ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان و نام پديدآور : المستند في شرحالعروةالوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسویالخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعهالامامالخوئی.
شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :
وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروهالوثقی" به چاپ رسیده است.
يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.
يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).
يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).
يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).
يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).
يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).
يادداشت : عنوان عطف: شرح عروهالوثقی.
یادداشت : کتابنامه.
مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.
عنوان عطف : شرح عروهالوثقی.
عنوان دیگر : العروهالوثقی. شرح.
عنوان دیگر : شرحالعروهالوثقی.
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظمبن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.
شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م79-21167
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل
المؤلف: الشيخ مرتضى البروجردي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
الطبعة: 3
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1421 ه.ق
ISBN (ردمك): 469-6337-01-2
المكتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الصلاة
تأليف: آية اللّه الشهيد الشيخ مرتضی البروجردي قدس سره
طبعة منقحة
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء العشرون
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
2 - 01 - 6337 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمد وآله الطيِّبين الطاهرين الغرّ الميامين.
لا إشكال في وجوب القصر على المسافر مع اجتماع الشرائط الآتية (1)
(1) لا إشكال كما لا خلاف بين المسلمين في مشروعية التقصير للمسافر لدى استجماع الشرائط الآتية في الجملة ، وإن وقع النقاش من بعضهم في بعض الخصوصيات.
كما لا إشكال ولا خلاف أيضاً بين الخاصّة في وجوب ذلك مع مراعاة تلك الشرائط على إجمالها ، وأنّ التشريع على سبيل العزيمة لا الترخيص.
ويدلّ على ذلك مضافاً إلى الإجماع بل الضرورة النصوص الكثيرة المتظافرة جدّاً ، التي لا يبعد دعوى بلوغها حدّ التواتر كما لا يخفى على من لاحظها (1).
وربما يستدلّ له بالكتاب العزيز ، قال تعالى ( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ) الآية (2).
.................................................................................................
وفيه : أنّها غير دالّة على المشروعيّة فضلاً عن الوجوب ، فإنّها ناظرة إلى صلاة الخوف والمطاردة بقرينة التقييد بقوله تعالى ( إِنْ خِفْتُمْ ) وما ورد في الآية الأُخرى المتّصلة بها من بيان كيفيّة هذه الصّلاة ، فالمراد من الضّرب في الأرض الضّرب إلى القتال والحركة نحو العدو ، ولا مساس لها بالضّرب لأجل السّفر. فهي أجنبيّة عن صلاة المسافر بالكلِّيّة.
ومع الغضّ عن ذلك وتسليم كونها ناظرة إلى صلاة المسافر فغايته الدلالة على أصل المشروعيّة ، لمكان التعبير بنفي الجناح ، دون الوجوب.
نعم ، طبّق الإمام (عليه السّلام) هذه الآية المباركة على صلاة المسافر في صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم ، وبيّن أنّ المراد بها الوجوب مستشهداً بنفي الجناح الوارد في آية السّعي ، قالا «قلنا لأبي جعفر (عليه السّلام) : ما تقول في الصلاة في السّفر كيف هي؟ وكم هي؟ فقال : إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول ( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) فصار التقصير في السّفر واجباً كوجوب التمام في الحضر ، قالا قلنا له : قال اللّه عزّ وجلّ ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) ولم يقل افعلوا ، فكيف أوجَبَ ذلك؟ فقال : أوَلَيْسَ قد قال اللّه عزّ وجلّ في الصّفا والمروة ( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) ألا ترون أنّ الطّواف بهما واجب مفروض ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ ذكره في كتابه وصنعه نبيّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وكذلك التقصير في السّفر شيء صنعه النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وذكره اللّه تعالى في كتابه ...» إلخ (1).
ولعلّ التعبير بنفي الجناح في الموردين لأجل وقوعه موقع توهّم الحظر ، حيث إنّ أهل الجاهلية كانوا يعبدون ما على الصفا والمروة من الأصنام ، ولأجله قد
1) الوسائل 8 : 517 / أبواب صلاة المسافر ب 22 ح 2.
بإسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيات ، وأمّا الصبح والمغرب فلا قصر فيهما (1).
يتوهّم الحظر في الطواف بهما. كما أنّ الصلاة الواجبة على الحاضر أربع ركعات فربما يتوهّم الحظر في تقصير المسافر ، فدفعاً للتوهّمين عبّر بنفي الجناح.
وكيف ما كان ، فالآية في حدّ نفسها مع قطع النظر عن الروايات غير ظاهرة في الوجوب فيما نحن فيه كما ذكرناه ، وإن كان الحكم مسلّماً ، بل ضرورياً بمقتضى النصوص المتظافرة ، بل المتواترة كما مرّ.
(1) لا إشكال كما لا خلاف في أنّ المراد بالتقصير الوارد في الكتاب والسنّة هو إسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيات ، دون غيرها من المغرب والفجر كما نطقت به النصوص الكثيرة الواردة في المسافر.
وتدلّ عليه صريحاً صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال : «عشر ركعات ركعتان من الظهر ، وركعتان من العصر ، وركعتا الصبح ، وركعتا المغرب ، وركعتا العشاء الأخيرة لا يجوز فيهنّ الوهم إلى أن قال : فرضها اللّه عزّ وجلّ إلى أن قال : فزاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) في صلاة المقيم غير المسافر ركعتين في الظهر والعصر والعشاء الآخرة ، وركعة في المغرب للمقيم والمسافر» (1).
حيث دلّت على أنّ الفرض الأوّلي في جميع الصلوات ركعتان ، وأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) زاد للمقيم فقط ركعتين في الظهر والعصر والعشاء وله وللمسافر ركعة في المغرب.
1) الوسائل 4 : 49 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 13 ح 12.
وأمّا شروط القصر فأُمور : الأوّل : المسافة ، وهي ثمانية فراسخ امتدادية ذهاباً أو إياباً (1)
ومنه يظهر أنّ الوجه في إطلاق القصر على صلاة المسافر هو الاقتصار في صلاته على الفرض الأوّلي الإلهي والاكتفاء بتلك الركعتين ، وإلّا فلم يفسَّر القصر صريحاً في مورد وأنّ المراد به التقليل في الركعة أو الركعتين أو جزء معيّن.
ويدلّ عليه أيضاً الروايات الواردة في اقتداء الحاضر بالمسافر أو العكس وأنّه عند كون الإمام مسافراً يسلِّم على الركعتين ويقدِّم أحد المأمومين مكانه ويستنيبونه عنه (1). مضافاً إلى المعهودية الخارجية والتسالم المقطوع به في كيفية التقصير. هذا كلّه في أصل وجوب التقصير على المسافر ، وأمّا شروطه فأُمور حسب ما ذكره في المتن.
(1) لا إشكال كما لا خلاف بين المسلمين إلّا من شذّ من العامّة (2)في اعتبار المسافة وأنّها ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك ولا أكثر حدّا.
والنصوص بها متكاثرة ، بل لعلّها متواترة ولو إجمالاً ، وفيها الصحاح والموثّقات على اختلاف ألسنتها من التعبير بثمانية فراسخ أو بريدين وكلّ بريد أربع فراسخ أو أربعة وعشرين ميلاً وكلّ فرسخ ثلاثة أميال أو السير في بياض النهار المنطبق في السير العادي على ثمانية فراسخ.
ففي موثّقة سماعة : «عن المسافر في كم يقصّر الصلاة؟ فقال : في مسيرة يوم
أو ملفّقة من الذهاب والإياب (1)
وذلك بريدان ، وهما ثمانية فراسخ» (1).
وصحيح أبي أيوب : «سألته عن التقصير ، قال فقال : في بريدين أو بياض يوم» (2).
وفي صحيح ابن الحجاج : «ثمّ أومأ بيده أربعة وعشرين ميلاً ، يكون ثمانية فراسخ» (3).
وفي رواية الفضل : «إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك ولا أكثر» (4)وغيرها.
(1) كما عليه المشهور ، للنصوص الكثيرة الدالّة على إلحاق المسافة التلفيقية بالامتدادية ، وأنّ الثمانية فراسخ التي هي موضوع لوجوب التقصير يراد منها ما يشمل التلفيق من بريد ذاهباً وبريد جائياً ، كصحيحة معاوية بن وهب : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أدنى ما يقصّر فيه المسافر الصلاة؟ فقال (عليه السلام) : بريد ذاهباً وبريد جائياً» (5)ونحوها غيرها.
ولم ينسب الخلاف إلّا إلى الكليني من الاكتفاء بالأربعة الامتدادية مطلقاً (6)ولكنّه ضعيف جدّاً محجوج عليه بتلك النصوص.
1) الوسائل 8 : 453 / أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 8.
2) الوسائل 8 : 453 / أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 7.
3) الوسائل 8 : 455 / أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 15.
4) الوسائل 8 : 451 / أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 1.
5) الوسائل 8 : 456 / أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 2.
6) [حكاه عنه في الحدائق 11 : 316 عن بعض المشايخ من متأخِّري المتأخِّرين مستظهراً ذلك من اقتصاره في الكافي على أحاديث الأربعة فراسخ].
.................................................................................................
ولا يبعد أن يكون مراده (قدس سره) بيان خط السير الذي يقع فيه الذهاب والإياب ، فيكون من القائلين بالثمانية الملفّقة ، ويرتفع الخلاف في المسألة.
كما أنّ الإطلاق في بعض النصوص المتضمّن للاكتفاء بمطلق الأربعة مقيّد بذلك أيضاً ، عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد. وهذا في الجملة ممّا لا غبار عليه.
وإنّما الكلام يقع في جهات :
الجهة الأُولى : هل التقصير في الفرض المزبور ثابت على سبيل الوجوب التعييني ، أو أنّه مخيّر بينه وبين التمام؟
المشهور كما في الجواهر هو الأوّل (1)، بل عن الصدوق نسبته إلى دين الإمامية فيما إذا كان من قصده الرجوع ليومه (2). وعن الشيخ في كتابي الأخبار التهذيب والاستبصار القول بالتخيير (3). ونسب إلى جماعة التخيير مطلقاً ، أي وإن لم يرجع ليومه.
ولا يخفى أنّ القول بالتخيير وإن كان له وجه غير وجيه فيما إذا لم يكن من قصده الرجوع ليومه كما ستعرف ، إلّا أنّه في قاصد الرجوع ليومه لم يكن له وجه أصلاً ، إذ لم يرد هنا ما يدلّ على التمام كي يكون التخيير مقتضى الجمع بين الأخبار. وظاهر السؤال عن التقصير الوارد في أخبار المقام السؤال عن أصل التقصير لا عن جوازه كما لا يخفى.
وأمّا التعبير بنفي الجناح في الآية المباركة فقد عرفت أنّ الآية في حدّ نفسها غير ظاهرة في صلاة المسافر ، بل ناظرة إلى صلاة الخوف والمطاردة ، فلا تصلح للاستدلال. على أنّها مفسّرة بإرادة الوجوب ، نظير نفي الجناح الوارد في آية
إذا كان الذهاب أربعة أو أزيد (1) ، بل مطلقاً (1)على الأقوى وإن كان الذهاب فرسخاً والإياب سبعة ، وإن كان الأحوط في صورة كون الذهاب أقل من أربعة مع كون المجموع ثمانية الجمع ،
السعي ، ولعل النكتة في هذا التعبير وقوعه موقع توهّم الحظر كما مرّ.
وكيف ما كان ، فلا ينبغي التأمّل في تعيّن التقصير في هذا الفرض.
(1) الجهة الثانية : هل يعتبر في المسافة التلفيقية عدم كون الذهاب أقل من أربعة فراسخ ، فيجب التمام لو كان أقل وإن كان المجموع الملفّق من الذهاب والإياب ثمانية ، كما لو كان الذهاب ثلاثة والإياب خمسة. أو أنّه لا يعتبر ذلك بل يكفي التلفيق كيف ما اتّفق. وكذلك الحال في الإياب فهل يعتبر عدم كونه أقل من الأربعة ، أو يكفي ولو كان ثلاثة والذهاب خمسة مثلاً؟
قد يقال بالثاني وأنّ ذكر الأربعة ذهاباً وإياباً في النصوص من باب المثال وإلّا فالمدار على مطلق الثمانية التلفيقية كيف ما اتّفقت ، وأنّها ملحقة بالثمانية الامتدادية.
ولكنّه لا يتم ، فانّا لو كنّا نحن والأدلّة الأوّلية لاقتصرنا على الثمانية الامتدادية غير أنّ الأدلّة الأُخرى من صحيحة زرارة وغيرها دلّتنا على ثبوت التقصير في بريد ذاهباً وبريد جائياً (2)، وأنّ المراد من تلك الثمانية ما يعمّ الملفّقة.
إلّا أنّ مورد هذه النصوص تلفيق خاص ، وهو المشتمل على أربعة وأربعة أي بريد في بريد ، فالمسافة المحكومة بالالتحاق بالثمانية الامتدادية هي خصوص
.................................................................................................
الملفّقة من الأربعتين كما يفصح عنه بوضوح صحيح معاوية بن وهب : «أدنى ما يقصّر فيه المسافر؟ فقال (عليه السلام) : بريد ذاهباً وبريد جائياً».
فإنّ التعبير بالأدنى كالصريح في عدم كفاية الأقل من هذا الحد ، ولم يعلّق الحكم في شيء من الأدلّة على عنوان الثمانية التلفيقية كي يتمسّك بالإطلاق ويحكم بكفاية التلفيق كيف ما كان.
وليس في البين ما يتوهّم منه ذلك عدا ما قد يقال من استفادته من قوله (عليه السلام) في ذيل صحيحة ابن مسلم : «إنّه ذهب بريداً ورجع بريداً فقد شغل يومه» (1)بدعوى دلالته على أنّ المدار في التقصير شغل اليوم ، وأنّ كلّ سفر كان شاغلاً ليومه فهو موضوع لوجوب التقصير ، فيعمّ ما لو كان الذهاب أو الإياب أقل من الأربعة بعد أن كان السفر مستوعباً ليومه ، فتدلّ على كفاية الثمانية الملفقة كيف ما تحقّقت.
ولكنّه كما ترى ، إذ ليس مفاد الصحيحة إلّا إلحاق السّفر المتضمِّن لبريد ذاهباً وبريد جائياً بالمسافة الامتدادية وإدراجه في ذلك الموضوع بلسان الحكومة وأنّ هذه المسافة بمثابة تلك في شغل اليوم ، لا أنّ كلّ سفر شاغل لليوم موجب للتقصير.
كيف ولازمه وجوب القصر فيما لو سافر ثلاثة فراسخ ثمّ رجع فرسخين بحيث لا يرجع إلى حدّ الترخّص ثمّ سافر ثلاثة فراسخ اخرى بحيث بلغ المجموع ثمانية واستوعب يومه ، أو لو سافر فرسخاً ورجع إلى ثلاثة أرباع
1) الوسائل 8 : 459 / أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 9 [الظاهر عدم كونها صحيحة في الاصطلاح ، لورود ابني فضال علي وأحمد في السند ، مضافاً إلى المناقشة في طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال كما صرّح به في ص 17 ، وإن تغيّر رأيه في ذلك كما ذكر في معجم رجال الحديث 1 : 78].
والأقوى عدم اعتبار كون الذهاب والإياب في يوم واحد أو ليلة واحدة (1) ،
الفرسخ ثمّ سافر فرسخاً ثمّ عاد وهكذا إلى أن بلغ الثمانية ، مع أنّه واضح الفساد.
وعلى الجملة : ليس شغل اليوم بعنوانه وعلى إطلاقه وسريانه موضوعاً لوجوب التقصير في شيء من الأدلّة ، بل العبرة بالثمانية الامتدادية الملازمة في السير العادي مع المركوب العادي في الوقت العادي مع شغل اليوم ، وقد طبّقها الإمام (عليه السلام) تعبّداً وعلى سبيل الحكومة على الملفّق من الأربعتين.
فليس التعليل المذكور في ذيل الصحيحة إلّا تعليلاً تعبّدياً ناظراً إلى إلحاق صورة خاصّة من التلفيق بالامتداد ، فلا يدلّ بوجه على الاكتفاء بمطلق التلفيق كما لا يخفى ، هذا.
ويظهر من عبارة الماتن (قدس سره) أنّ محلّ الخلاف في اعتبار الأربعة وعدم كفاية الأقل منها إنّما هو في خصوص الذهاب ، وأمّا الإياب فلا إشكال في كفاية الأقل ، وأنّه لو ذهب خمسة ورجع ثلاثة لا كلام حينئذ في وجوب التقصير.
وليس كذلك ، فانّ مناط الإشكال واحد ، إذ الصحيحة الدالّة على عدم كفاية الأقل من الأربعة المشتملة على التعبير بكلمة «أدنى» وهي صحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة مشتركة بين الذهاب والإياب.
وقد تحصّل من جميع ما مرّ : أنّ الأظهر اعتبار كون كلّ من الذهاب والإياب أربعة فراسخ فصاعداً ، فلا يجزي الأقل في شيء منهما وإن بلغ المجموع ثمانية فراسخ ملفّقة.
(1) الجهة الثالثة : قد عرفت أنّ الروايات المستفيضة وفيها الصحاح دلّت على أنّ التقصير في الصلاة وكذا الإفطار لا يتوقّف على المسافة الامتدادية ، بل يمكن التلفيق من أربعة وأربعة.
أو في الملفّق منهما مع اتصال إيابه بذهابه ، وعدم قطعه بمبيت ليلة فصاعداً في الأثناء ، بل إذا كان من قصده الذهاب والإياب ولو بعد تسعة أيّام يجب عليه القصر ، فالثمانية الملفّقة كالممتدّة في إيجاب القصر إلّا إذا كان قاصداً للإقامة عشرة أيّام في المقصد أو غيره ، أو حصل أحد القواطع الأُخر ، فكما أنّه إذا بات في أثناء الممتدة ليلة أو ليالي لا يضر في سفره فكذا في الملفّقة فيقصّر ويفطر ، ولكن مع ذلك الجمع بين القصر والتمام والصوم وقضائه في صورة عدم الرجوع ليومه أو ليلته أحوط ، ولو كان من قصده الذهاب والإياب ولكن كان متردِّداً في الإقامة في الأثناء عشرة أيام وعدمها لم يقصّر كما أنّ الأمر في الامتدادية أيضاً كذلك.
وهذا فيما إذا كان في يوم واحد أو مع ليلته لا إشكال فيه ، بل ذكر الصدوق في الأمالي أنّ التقصير حينئذ من دين الإمامية كما مرّ (1)، وأنّ ما نُسِبَ إلى الشيخ وجماعة من القول بالتخيير لم نعرف وجهه كما تقدّم (2).
وأمّا إذا لم يقصد الرجوع ليومه فلا إشكال في التمام فيما إذا تخلّل في سفره أحد القواطع كإقامة عشرة أيّام ، لعدم تحقّق السفر الشرعي منه حينئذ إلّا بناءً على ما نُسِبَ إلى الكليني من الاكتفاء بالأربعة من غير ضمّ الإياب.
وأمّا إذا لم يتخلّل فكان عازماً على الرجوع قبل العشرة فهل يقصّر حينئذ أو يتمّ ، أو يتخيّر بينهما ، أو يفصّل بين الصوم فلا يفطر وبين الصلاة فيقصّر أو يتخيّر؟ فيه وجوه ، بل أقوال.
.................................................................................................
نسب إلى المشهور كما في الجواهر التخيير (1)، بل عن الأمالي نسبته إلى دين الإمامية (2).
وذهب جماعة إلى وجوب التمام ، ومال إليه شيخنا الأنصاري في بعض مؤلّفاته على ما نسبه إليه الهمداني (قدس سره) (3)، واختاره الفاضلان (4)والسيِّد المرتضى (5)والحلّي (6)وغيرهم.
والمعروف بين متأخِّري المتأخِّرين تعيّن القصر وأنّ حكمه حكم من يرجع ليومه. وهذا القول منسوب إلى ابن أبي عقيل أيضاً ، رواه صاحب الوسائل عن كتابه نقلاً عن العلّامة وغيره ، وأنّه نسب ذلك إلى آل الرسول (7).
قال صاحب الوسائل بعد هذه الحكاية ما لفظه : وكلام ابن أبي عقيل هنا حديث مرسل عن آل الرسول ، وهو ثقة جليل ، انتهى. هذه هي حال الأقوال في المسألة.
أمّا القول بالتمام : فقد استدلّ له بأصالة التمام ، وأنّه هو الفرض الأوّلي المجعول في الشريعة المقدّسة من وجوب سبع عشرة ركعة على كلّ مكلّف في كلّ يوم خرجنا عن ذلك بما ثبت من وجوب التقصير على المسافر ، ففي كلّ مورد ثبت
1) الجواهر 14 : 216.
2) أمالي الصدوق : 743.
3) مصباح الفقيه (الصلاة) : 727 السطر 19.
4) المعتبر 2 : 468 ، المختلف 2 : 527 / المسألة 390.
5) حكاه عنه في السرائر 1 : 329 ، ويستفاد أيضاً من جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3 : 47.
6) السرائر 1 : 329.
7) الوسائل 8 : 467 / أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 14 ، المختلف 2 : 526 / المسألة 390.
.................................................................................................
القصر فهو ، وأمّا إذا لم يثبت أو تعارض الدليلان ولم يمكن الترجيح فالمرجع بعد التساقط أصالة التمام لا محالة.
هذا ما تقتضيه القاعدة ، وقد وردت هناك روايات دلّت على التقصير في البريد مقيّداً بالرجوع ، أي بريد ذاهباً وبريد جائياً.
فإن قلنا بأنّها منصرفة في حدّ نفسها إلى الرجوع ليومه فلا إشكال ، إذ المقتضي للتقصير في غير مريد الرجوع ليومه قاصر في نفسه ، فلا دليل على القصر فيه ، ومعه يكون المحكّم إطلاقات التمام.
وإن منعنا الانصراف وقلنا بانعقاد الإطلاق فيكفي في التقييد قوله (عليه السلام) في ذيل صحيحة ابن مسلم : «إنّه ذهب بريداً ورجع بريداً فقد شغل يومه» (1).
حيث يظهر منه أنّ المدار على شغل اليوم وأنّ موضوع الحكم هو السفر الشاغل ليومه فعلاً ولو ملفّقاً من الذهاب والإياب ، وأنّ هذا هو حدّ القصر فيختصّ بطبيعة الحال بما إذا رجع ليومه ، فلا تقصير فيما إذا رجع لغير يومه.
وحينئذ فيعارض هذه الأخبار ما دلّ على وجوب القصر حتّى فيما إذا رجع لغير يومه ، وعمدته أخبار عرفات (2)، وبعد التعارض والتساقط يرجع إلى أصالة التمام كما ذكرناه.
وفيه : مضافاً إلى أنّ ارتكاب التقييد بإرادة الرجوع ليومه من مجموع هذه الروايات بعيد جدّاً ، وكيف يمكن ذلك في مثل ما رواه الصدوق قال : «وكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) إذا أتى ذباباً قصّر ، وذباب على بريد ، وإنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» (3).
.................................................................................................
فانّ التعبير ب- «كان» الذي هو للاستمرار مشعر بأنّ ذلك كان ممّا يفعله (صلّى اللّه عليه وآله) مستمرّاً ويصدر منه مرّات عديدة ، إذ لم يقل رأيت مثلاً حتّى يقال إنّه اتّفق مرّة واحدة. ومن البعيد جدّاً أنّه (صلّى اللّه عليه وآله) في جميع أسفاره إلى ذباب كان يرجع ليومه أو ليلته ، بل كان يبيت ثمّة بطبيعة الحال.
أنّ هذه الصحيحة صحيحة ابن مسلم غير صالحة للتقييد في نفسها ، لأنّ شغل اليوم غير موضوع للحكم في شيء من الأخبار ، إذ الأخبار الواردة في مسيرة يوم إنّما وردت في مقام بيان تقدير السّير لا في فعلية المسير في اليوم فليس مفادها الدلالة على اعتبار السير الفعلي ، إذ لا توجد رواية تدلّ على لزوم وقوع ثمانية فراسخ في يوم واحد.
بل لمّا سأل الراوي عن اختلاف سير القوافل وأنّ بعضها تسير عشرة فراسخ بل لعلّ الفرس في حال العدو يسير اثني عشر فرسخاً أجاب (عليه السلام) بأنّ العبرة بثمانية فراسخ المنطبقة في السير العادي مع المركوب العادي على ما يشغل يومه ويستوعب بياض النهار.
فليس مسير اليوم أو بياض النهار أو شغل اليوم بعناوينها موضوعاً للحكم حتّى يطبّقه الإمام (عليه السلام) على المسافة التلفيقية ولو بنحو الحكومة ، بل المراد السفر الذي يكون شاغلاً لليوم ولو شأناً ، المنطبق على ثمانية فراسخ ولو كانت ملفّقة من بريد ذاهباً وبريد جائياً ، سواء وقع ذلك في يوم واحد فكان شاغلاً ليومه فعلاً أم لا.
فليس المدار على الشغل الفعلي ، بل الاعتبار بالسّير الذي يكون محدوداً بكونه شاغلاً لليوم ولو شأناً وفي حدّ طبعه ، المنطبق على ثمانية فراسخ ، ولذا عبّر بثمانية فراسخ بدل شغل اليوم في صحيحة زرارة الواردة في مورد صحيح
.................................................................................................
ابن مسلم المتقدّمة ، أعني بريد ذاهباً وبريد جائياً (1).
فالمراد من صحيحة ابن مسلم أنّه أتى بشيء شاغل ليومه ، وهذا هو الحدّ الموجب للتقصير ، لا أنّه شاغل فعلاً كي يختصّ بمريد الرجوع ليومه ، فلا تكون مقيّدة لتلك الأخبار كي تتحقّق المعارضة بينها وبين أخبار عرفات كما أُفيد حتّى يرجع إلى أصالة التمام. وهذا الوجه هو عمدة المستند لهذا القول ، وقد عرفت ضعفه.
وقد استدلّ أيضاً ببعض الروايات الأُخر :
منها : موثّقة عمار قال : «سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستّة فراسخ ويأتي قرية فينزل فيها ، ثمّ يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أُخرى أو ستّة فراسخ لا يجوز ذلك أي لا يتعدّى عن هذا المقدار ثمّ ينزل في ذلك الموضع ، قال : لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ ، فليتمّ الصلاة» (2).
قالوا : إنّ العادة قاضية برجوع هذا الشخص الخارج لحاجة ما دون العشرة وعدم قصده للإقامة ، ومقتضى الإطلاق لزوم التمام سواء رجع ليومه أم لغير يومه ، والمتيقّن خروجه عن الإطلاق بمقتضى النصوص المتقدّمة هو الأوّل فيبقى الثاني مشمولاً للإطلاق.
وفيه : أنّ الإطلاق وإن كان مسلّماً ، إلّا أنّ ما دلّ على خروج الراجع ليومه بعينه يدلّ على خروج الراجع لغير يومه ، لأنّ دليل المقيّد وهي الروايات الدالّة على التقصير في بريد ذاهباً وبريد جائياً مطلق أيضاً يشمل بإطلاقه كلتا الصورتين ، فلا موجب لرفع اليد عن هذا الإطلاق وتخصيصه بالراجع
.................................................................................................
ليومه. وعليه فتحمل الموثّقة القاضية بالتمام على قاصد العشرة أو المتردّد في المسافة.
ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن التقصير في الصلاة فقلت له : إنّ لي ضيعة قريبة من الكوفة وهي بمنزلة القادسية من الكوفة ، فربّما عرضت لي حاجة انتفع بها أو يضرني القعود عنها في رمضان فأكره الخروج إليها لأنّي لا أدري أصوم أو أفطر ، فقال لي : فاخرج فأتمّ الصلاة وصم ، فانّي قد رأيت القادسية» (1).
فإنّ المسافة بين القادسية والكوفة خمسة عشر ميلاً ، أي خمسة فراسخ كما هو المعلوم من الخارج المصرّح به في البحار نقلاً عن المغرب كما في الحدائق (2)ومن البعيد جدّاً أن يريد السائل الرجوع ليومه بأن يقطع عشرة فراسخ ذهاباً وإياباً كما لا يخفى ، وبما أنّ له حاجة فيرجع لا محالة عند قضائها بعد يوم أو يومين ونحو ذلك بطبيعة الحال كما هو الغالب.
فيكون موردها ما إذا خرج إلى ما دون المسافة قاصداً الرجوع لغير يومه وما قبل عشرة أيام كما هو محلّ الكلام ، وقد حكم (عليه السلام) بالتمام فتعارض ما دلّ على لزوم التقصير حينئذ من أخبار عرفات وغيرها ، فيرجع بعد التعارض إلى أصالة التمام. وهذه هي عمدة المستند لهذا القول بعد ما عرفت من الوجه الأوّل.
وفيه أوّلاً : أنّها معارضة في موردها بموثّقة ابن بكير الواردة في نفس هذا الموضوع ، أعني الخروج إلى القادسية ، وقد صرّح فيها بلزوم التقصير ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القادسية أخرج إليها ، أُتمّ الصلاة أو
.................................................................................................
أُقصّر؟ قال : وكم هي؟ قلت : هي التي رأيت ، قال : قصّر» (1).
فإنّهما وردتا في موضوع واحد وهي القادسيّة وما ضاهاها. ومقتضى الإطلاق فيهما عدم الفرق بين ما لو قصد الرجوع ليومه أو لا ، قصد الإقامة عشرة أيام أو لا ، كانت الضيعة أو القادسية وطناً له ولو شرعاً أو لا ، فهما متعارضتان بالإطلاق في مورد واحد.
ولا ينبغي الريب في أنّ مريد الرجوع ليومه خارج عن إطلاق الرواية الأُولى بمقتضى نصوص المسافة التلفيقية الدالّة على لزوم التقصير في بريد ذاهباً وبريد جائياً ، فإنّه القدر المتيقّن منها ، ومقتضى الإطلاق فيها عدم الفرق بين مريد الرجوع ليومه أو لغير يومه كما ذكرناه ، إذ لا موجب للتخصيص بالأوّل.
وعليه فتكون هذه النصوص شاهدة للجمع بين الروايتين ، فتحمل الموثّقة على ما لو قصد الرجوع ليومه أو غير يومه. ورواية عبد الرحمن على ما لو قصد الإقامة أو كانت الضيعة وطنه الشرعي ، فيرتفع التنافي لتعدّد الموردين.
وعلى الجملة : الاستدلال برواية ابن الحجاج يتوقف على التمسّك بالإطلاق ، فإذا رفعنا اليد عنه لأجل المعارضة مع الموثّقة فلا دلالة لها على التمام في قاصد الرجوع لغير يومه حتّى يتوهّم المعارضة مع أخبار عرفات.
وثانياً : لو سلّمنا دلالة هذه الرواية بل وغيرها على التمام كدلالة أخبار عرفات وغيرها على القصر ، فلا تعارض بينهما لتصل النوبة إلى التساقط والرجوع إلى أصالة التمام ، لإمكان الجمع الدلالي بالحمل على التخيير ، فانّ كلا منهما ظاهر في الوجوب التعييني ، فيرفع اليد عنه ويحمل على التخييري.
وبعبارة اخرى : اتصاف الوجوب بالتعيينية مستفاد من الإطلاق دون اللّفظ
1) الوسائل 8 : 458 / أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 7.
.................................................................................................
كما حرّر في الأُصول (1)، فكلتاهما تدلّان على الوجوب بالمطابقة ، ولا معارضة بينهما في هذه الدلالة ، وإنّما تتعارضان في الدلالة الالتزامية المستفادة من الإطلاق ، وهي الدلالة على كون الوجوب تعيينياً ، فيرفع اليد عن كلّ منهما من أجل المعارضة ، ونتيجته الحمل على الوجوب التخييري.
وعلى الجملة : فلا تعارض بين نفس الروايتين ليلتزم بالتساقط ويرجع إلى أصالة التمام ، بل بين الإطلاقين ، ومقتضى الصناعة ارتكاب التقييد المستوجب للحمل على التخيير كما عرفت.
وثالثاً : أنّ هذه الرواية رواية عبد الرحمن بن الحجاج ضعيفة السند وإن عبّر عنها بالصحيحة في كلمات غير واحد ، لضعف طريق (2)الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال بعلي بن محمد بن الزبير (3)، فإنّه لم يوثّق. وكأنّ التعبير المزبور ناشٍ عن ملاحظة ظاهر السند ، حيث إنّه سند عال ، مع الغفلة عن التدقيق في طريق الشيخ إلى ابن فضال ، فانّ الفصل بينهما يقرب من مائتي سنة ، فلا يمكن روايته عنه بلا واسطة ، وفي الطريق من عرفت. فلا جرم تكون الرواية محكومة بالضعف.
فما ذكرناه من المعارضة وسقوط الإطلاقين مبني على تسليم صحّة الرواية وإلّا فهي ضعيفة لا يعتنى بها في نفسها ، فلا تصل النوبة إلى المعارضة ، بل المتبع موثّقة ابن بكير السليمة عن المعارض ، الصريحة في تحتّم التقصير ، الموافقة مع أخبار عرفات.
.................................................................................................
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّه لم توجد هناك رواية معتبرة تدلّ على التمام في محلّ الكلام ، لتقع المعارضة بينها وبين أخبار عرفات وغيرها ممّا دلّ على لزوم التقصير ليتصدّى للعلاج. فالصحيح أنّ القول بالتمام ممّا لا أساس له بل الأمر دائر بين التقصير أو التخيير.
بقي شيء وهو أنّ القائل بالتمام قد يدّعي أنّ أخبار عرفات معرض عنها بين الأصحاب ، لعدم التزامهم بمضمونها من الحكم بالقصر ، فتسقط عن الحجّية فتبقى أخبار التمام سليمة عن المعارض.
وفيه أوّلاً : أنّ الإعراض لا يوجب سقوط الصحيح عن الحجّية كما حقّقناه في محلّه (1)ولا سيما في مثل المقام ، فانّ تلك الأخبار كثيرة صحاح متظافرة ، بل ادّعى بعضهم تواترها إجمالاً بحيث يقطع بصدور بعضها عن المعصوم (عليه السلام).
وثانياً : أنّ الأصحاب لم يعرضوا عن تلك الأخبار ، بل حملوها على الوجوب التخييري ، لزعم المعارضة بينها وبين أخبار التمام كما ذكرناه ، فرفعوا اليد عن إطلاقها لا عن أصلها كما لا يخفى.
وأمّا القول بالتخيير : فمبني على أحد أمرين على سبيل منع الخلو :
أحدهما : دعوى تمامية الروايات المستدلّ بها على التمام ومعارضتها مع أخبار عرفات ، والجمع بينها بالحمل على التخيير بعد سقوط الإطلاق من الطرفين كما مرّ.
ولكنّه مبني على وجود رواية معتبرة دالّة على التمام في قاصد الرجوع لغير يومه ، وهي مفقودة كما عرفت. فأخبار عرفات لا معارض لها.
1) مصباح الأُصول 2 : 203.
.................................................................................................
ثانيهما : أن يقال إنّ الأخبار الدالّة على ثبوت التقصير في المسافة التلفيقية وإن رجع لغير يومه كأخبار عرفات وغيرها معارضة بما دلّ من الأخبار الكثيرة على تحديد التقصير بثمانية فراسخ امتدادية لا أقل من ذلك ، فإنّها ظاهرة في اختصاص لزوم التقصير بالثمانية الامتدادية وعدم ثبوته فيما دونها ، كما أنّ تلك ظاهرة في تعيّن التقصير لدى التلفيق ، فيرفع اليد عن هذا الظهور ، وتحمل نصوص التلفيق على التخيير وأنّ المراد بها جواز القصر لا تعينه ، بقرينة نصوص الامتداد النافية للزوم القصر عمّا دون الثمانية. وبذلك يتمّ التخيير المنسوب إلى المشهور.
وفيه أوّلاً : أنّه لا معارضة بين الطائفتين ليتصدّى للعلاج ، فانّ نصوص التلفيق حاكمة على أخبار الامتداد وشارحة للمراد من الثمانية وأنّها أعمّ من التلفيقية ، كما يكشف عنه بوضوح قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة : «وكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إذا أتى ذباباً قصّر ، وذباب على بريد وإنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» (1).
فإنّها دالّة على تحقّق الثمانية بالتلفيق ، وأنّ نصوصها وإن كانت ظاهرة في السّير الامتدادي إلّا أنّ موضوع الحكم أعمّ منه ومن التلفيق ، ومعه فلا موجب لرفع اليد عن ظهور الوجوب في التعييني. إذ لا تعارض بين الحاكم والمحكوم ليحتاج إلى الجمع كما هو ظاهر جدّاً.
وثانياً : أنّ هذا الوجه لو تمّ لعمّ وكان سنداً لما نسب إلى الشيخ في التهذيب والاستبصار (2)والمبسوط (3)من الحكم بالتخيير حتّى لو رجع ليومه ، الذي قلنا
.................................................................................................
سابقاً (1)أنّه لا وجه له ، فيحكم بالتخيير في التلفيق مطلقاً رجع ليومه أو لا فيبقى التفصيل المنسوب إلى المشهور من تعيّن التقصير في من رجع ليومه والتخيير في غير يومه عارياً عن الشاهد ، فانّ هذه الأخبار مطلقة من حيث الرجوع ليومه أو غير يومه كما هو ظاهر ، فكيف يمكن التفكيك بينهما.
وعلى الجملة : هذا التقرير إنّما يصحّ وجهاً لكلام الشيخ لا لمقالة المشهور من التفصيل المزبور كما هو واضح.
وثالثاً : أنّ الروايات الواردة في من رجع لغير يومه وعمدتها أخبار عرفات آبية عن الحمل على التخيير جدّاً ، فإنّها كالصريح في تعيّن القصر ، وقد عرفت أنّها غير معرض عنها عند الأصحاب ، بل اعتمدوا عليها وحملوها بزعمهم على التخيير ، مع إباء ألسنتها عن الحمل عليه كما عرفت ، فلا يكون من الجمع العرفي في شيء ، وهذه الأخبار كثيرة :
منها : صحيحة معاوية بن عمار : «أنّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّ أهل مكّة يتمّون الصلاة بعرفات ، فقال : ويلهم أو ويحهم ، وأيّ سفر أشدّ منه لا تتم» (2)فانّ التعبير بالويل أو الويح لا يستقيم مع التخيير.
ودعوى أنّ الويل راجع إلى التزامهم بالتمام لعلّه خلاف صريح الرواية لظهورها في رجوعه إلى نفس العمل أي لا تعمل كعملهم ، لا إلى شيء آخر خارج عنه.
ومنها : صحيحة زرارة المشتملة على قصّة عثمان وأمره علياً (عليه السلام) أن يصلّي بالناس بمنى تماماً ، وامتناعه (عليه السلام) عن ذلك أشدّ الامتناع إلّا
.................................................................................................
أن يصلّي قصراً كما صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) إلى آخر القصّة (1). فلو كان الحكم هو التخيير فما هو الوجه في هذا الامتناع والإصرار عليه.
فتحصّل : أنّ الأظهر ما عليه أكثر المتأخّرين ونسبه ابن أبي عقيل إلى آل الرسول من تعيّن القصر وإن لم يرجع ليومه ، وأنّ الثمانية فراسخ لا فرق فيها بين الامتداد والتلفيق مطلقاً.
نعم ، تضمّن الفقه الرضوي التصريح بالتفصيل المنسوب إلى المشهور من تعيّن التقصير في الراجع ليومه ، والتخيير في غير يومه (2). لكن عرفت مراراً أنّه لم يثبت كونه رواية فضلاً عن اعتبارها ، ولعلّ الكتاب مجموعة فتاوى لفقيه مجهول. ولو سلّمنا كونه رواية معتبرة فلا مناص من طرحها ، لمعارضتها لأخبار عرفات التي هي روايات مستفيضة مشهورة قد دلّت على تعيّن التقصير كما عرفت.
بقي الكلام في صحيحة عمران بن محمد ، قال «قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) : جعلت فداك إنّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلاً خمسة فراسخ فربّما خرجت إليها فأُقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام ، فأُتمّ الصلاة أم أُقصّر؟ فقال : قصّر في الطريق وأتمّ في الضيعة» (3).
أقول : هذه الرواية لا بدّ من ردّ علمها إلى أهله وإن كانت صحيحة ، فإنّ ما تضمّنته من التفصيل بين الضيعة والطريق لم يظهر له وجه أبداً ، إذ الضيعة إن كانت وطناً له ولو شرعاً من أجل إقامته فيها ستّة أشهر ولذلك حكم (عليه السلام) فيها بالتمام ، فلما ذا يقصّر في الطريق بعد إن لم يكن حينئذ قاصداً للمسافة
.................................................................................................
فإنّه لا يستقيم إلّا بناءً على ما نسب إلى الكليني (1)واختاره بعض المتأخّرين كما في الحدائق (2)من كفاية أربعة فراسخ من دون ضمّ الإياب ، ولكنه مناف للروايات الكثيرة المتضمّنة لتحديد المسافة بالثمانية ولو تلفيقية كما تقدّم ، فلا مناص من طرح الرواية حينئذ لمخالفتها مع الأخبار المتواترة. وإن لم تكن الضّيعة وطناً له فكان قاصداً للسفر الشرعي ولأجله يقصّر في الطريق فلما ذا يتمّ في الضّيعة.
اللّهمّ إلّا أن يقال كما قيل بأنّها محمولة على التقية ، حيث إنّ العامّة لا يكتفون بهذا الحد أعني ثمانية فراسخ في تحقّق المسافة كما تقدّم (3)، وبما أنّه لا موجب للتقية في الطريق بطبيعة الحال لعدم الابتلاء بالمخالف غالباً فلا مناص ثمّة من التقصير ، وأمّا في الضيعة فالمخالف موجود غالباً ، ولا أقل من وجود فلّاح ونحوه ، ومن ثمّ حكم (عليه السلام) بالتمام تقية ، وإلّا فلم يظهر وجه لهذا التفكيك ، فإنّه خلاف المقطوع به البتّة.
نعم ، إذا فرضنا ثبوت التخيير المنسوب إلى المشهور أمكن العمل حينئذ بهذه الصحيحة ، بأن يقال : الحكم هو التخيير لمريد الرجوع لغير يومه ولكن القصر في الطريق أفضل ، كما أنّ الإتمام في الضيعة أفضل ، وإن كان مخيّراً بينهما في كلّ منهما. ولكن التخيير غير ثابت في نفسه كما تقدّم ، فلا مناص من طرحها ورد علمها إلى أهله ، أو حملها على التقية كما عرفت.
بقي الكلام فيما نسب إلى الشيخ وابن البراج كما في الجواهر من التفصيل بين
.................................................................................................
الصوم والصلاة فلا يجوز الإفطار ، ويتخيّر في الصلاة بين القصر والتمام (1). ونسب ذلك إلى المفيد ووالد الصدوق وسلار أيضاً ، ولكن النسبة غير ثابتة ظاهراً كما في الجواهر. وكيف ما كان ، فهل يمكن الالتزام بهذا التفصيل؟
الظاهر أنّه ممّا لا مناص من الالتزام به بناءً على القول بالتخيير ، فانّا لو بنينا على تعيّن القصر كما هو الصحيح حسبما عرفت فالملازمة حينئذ ثابتة بين القصر والإفطار ، وأنّه كلّما قصّرت أفطرت ، وبالعكس ، وعليه لا مجال لهذا التفصيل أبداً.
وأمّا لو بنينا على التخيير كما عليه المشهور فجواز التقصير حينئذ حكم إرفاقي ثبت بدليل خاص ، وإلّا فهو خارج عن موضوع السفر الشرعي حقيقة كما لا يخفى ، ولم تثبت الملازمة بين جواز التقصير وبين جواز الإفطار ، وإنّما مورد الملازمة ما إذا كان التقصير واجباً تعييناً لا ما إذا كان جائزاً. كما أنّه لم تثبت الملازمة بين جواز الإتمام وجواز الصيام ، ومن هنا يجوز الإتمام في مواطن التخيير ، ولم يثبت جواز الصيام ثمّة بالضرورة ، بل يتعين في حقّه الإفطار بعد كونه مسافراً حقيقة ، بمقتضى الإطلاق في قوله تعالى ( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) (2).
وعلى الجملة : فجواز القصر لا يلازم جواز الإفطار ، كما أنّ جواز التمام لا يلازم جواز الصيام ، بل كلّ تابع لقيام الدليل عليه ، وقد ثبت التخيير المستلزم لجواز التقصير في المقام بدليل خارجي حسب الفرض ، ولم يثبت الجواز بالإضافة إلى الإفطار ، فلا وجه للتعدي عن مورد الدليل ، وقد عرفت أنّ مركز الملازمة
.................................................................................................
إنّما هو وجوب التقصير لا جوازه.
فهذا التفصيل بناءً على القول بالتخيير جيّد جدّاً ، بل لا مناص من الالتزام به ، لما عرفت من عدم اندراج المقام بناءً على هذا القول في موضوع المسافر كي يجوز في حقّه الإفطار ، ودليل جواز التقصير المبني على الإرفاق والتسهيل لا يستلزمه ما لم يقم عليه دليل بالخصوص ، ولا دليل عليه في المقام كما عرفت.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ الصحيح من هذه الأقوال ما اختاره المتأخّرون ، بل لعلّه المتسالم عليه بينهم من تعيّن التقصير في من قصد أربعة فراسخ وإن رجع لغير يومه ما لم يتخلّل أحد القواطع من قصد الإقامة ونحوه لحكومة أخبار الباب المطلقة من حيث الرجوع ليومه أو غير يومه على أخبار الامتداد ، ودلالتها على أنّ الثمانية المأخوذة موضوعاً لوجوب التقصير أعمّ من الامتداد والتلفيق ، فتحتّم التقصير الثابت هناك ثابت هنا أيضاً. مضافاً إلى أخبار عرفات الصريحة في ذلك ، مع أنّ المفروض فيها المبيت. فالقول بالتخيير فضلاً عن التمام لا مجال له أصلاً.
بقي شيء وهو أنّ موضوع البحث في المقام وما هو مورد للنقض والإبرام هو من كان قاصداً للرجوع ولكن لغير يومه ، فكان عازماً على العود دون عشرة أيام كما ذكره ابن أبي عقيل ناسباً له إلى آل الرسول (صلّى اللّه عليه وآله) على ما تقدّم عند نقل كلامه.
فموضوع البحث عند القائل بالتخيير كالصدوق وغيره بل المشهور كما مرّ (1)هو هذا ، كما أنّ القائل بالتمام يدّعيه في هذا الموضوع كالقائل بالتقصير ، فمحلّ الكلام بين الأعلام ومركز الأقوال من التمام أو التقصير أو التخيير هو هذا المورد.
1) في ص 11.
.................................................................................................
كما أنّ مورد الروايات من أخبار عرفات وغيرها ممّا ورد في من ذهب بريداً ورجع بريداً ، التي عرفت حكومتها على أخبار الثمانية الامتدادية ونحو ذلك من سائر الأخبار أيضاً كذلك ، أي ما لو كان قاصداً للرجوع ولو لغير يومه.
وأمّا لو لم يقصد الرجوع أصلاً ، بل قصد البقاء في رأس أربعة فراسخ ، أو كان متردّداً في العود ، فالظاهر أنّ المشهور لا يلتزمون هنا بالتخيير ، لعدم قصده ثمانية فراسخ من الأوّل ، فإنّ غاية ما ثبت بأخبار عرفات وغيرها هو التعدّي من الامتداد إلى التلفيق المنوط بقصد الرجوع ، وأمّا من غير قصده رأساً فليس هناك أي دليل على التقصير لا تعييناً ولا تخييراً ، إلّا بناءً على ما نسب إلى الكليني (قدس سره) واختاره بعض المتأخّرين كما في الحدائق من كفاية أربعة فراسخ من غير ضمّ الإياب ، وإلّا فالمشهور لم يلتزموا بذلك ، بل اعتبروا في المسافة قصد ثمانية فراسخ ، غايته أنّهم فرّقوا في ذلك بين الامتدادية والتلفيقية ، فحكموا في الأوّل بتحتّم التقصير وفي الثاني بالتخيير ، وأمّا في مسافة أربعة فراسخ من غير قصد الرجوع أصلاً فلم يلتزم أحد بالتخيير ، ولا ينبغي أن يلتزم به ، إذ لا وجه له هنا بتاتاً ، لما عرفت من أنّ التخيير مبني على أحد أمرين :
إمّا دعوى الجمع بين أخبار عرفات وروايات التمام الواردة في من يرجع دون عشرة أيام كرواية ابن الحجاج ، ومعلوم أنّ مورد الجميع هو قصد الرجوع.
أو دعوى الجمع بينها وغيرها ممّا دلّ على التقصير في المسافة التلفيقية وبين أخبار الثمانية الامتدادية. وهذا أيضاً مورده قصد الرجوع كما هو ظاهر. فلو فرضنا أنّ السفر لم يكن ثمانية فراسخ لا امتداداً ولا تلفيقاً فليس هناك أيّ دليل على التخيير.
.................................................................................................
ومع ذلك كلّه فقد نسب صاحب الحدائق (قدس سره) إلى القائلين بالتخيير أنّهم يقولون به سواء رجع لغير يومه أم لم يقصد الرجوع أصلاً ، وزعم أنّ التخصيص بالأوّل غلط محض ، وإليك نصّ عبارته.
قال (قدس سره) : وينبغي أن يعلم أنّ مرادهم بقولهم في صورة التخيير : ومن لم يرد الرجوع من يومه. أنّه أعم من أن لم يرد الرجوع بالكلّية فالنفي متوجّه إلى القيد والمقيّد ، أو أراد الرجوع ولكن في غير ذلك اليوم فالنفي متوجّه إلى القيد خاصّة. وما ربّما يتوهّم من التخصيص بالصورة الثانية غلط محض كما لا يخفى على المتأمّل (1). انتهى موضع الحاجة.
والظاهر أنّ الغلط هو ما زعمه ، إذ كيف يلتزم بالتخيير من غير موجب. نعم ، لو كان مستند القول بالتخيير هو الفقه الرضوي فقط وقلنا باعتباره وقطعنا النظر عن سائر الروايات الدالّة على تحديد المسافة بالثمانية ولو تلفيقية كان لهذه الدعوى حينئذ مجال ، فانّ المذكور فيه هكذا : وإن سافرت إلى موضع مقدار أربعة فراسخ ولم ترد الرجوع من يومك فأنت بالخيار ، فإن شئت أتممت وإن شئت قصّرت. فيدّعى أنّ إطلاق هذه العبارة شامل لما إذا لم يرد الرجوع أصلاً ، بأن يتعلّق النفي بمجموع القيد والمقيّد.
ولكن ذلك كلّه فرض في فرض ، فإنّ الرضوي لا نعتبره ، والروايات مطبقة على نفي التقصير في أقل من الثمانية ولو ملفّقة كما تقدّم. فهذه الدعوى سهو من صاحب الحدائق جزماً.
ويترتّب على هذا ما ذكره في المتن من أنّه لو قصد أربعة فراسخ ولكنّه كان متردّداً في العود ما دون العشرة بأن احتمل الإقامة في الأثناء عشرة أيام لم يقصر ؛ لأنّه غير قاصد فعلاً لثمانية فراسخ ولو ملفّقة. كما أنّ الأمر في الثمانية
1) الحدائق 11 : 313.
[2232] مسألة 1 : الفرسخ ثلاثة أميال (1) ، والميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذي طوله أربع وعشرون إصبعاً ، كلّ إصبع عرض سبع شعيرات كلّ شعيرة عرض سبع شعرات من أوسط شعر البرذون.
الامتدادية أيضاً كذلك ، فلو خرج من النجف قاصداً كربلاء ولكنّه يحتمل توقّفه في خان النصف عشرة أيام فبما أنّه غير قاصد فعلاً للثمانية لا يحكم عليه بالتقصير.
فكما أنّه مع العلم بتخلّل الإقامة في الأثناء لا يقصّر ، فكذا مع الشكّ لاشتراكهما في انتفاء قصد المسافة فعلاً. فلا مناص من التمام ، من غير فرق في ذلك بين الامتداد والتلفيق.
(1) لا يخفى أنّ للميل إطلاقين :
أحدهما : ما هو منسوب إلى القدماء من أهل الهيئة ، وهو الدارج بالفعل بين الغربيين من تحديده بربع الفرسخ ، فكل فرسخ أربعة أميال.
وعلى هذا الاصطلاح جرى ما نشاهده حتّى الآن من تحديد المسافة بين كربلاء والمسيب بعشرين ميلاً ، أي خمسة فراسخ الموضوعة من زمن احتلال الانگليز.
ثانيهما : ما هو الدارج بين الفقهاء والمحدِّثين المطابق للسان الروايات من تحديده بثلث الفرسخ ، فكل فرسخ ثلاثة أميال. وهذا الاختلاف مجرّد اصطلاح ، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وقد ورد الإطلاق الثاني في كثير من الأخبار ، مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن الحجاج : «ثمّ أومأ بيده أربعة وعشرين ميلاً يكون ثمانية فراسخ»
.................................................................................................
ونحوها صحيحة العيص (1). وفي صحيحة الشحام : «يقصر الرجل الصلاة في مسيرة اثني عشر ميلاً» (2)، ونحوها غيرها كما لا يخفى على من لاحظها.
وأمّا تحديد الميل فلم يذكر في شيء من النصوص ما عدا رواية واحدة وهي مرسلة الخزاز المشتملة على تحديده بثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع (3)، وهو خلاف ما هو المشهور بين الفقهاء واللّغويين (4)من تحديده بأربعة آلاف ذراع ، ولعلّ المراد من الذراع في الرواية معنى آخر ، فانّ لها أيضاً اصطلاحات. وكيف ما كان ، فقد حدّد الفقهاء الميل بأربعة آلاف ذراع بذراع اليد ، الذي طوله أربع وعشرون إصبعاً ، كل إصبع عرض سبع شعيرات ، كلّ شعيرة عرض سبع شعرات من أوسط شعر البرذون كما ذكره في المتن.
ولكنّك خبير بأنّ الأحكام الشرعية لا تبتني على مثل هذه التدقيقات العقلية التي لا تندرج تحت ضابط معيّن ، وربما يوجب الاختلاف اليسير بين شعرة وشعرة ، أو شعيرة ومثلها ، أو ذراع وذراع اخرى الفرق الكثير بالإضافة إلى المجموع ، إذ لا ريب أنّ هذه الأُمور تختلف صغراً وكبراً ، طولاً وقصراً.
فإذا فرضنا أنّ ذراعاً مع ذراع اخرى وكلاهما متعارف اختلفا في جزء من مائة فطبعاً ينقص من ستّة وتسعين ألف إصبع الحاصل من ضرب أربعة آلاف في أربعة وعشرين الشيء الكثير ، بل لو كان الاختلاف في جزء من عشرة لنقص من هذا المجموع عشره وهو يقرب من عشرة آلاف إصبع ، فيتحقق البون الشاسع بين التقديرين. وهكذا لو لوحظ الاختلاف بين الشعرتين أو الشعيرتين مع فرض كونهما متعارفتين.
[2233] مسألة 2 : لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ ولو يسيراً لا يجوز القصر ، فهي مبنية على التحقيق لا المسامحة العرفية ، نعم لا يضرّ اختلاف الأذرع المتوسطة في الجملة كما هو الحال في جميع التحديدات (1)الشرعية.
وعلى الجملة : لا نعرف وجهاً لهذه التدقيقات ، ولا يترتّب على تحقيقها أثر شرعي ، بل العبرة بصدق الفرسخ أو الميل عرفاً ، والنصوص تشير إلى الأمر العادي المتعارف من مسيرة يوم ، أو بياض النهار ، أو شغل اليوم ، أو مسير الجمال ، أو ثمانية فراسخ ، ونحوها من العناوين التي يعرفها أهل العرف والمحاورة. فالمدار على الصدق العرفي ، فكلّما علم أنّه مسافة فلا إشكال.
وإذا شكّ فان كانت الشبهة حكمية كما لو ذرع فكان مسافة بذراع ولم تبلغ المسافة بذراع آخر وكلاهما متعارف ، فلا مناص حينئذ من الرجوع إلى أصالة التمام الذي هو الفرض الأوّلي المجعول على كلّ مكلّف من غير تقيّده بقيد خاص ، بحيث لو خلق إنسان في مكان دفعة واحدة لوجب عليه التمام بلا كلام ، والتقصير استثناء عن العام وتخصيص له شرع بعنوان آخر ولدي استجماع شرائطه. وعليه فمع الشكّ في التخصيص الزائد لا بدّ من الأخذ بالأكثر الّذي يتيقّن معه بالسفر ، والرجوع فيما عداه إلى أصالة التمام كما عرفت.
وإن كانت الشبهة موضوعية كما لو شكّ في أنّ ما بين الكوفة والحلّة مثلاً مسافة أو لا فالمرجع حينئذ الاستصحاب ، وسيجيء التعرّض له إن شاء اللّه تعالى تبعاً للماتن. إذن لا يبقى مجال لهذه التدقيقات بوجه.
ثمّ إنّا لو أحرزنا المسافة تحقيقاً لم يجز القصر لو نقص عن ذلك بأن قصد
1) (*) الميزان فيها هو الأخذ بأقلّ المتعارف.
[2234] مسألة 3 : لو شكّ في كون مقصده مسافة شرعية (1) أو لا بقي على التمام على الأقوى ،
المسافر أقل من ذلك ولو يسيراً كعشر الفرسخ أو جزء من خمسين مثلاً ، بل المتعيّن حينئذ هو التمام ، فانّ التحديدات الشرعية مبنيّة على التحقيق ولا يتسامح فيها ، كما هو الحال في الكرّ أو قصد الإقامة ونحو ذلك ، فلا يكتفى بالأقل لمنافاته مع التحديد كما أشار إليه الماتن في المسألة الثانية فلاحظ وتدبّر.
(1) قد تكون الشبهة حكمية ، وأُخرى موضوعية.
أمّا الحكمية فقد تقدّم الكلام فيها آنفاً ، ونتعرّض إليها أيضاً عند تعرّض الماتن في بعض المسائل الآتية (1).
وأمّا الموضوعية التي هي محلّ كلامنا في هذه المسألة فهل يجب فيها البقاء على التمام عملاً بالاستصحاب ، أو يجب الجمع رعاية للعلم الإجمالي بتعلّق تكليف دائر بين القصر لو كانت مسافة شرعية أو التمام لو لم تكن؟ وجهان ، وأمّا احتمال القصر فساقط كما هو ظاهر.
والأقوى هو الأوّل كما ذكره في المتن ، لانحلال العلم الإجمالي المزبور باستصحاب عدم عروض ما يوجب التقصير.
ولا يتوقّف ذلك على جريان الاستصحاب في العدم الأزلي بأن يقال : إنّ الواجب على كلّ مكلّف بحسب الجعل الأوّلي هو التمام ، وقد خرج عن هذا العام ما إذا كانت المسافة ثمانية فراسخ ، ومن المقرّر في محلّه (2)أنّ الباقي تحت
.................................................................................................
العام بعد التخصيص بالعنوان الوجودي هي الأفراد الواقعية غير المعنونة بشيء ما عدا عدم كونها معنونة بعنوان الخاص ، فاذا نفينا ذلك بمقتضى الأصل شمله حكم العام بضمّ الوجدان إلى الأصل ، فوجب التمام.
فانّ الاستصحاب وإن كان حجّة في الأعدام الأزلية كما بيّناه في محلّه (1)، لكنّا في غنى عنه في المقام بجريان الاستصحاب بنحو العدم النعتي.
وتوضيحه : أنّ الموضوع لوجوب التقصير لو كان هو نفس المسافة الخارجية البالغة حدّ الثمانية فراسخ والبعد الموجود بين البلدين الموصوف بذلك لاتّجه حينئذ ما أُفيد ، فيقال : إنّ المسافة لم تكن ثابتة في الأزل لا ذاتها ولا وصفها وبعد العلم بتحقّق ذات المسافة يشكّ في تحقّق وصفها فيستصحب العدم ، وبذلك يندرج في موضوع العام الذي هو عبارة عن كلّ من لم يكن في هذه المسافة الخاصّة.
إلّا أنّ الأمر ليس كذلك ، بل الموضوع لوجوب القصر على ما يستفاد من الروايات بل الآية المباركة لو كانت ناظرة إلى صلاة المسافر لا صلاة الخوف كما تقدّم (2)هو السفر والسير بمقدار ثمانية فراسخ ، لا نفس المسافة الخارجية الموصوفة بالثمانية ، ويشكّ المكلّف في أنّ سيره في هذه المسافة التي يريد قطعها أو التي قطعها هل يبلغ هذا الحد ، أو هل بلغ هذا أو لا ، فيستصحب عدمه نعتاً حيث إنّه لم يكن سائراً هذا المقدار قبل الآن يقيناً والآن كما كان.
فلا حاجة إلى التشبّث باستصحاب العدم الأزلي بعد أن لم يكن الموضوع نفس الأرض والمسافة الخارجية ، بل السير المحدود بذلك الحد ، المسبوق بالعدم نعتاً كما عرفت.
بل وكذا لو ظنّ كونها مسافة (1).
[2235] مسألة 4 : تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار (2) وبالشياع المفيد للعلم ، وبالبيِّنة الشرعية ، وفي ثبوتها بالعدل الواحد إشكال (1)، فلا يترك الاحتياط بالجمع.
(1) إذ لا عبرة بالظنّ ، فإنّه لا يغني عن الحقّ شيئاً ، بعد أن لم يقم دليل على اعتباره ، فهو ملحق بالشكّ في كونه مورداً للأصل ، إلّا إذا بلغ الظن من القوّة مرتبة الاطمئنان المعبر عنه بالعلم العادي ، بحيث يكون احتمال الخلاف موهوماً لا يلتفت إليه العقلاء ، فإنّ الاطمئنان حجّة عقلائية قاطعة للعذر كما لا يخفى.
(2) لا إشكال في ثبوتها بالعلم الحاصل من أيّ سبب كان من اختبار أو شياع ونحوهما ، كما لا إشكال في ثبوتها بالبيّنة الشرعية ، لعموم دليل اعتبارها كما تقدّم البحث حوله في باب النجاسات (2)إلّا ما خرج بالدليل كما في الشهادة على الزنا الذي لا يثبت إلّا بشهادة أربعة.
وأمّا العدل الواحد فالأقوى هو الثبوت به أيضاً وإن استشكل فيه الماتن ، لما ذكرناه في محلّه (3)من عدم الفرق في حجّيته بين الأحكام والموضوعات ، لبناء العقلاء على العمل به بل بمطلق خبر الثقة في كلا الموردين ، إلّا فيما قام الدليل عليه بالخصوص كما في الترافع الموقوف على البيِّنة ، والزنا الموقوف على الأربعة كما مرّ.
[2236] مسألة 5 : الأقوى عند الشكّ وجوب الاختبار (1)(1) أو السؤال لتحصيل البيِّنة ، أو الشياع المفيد للعلم ، إلّا إذا كان مستلزماً للحرج.
(1) أمّا في الشبهة الحكمية فسيتعرّض له في المسألة السابعة ، والكلام فعلاً متمحّض في الشبهة الموضوعية ، فهل يجب الفحص عن المسافة لدى الشكّ بالاختبار أو السؤال؟ ذكر (قدس سره) أنّ الأقوى هو الوجوب ، هذا.
وقد تقرّر في محلّه من الأُصول (2)عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية وجواز الرجوع إلى الأصل ابتداءً ، بل قد ورد النهي عن الفحص في بعض الموارد كما في باب التزويج وأنّها ذات بعل ، أو تحقّق الرضاع بينه وبينها أو لا (3)ونحو ذلك.
نعم ، قد يقال بوجوب الفحص في خصوص المقام ونحوه ممّا يوجب ترك الفحص والرجوع إلى الأصل الوقوع في خلاف الواقع غالباً ، كما في الفحص عن الاستطاعة في الحج ، وعن بلوغ المال حدّ النصاب في الزكاة ، أو الزيادة على المئونة في الخمس. وعن طلوع الفجر في الصوم ، ونحو ذلك ، ومنه المقام أعني الفحص عن المسافة ، فإنّ تركه والاستناد إلى الأصل في أمثال هذه الموارد بما أنّه موجب للوقوع في مخالفة الواقع غالباً فلا مناص من الاختبار والتفتيش.
ولكنّه لا يتم إلّا إذا فرض حصول العلم الشخصي بترك الواقع إمّا فعلاً أو
[2237] مسألة 6 : إذا تعارض البيّنتان فالأقوى سقوطهما (1) ووجوب التمام ، وإن كان الأحوط الجمع.
فيما بعد لو لم يفحص ، وأنّه لو ترك الفحص عن الفجر مثلاً لأفطر يوماً من مجموع شهر رمضان ، إمّا اليوم الحاضر أو غيره من الأيام اللّاحقة ، فإنّه يجب الفحص حينئذ ، لعدم الفرق في تنجيز العلم الإجمالي بين الدفعي والتدريجي ولكن كيف وأنّى يحصل العلم في شيء من هذه الموارد حتّى في مثل الاستطاعة والنصاب.
نعم ، ربما يحصل العلم بالوقوع في خلاف الواقع إمّا منه أو من غيره من سائر المكلّفين التاركين للفحص. إلّا أنّ مثل هذا العلم لا يكون منجّزاً كما لا يخفى.
على أنّه لا يختص بأمثال المقام ، بل يعمّ جميع الشبهات بأسرها ، فنعلم جزماً بأنّ الاستصحابات الجارية في مواردها من باب الطهارة والنجاسة والحدث ونحوها لا تكون كلّها مطابقة للواقع ، كما أنّ الفقيه يعلم بأنّ في العاملين بفتواه من البقاء على الوضوء لدى الشكّ في الحدث من يقع في خلاف الواقع قطعاً وهكذا.
فالإنصاف : عدم الفرق بين موارد الشبهات الموضوعية ، ولا ميز بين مقام ومقام ، ولا يجب الفحص في شيء منها.
(1) على ما هو الأصل في المتعارضين ما لم يدلّ دليل على الأخذ بأحدهما ترجيحاً أو تخييراً كما في الخبرين حسبما تعرّضنا له في الأُصول في بحث التعادل والتراجيح (1)، وحيث لا دليل في البيّنتين فمقتضى القاعدة هو التساقط.
1) مصباح الأُصول 3 : 365.
[2238] مسألة 7 : إذا شكّ في مقدار المسافة شرعاً (1) وجب عليه الاحتياط بالجمع إلّا إذا كان مجتهداً وكان ذلك بعد الفحص عن حكمه ، فإنّ الأصل هو الإتمام.
نعم ، قد يقال بلزوم تقديم بيّنة الإثبات لكشفها عن الواقع ، فلا تقاومها شهادة النفي التي غايتها عدم العلم به.
وفيه : أنّ بيّنة النفي أيضاً ترجع إلى الإثبات لو كانت مستندة إلى الحسّ فتدّعي إحداهما أنّها ذرعت المسافة فكانت ثمانية فراسخ ، والأُخرى تدّعي أنّها ذرعتها فكانت سبعة فراسخ ونصف مثلاً. فكلّ منهما يثبت شيئاً وينفي غيره ، فكلتاهما ترجعان إلى بيّنة الإثبات ومشمولتان لعموم دليل حجّية الشهادة فيتعارضان.
نعم ، لو كان مستند بيّنة النفي هو الأصل فكانت تخبر عن الحكم الظاهري لا الواقعي اتّجه حينئذ ترجيح بيّنة الإثبات الحاكمة عليها ، لانتفاء موضوع الأصل بقيام الدليل ، فتكون تلك البيّنة حجّة حتّى على نفس البيّنة النافية المعوّلة على الأصل ، لما عرفت من انتفاء الموضوع بعد قيام الدليل الحاكم كما تقدّم توضيح ذلك كلّه في بحث النجاسات (1).
(1) أي بشبهة حكمية أمّا الموضوعية فقد تقدّمت في المسألة الخامسة ولا ريب حينئذ في عدم جواز الرجوع إلى الأصل قبل الفحص كما تقرّر في الأُصول (2)، فلا مناص من الاحتياط بالجمع أو الرجوع إلى الأدلّة إن كان مجتهداً أو إلى المجتهد إن كان مقلّداً. نعم ، بعد ما فحص المجتهد ويئس كان المرجع
[2239] مسألة 8 : إذا كان شاكاً في المسافة ومع ذلك قصّر لم يجزئ بل وجب عليه الإعادة تماماً ، نعم لو ظهر بعد ذلك كونه مسافة أجزأ إذا حصل منه قصد القربة مع الشكّ المفروض ، ومع ذلك الأحوط الإعادة أيضاً (1).
أصالة التمام كما تقدّم (1).
(1) إذا قصّر مع شكّه في المسافة رجاءً بحيث تمشّى منه قصد القربة فإن بنينا على لزوم الجزم بالنيّة في صحّة العبادة فلا إشكال في البطلان مطلقاً.
وإن بنينا على عدم لزومه كما هو الصحيح ، لعدم الدليل عليه حسبما هو موضح في محلّه (2)، فتارة ينكشف الخلاف أو يبقى شاكاً ، واخرى ينكشف كونه مسافة وأنّ ما صلاه كان مطابقاً للواقع.
فعلى الأوّل : وجبت الإعادة تماماً ، لأنّه الوظيفة الواقعية أو الظاهرية المقرّرة في ظرف الشكّ بمقتضى الاستصحاب كما مرّ (3)ولم يأت بها حسب الفرض. ولا دليل على إجزاء القصر غير المأمور به عمّا هو المأمور به أعني التمام. فلا مناص من الإعادة.
وعلى الثاني : كان مجزياً ، للإتيان بالوظيفة الواقعية على وجهها ، إذ لا يعتبر في حصول القربة المعتبرة في صحّة العبادة إلّا الإضافة من المولى نحو إضافة المتحقّقة بالإتيان بقصد الرجاء.
[2240] مسألة 9 : لو اعتقد كونه مسافة فقصّر ثمّ ظهر عدمها وجبت الإعادة (1) ، وكذا لو اعتقد عدم كونه مسافة فأتمّ ثمّ ظهر كونه مسافة فإنّه يجب عليه الإعادة (1).
[2241] مسألة 10 : لو شكّ في كونه مسافة أو اعتقد العدم ثمّ بان في أثناء السّير كونه مسافة يقصّر ، وإن لم يكن الباقي مسافة (2).
(1) إذ لا دليل على إجزاء الأمر الخيالي الخطأي عن الواقع ، وكذا الحال لو قامت البيّنة بحيث تحقّق معه الأمر الظاهري ، فانّ إجزاءه مغيا بعدم انكشاف الخلاف ، والمفروض هو الانكشاف ، فلا مناص من الإعادة في الوقت أو القضاء في خارجه.
وأمّا لو انعكس الفرض فاعتقد أو قامت البيّنة على عدم كونه مسافة فأتمّ ثمّ ظهر كونه مسافة ، فإن كان الانكشاف في الوقت وجبت الإعادة لعين ما مرّ.
وأمّا إن كان في خارجه فالأقوى عدم وجوب القضاء ، لصحيح العيص بن القاسم الصريح في ذلك ، وسيجيء التعرّض له إن شاء اللّه تعالى في مطاوي بعض المسائل الآتية (2).
(2) إذ العبرة بمقتضى إطلاق الأدلّة بقصد واقع الثمانية وإن لم يعلم به والمفروض صدور هذا القصد. فلو قصد السّير من النجف إلى الحلّة جاهلاً بكونه مسافة أو معتقداً بالعدم وهو مسافة واقعاً فقد قصد السفر في مسافة هي في الواقع ثمانية ، فلا مناص من التقصير.
[2242] مسألة 11 : إذا قصد الصبي مسافة ثمّ بلغ في الأثناء وجب عليه القصر وإن لم يكن الباقي مسافة (1) ، وكذا يقصّر إذا أراد التطوّع بالصلاة مع عدم بلوغه. والمجنون الذي يحصل منه القصد إذا قصد المسافة ثمّ أفاق في الأثناء يقصّر ، وأمّا إذا كان بحيث لا يحصل منه القصد فالمدار بلوغ المسافة من حين إفاقته.
نعم ، لو كان موضوع الحكم بالقصر قصد عنوان الثمانية فبما أنّه موقوف على إحراز العنوان ليتمكّن من قصده فمع الشكّ لا إحراز فلا موضوع. ولكن عرفت أنّ الموضوع واقع الثمانية لا عنوانها ، فقد تحقّق موضوع الحكم بالتقصير واقعاً وإن لم يعلم به ، فانّ العلم إنّما يعتبر في تعلّق القصد بالعنوان دون المعنون وما هو الواقع كما هو واضح.
(1) فانّ البلوغ أو العقل غير دخيلين في إناطة التقصير بقصد المسافة ، إذ هما شرط في الحكم بالوجوب لا في متعلّقه ، والقصد المزبور دخيل في نفس المتعلّق ، فذات الصلاة الصادرة عن أيّ متصدّ لها على ما يقتضيه إطلاق الأدلّة يعتبر فيها التقصير مع قصد المسافة ، والإتمام مع عدمه.
غاية الأمر أنّها تتّصف بالوجوب لو صدرت من البالغ العاقل ، وبالاستحباب لو صدرت من غيره ، فلو تطوّع الصبي القاصد للمسافة بالصلاة تعيّن عليه القصر ، وكانت صلاته محكومة بالاستحباب بناءً على شرعية عباداته ، لكون قصده مشمولاً لإطلاق الأدلّة كما عرفت.
ونتيجة ذلك أنّه لو بلغ في الأثناء انقلب التطوّع بالوجوب وإن لم يكن الباقي مسافة ، لتحقّق القصد الذي هو شرط في نفس القصر لا في وجوبه من أوّل الأمر كما مرّ.
[2243] مسألة 12 : لو تردّد في أقل من أربعة فراسخ ذاهباً وجائياً مرّات حتّى بلغ المجموع ثمانية لم يقصّر (1) ، ففي التلفيق لا بدّ أن يكون المجموع من ذهاب واحد وإياب واحد ثمانية.
ومنه يظهر الحال في المجنون القاصد للمسافة الذي يفيق في الأثناء ، فإنّ قصده أيضاً معتبر كالصبي بمقتضى الإطلاق ، فيجب عليه القصر لو أفاق وإن لم يكن الباقي مسافة ، إلّا إذا بلغ جنونه حدّا لا يحصل منه القصد بحيث كان ملحقاً بالحيوانات ، ففي مثله يعتبر بلوغ المسافة من حين إفاقته كما ذكره في المتن.
(1) كما لو تردّد في مسافة فرسخين أو فرسخ واحد فذهب ثمّ عاد إلى ما دون حدّ الترخص ثمّ ذهب وعاد إلى أن بلغ الثمانية ، فإنّه لا يكفي في ثبوت التقصير ، لما تقدّم (1)عند التكلم حول المسافة التلفيقية من أنّ العبرة ليست بمطلق شغل اليوم أو السير ثمانية كيف ما اتّفق ، بل الروايات تشير إلى سير القوافل والجمال على النحو المتعارف المقدر بالثمانية الامتدادية وما يلحق بها من بريد ذاهباً وبريد جائياً.
فمورد التلفيق الثابت بدليل الحكومة خاصّ بما إذا تلفّقت الثمانية من ذهاب واحد وإياب واحد ، إمّا بشرط أن لا يكون كلّ منهما أقل من أربعة ، أو بدون هذا الشرط مع فرض بلوغ المجموع ثمانية. وعلى أي تقدير فالثمانية الملفّقة من تكرّر الذهاب والإياب غير مشمولة لنصوص التلفيق جزماً ، فلا جرم يتعيّن فيها التمام.
1) في ص 7.
[2244] مسألة 13 : لو كان لبلد طريقان والأبعد منهما مسافة (1) فإن سلك الأبعد قصّر ، وإن سلك الأقرب لم يقصّر إلّا إذا كان أربعة أو أقل وأراد الرجوع (1)من الأبعد.
[2245] مسألة 14 : في المسافة المستديرة الذهاب فيها الوصول إلى المقصد والإياب منه إلى البلد ، وعلى المختار يكفي كون المجموع مسافة مطلقاً وإن لم يكن إلى المقصد أربعة ،
(1) لا ريب في وجوب التقصير حينئذ لو سلك الأبعد ، وكذا الأقرب مع فرض كونه أربعة ، لكفاية التلفيق من بريدين كما مرّ (2). كما لا ريب في وجوب التمام لو سلك الأقرب وكان دون الأربعة وأراد الرجوع منه ، لعدم بلوغ الثمانية ولو ملفّقاً كما هو واضح.
وأمّا لو أراد الرجوع من الأبعد فالظاهر هو التقصير ، لكون الرجوع هنا بنفسه مسافة ، فلا ينافي ما قدّمناه (3)من اشتراط التلفيق بعدم كون كلّ من الذهاب والإياب أقل من الأربعة ، فإنّ ذلك خاص بما إذا لم يكن كلّ منهما بنفسه مسافة ، وإلّا فالعبرة بها ، ولا حاجة معها إلى مراعاة التلفيق كما هو ظاهر جدّاً.
وعلى القول الآخر يعتبر أن يكون من مبدأ السّير إليه أربعة (1)مع كون المجموع بقدر المسافة (1).
(1) قد عرفت أنّ المستفاد من النصوص لزوم التقصير على المسافر الذي يريد قطع مسافة تبلغ ثمانية فراسخ امتدادية ، أو ملفّقة من الذهاب والإياب إمّا مطلقاً أو شريطة أن لا يكون كلّ منهما أقل من أربعة فراسخ كما تقدّم.
ولا ينبغي الشكّ في عدم اعتبار كون المسافة بالخط المستقيم ، إذ كثيراً ما يكون الطريق معوجاً موجباً للانحراف يميناً وشمالاً بحيث يتشكّل منه الخط المنكسر مرة أو مرتين بل مرات عديدة كما في الجبال والأودية.
فلو فرضنا مثلثاً وأراد السير من زاوية إلى زاوية أُخرى لا بنحو الاستقامة ، بل على سبيل الانكسار بحيث كان الطريق واقعاً في ضلعين منه فكان بلده في زاوية ومقصده في زاوية أُخرى والطريق إليها مار على الزاوية الثالثة الموجب بطبيعة الحال لتضاعف البعد عما لو كان السير بنحو الاستقامة.
أو فرضنا نصف دائرة وأراد الانتقال من نقطة إلى أُخرى مسامتة لها ولكن لا بالخط المستقيم ، بل بنحو الانحراف والاستدارة ، إمّا لمانع من وجود بحر ونحوه أو لغرض آخر ، فتوقّف الوصول إلى المقصد على قطع تلك المسافة.
ففي جميع ذلك إذا كان السير بالغاً حدّ المسافة الشرعية أعني ثمانية فراسخ
1) (*) لا يعتبر ذلك ، فانّ الظاهر كفاية كون مجموع الدائرة ثمانية فراسخ في وجوب القصر سواء في ذلك وجود المقصد في البين وعدمه ، والأحوط فيما إذا كان ما قبل المقصد أو ما بعده أقل من الأربعة هو الجمع.
.................................................................................................
لزمه التقصير ، وإن كان البعد الواقع بين بلده ومقصده أقل من ذلك بكثير لو كان بنحو الخط المستقيم ، كلّ ذلك لإطلاق الروايات الشامل لما تضمّن الانحراف بل هو الغالب في سير الجمال والقوافل التي هي مورد النصوص ولا سيما في البلاد الجبلية.
والروايات تشير إلى هذا السير العادي المتعارف ، وإلّا فقلّما تجد طريقاً سليماً عن الانحراف عارياً عن نوع من الاستدارة أو الانكسار إلّا في الطرق البحرية أو الجوية كما لا يخفى.
أمّا طريق البر وهو مورد الروايات فشذّ ما يسلم عن الاعوجاج الموجب لازدياد السير ، وقد كانت المسافة بين النجف وكربلاء مقداراً معيّناً ، وأخيراً بعد ما غيّر الطريق وجعل من حي الحسين (عليه السلام) زاد الانحراف فاضيف على المسافة ما يقرب من نصف الفرسخ ، فخرج آخر الطريق من الخط المستقيم إلى الخط المنكسر.
وكيف ما كان ، فالمدار في وجوب التقصير بصدق أمرين : كونه مسافراً وأن يكون مسيره ثمانية فراسخ وإن كان البعد لو قدّر بنحو الاستقامة لعلّه لا يزيد على ثلاثة فراسخ مثلاً ، إذ لا عبرة بالخط المستقيم كما عرفت.
فعليه إذا فرضنا أنّ حركة هذا المسافر كانت في دائرة تامّة فسار في مسافة مستديرة فلها صورتان :
إذ تارة تكون الدائرة خارجة عن البلد فيكون واقعاً على جانب منها ملاصقاً لنقطة من نقاطها أو داخلاً أو خارجاً شيئاً ما ، كما لو خرج من النجف إلى الديوانية ثمّ الحلّة ثمّ كربلاء ثمّ رجع إلى النجف بحيث تشكّلت من سيرة دائرة حقيقية أو ما يشبهها.
.................................................................................................
واخرى تكون الدائرة حول البلد بحيث يكون البلد مركزاً لها.
أمّا الصورة الاولى : فلا ينبغي الشكّ في وجوب القصر إذا بلغ به السير ثمانية فراسخ ولو ملفّقة من الذهاب والإياب.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون له مقصد يروم السفر إليه ، أم لم يكن له مقصد أصلاً كما لو سافر لامتحان فرسه ، أو اختبار سيارته أو غاية أُخرى من الغايات المباحة من غير أن يكون له أيّ مقصد ما عدا نفس السير. فوجود المقصد وعدمه سيّان ، ولا يناط به ملاحظة الذهاب والإياب ، بل هما ينتزعان من مراعاة البعد والقرب بالإضافة إلى البلد.
فإنّه لدى خروجه منه يتباعد عنه شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغ نصف الدائرة المحاذي للبلد والنقطة المسامتة له التي هي منتهى البعد ، وبعدئذ يسير في النصف الثاني فيأخذ في الاقتراب ويدنو شيئاً فشيئاً إلى أن يصل إلى البلد.
فكلّما يتباعد فهو ذهاب ، وكلّما يتقارب فهو إياب ، سواء أكان له مقصد أم لا ، وسواء أكان مقصده على تقدير وجوده واقعاً على رأس منتهى البعد أم قبله أم بعده ، فانّ ذلك كلّه أجنبي عن ملاحظة الذهاب والإياب المعلّق عليهما التلفيق في لسان الروايات ، إذ لا يفرق ذلك في واقع الذهاب والإياب المنتزع ممّا عرفت.
نعم ، قد يطلق الإياب على مجرّد الخروج من المقصد وإن كان قبل ذلك ، كما لو كان مقصده في فرسخين والمفروض أنّ منتهى البعد أربعة مثلاً ، فيقال حينئذ أنّه يرجع.
لكنّه مبني على المسامحة ، يراد منه أنّه يرجع من مقصده لا أنّه يرجع عن سفره ، والاعتبار بالثاني دون الأوّل كما لا يخفى. وإلّا فكلّما يبعد فهو ذاهب وكلّما يقرب فهو راجع آئب.
.................................................................................................
فما في المتن من جعل المدار على الوصول إلى المقصد في غير محلّه ، بل قد عرفت عدم لزوم فرض مقصد من أصله ، فإذا كان كلّ منهما أعني من مبدأ السير إلى منتهى البعد والعود عنه أربعة فراسخ فقد تحقّقت المسافة التلفيقية الموجبة للتقصير ، وإذا كان كلّ منهما بنفسه ثمانية فراسخ فلا إشكال.
وعلى الجملة : بعد أن لم يعتبر في السفر أن يكون بالخط المستقيم ، بل لعلّه لا يتّفق في البر إلّا نادراً كما مرّ فحال السير في الدائرة حال السير في غيرها من غير أي إشكال فيه ، كما هو الحال في المثلث ، فإنّه يقصّر إذا بلغ مجموع الضلعين ثمانية فراسخ. فالمسافة المستديرة والمسافة المستقيمة والمسافة المنكسرة كلّها شرع سواء فيما هو مناط للتقصير حسبما عرفت.
وأمّا الصورة الثانية : أعني ما لو كان البلد مركزاً للدائرة ، فخرج عن بلده بالخط المستقيم مثلاً إلى أن بلغ الدائرة فسار فيها وطاف حول البلد ، بحيث تكون نسبته إلى البلد في جميع الحالات على حد سواء إلى أن وصل إلى المكان الذي شرع منه في السير ، فهل يكون حكمه التقصير أيضاً إذا كانت المسافة ثمانية فراسخ كما في الصورة الأُولى؟ الظاهر هو التفصيل.
إذ تارة تكون الدائرة قريبة من البلد جدّاً بحيث لا يصدق معها عنوان السفر لكونها من توابعه وملحقاته ، كما لو خرج من النجف إلى آخر ضواحيه ثمّ طاف حوله لغاية الزراعة أو التفرّج ونحوهما من الغايات المشروعة.
فحينئذ لا إشكال في لزوم التمام وإن بلغ به السير عشرة فراسخ ، بل عشرين لفرض كبر البلد ، لأنّ سيره خارج البلد كسيرة داخل البلد في عدم صدق عنوان المسافر عليه ، ولا بدّ في التقصير من صدق هذا العنوان ، لما تقدّم (1)من
1) في ص 8 ، 13.
.................................................................................................
عدم كون العبرة بمطلق شغل اليوم كيف ما اتّفق.
ولذا قلنا إنّه لو ذهب فرسخاً ورجع ثمّ ذهب ورجع إلى أن بلغ المجموع ثمانية لا يكفي في التقصير ، لما عرفت من لزوم أمرين في وجوب القصر : صدق السفر ، وكونه ثمانية فراسخ ، فاذا لم يصدق المسافر كما في المقام لكون بعده عن البلد بمقدار نصف الفرسخ مثلاً لم يجب التقصير.
وأُخرى تكون الدائرة بعيدة بمقدار يصدق معه عنوان المسافر ، كما لو بعد عن البلد مقدار ثلاثة فراسخ مثلاً ثمّ دار حول البلد ، فالظاهر حينئذ وجوب التقصير فيما إذا بلغ مجموع سيره ثمانية فراسخ ولو ملفّقاً.
فإنّه حينما يشرع في البعد فهو ذاهب ويمتد ذلك إلى أن يصل منتهاه ، وهي النقطة المقابلة من الدائرة مع النقطة التي دخل فيها ، وحينما يتجاوز عن هذه النقطة يشرع في القرب ويتحقّق معه الرجوع والإياب إلى أن يصل سيره في الدائرة إلى النقطة التي دخل فيها ، فاذا كان كلّ منهما أربعة فراسخ بحيث تلفّقت منهما الثمانية وجب التقصير ، لما عرفت من عدم اعتبار كون السير في الخط المستقيم ، وأنّ العبرة بمطلق الثمانية ، سواء أكانت الخطوط مستقيمة أم مستديرة ، بشرط صدق عنوان المسافر عليه ، والمفروض تحقّقه في المقام. فلا مناص من التقصير حسبما عرفت.
فإذا فرضنا أنّ مجموع سيره في الدائرة ست ساعات فالسير في الثلاث الاولى ذهاب وفي الثلاث الثانية إياب ، فإذا بلغ كلّ منهما أربعة فراسخ وجب عليه القصر.
[2246] مسألة 15 : مبدأ حساب المسافة سور البلد أو آخر البيوت فيما لا سور فيه في البلدان الصغار والمتوسطات ، وآخر المحلّة في البلدان الكبار (1)الخارقة للعادة ، والأحوط مع عدم بلوغ المسافة من آخر البلدان الجمع وإن كانت مسافة إذا لوحظ آخر المحلّة (1).
(1) المستفاد من نصوص التحديد بالثمانية أنّ مبدأ الاحتساب هو أوّل زمان يتلبّس المسافر بالوصف العنواني ، ويتّصف عرفاً بكونه مسافراً ، وهو بحسب المتفاهم العرفي إنّما يتحقّق بالخروج من البلد ، وإلّا فعند ما يسير في البلد ولم يخرج بعدُ عنه فهو مريد للسفر وليس بمسافر ، فانّ السفر هو البروز والخروج ومنه المرأة السافرة ، أي البارزة الكاشفة لما لا ينبغي كشفه.
فصدق عنوان السفر متقوّم بالخروج من البلد ، ويختلف صدقه حسب اختلاف الموارد ، ففيما له سور يتحقّق بالخروج عن السور ، وفيما لا سور له بالتجاوز عن آخر البيوت ، وفي من كان من سكنة البوادي القاطنين في بيت من شعر أو قصب يتحقّق بالخروج من المنزل.
فمبدأ الاحتساب يكون هو السور أو آخر البيوت أو المنزل حسب اختلاف الموارد كما ذكره في المتن. هذا ما يقتضيه التبادر والفهم العرفي من نصوص التحديد. ويستفاد ذلك أيضاً من بعض النصوص الخاصّة.
ففي صحيحة زرارة : «وقد سافر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إلى ذي خشب وهو مسيرة يوم من المدينة» (2)حيث جعل مبدأ الاحتساب بلد
.................................................................................................
المدينة ، أي أوّل نقطة من حدودها ، لا منزله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أو غير ذلك.
ولا يخفى أنّ هذه الرواية رواها الصدوق في الفقيه في ذيل رواية يرويها عن زرارة ومحمد بن مسلم (1)، وطريقه إلى ابن مسلم وإن كان ضعيفاً لكن طريقه إلى زرارة صحيح (2)، ولا يقدح ضمّ غيره معه. فالرواية موصوفة بالصحّة.
ولكن صاحب الوسائل كأنه تخيّل أنّ هذه العبارة من كلام الصدوق فنسبها إليه ، حيث قال : قال : وقد سافر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إلى آخر ما مرّ.
وليس كذلك قطعاً ، فانّ في ذيل هذه العبارة قرينة واضحة تشهد بأنّها من كلام الإمام (عليه السلام) حيث قال بعد ذلك : «وقد سمّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قوماً صاموا حين أفطر العصاة ، قال : فهم العصاة إلى يوم القيامة ، وإنّا لنعرف أبنائهم وأبناء أبنائهم إلى يومنا هذا» (3).
فانّ هذه الدعوى أعني معرفة العصاة وأبنائهم وأبناء أبنائهم لا تكاد تصدر من غير الإمام (عليه السلام) كما هو ظاهر. وكيف ما كان ، فهي رواية صحيحة عن الإمام (عليه السلام) كما ذكرناه ، دلّت على أنّ المبدأ نفس البلد هذا.
ويستفاد من موثّقة عمار أنّ المدار على أحد الأمرين من القرية أو المنزل قال (عليه السلام) : «لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ ...» إلخ (4).
.................................................................................................
ولكن بما أنّ التخيير بين الأقل والأكثر لا معنى له كما لا يخفى ، فهي محمولة على أنّ المسافر إن كان في قرية فالعبرة بقريته ، وإلّا كما في أهل البوادي الساكنين في بيوت الشعر فمن منزله.
فالعبرة بأحد الأمرين حسب اختلاف الموردين على ما يقتضيه طبع السفر عرفاً بمقتضى سير الجمال والدواب ، فانّ الساكنين في القرى أو البلدان يتحقّق الركوب منهم للسفر في آخر القرية أو البلد غالباً ، وأمّا سكنة البر فمن منازلهم.
وكيف ما كان ، فالمستفاد من الروايات ومن نفس نصوص التحديد هو ما عرفت ، ولا شكّ أنّ مقتضى الإطلاق عدم الفرق في البلدان بين الصغيرة والمتوسطة والكبيرة ، وأنّ العبرة في جميعها بنفس البلدة.
ولكن الماتن (قدس سره) تبعاً لغيره جعل المدار في البلدان الكبار الخارقة للعادة بآخر المحلّة. وليس له وجه ظاهر ، بل هو مخالف للإطلاق كما عرفت وقد كانت الكوفة في زمانهم (عليهم السلام) كبيرة جدّاً كما يشهد به التاريخ وغيره ، ومع ذلك كان مبدأ الاحتساب نفس البلدة كما يشهد به حديث القادسية حسبما تقدّم (1).
وعلى الجملة : مقتضى الجمود على ظواهر النصوص تعميم الحكم لما إذا كانت البلدة صغيرة كالمدينة ، أو كبيرة كالكوفة ، أو متوسطة كغيرهما ، بعد أن لم يكن دليل على التقييد بالمحلّة في البلدان الكبيرة.
نعم ، ربّما يفرض بلوغ البلدة من الكبر حدّا خارقاً للعادة جدّاً بحيث يصدق على السير فيها عنوان السفر ، كما لو بلغ طولها خمسين فرسخاً أو مائة أو مائتين وإن لم يوجد مصداق لها لحدّ اليوم ، وربّما يتّفق في الأجيال القادمة -
1) [الظاهر عدم تقدّم ما يدلّ على ذلك فلاحظ].
الشرط الثاني : قصد قطع المسافة من حين الخروج (1) فلو قصد أقل منها
ففي مثل ذلك لا مناص من الالتزام بالتقصير من لدن صدق عنوان المسافر عليه ، المتحقّق بالخروج من محلّته أو نواحيها ، لأنّ موضوع الحكم صدق هذا العنوان كما تقدّم (1)، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين ما لو اتّفق الصدق على السير في نفس البلدة أو في خارجها ، فمتى صدق هذا العنوان وكان قاصداً للثمانية امتدادية أو تلفيقية وجب التقصير وإن كان مورد الصدق هو السير في نفس البلد.
وأمّا إذا لم يبلغ الكبر هذا الحد ، بحيث لا يصدق معه عنوان السفر كالبلدان الكبار في عصرنا الحاضر مثل بغداد وطهران وبعض البلاد الغربية ، فلا موجب للالتزام فيها بالاحتساب من آخر المحلّة ، إذ لا دليل عليه بوجه ، مع أنّه لا ضابط له ، إذ قد يكون منزله في أوّل المحلّة ، واخرى في وسطها ، وثالثة في آخرها ، ويلزم في الفرض الأخير أن يكون المبدأ حيطان الدار ، ولا شاهد عليه أصلاً كما لا يخفى.
وعلى الجملة : فالميزان الكلّي في الاحتساب أوّل نقطة يصدق معها عنوان المسافر ، وهو في البلاد المتعارفة بل الكبار الحاضرة إنّما يتحقّق بالخروج عن البلد إمّا عن سورة أو آخر بيوته ، وفي غيره عن منزله حسبما عرفت ، ولا اعتبار بالخروج عن المحلّة بوجه ، إذ لا شاهد عليه في شيء من الأخبار.
(1) هل المدار في التقصير على مجرّد قطع المسافة خارجاً من غير اعتبار القصد بوجه ، أو على نفس القصد على نحو تمام الموضوع ، سواء أبلغ سيره خارجاً حدّ المسافة الشرعية أم لا ، نظير قصد الإقامة الذي هو الموضوع للتمام
1) في ص 13 وغيرها.
وبعد الوصول إلى المقصد قصد مقداراً آخر يكون مع الأوّل مسافة لم يقصّر نعم لو كان ذلك المقدار مع ضمّ العود مسافة قصّر من ذلك الوقت بشرط أن يكون عازماً على العود ، وكذا لا يقصّر من لا يدري أيّ مقدار يقطع كما لو طلب عبداً آبقاً أو بعيراً شارداً ، أو قصد الصيد ولم يدر أنّه يقطع مسافة أو لا ، نعم يقصّر في العود إذا كان مسافة ، بل في الذهاب إذا كان مع العود بقدر المسافة وإن لم يكن أربعة (1)، كأن يقصد في الأثناء أن يذهب ثلاثة فراسخ والمفروض أنّ العود يكون خمسة أو أزيد ، وكذا لا يقصر لو خرج ينتظر رفقة إن تيسّروا سافر معهم وإلّا فلا ، أو علّق سفره على حصول مطلب في الأثناء قبل بلوغ الأربعة إن حصل يسافر وإلّا فلا ، نعم لو اطمأنّ بتيسّر الرفقة أو حصول المطلب بحيث يتحقّق معه العزم على المسافة قصّر بخروجه عن محلّ الترخّص.
سواء أكمل العشرة أم لا ، فكما أنّ العبرة هناك بقصد العشرة لا واقعها فكذا في المقام بقصد المسافة لا وقوعها. أو على مجموع الأمرين منضمّاً من القصد المقترن بالقطع الخارجي ، فلا يكفي أحدهما منعزلاً عن الآخر؟ وجوه واحتمالات ثلاثة تتطرّق في المسألة ، ولا رابع لها كما لا يخفى.
مقتضى الجمود على ظواهر غير واحد من النصوص المتضمّنة للتحديد بثمانية فراسخ امتدادية أو بريد ذاهباً وبريد جائياً هو الأوّل ، فلو كنّا نحن وهذه الأخبار لالتزمنا بأنّ المدار على واقع الثمانية ، سواء أكانت مقصودة أم لا.
1) (*) تقدّم اعتبار كون كلّ من الذهاب والإياب أربعة.
.................................................................................................
إلّا أنّ صحيحة زرارة ظاهرة في أنّ العبرة بنفس القصد ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا ، وانصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج ، ما يصنع بالصلاة التي كان صلّاها ركعتين؟ قال : تمت صلاته ولا يعيد» (1).
فلو كنّا نحن وهذه الصحيحة لكانت دالّة على أنّ الثمانية كإقامة العشرة يراد بها القصد الموجود في أُفق النفس ، لحكمه (عليه السلام) بالتقصير على مجرّد إرادة السفر وإن لم يبلغ سيره الثمانية خارجاً.
إلّا أنّ هذه الصحيحة معارضة في موردها بصحيحة أبي ولاد المتضمّنة لإعادة الصلاة التي صلّاها قصراً إذا بدا له الرجوع قبل بلوغ المسافة (2)، فتسقطان بالمعارضة ، فنبقى نحن وتلك الروايات الأوّلية الدالّة على أنّ العبرة بنفس المسافة الخارجية ، سواء أكانت مقرونة بالقصد أم لا.
لكنّا علمنا من موثّقة عمّار عدم كفاية الثمانية بمجرّدها ، بل في خصوص ما إذا كانت مقصودة من مبدأ السفر ، حيث قال (عليه السلام) : «لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ ، فليتمّ الصلاة» (3).
فإنّه (عليه السلام) حكم بالتمام مع أنّ المفروض في السؤال قطع الأكثر من ثمانية فراسخ ، لكن عارياً عن قصدها من أوّل الأمر ، بل كان ذلك بعزمين وقصدين.
.................................................................................................
فعلّق (عليه السلام) التقصير على مجموع الأمرين من القصد والمسافة الخارجية. وبذلك تقيّد الإطلاقات الأوّلية ، مؤيّداً بعدّة من الروايات ، ولكنّها ضعاف ، والعمدة هي الموثّقة.
فظهر من ذلك كلّه أنّ المدار على مجموع الأمرين من قصد الثمانية من أوّل الأمر مقروناً بواقع الثمانية على سبيل الشرط المتأخّر ، فلو قصد ولم يبلغها لمانع خارجي ، أو بلغها ولم يكن قاصداً لها من الأوّل وجب عليه التمام ، كما لو خرج لطلب الضالّة أو الغريم أو الصيد فبلغ الثمانية اتفاقاً ، فإنّه لا يكفي في وجوب التقصير إلّا إذا كان الرجوع مسافة أو كان الباقي بضميمة الرجوع مسافة تلفيقية ، بشرط عدم كون كلّ منهما أقل من أربعة فراسخ على المختار ، وبغير هذا الشرط على مختار الماتن كما تقدّم (1).
وكذا الحال فيما لو خرج ينتظر رفقة إن تيسّروا سافر معهم وإلّا فلا ، أو علّق سفره على حصول مطلب في الأثناء قبل بلوغ الأربعة إن حصل سافر وإلّا فلا بحيث لم يتحقّق معه العزم على المسافة ، فإنّه يتمّ ، لانتفاء فعلية القصد وعدم تنجيزه ، إلّا إذا كان مطمئناً بتيسّر الرفقة أو حصول المطلب بحيث حصل العزم فإنّه يقصر لدى خروجه عن حدّ الترخّص كما أشار إليه في المتن.
1) في ص 7 وما بعدها.
[2247] مسألة 16 : مع قصد المسافة لا يعتبر اتصال السير (1) فيقصّر وإن كان من قصده أن يقطع الثمانية في أيام ، وإن كان ذلك اختياراً لا لضرورة من عدوّ أو برد أو انتظار رفيق أو نحو ذلك ، نعم لو كان بحيث لا يصدق عليه اسم السفر لم يقصّر كما إذا قطع في كلّ يوم شيئاً يسيراً جدّاً للتنزّه أو نحوه ، والأحوط في هذه الصورة أيضاً الجمع.
(1) إذ لا دليل على تقييد السير بالاتصال والاستمرار ، فلو قصد قطع المسافة خلال أيام عديدة كأن يمشي كلّ يوم نصف فرسخ بحيث يكمل الثمانية خلال ستّة عشر يوماً مثلاً وجب التقصير أيضاً ، لإطلاق الأدلّة ، سواء أكان ذلك لاختيار أم ضرورة تقتضيه من برد أو عدوّ ونحو ذلك ، هذا.
وقد استثنى (قدس سره) من ذلك ما لو كان بطء السير بمثابة لا يصدق معه اسم السفر عرفاً ، كما لو قطع كلّ يوم شيئاً يسيراً جدّاً كمقدار بستان مثلاً لأجل التنزّه والتفرّج في أوراده وأشجاره والتمتّع من مياهه ونحو ذلك ، فإنّه لا يقصّر وإن كان قاصداً من الأوّل للثمانية فما زاد ، كما لو قصد من الكوفة إلى كربلاء عن طريق البساتين على النهج المزبور ، إذ هو تحديد للمسافر لا لكلّ من يقطع الثمانية كيف ما كان ، وهذا العنوان منفي في المقام.
أقول : ما أفاده (قدس سره) صحيح على تقدير عدم صدق اسم المسافر عرفاً ، فالكبرى مسلمة لا إشكال فيها ، لكنّ الشأن في الصغرى.
فانّ المنع عن صدق اسم السفر فيما ذكره من الفرض مشكل جدّاً ، بل ممنوع كيف والسفر هو البروز والخروج ، ومنه المرأة السافرة أي الكاشفة ، ولا ريب أنّ من بُعد عن وطنه فراسخ عديدة ولو بحركة بطيئة وفي خلال أيام كثيرة فهو بارز خارج غريب في هذا المحل ، بحيث لو سئل لقيل إنّه مسافر قطعاً.
.................................................................................................
نعم ، المشي إلى توابع البلد ليس من السفر في شيء ، وأمّا مع الابتعاد الكثير ولو على سبيل التدريج فلا ينبغي التأمّل في صدق اسم المسافر عليه جزماً.
ولكن مع ذلك لا يثبت في حقّه القصر ، لا لعدم صدق اسم السفر ، بل لكونه من المقيم حقيقة ، فإنّ المراد به كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى (1)ليس من يقصد الإقامة في مكان واحد شخصي ، بل يشمل المحلّ وتوابعه ، فلا ينافي الحركة إلى الأسواق والشوارع ، بل إلى خارج البلد لتشييع جنازة أو تفرّج ونحو ذلك ، كما لا ينافي الحركة إلى توابع المحلّ في سكنة البوادي لتحصيل حطب أو سقي دابة ونحوهما ، فانّ كلّ ذلك لا يتنافى مع عنوان الإقامة وقصدها.
وعليه فإذا فرضنا أنّ هذا الخارج خرج قاصداً للثمانية بانياً على أن يمشي كلّ يوم عشرة أمتار مثلاً ، أو كما حكي عن الدرويش الفلاني من مشيه كلّ يوم بمقدار العصا أي متراً واحداً فمثل هذا الشخص مقيم دائماً ، ولأجله يجب عليه التمام.
وبعبارة اخرى : الخارج بقصد أن يمشي في كلّ يوم عشرة أمتار مثلاً فهو لا محالة قاصد للإقامة في كلّ مائة عشرة أيام ، إذ هو كذلك في المائة الثانية والثالثة وهكذا ، فهذا المقدار من المساحة مورد لقصد الإقامة دائماً ، لما عرفت من عدم منافاته مع الحركة في خلالها ، إذ لا يراد بها الإقامة في مكان شخصي.
ولو فرضنا ذلك في من لا يتمكّن من المشي كالأعرج فالأمر أظهر ، إذ لا شك حينئذ في كونه مسافراً غايته أنّ حركته بطيئة.
وعلى الجملة : فالمتعيّن في الفرض المزبور هو التمام ، لكن لكونه من المقيم ، لا لعدم كونه مسافراً. نعم ، لو فرضنا الحركة أكثر من ذلك بحيث لا يصدق معه المقيم تعيّن التقصير حينئذ ، بعد ما عرفت من صدق اسم السفر عليه. فالمتّجه
1) في ص 271 272.
[2248] مسألة 17 : لا يعتبر في قصد المسافة أن يكون مستقلا (1) بل يكفي ولو كان من جهة التبعية للغير لوجوب الطاعة كالزوجة والعبد ، أو قهراً كالأسير والمكره ونحوهما ، أو اختياراً كالخادم ونحوه بشرط العلم بكون قصد المتبوع مسافة ، فلو لم يعلم بذلك بقي على التمام.
هو التفصيل بين صدق عنوان المقيم وعدمه حسبما عرفت.
(1) فان مقتضى إطلاق الأدلّة المتضمّنة لإناطة التقصير بقصد المسافة عدم اعتبار الاستقلال في القصد المزبور ، فيشمل ما إذا كان تابعاً لقصد الغير ، سواء أكانت التبعيّة واجبة كما في الزوجة والعبد ، أم مباحة مع الاختيار كما في الخادم أو الإكراه كالأسير ، أو الاضطرار كمن شدّت يداه ورجلاه وأُخذ قهراً ، كلّ ذلك للإطلاق بعد صدق قصد المسافة الذي هو الموضوع للحكم.
نعم ، يعتبر في ذلك علم التابع بمقصد المتبوع وأنّه يريد المسافة ، أمّا مع جهله بذلك فهو باق على التمام ، إذ الاعتبار بفعلية القصد ، المنفي عن التابع ، لأنّ تعلّق قصده بالمسافة منوط بقصد المتبوع ، فيقصد على تقدير قصده وإلّا فلا وحيث إنّه لا يدري فلا جرم ليس له قصد فعلي.
فحاله حال طالب الضالّة أو الصيد ، أو الخارج لاستقبال أحد ونحوه ممّن لم يعلم ببلوغ السير حدّ المسافة الشرعية ، فإنّ هؤلاء لا يقصّرون ، لعدم إحرازهم للسفر ، الموجب لانتفاء القصد ، هذا.
ولكن المنسوب إلى جماعة منهم الشهيد (قدس سره) (1)تعيّن القصر فيما إذا كان المتبوع قاصداً للمسافة واقعاً ، نظراً إلى أنّ التابع بمقتضى فرض التبعية
1) الدروس 1 : 209.
.................................................................................................
قاصد لما يقصده المتبوع ، لأنّ قصده تابع لقصده ومرتبط بإرادته ، فإذا كان المتبوع قاصداً للمسافة فالتابع أيضاً قاصد لها واقعاً وإن كان هو لا يدري بذلك.
فهو نظير من قصد مسافة معيّنة كما بين الكوفة إلى الحلّة بزعم أنّها سبعة فراسخ وهي في الواقع ثمانية ، فإنّه يجب عليه التقصير حينئذ ، لكونه قاصداً للمسافة بحسب الواقع ، إذ المدار على واقع الثمانية لا عنوانها ، غايته أنّه جاهل بذلك فيكون معذوراً في الإتمام ، ويجب عليه الإعادة قصراً بعد انكشاف الحال وإن لم يكن الباقي مسافة.
وعلى الجملة : لو سئل التابع عن مقصده لأجاب بأنّ قصدي ما يقصده متبوعي ، فاذا كان مقصوده واقعاً هي الثمانية فهو أيضاً قاصد لها بطبيعة الحال فلا مناص من التقصير.
هذا ما ذكره الشهيد (قدس سره) وجماعة ، وهو مختار الماتن (قدس سره) أيضاً كما سيصرّح به في المسألة العشرين الآتية.
ولكنّه لا يتم ، لما عرفت من لزوم فعلية القصد المتعلّق بواقع الثمانية وثبوته على كلّ تقدير ، المنفي في حقّ التابع ، لكونه معلّقاً على تقدير خاص ، وهو قصد المتبوع للثمانية ، وإلّا فهو غير قاصد لها.
ومنه تعرف بطلان التنظير وضعف قياس المقام بقاصد المسافة الواقعية جاهلاً بها ، فانّ القياس مع الفارق ، ضرورة أنّ القصد هنا تعليقي وهناك تنجيزي.
