ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان قراردادی : عروهالوثقی . شرح
عنوان و نام پديدآور : التنقیح في شرحالعروة الوثقی/ [محمدکاظمبن عبدالعظیم یزدی]؛ تقریرا لابحاث ابوالقاسم الموسوی الخوئی؛ تالیف علی الغروی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدسسره)؛ [بیجا]: التوحید للنشر، 1418ق.= 1998م.= 1377 -
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعه الامام الخوئی.
شابک : ج.1 964-6084-03-6 : ؛ ج. 2، چاپ دوم 964-6084-10-9 : ؛ ج.٬3چاپ سوم 964-6084-05-2 : ؛ ج.٬4 چاپ سوم 964-6084-04-4 : ؛ ج. 5، چاپ سوم 964-6084-08- 7 : ؛ ج.6 964-6084-17-6 : ؛ ج.7 964-6084-19-2 : ؛ ج.8 964-6084-18-4 : ؛ ج.9 964-6084-21-4 : ؛ ج.10 964-6084-20-6 :
يادداشت : عربی.
يادداشت : ج.1 - 10(چاپ سوم: 1428ق.= 2007م.= 1386 ).
يادداشت : ج. 1، 7 ، 9 ، 10 کتاب حاضر توسط موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدسسره) منتشر شده است.
یادداشت : کتابنامه..
مندرجات : ج. 1. التقلید.- ج. 2، 4 ، 6 ، 7 و 9. الطهاره
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : غروی، علی، 1280 - 1376.
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمد کاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی. شرح
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021373 1377
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م78-8589
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
اطلاعات رکورد کتابشناسی : فهرست قبلی
المؤلف: الشيخ علي الغروي
الناشر: شركة التوحيد للنشر
الطبعة: 3
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1419 ه.ق
ISBN (ردمك): 964-6084-20-6
المكتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الطهارة
تأليف آية اللّه الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي قدس سره
طبعة منقحة
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء العاشر
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
6 - 20 - 6084 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
وهي كثيرة ، وعدّ بعضهم سبعاً وأربعين ، وبعضهم أنهاها إلى خمسين ، وبعضهم إلى أزيد من ستين ، وبعضهم إلى سبع وثمانين ، وبعضهم إلى مائة. وهي أقسام زمانية ومكانية وفعلية إما للفعل الذي يريد أن يفعل أو للفعل الذي فعله. والمكانية أيضاً في الحقيقة فعلية ، لأنها إما للدخول في مكان أو للكون فيه. أمّا الزمانية فأغسال :
أحدها : غسل الجمعة ورجحانه من الضروريات ، وكذا تأكّد استحبابه معلوم من الشرع (1)
فصل في الأغسال المندوبة
إنما نتعرّض للأغسال المندوبة لأجل ما قدّمناه من أن الأغسال حتى المستحبة تغني عن الوضوء ، فلا بدّ من التكلم في أن أي غسل منها ثابت الاستحباب وأياً منها غير ثابت الاستحباب فلا يغني عن الوضوء ، وإلاّ فليس من دأبنا التعرض للمستحبات.
(1) لا ينبغي الإشكال في رجحان غسل الجمعة في الشريعة المقدسة ، ولا خلاف فيه بين المسلمين ، وإنما الكلام في وجوبه واستحبابه. والمشهور هو استحبابه وجواز
تركه ، وقد ادّعى الشيخ عليه الإجماع في الأمالي (1)والخلاف (2)، لكن نسب إلى الصدوق والكليني قدسسرهما وجوبه. قال في الكافي : باب وجوب الغسل يوم الجمعة (3).
وقال في الفقيه : غسل يوم الجمعة واجب على الرجال والنساء في السفر والحضر ثم قال : وغسل يوم الجمعة سنة واجبة (4). وكذلك نسب إلى والد الصدوق.
ونقل في الحدائق ذهاب الشيخ سليمان البحراني إلى الوجوب (5). ومال إليه شيخنا البهائي قدسسره وهو الذي نسب القول بالوجوب إلى والد الصدوق (6)، وكذا مال إليه المحقق الأردبيلي قدسسره (7).
وقد أجاب في الحدائق عن هذه النسبة بأن مراد الكليني والصدوق من الوجوب هو الثبوت لا الوجوب بالمعنى المصطلح وهو ما لا يجوز تركه ، وإنما عبّرا بالوجوب تبعاً لما ورد في الأخبار من أن غسل الجمعة واجب (8).
والوجه في هذا الاختلاف هو اختلاف الأخبار ، حيث دلّت جملة من الأخبار المعتبرة سنداً على وجوبه. ولا بدّ لنا من التكلّم في مقامين :
أحدهما : في الأخبار الواردة في غسل الجمعة في نفسها مع قطع النظر عن القرينة الخارجية.
ثانيهما : في الأخبار الواردة في غسل الجمعة مع النظر إلى القرينة الخارجية.
المقام الأوّل : والحق فيه مع القائلين بوجوب غسل الجمعة ، فقد ورد ما يفيد الوجوب في غير واحد من الأخبار المعتبرة والمستفيضة الموجبة للاطمئنان بل للقطع
بصدور بعضها من المعصومين عليهمالسلام.
منها : صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « الغسل يوم الجمعة على الرجال والنساء في الحضر ، وعلى الرجال في السفر وليس على النساء في السفر » (1).
ومنها : صحيحة ابن المغيرة المروية بإسناد الشيخ عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام قال : « سألته عن الغسل يوم الجمعة؟ فقال : واجب على كل ذكر أو أُنثى عبد أو حر » (2).
ومنها : صحيحة زرارة أو حسنته : « ... وقال : الغسل واجب يوم الجمعة » (3).
ومنها : موثقة سماعة قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن غسل الجمعة فقال : واجب في السفر والحضر » (4)إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على الوجوب إما تصريحاً بالوجوب أو إطلاقاً.
كما اشتملت على الأمر به كما في صحيحة محمد الحلبي (5)وصحيحة محمد بن مسلم (6).
وفي قبال ذلك جملة من الأخبار استدل بها على الاستحباب.
منها : صحيحة علي بن يقطين قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن الغسل في الجمعة والأضحى والفطر ، قال : سنّة وليس بفريضة » (7)وقد استدلّ بها على الاستحباب من وجهين :
أحدهما : تصريحها بأن الغسل في الجمعة سنّة وأمر مستحب وليس من الواجبات.
1) الوسائل 3 : 311 / أبواب الأغسال المسنونة ب 6 ح 1.
2) الوسائل 3 : 312 / أبواب الأغسال المسنونة ب 6 ح 3.
3) الوسائل 3 : 312 / أبواب الأغسال المسنونة ب 6 ح 5.
4) الوسائل 3 : 303 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 3.
5) الوسائل 3 : 306 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 9.
6) الوسائل 3 : 314 / أبواب الأغسال المسنونة ب 6 ح 11.
7) الوسائل 3 : 314 / أبواب الأغسال المسنونة ب 6 ح 9.
ثانيهما : أنها عدّت غسل الجمعة مع غسل الفطر والأضحى غير الواجبين فتدل على أنه مستحب غير واجب أيضاً. وبهذين الوجهين نبني على استحباب غسل الجمعة ونستكشف أن المراد بالوجوب الوارد في الأخبار المتقدمة هو الثبوت ، وأن المراد من الأمر به أو من قوله : « عليه الغسل » هو الاستحباب.
لكن يرد على الوجه الأوّل أن السنة في الصحيحة إنما هو في قبال الفريضة لا في قبال الواجب ، ومعنى السنة المقابلة للفريضة أنها مما أوجبها النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم والفريضة ما أوجبها اللّه في كتابه. ومن هنا ورد أن الركوع والسجود فريضة وأن التشهد والقراءة سنّة ، ومنه ما دل على أن غسل الميِّت أو مسه سنّة وغسل الجنابة فريضة ، فلا دلالة لها على الاستحباب بوجه.
ويرد على الوجه الثاني إشكال ظاهر وهو أن عد غسل الجمعة مع الغسلين المستحبين لا يدل على استحبابه ، إذ يمكن أن يذكر الواجب والمستحب معاً.
ومنها : ما عن سعد عن أحمد بن محمد عن القاسم عن علي قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن غسل العيدين أواجب هو؟ قال : هو سنّة ، قلت : فالجمعة؟ قال : هو سنّة » (1).
ولا إشكال في دلالتها على استحبابه ، حيث صرحت بكونه سنّة ، وهي في قبال الواجب فتدل على جواز تركه. إلاّ أنها ضعيفة السند ، لأن الظاهر أن القاسم الواقع في سندها هو القاسم بن يحيى بن الحسن بن راشد مولى المنصور ، الضعيف ، كما أن الظاهر أن عليّاً الواقع في آخر السند هو علي بن أبي حمزة البطائني المتهم الكذاب على ما ذكره ابن فضال (2).
1) الوسائل 3 : 314 / أبواب الأغسال المسنونة ب 6 ح 12.
2) رجال الكشي : 403. والظاهر أن القاسم في الرواية هو قاسم بن محمد الجوهري الراوي عن علي بن أبي حمزة البطائني ، وهو وإن وثقناه سابقاً لوجوده في أسناد كامل الزيارات مطابقاً لمسلك السيد الأُستاذ ( دام ظله ) ولكن لا بدّ من الانتباه إلى أمر وهو أن نظره الشريف ( دام ظله ) قد تغير وخص التوثيق العام المذكور في مقدمة الكتاب بمشايخ ابن قولويه ( رحمهاللّه تعالى ) دون بقية الرواة الموجودين في السند ، وعلى هذا فلا يكون القاسم داخلاً في هذا التوثيق ، وهكذا لا بدّ من تصحيح ما وقع منّا من التوثيقات لسائر الأشخاص في التعاليق السابقة وتطبيقها على المبنى الجديد.
والأخبار في الحث عليه كثيرة ، وفي بعضها أنه يكون طهارة له من الجمعة إلى الجمعة (1)، وفي آخر : « غسل يوم الجمعة طهور وكفارة لما بينهما من الذنوب من الجمعة إلى الجمعة » (2). وفي جملة منها التعبير بالوجوب ، ففي الخبر : إنه واجب على كل ذكر أو أُنثى من حر أو عبد (3)، وفي آخر : عن غسل يوم الجمعة فقال عليهالسلام : « واجب على كل ذكر وأُنثى من حر أو عبد » (4)وفي ثالث : « الغسل واجب يوم الجمعة » (5)وفي رابع قال الراوي : « كيف صار غسل الجمعة واجباً؟ فقال عليهالسلام : إنّ اللّه أتمّ صلاة الفريضة بصلاة النافلة .... إلى أن قال : وأتمّ وضوء النافلة بغسل يوم الجمعة » (6)وفي خامس : « لا يتركه إلاّ فاسق » (7)وفي سادس : « عمّن نسيه حتى صلّى قال عليهالسلام : إن كان في وقت فعليه أن يغتسل ويعيد الصلاة وإن مضى الوقت فقد جازت صلاته » (8)إلى غير ذلك ، ولذا ذهب جماعة
ومنها : ما رواه الحسين بن خالد قال : « سألت أبا الحسن الأوّل عليهالسلام كيف صار غسل الجمعة واجباً؟ فقال : إن اللّه أتم صلاة الفريضة بصلاة النافلة وأتم
1) الوسائل 3 : 318 / أبواب الأغسال المسنونة ب 7 ح 2.
2) الوسائل 3 : 315 / أبواب الأغسال المسنونة ب 6 ح 14.
3) الوسائل 3 : 316 / أبواب الأغسال المسنونة ب 6 ح 3. والمذكور فيه هو : واجب ...... عبد أو حر.
4) الوسائل 3 : 312 / أبواب الأغسال المسنونة ب 6 ح 6 ، 3. وفيه ما تقدم في المصدر (3) .
5) الوسائل 3 : 317 / أبواب الأغسال المسنونة ب 7 ح 1.
6) الوسائل 3 : 313 / أبواب الأغسال المسنونة ب 6 ح 7.
7) المستدرك 2 : 506 / أبواب الأغسال المسنونة ب 4 ح 2.
8) الوسائل 3 : 319 / أبواب الأغسال المسنونة ب 8 ح 1.
إلى وجوبه منهم الكليني والصدوق وشيخنا البهائي على ما نقل عنهم ، لكن الأقوى استحبابه ، والوجوب في الأخبار منزل على تأكد الاستحباب ، وفيها قرائن كثيرة على إرادة هذا المعنى ، فلا ينبغي الإشكال في عدم وجوبه وإن كان الأحوط عدم تركه.
صيام الفريضة بصيام النافلة وأتم وضوء النافلة ( الفريضة ) بغسل يوم الجمعة ، ما كان في ذلك من سهو أو تقصير ( أو نسيان ) أو نقصان » (1).
حيث دلّت على أن غسل الجمعة مستحب بقرينة أن إتمام الفريضة في الجملات السابقة إنما كان بالأمر المستحب ، فيستفاد منها أن المراد بكونه واجباً هو كونه ثابت الاستحباب في الشريعة المقدّسة.
وفيه : أنّا لو سلمنا دلالتها على الاستحباب فلا يمكن الاعتماد عليها لضعف أسنادها بالحسين بن خالد ، لعدم توثيقه في الرجال.
ومنها : ما نقله في البحار عن كتاب جمال الأُسبوع لابن طاوس في حديث رواه فيه بسنده عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم أنه قال لعلي عليهالسلام في وصيّته : « يا علي .... فاغتسل في كل جمعة ، ولو أنك تشتري الماء بقوت يومك وتطويه فإنه ليس شيء من التطوع بأعظم منه » (2).
ودلالتها على المدعى قاصرة ، لأن التطوع بمعنى ما يؤتى به بالتطوع والاختيار وهذا لا ينافي الوجوب. على أن سندها ضعيف بأبي البختري وهب بن وهب ، فإنه قيل في حقه أكذب البرية. فالمتحصل : أن مقتضى الأخبار الواردة في نفسها هو الوجوب.
المقام الثاني : في قيام القرينة الخارجية على الاستحباب ، وهي أن غسل الجمعة أمر محل ابتلاء الرجال والنساء في كل جمعة فلو كان واجباً عليهم لانتشر وجوبه وذاع ووصل إلينا بوضوح ولم يشتهر بين الأصحاب استحبابه ، ولما أمكن دعوى الإجماع على عدم وجوبه كما عن الشيخ قدسسره وهذا دليل قطعي على عدم كونه واجباً شرعاً.
وقد ذكرنا مثل ذلك في الإقامة ، لأن الأخبار الواردة فيها لا قصور في دلالتها على الوجوب لكنّا مع ذلك بنينا على استحبابها لعين ما ذكرناه من القرينة ، لأن وجوبها لا يلائم اشتهار الفتوى باستحبابها مع كثرة الابتلاء بها في كل يوم خمس مرات ، فلو كانت واجبة لانتشر وجوبها وذاع ولم تكن مورداً لدعوى الشهرة أو الإجماع على خلافه.
وعلى الجملة إن غسل الجمعة لا يقصر عن صلاة الكسوفين التي اشتهر وجوبها وذاع مع قلة الابتلاء بها ، بل قد لا يتفق في بعض السنين ، وكيف يخفى وجوب غسل الجمعة مع كثرة الابتلاء به في كل أسبوع؟! وقد تقدم أن الشيخ ادعى الإجماع على عدم وجوبه ، ولم يعلم من المتقدمين قائل بوجوبه ، وسبق أن الكليني والصدوق ووالده ( قدس اللّه أسرارهم ) لم يعلم ذهابهم إلى الوجوب لما مر.
ثم إنه على تقدير القول بالوجوب فهل أنه واجب نفسي أو أنه واجب غيري مقدّمة لصلاة الظهر أو الجمعة؟ لا يحتمل الوجوب النفسي فيه ، لأنه ليس لنا من الأغسال ما يكون واجباً نفسياً ، ولم يحتمل ذلك إلاّ في غسل الجنابة على قول ضعيف تقدّم في محلِّه (1).
وأمّا الوجوب الغيري فيدفعه صحيح ابن أبي نصر عن الرضا عليهالسلام قال : « كان أبي يغتسل للجمعة عند الرواح » (2)فان الظاهر من الرواح هو وقت العصر كما
في قوله تعالى ( غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ ) (1)فدلّت على أن موسى بن جعفر عليهالسلام كان يغتسل يوم الجمعة عصراً أي بعد الصلاة ، فلو كان الغسل واجباً غيرياً مقدمة للصلاة لم يكن يؤخرها إلى العصر. فتدل الصحيحة على عدم كونه واجباً غيرياً. واحتمال كونه واجباً نفسياً قد عرفت بعده جدّاً.
ودعوى أن الرواح بمعنى الرواح إلى الصلاة مندفعة :
أوّلاً : بأن موسى عليهالسلام قضى أكثر عمره الشريف في السجون ولم يتمكن من الذهاب إلى الصلاة مدّة مديدة يصدق معها قوله : « كان أبي ... » ، فإنه ظاهر في الاستمرار.
وثانياً : أن الصحيحة اشتملت على لفظة « عند » ، وظاهرها أن اغتساله عليهالسلام كان مقارناً للرواح لا أنه قبله ، ومقارنة الاغتسال للذهاب إلى الصلاة مما لا معنى له إلاّ أن يراد بالرواح زمان العصر.
وموثقة أبي بصير التي رواها الصدوق عنه بإسناده إليه : « أنه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يدع غسل يوم الجمعة ناسياً أو متعمداً ، فقال : إن كان ناسياً فقد تمّت صلاته وإن كان متعمداً فليستغفر اللّه ولا يعد » (2)بالتقريب الآتي في الرواية الآتية.
ولا إشكال في سندها غير أن في طريق الصدوق إلى أبي بصير علي بن أبي حمزة البطائني وهو ممن صرح الشيخ قدسسره في العدة بوثاقته (3)، وما ذكره ابن فضال من أنه كذاب متهم (4)لا يعلم رجوعه إليه لاحتمال رجوعه إلى ابنه الحسن فليراجع (5).
ويؤيده ما رواه محمد بن سهل عن أبيه قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن
[1031] مسألة 1 : وقت غسل الجمعة من طلوع الفجر الثاني (1)
الرجل يدع غسل الجمعة ناسياً أو غير ذلك ، قال : إن كان ناسياً فقد تمت صلاته وإن كان متعمداً فالغسل أحب إليَّ ، فان هو فعل فليستغفر اللّه ولا يعود » (1). وذلك لأن الغسل لو كان واجباً غيرياً مقدّمة للصلاة لكانت الصلاة عند نسيانه ولا أقل عند تعمد تركه باطلة ، فمن حكمه عليهالسلام بصحتها نستكشف عدم كونه مقدمة للصلاة ، غاية الأمر أنه مستحب مؤكد. والوجه في جعلها مؤيدة أن محمد بن سهل لم يوثق في الرجال.
نعم ورد في موثقة عمار الساباطي أنه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام « عن الرجل ينسى الغسل يوم الجمعة حتى صلّى ، قال : إن كان في وقت فعليه أن يغتسل ويعيد الصلاة ، وإن مضى الوقت فقد جازت صلاته » (2)وهي وإن كانت موثقة إلاّ أنها لا بدّ من حملها على الاستحباب بقرينة ما دل على عدم كونه واجباً غيريا.
(1) لا ينبغي الإشكال في عدم جواز الإتيان بغسل الجمعة قبل الفجر ، لأن العبادات توقيفية ولا يجوز الإتيان بها في غير وقتها. وهل يجوز الإتيان به بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس؟ قد يقال بجوازه ويستدل عليه بأن ما بين الطلوعين من اليوم فيجوز الإتيان حينئذ بما يجوز الإتيان به بعد طلوع الشمس.
وفيه : أن ما بين الطلوعين لم يعلم كونه من اليوم ، فإنهم يقسمون الزمان إلى ليل ونهار ويعبّرون عما بين طلوع الشمس وغروبها بالنهار وعن غيره بالليل أي الزمان الذي تكون الشمس فيه تحت الأرض ، كما يعبّرون عن منتصف النهار بالزوال وهو منتصف ما بين طلوع الشمس وغروبها ، وكذلك الحال في منتصف الليل فيعبّرون عنه
إلى الزوال (1) وبعده إلى آخر يوم السبت قضاء
بزوال الليل ، وعليه فيكون ما بين الطلوعين من الليل.
نعم دلنا غير واحد من الأخبار المعتبرة على أن ما بين الطلوعين ملحق بالنهار ففي صحيحة أو حسنة زرارة والفضيل قالا « قلنا له : أيجزئ إذا اغتسلت بعد الفجر للجمعة؟ فقال : نعم » (1)، ورواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً عن كتاب حريز بن عبد اللّه عن الفضيل وزرارة عن أبي جعفر عليهالسلام مثله (2)، ورواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه وعن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن حماد ابن عيسى مثله (3)، ونظيرها ما رواه ابن بكير عن أبيه ومحمد بن الوليد عن ابن بكير (4)فليراجع.
(1) وقع الكلام في منتهى زمان الغسل يوم الجمعة فقال بعضهم بأن آخر وقته هو الزوال ، ذهب إليه المحقق في المعتبر (5)واستدل عليه بجملة من الأخبار :
منها : صحيحة زرارة قال « قال أبو جعفر عليهالسلام : لا تدع الغسل يوم الجمعة فإنه سنة ، وشم الطيب والبس صالح ثيابك وليكن فراغك من الغسل قبل الزوال ، فاذا زالت فقم ... » (6).
روى في الوسائل تمامها في أبواب صلاة الجمعة وصدرها في الباب السابع من
أبواب الأغسال المسنونة ، حيث اشتملت على قوله عليهالسلام : « وليكن فراغك من الغسل قبل الزوال » وهو كناية عن عدم كونه بعد الزوال سواء كان قبله أم مقارناً للزوال ، وإنما بيّن خصوص الغسل قبله دون المقارن للغلبة ، فإن الغالب أن يغتسل قبل الزوال أو بعده ، وأما الاغتسال بنحو يكون آخره مقارناً للزوال فهو نادر بعيد. وكيف كان ، فتدل على أنه بعد الزوال قضاء لا محالة.
وفيه : أن الظاهر من الصحيحة أن أمره عليهالسلام بذلك إنما هو من جهة كونه مقدمة للأُمور التي ذكرها بعده كقوله : « فاذا زالت فقم ... ». ولا إشكال في أفضلية قرب الزوال ، وليست الصحيحة بصدد بيان أن الغسل بعد الزوال قضاء.
على أنّا لو سلمنا أنها بصدد بيان أن الغسل لا بدّ أن يكون قبل الزوال لا تكون الصحيحة مقيدة للإطلاقات الواردة في الغسل ، لأن التقييد إنما يبتني على أن يكون غسل الجمعة واجباً ، وأما بناء على أنه مستحب كما تقدم فلا مقتضي لتقييد المطلقات بها على ما هو القانون في المطلق والمقيد في المستحبات ، فان المطلق في المستحبات يبقى على حاله واستحبابه ويكون المقيد أفضل الأفراد.
ومنها : ما رواه سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة في أول النهار ، قال : يقضيه آخر النهار ، فان لم يجد فليقضه من يوم السبت » (1)والاستدلال بها من جهتين :
الاولى : تعبيره عليهالسلام بالقضاء في قوله : « يقضيه آخر النهار ».
الثانية : اقتران الغسل بعد الزوال بالغسل يوم السبت ، فكما أنه قضاء بلا كلام فليكن الأمر كذلك بعد زوال يوم الجمعة.
وفيه : أن الرواية لو تمت بحسب السند لا تتم بحسب الدلالة ، وذلك لأن القضاء في لغة العرب بمعنى الإتيان بالشيء وليس بالمعنى المصطلح عليه ، نعم علمنا خارجاً أن الغسل يوم السبت قضاء اصطلاحاً ، لا أن القضاء في الرواية بهذا المعنى ، بل معناه أنه
1) الوسائل 3 : 321 / أبواب الأغسال المسنونة ب 10 ح 3.
إذا لم يأت به قبل الزوال يأتي به بعد الزوال وإلاّ فيقضيه يوم السبت.
على أن الرواية ضعيفة سنداً وإن عبّر عنها في الحدائق بالموثقة (1)، والظاهر أنه من جهة بنائه على أن الراوي جعفر بن عثمان الرواسي الثقة ، إلاّ أنه مما لا قرينة عليه لأنه مردد بين الموثق والضعيف (2).
ويحتمل أن يكون توثيقه الرواية من جهة أن الراوي عنه هو ابن أبي عمير ، نظراً إلى أنه لا يروي إلاّ عن ثقة ، وفيه : ما قدّمناه مراراً من أنه ونظراءه قد رووا عن غير الثقة أيضاً فلا يتم ما ذكروه من الكلية.
ومنها : موثقة عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سألته عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة ، قال : يغتسل ما بينه وبين الليل ، فان فاته اغتسل يوم السبت » (3).
وتقريب الاستدلال بها أن مفروض السؤال من ابن بكير لا بدّ أن يكون هو فوت الغسل عنه قبل الزوال ، وإلاّ فلا معنى لقوله عليهالسلام : « يغتسل ما بينه وبين الليل » ومعه تدل الموثقة على المدعى ، وذلك لأن السائل اعتقد أن الرجل حيث لم يأت بالغسل قبل الزوال فقد فاته الغسل ، والفوت إنما يتحقق بانقضاء وقت العمل والإمام عليهالسلام لم يردعه عن هذا الاعتقاد ، بل أقره عليه وأفاده بأنه لو فاته قبل الزوال فليأت به بعده وإن فاته ففي يوم السبت.
وفيه : أن مفروض سؤاله في الموثقة وإن كان لا بدّ أن يكون هو عدم الإتيان به قبل الزوال كما ذكر إلاّ أنه لا دلالة في الموثقة على الإمضاء وعدم الردع ، بل هي دالّة على الردع عنه ، فكأنه ذكر عليهالسلام أنه إذا لم يأت بالغسل قبل الزوال لم يفته الغسل المأمور به بل يأتي به بينه وبين الليل وإلاّ ففي يوم السبت ، وليس في كلامه
لكن الأولى والأحوط (1)فيما بعد الزوال إلى الغروب من يوم الجمعة أن ينوي القربة من غير تعرض للأداء والقضاء ،
( عليهالسلام ) أنه يكون فائتاً حينئذ.
ويمكن أن يقال : إن التعبير بالفوت في كلام السائل إنما يريد به فوت الفرد الراجح من الطبيعة المأمور بها ، وهذا المقدار يكفي في صحّة التعبير بالفوت وإن لم تفت الطبيعة المأمور بها حينئذ.
وعليه فالصحيح أن وقت غسل الجمعة يمتد إلى الغروب دون الزوال وإن كان الأحوط بل الأفضل أن يؤتى به قبل الزوال كما سيأتي.
ونسب إلى الشيخ قدسسره أن غسل الجمعة يكون قضاء بإتمام صلاة الجمعة (2). وهذا أمر لم يقم عليه دليل ولم يرد في شيء من الروايات لا في معتبرها ولا في ضعيفها. ويحتمل أن يريد به ذهاب وقت الفرد الأفضل منه وهو ما يؤتى به قبل الصلاة ، إذ بإتمامها ينتهي وقته ويكون قضاء.
وهل هناك ثمرة في النزاع في أن الغسل بعد الزوال يوم الجمعة أداء أو قضاء ، أو لا تظهر له ثمرة عملية بوجه؟ قد يقال : تظهر الثمرة في القصد ، لأنه على الأوّل لا بدّ من قصد الأداء إذا أتى به بعد الزوال كما لا بدّ من قصد القضاء على الثاني.
وفيه : أن ذلك لا يكون ثمرة بوجه ، لأن الامتثال لا يتوقف على قصد الأداء والقضاء ، لأنه عبارة عن الإتيان بالعمل مضافاً إلى المولى ، دون اعتبار قصد الأداء والقضاء فيه.
نعم هذا إنما يلزم إذا كان عليه واجبان وتوجه إليه أمران : أحدهما الأمر بالأداء
كما أن الأولى مع تركه إلى الغروب أن يأتي به بعنوان القضاء في نهار السبت لا في ليله
والثاني الأمر بالقضاء ، كما لو فاتته صلاة الظهر أو الفجر من اليوم السابق فإنه بعد الظهر أو الفجر يكلف بواجبين ، ولا يحصل الامتثال لأحدهما إلاّ بقصد الأداء أو القضاء. وأما إذا كان عليه أمر واحد فلا يلزم في امتثاله قصد شيء من الأداء أو القضاء ، فإن الإتيان بقصد امتثال الأمر الفعلي كافٍ في الامتثال.
وقد يقال بأن للنزاع ثمرتين أُخريين :
إحداهما : أن من خاف أو أحرز إعواز الماء يوم الجمعة قبل الزوال يجوز له تقديم غسل الجمعة والإتيان به يوم الخميس ، كما أنه لو خاف أو أحرز إعوازه يوم السبت لم يجز له تقديمه يوم الخميس لأنه خارج عن وقت المأمور به.
وأمّا إعوازه بعد الزوال فهو إنما يسوغ التقديم يوم الخميس إذا كان الغسل فيه أداء فان حكمه حكم [ ما ] قبل الزوال ، وإن كان الغسل فيه قضاء فحكمه حكم الإعواز يوم السبت فلا مسوغ لتقديمه يوم الخميس ، فالثمرة هي مشروعية التقديم على القول بامتداد وقت الغسل إلى الغروب وعدم مشروعيته بناء على كون الوقت إلى الزوال.
وفيه : أن ما دلّ على جواز التقديم يوم الخميس قد اشتمل على الإعواز في الغد والغد يصدق على ما قبل الزوال كما يصدق على ما بعده على حد سواء ، فالاعواز في كلا الوقتين مسوغ للتقديم كان الغسل بعد الزوال أداءً أم كان قضاءً ، على أن ما دلّ على جواز التقديم مع الإعواز قبل الزوال أو بعده (1)ضعيف لا يمكن الاعتماد عليه.
ثانيتهما : أنه إذا خاف أو اعتقد الإعواز يوم الجمعة وقدّم الغسل يوم الخميس ثم وجد الماء يوم الجمعة قبل الزوال لزم عليه إعادة الغسل ، لأن ما اعتقده أو احتمله لم يكن مطابقاً للواقع وهو متمكن من الغسل يوم الجمعة ، كما أنه لو وجده يوم السبت لم
1) الوسائل 3 : 319 / أبواب الأغسال المسنونة ب 9.
تلزم عليه الإعادة لأنه من الوجدان خارج الوقت ، وبما أنه لم يكن متمكناً من الماء في ظرف العمل جاز له تقديمه من دون لزوم الإعادة عليه.
وأمّا لو وجده بعد الزوال فلزوم الإعادة عليه وعدمه يبتني على أن الغسل بعد الزوال أداء ليلحق بما قبل الزوال وحيث لم يكن معتقده واحتماله مطابقاً للواقع وكان متمكناً من الماء في ظرف العمل لزمت عليه الإعادة ، أو أنه قضاء ليلحق بالسبت في كونه من التمكن بعد الوقت ولا تلزم عليه الإعادة.
ويدفعه : أن لزوم الإعادة عند وجدان الماء يوم الجمعة ليس مدلول رواية ولو ضعيفة ، وإنما الوجه فيه هو الإطلاقات الآمرة بالغسل لأنها لم تتقيد بالغسل يوم الخميس وعدمه ، بل مقتضاها لزوم الإتيان به يوم الجمعة مع التمكن من الماء ، وبما أنه لم يأتِ به يوم الجمعة وهو متمكن من الماء لا بدّ من أن يأتي به عملاً بالإطلاق.
وهذا الإطلاق كما يقتضي الإعادة فيما لو وجد الماء قبل الزوال كذلك يقتضي الإعادة على تقدير وجدان الماء بعد الزوال ، لأنه يوم الجمعة والماء موجود وهو لم يغتسل. فمقتضى الإطلاق هو الإعادة سواء كان الإتيان به حينئذ أداء أو قضاء ، بل بالإطلاق يثبت أن الغسل بعد الزوال أداء أيضاً.
وعلى أي حال لا ثمرة عملية للنزاع في أنه أداء بعد الزوال أو أنه قضاء ، وإن كان الصحيح أن وقت غسل الجمعة ممتد إلى الغروب وإن كان الإتيان به قبل الزوال أرجح وهو أفضل الأفراد ، وذلك لصحيحة زرارة المتقدِّمة (1)المشتملة على أمره بكون الغسل قبل الزوال المحمولة على الاستحباب كما تقدم.
ثم إن ما ذكرناه من امتداد الوقت إلى الغروب لا فرق فيه بين ترك الغسل قبل الزوال نسياناً وبين تركه عمداً ، إذ لا دليل على التقييد بالزوال ، فالمطلقات هي المحكمة مضافاً إلى موثقة عمار الساباطي المتقدِّمة (2)الدالّة على أن من ترك الغسل قبل الزوال
نسياناً لا شيء عليه ومن تركه متعمداً أتى به ، لأنها دلّت على صحّة الإتيان به بعد الزوال وإن تركه قبل الزوال عمداً.
ثم إن المشهور أن الغسل كلما قرب من الزوال كان أفضل ، فالأفضل ما كان مقارناً مع الزوال وما كان بعيداً عنه بنصف ساعة فهو أقل منه ثواباً وهكذا. إلاّ أن ذلك لم يرد في شيء من الروايات سوى الفقه الرضوي (1). وقد قدمنا مراراً أنه لا يمكن الاعتماد عليه ، لعدم ثبوت كونه رواية فضلاً عن اعتبارها ، اللّهمّ [ إلاّ ] بناء على التسامح في أدلّة السنن وشموله لما لم يعلم كونه رواية أيضاً. فالثابت أن الغسل قبل الزوال أفضل.
بقي الكلام في قضائه يوم السبت ، ولا ينبغي الإشكال في مشروعيته وجواز قضائه يوم السبت ، وهو متسالم عليه بين الأصحاب كما يقتضيه غير واحد من النصوص. والكلام في قضائه يقع من جهات :
الاولى : أن قضاء غسل الجمعة الثابت مشروعيته نهار السبت هل يشرع في ليلة السبت أو لا يشرع لعدم الدليل على مشروعيته؟
مقتضى الجمود على ظاهر النصوص (2)عدم مشروعيته ليلة السبت ، لاختصاصها بيومه ، لكن المشهور بينهم هو الجواز والمشروعية ليلاً. وقد استدل عليه بوجوه :
الأوّل : أن المشهور ذهبوا إلى استحبابه ، ومقتضى قاعدة التسامح في المستحبات كفاية فتوى المشهور في الحكم بالمشروعية والاستحباب.
وفيه : أن ذلك يبتني على أمرين :
أحدهما : دلالة أخبار « من بلغ » على أن العمل الواصل فيه الثواب مستحب في الشريعة المقدسة.
وثانيهما : شمول الوصول والبلوغ لفتوى الفقيه. وكلا الأمرين قابل للمناقشة على ما قدمناه في محلِّه (1).
الثاني : استصحاب المشروعية للقطع بها يوم الجمعة فلو شككنا في بقائها وارتفاعها ليلة السبت فنستصحب بقاءها. ويرد عليه :
أولاً : أنه من استصحاب الحكم الإلهي الكلي ونحن نمنع جريانه فيه.
وثانياً : أنه من قبيل الاستصحاب الجاري في القسم الثالث من الكلي ، لأن المشروعية الثابتة يوم الجمعة إنما كانت ثابتة في ضمن الأداء وهي قد ارتفعت قطعاً ونشك في أنه هل وجد فرد آخر من المشروعية وهي المشروعية قضاء مقارناً لارتفاع الفرد الأوّل ، أو لا ، وهو مما لا يلتزم به القائل بجريان الاستصحاب في الأحكام.
الثالث : أن القيد الوارد في الأخبار (2)أعني يوم السبت قد ورد مورد الغالب ، فان الغالب هو الاغتسال في النهار دون الليل ، والقيد الوارد مورد الغالب لا مفهوم له ليقيد به الإطلاق ، فلا موجب لاختصاص الحكم بالمشروعية بيوم السبت بل هي ثابتة في ليله أيضاً.
وفيه أوّلاً : منع الغلبة ، لأن غلبة الاغتسال في اليوم إنما هي فيما إذا كان الهواء بارداً ولا سيما إذا لم يكن المكان مما تعارف فيه الحمامات الدارجة ، وأما إذا كان الهواء حاراً أو كان المكان مما تعارف فيه الحمامات المتعارفة فلا غلبة في الاغتسال في النهار بل النهار كالليل ، ولعل الأمر بالعكس والاغتسال في الليل أكثر من الاغتسال في النهار.
وثانياً : أن ورود القيد مورد الغالب إنما لا يوجب التقييد في الإطلاق فيما إذا كان
هناك دليل مطلق وورد في قباله دليل مقيد وكان القيد غالبياً فهو لا يوجب التقييد في الإطلاق ، وليس الأمر في المقام كذلك ، إذ لا دليل مطلق دل على جواز القضاء مطلقاً ليلاً ونهاراً ليدعى أن الأخبار الواردة في جواز القضاء يوم السبت لا تستلزم تقييد ذلك المطلق ، بل ليس عندنا إلاّ تلك الأخبار المقيدة. إذن لا دليل لنا على مشروعية القضاء ليلاً وهو كافٍ في عدم المشروعية.
ودعوى أن القضاء إذا كان ثابتاً في نهار السبت فيثبت في ليله بطريق أولى لقربه من الجمعة ، مندفعة بأن العبادات الشرعية توقيفية وهي تحتاج في مشروعيتها إلى دليل يدل عليها ، ومجرد الأولوية الاستحسانية لا يكفي في ثبوت المشروعية كما هو واضح.
الرابع : موثقة ابن بكير المتقدمة الدالّة على أن من فاته غسل الجمعة يأتي به فيما بينه وبين الليل وإلاّ ففي يوم السبت (1). وهي تدل على مشروعية قضاء الغسل ليلة السبت على ما استدل به صاحب الجواهر قدسسره وذكر في تقريبه : أن السائل فرض فوت الغسل في مجموع نهار الجمعة ، ومعه لا معنى لقوله عليهالسلام : يأتي به فيما بينه وبين الليل ، أي فيما بين النهار الذي فاته الغسل فيه وبين الليل ، إذ لا فاصل بين اليوم والليل ، فلا مناص من تقدير كلمة ( الآخر ) قبل الليل فيصير معنى الموثقة أنه يأتي به فيما بين النهار الذي فاته الغسل فيه وبين آخر الليل ، فتدل على مشروعية القضاء في ليلة السبت أيضاً (2).
ويدفعه أوّلاً : ما قدمناه من أن الظاهر من الموثقة أن السؤال هو عن فوت الغسل في الوقت المتعارف فيه الغسل وهو ما قبل الزوال ، وعليه فمعنى قوله عليهالسلام : « فيما بينه وبين الليل » أي فيما بين الشخص والليل ، أي من الزوال إلى الليل ، فلا دلالة فيها على مشروعية القضاء في الليل.
وثانياً : لو فرضنا المعنى كما أفاده قدسسره فما الموجب للإغلاق في كلام الإمام
وآخر وقت قضائه غروب يوم السبت ،
( عليهالسلام ) أعني قوله : « فيما بينه وبين الليل » بل كان اللازم أن يقول : يأتي به ليلاً. فلا وجه له إلاّ ما قدمناه من أن السؤال إنما هو عن فوت الغسل قبل الزوال. فالحديث لا دلالة فيه على مشروعية القضاء ليلة السبت بوجه.
نعم لا بأس بالإتيان به رجاء ، لأنه لم يقم دليل على عدم مشروعيته ليلاً ، وإنما لا نفتي بالمشروعية لعدم الدليل عليها فلا بأس معه من الإتيان به رجاء.
الجهة الثانية : الظاهر جواز القضاء إلى غروب يوم السبت وليس وقته محدداً بالزوال ، ولعله مما لا إشكال فيه ، فوقت القضاء ممتد إلى الغروب.
الجهة الثالثة : أن مشروعية القضاء يوم السبت هل تختص بمن ترك الغسل يوم الجمعة نسياناً أو لعذر من الأعذار فلا يشرع لمن تركه يوم الجمعة متعمداً ، أو لا يختص به ولا يفرق في مشروعيته بين من تركه عمداً أو تركه نسياناً أو لغيره من الأعذار؟
نسب إلى الصدوق قدسسره الاختصاص (1). وقد يستدل عليه بمرسلة الهداية (2)كما في الحدائق (3)والجواهر (4)وبالفقه الرضوي (5).
ويرد على الاستدلال بهما أن الاولى ضعيفة بإرسالها والثانية لم تثبت كونها رواية فضلاً عن أن تكون معتبرة. على أن المرسلة إنما دلت على أنه يقضيه يوم السبت إذا نسيه يوم الجمعة ، وأما أنه إذا تركه عمداً فلا يجوز له القضاء فهو مما لا يستفاد من
المرسلة. على أن لازم الاستدلال بهما اختصاص الحكم بمن تركه نسياناً وحسب مع أن الصدوق عممه إلى سائر الأعذار أيضاً.
والصحيح أن الصدوق إنما اعتمد في ذلك على رواية سماعة المتقدمة ، حيث ورد فيها : « فان لم يجد فليقضه من يوم السبت » (1)فقد أخذت في موضوع جواز القضاء يوم السبت عدم التمكن من الغسل يوم الجمعة وكون تركه مستنداً إلى العذر وعدم التمكن منه ، فمن تركه لا لعذر ليس له أن يقضيه يوم السبت ، لأن الغسل وإن كان مستحباً ولا يقيد المطلق في المستحبات بالمقيد بل يحمل على أفضل الأفراد مع بقاء المطلق على إطلاقه إلاّ أن ذلك إنما هو إذا كانا موجبين أو سالبين ، وأما إذا كان أحدهما إيجاباً والآخر سلباً فلا مناص من التقييد.
والمقام من هذا القبيل ، لأن للموثقة مفهوماً وهو عدم جواز القضاء لمن ترك الغسل لا لعذر ، ومع المفهوم تكون الموثقة سالبة والإطلاقات موجبة فيختلفان في السلب والإيجاب ولا بدّ من التقييد معه ، أي تقييد ما دل على جواز القضاء يوم السبت لمن ترك الغسل يوم الجمعة مطلقاً بهذه الموثقة ، فينتج اختصاص مشروعية القضاء بمن ترك الغسل يوم الجمعة لعذر لا ما إذا كان الترك عن تعمّد ، هذا.
وفيه : أن الرواية لا مفهوم لها ، فكأنه عليهالسلام ذكر أن من ترك الغسل قبل الزوال إذا كان واجداً للماء أتى به بعد الزوال لفرض أنه قاصد للامتثال وأنه إذا لم يجد الماء أتى به يوم السبت ، وأما إذا تركه متعمداً فلا نظر للموثقة إلى حكمه وأنه أي شيء وظيفته ، فلا دلالة لها على المفهوم.
وحيث إن موثقة ابن بكير المتقدِّمة (2)دلت على جواز القضاء يوم السبت عند فوته يوم الجمعة ، والفوت أعم من أن يستند إلى الاضطرار والعذر أو إلى العمد كما في فوت الفريضة الواجب قضاؤها ، فلا فرق في مشروعية القضاء يوم السبت بين تارك الغسل يوم الجمعة عن عذر واضطرار وبين تركه عن عمد واختيار.
واحتمل بعضهم جواز قضائه إلى آخر الأسبوع ، لكنه مشكل ، نعم لا بأس به لا بقصد الورود بل برجاء المطلوبية لعدم الدليل عليه إلاّ الرضوي الغير المعلوم كونه منه عليهالسلام.
[1032] مسألة 2 : يجوز تقديم (1)غسل الجمعة يوم الخميس (1)
وهذه المسألة وإن لم تكن محتاجة إلى التدقيق والتأمل بهذا المقدار إلاّ أن التدقيق لأجل ما أشرنا إليه من إغناء كل غسل عن الوضوء ، وحيث ثبت استحباب قضائه يوم السبت وجوازه في حق من تركه يوم الجمعة متعمداً فيغني عن الوضوء بناء على ما قدمناه.
الجهة الرابعة : إذا لم يقضه المكلف يوم السبت هل يشرع له القضاء في سائر أيام الأُسبوع أو لا دليل على مشروعيته في سائر الأيام؟
مقتضى موثقة ذريح عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « في الرجل هل يقضي غسل الجمعة؟ قال : لا » (2)، عدم المشروعية في القضاء مطلقاً وقد خرجنا عنها في قضائه يوم السبت ويبقى غيره تحت عموم عدم المشروعية.
ولا دليل على مشروعية قضائه بعد السبت سوى ما ورد في الفقه الرضوي وأن له أن يأتي به في سائر أيام الأُسبوع (3)، إلاّ أنه لم يثبت كونه رواية فضلاً عن كونها معتبرة.
(1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات :
الجهة الاولى : في أصل مشروعية التقديم عند خوف إعواز الماء أو إحرازه يوم
الجمعة. المشهور عندهم مشروعيته ، وعن بعضهم أنه مما لا خلاف فيه ، وعن الحدائق أنه لم ينقل فيه خلاف من أحد (1).
فإن كانت المسألة اتفاقية كما ادعي وحصل لنا القطع بقوله عليهالسلام من اتفاقهم فهو ، وإلاّ فللمناقشة في أصل مشروعية التقديم مجال ، وذلك لأن ما استدل به على ذلك أُمور ثلاثة :
الأوّل : الفقه الرضوي : « وإن كنت مسافراً وتخاف عدم الماء يوم الجمعة فاغتسل يوم الخميس » (2). وهذا لم يثبت كونه رواية فضلاً عن اعتبارها.
الثاني : مرسلة محمد بن الحسين عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قال لأصحابه : إنكم تأتون غداً منزلاً ليس فيه ماء فاغتسلوا اليوم لغدٍ ، فاغتسلنا يوم الخميس للجمعة » (3). وهي مرسلة ولا يمكن الاعتماد عليها.
الثالث : ما رواه المشايخ الثلاثة عن الحسن بن موسى بن جعفر أو الحسين بن موسى بن جعفر عليهماالسلام عن امه وأُم أحمد بن موسى قالتا : « كنّا مع أبي الحسن موسى بن جعفر عليهماالسلام في البادية ونحن نريد بغداد فقال لنا يوم الخميس : اغتسلا اليوم لغد يوم الجمعة فإن الماء غداً بها قليل ، قالتا : فاغتسلنا يوم الخميس ليوم الجمعة » (4).
وهي ضعيفة أيضاً ، لأنها إن كانت مروية عن الحسن بن موسى كما عن الفقيه (5)فهو مجهول ، وإن كانت مروية عن الحسين بن موسى كما عن التهذيب (6)والكافي (7)فهو مهمل ، على أن حال أُمهما غير معلوم ولم تثبت وثاقتها ولا وثاقة أُم أحمد
بل ليلة الجمعة إذا خاف إعواز الماء يومها.
فالاستدلال بتلك الأخبار غير ممكن.
اللّهمّ إلاّ على أحد أمرين أحدهما : انجبار ضعف الرواية بعمل المشهور على طبقها. وثانيهما : أن يقال بأن أخبار من بلغ تدل على استحباب العمل الذي بلغ فيه الثواب. ولم يثبت شيء من الأمرين.
أمّا الأوّل : فقد ذكرنا في محله أن عمل المشهور على طبق رواية لا يوجب انجبار ضعفها ، إذ نحتمل وقوفهم على قرينة تدل على صحتها من دون أن تصل إلينا (1).
وأما الثاني : فلما حققناه في محله من أن أخبار من بلغ واردة للإرشاد إلى ما استقل به العقل من أن الانقياد وإتيان العمل برجاء المحبوبية حسن ويترتب عليه الثواب ولا دلالة لها على استحباب العمل شرعاً (2)، وعليه لا تثبت مشروعية تقديم الغسل يوم الخميس ، نعم لا بأس بالإتيان به يوم الخميس رجاء عند خوف الإعواز أو إحرازه يوم الجمعة.
الجهة الثانية : على تقدير ثبوت مشروعية التقديم يوم الخميس هل يشرع تقديمه ليلة الجمعة عند خوف الإعواز أو إحرازه يوم الجمعة أو تختص المشروعية بيوم الخميس؟
مقتضى الجمود على ظاهر النصوص هو الاختصاص فكأن اليوم بيوم لا اليوم بليل ، لكن المعروف جواز تقديمه ليلة الجمعة ، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات بعضهم. واستدل عليه بوجوه :
الأوّل : الأولوية ، فإن اللّيل أقرب إلى الجمعة من نهار الخميس ، فاذا ثبتت المشروعية يوم الخميس ثبتت ليلة الجمعة بالأولوية.
وفيه : أن العبادات أُمور توقيفية تحتاج مشروعيتها إلى دليل ، والأولوية الظنية مما
لا اعتبار بها فلا يثبت بها الحكم الشرعي.
الثاني : استصحاب المشروعية المتيقنة يوم الخميس ، وهذا يبتني على أمرين :
أحدهما : القول بجريانه في الأحكام الكلية. وثانيهما : أن يكون اليوم الوارد في الروايتين لمجرّد الظرفية ولم يكن قيداً دخيلاً في ثبوت الحكم الشرعي. وكلا الأمرين مورد المناقشة ، لعدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية ، ولأن ظاهر اليوم في الروايتين أنه قيد في ترتب الحكم الشرعي لا أنه اتي به لمجرد الظرفية ، ومعه لا مجرى للاستصحاب في المقام.
الثالث : التعليل الوارد في الروايتين المتقدمتين ، حيث علل الحكم بالتقديم يوم الخميس بقلّة الماء يوم الجمعة ، فإذا كان هذا هو العلّة فيه فيتعدّى إلى الليل أيضاً إذا خيف أو أُحرز قلة الماء يوم الجمعة.
وهذا الاستدلال غريب ، لأن العلّة وإن كانت قلة الماء وإعوازه إلاّ أنه ليس مطلقاً بل في خصوص يوم الخميس ، وإلاّ جاز التعدِّي إلى التقديم في سائر أيام الأُسبوع أيضاً كالأربعاء والثلاثاء وغيرهما إذا خيف أو أُحرزت القلّة يوم الجمعة وهو مما لا قائل به. فالصحيح هو اختصاص المشروعية بيوم الخميس ، فاليوم باليوم.
الجهة الثالثة : في موضوع الحكم بجواز التقديم يوم الخميس هل هو خوف الإعواز يوم الجمعة أو إحرازه؟
المعروف أن الموضوع المسوغ للتقديم هو خوف الإعواز ، وهو إما بمعنى الظن بالقلّة أو احتمالها العقلائي كما في غير المقام. وهذا مما لا دليل عليه سوى الفقه الرضوي المشتمل على قوله : « وإن كنت مسافراً وتخاف عدم الماء يوم الجمعة » (1)، وقد تقدّم عدم ثبوت كونه رواية فضلاً عن اعتبارها.
ومدرك المشهور هو إحدى الروايتين المتقدمتين (2)وقد ورد فيهما إعواز الماء. ففي
أمّا تقديمه ليلة الخميس فمشكل ، نعم لا بأس به مع عدم قصد الورود ، واحتمل بعضهم جواز تقديمه حتى من أول الأُسبوع أيضاً ، ولا دليل عليه.
المرسلة « إنكم تأتون غداً منزلاً ليس فيه ماء » وفي رواية ابن موسى عليهالسلام : « فان الماء غداً بها قليل » فالحكم مترتب على واقع القلّة أو الانعدام فلا بدّ من إحرازه بالعلم الوجداني أو التعبّدي ، كما هو الحال في الروايتين لإخبار الإمام عليهالسلام فيهما بالقلّة أو الإعواز وهو موجب للجزم واليقين.
الجهة الرابعة : هل يختص جواز التقدم بما إذا خيف أو أُحرزت القلّة في السفر أو يعمه والحضر أيضاً؟
الصحيح هو التعميم ، لأن الروايتين وإن كانتا واردتين في السفر إلاّ أن المورد لا يخصص ، والموضوع فيهما هو الإعواز بلا فرق في ذلك بين السفر والحضر.
الجهة الخامسة : موضوع الحكم بجواز التقديم يوم الخميس هو إعواز الماء يوم الجمعة ، وهل يجوز تقديم الغسل في يوم الأربعاء أو غيره من أيام الأُسبوع إذا تحقق الموضوع بأن خاف الإعواز أو أحرزه؟
الصحيح عدم المشروعية في غير يوم الخميس ، وهو المطابق للقاعدة ، لأن العبادات توقيفية ، ولم يرد الترخيص في تقديمه إلاّ يوم الخميس فنخرج عنها بهذا المقدار فقط ، وأما في سائر الأيام فلا تقديم لعدم الدليل على الجواز.
وأمّا ما يتوهّم من أن العلة في جواز التقديم يوم الخميس هو الإعواز أو خوفه يوم الجمعة فإذا تحققت العلة في غير يوم الخميس جاز التقديم فيه أيضاً ، ففيه أن العلّة هي خوف الإعواز أو إحرازه يوم الخميس لا مطلق الخوف أو الإحراز ، فلا دليل على مشروعية التقديم في غير الخميس ، نعم لا بأس بالإتيان به رجاء لعدم القطع بعدم المشروعية واقعا.
الجهة السادسة : فيما لو تمكن من الماء يوم الجمعة بعد أن خاف الإعواز أو أحرزه
وإذا قدّمه يوم الخميس ثم تمكّن منه يوم الجمعة يستحب إعادته ، وإن تركه يستحب قضاؤه يوم السبت ، وأمّا إذا لم يتمكّن من أدائه يوم الجمعة فلا يستحب قضاؤه (1)وإذا دار الأمر بين التقديم والقضاء فالأولى اختيار الأوّل.
[1033] مسألة 3 : يستحب أن يقول حين الاغتسال : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد واجعلني من التوّابين واجعلني من المتطهِّرين.
يوم الخميس فقدم الغسل هل تستحب الإعادة أم لا؟ المعروف هو استحباب الإعادة. والصحيح ابتناء المسألة على أن الخوف أو الإحراز هل هما طريقان إلى الإعواز يوم الجمعة أو أنهما موضوعان للحكم بجواز التقديم.
فعلى الثاني لا مجال لاستحباب الإعادة ، فإنه قد أتى بغسل الجمعة مقدماً لتحقق موضوعه وهو الخوف أو الإحراز ومعه لا تشمله الإطلاقات الدالّة على استحباب غسل الجمعة ، بل تكون الأدلة الدالّة على جواز التقديم مع الخوف أو الإحراز حاكمة على تلك الإطلاقات ، لدلالتها على توسعة زمان الامتثال وتحقق المأمور به بالغسل يوم الخميس ، ولا استحباب للغسل بعد الغسل.
وأمّا على الأوّل فحيث انكشف خطأ الطريقين وتمكن المكلف من الماء يوم الجمعة فلا محالة تشمله الإطلاقات ، لعدم امتثاله على الفرض ، وما أتى به إنما كان مأموراً به خيالاً أو ظاهراً ولا يجزئ شيء منهما عن المأمور به الواقعي ، فالإطلاقات تدل على استحباب الإعادة ، فاذا أتى به يوم الجمعة فهو وإلاّ استحب له القضاء يوم السبت لأنه لم يأت به يوم الجمعة وفاته ذلك ، وما أتى به يوم الخميس لم يكن مأموراً به إلاّ خيالاً أو ظاهراً.
وهذا بخلاف ما إذا كان الخوف أو الإحراز موضوعين لجواز التقديم ، فإنه إذا قدم الغسل يوم الخميس فقد أتى بغسل الجمعة لتوسعة وقته حينئذ ومعه لا يشرع القضاء
1) (*) فيه إشكال ، وكذا فيما بعده.
[1034] مسألة 4 : لا فرق في استحباب غسل الجمعة بين الرجل والمرأة والحاضر والمسافر والحر والعبد ومن يصلِّي الجمعة ومن يصلِّي الظهر ، بل الأقوى استحبابه للصبي المميز (1)، نعم يشترط في العبد إذن المولى إذا كان منافياً لحقه ، بل الأحوط مطلقاً (2) وبالنسبة إلى الرجال آكد ، بل في بعض الأخبار رخصة تركه للنساء.
في حقه ، لأنه إنما ثبت على من فاته الغسل يوم الجمعة والمفروض أن المكلف لم يفته غسل يوم الجمعة بل أتى به مقدما.
الجهة السابعة : إذا دار أمره بين التقديم يوم الخميس لخوف الإعواز أو لإحرازه وبين ترك التقديم والقضاء يوم السبت فالأولى اختيار التقديم ، وذلك لأنه أداء موسع ولا إشكال في أن الأداء أولى من القضاء.
(1) الأمر كما أفاده ، ولا فرق في استحبابه بين أقسام المكلفين لإطلاق الأدلّة ، نعم علمنا أن تأكده في حق الرجال أقوى منه في حق النساء ، لما ورد من أنّهنّ قد رخصن في تركه (1)وفي بعضها أنه رخص لهنّ في تركه في السفر دون الحضر (2).
(2) ذكر الماتن قدسسره أن العبد يشترط فيه إذن المولى إذا كان اغتساله منافياً لحق المولى وأمره ، ثم ترقي واحتاط في اعتبار الاستئذان من المولى مطلقاً حتى إذا لم يكن منافياً لحقه.
[1035] مسألة 5 : يستفاد من بعض الأخبار كراهة تركه بل في بعضها الأمر باستغفار التارك ، وعن أمير المؤمنين عليهالسلام أنه قال في مقام التوبيخ لشخص : « واللّه لأنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة ، فإنه لا يزال في طهر إلى الجمعة الأُخرى ».
[1036] مسألة 6 : إذا كان خوف فوت الغسل يوم الجمعة لا لإعواز الماء بل لأمر آخر كعدم التمكن من استعماله أو لفقد عوض الماء مع وجوده فلا يبعد جواز تقديمه أيضاً (1)يوم الخميس وإن كان الأولى عدم قصد الخصوصية والورود بل الإتيان به برجاء المطلوبية (1).
والاحتياط استحباباً حسن في نفسه إلاّ أن الاحتياط الوجوبي مما لا وجه له لوجود المطلقات النافية لاعتبار الاستئذان من المولى في استحباب الغسل في حق العبد ، وهذا إذا لم يكن منافياً لحقه بمكان من الوضوح ، وكذلك الحال فيما إذا كان منافياً لحقه ، لأنه من تزاحم الحقين وقد ذكرنا في محله أن الترتب في المتزاحمين على طبق القاعدة (2)، فاذا عصى مولاه وخالف أمره فلا مانع من صحّة اغتساله.
(1) هل يجوز التقديم إذا خيف أو أُحرز عدم التمكن من الغسل يوم الجمعة لأجل مانع غير إعواز الماء وقلّته مثل خوف البرد في الهواء أو كان متمكناً من الماء الحار يوم الخميس وعاجزاً عن الماء الحار في الجمعة مع وجدان الماء البارد؟
قد يقال : إن إعواز الماء ذكر في الروايتين (3)من باب المثال ، والغرض عدم التمكن من الغسل يوم الجمعة ولو لمانع آخر ، لكن مقتضى ظاهر النصوص هو الاختصاص بما إذا خيف أو أُحرز قلة الماء فلا دليل على المشروعية في غير ذلك ، نعم لا بأس بتقديم الغسل حينئذ رجاء.
[1037] مسألة 7 : إذا شرع في الغسل يوم الخميس من جهة خوف إعواز الماء يوم الجمعة فتبيّن في الأثناء وجوده وتمكّنه منه يومها بطل غسله ، ولا يجوز إتمامه بهذا العنوان والعدول منه إلى غسل آخر مستحب إلاّ إذا كان من الأوّل قاصداً للأمرين (1).
[1038] مسألة 8 : الأولى إتيانه قريباً من الزوال وإن كان يجزئ من طلوع الفجر إليه كما مر.
[1039] مسألة 9 : ذكر بعض العلماء أن في القضاء كلّما كان أقرب إلى وقت الأداء كان أفضل فإتيانه في صبيحة السبت أولى من إتيانه عند الزوال منه أو بعده ، وكذا في التقديم ، فعصر يوم الخميس أولى من صبحه وهكذا ، ولا يخلو عن وجه وإن لم يكن واضحاً. وأما أفضلية ما بعد الزوال من يوم الجمعة من يوم السبت فلا إشكال فيه وإن قلنا بكونه قضاء كما هو الأقوى (1).
(1) إذا شرع في الغسل يوم الخميس لإعواز الماء في الجمعة وانكشف في أثناء غسله وجود الماء وتمكّنه منه يوم الجمعة بطل غسله ، لانكشاف عدم كونه مأموراً به واقعاً وإنما كان مأموراً به بالأمر الخيالي أو الظاهري فلا يجوز أن يتمه ، كما لا يجوز له أن يعدل إلى غسل مستحب آخر لعدم دلالة الدليل على جواز العدول حينئذ.
نعم حيث ثبت في محله (2)جواز التداخل في الأغسال فلا مانع من أن يأتي بغسل واحد للجمعة وللزيارة وللعيد مثلاً ، ومعه لو انكشف التمكن من الماء يوم الجمعة فيبطل غسله بالإضافة إلى غسل الجمعة وله إتمامه بنية الزيارة والعيد ونحوهما فهو غسل مشروع مستحب.
[1040] مسألة 10 : إذا نذر غسل الجمعة وجب عليه (1) ومع تركه عمداً تجب الكفارة (2) والأحوط قضاؤه (1)يوم السبت ، وكذا إذا تركه سهواً أو لعدم التمكّن منه (3) ، فإن الأحوط قضاؤه (4) وأما الكفارة فلا تجب إلاّ مع التعمد.
(1) كما في غيره من الأُمور الراجحة شرعاً.
(2) وهي كفارة شهر رمضان لحنث نذره.
(3) ولا يبعد أن يقال بعدم انعقاد النذر فيما إذا انكشف عدم تمكن الناذر من المنذور في وقته ، إذ يشترط القدرة على المنذور في النذر ، لوضوح أنه لا معنى للالتزام بعمل خارج عن القدرة ، فإذا لم يقدر عليه في ظرفه كشف ذلك عن عدم صحّة النذر به.
(4) والظاهر عدم وجوب القضاء عند تعمد تركه فضلاً عما لو تركه سهواً أو لعدم التمكّن منه ، وذلك لأن القضاء إما أن يكون بالأمر الجديد كما هو الصحيح وإما أنه تابع للأداء.
فإن قلنا بأنه بالأمر الجديد فهو يحتاج في وجوبه إلى أمر جديد ، وهو إنما ورد في الصلاة والصيام وفي بعض الموارد الأُخر المنصوصة كما إذا نذر الصوم فطرأ عليه ما لا يتمكّن معه من إتمامه كما لو سافر أو حاضت أو نفست ونحو ذلك ، وليس لنا في المقام أمر جديد بقضاء غسل الجمعة إذا نذره ثم تركه عمداً أو نسياناً أو لغيرهما.
وأما إذا قلنا بأن القضاء تابع للأداء فمعنى ذلك أن هناك أمرين ومطلوبين قد تعلّق أحدهما بطبيعي الفعل وتعلق ثانيهما بالمقيد أي بالإتيان به في وقت خاص أعني التقييد بدليل منفصل ، وحينئذ إذا لم يأت به في الوقت الخاص وفاته امتثال أحد
1) (*) لا بأس بتركه ولا سيما في فرض السهو أو عدم التمكن منه.
[1041] مسألة 11 : إذا اغتسل بتخيل يوم الخميس بعنوان التقديم أو بتخيل يوم السبت بعنوان القضاء فتبين كونه يوم الجمعة فلا يبعد الصحّة خصوصاً إذا قصد الأمر الواقعي وكان الاشتباه في التطبيق (1).
الأمرين فالأمر الآخر المتعلق بالطبيعي باق بحاله لا بدّ من امتثاله والإتيان بالعمل في غير وقته.
وهذا وإن كان ممكناً في الأفعال الواجبة بالعنوان الأولي إلاّ أنه لا يأتي في الواجب بالنذر والعنوان الثانوي ، لأنه تابع لنذر الناذر ، ولا إشكال في أن الناذر إنما ينذر إتيان الغسل يوم الجمعة وهو فعل واحد ولا يخطر بباله انحلال نذره إلى أمرين.
بل لو فرضنا أنه نذر مع الانحلال أي نذر طبيعي الغسل ونذر إتيانه في يوم الجمعة ثم تركه يوم الجمعة ولم يأت به يوم السبت ولا في غيره وجبت كفارتان إحداهما لتركه الواجب يوم الجمعة وهو أحد المنذورين وثانيتهما لتركه طبيعي الغسل ، مع أن في ترك مثل نذر غسل الجمعة ليست إلاّ كفارة واحدة.
فالمتحصل : أن القضاء غير واجب في المقام لعدم الدليل ، وإنما يجب في الصلاة والصيام وبعض الموارد الأُخر كما قدمناه ، نعم الأحوط القضاء لأن احتمال الوجوب واقعاً موجود بالوجدان.
(1) تعرّض قدسسره في هذه المسألة لعدة فروع :
الأوّل : ما إذا تخيل أن اليوم جمعة فاغتسل لها ثم ظهر أن اليوم يوم الثلاثاء ولكن كان عليه أحد الأغسال من الجنابة أو مس الميِّت فهل يصح غسله حينئذ ويقع عن الجنابة أو مس الميِّت أو يقع باطلاً؟ الصحيح في ذلك هو الحكم بالبطلان ، لأنه من صغريات الكبرى المعروفة : ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد.
وتوضيحه : أن المستفاد من الروايات أن الأغسال طبائع وحقائق مختلفة كما أن
وكذا إذا اغتسل بقصد يوم الجمعة فتبيّن كونه يوم الخميس مع خوف الإعواز أو يوم السبت
أسبابها مختلفة ، وليست كالوضوء الذي هو أمر واحد والاختلاف إنما هو في أسبابه من بول أو نوم أو نحوهما حتى يكون الإتيان به بقصد أنه مسبب عن البول مثلاً كافياً وإن كان في الواقع مستنداً إلى سبب آخر لأنه حقيقة واحدة ولا اختلاف في حقيقته بل الأغسال متعددة بحسب الأسباب والمسببات ، غاية الأمر اختلافها بالعنوان لا بالذات ، نظير اختلاف صلاتي الظهر والعصر ، لأنهما وإن كانتا حقيقة واحدة بالذات لتركب كل منهما من ركعات أربع وقراءة وغير ذلك إلاّ أنهما يختلفان بالعنوان أي عنوان صلاة الظهر والعصر لقوله عليهالسلام : « إلاّ أن هذه قبل هذه » (1)وفي مثله إذا أتى بالعمل بعنوان الظهر مثلاً ثم ظهر أنه قد أتى بها سابقاً لم يقع ذلك عصراً ، لأن ما قصده لم يقع وما وقع لم يقصده.
والأمر في المقام كذلك ، لأن ما قصده من غسل الجمعة لم يقع لأنه يوم الثلاثاء على الفرض ، وما وقع من غسل الجنابة أو مس الميِّت لم يقصده على الفرض فيقع باطلاً فإن الأغسال حقيقة واحدة بالذات وهي إيصال الماء إلى البدن لكنها مختلفة بالعنوان ومعه لا بدّ من قصدها تفصيلاً أو إجمالاً ، أما لو قصد واحداً منها فقط دون أن يقصد الباقي ولو إجمالاً وانكشف خلافه وقع باطلاً لا محالة.
نعم لو أتى بالغسل بقصد الأمر الفعلي واعتقد أنه متعلق بغسل الجمعة مثلاً وقع غسله هذا عما هو في ذمته من الجنابة أو مس الميِّت ونحوهما ، ولا يضره الخطأ في التطبيق بعد قصده الأمر الفعلي على ما هو عليه في الواقع ، لأنه قد قصد بقية الأغسال إجمالاً وهو كاف في الامتثال.
الثاني : ما لو اغتسل باعتقاد أن اليوم جمعة فتبين أنه يوم الخميس مع قلة الماء غداً وإعوازه. والصحيح هو الحكم بصحّة الغسل حينئذ ، لأنه قصد بغسله ذلك غسل
1) الوسائل 4 : 126 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5.
وأما لو قصد غسلاً آخر غير غسل الجمعة أو قصد الجمعة فتبيّن كونه مأموراً بغسل آخر ففي الصحّة إشكال إلاّ إذا قصد الأمر الفعلي الواقعي وكان الاشتباه في التطبيق.
الجمعة غاية الأمر أنه تخيل أن اليوم جمعة وكان في الواقع يوم الخميس ، والغسل المأتي به بعنوان غسل الجمعة في يوم الخميس هو بعينه غسل الجمعة وإنما يختلف وقته وهو غير مضر ، نظير ما إذا أتى بالعمل باعتقاد أن الزمان هو بعد ساعة من الزوال وتبين أنه بعد الزوال بساعتين.
الثالث : ما لو اغتسل غسل الجمعة مقدماً باعتقاد أن اليوم الخميس مع قلة الماء غداً فتبين أن اليوم الجمعة. والغسل في هذه الصورة صحيح لعين ما قدمناه في سابقتها ، لأن الغسل المأتي به بعنوان الجمعة هو غسل الجمعة حقيقة غاية الأمر أنه كان معتقداً أن ظرفه مقدم ولم يكن اعتقاداً مطابقاً للواقع ، ومثله غير مضر بصحّة الغسل بعد الإتيان به بعنوان غسل الجمعة.
الرابع : ما لو اغتسل غسل الجمعة قضاء باعتقاد أن اليوم يوم السبت فظهر أن اليوم جمعة. والصحيح هو الحكم بصحّة الغسل حينئذ ، لأن الأداء والقضاء وإن كانا ماهيتين متغايرتين ولا يتحقق الامتثال إلاّ بقصد أحدهما ، ومن ثمة لو دخل في الفريضة الفعلية وكان عليه قضاء يجوز له العدول إلى القضاء أو يجب عليه إذا قلنا بوجوب تقديم القضاء وهذا يدل على التغاير أيضاً ، إلاّ أن ذلك كله فيما إذا كان عليه أمران أحدهما الأمر بالأداء والآخر الأمر بالقضاء فعليه واجبان ولا بدّ من قصد أحدهما في مقام الامتثال.
وأما إذا لم يكن عليه إلاّ أمر واحد فتخيل المكلف أن الوقت باقٍ فقصد به الأداء أو تخيل انقضاء الوقت فقصد به القضاء ثم انكشف له أن الوقت قد خرج أو أنه باقٍ فلا يضر ذلك بصحّة الامتثال ، لقصده الأمر الفعلي وإن تخيل أن ظرفه ظرف أداء أو قضاء ولعلّه ظاهر.
[1042] مسألة 12 : غسل الجمعة لا ينقض بشيء من الحدث الأصغر والأكبر إذ المقصود إيجاده يوم الجمعة وقد حصل (1).
[1043] مسألة 13 : الأقوى صحّة غسل الجمعة من الجنب والحائض (2) بل لا يبعد إجزاؤه عن غسل الجنابة ، بل عن غسل الحيض إذا كان بعد انقطاع الدم.
(1) ليس المراد ما يعطيه ظاهر العبارة من أنه لو أحدث بعد الغسل بالحدث الأصغر أو الأكبر لم ينتقض غسله بل طهارته باقية بحالها فيترتب عليه جميع آثار الطهارة فيجوز له مس كتابة القرآن مثلاً وغيره من الآثار ، وذلك لأن الغسل ينتقض بالحدث لا محالة فلا يجوز له مس الكتابة بعد الحدث بوجه ، نظير الأغسال الفعلية كغسل الزيارة فإنه لو أحدث بعده بطل غسله لا محالة ، لاعتبار المقارنة بين الغسل والزيارة وكونها صادرة عن طهارة وغسل.
