عمل مصداقا لمعاملة مثلا، فانّ ذلك من شأن العرف و ليس تحت سلطة المالك.

التنبيه الرابع في أنّ الإجازة ليست حقا اصطلاحيّا

إنّ قولنا للمالك ان يجيز البيع، بمعنى نسلطه عليه، و اللّام فيه للانتفاع.

و ليس المراد ثبوت حق اصطلاحي له، و ان كان ربما يذكر في الألسنة انّ من حق المالك ان يجيز، فانّ الحق كما تقدّم في أوائل الكتاب إضافة خاصة في قبال إضافة الملكيّة تقبل الاسقاط و الانتقال. و سلطنة المالك على اجازة عقد الفضوليّ الواقع على ملكه من آثار سلطنته على ملكه ثابتة له لا تقبّل الاسقاط و الانتقال. نعم قد ينتقل الى شخص آخر بانتقال موضوعها اليه بسبب قهري كالإرث، أو اختياري كالبيع، و ليس هذا انتقالا له في الحقيقة بل هي بعنوان المالك من غير ان يكون قابلا للانتقال الى غيره و ان كان ربّما يتبدّل مصداقه.

و بالجملة لا تنفك هذه السلطنة عن عنوان المالك، و ان كان عنوان المالك قابلا للانفكاك عمن صدق عليه، و الانتقال الى غيره. فتنتقل آثاره أيضا بتبعه، و من جملة آثاره سلطنة المالك على اجازة عقد الفضولي. و لو كانت حقا اصطلاحيّا كانت إضافة مستقلّة تنتقل بنقلها باستقلاله، و لم تنتقل بتبع انتقال إضافة الملكيّة، و كانت ثابتة لمن أضيفت إليه بعد انتقال الملكيّة. و لو فرضنا السبب الناقل للملكية من الأسباب القهرية يختلف أيضا حكمها عن حكم الحق المصطلح، فلو فرض كون المبيع من الحبوة ينتقل ملكه بموت المورث الى الولد الأكبر، و يترتّب عليه سلطنته على إجازة عقد الفضولي الواقع عليه ردّه،

و لو كانت حقا مصطلحا لانتقلت الى جميع الورثة لكون المختصّ بالولد الأكبر ملك الحبوة فقط. و كذا لو فرض كون المبيع من الأراضي انتقل ملكها الى غير الزوجة و يترتّب عليها سلطنته على الإجازة، و لو كانت من قبيل الحقوق انتقلت الى جميع الورثة لا محالة حتى الزوجة.

التنبيه الخامس في أنّ اجازة البيع ليست اجازة للقبض

انّ لحوق الإجازة لا يوجب أزيد من صحّة متعلقها، فلو أجاز البيع صحّ البيع فقط، و لم توجب صحّة غيره ممّا صدر عن الفضولي من مقتضيات البيع الخارجة عن حقيقته كالقبض. فاجازة المالك لبيع الفضولي لا توجب اجازة قبضه أيضا، و هذه كبرى كليّة لا يشذ عنها مورد.

هذا و لكنّ الإجازة كما تقدّم هي إيجاد الاستناد الى المالك، و ذلك كما يحصل بالدلالة المطابقية يحصل بالدلالة الالتزامية أيضا، فإذا صدر من المالك لفظ واحد يكون له دلالتان بحسب المطابقة و الالتزام، يكون بحسب إحداهما إجازة لأمر، و بحسب الأخرى اجازة لأمر آخر، فينحل الى اجازتين و ان كان بالمطابقة لا يزيد على واحدة و هو كاللّفظ المشتمل على اجازتين بالمطابقة.

و من هنا يمتاز بيع الصرف و السلم عن سائر البيوع، في كون اجازة البيع موجبة لإجازة القبض في المجلس إذا صدر عن الفضوليّ لكون أجازته اجازة للقبض أيضا بالالتزام، لتوقف صحّة البيع على صحته. و حيث كان مراد المالك اجازة البيع الصحيح يلزمها اجازة ما يتوقف عليه صحته، بخلاف سائر البيوع، فانّ القبض فيها و ان كان من مقتضيات البيع بل يتوقف حصول الملكيّة على حصوله، لكنه ليس ممّا يتوقف عليه صحة البيع، فلا تكون أجازته

لعقد الفضوليّ إجازة لما صدر عنه من القبض بل يبقى على عهدته القبض ثانيا، لحصول الملكية بالقبض في أي زمان حصل من غير تقيد بكونه قبل الافتراق.

و من هنا يعلم عدم كون إجازة البيع اجازة للقبض في بيع الصرف و السلم قبل حصول الافتراق، لحصول شرط صحته بقبضه ثانيا قبل الافتراق، من غير ان يتوقف صحته على صحة ما صدر عن الفضوليّ من القبض. و ليس هذا خرقا للكبرى المتقدمة، بل محصله التوسعة في متعلق الإجازة بأعمّ من المطابقة و الالتزام.

إذا عرفت ذلك يقع الكلام في صحة إجازة القبض و الإقباض الصادرين من الفضولي. و معقد البحث فيه بعد ما بنينا على كون صحة الفضولي بالإجازة هي مقتضى القاعدة، و ما دلّ عليها من الأدلّة الشرعيّة في خصوص بعض الموارد لا ينحصر فيه دليلها حتى يقتصر على مورد الورود، هو صلوح القبض و الإقباض لاستنادهما الى المالك بإجازته. فبعد إثبات صلاحيته لهما لم يبق مورد احتياج لإقامة البرهان عليه ثانيا.

فنقول ذهب الشيخ «ره» إلى صحة القبض و الإقباض من الفضوليّ بلحوق إجازة المالك عليها إذا تعلقا بالثمن أو المثمن الجزئيين، و امّا عند كونهما كليين فمنع عنها.

و استند في الأوّل انّ مرجع اجازة القبض إلى إسقاط ضمان ما يملكه في عهدة الآخر و مرجع إجازة الإقباض إلى وصول ما يملكه الآخر بيده برضى البائع.

و استند في الثاني بأنّ القبض و الإقباض عند تعلقهما بفرد الكلي يوجب تشخص الكلى بالمقبوض و لا دليل على حصوله بقبض الفضولي أو إقباضه.

و الذي اخترته هو عكس ما اختاره الشيخ «ره» أعني صحة قبض الفضوليّ و إقباضه بإجازة المالك عند كون العوضين كليّين و عدمها عند كونهما شخصيّين، و يعلم وجهه ممّا قدّمناه في أوائل الفضوليّ، من انّ الصالح من الأفعال للاستناد الى غير من صدر عنه هو الافعال الاعتباريّة، دون الأفعال

الحقيقيّة الخارجيّة (1)فالإجازة إنّما تصحح اعتبار استناد فعل اعتباري صدر عن الفضوليّ إلى المالك، و لا تصلح لتصحيح استناد ما صدر عنه من الأفعال الحقيقيّة إليه. فنقول حينئذ: انّ الصادر من الفضوليّ في بيع العين المشخصة هو إعطاء المبيع إلى المشتري، و هو فعل حقيقي لا يترتّب عليه إلا أثر خارجي، و هو كون المبيع عند المشتري، و امّا الآثار و الأحكام الشرعيّة فإنّما يترتّب عليه.

فالإعطاء حينئذ لا يصلح للاستناد الى المالك بلحوق أجازته، و كذا الرضاء المتقيد به الإعطاء في تحقق القبض به، لكونه من الأمور الحقيقيّة القائمة بالنفس، لا يصلح للاستناد الى غير من هو له بالإجازة.

و ببيان آخر انّ حقيقة القبض هو حصول المبيع عند المشتري مع رضا البائع، بأي واسطة و لو بحمل الحيوان أو إطارة الريح أو غيرهما، ليست حقيقته متقومة بالإعطاء، بل هو خارج عن حقيقة القبض، و انّما هو واسطة في تحققه من غير فرق بينه و بين سائر الوسائط من إطارة الريح و غيرها. و ليس ما ما صدر عن الفضوليّ من الفعل الا هذا الإعطاء، فغاية ما يتصوّر استناده الى المالك هو الإعطاء، و لا يجدي استناده إليه بإجازته في استناد القبض اليه، لكونه خارجا عن حقيقة القبض و كون حقيقته هو حصول المبيع عند المشتري مع رضاء البائع، فإذا رضي به حصل القبض منه حقيقة من دون ان يكون فيه شائبة الفضوليّة.

و ممّا ذكرنا يظهر الفرق بين الإجازة و التوكيل في حصول القبض بفعل الغير بالتوكيل دون الإجازة، لكون حقيقة التوكيل تنزيل شخص الوكيل بمنزلة شخص الموكل، و يترتّب عليه كون أفعاله حاصلة للموكل، فإذا باع الوكيل ثمّ اقبض المبيع من المشتري تكون بيعه و إعطائه و رضاه كلها مستندة


1) قد تقدم منّا هناك تحقيق القول فيه بما لا مزيد عليه و منه يعلم الاشكال فيما ذكره فراجع.

الى الموكل قهرا، من غير احتياج الى تعلّق التنزيل بنفس الأفعال المذكورة، بخلاف الإجازة فإنّ حقيقتها تنزيل فعل الفضوليّ منزلة فعل المالك، و قد عرفت عدم إمكانه في القبض.

و امّا بيع الكلى فالتحقيق عندي صحة القبض الصادر من الفضوليّ بلحوق اجازة المالك عليه و توضيحه: أنّ إعطاء المبيع إلى المشتري يحصل به تطبيق الكلي المملوك له عليه و هو من الأفعال الاعتباريّة القابلة للاستناد الى غير من صدرت عنه، فيحصل بالإجازة استناده الى المالك لما عرفت من شمول الأدلّة على كل أمر يصلح للاستناد الى الغير بالإجازة.

التنبيه السادس في ألّا تعتبر الفوريّة في الإجازة

لا تعتبر الفوريّة في الإجازة بل تنفذ الإجازة على الإطلاق حتى مع التراضي و الوجه فيه بعد عدم وجود أمر يسقط العقد عن الصحّة التأهلية، و صلوحه للتأثير بلحوق الإجازة- أعني ردّ المالك له- اقتضاء قاعدة السلطنة تأثير إجازة المالك مطلقا فإنّ قاعدة السلطنة كما تقتضي جواز اجازة المالك في الآن الأوّل كذلك يقتضيه في الآنات اللّاحقة و ليس فيه ملاك النزاع في الفوريّة و عدمها في سائر الموارد من حقوق الخيارات و حق الشفعة و غيرها فانّ الملاك فيها هو ملاك النزاع في حكم الفرد المخصّص في الآنات اللاحقة.

و قد سلكوا فيه مسلكين، الرجوع الى العامّ المخصّص، و الرجوع الى استصحاب حكم المخصّص (1).


1) قد تقدم منّا أنّ مقتضى التحقيق هو الرجوع الى العامّ دون الاستصحاب فراجع.

و توضيحه انّ عمومات لزوم البيع إذا خصصت في الآن الأوّل بجعل الخيار فيه لأحد الطرفين، ثمّ طرء الشك على بقاء الخيار في الآنات اللاحقة، فلو جعلنا المرجع فيه الى العمومات كان مقتضاه سقوط الخيار فيها و انحصار ثبوته في الان الأوّل، و هو معنى اعتبار الفوريّة و امّا لو جعلنا المرجع فيه استصحاب حكم المخصص كان مقتضاه بقاء الخيار في الآنات اللاحقة و عدم اعتبار الفوريّة فيه.

و كذلك حق الشفعة فإنّ مقتضى عمومات تسلط النّاس على أموالهم، تسلط المالك على التصرّف في ماله كيف يشاء، فوقع التخصيص فيها بما دلّ على جعل الحق لشفيعه على فسخ بيعه له، فإذا شككنا في الان الثاني كان مقتضى الإرجاع إلى عموم تسلط الناس على أموالهم سقوط حق الشفعة و ثبوت فوريّته. و مقتضى الإرجاع إلى استصحاب حكم المخصص بقاء حق الشفعة، و عدم اعتبار الفوريّة فيه.

و في تقريرات المحقّق النائيني «قده»: انّ وجه الفوريّة دلالة عدم الردّ في الان الأوّل على الرضا «و فيه» أنّ عدم الردّ أعمّ من الرضا، و ليس عدم الإقدام بالردّ مع عدم الإقدام بالإجازة بمجموعهما أيضا مستلزما لرضاه، فربّما يكون توقفه عن الردّ لأجل تردده في كون عقد الفضوليّ متضمنا لمصلحة مفيدة أو مفسدة مضرة.

إذا عرفت ذلك فقد علمت بعدم جريان ملاك النزاع في الفوريّة و عدمها في سائر الموارد فيما نحن فيه، لكون مقتضى القاعدة صحّة عقد الفضوليّ بلحوق الإجازة. من دون ان يكون مقتضاها فساده، ثمّ يكون المخرج عنه دليل مخصّص له، حتى يقع البحث في كون المرجع هو العموم أو استصحاب حكم المخصص.

هذا كلّه بحسب الأدلّة العامّة، و امّا الأدلّة الخاصّة، فالمستفاد من صحيحة

محمّد بن قيس جواز التأخير لصدور الإجازة من المالك كما صدر عنه في مفروض الرواية بعد مدة مديدة، و مورد الرواية- و ان كان غير منطبق على القواعد و قد وقع فيه وجوه من الحمل- الا أنّ محل الاستشهاد الكبرى المستفادة من قوله عليه السلام خذ ابنه حتى يجيز لك البيع دون موردها.

ثمّ انّ الحكم بجواز تأخير الإجازة- مع ما تقدّم من كون مقتضى التحقيق عدم تسلط الأصيل على الفسخ في المدّة المتخللة بين العقد و الإجازة- يستلزم توجّه الضرر اليه، و هو منفي بقاعدة نفي الضرر.

و التفصي عنه امّا بجعل الخيار للأصيل، و امّا تسلطه على إجبار المالك المعقود عنه على احد الأمرين، من الإجازة و الردّ، و امّا الحكم بعدم جواز الإجازة و نفوذها بعد مضي وقت الفور رأسا. و لكنّ التحقيق في معنى لا ضرر و لا ضرار في الإسلام نفي كل حكم شرعي يستلزم الضرر فلا تفي بنفي المضرة المتوجهة إلى الأصيل من ناحية تأخير المالك في اختيار الإجازة أو الرّد، و ليس من ناحية حكم الشارع بجواز الإجازة له (1)

و لكنّه لا يخفى عليك انّ جواز الإجازة ليس بالمعنى التكليفي أعني الترخيص في الفعل و الترك بحيث لا يعاقب على أحدهما بل بالمعنى الوضعي بمعنى نفوذها في حصول المعاوضة و انتقال كلّ من العوضين إلى ملك الأخر، و فيه إلزام لكلّ منهما بترتيب آثار ملكيّة الأخر على ما كان ملكا له قبل الإجازة. و التحقيق اجراء القاعدة في أصل إيجاب الوفاء للأصيل، فإنّ إيجاب الوفاء عليه مع عدم إيجاب الوفاء للجانب الأخر يوجب المضرة عليه، و هي كونه ممنوعا عن التصرّف في كلا العوضين. و ليس جريانه بالنسبة إلى الأصيل معارضا بجريانه بالنسبة إلى المالك في جانب الفضولي، فإنّ عدم كون الأصيل مأمورا بالوفاء لا يستلزم وصول مضرة إليه، بل انّما يوجب عدم وصول منفعة اليه، و القاعدة لا تجري في نفيه، كيف؟ و يستلزم نفي الضرر في غالب موارد القاعدة، عدم وصول منفعة إلى غيره.

ثمّ انّ قاعدة لا ضرر إنّما تجري في نفي وجوب الوفاء للأصيل و ثبوت الخيار له مع تأخير المالك في جانب الفضولي عن المدّة المتعارفة، للإجازة، كما أنّ الخيار انّما يثبت له مع تأخير الجانب الأخر للإقباض عن المدّة المتعارفة له، فلا منافاة بينه و بين ما تقدّم منّا، من كون الأصيل ملزما بالوفاء بعقده.

و ان كان له مدخليّة في حصول المضرة

1) تحقيق ما ذكره «قده» انّ في الإيجاب اقتضاء الفعل و الإلزام به و في التحريم اقتضاء الترك و الإلزام به، فلو استلزم الفعل في الأوّل و الترك في الثاني مضرة، تستند إلى إيجاب الشارع و تحريمه لا محالة. و اما الإذن و الترخيص فليس فيهما اقتضاء لأحد جانبي الفعل و الترك، فإذا اختار المكلّف واحدا منهما و كان مستلزما لمضرة يسند الإضرار إليه لا محالة دون الشرع. و ان كان اذن الشرع و ترخيصه شرطا في اقدامه بالفعل أو الترك، هذا.

للأصيل، إلا أنّه ليس علّة تامّة بل أحد اجزائها، و الجزء الأخير منها ترك المالك لاختيار الإجازة أو الرد، و الشي‌ء إنّما يستند الى الجزء الأخير من العلّة التامّة. و بالجملة حكم الشارع بجواز تأخير الإجازة ليس مستلزما لمضرة على الأصيل.

نعم يمكن إجراء القاعدة في حكم الشارع بلزوم البيع من ناحية الأصيل، لاستلزامه توجه المضرة اليه. «و يرده» كونه معارضا بجريانه في حق المعقود عنه فإنّ إلغاء إجازته بعد يستلزم توجه المضرة اليه. و الترجيح مع الثاني لتأيده بقاعدة السلطنة (1)نعم لو قلنا بثبوت الولاية المطلقة للحاكم كان له إجبار المعقود عنه باختيار الإجازة أو الردّ، أو تصديه بفسخ عقد الفضوليّ بالمباشرة و يمكن الاستدلال عليه بسخط الشارع لوقوع الفساد بين النّاس، فيكون لازمه


1) لا يخفى انّ قاعدة السلطنة انّما تقتضي تسلط المالك على ملكه، و لا يقتضي تسلطه على ملك غيره بالبداهة، و تسلط المالك في جانب الفضولي على إنفاذ العقد في حصول المعاوضة مع فسخ الجانب الأصيل تسلط له على ملك غيره. هذا مضافا إلى أنّ جريان قاعدة السلطنة في حق المالك في جانب الفضولي معارض بجريانه في حق الأصيل، فإنّ المفروض بقاء ماله في ملكه و عدم انتقاله عنه بمجرد تحقق العقد، فهو مسلط على ملكه و ان صدر منه العقد عليه. فإنّ العقد إنّما يوجب انقطاع سلطنته عنه إذا أثر في انتقاله عن ملكه. و ما قدّمناه من نفي الشارع لسلطنته بإيجاب الوفاء له بعقده فإنّما ثبت قبل تأخير المالك في جانب الفضولي للإجازة أو الرد، و امّا بعده فقد تقدّم نفيه بقاعدة لا ضرر.

سلطة الحاكم على رفعه و ولايته عليه، و امّا لو نفينا عنه الولاية المطلقة لم يكن له إلا الأمر بالمعروف و عليه فهل يلزمه إجبار المعقود عنه باختيار الإجازة أو الرد، و إجبار الأصيل بالصبر حتى يختار المعقود عليه أحدهما، فأنت بالخيار في اختيار أحدهما.

التنبيه السابع في وقوع التفكيك في الإجازة

اعلم أنّ الإجازة عبارة عن إنفاذ المالك لما صدر عن الفضوليّ من العقد فلا يعقل إلّا في مفروض تعلقها به، و مقتضاه اعتبار التطابق بينهما. و لكنّ هذه الكبرى بكليّتها لا تأبى عن وقوع الانفكاك بينهما في موردين.