فإنّ من قصد السير من الكوفة إلى الحلّة المشتمل على بعد ثمانية فراسخ وإن جهل بها فهو في الحقيقة قاصد فعلاً للثمانية قصداً تنجيزياً ، لتعلّق قصده بالذهاب إلى الحلّة على كلّ تقدير ، والمفروض أنّ هذه المسافة ثمانية واقعاً ، فهو
ويجب الاستخبار مع الإمكان (1)، نعم في وجوب الإخبار على المتبوع إشكال وإن كان الظاهر عدم الوجوب (1).
لا محالة قاصد للثمانية منجّزاً بطبيعة الحال. فلا مناص من التقصير.
وهذا بخلاف التابع ، فإنّه لا يقصد الثمانية إلّا على تقدير كونها مقصودة للمتبوع ، فليس له قصد فعلي تنجيزي ثابت على كلّ تقدير كما كان كذلك في مورد التنظير.
وعلى الجملة : مقتضى فرض التبعية إناطة القصد بالقصد وتعليقه عليه فيقول التابع الخارج مع متبوعه عن النجف مثلاً جاهلاً بمقصده : إنّ متبوعي إن كان قاصداً للكوفة فقد قصدتها ، وإن قصد ذا الكفل فكذلك ، وإن قصد الحلّة فكذلك. فكلّ ذلك تقدير وتعليق على قصده ، وإلّا فهو فاقد للقصد الفعلي بتاتاً. فبالنتيجة لا يكون قصده للمسافة إلّا على تقدير قصد المتبوع لها.
فالمقام أشبه شيء بطالب الضالة أو الصيد أو الغريم ، أو الخارج لاستقبال الحاجّ ونحو ذلك ممّن لا يقصد المسافة إلّا على تقدير دون تقدير ، فهو يخرج لطلب الصيد مثلاً مهما وجده ، إمّا على رأس الفرسخين أو الثمانية ، فيسير في مساحة واقعية حاوية لمقصده مردّدة بين المسافة وغيرها ، فكما يجب التمام هناك بلا كلام فكذا في المقام بمناط واحد.
(1) ينبغي التكلّم في جهات :
الاولى : هل يجب على التابع الجاهل بمقصد متبوعه الاستخبار لدى التمكّن منه؟ حكم (قدس سره) بالوجوب ، والظاهر العدم ، فانّ الوجوب مبني على أمرين :
1) (*) على الأحوط ، والأظهر عدم الوجوب.
.................................................................................................
أحدهما : دعوى كون الوظيفة الواقعية الثابتة في حقّ التابع هي القصر لو كان متبوعه قاصداً للمسافة وإن كان التابع جاهلاً بها ، كما أنّ وظيفته التمام لو لم يقصدها. وعليه لا مناص من الفحص والسؤال تحقيقاً للامتثال والإتيان بالوظيفة الواقعية على وجهها.
ثانيهما : وجوب الفحص في طائفة من الشبهات الموضوعية ، وهي التي يؤدّي ترك الفحص فيها إلى الوقوع في مخالفة الواقع غالباً كما في باب الاستطاعة وبلوغ المال حدّ النصاب ونحوهما ، ومنه المقام أعني التحقيق عن المسافة كما تقدّم (1).
ولكن شيئاً منهما لا يتم.
أمّا الأوّل : فلما عرفت من دوران القصر مدار القصد الفعلي التنجيزي الثابت على كلّ تقدير ، وهو مفقود بالإضافة إلى التابع بالوجدان ، لكونه معلّقاً على قصد المتبوع ، وهو مشكوك حسب الفرض ، ومعه لا قصد فلا قصر.
فالوظيفة المقرّرة في حقّ التابع حتّى في صقع الواقع إنّما هي التمام ، فإنّها وظيفة كلّ من لم يكن قاصداً للمسافة فعلاً ، والتابع من أبرز مصاديقه كما لا يخفى. فليس هناك واقع مردّد مجهول ليلزم الفحص عنه مقدّمة للامتثال.
نعم ، بالفحص يتبدّل الموضوع الموجب لتبدّل الحكم ، فينقلب غير القاصد إلى القاصد لو انكشف صدور القصد من المتبوع ، فيحدث عندئذ وجوب القصر ، لا أنّه ينكشف به واقع مجهول ليلزم الفحص عنه ، إذ لا جهالة في الحكم الواقعي الثابت في حقّه فعلاً الذي هو التمام كما عرفت. ومن المعلوم عدم الدليل على لزوم هذا التبديل وقلب الموضوع وتغييره كما هو ظاهر جدّاً.
1) في ص 33.
.................................................................................................
وأمّا الثاني : فلما تقدّم من منع استلزام ترك الفحص للوقوع في خلاف الواقع غالباً حتّى في أمثال هذه الموارد ، فانّ الشكّ في المسافة أو في قصد المتبوع وكذا الاستطاعة والنصاب ونحو ذلك ليس ممّا يكثر الابتلاء به كي يوجب العلم إجمالاً بالمخالفة لو لم يفحص كما لا يخفى.
فشأن هذه الموارد شأن سائر موارد الشبهات الموضوعية في اشتراك الكلّ في عدم وجوب الفحص بمناط واحد ، ولا تمتاز
عنها بشيء.
الجهة الثانية : لا يخفى أنّ الشك في المسافة يمتاز عن غيره من سائر موارد الشبهات الموضوعية في اختصاصه بعدم وجوب الفحص ، حتّى لو بنينا على ثبوت القصر واقعاً وسلمنا وجوب الفحص فيما يوجب تركه الوقوع في مخالفة الواقع غالباً كما في الشكّ في الاستطاعة ، وبلوغ المال حدّ النصاب ونحو ذلك لاختصاص المقام بعدم احتمال الوقوع في خلاف الواقع بتاتاً.
ضرورة أنّ الشاك الباني على التمام استناداً إلى أصالة التمام لا يخلو إمّا أن ينكشف له الخلاف في الوقت ، أو في خارجه ، أو لا ينكشف رأساً ، ولا رابع.
فعلى الأوّل : يعيدها قصراً ، فلم يفته الواقع كما هو واضح.
وعلى الثاني : فهو محكوم بالإجزاء ، لصحيحة العيص بن قاسم الصريحة في عدم القضاء لو أتمّ في موضع التقصير جهلاً (1)كما سنتعرّض له في محلّه (2)إن شاء اللّه تعالى مفصّلاً ، فلم يفته الواقع أيضاً.
وعلى الثالث : فالإجزاء فيه بطريق أولى ، إذ مع القطع بالخلاف وحصول الانكشاف لم يجب القضاء ، فما ظنّك بالشك. فعلى جميع التقادير لا يحتمل
.................................................................................................
الوقوع في مخالفة الواقع كي يجب الفحص عنه.
وعليه فلا مقتضي لسؤال التابع وفحصه عن مقصد متبوعه بوجه ، حتّى لو سلّمنا وجوب القصر عليه واقعاً إذا كان متبوعه قاصداً للمسافة واقعاً ، لعدم احتمال استلزام تركه الوقوع في محذور مخالفة الواقع على أيّ حال كما عرفت. فاحتمال وجوب الفحص هنا ساقط جزماً.
الجهة الثالثة : بناءً على وجوب الفحص والاستخبار هل يجب الإخبار على المتبوع؟
الظاهر العدم كما ذكره في المتن ، إذ لا مقتضي له بوجه ، فانّ التسبيب إلى وقوع الغير في الحرام الواقعي وإن كان محرماً كمباشرته ، مثل ما لو قدّم طعاماً متنجّساً إلى الغير فأكله بزعم الطهارة ، لاستناد ارتكاب الحرام حينئذ إلى السبب كاستناده إلى المباشر لدى علمه بالحرمة ، ولا فرق بينهما في مناط التحريم كما حرّر في محلّه (1).
إلّا أنّ إيجاد المانع عن صدور الحرام الواقعي عمّن يفعله جاهلاً به غير لازم قطعاً ، فلا يجب الإعلام بنجاسة الطعام لمن يأكله من تلقاء نفسه جاهلاً بنجاسته ، إذ لا تسبيب حسب الفرض ، ولم يصدر منه منكر بعد اعتقاد الطهارة ليلزم ردعه من باب النهي عن المنكر. ومجرّد صدور الحرام الواقعي عن المعذور لا ضير فيه.
وعليه فلا بأس بترك الإخبار وعدم الإعلام في المقام بعد أن لم يكن المتبوع هو السبب في وقوع التابع في الحرام الواقعي.
هذا كلّه بناءً على وجوب القصر واقعاً على التابع الذي يكون متبوعه
1) شرح العروة 3 : 309.
[2249] مسألة 18 : إذا علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة (1) ولو ملفّقة بقي على التمام ، بل لو ظنّ ذلك فكذلك ، نعم لو شكّ في ذلك فالظاهر القصر (1)خصوصاً لو ظنّ العدم ، لكن الأحوط في صورة الظنّ بالمفارقة والشكّ فيها الجمع.
قاصداً للمسافة وهو لا يدري ، وإلّا فقد عرفت أنّه غير مكلّف حينئذ إلّا بالتمام حتّى واقعاً ، هذا.
مضافاً إلى ما عرفت في الجهة الثانية من عدم وقوع التابع الجاهل في خلاف الواقع على أيّ تقدير ، إمّا لإعادته في الوقت ، أو للإجزاء وعدم القضاء. فلا موضوع لوجوب الإخبار بوجه.
(1) فلا إشكال حينئذ في البقاء على التمام ، لفقد القصد المعتبر في القصر وعدم تحقّقه رأساً لا استقلالاً ولا تبعاً كما هو واضح.
وأمّا الظنّ فقد ألحقه بالعلم في المتن ، وفرّق بينه وبين الشكّ الذي استظهر فيه القصر.
ولكن التفرقة كما ترى في غير محلّها ، إذ بعد البناء على عدم حجّية الظنّ وأنّه لا يغني عن الحقّ فلا جرم يكون محكوماً بحكم الشكّ ، فإلحاقه به أحرى من إلحاقه بالعلم بمقتضى الصناعة كما لا يخفى.
وأمّا الشكّ في المفارقة فقد استظهر فيه القصر كما عرفت ، ولعلّه لأجل ما يقتضيه طبع التبعية ، إذ هي كالمقتضي لقصد المسافة ، فلا يعتنى باحتمال المفارقة الذي هو بمثابة الشكّ في عروض المانع بعد إحراز المقتضي.
1) (*) بل الظاهر التمام ما لم يطمئن بطيّ المسافة.
[2250] مسألة 19 : إذا كان التابع عازماً على المفارقة مهما أمكنه أو معلّقاً لها على حصول أمر كالعتق أو الطّلاق ونحوهما (1) فمع العلم بعدم الإمكان وعدم حصول المعلّق عليه يقصّر ، وأمّا مع ظنّه فالأحوط الجمع وإن كان الظاهر التمام ، بل وكذا مع الاحتمال إلّا إذا كان بعيداً غايته بحيث لا ينافي صدق قصد المسافة ، ومع ذلك أيضاً لا يترك الاحتياط (1).
ولكن الظاهر تعيّن التمام ، لما تقدّم من أنّ المدار في القصر على حصول القصد الفعلي ولو تبعاً ، ومن المعلوم أنّ احتمال المفارقة فضلاً عن الظنّ بها منافٍ لفعلية القصد ، فهو بالأخرة مردّد في قصد المسافة فعلاً ، وإنّما يقصدها معلّقاً على عدم المفارقة ، وإذ لا قصد فلا قصر ، لكونه مشروطاً بالتعقّب بالمسافة خارجاً على سبيل الشرط المتأخّر ، والمفروض الشكّ في حصول الشرط.
نعم ، لو كان الاحتمال المزبور موهوماً بحيث لا ينافي الاطمئنان بطي المسافة وقطعها وجب القصر حينئذ ، لكون الاطمئنان حجّة عقلائية وعلماً عاديا.
بل قلّما يتّفق العلم الوجداني ، ولا يكاد ينفك القصد عن مثل هذا الاحتمال غالباً ، لجواز حصول ما يمنعه من السير من العوارض الاتفاقية من برد أو لصّ أو عدوّ ونحو ذلك ، كما هو الحال في قصد الإقامة ، إذ من الجائز عروض ما يمنعه من البقاء من مرض أو تسفير أو وصول برقية تدعوه للرجوع ونحو ذلك من الاحتمالات ، فانّ بابها واسع لا يسدّه شيء.
(1) لا ريب حينئذ في وجوب التقصير مع العلم بعدم الإمكان أو بعدم المعلّق عليه من العتق والطلاق ونحوهما كما أفاده (قدس سره) لحصول القصد الفعلي
1) (*) لا بأس بتركه.
[2251] مسألة 20 : إذا اعتقد التابع أنّ متبوعه لم يقصد المسافة أو شكّ في ذلك ، وفي الأثناء علم أنّه قاصد لها فالظاهر وجوب القصر عليه (1)(1) وإن لم يكن الباقي مسافة ، لأنّه إذا قصد ما قصده متبوعه فقد قصد المسافة
التنجيزي ، غايته العزم على المفارقة قبل بلوغ المسافة معلّقاً على تقدير يقطع بعدم وقوعه ، غير المنافي لفعلية القصد المزبور الذي هو تمام الموضوع لوجوب القصر كما هو واضح.
وأمّا مع الشكّ في الإمكان أو في حصول المعلّق عليه فضلاً عن الظنّ بهما فالظاهر حينئذ هو التمام كما ذكره في المتن ، لانتفاء فعلية القصد مع فرض التردّد المزبور ، لوضوح التنافي بينهما ، إذ كيف يتمشّى منه قصد المسافة مع تجويزه المفارقة أو حصول المعلّق عليه ، فلا قصد إلّا على سبيل التعليق ، وقد عرفت ظهور الأدلّة في لزوم الفعلية وتنجيز القصد.
نعم ، يتعيّن التقصير فيما إذا كان الاحتمال المذكور بعيداً غايته ، بحيث لا ينافي صدق قصد المسافة ، لعدم العبرة بالاحتمالات البعيدة غير الملتفت إليها عند العقلاء ، التي لا يسلم قصد عن تطرقها لا في المقام ولا في قصد الإقامة إلّا ما شذّ ، لقلّة موارد العلم الوجداني بالبقاء على القصد السابق والنيّة الاولى جدّاً فانّ باب احتمال طروء العوارض غير المترقّبة المانعة عن البقاء على العزم السابق واسع لا يسدّه شيء كما تقدّم ، حتّى في مثل الصلاة ، لجواز عروض ما يوجب قطعها.
(1) بل الظاهر وجوب التمام ما لم يكن الباقي مسافة ، وقياسه بما لو قصد
1) (*) بل الظاهر وجوب التمام إلّا إذا كان الباقي مسافة ولو بالتلفيق.
واقعاً ، فهو كما لو قصد بلداً معيّناً واعتقد عدم بلوغه مسافة فبان في الأثناء أنّه مسافة ، ومع ذلك فالأحوط الجمع.
[2252] مسألة 21 : لا إشكال في وجوب القصر إذا كان مكرهاً على السفر أو مجبوراً عليه ، وأمّا إذا أُركب على الدابّة أو أُلقي في السفينة من دون اختياره بأن لم يكن له حركة سيرية ، ففي وجوب القصر ولو مع العلم بالإيصال إلى المسافة إشكال ، وإن كان لا يخلو عن قوّة (1).
بلداً معيّناً كالحلّة معتقداً عدم بلوغه مسافة غير واضح كما مرّ التعرّض له ولكلام الشهيد في المسألة السابعة عشرة (1)لتعلّق القصد بواقع الثمانية فراسخ في المقيس عليه قصداً منجّزاً من غير تعليق على شيء ، وإن كان هو جاهلاً به.
وأمّا في المقام فقصد المسافة معلّق على قصد المتبوع ومنوط به ودائر مداره وليس قصداً فعلياً على سبيل الإطلاق كما في المثال ، فهو من قبيل تردّد المقصد بين مسافات مختلفة ، نظير تردّد مكان الضالّة بين أمكنة عديدة مردّدة بين القريبة والبعيدة ، الذي عرفت أنّ مثله مانع من وجوب التقصير. فكما أنّ طالب الضالّة قاصد للمسافة على تقدير الحاجة ، فكذا التابع قاصد لها على تقدير قصد المتبوع كما هو ظاهر.
(1) السفر كسائر الأفعال الاختيارية يتصوّر على وجوه أربعة :
الأوّل : أن يصدر عن المسافر باختيار وإرادة وطوع منه ورغبة ، بلا إكراه من أحد ولا اضطرار.
1) في ص 55 56.
.................................................................................................
الثاني : أن يكون مكرهاً عليه ، فيسير باختياره وإرادته ولكن من غير طيب النفس ، بل بإكراه من الغير وتوعيد منه على العقوبة ، ولولاه لما سافر ، نظير المعاملة المكره عليها.
الثالث : أن يكون مضطراً إليه ، لضرورة تدعوه إليه من معالجة مريض أو مضايقة دين ونحو ذلك ، وهو المراد من المجبور في عبارة المتن ، فهو يسافر عن قصد واختيار غير أنّه لا يرضى به إلّا بالعنوان الثانوي ، لما يترتّب عليه من رفع الضرورة الملحّة ، نظير البيع الاضطراري المحكوم بالصحّة من أجل أنّ البطلان على خلاف الامتنان ، بخلاف البيع المكره عليه كما هو محرّر في محلّه (1).
وكيف ما كان ، فلا ينبغي الإشكال في وجوب التقصير في هذه الصور الثلاث بمقتضى إطلاق الأدلّة ، إذ لا يلزم إلّا السير إلى المسافة مع قصدها ، المتحقّق في جميع هذه الفروض ، ولم يقيّد شيء من الأدلّة بالاختيار المقابل للإكراه أو الاضطرار كما هو ظاهر.
إنّما الكلام في الصورة الرابعة : وهي ما إذا لم يكن السير باختياره أبداً ، كما لو أُخذ وشدّت يداه ورجلاه مثلاً وأُلقي في السفينة ونحوها ، فهل يحكم عليه أيضاً بالقصر ، أو أنّه محكوم بالتمام لانتفاء الإرادة وسلب الاختيار؟
الظاهر هو الأوّل ، لإطلاق الأدلّة الشامل لصورتي الاختيار وعدمه ، بعد التلبس بمجرّد القصد وإن لم يستند إلى الاختيار ، مثل قوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) (2)بضميمة ما ثبت من الخارج من الملازمة بين الإفطار والتقصير ، ونحوه النصوص (3)الدالّة على لزوم التقصير
.................................................................................................
في بريدين أو بريد ذاهباً وبريد راجعاً ، أو مسيرة يوم أو بياض النهار ، فإنّها مطلقة من حيث الاختيار وعدمه.
بل لو كنّا نحن وهذه المطلقات لحكمنا بكفاية قطع المسافة كيف ما اتّفق ولو لا عن قصد ، إلّا أنّه قد ثبت من الخارج تقييده بالقصد ، فبهذا المقدار نرفع اليد عن الإطلاق. وأمّا الزائد عليه أعني تقييد القصد بصدوره عن الاختيار فمدفوع بأصالة الإطلاق بعد خلوّ دليل التقييد عن اعتناق هذه الخصوصية. ولمزيد التوضيح ينبغي التعرّض لأدلّة التقييد بالقصد لتستبين صحّة ما ادّعيناه من عدم التقييد بالاختيار.
فمنها : الإجماع المدّعى على اعتبار قصد المسافة في وجوب التقصير.
وهو لو تمّ وكان إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) لم يقتض إلّا اعتبار طبيعي القصد الجامع بين الاختيار وغيره ، المساوق لمجرّد العلم ، نظير اعتبارهم القصد في إقامة العشرة الذي لإيراد به هناك إلّا هذا المعنى جزماً ، ومن ثمّ حكموا بالتمام في من اجبر على المكث في مكان عشرة أيام كما في المحبوس وإن كان فاقداً للاختيار.
وكيف يحتمل تقييدهم القصد فيما نحن فيه بالاختيار مع ذهاب المشهور إلى وجوب التقصير على المكره على السفر ، بل في المستند دعوى الإجماع عليه (1)ويقتضيه إطلاق كلامهم في الأسير كما لا يخفى. وهذا كلّه يكشف عن أنّ مرادهم بالقصد أعمّ من مجرّد العلم كما عرفت ، لا خصوص الحصّة الاختيارية.
ومنها : موثّقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال فيها : «لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ ، فليتم الصلاة» (2).
.................................................................................................
دلّت على لزوم قصد المسافة من المنزل ، فلا قصر بدون هذا القصد وإن بلغ به السير هذا الحدّ شيئاً فشيئاً كما هو المفروض في السؤال. فبهذا المقدار تقيّد المطلقات ، ولا دلالة لها بوجه على لزوم صدور القصد المزبور عن الإرادة والاختيار ، بل هي مطلقة يكتفى [به] حتّى لو صدر لا عن اختيار.
ودعوى انسباق الاختيار من الأفعال ظهوراً أو انصرافاً غير مسموعة كما حقّق في محلّه (1)، هذا.
وربّما يستدلّ على المدّعى من كفاية العلم في تحقّق القصد وعدم الحاجة إلى الاختيار بما رواه الشيخ الكليني بإسناده عن إسحاق بن عمار ، قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوم خرجوا في سفر فلمّا انتهوا إلى الموضع الذي يجب عليهم فيه التقصير قصّروا من الصلاة ، فلمّا صاروا على فرسخين أو على ثلاثة فراسخ أو على أربعة تخلّف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم إلّا به فأقاموا ينتظرون مجيئه إليهم وهم لا يستقيم لهم السفر إلّا بمجيئه إليهم ، فأقاموا على ذلك أياماً لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون ، هل ينبغي لهم أن يتمّوا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم؟ قال : إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم ، أقاموا أم انصرفوا ، وإن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتمّوا الصلاة ، قاموا أو انصرفوا ، فاذا مضوا فليقصّروا» (2).
ورواه الشيخ الصدوق في العلل بسنده عن محمد بن علي الكوفي عن محمد ابن أسلم (مسلم) نحوه ، وزاد «قال : ثمّ قال (عليه السلام) : هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت : لا ، قال : لأنّ التقصير في بريدين إلى أن قال : قلت : أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه؟
.................................................................................................
قال : بلى ، إنّما قصّروا في ذلك الموضع لأنّهم لم يشكّوا في مسيرهم وأنّ السير يجدّ بهم ، فلمّا جاءت العلّة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا» (1)، ومثله رواه البرقي في المحاسن عن محمد بن أسلم (مسلم) (2).
حيث يظهر من قوله (عليه السلام) : «لأنّهم لم يشكّوا في مسيرهم» أنّ العبرة في وجوب التقصير بعدم الشكّ في السفر. فكلّ من يعلم به ولم يشكّ في سيره قصّر وإلّا فلا ، سواء أكان بالاختيار أم بدونه.
أقول : أمّا السند فهو على طريق الكليني بظاهره خال عن الخدش ، لعدم اشتماله على من يغمز فيه عدا محمد بن أسلم ، الذي هو الطبري الجبلي ، وهو من رجال كامل الزيارات (3). لكن الاستشهاد لم يكن بمتنه (4).
نعم ، هو ضعيف على طريق الصدوق المشتمل على محمد بن علي الكوفي حيث إنّ الظاهر أنّ المراد به في المقام هو أبو سمينة المشتهر بالكذب ، سيما مع التصريح به في طريق البرقي ، ولا أقل من احتمال ذلك ، فتسقط الرواية بذلك عن درجة الاعتبار.
ومنه تعرف إمكان تطرّق الخدش في طريق الكليني أيضاً ، لعدم احتمال تعدّد الرواية كما لا يخفى ، فيدور الأمر بين حذف الرجل في هذا الطريق وبين زيادته في طريق الصدوق ، ومعه لا يبقى وثوق بصحّة السند.
وأمّا ما في بعض نسخ العلل والمحاسن من ذكرِ (محمد بن مسلم) بدلاً عن (محمد بن أسلم) فليس المراد به الثقفي المعروف قطعاً ، فإنّه يروي عن الباقرين
.................................................................................................
(عليهما السلام) بلا واسطة ، لا عن أبي الحسن (عليه السلام) مع الواسطة كما في المقام.
عل أنّه من غلط النساخ جزماً ، إذ لم تعهد رواية محمد بن علي الكوفي عن محمد بن مسلم ، وقد روى عن محمد بن أسلم في مواضع كثيرة كما يظهر بمراجعة المعجم (1). وكيف ما كان ، فقد عرفت أنّ الرواية غير نقيّة السند.
وأمّا الدلالة : فالظاهر أنّها أيضاً قاصرة ، نظراً إلى أنّ تلك الجملة المستشهد بها قد وردت في مقام رفع استبعاد السائل عن أنّهم كيف يتمّون وقد قصّروا قبل ذلك؟ فأجاب (عليه السلام) بأنّهم إنّما قصروا آن ذاك حسب وظيفتهم الفعلية حيث لم يشكّوا في المسير ، وكانوا يعتقدون السفر ، فلمّا انكشف الخلاف أتمّوا.
فهي مسوقة لذبّ الاستبعاد المزبور عنهم ، وليست في مقام بيان أنّه لا يلزم في السفر شيء آخر ، وأنّ الموضوع هو العلم فقط ، ولعلّ القصد بمعنى الاختيار أيضاً معتبر ، وليس المقام مقام ذكره. فالعمدة ما ذكرناه.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ الأدلّة الأوّلية تقتضي وجوب التقصير لمن سافر ثمانية فراسخ ، سواء أقصد أم لا ، وسواء أكان باختياره أم لا ، ولكن الأدلّة الخارجية دلّتنا على اعتبار القصد في وجوب التقصير ، وبذلك ترفع اليد عن المطلقات بهذا المقدار ، ويكون الموضوع هو القصد وثمانية فراسخ ، ولم نجد في تلك المقيّدات التي اعتبرت القصد ما يدلّ على اختصاص ذلك بالاختياري بل هي مطلقة سواء أحصل عن إرادة واختيار أم لا ، ولازم ذلك أنّ من سافر بلا اختيار كما في محلّ الكلام يجب عليه التقصير ، لدخوله تحت المطلق حسبما عرفت.
1) معجم رجال الحديث 16 : 352.
الثالث : استمرار قصد المسافة ، فلو عدل عنه قبل بلوغ الأربعة أو تردّد أتمّ (1) ، وكذا إذا كان بعد بلوغ الأربعة لكن كان عازماً على عدم العود ، أو كان متردّداً في أصل العود وعدمه ، أو كان عازماً على العود لكن بعد نيّة الإقامة هناك عشرة أيام ، وأمّا إذا كان عازماً على العود من غير نيّة الإقامة عشرة أيام فيبقى على القصر وإن لم يرجع ليومه ، بل وإن بقي متردّداً إلى ثلاثين يوماً ، نعم بعد الثلاثين متردّداً يتم.
(1) بلا خلاف ، بل إجماعاً كما ادّعاه غير واحد ، فيعتبر القصد المزبور حدوثاً وبقاءً ، فلو عدل عنه في الأثناء قبل بلوغ الأربعة رجع إلى التمام ، وكذا بعده إلّا إذا كان عازماً على العود بحيث تتشكّل منه المسافة التلفيقية بدلاً عن الامتدادية.
ويدلّ على الحكم نفس الأدلّة الأوّلية المتكفّلة لإناطة التقصير بثمانية فراسخ إذ مقتضى هذا التحديد أنّه لو قلّت المسافة عن الثمانية بأن عزمها ثمّ بدا له في الأثناء انتفى عنه حكم التقصير ورجع إلى التمام ، لانتفاء ما كان الاعتبار به في ثبوته أعني ثمانية فراسخ ولو ملفّقة.
نعم ، إنّ نفس هذه الروايات دلّتنا على وجوب التقصير بمجرّد التجاوز عن حدّ الترخّص من دون انتظار بلوغ الثمانية ، ولأجله ربّما يتراءى نوع تدافع بين الحكمين كما لا يخفى. إذن لا بدّ من الالتزام بالشرط المتأخِّر ، وأنّ الحكم بالتقصير لدى بلوغ حدّ الترخّص مشروط ببلوغ السير إلى نهاية الثمانية مستمرّاً ، فعدوله في الأثناء يكشف عن عدم ثبوت الحكم ، لانتفاء الموضوع واقعاً وإن كان به جاهلاً.
وهل يعيد حينئذ ما صلاه قصراً أو أنّه يجزي كما لعلّه المشهور؟ فيه كلام
.................................................................................................
وسنبحث عنه إن شاء اللّه تعالى عند تعرّض الماتن له في مسألة مستقلّة قريباً (1).
وكيف ما كان ، فقد عرفت أنّ نفس الأدلّة الأوّلية وافية لإثبات هذا الاشتراط ، فالحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى التماس نصّ خاص.
مضافاً إلى استفادته من صحيحة أبي ولاد ، قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّي كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة وهو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخاً في الماء ، فسرت يومي ذلك أُقصّر الصلاة ثمّ بدا لي في اللّيل الرجوع إلى الكوفة ، فلم أدر أُصلّي في رجوعي بتقصير أو بتمام ، وكيف كان ينبغي أن أصنع؟ فقال : إن كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريداً فكان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير ، لأنّك كنت مسافراً إلى أن تصير إلى منزلك ، قال : وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريداً فانّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تؤم (2)من مكانك ذلك ، لأنّك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتّى رجعت ، فوجب عليك قضاء ما قصّرت ، وعليك إذا رجعت أن تتمّ الصلاة حتّى تصير إلى منزلك» (3).
وقد تضمّنت الصحيحة أحكاماً ثلاثة :
الأوّل : أن من عدل عن سفره قبل بلوغ الأربعة يتمّ صلاته.
الثاني : أنّه يعيد ما صلاه قصراً تماماً ، لعدم تحقّق السفر منه.
الثالث : أنّه إذا أراد الرجوع بعد بلوغ الأربعة قصّر ، وهذا الأخير أجنبي عن محلّ الكلام ، والأمران الأوّلان يعطيان اعتبار الاستمرار في القصد ، وأنّ
.................................................................................................
القصد البدائي لا يكفي في ثبوت التقصير.
ولكن صحيحة زرارة تعارض هذه الصحيحة في الحكم الثاني ، حيث قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا ، وانصرف بعضهم في حاجة ، فلم يقض له الخروج ، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين؟ قال : تمّت صلاته ولا يعيد» (1).
فدلّت على عدم إعادة ما صلاه قصراً على خلاف هذه الصحيحة ، ولا بدّ من التساقط في هذه الفقرة أو التقديم.
وكيف ما كان ، فهذا حكم آخر خارج عن نطاق هذا البحث ، وهذه غير متعرّضة لما دلّت عليه صحيحة أبي ولاد في حكمها الأوّل ، أعني الحكم بالتمام في من عدل قبل بلوغ المسافة ، فهي في هذا الحكم الذي هو محلّ الكلام سليمة عن المعارض ، وهي صريحة الدلالة على اعتبار الاستمرار في القصد كما عرفت.
ويعضدها رواية إسحاق بن عمار ، ورواية المروزي (2)المتقدّمتان (3)فلاحظ.
ولكنّهما ضعيفتا السند كما تقدّم ، فلا تصلحان إلّا للتأييد ، وإن كانت الثانية معتبرة على مسلكنا ، لوقوع المروزي في أسناد كامل الزيارات ، والعمدة هي هذه الصحيحة. إذن يعتبر استمرار القصد ، فلا يكفي لو عدل ، بل وكذا لو تردّد للشكّ في تحقّق الشرط.
بقي شيء وهو أنّه لو قصد المسافة وفي الأثناء عدل أو تردّد ، ومع ذلك سار شيئاً فشيئاً متردِّداً إلى أن بلغ المسافة فكانت قطعة من سيرة فاقدة للعزم
.................................................................................................
والجزم ، فهل يقصّر حينئذ نظراً إلى أنّه قصد المسافة وقد قطعها خارجاً فيشملها إطلاقات الأدلّة الدالّة على إناطة التقصير بقصد الثمانية وطيّها؟
الظاهر هو الحكم بالتمام ، لأجل قوله (عليه السلام) في موثقة عمار المتقدّمة : «... لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ» (1).
فانّ التعبير بصيغة المضارع في قوله : «حتّى يسير» يعطينا لزوم التلبّس الفعلي بكون سيره من منزله أو قريته ثمانية فراسخ ، وهذا لا يكون إلّا مع استمرار القصد ، بأن يكون القصد المزبور محفوظاً من لدن خروجه من المنزل وحتّى النهاية ، وإلّا ففي حال الرجوع عن عزمه أو التردّد لا يصدق أنّه متلبّس فعلاً بالسير من منزله أو قريته إلى ثمانية فراسخ.
فتحقيقاً للتلبّس الفعلي المستفاد من التعبير بالمضارع لا بدّ من مراعاة القصد المزبور في جميع آنات السير ، بأن يكون متّصفاً بهذا العنوان أي عنوان أنّه يسير من منزله إلى ثمانية فراسخ في جميع الحالات وحتّى نهاية المسافة ، فكما يعتبر القصد من الأوّل يعتبر في الأثناء أيضاً ، فلو تردّد لم يصدق أنّه سار من منزله إلى ثمانية فراسخ ، بل يصدق أنّه سار من منزله إلى فرسخين مثلاً ثمّ سار الباقي متردّداً.
وبالجملة : مورد القصد أي العلم لا يقبل عروض الشكّ ، ومبدأ هذا العلم من منزله ، ومنتهاه نهاية الثمانية فراسخ ، فمتى تحقّق يقصّر ، وإلّا لم يكن مسافراً ، بل يندرج تحت عمومات وجوب التمام على كل مكلّف حسبما عرفت.
1) الوسائل 8 : 469 / أبواب صلاة المسافر ب 4 ح 3.
[2253] مسألة 22 : يكفي في استمرار القصد بقاء قصد النوع وإن عدل عن الشخص (1) ، كما لو قصد السفر إلى مكان مخصوص فعدل عنه إلى آخر يبلغ ما مضى وما بقي إليه مسافة ، فإنّه يقصّر حينئذ على الأصح ، كما أنّه يقصّر لو كان من أوّل سفره قاصداً للنوع دون الشخص ، فلو قصد أحد المكانين المشتركين في بعض الطريق ولم يعيّن من الأوّل أحدهما بل أوكل التعيين إلى ما بعد الوصول إلى آخر الحدّ المشترك كفى في وجوب القصر.
(1) فلو قصد مسافة معيّنة امتدادية وفي الأثناء عدل إلى مكان آخر يبلغ المجموع ممّا مضى وما بقي إليه المسافة ، فبدّل الامتداد بامتداد آخر ، أو بدا له في الرجوع وقد بلغ أربعة فراسخ ، فبدّل الامتداد بالتفليق ، أو كان قاصداً للنوع دون الشخص من أوّل سفره فقصد أحد المكانين المشتركين في بعض الطريق وأوكل التعيين إلى ما بعد الوصول إلى آخر الحد المشترك ، ففي جميع ذلك يحكم بالتقصير ، لعدم الدليل على اعتبار الاستمرار في شخص القصد ، بل المدار على بقاء قصد نوع المسافة وكلّيها.
ويدلّنا على ذلك الإطلاقات الأوّلية المتضمّنة لإناطة التقصير بقطع الثمانية المعبّر عنها بمسيرة يوم أو بياض النهار ونحو ذلك ممّا ذكر في لسان الروايات (1)خرجنا عن ذلك بمقتضى موثّقة عمّار الدالّة على عدم كفاية الثمانية على إطلاقها بل لا بدّ وأن تكون مقصودة من أوّل الأمر مع استمرار هذا القصد كما تقدّم (2)فلا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ ، أي يكون قاصداً لذلك من ابتداء سيره إلى بلوغ الثمانية. فبهذا المقدار نرتكب التقييد في تلك الإطلاقات.
.................................................................................................
وأمّا الزائد على ذلك أعني لزوم استمراره على شخص الثمانية التي عيّنها في ابتداء سفره فلا تدلّ الموثقة عليه بوجه ، بل ظاهرها اعتبار البقاء على مجرّد قصد الثمانية في مقابل من يقطعها بقصدين وعزمين المفروض في السؤال. فلو قصد النوع من الأوّل ، أو بدّل شخصاً بشخص آخر ، فلا ينبغي التأمّل في كونه مشمولاً لإطلاق الموثّقة ، إذ يصدق حينئذ أنّه سار من منزله ثمانية فراسخ كما لا يخفى.
ولو أغمضنا عن ذلك وسلمنا ظهورها في لزوم البقاء على شخص القصد الذي لازمه انتفاء القصر في الفروض المذكورة ، لكونها من قبيل ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد ، فلا مناص من رفع اليد عن هذا الظهور بصحيحة أبي ولاد الصريحة في التقصير لدى العدول من الامتداد إلى التلفيق ، حيث قال (عليه السلام) : «... إن كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريداً فكان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير ، لأنّك كنت مسافراً إلى أن تصير في منزلك ...» إلخ (1).
فإنّها كما ترى صريحة في عدم لزوم الاستمرار في شخص القصد ، وكفاية البقاء على نوعه ، ولأجله حكم (عليه السلام) بالتقصير لدى التبدّل بالتلفيق مع أنّ قصده في ابتداء السفر كان متعلّقاً بخصوص المسافة الامتدادية.
ومن ثمّ اعترف الشيخ (قدس سره) (2)بجواز العدول عن شخص القصد لكن في خصوص ما لو عدل عن الامتداد إلى التلفيق الذي هو مورد هذه الصحيحة ، ولم يلتزم بالقصر فيما لو عدل عن الامتداد إلى امتداد مثله ، جموداً على مورد النص.
.................................................................................................
لكن الظاهر هو التعميم ، أمّا أوّلاً : فبالأولوية القطعية ، إذ الأصل في المسافة هي الامتدادية ، والتلفيق ملحق بها بدليل الحكومة ومنزّل منزلتها بمقتضى قوله (عليه السلام) : «إنّه ذهب بريداً ورجع بريداً ، فقد شغل يومه» المذكور في صحيح ابن مسلم كما تقدم (1)، فاذا ثبت الحكم في التلفيق وهذا شأنه ففي الامتداد الذي هو الأساس بطريق أولى كما لا يخفى.
وثانياً : مع الغض عن ذلك فيكفينا في التعدِّي عن مورد الصحيحة ما اشتمل ذيلها من التعليل بقوله (عليه السلام) : «لأنّك كنت مسافراً إلى أن تصير في منزلك» فانّ مقتضى عموم العلّة انسحاب الحكم لكلّ مورد يصدق معه كونه مسافراً إلى أن يصير في منزله ، ولا ريب في صدق هذا العنوان لدى تبدّل الامتداد بامتداد آخر ، كصدقه عند تبدّله بالتلفيق بمناط واحد.
على أنّ الظاهر أنّه لا إشكال عندهم في أنّ من خرج قاصداً لكلّي المسافة ونوع الثمانية على أن يعيّنها فيما بعد أنّه يقصّر في الحدّ المشترك من الطريق. فيظهر من ذلك كلّه أنّ الاعتبار في الاستمرار بالبقاء على قصد النوع ، فلا يضرّه العدول عن شخص القصد ، فإنّه غير دخيل في موضوع الحكم.
نعم ، لا تشمل الصحيحة ما لو عدل عن الامتداد إلى امتداد آخر ، وكان ذلك قبل بلوغ أربعة فراسخ ، كما لو خرج بقصد الثمانية الشخصية وبعد مضي ثلاثة فراسخ عدل عن مقصده وعزم مكاناً آخر يبلغ خمسة فراسخ ، بحيث كان مجموع الباقي مع الماضي ثمانية امتدادية ، فإنّ هذا الفرض غير مشمول للصحيحة بوجه ، لاختصاصها بما إذا كان العدول بعد الخروج بريداً.
لكن التقصير ثابت هنا أيضاً ، لعدم القول بالفصل ، فإنّ القائل بجواز تبديل الامتداد بالامتداد لا يفرّق بين ما لو كان ذلك بعد مضي أربعة فراسخ أم قبله كما لا يخفى.
1) في ص 8.
[2254] مسألة 23 : لو تردّد في الأثناء ثمّ عاد إلى الجزم فامّا أن يكون قبل قطع شيء من الطريق أو بعده ، ففي الصورة الأُولى يبقى على القصر (1)إذا كان ما بقي مسافة ولو ملفّقة ، وكذا إن لم يكن مسافة في وجه ، لكنّه مشكل فلا يترك الاحتياط (2)بالجمع ، وأمّا في الصورة الثانية فإن كان ما بقي مسافة ولو ملفّقة يقصّر أيضاً ، وإلّا فيبقى على التمام ، نعم لو كان ما قطعه حال الجزم أوّلاً مع ما بقي بعد العود إلى الجزم بعد إسقاط ما تخلّل بينهما ممّا قطعه حال التردّد مسافة ففي العود إلى التقصير وجه ، لكنّه مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع (3)(1).
وكيف ما كان ، فلا ينبغي التأمّل في عموم الحكم لجميع هذه الفروض ، وأنّ المدار في الاستمرار على النوع دون الشخص كما عرفت.
(1) لو تردّد في أثناء المسافة أو بدا له في الرجوع ثمّ عاد إلى الجزم السابق فحصل له البداء عن البداء الأوّل فهل يبقى حينئذ على القصر ، أو يجب التمام أو أنّ فيه تفصيلاً كما ذكره في المتن؟
وحاصله : أنّه لا إشكال في البقاء على القصر فيما إذا كان الباقي بنفسه مسافة ولو ملفّقة ، سواء قطع شيئاً من الطريق بين البداءين أم لا.
وأمّا إذا لم يكن بنفسه مسافة إلّا بضميمة ما مضى حال الجزم السابق فحينئذ إن لم يقطع شيئاً من الطريق حال تردّده أو حال ما بدا له في الرجوع
.................................................................................................
ففي البقاء على القصر أيضاً وجه ذكره صاحب الجواهر (1)، ولكنّه مشكل ، فلا يترك الاحتياط بالجمع.
وأمّا إذا قطع شيئاً فيبقى على التمام إلّا إذا كان الباقي بعد العود إلى الجزم بضميمة ما قطعه حال الجزم الأوّل بعد إسقاط ما تخلّل بينهما ممّا قطعه حال التردّد ، أو حال ما بدا له في الرجوع مسافة ، فانّ في العود حينئذ إلى التقصير وجهاً ، ولكنّه مشكل ، فلا يترك الاحتياط بالجمع.
أقول : ينبغي التكلّم في ضمن مسائل :
الاولى : لا ينبغي التأمّل في لزوم التقصير فيما إذا كان الباقي بعد الجزم الثاني بنفسه مسافة ولو ملفّقة كما أفاده الماتن ، فإنّه إنشاء لسفر جديد بعد انقطاع حكم الأوّل بالترديد.
إلّا أنّه لا يتمّ على إطلاقه كما قد يقتضيه ظاهر عبارته من ثبوت القصر بمجرّد العود إلى الجزم ، بل لا بدّ في ذلك من التلبس بالسير ولو شيئاً ما ليتّصف بكونه مسافراً الذي هو الموضوع لوجوب التقصير في النصوص ، وإلّا فلم يثبت في شيء من الأدلّة وجوب القصر بمجرّد العزم على السفر من قبل تلبّسه بالسير خارجاً.
نعم ، لا يشترط في ذلك الخروج عن حدّ الترخّص ، لعدم الدليل على اعتبار هذا الشرط في كلّ من وجب عليه التمام ، بل هو خاصّ بمن خرج عن وطنه ومنزله ، ولم يثبت فيما عدا ذلك حتّى من خرج عن محلّ قصد فيه الإقامة عشرة أيام ، فإنّه يقصّر بمجرّد الخروج عن المحلّ والتلبّس بشيء من السير كما سيجيء التعرّض له في محلّه عند تعرّض الماتن إن شاء اللّه تعالى (2).
.................................................................................................
وبالجملة : فإطلاق كلام الماتن في المقام لا يمكن المساعدة عليه.
الثانية : لا إشكال في وجوب التمام حال التردّد أو العزم على الرجوع ، لفقد القصد المعتبر في القصر كما هو ظاهر ، وأمّا بعد العود إلى الجزم والمفروض عدم كون الباقي بنفسه مسافة ولو ملفّقة ولم يقطع بعد شيئاً من الطريق ، فهل يجب القصر حينئذ كما اختاره في الجواهر ، أو أنّه يتعيّن التمام؟
ربما يقال باندراج المقام في كبرى الدوران بين الرجوع إلى عموم العام أو استصحاب حكم المخصّص ، فانّ المسافر من لدن خروجه من منزله إلى نهاية ثمانية فراسخ محكوم بوجوب القصر في كلّ مكان من الأمكنة المتخلّلة في هذه المسافة ، خرجنا عن ذلك في النقطة التي عرض الترديد أو العزم على الرجوع فإنّها محكومة بالتمام بلا إشكال ، وأمّا فيما بعد هذه الحالة أعني حالة العود إلى الجزم السابق فيشكّ في حكمه وأنّه هل هو التمام استناداً إلى استصحاب حكم الخاص ، أو أنّه القصر عملاً بعموم العام؟
وحيث إنّ الصحيح هو الثاني ، لكون العموم في المقام انحلالياً استغراقياً لا مجموعياً ليكون حكماً وحدانياً مستمرّاً ، فلا مناص من الحكم بالتقصير.
أقول : لا ينبغي التأمّل في أنّه بناءً على اعتبار الاستمرار في قصد المسافة ولزوم الانبعاث في قطع الثمانية عن قصد وحداني مستمرّ كما دلّت عليه موثّقة عمّار على ما تقدّم (1)، فما يقطعه حال العود إلى الجزم غير قابل للانضمام إلى ما قطعه حال الجزم السابق ، لتخلّل التردّد أو العزم على الرجوع بين الجزمين فانّ الوظيفة الواقعية في هذه الحالة أعني حالة التردّد أو العزم على الخلاف هي التمام بالضرورة ، لفقد القصد ، وبها يستكشف أنّ الوظيفة الواقعية كانت
1) في ص 73.
.................................................................................................
هي التمام من أوّل الأمر ومن لدن خروجه من المنزل ، لفقد شرط الاستمرار بعروض التردّد ، وأنّ ما تخيّله من القصر كان خيالاً محضاً.
فلا قصر لا في الحالة السابقة ولا اللّاحقة ، كما هي منفيّة عن الحالة الفعلية أي التردّد فهو منفي عن الكلّ ومفقود في جميع الحالات بمناط واحد ، وهو انتفاء شرط الاستمرار في القصد عن الجميع ، لا أنّ بعض الأفراد محكوم بحكم العام وقد خرج فرد في حالة ونشكّ في بقاء حكمه في الحالة الأُخرى كي يبتني على الرجوع إلى الاستصحاب أو عموم العام ، بل لم يكن القصر باقياً في شيء من الحالات ولا في مكان من الأمكنة وإن تخيّل هو ثبوته سابقاً ، بل الوظيفة هي التمام من أوّل الأمر كما عرفت.
ولو بنينا على ثبوت القصر سابقاً حتّى واقعاً كما عليه المشهور ولا نلتزم به كما ستعرف (1)فإنّما هو لدليل خاص ، وهي صحيحة زرارة (2)الدالّة على الإجزاء بزعمهم ، وإلّا فمقتضى القاعدة الأوّلية هو التمام واقعاً بعد انكشاف فقد شرط القصر كما عرفت.
وممّا يؤكِّد ما ذكرناه من انقطاع اللّاحق عن السابق وعدم قبول الانضمام بعد تخلّل التردّد أو العزم على الرجوع في البين ما اتّفقوا عليه من غير خلاف كما قيل من أنّ قصد الإقامة عشرة أيام قبل بلوغ الثمانية قاطع لحكم السفر ، فلو خرج من النجف قاصداً كربلاء وبانياً على إقامة عشرة أيام في خان النصف لم يقصّر ، بل يتمّ في طريقه كلّه.
فلولا اعتبار الاستمرار في القصد مضافاً إلى اعتبار الاتصال في القطع الخارجي فلما ذا لم يحكم بالقصر فيما قبل محلّ الإقامة وما بعدها مع فرض بلوغ
.................................................................................................
المجموع حدّ المسافة. فهذا ممّا يدلّنا على عدم صلاحية انضمام اللّاحق بالسابق بعد تخلّل التردّد أو العزم على الخلاف ، الموجب لفقد الاتصال وقطع الاستمرار في قصد المسافة.
وعلى الجملة : تخلّل التردّد في الأثناء فضلاً عن العزم على الرجوع موجب لانتفاء موضوع القصر ، لزوال شرطه وهو الاستمرار في القصد ، فليست الوظيفة الواقعية في جميع تلك الحالات إلّا التمام ، هذا أوّلاً.
وثانياً : مع الغضّ عن ذلك فلا شكّ في أنّ الوظيفة الواقعية حال التردّد أو العزم على الرجوع إنّما هي التمام بالضرورة ، لفقد قصد المسافة وقتئذ كما هو ظاهر ، وحينئذ فتكفينا في وجوب التمام بعد العود إلى العزم السابق الروايات الكثيرة المستفيضة وقد تقدّمت (1)الدالّة على أنّ المكلّف بالتمام لا تنقلب وظيفته إلى القصر إلّا بعد قصد ثمانية فراسخ ، وأنّه لا يقصّر في أقل من ذلك قال قلت : في كم التقصير؟ قال (عليه السلام) : في بريدين ثمانية فراسخ (2). وفي بعضها التصريح بأنّه لا أقل من ذلك.
فانّ قوله : في كم التقصير. ظاهر في أنّ السؤال عمّن هو مكلّف فعلاً بالتمام وأنّه متى يخاطب بالقصر وتنقلب وظيفته إليه ، فأجاب (عليه السلام) بأنّ حدّ ذلك ما إذا قصد ثمانية فراسخ أو بريداً ذاهباً وبريداً جائياً ، فلا تقصير ما لم يقصد المسافة من حين كونه مكلّفاً بالتمام.
والمفروض في المقام أنّه مكلّف بالتمام واقعاً حال التردّد كما عرفت ، وأنّه لم يقصد الثمانية من هذا المكان بعد عوده إلى الجزم السابق ، بل قصد الأقل من ذلك ، فلا قصر في حقّه بمقتضى هذه النصوص.
.................................................................................................
وهذه كبرى كلّية نستدلّ بها في كثير من المسائل الآتية ، وهي أنّ كلّ من خوطب بالتمام لجهة من الجهات التي منها التردّد أو العزم على الرجوع كما في المقام فلا تنقلب وظيفته إلى القصر إلّا إذا قصد من مكانه السير ثمانية فراسخ ولو ملفّقة ، وإلّا فهو باقٍ على التمام.
نعم ، ربما يستدلّ للتقصير في المقام برواية إسحاق بن عمار الواردة في قوم تردّدوا في السير أثناء الثمانية ، حيث قال (عليه السلام) فيها : «وإن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتمّوا الصلاة ما أقاموا ، فإذا مضوا فليقصّروا» (1)حيث حكم (عليه السلام) بالتقصير لدى المضي والعود إلى الجزم السابق.
ولكنّها قاصرة الدلالة ، إذ لم يفرض فيها كون الباقي من السير بعد العود إلى الجزم السابق أقل من المسافة كما هو محلّ الكلام ، فانّ مورد السؤال عن قوم خرجوا في سفر ... إلخ ، ولم يقيّد بكونه ثمانية بشرط لا ، ولعلّه كان أكثر منها بكثير ، بحيث كان الباقي بعد العود إلى الجزم بنفسه ثمانية فراسخ أو أكثر.
نعم ، إطلاقها بمقتضى ترك الاستفصال يشمل ما إذا كان الباقي أقل من المسافة ، فلا تدلّ على حكم المقام إلّا بالإطلاق ، القابل للتقييد بمقتضى النصوص الدالّة على أنّه لا يقصّر بعد الحكم بالتمام إلّا بعد قصد الثمانية ، بل لا مناص من ارتكاب التقييد على ما عرفت آنفاً عند بيان الكبرى الكلِّيّة. فتكون أجنبية عن محلّ الكلام.
فالرواية ساقطة عن الاستدلال لضعفها سنداً كما تقدّم (2)ودلالة. والمتعيّن هو الحكم بالتمام حسبما ذكرناه.
[2255] مسألة 24 : ما صلاه قصراً قبل العدول عن قصده لا يجب إعادته في الوقت (1)فضلاً عن قضائه خارجه (1).
الثالثة : لو عاد إلى الجزم السابق وقد قطع شيئاً من الطريق متردِّداً فلا إشكال حينئذ في وجوب التمام فيما إذا لم يكن الباقي مع ما قطعه حال الجزم السابق مسافة ، كما لو قطع ثلاثة فراسخ ثمّ مشى فرسخين متردِّداً وكان الباقي أيضاً ثلاثة ، إذ لم يقطع حينئذ تمام الثمانية عن قصد كما هو ظاهر جدّاً.
وأمّا إذا كان المجموع من السابق واللّاحق بعد إسقاط ما تخلّل بينهما ممّا قطعه حال التردّد أو حال العزم على الرجوع مسافة ، فقد ظهر حكم هذا الفرض ممّا تقدّم في الفرض السابق ، أعني ما لو عاد إلى الجزم قبل قطع شيء من الطريق ، وأنّه لا بدّ هنا أيضاً من التمام ، للإخلال بشرط الاستمرار في القصد المعتبر في القصر ، ولما دلّ على أنّه لا قصر بعد الحكم بالتمام إلّا مع قطع الثمانية المفقود في المقام.
بل إنّ الحكم هنا أوضح من الفرض السابق ، لأنّ الإخلال هناك لم يكن إلّا في استمرار القصد ، وإلّا فنفس السير ثمانية فراسخ كان متصلاً ، ولم يفصل بين أجزائها ما هو فاقد للقصد ، لفرض عدم قطعه شيئاً من الطريق حال التردّد.
وأمّا في المقام فلا القصد مستمرّ ولا السير الخارجي متصل ، فكان أحرى بالتمام ، ولأجله قيل كما في الجواهر (2)بالتفصيل بين الفرضين ، وأنّه يلتزم بالقصر في الأوّل دون الثاني ، وإن كان التفصيل في غير محلّه كما علم ممّا سبق.
(1) على المشهور ، بل لم ينسب الخلاف إلّا إلى الشيخ في الاستبصار حيث
.................................................................................................
فصّل بعد نقل الأخبار بين الإعادة في الوقت والقضاء خارجه ، فحكم بوجوب الأوّل دون الثاني (1). ولعلّ ذلك مجرّد جمع منه بين الأخبار لا أنّه فتواه ، فانّ الاستبصار كتاب حديث غير معدّ للفتوى ، وعليه فلا خلاف في المسألة.
وكيف ما كان ، فيستدلّ للمشهور بصحيحة زرارة ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده ، فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا ، وانصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج ، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين ، قال : تمّت صلاته ولا يعيد» (2).
ولكنّه قابل للمناقشة ، فإنّا لو كنّا نحن وهذه الصحيحة لحكمنا بنفي الإعادة وصحّة الصلاة ، لصراحتها في ذلك ، ولا سيما بعد التعبير بكلمة «تمّت» الدالّة على تمامية الصلاة وعدم خلل فيها ، والتزمنا من أجلها بأحد أمرين :
إمّا أنّ الموضوع للقصر مجرّد قصد المسافة وإن لم يتعقّب بسير الثمانية خارجاً كما هو الحال في قصد الإقامة بلا كلام ، فإنّه بنفسه موضوع للتمام وإن لم يقم عشرة أيام.
أو أنّ الشارع اجتزأ بغير المأمور به عن المأمور به في مقام الامتثال ، فيكون القصر حينئذ مسقطاً للواجب تعبّداً. وكيف ما كان ، فكنّا نلتزم بالإجزاء بأحد الوجهين.
ولكنّها معارضة بروايتين :
إحداهما : صحيحة أبي ولاد الصريحة في وجوب القضاء ، الواردة في من سافر في النهار ولم يسر بريداً ، ورجع في اللّيل من نيّته وبدا له أن يرجع ، قال :
.................................................................................................
«... فانّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام ...» إلخ (1)، فإنّها بدلالتها على وجوب القضاء تدلّ على وجوب الإعادة فيما إذا كان الرجوع عن القصر في الوقت بالأولوية القطعية.
ودعوى الجمع بينهما بالحمل على الاستحباب ساقطة جزماً ، لما مرّ غير مرّة من أنّ الأمر بالإعادة لم يكن نفسياً ليقبل الحمل على الاستحباب ، وإنّما هو إرشاد إلى الفساد ، ولا معنى لاستحباب الفساد.
والصحيحة وإن لم تتضمّن الأمر بالإعادة صريحاً إلّا أنّ قوله (عليه السلام) : «عليك أن تقضي ...» إلخ في قوّة الأمر بها ، لدلالتها على خلل في الصلاة اقتضى الإتيان بها ثانياً ، فهي بمثابة الأمر بالإعادة كما هو ظاهر جدّاً.
ثانيتهما : موثّقة سليمان بن حفص المروزي المتضمّنة للأمر بالإعادة صريحاً قال (عليه السلام) : «وإن كان قصّر ثمّ رجع عن نيّته أعاد الصلاة» (2).
وهذه الرواية وإن رميت بالضعف في كلمات غير واحد ، لعدم توثيق المروزي في كتب الرجال ، ولكنّه موجود في أسانيد كامل الزيارات ، فلا ينبغي التأمّل في صحّة الرواية.
نعم ، قد يتأمّل في ذلك ، نظراً إلى أنّ الموجود في الكامل رواية المروزي عن الرجل (3)، ولم يعلم المراد به وأنّه الإمام (عليه السلام) أو شخص آخر مجهول. وتوثيق ابن قولويه خاصّ بمن يقع في أسانيد ما يرويه عن المعصوم (عليه السلام) دون غيره كما نبّه عليه في صدر الكتاب (4).
.................................................................................................
ويندفع : بأنّ المراد به الرجل المعهود كما يقتضيه تعريف الرجل ، وإلّا لقال : عن رجل ، منكّراً. ولا يحتمل أن يراد به العهد الذهني ، أي طبيعي الرجل في مقابل المرأة ، كما هو ظاهر ، فلا بدّ وأن يراد به العهد الخارجي ، وليس هو إلّا الإمام (عليه السلام) كما يكنّى عنه (عليه السلام) بذلك أحياناً في لسان الأخبار بل قد ورد عن نفس المروزي : عن الرجل ، موصوفاً بقوله : (عليه السلام) كما في الكافي (1).
فقد ورد في جميع ذلك هكذا : عن المروزي عن الرجل (عليه السلام). بل قد صرّح باسم الإمام في التهذيب (2)فذكر هكذا : عن سليمان بن حفص المروزي عن الرجل العسكري (عليه السلام).
وعليه فلا ينبغي التأمّل في أنّ المراد بالرجل المذكور في الكامل هو المعصوم (عليه السلام) فيشمله توثيق ابن قولويه ، فتكون الرواية موصوفة بالصحّة كما ذكرنا ، فتتعارض هذه الصحيحة كصحيحة أبي ولاد مع صحيحة زرارة النافية للإعادة كما عرفت. ولا شكّ أنّ عمل المشهور مطابق مع صحيحة زرارة.
وحينئذ فان جعلنا عملهم مرجّحاً للرواية ، أو قلنا أنّ الإعراض موجب لسقوط الصحيحة عن الحجّية فيتعيّن العمل بصحيحة زرارة ، وإلّا كما هو الصحيح فالروايات متعارضة متساقطة.
والمرجع حينئذ ما تقتضيه القاعدة من لزوم الإعادة ، عملاً بالروايات الكثيرة الدالّة على أنّه لا تقصير في أقل من بريدين أو ثمانية فراسخ ، وبما أنّه لم يقطع هذا المقدار حسب الفرض لمكان العدول عن القصد قبل بلوغ المسافة فالوظيفة
.................................................................................................
الواقعية لم تكن إلّا التمام وإن تخيّل أنّها القصر. فلا مناص من إعادتها بعد عدم قيام الدليل على الإجزاء حسبما عرفت.
وملخّص الكلام في المقام : أنّ صحيحة زرارة دلّت بالدلالة المطابقية على نفي الإعادة عمّن قصّر في موضوع البحث لزعمه أنّه يقطع المسافة ولم يقطعها خارجاً ، وبمقتضى الدلالة الالتزامية دلّت على نفي القضاء أيضاً ، إذ أنّ نفي الإعادة في الوقت يستوجب نفي القضاء خارجه بالأولوية القطعية ، ضرورة أنّ القضاء تابع للفوت ، وعدم الإعادة في الوقت كاشف قطعي عن عدم فوت شيء منه ، وإلّا لزم الأمر بالتدارك الممكن في الوقت ، لقبح تفويت الغرض الملزم كما هو واضح. فعدم الإعادة يستلزم عدم القضاء بطريق أولى.
وأمّا صحيحة أبي ولاد فالأمر فيها بالعكس ، فإنّها دلّت بالدلالة المطابقية على وجوب القضاء خارج الوقت ، لأنّ موردها هو ذلك ، إذ المفروض في السؤال أنّه بدا له في الليل الرجوع إلى الكوفة ، فيسأل لا محالة عن حكم ما صلاه في النهار الذي خرج وقته بدخول الليل.
وعليه فتدلّ بالمطابقة على وجوب القضاء. وبما أنّ الحكم بالقضاء يستلزم الحكم بالإعادة بالأولوية القطعية ، لكشفه عن فوت ملاك ملزم يجب تداركه وإن فاتت مصلحة الوقت ، فوجوبه مع إمكان درك هذه المصلحة بطريق أولى. فالصحيحة تدلّ بالدلالة الالتزامية على وجوب الإعادة إذا كان الرجوع عن قصده قبل خروج الوقت.
إذن تقع المعارضة بينها وبين صحيحة زرارة على سبيل المباينة ، للتنافي بين الدلالة المطابقية من كلّ منهما مع الدلالة الالتزامية من الأُخرى ، فتدلّ صحيحة زرارة على نفي الإعادة بالمطابقة وعلى نفي القضاء بالالتزام ، كما تدلّ صحيحة أبي ولاد على وجوب القضاء بالمطابقة ووجوب الإعادة بالالتزام ، فتتعارضان في مدلوليهما تعارضاً كلّياً.
.................................................................................................
وأمّا المعارضة بين صحيحة زرارة وصحيحة المروزي فظاهرة جدّاً ، إذ الإعادة مورد للنفي في الأُولى ، وهي بنفسها مورد للإثبات في الثانية.
وبعد استقرار المعارضة فإن كان ثمّة ترجيح لأحد الطرفين فهو ، وإلّا فيتساقطان ويرجع بعدئذ إلى ما تقتضيه القواعد الأوّلية ، هذا.
وصاحب الحدائق نقل عن بعض مشايخه المحقّقين أنّه احتمل حمل صحيحتي أبي ولاد والمروزي على التقيّة ، لموافقتهما مع مذهب العامّة ، فيكون الترجيح مع صحيحة زرارة (1).
ولكن في كتاب المغني لابن قدامة الحنبلي ما لفظه : فلو خرج يقصد سفراً بعيداً فقصّر الصلاة ثمّ بدا له فرجع كان ما صلاه ماضياً صحيحاً ، ولا يقصّر في رجوعه إلّا أن تكون مسافة الرجوع مبيحة بنفسها (2). ولم يذكر خلافاً في المسألة ، وعليه كان الموافق لمذهب العامّة هي صحيحة زرارة ، فتكون هي المحمولة على التقية دون الصحيحتين ، والترجيح معهما لا معها.
ومع الإغماض عن ذلك فحيث لا ترجيح لشيء من الطرفين فيتساقطان والمرجع حينئذ عموم ما دلّ على عدم التقصير في أقل من بريدين ثمانية فراسخ الذي لازمه وجوب الإعادة والقضاء معاً ، إذ المأمور به وهو التمام لم يأت به وما أتى به من القصر لا أمر به إلّا أمراً خيالياً خطئياً بزعم قطع المسافة وقد انكشف خلافه ، ومن البديهي أنّ الأمر الخيالي غير مجز عن الواقع.
فتحصّل : أنّ وجوب القضاء فضلاً عن الإعادة لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.
الرابع : أن لا يكون من قصده في أوّل السير أو في أثنائه إقامة عشرة أيام قبل بلوغ الثمانية ، وأن لا يكون من قصده المرور على وطنه كذلك (1) وإلّا أتمّ ، لأنّ الإقامة قاطعة لحكم السفر ، والوصول إلى الوطن قاطع لنفسه فلو كان من قصده ذلك من حين الشروع أو بعده لم يكن قاصداً للمسافة وكذا يتمّ لو كان متردّداً في نيّة الإقامة أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية نعم لو لم يكن ذلك من قصده ولا متردّداً فيه إلّا أنّه يحتمل عروض مقتض لذلك في الأثناء لم يناف عزمه على المسافة (1)فيقصر ، نظير ما إذا كان عازماً على المسافة إلّا أنّه لو عرض في الأثناء مانع من لصّ أو عدوّ أو مرض أو نحو ذلك يرجع ، ويحتمل عروض ذلك ، فإنّه لا يضرّ بعزمه وقصده.
(1) أمّا المرور على الوطن فلا إشكال في كونه قاطعاً للسفر ، وخروجه بذلك عن عنوان المسافر ، وكذا لو كان متردّداً فيه ، لعدم قصد المسافة المتصلة. وقد دلّت موثّقة عمّار على أنّه لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله ثمانية فراسخ (2)، فالاعتبار بالابتعاد من المنزل ، وهو مبدأ المسافة ، فالمرور عليه يقطعه بطبيعة الحال ، ويكون الخروج منه مبدءاً لمسافة جديدة ، مضافاً إلى ما سنذكره في غير الوطن.
وأمّا قصد الإقامة في الأثناء فلا شكّ في قادحيته في قصد المسافة ولزوم التمام معه ، وإنّما الكلام بين الأعلام في أنّه هل يكون قاطعاً للحكم مع بقاء الموضوع كي يكون تخصيصاً في أدلّة التقصير على المسافر ، أو أنّه قاطع
.................................................................................................
للموضوع ومخرج للمقيم عن عنوان المسافر ويدخله في الحاضر؟
فقد ذهب جماعة إلى الثاني وأنّ الإقامة في الأثناء تخرج المسافر عن كونه مسافراً شرعاً ، وإن صدق عليه أنّه مسافر عرفاً ، فكان ذلك تصرفاً شرعياً في موضوع السفر ، وإذا لم يكن المقيم مسافراً كان حاضراً بطبيعة الحال ، ولأجله يجب عليه التمام من باب التخصّص لا التخصيص.
ولكنّه بعيد عن الصواب ، إذ لم يظهر من شيء من الأدلّة تنزيل المقيم منزلة الحاضر ليكون من قبيل التصرّف في الموضوع نظير قوله : الفقاع خمر ، بل الظاهر منها أنّه مع وصف كونه مسافراً محكوم بالتمام ، كما في المتردِّد بعد الثلاثين ، وكما في سفر الصّيد أو المعصية ونحوهما ، فانّ الكلّ محكوم بالتمام تخصيصاً لا تخصصاً كما هو ظاهر.
نعم ، في خصوص المقيم بمكّة وردت رواية واحدة صحيحة دلّت على أنّه بمنزلة أهلها ، وهي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «من قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة ، وهو بمنزلة أهل مكّة ، فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير ، فاذا زار البيت أتمّ الصلاة ، وعليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتّى ينفر» (1).
ولو لا تذيلها بقوله (عليه السلام) : «فاذا خرج ...» إلخ لأمكن أن يقال : إنّ التنزيل من جهة إتمام الصلاة فحسب ، غير المنافي للقطع الحكمي ، لا من سائر الجهات.
ولكن الذيل يشهد بأنّ نطاق التنزيل أوسع من ذلك ، وأنّ المراد أنّه بمنزلة المتوطِّن ، لأنّه بعد ما حكم (عليه السلام) بالتقصير في خروجه إلى منى لكونه
1) الوسائل 8 : 464 / أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 3.
.................................................................................................
في طريق عرفات ، وهي مع العود إلى مكّة مسافة تلفيقية حكم (عليه السلام) بالإتمام إذا زار البيت ، وكذا في رجوعه إلى منى وهي دون المسافة.
وهذا كلّه من شؤون المرور على الوطن ، وإلّا فلما ذا يتمّ في مكّة لدى عودته إليها مع عدم قصد الإقامة ، وهكذا في منى مع أنّه في طريق السفر. فيكشف ذلك عن تنزيل مكّة منزلة الوطن لمن قدمها قبل التروية بعشرة أيام قاصداً الإقامة فيها ، وأنّها قاطعة للموضوع لا للحكم.
ولكن الصحيحة موردها كما عرفت خصوص مكّة ، وحينئذ فان كان هناك إجماع على خلاف مضمونها وأنّه لا فرق بين مكّة وغيرها في أنّ من خرج عن محلّ الإقامة إلى المسافة وعاد يحتاج إلى تجديد قصدها وإلّا بقي على التقصير ، فلا مناص حينئذ من طرح الرواية وردّ علمها إلى أهله.
وإن لم يتم الإجماع عملنا بالرواية واقتصرنا على موردها ، أعني خصوص مكّة ، من غير أن يتعدّى إلى سائر البلدان ، لعدم الدليل ، ولا غرو فانّ لهذه البقعة المقدّسة من أجل شرافتها ورفعة شأنها أحكاماً خاصّة مثل التخيير بين القصر والتمام للمسافر ونحو ذلك ، فليكن هذا الحكم أيضاً من هذا القبيل فيلتزم بالقطع الموضوعي والتنزيل منزلة الوطن في خصوص مكّة.
ولكن الظاهر لزوم طرح الرواية ، لا لمجرّد الإجماع المزبور ليناقش في كونه تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم ، ولا من أجل الإعراض ليورد بعدم كونه مسقطاً للصحيح عن الاعتبار على مسلكنا ، بل من أجل ما أسميناه بالدليل الخامس.
فانّ هذه المسألة ، أعني الإقامة بمكّة قبل يوم التروية عشرة أيام كثيرة الدوران ومحلّ للابتلاء جدّاً ، ولا سيما في الأزمنة السالفة الفاقدة للمراكب السريعة المتداولة في العصر الحديث ، فكانوا يضطرّون للإقامة المزبورة طلباً للاستراحة
[2256] مسألة 25 : لو كان حين الشروع في السفر أو في أثنائه قاصداً للإقامة أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية لكن عدل بعد ذلك عن قصده ، أو كان متردّداً في ذلك وعدل عن ترديده إلى الجزم بعدم الأمرين (1)
من وعثاء السفر ، كما أُشير إليه في الأخبار (1).
فلو كان الحكم الذي تضمّنته الصحيحة ثابتاً لكان شائعاً ذائعاً ومن الواضحات ، من غير أيّ خلاف فيه ، مع أنّه لم يقل به أحد فيما نعلم ، بل لعلّ الإجماع على خلافه كما عرفت ، ولأجله تسقط الرواية عن درجة الاعتبار ويرد علمها إلى أهله.
وكيف ما كان ، فهي على تقدير الحجّية تختصّ بموردها ، والتعدّي يحتاج إلى القطع بعدم الفرق بين مكّة وغيرها ، وأنّى لنا بذلك.
إذن فلا دليل على أنّ قصد الإقامة قاطع لموضوع السفر في غير مكّة بتاتاً بل ظاهر الأدلّة كما عرفت أنّه قطع حكمي وتخصيص في أدلّة القصر ، فهو مسافر يتمّ في محلّ الإقامة ، فإذا حكم عليه بالتمام يحتاج العود إلى القصر إلى قصد مسافة جديدة ، ولا ينضمّ ما قبله إلى ما بعده ، لما أشرنا إليه (2)من الضابط العام والقاعدة الكلّية المستفادة من الروايات من أنّ من حكم عليه بالتمام لا ينقلب إلى القصر ما لم يستأنف قصد المسافة الشرعية.
(1) ممّا قدّمناه آنفاً وأوضحناه سابقاً (3)من لزوم استمرار القصد واتصال السير يظهر حال هذه المسألة والمسألة الآتية اللّتين لا فرق بينهما إلّا من حيث
فإن كان ما بقي بعد العدول مسافة في نفسه أو مع التلفيق بضمّ الإياب قصّر وإلّا فلا ، فلو كان ما بقي بعد العدول إلى المقصد أربع فراسخ وكان عازماً على العود ولو لغير يومه قصّر في الذهاب والمقصد والإياب ، بل وكذا لو كان أقلّ من أربعة ، بل ولو كان فرسخاً فكذلك على الأقوى من وجوب القصر في كلّ تلفيق من الذهاب والإياب وعدم اعتبار كون الذهاب أربعة أو أزيد كما مرّ (1).
[2257] مسألة 26 : لو لم يكن من نيّته في أوّل السفر الإقامة أو المرور على الوطن وقطع مقداراً من المسافة ثمّ بدا له ذلك قبل بلوغ الثمانية ثمّ عدل عمّا بدا له وعزم على عدم الأمرين فهل يضمّ (1) ما مضى إلى ما بقي إذا لم
حصول القصد أو التردّد من الأوّل أو في الأثناء. ولأجله كانت كلمة (أو في أثنائه) في هذه المسألة سهواً من قلمه الشريف أو قلم الناسخ.
وكيف ما كان ، ففي كلتا المسألتين لا ينضمّ ما بعد العدول إلى ما قبله ، لفقد شرط الاستمرار كما عرفت. فالعبرة في احتساب المسافة بما بقي بعد العدول فإن كان كذلك ولو ملفّقة قصّر وإلّا أتم ، وقد عرفت فيما سبق (2)عدم كفاية مطلق التلفيق ، بل لا بدّ وأن لا يكون كلّ من الذهاب والإياب أقل من الأربعة خلافاً للماتن (قدس سره) فلاحظ.
(1) استشكل (قدس سره) في الضميمة ، ولكن الصحيح هو العدم كما ظهر ممّا تقدّم (3)، فيجب البناء على التمام ، إذ بمجرّد البداء والبناء على المرور على
يكن ما بقي بعد العدول عمّا بدا له مسافة ، فيقصّر إذا كان المجموع مسافة ولو بعد إسقاط ما تخلّل بين العزم الأوّل والعزم الثاني إذا كان قطع بين العزمين شيئاً؟ إشكال ، خصوصاً في صورة التخلّل ، فلا يترك الاحتياط (1)بالجمع نظير ما مرّ في الشرط الثالث.
الخامس من الشروط : أن لا يكون السفر حراماً ، وإلّا لم يقصّر (1) سواء كان نفسه حراماً كالفرار من الزحف ، وإباق العبد
الوطن ينقطع سفره ويكون حكمه التمام واقعاً ، لفقد استمرار القصد ، وحينئذ يحتاج التقصير إلى قصد مسافة جديدة ، والمفروض أنّ الباقي ليس بمسافة ، فلا مناص من بقائه على التمام حسبما عرفت.
(1) ذكر الفقهاء من غير خلاف بينهم أنّ سفر المعصية لا تقصير فيه ، وقد تسالموا عليه ، وادّعي الإجماع في كلمات غير واحد ، وهو على قسمين :
الأوّل : أن يكون السفر بنفسه حراماً كسفر الزوجة بدون إذن زوجها في غير الواجب فيما إذا كان منافياً لحقّ الزوج ، وكالفرار من الزحف ، ونحوهما ممّا كان نفس السفر والابتعاد عن الوطن مبغوضاً للشارع ومحكوماً بالحرمة.
الثاني : أن يكون السفر بنفسه مباحاً إلّا أنّه مقدّمة لغاية محرّمة ، كما لو سافر لأجل سرقة أو شراء خمر أو قتل نفس محترمة أو زنا أو إعانة ظالم ونحو ذلك.
ومقتضى إطلاق النصّ والفتوى شمول الحكم لكلا القسمين ، إلّا أنّ المنسوب إلى الشهيد الثاني في الروض (2)أنّه استشكل في القسم الأوّل ، بدعوى قصور
.................................................................................................
الروايات عن الشمول له ، إلّا أن يتمسّك بالأولوية.
ولكن الظاهر أنّ ذلك مستفاد من نفس الروايات من غير حاجة إلى التمسّك بالأولوية أو دعوى التسالم ، فإنّها وافية لإثبات الحكم في كلا القسمين بنطاق واحد.
فمنها : ما رواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب عن عمار بن مروان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سمعته يقول : من سافر قصّر وأفطر إلّا أن يكون رجلاً سفره إلى صيد ، أو في معصية اللّه ، أو رسول لمن يعصي اللّه ، أو في طلب عدوّ ، أو شحناء ، أو سعاية ، أو ضرر على قوم من المسلمين» (1).
هكذا في الوسائل والفقيه ، ولكن في الحدائق «رسولاً» بالنصب (2)وهو الصحيح. وكيف ما كان ، فيقع الكلام تارة في سند الرواية ، وأُخرى في دلالتها.
أمّا السند : فقد عبّر عنها في الحدائق بالصحيح عن عمار بن مروان ، المشعر بضعف الرجل ، وكأنّه من أجل تردّده بين اليشكري الثقة الذي وثّقه النجاشي (3)وغيره ، وهو معروف وله كتاب يرويه محمد بن سنان ، وبين الكلبي الذي ذكره الصدوق في المشيخة حيث قال : وما كان فيه عن عمار بن مروان الكلبي فقد رويته عن محمد بن موسى بن المتوكل (رحمه اللّه) عن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب
.................................................................................................
الخزاز عن عمار بن مروان (1).
فإن كان الكلبي هو اليشكري فلا كلام ، وإن كان غيره وقد روى عن كلّ منهما الخزاز ، إذ لا شهادة في ذلك على الاتحاد بوجه ، لجواز أن يروي شخص عن شخصين أو أشخاص كلّهم مسمّون باسم واحد كما هو ظاهر فهو مجهول الحال لم يذكر في شيء من كتب الرجال ، ولم يقع في أسناد كامل الزيارات ليشمله التوثيق العام. وحيث لم يثبت الاتحاد فلا جرم كان الرجل محتمل الاشتراك بين الموثّق وغيره ، فلم يبق وثوق بصحّة الرواية.
ومن هنا استشكلنا في المال المخلوط بالحرام الذي حكم المشهور بتخميسه إذ ليس لهم مستند معتدّ به عدا رواية عمار بن مروان الناطقة بذلك ، وذكرنا أنّ الأحوط الدفع بنيّة الأعم من الخمس والمظالم (2).
ولكن الظاهر اختصاص الإشكال بتلك الرواية ونحوها ممّا اشتمل على السند المتقدّم عن المشيخة ، لما عرفت من التردّد بين الموثّق وبين من هو مجهول تمام الجهالة.
وأمّا هذه الرواية المبحوث عنها في المقام فلم يروها الصدوق عن عمار بن مروان ابتداءً ليشمله السند المتقدّم كي يتوجّه عليه الإشكال المزبور ، بل رواها عن ابن محبوب عن الخزاز عن ابن مروان. ولا إشكال أنّ عمار بن مروان لدى الإطلاق ينصرف إلى المعروف الذي له كتاب ، وهو اليشكري الثقة ، دون الكلبي
.................................................................................................
المجهول المذكور في سند آخر.
وممّا يؤكِّد ذلك أنّ طريق الصدوق إلى الكلبي المتقدّم عن المشيخة يختلف عن طريقه إلى هذه الرواية ، فانّ في الأوّل محمد بن الحسين بن أبي الخطاب وهو الراوي عن الحسن بن محبوب ، وفي هذه سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن محمّد ابن عيسى عن ابن محبوب (1)، فالراوي عنه غير ذلك الراوي ، وإن اشتركا في بعض من وقع في الطريقين كمحمد بن موسى بن المتوكل والحسن بن محبوب.
وكيف ما كان ، فالظاهر أنّ عمار بن مروان في هذه الرواية لا يراد به إلّا اليشكري الثقة. فهي صحيحة لا ينبغي النقاش في سندها ، هذا.
والموجود في الكافي في طبعتيه محمد بن مروان (2)بدل عمار بن مروان ، ولا يبعد أنّه الذهلي البصري ، فنسخة الكافي تغاير الفقيه ، وكلتاهما تنتهي إلى الحسن بن محبوب عن أبي أيوب.
وفي هامش الوافي أنّ في بعض نسخ الكافي محمد بن مروان (3)فيعلم من ذلك أنّ هذا من اختلاف النسخ لا اختلاف الرواية. والظاهر أنّ في نسخة الكافي تحريفاً (4)والصواب هو عمار بن مروان كما في الفقيه والتهذيب ، فانّ الشيخ روى نفس هذه الرواية في التهذيب عن الكليني (5)، وكذا صاحب الحدائق (6)
.................................................................................................
فيعلم أنّ النسخة التي كانت عندهما كانت مطابقة للفقيه.
ولو فرضنا أنّ جميع نسخ الكافي كانت عن محمد بن مروان فليس بالإمكان أن ترفع اليد بها عن رواية الفقيه ، لأنّ في طريق الكافي سهل بن زياد وهو ضعيف ، فلا يعارض بها الرواية الصحيحة.
ولو تنزّلنا وفرضنا أنّ الصحيح محمد بن مروان فهو أيضاً موثّق عندنا لوقوعه في أسناد كامل الزيارات.
وعلى جميع التقادير فما في مصباح الفقيه للهمداني (قدس سره) من ضبط حماد بن مروان (1)فهو غلط جزماً ، فإنّه إمّا عمار أو محمد حسبما عرفت. فتحصّل : أنّ السند ممّا لا إشكال فيه.
وأمّا الدلالة : فقد سبق أنّ الشهيد (قدس سره) ناقش في شمولها للقسم الأوّل من قسمي سفر المعصية ، أعني ما لو كان السفر بنفسه حراماً ، ولكنّه لا وجه له كما مرّ ، فانّ قوله (عليه السلام) : «أو في معصية اللّه» غير قاصر الشمول له لانطباق هذا العنوان على السفر الحرام انطباق الكلّي على مصداقه ، وقد شاع إطلاق مثل هذا الاستعمال لبيان إدخال الفرد في الكلّي ، كما يقال : زيد في العلماء أي أنّه أحد مصاديقهم.
وقد ورد أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (2)، أي في عمل هو بنفسه مصداق لمعصية الخالق. فالسفر في معصية اللّه يعمّ ما كان السفر بنفسه حراماً وداخلاً في كبرى معصية اللّه ومصداقاً لها.
بل يمكن قلب الدعوى بأن يقال : إنّ الرواية ظاهرة في خصوص ما كان
.................................................................................................
السفر بنفسه حراماً ، إذ هو الذي يكون مصداقاً لمعصية اللّه ، دون ما كانت غايته محرّمة ، فانّ هذا القسم داخل فيما ذكره فيما بعد قوله : «أو في معصية اللّه» إذ الأمثلة التي يذكرها بعد ذلك كلّها من قبيل القسم الثاني ، أعني ما كانت الغاية محرّمة ، فذاك القسم مذكور فيما بعد ، فلا وجه لإدراجه في قوله (عليه السلام) : «أو في معصية اللّه».
وكيف ما كان ، فلو لم تكن العبارة ظاهرة فيما نقول فلا أقل من الشمول فالتشكيك في ذلك في غير محلّه جزماً.
ولو أغمضنا عن هذه الرواية فتكفينا في الدلالة على التعميم ما رواه الصدوق بنفس هذا السند المعتبر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا يفطر الرجل في شهر رمضان إلّا في سبيل حق» (1)فانّ من الضروري أنّ السفر الحرام ليس في سبيل حقّ ، فلا إفطار فيه بمقتضى الحصر.
وهذه الرواية وإن رواها الكليني عن ابن أبي عمير مرسلاً (2)، ولا نعمل بالمراسيل ، إلّا أنّ الصدوق (قدس سره) رواها في ذيل الرواية المتقدِّمة عن عمار بن مروان ، فهي جزء من تلك الصحيحة.
ولكن صاحب الوسائل تخيّل أنّ الذيل من كلام الصدوق فجعلها رواية مستقلّة مرسلة. وليس كذلك ، بل هي تتمّة لما سبق ، وجملة : وقال (عليه السلام) من كلام عمار بن مروان ، لا من كلام الصدوق نفسه ، إذ لم يعهد في مراسيله مثل هذا التعبير ، ولو أراد ذلك لعبّر هكذا : وقال الصادق (عليه السلام) ، أو وقال رسول اللّه ، ونحو ذلك. كما عبّر بمثله في الرواية اللّاحقة (3). فالظاهر أنّ
وسفر الزوجة بدون إذن الزوج (1)(1) في غير الواجب
الرواية ليست بمرسلة ، بل مسندة بالسند الصحيح المتقدّم كما عرفت ، فتدبّر.
وتدلّ عليه أيضاً موثّقة عبيد بن زرارة ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصّر أو يتم؟ قال : يتم ، لأنّه ليس بمسير حقّ» (2)فانّ السفر المحرّم باطل وليس بحق ، فلا تقصير فيه بمقتضى التعليل.
وعلى الجملة : فلا ينبغي النقاش في الكبرى التي ذكرها في المتن من عدم التقصير في سفر المعصية بقسميه ، لدلالة الأخبار عليها حسبما عرفت.
وإنّما الكلام في بعض الصغريات التي عدّها الماتن مثالاً للقسم الأوّل ، أعني ما لو كان السفر بنفسه حراماً ، وستعرف الحال فيها في التعاليق الآتية.
(1) هذا لا دليل على حرمته على الإطلاق ، بل حتّى مع النهي فضلاً عن عدم الإذن ، إلّا إذا كان موجباً للنشوز ومنافياً لحقّ الزوج ، فانّ هذا المقدار ممّا قام عليه الدليل ، وعليه يحمل ما ورد في بعض الأخبار من حرمة الخروج بغير الإذن (3)، فانّ المراد بحسب القرائن خروجاً لا رجوع فيه ، بنحو يصدق معه النشوز ، وتفصيل الكلام موكول إلى محلّه(4).
وكيف ما كان ، فلا دليل على أنّ مطلق الخروج عن البيت بغير الإذن محرّم عليها ولو بأن تضع قدمها خارج الباب لرمي النفايات مثلاً ، أو تخرج لدى غيبة
وسفر الولد مع نهي الوالدين (1)(1) في غير الواجب ، وكما إذا كان السفر مضرّاً لبدنه (2)(2) وكما إذا نذر عدم السفر مع رجحان تركه ونحو ذلك
زوجها لسفر أو حبس ونحو ذلك إلى زيارة أقاربها أو زيارة الحسين (عليه السلام) مع تستّرها وتحفّظها على بقيّة الجهات ، فانّ هذا ممّا لا دليل عليه بوجه.
(1) هذا أيضاً لا دليل على حرمته ما لم يبلغ حدّ الإيذاء ، إذ لم ينهض دليل على وجوب إطاعة الوالدين على سبيل الإطلاق على حدّ إطاعة العبد لسيِّده.
نعم ، تجب المعاشرة الحسنة والمصاحبة بالمعروف على ما نطقت به الآية المباركة (3)فلا يجوز العداء والإيذاء ، وأمّا الوجوب والتحريم بمجرّد الأمر والنهي فضلاً عن لزوم الاستئذان في كافّة الأفعال وإن لم يترتّب على تركه الإيذاء خصوصاً لو صدر من غير اطلاع منهما أصلاً ، فهو عارٍ عن الدليل.
أجل قد ورد في بعض النصوص أنّه «إن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل» (4)، ولكنّ أحداً لا يستريب في أنّ هذا حكم أخلاقي ، وليس بتكليف شرعي كما هو واضح جدّاً.
(2) وهذا أيضاً لا دليل على حرمته ما لم يبلغ حدّ الإلقاء في التهلكة المنهي عنه في الآية المباركة (5)، وإلّا فدون ذلك من الإضرار سيما إذا كان الضرر يسيراً كحمى يوم أو يومين ، ولا سيما إذا كان الغرض خطيراً من تجارة أو
أو كان غايته أمراً محرّماً كما إذا سافر لقتل نفس محترمة أو للسرقة أو للزنا أو لإعانة ظالم أو لأخذ مال الناس ظلماً ونحو ذلك ، وأمّا إذا لم يكن لأجل المعصية لكن تتّفق في أثنائه مثل الغيبة وشرب الخمر والزنا ونحو ذلك ممّا ليس غاية للسفر ، فلا يجب التمام ، بل يجب معه القصر والإفطار (1).
زيارة ونحو ذلك ممّا كان مهمّاً عند العقلاء واستقرّ بناؤهم على الاقتحام وعدم الاعتناء بتلك الإضرار ، فلم تثبت حرمته بوجه كما لا يخفى.
هذا كلّه فيما إذا كان السفر محرّماً في نفسه.
(1) وأمّا ما كانت غايته محرّمة أعني القسم الثاني من سفر المعصية ، فلا إشكال في عدم التقصير فيه ، بل هو المتيقّن من الأخبار ، وقد ذكر كثير من الأمثلة في الروايات المتقدّمة حسبما عرفت.
وقد دلّ عليه صريحاً ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي سعيد الخراساني قال : «دخل رجلان على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) بخراسان فسألاه عن التقصير فقال لأحدهما : وجب عليك التقصير لأنّك قصدتني ، وقال للآخر : وجب عليك التمام لأنّك قصدت السلطان» (1).
هذا فيما إذا كان السفر لتلك الغاية المحرّمة ، وأمّا إذا لم يكن لأجلها بل اتّفق ارتكاب الحرام في الأثناء كما قد يتّفق في الحضر ، من دون أن يكون غاية للسفر من الكذب والغيبة وشرب الخمر ونحو ذلك فلا يستوجب التمام كما نبّه عليه في المتن ، لقصور الأدلّة عن الشمول له ، فيرجع إلى أصالة القصر على المسافر كما هو ظاهر.
1) الوسائل 8 : 478 / أبواب صلاة المسافر ب 8 ح 6 ، التهذيب 4 : 220 / 642.
[2258] مسألة 27 : إذا كان السفر مستلزماً لترك واجب كما إذا كان مديوناً وسافر مع مطالبة الديّان وإمكان الأداء في الحضر دون السفر (1) ونحو ذلك ، فهل يوجب التمام أم لا؟ الأقوى التفصيل بين ما إذا كان لأجل التوصّل إلى ترك الواجب أو لم يكن كذلك ، ففي الأوّل يجب التمام دون الثاني لكن الأحوط الجمع في الثاني.
(1) لا يخفى أنّ هذه المسألة لا تبتني على النزاع المعروف في مسألة الضد من أنّ أحدهما هل هو مقدّمة لترك الآخر ، أو أنّ عدمه مقدّمة لوجود الآخر أو لا ، بل يحكم بوجوب التمام في المقام فيما إذا سافر لغاية التوصل إلى ترك الواجب كما ذكره في المتن وإن أنكرنا المقدّمية في تلك المسألة رأساً.
فإنّ العقل كما يحكم بقبح المعصية وحسن الطاعة ولذلك كان الأمر والنهي المتعلّقان بهما إرشاديين ، كذلك يحكم بقبح تعجيز النفس عن أداء الواجب ، بأن يفعل ما يتعذّر معه الامتثال ، ويكون من قبيل أنّ الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار.
وهذا كما لو ذهب إلى مكان يعلم بأنّ هناك من يصدّه عن صلاة الفريضة ، أو يجبره على ارتكاب الجريمة من شرب خمر ونحوه ، فانّ هذا كلّه قبيح عقلاً وإن كان التكليف في ظرفه ساقطاً شرعاً لقبح خطاب العاجز ، إلّا أنّ العقاب في محلّه ، لانتهائه إلى الاختيار حسبما عرفت.
وعليه فتعجيز النفس عن أداء الدين المطالب باختيار السفر مع التمكّن منه في الحضر قبيح عقلاً ، لكونه امتناعاً بسوء الاختيار ، ومعه لم يكن سفره مسير حقّ جزماً ، فلا جرم يكون مورداً لوجوب التمام ومشمولاً للأدلّة المتقدِّمة.
[2259] مسألة 28 : إذا كان السفر مباحاً لكن ركب دابّة غصبية ، أو كان المشي في أرض مغصوبة فالأقوى فيه القصر ، وإن كان الأحوط الجمع (1).
هذا فيما إذا قصد بسفره ذلك ، أي التوصّل إلى ترك الواجب ، وأمّا لو لم يكن بهذا القصد ، بل لغاية أُخرى مباحة أو راجحة كزيارة الحسين (عليه السلام) فمجرّد التلازم الواقعي مع ترك الواجب لا يستوجب اتّصاف السير بالباطل ولا يخرجه عن مسير الحق ليكون مشمولاً لتلك الأدلّة ، فإنّ التعجيز القبيح وإن ترتّب في هذه الصورة أيضاً وتحقّق خارجاً إلّا أنّه لا ينطبق على نفس السفر ما لم يكن لتلك الغاية القبيحة. فالسفر إذن لم يكن معصية وقبيحاً لا بنفسه ولا بغايته ليكون مصداقاً للمسير بغير الحق ، بل هو باق تحت أصالة القصر حسبما عرفت.
ونتيجة ذلك كلّه : صحّة التفصيل المذكور في المتن ، وإن كان الاحتياط بالجمع في الصورة الثانية ممّا لا ينبغي تركه.
(1) قد عرفت (1)انتفاء القصر فيما إذا كان السفر بنفسه أو بغايته معصية.
وأمّا لو كان مقروناً بالمعصية كما لو ركب دابة غصبية ، أو مشى في أرض مغصوبة ، أو كان ثوبه أو محمول آخر أو نعل دابته غصبياً فهل الحكم هو التمام أيضاً في الجميع كما عن الجواهر (2)، أو يفصّل بين سلوك الأرض المغصوبة وبين غيره ويختصّ التمام بالأوّل كما عن المحقّق الهمداني (3)، أو يحكم بالتقصير مطلقاً كما قوّاه في المتن؟ وجوه ، أقواها الأخير.
.................................................................................................
والوجه فيه : أنّ السفر بعنوانه الأوّلي أعني الابتعاد عن الوطن والانتقال ببدنه إلى خارج البلد لا يكون بما هو محرّماً ما لم ينطبق عليه بعض العناوين الموجبة لذلك من نهي الوالد أو الزوج ، أو الإلقاء في التهلكة وما شاكل ذلك ممّا تقدّم ، أو يكون لغاية محرّمة قد نهى الشارع عنها ، فيجب التمام في كلّ من هاتين الحالتين بمقتضى النصوص كما مرّ (1).
أمّا إذا لم يكن السفر مورداً لانطباق شيء من الحالتين ، فلم يكن محرّماً لا بعنوانه الأوّلي أو الثانوي ، ولا بغايته ، بل كان مقارناً وملازماً لعنوان محرّم من غير انطباق عليه بوجه ، فهو خارج عن نطاق تلك الأدلّة ومحكوم بأصالة القصر.
ولا ريب أنّ الأمثلة المتقدّمة كلّها من هذا القبيل ، ضرورة أنّ الغصب إنّما ينطبق على التصرف في الدار ، أو الكون في الأرض الغصبية ، أو استصحاب مال الغير ، لا على نفس السفر والابتعاد عن الوطن أعني الحركة السيرية الخاصّة من بلد إلى بلد ، وإنّما هو عنوان مقارن معه ، ولا يسري حكم المقارن إلى مقارنة كما هو موضّح في الأُصول في مبحث اجتماع الأمر والنهي (2).
وعلى الجملة : الركوب على الدابة أو الكون في المكان المغصوب الشاغل للمكان والفضاء شيء ، والسفر والابتعاد وانتقال الجسد من مكان إلى مكان شيء آخر. وليس السير تصرّفاً زائداً على نفس الكون ليكون بحياله مصداقاً للغصب. ولذلك قلنا بجواز الصلاة في المكان المغصوب للمحبوس فيه ، لعدم كون الهيئة الركوعية أو السجودية تصرّفاً آخر زائداً على إشغال الفضاء الذي لا بدّ منه على أيّ حال. وتمام الكلام في محلّه (3).
[2260] مسألة 29 : التابع للجائر إذا كان مجبوراً (1) أو مكرهاً على ذلك ، أو كان قصده دفع مظلمة أو نحوها من الأغراض الصحيحة المباحة أو الراجحة قصّر ، وأمّا إذا لم يكن كذلك بأن كان مختاراً وكانت تبعيّته إعانة للجائر في جوره وجب عليه التمام وإن كان سفر الجائر طاعة ، فإنّ التابع حينئذ يتمّ مع أنّ المتبوع يقصّر.
وعلى الجملة : فهما عنوانان متغايران مأخوذان من مقولتين متباينتين ، فلا انطباق ولا اتحاد ، بل مجرّد التقارن والتلازم ، ولا يسري حكم الملازم إلى صاحبه.
وأوضح حالاً مقارنة اللباس المغصوب مع المسافر ، أو حمل شيء مغصوب معه ، فانّ هذا أجنبي عن مفهوم السفر بالكلّية ، فهو كالنظر إلى الأجنبية ، لا دخل له في الحقيقة بوجه ، ولا يرتبط بالسفر بتاتاً. فما يتحقّق به السفر مباح وسائغ وإن قورن بنقل مال الغير معه غصباً.
وأوضح مثال لذلك ما لو سافر مع صديق له يروي له قصصاً مكذوبة ، فهل يكون السفر محرّماً بذلك؟
وكلّ هذا يختلف عمّا لو كان السفر بنفسه مضرّاً للبدن ، فإنّه يكون محرّماً لانطباقه على نفس السفر ، بخلاف حمل المغصوب أو ركوبه أو الدخول في الأرض المغصوبة ، فإنّ ذلك كلّه أجنبي عن حقيقة السفر التي هي الابتعاد عن الوطن ولذلك وجب التمام في الأوّل دون الثاني حسبما عرفت.
(1) أي مضطرّاً إلى ذلك كما لو توقّفت معيشته على تبعيته ولم تكن له مندوحة أو كان مكرهاً ، أو كان من قصده دفع المظلمة كما كان موقف علي بن يقطين مع طاغوت عصره ، فإنّه يقصّر حينئذ ، لعدم كون سفره معصية لا بنفسه ولا بغايته كما هو ظاهر.
[2261] مسألة 30 : التابع للجائر المعدّ نفسه لامتثال أوامره بالسفر فسافر امتثالاً لأمره (1) فان عدّ سفره إعانة للظالم في ظلمة كان حراماً ووجب عليه التمام وإن كان من حيث هو مع قطع النظر عن كونه إعانة مباحاً ، والأحوط الجمع (1)وأمّا إذا لم يعدّ إعانة على الظلم فالواجب عليه القصر.
وأمّا لو انتفى كلّ ذلك فكان مختاراً في سفره ، واتصفت التبعية بكونها إعانة للجائر في جوره فكان التابع معدوداً من أعوان الظلمة لكونه كاتباً للجائر أو موجباً لمزيد شوكته مثلاً ، الذي هو محرّم بلا إشكال ، وجب التمام حينئذ على التابع ، لحرمة سفره وإن كان المتبوع بنفسه يقصّر لعدم قصده المعصية ، أو كون سفره طاعة كما لو كان في سبيل حجّ بيت اللّه الحرام.
(1) كما لو كان له خادم يخدمه في أُموره الشخصية فأمره بالسفر ، فتارة لا يرتبط السفر بجوره ولا يعدّ إعانة على ظلمه كما لو أمره بالحجّ عنه ، ففي مثله يجب القصر ، إذ لا معصية في سفره بوجه. وأُخرى يعدّ السفر المباح في حدّ ذاته إعانة للظالم في ظلمة المستوجب لحرمته الفعلية ، كما لو حكم بحكم جوري وبعث خادمه لإيصال هذا الحكم إلى البلد الفلاني لتنفيذه ، فيكون مثل هذا السفر معصية وحراماً ، ولا شكّ في وجوب التمام عندئذ.
ولا ندري ما هو وجه الاحتياط بالجمع المذكور في المتن ، فانّ السفر إن كان حراماً وجب التمام وإلّا فالقصر ، والمفروض في المقام هو الأوّل كما صرّح (قدس سره) به ، فما هو وجه الاحتياط بعد هذا.
1) (*) لم يظهر وجه الاحتياط بعد فرض حرمة السفر.
[2262] مسألة 31 : إذا سافر للصيد فان كان لقوته وقوت عياله قصّر بل وكذا لو كان للتجارة ، وإن كان الأحوط فيه الجمع ، وإن كان لهواً كما يستعمله أبناء الدُّنيا وجب عليه التمام (1).
(1) قسّم (قدس سره) سفر الصيد إلى ثلاثة أقسام :
الأوّل : أن يسافر للصيد لينتفع بثمنه ، ويعبّر عنه بالصيد للتجارة.
الثاني : أن يسافر للصيد لقوت نفسه وعياله وضيوفه.
الثالث : أن تكون الغاية من سفر الصيد التلهِّي ، لا الانتفاع بالثمن ولا التقوّت به ، وإنّما يقصد الترف والأُنس كما هو شأن الملوك والأُمراء وغيرهم من أبناء الدنيا ، ويسمّى بصيد اللّهو.
أمّا في القسم الأخير : فلا خلاف كما لا إشكال في عدم التقصير ، ولم ينسب الخلاف إلى أحد إلّا على تفصيل يأتي إن شاء اللّه تعالى (1).
وإنّما الكلام في أنّه حرام أيضاً ولأجله يتمّ ، أو أنّه تعبّد محض؟ نسب إلى المشهور كما عن السرائر الحرمة (2).
وخالف المقدّس البغدادي فأنكر الحرمة ، لعدم الدليل على حرمة اللّهو إلّا في موارد خاصّة من اللعب اللّهوي كالقمار واستعمال النرد والشطرنج والمزمار ونحو ذلك من الموارد المنصوصة ، وأمّا غير ذلك ومنه صيد اللّهو فلا دليل على حرمته.
.................................................................................................
وجعل (قدس سره) ذلك بمثابة التنزّه في البساتين والتفرّج بالمناظر الجميلة وغيرها ممّا قضت السيرة القطعية بإباحتها ، فكما أنّ اللّهو في غير الصيد مباح فكذا في الصيد.
وقد نقل صاحب الجواهر كلام المقدّس بطوله لكي يظهر أنّه بفتواه خالف النصّ والفتوى ، بل قال (قدس سره) : كأنه اجتهاد في مقابلة النص (1).
وادّعى المحقّق الهمداني (قدس سره) (2)أنّ مقالة المقدس إنّما تخالف الفتاوى دون النصوص ، إذ النصوص إنّما دلّت على وجوب التمام فقط ، ولا ملازمة بينه وبين حرمة السفر.
وبعبارة اخرى : ليس في الأخبار ما يدل على التحريم عدا الإشعار في بعضها ، وهي صحيحة حماد الآتية ، لمكان اقتران الباغي بالسارق ، الكاشف عن الحرمة بمقتضى وحدة السياق.
ولا بدّ لنا من عرض الأخبار لنرى مدى دلالتها.
فمنها : ما رواه الكليني بإسناده عن حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «في قول اللّه عزّ وجلّ ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ) قال : الباغي باغي الصيد ، والعادي السارق ، وليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا إليها ، هي عليهما حرام ، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين ، وليس لهما أن يقصِّرا في الصلاة» (3).
وسند الرواية معتبر وإن اشتمل على معلّى بن محمد ، لوجوده في أسناد كامل
.................................................................................................
الزيارات ، نعم عبّر عنه النجاشي بأنّه مضطرب الحديث والمذهب (1).
ولكن اضطراب المذهب لا يضرّ بوثاقة الرجل كما لا يخفى ، وأمّا اضطراب الحديث فقد فسّره علماء الرجال بعدم الاستقامة ، وعدم كون الأحاديث على نسق واحد ، بل بعضها معروفة وبعضها منكرة غير مقبولة ، فهو يحدّث بكلّ ما سمع وعن أيّ شخص كان. وهذا لا يقتضي طعناً في وثاقه الرجل بنفسه بوجه كما هو ظاهر. إذن فتوثيق ابن قولويه سليم عن المعارض.
ومع الغضّ عن ذلك فهذه الرواية بعينها ينقلها الشيخ في التهذيب في أبواب الأطعمة المحرّمة بسند صحيح لا إشكال فيه (2).
وأمّا الدلالة فالظاهر أنّها قاصرة ، لأنّ الباغي إن كان من البغي بمعنى الظلم فهو مفسّر في بعض الروايات بالخروج على الإمام ، فيخرج من محلّ الكلام ولا يمكن إرادته في المقام ، إذ لا معنى لظالم الصيد ، فلا بدّ وأن يكون من البغية بمعنى الطلب ، أي طالب الصيد ، ولكنّه لا يدلّ على الحرمة.
ووقوعه في سياق السارق المحكوم بحرمة عمله لا يقتضيها نظراً إلى الحكم عليهما الباغي والعادي بمنع أكل الميتة حتّى حال الاضطرار. ومعلوم أنّ ذلك ليس بمناط التحريم ليدّعى اشتراكهما فيه بمقتضى وحدة السياق ، وإلّا فمن البديهي أنّ القاتل أعظم إثماً من السارق ، وشارب الخمر أشدّ فسقاً من طالب الصيد ، وهكذا من يرتكب سائر المحرّمات في السفر أو الحضر ، ومع ذلك لا يمنع من أكل الميتة لدى الاضطرار بلا خلاف فيه ولا إشكال.
فيعلم من ذلك بوضوح أنّ هذا حكم تعبّدي خاص بهذين الموردين
.................................................................................................
طالب الصيد والسارق فلا تدلّ على الحرمة بوجه ، بل لا إشعار فضلاً عن الدلالة كما لا يخفى.
ومنها : رواية ابن بكير قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يتصيّد اليوم واليومين والثلاثة أيقصّر الصلاة؟ قال : لا ، إلّا أن يشيّع الرجل أخاه في الدين ، فان التصيّد (الصيد) مسير باطل لا تقصّر الصلاة فيه ، وقال : يقصّر إذا شيّع أخاه» (1).
دلّت على أنّ عدم قصر الصلاة ليس حكماً تعبّدياً ، بل من أجل أنّه باطل وظاهر البطلان الحرمة ، وإلّا فالبطلان في الفعل الخارجي لا معنى له بعد وضوح عدم إرادة البطلان في باب العقود والإيقاعات. فالمسير الباطل أي ليس بحقّ المساوق لقولنا : ليس بجائز ، وهو معنى الحرمة. فهي من حيث الدلالة تامّة لكن السند سقيم بسهل بن زياد ، فلا تصلح للاستناد.
ومنها : موثّقة عبيد بن زرارة قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصّر أو يتم؟ قال : يتم ، لأنّه ليس بمسير حقّ» (2).
ولا نقاش في سندها ، كما لا ينبغي التأمّل في دلالتها ، حيث دلّت على أنّ الإتمام ليس لعنوان الصيد ، بل من أجل أنّه ليس بحقّ ، المساوق لكونه معصية.
ولا أدري كيف عبّر المحقّق الهمداني عن مفادها بالإشعار (3)بعد وضوح دلالتها بصراحة التعليل كما عرفت في أنّ عدم التقصير ليس لموضوعية للصيد ، بل من أجل عدم كونه مسير الحقّ ، أي ليس بسائغ مرخّص فيه فيكون حراماً بطبيعة الحال.
.................................................................................................
ولا بعد في الالتزام بذلك كما أشار إليه في الجواهر حيث قال : إنّ البغدادي استبعد ما لا بعد فيه ، إذ أيّ مانع من الالتزام بالتفكيك بين الصيد وغيره من سائر أقسام اللّهو ممّا قام الإجماع والسيرة بل الضرورة على جوازه بعد مساعدة النصّ ، فيبنى على استثناء هذا الفرد من سائر أقسامه (1).
ولا يبعد أن يكون السبب أنّ قتل الحيوان غير المؤذي جزافاً وبلا سبب سدّ لباب الانتفاع به للآخرين في مجال القوت أو الاتجار ، ففيه نوع من التبذير والتضييع ، فلا يقاس بسائر أنواع اللّهو.
وكيف ما كان ، فما ذكره المشهور من حرمة صيد اللّهو ودخوله في سفر المعصية هو الصحيح.
وأمّا القسم الثاني : أعني السفر الذي يتصيّد فيه لقوت نفسه وعياله ، فلا إشكال في جوازه ، ولم يستشكل فيه أحد ، بل الآية المباركة قد نطقت بجوازه صريحاً ، قال تعالى ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ ) (2).
والروايات الدالّة على ذلك كثيرة جدّاً ، مذكورة في باب الصيد والذباحة بل ربما يكون واجباً لو توقّف القوت أو الإنفاق الواجب عليه. كما لا إشكال في تقصير الصلاة فيه.