بل المراد من العبارة هو ما صرح به بعد ذلك بقوله : إذ المقصود إيجاده يوم الجمعة وقد حصل. ومعناه أن هذا الغسل من الأغسال الزمانية فاذا أتى به فقد حصل الامتثال فلا تستحب الإعادة بعد البول أو غيره من الأحداث ، لا أنه يبقى بعد الحدث أيضاً ، ففي العبارة تشويش كما لا يخفى.
(2) لما تقدم من أنه مستحب على جميع أقسام المكلفين على وجه الإطلاق ، أي سواء كانوا في سفر أو حضر ، وسواء كان المكلف جنباً أو متطهراً ، حائضاً أم غيرها وذلك للإطلاق.
بل غسل الجمعة يغني عن غسل الجنابة على ما في الأخبار ، حيث ورد أنه إذا صام وبعد ذلك علم أنه كان جنباً قال عليهالسلام ما مضمونه : إنه إن كان قد
[1044] مسألة 14 : إذا لم يقدر على الغسل لفقد الماء أو غيره يصح التيمّم ويجزئ (1) نعم لو تمكن من الغسل قبل خروج الوقت فالأحوط الاغتسال لإدراك المستحب (2).
اغتسل للجمعة أجزأه ذلك عن الجنابة (1)، كما ورد أن من اجتمع عليه حقوق أجزأه حق واحد (2)، وبهذا يظهر أنه يجزئ عن غسل الحيض أيضاً كما يجزئ عن غسل الجنابة.
(1) لأنه على طبق القاعدة ، لما قلنا من أن التراب بدل عن الطهارة المائية عند التعذّر ، من دون حاجة في ذلك إلى الرواية حتى نحتاج إلى الاستدلال عليه بالفقه الرضوي (3)الذي لم يثبت كونه رواية فضلاً عن أن تكون معتبرة.
(2) وذلك لما ذكرناه مراراً من أن المعتبر في العجز والفقدان إنما هو الفقدان في مجموع الوقت والعجز عن الطبيعة لا عن بعض أفرادها ، فإذا تمكن من الماء قبل خروج الوقت كشف ذلك عن عدم كونه مأموراً بالتيمّم ، لكونه مأموراً بالغسل وإن قامت البينة الشرعية على عدم وجدان الماء إلى آخر الوقت أو كان قاطعاً بذلك أو مستصحباً فقدانه إلى آخر الوقت ، لما تقدم من أن الحكم الظاهري أو التخيلي لا يجزئ عن الحكم الواقعي.
1) الوسائل 10 : 237 / أبواب من يصح منه الصوم ب 30.
2) الوسائل 3 : 339 / أبواب الأغسال المسنونة ب 31 ح 1 ، وذكره في 2 : 261 / أبواب الجنابة ب 43 ح 1 بسند صحيح ، وفيه غسل الحيض منصوص.
3) المستدرك 2 : 497 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 1 ، فقه الرضا : 82. ولعلّ نظر السيد الأُستاذ ( دام ظله ) إلى هذه الرواية ، وفيه كلام.
الثاني من الأغسال الزمانية : أغسال ليالي شهر رمضان (1)يستحب الغسل في ليالي الأفراد من شهر رمضان (1) وتمام ليالي العشر الأخيرة (2) ، ويستحب في ليلة الثالث والعشرين غسل آخر في آخر الليل (3).
(1) لم نقف في ذلك على نص ، وإنما ذكره ابن طاوس وقال : يستحب الغسل على مقتضى الرواية التي تضمنت أن كل ليلة مفردة من جميع الشهر يستحب فيها الغسل (2).
وعليه فمدرك الحكم باستحباب الغسل في ليالي الأفراد رواية مرسلة ادعاها ابن طاوس ، ولم تصل إلينا تلك الرواية ، وهو قدسسره وقف على تلك الرواية ، ولا ندري في أي مورد ومصدر وقف عليها واللّه سبحانه أعلم ، فهذا الغسل لم يثبت استحبابه.
(2) كما ورد في مرسلة علي بن عبد الواحد النهدي ، حيث روى ابن طاوس بإسناده إلى محمد بن أبي عمير من كتاب علي بن عبد الواحد النهدي عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : كان رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم يغتسل في شهر رمضان في العشر الأواخر في كل ليلة. ورواه أيضاً من كتاب الأغسال لأحمد بن محمد بن عياش الجوهري (3).
وهما ضعيفتان بالإرسال وبعدم وضوح حال السند فيما رواه من كتاب الأغسال فهذا غير ثابت الاستحباب أيضاً.
(3) كما ورد في رواية بريد قال : رأيته اغتسل في ليلة ثلاث وعشرين مرتين مرة
1) (*) في استحبابها إشكال ، ولكن لا بأس بالإتيان بها رجاء ، نعم قد ثبت استحباب غسل الليلة الاولى من شهر رمضان وليلة السابع عشر والتاسع عشر والحادي والعشرين والثالث والعشرين والرابع والعشرين.
2) الإقبال : 121.
3) الوسائل 3 : 326 / أبواب الأغسال المسنونة ب 14 ح 10 ، 6 ، وفي الأخير : إذا دخل العشر من شهر رمضان ، الحديث. الإقبال : 195 ، 21.
وأيضاً يستحب الغسل في اليوم الأوّل منه (1) فعلى هذا الأغسال المستحبة فيه اثنان وعشرون.
أوّل اللّيل ومرّة من آخر اللّيل (1)لكنها ضعيفة السند من جهات ، لعدم صحّة طريق الشيخ إلى إبراهيم بن مهزيار وعدم وثاقة بريد وغير ذلك مما يقف عليه المتتبع ، فهذا الغسل كسابقيه غير ثابت الاستحباب.
كما أن غسل ليلة النصف منه غير ثابت الاستحباب لعدم دلالة الدليل عليه ، وإنما ورد في كلام ابن طاوس قدسسره قال : ذكره جماعة من أصحابنا الماضين (2). وعلله بعضهم بأنها ليلة مباركة والغسل لعله لشرف تلك الليلة. إلاّ أنه وجه اعتباري لا يثبت به الاستحباب ، نعم ورد في مرسلة المفيد في المقنعة على ما نقله السيد ابن طاوس (3)إلاّ أنها مرسلة ولا يمكن الاعتماد عليها.
وكذلك غسل ليلة الخمس والعشرين والسبع والعشرين والتسع والعشرين لم يثبت استحبابها ، لأنها على ما ذكر ابن طاوس وردت فيما رواه علي بن عبد الواحد في كتابه بإسناده إلى عيسى بن راشد وإلى حنان بن سدير (4).
إلاّ أنهما ضعيفتان ، لعدم العلم بحال طريقه إلى علي بن عبد الواحد وأسناد صاحب الكتاب إلى من يروي عنه كابن راشد وابن سدير.
(1) دلّت عليه موثقة سماعة حيث ورد فيها : « وغسل أول ليلة من شهر رمضان مستحب » (5)إلاّ أنها كما ترى تشتمل على استحبابه في أول ليلة منه لا في اليوم الأوّل منه.
1) الوسائل 3 : 311 / أبواب الأغسال المسنونة ب 5 ح 1.
2) الوسائل 3 : 325 / أبواب الأغسال المسنونة ب 14 ح 1 ، الإقبال : 14 ، وهو صريح في استحباب الغسل في ليلة النصف ، لكنه مرسل.
3) الوسائل 3 : 326 / أبواب الأغسال المسنونة ب 14 ح 9 ، المقنعة : 51 ، الإقبال : 150.
4) الوسائل 3 : 327 / أبواب الأغسال المسنونة ب 14 ح 12 ، 13 ، الإقبال : 220 : 226.
5) الوسائل 3 : 303 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 3.
وقيل باستحباب الغسل في جميع لياليه حتى ليالي الأزواج ، وعليه يصير اثنان وثلاثون ، ولكن لا دليل عليه ، لكن الإتيان لاحتمال المطلوبية في ليالي الأزواج من العَشَرين الأُوليين لا بأس به. والآكد منها ليالي القدر وليلة النصف وليلة سبعة عشر والخمس وعشرين والسبع وعشرين والتسع وعشرين منه.
والذي ثبت استحبابه من أغسال شهر رمضان خمسة أغسال : غسل ليلة تسع عشرة ، وإحدى وعشرين ، وثلاث وعشرين ، وقد دلّ عليها صحيح محمد بن مسلم (1)وصحيح سليمان بن خالد (2)وصحيح محمد بن مسلم الآخر عن أحدهما عليهماالسلام قال : « الغسل في سبعة عشر موطناً : ليلة سبع عشرة من شهر رمضان وهي ليلة التقى الجمعان ، وليلة تسع عشرة وفيها يكتب الوفد وفد السنة ( وفد اللّه ) وليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي أُصيب فيها أوصياء الأنبياء وفيها رفع عيسى بن مريم وقبض موسى عليهمالسلام وليلة ثلاث وعشرين يرجى فيها ليلة القدر ... » (3). وغسل ليلة سبع عشرة من شهر رمضان لصحيح محمد بن مسلم المتقدم ، وغسل الليلة الأُولى منه لموثقة سماعة المتقدمة (4). وأما غير هذه الليالي فلم يثبت استحبابه لما تقدّم.
تبقى ليلة أربع وعشرين ، ففي الوسائل بعد ما روى عن الصدوق عن أبي جعفر عليهالسلام « الغسل في سبعة عشر موطناً : ليلة سبعة عشر من شهر رمضان وليلة تسعة عشر ، وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين ... إلخ ». قال : وفي الخصال عن أبيه ... عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام مثله ، وزاد : « وغسل الميِّت » ، ثم قال وقال عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال لي أبو عبد اللّه
[1045] مسألة 15 : يستحب أن يكون الغسل في اللّيلة الأُولى واليوم الأوّل من شهر رمضان في الماء الجاري كما أنه يستحب أن يصبّ على رأسه قبل الغسل أو بعده ثلاثين كفاً من الماء ليأمن من حكة البدن ، ولكن لا دخل لهذا العمل بالغسل بل هو مستحب مستقل.
[1046] مسألة 16 : وقت غسل الليالي تمام اللّيل وإن كان الأولى إتيانها أوّل اللّيل بل الأولى إتيانها قبل الغروب أو مقارناً له ليكون على غسل من أول اللّيل إلى آخره ، نعم لا يبعد في ليالي العشر الأخير رجحان إتيانها بين المغرب والعشاء لما نقل من فعل النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم ، وقد مرّ أن الغسل الثاني في ليلة الثالثة والعشرين في آخره.
( عليهالسلام ) : « اغتسل في ليلة أربعة وعشرين ، وما عليك أن تعمل في الليلتين جميعاً » (1).
فان كان ضمير « ثم قال » راجعاً إلى محمد بن مسلم وكان تتمة للرواية السابقة التي رواها عن الخصال فهي رواية صحيحة ، ومعه لا بدّ من الالتزام باستحباب الغسل ليلة أربع وعشرين من شهر رمضان ، وإذا كان مرجع الضمير هو الصدوق في الخصال فهي رواية مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها ، وحيث إن الأمر مجمل مردد بين الأمرين فلا يمكن الاستدلال بها.
وفي جامع الأحاديث (2)للسيد البروجردي قدسسره نقل الرواية عن حريز بالسند المذكور في الوسائل ، ومعه لا بدّ من الالتزام بالاستحباب لصحّة الرواية بحسب السند ، وعلى كل حال لا بدّ من مراجعة الخصال ليظهر حال السند.
وقد راجعنا الخصال وظهر أن الصحيح كما ذكره السيد البروجردي قدسسره لأنه بعد ما نقل عن حريز أنه قال : قال محمد بن مسلم ، إلى آخر الرواية قال : ثم قال
[1047] مسألة 17 : إذا ترك الغسل الأوّل في اللّيلة الثالثة والعشرين في أوّل اللّيل لا يبعد كفاية الغسل الثاني عنه والأولى أن يأتي بهما آخر اللّيل برجاء المطلوبية خصوصاً مع الفصل بينهما. ويجوز إتيان غسل واحد بعنوان التداخل وقصد الأمرين.
[1048] مسألة 18 : لا تنقض هذه الأغسال أيضاً بالحدث الأكبر والأصغر كما في غسل الجمعة.
الثالث : غسل يومي العيدين : الفطر والأضحى وهو من السنن المؤكدة حتى أنه ورد في بعض الأخبار : أنه لو نسي غسل يوم العيد حتى صلّى إن كان في وقت فعليه أن يغتسل ويعيد الصلاة ، وإن مضى الوقت فقد جازت صلاته. وفي خبر آخر : عن غسل الأضحى فقال عليهالسلام : « واجب إلاّ بمنى » وهو منزل على تأكد الاستحباب لصراحة جملة من الأخبار في عدم وجوبه (1).
قال عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « اغتسل في ليلة أربعة وعشرين ... إلخ » وهو ظاهر في رجوع الضمير إلى حريز ، ثم بعد ذلك قال الصدوق ... رجع الحديث إلى محمد بن مسلم.
وعلى الجملة : لا بدّ من الالتزام باستحباب الغسل في ليلة أربع وعشرين من شهر رمضان أيضاً ، وهو يغني عن الوضوء على المختار.
(1) لا إشكال في استحباب غسل العيدين. وتدل عليه موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « وغسل يوم الفطر وغسل يوم الأضحى سنّة لا أُحب تركها » وغيرها من الأخبار (1).
وأمّا ما ورد فيما رواه علي بن يقطين قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن الغسل في الجمعة والأضحى والفطر ، قال : سنّة وليس بفريضة » (2)فلا دلالة فيه على
ووقته بعد الفجر (1)
الاستحباب ، لأن السنّة فيها قبال الفريضة بمعنى ما أوجبه اللّه في كتابه ، فيكون مدلولها أن هذه الأغسال واجبة أوجبها النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم نعم بقرينة الموثقة المتقدمة الدالّة على أنه سنّة لا يحب تركها لا بدّ من التصرف في صحيحة ابن يقطين بحمل السنّة على المستحب.
وأمّا رواية القاسم بن الوليد قال : « سألته عن غسل الأضحى ، فقال : واجب إلاّ بمنى » (1)فهي ضعيفة السند بالقاسم بن الوليد. ولا دلالة فيها على الوجوب ، بل بقرينة الموثقة لا بدّ من حمل الوجوب فيها على معنى الثبوت الذي يجامع الاستحباب.
(1) كما ورد في الفقه الرضوي (2)ورواية قرب الاسناد عن عبد اللّه بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهالسلام قال : « سألته هل يجزئه أن يغتسل بعد طلوع الفجر؟ هل يجزئه ذلك من غسل العيدين؟ قال : إن اغتسل يوم الفطر والأضحى قبل الفجر لم يجزئه ، وإن اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأه » (3).
إلاّ أنهما غير قابلتين للاعتماد عليهما. أما الأُولى فظاهر ، وأما الثانية فلوجود عبد اللّه ابن الحسن في سندها وهو غير موثق على ما ذكرناه مراراً. نعم لا إشكال في عدم صحّة الغسل قبل طلوع الفجر ، إذ لم يدل دليل على مشروعيته ليلة العيدين ، كما أن المعروف بينهم جوازه بعد طلوع الفجر.
والأولى الاستدلال عليه بأن الأخبار الواردة في غسل العيدين مشتملة على لفظة اليوم وهو في قبال الليل ، فتدل على مشروعيته في يومهما دون ليلتهما ، نعم يرد على
إلى الزوال ويحتمل إلى الغروب ، والأولى عدم نية الورود إذا أتى به بعد الزوال ، كما أن الأولى إتيانه قبل صلاة العيد لتكون مع الغسل (1). ويستحب في غسل عيد الفطر أن يكون في نهر ، ومع عدمه أن يباشر بنفسه الاستقاء بتخشع وأن يغتسل تحت الظلال أو تحت حائط ويبالغ في التستر ، وأن يقول عند إرادته : « اللّهمّ إيماناً بك وتصديقاً بكتابك واتباع سنّة نبيك » ، ثم يقول : « بسم اللّه »
الاستدلال المذكور أن اليوم يصدق بعد طلوع الشمس ولا يصدق على ما بين الطلوعين لأنه إمّا ملحق بالليل وإما أنه خارج عن اليوم والليل ، فلا يكون ذلك مدركاً لما ذهب إليه المعروف من جوازه بعد طلوع الفجر.
والصحيح أن يستدل على مشروعيته فيما بين الطلوعين بصحيحة زرارة المشتملة على أن المكلف لو اغتسل بعد طلوع الفجر للجمعة وعرفة والزيارة والنحر أجزأه ذلك وأنه إذا اجتمعت عليه حقوق كثيرة واغتسل غسلاً واحداً أجزأه عن الجميع (1)فإنها مصرحة بكفاية الغسل بعد طلوع الفجر ، فان غسل النحر هو غسل يوم الأضحى وحيث إنه لا تفصيل بين عيدي الأضحى والفطر فيحكم بذلك على أن مبدأ الغسل في العيدين هو طلوع الفجر.
(1) وقع الكلام في منتهى زمان الغسل وأنه هل يمتد إلى الغروب أو إلى الزوال أو ينتهي وقته بانتهاء الصلاة؟
ذهب إلى كل واحد قائل. وقد استدل للأخير بموثقة عمار قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل ينسى أن يغتسل يوم العيد حتى يصلِّي ، قال : إن كان في وقت فعليه أن يغتسل ويعيد الصلاة ، وإن مضى الوقت فقد جازت صلاته » (2).
ويغتسل ، ويقول بعد الغسل : « اللّهمّ اجعله كفارة لذنوبي وطهوراً لديني ، اللّهمّ أذهب عنّي الدنس » ، والأولى إعمال الآداب في غسل يوم الأضحى أيضاً لكن لا بقصد الورود لاختصاص النص بالفطر ، وكذا يستحب الغسل في ليلة الفطر (1)
وفيه : أنها إنما دلت على أنه لو لم يغتسل فصلى والوقت قد مضى صحت صلاته وجازت ، ولا دلالة فيها على أنه لا يغتسل. على أن الرواية لا بدّ من حملها على استحباب كون الغسل قبل الصلاة لا أن وقته ينقضي بانقضاء الصلاة ، لأن إخباره مطلقة تعم من يصلِّي العيدين ومن لا يصليهما فكيف يكون وقت غسلهما منقضياً بانتهاء الصلاة.
وقد ذهب صاحب الجواهر قدسسره (1)إلى امتداد وقت الغسل إلى الزوال ولا ينتهي بانقضاء الصلاة ، واستدل عليه بصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « الغسل من الجنابة ويوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة عند زوال الشمس ... » (2)لدلالتها على أن وقت الغسل في الموارد المذكورة في الصحيحة إنما هو عند الزوال ، وحيث إن الصلاة قبل الزوال فتدل على أن وقت غسل العيدين لا ينقضي بانقضاء الصلاة بل يمتد إلى الزوال.
ويرد عليه : أن قوله عليهالسلام : « عند زوال الشمس » قيد لخصوص غسل يوم عرفة ولا يرجع إلى جميع الأغسال المتقدمة ، إذ منها غسل الجنابة وليس وقته محدوداً إلى الزوال. فالصحيح أن وقت غسل العيدين ممتد إلى الغروب لإطلاق الروايات الواردة في استحباب الغسل يومهما ، واليوم يطلق على ما بين طلوع الشمس وغروبها.
(1) ورد الأمر به في رواية القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : إن الناس يقولون : إن المغفرة تنزل على من صام شهر
ووقته من أوّلها إلى الفجر ، والأولى إتيانه أوّل اللّيل ، وفي بعض الأخبار : « إذا غربت الشمس فاغتسل » والأولى إتيانه ليلة الأضحى أيضاً لا بقصد الورود لاختصاص النص بليلة الفطر.
الرابع : غسل يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة ، ووقته تمام اليوم (1).
الخامس : غسل يوم عرفة (2) وهو أيضاً ممتد إلى الغروب ، والأولى عند الزوال منه ، ولا فرق فيه بين من كان في عرفات أو سائر البلدان.
رمضان ليلة القدر ، فقال : يا حسن إن القاريجار يعطى أُجرته عند فراغه وذلك ليلة العيد ، قلت : جعلت فداك فما ينبغي لنا أن نعمل فيها؟ فقال : إذا غربت الشمس فاغتسل » (1).
والرواية ضعيفة أيضاً لوجود القاسم بن يحيى وجده الحسن لعدم توثيقهما. إذن يبتني الحكم باستحباب الغسل في ليلة الفطر على التسامح في أدلّة السنن وهو مما لا نقول به.
(1) على ما دلّت عليه الأخبار المعتبرة. منها : صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال : « الغسل في سبعة عشر موطناً ... ويوم التروية ... » (2).
ومنها : صحيحته الأُخرى عن أبي جعفر عليهالسلام المروية في الخصال (3).
ومنها غير ذلك من الأخبار (4). ومقتضى إطلاق تلك الصحاح هو ثبوت الاستحباب في كل جزء جزء من أجزاء يوم التروية من دون اختصاصه بوقت دون وقت.
(2) وقد استفاضت الأخبار به ومنها الصحيحتان المتقدمتان (5)وغيرهما (6)من الأخبار ، ومقتضى إطلاقها عدم اختصاصه بجزء معين من يوم عرفة وثبوته في كل
1) الوسائل 3 : 328 / أبواب الأغسال المسنونة ب 15 ح 1. والحسن بن راشد موجود في أسناد تفسير القمي رحمهاللّه.
2) الوسائل 3 : 307 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 11 ، 5 ، 4.
3) الوسائل 3 : 307 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 11 ، 5 ، 4.
4) الوسائل 3 : 307 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 11 ، 5 ، 4.
5) وهما الصحيحتان لمحمد بن مسلم وغيرهما من أخبار الباب.
6) وهما الصحيحتان لمحمد بن مسلم وغيرهما من أخبار الباب.
السادس : غسل أيام من رجب (1)(1) وهي أوّله ووسطه وآخره
جزء من أجزائه.
لكن المنسوب إلى والد الصدوق علي بن بابويه قدسسره اختصاصه بما قبل زوال الشمس (2)، ولعله لصحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة التي ورد فيها : « الغسل من الجنابة ... ويوم عرفة عند زوال الشمس ... » (3).
إلاّ أن المستحبات لما لم يلتزم فيها بالتقييد بل يبقى المطلق فيها على إطلاقه ويحمل المقيد على أفضل أفراده فلا موجب لتخصيص الاستحباب بما قبل الزوال في محل الكلام.
(1) بل عد الغسل في النصف من رجب من المندوب بلا خلاف. وعن بعضهم أن الشهرة فيه كادت تكون إجماعاً بين الأصحاب ، وعن العلاّمة (4)والصيمري (5)أن به رواية أيضاً ، وعن ابن طاوس في الإقبال : وجدنا في كتب العبادات عن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم أنه قال : « من أدرك شهر رجب فاغتسل في أوّله ووسطه وآخره خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمّه » (6).
إلاّ أن شيئاً من ذلك لا يصلح للاستدلال به على الاستحباب. أمّا دعوى الشهرة
1) (*) الأظهر عدم ثبوت استحباب الغسل في هذه الأيام ، نعم لا بأس بالإتيان بها رجاء ، وكذا لم يثبت استحباب الغسل في يوم الغدير والنصف من شعبان واليوم السابع عشر من ربيع الأوّل إلى آخر ما ذكر في هذا الفصل.
2) فقه الرضا : 223.
3) الوسائل 3 : 306 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 10.
4) نهاية الإحكام 1 : 177.
5) كشف الالتباس 1 : 341.
6) الوسائل 3 : 334 / أبواب الأغسال المسنونة ب 22 ح 1. الإقبال : 6. وقد رواها الراوندي في كتابه النوادر ، وروى في لبّ اللباب مضمونها ، ولكن الإشكال في سندهما أيضاً. المستدرك 2 : 517 / أبواب الأغسال المسنونة ب 16 ح 1، 2.
ويوم السابع والعشرين منه وهو يوم المبعث (1). ووقتها من الفجر إلى الغروب وعن الكفعمي والمجلسي استحبابه في ليلة المبعث أيضاً ، ولا بأس به لا بقصد الورود.
السابع : غسل يوم الغدير والأولى إتيانه قبل الزوال منه.
وعدم الخلاف فلعدم كونهما حجة قابلة للاستدلال بهما حتى لو كان المدعى هو الإجماع ، وذلك لعدم كونه إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن قول المعصوم عليهالسلام فضلاً عما لو كانت الدعوى عدم الخلاف ، لأنه غير دعوى الإجماع.
وأمّا الرواية المدعاة فلم تصل إلينا حتى نشاهدها ونرى سندها معتبراً أو غير معتبر فلا يمكن الاعتماد على مثله بوجه.
وأمّا ما رواه ابن طاوس فهي كالرواية المدعاة في المقام غير معلومة الحال من حيث السند ، ولعلّها رواية نبوية ضعيفة.
(1) والأمر فيه كغسل نصفه وأوّله وآخره ، حيث لم ترد رواية معتبرة تدل على استحبابه ، نعم ادعي عدم الخلاف فيه ، بل عن الغنية الإجماع عليه (1)، ويظهر من العلاّمة (2)والصيمري (3)نسبته إلى الرواية ، وقد اتضح الجواب عنها فلا نعيد. ويأتي في التعليقة الآتية استدلال آخر على استحباب الغسل يوم المبعث والجواب عنه إن شاء اللّه.
(2) على المعروف بين الأصحاب ، بل ادعى عليه الإجماع جمّ منهم ( قدس اللّه أسرارهم ) واستدلّوا عليه بما في الفقه الرضوي (4).
وبرواية علي بن الحسين ( الحسن ) العبدي قال : « سمعت أبا عبد اللّه ( عليهالسلام )
يقول : صيام يوم غدير خم يعدل صيام عمر الدنيا .... ومن صلّى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن تزول مقدار نصف ساعة .... عدلت عند اللّه مائة ألف حجة ومائة ألف عمرة » (1).
وبما نقله ابن طاوس في الإقبال قال : عن كتاب محمد بن علي الطرازي قال : روينا بإسنادنا إلى عبد اللّه بن جعفر الحميري عن هارون بن مسلم عن أبي الحسن المثنى عن الصادق عليهالسلام في حديث طويل ذكر فيه فضل يوم الغدير ، إلى أن قال : « فاذا كان صبيحة ذلك اليوم وجب الغسل في صدر نهاره » (2).
إلاّ أنها ضعيفة ، لعدم معلومية حال طريق الطرازي إلى الحميري ولغيره من الجهات ، وأما دعوى الإجماع والشهرة فقد عرفت عدم كونها حجة قابلة للاستدلال بهما ، وأما الفقه الرضوي فحاله معلوم مما أسلفناه مراراً ولا نعيد.
وأما الرواية فهي ضعيفة بعلي بن الحسين أو الحسن العبدي ، حيث ذكروا أنهما شخص واحد يعبّر عنه بابن الحسين تارة وابن الحسن اخرى ، وعلى أي حال سواء كانا متحدين أو متعددين لم تثبت وثاقتهما. على أنها ضعيفة لوجود محمد بن موسى الهمداني في سندها ، وهو كما نقله في الجواهر (3)ممن لا يعتمد عليه محمد بن الحسن ابن الوليد شيخ الصدوق وكذا الصدوق الذي تبع في ذلك شيخه وقال : كل ما لم يصححه هذا الشيخ ولم يحكم بصحته فهو عندنا متروك غير صحيح (4). إذن فاستحباب الغسل يوم الغدير غير ثابت.
نعم قد يستدل على استحبابه في الغدير والمبعث بأنهما من الأعياد ، والغسل مستحب في كل عيد لما روي عنه صلىاللّهعليهوآلهوسلم أنه قال في جمعة من
الثامن : يوم المباهلة (1) وهو الرابع والعشرين من ذي الحجّة على الأقوى وإن قيل : إنه يوم الحادي والعشرون ، وقيل : هو يوم الخامس والعشرين ، وقيل : إنه السابع والعشرين منه ، ولا بأس بالغسل في هذه الأيام لا بقصد الورود.
الجمع : « هذا اليوم جعله اللّه عيداً للمسلمين فاغتسلوا فيه » (1)
ويمكن الاستدلال أيضاً بما رواه في تحف العقول : 101 عن أمير المؤمنين عليهالسلام ... غسل الأعياد طهور لمن طلب الحوائج واتباع للسنة. ورواه في البحار [ 78 : 22 ] أيضاً عن السيد ابن الباقي ، ولكن الإشكال من جهة السند موجود ، راجع المستدرك 2 : 511 / أبواب الأغسال المسنونة ب 10 ح 2 ، 3.
ويندفع بكون الرواية نبوية عامية لا يمكن الاستدلال بها على شيء.(1) كما هو المشهور بين الأصحاب ، وقد استدل عليه بما عن إقبال السيد ابن طاوس بسنده إلى ابن أبي قرة بإسناده إلى علي بن محمد القمي رفعه قال : « إذا أردت ذلك فابدأ بصوم ذلك اليوم شكراً واغتسل والبس أنظف ثيابك » (2)ويدفعه : أن الرواية ضعيفة السند ، لعدم معلومية حال إسناد ابن أبي قرة إلى علي بن محمد القمي ولكونها مرفوعة.
وبرواية الشيخ في المصباح عن محمد بن صدقة العنبري عن أبي إبراهيم موسى بن جعفر عليهماالسلام قال : « يوم المباهلة يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة تصلي في ذلك اليوم ما أردت ، ثم قال : وتقول وأنت على غسل ... » (3)وهي ضعيفة السند فلا يمكن الاستدلال بهما على استحباب الغسل حينئذ ، اللّهمّ إلاّ بناء على التسامح في أدلة السنن وهو مما لا نقول به.
1) تعرّض لها المحقق الهمداني [ في مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 437 السطر 8 ] تبعاً لشيخنا الأنصاري [ في كتاب الطهارة : 326 السطر 28 ] وهو نقلها عن المنتهي [ 2 : 470 ] فلاحظ.
2) المستدرك 6 : 351 / أبواب بقية الصلوات المندوبة ب 39 ح 1.
3) الوسائل 8 : 172 / أبواب بقية الصلوات المندوبة ب 47 ح 2 ، مصباح المتهجد : 708.
التاسع : يوم النصف من شعبان (1).
العاشر : يوم المولود ، وهو السابع عشر من ربيع الأوّل (2).
الحادي عشر : يوم النيروز (3).
واستدل عليه بموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « ... وغسل المباهلة واجب » (1)وهي وإن كانت موثقة بحسب السند إلاّ أنها أجنبية عن المدعى ، لأنها إنما تدل على أن لنفس المباهلة غسلاً ، ولا تدل على أن الغسل ليوم المباهلة ، وقد ورد في بعض الأخبار الأمر بالمباهلة والاغتسال لأجلها. إذن لا دليل على استحباب الغسل ليوم المباهلة.
ثم إن في كون المباهلة أي يوم خلاف بينهم قدسسرهم ، وإنما ورد كونها اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة في رواية المصباح المتقدمة التي عرفت ضعفها.
(1) وقد ورد في رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « صوموا شعبان واغتسلوا ليلة النصف منه ، ذلك تخفيف من ربكم » (2).
ولكنها ضعيفة السند لوجود أحمد بن هلال والحسين بن أحمد ، وهو مهمل والظاهر أنه الحسن بن أحمد ، لأنه الذي تعرضوا له في الرجال دون الحسين ، إلاّ أنه مجهول الحال أيضاً.
ولا يخفى أن الرواية راجعة إلى ليلة النصف ، والماتن متعرض لغسل يوم النصف.
(2) لم ترد في ذلك رواية بالخصوص ، نعم بناء على استحباب الغسل في كل عيد لا مانع عن الالتزام به في السابع عشر من ربيع الأوّل ، لأنه أيضاً عيد المسلمين ، إلاّ أنك عرفت أن ما يستفاد منه ذلك خبر ضعيف لا يمكن الاعتماد عليه.
(3) في الوسائل عن محمد بن الحسن في المصباح عن المعلى بن خنيس عن الصادق عليهالسلام في اليوم النيروز قال : « إذا كان يوم النيروز فاغتسل والبس أنظف
الثاني عشر : يوم التاسع من ربيع الأوّل (1).
الثالث عشر : يوم دحو الأرض وهو الخامس والعشرين من ذي القعدة (2).
الرابع عشر : كل ليلة من ليالي الجمعة على ما قيل (3) بل في كل زمان شريف (4) على ما قاله بعضهم ، ولا بأس بهما لا بقصد الورود.
ثيابك » (1)وهي مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها إلاّ بناء على التسامح في أدلّة السنن ولا نقول به.
(1) لم يرد في ذلك رواية (2)، ولعلّ الوجه فيه أنه عيد للمؤمنين ، وقد تقدم استحباب الغسل لكل عيد. وفيه ما تقدم من أن مستنده خبر عامي ، على أن كون سبب هذا العيد اتفق في هذا اليوم وإن كان معروفاً عند العوام إلاّ أن التأريخ أثبت وقوعه في السادس والعشرين من ذي الحجّة فليلاحظ.
(2) وهذا كسابقه مما لا مستند له.
(3) أي زائداً على غسل الجمعة الذي تقدم فيه الكلام في جواز تقديمه ليلة الجمعة وعدم جوازه (3).
(4) استدل على ذلك بقوله تعالى ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (4)ولا إشكال في أن الغسل تطهر.
وفيه : أن الغسل عبادة والعبادات توقيفية يحتاج فيها إلى دلالة الدليل ، ولم يدلنا دليل على أن الغسل في كل زمان شريف أو في كل زمان أراده المكلف فهو عبادة وتطهر وإن قلنا إن الطهارة هي نفس الأفعال بالاعتبار الشرعي لا أنها مسببة عنها ، نعم ثبت هذا الاعتبار في الوضوء ولم يثبت في الغسل في كل زمان.
واستدل بما ورد عن محمد بن الحسن عن أبيه عن جده علي بن مهزيار عن حنان ابن سدير عن أبي جعفر عليهالسلام من أنه دخل عليه عليهالسلام رجل من أهل الكوفة فقال له : هل تغتسل من فراتكم في كل يوم؟ قال : لا ، قال : في كلّ أُسبوع؟ قال : لا ، قال : في كل شهر؟ قال : لا ، قال : في كل سنة؟ قال : لا ، قال عليهالسلام : أنت محروم من كل خير (1).
وهذه الرواية رواها في جامع الأحاديث (2)عن مستدرك المحدث النوري قدسسره ، وهي مطابقة لما في المستدرك بمعنى أن ابن قولويه رواها عن محمد بن الحسن عن أبيه عن جده علي بن مهزيار.
وقد ناقشنا في هذا السند (3)بأن الظاهر واتحاد الطبقة يقتضيان أن يكون محمد بن الحسن هذا هو ابن الوليد ، وأبوه الحسن لم تثبت وثاقته ، واحتملنا أن يكون علي بن مهزيار جده من طرف امّه ، ولكنها في كامل الزيارات لابن قولويه ليس سندها كذلك بل سندها هكذا : محمد بن الحسن بن علي بن مهزيار عن أبيه عن جده (4)وعليه فهو أي محمد بن الحسن غير ابن الوليد ، وهو وأبوه لم تثبت وثاقتهما.
ثم لا إشكال في دلالتها على محبوبية الغسل في كل يوم لا في كل زمان شريف أو كل زمان أراده المكلف ، إلاّ أن ضعف سندها كما ذكرنا مانع عن الاعتماد عليها.
1) المستدرك 2 : 523 / أبواب الأغسال المسنونة ب 23 ح 5. وهذه الرواية من جهة محمد ابن الحسن لا إشكال فيه ، فإنه من مشايخ ابن قولويه قدسسره ويبقى الإشكال من جهة أبيه الحسن بن علي.
2) جامع أحاديث الشيعة 3 : 65 / 3330.
3) وحاصل المناقشة أن الظاهر أن محمد بن الحسن الواقع في سندها هو ابن الوليد ، وأبوه الحسن لم تثبت وثاقته وإن أمكن أن يكون علي بن مهزيار جدّاً له من طرف امه ، ثم إن الراوي لها هو حنان بن سدير وهو على ما صرح به الكشي [ في رجاله : 555 / 1049 ] لم يدرك أبا جعفر عليهالسلام وإنما أدرك الصادق والكاظم والرضا عليهمالسلام فكيف يروي عنه عليهالسلام ، وعليه ففي السند واسطة لم تذكر ، وبه تصير الرواية مرسلة ولا يمكن الاعتماد عليها بوجه.
4) كامل الزيارات : 30 / 12.
[1049] مسألة 19 : لا قضاء للأغسال الزمانية إذا جاز وقتها (1) كما لا تتقدّم على زمانها مع خوف عدم التمكّن منها في وقتها (2) إلاّ غسل الجمعة كما مرّ ، لكن عن المفيد استحباب قضاء غسل يوم عرفة في الأضحى ، وعن الشهيد استحباب قضائها أجمع ، وكذا تقديمها مع خوف عدم التمكّن منها في وقتها. ووجه الأمرين غير واضح ، لكن لا بأس بهما لا بقصد الورود.
[1050] مسألة 20 : ربما قيل بكون الغسل مستحبّاً نفسياً فيشرع الإتيان به في كل زمان من غير نظر إلى سبب أو غاية (3) ووجهه غير واضح ، ولا بأس به لا بقصد الورود.
(1) لأن القضاء بأمر جديد ولم يرد أمر بالقضاء للأغسال إلاّ في غسل الجمعة كما مرّ ، نعم بناء على أنه تابع للأداء يشرع القضاء في كل شيء مؤقت مضى وقته وفات إلاّ أنه بناء على ذلك لا فرق بين المستحبات والواجبات فلا بدّ من الالتزام بوجوب القضاء في كل واجب فات وقته ، وهو مما لا يلتزمون به.
على أنه أمر غير ثابت ، لأن الظاهر من الأمر بالشيء المؤقت هو وجوب ذلك الشيء الخاص وأن المطلوب فيه شيء واحد ، لا أنه أمران أحدهما نفس العمل والطبيعة والآخر إيقاعه في وقت خاص ، ومعه يكون القضاء بأمر جديد ولم يرد أمر بالقضاء في شيء من الأغسال سوى غسل الجمعة كما تقدّم (1).
(2) لعدم الدليل على مشروعية التقديم ، وإنما ورد ذلك في غسل الجمعة وتقدم حاله (2).
(3) ظهر الحال فيه ممّا قدّمناه قبل صفحتين ، وعرفت الجواب عمّا استدلّ به من الوجهين.
أي الذي يستحب عند إرادة الدخول في مكان (1) وهي الغسل لدخول حرم مكّة (2)
فصل في الأغسال المكانية
(1) قد قسموا الأغسال إلى زمانية ومكانية وفعلية ، إلاّ أن الصحيح أنه ليس من الأغسال ما يكون مستحباً في مكان حتى يصح توصيفه بالغسل المكاني ، بل ما يسمّى بذلك من الأغسال هي أغسال فعلية أي تكون مستحبة لأجل الفعل الذي يقع في مكان.
وهذا كغسل دخول حرم مكة أو الدخول فيها أو في مسجدها وغيرها من الأغسال ، فإنها مستحبة لأجل الفعل الذي يريد أن يفعله وهو الدخول في مكة أو في حرمها أو مسجدها أو كعبتها لا أن استحبابه لأجل المكان.
(2) وتدل عليه موثقة سماعة : « وغسل دخول الحرم ، يستحب أن لا تدخله إلاّ بغسل » (1).
وصحيحة محمد بن مسلم المروية عن الخصال : « وإذا دخلت الحرمين » (2).
وصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إن الغسل في أربعة عشر موطناً.... ودخول الحرم » (3).
وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام : « وإذا دخلت الحرمين .... » (4)وغيرها من الروايات.
وللدخول فيها (1) ولدخول مسجدها (1)(2) وكعبتها (3) ولدخول حرم المدينة (4)
(1) كما ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان : « وعند دخول مكة والمدينة » (2)وصحيحة معاوية بن عمار : « وحين تدخل مكة والمدينة » (3).
(2) لم ترد رواية في ذلك وإن حكي عن الشيخ (4)وصاحب الغنية (5)الإجماع على استحباب الغُسل لدخول المسجد الحرام ، ولعل مرادهما ما إذا دخله لأجل أن يدخل الكعبة ، وأما لو أراد الدخول في المسجد وحسب لملاقاة أحد أو للخروج من الباب الأُخرى أو نحو ذلك فلا دليل على استحباب الغسل له (6).
(3) لصحيحة معاوية بن عمار : « وحين تدخل الكعبة » (7)وموثقة سماعة : « وغسل دخول البيت واجب » (8)وصحيحة ابن سنان : « ودخول الكعبة » (9)وغيرها من الأخبار.
(4) لصحيحة محمد بن مسلم المروية عن الخصال : « وإذا دخلت الحرمين » (10).
1) (*) لم يثبت استحباب الغسل للدخول فيه ، وكذا الحال في مسجد النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم وسائر المشاهد المشرفة ، ولا بأس بالإتيان به رجاء.
2) الوسائل 3 : 306 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 10.
3) الوسائل 3 : 303 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 1.
4) الخلاف 2 : 287 مسألة 63.
5) الغنية : 62.
6) يمكن الاستدلال برواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام : « وإذا أردت دخول البيت الحرام ... » ، ولكن في السند القاسم بن عروة ، الوسائل 3 : 307 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 6. كما أنه يظهر من فقه الرضا : 82 ، المستدرك 2 : 497 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 1.
7) الوسائل 3 : 303 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 1.
8) الوسائل 3 : 303 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 3.
9) الوسائل 3 : 305 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 7.
10) الوسائل 3 : 305 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 5 ، الخصال 2 : 508.
وللدخول فيها (1) ولدخول مسجد النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم (2) وكذا للدخول في سائر المشاهد المشرفة (3) للأئمة عليهمالسلام. ووقتها قبل الدخول عند إرادته (4)، ولا يبعد استحبابها بعد الدخول للكون فيها إذا لم يغتسل قبله (5) كما لا يبعد كفاية غسل (1)واحد في أوّل اليوم
(1) كما في جملة من الأخبار المتقدمة في غسل دخول مكة (2).
(2) لرواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام « ... وإذا أردت دخول مسجد الرسول صلىاللّهعليهوآله ... » (3)ولكنها ضعيفة بالقاسم بن عروة وإن كان عبد الحميد الواقع في سندها موثقاً بقرينة رواية القاسم بن عروة عنه وروايته عن محمد بن مسلم ، فالاستدلال بها يبتني على التسامح في أدلة السنن ولا نقول به.
(3) ولعله لأنها من بيوت النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم كما في بعض الأدعية : « اللّهمّ إني وقفت ببابٍ من أبواب بيوت نبيك » (4). وفيه : أنها لو ثبت كونها بيت النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم فلم يدلنا دليل على استحباب الغسل للدخول في بيوت النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم ، وإنما وردت الرواية بالغسل للدخول في مسجده صلىاللّهعليهوآلهوسلم وقد عرفت ضعفها.
(4) إذ لو كان وقتها بعد الدخول فيها لم يصدق أنه اغتسل لدخول الحرم أو الكعبة أو غيرهما.
(5) الأخبار الواردة إنما دلت على استحباب الغسل عند الدخول فيها ، ولا دليل على استحبابه لمن دخلها للكون فيها.
أو أوّل اللّيل للدخول إلى آخره (1) ، بل لا يبعد عدم الحاجة إلى التكرار مع التكرّر ، كما أنه لا يبعد جواز التداخل أيضاً فيما لو أراد دخول الحرم ومكة والمسجد والكعبة في ذلك اليوم فيغتسل غسلاً واحداً للجميع ، وكذا بالنسبة إلى المدينة وحرمها ومسجدها (2).
[1051] مسألة 1 : حكي عن بعض العلماء استحباب الغسل عند إرادة الدخول في كل مكان شريف ووجهه غير واضح ، ولا بأس به لا بقصد الورود.
(1) مقتضى ما ورد في جملة من الأخبار من قوله : « وحين تدخل » (1)وقوله : « وإذا دخلت » (2)و « عند دخول مكّة والمدينة » (3)استحباب الغسل مقارناً لدخول تلك المواضع ، إلاّ أنه ورد في بعض آخر : « ويوم تدخل البيت » (4)وغسل « دخول الكعبة ودخول المدينة » (5)وهي تقتضي جواز الغسل أول اليوم للدخول في آخره ، لأن المستحبات لا يجري فيها قانون الإطلاق والتقييد فتحمل المقيدات على صورة ترك الغسل إلى زمان الدخول.
بل يجوز أن يغتسل في اليوم للدخول في الليل ، لأن الأخبار وإن اشتملت على اليوم إلاّ أنه محمول على الغلبة ، إذ قد يكون الدخول في الليل وهو ظاهر.
نعم يشترط أن لا يفصل بين الغسل والدخول شيء من الأحداث والنواقض لأنها ليست من الأغسال الزمانية ، وإنما هي أغسال فعلية كما تقدم بيانه فلا بدّ أن يقع الفعل في غسل ، وهذا لا يتحقق فيما إذا تخلل بينهما شيء من النواقض.
(2) لصحيحة زرارة الدالّة على أنه إذا اجتمعت عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد ، وأنه إذا اغتسل بعد الفجر للجنابة والجمعة وغيرهما أجزأه (6).
1) كما في صحيحة معاوية بن عمار ، الوسائل 3 : 303 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 1.
2) الوسائل 3 : 304 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 4 ، 10.
3) الوسائل 3 : 304 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 4 ، 10.
4) الوسائل 3 : 304 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 4.
5) الوسائل 3 : 305 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 3 ، 6 ، 7 وغيرها.
6) الوسائل 3 : 339 / أبواب الأغسال المسنونة ب 31 ح 1.
وقد مرّ أنها قسمان :
القسم الأوّل : ما يكون مستحباً لأجل الفعل الذي يريد أن يفعله وهي أغسال :
أحدها : للإحرام (1)وعن بعض العلماء وجوبه (1).
فصل في الأغسال الفعلية
(1) لا شبهة في مشروعية الغسل للإحرام ، وذلك لورود الأمر به في جملة من الأخبار ففي موثقة سماعة : « وغسل المحرم واجب » (2)وصحيحة محمد بن مسلم المروية عن الخصال : « ويوم تحرم » (3)وصحيحة ابن سنان : « وغسل الإحرام » (4)إلى غيرها من الروايات ، وإنما الكلام في أنه واجب أو مستحب.
ذهب بعضهم إلى وجوبه ، ويؤيده اشتمال الأخبار على الأمر به من دون اقترانها بالمرخص ، بل صرحت بعضها بالوجوب. إلاّ أن الصحيح عدم وجوبه وذلك لأمرين :
أحدهما : أنه لو كان واجباً لذاع واشتهر وجوبه لكثرة الابتلاء به في المكلفين لكثرة الحاج ، كيف وقد نقل الإجماع على استحبابه وعدم وجوبه.
1) (*) لم يثبت استحباب أكثر ما ذكر في هذا الفصل ، وإنما الثابت استحباب الغسل للإحرام والطواف والذبح والنحر والحلق وزيارة الكعبة وزيارة الحسين عليهالسلام ولو من بعيد والاستخارة والاستسقاء والمباهلة والمولود وترك صلاة الكسوف عمداً مع احتراق قرص الشمس كلياً ومس الميِّت بعد تغسيله.
2) الوسائل 3 : 304 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 3.
3) الوسائل 3 : 305 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 5 ، الخصال 2 : 508 / 1.
4) الوسائل 3 : 306 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 7 و 8 و 10 و 11 و 12.
الثاني : للطواف (1) سواء كان طواف الحج أو العمرة أو طواف النساء بل للطواف المندوب أيضا.
الثالث : للوقوف بعرفات.
الرابع : للوقوف بالمشعر.
الخامس : للذبح والنحر (2).
وثانيهما : أنه لو وجب الغسل للإحرام لكان وجوبه شرطياً لا محالة ، لعدم احتمال كونه واجباً نفسياً ، كيف ولم يثبت ذلك في غسل الجنابة والحيض ونحوهما فما ظنك بغسل الإحرام؟ وقد دلت الصحيحة على أن من اغتسل للإحرام فنام ثم أراد الإحرام لا تجب عليه إعادة غسله (1).
وهي وإن كانت معارضة بما دل على لزوم إعادة الغسل حينئذ (2)إلاّ أن مقتضى الجمع بينهما حمل الأمر بالإعادة على الاستحباب. إذن فالصحيحة تدلنا على أن غسل الإحرام ليس بواجب نفسي ولا شرطي.
(1) وهو الزيارة لأن زيارة البيت طوافه ، وقد ورد في موثقة سماعة الأمر بغسل الزيارة حيث قال فيها : « وغسل الزيارة واجب » (3)، وكذلك صحيحة معاوية بن عمار حيث اشتملت على الأمر بالغسل يوم تزور البيت ، وغيرها من الروايات (4)، ومقتضى الإطلاق فيها عدم الفرق في استحباب الغسل بين كون الطواف واجباً أو مندوباً وسواء كان الطواف طواف الحج أو العمرة أو طواف النساء.
(2) لصحيحة زرارة : « إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة والجمعة وعرفة والنحر والحلق والذبح والزيارة » (5).
السادس : للحلق (1) ، وعن بعضهم استحبابه لرمي الجمار أيضا.
السابع : لزيارة أحد المعصومين من قريب أو بعيد (2).
الثامن : لرؤية أحد الأئمة عليهمالسلام في المنام ، كما نقل عن موسى بن جعفر عليهالسلام أنه إذا أراد ذلك يغتسل ثلاث ليالٍ ويناجيهم فيراهم في المنام.
التاسع : لصلاة الحاجة بل لطلب الحاجة مطلقا.
العاشر : لصلاة الاستخارة (3) بل للاستخارة مطلقاً ولو من غير صلاة.
الحادي عشر : لعمل الاستفتاح المعروف بعمل أُم داود.
الثاني عشر : لأخذ تربة قبر الحسين عليهالسلام.
الثالث عشر : لإرادة السفر خصوصاً لزيارة الحسين عليهالسلام.
(1) لما مرّ في صحيحة زرارة.
(2) استدل عليه بعضهم بإطلاق الأمر بغسل الزيارة في الأخبار فإنها تشمل زيارة الأئمة عليهمالسلام أيضاً.
وفيه : أن ملاحظة الجملات المتقدمة على هذه الجملة وملاحظة الجملات المتأخرة عنها تدلنا بوضوح على أن المراد زيارة البيت وطوافه وأن الرواية بصدد بيان وظيفة الحاج فلا تشمل زيارة غير البيت الحرام من قبور الأئمة عليهمالسلام.
(3) لموثقة سماعة : « وغسل الاستخارة مستحب » وغيرها (1).
1) الوسائل 3 : 303 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 3 ، 334 / ب 21 ح 1 ، المستدرك 2 : 497 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 1 ، 2.
الرابع عشر : لصلاة الاستسقاء (1) بل له مطلقا.
الخامس عشر : للتوبة من الكفر الأصلي أو الارتدادي ، بل من الفسق ، بل من الصغيرة أيضاً على وجهٍ.
السادس عشر : للتظلّم والاشتكاء إلى اللّه من ظلم ظالم ، ففي الحديث عن الصادق عليهالسلام ما مضمونه : إذا ظلمك أحد فلا تدع عليه ، فان المظلوم قد يصير ظالماً بالدعاء على من ظلمه ، لكن اغتسل وصل ركعتين تحت السماء ثم قل : « اللّهمّ إن فلان بن فلان ظلمني ، وليس لي أحد أصول به عليه غيرك فاستوف لي ظلامتي الساعة الساعة بالاسم الذي إذا سألك به المضطر أجبته فكشفت ما به من ضر ومكنت له في الأرض وجعلته خليفتك على خلقك ، فأسألك أن تصلِّي على محمد وآل محمد وأن تستوفي ظلامتي الساعة الساعة » فسترى ما تحب.
السابع عشر : للأمن من الخوف من ظالم فيغتسل ويصلِّي ركعتين ويحسر عن ركبتيه ويجعلهما قريباً من مصلاه ويقول مائة مرة : « يا حيّ يا قيّوم يا حيّ لا إله إلاّ أنت برحمتك أستغيث فصل على محمد وآل محمد وأغثني الساعة الساعة » ثم يقول : « أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تلطف بي وأن تغلب لي وأن تمكر لي وأن تخدع لي وأن تكفيني مئونة فلان بن فلان بلا مئونة » وهذا دعاء النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم يوم أُحُد.
الثامن عشر : لدفع النازلة ، يصوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وعند الزوال من الأخير يغتسل.
(1) لموثقة سماعة (1): « وغسل الاستسقاء واجب ».
1) المتقدِّمة في الصفحة السابقة.
التاسع عشر : للمباهلة مع من يدّعي باطلا (1).
العشرون : لتحصيل النشاط للعبادة أو لخصوص صلاة الليل ، فعن فلاح السائل : أن أمير المؤمنين عليهالسلام كان يغتسل في الليالي الباردة لأجل تحصيل النشاط لصلاة الليل.
الحادي والعشرون : لصلاة الشكر.
الثاني والعشرون : لتغسيل الميِّت ولتكفينه.
الثالث والعشرون : للحجامة على ما قيل ، ولكن قيل إنه لا دليل عليه ، ولعلّه مصحف الجمعة.
الرابع والعشرون : لإرادة العود إلى الجماع ، لما نقل عن الرسالة الذهبية : أن الجماع بعد الجماع بدون الفصل بالغسل يوجب جنون الولد. لكن يحتمل أن يكون المراد غسل الجنابة ، بل هو الظاهر.
الخامس والعشرون : الغسل لكل عمل يتقرّب به إلى اللّه كما حكي عن ابن الجنيد ، ووجهه غير معلوم ، وإن كان الإتيان به لا بقصد الورود لا بأس به.
القسم الثاني : ما يكون مستحباً لأجل الفعل الذي فعله وهي أيضاً أغسال :
أحدها : غسل التوبة (2) على ما ذكره بعضهم من أنه من جهة المعاصي التي ارتكبها أو بناء على أنه بعد الندم الذي هو حقيقة التوبة ، لكن الظاهر أنه من القسم الأوّل كما ذكر هناك ، وهذا هو الظاهر من الأخبار ومن كلمات العلماء.
(1) لموثقة سماعة : « وغسل المباهلة واجب » (1)وقد مر أن الظاهر إرادة الغسل لنفس المباهلة لا غسل يوم المباهلة.
(2) لصحيحة مسعدة بن زياد حيث ورد فيها : « قم فاغتسل وصل ما بدا لك » (2).
ويمكن أن يقال إنه ذو جهتين ، فمن حيث إنه بعد المعاصي وبعد الندم يكون من القسم الثاني ومن حيث إن تمام التوبة بالاستغفار يكون من القسم الأوّل.
وخبر مسعدة بن زياد في خصوص استماع الغناء في الكنيف وقول الإمام عليهالسلام له في آخر الخبر : « قم فاغتسل فصل ما بدا لك » يمكن توجيهه بكل من الوجهين ، والأظهر أنه لسرعة قبول التوبة أو لكمالها.
الثاني : الغسل لقتل الوزغ ويحتمل أن يكون للشكر على توفيقه لقتله حيث إنه حيوان خبيث. والأخبار في ذمّه من الطرفين كثيرة ، ففي النبوي : « اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة » وفي آخر : « من قتله فكأنما قتل شيطاناً » ، ويحتمل أن يكون لأجل حدوث قذارة من المباشرة لقتله.
الثالث : غسل المولود (1). وعن الصدوق وابن حمزة ( رحمهما اللّه ) وجوبه ، لكنه ضعيف. ووقته من حين الولادة حيناً عرفياً ، فالتأخير إلى يومين أو ثلاثة لا يضر ، وقد يقال إلى سبعة أيام ، وربما قيل ببقائه إلى آخر العمر ، والأولى على تقدير التأخير عن الحين العرفي الإتيان به برجاء المطلوبية.
الرابع : الغسل لرؤية المصلوب وذكروا أن استحبابه مشروط بأمرين :
أحدهما : أن يمشي إليه لينظر إليه متعمداً ، فلو اتفق نظره أو كان مجبوراً لا يستحب.
الثاني : أن يكون بعد ثلاثة أيام إذا كان مصلوباً بحق لا قبلها ، بخلاف ما إذا كان مصلوباً بظلم فإنه يستحب معه مطلقاً ولو كان في اليومين الأولين ، لكن الدليل على الشرط الثاني غير معلوم إلاّ دعوى الانصراف ، وهي محل منع ، نعم الشرط الأوّل ظاهر الخبر وهو : « من قصد إلى مصلوب فنظر إليه وجب عليه الغسل عقوبة »
1) لموثقة سماعة : « وغسل المولود واجب » المتقدمة.
وظاهره أن من مشى إليه لغرض صحيح كأداء الشهادة أو تحمّلها لا يثبت في حقه الغسل.
الخامس : غسل من فرّط في صلاة الكسوفين مع احتراق القرص (1) أي تركها عمداً ، فإنه يستحب أن يغتسل ويقضيها ، وحكم بعضهم بوجوبه ، والأقوى عدم الوجوب وإن كان الأحوط عدم تركه. والظاهر أنه مستحب نفسي بعد التفريط المذكور ، ولكن يحتمل أن يكون لأجل القضاء كما هو مذهب جماعة ، فالأولى الإتيان به بقصد القربة لا بملاحظة غاية أو سبب ، وإذا لم يكن الترك عن تفريط أو لم يكن القرص محترقاً لا يكون مستحبّاً ، وإن قيل باستحبابه مع التعمّد مطلقاً وقيل باستحبابه مع احتراق القرص مطلقا.
السادس : غسل المرأة إذا تطيبت لغير زوجها ففي الخبر : « أيّما امرأة تطيبت لغير زوجها لم تقبل منها صلاة حتى تغتسل من طيبها كغسلها من جنابتها » واحتمال كون المراد غسل الطيب من بدنها كما عن صاحب الحدائق بعيد ولا داعي إليه.
(1) لصحيحة محمد بن مسلم المروية عن الخصال : « وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاستيقظت ولم تصل فعليك أن تغتسل وتقضي الصلاة » (1)، وصحيحته الأُخرى « وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاغتسل » (2).
وقد يقال باختصاص الغسل بما إذا ترك صلاة الكسوف متعمداً ووجوبه حينئذ مستنداً في ذلك إلى ما رواه حريز عمن أخبره عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل أن يصلِّي فليغتسل من غد وليقض الصلاة ، وإن لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلاّ القضاء بغير غسل » (3)إلاّ أن
السابع : غسل من شرب مسكراً فنام ففي الحديث عن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم ما مضمونه : ما من أحد نام على سكر إلاّ وصار عروساً للشيطان إلى الفجر فعليه أن يغتسل غسل الجنابة.
الثامن : غسل من مس ميتاً بعد غسله (1).
[1052] مسألة 1 : حكي عن المفيد استحباب الغسل لمن صُبَّ عليه ماء مظنون النجاسة ولا وجه له. وربما يعد من الأغسال المسنونة غسل المجنون إذا أفاق ، ودليله غير معلوم ، وربما يقال إنه من جهة احتمال جنابته حال جنونه ، لكن على هذا يكون من غسل الجنابة الاحتياطية فلا وجه لعدّه منها ، كما لا وجه لعدّ إعادة الغسل لذوي الأعذار المغتسلين حال العذر غسلاً ناقصاً مثل الجبيرة ، وكذا عدّ غسل من رأى الجنابة في الثوب المشترك احتياطاً ، فان هذه ليست من الأغسال المسنونة.
الرواية ضعيفة بالإرسال ، على أن صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة مطلقة وغير مقيدة بما إذا فاتت صلاة الكسوف في وقتها فتعم ما إذا لم يصل والوقت باقٍ وهي أداء وما إذا خرج الوقت وصارت الصلاة قضاء.
وفي كلتا الصورتين إذا احترق القرص كله يستحب الاغتسال كانت الصلاة قضاء أم لا ، تعمد في تركها أم لم يتعمد. وأما احتمال الوجوب فيندفع بما قدمناه مراراً من أن المسائل العامة البلوى لو كانت واجبة لانتشرت وبانت ، فنفس عدم الشهرة دليل عدم الوجوب.
(1) لموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « يغتسل الذي غسل الميِّت ، وكل من مس ميتاً فعليه الغسل وإن كان الميِّت قد غسل » (1)المحمولة على الاستحباب جمعاً بينها وبين ما دلّ على عدم وجوب الغسل بالمس بعد تغسيل الميِّت.
1) الوسائل 3 : 295 / أبواب غسل المس ب 3 ح 3.
[1053] مسألة 2 : وقت الأغسال المكانية كما مر سابقاً قبل الدخول فيها أو بعده لإرادة البقاء على وجه. ويكفي الغسل في أول اليوم ليومه وفي أوّل اللّيل لليلته ، بل لا يخلو كفاية غسل الليل للنهار وبالعكس من قوة وإن كان دون الأوّل في الفضل (1) ، وكذا القسم الأوّل من الأغسال الفعلية وقتها قبل الفعل على الوجه المذكور ، وأما القسم الثاني منها فوقتها بعد تحقق الفعل إلى آخر العمر وإن كان الظاهر اعتبار إتيانها فوراً ففورا.
[1054] مسألة 3 : ينتقض الأغسال الفعلية من القسم الأوّل والمكانية بالحدث الأصغر من أي سبب كان حتى من النوم على الأقوى ، ويحتمل عدم انتقاضها بها مع استحباب إعادتها كما عليه بعضهم ، لكن الظاهر ما ذكرنا.
[1055] مسألة 4 : الأغسال المستحبة لا تكفي عن الوضوء (1)فلو كان محدثاً يجب أن يتوضأ للصلاة ونحوها قبلها أو بعدها ، والأفضل قبلها ، ويجوز إتيانه في أثنائها إذا جيء بها ترتيبيا.
هذا كله في الموارد التي يستحب الغسل فيها شرعاً ، وأما غيرها من الموارد المذكورة في المتن فلم يثبت استحباب الغسل فيها شرعاً إلاّ بناء على التسامح في أدلة السنن وهو مما لا نقول به.
(1) قدّمنا الكلام في ذلك (2)ولا نعيد.
(2) بل تغني عن الوضوء على ما قدمناه في محله استناداً إلى قوله عليهالسلام : « أي وضوء أنقى من الغسل » (3)وغيره من الأخبار المعتبرة فليراجع بحث غسل
[1056] مسألة 5 : إذا كان عليه أغسال متعددة زمانية أو مكانية أو فعلية أو مختلفة يكفي غسل واحد عن الجميع إذا نواها جميعاً (1).
بل لا يبعد كون التداخل قهرياً ، لكن يشترط في الكفاية القهرية أن يكون ما قصده معلوم المطلوبية لا ما كان يؤتى به بعنوان احتمال المطلوبية ، لعدم معلومية كونه غسلاً صحيحاً حتى يكون مجزئاً عما هو معلوم المطلوبية.
[1057] مسألة 6 : نقل عن جماعة كالمفيد والمحقق والعلاّمة والشهيد والمجلسي رحمهماللّه استحباب الغسل نفساً ولو لم يكن هناك غاية مستحبة أو مكان أو زمان ، ونظرهم في ذلك إلى مثل قوله تعالى ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) وقوله عليهالسلام : « إن استطعت أن تكون باللّيل والنهار على طهارة فافعل » وقوله عليهالسلام : « أي وضوء أطهر من الغسل » و « أي وضوء أنقى من الغسل » ومثل ما ورد من استحباب الغسل بماء الفرات من دون ذكر سبب أو غاية إلى غير ذلك ، لكن إثبات المطلب بمثلها مشكل .
الجنابة (1).
(1) لصحيحة زرارة المتقدمة : « إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك للجنابة والجمعة وعرفة والنحر والحلق والذبح والزيارة فاذا اجتمعت عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد » (2). بل كفاية غسل الجمعة عن غسل الجنابة لناسي غسلها منصوصة وإن لم ينو غسل الجنابة.
(2) قدّمنا الكلام عن ذلك عن قريب (3).
[1058] مسألة 7 : يقوم التيمّم مقام الغسل (1)في جميع ما ذكر عند عدم التمكّن منه (1).
فصل في التيمّم ويسوّغه العجز عن استعمال الماء ، وهو يتحقق بأُمور :
(1) لإطلاق ما دلّ على أن التراب أحد الطهورين.
ثم إنه إذا أنكرنا كفاية الغسل عن الوضوء فلا إشكال في أن التيمّم بدلاً عن الغسل لا يكفي عن الوضوء.
وأما إذا قلنا بالإغناء كما هو الصحيح فهل يقوم التيمّم مقام الغسل الاستحبابي في اغنائه عن الوضوء أو لا يقوم؟ الصحيح هو الثاني لأن أدلّة البدلية إنما يستفاد منها بدلية التيمّم مقام الغسل في الطهور وأما في غيره من الآثار المترتبة على الغسل كاغنائه عن الوضوء فلا يستفاد منها ، فهو يتوقف على دلالة الدليل ولا دليل عليه.
لا شبهة ولا خلاف في مشروعية التيمّم في الشريعة المقدّسة. ويسوغه عدم وجدان الماء على ما دلّت عليه الآية المباركة ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (2). فإن التفصيل قاطع للشركة فهي بتفصيلها بين الواجد للماء وغيره دلّت على وجوب التيمّم على من لم يجد ماء
والوجدان في اللغة بمعنى الإدراك والإصابة والظفر (1)، إلاّ أن المراد به في الآية المباركة ليس هو عدم الإدراك والإصابة حقيقة وعقلاً ، بل أعم منه ومن العجز عن استعماله شرعاً كما لو كان الماء الموجود مغصوباً.
ويدلُّ عليه قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ ... فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) فإن الأمر بغسل الوجه لا يمكن إلاّ مع التمكّن من استعمال الماء عقلاً وشرعاً.
وقوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ ... ) فان المسافر ولا سيما في الأزمنة القديمة وفي الصحاري والقفار وإن كان قد لا يجد الماء حقيقة إلاّ أن المريض غالباً متمكن من الماء حقيقة وعقلاً إلاّ أنه عاجز عن استعماله لكونه مضراً به.
فالمتلخص : أن المراد من عدم وجدان الماء في الآية الكريمة هو عدم التمكن من الاستعمال عقلاً أو شرعاً.
ثم إنه لو كنّا نحن وهذه الآية المباركة لخصّصنا مشروعية التيمّم بموارد عدم التمكن من استعماله عقلاً أو شرعاً كما مرّ ، إلاّ أن أدلة نفي الضرر والحرج دلتنا على أن مشروعية التيمّم عامة لما إذا تمكن المكلف من استعمال الماء عقلاً وشرعاً بأن كان الماء مباحاً له إلاّ أن استعماله حرجي وعسري في حقه فلا بدّ من التيمّم حينئذ.
وهذا في الحقيقة تخصيص في أدلة الوضوء والغسل ، لأن أدلة نفي الضرر والحرج حاكمة على أدلة وجوب الوضوء أو الغسل ، وقد أوضحنا في محله أن الحكومة هي التخصيص واقعاً غاية الأمر أنها نفي للحكم عن موضوعه بلسان نفي الموضوع وعدم تحققه (2).
فما ذكره في المتن من أن التيمّم يسوغه العجز عن استعمال الماء لعله ناظر إلى أصل مشروعية التيمّم بالجعل الأولي ، وإلاّ فبالنظر إلى العنوان الثانوي لا تختص مشروعيته بالعجز بل تثبت عند الضرر والحرج أيضاً ، هذا.
ثم إن الآية المباركة وقعت مورداً للكلام والإشكال ، وذلك لأن المذكور فيها أُمور أربعة وهي : المرض والسفر والمجيء من الغائط ولمس النساء. وقد عطف بعضها على البعض الآخر بحرف « أو » ، وظاهره أن المرض والسفر مثل الأخيرين سببان مستقلاّن لوجوب التيمّم عند عدم وجدان الماء ، مع أنهما ليسا كذلك وإنما يوجبان التيمّم فيما إذا كان معهما شيء من الحدث الأصغر أو الأكبر أعني الأخيرين ، وإلاّ فمجرّد المرض أو السفر لا يوجب الحدث والتيمّم بوجه.
وقد ذكر الآلوسي في تفسيره (1)وكذا الزمخشري في الكشاف (2)أن الآية من الآيات المعضلة والمشكلة ، لما عرفت من كونها على خلاف فتوى الفقهاء.
وقد يجاب عن ذلك بأن « أو » في الآية المباركة بمعنى الواو فترتفع المناقشة ، إذ لا تكون الآية ظاهرة في سببية المرض والسفر للتيمم ، وإنما تدل على أن التيمّم مشروع عند تحقق الأُمور المذكورة فيها.
وفيه : أن ( أو ) لا تستعمل بمعنى الواو ، وحمله عليها خلاف الظاهر لا يمكن المصير إليه.
وذكر الشيخ محمد عبده وتلميذه (3)في تفسيره الآية المباركة في سورة المائدة وأشار إليه في سورة النساء : أن الآية ليس فيها أي إعضال وإشكال ، بل لا بدّ من الالتزام بظاهرها وهو كون المرض والسفر بنفسهما يوجبان التيمّم كما أن الحدث الأكبر والأصغر يوجبان التيمّم. ولا مانع من أن تكون المشقة النوعية في الوضوء والغسل في حق المريض والمسافر موجبة لتبدل حكمهما إلى التيمّم ، كما أوجبت المشقة النوعية تبدل حكم المسافر حيث تبدل حكمه إلى القصر في الصلاة والصيام مع أنهما أهمّ من الوضوء والغسل ، فاذا جاز التبدل في الأهم لأجل المشقة النوعية جاز التبدل في غير
الأهم بالأولوية.
وظني أني رأيت سابقاً في بعض الكتب أن أبا حنيفة التزم بذلك. إلاّ أنه مما لا يمكن المساعدة عليه كما سيظهر وجهه.
وذكر صاحب الجواهر قدسسره أن الآية المباركة ليست مورداً للإشكال ، لأن قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ ) من متممات صدرها وهو قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ... ) فإنه بمعنى إذا قمتم من النوم إلى الصلاة كما في الرواية المفسرة لها. فمفروض الآية هو المحدث بالأصغر بالنوم وأنه على قسمين : واجد للماء ووظيفته أن يتوضأ إن لم يكن جنباً بالاحتلام أو يغتسل إن كان جنباً وغير واجد الماء كالمريض والمسافر ووظيفته أن يتيمم أي الذي لو كان واجداً للماء يتوضأ أو يغتسل وهو المحدث بالحدث الأصغر أعني بالنوم ، ثم تعرض للمحدث بالبول والغائط والمحدث بملامسة النساء. وليس المريض والمسافر جملة مستقلة لترد عليها المناقشة (1).
وما أفاده قدسسره وإن كان صحيحاً إلاّ أنه إنما يتم في سورة المائدة لا في سورة النساء (2)، لأن قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ) إلى قوله ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) مذكور فيها بعينه من دون أن يكون لها صدر مثل صدر سورة المائدة فتبقى المناقشة فيها بحالها.
ما ينبغي أن يقال في المقام
والذي ينبغي أن يقال وهو ظاهر الآية المباركة : إن المناقشة المذكورة تبتني على أن يكون قوله تعالى ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) راجعاً إلى الجملة الأخيرة أعني قوله تعالى ( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) .
وأمّا إذا أرجعناه إلى جميع الأُمور الأربعة المذكورة في الآية كما هو الظاهر لمكان العطف بأو ، الدال على أن كل واحد من الأُمور الأربعة إذا اقترن به عدم وجدان الماء أوجب التيمّم ، وليس هو كالعطف بالواو ليكون مورداً للنزاع المعروف من أن القيد يرجع إلى الجملة الأخيرة أو جميع الجمل ، فلا مناقشة بوجه.