«الأوّل» ما إذا كان العقد الواحد منحلا الى عقود عديدة، و ان كان يجمعها لفظ واحد إلا أنّه لا ينافي شمول الحكم على كلّ واحد منها برأسه، كالأمر بإكرام العلماء بلفظ واحد فإنّه ينحل إلى أوامر عديدة بعدد افراد العلماء.

فقولنا أكرم العلماء في قوّة ان يقال: أكرم زيدا و أكرم بكرا و أكرم خالدا إلخ و لذا يستقلّ كلّ منها بإطاعة و عصيان مستقلّين، فالعقد إذا اشتمل على بيع ما يملكه و ما لا يملكه أو بيع ما لا يملك- بالفتح فيهما- يكون قابلا لوقوع الإجازة على بعضه دون بعضه، لكون كلّ منهما مستقلا في العقدية، و ان كان يجمعها لفظ واحد. فالإجازة إذا تعلّق بأحدهما يوجب نفوذه، إلا أنّ لفظ العقد حيث اشتمل على مجموعهما بالهيئة الاتصاليّة كان انتفائها موجبا لتوجه الضرر إلى الأصيل و منجبرا بثبوت الخيار له. و امّا لو فرض عدم قابليّة العقد للانحلال، و كان مشتملا على أبعاض لا يعقل إجازة واحد منها دون البقيّة، لم يجز تعلق الإجازة ببعضها دون بعض.

«الثاني» ان يكون التزام العقد مشتملا على التزام آخر فتكون الثاني

التزاما في التزام و هو على ما حققناه حقيقة الشروط المذكورة في العقد من دون تقيّد حقيقة العقد بها، فلا يقدح افتراقهما في تعلّق الإجازة بأحدهما دون الآخر.

و امّا لو فرضنا تقيّد أحدهما بالآخر لم يعقل التفكيك بينهما، فلا يمكن إجازة أحدهما إلا مع اجازة الآخر. و الحاصل انّه لا مانع من تعلق الإجازة بواحد من عقدين أو عقود متعددة، و ان كان يجمعها لفظ واحد في مقام الإنشاء، سواء كان دلالته عليهما بالمطابقة، كما في أوّل الموردين، أو بالالتزام كما في ثانيهما.

و منه يعلم بطلان التفصيل بين الجزء و الشرط بجواز تفكيك الأوّل دون الثاني.

المبحث الثالث في المجيز

اشارة

و الموضوع بالبحث فيه جهات ثلاث الجهة الأولى، اعتبار صلاحيّة التصرّف و جوازه للمجيز حين الإجازة، و الثانية اعتبار وجود المجيز حين وقوع العقد، و الثالثة اعتبار كونه جائز التصرف حين العقد.

الجهة الاولى في اعتبار صلاحيّة التصرّف حين الإجازة

«اما الجهة الأولى» فبعد وضوح كون إجازة البيع تصرفا ماليا على جميع المباني من الكشف و النقل، حتى على مبنى الكشف اللغوي لكون مقتضاه اعتبار الرضا التقديري المنكشف بالإجازة دون مطلقها، غنيّة عن البحث. فإنّ بعد ثبوت الصغرى و أنّ الإجازة تصرّف مالي، يترتّب عليه جميع كبريات اعتبار

الأمور في التصرّفات المالية، من العقل و الملك أو الولاية و فقد الرهانة و غيرها.

نعم يبقى اعتبار ما لم يثبت اعتباره في التصرف المالى غير ثابت فيه، كعدم وقوعه في مرض الموت، فلو ثبت عدم صحّة منجزات المريض، كانت إجازته لبيع الفضوليّ أيضا غير صحيحة و غير نافذة في ترتّب آثار البيع عليه.

و من ذلك يعلم اعتبار جميع ما يعتبر في البائع، في المجيز، لعدم استتمام البيع و استكماله إلا بلحوق الإجازة، فالمجيز بمنزلة الأصيل بل هو نفسه فإنّ التأثير في الملكية و حلية التصرّف يترتّب على الإجازة، فالمالك و البائع هو المجيز حقيقة، دون العاقد و مجري الصيغة. الأمور المعتبرة في البائع برمتها معتبرة في المجيز حين الإجازة، كإجازة عقد النكاح، فيعتبر جميع الأمور المعتبرة في المتزاوجين في المجيز، فلو كان المجيز حين الإجازة بكرا ذات ولي يشترط في نفوذ تزوجها إذن الولي. و الحاصل انّ الكبرى الكليّة فيما يعتبر في المجيز حين الإجازة، هي اعتبار كلّ ما كان معتبرا في المتعاقدين.

و نتيجة هذه الكبرى تختلف بحسب الموارد باعتبار انضمام الصغريّات المختلفة عليها، فهي فيمن تصدّى بإجازة عقد البيع، اعتبار البلوغ و العقل و الرشد و الملك أو الولاية و فقد الرهانة و غيرها، و فيمن تصدى بإجازة عقد النكاح إذن الولي و المولى و غيرهما.

الجهة الثانية في اعتبار وجود المجيز حين تحقق العقد

«و امّا الجهة الثانية» فنقول انّ عقد البيع (1)في قبال عقد النكاح و غيره،


1) لا بدّ و ان يراد منه متعلق العقد و أمّا نفس العقد، و هو التعاهد فتقوم بالمتبايعين.

علقة تحصل بين المالين، و تتقوم بهما دون المتبايعين. كما أنّ عقد النكاح علقة تحصل بين الزوجين و تتقوم بهما دون المهر فلا يعتبر في تحققها أزيد من اعتبار وجود المالين، و انّ كان من حيث كونهما ملكين لا بدّ لكلّ منهما من مالك، إلا انّ ذلك خارج عن حقيقة البيع. و ليس ما يتقوم به حقيقته الا ما تقع المبادلة بينهما من المالين، فإذا تحققا تحصل تلك العلقة بلا حالة منتظرة.

و بعبارة أخرى يتمّ العقد في عقديته بمجرد حصول المالين، غاية الأمر انّ تأثيره في حصول النقل و الانتقال يتوقف على حصول استناده إلى المالك و رضاه به، فإذا تحقق الشرط يؤثر المقتضي لاستتمام العلّة التامّة بذلك، فيؤثر في حصول النقل و الانتقال و ان كان غير مؤثر قبل حصول الشرط.

و منه يعلم عدم احتياج عقد الفضولي إلى وجود المجيز في حينه، فلو فرضنا وقوع العقد الفضولي على مال اليتيم لغير مصلحة لم يكن حينئذ من يصلح للإجازة حين العقد لعدم ولاية الولي و لا الحاكم على التصرّف في ماله في هذه الصورة و لكنه (1)

و اندفاعه يتوقف على بيان مقدمة و هي: أنّ التصرف يشتمل على جهتين «إحداهما» جهة صدوره من الفاعل «و الثانية» جهة وقوعه على المال، و الحكم بعدم نفوذ التصرف قبل البلوغ هو من الجهة الاولى، و لذا لو صدر منه تصرّف قبل البلوغ بما يكون وقوعه على المال بعد البلوغ- كما لو آجر ماله قبل البلوغ في مدة هي بعد البلوغ- لم يجز، فلا منع عن نفوذ تصرّفه فيما قبل البلوغ من جهة صدوره بعد البلوغ، فلو صدر منه تصرّف بعد البلوغ و كان وقوعه على المال من قبل البلوغ لم يشمل عليه المنع.

لا يقدح في تماميّة العقد في نفسه، لما عرفت من أن تقومه لا يحتاج إلى أزيد من وجود المالين، فإذا لحقه وجود الشرط يترتّب عليه الأثر اعني انتقال الملكية لا محالة.

1) يمكن الإشكال في إجازة الصبي بعد بلوغه، لما وقع من عقد الفضولي قبل البلوغ، بأنّ البلوغ انّما يوجب جواز تصرفاته فيما بعد البلوغ من الأزمنة، و امّا جواز أجازته لما وقع من العقد قبل البلوغ بناء على الكشف فلا، لكونها تصرّفا في المال من حين تحقق العقد.

و من هنا ينقدح بطلان ما استدلّ به العلامة من انّ صحة العقد قبل وجود المجيز ممتنعة فإذا امتنع في زمان امتنع دائما «و وجه البطلان» انّ امتناع الحكم بالصحّة على موضوع لا يوجب الامتناع بعد انقلاب الموضوع، فموضوع الحكم بامتناع الصحّة صورة وجود العقد مع فقد شرط التأثير و عدم استتمام العلّة التامّة، فمع انقلابه بحصول الشرط و صيرورته علّة تامّة، لا موجب للحكم بامتناع الصحّة نظير الوجه الثاني. فما ذكره العلامة أعني استلزام الحكم ببقاء العقد على قابليّة الإجازة مع انتفاء المجيز لورود الضرر على الجانب الأصيل ممنوع، فانّ مقتضاه انتفاء اللزوم من جانبه و ثبوت الخيار له، دون بطلان العقد رأسا.

الجهة الثالثة في اعتبار صلاحية التصرّف للمجيز حين العقد
اشارة

فنقول: انّ عدم جواز التصرّف امّا انّ يكون لأجل فقد المقتضى له، أو لأجل طرو المانع عن المقتضي بعد وجوده، فههنا مسألتان.

المسألة الاولى في عدم جواز تصرفه لأجل طرو المانع

و قد قدّمناها لأجل سهولة الأمر فيها فنقول: انّ عقد الفضولي على ما قدّمناه لا قصور فيه من جهة الاقتضاء للانتقال، بل هو تام في اقتضائه، و المفروض فيما نحن فيه كونه جامعا لجميع الشروط المعتبرة في تأثيره، حتى استناد العقد الى المالك و رضاه به، و عدم تأثيره في حصول الانتقال و عدم ترتبه عليه لأجل طرو المانع، اعني تعلق حق الرهانة بمورد العقد مثلا، فإذا فك الرهن و ارتفع

المانع تستتم أجزاء العلّة التامّة، فتؤثر في حصول المعلول لا محالة. (1)، لاستحالة انفكاك العلّة التامّة عن معلولها.

و بالجملة فقد المانع كالشرط في كون حصوله مستلزما لتحقق العلّة التامّة، إذا لم يكن لها قصور من غير ناحيته. فالمسألة نظير أصل مسألة الفضوليّ، و الدليل على الصحة ههنا كالدليل القائم على صحة أصل مسألة الفضوليّ، أعني ارتفاع قصور العلّة بعد تحقق الشرط و استكماله العلّة التامّة بلحوقه.

و كذلك فقد المانع إذا حصل تستتم به العلّة التامّة، فتؤثر في حصول النقل و الانتقال بلا اشكال.

و ممّا ذكرنا يعلم عدم الحاجة الى إجازة المالك بعد فك الرهن، لكون وجه الحاجة إليها تحصيل استناد العقد الى المالك أو استكشاف رضاه به بعد فقد هما على اختلاف المبنيين فيه، و كلاهما حاصلان للمالك من حين العقد فيؤثر العقد بمجرد ارتفاع المانع من دون توقف على لحوق الإجازة.

المسألة الثانية في عدم جواز تصرّف المجيز لأجل فقد المقتضي
اشارة

«و المسألة الثانية» ان يكون المجيز غير جائز التصرّف حين العقد لأجل فقد


1) يمكن الإشكال فيه بانّ فك الرهن انّما يوجب جواز تصرّف المالك من حين الفك دونه قبل الفك، و لا يجري فيه ما ذكرنا في الجواب من كون المانع من جهة صدور التصرّف لا من جهة وقوعه، فإنّه ليس المنع في الرهن من جهة الصدور، لما تسلّم من صحة تصرّفات المالك في المال المرهون في مدّة الرهن بالنسبة إلى زمان ما بعد فك الرهن.و التحقيق في الجواب: أنّ ملاك الرهن- و هو حصول الوثوق للمرتهن بعدم فكه إلا بأداء دينه- انّما يمنع عن نفوذ تصرّف المالك قبل فك الرهن، و لا يمنع عن نفوذ ما يقع من التصرّف بعد الفكّ حتى بالنسبة الى ما قبل الفكّ.

المقتضي، و ذلك يتصوّر على وجوه ذكرها الشيخ «ره»، بل أكثر ممّا ذكره، لكنّ المهمّ بالبحث و الذي وقع عنوانه في كلمات القوم، مسألة من باع شيئا ثمّ ملكه فنتعرض لحقيقتها و استقصاء القول فيها بحيث يعلم منها حكم سائر الصور. و الوجوه المستدلّة بها على البطلان سبعة.

الوجه الأوّل

انّه باع مال الغير لنفسه، و هو عنوان المسألة الثالثة من أصل مسائل الفضوليّ، تعرضنا لها و لدفع الإشكالات عنها فيما مرّ، فلا نطيل بالإعادة.

الوجه الثاني

أنّ تجويز بيع غير المالك مع فقده لما يعتبر في البيع، من وجود المالك و رضاه و القدرة على التسليم انّما هو لأجل الاقتصار بحصولها للمالك المجيز حين البيع، فلو فرض كون المجيز غير المالك حين العقد اختل العقد لفقد الشروط المعتبرة فيه.

و الجواب عنه يتوقف على بيان مقدمة، و هي أنّ الشرائط برمتها على قسمين، قسم يعتبر تحققه في تقوم حقيقة العقد، فلولاه لم يتحقق العقد في الخارج، و قسم لا مدخليّة له في قوام العقد، بل إنّما يعتبر في تأثير العقد و صيرورته مؤثرا، فمع فقده لا يصير العقد مؤثرا فيما هو المترقب منه. و التمييز بين القسمين يحصل بمعرفة حقيقة العقد- و حقيقة عقد البيع كما تكرر منّا علقة تحصل بين مالين- و من المعلوم انّ تقوم كلّ علقة بتحقق طرفيها، فيكون تحقق كلّ واحد من المالين من قبيل القسم الأوّل، فلا يعقل تحقق العقد بدونهما. كما انّ عقد النكاح علقة بين شخصين، و ان كان له مساس بالمال إلا أنّ المقوم لحقيقته هو الشخصان، فلا يعقل تحقّق حقيقة النكاح في الخارج بدونهما. فلا يعتبر في قوام حقيقة عقد البيع الا حصول المالين نعم كان مستلزما لوجود مالك

له فلا بدّ في تحقق العقد من وجود مالكين بتبع اعتبار تحقق المالين، لكنّ الذي يستلزمه اعتبار حصول المالين هو وجود مالكين لهما من دون اعتبار تعيّنهما.

و يعتبر أيضا في حصول العقد بما هو عقد وجود المتعاقدين، و امّا اعتبار كون المتعاقدين مالكين فغير دخيل في تقوم حقيقة العقد، بل هو من القسم الثاني، أعني الشرط الدخيل في تأثير العقد في الملكية من غير ان يكون دخيلا في تقوم حقيقته.

و من هذا القبيل أيضا اعتبار الرضا و القدرة على التسليم، فلا يعتبر تحققهما الّا عند التأثير و صيرورة العقد متصفا بوصفه، دون ذات العقد بل هي بوصف التأثير، و لا يكون ذلك الا مع حصول استناده الى المالك و غيره من الشرائط المعتبرة فيه، فإذا تحققت قاطبة الشرائط و اتّصف العقد بوصف التأثير يترتّب عليه حصول الملكية.

و الاشكال انّما نشأ من الخلط بين شرائط العقد، و شرائط المؤثر في الملكية، مع انّه قد يحصل التفكيك بينهما و يتحقّق العقد من دون اتصاف بعنوان المؤثر.

الوجه الثالث

إنّ الأقوى بمقتضى الأدلّة هو القول بالكشف، فيكشف لحوق الإجازة عن انتقال المبيع إلى المشتري من حين العقد، و يستحيل ذلك فيما نحن فيه لاستلزامه خروج مال عن ملك البائع قبل دخوله فيه.

«و الجواب» أنّ الأقوى على حسب ما قرّرناه و ان كان هو القول بالكشف بل بالكشف الحقيقي، إلا أنّ ما ذكرنا و أقمنا عليه البرهان من كشف الإجازة عن حصول الانتقال من حين العقد لإيراد به حصول الانتقال من حينه بما هو عقد، بل بما هو المؤثر في الملكية فتحدث ملكية المبيع للمشتري من حينه لا محالة.

و بالجملة انّ قولنا الإجازة تكشف عن سبق الملك من حين العقد لا نعنى به الا كشفها عن سبق الملك من حين قيام المؤثر، و إنّما عبّرنا عنه بالعقد لوحدتهما في الخارج، و كون العقد في الخارج هو المؤثر في الملكية و كون المؤثر فيها هو العقد، و يعلم ذلك بمراجعة الأدلّة التي ذكرناها في الكشف. فالّذي تكشف الإجازة عن حدوث الملكية من حينه فيما نحن فيه ليس هو العقد من أوّل حدوثه، بل حين دخول البيع في ملك البائع المجيز، لعدم صيرورته مؤثرا بلحوق الإجازة إلا من حين دخول المبيع في ملكه، لعدم كون الإجازة موجبة لاستتمامه في العلية و اتصافه بوصف التأثير إلا من حينه و كونه قبل ذلك مجرد علّة ناقصة غير واجدة لشرط التأثير اعني رضى المالك أو الاستناد اليه لعدم صدق رضى المالك و لا استناده اليه من حين حدوث العقد على رضى المجيز و استناده اليه من حينه لكون المجيز فاقدا لوصف المالكية في حينه. و الذي يصدق على رضاه رضى المالك و على استناد العقد اليه استناده الى المالك هو المالك الأصلي، و المفروض عدم تحقق الرضا و عدم صدور الإجازة منه.

فالإجازة المطلقة الصادرة من المالك المتجدد انّما تجعل العقد مؤثرا و واجدا لشرط التأثير اعني الاستناد الى المالك و رضاه من حين حدوث المبيع في ملكه، فإنّها و ان كانت بإطلاقها شاملة لجميع الازمان المتخللة بين العقد و الإجازة إلا أنّ تأثيرها في صيرورة العقد تاما في التأثير و واجدا لشرطه من حين حدوث المبيع في ملكه. امّا عدم تأثيرها قبله فلما عرفت من عدم حصول استناد العقد الى المالك قبله، بل الى غير المالك و من يصير مالكا في ما بعده من الزمان، و امّا تأثيرها بعده فلعموم سلطنة الناس على أموالهم و نفوذ تصرفاتهم (1)

فنقول: انّه لم يعهد من العرف و العقلاء اعتبار سبب تحصل به الملكية قبل زمان التمليك، نعم يحصل ذلك بإجازة عقد فضولي وقع على ماله من قبل، لكنّها انّما تنفذ في حصول الملكية من حينه، و لا تنفذ في حصولها من زمان بعده، فلو عقد فضوليّ على مال في يوم الجمعة، لا تنفذ إجازة المالك له، إذا اجازه من يوم السبت، اتفاقا، و ان كان العقد له بقاء اعتباري يمكن تعلق الإجازة به في كل حين.

و يمكن الجواب عنه: بانّ إجازة المالك انّما تعلقت في المسألة بالعقد من حينه على طبق مقتضى العقد، إلا أنّها لا تؤثر الا من حين يمكن انتقاله الى المجيز و صيرورته مالكا.

فإجازته تنفذ

1) و فيه انّ قاعدة السلطنة إنّما تقتضي صحّة أنواع تصرّفات المالك، و امّا ما يحصل به التصرّف و ما هو سبب لحصوله فهو بيد العرف و العقلاء، فما لم يسبق العرف و العقلاء الى اعتبار سبب يحصل به ذلك التصرّف، لا يمكن إثبات تحقّقه بقاعدة السلطنة.