وتدلّنا على ذلك جملة من الروايات التي تستوجب ارتكاب التقييد فيما سبق من المطلقات من صحيحتي حماد وعمار بن مروان (3)وغيرهما ممّا دلّ على الإتمام في سفر الصيد ، بحملها على غير هذا النوع من الصيد جمعاً.
فمنها : موثّقة عبيد بن زرارة المتقدّمة : «عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصّر
.................................................................................................
أو يتم؟ قال : يتم ، لأنّه ليس بمسير حقّ» (1).
فانّ التعليل يخصّص كما أنّه يعمّم ، ويستفاد منه اختصاص المقام بمسير ليس بحقّ ، وأمّا الحقّ السائغ كما في المقام فيجب التقصير فيه ، وبه تقيّد تلك المطلقات.
ومنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عمّن يخرج عن أهله بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزّه الليلة والليلتين والثلاثة هل يقصّر من صلاته أو لا؟ قال : إنّما خرج في لهو ، لا يقصّر» (2)، فانّ كلمة «إنّما» تفيد الحصر ، فتدلّ على ثبوت التقصير في الصيد لغير اللّهو كما في المقام.
ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه قال : «سبعة لا يقصّرون إلى أن قال : والرجل يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا ، والمحارب الذي يقطع السبيل» (3).
فانّ الوصف وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح إلّا أنّه يدلّ على عدم تعلّق الحكم بالطبيعة المطلقة ، وإلّا لأصبح القيد لغواً ، فلا يكون مطلق الصيد موجباً للتمام ، بل خصوص اللّهوي ، ويبقى غيره تحت أصالة القصر للمسافر.
وتؤيِّده مرسلة عمران بن محمد بن عمران القمّي عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «قلت له : الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة أيقصِّر أو يتم؟ فقال : إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر وليقصّر وإن خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة» (4).
.................................................................................................
فإنّها صريحة في المطلوب ، وإن لم تصلح للاستدلال من جهة الإرسال. وبهذه النصوص يرتكب التقييد في المطلقات المتقدّمة وتحمل على غير الصيد للقوت حسبما عرفت.
وأمّا القسم الأوّل : أعني سفر الصيد للتجارة فلا إشكال في جوازه كما ظهر ممّا مرّ ، وإنّما الكلام في أنّه هل يقصّر ويفطر ، أو يتمّ ويصوم ، أو يفصّل بينهما فيتمّ الصلاة ويفطر؟ فيه وجوه :
أمّا الإتمام والصوم فلا قائل به أصلاً ، وإن كان موجوداً في الفقه الرضوي (1). ولكنّه لا يعتنى به كما سنبيِّن (2).
ولكن التفصيل منسوب إلى ثلّة من الأكابر من قدماء الأصحاب ، فقد نقله العلّامة في المختلف (3)عن الشيخ في النهاية (4)والمبسوط (5)والمفيد (6)والصدوق (7)وابن البراج (8)وابن حمزة (9)وابن إدريس (10).
1) فقه الرضا : 161.
2) في ص 118.
3) المختلف 2 : 521 / المسألة 388.
4) النهاية : 122.
5) المبسوط 1 : 136.
6) المقنعة : 349.
7) [والمقصود هنا هو علي بن بابويه].
8) المهذّب 1 : 106 [وفيه : فقد ورد أنّه يتم الصلاة ويفطر الصوم].
9) لاحظ الوسيلة : 109 [حيث قال فيها : ويلزمه التقصير في الصلاة دون الصوم].
10) السرائر 1 : 327 328.
.................................................................................................
ونَسَبَ التقصير في الصلاة والصوم إلى السيِّد المرتضى (1)وابن أبي عقيل وسلار (2)واختاره هو بنفسه ، وهو المشهور بين المتأخّرين ، فيعلم من ذلك أنّ المسألة خلافية وليست باجماعية ، وإن كان القائل بالتفصيل من القدماء أكثر هذا.
وقد نقل العلّامة في المختلف عن ابن إدريس أنّه روى أصحابنا بأجمعهم أنّه يتم الصلاة ويقصّر الصوم ، وحكى نظيره عن المبسوط وأنّه قال : إذا كان للتجارة دون الحاجة فقد روى أصحابنا أنّه يتمّ الصلاة ويفطر الصوم.
وقد تعرّض العلّامة لهذه المسألة في غير المختلف أيضاً كالتحرير (3)والمنتهى (4)ولكنّه تعرّض إليها في هذا الكتاب تفصيلاً وبنطاق أوسع.
أقول : يقع الكلام أوّلاً في أنّ ما حكاه الشيخ وابن إدريس من أنّه روى أصحابنا هل هذه رواية مرسلة كي يلتزم بحجّيتها بناءً على مسلك الجبر بالعمل أو أنّه ليست هناك رواية مرسلة أصلاً.
الظاهر هو الثاني ، لأنّ ابن إدريس أسند الرواية إلى جميع الأصحاب مصرّحاً بكلمة (بأجمعهم) وكذا الشيخ على ما يقتضيه التعبير بالجمع المضاف ، مع أنّها لم توجد في شيء من الكتب لا الحديثية ولا الاستدلالية ، حتّى أنّ الشيخ بنفسه أيضاً لم يذكرها لا في التهذيب ولا الاستبصار ولا غيرهما ، وكيف تنسب رواية إلى الكلّ وإلى جميع الأصحاب وهي لا توجد في مصدر من المصادر ولم ينقلها
.................................................................................................
ولا واحد منهم ، وهل هذا إلّا صريح الكذب المنزّهة عنه ساحتهم المقدّسة.
وعلى الجملة : لو عبّرا بمثل أنّه روي كذا ، أو وردت رواية ، أو روى بعض الأصحاب ، ونحو ذلك ، لأمكن أن يقال : إنّ هناك رواية دلّت على التفصيل بين الصلاة والصيام ولم تصل إلينا ، ولكن مع ذلك التعبير ولا سيما التأكيد بكلمة (بأجمعهم) في كلام ابن إدريس لا يمكن أن لا تروى ولا تذكر في شيء من الكتب.
فلأجل هذه القرينة القاطعة ، وكذا بعد ملاحظة المختلف يظهر أنّ الشيخ وابن إدريس استدلّا بهذه الروايات الموجودة بأيدينا ، المضبوطة في الكتب الأربعة وغيرها ، ولأجله صحّ أن يقال إنّه روى أصحابنا بأجمعهم.
وكيف ما كان ، فقد استدلّ بعدّة من الروايات :
منها : مرسلة عمران بن محمد بن عمران القمي قال «قلت له الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة يقصّر أو يتم؟ فقال : إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر وليقصّر ، وإن خرج طلب الفضول فلا ولا كرامة» (1).
يقول العلّامة (2): إنّ الشيخ (قدس سره) استدلّ بهذه الرواية على التفصيل المذكور ، نظراً إلى أنّ مفهومها انتفاء التقصير فيما إذا لم يكن خروجه لقوته وقوت عياله ، الشامل لما إذا كان للتجارة بمقتضى الإطلاق.
ولكنّه (قدس سره) لم يتعرّض للجزء الآخر من الدعوى وهو الإفطار ، بل اقتصر على إتمام الصلاة فقط.
ولا بدّ من تتميمه بأن يقال : إنّ مفهوم القضيّة الشرطية وإن كان هو انتفاء التقصير والإفطار معاً إلّا أنّ الثاني ثابت قطعاً بمقتضى الإجماع ، إذ لا قائل
.................................................................................................
بوجوب الصيام في سفر الصيد للتجارة ، فلأجله يرفع اليد عن المفهوم بالإضافة إلى الصوم ويقتصر على الصلاة.
وعليه فيصحّ أن يقول الشيخ وابن إدريس : إنّه روى أصحابنا بأجمعهم يعني في خصوص الصلاة ، للرواية الموجودة ، وأمّا الإفطار فللإجماع.
ولكن الاستدلال واضح الضعف ، أوّلاً : لإرسال الرواية.
وثانياً : أنّ مفهوم قوله (عليه السلام) : «إن خرج لقوته وقوت عياله» إلخ ، أنّ خروجه إن كان لغير القوت فلا يفطر ولا يقصّر ، وهذا مطلق يشمل الخروج للهو وللتجارة ، فليقيّد بالأوّل ويراد من الخروج للفضول هو اللّهو فقط. وبذلك قد تحفّظنا على إطلاق الجزاء ، وأخذنا بكلا الجزأين ، وراعينا الملازمة بين الصلاة والصيام وأبقيناها على حالها.
ولا بشاعة في هذا التقييد بعد أن قيّدنا إطلاقات الإتمام في سفر الصيد بما إذا لم يكن للقوت ، لأجل التعليل بعدم كونه مسير الحقّ كما مرّ.
ويشهد له في المقام قوله (عليه السلام) : «فلا ولا كرامة» إذ لا موجب لنفي الكرامة عن التجارة وهي محبوبة ومرغوب فيها وراجحة شرعاً ، بل قد تجب لو توقّف الإنفاق عليها. فهذا التعبير يكشف عن أنّ المراد خصوص صيد اللّهو كما ذكرنا ، إذن فلا دلالة في هذه الرواية على التفصيل في صيد التجارة بوجه.
فالاستدلال ضعيف جدّاً وإن صحّ قول الشيخ : إنّه روى أصحابنا ، كما عرفت ، غاية الأمر أنّه اعتقد أنّها تدلّ على التفصيل المزبور ، ولا نقول به.
ومنها : موثّقة عبيد بن زرارة المتقدّمة : «عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصّر أو يتم؟ قال (عليه السلام) : يتم ، لأنّه ليس بمسير حقّ» (1).
1) الوسائل 8 : 479 / أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 4.
.................................................................................................
وقد ادّعى العلّامة (قدس سره) (1)دلالتها على الإتمام في سفر الصيد مطلقاً ولكن خرج ما كان لأجل القوت إمّا للإجماع القطعي أو لخبر عمران القمّي المتقدّم ، فيبقى الباقي محكوماً بالتمام ومنه سفر التجارة. غير أنّه (قدس سره) ناقش بضعف السند نظراً إلى أنّ ابن بكير فطحي.
ولكن الأمر بالعكس ، فإنّها نقية السند ، لوثاقة الرجل وإن كان فطحياً فاسد المذهب ، إلّا أنّها قاصرة الدلالة ، إذ التعليل ببطلان المسير يستدعي التخصيص بصيد اللّهو المحكوم بالحرمة ، فلا تعمّ التجارة التي هي محلّ الكلام.
ومنها : رواية ابن بكير المتقدّمة أيضاً : «عن الرجل يتصيّد اليوم واليومين والثلاثة أيقصّر الصلاة؟ قال : لا إلى أن قال : فانّ التصيّد مسير باطل ...» إلخ (2)بعين التقريب المتقدّم مع جوابه ، مضافاً إلى أنّها ضعيفة السند بسهل بن زياد.
فهذه الروايات الثلاث لا يتم الاستدلال بشيء منها.
أضف إلى ذلك كلّه ما دلّ على الملازمة بين القصر والإفطار كما في صحيحة معاوية بن وهب : «إذا قصّرت أفطرت ، وإذا أفطرت قصّرت» (3)أثبتت التلازم بين الأمرين ، إلّا أن يدلّ دليل على التخصيص ، ولا دليل عليه في المقام ، لعدم نهوض رواية تدلّ على التفصيل.
نعم ، هو موجود في الفقه الرضوي كما مرّت الإشارة إليه ، فقد تعرّض لصيد التجارة في موضعين ، وذكر في أحدهما التفصيل المذكور ، وفي موضع آخر قال :
ولا فرق بين صيد البر والبحر (1) ،
إنّه يتمّ صلاته ويصوم (1).
ولكن الاستدلال به في غاية الضعف ، أوّلاً : للتدافع والتناقض في نفس الكتاب بين مورديه حسبما عرفت.
وثانياً : ما أشرنا إليه مراراً من عدم الاعتبار بهذا الكتاب بتاتاً ، إذ لم يثبت كونه رواية فضلاً عن حجّيتها.
ولا يحتمل أن يكون هذا مدركاً للقول بالتفصيل في المسألة جزماً ، كيف وقد عبّر ابن إدريس بأنّه روى أصحابنا بأجمعهم ، وكذا الشيخ كما مرّ ، ولم يجمع الأصحاب على رواية الفقه الرضوي بالضرورة ، بل إنّ الشيخ بنفسه لم يستند إليها في شيء من كتبه ، وكذا ابن إدريس وغير واحد من الأصحاب.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ الأقوى ما عليه جميع المتأخّرين وبعض المتقدّمين كالمرتضى وسلار من الحكم بالتقصير صلاة وصياماً في سفر الصيد للتجارة كالقوت ، لأنّهما مسير حقّ ، فيبقيان تحت أصالة القصر حسبما عرفت.
(1) أمّا في الصيد للقوت أو التجارة فلا إشكال فيه لإطلاق الأدلّة ، وأمّا في الصيد اللّهوي فربّما يدعى الاختصاص بالأوّل كما احتمله في الجواهر ، نظراً إلى أنّ ذلك هو المتعارف بين المترفين والأُمراء وأبناء الدنيا الذين يخرجون مع الصقور والبزاة والكلاب (2)، فيكون ذلك موجباً لانصراف النصوص إليه. فالمقتضي قاصر بالإضافة إلى صيد البحر.
كما لا فرق بعد فرض كونه سفراً بين كونه دائراً حول البلد وبين التباعد عنه (1)
ويندفع بما هو المقرّر في محلّه من أنّ التعارف الخارجي لا يستوجب الانصراف المانع عن التمسّك بالإطلاق (1).
ونصوص المقام وإن كان مورد بعضها خصوص البرّ كما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عمّن يخرج عن أهله بالصقورة والبزاة والكلاب» إلخ (2)إلّا أنّ جملة أُخرى منها مطلقة تشمل البرّ والبحر كصحيحة عمار بن مروان وموثّقة عبيد بن زرارة (3)وغيرهما. فاطلاقات النصوص محكّمة.
مضافاً إلى ما في بعضها من التعليل بأنّه ليس بمسير حقّ ، المشترك بين البرّ والبحر. فلا فرق في وجوب التمام بين الأمرين.
(1) المستند في هذا التفصيل المنسوب إلى بعض الفقهاء صحيحتان ، إحداهما : صحيحة عبد اللّه بن سنان : «عن الرجل يتصيّد ، فقال : إن كان يدور حوله فلا يقصّر ، وإن كان تجاوز الوقت فليقصر» والأُخرى : صحيحة العيص بن القاسم التي هي بنفس المضمون (4).
ولكنّه كما ترى ، فانّ المراد من الدورانِ الدورانُ حول البلد الذي لا يبلغ حدّ المسافة كما هو المتعارف كثيراً في الصيد حول البلد ، ولأجله يتمّ الصلاة ، في مقابل الشق الثاني المشار إليه بقوله : «وإن كان تجاوز الوقت» أي تجاوز الحدّ المعيّن في الشرع والميقات المضروب للسفر ، أعني المسافة المقرّرة التي هي ثمانية
وبين استمراره ثلاثة أيام وعدمه (1) على الأصح.
فراسخ ولو ملفّقة ، فيجب التقصير حينئذ.
ففي الحقيقة هاتان الروايتان تعدّان من الروايات المطلقة الدالّة على التقصير في سفر الصيد مطلقاً ، في قبال ما دلّ على التمام في هذا السفر مطلقاً (1)، فتتعارض الطائفتان على نحو التباين.
ولكن الطائفة الثالثة المفصّلة بين الصيد للقوت فيقصّر وبين الصيد لهواً فيتم (2)تكون شاهدة جمع بين الطائفتين ، وتوجب انقلاب النسبة من التباين إلى العموم المطلق ، فتحمل أخبار التمام على صيد اللّهو ، وأخبار القصر على القوت أو التجارة.
وبالجملة : لا دلالة للصحيحتين على التفصيل المزبور بوجه كما لا يخفى.
ثمّ لا يخفى أنّ المراد من تجاوز الوقت ما لو كان ذلك منوياً من لدن خروجه للصيد ، لا ما لو بلغ به السير كذلك صدفة ، للزوم المحافظة على سائر شروط القصر ، إذ لا يحتمل أن يكون حال الصائد أوسع من غيره ، إذ هو في معرض التضييق لا التوسعة كما هو ظاهر.
(1) لإطلاق الأدلّة ، نعم ورد التفصيل بينهما في خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيام ، وإذا جاوز الثلاثة لزمه» (3). ولكنّها من جهة الإرسال ولا سيما مع عدم الانجبار غير صالحة للاستدلال ، فلا يمكن رفع اليد بها عن المطلقات.
[2263] مسألة 32 : الراجع من سفر المعصية إن كان بعد التوبة يقصّر (1) وإن كان مع عدم التوبة فلا يبعد وجوب التمام عليه (1)لكون العود جزءاً من سفر المعصية ، لكن الأحوط الجمع حينئذ.
والمظنون أنّ الواسطة هو علي بن أبي حمزة البطائني قائد أبي بصير ، لأنّ الصدوق يرويها بإسناده عن أبي بصير (2)، والراوي عنه هو علي بن أبي حمزة (3)وهو ضعيف.
وكيف ما كان ، فالاعتبار في سفر الصيد من حيث القصر والتمام بكونه مسير حقّ وعدمه ، فيقصّر في الأوّل كما في القوت والتجارة ، ويتمّ في الثاني كما في اللّهو ، بلا فرق بين الثلاثة وغيرها بمقتضى إطلاق النصوص حسبما عرفت.
(1) قد يفرض انقطاع الرجوع عن الذهاب بالإقامة عشراً أو المرور على الوطن ، ولا ريب في كونه حينئذ سفراً جديداً لا يرتبط بالذهاب أبداً ، ولا بدّ معه من التقصير لو كان مسافة ، وهذا ظاهر.
وأُخرى : لا ينقطع ولا ينفصل عنه ، ولكنّه يتوب في رجوعه عمّا ارتكبه من المعصية ، ولا ريب في التقصير أيضاً ، لأنّه سفر سائغ مباح.
وثالثة : لا ينقطع ولا يتوب ، فهل يلحق الرجوع حينئذ بالذهاب في لزوم التمام نظراً إلى أنّه جزء من سفر المعصية كما في المتن ، فيلحقه حكمه بعد وحدة الموضوع عرفاً ، أو أنّه يقصّر ، أو يحتاط بالجمع؟ وجوه.
أحسنها أوسطها ، بل لا ينبغي التأمّل فيه ، لخروج العود عن سفر المعصية
[2264] مسألة 33 : إباحة السفر كما أنّها شرط في الابتداء شرط في الاستدامة أيضاً (1) ، فلو كان ابتداء سفره مباحاً فقصد المعصية في الأثناء انقطع ترخّصه ووجب عليه الإتمام وإن كان قد قطع مسافات ،
موضوعاً ، فانّ التمام قد أُنيط في لسان الروايات بسفر يكون معصية بنفسه أو بغايته ، بحيث إنّ مسيره لم يكن مسير حقّ ، وشيء من ذلك لا ينطبق على الرجوع ، إذ ليس هو بذاته معصية كما هو واضح ، ولا بغايته ، فانّ مقصده العود إلى البلد والأهل.
بل ربما تكون الغاية راجحة أو واجبة كتحصيل القوت والإنفاق على الأهل والعيال. فلا يصدق على الرجوع أنّه مسير ليس بحقّ إلّا أن يقصد به معصية أُخرى ، فيكون فرداً آخر لسفر المعصية محرّماً بنفسه أو بغايته.
وعلى الجملة : وحدة السفر خارجاً وكون الإياب جزءاً من الذهاب عرفاً لو سلّمناها لا دخل لها في صدق سفر المعصية والاتصاف بهذا العنوان الذي هو المناط في تعلّق الحكم بالتمام في لسان الروايات.
فانّ السفر الواحد يمكن أن يتبعّض حكماً لزوال العنوان واختلاف الموضوع حسبما عرفت ، فلا يصدق على الرجوع عن الصيد مثلاً أنّه طالب للصيد ، ولا أنّ مسيره ليس بحقّ إلّا أن يقصد به المعصية مستقلا ، فيكون حكمه حينئذ حكم الذهاب ، لكن لا من حيث إنّه رجوع عن سفر المعصية ، بل لأجل أنّه بنفسه سفر المعصية فلاحظ ، نعم الاحتياط بالجمع استحباباً لا بأس به ، أمّا الوجوب فلا وجه له أبداً.
(1) لوحدة المناط في الموردين بمقتضى إطلاق الأدلّة ، فتنقطع الرخصة لو عدل إلى المعصية بقاءً ، لعدم كون مسيره وقتئذ مسير حقّ ، بل يصدق عليه أنّ
.................................................................................................
سفره إلى صيد ، أو في معصية اللّه ، أو سعاية ، أو ضرر على قوم من المسلمين ونحو ذلك ممّا هو مذكور في صحيحة عمار بن مروان المتقدّمة (1). وهذا ممّا لا ريب فيه ولا إشكال.
إنّما الكلام فيما لو قطع المسافة الشرعية خارجاً بنيّة سائغة كما لو سافر إلى كربلاء سفراً مباحاً فوجب عليه القصر ، ثمّ سافر منها إلى بغداد بقصد المعصية من غير أن ينقطع السفر الثاني عن الأوّل بإقامة العشرة أو المرور على الوطن وإلّا فمع الانقطاع لا ريب في وجوب التمام في السفر الثاني ، فهل يحكم حينئذ بالقصر كما كان أوّلاً ، أو بالتمام لأنّه سفر المعصية؟
الذي يظهر من الجواهر هو عدم الخلاف في الثاني ، وأنّه يتم ، لكونه من سفر المعصية (2)كما عرفت.
ولكن استشكل فيه شيخنا الأنصاري (قدس سره) (3)واحتمل أن يكون الحكم هو القصر ، نظراً إلى أنّ سفر المعصية بالإضافة إلى التقصير من قبيل عدم المقتضي لا المقتضي للعدم ، فغايته أنّه لا يقتضي القصر ، لا أنّه يقتضي التمام كما يقتضيه الحضور في الوطن كي يكون مزيلاً للقصر الثابت سابقاً بسبب آخر ، فاذا لم يكن له إلّا عدم الاقتضاء فلا يعارض ما كان مقتضياً للقصر ولا يزاحمه بوجه.
وعلى الجملة : متى تحقّق السفر بنيّة سائغة وقطعت المسافة فقد حكم بالقصر وهو باق ما لم ينقطع بقاطع مقتض للتمام ، وليس منه سفر المعصية ، فإنّه لا يقتضيه ، كما لا يقتضي القصر أيضاً كما عرفت ، بل التمام هو مقتضى الوضع
.................................................................................................
الأوّل ، وقد خرج عنه السفر حيث ثبت القصر ، ولم ينقطع. فالواجب هو التقصير لعدم حدوث الموجب للتمام.
وهذا التقريب وإن كان له وجه في بادي الرأي ، إلّا أنّ دقيق النظر يقضي بخلافه ، لما هو المقرر في محلّه (1)من أنّ الحكم المتعلّق بعنوان تابع لفعلية ذلك العنوان حدوثاً وبقاءً كما هو الشأن في جميع القضايا الحقيقية إلّا إذا قام الدليل بالخصوص على كفاية مجرّد الحدوث في بقاء الحكم كما في الوطن الشرعي على القول به ، حيث دلّ الدليل على أنّ من سكن في مكان له فيه ملك ستّة أشهر أتمّ صلاته مهما دخله وإن أعرض عنه ، وكما في المحدود حيث لا يصلح لإمامة الجماعة ولو صار ورعاً تقياً ، فثبوت الحد آناً ما يوجب سلب هذا المنصب عنه مؤبّداً.
وحيث إنّ المفروض في المقام أنّ مطلق السفر لم يكن موضوعاً للقصر ، بل حصّة خاصّة منه ، وهو المعنون بعدم كونه سفر المعصية بمقتضى النصوص المتقدّمة (2)، فلا بدّ وأن يكون الموضوع باقياً بقيوده ليحكم عليه بالقصر ، فلو تبدّل بعضها ولو بقاءً تغيّر الحكم حتماً.
وبما أنّ السفر المباح الموجب للقصر لم يبق في المقام محتفظاً بقيوده ، بل تبدّل إلى سفر المعصية فلا جرم ينقلب حكمه إلى التمام ، لا لأجل أنّ سفر المعصية يقتضيه ليدّعى أنّه لا اقتضاء فيه ، بل لأجل زوال مقتضى القصر بقاءً بارتفاع موضوعه الموجب للعود إلى التمام ، الذي هو مقتضى الوضع الأوّل كما مرّ.
ونظير المقام ما لو قطع المسافة ثمّ اتّصف بكونه مكارياً ونحوه ممّن شغله السفر ، أو بدا له في طلب الصيد لهواً ، فإنّه يحكم عليه بقاءً بوجوب التمام بلا
ولو لم يقطع بقدر المسافة صحّ ما صلاه قصراً (1) فهو كما لو عدل عن السفر وقد صلّى قبل عدوله قصراً حيث ذكرنا سابقاً أنّه لا يجب إعادتها (1)، وأمّا
كلام ، لانتفاء الموضوع الأوّل وانقلابه بموضوع آخر.
فما ذكره الشيخ الأنصاري (قدس سره) لا يتم ، ولا يمكن المساعدة عليه بوجه ، بل الصحيح ما ذكره المشهور من الانقلاب من القصر إلى التمام حسبما عرفت.
بقي شيء : وهو أنّه لو عدل عن قصده السائغ إلى الحرام فهل ينقلب الحكم إلى التمام بمجرّد العدول المزبور ، أو لا بدّ معه من الحركة والسفر خارجاً؟
الظاهر هو الثاني ، إذ المستفاد من النصوص أنّ المحكوم بالتمام الذي يرتفع معه موضوع القصر هو من يكون سفره معصية أو غاية لمعصية ، لا مجرّد قصد المعصية ونيتها ولو لم يتلبّس بالسفر خارجاً ، والمفروض أنّ هذا المسافر بعدُ لم يسافر للمعصية ، بل هو قاصد لارتكاب المعصية ، وعليه فما دام في محلّه يجب عليه التقصير ، فاذا شرع في السفر أتمّ ، فلاحظ.
(1) كما لو عدل بعد ما جاوز حدّ الترخّص وصلّى قصراً عن نيّة السفر المباح إلى الحرام ، وقد ألحقه (قدس سره) بما لو عدل عن أصل السفر وقد صلّى قبل العدول قصراً ، حيث سبق منه (قدس سره) (2)أنّه لا تجب إعادتها.
ولكنّ الظاهر وجوب الإعادة في الموردين معاً ، فلا يتمّ الحكم لا في المقيس ولا في المقيس عليه كما مرّت الإشارة إليه (3).
.................................................................................................
فانّ الحكم بالصحّة إن كان مستنداً إلى دعوى كفاية مجرّد القصد في تحقّق القصر من غير حاجة إلى واقع المسافة كما هو الحال في الإقامة ، حيث إنّ الموجب للانقلاب من القصر إلى التمام مجرّد قصدها حتّى واقعاً ، ولا حاجة إلى إقامة عشرة أيام خارجاً ، بحيث لو بدا له فعدل أو مات فلم يقم عشرة صحّ ما أتى به حتّى في الواقع ونفس الأمر.
ففيه : أنّ هذا خلاف ظواهر نصوص المسافة جزماً ، فإنّها برمّتها تدلّ على التحديد بنفس المسافة ، وأنّه لا يقصّر إلّا في بريدين أو بريد ذاهباً وبريد جائياً (1)، فالموضوع هو نفس البريدين لا قصدهما ، فلا يقاس المقام بقصد الإقامة الذي قام النصّ الخاصّ بكفاية مجرّد القصد في ذلك الباب.
نعم ، استفدنا من قوله (عليه السلام) في موثقة عمّار المتقدّمة : «لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ» (2)لزوم القصد أيضاً من الأوّل ، فكان كلّ من القصد وثمانية فراسخ جزء الموضوع وكلاهما تمام الموضوع وأمّا الاكتفاء بالقصد المجرّد من غير ضمّ المسافة كما كان كذلك في باب الإقامة فتأباه نصوص المقام جدّاً كما عرفت.
وإن كان مستنداً إلى صحيحة زرارة المتضمّنة لعدم الإعادة في من صلّى قصراً قبل العدول ، التي تقدّمت سابقاً (3).
ففيه : مضافاً إلى معارضتها بصحيحة أبي ولاد فلا يتم الحكم في المقيس عليه كما تقدّم في محلّه (4)، أنّه لو سلّم فالحكم مخصوص بمورده ، وهو العدول عن أصل السفر ، فلا وجه للتعدِّي عنه إلى المقام أعني العدول عن المباح إلى
لو كان ابتداء سفره معصية فعدل في الأثناء إلى الطاعة (1) فإن كان الباقي مسافة فلا إشكال في القصر وإن كانت ملفّقة من الذهاب والإياب ، بل وإن لم يكن الذهاب أربعة على الأقوى (1)وأمّا إذا لم يكن مسافة ولو ملفّقة فالأحوط الجمع بين القصر والتمام ، وإن كان الأقوى القصر (2)بعد كون مجموع ما نواه بقدر المسافة ولو ملفّقة فإنّ المدار على حال العصيان والطاعة ، فما دام عاصياً يتم ، وما دام مُطيعاً يقصّر ، من غير نظر إلى كون البقيّة مسافة أو لا.
الحرام ، فإنّه يحتاج إلى القطع بعدم الفرق ، وعهدته على مدّعيه. فالأظهر في الموردين لزوم الإعادة تماماً.
(1) لا إشكال في لزوم التقصير حينئذ فيما إذا كان الباقي مسافة ولو ملفّقة لأنّه بحياله موضوع مستقلّ للقصر ، نعم يعتبر في التلفيق أن لا يكون الذهاب أقل من أربعة على خلاف خيرة الماتن من الاكتفاء به مطلقاً كما تقدّم في محلّه (3).
وأمّا إذا لم يكن بنفسه مسافة ولو ملفّقة بعد أن كان مجموع ما نواه بقدر المسافة كما هو المفروض ، فقد ذكر في المتن أنّ الأقوى حينئذ هو القصر أيضاً.
وكأنّه مبني على أنّ التقييد بالإباحة المستفاد من نصوص الباب (4)راجع إلى إطلاق الحكم بالترخّص واختصاصه بغير سفر المعصية مع بقاء الموضوع
.................................................................................................
بحاله ، فهو مسافر يجب عليه التمام حال العصيان ، كما يجب القصر حال الطاعة وليس قصد المعصية كالمرور على الوطن أو كقصد الإقامة قاطعاً للموضوع وروداً أو حكومة ، بل هو كقصد الإطاعة من حالات المسافر وعوارضه ، فما دام عاصياً يتم ، وما دام مطيعاً يقصّر ، فلأجله لا ينظر إلى كمّية الباقي بعد فرض تحقّق الموضوع وكون المجموع مسافة في كلتا الحالتين.
ولكنّه كما ترى ، لما هو المقرّر في الأُصول (1)من أنّ تخصيص العام يرجع لدى التحليل إلى تقييد الموضوع ، نظراً إلى استحالة الإهمال في الواقعيات ، فامّا أن يكون الموضوع الذي ثبت له الحكم مطلقاً أو مقيّداً ، وحيث لا سبيل إلى الأوّل لعدم اجتماعه مع التخصيص ، فلا جرم يتعيّن الثاني. وهذا من غير فرق فيه بين المخصّصات المتصلة أو المنفصلة ، وإن كان الأوّل أوضح حالاً كما لا يخفى.
والمخصّص في المقام مضافاً إلى وروده في أدلّة منفصلة قد ورد متّصلاً بالعام أيضاً ، وهو قوله (عليه السلام) في صحيحة عمّار بن مروان المتقدّمة : «من سافر قصّر وأفطر إلّا أن يكون رجلاً سفره إلى صيد أو في معصية اللّه ...» إلخ (2).
والمتحصّل بعد ملاحظة التخصيص : أنّ الموضوع للحكم بالتقصير هو حصّة خاصّة من المسافر ، وهو المسافر في غير معصية اللّه ، دون الطبيعي على سعته وإطلاقه ، فلا بدّ من ملاحظة المسافة في خصوص هذا الموضوع دون غيره ولأجله [لا] ينضمّ الباقي بما سبقه ممّا صرفه في معصية اللّه ، لخروجه عن موضوع الحكم ، هذا.
ولو تنازلنا عمّا ذكر والتزمنا بما ادّعاه بعض الأكابر من عدم استلزام التخصيص تقيّد الموضوع وتعنونه وجواز مراعاته مهملاً ، فتكفينا في المقام
.................................................................................................
القاعدة الكلّية التي أسلفناك غير مرّة (1)وتمسّكنا بها في غير مورد ، واستفدناها من غير واحد من النصوص من أنّ كلّ من كان محكوماً بالتمام لا تنقلب وظيفته إلى القصر إلّا إذا قصد المسافة الشرعية ولو ملفّقة ، المفقود فيما نحن فيه ، لفرض عدم قصدها بعد العود إلى الطاعة والحكم عليه بالتمام.
والظاهر أنّ المسألة متسالم عليها بين الفقهاء ، والقول بالقصر وضمّ الباقي بما سبق ممّا تفرّد به الماتن (قدس سره).
بقي شيء : وهو أنّه لو كان ابتداء سفره مباحاً ثمّ عدل في الأثناء إلى المعصية فانقلب الحكم إلى التمام حسبما عرفت انقلاباً واقعياً أو ظاهرياً ، وأخيراً عاد إلى الطاعة ولم يكن الباقي مسافة ، فهل ينضمّ إلى الماضي أعني المسافة الأُولى ويستثنى المتخلّل ، فيحكم بالقصر إذا كان المجموع مسافة؟.
ذهب بعضهم إلى الانضمام ، والمشهور عدمه ، وهو الأظهر لوجهين :
الأوّل : ما ورد في موثّقة عمار من قوله (عليه السلام) : «لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ» (2)الظاهر في لزوم كون الثمانية مقصودة من لدن خروجه من المنزل ، ولأجله اعتبرنا الاتصال والاستمرار كما تقدّم (3)، وهو مفقود فيما نحن فيه.
الثاني : الكبرى الكلّية المشار إليها آنفاً من أنّ كلّ من حكم عليه بالتمام كما في المقام لا بدّ في قلبه إلى القصر من قصد مسافة جديدة ، فما لم يقصدها يبقى على التمام ، ولأجله لا ينضم الباقي بما سبق.
[2265] مسألة 34 : لو كانت غاية السفر ملفّقة من الطّاعة والمعصية (1) فمع استقلال داعي المعصية لا إشكال في وجوب التمام ، سواء كان داعي الطاعة أيضاً مستقلا أو تبعاً ، وأمّا إذا كان داعي الطاعة مستقلا وداعي المعصية تبعاً ، أو كان بالاشتراك ففي المسألة وجوه (1)، والأحوط الجمع ، وإن كان لا يبعد وجوب التمام خصوصاً في صورة الاشتراك بحيث لولا اجتماعهما لا يسافر.
(1) لا كلام في وجوب التمام مع استقلال داعي العصيان ، سواء أكان داعي الطاعة أيضاً مستقلا أم أنّه كان تبعاً ، ضرورة صدق سفر المعصية على التقديرين وهذا واضح.
وأمّا لو انعكس الأمر فكان قصد المعصية تبعاً ، بحيث لم يكن له أثر في توليد الداعي إلى السفر في نفس المسافر ، وإنّما يقع في سفره من باب الصدفة والاتفاق كالكذب والسبّ والغيبة والنميمة وشرب الخمر ونحوها ممّا يقع في الطريق أو المقصد ، وكان موجباً لتأكّد الداعي وتقويته لا في أصل تحقّقه.
أو كان لكلّ من القصدين دخل في تحقّق الداعي في نفس المسافر على سبيل الاشتراك ، بحيث لم يكن كلّ منهما داعياً مستقلا لو كان منعزلاً عن الآخر ، فهل يقصّر في هاتين الصورتين ، أو يتمّ ، أو يفصّل بينهما؟
الظاهر هو التفصيل ، فيقصّر في الصورة الأُولى ، لعدم صدق سفر المعصية لا بنفسه ولا بغايته على ما يصدر من العاصي في الأسفار من باب التصادف
1) (*) أظهرها التفصيل بين التبعيّة والاشتراك ، فيقصّر في الأوّل دون الثاني ، لأنّه ليس بمسير حق.
[2266] مسألة 35 : إذا شكّ في كون السّفر معصية أو لا (1) مع كون الشبهة موضوعية فالأصل الإباحة إلّا إذا كانت الحالة السابقة هي الحرمة
والاتفاق ممّا لا يكون مقصوداً إلّا تبعاً.
وعلى تقدير الشكّ فبما أنّ المخصّص منفصل وإن كان المتصل أيضاً موجوداً كما في صحيحة عمار بن مروان (1)فيقتصر فيه على المقدار المتيقّن ، وهو ما لا يكون داعي العصيان تابعا.
وأمّا في الصورة الثانية فالواجب هو التمام ، نظراً إلى أنّ الغاية وإن لم يصدق عليها أنّها محرّمة بقول مطلق ، لفرض تركّبها من الطاعة والمعصية على سبيل الاشتراك ، ولأجل ذلك لو كنّا نحن وصحيحة عمار لأمكن أن يقال بقصورها عن شمول الفرض ، إذ لا يصدق عليه ما ورد فيها من قوله (عليه السلام) : «... أو في معصية اللّه» فيرجع إلى عمومات القصر ، للشكّ في التخصيص الزائد ، إلّا أنّ موثّقة عبيد بن زرارة (2)كافية في الدلالة على لزوم التمام في المقام ، لإناطته فيها بصدق أنّه ليس بمسير حقّ ، الصادق فيما نحن فيه جزماً.
وعلى الجملة : الغاية المشتركة وإن لم تكن محرّمة إلّا أنّها ليست بمحلّلة أيضاً ولا مصداقاً للمسير الحقّ ، فلا مناص من الحكم بالتمام.
(1) أمّا إذا كانت الشبهة حكمية فاللّازم هو الفحص والنظر في الأدلّة إن كان مجتهداً ، والرجوع إليه إن كان مقلّداً ، فيجب فيها التقليد أو الاجتهاد أو الاحتياط حسبما تقتضيه الوظيفة.
أو كان هناك أصل موضوعي كما إذا كانت الحلّية مشروطة بأمر وجودي كإذن المولى وكان مسبوقاً بالعدم ، أو كان الشكّ في الإباحة والعدم من جهة الشكّ في حرمة الغاية وعدمها وكان الأصل فيها الحرمة.
[2267] مسألة 36 : هل المدار في الحلّية والحرمة على الواقع أو الاعتقاد أو الظاهر من جهة الأُصول؟ إشكال (1) ، فلو اعتقد كون السفر حراماً بتخيّل أنّ الغاية محرّمة فبان خلافه ، كما إذا سافر لقتل شخص بتخيّل أنّه محقون الدم فبان كونه مهدور الدم ، فهل يجب عليه إعادة ما صلاه تماماً أو لا؟
وأمّا إذا كانت موضوعية فالمرجع أصالة الحلّ ، من غير خلاف فيه حتّى من الأخباريين القائلين بوجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية التحريمية ، إلّا إذا كان هناك أصل موضوعي حاكم على أصالة الإباحة ، كأصالة عدم الإذن ممّن يعتبر إذنه كالمولى أو الزوج أو المالك ونحو ذلك بعد أن كان مسبوقاً بالعدم ، أو كانت الحالة السابقة هي الحرمة فيكون استصحابها حاكماً على أصالة الإباحة.
وعلى الجملة : مقتضى القاعدة الأوّلية في الشبهات الموضوعية هي الحلّية استناداً إلى أصالة الإباحة ما لم يوجد دليل حاكم عليها.
(1) الظاهر دوران وجوب التمام مدار الحرمة الواقعية المنجّزة ، فلا يكفي مجرّد الثبوت في الواقع قبل بلوغه إلى المكلّف وتنجّزه عليه ، كما لا يكفي مجرّد الاعتقاد أو الظاهر المستند إلى الأصل مع مخالفته للواقع ، بل لا بدّ من اجتماع الأمرين معاً ، وبفقد أحدهما ينتفي التمام ويثبت القصر.
وتوضيحه : أنّ المسافر تارة يعتقد الحرمة أو الحلّية ويكون اعتقاده مطابقاً للواقع ، ولا إشكال في المسألة حينئذ ، وأنّه يتمّ في الأوّل ويقصّر في الثاني.
وأُخرى : يكون مخالفاً ، وله صورتان :
ولو لم يصلّ وصارت قضاءً فهل يقضيها قصراً أو تماماً؟ وجهان ، والأحوط الجمع ، وإن كان لا يبعد كون المدار على الواقع إذا لم نقل بحرمة التجرّي وعلى الاعتقاد إن قلنا بها ، وكذا لو كان مقتضى الأصل العملي الحرمة وكان الواقع خلافه أو العكس فهل المناط ما هو في الواقع أو مقتضى الأصل بعد كشف الخلاف؟ وجهان (1)والأحوط الجمع ، وإن كان لا يبعد كون المناط هو الظاهر الذي اقتضاه الأصل إباحة أو حرمة.
الاولى : أن يكون السفر حراماً في الواقع ويعتقد جوازه ، إمّا بنفسه كما لو كان السفر منهياً من قبل الأب أو الزوج ولم يعلم به الولد أو الزوجة ، أو بغايته كما لو سافر لتزويج امرأة هي رضيعته أو ذات بعل ، أو لقتل شخص محقون الدم وهو لا يعلم.
والواجب حينئذ هو القصر ، لعدم اتصاف سفره بالباطل ، أو بكونه في معصية اللّه ، لا بنفسه ولا بغايته بعد عدم تنجّز الواقع في حقّه ، بل هو مسير حقّ قد رخّص فيه الشرع والعقل. ومجرّد اتصافه بالحرمة الواقعية لا يوجب صدق المعصية ولا سلب اسم مسير الحقّ عنه ، كما أنّ ارتكاب الحرام الواقعي لا يستوجب زوال العدالة بوجه.
وعليه فدليل الإتمام قاصر الشمول للمقام ، ولا أقلّ من انصرافه عنه وانسباق الحرمة المنجّزة من دليل الإتمام في سفر المعصية.
1) (*) وأوجه منهما إناطة وجوب التمام بثبوت الحرمة في الواقع وتنجّزها على المكلّف ، نعم إذا كانت الغاية محرّمة ولم تتحقّق في الخارج ولو بغير اختيار المكلّف أتمّ صلاته بلا إشكال.
.................................................................................................
ومع التنزّل فلا أقلّ من الشكّ في الشمول ، فيقتصر في المخصّص المنفصل على المقدار المتيقّن ، ويرجع فيما عداه إلى عمومات الترخّص لكلّ مسافر.
الصورة الثانية : عكس ذلك ، بأن يكون السفر حلالاً في الواقع حراماً في الاعتقاد أو بحسب الحكم الظاهري ، إمّا بنفسه كما لو اعتقد الولد أو الزوجة نهي الوالد أو الزوج أو كان مستصحباً ثمّ بان الخلاف ، أو بغايته كما لو سافر لقتل شخص بتخيّل أنّه محقون الدم فبان كونه مهدور الدم ، أو سافر للتزويج بمن يعتقد أنّها ذات بعل فبان أنّها خلية ونحو ذلك من الأمثلة.
والظاهر وجوب القصر هنا أيضاً ، لأنّ الحرمة المزعومة خيالية صرفة لا واقع لها ، فلم يكن السفر سفر المعصية ولا المسير مسيراً باطلاً ، فانّ الخيال والاعتقاد أو الحكم الظاهري المنكشف خلافه لا يغيّر الواقع ، ولا يوجب قلبه عمّا هو عليه. فهو سفر حقّ وإن جهل به المسافر ، إلّا إذا بنينا على حرمة التجرّي شرعاً فيجب التمام حينئذ ، لصدق أنّ السفر في معصية اللّه ولو بالعنوان الثانوي.
ولكن المبنى فاسد جزماً كما هو محرّر في الأُصول (1)، فإنّ التجرّي لا يكشف إلّا عن سوء النيّة وخُبث السريرة ، وهذا لا يستوجب إلّا اللّوم والذّم واستحقاق العقاب عقلاً دون الحرمة شرعاً ، فلا يكون من العناوين الثانوية بوجه.
وعليه فأدلّة التمام قاصرة الشمول للمقام ولو انصرافاً ، ولا أقلّ من الشكّ في الشمول ، فيرجع إلى إطلاقات القصر. وعلى هذا فلو صلّى تماماً جرياً على اعتقاده ثمّ انكشف الخلاف في الوقت أو في خارجه وجبت عليه الإعادة أو القضاء قصراً. كما أنّه لا تجب إعادة ما صلاه قصراً في الصورة الأُولى ، لكون القصر هي الوظيفة الواقعية في كلتا الصورتين حسبما عرفت.
فتحصّل : أنّ إتمام الصلاة يتوقّف على أمرين : ثبوت الحرمة الواقعية للسفر
1) مصباح الأُصول 2 : 19 وما بعدها.
[2268] مسألة 37 : إذا كانت الغاية المحرّمة في أثناء الطريق لكن كان السفر إليها مستلزماً لقطع مقدار آخر من المسافة فالظاهر أنّ المجموع يعدّ (1)من سفر المعصية بخلاف ما إذا لم يستلزم (1).
وكون الحرمة منجّزة عليه ، فاذا تخلّف أحدهما وجب القصر.
هذا كلّه فيما إذا كان التخلّف في عنوان المقصود ، بأن اعتقد حرمته وهو في الواقع مباح ، أو بالعكس.
وأمّا لو كان المقصود حراماً واقعاً وظاهراً ، اعتقاداً ومعتقداً ، ولكنّه لم يتحقّق خارجاً لمانع ولو بغير اختيار المكلّف ، كما لو سافر لشرب الخمر أو لقتل النفس ولم يُهيأ له ، أو لعدم المقتضي كما لو ندم وتاب ، فهو خارج عن محلّ الكلام ، ولا إشكال حينئذ في وجوب التمام ، لأنّ العبرة بقصد الحرام الواقعي المنجّز ، وقد سافر بهذا القصد حسب الفرض ، فالسفر سفر في معصية اللّه ، لانبعاثه عن ذلك القصد وإن لم تتحقّق نفس المعصية خارجاً ، فانّ الاعتبار بالقصد دون المقصود وكم فرق بين الموردين فلاحظ وتدبّر.
(1) لا يخفى أنّ قطع مقدار آخر من المسافة زائداً على ما فيه الغاية المحرّمة الواقعة في أثناء الطريق يتصوّر على نحوين :
فتارة يكون السفر الزائد مقدّمة للمعصية كما لو أراد السفر من النجف إلى المحمودية لارتكاب محرّم هناك ، ولكن الوسائط النقلية تحمله أوّلاً إلى بغداد ثمّ إلى المحمودية ، بحيث لا يمكنه الوقوف فيها ابتداءً ، بل لا بدّ من المضيّ عنها ثمّ العودة إليها ، فتلك القطعة الزائدة مقدّمة للوصول إلى الحرام ، فتكون من سفر المعصية بلا كلام ، ولا ريب حينئذ في وجوب التمام.
1) (*) بل الظاهر خلافه ، فلا يجري عليه حكم سفر المعصية.
[2269] مسألة 38 : السفر بقصد مجرّد التنزّه ليس بحرام ولا يوجب التمام (1).
والظاهر أنّ الماتن لا يريد هذه الصورة ، لوضوحها وعدم قبولها للنزاع بعد دخولها في سفر المعصية حسبما عرفت.
وأُخرى لا يكون السفر الزائد مقدّمة للحرام ، ولكنّه يستلزمه خارجاً كما لو سافر إلى لبنان لمعصية ولكنّ البقاء فيه يستلزم سفراً آخر إمّا لجريان العادة أو لضغط من قبل الحكومة ونحو ذلك ، بحيث لا يمكن التخلّف عنه.
وهذا هو مراد الماتن (قدس سره) في مفروض المسألة ، فهل يتم في السفر اللّازم أيضاً أو أنّه يقصر؟ حكم الماتن (قدس سره) بالتمام ، لوحدة السفر وعدّ اللّازم جزءاً من سفر المعصية ، فهو نظير ما تقدّم منه (قدس سره) سابقاً (1)من الحكم بالإتمام لدى الرجوع عن سفر المعصية ، لكون العود من متمّمات السفر وأجزائه.
ولكن الظاهر هو القصر ، لانفصال أحد السفرين عن الآخر ، ولكلّ حكمه ولا عبرة بالوحدة المسامحية العرفية ، فإنّ موضوع التمام ما كان معصية بنفسه أو بغايته لا بلازمه ، وهذا اللّازم كالرجوع مسير حقّ لا باطل ، فلا تشمله تلك الأدلّة ، ومع الشكّ في التخصيص الزائد فالمرجع عمومات القصر.
(1) لإطلاقات أدلّة القصر بعد أن كان السفر سائغاً ، والحكم مورد للإجماع والتسالم ، بل السيرة القطعية كما في الجواهر (2)، وهو ظاهر لا غبار عليه.
[2270] مسألة 39 : إذا نذر أن يتم الصلاة في يوم معيّن أو يصوم يوماً معيّناً وجب عليه الإقامة. ولو سافر وجب عليه القصر على ما مرّ من أنّ السفر المستلزم لترك واجب لا يوجب التمام إلّا إذا كان بقصد التوصّل (1)إلى ترك الواجب ، والأحوط الجمع (1).
(1) فرّع (قدس سره) هذه المسألة على ما تقدّم في المسألة السابعة والعشرين المتضمّنة للمضادّة بين السفر وبين الإتيان بواجب آخر ، وجعلهما من واد واحد وأنّه إذا كان بقصد التوصّل إلى ترك الواجب كان من سفر المعصية ووجب التمام وإلّا فلا.
وينبغي التكلّم في جهات :
الاولى : لو نذر الصيام أو إتمام الصلاة في يوم معيّن ، فهل تجب عليه الإقامة لو كان مسافراً ولا يسوغ السفر لو كان حاضراً كي يتمكّن من أداء الواجب والوفاء بالنذر؟
مقتضى القاعدة ذلك ، لحكومة العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المنجّز المتوقف على ما ذكر بمقتضى المقدمية ، إلا أنّ النص الخاص قد ورد بخلاف ذلك في الصيام خاصة ، ولأجله يفرق بينه وبين الصلاة ، وهي صحيحة علي بن مهزيار قال : «كتبت إليه يعني إلى أبي الحسن (عليه السلام) يا سيِّدي رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي ، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيام التشريق أو سفر أو مرض ، هل عليه صوم ذلك اليوم أو
1) (*) هذا إنّما يصحّ في غير مفروض المسألة ، وأمّا فيه فالسفر ولو بقصد التوصّل إلى ترك المنذور لا يوجب التمام ، ويظهر وجه ذلك بالتأمّل ، هذا في الصلاة ، وأمّا في الصوم فبما أنّه يجوز السفر فيه اختياراً فلا يكون معصية.
.................................................................................................
قضاؤه وكيف يصنع يا سيِّدي؟ فكتب إليه : قد وضع اللّه عنه الصيام في هذه الأيام كلّها ، ويصوم يوماً بدل يوم إن شاء اللّه ...» إلخ (1).
فيظهر منها أنّ الصوم المنذور لا يزيد على صيام شهر رمضان في جواز السفر ولو بقصد الفرار ، وعدم وجوب الإقامة ، لأنّ اللّه تعالى قد وضع الصيام في هذه الأيام ، غايته أنّه يقضي يوماً بدل يوم.
ولو لا التعرّض فيها للقضاء لالتزمنا بانحلال النذر ، لانكشاف بطلانه فيما لو صادف أيام العيد ونحوه ممّا لا يشرع فيه الصوم ، فلا فوت ليجب القضاء ، إلّا أنّها صريحة في ذلك ، فيجب الالتزام به تعبّداً.
وكيف ما كان ، ففي نذر الصوم المعيّن يجوز السفر ، ولا تجب الإقامة بمقتضى هذه الصحيحة.
وأمّا الصلاة فحيث لم يرد فيها مثل هذا النصّ فلا بدّ من الجري فيها على مقتضى القواعد حسبما عرفت.
الجهة الثانية : هل النذر المتعلّق بإتمام الصلاة في يوم معيّن المتوقّف على عدم السفر كما مرّ يندرج في كبرى المسألة المتقدّمة ، أعني السفر المستلزم لترك واجب ويتفرّع عليها ، كي يجري عليه حكمها من وجوب التمام إذا كان بقصد التوصّل إلى ترك الواجب وإلّا فالقصر كما اختاره في المتن ، أو لا يندرج؟
قد يُقال بالثاني ، نظراً إلى أنّ موضوع البحث في تلك المسألة إنّما هو الاستلزام الناشئ من التضاد الذاتي بين فعل الواجب والسفر ، لا الناشئ من مقدّمية ترك السفر للواجب كما في المقام ، حيث إنّ ترك السفر مقدّمة شرعاً للإتمام ، لكونه مشروطاً به ، ولأجله ينحلّ النذر إليه ، ويكون مرجع النذر المتعلِّق بإتمام الصلاة إلى نذر ترك السفر والإتيان بالصلاة التامّة ، فينحلّ النذر إلى نذرين ، فلو خالف
1) الوسائل 23 : 310 / كتاب النذر والعهد ب 10 ح 1.
.................................................................................................
وسافر كان السفر بنفسه معصية يجب فيه التمام وإن أنكرنا قضيّة الاستلزام في تلك المسألة.
ويندفع بما هو المقرّر في محلّه (1)من عدم وجوب المقدّمة شرعاً وإن لزم الإتيان بها عقلاً من باب اللابدية ، فليس في البين إلّا وجوب واحد متعلّق بذيها ، أعني الذات المقيّدة وهي الصّلاة التامّة المشروطة بترك السفر ، وأمّا نفس القيد والشرط فلم يتعلّق به وجوب آخر ليحرم السفر ويندرج في سفر المعصية.
وانحلال النذر إلى النذرين غير قابل للتصديق فيما نحن فيه ، كيف ولازمه تعدّد الكفارة بترك الواجب المنذور ومقدّمته ، لتكرر الحنث ، وهو كما ترى. فنذر الإتيان بالصلاة لا ينحلّ إلى نذرها ونذر الوضوء المشروط به ، وليس في مخالفته إلّا كفارة واحدة بالضرورة ، كما ليس إلّا عقاب واحد ، فانّ الدخيل في النذر إنّما هو التقيّد لا ذات القيد. ولأجله لم يكن إلّا مخالفة واحدة ، وهي لا تستتبع إلّا كفارة واحدة وعقاباً واحداً كما عرفت.
إذن فترك السفر لا يكون متعلّقاً للنذر ليكون فعله محرّماً ، بل هو داخل في كبرى الاستلزام كما أثبته في المتن.
الجهة الثالثة : لو بنينا في تلك المسألة أعني مسألة استلزام السفر لترك الواجب على وجوب التمام ولو في خصوص ما قصد به الفرار عن أداء الواجب كما اختاره الماتن وقوّيناه ، فهل نقول به في المقام أيضاً؟
الظاهر هو العدم ، فيقصّر في المقام حتّى لو سافر بقصد مخالفة النذر ، لامتناع التمام ، إذ يلزم من وجوده عدمه ، ضرورة أنّه لو أتمّ من جهة كونه سفر المعصية فبالإتمام قد وفى بالنذر ، ومع الوفاء لا عصيان ، فلا موضوع للإتمام.
وبعبارة اخرى : لو أتمّ لم يخالف نذره ، وإذا لم يخالف لم يتّصف سفره بالمعصية
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 438.
[2271] مسألة 40 : إذا كان سفره مباحاً لكن يقصد الغاية المحرّمة في حواشي الجادّة فيخرج عنها لمحرّم ويرجع إلى الجادّة (1) فإن كان السفر لهذا الغرض كان محرّماً موجباً للتمام ، وإن لم يكن كذلك وإنّما يعرض له قصد ذلك في الأثناء فما دام خارجاً عن الجادّة يتمّ وما دام عليها يقصر (1)، كما أنّه إذا
وإذا لم يكن سفره معصية فلا يجب فيه التمام لانتفاء الموضوع ، فيلزم من شمول دليل التمام للمقام عدم الشمول.
أو فقل يلزم من فرض المخالفة عدمها ، وهو أمر غير معقول ، ولأجله يستحيل شمول أدلّة التمام للمقام ، فيبقى تحت إطلاقات القصر وإن كان عاصياً بسفره ويكون ذلك تخصيصاً في أدلّة التمام في سفر المعصية.
ومن هذا القبيل ما لو سافر لغاية محرّمة وهي إتمام الصلاة في السفر تشريعاً فانّ هذا وإن كان سفر معصية إلّا أنّه لا يمكن أن يشمله دليل الإتمام ، لعين المحذور المزبور ، إذ يلزم من الإتمام عدم التشريع ، ومن عدمه انتفاء المعصية وبانتفائها ينتفي التمام ، لوجوب القصر في السفر المباح.
وعلى الجملة : ففي كلّ مورد يلزم من فرض شمول الدليل عدم الشمول يستحيل الشمول ، وعليه فأدلّة التمام لا يعقل شمولها لأمثال المقام ، بل تبقى تحت إطلاقات القصر حسبما عرفت.
(1) لا ريب في وجوب التمام فيما لو كان السفر لأجل هذه الغاية ، لكونه من سفر المعصية كما ذكره (قدس سره) وهذا واضح ، وأمّا لو عرض القصد المزبور في الأثناء فعزم بعد ما قطع شطراً من الطريق على الخروج من الجادّة لغاية محرّمة.
1) (*) بشرط أن يكون الباقي بعد المحرّم مسافة كما تقدّم.
كان السفر لغاية محرّمة وفي أثنائه يخرج عن الجادّة ويقطع المسافة أو أقلّ (1)لغرض آخر صحيح يقصّر ما دام خارجاً ، والأحوط الجمع في الصورتين.
فان كان الخروج قليلاً جدّاً بحيث لا ينقطع به عرفاً نفس السير الأوّل المباح كما لو عاداه شخص أثناء الطريق فنزل ليقتله ومشى لذلك خطوات خارج الجادة ، أو نزل في قرية ثمّ خرج إلى المواضع التي حولها ليسرق متاعاً أو يشرب ماءً غصباً ، أو خرج إلى بستان خارج القرية بغير إذن أهله ، ونحو ذلك من السير اليسير الذي لا يعتنى به ولا يضرّ بصدق كونه في سفر مباح ، فلا ريب في بقائه على التقصير خروجاً ورجوعاً كما هو ظاهر ، وهو خارج عن محلّ الكلام.
وأمّا إذا كان الخروج عن الجادة بمقدار يعدّ عرفاً جزءاً من السفر وقطعة من المسافة المحدودة فقد ذكر في المتن أنّه يتم ما دام خارجاً عن الجادة ، ويقصّر ما دام عليها.
وقد مرّ نظيره في المسألة الثالثة والثلاثين من جعل المدار في القصر والتمام على حال الطاعة والعصيان ، بناءً منه (قدس سره) على أنّ الإباحة قيد في الحكم بالترخّص لا في السفر الذي جعل موضوعاً له. وقد عرفت ما فيه وأنّه لا مناص من رجوعه إلى الموضوع.
وعليه فالحكم بالإتمام لدى خروجه عن الجادّة واضح ، لكونه من سفر المعصية وقتئذ.
وأمّا العود إلى القصر بعد رجوعه إلى الجادة فيتوقّف على كون الباقي مسافة ولو ملفّقة ، للقاعدة الكلّية التي أسلفناك غير مرّة من أنّ من حكم عليه بالتمام لا يعود إلى القصر إلّا مع قصد المسافة على ما يستفاد ذلك من مثل قوله : في
1) (*) تقدّم عدم التقصير فيما إذا كان الحلال أقل من المسافة.
[2272] مسألة 41 : إذا قصد مكاناً لغاية محرّمة فبعد الوصول إلى المقصد قبل حصول الغرض يتمّ (1) وأمّا بعده فحاله حال العود عن سفر المعصية (1)في أنّه لو تاب يقصّر ،
كم التقصير؟ قال (عليه السلام) : في بريدين (2)بالتقريب المتقدّم في محلّه (3).
ومنه يظهر الحال في عكس ذلك أعني الفرض الثاني ، وهو ما لو كان السفر لغاية محرّمة وفي الأثناء يخرج عن الجادة لغاية مباحة ، كما لو سافر إلى بغداد بنيّة فاسدة وفي الأثناء ذهب إلى زيارة الحسين (عليه السلام) ثمّ عاد إلى الجادّة فقد ذكر في المتن أنّه يقصّر حينئذ ما دام خارجاً ، سواء قطع المسافة أم الأقل منها.
أمّا في الأقل فهو مبني على ما سبق من رجوع القيد إلى الحكم ، وكفاية كون المجموع مسافة ، وقد عرفت ما فيه. فلا تقصير فيما إذا كان الحلال أقل من المسافة.
وأمّا في قطع المسافة فلا ريب في القصر ، لأنّه قصد لسفر مباح ، ولكنّه يختصّ بما إذا كان الخروج بنفسه مسافة لا بضميمة الرجوع ، فلا يكفي التلفيق في المقام إذ هو في رجوعه يقصد الوصول إلى الغاية المحرّمة التي كان قصدها من الأوّل فهذا الرجوع بنفسه سفر المعصية ، ولأجله يسقط عن صلاحية الانضمام.
(1) من سافر إلى محلّ لغاية محرّمة فلا يخلو بعد الوصول إمّا أنّه ارتكبها أو أنّه بعدُ لم يرتكب.
ولو لم يتب يمكن القول بوجوب التمام لعدّ المجموع سفراً واحداً ، والأحوط الجمع هنا وإن قلنا بوجوب القصر في العود ، بدعوى عدم عدّه مسافراً قبل أن يشرع في العود.
لا إشكال في البقاء على التمام في الثاني ، لصدق سفر المعصية ما لم ينته منها وقبل حصولها ، وهذا واضح.
وأمّا في الأوّل فقد مرّ (1)حكمه من حيث الرجوع وأنّه يقصّر إمّا مطلقاً أو في خصوص ما لو تاب على الخلاف المتقدّم.
وأمّا حال البقاء فهل هو ملحق بالعود لانتهاء سفر المعصية بانتهائها فيقصّر لو تاب ، وإلّا فيتم ، لعدّ المجموع سفراً واحداً كما ذكره في المتن ، أو أنّه يبقى على التمام ما لم يشرع في العود؟
الظاهر هو الثاني ، سواء أتاب أم لم يتب ، لما تقدّم (2)من القاعدة الكلّية من أنّ من حكم عليه بالتمام لا ينقلب إلى القصر ما لم يقصد مسافة جديدة.
وما ذكره في المتن مبني على ما سلكه من رجوع شرطية الإباحة إلى الحكم فموضوع القصر محقّق لكن الحكم منوط بحال الطاعة ، وبعد الفراغ عن الحرام تعود هذه الحالة فيعود القصر.
وقد عرفت (3)ضعفه وأنّ الإباحة شرط للموضوع نفسه ، فالمسافة التي قطعها حال المعصية لا أثر لها ، بل لا بدّ من استئناف قصد مسافة جديدة والتلبّس
[2273] مسألة 42 : إذا كان السفر لغاية لكن عرض في أثناء الطريق قطع مقدار من المسافة لغرض محرّم منضمّاً إلى الغرض الأوّل (1) فالظاهر وجوب التمام في ذلك المقدار من المسافة ، لكون الغاية من ذلك المقدار ملفّقة من الطاعة والمعصية ، والأحوط الجمع خصوصاً إذا لم يكن (1)الباقي مسافة.
بالسير خارجاً في الانتقال إلى القصر ، فمتى شرع في العود مع كونه بنفسه مسافة يقصّر ، وإلّا بقي على التمام.
(1) حكم (قدس سره) حينئذ بوجوب التمام في القطعة الملفّقة من الطاعة والمعصية ، وهو الصحيح ، بناءً على ما تقدّم (2)من صدق سفر المعصية عليها.
كما أنّ ما صنعه (قدس سره) من الاحتياط الاستحبابي بالجمع في محلّه أيضاً لاحتمال اختصاص التمام بالغاية المنحصرة في العصيان وعدم شموله للملفّق وإن كان على خلاف التحقيق حسبما عرفت فيما سبق.
وأمّا ما يظهر من المتن من آكدية الاحتياط فيما إذا لم يكن الباقي مسافة حيث قال : خصوصاً إذا لم يكن ... إلخ ، فلم يظهر وجه لهذه الخصوصية.
والظاهر أنّ العبارة سهو من قلمه الشريف ، لعدم وضوح الفرق بينه وبين ما إذا كان الباقي مسافة فيما هو بصدده من الاحتياط في القطعة الملفّقة ، لعدم تأثير له في ذلك أبداً ، فإنّه مبني كما عرفت على الترديد في صدق سفر المعصية على الملفّق وعدمه ، ولا ربط لذلك بكمّية الباقي ، فمع الصدق يتم وإن كان الباقي مسافة ومع عدمه يقصّر وإن لم يكن الباقي مسافة.
[2274] مسألة 43 : إذا كان السفر في الابتداء معصية فقصد الصوم ثمّ عدل في الأثناء إلى الطاعة (1) فإن كان العدول قبل الزوال وجب الإفطار (1)وإن كان بعده ففي صحّة الصوم ووجوب إتمامه إذا كان في شهر رمضان مثلاً وجهان ، والأحوط الإتمام والقضاء.
نعم ، هذه الخصوصية إنّما تنفع بالقياس إلى الاحتياط بالجمع في نفس الباقي فانّ في إلحاقه بما سبق إذا لم يكن بنفسه مسافة وعدم الإلحاق كلاماً قد سبق (2). ومن هنا يتّجه الاحتياط فيه ، وإن كان الأظهر التمام كما علم ممّا تقدّم. وأمّا إذا كان بنفسه مسافة فلا شكّ في وجوب القصر ، ولا يجري الاحتياط فيه حتّى استحبابا.
(1) لا شك في لزوم الإفطار فيما إذا كان العدول قبل الزوال ، فانّ سفره حدوثاً وإن لم يكن شرعياً لفقد قيد الإباحة وعدم كونه مسير الحقّ ، ومن ثمّ كان يجب عليه الصيام كالإتمام آن ذاك ، إلّا أنّه بقاءً مصداق للسفر الشرعي.
فهو كمن سافر ابتداء لغاية محلّلة قبل الزوال ، المحكوم بوجوب الإفطار كتاباً وسنّة ، مضافاً إلى ما دلّ على الملازمة بين قصر الصلاة والإفطار ، وقد مرّ (3)لزوم التقصير في مثل هذا الفرض فكذلك الإفطار.
إنّما الكلام فيما إذا كان العدول المزبور بعد الزوال ، فانّ في الإفطار وعدمه حينئذ تردّداً ينشأ من محكومية الصوم بالصحّة لدى الزوال ، لفقد قيد الإباحة وقتئذ ، الدخيل في موضوع السفر ، فحصوله بعدئذ بمنزلة الخروج إلى السفر بعد
ولو انعكس بأن كان طاعة في الابتداء وعدل إلى المعصية في الأثناء (1) ، فإن لم يأت بالمفطر وكان قبل الزوال صحّ صومه ، والأحوط قضاؤه أيضاً (1)وإن كان بعد الإتيان بالمفطر أو بعد الزوال بطل ، والأحوط إمساك بقيّة النهار تأدّباً إن كان من شهر رمضان.
الزوال ، المحكوم بإتمام الصوم بلا إشكال ، وإن وجب التقصير في الصلاة ، لانتفاء الملازمة بين التقصير والإفطار في خصوص هذا المورد بمقتضى النصوص.
ومن أنّ الظاهر من تلك النصوص إحداث السفر وإنشاؤه من البلد بعد الزوال ، فهو حكم للحاضر الذي خرج إلى السفر. ومجرّد كونه محكوماً بالتمام ولو في السفر لا يجعله بمنزلة الحاضر في الوطن. فإلحاق المقام بما لو سافر ابتداءً بعد الزوال قياس لا نقول به ، فاللّازم حينئذ الحكم بالإفطار عملاً بعموم ثبوته لكلّ مسافر ، المعتضد بما دلّ على الملازمة المذكورة وأنّه كلّما قصرت أفطرت (2).
وعلى الجملة : فالتردّد بين هذين الوجهين من غير ترجيح أوجب الإشكال في المسألة ، ولأجله كان مقتضى الاحتياط اللّازم الجمع بين الإتمام والقضاء كما ذكره في المتن ، وإن كانت دعوى الإلحاق المزبور غير بعيدة ، بل لعلّها مظنونة. وكيف ما كان ، فالاحتياط حسن في محلّه ، ولا ينبغي تركه.
(1) تارة يفرض العدول قبل قطع المسافة بنيّة سائغة ، وأُخرى بعده.
.................................................................................................
لا ينبغي التأمل في لزوم البقاء على الصيام في الشق الأوّل ، لكشف عدوله عن عدم تحقّق السفر الشرعي ، وانتفاء موضوع القصر من أوّل الأمر ، إذ الموضوع للحكم لم يكن هو مجرّد القصد ، بل المتعقّب بقطع المسافة بنيّة صالحة ، المنفي حسب الفرض وإن تخيّل تحقّقه لدى تلبّسه بالسفر ، ولأجله كان معذوراً لو أفطر ، فهو محكوم بالصيام واقعاً سواء أفطر أم لم يفطر ، وسواء أكان عدوله قبل الزوال أم بعده.
ولعلّ عبارة الماتن غير ناظرة إلى هذه الصورة ، بل نظره (قدس سره) معطوف إلى الشقّ الثاني ، ولا ريب في بطلان الصوم حينئذ لو كان قد تناول المفطر ، أو كان العدول بعد الزوال.
أمّا الأوّل فواضح ، وكذا الثاني ، إذ هو بمثابة من سافر أوّل النهار وحضر بعد الزوال ، المحكوم بالإفطار بلا إشكال وإن لم يستعمل المفطر في سفره ، وهذا ظاهر.
إنّما الكلام فيما لو عدل قبل الزوال ولم يتناول المفطر ، فانّ في صحّة الصوم حينئذ تأمّلاً ، من أنّ العدول إلى الحرام بمنزلة الوصول إلى المنزل قبل الزوال ، إذ به ينعدم قيد الإباحة المعتبر في الترخّص أو في موضوعه على الخلاف المتقدّم (1)، فيجب عليه حينئذ تجديد النيّة وإتمام الصوم كما هو الحال في الراجع إلى بلده قبل الزوال.
ومن أنّ الصوم الشرعي هو الإمساك في مجموع النهار المسبوق بالنيّة قبل طلوع الفجر ، والاكتفاء بتجديدها قبل الزوال مخالف للقاعدة ، فيقتصر فيه على مقدار قيام النصّ (2)، ومورده المسافر الذي يصل بلده أو محلّ إقامته قبل زوال
[2275] مسألة 44 : يجوز في سفر المعصية الإتيان بالصوم الندبي ، ولا تسقط عنه الجمعة ولا نوافل النهار والوتيرة ، فيجري عليه حكم الحاضر (1).
السادس : من الشرائط أن لا يكون ممّن بيته معه (2) كأهل البوادي من العرب والعجم الذين لا مسكن لهم معيّناً ، بل يدورون في البراري وينزلون في محلّ العشب والكلأ ومواضع القطر واجتماع الماء ، لعدم صدق المسافر عليهم ، نعم لو سافروا لمقصد آخر من حجّ أو زيارة أو نحوهما قصّروا (1)ولو سافر أحدهم لاختيار منزل ، أو لطلب محلّ القطر أو العشب وكان مسافة ففي وجوب القصر أو التمام عليه إشكال (2)، فلا يترك الاحتياط بالجمع.
الشمس. والتعدّي عنه إلى المقام قياس لا نقول به. فلا دليل على جواز التجديد فيما نحن فيه ، ومقتضى عموم منع الصيام في السفر البقاء على الإفطار.
ولأجل التردّد بين هذين الوجهين كان مقتضى الاحتياط اللّازم الجمع بين الصيام والقضاء كما نبّه عليه الأُستاذ (دام ظلّه) في تعليقته.
(1) لظهور ما دلّ على سقوط هذه الأحكام عن المسافر في خصوص السفر الشرعي المحكوم عليه بالقصر ، دون التمام ، فينصرف عن السفر الحرام ، ويؤيِّده قوله (عليه السلام) : «... يا بنيّ لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة» (3)فإنّه كالصريح في دوران السقوط مدار قصر الصلاة وعدمه.
(2) وإلّا أتمّ صلاته ولو كان طيلة حياته في سفر ورحيل ، بلا خلاف فيه ويدلّ عليه مضافاً إلى عدم صدق المسافر عليه كما ذكره في المتن ، إذ السفر
.................................................................................................
مأخوذ من السفور والبروز ، المتوقّف على فرض سكونة في البلد ، وأن يكون للشخص قرار واستقرار كي يصدق السفر متى خرج وبرز ، فلا يشمل دائم الحركة ومن لا مقرّ معيّن له.
موثّقة إسحاق بن عمار قال : «سألته عن الملّاحين والأعراب هل عليهم تقصير؟ قال قال : لا ، بيوتهم معهم» (1). ولا يضرّها الإضمار ، فانّ جلالة ابن عمار تأبى عن الرواية عن غير الإمام (عليه السلام).
المؤيّدة بمرسلة الجعفري : «الأعراب لا يقصّرون ، وذلك أنّ منازلهم معهم» (2). وهذا الحكم في الجملة ممّا لا إشكال فيه.
إنّما الإشكال فيما لو خرج هذا الدوّار لغاية أُخرى كاختيار منزل يقيم فيه أياماً ، أو طلب محلّ القطر أو العشب ، أو لأمر واجب أو مستحب من حجّ أو زيارة وكان مسافة ، فهل يقصّر ، أو يتم ، أو يفصّل بين الغاية الدنيوية كتحصيل مكان فيه عشب فيتم ، والأُخروية كالزيارة فيقصّر؟
الظاهر هو التفصيل بين ما إذا كان بيته معه في هذه الحركة أيضاً كأن يجعل أحد موارد سيره الحجّ أو الزيارة مثلاً فيبقى حينئذ على التمام ، نظراً إلى أنّ وضعه الجديد بمسافته الجديدة لا يختلف عن السابق ، ويصدق عليه في كلتا الحالتين أنّ بيوتهم معهم ، المذكور في الموثّق. وبين ما لو أبقى بيته من خيم وفسطاط وأمتعة ونحوها وخرج بنفسه لمقصده كسائر المسافرين فيجب القصر لصدق عنوان السفر حينئذ ، وعدم شمول الموثّق له بعد أن لم يكن بيته معه. فهذا هو المناط في الحكم بالقصر أو التمام.
فرع : لو كان له مقرّ اتّخذه مسكناً ولكنّه حين السفر يأخذ بيته معه ، فله
السابع : أن لا يكون ممّن اتّخذ السفر عملاً وشغلاً له (1) كالمكاري والجمال والملاح والساعي والراعي ونحوهم ، فإنّ هؤلاء يتمّون الصلاة والصوم في سفرهم الذي هو عمل لهم وإن استعملوه لأنفسهم كحمل المكاري متاعه أو أهله من مكان إلى مكان آخر
بيت متنقّل سيار فيه من الأثاث ما يحتاج إليه من خيم وفراش ومتاع ونحوها من لوازم البيت ، ويسير لغاية دنيوية أو أُخروية ، فهل يقصّر في هذه الصورة ، أو يتم نظراً للبيت الذي استصحبه؟
الظاهر وجوب القصر ، لصدق اسم المسافر عليه عرفاً ، غايته أنّه مسافر متمكّن يأخذ معه جميع وسائل الراحة ، ومثله لا يكون مشمولاً للموثّق ولا للمرسل ، لظهورهما في من يكون بيته ومنزله معه ، لا من يأخذ معه ما يحتاج إليه في سفره ، فليس هذا ممّن بيته معه ، فإنّه منصرف عن ذلك كما لا يخفى.
نعم ، لو كان لهذا الشخص بيتان بيت مستقر وآخر غير مستقر ، فله مقرّ في الشتاء مثلاً ، ورحلة في الصيف يطلب العشب والكلأ ولا يستقر في مكان ، فهذا في حكم ذي الوطنين ، وهو في الحقيقة مورد لانطباق عنوانين ، عنوان المتوطِّن وعنوان من بيته معه حسب اختلاف الزمانين ، فيتم أيضاً إذا ارتحل من مقرّه فإنّه بعدُ في بيته ولكن في بيته الآخر ، ولأجله يجب التمام في كلا البيتين.
(1) كما دلّت عليه صحيحة زرارة ، قال «قال أبو جعفر (عليه السلام) : أربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر : المكاري والكري والراعي والاشتقان لأنّه عملهم» (1)ورواه الصدوق في الخصال مثله إلّا أنّه ترك لفظ «قد» (2)ولعلّه
.................................................................................................
الأنسب.
وكيف ما كان ، فالحكم في الجملة ممّا لا إشكال فيه ولا خلاف ، وإن اختلفت كلماتهم في كيفية التعبير عن هذا الشرط.
فالمشهور عبّروا بأن لا يكون سفره أكثر من حضره ، وعبّر جمع آخرون بأن لا يكون كثير السفر ، ولعلّ المراد منهما واحد ، وإن كان التعبير الثاني أولى كما لا يخفى.
وعبّر غير واحد ومنهم الماتن بأن لا يكون السفر عملاً له ، وهذا التعبير هو المطابق للنص وهو الصحيح المتقدّم.
وأمّا كثرة السفر فلم ترد في شيء من النصوص ، وبين العنوانين عموم من وجه ، إذ قد يكثر السفر للزيارة أو السياحة ونحوهما من غير أن يتّخذه عملاً له ، وربّما يكون عملاً ولكنّه يقلّ لاختصاصه بوقت خاص كفصل الربيع مثلاً وقد يجتمعان كما لو كان السفر عمله طول السنة.
فالتعبير الأخير موافق للتعليل الوارد في صحيحة زرارة المتقدّمة ، المنطبق على العناوين الأربعة المذكورة فيها من المكاري والكري والراعي والاشتقان فانّ السفر عمل لهؤلاء وشغل لهم على تأمل في بعضها كما سيأتي.
أمّا المكاري فهو الذي يكري دابته للسفر ، وأمّا الكري فهو الذي يكري نفسه للخدمة في السفر إمّا لشخص المكاري لأجل إصلاح دابّته ونحوها ، ويكون بمثابة الصانع لسائق السيارة في يومنا هذا ، أو لسائر المسافرين للقيام بحوائجهم في الطريق.
وأمّا الاشتقان فقد فسّره الصدوق بالبريد. ولم يعرف له وجه وإن ورد ذلك في مرفوعة ابن أبي عمير (1)، إذ مضافاً إلى ضعف السند لم يتّضح كون التفسير
1) الوسائل 8 : 487 / أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 12.
.................................................................................................
من الإمام (عليه السلام) لجواز كونه تكملة من الصدوق نفسه لا منه (عليه السلام) ولا من ابن أبي عمير. والظاهر أنّ الكلمة غير عربية كما ذكره الشهيد وأنّها معرّب (دشت بان) أي أمير البيادر.
وكيف ما كان ، فالمستفاد من هذه الصحيحة المعلّلة لتمامية الصلاة بقوله (عليه السلام) : «لأنّه عملهم» أنّ الاعتبار في وجوب التمام بعنوان كون السفر عملاً ، فلا عبرة بكثرة السفر ولو تضمّن السنة كلّها ما لم يثبت العمل ، وهذا ممّا لا ينبغي الريب فيه.
كما لا ريب أيضاً في وجوب التمام في الموارد المنصوصة وإن لم يكن السفر عملاً لهم كالاشتقان في الصحيح المتقدّم ، وكالموارد المذكورة في معتبرة إسماعيل ابن أبي زياد عن جعفر عن أبيه ، قال : «سبعة لا يقصّرون الصلاة : الجابي الذي يدور في جبايته ، والأمير الذي يدور في أمارته ، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق ، والراعي ، والبدوي الذي يطلب مواضع القطر ومنبت الشجر والرجل الذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا ، والمحارب الذي يقطع السبيل» (1).
فانّ من المعلوم انّ هؤلاء ليس شغلهم السفر ، وإنّما السفر مقدّمة لأعمالهم. فهذه العناوين المذكورة في الروايات ملحقة بمن شغله السفر في وجوب التمام بلا كلام ، سواء أصدق عليهم أنّ نفس السفر عملهم أم لا ، وكأنهم بمنزلة من بيته معه.
وإنّما الكلام في أنّ الحكم هل يختصّ بذلك أو يعمّ كلّ من كان له عمل خاص وكان السفر مقدّمة له كالطبيب الذي يذهب كلّ يوم إلى بلد للطبابة ، والمعلم أو المتعلّم الذي يذهب كلّ يوم أو كلّ أُسبوع للدراسة ويرجع ، وكذا البناء والمعمار ونحوهم ممّن شغلهم في السفر ، لا أنّ شغلهم السفر كما في المكاري والملّاح ، فهل
1) الوسائل 8 : 486 / أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 9.
.................................................................................................
يجب عليهم التمام أيضاً مع فرض بلوغ سفرهم حدّ المسافة الشرعية ، أو أنّهم يقصّرون ولا يتعدّى عن الموارد المنصوصة؟
قد يقال بالاختصاص وعدم التعدِّي ، رعاية للتعليل الوارد في صحيح زرارة واقتصاراً في غير مورده على مقدار قيام النص ، فيرجع فيما عدا ذلك ممّن كان السفر مقدّمة لعمله إلى إطلاقات القصر لكلّ مسافر.
وقد يقال بالتعميم والتعدِّي ، نظراً إلى الارتكاز العرفي ، وفهم عدم خصوصية للجابي والتاجر ونحوهما ممّن ورد اسمه في النص ، وأنّ ذلك ليس إلّا من أجل إلحاق من كان السفر مقدّمة لعمله بمن كان السفر عملاً له ، وحينئذ فكلّ من كان على هذه الشاكلة يتم صلاته.
وغير خفي أنّ التعدّي استناداً إلى ما ذكر من الارتكاز وفهم عدم الخصوصية في غاية الإشكال والصعوبة ، وعهدة هذه الدعوى على مدّعيها ، فإنّ أقصى ما يمكن إخراجه من تحت إطلاقات القصر هو عنوان العمل ومن جاء اسمه في الخبر ، ولعلّ هناك خصوصية لا نفهمها ، فكيف يمكننا التعدّي إلى الفاقد لها بعد جهلنا بمناطات الأحكام.
ومع ذلك كلّه فالأظهر هو التعدّي.
أمّا أوّلاً : فلقرب دعوى صدق عنوان من عمله السفر الوارد في النصّ على من عمله في السفر ، فمثلاً لا يبعد أن يقال عرفاً للطبيب الذي يسافر كلّ يوم لبلد آخر لطبابته أنّ السفر عمل له ، ولو كان ذلك الإطلاق بنحو من العناية غير البعيدة عن الفهم العرفي. فلا ندّعي الإلحاق بل ندّعي التوسعة في الإطلاق وأنّ المقام بنفسه مشمول للنصّ. وكم فرق بين الأمرين كما هو واضح.
وثانياً : لو أغمضنا النظر عن ذلك بدعوى أنّ الصدق المزبور مسامحي لا يعبأ به ، فنستظهر من نفس صحيحة زرارة بالرغم من اشتمالها على التعليل أنّ موضوع
ولا فرق بين من كان عنده بعض الدواب يكريها إلى الأماكن القريبة من بلاده فكراها إلى غير ذلك من البلدان البعيدة وغيره (1)
الحكم أعم ، وذلك من أجل تضمّنها ذكر أشخاص لا يكون السفر إلّا مقدّمة لعملهم ، ولم يكن بنفسه عملاً لهم كالراعي ، فانّ شغله الرعي وطلب الماء والعشب للغنم ، ومكانه غالباً ولا سيما في القرى معيّن ، فيذهب كلّ يوم إلى ذلك المكان لأجل رعي غنمه ، كما يذهب الطبيب أو المعلّم إلى بلد خاص لطبابته ودراسته.
وكذا الاشتقان ، فإنّه على ما فسّرناه يقصد بسفره أمارة البيادر وحفظها والنظر عليها ، فليس السفر بنفسه شغلاً لا للراعي ولا للاشتقان ، بل هو مقدّمة للعمل ، ومع ذلك نرى أنّ الإمام (عليه السلام) يطلق على هؤلاء بأنّ السفر عمل لهم ، ويعلّل التمام بذلك. فيعلم منه بوضوح أنّه (عليه السلام) وسّع موضوع حكم التمام وجعله شاملاً لما كان السفر مقدّمة للعمل ، من دون أن يقتصر على ما كان بنفسه عملاً.
وبالجملة : ما هو الفرق بين الراعي الذي يبحث عن العشب ليرعى غنمه ويعود ليلاً إلى بلده ، وبين الطبيب الذي يخرج إلى مكان طبابته كلّ يوم ويعود؟ فإنّهما يشتركان بالضرورة في أنّ شغلهم في السفر ، لا أنّ شغلهم السفر. فالحكم بالتمام يعمّهما بمناط واحد حسبما عرفت.
(1) لا ريب في وجوب البقاء على التمام مع تحقّق المسافة الشرعية بالسفر الذي هو شغله أو مقدّمة لشغله وقد سافر بهذا العنوان إلى البلدان البعيدة كالمكاري الذي يكري دابته أو سيارته ما بين النجف وكربلاء فاتّفق أن أكراها إلى البصرة أو الحجّ فسافر إلى تلك البلاد النائية بعنوان كونه مكارياً ، فلا يلزم انحفاظ شخص السفر ، بل يبقى على التمام وإن تبدّل القريب بالبعيد أو بالعكس
.................................................................................................
بمقتضى إطلاق الأدلّة.
وهذا واضح لا سترة عليه ، وسيشير الماتن إليه في مطاوي المسائل الآتية (1). وإنّما البحث يقع في موردين :
أحدهما : أنّه لو كان مكارياً أو سائقاً داخل البلد فقط أو خارجه ، ولكن في توابع البلد وضواحيه ممّا يلحق به ، بحيث لا يصدق معه اسم السفر حتّى عرفاً ، كالسائق ما بين النجف والكوفة مثلاً ، فاتّفق أن أكرى دابته أو سيارته خارج البلد متجاوزاً حدّ المسافة الشرعية كما لو أكراها إلى كربلاء ، فهل يقصّر حينئذ أو يبقى على التمام باعتبار ما تلبّس به من عنوان المكاراة أو السياقة؟
الظاهر لزوم التقصير عليه ، بل لا ينبغي التأمّل فيه ، لخروجه عن موضوع التمام ، فإنّه كما عرفت عبارة عمّن عمله السفر أو عمله في السفر ، والمكاراة المفروضة خارجة عن كلا العنوانين ، فإنّها وإن كانت شغلاً له إلّا أنّه ليس سفراً ولا في السفر ، فلا يشملها الحكم ، وهذا واضح.
المورد الثاني : ما لو كان السفر شغلاً له ولكنّه سفر عرفي لا شرعي ، لكونه فيما دون حدّ المسافة الشرعية الامتدادية أو التلفيقية ، كالمكاري بين النجف إلى خان النصف مع كونه أحد منزليه أو يقيم فيه عشرة أيام ، فتكون المسافة أقل من ثمانية ، أو إلى مكان آخر أقل من الأربعة كالخان الأوّل مع قصد الرجوع وعدم المنزل ، فاتّفق السفر لمثل هذا الشخص إلى المسافة الشرعية ، فهل يتم حينئذ بنفس الملاك السابق من احتمال كون عنوان المكاري ممّا يفرض عليه التمامية ، أو يقصّر لأنّ السفر الذي هو عمله ليس من السفر الشرعي ، بل عرفي على الفرض؟
تعرّض الماتن (قدس سره) لمثل هذه الصورة في المسألة الثامنة والأربعين
1) كالمسألة [2282].
.................................................................................................
الآتية بالنسبة لمن يكون عمله الاحتطاب فيما دون حدّ المسافة على نحو يصدق عليه السفر العرفي ، فاختار لزوم التمام فيما لو تجاوز حدّ المسافة.
ولكن الظاهر وجوب القصر في كلا الموردين ، لأنّ ما دلّ على وجوب التمام لمن عمله السفر بما أنّه بمثابة الاستثناء عن عموم وجوب القصر ، فهو لا جرم ظاهر في السفر الذي يكون موضوعاً للقصر لولا كونه عملاً المختص بالسفر الشرعي البالغ حدّ المسافة ، ولا يعمّ العرفي بوجه ، ففي مثله كما في المقام وكذا الحطاب لا بدّ من التقصير لو تحقّق السفر الشرعي ، عملاً بعمومات القصر لكلّ مسافر.
وربما تشهد لذلك موثّقتان لإسحاق بن عمار :
الاولى : قال فيها : «سألت أبا إبراهيم عن الذين يكرون الدواب يختلفون كلّ الأيام ، أعليهم التقصير إذا كانوا في سفر؟ قال : نعم» (1).
والثانية : عنه قال : «سألته عن المكارين الذين يكرون الدواب وقلت : يختلفون كلّ أيام ، كلّما جاءهم شيء اختلفوا ، فقال : عليهم التقصير إذا سافروا» (2). والمراد بالاختلاف الذهاب والإياب كلّما جاءهم شيء ، أي عرضهم شغل وحاجة.
والظاهر منهما أنّ السؤال ناظر إلى المكارين الذين يختلفون أطراف البلد لدون المسافة ، بحيث لا يصدق عليهم المسافر شرعاً ، ولذلك سئل عن حالهم فيما لو كانوا في سفر شرعي غير الذي هم عليه كلّ يوم ، فيكون منطبقاً على محلِّ الكلام.
وحملهما على فرض حصول الإقامة عشرة أيام فصاعداً كما في الوسائل ، أو على ما إذا سافر لقصد آخر غير المكاراة كسفر زيارة ونحوها كما في الحدائق (3)
وكذا لا فرق بين من جدّ في سفره بأن جعل المنزلين منزلاً واحداً وبين من لم يكن كذلك (1) ،
بعيد جدّاً ، إذ لا شاهد على شيء منهما ، بل الصحيح هو المعنى الذي بيّناه ، غير البعيد عن سياق الكلام حسبما عرفت فلاحظ.
(1) قد وردت في المسألة روايات كثيرة ، ثلاث منها نقيّة السند وهي :
صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال : «المكاري والجمال إذا جدّ بهما السير فليقصّروا» (1).
وصحيحة الفضل بن عبد الملك قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المكارين الذين يختلفون ، فقال : إذا جدّوا السير فليقصّروا» (2).
وصحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال : «سألته عن المكارين الذين يختلفون إلى النيل هل عليهم إتمام الصلاة؟ قال : إذا كان مختلفهم فليصوموا وليتمّوا الصلاة ، إلّا أنّ يجدّ بهم السير فليفطروا وليقصّروا» (3).
وظاهر هذه النصوص اختصاص التمام الثابت في من شغله السفر بمن لم يجدّ به السير ، وإلّا فحكمه القصر ، فتكون منافية للنصوص المتقدّمة المتضمّنة لوجوب التمام على سبيل الإطلاق.
وقد حملت على محامل عديدة كلّها بعيدة عن الصواب.
منها : ما عن العلّامة (قدس سره) من الحمل على ما لو قصد المكاري إقامة
.................................................................................................
عشرة أيام (1)، نظراً إلى أنّه بعد هذه الفترة المستوجبة للاعتياد على الراحة يصعب عليه المسير بعدئذ ، فطبعاً يجدّ به السير لو بدأ به ، ويكون عسراً وشاقّاً فلأجله يقصّر ، فيكون المراد السفرة الأُولى بعد العشرة ، لاختصاص الجدّ بها كما لا يخفى.
وهذا كما ترى حمل بعيد عن ظاهر النصوص ، لا نعرف له وجهاً أبداً.
ومنها : ما عن الشهيد في الذكرى من الحمل تارة على ما لو أنشأ المكاري والجمال سفراً غير صنعتهما كالحجّ مثلاً بغير مكاراة أو ما شاكل ذلك ممّا لا يكون في نطاق عمله فيجدّ في السير ، وأُخرى على ما إذا كانت المكاراة فيما دون المسافة ويكون جدّ السير بمعنى قصد المسافة (2).
ومنها : ما عن الشهيد في الروض من الحمل على المكاري أوّل اشتغاله بالمكاراة فيقصد المسافة قبل تحقّق الكثرة (3)، ولأجله يجهد عليه السير ويتعب.
ومنها : ما عن الشيخ والكليني (قدس سرهما) (4)من حمل ذلك على ما إذا أسرع في السير فجعل المنزلين منزلاً فسار سيراً غير عادي ، ولأجله وقع في جدّ وجهد.
واستشهد الشيخ (قدس سره) لذلك بأمرين :
أحدهما : ما رواه في الكافي ، قال : وفي رواية أُخرى : «المكاري إذا جدّ به السير فليقصّر ، قال : ومعنى جدّ به السير جعل المنزلين منزلاً» (5).
.................................................................................................
الثاني : مرفوعة عمران بن محمد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : الجمال والمكاري إذا جدّ بهما السير فليقصّرا فيما بين المنزلين ويتما في المنزل» (1).
وفي كلا الأمرين ما لا يخفى.
فإنّ الأوّل اجتهاد من الكليني نفسه (2)، فهو دراية لا رواية ، فلا شهادة فيه ولم يتّضح مستنده في هذا التفسير ، فانّ «الجدّ» لغة بمعنى الشدّة (3)، وأحد مصاديقها في المقام جعل المنزلين منزلاً ، لا أنّها تختصّ به ، وربما يكون جدّ السير من أجل الحر أو البرد ، أو كون الطريق وعراً أو مخوفاً ونحو ذلك.
والثاني : مضافاً إلى ضعف السند من أجل الرفع والإرسال وجهالة حميد بن محمد (4)قاصر الدلالة ، لعدم التعرّض لتفسير الجدّ بجعل المنزلين منزلاً ، بل غايته التفصيل بالتقصير فيما بين المنزلين والإتمام في نفس المنزل ، وهذا كما ترى أجنبي عمّا نحن بصدده.
وعلى الجملة : فهذه الوجوه كلّها بعيدة وخلاف الظاهر جدّاً ، ولعلّه لذلك عمل بظاهرها جماعة من المتأخّرين كصاحب المدارك (5)والحدائق (6)والمعالم (7)
1) الوسائل 8 : 491 / أبواب صلاة المسافر ب 13 ح 3.
2) كون التفسير من الكليني نفسه غير واضح وإن أوهمه عبارة الوسائل ، بل ظاهر الكافي 3 : 437 ذيل ح 2 خلافه.
3) المنجد : 80 مادّة جدّ.
4) [لم يرد حميد بن محمد في السند ، فيحتمل إرادة عمران بن محمد ، وقد وثّقه الشيخ في رجاله : 360 / 5335 ، راجع معجم رجال الحديث 14 : 161 / 9069].
5) المدارك 4 : 456.
6) الحدائق 11 : 393.
7) منتقى الجمان 2 : 177.
.................................................................................................
وغيرهم ، نظراً إلى صحّة أسانيدها ووضوح الدلالة فيها ، فلا وجه لطرحها أو صرفها عن ظهورها.
وما المانع من الالتزام بالتخفيف في حقّ مثل هذا الشخص الذي يجدّ في سيره أي يسرع زائداً على المقدار المتعارف ويقع من أجله في كلفة ومشقّة ، فكأنّ الشارع راعى حال هذا المتكلّف ، حيث إنّ المكاري كان بمنزلة مَن بيتُه معه ولأجله يتم ، ولكن إذا صادف مثل هذه الكيفية من السير يتسامح في حقّه بالترخّص. فتكون هذه الروايات مخصّصة لأدلّة التماميّة المفروضة على المكاري هذا.
ولكن الظاهر أنّه لا سبيل للأخذ بهذه النصوص رغم صحّة أسانيدها لمهجوريتها عند الأصحاب ، وعدم العامل بها إلى زمان صاحب المدارك والمعالم وبعدهما المحقّق الكاشاني (1)وصاحب الحدائق ، حتّى أنّ الكليني لم يعتن بها ولم يذكر شيئاً منها ، بل أشار إليها بقوله : وفي رواية أنّ «المكاري إذا جدّ به السير ...» إلخ ، المشعر بالتمريض والتوقّف وأنّها موهونة عنده ، وإلّا كان عليه أن يذكرها ولا سيما مع صحّة أسانيدها. فيفهم من التعبير عدم اعتنائه بشأنها هذا.
والمسألة كثيرة الدوران ومحلّ للابتلاء غالباً ، حتّى أنّ بعض أصحاب الأئمّة (عليه السلام) كان شغله ذلك كصفوان الجمال ، فلو كان القصر ثابتاً للمكاري المجدّ في السير لاشتهر وبان وشاع وذاع وكان من الواضحات ، كيف ولا قائل به إلى زمان صاحب المدارك كما عرفت.
1) مفاتيح الشرائع 1 : 24.
والمدار على صدق اتخاذ السفر عملاً له عرفاً (1) ولو كان في سفرة واحدة لطولها وتكرّر ذلك منه من مكان غير بلده إلى مكان آخر ، فلا يعتبر تحقّق الكثرة بتعدّد السفر ثلاث مرّات أو مرّتين ، فمع الصدق في أثناء السفر الواحد أيضاً يلحق الحكم وهو وجوب الإتمام ، نعم إذا لم يتحقّق الصدق إلّا بالتعدّد يعتبر ذلك.
فيستكشف من هذه القرينة العامّة التي تكرّرت الإشارة إليها في مطاوي هذا الشرح وتمسّكنا بها في كثير من المقامات عدم ثبوت القصر للمكاري المزبور. إذن لا بدّ من ردّ علم هذه الروايات إلى أهله ، أو حملها على بعض المحامل المتقدّمة.
ولا ينافي هذا ما هو المعلوم من مسلكنا من عدم سقوط الصحيح بالإعراض عن درجة الاعتبار ، لعدم اندراج المقام تحت هذه الكبرى ، بل مندرجة تحت تلك الكبرى المشار إليها آنفاً بعد كون المسألة عامّة البلوى وكثيرة الدوران حسبما عرفت.
(1) قد عرفت أنّ من عمله السفر محكوم بالتمام ، وإنّما الكلام في محقّق هذا العنوان وأنّه هل ينوط بتكرّر السفر للعمل مرّتين أو ثلاث ، أو لا هذا ولا ذاك ، بل يدور مدار الصدق العرفي ولو كان ذلك في سفرة واحدة؟
احتمل الشهيد الثاني التكرار إلى ثلاث سفرات ، فلا يتم قبلها كما لا يقصّر بعدها ، مستدلّاً عليه بانصراف النصوص إلى الغالب المتعارف وهو هذا المقدار (1). وفيه : منع الانصراف المدّعى كما لا يخفى.
1) الروض : 389 السطر 18.
.................................................................................................
واختار العلّامة في المختلف اعتبار السفر تين ، لتوقّف صدق الاختلاف عليه (1). وهو أيضاً غير واضح.
واختار الماتن إناطة الأمر إلى الصدق العرفي ، وهو الصحيح.
وتفصيل الكلام : أنّ الروايات الواردة في المقام على طوائف ثلاث :
الاولى : ما علّق الحكم فيها على المكاري والجمال والملاح ونحو ذلك من العناوين الخاصّة.
الثانية : ما دلّت على ذلك بعناية كون السفر عملاً لهم.
الثالثة : ما دلّت على عنوان الاختلاف ، المقتضي لتكرار السفر على نحو يصدق معه الاختلاف والذهاب والإياب ، فلا تكفي الواحدة ، وهي صحيحة هشام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : المكاري والجمال الذي يختلف وليس له مقام يتم الصلاة ويصوم شهر رمضان» (2).
وحينئذ نقول : لو كنّا نحن والطائفة الاولى لحكمنا بالتمام متى تحقّقت ذوات العناوين وإن لم يتصف المتلبّس بها بكونها عملاً له ، كمن كانت له سيارة يستعملها في حوائجه الشخصية فصادف أن شاهد في سفره كثرة الزوار مثلاً وغلاء الأُجرة فكارى سيارته في تلك السفرة ، فإنّه يطلق عليه المكاري في هذه الحالة وإن لم يكن ذلك عملاً له ، وهكذا الحال في سائر العناوين من الملاح والجمال ونحوهما.
إلّا أنّ الطائفة الثانية خصّت هذه العناوين بمن كان السفر شغلاً وعملاً له.
.................................................................................................
إذن فيدور الحكم مدار صدق هذا العنوان الذي ربما يتّفق بسفرة واحدة خصوصاً إذا كانت طويلة ، بل قد يتّفق في أثناء السفر الواحد لا من الأوّل ، كما لو سافر وصادف أنّه اشترى دوابا فكارى بها وبنى على الاشتغال بالمكاراة.
وربما لا يصدق إلّا لدى تعدّد السفرات كما هو الحال في سائر العناوين من الحرف والصناعات ، كما لو كانت له سيارة فكراها لا بقصد المزاولة للعمل بل لأجل غرض آخر ، ثمّ اتّفق بعد أيام كذلك ، ثمّ بعد أيام أُخرى كذلك ، فتكرّر منه العمل على حدٍّ صدق عليه المكاري عرفاً.
وعلى الجملة : يدور الحكم بعد لحاظ التقييد المزبور على الصدق العرفي الذي قد يتوقّف على التكرّر ، وقد لا يتوقّف حسبما عرفت.
إلّا أنّ الطائفة الثالثة اعتبرت عنوان الاختلاف ، المتقوّم بالتكرّر مع البناء على الاستمرار على ذلك كما لا يخفى ، ومن ثمّ قد يتوهّم المعارضة بينها وبين الطائفة المتقدّمة.
ولكنّ الصحيح عدم المعارضة ، لابنتائها على أن يكون للوصف أعني التقييد بالاختلاف مفهوم ، والمحقّق في محلّه عدمه ، فلا يدلّ على أنّ غير هذا المورد غير محكوم بهذا الحكم ليتنافى مع ما سبق.
نعم ، ذكرنا في الأُصول (1)أنّ له مفهوماً بمعنى آخر ، وهو الدلالة على عدم تعلّق الحكم بالطبيعي على إطلاقه وسريانه ، وإلّا لأصبح التقييد بالوصف لغواً محضاً ، وأمّا أنّ الحكم خاصّ بهذا المورد ومنفي عمّا عداه كما هو معنى المفهوم اصطلاحاً فكلا. فغايته أنّ طبيعي المكاري غير محكوم بالتمام ، لا أنّه خاصّ بمن يختلف ، ومن الجائز ثبوته لغير هذا الفرد كمن كان شغله السفر وإن لم يختلف
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 133 وما بعدها.
[2276] مسألة 45 : إذا سافر المكاري ونحوه ممّن شغله السفر سفراً ليس من عمله كما إذا سافر للحجّ أو للزيارة يقصّر (1) ، نعم لو حجّ أو زار لكن من حيث إنّه عمله كما إذا كرى دابته للحجّ أو الزيارة وحجّ أو زار بالتبع أتمّ.
فلا معارضة بين الطائفتين بوجه.
ونتيجة ذلك : عدم اعتبار صدق الاختلاف والتردّد بانياً عليه ، والاكتفاء بمجرّد صدق كون السفر شغله وعملاً له عرفاً ولو كان ذلك في سفرة واحدة أو في سفرات من غير نيّة الاستمرار ليصدق الاختلاف ، كما لو اتّفق أنّه كارى دابته أو سيارته بقصد مرّة واحدة من دون تكرار فاتّفق مرّة أُخرى واتّفق ثالثة وفي كلٍّ لا ينوي الاستمرار إلّا أنّه صادف مصادفة ، فإنّ هذا يصدق عليه طبعاً أنّ شغله السفر ، بحيث لو سئل عن عمله لأجاب بأنّه المكاراة ، وإن لم يكن بانياً عليها.
وهكذا لو لم يختلف ولم يتردّد ، بل كان ذلك في سفر واحد ولم يعد إليه أبداً كما لو كارى دابته أو سيارته لسفر طويل يستوعب سنة مثلاً وليس قصده إلّا هذه المرّة ، فإنّه يصدق عليه أنّ شغله في هذه السنة المكاراة ، وإن لم يشتمل على العود والتردّد والذهاب والإياب ليصدق الاختلاف.
فالعبرة إذن بالصدق العرفي بكون السفر عملاً له ومهنة ، لا بالاختلاف وعدمه حسبما عرفت.
(1) قد ظهر حال هذه المسألة من مطاوي ما سبق ، وعرفت أنّه في مجال السفر الجديد الخارج عن مهنته لا يصدق عليه كون هذا السفر عملاً له ، فيكون المرجع إذن إطلاقات القصر لكلّ مسافر.
[2277] مسألة 46 : الظاهر (1)وجوب القصر على الحملدارية الذين يستعملون السفر في خصوص أشهر الحج ، بخلاف من كان متّخذاً ذلك عملاً له في تمام السنة ، كالّذين يكرون دوابّهم من الأمكنة البعيدة ذهاباً وإياباً على وجه يستغرق ذلك تمام السنة أو معظمها فإنّه يتمّ حينئذ (1).
(1) قد عرفت (2)أنّ المدار في الحكم بالتمام على صدق عنوان عمله السفر الذي قد يتحقّق بمرّة وأُخرى بمرّات حسب اختلاف الموارد ، وأنّه ليس المناط السفر الرابع كما عن الشهيد الثاني ، أو السفر الثالث كما عن العلّامة في المختلف (3).
وعليه ففي المكاري إذا كانت الفترات بين سفراته يسيرة كيومين أو ثلاثة مثلاً لم تضرّ بصدق العنوان ، وأمّا إذا كانت كثيرة أو طويلة فربما يقدح في الصدق ، فيختلف الصدق باختلاف الفترات طولاً وقصراً قلّة وكثرة.
ومنه تعرف حكم الحملدارية ، وهي اصطلاح تطلق على أُولئك الأشخاص الذين يرافقون الحجّاج الكرام لبيت اللّه الحرام لتعليمهم مناسك حجّهم وإرشادهم في سفرهم بكلّ ما يحتاجون إليه ، فإنّ المدّة التي يستوعبها الحملدار في سفره على نحوين :
فتارة : تكون قصيرة كما في زماننا هذا ، حيث لا يتجاوز العشرين يوماً أو ما قارب ، ولا يصدق على مثل ذلك كون السفر عملاً له قطعاً ، ولذا يتعيّن عليه القصر بلا إشكال.
.................................................................................................
وأُخرى : تطول المدّة ، ولربما استمرت إلى شهور عديدة كما في الأزمنة السابقة ويتكرّر منه العمل في كلّ سنة ، وحينئذ فيصدق على مثل هذا الحملدار أنّ عمله في السفر فيجب عليه التمام. إذن فيختلف هذا العنوان تبعاً لقلّة المدّة وكثرتها.
فإن علمنا بالحال وأحرزنا الصدق أو عدمه فلا كلام ، وأمّا لو شكّ في ذلك فقد تكون الشبهة موضوعية وأُخرى حكمية مفهومية.
أمّا في الموضوعية وهي فرض نادر كما لو شكّ في كيفية خروجه في هذه السفرة وأنّه هل خرج مكارياً أو حاجّاً؟ فلا شكّ في وجوب القصر لعدم إحراز انطباق عنوان المخصّص عليه ، والأصل عدمه ، فيدخل تحت عنوان كلّي المسافر المحكوم عليه بالقصر ، وهذا واضح.
وأمّا في الحكمية المستندة إلى الجهل بسعة المفهوم وضيقه ، المستوجب للشكّ في صدق عنوان عمله السفر كما في الحملدارية التي تستوعب من كلّ سنة ثلاثة أشهر مثلاً ، التي كانت تتّفق في الأزمنة السابقة من العراق إلى مكّة. فيحتمل أن يكون الحكم حينئذ هو القصر ، نظراً إلى الشكّ في التخصيص الزائد في أدلّة وجوب القصر الثابت لكلّ مسافر ، فانّ الخارج منها من كان عمله السفر ، ويشكّ في دائرة هذا العنوان سعة وضيقاً ، فيقتصر على المقدار المتيقّن ، ويرجع فيما عداه إلى عموم العام.
ويحتمل التمام ، ووجهه أنّ الخارج عن إطلاقات القصر عناوين خاصّة كالمكاري والجمال والملاح ونحوها ، وهذه العناوين المقيّدة في أنفسها مطلقة أيضاً غاية الأمر أنّها قيّدت بعنوان عمله السفر بمقتضى التعليل الوارد في صحيح زرارة (1)كما مرّ (2)، لأنّ العلّة تضيّق كما أنّها توسّع حسبما عرفت.