لأن معنى الآية حينئذ : وإن كنتم مرضى ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً ، وإن كنتم على سفر ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً وهكذا ، وحيث إن الأمر بالتيمّم لا يمكن توجهه إلاّ إلى المحدث مثل الأمر بالوضوء في صدر الآية لأنه هو مورد الوضوء بعينه إذا وجد الماء فيستفاد منها أن المريض المحدث إذا لم يجد الماء يتيمم وهكذا المسافر المحدث ، وإنما تعرضت الآية للمريض والمسافر لأغلبية عدم الوجدان فيهما.
نعم يبقى حينئذ سؤال وهو أنه إذا كان المراد من الآية هو المريض المحدث إذا لم يجد الماء أو المسافر المحدث إذا لم يجد الماء فما معنى قوله تعالى بعد ذلك ( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) أي كان محدثاً ببول أو بغائط ، فإنه كالتكرار حينئذ؟.
والجواب عنه : أن ذكره ( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) إنما هو للدلالة على أن مشروعية التيمّم عند فقدان الماء لا تختص بالمريض والمسافر بل تعم الحاضر كذلك إذا كان محدثاً بالأصغر أو الأكبر ، ولا سيما بملاحظة قوله ( مِنْكُمْ ) أي من المحدثين فهو لتسوية الحكم بين المريض والمسافر وبين الصحيح والحاضر.
إذن لا موقع لما ذكره الشيخ عبده وتلميذه ولا ظهور للآية فيما ذكراه ، وليس المرض والسفر بنفسهما يوجبان التيمّم.
وأما قصر الصلاة والصيام في حق المسافر فهو قد ثبت بدليله ولا يمكن تعديته إلى المقام ، لأنه قياس ظاهر.
ثم لو تنزلنا عن ذلك فالآية مجملة لا ظهور لها في كون المرض أو السفر موجباً للتيمم بنفسهما ، لتساوي الاحتمالين فلا تكون منافية لما دل على عدم وجوب التيمّم إلاّ مع الحدث وعدم كون المرض أو السفر موجباً له في نفسه.
ذكرنا أن الآية المباركة وقعت مورداً للكلام نظراً إلى عطف كل من الأُمور الأربعة المذكورة فيها ب- « أو » الظاهرة في سببية المرض والسفر في نفسهما للتيمم ، ومن هنا ذكر بعضهم أن الآية من المعضلات.
وقد أجاب عن ذلك جملة من فقهاء العامّة والخاصّة بان « أو » في الآية بمعنى الواو وأن المعنى أنكم إذا كنتم مرضى أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً. وبذلك دفعوا المناقشة ، وقد عرفت الجواب عما ذكروا.
وذكر في تفسير المنار أن الآية ليست من المعضلات في شيء وإنما الإعضال في فتاوى الفقهاء ، وذكر في وجه ذلك ما توضيحه : أنه لا إشكال ولا خلاف بين المسلمين في أن السفر والمرض ليسا من نواقض الطهارة ، فالمتطهِّر لو تمرّض أو سافر لا تنتقض طهارته من دون كلام ، وليس في الآية ما يدل على انتقاض الطهارة بالمرض أو السفر فلا بدّ من أن يكون مورد الآية المباركة ما إذا كانا محدثين ، ومعه تدل الآية على أن المريض المحدث أو المسافر المحدث يتيمم مطلقاً وجد الماء أم لم يجد ، كما أن من جاء من الغائط أو لامس النساء ولم يجد ماء يتيمم ، ولا مانع من أن يكون السفر أو المرض موجباً لتخفيف الوظيفة بإيجاب التيمّم دون الوضوء أو الغسل كما أوجب السفر تخفيف الوظيفة بالإضافة إلى الصوم والصلاة لوجوب القصر فيهما على المسافر.
فظاهر الآية المباركة لا إعضال فيه ، وإنما الإعضال في فتاوى الفقهاء حيث ذهبوا إلى عدم وجوب التيمّم على المريض والمسافر مطلقاً بل فيما إذا لم يجد الماء (1).
وهذا الذي ذكره ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لما قدّمناه عن صاحب الجواهر قدسسره من أن قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ ) من متممات صدر الآية وهو قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ... )
1) تفسير المنار 5 : 120.
حيث إن المراد من القيام هو القيام من النوم كما في تفسير الآية فيكون معنى الآية : أن من كان محدثاً بحدث النوم وكان متمكناً من الماء يتوضأ إن لم يكن جنباً أي محتلماً وإن كان جنباً تطهر ، وإذا لم يكن ذلك المحدث بالنوم واجداً للماء يتيمم ، لما عرفت من أن قيد ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) راجع إلى جميع الأُمور الأربعة المتقدمة ، وهو في قبال المحدث بحدث البول والغائط في قوله تعالى ( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) فتصح المقابلة ولا تبقى أية مناقشة في الآية الكريمة. هذا كله في آية سورة المائدة.
وأما آية سورة النساء فهي وإن لم تكن مسبوقة بالصدر إلاّ أن الأمر فيها كما ذكرناه ، وذلك لما قدمناه من أن المرض والسفر ليسا من النواقض في شيء فلا بدّ أن يكون مورد الآية هو المريض المحدث أو المسافر المحدث وأنه إذا كان فاقداً للماء يتيمم ، لرجوع القيد إلى كل واحد من الأُمور الأربعة.
فتحصل : أن المريض والمسافر بإطلاقهما لا يجب عليهما التيمّم بل فيما إذا كانا فاقدين للماء.
نعم للمدعي أن يسأل عن وجه تخصيص المريض والمسافر بالذكر ، لأنه على ذلك لا يختص الحكم بهما ، بل يعمّ كل من كان فاقداً للماء مريضاً كان أم صحيحاً مسافراً كان أم حاضراً.
والجواب عنه : أن ذكرهما في الآية من باب غلبة فقدان الماء بالمعنى المتقدم فيهما لا أن لهما خصوصية في الحكم ، فلا مقتضي لإبقاء المريض والمسافر على إطلاقهما والحكم بأنهما إذا كانا محدثين يتيممان مطلقاً ولو كانا واجدين للماء.
وأمّا ما استشهد به أخيراً ففيه : أن السفر وإن كان موجباً لتخفيف الحكم في حق المسافر بالإضافة إلى الصوم والصلاة إلاّ أنه إنما ثبت بالدليل ولا يأتي ذلك في المقام لأنه قياس.
وعلى الجملة : ما ذكره صاحب المنار من إبقاء الطائفتين على إطلاقهما في الحكم بوجوب التيمّم مما لا مقتضي له ، كما أن ما ادعاه من الظهور غير ثابت ، بل الظاهر
رجوع القيد إلى كل واحد من الأربعة المذكورة في الآية المباركة ، هذا.
ثم لو تنازلنا عن ذلك ولم يكن القيد ظاهراً في الرجوع إلى الأُمور الأربعة بأجمعها فلا أقل من الإجمال ، لعدم العلم بأنه راجع إلى جميع الأُمور الأربعة أو إلى خصوص الأخيرين ، ومعه لا يثبت للآية ظهور في الإطلاق ليتمسك به صاحب المنار أعني كون الآية مطلقة من حيث المريض والمسافر وأنهما كانا واجدين للماء أو فاقدين له محكومين بالتيمّم وذلك لاقترانهما بما يصلح للقرينية ، ومع الإجمال يبقى إطلاق صدر الآية في أن الواجد للماء يتوضأ إن لم يكن جنباً كان مريضاً أو مسافراً أم لم يكن على حاله ، وهو يقتضي الحكم بوجوب الغسل أو الوضوء عند كون المريض أو المسافر واجداً للماء ، وكذلك الأخبار.
وممّا يدل على ما ذكرناه أن صاحب المنار إن أراد أن المريض والمسافر يتعين عليهما التيمّم وإن كانا واجدين للماء ، فيدفعه أنه على خلاف ما ثبت بالضرورة من الإسلام ، فإن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم وأصحابه والأئمة عليهمالسلام قد سافروا كثيراً ولم ينقل أحدٌ أنهم تيمموا عند كونهم واجدين للماء.
وإن أراد بذلك أن التيمم مرخّص فيه لهما لا أنه متعين عليهما ، نظير الترخيص في الصوم والصلاة على المسافر عندهم ، ففيه : أن ذلك يستلزم استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى واحد ، حيث إن الأمر بالتيمّم بالإضافة إلى الأخيرين من جاء من الغائط أو لامس النساء استعمل في التعيين ، وبالإضافة إلى الأولين المريض والمسافر في الترخيص ، وهو إما غير معقول أو خلاف الظاهر على ما أوضحناه في الأُصول (1)وذكرنا ان الوجوب والاستحباب خارجان عن مدلول الأمر وأن معناه واحد وهو شيء آخر ، وإنما يستفاد الوجوب من حكم العقل عند عدم اقترانه بالمرخص في الترك (2)، ومعه لا يمكن إرادة المعنيين منه لكونه مستحيلاً أو مخالفاً للظاهر.
أحدها : عدم وجدان الماء (1) بقدر الكفاية للغسل أو الوضوء في سفر كان أو حضر ، ووجدان المقدار الغير الكافي كعدمه.
(1) هذا هو القدر المتيقن من الآية المباركة ، فيجب التيمّم حينئذ من دون خلاف بين المسلمين كافة على ما يظهر من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (1)وإن كان نسب إلى أبي حنيفة سقوط الصلاة عن المكلف عند فقدانه الماء حقيقة (2)، إلاّ أنه على خلاف ما في الفقه من دعوى التسالم على وجوب التيمّم حينئذ حتى من أبي حنيفة ولم يعلم أن منشأ النسبة إليه أي شيء.
وكذلك الحال فيما إذا وجد الماء ولم يكن كافياً لوضوئه أو غسله ، وهذا على قسمين :
إذ قد يكون الماء الموجود بقدر لا يصدق عليه الميسور من الماء المعسور للوضوء أو للغسل لأنه قليل من كثير كما لو كان يكفي لغسل الوجه وحسب. ولا شبهة حينئذ في وجوب التيمّم ، لأنه فاقد للماء. ويمكن الاستدلال عليه بما ورد في الأخبار المعتبرة من أن الجنب إذا كان له من الماء ما يكفي لوضوئه ولا يكفي لغسله يتيمم (3)، لأن الماء الكافي للوضوء بالإضافة إلى الغسل قليل من كثير لا يصدق عليه الميسور منه ، لأنه إنما يكفي لخصوص رأسه وليس ميسوراً من المعسور.
وأُخرى يكون الماء الموجود بقدر يصدق عليه الميسور من الماء المعسور ، وهذا مورد للتيمم أيضاً ، لعدم تمامية قاعدة الميسور أوّلاً. ولدلالة نفس الآية ثانياً ، وذلك لأن المذكور في الآية أن من قام إلى الصلاة وجب عليه أن يغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ورجليه ، ثم قال تعالى في ذيلها ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ... ) أي إذا لم تجدوا
ويجب الفحص عنه (1)
الماء الكافي لما ذكر من الغسلتين والمسحتين ، فان المستفاد منها عرفاً بقرينة المقابلة هو وجوب التيمّم على المكلف حينئذ حتى لو بنينا على تمامية قاعدة الميسور.
نعم لا مجال في هذه الصورة للاستدلال بالأخبار الواردة في أن الجنب إذا لم يكن عنده من الماء ما يكفي لغسله بل كان عنده ما يكفي لوضوئه يتيمم ، لأنها كما عرفت واردة في صورة ما إذا لم يصدق على الماء الموجود أنه ميسور من المعسور ولا تشمل الصورة الثانية أي صدق الميسور بوجه.
وهذا هو القاعدة الكلية المطّردة التي نستدل بها في جملة من المسائل الآتية ، أعني وجوب التيمّم على كل من لم يتمكن من الوضوء أو الغسل التام ، اللّهمّ إلاّ أن يقوم دليل على كفاية الناقص منهما كما في الجبائر ، لدلالة الدليل على أن الغسل أو المسح على الجبيرة يكفي في الوضوء والاغتسال وإن لم يغسل البشرة أو يمسح عليها ، وإلاّ فمقتضى القاعدة هو التيمّم.
(1) ذكروا أن طلب الماء والفحص عنه واجب في وجوب التيمّم ، واستدل عليه بوجوه :
الأوّل : الإجماع على لزوم الفحص ، ويظهر من كتاب « الفقه على المذاهب الأربعة » أنه أمر متسالم عليه عند الجمهور وإن اختلفوا في مقدار الفحص والطلب (1).
وهذا الإجماع كبقية الإجماعات ليس إجماعاً تعبدياً ، لاحتمال استنادهم في ذلك إلى بقية الوجوه الآتية في المسألة ، ولعله لأجل الخدشة في الإجماع وبقية الوجوه الآتية نسب إلى الأردبيلي قدسسره أنه أنكر وجوب الفحص والطلب (2).
الثاني : أن الآية المباركة تدل على وجوب الفحص في وجوب التيمّم ، وذلك لأن
قوله تعالى ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) قضية سالبة ، وظاهرها أنها سالبة مع وجود الموضوع لا أنها سالبة بانتفاء موضوعها ، والوجدان وعدمه موضوعهما الطلب فيقال : طلبت الضالة فوجدتها أو لم أجدها ، فمعنى الآية على ذلك : وإن كنتم مرضى ... وطلبتم ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) .
والجواب عنه : أن الوجدان في الآية المباركة كما مرّ بمعنى السعة والتمكّن من الاستعمال ، فيقال : فلان ذو جده أي ذو سعة وتمكن فيصير معنى الآية : أنكم إذا كنتم قادرين ومتمكنين من الماء فتوضؤوا واغتسلوا وإن لم تكونوا قادرين ومتمكنين فتيمموا ، وليس الموضوع في القدرة والتمكن هو الطلب والفحص.
وعلى الجملة : ليس الوجدان في الآية بمعنى الوجدان في قولنا : طلبت الضالة فوجدتها بل بمعنى التمكن والسعة كما عرفت.
الثالث : الأخبار الآمرة بالطلب إما مطلقاً وإما مقيداً بأن يكون بمقدار غلوة سهم أو سهمين. وسيأتي الكلام عن تلكم الأخبار قريباً إن شاء اللّه (1).
الرابع : وهو العمدة ، أن الطلب والفحص إنما يجبان بقاعدة الاشتغال ، وتقريب أصالة الاشتغال بتوضيح منّا : أن المكلف بعد دخول الوقت يعلم بوجوب الصلاة وبوجوب الطهارة لأجلها ، كما يعلم أن الطهارة المعتبرة في حق بعض المكلفين هي الطهارة المائية وفي بعض آخر هي الطهارة الترابية ، وحيث لا يعلم بأنه متمكن من الماء أو عاجز عنه فلا يعلم بأنه مكلف بالطهارة المائية أو الترابية مع علمه إجمالاً بوجوب إحداهما عليه ، ومعه لو لم يفحص عن الماء ويتيمم لكان امتثاله امتثالاً احتمالياً لا محالة ، لاحتمال أن يكون متمكناً من الماء واقعاً ، وحيث يبقى معه احتمال بقاء التكليف وعدم حصول الامتثال ، فالعقل يلزمه بالفحص والطلب ليظهر الحال ويكون امتثاله قطعيا.
ودعوى أن وجوب الوضوء حينئذ مشكوك فيه فتقتضي البراءة عدم وجوبه مندفعة بأنها معارضة بأصالة البراءة عن وجوب التيمّم ، كما هو الحال في بقية موارد
1) عند التكلم في الأخبار المستدل بها على وجوب الفحص.
العلم الإجمالي ، بل لا مورد للبراءة ولو مع قطع النظر عن العلم الإجمالي والمعارضة وذلك لأنها لا تثبت العجز عن الماء الذي هو موضوع وجوب التيمّم فلا تجري لعدم ترتّب أثر عليها ، هذا.
وقد يقال بعدم جريان البراءة في المقام لا لأجل العلم الإجمالي ولا لعدم ترتب أثر شرعي عليها بل لأمر آخر ، لأن المورد من موارد الشك في القدرة على الامتثال وقد أوضحنا في الأُصول عدم جريان البراءة في موارد الشك في القدرة (1).
وفيه : أن كبرى عدم جريان البراءة عند الشك في القدرة وإن كان صحيحاً إلاّ أنها لا تنطبق على المقام ، وذلك لأن الأمر بالوضوء وإن كان مشروطاً بالقدرة عقلاً لا محالة لاستحالة التكليف بما لا يطاق إلاّ أنها مأخوذة فيه شرعاً أيضاً ، لأن القادر على الماء وعلى استعماله مأمور بالوضوء وغير القادر مأمور بالتيمّم.
فالقدرة دخيلة في ملاك الوضوء وإيجابه ، ومع الشك في القدرة يشك في تمامية ملاكه ومع الشك في وجود الملاك لا مانع من الرجوع إلى البراءة بوجه ، حيث إن عدم جريانها عند الشك في القدرة ليس لأجل نص وارد فيه وإنما هو من جهة أن تفويت الملاك الملزم قبيح عند العقل ، وهو والعصيان على حد سواء ، فاذا علم المكلف بتوجّه تكليف في مورد وكونه ذا ملاك كما في موارد كون القدرة مأخوذة في الواجب عقلاً فقط ولكنه يشك في قدرته على امتثاله لو لم يفحص عن قدرته وأجرى البراءة احتمل أن يكون قد فوّت الملاك الملزم باختياره ، ولا دافع لهذا الاحتمال إلاّ الفحص ليظهر أن تفويته مستند إلى عجزه وعدم قدرته عليه.
وهذا بخلاف المقام ، إذ لا علم للمكلف بتمامية الملاك الملزم في الوضوء ليكون شكه في القدرة مورداً لقاعدة الاشتغال ويجب عليه الفحص عن قدرته ، إذ القدرة دخيلة في ملاك الوضوء ووجوبه ، ومع الشك فيها يشك في تمامية الملاك وعدمه ، ومع الشك في تمامية الملاك لا محذور في الرجوع إلى البراءة بوجه ، فلا مانع عنها إلاّ العلم الإجمالي وما ذكرناه ، هذا.
1) مصباح الأُصول 2 : 399 - 400.
والجواب عن هذا الوجه : أن المورد وإن كان من موارد العلم الإجمالي كما مرّ إلاّ أنه منحل لا محالة. والسر فيه : أن وجود الماء والتمكن من استعماله أمران حادثان وليسا من الأُمور الأزلية ، فمع الشك فيهما يستصحب عدم وجوده أو عدم تمكنه من استعماله ويبقى الشك في وجوب الوضوء عليه بدويّاً لا يعتبر فيه الفحص. والاستصحاب يعين وظيفته ويبين أن اللازم عليه هو التيمّم.
وقد يقال بأن الاستصحاب غاية ما يترتّب عليه هو العجز وعدم التمكّن من استعمال الماء ، وأمّا احتمال الوجود والتمكن فهو باقٍ بحاله ولم يرتفع لعدم إفادة الاستصحاب اليقين بالعدم ، ولا دافع لهذا الاحتمال ، فإن البراءة غير جارية من جهة العلم الإجمالي ، ولم يؤخذ الوجدان في موضوع وجوب الوضوء لينفى بالاستصحاب وإنما أُخذ عدمه في موضوع وجوب التيمّم.
والجواب عنه : أن الآية وإن لم يؤخذ في ألفاظها الوجدان موضوعاً لوجوب الوضوء إلاّ أنه مأخوذ فيها بحسب الواقع لا محالة ، وهذا لأن التفصيل قاطع للشركة وقد فصّل سبحانه في الآية المباركة بين الواجد والفاقد حيث أمر بالتيمّم عند الفقدان ، ومنه يظهر أن غيره وهو الواجد موضوع لوجوب الوضوء ، لأن فاقد الماء إذا كان محكوماً بوجوب التيمّم عليه فلا يخلو إما أن يكون الموضوع لوجوب الوضوء هو الأعم من الفاقد والواجد أو يكون هو الواجد أو يكون هو الفاقد. لا سبيل إلى الأوّل ، للعلم بأن المحكوم بالتيمّم شخص والمحكوم بالوضوء شخص آخر ، وليس شخص واحد محكوماً بهما معاً. كما لا سبيل إلى الأخير ، لأنه محكوم بوجوب التيمّم عليه ، فيتعين أن يكون الموضوع للحكم بوجوب الوضوء هو واجد الماء.
فإذا شككنا في وجدان الماء وعدمه فنستصحب عدمه ، وبه ننفي احتمال وجوب الوضوء ، اللّهمّ إلاّ أن يكون مسبوقاً بالوجدان والتمكن من استعمال الماء فإنه حينئذ لا بدّ أن يستصحب التمكن والوجدان ويتعين عليه الوضوء لا محالة.
كما أنه إذا لم يجر شيء من الاستصحابين أو تساقطا بالمعارضة كما إذا كان المكلف مسبوقاً بحالتين متضادتين بأن كان متمكناً من الماء في زمان وعاجزاً عنه في زمان آخر واشتبه عليه المتقدم بالمتأخر فان الاستصحابين إما أن لا يجريا أصلاً كما عليه
صاحب الكفاية قدسسره وإما أن يجريا ويتساقطا بالمعارضة فيتعين عليه الفحص والطلب بمقتضى العلم الإجمالي وأصالة الاشتغال ، لأن الامتثال من دونه امتثال احتمالي يحتمل معه العقاب ولا يندفع إلاّ بالفحص والطلب ليقطع بأن الواجب عليه أي شيء من الطهارة المائية أو الترابية.
ثم إنه لو كان له ماء طرأ عليه العجز عن استعماله إما لإراقته أو لمانع من الموانع واحتمل أن يكون له ماء آخر يتمكن من استعماله فهل يجري استصحاب التمكن من جامع الماءين أو استصحاب وجود الجامع بينهما؟.
الصحيح عدمه ، لأنه مبني على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي ، وقد بيّنا في الأُصول عدم جريانه ، لأن الفرد المعلوم الحدوث قد ارتفع قطعاً والفرد الآخر مشكوك الحدوث من الابتداء والأصل عدمه (1)، حيث إن القدرة على الماء الأوّل غير القدرة على الماء الثاني ، والقدرة الاولى قد تبدّلت بالعجز قطعاً والثانية مشكوكة الحدوث من الابتداء والأصل عدم حدوثها ، هذا كله في هذه الوجوه.
بقي الكلام في الأخبار المستدل بها على وجوب الفحص ، والظاهر أنها مما لا يمكن الاستدلال بها على المدعى ، وذلك إما للمناقشة في دلالتها أو لضعف سندها على سبيل منع الخلو ، وهي الأخبار الواردة في المسافر الدالّة على أنه يطلب الماء ويصلِّي بعده بالتيمّم على تقدير عدم الظفر بالماء.
منها : صحيحة أو حسنة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال : « إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فاذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل » (2)وهذه الرواية رواها الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن أُذينة عن زرارة (3)، ورواها الشيخ بإسناده إلى الكليني في موضعين (4).
وهي مما لا إشكال فيها سنداً ، إلاّ أن دلالتها مورد للمناقشة ، وذلك لأن مدلولها أن المسافر يجب أن يطلب الماء من أول الوقت إلى آخره ، وهو مقطوع الخلاف ولم يلتزم فقيه بوجوبه ، كيف ولازمه وقوف المسافر عن سفره وعن بقية إشغاله لوجوب الفحص عليه في مجموع الوقت ، وعليه لا بدّ من حملها على إرادة تأخير الصلاة إلى آخر الوقت وعدم جواز البدار له وأنه يسافر ويلاحظ الطريق أثناء سيره ليعلم أن الماء موجود ويصلِّي في آخر الوقت.
هذا وقد روى الشيخ في موضع ثالث هذه الرواية بطريق آخر ، وهو عين الطريق السابق بإبدال « ابن أُذينة » ب- « ابن بكير » عن زرارة عن أحدهما عليهماالسلام ونقل عين الألفاظ المذكورة بإبدال « فليطلب » ب- « فليمسك عن الصلاة » (1)وهي على ذلك صريحة فيما ذكرناه ، ومع ذلك يتردد اللفظ بينهما فكيف يمكن للمدعي أن يستدل بها على وجوب الطلب؟ لأنها رواية واحدة ولا يحتمل تعددها بواسطة ابن أُذينة تارة وابن بكير اخرى مع اتحاد السند والألفاظ في غير الموردين.
نعم لما كان في سند الرواية قاسم بن عروة وهو ضعيف فلا تكون الرواية معارضة للصحيحة ، فاللفظ الصحيح هو « فليطلب ». إذن فالعمدة في الإشكال هي الجهة الاولى أعني عدم وجوب الطلب في مجموع الوقت كما ذكرناه.
ومنها : ما رواه النوفلي عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليهمالسلام أنه قال : « يطلب الماء في السفر إن كانت الحزونة فغلوة ، وإن كانت سهولة فغلوتين ، لا يطلب أكثر من ذلك » (2).
وهي من حيث الدلالة ظاهرة لكن سندها ضعيف ، فإن السكوني وإن كان ثقة إلاّ أن النوفلي لم تثبت وثاقته (3)، فيبتني الاستدلال بها على انجبار ضعفها بعمل المشهور
وهو مما لا نقول به.
إذن لم يثبت وجوب الطلب بتلك الأخبار ، بل قد ورد في بعض الأخبار عدم وجوب الطلب حينئذ ، وهي ما رواه علي بن سالم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قلت له : أتيمم ... فقال له داود الرقي : أفأطلب الماء يميناً وشمالاً؟ فقال : لا تطلب الماء يميناً وشمالاً ولا في بئر ، إن وجدته على الطريق فتوضأ منه ( به ) وإن لم تجده فامض » (1).
وهي من حيث الدلالة على عدم وجوب الفحص صريحة ، وإنما الكلام في سندها لأن علي بن سالم مردد بين علي بن أبي حمزة البطائني وبين علي بن سالم الكوفي على ما ذكره الشيخ في رجاله (2)، فان قلنا بأن ابن البطائني ضعيف فالرواية ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها ، وإن بنينا على وثاقته كما هو الصحيح (3)وإن كان واقفياً بل من عمدهم كما ذكره النجاشي (4)فقد يقال بضعف الرواية أيضاً لتردّد الراوي بين الموثق والمجهول.
إلاّ أن الصحيح على هذا أن الرواية معتبرة ، لأنه مع التردّد لا بدّ من حمل الراوي على من هو معروف وله رواية لانصراف اللفظ إليه لا حمله على المجهول الذي لم يعلم له رواية ولو في مورد واحد كما هو الحال في المقام ، حيث ذكروا أن علي بن سالم الكوفي مجهول وليس له رواية حتى في مورد ، وهذا بخلاف البطائني فإنه كثير الرواية وقد ذكرنا في بعض المواضع أن اللفظ والاسم إذا دار بين شخصين أحدهما معروف كثير الرواية والآخر مجهول كما يتفق هذا كثيراً ، إذ من البعيد جدّاً أن يكون اسم الراوي مختصاً به ولم يكن له سمّي أصلاً لا بدّ من حمله على المعروف لأنه الذي ينصرف إليه اللفظ. وعليه فهي رواية معتبرة وقد دلّت على عدم وجوب الفحص والطلب عن الماء مطلقاً.
ولا وجه لحملها على صورة الخوف من اللص أو السبع بقرينة ما ورد في رواية داود الرقي قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : أكون في السفر فتحضر الصلاة وليس معي ماء ويقال : إن الماء قريب منّا فأطلب الماء وأنا في وقت يميناً وشمالاً؟ قال : لا تطلب الماء ولكن تيمم فإني أخاف عليك التخلف عن أصحابك فتضل ويأكلك السبع » (1)وفي رواية يعقوب بن سالم قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل لا يكون معه ماء والماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين أو نحو ذلك ، قال : لا آمره أن يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع » (2).
وذلك لأنهما ضعيفتان من حيث السند ، كما أن موردهما صورة العلم بوجود الماء كما صرح به في الثانية وكذا في الأُولى حيث قال فيها : « ويقال إن الماء قريب منّا » أي يقول أهل الاطلاع والمعرفة بالطريق وهذا خارج عن محل الكلام. فالرواية دالّة على عدم وجوب الطلب مطلقاً مع الخوف وعدمه.
وعليه يتقوى ما ذكره المحقق الأردبيلي قدسسره من عدم وجوب الفحص والطلب عن الماء ، إلاّ أن وجوبه لما كان معروفاً بين الأصحاب بل ادعي عليه التسالم والاتفاق فلا ينبغي ترك الاحتياط بالفحص ، وعلى الجملة وجوب الطلب مبني على الاحتياط.
الجهة الاولى : أن الطلب بناء على وجوبه هل وجوبه نفسي بحيث لو ترك التيمّم والصلاة عوقب بعقابين لتركه الفحص وتركه الصلاة مع تيمم ، أو أنه وجوب شرطي بحيث لو تيمم من دون فحص رجاء أو تمشي منه قصد القربة لنسيانه وجوب الفحص وكان فاقداً للماء في الحقيقة بطل تيمّمه لفقدانه الشرط ، أو أنه وجوب إرشادي إلى حكم العقل ، أو أنه وجوب طريقي؟
أمّا وجوبه النفسي فهو وإن كان ظاهر الأمر وإطلاقه ، لما بيناه في محله من أن مقتضى الإطلاق هو الوجوب النفسي وغيره يحتاج إلى قرينة وبيان (1)، إلاّ أنه يندفع بوجود القرينة على خلافه وهي قوله : « فاذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل » فإنه ظاهر في أن الأمر بالطلب والفحص ليس من أجل محبوبيته في نفسه ، بل من جهة كونه مقدمة للتيمم والصلاة فلا يكون الطلب واجباً نفسياً حينئذ.
وأمّا احتمال الوجوب الشرطي وهو الذي اختاره صاحب الجواهر قدسسره (2)فهو أيضاً مندفع بمخالفته لظاهر الآية والأخبار ، فان ظاهرهما أن التيمّم وظيفة من لم يكن واجداً للماء ، والمفروض أن المكلف كذلك واقعاً غاية الأمر أنه لم يكن عالماً به فلا يقع تيمّمه باطلاً ولا يكون الفحص شرطاً فيه.
وأمّا احتمال الوجوب الإرشادي والطريقي فهما مبنيان على أن الأصل العملي في المسألة مع قطع النظر عن الأدلة الاجتهادية يقتضي وجوب الطلب أو يقتضي عدمه.
فان قلنا بأن الأصل الجاري هو أصل الاشتغال لأجل العلم الإجمالي وهو يقتضي لزوم الفحص والطلب كما قدّمناه (3)فلا محالة يكون الأمر بالطلب في الأخبار إرشاداً إلى ما حكم به العقل ، لأن المدار في الإرشادية أن يكون وجود الأمر وعدمه على حد سواء ولا يترتّب على وجوده أثر ، والأمر في المقام كذلك لأن الفحص واجب على ذلك مطلقاً ، كانت هناك رواية وأمر أم لم يكن.
وأمّا لو قلنا بأن الأصل يقتضي عدم وجوب الفحص لأن مقتضى الاستصحاب عدم وجدان الماء أو عدم وجوده ، فلا بدّ أن يكون الأمر به في الأخبار طريقياً ، فان المدار في الطريقية هو أن يكون الإنشاء بداعي تنجيز الواقع على تقدير وجوده ، كما في أخبار الاحتياط بناء على تماميتها ووجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية التحريمية
إلى اليأس (1) إذا كان في الحضر ،
فإن الأمر بالاحتياط يستكشف به أن الحكم الواقعي على تقدير كون المشتبه محرماً واقعاً منجز على المكلف أي يعاقب المكلف على مخالفته.
وفي المقام نستكشف من الأمر بالطلب أن وجود الماء واقعاً موجب للوضوء على المكلف وأن الأمر به منجز في حقه بحيث لو تيمم وكان الماء موجوداً في الواقع لعوقب على مخالفته الأمر بالتوضؤ.
وهذا هو المتعين من بين المحتملات ، وعليه يكون حال الأمر بالطلب حال الأمر بالاحتياط في الشبهات التحريمية والاستظهار على المستحاضة ليظهر أنها من أي أقسامها في كونه طريقياً ، لأن الأمر فيهما قد أُنشئ بداعي تنجيز الواقع على تقدير وجوده.
(1) الجهة الثانية من الجهات التي يتكلّم عنها في المقام وهي في مقدار الفحص على تقدير القول بوجوبه فنقول :
أمّا غير المسافر فمقتضى أصالة الاشتغال هو لزوم الفحص إلى أن يحصل الاطمئنان بعدم الماء واقعاً ، إذ مع احتماله يستقل العقل بالفحص عنه حتى يظهر الحال ، وهذا هو المعبّر عنه باليأس عن الماء ، أي يفحص حتى لا يبقى له رجاء فيه وييأس من وجوده.
وأمّا المسافر فلو عملنا بما سلكه المشهور من أن الرواية الضعيفة ينجبر ضعفها بعمل المشهور على طبقها فرواية النوفلي عن السكوني تدلنا على أن المسافر لا يفحص زائداً على غلوة سهم في الأرض الحزنة وعلى غلوتين في الأرض السهلة بل يفحص بهذا المقدار ويكتفي به حصل له اليأس أم لم يحصل.
وأمّا إذا لم نقل بذلك كما هو الحق فالمسافر كالحاضر لا بدّ أن يفحص بمقدار يحصل له الاطمئنان واليأس من الماء ، لأن وجود الرواية حينئذ كالعدم.
ثم إنّ المسافر في الرواية مقابل من في البلد لا الحاضر ، بمعنى أن المسافر لو كان في
وفي البرية يكفي الطلب غَلوة سهم في الحَزنة ولو لأجل الأشجار (1) وغلوة سهمين في السهلة في الجوانب الأربعة
البلد كان حاله حال الحاضر في لزوم الفحص بمقدار حصول الاطمئنان بالعدم وإن كان يجب عليه القصر في الصلاة لعدم إقامته وعدم كون البلد بلده ، وإنما يجب الفحص بمقدار غلوة أو غلوتين فيما إذا كان في البر ، وذلك لاختصاص الرواية الدالّة على المقدارين بالبر والأرض الحزنة والسهلة.
ثم إن الطلب المحدد بقدر حصول اليأس أو الغلوة أو الغلوتين إنما هو واجب فيما إذا لم يكن في الطلب بهذا المقدار مانع من لص أو سبع ولو احتمالاً ، وإلاّ فلا يجب الفحص معه في المسافر وغيره.
(1) وفيه : أن الحزنة على ما في اللغة (1)بمعنى الأرض الغليظة والوعرة في أصلها لاشتمالها على الخفض والرفع الموجبين لصعوبة السير فيها والفحص ، وأما الأرض الغليظة لمانع خارج عن الأرض كالأشجار أو الماء في غير المقام فلا يصدق عليها الحزنة ويشكل فيها الاكتفاء بمقدار غلوة.
الجهة الثالثة : أن الظاهر من الرواية اعتبار الغلوة أو الغلوتين بحسب الامتداد بأن يكون مقدار الفحص من موضع المسافر امتداد غلوة أو غلوتين ، فلا يحسب من ذلك الفحص في المواضع المنخفضة أو الفحص يميناً وشمالاً ، والاعتداد ببلوغ المقدار من موضع المسافر غلوة أو غلوتين امتداداً لا بكون المجموع بمقدار غلوة أو غلوتين ، فما نسب إلى بعضهم من كفاية بلوغ المجموع بمقدار الغلوة أو الغلوتين خلاف الظاهر ولا يمكن المصير إليه.
كما أن الظاهر بناء على أن الفحص واجب بأصالة الاشتغال والرواية تنفي وجوب الفحص زائداً على الغلوة أو الغلوتين لزوم الفحص بالمقدار المذكور في كل نقطة يحتمل وجود الماء فيها ، فلو فحص من الجهات الأربعة على نحو حدثت منه زوايا قوائم لم يكف ذلك في الفحص المعتبر ، بل لا بدّ من الفحص فيما بين كل جهتين من
1) المنجد : 132 مادّة حزن.
بشرط احتمال وجود الماء في الجميع ، ومع العلم بعدمه في بعضها يسقط فيه ، ومع العلم بعدمه في الجميع يسقط في الجميع ، كما أنه لو علم وجوده فوق المقدار وجب طلبه مع بقاء الوقت.
الجهات الأربعة وفي جميع الجهات المحتمل فيها وجود الماء زائداً عن الأربعة ، إذ مع احتمال الماء في جهة ونقطة يجب عليه الفحص فيها بأصالة الاشتغال ، لأنه لو تيمم من دون أن يفحص عنها في تلك الجهة كان ذلك امتثالاً احتمالياً وهو مما لا يكتفى به مع التمكن من الامتثال الجزمي.
فما نسب إلى بعضهم من كفاية الفحص يميناً وشمالاً أو بزيادة القدام مما لا وجه له ولعلّ من اكتفى بالفحص عن الماء في الجوانب الأربعة ينظر إلى أن الماء أمر قابل للرؤية والمشاهدة من بعيد ، فلو فحص في كل واحد من الجوانب الأربعة غلوة سهم أو غلوتين وهي أربعمائة ذراع كما قيل لشاهد الماء فيما بين الجانبين منها على تقدير وجوده ، فمع عدم رؤيته فيما بين كل جانبين منها يقطع أو يطمئن بعدمه ، وإلاّ فاللاّزم هو الفحص في جميع الجوانب والنقاط التي يحتمل فيها وجود الماء كما إذا لم يمكنه مشاهدة ما بين الجانبين لمانعٍ من أشجار وغيرها.
وكذلك الحال فيما إذا قلنا إن الأصل الجاري هو استصحاب عدم الوجود أو الوجدان ، والرواية مانعة عن جريانه بمقدار الغلوة أو الغلوتين فإنه مع وجود الماء في نقطة من النقاط يجب عليه الوضوء واقعاً كما هو مقتضى الآية والرواية ، لأن الأمر بالفحص طريقي كما قدّمناه (1)بلا فرق في ذلك بين كون الماء في الجوانب الأربعة أو غيرها من النقاط والجهات.
الجهة الرابعة : أن الفحص إنما يجب مع احتمال وجود الماء في ذلك المقدار ، لوضوح أن الأمر بالفحص ليس أمراً تعبدياً وإنما هو لأجل استكشاف الحال ليظهر أن الماء موجود أو غير موجود ، فلو علم المكلف بعدم الماء في جهة لم يجب الفحص عليه في
1) في ص 84 85.
تلك الجهة وإنما يفحص في غيرها من الجهات ، كما لو علم عدمه في جهتين أو ثلاث جهات فحص في غيرها ، ولو علم بعدمه في مجموع الجوانب والنقاط سقط عنه الفحص مطلقاً ، بلا فرق في ذلك بين الحاضر والمسافر ، كان مدرك وجوب الفحص أصالة الاشتغال أو الأخبار.
كما أنه لو علم بوجوده في الزائد عن الغلوة أو الغلوتين وجب المسير إليه ، وذلك لأن مورد الرواية المحددة لمقدار الفحص بالغلوة والغلوتين إنما هو صورة احتمال الماء وأما صورة العلم به وجوداً وعدماً فهي خارجة عن موردها ، فلو علم بوجوده في الزائد عن ذلك المقدار شمله إطلاق الآية والأخبار ، لأنه واجد الماء ومتمكن من استعماله وهو مأمور بالوضوء.
نعم ذكر بعضهم أنه يعتبر في ذلك أن يكون الماء بحسب القرب على نحو يصدق على المكلف أنه واجد الماء عرفاً ، فلو كان الماء في البعد بمقدار لا يصدق عليه أنه واجد للماء عرفاً وجب عليه التيمّم لأنه فاقد له لدى العرف.
وفيه : أن المدار في وجوب التيمّم والوضوء وإن كان على صدق الواجد للماء أو الفاقد له عرفاً إلاّ أن القرب والبعد أجنبيان عن ذلك بالمرة ، لأن النسبة بين صدق الواجد والفاقد والقرب والبعد عموم من وجه ، فقد يكون الماء قريباً من المكلف لكن لا يصدق عليه الواجد لعدم تمكنه من الاستعمال ، وقد يكون الماء بعيداً عنه بمقدار السفر الشرعي أو الزائد عليه لكن يصدق عليه الواجد لتمكنه من استعماله بالمصير إليه بواسطة السيارة أو الطائرة ومعه يجب عليه الوضوء.
فالبعد والقرب ليسا دخيلين في ذلك ، بل المدار على التمكن من الاستعمال وعدمه ما دام لم يمنع عنه مانع من احتمال وجود السبع أو اللص أو كونه ضرريّاً أو حرجياً عليه أو خروج الوقت على تقدير الذهاب إليه ، فإنه في هذه الصور لا يجب عليه الوضوء والمسير إلى الماء ، بل يتعين التيمّم في حقه لا محالة.
نعم ، الظن بوجود الماء لا عبرة به لعدم اعتبار الظن شرعاً ، كما لا عبرة باحتماله في الأزيد من الغلوة أو الغلوتين ، لأن الرواية دلتنا على عدم وجوب الفحص في الزائد
وليس الظن به كالعلم في وجوب الأزيد وإن كان الأحوط خصوصاً إذا كان بحد الاطمئنان (1) بل لا يترك في هذه الصورة (1)فيطلب إلى أن يزول ظنه ، ولا عبرة بالاحتمال في الأزيد
عنه وإن كان مقتضى أصالة الاشتغال هو الوجوب ، هذا بناء على أن الرواية دلت على عدم وجوب الفحص في الزائد عنه ، وكذلك الحال فيما إذا كانت الرواية واردة لبيان عدم جريان استصحاب عدم الوجدان أو الوجود ، لأنها على ذلك إنما تدل على عدم جريانه بمقدار غلوة أو غلوتين لا في الزائد عن ذلك المقدار وهذا ظاهر.
(1) هل الاطمئنان ملحق بالعلم فيما ذكرناه أو لا يترتّب أثر عليه؟ الصحيح هو الأوّل ، لأن الاطمئنان أمر يعتمد عليه العقلاء ولم يرد في شيء من النصوص ردع عن العمل به. ولا يحتمل أن تكون الأدلة الناهية عن العمل بالظن رادعة عنه ، لأنه لا يطلق الظن على الاطمئنان لدى العرف قطعاً ، نعم الظن لا يعتمد عليه لأنه ليس له أثر يترتب عليه ، مثل الشك ، كما أنه بمعنى الشك لغة.
ثم إن ما ذكرناه من وجوب الفحص على المسافر غلوة أو غلوتين إنما هو فيما إذا كانت حزنة أو سهلة ، وأما إذا كانت حزنة من جهة وسهلة من جهة أُخرى فلا مناص من أن يفرق بينهما ويرتب على الحزنة منها حكمها وعلى السهلة منها حكمها لأن الحكم يتبع موضوعه ، ولعله ظاهر.
وإنما الكلام فيما إذا كانت الجهة الواحدة مختلفة بأن كان بعضها سهلة وبعضها حزنة ، وهذا الأمر يأتي التعرض له في كلام الماتن بعدئذ ، لكن المناسب أن يتكلم عنه
1) (*) بل الأظهر فيها وجوب الطلب.
في المقام فنقول :
إن السهلة من الأرض إذا كانت يسيرة جدّاً أو الحزنة منها كانت يسيرة فهي في الصورة الأُولى حزنة وفي الثانية سهلة ، إذ قلّما توجد جهة أو أرض سهلة بأجمعها أو حزنة كلها ، بل كل منهما يشتمل على شيء قليل من غيرها.
وأمّا إذا كانت الجهة الواحدة نصفها حزنة ونصفها سهلة فهل هي بحكم السهلة أو الحزنة؟.
التحقيق خروجها عن منصرف الرواية لعدم كونها سهلة ولا حزنة ، وإنما هي مركبة منهما فهي خارجة عن كلا القسمين ، ولا يحكم عليها بحكم الحزنة ولا بحكم السهلة ، بل يحكم عليها بحكم آخر هو :
أنّا إن قلنا بأن الأصل في المسألة هو استصحاب عدم الوجود أو التمكّن الذي مقتضاه عدم وجوب الفحص عن الماء ، والرواية وردت لبيان سقوط الاستصحاب وللدلالة على أن الحكم الواقعي على تقدير وجوده منجز في حقه ويستحق المكلف العقاب على مخالفته ، فلا بدّ في الخروج عن مقتضى الاستصحاب من الاكتفاء بالمقدار المتيقن وهو الفحص غلوة واحدة ، لأنه واجب على تقدير كون الأرض حزنة فضلاً عن كونها سهلة ، وأما الغلوة الثانية وما زاد فليس وجوب الفحص فيها معلوماً ، بل هو مشكوك فيه ، لعدم شمول الرواية للمركبة من الحزنة والسهلة فلا يعلم سقوط الاستصحاب فيها بل هو المحكم فيما زاد على الغلوة الواحدة ، ومقتضاه عدم وجوب الفحص زائداً على الغلوة الواحدة فيلحقها حكم الأرض الحزنة.
وأمّا إذا قلنا إن الأصل الجاري في المسألة هو أصالة الاشتغال وهي تقتضي وجوب الفحص إلى أن يحصل اليقين بوجود الماء أو عدمه ، والرواية وردت للدلالة على عدم وجوب الفحص زائداً على الغلوة والغلوتين فينعكس الأمر وتلحق المركبة بالأرض السهلة ، وذلك للعلم بعدم وجوب الفحص في الزائد على الغلوتين والعلم
[1059] مسألة 1 : إذا شهد عدلان بعدم الماء في جميع الجوانب أو بعضها سقط وجوب الطلب فيها أو فيه (1) وإن كان الأحوط عدم الاكتفاء ، وفي الاكتفاء
بوجوبه بمقدار غلوة واحدة ، وأما الغلوة الثانية فالفحص فيها مشكوك في وجوبه لعدم شمول الرواية لها فلم يعلم خروجها عن مقتضى أصالة الاشتغال فهي المحكمة في الغلوة الثانية ، ومقتضاها وجوب الفحص في الثانية أيضاً.
ومن هذا يظهر حكم فرع آخر وهو ما إذا شككنا في مقدار الغلوة لأجل عدم تعارف رمي السهم في زماننا هذا ليعلم أن مقداره من الشخص المعتاد والقوس المعتاد أي شيء ، وإن قيل إنها أربعمائة ذراع بذراع اليد ، فاذا شككنا أنها أربعمائة ذراع أو ثلاثمائة ذراع مثلاً.
فاذا قلنا بأن الأصل في المسألة هو الاستصحاب ، والرواية دالة على سقوطه في الغلوة والغلوتين ، ففي المقدار الأقل وهو ثلاثمائة ذراع نعلم بسقوط الاستصحاب فيه وفي الزائد عنه نشك في سقوطه لعدم العلم بدخوله في الغلوة فالاستصحاب فيه هو المحكم ، ومقتضاه عدم وجوب الفحص في المقدار المشكوك فيه.
وإذا قلنا بأن الأصل في المسألة هو أصالة الاشتغال ، والرواية وردت لبيان عدم وجوب الفحص في الزائد عن الغلوة والغلوتين ينعكس الأمر ، لأن عدم وجوبه بعد أربعمائة ذراع معلوم لا ريب فيه ، ووجوبه إلى ثلاثمائة ذراع معلوم ، ولكن وجوبه منها إلى أربعمائة ذراع مشكوك فيه ، ولم يعلم خروجه من أصالة الاشتغال المقتضية لوجوب الفحص فهي المحكمة في ذلك المقدار حينئذ.
(1) لأن حال البينة حال العلم الوجداني بعدم الماء في جانب أو جميع الجوانب
بالعدل الواحد إشكال (1)فلا يترك الاحتياط بالطلب.
[1060] مسألة 2 : الظاهر وجوب الطلب في الأزيد من المقدارين إذا شهد عدلان بوجوده في الأزيد ، ولا يترك الاحتياط في شهادة عدل واحد به (1).
[1061] مسألة 3 : الظاهر كفاية الاستنابة في الطلب وعدم وجوب المباشرة (2)
فكما أن الرواية لا تشمل مورد العلم بالعدم كذلك لا تشمل مورد العلم التعبدي بالعدم ، فان الاحتمال مع قيام البينة على عدم الماء موجود بالوجدان إلاّ أنه ملغى عند الشارع المقدّس ، بل الحال كذلك فيما إذا شهد به عدل واحد ، بل لا تعتبر العدالة في المخبر أيضاً ، لكفاية الوثاقة في حجية الخبر في الأحكام والموضوعات على ما أوضحناه في الأُصول من جريان السيرة العقلائية على الاعتماد والأخذ بخبر الثقة (2).
(1) ظهر الحال مما بيناه في المسألة السابقة حيث ذكرنا أن الاحتمال وإن كان موجوداً مع البينة إلاّ أنه ملغى بحكم الشارع لأنها فرد من العلم تعبّداً ، وقد مرّ أنه مع العلم بوجود الماء في الزائد على غلوة أو غلوتين يجب المسير إليه ، لصدق أنه واجد الماء فتشمله الآية والأخبار ، ولا تشمله الرواية المتقدمة التي موردها صورة احتمال الماء لا العلم به وجوداً أو عدماً ، ما دام لم يمنع عنه مانع من خوف أو ضرر أو حرج. وكذلك الحال في خبر العدل الواحد بل والثقة أيضاً.
(2) الظاهر أن التكلم في ذلك ساقط من أصله ، والوجه في ذلك أن الاستنابة الواقعة مورد الكلام إنما هي الاستنابة في الواجبات النفسية والشرطية ، ومن هنا استشكلنا في كفاية الاستنابة في مثل الصلاة على الميِّت أو تغسيله وقلنا إن الأمر فيهما متوجه إلى كافة المكلفين فكفاية فعل غير المكلف البالغ يحتاج إلى دليل.
بل لا يبعد كفاية نائب واحد عن جماعة (1) ولا يلزم كونه عادلاً بعد كونه أميناً موثقا.
[1062] مسألة 4 : إذا احتمل وجود الماء في رحله أو في منزله أو في القافلة وجب الفحص (1)حتى يتيقن العدم أو
وكذلك الحال في الواجبات الشرطية والغيرية كالوضوء ، فإن المأمور بغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه إنما هو المكلف المريد للصلاة فكفايته من غيره محتاجة إلى الدليل.
وأما الواجب الإرشادي والطريقي كما في المقام ، لأن الأمر بالفحص إرشادي على تقدير أن يكون الأصل في المسألة أصالة الاشتغال وطريقي على تقدير أن يكون الأصل فيها هو الاستصحاب فلا يأتي البحث عن جواز الاستنابة وعدمه ، لأن الفحص مقدّمة على كلا التقديرين لتحصيل العلم بالحال وأن المكلف مأمور بالتيمّم أو الوضوء.
وعليه فكفاية الفحص الصادر عن الغير في حق ذلك المكلف تبتني على المسألة المتقدمة من أن خبر العدل أو الثقة حجة عند الإخبار بوجود الماء أو عدمه أو ليس بحجة ، وعلى الأوّل يكفي فحص الغير في حقه سواء استنابه أم لم يستنبه ، لحجية إخباره عن وجود الماء أو عدمه. وعلى الثاني لا يكفي فحصة عن الماء بالإضافة إلى الغير ، استنابه أم لم يستنبه ، لأنه لا حجية في قوله وإخباره فمن أين يثبت أن الماء موجود أو ليس بموجود.
(1) قد ظهر مما بيناه آنفاً أن ترقيه قدسسره هذا في غير محله ، لأنه على القول بحجية إخبار الثقة والعدل الواحد فخبره عن الماء حجة على الواحد وعلى الكثيرين على حد سواء ، كان المكلف بالفحص شخصاً واحداً أو أكثر.
1) (*) على الأحوط ، ولا يبعد عدم وجوبه فيما تيقن بعدمه سابقا.
يحصل اليأس منه (1) ، فكفاية المقدارين خاص بالبرية.
[1063] مسألة 5 : إذا طلب قبل دخول وقت الصلاة ولم يجد ففي كفايته بعد دخول الوقت مع احتمال العثور عليه لو أعاده إشكال (1)، فلا يترك الاحتياط بالإعادة (2)
(1) كالحاضر ، لأن النص المحدد لقدر الفحص بغلوة أو غلوتين مختص بالمسافر في البر فلا يشمله في غير البر كما تقدّم (2).
(2) بناء على وجوب الطلب فهل لا بدّ من الطلب بعد دخول الوقت بحيث لو طلبه قبل الدخول ولم يجد الماء لا يكفيه ذلك الفحص بعد دخول الوقت ، أو أنه يكفيه في الطلب الواجب ولا تجب عليه الإعادة؟
قد يقال بأن الواجب هو الطلب بعد دخول الوقت فلا يكفي الطلب قبله.
وأُخرى يستدل على كفايته قبل دخول الوقت بأن وجوبه توصلي فلو أتى به قبل الوقت سقط به الوجوب.
وفي كلا الوجهين ما لا يخفى :
أمّا أوّلهما فلأن وجوب الطلب بعد دخول الوقت لا يوجب عدم سقوطه إذا تحقق قبل الدخول ، ولا تلازم بينهما.
وأمّا ثانيهما فلأن معنى التوصلية سقوط الواجب فيما إذا لم يؤت به بداعي القربة وأمّا أنه يسقط لو أتى به في غير وقته فهو يحتاج إلى دليل.
وأمّا مع انتقاله عن ذلك المكان فلا إشكال في وجوبه مع الاحتمال المذكور (1).
فالذي ينبغي أن يقال في المقام هو أن حسنة زرارة المشتملة على الأمر بالطلب في مجموع الوقت (1)أجنبية عن الدلالة على وجوب الطلب ، لما قدمنا (2)من عدم وجوب الطلب في مجموع الوقت قطعاً ، وأنها محمولة على إرادة الفحص في أثناء السير والسفر إلى آخر الوقت وعدم جواز البدار إلى التيمّم ، فلا يمكن الاستدلال بها على ما نحن فيه.
وأمّا رواية السكوني فلا إشعار فيها بلزوم كون الطلب بعد الوقت فضلاً عن الدلالة عليه ، بل إنما وردت للدلالة على عدم وجوب الفحص في الزائد عن الغلوة والغلوتين (3)بناء على أن الأصل في المسألة هو الاشتغال ، أو للدلالة على عدم جريان الاستصحاب في الغلوة والغلوتين ، أي على اعتبار الفحص في جريان الاستصحاب في خصوص المقام وإن كانت الشبهة موضوعية كاعتباره في الشبهات الحكمية.
وعلى كلا التقديرين لو فحص قبل الوقت كفى ذلك في الفحص اللاّزم ولم تجب إعادته بعد الوقت ، لعدم الدليل على لزوم كونه بعد الوقت. اللّهمّ إلاّ أن يحتمل وجوده في محل لم يفحص عنه سابقاً كما إذا احتمل جريان الماء في النهر الذي كان يابساً عند الفحص السابق. وبعبارة أُخرى : إذا تجدد احتمال وجود الماء زائداً عما كان يحتمله سابقاً وجب الفحص عنه لعدم تحققه بالإضافة إليه على كلا التقديرين في الرواية وهذا بخلاف المواضع التي فحص عنها سابقاً ولم يتجدد احتماله فيها بعد الوقت.
(1) ممّا تقدّم يظهر وجه ما أفاده قدسسره هنا ، وذلك لأنه إذا انتقل إلى مكان آخر فهو موضوع لم يفحص عن الماء فيه ، وهو غير الموضوع والمكان السابق الذي
[1064] مسألة 6 : إذا طلب بعد دخول الوقت لصلاة فلم يجد يكفي لغيرها من الصلوات فلا يجب الإعادة عند كل صلاة إن لم يحتمل العثور مع الإعادة وإلاّ فالأحوط الإعادة (1)(1)
[1065] مسألة 7 : المناط في السهم والرمي والقوس والهواء والرامي هو المتعارف المعتدل الوسط في القوة والضعف (1).
قد فحص عن الماء فيه ، فيجب عليه الفحص عنه في المكان الذي انتقل إليه على كلا الاحتمالين في الرواية.
(1) ظهر مما ذكرناه أيضاً حكم الفرع المذكور ، وذلك لتحقق ما هو المعتبر في التيمّم على كلا التقديرين في الرواية ، بل الأمر كذلك فيما إذا بقي في ذلك المكان مدة كثيرة ، اللّهمّ إلاّ أن يتجدد احتماله زائداً عما فحص عنه سابقاً ، ولا تجب إعادته عند كل صلاة.
(2) لانصراف الرواية عن الأفراد النادرة كمن كان سهمه أو قوسه قويين أو كانت يده قوية بحيث يرمي النبل زائداً عن المتعارف ، فلا تشمل إلاّ الفرد المتعارف كما أفاده الماتن.
إلاّ أنّا ذكرنا مراراً أن المتعارف في أمثال تلك الأُمور لا انضباط له ، وهو مختلف في نفسه كما أشرنا إليه في بحث الكر وقلنا إن الشبر في الأشخاص المتعارفين أمر مختلف باختلافهم ، فيدور الأمر بين جعل المدار على المتوسط منهم أو الأقل أو الأكثر ، وقد بينا في بحث الكر أن المدار على أقل شبر من المتعارفين (2).
[1066] مسألة 8 : يسقط وجوب الطلب في ضيق الوقت (1).
والوجه في ذلك هو العلم بعدم اختلاف الكر أو مقدار الفحص اللازم باختلاف المتعارفين بأن يجب على أحد الفحص بمقدار وعلى الآخر زائداً عنه وعلى ثالث ناقصاً عنه ، لأن حكم اللّه سبحانه واحد في حق الجميع ، ولا تتحقق الوحدة إلاّ إذا بنينا على جعل المدار أقل المتعارف في الشبر وفي مقدار رمي النبل.
ولأجل الاختلاف في المتعارف وقع الخلاف في أن الغلوة أيّ مقدار فحدّدها بعضهم بأنها ثلاثمائة ذراع بذراع اليد إلى أربعمائة ذراع ، وذكر بعض آخر أن الفرسخ خمس وعشرون غلوة فالغلوة واحد من خمس وعشرين جزءاً من الفرسخ ، وعليه تبلغ الغلوة خمسمائة ذراع إلاّ قليلاً ، لأن الفرسخ اثنا عشر ألفاً من الأذرع المتعارفة وهو خمس وعشرون غلوة ، فالغلوة الواحدة تبلغ خمسمائة ذراع إلاّ قليلاً.
وقد بيّنا سابقاً (1)أنه بناء على أن الأصل في المسألة هو أصالة الاشتغال لا بدّ من الأخذ في وجوب الفحص بالمقدار المتيقن وهو الأكثر أي خمسمائة ذراع وفيما زاد عليه يرجع إلى الرواية الدالّة على عدم وجوب الفحص في الزائد عن الغلوة.
وأما بناء على أن الأصل في المسألة هو استصحاب عدم الوجود أو عدم التمكن فينعكس الحال ويؤخذ فيما دلت عليه الرواية من وجوب الفحص بالمقدار المتيقن وهو ثلاثمائة ذراع وفي الزائد عنها يرجع إلى الاستصحاب ، لعدم العلم بسقوطه فيما زاد عن ثلاثمائة ذراع.
(1) وهذا مما لا إشكال فيه ، إلاّ أن المستند في ذلك ليس هو حسنة زرارة الدالّة على الأمر بالطلب في مجموع الوقت وإذا لم يجده وخاف فوت الوقت تيمم وصلّى (2)
[1067] مسألة 9 : إذا ترك الطلب حتى ضاق الوقت عصى ، لكن الأقوى صحّة صلاته حينئذ وإن علم أنه لو طلب لعثر ، لكن الأحوط القضاء خصوصاً في الفرض المذكور (1).
وذلك لاختصاصها بما إذا خاف فوت الوقت بعد الفحص والطلب وهو خارج عما نحن فيه ، أعني ما إذا خاف فوت الوقت من الابتداء وقبل الطلب والفحص.
كما أنه ليس هو ما دل على وجوب التيمّم من دون فحص إذا خاف اللص أو السبع ، لعدم دلالته على مشروعية التيمّم من دون فحص إذا خاف فوت الوقت من الابتداء.
بل الوجه فيه هو قطعنا بكون المكلف مأموراً بالصلاة وبعدم سقوطها عنه حال فقدانه الماء ، وهو غير متمكن من استعماله وجداناً ولو على تقدير وجود الماء واقعاً لخوف ضيق الوقت فيشمله إطلاق الآية والأخبار الواردة في أن فاقد الماء يتيمم ويصلِّي.
(1) في هذه المسألة أمران :
أحدهما : أنه إذا ترك الطلب حتى ضاق الوقت عصى.
وثانيهما : أنه مع عصيانه تصح منه الصلاة.
أمّا الأمر الأوّل : فالحكم بعصيان المكلف بتركه الفحص على نحو الإطلاق يبتني على ما اخترناه من أن الأمر بالفحص أمر طريقي ، يعني أنه واجب بوجوب شرعي ظاهري أُنشئ بداعي تنجيز الواقع وأنه المانع من جريان الاستصحاب في المقام ، فان المكلف على هذا مأمور بالفحص ظاهراً على نحو الإطلاق ، فلو خالفه عد ذلك منه عصياناً ومخالفة لذلك الأمر الظاهري ، ولا فرق في كون المخالفة عصياناً بين المخالفة للحكم الواقعي والمخالفة للحكم الظاهري.
وأمّا إذا بنينا على أن الأصل الجاري في المسألة هو الاشتغال والأمر بالفحص أمر إرشادي فلا يكون ترك الفحص عصياناً مطلقاً بل فيما إذا كان بحيث لو فحص وجد الماء واقعاً ، وأمّا لو كان في الواقع على نحو لم يكن واجداً للماء حتى لو فحص فلا عصيان في البين ، لعدم كونه واجداً للماء واقعاً ، نعم هي مخالفة للعقل مطلقاً ، لاستقلاله بناء على هذا على لزوم الفحص مطلقاً إلاّ أن مخالفته عند عدم كونه واجداً للماء تجرٍّ ، والتجرِّي مقابل العصيان لا أنه عصيان.
وأمّا الأمر الثاني : فإن قلنا بصحّة التيمّم فيما لو علم أنه لو طلب لعثر فلا بدّ من الالتزام بالصحّة فيما إذا لم يعلم بذلك بل احتمله بطريق أولى.
وأمّا لو لم نقل بالصحّة في صورة العلم بالعثور على تقدير الطلب فهل يحكم بصحّة التيمّم عند احتماله العثور على تقدير الطلب أم لا؟ الصحيح هو صحّة التيمّم في هذه الصورة ، وذلك لما قدّمناه (1)من أن الأصل الجاري في المقام هو استصحاب عدم وجود الماء أو عدم وجدانه ، وهو يقتضي عدم وجوب الفحص وصحّة التيمّم من غير فحص ، وإنما خرجنا عنه من جهة الأمر بالفحص في الأخبار ، فإذا سقط الأمر به بالعصيان لم يكن مانع من الاستصحاب ، وبه يثبت أن المكلف مأمور بالتيمّم فيقع منه صحيحاً وإن لم يفحص.
وأمّا في صورة العلم بالعثور عند طلبه فمقتضى القاعدة الأوّلية بطلان التيمّم وسقوط الصلاة في حق المكلف ، لأن التيمّم على ما يستفاد من الآية وحسنة زرارة وغيرهما وظيفة الفاقد للماء بالطبع لا من كان واجداً له بطبعه وإنما عجّز نفسه عنه باختياره بإهراقه أو تنجيس بدنه ليحتاج إلى تطهيره ولا يبقى له ماء يتوضأ أو غيره من الأسباب.
وهذا ظاهر بالمراجعة إلى نظائره لدى العرف ، فلو أمر المولى عبده بطبخ طعام لو قدر عليه وبشيء آخر لو عجز عنه وكان قادراً على الطبخ لكنه عجّز نفسه باختياره ليدخل في الأمر بالشيء الآخر لم يكن معذوراً لدى العرف.
1) في ص 79 80.
[1068] مسألة 10 : إذا ترك الطلب في سعة الوقت وصلّى بطلت صلاته (1) وإن تبيّن عدم وجود الماء ، نعم لو حصل منه قصد القربة مع تبيّن عدم الماء فالأقوى صحّتها (2).
وفي مفروض الكلام لما كان المكلف متمكناً من الماء بفحصه ولم يفحص باختياره حتى ضاق الوقت وعجز عنه فيدخل في صدر الآية الآمر بالوضوء والغسل عند الوجدان ولا يشمله الأمر بالتيمّم ، لأنه وظيفة الفاقد بالطبع لا بالاختيار ، إلاّ أن العلم الخارجي الحاصل من الإجماع وحسنة ثانية لزرارة في المستحاضة اشتملت على قوله صلىاللّهعليهوآلهوسلم للمستحاضة : « ولا تدع الصلاة بحال » (1)يمنع عن الحكم بسقوط الصلاة ، بل لا بدّ من الحكم بوجوب الصلاة مع التيمّم لفقدانه الماء حينئذ.
نعم الأحوط في صورتي [ احتمال ] العثور أو العلم به على تقدير الطلب هو القضاء خارج الوقت ، لاحتمال أن يكون الواجب في حقه هو الصلاة مع الوضوء أو الغسل وقد فوتها على نفسه فيقضيها خارج الوقت ، إلاّ أنه احتياط استحبابي لكونه آتياً بالمأمور به في حقه ظاهرا.
(1) البطلان في كلامه هو البطلان الظاهري ، وهو كما أفاده قدسسره لأن العقل لا يكتفي بالتيمّم بلا فحص ، لأنه امتثال احتمالي فعمله باطل ظاهرا.
(2) كما إذا أتى به برجاء المطلوبية ، وذلك لأن المعتبر في العبادة أمران :
أحدهما : أن يكون مأموراً بها ، وهو موجود في المقام ، لأن المفروض أنه فاقد للماء واقعاً ووظيفة الفاقد التيمّم وهو منه مأمور به.
وثانيهما : إضافتها إلى المولى نحو إضافة ، وهي متحققة أيضاً على الفرض ، لأنه أتى به برجاء كونه مأموراً به في حقه وهو كافٍ في صحّة الإضافة إلى اللّه سبحانه.
1) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.
[1069] مسألة 11 : إذا طلب الماء بمقتضى وظيفته فلم يجد فتيمم وصلّى ثم تبيّن وجوده في محل الطلب من الغلوة أو الغلوتين أو الرحل أو القافلة صحت صلاته ولا يجب القضاء أو الإعادة (1)(1)
(1) وذلك لأن المكلف قد أتى بما هو الواجب في حقه وهو التيمّم بعد الفحص عن الماء ، والمدار على عدم التمكن من الماء لا على عدم وجوده ، فان وجود الماء واقعاً لا أثر له في المقام وإنما الموضوع للأمر بالتيمّم من لم يتمكن من الماء ، وهذا متحقق في المقام أيضاً ، ومع الإتيان بما هو الوظيفة في حقه لا وجه لوجوب القضاء عليه إذا تبين وجود الماء في محل الطلب ، هذا كله بحسب القضاء.
وأمّا الإعادة فمقتضى كلام الماتن قدسسره عدم وجوبها ، بل قد يدعى أنه من صغريات مسألة من صلّى بتيمم صحيح لا تجب عليه الإعادة حسبما دلّت عليها النصوص الكثيرة. ولعلّه لما قدّمناه (2)من أن المعتبر إنما هو عدم التمكن من الماء لا عدم وجوده ، والمفروض أن المكلف قد طلب الماء ولم يجده فلم يكن متمكناً من استعماله فيلزمه حينئذ التيمّم وقد أتى به فلا موجب للإعادة إذا انكشف وجود الماء واقعاً لأنه أتى بما هو الوظيفة في حقه.
وهذا ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لا لأن المدار على عدم وجود الماء فان المعتبر في وجوب التيمّم إنما هو عدم التمكن من استعماله لا عدم وجوده كما تقدّم الكلام فيه ، بل لأن المستفاد من صحيحة زرارة المتقدمة والآية المباركة (3)هو أن المعتبر في الأمر بالتيمّم إنما هو العجز عن استعمال الماء في مجموع الوقت ، أي عدم التمكّن من الصلاة مع الطهارة المائية ، وحيث إن المأمور به من الصلاة هو الطبيعي فلا مناص من أن يلاحظ التمكّن من الماء وعدمه بالنسبة إلى الطبيعي الواقع بين الحدّين
[1070] مسألة 12 : إذا اعتقد ضيق الوقت عن الطلب فتركه وتيمّم وصلّى ثم تبيّن سعة الوقت لا يبعد صحّة صلاته (1)وإن كان الأحوط الإعادة أو القضاء بل لا يترك الاحتياط بالإعادة (1)
فلا يعتنى بعدم التمكّن من الاستعمال في زمان ما.
وعليه إذا عجز عن الماء في زمان فتيمم وصلّى ثم وجد الماء كشف ذلك عن عدم كونه مأموراً بالتيمّم واقعاً فلا بدّ من أن يعيد صلاته مع الطهارة المائية ، وقد قدمنا أن المكلف لا بدّ من أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت (2)فلو أتى بها قبل ذلك ثم عثر على الماء وجبت الإعادة عليه في الوقت ، لأنه لم يأت بما هو الواجب عليه في حقه.
(1) لم يستبعد الماتن قدسسره الحكم بصحّة صلاته في مفروض المسألة ، إلاّ أنه حكم بعدئذ بوجوب الإعادة أو القضاء فيما إذا ترك الطلب باعتقاد عدم الماء فتبين وجوده. والذي يمكن أن يكون وجهاً لذلك أحد أمرين :
أحدهما : صحيحة زرارة المتقدمة الدالّة على أن المكلف إذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت (3)نظراً إلى أنها دلّت على وجوب الصلاة مع التيمّم عند خوف فوات الوقت وأن الخوف له موضوعية في الحكم بوجوب الصلاة مع التيمّم والخوف يحتمل معه الخلاف بأن لا يكون الوقت فائتاً بل موسعاً.
ومعه تدلّنا الرواية على وجوبها مع التيمّم عند اعتقاد ضيق الوقت بطريق أولى لأنّه مع هذا الاعتقاد لا يحتمل بقاء الوقت وسعته وهو محتمل مع الخوف ، وعليه لا يجب على المكلف الإعادة ولا القضاء عند انكشاف سعة الوقت ، وذلك لإطلاق الأمر بالصلاة مع التيمّم عند الخوف من فوات الوقت.
وثانيهما : أن يقال : إن المكلف عند اعتقاده ضيق الوقت عن الطلب يكون محكوماً من قبل العقل بالصلاة مع التيمّم ، لوجوب الخروج عن عهدة الأمر بالصلاة ، وبما أنه فاقد الماء فيلزمه العقل بالإتيان بها مع التيمّم ، ومعه يكون عاجزاً عن الماء وطلبه لعدم إمكان اجتماع الأمر بالصلاة مع التيمّم مع الأمر بالطلب ، وقد تقدم سقوط الطلب عند العجز عنه لأنه طريق إلى الصلاة مع الوضوء ، ومع العجز عن الطلب يسقط الأمر بالطلب.
ويرد على الوجه الأوّل : أن الصحيحة إنما تدل على أن المكلف إذا خاف فوت الوقت صلّى في آخر الوقت متيمماً وصلاته حينئذ مأمور بها ، فلا بدّ من النظر فيها إلى أن الخوف هل هو موضوع للحكم بوجوب الصلاة مع التيمّم أو أنه طريق إلى ضيق الوقت ليصح التعدي عن موردها على الأوّل إلى ما نحن فيه.
والصحيح أن الخوف قد أُخذ طريقاً إلى ضيق الوقت واقعاً ، وليس له موضوعية في الحكم بوجوب الصلاة مع الطهارة الترابية ، وذلك بقرينتين :
إحداهما : قوله : « خاف أن يفوته الوقت » (1)فان ظاهره وقت الصلاة ، فدلت هذه الجملة على أن فوت الوقت الواقعي هو الموجب للحكم بوجوب الصلاة مع التيمّم والخوف طريق إليه.
وثانيتهما : قوله : « وليصل في آخر الوقت » (2)فان المراد بالوقت فيها هو الوقت المذكور قبله أعني وقت الصلاة لا وقت الخوف كما لا يخفى وهذا يدلّنا أيضاً على أن المدار على نفس الوقت ، والخوف طريق إليه ، ولا موضوعية له في الحكم ليمكننا التعدي إلى ما نحن فيه.