في تأثير العقد من حين صار ملكا له، فتكشف الإجازة لا محالة عن انتقال المبيع إلى المشتري من حين صيرورة المجيز مالكا.

الوجه الرابع

انّه لو ترتّب الأثر على عقد الفضوليّ بإجازته بعد صيرورته مالكا يلزم من صحة العقد الموجب لدخول المبيع في ملكه عدمه.

توضيحه أنّ لحوق الإجازة يكشف عن انتقال المبيع إلى المشتري من حين العقد فلا ينفذ بيع المالك الاولى له من الفضولي الذي بسببه صار الفضولي مالكا له.

و يظهر الجواب عنه بما ذكرنا في دفع الإشكال السابق، و محصّله منع كشف الإجازة عن حصول الانتقال من حين عقد الفضوليّ، بل من حين يمكن الانتقال، و هو فيما نحن فيه أوّل أزمنة صيرورة المبيع ملكا للفضوليّ، فيكشف عن حصول الانتقال إلى المشتري من حينه. و امّا قبله فالمبيع باق على ملك مالكه الاولى فيصحّ له بيعه في تلك الزمان من الفضولي أو غيره فيصحّ العقد الثاني، و يترتّب عليه صحة العقد الأوّل من دون استلزامه للمحذور المذكور.

الوجه الخامس

انّه يلزم حينئذ توقف صحة العقد الأوّل على إجازة الفضوليّ، و توقف العقد الثاني على إجازة المشتري، فانّ نفوذ إجازة كلّ منهما يتوقف على صيرورة المبيع ملكا له، و هي تتوقف على إجازة الآخر للعقد الموجب لانتقال المبيع الى ملكه. فلو أثر العقد الناقل إلى المشتري بإجازة الفضوليّ يصير المشتري مالكا للمبيع، فتتوقف صحة العقد المتأخر الناقل إلى الفضوليّ على إجازته، فيتوقف تأثير إجازة المشتري على إجازة الفضوليّ، و تأثير إجازة الفضوليّ على تأثير إجازة المشتري.

و الجواب عنه هو الجواب في الإشكالين الأخيرين، و هو منع كشف الإجازة عن حصول الملكية الا من حين يمكن لا من حين العقد الذي بناء الدور المذكور عليه، فإذا منعنا ذلك تحسم مادة إشكال لزوم الدور، و بيانه انّ إجازة الفضوليّ للعقد الأوّل إذا امتنع من حينه تؤثّر من حين يمكن، و هو زمان انتقال المبيع اليه، فيكون المشتري مالكا من حين انتقال المبيع إلى المشتري لا قبله، حتى تتوقف صحة العقد الناقل إلى الفضوليّ على إجازته.

الوجه السادس

أنّ إقدام المالك على العقد الثاني ردّ للعقد الأوّل الصادر من الفضوليّ، لكونه فعلا منافيا لصحته و مستلزما لفساده، فإنه إذا باع ماله من الفضوليّ فقد نقل المال اليه و تملك الثمن، و هذا ينافي لمقتضى العقد الأوّل، أعني نقل المال إلى المشتري الأوّل، و تملكه للثمن المأخوذ منه.

و يرده: أنّ مقتضى التحقيق كما سيجي‌ء في بحث الردّ انّ الردّ لا يتحقق إلا بإيجاد له بوجوده الإنشائي أو بوجوده الحقيقي الذي مصداق له حقيقة،

و سيوضح لك أنّ عقد المالك على المبيع لغير من عقد له الفضوليّ ليس مصداقا للردّ، فإنّه إنّما يكون مصداقا له إذا اقتضى بقاء المبيع الى حين العقد في ملكه، و ليس للعقد اقتضاء لان يكون المبيع ملكا للعاقد، و إلا لم يتصوّر صدوره عن غير المالك و لم يعقل عقد الفضوليّ رأسا.

الوجه السابع

الأخبار الناهية عن بيع ما ليس عنده، و قد تعرضنا للجواب عنها في أصل مسألة الفضوليّ بما لا مزيد عليه، فلا نطيل بالإعادة. فلا نتعرّض ههنا الا لذكر ما و همه بعض المتأخرين من دلالة نظير رواية (1)خالد بن حجاج (بن نجيح خ ل) على المنع عن بيع ما ليس عنده قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام الرجل يجي‌ء و يقول اشتر لي هذا الثوب و أربحك كذا و كذا، قال: أ ليس إن شاء أخذ و إن شاء ترك، قلت: بلى، قال: لا بأس به، إنّما يحلل الكلام و يحرّم الكلام انتهى.

و الجواب انّ من المحتمل لا محالة كونها ناظرة إلى بيع النسية في قبال العامّة لما توهموا فيه من الربا فمنعوا عنه و قد وقع التجويز له في أخبارنا تعليلا بأنّه انّما يكون فيه الربا إذا لم يكن المشتري بحيث ان شاء أخذ بعد شراء البائع لما يريده و ان شاء تركه و كان ملزما بشرائه منه بعد.

توضيح ذلك: انّ من الشائع في تلك الأزمنة بل في هذه الأزمنة أيضا، التوسل الى تحليل الربا و التفصي عن حرمتها بأنّ أحدهم كان يبيع من آخر


1) الوسائل، الحديث 4، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، أقول: لم يثبت صحة سند الحديث لاختلاف النسخة في خالد بن حجاج أو خالد بن نجيح، و لم يوثقا صريحا و ان أثبتنا وثاقة الثاني بالتوثيق العامّ في «معجم الثقات» ص 165 من الطبعة الاولى.

سلعة نسية ثم يشتريها منه نقدا بأقلّ من ذلك، أو يشتري منه نسية فيبيع له بأزيد من ذلك فيكون هذا في الحقيقة قرضا يستحلّ فيه الربا بهذه الوسيلة بأخذ أزيد ممّا يدفعه الى المقترض فوقع ذلك محلّ خلاف من قديم الأعصار بين فقهاء العامّة.

قال بعضهم (1)فيما عقده من الباب لبيوع الذرائع الربوية. و هنا شي‌ء يعرض للمتبايعين إذا باع أحدهما الآخر بزيادة أو نقصان، و للمتابعين إذا اشترى أحدهما من صاحبه الشي‌ء الذي باعه بزيادة أو نقصان و هو أن يتصوّر بينهما من غير قصد الى ذلك تبايع ربوي، مثل أنّ يبيع انسان من انسان سلعة بعشرة دنانير نقدا ثم، يشتريها منه بعشرين إلى أجل، فإذا أضيفت البيعة الثانية إلى الأولى استقر الأمر على انّ أحدهما دفع عشرة دنانير في عشرين إلى أجل.

هذا هو الّذي يعرف ببيوع الآجال فنذكر في ذلك مسألة في الإقالة و مسألة في بيوع الآجال- الى أن قال- و امّا البيوع التي يعرفونها ببيوع الآجال فهي أنّ يبيع الرجل سلعة بثمن إلى أجل، ثمّ يشتريها بثمن آخر إلى أجل آخر نقدا و هنا تسع مسائل الى ان قال و ذلك إنّه من باع شيئا إلى أجل ثمّ اشتراه فإمّا ان يشتريه إلى ذلك الأجل بعينه، أو قبله، و بعده. و في كل واحد من هذا الثلاثة إمّا أن يشتريه بمثل الثمن الذي باعه منه. و امّا بأقلّ و امّا بأكثر، يختلف من ذلك في اثنين و هو ان يشتريها قبل الأجل نقدا بأقلّ من الثمن أو الى أبعد من ذلك الأجل بأكثر من ذلك الثمن، فعند مالك و جمهور أهل المدينة أنّ ذلك لا يجوز. و قال الشافعي و داود و أبو ثور: يجوز، فمن منعه فوجه منعه اعتبار البيع الثاني بالبيع الأوّل فاتهمه ان يكون إنّما قصد دفع دنانير في أكثر منها إلى أجل، و هو الربا المنهي عنه، فزوّرا لذلك هذه الصورة ليتصلا بها الى الحرام، مثل ان يقول قائل


1) ابن رشد الأندلسي في «بداية المجتهد» (ج 2 ص 139، ط المعاهد بالقاهرة).

لآخر أسلفني عشرة دنانير إلى شهر و أرد إليك عشرين دينارا فيقول: هذا لا يجوز و لكنّ أبيع منك هذا الحمار بعشرين الى شهر ثمّ أشتريه منك بعشرة نقدا و أمّا في الوجوه الباقية فليس يتهم فيها لأنّه إن اعطى أكثر من الثمن في أقلّ من ذلك الأجل لم يتهم، و كذلك إن اشتراها بأقلّ من ذلك الثمن إلى أبعد من ذلك الأجل.

و من الحجة لمن رأى هذا الرأي حديث أبي العالية عن عائشة أنّها سمعتها، و قد قالت لها امرأة كانت أم ولد لزيد بن أرقم: يا أم المؤمنين إنّي بعت لزيد عبدا الى العطاء بثمانمأة فأحتاج إلى ثمنه، فاشتريته منه قبل محل الأجل بستمائة. فقالت عائشة بئسما شريت و بئسما اشتريت أبلغي زيدا إنّه قد أبطل جهاده مع رسول اللّه صلّى اللّٰه عليه و آله ان لم يتب. قال: أ رأيت إن تركت و أخذت ستمأة دينار؟ قالت: نعم. فمن جاءته موعظة من ربّه فانتهى فله ما سلف و قال الشافعي و أصحابه: لا يثبت حديث عائشة، و أيضا فإنّ زيدا قد خالفها، و روي مثل قول الشافعي عن ابن عمر انتهى.

أقول: و قد وقع التعرض لها في جملة من رواياتنا و قد عقد لها بابا (1)في الوسائل و ذكر في عنوانه «انّ من باع شيئا نسية أو غير نسية جاز أن يشتريه من صاحبه حالا أو مؤجلا بزيادة أو نقيصة إذا لم يشترط ذلك»، و ذكر فيها روايات كثيرة.

و محصل مضامينها إنّه إذا كان المشتري ملزما بشراء ما ابتاعه البائع منه أو من غيره و لم يكن له الخيار في أخذه و تركه كان باطلا لأجل الربا، و امّا إذا كان له الخيار في أخذه و تركه بعد ما يشتريه صح. و إن ارتكز في أذهان بعضهم من فتاوى العامّة كونها رباء محضا بل قد وقع التصريح في بعضها بأنّه لا بأس به إذا كان له الخيار في الشراء و الردّ، و ان أريد به الربا و كان البيع و الشراء


1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 5 من أبواب أحكام العقود.

مجرد وسيلة إلى تحصيلها.

منها رواية يونس الشيباني (1)قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام الرجل يبيع، و البائع يعلم انّه لا يسوي، و المشتري يعلم انّه لا يسوى، إلا أنّه يعلم انّه سيرجع فيه فيشتري منه. قال: يا يونس أنّ رسول اللّه صلّى اللّٰه عليه و آله قال لجابر بن عبد اللّه: كيف أنت؟ إذا ظهر الجور و أورثهم الذل. قال: فقال له جابر: لا بقيت إلى ذلك الزمان، و متى يكون ذلك؟ بأبي أنت و أمي قال: إذا ظهر الربا، يا يونس، و هذا الربا، فانّ لم تشتره ردّه عليك؟ قال قلت: نعم. قال فلا تقربنه، فلا تقربنه انتهى. و فيها تصريح بأنّه ان لم يكن له الخيار في أخذه و تركه كان باطلا لأجل الربا.

و منها رواية بشار بن يسار (2)قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل يبيع المتاع بنساء، فيشتريه من صاحبه الّذي يبيعه منه، قال: نعم لا بأس به. فقلت: أشتري متاعي؟ فقال: ليس هو متاعك و لا بقرك و لا غنمك انتهى و فيه دلالة على كون المرتكز في ذهنه من فتاوى الفقهاء، كونه رباء محضا فيبطل شراء شي‌ء منه ثمّ بيعه من نفسه.

و منها رواية على بن جعفر (3)عن أخيه قال سألته عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم إلى أجل، ثمّ اشتراه بخمسة دراهم بنقد إلى أجل. قال: إذا لم يشترط و رضيا فلا بأس انتهى.

و منها رواية حسين بن المنذر (4)قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام يجيئني


1) الحديث 5 من الباب المذكور، و سند الحديث غير موثق لوقوع صالح بن عقبه و يونس الشيباني فيه و لم يثبت وثاقتهما.

2) الحديث 3 و سند الحديث موثق.

3) الحديث 6 من الباب المذكور، و لا يبعد قوة سند الحديث.

4) الحديث 4 من الباب المذكور، و سند الحديث حسن بابن المنذر و هو شيعي ممدوح.

الرجل فيطلب العينة، فأشتري له المتاع مرابحة، ثم أبيعه إيّاه، ثمّ أشتريه منه مكاني. قال: إذا كان بالخيار إن شاء باع و إن شاء لم يبع، و كنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت، و ان شئت لم تشتر، فلا بأس فقلت: إنّ أهل المسجد يزعمون إنّ هذا فاسد و يقولون إن جاء به بعد أشهر صلح. قال: إنّما هذا تقديم و تأخير فلا بأس انتهى. و فيه دلالة على ردّ مذهب العامّة، و هو كونها معاملة ربوية كما تقدم.

و منها رواية منصور بن حازم (1)قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام عن الرجل يريد أن يتعيّن من الرجل عينه، فيقول له الرجل: أنّا أبصر بحاجتي منك، فأعطني حتى اشتري، فيأخذ الدراهم فيشتري حاجة، ثمّ يجيئني بها إلى الرجل الذي له المال فيدفعه اليه، فقال: أ ليس إن شاء اشترى و إن شاء ترك و إن شاء البائع باعه و إن شاء لم يبع؟ قلت: نعم. قال لا بأس انتهى.

و منها رواية إسماعيل بن عبد الخالق، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن العينة، و قلت: انّ عامّة تجارنا اليوم يعطون العينة فأقصّ عليك كيف نعمل. قال: هات، قلت: يأتينا المساوم يريد المال فيساومنا، و ليس عندنا متاع، فيقول أربحك ده يازده و أقول أنا ده دوازده، فلا نزال نتراوض حتى نتراوض على أمر، فإذا فرغنا قلت: أيّ متاع أحبّ إليك أن اشتري لك؟

فيقول: الحرير، لانّه لا يجد شيئا أقلّ وضعية منه، فأذهب، و قد قاولته من غير مبايعة. فقال: أ ليس إن شئت لم تعطه و إن شاء لم يأخذ منك، قلت: بلى، فاشتري له ذلك الحرير و اما كس بقدر جهدي، ثمّ أجي‌ء به الى بيني فأبايعه، فربّما ازددت عليه القليل على المقاولة و ربّما أعطيته على ما قاولته، و ربّما تعاسرنا فلم يكن شي‌ء فإذا اشترى منّى لم يجد أحدا أغلى به من الّذي اشتريته منه


1) الوسائل، الحديث 11، الباب 8 من أبواب العقود و سند الحديث صحيح.

فيبيعه مني، فيجي‌ء ذلك فيأخذ الدراهم فيدفعها اليه، و ربّما جاء ليحيله عليّ قال: لا تدفعها إلا الى صاحب الحرير. قلت: و ربّما يتفق بيني و بينه البيع به و أطلب إليه فيقبله منى. فقال أ ليس إنه لو شاء لم يفعل و لو شئت أنت لم ترد؟

فقلت: بلى لو انّه هلك فمن مالي، قال: لا بأس بهذا إذا أنت لم تعد هذا فلا بأس به انتهى.

و فيها دلالة على انّه لا بأس به إذا كان له الخيار في الشراء و الرد، و ان أريد به الربا و كان البيع و الشراء مجرد وسيلة إلى تحصيلها، حيث صرح فيها بأنّ المشتري اختار الحرير- بعد ما اختتمت مقاولته، مع البائع في الزيادة- لأجل مجرد خفته و سهولة تناوله، لعدم كون الغرض منه الا حلّية الزيادة.

و بالجملة انّ الرواية ناظرة الى هذه الجهة، أعني بيع النسية على النحو المذكور، لما فيه من الربا (1)

و قوله: الرجل يجيئني، بصيغة المضارع دالّة على الاستمرار، يدلّ على تعارفه و انّه ليس اتفاقيّا.

و منه يعلم أنّ السؤال ليس عن قضية في واقعة، حتى يحتمل كونها واجدة لخصوصيّة اقتضت العدول عن المتعارف، و عليه يكون المراد من قوله عليه السلام «إنّما يحلل الكلام و يحرم الكلام» أن هذه و ان كانت وسيلة إلى أخذ الزيادة، الا انّ المحلل و المحرم هو الكلام الواقع بينهم. فان وقع الكلام على دفع القرض بما يزيد عليه المقترض عند رده، كان من الربا المحرم في الشريعة، و ان وقع على شراء الثوب ثمّ بيعه منه بأزيد ممّا اشتراه به، كان محلّلا، إذا لم يكن المشتري ملزما في الشراء منه، و ان كان فيه أخذ الزيادة.

، فتكون أجنبيّة عن بيع مالا يملكه بالمرّة. و ان لم يتعيّن ذلك فلا أقل من احتمالها، فيسقط الاستدلال بها على بطلان بيع ما لا يملكه.

1) و يشهد له وقوعها في جواب قول السائل: الرجل يجيئني، و يقول: اشتر لي هذا الثوب و أربحك كذا و كذا، فإنّه يدل على أنّ الرجل قد أراد شراء الثوب، لكنه لم يكن عنده من الثمن ما يبذله بإزائه، فأراد الاستقراض منه بما يحلّ معه دفع الزيادة، و إلا فمن كان الثمن موجودا عنده يشتري الثوب عن صاحبه بنفسه أو يأمر غيره أن يشتري له إذا لم يرد تصديه للشراء بنفسه لأجل الغبن أو غيره، و لولاه لكان امره لغيره، ان يشتري الثوب ثمّ يبيعه منه، أشبه بالأكل من القفا، و لم يتعارف في الأسواق.

المبحث الرابع في المجاز

اشارة

و الكلام فيه يستدعي البحث في أمور

الأمر الأوّل اشتراط كون عقد الفضوليّ جامعا لجميع الشرائط

يعتبر في صحّة الإجازة كون العقد الّذي تجعله الإجازة مؤثرا في الملكية واجدا لجميع شرائط العقد و الوجه فيه انّ تحقق كلّ جزء أو شرط انّما يسد باب العدم المتطرق اليه من ناحية فقده، دون الاعدام المتطرقة اليه من قبل فقد سائر الأجزاء و الشروط المعتبرة فيه. فحصول الشرط الحاصل لعقد الفضوليّ من لحوق الإجازة به الذي كان العقد فاقدا له لو لا لحوق الإجازة عليه- اعني الرضا و طيب النفس على ما ذهب إليه الشيخ «ره» أو الاستناد الى المالك على ما بيّناه- انّما يسدّ باب فقدان التأثير من قبل فقده، و لا يسدّ باب فقدانه من قبل فقد سائر الشروط المعتبرة فيه بالبداهة. فيعتبر في تأثير عقد الفضوليّ مضافا الى لحوق الإجازة، كونه واجدا لغيره من الشروط المعتبرة في العقد بأجمعها.