[2278] مسألة 47 : من كان شغله المكاراة في الصيف دون الشتاء أو بالعكس الظاهر وجوب التمام عليه ، ولكن الأحوط الجمع (1).
[2279] مسألة 48 : من كان التردّد إلى ما دون المسافة عملاً له كالحطّاب ونحوه قصّر إذا سافر ولو للاحتطاب ، إلّا إذا كان يصدق عليه المسافر عُرفاً وإن لم يكن بحدّ المسافة الشرعية ، فإنّه يمكن أن يقال (1)بوجوب التمام عليه
وبما أنّ هذا المقيّد الثاني يشكّ في مفهومه سعة وضيقاً كما هو المفروض فلأجله يشكّ في تخصيص الخاص بالزائد على المقدار المعلوم ، فلا محيص حينئذ من الاقتصار على المقدار المتيقّن المحرز كونه مصداقاً لعملية السفر ، والرجوع فيما عداه إلى إطلاق عنوان الخاصّ من المكاري ونحوه ، ونتيجته الحكم بالتمام هذا.
ولأجل التردّد بين هذين الاحتمالين كتبنا في التعليقة أنّ فيه إشكال والاحتياط بالجمع لا يترك. وإن كان التمام أقرب الاحتمالين ، لأوجهية التقرير الثاني من الأوّل كما لا يخفى ، ومن ثمّ لو ضاق الوقت ولم يتمكّن من الجمع كان المتعيّن اختيار التمام.
(1) قد ظهر الحال في هذه المسألة من مطاوي ما قدّمناه ، فإنّه يجب التمام لصدق أنّ عمله السفر حال الاشتغال بالمكاراة ، وإن لم يصدق في الحالة الأُخرى فيشمله إطلاق الأدلّة بعد وضوح أنّ كون السفر عملاً غير متوقّف على قصد الدوام والاستمرار ، فلو كان بمقدار يتحقّق معه الصدق العرفي كفى وإن كان موقّتاً ، ولكن الاحتياط بالجمع حسن على كلّ حال كما ذكره في المتن.
1) (*) لكنّه بعيد ، والأظهر وجوب القصر عليه في الفرض المزبور.
إذا سافر (1) بحدّ المسافة خصوصاً فيما هو شغله من الاحتطاب مثلاً.
[2280] مسألة 49 : يعتبر في استمرار من شغله السفر على التمام أن لا يقيم في بلده أو غيره عشرة أيام (2) ،
(1) ولكنّه بعيد كما مرّت الإشارة إليه في أوائل هذا الشرط (1)، وعرفت أنّ الأظهر وجوب القصر في هذا الفرض أيضاً ، نظراً إلى أنّ المستفاد من أدلّة المقام بعد ملاحظة أنّ لسانها لسان الاستثناء من أدلّة القصر أنّ التمام حكم من كان عمله السفر الموجب للقصر في حدّ نفسه أي لولا كونه عملاً له فيختصّ طبعاً بالسفر الشرعي البالغ حدّ المسافة ، ولا يعمّ ما دون ذلك ، ولا أثر للسفر العرفي بوجه.
إذن لا فرق في من كان عمله التردّد إلى ما دون المسافة بين من صدق عليه المسافر عرفاً وبين من لم يصدق في وجوب القصر لو سافر على التقديرين.
(2) المشهور أنّ المكاري ونحوه ممّن شغله السفر يشترط في بقائه على التمام أن لا يقيم في بلده أو غيره عشرة أيام ، وإلّا انقطع عنه حكم عملية السفر وأصبح كسائر المسافرين ، فيقصّر في السفرة الاولى ، بل الثانية والثالثة على خلاف في الأخيرتين :
ويستدلّ له بوجوه :
أحدها : صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : المكاري والجمال الذي يختلف وليس له مقام يتم الصلاة ويصوم شهر رمضان» (2)بدعوى أنّ المراد بالتقييد بعدم الإقامة هي الإقامة الشرعية التي حدّها عشرة أيام
.................................................................................................
لا مطلق الإقامة ولو في الجملة ، لتحققها من كلّ مكارٍ غالباً ولو يوماً أو بعض اليوم.
ويندفع : بأنّ المنسبق إلى الذهن من مثل هذه العبارة أنّ قوله (عليه السلام) : «وليس له مقام» بيان لقوله : «الذي يختلف» وتفسير له ، لا أنّه تقييد آخر زائداً على ما تقدّمه. والمقصود اختصاص الحكم بالتمام بالمكاري الذي يتّصف فعلاً بصفة المكاراة ، وهو الذي يختلف في سيره ويتردّد في سفره فلم يكن له مقر ولا مقام ، في قبال من يكون مستقراً ومقيماً في مكان واحد ولم يسافر إلّا أحياناً واتفاقاً. فالرواية ناظرة إلى جهة أُخرى ، وأجنبية عمّا نحن فيه كما لا يخفى.
ثانيها : ما رواه الشيخ بإسناده عن يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن حدّ المكاري الذي يصوم ويتم ، قال : أيّما مكارٍ أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقل من مقام عشرة أيام وجب عليه الصيام والتمام أبداً ، وإن كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيّام فعليه التقصير والإفطار» (1).
والخدش في دلالتها بظهورها في اعتبار الأكثر من عشرة أيام في انقطاع حكم عملية السفر وهو خلاف المدعى من كفاية العشرة نفسها ، مدفوع بظهور الشرطية الثانية في كونها تصريحاً بمفهوم الشرطية الأُولى ، فتعم العشرة وما فوقها.
وقد ورد نظير هذا التعبير في الذكر الحكيم قال تعالى ( فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ) (2)أي الثنتان فما زاد ، ونظيره أيضاً ما ورد من عدم العفو عن الدم
.................................................................................................
الزائد على الدرهم ، المراد به الدرهم فما زاد ، كما تعرّض إليه صاحب الجواهر (قدس سره) في بحث النجاسات (1)، ومثل هذا التعبير شائع متعارف كما لا يخفى. فدلالتها على المدعي تامّة ، غير أنّها ضعيفة السند من وجهين :
أحدهما : من حيث اشتماله على إسماعيل بن مرار ، ولم يوثّق. وربما يجاب عنه بأنّه من رجال نوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى ، فإنّ هذه الرواية قد رواها الشيخ في التهذيب من كتابه ، وقد استثنى ابن الوليد شيخ الصدوق وتبعه القميون من رجال النوادر جماعة ، فصرّح بعدم العمل برواياتهم (2)، بل قد صرّح الصدوق بضعف بعضهم ولم يذكر الرجل في تلك الجماعة ، فعدم الاستثناء يكشف عن الاعتماد برواياته المستلزم بطبيعة الحال لتوثيقه.
ويندفع : بأنّ عدم الاستثناء وإن دلّ على العمل بروايات الرجل كما ذكر إلّا أنّه لا يدلّ على توثيقه بنفسه ، لجواز أن يكون مبنى ابن الوليد على أصالة العدالة كما هو مسلك العلّامة ، إذ لم يظهر لنا مبناه في هذا الباب.
وعلى الجملة : العمل بمجرّده أعم من التوثيق بعد تطرّق الاحتمال المزبور ، فلا يجدي ذلك لمن يرى كما هو الصحيح اعتبار وثاقة الراوي في العمل بروايته.
ثانيهما : من حيث الإرسال ، فإنّ يونس يرويها عن بعض رجاله ، وهو مجهول.
ودعوى أنّه من أصحاب الإجماع الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم قد تقدّم الجواب عنها مراراً ، وقلنا إنّه ليس المراد من معقد هذا الإجماع الذي ادّعاه الكشي (3)عدم النظر إلى مَن بعد هؤلاء ممّن وقع في السند بحيث يعامل معه معاملة الصحيح وإن كان الراوي مجهولاً أو كذاباً ، فانّ هذا
.................................................................................................
غير مراد جزماً.
بل المراد اتفاق الكلّ على جلالة هؤلاء ووثاقتهم ، بحيث لم يختلف في ذلك اثنان ، وبذلك يمتازون عن غير أصحاب الإجماع ، فلا يتأمل في الرواية من ناحيتهم ، لا أنّه يعمل بالرواية ويحكم بصحّتها على الإطلاق ، كيف وقد ظفرنا على رواية هؤلاء عمّن هو مشهور بالكذب والضعف كما أشرنا إلى جملة من ذلك في كتابنا معجم الرجال (1)فراجع إن شئت.
نعم ، لو تمّ ما ادّعاه الشيخ في العدّة من الإجماع على أنّ مراسيل ابن أبي عمير وأضرابه بمنزلة المسانيد ، بدعوى أنّ هؤلاء لا يروون إلّا عن الثقة (2)حكم في المقام بصحّة الرواية. لكنّه لا يتم ، كيف والشيخ (قدس سره) نفسه لم يعمل بمراسيل ابن أبي عمير في كتاب التهذيب (3). فيظهر أنّ تلك الدعوى اجتهاد منه كما نبّهنا عليه في الكتاب المزبور (4).
فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ الرواية وإن كانت تامّة الدلالة إلّا أنّها ضعيفة السند من جهة إسماعيل بن مرار أوّلاً ، ومن جهة الإرسال ثانياً ، هذا.
ولكن المناقشة من الجهة الأُولى قابلة للدفع ، نظراً إلى أنّ إسماعيل بن مرار مذكور في أسانيد كتاب التفسير لعلي بن إبراهيم ، وقد التزم هو في تفسيره (5)كجعفر بن محمد بن قولويه في كامله (6)بأن لا يروي إلّا عن الثقة ، فكانت
.................................................................................................
هذه منه شهادة عامّة بتوثيق كلّ من وقع في أسناد التفسير ، ولا بدّ من الأخذ به ، فإنّه لا يقلّ عن توثيق مثل النجاشي ، بل هو أعظم ، لكون عهده أقرب.
نعم ، المذكور في الطبعة الجديدة من التفسير المذكور : إسماعيل بن ضرار في موضع (1)، وإسماعيل بن فرار في موضع آخر (2)، وكلاهما غلط من الناسخ ، والصحيح إسماعيل بن مرار كما في الطبعة القديمة منه.
فالعمدة في المناقشة السندية إنّما هي الجهة الثانية أعني الإرسال ، وإلّا فالرواية معتبرة من غير هذه الناحية.
ثالثها : ما رواه الشيخ أيضاً بإسناده عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : المكاري إذا لم يستقر في منزله إلّا خمسة أيام أو أقل قصّر في سفره بالنهار وأتمّ صلاة الليل وعليه صيام شهر رمضان ، فان كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر قصّر في سفره وأفطر» (3).
ومحلّ الاستشهاد ذيل الرواية أعني قوله : «فان كان له مقام ...» إلخ ، وأمّا صدرها المشتمل على التفصيل بين النهار واللّيل لدى الاستقرار خمسة أيام فسيقع الكلام حول ذلك قريباً إن شاء اللّه تعالى (4).
وقد دلّ الذيل بوضوح على انقطاع الحكم لدى الإقامة عشرة أيام ، وأنّ الواجب حينئذ التقصير في سفره والإفطار كسائر المسافرين.
نعم ، قد يناقش في دلالتها بأنّ ظاهرها التقصير والإفطار في السفر إلى البلد الذي يقيم فيه عشرة أيام ، لا في السفر من البلد الذي أقام فيه عشرة الذي هو
.................................................................................................
محلّ الكلام. فما هو ظاهر الرواية من التقصير والإفطار في السفر الذي يتعقّب بإقامة العشرة لا قائل به ، بل هو مقطوع البطلان ومخالف للإجماع ، إذ لم يتحقّق بعدُ ما يوجب انقطاع حكم عملية السفر كما هو واضح ، وما هو محلّ الكلام من قاطعية العشرة لحكم التمام ، أي وجوب التقصير والإفطار في السفر الواقع بعد ذلك لا تدلّ عليه الرواية بوجه.
ولكنّ هذه المناقشة لعلّها واضحة الدفع ، فانّ هذه الشرطية أعني قوله : «فان كان له مقام ...» إلخ في مقابل الشرطية الأُولى المذكورة في الصدر ، وظاهر المقابلة أنّه لا اختلاف بين الصدر والذيل إلّا من حيث الإقامة خمسة وعشرة فهما ينظران إلى موضوع واحد.
وبما أنّ المراد من السفر في الصدر السفر من البلد الذي أقام فيه خمسة بالضرورة لا إلى ذلك البلد ، فكذا الحال في الذيل ، فيراد به التقصير في سفره من البلد الذي يذهب إليه ويقيم عشرة ، كما يؤيّده التعبير بقوله : «فان كان له مقام ...» إلخ بصيغة الماضي ، أي عند ما أقام في ذلك البلد عشرة أيام قصّر بعدئذ في سفره ، فلا يراد إلّا السفر الحاصل بعد تلك الإقامة لا قبلها كما هو ظاهر.
فالإنصاف : أنّ الرواية واضحة الدلالة على المطلوب من قاطعية الإقامة عشرة أيام لحكم عملية السفر.
وأمّا من حيث السند فقد عرفت أنّ إسماعيل بن مرار الواقع في السند موثّق بتوثيق علي بن إبراهيم ، ولأجله يحكم بصحة الرواية.
ومع الغض عن ذلك فتكفينا هذه الرواية على طريق الصدوق ، المحكومة حينئذ بالصحّة جزماً ، فإنّه (قدس سره) قد رواها بعين المتن المتقدّم عن الشيخ غير أنّه أضاف بعد قوله : «عشرة أيام أو أكثر» قوله : «وينصرف إلى منزله
وإلّا انقطع حكم عملية السفر وعاد إلى القصر في السفرة الأُولى خاصّة دون الثانية فضلاً عن الثالثة ، وإن كان الأحوط الجمع فيهما (1).
ويكون له مقام عشرة أيام أو أكثر» (1).
والظاهر أنّ هذه الإضافة ناظرة إلى اختلاف المورد من حيث الذهاب إلى بلد آخر أو الرجوع إلى منزله ، فتعتبر الإقامة عشرة أيام فيما لو ذهب إلى بلد آخر ، أو الإقامة كذلك فيما لو انصرف ورجع إلى منزله ، لا أنّه يعتبر في الحكم بالانقطاع مجموع الأمرين معاً.
والمتحصّل من جميع ما ذكرناه أنّ الحكم بالانقطاع بإقامة عشرة أيام ممّا لا ينبغي التأمل فيه ، لصحيحة عبد اللّه بن سنان بطريقي الشيخ والصدوق.
(1) لا إشكال في الانقطاع والرجوع إلى القصر في السفرة الأُولى ، فإنّها القدر المتيقّن من النص ، كما لا إشكال في عدمه والرجوع إلى التمام في الرابعة وما زاد.
إنّما الكلام في السفرة الثانية ، بل الثالثة على ما نسب الخلاف فيها أيضاً إلى بعضهم ، فذهب جماعة ومنهم الماتن (قدس سره) إلى الرجوع في الثانية فضلاً عن الثالثة إلى التمام ، واختصاص الحكم بالسفرة الأُولى التي هي المتيقّن من مورد النص ، ويرجع فيما عداها إلى عموم وجوب التمام. ونسب التعميم إلى جماعة آخرين.
والأقوى هو الأوّل ، ويدلّنا عليه :
أوّلاً : إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّه بن سنان : «المكاري إذا لم يستقر في منزله إلّا خمسة أيام أو أقل ...» إلخ ، فإنّ هذه الشرطية بإطلاقها
1) الوسائل 8 : 489 / أبواب صلاة المسافر ب 12 ح 5 ، الفقيه 1 : 281 / 1278.
.................................................................................................
تشمل السفرة الثانية والثالثة وهكذا.
والمذكور فيها من التفصيل بين الصوم والصلاة وبين صلاة الليل والنهار وإن كان محمولاً على التقية أو على النوافل أو غير ذلك ممّا ستعرف ، فلم تكن من هذه الناحية خالية عن الإجمال ، إلّا أنّها على أيّ حال دالّة على أنّ الحكم الثابت في مفروض الشرطية الثانية أعني التقصير والإفطار لدى إقامة عشرة أيام لم يكن ثابتاً في مورد الشرطية الأُولى أي إقامة الخمسة أو أقل ، فإنّها في هذا المقدار من الدلالة ظاهرة بل صريحة.
ومقتضى الإطلاق كما عرفت شموله للسفرة الثانية أيضاً فيما إذا تحقّقت بعد إقامة خمسة أيام أو أقل ، وأمّا إذا وقعت بعد إقامة عشرة أيام أُخرى فهي بنفسها تعدّ من السفرة الأُولى كما لا يخفى.
وثانياً : أنّ الصحيحة المتقدّمة بنفسها دالّة على الاختصاص بالسفرة الأُولى لأنّ ظاهر قوله (عليه السلام) في الشرطية الثانية : «قصّر في سفره وأفطر» إرادة السفرة الواقعة عقيب إقامة العشرة وتلوها ، لا كلّ سفر حيثما تحقّق.
ومع الغض عن ذلك وتسليم الإجمال من هذه الناحية فالمرجع عموم وجوب التمام الثابت لكلّ مكارٍ ، لأنّ هذه الصحيحة بمثابة التخصيص لذلك العام ، ومن المقرّر في محلّه لزوم الاقتصار في المخصّص المجمل الدائر بين الأقل والأكثر على المقدار المتيقّن (1)، الذي هو السفر الأوّل في المقام ، فيرجع فيما عداه إلى عموم العام المتضمّن لوجوب التمام ، هذا.
وربما يستدلّ لوجوب التمام في السفرة الثانية بالاستصحاب ، بدعوى أنّه
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 180 وما بعدها.
ولا فرق في الحكم المزبور بين المكاري والملّاح والساعي (1)وغيرهم ممّن عمله السفر (1).
بعد ما عاد من السفرة الاولى إلى وطنه حكم عليه بالتمام بلا كلام ، وبعد ما خرج منه إلى السفرة الثانية يشكّ في انقلابه إلى القصر فيستصحب.
وفيه أوّلاً : أنّه من الاستصحاب في الشبهات الحكمية ، ولا نقول به.
وثانياً : أنّ هذا من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلّي ، فإنّ التمام الثابت آن ذاك إنّما هو بعنوان كونه في الوطن ، وهذا الفرد من كلّي وجوب التمام قد زال وارتفع بالخروج إلى السفرة الثانية قطعاً ، ولو ثبت الوجوب بعدئذ فهو بعنوان كونه مكارياً ، الذي هو تخصيص في أدلّة وجوب القصر ، وهذا فرد آخر من التمام مغاير لما كان ثابتاً سابقاً ، يشكّ في حدوثه مقارناً لارتفاع الفرد السابق.
فذاك الفرد المتيقّن معلوم الارتفاع ، وهذا الفرد مشكوك الحدوث ، والكلِّي الجامع بينهما غير قابل للاستصحاب ، لما عرفت من كونه من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلّي ، والمقرّر في محلّه عدم جريانه (2).
فتحصّل : أنّ الأظهر هو الاختصاص بالسفرة الاولى ، ووجوب التمام فيما عداها لا للاستصحاب ، بل للدليل اللفظي حسبما عرفت.
(1) لا يخفى أنّ مقتضى الإطلاق في الأدلّة الأوّلية وجوب التقصير على كلّ مسافر ، خرجنا عن ذلك في المكاري ونحوه ممّن شغله السفر بمقتضى النصوص الدالّة على وجوب التمام عليهم كما سبق ، فكان هذا تخصيصاً في الدليل الأوّلي.
.................................................................................................
وقد ورد على هذا المخصّص مخصّص آخر في خصوص المكاري ، وأنّه إذا سافر بعد إقامة عشرة أيام وجب عليه القصر والإفطار ، فانّ هذا من التخصيص دون التخصّص ، لوضوح عدم خروج المكاري بإقامة العشرة عن كونه مكارياً ، ولا سيما في الأزمنة السابقة التي كانت تطول فيها مدّة الأسفار فكان المكاري يسافر من العراق إلى خراسان مدّة شهرين تقريباً ، وبعد عوده إلى بلده يبقى لعلّه شهراً ثمّ يأخذ في السفرة الأُخرى وهكذا.
وعلى الجملة : دليل انقطاع عملية السفر بإقامة العشرة وهي صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدّمة ليس إلّا تخصيصاً في دليل وجوب التمام كما عرفت.
وبما أنّ مورده المكاري بخصوصه فمقتضى الجمود على مورد النص الاقتصار عليه في الحكم بالتقصير ، دون التعدّي إلى مطلق من عمله السفر كالملاح والساعي ونحوهما ، بل اللازم في مثل ذلك التمام وإن أقاموا عشرة أيام ، إلّا أن يكون هناك إجماع على الملازمة بين المكاري وغيره كما ادّعي ، وأنّ كلّ من كان عمله السفر وظيفته التقصير بعد إقامة عشرة أيام ، وإنّما ذكر المكاري في النصّ من باب المثال دون خصوصية فيه.
لكن الشأن في إثبات الإجماع وإن ادّعاه صاحب الجواهر (1)وغيره ، فإنّ المسألة لم تكن محرّرة في كلمات القدماء ، وإنّما تعرّض لها المتأخّرون. فالقول بالاختصاص بالمكاري الذي حكاه المحقّق في الشرائع (2)وإن لم يعرف قائله هو الأوفق بالجمود على مقتضى ظاهر النص.
ومع التنزّل فلا أقلّ من إجمال النصّ وتردّده بين أن يكون المراد خصوص المكاري أو مطلق من عمله السفر ، ومن المعلوم لزوم الاقتصار في المخصّص
أمّا إذا أقام أقل من عشرة أيام بقي على التمام (1) ، وإن كان الأحوط مع إقامة الخمسة الجمع (1).
المجمل الدائر بين الأقل والأكثر على المقدار المتيقّن الذي هو المكاري ، والرجوع فيما عداه إلى عموم وجوب التمام على من شغله السفر حسبما عرفت من أنّ النصّ المزبور مخصّص لذلك العموم ، وليس من التخصّص في شيء ، لوضوح عدم التنافي بين إقامة العشرة وبين كون شغله السفر.
(1) إذا أقام المكاري أو غيره بناءً على تعميم الحكم لمطلق من شغله السفر أقل من عشرة أيّام فالمشهور وجوب التمام ، استناداً إلى عمومات التمام عليهم ، وخصوص صحيحة ابن سنان التي أُنيط التقصير فيها بإقامة العشرة المستلزم لوجوب التمام لو أقام دونها.
وحكي عن الإسكافي أنّ إقامة الخمسة كالعشرة موجبة للتقصير والإفطار (2)وهذا لم يعرف له مستند أصلاً.
ونسب إلى الشيخ (3)وأتباعه وإلى الوسيلة (4)والنهاية (5)أنّه لو أقام خمسة أيام قصّر في صلاته نهاراً دون صومه (6)وأتمّ ليلاً ، واستدلّ له بما في صدر صحيحة ابن سنان : «المكاري إذا لم يستقر في منزله إلّا خمسة أيام أو أقل قصّر
.................................................................................................
في سفره بالنهار وأتمّ صلاة الليل ، وعليه صيام شهر رمضان ...» إلخ (1).
وفيه : أنّ ظاهر الصحيحة جريان الحكم المزبور حتّى في إقامة الأقل من خمسة أيام كثلاثة أو يومين ، ولم يقل به أحد من الأصحاب حتّى الشيخ نفسه فإنّه اعتبر الخمسة ولم يكتف بالأقل. فما هو ظاهر الصحيحة لا قائل به ، وما يقول به الشيخ لا دليل عليه ، فلا بدّ من ردّ علم الصحيحة في هذه الفقرة إلى أهله لشذوذها ، بل ومخالفتها لما دلّ من النصوص الكثيرة على الملازمة بين التقصير والإفطار. فهي من هذه الناحية مجملة.
ويمكن حملها على التقية حيث نسب مضمونها إلى بعض العامّة (2)، أو حملها على إرادة النوافل وأنّه يقصّر في نوافل النهار ويتم في النوافل اللّيلية.
وكيف ما كان ، فما اشتمل مضمونها من التفصيل بين الصوم والصلاة والتفصيل بين صلاة النهار واللّيل مطروح أو مأوّل ، فلا تصلح للاستدلال في قبال عمومات التمام ، هذا.
وقد احتاط الماتن (قدس سره) بالجمع لدى إقامة الخمسة حذراً عن شبهة الخلاف المتقدّم ، لكن كان الأولى والأحسن بل المتعيّن تخصيص الاحتياط المزبور بالصلوات النهارية ، أمّا الليلية فلا وجه للاحتياط فيها ، بل يتعيّن التمام كما هو صريح الصحيحة المتقدّمة.
وبالجملة : مورد الخلاف الموجب للاحتياط إنّما هي الصلوات النهارية التي يجب فيها التمام بمقتضى العمومات وعليه المشهور ، والقصر بمقتضى الصحيحة وعليه الشيخ وأتباعه ، أمّا اللّيلية فالمتعيّن فيها التمام على كلّ حال ، سواء أخذنا بالصحيحة أم لا ، والشيخ أيضاً لا يقول بالقصر فيها ، فلا مقتضي للاحتياط
ولا فرق في الإقامة في بلده عشرة بين أن تكون منويّة أو لا ، بل وكذا في غير بلده (1)أيضاً ، فمجرّد البقاء عشرة يوجب العود إلى القصر ، ولكن الأحوط مع الإقامة في غير بلده بلا نيّةٍ الجمعُ في السفر الأوّل بين القصر والتمام (1).
بالإضافة إليها بوجه كما هو ظاهر جدّاً.
(1) لا إشكال كما لا خلاف في عدم اعتبار كون العشرة منويّة فيما لو أقامها في بلده كما يقتضيه إطلاق النصّ ومعاقد الإجماعات.
وأمّا لو أقامها في غير بلده فالمشهور بل عن الشهيد الثاني في الروض (2)والعلّامة (3)والمحدّث المجلسي (4)دعوى الإجماع على اعتبار النيّة فيها ، فيفصّل بين البلد وغيره في اعتبار النيّة وعدمه ، فلا ينقطع حكم السفر بإقامة العشرة غير المنويّة في غير بلده.
وهذا هو الصحيح ، لا لأنّ ذلك هو مقتضى مناسبة الحكم والموضوع ، بدعوى أنّ المناسب لوقوعه عدلاً لحضور العشرة في بلده هي العشرة المنويّة في غير بلده ، فإنّها الموجب لترك التلبّس بالسفر الذي هو عمله ، لا مطلق المكث عشرة كيف ما كان.
وبعبارة اخرى : إقامة العشرة المذكورة في النصّ مسوقة لبيان ما يتحقّق به الخروج عن السفر ، وهذا يتحقّق بالإقامة في بلده مطلقاً وفي غيره مع النيّة. فالتفصيل ممّا يقتضيه تناسب الحكم والموضوع.
.................................................................................................
ولا لأنّ ذلك هو مقتضى الانصراف ، بدعوى أنّ القاطع لحكم السفر والموجب لقلب القصر إلى التمام هو قصد إقامة عشرة أيام في غير بلده ، لا مطلق إقامتها فينصرف الذهن في المقام من إقامة العشرة إلى تلك العشرة المعهودة وهي المنويّة المقصودة.
وعلى الجملة : ليس الوجه في تخصيص العشرة في غير بلده بالعشرة المنويّة شيئاً من هذين الأمرين ، وإن كان كلّ منهما صالحاً للتأييد.
بل الوجه في ذلك استفادته من نفس صحيحة ابن سنان ، حيث عبّر في صدرها عن المكث في المنزل بالاستقرار ، فيعلم أنّ المدار فيه بمطلق القرار والبقاء الصادق مع النيّة وبدونها ، مضافاً إلى الإجماع على عدم اعتبار النيّة بالنسبة إليه كما سبق.
وأمّا بالإضافة إلى البلد الذي يذهب إليه فقد عبّر بلفظ المقام ، حيث قال (عليه السلام) : «فان كان له مقام ...» إلخ ، والمقام مشروب في مفهومه القصد والنيّة ، حيث إنّه من باب الإفعال من أقام يقيم ، ومعناه اتخاذ مكان محلّاً ومقرّاً له ، فمعنى أقام زيد في مكان كذا أنّه اتّخذه محلا ومسكناً له إمّا دائماً أو موقّتاً بوقت محدود ، ومن المعلوم أنّ الاتخاذ لا يتحقّق إلّا مع القصد والنيّة ، ولا يكاد يصدق على مجرّد المكث والبقاء كيف ما كان. فاختلاف التعبير بين الموردين بنفسه كاشف عن التفصيل المزبور بين البلد وغيره.
وإن أبيت عن ظهور الصحيحة فيما ادّعيناه فلا أقلّ من الاحتمال المورث للإجمال وتردّد لفظ المقام بين اعتبار النيّة في مفهومه وعدمه ، فيكون من موارد المخصّص المجمل الدائر بين الأقل والأكثر ، المحكوم بلزوم الاقتصار فيه على المقدار المتيقّن في الخروج عن عمومات التمام وهي العشرة المنوية ، فيرجع فيما عداها إلى عموم العام.
[2281] مسألة 50 : إذا لم يكن شغله وعمله السفر لكن عرض له عارض فسافر أسفاراً عديدة لا يلحقه حكم وجوب التمام (1) ، سواء كان كلّ سفرة بعد سابقها اتفاقياً ، أو كان من الأوّل قاصداً لأسفار عديدة ، فلو كان له طعام أو شيء آخر في بعض مزارعه أو بعض القرى وأراد أن يجلبه إلى البلد فسافر ثلاث مرّات أو أزيد بدوابّه أو بدوابّ الغير لا يجب عليه التمام وكذا إذا أراد أن ينتقل من مكان إلى مكان فاحتاج إلى إسفار متعدِّدة في حمل أثقاله وأحماله.
وهذا هو عمدة الوجه في اعتبار النيّة في غير البلد ، وإلّا فالإجماع المدّعى في المقام غير صالح للاعتماد ، نظراً إلى أنّ المسألة لم تكن محرّرة ولا معنونة في كلمات الأصحاب ، بل لم يعرف من تعرّض لها إلى زمان المحقّق في النافع (1). فهي من المسائل المستحدثة في كتب المتأخّرين والمهملة لدى القدماء السابقين ومع هذا الإهمال والإعراض لم يبق وثوق بنقل الإجماع بحيث يعتمد عليه في رفع اليد عن إطلاق النصّ على تقدير ثبوته.
لكنّك عرفت عدم الإطلاق من أصله بالإضافة إلى غير البلد ، بل هو إمّا ظاهر في اعتبار النيّة أو لا أقل من الإجمال حسبما ذكرناه. ومنه تعرف ضعف ما في المتن من إلحاق غير البلد به في عدم اعتبار النيّة فلاحظ.
(1) إذ ليست العبرة في وجوب التمام بمجرّد الكثرة وتكرّر السفر مرّات عديدة ، بل المدار على صدق كون السفر عملاً وشغلاً له كما في النص (2)المنوط عُرفاً باتخاذه حرفة وصنعة له كما في المكاري ونحوه ، وهو غير حاصل في
[2282] مسألة 51 : لا يُعتبر في مَن شغله السفر اتحاد كيفيات وخصوصيات أسفاره من حيث الطول والقصر ومن حيث الحمولة ومن حيث نوع الشغل (1) فلو كان يسافر إلى الأمكنة القريبة فسافر إلى البعيدة أو كانت دوابّه الحمير فبدّل بالبغال أو الجمال ، أو كان مكارياً فصار ملّاحاً أو بالعكس يلحقه الحكم وإن أعرض عن أحد النوعين إلى الآخر أو لفّق من النوعين ، نعم لو كان شغله المكاراة فاتّفق أنّه ركب السفينة للزيارة أو بالعكس قصّر ، لأنّه سفر في غير عمله ، بخلاف ما ذكرنا أوّلاً فإنّه مشتغل بعمل السفر ، غاية الأمر أنّه تبدّل خصوصية الشغل إلى خصوصية أُخرى فالمناط هو الاشتغال بالسفر وإن اختلف نوعه.
[2283] مسألة 52 : السائح في الأرض الذي لم يتّخذ وطناً منها يتمّ (2) والأحوط الجمع.
الفرضين المذكورين في المتن كما هو ظاهر جدّاً.
(1) فإنّ شيئاً من هذه الخصوصيات غير دخيل فيما هو موضوع الحكم من كون السفر شغله وعملاً له ، الصادق في جميع هذه الفروض على نحو صدقه في السفر السابق عليه.
فلو بدّل سفره الطويل بالقصير كما لو كان مكارياً من العراق إلى خراسان فأبدله إلى المكاراة بين النجف والحلّة ، أو كانت دوابه الحمير فأبدلها بالبغال أو الجمال ، أو كان مكارياً في يوم وجمّالاً في يوم آخر وملاحاً في يوم ثالث ، وكرياً في يوم رابع وهكذا ، أو أعرض عن نوع واشتغل بنوع آخر ففي جميع ذلك يجب عليه التمام ، لما عرفت من أنّ المناط هو الاشتغال بالسفر وكونه عملاً له وإن تبدّلت خصوصياته واختلفت أنواعه ، أخذاً بإطلاق الدليل كما هو ظاهر.
(2) لاستفادة ذلك ممّا ورد في الأعراب وأهل البوادي من الحكم بالتمام
[2284] مسألة 53 : الراعي الذي ليس له مكان مخصوص (1)يتم (1).
معلّلاً بأنّ بيوتهم معهم (2)، فانّ المفهوم عرفاً من هذا الكلام أنّ المستند في التمام عدم توطّنهم في مكان معيّن ، وعدم اتخاذهم محلا خاصّاً مقراً ومستقراً لهم ، بل هم دائماً في نقل وانتقال يطلبون القطر ومنبت العشب ، وإلّا فنقل البيت معهم لا خصوصية له في هذا الحكم بوجه.
وهذا المعنى بعينه متحقّق في السائح في الأرض الذي لم يتّخذ وطناً منها سواء اتّخذ بيته معه أم لا ، بأن اتّخذ في كلّ منزل بيتاً ، وورد في كلّ بلد فندقاً فيجب عليه التمام بعين المناط المزبور.
والسرّ في ذلك كلّه عدم صدق عنوان المسافر لا على السائح ولا على الأعراب لاختصاص مفهومه بمن كان له حضر ومقر يستقر فيه فيخرج ويبرز عنه ، فانّ السفر هو البروز والخروج ، المتوقّف صدقه على أن يكون له وطن ومقر يسكن فيه لكي يبرز ويخرج عنه ، وهو منفي عن مثل السائح ونحوه كما عرفت.
(1) بلا إشكال ولا خلاف ، للروايات الكثيرة التي عدّ فيها الراعي ممّن يجب عليهم التمام في السفر معلّلاً بأنّ السفر عملهم ، التي منها صحيحة زرارة قال «قال أبو جعفر (عليه السلام) : أربعة قد يجب عليهم التمام ، في سفر كانوا أو حضر : المكاري والكري والراعي والاشتقان ، لأنّه عملهم» ونحوها غيرها (3)هذا.
ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين أن يكون رعية في جهة خاصّة بأن يذهب للرعي إلى مكان مخصوص ويرجع ثمّ يذهب إليه ويعود وهكذا ، أو في جهات
[2285] مسألة 54 : التاجر الذي يدور في تجارته يتمّ (1).
[2286] مسألة 55 : من سافر معرضاً عن وطنه لكنّه لم يتّخذ وطناً
عديدة فيذهب إلى مكان ثمّ إلى آخر ومنه إلى ثالث وهكذا ، لصدق الاشتغال بالرعي وأنّ السفر عمله في كلتا الصورتين.
كما كان هذا هو الحال في المكاري والجمال والملاح ونحو ذلك ، فإنّه يجب التمام سواء أكانت المكاراة في منطقة خاصّة كما بين النجف وكربلاء ، أو كان المكاري متجولاً في مناطق عديدة ، كلّ ذلك لإطلاق النصّ وصدق أنّ شغله السفر وأنّه عمله في الجميع بمناط واحد. فما في المتن من تقييد الرعي بعدم كونه في مكان مخصوص غير ظاهر الوجه.
نعم ، لا بدّ من تقييد الرعي ببلوغه حدّ المسافة الشرعية كي يتّصف بأنّ السفر عمله ، وأمّا من كان رعيه فيما دونها فاتفق خروجه إلى حدّ المسافة فإنّه يجب عليه التقصير كسائر المسافرين ، لعدم كون مثله ممّن شغله السفر كما هو ظاهر ، وتقدّمت الإشارة إليه سابقا (1).
(1) بلا خلاف ولا إشكال أيضاً كما دلّت عليه موثّقة السكوني حيث قال : سبعة لا يقصّرون الصلاة ، وعدّ منها التاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق (2).
فهو باعتبار دورانه في التجارة يكون من مصاديق من شغله السفر ، الذي يجب عليه التمام كالمكاري ونحوه.
غيره يقصّر (1)(1).
(1) لا بدّ وأن يكون مراده (قدس سره) من خرج معرضاً عن وطنه بانياً على اتخاذ وطن آخر ولم يستوطن بعد ، فإنّه يجب عليه التقصير ما لم يتّخذ الوطن الجديد ، لصدق عنوان المسافر عليه بالضرورة ، إذ لا فرق بين قِصَر السفر وطوله كما مرّ ، ومن الواضح عدم اندراجه في أحد العناوين الموجبة للتمام من كون بيته معه أو عمله السفر ونحو ذلك ، فحاله حال سائر المسافرين المحكوم عليهم بوجوب القصر كما هو واضح جدّا.
وأمّا لو أعرض بانياً على عدم اتخاذ الوطن رأساً بأن يكون سائحاً في الأرض فلا ينبغي التأمّل في وجوب التمام عليه ، لكونه في حكم من بيته معه إذ لا عبرة بالبيت كما مرّ (2)، والماتن أيضاً لا يريده جزماً ، لتصريحه فيما مرّ (3)بوجوب التمام على من يسيح في الأرض.
وبالجملة : لا يصدق اسم المسافر في مفروض المقام ، لاختصاصه بمن كان له وطن قد خرج عنه ، وهذا لا وطن له حقيقة ، بل مسكنه مجموع الكرة الأرضية فلا يندرج في عنوان المسافر ، وفي مثله لا مناص من الالتزام بالتمام ، هذا.
ولو تردّد المعرض المزبور في التوطّن وعدمه فخرج وهو لا يدري هل يتخذ وطناً جديداً أو لا ، فهل يحكم عليه بالقصر نظراً إلى أنّه خرج عن وطنه مسافراً أو التمام باعتبار عدم صدق اسم المسافر عليه ، لاختصاصه بمن كان له وطن يسافر عنه ويرجع إليه ، المنفي في المقام بعد فرض الإعراض؟ فيه وجهان.
[2287] مسألة 56 : من كان في أرض واسعة قد اتخذها مقراً إلّا أنّه كلّ سنة مثلاً في مكان منها يقصّر إذا سافر عن مقرّ سنته (1).
والأظهر الأوّل كما هو مقتضى إطلاق كلام الماتن (قدس سره) وذلك لصدق عنوان المسافر عليه حقيقة ، إذ لا يعتبر في الصدق المزبور العود إلى الوطن. فلو خرج عن وطنه بقصد التوطّن في مكان آخر ، أو خرج مجاهداً وهو يعلم أنّه يقتل لا إشكال في أنّه مسافر يجب عليه التقصير. فالعود والرجوع غير مأخوذ في مفهوم السفر قطعاً ، فإنّه مسافر وجداناً عاد أو لم يعد.
وحيث لم يرد دليل على التخصيص في المقام ، ولم يكن ممّن بيته معه ولا ممّن شغله السفر ، وقد عرفت كونه مسافراً بالوجدان بعد الخروج عن وطنه ، فلا مناص من الحكم بالتقصير.
(1) لو اتخذ أرضاً واسعة كجزيرة تستوعب عشرة فراسخ في عشرة مثلاً مقراً له ، إلّا أنّه يسكن كلّ سنة في ناحية منها فينتقل بعد السنة من شمالها إلى جنوبها أو من شرقها إلى غربها ، فلو سافر حينئذ من مقرّه الذي يسكن فيه وجب عليه القصر ، لصدق المسافر عليه حقيقة.
إذ لا يعتبر في صدق السفر إلّا الخروج عن مقرّه ومستقرّه ، سواء أكان ذلك وطنه أيضاً أم لا ، لعدم العبرة بالخروج عن الوطن بخصوصه في وجوب القصر بعد عدم وروده في شيء من الأدلّة ، بل الميزان هو الخروج عن المنزل أو الأهل أو المقرّ كما تضمّنتها النصوص (1)، وكلّ ذلك صادق في المقام ، غايته أنّ هنا
1) الوسائل 8 : 457 / أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 4 ، 473 / ب 7 ح 5. [وقد ذكر في هذه الأحاديث عنوان الخروج من المنزل ، وأمّا غيره ممّا ذكر فلم نعثر عليه ، نعم ورد عنوان «المصر» في الوسائل 8 : 516 / أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 12].
[2288] مسألة 57 : إذا شكّ في أنّه أقام في منزله أو بلد آخر عشرة أيام أو أقل بقي على التمام (1).
مقرّه الموقّت المحدود بسنة مثلاً لا المقر الدائمي ، ومن الواضح عدم الفرق بين المقر الموقّت والدائم من هذه الجهة بمقتضى إطلاق الدليل.
فلا يلحق ذلك بمن بيته معه كي لا يصدق عليه المسافر ، بل هو مسافر غايته من مقرِّه السنوي لا الدائمي. إذن فلا ينبغي التأمل في صحّة ما أفاده في المتن من وجوب القصر لدى سفره عن مقرّ سنته.
(1) لأن إقامة العشرة القاطعة لعملية السفر إمّا في خصوص المكاري أو الأعم منه بناءً على تعميم القاطعية لمطلق من شغله السفر كما تقدّم (1)مشكوك فيها ، والأصل عدمها ، ونتيجته البقاء على التمام كما ذكره (قدس سره) هذا.
ولا بدّ وأن يفرض محلّ كلامه (قدس سره) فيما إذا كان الشكّ في مبدأ الدخول في البلد الذي يشكّ في مقدار الإقامة فيه ، فانّ هذا هو الذي يشكّ فيه عادة كما لو خرج من كربلاء يوم عاشوراء ولا يدري أنّه دخلها أوّل محرّم كي يكون هذا يوم التاسع من إقامته ، أو أنّه دخلها قبل محرّم بيوم حتّى يكون هذا اليوم العاشر ، فيكون منشأ الشك في إقامة العشرة الترديد في اليوم الذي دخله.
ولا ريب أنّ المرجع حينئذ هو ما عرفت من أصالة عدم بقاء العشرة ، أي أصالة عدم الدخول في البلد فيما قبل محرّم ، فيرجع إلى عموم وجوب التمام على المكاري بعد نفي عنوان المخصّص بأصالة العدم.
وأمّا إذا فرضنا أنّ منشأ الشك الترديد في اليوم الأخير الذي خرج منه
1) في ص 178.
الثامن : الوصول إلى حدّ الترخّص (1) ، وهو المكان الذي يتوارى عنه جدران بيوت البلد ويخفى عنه أذانه ، ويكفي تحقّق أحدهما مع عدم العلم بعدم تحقّق الآخر ، وأمّا مع العلم بعدم تحقّقه فالأحوط اجتماعهما ، بل الأحوط
وإن كان هذا مجرّد فرض لعلّه لا يكاد يتحقّق خارجاً إلّا نادراً كما لو شكّ بعد خروجه من كربلاء وقطعِه مقداراً من الطريق كأن بلغ خان النخيلة مثلاً وهو يعلم بدخوله البلد يوماً قبل محرّم وأنّ هذا هو اليوم العاشر منه في أنّ خروجه هل كان في هذا اليوم ليكون قد أكمل العشرة في كربلاء ، أو كان في اليوم السابق وقد بات الليلة الماضية في الخان المزبور لتكون إقامته تسعة أيام ففي مثله لا مانع من استصحاب البقاء في كربلاء إلى هذا اليوم ، فيحكم بتحقّق القاطع ولزوم القصر عليه في السفرة الأُولى.
لكن هذا مجرّد فرض بعيد التحقّق جدّاً ، لاستناد الشكّ المزبور إلى الترديد في مبدأ الدخول غالباً كما عرفت. فإطلاق كلام الماتن المنزّل على ما هو المعهود المتعارف من الشكّ في الحكم بالبقاء على التمام هو الصحيح.
هذا إذا لم نقل باعتبار النيّة في إقامة العشرة ، وأمّا لو قلنا بالاعتبار في غير بلده كما هو الصحيح على ما تقدّم (1)فشكّ في العشرة من أجل الشكّ في نيّتها كان المرجع حينئذ أصالة عدم النيّة بلا إشكال ، ويحكم بالبقاء على التمام قطعاً كما هو ظاهر جدّاً.
(1) المعروف والمشهور بل ادّعي الإجماع عليه في كلمات غير واحد أنّه يعتبر في التقصير أن يبلغ المسافر حدّ الترخّص ، فلا يجوز له التقصير كما لا يجوز له الإفطار قبل ذلك.
1) في ص 181.
مراعاة اجتماعهما مطلقاً ، فلو تحقّق أحدهما دون الآخر إمّا يجمع بين القصر والتمام وإمّا يؤخر الصلاة إلى أن يتحقّق الآخر.
ونسب الخلاف إلى ابن بابويه والد الصدوق (قدس سره) وأنّه يرى جواز التقصير حينما يخرج من منزله ، ولا يعتبر بلوغه الحدّ المزبور (1).
والذي يمكن أن يكون دليلاً له ومدركاً لهذا الحكم روايات ثلاث :
إحداها : مرسلة حماد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «في الرجل يخرج مسافراً قال : يقصّر إذا خرج من البيوت» (2).
ثانيها : مرسلة ولده الصدوق قال : «روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال : إذا خرجت من منزلك فقصّر إلى أن تعود إليه» (3)، فانّ الصدوق قد وجدها في كتاب من الكتب بطبيعة الحال قبل أن يثبتها في الفقيه ، فيمكن أن يكون والده (قدس سره) أيضاً ظفر بها واستند إليها ، لا أنّه استند إلى مرسلة ولده كما هو ظاهر.
ثالثها : ما رواه الشيخ بإسناده عن علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) : «في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله؟ قال : إذا حدّث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله ...» إلخ (4).
فهذه الروايات الثلاث يمكن أن تكون سنداً للقول المحكي عن ابن بابويه.
.................................................................................................
والمنسوب إليه أنّه (قدس سره) يرى جواز الإفطار والتقصير من حين الخروج من المنزل وإن لم يخرج بعد من البلد.
فإن أراد (قدس سره) هذا المعنى فتدلّ عليه روايتان من الروايات الثلاث وهما مرسلة الصدوق ورواية ابن يقطين ، المصرّح فيهما بالخروج من المنزل.
ولكن الروايتين مضافاً إلى ضعف سند الاولى منهما للإرسال مقطوعتا البطلان في حدّ أنفسهما ولو مع الغضّ عن السند ، ولعلّ ابن بابويه أيضاً لا يقول بذلك ضرورة أنّ الإفطار والتقصير من أحكام المسافر ، ومن لم يخرج من البلد لم يتلبّس بعد بالسفر ولم يتّصف بكونه مسافراً ، فانّ السفر من السفور بمعنى البروز والخروج والظهور من البلد ، فالخارج من منزله ما لم يخرج من بلده لا يحتمل اتصافه بعنوان المسافر فكيف يشمله حكمه. فهذا الاحتمال مقطوع البطلان.
وإن أراد (قدس سره) جواز الإفطار والتقصير من حين الخروج من البلد فهذا ممكن في حدّ نفسه ، لصدق المسافر عليه بمجرّد ذلك ، وتدلّ عليه مرسلة حماد المتقدّمة ، لمكان التعبير بالخروج من البيوت ، المساوق للخروج من البلد.
ولكنّها من جهة إرسالها لا يمكن الاعتماد عليها في مقابل صحيحتي عبد اللّه ابن سنان ومحمد بن مسلم (1)وغيرهما من الروايات المعتبرة الدالّة على اعتبار حدّ الترخص. فامّا أن تلغى الرواية وتحمل على التقية كما نسب مضمونها إلى بعض العامّة (2)، أو تقيّد بما إذا كان خروجه من البيوت بمقدار يبلغ الحدّ المزبور أي لا يسمع الأذان أو تخفى عليه الجدران كما تضمّنته تلك النصوص الدالّة على اعتبار حدّ الترخص.
.................................................................................................
والعمدة أنّ الرواية في حدّ نفسها ضعيفة من جهة الإرسال ، فهي مطروحة على كلّ حال. فلا ينبغي التأمّل في سقوط هذا القول ولزوم اعتبار حدّ الترخّص.
إنّما الكلام في بيان هذا الحدّ وتحقيق مقداره. المعروف والمشهور بين القدماء بل قيل بين القدماء والمتأخِّرين أنّه عبارة عن أحد الأمرين : من عدم سماع الأذان أو خفاء الجدران ، أي الاستتار عن البيوت بحيث لا يميّز بعضها عن بعض وإن رأى شبحاً منها.
ونسب إلى جماعة من المتأخِّرين اعتبار الأمرين معاً من الخفاء وعدم السماع.
ونسب إلى الشيخ الصدوق في كتاب المقنع اعتبار خفاء الجدران فقط (1). ونسب إلى الشيخ المفيد (2)وسلار (3)وجماعة اعتبار خفاء الأذان فقط. ففي المسألة وجوه وأقوال.
والذي ينبغي أن يقال أوّلاً : إنّ عنوان خفاء الجدران لم يرد بهذا اللّفظ في شيء من الروايات ، وإنّما هو مذكور في كلمات الفقهاء (قدس سرهم) فالتعبير لهم. وأمّا المذكور في الروايات فهو التواري عن البيوت كما في صحيحة محمد ابن مسلم (4)أي تواري المسافر عن أهل البيوت بحيث لا يرونه.
ومن المعلوم أنّ معرفة هذا الأمر متعذّر بالإضافة إلى المسافر ، إذ لا طريق له إلى إحراز أنّهم يرونه أو لا يرونه ، ولأجل ذلك عبّر الفقهاء بلازم هذا الأمر وهو خفاء الجدران ، حيث إنّ المسافر إذا نظر إلى جدران البيوت فلم يرها وخفيت عنه يظهر له بوضوح أنّ أهل البيوت أيضاً لا يرونه ، وأنّه متستر
.................................................................................................
ومتوار عنهم ، لما بينهما من الملازمة ، فجعلوا هذا معرّفاً لذلك. ولا بأس به.
وعلى أي حال فيقع الكلام في أنّ هذين الأمرين أعني عدم سماع الأذان والتواري عن البيوت الذي معرّفة خفاء الجدران كما عرفت هل يعتبران معاً ، أو أحدهما مخيّراً ، أو معيّناً؟
قد وقع الخلاف في ذلك كما سمعت ، لأجل اختلاف الأخبار ، إذ هي بين ما اعتبر فيها التواري عن البيوت كما في صحيحة ابن مسلم المتقدّمة ، وبين ما اعتبر فيها عدم سماع الأذان كما في صحيحة ابن سنان ، قال : «سألته عن التقصير ، قال : إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتمّ ، وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصّر ، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك» (1)ونحوها غيرها ممّا دلّت عليه مفهوماً ومنطوقاً ، أي من حيث القصر والتمام.
وقد أدرجوا المقام في باب الشرطيتين المتعارضتين ، ولأجله مثلوا في الأُصول بذلك ، حيث إنّ مفهوم قوله : إذا لم تسمع الأذان فقصّر ، عدم التقصير مع سماع الأذان ، سواء أخفيت الجدران أم لا ، كما أنّ مفهوم قوله : إذا خفيت الجدران فقصّر ، عدم التقصير مع عدم الخفاء ، سواء أسمع الأذان أم لا ، فتقع المعارضة بينهما لا محالة ، أي بين منطوق كلّ منهما ومفهوم الآخر.
فذكروا أنّ القاعدة هل تقتضي تقييد مفهوم كلّ منهما بمنطوق الآخر ، أم أنّها تقتضي تقييد منطوق كلّ منهما بمنطوق الآخر ، ليرجع المعنى إلى قولنا : إذا خفي الأذان وخفي الجدران فقصّر ، الذي لازمه اعتبار كلا الأمرين في التقصير ، لأجل رفع اليد عن إطلاق كلّ من المنطوقين.
ونظير ذلك ما ورد في تذكية الحيوان تارة ما مضمونه أنّه إذا تحرّكت الذبيحة
1) الوسائل 8 : 472 / أبواب صلاة المسافر ب 6 ح 3.
.................................................................................................
فكل ، وأُخرى أنّه إذا خرج الدم الكثير فكل (1)، فطبعاً تقع المنافاة بين مفهوم كلّ منهما مع الآخر. فهل المعتبر كلا الأمرين ، أو أنّ المعتبر أحدهما فقط دون الآخر.
وقد ذكرنا في الأُصول (2)أنّه لا تعارض بين المنطوقين أنفسهما بوجه ، إذ لا تنافي بين ثبوت التقصير لدى خفاء الأذان وبين ثبوته عند خفاء الجدران أيضاً ، وإنّما المعارضة نشأت من انعقاد المفهوم ودلالة القضيّة الشرطية على العلّية المنحصرة ، حيث دلّت إحداهما على انحصار علّة الجزاء في هذا الشرط الذي لازمه انتفاؤه لدى انتفائه ، والمفروض إنّ الأُخرى أثبتت الجزاء لدى تحقّق الشرط الآخر ، فتتعارضان لا محالة.
ففي الحقيقة لا معارضة بين نفس المنطوقين وإن اندفعت المعارضة بتقييد كلّ من المنطوقين بالآخر. إلّا أنّه لا مقتضي لذلك ، لما عرفت من عدم المعارضة بينهما. فرفع اليد عن إطلاق كلّ من المنطوقين بلا وجه.
وعلى الجملة : فالمعارضة ليست إلّا بين منطوق كلّ منهما ومفهوم الآخر ، أي إطلاق المفهوم لا أصله كما لا يخفى. فنرفع اليد عن إطلاقه في كلّ منهما ونقيّده بمنطوق الآخر ، فيكون مفهوم قوله (عليه السلام) : إذا خفي الأذان فقصّر (3)بعد ارتكاب التقييد المزبور أنّه إذا لم يخف الأذان لا تقصّر إلّا إذا خفيت الجدران.
ونتيجة ذلك اعتبار أحد الأمرين من خفاء الأذان أو خفاء الجدران في الحكم بالتقصير ، إذ التقييد المذكور لا يستدعي إلّا التقييد ب- (أو) لا بالواو. فلا وجه لتقييد المنطوق بالمنطوق المستلزم للعطف بالواو كي ترجع النتيجة إلى
.................................................................................................
اعتبار الأمرين معاً ، فانّ هذا بلا موجب كما عرفت.
ولكن هذا أعني تقييد مفهوم كلّ منهما بمنطوق الآخر ، وبيان أنّه لا معارضة إلّا بالإطلاق والتقييد إنّما يتّجه فيما إذا كانت القضيتان مسوقتين لبيان موضوع الحكم كما في مثال الذبيحة المتقدّم ، حيث أُنيطت الحلّية في أحد الدليلين بإراقة الدم الكثير ، وفي الآخر بحركة الذبيحة كما ورد ذلك عن علي (عليه السلام) فجعل موضوع التذكية في أحدهما الإراقة وفي الآخر الحركة ، فتقع المعارضة حينئذ بين منطوق كلّ منهما ومفهوم الآخر ، فيجري الكلام المتقدّم من التقييد ب- (أو) أو بالواو على النحو الذي عرفت.
وأمّا إذا فرضنا أنّ المذكور في الشرطيتين لم يكن بنفسه موضوعاً للحكم وإنّما هو بيان ومعرّف لحدّ يكون هو الموضوع واقعاً كما هو الحال في المقام فلا يجري فيه ما ذكر.
وبيانه : أنّ الأخبار تشير إلى بيان حدّ خاصّ من الابتعاد يكون هو المبدأ للتقصير والإفطار ، فانّ مبدأ احتساب المسافة وإن كان هو البلد نفسه كما تقدّم ويتّصف المسافر بكونه مسافراً من لدن خروجه عن البلد ، حيث إنّه مسافر حينئذ حقيقة ، إذ السفر هو البروز والظهور عن البلد ، وهذا قد برز وخرج ، إلّا أنّ فعلية الحكم المزبور منوطة ببلوغه مقداراً خاصاً من البعد ، وكأنّه من أجل أنّ توابع البلد ملحق به ، فلا يقصّر إلّا لدى الابتعاد عن البلد ونواحيه بحيث ينقطع عن البلد رأساً ، فحدّد له حدّ خاصّ من البعد.
فالنصوص مسوقة لبيان كمّية البعد ، وجعل الخفاء أو عدم السماع علامة وكاشفاً عن بلوغ تلك الكمّية ، وإلّا فسماع الأذان أو خفاء الجدران لا خصوصية ولا موضوعية لشيء منهما في الحكم ، إذ قد لا يكون للبلد مؤذّن ، أو يقع السفر في غير موقع الأذان كما هو الغالب ، أو قد يقع السفر في الليل فيتوارى عن
.................................................................................................
البيوت وتخفى الجدران بعد سير خطوات قليلة ، أو يكون المسافر أعمى ، أو يوجد غيم غليظ يمنع عن الرؤية وغير ذلك من الفروض التي لا يتحقّق معها السماع ولا الخفاء ، ومع ذلك يثبت الإفطار والتقصير جزماً.
فليس لهذين العنوانين بما هما كذلك مدخلية في الحكم قطعاً ، بل هما معرّفان لبلوغ الموضع الخاصّ من البعد الذي هو الحدّ والموضوع الواقعي ، أعني الابتعاد من البلد بمقدار لا يسمع الأذان أو تخفى الجدران ، كما يظهر ذلك بوضوح من قوله في رواية إسحاق بن عمار : «أ ليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه» (1)، حيث دلّ صريحاً على أنّ العبرة ببلوغ موضع لا يسمع الأذان ، أي بهذا المقدار من الابتعاد.
نعم ، الرواية ضعيفة السند وإن عبّر عنها بالموثّقة في كلام جماعة ، لأنّ في سندها محمد بن علي الكوفي الملقّب بأبي سمينة ، ولم يوثق ، فلا تصلح إلّا للتأييد.
وكيف ما كان ، فلا ينبغي التأمل في أنّ الروايات في مقام بيان الحد. وعليه لا يجري في مثله الكلام المتقدّم ، أعني تقييد مفهوم كلّ منهما بمنطوق الآخر لتكون العبرة بأحدهما ، إذ لا يمكن أن يكون للشيء حدّان إلّا إذا فرضنا تطابقهما في الصدق بحيث لا ينفكّ أحدهما عن الآخر.
ومن الضروري اختلافهما في المقام ، وحصول أحدهما وهو عدم سماع الأذان قبل خفاء الجدران دائماً ، فانّ شعاع البصر ومدى إبصاره أبعد بكثير من مدى الأمواج الصوتية ، ولذا ربما يرى الإنسان في البيداء شخصاً من بعيد ويناديه بأعلى صوته فلا يسمع ، وهذا واضح لكلّ أحد.
على أنّ الأذان لم يعهد وقوعه في آخر البلد ، بل يقع بطبيعة الحال في وسطه أو في المسجد الواقع في وسط المحلّة الأخيرة. فنفس البلد يشغل مقداراً من
1) الوسائل 8 : 466 / أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 11 [ولا يخفى أنّه من كلام السائل].
.................................................................................................
البعد لا محالة ، ولو فرض وقوعه في مصر كما هو مورد الرواية المتقدّمة سيما إذا كان من البلدان الكبيرة فربما لا يصل الصوت إلى آخر البلد فضلاً عن خارجه أو أنّه ينقطع لدى الابتعاد عنه قليلاً كمائة متر أو مائتين ، مع أنّ الجدران أو البيوت بعد ظاهرة لا تخفى إلّا بعد طيّ مسافة بعيدة.
والحاصل : أنّه لا ينبغي التأمّل في أنّ شعاع الصوت أقصر من شعاع البصر فينقطع السماع أوّلاً ثمّ بعد مدّة تخفى الجدران ويتوارى عن البيوت.
فعليه لا يمكن الالتزام بأنّ الحدّ أحد الأمرين ، إذ مرجعه إلى أنّ العبرة بالأوّل أعني عدم السماع. كما لا يمكن الالتزام بأنّه مجموع الأمرين ، إذ مرجعه إلى أنّ العبرة بالأخير ، وهو التواري والخفاء ، بل لا بدّ وأن يكون الحدّ إمّا هذا أو ذاك فطبعاً تقع المعارضة بين الدليلين ، لتعذّر الجمع بينهما بارتكاب التقييد في المفهوم أو المنطوق لا بنحو العطف بالواو ، ولا بنحو العطف ب- (أو) فلا بدّ من العلاج.
وملخّص الكلام : أنّ الروايات ظاهرة في أنّها مسوقة لبيان المعرّف ، وأنّ العبرة بنفس البعد كما فهمه الفقهاء ، ولا عبرة بالتواري الأصلي منه والتبعي من جبل أو غيم أو ظلمة أو عمى ونحو ذلك ، كما لا عبرة بعدم السماع. وبما أنّه يحصل قبل الخفاء دائماً فيقع التنافي بين الحدّين والمعارضة بين الدليلين ، فلا بدّ من التصدّي لعلاجها.
فنقول : يمكن أن يقال في مقام الجمع بين الأخبار : إنّ الحدّ الواقعي هو بلوغ البعد بمقدار لا يسمع الأذان كما تضمّنته النصوص الكثيرة ، إلّا أنّ معرفة ذلك وتشخيصه لكلّ أحد ممّا لا يتيسّر غالباً ، فانّ السفر في وقت الأذان نادر جدّاً ولا سيما في الأزمنة السابقة التي كان السير فيها بواسطة الدواب والجمال ، مع أنّه ليس كلّ بلد يؤذّن فيه بحيث يسمع أذانه من دون مانع من ريح عاصف أو مطر هاطل ونحوهما.
.................................................................................................
وحيث إنّ فهم الحدّ المزبور وأنّ هذا موضع يسمع فيه الأذان أو لا يسمع صعب على المسافر جدّاً ، كان التعليق على عدم السماع قليل الجدوى ، لكونه من التعليق على أمر لا يقع خارجاً غالباً.
فمن ثمّ ذكر في صحيح ابن مسلم ضابط آخر يسهل تناوله لكلّ أحد ، ويكون كاشفاً قطعيّاً عن حصول ذلك الحدّ ، لكونه القدر المتيقّن من البُعد اللّازم رعايته وهو التواري عن البيوت الذي هو أخصّ من عدم سماع الأذان ، لكون البعد في مورده أزيد كما مرّ.
فاذا بلغ المسافر موضعاً خفيت عليه الجدران وتوارى عن البيوت إذا نظر إليها وهذا شيء يعرفه كلّ أحد فقد أحرز بلوغه بل وتجاوزه عن الموضع الذي لا يسمع فيه الأذان ، الذي هو الحدّ الواقعي للترخّص. وبذلك تندفع المعارضة بين هذه الصحيحة وبين تلك الأخبار التي جعل فيها المدار على عدم سماع الأذان.
فإن أمكن الجمع بهذا النحو فهو ، وإلّا فتصل النوبة إلى المعارضة. ولا ينبغي الشكّ حينئذ في تقديم تلك الأخبار لكثرتها وشهرتها ، بل ومعروفية التحديد بخفاء الأذان ومغروسيته في الأذهان عند أصحاب الأئمة ، بحيث كان أمراً مسلّماً مفروغاً عنه كما يظهر من رواية إسحاق بن عمار المتقدّمة ، المشتملة على قول السائل : «أ ليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم» وإن كانت الرواية ضعيفة السند كما مرّ ، فلا تصلح إلّا للتأييد ، هذا.
مع أنّ تلك الأخبار موافقة للنصوص الكثيرة المتضمّنة لوجوب التقصير على كلّ مسافر ، للزوم الاقتصار في مقام التخصيص على المقدار المتيقّن ، وهو بلوغ الموضع الذي لا يسمع فيه الأذان ، إذ لا ريب أنّ تلك الأخبار بمثابة التخصيص في أدلّة عموم القصر لكلّ مسافر. ومن ثمّ لو لم يرد دليل على اعتبار حدّ الترخّص لقلنا بوجوب التقصير من أوّل خروج المسافر من البلد أخذاً
وفي العود عن السفر أيضاً ينقطع حكم القصر إذا وصل إلى حدّ الترخّص (1)
بتلك العمومات ، لصدق المسافر عليه من لدن خروجه.
فاذا عارض المخصّص دليل آخر أعم ، وهو ما دلّ على اعتبار المواراة التي تتحقّق دائماً بعد خفاء الأذان كما عرفت يقتصر في التخصيص على المقدار المتيقّن ، للشكّ في وجوب التمام في المقدار المتخلّل ما بين خفاء الأذان وخفاء الجدران زائداً على المقدار المعلوم ثبوته وحصول التخصيص به وهو ما قبل خفاء الأذان ، فيكون الترجيح بحسب النتيجة مع أخبار الأذان ، لمطابقتها مع السنّة القطعية ، أعني عمومات التقصير.
فلا ينبغي التأمل في أنّ الاعتبار بالابتعاد حدّا لا يسمع معه الأذان ، فيقصّر المسافر متى بلغ هذا الحدّ ، وإن لم يكن بعدُ متوارياً عن البيوت.
(1) قد عرفت اعتبار حدّ الترخّص في الذهاب ، فهل يعتبر ذلك في الإياب أيضاً ، وعلى تقدير الاعتبار فهل هو نفس الحدّ المعتبر في الذهاب أو أنّه يفترق عنه؟
المعروف والمشهور اعتباره في الإياب كالذهاب ، وخالف فيه جماعة منهم صاحب الحدائق (1)حيث خصّ الاعتبار بالذهاب ، أمّا في الإياب فوافق ابن بابويه (2)في إنكار اعتبار الحد.
وذهب جماعة منهم صاحبا المدارك (3)والذخيرة (4)إلى التخيير بين القصر
.................................................................................................
والتمام لدى وصوله في رجوعه إلى حدّ الترخّص إلى أن يدخل منزله.
والمحقّق في الشرائع جعل حدّ الترخص في الذهاب أحد الأمرين من خفاء الأذان أو الجدران ، وفي الإياب خصّه بالأوّل (1).
فالكلام يقع تارة في اعتباره ، وأُخرى في تشخيصه وميزانه.
أمّا الأوّل : فالظاهر أنّه لا ينبغي التأمّل في اعتباره في الإياب كالذهاب للتصريح به في ذيل صحيحة عبد اللّه بن سنان بقوله (عليه السلام) : «وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك» (2)، ولكونه مقتضى الإطلاق في صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إذا سمع الأذان أتمّ المسافر» (3)، فإنّه يشمل الرجوع كالشروع فمقتضى هاتين الصحيحتين المؤيّدتين بغيرهما من الروايات عدم الفرق بين الذهاب والإياب ، وأنّ المسافر متى بلغ هذا الحد كأنه خرج عن عنوان المسافر.
ولكن صاحب الحدائق (قدس سره) أصرّ على عدم الاعتبار في الإياب استناداً إلى جملة من النصوص وفيها الصحيح والموثّق الناطقة بأنّ المسافر يقصّر حتّى يدخل بيته أو منزله أو أهله على اختلاف ألسنتها ، التي منها صحيح العيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا يزال المسافر مقصّراً حتّى يدخل بيته» (4)، وصحيح معاوية بن عمار : «إنّ أهل مكّة إذا زاروا البيت ودخلوا منازلهم أتمّوا ، وإذا لم يدخلوا منازلهم قصّروا» (5)، ونحوهما غيرهما ممّا
.................................................................................................
هو مذكور في محلّه.
وذكر (قدس سره) أنّ الشهيد في الرّوض (1)تبعاً للعلّامة في المختلف (2)وكذلك الشيخ (3)حمل هذه الروايات على دخول حدّ الترخص ، باعتبار أنّ من وصل إلى هذا الموضع يخرج من حكم المسافر فيكون بمنزلة من يصل إلى منزله.
واستبعده (قدس سره) بمخالفته لما هو المصرّح به في بعض هذه النصوص من وجوب التقصير حتّى بعد دخول البلد ، وأنّه لا يتم حتّى يدخل أهله ومنزله كما في صحيحة إسحاق بن عمار (4)وغيرها.
وما أفاده (قدس سره) من الاستبعاد متين جدّاً ، وكيف يمكن المصير إلى الحمل المزبور مع فرض السائل في الصحيحة المذكورة أنّ المسافر دخل الكوفة ولم يدخل أهله ، وحكمه (عليه السلام) بالتقصير حتّى يدخل أهله. ونحوها موثّقة ابن بكير (5)وغيرها ، فلا بدّ إذن من النظر في هذه الأخبار فنقول :
إنّ هذه الروايات معارضة لصحيحة ابن سنان المتقدّمة (6)المصرّحة باعتبار حدّ الترخّص في الإياب كالذهاب ، ولا بدّ من ترجيحها على تلك الروايات بالرغم من كثرتها وصحّة أسانيد جملة منها.
أمّا أوّلاً : فلأنّ هذه الأخبار مقطوعة البطلان في أنفسها حتّى مع قطع النظر
.................................................................................................
عن المعارضة ، ضرورة أنّ التقصير خاصّ بالمسافر ، ولا يعم غيره ممّن لم يتلبّس بهذا العنوان ، ولا شكّ أنّ المسافر لدى رجوعه عن السفر يخرج من هذا العنوان بمجرّد دخوله البلد ، سواء أدخل منزله أم لا ، إذ الاعتبار في السفر بالسير من البلد إلى البلد لا من البيت إلى البيت ، فكيف يمكن الالتزام بما تضمّنته هذه الأخبار من التقصير حتّى بعد دخول البلد ، المستلزم للخروج عن عنوان السفر ولا سيما بعد المكث فيه يوماً أو يومين إلى أن يدخل أهله كما تضمّنه بعضها (1)وهل هذا إلّا الحكم بالتقصير لغير المسافر المقطوع بطلانه.
فلا مناص من طرح هذه الروايات ، أو حملها على التقية ، لموافقتها للعامّة كما احتمله صاحب الوسائل (2). فهي ساقطة عن درجة الاعتبار في أنفسها.
وثانياً : مع الغض عما ذكر فالترجيح مع صحيحة ابن سنان ، لموافقتها مع السنّة القطعية ، وهي العمومات الدالّة على وجوب التمام على كلّ مكلّف ، المقتصر في الخروج عنها على المقدار المتيقّن وهو المسافر ، ومخالفة هذه لها. فلا ينبغي التأمّل في تقدّم الصحيحة عليها.
نعم ، قد يعارض الصحيحة ما رواه الشيخ عن البرقي في المحاسن بإسناده عن حماد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : المسافر يقصّر حتّى يدخل المصر» (3)حيث إنّ ظاهرها أنّ الاعتبار بدخول المصر لا بلوغ حدّ الترخّص فيمكن أن يقال حينئذ : إنّها مقدّمة على تلك الصحيحة أي صحيحة ابن سنان لموافقتها مع ما دلّ على وجوب القصر على كلّ مسافر ، إذ لم يفرض فيها دخول البيت بل دخول المصر.
.................................................................................................
ولكنّه يندفع أوّلاً : بأنّ الرواية مرسلة ، فانّ حماداً يرويها عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) كما أثبتها كذلك في الحدائق (1)وفي نفس المصدر أعني محاسن البرقي. فما هو الموجود في نسخة الوسائل الطبعة الجديدة وطبعة عين الدولة من حذف كلمة (عن رجل) الظاهر في صحّة الرواية سقط إمّا من قلم صاحب الوسائل أو من النسّاخ. وكيف ما كان ، فالرواية ضعيفة السند من جهة الإرسال ، فلا يعتمد عليها.
وثانياً : على تقدير صحّتها فيمكن الالتزام هنا بالجمع المتقدّم عن الشيخ وغيره بالإضافة إلى صحيح ابن سنان والنصوص المتقدّمة الذي منعناه ثمّة فإنّه لا مانع من الالتزام به في خصوص هذه الرواية ، لأجل التعبير فيها بدخول المصر ، لا دخول المنزل أو البيت كما كان مذكوراً في تلك الأخبار ، بأن يقال : إنّ صحيحة ابن سنان صريحة في اعتبار حدّ الترخّص ، وهذه الرواية ظاهرة في العدم ظهوراً قابلاً للتصرّف ، بأن يراد من المصر المعنى الجامع الشامل لحدِّ الترخّص ، أي المصر ونواحيه وتوابعه ، فانّ من بلغ في رجوعه إلى حدّ يسمع فيه أذان المصر يصح أن يقال ولو بضرب من العناية التي لا يأباها العرف إنّه دخل المصر. فلا تنافي بينها وبين الصحيحة المتقدّمة الصريحة في اعتبار الحدّ المزبور. ولا شكّ أنّ هذا الجمع ممّا يساعده الفهم العرفي.
فتحصّل : أنّ ما ذكره المشهور بل معظم الفقهاء من اعتبار حدّ الترخّص في الإياب كالذهاب هو الصحيح. هذا كلّه في أصل اعتبار الحد.
وأمّا الثاني : أعني تشخيص هذا الحدّ ، فالظاهر أنّه لا ينبغي التأمّل في انحصاره هنا في عدم سماع الأذان كما سمعته عن المحقّق في الشرائع ، فإنّ خفاء الجدران المعبّر عنه في النص بالتواري من البيوت لم يرد إلّا في رواية واحدة
1) الحدائق 11 : 411.
من وطنه أو محلّ إقامته (1)(1) وإن كان الأحوط تأخير الصلاة إلى الدخول في منزله أو الجمع بين القصر والتمام إذا صلّى قبله بعد الوصول إلى الحدّ.
[2289] مسألة 58 : المناط في خفاء الجدران خفاء جدران البيوت (2)(2)
وهي صحيحة ابن مسلم المتقدّمة ، قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يريد السفر متى يقصّر؟ قال : إذا توارى من البيوت» (3). وموردها كما ترى هو الشروع في السفر والسؤال عن مبدأ التقصير ، فينحصر لا محالة في الذهاب ولا يعمّ الإياب بوجه.
إذن كان المتعيّن هنا التحديد بعدم سماع الأذان ، الوارد في صحيحة ابن سنان المصرّحة بكون الإياب كالذهاب ، السليمة عن المعارض كما هو ظاهر.
(1) كأنّه (قدس سره) جعل اعتبار حدّ الترخّص في محلِّ الإقامة أمراً مفروغاً عنه فتعرّض لتعميمه للذهاب والإياب كالوطن ، لكنّك ستعرف إن شاء اللّه تعالى عند تعرّض الماتن له في مسألة مستقلّة (4)عدم اعتبار الحدّ المزبور في محلّ الإقامة ، وأنّه خاص بالوطن. وعلى تقدير الاعتبار في الذهاب لا يعتبر في الإياب ، فإنّه لا دليل عليه فيه بوجه ، وتمام الكلام في محلّه.
(2) قد عرفت أنّ التعبير بخفاء الجدران لم يرد في شيء من النصوص ، وإنّما الوارد في صحيحة ابن مسلم التواري من البيوت ، أي تواري المسافر عن البيوت
لا خفاء الأعلام والقباب والمنارات ، بل ولا خفاء سور البلد إذا كان له سور ويكفي خفاء صورها وأشكالها وإن لم يخف أشباحها.
[2290] مسألة 59 : إذا كان البلد في مكان مرتفع بحيث يرى من بعيد يقدّر كونه في الموضع المستوي ، كما أنّه إذا كان في موضع منخفض يخفى بيسير من السير أو كان هناك حائل يمنع عن رؤيته كذلك يقدّر في الموضع المستوي ، وكذا إذا كانت البيوت على خلاف المعتاد من حيث العلو أو
المستلزم لتواري أهل البيوت عنه لتساوي النسبة ، فلا عبرة بالجدار بل المدار بكون أهل البيوت متوارين عنه.
إلّا أن يقال : إنّ الغالب عدم وجود إنسان خارج البلد فجعل الجدار بدل الإنسان ، فإذا لم يميّز المسافر جداراً عن جدار فطبعاً لا يميّز إنساناً عن إنسان فاعتبر الجدران نظراً إلى عدم حضور الإنسان دائماً ، فإذا خفيت كشف ذلك عن التواري عن البيوت بطبيعة الحال.
وكيف ما كان ، فلا ينبغي التأمل في عدم كون العبرة بخفاء الأعلام والقباب والمنارات التي ربما لا تخفى حتّى بعد بلوغ المسافة الشرعية ، كما هو المشاهد في القبة العلوية على مشرفها آلاف الثناء والتحيّة ، حيث يمكن النظر إليها من بعد أربعة فراسخ أو أزيد ، وعلى أيّ حال فهي خارجة عن البيوت وأهلها الوارد في النص (1). وكذا الحال في سؤر البلد ، لعدم كونه منه. والمدار على خفاء صورها وأشكالها على نحو تتميّز عما عداها ، ولا عبرة بخفاء الأشباح كما هو ظاهر جدّاً.
1) كصحيحة ابن مسلم ومرسلة حماد المتقدّمتين في ص 205 ، 191.
الانخفاض فإنّها تردّ إليه ، لكن الأحوط خفاؤها مطلقاً ، وكذا إذا كانت على مكان مرتفع فانّ الأحوط خفاؤها مطلقاً (1).
[2291] مسألة 60 : إذا لم يكن هناك بيوت ولا جدران يعتبر التقدير (2) نعم في بيوت الأعراب ونحوهم ممّن لا جدران لبيوتهم يكفي خفاؤها ولا يحتاج إلى تقدير الجدران (3).
(1) ما أفاده (قدس سره) من لزوم التقدير حينئذ هو الصحيح الذي لا ينبغي التأمّل فيه ، ضرورة أنّ الصحيحة (1)المتكفّلة للمواراة ناظرة إلى التحديد بحسب البعد المكاني ، بحيث يكون عدم الرؤية مستنداً إليه ، لا إلى الموانع الأُخر من الانخفاض أو الارتفاع ، أو وجود حائل مانع عن الرؤية الفعلية من غيم أو جبل ونحو ذلك.
وبعبارة اخرى : لا يحتمل أن يكون التواري بنفسه موضوعاً للحكم ، بل المراد وصول المسافر في بعده حدّا من أجله يتوارى عن البيوت ، ويتحقّق في مقدار ثمن الفرسخ تقريباً ، فلا عبرة بالرؤية الفعلية أو عدمها الناشئة من الجهات الأُخر.
(2) إذ العبرة كما ظهر ممّا سبق بالبعد المكاني ، فلا بدّ إذن من التقدير.
(3) فانّ الاعتبار بالتواري عن البيوت أو أهلها ، وهو حاصل في بيوت الأعراب.
1) المتقدّمة في ص 205.
[2292] مسألة 61 : الظاهر في خفاء الأذان كفاية عدم تميّز فصوله (1)(1) وإن كان الأحوط اعتبار خفاء مطلق الصوت حتّى المتردّد بين كونه أذاناً أو غيره ، فضلاً عن المتميّز كونه أذاناً مع عدم تميّز فصوله.
(1) فلا يعتبر عدم تمييز الأذان عن غيره فضلاً عن خفاء مطلق الصوت فانّ المحتملات في السماع ثلاثة :
أحدها : سماع الأذان وتمييزه عن غيره ، سواء أميّز فصوله أم لا.
ثانيها : سماعه مع تمييز الفصول بعضها عن بعض.
ثالثها : أن يكتفى بسماع الصوت فقط وإن لم يشخّص أنّ المسموع أذان أو غيره من قرآن ونحوه ، وإن كان يعلم من الخارج أنّه أذان.
والظاهر من هذه الوجوه هو الأوّل ، وأن يكون السماع بعنوان الأذان ، فإنّ الاحتمال الأخير أعني كون الاعتبار بسماع الصوت مطلقاً ساقط ، لعدم كونه سماعاً للأذان ، وإنّما هو سماع صوت يعلم من الخارج أنّه أذان ، فإنّ السماع هو إدراك الشيء وإحساسه بآلة السمع خاصّة لا من طريق آخر ، فانّا ربما نعلم بأنّ زيداً يتكلّم الآن في داره ولا يطلق عليه السماع بالضرورة.
نعم ، الأذان المذكور في النص لا خصوصية له ، وإنّما هو مثال لأظهر أفراد الصوت المرتفع ، فمن الجائز أن نضع مكانه القرآن أو الشعر أو الدعاء ونحو ذلك إلّا أنّ النص يدلّ على لزوم كون ذلك المسموع أياً ما كان أذاناً أو غيره مدركاً بحاسة السمع ، بحيث يسمع الأذان أو يسمع القرآن ونحو ذلك ، فلا بدّ من تمييزه عمّا عداه ، وإلّا كان ذلك من سماع الصوت لا من سماع الأذان مثلاً. وقد عرفت دلالة النص على اعتبار سماع هذه الخصوصية الجامعة بين الأذان وغيره. وكيف
1) (*) الاكتفاء بتميّز كونه أذاناً ولو مع عدم تميّز فصوله لا يخلو عن وجه.
[2293] مسألة 62 : الظاهر عدم اعتبار كون الأذان في آخر البلد في ناحية المسافر في البلاد الصغيرة والمتوسطة (1) ، بل المدار أذانها وإن كان في وسط البلد على مأذنة مرتفعة ، نعم في البلاد الكبيرة يعتبر كونه في أواخر البلد من ناحية المسافر.
[2294] مسألة 63 : يعتبر كون الأذان على مرتفع معتاد في أذان ذلك البلد ولو منارة غير خارجة عن المتعارف في العلو (2).
ما كان ، فالاحتمال الأخير ساقط كما عرفت.
وكذلك الاحتمال الثاني أعني تمييز الفصول بعضها عن بعض ، فانّ هذا تقييد بلا دليل ، إذ لم يرد في الروايات إلّا سماع الأذان ، الصادق حتّى مع عدم التمييز المذكور ، كما لو سمع كلمة (أشهد) ولم يميز أنّها شهادة بالتوحيد أو بالرسالة ، أو سمع الحيّعلات من دون تمييز ، فإنّه يصدق على مثله سماع الأذان كما لا يخفى. والتقييد المذكور مدفوع بالإطلاق ، فتعيّن الاحتمال الأوّل.
فتحصّل : أنّ الأظهر هو القول المتوسط بين الإفراط والتفريط ، فلا يكفي مطلق الصوت ، ولا يعتبر التمييز للفصول ، بل العبرة بسماع الأذان وإن لم يميّز فصوله. ومنه يظهر ما في اختيار المتن فلاحظ.
(1) فانّ البلد الصغير أو المتوسط لو كان بحيث يسمع الأذان من خارجه لا مانع من كونه مشمولاً للإطلاق وإن كان الأذان في وسطه على مأذنة مرتفعة فلا يعتبر لحاظه في آخر البلد ، نعم في البلدان الكبيرة حيث لم يسمع الأذان الصادر من وسطها من الخارج لا مناص من اعتبار الأذان الصادر في آخر المحلّة في ناحية المسافر كما هو ظاهر.
(2) كما هو الشأن في سائر التقديرات الشرعية التي لها مراتب مختلفة ، فإنّ
[2295] مسألة 64 : المدار في عين الرائي وأُذن السامع على المتوسط في الرؤية والسماع في الهواء الخالي عن الغبار والريح ونحوهما من الموانع عن الرؤية أو السماع ، فغير المتوسّط يرجع إليه ، كما أنّ الصوت الخارق في العلو يردّ إلى المعتاد المتوسط.
[2296] مسألة 65 : الأقوى عدم اختصاص اعتبار حدّ الترخّص بالوطن (1)، فيجري في محلّ الإقامة أيضاً ، بل وفي المكان الذي بقي فيه ثلاثين يوماً متردّداً ، وكما لا فرق في الوطن بين ابتداء السفر والعود عنه في اعتبار حدّ الترخّص كذلك في محلّ الإقامة ، فلو وصل في سفره إلى حدِّ الترخّص من مكان عزم على الإقامة فيه ينقطع حكم السفر ويجب عليه أن يتم ، وإن كان الأحوط التأخير إلى الوصول إلى المنزل كما في الوطن ، نعم لا يعتبر حدّ الترخّص في غير الثلاثة كما إذا ذهب لطلب الغريم أو الآبق بدون قصد المسافة ثمّ في الأثناء قصدها ، فإنّه يكفي فيه الضرب في الأرض (1).
المتبع في كلّ ذلك هو الحدّ العادي المتعارف المتوسط بين الإفراط والتفريط ومنه تعرف الحال في المسألة الآتية.
(1) هل يعتبر حدّ الترخّص في غير الوطن من محلّ الإقامة أو المكان الذي بقي فيه ثلاثين يوماً متردِّداً ، أو أنّه خاص بالوطن فيقصّر ويفطر فيما عداه بمجرّد الخروج من البلد.
يقع الكلام تارة في الذهاب ، وأُخرى في الإياب ، ولنعبّر عنهما بالخروج والدخول الذي هو أوسع من الإياب ، لشمول البحث لمجرّد الدخول وإن لم يكن عوداً كما
1) (*) بل الأقوى الاختصاص ، وإن كانت رعاية الاحتياط أولى.
.................................................................................................
لا يخفى. فهنا مقامان :
أمّا المقام الأوّل : فقد نسب إلى الأكثر اعتبار حدّ الترخص وأنّه لا فرق فيه بين الوطن وغيره. وناقش فيه غير واحد بعدم الدليل على التعميم. والظاهر عدم الاعتبار.
فانّا لو بنينا على أنّ قصد الإقامة قاطع لموضوع السفر وموجب للخروج عن عنوان المسافر عرفاً كما قيل به وقرّبه غير واحد ، بحيث لا يعمّه دليل التقصير في حدّ نفسه ، لخروجه عنه بالتخصّص لا التخصيص ، صحّ حينئذ ما نسب إلى الأكثر بل المشهور من الإلحاق بالوطن في اعتبار حدّ الترخّص لاندراجه في إطلاق صحيحة ابن مسلم : «الرجل يريد السفر متى يقصّر؟ قال : إذا توارى من البيوت» (1).
لدلالتها على أنّ كلّ من يريد التلبّس بالسفر بعد أن لم يكن متصفاً به لا يحكم عليه بالتقصير إلّا بعد التجاوز عن حدّ الترخّص ، فتكون حاكمة على أدلّة القصر.
ومن الواضح أنّ هذا العنوان صادق على المقام ، إذ بعد فرض خروج المقيم عن موضوع المسافر فهو ممّن يريد التلبّس بإنشاء سفر جديد بعد أن لم يكن كذلك ، فيشمله الإطلاق بطبيعة الحال. فهذه الصحيحة بنفسها كافية لإثبات اعتبار حدّ الترخص لقاصد الإقامة.
وأمّا لو بنينا كما هو الصحيح على عدم خروج المقيم من موضوع المسافر وأنّ الحكم بوجوب التمام عليه تخصيص في أدلّة القصر لا تخصّص ، فهو مسافر يجب عليه التمام كالمسافر في صيد اللّهو أو السفر الحرام ونحو ذلك.
فعلى هذا المبنى لا يكون المقيم المزبور مشمولاً للصحيح ، لعدم كونه ممّن
1) الوسائل 8 : 470 / أبواب صلاة المسافر ب 6 ح 1.
.................................................................................................
يريد السفر ، بل هو مسافر بالفعل حقيقة ، لعدم خروجه بقصد الإقامة عن كونه مسافراً وغريباً حسب الفرض ، فحينئذ يطالب بالدليل على اعتبار حدّ الترخّص في حقِّه بعد أن كان مقتضى إطلاق وجوب القصر لكلّ مسافر التقصير بمجرّد الخروج من محلّ الإقامة ولو بخطوة أو خطوتين.
وقد استدلّ لذلك بوجوه :
أحدها : الوجه الاعتباري بدعوى أنّ الغرض من تشريع حدّ الترخّص تعيين الموضع الذي يجب فيه التمام وتمييزه عن غيره ، المبني على التحاق توابع البلد به ، وأنّ المسافر ما لم يتجاوز ذلك الحدّ كأنه لم يخرج بعد من البلد ولم يصدق عليه عنوان المسافر ولو بضرب من الاعتبار ، وإن كان مبدأ المسافة هو البلد نفسه ، وهذا المناط كما ترى يشترك فيه الوطن ومحلّ الإقامة.
وفيه : ما لا يخفى ، فانّ الوجه الاعتباري لا يصلح سنداً للحكم الشرعي. مع أنّه لا ينبغي التأمل في كونه مسافراً عرفاً حينما يخرج من البلد ، فيطلق عليه المسافر جزماً من لدن حركة السيارة ونحوها. فالحكم تعبّدي محض لا يمكن التعويل فيه إلّا على الروايات ، وهي العمدة في المقام.
ثانيها : رواية حماد : «إذا سمع الأذان أتمّ المسافر» (1)فقيل : إنّ إطلاقها يشمل الخروج من محلّ الإقامة.
وفيه أوّلاً : أنّها ضعيفة السند بالإرسال ، فانّ حماداً يرويها عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) كما في الحدائق (2)وفي نفس المصدر أعني محاسن البرقي (3)، فما في الوسائل من حذف كلمة (عن رجل) سقط منه أو من النسّاخ.
.................................................................................................
فهي ضعيفة وإن عبّر عنها بالصحيحة في غير واحد من الكلمات.
وثانياً : أنّها قاصرة الدلالة على المطلوب ، لعدم الإطلاق لها جزماً ، أفهل يحتمل أن يكون المراد وجوب التمام على أيّ مسافر في أيّ مكان سمع الأذان فيه حتّى لو كان ماراً في طريقه على قرية فسمع أذانها أو سمع في أثناء الطريق أذان نفسه أو صاحبه؟ كلا ، فانّ هذا مقطوع البطلان.
بل ظاهرها إرادة مسافر خاص في مكان مخصوص ، وهو المسافر في أوّل سفره وابتداء تلبّسه بعنوان المسافر بعد أن لم يكن كذلك ، ولا تعمّ من كان مسافراً من قبل.
وقد عرفت أنّ المقيم مسافر ، ولا يكون بخروجه من محلّ الإقامة منشئاً لسفر جديد ، بل هو إبقاء للسفر واستمرار فيه ، فيخصّص مورد الرواية بمن خرج من وطنه ومسكنه بطبيعة الحال ، ولا تعم المقيم بوجه.
كما لا يحتمل أيضاً أن يكون المراد أنّ من كان محكوماً بالتمام في سفره لا ينقلب إلى القصر ما دام يسمع الأذان ، إذ لا يتم هذا على إطلاقه جزماً ، لضرورة عدم اعتبار حدّ الترخّص في من خرج للصيد أو لطلب الغريم وفي أثناء الطريق بدا له في السفر ، أو سافر للمعصية ثمّ ندم في الأثناء فسافر للطاعة ، ونحو ذلك ممّن كان محكوماً بالتمام لانتفاء شرط من شرائط القصر ثمّ اتفق حصوله ، كمن كان مكارياً وفي أثناء الطريق عزم على السفر لغاية أُخرى كالزيارة مثلاً ، ففي جميع ذلك لا يعتبر حدّ الترخص قطعاً ، ولم ينقل القول به عن أحد ، بل يقصّر من مكانه ومن لدن حصول شرطه.
وعلى الجملة : لا إطلاق للرواية ، وعلى تقديره لا يمكن الأخذ به ، بل هي خاصّة بمن خرج من بلده ووطنه. فلا تشمل الخروج من محلِّ الإقامة كما عرفت.
ثالثها : صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن
.................................................................................................
التقصير قال : إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتمّ ، وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصّر ، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك» (1)فاستدلّ بإطلاقها كالرواية المتقدّمة.
وهو أيضاً ممنوع ، لعدم الإطلاق لها في نفسها ، بل هي ناظرة مثل الرواية المتقدّمة إلى أوّل الشروع في السفر وابتداء التلبّس به ، لا من كان محكوماً به قبل ذلك. فتختصّ لا محالة بالخروج من الوطن.
بل هذه أولى بمنع الإطلاق ، بقرينة قوله (عليه السلام) في ذيلها : «وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك» فإنّه يجعلها كالصريح في كون الصدر ناظراً إلى ابتداء الشروع في السفر ، لعدم كون العود إلى محلّ الإقامة قدوماً من السفر ، بل القدوم منه بالدخول في الوطن ، فيكون مورد الصدر الخروج منه فقط ، فلا تعمّ الخروج من محلّ الإقامة جزماً.
وأمّا صحيحة ابن مسلم المتقدّمة (2)فقد عرفت أنّها أوضح في عدم الدلالة على الإطلاق ، لكونها سؤالاً عمن يريد السفر ، فهي ناظرة إلى الحاضر الذي يريد إحداث السفر وإنشاءه ، فأجاب (عليه السلام) بأنّه لا يقصر إلّا مع تواري البيوت. فهي أجنبية عمّن كان مسافراً وقد قصد الإقامة.
وعلى الجملة : فشيء من هذه الروايات لا تدلّ بوجه على اعتبار حدّ الترخّص في محلّ الإقامة.
نعم ، الذي يمكن أن يستدلّ به على ذلك ما ورد من أنّ المقيم عشرة بمكّة بمنزلة أهلها ، وهي صحيحة زرارة «قال : مَن قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة ، وهو بمنزلة أهل مكّة» (3)فيدعى أنّ عموم التنزيل يقتضي
.................................................................................................
شمول جميع أحكام الوطن وجريانها على المقيم عشرة ، التي منها اعتبار حدّ الترخّص.
ولكن قد مرّ الكلام حول هذه الصحيحة سابقاً (1)، وقلنا أنّها مهجورة لا يمكن العمل بها حتّى في موردها وهو مكّة فضلاً عن التعدِّي إلى غيرها ، لتضمّنها ما لم يقل به أحد من الأصحاب ، حيث حكم (عليه السلام) أوّلاً بالتقصير إذا خرج إلى منى ، وهذا ظاهر ، لكونه قاصداً لعرفات التي هي مسافة شرعية ، وأمّا حكمه (عليه السلام) بالتمام لدى عوده إلى مكة وكذا في رجوعه إلى منى حتّى ينفر ، الذي هو بمقدار فرسخ فلم ينقل القول به عن أحد ، إذ بعد السفر عن مكّة يسقط حكم الإقامة ، لما عرفت من أنّ الفصل بين مكّة ومنى فرسخ واحد ، ومحلّ الإقامة إنّما يكون بمنزلة مكّة ما دام مقيماً لا بعد الخروج وإنشاء السفر ثمّ العود إليه. فالرواية مهجورة.
وعلى تقدير العمل بها لكونها صحيحة يقتصر على موردها وهو مكّة فيلتزم بأنّ المقيم فيها بمنزلة أهلها من جميع الجهات ، فبأي دليل يتعدّى عنها إلى غيرها ، ولا بدّ في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة من الاقتصار على مورد النص.
فالمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّه ليس لدينا أيّ دليل يدلّ على اعتبار حدّ الترخّص في محلّ الإقامة كي يرتكب التخصيص في أدلّة القصر ، لاختصاص الأدلّة من صحيح ابن مسلم وغيره بمن ينشئ السفر ، الذي هو خاص بالوطن فيرجع فيما عداه إلى عمومات القصر على كلّ مسافر ، الصادق بمجرّد الخروج من محلّ الإقامة وإن لم يبلغ حدّ الترخّص. هذا كلّه في الخروج من محلّ الإقامة.
وأمّا المقام الثاني : أعني الرجوع والدخول فيه فأظهر حالاً ، إذ لا دليل
1) في ص 91.
.................................................................................................
على اعتبار حدّ الترخّص في الرجوع إلّا صحيحة ابن سنان ، وهي خاصّة بالوطن كما عرفت ، ولا سيما بملاحظة ذيلها ، فلو التزمنا بالاعتبار في الخروج من محلّ الإقامة استناداً إلى بعض الوجوه المتقدّمة لا نلتزم في الرجوع ، لانحصار دليله فيما يختص بالوطن فقط.
نعم ، لو تمّ عموم التنزيل حتّى قبل الإقامة أمكن دعوى الاعتبار حينئذ ولكنّه واضح الفساد ، ضرورة أنّ عموم المنزلة على القول به يختص بمن قدم البلد واتصف بعنوان المقيم ، فيدّعى أنّه ما دام مقيماً فهو بمنزلة المتوطّن ، لا من لم يدخل بعد ويريد الدخول والإقامة بعد ما دخل أو رجع ، فإنّه غير مشمول للتنزيل بالضرورة. فحتّى على تقدير العمل بصحيحة زرارة والالتزام بعموم المنزلة لا نقول به في المقام ، لاختصاصه بالمحلّ الذي أقام فيه ، لا المحلّ الذي يريد الإقامة فيه.
فتحصّل : أنّا لو التزمنا باعتبار حدّ الترخّص في محلّ الإقامة ذهاباً لا نلتزم به إياباً البتة. هذا كلّه حكم محلّ الإقامة.
وأمّا المكان الذي بقي فيه ثلاثين يوماً متردّداً فهل يعتبر فيه حدّ الترخّص أو لا؟ أمّا الإياب فلا يمكن فرضه هنا ، إذ لا معنى للدخول في بلد يعلم ببقائه فيه ثلاثين يوماً متردِّداً كما هو ظاهر ، فيختصّ محلّ البحث بالذهاب. وقد ظهر من جميع ما تقدّم أنّه لا موجب لاعتباره هنا أيضاً ، لعدم الدليل عليه بوجه.
نعم ، ورد في الصحيحة (1)هذا المضمون : أنّ من بقي شهراً في مكّة فهو بمنزلة أهلها (2). فربّما يدّعى أنّ مقتضى عموم التنزيل جريان أحكام الأهل
[2297] مسألة 66 : إذا شكّ في البلوغ إلى حدّ الترخّص بنى على عدمه فيبقى على التمام في الذهاب وعلى القصر في الإياب (1).
بتمامها التي منها اعتبار حدّ الترخّص.
ويندفع أوّلاً : أنّ المتبادر من التنزيل أن يكون بلحاظ أظهر الآثار ، وهو في المقام إتمام الصلاة ، فلا يشمل غيره ، ولا سيما مثل حدّ الترخّص الذي ربما لا يعرفه أكثر الناس.
وثانياً : أنّ الموضوع في النص مَن بقي ، وظاهره اعتبار الوصف العنواني في التنزيل ، وأنّ الباقي ما دام باقياً فهو بمنزلة الأهل ، فمع خروجه من مكّة يزول العنوان ، فلا موضوع حتّى يشمله عموم المنزلة كي يحكم باعتبار حدّ الترخّص. وبعبارة اخرى : ليس التنزيل بلحاظ ذات الباقي ، بل بوصف أنّه باق ، فلا يشمل ما بعد الخروج وزوال العنوان.
وثالثاً : مع الغض عن كلّ ذلك فلعلّ هذا من مختصّات مكّة كسائر خصائصها فلا مقتضي للتعدّي من مورد النص من غير دليل ظاهر.
فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ الأظهر اختصاص اعتبار حدّ الترخّص بالوطن ، فلا يعم غيره من محلّ الإقامة أو المكان الذي أقام فيه ثلاثين يوماً ومع ذلك كلّه فالاحتياط بالجمع أو تأخير الصلاة ممّا لا ينبغي تركه.
(1) إذا كان حدّ الترخّص معلوماً فيما يعتبر فيه الحد ذهاباً أو إياباً فلا إشكال وأمّا لو شكّ في ذلك لجهة من الجهات المانعة عن الإحراز من ظلمة أو عمى أو عدم كونه وقت الأذان ونحو ذلك فلا ريب أنّ الشبهة موضوعية ، يجرى فيها الاستصحاب ، أعني أصالة عدم بلوغ البعد المقرّر شرعاً ، فيتم في الذهاب كما أنّه يقصّر في الإياب ، عملاً بالاستصحاب ، فكلّ منهما في حدِّ نفسه مورد للأصل.
.................................................................................................
ولكن قد يكون هناك علم إجمالي يمنع عن الرجوع إليه من أجل المعارضة وهذا أمر آخر لا ربط له بجريان الاستصحاب في حدّ نفسه ، كما هو الحال في سائر الشبهات الموضوعية التي يجرى فيها الاستصحاب لولا الابتلاء بالعلم الإجمالي الموجب لسقوطه من جهة المعارضة.
فعليه لو فرض حصول العلم الإجمالي في المقام ، كما لو اتفق عروض الشك بعينه في الإياب عند ما وصل إلى نفس المكان الذي شكّ فيه في الذهاب ففي مثله لا يمكن الجمع بين الاستصحابين ، للعلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع.
فانّ هذا المكان إن كان بالغاً البعد المقرّر شرعاً وكان مصداقاً لحدّ الترخّص واقعاً فالاستصحاب الجاري في الذهاب المترتّب عليه التمام مخالف للواقع ، وإلّا بأن كان دون حدّ الترخّص فالاستصحاب في الإياب المترتّب عليه القصر ساقط فيعلم إجمالاً بالمخالفة في أحد الاستصحابين المترتّب عليه العلم الإجمالي بفساد إحدى الصلاتين بطبيعة الحال ، فماذا تقضيه القاعدة وما هي الوظيفة حينئذ؟ فنقول :
قد يفرض حصول العلم الإجمالي من أوّل الأمر كما لو علم عند شكّه في الذهاب بابتلائه بنفس هذا الشكّ في الإياب ، وأُخرى يفرض حصوله متأخّراً.
أمّا في الأوّل : فلا شبهة في تعارض الاستصحابين وتساقطهما ، بناءً على ما هو الصحيح من عدم الفرق في تنجيز العلم الإجمالي بين الدفعي والتدريجي وأنّ العبرة بفعلية الحكم ولو في ظرفه ، فلا مناص حينئذ من أحد الأمرين إمّا الجمع أو تأخير الصلاة إلى بلوغ الحدّ الجزمي ، رعاية للعلم الإجمالي المزبور بعد سقوط الاستصحابين بالمعارضة.
وأمّا في الثاني : كما لو شكّ في الذهاب ومن باب الاتفاق حصل له نفس ذلك الشكّ في الإياب من دون علم به من الأوّل ، فهو على قسمين : إذ قد
.................................................................................................
يفرض الكلام مع بقاء الوقت ، وأُخرى مع فواته.
أمّا الأوّل : كما لو صلّى الظهر في ذهابه تماماً ويريد أن يصلّي العصر في إيابه قصراً عملاً بالاستصحاب في كلٍّ منهما ، فلا ريب حينئذ في سقوط الاستصحابين بالمعارضة.
ولا مجال لتصحيح الظهر بقاعدة التجاوز ، لوضوح اختصاصها بالشكّ في الصحّة المستند إلى فعل المكلّف من احتمال ترك جزء أو شرط أو الإتيان بمانع دون ما هو خارج عن اختياره كما في المقام ، فإنّ صحّة الظهر الصادرة تماماً وفسادها مستند إلى كون ذلك المحلّ مصداقاً لحدِّ الترخّص وعدمه ، الذي لا مساس له بفعل المكلّف بوجه.
فلا مؤمّن لصحّة الظهر ، لانحصاره في الاستصحاب المفروض سقوطه بالمعارضة ، فلا مناص من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال القاضية بلزوم إعادة الظهر قصراً والإتيان بالعصر قصراً وتماماً ، لعدم أصل يحرز به أحد الأمرين كما عرفت.
وأمّا الثاني : أعني فرض خروج الوقت كما لو كان رجوعه في اللّيل فكان شكّه بالنسبة إلى العشاءين ، والمفروض أنّه صلّى الظهرين في ذهابه تماماً عملاً بالاستصحاب.
فان بنينا على أنّ من أتمّ في موضع القصر لعذر من الأعذار من جهل أو نسيان متعلّق ببعض خصوصيات الحكم أو موضوعه مثل المقام ، ومثل ما لو أتم بزعم أنّ المسافة الكذائية لا تبلغ الثمانية فراسخ ونحو ذلك ، وجامعه غير العالم العامد ، ثمّ انكشف الخلاف خارج الوقت لا يجب عليه القضاء كما لا يبعد الالتزام به ، فعلى هذا المبنى لا أثر للعلم الإجمالي المزبور ، للعلم بصحّة ما صلاه تماماً على كلّ حال ، سواء أكان ذلك الموضع حدّا للترخّص أم لا ، فلا موقع
.................................................................................................
لذلك الاستصحاب ، إذ لا أثر له بعد العلم التفصيلي بصحّة التمام.
فيبقى الاستصحاب بلحاظ حال الإياب سليماً عن المعارض ، فيصلِّي العشاءين قصراً ولا شيء عليه ، إذ لا يحدث من ذلك العلمُ الإجمالي ببطلان التمام أو القصر ، لصحّة الأوّل على كلّ تقدير كما عرفت.
وأمّا لو بنينا على وجوب القضاء لاختصاص دليل الاجتزاء بالجاهل بأصل الحكم دون خصوصياته أو الجاهل بالموضوع ، فلا محالة يتحقّق العلم الإجمالي ببطلان أحد الاستصحابين ، فانّ مقتضى الاستصحاب الأوّل صحّة التمام وعدم الحاجة إلى القضاء ، ومقتضى الثاني وجوب القصر وصحّته ، ولا يمكن الجمع ، وبعد سقوط الاستصحابين بالمعارضة تصل النوبة إلى الأُصول الأُخر.
وقد عرفت أنّ قاعدة التجاوز لا مجرى لها بالإضافة إلى الصلاة السابقة لاختصاصها باحتمال الخلل المستند إلى الفعل الاختياري ، المفقود في المقام.
كما لا مجال للرجوع إلى قاعدة الحيلولة ، لاختصاصها بالشكّ المتعلّق بأصل الإتيان بالصلاة ، دون من علم بأنّه صلّى تماماً وشكّ في صحّتها كما في المقام فينتهي الأمر إلى الأُصول العملية ، ومقتضاها البراءة عن قضاء السابقة والرجوع إلى قاعدة الاشتغال بالنسبة إلى الحاضرة.
أمّا الأوّل : فلأنّ القضاء بأمر جديد ، وموضوعه الفوت ، ولم يحرز لا وجداناً لجواز صحّة السابقة ووقوع التمام قبل بلوغ حدّ الترخّص واقعاً ، ولا تعبّداً لعدم أصل يحرز به الفوت ، فحيث إنّه مشكوك فيه فلا محالة يشك في تعلّق الأمر بالقضاء ، فيرجع إلى أصالة البراءة.
وأمّا الثاني : فلأنّ الشك في الحاضرة أعني العشاءين شكّ في الوقت وهو مورد لقاعدة الاشتغال بعد عدم المؤمّن عن شيء من القصر والتمام
[2298] مسألة 67 : إذا كان في السفينة أو العربة فشرع في الصلاة قبل حدّ الترخّص بنيّة التمام ثمّ في الأثناء وصل إليه ، فإن كان قبل الدخول في قيام الركعة الثالثة أتمّها قصراً وصحّت ، بل وكذا إذا دخل فيه قبل الدخول في الركوع ، وإن كان بعده فيحتمل وجوب الإتمام ، لأنّ الصلاة على ما افتتحت لكنّه مشكل ، فلا يترك الاحتياط بالإعادة قصراً أيضاً. وإذا شرع في الصلاة في حال العود قبل الوصول إلى الحدّ بنيّة القصر ثمّ في الأثناء وصل إليه أتمّها تماماً وصحّت (1).
المعلوم وجوب أحدهما إجمالاً ، إذ المؤمّن المعيّن للقصر كان هو الاستصحاب والمفروض سقوطه بالمعارضة ، فلا بدّ إمّا من الجمع أو التأخير إلى أن يصل حدّ الترخّص الجزمي ، عملاً بالعلم الإجمالي وقاعدة الاشتغال كما عرفت.
فتحصّل : أنّ فروع المسألة مختلفة ، وينبغي التفصيل في شقوقها على النهج الذي ذكرناه.
(1) لا ريب في صحّة الصلاة حال السير في سفينة أو غيرها كما نطق به النص بقوله : «أما ترضى أن تصلّي صلاة نوح» (1)، فلو شرع فيها عند خروجه من البلد تماماً لكونه قبل حدّ الترخّص فبلغ الحد أثناءها فهل يتمّها تماماً لأنّه شرع فيها كذلك والصلاة على ما افتتحت ، أو قصراً نظراً إلى أنّها الوظيفة الفعلية بعد تبدّل الموضوع؟
لا إشكال في أنّه يتمّها قصراً لو كان ذلك قبل الدخول في قيام الركعة الثالثة لانقلاب الموضوع بعد وضوح أنّ العبرة في القصر والتمام بزمان العمل وظرف
1) الوسائل 5 : 506 / أبواب القيام ب 14 ح 9.
.................................................................................................