وعلى الجملة : أن مفروض الصحيحة ما إذا صلّى آخر الوقت ، ولا يتصور معه انكشاف سعة الوقت بعد الصلاة في الوقت وإلاّ لم يكن صلّى آخر الوقت بل قبله وهو غير ما نحن فيه ، أعني ما إذا اعتقد ضيق الوقت ثم انكشف سعته. فدلّت الصحيحة على أن من خاف فوت الوقت وصلّى آخر الوقت لم يجب عليه القضاء.
وأمّا إذا ترك الطلب باعتقاد عدم الماء فتبيّن وجوده وأنه لو طلب لعثر فالظاهر وجوب الإعادة أو القضاء (1)(1)
فلو صلّى من غير طلب باعتقاد الضيق ثم انكشف سعة الوقت لا بدّ من الحكم بوجوب الإعادة عليه في الوقت ، فلا دلالة للصحيحة على صحّة الصلاة عند انكشاف سعة الوقت ليتكلّم في أن الخوف مأخوذ فيها موضوعاً أو طريقاً إلى الضيق ليمكننا على الأوّل التعدي عن موردها إلى المقام أي صورة اعتقاد الضيق بالأولوية.
ويرد على الوجه الثاني : أن العجز عن الطلب وإن كان يوجب سقوطه كما مرّ والعجز العقلي كالعجز الشرعي ، إلاّ أن الكلام في المقام ليس من هذا القبيل وإنما هو خيال العجز وصورته ، وأما بحسب الواقع فلا معجز في البين ، لأنه إنما عجز باعتقاده ضيق الوقت من دون أن يكون ضيق واقعاً ، ومع انكشاف السعة لا بدّ من الإعادة. نعم لو انكشف ذلك بعد الوقت لم يجب عليه القضاء لأنه أتى بما هو وظيفته وقت الصلاة ، وترك الطلب حسب اعتقاده. هذا كله في صورة اعتقاده الضيق.
وأمّا إذا اعتقد عدم الماء وترك الطلب لأجله ثم تبين وجوده فوجوب الإعادة أولى وأظهر من الصورة السابقة ، إذ لا نص في هذه الصورة ولا هناك معجز عقلي أو شرعي عن الطلب ، لأن اعتقاد عدم الماء لا يلزمه بالصلاة مع التيمّم ، بل هو مرخص له في أن يصلِّي مع التيمّم أو ينتظر آخر الوقت ويصلِّي مع الماء بعد الانكشاف.
نعم إذا كان الانكشاف بعد انقضاء الوقت لم يجب عليه القضاء ، لعدم تمكنه من الطلب في الوقت حسب اعتقاده عدم الماء ، وهو مأمور حينئذ بالصلاة مع الطهارة الترابية وقد أتى بما هو وظيفته فلا قضاء عليه.
(1) إن أراد بهذه العبارة أن المكلف إذا اعتقد عدم الماء فتيمم وصلّى ثم انكشف وجوده في الوقت وجبت الإعادة عليه كما عرفت فان توانى وفاته الوقت وجب
1) (*) لا حاجة إلى القضاء إذا كان الانكشاف في خارج الوقت.
[1071] مسألة 13 : لا يجوز إراقة الماء الكافي للوضوء أو الغسل بعد دخول الوقت إذا علم بعدم وجدان ماء آخر ولو كان على وضوء لا يجوز له إبطاله إذا علم بعدم وجود الماء (1)
أن يقضيها خارج الوقت فهو أمر صحيح ، لكونه مكلفاً بالإعادة في الوقت وحيث لم يأت بها في وقتها وجب أن يقضيها خارج الوقت. إلاّ أن هذا خلاف ظاهر العبارة.
وإن أراد بها أن الانكشاف إذا كان خارج الوقت فإنه يقضيها حينئذ كما هو ظاهر العبارة فيدفعه ما أشرنا إليه من أن المكلف في مفروض الكلام لم يكن مكلفاً بالوضوء في وقت الصلاة ، لعدم تمكنه منه حسب اعتقاده عدم الماء ، فإنه مع هذا الاعتقاد لا يكون مستولياً على الماء ومتمكناً من استعماله ، لأن الأفعال الاختيارية إنما تتبع الصور الذهنية ولا تتبع الواقع ونفس الأمر ، ومن هنا قد يموت الإنسان عطشاً والماء في رحله لعدم علمه بالحال ، ومن هذا شأنه مكلف بالتيمّم دون الوضوء ومع عدم كونه مأموراً بالوضوء في الوقت لا موجب للقضاء عليه إذا كان الانكشاف بعد الوقت.
(1) والأمر كما أفاده قدسسره. والوجه فيه : أن المراد بالفقدان وعدم وجدان الماء في الآية المباركة الذي هو موضوع الحكم بوجوب التيمّم هو الفقدان بالطبع لا الفقدان بالاختيار.
فان الظاهر المستفاد من الآية المباركة وغيرها من الجمل المشتملة على الأمر بالشيء وعلى الأمر بشيء آخر على تقدير العجز عن الأوّل والاضطرار إلى تركه ، أن الفعل الثاني بدل اضطراري لا أنه بدل اختياري بحيث يتمكن المكلف من الابتداء بين الإتيان بالأول وبين تعجيز نفسه عنه والإتيان بالثاني ، بل الثاني لا ينتقل إليه إلاّ فيما إذا كان الأوّل غير مقدور بطبعه ، فاذا عجّز نفسه عنه بالاختيار لم يشمله الأمر
بالفعل الثاني لكونه مختصاً بما إذا كان الأوّل غير ممكن بالطبع ، وعليه فليس للمكلف بعد دخول الوقت أن يهريق الماء أو ينقض طهارته ليدخل بذلك تحت فاقد الماء فيتيمم ويصلِّي.
بل مقتضى الجمود على ظاهر الآية سقوط الصلاة عن المكلف حينئذ ، لأنه غير متمكن من الوضوء على الفرض ، ولا أمر بالتيمّم في حقه لأنه فاقد بالاختيار لا بالطبع فهو كفاقد الطهورين تسقط عنه الصلاة ، إلاّ أن الإجماع القطعي وما ورد في المستحاضة من أنها لا تدع الصلاة بحال (1)يمنعنا عن ذلك ويدلنا على أن الصلاة لا تسقط في أي صورة وإنما تصل النوبة إلى المرتبة النازلة من المرتبة المعسورة ، ولأجله نحكم في المقام بوجوب الصلاة مع التيمّم في مفروض الكلام وإن عصى بإراقة الماء أو بنقض الطهارة.
وهذا الذي ذكرناه من أن التيمّم إنما يجب عند الفقدان بالطبع لا ينافي ما دل على أن الصلاة مع التيمّم تامة الملاك وواجدة لجميع ما تشتمل عليه الصلاة مع الوضوء من الملاك كقوله عليهالسلام : « رب الصعيد والماء واحد » (2)والوجه في عدم التنافي أن الصلاة مع التيمّم إنما تكون واجدة للملاك التام فيما إذا كان المكلف فاقداً للماء بالطبع لا فيما إذا كان فاقداً بالاختيار.
ثم إنه هل يجب القضاء على المكلف في مفروض المسألة ، بأن يصلِّي مع التيمّم في الوقت ويقضيها مع الوضوء خارج الوقت؟ قد يقال بذلك نظراً إلى أن المكلف لم يأت بما هو الواجب عليه في وقته.
ولكن الصحيح عدم وجوب القضاء ، وذلك لأنه إنما يجب فيما إذا فات الواجب المكلف في ظرفه ، وهذا مفقود في المقام ، لأن المفروض أن المكلف أتى بأصل الصلاة
بل الأحوط (1)عدم الإراقة وعدم الإبطال قبل الوقت أيضاً مع العلم بعدم وجدانه بعد الوقت ، ولو عصى فأراق أو أبطل يصح تيمّمه وصلاته وإن كان الأحوط القضاء (1).
ولم تفته الصلاة بأصلها وإنما الإخلال واقع في شرطها ، ونظيره ما إذا عجّز نفسه عن القيام في الصلاة بالاختيار فصلى قاعداً فإنه وإن عصى لكن صلاته صحيحة ، ولا يجب عليه القضاء لإتيانه بأصل الصلاة. نعم الأحوط القضاء كما ذكره الماتن قدسسره.
(1) هل يجوز إراقة الماء وإبطال الطهارة قبل الوقت إذا علم [ عدم ] تمكّنه من الطهارة بعد الوقت أو لا يجوز؟
مقتضى الأصل هو الجواز ، إلاّ أنّا ذكرنا في بحث المقدمات المفوتة أن مخالفة التكليف كما تعد عصياناً ومخالفة للمولى وهو قبيح موجب لاستحقاق العقاب كذلك هي تفويت للغرض الملزم وهو قبيح كالعصيان (2)، وعليه ففي موارد إحراز الملاك لا يجوز تعجيز المولى عن الأمر بما فيه الملاك الملزم بإراقة الماء وتعجيز النفس عن الوضوء أو الغسل.
إلاّ أن ذلك في مورد العلم بوجود الملاك الملزم ، وهو غير محرز في المقام ، لأن الطريق إلى استكشاف الملاك هو الأمر ، ولا أمر بالصلاة مع الوضوء في حق المكلف في المقام ، لأنه من التكليف بما لا يطاق ، لأنه قد عجز نفسه عن الوضوء فلا يمكن الأمر به.
وليس الأمر بالصلاة مع الوضوء من الواجب المعلق ليكون وجوبها فعلياً ولو قبل وقتها ويكون الواجب متأخراً ، وذلك لأنه وإن كان ممكناً لكنه خلاف ظاهر الدليل ولا إشكال في أن ما دل على وجوب الصلاة بعد الزوال ظاهره الوجوب بعد تحقق
[1072] مسألة 14 : يسقط وجوب الطلب إذا خاف على نفسه أو ماله من لص أو سبع أو نحو ذلك كالتأخر عن القافلة ، وكذا إذا كان فيه حرج أو مشقة لا تتحمّل (1).
[1073] مسألة 15 : إذا كانت الأرض في بعض الجوانب حَزنة وفي بعضها سَهلة يلحق كلا حكمه من الغَلوة أو الغلوتين (2).
الثاني : عدم الوصلة إلى الماء الموجود (3) لعجزٍ من كبر أو خوف من سبع أو
شرطه لا أن وجوبها فعلي والتأخر في شرطها. فلا أمر حتى نستكشف الملاك منه ومعه تتوقف دعوى وجود الملاك الملزم على علم الغيب.
بل يمكن أن يقال : إن قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ... ) (1)وقوله عليهالسلام : « إذا زالت الشمس فقد وجبت الصلاة والطهور » (2)يدلان على أنه لا ملاك فيهما قبل الوقت.
إذن لا يجب حفظ القدرة بالتحفظ على الماء أو الطهور قبل دخول وقتها.
(1) تقدّم الكلام عنه (3)فلا نعيد.
(2) قدّمنا الكلام فيه مفصلاً (4)ولا حاجة إلى إعادته.
(3) إما لمانع تكويني لهرم أو لوجوده في مكان مقفل لا يقدر على فتحه ، وإما لمانع شرعي كما إذا خيف في المكان من سبع أو لص أو نحوهما ، لأن تعريض النفس إلى الهلاك غير واجب بل غير جائز.
لص أو لكونه في بئر مع عدم ما يستقى به من الدلو والحبل وعدم إمكان إخراجه بوجه آخر ولو بإدخال ثوب وإخراجه بعد جذبه الماء وعصره (1).
[1074] مسألة 16 : إذا توقف تحصيل الماء على شراء الدلو أو الحبل أو نحوهما أو استيجارهما أو على شراء الماء أو اقتراضه وجب (2) ولو بأضعاف
وقد تقدم أن قوله تعالى ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) يعني عدم التمكن من استعمال الماء لا بمعنى عدم وجود الماء بقرينة قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ) في الآية الكريمة والمريض غالباً لا يتمكن من استعمال الماء مع وجوده عنده لا أنه يفقد الماء. إذن مع عدم الوصلة إلى الماء يجب عليه التيمّم.
(1) يأتي التعرض لحكم ذلك قريباً إن شاء اللّه تعالى.
(2) إذا توقف تحصيل الماء على شرائه وجب الشراء لأنه وصلة إلى الماء بأمر مقدور للمكلف ، ومع التمكن من شرائه يكون المكلف واجداً ومتمكناً من الماء.
ولو فرضنا أن المالك لا يبيعه إلاّ بأضعاف قيمته فهل يجب شراؤه بأضعافها كما إذا كانت قيمته درهماً وطلب المالك ألف درهم؟ مقتضى قاعدة « لا ضرر » عدم الوجوب ، لأنه ضرر مالي لم يجعل في الشريعة المقدسة ، لكن مقتضى صحيحة صفوان وغيرها وجوب الشراء ولو بأضعاف قيمة الماء ، وقد ذكر عليهالسلام في الصحيحة أنه قد ابتلي به وأن ما يشتريه من الماء شيء كثير (1). بمعنى أن المكلف يتخيل أنه بذل مالاً كثيراً بإزاء شيء قليل لكنه في الواقع دفع مالاً كثيراً بإزاء مال كثير.
وهذه النصوص مخصصة للقاعدة في موردها وهو شراء الماء للوضوء ، ونتعدّى عنه بتنقيح المناط إلى شراء الدلو وغيره من الآلات أيضاً ، لأن الدلو ونحوه وإن كان
1) الوسائل 3 : 389 / أبواب التيمّم ب 26 ح 1.
العوض ما لم يضر بحاله (1) وأما إذا كان مضرّاً بحاله فلا
يتخيّل أنه شيء زهيد فلا يقابل بالمال الكثير لكن الصحيحة دلتنا على أنه شيء كثير لأنه بتنقيح المناط يستفاد أن ما يبذل بإزائه المال إذا كان وصلة إلى الوضوء المأمور به شيء كثير وإن كان غير الماء.
نعم لا يمكننا التعدي إلى ما إذا كان له مال كثير لو ذهب لتحصيل الماء أخذه اللص أو ذهب هدراً ، فلا يجب عليه الذهاب لتحصيله لاستلزامه الضرر عليه ، وليس في مقابله شيء ليقال إنه كثير.
وكذا الحال فيما إذا كان له عباءة أو ثوب يسوى قيمة معتداً بها لا يمكنه الحصول على الماء إلاّ بشقه وجعله دلواً ، فإنه ضرر مالي ليس واجباً على المكلفين ولا تشمله الصحيحة لأنه ليس من الشراء في شيء.
ولو فرضنا أنه متمكن من الشراء ولو بأضعاف قيمته إلاّ أنه مديون لشخص لا يتمكن من أداء دينه علماً أو ظنا على تقدير شرائه الماء لم يجب عليه الشراء ، لأنه إتلاف لحق الدائن وهو حرام ، والصحيحة إنما دلّت على أن المال المبذول بإزاء ماء الوضوء لا يذهب هدراً فإنه شيء كثير أيضاً ، ولا دلالة لها على جواز إتلاف حقوق الناس.
(1) أي ما دام لم يكن بذل الماء الكثير بإزاء ماء الوضوء حرجياً في حقه ، كما لو كان متمكناً من بذل أضعاف قيمة الماء إلاّ أنه لو بذله لم يتمكّن من إعاشة نفسه وعياله فلا يمكنه إدارتهم فيقع في العسر والحرج وهما منفيان في الشريعة المقدّسة.
وهذا هو مراد الفقهاء بقولهم : ما لم يضر بحاله ، بعد العلم بأن الشراء ضرر مالي على كل حال إلاّ أنه إذا كان زائداً على الضرر المالي حرجاً عليه لا يجب شراؤه عليه.
ولا فرق في الحرج بين الفعلي منه والاستقبالي كما لو كان عنده مال ليس مورداً
كما أنه لو أمكنه اقتراض نفس الماء أو عوضه مع العلم أو الظن بعدم إمكان الوفاء لم يجب ذلك (1).
[1075] مسألة 17 : لو أمكنه حفر البئر بلا حرج (2) وجب كما أنه لو وهبه غيره بلا منة ولا ذلة وجب القبول (3).
الثالث : الخوف من استعماله على نفسه أو عضو من أعضائه بتلف أو عيب أو حدوث مرض أو شدّته أو طول مدّته أو بطء برئه أو صعوبة علاجه أو نحو ذلك مما يعسر تحمله عادة (4)
لحاجاته فعلاً لكنه سيحتاج إليه في الشتاء مثلاً فإنه لا يجب عليه بذله لشراء الماء لوقوعه في الحرج مستقبلاً في الشتاء.
(1) لأن الاقتراض وإن لم يشترط فيه التمكن من الأداء إلاّ أنه بعد الاقتراض مطالب بالأداء ، فلو لم يؤدِّ حق الدائن وصرفه في شراء ماء الوضوء عُدّ هذا إذهاباً وإتلافاً لحق الناس وهو غير جائز.
(2) كما يتفق في بعض القرى والبلدان ، وذلك لأن الماء موجود تحت الأرض وهو متمكن من الوصول إليه فيجب الحفر لصدق تمكنه من الماء.
(3) بل يجب الاستيهاب ، لأنه مثل قبول الهبة وصلة إلى الماء وهو متمكن منها فيجبان ، نعم لو كان فيهما قبول الهبة أو الاستيهاب منّة وصعوبة عليه لا يجبان لأنه عسر في حقه.
(4) ويدلُّ على ذلك قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ* ... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (1)لما قدمناه من أن المسافر قد يكون فاقداً للماء حقيقة
1) النساء 4 : 43.
وواقعاً إلاّ أن المريض غالباً ما يكون واجداً للماء حقيقة لكنه لا يتمكّن من استعماله.
فالمراد من عدم الوجدان هو عدم التمكّن من استعماله لكونه موجباً لشدّة المرض أو بطئه أو صعوبة علاجه أو غير ذلك من الأُمور علماً أو احتمالاً ، إذ لو كان استعماله لا يؤثر في اللاحق وجب أن يتوضأ لعدم كونه مضراً في حقه. إذن المدار في وجوب التيمّم هو احتمال كون الماء مضراً وموجباً لشدة المرض أو لغيرها ، ولا فرق بين سبق المرض وعدمه ، فالمدار على احتمال الضرر.
ويدلُّ عليه الأخبار الواردة في المجذوم والكسير والقريح الدالّة على أنهم يتيممون (1)، إذ لا وجه له سوى احتمالهم كون الماء مؤثراً في الجذام أو الكسر أو القرحة في اللاّحق. وفي بعض الأخبار (2)أنه لو خاف على نفسه البرد تيمم ، فتدلنا هذه الأخبار على الانتقال إلى التيمّم عند احتمال الضرر بلا فرق بين سبق المرض ولحوقه.
كما يمكن الاستدلال عليه بأدلة نفي الحرج ، لأن إلزام المكلف بالوضوء أو الغسل مع احتمال كونه مضرّاً بحاله كما لو استلزم العمى فيما لو توضأ أو اغتسل من بعينه الرمد موجب للعسر والحرج ، وهما منفيان في الشريعة المقدسة.
نعم لا مجال للاستدلال عليه بحديث لا ضرر (3)بل الاستدلال به من عجائب الكلام ، وذلك لأنه لا علم بالضرر في موارد الخوف ، وكلامنا في مسوغية الخوف نعم الضرر محتمل عند الخوف وليس بمعلوم ، ومع عدم إحراز الضرر كيف يتمسك بحديث لا ضرر ، فإنّه من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية من طرف العام ولا يقول به أحد ، وإنما يرى جوازه من ذهب إليه في الشبهة المصداقية من طرف المخصص ، بل مقتضى الاستصحاب عدم تحقق الضرر.
نعم لا بأس باستدلال المحقق الهمداني قدسسره في المقام بما دلّ على نفي العسر
بل لو خاف من الشين (1) الذي يكون تحمله شاقاً (2) تيمم ، والمراد به ما يعلو البشرة من الخشونة المشوهة للخلقة أو الموجبة لتشقق الجلد وخروج الدم. ويكفي الظن بالمذكورات أو الاحتمال الموجب للخوف (3) سواء حصل له من نفسه أو قول طبيب أو غيره وإن كان فاسقاً أو كافراً (4) ولا يكفي الاحتمال المجرّد عن الخوف (5) كما أنه لا يكفي الضرر اليسير الذي لا يعتني به العقلاء (6) وإذا أمكن علاج المذكورات بتسخين الماء وجب ولم ينتقل إلى التيمّم (7).
والحرج (1)كما تقدّم.
(1) وهو المعبر عنه بالسوداء ونحوه.
(2) حرجياً إما من جهة التطهير والوضوء أو لأجل كونه في الوجه واليدين وتشويه الخلقة فيما يظهر للناس مما يصعب تحمّله ، وهو أمر حرجي.
وأما إذا لم يكن تحمله حرجياً كما لو كان على بدنه فيما لا يراه الناس ولا يحتاج إلى تطهيره في اليوم خمس أو ثلاث مرات فلا ينتقل الأمر إلى التيمّم ، لأنه ليس مرضاً وهو متمكن من استعمال الماء بلا موجب للخوف من ضرر الماء فلا يشمله شيء من الأدلّة.
(3) أعني الاحتمال العقلائي.
(4) إذ لا تعتبر العدالة في الطبيب وغيره ، بل المدار على حصول الخوف من قوله.
(5) إذ مع عدم الخوف لا يندرج الاحتمال المجرد تحت شيء من الأدلة المتقدمة.
(6) كما إذا استلزم الوضوء الاستبراد دقيقة واحدة مع ارتفاعه بعدها ، وذلك لعدم كونه ضرراً عند العقلاء فلا يشمله شيء من الأدلة المتقدمة.
(7) لأن الواجب هو الوضوء بطبيعي الماء ، والمدار على التمكن من استعمال الطبيعي والمفروض تحققه في المقام ، فإنه بتسخين الماء يتمكن من الوضوء والغسل ومعه لا ينتقل الأمر إلى التيمّم.
1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 458 السطر 16.
[1076] مسألة 18 : إذا تحمل الضرر وتوضأ أو اغتسل ، فان كان الضرر في المقدمات من تحصيل الماء ونحوه وجب الوضوء أو الغسل وصح وإن كان في استعمال الماء في أحدهما بطل (1)(1)
(1) ذكرنا أنه بعد فرض وجود الماء والتمكن من استعماله إذا احتمل الضرر في الوضوء أو الاغتسال ساغ له التيمّم بدلاً عنهما. والضرر قد يكون في مقدمة الغسل أو الوضوء من دون أن يكون في نفسهما ضرر ، وقد يكون الضرر في نفسهما.
أمّا الصورة الاولى : فلو تحمل الضرر وارتكب المقدمة فلا ينبغي الشبهة في أن وظيفته الغسل أو الوضوء حينئذ ، لأنه وإن كان مأموراً بالتيمّم قبل ارتكابه المقدمة لأنه فاقد الماء بالمعنى المتقدم إلاّ أنه إذا تحمّل الضرر في المقدمة ينقلب واجداً للماء لفرض عدم كونهما ضررين في نفسهما ، فهو من تبدل الموضوع ، ولا شبهة في صحّة الغسل والوضوء حينئذ.
وأمّا الصورة الثانية : فقد صرح الماتن قدسسره ببطلان الوضوء أو الغسل حينئذ. وهو مبني على ما هو المعروف عندهم من أن الإضرار بالنفس محرم ، بل ذكر شيخنا الأنصاري قدسسره في البحث عن قاعدة « لا ضرر » : أن الإضرار بالنفس محرم شرعاً وعقلاً (2).
ولمّا كان الوضوء أو الغسل ضرريين فهما مبغوضان للشارع ، والمبغوض لا يمكن أن يقع محبوباً ومقرباً فيبطلان.
إلاّ أنّا ذكرنا عند البحث عن قاعدة « لا ضرر » أن المحرم إنما هو الإضرار بالغير وأما الإضرار بالنفس فلم يقم على حرمته دليل (3)، فلا مانع من أكل الطعام الذي يوجب المرض يوماً أو يومين أو أكثر ، اللّهمّ إلاّ أن يكون الإضرار بالنفس مما نقطع بعدم رضا الشارع به كقتل النفس أو قطع الأعضاء أو نحوهما.
وأمّا إذا لم يكن استعمال الماء مضراً بل كان موجباً للحرج والمشقة كتحمل ألم البرد أو الشين مثلاً فلا تبعد الصحّة (1) وإن كان يجوز معه التيمّم ، لأنّ نفي
وعليه فلو تحمل الضرر وتوضأ أو اغتسل فحكمه حكم الفرع الآتي وهو ما إذا كان الوضوء أو الغسل حرجياً وتحمل الحرج فتوضأ أو اغتسل.
نعم بناء على أن الإضرار بالنفس محرم لا ينبغي التأمل في بطلانهما ، ولكن مع ذلك قد يقال بصحتهما حينئذ بدعوى أن
نفس الوضوء أو الاغتسال ليس ضرراً وإنما هما غسل أو مسح وإنما الضرر يترتب عليهما فهما مقدّمتان للضرر ، وقد بينا في محله أن مقدّمة الحرام ليست محرمة حتى لو قلنا بوجوب مقدّمة الواجب (1)، ومع عدم حرمتها لا وجه لبطلانهما.
ولكنها تندفع بأن الغسل أو الوضوء ليسا من المقدمة والضرر ذو المقدمة ، بل ترتبه عليهما من باب ترتب الأفعال التوليدية على ما تتولد منه كالقتل المترتب على فري الأوداج ، وذلك لعدم كونهما فعلين اختياريين يتوقف أحدهما على الآخر ، بل هما عنوانان يترتبان على فعل واحد ، فما يترتب على أحدهما يترتب على الآخر.
إذن فالغسلتان والمسحتان محكومتان بالحرمة لحرمة عنوانهما وهو الضرر ، وهذا بخلاف المقدمة وذيها لأنهما فعلان ومعنونان لا عنوانان لمعنون واحد.
(1) لأن تحمل الحرج ليس من المحرمات وإن كان تيمّمه صحيحاً أيضاً ، فهو في الحقيقة مخير بين الوضوء أو الاغتسال وبين التيمّم ، وكذلك تحمل الضرر بناء على إباحته كما مرّ ، هذا.
ولكن المحقق النائيني قدسسره ذهب إلى بطلانهما نظراً إلى أن الحكم بصحّة وضوئه وغسله حينئذ كالجمع بين المتناقضين ، لأن موضوع وجوب الغسل أو الوضوء
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 439 440.
الحرج من باب الرخصة لا العزيمة ، ولكن الأحوط ترك الاستعمال وعدم الاكتفاء به على فرضه فيتيمم أيضا.
واجد الماء كما أن موضوع وجوب التيمّم هو فاقده ، فالحكم بجوازهما في حقه يؤول إلى أنه واجد الماء فلذا يصح غسله ووضوءه ، وأنه فاقد الماء ولذا يصح تيمّمه. وهذا ما ذكرناه من لزوم الجمع بين المتناقضين ، إذ كيف يمكن أن يقال في وقت واحد إنه واجد الماء وفاقده.
ويدفعه : أن موضوع وجوب الغسل أو الوضوء وإن كان واجد الماء بمعنى التمكن من استعماله ، كما أن موضوع وجوب التيمّم هو الفاقد له إلاّ أنه لا يلزم الجمع بين المتناقضين في الحكم بصحّة كل من التيمّم والوضوء والغسل حينئذ ، وذلك لأن المكلف في موارد الحرج وموارد الضرر المباح واجد للماء حقيقة ، وهو متمكن من استعماله بحيث لو كنّا نحن والآية المباركة لحكمنا بوجوب الوضوء والغسل عليه إلاّ أن الشارع رفع عن المكلف الأحكام الضررية والحرجية امتناناً ، وأدلة نفي الحرج والضرر حاكمة على أدلة وجوب الوضوء أو الاغتسال للواجد.
والحكومة هي التخصيص بلسان نفي الموضوع ، فكأنه فرضه فاقداً للماء لا أنه فاقد له حقيقة ، لأن نفي الحرج والضرر امتنان لا يجعل المكلف فاقداً له حقيقة ، فهو حال كونه واجداً للماء مرخص له بالتيمّم أيضاً إرفاقاً وامتناناً لا أنه واجد وفاقد للماء معاً ، وليس في هذا جمع بين المتناقضين ولا فيه شائبته.
نعم إنما تلزم هذه المناقشة إذا كان الواجد في جميع الموارد محكوماً بوجوب الوضوء عليه والفاقد في جميع الموارد محكوماً بوجوب التيمّم عليه من غير تخلف ، وقد عرفت أن الأمر ليس كذلك ، بل المكلف مع كونه واجداً للماء يمكن أن يكون مرخصاً بالتيمّم امتناناً.
والذي يكشف عما ذكرناه أن ذلك لو استلزم الجمع بين المتناقضين للزم الالتزام به في جميع موارد التخصيص من أول الفقه إلى آخره ، لأنه في تلك الموارد يوجد
حكمان ، مع أنه لا يلتزم به متفقة فضلاً عن الفقيه ، إذ ليس هناك إلاّ موضوع واحد كان محكوماً بحكم ثم حكم عليه بحكم ثانٍ.
فالمتحصل : أن كون المكلف مخيراً بين الغسل أو الوضوء وبين التيمّم أمر ممكن لا استحالة فيه ، ولا مانع من أن يكون مأموراً بالطهارة الأعم من المائية والترابية.
وعلى الجملة : إن الحكم بجواز التيمّم في حقه ليس لأجل فقدانه الماء بل لأجل الامتنان ، وإلاّ فهو واجد للماء حقيقة.
نعم يقع الكلام في الدليل على ذلك ، فإنه في موارد الضرر المباح والحرج مأمور بالتيمّم وهو منه صحيح من دون كلام ، وإنما الكلام في صحّة الغسل أو الوضوء الصادر منه ، فإنه بعد ما رفع الشارع الأمر بهما كيف يقعان صحيحين مع توقف صحّة العبادة على وجود الأمر بها.
ويظهر من الماتن أن الوجه في الصحّة هو أن الشارع إنما رفع الإلزام عن الغسل أو الوضوء وأما أصل المحبوبية والطلب فهو باقٍ بحاله ، لاقتضاء الامتنان رفع الإلزام والكلفة فقط لا رفع الجواز وأصل الطلب ، لأنه على خلاف الامتنان ، فان رفع الضرر رخصة لا عزيمة ، ومعه يقعان صحيحين لكونهما مأموراً بهما على الفرض.
وفيه : أن ما هو مجعول للشارع ليس إلاّ جعل الفعل على ذمة المكلف. وإن شئت قلت : المجعول هو اعتبار الذمة مشغولة بعمل مع الإبراز ، وأما الإلزام فهو من ناحية العقل المستقل بوجوب الطاعة على العبيد والتحرك بتحريك المولى ما دام لم يقارنه ترخيص من قبله ، فاذا رفع الشارع مجعوله وهو اعتبار الفعل على ذمّة المكلف فلا يبقى في البين شيء ، ويحتاج إثبات أصل المطلوبية والأمر إلى دليل. وليس مجعول الشارع أمراً مركباً من الطلب والإلزام ليتوهم بقاء الأوّل بعد ارتفاع الثاني في مورد هذا.
وقد يستدل على صحّة الغسل والوضوء حينئذ بأن دليلي نفي الضرر والحرج إنما ينفي الإلزام دون الملاك ومعه يتصف الوضوء والغسل بالصحّة ، وذلك لأن الأدلّة الدالّة على وجوب الغسل والوضوء لها دلالتان : مطابقية وهي كونهما مأموراً بهما
والتزامية وهي كونهما ذا ملاك ، لأن الأحكام الشرعية عند العدلية تابعة لما في متعلقاتها من الملاك ، فاذا علمنا بسقوط الدلالة المطابقية عن الحجية بأدلة نفي الضرر والحرج لدلالتهما على نفي الوجوب وعدم الإلزام بهما فتبقى الدلالة الالتزامية بحالها وحجيتها وهي تدل على كَون الفعل ذا ملاك.
وقد بينا في بعض المباحث المتقدمة ان العقل لا يفرق بين الأمر والملاك ويرى المخالفة لكل منهما عصياناً وتمرداً كما أن إطاعتهما لازمة ، وعليه فبالملاك نحكم بصحّة كل من الوضوء والغسل في مفروض الكلام.
وفيه : ما بيناه في مباحث التعادل والترجيح (1)من أن الدلالة الالتزامية كما تتبع الدلالة المطابقية حدوثاً وثبوتاً كذلك تتبعها حجية ولا تنفك عنها في الحجية.
وقد مثلنا لذلك بأمثلة منها ما إذا قامت البينة على ملاقاة شيء من النجاسات للماء أو على كون مال ملكاً لزيد ، فمدلولها المطابقي هو الملاقاة وملكية المال لزيد ومدلولها الالتزامي نجاسة الماء وعدم ملكية المال لعمرو ، فلو سقطت البينة عن الحجية في مدلولها المطابقي للعلم بعدم الملاقاة أو لاعتراف زيد بنفي المال عن ملكه فلا يمكننا الحكم بنجاسة الماء أو عدم كون المال ملكاً لعمرو بدعوى ثبوتهما بالدلالة الالتزامية. إذن ليس لنا في المقام أن نحكم بصحّة الغسل أو الوضوء بالملاك وإن ادعاه جملة من الأعلام.
لكنه مع هذا فالصحيح ما أفاده الماتن قدسسره وذلك بوجه آخر وهو : أن أدلّة نفي الحرج والضرر إنما وردت للامتنان فيختصان بالأحكام الإلزامية وحسب ، لأنه في رفعها امتنان على الأُمة ، ولا يشملان الأحكام الترخيصية من المستحبات ونحوها ، إذ المكلف بطبعه مرخص في تركها فلا يكون في رفعها عن المكلف منة ، فاذا كانت زيارة الحسين ( عليه الصلاة والسلام ) حرجية في وقت ما أو كانت ضررية فلا يشملها دليل لا ضرر أو لا حرج حينئذ.
إذا عرفت ذلك فنقول : إن للطهارات الثلاثة حيثيتين :
1) مصباح الأُصول 3 : 367 فما بعد.
[1077] مسألة 19 : إذا تيمم باعتقاد الضرر أو خوفه فتبيّن عدمه صحّ تيمّمه وصلاته (1)(1)
إحداهما : كونها قيداً للواجبات المشروطة بالطهارة ، وهي مورد الإلزام من هذه الجهة لكونها شرطاً في الواجب فلا مانع من الحكم بسقوطها عن القيدية بأدلة نفي الضرر والحرج عند كونها ضررية أو حرجية ، لأنه في رفعها منة على العباد فيحكم ببركتها بعدم تقيد الواجب بها.
وثانيتهما : كونها مستحبات نفسية وهي من هذه الجهة لا تشملها أدلّة نفي الضرر والحرج ، لما تقدم من عدم شمولهما الأحكام الترخيصية. إذن فهي على استحبابها في موارد الضرر والحرج ، فان أتى المكلف بها وقعت مستحبة ، ومع استحبابها يحكم على المكلف بالطهارة فلو صلّى معها وقعت صلاته صحيحة لكونها واجدة لشرط الطهور.
وعليه فما أفاده الماتن قدسسره هو الصحيح ونتيجته كون المكلف مخيراً بين الطهارة المائية والترابية في تلكم الموارد للوجه الذي بيناه لا لما يظهر من الماتن.
(1) الصور المتعلِّقة بالمقام أربع :
وذلك لأن المكلف عند خوف الضرر أو اعتقاده إما أن لا يعمل على طبق وظيفته الفعلية كما لو اعتقد أو خاف الضرر من الغسل أو الوضوء وكانت وظيفته التيمّم لكنه لم يعمل على طبق وظيفته الفعلية فاغتسل أو توضأ ، أو أنه لم يحتمل ولم يعتقد الضرر فيهما ووجب عليه الغسل أو الوضوء لكنه لم يعمل على طبق وظيفته الفعلية فتيمم ثم انكشف الخلاف وأنه لا ضرر في الغسل والوضوء أو فيهما الضرر.
1) (*) فيه إشكال والاحتياط بالإعادة لا يترك.
نعم ، لو تبين قبل الدخول في الصلاة وجب الوضوء أو الغسل ، وإذا توضأ أو اغتسل باعتقاد عدم الضرر ثم تبين وجوده صح ، لكن الأحوط مراعاة الاحتياط في الصورتين ، وأما إذا توضأ أو اغتسل مع اعتقاد الضرر أو خوفه لم يصح وإن تبين عدمه ، كما أنه إذا تيمم مع اعتقاد عدم الضرر لم يصح وإن تبين وجوده.
وإما أن يعمل على طبق وظيفته الفعلية ، كما إذا اعتقد أن في الغسل أو الوضوء ضرراً عليه أو خاف منهما فتيمم ثم انكشف عدم الضرر فيهما. أو اعتقد أن لا ضرر فيهما ولم يخف من استعمال الماء فاغتسل أو توضأ ثم انكشف وجود الضرر فيهما وأن اللاّزم عليه هو التيمّم.
أمّا إذا لم يعمل على طبق وظيفته الفعلية فلا ينبغي الإشكال في بطلان عمله ولزوم الإعادة عليه سواء انكشف الخلاف أم لم ينكشف. أما إذا لم ينكشف الخلاف فلوضوح أنه بحسب مرحلة الامتثال لم يأت بما هو اللازم في حقه فلا يمكنه الاكتفاء بما أتى به.
وأمّا إذا انكشف الخلاف وظهر أن ما أتى به على خلاف وظيفته الفعلية هو المطابق للواقع فلأنه مع اعتقاده أن ما يأتي به خلاف الواجب في حقه لا يتأتى منه قصد القربة فيقع ما أتى به باطلاً لا يمكن الاجتزاء به.
وأمّا إذا عمل على طبق وظيفته الفعلية (1)فله صورتان : لأنه عند ما يعتقد التضرر من الطهارة المائية أو يخاف من استعمال الماء فيتيمم ثم ينكشف عدم الضرر في استعمال الماء وأن وظيفته الوضوء أو الغسل قد يكون انكشاف عدم الضرر بعد الصلاة وقد يكون قبل الدخول في الصلاة ، وقد فصل الماتن بينهما فحكم في الصورة الأُولى بصحّة تيمّمه وصلاته وحكم في الصورة الثانية بوجوب الوضوء أو الاغتسال عليه.
أمّا الصورة الأُولى فالظاهر أن الماتن اعتمد في حكمه بصحّة التيمّم فيها على أن
1) ولا يخفى أن للعمل على طبق الوظيفة الفعلية موردين ذكر للأوّل منهما الصورتين الآتيتين ثم يتطرّق فيما يأتي للثاني بعنوان : الصورة الأُخرى.
الخوف موضوع لجواز التيمّم لا أنه طريق إليه ، والمدار على احتمال الضرر لا على الضرر الواقعي كما قدّمناه وقلنا : إن المريض غالباً يحتمل الضرر في استعماله الماء ببطء مرضه أو صعوبة علاجه ونحوهما ، والقطع بالضرر نادر جدّاً. إذن فهو عند خوفه من الضرر باستعمال الماء يجب عليه التيمّم واقعاً وقد أتى بما هو الواجب في حقه فلا وجه للحكم ببطلانه ووجوب الإعادة عليه. هذا إذا خاف الضرر ، وأما لو اعتقد تضرره بالماء فحكمه كذلك بطريق أولى ، إذ لا يحتمل مع الاعتقاد انتفاء الضرر أصلاً بخلاف الخوف من الضرر ، فلو ثبت الحكم المذكور عند الخوف ثبت مع اعتقاد الضرر بطريق أولى.
ويندفع : بأنّا لو سلمنا ما ذكره من أن الخوف موضوع للحكم بجواز التيمّم وليس طريقاً إلى الضرر ، ولم نقل إنه خلاف المتفاهم العرفي من مثل قوله : « يخاف على نفسه من البرد » (1)لأن الظاهر من الخوف وغيره من الأوصاف النفسانية هو الطريقية ، كما في الظن بل اليقين كما في قوله تعالى ( حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) (2)مع ذلك أيضاً لا يمكننا المساعدة على ما أفاده حتى فيما إذا كان اعتقاده أو خوفه مطابقاً للواقع بأن كان استعمال الماء مضراً بحاله واقعاً.
وذلك لأن الموضوع للحكم بجواز التيمّم إنما هو الخوف المستوعب للوقت لا الخوف ساعة ، حتى لو كان مضراً واقعاً في تلك الساعة فلا نلتزم بصحته فضلاً عما إذا لم يكن مضراً واقعاً.
وأما الصورة الثانية أعني ما إذا انكشف الخلاف وعدم الضرر قبل الصلاة فقد جزم الماتن قدسسره فيها ببطلان التيمّم ، وهو الصحيح.
وليس الوجه في ذلك ما قد يتوهم من أن القدر المتيقن من أدلّة مسوغية الخوف للتيمم ما إذا كان موضوع المشروعية وهو الخوف باقياً ، وأما إذا ارتفع لانكشاف عدم الضرر فلا بدّ من الرجوع إلى عموم أو إطلاق ما دل على وجوب الوضوء أو
الغسل.
وذلك لأن ما دل على مسوغية الخوف للتيمم مثل قوله : « لو يخاف على نفسه من البرد لا يغتسل ويتيمم » أو قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ) (1)بالتقريب المتقدم حيث قلنا إن المريض غالباً يحتمل الضرر في استعمال الماء لا أنه يقطع بالضرر ليس فيه أي إجمال حتى يؤخذ بالقدر المتيقن منه ، بل هو مطلق يعم ما إذا بقي الخوف وما إذا ارتفع تمسكاً بإطلاقه ، بل الأمر كذلك حتى مع قطع النظر عن هذا الإطلاق لأن الخوف المتأخر الباقي لا يؤثر في مسوغية الخوف الحادث السابق ، ولا يكون ارتفاعه موجباً لسقوط ما سبق من الخوف عن الموضوعية والمسبوقية ، ومع الشك يرجع إلى إطلاق أدلة الخوف لا إلى إطلاق أدلة وجوب الوضوء أو الغسل.
بل الوجه فيما أفاده الماتن قدسسره ما دلّ على أن وجدان الماء ناقض للتيمم كناقضية الحدث للطهارة المائية ، وحيث إنه انكشف الخلاف وتبين أنه متمكن من استعمال الماء فقد صار واجداً للماء وهو ناقض للتيمم. هذا كله في إحدى صورتي عمل المكلف بوظيفته الفعلية.
والصورة الأُخرى وهي ما إذا اعتقد عدم الضرر في استعمال الماء فتوضأ أو اغتسل ثم انكشف ضرره في حقه ولزوم التيمّم عليه فقد ذهب الماتن قدسسره فيها إلى صحّة وضوئه أو غسله وعدم وجوب التيمّم عليه ، وهذا هو الصحيح.
وذلك لأن الضرر الواقعي إذا لم يبلغ مرتبة الحرمة كالحرج ، وقلنا في المسألة السابقة بتخيّر المكلف بين الوضوء أو الغسل وبين التيمّم خلافاً للمحقق النائيني قدسسره لا يكون هنا نقض لوضوئه أو غسله.
وتوضيحه : أن قاعدتي نفي الضرر والحرج إن قلنا بأنهما تختصان بالأحكام الإلزامية دون أن تشمل الأحكام الترخيصية والاستحباب النفسي للوضوء وغيره من الطهارات الثلاثة حتى فيما علمنا بالضرر فضلاً عمّا إذا احتملناه كما في المقام فلا إشكال.
1) النساء 4 : 43.
وكذلك الحال فيما لو لم نقل بالاختصاص ولم نقل بالتخيير في المسألة السابقة وذلك لأن دليل نفي الضرر والحرج إنما وردا للامتنان على الأُمة ولا امتنان في شمولهما للمقام ، لأن الحكم ببطلان الغسل أو الوضوء السابق وإعادة الطهور بالتيمّم ليس فيه امتنان على العباد. إذن لا وجه للحكم بالبطلان ووجوب التيمّم حينئذ.
وأمّا إذا بلغ الضرر مرتبة الحرمة فقد يقال بالبطلان نظراً إلى حرمة الوضوء حينئذ حرمة واقعية ، والأمر المحرم المبغوض للمولى لا يمكن أن يقع مصداقاً للواجب فيبطل.
ولا يبتني هذا على جواز اجتماع الأمر والنهي أو امتناعه ، لأن القائل بالجواز لا يلتزم بالصحّة في أمثال المقام مما لا يكون هناك معنونان وعنوانان اجتمعا في مورد واحد اتفاقاً ، بل المعنون شيء واحد له حكمان ، فإن أفعال الغسل والوضوء حين التضرر محرمة ، لأن المحرم وإن كان هو عنوان الضرر إلاّ أنه لما كان أمراً توليدياً من الوضوء والغسل كان نفس الوضوء والغسل بذاتهما محرمين كما أنهما بذاتهما واجبان فليس هناك معنونان.
وفي مثله لا بدّ من الالتزام بالبطلان كما التزمنا به في صورة الوضوء بالماء المغصوب جهلاً بالغصبية ، لأن المحرم لا يمكن صيرورته مصداقاً للواجب ، هذا.
ويمكن الجواب عن ذلك بما ذكرناه في مبحث الوضوء من أنه لو توضأ بالماء المغصوب ناسياً لغصبيته وقع وضوءه صحيحاً ، لأن النسيان يرفع الحرمة واقعاً لعدم إمكان تكليف الناسي ، ومع عدم الحرمة لا يمكن استكشاف المبغوضية فيقع الوضوء صحيحاً ومتعلقاً للوجوب لا محالة.
وهذا غير الجهل بالغصبية ، إذ مع الجهل لا ترتفع الحرمة الواقعية ، ومع بقاء الحرمة لا يمكن الحكم بصحّة الوضوء لأنه لا يمكن أن يكون الحرام مصداقاً للواجب (1).
ومقامنا هذا من قبيل النسيان لا الجهل ، لأن المدار في سقوط الحكم الواقعي وعدم إمكان التكليف الواقعي عدم قابلية الحكم للبعث أو الانزجار به ، فان الحكم إنما هو
1) شرح العروة 5 : 317 فما بعد.
[1078] مسألة 20 : إذا أجنب عمداً مع العلم بكون استعمال الماء مضراً وجب التيمّم وصح عمله لكن لمّا ذكر بعض العلماء وجوب الغسل في الصورة المفروضة وإن كان مضراً (1)
لأجل أن ينبعث المكلف عن بعثه وينزجر عن زجره ، وهذا لا يتصور في النسيان أو اعتقاد الخلاف كما في المقام ، لأنه اعتقد عدم الضرر فتوضأ أو اغتسل ومعه لا يمكنه الانبعاث والانزجار بنهي الشارع عن ارتكاب الضرر أو الأمر بتركه فاذا سقطت الحرمة واقعاً فلا وجه لبطلان الوضوء أو الغسل ، بل الصحيح أن يحكم بصحتهما.
(1) نسب ذلك إلى الشيخ (1)والصدوق (2)والمفيد (3)قدسسرهم واختاره في الوسائل وعقد باباً عنونه بباب وجوب تحمل المشقة الشديدة في الغسل لمن تعمد الجنابة (4)وذهب إليه غيرهم. وكأن ذلك من جهة أن تجويز التيمّم في حق من احتمل الضرر من باب الإرفاق والامتنان ، ولا إرفاق بمن أجنب نفسه متعمداً.
إلاّ أن المعروف عندهم عدم الفرق بين من أجنب نفسه متعمداً وبين من أجنب من دون تعمد ، فان كلا منهما إذا احتمل الضرر في غسله ينتقل إلى التيمّم.
ومنشأ الاختلاف بينهم هو اختلاف الأنظار فيما يستفاد من الأخبار ، فقد ورد في مرفوعة علي بن أحمد عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سألته عن مجدور أصابته جنابة ، قال : إن كان أجنب هو فليغتسل وإن كان احتلم فليتيمم » (5).
وفي مرفوعة إبراهيم بن هاشم قال : « إن أجنب فعليه أن يغتسل على ما كان منه وإن احتلم يتيمم » (1).
وهاتان الروايتان كالصريح في المدعى ، إلاّ أنهما ضعيفتان من حيث السند فلا يمكن الاعتماد عليهما. ولا يمكن دعوى انجبارهما بعمل الأصحاب [ لتكونا ] كالصحيحة أو الموثقة في الاعتبار ، لما تقدّم من أن المعروف بينهم عدم الفرق بين متعمد الجنابة وبين المجنب لا عن اختياره.
وفي صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنه « سئل عن رجل كان في أرض باردة فتخوف إن هو اغتسل أن يصيبه عنت ( مشقة ) من الغسل كيف يصنع؟ قال : يغتسل وإن أصابه ما أصابه ، قال : وذكر أنه كان وجعاً شديد الوجع فأصابته جنابة وهو في مكان بارد وكانت ليلة شديدة الريح باردة فدعوت الغلمة فقلت لهم : احملوني فاغسلوني ، فقالوا : إنّا نخاف عليك ، فقلت لهم : ليس بدّ فحملوني ووضعوني على خشبات ثم صبوا الماء فغسلوني » (2).
وفي صحيحة محمد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل تصيبه الجنابة في أرض باردة ولا يجد الماء وعسى أن يكون الماء جامداً ، فقال : يغتسل على ما كان. حدثه رجل أنه فعل ذلك فمرض شهراً من البرد فقال عليهالسلام : اغتسل على ما كان فإنه لا بدّ من الغسل. وذكر أبو عبد اللّه عليهالسلام أنه اضطر إليه وهو مريض فأتوه به مسخناً فاغتسل » (3).
وهاتان الروايتان صحيحتان من حيث السند ، إلاّ أن دلالتهما قاصرة ، فإنه لم يذكر فيهما أن الجنابة كانت اختيارية بل هما مطلقتان ، فيحتمل أن يكون وجوب الاغتسال على من أصابته الجنابة مطلقاً مع المشقة فيه حكماً مختصاً به ولم تكن المشقة
موجبة لارتفاع وجوب الغسل عنه.
نعم ذكر صاحب الوسائل قدسسره أن ذيل الروايتين قرينة على اختصاص الجنابة بالعمد ، لما ورد في الرواية الصحيحة من أن الإمام عليهالسلام لا يحتلم فتكون الجنابة في الصحيحتين يراد منها الجنابة العمدية.
وفيه : أنّا لو سلمنا أن الإمام عليهالسلام لا يحتلم مع أن الاحتلام ليس نقصاً على الإنسان حتى يتنزّه عنه ، بل هو أمر عادي طبيعي للإنسان فمع ذلك لا يمكن المساعدة عليه ، لأنه عليهالسلام ذكر الحكم في صدر الصحيحتين على نحو الكبرى الكلية ثم طبقها على نفسه ، فليست الصحيحة واردة في خصوص المتعمد ، والمرفوعتان المتقدمتان لا تقبلان أن تكونا قرينة على الاختصاص لضعفهما ، والصحيحتان مطلقتان.
والنسبة بينهما وبين الآية المباركة والأخبار الواردة في أن الوظيفة عند احتمال الضرر تنتقل إلى التيمّم (1)هي التباين ، لأنهما يدلان على أن وظيفة المجنب على الإطلاق عند احتمال الضرر هي التيمّم ، والصحيحتان تدلان على أن وظيفته الغسل والترجيح مع الأخبار المتقدمة لموافقتها الشهرة وكونها على وفق الكتاب وإطلاقه.
فالمتحصل : أن الإجناب سواء كان عمدياً أم غير عمدي حكمه التيمّم عند احتمال الضرر كما ذهب المشهور إليه ، هذا كلّه في صورة كون الضرر المحتمل غير الموت.
وأما إذا كان المحتمل على تقدير الاغتسال هو الموت فلا يحتمل أن يكون مشمولاً للحكم السابق على تقدير القول به ، وذلك :
أولاً : لقصور المقتضي ، لأن الصحيحتين وردتا في من يخاف العنت أي المشقة في الاغتسال أو في من احتمل أن يمرض شهراً ، ولم تكونا واردتين في من يحتمل الموت.
وثانياً : لو أغمضنا عن ذلك وقلنا بإطلاق الصحيحتين وأن مراده عليهالسلام من قوله : « أصابه ما أصابه » يعم العنت وغيره فالنسبة بينهما وبين ما دلّ على أن
1) الوسائل 3 : 346 / أبواب التيمّم ب 5.
فالأولى الجمع بينه وبين التيمّم (1)(1)
الوظيفة عند احتمال الموت هو التيمّم أعني صحيحة عبد اللّه بن سنان : « أنه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيخاف على نفسه التلف إن اغتسل ، فقال عليهالسلام : يتيمم ... » (2)عموم من وجه ، لعموم الصحيحة للجنابة العمدية وغيرها مع اختصاصها باحتمال الموت ، وعمومية الصحيحتين من حيث احتمال الضرر الأعم من الموت وغيره على الفرض مع اختصاصهما بالجنابة العمدية فيتعارضان في من أجنب نفسه بالاختيار واحتمل الموت إذا اغتسل ، ولا بدّ من الرجوع معه إلى عموم ما دل على حرمة إلقاء النفس في التهلكة وعدم جواز التسبيب للقتل ، ومعه يكون المكلف عاجزاً عن الماء فتنتقل وظيفته إلى التيمّم.
والجمع بين الصحيحة وبين الصحيحتين المتقدمتين بحملها على ما إذا احتمل ضرراً غير التلف جمع تبرعي ، نظير الجمع بين ما دل على أن ثمن العذرة سحت وما دل على أن ثمن العذرة لا بأس به (3)بحمل المانعة على عذرة الإنسان والمرخصة على عذرة الحيوان غيره.
والذي يؤكد ما ذكرناه قيام السيرة على إتيان الأهل مع عدم التمكن من الماء لمرض أو سفر لا يوجد فيه الماء أو لغير ذلك ، فلو كانت الوظيفة هي الغسل عند احتمال الضرر لشاع هذا الحكم وانتشر مع أنه لم ينقل عن الأئمة عليهمالسلام ولا عن أصحابهم في رواية فضلاً عن كونها معتبرة.
(1) هذا منه قدسسره احتياط لكنه إنما يتم فيما إذا كان الضرر المحتمل مما
بل الأولى مع ذلك إعادة الغسل والصلاة بعد زوال العذر (1).
[ لا ] يعلم بعدم رضا الشارع به أو قلنا بعدم حرمة الإضرار بالنفس كما تقدّم (1)نقله عن شيخنا الأنصاري قدسسره وإلاّ فمع حرمته لا معنى للاحتياط بالإتيان بالمحرم فليس المورد حينئذ من موارد الاحتياط.
(1) هذا الاحتياط مثل سابقه في غير محله ، وذلك لأن وظيفة المكلف في مفروض المسألة لا تخلو إما أن تكون هي الاغتسال أو هي التيمّم.
أمّا على الأوّل فعدم الحاجة إلى إعادة الغسل والصلاة ظاهرة ، لأن المكلف قد اغتسل وصلّى على الفرض فما الموجب لإعادتهما ثانياً؟ وهذا واضح.
وأما على الثاني فلأنه قد أتى بما هو وظيفته من التيمّم والصلاة ، وقد دل غير واحد من الأخبار على أن الصلاة المأتي بها بالطهارة الترابية لا تعاد بعد وجدان الماء (2).
ولا يمكن أن يكون الوجه في هذا الاحتياط صحيحة عبد اللّه بن سنان : « أنه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيخاف على نفسه التلف إن اغتسل ، فقال : يتيمم ويصلِّي فإذا أمن من البرد اغتسل وأعاد الصلاة » (3)كما قيل.
والوجه في ذلك أن الصحيحة خارجة عما نحن فيه ، لأن قوله : « تصيبه الجنابة » إما ظاهر في الجنابة غير العمدية وإما أنها تعم الإجناب العمدي وغير العمدي. ومقتضى الاعتماد على هذه الصحيحة أن يحتاط الماتن في كل من أصابته الجنابة اختيارية كانت أم غير اختيارية بالجمع بين الوظيفتين فيما إذا احتمل الضرر في غسله لا في خصوص من أجنب عمداً مع العلم بالضرر في الاغتسال ، مع أن الماتن احتاط في
[1079] مسألة 21 : لا يجوز للمتطهر بعد دخول الوقت إبطال وضوئه بالحدث الأصغر إذا لم يتمكن من الوضوء بعده كما مرّ (1) ، لكن يجوز له الجماع مع عدم إمكان الغسل ، والفارق وجود النص في الجماع ، ومع ذلك الأحوط تركه أيضا (2).
خصوص الجنابة العمدية.
ويمكن حمل الصحيحة على ما إذا حصل الأمن من البرد في الوقت فإنه يبطل تيمّمه حينئذ بصيرورته واجداً للماء ويجب عليه إعادة الغسل والصلاة. وحملها على هذا أولى من حملها على ما إذا حصل الأمن بعد الوقت ، لأنها حينئذ تصير مطروحة لمعارضتها مع الأخبار المشار إليها الواردة في أن من صلّى مع التيمّم لا يعيدها فيما إذا وجد الماء.
(1) وقد تقدّمت هذه المسألة (1)فلا نعيدها.
(2) استثني من الكبرى الكلية المتقدمة خصوص من أراد أن يجامع أهله ، وذلك للنص فروى في الوسائل عن الشيخ قدسسره عن إسحاق بن عمار بطريق فيه علي بن السندي قال : « سألت أبا إبراهيم عليهالسلام عن الرجل يكون مع أهله في السفر فلا يجد الماء يأتي أهله؟ فقال : ما أُحب أن يفعل ذلك إلاّ أن يكون شبقاً أو يخاف على نفسه » (2).
وهي وإن كانت من حيث السند ضعيفة ، لأن فيه علي بن السندي أو السري وهو ضعيف ، نعم احتمل أن يكون علي بن إسماعيل بن السندي وقد وثقه ابن الصباح ولكنه بنفسه لم يوثق فلا يمكن الاعتماد على رواية الرجل. إلاّ أن هذه الرواية نقلها
الرابع : الحرج في تحصيل الماء (1) أو في استعماله وإن لم يكن ضرر أو خوفه.
الكليني والشيخ قدسسرهما بسند صحيح مع إضافة نقلها في الوسائل (1)فلا تأمل فيها من حيث السند.
وأمّا من حيث الدلالة فهي ظاهرة حيث دلت بإطلاقها وترك الاستفصال فيها عن أن يكون للمكلف ماء كافٍ لوضوئه أو لم يكن له ماء كاف لوضوئه على أنه يمكنه أن يجامع أهله مطلقاً ، سواء كان له ماء يكفيه لوضوئه وإن لم يكن كافياً لغسله أو لم يكن له ماء أصلاً حتى يجب عليه التيمّم بدلاً عن الوضوء.
(1) ولو كان لبرودة الهواء أو غيرها مما يوجب المشقة والحرج ، وهذا وإن لم يرد فيه نص ظاهر إلاّ أنه يستفاد مما دل على أن المكلف متى لم تجب عليه الطهارة المائية وجبت عليه الطهارة الترابية كموثقة سماعة قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته ، قال : يتيمم بالصعيد ويستبقي الماء فان اللّه عزّ وجلّ جعلهما طهوراً : الماء والصعيد » (2)لدلالتها على أن المكلف إذا لم يجب عليه الوضوء لا بدّ من أن يتيمم ، وما ورد في الاغتسال من البئر من قوله عليهالسلام : « ولا تفسد على القوم ماءهم فان رب الصعيد والماء واحد » (3)وغيرهما من الأخبار.
وحيث إن مقتضى أدلة نفي الحرج عدم وجوب الوضوء على المكلف في مفروض المقام فتجب عليه الطهارة الترابية لما عرفت.
1) الوسائل 20 : 109 / أبواب مقدمات النكاح وآدابه ب 50 ح 1 ، الكافي 5 : 495 / 3 ، التهذيب 7 : 418 / 1677. والوارد في الوسائل هو : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام .... إلخ » وإن كانت نسخة التهذيب هكذا : سألت أبا إبراهيم عليهالسلام .... ، ثم إن الشيخ لم ينقل الإضافة المشار إليها.
2) الوسائل 3 : 388 / أبواب التيمّم ب 25 ح 3.
3) الوسائل 3 : 344 / أبواب التيمّم ب 3 ح 2.
الخامس : الخوف من استعمال الماء (1)(1) على نفسه أو أولاده وعياله أو بعض متعلقيه أو صديقه فعلاً أو بعد ذلك من التلف بالعطش أو حدوث مرض بل أو حرج أو مشقة لا تتحمل. ولا يعتبر العلم بذلك بل ولا الظن ، بل يكفي احتمال يوجب الخوف حتى إذا كان موهوماً ، فإنه قد يحصل الخوف مع الوهم إذا كان المطلب عظيماً فيتيمم حينئذ ، وكذا إذا خاف على دوابه أو على نفسٍ محترمة وإن لم تكن مرتبطة به
على أنّ ذلك يمكن استفادته من الأدلة الأولية وإن لم تكن رواية في البين ، وذلك لدلالة الأدلة على أنه « لا صلاة إلاّ بطهور » وأن الطهارة معتبرة في الصلاة ، فإذا فرضنا أن الطهارة المائية ليست واجبة على المكلف لدليل نفي الحرج أو غيره يتعين عليه إما الصلاة بلا طهور أو الصلاة بالتراب ، وحيث لا سبيل إلى الأوّل لأن الصلاة لا تترك بحالٍ فيجب أن يصلِّي مع التيمّم لا محالة ، لانحصار الطهور بالماء والصعيد ، فاذا لم يجب الأوّل يتعين وجوب الثاني. مع أن دلالة الأخبار واضحة كما عرفت.
(1) الفرق بين هذا المسوغ والمسوغ الثالث الخوف من استعمال الماء على نفسه أو عضو من أعضائه بتلف أو عيب ... هو أن الضرر أو الحرج في المسوغ الثالث يترتب على استعمال الماء بالتوضي أو الاغتسال به ، وفي المسوغ الخامس يترتب الضرر على عطشه أو عطش من يهمه أمره ، هذا العطش مسبب من عدم استبقائه الماء ومن استعماله في الوضوء أو الغسل ، ولا ضرر في استعمال الماء في الوضوء والغسل ولا حرج أصلاً.
1) (*) الخوف المسوغ للتيمم إنما يتحقق في موارد : الأوّل : أن يخاف من صرف الماء في الطهارة على نفسه فعلاً أو فيما بعد من عطش مؤد إلى التلف أو المرض أو الحرج. الثاني : أن يخاف على غيره من التلف أو ما دونه مع فرض وجوب حفظه عليه. الثالث : أن يخاف من العطش على غيره ممن يهمه أمره على نحو يقع في الضرر أو الحرج ، وفي غير ذلك لا يجوز له حفظ الماء بل يجب صرفه في الطهارة ، وبذلك يظهر الحال في الفروع المذكورة في المتن.
ولا فرق في المسوغ الخامس بين الخوف من استعمال الماء على عطش نفسه أو أولاده أو غيرهم ، فعلاً أو يخاف عليهم بعد ذلك.
والدليل على مسوغيته للتيمم مطابقته للقاعدة العامة ودلالة النصوص عليه.
أمّا من حيث القاعدة فلأن ما يحتمله من التلف بالعطش أو حدوث المرض أو غيرهما إن كان راجعاً إلى نفسه فتشمله قاعدتا نفي الضرر والحرج ، لأنه ضرر أو حرج يترتب على الوضوء أو الغسل لا مباشرة بل مع الواسطة ، ولا فرق في شمولهما للضرر مع الواسطة وله مباشرة وبلا واسطة.
وأمّا إذا كان الضرر أو الحرج راجعاً إلى غيره ممن يهمه أمره ويقع في حرج ومشقة بسبب ما يناله من عدم استبقاء الماء كولده وزوجته ونحوهما فمقتضى قاعدة نفي الحرج عدم وجوب الوضوء أو الغسل ، لأن فيهما مشقة وحرجاً عليه. وهذا لا يختص بالولد والزوجة ونحوهما بل يعم الضيف الوارد عليه فيما إذا احتمل عطشه في الأثناء على تقدير استعماله الماء في طهوره ، فان بقاء ضيفه عطشاناً صعب وشاق عليه. فعدم وجوب الطهارة المائية في أمثال هذه الموارد على طبق القاعدة.
وأمّا إذا كان ما يحتمله من الضرر والعطش راجعاً إلى غيره بأن احتمل تلفه عطشاً إذا صرف هو ماءه في طهوره فإنه في مثل ذلك يتزاحم الأمر بالصلاة مع الطهارة المائية مع الأمر بحفظ النفس المحترمة ، وحيث إن الأمر الأوّل مشروط بالقدرة شرعاً وبالتمكن من استعمال الماء والأمر الثاني غير مشروط فيتقدم وجوب حفظ النفس على وجوب الطهارة المائية لأنه معجز مولوي عن الطهارة المائية ، والممتنع شرعاً مثل الممتنع عقلاً فلا يجب عليه الوضوء والغسل بالماء.
وإن شئت قلت : إن الأمر بالصلاة مع الطهارة المائية له بدل ، والأمر بحفظ النفس المحترمة ليس له بدل ، وعند تزاحم مثلهما يتقدم ما ليس له بدل على ما له البدل فيجب التيمّم ، وكذلك إذا خاف التلف على نفسه.
وأمّا في غير هذا المورد كما لو كان ما يحتمله من الضرر المسبب من العطش الراجع إلى الغير لا يبلغ حد التلف بل كان وضوء المكلف أو اغتساله به موجباً لوقوع بعض
من في القافلة مثلاً في المشقة والحرج فلا يجوز له ترك الطهارة المائية والانتقال إلى التيمّم ، هذا كله على ما تقتضيه القاعدة.
وأمّا بحسب النصوص فهي مطابقة للقاعدة أيضاً :
فمنها : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنه قال : « في رجل أصابته جنابة في السفر وليس معه إلاّ ماء قليل ويخاف إن هو اغتسل أن يعطش قال : إن خاف عطشاً فلا يهريق منه قطرة وليتيمم بالصعيد فان الصعيد أحب إليَّ » (1).
وهي من حيث السند صحيحة على طريق الشيخ وحسنة (2)على طريق الكليني (3)ومن حيث الدلالة ظاهرة لكنها مختصة بما إذا احتمل وخاف العطش على نفسه.
ومنها : رواية محمد الحلبي قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : الجنب يكون معه الماء القليل فان هو اغتسل به خاف العطش أيغتسل به أو يتيمم؟ فقال : بل يتيمم ، وكذلك إذا أراد الوضوء » (4)وهي من حيث الدلالة كسابقتها ، ومن حيث السند ضعيفة بمحمد بن سنان وإن عبر عنها في « الحدائق » بالصحيحة (5).
ومنها : رواية ابن أبي يعفور قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يجنب ومعه من الماء قدر ما يكفيه لشربه أيتيمم أو يتوضأ به؟ قال : يتيمم أفضل ، ألا ترى أنه إنما جعل عليه نصف الطهور » (6).
وهي كسابقتها دلالة وسنداً ، لوقوع معلى بن محمد في سندها ، وهو لم يوثق ولم يمدح فهي ضعيفة ، لا صحيحة ولا حسنة ولا موثقة وإن وصفها في الحدائق بالحسنة (7)ولكن لم يظهر لنا وجهه.
ومنها : موثقة سماعة المتقدِّمة ، قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلّته؟ قال : يتيمم بالصعيد ويستبقي الماء ، فان اللّه عزّ وجلّ جعلهما طهوراً : الماء والصعيد » (1).
وهي موثقة سنداً وتامة دلالة من دون اختصاصها بما إذا خاف العطش على نفسه بل تعم جميع الموارد المذكورة في المتن ، وذلك لعدم تقييد خوف قلّة الماء بما إذا كان على نفسه أو ولده أو من يهمه أمره أو حيوانه أو صديقه أو غيره فيشمل كل مورد يخاف قلة الماء فيه.
وقد يورد على الاستدلال بها بكونها ليست مطلقة وبصدد البيان ، وإلاّ لشملت ما إذا خاف قلة الماء لتنظيف بدنه وغسل ثيابه وظروفه مع أنه لا يحتمل في هذه الموارد الانتقال إلى التيمّم.
ويدفعه : أن قوله : « ومعه من الماء ... » معناه أنه يستصحب معه الماء في سفره والماء معه ، ولم تجر العادة في أسفار العصور المتقدمة التي كانوا يسافرون فيها على الإبل والفرس والحمير على حمل الماء لغسل ظروفهم وتنظيف أبدانهم ، بل يستصحبون الماء لضروراتهم من الشرب والوضوء ونحوهما ، فالموثقة لا تشمل إلاّ ما هو المعتاد المتعارف في حملهم الماء عند الأسفار.
هذا على أنّا لو سلمنا شمول الموثقة لحمل الماء لأجل تنظيف أبدانهم وظروفهم ونحو ذلك فنخرج عن إطلاقها بالمقدار الذي نقطع بعدم مسوغيته للتيمم ويبقى غير المقطوع به مشمولاً لإطلاق الموثقة. فالمتحصل تطابق النصوص مع القاعدة.
وحاصل ما أفاده الماتن قدسسره أن الأقسام في المقام ثلاثة :
الأوّل : أن تكون النفس التي يحتمل طروء العطش لها ويسبب صرف الماء في الطهور تلفها نفساً واجبة الحفظ على المكلف لكونها محترمة ويحرم قتلها وإتلافها.
1) الوسائل 3 : 388 / أبواب التيمّم ب 25 ح 3.
وأمّا الخوف على غير المحترم كالحربي والمرتد الفطري ومن وجب قتله في الشرع فلا يسوّغ التيمّم ، كما أن غير المحترم الذي لا يجب قتله بل يجوز كالكلب العقور والخنزير والذئب ونحوها لا يوجبه وإن كان الظاهر جوازه. ففي بعض صور خوف العطش يجب حفظ الماء وعدم استعماله كخوف تلف النفس أو الغير ممن يجب حفظه وكخوف حدوث مرض ونحوه ، وفي بعضها يجوز حفظه ولا يجب مثل تلف النفس المحترمة التي لا يجب حفظها وإن كان لا يجوز قتلها أيضاً ، وفي بعضها يحرم حفظه بل يجب استعماله في الوضوء أو الغسل كما في النفوس التي يجب إتلافها ففي الصورة الثالثة لا يجوز التيمّم ، وفي الثانية يجوز ، ويجوز الوضوء أو الغسل أيضاً ، وفي الاولى يجب ولا يجوز الوضوء أو الغسل.
ولا ينبغي الإشكال في وجوب استبقاء الماء لتلك النفس المحترمة وحفظها وانتقال وظيفته إلى التيمّم.
الثاني : أن تكون النفس التي يخاف العطش عليها غير واجبة الحفظ. وهذه النفس قد تكون محترمة مثل الذمي الذي هو محترم النفس ، حيث لا يجوز قتله لكنه لا دليل على وجوب حفظ نفسه من التلف ، نعم حفظ نفسه جائز شرعاً. ومثل الحيوان المملوك حيث لا يجوز إتلافه من دون إذن المالك ، بل مع إذنه إذا كان الإتلاف على غير الوجه الشرعي في الذبح ، إلاّ أنه لا يجب حفظه وإنما هو جائز شرعاً. وقد لا تكون النفس محترمة كالذئب والكلب غير العقور والخنزير إذا لم يكن في معرض الإضرار بالمسلمين ، فإنها أنفس لا يجب التحفظ عليها كما لا يحرم قتلها.
وفي هذه الصورة حكم بالتخيير بين التيمّم لجواز أن يصرف في حفظ هذه الأنفس لجوازه شرعاً على الفرض ، بل قد يكون راجحاً لقوله عليهالسلام : لكل كبد حرى أجر (1)ومعه يكون غير واجد الماء فيسوغ له التيمّم ، وبين الوضوء أو الغسل بالماء
1) راجع الوسائل 9 : 473 / أبواب الصدقة ب 49 ، وكذلك المستدرك 7 : 250 / أبواب الصدقة ب 45 ، حيث ذكر فيهما مضمون هذا القول.