بل المفروض في موضوع المسألة هو بيع الفضولي، أعني ما استجمع لجميع شروط البيع عدا كونه صادرا عن المالك أو عن وكيله، فالفاقد لبعض ماله دخل في تحقق البيع خارجا عن موضوع البحث أصلا و ان شئت مزيد التوضيح لذلك فنقول انّ الإجازة على ما قدمناه انّما تصحح استناد العقد الى المالك، و تجعله مستندا اليه، و منزلا بمنزلة الصادر عن نفسه، فيعتبر فيه لا محالة جميع ما يعتبر في العقد الصادر عن نفسه، بداهة أنّ العقد لو كان صادرا واقعا عن نفس المالك لم يكن مؤثرا في شي‌ء مع كونه فاقدا لبعض ما يعتبر فيه

من الشروط. نعم ما كان من الشروط غير دخيل في تحقق العقد و استتمامه في عقديته، بل في مجرد حدوث الملكيّة، فلا يعتبر تحققه إلا في حين حدوثها (1)

و قد بيّنا هناك: ان ذلك يستلزم التفكيك بين الوجود و الماهية و ذكرنا في تحقيقه بما محصله: ان الحادث بالإجازة هو اعتبار الملكية، و الأمر الاعتباري و ان كان وجوده في الخارج هو عين وجود الاعتبار لوحدته معه بحسب الحقيقة، الا أنّ له وجودا اعتباريا و هو الذي تعلق الاعتبار و التخيل بثبوته له، فالإعتبار تعلق حين الإجازة بوجود الملكية من حين العقد و لا بأس بتعلق الاعتبار- اعني التخيل- فعلا بوجود أمر في الزمان الماضي. و عليه يعتبر القدرة على التسليم في حين العقد، ان تعلق الاعتبار بحدوث الملكية من حينه، فلو حصل، له القدرة على التسليم بعد زمان العقد تعلق الاعتبار بحدوث الملكية من حينه لا محالة.

لكنّ التحقيق أنّ ملاك اعتبار القدرة على التسليم في حدوث الملكية، التحفظ على ترتّب التسليم على الملكية. و لما كان التسليم امرا حقيقيا لا يعقل في الحال إيجاد التسليم في الماضي، ينتفى هذا الملاك في اعتبار وجود الملكية في الزمان الماضي، فلا يجري فيه اعتبار القدرة على التسليم.

كالقدرة على التسليم. و امّا اشتراط كون المشتري مسلما في بيع المصحف و العبد المسلم فلم نحقق له دليلا يدلّ على توقف صحة البيع أو تأثيره في الملكية عليه. بل الدليل الوحيد على اعتباره هو العمومات النافية للسبيل للكافرين على المؤمنين، و النافية لاعتلاء غير الإسلام عليه. و هي لا تقتضي إلا المنع عن تسليط الكافر على المؤمن و المصحف، و ذلك لا يقتضي عدم تحقق اعتبار ملكيتهما للكافر إذا لم يقترن لتسليط له عليهما، حتى يوجب بطلان بيعهما منه.
الأمر الثاني هل يعتبر كون المجاز معلوما للمجيز على التفصيل أم لا

هل يعتبر في الإجازة كون المجاز معلوما للمجيز على التفصيل أم لا؟


1) و هو حين الإجازة، على ما تقدّم من الأستاد «قده» في تقريب الكشف، من انّ حدوث الملكية و وجودها يكون من حين الإجازة، لكنّ الموجود بهذا الوجود يكون ملكية ممتدة إلى حين العقد.

فنقول: ان كلا من الإذن و الإجازة يتصوّر بحسب بادى النظر تعلقه بأمور ثلاثة أحدها جزئي العقد اعني شخص العقد المتحقق في الخارج و ثانيها الكلى المنطبق على غير واحد من الأفراد و ثالثها المردّد بين فردين أو افراد، و هو على ضربين، فانّ الترديد يكون تارة في المصداق، و اخرى في المفهوم. و الأوّل غير معقول لعدم تعقل التردد و الإجمال في الخارج، و الشي‌ء ما لم يتشخص و لم يتعيّن و لم يوجد، و لا يوجد في الخارج الا المتشخص. و المتعين و المجمل و المردد بما هما من غير خلع الإجمال و التردّد عنهما غير صالحين للوجود في الخارج.

ثمّ اعلم انّه لما كانت الجزئيّة و التشخص تدوران مدار الوجود بل هو عينهما، و كان هو المائز بين الكليّة و الجزئيّة، فإنّ الكليّة بما هي لا تلائم الوجود في الخارج، يحصل الفرق بين متعلق الإذن و الإجازة.

توضيح ذلك: أنّ الفارق بين الإذن و الإجازة أنّ الإذن يكون سابقا للعقد و الإجازة لاحقة عليه، و بعبارة اخرى: إنّ موطن الإذن هو قبل وجود العقد، و موطن الإجازة هو بعد خروج العقد الى حيّز الوجود. فيكون متعلق الإذن لا محالة هو العقد الكلى، لعدم تحليه بحلية الوجود الذي هو مدار الجزئيّة و ملاكها، و متعلق الإجازة هو العقد الجزئي لتعلقها بالعقد بعد الوجود. فنقول حينئذ: إن الكلي المتعلّق للإذن، قد يكون نوعا من العقد، و قد يكون جنسا عاليا شاملا لأجناس عديدة تحته، و قد يكون جنسا سافلا غير مشتمل الأعلى الأنواع. و لا منع عن تعلق الإذن بجميع ذلك ما لم تبلغ سعة الكلي الى حيث خرج الإذن المتعلّق به عن اعتبار العقلاء و صار امرأ غير عقلائي. و الثاني، أعني الإذن المتعلق بجنس العقد، يسمى تفويضا، و المأذون له وكيلا مفوضا.

و امّا الإجازة فقد علم انّ متعلقها لا يكون إلا جزئيّا، و الكلي لا يمكن ان يتعلق به الإجازة، و الا تخرج الإجازة عن كونها إجازة و كذا المردد لما عرفت من أنّه لا يعقل الترديد في الجزئي بما هو في الخارج، نعم يعقل الترديد فيه مفهوما

بان يتردد عند المجيز بين عقدين، و ان كان متعينا بحسب نفسه في الخارج و ذلك في مورد حصول العلم الإجمالي له، فانّ العلم الإجمالي هو المركب من علم و ترديد. فمرجع علم المجيز بالعقد إجمالا، إلى علمه بعنوان من العقد الصادر من الفضوليّ، و جهله بعنوان آخر له. فمن الممكن الالتزام بكفاية العلم بعنوان منطبق للعقد الواقع في الخارج في مقام الإجازة، و ان كان مع الجهل بعنوان آخر له (1).

الأمر الثالث استلزام الإجازة لعقد، الإجازة لسائر العقود في السلسلة الطوليّة دون العرضيّة

إذا تعددت العقود الواقعة على ماله أو عوضه فأجاز المالك واحدا منها، هل يستلزم ذلك إجازة بقيّة العقود أم لا؟ و يتصوّر فيه أقسام كثيرة، إلا انّا لا نذكر الا ضابطا كليا يستفاد منه حكم جميع الصور و الأقسام.

و ملخصه انّ اجازة كلّ عقد منها، إجازة للعقد الذي تتوقف صحته على


1) قد تقدّم منّا انّ اعتبار العلم بالعوضين بالمعنى المعتبر في الشرع ليس ممّا تقتضيه حقيقة البيع بحيث لا يمكن إنشائه إلّا مع العلم بهما بذلك المعنى، بل كان مأخوذا من دليل شرعي، و ان بيّنا له وجها عرفيا هناك. فمقتضى ما تقدّم عن الأستاذ «قده»- من كون البائع في مورد بيع الفضوليّ هو المالك و امّا الفضوليّ فلا يستند اليه البيع- اقتضاء دليل اعتبار العلم في البائع و المشتري اعتباره في المجيز.و امّا بناء على ما تقدّم منّا من انّ استناد بيع الفضوليّ إلى المالك بالتسبيب، و انّ البائع هو الفضوليّ، يكون مقتضاه اعتبار العلم للفضوليّ و كفاية ما ذكره «قده» من تحقّق علم المجيز بعنوان منطبق عليه.

صحته، كما لو عقد الفضوليّ على ماله ثمّ عقد ثانيا على عوضه بحسب العقد الأوّل، فأجاز المالك العقد الثاني، كان ذلك إجازة للعقد الأوّل أيضا. و كذا إجازة لكلّ عقد تترتّب صحته على صحة العقد المجاز، كما لو باع الفضوليّ ماله فباعه المشتري من آخر كان إجازة العقد الأوّل من المالك إجازة للعقد الثاني.

و بالجملة إجازة كلّ عقد في سلسلة العلل و المعلولات، إجازة لجميع ما في السلسلة من العلل و المعلولات. و امّا العقود العرضية فليس إجازة واحد منها إجازة للآخر. «و الوجه فيه» امّا في سلسلة العلل فاستحالة وجود المعلول من دون وجود علّته، فيكون إيجاد المعلول و إنشائه مستلزما لإيجاد العلّة و إنشائها، و امّا في سلسلة المعلولات فهو كون إنشاء أمر إنشاء لما له من التوابع (1).

و قد ذكر توضيحه في باب الوضع، و قد نبهنا هناك على انّ وضع المجازات وضع تبعي حصل بتبع وضع الحقائق، و أثبتنا انّ وضع لفظ لمعنى وضع لما يناسبه أيضا بالتبع. و كفى في كشف الغطاء عنها ما ذكرنا من المثال هناك، من أنّ نصب العلم على هامة باب دار زيد، يحكى عن داره بالذات، و يحكى عن الدار المحاذي له بالتبع، لما كان بينهما من علاقة المحاذاة و المقابلة، و الحكاية عن كلّ واحد منها معلول عن الوضع، إلا أنّ الوضع قد تحقق لدار زيد بالأصالة، و للدار المحاذي له بالتبع. و ليس حكاية نصب العلم عن الدار المقابل إلا لأجل حصول الوضع التبعي له عليه.


1) لا يخفى عليك انّ صحّة عقد المشتري على ما ابتاعه من الفضوليّ بإجازة المالك لعقد الفضولي، ليس لأجل انّ أجازته لعقد الفضوليّ إجازة له، و انّه صار مستندا إليه بالتبع، بل لأجل انّ العاقد صار مالكا للمبيع. و لذا لو قلنا بعدم كفاية مجرد صيرورة الفضوليّ مالكا في صحة البيع في مسألة من باع شيئا ثمّ ملكه، و توقف صحته على الإجازة، توقف صحّة عقد المشتري فيما نحن فيه إجازته له بعد صيرورته مالكا. و امّا حديث الوضع التبعي فقد تقدّم منّا المنع عنه عند تعرض الأستاذ له و لذكر هذا المثال، فراجع.

المبحث الخامس في الردّ

مجرد الكاشف

اعلم أنّ الردّ كالإجازة من الأمور الإنشائيّة، فيحتاج إلى إيجاد له في الخارج، امّا بلفظ يكون قالبا له فينشئ به الرد، و امّا بفعل يكون مصداقا له، و صدق عليه الردّ بالحمل الشائع و لا يكفي مجرد وجود الكاشف عن فقد الرضا للمالك من فعل أو قول ما لم ينو به الردّ حقيقة أو إنشاء. و بالجملة ردّ المالك لعقد الفضوليّ نظير فسخ ذي الخيار، فكما انّه لا يخرج العقد. عن قابلية الفسخ و الإلزام، بمجرد وجود ما يدلّ على عدم رضا ذي الخيار بالعقد، كذلك الردّ لا يحصل بمجرد وجود الكاشف عنه. و السرّ فيه: ما أشرنا إليه ههنا و تقدّم بيانه في الإجازة، من أنّ الأمور الإنشائية تحتاج إلى إنشاء و إيجاد لها في الخارج.

التصرف المخرج للعقد عن قابليّة الإجازة

ثمّ اعلم انّ جملة من الأفعال كالإتلاف و العتق، و التزويج، يخرج عقد الفضوليّ عن قابليّة الإجازة، لكونها موجبة لإعدام موضوع الإجازة، فإنّ الإتلاف إعدام لمورد العقد فيخرج عن قابليّة الملكية كذلك العتق يوجب كون العقد غير قابل للتمليك، و كذا تزويج المرأة من غير المعقود له فضولة يخرجها عن قابلية التزوج، فينعدم موضوع الإجازة، و يسقط العقد عن قابلية صيرورته صحيحة بلحوق الإجازة لأجل انعدام موضوعها. و هذه الأفعال و ما كان من قبيلها، و ان كانت تفيد فائدة الرد إلا أنّه لا يصدق عليها عنوان الردّ. هذا كلّه

شأن التصرّفات الموجبة لفوات مورد العقد و هي القسم الأوّل من التصرّفات.

التصرف المفوت للمنفعة

و امّا القسم الثاني منها و هو التصرفات المفوتة للمنفعة دون نفس العين الواقعة عليها العقد.

و قد ذكر الشيخ «ره» فيها تحقيقا متينا ينبئ عن جلالة قدره و عظم شأنه، لا يرد عليه شي‌ء من الإشكالات المذكورة في كلام المحشين، و محصله: انّ تصرف المالك في مورد العقد و انتفاعه منه، ان كان بنفسه، يوجب لحوق الإجازة عليه فيما بعد، ضمان المنفعة التي استوفاها على ذمته، بناء على القول بالكشف. فإنّ الإجازة حينئذ تكون كاشفة عن وقوع التصرف و الانتفاع على ملك الغير، فتقتضي الضمان لا محالة. و ان كان بتسليمها الى غيره و تمليكها منه بالإجازة و شبهها لا تصحّ الإجازة اللاحقة لخروج العقد بذلك عن قابليّة الإجازة، فإنّ الإجازة بناء على الكشف تقتضي خروج المبيع عن ملك البائع و صيرورته ملكا للمشتري من حين العقد، و اجازة البائع له تقتضي عدم انتقاله قبل تمليك المنفعة من المشتري و بقائه في ملكه. فيقع التنافي بين صحّة كلّ من الإجازة بالمهملة و الإجازة بالمعجمة، فإذا بنينا (1)على صحّة الإجارة بالمهملة لم يبق مجال عن الالتزام ببطلان الإجازة بالمعجمة، و عدم تأثيرها في صحة الفضولي.


1) و يمكن الاشكال فيه بانّ لحوق الإجازة بالعقد بناء على الكشف، يكشف عن وقوع الإجارة بالمهملة في ملك الغير، فتكون غير نافذة إلا بإذنه.و الجواب انّ صدور الإجازة بالمعجمة من المالك قد وقع بعد صدور الإجارة بالمهملة منه: و لا يجوز و لا ينفذ تصرف المالك على خلاف ما صدر من التصرّف عنه قبله، فلا تنفذ الإجازة بالمعجمة حتى يستلزم فساد الإجارة بالمهملة و عدم نفوذها.

تزييف إشكالات القوم على تحقق الرد بالتصرفات المقومة للمنفعة
اشارة

و قد أورد عليه جملة من المحشين للمكاسب إشكالات

إشكال المحقق النائيني «قده»

فمنها الإشكال الذي ذكره المحقّق النائيني «ره» في تضاعيف كلماته و هو نفى الفارق بين استيفائه للمنفعة بنفسه و بين إجارته له من غيره، لاشتراكهما في تفويت المنفعة و إخراجها عن قابلية الانتقال إلى المشتري، فمقتضى القاعدة في كليهما هو الضمان.

«و فيه» انّ الضمان فرع ثبوت التصرف في مال الغير، فالبائع في تصرفه فيه بنفسه كان متصرفا في مال المشتري، فيلزمه الضمان بلا اشكال، و امّا إجارته من غيره فحيث انّ صحة الإجارة تقتضي انتقال المنفعة إلى المستأجر من ملك الموجر، فيستلزم كونها مملوكة له قبل الإجارة، فجريان الضمان في المنفعة ينافي صحة الإجارة من حيث اقتضائها كون المنفعة ملكا للموجر، و اقتضاء تعلق الضمان كونه ملكا لغيره. فلا مجال عن التزام أحد أمرين اما بطلان الإجارة بالمهملة، أو لإجازة بالمعجمة.

اشكال السيد «قده»

و منها الاشكال ذكره السيد «قده» و هو التفكيك بين العين و المنافع في مدّة الإجازة و توضيحه ما تقدّم من انّ الإجازة بناء على الكشف يكشف عن الانتقال من حين يمكن ذلك و ذلك حين العقد بالنسبة إلى انتقال العين المجردة، و اما المنفعة فلا يمكن انتقالها إلى المشتري إلا بعد اختتام مدة الإجارة

فتنتقل العين من حين العقد مجردة عن المنفعة إلى آخر مدة الإجازة، و بعدها تنتقل المنفعة أيضا. فيكون حصول العين مع المنفعة في ملك المشتري بعد اختتام مدة الإجازة، و امّا قبلها فيحصل التفكيك بين العين و المنفعة.

و فيه انّ التفكيك في الملكيّة انّما يمكن في الأمور العرضية، كالتفكيك بين اجزاء العين أو أجزاء المنفعة بحسب الأزمان المختلفة، و من هذا القبيل التفكيك بين العين و المنفعة قبل البيع، فيجوز تمليك المنفعة من شخص دون العين، ثمّ تمليك العين مجردة عن المنفعة من شخص آخر. و امّا الأمور الطولية فلا يجوز التفكيك بينها في الملكية، كما لو وقع عقد البيع على عين، فإنّه يوجب تمليك العين من المشتري، و تمليك المنافع منه بتبع العين. نملك المنافع في طول العين و معه لا يمكن التفكيك بين العين و المنافع كما فيما نحن فيه (1).

اشكال صاحب الكفاية «قده»

و منها ما ذكره المحقق الخراساني «قده» و هو لم يتعرّض للتفكيك بين العين و المنافع كالسيد «ره» فلا يتوجه عليه المنع من الوجه المذكور. بل التزم بالتفكيك في نفس العين بحسب الازمان، فقال: انّ الإجازة تكشف عن انتقال العين إلى المشتري بعد اختتام مدة الإجارة، دون انتقالها من حين العقد، لأنّه هو الذي يمكن الانتقال من حينه هذا و قد ذكرنا انّ العين بحسب الأزمنة المختلفة من العرضيات، فيمكن التفكيك فيها بكونها ملكا لأحد في زمان و لغيره في زمان آخر.


1) و الوجه فيه، انّ وقوع الإجازة على العين المجردة عن المنفعة، يوجب وقوعها على غير ما وقع عليه العقد، لا وقوعها على بعض ما وقع عليه العقد، حتى يحصل التبعيض فيه بحسب الإجازة.و توضيحه انّ العقد وقع على العين المستتبعة للمنفعة فلو وقع الإجازة على العين المجردة يكون متعلقة مباينا لمتعلق العقد.

لكنه يرد عليه انّ الإجازة انّما تكشف عن الانتقال في زمان متأخر عن زمان العقد إذا كانت العين المبتاعة في زمان العقد غير قابل بنفسها للإجازة، و انّما لم تتعلّق الإجازة به من حينه لاستحالة التفكيك بين العين و المنافع، فلا يمكن كشف الإجازة عن الانتقال في زمان متأخر عن العقد (1)فيقع التنافي بين صحّة الإجازة بالمعجمة و الإجارة بالمهملة.

التصرف غير المنافي لملك المشتري

امّا التصرّفات الغير المنافية لملك المشتري تعرّض المبيع للبيع أو إيقاع العقد الفاسد عليه. فتوضيح حصول الردّ بها أو عدمه: انّ الرد كما تقدم آنفا من الأمور الإنشائيّة المفتقرة إلى إيجاد لها في الخارج، و لا يكفي فيه مجرد وجود الكاشف عن القصد، بل لا بدّ له امّا من إنشاء لفظي أو إيجاد فعل يكون مصداقا حقيقيا له. (2)و من المعلوم عدم كون العرض للبيع و لا إيقاع عقد فاسد


1) و التحقيق في الجواب ما تقدّم منّا في التعليقة المتقدمة، من انّ العين المستتبعة للمنفعة غير العين المجردة، فالتفكيك بين العين و المنفعة يوجب فوات مورد العقد، و هو العين المستتبعة للمنفعة، و هو يوجب انعدام العقد بانعدام موضوعه.و امّا بعد مدة التفكيك فالموجود و ان كان هو العين المستتبعة، إلا أنّها غير العين المستتبعة المتقدمة، فإنّها وجدت بهذا الوصف بعد انعدام العين المجردة فتأمل.