الامتثال ، والمفروض أنّه لم يفرغ بعد عن العمل ، ولم يسقط التكليف ، وقد جاوز فعلاً حدّ الترخّص ، فوظيفته الفعلية قد انقلبت إلى القصر وهو مأمور بها فلا بدّ من إتمامها كذلك كما هو ظاهر جدّاً.
وكذا الحال فيما لو كان ذلك بعد الدخول في قيام الركعة الثالثة وقبل الدخول في ركوعها كما أفاده في المتن ، غايته أنّ القيام زائد حينئذ واقع في غير محلّه فيهدمه ويلحقه حكم القيام السهوي.
فحال المقام حال من كان ناوياً للإقامة في بلد فشرع في الصلاة بنيّة التمام وفي الأثناء بدا له في السفر وعدل عن قصد الإقامة ، فإنّه يتمّها قصراً ، لتبدّل الحكم بتبدّل موضوعه. وهذا كلّه واضح لا سترة عليه.
إنّما الكلام فيما لو كان الوصول إلى حدّ الترخّص بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة ، بحيث لا يمكن معه الإتمام قصراً لفوات المحل.
وقد احتمل الماتن (قدس سره) حينئذ وجوب الإتمام ، نظراً إلى ما ورد من أنّ الصلاة على ما افتتحت ، الدال على أنّ الاعتبار بحال الافتتاح ، وقد كان هو التمام آن ذاك فيتمّها كذلك ، وأخيراً استشكل فيه وحكم بالاحتياط بالإعادة قصراً أيضاً.
أقول : الروايات الناطقة بأنّ الصلاة على ما افتتحت (1)ناظرة بشهادة موردها إلى التخلّف في النيّة ، وأجنبية عن التبدّل في سائر الخصوصيات ، فموردها من أتمّ الصلاة بنيّة مغايرة لما نواه أوّلاً ، كمن شرع في الصلاة بنيّة الفريضة فغفل وأتمها نافلة أو بالعكس ، أو شرع بقصد الأداء وأتم سهواً بعنوان القضاء ، إلى غير ذلك من الأمثلة التي يجمعها تغيير النيّة السابقة ساهياً ، فيحكم حينئذ بالصحّة وأنّ العبرة بحالة الافتتاح.
1) الوسائل 6 : 6 / أبواب النيّة ب 2.
والأحوط (1) في وجهٍ إتمامها قصراً ثمّ إعادتها تماماً (1).
ولعلّ السرّ أنّ ذلك من باب الاشتباه والخطأ في التطبيق ، وإلّا فمن يتم صلاته فإنّما يتمّها على النيّة الأُولى حسب طبعه وارتكازه.
وكيف ما كان ، فتلك الروايات ناظرة إلى هذا المورد ، وأين ذلك من محلّ الكلام الذي انقلب الموضوع واقعاً وتبدّل التمام إلى القصر في صقع الواقع ، فهي أجنبية عما نحن فيه ، والاستشهاد بها في غير محلّه جزماً.
وعليه فالظاهر لزوم رفع اليد عن هذه الصلاة ، لعدم إمكان إتمامها صحيحة ولا مناص من إعادتها قصراً حسب ما تقتضيه الوظيفة الفعلية بعد انقلاب الموضوع وتبدّله كما عرفت. فما ذكره (قدس سره) من الاحتياط وإن كان في محلّه إلّا أنّه لا ملزم له.
وممّا ذكرنا يظهر حال عكس المسألة وأنّه لو شرع في الصلاة في حال العود قبل الوصول إلى الحد بنيّة القصر ، ثمّ في الأثناء وصل إليه أتمها تماماً كما أفاده في المتن ، لكونه مقتضى وظيفته الفعلية بعد فرض تبدّل الموضوع وانقلابه. ولا يتصوّر هنا فوات محلّ العدول كما في سابقه ، لحصول الزيادة في الوظيفة لا النقص كما هو ظاهر.
(1) هذا الاحتياط لا وجه له أبداً ، إذ بعد البناء على أنّه يتمّها تماماً كما أفتى (قدس سره) بذلك كيف يسوغ الإتمام قصراً ، وهل هذا إلّا من إبطال الفريضة اختياراً ، المحرّم عنده ، ولا أقل من كونه خلاف الاحتياط. وعلى الجملة : فهذا الاحتياط على خلاف الاحتياط قطعاً.
1) (*) لا وجه لهذا الاحتياط على مسلكه (قدس سره) من الحكم بصحّة الصلاة تماماً وبحرمة إبطال الفريضة اختياراً ، بل الأحوط فيه إتمامها تماماً ثمّ إعادتها كذلك.
[2299] مسألة 68 : إذا اعتقد الوصول إلى الحدّ فصلّى قصراً ثمّ بان أنّه لم يصل إليه وجبت الإعادة أو القضاء تماماً (1)(1) وكذا في العود إذا صلّى تماماً باعتقاد الوصول فبان عدمه وجبت الإعادة أو القضاء قصراً ، وفي عكس الصورتين بأن اعتقد عدم الوصول فبان الخلاف ينعكس الحكم فيجب الإعادة قصراً في الأُولى وتماماً في الثانية.
نعم ، لو أُريد الاحتياط كان مقتضاه إعادتها تماماً بعد إتمامها كذلك ، رعاية لاحتمال فساد الاولى استناداً إلى ما دلّ على أنّ الصلاة على ما افتتحت ، والمفروض أنّه افتتحها قصراً ، وإن كان الاحتمال المزبور ضعيفاً غايته كما عرفت.
(1) لعدم كون القصر الذي أتى به مأموراً به بعد فرض انكشاف الخلاف. ولا دليل على الإجزاء ، وحيث إنّ المفروض عدم بلوغه حدّ الترخّص فهو مأمور حينئذ بالتمام ، فلا بدّ من إعادتها تماماً إن كان الانكشاف في الوقت ، والقضاء كذلك إن كان في خارجه.
وهذا هو مراده (قدس سره) من الحكم بالتمام في الموردين ، أعني ما إذا كان الانكشاف في الوقت قبل وصول حدّ الترخّص وأراد الإعادة في محلّ الانكشاف فإنّه يتعيّن عليه التمام حينئذ. كما أنّه لو بقي في ذلك المكان إلى أن خرج الوقت ثمّ انكشف الخلاف فحيث إنّ الفريضة فاتته تماماً فلا بدّ من قضائها تماماً أيضاً.
1) (*) يريد بذلك الإعادة في محلّ انكشاف الخلاف والقضاء خارج الوقت مع خروجه قبل وصوله إلى حدّ الترخص ، ومن ذلك يظهر مراده من وجوب الإعادة أو القضاء قصراً في صورة العود ، ولكن سيأتي عدم وجوب القضاء فيما إذا انكشف الخلاف في خارج الوقت ، وبذلك يظهر حكم القضاء قصراً فيما بعد ذلك.
.................................................................................................
ولا يريد (قدس سره) بذلك الإعادة تماماً حتّى إذا بلغ حدّ الترخّص ، أو القضاء تماماً حتّى فيما إذا بلغ الحدّ وخرج الوقت بعد ذلك ، فانّ هذا غير محتمل بالضرورة ، لبداهة وجوب القصر حينئذ إعادة وقضاءً. وما ذكرناه ظاهر من عبارته كما يتّضح بأدنى تأمل ، هذا.
ولو انعكس الفرض بأن اعتقد عدم الوصول إلى الحدِّ فأتمّ ثمّ انكشف الخلاف فان كان الانكشاف في الوقت فلا إشكال في لزوم الإعادة ، لعدم الدليل على إجزاء التمام عن القصر في محلّ الكلام. نعم ، ثبت ذلك في الجاهل بالحكم وأنّه لا يعيد ، ومقامنا من الخطأ في الموضوع دون الجهل بالحكم كما هو ظاهر.
وأمّا إذا كان الانكشاف في خارج الوقت فعلى الكلام الآتي في محلّه إن شاء اللّه تعالى (1)من أنّ من أتمّ في موضع القصر من غير علم وعمد هل يجب عليه القضاء أو أنّه يحكم بالإجزاء ولا قضاء عليه. وتفصيله موكول إلى محلّه إن شاء اللّه تعالى. هذا كلّه في الذهاب.
ومنه يظهر الحال في الإياب ، فإنّه يجري فيه ما مرّ بعينه ، فلو صلّى في رجوعه من سفره قصراً باعتقاد عدم الوصول إلى حدّ الترخّص ثمّ انكشف الخلاف فحيث إنّ صلاته فاسدة لعدم الدليل على الإجزاء ، وجبت عليه الإعادة تماماً في الوقت وفي خارجه.
ولو انعكس الأمر بأن اعتقد بلوغ الحدّ فأتمّ ثمّ انكشف الخلاف وجبت الإعادة في الوقت بلا إشكال ، وأمّا القضاء فعلى الكلام الآتي في محلّه إن شاء اللّه تعالى حسبما أشرنا إليه.
1) في ص 360 وما بعدها.
[2300] مسألة 69 : إذا سافر من وطنه وجاز عن حدّ الترخّص ثمّ في أثناء الطريق وصل إلى ما دونه إمّا لاعوجاج الطريق أو لأمر آخر (1) كما إذا رجع لقضاء حاجة أو نحو ذلك فما دام هناك يجب عليه التمام ، وإذا جاز عنه بعد ذلك وجب عليه القصر إذا كان الباقي مسافة (1)(2) ، وأمّا إذا سافر من
(1) إذا خرج المسافر من وطنه وبعد ما جاوز حدّ الترخّص رجع ثانياً إلى ما دونه إمّا لكون الطريق معوجاً أو لغاية أُخرى من قضاء حاجة ونحوها فقد حكم (قدس سره) بالتمام حينئذ ، وبالقصر لو جاوزه بشرط كون الباقي مسافة.
أقول : ينبغي التكلّم في جهات :
الاولى : لا إشكال في وجوب التمام عند ما رجع إلى ما دون حدّ الترخّص عملاً بإطلاق ما دلّ على وجوبه قبل الحد ، الشامل لما إذا جاوز الحد ورجع. فما دون هذا المقدار من البعد محكوم بوجوب التمام ، من غير فرق بين من كان فيه ولم يتجاوزه أو جاوزه ثمّ عاد إليه ، بمقتضى الإطلاق. وهذا واضح لا سترة عليه.
نعم ، يختص ذلك بما إذا سافر من وطنه ، ولا يشمل السفر من محل الإقامة لما تقدّم (2)من عدم اعتبار حدّ الترخّص فيه ، وعلى تقدير الاعتبار لا يعمّ مثل المقام كما لا يخفى.
(2) الثانية : هل يعتبر في التقصير لدى التجاوز عن المحل الذي رجع إليه لحاظ المسافة بينه وبين المقصد بأن يكون الباقي بنفسه مسافة ، أو يكفي كونه
محلّ الإقامة وجاز عن الحدّ ثمّ وصل إلى ما دونه ، أو رجع في الأثناء لقضاء حاجة بقي على التقصير ، وإذا صلّى في الصورة الأُولى بعد الخروج عن حدّ
كذلك ولو بضميمة ما قطعه من البلد؟
الظاهر هو الثاني ، بل لا ينبغي التأمل فيه ، إذ لا وجه لإلغاء البعد المتحقّق بينه وبين البلد بعد أن لم يكن الرجوع إلى ما دون حدّ الترخّص رجوعاً عن نيّة السفر التي نواها أوّلاً وإنشاءً للسفر من هذا المكان كما هو المفروض ، غاية ما هناك أن تلغى المسافة التي قطعها في ذهابه عن هذا المحلّ ورجوعه ، فليفرض أنّ هذا المقدار في حكم العدم وكأنّه لم يكن ، وأمّا المقدار الذي قطعه من البلد إلى هذا الموضع والبعد المتخلّل بينهما فلا موجب لإلغائه بوجه كما عرفت. فما أفاده في المتن من اشتراط كون الباقي مسافة غير ظاهر.
الثالثة : هل العبرة في احتساب المسافة في مَن رجع إلى ما دون حدّ الترخّص بمراعاة البعد المتخلّل بين البلد والمقصد ، فلا اعتبار بما قطعه في ذهابه ورجوعه أو أنّ هذا المقدار أيضاً محسوب من المسافة؟
الظاهر هو التفصيل بين ما كان الرجوع لأجل اعوجاج الطريق ، وبين غيره من قضاء حاجة ونحوها.
ففي الأوّل كما لو كان الطريق جبلياً ، أو كان سيره في جزيرة أو شبهها بحيث كان الطريق في نفسه معوجاً ، لا موجب للإلغاء ، لما ذكرناه سابقاً (1)من عدم اعتبار كون البُعد الملحوظ بين البلد والمقصد على نحو الخط المستقيم ، فانّ المدار على قطع ثمانية فراسخ ، أو مسيرة يوم ، أو بياض النهار ونحو ذلك من التعابير
1) في ص 41 وما بعدها.
.................................................................................................
الواردة في النصوص (1)، وإن كان ذلك على نحو الخط المنكسر أو المنحني وما يشابههما من الإشكال الهندسية كما يتّفق ذلك في كثير من الطرق ولا سيما الجبلية منها ، فليس المدار على مجرّد البعد ، بل على قطع الطريق وسيره ، سواء أكان ذلك بنحو الخط المستقيم أم لا.
ومن هنا ذكرنا سابقاً (2)أنّه لو كان لمقصده طريقان أحدهما مسافة دون الآخر يقصّر عند سلوكه الطريق الأوّل ويتم في الآخر ، مع أنّ البعد بين البلد والمقصد واحد على التقديرين.
وعلى الجملة : بعد البناء على عدم اعتبار الاستقامة فيما يقطعه من المسافة والمفروض أنّ العبرة في مبدأ احتسابها بالخروج من نفس البلد لا بالتجاوز عن حدّ الترخّص وإن كان التقصير منوطاً به كما تقدّم سابقاً (3)لا مناص من احتساب ما قطعه في ذهابه ورجوعه إلى ما دون حدّ الترخّص المستند إلى اعوجاج الطريق.
ومن الواضح أنّ الحكم بالتمام بعد الرجوع لا ينافي الاحتساب المزبور وأن يكون هذا المقدار جزءاً من المسافة ، كما كان هو الحال فيما دون الحد قبل أن يذهب ويرجع ، فإنّه يتم مع أنّ ما بينه وبين البلد محسوب من المسافة بالضرورة. فلا تنافي بين الأمرين بوجه كما هو ظاهر جدّاً.
وأمّا في الثاني : أعني ما لو كان الرجوع لا لأجل الاعوجاج ، بل لغرض آخر من قضاء حاجة ونحوه ، كما لو خرج إلى الكوفة ثمّ رجع في طريقه إلى كربلاء إلى ما دون حدّ الترخّص من النجف لنوم أو عزيمة (4)أو حاجة أُخرى
الترخّص قصراً (1) ثمّ وصل إلى ما دونه ، فان كان بعد بلوغ المسافة فلا
فلا ينبغي الشك في أنّ هذا المقدار من الذهاب المتعقّب بالرجوع ملغى ، لعدم كونه من السير المعتبر في تحقّق المسافة على ما بيّناه سابقاً (1)من لزوم كون السير بعداً امتدادياً ، غير الصادق على الذهاب بعد فرض تعقّبه بالإياب. فلا جرم يسقط هذا المقدار عن الاحتساب.
ولكن الظاهر عدم سقوطه مطلقاً ، بل الساقط خصوص الذهاب فقط دون الرجوع ، فلو فرضنا أنّه ذهب إلى الكوفة من طريق ثمّ رجع من طريق آخر إلى ما دون حدّ الترخّص من النجف قاصداً به مكاناً من الأمكنة كالذهاب إلى كربلاء ، وقد قصد السفر من نفس محلّ الرجوع فلما ذا لا يحسب هذا من المسافة مع عدم الموجب لإلغائه بوجه.
والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ رجوعه إن كان سفرياً أي واقعاً في طريقه وسفره من أجل اعوجاج الطريق وانحرافه فحينئذ يحسب الذهاب والإياب معاً ، كما لو خرج من النجف قاصداً كربلاء ولكن الطريق العادي المستقيم كان مسدوداً لمانع من الموانع فذهب إلى الكوفة ومنها إلى السّهلة ورجع منها إلى خارج النجف المحل المُعد للبنزين ثمّ توجّه نحو كربلاء ، فإنّه لا موجب لإلغاء هذا المقدار من السير ، بل الذهاب والإياب كلاهما محسوبان من المسافة بعد ما عرفت من عدم اعتبار استقامة الطريق.
وأمّا إن كان الرجوع لا لأجل الاعوجاج فطبعاً يسقط الذهاب ويلغى كما عرفت ، دون الرجوع ، بل يكون مبدأ سفره من حين ما يرجع في المثال المتقدّم.
(1) الرابعة : لو قصّر في المورد الذي لا يكون محكوماً بالقصر كالذهاب في
1) في ص 7 ، 39.
إشكال في صحّة صلاته ، وأمّا إن كان قبل ذلك فالأحوط وجوب الإعادة (1)وإن كان يحتمل الإجزاء إلحاقاً له بما لو صلّى ثمّ بدا له في السفر قبل بلوغ المسافة.
الفرض المتقدّم ، كما لو سافر من النجف وعند ما بلغ الكوفة قصّر ولم يعلم برجوعه ، ثمّ بدا له فرجع إلى ما دون حدّ الترخّص فهل يعيد صلاته.
لا ينبغي الشك في دخول الفرض في المسألة المتقدّمة سابقاً ، أعني من سافر وقصّر في الطريق ثمّ بدا له في السفر قبل بلوغ المسافة ، فإن قلنا ثمة بعدم الحاجة إلى الإعادة استناداً إلى صحيحة زرارة كما تقدّم (2)فكذلك في المقام بل الحكم هنا أولى ، إذ المفروض في تلك المسألة أنّه بدا له في أصل السفر وأمّا في المقام فهو بعدُ على نيّة السفر ، وإنّما بدا له في الطريق فقط فعدل عن طريق إلى آخر ، فالصحّة هناك تستلزم الصحّة هنا بطريق أولى كما لا يخفى.
وأمّا لو لم نقل بالصحّة هناك لأجل المعارضة كما أسلفناك لم نقل بها هنا أيضاً ، إذ الإجزاء يحتاج إلى الدليل ولا دليل عليه ، ومن هنا كانت الإعادة أحوط كما ذكره في المتن.
[2301] مسألة 70 : في المسافة الدورية حول البلد دون حدّ الترخّص في تمام الدّور أو بعضه (1)ممّا لم يكن الباقي قبله أو بعده مسافة يتمّ الصلاة (1).
(1) حكم (قدس سره) بوجوب التمام في المسافة الدورية حول البلد مع فرض كونها دون حدّ الترخّص ، سواء أكان ذلك في تمام الدور أو في بعضه فيما إذا لم يكن السير قبل المرور بحدّ الترخّص أو بعده في نفسه مسافة وإن كان المجموع بمقدار المسافة ، نظراً إلى أنّ المرور المزبور يوجب انقطاع حكم السفر وعدم صلاحية انضمام السير الواقع ما بعد المرور بما قبله ، فلأجله يحكم بالتمام وإنّما يحكم بالقصر فيما إذا كان الباقي من كلّ منهما مع قطع النظر عن الآخر مسافة في حدّ نفسه.
أقول : تبيّن سابقاً أنّه لا فرق في وجوب التقصير بين المسافة الدورية والامتدادية ، نظراً إلى أنّ المناط في القصر مسير ثمانية فراسخ وقطع الطريق بهذا المقدار ، سواء أكان البُعد أيضاً بالغاً هذا الحد أم لا ، فليست العبرة بملاحظة الابتعاد والامتداد ، بل الاعتبار بحال السير وما يقطعه من الطريق. هذا من ناحية.
ومن ناحية أُخرى تبيّن في المسألة السابقة أنّ الرجوع إلى حدّ الترخّص والمرور به كما في الطريق الاعوجاجي لا يقطع السفر وإن وجب التمام وقتئذ فانّ مبدأ احتساب المسافة هو الخروج من نفس البلد لا بلوغ حدّ الترخّص فالرجوع إليه لا يمنع عن احتساب ما قبله وانضمامه بما بعده.
وبعد البناء على هذين الأمرين يظهر لك بوضوح وجوب التقصير في المسافة
1) (*) في وجوب التمام عليه في فرض كون بعض الدور دون حدّ الترخّص إشكال ، والأحوط الجمع.
.................................................................................................
الدورية حول البلد خارج حدّ الترخّص وإن مرّ بالحد في بعض الدور وأثنائه فإنّه بمثابة الرجوع إليه في الطريق الاعوجاجي ، غير المانع عن الانضمام ، وغير القاطع لحكم السفر وإن وجب التمام في خصوص هذه الحالة بالتعبّد الشرعي الذي مرجعه إلى التخصيص في أدلّة القصر ، فهو مسافر يتم في هذه النقطة فقط ويقصّر في خارج الحد ، من غير فرق بين الخروج الحاصل قبل المرور أو بعده.
نعم ، لو كانت المسافة الدورية حول البلد دون حدّ الترخّص في تمام الدور يتعيّن التمام حينئذ ، لعدم صدق اسم المسافر عليه ، فإنّه بمنزلة السير ثمانية فراسخ في داخل البلد.
فاللّازم هو التفصيل في المسألة بين ما إذا كانت المسافة الدورية بتمامها دون حدّ الترخّص فالمتعيّن حينئذ هو التمام ، وبين ما إذا كان بعضها دون الحد فالأظهر حينئذ هو القصر ، وإن كان الاحتياط هنا ممّا لا ينبغي تركه كما أشار إليه سيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) في تعليقته الشريفة.
وهي أُمور ، أحدها : الوطن ، فانّ المرور عليه قاطع للسفر (1) ، وموجب للتمام ما دام فيه أو فيما دون حدّ الترخّص منه ، ويحتاج في العود إلى القصر بعده إلى قصد مسافة جديدة ولو ملفّقة مع التجاوز عن حدِّ الترخّص ،
(1) لا شك أنّ المرور بالوطن قاطع لموضوع السفر ، وموجب لزوال عنوان المسافر ، لما بينه وبين الحاضر من التضاد والمقابلة ، فيجب التمام ما دام فيه ويحتاج العود إلى القصر إلى إنشاء السفر وقصد مسافة جديدة امتدادية أو تلفيقية ، فيقصّر حينئذ بعد خروجه من حدّ الترخّص كما تقدّم.
وهذا الحكم أعني انقطاع موضوع السفر بالمرور على الوطن ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال ، ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف ، فانّ التقصير مترتّب على عنوان المسافر ، المنتفي بطبيعة الحال بالحضور في الوطن كما مرّ (1).
على أنّه تدلّ عليه عدّة من الروايات المعتبرة المتضمّنة لإناطة التقصير بما إذا لم يدخل المسافر منزله أو بلده أو قريته ونحو ذلك من التعابير ، التي منها صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «في الرجل يسافر فيمرّ بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أم يقصّر؟ قال : يقصّر ، إنّما هو المنزل الذي
1) في ص 89.
والمراد به المكان الذي اتّخذه مسكناً ومقرّاً له دائماً (1)(1) بلداً كان أو قرية أو غيرهما ، سواء كان مسكناً لأبيه وأُمّه ومسقط رأسه أو غيره ممّا استجدّه ولا يعتبر فيه بعد الاتخاذ المزبور حصول ملك له فيه ، نعم يعتبر فيه الإقامة فيه بمقدار يصدق عليه عرفاً أنّه وطنه. والظاهر أنّ الصِّدق المذكور يختلف بحسب الأشخاص والخصوصيات فربما يصدق بالإقامة فيه بعد القصد المزبور شهراً أو أقل ، فلا يشترط الإقامة ستّة أشهر وإن كان أحوط ، فقبله يجمع بين القصر والتمام إذا لم ينو إقامة عشرة أيام.
توطّنه» (2)حيث دلّت بوضوح على لزوم التمام فيما إذا كان المرور بالمنزل الذي توطّنه.
وهذه الرواية رواها في الوسائل عن حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) كما هي كذلك في التهذيب (3)أيضاً ، ولكنّها مرويّة في الاستبصار عن حماد بن عثمان عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4)كما نبّه عليه معلِّق الوسائل.
وكيف ما كان ، فهي صحيحة سواء رواها حماد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) مع الواسطة أم بدونها ، ونحوها غيرها كما لا يخفى على من لاحظها.
(1) لا ريب في أنّ الوطن بما له من المعنى العرفي الذي ينافيه السفر يتحقّق
.................................................................................................
بأحد أمرين :
أحدهما : ما كان مقراً له ومسكنه الأصلي ومسقط رأسه باعتبار تبعيّته لأبويه ، فهو محلّه أباً عن جد ، ولا يعد غريباً في هذا المكان بوجه.
ثانيهما : ما كان كذلك بالاتخاذ ، بأن انتقل عن مقره الأصلي واتّخذ مكاناً آخر مقرّاً ومسكناً دائميّاً له فأصبح وطناً له بالاتخاذ ، فانّ معنى وطن أي أقام وسكن ، فهذا أيضاً وطن ، غايته أنّ الأوّل وطن أصلي وهذا وطن اتخاذي.
وهل يعتبر في الوطن الاتخاذي نيّة البقاء إلى الأبد وما دام العمر ، أو يكفي قصد ذلك مدّة طويلة كثلاثين أو عشرين بل عشر سنين مثلاً؟ فيه كلام سنتعرّض له عند تعرّض الماتن له فيما بعد (1)، وستعرف أنّ الأظهر عدم اعتبار نيّة الدوام وإن نسب ذلك إلى المشهور ، بل يكفي في وجوب التمام البقاء بمقدار لا يصدق عليه عنوان المسافر عرفاً.
وكيف ما كان ، فلا إشكال في أنّه متى صدق عليه أنّ هذا وطنه ومسكنه لحقه حكمه ، سواء أكان ذلك بالأصالة ومستنداً إلى التبعية والوراثة أم كان بالجعل والاتخاذ.
وهل يعتبر الملك في الوطن الاتخاذي بأن تكون له دار يسكن فيها ، أو يكفي مجرّد السكنى سواء أكان بايجار ، أو رعاية ، أو وقف كما في المدارس ، أو كان ضيفاً على أحد ونحو ذلك من أنحاء السكونة؟
الظاهر بل المقطوع به عدم اعتبار الملكية ، لعدم الدليل عليه ، بل الدليل على عدمه ، وهو إطلاق الروايات ، فإنّ العبرة بصدق الوطن ، غير الدائر مدار الملك بالضرورة.
1) في ص 257.
.................................................................................................
نعم ، يعتبر ذلك في الوطن الشرعي على القول بثبوته كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى (1)، وهذا أمر آخر. وأمّا في الوطن العرفي الاتخاذي فلا يعتبر الملك عيناً بل ولا منفعة كما في العارية ونحوها ، وإطلاقات الروايات كافية ووافية.
بل قيل : إنّ أكثر المواطنين في الوطن الاتخاذي ليس لهم ملك بحسب الغالب ولعلّه كذلك. والالتزام بوجوب القصر عليهم ما دام العمر فيما إذا لم يقصدوا إقامة عشرة أيام كما لو خرج في كلّ تسعة أيام يوماً للزيارة مثلاً كما ترى ، بل هو غريب لا يمكن المصير إليه.
وعلى الجملة : فكما لا يعتبر الملك في الوطن الأصلي جزماً لا يعتبر في الوطن الاتخاذي أيضاً بمناط واحد.
وهل يفتقر الحكم بالتمام في الوطن الاتخاذي إلى البقاء مدّة حتّى يصدق أنّه مستوطن فيه واتخذه مسكناً له ، أو أنّه يكتفى بمجرّد النيّة فيتم من أوّل دخوله البلد إذا كان ذلك بقصد السكونة والاستيطان؟
الظاهر هو الأوّل ، فيعتبر البقاء خارجاً بمقدار يصدق معه أنّه متوطّن فيه بحيث لو سئل عن سبب مجيئه هذا البلد لأجاب بأنّه استوطنه واتخذه مسكناً له ، بخلاف المقتصر على مجرّد النيّة من دون مضي المدّة المزبورة فإنّه يجيب بأنّه بانٍ وعازم على الاستيطان.
والوجه فيه : أنّ الاستيطان ليس اسماً لنفس النيّة فقط ، بل للعمل الخارجي الناشئ عن القصد والنيّة ، فلا جرم يفتقر إلى الإقامة الخارجية تحقيقاً للصدق المزبور.
نعم ، يختلف حدّها من حيث القصر والطّول باختلاف الأشخاص والخصوصيات كما نبّه عليه في المتن. فربّما يكتفى بإقامة يوم واحد كما لو اشترى
1) في ص 242 وما بعدها.
[2302] مسألة 1 : إذا أعرض عن وطنه الأصلي أو المستجد وتوطّن في غيره (1) ، فان لم يكن له فيه ملك أصلاً أو كان ولم يكن قابلاً للسكنى كما
في ذلك اليوم داراً أو دكاناً ونقل أثاثه أو كتبه واشتغل بالدرس أو التدريس أو التجارة ونحو ذلك ممّا هو من لوازم البقاء وشؤون الاستيطان ، وربما يحتاج إلى إقامة شهر أو أقل أو أكثر حسب اختلاف الأشخاص ومراعاة المناسبات والخصوصيات.
وعلى الجملة : لا ينبغي التأمل في أنّ مجرّد النيّة العارية عن الإقامة أو عن ترتيب أي أثر خارجي غير كافية في صدق الوطن الاتخاذي ، فإنّها عزم وبناء على الاستيطان لا نفسه ، وأمّا حدّ الإقامة ومقدارها فيختلف باختلاف الأشخاص حسبما عرفت ، ولا يشترط كونها ستّة أشهر كما أشار إليه في المتن وإنّما يعتبر ذلك في الوطن الشرعي على تقدير ثبوته.
ثمّ إنّ في هذين الوطنين الأصلي والاتخاذي اللّذين يجمعهما عنوان الوطن العرفي إنّما يثبت الحكم ما دام لم يعرض عنهما ، فلو تحقّق الإعراض وزال العنوان صار كأحد البلدان ، لدوران الحكم مدار بقاء الموضوع ، سواء اتخذ مكاناً آخر واستوطن محلا غيره أم لا. فلو اتّفق المرور عليه أثناء السير لا يصدق المرور على الوطن إلّا بضرب من العناية باستعمال المشتق فيما انقضى ، أي ما كان وطناً سابقاً ، دون الوطن الفعلي الذي هو الظاهر من تعليق التمام على المرور عليه في الروايات.
نعم ، هناك قسم ثالث من الوطن يُسمّى بالوطن الشرعي ، لا يضرّه الإعراض بل يتم كلّما دخله ، سنتكلم فيه في المسألة الآتية إن شاء اللّه تعالى.
(1) قد عرفت أنّ الوطن القاطع للسفر بالمرور عليه قد يكون أصليّاً لكونه
إذا كان له فيه نخلة أو نحوها ، أو كان قابلاً له ولكن لم يسكن فيه ستّة أشهر بقصد التوطّن الأبدي يزول عنه حكم الوطنية ، فلا يوجب المرور عليه قطع حكم السفر ، وأمّا إذا كان له فيه ملك قد سكن فيه بعد اتخاذه وطناً له دائماً ستّة أشهر ، فالمشهور على أنّه بحكم الوطن العرفي وإن أعرض عنه (1)إلى غيره ، ويسمّونه بالوطن الشرعي ، ويوجبون عليه التمام إذا مرّ عليه ما دام بقاء ملكه فيه. لكن الأقوى عدم جريان حكم الوطن عليه بعد الإعراض ، فالوطن الشرعي غير ثابت ، وإن كان الأحوط الجمع بين إجراء حكم الوطن وغيره عليه ، فيجمع فيه بين القصر والتمام إذا مرّ عليه ولم ينو إقامة عشرة أيّام ، بل الأحوط الجمع إذا كان له نخلة أو نحوها ممّا هو غير قابل للسكنى وبقي فيه بقصد التوطّن ستّة أشهر ، بل وكذا إذا لم يكن سكناه بقصد التوطّن بل بقصد التجارة مثلا.
مسقط رأسه ومسكن أبيه وأُمّه ، وأُخرى اتخاذياً أعني ما استجدّه واستوطنه وسكن فيه بقصد الإقامة الدائمية.
وعرفت أنّه لا يعتبر في هذين أن يكون له ملك فيه فضلاً عن أن يكون قابلاً للسكنى ، بل لعلّ الغالب سيما في الاتخاذي العدم كما تقدّم ، كما لا تعتبر الإقامة ستّة أشهر ، بل المدار على السكونة فيه على أنّه وطنه ومقرّه ومحلّ إقامته على سبيل الدوام والاستمرار.
1) (*) ما ذكره المشهور من ثبوت الوطن الشرعي هو الصحيح ، وإنّما يتحقّق بوجود منزل مملوك له في محلّ قد سكنه ستّة أشهر متصلة عن قصد ونيّة ، فإذا تحقّق ذلك أتمّ المسافر صلاته كلّما دخله إلّا أن يزول ملكه.
.................................................................................................
وعرفت أيضاً زوال حكم الوطنية بالانصراف والإعراض عن ذلك المحل الأصلي أو الاتخاذي ، سواء اتّخذ وطناً آخر غيره أم لم يتخذ بعدُ ، لانتفاء الحكم بانتفاء موضوعه فينقطع عنه الحكم ، ولا يكون المرور عليه بعد ذلك قاطعاً للسفر.
وهل هناك قسم آخر من الوطن كلّما دخل فيه المسافر أتم ، ولا ينافيه الإعراض ، أو أنّه منحصر في الأولين ولا ثالث؟
نسب إلى المشهور أنّ هناك قسماً ثالثاً أسموه بالوطن الشرعي ، وهو ما إذا كان له في بلد أو قرية ملك قد سكن فيه بعد أن اتخذه وطناً له دائماً ستّة أشهر ، ففي مثله يتم كلّما دخل فيه وإن أعرض عنه إلى أن يزول ملكه. هكذا نسب إلى المشهور ، صحّت النسبة أم لم تصح.
ولا بدّ لنا من مراجعة الأخبار والنظر في الروايات الواردة في المقام لنرى مدى دلالتها وما هو المستفاد منها ، فنقول ومنه الاستعانة :
الروايات الواردة في المقام كثيرة ومختلفة غاية الاختلاف ، فقد تضمّنت جملة منها وفيها الصحاح أنّ من كانت له ضيعة أو قرية يتم الصلاة متى دخلها وإن لم يستوطنها ، فجعل فيها مجرّد الملك مناطاً للإتمام.
وهذه الروايات على كثرتها إن كانت قابلة للتقييد بما دلّ على اعتبار الاستيطان بإقامة ستّة أشهر فهو ، وإلّا كما هو كذلك في بعضها فهي معارضة بطائفة أُخرى دلّت على لزوم التقصير في موردها كما ستعرف ، فلا بدّ من حملها على التقيّة ، لموافقتها مع العامّة (1)كما قيل ، أو طرحها لمخالفتها مع إطلاقات التقصير التي هي روايات متواترة وسالمة عمّا يصلح للتخصيص بعد ابتلاء المخصّص بالمعارض ، فيكون المرجع تلك الإطلاقات ، وتكون هذه الروايات
1) المغني 2 : 135 ، حلية العلماء 2 : 234 ، فتح العزيز 4 : 444.
.................................................................................................
ساقطة إمّا للتقيّة أو لمخالفتها للسنة القطعية. وإليك بعض هذه الروايات :
فمنها : صحيحة إسماعيل بن الفضل قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يسافر من أرض إلى أرض ، وإنّما ينزل قراه وضيعته ، قال : إذا نزلت قراك وأرضك فأتمّ الصلاة ، وإذا كنت في غير أرضك فقصّر» (1). دلّت على أنّ مجرّد كون الأرض قريته وضيعته كافٍ في وجوب التمام ، ومنها : صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل له الضياع بعضها قريب من بعض فيخرج فيطوف فيها أيتم أم يقصّر؟ قال : يتم» (2).
رواها المشايخ الثلاثة (3)غير أنّ نسخة الكافي تفترق عن الفقيه والتهذيب في أنّ المذكور فيها بدل «فيطوف» «فيقيم» وحينئذ لا بدّ وأن يكون المراد الإقامة في مجموع تلك الضياع ، بأن يقيم ليلة هنا وليلة هناك مثلاً ، لا الإقامة عشرة أيام في ضيعة واحدة ، لوضوح وجوب التمام حينئذ من غير فرق بين الضيعة وغيرها. فالسؤال غير ناظر إلى ذلك قطعاً ، لعدم خفائه على أحد سيما بعد كون السائل مثل ابن الحجاج الذي هو من الأعاظم. وعليه فقد دلّت على أنّ مجرّد ملك الضيعة كافٍ في وجوب التمام وإن لم يقم فيها ستّة أشهر بمقتضى الإطلاق.
ومنها : صحيحة عمران بن محمد قال «قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) : جعلت فداك إنّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلاً خمسة فراسخ ، فربّما خرجت إليها فأُقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام فأتمّ الصلاة أو أُقصّر؟ فقال : قصّر في الطريق وأتم في الضيعة» (4).
.................................................................................................
وهي كما ترى صريحة في أنّ مجرّد كون الضيعة ملكاً له موجب للإتمام متى دخلها. ونحوها غيرها كما لا يخفى على من لاحظها.
وبإزائها صحاح أُخر دلّت على وجوب القصر في هذا الموضوع بعينه :
منها : صحيحة علي بن يقطين قال «قلت لأبي الحسن الأوّل (عليه السلام) : الرجل يتّخذ المنزل فيمرّ به أيتم أو يقصّر؟ قال : كلّ منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل ، وليس لك أن تتم فيه» (1).
وصحيحته الأُخرى : «عن رجل يمرّ ببعض الأمصار وله بالمصر دار ، وليس المصر وطنه أيتم صلاته أو يقصّر؟ قال : يقصّر الصلاة ، والصيام مثل ذلك إذا مرّ بها» (2).
وصحيحته الثالثة : «إنّ لي ضياعاً ومنازل بين القرية والقريتين الفرسخ والفرسخان والثلاثة ، فقال : كلّ منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير» (3).
وصحيحة حماد بن عثمان المروية عن الحلبي في بعض نسخ التهذيب (4)كما أشار إليه معلّق الوسائل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «في الرجل يسافر فيمرّ بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أم يقصّر؟ قال : يقصّر ، إنّما هو المنزل الذي توطّنه» (5)وغيرها. فقد دلّت على وجوب القصر في محلّ الكلام ، وأنّ مجرّد الملك لا يؤثّر في الحكم بالتمام.
.................................................................................................
وعليه فالطائفة الاولى لو لم يمكن تقييدها بما سيجيء من إقامة ستة أشهر كما سمعت أمّا محمولة على التقيّة أو مطروحة بعد الابتلاء بالمعارض والمخالفة مع السنّة القطعية ، وهي الروايات المتواترة الدالّة على وجوب القصر لكلّ مسافر كما عرفت.
ومن ذلك يظهر الحال في موثّقة عمار التي جعل فيها المدار على مطلق الملك وإن لم يكن قابلاً للسكنى كنخلة واحدة ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «في الرجل يخرج في سفر فيمرّ بقرية له أو دار فينزل فيها ، قال : يتم الصلاة ولو لم يكن له إلّا نخلة واحدة ، ولا يقصّر ، وليصم إذا حضره الصوم وهو فيها» (1).
فاتّضح من جميع ما ذكرناه لحد الآن أنّه إذا أعرض عن وطنه ولم يكن فيه ملك أصلاً ، أو كان ولم يكن قابلاً للسكنى ، أو كان ولكن لم يسكن فيه ستة أشهر لم يثبت التمام في شيء من ذلك ، عملاً بإطلاقات التقصير السليمة عما يصلح للتخصيص.
إنّما الكلام في صورة واحدة حكم المشهور فيها بالإتمام حتّى بعد الإعراض وأسموها بالوطن الشرعي ، وهي ما لو كان له ملك قد سكنه ستة أشهر بقصد التوطّن الأبدي ، فإنّه يتم كلّما دخله وإن لم يقم عشرة أيام ما دام الملك باقياً.
ويستدلّ له بصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل يقصّر في ضيعته ، فقال : لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام ، إلّا أن يكون له فيها منزل يستوطنه ، فقلت : ما الاستيطان؟ فقال : أن يكون فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر ، فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها» (2).
وهذه الصحيحة هي عمدة مستند المشهور ، حيث تضمّنت تفسير الاستيطان
.................................................................................................
بأن يكون له منزل يقيم فيه ستة أشهر.
وأورد على هذا الاستدلال غير واحد من الأعاظم منهم المحقّق الهمداني (قدس سره) (1)فأنكروا دلالة الصحيحة على الوطن الشرعي ، بل هي ناظرة إلى الوطن العرفي ، وأنّه يجوز أن يكون الشخص ذا وطنين ، بأن يبني على الإقامة في محلّ من قرية أو ضيعة ستة أشهر في كلّ سنة ، وبذلك يصبح هذا المحل وطنه العرفي في قبال الوطن الأصلي ، فهي مسوقة لبيان كيفية اتخاذ المتوطّن وطناً ثانياً مستجداً ، وأنّ الوطن كما يكون بالأصل يمكن أن يكون بالاتخاذ والجعل ، الذي يتحقّق بالإقامة في كلّ سنة ستّة أشهر. فلا دلالة لها على وطن آخر غير العرفي.
وقرّبوا ذلك بأنّا لو فرضنا أن ابن بزيع لم يسأل ثانياً عن الاستيطان لكان الإمام (عليه السلام) يقتصر بطبيعة الحال على الجواب الأوّل الذي هو ظاهر في الاستيطان العرفي ، ولم يكن أمراً مجهولاً لا لابن بزيع ولا لغيره من أهل العرف ، غير أنّه من باب الاتفاق استوضحه ثانياً. فلو كان المراد معنى آخر غير العرفي لكان الجواب مشتملاً على نوع من الإجمال والإبهام غير المناسب لمقام الإمام (عليه السلام).
ويؤيّده : التعبير بصيغة المضارع في المفسَّر والمفسِّر ، أعني قوله : «يستوطنه» وقوله (عليه السلام) : «يقيم» الظاهر في الدوام والاستمرار والتلبّس بالحال بأن تكون الإقامة والاستيطان ستّة أشهر مستمرّة في كلّ سنة كما قيّده بذلك الصدوق في الفقيه (2)الذي لا ينطبق إلّا على المعنى العرفي.
فلو كان المراد الوطن الشرعي بأن يناط الإتمام متى دخل بإقامة الأشهر
.................................................................................................
الستّة المنقضية وإن أعرض عنها كما يزعمه المشهور كان اللّازم التعبير بصيغة الماضي ، بأن يقال : استوطنه وأقام فيه ، دون المضارع كما لا يخفى.
هكذا أورده جماعة من المحقّقين ومنهم المحقّق الهمداني (قدس سره) مصرّاً عليه.
أقول : الظاهر أنّ ما فهمه المشهور من دلالة الصحيحة على ثبوت الوطن الشرعي هو الصحيح ، وأنّ الإمام (عليه السلام) بصدد بيان معنى آخر للوطن غير العرفي. ولو فرضنا أنّ ابن بزيع لم يسأل لكان عليه (عليه السلام) البيان والتوضيح ، وقد التفت ابن بزيع إلى أنّه معنى آخر ولذلك سأل واستوضح.
بيان ذلك : أنّ الإمام (عليه السلام) لما أجاب أوّلاً بقوله : «لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام» استثنى من ذلك بقوله (عليه السلام) : «إلّا أن يكون له أي لصاحب الضّيعة فيها أي في الضّيعة منزل يستوطنه» أي يستوطن المنزل على ما يقتضيه تذكير الضمير.
وهذا أعني استيطان المنزل أمر لا يعرفه أهل العرف ، ولم يكن معهوداً عند ابن بزيع ولا عند غيره ، ضرورة أنّ المتعارف من مفهوم الاستيطان لدى الإطلاق إنّما هو استيطان البلد أو القرية أو الضيعة لا استيطان المنزل ، إذ لا يتوقّف التوطّن بحسب مفهومه العرفي على وجود منزل للمتوطّن فضلاً عن الإقامة فيه. فلو فرضنا أنّ شخصاً لم يكن له منزل أصلاً بل يعيش في الطرق والشوارع العامّة ، أو يكون ضيفاً أو كَلا على غيره في بلدة طيلة حياته لا شكّ أنّ ذاك البلد وطنه ومسكنه.
ولأجل هذه الجهة واللّه العالم التفت ابن بزيع إلى أنّه (عليه السلام) بصدد بيان معنى آخر للوطن ، فسأله متعجّباً بقوله : «ما الاستيطان» نظراً إلى أنّ وجود المنزل غير لازم في الوطن العرفي جزماً ، وعلى تقديره لا تعتبر الإقامة
.................................................................................................
فيه قطعاً ، وقد اعتبر الإمام (عليه السلام) كلا الأمرين بمقتضى لام التمليك في قوله (عليه السلام) : «إلّا أن يكون له ...» إلخ وتذكير الضمير في قوله : «يستوطنه» فلأجل ذلك احتاج إلى السؤال والاستيضاح ، لعدم كون الوطن بهذا المعنى معهوداً عنده ولا عند غيره من أهل العرف والمحاورة كما عرفت.
ففسّر (عليه السلام) مراده من الاستيطان وأوضحه بقوله (عليه السلام) : «أن يكون فيها أي في الضيعة منزل يقيم فيه أي في المنزل ستّة أشهر» وأنّه متى تحقّق ذلك يتم فيها أي في الضيعة متى دخلها وإن لم يدخل منزله.
ولأجل ذلك جعل الضمير في قوله (عليه السلام) : «يقيم فيه» مذكراً ، وفي قوله (عليه السلام) : «يتم فيها» مؤنثاً ، إيعازاً إلى أنّ الاستيطان والإقامة في المنزل ستّة أشهر موضوع للتمام متى دخل الضيعة وإن لم يدخل منزله ، وبذلك تصبح تلك الضيعة وطنه الشرعي ، وهذا كما ترى معنى آخر للوطن غير العرفي إذ العرفي منه لا يتوقّف على المنزل فضلاً عن السكنى فيه.
ويؤيّده بل يؤكّده ويعيّنه التقييد بستّة أشهر ، ضرورة أنّ هذا غير معتبر في صدق العنوان العرفي ، لتحقّقه بما دون ذلك جزماً كما لو كان له منازل فأقام في كلّ منها في كلّ سنة ثلاثة أشهر أو أربعة ، فإنّه لا إشكال في أنّ جميع ذلك أوطان له ، فلو كان (عليه السلام) بصدد بيان الوطن العرفي كان اللازم التنبيه على الفرد الخفي ، أعني إقامة أربعة أشهر أو ثلاثة فإنّه المحتاج إلى البيان ، دون الستّة التي هي من أوضح أنحائه وأظهر أفراده من غير حاجة إلى بيانه.
فالتقييد المزبور كاشف قطعي عن كونه (عليه السلام) بصدد بيان معنى آخر مغاير للوطن العرفي ، وهو ما كان مشتملاً على الملك أوّلاً ، وعلى السكونة فيه ثانياً ، وأن تكون السكونة ستّة أشهر ثالثاً ، وبذلك يتحقّق الوطن الشرعي.
وملخّص الكلام في المقام : أنّ الإمام (عليه السلام) علّق الحكم بالإتمام على
.................................................................................................
استجماع قيود ثلاثة ، لا يعتبر شيء منها في صدق الوطن العرفي ، وهي الإقامة ستّة أشهر ، وأن تكون في المنزل كما يقتضيه تذكير الضمير في «يستوطنه» ، وأن يكون المنزل ملكاً له كما يقتضيه لام التمليك في قوله (عليه السلام) : «إلّا أن يكون له ...» إلخ.
وبما أنّ من الواضح أنّ الوطن العرفي الاتخاذي لا يكون منوطاً بشيء من ذلك ، لجواز اتخاذ مواطن عديدة شتائية وصيفية وربيعية وخريفية يقيم في كلّ منها في كلّ سنة ثلاثة أشهر ، كجواز التوطّن في بلد لا ملك له فيه أصلاً فضلاً عن السكونة فيه ، فلا يكون المذكور في الصحيحة منطبقاً على الوطن العرفي بوجه.
وقد عرفت وجه استفسار ابن بزيع والنكتة الباعثة لاستيضاحه وأنّها الاستغراب الناشئ من تقييد الاستيطان بالمنزل ، الذي هو أمر لم يتعاهده العرف من معنى الوطن لا ابن بزيع ولا غيره ، وأنّه كان عليه (عليه السلام) التفسير والبيان وإن لم يسأل معناه ، لكونه مجهولاً عند أهل العرف كما عرفت.
ومن المعلوم أنّ تفسيره (عليه السلام) راجع إلى مادة الاستيطان ، وإلّا فهيئة الاستفعال التي هي بمعنى الاتخاذ واضح لا يحتاج إلى السؤال ، ففسّر (عليه السلام) نفس الوطن ، وأنّه عبارة عن الإقامة ستّة أشهر في المنزل المملوك له ، وأنّه بذلك تصبح القرية أو الضيعة أو البلد وطنه الشرعي ، المحكوم بلزوم الإتمام متى دخل ، فتدلّ الصحيحة على مذهب المشهور بوضوح.
ومنه تعرف أنّ الاتخاذ والقصد ممّا لا بدّ منه ، رعاية لهيئة الاستفعال ، ومتعلّقه الإقامة ستّة أشهر كما يقتضيه رجوع التفسير إلى المادة حسبما ذكرناه.
وأمّا تعبير الإمام (عليه السلام) بصيغة المضارع في قوله (عليه السلام) : «يستوطنه» وقوله (عليه السلام) : «يقيم» فالظاهر أنّ الوجه فيه المفروغية عن
.................................................................................................
أنّ هذا السائل لم يكن ساكناً في تلك الضيعة قبل ذلك ، فأراد (عليه السلام) بيان قضية حقيقية والتعرّض لحكم كلّي ، وأنّ صاحب الضيعة لا يتم فيها إذا لم يقصد الإقامة فيها عشرة أيام إلّا بعد أن يقيم ستّة أشهر ، فإذا انقضت تلك المدّة أتمّ متى دخل ، ولذا عبّر بصيغة الماضي بعد ذلك بقوله : «فاذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها».
إذ من الواضح أنّه لا يحتمل أن يتم فعلاً إذا كان يقيم ستّة أشهر فيما بعد بحيث تكون الإقامة اللاحقة مناطاً للإتمام الفعلي ، بل لا بدّ من انقضاء تلك المدّة ثمّ بعدئذ يحكم بالإتمام. فالتعبير بالمضارع من أجل أنّ تلك الإقامة في الأشهر الستّة لم تكن مفروضة ومتحقّقة قبل ذلك ، فأراد (عليه السلام) بيان أنّه إذا كان كذلك فيما بعد يتوجّه إليه الخطاب بالإتمام متى دخل.
وعلى الجملة : لا ينبغي التأمّل في عدم دلالة المضارع على الاستمرار في المقام لعدم اعتبار شيء من القيود الثلاثة المتقدّمة في الوطن العرفي حسبما عرفت.
وما أشبه المقام بالاستفتاء من الفقيه والإجابة عنه بالصورة التالية : امرأة في دارنا لها زوج ولها ابنة صغيرة ، وإنّني مبتلى بالنظر إلى شيء من بدنها أو لمسه بغير شهوة ، قال : ليس لك ذلك ، إلّا أن تعقد على ابنتها ، قلت : وما العقد على ابنتها ، قال : تتزوجها ولو ساعة ، فإذا كان ذلك جاز لك النظر واللمس بغير شهوة متى شئت.
فإنّ من الواضح الجلي عدم إرادة الاستمرار والتوالي في العقد والتزويج وإن عبّر عنهما بصيغة المضارع.
على أنّ في دلالة هذه الصيغة بمجرّدها على التجدّد والاستمرار نوعاً من التأمّل وإن اشتهرت على الألسن ، وربّ شهرة لا أصل لها. وهل يحتمل التجدّد في
.................................................................................................
المثال المزبور ، أو في مثل قوله تعالى ( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا ) الآية (1)فتدبّر جيداً هذا.
ويؤكّد ما ذكرناه ، بل يعيّنه التعبير بصيغة الماضي في صحيحة سعد بن أبي خلف قال : «سأل علي بن يقطين أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن الدار تكون للرجل بمصر والضيعة فيمرّ بها ، قال : إن كان ممّا قد سكنه أتم فيه الصلاة وإن كان ممّا لم يسكنه فليقصّر» (2).
حيث علّق (عليه السلام) الحكم بالتمام على ما إذا سكنه سابقاً وإن أعرض عنه ، غايته أنّها مطلقة من حيث تحديد السكونة بستّة أشهر وأن تكون في منزله المملوك ، فيقيّد بكلا الأمرين بمقتضى صحيحة ابن بزيع.
وكيف ما كان ، فلا ينبغي التأمل في دلالة الصحيحة بوضوح على ثبوت الوطن الشرعي كما يقوله المشهور ، ويتحقّق بوجود منزل مملوك له في محلّ قد سكنه ستّة أشهر عن قصد ونيّة كما تقتضيه هيئة الاستيطان ، باعتبار دلالة الاستفعال على الاتخاذ المتقوّم بالقصد ، فاذا تحقّق ذلك أتمّ المسافر صلاته كلّما دخله إلى أن يزول ملكه.
أحدهما : أنّه نسب إلى المشهور اعتبار قصد التوطّن الأبدي في تحقّق الوطن الشرعي ، وأنّه متى مضى على هذا العزم والقصد ستّة أشهر يحكم بالإتمام متى دخل وإن أعرض ، فلا تكفي الإقامة الفاقدة لقصد التوطّن الدائم.
ولكن هذه النسبة لم نتحقّقها ، ولم يثبت ذهاب المشهور إليها ، وعلى تقدير الثبوت لا دليل عليه بوجه ، فانّا قد ذكرنا أنّ التفسير المذكور في الصحيح ناظر
.................................................................................................
إلى مادّة الاستيطان لا هيئته ، وأنّ نفس الوطن عبارة في نظر الشرع عن الإقامة ستّة أشهر في منزله المملوك ، غايته بشرط أن تكون عن قصده ونيّته بمقتضى وضع الهيئة ، وأمّا قصد التأبيد فليس في الصحيحة ما يدلّ عليه.
نعم ، لو كان التفسير راجعاً إلى الهيئة من غير نظر إلى المادة صحّ ما ذكر باعتبار إشراب التأبيد في مفهوم الوطن بمقتضى الفهم العرفي ، لكنّك عرفت أنّ هيئة الاستفعال واضحة المفاد لا إجمال فيها كي تحتاج إلى التفسير والسؤال وإنّما الإجمال كلّه في نفس المادة بالتقريب الذي تقدّم. فالتفسير راجع إليها خاصّة ، ولازمه كما عرفت كفاية الإقامة الخارجية ستّة أشهر عن قصد ونيّة من غير حاجة إلى قصد التأبيد والتوطّن الدائم.
ثانيهما : أنّ التحديد بستّة أشهر الوارد في الصحيح ظاهر في الاتصال كما هو الحال في سائر التحديدات الشرعية ، كالتحديد بعشرة في قصد الإقامة ، وبالثلاثة في أقل الحيض وفي صوم الحج ، وبثلاثين يوماً متردِّداً ونحو ذلك ، فانّ كلّها ظاهر بمقتضى الفهم العرفي في اعتبار الاتصال والاستمرار ، فلا يكفي مع التقطيع والتلفيق في الحكم بالإتمام في المقام ، ولا أقل من الشكّ في ذلك والإجمال في اعتبار الاتصال.
وبما أنّ الحكم المزبور على خلاف القاعدة الأوّلية الدالّة على لزوم التقصير على كلّ مسافر فلا بدّ من الاقتصار في التخصيص على المقدار المتيقّن ، وهو المشتمل على الاتصال كما هو ظاهر.
نعم ، الأسفار الجزئية غير المنافية للإقامة العرفية لا بأس بها كمن يقيم في النجف الأشرف وفي كلّ شهر يزور الحسين (عليه السلام) يوماً مثلاً ، فانّ المدار في الإقامة في المنزل المذكورة في النص التي ينافيها السفر بما هو المتعارف الخارجي ، وسيجيء إن شاء اللّه تعالى (1)في قصد الإقامة أنّه لا ينافيه الخروج
1) في ص 272.
[2303] مسألة 2 : قد عرفت عدم ثبوت الوطن الشرعي (1) وأنّه منحصر في العرفي فنقول : يمكن تعدّد الوطن العرفي بأن يكون له منزلان في بلدين أو قريتين من قصده السكنى فيهما أبداً في كلّ منهما مقداراً من السنة بأن يكون له زوجتان مثلاً كلّ واحدة في بلدة يكون عند كلّ واحدة ستّة أشهر أو بالاختلاف ، بل يمكن الثلاثة أيضاً ، بل لا يبعد الأزيد أيضاً.
من المنزل للدرس أو الكسب أو تشييع الجنازة ونحو ذلك ، بل إلى خارج البلد ونواحيه للتفرّج والتنزّه ونحوهما. فلا يلزم عدم الخروج من البيت.
فإذا كانت الإقامة كذلك فالسفر المنافي لها كما في المقام أيضاً كذلك ، فإنّه محمول على المتعارف ، غير الشامل للسفر الجزئي الواقع في الزمان القليل كما عرفت ، نعم هذا السفر الجزئي ينافي قصد إقامة العشرة ، للتحديد هناك بعدم الخروج من البلد بخلاف المقام.
(1) بل قد عرفت ثبوت الوطن الشرعي وتحقّقه بوجود منزل مملوك في محلّ قد سكنه ستّة أشهر متّصلة عن قصد ونيّة ، وأنّه يتم المسافر صلاته كلّما دخله وإن أعرض عنه إلّا أن يزول ملكه ، فلا ينحصر في العرفي.
نعم ، ما ذكره من إمكان تعدّد الوطن العرفي بأن يكون له منزلان أو ثلاثة بل أربعة يسكن في كلّ منها مقداراً من السنة بقصد السكونة الأبدية إمّا على التساوي أو بالاختلاف ، بأن يسكن أربعة أشهر في منزل ، وثمانية في منزل آخر ونحو ذلك ، ولا سيما إذا أكّد التوطّن الدائم باختيار زوجة في كلّ منها وشراء دار وعقار وأثاث ونحوها من لوازم المعيشة ، فهو أمر ظاهر لا ينبغي التأمّل فيه بعد صدق التوطّن العرفي في الجميع بمناط واحد.
[2304] مسألة 3 : لا يبعد أن يكون الولد تابعاً لأبويه أو أحدهما في الوطن ما لم يعرض بعد بلوغه عن مقرّهما وإن لم يلتفت بعد بلوغه إلى التوطّن فيه أبداً ، فيعدّ وطنهما وطناً له أيضاً إلّا إذا قصد الإعراض عنه سواء كان وطناً أصلياً لهما ومحلا لتولّده أو وطناً مستجدّاً لهما كما إذا أعرضا عن وطنهما الأصلي واتّخذا مكاناً آخر وطناً لهما وهو معهما قبل بلوغه ثمّ صار بالغاً ، وأمّا إذا أتيا بلدة أو قرية وتوطّنا فيها وهو معهما مع كونه بالغاً فلا يصدق وطناً له إلّا مع قصده بنفسه (1).
(1) ما ذكره (قدس سره) من تبعية الولد لأبويه أو أحدهما في الوطن ما لم يعرض بعد بلوغه عن مقرّهما وأنّ ذلك يعدّ وطناً له بالتبع هو الصحيح ، نظراً إلى ما تقدّم (1)من أنّ الوطن بعنوانه لم يكن موضوعاً لحكم من الأحكام الشرعية بل الموضوع إنّما هو المسافر وغير المسافر. فكلّ مكلّف محكوم بالإتمام إلّا أن يكون مسافراً ، فالحاضر في بلده سواء أكان وطنه الأصلي أو الاتخاذي يتم لا لأجل أنّه وطنه ، بل لأنّه ليس بمسافر.
ومن هنا ذكرنا سابقاً (2)أنّه لا يبعد أن يكون الحكم بالإتمام في من بيته معه كالأعراب لهذه العلّة ، أي لعدم كونه مسافراً ، لا لخصوصية فيه. وكيف ما كان فالمناط في الإتمام عدم صدق المسافر ، لا صدق عنوان الوطن.
ولا ينبغي التأمل في انطباق هذا الضابط على الولد بعد فرض تبعيته لأبويه في المسكن ، فانّ هذا منزله ومقرّه ومحلّ أهله وعشيرته ، ومن هذا شأنه لا يصدق
.................................................................................................
عليه المسافر بوجه ، كما كان هو الحال في أبويه ، من غير فرق بين ما إذا كان وطناً أصلياً لهما أو مستجداً اتخاذيا.
فلا يحتاج الولد بعد فرض التبعية المزبورة إلى قصد التوطّن ، بل لو كان غافلاً عن ذلك بالكلّية ولم يلتفت بعد بلوغه بل طيلة حياته إلى أنّ هذا وطنه فلم يصدر عنه القصد رأساً لم يكن قادحاً ، لما عرفت من أنّ موضوع الحكم من لم يكن مسافراً ، الصادق عليه بالوجدان ، لا من كان متوطّناً كي يتأمل في صدقه عليه.
نعم ، لو بلغ وأعرض كان مستقلا كسائر المكلّفين. فلو أعرض الوالدان وهو متردِّد في الإعراض لا يكفي توطّنهما المستجد في توطّنه ، بل لا بدّ من قصده بنفسه. فلا أثر للتبعية وإن كان معهما بعد فرض البلوغ والاستقلال. والحاصل : أنّ المدار على صدق المسافر وعدمه.
يبقى الكلام فيما لو أعرض عن بلده وهو غير بالغ فهل يترتّب أثر عليه؟
الظاهر العدم ، لعدم نفوذ أفعاله في نظر الشرع من غير مراجعة الولي ، فهو مولّى عليه ، لا يكون مستقلا في فعله ولا مالكاً لأمره كما عبّر بمثل ذلك فيما ورد في نكاح الصبية بقوله (عليه السلام) : الصبية غير مالكة لأمرها (1). فليس له الاستقلال في اتخاذ المكان ، بل الولاية لوليه في جميع شؤونه وجهاته التي منها المسكن ، ومنوط بما يراه مصلحة له.
ويؤيّده ما ورد بعد سؤال الراوي متى يخرج الولد عن اليتم من قوله (عليه السلام) : لا يجوز أمر الغلام حتّى يحتلم (2).
[2305] مسألة 4 : يزول حكم الوطنية بالإعراض والخروج (1) وإن لم يتخذ بعد وطناً آخر ، فيمكن أن يكون بلا وطن مدّة مديدة.
[2306] مسألة 5 : لا يشترط في الوطن إباحة المكان الذي فيه (2) ، فلو غصب داراً في بلد وأراد السكنى فيها أبداً يكون وطناً له ، وكذا إذا كان
وعلى الجملة : المستفاد من الأدلّة أنّ الشارع قد ألغى كافّة أفعال الصبي عن درجة الاعتبار ، وفرضها كالعدم ما لم يبلغ حدّ البلوغ ، وإن كان العرف لا يفرّق بين البالغ وغيره بل العبرة عندهم بالتمييز وعدمه. فإعراض الصبي واتخاذه وطناً آخر لنفسه في حكم العدم ، فإنّه عمل صادر من غير أهله ، كما هو الحال في المجنون.
فما ذكره الماتن (قدس سره) من نفي البُعد عن تبعيّة الولد لأبويه هو الصحيح بل هو واضح مع عدم الإعراض ، وكذا مع الإعراض إذا كان قبل البلوغ ، فانّ قصده كلا قصد كما عرفت.
(1) لتقوّم صدق الوطن بما له من المفهوم العرفي بالاستقرار والسكونة في المحل بحيث يعدّ البلد مقرّه ومسكنه ، وبعد الإعراض المتعقّب بالخروج يزول هذا العنوان بطبيعة الحال ، فلا يُقال إنّه من أهل البلد الفلاني ، بل يُقال إنّه كان من أهل ذاك البلد ، سواء اتخذ وطناً آخر أم لم يتخذ ، إمّا لأنّه لا يريد الاتخاذ رأساً بحيث يكون سائحاً في الأرض أو من الذين بيوتهم معهم ، أو لأنّه بانٍ على الاتخاذ ولكنّه لم يتخذ بعد.
وعلى أي تقدير فقد زال حكم الوطن الأوّل بالإعراض والخروج ، فلا يكون وطنه فعلاً ، بل كان كذلك سابقا.
(2) لعدم الدليل على التقييد بعد وضوح عدم دخل الحلّية في صدق الوطن
بقاؤه في بلد حراماً عليه من جهة كونه قاصداً لارتكاب حرام ، أو كان منهياً عنه من أحد والديه أو نحو ذلك.
[2307] مسألة 6 : إذا تردّد بعد العزم على التوطّن أبداً فإن كان قبل أن يصدق عليه الوطن عرفاً بأن لم يبق في ذلك المكان بمقدار الصدق فلا إشكال في زوال الحكم وإن لم يتحقّق الخروج والإعراض ، بل وكذا إن كان بعد الصدق في الوطن المستجد ، وأمّا في الوطن الأصلي إذا تردّد في البقاء فيه وعدمه ففي زوال حكمه قبل الخروج والإعراض إشكال (1)لاحتمال صدق الوطنية ما لم يعزم على العدم ، فالأحوط الجمع بين الحكمين (1).
بما له من المفهوم العرفي الشامل للسكونة المحرّمة كالمحلّلة بمناط واحد ، من غير فرق بين ما إذا كان المسكن حراماً كما لو غصب داراً في بلد وعزم على السكنى فيها أبداً ، أو كان أصل السكنى محرّماً كما لو كان بقاؤه في بلد حراماً عليه من جهة من الجهات كنذر ، أو شرط في ضمن عقد ، أو النهي عنه من أحد أبويه فيما كان النهي نافذاً ولازم الإطاعة ونحو ذلك ، فإنّه في جميع ذلك لو عصى وارتكب الحرام كان ذلك المكان محلّه ومسكنه ، بحيث لو خرج منه يقال سافر عن محلّه ، ولو رجع يقال دخل أهله ومنزله.
وعلى الجملة : فالعبرة في صدق الوطن بعدم كونه مسافراً عرفاً ، والحلِّيّة والحرمة أجنبيتان عن الصدق المزبور.
(1) تقدّم سابقاً (2)أنّ مجرّد العزم على التوطّن واتِّخاذ محلّ مقرّاً له لا يكفي في
.................................................................................................
ترتيب أحكام الوطنية إلّا بعد مضي زمان أو التصدِّي لترتيب آثار بحيث يصدق معه عنوان الوطن عرفاً وأنّ هذا محلّه ومسكنه ومقرّه ومنزله ، فالنيّة بمجرّدها ما لم ينضم إليها الصدق المزبور لا أثر لها بتاتاً.
وعليه فلو تردّد بعد العزم والنيّة وقبل حصول الصدق لا إشكال في عدم ترتيب أحكام الوطن ، إذ مع عدم التردّد لم تثبت تلك الأحكام فكيف بما إذا تردّد ، فهي منفية هنا بطريق أولى.
وهذا واضح وإن كانت عبارته (قدس سره) قاصرة وغير خالية عن المسامحة ، لأجل تعبيره (قدس سره) بزوال الحكم ، الذي هو فرع الحدوث ، مع أنّه لا حكم أوّلاً كي يزول. ومراده (قدس سره) بالزوال عدم ترتيب الأحكام بمجرّد النيّة السابقة المتعقّبة بالتردّد ، فكأنه زوال للحكم الاقتضائي لا الفعلي. وكيف ما كان ، فالأمر سهل ولا إشكال في المسألة.
وأمّا إذا حصل التردّد بعد تحقّق الصدق المزبور فقد ذكر (قدس سره) أنّه يزول عنه الحكم في الوطن المستجد ، فلو سافر ورجع مع فرض تردّده لا يجري عليه حكم الوطن ، إذ كما يعتبر القصد في الوطن الاتخاذي حدوثاً يعتبر بقاءً أيضاً ، لأنّه إنّما صار وطناً بجعله وقصده ، فهو متقوّم به ودائر مداره ، فاذا زال القصد بالتردّد زالت الوطنية بطبيعة الحال.
وأمّا في الوطن الأصلي فقد استشكل (قدس سره) في زوال الحكم بالتردّد من احتمال تقوّمه بالقصد كما في المستجد ، ومن جواز كونه وطناً في طبعه فهو باق على وضعه ما لم يلحقه الإعراض ، فلا أثر للتردّد ، ولأجله احتاط في هذه الصورة ، هذا.
والذي ينبغي أن يقال : إنّه لا فرق بين القسمين ، ولا أثر للتردّد في شيء
.................................................................................................
منهما ، فانّا ذكرنا سابقاً (1)أنّ الحكم بالتمام لم يثبت لعنوان الوطن حتّى يدور مداره ويبحث عن أنّه متقوّم بالقصد أم لا ، بل هو ثابت لكلّ مكلّف لم يكن مسافراً ، صدق عليه المتوطّن أو لا ، فالحكم منوط بالسفر وعدمه لا بالوطن وعدمه ، فانّ التمام هي الوظيفة الأوّلية لكلّ مكلّف ، خرج منه عنوان المسافر فيكون الموضوع بعد التخصيص مَن لم يكن مسافراً.
وعليه ففي الوطن الأصلي لا ينبغي الإشكال في عدم الزوال بمجرّد التردّد ضرورة عدم استيجابه لانقلاب الحاضر بالمسافر ، بل يقال في حقّه إنّه يحتمل أن يسافر ، لا أنّه مسافر بالفعل ، فهو بعدُ في منزله وفي مقرّه ومسكنه ، فكيف يحتمل زوال الحكم بمجرّد الترديد.
بل الحال كذلك حتّى مع العزم على الإعراض فضلاً عن التردّد فيه ، فلا يزول الحكم بالعزم المزبور ما لم يتحقّق الخروج والإعراض ولم يتلبّس بالانتقال ، لما عرفت من عدم صدق المسافر عليه قبل ذلك ، بل هو عازم على السفر ، لا أنّه مسافر ، وزوال الحكم بالتمام منوط بفعلية السفر لا بنيته.
وعلى الجملة : فالجزم بالإعراض لا يوجب الزوال والانقلاب فكيف بالتردّد.
بل الحال كذلك في الوطن المستجد بعين المناط المتقدّم ، فانّ التردّد في الإعراض عن الوطن الاتخاذي ما لم يقترن بالهجرة والإعراض الخارجي لا يوجب صدق عنوان المسافر ، بل الجزم به كذلك فضلاً عن الشك.
فتحصّل : أنّ الأظهر عدم زوال الحكم بالعزم على عدم التوطّن فضلاً عن التردّد ، من غير فرق بين الوطن الأصلي والاتخاذي.
1) في ص 188.
[2308] مسألة 7 : ظاهر كلمات العلماء رضوان اللّه عليهم اعتبار قصد التوطّن أبداً في صدق الوطن العرفي ، فلا يكفي العزم على السكنى إلى مدّة مديدة كثلاثين سنة أو أزيد ، لكنّه مشكل (1)، فلا يبعد الصدق العرفي بمثل ذلك ، والأحوط في مثله إجراء الحكمين بمراعاة الاحتياط (1).
(1) استشكل (قدس سره) في من عزم على السكنى في محلّ مدّة مديدة كثلاثين أو عشرين سنة ، بل عشر سنوات من غير قصد التوطّن الأبدي في أنّه هل يجري عليه حكم الوطن باعتبار صدق الوطن العرفي بمثل ذلك ، أو لا يجري نظراً إلى اعتبار قصد التوطّن الدائم كما نسبه إلى ظاهر كلمات المشهور فيحكم عليه بالقصر لو سافر ورجع ما لم ينو مقام عشرة أيام ، وأخيراً احتاط (قدس سره) بإجراء كلا الحكمين.
أقول : ممّا قدّمناه في المسألة السابقة يظهر حكم هذه المسألة أيضاً ، حيث عرفت أنّ الوطن بعنوانه لم يؤخذ موضوعاً للحكم بالتمام في شيء من الأدلّة كي يتصدّى لتحقيق حدوده وموارد صدقه ، بل الموضوع للتمام بعد التخصيص بأدلّة التقصير الثابت لعنوان المسافر كلّ مكلّف لم يكن مسافراً ، سواء أصدق عليه المتوطّن أم لا. فالاعتبار في إجراء الحكمين بصدق عنوان المسافر وعدم صدقه ، لا المتوطّن وعدمه.
ولا ينبغي التأمل في أنّ القاطن في محلّ مدّة طويلة لغاية من الغايات من طبابة أو تجارة أو دراسة كطلبة العلم الساكنين في النجف الأشرف لا يصدق عليه عنوان المسافر ، بل يعدّ هذا المحلّ مسكنه ومقرّه ، ولا سيما إذا اشتدّت
1) (*) الإشكال في صدق التوطّن عرفاً لا يضرّ بوجوب التمام إذا لم يصدق عليه عنوان المسافر مع كونه منزلاً له ومحلا لأهله.
الثاني من قواطع السفر : (1)
علائقه باختيار زوجة وشراء دار وترتيب أثاث وغير ذلك من لوازم المعيشة وشؤونها ، بحيث لو سُئل أين تسكن لأجاب بأنِّي أسكن النجف الأشرف مثلاً وإن كان عازماً على الإعراض بعد مدّة طويلة كانقضاء دور الدراسة مثلاً فيصح سلب اسم المسافر عنه فعلاً على سبيل الحقيقة ، ولو خرج إلى كربلاء يقال إنّه سافر إلى كربلاء أو رجع من سفره ، فلا يتّصف بالمسافر إلّا لدى إنشاء سفر جديد ، وبدونه لا يتّصف بعنوان المسافر بوجه.
وكأنّ استشكاله (قدس سره) نشأ من تخيّل أنّ الحكم بالتمام منوط بصدق عنوان الوطن. وليس كذلك ، بل هو موقوف على عدم كونه مسافراً ، الذي لا ينبغي التأمل في انطباقه على هؤلاء كما عرفت وإن لم يكونوا متوطّنين.
وأمّا حدّ الصدق من حيث كمّية المدّة فهو موكول إلى نظر العرف ، ولا يبعد عدم صدق المسافر بنيّة الإقامة خمس سنوات. فمن عزم على الإقامة هذه المدّة في النجف مثلاً يتم ما دام فيه وإن سافر ليالي الجمع أو أيام الزيارات إلى كربلاء ولم ينو الإقامة عشرة أيام بعد رجوعه إلى النجف الأشرف.
(1) ظاهر العبارة أنّ إقامة العشرة قاطعة لنفس السفر لا لحكمه ، وقد تقدّم الكلام (1)حول ذلك مستقصى وقلنا : إنّ القائل بالقطع الموضوعي إن أراد به قطع السفر عرفاً فهو خلاف الوجدان جزماً ، فانّ المقيم مسافر بلا إشكال ضرورة عدم كون محلّ الإقامة مقرّه ومسكنه ، بل هو منزل من منازل سفره احتاج إلى الإقامة فيه عشرة أيام أو أكثر.
وإن أراد به القطع تنزيلاً بمعنى أنّ المقيم بمنزلة المتوطّن في نظر الشرع ، ففيه
1) في ص 89.
العزم على إقامة عشرة أيام (1)
أنّه لا دليل على هذا التنزيل بوجه إلّا رواية واحدة تضمّنت أنّ المقيم عشراً بمكّة بمنزلة أهلها ، وقد تقدّم أنّها إمّا مطروحة أو مخصوصة بموردها ، لتضمّنها ما لا يقول به أحد من الأصحاب في غير مكّة جزماً ، بل وفيها أيضاً ظاهراً وهو إتمام المقيم حتّى بعد الخروج والعود ، فامّا أن تطرح أو يخصص الحكم بموردها وهو مكّة. فلا دليل على عموم التنزيل.
وإن أراد قطع موضوع الحكم بالقصر فهو حقّ لا محيص عنه ، لأنّ تخصيص الحكم مرجعه إلى تقييد الموضوع لا محالة ، ضرورة أنّه بعد خروج المقيم عن حكم المسافر يكون موضوع الحكم بالقصر المسافر الذي لا يكون مقيماً ، فيتقيّد الموضوع بغير المقيم بطبيعة الحال ، ولا يمكن بقاؤه على إطلاقه ، لمنافاة الإطلاق مع التقييد ، فاذا صار المسافر مقيماً انقطع موضوع الحكم بالقصر.
إلّا أنّ القطع بهذا المعنى مرجعه إلى التخصيص ، بداهة أنّ رفع موضوع الحكم بما هو موضوع عبارة أُخرى عن رفع الحكم نفسه. وهذا أمر واضح غير قابل للنزاع.
وهذا الأخير هو الصحيح ، أي أنّ الإقامة قاطعة لموضوع الحكم بالقصر بما هو موضوع ، الراجع إلى التخصيص ورفع الحكم نفسه ، لا قطع الموضوع بذاته. فالمقيم مسافر محكوم عليه بالتمام تخصيصاً.
(1) لا ريب أنّ المسافر لدى خروجه من البلد يحتاج في أثناء السير إلى نوع من المكث والإقامة بمقدار ما تقتضيه الحاجة لمأكله ومشربه ونومه واستراحته ونحو ذلك ، لعدم جريان العادة على الاسترسال في السير واستمراره بين البلد والمقصد كما هو ظاهر. فالإقامة نوعاً ما وبنحو الموجبة الجزئية ممّا تقتضيه
.................................................................................................
طبيعة السفر.
وأمّا الزائد على ذلك كما لو أقام يوماً أو يومين أو أكثر للزيارة أو التجارة ونحوهما من الأغراض التي هي زيادة على مقتضى طبع السفر فقد حدّدت تلك الإقامة الزائدة في الروايات الكثيرة بعشرة أيام وبما دونها ، فالأقل محكوم بحكم السفر وإن لم يكن متشاغلاً فعلا بالسير والحركة لعدم عروض موجب التمام ، فانّ العود إليه يحتاج إلى الدليل ولا دليل.
وأمّا إذا كانت الإقامة عشرة أيام فما زاد في مكان واحد من بلد أو قرية أو فلاة أو جزيرة ونحو ذلك فقد تضمّنت النصوص المستفيضة انقلاب الحكم حينئذ من القصر إلى التمام ، وعلى ما ذكرنا آنفاً تكون هي تخصيصاً في أدلّة القصر لكلّ مسافر ، فهو مسافر محكوم بوجوب التمام إلّا أن يسافر سفراً جديداً وهذه الروايات قد علّق الحكم في كثير منها على قصد الإقامة ونيّتها (1).
نعم ، في بعضها وهي صحيحة زرارة تعليق الحكم باليقين ، قال (عليه السلام) فيها : «إذا دخلت أرضاً فأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيام فأتمّ الصلاة ...» إلخ (2)فيستفاد منها كفاية العلم بالبقاء واليقين به من غير حاجة إلى العزم والقصد بل يتم حتّى مع العزم على الخروج متى تهيّأ ، مع فرض علمه بالعدم خلال العشرة كما في المحبوس ، أو من منعته الحكومة عن الخروج لمنع قانوني ، أو لعدم تكميل جواز السفر ونحو ذلك. فإطلاق هذه الصحيحة يشمل المختار والمكره والمضطر على البقاء إذا كانوا عالمين به.
والظاهر أنّ الحكم ممّا لا إشكال فيه وأنّه لا يعتبر العزم والنيّة ، بل يكفي مجرّد العلم بالإقامة. وقد تقدّم (3)نظير ذلك في حدوث السفر وأنّه يكفي في السفر
متواليات (1) في مكان واحد من بلد أو قرية أو مثل بيوت الأعراب أو فلاة من الأرض ، أو العلم بذلك وإن كان لا عن اختيار ، ولا يكفي الظنّ بالبقاء فضلاً عن الشك ، والليالي المتوسطة داخلة بخلاف اللّيلة الأُولى والأخيرة (2)
الموجب للقصر مجرّد العلم به ، وإن لم يكن عن قصد واختيار كالمجبور الذي أُخذ وأُلقي في السفينة أو الطائرة فتحرّكت قهراً عليه مع علمه بقطع المسافة الشرعية فكما لا يعتبر العزم والاختيار في نفس السفر لا يعتبر في إقامة العشرة القاطعة لحكمه بمناط واحد ، والعبرة في كليهما بمجرّد العلم واليقين كما عرفت.
(1) فلا تكفي العشرة المتفرّقة المتخلّل بينها السفر ، لظهور التحديد بالزمان في الاتصال والاستمرار ما لم تقم قرينة على الخلاف كما هو الحال في نظائر المقام من سائر التحديدات الشرعية كستّة أشهر في الوطن الشرعي على ما مرّ (1)، وثلاثة أيام في الحيض ونحو ذلك.
(2) فانّ المدار في احتساب الأيام ببياض النهار ، ولا عبرة باللّيالي ، فإنّ اليوم وإن كان ربّما يطلق على مجموع الليل والنهار المركّب من أربع وعشرين ساعة ، إلّا أنّه خلاف الظاهر بحسب المتفاهم العرفي ، والمنسبق منه عند الإطلاق ما يقابل الليل ، ومنه قوله تعالى ( سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ ) (2)فتأمّل.
وعليه فلا عبرة بالليلة الأُولى والأخيرة ، لخروجهما عن مفهوم اليوم الوارد في نصوص الباب (3)، ولا موجب للتبعية ، فلو دخل أوّل النهار وخرج آخر اليوم العاشر أتمّ صلاته وإن لم يتخلّل في البين إلّا تسع ليال ، نعم اللّيالي
.................................................................................................
المتوسطة داخلة ولا مناص من احتسابها ، لا لدخولها في مفهوم اليوم ، بل لأجل اعتبار الاتصال والاستمرار في الأيام كما عرفت.
وهل الاعتبار في احتساب مبدأ اليوم بطلوع الشمس أو بطلوع الفجر؟ تقدّم الكلام حول ذلك في أوائل كتاب الصلاة (1)وقلنا إنّ الظاهر أنّه ليس للشارع اصطلاح جديد في لفظي اليوم والليل ، بل يطلقان على ما هما عليه من المعنى العرفي.
والمستفاد من لفظ اليوم بحسب المتفاهم العرفي هو المعنى المساوق للنهار الذي هو عبارة عمّا يتخلّل بين طلوع الشمس وغروبها على ما اشتهر في المنطق من التمثيل بقولهم : كلّما طلعت الشمس فالنهار موجود.
فالاعتبار في صدق اليوم والنهار بهذه الدائرة التي تدور فيها الشمس حيث يتشكل بطبيعة الحال من مسيرتها قوسان ، قوس تدور فيه الشمس ولا ترى وهو اللّيل ، وقوس تدور فيه وترى وهو النهار ، وقد يتساويان كما في أوّل يوم من الربيع والخريف غالباً ، وقد يختلفان كما في سائر الأيام حسب اختلاف فصول السنة. فاليوم واللّيل متقابلان ينتزعان من كون الشمس في قوس الرؤية وعدمه وحيث إنّ ما بين الطلوعين خارج عن قوس الرؤية فهو محسوب من اللّيل وخارج عن النهار ، فيكون مبدأ اليوم طلوع الشمس لا طلوع الفجر ، وينتهي بغروبها.
والاختلاف في مفهوم الغروب وأنّه عبارة عن استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية غير قادح في المقام ، فانّا لو بنينا على جواز تأخير الظهرين إلى زوال الحمرة اختياراً ولا نقول به والتزمنا بكونه مبدءاً لوقت العشاءين فلا شكّ أنّ هذا حكم تعبّدي يقتصر على مورده ، وإلّا فلا ينبغي التأمّل في
1) شرح العروة 11 : 189.
فيكفي عشرة أيام وتسع ليال ، ويكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر على الأصح (1) ، فلو نوى المقام عند الزوال من اليوم الأوّل إلى الزوال من اليوم الحادي عشر كفى ، ويجب عليه الإتمام وإن كان الأحوط الجمع. ويشترط وحدة محلّ الإقامة ، فلو قصد الإقامة في أمكنة متعدّدة عشرة أيام لم ينقطع حكم السّفر كأن عزم على الإقامة في النجف والكوفة ، أو في الكاظمين وبغداد أو عزم على الإقامة في رستاق من قرية إلى قرية من غير عزم على الإقامة
دخول اللّيل وتحقّقه عرفاً بمجرّد غروب الشمس واستتارها عن الأنظار.
وعلى الجملة : فالعبرة بطلوع الشمس وغروبها ، فلو دخل قبل طلوع الشمس آناً ما وخرج كذلك بعد الغروب من اليوم العاشر فقد بقي عشرة أيام بكاملها ولا يضرّه النقص بمقدار ما بين الطلوعين من الأوّل وما بين الاستتار وزوال الحمرة من الأخير ، والظاهر أنّ هذا كلّه ممّا لا إشكال فيه.
(1) إذ الظاهر أنّ المراد من اليوم الأعم من الملفّق من نصفين ، فيكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر ، فانّ من دخل البلدة عند الزوال وخرج لدى الزوال من الغد يصح أن يقال : إنّه بقي في تلك البلدة يوماً كاملاً.
وعليه فالداخل عند الزوال الخارج زوال اليوم الحادي عشر يتم ، لصدق بقاء عشرة أيام من غير أيّة عناية. فلا تعتبر العشرة غير الملفّقة بعد الصدق العرفي المزبور وفقد الدليل على التقييد.
ولعلّه يشهد لذلك أنّه قلّما يتّفق دخول المسافر أوّل النهار إلّا نادراً ، بل الغالب دخوله أثناء النهار أو في اللّيل ، وعليه فلا موجب لإسقاط هذه الساعات بعد الإطلاق في دليل الإقامة عشرة أيام ، بل هي محسوبة بطبيعة الحال ، ومقتضاه تلفيق يوم منها ومن يوم الخروج.
في واحدة منها عشرة أيام (1). ولا يضرّ بوحدة المحلّ فصل مثل الشطّ بعد كون المجموع بلداً واحداً كجانبي الحلّة وبغداد ونحوهما ،
(1) هل يعتبر في محلّ الإقامة وحدة المكان بحيث لو قصد الإقامة في الأمكنة المتعدِّدة عشرة أيام كالنجف والكوفة ، أو الكاظمية وبغداد ونحو ذلك ممّا ذكره في المتن لم ينقطع حكم السفر أو لا؟
يقع الكلام تارة في أصل الاعتبار ، وأُخرى في تحديد المقدار وبيان ضابط الوحدة وميزانها.
أمّا نفس الاعتبار فالظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال ، لظهور النصوص في إناطة انقلاب القصر بالتمام بالإقامة الوحدانية الممتدة عشرة أيام ، المتقوّمة بالوحدة المكانية بطبيعة الحال ، فلا تجدي إقامة العشرة المتفرقة في الأمكنة المتعدّدة ، إذ لا يصدق معه أنّه أقام في البلد الفلاني أو المحلّ الكذائي عشرة أيام كما هو ظاهر جدّاً.
نعم ، ربما يستفاد كفاية ذلك ممّا رواه الكافي في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجّاج ، قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل له الضياع بعضها قريب من بعض فيخرج فيقيم فيها أيتم أم يقصّر؟ قال : يتم» (1)حيث دلّت على وجوب التمام لدى الإقامة في الضياع المتفرّقة الواقعة في الأمكنة المتعدِّدة. فلا تعتبر الوحدة في محلّ الإقامة.
ويردّه أوّلاً : عدم ظهور الصحيحة في إرادة الإقامة الشرعية أعني عشرة أيام التي هي محلّ الكلام ، لعدم قرينة على التخصيص بذلك ، بل ظاهرها أنّ صاحب الضياع محكوم بالإتمام متى أقام فيها ، سواء أكانت إقامته في مجموع
1) الوسائل 8 : 495 / أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 12 ، الكافي 3 : 438 / 6.
.................................................................................................
تلك الضياع عشرة أيام أم أقل أم أكثر ، فتكون من قبيل الروايات الدالّة على أنّ مجرّد الملك كافٍ في الحكم بالإتمام متى دخله ، التي تقدّمت سابقاً (1)وعرفت لزوم تقييدها بمقتضى صحيحة ابن بزيع (2)بسبق إقامة ستّة أشهر كي تتّصف الضيعة بالوطن الشرعي. فهي أجنبية عما نحن فيه.
وثانياً : أنّها مروية بعين المتن في الفقيه (3)والتهذيب (4)، غير أنّ المذكور فيها «يطوف» بدل «يقيم» وعليه فتكون أظهر فيما ذكرناه من الدلالة على أنّ مجرّد الطواف والمرور بمطلق الملك موجب للإتمام. فلا ربط لها بالإقامة الشرعية المبحوث عنها في المقام. وكيف ما كان ، فالصحيحة غير مخالفة لما ذكرناه من اعتبار الوحدة في محلّ الإقامة. مع أنّ الظاهر أنّ المسألة ممّا لا خلاف فيها كما عرفت.
إنّما الكلام في بيان المراد من الوحدة المكانية وتشخيص ضابطها بعد القطع بعدم إرادة الوحدة الحقيقية ، ضرورة جواز تردّد المقيم في بلد من داره إلى المسجد أو السوق أو الحمام ونحوها. فلا يراد الإقامة في منزل خاص كالمحبوس بل لعلّه لا يتحقّق ذلك إلّا في مثل المحبوس ونحوه ، وإلّا فالفاعل المختار يخرج بطبيعة الحال إلى خارج الدار ، بل خارج البلد أحياناً.
فنقول : قد ورد التعبير عن محلّ الإقامة في الروايات بالسنة مختلفة ، كالبلد أو البلدة أو المدينة أو الضيعة أو المكان أو الأرض ، ولا شكّ أنّ المراد بالإقامة في الأخيرين ما يقابل الارتحال ، فانّ المسافر بحسب طبعه ينزل أثناء السير في مكان أو أرض فيرتحل ، فلا يكون مقيماً في ذلك المحل ، بل الغاية من النزول
.................................................................................................
الاستراحة أو الأكل أو الشرب ، إمّا ليلاً أو نهاراً حسب اختلاف الفصول ممّا يقتضيه طبع السفر.
ولكن قد يتعلّق نظره بالإقامة في مكان خاص أو أرض كذلك ، فلا يرتحل فاعتبرت هذه الإقامة التي هي في مقابل الارتحال مناطاً للإتمام إذا كانت عشرة أيام. فيستفاد من مجموع الروايات أنّ المناط في وحدة المحلّ صدق الإقامة العرفية فيه على نحو لا يعدّ التباعد عنه ارتحالاً عن ذلك المكان ، سواء أكان بلداً أم قرية أم ضيعة أم غيرها من برّ أو ساحل بحر ونحو ذلك. فالعبرة بصدق الإقامة عرفاً في مكان واحد في قبال الارتحال عنه الذي يختلف سعة وضيقاً حسب اختلاف الموارد وخصوصيات الأمكنة.
ثمّ إنّ الصدق المزبور إن كان محرزاً فلا إشكال ، كما لو أقام في بلد بل برّ أو ساحل بحر بحيث يصدق معه عرفاً أنّه مقيم في ذلك المكان ، وإن دعت الحاجة إلى التعدّي والمشي يميناً وشمالاً لبعض حاجياته من تحصيل ماء أو كلأ ونحو ذلك ، لعدم اعتبار المكث في مكان شخصي وحداني كما عرفت.
كما لا إشكال أيضاً إذا كان عدمه محرزاً مثل ما لو أقام في مكان من البر ليلة وفي مكان آخر ليلة أُخرى بينهما مسافة ربع الفرسخ مثلاً وهكذا ، أو أقام عند عشيرتين متباعدتين بربع الفرسخ عشرة أيام ، بحيث لا يصدق عرفاً أنّه أقام في مكان واحد عشرة أيام ، فإن كان الصدق محرزاً من الطرفين فلا إشكال.
وأمّا إذا شكّ في ذلك فقد تكون الشبهة موضوعية كما لو قصد الإقامة في محلّتين ولم يعلم أنّ إحداهما منفصلة عن الأُخرى أو متصلة ، وأُخرى حكمية كما لو علم بالانفصال في المثال ولكنّه كان قليلاً كعشر الفرسخ مثلاً ، بحيث يشكّ أنّ هذا المقدار موجب للإخلال وقادح في صدق الوحدة المكانية أم لا.
والمتعيّن في كلتا الصورتين اللتين يجمعها الشك في أنّ هذه الإقامة هل هي مصداق لإقامة عشرة أيام في مكان واحد ، التي هي الموضوع لانقلاب الحكم
ولو كان البلد خارجاً عن المتعارَف في الكبر (1) فاللازم قصد الإقامة في المحلّة منه إذا كانت المحلّات منفصلة ، بخلاف ما إذا كانت متّصلة ، إلّا إذا كان كبيراً جدّاً (1)بحيث لا يصدق وحدة المحلّ وكان كنيّة الإقامة في رستاق مشتمل على القرى مثل قسطنطينية ونحوها.
من القصر إلى التمام أو لا هو القصر.
أمّا في الأُولى فواضح ، لأنّ هذا الموضوع عنوان حادث مسبوق بالعدم فيستصحب عدمه.
وأمّا في الثانية : فللزوم الرجوع حينئذ إلى إطلاقات القصر على كلّ مسافر بعد وجوب الاقتصار في المخصّص المجمل الدائر بين الأقل والأكثر على المقدار المتيقّن الذي يقطع معه بصدق الإقامة عشرة أيام ، وحيث إنّه مشكوك فيه في المقام فالمرجع عموم أدلّة القصر كما عرفت ما لم يحرز الصدق.
(1) فصّل (قدس سره) في البلاد الخارجة عن المتعارف في الكبر بين ما كانت المحلات منفصلة فاللازم قصد الإقامة في المحلّة منها ، وبين ما إذا كانت متصلة فأجرى عليها حكم سائر البلاد إلّا إذا كانت كبيرة جدّاً ، بحيث لا يصدق وحدة المحلّ كالقسطنطينية ونحوها.
أقول : لا يمكن المساعدة على ما أفاده (قدس سره) فإنّ العبرة في وحدة المحلّ بالصدق العرفي كما عرفت ، وهو حاصل في المقام وإن خرج البلد عن المتعارف في الكبر ، نعم في موارد الشكّ يرجع إلى الإطلاق أو الاستصحاب كما مرّ ، إلّا أنّ المقام ليس من موارد الشكّ ، إذ لا قصور في إطلاق الأدلّة عن الشمول لمثل ذلك ، فانّ الحكم بالتمام قد علّق فيها على الإقامة في البلد أو الضيعة
1) (*) الاعتبار إنّما هو بوحدة البلد ، وكبره لا ينافيها كما تقدّم.
.................................................................................................
ونحو ذلك ، والضياع وإن كانت صغيرة غالباً إلّا أنّ البلاد تشمل الصغيرة والكبيرة بمقتضى الإطلاق.
وقد كانت البلاد الكبيرة الخارجة عن المتعارف في الكبر غير عزيزة في عصرهم (عليهم السلام) كبغداد والكوفة ونحوهما ، بل كانت مساحة الكوفة أربعة فراسخ في أربعة كما يحدّثنا التاريخ ، فلا يضرّ ذلك بصدق الإقامة في مكان واحد أو بلدة واحدة بعد ما عرفت من عدم إرادة الإقامة في منزل شخصي قطعاً.
نعم ، لو فرضنا بلوغ سعة البلد مقداراً خارقاً للعادة جدّاً كما لو فرض بلد طوله مائة فرسخ مثلاً أو خمسين الذي هو مجرّد فرض لا وقوع له خارجاً لحدّ الآن ففي مثله لا ينبغي الشكّ في عدم صدق الإقامة في مكان واحد ، بل لو انتقل من جانب إلى جانب آخر فهو مسافر يجب عليه التقصير لو كان سيره بمقدار المسافة الشرعية ، فيعتبر حينئذ الإقامة في محلّة خاصّة ، ولا تكفي الإقامة في المحلّات وإن كانت متّصلة ، إذ لا يصدق عليه المقيم في مكان أو أرض واحدة وإن كان البلد واحداً حسب الفرض.
وأمّا فيما لم يبلغ هذا المقدار من السعة وإن كان كبره خارجاً عن المتعارف كما هو محلّ الكلام مثل ما لو كان طوله ثلاثة فراسخ أو أربعة كالقسطنطينية ونحوها ، فالظاهر أنّ ذلك غير قادح في صدق الإقامة في مكان واحد.
وملخّص الكلام : أنّ العبرة في وحدة محلّ الإقامة بالصدق العرفي ، وهو حاصل في أمثال هذه الموارد ، سواء أكانت المحلات متصلة أم منفصلة ، فيصحّ أن يُقال إنّ زيداً أقام في القسطنطينية مثلاً عشرة أيام وإن لم يكن مُستقرّاً في مكان واحد ، بل كان ينتقل من مكان إلى مكان ومن جانب إلى آخر ، فانّ هذا لم يكن انتقالاً سفرياً بل انتقال في ضمن سفره. فلا دخل للكبر والصغر في هذا الحكم بوجه بعد إطلاق الدليل وتحقّق الصدق العرفي.
[2309] مسألة 8 : لا يعتبر في نيّة الإقامة قصد عدم الخروج عن خطّة سور البلد على الأصح بل لو قصد حال نيّتها الخروج إلى بعض بساتينها ومزارعها ونحوها من حدودها ممّا لا ينافي صدق اسم الإقامة في البلد عرفاً جرى عليه حكم المقيم حتّى إذا كان من نيّته الخروج عن حدّ الترخّص ، بل إلى ما دون الأربعة إذا كان قاصداً للعود عن قريب بحيث لا يخرج عن صدق الإقامة في ذلك المكان عُرفاً ، كما إذا كان من نيّته الخروج نهاراً والرجوع قبل اللّيل (1)(1).
(1) هل يعتبر في صدق الإقامة في البلد بعد البناء على اعتبار الوحدة المكانية في محلّ الإقامة كما سبق قصد عدم التجاوز عن خطة السور فيما له سور أو عن آخر البيوت فيما لا سور له ، فيلزمه المكث في نفس البلد بحيث يضرّه أدنى الخروج ولو قليلاً كما عن بعضهم ، أو أنّه لا يعتبر المداقّة في ذلك فلا مانع من قصده حال نيّة الإقامة الخروج إلى بعض نواحي البلد وضواحيه من بساتينه ومزارعه ونحو ذلك ممّا لا ينافي صدق اسم الإقامة في البلد عُرفاً بل لا يضرّه الخروج إلى حدِّ الترخّص ، بل ما دون المسافة إذا كان قاصداً للعود عن قريب ، كما لو خرج في النهار ورجع قبل الليل كما ذكره في المتن؟
الظاهر ابتناء المسألة على تفسير لفظ الإقامة الوارد في أخبار الباب كما ذكره غير واحد ، فان فسّر بكون المحلّ محطاً لرحله لم يضرّه الخروج حتّى إلى ما دون المسافة في تمام النهار فضلاً عن بعضه ، إذ بالأخرة يكون مرجعه ومبيته نفس البلد الذي هو محط للرحل ومحلّ للإقامة. وإن فسّر بما هو ظاهر اللّفظ
1) (*) تحقّق قصد الإقامة إذا كان من نيّته الخروج في تمام النهار من أوّل الأمر لا يخلو من إشكال ، والقدر المتيقّن من الخروج الذي لا يضرّ بالإقامة ما كان يسيراً كالساعة والساعتين مثلاً ، وفي غير ذلك لا يترك الاحتياط بالجمع.
.................................................................................................
بحسب المتفاهم العرفي من كونه محلا لإقامة المسافر نفسه لا لرحله ، إذ ربما لا يكون له رحل أصلاً ، فحينئذ يضرّه أدنى الخروج وإن كان قليلاً.
وتوضيح الحال في المقام : أنّه لا ينبغي الإشكال في قادحية الخروج عن محلّ الإقامة بمقدار المسافة ، كما لو أقام في النجف خمسة أيام ، ثمّ خرج يوماً إلى الحلّة ، ثمّ رجع فبقي خمسة أُخرى بحيث صار المجموع عشرة ، فإنّ الظاهر عدم الخلاف في عدم تحقّق الإقامة الشرعية بذلك ، وإن احتمل بعضهم عدم القدح بذلك ، لما عرفت من لزوم الاستمرار والاتصال في إقامة عشرة أيام ، الذي يضرّه تخلّل السفر الموجب للتقطيع بطبيعة الحال.
نعم ، ربّما يستفاد ذلك وكفاية إقامة العشرة ولو منفصلة من رواية الحضيني قال فيها : «إنّي أقدم مكّة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة ، قال : انو مقام عشرة أيام وأتمّ الصلاة» (1)إذ كيف يمكن قصد إقامة العشرة لمن دخل مكّة قبل التروية بيوم أو يومين مع لزوم خروجه إلى عرفات التي هي مسافة تلفيقية.
ولأجل ذلك احتمل الشيخ اختصاص الحكم بموردها وهو مكّة ، وأنّ في خصوص هذا البلد لا مانع من الإقامة المنقطعة (2)بأن يبقى ثلاثة قبل التروية وسبعة أيام بعد الرجوع عن الموقف والفراغ عن الأعمال.
ولكن الذي يهون الخطب أنّ الرواية ضعيفة السند وليست بحجّة في نفسها لجهالة الحضيني وعدم ثبوت وثاقته ، فلا تصل النوبة إلى الحمل المزبور.
وكيف ما كان ، فلا ينبغي الإشكال في أنّ نيّة الإقامة لا تكاد تجتمع مع نيّة الخروج إلى المسافة ، بل لا تجتمع حتّى مع الشكّ في ذلك ، للزوم العزم على الإقامة واليقين بها كما صرّح به في الروايات (3)، الذي يضرّه مجرّد الاحتمال والترديد.
.................................................................................................
وأمّا الخروج إلى ما دون المسافة فهو على قسمين ، إذ تارة لا يكون عازماً على الخروج حال نيّة الإقامة بوجه ، وإنّما يبدو ذلك فيما بعد ، فقصد الإقامة في خصوص البلد عشرة أيام وبعد أن صلّى صلاة تامّة بدا له في الخروج إلى ما دون المسافة ، وأُخرى يكون عازماً عليه من أوّل الأمر.
أمّا في القسم الأوّل : فلا ينبغي التأمل في عدم انقلاب الحكم ولزوم البقاء على التمام في البلد وخارجه ، سواء أكمل العشرة في محلّ الإقامة أم لا ، كما لو أقام في النجف يوماً وبعد ما صلّى أربعاً خرج إلى الكوفة وبقي فيها ثمانية ثمّ رجع وبقي يوماً آخر في النجف ، فإنّه يبقى على التمام في جميع ذلك بلا إشكال فيه ولا خلاف ظاهراً ، فإنّ العبرة في الإقامة التي هي موضوع للتمام بقصدها ونيّتها ، لا الإقامة الخارجية.
فمتى تحقّقت النيّة وتعقّبت بصلاة واحدة تامّة كانت وظيفته البقاء على التمام وإن عدل عن نيّته وعزم على السفر والخروج إلى حدّ المسافة فضلاً عمّا دونها. فهو محكوم بالتمام ما لم يتلبّس بالسفر خارجاً على ما نطقت به صحيحة أبي ولاد ، قال (عليه السلام) : «إن كنت دخلت المدينة وحين صلّيت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصّر حتّى تخرج منها ...» إلخ (1). فانّ المراد من الخروج فيها الخروج السفري كما لا يخفى ، هذا.
مضافاً إلى الكبرى الكلّية التي تكرّرت الإشارة إليها من أنّ من حكم عليه بالتمام لا تنقلب وظيفته إلى القصر إلّا مع قصد ثمانية فراسخ ولو تلفيقية. فالمقيم في محلّ الكلام باقٍ على التمام بمقتضى هذا الضابط العام ما لو ينو سفراً جديداً ، وهذا كلّه ظاهر لا سترة عليه.
وإنّما الكلام في القسم الثاني : أعني ما إذا كان عازماً على الخروج من أوّل
1) الوسائل 8 : 508 / أبواب صلاة المسافر ب 18 ح 1.
.................................................................................................
الأمر وحال نيّة الإقامة ، فدخل النجف مثلاً وقصد الإقامة عازماً على الخروج إلى الكوفة خلال العشرة ، وقد عرفت أنّهم بنوا المسألة على تفسير الإقامة بمحطّ الرحل أو بإقامة المسافر نفسه ، وأنّه على الأوّل لا يضرّ الخروج حتّى طول النهار فضلاً عن الساعات فيما إذا رجع في الليل بحيث كان مبيته في البلد إذ يصدق حينئذ أنّ البلد محلّ رحله ، وأمّا على الثاني فيضرّ الخروج حتّى دقيقة واحدة.
ولكن الظاهر هو التفصيل واختيار الحدّ الوسط بين الإفراط والتفريط ، فانّ التفسير الأوّل خلاف الظاهر جدّاً ، ضرورة أنّ محلّ الإقامة محلّ لإقامة المسافر نفسه لا لإقامة رحله ، كيف وربما لا يكون له رحل أصلاً. فالمتعيّن إنّما هو التفسير الثاني ، لكن لا بذلك الضيق ، بل مع نوع من التوسعة.
فإنّ الجمود على ظاهر لفظ الإقامة عشرة أيام الوارد في الروايات وإن كان يقتضي الاستيعاب الذي يضرّه أدنى الخروج عن خطّة السور ولو دقيقة واحدة إلّا أنّ المتفاهم عرفاً ما هو الأوسع من ذلك ، نظراً إلى أنّ العادة جارية على أنّ المقيم في بلد ربما يخرج عنه إلى خارج البلد ، بل ما دون حدّ المسافة لتشييع جنازة ، أو قضاء حاجة ، أو سقي دابّة ، أو معالجة مريض ونحو ذلك من الأغراض الداعية إلى الخروج ، ولا يبقى مستقرّاً في البلد كالمحبوس ، من غير فرق بين ما إذا كانت الإقامة دائمية كالمتوطّن أو موقّتة كما في المسافر المقيم.
فحال الإقامة في البلد حال الإقامة في الدار والسكونة فيها ، فكما لا ينافيه الخروج عن الدار إلى الصحن الشريف أو السوق أو الدرس ونحوها ، فكذلك لا ينافي الإقامة الدائمية أو الموقّتة في البلد الخروج إلى ضواحيه وتوابعه وإن تجاوز حدّ الترخّص بل بلغ إلى ما دون المسافة كما لو كان ضيفاً في بستان بعيد عن البلد بمقدار ثلاثة فراسخ مثلاً ، لما عرفت من جريان العادة الخارجية على التباعد عن البلد والخروج عنه وأنّ هذا المقدار ممّا يتسامح فيه عُرفاً ، ولا يكون
[2310] مسألة 9 : إذا كان محلّ الإقامة برّية قفراء لا يجب التضييق في دائرة المقام ، كما لا يجوز التوسيع كثيراً بحيث يخرج عن صدق وحدة المحل فالمدار على صدق الوحدة عرفاً ، وبعد ذلك لا ينافي الخروج عن ذلك المحلّ إلى أطرافه بقصد العود إليه وإن كان إلى الخارج عن حدّ الترخّص ، بل إلى ما دون الأربعة كما ذكرنا في البلد ، فجواز نيّة الخروج إلى ما دون الأربعة لا يوجب جواز توسيع محلّ الإقامة كثيراً ، فلا يجوز جعل محلّها مجموع ما دون الأربعة ، بل يؤاخذ على المتعارف وإن كان يجوز التردّد إلى ما دون الأربعة على وجه لا يضرّ بصدق الإقامة فيه (1).
منافياً لصدق الإقامة في البلد ، فيكون هذا التعارف والتسامح العرفي كاشفاً عن أنّ المراد بالإقامة في البلد ما يشمل ذلك.
ولكن المتيقّن من مورد التعارف الخارجي المزبور ما إذا كان الخروج قليلاً وفي زمان قصير كساعة أو ساعتين أو أزيد في الجملة كثلاث ساعات مثلاً وأمّا الزائد على ذلك كخمس ساعات مثلاً فضلاً عن تمام النهار فلم يثبت في مثله التعارف ولا المسامحة العرفية لو لم يكن ثابت العدم.
ومن الظاهر أنّ المرجع في مورد الشكّ عمومات أدلّة القصر ، للزوم الاقتصار في المخصّص المجمل الدائر بين الأقل والأكثر على المقدار المتيقّن الذي يقطع معه بصدق الإقامة عشرة أيام ، وهو المشتمل على الخروج في الزمان القليل الذي هو مورد للتسامح العرفي جزماً ، فيرجع في الزائد المشكوك إلى عموم تلك الأدلّة وإطلاقها.
(1) يظهر الحال في هذه المسألة ممّا قدمناه في المسألة السابقة فلاحظ ، ولا حاجة إلى الإعادة.