لأنه لا يجب عليه إبقاء تلك النفوس ولا يجب عليه حفظها فيصدق عليه واجد الماء.
الثالث : أن تكون النفس محرمة الحفظ مثل الكافر الحربي والمرتد الفطري والزاني بالمحرم واللاّئط وأمثالهم ممن حكم الشرع عليهم بالقتل ، ومثل الكلب العقور المؤذي للمسلمين ونحوه ، فان حفظ هذه النفوس محرم شرعاً لكونها محكومة بالقتل.
وفي هذا القسم حكم الماتن بوجوب الوضوء أو الغسل على المكلف ولم يسوغ له التيمّم لغرض استبقاء الماء لحفظ هذه النفوس من العطش ، لكونها نفوساً لا يجوز حفظها من الموت والتلف. هذا خلاصة ما أفاده الماتن في المقام.
ولكن ممّا ذكرناه في الكبرى المتقدِّمة تظهر الخدشة فيما أفاده قدسسره في المقام.
وتوضيحه : أن ما أفاده في القسم الأوّل مما لا شبهة فيه ، لأن حفظ النفس المحترمة واجب شرعاً ولا بدل له فيتقدم على وجوب الصلاة مع الطهارة المائية التي لها بدل وهو الصلاة مع التيمّم ، حيث يكون حفظ النفس معجزاً مولوياً للمكلف عن استعمال الماء ، ومع عدم التمكن من استعمال الماء شرعاً أو عقلاً ينتقل الأمر إلى التيمّم.
وأمّا ما ذكره في القسم الثاني والثالث فلا يمكن المساعدة عليه : أما القسم الثاني الذي حكم فيه بالتخيير بين الطهارة المائية والترابية فلأن الجواز الطبعي لا ينافي الوجوب الفعلي لعارض كالتزاحم ، فإن سقي الماء للذمي أو الدابة المملوكة أو الذئب مثلاً وإن كان سائغاً في نفسه وطبعه لكنه لما كان مزاحماً لوجوب الوضوء فعلاً لتحقق شرطه وهو التمكن من استعمال الماء شرعاً وعقلاً أما عقلاً فواضح ، وأمّا شرعاً فلجواز صرف الماء في وضوئه وغسله وإن كان صرفه في سقي الذمي أو الدابة جائزاً في نفسه فلا يجوز التيمّم وترك الطهارة المائية لسقي الماء للذمي ونحوه.
وكذلك الحال إذا قلنا باستحباب السقي في بعض الموارد لقوله عليهالسلام : « لكل كبد حرى أجر » (1)لأن الاستحباب لا يزاحم الوجوب ، ومع التمكّن من
1) تقدمت قريباً.
[1080] مسألة 22 : إذا كان معه ماء طاهر يكفي لطهارته وماء نجس بقدر حاجته إلى شربه لا يكفي في عدم الانتقال إلى التيمّم (1) لأن وجود الماء النجس
استعمال الماء عقلاً وشرعاً لا يسوغ له التيمّم بل تجب الطهارة المائية ، اللّهمّ إلاّ أن يدخل تحت الكبرى المتقدمة بأن يكون تلف النفس المذكورة ضرراً عليه أو حرجياً في حقه لأنه ممن يهمه أمره كما لو كان الذمي خادمه وسائق سيارته ونحو ذلك ، فان الوضوء أو الغسل لا يجب عليه حينئذ ووظيفته التيمّم.
وأما القسم الثالث : فلوضوح أن كون النفس محكومة بالقتل لا ينافي جواز سقيها الماء ، إذ ليس من المحرمات إعطاء الماء للكافر فطرياً ليشربه ولا سيما بعد توبته وخصوصاً إذا قلنا بقبولها منه وصيرورته كواحد من المسلمين وإن وجب قتله ، لعدم منافاة قبول توبته مع وجوب قتله ، لأنه لا يجعله محرم السقي بل يجوز سقيه أو يستحب ، وحكم قتله إنما هو صلاحية الحاكم الشرعي ولا يجوز قتله لكل أحد.
وعليه لا يتعيّن الوضوء أو الغسل لما ذكره ، بل يتعيّن لما ذكرناه من أنه متمكن من استعمال الماء عقلاً وشرعاً فلا بدّ من الطهارة المائية وإن كان السقي جائزاً في طبعه. اللّهمّ إلاّ أن تكون تلكم النفوس ممن يهم المكلف أمرها ويقع في الضيق والحرج من تلفها كما تقدم.
إذن فالصحيح ما قدمناه من أن العطش المسبب للتلف أو الضرر أو الحرج إن كان محتمل الطروء على نفس المكلف فلا إشكال في تعين التيمّم أو جوازه. وإن كان محتمل الطروء على غيره فان كان هو التلف يتعين التيمّم أيضاً ، وإن كان هو الضرر أو الحرج وكان ممن يهمه أمره ويقع من ضرره أو حرجه في عسر وحرج يجوز التيمّم ، وإن لم يكن يهمه أمره كذلك فلا يجوز التيمّم كما مرّ.
(1) لما أشار إليه قدسسره من عدم جواز شرب الماء النجس. وحرمته فعلية
حيث إنه يحرم شربه كالعدم ، فيجب التيمّم وحفظ الماء الطاهر لشربه ، نعم لو كان الخوف على دابته لا على نفسه يجب عليه الوضوء أو الغسل (1) وصرف الماء النجس في حفظ دابته ، بل وكذا إذا خاف على طفل من العطش فإنه لا دليل على حرمة إشرابه الماء المتنجس ، وأما لو فرض شرب الطفل بنفسه فالأمر أسهل (3) فيستعمل الماء الطاهر في الوضوء مثلاً ويحفظ الماء النجس ليشربه الطفل بل يمكن أن يقال إذا خاف على رفيقه أيضاً يجوز التوضؤ وإبقاء الماء النجس لشربه (4) فإنه لا دليل على وجوب رفع اضطرار الغير من شرب النجس نعم لو
وإن كان الشرب أمراً متأخراً ، والممنوع الشرعي كالممنوع العقلي فلا يجوز استبقاء النجس لشربه ، بل يتعين عليه أن يحفظ الماء الطاهر لرفع عطشه وتنتقل وظيفته إلى التيمّم.
(1) لما بينّاه في محلِّه من جواز سقي الماء النجس لغير المكلفين من الحيوان والأطفال (1)، ومعه يستبقي الماء الطاهر له وهو واجد للماء الطاهر فيجب عليه الوضوء أو الاغتسال.
(2) لما تقدّم في التعليق السابق.
(3) لأنه ليس من إشراب الماء النجس له ليحتمل حرمته. ومنعه عنه ليس واجباً من غير إشكال.
(4) لما أشار إليه من أن رفع الإضرار (2)عن الغير لا دليل على وجوبه ، وهو بعد صرف المكلف الماء الطاهر في وضوئه أو غسله مضطر إلى شرب الماء النجس وهو جائز للمضطر ، لأنه ما من شيء حرّمه اللّه سبحانه إلاّ وقد أحلّه في مورد الضرورة (3).
نعم لو كان رفيقه عطشاناً فعلاً لا يجوز إعطاؤه (1)الماء النجس ليشرب مع وجود الماء الطاهر (1)
(1) ولا نرى أي مانع عن الجواز ، إلاّ أن يتوهّم أن ذلك محرم لأنه إعانة على الإثم ، حيث إن شرب النجس مبغوض للشارع فصرفه الماء الطاهر في الطهور مع إعطائه الماء النجس إعانة على الإثم وهي حرام ، إلاّ أنه مورد المناقشة كبرى وصغرى.
أما بحسب الكبرى : فلأنه لا دليل على حرمة الإعانة على الإثم. والمستفاد من قوله تعالى ( وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) (2)والأخبار الواردة في حرمة كون الإنسان من أعوان الظلمة (3)أمران :
أحدهما : حرمة التعاون على الإثم بأن يصدر الإثم من شخصين فصاعداً على نحو الاجتماع والشركة ، كما لو قتل اثنان أو جماعة شخصا.
وثانيهما : حرمة كون الإنسان من أعوان الظلمة بأن يسجل اسمه في ديوانهم ، وأما مثل إعطاء العصا لمن يضرب شخصاً عدواناً فهو ليس من التعاون على الإثم ، ولا أنه موجب لكونه من أعوان الظلمة بل هو إعانة على الإثم ، ولا دليل على حرمتها لأن التعاون غير الإعانة ، والكون من أعوان الظلمة غير إعانة الظالم ، والنسبة بينهما عموم من وجه كما هو ظاهر.
وأما بحسب الصغرى : فالرفيق قد يكون عالماً بنجاسة الماء وقد يكون جاهلاً بها.
كما أنه لو باشر الشرب بنفسه لا يجب منعه (1).
وعلى الأوّل : إذا منع المكلف عن شرب رفيقه ماءه الطاهر ولو لمانع شرعي لوجوب الوضوء أو الغسل عليه بقي الرفيق مضطراً إلى شرب النجس وهو جائز في حقه ، لما تقدم من أنه ما من شيء حرمة اللّه سبحانه إلاّ وقد أحله في مورد الضرورة فلا يصدر منه إثم ليكون إعطاء الماء النجس له إعانة على الإثم.
وعلى الثاني : فالأمر أظهر ، لأنه زائداً على كونه مضطراً إلى شرب الماء النجس هو جاهل بنجاسته حسب الفرض ، وهو يصدر منه مباحاً فلا إثم ليكون الإعطاء إعانة له على الإثم ، وعليه لا موجب لحرمة الإعطاء له.
وأمّا حرمة التسبيب إلى الحرام فهي وإن كانت كذلك أي أن التسبيب محرم ، لما استفدناه من الأخبار الآمرة بوجوب إعلام المشتري بالنجاسة وقلنا : كما يحرم صدور الحرام من المكلف مباشرة يحرم صدوره منه بالتسبيب ، بل قلنا : إن ذلك مستفاد من نفس النهي والمنع والتحريم عرفاً ولو مع الغض عن الروايات إلاّ أنها تختص بما إذا كان الفعل الصادر بالتسبيب محرماً ، وليس الأمر في المقام كذلك ، لأن شرب الماء النجس يصدر من الرفيق مباحاً لجهله بنجاسته واضطراره إلى شربه.
إذن لا مانع من إعطاء الماء النجس للرفيق كي يشربه ولو مع وجود الماء الطاهر.
(1) هذا الحكم على ما سلكناه من جواز إعطاء الماء النجس للرفيق بمكان من الوضوح ، لأنه إذا جاز إعطاؤه له لكونه مباحاً له لا يجب منعه لو باشر شربه ، فان المباح لا يجب المنع عنه ، لكن يشكل ذلك على ما ذكره الماتن قدسسره من عدم جواز إعطائه له لحرمته ولكونه صادراً عنه على وجه غير مباح ، فإنه إذا صدر عنه محرماً وجب منعه عنه لوجوب النهي عن المنكر.
والذي أظنه قوياً أن لفظة ( لا ) في قوله : لا يجب منعه ، زائدة وهي من اشتباه
السادس : إذا عارض استعمال الماء في الوضوء أو الغسل واجب أهم كما إذا كان بدنه أو ثوبه نجساً ولم يكن عنده من الماء إلاّ بقدر أحد الأمرين من رفع الحدث أو الخبث ففي هذه الصورة يجب استعماله (1)في رفع الخبث ويتيمم ، لأن الوضوء له بدل وهو التيمّم بخلاف رفع الخبث (1) مع أنه منصوص في بعض صوره ، والأولى أن يرفع الخبث أولاً ثم يتيمم ليتحقق كونه فاقداً للماء حال التيمّم ،
النساخ ، والقرينة عليه قوله : كما أنه لو باشر بنفسه. فإنه يقتضي موافقة اللاحق للسابق عليه ، ومعناه أنه كما لا يجوز إعطاؤه للرفيق يجب منعه عنه لا أنه لا يجب منعه ، وإلاّ لوجب أن يقول : لكن لو باشر لا يجب منعه ، أو : نعم لو ... ، وغيرهما مما يدل على الاستدراك أو الرجوع ومغايرة حكم اللاحق مع حكم سابقه.
(1) الظاهر أن ذلك من المسلمات عندهم وأنه إذا دار الأمر بين واجب أهم لأنه لا بدل له وواجب آخر له بدل يقدم الأوّل على ما له البدل ، فان تم هذا وكان إجماعياً فهو وإلاّ فللمناقشة فيه مجال.
والظاهر أن المسألة غير إجماعية ، فإنهم لم يعللوها بكونها تعبدية بل بأن الطهارة الحدثية الوضوء والغسل له بدل. والكلام في ذلك يقع في مقامين :
أحدهما : في كبرى المسألة.
وثانيهما : في صغراها.
المقام الأوّل : بحسب الكبرى ، ولا ينبغي التأمل في أن الواجب إذا زاحمه واجب آخر وكان أحدهما أهم من الآخر قدم الأهم منهما ، وهو معجز مولوي وموجب لسلب قدرة المكلف عن غيره المهم كما ذكرناه في مثل مزاحمة الأمر بإزالة النجاسة
1) (*) على الأحوط ، والأظهر التخيير.
عن المسجد والأمر بالصلاة.
ثم إذا كان الواجبان المتزاحمان أحدهما ممّا له البدل والآخر مما لا بدل له هل يكون ما لا بدل له أهم مما له البدل ليتقدّم عليه ، أو أن الواجب الذي لا بدل له لا يوجب أهميته وتقدمه على مزاحمة؟
وتفصيل الكلام في المقام : أن الواجب قد يزاحمه واجب آخر له إبدال عرضية كخصال الكفارة إذا فرضنا أن واجباً يزاحمه إطعام ستين مسكيناً مثلاً. وفي مثله لا بدّ من الإتيان بكلا الواجبين لخروجهما عن التزاحم حقيقة ، حيث إن الأمر فيما له إبدال عرضية قد تعلق بالجامع بينها لا بكل واحد من الخصال بخصوصه على ما شرحناه في الواجب التخييري (1)مفصّلاً ، ولا تزاحم بين الواجب والجامع بين الأبدال ، إنما المزاحمة بينه وبين خصوص إطعام ستين مسكيناً على الفرض ، وليس الإطعام مأموراً به ، كما لا مزاحمة بينه وبين صيام شهرين متتابعين ، وهذا ظاهر.
ونظيره ما إذا كان لأحدهما أفراد طولية وكان الواجب مزاحماً لفردٍ منها دون فرد كما في إزالة النجاسة عن المسجد في سعة الوقت للصلاة ووجوب صلاة الآيات والوقت يسعها والفريضة وغيرهما من الأمثلة وهذا خارج عن التزاحم حقيقةً أيضاً ، لأن الواجب إنما يزاحم فرداً من الفريضة والفرد ليس مأموراً به ، وإنما تعلق الأمر بالطبيعي وهو لا يزاحم الواجب فيجب في مثله الإتيان بكليهما.
ومثله ما إذا زاحم واجب مع الصلاة تماماً في مواضع التخيير ، فإنه مزاحم لفرد من الواجبين التخييريين لا مع المأمور به الجامع بين القصر والتمام ، ومعه يجب الصلاة قصراً مع الإتيان بالواجب الآخر لعدم التزاحم بينهما.
وقد يكون الواجب مزاحماً لواجب آخر له بدل طولي كالتيمّم بالنسبة إلى الوضوء وهل كون أحدهما مما لا بدل له يوجب أهميته عما له البدل ليتقدّم عليه؟
قد يقال بأن ما لا بدل له لا يلزم أن يكون أهم ، بل قد يكون ما له البدل الطولي
1) محاضرات في أُصول الفقه 4 : 40.
كالوضوء أهم من مزاحمة ، غاية الأمر إذا لم يتمكن المكلف من الطهارة المائية انتقل إلى البدل وأمّا مع تمكّنه منها كما في المقام فلا موجب للانتقال إلى البدل بوجه هذا.
والذي ينبغي أن يقال : إن الواجب إذا لم يكن له بدل يتقدم على الواجب الآخر الذي له بدل ، وذلك لأنّا نستكشف من جعل البدل لمثل الوضوء أو الغسل أن إيجابه ليس إيجاباً مطلقاً وإنما تعلق الأمر به مشروطاً بالقدرة عليه شرعاً ، لأنّا ذكرنا أن المراد من الوجدان في الآية المباركة إنما عدم العذر المطلق ، فالأمر بالوضوء مشروط بأن لا يكون هناك أي عذر عند المكلف في تركه ، وإلاّ انتقل الأمر إلى بدله وهو التيمّم.
وحيث إن الواجب الذي لا بدل له مطلق وغير مشروط بالقدرة الشرعية فلا مناص من أن يتقدم على ما له البدل ، فإنه حينئذ معجز مولوي وعذر شرعي موجب لسلب قدرة المكلف على الوضوء فينتقل معه إلى التيمّم. هذا كلّه بحسب كبرى المسألة.
المقام الثاني : بحسب الصغرى ، أي تطبيقها على الطهارة الحدثية والخبثية. وللمناقشة فيما ذكروه مجال واسع ، وذلك لأن الأمر بالطهارة الخبثية ليس أمراً نفسيّاً وليست الطهارتان واجبتين نفسيتين ليلاحظ التزاحم بينهما ، بل وجوبهما وجوب ضمني شرطي فمعنى وجوب الوضوء أو الغسل هو أن الشارع أمر بالصلاة عن طهارة مائية ، كما أن معنى الأمر بإزالة الخبث عن الثوب والبدن هو أن الشارع أوجب الصلاة مع طهارة البدن والثياب.
إذن فالتزاحم بين الأمر بالصلاة مع الطهارة المائية وبين الأمر بالصلاة مع الطهارة الخبثية ، ولكل واحد منهما بدل ، فالصلاة مع التيمّم بدل الصلاة عن طهارة مائية والصلاة عارياً أو في البدن أو الثوب المتنجس كما هو المختار هي بدل عن الصلاة مع طهارة البدن والثوب من الخبث. إذن لا وجه للحكم بتقدّم أحدهما على الآخر بل المكلف يتخيّر بينهما ، هذا.
والتحقيق أن أمثال الوضوء أو الغسل والطهارة من الخبث خارجة عن باب التزاحم بالكلية ، وذلك لأن التزاحم إنما يقع بين التكليفين النفسيين إذا لم يتمكن المكلف من امتثالهما معاً ، وأما التكليف الواحد إذا دار الأمر فيه بين ترك جزء أو جزء آخر أو بين شرط أو شرط آخر فهو خارج عن باب التزاحم ، لأن مقتضى القاعدة في مثله سقوط التكليف رأساً لعدم تمكن المكلف من شرط الواجب أو جزئه.
إلاّ أنّا في الصلاة لما علمنا أنها لا تسقط بحال علمنا أن الشارع قد جعل أمره بالصلاة في حق المكلف إما مقيداً بالطهارة الحدثية المائية وإما مقيداً بالطهارة الخبثية ولا يمكنه جعلها مقيدة بكلتيهما ، فالمجعول هو أحدهما في حقه فيدخل المقام وأمثاله في باب التعارض.
وحيث إن مقتضى إطلاق شرطية الوضوء أن الصلاة يعتبر فيها الوضوء مطلقاً تمكن المكلف من الطهارة الخبثية أم لم يتمكّن ومقتضى إطلاق شرطية الطهارة الخبثية اعتبارها مطلقاً تمكن المكلف من الوضوء أو الغسل أم لم يتمكن ولا يمكن الأخذ بكلا الإطلاقين لعجز المكلف عن امتثالهما على الفرض فيسقط الإطلاقان وتدفع شرطية خصوص كل واحد منهما بالبراءة فينتج حينئذ التخيير بين الأمرين.
ولكن الشهرة والإجماع المدعى في كلام جماعة قد قاما على تقديم الطهارة الخبثية على ما سبق ومعه فالأحوط أن يختار الطهارة الخبثية مع التيمّم بدلاً عن الوضوء أو الغسل ، كما أن الأحوط أن يقدم صرف الماء في إزالة النجاسة على التيمّم ثم يتيمم بعده ، هذا.
وقد يستدل على تقديم الطهارة الخبثية والمستدل هو صاحب الجواهر قدسسره برواية أبي عبيدة ( الحذاء ) قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن المرأة الحائض ترى الطهر وهي في السفر وليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها وقد حضرت الصلاة ، قال عليهالسلام : إذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ثم
تتيمم وتصلِّي » (1)بتقريب أنها دلّت على تقديم الطهارة الخبثية مطلقاً حتى فيما إذا كانت متمكنة من الوضوء. وقال في الجواهر : لتقديمه إزالة النجاسة فيه على الوضوء لوجوبه عليها لولاها (2).
وقد أُورد على الاستدلال المذكور بوجهين :
أحدهما : أن الحائض ليست مكلفة بالوضوء مع الاغتسال أو أنه محل إشكال ، ومع عدم وجوب الوضوء عليها لا دوران في حقها بين الوضوء وبين الطهارة الخبثية فلا تنطبق الرواية على المقام.
ويدفعه : أن الاغتسال من الحيض والجنابة وإن كان يغني عن الوضوء إلاّ أن التيمّم بدلاً عن الغسل لم يتم دليل على كفايته عن الوضوء ، والمفروض في مورد الرواية أن الحائض تتيمم ولا تغتسل. إذن يدور أمرها بين الوضوء والطهارة الخبثية وقد قدم الإمام عليهالسلام الطهارة الخبثية على الحدثية فلا مناقشة في الاستدلال بها من هذه الجهة.
ثانيهما : أن ظاهر الرواية أن المرتكز في ذهن السائل أن الماء لو كان يكفي لغسلها لوجب عليها الاغتسال وتقديم الطهارة الحدثية أعني (3)غسل فرجها ، لقول السائل : « وليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها » والإمام عليهالسلام لم يردعه عن هذا الارتكاز وهو إمضاء منه له. إذن الرواية على خلاف المطلوب أدل.
ويرده : أن صحّة الغسل مشروطة بطهارة بدنها وإزالة النجاسة عنه ، فغسل فرجها لازم ومعتبر في اغتسالها من الحيض ، ومعه لا ارتكاز لكون الغسل واجباً عليها دون غسل فرجها لتدل الرواية على أن الطهارة الحدثية متقدمة على الطهارة الخبثية ، بل غسل فرجها لازم على تقدير كفاية الماء لغسلها أيضاً. فلا مناقشة في الرواية من هذه الجهة أيضاً.
وإذا توضأ أو اغتسل حينئذ بطل (1)لأنه مأمور بالتيمّم ولا أمر بالوضوء أو الغسل (1)
نعم يرد على الاستدلال بها أمران :
أحدهما : ضعف سندها بسهل بن زياد ، وإن كان أبو عبيدة فيها موثقاً لأنه الحذاء لا المدائني بقرينة رواية ابن رئاب عنه ، لأنه الذي يروي الأصل لأبي عبيدة الحذاء.
وثانيهما : أن محل الكلام إنما هو صورة دوران الأمر بين التيمّم والوضوء على أن يكون كل واحد منهما كافياً في الطهارة في نفسه ، وليس مورد الرواية كذلك ، إذ لا بدّ للحائض من الوضوء حتى لو تيممت ولا يكفيها الوضوء وحده إذا لم تتيمم ، فلا يدور أمرها بين الوضوء والتيمّم بل يجب على الحائض الوضوء والتيمّم وهو غير محل الكلام.
فلو كانت الرواية صحيحة السند أو معتبرة لا يمكننا التعدِّي عن موردها إلى ما لو دار أمر المكلف بين التيمّم والوضوء. وكيف كان ، لا يمكن الاستدلال بالرواية في المقام نعم الأحوط أن يختار الطهارة الخبثية ويتيمم ، لأنه الموافق للشهرة والإجماع المدعى في المسألة.
(1) إذا بنينا على ما ذكرناه من التخيير فلا إشكال في صحّة وضوئه وغسله ، وأما لو بنينا على لزوم تقديم الطهارة الخبثية على الحدثية ومع ذلك توضأ المكلف أو اغتسل وقدم الطهارة الحدثية فهل يحكم بصحتهما أو بطلانهما؟
ذهب الماتن إلى بطلانهما نظراً إلى أنه لا أمر بهما حينئذ فيقعان باطلين.
وربما يقال بصحّة الوضوء والغسل حينئذ بالترتب وأنه وإن كان مأموراً بالتيمّم
1) (*) وللصحّة وجه حتى على القول بوجوب صرف الماء في رفع الخبث.
ابتداء إلاّ أنه لما عصاه ولم يصرف الماء في تحصيل الطهارة الخبثية فهو واجد الماء ومأمور بالوضوء أو الغسل فيصح منه ، إذ لا موجب لرفع اليد عن أمره مطلقاً وإنما يرفع اليد عن أمره إذا صرف الماء في الطهارة الخبثية.
وقد تصحح طهارته المائية بالملاك ، لأن الوضوء أو الغسل إنما سقط الأمر به لعدم تمكن المكلف منهما مع نجاسة بدنه وثيابه لكنه مشتمل على الملاك وباقٍ على المحبوبية ومعه لا مانع من الحكم بصحته في مفروض الكلام.
ويدفعهما : أن الترتب يحتاج إلى دليل ، وهو إنما قام عليه إذا كان هناك تكليفان نفسيان أحدهما أهم من الآخر ، فان إطلاق المهم لا مناص من رفع اليد عنه بمقدار الضرورة وارتفاع الأمر بالضدّين وهو ما لو أراد امتثال التكليف بالأهم ، وأما لو عصاه فهو قادر على الإتيان به ، فالإطلاق يقتضي وجوبه ، والمحذور منحصر في الأمر بهما عرضاً لا طولاً ، وهو واضح.
وأمّا إذا فرضنا التكليف واحداً وفرضنا جعله مقيداً بقيد كالطهارة الخبثية وعصى المكلف ذلك المقيد فلا يسعنا الحكم بأنه عند عصيان القيد مقيد بقيد آخر ، لأنه أمر يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه ، بل مقتضى وقوعه مع القيد الآخر من دون أمر هو الفساد ، فلا يجري الترتب في المقام.
وأمّا الملاك فإنما يمكن استكشافه من الأمر ، ومع سقوطه تحتاج دعوى الملاك إلى علم الغيب بوجوده ، هذا.
ويمكن تصحيح الطهارة المائية حينئذ بما قدمناه من أنها مستحبات نفسية ، وقد رفعنا اليد عن استحبابها النفسي عند صرف الماء في إزالة النجاسة عن الثوب والبدن ، لأن الأمر به معجز مولوي عن الماء ، وأما لو عصاه فهو واجد للماء حقيقة والوضوء باق على استحبابه النفسي فيمكنه الإتيان به بأمره النفسي ويقع صحيحاً.
نعم لو لم يكن عنده ما يتيمم به أيضاً يتعين صرفه في رفع الحدث (1) لأن الأمر يدور بين الصلاة مع نجاسة البدن أو الثوب أو مع الحدث وفقد الطهورين فمراعاة رفع الحدث أهم ، مع أن الأقوى بطلان صلاة فاقد الطهورين فلا ينفعه رفع الخبث حينئذ.
[1081] مسألة 23 : إذا كان معه ما يكفيه لوضوئه أو غسل بعض مواضع النجس من بدنه أو ثوبه بحيث لو تيمم أيضاً يلزم الصلاة مع النجاسة ففي تقديم رفع الخبث حينئذ على رفع الحدث إشكال ، بل لا يبعد تقديم الثاني (1)(2)
(1) أمّا بناء على سقوط الصلاة عن فاقد الطهورين فلوضوح أن الأمر بتطهير الثوب أو البدن إنما هو لأجل الصلاة ، ومع عدم وجوبها لفقدانه الطهورين بصرفه الماء في تطهير ثوبه وبدنه لا يجب عليه تطهيرهما.
وأمّا بناء على عدم سقوطها عن فاقد الطهورين فلدوران الأمر بين صرفه الماء في تطهيرهما مع الصلاة محدثاً لأنه فاقد الطهورين فيصلي من دون تيمم ووضوء ، وبين صرفه في الوضوء والصلاة مع نجاسة الثوب أو البدن ، والثاني هو المتعين لأن تقديم ما لا بدل له على مسلكهم إنما هو في فرض بقاء الموضوع وهو الصلاة مع الطهور وأمّا لو كان تقديمه مستلزماً لفوات الموضوع فلا إجماع ولا شهرة في تقديم الطهارة الخبثية على الحدثية.
وبعبارة اخرى : أدلة تقديم الطهارة الخبثية قاصرة الشمول لمثل المقام الذي ينتفي فيه الموضوع على تقدير تقديم الطهارة الخبثية.
(2) هناك فرعان :
أحدهما : ما إذا كانت النجاسة متعددة لكن في خصوص الثوب أو خصوص البدن ودار أمره بين صرف الماء في الوضوء والصلاة عارياً أو مع الثوب أو البدن المتنجس بنجاسة متعدِّدة وبين صرف الماء في إزالة بعض النجاسات ويصلِّي متيمماً مع بعض
1) (*) بل هو بعيد ، والأظهر التخيير وإن كان الأولى استعماله في رفع الخبث ، وكذا الحال فيما بعده.
نعم لو كان بدنه وثوبه كلاهما نجساً وكان معه من الماء ما يكفي لأحد الأُمور من الوضوء أو تطهير البدن أو الثوب ربما يقال بتقديم تطهير البدن والتيمّم ثم الصلاة مع نجاسة الثوب أو عرياناً على اختلاف القولين ، ولا يخلو ما ذكره من وجه.
النجاسات في ثوبه أو بدنه.
وثانيهما : ما إذا كانت النجاسة المتعددة في ثوبه وبدنه معاً بأن كانت إحداهما في ثوبه والأُخرى في بدنه ودار أمره بين الطهارة الحدثية والخبثية كما في الفرع السابق.
أمّا الفرع الأوّل : فإن بنينا على أن المانع عن الصلاة إنما هو طبيعي النجاسة وليست المانعية انحلالية ليكون كل فرد منها مانعاً مستقلا ، بل المانع هو الطبيعي ولا فرق فيه بين قلّة أفراده وكثرتها ، وكذا في نظائرها كمانعية ما لا يؤكل لحمه بأن قلنا إن المانع هو الطبيعي منه ولا اعتبار بأفراده قلّت أو كثرت ، تعين تقديم الوضوء على إزالة بعض النجاسات كما استقربه الماتن قدسسره ، وذلك لأنه لو صرفه في إزالة بعضها لم يرتفع المانع عن الصلاة ، بل هو باقٍ بحاله لوجود بعضها الآخر على الفرض ، ومع وجود الطبيعي لا أثر لارتفاع بعض أفراده فتلزمه الصلاة مع الحدث والخبث.
وهذا بخلاف ما لو صرف الماء في الوضوء فيصلي مع الطهارة من الحدث وإن كان ثوبه أو بدنه متنجساً بنجاسة متعددة إلاّ أن مجموعها مانع واحد ، إذ لا اعتبار بتعدد الأفراد.
إلاّ أن الكلام في صحّة هذا المبنى ، لأن المستفاد من أمثال تلكم التكاليف هو الانحلال بلا فرق بين التكاليف النفسية والضمنية. مثلاً إذا نهى المولى عن شرب الخمر استفيد منه عرفاً أن كل فرد من أفراد الخمر ممنوع عن شربه بحيث لو اضطر إلى شرب فرد منها لم يجز له شرب فرد ثانٍ منها ، لأن كل فرد منها ممنوع منه بالاستقلال ، وكذا لو أمر بالصلاة مع طهارة الثوب أو البدن فيستفاد منه عرفاً أن كل
فرد من النجس مانع عن الصلاة. ومن هنا ذكر الفقهاء أنه لا بدّ من تقليل النجس في الصلاة. فالمانعية انحلالية لا أنها مترتبة على الطبيعي.
والصحيح حينئذ أن يقال : إن إحدى النجاستين مما لا بدّ من ارتكابها في الصلاة سواء صرف الماء في الوضوء أو في إزالة النجاسة ، فإحدى النجاستين مورد الاضطرار. إذن يدور الأمر بين صرف الماء في الطهارة الحدثية أو في إزالة النجاسة الزائدة ، وهي عين المسألة السابقة. وعلى ما ذكروه لا بدّ من تقديم الطهارة الخبثية التي لا بدل لها وعلى ما ذكرنا يتخير بين الأمرين ، واحتطنا باختيار الطهارة الخبثية للشهرة المحققة والإجماع المدعى.
وأمّا الفرع الثاني : فلا يأتي فيه ما احتملناه في سابقه من كون المانعية مترتبة على الطبيعي دون الأفراد ، وذلك لأن الثوب والبدن موضوعان متغايران ، ونجاسة كل منهما مانع مستقل لا أن المانع هو الطبيعي ، وفيه حينئذ لحاظان :
أحدهما : لحاظ الدوران بين صرف الماء في الطهارة الحدثية والصلاة مع النجاسة الزائدة في ثوبه أو بدنه وبين صرفه في النجاسة الزائدة والصلاة مع التيمّم. ويأتي فيه ما قدّمناه من التخيير أو تقديم الطهارة الخبثية على الحدثية.
وثانيهما : لحاظ الدوران بين تطهير الثوب وتطهير البدن وأن أيهما مقدم على الآخر فان بنينا على أن المقام من صغريات التزاحم فلا مناص من تقديم تطهير البدن على الثوب ، لأنه معلوم الأهمية أو أنه محتملها دون العكس. وأما بناء على ما هو الصحيح من أن المورد من المتعارضين فلا وجه لتقديم أحدهما على الآخر ، وذلك لأن مقتضى القاعدة حينئذ سقوط التكليف لعدم تمكن المكلف من شرطه ، إلاّ أنّا علمنا أن الأمر بالصلاة لا يسقط بحال وأنها واجبة حينئذ إما مشروطة بطهارة الثوب أو بطهارة البدن ، واعتبار خصوصية كل واحد منهما تدفع بالأصل البراءة فينتج التخيير بين تطهير البدن أو الثوب.
[1082] مسألة 24 : إذا دار أمره بين ترك الصلاة في الوقت أو شرب الماء النجس كما إذا كان معه ما يكفي لوضوئه من الماء الطاهر وكان معه ماء نجس بمقدار حاجته لشربه ومع ذلك لم يكن معه ما يتيمّم به بحيث لو شرب الماء الطاهر بقي فاقد الطهورين ففي تقديم أيهما إشكال (1)(1)
[1083] مسألة 25 : إذا كان معه ما يمكن تحصيل أحد الأمرين من ماء الوضوء أو الساتر لا يبعد ترجيح الساتر والانتقال إلى التيمّم لكن لا يخلو عن إشكال (2)، والأولى صرفه في تحصيل الساتر أوّلاً ليتحقق كونه فاقد الماء ثم يتيمّم (2).
(1) بل قدم بعضهم ترك الصلاة في الوقت لئلاّ يشرب الماء النجس وهو كالاستشكال في ذلك عجيب ، فان المورد من موارد التزاحم ولا بدّ فيه من ملاحظة الأهم واختياره على تقدير الوجود ، والتخيير على تقدير التساوي.
والظاهر أنه لا إشكال في أهمية الصلاة في وقتها على ترك شرب النجس ، كيف وهي عماد الدين وهي الفارق بين المسلم والكافر وغير ذلك مما ورد في حق الصلاة (3)ومع أهميتها لا وجه للتوقف في الحكم بلزوم الصلاة في وقتها وإن استلزم شرب الماء النجس ، ولا سيما أنه ليس من الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار في كتابه العزيز.
(2) هذه المسألة من فروع الكبرى المتقدمة ما إذا دار الأمر فيه بين [ ما ] لا بدل
وإذا دار الأمر بين تحصيل الماء أو القبلة ففي تقديم أيهما إشكال (1).
له وما له البدل وأنه يقدم الأوّل لأهميته حيث إن الساتر لا بدل له بخلاف الطهارة المائية ، ولهذا يتقدم الساتر وينتقل الأمر إلى التيمّم.
وقد ظهرت المناقشة في ذلك مما سردناه سابقاً ، حيث قلنا إن تلك الموارد خارجة عن باب التزاحم وداخلة في كبرى التعارض ، لأن التزاحم إنما يقع بين التكليفين النفسيين دون ما إذا كان التكليف واحداً ودار الأمر فيه بين شرط وشرط آخر ومقتضى القاعدة حينئذ سقوط التكليف رأساً لعدم التمكن من شرطه ، لكنّا علمنا أن الصلاة لا تسقط بحال فيتعارض ما دل على شرطية كل من الوضوء والساتر ، ولا يمكن التحفّظ على كليهما ، وينفى احتمال شرطية خصوص أحدهما بأصل البراءة والنتيجة حينئذ هي التخيير ، هذا.
على أنّا لو سلمنا كونهما متزاحمين فليس أحدهما مما لا بدل له دون الآخر بل كلاهما ممّا له البدل ، وذلك لأن الطهارة المائية والتستر واجبان ضمنيان ، ولا وجه لملاحظتهما في نفسهما ، بل لا بدّ من ملاحظة الواجب النفسي الذي اعتبر ذلك الشرط قيداً له وهو الصلاة. ولا إشكال في أن الصلاة مع الطهارة المائية والصلاة مع الساتر لهما بدل وهو الصلاة مع الطهارة الترابية والصلاة عارياً.
إذن لا تنطبق الكبرى المتقدمة على المقام ولو مع البناء على أنه من التزاحم لا التعارض ، بل الحكم فيه هو التخيير ، نعم الأحوط ما ذكره الماتن قدسسره من تحصيل الساتر أوّلاً ليتحقق كونه فاقد الماء ثم يتيمم ويصلِّي.
(1) الظاهر أن المسألة لا إشكال فيها ، لأنها كما تقدم من باب التعارض دون التزاحم ، لاختصاصه بالتكليفين النفسيين ، وليس المقام كذلك لوحدة التكليف ودوران الأمر بين شرط وشرط آخر ، وإطلاق كل من دليلي الشرطين يتساقطان وتنفى شرطية خصوص كل واحد منهما بالبراءة والنتيجة هي التخيير ، هذا.
السابع : ضيق الوقت عن استعمال الماء (1) بحيث لزم من الوضوء أو الغسل خروج وقت الصلاة ولو كان لوقوع جزء منها خارج الوقت.
على أنهما لو كانا من المتزاحمين لا يدخلان تحت كبرى دوران الأمر بين ما لا بدل له وما له البدل ، وذلك لأن القبلة على المختار وإن كانت هي نفس الكعبة المشرفة إلاّ أنها بالإضافة إلى من لا يتمكّن من التوجه إليها متسعة وهي ما بين المشرق والمغرب وليست القبلة بمعنى التوجه إلى نفس الكعبة مثل الطهور مما ينتفي بانتفائه الصلاة ، وإن ورد « لا صلاة إلاّ إلى القبلة » (1)إلاّ أنه محمول على صلاة المختار المتمكن من التوجه إليها جمعاً بينه وبين ما دل على صحّة الصلاة إلى غير القبلة عند العجز عنها ، كما أن التيمّم بدل الطهارة المائية.
إذن لكل من الصلاة مع الطهارة المائية والصلاة مع التوجّه إلى نفس الكعبة بدل فان البدلية لا بدّ من أن تلاحظ بالإضافة إلى الصلاة التي هي الواجب النفسي دون شرطها.
إذن فالصحيح ما ذكرناه من أن المقام من المتعارضين والحكم فيه هو التخيير. وهذا سارٍ في كل مورد دار الأمر فيه بين شرط وشرط آخر ، نعم على تقدير كونه من باب التزاحم لا يبعد أن تكون القبلة مرجحة على الطهارة المائية ، لما ورد من أنه « لا صلاة إلاّ إلى القبلة » ولم يرد لا صلاة إلاّ مع الطهارة المائية.
(1) المسألة متسالم عليها بين الأصحاب ، بل ظاهر العلامة في المنتهي (2)أنها إجماعية ، لأنه نسب القول بالعدم إلى بعض العامّة. وتفصيل الكلام فيها يقع في مسائل ثلاث :
المسألة الأُولى : ما إذا فرضنا أن الطهارة المائية تقتضي وقوع الصلاة بتمامها خارج الوقت فهل يجب على المكلف أن يتيمم ليوقع الصلاة في وقتها أو أنه فاقد الطهورين فهو لا يكلف بالصلاة؟
المعروف بل المتسالم عليه بينهم هو وجوب التيمّم ، لكن نسب الخلاف في المسألة صريحاً إلى الشيخ حسين آل عصفور (1)حيث ذهب إلى أن المكلف فاقد الطهورين ولا يجب عليه الوضوء لاستلزامه تأخير الفريضة عن وقتها ، كما لا يجب عليه التيمّم لكونه واجد الماء والتيمّم مشروع لفاقده.
ويمكن إسناد الخلاف في المقام إلى صاحب المدارك (2)والشرائع (3)وكشف اللثام (4)وجامع المقاصد (5)قدسسرهم وغيرهم ، لأنهم في المسألة المعروفة وهي ما إذا كان الماء موجوداً عنده إلاّ أنه أخل باستعماله وأخر الصلاة إلى أن ضاق الوقت عن الطهارة المائية والأداء ذهبوا إلى عدم مشروعية التيمّم لضيق الوقت.
وعلّله في المدارك بما يشمل المقام ، حيث ذكر بعد ما عنون المسألة : إن فيها قولين أظهرهما الأوّل يعني يتطهر ويقضي وهو خيرة المصنف في المعتبر ، لأن الصلاة واجب مشروط بالطهارة ، والتيمّم إنما يسوغ مع العجز عن استعمال الماء ، والحال أن المكلف واجد للماء متمكن من استعماله غاية الأمر أن الوقت لا يتسع لذلك ، ولم يثبت كون ذلك مسوغاً للتيمم. وتعليله هذا كما ترى شامل لمسألتنا أيضاً.
ثمّ (6)يمكن المناقشة في ذلك بأن ظاهر المدارك اعتبار كون المكلف فاقداً للماء في طبعه في مشروعية التيمّم ، وليس الأمر كذلك في المسألة المعروفة ، لأنه واجد للماء طبعاً وإنما صار فاقداً له بتأخير صلاته اختياراً ، وهذا يخالف مسألتنا التي نبحث عنها لأن
المكلف فاقد للماء في طبعه لا باختياره. فالمخالف الصريح هو الشيخ حسين آل عصفور فقط.
والصحيح في مسألتنا هو وجوب التيمّم لأجل ضيق الوقت ، وذلك لدلالة الآية الكريمة (1)والروايات (2)عليه ، حيث إن المستفاد منهما بحسب الفهم العرفي أن المراد من عدم الوجدان هو عدم التمكن من استعمال الماء في الوضوء والغسل لا عدم التمكن منه مطلقاً وبالإضافة إلى جميع الأُمور ، وأن مدلولها أن من تمكن من الوضوء يتوضأ ومن تمكن من الغسل يغتسل ومن لم يتمكّن منهما يتيمّم وإن كان متمكناً من استعمال الماء في مثل الشرب وتنظيف ثوبه أو بدنه ونحوها ، وذلك لوضوح أن المكلف إذا كان متمكناً من شرب الماء واستعماله في التنظيف وشبهه لترخيص المالك إياه في ذلك ولم يتمكن من صرف الماء في الغسل أو الوضوء شرع له التيمّم بدلاً عنهما.
وذلك لصدق أنه فاقد الماء أي بالإضافة إلى الوضوء والغسل ، وحيث إن المكلف في مفروض المسألة لا يتمكن من استعمال الماء في الوضوء أو الاغتسال ولو لأجل ضيق الوقت جاز له التيمّم ووجب عليه الصلاة مع الطهارة الترابية.
إذن لا نحتاج في استفادة حكم المسألة إلى القرائن الخارجية وإنما نستفيده من نفس الآية والأخبار.
نعم لو أغمضنا عن ذلك وفرضنا أن المكلف لا يصدق عليه في المقام أنه فاقد الماء دخل المقام في كبرى فاقد الطهورين فلا يجب عليه الوضوء لاستلزامه تفويت الفريضة ولا يجب التيمّم لأنه واجد الماء.
إلاّ أنه مع ذلك لا بدّ من الالتزام بوجوب التيمّم ، وذلك لأنّا قد علمنا ببركة الإجماع القطعي وما ورد في المستحاضة من أنها لا تدع الصلاة بحال (3)أن الصلاة واجبة على كل مكلف ، كما استفدنا ببركة ما دل على أنه « لا صلاة إلاّ بطهور » (4)أن
وربما يقال : إن المناط عدم إدراك ركعة منها في الوقت ، فلو دار الأمر بين التيمّم وإدراك تمام الوقت أو الوضوء وإدراك ركعة أو أزيد قدم الثاني ، لأنّ من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت ، لكن الأقوى ما ذكرنا. والقاعدة مختصة بما إذا لم يبق من الوقت فعلاً إلاّ مقدار ركعة ، فلا تشمل ما إذا بقي بمقدار تمام الصلاة ويؤخرها إلى أن يبقى مقدار ركعة ، فالمسألة من باب الدوران بين مراعاة الوقت ومراعاة الطهارة المائية ، والأوّل أهم ،
الصلاة يعتبر فيها الطهارة ، وعلمنا ببركة أدلة البدلية أن طهور من لا يتمكن من الماء هو التراب ، وبهذه الأدلة الثلاثة نجزم بأن المكلف مأمور بالصلاة في المقام وطهارته هي التراب فيجب عليه الصلاة مع الطهارة الترابية.
المسألة الثانية : ما إذا كانت الطهارة المائية مستلزمة لوقوع الصلاة خارج الوقت إلاّ بمقدار ركعة أو أكثر فهل تجب الطهارة المائية والصلاة في الوقت ركعة وإتمامها خارج الوقت ، أو أن اللازم هو الطهارة الترابية وإتيان الصلاة بتمامها في الوقت؟
ذكروا أن الأمر في المسألة يدور بين مراعاة الوقت ومراعاة الطهارة المائية ، وذلك لما دلّ على أن « من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة » (1)وهو من باب التزاحم ويقدم فيه معلوم الأهمية أو محتملها على الآخر ، وحيث علمنا أن مراعاة الوقت أهم فيقدم فيتيمم ويأتي بالصلاة بتمامها في الوقت.
ولكن الماتن قدسسره احتاط مع هذا بالقضاء خارج الوقت خصوصاً إذا كان الواقع خارج الوقت شيئاً قليلا ، لعدم إحراز أو احتمال الأهمية حينئذ في الوقت.
وفيه : ما ذكرناه سابقاً من أن التزاحم إنما يتصور بين التكليفين النفسيين دون التكليف الواحد إذا دار الأمر فيه بين شرط وشرط آخر أو بين جزء وجزء آخر ، فهو خارج عن باب التزاحم رأساً ، ومقتضى القاعدة فيه هو السقوط ، لعدم إمكان امتثال
1) الوسائل 4 : 218 / أبواب المواقيت ب 30 ح 4 وغيره ممّا هو بهذا المضمون.
ومن المعلوم أن الوقت معتبر في تمام أجزاء الصلاة فمع استلزام الطهارة المائية خروج جزء من أجزائها خارج الوقت لا يجوز تحصيلها بل ينتقل إلى التيمّم ، لكن الأحوط القضاء مع ذلك خصوصاً (1)إذا استلزم وقوع جزء من الركعة خارج الوقت.
التكليف الواحد المتعلق بالجميع على الفرض ، ويحتاج إثبات الأمر بالفاقد لجزئه أو شرطه إلى دليل ، وهو موجود في باب الصلاة فإنها لا تسقط بحال.
إذن مقتضى ما دل على اعتبار الوقت أن الصلاة في حق المكلف مشروطة بالوقت كما أن مقتضى ما دل على اعتبار الطهارة المائية اشتراط الصلاة بها فيتعارضان ويتساقطان فيتخيّر المكلف بين مراعاة القبلة (2)أو الطهور بالماء ، هذا.
ولكن التعارض مبني على ما دلّ على أن « من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة » (3)يشمل المقام ، إذ بعد هذا التنزيل يقع التعارض بين الدليلين ، لأن مقتضى هذا التنزيل أن المكلف لا بدّ أن يصلِّي مع الوضوء لأنه وإن كان لا يدرك من الصلاة حينئذ إلاّ ركعة واحدة إلاّ أن من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة ، كما أن مقتضى أدلّة اعتبار الوقت هو الانتقال إلى التيمّم فيتعارضان.
إلاّ أن التعارض غير صحيح ، لأن بعض أدلّة « من أدرك ... » وإن كان طريقه صحيحاً حيث وردت فيه جملة روايات كلها ضعاف سوى رواية واحدة وردت في صلاة الغداة (4)لكنّا نقطع بعدم الفرق بين الغداة وباقي الفرائض إلاّ أن موضوعها مَن لم يتمكّن من الإتيان بطبيعي الصلاة بتمامها في الوقت ، لوضوح أنها لا تدل على جواز تأخير الصلاة اختياراً إلى أن يبقى من الوقت مقدار ركعة واحدة.
ومن الظاهر أن الدليل لا يحرز موضوعه وهو غير المتمكن من الصلاة بتمامها في
الوقت في المقام ، ولا نظر له إلى إتيانه ، ومقتضى أدلة بدلية التراب أن المكلف متمكن من إتيان الصلاة بتمامها في وقتها فلا يكون المكلف مشمولاً لقاعدة من أدرك ، ولا تقع المعارضة بين الدليلين بل لا بدّ للمكلف من أن يتيمم ويصلِّي.
وهذا من غير فرق في ذلك بين أن يكون ما يقع خارج الوقت بمقدار ركعة أو أكثر أو أقل ، لأنه متمكن من إيقاع الصلاة بتمامها في الوقت إذا تيمم وهو بدل الوضوء فلا يسوغ له أن يتوضأ لتقع ركعة من صلاته أو أقل منها خارج الوقت ، لما مرّ من أن قاعدة من أدرك لا تشمل المقام.
المسألة الثالثة : ما إذا كان بعض أجزاء الصلاة واقعاً خارج الوقت على كل حال إلاّ أنه لو توضأ كان الواقع خارج الوقت أكثر مما لو تيمم ، كما لو فرضنا أن الركعة الرابعة لا بدّ أن تقع خارج الوقت على كل حال إلاّ أنه لو توضأ وقعت الركعة الثالثة معها خارج الوقت أيضاً ولو تيمم لا يقع من الصلاة خارج الوقت إلاّ الركعة الرابعة فهل لا بدّ من التيمّم أو أنه يتوضأ على خلاف المسألتين السابقتين؟
لم يتعرض الماتن قدسسره لهذه المسألة ، وهي تختلف باختلاف المسلكين ، فان بنينا على أن أمثال هذه المسألة داخلة في باب التزاحم فلا بدّ إما أن نلتزم بوجوب الوضوء أو التخيير بينه وبين التيمّم ، وذلك لوقوع التزاحم حينئذ بين الطهارة المائية والوقت ، لأنه لو تحفّظ على الطهارة المائية وقعت الركعة الثالثة خارج الوقت ولو تحفظ على الوقت في تلكم الركعة لم يتمكن من الطهارة المائية ، ولا بدّ معه من ملاحظة الأهم في البين ، ولا ينبغي الارتياب في أن الوقت أهم من الطهارة المائية حسبما تفيده النصوص ويشهد به القطع الخارجي.
إلاّ أن ذلك إنما هو في مجموع الصلاة ، فإنه لو دار الأمر بين أن يتوضأ ويصلِّي خارج الوقت وبين أن يصلِّي في الوقت بتيمم يقدم التيمّم على الوضوء تحفظاً على الوقت. وأما أهمية الوقت في بعض أجزاء الصلاة مثل الركعة الثالثة في مثالنا المتقدم بعد فرض أن بعضها لا بدّ أن يقع خارج الوقت فلم يثبت بدليل ، كما أنّا لا نحتمل فيه الأهمية. إذن لا بدّ من الحكم بالتخيير بين الأمرين أو تقديم الطهارة المائية لو قلنا بأهميتها.
[1084] مسألة 26 : إذا كان واجداً للماء وأخر الصلاة عمداً إلى أن ضاق الوقت عصى ولكن يجب عليه التيمّم والصلاة ولا يلزم القضاء وإن كان الأحوط احتياطاً شديدا (1).
ولو بنينا على ما سلكناه من أنّ أمثال المقام خارج عن باب التزاحم وداخل في باب التعارض فمقتضى القاعدة هو سقوط الأمر بالصلاة رأساً ، لعدم تمكن المكلف من شرطها وهو إيقاعها بتمامها في الوقت ، لفرض أن بعضها لا بدّ من وقوعه خارج الوقت. إلاّ أن الأخبار الواردة في أن « من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة » (1)تدلّنا على أن الصلاة ليست ساقطة عن المكلف في مفروض الكلام وأنه متمكن من الوقت لتمكنه من إيقاع ركعة واحدة في وقتها مع الطهارة المائية ، لأن من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة.
ولا فرق فيها حسب إطلاقها بين أن يكون الواقع خارج الوقت ركعة أو أقل أو أكثر ، لأن المدار على إدراك ركعة واحدة في الوقت ، وعليه يتعين الوضوء عليه والصلاة وإن وقع خارج الوقت حينئذ أكثر من ركعة وأكثر مما يقع في خارج الوقت لو تيمم.
(1) هذه هي المسألة المعروفة التي تقدمت الإشارة إلى أنها محل الكلام عند الأصحاب. والمعروف فيها بينهم هو ما ذهب إليه الماتن قدسسره ، إلاّ أن جماعة مثل المحقق في المعتبر وكاشف اللثام وجامع المقاصد والمدارك ذهبوا إلى وجوب القضاء خارج الوقت مع الطهارة المائية ولا تشرع له الصلاة في الوقت مع التيمّم (2)معلّلين ذلك بأن المكلف واجد للماء.
وهذا هو الموافق للفهم العرفي والمستفاد من آية التيمّم وأخباره ، وذلك لأن المستفاد منهما أن التيمّم وظيفة من كان فاقد الماء بالإضافة إلى طبيعي الصلاة أي بما لها من الأفراد العرضية والطولية لوضوح أن من كان فاقداً للماء بالإضافة إلى الصلاة في السرداب مع كونه واجداً له بالنسبة إلى الصلاة في ساحة الدار لا يشرع التيمّم في حقه. وكذا من كان فاقداً للماء في أوّل الوقت لكونه مسافراً أو معذوراً بعذر آخر مع أنه واجد للماء ومتمكن منه آخر الوقت لا يشرع التيمّم في حقه ، فان المسوغ إنما هو الفقدان بالنسبة إلى طبيعي الصلاة لا أفرادها.
وحيث إن المكلف في المقام واجد للماء بالإضافة إلى الطبيعي ، لأن مفروض الكلام ما إذا كان واجداً للماء في أوّل الوقت فلا يشرع له التيمّم بمجرّد كونه فاقداً له بالإضافة إلى الفرد الذي يريد الإتيان به آخر الوقت ، لأنه إنما صار فاقداً له بالاختيار.
وصاحب المدارك قدسسره لا يرى الفقدان بالاختيار مسوغاً للتيمم ، بل المسوغ عنده إنما هو الفقدان الطبيعي ومن كان فاقداً للماء بطبيعة الحال لا من عجّز نفسه من الماء وأدرجها في الفاقد بالاختيار كما هو الحال في المقام.
وهذا هو الموافق للارتكاز العرفي في أمثال المقام ، فإذا أمر المولى عبده بطبخ الطعام مع الماء ، وعلى تقدير عدم التمكن منه أو العجز عنه أمره بشراء الخبز مثلاً ، ثم العبد أراق الماء باختياره ليندرج في موضوع وجوب شراء الخبز فان الفهم العرفي يقتضي عدم كفاية هذا العجز والفقدان في وجوب شراء الخبز في حقه.
وهذا هو الحال فيما إذا كان الوقت واسعاً أيضاً ، لعدم اختصاصه بضيق الوقت ، فلو أراق الماء أو صرفه في شيء آخر أول الوقت مع عدم تمكنه منه إلى آخر الوقت فلا يسوغ له التيمّم بمقتضى ما يستفاد من الآية المباركة والأخبار وما هو المرتكز فيما لو كان الحكم معلقاً على عنوان اضطراري كعدم التمكّن وعدم القدرة وعدم التيسر ونحوها ، فلا يشمل الحكم من عجّز نفسه بالاختيار كما قدّمناه (1)في مسألة ما إذا كان
1) في ص 105 107.
[1085] مسألة 27 : إذا شك في ضيق الوقت وسعته بنى على البقاء وتوضأ أو اغتسل (1)، وأمّا إذا علم ضيقه وشك في كفايته لتحصيل الطهارة والصلاة وعدمها وخاف الفوت إذا حصلها فلا يبعد الانتقال إلى التيمّم (1)
متمكناً من الماء فأراقه ، ومن ثمة احتاط الماتن هنا احتياطاً شديداً ، هذا.
إلاّ أن مقتضى ما استفدناه من الإجماع القطعي وما هو المرتكز في الأذهان وما دلّت عليه الصحيحة الواردة في المستحاضة من أنها لا تدع الصلاة بحال (2)أن الصلاة وظيفة كل مكلف في كل حال ومنهم المكلف في مفروض المسألة أعني من عجّز نفسه عن الماء بالاختيار فتجب عليه الصلاة قطعاً ، وقد علمنا أن لا صلاة إلاّ بطهور ، وهو في حقه منحصر بالتراب.
وهذا يدلّنا على أن وظيفة المكلف في أمثال المقام هو الصلاة في الوقت بالتيمّم ولا حاجة معه إلى القضاء ولا إلى الاحتياط ، نعم لا إشكال في أنه عصى ربه باختياره وتأخيره كما قدّمناه في مسألة من أراق الماء باختياره ، إلاّ أن عصيانه لا يمنع من انتقال وظيفته إلى التيمّم ، والمسوغ له هو القاعدة الارتكازية كما ذكرناه.
(1) في المسألة صورتان :
الاولى : أن يعلم بأن صلاته مع الطهارة المائية تستوعب من الوقت خمس دقائق مثلاً ويشك في أن الباقي من الوقت خمس دقائق أو أقل أو أكثر.
وفي هذه الصورة من الشك في سعة الوقت وضيقه أجرى الماتن قدسسره استصحاب بقاء الوقت للشك في سعته وضيقه ، فإنه كما يجري الاستصحاب في الأُمور السابقة يجري في الأُمور المستقبلة ، وبه يحرز بقاء الوقت كما لو أحرزناه بالعلم الوجداني.
والفرق بين الصورتين : أن في الأُولى يحتمل سعة الوقت وفي الثانية يعلم ضيقه فيصدق خوف الفوت فيها دون الاولى. والحاصل أن المجوز للانتقال إلى التيمّم خوف الفوت الصادق في الصورة الثانية دون الأُولى.
الثانية : أن يعلم بالمقدار الباقي من الوقت وأنه خمس دقائق مثلاً ويشك في وقت صلاته مع الطهارة المائية وأنه يستلزم خمس دقائق أو أكثر.
وفي هذه الصورة بنى الماتن على عدم جريان الاستصحاب في الوقت لأنه معلوم المقدار يعلم ببقاء خمس دقائق من العصر وتغيب الشمس بعدها فليس هناك مورد ومجرى للاستصحاب ، وبما أنه يخاف فوت الفريضة في وقتها فيجوز له أن يتيمم ويصلِّي ، هذا.
وتفصيل الكلام في هذه المسألة يقع في موردين :
الأوّل : في جريان الاستصحاب في كلتا الصورتين وعدمه.
الثاني : في حكم المسألة بلحاظ القرينة الخارجية.
أمّا المورد الأوّل : فالصحيح أن المسألتين كلتاهما مورد للاستصحاب.
أمّا المسألة الاولى : أعني ما إذا شك في سعة الوقت وضيقه مع العلم بمقدار الوقت الذي يستوعبه عمله أي الشك في عمود الزمان فلأن المستفاد من الأدلّة الواردة في الأوقات أن اللازم أمران : أحدهما : إيجاد الصلاة ، والآخر : أن لا يكون الوقت المضروب غاية منقضياً بأن يصلِّي الظهر والوقت باقٍ ، ولا يعتبر في الفريضة شيء آخر زائد على ذلك.
والمكلف في مفروض المسألة أحرز أحد الجزأين بالوجدان لإيجاده الصلاة وأحرز الجزء الآخر بالتعبّد والاستصحاب لاقتضائه بقاء الوقت وعدم انقضائه. وبضم الوجدان إلى الأصل يثبت أنه أوجد الظهر مثلاً والوقت باق ، نظير ما إذا كان عالماً ببقاء الوقت. وقد عرفت أنه لا يعتبر في الصلاة شيء زائد على ذلك ليتوهّم أن الاستصحاب أصل مثبت بالإضافة إليه.
وأمّا المسألة الثانية : أعني ما إذا كان الزمان بحسب العمود معلوماً لا شك فيه كما لو علم أن الباقي من الوقت خمس دقائق ، إلاّ أنه لا يدري الوقت الذي يستدعيه عمله مع الطهارة المائية هل هو خمس دقائق أو أكثر فلأن الاستصحاب وإن كان لا يجري بحسب عمود الزمان لمعلوميته إلاّ أنه يجري بلحاظ الحادث الآخر وهو انقضاء الصلاة مع الطهارة المائية قبله وعدمه ، لأنه مشكوك بهذا اللحاظ ، ولا مانع من أن يكون شيء في نفسه معلوماً ومشكوكاً فيه بالإضافة إلى شيء آخر كما نبّهنا عليه في بعض تنبيهات الاستصحاب عند التعرض لمسألة ما إذا مات المورث وأسلم الوارث وشككنا في المتقدم منهما والمتأخر (1).
وفي المقام يشك في ذلك الزمان المعلوم مقداره هل ينقضي قبل إتمام المكلف صلاته بطهارة مائية أم لا؟ ومقتضى الاستصحاب بقاؤه وعدم انقضائه قبل إتمام الصلاة.
إذن من حيث جريان الاستصحاب لا فرق بين المسألتين.
وأمّا المورد الثاني : فمقتضى صحيحة الحلبي الواردة في الأوقات ، في حديث قال : « سألته عن رجل نسي الأُولى والعصر جميعاً ثم ذكر ذلك عند غروب الشمس فقال : إن كان في وقت لا يخاف فوت إحداهما فليصل الظهر ثم يصلِّي العصر ، وإن هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر ولا يؤخرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعاً ، ولكن يصلِّي العصر فيما قد بقي من وقتها ثم ليصل الاولى بعد ذلك على أثرها » (2)أن خوف الفوت طريق إلى ضيق الوقت وأنه موجب لسقوط الاستصحاب ، لأنه لو لم يكن طريقاً معتبراً شرعاً ومانعاً عن جريان الاستصحاب لكان مقتضى استصحاب بقاء الوقت عند خوف الفوت وجوب البدء بصلاة الظهر قبل العصر مراعاةً للترتيب ، كما لو كان عالماً ببقاء الوقت ، فلا وجه لأمره عليهالسلام بالابتداء بالعصر إلاّ سقوط الاستصحاب عند خوف الفوت.
[1086] مسألة 28 : إذا لم يكن عنده الماء وضاق الوقت عن تحصيله مع قدرته عليه بحيث استلزم خروج الوقت ولو في بعض أجزاء الصلاة انتقل أيضاً إلى التيمّم
وكذلك الحال في حسنة زرارة بعلي بن إبراهيم بن هاشم (1)الواردة في طلب المسافر الماء ، عن أحدهما عليهماالسلام قال : « إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت ، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل » (2)، لأنه لو لم يكن خوف الفوت طريقاً إلى ضيق الوقت ومانعاً عن جريان الاستصحاب لم يكن موجب لتيمّمه ، بل وظيفته أن يتوضأ ويصلِّي.
إذن خوف الفوت طريق شرعي إلى ضيق الوقت ومانع عن جريان الاستصحاب وهذا متحقق في كلتا المسألتين :
أمّا الثانية فلوضوح أنه يخاف فوت الوقت إذا توضأ أو اغتسل لاحتمال أن يكون وقت عمله مع الطهارة المائية زائداً على خمس دقائق في المثال.
وأما الاولى فكذلك أيضاً ، لأنه بالوجدان يحتمل أن يكون الوقت خارجاً قبل إتمام صلاته لو اشتغل بالطهارة المائية ، فالخوف متحقق في كلتا المسألتين بالوجدان ، إذ لا فرق فيه بين أن يكون منشؤه الشك في سعة الزمان وضيقه وبين أن يكون هو الشك في أن عمله مع الطهارة المائية يستوعب أي مقدار من الوقت؟ فإنه على كلا التقديرين يخاف فوت الوقت على تقدير اشتغاله بالطهارة المائية ، ومعه ينتقل أمره إلى التيمّم في كلتا المسألتين. فلا فرق فيهما من حيث جريان الاستصحاب فيهما في نفسه وبين كونهما مورداً للتيمم كما عرفت.
وهذه الصورة أقل إشكالاً من الصورة السابقة (1) وهي ضيقه عن استعماله مع وجوده ، لصدق عدم الوجدان في هذه الصورة بخلاف السابقة (1)، بل يمكن أن يقال بعدم الإشكال أصلاً فلا حاجة إلى الاحتياط بالقضاء هنا.
(1) بل الصحيح أن هذه الصورة مع الصورة السابقة متساويتان وليس هناك مزية لإحداهما على الأُخرى ، وذلك لما قدّمناه من أن المراد بالفقدان في الآية المباركة إنما هو فقدان الماء بالإضافة إلى طبيعي الصلاة ، فإن من لم يجد الماء في أوّل الزوال وكان متمكناً منه بعد ساعة لا يجوز له التيمّم.
كما أن المراد من الفقدان ليس هو الفقدان الحقيقي ، بل المراد منه هو عدم التمكن من استعمال الماء في الوضوء أو الغسل بقرينة ذكر المرضي في الآية الكريمة ، فإنه واجد للماء غالباً ولكن لا يتمكّن من استعماله ، فالمراد منه هو عدم التمكّن من استعمال الماء في الوضوء أو الغسل وإن كان واجداً للماء.
وعليه فالمكلف في كلتا المسألتين فاقد للماء بمعنى عدم تمكنه من استعماله في الوضوء والغسل للصلاة لضيق الوقت ، وهو في الحقيقة واجد للماء في كلتيهما :
أمّا في المسألة الأُولى فواضح لفرض وجدانه الماء.
وأمّا في المسألة الثانية فلأنه متمكن من تحصيل الماء والمسير إليه والغسل والتوضي به ، إلاّ أن الوقت لا يسعهما مع صلاته. فهما من حيث التمكّن من الماء ومن حيث العجز عن استعماله في الغسل أو الوضوء للصلاة من جهة ضيق الوقت سيّان.
نعم المسألة الثانية منصوصة ، حيث ورد في رواية حسين العامري : عمن سأله عن « رجل أجنب فلم يقدر على الماء وحضرت الصلاة فتيمم بالصعيد ثم مرّ بالماء ولم يغتسل وانتظر ماءً آخر وراء ذلك فدخل وقت الصلاة الأُخرى ولم ينته إلى الماء وخاف فوت الصلاة ، قال : يتيمم ويصلِّي ، فان تيمّمه الأوّل انتقض حين مرّ بالماء ولم
1) (*) الظاهر صدق عدم الوجدان فيها أيضاً ، فإن العبرة بعدم الوجدان بالإضافة إلى الصلاة لا مطلقاً.
[1087] مسألة 29 : من كانت وظيفته التيمّم من جهة ضيق الوقت عن استعمال الماء إذا خالف وتوضأ أو اغتسل بطل (1)
يغتسل » (1)حيث استفيد منها أمران :
أحدهما : أن وجدان الماء ناقض للتيمم ، وبهذه المناسبة روى في الوسائل الرواية في باب انتقاض التيمّم بوجدان الماء.
وثانيهما : أنه إذا تمكن من تحصيل الماء وخاف فوت الصلاة لضيق الوقت على تقدير الطهارة المائية جاز له التيمّم.
إلاّ أن وجود النص وعدمه سيان بعد كون الحكم في المسألتين مطابقاً للقاعدة وصدق الفقدان بمعناه المتقدم ، على أن النص ضعيف من جهات :
الاولى : كونها مروية عن حسين العامري وهو ممن لم يوثق في الرجال.
والثانية : كونها مرسلة ، لأن الحسين رواها عمن سأله ولا يعلم أنه من هو.
والثالثة : كونها مضمرة. ونحن وإن كنّا نعمل بالمضمرات لكنه فيما إذا كان المضمر من أجلاء الرواة وأكابرهم لا في مثل المقام ، إذ من المحتمل أن يكون سؤاله متوجهاً إلى غير الإمام عليهالسلام مثل رؤساء المذاهب الباطلة أو أحد العلماء أو نحوهما.
(1) للمسألة صور ثلاث : وذلك لأن المكلف الآتي بالوضوء أو الغسل مع كونه مأموراً بالتيمّم قد يكون عالماً بضيق الوقت وبأنه مأمور بالتيمّم وخالف ، وقد يكون جاهلاً بالحال. ثم الجاهل قد يأتي بهما بقصد الوضوء أو الغسل للصلاة وقد يأتي بهما بقصد غير الصلاة من الغايات كقراءة المصحف أو دخول المسجد أو لغاية استحبابهما النفسي ، فهذه صور ثلاث :
الصورة الأُولى : ما إذا كان المكلف عالماً بالحال ، فان أتى بهما لأجل استحبابهما النفسي أو لسائر الغايات المترتبة عليهما فلا ينبغي الإشكال في صحتهما ، حيث أتى بهما
1) الوسائل 3 : 377 / أبواب التيمّم ب 19 ح 2.
لأنه ليس مأموراً بالوضوء لأجل تلك الصلاة ، هذا إذا قصد الوضوء لأجل تلك الصلاة ، وأما إذا توضأ بقصد غاية أُخرى من غاياته أو بقصد الكون على الطهارة صح على ما هو الأقوى من أن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه. ولو كان جاهلاً بالضيق وأن وظيفته التيمّم فتوضأ فالظاهر أنه كذلك ، فيصح إن كان قاصداً لإحدى الغايات الأُخر ويبطل (1)إن قصد الأمر المتوجه إليه من قبل تلك الصلاة.
قاصداً التقرّب بهما وهما مأمور بهما واقعاً ، وقد ذكرنا في محلِّه أنّا لا نلتزم بكون الأمر بالشيء مقتضياً للنهي عن ضده بل كلا الضدين يقعان مأموراً بهما على وجه الترتب.
وإن أتى بهما بقصد الصلاة فإن قصد التشريع بعمله أي مع علمه بعدم الأمر بهما من قبل الأمر بالصلاة أتى بهما بانياً على كونهما مأموراً بهما من قبل الصلاة فلا تأمّل في بطلانهما لحرمة التشريع ، ولا يمكن أن يقع المحرم عبادة ومحبوباً.
ولو لم يقصد بهما التشريع ، كما لو نوى بهما المقدمية لطبيعي الصلاة ولو قضاءً ، ولم يقصد كونهما مأموراً بهما بالأمر الفعلي ، فلا مانع من الحكم بصحتهما في هذه الصورة لكونه مأموراً بهما ولو لأجل القضاء. إلاّ أن هذا أمر نادر جدّاً ، لأن من يأتي بالوضوء أو الغسل من جهة المقدمية للصلاة يقصد بطهارته كونها مأموراً بها بالفعل.
الصورة الثانية : ما إذا كان المكلف جاهلاً بالحال وأتى بهما لا بقصد الصلاة. ولا ينبغي الارتياب في صحتهما ، لأنهما مأمور بهما من جهة استحبابهما النفسي أو المقدمية لسائر الغايات وقد قصد بهما التقرب فيقعان صحيحين لا محالة.