2) قد تقدّم منّا انّ الردّ هو إسقاط العقد عن صلوحه للتأثير بلحوق الإجازة، و هو أمر اعتباري، و قد تقدّم منّا منع ان يكون للأمور الاعتباريّة مصداق حقيقيّ بل يكون لها مصداق اعتباري، و هو قد يكون فعلا و قد يكون قولا، و الإنشاء اللّفظي هو إيجاد الشي‌ء بمصداقه الاعتباري اللّفظي.و قد تقدّم في باب المعاطاة انّ البيع يحصل بأحد أمرين، أحدهما: المصداق الاعتباري له، و هو عقد البيع. و الثاني: الالتزام القلبي مع ترتيب الأثر عليه خارجا، لكنّ إيجاد الردّ ينحصر في القسم الأوّل، و لا يمكن إيجاده بالنحو الثاني، لعدم وجود ما يترتّب عليه من العمل خارجا، فانّ التصرف في المبيع ليس أثرا للرد، و يجوز ذلك مع عدم تحقق الرد.

عليه مصداقا للرد، فانّا لا نريد الا قطع العلقة الحاصلة بعقد الفضوليّ، كما انّ المطلوب من الإجازة إبقاء العلقة و ربطها الى المالك، فكما لا بدّ في حصول الإجازة بالفعل من كونه مصداقا لها، فكذلك في حصول الردّ بالفعل لا بدّ من ان يكون مصداقا لقطع تلك العلقة.

و لم يرد عنوان الرد في لسان دليل حتى يكون المناط صدقه، و منه يعلم ما في تمسك الشيخ «ره» بصدق الردّ عليه، و يقرب منه تمسكه بفحوى الإجماع المدعى على حصول فسخ ذي الخيار بالفعل، كالوطي و البيع و العتق.

«توضيح المنع»، انّ تصرف ذي الخيار بالمذكورات مصداق للتملك، لكونها من الأمور التي لا تثبت لغير المالك، فلو أقدم بها ذو الخيار تكون مصداقا لتملك المبيع و إعادته في ملكه بعد ما خرج عنه، و هذا بعينه حقيقة الفسخ.

و امّا صدور هذه التصرّفات من المالك فيما وقع عليه عقد الفضوليّ فليس مصداقا للردّ فانّ عدم وقوع الردّ لا ينافي بقاء المبيع في ملكه بل المبيع باق على ملكه ما لم يصدر عنه الإجازة و بالجملة كان المالك الأصلي باقيا على وصف المالكيّة قبل حصول الإجازة و كان من شأن المالك جميع هذه التصرّفات فصدورها منه لا يوجب تحقق الردّ فإنّها تلائم مع الردّ و عدمه فلا تكون مصداقا للردّ لا محالة.

و من هنا يظهر انّه لا وجه للتفرقة بين حال الالتفات و عدمه، فانّ الفعل لو كان مصداقا لعنوان لا يتوقف صدقه عليه على قصد العنوان منه، (1)و لو لم يكن


1) قد تقدّم منّا أنّ الأمر الاعتباري يستحيل ان يكون له مصداق حقيقي، و المصداق له ليس إلا الاعتباري، و قد بيّنا فيما تقدم انّ المصداق الاعتباري لفظا كان- اعني المسمى باللّفظ الإنشائي أو فعلا كالتعظيم و غيره لا يكون مصداقا للشي‌ء و لا يصدق عليه عنوانه الا بالقصد، فالقصد له مدخلية في صيرورته مصداقا له، فما ذكره الأستاذ «قده» قد وقع في غير محلّه بل هو شأن المصاديق الحقيقيّة دون المصاديق الاعتباريّة. و لا يجري المعاطاة في الردّ بناء على ما بنينا عليه في المعاطاة، من أنّ تحقق البيع بالالتزام و الاعتبار القلبي بالتمليك و المبادلة مع ترتيب الأثر عليه خارجا، لعدم وجود ما يترتّب على الالتزام القلبي بإلغاء البيع خارجا، فانّ العمل الخارجي أعني التصرف في المبيع ليس أثرا للرد، و يجوز ذلك من غير ردّ أيضا، و امّا إتلاف المبيع فينعدم العقد معه بنفسه لأجل انعدام موضوعه.

مصداقا له لم يحصل صدقه عليه بقصده منه. فالتصرفات المذكورة إذا صدرت عن البائع ذي الخيار ينطبق عليه عنوان الفسخ، و ان لم يقصد منها حصوله. كما انّ صدور الوطي و إنكار الطلاق من الزوج ينطبق عليهما عنوان الرجوع، و ان لم يقصد ذلك منهما فإنّ حقيقة الرجوع هو التشبث بالزوجية، و الوطي و كذا إنكار الطلاق مصداق له.

و امّا صدور هذه التصرّفات من المالك في مورد عقد الفضوليّ فليس مصداقا للردّ فلا يتحقق بها و ان قصد منها ذلك، فانّ المناط في تحقق الردّ ليس مجرد قصده و ان حصل ما يكشف عن تحققه، بل وجوده في الخارج إنشاء أو حقيقة.

و منه يعلم بطلان قياسه على العقود الجائزة فإنّ تحققها و تقومها تدور مدار الرضا الباطني مع وجود ما يكشف عنه على ما قدّمنا بيانها في المعاطاة، فيكفي فيها وجود كلّ فعل كاشف سواء قصد منه تحققها أم لا، إلا الوكالة فإنّها تفترق عن غيرها في ذلك بما ليس هذا محلّ بيانه (1)و الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين المعصومين.


1) و الوجه فيه ما تقدّم منّا من انّ حقيقة التوكيل هو التفويض و ليس هو مجرّد الرضا بتصرف الوكيل بل هو فعل إيجادي يتوقف وجوده في الخارج على إيجاد مصداق له خارجا.هذا تمام الكلام فيما سبق إليه نظري القاصر في مسائل الكتاب و هو محض نتيجة ما ادى اليه فكرى الفاتر من غير تلقيه عن غيري و قد أفردت الكلام فيه عمّا ذكروه في كتب القوم عتيقها و حديثها، حذرا عن الإطالة و اقتناعا بالإحالة، فاحمد اللّه على ما وفّقني لهذا، و ما كنّا لنهتدي لو لا ان هدانا اللّه و أصلي على نبيّه و آله الطيّبين الطاهرين فإنّهم وسيلتي اليه و هو ارحم الراحمين و عسى اللّه ان يجعل عاقبة أمري خيرا.

[تذييل في رسالة الشهرة للمقرر]

(مقدمة)

بِسْمِ اللّه الرَّحْمٰنِ الرَّحيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطيبين الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

و بعد فيقول المفتقر الى فضل ربه أبو طالب بن علي أكبر التجليل التبريزي:

هذه رسالة الّفتها في البحث عن حجية الشهرة في الفقه، و أوردتها على سبيل الإيجاز، و ذكرت فيها جميع ما له مدخلية في تحقيق المطلب.

اعلم: أنّ اتفاق أهل أي علم من العلوم على مسألة من مسائله، لا يوجب القطع و اليقين على صحة قولهم فيها، و كم من مسألة من مسائل العلوم أطبقت عليه قاطبة علمائها في سالف الزمان، ثم انكشف خلافها و تبين فسادها، و اتفاق آراء الفلاسفة و إجماعهم على مسألة لا يمنع من تطرق الخطأ إليها، كما ثبت ذلك بالمشاهدة في قسم الطبيعيات من الفلسفة، فكذلك الفقهاء.

فإذا كان اتفاقهم لا يأبى عن تطرق الخطأ إليهم، فكيف حال ما لم يتفقوا عليه و وجد فيهم من خالف غيره؟ أعني المسألة التي قامت عليها الشهرة.

فيكون القول بحجيتها و نفي احتمال الخطأ عنها في غاية السقوط، كيف؟ و قد اشتهر من قولهم رب شهرة لا أصل لها فلو كانت الشهرة حجة لقامت على بطلان نفسها، و كم من خطإ نشأ من متابعة المشهور، و الحق من أول يوم كان على الشذوذ، و الأنبياء كلهم دعوا الناس إلى ترك ما اشتهر بينهم من العقائد الباطلة.

القول بحجية الشهرة و التفصيل فيه

قال الشهيد ره: ان بعض الأصحاب ألحق المشهور بالمجمع عليه، قال: و هو قريب إن أراد الإلحاق في الحجية دون التسمية.

أقول: من القريب كون الإجماعات المستوعبة لكتب الفقه في غير المسائل الضرورية قد أرادوا منها مجرد الشهرة، و الا فتحصيل الإجماع في عصر بتتبع أقوال الفقهاء- مع تشتتهم في البلاد و القرى، و عدم كون أكثرهم أرباب تأليف و تصنيف، بل و منهم من بلغ مرتبة الاجتهاد لكنه لم يظهر و لم يبرزه لغيره، إما حذرا عن المفاخرة أو استحياء عن حداثة سنة، أو احتراما لفقيه أعظم منه في بلده أو غيره لا سيما على القول بالتجري كما هو مقتضى التحقيق- مستحيل.

و يذعن باستحالته كل من تأمل في أنه يستحيل أن يحصل لأحد الاستفسار عن جميع من يحتمل الفتوى له في المسألة، ممن اشتهر بالفقاهة و الفتوى في الأقطار أو في ناحية أو في بلدة أو في قرية، و ممن لم يشتهر بين الناس و كان على خفاء و تستر من الناس و اخفى عنهم علمه و فتواه، و ربما يكون ممن تلبس بغير ما يتلبس الفقهاء و سلب عن نفسه مخائل العلم و الفقاهة و لم يكن على زيّ يعرفه الناس بالفقاهة، و ربما يكون شخصا منزويا عن الناس قد بلغ مرتبة الاجتهاد بمطالعة كتب الفقه و الحديث من غير تلمذ من احد.

فيعلم أنه ليس المراد من الإجماع، في غير المسائل الضرورية في الإسلام أو في مذهب الإمامية، هو اتفاق جميع أرباب الفتوى فيما بينهم، مع عدم معرفة الخلاف، أو مطلقا كما احتمله الشهيد.

و يشهد له وجدان الخلاف في الكتب المشهورة لكثير من نقل الإجماعات فلا يحصل الاطمئنان منها باتفاق أرباب الكتب المشهورة فضلا عن غيرهم.

قال الشيخ ره: في «العدة» بما حاصله أنا لو وجدنا بين الطائفة قولا و لم نقف له على مخالف و لا على ما يقتضي صحته أو فساده، وجب القطع بصحة ذلك القول، فيوافق لقول المعصوم، إذ لو خالفه لوجب عليه ان يظهر خلافه (انتهى).

و اما التعبير بالإجماع فلأجل المسامحة في التعبير، بعد كون وجدان الخلاف غير قادح في الحجية، و سيجي‌ء إثبات حجية الشهرة.

و ممّا يؤيد ما ذكرناه ما ذكره المحدث الأسترآبادي ره «في الفوائد المدنية» قال: اعلم أن جمعا من أصحابنا أطلقوا لفظ الإجماع على معنيين آخرين الى ان قال «و الثاني» إفتاء جمع من الأخباريين بحكم لم يظهر فيه نفاق عندنا و لا خلاف يعادله، و هذا أيضا معتبر عندي فإن فيه دلالة قطعية عادية على وصول نص إليهم (انتهى).

و قد ذهب أستاذنا العلّامة خرّيت صناعة الفقاهة رئيس الشيعة و حافظ الشريعة العلّامة البروجردي أدام اللّه ظلاله، إلى حجيّة الشهرة إذا تحققت بين القدماء في أصول المسائل الفقهية و رؤسها دون المسائل الفرعية المتفرعة عليها.

و يستفاد التفصيل بينهما عن الشيخ محمد بن ابى جمهور في كتابه المسمى ب «كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال» فيما وجدت من نسخته بخط تلميذه البارع الشيخ على الكركي المشتهر بالمحقق الثاني ره في المكتبة الرضوية.

و قد تصدى الأستاد أطال اللّه بقاه في بعض آخر من ابحاثه بتثليث الاقسام فقال: إن الفتاوى الموجودة في كتب الفقهاء على ثلاثة أقسام.

«الأول» الفتاوى المأثورة عن المعصوم، التي ذكروها في كتبهم بعين ألفاظها المتلقاة منه.

«و الثاني» العبارات المذكورة في كتبهم، تفسيرا لفتاوى المعصوم و بيانا لمراده منها.

«و الثالث» المسائل الفرعية المتفرعة على القسم الأول.

و صرح بحجية الشهرة في القسم الأول من الفتاوى دون القسمين الأخيرين منها.

فيما ذكروه من الاستدلال على حجية الشهرة

اشارة

استدل الشهيد ره على حجية الشهرة بوجهين «الأول» أن عدالتهم تمنع عن الاقتحام على الفتوى بغير علم، و ليس في عدم وجداننا للدليل دلالة على عدم وجوده في الواقع «و الثاني» ان قوة الظن في جانب الشهرة.

و لا يخفى ضعفهما «اما الأول» فلأن علم كل أحد حجة لنفسه لا لغيره، فلا يكون علمهم حجة بالنسبة إلينا و ربما لا يكون الدليل عندهم دليلا عندنا «و اما الثاني» فلتوقفه على حجية مطلق الظن و هي غير ثابتة. و أجاب عنه «في المعالم» بمنع حصول الظن من الشهرة إذا كانت مستندة الى من تأخر عن الشيخ ره و سيجي‌ء البحث عنه.

و استدل الأستاذ أطال اللّه بقاه على ما اختاره من التفصيل المتقدم، بان الفتوى المشتهرة بينهم إذا كانت من القسمين الآخرين لا تصون عن الخطأ لمدخلية الرأي في تفسير الفتوى المنصوصة في القسم الثاني، و في التفريع عليها في القسم الثالث.

و اما القسم الأول من الفتاوى، فحيث إنهم ذكروها في كتبهم بعين الألفاظ المتلقاة من المعصوم، يكون حجة لكشفه عن وجود نص معتبر لم يصل إلينا.

و ذكر في بعض آخر من ابحاثه: إن الفتاوى الموجودة في كتب القدماء هي عين الفتاوى المأثورة عن المعصومين (عليهم السلام) بعين ألفاظها، فاشتهار الفتوى في تلك الكتب يكون كاشفا عن وجود نص معتبر لم يصل إلينا، إذا لم نجده فيما بأيدينا من الاخبار، لعدم كون ما بأيدينا من الجوامع الا الجوامع الثانوية و لم يكن بناء مصنفيهم على ضبط جميع الأخبار الصحيحة، و الا كان كل واحد منها مشتملا على ما اشتمل عليه غيره.

و قد استند فيما ذكره بكلام الشيخ ره في أول كتاب «المبسوط» حيث قال بعد كلام له: و يضعف نيتي أيضا فيه قلة رغبة الطائفة فيه و ترك عنايتهم به، لأنهم ألقوا الاخبار و ما رووه من صريح الألفاظ، حتى ان مسألة لو غير لفظها و عبر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها و قصر فهمهم عنها. و كنت عملت على قديم الوقت كتاب النهاية، و ذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنفاتهم، و أصلوها من المسائل و فرقوه في كتبهم، الى ان قال: بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة حتى لا يستوحشوا من ذلك. انتهى.

أقول

و التعويل في حجية الشهرة على كون عباراتهم عين ألفاظ الروايات مشكل، بل ممنوع،

اشارة

و توضيحه يحصل ببيان أمور.

أحدها

ان الظهور كما تبين في محله تنعقد للرواية من وجوه ثلاثة:

«الأول» مواد مفردات ألفاظها و المظنون كون المراد من كلام الشيخ ره هو التحفظ عليها لكنّه قد وقع التخلف عنه في موارد كثيرة، بما لا يبقى معه

طمأنينة على التحفظ عليها، في جميع موارد عدم وجدان النص على طبق فتاواهم فيما بأيدينا من الاخبار.

كعبارة السيد المرتضى- ره- في الانتصار «و مما انفردت به الإمامية، القول بان من سفره أكثر من حضره، كالملاحين و الجمالين و من جرى مجراهم، لا تقصير عليه» و كعبارة سلّار- ره- في المراسم «و لا قصر للملاح و الجمال و من معيشته في السفر و من سفره أكثر من حضره» و قد عدلا فيهما الى عنوان من كان سفره أكثر من حضره، مع ان الوارد في النصوص عنوان من كان السفر عمله، و من كان بيته معه.

و كعبارة الشيخ ره في «النهاية» «و لا يجوز التقصير الا لمن كان سفره طاعة» و كعبارة «المراسم صلاة السفر مشروطة إذا كان المسافر في طاعة أو مباح» و الرواية الواردة في موردهما «من سافر قصر و أفطر الا ان يكون رجل سفره في معصية اللّه» و العدول الى التعبير بالطاعة، مستلزم لتغير مجرى الأصول الجارية في المورد، كما حقق في محله. مضافا أن مقتضى عبارة الشيخ ره، دخول السفر المباح الغير المأمور و لا المنهي عنه فيما يجب فيه التمام، على خلاف الرواية.

«الثاني» هيئة المفردات، كهيئة الأمر و الماضي، و المضارع، و الغيبة، و الخطاب و من المعلوم البديهي لمن راجع كتب القدماء عدم تحفظهم عليها بل كانوا يغيرونها في أكثر الموارد الى لفظ يجب أو يستحب أو يجوز أو لا يجوز أو غيرها من الألفاظ الدالة على الأحكام التكليفية أو الوضعية.

كعبارة «النهاية»: و يستحب لهم ان يجمعوا إذا كانوا خمسة نفر. و كعبارة «الانتصار»: الجمعة لا تنعقد الا بحضور خمسة. مع ان الرواية الواردة في موردها «و لا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين» و في رواية أخرى «و يجمع القوم إذا كانوا خمسة» و في أخرى «فلهم ان يجمعوا».

و كعبارة «المقنع»: و يجب التقصير على الرجل إذا توارى من البيوت.

و الرواية الواردة في موردها قوله عليه السلام جوابا لمن سأله الرجل يريد السفر متى يقصر «إذا توارى من البيوت».

«و الثالث» هيئة تركيب المفردات، و يظهر من التتبع عدم تحفظهم عليها بعين ما ورد من المعصوم.

كما في عبارة الشيخ في «النهاية» و لا يجوز التقصير إلا إذا توارى عنه جدران بلده. حيث عدل فيها عن عبارة الرواية المتقدمة و هي قوله (عليه السلام) إذا توارى من البيوت. و قد عكس ره فجعل الشرط توارى البيوت على خلاف ما في الرواية، و هو تواري شخص المسافر، بمقتضى استنباطه من القرائن الخارجية.

و كما في عبارة «المقنع» و «الهداية» «و لا يحل التمام في السفر الا لمن كان سفره معصية للّه» مع ان عبارة الرواية «ان يكون سفره في معصية اللّه» و لا يخفى ان ظاهرها كون غاية السفر معصية دون نفسه.