[2311] مسألة 10 : إذا علّق الإقامة على أمر مشكوك الحصول لا يكفي بل وكذا لو كان مظنون الحصول ، فإنّه ينافي العزم على البقاء المعتبر فيها نعم لو كان عازماً على البقاء لكن احتمل حدوث المانع لا يضرّ (1)(1).
(1) أفاد (قدس سره) أنّ إقامته لو كانت معلّقة على أمر مشكوك الحصول وثابتة في تقدير دون تقدير ، فبما أنّ العزم الفعلي على البقاء المعتبر فيها مفقود حينئذ لمنافاته مع التعليق المزبور بطبيعة الحال ، فلا جرم ينتفي عنه قصد الإقامة فلا يكفي ذلك في الحكم بالتمام ، وهذا بخلاف ما إذا كان عازماً فعلاً على البقاء ولكنّه احتمل حدوث مانع يمنعه عنه ، فإنّه لا يضرّ ولا يكون قادحاً في حصول قصد الإقامة.
فكأنّ مرجع كلامه (قدس سره) إلى التفصيل في ذلك الأمر المشكوك الحصول بين ما إذا كان وجوده أو عدمه دخيلاً في تحقّق المقتضي وهو العزم على البقاء وبين ما إذا كان من قبيل الموانع بعد تماميّة المقتضي ، فيكون الأوّل قادحاً دون الثاني.
أقول : لا يمكن المساعدة على ما أفاده (قدس سره) بوجه ، ولا فرق بين الصورتين ، بل الاعتبار بكون الاحتمال في الأمر المشكوك الحصول موهوماً أو عقلائياً ، فإن كان موهوناً لا يعتد به العقلاء لا أثر له وإن كان دخيلاً في المقتضي كما هو ظاهر ، إذ الاحتمال الموهوم وجوده في حكم العدم ، وإن كان عقلائياً كان قادحاً ، سواء أتعلّق بالمقتضي أم بالمانع.
أمّا الأوّل فظاهر كما اعترف به في المتن ، وأمّا الثاني فلضرورة عدم تمشّي
1) (*) بشرط أن يكون الاحتمال موهوماً ، وإلّا فلا يتحقّق معه قصد الإقامة على الأظهر.
.................................................................................................
قصد الإقامة والعزم عليها الذي هو بمعنى توطين النفس على البقاء مع فرض تطرّق هذا الاحتمال ، فانّ البقاء كسائر الأفعال الاختيارية يتوقّف على أمرين : تمامية المقتضي وانتفاء المانع ، ومع احتمال وجود المانع وحصوله احتمالاً عقلائياً كيف يمكن تعلّق النيّة به وقصده والعزم عليه.
فمن كان مَعرضاً لوجع في بطنه مثلاً فدخل بلداً واحتمل عوده الموجب للخروج عنه لأجل المعالجة خلال العشرة كيف يتمشّى منه العزم على البقاء أعني توطين النفس وعقد القلب عليه بعد احتمال عروض المرض الذي يضطرّ من أجله على الخروج.
نعم ، مجرّد الميل بالبقاء والرغبة الشديدة أمر ممكن ، إلّا أنّه لا يكفي في تحقّق القصد الذي هو بمعنى العزم جزماً ، وإلّا لزم الحكم بالتمام لمن كان مائلاً وراغباً في إقامة العشرة مع قطعه بعدم الإقامة خارجاً ، وهو كما ترى.
وعلى الجملة : فاحتمال حدوث المانع عقلائياً مساوق مع تعليق الإقامة على أمر مشكوك في انتفاء العزم الفعلي وكونه ثابتاً في تقدير دون تقدير ، كما أنّهما متشاركان في حصول العزم الفعلي لدى كون الاحتمال موهوماً كمن احتمل وصول برقية تلجئه إلى الخروج ، أو أنّ السلطة الحكومية لا تسمح له بالبقاء. فلا فرق بين الصورتين بوجه.
ويمكن تقرير هذا المطلب بوجه آخر وهو أنّ الوارد في غير واحد من الأخبار تعليق الحكم بالتمام على قصد الإقامة أو العزم أو النيّة أو الإجماع الذي هو بمعنى العزم ، على اختلاف ألسنتها ، وورد في صحيحة زرارة تعليقه على اليقين ، قال : «إذا دخلت أرضاً فأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيام ...» إلخ (1)، والنسبة بين هذه الصحيحة وسائر الأخبار
1) الوسائل 8 : 500 / أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 9.
.................................................................................................
وإن كانت هي العموم من وجه ابتداء ، لجواز حصول اليقين بالبقاء من غير عزم كما في المجبور على الإقامة الذي هو فاقد للقصد والعزم ، بل قد يكون عازماً على الخروج متى فسح له المجال مع يقينه بالبقاء قهراً عليه. وجواز حصول العزم من غير يقين حسب ما فرضه في المتن من العزم على البقاء وإن احتمل حدوث المانع الموجب لانتفاء اليقين بطبيعة الحال.
إلّا أنّه لا يمكن تقديم تلك الأخبار على الصحيحة لتكون النتيجة أنّ العزم بنفسه كافٍ في الحكم بالتمام وإن تجرّد عن اليقين ، وإنّما يعتبر اليقين في مورد تخلّى عن العزم والقصد كما في المجبور. فكلّ منهما موضوع مستقل بحياله.
وذلك لمنافاته مع مورد الصحيحة ، إذ السؤال فيها عمّن قدم البلدة ، الظاهر في كونه بإرادته واختياره ، كما أنّ قوله (عليه السلام) : «إذا دخلت أرضاً ...» إلخ ظاهر في كونه عن قصد واختيار ، فكيف يمكن الحمل على ما إذا تيقّن بالبقاء من غير عزم واختيار ، الذي هو في نفسه فرد نادر ومنافٍ لمورد الصحيحة كما عرفت.
وكيف يمكن ارتكاب التقييد في قوله (عليه السلام) : «وإن لم تدر ما مقامك بها ...» إلخ بما إذا كان عازماً على البقاء ، فانّ فرض العزم من غير يقين من الأفراد النادرة كما لا يخفى.
فلا بدّ من جعل هذه الصحيحة مقيّدة لتلك الأخبار ومعاملة العموم والخصوص المطلق بينهما. فتكون النتيجة موضوعية العزم المقيّد باليقين ، وعدم كفاية العاري عنه ، وإن كان اليقين أيضاً بمجرّده كافياً سواء اقترن بالعزم والقصد أم لا كما في المكره والمجبور.
[2312] مسألة 11 : المجبور على الإقامة عشراً ، والمكره عليها يجب عليه التمام وإن كان من نيّته الخروج على فرض رفع الجبر والإكراه ، لكن بشرط أن يكون عالماً بعدم ارتفاعهما وبقائه عشرة أيام كذلك (1).
[2313] مسألة 12 : لا تصحّ نيّة الإقامة في بيوت الأعراب ونحوهم ما لم يطمئن بعدم الرحيل عشرة أيام ، إلّا إذا عزم على المكث بعد رحلتهم إلى تمام العشرة (2).
[2314] مسألة 13 : الزوجة والعبد إذا قصدا المقام بمقدار ما قصده الزوج والسيّد والمفروض أنّهما قصدا العشرة لا يبعد كفايته في تحقّق الإقامة بالنسبة إليهما (1)(3)
(1) لما عرفت من دلالة الصحيحة المتقدّمة على أنّ مجرّد اليقين بالبقاء كاف في التمام وإن كان عارياً عن العزم والقصد.
(2) قد عرفت (2)دلالة النصوص على أنّ المسافر إنّما يتم فيما إذا كان عازماً على إقامة العشرة أو متيقّناً بها ، فبدون العزم أو اليقين يبقى على القصر.
وعليه فالنازل في بيوت الأعراب لا تصحّ منه نيّة الإقامة بعد فرض كونهم في معرض الارتحال ، لفقد العزم واليقين حينئذ ، إلّا إذا كان مطمئناً أو واثقاً بعدم رحيلهم خلال العشرة ، أو كان عازماً على البقاء في هذه المدّة وإن ارتحلوا فتصح نيّة الإقامة في هاتين الصورتين كما هو ظاهر.
(3) ذكر (قدس سره) أنّه لا يعتبر في قصد الإقامة القصد إليها تفصيلاً ، بل
وإن لم يعلما حين القصد أنّ مقصد الزّوج والسيِّد هو العشرة ، نعم قبل العلم بذلك عليهما التقصير ، ويجب عليهما التمام بعد الاطّلاع وإن لم يبق إلّا يومين أو ثلاثة ، فالظاهر وجوب الإعادة أو القضاء عليهما بالنسبة إلى ما مضى ممّا صلّيا قصراً ، وكذا الحال إذا قصد المقام بمقدار ما قصده رفقاؤه وكان مقصدهم العشرة ، فالقصد الإجمالي كافٍ في تحقّق الإقامة ، لكن الأحوط الجمع في الصورتين ، بل لا يترك الاحتياط.
القصد الإجمالي كافٍ في تحقّق الإقامة كما في التابع مثل الزوجة والعبد إذا قصد المقام بمقدار ما قصده متبوعه ، والمفروض أنّ المتبوع قاصد لإقامة العشرة واقعاً ، فانّ هذا يكفي في تحقّق الإقامة بالإضافة إلى التابع وإن كان هو جاهلاً بها.
فمتى علم بالحال وحصل له الاطّلاع وجب الإتمام وإن كان الباقي أقل من عشرة أيام ، كما يجب عليه قضاء ما صلاه قصراً حال الجهل ، لأنّ ذلك مستند إلى الحكم الظاهري بمقتضى الاستصحاب الجاري آن ذاك ، وإلّا فبحسب الواقع مكلّف بالتمام من أوّل الأمر وإن كان معذوراً في تركه لجهله. فلا جرم يتعيّن القضاء لدى انكشاف الخلاف.
ثمّ ألحق (قدس سره) بالتابعِ الرفيقَ ، وأنّه لو قصد المقام بمقدار ما قصده رفقاؤه وكان مقصدهم عشرة كفى ذلك في تحقّق الإقامة.
أقول : لا يمكن المساعدة على ما أفاده (قدس سره) بوجه ، فانّ موضوع الحكم بحسب الروايات هو قصد الإقامة والعزم عليها واليقين بها ، ومن الواضح أنّ هذا لا يتحقّق مع فرض الجهل بقصد المتبوع ، إذ مرجعه إلى الترديد والتعليق
.................................................................................................
في قصد التابع وأنّه ثابت في تقدير دون تقدير ، فلا قصد إلّا على تقدير قصد المتبوع الذي هو أمر مجهول ، فهو فعلاً متردّد وجداناً في إقامة عشرة أيام ولا بدّ من فعلية القصد واليقين في الحكم بالتمام على ما هو ظاهر النصوص.
وعلى الجملة : لا فرق بين إناطة القصد بقصد المتبوع وبين إناطته بسائر الأُمور الحادثة التي لا يدري بتحقّقها كوصول البرقية أو مجيء المسافر أو شفاء المريض ونحو ذلك ممّا يجوز أن يقع ويجوز أن لا يقع ، في أنّ الكلّ مشتمل على التعليق ومنوط بتقدير دون تقدير ، وهو عين الشكّ والترديد الممتنع اجتماعه مع القصد واليقين الفعليين بالضرورة ، وإن فرضنا حصول المعلّق عليه بحسب المصادفة الواقعية فكان المتبوع قاصداً للعشرة ، أو المسافر قادماً أو البرقية واصلة بعد إقامة العشرة ونحو ذلك ، إذ لا عبرة بالإقامة الخارجية ، بل الموضوع في الأدلّة قصد العشرة ونيّتها ، المفقود في المقام وجداناً حسبما عرفت.
فما ذكره (قدس سره) من كفاية القصد الإجمالي وأنّه لا فرق بينه وبين التفصيلي لا نعرف له معنى محصّلاً بعد رجوع الإجمال إلى الترديد لا محالة الموجب لزوال القصد.
نعم ، لا يعتبر في قصد إقامة العشرة أن تكون العشرة بعنوانها مقصودة ، بل العبرة حسبما يستفاد من الأدلّة بتعلّق القصد بواقع العشرة ، التي هي اسم لهذا الزمان الخاص ، فاذا قصد الإقامة في هذه الكمّية المعيّنة من الزمان كفى وإن لم يعلم عنوانها ، كما لو قصد إقامة مائتين وأربعين ساعة أو كذا مقداراً من الدقيقة ولم يدر انطباقها على عشرة أيام ، لجهله أو غفلته عن أنّ كلّ أربع وعشرين ساعة يوم واحد ، فإذا قصد ذلك فقد قصد واقع العشرة بطبيعة الحال. فالعبرة بالمعنون دون العنوان.
وكما لو دخل كربلاء وقصد الإقامة إلى النصف من شعبان مثلاً ولكنّه لم يدر
.................................................................................................
أنّ هذا اليوم الذي ورد فيه هل هو اليوم الخامس من الشهر لتكون مدّة الإقامة عشرة أو السادس لتكون تسعة ، فإذا كان بحسب الواقع هو اليوم الخامس فقد قصد العشرة على واقعها وإن جهل عنوانها.
وهذا نظير ما تقدّم سابقاً (1)في قصد المسافة من أنّ العبرة في التقصير بقصد واقع الثمانية فراسخ وإن جهل الاتصاف بهذا العنوان ، أي قصد السير في مسافة هي ثمانية فراسخ بحسب الواقع وإن لم يدر بها أو كان معتقداً بالعدم ، كما لو قصد الحركة من النجف إلى الحلّة فقصد السير في هذه المسافة المعيّنة التي هي ثمانية فراسخ واقعاً وإن كان لا يدري أو يزعم أنّها سبعة ، فإنّه يجب عليه التمام لصدق السير في مسافة هي ثمانية فراسخ.
وكذلك الحال في المقام ، فإنّ العبرة بقصد الإقامة في زمان هو عشرة أيام فمتى تحقّق ذلك وجب التمام وإن لم يلتفت إلى عنوان العشرة ، لعدم كونه متردّداً بالإضافة إلى عمود الزمان ، بل هو قاصد للإقامة من الآن إلى النصف من شعبان في المثال المتقدّم ، أو إلى الساعة المائتين والأربعين المنطبقة بحسب الواقع على العشرة أياماً وإن كان جاهلاً بالانطباق. فلا يكون مورداً لأن يقول : غداً أخرج أو بعد غد ، المذكور في صحيحة زرارة (2)مناطاً ، لفقد قصد الإقامة.
وعلى الجملة : فقد تعلّق القصد هنا بنفس الزمان الموصوف بكونه عشرة واقعاً وإن لم يعلم به أو كان معتقداً للخلاف ، فإنّه من باب الخطأ في التطبيق كما في مثال الحلّة ، وهذا المقدار يكفي بمقتضى الأدلّة.
وأمّا إذا تعلّق القصد بأمر زماني لا بالزمان نفسه ، كما لو قصد المكث في هذا البلد إلى أن تصل البرقية أو تقضى حاجته التي يمكن تحقّقها خلال عشرة أيام
[2315] مسألة 14 : إذا قصد المقام إلى آخر الشهر مثلاً وكان عشرة كفى وإن لم يكن عالماً به حين القصد (1)، بل وإن كان عالماً بالخلاف ، لكن الأحوط في هذه المسألة أيضاً الجمع بين القصر والتمام بعد العلم بالحال لاحتمال اعتبار العلم حين القصد (1).
ففي مثله لا مناص من التقصير حتى إذا كان ذلك الحادث مستوعباً للعشرة بحسب الواقع وبقي في البلد مقدارها ، إذ لم تكن هذه العشرة مقصودة له لا بواقعها ولا بعنوانها ، ويصحّ له أن يقول : لا أدري غداً أخرج أو بعد غد. فلم يتحقّق منه قصد إقامة العشرة بوجه ، لفرض عدم تعلّق القصد بنفس الزمان بل بالزماني القابل للانطباق على العشرة وما دونها.
ومقامنا من هذا القبيل ، فانّ التابع علّق قصده بقصد المتبوع الذي هو حادث زماني ونوى الإقامة بمقدار ما نواه ، القابل للانطباق على العشرة وعلى ما دونها. فليست العشرة مقصودة له بوجه وإن كان المتبوع قد قصدها واقعاً ، بل المقصود متابعة المتبوع أو الصديق فيبقى عشرة إن بقي وإلّا فلا. فبالنتيجة يصحّ أن يقول : لا أدري غداً أخرج أو بعد غد ، الذي هو عين الترديد المنافي لنيّة الإقامة وقصدها والمأخوذ موضوعاً للقصر في صحيحة زرارة المتقدّمة كما هو ظاهر جدّاً.
(1) ممّا قدّمناه في المسألة السابقة يظهر الحال في هذه المسألة بوضوح ، لما عرفت من أنّ الاعتبار بقصد واقع المقام عشرة أيام وإن لم يقصد عنوانه ، وأنّ
1) (*) فإنّه قاصد لواقع المقام عشرة أيام وإن لم يقصد عنوانه ، نعم إذا قصد الإقامة من اليوم الواحد والعشرين إلى آخر الشهر واحتمل نقصانه بيوم وصادف أنّه لم ينقص لم يكف ذلك في الحكم بالتمام ، والفرق بين الصورتين لا يكاد يخفى.
.................................................................................................
هناك فرقاً واضحاً بين تعلّق القصد بالإقامة في زمان هو عشرة أيام وإن لم يعلم بها ، وبين تعليقه على أمر زماني صادف العشرة واقعاً ، فيتم في الأوّل بعد انكشاف الحال ، ويقضي ما فاته حال الجهل ، لكون العبرة بواقع العشرة لا عنوانها ، كما في قصد المسافة ، ويقصّر في الثاني لكونه من المتردّد الفاقد لقصد العشرة رأساً.
وعلى ضوء ذلك نقول : إنّ مسألتنا هذه تتصوّر على وجهين :
فتارة يقصد البقاء إلى آخر الشهر أو إلى أوّله كمن ورد كربلاء في اليوم الحادي والعشرين من جمادى الثانية ونوى الإقامة إلى أوّل يوم من رجب ولكنّه لا يدري أنّ الهلال هل يهلّ في ليلة السبت مثلاً أو الأحد ، للترديد في نقصان الشهر وتمامه ، فإنّه يقصّر حينئذ وإن صادف عدم النقص ، لأنّ الشكّ من هذه الجهة يرجع طبعاً إلى التردّد في ذات العشرة ، نظراً إلى أنّ ظهور الهلال المعلّق عليه الإقامة حادث زماني لا يدري أنّه يتقدّم أو يتأخّر ، فهو نظير البقاء معلّقاً على مجيء زيد مثلاً ، الممكن حصوله بعد العشرة وقبلها ، ففي مثله حيث لا يقين بالعشرة لا ذاتاً ولا وصفاً لا عنواناً ولا معنوناً ولا قصد إليها رأساً فلا مناص من التقصير وإن صادف البقاء عشرة أيام خارجاً.
وأُخرى : يقصد البقاء إلى زمان معيّن معلوم ، وحدّ مبيّن مقطوع يتصف واقعاً بالعشرة وهو لا يدري ، فلا تردّد بالإضافة إلى نفس الزمان ومدّته ، وإنّما الترديد في لونه وصفته وأنّها عشرة أو تسعة ، وفي الواقع عشرة ، كما لو نوى الإقامة إلى آخر الشهر الذي هو يوم معيّن لعدم احتمال النقص في الشهر ولكنّه لا يدري أنّ هذا اليوم هل هو يوم العشرين لتكون مدّة الإقامة عشرة ، أو الواحد والعشرين لتكون تسعة ، وكان في الواقع يوم العشرين.
[2316] مسألة 15 : إذا عزم على إقامة العشرة ثمّ عدل عن قصده فان كان صلّى مع العزم المذكور رباعية بتمام بقي على التمام ما دام في ذلك المكان وإن لم يصلّ أصلاً أو صلّى مثل الصبح والمغرب أو شرع في الرباعية لكن لم يتمّها وإن دخل في ركوع الركعة الثالثة رجع إلى القصر ، وكذا لو أتى بغير الفريضة الرباعية ممّا لا يجوز فعله للمسافر كالنوافل والصوم ونحوهما ، فإنّه يرجع إلى القصر مع العدول ، نعم الأولى الاحتياط مع الصوم إذا كان العدول عن قصده بعد الزوال ، وكذا لو كان العدول في أثناء الرباعية بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة ، بل بعد القيام إليها وإن لم يركع بعد (1).
أو ورد كربلاء قاصداً البقاء إلى النصف من رجب ، ولكنّه يشكّ في أنّ هذا اليوم الذي ورد فيه هل هو اليوم الخامس من الشهر أو السادس ، وفي الواقع كان هو اليوم الخامس ، ففي مثل ذلك لا أثر لهذا الترديد ولا ضير فيه ، فإنّه تردّد في العنوان ، وإلّا فالمعنون أعني واقع العشرة وذاتها ونفس الزمان المتصف بها مقصود له ، ولم يتعلّق القصد بالحادث الزماني كرؤية الهلال في الفرض السابق فهو بعينه نظير قصد الإقامة مائتين وأربعين ساعة جاهلاً بانطباقها على عشرة أيام الذي مثّلنا به سابقاً ، وقد عرفت أنّ العبرة بقصد واقع المقام عشرة أيام المتحقّق في المقام وإن لم يقصد عنوانه.
وعليه فيتعيّن في حقّه التمام ، وقضاء ما صلاه قصراً قبل الاستعلام استناداً إلى الاستصحاب الذي هو حكم ظاهري.
(1) لا ينبغي الشكّ في أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية مع قطع النظر عن النصّ الخاص الوارد في المقام هو لزوم العود إلى القصر متى ما عدل عن القصد ، سواء
.................................................................................................
أتى برباعية تامّة أم لا ، لظهور نصوص الإقامة في دوران الحكم مدار قصد الإقامة ونيّتها حدوثاً وبقاءً ، كما هو الشأن في سائر الأحكام المتعلّقة بالعناوين الخاصّة مثل الحاضر والمسافر ونحو ذلك ممّا هو ظاهر في دخل العنوان في ثبوت الحكم للمعنون ودورانه مداره نفياً وإثباتاً ، فلا يكون الحدوث كافياً في البقاء ما لم يدلّ عليه دليل بالخصوص.
فلو كنّا نحن وتلك النصوص لم يكن شكّ في ظهورها في أنّه يتم ما دام كونه ناوياً للإقامة ، الذي لازمه الحكم بالتقصير لو عدل عنها ، لأنّه مسافر لا نيّة له ، من غير فرق بين ما إذا صلّى تماماً ورتّب الأثر على نيّة الإقامة ، أو لا كما لو دخل البلد عند طلوع الشمس ونوى ثمّ عدل قبل الزوال ، فانّ هذا غير داخل في نصوص الإقامة ، لظهورها في الإتمام حينما هو ناوٍ للإقامة لا من كان ناوياً قبل ذلك ، فيتعيّن عليه القصر ، نعم لو صلّى تماماً ثمّ عدل لا يعيد ، لأنّ الموضوع هو النيّة بنفسها لا الإقامة الخارجية ، وقد كانت متحقّقة آن ذاك.
وأمّا بالنظر إلى الروايات فقد تضمّنت صحيحة أبي ولاد أنّ من نوى الإقامة وصلّى فريضة واحدة بتمام فهو محكوم بالإتمام وإن عدل بعد ذلك عن قصده ، ويحتاج العود إلى القصر إلى إنشاء سفر جديد ، قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّي كنت نويت حين دخلت المدينة أن أُقيم بها عشرة أيام وأُتم الصلاة ، ثمّ بدا لي بعدُ أن لا أُقيم فيها ، فما ترى لي ، أُتم أو أُقصّر؟ قال : إن كنت حين دخلت المدينة صلّيت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصّر حتّى تخرج منها ، وإن كنت حين دخلتها على نيّتك التمام فلم تصلّ فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم فأنت في تلك الحال بالخيار إن شئت فانو المقام عشراً وأتم ، وإن لم تنو المقام عشراً فقصّر ما بينك وبين شهر ، فاذا
.................................................................................................
مضى لك شهر فأتمّ الصلاة» (1).
دلّت بوضوح على أنّ نيّة الإقامة بمجرّد حدوثها مشروطاً بتعقّبها بفريضة رباعية كافٍ في البقاء على التمام ما دام في ذلك المكان وإن عدل عن قصده وبذلك ترفع اليد عن ظهور نصوص الإقامة في الدوران مدار الحدوث والبقاء كما مرّ.
وبإزائها رواية الجعفري المتضمّنة للتقصير بعد العدول وإن صلّى أربعاً قال : «لما أن نفرت من منى نويت المقام بمكّة فأتممتُ الصلاة حتّى جاءني خبر من المنزل ، فلم أجد بدّاً من المصير إلى المنزل ، ولم أدر أُتمّ أم أُقصّر وأبو الحسن (عليه السلام) يومئذ بمكّة فأتيتهُ فقصصتُ عليه القصّة ، قال : ارجع إلى التقصير» (2).
ولكنّها غير صالحة لمعارضة الصحيحة ، لضعف سندها بجهالة الراوي أوّلاً وبعدم العمل بها من أحد من فقهائنا ثانياً ، كيف وموردها وهو مكّة من مواطن التخيير فلما ذا يتعيّن عليه التقصير. فالرواية موهونة بالإعراض وعدم العامل بها. والعمدة ما عرفت من جهالة الجعفري وعدم ثبوت وثاقته ، فتقصر عن مقاومة الصحيحة.
وكيف ما كان ، فالحكم في الجملة ممّا لا إشكال فيه ، أعني ما إذا صلّى فريضة تماماً.
وأمّا إذا عدل قبل ذلك فان لم يصلّ أصلاً فلا إشكال في تأثير العدول والرجوع إلى القصر ، لعدم تحقّق الموضوع كما هو ظاهر ، ونحوه ما لو صلّى فريضة
.................................................................................................
غير رباعية كالفجر والمغرب ، وإن احتمله في الحدائق بعيداً ، بدعوى أنّ المراد فعل مطلق الفريضة بعد ما قصد التمام في المقصورات منها (1).
ولكنّه كما ترى ، لتقييد الفريضة في الصحيحة بالتمام ، المختص بما يصلح للانقسام إليه وإلى القصر ، فلا ينطبق على مثل المغرب والفجر غير المنقسم إليهما وغير المتصف بشيء منهما.
وأمّا إذا رتّب على نيّة الإقامة أثراً آخر غير الصلاة التامّة ممّا لا يجوز فعله للمسافر كنوافل الظهرين أو الصيام مع كون العدول بعد الزوال ، أو الشروع في الرباعية والعدول قبل أن يتمّها إمّا بعد الدخول في ركوع الثالثة بحيث لا يمكنه العدول بها إلى القصر ، أو ولو كان حال القيام إلى الثالثة ، فهل يتعدّى عن مورد النصّ إلى هذه المذكورات كلّاً أو بعضاً أو لا؟
الظاهر عدم التعدّي والاقتصار على الفراغ عن الصلاة التامّة التي هي مورد الصحيحة ، إذ لا وجه للتعميم عدا دعوى حمل الرباعية على المثالية ، وكون المراد مطلق ترتيب الأثر على الإقامة الذي أظهره الصلاة التامّة ، من غير خصوصية فيها.
ولكنّها عارية عن الشاهد وقول بلا دليل ، ومخالف جدّاً لظاهر الصحيحة من دخل الخصوصية ، من غير قرينة تدعو إلى إلغائها ، ولا سيما أنّ المذكور فيها «صلّيت» بصيغة الماضي ، الظاهر في الوقوع وتحقّق الصلاة خارجاً حال العدول الذي لا يكون إلّا بالفراغ والإتمام ، وإلّا فمع عروض العدول أثناء الصلاة لا يقال إنّه صلّى ، بل يقال : يصلّي ، وكم فرق بين التعبيرين.
وعلى الجملة : لا بدّ من الاقتصار في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مورد
1) الحدائق 11 : 417 418.
.................................................................................................
النصّ ما لم يقم على التعدّي برهان قاطع ، وهو مفقود في المقام حسبما عرفت. فلا مجال لانسحاب الحكم إلى شيء من المذكورات.
وعليه فلو عدل عن النيّة بعد ما قام إلى الثالثة فحيث إنّ الوظيفة الواقعية انقلبت إلى القصر بمقتضى تأثير العدول فلا جرم يتّصف القيام بالزيادة ، فيهدم ويرجع إلى القصر ، ولا ضير فيها بعد كونها في حكم الزيادة السهوية ، لأنّه فعلها جرياً على الاعتقاد السابق فكان معذوراً كالساهي.
وأمّا لو كان العدول بعد الدخول في ركوع الثالثة فحيث لا سبيل إلى العدول بها إلى القصر لفوات المحل ، فلا يمكن إتمامها قصراً ، كما لا يمكن تماماً لانقلاب التكليف ، فلا مناص من رفع اليد والاستئناف قصراً.
فان قلت : حينما شرع في هذه الصلاة كانت محكومة بالصحّة ، لتعلّق الأمر بالتمام واقعاً ، الكاشف عن صحّة الإقامة ، فما الذي أسقط الأمر المتعلّق بهذا الفرد المحكوم بالصحّة.
قلت : لم يتعلّق الأمر بشخص هذا الفرد ولا بغيره من سائر الأفراد صحيحة كانت أو فاسدة ، بل إنّما المأمور به هو الطبيعي الجامع القابل للانطباق على الأفراد الخارجية ، فالإتيان بفرد خارجاً وإن كان صحيحاً لا يكشف عن تعلّق الأمر به ، لعدم دخل للخصوصية بالضرورة ، وإنّما هو فرد ومصداق للطبيعة المأمور بها فيما إذا كان قابلاً لانطباقها عليه.
وعليه فلو بدا له في الأثناء ، وعدل عن نيّة الإقامة الموجب لانقلاب الوظيفة الواقعية عن التمام إلى القصر ، فبما أنّ الطبيعة المأمور بها غير قابلة للانطباق ، إذ لا يمكن الامتثال بهذا الفرد لا تماماً لفرض الانقلاب ، ولا قصراً لزيادة الركوع المانعة عن صلاحية العدول ، فلا جرم يسقط عن الفردية للوظيفة الواقعية الفعلية.
[2317] مسألة 16 : إذا صلّى رباعية بتمام بعد العزم على الإقامة لكن مع الغفلة عن إقامته ثمّ عدل فالظاهر كفايته في البقاء على التمام (1) ، وكذا لو صلّاها تماماً لشرف البقعة كمواطن التخيير ولو مع الغفلة عن الإقامة ، وإن كان الأحوط الجمع بعد العدول حينئذ ، وكذا في الصورة الأُولى.
غاية الأمر أنّ المكلّف كان يتخيّل الانطباق جرياً على النيّة السابقة المعدول عنها فانكشف الخلاف بعد تبدّل الموضوع. فلا مناص من رفع اليد والإعادة قصراً كما ذكرناه.
فتحصّل : أنّه لا بدّ من الاقتصار في البقاء على التمام وإن تردّد في نيّة الإقامة أو عدل عنها على ما إذا صلّى رباعية وفرغ عنها ، فلا يكفي الشروع وإن دخل في ركوع الثالثة ، فضلاً عمّا إذا دخل في قيامها ، وفضلاً عمّا إذا رتّب على الإقامة أثراً آخر غير صلاة الفريضة من نافلة أو صيام ، جموداً في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مورد النص.
(1) لكفاية النيّة الارتكازية الحاصلة حال الغفلة بمقتضى إطلاق الصحيح (1)فانّ موضوع الحكم الإتيان برباعية صحيحة مطابقة للأمر الواقعي الفعلي مع سبق العزم على الإقامة ونيّتها ، بحيث تكون الصحّة من آثار تلك النيّة واقعاً وإن لم يلتفت إليها تفصيلاً ، وهو حاصل في المقام ما لم يكن متردّداً أو عازماً على الخلاف حين العمل كما هو المفروض ، لاستناد الفعل حينئذ إلى تلك النيّة الباقية في صقع الارتكاز وإن كان غافلاً عنها ، كما لو صلّى جماعة فأتي بالتمام لمحض متابعة الإمام غفلة عن أنّ الوظيفة الفعلية هي ذلك ، فإنّه مشمول لإطلاق الصحيح كما عرفت.
1) المتقدم في ص 284.
[2318] مسألة 17 : لا يشترط في تحقّق الإقامة كونه مكلّفاً بالصلاة فلو نوى الإقامة وهو غير بالغ ثمّ بلغ في أثناء العشرة وجب عليه التمام في بقيّة الأيّام ، وإذا أراد التطوّع بالصلاة قبل البلوغ يصلّي تماماً ، وكذا إذا نواها وهو مجنون إذا كان ممّن يتحقّق منه القصد ، أو نواها حال الإفاقة ثمّ جنّ ثمّ أفاق ، وكذا إذا كانت حائضاً حال النيّة فإنّها تصلّي ما بقي بعد الظهر من العشرة تماماً ، بل إذا كانت حائضاً تمام العشرة يجب عليها التمام ما لم تنشئ سفراً (1).
ونحوه ما لو أتمّ لشرف البقعة كمواطن التخيير غافلاً عن نيّة الإقامة ، فإنّه أيضاً مورد لإطلاق النص ، غاية الأمر أنّه اختار التمام لتخيّله التخيير فانكشف أنّه متعيّن في حقّه واقعاً ، لكونه ناوياً للإقامة من غير رجوع عن نيّته لا بالتردّد ولا بالعزم على العدم.
وبعبارة اخرى : يعتبر في البقاء على التمام وإن رجع عن نيّته أمران : قصد الإقامة وتعقّبه بصلاة تامّة ، وكلا الأمرين متحقّق في كلتا الصورتين وإن غفل حين العمل عن النيّة أو اعتقد التخيير ، فانّ ذلك غير قادح بمقتضى الإطلاق بعد وقوع الصلاة التامة خارجاً بقصد الأمر ، ووجودِ الأمر الواقعي بالإضافة إليها وإن لم يكن عالماً به تفصيلا.
(1) لا ريب أنّ مقتضى الإطلاق في أدلّة الإقامة عدم الفرق في تحقّقها بين من كان مأموراً بالصلاة ومن كانت ساقطة عنه لحيض أو نفاس ونحوهما كعدم الفرق في المأمور بين من وجبت عليه ومن لم تجب كغير البالغ.
[2319] مسألة 18 : إذا فاتته الرباعية بعد العزم على الإقامة ثمّ عدل عنها بعد الوقت (1) فان كانت ممّا يجب قضاؤها وأتى بالقضاء تماماً ثمّ عدل
فانّ هذه الأدلّة بمثابة التخصيص في أدلّة التقصير وأنّ المقيم خارج عن موضوع دليل القصر ، بحيث لو خوطب بالصلاة فإنّما يخاطب بها تماماً بمقتضى الوظيفة الأصلية وإن كان الأمر ساقطاً فعلاً لعذر كالحيض ، أو كان ثابتاً ولكن لا على نحو الوجوب بل الاستحباب كالصبي المميّز ، بناءً على المختار من شرعية عباداته.
فلو طهرت عن الحيض وقد بقي من العشرة يوم واحد ، أو بلغ الصبي أثناء العشرة وجب التمام في الباقي ، كما يستحب له تماماً قبل البلوغ.
وكذا الحال في المجنون لو تحقّق منه القصد ، أو نوى الإقامة حال الإفاقة ثمّ جنّ ثمّ أفاق ، فإنّه يتم في الباقي وإن كان دون العشرة ، وكذا لو استمرّ الجنون أو الحيض تمام العشرة فإنّه يتم بعد ذلك ما لم ينشئ سفراً جديداً.
والحاصل : أنّ ناوي الإقامة خارج عن موضوع دليل السفر ، فمتى تمشّى منه القصد أو كان عالماً بذلك فهو محكوم بالتمام بمقتضى الوظيفة الأصلية وإن منع فعلاً عن أصل التكليف أو عن وجوبه مانع ، بمقتضى الإطلاق في أدلّة الإقامة كما عرفت.
(1) هل الرباعية المأخوذة موضوعاً للبقاء على التمام بعد قصد الإقامة خاصّة بالأدائية ، أو تعمّ القضائية أعني الفائتة بعد العزم على الإقامة كما لو لم يصلّ الظهرين مثلاً في الوقت عصياناً أو لعذر ثمّ قضاهما أو إحداهما خارج الوقت وبعد ذلك عدل عن نيّة الإقامة أو تردّد فيها ، فهل يكفي ذلك في البقاء
فالظاهر كفايته في البقاء على التمام (1)، وأمّا إن عدل قبل إتيان قضائها أيضاً فالظاهر العود إلى القصر وعدم كفاية استقرار القضاء عليه تماماً ، وإن كان الأحوط الجمع حينئذ ما دام لم يخرج ، وإن كانت ممّا لا يجب قضاؤه كما إذا فاتت لأجل الحيض أو النفاس ثمّ عدلت عن النيّة قبل إتيان صلاة تامّة رجعت إلى القصر ، فلا يكفي مضيّ وقت الصلاة في البقاء على التمام.
على التمام أو لا بدّ من الإتيان بالتمام أداءً؟
قد يقال بالاكتفاء نظراً إلى إطلاق الصحيحة (2)كما ذكره الماتن وغيره ، بل احتمل بعضهم ونسب إلى صاحب الجواهر (قدس سره) الاكتفاء وإن لم يتصدّ للقضاء ، فيجتزي بمجرّد استقرار القضاء تماماً في الذمّة بعد نيّة الإقامة وإن لم يأت بها خارجاً ، فلا أثر للعدول بعد ذلك (3).
أقول : أمّا الاحتمال المزبور ففي غاية السقوط ، لعدم كون الاستقرار بمجرّده موضوعاً للحكم في شيء من الأدلّة ، بل الموضوع في الصحيحة إنّما هي الصلاة الخارجية ، لقوله (عليه السلام) : «صلّيت بها صلاة فريضة بتمام ...» إلخ كما هو ظاهر جدّاً.
وأمّا الاكتفاء بإتيان القضاء استناداً إلى إطلاق الصحيحة ففيه منع الإطلاق
.................................................................................................
إذ المستفاد من قوله (عليه السلام) في ذيل الصحيحة : «ولم تصلّ فيها صلاة فريضة بتمام حتّى بدا لك أن لا تقيم فأنت في تلك الحال بالخيار» أنّ موضوع الحكم الإتيان بالرباعية التي لو لم يأت بها حتّى بدا له كان مخيّراً بين نيّة الإقامة والإتمام وعدم النيّة والتقصير ، وهذا كما ترى شأن الصلاة الأدائية ، ضرورة أنّ الفائتة حال العزم على الإقامة يجب قضاؤها تماماً بمقتضى قوله (عليه السلام) : اقض ما فات كما فات (1)، سواء أعدل بعد ذلك عن نيّة الإقامة أم لا ، وليس ذلك مورداً للتخيير المزبور بوجه.
وبعبارة اخرى : يستفاد من الصحيحة بوضوح أنّ موضوع الحكم بالبقاء على التمام وإن عدل الإتيان بالصلاة التامّة التي يستند إتمام الصلاة إلى نيّة الإقامة حالها ، بحيث لو كان العدول قبله لزمه التقصير ، لا إلى النيّة السابقة المتحقّقة في ظرفها ، وهذا يختص بالصلاة الأدائية بالضرورة ، وإلّا فما فاتت بعد العزم على الإقامة يجب قضاؤها تماماً ، سواء أعدل عن نيّته قبل الإتيان بالقضاء أم أثناءها أم بعدها ، أم لم يعدل أصلاً ، لتبعية القضاء للأداء في الفوت إن قصراً فقصراً وإن تماماً فكذلك ، والمفروض فواتها تماماً ، لكونه ناوياً للإقامة في الوقت وحال الفوت.
ومن المعلوم أنّ نيّة الإقامة بمجرّدها موضوع للإتمام لا الإقامة الخارجية فإنّ القصد واليقين بنفسه تمام الموضوع في هذا الحكم ، فإذا خرج الوقت ولم يصلّ فقد استقرّ التمام في ذمّته سواء قضاها في هذا المكان أم في مكان آخر ولو حال السفر.
وعلى الجملة : فتمامية هذه الصلاة لا تدور مدار نيّة الإقامة حال الصلاة ، بل
1) الوسائل 8 : 268 / أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 1 [والمذكور في الحديث : «يقضي ما فاته كما فاته»].
[2320] مسألة 19 : العدول عن الإقامة قبل الصلاة تماماً قاطع لها من حينه وليس كاشفاً عن عدم تحقّقها من الأوّل ، فلو فاتته حال العزم عليها صلاة أو صلوات أيام ثمّ عدل قبل أن يصلّي صلاة واحدة بتمام يجب عليه قضاؤها تماماً ، وكذا إذا صام يوماً أو أياماً حال العزم عليها ثمّ عدل قبل أن يصلّي صلاة واحدة بتمام فصيامه صحيح ، نعم لا يجوز له الصوم بعد العدول لأنّ المفروض انقطاع الإقامة بعده (1).
النيّة السابقة التي وجدت وانعدمت كافية في وجوب التمام وتعيّنه إلى الأبد ، من غير دخل لبقاء تلك النيّة في تماميتها ، بل يتم وإن رجع فعلاً عن قصده. وأين هذا من الصلاة المفروضة في الصحيحة الموصوفة بأنّه إن رجع قبلها صلّى قصراً وإن لم يرجع يصلّي تماماً ، التي هي شأن الصلاة الأدائية.
فلا إطلاق للصحيحة بالإضافة إلى الرباعية القضائية بوجه ، بل هي خارجة عن الموضوع ، ووجودها كالعدم في أنّه إذا رجع عن القصد يتعيّن في حقّه القصر بمقتضى مفهوم الشرطية الأُولى المصرّح به في الصحيحة ، أعني قوله (عليه السلام) : «وإن كنت حين دخلتها على نيّتك التمام ولم تصلّ فيها صلاة فريضة بتمام ...» إلخ.
(1) قد أشرنا فيما مرّ (1)أنّ التمام لدى حصول قصد الإقامة حكم واقعي لكون القصد بنفسه تمام الموضوع في هذا الحكم ، ولا يكون حدوثه منوطاً بفعل التمام خارجاً ، وإنّما هو شرط في البقاء عليه وإن عدل على ما دلّت عليه الصحيحة.
ويترتّب على ذلك أنّ العدول قبل فعل التمام قاطع للإقامة من حينه ، ولا يكون
1) في ص 271 ، 292.
[2321] مسألة 20 : لا فرق في العدول عن قصد الإقامة بين أن يعزم على عدمها أو يتردّد فيها (1) في أنّه لو كان بعد الصلاة تماماً بقي على التمام ولو كان قبله رجع إلى القصر.
[2322] مسألة 21 : إذا عزم على الإقامة فنوى الصوم ثمّ عدل بعد
كاشفاً عن عدم تحقّقها من الأوّل ، ولذا ذكرنا فيما سبق أنّه لو فاتته الفريضة في الوقت حال عزمه على الإقامة ثمّ عدل قبل أن يصلّي صلاة واحدة بتمام وجب عليه قضاؤها تماماً وإن وجب القصر فيما بعد ، لتحقّق موضوعه واقعاً آن ذاك وزواله بعدئذ.
وكذا الحال لو صام يوماً أو أياماً حال العزم ثمّ عدل قبل أن يصلّي فريضة تامة ، فإنّه يقطع الإقامة من الحين ، ونتيجته عدم جواز الصوم غداً ، لكونه مسافراً غير مقيم ، ولا يكشف عن القطع من الأوّل ، فلا يكون الصوم الصادر منه باطلاً ، بل يصحّ ، لتعلّق الأمر به واقعاً بعد تحقّق موضوعه وهو نيّة الإقامة الحاصلة حال العمل. فحال العدول في المقام حال الفسخ في العقد ، فكما أنّه يرفع العقد من حين وقوع الفسخ ولا يكشف عن البطلان من الأوّل فكذا فيما نحن فيه.
(1) للإطلاق في صحيح أبي ولاد المتقدّم (1)، فانّ صدره وإن كان ظاهراً في العازم على العدم ، إلّا أنّ إطلاق الذيل يشمل المتردّد ، حيث جعل الحكم دائراً مدار نيّة المقام عشراً وعدمها ، فانّ عدم النيّة يعمّ التردّد ونيّة العدم ، فهما سيّان في أنّه لو كان بعد الصلاة تماماً بقي على التمام ، ولو كان قبله رجع إلى القصر.
1) في ص 284.
الزّوال قبل الصلاة تماماً (1) رجع إلى القصر في صلاته ، لكن صوم ذلك اليوم صحيح ، لما عرفت من أنّ العدول قاطع من حينه لا كاشف ، فهو كمن صام ثمّ سافر بعد الزوال.
(1) أمّا إذا كان العدول بعد الغروب فلا إشكال في صحّة الصوم في ذلك اليوم ، لتعلّق الأمر به واقعاً بعد تحقّق موضوعه وهو كونه ناوياً للإقامة كما أشرنا إليه آنفاً ، وقد عرفت أنّ العدول قاطع من حينه ، لا كاشف عن الخلل من الأوّل ، نعم لا يجوز له صوم الغد ، لزوال الموضوع وارتفاعه بقاءً كما مرّ.
وأمّا إذا عدل في أثناء النهار والمفروض عدم الإتيان بفريضة تامة ، فقد يكون ذلك قبل الزوال وأُخرى بعده.
أمّا إذا كان قبل الزوال فلا ينبغي الإشكال في بطلان الصوم كما لو دخل البلد قبل الفجر ونوى الإقامة وصام ثمّ عدل قبل الزوال ، فإنّه مسافر غير مقيم ومثله لا يشرع الصوم في حقّه ، كما هو الحال في من سافر قبل الزوال. فجواز الصوم فضلاً عن وجوبه مشكل حينئذ ، بل ممنوع.
وأمّا إذا كان بعد الزوال فمن حيث الصلاة يرجع إلى القصر كما هو ظاهر بعد فرض كون العدول قبل الإتيان بصلاة تامة ، لكنّ صوم ذلك اليوم محكوم بالصحّة كما ذكره في المتن ، لما عرفت من أنّ العدول قاطع من حينه لا كاشف فكان مأموراً بالصوم واقعاً حال النيّة ، لتحقق موضوعه ، فهو بمنزلة من صام ثمّ سافر بعد الزوال ، هذا.
وظاهر عبارة المتن حيث قال : فهو كمن صام ... إلخ يشبه القياس ، حيث أجرى حكم من سافر بعد الزوال على من عدل عن نيّة الإقامة بعده ، ومن أجله أُورد عليه بعدم الدليل على انسحاب ذلك الحكم إلى المقام بعد تعدّد الموضوع.
[2323] مسألة 22 : إذا تمّت العشرة لا يحتاج في البقاء على التمام إلى
لكنّ العبارة غير خالية عن نوع من المسامحة ، وواقع المطلب شيء آخر وهو استفادة حكم المقام من نصوص ذلك الباب بالأولوية القطعية.
وتوضيحه : أنّه قد دلّت الروايات المتكاثرة كصحيحة ابن مسلم الواردة في خصوص شهر رمضان (1)، وصحيحة الحلبي المطلقة من هذه الجهة (2)وغيرهما من الصحاح : أنّ من صام ثمّ سافر بعد الزوال وجب عليه صوم ذلك اليوم ولا يفسده السفر ، وبذلك يرتكب التقييد في إطلاق قوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ ) ... إلخ (3). وأنّ السفر يمتاز عن بقية الموانع مثل الحيض ونحوه في أنّه لو كان عارضاً بعد الزوال لم يمنع عن صحّة الصوم ، وإنّما يمنع لو حصل قبل الزوال.
وعليه فاذا كان هذا شأن السفر نفسه فكان واقع السفر الخارجي المسبوق بالنيّة بطبيعة الحال غير مانع عن صحّة الصوم. أفهل يحتمل أنّ النيّة المجرّدة غير المقترنة فعلاً بالسفر الخارجي ، بل كان محض العدول عن قصد الإقامة والبناء على أن يسافر ولا يقيم ، أو التردّد فيه تمنع عن الصحّة؟ لا يكون ذلك قطعاً ، إذ لا تزيد النيّة على نفس السفر المشتمل عليها بالضرورة ، فإذا لم يكن السفر نفسه مانعاً لم تكن نيّته فضلاً عن التردّد فيه مانعة بطريق أولى. فنفس تلك النصوص تدلّ على حكم المقام بالفحوى والأولوية القطعية.
إقامة جديدة ، بل إذا تحقّقت بإتيان رباعية تامّة فكذلك (1) ، فما دام لم ينشئ سفراً جديداً يبقى على التمام.
[2324] مسألة 23 : كما أنّ الإقامة موجبة للصلاة تماماً ولوجوب أو جواز الصوم ، كذلك موجبة لاستحباب النوافل الساقطة حال السفر (2) ولوجوب الجمعة ونحو ذلك من أحكام الحاضر.
(1) لإطلاق أدلّة الإقامة في الفرض الأوّل ، وأمّا في الثاني فللتصريح في صحيح أبي ولاد بوجوب الإتمام ما لم يخرج ، المراد به الخروج السفري كما مرّ (1)فما دام لم ينشئ سفراً جديداً يبقى على التمام كما ذكره في المتن.
(2) إذ المستفاد من أدلّتها بمقتضى الانصراف أنّ السقوط من شؤون التقصير في الصلاة ، يدور مداره وجوداً وعدماً كما يكشف عنه قوله (عليه السلام) في الصحيح : يا بُنيّ إذا صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة (2).
وكذا الحال في وجوب الجمعة ، إمّا مطلقاً أو فيما بعد النداء كما هو المختار وغير ذلك من أحكام الحاضر ، فإنّها بأجمعها ظاهرة بمقتضى الانصراف المزبور في اختصاص السقوط بحال السفر ، المحكوم فيه بوجوب القصر.
فمتى ارتفع حكم القصر وانقلب إلى التمام إمّا لأجل قصد الإقامة ، أو لبقاء ثلاثين يوماً متردِّداً ، أو لكونه من سفر المعصية ونحو ذلك ممّا يوجب رفع القصر عن المسافر عادت تلك الأحكام. هذا بناءً على المختار من كون قصد الإقامة قاطعاً لحكم السفر من باب التخصيص.
[2325] مسألة 24 : إذا تحقّقت الإقامة وتمّت العشرة أو لا (1) وبدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة ولو ملفّقة فللمسألة صور :
الاولى : أن يكون عازماً على العود إلى محلّ الإقامة واستئناف إقامة عشرة أُخرى ، وحكمه وجوب التمام في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة الاولى (2) ، وكذا إذا كان عازماً على الإقامة في غير محلّ الإقامة الاولى مع عدم كون ما بينهما مسافة.
وأمّا بناءً على التخصّص وقطعه لموضوع السفر فالأمر أظهر ، لكونه حينئذ بمنزلة الحاضر المتوطّن المحكوم عليه بتلك الأحكام.
لكن القطع الموضوعي خلاف التحقيق ، ولم يرد دليل على التنزيل المزبور فيما عدا مكّة ، مع أنّه لا يمكن الالتزام به فيها أيضاً كما مرّ ذلك كلّه مستقصى (1).
(1) أي سواء تمّت العشرة أم لم تتم كما سيصرّح بهذه التسوية في أواخر المسألة ، وذلك لأنّ في حكم الإتمام ما لو صلّى رباعية بتمام كما تقدّم (2)، هذا. وقد خصّ (قدس سره) عنوان المسألة بما إذا بدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة ولو ملفّقة ، لكنّه (قدس سره) لم يلتزم بذلك في جميع صور المسألة ، بل المفروض في بعضها الخروج إلى مقدار المسافة كما ستعرف. والأمر سهل.
(2) وذلك لما تضمّنته صحيحة أبي ولاد المتقدّمة من أنّ من نوى الإقامة وصلّى رباعية تامّة فهو محكوم بوجوب التمام حتّى يخرج ، بناءً على ما عرفت من ظهور الغاية في إرادة الخروج السفري لا مطلق الخروج عن البلد ، فما دام لم
.................................................................................................
ينشئ سفراً جديداً يبقى على التمام ، وليس له التقصير وإن خرج إلى ما دون المسافة بمقتضى إطلاق الصحيحة ، هذا.
مضافاً إلى الكبرى الكلّية والضابط العام المتكرّر ذكره في غير مقام من أنّ من كان محكوماً بالتمام لا تنقلب وظيفته إلى القصر إلّا عند قصد المسافة ولو ملفّقة على ما استفدناه من صحيحة ابن مسلم (1): في كم التقصير؟ قال (عليه السلام) ثمانية فراسخ ، حسبما تقدّم بيانه سابقاً (2)، والمفروض في المقام عدم قصد المسافة فتشمله هذه الكلّية.
فعلى تقدير التشكيك في دلالة الصحيحة المتقدّمة وإجمالها من حيث إرادة الخروج السفري وعدمه تكفينا هذه الكبرى ، وهذا من غير فرق بين كون الإقامة قاطعة لموضوع السفر أو لحكمه كما هو ظاهر.
ومنه تعرف ضعف ما قد يقال بوجوب القصر في الذهاب والمقصد والإياب واختصاص التمام بمحلّ الإقامة ، نظراً إلى أنّه القدر المتيقّن من دليل رفع الإقامة لحكم السفر ، فيرجع فيما عداه إلى عمومات القصر لكلّ مسافر.
إذ فيه : أنّ الكبرى الكلّية المزبورة ، بل وصحيحة أبي ولاد المتقدّمة مخصّصة لعمومات القصر ، لدلالتها على عدم ارتفاع حكم التمام ما لم يقصد المسافة ، فهي المرجع دونها كما لعلّه ظاهر جدّاً.
ثمّ إنّه لا فرق في هذه الصورة بين عزم العود إلى محلّ الإقامة أو العزم على الإقامة في غير محلّ الإقامة الاولى مع كون الفصل بينهما دون المسافة كما ذكره في المتن ، لاتحاد مناط البحث وكونهما من واد واحد.
الثانية : أن يكون عازماً على عدم العود إلى محلّ الإقامة (1) وحكمه وجوب القصر إذا كان ما بقي من محلّ إقامته إلى مقصده مسافة ، أو كان مجموع ما بقي مع العود إلى بلده أو بلد آخر مسافة ، ولو كان ما بقي أقل من أربعة على الأقوى من كفاية التلفيق (1)ولو كان الذهاب أقل من أربعة.
(1) فان لم يكن بينه وبين المقصد مسافة بقي على التمام وإن لم يتعرّض له في المتن لما عرفت من الكبرى الكلّية ومن صحيحة أبي ولاد.
وإن كان ما بينهما مسافة وهو الذي تعرّض إليه في المتن وأشرنا إلى أنّه خروج عن مقسم هذه الصور كان حكمه القصر ، استناداً إلى عمومات التقصير لكلّ مسافر بعد فرض كونه قاصداً للمسافة الشرعية ، سواء أكانت امتدادية كما لو كان البعد المتخلّل ما بين محلّ الإقامة ومقصده ثمانية فراسخ والتعبير عن ذلك بما بقي من محلّ الإقامة كما في المتن ، باعتبار ما صدر منه من سفره قبل نيّة الإقامة كما هو واضح أم كانت تلفيقيّة كما لو كان مجموع ما بقي من محلّ الإقامة إلى المقصد بضميمة العود منه إلى بلده أو بلد آخر يقيم فيه عشرة أيام ثمانية فراسخ ، لكن بشرط عدم كون ما بقي أقل من أربعة فراسخ لما عرفت سابقاً (2)من اختصاص دليل التلفيق بذلك ، وأنّه لا يلحق بالامتداد إلّا إذا كان كلّ من الذهاب والإياب أربعة ، لقوله (عليه السلام) في الصحيح : أدنى ما يقصّر فيه الصلاة بريد في بريد (3).
وما في المتن من التوسعة وعدم رعاية هذا الشرط مبني على مسلكه من
.................................................................................................
الاكتفاء بمطلق التلفيق ولو كان الذهاب أقل من أربعة ، وقد عرفت ضعفه في محلّه.
نعم ، قد يناقش في عدّ ذلك من التلفيق فيما إذا كان الرجوع إلى غير بلده نظراً إلى أنّه من مصاديق الامتداد ونوع من أنواعه ، إذ لا يعتبر فيه أن يكون السير على نحو الخط المستقيم ، بل يشمل المنكسر أيضاً كما مرّ (1).
ولكن الصحيح كونه من التلفيق كما ذكره في المتن ، فانّ الامتداد عبارة عن الابتعاد ، بأن يسلك طريقاً كلّما يسير فيه يبتعد عن بلده أو عن محلّ إقامته وهذا هو الذي قلنا إنّه لا تعتبر فيه الاستقامة ، بل يجوز أن يكون السير فيه بنحو الخط المنكسر أو المنحني أو اللولبي وغير ذلك من الإشكال الهندسية لإطلاق الأدلّة وعدم خلوّ الأسفار الخارجية عن مثل ذلك غالباً ، سيما في الأماكن الجبلية ، إذ قلّما يوجد فيها ما يكون بنحو الخط المستقيم.
فلو كان المسير من بلده إلى مقصده على شكل القوس لكونه على ساحل البحر مثلاً وكان ثمانية فراسخ قصّر في صلاته ، وإن كان البُعد الملحوظ بين الجانبين بنحو الخط المستقيم أقل من ذلك بطبيعة الحال ، لكون المدار على السير الخارجي الابتعادي بأيّ شكل كان كما تقدّم سابقاً ، فهذا هو الامتداد.
وأمّا إذا كان السير مشتملاً على الابتعاد والاقتراب ومتضمّناً للذهاب والإياب فيبعد ثمّ يعود ويقرب كما هو المفروض في المقام ، ولا سيما إذا كان العود في نفس الخط الذي ابتعد فيه ، كما لو خرج من النجف إلى ذي الكفل ثمّ عاد منه إلى بلد آخر واقع في عرضه بحيث كان مقدار من الطريق مشتركاً فيه بين الذهاب والإياب ، فلا ينبغي التأمل في أنّ ذلك معدود من التلفيق ، وليس هو من الامتداد في شيء ، لفرض اشتماله على الابتعاد والاقتراب.
1) في ص 41.
الثالثة : أن يكون عازماً على العود إلى محلّ الإقامة من دون قصد إقامة مستأنفة (1) لكن من حيث إنّه منزل من منازله في سفره الجديد ، وحكمه وجوب القصر أيضاً (1)في الذهاب والمقصد ومحلّ الإقامة.
ومن هنا ذكرنا في المسافة الدورية (2)أنّه كلّما يبتعد عن المحلّ فهو ذهاب إلى أن يصل إلى منتهى البعد وهي النقطة الموازية للبلد ، وكلّما يأخذ في الاقتراب فهو إياب ، ويكون المجموع من مصاديق التلفيق ، ويقصّر إذا كان كلّ منهما أربعة فراسخ.
وعلى الجملة : لا يعتبر في التلفيق أن يكون العود إلى نفس المحلّ الذي خرج منه ، بل المناط الاشتمال على الذهاب والإياب والابتعاد والاقتراب وإن كان العود إلى محلّ آخر غير بلده ، وهو متحقّق في المقام حسب الفرض ، فلا مناص عن عدّه من التلفيق.
فتحصّل : أنّ ما ذكره الماتن من احتساب ذلك من مصاديق المسافة التلفيقية هو الصحيح ، غير أنّ الحكم بالقصر حينئذ مشروط بما إذا لم يكن الذهاب أقل من أربعة فراسخ ، لعدم الدليل على ما اختاره من الاكتفاء بمطلق التلفيق حسبما عرفت.
(1) لخروجه معرضاً عنه ومنشئاً لسفر جديد ، وإنّما يعود إليه لوقوعه في طريقه وكونه منزلاً من منازل سفره ، وربّما يبيت فيه ليلة أو ليلتين كسائر منازله ، كما لو خرج من النجف إلى الكوفة قاصداً كربلاء ، المستلزم للعود إليه
.................................................................................................
والمرور عنه ، لوقوعه في الطريق ، أو أنّه اختار العود وإن كان له طريق آخر.
وقد حكم (قدس سره) حينئذ بوجوب القصر أيضاً في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة ، وهذا مبني على ما سلكه (قدس سره) من ضمّ الذهاب إلى الإياب مطلقاً وإن كان أقل من أربعة فراسخ ، إذ عليه يتلبّس بالسفر إلى كربلاء مثلاً من حين خروجه من النجف ، لكن بهذا الترتيب المستلزم للعود إليه بما أنّه منزل من منازله. فهو مسافر وقاصد للمسافة الشرعية التلفيقية من لدن خروجه عن محلّ الإقامة ، الموجب لانقطاع الحكم بالتمام الثابت آن ذاك لكونه مغيا بعدم الخروج السفري بمقتضى صحيحة أبي ولاد (1)، وقد حصلت الغاية فوجب القصر مطلقاً.
ولكن بناءً على ما عرفت (2)من عدم الاكتفاء بمطلق التلفيق ، وأنّ الذهاب المتعقّب بالإياب لا يعدّ من المسافة الشرعية إلّا إذا كان أربعة فراسخ ، المفقود في مفروض المسألة ، فذهابه هذا يلغى ولا يحسب جزءاً من السفر وإن خرج معرضاً عن المحلّ. فلا مناص من الإتمام فيه.
وبعبارة اخرى : محقّق السفر الشرعي ثمانية فراسخ هو الابتعاد بهذا المقدار ، المنطبق على الامتداد بحسب ظاهر الدليل ، فكفاية الابتعاد المتعقّب بالرجوع المعبّر عنه بالتلفيق يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل إلّا في صورة خاصّة وهو ما إذا كان الذهاب أربعة ، فالأقل من ذلك لا يعدّ جزءاً من السفر في نظر الشرع وإن قصده المسافر وخرج عن محلّ إقامته معرضاً وعازماً على السفر. فلا مناص فيه من الإتمام كما عرفت. وكذا الحال في المقصد ، إذ ما دام فيه لم يكن شارعاً في السفر ، لتقوّمه بالمشي والسير الخارجي ، وعدم كفاية القصد
.................................................................................................
والنيّة المجرّدة.
وأمّا في الإياب ومحلّ الإقامة فهل الحكم هو التمام أيضاً أو القصر؟ قد يقال بالأوّل ، نظراً إلى أنّ المستفاد من صحيحة أبي ولاد أنّ المقيم في بلد محكوم بالتمام حتّى يخرج من البلد ، فلا ينقلب الحكم إلى القصر إلّا إذا تحقّق الخروج والسفر من نفس البلد ، والإياب وإن كان سفراً إلّا أنّه سفر من المقصد كالكوفة في المثال ، لا من بلد الإقامة ، فلا يقصّر فيه ، لانحصار موجب التقصير بسفر خاص ، وهو الذي يكون مبدؤه البلد نفسه على ما هو ظاهر قوله (عليه السلام) : «حتّى تخرج» أي تخرج من محلّ الإقامة. إذن يتم في الإياب وفي محلّ الإقامة إلى أن يخرج منه ، ومتى خرج عنه ينقلب الحكم حينئذ إلى القصر.
وعليه فيجب التمام في جميع الحالات من الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة ، أمّا في الأولين فلمّا مرّ ، وأمّا في الأخيرين فلهذه النكتة.
ولكنّه كما ترى ، لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، إذ لا دلالة في الصحيحة على اختصاص الغاية بالسفر الذي يكون مبدؤه محلّ الإقامة ، بل ظاهر قوله (عليه السلام) : «حتّى تخرج» هو التلبّس بالخروج السفري ولو كان ابتداؤه من مكان آخر ، وإلّا فلو فرضنا أنّه خرج عن محلّ الإقامة كالنجف مثلاً إلى الكوفة لا بقصد السفر ، بل لغاية من الغايات كزيارة مسلم (عليه السلام) بانياً على الرجوع ، ثمّ بدا له السفر من الكوفة إلى الحلّة ، أفهل يمكن القول بعدم التقصير لأنّه ليس سفراً من محلّ الإقامة؟ لا يحتمل ذلك جزماً ، فيكشف ذلك عن أنّ الغاية مطلق الخروج السفري ، أي حتّى ينشئ سفراً جديداً ، سواء أكان من محلّ الإقامة أم من غيره.
ومع التنزل وتسليم أنّ الصحيحة مجملة من هذه الجهة فتكفينا إطلاقات القصر في السفر ، خرج عنها ناوي الإقامة ، وأمّا غيره فيبقى تحت الإطلاق
الرابعة : أن يكون عازماً على العود إليه من حيث إنّه محلّ إقامته (1) بأن لا يكون حين الخروج معرضاً عنه بل أراد قضاء حاجة في خارجه والعود إليه ثمّ إنشاء السفر منه ولو بعد يومين أو يوم بل أو أقل ، والأقوى في هذه الصورة البقاء على التمام في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة ما لم ينشئ سفراً ، وإن كان الأحوط الجمع في الجميع خصوصاً في الإياب ومحلّ الإقامة.
وبما أنّ الخارج من الكوفة بقصد السفر إلى الحلّة أو إلى كربلاء من طريق النجف المستلزم للعود إلى محلّ الإقامة شارع في السفر فهو محكوم بالقصر لا محالة بمقتضى الإطلاقات السليمة عمّا يصلح للتقييد.
فتحصّل : أنّ الأظهر هو التفصيل في هذه الصورة بين الذهاب والمقصد فيتم كما مرّ وجهه ، وبين الإياب ومحلّ الإقامة فيجب القصر.
(1) فلم يخرج معرضاً ، بل لقضاء حاجة وبعده يعود ويبقى يوماً أو يومين بحيث يكون هذا البقاء متمّماً للإقامة السابقة وجزءاً منها ، ثمّ بعد ذلك ينشئ السفر منه. ولا ريب حينئذ في البقاء على التمام في الذهاب والإياب والمقصد ومحلّ الإقامة كما أفاده في المتن ما لم ينشئ سفراً جديداً ، لأنّه وإن كان بانياً على السفر إلّا أنّه بانٍ عليه بعد العود إلى محلّ الإقامة لا من هذا الحين ، فلا يكون خروجه هذا خروجاً سفرياً ، فلو خرج وإن بات ليلة أو ليلتين ثمّ رجع يقال بحسب الصدق العرفي إنّه رجع إلى محلّ الإقامة لاستكمال إقامته ، وإنّما ينشئ السفر بعد ذلك. فلا مناص من الإتمام في جميع تلك الحالات ، إذ لا قصر إلّا مع قصد السفر فعلاً ، المنفي حسب الفرض.
الخامسة : أن يكون عازماً على العود إلى محلّ الإقامة لكن مع التردّد في الإقامة بعد العود وعدمها (1) وحكمه أيضاً وجوب التمام ، والأحوط الجمع كالصورة الرابعة.
السادسة : أن يكون عازماً على العود مع الذهول عن الإقامة وعدمها (2) وحكمه أيضاً وجوب التمام ، والأحوط الجمع كالسابقة.
السابعة : أن يكون متردّداً في العود وعدمه (1)أو ذاهلاً عنه (3) ، ولا يترك الاحتياط بالجمع فيه في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة إذا عاد إليه إلى أن يعزم على الإقامة أو ينشئ السفر.
(1) فيخرج فعلاً لا بعنوان السفر بل متردّداً ، فلا يدري أنّه يرجع فيقيم أو أنّه ينشئ السفر من المقصد ، وإنّما يرجع لكونه منزلاً من منازل سفره. وحكمه أيضاً هو التمام في جميع تلك الحالات ، لعدم كونه مع هذا الترديد قاصداً فعلاً لسفر جديد الذي هو المناط الوحيد في انقلاب الحكم إلى القصر ، نعم لو اتّفق أنّه رجع قاصداً للسفر قصّر كما هو واضح.
(2) فهي عين الصورة السابقة ولكن مع الغفلة والذهول عن الإقامة وعدمها بدلاً عن الترديد ، فلم يلتفت إلى أنّه يرجع ويقيم أو لا يقيم. والكلام هو الكلام المتقدّم ، فانّ القصر يحتاج إلى قصد السفر ، والغافل لم ينشئ سفراً جديداً. فلا فرق بين الملتفت المتردّد وبين الغافل من هذه الجهة.
(3) وبهذا تمتاز هذه الصورة عن الصور المتقدّمة ، حيث إنّه كان عازماً فيها
1) (*) إذا كان تردّده أو غفلته تردّداً في السفر أو غفلة عنه فالظاهر وجوب التمام عليه في جميع المواضع الأربعة.
ولا فرق في الصور التي قلنا فيها بوجوب التمام بين أن يرجع إلى محلّ الإقامة في يومه أو ليلته أو بعد أيام ، هذا كلّه إذا بدا له الخروج إلى ما دون المسافة بعد العشرة أو في أثنائها بعد تحقّق الإقامة ، وأمّا إذا كان من عزمه الخروج في حال نيّة الإقامة (1)فقد مرّ أنّه إن كان من قصده الخروج والعود عمّا قريب وفي ذلك اليوم من غير أن يبيت خارجاً عن محلّ الإقامة فلا يضرّ بقصد إقامته ويتحقّق معه ، فيكون حاله بعد ذلك حال من بدا له ، وأمّا إن كان من قصده الخروج إلى ما دون المسافة في ابتداء نيّته مع البيتوتة هناك ليلة أو أزيد فيشكل معه تحقّق الإقامة ، والأحوط الجمع من الأوّل إلى الآخر إلّا إذا نوى الإقامة بدون القصد المذكور جديداً أو يخرج مسافراً.
على العود إمّا لأنّه محلّ إقامته أو أنّه منزل من منازله ، أو مع الترديد في الإقامة أو الذهول عنها ، أو كان عازماً على عدم العود كما في الصورة الثانية ، وأمّا هنا فهو متردّد في أصل العود وعدمه ، ومن الجائز أنّه يسافر من مقصده ولا يرجع أو أنّه غافل عن ذلك.
وقد توقّف الماتن (قدس سره) عن الفتوى في هذه الصورة ، واحتاط بالجمع في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة إذا عاد إليه إلى أن يعزم على الإقامة أو ينشئ السفر.
ولم يظهر وجه توقّفه (قدس سره) بل اللّازم هو الحكم بالتمام في جميع المواضع الأربعة كما في الصور الثلاث المتقدّمة ، لوحدة المناط ، إذ لو كان متردِّداً في العود
1) (*) قد مرّ حكم ذلك [في المسألة 2309] ، وفي حكمه عزمه على الخروج بعد نيّة الإقامة وقبل الإتيان بصلاة أربع ركعات.
.................................................................................................
وعدمه أو غافلاً فمرجعه إلى التردّد في السفر أو غفلته عنه ، ومعنى ذلك أنّه لم ينشئ فعلاً سفراً جديداً ، فلم يخرج عن البلد قاصداً للسفر ومعرضاً عن المحلّ ومعلوم أنّ مَن هذا شأنه وظيفته التمام ، لإناطة القصر بقصد السفر الفعلي ، المنفي حسب الفرض ، كما في الصور المتقدّمة.
وعلى الجملة : لم يظهر وجه للتفكيك بين هذه الصورة وبين ما لو كان عازماً على العود مع التردّد في الإقامة أو الغفلة عنها ، الذي حكم (قدس سره) فيه بالتمام ، مع أنّ الملاك هو الملاك بعينه ، فانّ الملاك الجامع بين هذه الصور والضابط العام هو أنّ من كان مقيماً في محلّ وتحقّقت منه الإقامة ولو بالإتيان برباعية تامّة فحكمه الإتمام إلى أن يسافر سفراً جديداً بشرائطه من قصد المسافة واستمرار القصد ونحو ذلك ، فما لم يتحقّق ذلك يبقى على التمام ، وهذا الملاك كما ترى منطبق على هذه الصورة كالصور المتقدّمة الثلاث من غير فرق بينها بوجه. نعم ، الاحتياط في موارد الاختلاف حسن جدّاً ، إلّا أنّ الفتوى هو ما ذكرناه.
ثمّ إنّ جميع ما ذكرناه من الصور إنّما هو فيما إذا بدا له الخروج إلى ما دون المسافة إمّا بعد العشرة أو في أثنائها بعد تحقّق الإقامة برباعية تامّة ، من غير فرق بين ما لو رجع إلى محلّ الإقامة ليومه أو ليلته أو بعد أيام.
وأمّا إذا كان عازماً على الخروج حال نيّة الإقامة من أوّل الأمر فقد مرّ حكمه سابقاً(1)، وعرفت أنّه إن كان الخروج في زمن يسير كساعتين أو ثلاث ساعات بحيث لا يضرّ عرفاً بصدق الإقامة في مكان واحد لم يكن به بأس.
وأمّا إذا كان بمقدار يقدح في الصدق المزبور كما لو خرج طول النهار فضلاً عن مبيت الليل أيضاً ، أو كان في زمان يشكّ معه في الصدق كما لو خرج بمقدار خمس ساعات أو ست ، كان المرجع حينئذ عموم أدلّة القصر ، للزوم الاقتصار
1) في ص 271 272.
[2326] مسألة 25 : إذا بدا للمقيم السفر ثمّ بدا له العود إلى محلِّ الإقامة والبقاء عشرة أيام (1) ، فإن كان ذلك بعد بلوغ أربعة فراسخ قصّر في الذهاب والمقصد والعود ، وإن كان قبله فيقصِّر حال الخروج بعد التجاوز عن حدِّ الترخّص إلى حال العزم على العود ويتم عند العزم عليه ، ولا يجب عليه قضاء ما صلّى (1)قصراً ، وأما إذا بدا له العود بدون إقامة جديدة بقي على القصر حتّى في محلّ الإقامة (2)لأنّ المفروض الإعراض عنه ، وكذا لو ردّته الرِّيح أو رجع لقضاء حاجة
في الشبهة المفهومية للمخصّص المجمل الدائر بين الأقل والأكثر على المقدار المتيقّن الذي يحرز معه صدق الإقامة عشرة أيام في مكان واحد غير القادح فيه خروج الساعات اليسيرة كما عرفت ، وأمّا فيما شكّ معه في الصدق فضلاً عما إذا أحرز العدم فالمرجع عمومات التقصير كما تقدّم.
(1) قد يفرض حصول البداء بعد بلوغ أربعة فراسخ ، وأُخرى قبل ذلك.
أمّا في الأوّل : فلا إشكال في القصر في الذهاب ومحلّ البداء والإياب ومحلّ الإقامة ما لم يقصد فيه إقامة مستأنفة ، لزوال الإقامة الاولى بحدوث سفر جديد متحصّل من المسافة التلفيقية ، ضرورة أنّ الإتمام للمقيم كان مغيا بمقتضى صحيحة أبي ولاد (3)بعدم الخروج السفري ، وقد تحقّق ، بعد كونه أعمّ من
1) (*) فيه إشكال والاحتياط لا يترك.
2) (**) هذا إذا كان رجوعه إليه من حيث إنّه أحد منازله في سفره ، وأمّا في غيره كمن قصد المقام في النجف ثمّ خرج إلى الكوفة قاصداً للمسافة فبدا له ورجع للزيارة ناوياً للعود إلى سفره من طريق الكوفة ، فالبقاء على القصر فيه مشكل ، فلا يترك الاحتياط بالجمع.
3) المتقدمة في ص 284.
.................................................................................................
التلفيق ، فلا بدّ من التقصير في جميع تلك المواضع حتّى في محلّ الإقامة إلّا إذا أقام فيه عشرة أُخرى ، وهذا ظاهر.
وأمّا في الثاني : فلم يتحقّق منه السفر الشرعي ، وحينئذ إن كان عازماً على إقامة عشرة أُخرى في محلّ الإقامة فبما أنّه لم يتخلّل السفر الموجب للقصر بين الإقامتين أتمّ في محلّ البداء وفي الإياب.
وهل يعيد ما صلاه قصراً في ذهابه المستند إلى عزم السفر آن ذاك؟ فيه كلام قد تقدّم في من خرج للسفر ثمّ رجع قبل أن يبلغ الأربعة وقد صلّى قصراً وعرفت أنّ مقتضى القاعدة حينئذ هو الإعادة ، لأنّ العزم على السفر مع التلبّس به خارجاً وإن كان مسوغاً للتقصير لكنّه مشروط في صقع الواقع ببلوغ السير حدّ المسافة الشرعية ، فما لم يتعقّب بهذا المقدار لم يتحقّق موضوع القصر وإن اعتقد هو تحقّقه لبنائه على الاسترسال في السير ، فإنّه حكم اعتقادي مضروب في مرحلة الظاهر مغيا بطبيعة الحال بعدم انكشاف الخلاف ، فمع الكشف تجب الإعادة رعاية للوظيفة الواقعية.
إلّا أنّ صحيحة زرارة تضمّنت نفي الإعادة على خلاف القاعدة ، فلو كنّا نحن وهذه الصحيحة لأخذنا بمقتضاها ، ولكنّها معارضة في موردها بصحيحة أبي ولاد المثبتة لها ، إذن يرجع إلى ما تقتضيه القاعدة السليمة عمّا يصلح للتخصيص. ومن ثمّ تقدّم (1)أنّ الأحوط إن لم يكن أقوى وجوب الإعادة ، وأمّا إذا لم يكن عازماً على إقامة جديدة فقد اختار في المتن لزوم البقاء على القصر حتّى في محلّ الإقامة ، نظراً إلى أنّه بخروجه وإعراضه قد ارتفع حكم الإقامة السابقة ، فيحتاج ضمّ الإقامة الثانية التي هي دون العشرة إلى دليل يتكفّل الالتحاق والانضمام ، وحيث لا دليل وهو مسافر بالفعل وجداناً كان
1) في المسألة الرابعة والعشرين من صدر المبحث [في ص 83 وما بعدها].
.................................................................................................
المرجع عمومات القصر لكلّ مسافر.
وبعبارة اخرى : هذا مسافر حكم عليه بالتمام حينما كان في محلّ الإقامة وما دام كونه مقيماً فيه ، وقد زال هذا الحكم بخروجه وسفره وإعراضه ، فيحتاج استعادة الحكم بعد العود إلى هذا الموضع غيرَ قاصدٍ لإقامة مستأنفة إلى الدليل فانّ هذه الإقامة في نفسها لا أثر لها بعد فرض كونها دون العشرة ، ولا دليل على ضمّها إلى السابقة بعد الانفصال بينهما بالإعراض. فعمومات القصر هي المحكّمة ، ومقتضاها القصر في محلّ البداء وفي الإياب وفي محلّ الإقامة.
ولكنّه غير سديد ، ولا يمكن المساعدة عليه بوجه ، إذ لم يدلّ دليل على أنّ الإعراض مسقط للإقامة ورافع لحكمها ، بل مقتضى إطلاق دليل المخصّص أعني صحيحة أبي ولاد الدالّة على أنّه يتم حتّى يخرج أنّه ما لم يتحقّق الخروج يبقى على التمام ، سواء أعرض أم لم يعرض. وقد عرفت أنّ المراد به الخروج السفري لا مطلق الخروج ، فالغاية هو السفر لا الإعراض ، إذ المحكّم إطلاق دليل المخصّص لا عموم العام.
ومن الواضح : أنّ المراد بالسفر المجعول غاية للحكم بالتمام هو واقع السفر لا خياله واعتقاده ، ولم يتحقّق في المقام حسب الفرض ، وإنّما هو خيال محض وخيال السفر لا أثر له ، وقد عرفت أنّ الحكم بالقصر لدى الخروج بقصد السفر كان حكماً ظاهرياً مراعى بعدم انكشاف الخلاف ، ومع كشفه يتبيّن أنّه حكم اعتقادي لا واقعي ، لعدم كونه من المسافر في شيء بعد حصول البداء وعدم قطع المسافة الشرعية ، ومعه كيف يمكن الرجوع إلى عمومات القصر بل المرجع إطلاق دليل المخصّص ، المقتضي للبقاء على التمام ما لم يتحقّق السفر الجديد ، المنفي في المقام كما عرفت.
فتحصّل : أنّ الأظهر إلحاق هذه الإقامة بالإقامة السابقة ، فيبقى على التمام في محلّ الإقامة وفي الإياب وفي موضع البداء. وقد تقدّم حكم تقصيره في الذهاب.
كما مرّ سابقاً (1).
[2327] مسألة 26 : لو دخل في الصلاة بنيّة القصر ثمّ بدا له الإقامة في أثنائها أتمّها وأجزأت (2) ، ولو نوى الإقامة ودخل في الصلاة بنيّة التمام فبدا له السفر ، فان كان قبل الدخول في الركعة الثالثة أتمّها قصراً واجتزأ بها
نعم ، لو فرضنا أنّ العود إلى محلّ الإقامة كان بعنوان الاستطراق وبما أنّه منزل من منازل سفره من غير عدول عن أصل السفر اتّجه الحكم بالقصر حينئذ في جميع تلك المواضع ، ووجهه ظاهر.
ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرناه بين ما إذا كان العود إلى محلّ الإقامة لحصول البداء أو لأجل أنّ الريح ردّته ، أو رجع لقضاء حاجة كما نبّه عليه في المتن ، وهو واضح ، فانّ الكلّ من باب واحد.
(1) لم يسبق منه (قدس سره) التعرّض لحكم هذه المسألة أعني العود إلى محلّ الإقامة. نعم ، تقدّم في المسألة التاسعة والستّين من الفصل الأوّل (1)حكم العود إلى ما دون حدّ الترخّص إمّا لاعوجاج الطريق أو لغير ذلك ، لا إلى البلد نفسه. وعرفت ثمّة أنّ الأظهر هو التفصيل بين الوطن ومحلّ الإقامة ، فيعود إلى التمام في الأوّل دون الثاني.
وكيف ما كان ، فلم يمر سابقاً حكم العود إلى محلّ الإقامة نفسه ، الذي هو محلّ الكلام في المقام ، وكأنّ مراده (قدس سره) أنّه تقدّم نظير المقام لا عينه فلاحظ.
(2) فانّ وظيفة القصر قد انقلبت إلى التمام بتبدّل الموضوع ، ولا موجب
1) في ص 226.
وإن كان بعده بطلت ورجع إلى القصر (1)ما دام لم يخرج (2)، وإن كان الأحوط إتمامها تماماً وإعادتها قصراً والجمع بين القصر والإتمام ما لم يسافر كما مرّ.
لرفع اليد عما بيده بعد إمكان تتميمه مطابقاً للوظيفة الفعلية ، فإنّ القصر والتمام كيفيّتان وخصوصيّتان لعمل واحد ، فالواجب شيء واحد وهو طبيعي صلاة الظهر مثلاً ، غاية الأمر أنّ المصلّي لدى الانتهاء من الركعة الثانية يلاحظ حالته الفعلية فإن كان مسافراً قصّر وسلم ، وإلّا ألحق بهما الركعتين الأخيرتين.
ولا يلزم أن يكون هذا معلوماً من الأوّل ، لعدم الدليل عليه بعد تحقّق الطبيعي المأمور به على وجهه على التقديرين كما هو ظاهر.
ونحوه الحال في عكس المسألة ، أعني ما لو كان ناوياً للإقامة فدخل في الصلاة بنيّة التمام ثمّ بدا له السفر أو تردّد فيه ، فانّ الوظيفة تنقلب حينئذ إلى القصر على ما مرّ (3)من أنّ عدم الانقلاب والبقاء على التمام وإن عدل مشروط بالفراغ عن الصلاة التامة ، المفقود في مفروض الكلام.
وعليه فان كان العدول قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة أتمّها قصراً واجتزأ بها ، غايته هدم القيام الزائد لو كان ذلك حال القيام إلى الثالثة ، ولا بأس به بعد أن لم يكن عامداً في الزيادة كما مرّ سابقاً ، وإن كان بعد الدخول في الركوع فحيث إنّ هذه الصلاة لا تقبل العلاج فلا مناص من رفع اليد والاستئناف قصرا.
ثمّ إنّ جملة (ما دام لم يخرج) المذكورة في المتن من سهو القلم أو غلط النسّاخ
[2328] مسألة 27 : لا فرق في إيجاب الإقامة لقطع حكم السفر وإتمام الصلاة بين أن تكون محلّلة أو محرّمة (1) كما إذا قصد الإقامة لغاية محرّمة من قتل مؤمن أو سرقة ماله ، أو نحو ذلك كما إذا نهاه عنها والده أو سيّده أو لم يرض بها زوجها.
[2329] مسألة 28 : إذا كان عليه صوم واجب معيّن غير رمضان كالنذر أو الاستئجار أو نحوهما وجب عليه الإقامة (1)مع الإمكان (2).
كما نبّه عليه (دام ظلّه) في تعليقته الأنيقة وإن لم يتعرّض له في الدرس ، ووجهه ظاهر فلاحظ.
(1) لإطلاق الأدلّة ، فإنّ التقييد بالمحلّل إنّما ورد في السفر المحكوم بالقصر كما مرّ (2)، وأمّا الإقامة القاطعة لحكم السفر فلم يرد فيها مثل هذا التقييد ، والمرجع الإطلاق.
على أنّ الفارق موجود ، فانّ القصر مبنيّ على التخفيف ، غير المناسب لمرتكب الحرام ، بخلاف الإتمام فإنّه لو ثبت في حقّ المقيم حلالاً ففي المقيم حراماً بطريق أولى ، فإنّ الحرمة لو لم تكن مقتضية للتشديد فلا ريب أنّها لا تقتضي التخفيف. وكيف ما كان ، فحكم المسألة ظاهر ، وإنّما هو مجرّد تنبيه من الماتن ونعم التنبيه.
(2) فصّل (قدس سره) بين الصوم الواجب المعيّن من رمضان ، وبين غيره ممّا وجب لنذر أو استئجار أو شرط في ضمن عقد ونحو ذلك في أنّه لو صادف السفر وجب قصد الإقامة في الثاني دون الأوّل ، نظراً إلى أنّ الحضور شرط
.................................................................................................
للوجوب في رمضان على ما يقتضيه ظاهر قوله تعالى ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (1)وغيره من النصوص (2)، وإن وجب القضاء بنصّ خاص ، ولا تنافي بين الأمرين كما لا يخفى. ومن المعلوم عدم لزوم التصدِّي لتحصيل شرط الوجوب.
وأمّا في النذر ونحوه فالوجوب مطلق إلّا إذا قيّده الناذر بالحضور ، فانّ النذور تتبع القصود من حيث الإطلاق والتقييد والسعة والضيق ، لعدم كون الوجوب في موردها حقاً إلهياً ابتدائياً ، بل هو تابع لكيفية قصد الناذر.
فإذا كان مطلقاً من حيث الحضر والسفر ، أي نذر طبيعي الصوم في اليوم المعيّن لا مشروطاً بكونه حاضراً كما هو المفروض في محلّ الكلام كان الوجوب أيضاً مطلقاً لا محالة ، غاية الأمر أنّ الواجب مقيّد بالحضر ، باعتبار ما دلّ على عدم صحّة الصوم في السفر ، فهو شرط لوجود الواجب وصحّته لا لوجوبه ، ولأجل ذلك وجبت عليه الإقامة لو صادف السفر ، تحقيقاً لشرط الواجب اللازم تحصيله بحكم العقل بعد فرض إطلاق الوجوب.
وعلى الجملة : بما أنّ النذر وشبهه قد تعلّق بمطلق الصوم غير مشروط بالحضر وهو اختياري ، فلا جرم يجب الوفاء به مطلقاً ، وحيث إنّ صحّته متوقّفة على الإقامة وهي مقدورة فلا مناص من قصدها ، لوجوب تحصيل المقدمة ولو عقلاً ، تحقيقاً لامتثال الواجب الفعلي على وجهه.
وهذا الذي ذكره (قدس سره) هو مقتضى القاعدة الأوّلية حسبما بيّناه ، الّا أنّ هناك روايات خاصّة دلّت على عدم وجوب الإقامة حتّى في النذر ، بل جواز السفر اختياراً كما في رمضان ، ويقضي المنذور بعد ذلك ، ومرجعها إلى
.................................................................................................
التخصيص في دليل وجوب الوفاء بالنذر ، وبذلك نرفع اليد عن مقتضى القاعدة.
وهذه الروايات قد عقد لها صاحب الوسائل باباً في كتاب الصوم ، وهو الباب العاشر من أبواب من يصحّ منه الصوم ، وذكر جملة منها فيه كرواية عبد اللّه بن جندب : «عن رجل جعل على نفسه نذر صوم يصوم فمضى فيه فحضرته نيّة في زيارة أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : يخرج ولا يصوم في الطريق فإذا رجع قضى ذلك» (1).
وأغلب ما ذكر في هذا الباب وإن كانت معتبرة عندنا إلّا أنّ العمدة في المقام روايتان أوردهما في كتاب النذر.
إحداهما : صحيحة علي بن مهزيار قال : «كتبت إليه يعني إلى أبي الحسن - (عليه السلام) : يا سيِّدي رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيام التشريق ، أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه ، وكيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب إليه : قد وضع اللّه عنه الصيام في هذه الأيام كلّها ، ويصوم يوماً بدل يوم إن شاء اللّه ...» إلخ (2). دلّت بوضوح على عدم وجوب الإقامة ، بل جواز إحداث السفر ابتداءً فإذا جاز حدوثاً جاز بقاءً بطريق أولى. فلا يجب الوفاء بالنذر في هذه الصورة.
ثانيتهما : التي هي أوضح دلالة صحيحة زرارة قال : «إنّ أُمّي كانت جعلت عليها نذراً نذرت لله في بعض ولدها في شيء كانت تخافه عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه عليها ، فخرجت معنا إلى مكّة فأشكل علينا صيامها في السفر ، فلم ندر تصوم أو تفطر ، فسألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ذلك؟ فقال : لا تصوم في السفر ، إنّ اللّه قد وضع عنها حقّه في السفر وتصوم هي ما جعلت
.................................................................................................
على نفسها ...» إلخ (1).
دلّت على أنّ حقّ اللّه موضوع في السفر ، فكيف بالحقّ الذي جعلته هي على نفسها لأجل النذر ، فإنّه أولى بالوضع والسقوط. فيستفاد منها أنّ الصوم المجعول من قبل الشخص نفسه بنذر وشبهه من عهد أو يمين وإن كان مورد النصّ هو الأوّل مشروط وجوبه بالحضر ، فتجوز المسافرة ولا تجب الإقامة كما في صوم رمضان المجعول من قبل اللّه تعالى ابتداءً ، من غير فرق بينهما. فلا يجب الوفاء بما أوجبه على نفسه في خصوص هذا المورد ، بل يسافر ويقضي كما في صحيح ابن مهزيار.
وهل يلحق بالنذر وشبهه ممّا أوجبه على نفسه الصوم الذي هو متعلّق لحقّ الغير ومملوك له كما في الاستئجار والشرط في ضمن العقد ونحوهما؟ الظاهر عدم الإلحاق ، لعدم الدليل على التعدّي عن مورد النصّ إلى ما كان متضمّناً لحقّ الغير ، بحيث يرتكب التخصيص في دليل وجوب تسليم الملك إلى صاحبه أعني الصوم المعيّن الذي ملكه المستأجر على ذمة الأجير.
كما لا وجه للالتزام ببطلان الإجارة بعد وقوعها صحيحة جامعة للشرائط فإنّ كلّ ذلك ممّا لا يمكن المصير إليه ، لما عرفت من اختصاص مورد النصّ الموجب لرفع اليد عن مقتضى القواعد الأوّلية بالنذر ، وألحقنا به ما يشاركه في كونه ممّا أوجبه على نفسه خالياً عن تعلّق حقّ الغير كالعهد واليمين ، وأمّا ما كان مشتملاً على حقّ الناس كالإيجار ونحوه فهو غير مشمول لهذه النصوص بوجه ، بل يكون باقياً تحت الإطلاق بعد سلامته عما يصلح للتقييد.
وعليه فلا يجوز السفر للأجير ونحوه ، ولو كان مسافراً وجبت عليه الإقامة مقدّمة لتسليم المال إلى صاحبه.
1) الوسائل 23 : 313 / أبواب النذر والعهد ب 13 ح 2.
[2330] مسألة 29 : إذا بقي من الوقت أربع ركعات وعليه الظهران ففي جواز الإقامة إذا كان مسافراً ، وعدمه من حيث استلزامه تفويت الظهر وصيرورتها قضاءً إشكال ، فالأحوط عدم نيّة الإقامة مع عدم الضرورة (1)نعم لو كان حاضراً وكان الحال كذلك لا يجب عليه السفر لإدراك الصلاتين في الوقت (1).
فما يظهر من ثلّة من الأكابر من التسوية بين النذر والإجارة ثبوتاً وسقوطاً لا يمكن المساعدة عليه ، بل الظاهر هو التفصيل ، فيسقط الوجوب في الأوّل ويقضيه ، ولا يسقط في الثاني حسبما عرفت.
(1) تنحلّ المسألة إلى فرعين :
أحدهما : ما لو كان حاضراً وعليه الظهران ولم يبق من الوقت إلّا مقدار أربع ركعات ، فهل يجب عليه السفر لإدراك الصلاتين معاً في الوقت لو أمكن ذلك ، كما لو كانت الطائرة على وشك الطيران ، أو كان قريباً من حدّ الترخّص جدّاً بحيث يحتاج إلى المشي أقداماً يسيرة يستوعب من الوقت ثواني قليلة ، أو لا يجب ذلك بل يصرف الوقت في صلاة العصر تامّة حسب الوظيفة الفعلية ويقضي الظهر خارج الوقت؟
ثانيهما : عكس ذلك ، أعني ما لو كان مسافراً وكان الحال كذلك ، بحيث يمكنه فعلاً إدراك الصلاتين في الوقت فهل يجوز له قصد الإقامة من غير ضرورة أو لا يجوز نظراً إلى استلزامه تفويت الظهر وصيرورتها قضاءً؟ ومحل الكلام إنّما هو في الجواز التكليفي وأنّ هذا القصد هل هو سائغ أو حرام ، وإلّا فلا
1) (*) بل الأظهر ذلك.
.................................................................................................
إشكال في تأثيره في الإتمام وإن ارتكب الحرام ، لعدم الفرق في ذلك بين الإقامة المحلّلة والمحرّمة كما تقدّم (1)هذا. وقد جزم في المتن بعدم الوجوب في الفرع الأوّل ، واستشكل في الجواز في الفرع الثاني وذكر أنّ الأحوط عدم نيّة الإقامة مع عدم الضرورة.
أقول : أمّا في الفرع الأوّل : فلا إشكال في عدم الوجوب ، ضرورة عدم لزوم تبديل الموضوع والتصدّي لإحداث تكليف جديد ، بل اللّازم بحكم العقل امتثال التكليف الفعلي فارغاً عن صدوره من المولى ، لا جعل المكلّف نفسه مورداً لتعلّق الخطاب ومشمولاً للتكليف بقلب الموضوع وتبديله بموضوع آخر.
وعليه فما كان واجباً عليه وهو الظهر تامّة لم يتمكّن من امتثاله لفرض ضيق الوقت ، وما يمكن وهو الظهر قصراً لم يكن واجباً عليه فعلاً ، ولا دليل على التصدّي لإحداثه كما عرفت ، وهذا ظاهر.
وأمّا في الفرع الثاني : فالظاهر أنّه لا ينبغي الاستشكال في عدم الجواز ، ولا وجه لتوقّف الماتن عن الفتوى ، لفعلية الأمر بالظهرين قصراً بفعلية موضوعه وهو السفر ، وتحقّق التكليف وتنجّزه والتمكّن من الامتثال ، ومعه كيف يسوغ له تفويت الغرض الملزم بإعدام الموضوع وإفنائه ، وهل هذا إلّا من التعجيز الاختياري عن امتثال التكليف الفعلي ، الذي لا ريب في قبحه بحكم العقل.
وعلى الجملة : كم فرق بين التصدِّي لإحداث التكليف بإيجاد الموضوع الذي هو مورد الفرع الأوّل ، وبين التصدّي لتفويته وتعجيز نفسه بإعدام الموضوع الذي هو مورد الفرع الثاني. فلا يلزم الأوّل لعدم المقتضي له ، فلا موجب للسفر ولا يجوز الثاني لكونه من التفويت المحرّم ، فلا تجوز الإقامة إلّا لضرورة ، وبذلك يظهر لك الفرق بين الفرعين.
1) في ص 314.
[2331] مسألة 30 : إذا نوى الإقامة ثمّ عدل عنها وشكّ في أنّ عدوله كان بعد الصلاة تماماً حتّى يبقى على التمام أم لا بنى على عدمها فيرجع إلى القصر (1).
[2332] مسألة 31 : إذا علم بعد نيّة الإقامة بصلاة أربع ركعات والعدول عن الإقامة ، ولكن شكّ في المتقدّم منهما مع الجهل بتاريخهما رجع إلى القصر مع البناء على صحّة الصلاة (1)، لأنّ الشرط في البقاء على التمام وقوع الصلاة تماماً حال العزم على الإقامة وهو مشكوك (2).
(1) كما لو كان شكّه المزبور قبل ساعة من الغروب مثلاً ، فيعلم بعدوله عن نيّة الإقامة ولم يدر أنّه هل أتى بفريضة الوقت فعدل ، ولا محالة قد أتى بها تامة جرياً على نيّة الإقامة. أو أنّه لم يصلّ بعدُ ، فانّ مقتضى الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال لزوم الإتيان بفريضة الوقت ، فيثبت بهذا الأصل عدم الإتيان بالصلاة تماماً ، وبعد ضمّه إلى العدول المحرز بالوجدان يتشكّل موضوع وجوب القصر بكلا جزأيه ، فيرجع إلى القصر في صاحبة الوقت وغيرها.
(2) لو علم بعد كونه ناوياً للإقامة بوقوع حادثين أحدهما الصلاة الرباعية والآخر العدول ، وشكّ في المتقدّم منهما وأنّه الصلاة كي يبقى على التمام ولم يكن أثر لعدوله ، أو أنّه العدول وقد أتى بالرباعية غفلة أو نسياناً كي يرجع إلى القصر ويعيد صلاته ، والمفروض أنّه يرى نفسه فعلاً غير ناو للإقامة ، وإلّا فلا
1) (*) هذا مناف للعلم الإجمالي بل للعلم التفصيلي ببطلان العصر إذا صلّى الظهر تماماً ، ولا يبعد الحكم بالبقاء على التمام ، لكن الاحتياط بإعادة ما صلّاهُ قصراً وبالجمع بين القصر والتمام في بقية صلواته لا ينبغي تركه ، ولا فرق في ذلك بين صورة الجهل بتاريخهما أو العلم بتاريخ أحدهما.
.................................................................................................
أثر لهذا الشكّ لو كان فعلاً ناوياً لها ، للزوم البقاء على التمام على كلّ حال كما لا يخفى.
وقد حكم في المتن بصحّة الصلاة السابقة ، استناداً إلى أصالة الصحّة ، للشك بعد الفراغ عن العمل في صحّته وفساده فيرجع إلى قاعدة الفراغ ، وأمّا بالإضافة إلى الصلوات الآتية فيرجع إلى القصر ، استناداً إلى الاستصحاب ، إذ الشرط في البقاء على التمام وقوع الصلاة تماماً حال العزم على الإقامة ، وحيث إنّه مشكوك حسب الفرض فيرجع إلى أصالة عدم وقوع الصلاة تماماً إلى زمان العدول.
أقول : لا يمكن الجمع بين قاعدة الفراغ والاستصحاب المزبور ، لمنافاته للعلم الإجمالي الحاصل ببطلان إحدى الصلاتين في غير المترتّبتين ، إذ المتقدّم إن كان هو العدول فالرباعية المأتي بها سابقاً باطلة ، وإن كان هو الصلاة التامّة فما يأتيه من القصر لاحقاً محكوم بالبطلان ، للزوم البقاء حينئذ على التمام. فالبناء على صحّة الصلاة والرجوع إلى القصر منافٍ لهذا العلم الإجمالي ، لاستلزامه المخالفة القطعية العملية.
بل هو مناف للعلم التفصيلي المتعلّق ببطلان اللّاحقة خاصّة في المترتّبتين فلو صلّى الظهر تماماً ورجع إلى القصر في العصر عملاً بالاستصحاب كما هو المفروض يقطع تفصيلاً ببطلان العصر ، فانّ العدول إن كان قبل الظهر التامة المستلزم لفسادها فسدت العصر أيضاً لفقد الترتيب ، وإن كان بعدها لزم البقاء على التمام فلا تصحّ العصر قصراً. فهي معلومة البطلان تفصيلاً ، إمّا لفقد الترتيب أو لفقد الأجزاء ، أعني الركعتين الأخيرتين.
وعلى الجملة : فالحكم بصحّة الصلاة السابقة وبالرجوع إلى القصر في الصلوات اللّاحقة مخالف للعلم الإجمالي بل التفصيلي ، فلا جرم تتحقّق المعارضة بين قاعدة الفراغ وبين الاستصحاب المذكور ، والمرجع حينئذ أصالة الاشتغال
.................................................................................................
القاضية بلزوم إعادة السابقة قصراً ، وبالجمع بينه وبين التمام في الصلوات الآتية خروجاً عن عهدة التكليف المعلوم ، فانّ الاشتغال اليقيني يستدعي براءة مثله ولا يكاد يحرز الامتثال إلّا بذلك.
والصحيح في المقام أن يقال : إنّ العدول والصلاة تماماً حادثان ، كلّ منهما مسبوق بالعدم ، يشك في المتقدّم منهما والمتأخّر.
فان قلنا بأنّ استصحاب عدم كلّ منهما إلى زمان الآخر يجري ويسقط الاستصحابان بالمعارضة كما عليه القوم في باب الحادثين المتعاقبين ، لم يكن أيّ مناص من إعادة الظهر قصراً ، والجمع بين القصر والتمام في العصر وفي بقية الصلوات الآتية ، قضاءً لقاعدة الاشتغال كما عرفت بعد عدم السبيل لإحراز موضوع القصر أو التمام بأصل أو غيره ، وعدم جواز الرجوع إلى قاعدة الفراغ من أجل الابتلاء بالمعارض.
وأمّا إذا بنينا على عدم المعارضة في أمثال المقام كما لا يبعد على ما أشرنا إليه في بحث الخيارات من المكاسب (1)، وأنّ الجاري فيما نحن فيه هو خصوص أصالة عدم العدول إلى زمان الإتيان بالصلاة التامة دون العكس ، بقي حينئذ على التمام في الصلوات الآتية ، وبنى على صحّة السابقة.
وتوضيحه : أنّ موضوع الحكم بالبقاء على التمام على ما يستفاد من صدر صحيحة أبي ولاد (2)هو كونه ناوياً للإقامة وآتياً بصلاة تامة ، فهو مركّب من ذات هذين الجزأين ، أي الإتيان بالصلاة في زمان يكون ناوياً للإقامة في ذلك الزمان ، من غير دخل شيء آخر وراء ذلك من وصف الاقتران أو الاجتماع أو الانضمام ونحوها من العناوين البسيطة ، وأحد الجزأين محرز بالوجدان وهو
.................................................................................................
الإتيان بالصلاة التامّة ، فإذا أجرينا أصالة عدم العدول عن نيّة الإقامة إلى زمان الإتيان بالصلاة فقد أحرزنا جزأي الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل ونتيجته الحكم بالبقاء على التمام ، وبصحّة الصلاة السابقة من غير حاجة إلى قاعدة الفراغ.
ولا يعارض الأصل المزبور بأصالة عدم وقوع الصلاة تماماً حال العزم على الإقامة ، أي إلى زمان العدول كما ذكره في المتن ، لعدم ترتّب الأثر ، إذ لا يثبت بها وقوع هذه الصلاة بعد العدول إلّا على القول بالأصل المثبت.
فهذا الأصل بنفسه لا أثر له إلّا بضميمة الإثبات ، الذي لا نقول به ، لعدم كونه متعرّضاً لحال الشخص وناظراً إليه ، بخلاف الأصل المتقدّم ، فإنّه ينظر إليه ويتكفّل للبقاء على نيّة الإقامة وعدم العدول عنها إلى زمان الإتيان بشخص هذه الصلاة. وبذلك يتنقّح الموضوع المركّب بضمّ الوجدان إلى الأصل ، الذي نتيجته البقاء على التمام كما عرفت.
وبعبارة واضحة : بعد فرض أنّه لم يؤخذ في موضوع الحكم غير تحقّق الصلاة التامة والبقاء على العزم على الإقامة ، فإذا حكم الشارع بالبقاء على العزم بمقتضى الاستصحاب وعلمنا بتحقّق الصلاة خارجاً لم يبق لنا بعد هذا شكّ في تحقّق موضوع الحكم ، فلا مجال لإجراء أصالة عدم تحقّق الصلاة حال العزم على الإقامة كي تتحقّق المعارضة.
ولهذه المسألة نظائر كثيرة ، وفروع عديدة ، بل هي سيالة في كلّ مورد كان موضوع الحكم أو متعلّقه مركّباً من جزأين وقد علمنا بتحقّق أحدهما ، ثمّ علمنا بتحقّق الجزء الآخر وارتفاع الجزء الأوّل وشككنا في المتقدِّم منهما والمتأخِّر كما لو علمنا بالفسخ وبانقضاء زمان الخيار الأصلي أو الجعلي ، أو علمنا برجوع الزّوج وبانقضاء زمان العدّة ، أو بوقوع الصلاة من المتطهِّر وبصدور
.................................................................................................
الحدث منه ، وشكّ في المتقدّم من هذه الأُمور والمتأخّر ، ونحو ذلك من الأمثلة فإنّه يجري فيه الكلام المتقدّم بعينه.
فنقول : إنّ الفسخ أو الرجوع أو الصلاة محرز بالوجدان ، وبقاء الخيار أو العدّة أو الطهارة محرز بالتعبّد الشرعي بمقتضى الاستصحاب الجاري في مواردها وبعد ضمّ الوجدان إلى الأصل يلتئم الموضوع المركّب بجزأيه ، فيثبت أنّ الفسخ الشخصي الصادر منه وكذا الرجوع قد وقع في زمان حكم الشارع فيه ببقاء الخيار أو ببقاء العدّة ، فهو واقع في ظرفه وصادر من أهله في محلّه ، فيترتّب عليه انحلال العقد المنوط بوقوع الفسخ وبقاء الخيار ، أو عود العلقة الزوجية المترتّب على الرجوع وبقاء العدّة ، أو براءة الذمّة عن الصلاة الصحيحة المتوقّفة على الإتيان بها حال الطهارة ، وهكذا الحال في سائر الأمثلة.
ولا يعارض الاستصحاب المزبور بأصالة عدم وقوع الفسخ في زمان الخيار أو عدم وقوع الرجوع في زمان العدّة ، أو عدم وقوع الصلاة حال الطهارة ، إذ لا يثبت بها أنّ هذا الفسخ الشخصي أو الرجوع أو الصلاة وقع بعد انقضاء زمان الخيار أو زمان العدّة أو زوال الطهارة. فلا يترتّب عليه الأثر إلّا على القول بالأصل المثبت.
وبعبارة اخرى : الاستصحاب الأوّل رافع للشكّ بمقتضى التعبّد الشرعي ومنقّح للموضوع بعد ضمّه إلى الجزء الآخر المحرز بالوجدان ، فلا يبقى معه شكّ في تحقّق الموضوع كي يكون مجال لإجراء الاستصحاب الثاني الراجع في الحقيقة إلى نفي الموضوع المركّب من المقيّد وقيده.
والسرّ فيه : أنّ المجموع المركّب من المقيّد والقيد وإن كان مشكوكاً فيه وجداناً فمثلاً وقوع الصلاة التامة حال العزم على الإقامة كما فيما نحن فيه مشكوك فيه بالضرورة ، إلّا أنّ الشكّ لدى التحليل يرجع إلى نفس القيد ، أعني البقاء على
.................................................................................................
عزم الإقامة ، وإلّا فذات المقيّد أي الصلاة التامة محرزة بالوجدان ، فلا معنى لأصالة عدمها.
فالشك في المقيّد بما هو مقيّد الحاصل في المقام وإن كان في حدّ نفسه يتصوّر على نحوين : تارة من أجل الشكّ في ذات المقيّد ، وأُخرى في حصول قيده ، إلّا أنّه في المقام وأمثاله متمحّض في الثاني ، فيشكّ في كيفية الوجود لا في أصله ، وأنّ الصلاة الواقعة وجداناً هل كانت قبل العدول عن عزم الإقامة أو بعده ، والمفروض أنّ الاستصحاب الأوّل أثبت البقاء على عزم الإقامة ، المنتج بعد ضمّ الوجدان وقوع الصلاة التامة في زمان كان العزم على الإقامة باقياً على حاله. فلا شك في كيفية الوجود وخصوصيته حتّى تصل النوبة إلى إجراء الاستصحاب الثاني.