اللّهمّ إلاّ أن يقال بأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده وأن النهي الواقعي يقتضي فساد العبادة وإن كان مجهولاً للمكلف على ما قويناه في محلِّه (2)، فإنه يقتضي الحكم بفساد الغسل أو الوضوء في مفروض الكلام ، وذلك لأنه مأمور بالتيمّم ، وهو
يقتضي النهي عن الغسل أو الوضوء ، والمحرم والمنهي عنه لا يقع عبادة لأنه مبغوض. إلاّ أنّا لا نلتزم بكون الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه ، بل كلا الضدّين مأمور بهما على وجه الترتب كما حققناه في محلِّه (1).
الصورة الثالثة : ما إذا كان المكلف جاهلاً بالضيق وقد أتى بالوضوء أو الغسل بقصد المقدمية للصلاة. وقد ذكر الماتن قدسسره أنهما محكومان بالبطلان ، لأن ما قصده من المقدمية للصلاة لا واقع له ، وما له واقع من المحبوبية النفسية أو المقدمية لسائر الغايات ليس مقصوداً له.
ولكن الصحيح صحّة الغسل والوضوء في هذه الصورة أيضاً ، لأن المطلوب في العبادات أمران : الإتيان بذات العمل ، وإضافته إلى اللّه سبحانه نحو إضافة. وكلا الأمرين واقع ومتحقق في المقام ، غاية الأمر أنه تخيل أن الإضافة والمقربية من جهة أنهما مقدمتان للصلاة ، وأخطأ في هذا الخيال ، فان إضافتهما ومقربيتهما إنما هي من جهة المحبوبية الذاتية أو سائر الغايات ، وهو خطأ في التطبيق وتخلف في الداعي وهو لا يوجب البطلان.
نعم لو قلنا بما التزم به الماتن قدسسره في مبحث الوضوء (2)من أن الوضوء والغسل أمران قابلان للتقييد ، وأتى بهما المكلف بقيد كونهما مقدمة للصلاة لا بدّ من الحكم ببطلانهما ، إذ لا واقع لما أتى به لعدم كونهما مقيدين بذاك القيد.
إلاّ أنّا ذكرنا أن الوضوء والغسل طبيعة واحدة وشيء فأرد لا يقبل التقييد ، وإنما يمكن فيهما تخلف الداعي والخطأ في التطبيق ومعه لا بدّ من الحكم بصحتهما.
فتحصل : أن الغسل أو الوضوء محكومان بالصحّة على جميع التقادير المذكورة سوى ما وقع على وجه التشريع.
إلى هنا نختم الكلام في هذا الجزء حامدين مصلِّين ، ونشرع الجزء العاشر من المسألة (30) التيمّم لأجل الضيق مع وجدان الماء ... إن شاء اللّه.
[1088] مسألة 30 : التيمّم لأجل الضيق مع وجدان الماء لا يبيح إلاّ الصلاة الّتي ضاق وقتها فلا ينفع لصلاة أُخرى غير تلك الصلاة ولو صار فاقداً للماء حينها ، بل لو فقد الماء في أثناء الصلاة الأُولى أيضاً لا تكفي لصلاة أُخرى بل لا بدّ من تجديد التيمّم لها وإن كان يحتمل (1)الكفاية في هذه الصورة (1).
(1) إذا لم يتمكّن المكلّف من الصلاة مع الطّهارة المائية في وقتها لضيق الوقت مع وجدانه الماء خارجاً لا إشكال في أنّ وظيفته الصلاة مع الطّهارة الترابية ، لأنّ الصلاة فريضة على كل مكلّف ولا تسقط بحال وهي مشروطة بالطّهارة ، وحيث إنّ الطّهارة المائية غير متيسرة لأجل ضيق الوقت فلا مناص من الإتيان بها مع التيمّم ، وهذا لا تردد فيه.
كما أنّه لا خلاف في أنّ هذا التيمّم لا يباح به غير الصلاة الّتي ضاق وقتها وقد تيمّم لأجل إتيانها أداءً ، ولا يسوغ الدخول به في سائر الصلوات وغير الصلوات ممّا يشترط فيه الطّهارة إذا أمكنه أن يأتي بها مع الطّهارة المائية ، لأنّ المفروض أنّ المكلّف واجد للماء بالنسبة إليها وهو مأمور بالوضوء أو الغسل لها دون التيمّم إلاّ بالإضافة إلى الصلاة الّتي ضاق وقتها.
وإنّما الكلام فيما لو تيمّم لصلاة كالعصر لضيق وقتها وكان حينذاك متمكّناً من الوضوء لصلاة المغرب الّتي بعد العصر إلاّ أنّه صار فاقداً للماء بالإضافة إلى صلاة المغرب أثناء صلاة العصر المأتي بها مع التيمّم ، أو صار فاقداً للماء وقت صلاة المغرب أو كان واجداً للماء بعد العصر لكنّه عجز عنه بعد ذلك وفي وقتها ، فهل يجوز الاكتفاء فيها بذاك التيمّم الّذي أتى به لصلاة العصر أو لا بدّ من تجديد التيمّم بالإضافة إلى غير صلاة العصر من الصلوات الّتي عجز عن الطّهارة المائية لها بعد تمكّنه منها حال
1) (*) لكنّه بعيد.
شروعه في العصر؟
ذهب الماتن قدسسره إلى عدم جواز الإتيان بغير العصر من الصلوات بالتيمّم الّذي أتى به لصلاة العصر ، وإن احتمل الكفاية في صورة ما إذا طرأه العجز عن الماء أثناء صلاة العصر.
والصحيح أنّ التيمّم المأتي به لأجل الضيق لا يباح به غير الفريضة الّتي ضاق وقتها ، ولا بدّ من تيمّم آخر لاستباحة غيرها من الصلوات سواء طرأ عليه العجز عن الماء بعد العصر أو في أثناء صلاتها.
وتوضيحه : أنّا ذكرنا سابقاً أنّ التيمّم وظيفة من لم يتمكّن من استعمال الماء خارجاً سواء كان عجزه من الماء مستنداً إلى فقدانه حقيقة كما قد يتفق في الأسفار والبراري ، أو مستنداً إلى عدم قدرته على الاستعمال ولو مع وجدانه الماء كما يتفق كثيراً في المريض ، وقد قلنا : إنّ المراد من الآية الكريمة ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) (1)إنّما هو عدم التمكّن من استعمال الماء خارجاً لا فقدان الماء حقيقة ، بقرينة قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ) .
ولا فرق في عدم التمكّن من استعماله بين العجز حقيقة وتكويناً عن الاستعمال وبين عدم التمكّن من الاستعمال شرعاً وتعبّداً كما لو كان الماء موجوداً عنده وهو مغصوب أو مستلزم للتهلكة مثلاً ، وعند العجز عن استعمال الماء في الغسل أو الوضوء تكويناً أو تشريعاً ينتقل الأمر إلى التيمّم ، هذا.
وقد يجوز التيمّم في حقّ المكلّف لا من أجل عجزه عن الماء وفقدانه بل من جهة ترخيص الشارع في ترك الطّهارة المائية ، وهو يستلزم جواز التيمّم ، وذلك في موردين :
أحدهما : في موارد كون الوضوء أو الغسل حرجياً ، حيث إنّ الإقدام على الأمر العسير سائغ في الشريعة المقدّسة إلاّ أنّ الشارع امتناناً رخص للمكلّف في تركه ، ففي مثله لو ترك المكلّف الوضوء لترخيص الشارع فيه لا مناص من جواز التيمّم في
1) المائدة 5 : 6.
حقّه ، لأنّ الصلاة لا تسقط بحال وهي مشروطة بالطهور ، مع أنّ المكلّف متمكّن من استعمال الماء في الغسل أو الوضوء تكويناً وتشريعاً.
ثانيهما : موارد التزاحم ، كما إذا زاحم الغسل أو الوضوء واجب أهم مثل حفظ النفس المحترمة وقد صرف المكلّف الماء فيما هو الأهم فإنّه يجوز التيمّم في حقّه بعد ذلك ، لأنّه مكلّف بالصلاة ولا صلاة إلاّ بطهور.
والوجه في جواز التيمّم وعدم وجوبه حينئذ هو أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه ، فالأمر بصرف الماء في الواجب الأهم لا يقتضي النهي عن الوضوء ، وحيث إنّه أمر محبوب في نفسه أي هو مستحب نفسي فيجوز للمكلّف الإتيان به وترك التيمّم ، لأنّه واجد الماء ، وإن كان عصى بمخالفة الأمر بصرف الماء في الواجب الأهم. فالتيمّم جائز في هذه الصورة وليس بمتعين مع كون المكلّف واجداً للماء.
بل ويمكن القول بوجوب الوضوء فضلاً عن جوازه ، وذلك مبني على ما هو الصحيح من إمكان الترتب ، فهو مكلّف بالواجب الأهم وصرف الماء فيه ، وعلى تقدير المخالفة يجب المهم عليه وهو صرف الماء في الوضوء أو الغسل. وكيف كان يسوغ للمكلّف التيمّم في حقّه في هذين الموردين مع كونه واجد الماء ومتمكّناً من استعماله عقلاً وشرعاً.
إذا عرفت هذا فنقول : المكلّف كما قدّمناه مأمور بالتيمّم لأجل الصلاة الّتي فرضنا ضيق وقتها كالعصر ، وهو متمكّن من استعمال الماء في الوضوء بالإضافة إلى الصلاة الّتي بعد العصر عقلاً وشرعاً. أمّا عقلاً فلأجل وجدان الماء وقدرته على استعماله حسب المفروض ، فله أن يتوضأ تهيؤاً لإيقاع صلاة المغرب مثلاً في أوّل وقتها. كما أنّه متمكّن شرعاً ، وذلك لما تقدم من أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه ، وحيث إنّ الوضوء مستحب نفساً فيجوز للمكلّف أن يترك العمل بأمر التيمّم ويأتي بالوضوء ، بل لا مانع من إيجابه بالترتب.
وكيف كان ، فالمكلّف متمكّن من استعمال الماء في الوضوء بالنسبة إلى الصلاة الواقعة بعد العصر ، وإنّما لا يأتي به لكونه مزاحماً للتيمم الواجب لصلاة العصر ، فالتيمّم بالإضافة إلى ما يتمكّن فيه من استعمال الماء ليس سائغاً وإنّما يسوغ لصلاة العصر فقط لضيق وقتها ، والأمر بالتيمّم لأجلها لا يجعله فاقداً وغير متمكّن من استعمال الماء لأجل غيرها من الصلوات ، بل هو متمكّن منه عقلاً وشرعاً كما مرّ ، وإنّما لا يتوضأ لها لأجل كونه مزاحماً للتيمم الواجب لصلاة العصر لا لكونه فاقداً للماء ولا يتمكّن من استعماله.
إذن لا يسوغ به غير الصلاة الّتي ضاق وقتها ، بلا فرق في ذلك بين طروء العجز عن استعمال الماء عليه لأجل غير صلاة العصر من الصلوات بعد العصر وبين طروء العجز عنه في أثناء صلاة العصر ، لأنّ المكلّف بالإضافة إلى كلتا الحالتين متمكّن من استعمال الماء قبل العصر في ظرف تيممه لصلاة العصر ، وليس له مسوغ في التيمّم لغيرها لتمكّنه من استعماله لغير العصر حسب الفرض ، فلو طرأ العجز عن استعماله بعد التمكّن منه فهو موضوع جديد ذو حكم جديد فيجب عليه التيمّم ثانياً لتحقق موضوعه.
وبتقريب آخر : أنّ المستفاد من الآية المباركة والروايات أنّ التيمّم وظيفة من لم يتمكّن من استعمال الماء بعد دخول وقت الصلاة ، لأنّ المراد بالقيام إليها في قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) هو القيام للإتيان بها ، وهو لا يسوغ إلاّ بعد دخول وقتها ، وكذلك الحال في الوضوء ، فلا مسوغ للتيمم قبل دخول الوقت ولو مع العلم بعدم التمكّن من الماء بعد دخول وقتها ، ومن ثمة جاز ترك الوضوء أو الاغتسال قبل الوقت لمن علم بعدم تمكّنه منهما بعد دخوله ، بل جاز إراقة الماء قبل دخول وقت الصلاة ، لعدم كونه مأموراً بشيء من الطهارتين قبل الوقت وجواز التيمّم للفاقد والوضوء للواجد بعده. إذن لا يكفي التيمّم المأتي به لأجل فريضة للفريضة الّتي لم يدخل وقتها بعد.
[1089] مسألة 31 : لا يستباح بالتيمّم لأجل الضيق غير تلك الصلاة من الغايات الأُخر حتّى في حال الصلاة ، فلا يجوز له مسّ كتابة القرآن (1)
نعم علمنا بمقتضى الروايات (1)أنّ المتيمم لصلاة يجوز له أن يأتي بصلاة أُخرى في وقتها بذلك التيمّم إذا كان موضوع التيمّم باقياً بحاله ، كمن تيمّم للظهرين لكونه مريضاً ولم ينتقض تيممه بشيء وقد دخل وقت العشاءين ، فلا يجب عليه التيمّم ثانياً لصلاتهما إذا بقي مريضاً. وأمّا لو تيمّم لصلاة العصر وهو متمكّن من الوضوء لغيرها ثمّ بعد ذلك تبدّل التمكّن بالعجز فلا دليل على كفاية ذاك التيمّم عن التيمّم لصلاة المغرب ، بل كفاية التيمّم بالإضافة إلى العصر ليس منصوصاً ، ومن هنا ذهب جمع إلى أنّه غير مأمور بالوضوء لضيق الوقت ولا بالتيمّم لكونه واجداً للماء فهو فاقد الطهورين يجب أن يقضي صلاته بعد الوقت ، وإنّما التزمنا بكفايته لما تقدّم من الوجه (2).
ومن هذا يظهر عدم الفرق بين طرو العجز بعد العصر في مثالنا وبين طروئه في أثنائها ، وإن كان يظهر من الماتن وجود الفرق بينهما ، وذلك لأنّ المدار على الوجدان والفقدان عند التيمّم لصلاة العصر ، فمن كان واجداً للماء لغير العصر حينئذ لم يكف تيممه هذا للعجز اللاّحق المتجدّد ، ولم يظهر لنا وجه التفرقة.
وأمّا لو كان واجداً للماء بعد العصر وطرأ العجز بعد ذلك فلا شبهة في انتقاض تيممه السابق ووجوب تيمّم ثانٍ ، لكون وجدان الماء من نواقض التيمّم.
(1) لعين ما قدّمناه في المسألة السابقة ، لأنّ المكلّف يتمكّن من استعمال الماء لسائر الغايات ، وإنّما لا يتمكّن من الماء بالإضافة إلى العصر في مثالنا ، فلا يكفي تيممه هذا لغيرها.
ولو في حال الصلاة (1)وكذا لا يجوز له قراءة العزائم إن كان بدلاً عن الغسل فصحته واستباحته مقصورة على خصوص تلك الصلاة.
[1090] مسألة 32 : يشترط في الانتقال إلى التيمّم ضيق الوقت عن واجبات الصلاة فقط فلو كان كافياً لها دون المستحبات وجب الوضوء (2) والاقتصار عليها بل لو لم يكف لقراءة السورة تركها وتوضأ لسقوط وجوبها في ضيق الوقت (3).
[1091] مسألة 33 : في جواز التيمّم لضيق الوقت عن المستحبّات المؤقتة إشكال (1)فلو ضاق وقت صلاة اللّيل مع وجود الماء والتمكّن من استعماله يشكل الانتقال إلى التيمّم (4).
(1) لسعة وقت المس أو غيره ، فله أن يتم صلاته ثمّ يتوضأ للمس الواجب أو المستحب ، اللّهمّ إلاّ أن يضيق وقت المس الواجب كما لو وقع المصحف في مكان يعدّ بقاؤه فيه هتكاً للمصحف فيكفي له التيمّم المأتي به لصلاة العصر لأجل ضيق الوقت.
(2) لتمكّنه من الواجب مع الطّهارة المائية فلا مسوغ للتيمم حينئذ.
(3) للأخبار الدالّة على عدم وجوب السورة عند الاستعجال ولو لأجل الأُمور الدنيويّة فضلاً عن الأُخرويّة (2)بل قد ورد في بعض النصوص عدم وجوب السورة مطلقاً (3)وحملت على صورة الاستعجال جمعاً بينها وبين الأخبار الدالّة على الوجوب.
(4) منشأ الإشكال أنّ المسوغ للتيمم إنّما هو عدم التمكّن من استعمال الماء في
الغسل أو الوضوء عقلاً أو شرعاً ، وليس المكلّف في موارد ضيق الوقت عاجزاً عن استعماله عقلاً وهو ظاهر ، وكذلك شرعاً لعدم كون الاستعمال محرماً بوجه.
إلاّ أنّ المؤقت في الواجبات لمّا كان مورداً لإلزام الشارع بإتيانها في وقتها وهي مشروطة بالطّهارة ولا يسع الوقت للطهارة المائية وجب الإتيان بها مع الطّهارة الترابية ، وإلاّ فالمكلّف واجد للماء عقلاً وشرعاً ، وإنّما شرع له التيمّم من جهة الإلزام الشرعي المتوجه إلى المكلّف في الإتيان بالمؤقت المشروط بالطّهارة.
وحيث إنّ المستحب كصلاة اللّيل ليس مورداً للإلزام ، والمكلّف غير مجبور على العمل وهو في سعة منه شرعاً وواجد للماء عقلاً وشرعاً لا يجوز له التيمّم بدلاً عن الوضوء أو الغسل. فضيق الوقت غير مسوغ له في المستحبات ، هذا.
ويمكن أن يقال : إنّه لا فرق في مسوغية الضيق للتيمم بين الواجب والمستحب ولا مدخلية للإلزام الشرعي بإتيان العمل وعدمه في جواز الاكتفاء بالطّهارة الترابية.
ووجهه : أنّا ذكرنا أنّ المراد من عدم التمكّن من الماء عقلاً أو شرعاً هو عدم التمكّن منه بالإضافة إلى الصلاة أو غيرها ممّا هو مشروط بالطّهارة وإن كان المكلّف متمكّناً منه بالإضافة إلى غيرها ، ومن هنا أجزنا التيمّم عند ضيق الوقت في الواجبات مع كون المكلّف واجداً للماء ومتمكّناً من استعماله عقلاً وهو ظاهر وشرعاً لعدم حرمة التصرّف في الماء ، لكنّه كان بحيث لو توضأ أو اغتسل لم يتمكّن من إتيان المؤقت في وقته ، وحيث إنّه فاقد للماء بالإضافة إلى الصلاة الواجبة ساغ له التيمّم بدلاً عن الوضوء أو الغسل.
والفقدان الإضافي كما يتحقق في الواجبات كذا يتحقق في المستحبّات ، لأنّ المكلّف يتمكّن من استعمال الماء عقلاً وشرعاً إلاّ أنّه لو تصدى لتحصيل الطّهارة المائية لم يتمكّن من إتيان صلاة اللّيل في وقتها ، فهو فاقد للماء بالإضافة إلى الفعل المستحب وهو مثل الفقدان بالإضافة إلى الفعل الواجب مسوغ للتيمم. وكون المكلّف ملزماً بالإتيان بالفعل وعدمه أجنبي عن صدق الفقدان الإضافي.
[1092] مسألة 34 : إذا توضأ باعتقاد سعة الوقت فبان ضيقه فقد مرّ أنّه إذا كان وضوءه بقصد الأمر المتوجّه إليه من قِبَل تلك الصلاة بطل (1)لعدم الأمر به (1) وإذا أتى به بقصد غاية أُخرى أو الكون على الطّهارة صحّ ، وكذا إذا قصد المجموع من الغايات الّتي يكون مأموراً بالوضوء فعلاً لأجلها.
بل يمكن الاستدلال على ذلك بالآية المباركة ، فإنّ قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... ) مطلق يشمل الواجبة والمستحبة ، لدلالته على أنّ المدار في وجوب التيمّم على عدم التمكّن من الماء عند القيام إلى مطلق الصلاة.
ولا يفرق فيما ذكرنا بين أن يكون المستحب ممّا يجوز قضاؤه أو لم يشرع فيه القضاء لأنّ الّذي يقوم للصلاة المستحبّة يصدق عليه أنّه لم يجد الماء وأنّه فاقده بالإضافة إلى الفعل المستحب أداءً وإن كان واجداً للماء ومتمكّناً من استعماله بالإضافة إلى قضائه. فمشروعية قضاء الفعل المستحب وعدمها ليسا دخيلين في المدّعى.
(1) قد قدّمنا في المباحث السابقة (2)أنّ الوضوء ليس من الموارد القابلة للتقييد لأنّه أمر جزئي ولا معنى للتقييد فيه ، وإنّما تلك الموارد من قبيل التخلّف في الدواعي والوضوء فيها محكوم بالصحّة مطلقاً ، لأنّه مستحب نفسي وواقع على وجه الصحّة حتّى فيما إذا كان الوقت ضيقاً واقعاً ، لأن أمر المكلّف بالتيمّم حينئذ لا يوجب النهي عن الوضوء ، فلو توضأ عند ضيق الوقت واقعاً حكم بصحّته وجاز له أن يرتب عليه آثار الطّهارة الصحيحة فضلاً عمّا إذا توهم الضيق ولم يكن الوقت ضيقاً واقعا.
وأمّا لو تيمّم باعتقاد الضيق فبان سعته بعد الصلاة فالظاهر وجوب إعادتها وإن تبيّن قبل الشروع فيها وكان الوقت واسعاً توضأ وجوباً ، وإن لم يكن واسعاً فعلاً بعد ما كان واسعاً أوّلاً وجب إعادة التيمّم (1).
(1) للمسألة صور ثلاثة :
الاولى : أن ينكشف بعد الصلاة مع الطّهارة الترابية سعة الوقت للصلاة مع الطّهارة المائية.
الثّانية : أن تنكشف السعة بعد التيمّم وقبل الصلاة ، أو بعدها (1)أنّ الوقت كان واسعاً للصلاة مع الطّهارة المائية عند التيمّم ولكنّه عند الانكشاف لا يسع الوقت إلاّ للصلاة بتيمم.
أمّا الصورة الأُولى : فالصحيح فيها بطلان التيمّم والصلاة ولزوم إعادتها بطهارة مائية ، وذلك لما قدّمناه من أنّ المسوغ للتيمم عند ضيق الوقت واقعاً هو كون المكلّف لا يتمكّن من استعمال الماء بالإضافة إلى الصلاة وإن كان متمكّناً منه بالإضافة إلى غيرها ، ومن هنا قلنا إنّ التيمّم لضيق الوقت لا يشرع به باقي الغايات المتقيّدة بالطّهارة.
وهذا غير متحقق عند تخيل الضيق مع السعة واقعاً ، لأنّ المكلّف متمكّن من استعمال الماء حينئذ حتّى بالإضافة إلى الصلاة فلا مسوغ للتيمم في حقّه. وتخيل الضيق ليس من مسوغاته لأنّه مجرّد خيال.
وبعبارة اخرى : أنّ المصحّح للتيمم إنّما هو الأمر بالصلاة مع الطّهارة الترابية ، ولا أمر بها في مفروض الكلام ، والأمر الخيالي ليس مسوغاً للتيمم كما مرّ.
ولا فرق فيما ذكرناه بين القول بجواز البدار لذوي الأعذار والقول بعدمه ، وذلك
1) أي ينكشف بعد الصلاة أنّ الوقت ... ، وهذه هي الصورة الثالثة للمسألة.
لأنّ القول بجوازه إنّما هو فيما إذا كان المكلّف معذوراً في ترك الطّهارة المائية وكان عذره مستوعباً للوقت ، وليس الأمر كذلك في المقام لأنّه لا عذر للمكلّف حسب الفرض. وتوهم الضيق ليس بعذر شرعي فلا يصح منه التيمّم ليجوز له البدار أو لا يجوز.
وأمّا الصورة الثّانية : فلا ينبغي التردّد في بطلان التيمّم حينئذ حتّى لو بنينا على صحّة التيمّم في الصورة السابقة بناءً على أن تخيل الضيق مسوغ للتيمم ، وذلك لأنّ وجدان الماء من أسباب انتقاض التيمّم.
وأمّا الصورة الثّالثة : فلا بدّ من الحكم ببطلان التيمّم فيها ، لعدم جوازه في حقّ المكلّف واقعاً ، لأنّ المدار في الانتقال إلى التيمّم إنّما هو عدم التمكّن من استعمال الماء في مجموع الوقت ، والمفروض أنّ المكلّف كان يتمكّن من استعماله حين التيمّم ، فهو تيمّم وقع بلا مسوغ حتّى بناءً على جواز البدار ، لأنّه إنّما هو في من كان معذوراً واستمرّ عذره (1)إلى آخر الوقت.
وليس الأمر كذلك في المقام ، لأنّ المصحّح للتيمم حينئذ إنّما هو الأمر بالصلاة ، وإلاّ فهو واجد للماء عقلاً وشرعاً ، بل لو توضأ حكمنا بصحّته كما مرّ (2)لكنّه لمّا كان مكلّفاً بالصلاة ولا صلاة إلاّ بطهور وهو غير متمكّن من الماء لصلاته ساغ له الصلاة مع التيمّم ، فالمسوغ هو الأمر بالصلاة مع التيمّم ، ولا أمر بالصلاة مع التيمّم في مفروض الكلام فكيف يمكن الحكم بصحّته؟.
وأمّا بعد الانكشاف فحيث إنّه لا يتمكّن من استعمال الماء حينئذ بالإضافة إلى الصلاة ساغ له التيمّم والصلاة. فما أفاده الماتن قدسسره من أنّ المكلّف في تلك الصورة يعيد تيممه هو الصحيح.
الثامن : عدم إمكان استعمال الماء لمانع شرعي (1) كما إذا كان الماء (1)في آنية الذهب أو الفضّة وكان الظرف منحصراً فيها بحيث لا يتمكّن من تفريغه في ظرف آخر (2) أو كان في إناء مغصوب كذلك (3) فإنّه ينتقل إلى التيمّم ، وكذا إذا كان محرم الاستعمال من جهة أُخرى.
(1) وإن كان استعماله ممكناً عقلاً ، وقد قدمنا أنّ المراد بالوجدان في الآية الكريمة هو التمكّن من استعماله عقلاً وشرعاً ، وذلك بقرينة ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ) ، ومع عدم التمكّن من إحدى الجهتين ينتقل أمره إلى التيمّم ، أمّا عند عدم التمكّن عقلاً فهو ظاهر وأمّا عند عدم التمكّن شرعاً فلأنّ نهي الشارع عن التصرف والاستعمال معجز مولوي عن استعماله ، فهو كما إذا لم يكن متمكّناً منه عقلاً. وقد بيّن الماتن لذلك صغريين :
إحداهما : ما إذا كان الماء في آنية الذهب والفضّة.
وثانيتهما : ما إذا حرم استعمال الآنية لغصبها أو لجهة أُخرى محرمة لاستعمالها.
(2) بل وكذلك الحال فيما إذا لم ينحصر الظرف في آنيتهما إلاّ أنّ الظرف كان بحيث عُدّ أخذ الماء منه وتفريغه في ظرف آخر استعمالاً له ، وهذا كما لو كان الماء في حب من الذهب أو الفضّة ، فإن استعمال الماء حينئذ إنّما هو بتفريغ الماء الموجود فيه في ظرف آخر ، لأن استعماله بالأخذ منه من دون واسطة وتفريغ في ظرف آخر أمر غير متعارف. وهو نظير السماور على ما ذكرنا في محلِّه (2)فإن استعماله إنّما هو بتفريغ الماء الموجود فيه في ظرف آخر من القوري أو الفنجان.
(3) الظاهر أنّ كلمة « كذلك » صدرت منه قدسسره اشتباهاً ، وذلك للفرق الواضح بين الإناء المغصوب والإناء من النقدين ، فان إناءهما على تقدير عدم انحصار
[1093] مسألة 35 : إذا كان جنباً ولم يكن عنده ماء وكان موجوداً في المسجد فإن أمكنه أخذ الماء بالمرور وجب ولم ينتقل إلى التيمّم (1) ، وإن لم يكن له آنية لأخذ الماء أو كان عنده ولم يمكن أخذ الماء إلاّ بالمكث (2) فإن أمكنه الاغتسال فيه بالمرور وجب ذلك ، وإن لم يمكن ذلك أيضاً أو كان الماء في أحد المسجدين أي المسجد الحرام أو مسجد النّبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم فالظاهر وجوب التيمّم لأجل الدخول في المسجد (1)وأخذ الماء أو الاغتسال فيه. وهذا التيمّم إنّما يبيح خصوص هذا الفعل (3) أي الدخول والأخذ أو الدخول والاغتسال ، ولا يرد الإشكال بأنّه يلزم من صحّته بطلانه حيث إنّه يلزم منه كونه واجداً للماء فيبطل كما لا يخفى.
الظرف فيه وعدم كون التفريغ منه في إناء آخر استعمالاً له عرفاً لا مانع من الوضوء أو الغسل بمائهما بتفريغ مائهما في ظرف آخر ، لأنّه استعمال مباح.
وهذا بخلاف الآنية المغصوبة فإنّ الوضوء أو الاغتسال من الماء الموجود فيها ولو بتفريغ مائها في ظرف ثانٍ وعدم عده استعمالاً للمغصوب ، فهو ليس جائزاً لأنّه تصرّف في مال الغير وهو حرام.
(1) بناءً على ما اختاره في بحوث أحكام الجنابة من أنّ الجنب يجوز له أخذ الشيء من المساجد لا بناءً على ما اخترناه من حرمته (2).
(2) أو كان متمكّناً من الأخذ حال المرور إلاّ أنّا بنينا على حرمة أخذ الجنب من المسجد شيئاً.
(3) إشارة إلى دفع ما ربما يورد على ما ذكره من أنّ التيمّم إنّما يسوغ للفاقد فلو
تيمّم للدخول وكان بسببه واجداً للماء فلا محالة يبطل تيممه فيلزم من صحّة التيمّم بطلانه.
وتقريب دفعه : أنّا قدمنا أنّ المسوغ للتيمم إنّما هو عدم التمكّن من استعمال الماء بالإضافة إلى الغاية المقصودة وإن كان المكلّف متمكّناً من استعماله بالإضافة إلى سائر الغايات ، ومن هنا جوّزنا التيمّم لضيق الوقت مع أنّ المكلّف حينئذ متمكّن من الاستعمال عقلاً وشرعاً لأجل بقية الغايات إلاّ أنّه لم يكن متمكّناً منه بالإضافة إلى الصلاة ، ولذا قلنا إنّ التيمّم لضيق الوقت لا يستباح به سوى الصلاة الّتي ضاق وقتها دون سائر الغايات لعدم تضيقها.
وعليه ففي المقام لمّا كان المكلّف لا يتمكّن من استعمال الماء بالإضافة إلى الدخول ساغ التيمّم في حقّه لأجله وإن كان متمكّناً من استعماله لأجل سائر الأُمور.
والحاصل : أنّ الجواز كان ثابتاً قبل التيمّم فهو لا يبيح إلاّ الدخول ولا مانع من صحّته ، لأنّه فاقد بالإضافة إلى الدخول وإن كان واجداً بالإضافة إلى الصلاة وغيرها.
وأمّا بالنسبة إلى الاغتسال فهو قد كان واجداً للماء قبل التيمّم وبعده لا أنّه صار واجداً له بعد التيمّم ، لأنّ الوجدان على ما فسّرناه يعني التمكّن من استعمال الماء والمكلّف متمكّن وقادر على الاغتسال واستعمال الماء له بواسطة التمكّن على مقدّمته الّتي هي الدخول بالتيمّم ، والمقدور مع الواسطة مقدور ، وإنّما المقدّمة لها المدخلية في تحقق ذي المقدّمة ووجوده لا في القدرة عليه على ما بيّناه في بحث مقدّمة الواجب (1)لأنّ المكلّف قادر على ذيها حتّى قبل الإتيان بمقدّمته ، نعم لولا المقدّمة لم يكن ذوها موجوداً لا أنّ المكلّف لم يكن قادراً عليه ، لأنّه مقدور مع الواسطة وهو مقدور قبل الإتيان بالمقدمة وبعده.
ومقامنا من هذا القبيل ، لأنّ المكلّف متمكّن من الاغتسال قبل التيمّم والدخول وبعدهما لقدرته على مقدّمته ، نعم لولا التيمّم والدخول لم يتحقق الاغتسال لا أنّ
1) أشار إليه في محاضرات في أُصول الفقه 2 : 416.
المكلّف لم يكن متمكّناً منه. إذن لا محذور في التيمّم لأجل الدخول ولا يستباح به سواه.
فلا يرد الإشكال عليه بأنّ صحّة التيمّم تستلزم صدق الواجد عليه ومعه يبطل لأنّه فاقد للماء بالنسبة إلى الدخول وليس بواجد له إلاّ (1)بعد تحقق الدخول ، نعم هو واجد للماء بالإضافة إلى غيره وهو لا يضر بصحّة التيمّم بالإضافة إلى الدخول ، هذا.
ولكن الصحيح على ما بيّناه في أحكام الجنابة عدم صحّة التيمّم للدخول ، وذلك لأنّ التيمّم إنّما يسوغ لأجل وجوب الاغتسال من الجنابة ، إذ لولا وجوب الاغتسال منها لم يجز للمكلّف الدخول في المسجد ولا التيمّم لأجله ، فجواز التيمّم موقوف على وجوب الاغتسال ، فلو توقف وجوب الاغتسال على جواز التيمّم والدخول كما هو المفروض لدار (2).
إذن فالصحيح أنّه فاقد للماء على وجه الإطلاق ووظيفته التيمّم ، فلو تيمّم ساغت له الغايات المترتبة على التيمّم مطلقاً كجواز المس وغيره دون الدخول ، لا أنّه فاقد بالنسبة إلى خصوص الدخول ولا يباح له بالتيمّم إلاّ الدخول.
ذكرنا أنّ الجنب إذا لم يتمكّن من الاغتسال وكان الماء موجوداً في المسجد بناءً على حرمة أخذ الجنب منه شيئاً مع عدم تمكّنه من الاغتسال حال المرور أو فرضنا الكلام في المسجدين أو نحو ذلك من التقادير المذكورة في المتن لا يجوز له أن يتيمّم للدخول ، لاستلزامه الدور ، حيث إنّ جواز دخوله بالتيمّم متوقف على وجوب الاغتسال من الجنابة فلو توقف وجوب الاغتسال عليه على جواز الدخول لدار.
بل المكلّف فاقد للماء ، لأنّ مقدمة اغتساله محرمة وهي دخوله المسجد جنباً والممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً ، ولأجله يسوغ له أن يتيمّم ويباح له بتيممه الغايات المترتبة على التيمّم شرعاً كجواز مس كتابة القرآن والصلاة ونحوهما ، هذا.
[1094] مسألة 36 : لا يجوز التيمّم مع التمكّن من استعمال الماء إلاّ في موضعين : أحدهما : لصلاة الجنازة ، فيجوز مع التمكّن من الوضوء أو الغسل على المشهور مطلقاً (1)
وقد يقال : إنّه بناءً على ما ذكرتم يجوز له الدخول في المسجدين أو في المساجد لأنّه كسائر الغايات المترتبة على تيمّم فاقد الماء.
ويندفع هذا بأنّه لا يعقل أن يجوز له الدخول بهذا التيمّم ، وذلك لأنّ المسوغ لتيممه إنّما هو حرمة دخوله وعدم تمكّنه من الاغتسال بدونه فكيف يعقل أن تسقط حرمة الدخول المسببة لجواز التيمّم بالتيمّم.
وبعبارة اخرى : أنّ المكلّف لمّا لم يجز له الدخول في المساجد والاغتسال جاز التيمّم في حقّه ، فإذا تيمّم للصلاة به فلو كان هذا التيمّم سبباً في جواز دخوله فيها لأوجب هذا وجوب الاغتسال في حقّه لتمكّنه منه حينئذ وعدم جواز الصلاة في حقّه إلاّ بالاغتسال ، فيلزم من جواز التيمّم للصلاة بطلان تيممه وعدم صحّة الصلاة به وهو أمر غير معقول.
فالمتحصل : أنّ المكلّف غير متمكّن من الماء فيتيمم لأجل الغايات المترتبة عليه ولا يسوغ له الدخول في المسجد ليجب عليه الاغتسال.
وإن شئت قلت : إذا تيمّم للصلاة في المسألة المتقدّمة لم يجز له الدخول في المسجد لأخذ الماء ، لأنّه إذا جاز ذلك لم تصح صلاته لأنّه واجد للماء فيبطل تيممه فلا يجوز له الدخول. فالأمر دائر بين أن يباح به خصوص الدخول وقد عرفت أنّه غير معقول ، وأن يباح به غير الدخول وهو الصحيح.
(1) لا دليل على ذلك بوجه ، لأن مصححة الحلبي : « سئل أبو عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل تدركه الجنازة وهو على غير وضوء فان ذهب يتوضأ فاتته
لكن القدر المتيقن صورة خوف فوت الصلاة منه لو أراد أن يتوضأ أو يغتسل نعم لمّا كان الحكم استحبابياً يجوز أن يتيمّم مع عدم خوف الفوت أيضاً لكن برجاء المطلوبيّة لا بقصد الورود والمشروعيّة.
الصلاة ، قال عليهالسلام : يتيمّم ويصلِّي » (1)موردها صورة خوف الفوت لا مطلقاً حتّى مع العلم بعدم فوت الصلاة عنه إذا ذهب ليتوضأ.
وموثقة سماعة : « سألته عن رجل مرّت به جنازة وهو على غير وضوء كيف يصنع؟ قال عليهالسلام : يضرب بيده حائط اللبن فليتيمم » (2)منصرفها صورة الفوت ، لأنّ المراد بقوله : « كيف يصنع » إن كان هو أنّه غير متوضئ ولا يخاف من فوت الصلاة على تقدير التوضي لم يكن لسؤاله هذا مجال ، لأنّه لا بدّ أن يتوضأ ، ولا معنى لسؤاله « كيف يصنع » ، فالظاهر أن تحيره وسؤاله هذا ناظر إلى أنّه لو توضأ لفاتته الصلاة فماذا يصنع؟ فأجابه عليهالسلام « يضرب بيده ... ».
نعم مرسلة حريز عمّن أخبره عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : الطامث تصلّي على الجنازة لأنّه ليس فيها ركوع ولا سجود ، والجنب يتيمّم ويصلِّي على الجنازة » (3)مطلقة وغير مقيّدة بصورة خوف الفوت ، إلاّ أنّها لإرسالها غير قابلة للاعتماد عليها في الفتوى بوجه.
نعم لمّا كانت صلاة الجنازة غير مشروطة بالطّهارة ، لأنّ الحائض يجوز لها الصلاة على الجنازة لم يكن بأس بالإتيان بالتيمّم لها رجاءً حتّى في صورة خوف الفوت (4).
الثّاني : للنوم ، فإنّه يجوز أن يتيمّم مع إمكان الوضوء أو الغسل على المشهور أيضاً مطلقاً (1) وخصّ بعضهم بخصوص الوضوء ، ولكن القدر المتيقن من هذا أيضاً صورة خاصّة وهي ما إذا آوى إلى فراشه فتذكّر أنّه ليس على وضوء فيتيمم من دثاره لا أن يتيمّم قبل دخوله في فراشه متعمداً مع إمكان الوضوء ، نعم هنا أيضاً لا بأس به لا بعنوان الورود ، بل برجاء المطلوبية حيث إنّ الحكم استحبابي.
وذكر بعضهم موضعاً ثالثاً وهو ما لو احتلم في أحد المسجدين ، فإنّه يجب أن يتيمّم للخروج وإن أمكنه الغسل ، لكنّه مشكل ، بل المدار على أقلية زمان التيمّم أو زمان الغسل أو زمان الخروج ، حيث إنّ الكون في المسجدين جنباً حرام فلا بدّ من اختيار ما هو أقل زماناً من الأُمور الثلاثة (2)
(1) لا دليل على جواز التيمّم للنوم مع تمكّن المكلّف من الماء والاغتسال. ومدركهم رواية مرسلة رواها الصدوق في الفقيه عن الصادق عليهالسلام : « من تطهر ثمّ آوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده ، فان ذكر أنّه ليس على وضوء فتيمم من دثاره كائناً ما كان لم يزل في صلاة ما ذكر اللّه » (1).
وهي مضافاً إلى إرسالها مختصّة بناسي الحدث ، كما تختص بالحدث الأصغر ، فلا بأس بالعمل على طبقها في موردها وهو ناسي الحدث الأصغر بناءً على التسامح في أدلّة السنن. والتعدي عن موردها إلى غير الناسي كالعامد وإلى غير المحدث بالأصغر أي الأكبر ممّا لا دليل عليه. فالحديث بناءً على تمامية القاعدة يعمل به في مورده بالتيمّم من دثاره.
(2) لأنه الحد الأقل ممّا لا بدّ من المكث فيهما ، وإنّما الكلام في الزائد عليه ، فما كان
1) الوسائل 1 : 378 / أبواب الوضوء ب 9 ح 2 ، الفقيه 1 : 296 / 1353. ورواها البرقي أيضاً في المحاسن [ 1 : 119 / 123 ] عن حفص بن غياث ، والظاهر أنّها مرسلة لروايته عنه بواسطة أبيه ، وأمّا بلا واسطة فلم تثبت.
فإذا كان زمان التيمّم أقل من زمان الغسل يدخل تحت ما ذكرنا من مسوّغات التيمّم من أن من موارده ما إذا كان هناك مانع شرعي من استعمال الماء ، فإن زيادة الكون في المسجدين جنباً مانع شرعي من استعمال الماء.
[1095] مسألة 37 : إذا كان عنده مقدار من الماء لا يكفيه لوضوئه أو غسله وأمكن تتميمه بخلط شيء من الماء المضاف الّذي لا يخرجه عن الإطلاق لا يبعد وجوبه ، وبعد الخلط يجب الوضوء أو الغسل وإن قلنا بعدم وجوب الخلط لصدق وجدان الماء حينئذ (1).
زمانه أكثر لم يجز للمكلّف اختياره لاستلزامه المكث الزائد وهو حرام.
(1) قد يقع الكلام في هذه المسألة بالإضافة إلى من خلط الماء المضاف المذكور بالماء المطلق ، ولا ينبغي الإشكال حينئذ في وجوب التوضي أو الاغتسال ، لتمكّنه من استعمال الماء المطلق في وضوئه أو غسله. وأُخرى يقع الكلام بالنسبة إلى من لم يخلط أحدهما بالآخر وأنّه هل يجب عليه خلطهما أو أنّ وظيفته التيمّم؟.
قد يقال بعدم وجوب الخلط عليه ، لأنّه بالفعل غير متمكّن من الماء المطلق ليتوضأ أو يغتسل وهو الموضوع لوجوب التيمّم ، نعم هو مقتدر على إيجاد الماء المطلق إلاّ أنّه ليس واجباً على المكلّف ، لأنّ الحكم الأمر بالوضوء أو الغسل قد ترتب على الواجد ، كما ترتب وجوب الحج على واجد الزاد والراحلة ، وكما لا يجب على المكلّف إيجاد الموضوع لوجوب الحج بتحصيل الزاد والراحلة أي الاستطاعة كذلك الحال في المقام لا يجب على المكلّف تحصيل الوجدان.
ويمكن أن يقال بالفرق بين الحج والطهور ، فإن وجوب الحج مترتب على من عنده الزاد والراحلة ولا يجب على المكلّف إيجادهما وتحصيلهما ، وفي المقام حكم الطهور مترتب على الوجدان والفقدان ، ومعنى الوجدان هو التمكّن من الماء ، والمكلّف
يجوز التيمّم على مطلق وجه الأرض على الأقوى سواء كان تراباً أو رملاً أو حجراً أو مدراً أو غير ذلك (1)
حسب الفرض متمكّن من الماء والخلط ، ومعه لا ينتقل أمره إلى التيمّم لعدم كونه فاقداً للماء. فما أفاده الماتن قدسسره من أنّه لا يبعد وجوبه هو الصحيح.
فصل في بيان ما يصحّ التيمّم به
(1) المعروف بينهم جواز التيمّم على مطلق وجه الأرض كما اختاره الماتن قدسسره فيشترك التيمّم مع السجود في جواز كونهما على مطلق وجه الأرض ، وإن كانت السجدة أعم من التيمّم ، لجوازها على نبات الأرض والقرطاس دون التيمّم.
لكن ذهب جماعة إلى التفصيل بين حال الاختيار والاضطرار فخصوا التيمّم بالتراب عند التمكّن والاختيار وجواز التيمّم بغيره من الحجر والرمل ونحوهما عند الاضطرار وعدم التمكّن من التراب.
وفصّل جماعة آخرون بين الحجر وغيره فذهبوا إلى تعين التيمّم بغير الحجر من تراب أو رمل عند التمكّن ، وعلى تقدير العجز عنهما أجازوا التيمّم بالحجر.
وهذا التفصيل الآخر مدركه ما سيأتي في محلِّه من أنّه هل يعتبر في التيمّم أن يكون فيما يتيمّم به شيء يعلق باليد (1)إذن لا بدّ من اختيار التراب أو الرمل ونحوهما ممّا فيه علوق ، وحيث إن اعتبار العلوق مشروط بالتمكّن منه فإذا لم يتمكّن منه يجوز التيمّم بالحجر لأنّه جسم متصلب لا علوق فيه. وهذا تفصيل متين على تقدير اعتبار
1) سيأتي في ص 248.
العلوق كما يأتي في محلِّه.
وأمّا التفصيل الأوّل فهو ممّا لا دليل عليه ، وذلك لأنّا إن استفدنا من الآية المباركة والروايات أنّ التيمّم لا بدّ أن يكون بالأرض تراباً كان أو حجراً أو غيرهما فلا بدّ من الالتزام بجواز التيمّم بمطلق وجه الأرض كما عليه المشهور ، وإن استفدنا منهما أنّ التيمّم مختص بالتراب الخالص بأن فسّرنا الصعيد به فلا بدّ من الالتزام بعدم جوازه بالحجر والرمل ونحوهما ، نعم ورد الأمر بالتيمّم بالثوب المغبر (1)أو لبد السرج (2)وأمّا في الحجر والرمل فلا أمر.
إذن لا موقع للتفصيل بين الاختيار والاضطرار وتخصيص ما يتيمّم به بالتراب على الأوّل دون الثّاني ، بل العمدة هو القولان الأوّلان في تفسير الصعيد وأنّه هل هو مطلق وجه الأرض أو هو التراب بحيث لولاه كان المكلّف فاقد الطهورين ، بلا فرق في ذلك بين الاختيار والاضطرار.
إذا عرفت ذلك فنقول : الكلام في ذلك يقع في مقامين :
المقام الأوّل : فيما يقتضيه الأصل العملي فيما لو لم نستفد أحد الوجهين من الأدلّة وشككنا في جواز التيمّم بغير التراب.
فنقول : حيث إنّ التكليف بالجامع بين التراب وغيره معلوم ونشك في أنّه هل هو مقيّد بخصوص التراب أم لا ، فهو شك بين المطلق والمقيّد ، ولا تجري البراءة في الإطلاق لأنّه خلاف الامتنان ، بخلاف التقييد لأنّ فيه كلفة زائدة ونفيه موافق للامتنان فتجري البراءة عن التقييد بالتراب لا محالة على ما بيّناه غير مرّة من أنّه كلّما دار الأمر بين الأقل والأكثر تجري البراءة عن الأكثر ، هذا.
وقد يتوهّم أنّ المقام من موارد الاشتغال ، للعلم بتوجّه الأمر بالصلاة مع الطهور ونشك في أن محصلها هو التيمّم بالتراب خاصّة أو بالأعم منه ومن الحجر والرمل من وجه الأرض ، ولمّا كان الشك في المحصل فلا مناص من الاحتياط والإتيان بالتيمّم بخصوص التراب.
ويدفعه : ما ذكرناه غير مرّة من أنّ الطهور المعتبر في الصلاة فيما دلّ على أنّه « لا صلاة إلاّ بطهور » (1)معناه نفس الماء والتراب ، كما أنّ الوضوء اسم لنفس العمل الخارجي لا أنّه اسم لما يتحصّل ويتحقق من تلك الأفعال الخارجيّة ، فمعنى قوله : « لا صلاة إلاّ بطهور » أنّه لا صلاة إلاّ مع استعمال الماء أو التراب.
وحيث إنّ الأمر في التراب (2)يدور بين الأقل والأكثر ، والأقل معلوم الاعتبار والشك في اعتبار الزائد عليه فندفعه بالبراءة لا محالة ، فهو شك في المكلّف به لا في المحصل ، كما ذكرناه في الشك فيما يعتبر في الوضوء (3)والغسل فلاحظ.
المقام الثّاني : فيما يستفاد من الأدلّة اللفظية ، فنقول :
استدلّ السيِّد المرتضى (4)على ما اختاره من اختصاص ما يتيمّم به بالتراب بما حكي عن النّبي صلىاللّهعليهوآله من قوله : « جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً » (5)نظراً إلى أنّ الطهور لو كان أعم من التراب وغيره لكان تقييد الطهور بالتراب لغواً ظاهرا.
ويدفعه : أنّ هذه اللفظة « وترابها » لم يثبت صدورها عنه صلىاللّهعليهوآله في الحديث ، نعم رواه في جامع أحاديث الشيعة عن بعض نسخ الفقيه (6)ولم تثبت صحّة تلك النسخة ، مضافاً إلى إرساله.
بل في الحدائق ما مضمونه : أنّ تلك اللفظة إنّما توجد في كلمات الفقهاء ، وأمّا الروايات فهي خالية عنها (7)وقد روى واحدة من رواياته عن نفس الفقيه.
وفي الوسائل نقل أربع روايات (1)أُولاها من الكافي (2)وثانيها من الفقيه (3)واثنتان من الخصال (4)وجميعها خالية عن هذه الزيادة.
وكذلك روي هذا الحديث عن الخصال (5)والعلل (6)إلاّ أن في سنده ضعفاً ، ولا سيما أن فيه أبا البختري وهو وهب بن وهب الّذي قيل في حقّه : أنّه أكذب أهل البرية ، نعم في جامع الأحاديث (7)أنّه روى هذا عن العلل عن حفص بن البختري وهو لا بأس به ، لكن بقية السند ضعيف فليلاحظ.
وكذلك نقل هذا الحديث عن عوالي اللئالي عن فخر المحققين (8)وهو مرسل.
وعن أمالي ابن الشيخ : « ... وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، أينما كنت أتيمّم من تربتها وأُصلِّي عليها » (9)وهذه الرواية لا بأس بجلّ سندها ، إلاّ أن فيه محمّد بن علي بن رياح أو ابن رباح ، وهو ضعيف. على أن دلالتها قابلة للمناقشة ، لأنّ الطهور فيه قد حمل على نفس الأرض كما أنّ المسجدية قد حملت عليها.
وأمّا قوله : « أينما كنت أتيمّم من تربتها » فالظاهر أنّ المراد من تربتها مطلق وجه الأرض ، وذلك بقرينة أنّ الصلاة لا يعتبر فيها أن تقع على خصوص تربة الأرض بل هنا قرينة جلية على أنّ المراد من تربتها إمّا مطلق وجه الأرض أو أنّ التربة
1) الوسائل 3 : 350 / أبواب التيمّم ب 7.
2) الكافي 2 : 14 / 1.
3) الفقيه 1 : 155 / 724.
4) الخصال : 201 ، 292.
5) الخصال : 425.
6) العلل : 127.
7) جامع أحاديث الشيعة 3 : 93 / أبواب التيمّم ب 9 ح 4.
8) جامع أحاديث الشيعة 3 : 96 / أبواب التيمّم ب 9 ح 9 ، عوالي اللئالي 2 : 208.
9) جامع أحاديث الشيعة : 3 : 92 / أبواب التيمّم ب 9 ح 2 ، أمالي الطوسي : 56 ، والظاهر أنّ الصحيح علي بن محمّد بن رباح كما في نسخة المستدرك [ 2 : 529 / أبواب التيمّم ب 5 ح 5 ] وهو ثقة ، ولكن في جامع الأحاديث رواه عن أبيه ، ولم يرد توثيق في أبيه فليلاحظ.
ذكرت من جهة أغلبية التربة ، وتلك القرينة هي قوله : « أينما كنت » ومن المعلوم أنّ في مثل الفلوات والصحاري لا يوجد في أكثرها تربة بل هي رمل ، فما معنى قوله : « وأُصلِّي عليها أينما كنت » فالظاهر أنّ مراده صلىاللّهعليهوآله من « تربتها » مطلق وجه الأرض وهي الّتي كان يصلِّي عليها أينما كان ولا ينتقل من مكانه ، وكذلك كان يتيمّم به.
ثمّ إنّ هذه الروايات المتعدّدة المنقولة والفاقدة لكلمة « ترابها » بعضها معتبر من حيث السند ، وهو الّذي رواه في المستدرك عن أمالي ابن الشيخ (1)إلاّ أن في سنده ابن أبان (2).
لكن رواه في جامع الأحاديث وصرّح بالحسن أو بالحسين بن أبان (3)وهو معتبر (4)، وعلى هذا يطمأن أن ما ورد عن النّبي صلىاللّهعليهوآله هو قوله : « جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » من دون كلمة « وترابها أو وتربتها » ، هذا كلّه في الوجه الأوّل ممّا استدلّ به على اختصاص ما يتيمّم به بالتراب.
وممّا استدلّ به على ذلك أيضاً قوله تعالى ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (5)فإنّ الصعيد بمعنى التراب على ما فسّره به جملة من اللّغويين كالجوهري (6)وابن فارس في المجمل (7)وعن أبي عبيدة أنّه هو التراب الخالص (8).
ويدفعه : أنّ تفسير الصعيد بالتراب لم يتحقق ، لأنّ المحكي عن الأكثرين أنّ
1) الصحيح : أمالي الصدوق : 179 / 6.
2) المستدرك 2 : 529 / أبواب التيمّم ب 5 ح 4.
3) جامع أحاديث الشيعة 3 : 92 / أبواب التيمّم ب 9 ح 1 ، والموجود في المصدر المذكور هو الحسين بن الحسن بن أبان ، كذا في أمالي الصدوق.
4) الحسن بن أبان والحسين بن الحسن بن أبان غير مذكورين بتوثيق.
5) المائدة 5 : 6.
6) الصحاح 2 : 498.
7) مجمل اللّغة 2 : 534.
8) جمهرة اللّغة 2 : 654.
الصعيد بمعنى مطلق وجه الأرض ، كما يراد به هذا المعنى في غير الآية الكريمة المذكورة مثل قوله تعالى ( فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ) (1)ومثل قوله صلىاللّهعليهوآله : « ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة على صعيد واحد » (2)أي أرض واحدة ، بل عن الزجاج أنّه قال : لا أعلم خلافاً بين أهل اللّغة في أنّ الصعيد وجه الأرض (3).
إذن لا يمكننا تفسير الصعيد في آية التيمّم بشيء من المحتملين بل يصبح اللّفظ مجملاً ، لأنّ التفسير إذا كان مختلفاً فيه لا يمكن الاعتماد على شيء من الأقوال ولا يطمأن به ، هذا.
وقد يقال بأنّ الآية المباركة وإن كانت مجملة في نفسها إلاّ أنّها قد فسّرت في بعض الأخبار بأنّ الصعيد أعالي الأرض ، فقد ورد في الفقه الرضوي (4)ومعاني الأخبار للصدوق (5)أنّ الصعيد هو الموضع المرتفع عن الأرض ، فتكون الآية دليلاً على عدم اختصاص ما يتيمّم به بالتراب.
إلاّ أنّه أيضاً ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، لأن تفسير الصعيد بهذا المعنى وإن كان يقتضيه المناسبة بين الحكم وموضوعه ، لأنّ الصعيد لعلّه مأخوذ من الصعود بحسب مفهومه الوضعي وهو بمعنى الارتفاع ، والموضع المرتفع الّذي ينحدر عنه الماء طبعاً يكون طيباً لأنّه لا تطؤه الأقدام ولا تمشي عليه الأرجل ، فمعنى الآية اقصدوا مكاناً عالياً لا تطؤه الأقدام وهو طاهر. إلاّ أن تفسيره بذلك قد ورد في الفقه الرضوي وهو لم يثبت كونه رواية فضلاً عن كونها معتبرة ، كما ورد في معاني الأخبار مرسلاً ولا يمكن الاعتماد عليه بوجه وإن كان صاحب الحدائق قدسسره (6)قد اعتمد عليها في تفسير الآية الكريمة.
إذن لا يمكننا تفسير الصعيد في الآية بالتراب ولا بمطلق وجه الأرض فتصبح مجملة.
الوجه الثّالث (1): ممّا استدل به على الاختصاص هو جملة من الروايات منها : صحيحة جميل بن دراج ومحمّد بن حمران « أنّهما سألا أبا عبد اللّه عليهالسلام عن إمام قوم أصابته جنابة في السفر وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل أيتوضأ بعضهم ويصلِّي بهم؟ فقال : لا ، ولكن يتيمّم الجنب ويصلِّي بهم ، فانّ اللّه عزّ وجلّ جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً » (2)حيث خصّ الطهور بالتراب لا بمطلق وجه الأرض.
وهذه الرواية رويت بطرق (3)عديدة :
منها : طريق الصدوق وهو صحيح.
ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عنهما (4)، لكن ترك لفظ « بعضهم ».
ومنها : ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير مثله (5)لكن ترك قوله : « كما جعل الماء طهوراً ».
ولم يرتض شيخنا المحقق الهمداني قدسسره الاستدلال بها وادعى قصورها عن التأييد فضلاً عن أن يستدل بها (6)لكن لم يذكر الوجه في القصور.
وما أفاده هو الصحيح ، لأنّ هذه الصحيحة إنّما وردت لبيان أن الجنب يسوغ له أن يتيمّم أو يتوضأ (1)ويصلِّي إماماً لأنّ الطّهارة الترابية كالطهارة المائية ، وقد أثبت الطهور للتراب في هذه الصحيحة ، وليس في ذلك دلالة على انحصار الطهور به بل هو مصداق من مصاديقه ، وهو نظير قولنا : الطّهارة الترابية كالطهارة المائية. فهل نريد بذلك خصوص التيمّم بالتراب أو بكل ما يصح التيمّم به. إذن لا يمكن الاستدلال بها على تخصيص ما يتيمّم به بالتراب.
وبعبارة اخرى : أنّ الصحيحة بحسب السؤال ناظرة إلى أنّه هل يجوز للجنب أن يؤم غيره من المتطهرين إذا تيمّم أو توضأ؟ والجواب ناظر إلى أنّ الطّهارة الترابية كالمائية ، ولا دلالة لها على حصر التيمّم بالتراب. وتعبيرها « جعل التراب طهوراً » مثل تعبيرنا اليوم « الطّهارة الترابية » إذ لا نظر لنا في هذا التعبير إلى انحصار التيمّم بالتراب ، بل التعبير بذلك ناظر أو ناشئ من كثرة التراب ، وعليه فالتعبير عادي لا إشعار فيه بالحصر فضلاً عن الدلالة.
ومنها : صحيحة رفاعة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا كانت الأرض مبتلّة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجفّ موضع تجده فتيمم منه ، فإنّ ذلك توسيع من اللّه عزّ وجلّ. قال : فان كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو شيء مغبر ، وإن كان في حال لا يجد إلاّ الطين فلا بأس أن يتيمّم منه » (2).
نظراً إلى قوله : « ليس فيها تراب » فإنّه لم يفرض في الانتقال إلى أجف موضع انعدام غير التراب من أجزاء الأرض ، فلو كان يسوغ التيمّم بمطلق وجه الأرض للزم فرض عدم غير التراب.
وفيه : أنّها فرضت الأرض كلّها مبتلة ، إذ الإمام عليهالسلام ناظر فيها إلى الجفاف والرطوبة ، ومن ثمة ذكر ابتداءً أنّ الأرض كلّها مبتلة ولم يقل : التراب مبتل فمعنى « ليس فيها تراب » أي ليس فيها شيء جاف أعم من التراب وغيره ممّا يصح التيمّم به ، وإنّما ذكر التراب لأغلبيته وأكثريته فلا دلالة لها على الحصر ، ومعه يكون
معنى قوله : « ليس فيها تراب » أي شيء يصح التيمّم به في مقابل الماء الّذي يصح التوضؤ به ، وليس في ذكر التراب نظر إلى الحصر وعدم صحّة التيمّم بغير التراب.
ومنها : صحيحة ابن المغيرة قال : « إن كانت الأرض مبتلة وليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم من غباره أو شيء مغبر ، وإن كان في حال لا يجد إلاّ الطين فلا بأس أن يتيمّم به » (1).
وهي كسابقتها في عدم الدلالة على الحصر ، لأنّها ناظرة إلى الجفاف والرطوبة إلى آخر ما ذكرناه في سابقتها. على أنّها مقطوعة ، لعدم النقل فيها عن الإمام عليهالسلام وإنّما هو فتوى من ابن المغيرة ولا يمكن الاعتماد عليها.
ومنها : رواية علي بن مطر عن بعض أصحابنا قال : « سألت الرضا عليهالسلام عن الرجل لا يصيب الماء ولا التراب أيتيمّم بالطين؟ قال : نعم ، صعيد طيب وماء طهور » (2).
وفيه : مضافاً إلى إرسالها وضعفها بعلي بن مطر لأنّه لم يوثق في نفسه ، لا دلالة فيها على الحصر ، لأنّ السائل فرض أنّ الأرض ليس فيها غير التراب وأنّ الأرض منحصرة بالطين من جهة المطر أو غيره ، فجواز التيمّم بالطين عند عدم التراب لا يدل على عدم جواز التيمّم بسائر أجزاء الأرض.
ومنها : رواية معاوية بن ميسرة قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل في السفر لا يجد الماء تيمّم فصلّى ثمّ أتى الماء وعليه شيء من الوقت أيمضي على صلاته أم يتوضأ ويعيد الصلاة؟ قال يمضي على صلاته فان ربّ الماء هو ربّ التراب » (3).
وهذه الرواية من حديث الدلالة لا بأس بها ، لأنّها تدل على أن انحصار ما يتيمّم به بالتراب كأنه مفروغ عنه عنده ، لأنّ السائل لم يذكر أنّه تيمّم بأي شيء ، وقد ذكر
الإمام عليهالسلام أنّ التراب طهور ولم يقل : إنّ ربّ الماء هو ربّ الأرض ، فهو مشعر بانحصار الطهور في التيمّم بالتراب.
ويدفعه : أنّ الرواية ضعيفة السند بابن ميسرة وهو ابن شريح القاضي ، هذا.
ومن جملة ما استدلّ به القائل باختصاص ما يتيمّم به بالتراب هو صحيحة زرارة قال « قلت لأبي جعفر عليهالسلام : ألا تخبرني من أين علمت وقلت إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين وذكر الحديث إلى أن قال قال أبو جعفر عليهالسلام : ثمّ فصّل بين الكلام فقال ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) فعرفنا حين قال ( بِرُؤُسِكُمْ ) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء إلى أن قال ثمّ قال ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ ) فلمّا أن وضع الوضوء عمّن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحاً ، لأنّه قال ( بِوُجُوهِكُمْ ) ثمّ وصل به ( وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) أي من ذلك التيمّم ، لأنّه علم أنّ ذلك أجمع لم يجر على الوجه ، لأنّه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف ولا يعلق ببعضها ، ثمّ قال ( ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) والحرج الضيق » (1).
وذلك بتقريب أنّ الصحيحة دلّت على أنّ التيمّم يعتبر فيه المسح بدلاً عن بعض الغسل المعتبر في الوضوء ، وإنّما قال ( وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) للدلالة على أنّ المسح بالتراب بدلاً عن الغسل بالماء لا يتحقق في الوجه بتمامه ، إذ العلوق من الأرض والتراب إنّما يختص ببعض الكف ولا يعلق بجميعها ، فعند المسح بالكف الّتي علق التراب ببعضها لا يتحقق مسح الوجه بالتراب إلاّ بمقدار العلوق الموجود في اليد.
إذن تدلّنا الصحيحة على أن ما يتيمّم به لا بدّ أن يكون فيه العلوق أي ما يعلق باليد عند ضرب اليدين عليه ، وهذا لا يتحقق إلاّ في التيمّم بالتراب ، لأنّ الحجر أو الرمل لا يعلق منهما شيء باليد الّتي ضربت عليهما ، هذا.
ويرد على الاستدلال بهذه الصحيحة :
1) الوسائل 3 : 364 / أبواب التيمّم ب 13 ح 1 ، 1 : 412 / أبواب الوضوء ب 23 ح 1.
أوّلاً : أنّ الصحيحة لا دلالة لها على اعتبار العلوق في التيمّم ، لأنّ المراد بقوله تعالى ( وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) أي من ذلك التيمّم إن كان هو التبعيض ، ومرجع الضمير هو التراب ، بمعنى أنّ المسح في التيمّم لا بدّ أن يكون كالغسل في الوضوء ، فكما أن أعضاءه تغسل بالماء كذا تمسح اليدان والوجه عند التيمّم بالتراب الّذي علق ببعض الكف عند ضرب اليدين عليه ، فالغرض من قوله تعالى ( وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) هو التبعيض ، لأن مسح الوجه واليدين بالتراب لا يتحقق في التيمّم بتمام الكف ، فإنّها عند ضربها على التراب لا يعلق التراب بجميعها بل ببعضها كما هو المشاهد خارجاً ، فيكون المسح ببعض التراب العالق بالكف. فهذا المعنى غير معتبر في التيمّم قطعاً. ويدلّنا عليه الأخبار الواردة في النفض (1)لأن نفض اليدين بعد الضرب لا يبقي على الكفّ شيئاً من التراب حتّى يكون المسح بالتراب ، وإنّما المعتبر فيه هو المسح بالكفين لا بالتراب.
وإن أريد من مرجع الضمير في قوله تعالى ( وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) أثر التراب نظراً إلى أنّه تراب أيضاً وهو لا يزول بالنفض ، فهو وإن كان كما أُفيد إلاّ أنّه خلاف ما نطقت به الصحيحة ، لأنّ الأثر والغبار يعلق بتمام الكف عند ضربها على التراب لا أنّه يعلق ببعضها ، وهي صريحة في أنّ العلوق يختص ببعض الكف ولا يوجد في تمامها. إذن لا يمكن أن يراد منه شيء من المحتملين ، وما يراد منه اللّه أعلم به.
ولعلّ المراد بالصحيحة أنّ كلمة « من » نشوية للدلالة على الابتداء وأنّ المسح في التيمّم لا يمكن أن يكون مثل الغسل في الوضوء ، لأنّه في الوضوء تغسل الأعضاء بتمامها بالماء وليست أعضاء التيمّم تمسح بالتراب بل لا بدّ في التيمّم من مسح الأعضاء باليدين مبدوءاً بالتراب ، فهو مسح نشأ وابتدأ بالتراب لا أنّ المسح ببعض التراب.
إذن لا دلالة للصحيحة على أنّ التيمّم يعتبر فيه العلوق ، بل تدل على أنّه يعتبر فيه المسح الّذي منشؤه الأرض علق منها شيء باليدين أم لم يعلق بهما. هذا كلّه الإيراد الأوّل على الاستدلال بالصحيحة على الاختصاص.
1) الوسائل 3 : 392 / أبواب التيمّم ب 29.
وثانياً : لو تنازلنا عن ذلك وقلنا بدلالة الصحيحة على اعتبار العلوق فلا وجه لدعوى تخصيص العلوق بالتراب ، فانّ الوجدان أقوى شاهد على أنّه عند ضرب اليدين على الرمل والحجر يعلق شيء منهما باليدين وهو الغبار النازل عليهما بالريح والعجّ ، واليدان تتأثران بهما عند ضربهما عليهما. فلا اختصاص للعلوق بالتراب ، اللّهمّ إلاّ أن يغسل الحجر أو ينزل المطر عليه فلا يكون فيه حينئذ علوق.
وثالثاً : لو أغمضنا عن ذلك أيضاً لا ينبغي الشبهة في أنّ الحجر لو كسرناه وطحنّاه لعلق منه شيء باليدين ، فليست الأحجار والرمال ممّا لا علوق فيها ، ولا يمكن أن يستفاد من الصحيحة اختصاص ما يتيمّم به بالتراب وعدم جوازه بالحجر ونحوه فانّ العلوق فيه متحقق.
فالمتحصل : أنّ الصحيحة لا دلالة فيها على اختصاص ما يتيمّم به بالتراب ، فيجوز التيمّم بما يصدق عليه الأرض من تراب وحجر ورمل ومدر وغيرها.
ويؤكّد ما ذكرناه رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهالسلام : « أنّه سئل عن التيمّم بالجص ، فقال : نعم ، فقيل : بالنورة ، فقال : نعم ، فقيل : بالرماد ، فقال : لا ، لأنّه ليس يخرج من الأرض إنّما يخرج من الشجر » (1)حيث دلّت على أنّ الجص والنورة ممّا يصح التيمّم به ، وظاهرها أنّ المراد بها هو الجص والنورة المطبوخان وبقرينة المقابلة استفيد منها أنّهما من الأرض ، ومعها تدل الرواية على جواز التيمّم بالأجزاء الأرضية من التراب وغيره.
وهذه الرواية وإن عبر عنها صاحب الحدائق قدسسره بالحسنة حيث قال بعد نقله الرواية في [ 4 : 300 ] : وهذا السكوني ضعيف لكن روايته حسنة. إلاّ أنّ الصحيح ضعف الرواية من جهتين :
إحداهما : من جهة أحمد بن محمّد بن يحيى الواقع في سندها لأنّه لم يوثق ، وقد نبّهنا عليه مراراً ، فلا يمكن الاعتماد على روايته وإن كان كثير الرواية جدّاً.
1) الوسائل 3 : 352 / أبواب التيمّم ب 8 ح 1.
وممّا ينبغي التنبيه عليه في المقام أنّ مشايخ النجاشي كلّهم موثقون بتوثيقه ، حيث صرّح في مورد بأنّ الرّجل لم يكن مورداً للاعتماد فتركت الرواية عنه (1)فدلّ هذا التصريح على أن كلّ من يروي عنه النجاشي من دون واسطة فهو موثق عنده وموثوق برواياته. وقد وجدنا في كتابه روايته عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، ومقتضى ذلك هو الحكم بوثاقته كبقيّة مشايخه ، إلاّ أنّه بالتدقيق ظهر أنّ النجاشي قدسسره لم يدرك زمن أحمد بن محمّد بن يحيى ، وأنّه ينقل عنه مع الواسطة في مائة وخمسين مورداً على ما عثرنا عليه ، وفي الغالب يكون الواسطة بينهما هو ابن شاذان أعني محمّد بن علي بن شاذان وأحمد بن شاذان ، وبه ظهر أنّ النسخة مغلوطة جزماً وأنّه ليس الرجل من مشايخ النجاشي فهو ضعيف لعدم توثيقه.
وثانيتهما : اشتمال سند الرواية على أحمد بن الحسين ، لأنّه المعروف ب- « دندان » الّذي يروي عن فضالة ويروي عنه محمّد بن علي بن محبوب ، وهو غير موثق ، هذا بناءً على نسخة الوافي (2)والوسائل.
وقد نقل في جامع الرواة سند الرواية هكذا : محمّد بن علي بن محبوب عن أحمد عن الحسين عن فضالة (3). وأحمد هذا قد يكون أحمد بن محمّد بن عيسى أو يكون أحمد بن محمّد بن خالد ، ولا يحتمل غيرهما بقرينة نقل ابن محبوب عنه ، وعلى كل فهو معتمد عليه ، كما أنّ الحسين هو ابن سعيد بقرينة روايته عن فضالة ، فالسند على هذا صحيح من هذه الجهة. ومن كان يعتمد على أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار لا بدّ أن يعتمد على هذه الرواية لاعتبارها.