«الرابع» سياق الرواية فربما يكون للسياق دلالة على مطلب أو يكون قرينة على تعيين المراد، و من البديهي عدم تحفظهم عليه، كذكر النهي أو الأمر بالشي‌ء في سياق الأمر أو النهي بشي‌ء آخر، يكون كل منهما منوطا بحكم مسألة في باب، و يكون الآخر منوطا بحكم مسألة في باب آخر، جمع بينهما في الرواية لوقوع سؤال الراوي عنهما أو غيره. فيقع التقطيع فيه بحسب أبواب الفقه و يفوت التحفظ على سياق الرواية.

و ربما يستفاد من السياق كون المتكلم في مقام الاجمال و الإهمال، و عدم كونه في مقام البيان، الذي يبتني عليه استفادة إطلاق الحكم و الفتوى بالكلي المطلق الساري على جميع افراده.

و ممّا ينادى بعدم تحفظهم عليه الأسئلة المقرونة بالروايات إذا كان

موردها واقعة شخصية، و كان كلام الامام (عليه السلام) مسوقا لبيان حكمها فتحتاج استفادة الحكم الكلي منه بحيث يذكر في كتب الفقه، الى فهم ما تضمنته الواقعة من جهة الحكم. فربما نشتبه على الفقيه بجهة غيرها تشتمل عليها الواقعة، أو يغفل عن فهم خصوصية من خصوصياتها ممّا تكون لها مدخلية في الحكم.

ثانيها

ان الروايات الواردة في كثير من المسائل الفقهية متعارضة، بحيث ذكر الشيخ ره في أول التهذيب بما هذا لفظه «ذاكرني بعض الأصدقاء بأحاديث أصحابنا و ما وقع فيها من الاختلاف و التباين و المنافاة و التضاد حتى لا يكاد يتفق خبر الا و بإزائه خبر يضاده و لا يسلم حديث الا و في مقابله ما ينافيه».

فقد يكون فتوى المشهور بحكم بمقتضى الجمع بين الروايات الواردة فيه على خلاف ظاهر جميعها، كالفتوى المذكور في النهاية و الاستبصار و الهداية و المراسم و جملة من كتب من تأخر عن الشيخ ره، بالتخيير لمن سافر الى رأس أربعة فراسخ و لم يرد الرجوع ليومه.

فانّ مقتضى الجمع بين ما دل من الروايات على الإتمام فيما دون الثمانية، و ما دل على التقصير في أكثر من الأربعة، بعد تقديم الاولى على الثانية فيما لم يرد الرجوع، بمقتضى ما دل من الروايات على اعتبار الرجوع و تقديم الثانية على الاولى فيما أراد الرجوع ليومه، لدلالة بعض الروايات على التقصير في خصوصه، هو التخيير بين التقصير و الإتمام فيما أراد الرجوع لا ليومه، فربما يقع لهم الاشتباه في الجمع بين الاخبار المتعارضة، كما في المثال المذكور، هذا. و ما

ذكرنا من الأمثلة لعدم مطابقة الفتوى مع النص في كلام المتقدمين رضوان اللّه عليهم، فإنّما اطلعنا عليها بالمراجعة الى بعض كتبهم في مسائل عديدة، من صلاة المسافر، و الجمعة، و إلا فما تشتمل عليه كتبهم من المخالفة بين النص و الفتوى فأكثر من ان يحصى، فراجع و تأمل.

و ثالثها

إنه قد يكون بعض فتاواهم فيها ناشئة من حكم العقل، كقول السيد ره في «الناصريات»: لا تجوز الصلاة في الدار المغصوبة. و قد ذكر في جواب من ادعى إن الصلاة فيها استوفت شروطها الشرعية: ان الوقوع فيها يوجب الخلل في الطاعة و القربة.

فيما يمكن ان يستشكل بها على حجية الشهرة

و هي سبعة:

«الأول» ما ذكره المحقق الأصبهاني «قده» في حاشية الكفاية و هو انهم إذا كانوا مختلفين في حجية الرواية فربما يستشكل في اعتبار الحديث المستكشف، فلعل جميعهم كانوا يرون حجية الأخبار الحسنة، و كان ذلك الحديث أيضا حسنا، فلا يكون حجة عند من يشترط في الحجية الصحة أو الموثقية.

و الجواب انّ عمل الأصحاب برواية يوجب انجبار ضعف سندها فضلا عن كونها حسنة أو موثقة أو غيرها.

مضافا إلى ان اصطلاح الحسن، و الصحيح، و الموثق، قد حدث بين المتأخرين، و لم يكن عند المتقدمين الا الصحيح و الضعيف. و كانوا يطلقون

الصحيح على ما حصل الوثوق بصدوره عن المعصوم، و الضعيف على خلافه، على طبق مرتكز أذهان العقلاء من كون الحجة من الخبر هو الخبر الموثوق به.

«الثاني» قيام الإجماع على عدم حجية فتوى الفقيه للفقيه و بطلان تقليده له، و هذا يشمل الواحد و الكثيرين، ما لم يبلغ حد الإجماع و الجواب ان حجية فتوى المشهور ليس من حيث هي فتواهم، بل من حيث استكشاف النص به.

«الثالث» اختلاف مستند المشهور، فلا تكون رواية واحدة معمولة لهم، حتى ينجبر ضعفها على تقدير الضعف و الجواب عنه يظهر بالمراجعة إلى المقدمة الثالثة من المقدمات الآتية.

«الرابع» انّه ربما يقع الخطأ لهم في فهم الحكم من الرواية كما في روايات نجاسة ماء البئر و الجواب عنه تحفظ من نقول بحجية أقوالهم- اعنى المتقدمين بناء على مذهب الأستاد دام بقاه- على عين ألفاظ الروايات، و ما سيأتي في المقدمة الثانية بناء على المختار.

«الخامس» انّ المشهور ذهبوا الى عدم حجية الشهرة، فالشهرة لو كانت حجة لاقتضت عدم حجيتها، و ما يلزم من وجوده عدمه فهو محال و الجواب عنه مضافا الى ما تقدم منّا من عدم تسليم كون مذهب المشهور نفي حجية الشهرة، عدم كونها من المسائل المذكورة في كتب القدماء، حتى يستكشف به وجود نص بعين ما عبروا به بناء على مذهب الأستاد زيد في عمره و اما بناء على المختار، فلأجل كونها من المسائل التي للعقل سبيل إليها و لا نقول بحجية الشهرة فيها.

«السادس» انّه ربما تكون استفادتهم للحكم من الخبر الموجود عندنا و الجواب ما سيجي‌ء من عدم حجية الشهرة، فيما يحتمل استنادهم الى الاخبار الموجودة عندنا.

«السابع» انه يحتمل ان يكون مستند بعضهم فتوى بعضهم الأخر إلى أن

يرجع الأمر الى من لا نعرفه بعينه و شخصه، و يكون هو ممّن يعمل بالقياس، كابن الجنيد أو من تقدّم عليه ممّن يكون عاملا بالقياس، و الشاهد له من وجوه:

(الأول) ما حكاه المفيد في المسائل السروية: ان ابن الجنيد كتب رسالة سماها بالمسائل المصرية و نسب فيها العمل بالرأي الى الامام «عليه السلام» (و الجواب) انه على وضوح امره من العمل بالقياس، لا يمكن جعل المشهور فتواه مستندا لفتاويهم، لأجل عدم وثوقهم بتركه القياس.

(الثاني) ما ذكره في كشف القناع بقوله و حكى غيره في مواضع متفرقة عن جماعة من أساطينهم العمل بالرأي و القياس أيضا، و فيهم من الأوائل مثل زرارة بن أعين، و جميل بن دراج، و عبد اللّه بن بكير، و هو من أجلاء الفطحية المنتمين إلى أصحابنا، و المعدودين من فقهائهم، و من أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم، و تصديقهم لما يقولون و أقروا له بالفقه، و من الأواخر مثل يونس بن عبد الرحمن، و الفضل بن شاذان، و غيرهم. و لم يثبت بعض ذلك، و قد تبعهم ابن الجنيد من قدماء فقهائنا الذين أدركوا الغيبتين، حتى أنه جعله من الأدلة الشرعية، و عزى في بعض كتبه إلى الأئمة «عليهم السلام» أنهم كانوا يعملون أحيانا بذلك أيضا.

أقول: و منشأ نسبة القياس إلى زرارة ما روي عن ابن مسكان قال:

تذاكرنا عند زرارة في شي‌ء من أمور الحلال و الحرام فقال قولا برأيه، فقلت:

أ برأيك هذا أم برأيه؟ فقال: إني أعرف أو ليس رب رأى خير من أثره (انتهى) و منشأ نسبته الى جميل بن دراج ما روي انه قيل له بعد رواية له عن أحدهما «عليه السلام» في المرتد: فما تقول إن تاب ثم رجع من الإسلام؟ قال:

يستتاب، قيل: فما تقول ان تاب ثم رجع من الإسلام، قال: يستتاب قيل: فما تقول إن تاب ثم رجع؟ فقال: لم أسمع في هذا شيئا، و لكن عندي بمنزلة الزاني

الذي يقام عليه الحد مرتين «انتهى».

و منشأ نسبته الى ابن بكير ما رواه في الكافي بسنده عن سماعة في حديث في الطلاق و قال سماعة. و كان ابن بكير يقول: المطلقة إذا طلّقها زوجها ثمّ تركها حتى تبين ثم زوجها، فإنما هي عنده على طلاق مستأنف، فذكر حسين بن هاشم أنه سئل ابن بكير عنها، فأجابه بهذا الجواب، فقال: سمعت في هذا شيئا، فقال: لا هذا، ما رزق اللّه عز و جل من الرأي، قال سماعة و ليس نؤخذ بقول ابن بكير، فإن الرواية إذا كان بينهما زوج «انتهى».

و منشأ نسبته الى يونس احتمال الشيخ له فيما روى عنه و لم يروها عن أحد الأئمة بقوله: لعله اختاره برأيه، كما يأتي.

(الثالث) ما ذكره الشيخ ره في مواضع من كتابي الأخبار فيما روى عن يونس و لم يرو عن احد من الأئمة قال: لعله لم يسمعها بل اختارها برأيه و لضرب من الاعتبار.

(الرابع) ما في رواية داود بن سرحان عن أبي جعفر «عليه السلام» قال:

سمعته يقول إنى لأحدث الرجل بحديث، و أنهاه عن الجدال و المراء في دين اللّه و أنهاه من القياس، فيخرج من عندي فيتأول حديثي على غير تأويله.

(الخامس) ما رواه في قرب الاسناد عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمد بن ابى نصر قال: قلت للرضا «عليه السلام» جعلت فداك ان بعض أصحابنا يقولون نسمع الأمر يحكى عندك و عن آبائك فنقيس عليه و نعمل به، فقال: سبحان اللّه ما هذا من دين جعفر هؤلاء قوم لا حاجة لهم إلينا قد خرجوا من طاعتنا فصاروا في موضعنا فأين التقليد الذي كانوا يقلدون جعفرا و أبا جعفر «عليه السلام» قال جعفر «عليه السلام» لا تحملوا على القياس فليس من شي‌ء يعادله القياس الا و القياس بكسره.

و الجواب عنه، يعلم بالمراجعة فيما نذكره من الدليل.

و الحري بالذكر ههنا أن منشأ نسبة القياس إلى زرارة و جميل و ابن بكير هو ورود رواية واحدة في حق كل منهم بصدور القياس عنهم مرة واحدة، و اما يونس بن عبد الرحمن فقد عرفت ان منشأ نسبة القياس اليه مجرد احتمال الشيخ فيما روى عنه من الفتاوى من غير تصريح بنسبتها الى المعصوم، و هذه الشذوذ لا يقاوم ما ورد في شأن بعضهم من الروايات.

ففي رواية الكشي بإسناده عن جميل بن دراج ان أربعة و منهم زرارة أمناء اللّه على حلاله و حرامه، و في رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: إن هؤلاء الأربعة و منهم زرارة حفاظ الدين و أمناء أبي على حلال اللّه و حرامه (انتهى) و لا إشكال في ان القياس في الحلال و الحرام من أعظم الخيانة فيها.

و في رواية داود بن سرحان: ان هؤلاء الأربعة و منهم زرارة القوامون بالقسط هؤلاء السابقون السابقون أولئك المقربون.

و قد ورد في يونس: إنه ذكر عبد العزيز بن المهدي وكيل الرضا «ع» و خاصته له: إنى لا أكاد أصل إليك في كل ما احتاج اليه أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني؟ فقال: نعم. و فيها دلالة على تجويز أخذ الحكم منه مطلقا، و قد ورد مثله في غيره.

بل قد ورد ما يمكن ان يستظهر منه كفاية الرجوع الى كل كثير القدم في أمرهم، و هو ما رواه في الوسائل عن الكشي عن جبرئيل بن احمد عن موسى بن جعفر بن وهب عن أحمد بن حاتم بن ماهويه قال: كتبت إليه يعني أبا الحسن «عليه السلام» أسأله عمن آخذ معالم ديني؟ و كتب أخوه أيضا بذلك، فكتب لهما: فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كل من في حبنا و كل كثير القدم في أمرنا فإنهما كافوكما ان شاء اللّه هذا و الذي لا يرتاب فيه أحد أنّ مثل الشيخ ممّن روى العمل بالقياس

في حقّ مثل زرارة، و احتمله في حقّ مثل يونس بن عبد الرحمن لا يعتمد على قول غيرهما البتة، و كذلك المفيد و السيّد المرتضى و غيرهما. و قد ذكر في «كشف القناع»: انّ المفيد و المرتضى قد أكثر القدح في طريقة أرباب الحديث من السلف، بعدم تمييزهم في نقل الأخبار بين الزيف و الجيّد، و الغث و السمين، و السقيم و الصحيح، لقصور فطنتهم عن ادراك ذلك، و بأنّه لا يعتدّ بهم في إجماع و لا خلاف، و أكثرا أيضا من القدح في الأخبار الموجودة في الكتب الأربعة أو غيرها ممّا كانت مناط عمل السلف حتّى كاد أن لا يوجد سالما من القدح ممّا يتعلّق بأحكامهم إلّا قليل أخبارهم (انتهى).

و مع ذلك كله فما زعمك بهم و بأمثالهم ممّن كان مناط تحصيل شهرة الحكم بين المتقدمين لنا، هو الرجوع الى كتبهم و فتاويهم.

في ذكر مقدمات لتحقيق المسألة

المقدمة الأولى في حقيقة الفتوى

الفتوى في أصل اللغة بمعنى الاخبار عن أمر مشكل، ثم نقل في العرف الى الاخبار عن أمر مشكل لا يطلع عليه الا أهل فن خاص.

فالطبيب يفتي في الأمور الراجعة إلى البدن من حيث الصحة و المرض و يخبر الناس بامراضهم و بطريق معالجتها، فيقول للمريض: ان لك هذا المرض و ينفعك فيه هذا الدواء، و ربما يخبر عن ذلك بصيغة الأمر فيقول اشرب هذا و لا تأكل هذا، و الأمر في المقام إرشاد إلى نفع المأمور به له، و النهي إرشاد إلى إضراره له، و بالجملة الفتوى أيا ما كان، بالجملة الخبرية أو الجملة الإنشائية،

إخبار عن الواقع بحسب فهم المفتي. و يشهد له الفحص عن أحوال أهل الفنون المختلفة من المعلوم و الصناعات على كثرتها.

و من جملتها الفقيه، و هو من حاز فن استنباط أحكام الشرع المبين من الحلال و الحرام و استكشافها، و فتواه إخبار عن حكم الشرع بحسب ما يقتضيه فهمه. و ليس إرجاع العوام الى فتوى الفقهاء لأجل خصوصية فيهم يقتضي تأسيس الشارع له، بل هو إمضاء لما جرت عليه طريقة العقلاء من رجوعهم عند الحاجة الى الاطلاع عن أمر راجع الى فن، الى أهل ذلك الفن و الالتزام بفتواهم، و العمل على طبقه، و هذا معنى التقليد.

نعم العقلاء لا يعتبرون العدالة في المراجعة إلى أرباب سائر الفنون، و ذلك لأجل حصول الاطمئنان بصدقهم و عدم تعمدهم بالكذب غالبا فان الاستفتاء منهم لأجل الوصول الى غايات دنيوية يطلع عليها الناس في الدنيا، فإذا كذب المفتي في فتواه يعلم كذبه بعدم حصول الغاية المطلوبة، فيحترز لأجله لا محالة أهل تلك الفنون، بحسب العادة، عن الكذب.

و اما الفقه فحيث كان غايته امرا أخرويا لا يطلع الناس في الدنيا بحصولها أو عدمه، فلا يمتاز الكاذب من الفقهاء عن صادقهم في الدنيا، فلا يحصل الاطمئنان بأقوالهم إلا قول فقيه يوثق بدينه، و الامارة إليه اجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر، فإنّ من له دين و اعتقاد باللّه و اليوم الأخر يجتنب عن الكبائر، نعم قد يتفق له ارتكاب صغيرة لما وعد اللّه العفو عن الصغائر بقوله:

«إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ» (1)و قد تحصل ممّا ذكرنا أن فتوى الفقيه إخبار عن حكم اللّه في الواقع، من حلال، أو حرام، أو واجب، أو مكروه، أو مندوب.


1) سورة النساء، الآية 31.

المقدمة الثانية في جواز النقل بالمعنى، و منشأه

ان بناء العقلاء استقر على جواز النقل بالمعنى، و شاع ذلك فيما بينهم بحيث لا يرتاب فيه احد فيسندون بيان المعنى الى متكلم بلفظ من الألفاظ المؤدية لذلك المعنى، من غير فرق بين اللفظ الذي صدر من المتكلم و غيره، فربما يتكلم بلغة من اللغات فيسندون اليه بيان المعنى بلغة اخرى، و ينسبون إليه إنه قال كذا و كذا، مع انه لم يصدر منه هذا اللفظ، و لم يتكلم به، بل ربما يكون غير عارف بتلك اللغة و تكلم بكلام آخر مباين معه في اللفظ و متحد معه في المعنى.

و لا يفرقون في ذلك بين أن يكون المنقول اليه عالما بعدم تلفظ المتكلم بخصوص هذا اللفظ و عدمه، و لا بين أن يكون عالما بعدم معرفة المتكلم بهذه اللغة و عدمه و ليس هذا الاسناد من قبيل المجازات و الا لاحتاج الى ضم قرينة بل هو اسناد حقيقي.

و السر فيه أن الألفاظ ليست ملحوظة للمتكلم الا بالتبع، و الملحوظ عند المتكلم ليس إلا المعاني، و الألفاظ مندكة فيها، و بعبارة أخرى: ليس مراد المتكلم إلا إلقاء المعنى الى ذهن المخاطب، و لما كان المعنى بنفسه غير قابل لذلك توسلوا اليه بوضع لفظ له. و حقيقة الوضع- على ما حققناه في محله، و بينا له وجوها كثيرة من الأدلة و الشواهد- جعل الوحدة بين اللفظ و المعنى، و جعل وجود اللفظ عين وجود المعنى. و بعبارة أخرى: جعل وجود آخر للمعنى يتوجد به في الخارج وراء الوجود العيني الحقيقي و هو الوجود اللفظي، فتوجد المعاني في الخارج عند استعمال الألفاظ اعتبارا، و تلقى الى ذهن المخاطب بتوسط السمع.

فتكون الألفاظ بما هي ألفاظ مغفولة عنها و غير مقصودة للمتكلم أصلا، بل

يتعلق التكلم بهذا الاعتبار، بنفس المعاني، فيكون نقلها بغير اللفظ الملفوظ له صحيحا و مطابقا للواقع. فإذا تكلم زيد بكلام و نقل معناه عنه بغير اللفظ الملفوظ له، يتعلق النقل بالأصالة بالمعنى المتحد مع اللفظ المذكور في النقل، فيكون مطابقا لما قاله زيد، لكون المعنى هو المتعلق للتكلم بالأصالة في الحقيقة.