وعلى الجملة : ذات المقيّد من حيث هو كالصلاة التامة فيما نحن فيه لا شكّ فيه كي يستصحب عدمه ، والمقيّد بما هو مقيّد وإن كان مشكوكاً فيه إلّا أنّه لا أثر له ، لعدم كونه موضوعاً للحكم ، بل الموضوع ذات الجزأين كما عرفت. فلم يبق في البين إلّا الشكّ في نفس القيد ، وهو محرز ببركة الاستصحاب.
وهذا هو السرّ في حلّ المعارضة المتوهّمة في هذه الاستصحابات ، ولو لا ذلك لم يجر الاستصحاب لإحراز الجزء أو الشرط في باب المركّبات من الموضوعات أو المتعلّقات حتّى مع الشكّ وعدم العلم بارتفاع أحد الحادثين فلا تجوز الصلاة مع الطهارة المستصحبة ، لمعارضتها بأصالة عدم تحقّق الصلاة في زمان الطهارة ، فإنّ هذه المعارضة لو تمت لعمّت وجرت في جميع موارد هذه الاستصحابات حتّى المنصوصة منها كهذا المثال ، فتسقط بأسرها ، وهو كما ترى.
وحلّه ما عرفت من أنّ المقيّد بوصف كونه مقيداً وإن كان مشكوكاً فيه إلّا أنّه لا أثر له ، وإنّما المأمور به ذات الصلاة وأن تقع في زمان يكون المكلّف
.................................................................................................
متطهّراً في ذلك الزمان ، وكلا الجزأين محرزان حسبما عرفت. ففي كلّ مورد أحرزنا الموضوع المركّب بضمّ الوجدان إلى الأصل لا يجري فيه استصحاب عدم تحقّق المركّب.
والمقام من صغريات هذه الكبرى ، فانّ الموضوع للبقاء على التمام الإتيان بذات الصلاة التامة وكونه باقياً على عزم الإقامة ، وكلا الأمرين محرزان بضمّ الوجدان إلى الأصل حسبما بيّناه. ولأجله أشرنا في التعليقة أنّه لا يبعد الحكم بالبقاء على التمام. هذا كلّه فيما لو كان الشكّ في الوقت.
وأمّا لو شكّ بعد خروج الوقت في تقدّم العدول على الرباعية ليرجع في العشاء إلى القصر أو العكس كي يتم ، فان بنينا على عدم تعارض الاستصحابين على ما عرفت فالأمر ظاهر.
وأمّا إذا بنينا على المعارضة ، فإن قلنا بأنّ التمام المأتي به في موضع القصر يجب قضاؤه مطلقاً ما عدا الجاهل بأصل الحكم كما عليه الماتن وغيره فالحال فيه كما ذكرناه ، غاية الأمر أنّ العلم في الوقت تفصيلي وهنا إجمالي فيعلم إجمالاً إمّا بوجوب قضاء الظهرين قصراً لو كان العدول سابقاً ، أو بوجوب التمام في صلاة العشاء وما بعدها من الصلوات ، ففي مثله لا بدّ من الجمع في الصلوات الآتية ، عملاً بقاعدة الاشتغال.
نعم ، لا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن القضاء ، للشكّ في تحقّق موضوعه وهو الفوت ، الذي لا يثبت باستصحاب العدم كما هو ظاهر.
وإن قلنا كما هو الصحيح على ما سيجيء قريباً إن شاء اللّه (1)بأنّ من أتمّ في موضع القصر لعذر من الجهل بخصوصيات الحكم أو الموضوع ، أو الغفلة
1) في ص 360 وما بعدها.
[2333] مسألة 32 : إذا صلّى تماماً ثمّ عدل ولكن تبيّن بطلان صلاته رجع إلى القصر وكان كمن لم يصلّ (1) نعم إذا صلّى بنيّة التمام وبعد السلام شكّ في أنّه سلّم على الأربع أو على الاثنتين أو على الثلاث بنى على أنّه سلّم على الأربع ، ويكفيه في البقاء على حكم التمام إذا عدل عن الإقامة بعدها.
أو النسيان ونحو ذلك لا يجب عليه القضاء وإن كانت وظيفته الواقعية هي القصر كما لا يجب القضاء في الجاهل بأصل الحكم اتفاقاً ، فحينئذ تخرج الصلاة التامّة المأتي بها في الوقت عن طرف العلم الإجمالي ، للقطع بعدم قضائها ، إمّا لصحّتها واقعاً لو وقعت قبل العدول ، أو للاجتزاء بها تعبّداً وعدم الحاجة إلى قضائها ولو لم تكن موصوفة بالصحّة لو وقعت بعده ، ولكن مع ذلك لا يجوز الرجوع إلى القصر في العشاء وما بعدها ، بل لا بدّ من الجمع رعاية للعلم الإجمالي بعد تعارض الاستصحابين كما هو المفروض.
(1) فإنّ الصلاة الباطلة في حكم العدم ، وظاهر الصحيحة (1)أنّ موضوع الحكم هو الإتيان بالصلاة الصحيحة.
فإن قلت : كيف وقد تقرّر في الأُصول أنّ ألفاظ العبادات أسام للأعم من الصحيحة والفاسدة.
قلت : هذه الصحيحة ظاهرة في الصحيحة ولو بنينا على الوضع للأعم وذلك لقصر النظر فيها على التعرّض للصلوات الآتية ، وأنّه يصلّيها تماماً حتّى يخرج كما هو صريح قوله (عليه السلام) : «فليس لك أن تقصّر حتّى تخرج» فلا بدّ وأن تكون الصلاة السابقة مفروضة الصحّة ، وإلّا لتعرّض لحكمها ، وأمر بإعادتها كما لا يخفى.
1) المتقدّمة في ص 284.
[2334] مسألة 33 : إذا نوى الإقامة ثمّ عدل عنها بعد خروج وقت الصلاة ، وشكّ في أنّه هل صلّى في الوقت حال العزم على الإقامة أم لا؟ (1) بنى على أنّه صلّى ، لكن في كفايته في البقاء على حكم التمام إشكال وإن كان لا يخلو من قوّة ، خصوصاً إذا بنينا على أنّ قاعدة (1)الشك بعد الفراغ أو بعد الوقت إنّما هي من باب الأمارات لا الأُصول العملية.
وعلى الجملة : ظاهر الصحيحة أنّه يتم في الصلوات اللاحقة دون السابقة وهذا مساوق لفرض صحّتها.
نعم ، لا يعتبر أن تكون الصحّة محرزة وجداناً ، بل يكفي تعبّداً من أجل قاعدة الفراغ ، فلو شكّ بعد ما سلّم في أنّه سلّم على الأربع أو أقل بنى على الأربع لعدم الاعتناء بالشكّ بعد السلام ، فهو في نظر الشارع محكوم بأنّه صلّى أربعاً إذ لا أثر لشكّه ، فيترتّب عليه حكمه من البقاء على التمام وإن عدل.
وهل يلحق بقاعدة الفراغ قاعدة الحيلولة التي يكون الشكّ في موردها في أصل الوجود في الوقت لا في صحّة الموجود؟ سنتعرّض له في المسألة الآتية إن شاء اللّه.
(1) لا إشكال في أنّه يبني حينئذ على أنّه صلّى ، بقاعدة الحيلولة ، وبطبيعة الحال صلّى تماماً ، لفرض عدم العدول في الوقت.
إنّما الكلام في أنّ هذا هل يكفي في البقاء على حكم التمام؟ استشكل فيه (قدس سره) نظراً إلى التردّد في أنّ مفاد القاعدة هل هو البناء على الإتيان بالصلاة في ظرفها ، أو أنّ النظر فيها مقصور على نفي القضاء فحسب ، من غير تعرّض للإتيان وعدمه كي يترتّب عليه الأثر المرغوب في المقام ، فيرجع إلى
1) (*) لا أثر لكون القاعدة من باب الأمارات أو من باب الأُصول في المقام.
.................................................................................................
أصالة العدم من هذه الجهة كما ربّما يساعده الجمود على ظاهر دليلها وهو صحيح زرارة والفضيل ، حيث قال (عليه السلام) : «وإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن ...» (1).
وأخيراً استقرب (قدس سره) البقاء على حكم التمام ، خصوصاً إذا بنينا على أنّ القاعدة من باب الأمارات لا الأُصول العملية.
أقول : ما أفاده (قدس سره) أخيراً هو الصحيح.
أمّا بناءً على أنّ قاعدة الحيلولة من الأمارات فظاهر ، وهذا هو الأقوى كما ذكرنا ذلك في تقرير حجّية قاعدتي الفراغ والتجاوز (2)، حيث قلنا إنّ الترك العمدي مفروض العدم ، والترك غفلة خلاف ظاهر حال المتصدّي للامتثال ، إذ هو بطبعه وبمقتضى كونه في مقام تفريغ ذمّته يراعي الإتيان بالعمل في ظرفه على وجهه ، فيكون التجاوز عن المحلّ في قاعدة التجاوز وعن الوقت في قاعدة الحيلولة وعن العمل في قاعدة الفراغ موجباً للظنّ النوعي والكاشفية النوعية عن الإتيان بالصلاة في ظرفها على النهج المقرّر لها.
نعم ، هذا الظنّ بمجرّده حتّى الشخصي منه فضلاً عن النوعي لا يغني عن الحق ما لم يقترن بدليل الإمضاء ، ولكن الشارع قد أمضاه ، وقام الدليل على حجّيته بالخصوص بمقتضى النصوص الواردة في موارد هذه القواعد التي مرجعها إلى إلغاء الشكّ وتقرير الكاشفية النوعية ، فيكون لسان حجّيتها من باب الأمارات بطبيعة الحال.
بل يمكن أن يقال : إنّ هذه القاعدة قاعدة الحيلولة داخلة في قاعدة التجاوز حقيقة ، لا أنّها قاعدة أُخرى. فلو فرضنا أنّ الروايات وعمدتها
.................................................................................................
واحدة لم ترد في هذه القاعدة لقلنا بمضمونها في المقام ، إذ التجاوز عن الشيء تارة يكون حقيقياً ، وأُخرى مجازياً بعناية التجاوز عن محلّه ، وبذلك يفترق التجاوز عن الفراغ.
فالمضيّ في قاعدة الفراغ حقيقي ، لتعلّق الشكّ بوصف الصحّة لا بذات المشكوك بخلافه في قاعدة التجاوز ، لتعلّق الشكّ حينئذ بأصل الوجود ، فلا يجامع مع المضيّ عن نفس المشكوك ، بل باعتبار التجاوز عن محلّه. فيستفاد من صحيحة زرارة (1)الواردة في هذه القاعدة أنّ التجاوز عن محلِّ المشكوك فيه بمنزلة التجاوز عن نفسه.
فعلى هذه الكبرى يكون الشكّ بعد الوقت داخلاً في قاعدة التجاوز ، لأنّه شكّ في وجود الشيء بعد مضيّ محلّه ، ضرورة أنّ محلّه قبل خروج الوقت فيصدق أنّه خرج من شيء ودخل في غيره ، باعتبار ما بينهما من الترتّب المحقّق للخروج عن المحلّ وهو الوقت.
وعلى الجملة : فبناءً على أنّ هذه القاعدة أمارة شرعية لما فيها من الكاشفية النوعية عن تحقّق المشكوك فيه في ظرفه كما هو الأظهر حسبما عرفت فالأمر ظاهر ، ونتيجته البقاء على التمام في الصلوات الآتية ، وعدم أثر للعدول.
وأمّا بناءً على أنّها أصل عملي فلا بدّ من النظر حينئذ إلى مدلول هذا الأصل ، وأنّه ناظر إلى التعبّد بنفي القضاء فقط ، أو التعبّد بالوجودِ ونفيُ القضاء من آثار هذا التعبّد. فعلى الأوّل يرجع إلى استصحاب عدم الإتيان ، وأمّا على الثاني فيبقى على التمام ، سواء أكان التعبّد بالوجود بلسان الأمارة أم الأصل.
والظاهر من صحيحة زرارة والفضيل هو الثاني ، لقوله (عليه السلام) : «وإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شكّ
1) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1.
[2335] مسألة 34 : إذا عدل عن الإقامة بعد الإتيان بالسلام الواجب وقبل الإتيان بالسلام الأخير الذي هو مستحبّ فالظاهر كفايته في البقاء على حكم التمام (1) وفي تحقّق الإقامة ، وكذا لو كان عدوله قبل الإتيان بسجدتي
حتّى تستيقن» (1)فانّ عدم اقتصاره (عليه السلام) على مجرّد نفي الإعادة حتّى أضاف إليه قوله (عليه السلام) : «من شك» ظاهر في أنّ عدم الإعادة لأجل عدم الاعتناء بالشكّ وفرضه كلا شكّ ، ولذلك لا يعيد. فتكون العناية التعبّدية مصروفة أوّلاً وبالذات إلى إلغاء الشكّ الراجع إلى التعبّد بالوجود ، ومن شؤون هذا التعبّد عدم الإعادة.
وبعبارة اخرى : مقتضى هذه الصحيحة ليس هو التخصيص في دليل القضاء كما في الحائض ، بل هي ناظرة إلى نفي موضوع القضاء ، أي أنّ الشكّ في الوجود ملغى فلا موضوع للإعادة.
فتحصّل : أنّ الظاهر من الصحيحة التعبّد بالوجود حتّى إذا كانت بلسان الأصل ، فضلاً عن كونها أمارة. فما ذكره في المتن من البقاء على حكم التمام هو الصحيح.
(1) فانّ المخرج إنّما هو السلام الأوّل ، وأمّا الأخير فهو مستحبّ واقع خارج الصلاة ، ولذا لو أحدث أو استدبر بين السلامين لم يكن به بأس. فعليه يصحّ أن يقال : إنّه عدل بعد ما صلّى فريضة بتمام ، فيجب عليه البقاء على التمام ، فلا أثر لرجوعه قبل السلام الأخير.
ومنه تعرف حكم ما لو عدل قبل الإتيان بسجدتي السهو ، فانّ هذا السجود واجب مستقلّ بعد الصلاة وإن حصل موجبه فيها ، ولذا لا يضرّ تركه حتّى
1) الوسائل 4 : 282 / أبواب المواقيت ب 60 ح 1.
السّهو إذا كانتا عليه ، بل وكذا لو كان قبل الإتيان بقضاء الأجزاء المنسيّة كالسجدة والتشهّد المنسيّين ، بل وكذا لو كان قبل الإتيان بصلاة الاحتياط (1)أو في أثنائها إذا شكّ في الركعات وإن كان الأحوط فيه الجمع بل وفي الأجزاء المنسيّة (2).
العمدي بالصحّة وإن كان حينئذ آثماً. فالعدول المزبور واقع بعد الصلاة أيضاً كما هو واضح.
وأمّا لو عدل قبل التصدّي لقضاء الأجزاء المنسية من التشهّد ، أو السجدة الواحدة من الركعات السابقة فهل يلحقه حكم العدول بعد الصلاة تماماً.
يبتني ذلك على أنّ هذا هل هو قضاء اصطلاحي ، أي تعلّق به أمر مستقلّ جديد حدث بعد الانتهاء من الصلاة لا يضرّ مخالفته بصحّتها وإن كان آثماً كما تقدّم في سجود السهو (3)، أو أنّ هذا واجب بنفس الأمر السابق ، غاية الأمر أنّه قد تغيّر محلّه وتبدّل ظرفه ، فالمراد بالقضاء الإتيان بنفس الجزء بعد السلام ، وما لم يأت به لم يفرغ عن الصلاة ، ولو تركه عامداً بطلت صلاته. فعلى الثاني وهو الأظهر كما مرّ في محلّه (4)يؤثّر العدول ، لوقوعه حينئذ أثناء الصلاة ، فلا يصدق أنّه عدل بعد ما أتى بصلاة تامة ، بخلاف الأوّل.
ومنه تعرف حكم العدول قبل الإتيان بصلاة الاحتياط ، فإنّه إذا بنينا على أنّها جزء حقيقي متمّم على تقدير النقص وتخلّل التسليم والتكبير غير قادح فإنّه تخصيص في أدلّة الزيادة قد رخّص الشارع فيها رعاية لسلامة الصلاة عن
[2336] مسألة 35 : إذا اعتقد أنّ رفقاءه قصدوا الإقامة فقصدها ثمّ تبيّن أنّهم لم يقصدوا ، فهل يبقي على التمام أو لا (1)؟ فيه صورتان :
الزيادة والنقصان في ركعاتها كما دلّ عليه قوله (عليه السلام) : «أ لا أُعلّمك ...» إلخ (1)فالعدول حينئذ واقع قبل إحراز الأربع الذي هو في حكم العدول في الأثناء.
ولا ينافيه قوله (عليه السلام) : يبني على الأكثر (2)أو على الأربع (3)، إذ المراد به البناء العملي ، أي يعامل معها هذا العمل ، لا أنّ هذه هي الركعة الرابعة واقعاً. فالعدول حينئذ يؤثّر ، ومعه يرجع إلى القصر ، وقد تقدّم في محلّه (4)أنّ هذا المبنى هو الأظهر.
وأمّا إذا بنينا على أنّها واجب مستقل بحيث لا يضرّ الحدث بين الصلاتين فمرجعه إلى أنّ الشارع قد حكم بأنّ الركعة المشكوكة ركعة رابعة وصلاة الاحتياط عمل أجنبي ، وليس بجزء شرع لتدارك النقص كما في النوافل التي شرعت لتدارك الفرائض ، فإنّ من المعلوم أنّ النافلة ليست جزءاً من الفريضة. فعلى هذا يكون قد فرغ من الصلاة ، فلا يؤثّر العدول ، ويبقى على التمام.
(1) فصّل (قدس سره) حينئذ بين ما إذا كان ارتباط قصده بقصدهم على سبيل التقييد ، وبين ما إذا كان بنحو الداعي.
إحداهما : أن يكون مقيّداً بقصدهم.
الثانية : أن يكون اعتقاده داعياً له إلى القصد من غير أن يكون مقيّداً بقصدهم. ففي الأُولى يرجع إلى التقصير (1)، وفي الثانية يبقي على التمام والأحوط الجمع في الصورتين.
ففي الصورة الأُولى يرجع إلى القصر ، لانكشاف عدم تحقّق القصد من الأوّل وفي الثاني يبقى على التمام لكونه من قبيل تخلّف الداعي غير القادح في تحقّق قصد الإقامة ، واحتاط بالجمع في كلتا الصورتين.
أقول : أمّا البقاء على التمام في الصورة الثانية فمما لا ينبغي الإشكال فيه لوضوح عدم قدح تخلّف الداعي كما ذكر ، فإنّه يتحقّق في كثير من موارد قصد الإقامة ، كما لو قصدها بداعي شراء دار أو تزويج أو تجارة ونحوها ثمّ تخلّف وانصرف ، بل لا يكون العدول غالباً إلّا من باب التخلّف في الداعي ، وإلّا فما الموجب له إلى العدول ، ولماذا يرجع عن نيّته ، ليس ذلك طبعاً إلّا لأجل أنّه ينكشف له لاحقاً ما لم يكن منكشفاً سابقاً فيتخلّف الداعي قهراً ، ومثله غير قادح جزماً كما عرفت ، وهذا ظاهر لا سترة فيه ، ولا وجه صحيح هنا للاحتياط الذي ذكره في المتن إلّا من باب أنّه حسن على كلّ حال.
وأمّا الرجوع إلى القصر في الصورة الأُولى فقد يقال في وجهه بأنّ نيّة الإقامة بعد أن كانت مقيّدة بقصد الرفقة ومنوطة به على سبيل الشرط والمشروط كما هو المفروض فانكشاف عدم قصدهم كاشف عن عدم قصده أيضاً من الأوّل بمقتضى ما بينهما من فرض الارتباط والاشتراط ، غايته أنّه كان مشتبهاً لجهله بفقد المعلّق عليه ، فاذا انكشف الخلاف وجب الرجوع إلى القصر لا محالة.
1) (*) بل يبقى على التمام ، وقد تقدّم نظيره في قصد المسافة ، ولا أثر للتقييد في أمثال المقام.
.................................................................................................
ويندفع بما تكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح من امتناع التقييد في أمثال المقام ممّا هو جزئي حقيقي لا سعة فيه ليضيّق كالنيّة فيما نحن فيه ، التي هي من الأُمور الوجدانية وفعل اختياري دائر بين الوجود والعدم ، ويستحيل فيه التعليق على تقدير دون تقدير ، إذ ليس له معنى معقول أبداً.
نظير أن يشرب مائعاً ويجعل شربه مقيّداً بأن يكون ماءً وإلّا لم يكن شارباً فانّ هذا ممّا يضحك الثكلى ، ضرورة أنّ الشرب فعل جزئي قد تحقّق خارجاً على كلّ تقدير ، كان المائع ماءً أم لم يكن ، ولا يكاد يقبل التعليق بوجه ، نعم يمكن أن يكون الشرب بداعي كونه ماءً ، فاذا تخلّف يكون من تخلّف الداعي.
ومن هنا ذكرنا في مبحث الجماعة (1)أنّ الاقتداء خلف الإمام الحاضر على تقدير أنّه زيد لا معنى له ، فانّ الاقتداء فعل اختياري إمّا يوجد أو لا يوجد. فلا وجه للتفصيل بين الداعي والتقييد المنسوب إلى المشهور.
كما وذكرنا أيضاً في باب العقود من المكاسب (2)أنّ التعليق في الإنشاء المحكوم بالبطلان مرجعه إلى التعليق في المنشأ ، وإلّا فالإنشاء أمر وجداني وفعل نفساني اختياري إمّا أن يكون أو لا يكون ، ولا واسطة بينهما ، ولا يعقل فيه التعليق والإناطة بتقدير دون تقدير.
وعلى الجملة : فلا يتصوّر التعليق في الأفعال التكوينية الوجدانية ، فإنّها دائرة بين الوجود والعدم ، وكلّ ما ذكر فهو من قبيل التخلّف في الداعي ، ولا يتصوّر التقييد في أمثال المقام.
نعم ، التقييد في المقصود أو في المنشأ أمر معقول ، فينشئ بإنشائه الفعلي المحقّق الملكية مثلاً المعلّقة على شيء والمقيدة بتقدير خاص ككون اليوم يوم الجمعة
.................................................................................................
مثلاً ، بداهة أنّه كما يمكن إنشاء الملكية المطلقة يمكن إنشاء الملكية المقيّدة ، فيكون الإنشاء بنفسه في كليهما فعلياً منجّزاً ، غاية الأمر أنّ المنشأ قد يكون معلّقاً وأُخرى مطلقاً.
وهذا هو التعليق في العقود الذي قام الإجماع على بطلانه ، وإلّا فالتعليق في نفس الإنشاء أمر غير معقول ، لا أنّه معقول باطل بسبب الإجماع. ففي الإنشاء لا يمكن وفي المنشأ يمكن ، إلّا أنّه باطل فيما عدا الوصية ، لقيام الدليل بالخصوص على صحّتها وجواز إنشاء الملكية دبر الوفاة.
وهكذا الحال في باب النيّة وقصد الإقامة ، فإنّه قد يقصد الإقامة عشرة أيام مطلقاً ، وأُخرى يقصدها على تقدير أن لا يضطرّ إلى الخروج لأمر من والده أو حاجة لصديقه ونحو ذلك ، فهو إذن غير قاصد للإقامة على كلّ تقدير ، بل على تقدير خاص.
كما هو الحال في باب الأفعال الخارجية ، مثلاً يرغب في شراء متاع لكن على تقدير أن تكون قيمته كذا ، وأمّا لو كانت أكثر فلا يرغب.
ففي المقام يمكن أن ينوي الإقامة لا مطلقاً ، بل على تقدير خاص وهي الإقامة المقترنة المرتبطة بإقامة رفقائه ، فهذا ممكن وقابل للتقييد.
وحينئذ فان كان متردّداً في إقامتهم ولا يدري أنّهم قصدوها أم لا فبطبيعة الحال لا يعلم هو ببقائه عشرة أيام ، وحكمه القصر حينئذ حتى وإن كانت الرفقة قد قصدوا العشرة ، لأنّه وإن علّق قصده على تقدير وذاك التقدير حاصل واقعاً ، إلّا أنّ هذا الشخص لا يدري به ، والقيد المعلّق عليه مشكوك فيه لديه فلا جرم تكون الإقامة مشكوكة عنده ، بحيث لو سئل هل تبقى عشرة أيام يقول لا أدري لأنّي تابع لمن معي. فلا قصد له بتاتاً ، ومثله محكوم بالقصر.
وأمّا لو كان معتقداً ببقائهم عشرة أيام وجب حينئذ عليه التمام وإن كان
.................................................................................................
مخطئاً في اعتقاده ، إذ بالأخرة هو قاصد فعلاً للعشرة ، والخطأ إنّما هو في مقدّمة هذا القصد وهو الاعتقاد المزبور ، لا في القصد نفسه ، بحيث لو سُئل عنه كم تبقى لأجاب عشرة أيام ، بلا كلام ، التي هي الموضوع لوجوب التمام. فهو جازم ببقاء واقع العشرة لا مجرّد عنوانها ، غاية الأمر أنّ الجزم نشأ عن اعتقاد مخالف للواقع ، ولا ضير فيه.
والحاصل : أنّ التقييد لنفس النيّة لا يمكن ، وأمّا المنوي فممكن ، ولكن المفروض أنّ القيد محرز وإن كان مخطئاً. فهو ناو حقيقة ، ومعه لا مناص من الحكم بالتمام.
ولا ينتقض المقام بما لو قصد البقاء إلى يوم الجمعة الآتية مثلاً معتقداً أنّ هذا اليوم يوم الأربعاء ، وأنّ المجموع عشرة فبان أنّه يوم الخميس والمجموع تسعة.
لوضوح أنّ هناك من قبيل الاشتباه في التطبيق ، إذ لم يقصد في الواقع إلّا البقاء مدّة تخيّل أنّها عشرة أيام ، فلم يقصد واقع العشرة بوجه ، بخلاف المقام لتعلّق القصد هنا بواقع العشرة كما عرفت ، وإن كان مستنداً إلى ما لا واقع له وهو اعتقاد أنّ رفقاءه قصدوها.
وقد ذكرنا في محلّه (1)أنّ الاعتبار في قصد الإقامة وكذا في المسافة بواقعهما لا بما تخيّله من العنوان ، فلو قصد الحركة من النجف إلى الحلّة معتقداً أنّ المسافة بينهما خمسة فراسخ ، أو إلى الكوفة معتقداً أنّها ثمانية قصّر في الأوّل وأتمّ في الثاني ، وإن تخيّل ما تخيّل وقصد المسافة في الثاني دون الأوّل ، فإنّ المناط واقع المسافة لا تخيّلها ، كما أنّ العبرة في قصد الإقامة أيضاً بواقع العشرة لا بخيالها والواقع منفي في مورد النقض متحقّق فيما نحن فيه ، ولأجله كان القياس مع الفارق ، والنقض في غير محلّه.
1) في ص 279 ، 37.
الثالث من القواطع : التردّد في البقاء وعدمه ثلاثين يوماً إذا كان بعد بلوغ المسافة (1) ، وأمّا إذا كان قبل بلوغها فحكمه التمام حين التردّد ، لرجوعه إلى التردّد في المسافرة وعدمها ، ففي الصورة الأُولى إذا بقي في مكان متردّداً في البقاء والذهاب أو في البقاء والعود إلى محلّه يقصّر إلى ثلاثين يوماً ثمّ بعده يتمّ ما دام في ذلك المكان ، ويكون بمنزلة من نوى الإقامة عشرة أيّام سواء أقام فيه قليلاً أو كثيراً حتّى إذا كان بمقدار صلاة واحدة.
والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ في هذه المسألة لو نوى إقامة عشرة أيام باعتقاد أنّ الرفقة قصدوها يتم ، فاذا انكشف بعد ذلك أنّهم لا يقيمون كان ذلك من البداء والرجوع عما نوى ، فيبقى على التمام ما لم يخرج.
وقد عرفت أنّ التقييد والتعليق في القصد غير ممكن ، وفي المقصود ممكن والعبرة بالقصد والعزم على العشرة ، فإن علم أنّ الرفقة قصدوها فهو طبعاً قاصد للعشرة ، وإلّا فهو غير مستيقن بالبقاء وفاقد للقصد وإن قصدها الرفقة واقعاً ، فلا يؤثّر ذلك ما دام لم يكن محرزاً عنده كما عرفت بما لا مزيد عليه.
(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال للنصوص المستفيضة ، وفيها جملة من الصحاح كصحيحة أبي ولاد (1)وغيرها الناطقة بأنّ من بقي ثلاثين يوماً أو شهراً على الخلاف فيه كما ستعرف متردّداً يقول غداً أخرج أو بعد غد يتم صلاته بعد هذه المدّة ما بقي في ذلك المكان ولو بمقدار صلاة واحدة ، ويكون ذلك بمنزلة نيّة الإقامة عشرة. والظاهر أنّ هذا الحكم موضع وفاق ومتسالم عليه.
إنّما الكلام في أنّ مضي الثلاثين هل هو قاطع للسفر كما في قصد الإقامة بحيث يحتاج العود إلى القصر إلى قصد مسافة جديدة ، أو أنّه مجرّد تخصيص
1) المتقدمة في ص 284.
.................................................................................................
محض يقتصر على مورده وهو مكان التردّد ، فلو خرج عن ذلك المكان رجع إلى القصر ولو لم يكن الباقي مسافة ، كما لو خرج من النجف قاصداً وطنه بغداد فلما وصل المحمودية بقي ثلاثين يوماً متردّداً ثمّ خرج نحو وطنه الذي هو دون المسافة ، فهل يتم في الطريق لعدم قصده مسافة مستأنفة ، أو أنّه يرجع إلى القصر؟
المعروف والمشهور هو الأوّل ، فألحقوا الثلاثين بقصد الإقامة. ونسب الثاني إلى المحقّق البغدادي (قدس سره) (1)بدعوى خلوّ نصوص الثلاثين عن الدلالة على القطع بوجه ، بل غايتها الإتمام في ذلك المكان ، فيرجع فيما عداه إلى عمومات القصر لكلّ مسافر ، ونتيجته انضمام ما بقي من سفره بما سبق وإن لم يكن بنفسه مسافة. ولا يقاس ذلك بناوي الإقامة لدلالة النص فيه وهو صحيح أبي ولاد على أنّه يتم ما لم يخرج ، أي خروجاً سفرياً كما مرّ ، ولم يرد مثل هذا الدليل في المقام. فعمومات القصر محكّمة.
أقول : ما أفاده (قدس سره) من خلو نصوص الباب عن الدلالة على القطع صحيح في حدّ نفسه ، إذ لم يدلّ دليل على خروج المتردّد المزبور عن عنوان المسافر وإن طالت المدّة وبلغت الثلاثين ، بل هو مسافر عُرفاً وشرعاً ووجداناً وقد عرفت عدم الدليل على التنزيل منزلة الأهل لينتج القطع الموضوعي حتّى في المقيم ، فضلاً عن المتردّد.
إلّا أنّ بناء المسألة على القطع بهذا المعنى لا وجه له ، فلا يدور الحكم مداره بل القطع الحكمي الراجع إلى التخصيص الذي لا ريب في دلالة النصوص عليه كما كان هو الحال في قاطعيّة الإقامة على ما عرفت سابقاً (2)كافٍ في هذا الحكم ، وذلك لأجل الكبرى الكلّية والقاعدة العامّة المستفادة من النصوص على
.................................................................................................
ما تكرّرت الإشارة إليها (1)من أنّ كلّ من حكم عليه بالتمام لجهة من الجهات لا يعود إلى القصر إلّا بسفر جديد وقصد مسافة مستأنفة ، والمقام من مصاديق هذه الكبرى ، فلا فرق بينه وبين قصد الإقامة في عدم انقلاب الحكم إلى القصر إلّا لدى قصد المسافة ولو ملفّقة ، لوحدة المناط واندراجهما تحت ضابط واحد حسبما عرفت.
هذا كلّه فيما إذا كان التردّد بعد بلوغ المسافة ولو ملفّقة ، وأمّا لو تردّد قبل أن يبلغها فقد ذكر في المتن أنّ حكمه التمام حين التردّد ، لرجوعه إلى التردّد في المسافرة وعدمها.
أقول : يتصوّر هذا على وجوه ، لا يبعد أن تكون عبارة المتن ناظرة إلى الأوّل منها :
أحدها : أن يتردّد بعد ما قطع مقداراً من الطريق في البقاء أو الذهاب أو العود إلى محلّه ، كما لو خرج من النجف قاصداً الحلّة وعند ما بلغ الكوفة تردّد في البقاء فيها أو الاسترسال في سفره أو الرجوع إلى وطنه. ولا ينبغي التأمل في الحكم بالتمام من لدن عروض التردّد ، إذ المعتبر في القصر الاستمرار في القصد والبقاء على نيّة السفر إلى نهاية المسافة ، الذي لا يجتمع مع فرض التردّد المزبور كما هو ظاهر.
ثانيها : أن يكون جازماً بالسفر وعازماً عليه ، فلا يحتمل العود إلى محلّه غير أنّه متردّد فعلاً في البقاء والخروج ، لحاجة دعته إلى التوقّف وقتاً ما من معالجة أو ملاقاة صديق ونحو ذلك ، ولا يدري أمد التوقّف وأنّه يوم أو يومان أو أكثر ، ولعلّه يطول ثلاثين يوماً ، فيحتمل بقاء الثلاثين من أوّل الأمر وحين عروض الترديد.
1) منها ما تقدّم في ص 82.
.................................................................................................
وهنا أيضاً لا ينبغي التأمل في الحكم بالتمام ، فانّ بقاء الثلاثين قاطع لحكم السفر ، فاحتماله احتمال لوجود القاطع ، وهو مناف للعزم الفعلي على السفر الشرعي الموجب للقصر. فمرجع الترديد المزبور إلى الترديد في السفر ، الموجب لزوال القصد وعدم التصميم فعلاً على الاستدامة في السفر الذي جعله الشارع موضوعاً للقصر ، فإنّه عبارة عمّا كان فارغاً عن القاطع ، والمفروض احتمال وجود القاطع.
ثالثها : أن يتردّد في الذهاب أو البقاء بقصد إقامة العشرة ، وحكمه كسابقه في لزوم التمام ، لاشتراكهما في احتمال وجود القاطع ، الموجب للتردّد في السفر غاية الأمر أنّ القاطع هناك نفس البقاء ثلاثين يوماً متردّداً ، وهنا قصد بقاء العشرة ونيّة الإقامة.
ولا يبعد أن تكون عبارة المتن شاملة لجميع هذه الصور الثلاث ، لاشتراكها في صدق التردّد في المسافرة وعدمها ، وإن كان شمولها للأُولى أظهر كما لا يخفى.
رابعها : أن يتردّد في الذهاب أو البقاء يوماً أو يومين أو أكثر دون العشرة بحيث لم يحتمل من نفسه قصد إقامة العشرة فاتفق بقاؤها ، أو أنّه لم يزل على هذه الحالة إلى أن مضى ثلاثون يوماً.
والظاهر أنّ عبارة المتن غير ناظرة إلى هذه الصورة. وعلى أيّ حال فلا وجه للحكم بالتمام خلال هذه المدّة ، لعدم كون مثل هذا التردّد منافياً لقصد السفر بوجه بعد عدم اقترانه باحتمال القاطع ، ومعلوم أنّ مجرّد بقاء العشرة من غير قصد لا يستوجب القطع والرجوع إلى التمام.
نعم ، رواية حنّان عن أبيه عن أبي جعفر (عليه السلام) ربما تدلّ عليه ، قال : «إذا دخلت البلدة فقلت اليوم أخرج أو غداً أخرج فاستتممت عشراً فأتمّ» (1)
1) الوسائل 8 : 502 / أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 14.
[2337] مسألة 36 : يلحق بالتردّد ما إذا عزم على الخروج غداً أو بعد غد ثمّ لم يخرج وهكذا إلى أن مضى ثلاثون يوماً (1) حتّى إذا عزم على الإقامة تسعة أيام مثلاً ثمّ بعدها عزم على إقامة تسعة أيام أُخرى وهكذا ، فيقصّر إلى ثلاثين يوماً ثمّ يتمّ ولو لم يبق إلّا مقدار صلاة واحدة.
لكنّها ضعيفة السند بعبد الصمد بن محمد (1)مع أنّها مروية بعين السند والمتن مع تبديل «عشراً» بقوله : «شهراً» فتكون من أدلّة الإتمام بعد الثلاثين. ولا يبعد أن تكون نسخة «عشراً» غلطاً من النسّاخ. وكيف ما كان ، فحكم هذه الصورة هو البقاء على القصر كما عرفت.
(1) فانّ المذكور في أكثر النصوص وإن كان هو التردّد ، إلّا أنّه لا خصوصية فيه ، بل الاعتبار على ما يستفاد من إطلاق بعض الأخبار بعدم قصد الإقامة والمضيّ على هذه الحالة إلى الثلاثين ولو عن غير تردّد ، كما لو عزم على الخروج في اليوم التاسع مثلاً ثمّ بدا له فلم يخرج وعزم على إقامة تسعة أيام اخرى وهكذا إلى أن مضى الثلاثون ، فإنّه يقصّر هذه المدّة ، ثمّ يتم بعدها ولو لم يبق إلّا مقدار صلاة واحدة.
فمن تلك الأخبار رواية أبي بصير : «... وإن كنت تريد أن تقيم أقلّ من عشرة أيام فأفطر ما بينك وبين شهر ، فاذا تمّ الشهر فأتمّ الصلاة والصيام ...» (2)وهي واضحة الدلالة ، لكنّها ضعيفة السند بعلي بن أبي حمزة الذي هو البطائني الضعيف بل الكذّاب كما عن الشيخ (3)، مضافاً إلى أنّها مقطوعة ، إذ لم يسندها أبو بصير
[2338] مسألة 37 : في إلحاق الشهر الهلالي إذا كان ناقصاً بثلاثين يوماً إذا كان تردّده في أوّل الشهر وجه لا يخلو عن قوّة (1)وإن كان الأحوط عدم الاكتفاء به (1).
إلى الإمام (عليه السلام).
والعمدة صحيحتان : إحداهما : صحيحة أبي ولاد المتقدمة ، حيث قال (عليه السلام) في ذيلها : «... إن شئت فانو المقام عشراً وأتم ، وإن لم تنو المقام عشراً فقصّر ما بينك وبين شهر ، فاذا مضى لك شهر فأتمّ الصلاة» (2). دلّت على أنّ العبرة بنيّة إقامة العشرة وعدمها ، وأنّه مع عدم النيّة يتم بعد مضيّ الثلاثين سواء أكان ذلك من أجل التردّد أم نيّة العدم ، بمقتضى الإطلاق.
الثانية : صحيحة معاوية بن وهب قال (عليه السلام) فيها : «وإن أقمت تقول : غداً أخرج أو بعد غد ، ولم تجمع على عشرة فقصّر ما بينك وبين شهر فاذا تمّ الشهر فأتمّ الصلاة» (3). دلّت على أنّ العبرة بعدم الإجماع ، أي عدم العزم على إقامة العشرة ، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين استناده إلى التردّد وعدمه.
(1) المأخوذ موضوعاً للحكم في كثير من النصوص هو عنوان الشهر ، وورد في بعضها وهو مصحّح أبي أيوب (4)مضي الثلاثين.
أمّا الثلاثون فظاهر المعنى ، وأمّا الشهر المراد به الشهر العربي المأخوذ موضوعاً لكثير من الأحكام من العدّة والصيام ونحوهما ومنه المقام فهو حقيقة
.................................................................................................
لغة وعرفاً في خصوص الزمان المتخلّل بين الهلالين ، فمبدؤه رؤية الهلال ومنتهاه رؤية الهلال القادم.
إلّا أنّ إرادة هذا المعنى الحقيقي متعذّر في المقام بحيث يكون أوّل زمان الترديد منطبقاً على أوّل آن يتكوّن فيه الهلال ويستمرّ إلى حلول الهلال القادم ، فانّ هذا الفرض إمّا لا يقع خارجاً أو لو وقع فهو في غاية الندرة والشذوذ فكيف يمكن حمل هاتيك النصوص المتظافرة عليه.
وأبعد منه إرادة ما بين الهلالين وإن استلزم إلغاء ما بقي من الشهر فيما لو عرض التردّد أثناءه كما هو الغالب ، فلو تردّد في اليوم العاشر من رجب مثلاً يلغى ما بقي من هذا الشهر ، ويحتسب من مبدأ شعبان إلى غرّة رمضان كي يصدق التردّد ما بين الهلالين الذي هو المعنى الحقيقي للشهر ، وإن كان مجموع زمان التردّد خمسين يوماً. فانّ هذا مقطوع العدم ، مخالف لضرورة الفقه.
فلا مناص من أن يراد به مقدار ما بين الهلالين لا نفسه ، فان كان التردّد أوّل الشهر فهو ، وإن كان أثناءه كما هو الغالب يتمم من الشهر الآتي بمقدار ما مضى من هذا الشهر ، وبذلك يتحقّق مقدار ما بين الهلالين.
وبما أنّ الأشهر الهلالية تختلف من حيث النقص والكمال فمقتضى إطلاق هذا الدليل الاكتفاء بهذا المقدار ، سواء انطبق على الثلاثين أم على الأقل ، كما لو تردّد في اليوم السادس عشر وكان الشهر ناقصاً فإنّه ينتهي الأمد في آخر اليوم الخامس عشر من الشهر القادم ، وإن كان المجموع تسعة وعشرين يوماً الحاصل من ضمّ الأربعة عشر من تتمّة هذا الشهر إلى الخمسة عشر من الشهر القادم لصدق تخلّل مقدار ما بين الهلالين بذلك ، ولكنّ رواية الثلاثين تقيِّد هذا الإطلاق وتوجب الحمل على إرادة مقدار خصوص الشهر التام.
كما أنّ رواية الثلاثين أيضاً مطلقة من حيث نقص ذلك الشهر وتمامه ، فتقيّد
[2339] مسألة 38 : يكفي في الثلاثين التلفيق إذا كان تردّده في أثناء اليوم (1) كما مرّ في إقامة العشرة ، وإن كان الأحوط عدم الاكتفاء ومراعاة الاحتياط.
بنصوص الشهر ، وأنّ الثلاثين إنّما تعتبر فيما إذا لم يمض مقدار ما بين الهلالين وإلّا يكتفى بهذا المقدار.
وحيث لا يمكن الجمع بين التقييدين فلا محالة يتعارض الدليلان في اليوم الثلاثين عند نقص الشهر ، ويكون المرجع بعد التساقط عموم أدلّة القصر.
وبعبارة أُخرى : إطلاق كلّ من نصوص الشهر ورواية الثلاثين معارض بالآخر ، وكلّ منهما صالح لأن يكون مقيّداً لإطلاق الآخر ، وحيث لا قرينة على الترجيح فلا محالة يتعارض الإطلاقان ويتساقطان ، والمرجع حينئذ عموم أدلّة القصر لكلّ مسافر ، للزوم الاقتصار في المخصّص المجمل أو المبتلى بالمعارض على المقدار المتيقّن ، وهو ما بعد مضي الثلاثين ، وأمّا الزائد عليه وهو اليوم الثلاثون نفسه فلم يعلم شمول المخصّص له ، فلا جرم يبقى تحت العام. فبحسب النتيجة تكون العبرة بمضي الثلاثين ويتم في اليوم الذي بعده.
فتحصّل : أنّ ما ذكره في المتن من إلحاق الشهر الهلالي مع النقص بثلاثين يوماً مشكل جدّاً ، بل ممنوع ، فيبقى في اليوم الواحد الذي بعده المكمّل للثلاثين على القصر ، وإن كان الأحوط فيه الجمع.
(1) إذ المستفاد من ظواهر الأدلّة بمقتضى الفهم العرفي كون الاعتبار بمقدار اليوم الحاصل مع الانكسار والتلفيق ، لا خصوص ما بين طلوع الفجر أو الشمس وغروبها. فلو تردّد لدى الزوال من اليوم الأوّل واستمرّ إلى زوال اليوم الحادي والثلاثين صدق عليه عرفاً أنّه تردّد ثلاثين يوماً بضمّ النصف الأوّل
[2340] مسألة 39 : لا فرق في مكان التردّد بين أن يكون بلداً أو قرية أو مفازة (1).
[2341] مسألة 40 : يشترط اتحاد مكان التردّد (2) فلو كان بعض الثلاثين في مكان وبعضه في مكان آخر لم يقطع حكم السفر ، وكذا لو كان مشتغلاً بالسير وهو متردّد فإنّه يبقى على القصر إذا قطع المسافة. ولا يضرّ بوحدة المكان إذا خرج عن محلّ تردّده إلى مكان آخر ولو ما دون المسافة بقصد العود إليه عما قريب إذا كان بحيث يصدق عرفاً أنّه كان متردّداً في
إلى الأخير الذي يتشكّل منه اليوم الكامل ، كما مرّ نظيره في إقامة العشرة (1)فيتم فيما بعد الزوال من ذلك اليوم ، وهذا واضح.
(1) لإطلاق الأدلّة وعدم التقييد بالبلد ، فيشمل كلّ مكان حصل فيه التردّد وإن كان سهلاً أو جبلاً ، فضلاً عن القرية ونحوها ، كما كان هو الحال في محلّ الإقامة على ما تقدّم (2).
(2) لعين ما تقدّم (3)في محلّ الإقامة من ظهور الأدلّة في اعتبار وحدة المحلّ فانّ دليل البابين بلسان واحد ، ولا فرق بين الموردين إلّا من حيث القصد وعدمه ، فموضوع الحكم بالتمام قصد بقاء عشرة أيام وبقاء الثلاثين من غير قصد ، فيشتركان في الأحكام التي منها اشتراط وحدة المكان ، فلا يكفي في انقطاع حكم السفر تفرّق الثلاثين في الأمكنة العديدة.
نعم ، لا يضرّ بصدق الوحدة الخروج ولو إلى ما دون المسافة إذا كان في مدّة
ذلك المكان ثلاثين يوماً ، كما إذا كان متردِّداً في النجف وخرج منه إلى الكوفة لزيارة مسلم أو لصلاة ركعتين في مسجد الكوفة والعود إليه في ذلك اليوم أو في ليلته ، بل أو بعد ذلك اليوم (1).
[2342] مسألة 41 : حكم المتردّد بعد الثلاثين كحكم المقيم في مسألة الخروج إلى ما دون المسافة مع قصد العود إليه (1) في أنّه يتم ذهاباً وفي
يسيرة كساعة أو ساعتين لقضاء حاجة ونحوها كما هو متعارف لدى المسافرين ، دون المدّة الكثيرة كطول النهار ، فضلاً عن العود بعد ذلك اليوم كما ذكره في المتن ، فانّ مثل ذلك قادح في صدق الوحدة العرفية البتّة.
بل وكذا يقدح الخروج في موارد الشكّ في الصدق بشبهة مفهومية كما لو كان ذلك بمقدار خمس ساعات أو ست ، للزوم الاقتصار في الخروج عن عمومات القصر على المقدار المتيقّن الذي يقطع معه بعدم القدح في الصدق كالساعة أو الساعتين حسبما عرفت ، وأمّا الزائد المشكوك فيه فالمرجع فيه هو العام كما تقدّم ذلك في محلّ الإقامة (2).
(1) لما عرفت آنفاً من كون البابين من واد واحد ، ولسان دليلهما على نهج فأرد ، فيجري فيما لو بدا للمتردّد بعد الثلاثين الخروج إلى ما دون المسافة جميع الصور السّبع المتقدّمة (3)فيما لو بدا مثل ذلك للمقيم ، وحكمها حكمها حرفاً بحرف لوحدة المناط فلاحظ.
المقصد والإياب ومحلّ التردّد إذا كان قاصداً للعود إليه من حيث إنّه محلّ تردّده ، وفي القصر بالخروج إذا أعرض عنه وكان العود إليه من حيث كونه منزلاً له في سفره الجديد ، وغير ذلك من الصور التي ذكرناها.
[2343] مسألة 42 : إذا تردّد في مكان تسعة وعشرين يوماً أو أقل ثمّ سار إلى مكان آخر وتردّد فيه كذلك وهكذا بقي على القصر (1) ما دام كذلك إلّا إذا نوى الإقامة في مكان أو بقي متردّداً ثلاثين يوماً في مكان واحد.
[2344] مسألة 43 : المتردّد ثلاثين يوماً إذا أنشأ سفراً بقدر المسافة لا يقصّر إلّا بعد الخروج عن حدّ الترخّص (1)كالمقيم كما عرفت سابقاً (2).
(1) لعمومات القصر السليمة عما يصلح للتقييد وإن طالت المدّة ما لم ينو الإقامة ، أو لم يكمل الثلاثين اللذين هما الموضوع لوجوب التمام كما هو ظاهر.
(2) وقد عرفت منعه سابقاً (2)وأنّ اعتبار حدّ الترخّص خاص بالوطن لاختصاص دليله به ، فلا يشمل المقيم فضلاً عن المتردِّد ، فيقصّر من لدن خروجه عن محلّ الإقامة أو مكان التردّد وتلبّسه بالسير خارجاً.
بل لو سلّمنا ذلك في المقيم لأجل تنزيله منزلة الأهل في بعض النصوص (3)أخذاً بعموم المنزلة ولا نسلّمه فيه ، لضعف دليل التنزيل كما تقدّم في محلّه فلا نسلّمه في المقام ، لعدم ورود مثل هذا التنزيل فيه بوجه ، فتدبّر جيّداً ، واللّه سبحانه العالم.
مضافاً إلى ما مرّ في طيّ المسائل السابقة قد عرفت أنّه يسقط بعد تحقّق الشرائط المذكورة من الرباعيات ركعتان (1) ، كما أنّه تسقط النوافل النهارية أي نافلة الظهرين ، بل ونافلة العشاء وهي الوتيرة (1)أيضاً على الأقوى ، وكذا يسقط الصوم الواجب عزيمة ، بل المستحب أيضاً إلّا في بعض المواضع المستثناة فيجب عليه القصر في الرباعيات فيما عدا الأماكن الأربعة ، ولا يجوز له الإتيان بالنوافل النهارية ، بل ولا الوتيرة إلّا بعنوان الرجاء واحتمال المطلوبية ، لمكان الخلاف في سقوطها وعدمه. ولا تسقط نافلة الصبح والمغرب ولا صلاة اللّيل كما لا إشكال في أنّه يجوز الإتيان بغير الرواتب من الصلوات المستحبّة.
(1) تقدّم في أوّل البحث عن صلاة المسافر دلالة النصوص المتظافرة بل الآية الكريمة على وجه على سقوط الركعتين الأخيرتين من الرباعيات في السفر ، كما أشرنا إلى دلالتها أيضاً على سقوط الصوم الواجب بل المستحب في غير مواضع الاستثناء ، بل في بعضها التصريح بالملازمة بين التقصير في الصلاة والإفطار في الصوم ، وأنّه كلّما قصّرت أفطرت ، وكلّما أفطرت قصّرت (2).
[2345] مسألة 1 : إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر ثمّ سافر قبل الإتيان بالظهرين يجوز له الإتيان بنافلتهما سفراً (1)وإن كان يصلِّيهما قصراً (1) وإن تركها في الوقت يجوز له قضاؤها.
فالحكم في الجملة ممّا لا شبهة فيه ، وإن كان بعض الخصوصيات كالإفطار فيما لو سافر قبل الزوال محلا للكلام. وسيجيء التعرّض لتفصيل ذلك كلّه في محلّه من كتاب الصوم إن شاء اللّه تعالى (2).
كما تقدّم في أوّل كتاب الصلاة (3)عند التكلّم عن أعداد الفرائض ونوافلها دلالة النصوص المستفيضة على سقوط النوافل النهارية ، أي نافلة الظهرين وعرفت ثمّة أنّ الأقوى سقوط نافلة العشاء أيضاً وهي الوتيرة ، فلا يجوز الإتيان بشيء من ذلك في السفر ، وإن لم يكن بأس بإتيان الأخيرة بعنوان الرجاء واحتمال المطلوبية ، لكون السقوط فيها مورداً للخلاف ، لاختلاف الأخبار. وكيف ما كان ، فهذه الأحكام قد تقدّمت كلّها في محالّها.
نعم ، هناك موردان استثناهما الماتن (قدس سره) من حكم سقوط النوافل وقد تعرّض (قدس سره) لهما في المسألتين الآتيتين ، وستعرف الحال فيهما.
(1) هذا هو المورد الأوّل الذي استثناه (قدس سره) من عموم سقوط نافلة المقصورة ، باعتبار أنّ حلول الوقت وهو حاضر يسوّغ الإتيان بالنافلة سفراً وإن أتى بالفريضة قصراً.
.................................................................................................
وليس عليه دليل ظاهر عدا موثّق عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سئل عن الرجل إذا زالت الشمس وهو في منزله ثمّ يخرج في السفر ، فقال : يبدأ بالزوال فيصلّيها ثمّ يصلّي الاولى بتقصير ركعتين ، لأنّه خرج من منزله قبل أن تحضره الاولى. وسُئل فان خرج بعد ما حضرت الاولى قال : يصلّي الأُولى أربع ركعات ، ثمّ يصلّي بعد النوافل ثمان ركعات ، لأنّه خرج من منزله بعد ما حضرت الأُولى ، فإذا حضرت العصر صلّى العصر بتقصير وهي ركعتان ، لأنّه خرج في السفر قبل أن تحضر العصر» (1).
أمّا سند الرواية فليس فيه من يتأمل من أجله ما خلا طريق الشيخ إلى أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، فانّ له إليه طريقين في أحدهما ابن الزبير ولم يوثّق ، وفي الآخر ابن أبي جيد (2)وهو وإن لم يوثّق أيضاً ، بل لم يذكر بمدح ولا ذم صريحاً كما نصّ عليه في جامع الرواة (3)ولكنّه من مشايخ النجاشي والظاهر وثاقتهم بأجمعهم حسبما التزم به من عدم روايته بلا واسطة إلّا عن الثقة (4).
وأمّا من حيث الدلالة فهي ظاهرة في المطلوب ، حيث حكم (عليه السلام) في من سافر عند ما زالت الشمس أنّه يبدأ بالزوال أي بنافلته ، ثمّ يصلّي الأُولى أي الظهر قصراً ، وعلّل التقصير بأنّه سافر قبل دخول وقت الظهر ، نظراً إلى أنّ الوقت إنّما يدخل بعد مضي مقدار القدم أو الذراع ، والمفروض خروجه أوّل الزوال ، فلم يدخل آن ذاك إلّا وقت النافلة دون الفريضة ، ومن ثمّ فصّل (عليه
.................................................................................................
السلام) بالإتيان بالأُولى والتقصير في الثانية.
ثمّ سأله (عليه السلام) ثانياً عمّا لو خرج بعد ما حضرت الأُولى أي بعد مضي مقدار القدم أو الذراع ، فحكم (عليه السلام) بأنّه يصلّي الظهر تماماً ويأتي بنوافل العصر ، لأجل خروجه بعد دخول الوقت ، وعند ما دخل وقت العصر بمضي مقدار القدمين أو الذراعين يصلّيها قصراً ، لأنّه خرج في السفر قبل حضور وقتها.
وهي كما ترى ظاهرة الدلالة على الحكم المذكور في المتن ، وبذلك يخرج عن عموم سقوط النافلة في السفر.
ولكنّها غير صالحة للاستناد رغم قوّة السند وظهور المفاد ، لتضمّنها عدم دخول وقت الظهرين بمجرّد الزوال ، وهو ممّا لم يلتزم به الأصحاب ، ومخالف للنصوص المستفيضة الدالّة على أنّه متى زالت الشمس فقد وجبت الصلاتان إلّا أنّ هذه قبل هذه (1)، وأنّه لم يمنعك إلّا سبحتك (2)، وغير ذلك ممّا تضمّنته النصوص على اختلاف ألسنتها.
ولأجل ذلك يقوى في النظر ورود الرواية مورد التقيّة ، لموافقة مضمونها مع مذهب العامّة (3)، فلا يمكن التعويل عليها في الخروج عن عمومات سقوط النافلة في المقصورة ، هذا من ناحية.
ومن ناحية أُخرى مبنى الحكم في هذه الرواية على أنّ الاعتبار في القصر والإتمام بحال تعلّق الوجوب ، لا بحال الأداء وظرف الامتثال ، ومن ثمّ فصّل في الجواب عن السؤال الثاني بين الظهر والعصر ، وأنّه يتم في الأوّل لكونه حاضراً
[2346] مسألة 2 : لا يبعد جواز الإتيان بنافلة الظهر في حال السفر (1)إذا دخل عليه الوقت وهو مسافر وترك الإتيان بالظهر حتّى يدخل المنزل من الوطن أو محلّ الإقامة (1) وكذا إذا صلّى الظهر في السفر ركعتين وترك العصر إلى أن يدخل المنزل لا يبعد جواز الإتيان بنافلتها في حال السفر ، وكذا لا يبعد جواز الإتيان بالوتيرة في حال السفر إذا صلّى العشاء أربعاً في الحضر ثمّ سافر ، فإنّه إذا تمّت الفريضة صلحت نافلتها.
عند دخول الوقت وتعلّق الوجوب ، ويقصّر في الثاني لكونه مسافراً عندئذ وهو أيضاً خلاف المتسالَم عليه تقريباً بين الأصحاب من كون المناط وقت الأداء لا زمان الوجوب على ما ستعرفه إن شاء اللّه تعالى في محلّه (2).
وعلى الجملة : فالرواية موهونة من ناحيتين ، ولم يعلم عامل بها في المقام لخلوّ الكلمات عن التعرّض لهذا الاستثناء ، فهي معرض عنها ، وقد عرفت قوّة حملها على التقيّة. إذن كان المحكّم عمومات سقوط النافلة في السفر لسلامتها عما يصلح للتخصيص.
(1) هذا هو المورد الثاني الذي لم يستبعد فيه الاستثناء عن عموم سقوط النافلة في السفر ، وهو ما لو دخل عليه الوقت وهو مسافر ، ولكنّه ترك الإتيان بالظهر أو العصر أو العشاء حتّى يدخل المنزل من الوطن أو محلّ الإقامة ، فيأتي بها بعدئذ تماماً ، فإنّه يجوز له الإتيان بنوافلها حال السفر ، وعلّله (قدس سره) بأنّه إذا تمّت الفريضة صلحت نافلتها.
.................................................................................................
أقول : هذا التعليل مقتبس ممّا ورد في رواية أبي يحيى الحنّاط قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر ، فقال : يا بنيّ لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة» (1)حيث دلّت على الملازمة بين مشروعية النافلة والإتمام في الفريضة ، وبما أنّه يتم الفريضة فيما نحن فيه حسب الفرض فتشرع في حقّه النافلة بمقتضى الملازمة.
ولكنّ التعليل عليل ، أمّا أوّلاً : فلضعف الرواية وإن عبّر عنها بالصحيحة في بعض المؤلّفات ، لعدم ثبوت وثاقة أبي يحيى الحنّاط ، وإنّما الموثّق هو أبو ولاد الحنّاط ، وكأنّه اشتبه أحدهما بالآخر. وكيف ما كان ، فالرجل مجهول. نعم ، احتمل في جامع الرواة أن يكون هو محمد بن مروان البصري (2)ولكنّه لم يثبت ، وعلى تقديره فهو أيضاً مجهول مثله (3).
وثانياً : أنّ مفاد الرواية جعل الملازمة بين صلاحية النافلة في السفر وبين إتمام الفريضة في السفر أيضاً ، لا إتمامها مطلقاً ولو في الحضر كما فيما نحن فيه وهذا واضح جدّاً لا سترة عليه.
فأشار (عليه السلام) على تقدير صحّة الرواية إلى عدم مشروعية النافلة في السفر ، لأنّها لو صلحت وشرعت لتمّت الفريضة أيضاً حال السفر وحيث إنّها لا تتم في السفر مطلقاً حتّى في مفروض المسألة فطبعاً لا تشرع النافلة.
فهي على خلاف المطلوب أدل كما لا يخفى ، وليس مفادها أنّ فعل الفريضة
[2347] مسألة 3 : لو صلّى المسافر بعد تحقّق شرائط القصر تماماً (1) ، فإمّا أن يكون عالماً بالحكم والموضوع أو جاهلاً بهما أو بأحدهما أو ناسياً فإن كان عالماً بالحكم والموضوع عامداً في غير الأماكن الأربعة بطلت صلاته ووجب عليه الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه ، وإن كان جاهلاً بأصل الحكم وأنّ حكم المسافر التقصير لم يجب عليه الإعادة فضلاً عن القضاء وأمّا إن كان عالماً بأصل الحكم وجاهلاً ببعض الخصوصيات مثل أنّ السفر إلى أربعة فراسخ مع قصد الرجوع يوجب القصر ، أو أنّ المسافة ثمانية ، أو أنّ كثير السفر إذا أقام في بلده أو غيره عشرة أيّام يقصّر في السفر الأوّل أو أنّ العاصي بسفره إذا رجع إلى الطاعة يقصّر ونحو ذلك وأتم وجب عليه الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه (1)، وكذا إذا كان عالماً بالحكم جاهلاً
تماماً ولو في الحضر يسوّغ الإتيان بالنافلة ولو في السفر لتدلّ على مشروعية النافلة في المقام كما هو أظهر من أن يخفي.
وعليه فالأقوى عدم مشروعية النافلة في جميع فروض المسألة ، استناداً إلى عموم ما دلّ على سقوطها في المقصورة بعد سلامته عما يصلح للتخصيص.
(1) حاصل ما ذكره (قدس سره) أنّ الإتمام في الموضع المستجمع لشرائط القصر يتصوّر على أقسام ، إذ قد يكون ذلك عن علم وعمد بالحكم وبالموضوع فيتمّ عامداً مع كونه عالماً بحكم القصر وبموضوعه ، وقد يكون عامداً في الإتمام ولكنّه جاهل بهما أو بأحدهما.
وهذا تارة يكون مع الجهل بأصل الحكم أو الموضوع ، كما لو كان جاهلاً
1) (*) لا يبعد عدم وجوب القضاء إذا علم بالحال في خارج الوقت.
بالموضوع كما إذا تخيّل عدم كون مقصده مسافة مع كونه مسافة ، فإنّه لو أتمّ وجب عليه الإعادة أو القضاء (1)، وأمّا إذا كان ناسياً لسفره أو أنّ حكم السفر القصر فأتمّ فإن تذكّر في الوقت وجب عليه الإعادة وإن لم يعد وجب عليه القضاء في خارج الوقت ، وإن تذكّر بعد خروج الوقت لا يجب عليه القضاء ، وأمّا إذا لم يكن ناسياً للسفر ولا لحكمه ومع ذلك أتمّ صلاته ناسياً (2)وجب عليه الإعادة والقضاء.
بأنّ حكم المسافر القصر ، أو أنّ مقصده مسافة.
وأُخرى مع الجهل بالخصوصيات مثل أنّ المسافة التلفيقية توجب التقصير أو أنّ المسافة الشرعية ثمانية فتخيّل أنّها أكثر ، أو أنّ العاصي بسفره إذا رجع إلى الطاعة يقصّر ، أو اعتقد أنّ من عدل عن نيّة الإقامة يتم ولو لم يأت بالرباعية ونحو ذلك.
وثالثة : يكون ناسياً لحكم السفر أو موضوعه أو غافلاً ، فلا يكون عامداً في الإتمام. فيكون مجموع الأقسام أربعة.
أمّا في صورة العلم والعمد : فلا إشكال في البطلان ولزوم الإعادة في الوقت بل القضاء في خارجه ، وإن كان ربّما يتأمّل في الأخير كما ستعرف.
ويستدلّ له بجملة من النصوص التي منها صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (3)المصرّحة بالإعادة فيما لو قرئت عليه آية التقصير وفسّرت له ، وغيرها. ولكنّا في غنى عن الاستدلال بها بعد كون البطلان هو مقتضى القاعدة الأوّلية ولو لم
.................................................................................................
ترد في المقام أيّة رواية ، وذلك من وجهين :
أحدهما : منافاته مع قصد القربة المعتبر في صحّة العبادة ، إذ كيف يمكن التقرّب من العالم العامد الملتفت إلى مخالفة عمله مع الواقع وعدم تعلّق الأمر به ، حتّى ولو كان ذلك بنحو التشريع المحرّم ، فإنّه موجب لحرمة العمل ، فكيف يتقرّب بالعمل الحرام.
ثانيهما : أنّ الإتمام زيادة في الفريضة ، بل من أظهر مصاديقها ، بعد كونها عمدية ومتعلّقة بالركن بل الركعة ، فيشمله عموم قوله (عليه السلام) : «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (1)، وقوله في صحيح زرارة : «إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها ، واستقبل صلاته استقبالاً» (2)فانّ المقام المشتمل على زيادة الركعتين عامداً هو القدر المتيقّن من تلك الأدلّة.
وقد أُشير إلى ذلك في رواية الأعمش بقوله (عليه السلام) : «ومن لم يقصّر في السفر لم تجز صلاته ، لأنّه قد زاد في فرض اللّه عزّ وجلّ» (3)فإنّ الرواية وإن كانت ضعيفة السند إلّا أنّ مضمونها صحيح غير قابل للإنكار ، فهو كمن صلّى الفجر أربعاً معتمداً.
ومنه تعرف أنّ البطلان هو مقتضى القاعدة الأوّلية في جميع الفروض المتقدّمة لاندراجها في عموم أدلّة الزيادة القادحة ، ما لم يرد على الصحّة دليل بالخصوص هذا.
مضافاً إلى اندراج العامد في جملة من النصوص الحاكمة بلزوم الإعادة ، التي منها : ما أشرنا إليه من صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم ، قالا «قلنا لأبي جعفر
.................................................................................................
(عليه السلام) : رجل صلّى في السفر أربعاً أيعيد أم لا؟ قال : إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسّرت له فصلّى أربعاً أعاد ، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه» (1)فانّ العالم العامد من أظهر مصاديق من قرئت عليه الآية وفسّرت له.
ومنها : صحيحة عبيد اللّه بن علي الحلبي قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : صلّيت الظهر أربع ركعات وأنا في السفر ، قال : أعد» (2)فإنّها وإن كانت محمولة على غير صورة العلم والعمد كالنسيان أو الغفلة ، لإباء جلالة الراوي وهو الحلبي ورفعة مقامه عن أن يتم في السفر جهلاً بالحكم ، فضلاً عن أن يفعله عالماً عامداً ، إلّا أنّها تدلّ على لزوم الإعادة في صورة العمد بالأولوية القطعية كما لا يخفى.
بل يمكن أن يقال : إنّ السؤال عن القضيّة الحقيقية الفرضية ، لا الخارجية الشخصية ليكون منافياً لجلالة الراوي ، وهذا استعمال دارج في كيفية طرح السؤال من الإسناد إلى النفس على سبيل التقدير والفرض ، فيقول السائل : فعلت كذا وكذا ، مريداً به السؤال عن الحكم الكلّي ، لا أنّه اتّفق له بشخصه خارجاً. وعليه فتكون الصحيحة بنفسها شاملة للعامد بمقتضى الإطلاق المستند إلى ترك الاستفصال.
وعلى الجملة : فلا ينبغي التأمل في دلالتها على حكم العامد إمّا بالفحوى أو بالإطلاق ، بل هي بنفسها شاملة لجميع فروض المسألة لولا ورود التخصيص عليها كما ستعرف. فلو كنّا نحن وهذه الصحيحة ولم يرد في المقام شيء من النصوص الخاصّة لحكمنا بالبطلان في جميع تلك الفروض ، كما كان هو مقتضى
.................................................................................................
القاعدة الأوّلية استناداً إلى أدلّة الزيادة حسبما مرّت الإشارة إليه.
ثمّ إنّ مقتضى الإطلاق في هذه الصحيحة كصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدّمة عدم الفرق في وجوب الإعادة بين الوقت وخارجه ، فيجب عليه التدارك في الوقت ، وإلّا فالقضاء في خارج الوقت.
ولكن قد يتأمّل في وجوب القضاء على العالم العامد ، نظراً إلى معارضة الإطلاق في صحيحة زرارة وابن مسلم مع الإطلاق في ذيل صحيحة العيص ابن القاسم ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلّى وهو مسافر فأتمّ الصلاة ، قال : إن كان في وقت فليعد ، وإن كان الوقت قد مضى فلا» (1).
فإنّ الأوّل المثبت للإعادة خاص بالعامدِ مطلقٌ من حيث الوقت وخارجه والثاني النافي لها مطلق من حيث العلم والجهل خاصّ بما بعد الوقت. فكلّ منهما مطلق من جهة وخاص من جهة ، فيتعارضان لا محالة ، ومعه يشكل التمسّك بإطلاق صحيح زرارة لإثبات القضاء ، بل وكذا صحيح الحلبي ، لوجوب تقييده بصحيحة العيص.
ولكنّه كما ترى ، فإنّ صحيحة العيص غير شاملة للعامد بوجه ، بل ناظرة إلى التفصيل بين الانكشاف في الوقت والانكشاف خارجه ، وأنّه تجب الإعادة في الأوّل دون الثاني ، لا أنّه إذا أراد أن يعيد فان كان الوقت باقياً أعاد وإلّا فلا ، كي تشمل صورة العمد.
ومرجع ذلك إلى أنّ شرطية التقصير ذكرية كما هو الحال في بعض الأجزاء والشرائط وأنّها خاصّة بحال الالتفات إليها في الوقت ، وبدونه لا شرطية له بل العمل صحيح حتّى واقعاً ، ولأجله لا تجب الإعادة.
فهي ناظرة إلى التفصيل من حيث الصحّة والفساد باعتبار الانكشاف في
1) الوسائل 8 : 505 / أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 1.
.................................................................................................
الوقت وخارجه ، وأجنبية عن مسألة القضاء ، لعدم تحقّق الفوات واقعاً ، ولذا لو فرضنا أنّه انكشف له في الوقت وتنجّز عليه التكليف ثمّ ترك القصر اختياراً أو بغير الاختيار فإنّه لا إشكال في وجوب القضاء حينئذ ، لأنّه ترك ما تنجّز عليه في الوقت ، ولا تكون هذه الصحيحة نافية له.
وعلى الجملة : مورد هذه الصحيحة ما إذا كان الإتمام مستنداً إلى اعتقاد المشروعية ثمّ انكشف الخلاف إمّا في الوقت أو في خارجه ، فلا تشمل العالم العامد قطعاً ، بل هو خارج عنها رأساً ، فلا تكون معارضة لصحيحة زرارة ، ولا مقيّدة لصحيح الحلبي ، فيبقى إطلاق الإعادة فيهما الشامل للوقت وخارجه على حاله.
وأمّا في صورة الجهل بأصل الحكم فلا تجب الإعادة وإن كان الوقت باقياً فضلاً عن القضاء كما هو المشهور ، بل ادّعي عليه الإجماع ، وذلك لقوله (عليه السلام) في ذيل صحيحة زرارة وابن مسلم : «وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه» الظاهر في الجاهل بأصل الحكم ، وبه يقيّد الإطلاق في صحيح الحلبي المتقدّم.
ولكن نسب إلى العماني (1)القول بوجوب الإعادة مطلقاً ، نظراً إلى أنّ صحيحة زرارة معارضة بصحيح العيص المثبت للإعادة في الوقت بالعموم من وجه ، إذ الأُولى مطلقة من حيث الوقت وخارجه مقيّدة بالجهل ، على العكس من الثاني وبعد التساقط يرجع إلى عموم مبطلية الزيادة ، المعتضد بإطلاق صحيح الحلبي.
ولكنّه واضح الدفع ، فانّ صحيح زرارة وابن مسلم كالصريح في نفي الإعادة في الوقت ، فإنّه المقصود بالذات ، والمعطوف إليه النظر ، والمنسبق إلى الذهن في
1) حكاه عنه الفاضل الآبي في كشف الرموز 1 : 227 ، والعلّامة في المختلف 2 : 538 المسألة 395
.................................................................................................
مقام تعلّق الحكم بنفي الإعادة أو بثبوتها كما تقتضيه المقابلة مع الصدر المثبت للإعادة على العالم.
فمفاد الصحيحة أنّ من يتم في موضع القصر فان كان عالماً به أعاد ، أي في الوقت ، ومقتضاه أنّه إن لم يعد بعد تنجّز التكليف إلى أن خرج الوقت وجب عليه القضاء بطبيعة الحال ، عملاً بعموم أدلّة القضاء. وإن كان جاهلاً بالحكم لا يعيد ، أي في الوقت ، المستلزم لنفي القضاء بطريق أولى. وعليه فلا يقاومها الإطلاق في صحيح العيص كي تتحقّق المعارضة.
ومنه تعرف ضعف ما حكي عن الإسكافي (1)والحلبي (2)من التفصيل بين الوقت وخارجه وأنّه يعيد في الأوّل دون الثاني ، استناداً إلى صحيحة العيص وجعلِها مقيّدة لإطلاق نفي الإعادة في صحيحة زرارة ، بحمله على النفي في خارج الوقت ، لما عرفت من أنّ المقصود بالذات والقدر المتيقّن من الإعادة المنفية إنّما هي الإعادة في الوقت ، ومعه كيف يمكن الحمل على خارج الوقت.
فهذان القولان شاذان ساقطان ، والصحيح ما عليه المشهور من نفي الإعادة مطلقاً ، من غير فرق بين الوقت وخارجه.
ثمّ لا يخفى أنّ الأمر بالإعادة متى ورد في الأخبار فهو إرشاد إلى الفساد فيجب الإتيان بالمتعلّق بنفس الأمر الأوّل الباقي على حاله ، إذ لا وجه لسقوطه بعد عدم الإتيان بمتعلّقه على وجهه ، بداهة عدم سقوطه بالعمل الفاسد الذي وجوده كالعدم ، فلا يتضمّن الأمر الثاني المتعلّق بالإعادة حكماً مولوياً ، كما أنّ نفي الإعادة إرشاد إلى الصحّة ، وأنّ المأمور به قد اتي به على وجهه وبتمامه وكماله من غير نقص فيه.
.................................................................................................
وعلى هذا المبنى الذي يكون الحكم عليه أظهر ، وإن لم يكن منوطاً به نقول : مقتضى الإطلاق في صحيحة الحلبي الآمرة بالإعادة لدى الإتمام في موضع القصر هو البطلان في جميع صور المسألة ، المستلزم للإعادة في الوقت ، وإلّا فالقضاء في خارجه باعتبار تحقّق الفوت ، وهذه الصحيحة يطابق مدلولها مع ما دلّ على البطلان بمطلق الزيادة العمدية والسهوية ، وأنّ من أيقن بزيادة الركعة استقبل صلاته استقبالاً على ما تقدّم (1).
وأمّا صحيحة زرارة فقد دلّت على عدم وجوب الإعادة لمن كان جاهلاً بأصل الحكم ، فيكون هذا خارجاً عن إطلاق صحيح الحلبي ، وقد عرفت أنّ معنى نفي الإعادة الإرشاد إلى الصحّة ، ومرجعه إلى التخصيص في موضع دليل القصر ، وأنّه خاص بمن لم يكن معتقداً بمشروعية التمام ، وإلّا فالقصر غير واجب في حقّه حتّى واقعاً.
وقد ذكرنا في الأُصول (2)أنّه يستفاد من هذه الصحيحة أنّ وظيفة مثل هذا الجاهل في صقع الواقع هو التخيير بين القصر والتمام ، ولذا لو نسي أو غفل فصلّى قصراً على نحو تمشّى منه قصد القربة يحكم بصحّة صلاته ، ولا يحتاج إلى الإعادة جزماً.
فيستكشف من ذلك أنّ المأمور به في حقّ الجاهل المعتقد مشروعية التمام لأجل أنّه لم تبلغه الآية أو لم تفسّر له هو الجامع بين القصر والتمام ، وإنّما يتعيّن القصر بالإضافة إلى من لم يعتقد مشروعية الصلاة تماماً حال السفر.
وعليه فيبقى تحت صحيح زرارة وكذا صحيح الحلبي الجاهل بالخصوصيات أو الموضوع ، والناسي والعالم ، فتجب عليهم الإعادة ، لصدق أنّهم ممّن قرئت
.................................................................................................
عليهم آية التقصير وفسّرت ، ومعنى ذلك الحكم بالبطلان حسبما ذكرناه.
وقد خرج عن ذلك الناسي أيضاً بمقتضى صحيح أبي بصير : «عن الرجل ينسى فيصلّي في السفر أربع ركعات ، قال : إن ذكر في ذلك اليوم فليعد ، وإن لم يذكر حتّى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة عليه» (1)فيستفاد منها أنّ شرطية التقصير أو فقل جزئية التسليم في الركعة الثانية ذكرية ومنوطة بالالتفات إليها في الوقت فلا تعتبر لو كان التذكّر خارج الوقت ، فتكون هذه الصحيحة بالإضافة إلى صحيح الحلبي وكذا صحيح زرارة مخصّصة لا محالة.
وورد هناك مخصّص ثالث ، وهو صحيح العيص المفصّل بين الانكشاف أو التذكّر في الوقت فيعيد ، وبين خارجه فلا يعيد. وقد عرفت أنّ هذه الصحيحة بنفسها غير شاملة للعامد ، فهو خارج عنها من أوّل الأمر ، لأنّها غير ناظرة إلى القضاء ، بل إلى الصحّة والبطلان ، وأنّه إن كان في وقت فالعمل فاسد وإلّا فصحيح ، والعامد يعلم بفساد عمله من أوّل الأمر ، كالناسي المتذكّر في الوقت فإنّه أيضاً يعلم بالفساد ووجوب القضاء إذا لم يتدارك.
فالعامد خارج عنها قطعاً ، وكذا الجاهل المحض أي الجاهل بأصل الحكم فإنّه لا إعادة عليه فضلاً عن القضاء ، بمقتضى ذيل صحيحة زرارة كما مرّ. فيبقى تحتها الجاهل بالخصوصيات والجاهل بالموضوع والناسي.
وبما أنّ النسبة بينها وبين صدر صحيحة زرارة الحاكم بالإعادة مطلقاً وكذا صحيح الحلبي نسبة الإطلاق والتقييد ، فتكون هذه مقيّدة لهما لا محالة ، فتكون النتيجة أنّ الوظيفة في هذه الموارد الثلاثة هو التفصيل بين ما لو كان الانكشاف أو التذكّر في الوقت فيعيد ، وبين ما كان في خارجه فلا يعيد ، هذا.
وقد يقال : إنّ النسبة بين صحيح زرارة وهذه الصحيحة أي صحيحة
1) الوسائل 8 : 506 / أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 2.
.................................................................................................
العيص عموم من وجه ، لأنّ الناسي قد خرج عن الأوّل بمقتضى التخصيص بصحيح أبي بصير كما مرّ ، فيبقى تحته العامد والجاهل بالخصوصيات أو بالموضوع. وأمّا هذه الصحيحة فهي غير شاملة للعامد في حدّ نفسها كما عرفت ، فالباقي تحتها الناسي والجاهل بالخصوصيات أو بالموضوع ، فالناسي خارج عن الأوّل والعامد عن الثاني ، ومورد الاجتماع الجاهل بالخصوصيات أو الموضوع ، فتجب الإعادة بمقتضى الأوّل ، ولا تجب إذا كان الانكشاف خارج الوقت بمقتضى الثاني وبعد التعارض يتساقطان ، والمرجع حينئذ عموم دليل قدح الزيادة الموجب للإعادة ولو في خارج الوقت ، لعدم الدليل على الإجزاء وقتئذ.
ولكنّه لا وجه له ، فإنّه مبني على الالتزام بانقلاب النسبة في مثل المقام ممّا كان هناك عام وورد عليه مخصّصان أحدهما أخصّ من الآخر. وقد ذكرنا في الأُصول (1)أنّ هذا ليس من موارد انقلاب النسبة ، إذ لا وجه لملاحظة العام مع أخصّ المخصّصين أوّلاً ، ثمّ ملاحظة النسبة بينه وبين المخصّص الآخر لتنقلب من العموم المطلق إلى العموم من وجه ، لأنّ نسبة المخصّص الأخص والمخصّص الأعم إلى العام نسبة واحدة ، وكلاهما وردا عليه في عرض واحد ، فلا موجب لتقديم أحدهما على الآخر.
وعلى هذا الأساس وهو الصحيح فلا موجب في المقام لتخصيص صحيح زرارة بصحيح أبي بصير أوّلاً وإخراج الناسي ، ثمّ ملاحظة النسبة بينه وبين صحيحة العيص التي هي أعم المخصّصين باعتبار شمولها للناسي وغيره ، بل كلاهما مخصّص في عرض واحد.
فلو كنّا نحن وصحيح زرارة ولم يكن شيء من هذين المخصّصين لحكمنا بالبطلان ووجوب الإعادة في الوقت وخارجه في غير الجاهل بأصل الحكم مطلقاً ، أي من غير فرق بين الناسي والعامد والجاهل بالخصوصيات والجاهل
1) مصباح الأُصول 3 : 393.
.................................................................................................
بالموضوع.
ولكن ما عدا العامد خرج عن الصحيح بمقتضى هذين المخصّصين ، فيحكم فيه بوجوب الإعادة لو كان التذكّر أو الانكشاف في الوقت ، وبعدمها أي الحكم بالصحّة لو كان ذلك في خارج الوقت. ونتيجة ذلك اختصاص البطلان المطلق الشامل للوقت وخارجه بالعامد فقط الباقي تحت صحيح زرارة ، وأمّا في غيره فيقيّد البطلان بما إذا كان الانكشاف في الوقت.
والمتحصّل من مجموع الروايات بعد ضمّ بعضها ببعض : أنّ العالم العامد يعيد في الوقت وفي خارجه ، والجاهل المحض لا يعيد في الوقت ولا في خارجه ، والناسي والجاهل بالخصوصيات والجاهل بالموضوع يعيد في الوقت لا في خارجه. فيحكم بالبطلان في الأوّل ، وبالصحّة في الثاني ، وبالتفصيل بين الوقت وخارجه في الثالث.
وقد تلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّ مقتضى أدلّة الزيادة وكذا صحيح الحلبي هو الحكم بالبطلان مطلقاً ، خرجنا عن ذلك في الجاهل بأصل الحكم بمقتضى ذيل صحيحة زرارة ، فلا يعيد في الوقت فضلاً عن خارجه ، وفي الجاهل بالخصوصيات وبالموضوع وفي الناسي للحكم أو الموضوع بمقتضى صحيحة العيص المفصّلة بين الوقت وخارجه ، ويبقى العامد تحت الإطلاقات ومنها صدر صحيحة زرارة القاضية بالبطلان في الوقت وفي خارجه.
وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّه لا وجه لتخصيص صحيح العيص بالناسي كما عن غير واحد ، بل هو عام له ولغيره ممّا عرفت ، وإنّما المختص به صحيحة أبي بصير كما تقدّم.
هذا كلّه بناءً على أن يكون المراد من تفسير الآية (1)المشار إليها في صحيح
1) النِّساء 4 : 101.
.................................................................................................
زرارة تفسير كلمة ( لَا جُنَاحَ ) بإرادة الوجوب دون الجواز.
وأمّا لو كان المراد تفسير الآية بجميع الخصوصيات فيلحق الجاهل بخصوصيات الحكم بالجاهل بأصل الحكم في عدم وجوب الإعادة في الوقت فضلاً عن خارجه.
ولكنّه لا وجه له ، بل الظاهر هو الأوّل كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدس سره) (1)وغيره ، إذ الآية كغيرها ممّا ورد في العبادات ليست إلّا في مقام أصل التشريع ، ولم تكن بصدد بيان الخصوصيات ليكون شرحها تفسيراً للآية المباركة بل هي موكولة إلى النبي (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) فيذكرونها بياناً للحكم الواقعي ، لا شرحاً للمراد وتفسيراً للآيات.
نعم ، كلمة ( لَا جُنَاحَ ) بما أنّها ناظرة إلى كيفية التشريع وقد أُريد بها خلاف ظاهرها من نفى البأس فهي بحاجة إلى التفسير لا محالة ، فذكروا (عليهم السلام) أنّ المراد بها الوجوب ، قياساً على ( لَا جُنَاحَ ) (2)الوارد في السعي حيث إنّ المراد به هناك هو الوجوب بلا إشكال.
وإنّما عبّر بنفي الجناح لنكتة وهي دفع ما قد يختلج في أذهان القاصرين من أنّ الصفا والمروة اللّذين كانا مركزين لأصنام المشركين كيف يكونان معبدين للمسلمين ، فبيّن سبحانه وتعالى بأنّ كونهما كذلك لا يمنع عن ذلك ، لأنّهما من شعائر اللّه ، وقد غصبهما المشركون ، فلا جناح أن يطّوف بهما.
وكذلك الحال في المقام ، فانّ اختيار هذا التعبير مع كون المراد هو الوجوب لنكتة ، ولعلّها لدفع ما قد يتوهّم من أنّ التقصير تنقيص للصلاة وتخفيف لشأنها.
وكيف ما كان ، فقد عرفت أنّ المراد من تفسير الآية بيان أصل وجوب
.................................................................................................
القصر في السفر لا خصوصياته. وعليه فصحيحة زرارة خاصّة بالجاهل بأصل الحكم ، ولا تعمّ الجهل بالخصوصيات.
بل يكفينا مجرّد الشك في أنّ المراد الجهل بأصل الحكم أم بخصوصياته ، إذ عليه تكون الصحيحة مجملة ، ومعه لا بدّ من الاقتصار في الخروج عن إطلاق صحيح العيص على المقدار المتيقّن وهو الجاهل المحض ، فيكون الجاهل بالخصوصيات مشمولاً للإطلاق السليم عما يصلح للتقييد ، فيحكم فيه بما تضمّنه من التفصيل بين الوقت وخارجه حسبما عرفت.
هذا كلّه فيما إذا كان ناوياً للإتمام من أوّل الأمر ومن لدن شروعه في الصلاة إمّا لجهل أو نسيان كما تقدّم.
وأمّا إذا دخل في الصلاة بنيّة القصر لعلمه بالحكم وبالموضوع وبجميع الخصوصيات ، ثمّ في الأثناء سها وغفل فزاد ركعتين وأتمّ الصلاة ، كما لو كان مقتدياً بإمام يصلّي تماماً فأتم الصلاة بتبعه غفلة كما يتّفق مثل هذا السهو لغير المسافر من سائر المكلّفين فهو غير مشمول للنصوص المتقدّمة جزماً ، بل لا إشكال في وجوب الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه كما أشار إليه في المتن عملاً بقوله (عليه السلام) : «إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالاً» (1)فهو كمن صلّى الفجر ثلاثاً أو المغرب أربعاً الذي لا ريب في بطلانه.
ولا يخفى أنّ عبارة المتن في المقام أعني قوله : وأمّا إذا لم يكن ناسياً للسفر ولا لحكمه ومع ذلك أتمّ صلاته ناسياً. غير خال عن نوع من الإغلاق ، إذ بعد فرض عدم كونه ناسياً للسفر ولا لحكمه فما معنى إتمام الصلاة ناسياً. ولو بدّله بقوله : ساهياً ، كان أولى ، فمراده من إتمام الصلاة ناسياً ، أي ساهياً وغافلاً عن
1) الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 1.
[2348] مسألة 4 : حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة (1) ، فيبطل مع العلم والعمد ، ويصحّ مع الجهل بأصل الحكم ، دون الجهل بالخصوصيات ودون الجهل بالموضوع (1).
عددها حسبما عرفت.
(1) الكلام في حكم الصوم في السفر سيجيء في محلّه من كتاب الصوم إن شاء اللّه تعالى (2)، ولكن بما أنّ الماتن تعرّض له في المقام لم يكن بدّ من الإشارة إليه حسبما يسعه المجال فنقول :
لا إشكال كما لا خلاف منّا في سقوط الصوم في السفر وعدم مشروعيته وتدلّ عليه قبل الروايات المتظافرة الآية الكريمة ، قال تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) (3)، فإنّها ظاهرة في تعيّن القضاء ، المستلزم للسقوط وعدم المشروعية ، حيث قسّم سبحانه المكلّفين إلى أقسام ثلاثة : فمنهم من وظيفته الصيام كالحاضر الذي يشهد الشهر ، ومنهم من وظيفته القضاء كالمريض والمسافر ، ومنهم من لم يكلّف لا بهذا ولا بذاك ، بل وظيفته الفدية ، وهم الذين لا يطيقونه كالشيخ والشيخة.
وظاهر التنويع في هذه الأقسام لزوم تلك الأحكام وتعيّنها ، ونتيجته ما عرفت من سقوط الصوم عن المسافر وعدم مشروعيته في حقّه ، فوظيفته القضاء ليس إلّا ، والأخبار به متكاثرة ومتظافرة من طرقنا ، بل ومن طرق العامّة
.................................................................................................
أيضاً (1)، وهذا ممّا لا إشكال فيه.
وعليه فلا يصحّ الصوم في السفر من العالم العامد جزماً ، فلو صام بطل ووجب قضاؤه بمقتضى إطلاق الآية وغيرها والنصوص الآتية في الجاهل.
كما لا إشكال في صحّته من الجاهل بأصل الحكم ، فإنّه القدر المتيقّن من النصوص المتضمّنة للإجزاء في صورة الجهل كصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر ، فقال : إن كان لم يبلغه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) نهى عن ذلك فليس عليه القضاء ، وقد أجزأ عنه الصوم» (2).
وصحيح الحلبي قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل صام في السفر فقال : إن كان بلغه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) نهى عن ذلك فعليه القضاء ، وإن لم يكن بلغه فلا شيء عليه» (3).
وصحيح العيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : من صام في السفر بجهالة لم يقضه» (4)، ونحوها صحيح ليث المرادي (5).
إنّما الكلام في الجاهل بالموضوع كمن اعتقد أنّ سفره دون المسافة ، أو الجاهل بالخصوصيات كمن تخيّل أنّ السقوط خاص بالأسفار البعيدة المشتملة على التعب والمشقّة دون القريبة ، ولا سيما إذا كانت بوسيلة مريحة كالباخرة والطائرة ونحوهما.
فقد يقال بالبطلان ووجوب القضاء في هذين الموردين ، كما في العالم العامد نظراً إلى اندراجهما في إطلاق صحيحتي عبد الرحمن والحلبي المتقدّمتين الدالّتين
.................................................................................................
على البطلان بمفهوم الاولى ومنطوق الثانية في من بلغه النهي ، لصدق بلوغه في الموردين المزبورين ، وإنّما الجهل في شيء آخر غير مناف لبلوغ النهي عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم).
وبذلك يقيّد الإطلاق في صحيح العيص ونحوه ، فانّ الصوم بجهالة المعلّق عليه الإجزاء وإن كان صادقاً في هذين الموردين أيضاً ، إلّا أنّ مقتضى صناعة الإطلاق والتقييد حمله على الجهل بأصل الحكم ، لصراحة الطائفة الأُولى في أنّ المناط في الصحّة عدم بلوغ النهي ، الظاهر في الجهل بأصل الحكم ، فهي أخصّ من الثانية فتقيّدها لا محالة.
ومع تسليم تكافؤ الظهورين وتساوي الإطلاقين من غير ترجيح في البين فغايته تعارض الطائفتين وتساقطهما ، والمرجع حينئذ عموم ما دلّ على بطلان الصوم في السفر من إطلاق الآية وغيرها كما مرّ.
أقول : الظاهر صحّة الصوم في صورة الجهل مطلقاً ، من غير فرق بين الجهل بأصل الحكم أو بالخصوصيات أو بالموضوع.
أمّا الأوّل فظاهر.
وأمّا الثاني : فلأنّ ما أُفيد من استظهار اختصاص الطائفة الأُولى بالجاهل بأصل الحكم مبني على أن يكون المشار إليه بكلمة «ذلك» في قوله (عليه السلام) : «إن كان بلغه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) نهى عن ذلك» هو طبيعي الصوم في السفر ، إذ عليه يصدق على الجاهل بالخصوصيات أنّه بلغه النهي عن طبيعي الصوم ، فتتحقّق المعارضة بينها وبين إطلاق الطائفة الثانية كما ذكر.
ولكنّه كما ترى بعيد عن سياق الرواية بحسب الفهم العرفي غايته ، بل ظاهر الصحيحة أنّ مرجع الإشارة هو الصوم المفروض في السؤال ، الصادر عن الرجل
.................................................................................................
على ما هو عليه من الخصوصيات ، لا الصوم الطبيعي على إطلاقه عارياً عن تلك الخصوصيات.
ومعلوم أنّ الجاهل بالخصوصية لم يبلغه النهي عن تلك الخصوصية ، فمن صام في السفر القريب بتخيّل اختصاص النهي بالأسفار البعيدة لم يبلغه النهي عن هذا الصنف من الصوم الذي ارتكبه ، وإنّما بلغه النهي عن صنف آخر فيشمله الحكم بعدم وجوب القضاء ، المطابق لمضمون الطائفة الثانية من غير أيّة معارضة.
وبعبارة واضحة : لا ريب أنّ نهي النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) عن الصوم في السفر انحلالي كما في سائر النواهي ، ينحلّ إلى نواهي عديدة بعدد أفراد الصيام الواقعة في الأسفار ، فلكلٍّ نهي يخصّه مغاير لغيره. ومن الواضح أنّ هذا الفرد الشخصي الصادر من الجاهل بالخصوصية لم يبلغ نهيه ، فيكون محكوماً بعدم وجوب القضاء بمقتضى صحيح الحلبي وغيره.
ومع التنزّل والشكّ في أنّ مرجع الإشارة هل هو الطبيعي أو الصنف الخاص فغايته إجمال صحيحتي عبد الرحمن والحلبي ، فيرجع حينئذ إلى إطلاق صحيح العيص الدالّ على نفي القضاء عن مطلق الجاهل من غير معارض.
وأمّا الثالث : أعني الجهل بالموضوع ، فدعوى صدق بلوغ النهي في مورده مشابهة لما يحكى في الأُصول على ما نقله شيخنا الأنصاري (قدس سره) (1)من ذهاب بعض إلى المنع عن جريان البراءة في الشبهات الموضوعية وتخصيصها بالحكمية على العكس ممّا عليه الأخباريون ، بدعوى أنّ البيان تام من قبل المولى في موارد الشبهات الموضوعية ، والحكم واصل ، وإنّما الشكّ في انطباقه على الموضوع الخارجي وأنّ هذا المائع مثلاً هل هو مصداق للخمر المعلوم
1) فرائد الأُصول 1 : 406.
.................................................................................................
حرمته أم لا ، الذي هو أجنبي عن المولى وغير مرتبط به ، وخارج عمّا تقتضيه وظيفته من تبليغ الأحكام ، وقد فعل وتنجّزت بمقتضى فرض العلم بها ، فقد أدّى ما عليه وتمّ البيان من قبله ، فلا يكون العقاب معه عقاباً بلا بيان ، فلا مناص من الاحتياط بحكومة العقل تحقيقاً للامتثال ودفعاً للضرر المحتمل من غير مؤمّن.
فعلى ضوء هذا البيان يدّعى في المقام أنّ الجاهل بالموضوع قد بلغه نهي النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) عن الصوم في السفر ، وتمّ البيان من قبله ، إذ ليس شأنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إلّا بيان الأحكام على نحو القضايا الحقيقية لا إيصالها إلى آحاد المكلّفين في كلّ من الأفراد الخارجية ، فالجاهل المزبور عالم بذلك النهي الكلّي المجعول في الشريعة المقدّسة ، وإنّما الجهل في شيء يرجع إلى نفسه وينشأ من قبله ، غير المنافي لصدق البلوغ المذكور.
وعلى الجملة : فالشبهة في المقامين من باب واحد ، وتنبعثان عن ملاك فأرد.
والجواب عنهما بكلمة واحدة ، وهي أنّ بلوغ الحكم ووصوله منوط بإحراز الكبرى والصغرى معاً ، أي العلم بالحكم الكلّي وبانطباقه على الموضوع الخارجي ولا يغني الأوّل عن الثاني ، فإنّ الأحكام وإن كانت مجعولة على سبيل القضايا الحقيقية إلّا أنّ القضية الحملية تعود بحسب النتيجة إلى القضية الشرطية ، مقدّمها وجود الموضوع وتاليها ترتّب الحكم.
فمرجع قولنا : الخمر حرام ، إلى قولنا : متى وجد في الخارج شيء وصدق عليه أنّه خمر فهو حرام. فاذا كان الشرط مشكوكاً كما هو المفروض فالشك فيه يرجع إلى الشك في تحقّق الموضوع ، وهو مساوق للشكّ في ثبوت الحكم فلا يكون واصلاً ولا التكليف منجّزاً.
وبعبارة اخرى : بعد أن كانت الأحكام انحلالية فلكلّ موضوع حكم يخصّه
.................................................................................................
فلا جرم يحتاج إلى وصول مغاير لوصول الحكم في موضوع آخر. فاذا فرضنا أنّ هناك مائعات ثلاثة أحدها مقطوع الخمرية ، والآخر مقطوع المائية ، والثالث مشتبه بينهما ، يصحّ أن يقال : إنّ هذا الأخير ممّا لم يصل حكمه ولم يعلم حرمته وإنّما الواصل حكم الأوّلين فقط. ومثله مورد لأصالة البراءة.
ففيما نحن فيه وإن كان الحكم الكلّي المتعلّق بطبيعي الصوم في السفر واصلاً وبالغاً إلّا أنّ تعلّق النهي بهذا الصوم الصادر في هذا السفر الشخصي ، الذي عرفت أنّه من شؤون انحلال الأحكام لم يكن واصلاً بالضرورة بعد فرض الشكّ في الموضوع والجهل به ، فيصحّ أن يقال إنّه لم يبلغه نهي النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) بالإضافة إلى هذا الفرد الذي هو الموضوع للإجزاء وعدم وجوب القضاء بمقتضى النصوص.
ومع التنزّل والشكّ في أنّ موضوع الحكم هل هو بلوغ النهي عن الطبيعي أو الفرد ، وأنّ العبرة بالجهل بأصل الحكم أو حتّى بموضوعه ، فغايته إجمال صحيح الحلبي وعبد الرحمن ، فيرجع حينئذ إلى إطلاق صحيح العيص السليم عمّا يصلح للتقييد.
فتحصّل : أنّ الأظهر مشاركة الصوم مع الصلاة فيما تقدّم من الأحكام ، فيبطل مع العلم والعمد ، ويصحّ أي لا يجب القضاء في جميع صور الجهل ، سواء تعلّق بأصل الحكم أم بالخصوصيات أم بالموضوع.
نعم ، يفترقان في صورة النسيان ، فيجب القضاء هنا دون الصلاة كما مرّ (1)لصدق بلوغ النهي وإن نسيه ، فيشمله إطلاق صحيح الحلبي من غير معارض بعد وضوح عدم ورود نص في الناسي ، واختصاصه بالجاهل كما تقدّم.
1) في ص 363 وما بعدها.
[2349] مسألة 5 : إذا قصّر من وظيفته التمام بطلت صلاته في جميع الموارد إلّا في المقيم المقصّر للجهل بأنّ حكمه التمام (1).
(1) لا ريب في أنّ مقتضى القاعدة هو البطلان في من قصّر في موضع الإتمام من غير فرق بين موارده من العلم أو النسيان أو الجهل بجميع صوره ، لأنّه قد نقص من صلاته ركعتين ، ونقصان الركعة بل الركن كزيادته موجب للبطلان. فنفس دليل الواقع بعد عدم انطباق المأمور به على المأتي به يستوجب الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه. وهذا واضح لا سترة عليه ، ولم يقع فيه خلاف من أحد.
إنّما الكلام في صورة واحدة ، وهي ما لو قصّر المقيم للجهل بأنّ حكمه التمام فقد دلّت صحيحة منصور بن حازم على الصحّة حينئذ ، قال : «سمعته يقول : إذا أتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة ، فإن تركه رجل جاهلاً فليس عليه إعادة» (1). وهي كما ترى صحيحة السند ظاهرة الدلالة ، ومقتضى الصناعة الخروج بها عن مقتضى القاعدة الأوّلية والالتزام بالصحّة في موردها.
بيد أنّه نوقش في حجّيتها ، نظراً إلى إعراض الأصحاب عنها ، المسقط لها عن درجة الاعتبار ، حيث إنّهم اقتصروا في مقام بيان المعذورية والخروج عن مقتضى القاعدة الأوّلية على التعرّض لعكس المسألة ، أعني ما لو أتمّ في موضع القصر كما تقدّم (2).
وأمّا هذه المسألة نفسها فلم ينصّ أحد منهم على معذورية الجاهل فيها وهذه الصحيحة بمرأى منهم ومسمع ، فيكشف ذلك كشفاً باتاً عن الإعراض المسقط لها عن الحجّية كما سمعت.
.................................................................................................
ويندفع : بمنع الكبرى والصغرى ، فانّ الإعراض على تقدير ثبوته لا يسقط الصحيح عن الحجّية كما مرّ في مطاوي هذا الشرح مراراً ، إذ المدار في اعتبار الرواية على وثاقة الراوي أو كونه موثقاً (1)، والإعراض وإن كشف عن خلل ظفر عليه المعرضون وقد خفي علينا ، حتّى اشتهر أنّه كلّما ازداد صحّة ازداد بالإعراض وهناً وبعداً ، إلّا أنّ ذاك الخلل المخفي قد لا يستوجب القدح بنظرنا لو اطّلعنا عليه ، ومن الجائز فساده بحسب الواقع. فلا يسعنا رفع اليد عن عموم دليل حجّية الموثّق بمجرّد الخلل المزعوم غير المعلوم قادحيته.
وعلى الجملة : فالبحث على تقدير تحقّق الإعراض كبروي ، والمختار منع الكبرى ، هذا أوّلاً.
وثانياً : أنّ الصغرى ممنوعة ، إذ لم يثبت الإعراض عن الصحيحة ، فقد افتى بمضمونها بعض المتأخّرين كابن سعيد في جامعه (2)، ونفى عنه البعد في مجمع البرهان (3)، نعم كلمات القدماء الذين هم المناط في الإعراض خالية عن التعرّض لذلك ، ولم تكن المسألة معنونة في كتبهم ، ككثير من المسائل التي سكتوا عنها وأهملوها فيما وصل إلينا من كتبهم ومجامعهم ، ولعلّه لبنائهم على الاقتصار في تآليفهم على ضروريات المسائل ممّا هو محلّ للابتلاء غالباً ، أو لم تكن الحاجة ماسة آن ذاك للتعرّض لأكثر ممّا ذكروا ، ولأجله لم يذكروا إلّا القليل من الكثير.
وكيف ما كان ، فعدم التعرّض شيء ، والإعراض شيء آخر ، وبينهما بون بعيد ، فلا يمكن استكشاف الثاني من الأوّل.
والحاصل : أنّه لم يثبت من الأصحاب ما ينافي العمل بالصحيحة ، بل غايته
[2350] مسألة 6 : إذا كان جاهلاً بأصل الحكم ولكن لم يصلّ في الوقت وجب عليه القصر في القضاء بعد العلم به (1) وإن كان لو أتمّ في الوقت كان
أنّهم سكتوا وأهملوا ، لا أنّهم أعرضوا.
اللّهمّ إلّا أن يناقش في سندها ، نظراً إلى اشتماله على موسى بن عمر ، وهو مشكوك بين شخصين ، أحدهما : موسى بن عمر بن بزيع ، وهو موثّق جليل القدر وثّقه النجاشي (1)وله كتاب. وثانيهما : موسى بن عمر بن يزيد ، وهو أيضاً معروف وله كتاب ، ورواياته كثيرة ، ولكن لم يرد فيه توثيق ، والأوّل من أصحاب الهادي (عليه السلام) والثاني من أصحاب العسكري ، والمظنون أنّ المراد به الثاني ، لأنّ الراوي عن كتابه سعد بن عبد اللّه ، الذي هو في طبقة محمد ابن يحيى شيخ الكليني ، فموسى بن عمر في طبقة مشايخ مشايخ الكليني ، ولأجله يظنّ أنّه ابن يزيد غير الموثّق ، ولا أقلّ من الشكّ ، فيكون الرجل مردّداً بين الموثّق وغيره ومعه يشكل الحكم بصحّة الرواية عند المشهور.
نعم ، بما أنّ الرجل مذكور في أسانيد كامل الزيارات فهو على مسلكنا موثّق على كلّ تقدير ، إمّا بتوثيق النجاشي أو بتوثيق ابن قولويه.
وعليه فالأظهر هو العمل بها في موردها ، أعني الجهل بالحكم كما ذكره في المتن ، دون غيره من سائر موارد الجهل ، فضلاً عن التعدّي إلى الناسي ، وإن كان الاحتياط بالإعادة ممّا لا ينبغي تركه.
(1) قد عرفت أنّ الجاهل بحكم القصر لو أتمّ في الوقت صحّت صلاته بمقتضى ذيل صحيحة زرارة وابن مسلم (2)المتضمّنة لعدم الإعادة في من لم تقرأ عليه آية التقصير.
صحيحاً. فصحّة التمام منه ليس لأجل أنّه تكليفه ، بل من باب الاغتفار ، فلا ينافي ما ذكرناه قوله : اقض ما فات كما فات. ففي الحقيقة الفائت منه هو القصر لا التمام ، وكذا الكلام في الناسي للسفر أو لحكمه فإنّه لو لم يصلّ أصلاً عصياناً أو لعذر وجب عليه القضاء قصراً.
إنّما الكلام فيما إذا لم يأت بالتمام فترك الصلاة رأساً إلى أن خرج الوقت عصياناً أو نسياناً فهل يجب القضاء قصراً لكونه الوظيفة الأصلية ، أو تماماً لانقلاب التكليف إليه ، المستكشف من صحّة التمام لو فعله في الوقت ، فيشمله قوله (عليه السلام) : اقض ما فات كما فات (1).
ومحلّ الكلام ما لو ارتفع جهله خارج الوقت قبل التصدّي للقضاء ، وأمّا لو قضاها تماماً جرياً على جهله السابق ثمّ انكشف الحال فالظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في الصحّة ، عملاً بإطلاق دليل الإجزاء ، الشامل لحالتي الأداء والقضاء كما هو واضح.
والظاهر وجوب القضاء قصراً كما ذكره في المتن ، بل لا ينبغي التأمّل فيه فانّ القصر هو الوظيفة الواقعية الثابتة في حقّ الجاهل كغيره ، بمقتضى عموم دليل وجوبه لكلّ مسافر ، غاية الأمر أنّه قام الدليل على الاجتزاء بما يفعله من التمام حال الجهل ، الذي مرجعه لدى التحليل إلى التخصيص في عموم دليل قدح الزيادة ، لا إلى انقلاب التكليف الواقعي وتبدّله من القصر إلى التمام ، فانّ هذا غير مستفاد من دليل الإجزاء بوجه.
وبعبارة اخرى : لو كنّا نحن ودليل وجوب القصر ولم يكن لدينا ما يدلّ على
1) الوسائل 8 : 268 / أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 1 [والمذكور في الحديث : «يقضي ما فاته كما فاته»].
[2351] مسألة 7 : إذا تذكّر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة (1) فإن كان قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة أتمّ الصلاة قصراً واجتزأ بها
قادحية الزيادة لحكمنا بصحّة التمام المأتي به في موضع القصر بمقتضى القاعدة من غير حاجة إلى ورود دليل خاص ، إذ هو مشتمل على القصر وزيادة والمفروض عدم الدليل على قدح الزيادة ، غير أنّ أدلّة القدح تمنعنا عن الحكم بالصحّة.
فإذا ورد دليل تضمّن الحكم بالصحّة في مورد كالجهل فهو بحسب النتيجة مخصّص لدليل القدح ، وليس مفاده إلّا العفو والاغتفار عن تلك الزيادة المأتي بها حال الجهل ، لا التبدّل في الحكم الواقعي وانقلابه من القصر إلى التمام ليكون مخصّصاً لعمومات القصر ، فانّ دليل الصحّة لا يستلزم ذلك بوجه حسبما عرفت. إذن لا موجب لرفع اليد عن إطلاقات التقصير لكلّ مسافر.
وعليه فالفائت عن الجاهل إنّما هو القصر ، فيجب القضاء قصراً بمقتضى قوله (عليه السلام) : اقض ما فات كما فات ، دون التمام بزعم أنّه لو صلّى في الوقت كانت تامة فكذا القضاء بمقتضى المماثلة ، فانّ صحّة التمام آن ذاك ، الراجع إلى عدم قدح الزيادة كما مرّ منوط بوقوعه حال الجهل ، فهو حكم خاصّ بالجاهل ، وقد فرضنا ارتفاع جهله بعد الوقت ، فانقلب الموضوع إلى العالم ، فكيف يصحّ منه التمام.