ولعلّ كون ابن يحيى مورداً للاعتبار عند صاحب الحدائق قدسسره أوجب
عدّها حسنة ، إلاّ أنّه لا يمكن الاعتماد على تلك النسخة لعدم العلم بصحّتها ، وبالأخص أنّ الوسائل والوافي نقلاها كما بيناه ، ومعه لا يمكن الاعتماد على الرواية بوجه (1).
ثمّ إنّه بإزاء هذه الروايات روايات عديدة معتبرة تدل على جواز التيمّم بمطلق وجه الأرض ، وإليك بعضها :
منها : صحيحة الحلبي : « أنّه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يمر بالركية وليس معه دلو ، قال : ليس عليه أن يدخل الركية لأنّ ربّ الماء هو ربّ الأرض فليتيمم » (2)ورواه البرقي أيضاً (3).
ومنها : ما عن الحسين بن أبي العلاء قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يمر بالركية وليس معه دلو ، قال : ليس عليه أن ينزل الركية ، إنّ ربّ الماء هو ربّ الأرض فليتيمم » (4).
ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سمعته يقول : إذا لم تجد ماءً وأردت التيمّم فأخّر التيمّم إلى آخر الوقت ، فان فاتك الماء لم تفتك الأرض » (5).
1) ويمكن تصحيح سند الرواية من الجهتين ، أمّا الأُولى فبأن للشيخ قدسسره [ في الفهرست : 145 / 613 ] طريقاً صحيحاً إلى جميع كتب وروايات محمّد بن علي بن محبوب غير طريقه إليها بواسطة أحمد بن محمّد بن يحيى. وأمّا الثّانية فلما هو مذكور في المعجم 2 : 99 عند ذكر هذه الرواية في اختلاف النسخ : بأنّه لا يبعد وقوع التحريف فيه ، والصحيح : أحمد عن الحسين عن فضالة ، بقرينة سائر الروايات.
2) الوسائل 3 : 343 / أبواب التيمّم ب 3 ح 1.
3) المحاسن 2 : 122 / 1336.
4) الوسائل 3 : 344 / أبواب التيمّم ب 3 ح 4.
5) الوسائل 3 : 384 / أبواب التيمّم ب 22 ح 1.
وإن كان حجر الجص والنورة قبل الإحراق. وأمّا بعده فلا يجوز على الأقوى (1)كما أنّ الأقوى عدم الجواز بالطين المطبوخ كالخزف والآجر وإن كان مسحوقاً مثل التراب (1).
ومنها : موثقة ابن بكير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قلت له : رجل أمّ قوماً وهو جنب وقد تيمّم وهم على طهور ، قال : لا بأس ، فإذا تيمّم الرجل فليكن ذلك في آخر الوقت ، فان فاته الماء فلن تفوته الأرض » (2).
ومنها : موثقته الأُخرى المروية في الوسائل بعد موثقته المتقدمة (3).
وهي تدلّنا على أنّ المطهر عند فقدان الماء مطلق وجه الأرض لا أنّه خصوص التراب حتّى يكون المكلّف عند عدم تمكّنه من التراب فاقد الطهورين ، ومع ذلك ينبغي مراعاة الاحتياط واختيار التراب للتيمم به.
هذا تمام الكلام في عدم اختصاص التيمّم بالتراب وجوازه بمطلق وجه الأرض حتّى مع الاختيار.
(1) لا فرق في جواز التيمّم على حجر الجص والنورة والطين بين قبل الإحراق والطبخ وبعدهما ، وذلك لأنّها من أجزاء الأرض ، وقد قدّمنا أنّ الصحيح جواز التيمّم بمطلق وجه الأرض ، ومن المعلوم أنّ الطبخ لا يخرج الشيء عن حقيقته ولا يقتضي
تبدله واستحالته ، وهذا كما في اللحم حيث إنّ المشوي منه الكباب وغيره لحم أيضاً ولا يخرج بطبخه عن كونه لحماً ، وليس هذا مثل إحراق الشجر وجعله رماداً لأنّه حقيقة أُخرى غير حقيقة الشجرية ، هذا.
وقد يستدل على جواز التيمّم بحجر الجص والنورة قبل الطبخ وبعده برواية السكوني المتقدمة في التعليقة السابقة (1)المصرحة بجواز التيمّم بالجص والنورة ، وقد تقدّم أنّ ظاهرها هو الجص والنورة بعد طبخهما.
ويدفعه : أنّ الرواية ضعيفة السند من جهتين وقد تقدّمتا ولا يمكن الاعتماد عليها أبداً.
ويستدل اخرى بالاستصحاب الموضوعي بتقريب : أنّ الجص والنورة لا إشكال في كونهما من الأجزاء الأرضية قبل
إحراقهما وطبخهما ، فلو شككنا في بقائهما على الحقيقة الأرضية المعلومة سابقاً وخروجهما عن الأرضية بالإحراق فمقتضى الاستصحاب لزوم الحكم ببقائهما على أرضيتهما وعدم خروجهما عن كونهما أرضاً بالطبخ.
ويرد عليه : أنّ الشبهة حينئذ مفهومية ، لأنّ الشك في سعة مفهوم الأرض وضيقه وليست الشبهات المفهومية مورداً للاستصحاب الموضوعي ولا الحكمي.
أمّا الاستصحاب الموضوعي فلأن الاستصحاب متقوم باليقين السابق والشك اللاّحق ، ولا يقين ولا شك كذلك في مورد الشبهة المفهومية ، مثلاً في المقام كون الجص أو النورة غير محترق ولا مطبوخ سابقاً معلوم لنا بالوجدان ، وصيرورتهما مطبوخين معلوم لنا بالوجدان أيضاً.
وليس لنا شك في شيء ، إذ لم ينقلب فيهما شيء موجود معدوماً ولا انعدم عنهما شيء موجود غير الطبخ المقطوع سابقاً ولاحقاً ، ومعه لا معنى لإجراء الاستصحاب في مثلهما. وإنّما شكنا في صدق اسم الأرض عليهما وأنّ مفهومه موسع يشملهما بعد
1) في ص 198.
الطبخ أو مضيق لا يشملهما بعد الطبخ. وبعبارة اخرى : الشك في المفهوم الوضعي ولا سبيل للاستصحاب في تعينه.
وأمّا الاستصحاب الحكمي فعدم جريانه في موارد الشبهة المفهومية لا لما قد يقال من أن جواز التيمّم بهما بعد طبخهما تكليفاً ممّا لا شبهة فيه لعدم حرمة التيمّم شرعاً بهما ، وأمّا من حيث الوضع والحكم بترتب الطّهارة على التيمّم بهما فهو وإن كان مشكوكاً فيه إلاّ أنّه من الاستصحاب التعليقي الّذي لا نقول بجريانه ، وذلك لأن مرجعه إلى أنّ المكلّف لو كان قد تيمّم بهما قبل طبخهما لكانت الطّهارة تترتب عليه والآن كما كان ، وذلك لأن الطّهارة ليست مترتبة على الوضوء أو التيمّم وإنّما هي نفس الوضوء والغسل والتيمّم. ثمّ إنّ الطهور إنّما ترتب على ذات الأرض كما أنّه ترتب على ذات الماء على ما دلّت عليه الآية والأخبار وليس هذا صفة للتيمم لأنّه طهارة لا أنّه طهور.
إذن لا مانع من استصحاب بقاء الجص والنورة على صفتهما الثابتة عليهما قبل طبخهما ، لأنّهما كانا من الأرض وطهوراً قبل طبخهما قطعاً فلو شككنا في زوال تلك الصفة عنهما بالطبخ وعدمه نستصحب بقاءهما على الطهورية.
بل عدم جريان الاستصحاب في الشبهة المفهومية من جهة أنّ الشك في بقاء الموضوع مانع عن جريان الاستصحاب الحكمي لا محالة ، وفي المقام المفروض أنّ الجص لا ندري هل هو أرض كي يكون طهوراً أو أنّه خرج عن كونه أرضاً لئلاّ يكون طهوراً ، ومعه لا يبقى مجال للاستصحاب الحكمي بوجه فلا بدّ من الرجوع إلى سائر الأُصول الموجودة في المقام.
وهل الأصل الجاري حينئذ هو البراءة أو الاشتغال؟ يختلف هذا باختلاف المسالك.
فإذا قلنا بأنّ الطّهارة أمر بسيط ويترتب على الغسل أو الوضوء أو التيمّم لا بدّ من التمسّك بقاعدة الاشتغال ، لأنّ الشك في محصل المأمور به البسيط.
وإذا قلنا بأنّ الطّهارة هي عين الوضوء وأخويه الّذي هو الصحيح فالأصل الجاري هو البراءة ، لأنّ الأمر بالتيمّم بجامع الجص المطبوخ وغير المطبوخ مثلاً معلوم لا شك معه ، والشك في توجه التكليف الزائد عن الجامع وهو عدم كونه مطبوخاً وحيث إنّ الشك دائر بين الإطلاق والتقييد فيدفع احتمال التقييد بالبراءة على ما هو المقرر عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر.
هذا كلّه فيما لو انتهت النوبة إلى الأصل العملي لأجل الشك ، لكنّا أشرنا إلى أنّ المسألة ليست مشكوكة ، لأنّ الطبخ لا يخرج الشيء عن حقيقته جزماً ، فالجص قبل الطبخ من الأرض وكذا بعد طبخه من الأرض ، وهكذا الأمر في النورة والطين المطبوخ خزفاً أو آجراً ، ودعوى القطع بذلك غير مجازَف بها قطعاً.
ويدلُّ على ما ذكرنا أمران :
أحدهما : صحيحة الحسن بن محبوب عن أبي الحسن عليهالسلام أنّه سأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثمّ يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب إليه بخطه : « إنّ الماء والنار قد طهّراه » (1).
لأنّها تدلّنا على أنّ الجص لا يخرج عن كونه أرضاً وممّا يصح السجود عليه بطبخه وإنّما سأله عن حكمه من جهة تنجسه بالنجاسة العرضية حيث يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ، وأجابه عليهالسلام بأنّه قد طهّره الماء والنار وارتفعت نجاسته العرضية.
وبعبارة اخرى : جهة السؤال عن جواز السجدة عليه بعد طبخه بالعذرة ونحوها ليست هي خروجه عن كونه أرضاً بالطبخ ، بل كان السائل بحسب الارتكاز عالماً بأنّه باقٍ على أرضيته ولم يخرج بطبخه عن كونه أرضاً إلاّ أنّه سأله عن جواز السجدة عليه من جهة تنجسه ، وقد قرّره الإمام عليهالسلام على هذا الارتكاز ولم
1) الوسائل 3 : 527 / أبواب النجاسات ب 81 ح 1.
ولا يجوز على المعادن كالملح والزرنيخ والذهب والفضّة والعقيق ونحوها ممّا خرج عن اسم الأرض (1)
يقل له إنّ الجص خرج عن حقيقة الأرضية بطبخه ، بل أقره وأمضاه وبيّن له أنّ نجاسته ترتفع بالماء والنار ، فإذا جاز السجود على الجص بعد طبخه جاز التيمّم عليه أيضاً بعد طبخه كما يأتي بيانه.
وثانيهما : أنّ الجص أو الطين المتنجسين لا يجوز السجود عليهما بعد طبخهما حتّى عند القائلين بجواز التيمّم عليهما بعد طبخهما ، مع أن لازم كون الطبخ موجباً للتبدل في الحقيقة والاستحالة هو الحكم بطهارتهما بعد الطبخ وجواز السجود عليهما ، لأنّ الاستحالة من المطهّرات. وهذا أقوى دليل على أنّ الطبخ لا يخرج الشيء عن حقيقته ولا يوجب التبدّل في الأشياء كما بيّناه في مثال اللحم.
إذن يجوز السجود على المذكورات قبل طبخها وكذلك يجوز بعده ، وإذا جاز السجود عليها جاز التيمّم عليها. وهذا الحكم لا للملازمة بين الأمرين حتّى يشكل بأن السجدة تجوز على النبات مع أنّه لا يجوز التيمّم عليه ، بل لأجل أن جواز السجدة عليها بعد الطبخ يكشف عن بقائها على كونها أرضاً ، فإذا كانت أرضاً جاز التيمّم عليها كما مرّ.
(1) لا إشكال في كبرى ما أفاده قدسسره أي عدم جواز التيمّم بما هو خارج عن اسم الأرض وإن كان متكوّناً فيها ، لما تقدّم من أنّ التيمّم لا بدّ من وقوعه على الأجزاء الأرضية.
وإنّما الكلام في بعض الموارد الّتي ذكرها قدسسره فإنّ الذهب والفضّة وأمثالهما وإن كان خارجاً عن الأجزاء الأرضية ، ولا يصدق عليها عنوان الحجر أو غيره من
الأجزاء الأرضية إلاّ أن مثل العقيق والفيروزج وغيرهما ليس كذلك ، لأنّ المعدن وإن كان يصدق عليها من دون ريب فيقال : معدن الفيروزج أو معدن الملح أو غيرهما إلاّ أنّ المعدن لم يترتب عليه الحكم بعدم جواز التيمّم أو السجود عليه في شيء من الأدلّة ، بل الحكم مترتب على الأرض وأجزائها.
والظاهر أنّ العقيق والفيروزج وغيرهما من الأحجار الكريمة من الأرض ، وهي قسم من الأحجار الأرضية غالية القيمة إمّا لكونها ذات ألوان معينة ، أو لكونها ذوات دوام واستحكام ، أو لأمر آخر لم نفهمه لحد الآن ولم نفهم لماذا كانت قيمة الفيروزج أغلى من غيره ممّا هو بلون الفيروزج أو بغيره من الألوان. وعلى كل فهي من الأحجار ومن الأجزاء الأرضية.
وقد قيل : إنّ بعض الأراضي أرض عقيق بمعنى أنّ الأحجار الصغار فيها حجر العقيق ، أشبه بأرض النجف حيث إنّها ذات درّ فإنّه يوجد فيها أحجار هي درّ.
وكيف كان ، فالظاهر أنّ العقيق والفيروزج ونظائرهما من الأحجار والأجزاء الأرضية ، ولا مانع من التيمّم أو السجود عليها.
ولو شككنا في صدق الأرض عليها فان بنينا على أنّ الطّهارة المأمور بها أمر بسيط يحققها الوضوء والغسل والتيمّم فلا بدّ من الرجوع إلى أصالة الاشتغال ، للعلم بالمأمور به والشك في محصّله.
وإن بنينا على ما هو الصحيح من أنّ الطّهارة اسم لنفس الأفعال من الوضوء وأخويه فلا بدّ من الرجوع إلى أصل البراءة ، لأنّ الأمر بالتيمّم بجامع العقيق وغيره ممّا هو معلوم الأرضية معلوم ، ونشك في اعتبار الزائد عليه وهو عدم كونه عقيقاً أو فيروزجاً مثلاً ، فهو من دوران الأمر بين الإطلاق والتقييد أي بين الأقل والأكثر وهو مجرى أصل البراءة فندفع به التقييد المحتمل.
ومن هنا يظهر أنّ الحكم بعدم التيمّم على مثل العقيق والفيروزج مبني على الاحتياط.
ومع فقد ما ذكر من وجه الأرض يتيمّم بغبار الثوب أو اللِّبد أو عُرف الدابة ونحوها ممّا فيه غبار (1) إن لم يمكن جمعه تراباً بالنفض ، وإلاّ وجب ودخل في القسم الأوّل (2) والأحوط اختيار ما غباره أكثر (3)
(1) للأخبار الدالّة على ذلك وهي معتبرة ، وإليك بعضها :
صحيحة زرارة قال « قلت لأبي جعفر عليهالسلام : أرأيت المواقف وهو المحارب مع عدوه إن لم يكن على وضوء كيف يصنع ولا يقدر على النزول؟ قال عليهالسلام : يتيمّم من لبده أو سرجه أو معرفة دابته فان فيها غباراً ويصلِّي » (1).
وصحيحة رفاعة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا كانت الأرض مبتلة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم منه ، فانّ ذلك توسيع من اللّه عزّ وجلّ. قال : فان كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو شيء مغبر ... » (2)وغيرهما من الأخبار المعتبرة.
(2) لأنّه متمكّن من التيمّم بالتراب ، حيث إنّ الغبار هو الأجزاء الصغار الّتي لو جمعت لكانت تراباً ، وهو كالبخار الّذي هو غير الماء لكنّه لو جمع في مكان صار ماءً ومع التمكّن من التراب لا يجوز التيمّم بالغبار.
(3) وهو احتياط في محلِّه لكنّه ليس بواجب ، وذلك لأن ما غباره أكثر قد تكون كثرته بمقدار يصدق عليه التراب ولا إشكال في أنّه متمكّن من التراب حينئذ ولا بدّ من أن يتيمّم به ، وقد لا يبلغ تلك المرتبة إلاّ أن غبار أحدهما أكثر من غيره ولا دليل على تقديم ما غباره أكثر ، لأنّ مقتضى الأخبار عدم الفرق بين ما يكون غباره أقل وما يكون الغبار فيه أكثر ، لدلالتها على لزوم التيمّم بما فيه الغبار كان غباره أكثر من غيره أم لم يكن.
ومع فقد الغبار يتيمّم بالطين إن لم يمكن تجفيفه (1) وإلاّ وجب ودخل في القسم الأوّل ، فما يتيمّم به له مراتب ثلاث : الأُولى : الأرض مطلقاً غير المعادن. الثّانية : الغبار. الثّالثة : الطين.
(1) للنصوص المعتبرة الدالّة على ذلك مثل صحيحة رفاعة المتقدمة حيث ورد في ذيلها : « وإن كان في حال لا يجد إلاّ الطين فلا بأس أن يتيمّم منه ». وصحيحتي زرارة « وإن كان في حال لا يجد إلاّ الطين فلا بأس أن يتيمّم منه. إذا كنت في حال ... » (1)وغيرها ، وهذا ممّا لا إشكال فيه.
وإنّما الكلام في أنّ الطين في طول الغبار أو أنّه في عرضه.
قد يقال بأنّهما في عرض واحد استناداً إلى ما رواه زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال « قلت : رجل دخل الأجمة ليس فيها ماء وفيها طين ما يصنع؟ قال : يتيمّم فإنّه الصعيد ، قلت : فإنّه راكب ولا يمكنه النزول من خوف وليس هو على وضوء ، قال : إن خاف على نفسه من سبع أو غيره وخاف فوات الوقت فليتيمم يضرب بيده على اللّبد أو البرذعة ويتيمّم ويصلِّي » (2).
نظراً إلى أنّه عليهالسلام جوّز التيمّم بالطين إذا قدر على النزول وإلاّ فبالغبار فلا تقدم للغبار على الطين.
وفيه : أنّ الرواية ضعيفة السند بأحمد بن هلال ، وقد وردت طعون كثيرة فيه. مع أنّ الأخبار الدالّة على أنّه يتيمّم بالغبار أوّلاً وإلاّ فبالطين كثيرة معتبرة ، وهي ممّا اشتهر بين الأصحاب ، والرواية من الشاذ الّذي لا يعبأ به في قبال الأخبار المشهورة هذا.
على أنّها بحسب الدلالة قابلة للمناقشة أيضاً ، لاحتمال أنّها تبين حكم شخصين
بأن يسأل عن شخص دخل الأجمة ولا يقدر إلاّ على الطين ثمّ يسأله عن حكم من دخلها وهو متمكّن من الغبار للتيمم ، وأحد الحكمين لمن دخل الأجمة وليس عنده إلاّ الطين وحكمه التيمّم به ، وثانيهما لمن دخل الأجمة وهو متمكّن من التيمّم بالغبار وحكمه أن يتيمّم بالغبار ، وليس هذا حكم شخص واحد دخل الأجمة لتتوهم دلالة الرواية على عدم تقديم التيمّم بالغبار على التيمّم بالطين.
والمتحصل : أنّ المكلف الفاقد للماء يجب عليه أن يتيمّم بالتراب أو بغيره من الأجزاء الأرضية ، فان لم يتمكّن منها يتيمّم بالغبار الّذي هو ليس بتراب بل هو أجزاء صغار منه ، فان لم يتمكّن منه يتيمّم بالطين. هذا كلّه بحسب التعبّد والنصوص ولولاها لقدمنا الطين على الغبار لأنّه صعيد كما مرّ في بعض الأخبار (1)بخلاف الغبار فإنّه ليس بتراب.
بل لولاها لقلنا بجواز التيمّم به حتّى مع التمكّن من التراب لكونه صعيداً ، ولا فرق بينهما إلاّ بالرطوبة والجفاف ، وليس ذلك بفارق بمقتضى إطلاق ما دلّ على أنّ التراب والأرض طهور ، اللّهمّ إلاّ بناءً على اعتبار العلوق في التيمّم فلا يجوز التيمّم بالطين مع التمكّن من التراب ، إذ لا علوق في الطين لأنّه لا يعلق أثره باليد عند ضربها عليه الّذي هو معنى العلوق بل يتعلق هو بنفسه على اليد لا أثره وعلوقه.
وقد تحصل إلى هنا : أنّ المكلّف مع تمكّنه من الأرض يتيمّم بها ولو كانت رطبة يختار أجف موضع فيتيمم به ، وإلاّ فيتيمم بالغبار ، وإلاّ فبالطين لو أمكن.
وأمّا إذا لم يوجد الطين فماذا يصنع المكلّف؟ هل يكون فاقد الطهورين أو أنّه يتيمّم بالثلج إن كان؟ يقع الكلام في ذلك في مقامين :
المقام الأوّل : إذا لم يتمكّن المكلّف من الماء هل يجب أن يتوضأ أو يغتسل بالثلج
1) كالرواية المتقدمة.
إذا تمكّن منه أو لا يجب بل ينتقل أمره إلى التيمّم؟ والمراد بالثلج هو الماء المنجمد في الهواء المعبر عنه في الفارسية ( برف وتگرگ ) لا الثلوج المتكوّنة على الأرض.
المقام الثّاني : بعد البناء على عدم وجوب الوضوء أو الغسل بالثلج وانتقال الأمر إلى التيمّم هل يصح التيمّم بالثلج أو لا بدّ في صحّته من وقوعه على الأرض؟
أمّا المقام الأوّل : فقد يقال بوجوب التوضي أو الاغتسال بالثلوج فيما إذا لم يتمكّن من الماء. ويستدل عليه بجملة من الأخبار :
منها : ما رواه محمّد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يجنب في السفر لا يجد إلاّ الثلج ، قال : يغتسل بالثلج أو ماء النهر » (1).
ويتوجه على الاستدلال بها أنّها ضعيفة السند ، لوقوع علي بن إسماعيل في سلسلة السند لأنّه السندي أو السري وهو غير موثق ، نعم وثقه ابن الصباح الكناني (2)إلاّ أنّه غير موثق أيضاً فلا يمكن الاعتماد على توثيقه.
على أنّها قابلة للمناقشة من حيث الدلالة أيضاً ، لأن مفروض كلام السائل أنّه ليس عند المكلّف إلاّ الثلج وقال عليهالسلام في جوابه : إنّه « يغتسل بالثلج أو ماء النهر » فمنه يظهر أنّ الماء كان موجوداً في مفروض الكلام لكنّه كان بارداً كالثلج.
فلعلّ المراد به أنّه إمّا أن يغتسل بالثلج أو بماء النهر وكلاهما على حد سواء ، بمعنى أنّه يذيب الثلج فيغتسل أو أنّه يغتسل بماء النهر ، لا أنّه يدلك بدنه بالثلج ، لأنّه عبّر بالاغتسال الّذي لا يصدق على الدلك ، إذ قد أُخذ في الاغتسال جريان الماء على المغسول ، فكأنه عليهالسلام قال : إمّا أن يذيب الثلج فيغتسل أو يدخل النهر ويغتسل من مائه وإن كان بارداً. فهي أجنبية عما نحن بصدده من الاستدلال على وجوب الغسل أو الوضوء بالثلج عند عدم التمكّن من الماء.
ومنها : ما عن معاوية بن شريح قال : « سأل رجل أبا عبد اللّه عليهالسلام وأنا عنده فقال : يصيبنا الدمق والثلج ونريد أن نتوضأ ولا نجد إلاّ ماءً جامداً فكيف أتوضأ؟ أدلك به جلدي؟ قال : نعم » (1).
وهي من حيث الدلالة ظاهرة ، إلاّ أنّها ضعيفة السند لوجود معاوية بن شريح فيه وهو ضعيف ، والظاهر اتحاده مع معاوية بن ميسرة وإن ذهب الأردبيلي إلى تعدّدهما (2)وعلى كلٍّ سواء اتّحد أم تعدد لم تثبت وثاقتهما.
ومنها : ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهالسلام قال : « سألته عن الرجل الجنب أو على غير وضوء لا يكون معه ماء وهو يصيب ثلجاً وصعيداً أيّهما أفضل؟ أيتيمّم أم يمسح بالثلج وجهه؟ قال : الثلج إذا بلّ رأسه وجسده أفضل ، فان لم يقدر على أن يغتسل به فليتيمم » (3).
وهي ضعيفة السند لوجود محمّد بن أحمد العلوي فيه وهو غير موثق في الرجال على أن مدلولها خارج عن محل الكلام ، لأنّه عليهالسلام أجاب بأنّ الثلج إذا بلّ رأسه فهو أفضل ، وذلك لأن بل الجسد هو أدنى مراتب الاغتسال ، فإذا تمكّن المكلّف منه بوجه ولو بحرارة بدنه فهو متمكّن من الوضوء والاغتسال بالماء لا أنّه اغتسال أو وضوء بالثلج.
ومنها : رواية ثانية لعلي بن جعفر عن أخيه عليهالسلام قال : « سألته عن رجل تصيبه الجنابة فلا يقدر على الماء فيصيبه المطر هل يجزئه ذلك أم يتيمّم؟ قال : إن غسله أجزأه وإلاّ عليه التيمّم ، قال قلت : أيّهما أفضل؟ أيتيمّم أم يمسح بالثلج
وجهه وجسده ورأسه؟ قال : الثلج إن بل رأسه وجسده أفضل ... » (1)وهي من حيث الدلالة عين سابقتها ، ومن حيث السند ضعيفة لأن في سندها عبد اللّه بن الحسن وهو غير موثق.
فالمتحصل : أنّ الأخبار المستدل بها على وجوب الوضوء أو الاغتسال بالثلج بمعنى الدلك به كلّها ضعيفة السند وقابلة للمناقشة في دلالة أكثرها.
وأمّا المقام الثّاني : فمقتضى القاعدة المستفادة من الكتاب والسنّة عدم جواز التيمّم بالثلج ، لأنّ الطهور منحصر بالماء والتراب بمعنى الأرض وليس الثلج من الأرض ولا أنّه ماء.
لكن قد يقال بجواز التيمّم عليه. ويستدل عليه بصحيحة محمّد بن مسلم أو حسنته بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سألت عن رجل أجنب في سفر ولم يجد إلاّ الثلج أو ماءً جامداً ، فقال : هو بمنزلة الضرورة يتيمّم » (2).
وفيه : أنّ الرواية تدل على أنّ المكلّف في مفروض السؤال فاقد للماء ويجوز له أن يتيمّم ، وليست فيها أية دلالة على أنّه يتيمّم بالثلج أو الماء الجامد بل يتيمّم بما يتيمّم به شرعاً. وقوله : « ولم يجد إلاّ الثلج أو ماء جامداً » ليس بمعنى أنّه لا يجد ما يتيمّم به أيضاً ، بل لم يجد ما يتوضأ أو يغتسل به. فلا دلالة في الصحيحة على ذلك المدّعى.
وروى صاحب الوسائل في الباب الثّامن والعشرين من أبواب التيمّم رواية عن المقنع للصدوق قال في المقنع - : وروى : « إن أجنبت في أرضٍ فلم تجد إلاّ ماءً جامداً ولم تخلص إلى الصعيد فصلّى بالتمسح ثمّ لا تعد إلى الأرض الّتي توبق فيها دينك » (3).
وذكر المعلِّق في الهامش : قلت : رواه البرقي أيضاً في المحاسن في [ 2 : 122 / 1337 ]
عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن عبيد اللّه بن علي الحلبي نحوه.
وهذا السند كما ترى صحيح ، وهو يوهم وجود رواية صحيحة تدل على لزوم التمسح بالماء الجامد فيما إذا لم يجد المكلّف سوى الماء الجامد ولم يخلص إلى الصعيد فلا بدّ من اتباعها وإن كانت رواية المقنع مرسلة.
إلاّ أنّ الأمر ليس كما توهِمه التعليقة ، إذ لم توجد رواية أُخرى دالّة على لزوم التمسح بالماء الجامد ، وإنّما الرواية هي ما قدّمناه من الصحيحة أو الحسنة عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سألت عن رجل أجنب في سفر ولم يجد إلاّ الثلج أو ماءً جامداً ، فقال : هو بمنزلة الضرورة يتيمّم ، ولا أرى أن يعود إلى هذه الأرض الّتي توبق فيها دينك ». فإنّ البرقي روى هذه الرواية في المحاسن عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن عبيد اللّه بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّه فراجع الباب التاسع من أبواب التيمّم من الوسائل ، والاشتباه من المعلّق.
كذا أفاده أوّلاً ، ثمّ ذكر ( دام ظلّه ) أنّه عند المراجعة إلى المحاسن ظهر أنّ الاشتباه من صاحب الوسائل دون المعلّق ، لأن صحيحة محمّد بن مسلم المتقدمة الّتي ذكر بعدها صاحب الوسائل أنّ البرقي روى مثله بالسند السابق لا يتطابق مع ما هو الموجود في المحاسن إلاّ في النهي عن العود إلى هذه الأرض الّتي توبق دينه ، فقول صاحب الوسائل : روى في المحاسن مثله ، اشتباه ، بل رواية المحاسن مثل رواية المقنع مع اختلاف يسير بينهما في الألفاظ على ما أشار إليه المعلّق. إذن فهي صحيحة السند ولا يمكن المناقشة في سندها.
إلاّ أنّ دلالتها تبقى قابلة للمناقشة ، وذلك لأنّ قوله : « فصلّ بالمسح » لا ( فصلّى بالمسح ) كما في المقنع لا دلالة له على إرادة التوضي أو الاغتسال بالماء الجامد تمسحاً كما لا دلالة له على إرادة التيمّم بالماء الجامد ، لأنّ ذلك وإن كان قد يستفاد منه إرادة التوضي أو الاغتسال بالماء الجامد تمسحاً بحسب الميزان البحثي إلاّ أنّه بحسب الرواية فلا ، لأنّ المراد به ولو بحسب الاحتمال هو التيمّم دون الوضوء أو الاغتسال ، حيث إنّ المأمور به على ما دلّت عليه الآية المباركة ينقسم إلى أقسام ثلاثة :
أحدها : غَسل محض وهو الغُسل بالضم.
ثانيها : ملفق من الغَسل والمسح وهو الوضوء.
ثالثها : مسح محض وهو التيمّم.
وإليه أشارت الآية المباركة قال عزّ من قائل ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) (1)وهذا كما ترى ملفّق من الغسل والمسح. ثمّ قال ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) أي اغتسلوا على ما يستفاد من قوله تعالى في آية النهي عن قرب الصلاة سكراناً أو جنباً ( حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) (2)فظهر أنّ الغسل بالضم هو غسل محض. ثمّ قال تعالى ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) أي اقصدوا ( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) (3)من دون لفظة « منه » فعلم منه أنّ التيمّم مسح محض.
والظاهر أنّ قوله عليهالسلام في الرواية : « فصلّ بالمسح » إشارة إلى ذلك أي فصل بالتيمّم ، أو لا أقل أنّه محتمل.
ثمّ إنّه لم يبيّن أن ما يتيمّم به هو الماء الجامد بل أمر بالتيمّم وحسب ، فيكون المتيمم به موكولاً إلى بيان الشرع ، والمشروع حينما لم يجد المكلّف ماءً ولا صعيداً هو أن يتيمّم بغبار الثوب أو نحوه ، فلا دلالة في الرواية على هذا المدّعى ، فانّ الطهور منحصر بالماء والصعيد ، هذا.
ثمّ إنّا لو قلنا بتمامية الأخبار المتقدّمة فيه وتمّت دلالتها على أنّ المكلّف حينئذ يتوضأ أو يغتسل بالثلج لوقعت المعارضة بينها وبين هذه الرواية ، لدلالتها على وجوب التيمّم بالثلج حينئذ ، فإذا تساقطا لأجل المعارضة يرجع إلى الكتاب العزيز وهو قد دلّ على أنّ الطّهارة إنّما تحصل بالماء أو الصعيد ، فلا يسوغ التيمّم بالثلج.
ومع فقد الجميع يكون فاقد الطهورين والأقوى فيه سقوط الأداء (1)
(1) إذا بنينا في المسألة المتقدمة على عدم جواز الوضوء أو الاغتسال أو التيمّم بالثلج أو بنينا على جوازه إلاّ أنّ المكلّف لم يجد شيئاً يتوضأ أو يغتسل أو يتيمّم به فهو فاقد الطهورين. والمحتملات فيه أربعة :
الأوّل : أنّه مكلّف بالأداء فيصلّي من غير طهارة ، ويقضيها مع طهارة خارج الوقت.
الثّاني : أنّه مكلّف بالأداء ويصلِّي من دون طهارة ، ولا قضاء عليه.
الثّالث : أنّه غير مكلّف بالأداء لكن يجب عليه القضاء خارج الوقت.
الرّابع : أنّه غير مكلّف بالأداء ولا بالقضاء.
هذه محتملات المسألة ، ولعلّ لكل واحد منها قائلاً. ويقع الكلام في مقامين :
أحدهما : من حيث الأداء وأن فاقد الطهورين مكلّف أو ليس مكلّفاً بالأداء.
ثانيهما : من حيث القضاء وأنّه مكلّف به أو ليس مكلّفاً به.
المقام الأوّل : فالظاهر أنّ فاقد الطهورين غير مكلّف بالأداء ، لأنّ الصلاة حسبما دلّتنا عليه الروايات ثلاثة أثلاث : ثلث الطهور ، وأنّه لا صلاة إلاّ بطهور (1)فإذا لم يتمكّن المكلّف من الطهور سقط عنه الأمر بالصلاة لعدم قدرته عليها.
وأمّا ما هو المشتهر من أنّ الصلاة لا تسقط بحال فهو بهذا اللّفظ ليس مدلولاً لدليل إلاّ أنّ مضمونه ورد في بعض روايات المستحاضة ، فقد ورد عنهم عليهمالسلام : « ولا تدع الصلاة على حال ، فإنّ النّبي صلىاللّهعليهوآله قال : الصلاة عماد دينكم » (2)وحيث إنّ الصلاة عماد الدين فلا يمكن تركها بحالٍ فهي واجبة في جميع
صور الاستحاضة من القليلة والمتوسطة والكثيرة.
وكيف كان ، فهو تام بحسب المضمون ، إلاّ أنّه لا يقتضي وجوب الأداء على فاقد الطهورين ، لأنّه دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال ، وهو لا يعقل أن يتكفّل لإثبات موضوعه ويدلُّ على أن ما أتى به فاقد الطهورين فهو صلاة. وبما أنّ ثلث الصلاة الطهور ولا صلاة إلاّ بطهور فيستكشف منه أن ما يأتي به فاقد الطهورين ليس صلاة لتجب عليه ولا تسقط عنه.
وممّا ذكرنا قد ظهر أنّ التمسّك في المقام بالمطلقات الدالّة على وجوب الصلاة كقوله تعالى ( إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ) (1)وقوله عليهالسلام : « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلاّ أنّ هذه قبل هذه » (2)وغيرهما من المطلقات ليس في محلِّه ، وذلك لعدم كون الصادر من فاقد الطهورين صلاة ليجب أداؤها ، بل هو غير متمكّن منها فيسقط وجوبها أداءً.
كما أنّه ظهر ممّا ذكرناه الحال والفرق بين ما ورد من أنّه « لا صلاة إلاّ بطهور » وبين ما ورد من أنّه « لا صلاة إلاّ إلى القبلة » (3)و « لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب » (4)ونحوهما ، حيث لا تخرج الصلاة عن كونها صلاة بافتقادها الفاتحة أو القبلة وتسقط عن كونها صلاة عند عدم الطهور.
والوجه فيه ظاهر ، وهو الأدلّة الخارجية الدالّة على صحّة الصلاة الفاقدة للفاتحة أو القبلة ولو في بعض الموارد كالناسي ، كحديث « لا تعاد » (5)وغيره ، فان ضُم ذلك إلى ما دلّ على أنّه « لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب » أو « ... إلى القبلة » كانت النتيجة أن اعتبار فاتحة الكتاب أو الاستقبال في الصلاة مختص بحالة التمكّن والاختيار ولا يعتبران في الصلاة عند النسيان أو الاضطرار ، وهذا بخلاف الطهور ، إذ لم يدلّنا دليل
ووجوب القضاء وإن كان الأحوط الأداء أيضاً. وإذا وجد فاقد الطهورين ثلجاً أو جَمداً قال بعض العلماء بوجوب مسحه على أعضاء الوضوء أو الغسل وإن لم يجر ، ومع عدم إمكانه حكم بوجوب التيمّم بهما ، ومراعاة هذا القول أحوط فالأقوى لفاقد الطهورين كفاية القضاء والأحوط ضمّ الأداء أيضاً ، وأحوط من ذلك مع وجود الثلج المسح به أيضاً.
على أنّ الصلاة صحيحة من دون طهور.
إذن فمقتضى إطلاق قوله عليهالسلام : « لا صلاة إلاّ بطهور » عدم الفرق بين الاختيار وعدمه والتمكّن وعدمه. وعليه لمّا كان فاقد الطهورين غير متمكّن من الصلاة مع الطهور فهي ساقطة في حقّه ولا يكلّف بالأداء.
وأمّا قاعدة الميسور فهي على تقدير تماميتها في نفسها ولم تتم (1)لا يمكن إجراؤها في المقام بدعوى أنّ الصلاة الفاقدة للطهور ميسور لمعسورها ، وذلك لأنّ الصلاة من غير طهارة تباين الصلاة عن طهارة لا أن أحدهما ميسور للآخر. فالمتحصل : أنّ فاقد الطهورين غير مكلّف بالأداء.
المقام الثّاني : في وجوب القضاء.
قد يقال بوجوب القضاء على فاقد الطهورين تمسّكاً بإطلاق ما دلّ على قضاء الصلوات الفائتة فإنّه يشمل المقام أيضاً.
وأُجيب عنه بأنّ الفوت غير محرز في المقام ، لأنّه إنّما يصدق فيما لو كانت صلاة فاقد الطهورين مشتملة على الملاك والمكلّف قد فوته كما في النائم ونحوه ، وإذا لم يكن لها ملاك في نفسها كما في صلاة الحائض والنفساء والصبي فلا يكون ترك الإتيان بها محققاً للفوات. ومن المحتمل أن لا يكون لصلاة فاقد الطهورين ملاك أصلاً فلا تشمله إطلاقات أدلّة القضاء.
1) كما في مصباح الأُصول 2 : 477.
وأُجيب عن هذا الجواب بأنّ وجود الملاك يستكشف من الأمر بالصلاة لأنّه كاشف قطعي عنه ، والعجز عن تحصيل الطهورين يوجب سقوط الأمر والتكليف ولا يوجب سقوط الصلاة عن كونها واجدة للملاك ، فيكون تركها ولو من جهة فقدان الطهورين محققاً للفوت فيجب عليه قضاؤها.
ويرد على ذلك : أنّ الملاك ليس لنا إليه سبيل إلاّ وجود الأمر والتكليف ، ومع سقوطهما لا كاشف عن الملاك ولا علم لنا بوجوده فمن أين تحرز أن صلاة فاقد الطهورين مشتملة على الملاك ، ولعلها كصلاة الحائض والنّفساء والصبي ممّا لا ملاك فيها.
والّذي يمكن أن يقال : إنّ فاقد الطهورين مأمور بالقضاء ، وذلك لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام : « أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها ، قال : يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار » (1)وذلك بتقريبين :
أحدهما : أنّ قوله : « أو نسي صلوات » ذكر تمهيداً لبيان مطلق ترك الصلاة ، وليس لخصوص تركها لنسيانها موضوعية في حكمه بوجوب القضاء ، لأنا نقطع بأن ترك الصلاة متعمداً عصياناً أيضاً مورد للقضاء ، فلو كان للنسيان خصوصية فقد ترك ذكر ما لا إشكال في وجوب قضائه ، فهو إنّما ذكر تمهيداً لبيان أنّ مطلق ترك الصلاة يوجب القضاء ، وكأنّه جعل عدم الترك عمداً وعصياناً مفروغاً عنه في حقّ المكلّف المسلم ، إذ كيف يعصي اللّه ولا يأتي بفريضة متعمداً ، فاقتصر على ذكر الشق المحتمل وقوعه في حقّه وهو النسيان.
فتدلّنا الصحيحة على وجوب القضاء في كل مورد ترك فيه الصلاة عمداً أو نسياناً أو لغيرهما من الأسباب ، وأنّ الصلاة ذات ملاك مطلقاً إلاّ في موارد خاصّة علمنا بعدم وجوب القضاء فيها كالحائض.
ثانيهما : أنّ مقتضى إطلاق الصحيحة أن من صلّى بلا طهور وجب عليه القضاء
1) الوسائل 8 : 253 / أبواب قضاء الصلوات ب 1 ح 1.
هذا كلّه إذا لم يمكن إذابة الثلج أو مسحه على وجه يجري ، وإلاّ تعين الوضوء أو الغسل ولا يجوز معه التيمّم أيضا (1).
[1096] مسألة 1 : وإن كان الأقوى كما عرفت جواز التيمّم بمطلق وجه الأرض إلاّ أنّ الأحوط مع وجود التراب عدم التعدّي عنه (2) من غير فرق فيه بين أقسامه من الأبيض والأسود والأصفر والأحمر ، كما لا فرق في الحجر والمدر
بلا فرق في ذلك بين تمكّنه من الطهور وبين عدم تمكّنه ، فتدلّنا الصحيحة على أنّ فاقد الطهورين لو صلّى من دون طهارة لوجب عليه قضاؤها.
فلو وجب القضاء فيما لو صلّى فاقد الطهورين من دون طهور لوجب عليه القضاء فيما لو لم يصل بطريق أولى ، إذ لا يحتمل أن يكون ترك الصلاة موجباً لسقوط القضاء بخلاف الإتيان بها ، نعم الأحوط أن يضم الأداء أيضاً فيأتي بالصلاة في الوقت من دون طهور ثمّ يقضيها خارج الوقت إذا حصل على طهور.
(1) لما تقدّم من أنّ الوجدان في الآية الكريمة بمعنى التمكّن من الاستعمال ، ومع التمكّن من إذابة الثلج يكون المكلّف متمكّناً من استعمال الماء فيجب عليه الوضوء أو الاغتسال.
وهذه المسألة مع المسألة المتقدّمة السابعة والثّلاثين من وادٍ واحد ، ووجوب الإذابة هنا والمزج هناك كلاهما مستند إلى كون المكلّف متمكّناً معهما من الماء فالحكم هنا بوجوب الوضوء أو الغسل بعد إذابة الثلج لأجلهما دون وجوب المزج هناك أو بالعكس كما عن بعضهم ممّا لم يظهر لنا وجهه.
(2) وهو احتياط مستحب في محلِّه ولو لأجل الخلاف ووجود القائل بعدم جواز التيمّم بغيره عند الاختيار.
أيضاً بين أقسامهما ، ومع فقد التراب الأحوط الرمل ثمّ المدر (1)ثمّ الحجر (1).
[1097] مسألة 2 : لا يجوز في حال الاختيار التيمّم على الجص المطبوخ والآجر والخزف (2) والرماد (2)وإن كان من الأرض (3) لكن في حال الضرورة بمعنى عدم وجدان التراب والمدر والحجر الأحوط الجمع (4) بين التيمّم بأحد المذكورات
(1) أمّا وجه تقدم غير الحجر على الحجر احتياطاً فهو وجود الخلاف والقول بعدم جواز التيمّم بالحجر مع التمكّن من غيره ، وأمّا وجه تقدّم الرمل على المدر فلم يظهر لنا بعد.
ودعوى : أنّ الرمل أقرب إلى التراب من المدر ممنوعة ، لأنّ الرمل أقرب إليه من جهة كونه أجزاءً صغاراً شبيهة بالتراب والمدر أقرب إليه من جهة أنّه هو التراب المجتمع ، فلا أقربية لأحدهما على الآخر في البين. فالصحيح لمن أراد الاحتياط أن يجمع في التيمّم بينهما.
(2) بل قد عرفت (3)أنّ التحقيق هو الجواز.
(3) كما إذا حصل الرماد من احتراق التراب أو الأحجار كما في بعض الجبال الّتي تخرج من قللها النار ، ولأجل شدّة حرارتها تحرق الأحجار فرمادها حينئذ من الحجر أو من التراب وهما من الأرض. كما أنّه قد يكون الرماد حاصلاً من غير الأرض كما لو حصل من حرق الحطب والحشيش أو اللّحم أو الصوف أو غيرها من النبات أو الحيوان.
(4) منشأ احتياطه هذا هو احتمال أن يكون الجص المطبوخ مثلاً من الأرض ولا
ما عدا رماد الحطب ونحوه (1) وبالمرتبة المتأخرة من الغبار أو الطين ، ومع عدم الغبار والطين الأحوط التيمّم بأحد المذكورات والصلاة ثمّ إعادتها أو قضاؤها.
[1098] مسألة 3 : يجوز التيمّم حال الاختيار على الحائط المبني بالطين واللّبن والآجر إذا طلي بالطين (2).
يكون طبخه موجباً لخروجه عن حقيقته كما بيّناه ، ومعه يجمع في تيممه بين الجص المطبوخ والمرتبة الأخيرة من غبار أو طين عند عدم الغبار ، ومع انعدام الجميع يجمع بين الصلاة بالتيمّم على الجص المطبوخ في الوقت وبين إعادتها أو قضائها خارج الوقت.
(1) لأنّه على ما تقدم في بعض الأخبار (1)لا يخرج عن الأرض بل يخرج من الشجر والنبات وهو ممّا لا يجوز التيمّم به ، وهذا بخلاف الرماد الحاصل من الأرض كما في الأمثلة السابقة لأنّ حاله حال الجص المطبوخ.
وكما أنّ الجص قبل طبخه من الأرض وبعد طبخه مورد للخلاف ويحتمل المصنف كونه من الأرض ولا يخرجه الطبخ عن حقيقته كذلك الحال في التراب المحترق رماداً أو الحجر المحترق رماداً فإنّهما من الأرض قبل الاحتراق والطبخ ، وبعدهما يقعان محل الخلاف مع احتمال المصنف أن لا يكون الطبخ مخرجاً لهما عن حقيقتهما الأرضية فهما مورد الاحتياط.
(2) لأنّه على طبق القاعدة ، لأن جعل التراب عالياً وحائطاً لا يخرجه عن حقيقته وكونه من الأرض.
نعم لا مجال في المقام للاستدلال على صحّة التيمّم على الحائط بموثقة سماعة قال : « سألته عن رجل مرّ على جنازة وهو على غير وضوء كيف يصنع؟ قال : يضرب
1) الوسائل 3 : 352 / أبواب التيمّم ب 8 ح 1.
[1099] مسألة 4 : يجوز التيمّم بطين الرأس (1) وإن لم يسحق وكذا بحجر الرَّحَى وحجر النار وحجر السن ونحو ذلك ، لعدم كونها من المعادن (2) الخارجة عن صدق الأرض ، وكذا يجوز التيمّم بطين الأرمني.
[1100] مسألة 5 : يجوز التيمّم على الأرض السبخة إذا صدق كونها أرضاً بأن لم يكن علاها الملح (3).
[1101] مسألة 6 : إذا تيمّم بالطين فلصق بيده يجب إزالته أوّلاً (1)ثمّ المسح بها ، وفي جواز إزالته بالغسل إشكال (4).
بيديه على حائط اللبن فليتيمم » (2)وذلك لأنّ التيمّم مع التمكّن من الماء ليس بمشروع في نفسه وإنّما قلنا بمشروعيّته في مورد الرواية وهو صورة خوف الفوت على تقدير التوضؤ للتعبّد.
فكما أنّ أصل مشروعيّته خاص بمورد الرواية فليكن جواز التيمّم على الحائط أيضاً مختصّاً بمورد الرواية ولا يمكننا التعدّي عنه إلى غيره.
(1) لإطلاق ما دلّ على جواز التيمّم بالأرض وإن كانت أفراد التراب أو الحجر مختلفة من حيث القيمة فبعضها ثمين مثل طين الأرض المطلوب لبرودته ، وطين الرأس المطلوب لرقته ، وهكذا الحال في الأحجار.
(2) بل ولو كانت من المعادن كما سبق (3).
(3) لأنّ الملح خارج عن الأرض ولا يطلق عليه اسمها ، وهذا بخلاف ما إذا كانت سبخة من دون أن يعلوها الملح فإنّها أرض حقيقة ويصدق عليها اسمها.
(4) في هذا الفرع مسألتان :
[1102] مسألة 7 : لا يجوز التيمّم على التراب الممزوج بغيره من التبن أو الرماد أو نحو ذلك وكذا على الطين الممزوج بالتبن (1) ، فيشترط فيما يتيمّم به عدم كونه مخلوطاً بما لا يجوز التيمّم به إلاّ إذا كان ذلك الغير مستهلكا.
إحداهما : أنّ الطين إذا لصق بيد المتيمم عند ما تيمّم به هل تجب إزالته أو لا تجب؟ والصحيح عدم الوجوب ، لإطلاق ما دلّ على جواز التيمّم من الطين أو به.
ودعوى أنّ الطين اللاّصق باليد عند التيمّم به يمنع عن مسح الوجه باليد أو مسح إحداهما بالأُخرى لوجود الحائل بينهما وهو الطين اللاّصق بيده ، مندفعة بأنّ المانع عن تحقق المسح باليد إنّما هو فيما إذا كان الحائل من غير الطين دون ما إذا كان هو الطين أو التراب عند التيمّم به ، فان حيلولته ليست مانعة عن صحّة مسح الوجه باليدين أو مسح إحداهما بالأُخرى.
هذا بناءً على استحباب نفض اليدين من أثر التراب أو غيره ممّا يتيمّم به وعدم وجوبه ، وإلاّ فلا مناص من القول بوجوب إزالة ما في اليد من الطين لأنّها مقتضى وجوب النفض حينئذ.
ثانيتهما : أنّ الطين اللاّصق باليد عند التيمّم به هل تجوز إزالته بالغسل أو لا تجوز؟ يبتني عدم جواز إزالته بالغسل على اشتراط العلوق في التيمّم بأن يكون في اليد شيء من آثار الأرض ، فإنّه يزول بالغسل بالماء ومع زواله لا يصح التيمّم بناءً على اعتبار العلوق ، وأمّا بناءً على ما هو الصحيح من عدم اعتبار العلوق في التيمّم فلا مانع من إزالة ما لصق باليد من الطين عند التيمّم به.
(1) لاعتبار كون ما يتيمّم به تراباً أو طيناً ، وهو غير صادق على التراب أو الطين عند امتزاجهما بغيرهما من التبن أو الرماد ، اللّهمّ إلاّ أن يكون الخليط مستهلكاً فيهما لصدق التيمّم بالتراب أو بالطين حينئذ. على أنّ الغلبة تقتضي ذلك ، إذ قلّما ينفك
التراب أو الطين عن المزج بالتبن أو الرماد أو غيرهما ممّا لا يجوز التيمّم به.
وتفصيل الكلام في هذا المقام أنّ للمسألة صوراً ، وذلك لأنّ غير التراب الممزوج به :
قد يكون مستهلكاً في التراب كالملح والرماد القليلين الممتزجين بالتراب. وهذا لا إشكال في جواز التيمّم به ، لأنّه تراب ويصدق عليه عنوان الصعيد حقيقة.
وقد يكون الغير الممتزج بالتراب كثيراً يستهلك التراب فيه كالتراب القليل الممتزج بالملح مثلاً. وهذا لا شبهة في عدم جواز التيمّم به ، لأنّه ملح لدى العرف ولا يصدق عليه الصعيد.
وثالثة : لا يستهلك أحدهما في الآخر بل يتركب منهما شيء ثالث ، نظير ما ذكرناه في الماء الممتزج بغيره. وهذا أيضاً لا يجوز التيمّم به ، لأنّه وإن لم يكن ملحاً مثلاً إلاّ أنّه ليس بتراب أيضاً ، فهو أمر ثالث لا يطلق عليه الصعيد. هذا كلّه فيما إذا عدّ المجموع موجوداً واحداً كما مثّل.
وأمّا لو عدّ موجودين كما في التبن أو الحشيش الملقى على وجه الأرض فإن اعتبرنا استيعاب الكف لما يتيمّم به كما هو الظاهر لم يصح التيمّم به ، لأنّ التبن مثلاً مانع عن الاستيعاب وهو ظاهر ، وإذا لم نعتبر فيها الاستيعاب صحّ التيمّم بالتراب الممتزج بشيء من التبن ونحوه ، هذا.
وقد يقال في هذه الصورة بصحّة التيمّم ولو بناءً على اعتبار الاستيعاب في الكف لما يتيمّم به ، نظراً إلى غلبة امتزاج
التراب بشيء من أمثال التبن والحشيش ونحوهما فلو كان الخلوص منها أيضاً معتبراً في صحّة التيمّم بالصعيد لوجب البيان والتنبيه عليه ، وحيث لم يرد بيان على اعتبار خلوص التراب من أمثالها فلا مانع من التيمّم بالتراب الممتزج بذلك.
ويدفعه : أنّ غلبة الامتزاج بمثل التبن إنّما هي في الأمصار والقرى ، وأين تلك
[1103] مسألة 8 : إذا لم يكن عنده إلاّ الثلج أو الجمد وأمكن إذابته وجب كما مرّ (1) كما أنّه إذا لم يكن إلاّ الطين وأمكنه تجفيفه وجب.
[1104] مسألة 9 : إذا لم يكن عنده ما يتيمّم به وجب تحصيله ولو بالشراء ونحوه (2).
الغلبة في البوادي ومطلق وجه الأرض ، فهذا وادي السلام وغيره من البوادي إلى الحجاز لا توجد فيها تلك الغلبة ولا تبن يمتزج بالتراب فيها إلاّ نادرا.
وعليه ما أفاده الماتن قدسسره من عدم جواز التيمّم على التراب الممزوج بغيره [ يبتني على اعتبار الاستيعاب في الصورة الثالثة ].
(1) لتمكّن المكلّف من الطّهارة المائية حينئذ ، كما أنّ الحال كذلك فيما إذا أمكنه إيجاد الماء وخلقه فإنّه مع القدرة على إيجاده لا تصل النوبة إلى التيمّم. وكذلك الحال فيما إذا كان متمكّناً من تحصيل المرتبة العالية من الطّهارة الترابية كما لو تمكّن من تجفيف الطين مثلاً ثمّ التيمّم بالتراب ، لأنّه مع القدرة على مرتبة لا تصل النوبة إلى المرتبة النازلة من التيمّم.
(2) لم يرد في هذه المسألة نص بالخصوص وإنّما ورد النص في الوضوء ، وأنّه يشتري الماء للتوضي به ولو بأضعاف قيمته (1)وإن استلزم ضرراً مالياً كما لو طلب مالكه ثمناً لمائه أضعاف قيمته ، ما لم يستلزم العسر والحرج ، وهو مختص بالوضوء ولا يمكننا التعدّي عنه إلى التيمّم.
1) الوسائل 3 : 389 / أبواب التيمّم ب 26 ح 1.
اللّهمّ إلاّ أن يتشبث بعموم التعليل وهو قوله : وما يشتري (1)به مال كثير ، لدلالته على لزوم بذل المال لتحصيل الطّهارة وإن كان أضعاف قيمته ، لأن ما يشتريه في الحقيقة أي ما يحصل به الطّهارة أكثر مالية ممّا يبذله من المال ، ولا يفرق في هذا بين الطّهارة المائية والترابية.
أو نقول : إنّ ذلك ممّا يقتضيه عموم التنزيل الدال على قيام التيمّم مقام الوضوء وتنزيل الطّهارة الترابية منزلة الطّهارة المائية في جميع الآثار والأحكام ، إذ كما يجب تحصيل الماء ولو بالشراء في الوضوء كذلك يجب تحصيل التراب ولو بالشراء في التيمّم.
ويرد على التمسّك بما ورد في ذيل الرواية وما يشتري به مال كثير أنّه مختص بمورده ، ومن هنا لم يتعد الفقهاء إلى الطّهارة الخبثية ، إذ لم يوجبوا شراء الماء لتنظيف الثوب أو البدن ، فلو دلّ على ذلك العموم لوجب القول به في الطّهارة الخبثية أيضاً وإن كان الماء بأضعاف قيمته. فالدليل مختص بمورده وهو الماء.
كما يرد على الاستدلال بعموم أدلّة التنزيل أنّ التنزيل إنّما يختص بالطهور فقط بمعنى أنّ التيمّم أو التراب يكفي في الطّهارة عند العجز عن الماء ، ولا دلالة لها على اشتراكهما مع الماء في جميع الأحكام والآثار. إذن لا نص على وجوب تحصيل ما يتيمّم به ولو بالشراء.
لكن الصحيح هو ذلك ، وليس هذا إلاّ للأولوية القطعية ، بيانه : أنّ النصوص دلّتنا على وجوب بذل المال بإزاء الماء فيما إذا استلزم ترك البذل فوات الطّهارة المائية وإن تمكن المكلّف من الصلاة بالطّهارة الترابية ، أي المرتبة النازلة من الطّهارة ، وهذا يدلّنا على وجوب الشراء وبذل المال بإزاء التراب أو غيره ممّا يتيمّم به بالأولوية ، لأن ترك البذل حينئذ يستلزم فوات أصل الصلاة ، فلو وجب البذل أو الشراء عند استلزام
1) هذا التعبير ورد في الكافي 3 : 74 / 17 ، التهذيب 1 : 406 / 1276 ، وأمّا الفقيه فقد نقله بلفظ : وما يسوؤني.
[1105] مسألة 10 : إذا كان وظيفته التيمّم بالغبار يقدم ما غباره أزيد (1)كما مرّ (1).
[1106] مسألة 11 : يجوز التيمّم اختياراً على الأرض الندية والتراب الندي (2) وإن كان الأحوط مع وجود اليابسة تقديمها.
تركهما [ ترك ] الصلاة مع الوضوء مع التمكّن من أصلها وجب الشراء والبذل عند استلزام تركهما [ ترك ] أصل الصلاة بالأولوية القطعية كما في المقام ، لأنّه لو لم يشتر التراب مثلاً دخل في موضوع فاقد الطهورين وتسقط عنه الصلاة لعدم تمكّنه من الطّهارة.
(1) إن أراد بقوله هذا وجوب تقديم ما غباره أزيد فهو تناقض ظاهر ، لأنّ ما تقدّم منه (2)إنّما هو الاحتياط بتقديم ما غباره أزيد لا الفتوى بالوجوب ، ولا تجتمع الفتوى مع الاحتياط.
وإن أراد بذلك بيان كيفية التقديم وأن ما غباره أزيد يقدم على الكيفية المتقدمة أي الاحتياط فهو صحيح ، وهذا أمر لا بُعد في إرادته من المتن.
(2) لإطلاق ما دلّ على جواز التيمّم بالأرض والتراب (3)لعدم تقييدهما باليبوسة والجفاف ، نعم ورد في صحيحة رفاعة : « فانظر أجف موضع تجده فتيمّم منه » (4)إلاّ
[1107] مسألة 12 : إذا تيمّم بما يعتقد جواز التيمّم به فبان خلافه بطل (1) وإن صلّى به بطلت ووجبت الإعادة أو القضاء ، وكذا لو اعتقد أنّه من المرتبة المتقدّمة فبان أنّه من المتأخرة مع كون المتقدّمة وظيفته.
[1108] مسألة 13 : المناط في الطين الّذي من المرتبة الثّالثة كونه على وجه يلصق باليد (1)(2) ولذا عبّر بعضهم عنه بالوَحَل ، فمع عدم لصوقه يكون من المرتبة الأُولى ظاهراً وإن كان الأحوط تقديم اليابس والنديّ عليه.
أنّ الصحيحة أجنبية عمّا نحن فيه ، لأنّ موردها ما إذا لم يوجد التراب ولا الرمل وكانت الأرض مبتلة وكلّها طين ففي مثلها أمره بالتيمّم من أجف موضع يجده.
ولا بأس بالعمل بالصحيحة في موردها أي عند انحصار ما يتيمّم به بالطين وأمّا مع وجود التراب واختلافه باليبوسة والنداوة فمقتضى الإطلاق جواز التيمّم بما أراده وإن كانت الأرض ندية.
(1) لعدم الدليل على إجزاء التيمّم بما يعتقد جواز التيمّم به إذا لم يكن كذلك واقعاً ، كما لو اعتقد أن ما تيمّم به رمل فبان ملحاً. وكذلك الحال فيما إذا اعتقد أنّه من المرتبة المتقدمة فبان أنّه من المرتبة المتأخرة فيما إذا كانت وظيفته التيمّم بالمرتبة المتقدمة.
(2) لا دليل على هذا التحديد بل المدار على الصدق العرفي ، فمتى صدق أنّه طين لم يجز التيمّم به مع وجود التراب ، وهذا يختلف باختلاف الموارد ، فقد يصدق التراب
1) (*) بل المناط فيه الصدق العرفي.
مع البلل والرطوبة كما في التراب الموضوع في السراديب المبتل برطوبتها ، فإنّه تراب لدى العرف ولا يصدق عليه الطين وإن كان رطباً مبتلا. وقد لا يصدق الطين مع لصوقه باليد أيضاً كما لو كثر ماؤه وبلغ حد الدوغ فإنّه ليس طيناً لدى العرف. فليس المدار في الطين على لصوقه باليد ، بل بالمدار على الصدق العرفي كما مرّ.
ثمّ إنّه إذا علم أنّه تراب أو طين فهو ، وأمّا إذا شكّ في ذلك فإن كانت الشبهة موضوعية كما إذا لم يظهر أنّه تجاوز حدّ الطين وبلغ مرتبة الدوغ أو لم يتجاوز ، أو أنّه تجاوزت نداوة التراب وبلغ مرتبة الطين عرفاً أو لم يبلغ فلا مناص من الرجوع إلى استصحاب الحالة السابقة والعمل على طبقها ، لكونه مسبوقاً بالطينية أو بالحالة الترابية ونحوهما ويترتب عليهما آثارهما.
وأمّا إذا كانت الشبهة حكمية أي مفهومية فلا مجال للاستصحاب على مسلكنا بل لا بدّ من الرجوع إلى سائر الأُصول والقواعد الجارية في المقام ، ومقتضى العلم الإجمالي هو وجوب الجمع بين التيمّم بما يشك في كونه تراباً أو طيناً والصلاة في الوقت وبين التيمّم بما هو معلوم الترابية أو الطينية والصلاة خارج الوقت أو التوضؤ والصلاة إذا لم تكن وظيفته التيمّم.
وذلك لأن ما يشك في كونه تراباً من جهة وصوله المرتبة الطينية أو في الطين من جهة تجاوزه عن حدّه إن كان تراباً أو طيناً ووظيفته التيمّم به ، وجب عليه التيمّم به والصلاة في وقتها أداءً ، وإن لم يكن ممّا وظيفته التيمّم به فهو فاقد الطهورين ، وقد بيّنا أنّ وظيفته الصلاة خارج الوقت متوضئاً أو متيمماً على الوجه الصحيح. ومقتضى العلم الإجمالي هو الجمع بين الأداء والقضاء على النحو الّذي عرفت.
هذا فيما إذا لم يكن عنده ما هو معلوم الترابية أو الطينية ، وأمّا مع وجود التراب أو الطين المعلوم كونه كذلك فمقتضى القاعدة أن يتيمّم به ويأتي بالصلاة في وقتها أداء.
يشترط فيما يتيمّم به أن يكون طاهراً (1)
فصل في شرائط ما يتيمّم به
(1) كالماء في الوضوء. ويدلُّ على ذلك مضافاً إلى التسالم والإجماع قوله تعالى ( صَعِيداً طَيِّباً ) (1)فانّ الطيب بمعنى الطاهر والنظيف شرعاً ، للقطع بعدم اعتبار النظافة العرفية فيما يتيمّم به ، لوضوح أنّ التراب إذا لم يكن نظيفاً لدى العرف لوساخته جاز التيمّم به شرعاً بلا كلام.
وما دلّ على أنّ الأرض أو التراب أحد الطهورين ، وأنّ الأرض جعلت لي مسجداً وطهوراً (2)، فانّ الطهور يعني ما هو طاهر في نفسه ومطهر لغيره ، ومعه لا بدّ من كون ما يتيمّم به طاهراً في نفسه.
نعم هذا فيما إذا كان ما يتيمّم به أرضاً أو تراباً ، وأمّا في الغبار الموجود في الثوب النجس فمقتضى إطلاق ما دلّ على جواز التيمّم بالمغبر (3)عدم اعتبار النظافة الشرعية في الثوب ، إذ لم يقم على اعتبارها فيه دليل وإن كان الغبار كالعارض على الثوب ، لاختصاص الدليل بالأرض والتراب ، وإن كان الاحتياط بالتيمّم به والصلاة في الوقت مع التيمّم بالطاهر والصلاة خارج الوقت أو الوضوء وإتيانها خارج الوقت حسناً وفي
فلو كان نجساً بطل (1)وإن كان جاهلاً بنجاسته أو ناسياً (1)، وإن لم يكن عنده من المرتبة المتقدمة إلاّ النجس ينتقل إلى اللاّحقة ، وإن لم يكن من اللاّحقة أيضاً إلاّ النجس كان فاقد الطهورين ويلحقه حكمه.
ويشترط أيضاً عدم خلطه بما لا يجوز التيمّم به كما مرّ.
ويشترط أيضاً إباحته وإباحة مكانه (2) والفضاء (2)الّذي يتيمّم فيه (3) ومكان المتيمم (3)(4)
محلِّه إذا لم يكن عنده مغبر طاهر ، وإلاّ يتيمّم به ويصلِّي في وقتها أداءً.
(1) لعدم صحّة التيمّم بالنجس واقعا.
(2) لأنّه مع حرمة ما يتيمّم به ومبغوضيته يكون التيمّم به مبغوضاً محرماً ، والحرام لا يمكن أن يقع مصداقاً للواجب. وكذلك الحال فيما إذا كان مكانه محرماً ، لأنّ التيمّم بالضرب على المتيمم به تصرف فيه ، ومع حرمته لا يقع مصداقاً للتيمم المأمور به.
(3) لأنّ التيمّم يعتبر فيه الضرب وهو تصرف في الفضاء ، ولا يكفي فيه مجرّد وضع اليد على ما يتيمّم به كما لا يخفى.
(4) لا دليل على إباحة مكان المتيمم بعد إباحة نفس ما يتيمّم به ومكان التيمّم وفضائه ، لأنّه أمر خارج عن التيمّم ولا يسري حرمته إلى المأمور به بوجه.
فيبطل مع غصبية أحد هذه مع العلم والعمد ، نعم لا يبطل مع الجهل (1)والنسيان (1).
(1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :
أحدهما : في صورة الجهل بغصبية إحدى هذه المذكورات.
ثانيهما : في صورة نسيان الحرمة أو الغصبية في المذكورات.
المقام الأوّل : وقد أشبعنا الكلام فيه في مباحث الوضوء (2)وقلنا إنّ المشهور هو صحّة الوضوء بالماء المغصوب عند الجهل به. إلاّ أنّ الصحيح عدم الفرق في بطلان الوضوء من الماء المغصوب بين العلم والجهل به ، وذلك لأنّ الوجه في البطلان عند العلم به ليس هو كون التصرف موجباً لاستحقاق العقاب عليه حتّى يتوهّم صحّته فيما إذا لم يكن التصرف فيه موجباً لاستحقاق العقاب للجهل بحرمته أو غصبيته ، بل الوجه في بطلانه أنّه تصرف مبغوض لدى الشارع والمبغوض لا يقع مصداقاً للواجب.
ومن الظاهر أنّ الجهل لا يوجب سقوط الحرمة الواقعية ، وإنّما هو مسوغ للتصرف ظاهراً لأنّه عذر حال الجهل ، ومع بقاء الحرمة الواقعية والمبغوضية الواقعية كيف يكون العمل مصداقاً للواجب والمأمور به.
وبعبارة اخرى : ليس أمثال تلك الصورة من موارد اجتماع الأمر والنهي ليحكم بصحّتها عند الجهل بالحرمة لصدوره على وجه غير مستحق للعقاب ، بل هي من موارد النهي عن العبادة ، وحيث إنّها مبغوضة واقعاً عند الجهل بحرمتها فلا مناص من الحكم ببطلانها ولو مع الجهل بالحال ، لأنّ المبغوض والمحرم لا يقع مصداقاً للمأمور به ، والتخصيص واقعي.
نعم ادعوا الإجماع على صحّة الوضوء مع الجهل بالغصبية. وقد أجبنا عنه في
[1109] مسألة 1 : إذا كان التراب أو نحوه في آنية الذهب أو الفضّة فتيمّم به مع العلم والعمد بطل (1)لأنّه يُعَدُّ استعمالاً لهما عرفا (1).
محلِّه (2)بأنّ الإجماع المذكور ليس تعبّدياً ، وإنّما هو مستند إلى الوجه العقلي وهو تخيل أنّ البطلان لدى العلم بالحرمة إنّما هو لأجل صدور العمل مستحقاً للعقاب عليه وقد عرفت بطلانه.
المقام الثّاني : وهو صورة النسيان. ويفرق فيها بين كون الناسي نفس الغاصب وبين كونه غيره.
فإذا كان الناسي غير الغاصب كما لو غصب غاصب داراً فتيمّم شخص آخر بترابها ناسياً كون الدار مغصوبة فنلتزم فيه بالصحّة ، كما قد التزمنا بها في الوضوء (3)لأنّ النسيان موجب لرفع الحرمة وسقوطها واقعاً ، لعدم إمكان نهيه وتوجيه التكليف إليه ، فيصدر العمل من الناسي غير محرم ولا مبغوض ، ومعه لا مانع من أن يقع مصداقاً للمأمور به ومقرباً من المولى.
وأمّا إذا كان الناسي نفس الغاصب فالحرمة وإن كانت ساقطة حينئذ ، لعدم إمكان توجيه الخطاب نحو الناسي إلاّ أنّه عمل يعاقب على فعله ، فإنّه وإن لم يمكن نهيه عنه إلاّ أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، وحيث إنّه مستند إلى سوء اختياره لأنّه غصبه ولم يرده إلى مالكه فوقع فيما وقع فيه فيحكم ببطلان وضوئه وتيممه.
ومن هنا يظهر الإشكال فيما ذكره الماتن قدسسره من التسوية بين صورتي الجهل والنسيان وحكمه بالصحّة في الناسي مطلقاً.
(1) بعد البناء على حرمة التصرف في آنيتهما ولو بالتيمّم بما فيهما من التراب
[1110] مسألة 2 : إذا كان عنده ترابان مثلاً أحدهما نجس يتيمّم بهما (1) كما أنّه إذا اشتبه التراب بغيره يتيمّم بهما ، وأمّا إذا اشتبه المباح بالمغصوب اجتنب عنهما (2). ومع الانحصار انتقل إلى المرتبة اللاّحقة ، ومع فقدها يكون فاقد الطهورين (1)كما إذا انحصر في المغصوب المعين.