هذا و لم يصدر من الشرع ردع و منع عن النقل بالمعنى، فإنه لو صدر منه ردع، و منع عنه، لوصل إلينا البتة. لكثرة الابتلاء به بأكثر من الابتلاء بكل شي‌ء، بل كان واجبا على الأئمة «عليهم السلام» إشاعته بين الأصحاب و نقلة الحديث.

و بالجملة جواز النقل بالمعنى استقر عليه بناء العقلاء و لم يثبت من الشارع ردع بالنسبة إليه بل ثبت إمضائه لوجهين:

«الأول» ان من البديهيات عند قاطبة المسلمين، عدم لزوم الكذب عند النقل بالمعنى في جميع أنواع الكلام، حتى في خصوص نقل الحديث.

و من البديهي عندهم عدم بطلان الصوم بنقل الحديث بالمعنى، و السيرة القطعية منهم جارية على جواز نقل كل طائفة من المسلمين الأحاديث المأثورة عن النبي «صلّى اللّٰه عليه و آله» و الأئمة المعصومين بلغتهم، في شهر رمضان. و هي تكشف كشفا قطعيا عن إمضاء الشارع، و تقريره، لما بنى عليه العقلاء من جواز النقل بالمعنى.

«الثاني» صدور النقل بالمعنى عن النبي «صلّى اللّٰه عليه و آله» و أوصيائه الكرام في نقل وقائع الأمم الماضية حيث نقلوا كلماتهم باللغة العربية، مع ان غالبهم كانوا من غير العرب من الطوائف و الأمم المختلفة بل وقع ذلك في القرآن المجيد، فإنّه مشحون من النقل بالمعنى، بداهة انّ المذكور فيه هو الألفاظ الاعجازية التي لا يكاد يصدر مثلها من الانس و الجن، و ليس شي‌ء منها عين اللفظ الصادر عن المنقول كلامه، و ان فرض إمكان بعضه، فلا ريب في عدم كون جميع الكلمات المنقولة في القرآن عين الألفاظ التي صدرت عمن نقل كلامه.

و ما ذكرنا كله مضافا. الى، قيام إجماع الإمامية على جواز النقل بالمعنى، و ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن ابن ابى عمير عن ابن أذينة عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه «عليه السلام»: اسمع الحديث منك، فأزيد و أنقص قال: إن كنت تريد معانيه فلا بأس.

المقدمة الثالثة في أنحاء حصول الوثوق بالحديث

ينجبر ضعف الرواية بالشهرة.

بيانه أن الحجة من الروايات و الاخبار الآحاد، ما كانت موثقة، أعني أن يحصل منها الوثوق بصدور مضمونها عن المعصوم، من غير فرق بين ان يحصل ذلك من وثاقة الراوي أو من أمر آخر.

و لبيان وجه حجيتها، و أنها من جملة البنائات العقلائية، و أن جميع الأدلة الشرعية الدالة عليها إمضاء لبنائهم، و ليس فيها دليل تأسيسى، يدل على إبداع الشرع لها، و ان الحجة من الخبر عندهم هو خصوص ما يفيد الوثوق، مقام آخر.

و يغنينا عن التفصيل فيه في المقام تسالم المتأخرين و المتقدمين من أصحابنا- عدا قليل من الأواسط- على حجية الرواية الموثقة، أعني ما يحصل الوثوق بصدور مضمونها عن المعصوم، و هو أعم من أن يحصل من وثاقة الراوي أو من أمر آخر، فتكون الموثقة بهذه الملاحظة على قسمين، و القسم الثاني منها أيضا ينقسم إلى أقسام أربعة.

«الأول» ان يحصل الوثوق من تعدد النقل و الرواية.

«الثاني» ان يحصل من عمل الأصحاب.

«الثالث» ان يحصل من المجموع الملفق منهما.

«الرابع» ان يحصل من سائر القرائن و الامارات على اختلافها.

و قبل التصدي لشرح الاقسام لا بد من تقديم مقدمة: و هي ان الوثوق مرتبة أكيدة من المظنة تحصل تارة من قوة السبب، و تارة من تداخل الأسباب العديدة، و ذلك لأنه إذا كان هناك أسباب عديدة يؤثر كل واحد منها في حصول المظنة، فإذا اجتمعت تلك الأسباب يؤثر مجموعها في حصول مظنة قوية أكيدة.

فلو فرضنا أن للمظنة، من الدرجة التالية للشك، إلى الدرجة المتلوة للقطع، عشر درجات، و ان الوثوق هو الدرجة العاشرة، أو هي و التاسعة منها، و فرضنا ان كل واحد من تلك الأسباب يوجب لحصول درجة واحدة من المظنة، و كانت عدتها عشرة، يحصل من مجموعها مظنة تبلغ إلى الدرجة العاشرة منها أعني الوثوق.

و كذا لو فرضنا أن عدتها خمس، يوجب كل واحد منها حصول درجتين من المظنة، فإذا اجتمعت، يحصل من مجموعها مظنة، تبلغ إلى الدرجة العاشرة، و هكذا.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أن حصول الوثوق في القسم الأول، لأجل أن كل رواية و إن كانت ضعيفة توجب المظنة لا محالة، لشهادة الوجدان بحصول التغير في الحالة النفسانية عند اخبار مخبر، و حصول الرجحان عند النفس لأحد طرفي الشك المستوي الطرفين قبل الأخبار، أعني الجانب الذي أخبر به المخبر من الوجود أو العدم و هو المسمى بالمظنة، و ان كانت عند ضعف السند ضعيفة جدا، لكنها تتقوى و تتأكد بتكرر الأخبار، حتى يبلغ عددها الى حيث أوجب تأكد المظنة و بلوغها إلى الدرجة التي نسميها بالوثوق، بداهة تأكدها بتعدد أسبابها كما تقدم. بل ربما يحصل من تعدد الاخبار وثوق أقوى من الحاصل من الخبر الصحيح، فيرجح عليه عند التعارض. و بالجملة إن تعدد الاخبار من جملة أسباب حصول الوثوق.

و اما القسم الثاني، فحصول الوثوق منه لأجل أن كل واحد من المتقدمين لأصحابنا، الذين وصل إليهم ما لم يصل إلينا من القرائن، إذا تلقاها بالقبول و عمل بها، يحصل منه المظنة بمطابقة الخبر للواقع. فإذا تعددوا تتأكد المظنة بحسب كثرة عددهم، حتى يبلغ الى حيث يوجب تأكد المظنة بما يبلغ إلى مرتبة الوثوق.

و هذا هو الوجه في انجبار ضعف الرواية بعمل الأصحاب، فإن كل واحد منهم إذا عمل بها و تلقاها بالقبول، يحصل منه درجة من المظنة، فإذا اجتمعوا على العمل بها، يحصل منها المظنة الأكيدة التي نسميها بالوثوق.

و اما القسم الثالث، فيعلم حصول الوثوق منه، ممّا قدمناه في القسمين الأولين، فإنّه إذا فرض ان كل نقل يوجب المظنة و أنه إذا تعدد تتأكد المظنة الحاصلة من الاخبار المتعددة، و كذا عمل كل واحد من الأصحاب، المتعددة.

فإذا فرضنا أن نقل كلّ واحد من نقلة الحديث يوجب درجة من المظنة، من الدرجات العشر المفروضة لها و نقل الحديث بخمسة طرق، و عمل به جمع من الصحابة بما يوجب خمس درجات من المظنة بصحّة الحديث، يحصل من مجموعهما عشر درجات من المظنة بصحّة الحديث.

و بالجملة لا يبقى ريب بحسب ما ذكرنا، في انّ الوثوق كما يحصل من تعدد النقل و تعدد العاملين به، كذلك يحصل من الملفق منهما.

المقدمة الرابعة في الفرق بين الاخبار عن حسن و الاخبار عن حدس

اعلم انّ الفارق بين الاخبار عن حس و الاخبار عن حدس في الحجية و عدمها، جريان أصالة عدم الخطأ في الحس عند العقلاء، و عدم جريانها

في الحدس، فيكون احتمال الخطأ في الحدس، عند كونه منشأ للخبر موجبا لسقوطه عن الحجية.

و منه يعلم حجية الخبر إذا كان منشأه متركبا من الحس و الحدس إذا علم المخبر له مطابقة حدس المخبر للواقع و عدم وجود الخطأ فيه.

و منه يعلم أيضا أنه لا تدور الحجية مدار قصد الافهام باللفظ بل لو علم من أحد، أنه أحسّ بشي‌ء يجري فيه أصالة عدم الخطأ، و ان لم يصدر منه لفظ أو فعل يقصد به الإفهام.

المقدمة الخامسة في استقصاء أقسام الحجة في الفقه

الحجة في الفقه ثماني عشر:

«الاولى» «ظواهر الكتاب» و موارد الاستدلال بها في الفقه معدودة محصورة، و هي قريبة من خمسمائة آية.

«الثانية» «النصوص المأثورة عن المعصومين عليهم السلام» و هي العمدة في استنباط الاحكام و عليه التعويل في فقه الإمامية في غالب الاحكام (و قد صنف أصحابنا أصولا و كتبا كثيرة في ضبطها و قد حال الدهر بيننا و بين كثير منها) و ليس الموجود فيما بأيدينا الا الجوامع المتأخرة المصنفة في القرن الثالث و الرابع، (و اما الجوامع المصنفة في عصر ثامن الأئمة عليه آلاف الثناء و التحية) و هي جوامع ابن أبي عمير و حسن بن علي بن محبوب و صفوان بن يحيى و احمد بن محمد بن ابى نصر البزنطي و غيرهم و سائر الأصول و الكتب المصنفة لأصحابنا التي يعلم كثرتها بالمراجعة إلى فهرست الشيخ و هو ره على مبلغه في الإكثار في ذكر الكتب المصنفة لأصحابنا اعترف بعدم استقصائه لجميعها

(و الغرض من وضع هذه الرسالة الهداية إلى نهجة يتطرق بها الى بعض الاخبار الغير الواصلة إلينا من فتاوى فقهائنا المتقدمين الذين وصل إليهم اخبار لم تصل إلينا) و مع ذلك كله فنحمد اللّه تعالى على ما وصل إلينا هذا القدر من الروايات بفضل التمسك بذيل أهل بيت العصمة سفينة النجاة في بحار الجهل و الظلمة (و الا فالتاركون لشآبيب علومهم تحيروا في تيه الضلالة فالتجأوا الى القياس و الاستحسان كسراب بقيعة يحسبها الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

«الثالثة» إجماع الفقهاء الإمامية و هو في أي مسألة تحقق تكون من الضروريات و ما سموه إجماعا في كثير من المسائل الفقهية لا يزيد على مجرد الشهرة.

«الرابعة» «قاعدة الملازمة» بين حكم العقل و الشرع، فيستكشف من وجود المتلازمين اعنى حكم العقل وجود أحد الملازم الأخر أعني حكم الشرع و هي ثابتة بحسب جملة من الروايات و موردها سلسلة علل الاحكام دون سلسلة معلولاتها فان الملازمة بين الحكم فيها يوجب التسلسل.

«الخامسة» «السيرة العملية المستمرة إلى زمن المعصومين عليه السلام» و وجه حجيتها، تقرير المعصومين «عليهم السلام» لما جرت عليه سيرة أصحابهم و مواليهم، و هي عرضية و طولية:

و العرضية هي التي انكشف استمرار السيرة إلى زمن المعصومين من التاريخ، أو الاستصحاب القهقرائي على تقدير حجيته في المقام.

و الطولية، هي التي يستكشف وجود السيرة في كل سابق، من الزمان اللاحق عليه، فوجود السيرة بين المتدينين و الملتزمين بالعمل على طبق أحكام الشرع، يكشف عن وجود السيرة بين آبائهم الذين عاصروهم الى مبلغ من عمرهم، و يكشف وجود السيرة بينهم عن وجودها بين آبائهم، و هكذا الى أن ينتهي إلى زمن المعصومين «عليهم السلام».

و الشروط في حجيتها، عدم كونها مطابقة لمقتضى الأهواء و المنافع الدنيوية.

«السادسة» إلغاء الخصوصية، هو عدم فهم العرف من النص خصوصية لما ذكر فيه من القيد، و كون ذكر القيد من باب المثال، فيسري الحكم الى الفاقد له، كالغاء خصوصية الرجولية في قوله «عليه السلام» من سافر قصر و أفطر الا ان يكون رجلا سفره في معصية اللّه.

«السابعة» المفهوم، و هو الحكم المستفاد من نحوة التنطق.

«الثامنة» الأولوية القطعية، و هي المسمى في كلماتهم بالمفهوم الموافق، و قد يشتبه بإلغاء الخصوصية، و قد تبين الفرق بينهما مما ذكرنا.

«التاسعة» العموم الملتقط من الموارد الخاصة و هو الحكم الذي يفهمه العرف من ألفاظ متعددة، يدل كل واحد منها على حكم جزئي في مورد جزئي، لا يفهم العرف العموم من كل واحد منها، و انما يفهمه بملاحظة جميعها. و هذا اعني العموم الملتقط، قسم من الظهور المتحقق بجمل متعددة بما هي متعددة و هو الظهور غير المنافي لظهور كل واحد من الجمل.

«العاشرة» «الجمع العرفي» و هو الظهور المحقق بجمل متعددة بما هي متعددة لكنّه ينافي للظهور المتحقق بكل واحد من الجمل أو بعضها فيوجب رفع اليد عنه، و هو المسمى بالجمع العرفي.

«الحادية عشر» القياس، و هو في اصطلاحهم استنباط حكم مورد جزئي، من مورد جزئي آخر، و بطلان العمل به من ضروريات فقه الإمامية.

«الثانية عشر» الاستحسان، و هو استنهاض وجوه ظنية من العقل لاستنباط الحكم الشرعي، و هو أيضا باطل كسابقه.

«الثالثة عشر» استصحاب الحالة السابقة.

«الرابعة عشر» العلة المنصوصة، و هي التي أنيط الحكم بها في النص.

«و الخامسة عشر» «تنقيح المناط» و هو استنباط علة الحكم المنصوص

من العقل، و قد يسمى بالعلة المستنبطة، فيستكشف وجود المعلول اعني الحكم الشرعي من تحصيل علة من غير النص. و قد يخفى فرقه مع إلغاء الخصوصية، و تنقيح المناط بعضها مع بعض، و قد اتضح الفرق بينهما ممّا ذكرنا.

«السادسة عشر» «البراءة» و هي عقليّة بمعنى نفى العقاب، و شرعيّة بمعنى نفي الحكم في الظاهر.

«السابعة عشر» قاعدة الاشتغال و الاحتياط، و هي عدم حكم العقل بنفي العقاب، و حكمه بعدم قبحه على تقدير مخالفة الواقع (و هي من جملة أحكام العقل في سلسلة معلولات الاحكام) فلا تكون مستلزما لحكم الشرع بمقتضى قاعدة الملازمة.

هذه اربع عشر حجة، تقع واسطة في استنباط الأحكام الشرعية.

المقدمة السادسة في أقسام الظاهر و جواز النقل بالمعنى في جميعها

لا يخفى أنّ النقل بالمعنى عبارة عن نقل ما يفهمه العرف من المعنى عن اللفظ بلفظ آخر، و هو الذي يعبر عنه بالظاهر، و قد بيّنوا حجيته فلو أراد المتكلم خلافه و لم ينصب عليه قرينة، فنقل عنه ناقل و ذكر ذلك المعنى الظاهر بلفظ آخر، ثم انكشف ارادة خلافه كان ظهور اللفظ فيه حجة عليه.

و منه يعلم جواز النقل بالمعنى في مطلق الظواهر اعنى مطلق ما يفهمه العرف من اللفظ، فيدخل فيه إلغاء الخصوصية، و المفهوم، و العموم الملتقط، و الجمع العرفي، و العلة المنصوصة، لكون جميعها من قبيل الظاهر اعني ما يفهمه العرف من الكلام، و يشهد لذلك (ان الحجة فيها هو الفهم العرفي) و لا فرق في حجية الفهم العرفي في تشخيص ظواهر الكلام بين أنواعها بحسب تعدد منشأها

«فمنها» اشتمال الكلام على كيفية توجب ظهورها في ثبوت المفهوم «و منها» اشتمالها على قيد لا يفهم العرف منه القيدية، و هو منشأ إلغاء الخصوصية «و منها» اشتمالها على ذكر العلة بحيث يفهم منها معلولها «و منها» ان يكون هناك حملات متعددة العرف من مجموعها معنى لا يفهمه عن كل واحد واحد منها، و هو منشأ الجمع العرفي، و العموم الملتقط.

إثبات حجيّة الشهرة عند استجماع شروط خمسة

إذا عرفت المقدمات فنقول: إنّ مقتضى التحقيق حجية شهرة الفتوى بين المتقدمين عند استكمال شروط.

«الأول» عدم احتمال كونها مستندة إلى رواية فيما بأيدينا.

«الثاني» عدم كونها مطابقة لمقتضى الأصل و هو الاستصحاب، و البراءة، و الاشتغال.

«الثالث» عدم كون ما قامت عليه الشهرة ممّا للعقل سبيل اليه، بتنقيح المناط، أو استكشاف الحكم الشرعي بقاعدة الملازمة.

«الرابع» عدم كونه مما يصلح وجها للجمع بين الاخبار الموجودة عندنا.

«الخامس» عدم كونه عموما يمكن التقاطه من الموارد الجزئية.

و الدليل عليه من وجهين:

الأوّل أن الفتوى اخبار بالحكم الواقعي بحسب المقدمة الاولى، و الحكم الواقعي و ان كان مستورا لا يناله الحسّ، الّا انّه حيث ثبت أنّ منشأ الفتوى هو النقل عن المعصوم، لعدم وجود دليل عليه في مفروض اجتماعه للشروط المذكورة، إلا النقل عنه، تجرى أصالة عدم الخطأ في الحس في وسائط النقل الى المعصوم بحسب المقدمة الرابعة، و يحصل لنا الوثوق بصدق الوسائط

من تأيد فتوى بعضهم بفتوى بعض من الفقهاء الكثيرين و وثوقهم بصدق الرواة بحسب المقدمة الثالثة.

و توضيحه: ان الاخبار الفقهيّة إخبارات عن الأحكام الموجودة في الواقع و المناط في حجيتها بعد حصول الوثوق بصدق الوسائط جريان أصالة عدم الخطأ في الحس في كل واحد من الوسائط الى أن ينتهي إلى المعصوم و حصول العلم الوجداني بمطابقة اخباره للواقع إذا كان في مقام بيانه و جريان أصالة كونه في مقام بيان الواقع و عدم كونه في مقام التقية و غيرها و هذه كلها حاصلة من فتوى مشهور المتقدمين من أصحابنا عند تحقق الشروط الخمسة المذكورة، فإنها كما عرفت اخبار عن الحكم الواقعي عن حس، و هو السماع للنقل عن المعصومين، و يحصل الوثوق بصدق الرواة من كون النقل معمولا به عند الأصحاب، و لا إشكال في حجية الرواية المعمولة بها عندهم، و حصول الوثوق بها من عملهم، و قد عرفت تفصيل الكلام في حصوله في المقدمة الثالثة، و يجري أصالة عدم الخطأ في الحس في كل واحد من الوسائط إلى المعصوم، و أصالة كونه في مقام بيان الواقع في حقه.