ومثله الكلام في الناسي للسفر أو لحكمه ، فيجري فيه ما مرّ بعينه.
(1) التذكّر المذكور قد يكون في مورد لا يمكنه العود إلى القصر ، لفوات محلّ العدول بالدخول في ركوع الركعة الثالثة ، وقد يكون قبل ذلك.
فعلى الأوّل حيث لا سبيل للعلاج فلا مناص من الاستئناف قصراً.
ولا يضرّ كونه ناوياً من الأوّل للتمام ، لأنّه من باب الداعي والاشتباه في المصداق لا التقييد ، فيكفي قصد الصلاة والقربة بها ، وإن تذكّر بعد ذلك بطلت ووجب عليه الإعادة مع سعة الوقت ولو بإدراك ركعة من الوقت بل وكذا لو تذكّر بعد الصلاة تماماً وقد بقي من الوقت مقدار ركعة ، فإنّه يجب عليه إعادتها قصراً. وكذا الحال في الجاهل بأنّ مقصده مسافة إذا شرع في الصلاة بنيّة التمام ثمّ علم بذلك ، أو الجاهل بخصوصيات الحكم إذا نوى التمام ثمّ علم في الأثناء أنّ حكمه القصر ، بل الظاهر أنّ حكم من كان وظيفته التمام إذا شرع في الصلاة بنيّة القصر جهلاً ثمّ تذكّر في الأثناء العدول إلى التمام ، ولا يضرّه أنّه نوى من الأوّل ركعتين مع أنّ الواجب عليه أربع ركعات لما ذكر من كفاية قصد الصلاة متقرّباً وإن تخيّل أنّ الواجب هو القصر ، لأنّه من باب الاشتباه في التطبيق والمصداق لا التقييد ، فالمقيم الجاهل بأنّ وظيفته التمام إذا قصد القصر ثمّ علم في الأثناء يعدل إلى التمام ويجتزئ به ، لكن الأحوط الإتمام والإعادة ، بل الأحوط في الفرض الأوّل أيضاً الإعادة قصراً بعد الإتمام قصرا.
وعلى الثاني يرجع إلى القصر بعد هدم القيام لو كان في الركعة الثالثة وسجود السهو حينئذ لو قلنا بوجوبه للقيام الزائد. ولا تضرّه نيّة التمام من الأوّل ، فإنّه من باب تخلّف الداعي والخطأ في التطبيق كما نبّه عليه في المتن ، إذ ليس القصر والتمام ماهيتين مختلفتين وحقيقتين متباينتين كالظهر والعصر والأداء والقضاء ليحتاج كلّ منهما إلى تعلّق القصد إليه بالخصوص ولا يجوز العدول من أحدهما إلى الآخر ما لم يدلّ عليه نصّ خاص ، بل هما حقيقة واحدة ، وإنّما الاختلاف في عدد الركعات ، كسائر الخصوصيات والكيفيات التي تختلف فيها
.................................................................................................
الأفراد مثل الجماعة والفرادى وصلاة الرجل والمرأة وغير ذلك.
فصلاة الظهر مثلاً طبيعة واحدة وقد نواها المكلّف ، غاية الأمر كان يعتقد أنّها ذات أربع ركعات فنواها تامّة ، فانكشف في الأثناء أنّها ذات ركعتين وليس هذا إلّا من باب الاشتباه في المصداق ، وليس من التقييد في شيء.
فلو فرضنا شخصاً حديث العهد بالإسلام ائتم بإمام في صلاة المغرب زاعماً أنّها أربع ركعات ، أو في صلاة الفجر معتقداً أنّها ثلاث ركعات ، فلما سلّم الإمام على الثالثة أو على الركعتين سلّم بتبعه ، أفهل يحتمل بطلان صلاته لعدم كونه ناوياً للثلاث أو الثنتين من أوّل الأمر؟
وعلى الجملة : لا يعتبر في صحّة الصلاة إلّا الإتيان بذات المأمور به ، وأن يكون بداعي التقرّب ، وقد حصل كلا الركنين حسب الفرض ، فلا موجب للبطلان. ولا يعتبر العلم بأعداد الركعات ، كما لا يعتبر العلم بسائر الخصوصيات.
وهذه مسألة سيّالة تجري في كلّ من اعتقد جزئية شيء أو عدم جزئيته وقد انكشف الحال قبل تجاوز المحل ، كمن اعتقد عدم وجوب التشهّد ، أو وجوب القراءة مرّتين ونحو ذلك ، ومنه المقام ، فإنّه يحكم بالصحّة ، لأنّ العبرة بقصد الماهية ، والخصوصيات لا دخل لها بعد ما عرفت من تقوّم الامتثال بالركنين المزبورين ، فمتى تذكّر وكان محلّ العدول باقياً جاز العدول بمقتضى القاعدة.
نعم ، ذكر المحقّق في الشرائع فرعاً ، وهو أنّه لو قصّر المسافر اتفاقاً ، بأن كان ناوياً للتمام جهلاً بالحكم ثمّ غفل وسلم على الركعتين يحكم ببطلان صلاته (1). وهذا كما ترى لا يستقيم ، بناءً على ما قدّمناه من أنّ القصر والتمام طبيعة واحدة والاختلاف من باب تخلّف الداعي والاشتباه في التطبيق غير القادح في الصحّة.
1) الشرائع 1 : 161.
.................................................................................................
فكلامه (قدس سره) مبنيّ إمّا على دعوى الانقلاب وأنّ المسافر الجاهل مكلّف واقعاً بالتمام ، والقصر في موضع التمام لا يجزي كما مرّ ، أو على اختلاف ماهية القصر والتمام وقد قصد المصلّي ماهية ووقعت في الخارج ماهية اخرى ولأجله لا يجزي.
وكلتا الدعويين ساقطتان كما علم ممّا مرّ ، فانّ الانقلاب خلاف ظواهر الأدلّة بل غايته اغتفار الزيادة لو حصلت (1). واختلاف الماهيتين ممنوع ، بل هما طبيعة واحدة ، فلا تضرّه نيّة الخلاف ما لم يكن على سبيل التشريع.
وكيف ما كان ، فلا نعرف وجهاً لحكمه (قدس سره) بالبطلان في هذا الفرع بل الأقوى الصحّة. وسيجيء لذلك مزيد توضيح في المسألة الآتية إن شاء اللّه تعالى.
ثمّ إنّك عرفت أنّ التذكّر إن كان بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة بحيث فات محلّ العدول بطلت ، ولا بدّ من الإعادة قصراً ، كما هو الحال فيما لو كان التذكّر بعد الفراغ من الصلاة ، وهذا فيما إذا كان الوقت وافياً للإعادة ولو بإدراك ركعة منه فلا إشكال.
وأمّا إذا ضاق الوقت حتّى عن إدراك الركعة فقد يتخيّل أنّه يتم صلاته ولا يرفع اليد عنها ، إذ لو رفع اليد لزمه القضاء ، وقد نطقت الروايات بسقوطه عن الناسي والجاهل. فلا مناص من إتمام ما بيده والاكتفاء به.
ويندفع بأنّ الروايات الناطقة بسقوط القضاء موضوعها من أتمّ في موضع القصر سهواً أو جهلاً ، بحيث تتّصف تلك الزيادة بكونها زيادة سهوية أو زيادة جهلية ، وأنّها حينئذ مغتفرة بمقتضى تلك النصوص كما تقدّم (2).
[2352] مسألة 8 : لو قصّر المسافر اتفاقاً لا عن قصد فالظاهر صحّة صلاته ، وإن كان الأحوط الإعادة ، بل وكذا لو كان جاهلاً بأنّ وظيفته القصر فنوى التمام لكنّه قصّر سهواً (1) ، والاحتياط بالإعادة في هذه الصورة آكد وأشد.
وأمّا الزيادة المأتي بها عن علم وعمد كما في المقام حيث إنّ الأجزاء المأتي بها بعد التذكّر أو الالتفات عمدية لا محالة فلم يقم أيّ دليل على اغتفارها ومعه كيف يسوغ له إتمام الصلاة ، وكيف يأتي بهذه الزيادات أعني الأقل من الركعة عالماً عامداً ، ولم ترد ولا رواية ضعيفة تقتضي العفو عنها حتّى يخرج بها عن عموم دليل قدح الزيادة. فمقتضى القاعدة البطلان ولزوم الإعادة ، وحيث لا تتيسّر لفرض ضيق الوقت فلا مناص من الانتقال إلى القضاء.
وممّا ذكرنا يظهر حكم عكس المسألة ، أعني ما لو قصد القصر في موضع الإتمام جهلاً بالحكم ، كمن لم يعلم أنّ ناوي الإقامة وظيفته الإتمام ثمّ التفت في الأثناء ، فإنّه يعدل حينئذ إلى التمام ، ولا تضرّه نيّة الخلاف ، فإنّه من باب الخطأ في المصداق كما مرّ.
ولا تتصوّر الزيادة هنا ، إذ لا يزيد القصر على التمام في مفروض المقام إلّا بالنسبة إلى السلام المستحب ، ولا بأس به كما هو ظاهر.
(1) هذا هو الفرع الذي تقدّمت (1)الإشارة إليه إجمالاً ، وعرفت أنّ المحقّق في الشرائع حكم فيها بالبطلان ، ولعلّه المشهور بين الفقهاء ، أي المتعرِّضين للمسألة.
1) في ص 380.
.................................................................................................
وتفصيل الكلام : أنّ من يقصّر اتفاقاً قد يفرض غفلته عن القصر والتمام بأن لم يكن حين شروعه في الصلاة ملتفتاً إلى شيء منهما ، ومن باب الاتفاق سلّم في الركعة الثانية ، كما لو ائتم المسافر بإمام في ركعته الثالثة وسلم بتبعه في الرابعة ثمّ التفت بعد السلام. ولا ينبغي الشكّ في الصحة حينئذ.
والظاهر أنّ المحقّق وأمثاله لا يريدون البطلان هنا ، لعدم كونه ناوياً للتمام بخصوصه ، وإنّما نوى امتثال الأمر الواقعي ، وقد أتى بمصداقه خارجاً ، كلّ ذلك بقصد التقرّب. فليس ثمّة ما يستوجب احتمال البطلان بوجه كما هو ظاهر جدّاً.
وأُخرى : يفرض نسيانه السفر أو حكمه ، ولأجله دخل في الصلاة بنيّة التمام ، ولكنّه سها بعد ذلك فسلّم على الركعتين اتفاقاً. وهذا الفرض قد تقدّم حكمه (1)، وعرفت أنّ الأقوى حينئذ الصحّة ، لأنّه قد نوى الأمر الواقعي المتعلّق بصلاة الظهر مثلاً ، غايته أنّه اشتبه في التطبيق فاعتقد أنّ مصداقه التمام ولأجله نواه. ولا ضير فيه بعد أن أتى بأجزاء الواجب خارجاً على ما هي عليه مع قصد التقرّب.
نعم ، يتّجه البطلان لو كان ذلك على سبيل التشريع ، لعدم كونه في الحقيقة قاصداً للأمر الفعلي. على أنّ التشريع بنفسه محرّم ، ولا يمكن التقرّب بالحرام. لكنّه خارج عن محلّ الكلام ، ومن البعيد جدّاً أن يريده المحقّق أو غيره.
وثالثة : يفرض جهله بالحكم فنوى التمام جاهلاً بأنّ وظيفته القصر ، ولكنّه قصّر سهواً. وقد ذكر في المتن أنّ الصلاة حينئذ وإن كانت صحيحة إلّا أنّ الاحتياط بالإعادة في هذه الصورة آكد وأشد.
وقد ظهر ممّا قدّمناه الفرق بين هذه الصورة وسابقتها ، المستوجب لآكدية
1) في ص 380.
.................................................................................................
الاحتياط ، حيث إنّه قيل هنا بانقلاب التكليف عن القصر إلى التمام ، وأنّ وظيفة الجاهل بالحكم هو التمام حتّى واقعاً. فعلى هذا المبنى لا مناص من الإعادة فإنّ القصر المأتي به لم يكن مأموراً به حسب الفرض ، وما تعلّق به الأمر وهو التمام لم يأت به خارجاً ، ولا دليل على إجزاء القصر عن التمام إلّا في صورة واحدة بمقتضى صحيحة منصور (1)، وهي غير ما نحن فيه كما سبق.
ولكنّك عرفت (2)فساد المبنى ، وأنّ الانقلاب ممّا لا أساس له من الصحّة بوجه ، حتّى أنّ تعيّن التقصير لم ينقلب إلى التخيير وإن سبق التعبير به منّا في مطاوي ما مرّ ، فإنّه كان مبنياً على ضرب من المسامحة ، والمراد أنّ زيادة الركعتين مغتفرة ، وأنّها لو حصلت جهلاً لم تقدح في الصحّة بمقتضى النصوص المتضمّنة لإجزاء التمام عن الجاهل بالقصر ، لا أنّه مخيّر واقعاً بين القصر والتمام وموظّف بالجامع بينهما ، فانّ النصوص المزبورة غير وافية لإثبات ذلك كما لا يخفى.
وعلى الجملة : الوظيفة الواقعية هي تعيّن القصر ، من غير فرق بين الجاهل وغيره من المسافرين ، غاية الأمر أنّ الروايات دلّت على أنّ الزيادة لو حصلت من الجاهل فهي مغتفرة ، وأنّه لو زاد ركعتين لم تبطل صلاته ، ومن باب الاتفاق لم يزد في المقام لأجل غفلة أو نحوها.
وعليه بما أنّ المأمور به الواقعي وهو القصر قد تحقّق مقروناً بقصد القربة فلا مناص من الحكم بالصحّة ، من غير حاجة إلى الإعادة ، وقد عرفت (3)أنّ القصر والتمام طبيعة واحدة ، وليسا حقيقتين متغايرتين ليكون قصد أحدهما
[2353] مسألة 9 : إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر متمكّن من الصلاة ولم يصلّ ثمّ سافر وجب عليه القصر ، ولو دخل عليه الوقت وهو مسافر فلم يصلّ حتّى دخل المنزل من الوطن أو محلّ الإقامة أو حدّ الترخّص منهما (1)أتمّ. فالمدار على حال الأداء لا حال الوجوب والتعلّق ، لكن الأحوط في المقامين الجمع (1).
مكان الآخر قادحاً في الصحّة ، بل هو من باب الخطأ في التطبيق والتخلّف في الداعي اشتباهاً ، ومثله لا ضير فيه.
فتحصّل : أنّ الأظهر هو الحكم بالصحّة في جميع الفروض الثلاثة المتقدّمة من الغفلة والنسيان والجهل ، وإن كان الاحتياط بالإعادة ممّا لا ينبغي تركه.
(1) لا يخفى أنّ ما أفاده (قدس سره) من أنّ الاعتبار في القصر والتمام بمراعاة حال الأداء وظرف الامتثال لا حال تعلّق الوجوب هو المطابق لمقتضى القاعدة أعني إطلاقات الأدلّة مع قطع النظر عن النصوص الخاصّة الواردة في المقام فإنّ إطلاقات القصر تقتضي وجوبه متى تصدّى المسافر للصلاة ، سواء أكان مسافراً أيضاً حال تعلّق الوجوب أم لا.
وهكذا عكسه ، فإنّ الإطلاقات الدالّة على وجوب سبع عشرة ركعة في كلّ يوم لكلّ مكلّف غير مسافر تقتضي وجوب التمام حين التصدّي للامتثال ، سواء أكان حاضراً أوّل الوقت أيضاً أم لا.
فلو كنّا نحن وتلك الأدلّة ولم يرد أيّ نصّ في المقام لكانت القاعدة تقتضي ما ذكره (قدس سره). فلا بدّ إذن من النظر إلى الروايات ، فان تضمّنت ما يخالفها
1) (*) لا اعتبار بحدّ الترخّص في محلّ الإقامة كما مرّ.
.................................................................................................
خرجنا بها عنها وكانت مخصّصة لها بطبيعة الحال ، وإن لم يثبت ذلك ولو من أجل الابتلاء بالمعارض كان المتّبع حينئذ هي تلك الإطلاقات بعد سلامتها عما يصلح للتقييد.
ثمّ إنّ ما ذكره (قدس سره) من أنّ الاعتبار بحال الأداء هو المعروف المشهور بل المتسالم عليه بين المتأخّرين ، ونسب الخلاف إلى جماعة منهم الصدوق في المقنع (1)والعماني (2)وبعض آخر ، فذكروا أنّ الاعتبار بحال الوجوب.
وذهب الشيخ في النهاية (3)وتبعه بعضهم إلى التخيير بين مراعاة كلّ من الحالتين المتخالفتين المشتمل عليهما الوقت ، فهو بالخيار بين القصر والتمام.
ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات الواردة في المقام ، فقد تضمّنت جملة منها وفيها الصحاح أنّ الاعتبار بحال الأداء ، فيقصّر المسافر وإن كان حاضراً أوّل الوقت ، وفي العكس ينعكس الأمر.
فمنها : صحيحة محمد بن مسلم في حديث قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يريد السفر فيخرج حين تزول الشمس ، فقال : إذا خرجت فصلّ ركعتين» (4).
وصحيحة إسماعيل بن جابر قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : يدخل عليّ وقت الصلاة وأنا في السفر ، فلا أُصلّي حتّى أدخل أهلي ، فقال : صلّ وأتمّ
1) المقنع : 125.
2) حكاه عنه في المختلف 2 : 540 المسألة 396.
3) [لاحظ النهاية : 123 فإنّ المذكور فيها : فإن خرج من منزله وقد دخل الوقت وجب عليه التمام إذا كان قد بقي من الوقت مقدار ما يصلِّي فيه على التمام ، فان تضيق الوقت قصّر ولم يتم. نعم ذكر التخيير في الخلاف 1 : 577 المسألة 332].
4) الوسائل 8 : 512 / أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 1.
.................................................................................................
الصلاة ، قلت : فدخل عليّ وقت الصلاة وأنا في أهلي أُريد السفر فلا أُصلّي حتّى أخرج ، فقال : صلّ وقصّر ، فان لم تفعل فقد خالفت واللّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)» (1). وقد تضمّنت الحكم من كلا الطرفين.
وصحيحة العيص بن القاسم : «عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر ثمّ يدخل بيته قبل أن يصلّيها ، قال : يصلّيها أربعاً ، وقال : لا يزال يقصّر حتّى يدخل بيته» (2)ونحوها غيرها.
وبإزائها روايات اخرى دلّت على أنّ الاعتبار بحال الوجوب ، فمنها : صحيحة محمد بن مسلم قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق ، فقال : يصلّي ركعتين ، وإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصلّ أربعاً» (3).
فإنّها ظاهرة في التعرّض لحكم ما بعد الدخول ، لا حكم الصلاة في الطريق فانّ قوله : «وقد دخل ...» إلخ جملة حالية ، لا أنّها بنفسها مورد للسؤال كما هو ظاهر جدّاً ، وكذا الحال في ذيل الصحيحة المتعرّض لعكس المسألة. ونحوها غيرها ممّا دلّ على أنّ العبرة بزمان تعلّق الوجوب ، ولأجله وقع الخلاف كما عرفت.
أمّا ما ذهب إليه الصدوق من أنّ الاعتبار بحال الوجوب فلا نعرف له وجهاً أبداً ، فإنّه ترجيح لأحد المتعارضين من غير مرجّح ، إذ لا موجب لتقديم هذه الصحيحة ونحوها على الطائفة الأُولى الدالّة على أنّ المناط هو حال الأداء. فهذا القول ساقط جزماً.
.................................................................................................
وأمّا ما اختاره الشيخ من المصير إلى التخيير ، بدعوى أنّه مقتضى الجمع بين الطائفتين بعد رفع اليد عن ظهور كلّ منهما في التعيين ، كما هو الشأن في كلّ مورد دار الأمر بين رفع اليد عن أصل الوجوب أو عن تعيّنه ، فانّ المتعيّن حينئذ هو الثاني ، ونتيجته الحمل على التخيير.
فيندفع بأنّ هذه الدعوى في نفسها شيء لا نضايق عنها ، إلّا أنّها بعيدة في المقام ، من جهة أنّ التخيير مناف لصريح صحيحة إسماعيل بن جابر الناطقة بتعيّن القصر ، حيث قال : «فان لم تفعل فقد خالفت واللّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم)» إذ مع كونه مخيّراً كيف يكون مخالفاً لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) في اختيار التمام (1).
وعلى الجملة : فالحمل على التخيير ساقط جزماً ، لأنّه مخالف لصريح الصحيحة المزبورة. فلا يمكن المساعدة على هذا القول أيضاً ، هذا.
ونسب إلى العلّامة الجمع بحمل ما دلّ على أنّ العبرة بحال الوجوب على ما لو خرج عن منزله وكان متمكّناً من التمام فلم يصلّ بعد ما استقرّ عليه الوجوب وما دلّ على أنّ العبرة بحال الأداء على ما لو خرج أوّل الوقت قبل أن يتمكّن من الإتيان بالصلاة التامة بمقدّماتها (2).
وهذا كما ترى جمع تبرّعي لا شاهد عليه. على أنّ هذا القيد وهو التمكّن من التمام وإن كان منسوباً إلى المشهور ، حيث أخذوه في موضوع الخلاف إلّا أنّه أيضاً لا دليل عليه كما أشار إليه المحقّق الهمداني (3)(قدس سره) فإنّه تقييد بلا موجب ، والروايات مطلقة من الطرفين ، فانّ المذكور فيها الخروج عن منزله
.................................................................................................
بعد ما دخل الوقت ولم يصلّ ، وهذا قد يفرض مع تمكّنه ، وأُخرى مع عدمه لاحتياج الصلاة إلى مقدّمات لا يسع الوقت لها كالغسل وغسل الثوب والبدن ونحو ذلك ، فحينما يخرج من حدّ الترخّص لم يمض مقدار من الزمان يتمكّن فيه من الصلاة مع المقدّمات. فالتقييد المزبور لا نعرف له وجهاً أصلا.
وكيف ما كان ، فالجمع المذكور عارٍ عن الشاهد كما عرفت. على أنّ بعض هذه الروايات كالصريح في أنّه كان متمكّناً وأخّر ، ومع ذلك حكم (عليه السلام) بالقصر كما في صحيحة إسماعيل بن جابر ، حيث قال : «فلا أُصلّي حتّى أخرج» إذ فرض أنّه لم يصلّ باختياره ، لا لأجل أنّه لم يتمكّن.
وربما قيل بالجمع بالحمل على ضيق الوقت وسعته ، وأنّ المسافر الذي يقدم أهله إن كان الوقت واسعاً يصلّي تماماً وإلّا قصراً.
وهذا الجمع بعيد في حدّ نفسه كما لا يخفى ، ولكن قد يستشهد له بما ورد في موثّقة إسحاق بن عمار قال : «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة ، فقال : إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتم ، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصّر» (1)حيث تضمّنت التفصيل بين سعة الوقت وضيقه. وهل المراد به وقت الفضيلة أو الأجزاء كلام آخر. وكيف ما كان فربما تجعل هذه شاهدة الجمع بين الطائفتين.
ولكنّه لا يتم ، فانّ المراد من هذه الموثّقة إتمام الصلاة في المنزل مع السعة وقصرها في السفر مع الضيق ، كما يكشف عن ذلك صحيحة محمد بن مسلم : «في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة ، فقال : إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتم ، وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل
1) الوسائل 8 : 514 / أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 6.
.................................................................................................
فليصلّ وليقصّر» (1).
فانّ هذه الصحيحة توضّح المراد من الموثّقة ، وأنّه يؤخّر الصلاة إلى أن يدخل أهله إن وسع الوقت والظاهر هو وقت الفضيلة فيتم حينئذ ، وإلّا فيقصّر وهو في الطريق وقبل أن يدخل ، لا أنّه بعد الدخول يتم إن وسع الوقت وإلّا فيقصّر. فهذا الجمع أيضاً ساقط.
إذن فالصحيح أنّ الروايات متعارضة ، ولا سبيل إلى الجمع العرفي بوجه. وعليه فيحتمل أن تكون الروايات الدالّة على التمام في السفر محمولة على التقيّة كما لا يبعد استفادته من قوله (عليه السلام) في صحيحة إسماعيل بن جابر : «فان لم تفعل فقد خالفت واللّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم)». فكأنّ العامّة كانوا يصلّون تماماً في السفر ، ولأجله عبّر بهذا التعبير ، فتأمّل.
فإن أمكن هذا الحمل فهو ، وإلّا فينتهي الأمر إلى التساقط ، والمرجع حينئذ عمومات الكتاب والسنّة الدالّة على لزوم التقصير في السفر كما مرّ ، إذ لم يثبت شيء على خلافها.
وإن شئت قلت : إنّ تلك العمومات مرجّحة لنصوص الاعتبار بالأداء. فأخبار الاعتبار بالوجوب ساقطة ، لمعارضتها بتلك النصوص الموافقة لعمومات الكتاب والسنّة.
فتحصّل : أنّ ما عليه جمهور المتأخّرين من أنّ الاعتبار بحال الأداء لا حال تعلّق الوجوب هو الصحيح.
1) الوسائل 8 : 514 / أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 8.
[2354] مسألة 10 : إذا فاتت منه الصلاة وكان في أوّل الوقت حاضراً وفي آخره مسافراً أو بالعكس فالأقوى أنّه مخيّر بين القضاء قصراً أو تماماً لأنّه فاتت منه الصلاة في مجموع الوقت ، والمفروض أنّه كان مكلّفاً في بعضه بالقصر وفي بعضه بالتمام ، ولكن الأحوط مراعاة حال الفوت (1)وهو آخر الوقت ، وأحوط منه الجمع بين القصر والتمام (1).
(1) تقدّم (2)أنّ العبرة في القصر والتمام بحال الأداء لا حال تعلّق الوجوب هذا حكم الأداء.
وأمّا في القضاء فقد حكم في المتن بالتخيير بين القصر والتمام ، نظراً إلى أنّ الفائت منه طبيعي الصلاة في مجموع الوقت الذي كان مكلّفاً بالقصر في بعضه وبالتمام في البعض الآخر ، وحيث لا ترجيح لأحدهما على الآخر ، ومن الضروري عدم وجوب الجمع ، إذ القضاء لا يزيد على الأداء ، ولم يكن مكلّفاً في الوقت إلّا بأحدهما ، فلا مناص من التخيير.
وفيه : أنّ ما أُفيد وإن كان هو المطابق لمقتضى القاعدة ، إلّا أنّك عرفت في مبحث القضاء (3)دلالة النصوص على أنّ ما فات قصراً يقضى قصراً ، وما فات تماماً يقضى تماماً ، فيظهر منها أنّ العبرة في القضاء بحال الفوت ، وبطبيعة الحال يكون الاعتبار بآخر الوقت ، الذي هو المناط في صدق الفوت ، فان كان حاضراً حينئذ فقد فاتته الصلاة التامة فيجب القضاء تماماً ، وإن كان مسافراً فقصراً ولا عبرة بالحالة السابقة ، لعدم صدق الفوت بملاحظتها.
.................................................................................................
نعم ، خبر زرارة صريح الدلالة في أنّ العبرة في القضاء بحال الوجوب ، عن أبي جعفر (عليه السلام) : «أنّه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر فأخّر الصلاة حتّى قدم وهو يريد يصلّيها إذا قدم إلى أهله ، فنسي حين قدم إلى أهله أن يصلّيها حتّى ذهب وقتها ، قال : يصلّيها ركعتين صلاة المسافر ، لأنّ الوقت دخل وهو مسافر ، كان ينبغي له أن يصلّي عند ذلك» (1)وبمقتضى التعليل يتعدّى إلى عكس الفرض المذكور في السؤال.
ودعوى أنّها وإن وردت في القضاء إلّا أنّ ظاهر التعليل عموم الحكم للأداء فتكون من الأخبار الدالّة على أنّ الاعتبار في الوقت بحال الوجوب ، فتعارض بما دلّ على أنّ الاعتبار بحال الأداء كما تقدّم في المسألة السابقة ، ولأجله تسقط عن صلاحية الاستدلال بها في المقام.
غير مسموعة ، فإنّ النظر فيها سؤالاً وجواباً مقصور على التعرّض لحكم القضاء فحسب ، ولا تعرّض فيها للأداء بوجه ، إذ لا يكاد يشك السائل في أنّه لو صلّى في الوقت عند أهله لصلّى تماماً ، إذ لو اعتقد أنّه يصلّي حينئذ قصراً باعتبار حال الوجوب لم يكن له شكّ بعد هذا في وجوب القضاء قصراً أيضاً فلم يبق موقع للسؤال عن حكم القضاء.
وإنّما الذي أوقعه في الشك ودعاه إلى السؤال تعاقب الحالتين المختلفتين في الوقت المستتبعتين لحكمين متباينين ، حيث رأى أنّه لو صلّى أوّل الوقت لصلّى قصراً ، ولو صلّى آخره لكان تماماً ، من غير شكّ في شيء من هذين الحكمين وعند ما خرج الوقت وفاتته الفريضة تردّد في أنّ الاعتبار في القضاء بأوّل الوقت أم بآخره ، ولأجله اضطرّ إلى السؤال عن حكمه ، فأجاب (عليه السلام) بعد تقرير ما كان مغروساً في ذهنه بعدم الردع بأنّ الاعتبار بأوّل الوقت
1) الوسائل 8 : 513 / أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 3.
.................................................................................................
معلّلاً بأنّ الوقت دخل وهو مسافر فكان ينبغي له أن يصلّي عند ذلك ، فكأنّ حلول الوقت يستدعي استقرار الوجوب إن قصراً أو تماماً ، ولا يسقط إلّا به أو ببديله المأتي به في الوقت ، وإلّا فهو على عهدته إلى أن يقضي خارج الوقت.
وعلى الجملة : فظهور الرواية في أنّ الاعتبار في القضاء بحال الوجوب لعلّه غير قابل للإنكار ، هذا.
ولكن صاحب الوسائل ذكر الرواية في عداد الروايات الواردة في من دخل عليه الوقت وهو حاضر فسافر أو بالعكس ، وأنّ الاعتبار هل هو بوقت الوجوب أو بحال الأداء. وكأنّه فهم (قدس سره) منها أنّ السؤال والجواب ناظران إلى الصلاة أداءً لا قضاءً (1).
ولعلّه من أجل أنّه فهم من الوقت المذكور فيها الوقت الأوّل المعبّر عنه في كلام المتأخّرين بوقت الفضيلة ، والذي يطلق عليه الوقت في لسان الأخبار كثيراً ، سيما الوارد منها في باب الأوقات ، وقد ورد أنّ لكلّ صلاة وقتين إلّا المغرب فانّ لها وقتاً واحداً (2)، فإطلاق الوقت على هذا المعنى كان من الشائع المعروف ، بل عبّر بتضييع الوقت في من أخّر الصلاة عنه (3)وإن كانت أداءً ، حتّى قيل بحرمته.
فبناءً عليه تكون الرواية من روايات المسألة السابقة ، ومن قبيل ما دلّ على أنّ الاعتبار بأوّل الوقت وحال تعلّق الوجوب ، لا بحال الأداء ، فتكون معارضة بالطائفة الأُخرى الدالّة على أنّ العبرة بوقت الأداء وظرف الامتثال.
.................................................................................................
ولا يبعد أنّ ما فهمه (قدس سره) هو الصحيح ، إذ لم يقل (عليه السلام) في مقام الجواب : يقضيها ، بل قال : «يصلّيها ...» إلخ ، الظاهر في أنّ المأتي به هو نفس الصلاة المأمور بها في الوقت ، لا أنّ أمرها سقط وهذه صلاة أُخرى تقوم مقام الاولى تداركاً لها ، المعبّر عنها بالقضاء خارج الوقت. وعليه فالرواية أجنبية عن باب القضاء ، وتكون من روايات باب الأداء كما عرفت.
وهي معتبرة السند ، فانّ موسى بن بكر وإن لم يوثّق صريحاً في كتب الرجال ولكنّه مذكور في أسناد تفسير علي بن إبراهيم ، الذي شهد كابن قولويه بوثاقة من في أسناد كتابه. مضافاً إلى شهادة صفوان بأنّ كتاب موسى بن بكر ممّا لا يختلف فيه أصحابنا (1). فما فهمه (قدس سره) غير بعيد ، بل لعلّه قريب.
نعم ، إذا حملناها على وقت الإجزاء بأن أُريد من ذهاب الوقت صيرورة الصلاة قضاء ، والتعبير بقوله (عليه السلام) : «يصلّيها» لأجل مشاركة القضاء مع الأداء في الصورة إذن تكون الرواية واردة في مورد القضاء ، وقد دلّت على أنّ الميزان في القضاء بأوّل الوقت. فبناءً على هذا يمكن أن يقال : إنّ هذه الرواية مخصّصة لعموم ما دلّ أنّ ما فات قصراً يقضى قصراً ، وما فات تماماً فتماماً.
ولكنّه مع ذلك لا يتم ، إذ ليس التعليل ناظراً إلى خصوص القضاء ، بل مفاده أنّ الميزان في الخروج عن الوظيفة مراعاة أوّل الوقت ، بلا فرق بين كون الخروج داخل الوقت أم خارجه. فمقتضاه أنّ العبرة في الامتثال بحدوث التكليف المستلزم لكونه في الوقت أيضاً كذلك ، وإلّا لم نعرف وجهاً للتعليل على تقدير الاختصاص بالقضاء ، بل لا يكاد يصحّ كما لا يخفى. وعليه فتسقط من أجل المعارضة ببقية الروايات الدالّة على أنّ العبرة بحال الأداء.
وكيف ما كان ، فلا يمكن رفع اليد عن عموم ما دلّ على تبعية القضاء لفوت
1) معجم رجال الحديث 20 : 33 / 12767.
[2355] مسألة 11 : الأقوى كون المسافر مخيّراً بين القصر والتمام في الأماكن الأربعة (1) ، وهي مسجد الحرام ، ومسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ومسجد الكوفة ، والحائر الحسيني (عليه السلام) ، بل التمام هو الأفضل ، وإن كان الأحوط هو القصر.
الأداء من حيث القصر والتمام بمثل هذه الرواية وإن كانت معتبرة.
(1) على المشهور المعروف بين القدماء والمتأخِّرين ، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه ، بل نسبته إلى مذهب الأصحاب ومتفرّداتهم. وعن المرتضى (1)وابن الجنيد (2)تعيّن التمام ، وعن الصدوق تعيّن القصر وأنّه لا فرق بين هذه المواطن وسائر البلدان ، غير أنّه رعاية لشرافة البقعة يستحبّ له أن يقيم فيتم لا أنّه يتم من غير قصد الإقامة (3). ومنشأ الخلاف اختلاف الأخبار ، فقد دلّت جملة منها على التمام ، وأُخرى على القصر ، وثالثة على التخيير كما ستعرف. ولا يمكن أن يراد بالأخير التخيير بين قصد الإقامة وعدمه.
إذ فيه أوّلاً : أنّ هذا لا يختص بتلك الأماكن ، بل يعمّ جميع البلاد ، فما هو الامتياز لهذه البقاع.
وثانياً : يأباه بعض نصوص التمام الدالّة على أنّه يتم ولو بقي بمقدار صلاة واحدة وكان بنحو المرور (4)، فانّ هذا لا يجتمع مع التخيير بالمعنى المزبور كما هو ظاهر جدّاً.
.................................................................................................
ولا يخفى أنّ نصوص التمام قابلة للجمع مع أخبار التخيير ، بأن يحمل الأمر بالتمام على أفضل الأفراد ، فيرفع اليد عن ظهور الأمر في التعيين ويحمل على التخيير.
وأمّا نصوص القصر فلا يمكن حمل الأمر فيها على الجواز ، سيما المفضول من الفردين ، وإن احتمله الشيخ فحمل الأمر بالقصر على الجواز ، غير المنافي للتخيير (1).
على أنّ هذا لا يتم في مثل صحيحة أبي ولاد (2)الواردة في المدينة ، لظهورها بل صراحتها في تعيّن القصر فيما بينه وبين شهر ما لم ينو المقام عشرة أيام.
نعم ، لو كانت نصوص التقصير منحصرة في هذه الصحيحة لأمكن الذبّ عن الإشكال ، بأن يقال : إنّ النظر في الجواب والسؤال معطوف على جهة العدول عن نيّة الإقامة ، والتفصيل بين الإتيان بالرباعية وعدمها ، فهي متعرّضة لبيان حكم عام لمطلق البلدان على سبيل الكبرى الكلّية ، مع قطع النظر وغمض العين عن خصوصية المورد. فلم ينظر الإمام (عليه السلام) إلى مورد الصحيحة وإنّما نظر إلى جهة السؤال ، أعني حيثية العدول عن نيّة الإقامة. ولكنّها غير منحصرة في ذلك كما ستعرف (3).
وكيف ما كان ، فقد عرفت أنّ النصوص على طوائف ثلاث :
فممّا دلّ على التخيير جملة من الأخبار :
منها : صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) : «في الصلاة بمكّة ، قال : من شاء أتمّ ومن شاء قصّر» (4).
.................................................................................................
وصحيحة الحسين بن المختار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال «قلت له : إنّا إذا دخلنا مكّة والمدينة نتم أو نقصّر؟ قال : إن قصّرت فذلك ، وإن أتممت فهو خير تزداد» (1).
وصحيحة علي بن يقطين الأُخرى ، قال : «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن التقصير بمكّة؟ فقال : أتمّ ، وليس بواجب ، إلّا أنّي أُحبّ لك ما أُحبّ لنفسي» (2)ونحوها غيرها.
وهذه الأخيرة وإن كان في سندها إسماعيل بن مرار ، ولم يوثق صريحاً في كتب الرجال ، إلّا أنّه مذكور في أسناد تفسير علي بن إبراهيم ، الذي التزم (3)كابن قولويه (4)أن لا يروي إلّا عن الثقة ، فهو موثّق بتوثيقه الذي لا يقلّ عن توثيق الرجاليين.
وقد عرفت عدم إمكان حمل هذه النصوص على التخيير في الموضوع ، بمعنى كونه مخيّراً بين قصد الإقامة وعدمه كما لعلّ الشيخ الصدوق فهم هذا المعنى ولذا ذهب إلى التقصير مع روايته أخبار التخيير ، لبعده في حدّ نفسه ، من أجل استلزامه نفي الخصوصية لهذه المواطن ، فإنّ الأمر بالإتمام يمكن أن تكون له خصوصية وهي الإيعاز إلى الأفضلية ، وأمّا الأمر بالتخيير بهذا المعنى فهو مشترك فيه بين البلاد ، فينتفي الاختصاص.
على أن جملة من النصوص صريحة في الإتمام ولو صلاة واحدة وكان بنحو المرور على هذه الأماكن من غير الإقامة فيها.
.................................................................................................
منها : صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التمام بمكّة والمدينة ، فقال : أتمّ وإن لم تصلّ فيهما إلّا صلاة واحدة» (1).
وصحيحة مسمع بن عبد الملك : «إذا دخلت مكّة فأتمّ يوم تدخل» (2). ولا يمنع اشتمال الطريق على ابن أبي جيد الذي لم يوثق صريحاً في كتب الرجال فإنّه من مشايخ النجاشي ، وكلّهم ثقات حسب ما التزم به من عدم روايته بلا واسطة إلّا عن الثقة (3).
وصحيحة (4)عثمان بن عيسى قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن إتمام الصلاة والصيام في الحرمين ، فقال : أتمّها ولو صلاة واحدة» (5)ونحوها غيرها.
ولعلّ إعراضه (عليه السلام) في الجواب عن حكم الصوم من أجل عدم ثبوت التخيير فيه واختصاصه بالصلاة.
وكيف ما كان ، فهذه النصوص لا تجتمع مع التخيير بالمعنى المزبور.
وبإزاء نصوص التخيير روايات دلّت بظاهرها على تعيّن الإتمام.
منها : صحيحة حماد بن عيسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «أنّه قال : من مخزون علم اللّه الإتمام في أربعة مواطن : حرم اللّه ، وحرم رسوله ، وحرم أمير المؤمنين (عليه السلام) وحرم الحسين بن علي (عليه السلام)» (6)، والمراد
1) الوسائل 8 : 525 / أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 5.
2) الوسائل 8 : 526 / أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 7.
3) رجال النجاشي : 85 / 207 ، 396 / 1059.
4) [الظاهر كونها موثقة ، لعدم ثبوت رجوعه عن الوقف كما صرّح في المعجم 12 : 132 / 7623].
5) الوسائل 8 : 529 / أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 17.
6) الوسائل 8 : 524 / أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 1.
.................................................................................................
بحرم أمير المؤمنين (عليه السلام) الكوفة أو مسجدها كما في النصوص الأُخر على ما ستعرف.
وصحيحة مسمع عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال : «كان أبي يرى لهذين الحرمين ما لا يراه لغيرهما ويقول : إنّ الإتمام فيهما من الأمر المذخور» (1).
ولا يخفى أنّا لو كنّا نحن وهاتين الروايتين المعتبرتين لأمكن أن يقال : إنّه لا دلالة لهما على الوجوب ، بل غايته أنّ الإتمام من الأمر المخزون المذخور ، وأمّا أنّه واجب أو مستحبّ فلا دلالة عليه بوجه.
ولكن هناك روايات تضمّنت الأمر بالتمام ، الظاهر في الوجوب ، مثل صحيحة ابن الحجاج ونحوها المتقدّمة آنفاً ، الآمرة بالتمام ولو صلاة واحدة.
إلّا أنّ الجمع العرفي بينها وبين نصوص التخيير يقتضي الحمل على الاستحباب ، فيرفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب بصراحة الآخر في جواز الترك إلى البدل.
على أنّ الاستحباب مستفاد من نفس الروايات كقوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن يقطين المتقدّمة : «أتم ، وليس بواجب إلّا أنّي أُحبّ لك ما أُحبّ لنفسي» (2).
ونحوها صحيحة علي بن مهزيار قال : «كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : إنّ الرواية قد اختلفت عن آبائك في الإتمام والتقصير للصلاة في الحرمين فمنها أن يؤمر بتتميم الصلاة ، ومنها أن يؤمر بقصر الصلاة ، بأن يتم الصلاة ولو صلاة واحدة ، ومنها أن يقصّر ما لم ينو عشرة أيام ، ولم أزل على الإتمام فيها إلى أن صدرنا في حجّنا في عامنا هذا ، فانّ فقهاء أصحابنا أشاروا إلىّ بالتقصير
.................................................................................................
إذا كنت لا أنوي مقام عشرة أيام ، فصرت إلى التقصير ، وقد ضقت بذلك حتّى أعرف رأيك ، فكتب إليّ (عليه السلام) بخطِّه : قد علمت يرحمك اللّه فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما ، فأنا أُحبّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر ، وتكثر فيهما من الصلاة ، فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهة : إنّي كتبت إليك بكذا وأجبتني بكذا ، فقال : نعم ، فقلت : أيّ شيء تعني بالحرمين؟ فقال : مكّة والمدينة» (1).
قوله : «ومنها أن يؤمر بقصر الصلاة ...» إلخ ، الظاهر أنّ النسخة مغلوطة والصحيح : أن يؤمر بإتمام الصلاة ولو صلاة واحدة (2).
فيريد ابن مهزيار أنّ الروايات الواردة عنهم (عليهم السلام) على ثلاثة أقسام : الأمر بالتمام ، والأمر بالتمام ولو صلاة واحدة ، والأمر بالقصر. وكيف ما كان ، فهي كالصريح في استحباب التمام ، فلا منافاة بينها وبين نصوص التخيير بوجه.
إنّما الكلام في الجمع بينها أي نصوص التخيير وبين الطائفة الثالثة ، أعني الروايات الدالّة على القصر ، وهي عدّة من الأخبار.
فمنها : صحيحة أبي ولّاد المتقدّمة ، وقد عرفت حملها على ما لا ينافي التخيير فان تمّ كما هو الحقّ وإلّا فحالها حال سائر ما دلّ على القصر.
ومنها : صحيحة معاوية بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قدم مكّة فأقام على إحرامه ، قال : فليقصّر الصلاة ما دام محرماً» (3). وقد حملها الشيخ على الجواز (4)، وهو بعيد كما لا يخفى.
1) الوسائل 8 : 525 / أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 4.
2) [الموجود في التهذيب 5 : 428 / 1487 ، والاستبصار 2 : 333 / 1183 هكذا : «فمنها أن يأمر بتتميم الصلاة ولو صلاة واحدة ، ومنها أن يأمر بقصر الصلاة ما لم ينو مقام عشرة أيام ...»].
3) الوسائل 8 : 525 / أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 3.
4) التهذيب 5 : 474 ذيل ح 1668.
.................................................................................................
والظاهر لزوم ردّ علمها إلى أهله ، لأنّ التفصيل في الإتمام والتقصير بين الإحرام والإحلال ممّا لم يقل به أحد ، ولعلّ الأمر بالقصر ما دام محرماً لما فيه من نوع مشابهة للعامّة القائلين بالقصر مطلقاً (1)، فيكون محمولاً على التقيّة. وكيف ما كان ، فلا يمكن أن يعارض بها سائر الأخبار بعد القطع بعدم الفرق في التمام والقصر بين الإحرام وغيره.
ومنها : صحيحة ابن بزيع قال : «سألت الرضا (عليه السلام) عن الصلاة بمكّة والمدينة تقصير أو تمام؟ فقال : قصّر ما لم تعزم على مقام عشرة أيام» (2)وهي صريحة في الأمر بالقصر من دون قصد الإقامة. وقد رواها الصدوق في الفقيه (3)والعيون (4)، ولعلّه استند إليها في الحكم بالتقصير.
وهذه الصحيحة وما يلحق بها هي العمدة في المقام ، فتكون معارضة لنصوص التخيير. ويستفاد من جملة من الأخبار (5)كما تقدّم بعضها أنّ جماعة من كبار الأصحاب مثل محمد بن أبي عمير وصفوان كانوا يقصّرون ، ولذا أشاروا إلى ابن مهزيار بالتقصير ، وهو أيضاً معارض لنصوص التخيير ، هذا.
ولا بدّ من حمل الأمر بالقصر الوارد في هاتيك الأخبار كعمل الأصحاب على التقيّة ، جمعاً بينها وبين أوامر الإتمام المحمولة على الأفضلية كما مرّ وبين أوامر التخيير.
ويدلّنا على ذلك أُمور :
.................................................................................................
أحدها : أنّ من الواضح جدّاً أنّ العامة لا يرون خصوصية لتلك الأماكن بل إنّ حكمها حكم غيرها من ثبوت التقصير في الجميع ، وعليه جرت سيرتهم واستقرّ عملهم وإن اختلف رأيهم ونسب إلى كثير منهم التخيير ، أخذاً بظاهر نفي الجناح في الآية المباركة كما ستعرف (1). ولا ينبغي التأمّل في أنّهم (عليهم السلام) كانوا يرون الخصوصية ، فكانوا يقصّرون في الطريق قبل الوصول إلى تلك المواضع جزماً.
إذن فلو كان الأمر بالقصر في هذه الأخبار لبيان الحكم الواقعي للغيت الخصوصية ، ولم يكن ثمة أيّ فرق بينها وبين غيرها من البقاع ، فلا جرم يكون محمولاً على التقيّة ، بحيث لو لم تكن لدينا أيّة رواية أُخرى ما عدا هاتين الطائفتين المتعارضتين للزم بمقتضى هذه القرينة القاطعة حمل الأمر بالقصر على التقيّة.
ثانيها : ما تقدّم من الروايات الصحيحة الناطقة بأنّ التمام من الأمر المذخور في علم اللّه المخزون ، وأنّه خاصّ بالشيعة ، وبطبيعة الحال يكون الأمر بالقصر على خلاف ذلك ، فيكون للتقية لا محالة ، أي التقيّة في العمل لا في نفس الأمر إذ هي على قسمين : فتارة : يكون الأمر بنفسه للتقية لأجل وجود من يُتّقى منه في مجلس التخاطب ، وأُخرى : يؤمر بشيء يكون ذلك الشيء لأجل التقيّة كيلا يعرف الشيعة من غيرهم ، فهو في الحقيقة أمر بالتقيّة ، أي بواقع التقيّة لا بعنوانها.
والمقام من هذا القبيل ، فأمروا شيعتهم بالتقصير لهذه الغاية ، إذ الشيعي المقصّر في الطريق وفي القافلة غيره من المخالفين وهم يرونه بطبيعة الحال ، لو أتم عند ما بلغ مكّة مثلاً وهم يقصّرون عرفوا تشيّعه بذلك.
ولعلّ هذا هو السر في أنّ جماعة من كبار أصحابهم (عليهم السلام) كصفوان
1) في ص 404 405.
.................................................................................................
ومحمد بن أبي عمير كانوا يقصّرون حسبما يشير إليه قوله في صحيحة ابن مهزيار المتقدّمة : «فإنّ فقهاء أصحابنا أشاروا إلىّ بالتقصير».
وثالثها : صحيحة معاوية بن وهب ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التقصير في الحرمين والتمام ، فقال : لا تتمّ حتّى تجمع على مقام عشرة أيام فقلت : إنّ أصحابنا رووا عنك أنّك أمرتهم بالتمام ، فقال : إنّ أصحابك كانوا يدخلون المسجد فيصلّون ويأخذون نعالهم ويخرجون والناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة ، فأمرتهم بالتمام» (1).
فإنّها واضحة الدلالة على أنّ أمره (عليه السلام) أوّلاً بالقصر كان لأجل التقيّة ، وأنّ التمام مشروع في نفسه ، وإلّا فلو لم يكن مشروعاً ولا صحيحاً ، أكان مجرّد الخروج والناس يستقبلونهم من مسوّغات التمام ، وهل هذا إلّا أمر بترك الصلاة في هذا اليوم. فنفس هذا البيان شاهد صدق على استناد الأمر بالقصر إلى التقيّة ، وإلّا فكيف يأمر الإمام (عليه السلام) بالإتيان بغير المأمور به ، هذا.
ويمكن تأييد المطلوب برواية عبد الرحمن بن الحجاج ، قال «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : إنّ هشاماً روى عنك أنّك أمرته بالتمام في الحرمين وذلك من أجل الناس ، قال : لا ، كنت أنا ومَن مضى من آبائي إذا وردنا مكّة أتممنا الصلاة واستترنا من الناس» (2)حيث يظهر من استتار التمام مخالفته للتقية ، وأنّ عمل العامة كان على القصر.
وإنّما لم نستدلّ بها لأنّها مضافاً إلى نوع غموض وتشويش في دلالتها (3)كما
1) الوسائل 8 : 534 / أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 34.
2) الوسائل 8 : 526 / أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 6.
3) فانّ مقتضى صدرها أنّ عمل الناس آن ذاك كان على التمام ، ولأجله أمر (عليه السلام) هشاماً بالتمام تقيّة منهم ، ومقتضى ذيلها أنّ عملهم كان على القصر ، ومن ثمّ كان (عليه السلام) يستر الإتمام عن النار. ومن المستبعد جدّاً خطأ الراوي ، ولا سيما مع كونه من الأجلاء في مثل هذه الأُمور الحسّية الصادرة بمرأى منه ومسمع.
.................................................................................................
اعترف به في الحدائق (1)غير نقيّة السند وإن عبّر عنها في كلمات القوم بالصحيحة تارة وبالحسنة أُخرى ، فإنّ الحسن بن الحسين اللؤلؤي قد تعارض فيه الجرح والتعديل ، فلا يمكن الحكم بوثاقته كما نبّه عليه سيّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) في المعجم (2).
وعلى الجملة : فالذي يظهر لنا من مجموع هذه الروايات بعد ضمّ بعضها إلى بعض هو ثبوت التخيير ، بل كون التمام أفضل ، بل من المذخور في علم اللّه. ولكنّهم (عليهم السلام) أمروا أصحابهم بالتقصير مخافة وقوعهم في خلاف التقيّة فإنّ من لاحظ الروايات الواردة في المواضع الأربعة يظهر له بوضوح أنّ المتعارف بين الناس كان هو القصر ، وأمّا التمام فقد كان من العلم المخزوم الذي لم يخبروا به إلّا بعض أصحابهم وخواصّ شيعتهم.
وقد عرفت استقرار عمل العامة وسيرتهم الخارجية بمختلف مذاهبهم على القصر ، من غير فرق بين هذه المواضع وغيرها ، وإن اختلفت آراؤهم وتشتّت أنظارهم في حكم التقصير للمسافر.
ففي كتاب الفقه على المذاهب الأربعة أنّ الشافعية والحنابلة يرون التخيير بين القصر والتمام ، والحنفية والمالكية متّفقون على أنّ القصر واجب غير فرض بمعنى كونه من السنّة المؤكّدة ، إلّا أنّهم اختلفوا في الجزاء المترتّب على تركه.
فالحنفية يرون أنّه لو أتمّ يحرم من الشفاعة ويحكم بصحّة صلاته إذا جلس
.................................................................................................
في الركعة الثانية بمقدار التشهّد ، وإن كان مسيئاً عاصياً. فأصل الصلاة واجب والقصر واجب آخر.
وأمّا المالكية فيرون أنّه لا يؤاخذ على تركه ، وإنّما يحرم من ثواب السنّة المؤكّدة فقط (1).
وفي كتاب المغني لابن قدامة أنّ الحنابلة يرون التخيير ، والشافعية والمالكية يرون الإتمام ، والحنفية يرون وجوب القصر (2). وكيف ما كان ، فيظهر من مجموع الكلمات استقرار عملهم على القصر ، كاستقرار رأيهم على جوازه بالمعنى الأعم وإن اختلفوا في سائر الخصوصيات حسبما عرفت.
والحاصل : أنّ المستفاد من تتبّع أقوالهم أنّ المتعارف الخارجي في ذلك الزمان كان هو القصر ، ولذلك قال (عليه السلام) في رواية ابن الحجاج المتقدّمة : «أتممنا الصلاة واستترنا من الناس» فإنّ الإتمام لو كان هو المتعارف لم تكن حاجة إلى الاستتار.
وعليه فلا مناص من حمل الأمر في نصوص القصر على التقيّة ، لجهة من الجهات ، ولعلّه لأجل أن لا يعرف الشيعي بذلك كما مرّ ، وهذا هو وجه الجمع بين هذه الأخبار.
إذن فالصحيح ما عليه المشهور من ثبوت التخيير في هذه المواطن ، وإن كان التمام هو الأفضل ، نعم الأحوط اختيار القصر كما أشار إليه في المتن لاحتمال وجوبه كما اختاره الصدوق حسبما عرفت.
وأمّا ما نسب إلى المرتضى من وجوب التمام فهو لضعف مستنده جدّاً
وما ذكرناه هو القدر المتيقّن ، وإلّا فلا يبعد كون المدار على البلدان (1)الأربعة ، وهي مكّة والمدينة والكوفة وكربلاء ، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط خصوصاً في الأخيرتين (1).
لا يمكن المساعدة عليه ، فلا يكون هذا القول منافياً للاحتياط المزبور ، هذا كلّه في أصل التخيير.
وأمّا الكلام في موضع هذا التخيير من حيث السعة والضيق فستعرفه في التعليق الآتي.
(1) ينبغي التكلّم تارة في الحرمين الشريفين أعني مكّة والمدينة ، وأُخرى في الحرمين الآخرين ، فهنا مقامان :
أمّا المقام الأوّل : فالمذكور في غير واحد من النصوص عنوان الحرم ، وفسّر ذلك في صحيحة ابن مهزيار المتقدّمة (2)الشارحة لبقية الأخبار بمكّة والمدينة. فبمقتضى هذه الصحيحة المفسّرة مضافاً إلى تعلّق الحكم بنفس البلدين في جملة أُخرى من النصوص وقد تقدّمت يكون التخيير ثابتاً في تمام البلدين الشريفين ولا يختصّ بالمسجدين الأعظمين ، فانّ الحرم لو كان مجملاً فصحيحة ابن مهزيار شارحة ، وبقية الأخبار ظاهرة في العموم.
وما يحتمل أن يكون موجباً للاختصاص جملة من الروايات المشتملة على التقييد بالمسجدين في كلام الإمام (عليه السلام) ، أمّا ما كان في كلام السائل فلا أثر له كما لا يخفى.
.................................................................................................
وحينئذ فقد يتوهّم التخصيص ، نظراً إلى ما ذكرناه في الأُصول (1)من أنّ الوصف وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح ، ولذا لا مانع من ثبوت الحكم في غير مورد الوصف بعنوان آخر ، إلّا أنّه يدلّ لا محالة على أنّ موضوع الحكم لم يكن هو الطبيعي على إطلاقه وسريانه ، وإلّا لكان التقييد جزافاً ولغواً ظاهراً لا يليق بكلام الحكيم إلّا أن تكون هناك نكتة ظاهرة وإن كانت هي الغلبة ، كما في قوله تعالى ( وَرَبائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ) ... إلخ (2). وعليه فالتقييد المزبور يكشف عن عدم تعلّق الحكم بمطلق البلدين بطبيعة الحال.
ولكنّه لا يتم ، أمّا أوّلاً : فلأنّ النكتة المذكورة موجودة هنا أيضاً ، ضرورة أنّ الغالب في مَن يقدم البلدين الشريفين إيقاع صلواته ولا سيما الظهرين والعشاءين في المسجدين العظيمين ، اللّذين أُعدّا للصلاة ، ولا يخفى فضلهما وقداستهما كما هو واضح.
وثانياً : أنّ الروايات المشتملة على التقييد المزبور روايات أربع ، وكلّها ضعيفة السند ، فليست لدينا رواية معتبرة تضمّنت التقييد بالمسجدين في كلام الإمام (عليه السلام) ليدّعى دلالتها على المفهوم ، فإنّه من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
وإليك هذه الروايات :
فمنها : رواية عبد الحميد خادم إسماعيل بن جعفر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : تتمّ الصلاة في أربعة مواطن ، في المسجد الحرام ، ومسجد الرسول ، ومسجد الكوفة ، وحرم الحسين (عليه السلام)» (3).
.................................................................................................
وهي ضعيفة بمحمّد بن سنان ، وكذا عبد الملك القمي وعبد الحميد ، فإنّهما مجهولان ، ولكنّهما مذكوران في أسانيد كامل الزيارات ، والعمدة ما عرفت. نعم هذه الرواية بعينها مذكورة في كامل الزيارات بسند آخر ، وليس فيه ابن سنان (1). وعليه فتصبح الرواية معتبرة.
ولكن لا يمكن الاعتماد على رواية ابن قولويه ، لمعارضتها برواية الشيخ ، من جهة وجود محمد بن سنان في سندها (2). وأمّا الكافي فالرواية فيه أيضاً في سندها محمد بن سنان على ما رواه عنه في الوسائل ، إلّا أنّ النسختين المطبوعتين القديمة والحديثة خاليتان عنه (3)، وبالأخرة يشكّ في وجود ابن سنان في السند وعدمه ، بل ربما يرجح الأوّل ، نظراً إلى عدم معهودية رواية الحسين بن سعيد عن عبد الملك القمي ، حيث لم توجد له ولا رواية واحدة ، وأمّا روايته عن محمد بن سنان فهي كثيرة جدّاً تبلغ مائة وتسعة وعشرين مورداً.
وكيف ما كان ، فمع التردّد المزبور لا يمكن الحكم بصحّة السند ، إذ لا يحتمل أنّ الحسين بن سعيد روى لأحمد بن محمد عن عبد الملك القمي تارة بواسطة محمد بن سنان كما في رواية التهذيب ، وأُخرى بلا واسطة كما في رواية المزار فانّ هذا بعيد غايته ، بل قد روى مرّة واحدة ، إمّا مع الواسطة أو بدونها ، وحيث لم تكن تلك المرّة محرزة فلا جرم تسقط عن الحجّية.
ومنها : رواية حذيفة بن منصور عمّن سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «تتم الصلاة في المسجد الحرام ، ومسجد الرسول ، ومسجد الكوفة ، وحرم الحسين (عليه السلام)» (4)وهي مضافاً إلى الإرسال ضعيفة بمحمّد بن سنان.
.................................................................................................
ومنها : رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سمعته يقول : تتم الصلاة في أربعة مواطن : في المسجد الحرام ، ومسجد الرسول ، ومسجد الكوفة وحرم الحسين (عليه السلام)» (1)وهي ضعيفة بمحمّد بن سنان أيضاً.
ومنها : رواية إبراهيم بن أبي البلاد (و) عن رجل من أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «تتم الصلاة في ثلاثة مواطن : في المسجد الحرام ومسجد الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وعند قبر الحسين (عليه السلام)» (2)فإنّها مرسلة ، ولا أقل من احتمال الإرسال حسب اختلاف النسخ ، حيث ذكر في بعض النسخ عن رجل من غير ذكر العاطف.
نعم ، أُشير إلى الرجل في الكافي بقوله : يقال له حسين (3)، وفي الكامل : يقال له الحسين (4)، فربما يقال بأنّه الحسين بن المختار القلانسي الثقة ، بقرينة إبراهيم ابن أبي البلاد الراوي عنه في غير موضع.
ولكنّه غير واضح ، لاحتمال كون الرجل مجهولاً مطلقاً كما ينبئ عنه التنكير في نسخة الكافي ، ومعه لا تورث القرينة المزبورة وثوقاً يركن إليه ، ومن المعلوم أنّ الرجل المجهول لا يعدّ من رجال الكامل ليشمله توثيقه.
فتحصّل : أنّ هذه الروايات كلّها ضعاف ، لا يعتمد على شيء منها. إذن ما دلّ على إتمام الصلاة بل أفضليته في مكّة والمدينة بتمامهما سليم عمّا يصلح للمعارضة. فالصحيح ثبوت التخيير في البلدين الشريفين مطلقا.
وأمّا المقام الثاني : أعني الحرمين الآخرين :
.................................................................................................
أمّا الكوفة : فالروايات الواردة فيها مختلفة :
فمنها : ما تضمّن التعبير بحرم أمير المؤمنين (عليه السلام) وهي صحيحة حماد بن عيسى المتقدّمة (1).
ولكنّها مجملة لم يعلم المراد من الحرم ، وأنّه مطلق البلد أم خصوص المسجد وإن كان قد يستشعر الأوّل بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع ، حيث إنّ مكّة والمدينة المذكورين في الصحيحة بتمامهما حرم اللّه ورسوله كما عرفت ، والمناسب لذلك أن يكون حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً كذلك.
ولكنّه مجرّد إشعار ، وهو غير الدلالة. ومن المعلوم أنّ المخصّص إذا كان مجملاً دائراً بين الأقلّ والأكثر لا بدّ فيه من الاقتصار على المقدار المتيقّن ، وهو في المقام خصوص المسجد ، فيرجع فيما عداه إلى عمومات القصر.
ومنها : ما علّق الحكم فيه على نفس البلد أعني الكوفة ، وهي رواية زياد القندي قال «قال أبو الحسن (عليه السلام) : يا زياد أُحبّ لك ما أُحبّ لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي ، أتمّ الصلاة في الحرمين ، وبالكوفة ، وعند قبر الحسين (عليه السلام)» (2).
رواها الشيخ (قدس سره) بسندين (3)، كلاهما ضعيف ، ولا أقلّ من جهة وقوع جعفر بن محمد بن مالك فيهما ، فقد قيل إنّه كذّاب ، بل اجتمعت فيه عيوب الضعاف ، ولذا تعجّب النجاشي قائلاً : لا أدري كيف روى عنه شيخنا النبيه الثقة أبو علي بن همام وشيخنا الجليل الثقة أبو غالب الزراري (4). وأمّا
.................................................................................................
محمد بن حمدان فهو وإن كان مجهولاً لكنّه مذكور في أسناد كامل الزيارات ، ثمّ إنّ الشيخ روى ثانيهما بإسناده عن محمد بن أحمد بن داود ، والظاهر أنّه هو القمي الثقة ، إلّا أنّ في الوسائل : محمد بن أحمد بن داود القندي ، ولا شكّ أنّه غلط ، وليست في التهذيب ولا في الاستبصار (1)كلمة (القندي).
ومنها : ما علّق الحكم فيه على المسجد ، وهي عدّة روايات كلّها ضعاف وهي الروايات الثلاث المتقدّمة (2)في الحرمين أعني رواية عبد الحميد ، وحذيفة وأبي بصير ، أضف إليها رواية رابعة وهي مرسلة الصدوق (3)وخامسة وهي مرسلة حماد بن عيسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن : بمكّة ، والمدينة ، ومسجد الكوفة ، والحائر» (4).
هذه مجموع الروايات الواردة في الباب ، وقد عرفت أنّ كلّها ضعاف ما عدا الصحيحة التي ذكرناها أوّلاً المشتملة على التعبير بالحرم. غير أنّه من جهة الإجمال لا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن ، وهو المسجد كما مرّ. إذن يشكل إسراء الحكم لمطلق البلد.
ومع ذلك كلّه لا يبعد إلحاق الكوفة بالحرمين في ثبوت التخيير لمطلق البلد كما ذكره في المتن ، وذلك لصحيحتين تضمّنتا أنّ حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الكوفة ، فتكونان مفسّرتين للصحيحة المتقدّمة ورافعتين لإجمالها :
إحداهما : صحيحة حسّان بن مهران أخي صفوان ، الذي وثّقه النجاشي صريحاً
.................................................................................................
بل قال : هو أوجه من أخيه (1). والسند إلى حسّان أيضاً صحيح ، قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : مكّة حرم اللّه والمدينة حرم رسول اللّه ، والكوفة حرمي ، لا يريدها جبّار بحادثة إلّا قصمه اللّه» (2).
ومن المعلوم جدّاً أنّها وردت في مقام الشرح والتفسير ، يعني كما أنّ حرم اللّه مكّة ، وحرم رسوله المدينة فكذلك حرمي الكوفة. وعليه فاذا كان حكم ثابتاً لحرمة (عليه السلام) وهو جواز الإتمام بمقتضى الصحيحة المتقدّمة فهو ثابت للكوفة ، لأنّها حرمه (عليه السلام) بمقتضى هذه الصحيحة.
ثانيتهما : صحيحة خالد القلانسي المروية بطريق الكليني ومزار ابن قولويه وكلاهما صحيح ، مع اختلاف في الجملة في متنهما عن الصادق (عليه السلام) قال : «مكّة حرم اللّه وحرم رسوله وحرم علي بن أبي طالب (عليه السلام) ... إلى أن قال : والكوفة حرم اللّه وحرم رسوله وحرم علي بن أبي طالب» إلخ (3).
وهي صحيحة السند كما عرفت وإن رميت بالضعف ، فانّ طريقي الصدوق (4)والشيخ (5)وإن اشتملا على نضر بن شعيب ولم يوثّق ، إلّا أنّ طريق الكليني ومزار ابن قولويه خال عن ذلك ، نعم فيهما محمد بن الحسن بن علي بن مهزيار عن أبيه عن جدّه ، ولم يوثّق لا هو ولا أبوه ، ولكنّهما موجودان في أسناد كامل الزيارات.
1) رجال النجاشي : 147 / 381.
2) الوسائل 14 : 360 / أبواب المزار ب 16 ح 1.
3) الوسائل 5 : 256 / أبواب أحكام المساجد ب 44 ح 13 ، الكافي 4 : 586 / 1 ، كامل الزيارات : 29 / 8.
4) الفقيه 4 (المشيخة) : 35.
5) الفهرست : 66 / 256 [ولكن الشيخ رواها في التهذيب 6 : 31 / 58 بسند آخر غير مشتمل على النضر بن شعيب ، بل نفس سند المزار].
.................................................................................................
وأمّا الطعن في السند بجهالة (خلّاد) على ما هو الموجود في الكافي بمختلف طبعاته ، ففيه أنّه لا ينبغي التأمّل في كونه محرّف (خالد) كما في الوسائل والتهذيب والكامل ، إذ لم تثبت للأوّل ولا رواية واحدة. ودعوى تردّده أي خالد بين ابن ماد الثقة وابن زياد المجهول ، يردّها الانصراف إلى الأوّل الذي هو أعرف وأشهر كما لا يخفى.
وعلى الجملة : فالرواية من حيث السند تامّة ، كما أنّها ظاهرة الدلالة ، لكونها في مقام الشرح والتفسير كما مرّ ، لا مجرّد التطبيق كما قيل.
وعليه فلا يبعد أن يقال : إنّ التخيير ثابت في تمام الكوفة ، لأنّه ثابت للحرم وحرم أمير المؤمنين هو الكوفة بتمامها بمقتضى هاتين الصحيحتين.
وأمّا النجف الأشرف فهو ظهر الكوفة وليس منها ، وإن احتمل بعض الفقهاء شمول الحكم لحرم أمير المؤمنين (عليه السلام).
وأمّا حرم الحسين (عليه السلام) : فالروايات الواردة فيه على طوائف وعناوين ثلاثة :
أحدها : ما تضمّن عنوان حرم الحسين (عليه السلام) كصحيحة حمّاد بن عيسى المتقدّمة (1)، ونحوها غيرها. ولكنّ السند غير نقي ، كروايات عبد الحميد وحذيفة ، وأبي بصير المتقدّمات (2)، وقد عرفت أنّها بين ضعيف ومرسل ، والعمدة ما عرفت.
ثانيها : ما كان بعنوان عند قبر الحسين (عليه السلام) وهي كلّها ضعيفة.
منها : رواية أبي شبل قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أزور الحسين
.................................................................................................
(عليه السلام) قال : نعم ، زر الطيب وأتمّ الصلاة عنده ، قلت : بعض أصحابنا يرى التقصير ، قال : إنّما يفعل ذلك الضعفة» (1).
والمراد إمّا ضعف الإيمان أو ضعف البدن عن الإتيان بالتمام كالعجزة والشيبة. وكيف ما كان ، فهي ضعيفة السند بسهل بن زياد.
ومنها : روايتا زياد القندي وإبراهيم بن أبي البلاد (2)، وقد مرّ ضعفهما.
ومنها : رواية عمرو بن مرزوق قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة في الحرمين وعند قبر الحسين ، قال : أتمّ الصلاة فيهنّ» (3).
وهذه الرواية وإن كان بعض رواتها مجهولاً إلّا أنّه مذكور في كامل الزيارات فيمكن القول بصحّتها. إلّا أنّها لا تدلّ على الاختصاص ، لوقوع التقييد ب- «وعند قبر الحسين» في كلام السائل ، فكأنّ السؤال عن خصوص ذلك. فلا تدلّ على عدم شمول الحكم لتمام البلد ، لعدم كونها متعرّضة لذلك كما هو ظاهر.
ثالثها : ما ورد بعنوان الحائر ، وهو روايتان ، كلتاهما ضعيفة بالإرسال إحداهما مرسلة الصدوق والأُخرى مرسلة حماد بن عيسى المتقدّمتان (4).
فاتّضح أنّ الرواية المعتبرة منحصرة في عنوان حرم الحسين (عليه السلام) وحيث إنّ لفظ الحرم ليس له وضع شرعي ولا متشرّعي ، بل هو مأخوذ من الحريم بمعنى الاحترام ، فالمراد به في المقام يتردّد بين أُمور :
أحدها : أن يراد به كربلاء بتمامها ، كما كان كذلك في حرم اللّه وحرم رسوله
.................................................................................................
وحرم أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما عرفت ، فإنّ قدسية الحسين العظيمة وشرافته تقتضي ذلك كما لا يخفى.
ثانيها : أن يكون أخص من ذلك ، وهو الصحن الشريف وما يحتوي عليه كما ذهب إليه جماعة ، منهم العلّامة المجلسي (قدس سره) (1)باعتبار أنّ من يرد الصحن الشريف حتّى من أهالي كربلاء يرى أنّ لهذا المكان المقدّس احتراماً خاصاً لا يشاركه خارج الصحن ، ولأجله لا يرتكب بعض الأفعال التي لا تناسب المقام من ضحك كثير أو لعب ونحو ذلك.
ثالثها : أن يكون أضيق من ذلك أيضاً ، بأن يراد به الرواق وما حواه من الحرم الشريف ، فانّ الاحترام هناك آكد ومناط التجليل أزيد ، ولذا لا يرتكب فيه ما قد يرتكب في الصحن الشريف.
رابعها : أن يراد به الأضيق من الكلّ ، وهو ما دار عليه سور الحرم ، والمعبّر عنه باسم الحرم في عصرنا الحاضر ، فانّ هذا المكان الشريف هو الفرد البارز وأظهر المصاديق ممّا يطلق عليه لفظ الحرم. فهو القدر المتيقّن ممّا يراد من هذا اللفظ عند الإطلاق.
فإذا دار الأمر بين هذه المحتملات فمقتضى الصناعة الاقتصار على المقدار المتيقّن لدى تردّد المخصّص المجمل بين الأقلّ والأكثر ، وهو المعنى الأخير والرجوع فيما عداه إلى عمومات القصر التي هي المرجع ما لم يثبت التخصيص بدليل قاطع.
وأمّا احتمال الاختصاص بما حول الضريح المقدس ملاصقاً معه أو في حكم الملاصق تحت القبة السامية فهذا لا دليل عليه بعد كون المتيقّن من الحرم أوسع من ذلك حسبما عرفت.
1) البحار 86 : 89 [وفيه : انّه مجموع الصحن القديم لا ما تجدّد منه في الدولة الصفوية].
ولا يلحق بها سائر المشاهد (1).
اللّهمّ إلّا أن يستند في ذلك إلى الروايات المتقدّمة المتضمّنة للتعبير ب- (عند القبر) إذ عليه يمكن أن يقال بانصراف هذا العنوان إلى ما حول الضريح ، ولذا لو صلّى بعيداً عنه لزحام ونحوه يصح أن يقول لم أتمكّن من الصلاة عند القبر بل صلّيت في المسجد الذي هو داخل الحرم الشريف. فالاختصاص المزبور على هذا المبنى غير بعيد ، لكنّك عرفت ضعف تلك الروايات بأجمعها ، فهذا التخصيص بلا موجب.
فالنتيجة على ما ذكرناه : تعميم الحكم بالتخيير لتمام الحرم الشريف ، ولكن لا يتعدّى إلى خارجه حتّى الرواق ، فضلاً عن غيره ، لعدم الدليل. وإنّما تعدّينا عن المساجد في الحرمين وفي الكوفة لقيام الدليل ، المفقود في المقام حسبما عرفت.
(1) ذهب السيّد (1)وابن الجنيد (2)إلى إلحاق المشاهد المشرفة بالأماكن الأربعة في الحكم بالتخيير ، بدعوى أنّ المستفاد من الأخبار أنّ المناط في أفضلية التمام هو الاحترام وشرافة المكان ، وهو شامل لحرم جميع المعصومين (عليهم السلام).
ولكنّه كما ترى يشبه القياس ، وأنّى لنا معرفة ملاكات الأحكام وهي تعبّدية صرفة ، ومن الجائز اشتمال هذه الأماكن على خصوصية مفقودة في غيرها ، كما أنّ لحرم الحسين (عليه السلام) بل ولزيارته خصوصية لم تثبت حتّى لحرم
1) حكاه عنه الحلّي في السرائر 1 : 342 343 ، والعلّامة في المختلف 2 : 555 المسألة 400 [وربما استفيد ذلك من جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى 3) : 47 حيث قال : ولا تقصير في مكّة ومسجد النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ومسجد الكوفة ومشاهد الأئمة القائمين مقامه (عليهم السلام)].
2) حكاه عنه في المختلف 2 : 555 المسألة 400.
والأحوط في المساجد الثلاثة الاقتصار على الأصلي منها (1) دون الزيادات الحادثة في بعضها ، نعم لا فرق فيها بين السطوح والصحن والمواضع المنخفضة منها ، كما أنّ الأحوط في الحائر الاقتصار (1)على ما حول الضريح المبارك.
أمير المؤمنين (عليه السلام) فضلاً عن غيره من الأئمة المعصومين (سلام اللّه عليهم أجمعين).
فالظاهر اختصاص الحكم بموارد النصوص وهي الأماكن الأربعة فقط.
(1) فلا يتعدّى إلى الزيادات الحادثة بعد صدور هذه الأخبار ، إذ النصوص تشير إلى ما هو موصوف فعلاً بالمسجدية ، لكونها ناظرة إلى تلك المساجد المعروفة المعلومة على سبيل القضيّة الخارجية. فلا تعمّ الإضافات اللّاحقة بعد عهد الصادقين (عليهما السلام). وأمّا مسجد الكوفة فلم يزد عليه شيء لو لم ينقص عنه.
ومنه تعرف أنّ الزيادات الحادثة قبل صدور هذه الأخبار مشمولة للحكم لاندراجها تحت النصوص.
هذا كلّه بناءً على اختصاص الحكم بالمساجد ، وأمّا بناءً على تعميمه لمطلق البلد فلا يبعد القول بشمول الحكم لعنوان البلد وإن اتّسع ، نظراً إلى أنّ المستفاد من الأدلّة دوران الحكم مدار صدق البلدة بنحو القضيّة الحقيقية ، ومن ثمّ لو اتّسع آخر البيوت بعد صدور هذه النصوص لم يكد يتأمل في شمول الحكم للمقدار الزائد من ذاك البيت ، لكونه من البلدة حقيقة ، والمفروض تعلّق الحكم بعنوان البلد.
وعلى الجملة : الحكم المتعلّق بعنوان البلد يدور بحسب المتفاهم العرفي مدار صدق اسمه سعة وضيقاً ، ولأجله ترى أنّ ما ورد في الأخبار من كراهة البيتوتة
1) (*) والأظهر التخيير في جميع الحرم الشريف.
.................................................................................................
في بغداد ، أو استحباب المبيت في النجف الأشرف أو في كربلاء (1)لا يختص بتلك البلدان على مساحتها القديمة الكائنة عليها في عهد صدور تلك الأخبار بل يشمل الزيادات المتصلة المندرجة تحت اسم البلد ، ويتعدّى إليها ، هذا.
ولكن الظاهر عدم التعدِّي في المقام ، لوجود مزيّة فيه مفقودة في غيره ، وهي أنّ الحكم وإن تعلّق بعنوان مكّة والمدينة في جملة من الأخبار كصحيحة ابن مهزيار (2)إلّا أنّ المستفاد من مجموع النصوص أنّ موضوع الحكم ليس هو مجرّد اسم البلد وعنوانه على إطلاقه وسريانه ، بل بما أنّه مصداق للحرم ومعنون بهذا الوصف العنواني ، ولا ريب أنّ المنسبق منه ما كان متصفاً بالحرمية في عهده (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وموصوفاً بالاحترام آن ذاك ، المحدود طبعاً بحدود معيّنة ، ولا تشمل الزيادات المستحدثة بعد ذلك ، كما يفصح عنه قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار : «... وحدّ بيوت مكّة التي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين ، فانّ الناس قد أحدثوا بمكّة ما لم يكن» (3).
وأوضح منها قوله (عليه السلام) في ذيل صحيحته الأُخرى الطويلة الحاكية لكيفية حجّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «... ودخل من أعلى مكّة من عقبة المدنيين ، وخرج من أسفل مكّة من ذي طوى» (4).
حيث يظهر منهما بوضوح أنّ العبرة في الأحكام المترتّبة على هذه البلدة المقدّسة من قطع التلبية أو عقد الإحرام أو التخيير بين القصر والتمام وما شاكل ذلك إنّما هي بما كان كذلك في عهده (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ولا تعمّ الزيادات المستحدثة في العصور المتأخّرة.
[2356] مسألة 12 : إذا كان بعض بدن المصلّي داخلاً في أماكن التخيير وبعضه خارجاً ، لا يجوز له التمام (1) نعم لا بأس بالوقوف منتهى أحدها إذا كان يتأخّر حال الركوع والسجود بحيث يكون تمام بدنه داخلاً حالهما.
فتحصّل : أنّ الأحوط لو لم يكن أقوى الاقتصار على ما كان عليه سابقاً وعدم التجاوز عنها. هذا كلّه بالنسبة إلى مكّة والمدينة والكوفة.
وأمّا في كربلاء فقد عرفت عدم لزوم الاقتصار على ما حول الضريح المبارك بل العبرة بصدق الحرم الوارد في الصحيحة (1)، ولكن من المقطوع به أنّ الحرم الشريف بوضعه الفعلي لم يكن موجوداً في ذلك الزمان ، وإنّما خصصنا الحكم بما دار عليه سور الحرم لكونه المتيقّن من معنى الحرم ، الذي هو من الحريم بمعنى الاحترام ، وعليه فلو فرضنا توسعة الحرم الشريف فيما بعد وصيرورته ضعفين مثلاً أمكن شمول الحكم لتلك الزيادة أيضاً ، نظراً لصدق الحرم عليها بعد التوسعة المفروضة ، فيكون مجموع الزائد والمزيد عليه مصداقاً للمتيقّن ، ولكن يجري النقاش فيه أيضاً بمثل ما تقدّم. وسبيل الاحتياط غير خفي ، هذا.
ولا فرق في الأماكن الأربعة المذكورة بين محالّها من السطوح والصحن والمواضع المنخفضة منها كسرداب مسجد الكوفة المعروف ببيت نوح ، أو سرداب مسجد الحرام ونحو ذلك ، كلّ ذلك لإطلاق الأدلّة بعد صدق العنوان على الجميع بمناط واحد كما هو ظاهر.
(1) لخروجه عن منصرف الأدلّة ، كما لو وقف على حافة المسجد بحيث كانت إحدى رجليه داخلة والأُخرى خارجة ، أو وقف على منتهى الخط بحيث كان نصف قدميه داخلاً والنصف الآخر خارجاً.
1) وهي صحيحة حماد بن عيسى المتقدمة في ص 398.
[2357] مسألة 13 : لا يلحق الصوم بالصلاة في التخيير المزبور (1) فلا يصحّ له الصوم فيها إلّا إذا نوى الإقامة أو بقي متردّداً ثلاثين يوماً.
نعم ، لو وقف عند منتهى الخط وكانت قدماه داخلتين إلّا أنّ بعض بدنه يخرج حال الركوع والسجود ، ولكنّه يتأخّر حالهما بحيث يكون تمام البدن داخلاً لم يكن به بأس ، لعدم اعتبار وحدة المكان ، وعدم قدح المشي اليسير حال الصلاة ، وإذ يصدق معه الصلاة في المواطن المذكورة فيشمله إطلاق الأدلّة.
(1) لعدم الدليل على الإلحاق ليرفع به اليد عن إطلاق ما دلّ على المنع عن الصيام في السفر (1)، مضافاً إلى ما في صحيحة عثمان بن عيسى المتقدّمة (2)من الإعراض عن حكم الصوم ، حيث يستشعر أو يستظهر منه الاختصاص بالصلاة.
بل يمكن أن يقال : إنّ التخيير في الصوم لا معنى له ، فإنّه في الصلاة أمر معقول ، فيؤمر بالطبيعي الجامع مخيّراً في كيفيته بين التمام والقصر ، وأمّا في الصوم فمرجعه إلى الأمر بالجامع بين الفعل والترك والتخيير بين فعل الواجب وتركه وهو كما ترى لا محصّل له إلّا بضرب من العناية ، البعيد عن الأذهان العرفية بأن يراد به التخيير بين الأداء والقضاء.
وأمّا ما ورد من حديث الملازمة بين القصر والإفطار (3)فغير ناظر إلى القصر الخارجي قطعاً ، حتّى لو بنينا على ثبوت التخيير في الصوم ، فإنّه لا يدور اختيار الإفطار مدار فعل القصر خارجاً ، بل لا دوران حتّى في الصلاتين المترتّبتين فضلاً
[2358] مسألة 14 : التخيير في هذه الأماكن استمراري (1) فيجوز له التمام مع شروعه في الصلاة بقصد القصر ، وبالعكس ما لم يتجاوز محلّ العدول بل لا بأس بأن ينوي الصلاة من غير تعيين أحد الأمرين من الأوّل ، بل لو نوى القصر فأتمّ غفلة أو بالعكس فالظاهر الصحّة.
عن غيرهما ، فيجوز التقصير في الظهر والإتمام في العصر أو بالعكس ، بل حتّى في صلاة واحدة ، فيجوز الشروع بنيّة القصر والإتمام تماماً ، أو بالعكس مع الإمكان كلّ ذلك لأنّها أحكام مستقلّة ، لا يناط فعل أحدها مدار فعل الآخر.
بل المراد كما أشرنا سابقاً التلازم بين البابين في موضوع السفر المشرع للقصر وأنّ المسافة الشرعية المأخوذة موضوعاً للقصر هي بنفسها موضوع للإفطار. وعليه فالرواية أجنبية عما نحن فيه بتاتاً كما هو ظاهر جدّاً.
(1) لأنّ مقتضى إطلاق الأدلّة عدم الفرق بين الابتداء والاستدامة ، فيجوز له الإتمام في بعض الصلوات والتقصير في البعض الآخر وإن كانتا مترتّبتين كالظهرين ، كما يجوز له التمام وإن شرع في الصلاة بنيّة القصر ، وبالعكس ما لم يتجاوز محلّ العدول ، بل يجوز الشروع من غير تعيين ، ويوكله إلى حين بلوغ الركعتين فيختار ثمّة ما يشاء ، بل لو أتمّ غافلاً مع كونه ناوياً للقصر كما لو كان مأموماً فسلّم على الأربع بتبع الإمام غفلة أو بالعكس صحّت صلاته ، كلّ ذلك لما عرفت من إطلاق دليل التخيير.
وقد تقدّم قريباً (1)أنّ القصر والتمام طبيعة واحدة ، وليس الاختلاف إلّا بحسب الكيفية ، ولا تلزم نيّة الخصوصيات من الأوّل ، بل المعتبر الإتيان بذات العمل مع قصد القربة ، وقد حصلا حسب الفرض.
1) في ص 379.
[2359] مسألة 15 : يستحبّ أن يقول عقيب كلّ صلاة مقصورة ثلاثين مرّة : سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلّا اللّه واللّه أكبر (1) ، وهذا وإن كان يستحب من حيث التعقيب عقيب كل فريضة حتّى غير المقصورة إلّا أنّه يتأكّد عقيب المقصورات ، بل الأولى تكرارها مرّتين مرّة من باب التعقيب ومرّة من حيث بدليتها عن الركعتين الساقطتين.
(1) للنصّ الوارد في المقام ، وعمدته صحيحة سليمان بن حفص المروزي قال «قال الفقيه العسكري (عليه السلام) : يجب على المسافر أن يقول في دبر كلّ صلاة يقصّر فيها : سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلّا اللّه واللّه أكبر ، ثلاثين مرّة لتمام الصلاة» (1).
وهذه الرواية ضعيفة عند القوم ، لعدم ثبوت وثاقة المروزي ، ومن هنا حكموا بالاستحباب من باب التسامح ، ولكنّها معتبرة عندنا ، لورود الرجل في أسناد كامل الزيارات ، وبما أنّها دلّت على الوجوب صريحاً فمقتضى الصناعة الحكم به لا الاستحباب.
لكنّ الذي يمنعنا عنه هو ما تكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح حيث إنّ المسألة كثيرة الدوران ومحلّ للابتلاء غالباً ، لعدم خلوّ كلّ مكلف عدا مَن شذّ عن السفر ، بل الأسفار العديدة ، وفي مثله لو كان الوجوب ثابتاً لاشتهر وبان وشاع وذاع ولم يقع محلا للخلاف ، كيف ولم يذهب إليه أحد فيما نعلم والسيرة العملية قائمة على خلافه ، فيكون ذلك كاشفاً قطعيّاً عن عدم الوجوب. ولأجله لا مناص من حمل الصحيحة على الاستحباب ، وأنّه يتأكّد في حقّ المسافر ، لثبوت الاستحباب لغيره أيضاً من باب التعقيب كما أشار إليه في المتن.
1) الوسائل 8 : 523 / أبواب صلاة المسافر ب 24 ح 1.
.................................................................................................
والحمد لله ربِّ العالمين أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً ، وصلّى اللّه على سيِّدنا محمّد وآله الطاهرين ، ولعنة اللّه على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدِّين.
انتهى كتاب الصّلاة شرحاً على العروة الوثقى تقريراً لأبحاث سيّدنا الأُستاذ قطب رحى التحقيق وشمس سماء التدقيق فقيه العصر سماحة آية اللّه العظمى السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي أدام اللّه ظلّه على رؤوس المسلمين.
وقد حرّره بيمناه الداثرة مرتضى بن علي محمد البروجردي عفى عنه وعن والديه في جوار القبّة العلوية على مشرفها آلاف الثّناء والتحيّة ، وكان الفراغ يوم السبت السادس عشر من شهر ربيع الثاني سنة 1393 ه ، ويقع الكلام بعد ذلك في كتاب الصوم إن شاء اللّه تعالى.
فهرس الموضوعات
الموضوع / الصفحة
الصلاة
فصل : في صلاة المسافر... 1 - 232
وجوب القصر على المسافر... 1
اختصاص القصر بالرباعية... 3
شروط القصر في الصلاة... 4
الأول : المسافة... 4
تحديد المسافة بثمانية فراسخ... 4
كفاية التلفيق من الذهاب والإياب في القصر... 5
تعين القصر في المسافة التلفيقية... 6
اختصاص كفاية التلفيق بما إذا كان كل من الذهاب والإياب أربعة فراسخ فما زاد... 7
حكم من لم يقصد الرجوع ليومه في المسافة التلفيقية... 9
أدلة القول بالتمام في مفروض المسألة... 11
أدلة القول بالتخيير في مفروض المسألة... 18
دليل القائل بالتفصيل بين الصوم والصلاة... 22
حكم من لم يقصد الرجوع أصلا في المسافة التلفيقية... 25
تحديد الفرسخ والميل والذراع... 27
الإتمام فيما لو نقصت المسافة ولو يسيرا... 29
الشك في تحقق المسافة من جهة الشبهة الحكمية... 29
الشك في تحقق المسافة من جهة الشبهة الموضوعية... 30
عدم كفاية الظن بكون المقصد مسافة... 32
طرق ثبوت المسافة الشرعية... 32
الاختبار أو السؤال لدى الشك في المسافة بنحو الشبهة الموضوعية... 33
إتمام الصلاة عند تعارض البينتين على تحقق المسافة وعدمه... 34
وجوب الاحتياط لدى الشك في المسافة بنحو الشبهة الحكمية... 35
حكم من قصر مع كونه شاكا في تحقق المسافة... 36
القصر باعتقاد كون المقصد مسافة ثم يتبين الخلاف... 37
الإتمام باعتقاد عدم تحقق المسافة ثم يتبين الخلاف... 37
الشك في المسألة أو اعتقاد العدم فينكشف أثناء السير كونه مسافة... 37
بلوغ الصبي وإفاقة المجنون أثناء قطع المسافة... 38
التردد في أقل من أربعة فراسخ عدة مرات... 39
حكم ما لو كان لبلد طريقان والأبعد منهما مسافة... 40
حكم المسافة المستديرة... 40
مبدأ حساب المسافة في البلدان الصغيرة والمتوسطة... 46
مبدأ حساب المسافة في البلدان الكبيرة... 48
الثاني : قصد قطع المسافة من حين الخروج... 49
عدم اعتبار اتصال السير في وجوب القصر... 53
حكم ما إذا كان السير بطيئا جدا... 54
كفاية قصد المسافة تبعا للغير... 55
اعتبار علم التابع بقصد المتبوع للمسافة... 55
استخبار التابع الجاهل بقصد المتبوع للمسافة مع الإمكان... 57
عدم وجوب الإخبار على المتبوع لدى استخبار التابع... 60
علم التابع أو شكه بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة... 61
اعتقاد التابع عدم قصد المتبوع للمسافة أو شكه فيه ثم تبين قصده في الأثناء... 63
حكم المكروه والملجأ والمضطر إلى السفر... 64
الثالث : استمرار قصد المسافة... 70
بلوغ المسافة بعد العدول أو التردد في الأثناء في قصد المسافة... 72
كفاية بقاء قصد نوع المسافة وإن عدل عن شخصها... 74
التردد في قطع المسافة في الأثناء ثم العود إلى الجزم السابق مع كون الباقي مسافة... 77
الفرض السابق مع عدم كون الباقي مسافة ولو ملفقة وعدم قطع شيء من الطريق... 79
الفرض السابق مع قطع شيء من الطريق مترددا... 83
إعادة ما صلاه قصرا قبل العدول عن قصده... 83
الرابع : عدم قصده ولو في الأثناء الإقامة عشرة قبل بلوغ المسافة أو المرور على الوطن 89
هل قصد الإقامة قاطع لحكم السفر أو لموضوعه... 89
قصد الإقامة أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية ثم العدول عن قصده... 92
حكم من لم يقصد أحدهما ابتداء قبل الثمانية ثم قصده في الأثناء ثم عدل وعزم على عدم الأمرين 93
الخامس : أن لا يكون السفر حراما... 94
سفر الزوجة بدون إذن الزوج... 100
سفر الولد مع نهي الوالدين... 101
السفر المضر للبدن... 101
شمول الحكم لما إذا كان السفر لغاية محرمة... 102
حكم ما لو اتفق ارتكاب الحرام أثناء السفر... 102
السفر المستلزم لترك واجب... 103
السفر مع كون الدابة مغصوبة أو المشي في أرض مغصوبة... 104
حكم التابع للجائر في السفر... 106
التابع للجائر إذا أمره بالسفر... 107
السفر للصيد... 108
السفر للصيد لهوا... 108
السفر للصيد لقوت نفسه وعياله... 112
سفر الصيد للتجارة... 114
عموم الحكم لصيد البحر... 119
لا فرق في سفر الصيد بين الدوران حول البلد والتباعد عنه... 120
لا فرق بين استمرار السفر ثلاثة أيام وعدمه... 121
حكم الراجع من سفر المعصية... 122
اعتبار إباحة السفر حدوثا وبقاء... 123
قطع المسافة بنية سائغة ثم الاستمرار بقصد المعصية... 124
العدول إلى قصد الحرام في الأثناء مع عدم الاستمرار في السفر... 126
إعادة الصلاة لو عدل إلى القصد الحرام قبل بلوغ المسافة... 126
العدول أثناء السفر من قصد المعصية إلى الطاعة... 128
حكم ما إذا كانت غاية السفر ملفقة من الطاعة والمعصية... 131
الشك في كون السفر معصية... 132
المدار في حلية السفر وحرمته على الواقع المنجز لا الاعتقاد ولا الظاهر... 133
إذا كانت الغاية المحرمة أثناء الطريق لكن السفر إليها يستلزم قطع مقدار آخر من المسافة 136
السفر بقصد التنزه... 137
هل تجب الإقامة لو نذر إتمام الصلاة والصيام في يوم معين... 138
حكم الصلاة لو نذر الإتمام في يوم معين فسافر... 140
قصد الغاية المحرمة في حواشي الطريق في السفر المباح... 141
حكم الصلاة إذا قصد مكانا لغاية محرمة بعد ارتكابها وقبل الرجوع... 143
السفر المباح إذا عرض قطع مقدار من المسافة لغرض محرم منضما إلى المباح... 145
العدول إلى الطاعة أثناء الصوم في سفر المعصية... 146
حكم الصوم إذا عدل إلى قصد المعصية قبل الزوال أو بعده... 147
مشروعية الصيام ندبا ونوافل الرباعية ووجوب الجمعة في سفر المعصية... 149
السادس : أن لا يكون ممن بيته معه... 149
خروج من بيته معه إلى الحج ونحوه أو لاختيار منزل يقيم فيه... 150
حكم من كان له بيت متنفل سيار... 150
السابع : أن لا يكون ممن اتخذ السفر عملا له... 151
عموم الحكم لمن كان السفر مقدمة لعلمه... 153
عموم الحكم لمن يكري دوابه إلى الأماكن القريبة فكراها إلى البعيدة وبالعكس... 155
حكم من يكري دابته داخل البلد فأكراها خارجه متجاوزا المسافة... 156
إذا كان السفر العرفي شغلا له فسافر إلى حد المسافة الشرعية... 156
عدم الفرق في حكم المكاري بين من جد في سفره وغيره... 158
المناط في تحقق عنوان من عمله السفر... 162
سفر المكاري ونحوه سفرا ليس من عمله... 165
صلاة الحملدار في موسم الحج... 166
المكاراة في الصيف دون الشتاء أو العكس... 168
السفر إلى حد المسافة في من كان شغله التردد إلى ما دونها... 168
اعتبار عدم إقامة من شغله السفر عشرة أيام في الحكم بالتمام... 169
اختصاص وجوب القصر إذا أقام في بلده عشرة بالسفرة الأولى... 175
اختصاص الحكم المتقدم بالمكاري... 177
إقامة المكاري ونحوه في بلده أقل من عشرة أيام... 179
هل يعتبر في وجوب القصر على من شغله السفر إذا أقام عشرة كون الإقامة عن نية؟ 181
حكم كثير السفر ممن لم يكن شغله السفر... 183
لا يعتبر في من شغله السفر اتحاد كيفيات وخصوصيات أسفاره... 184
السائح في الأرض الذي لم يتخذ وطنا... 184
الراعي الذي ليس له مكان مخصوص... 185
التاجر الذي يدور في تجارته... 186
المعرض عن وطنه الباني على اتخاذ وطن ولم يتخذ بعد... 186
المعرض عن وطنه الباني على عدم اتخاذ وطن أو المتردد في الاتخاذ... 187
حكم من اتخذ أرضا واسعة مقرا له يقيم كل سنة في مكان منها... 188
شك من شغله السفر في الإقامة عشرة أيام... 189
الثامن : الوصول إلى حد الترخص... 190
المراد من حد الترخص... 193
القاعدة الأولية في الشرطيتين المتعارضتين... 196
الاعتبار في حد الترخص بخفاء الأذان... 198
اعتبار حد الترخص في الإياب... 200
تشخيص حد الترخص في الإياب... 204
حد الترخص في البلد الواقع في مكان مرتفع بحيث يرى من بعيد أو الواقع في موضع منخفض 206
تقدير الجدران مع فقد البيوت والجدران... 207
المناط في خفاء الأذان... 208
عدم اعتبار كون الأذان في آخر البلد في البلدان الصغيرة والمتوسطة دون الكثيرة... 209
اعتبار كون أذان البلد على مرتفع معتاد... 209
المدار في عين الرائي وأذن السامع على المعتاد المتوسط... 210
اعتبار حد الترخص في غير الوطن من محل الإقامة ونحوها حال الذهاب... 211
اعتبار حد الترخص في غير الوطن حال الإياب... 215
الشك في بلوغ حد الترخص... 217
إذا كان في السفينة فشرع في الصلاة قبل حد الترخص بنية التمام ثم وصل إليه في أثنائها 221
الشروع في الصلاة حال العود قبل الوصول إلى حد الترخص بنية القصر ثم الوصول إليه في الأثناء 223
الصلاة قصرا باعتقاد الوصول إلى حد الترخص ثم ينكشف الخلاف أو العكس... 225
اجتياز حد الترخص ثم الوصول إلى ما دونه لا عوجا الطريق ونحوه... 226
هل يجب قضاء ما صلاه قصرا بعد الخروج عن حد الترخص إذا وصل إلى ما دونه 229
المسافة الدورية حول البلد دون حد الترخص... 231
فصل : في قواطع السفر موضوعا أو حكما... 233 - 348
الأول : الوطن... 233
المراد من الوطن... 234
تقسيم الوطن إلى أصلي واتخاذي... 235
هل يعتبر الملك في الوطن الاتخاذي... 235
هل يفتقر الحكم بالتمام في الوطن الاتخاذي إلى البقاء مدة يصدق معها التوطن؟... 236
الإعراض عن الوطن الأصلي أو المستجد والتوطن في غيره... 237
النصوص الدالة على أن من كانت له ضيعة يتم الصلاة متى دخلها وإن لم يستوطنها 239
النصوص المعارضة الدالة على أن مجرد ملك الضيعة لا يوجب التمام... 241
الوطن الشرعي... 242
اعتبار الإقامة ستة أشهر في منزله في تحقق الوطن الشرعي... 242
عدم اعتبار قصد التوطن الأبدي في تحقق الوطن الشرعي... 248
اعتبار الاتصال في الإقامة ستة أشهر... 249
تعدد الوطن العرفي... 250
تبعية الولد لأبويه أو أحدهما في الوطن ما لم يعرض عنه بعد البلوغ... 251
إعراض الصبي عن وطنه... 252
زوال حكم الوطن بالإعراض... 253
عدم اشتراط إباحة المكان في صدق الوطن... 253
التردد بعد العزم على التوطن الأبدي... 254
اعتبار قصد التوطن الأبدي في صدق الوطن العرفي... 257
الثاني : العزم على إقامة عشرة أيام... 258
قاطعية إقامة العشرة لحكم السفر لا لموضوعه... 258
كفاية مجرد العلم ببقاء العشرة في قطع حكم السفر وإن لم يكن عن قصد... 260
اعتبار التوالي في إقامة العشرة... 261
دخول الليالي المتوسطات دون الأولى والأخيرة... 261
احتساب مبدأ اليوم بطلوع الشمس... 262
كفاية التلفيق في الأيام... 263
اشتراط وحده محل الإقامة... 264
بيان المراد بوحدة محل الإقامة... 265
الشك في صدق وحدة المكان... 266
الإقامة في البلد الكبير الخارج عن المتعارف... 267
عدم اعتبار قصد عدم الخروج عن بلد الإقامة في نية الإقامة... 269
خروج المقيم إلى ما دون المسافة... 271
حكم المسألة لو كان محل الإقامة برية قفراء... 273
تعليق الإقامة على أمر مشكوك الحصول... 274
المجبور والمكره على الإقامة... 277
نية الإقامة عشرة في بيوت الأعراب ونحوهم... 277
قصد التابع المقام بمقدار ما قصده عنوانها... 279
كفاية قصد المقام إلى آخر الشهر أو زمان معين متصف بالعشرة وإن جهل به حين النية 281
العدول عن قصد الإقامة بعد الإتيان بصلاة رباعية... 283
العدول عن قصدها قبل الإتيان برباعية... 285
ترتيب أثر آخر غير الصلاة التامة على نية الإقامة... 286
العدول عن نية الإقامة بعد القيام إلى الركعة الثالثة... 287
العدول عن نية الإقامة بعد الدخول في ركوع الثالثة... 287
العدول بعد الإتيان برباعية مع الغفلة عن إقامته... 288
تحقق الإقامة مع عدم كونه مكلفا بالصلاة... 289
هل يكفي في البقاء على التمام بعد العدول الإتيان برباعية قضاء؟... 290
العدول عن الإقامة قبل الصلاة تماما قاطع لها من حينه لا كاشف عن عدم تحققها أولا 293
لا فرق في العدول بين العزم على عدمها وبين التردد فيها... 294
عدول الصائم عن الإقامة بعد الزوال وقبل الإتيان برباعية... 294
لا حاجة في البقاء على التمام بعد انقضاء العشرة إلى إقامة جديدة... 296
إيجاب الإقامة استحباب نوافل الرباعية ووجوب الجمعة ونحو ذلك... 297
إذا تحققت الإقامة وبدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة والعزم على العود إلى محل الإقامة أو غيره مما هو دون المسافة وإقامة عشرة أخرى... 298
العزم على عدم العود إلى محل الإقامة في مفروض المسألة... 300
العزم على العود إلى محل الإقامة من دون قصد إقامة أخرى... 302
العزم على العود إلى محل الإقامة من دون إعراض عنه... 305
العزم على العود إلى محل الإقامة مع التردد في الإقامة بعد العود... 306
العزم على العود مع الذهول عن الإقامة... 306
التردد في العود أو الذهول عنه... 306
العزم على الخروج من محل الإقامة إلى ما دون المسافة من حين نية الإقامة... 308
حكم ما إذا بدا للمقيم السفر ثم بدا له العود إلى محل الإقامة والبقاء عشرة أيام... 309
حكم ما إذا لم يكن عازما على الإقامة عشرة أخرى في مفروض المسألة... 310
الدخول في الصلاة بنية القصر والعزم على الإقامة في أثنائها وبالعكس... 312
قاطعية الإقامة لحكم السفر وإن كانت محرمة... 314
هل تجب الإقامة إذا كان عليه صوم واجب معين غير رمضان... 314
السفر لإدراك الظهرين إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار أربع ركعات... 318
جواز الإقامة للمسافر في مفروض المسألة... 318
الشك في كون العدول عن الإقامة والصلاة تماما في الوقت... 320
عدم جريان استصحاب عدم المركب بعد إحراز المركب بضم الوجدان إلى الأصل 322
الشك في مفروض المسألة بعد الوقت... 326
انكشاف بطلان الرباعية بعد العدول عن الإقامة... 327
الصلاة بنية التمام ثم الشك بعد الفراغ في أنه سلم على الأربع أو الاثنتين... 327
العدول عن الإقامة بعد خروج الوقت والشك في الصلاة في الوقت... 328
قاعدة الحيلولة من الأمارات الشرعية... 329
العدول عن الإقامة بعد السلام الواجب وقبل السلام الأخير... 331
العدول قبل قضاء الأجزاء المنسية أو صلاة الاحتياط... 332
قصد الإقامة بتخيل قصد رفقائه الإقامة فينكشف الخلاف... 333
الثالث : التردد في البقاء وعدمه ثلاثين يوما بعد بلوغ المسافة... 338
مضي الثلاثين يوما قاطع للسفر لا مخصص لحكمه في مكان التردد... 338
التردد في البقاء وعدمه ثلاثين يوما قبل بلوغ المسافة... 340
إلحاق العازم على الخروج غدا أو بعد غد وهكذا إلى أن مضت الثلاثون بالتردد... 342
إلحاق الشهر الهلالي الناقص بثلاثين يوما... 343
كفاية الثلاثين الملفقة إذا كان التردد أثناء اليوم... 345
لا فرق في مكان التردد بين أن يكون بلدا وغيره... 346
اشتراط اتحاد مكان التردد... 346
إلحاق المتردد بعد الثلاثين بالمقيم في مسألة الخروج إلى ما دون المسافة مع قصد العود إليه حكما 347
التردد في مكان تسعة وعشرين يوما والسير إلى مكان آخر والتردد فيه كذلك وهكذا 348
حكم المتردد ثلاثين يوما إذا أنشأ سفرا بقدر المسافة... 348
فصل : في أحكام صلاة المسافر... 349 - 422
قصر الرباعية وسقوط نوافلها والصوم في السفر... 349
سقوط نافلة الظهرين إذا سافر بعد الزوال وقبل الإتيان بالفريضة... 350
سقوط نافلة الظهر إذا دخل الوقت وهو مسافر فلم يصل حتى يدخل المنزل... 353
الإتمام في موضع القصر... 355
الإتمام في موضع القصر عن علم وعمد... 356
هل يجب القضاء في مفروض المسألة؟... 359
الإتمام في موضع القصر جهلا بالحكم... 360
الإتمام في موضع القصر نسيانا أو جهلا بالموضوع أو الخصوصيات... 363
الدخول في الصلاة بنية القصر ثم إتمامها غفلة... 367
الصيام في السفر وصور ذلك... 368
التقصير في موضع الإتمام... 374
إذا كان جاهلا بأصل أو ناسيا ولم يصل في الوقت فهل يقضيها قصرا أو تماما؟... 376
تذكر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة... 378
التفات من قصد القصر جهلا بالحكم في أثناء الصلاة... 382
قصر المسافر الصلاة اتفاقا لا عن قصد... 382
الاعتبار في القصر والتمام بحال أداء الصلاة لا الوجوب... 385
الروايات الدالة على أن الاعتبار بحال الأداء... 386
الروايات الدالة على الاعتبار بحال الوجوب... 387
الاعتبار في القضاء بحال الفوت... 391
التخيير بين القصر والتمام في الأماكن الأربعة... 395
الروايات الدالة على التخيير... 396
الروايات الدالة بظاهرها على تعين الإتمام... 398
الروايات الدالة بظاهرها على القصر... 400
حمل روايات القصر على التقية... 401
عموم الحكم بالتخيير تمام مكة والمدينة... 406
هل الحكم بالتخيير يعم مدينة الكوفة أو يختص بمسجدها؟... 410
هل الحكم بالتخيير يعم كربلاء جميعها أو يختص بالحرم الشريف؟... 413
عدم شمول الحكم بالتخيير سائر المشاهد المشرفة... 416
حكم الزيادات الحاصلة في الأماكن الأربعة بعد عصر صدور الأحاديث... 417
إذا كان بعض بدن المصلي داخلا في أماكن التخيير وبعضه خارجا... 419
اختصاص الحكم بالتخيير في الأماكن الأربعة بالصلاة فقط... 420
التخيير في الأماكن الأربعة استمراري... 421
استحباب التسبيحات الأربعة عقيب كل صلاة مقصورة... 422
خاتمة الكتاب... 423
فهرس الموضوعات... 425 - 441
الصورة