«و الثاني» انّ الفتوى بالحكم الشرعي فيما ليس للعقل سبيل إليه في محيط الشيعة اخبار عن قول الأئمة المعصومين «عليهم السلام» لعدم تعويلهم في الأحكام الشرعية على قول أئمتهم بل كان المائز بينهم و بين غيرهم من المسلمين هو ذلك و يشهد لما ذكرنا (قوله «عليه السلام» في التوقيع الشريف و اما في الحوادث الواقعة فارجعوا الى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم و انا حجة اللّه عليهم) فإنّه يدل على انّ حجية فتوى الفقيه لغيره من حيث انّه رواية عن الأئمة «عليهم السلام».

و توضيحه: أنّ فتاوى أصحابنا في أول الأمر كان بنقل عين الرواية عن المعصوم، ثمّ تداول في مقام الفتوى نقل الرواية من غير تصريح بالإسناد

لوضوحه، ثم تداول نقل مضمون الرواية و لو بتغيير اللفظ الوارد عن المعصوم.

و بالجملة ان الفتوى في محيط الشيعة كان عبارة عن نقل رأي المعصوم، فهي رواية مرسلة محذوفة الوسائط، فإذا اجتمعت عليه المشهور من أصحابنا المتقدمين يجري فيه حكم المراسيل المعمولة بها عند القوم، و كان العمل منهم جابرا لضعف سنده على تقدير كونه ضعيفا في الواقع. و بعبارة أخرى يحصل الوثوق من عملهم بصدق الوسائط المتوسطة بينهم و بين المعصوم.

«و يمكن الاشكال فيهما» بان المشهور يحتمل ان يكون فتوى بعضهم مستندا الى فتوى بعض، و يكون مرجع الجميع الى فتوى واحد من القدماء لا نعرفه بعينه، و من المحتمل في حقه ان يكون ممن يعمل بالقياس، فيكون مأخذ فتوى المشهور هو القياس من غير التفات منهم به، فتكون فتاويهم غير كاشفة عن قول المعصومين «عليهم السلام».

«و الجواب» انّ عمل المشهور كما يكون كاشفا عن كون إخبار من في السلسلة عن صدق كذلك يكون كاشفا عن كونه عن حس لكون طريق الحدس بحسب المفروض منحصرا في القياس البديهي التحريم في مذهب الشيعة، كالكذب، فحيث يحصل من عمل المشهور الوثوق بعدم ارتكاب الوسائط للكذب، كذلك يحصل الوثوق منه بعدم ارتكابهم للقياس، فان السبب لحصول الوثوق بعدم ارتكابهم للكذب، هو اعتماد المشهور على قولهم، و هو موجود في حصول الوثوق بعدم ارتكابهم للقياس المحرم أيضا.

و الحاصل أن فتوى المشهور إخبار عن أمر بالواسطة مع حذف الوسائط، فهو بحكم الرواية المرسلة التي حصل الوثوق من عمل الأصحاب بعدم ارتكاب الوسائط للكذب، كذلك يحصل الوثوق بعدم ارتكابهم للقياس لوحدة الملاك فيهما.

التفصيل في الحجية بين شهرة القدماء و المتأخرين

ذكر الأستاد آية اللّه الكبرى العلامة البروجردي أدام اللّه ظله الى التفصيل بين شهرة القدماء و المتأخرين، و ذكر أن اشتهار الفتوى بين المتقدمين يكشف عن وجود نص معتبر لم يصل إلينا، و أما المتأخرون فحيث ان الموجود عندهم من النصوص هي النصوص الموجودة عندنا فلا تعويل على اشتهار الفتوى فيما بينهم.

و التحقيق في المقام يتوقف على بيان طبقات الفقهاء، و الذي يظهر من التتبع، أنّ فقهاء أصحابنا على أربع طبقات:

«الطبقة الأولى» المحدثون من عصر الأئمة سلام اللّه عليهم الى زمن ابن أبي عقيل فان عادتهم في الفتوى جرت على نقل عين كلام المعصوم من دون تصرف فيه، كان السائل عنهم يسأل عن الأئمة فكما كان العوام يراجعون الى الامام «عليه السلام» فيسئلون عنه الحكم فيعملون بقوله كذلك المراجع لهم كان يعمل بقوله له «عليه السلام» إذا نقل إليهم الفقيه عنه و كان رؤيتهم هذه، في تدوين كتب الفتوى.

و من هذا القبيل كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ محمد بن علي بن بابويه فإنه رسالة عملية صنفت ليعمل بها، قال في أوله بعد ذكر بعض السادة الأتقياء: و سألني أن اصنف له كتابا في الفقه و الحلال و الحرام و الشرائع و الاحكام موفيا على جميع ما صنف في معناه و أترجمه بكتاب من لا يحضره الفقيه ليكون اليه مرجعه و عليه معتمدة و يشترك في أجره من ينظره و ينسخه و عمل بمودعه، هذا مع نسخه لأكثر ما صحبني من مصنفاتي و سماعه لها

و روايتها عني و وقوفه على جملتها، الى ان قال: و صنفت له هذا الكتاب بحذف الأسانيد، لئلا يكثر طرقه و ان كثر فائدته و لم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إيراد ما افتي به و احكم بصحته و اعتقد فيه أنه حجة فيما بينى و بين ربي (انتهى).

و من هذا القبيل أيضا كتاب أبيه علي بن بابويه فإنه كتاب الفتوى ذكر فيه الفتوى بعين الروايات من غير ذكر السند، بل و لا الإسناد إلى المعصوم، و لذلك كان الأصحاب يأخذون فتاويه منزلة روايته عند إعواز النصوص لشدة اعتمادهم بنظره في تمييز صحيح الرواية عن سقيمها.

و بالجملة فهذه طريقتهم في تصنيف كتب الفتوى الى زمان ابن أبي عقيل.

قال العلّامة بحر العلوم- ره- هو أوّل من هذب الفقه و استعمل النظر و فتق البحث عن الأصول و الفروع في ابتداء الغيبة الكبرى، و بعده الشيخ الفاضل ابن الجنيد، و هما من كبار الطبقة السابعة، و ابن أبي عقيل أعلى منه طبقة، فان ابن الجنيد من مشايخ المفيد، و هذا الشيخ من مشايخ شيخه جعفر بن محمد بن قولويه كما علم من كلام النجاشي (انتهى).

«الطبقة الثانية» و هي الفقهاء الذين نشأوا من زمان ابن أبي عقيل الى زمان شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي و قد تقدم نقل كلام الشيخ ره في المبسوط في وصف كتبهم و ذكرناه هناك مع ما يليق بالمقام.

«الطبقة الثالثة» تلامذة الشيخ ره، و تلامذة تلامذته، الى زمان المحقق، و قد وصل الى بعضهم جوامع الحديث القديمة، فيشترك فقهاء هذه الطبقة مع الطبقة الثانية في كون اشتهار الحكم بينهم كاشفا عن وجود نص معتبر لم يصل إلينا.

لكنه قد طعن فيهم الشهيد الثاني ره في كتاب الرعاية على ما نقل عنه ولده فقال: إنّ أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ ره كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا

له لكثرة اعتقادهم فيه و حسن ظنهم به، فلما جاء المتأخرون وجدوا أحكاما مشهورة عمل بها الشيخ ره و متابعوه، فحسبوها شهرة بين العلماء، و ما علموا أن مرجعها الى الشيخ ره و ان الشهرة إنما حصلت بمتعابعته، ثم قال: قال الوالد قدس اللّه نفسه: و ممّن اطلع على هذا الذي بينته و تحققته من غير تقليد، الشيخ الفاضل سديد الدين محمود الحمصي، و السيد رضي الدين بن طاوس ره و جماعة، قال السيد ره في الكتاب المسمى بالبهجة لثمرة المهجة أخبرني جدي الصالح و رام بن أبي فراس قده أنّ الحمصي حدثه أنه لم يبق للإمامية مفت على التحقيق بل كلهم حاك (انتهى).

و أجاب عنه بعضهم: إنّ هذا و هم حصل له و لغيره، من حيث إنهم لما وافقوه في المسلك و الطريقة غالبا أفضى ذلك الى موافقتهم لهم في الاحكام أيضا غالبا فأشبه ذلك في بادى النظر أنهم إنّما عوّلوا فيها على تقليده، مع أنّ فتاوى الشيخ ره مختلفة، و ليس له رأي مضبوط في كثير من المسائل.

و من العجيب، أنه نقل بعض المدققين من المتأخرين عن بعض مشايخه في حق الشهيد و من قارب عصره، قال: و قد أخبر بعض الفحول من مشايخنا، إن جميع ما عند الشهيدين مأخوذ من ثاني المحققين، حتى أنه كان يتعجب ممّا رأى استقلاله به في مورد، إلى أن اطلع على سبق ثاني المحققين قده في محل آخر، و ذكر أن هذا و إن كان مبنيا على المبالغة، إلا أن الغالب على ما افاده، و نسبه أول الشهيدين إلى العلّامة هذه النسبة كما لا يخفى على الخبير بل الفاضلان قده من زمن الشيخ يقرب أن يكونا بهذه المثابة (انتهى).

«الطبقة الرابعة» و هي من تأخر عن المحقق الى زماننا. و اشتهار الحكم و الفتوى بين هذه الطبقة، ليس واجدا لما هو ملاك الحجية، أعني كونه مستندا الى نص معتبر لم يصل إلينا، لعدم وصول الجوامع الأولية إليهم، و الموجود فيما بأيديهم هو الروايات الواصلة إلينا. نعم قد وجد لهم كتب و أصول مستحدثة لم

يوجد بعض رواياتها في الجوامع المعتبرة و المتواترة نسبتها الى مصنفيهم و لا تعويل عليها مع انقطاع سندها و عدم ثبوت صحة انتسابها الى من نسبوها اليه.

فلو اشتهر الفتوى فيما بينهم، بما لم يذكره القدماء في كتبهم، لا يكون حجة بالنسبة إلينا، لعدم كشفها عن وجود نص معتبر لم يصل إلينا، مع أنّ الجابر لضعف السند انما هو عمل أصحابنا المتقدمين، لاقتران زمانهم بزمان صدور الروايات، فيكون عملهم بحديث مع ضعف سنده كاشفا عن وجود قرائن تدل على صحته و خفيت على المتأخر عنهم بمرور الزمان.

في الاحتجاج على حجية الشهرة بالنص

استدل من النص على حجية الشهرة بروايتين.

«إحداهما» ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» في مورد اختلاف القاضيين قال «عليه السلام» ينظر الى ما كان من رواياتهما عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور فان المجمع عليه لا ريب فيه الى ان قال فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم قال ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامّة فيؤخذ به و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنة و وافق العامة (انتهى).

و ذكر «الأستاذ الكبير العلامة البروجردي» دام بقاه (1): إنّ المراد من المجمع عليه في قوله «عليه السلام» فإن المجمع عليه لا ريب فيه هو الحكم المشهور بين الأصحاب، فإن الذي ليس فيه ريب هو ذلك، دون اشتهار صدور اللفظ عنه


1) توفي قده في عام 1340 ه. ش.

«عليه السلام» فانّ القطع بصدور اللفظ من الامام «عليه السلام» لا يوجب نفي الريب عنه، لاحتمال أن يكون ما ذكره لا لأجل بيان الحكم الواقعي، بل لأجل التقية أو غيرها.

أقول: و فيه نظر من حيث إنه أطلق المجمع عليه، على الرواية، فالمراد نفي الريب عن صدورها من المعصوم، و لا ملزم لإرادة نفي الريب عن مطابقته للواقع، حتى يكون قرينة على إرادته من المجمع عليه هو الحكم المشتهر بين الأصحاب (و يؤيد ما ذكرنا) انه لو أريد منه نفي الريب عن مطابقة الواقع لم يبق مجال لسؤال الراوي بقوله فان كان الخبران إلخ و قوله «عليه السلام» في جوابه ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة إلخ (و ممّا يدل على إرادة الشهرة في الرواية) قوله قد رواها الثقات عنكم فإنّه تفسير «للمشهورين» فيستفاد منه انّ المراد من المشهور ما اشتهر روايته و رواه عدة من الثقات.

«الثانية» ما رفعه في غوالي اللئالي إلى زرارة بن أعين قال: قال: سألت الباقر «عليه السلام» جعلت فداك يأتي عنكم الخبران و الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ؟ فقال: يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك فقلت: يا سيّدي انهما معا مشهوران مأثوران عنكم.

قال الأستاذ دام بقاه، في وجه الاستدلال بها: أن الأصل في الحديثين المتعارضين هو تساقطهما عن الحجية فلا يبقى في واحد من المتعارضين ملاك الحجية فالأمر بأخذ ما كان مشهورا بين الأصحاب دليل على كون الشهرة واجدة لملاك الحجية.

قلت: و فيه، أنه لو كان مجرد المرجحية لإحدى الروايتين مستلزمة لحجية المرجح في نفسه، لاقتضى كون غير الشهرة من المرجحات كمخالفة العامة أيضا حجة في نفسه، و الصحيح أنّ الموجب لسقوط الروايتين عن الحجية ليس هو فقد

المقتضي، بل وجود المانع، و هو ابتلاء كل منهما بالمعارض المعادل، فإذا ترجح أحدهما على الأخر بأحد الوجوه المرجحة شرعا ارتفع المانع، فيؤثر ماله من مقتضي الحجية. فليست الشهرة إلا موجبة لارتفاع المانع عن حجية الرواية، من دون أن تكون حجة في نفسها و واجدة لملاك الحجية و مقتضيها.

«و التحقيق» في التقريب لإرادة الشهرة في الفتوى من الرواية، بناء على الدليل المتقدم منا لحجية الشهرة، من كون الفتوى في صورة وجود الشرائط التي ذكرناها رواية في الحقيقة، ان يقال: ان قوله «عليه السلام»: «خذ بما اشتهر بين أصحابك» ليس يراد منه اشتهار نسبة ألفاظ إحدى الروايتين إلى المعصوم، لعدم عناية باللفظ بما هو، بل نسبة مضمونها و معناها، و لا يراد أيضا اشتهار نسبة صدورها الى المعصوم في دفعة واحدة و مورد واحد، و لا اشتهار صدورها عن إمام واحد، لعدم وجود خصوصية فيها، بل كان كلها ملغى في نظر العرف لعدم كونها خصوصية يناط بها الحكم البتة.

في بيان المراد من الشهرة و حدها

الشهرة: في اللغة بمعنى الظهور، كما يقال سيف شاهر أى ظاهر. و لا يخفى أن الشهرة الموجبة لانجبار ضعف سند الرواية، ليس يراد منها ذهاب الأكثر، بل المراد منها المعروفية و الظهور بين الأصحاب، و قد تقدم في المقدمة الثالثة أن منشأ انجبار سند الرواية بالشهرة، حصول الوثوق من كثرة فتاويهم بصدور الرواية عن المعصوم.

فالضابط في حجية الشهرة، اتفاق جمع من العلماء المتقدمين، بما يوجب بلوغ المظنة الحاصلة- من الرواية المستندة لهم- بصدورها عن المعصوم، الى حد الوثوق. و هو يختلف بحسب أشخاصهم و أعصارهم، فراجع المقدمة الثالثة، تعرف حقيقة الحال.

في طريق تحصيل الشهرة

الطريق الى تحصيل الشهرة في المرتبة الاولى، هو تتبع كتب الفتوى من المتقدمين رضوان اللّه عليهم الموجودة فيما بأيدينا و من جملتها ما كان من كتب قدمائنا المحدثين دوّنوها لبيان ما أفتوا بمضامينها من الأحاديث، ككتاب من لا يحضره الفقيه و في المرتبة الثانية، استفادتها من نقل الإجماع من الشيخ أو متقدميه أو معاصريه، أو من قارب عصره من متأخريه إذا علم منه، أنه يدعي الإجماع من الشيخ و من تقدمه، فإنه يكشف بتا عن ذهاب المشهور إليه لا سيما بناء على ما تقدم في معنى الشهرة من انّه ليس يراد منه ذهاب الأكثر، هذا و قد ذكر استاذنا الكبير العلّامة البروجردي: ان نقل الإجماع في كلام بعضهم كناية عن نقل الرواية، التجأوا إليه لأجل التحرز عن التصريح بالنقل عن الأئمة «عليهم السلام»، استصلاحا بينهم و بين العامة. و ذكر: أنّ ما تكرر من قول الشيخ ره في الخلاف «و يدل عليه إجماع الفرقة المحقة و اخبارهم» فمراده الإجماع، نقل قول الامام «عليه السلام» من حيث هو حجة في نفسه، و من الاخبار نقل قوله «عليه السلام» بما هو إخبار منه عن النبي «صلّى اللّٰه عليه و آله».

أقول: و فيه أن نسبة الإجماع إلى الفرقة المحقة، الصريح في تفكيك فرقة الشيعة عن سائر الفرق و ابطالهم، كر على ما جعل الأستاذ دام بقاه التعبير بالإجماع فرارا عنه، و هو التشبث و التمسك بالأئمة سلام اللّه عليهم.

و قد استند دام بقاه فيما ذكره الى قول السيد أبي المكارم في الغنية حيث قال:

«انّ الإجماع عندنا حجة لكونه مشتملا على قول المعصوم فلا يقدح تخلف غيره في ذلك. فان قلت فلم تقولون الإجماع حجة بل الحجة ليست عندكم إلا قول المعصوم، قلت: الإشكال إنما يرد لو كنّا نحن المبتدئين بالبحث، و اما إذا

كان المبتدئون غيرنا فلا بأس».

أقول و لعل مراده قده انّ المعتبر في تحقق الإجماع عندنا اتفاق جماعة يستكشف منه قول الامام «عليه السلام» فلا يقدح في تحققه عدم اتفاق جميع الفقهاء و تخلف بعضهم عنها و إنّما تمسّكنا بالإجماع، مع كون ملاك حجيته عندنا دخول قول المعصوم فيه، لأجل أنّه انّما ابتدأ بأخذ الإجماع حجّة فقهاء العامّة، و نحن لم نخالفهم في حجيته لكونه مشتملا على قول المعصوم أيضا.

و استند أيضا الى قول الشيخ في «العدة» «فإذا كان المعتبر في باب كونه حجة أي الإجماع قول المعصوم فالطريق الى معرفته شيئان أحدهما السماع عنه و المشاهدة لقوله (و الثاني) النقل عنه بما يوجب العلم» و هو كما ترى لا يدل على انّ الإجماع يتحقق بمجرد العلم بقول المعصوم و ان لم يقترن به قول غيره بل انّما يدلّ على انّ المعتبر في حجية الإجماع أعني اتفاق العلماء انضمام قول المعصوم اليه و هو يحصل بأمرين.

كيف و قد ذكر الشيخ ره في أوّل كتاب الاستبصار عند ذكر القرائن المعتضدة بها اخبار الآحاد بعد قوله و منها ان تكون مطابقة للسنة المقطوع بها اما صريحا أو دليلا أو فحوى أو عموما «و منها ان تكون مطابقة لما اجمع عليه المسلمون و منها ان تكون مطابقة لما أجمعت عليه الفرقة المحقة، فإنّ جميع هذه القرائن يخرج الخبر عن حيز الآحاد و يدخله في باب المعلوم».

و هو صريح في انّ المراد من إجماع الفرقة هو اتفاقهم و ليس المراد منه مجرد وجود رواية مروية عن المعصوم.

و الحمد للّه على إتمام الرسالة و اسأله التوفيق و العناية و عليه أتوكل في جميع أموري و هو حسبي و نعم الوكيل و عسى اللّه ان يجعل عاقبة أمري خيرا.

قم سنة 1372 ه. ق العبد الفقير الى ربه الجليل أبو طالب التجليل