تندرج المسألة في الفرع المتقدم ويأتي فيها ما قدمناه هناك ، فيحكم بالبطلان في صورتي العلم والجهل ، ويفرق في صورة النسيان بين كونه لا بسوء الاختيار كما لو كانت الآنية لغيره فتيمم هو بما فيها من التراب نسياناً فيحكم بصحّته ، وبين كونه بسوء الاختيار كما لو اشتراها للاستعمال واستعملها في التيمّم نسياناً فيحكم ببطلانه.
(1) وإن كان أحد التيممين باطلاً ، ولا ينتقل معه إلى المرتبة اللاّحقة بوجه ، لوجود التراب الطاهر وتمكّنه من التيمّم به على الفرض.
(2) الصحيح في هذه المسألة أن كل واحد من الترابين من موارد دوران الأمر بين المحذورين ، لأنّه إن كان مغصوباً فهو يحرم التصرف فيه لتمكّن المكلّف من تركه ومعه تتنجز الحرمة في حقّه ، كما أنّه إذا كان هو المباح فهو يجب التيمّم به لتمكّن المكلّف من التيمّم بالتراب المباح ، غاية الأمر أنّه لا يتمكّن من إحراز أنّه التيمّم الواجب أو الحرام.
إلاّ أنّه يتمكّن من التيمّم بكل منهما فيقطع بامتثال الواجب كما يقطع بارتكاب الحرام ، وحيث إنّ المخالفة القطعية غير جائزة ولا يتمكّن المكلّف من الموافقة القطعية كما لا يتمكّن من المخالفة القطعية فينتقل الأمر إلى الموافقة والمخالفة الاحتماليتين.
إذن لا بدّ من الحكم بتخيير المكلّف بين التيمّم بهذا التراب أو بذاك ، لأنّه موافقة
1) (*) لا يبعد وجوب التيمّم بأحد الترابين حينئذ.
للتكليف الوجوبي احتمالاً ومخالفة للتكليف التحريمي احتمالاً.
ومن هذا يظهر ما في كلام الماتن قدسسره من جعل المكلّف فاقد الطهورين عند فقد المرتبة اللاّحقة وتنظير المقام بما إذا انحصر المغصوب في المعين ، حيث ظهر أنّ المكلّف واجد للطهور ومتمكّن من استعماله واقعاً غير أنّه ليس قادراً على التمييز فليست وظيفته وظيفة فاقد الطهورين ، كما أنّ المقام مغاير لصورة انحصار المغصوب في المعين ، لأنّ المكلّف في تلك الصورة ليس قادراً على التيمّم كما أنّه غير متمكّن من الوضوء أو الغسل فيدخل في موضوع فاقد الطهورين.
إذن لا يمكن قياس المقام بصورة انحصار ما يتيمّم به في المغصوب المعين بوجه بتخيل أنّ العلم الإجمالي بالغصبية مثل العلم التفصيلي بها ، وذلك لما عرفت من تمكّن المكلّف من كلا التكليفين التحريمي والوجوبي غير أنّه ليس قادراً على التمييز فالمقام من دوران الأمر بين المحذورين ووظيفة المكلّف هو التخيير فيختار أحد الترابين ويتيمّم به.
وتوضيح ما ذكرناه في المقام هو أنّ قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ... ) (1)والأخبار الواردة في التيمّم الدالّة على أنّه إذا وجد تراباً يتيمّم به أو طيناً يتيمّم به (2)يدل على أنّ الوضوء والتيمّم اعتبر فيهما الوجدان أي وجدان الماء والتراب ونحوه.
والوجدان بمعنى ( يافتن ) قد أُخذ في مفهومه الإحراز ، ومعه لا بدّ من أن يكون المكلّف المأمور بالوضوء أو بالتيمّم محرزاً بأنّه قد توضأ بالماء أو تيمّم بالتراب الحائز للشروط من الإباحة والطّهارة ونحوهما.
فإذا فرضنا أنّ أحد الماءين مغصوب أو أحد الترابين مغصوب والمرتبة الثّانية من التيمّم ميسورة لم يتمكّن المكلّف من إحراز أنّه توضأ أو تيمّم بالماء أو التراب المباح
لأن إحراز الامتثال يتوقف على الوضوء بكلا الماءين أو التيمّم بكلا الترابين وهو غير سائغ ، لاستلزامه المخالفة القطعية لحرمة الغصب ، فالامتثال القطعي والإحرازي غير ممكن.
والموافقة الاحتمالية بالوضوء أو التيمّم بأحدهما غير مفيدة ، لاعتبار إحراز الوضوء بالماء أو التيمّم بالتراب ، ولا يحرز ذلك بالوضوء بأحد الماءين أو بالتيمّم بأحد الترابين لاحتمال أن يكون ما امتثل به هو المغصوب.
ومجرد المصادفة الواقعية وكون ما امتثل به مباحاً ليس كافياً في إحراز الامتثال ومعه ينتقل الأمر إلى المرتبة الثانية من التيمّم أو إلى الثالثة وهو التيمّم بالطين ونحوه. ولا دليل على كفاية الامتثال الاحتمالي حينئذ ، لتمكّنه من المرتبة الثّانية واعتبار الإحراز في مفهوم الوجدان ، هذا.
على أنّ المورد ليس من موارد التنزل إلى الموافقة الاحتمالية ، وذلك لاستصحاب عدم التوضي بالماء المباح أو عدم التيمّم بالتراب المباح ، ومعه لا مناص من الانتقال إلى المرتبة الثّانية وإن كان المكلّف عالماً بوجود الماء المباح أو التراب المباح في البين إلاّ أنّه لعدم تمكّنه من الإحراز يصدق أنّه ليس واجداً لهما ، لما تقدم من اعتبار الإحراز في مفهوم الوجدان ، فلا مناص من الانتقال إلى المرتبة المتأخّرة كما مرّ.
وأمّا إذا لم تكن هناك مرتبة أخيرة للتيمم أو فرضنا العلم الإجمالي في المرتبة الأخيرة فلا يأتي حينئذ ما قدّمناه من اعتبار الإحراز في الامتثال والتوضؤ بالماء المباح أو التيمّم بالتراب المباح ، بل المورد مورد التمسّك بإطلاقات وجوب الصلاة وأنّها ( كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ) (1)وأنّها المائزة بين الكفّار والمسلمين (2)وقوله عليهالسلام « إذا زالت الشمس فقد وجبت الصلاتان » (3)وغير ذلك من المطلقات فان مقتضاها وجوب الصلاة ، وهي مشروطة بالطهور ، وحيث لا يمكن امتثال الأمر
بالصلاة المشروطة بالطهور امتثالاً جزمياً لاستلزامه المخالفة القطعية فالعقل يستقل بالتنزل إلى الامتثال الاحتمالي وإلغاء استصحاب عدم الوضوء بالماء المباح أو عدم التيمّم بالتراب المباح.
وذلك لدوران الأمر بين المحذورين ، لأنّ المكلف حيث يتمكّن من الطهور بالمباح يتنجز في حقّه الأمر بالصلاة مع الماء أو التراب ، وبما أنّه متمكّن من امتثال النهي عن الغصب يتنجز في حقّه تحريم الغصب. والأوّل يقتضي الوضوء أو التيمّم بكلا الطرفين تحصيلاً للعلم بالفراغ ، والثّاني يقتضي التجنّب عن كليهما تحصيلاً للعلم بامتثال النهي عن الغصب ، وحيث إنّ كلاًّ من الطرفين يحتمل فيه الوجوب والحرمة ولا يمكن الاحتياط فهو من دوران الأمر بين المحذورين والوظيفة حينئذ لدى العقل هي التخيير والتنزل إلى الامتثال الاحتمالي ، فان مقتضى قاعدة الاشتغال هو وجوب الامتثال القطعي وحيث إنّه أمر غير ممكن في المقام يتنزل إلى الامتثال الاحتمالي كما قدّمناه ، هذا.
وقد يقال : إنّ المورد من موارد العلم الإجمالي ، لأنّ ذلك الطرف الّذي يتوضأ أو يتيمّم به إن كان مباحاً وجب عليه الإتيان بالصلاة في وقتها مع الماء أو التراب ، وإن كان مغصوباً وجب عليه القضاء خارج الوقت لكونه فاقد الطهورين حينئذ ، ومقتضى العلم الإجمالي لزوم الجمع بين الأمرين فلا بدّ من أن يتوضأ أو يتيمّم بواحد منهما ويصلِّي في الوقت ثمّ يقضي صلاته خارج الوقت مع الماء المباح أو التراب المباح.
ويدفعه : أنّ العلم الإجمالي إنّما يتنجز فيما إذا جرت الأُصول في أطرافه وتساقطت بالمعارضة ، وليس الأمر في المقام كذلك ، وذلك لأنّه في الوقت لا بدّ من الوضوء أو التيمّم بأحد الماءين أو الترابين أي الموافقة الاحتمالية بمقتضى قاعدة الاشتغال وأمّا القضاء فحيث نشك في موضوعه وهو الفوت فنرجع إلى البراءة عنه ، لأنّ القضاء بأمر جديد.
وعليه فالصحيح ما ذكرناه من تخيير المكلّف بين التيمّم بأحد الترابين أو الوضوء بأحد الماءين لأنّه من دوران الأمر بين المحذورين.
[1111] مسألة 3 : إذا كان عنده ماء وتراب وعلم بغصبية أحدهما لا يجوز الوضوء ولا التيمّم (1)ومع الانحصار يكون فاقد الطهورين (1).
(1) ظهر حكم هذه المسألة ممّا بيّناه في المسألة المتقدمة ، وتفصيله : أنّه إذا علم بغصبية ما عنده من الماء أو التراب لم يجز له التصرف في شيء منهما إذا كان عنده ماء أو تراب آخر ، للعلم الإجمالي بحرمة التصرف في أحدهما.
وأمّا إذا انحصر الماء أو التراب بهما فقد ذكر الماتن أنّ المكلّف يكون فاقد الطهورين حينئذ.
إلاّ أنّ الصحيح أن يقال : إنّ التراب الواقع طرفاً للعلم الإجمالي بالغصبية إمّا أن لا يكون له أثر آخر غير جواز التيمّم به ، لأنّه في مكان مرتفع أو منخفض مثلاً لا يجوز السجود عليه ، أو أنّ المالك لا يرضى إلاّ بالتيمّم به. أو يكون له أثر آخر غير جواز التيمّم به كجواز السجود عليه.
أمّا إذا لم يكن له أثر آخر فالعلم الإجمالي بالغصبية لا يكون منجزاً ، لجريان أصالة الحل في الماء من دون معارض ، لأنّ جريانها في التراب متوقف على عدم جريانها في الماء ، حيث إنّها لو جرت في الماء لم تصل النوبة إلى جواز التيمّم بالتراب لأنّ المكلّف واجد للماء حينئذ ولعله ظاهر.
وأمّا إذا كان له أثر آخر كما مرّ فالعلم الإجمالي منجز والأصل في طرفيه متعارض ، وليس له التصرف فيهما لاستلزامه المخالفة القطعية لحرمة الغصب ، إذن لا تمكنه الموافقة القطعية بأن يتوضأ بالماء ويتيمّم بالتراب حتّى يقطع بطهارته الصحيحة ، لأنّها كما عرفت مستلزمة للمخالفة القطعية. إذن لا بدّ له من أن يكتفي
1) (*) لا يبعد وجوب الوضوء لأنّه من دوران الأمر بين المحذورين في كل من الوضوء والتيمّم فيحكم بالتخيير ، وإذا جاز الوضوء لم ينتقل الأمر إلى التيمّم.
وأمّا لو علم نجاسة أحدهما (1)
بالامتثال الاحتمالي ، لقدرته على الإتيان بالطّهارة الصحيحة إلاّ أنّه لا يميّز أنّها الوضوء بالماء أو التيمّم بالتراب ، فالتكليف بالصلاة مع الطّهارة منجز في حقّه وهو يقتضي الامتثال اليقيني ، إلاّ أنّه لمّا لم يكن ممكناً له فيتنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالي لأنّه الّذي يتمكّن المكلّف منه وحسب.
إذن يتخير بين الوضوء بالماء أو التيمّم بالتراب كما في المسألة السابقة ، لدوران الأمر بين المحذورين في كل منهما ، لأنّ الماء إن كان مباحاً فالوضوء واجب وإن كان مغصوباً فهو حرام ، وهكذا الحال في التراب فالمكلف مخير بينهما.
إلاّ أنّ في المقام خصوصية زائدة على المسألة السابقة وهي أنّ التيمّم في مرتبة متأخرة عن الوضوء ، فإذا تخيّر المكلّف بين الوضوء والتيمّم وجاز له الوضوء لم يجز في حقّه التيمّم لأنّه واجد الماء ، وهذا بخلاف المسألة السابقة أي العلم بغصبية أحد الماءين أو أحد الترابين.
(1) ذكر قدسسره أنّه مع الانحصار يجب الجمع بين الوضوء والتيمّم. وما أفاده هو الصحيح ، للعلم الإجمالي بنجاسة الماء أو التراب والعلم الإجمالي بوجوب الوضوء أو التيمّم ، وحيث إنّ للتراب أثراً آخر غير جواز التيمّم به فأصالة الطّهارة في كل من الماء والتراب معارضة بمثلها ، ومقتضى ذلك وجوب الجمع بين الوضوء والتيمّم.
إلاّ أنّه لا بدّ من تقديم التيمّم على الوضوء بالماء بناءً على ما سيجيء من ذهاب جمع إلى اعتبار طهارة الكفين والوجه في التيمّم ، وذلك لأنّه لو قدم الوضوء لعلم ببطلان تيممه على كل حال ، لأنّه إن كان الماء هو النجس فوضوءه باطل ، وهو مأمور بالتيمّم والتراب طاهر إلاّ أن تيممه باطل لتنجس أعضائه. وإن كان الماء
أو كون أحدهما مضافاً (1) يجب عليه مع الانحصار الجمع بين الوضوء والتيمّم (1)وصحّت صلاته.
[1112] مسألة 4 : التراب المشكوك كونه نجساً يجوز التيمّم به (2) إلاّ مع كون حالته السابقة النجاسة (3).
طاهراً فهو مكلّف بالوضوء دون التيمّم ، على أنّ التراب نجس.
وعلى كلا التقديرين يقطع ببطلان تيممه ، فلا بدّ من أن يقدم التيمّم ويذهب أثر التراب كلّه من وجهه ويديه ثمّ يتوضأ فيقطع بكونه على طهور حينئذ ، إمّا بالتراب إن كان هو الطاهر ، وإمّا بالماء إن كان الطاهر هو الماء. ولا يضرّه العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما ، لأن ملاقي أطراف الشبهة غير محكوم بالنجاسة فتصح صلاته.
(1) كما إذا علم بأنّه إمّا أن يكون الماء ماء رمان أو أنّ التراب تراب حنطة مثلاً فلا بدّ من الجمع بين الوضوء والتيمّم ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون للتراب أثر آخر غير جواز التيمّم به أم لم يكن.
وهذا بخلاف صورة العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما ، لأنّه مع عدم كون التراب ذا أثر آخر غير جواز التيمّم لا يكون العلم الإجمالي منجزاً ، لجريان أصالة الطّهارة في الماء من غير معارض.
وهذا بخلاف صورة العلم الإجمالي بالإضافة ، إذ ليس هناك أي أصل ينفي إضافة الماء أو التراب ، فالعلم الإجمالي حينئذ منجز على كل حال.
(2) لأصالة الطّهارة أو لاستصحابها.
(3) أو كان مشكوكاً حتّى من جهة الحالة السابقة إلاّ أن أصالة الطّهارة لم تجر فيه
1) (*) مع تقديم التيمّم في فرض العلم بالنجاسة بناءً على اعتبار طهارة البدن في صحّته.
[1113] مسألة 5 : لا يجوز التيمّم بما يشك في كونه تراباً أو غيره ممّا لا يتيمّم به كما مرّ ، فينتقل إلى المرتبة اللاّحقة إن كانت ، وإلاّ فالأحوط الجمع بين التيمّم به (1)والصلاة ثمّ القضاء خارج الوقت أيضا (1).
لكونه طرفاً للعلم الإجمالي ، فمراد الماتن قدسسره ما إذا لم تجر فيه أصالة تقتضي طهارته إمّا لأن حالته السابقة هي النجاسة أو لأنّه طرف للعلم الإجمالي ، فينحصر المقصود بما إذا كان مشكوكاً بالشك البدوي من دون أن تكون حالته السابقة هي النجاسة.
(1) قد يفرض الكلام فيما إذا كانت الشبهة مفهومية ، وأُخرى فيما إذا كانت موضوعية.
أمّا إذا شكّ من جهة الشبهة المفهومية فمقتضى القاعدة على ما فصّلناه سابقاً جواز الاكتفاء بما يشك في كونه تراباً ، وذلك للعلم بتعلّق التكليف بالجامع بينه وبين التراب ، وإنّما الشك في توجّه التكليف بالأمر الزائد عن الجامع وهو خصوصية الترابية فالتكليف مردّد بين المطلق والمقيد فيؤخذ بالمطلق ويدفع احتمال الخصوصية والتقييد بالبراءة ، فينتج جواز الاكتفاء بما يشك في كونه تراباً من جهة الشبهة المفهومية.
هذا فيما إذا كان هناك فرد آخر معلوم الترابية ، وأمّا إذا كان منحصراً بالمشكوك فيه فهل ينتقل أمره إلى المرتبة اللاّحقة ولو نظراً إلى أنّه ليس هناك فرد آخر غير المشكوك فيه ليعلم تعلق التكليف بالجامع بينهما ويشك في الخصوصية الزائدة لتدفع بالبراءة ويؤخذ بالتكليف بالجامع ، أو أنّه يكتفي بالتيمّم المشكوك فيه؟
الصحيح هو الثّاني ، وذلك لأنّ موضوع الحكم بالانتقال إلى المرتبة المتأخرة هو غير الواجد للمرتبة الاولى ، والمشكوك ترابيته إذا حكمنا بكفاية التيمّم أو السجود
1) (*) على الأحوط الأولى.
عليه وعدم الحاجة إلى التراب عند عدم الانحصار بالمشكوك فيه يكفي عند الانحصار به أيضاً ، ومع وجوده لا ينتقل إلى المرتبة اللاّحقة ، إذ لا يصدق حينئذ عدم وجدان ما يكفي في المرتبة الأُولى ، لأنّ المشكوك فيه ممّا يكفي في المرتبة الأُولى بحيث لم يكن معه احتياج إلى التيمّم بالتراب ، فلا يصدق مع وجوده أنّ المكلّف غير واجد لما يكفيه في المرتبة الاولى فلا ينتقل الأمر إلى المرتبة اللاّحقة بوجه ، هذا.
إلاّ أنّ الشبهة المفهومية غير مرادة للماتن قدسسره في المقام ، وإنّما غرضه الشبهة الموضوعية كما يأتي بيانها.
وأمّا إذا كانت الشبهة موضوعية كما إذا شكّ في أنّ الموجود تراب أم رماد فإن كانت هناك مرتبة لاحقة لم يجز للمكلّف أن يكتفي بما يشك في كونه تراباً ، وذلك لأن من شرط صحّة التيمّم أن يقع على التراب في المرتبة السابقة.
ومقتضى العلم بهذا التكليف الخروج عن عهدته بالامتثال القطعي ، ومع الشك في الترابية حيث لا يحرز صحّة التيمّم لا يمكن للمكلّف أن يقتنع بالتيمّم به ، ولما قدّمناه من أنّ التكليف بالوضوء والتيمّم قد أُخذ فيه الوجدان أي وجدان الماء أو وجدان التراب أو الغبار أو الطين على الترتيب والوجدان قد أُخذ في مفهومه الإحراز ، وهذا إنّما يتحقق فيما إذا أمكنه إحراز أن ما تيمّم به تراب ولا يتحقق مع الشك كما في المقام.
على أنا لو سلمنا أنّ الحكم مترتب على وجود التراب لا على وجدانه كفانا في المقام استصحاب عدم وجود التراب على نحو مفاد كان التامة.
وأمّا لو بنينا على أنّ الموضوع للحكم هو وجود التراب على نحو مفاد كان الناقصة كما هو الظاهر من الأخبار أي أن يكون هناك شيء متصف بالترابية فلا مناص من الرجوع إلى استصحاب عدم اتصاف الموجود بالترابية على نحو استصحاب العدم الأزلي ، فإذا لم يكن الموجود متصفاً بالترابية انتقل الأمر إلى المرتبة اللاّحقة لا محالة.
وأمّا لو لم تكن هناك مرتبة لاحقة فهل يجب عليه أن يتيمّم بما يشك في ترابيته أو أنّه مأمور بالصلاة خارج الوقت قضاءً لأنّه فاقد الطهورين ، أو أنّه يجب الجمع بين
الصلاة بالتيمّم بالمشكوك فيه في الوقت وبين الصلاة خارج الوقت قضاءً؟
ذكر الماتن قدسسره أنّ الأحوط هو الجمع ، نظراً إلى العلم الإجمالي بأنّ الموجود إمّا أنّه تراب أو غبار أو طين فالواجب عليه أن يصلِّي في الوقت بالتيمّم به أو أنّه شيء غيرها فهو فاقد الطهورين والواجب عليه هو الصلاة خارج الوقت قضاء.
وما أفاده قدسسره من الاحتياط أمر لا إشكال في حسنه ، إلاّ أنّ الظاهر عدم لزومه ووجوبه ، لما قدّمناه من استصحاب عدم وجود التراب أو استصحاب عدم اتصاف الموجود بالترابية ، وبهذا يثبت أنّه فاقد الطهورين ولا بدّ أن يصلِّي خارج الوقت قضاءً وحسب.
ودعوى أنّ مقتضى قاعدة الاشتغال وحكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالامتثال اليقيني إن أمكن وإلاّ فبالامتثال الاحتمالي هو الإتيان بالصلاة بالتيمّم بالمشكوك فيه في الوقت مع القضاء خارج الوقت ، مندفعة بأنّ حكم العقل بالتنزل إلى الامتثال الاحتمالي إنّما هو فيما إذا كان التكليف متنجزاً على المكلّف حينئذ ، كما إذا علم بغصبية أحد الماءين أو الترابين كما مرّ ، لأن كل واحد منهما إمّا أن يكون مباحاً فالتطهير به واجب أو يكون مغصوباً فالتصرف فيه حرام. وبما أنّه متمكِّن من كل منهما في نفسه فكل واحد من التكليفين متنجز في حقّه ، وبما أنّه ليس متمكّناً من الامتثال اليقيني يتنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالي كما بيّناه.
وهذا بخلاف المقام ، لأنّ التكليف بالتيمّم بالمشكوك فيه ليس محرزاً في نفسه لاحتمال عدم كونه تراباً أو غباراً أو طيناً وكونه فاقد الطهورين الّذي تجب الصلاة عليه في خارج الوقت. ومقتضى استصحاب عدم وجود التراب أو عدم اتّصاف الموجود بالترابية أنّه فاقد الطهورين فلا يجب عليه التيمّم بالمشكوك فيه في الوقت بل تجب الصلاة عليه خارج الوقت قضاء.
[1114] مسألة 6 : المحبوس في مكان مغصوب يجوز أن يتيمّم فيه على إشكال لأنّ هذا المقدار لا يعد تصرفاً زائداً (1)
(1) قد بيّنا أن حلية ما يتيمّم به من الشرائط المعتبرة في صحّته ، ومقتضى ذلك بطلان التيمّم في المكان المغصوب. إلاّ أنّه محكوم بصحّته لأجل الاضطرار ، إذ التصرف في المغصوب وإن كان محرماً إلاّ أنّه ما من شيء حرّمه اللّه إلاّ وقد أحلّه عند الضرورة (1).
هذا من جهة أنّ كون التيمّم في المكان المغصوب استيلاء على مال الغير ، وهو غصب محرم في نفسه ، وإنّما جاز له للاضطرار إليه لأنّه مضطر إلى الاستيلاء على مال الغير ، وكذلك مضطر إلى التصرف في الهواء بضرب اليدين.
فلا يرد أنّه بالحبس يسوغ له التصرف المضطر إليه لا الزائد عليه كالتيمم ، فإنّه لا تصرف في التيمّم إلاّ من حيث الاستيلاء على مال الغير والتصرف في فضائه والكون فيه ، وهذا مورد للاضطرار فيباح في حقّه.
وليس من جهة مسّ الأرض باليدين ، وذلك لعدم حرمته بوجه ، إمّا لأنّ التصرّف المنهي عنه في المغصوب منصرف لدى العرف عن مثل مسّ اليد للأرض ، ومن هنا لم يستشكل أحد في الاتكاء والاعتماد على حائط الغير أو ضرب اليد عليه. وإمّا لأنّ المقتضي للحرمة قاصر الشمول لمثله ، وذلك لأنّ التوقيع الّذي يشتمل على عنوان التصرّف أعني قوله عليهالسلام : « لا يحل لأحد أن يتصرّف في مال غيره ... » (2)ضعيف ، فإنّه مروي في الاحتجاج (3)الّذي رواياته مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها ، وإنّما
بل لو توضأ بالماء الّذي فيه وكان ممّا لا قيمة له يمكن أن يقال بجوازه ، والإشكال فيه أشدّ (1).
المعتبر هو الرواية المشتملة على قوله عليهالسلام « لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه » (1).
ومعنى عدم حلية المال أنّ الاستيلاء عليه عدواناً محرم ، وهو غير شامل لمثل ضرب اليد أو الاتكاء على المغصوب. فما أفاده في التيمّم في المكان المغصوب بالإضافة إلى المحبوس فيه ممّا لا غبار عليه.
(1) الحكم بصحّة الوضوء من الماء الموجود في المكان المغصوب إذا لم تكن له قيمة في نهاية الإشكال ، بل الظاهر عدم صحّته.
وذلك لأنّ التوضي منه إتلاف له على كل حال ، ولا يمكن فرض التوضي منه من دون أن يكون موجباً لإتلافه ، وإتلافه استيلاء على مال الغير إن كان له قيمة ، أو على ملك الغير إن لم يكن له قيمة ، وهو غصب محرم.
ولا تختص حرمته بما إذا كان المغصوب مالاً ، بل المستفاد من الرواية أنّ الاستيلاء على ما يرجع إلى الغير محرم بدون إذنه سواء أكان المغصوب مالاً أو ملكاً أو لم يكن هذا ولا ذاك بل كان متعلقاً لحق الاختصاص ، ومن ثمة لم يجز للغير أن يتصرف في حيوان غيره إذا مات لأنّه تعد وعدوان على الغير.
بل حرمته لا تحتاج إلى الرواية ، لكفاية السيرة العقلائية في إثبات الحرمة ، فإنّها قامت على عدّ التصرف والاستيلاء على مال الغير أو ملكه أو متعلق حقّه غصباً وتعدياً وعدواناً على الغير.
1) الوسائل 29 : 10 / أبواب القصاص ب 1 ح 3.
والأحوط الجمع فيه (1)بين الوضوء والتيمّم والصلاة ثمّ إعادتها أو قضاؤها بعد ذلك (1).
[1115] مسألة 7 : إذا لم يكن عنده من التراب أو غيره ممّا يتيمّم به ما يكفي لكفّيه معاً يكرّر الضرب حتّى يتحقق الضرب بتمام الكفين عليه (2).
فالوضوء من الماء في مفروض المسألة في غاية الإشكال بل الأظهر بطلانه.
(1) هذا الاحتياط ممّا لا سبيل إليه ، لأنّ التصرف في الماء إن جاز وساغ ولو في مرحلة الظاهر فلا تصل النوبة إلى التيمّم ، وإن لم يجز التصرّف فيه بالوضوء تعين التيمّم ولا سبيل إلى الوضوء. فالجمع بينهما ممّا لا وجه له.
(2) إذ لا دليل على اعتبار ضرب اليدين معاً عند عدم التمكّن منه ، بل مقتضى إطلاق الآية الكريمة ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) (2)والأخبار الآمرة بضرب اليدين على الأرض أو غيرها (3)عدم اعتبار كون ضرب اليدين معاً ، لأن ضرب اليدين أعم من أن يكون معاً أو متعاقبين. وكذلك الآية الكريمة فإنّها دلّت على اعتبار كون المسح منه ، ولا تدل على أن يكون الضرب معاً هذا.
وقد يقال : إنّ اعتبار المعية إنّما يستفاد من الأخبار الآمرة بضرب اليدين في التيمّم لأنّ الغالب المتعارف منه هو ضربهما معاً ، وهي سيقت لبيان المتعارف من الضرب.
وفيه : أنّه لا غلبة ولا تعارف في ضرب اليدين معاً بالإضافة إلى أزمنة صدور تلك الأخبار ، بل مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين ضربهما معاً أو متعاقباً.
وأُخرى يستدل على اعتبار المعية بالإجماع عليها. وهو على تقدير تحققه يقتصر فيه على القدر المتيقن ، لأنّه دليل لبي ، والمتيقن صورة التمكّن منه فلا يشمل صورة عدم التمكّن من الضرب معاً كما هو الحال في مفروض الكلام.
وثالثة يستدل بالأخبار البيانية الواردة في كيفية التيمّم (1)حيث دلّت على ضرب الكفين معاً على الأرض ، فإنّه لو كان على نحو التعاقب لاحتاج إلى البيان ولم يبيّن فيها كون الضرب متدرجاً.
وهذا الاستدلال وإن كان صحيحاً إلاّ أنّه يختص أيضاً بصورة التمكّن ، لأنّ الإمام والمبين له كلاهما في تلك الأخبار متمكّن منه ، هذا. على أن تلك الأخبار مشتملة على حكاية فعل ، والفعل ليس له لسان حتّى يدل على اعتبار ذلك على نحو الإطلاق والمقدار المتيقن منه هو صورة التمكّن منه لا محالة.
وبهذه الأخبار نقيد إطلاق الآية والأخبار المتقدمة ، وينتج ذلك اعتبار المعيّة عند التمكّن منها وعدم اعتبارها عند عدم التمكّن منها كما هو الحال في المقام ، ومعه لا حاجة إلى الاستدلال على كفاية الضرب متعاقباً بقاعدة الميسور ليرد عليه أنّها غير ثابتة الاعتبار. هذا كلّه في عدم اعتبار ضرب اليدين معاً.
وكذلك الحال فيما إذا لم يتمكّن إلاّ من ضربهما على الأرض بكيفية أُخرى ، بأن وقع نصف كل يد على التراب لإتمامها ، أو تمكن من تكرار الضرب أربع مرّات بأن ضرب كل واحدة من اليدين مرّتين مرّة بهذا النصف منها وأُخرى بنصفها الآخر ، فان مقتضى إطلاقات الضرب كفاية ذلك كلّه ، اللّهمّ إلاّ أن يكون متمكّناً من ضربهما معاً فيعتبر حينئذ ضربهما معاً بمقتضى الأخبار البيانية ، وأمّا في صورة عدم التمكّن فالإطلاقات محكمة.
1) الوسائل 3 : 358 / أبواب التيمّم ب 11.
وإن لم يمكن يكتفي بما يمكن ويأتي بالمرتبة المتأخّرة أيضاً إن كانت ويصلِّي ، وإن لم تكن فيكتفي به ويحتاط بالإعادة أو القضاء أيضا (1).
[1116] مسألة 8 : يستحب أن يكون على ما يتيمّم به غبار يعلق باليد (1)ويستحب أيضاً نفضها بعد الضرب (2).
نعم لو كان التراب قليلاً جدّاً بحيث احتاج ضرب مجموع الكف على الأرض إلى التعدّد كثيراً كما لو كان التراب بمقدار فلس واحد فلا تشمله إطلاقات الضرب.
(1) ما ذكره من الاحتياط في الاكتفاء بما يمكن والإتيان بالمرتبة المتأخرة ، وكذا في الإتيان بما يمكن والإعادة أو القضاء في محلِّه ، وهو مبني على قاعدة الميسور ، لأنّه يحتمل أن يكون الإتيان بما يمكنه واجباً بتلك القاعدة كما يحتمل الانتقال إلى المرتبة المتأخّرة لعدم كونه واجداً للمرتبة السابقة ، وكذا يحتمل وجوب الإتيان بما يمكنه بمقتضى قاعدة الميسور كما يحتمل وجوب الإعادة أو القضاء لعدم تمامية القاعدة حسبما أوضحناه في محلِّه (2).
(2) هنا مسألتان قد اختلطتا :
الاولى : أنّه لا إشكال ولا خلاف في أنّ التيمّم لا يعتبر فيه المسح على الوجه واليدين بالتراب وإنّما يعتبر فيه المسح باليد.
وهذه المسألة اتّفاقية وممّا لا شبهة فيها ، وممّا يؤذن باتّفاق أصحابنا ما عن العلاّمة
في المنتهي من أنّه لا يجب استعمال التراب في الأعضاء الممسوحة على ما ذكره علماؤنا ثمّ حكى الخلاف فيه عن الشافعي وأحمد (1)، وهذا ظاهر.
الثّانية : أنّه هل يعتبر في التيمّم أن يكون بما يعلق منه شيء باليد بأن يكون المسح بالأثر الباقي من التراب ونحوه في اليد بعد القطع بعدم اعتبار كون المسح بالتراب ، أو لا يعتبر؟.
المشهور عدم اعتبار العلوق. وعن جماعة كصاحب الحدائق (2)والبهائي ووالده (3)اعتبار العلوق في التيمّم.
وقد استدل على ذلك بأنّ الآية والأخبار الآمرة بالتيمّم وإن كانت مطلقة إلاّ أنّها منزلة على الغالب ، والغالب في التيمّم هو العلوق حتّى فيما إذا كان التيمّم بالحجر أو الرمل ، لأنّه على الأغلب يعلق الغبار منه باليد ، اللّهمّ إلاّ أن يكون التراب أو الرمل رطباً أو مع النداوة كما في أيّام الشتاء وأوقات نزول الأمطار عليه أو كان الهواء بارداً على نحو لم يكن عليها غبار ، وهو نادر جدّاً. إذن تدلّنا الآية والأخبار على اعتبار العلوق في التيمّم.
ويدفعه : أنّ الغالب وإن كان كذلك إلاّ أنّه لا وجه لحمل المطلق على الفرد الغالب بل مقتضى ظهور الآية والأخبار وإطلاقهما أنّ المعتبر إنّما هو المسح على الوجه واليدين ومجرد التيمّم بالصعيد الطيب سواء أكان فيه علوق أم لم يكن. فهذا الوجه ليس بتام.
على أنّا لو لو قطعنا النظر عن إطلاق الدليل يكفينا الأصل ، للشك في أنّ الصلاة هل يشترط فيها التيمّم بما فيه العلوق أو لا يشترط فيها إلاّ التيمّم على وجه الإطلاق؟ ومقتضى أصالة البراءة عدم اشتراط الصلاة بالتيمّم بما فيه العلوق ، لأنّ
المورد من موارد التمسّك بالبراءة دون الاشتغال.
إلاّ أنّ التمسّك بالإطلاق أو الأصل إنّما ينفع فيما إذا لم يقم هناك دليل على الاشتراط ، وإلاّ وجب تقييد المطلقات به ورفع اليد عن البراءة ، فلا بدّ من ملاحظة ما استدل به على اشتراط العلوق. وقد استدلّ عليه بوجوه : الوجوه المستدل بها على اعتبار العلوق
الوجه الأوّل : قوله تعالى ( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) (1)بضميمة صحيحة زرارة المشتملة على قوله عليهالسلام : لأنّ اللّه علم أنّ العلوق لا يكون في جميع الكف وإنّما يعلق ببعضها (2)فعبّر بكلمة « من » التبعيضية لتدل على أنّ التيمّم يكفي فيه المسح ببعض التراب ولا يعتبر فيه المسح بالكف المشتملة على التراب كلّها.
وفيه : ما قدّمناه من أنّ التراب اسم جنس يصدق على القليل والكثير ، ولا يصح أن يقال : إنّ ما في الكف بعض التراب. بل هو تراب لصدقه عليه من دون عناية ، فلا حاجة إلى جعل « من » تبعيضية.
فمعنى الصحيحة أمر آخر وهو أنّ المسح في التيمّم لا بدّ أن يكون منشؤه التراب والأرض ، فلفظة « من » بيانية ونشوية لا تبعيضية ، فلا دلالة في الصحيحة ولا في الآية المباركة على اعتبار كون التيمّم بما فيه العلوق.
ومن هنا يظهر الجواب عمّا اشتمل على الأمر بالمسح من الأرض كما في صحيحتي الحلبي وابن سنان (3)فلا نطيل.
وبعبارة اخرى : ذكرنا (4)أنّ التيمّم لا يعتبر فيه أن يكون المسح بالتراب ، وعليه
لا معنى لجعل « من » تبعيضية لتدل على اعتبار كون المسح ببعض التراب ، بل هي للبيان والنشوء من دون أن تدل على اعتبار العلوق.
الوجه الثّاني : الأخبار الواردة في أنّ التراب طهور كالماء (1)لدلالتها على أنّ التراب كالماء في لابدية المسح به ، أي كما أنّه لا بدّ في الماء أن يكون المسح به كذلك لا بدّ في التراب والتيمّم أن يكون المسح بأثر التراب الّذي علق باليد.
ويرد عليه : أنّ المسح بالتراب مباشرة بمعنى تمريغ الجسد في التراب كما في الماء مقطوع العدم كما مرّ ، لعدم [ اعتبار ] كون المسح بالتراب ، فيدور الأمر بين أن يراد به المسح باليد الّتي ضربت على التراب ومسته ، وهذا هو المراد. أو يراد به المسح بأثر التراب الّذي علق باليد ، وهو وإن لم يقم إجماع على خلافه كما في المسح بنفس التراب إلاّ أنّه مجرّد دعوى تحتاج إلى الدليل والبرهان ، ولم يقم عليه دليل.
الوجه الثّالث : الأخبار الآمرة بالنفض بعد الضرب (2)لدلالتها على أنّ التيمّم لا بدّ أن يكون واقعاً على ما يعلق منه شيء باليد ليزال عينه بالنفض بعد الضرب ويمسح بأثره.
وقد أُجيب عن ذلك تارة : بأنّ الأخبار المذكورة إنّما دلّت على النفض على تقدير أن يكون له موضوع في الخارج بأن يقع التيمّم اتّفاقاً على ما يعلق منه شيء باليد أي على تقدير تحقق موضوعه ، بمعنى أنّ المتبادر من الأمر بالنفض إرادته على تقدير حصول العلوق ، وحينئذ لا بدّ من النفض ، ولم تدل على لزوم النفض مطلقاً وعلى جميع التقادير حتّى يستفاد منها اعتبار كون ما يتيمّم به ممّا يعلق منه شيء باليد.
ويدفعه : أنّ الأمر بالنفض فيها متوجّه إلى عامّة المكلّفين ، ولا اختصاص فيها بجمع دون جمع أو شخص دون شخص. إذن لا بدّ أن يكون التيمّم واقعاً على ما يعلق منه شيء باليد ليتحقق موضوع النفض ولتزال العين بالنفض ويبقى أثره ليتمسح به.
وثانية : يورد على هذا الاستدلال بأنّه أخص من المدّعى ، لأنّ التيمّم قد يكون بالحجر أو الرمل ، ولا يعلق منهما شيء باليد ليصح الأمر بالنفض بأن يعلق منهما شيء باليد فيصح الأمر بإزالته والتمسح بأثره ، بل لو لصق منهما شيء باليد مثل الأجزاء الصغار من الرمل يزول بالنفض بالمرة ولا يبقى منه شيء بعد النفض ليكون المسح بأثره.
ويدفعه : ما أشرنا إليه من أنّ الغالب في جميع ما يصح التيمّم به هو العلوق ، إذ لا أقل من أن يكون على الحجر غبار يعلق باليد أو الأجزاء الصغار من الرمل فتزال عينه بالنفض ويتمسح بأثره ، والتيمّم بما لا علوق فيه أصلاً مثل التيمّم بالتراب أو الرمل الرطبين نادر كما عرفت.
وثالثة : يورد عليه بأنّ الأخبار الآمرة بالنفض محمولة على الاستحباب ، بمعنى أنّ النفض غير معتبر في التيمّم لزوماً بل هو أمر مستحب ، وللمكلّف أن يختار في التيمّم ما فيه علوق لينفض يده بعد الضرب. ومع الاستحباب لا يمكن الاستدلال بها على اعتبار العلوق ، لأنّه مع الاستحباب يحق للمكلّف أن يختار ما لا علوق فيه فلا يتحقق معه موضوع للنفض أصلاً.
ودعوى أنّ النفض وإن كان مستحبّاً في نفسه إلاّ أنّ الأمر به يدل على أنّ المتيمم به لا بدّ أن يكون ممّا فيه قابلية العلوق وإيجاد هذا المستحب ، وإن كان نفض اليدين بعد التيمّم به مستحباً ، مندفعة بأنّه مجرد دعوى لا مثبت لها ، إذ لا دلالة للأمر بالنفض المستحب على أن يكون المتيمم به ممّا فيه العلوق دائماً.
وهذا الجواب متين في نفسه ، إلاّ أنّ الكلام في وجه حمل الأخبار المعتبرة الآمرة به على الاستحباب ، وذلك لأنّه لا وجه له سوى الشهرة القائمة على عدم اعتبار العلوق في التيمّم ، ومع عدمه لا يبقى موضوع للنفض ، ومن ثمة حملوا الأوامر الواردة بالنفض أو الأخبار البيانية المشتملة على أنّه عليهالسلام نفض يديه (1)على الاستحباب.
1) الوسائل 3 : 392 / أبواب التيمّم ب 29.
وهذا أمر لا يصلح لرفع اليد بسببه عن ظواهر الأخبار المذكورة. إذن لا مناص من حملها على الوجوب لأن مقتضاها وجوب النفض ، ومعه لا يعتنى بالأخبار المطلقة غير المشتملة على النفض لوجوب تقييدها بالمقيّدات الآمرة بالنفض ، ومعه تدلّنا الأخبار الآمرة به على اعتبار العلوق في التيمّم.
نعم اعتبار العلوق فيه مختص بحال التمكّن منه ، فإذا لم يتمكّن من التيمّم بما فيه علوق لعدم وجوده يسقط اعتباره لا محالة ويكتفى بما ليس فيه علوق كالحجر ونحوه.
ويدلّنا عليه ما ورد في الأخبار المشتملة على الأمر بالنفض أو الأمر بالتيمّم على أجف موضع يجده (1)فتدلّنا هذه الأخبار على أنّ التيمّم بما فيه علوق كالتراب مختص بحال التمكّن دون ما إذا لم يتمكّن منه ، فإنّه يجوز حينئذ أن يتيمّم بالمكان الرطب أيضاً ومن هنا اكتفى القائل باعتبار العلوق بالتيمّم بالحجر ونحوه عند عدم التمكّن من التراب هذا.
ويمكن أن يورد على ما ذكرناه في المقام بأنّكم قد التزمتم في الإقامة وأمثالها ممّا ورد الأمر بها في غير واحد من الأخبار المعتبرة بالاستحباب ، نظراً إلى أن ذهاب الأصحاب فيها إلى الاستحباب قرينة واضحة على عدم إرادة الوجوب من الأخبار الآمرة بها ، حيث إنّها من المسائل عامّة البلوى ، ولو كانت واجبة لبان وجوبها واشتهر فتكون الشهرة على خلاف الوجوب في مثلها أقوى دليل على الاستحباب وعدم الوجوب.
وعليه لا بدّ في المقام من الالتزام بذلك ، لما تقدّم من أنّ الشهرة على خلاف الوجوب ، وحيث إنّها من المسائل عامّة البلوى فلا مناص من حمل الأخبار الآمرة بالنفض على الاستحباب ، لأنّه لو كان واجباً لبان واشتهر كما ذكرتم ذلك في غير واحد من المقامات ، ومعه لا يمكن الاستدلال بتلك الأخبار على اعتبار العلوق.
ويندفع هذا بأن ما ذكرناه في الإقامة إنّما هو لكون الأصحاب بأجمعهم ذاهبين إلى استحبابها ومصرِّحين بعدم وجوبها ، وفي مثل ذلك لمّا كانت المسألة عامّة البلوى
1) الوسائل 3 : 353 / أبواب التيمّم ب 9.
وكثيرة الابتلاء فلو كانت واجبة لم يكن يخفى على أحد فكيف بتصريحاتهم بعدم الوجوب.
وأين هذا من النفض الّذي اشتهر فيه عدم الوجوب ابتداءً من عصر المحقق ومن بعده ، ولا تصريح في كلمات المتقدمين عليه بالاستحباب بل كلماتهم ظاهرة في إرادة الوجوب من دون نصب قرينة على الاستحباب.
فهذا كتاب المقنع (1)والهداية (2)والمقنعة للمفيد (3)وشرحها للطوسي (4)والمراسم لسلار (5)والغنية لابن زهرة (6)كلّهم ذكروا اعتبار النفض في كيفية التيمّم من دون أن يصرحوا أو يشيروا إلى إرادة الاستحباب منه ، بل الحلبي في إشارة السبق صرّح بالوجوب (7)، نعم ذهب ابن حمزة (8)من القدماء إلى الاستحباب. فليس عدم الوجوب مشهوراً بين المتقدمين.
نعم ذكر الشيخ قدسسره اعتبار النفض في التيمّم ومسح كل واحدة من اليدين بالأُخرى (9)واعترض عليه المحقق (10)وصاحب المدارك (11)قدسسرهما بأنّه لا دليل على اعتبار مسح اليدين بعد النفض ، وهو كما أفاده. واحتمل صاحب الجواهر قدسسره أنّه أراد بذلك كون النفض بمسح إحداهما بالأُخرى (12)وهذا غير بعيد بل قريب.
[1117] مسألة 9 : يستحب أن يكون ما يتيمّم به من رُبَى الأرض وعواليها لبعدها عن النجاسة.
والمتلخص : أنّ الاستحباب في المسألة ليس بحيث يمكن إسناده إلى جميع الأصحاب نعم ادّعى العلاّمة في التذكرة إجماعهم على عدم الوجوب (1). إلاّ أنّه إجماع منقول وهو ممّا لا يعتمد عليه في نفسه ولا سيما في مثل المقام الّذي عرفت عدم تصريح القدماء به ، بل ظاهر كلماتهم هو الوجوب.
والعجب أنّهم مع ذلك نسبوا القول بالاستحباب إلى الأصحاب ، ولا أدري كيف صحّ لصاحب المدارك قدسسره دعوى : لا أجد في الاستحباب خلافاً بين الأصحاب (2). إذن لا يمكن قياس مقامنا بالإقامة. وما ذكرناه من الاحتياط في المسألة في محلِّه ، بل القول بوجوبه لا يخلو عن قوّة.
بقي الكلام في كيفيّة النفض. لم ترد في شيء من الروايات كيفية النفض المعتبر في التيمّم فكيفيته موكولة إلى العرف ، وما هو المعتاد في النفض لديهم هو المعتبر في التيمّم شرعاً ، وهو عندهم يتحقق بتحريك اليدين وبضرب إحداهما على الأُخرى.
نعم ورد في موثقة زرارة حكاية عن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله أنّه « ضرب بيديه على الأرض ثمّ ضرب إحداهما على الأُخرى ... » (3). إلاّ أنّها لا تدل على الكيفية المعتبرة في النفض ، فان مضمونها أنّه صلىاللّهعليهوآله نفض يديه وأنّ النفض يتحقق بضرب إحدى اليدين على الأُخرى ، وأمّا أنّه بأية كيفية فلا يكاد يستفاد من الموثقة بوجه.
[1118] مسألة 10 : يكره التيمّم بالأرض السبخة إذا لم يكن يعلوها الملح وإلاّ فلا يجوز ، وكذا يكره بالرمل ، وكذا بمهابط الأرض ، وكذا بتراب يوطأ وبتراب الطريق (1).
ويجب فيه أُمور :
الأوّل : ضرب باطن اليدين معاً دفعة على الأرض فلا يكفي الوضع بدون الضرب ولا الضرب بإحداهما ولا بهما على التعاقب ولا الضرب بظاهرهما حال الاختيار نعم حال الاضطرار يكفي الوضع (2)
(1) ما ذكره قدسسره من المستحبّات والمكروهات مبتنٍ على قاعدة التسامح فإنّه لم يدلّنا دليل معتبر على استحبابها أو كراهتها.
فصل في كيفيّة التيمّم
(2) تعرّض قدسسره للكيفيّة المعتبرة في التيمّم وذكر أنّه يعتبر فيها أُمور :
منها : ضرب اليدين على الأرض وعدم كفاية وضعهما عليها ، وهذا حمل للمطلقات على مقيداتها ، حيث ورد في بعض الأخبار أنّ رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله عند تعليمه التيمّم لعمار وضع يديه على الأرض (1)، وفي آخر وهو صحيحة زرارة أنّ أبا جعفر عليهالسلام وضع كفيه على الأرض (2).
وورد في جملة كثيرة من الأخبار الأمر بالضرب وأنّهم عليهمالسلام ضربوا
بكفيهم على الأرض (1). ومن الظاهر أنّ الوضع أعم من أن يتحقق بشدّة فيسمى ضرباً أو يكون بخفة حتّى لا يصدق عليه الضرب ، ولم يؤخذ في مفهوم الوضع اللّين مثلاً.
وذكرنا في أحكام الحائض أنّه يحرم عليها وضع شيء في المساجد (2)، ولا إشكال في عدم اختصاص الحرمة بما إذا وضعت في المسجد شيئاً بلين بل لو وضعته بشدّة فيحرم أيضاً.
إذن تكون النسبة بين الطائفتين هي الإطلاق والتقييد ، فإذا قيّدنا المطلقات صارت النتيجة أنّ المعتبر في التيمّم هو الوضع بشدّة أعني الضرب فلا يكفي فيه الوضع بلين.
نعم القدر المتيقن من هذا الحمل والتقييد إنّما هو صورة الاختيار ، وأمّا عند الاضطرار فالمطلقات محكمة ويكفي فيه الوضع بلين على ما يأتي بيانه.
ومنها : كون الضرب باليدين فلا يكفي الضرب باليد الواحدة ، ويدلُّ عليه الأخبار الواردة في المقام حيث صرّحت باعتبار كون الضرب باليدين (3).
نعم ورد في جملة من الأخبار ضرب اليد على الأرض ، إلاّ أنّها مقترنة بقرينة دالّة على أنّ المراد باليد هو الجنس الشامل لليد الواحدة والثنتين ، مثل ما عن الكاهلي قال : « سألته عن التيمّم ، قال : فضرب بيده على البساط فمسح بهما وجهه ثمّ مسح كفيه إحداهما على ظهر الأُخرى » (4)وهي مشتملة على إرجاع الضمير المثنى إلى اليد حيث قال : « فمسح بهما » وهو قرينة على أنّ المراد باليد هو الجنس الشامل لكلتا اليدين.
ومثل موثقة زرارة قال : « سألت أبا جعفر عليهالسلام عن التيمّم فضرب بيده على الأرض ثمّ رفعها فنفضها ثمّ مسح بها جبينه وكفيه مرّة واحدة » (5)وهي معتبرة
من حيث السند.
إلاّ أن قوله : « ثمّ مسح بها جبينه وكفيه » قرينة على إرادة الجنس الشامل لكلتا اليدين ، لأنّ اليد الواحدة لا يمكن مسح كلتا الكفين بها بل الممكن مسح كل منهما بالأُخرى ، على أنّها رويت بطريق آخر صحيح مشتمل على قوله : « ثمّ مسح بهما جبهته ».
وقد يقال : إن من هذه الروايات موثقة زرارة الثّانية عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « أتى عمار بن ياسر رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله فقال : يا رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله إنّي أجنبت اللّيلة ... إلى أن قال : فضرب بيده على الأرض ثمّ ضرب إحداهما على الأُخرى ثمّ مسح بجبينه ثمّ مسح كفيه كل واحدة على الأُخرى ... » (1)إلاّ أنّها في الوسائل طبعة عين الدولة وفي الطبعة الجديدة : « فضرب بيديه على الأرض » فليلاحظ.
نعم ورد فيما رواه أبو أيوب الخزاز عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سألته عن التيمّم ، فقال : إنّ عماراً أصابته جنابة ... إلى أن قال : فوضع يده على المسح أي على ما يتمسح به ثمّ رفعها فمسح وجهه ثمّ مسح فوق الكف قليلاً » (2).
إلاّ أنّ الظاهر أنّها ناظرة إلى عدم اعتبار الاستيعاب في المسح ، وليست ناظرة إلى اعتبار كون الضرب باليد الواحدة أو بالثنتين.
ومنها : كون الضرب بباطن اليدين. ومقتضى إطلاق الأخبار كفاية الضرب بكل من ظهر الكف وبطنها ، لأنّ الكف واليد يعمان ظاهرهما وباطنهما.
إلاّ أنّ الأخبار البيانية الواردة في بيان كيفية التيمّم تدل على أنّ المعتبر هو الضرب بالباطن ، لأنّه المتعارف المرسوم في ضرب اليد على الأرض أو غيرها ، فلو كان المراد خصوص الظاهر منها أو الأعم لاحتاج إلى التنبيه والبيان لكونه أمراً غير متعارف وممّا لا يستفاد من ضرب اليد لدى العرف ، وحيث إنّه لم يبيّن إرادة الظهر فيها فلا
مناص من حمل الأخبار على إرادة الباطن وحسب.
نعم هذا يختص بحال الاختيار ، وأمّا عند الاضطرار فالمطلقات هي المحكمة ، لأنّ المقيد هو الأخبار البيانية ، وبما أنّها حكاية فعل لا إطلاق لها فيكتفى فيها بالقدر المتيقن وهو حال الاختيار.
ومنها : أن يكون الضرب بهما دفعة واحدة فلا يكفي الضرب بهما متعاقباً. تقدّمت هذه المسألة (1)وبيّنا أنّ مقتضى الإطلاق كفاية الضرب مطلقاً متعاقباً كان أو معاً ، وقد خرجنا عن إطلاق الأخبار بالأخبار البيانية الدالّة على اعتبار ضرب اليدين معاً.
إلاّ أنّها لمّا كانت مشتملة على حكاية فعل ولا إطلاق في الفعل يكتفى في التقييد بها على المقدار المتيقن منها وهو حال الاختيار ، ويكتفى عند الاضطرار بالضرب ولو متعاقباً.
فتحصل إلى هنا : أن التيمّم يعتبر فيه أُمور :
الأوّل : أن يكون التيمّم بالضرب لا بالوضع.
الثّاني : أن يكون الضرب باليدين لا بإحداهما.
الثّالث : أن يكون الضرب بباطن اليدين لا بظاهرهما.
الرّابع : أن يكون ضرب اليدين دفعة واحدة لا على نحو التعاقب.
وقد أوضحنا الوجه في اعتبار هذه الأُمور حال الاختيار ، ومع التمكّن منها لو أخلّ بها يبطل تيممه ، فلا يكفي في حال الاختيار وضع اليدين بدلاً عن ضربهما ، ولا الضرب باليد الواحدة بدلاً عن الضرب باليدين ، ولا بالظاهر منهما بدلاً عن باطنهما ولا التعاقب بدلاً عن الدفعة.
وأمّا إذا لم يتمكّن من هذه الأُمور فهل يجب عليه التيمّم بما يتيسر في حقّه [ أوْ لا ] فإذا لم يتمكّن من الضرب اكتفى بالوضع ، وإذا لم يتمكّن من الضرب باليدين ضرب
1) في ص 246.
إحداهما ووضع الأُخرى ، ولو لم يتمكّن من الضرب بباطنهما اكتفى بظاهرهما ، ولو لم يمكنه الضرب دفعة اكتفى بالتعاقب ، ولو لم يتمكّن من هذه الأُمور جميعاً دخل في موضوع فاقد الطهورين؟
الصحيح هو الأوّل. وليس الوجه في ذلك قاعدة الميسور ، لعدم تماميتها على ما تقدّم غير مرّة ولا الإجماع المتوهم في المقام لأنّه لا يزيد على الإجماع التقديري حيث إن جملة من الفقهاء اكتفوا في التيمّم بالوضع حتّى في حال الاختيار ، وليس لنا علم بأنّهم لو كانوا قائلين باعتبار الضرب عند الاختيار لجوزوا التيمّم بالوضع عند التعذّر ، فهو إجماع تقديري لا اعتبار به.
ولعلّه إلى ذلك ينظر ما في الجواهر من التعبير بكلمة لعل عند ما قال : لعلّه إجماعي (1)، أي إجماع احتمالي لا أنّه فعلي منجز.
بل الوجه في ذلك أنّ الأمر بالضرب وما دلّ على اعتبار كونه باليدين وإن كان مطلقاً وهو يعم صورة التمكّن والتعذّر ، لأنّ ظاهر تلكم الأوامر هو الإرشاد إلى الشرطية ، كما أنّ ظاهر النهي في أمثال المقام هو الإرشاد إلى المانعية ، ولا مانع من أن تكون الشرطية مطلقة ، ولازمه أن غير المتمكّن من الضرب أو من كونه باليدين ليس مأموراً بالصلاة لتعذرها في حقّه. إلاّ أن مقتضى ما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال من الإجماع والصحيحة الواردة في حقّ المستحاضة من قوله : « لا تدع الصلاة بحال » (2)يدلّنا على أنّه مكلّف بالصلاة حتّى عند عدم تمكّنه من الضرب أو من كونه باليدين.
وحيث أنّها مشروطة بالطهور ، إذ « لا صلاة إلاّ بطهور » وهو اسم لنفس الماء والصعيد لأنّ الطهور كالسحور والفطور بمعنى ما يتسحر به أو ما يفطر به ، وما به الطّهارة هو الماء والصعيد علمنا أنّ المكلّف في المقام لا بدّ من أن يصلِّي ويستعمل
ومع تعذّر ضرب إحداهما يضعها ويضرب بالأُخرى ،
الصعيد أيضاً ، لا أنّه غير مأمور بالصلاة والتيمّم.
إذن تقع المعارضة بين ما دل على اعتبار الضرب وكونه باليدين مطلقاً ولو عند تعذرهما وما دلّ على وجوب الصلاة مع استعمال الصعيد حينئذ ، فإن مقتضى الأوّل سقوط الصلاة والتيمّم عن المكلّف ومقتضى الثّاني وجوبهما في حقّه ، فإذا تساقطا رجعنا إلى إطلاق الكتاب الدال على أنّ المعتبر في التيمّم هو المسح الناشئ من الأرض أو المسح بالتراب حينئذ ، قال ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا ... ) (1)بلا فرق في ذلك بين أن يكون ذلك بالوضع أو بالضرب وبين أن يكون بكلتا اليدين أو بإحداهما ، هذا.
ثمّ إنّه لو كان متمكّناً من الضرب بإحدى اليدين ووضع الأُخرى ذكر الماتن قدسسره أنّه يتعين في حقّه. ولا ينبغي الشبهة في أنّه أحوط ، إلاّ أنّه عند عدم تمكّنه من الضرب بهما يتخيّر بين أن يضعهما على الأرض وبين أن يضرب بإحداهما ويضع الأُخرى.
وذلك لأن مقتضى إطلاق الأمر بالضرب وكونه باليدين هو اعتبار الضرب بهما عند التمكّن منه.
وأمّا إذا لم يتمكّن من ذلك فقد عرفت أنّ المرجع هو إطلاق الكتاب ، وهو يدل على لزوم استعمال الصعيد بالمسح الناشئ من الأرض أو بالتراب من دون فرق في ذلك بين الوضع والضرب ، فيتخيّر المكلّف بين وضع يديه على الأرض عند العجز عن ضربهما معاً وبين أن يضع إحداهما ويضرب بالأُخرى ، نعم الأحوط هو الأخير لأنّه مجزئ بلا خلاف ، بخلاف وضع اليدين حينئذ لعدم كفايته عند الماتن وجماعة ، هذا.
1) النِّساء 4 : 43 ، المائدة 5 : 6.
ومع تعذّر الباطن فيهما أو في إحداهما ينتقل إلى الظاهر فيهما أو في إحداهما.
بل يمكن أن يقال : إنّ مقتضى الارتكاز الشرعي هو ذلك ، لأنّ المرتكز في أذهان المتشرعة أنّه عند عدم التمكّن من شيء يجب الإتيان بما يتمكّن منه ولا ترفع اليد عن التكليف إلاّ بالمقدار المتعذّر. فاعتبار الضرب بإحدى اليدين والوضع بالأُخرى مبني على الاحتياط.
ثمّ إنّه إذا لم يتمكّن من الضرب بباطن إحدى اليدين أتى فيه ما قدّمناه في التمكّن من الضرب بإحداهما ، فإن مقتضى الدليل هو اعتبار كونه بباطنهما عند التمكّن منه وأمّا عند العجز عنه فمقتضى إطلاق الآية عدم الفرق بين الضرب بباطن إحداهما وظاهر الأُخرى وبين الضرب بظاهرهما معاً ، فهو مخير بين الأمرين وإن كان الضرب بباطن إحداهما وظاهر الأُخرى هو الأحوط.
هذا كلّه بالإضافة إلى اعتبار الضرب وكونه باليدين اللّذين ورد فيهما دليل لفظي مطلق.
وأمّا بالإضافة إلى اعتبار كون الضرب بباطن اليدين وكونه دفعة واحدة لا بالتعاقب اللّذين استفدنا اعتبارهما من الأخبار البيانية لأنّهم كانوا متمكنين من الضرب بالباطن والدفعي ، فلو كان التيمّم يتحقق بضرب ظاهر الكفين أو بالتعاقب لوجب التنبيه عليهما في الأخبار لأنّه على خلاف المتعارف. فالوجه في اختصاص ذلك بحال الاختيار وعدم اعتبار كون الضرب بالباطن أو دفعة عند العجز وتعذرهما هو أنّ الأخبار البيانية اشتملت على حكاية فعل ، وهو ممّا لا لسان له فلا مناص من الاكتفاء فيه بالقدر المتيقن وهو حال الاختيار ، وأمّا عند العجز والتعذّر فمقتضى إطلاق الآية المباركة هو الاكتفاء بمطلق استعمال التراب والمسح سواء كان الضرب بالباطن أو بالظاهر ، وسواء كان بالتعاقب أو دفعة.
فالرجوع إلى إطلاق الكتاب فيما استفدنا اعتباره من الأخبار البيانية إنّما هو من الابتداء ، من دون أن يحتاج إلى التعارض وسقوط المتعارضين لنرجع إلى إطلاق الكتاب بعد ذلك كما استفدنا اعتباره من الأدلّة اللّفظية مثل الضرب وكونه باليدين.
وحاصل ما ذكرناه في المقام بتقريب ملخّص هو : أنّ ما استفدنا منه أنّ الصلاة لا تسقط بحال من الإجماع وصحيحة زرارة (1)له حكومة على الأدلّة الدالّة على اعتبار شيء في الصلاة شرطاً أو جزءاً مثل ما دلّ على جزئية السجدة والقيام فإنّه وإن كان يقتضي إطلاقه اعتبارهما في الصلاة حتّى في التعذّر وعدم التمكّن منهما إلاّ أن ما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال يقيد إطلاقهما بحال الاختيار ، لدلالته على وجوب الصلاة حتّى في صورة عدم التمكّن من القيام والسجود.
نعم لا حكومة له بالإضافة إلى ما هو مقوم للصلاة بحيث لو انتفى انتفت الصلاة مثل الطهور ، لما دلّ على أنّه لا صلاة إلاّ بطهور (2)وأنّ الطهور ثلث الصلاة (3)، وذلك لأنّه لا موضوع عند انتفاء الطهور ليحكم بوجوبه بدليل لا تسقط الصلاة بحال حيث إنّه ليس بصلاة.
ومن هنا قلنا إنّ الإجماع والصحيحة الدالّة على أنّها لا تسقط بحال غير شاملين فاقد الطهورين ، إذ لا صلاة بدون الطهور ليقال بوجوبها من دونه ، نعم لو لم يدلّنا دليل على أنّ الصلاة متقومة بالطهور بأن كان مأخوذاً في المأمور به لا في الحقيقة والمعنى لكان للدليلين من الإجماع والصحيحة حكومة عليه أيضاً.
إذا عرفت ذلك فنقول : إن من جملة حالات المكلّف ما إذا لم يتمكّن من الصلاة بالتيمّم بالضرب أو بضرب اليدين أو بكليهما لكونه أقطع ذا يد واحدة ، فمقتضى ما دلّ على اعتبار الضرب في التيمّم أو كونه باليدين أن غير المتمكّن منه ليس مأموراً بالصلاة ، لإطلاق ما دلّ على اعتبار ذلك في التيمّم ، ولمّا كان غير المتمكّن ليس بقادر على التيمّم والطهور فهو غير مكلّف بالصلاة ، إلاّ أن ما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط
ونجاسة الباطن لا تعد عذراً فلا ينتقل معها إلى الظاهر (1).
الثّاني : مسح الجبهة بتمامها والجبينين بهما من قصاص الشعر إلى طرف الأنف الأعلى وإلى الحاجبين ، والأحوط مسحهما أيضاً (2).
بحال من الإجماع والصحيحة يشمل المقام ، لأنّه من جملة الحالات فيقتضي ذلك وجوب الصلاة بالتيمّم الفاقد للضرب أو لضرب اليدين أو لكونه بكلا اليدين كما في الأقطع.
وبهذا الدليل نبني على كفاية الوضع بدلاً عن الضرب ، وبوضع إحداهما وضرب الأُخرى بدلاً عن الضرب باليدين ، وباليد الواحدة عن الاثنتين كما في الأقطع عند عدم التمكّن من الضرب أو الضرب باليدين أو بكليهما ، وكذا في غير المقام ممّا يمر عليك.
(1) لما يأتي من عدم الدليل على اعتبار الطّهارة في الكف أصلاً ، وعلى تقدير القول باعتبارها فإن غاية ما يمكن الالتزام به هو اعتبارها في حال الاختيار لا مطلقاً. إذن لا تكون نجاسة الباطن عذراً يوجب الانتقال إلى الظاهر من الكفّين.
(2) اختلفت كلمات الفقهاء وتعبيراتهم عن المحل الممسوح من الوجه ، فالمشهور عبروا بوجوب مسح الجبهة من قصاص الشعر إلى طرف الأنف الأعلى ، وعن السيدين (1)وكثير من القدماء التعبير بمسح الوجه من القصاص إلى طرف الأنف وعن جامع المقاصد (2)وغيره التعبير بمسح الجبهة والجبينين ، وعن بعضهم التعبير بمسح الجبهة والجبينين والحاجبين ، وعن علي بن بابويه التعبير بمسح الوجه (3)وظاهره إرادة الاستيعاب ، هذا.
والظاهر أنّ المسألة ذات قولين :
أحدهما : اعتبار مسح الجبهة من قصاص الشعر إلى طرف الأنف.
وثانيهما : اعتبار مسح الوجه بتمامه كما لعله الّذي أشار إليه المحقق في شرائعه ، فإنّه بعد ما ذكر الوجه الأوّل أشار إلى الثّاني فقط بقوله : قيل باستيعاب مسح الوجه (1). والوجوه الأُخر متحدة وإنّما الاختلاف في التعبير.
وكيف كان ، فالمتبع هو الأخبار الواردة في المقام. وهنا عناوين أربعة : الوجه والجبهة والجبينان والجبين.
أمّا الوجه فهو واقع في كثير من الأخبار منها صحيحة الكاهلي حيث ورد فيها : « فمسح بهما وجهه » (2)ومنها حسنة أبي أيّوب الخزاز وقد ورد فيها : « ثمّ رفعها فمسح وجهه » (3)وغير ذلك من الأخبار (4).
وأمّا عنوان الجبهة فلم يرد إلاّ في رواية الشيخ عن المفيد بإسناده إلى ابن بكير عن زرارة قال : « سألت أبا جعفر عليهالسلام عن التيمّم ، فضرب بيده على الأرض ثمّ رفعها فنفضها ثمّ مسح بهما جبهته ... » (5).
إلاّ أن هذه الرواية بعينها قد رواها في الكافي بإسناده إلى أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن ابن بكير عن زرارة قال : « سألت أبا جعفر عليهالسلام عن التيمّم ... إلى أن قال : ثمّ مسح بها جبينه وكفيه مرّة واحدة » (6)ومن البعيد جدّاً بل غير محتمل عادة أن تكون هناك روايتان رواها ابن بكير عن زرارة وقد وقع في إحداهما عنوان الجبهة وفي الأُخرى عنوان الجبين ، إذن لا يعلم أن اللفظ الوارد عن الإمام هو الجبين
أو الجبهة فتصبح الرواية مجملة من هذه الجهة.
على أن رواية الشيخ ضعيفة السند بأحمد بن محمّد بن يحيى العطار ، بخلاف رواية الكليني الّتي لها طريقان وأحدهما معتبر وهي الحجّة شرعاً ، والوارد فيها هو الجبين.
ويؤيد صحّة نسخة الكليني ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر عن البزنطي عن ابن بكير عن زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال : أتى عمار بن ياسر ... إلى أن قال : مسح بجبينه ... » (1)لأنّها مروية عن البزنطي ، هذا.
وقد ورد في الفقه الرضوي ما هو بمعنى الجبهة حيث ورد فيه : « ثمّ تمسح بهما وجهك موضع السجود » (2)فان موضع السجود هو الجبهة. وهذا مبني على ما نقله في المستدرك لكن المنقول عن الفقه الرضوي في جامع الأحاديث مغاير له ، ونصّه : « ثمّ تمسح بهما وجهك من حدّ الحاجبين إلى الذقن ، وروى : أن موضع السجود من مقام الشعر ... » (3)فإنّه على هذا يكون قوله : « روي : أنّ موضع السجود » مطلباً آخر ولا يكون تفسيراً للوجه كما هو كذلك على نقل المستدرك ، ولعل الاختلاف من جهة نسخ الكتاب.
إلاّ أنّ الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلاً عن اعتبارها.
نعم نقل الوافي عن كل من الشيخ والكليني هذه الرواية بعنوان الجبهة (4)، وهو محمول على الاشتباه وعدم توجهه إلى الاختلاف ، أو مستند إلى اختلاف نسخ الكافي. وكيف كان ، لم يثبت ورود لفظ الجبهة في الرواية.
وأمّا الجبينان فقد ورد في رواية عمرو بن أبي المقدام عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « أنّه وصف التيمّم فضرب بيديه على الأرض ثمّ رفعهما فنفضهما ثمّ مسح على جبينيه وكفيه مرّة واحدة » (5).
نعم ورد ذلك في صحيح زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام الواردة في قضيّة عمار ابن ياسر (1)وقد اشتملت على عنوان الجبينين على نسخة. وورد لفظ الجبينين في الفقه الرضوي على ما في جامع الأحاديث (2)دون المستدرك.
وأمّا الجبين فقد ورد في صحيحة زرارة المتقدّمة عن طريق الكافي (3)وما رواها الصدوق على نسخة وما رواه ابن إدريس في آخر السرائر أيضاً (4). ولم يثبت أنّ الوارد في رواية زرارة أيّهما ، هذا ما ورد في الأخبار.
وأمّا ما عن ابن بابويه من اعتبار مسح الوجه بتمامه فهو مقطوع الخلاف لوجهين :
أحدهما : صحيحة زرارة (5)في تفسير قوله تعالى ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) حيث صرّحت بأنّ المسح ليس كالغسل ليجب في تمام الوجه ، حيث قال : « أثبت بعض الغسل مسحاً لأنّه قال : بوجوهكم » أي : ولم يقل : « وجوهكم » والباء للتبعيض كما هو الحال في قوله تعالى ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) . إذن نستفيد من هذه الصحيحة أنّ المسح لا يجب في جميع الوجه.
ثانيهما : أنّ الأخبار المتقدمة المشتملة على الجبينين أو الجبين أخبار معتبرة ، ومن المستهجن جدّاً أن يعبر الإمام عليهالسلام عن تمام الوجه بالجبين أو الجبينين ، لأنّه مثل إطلاق الأنف وإرادة تمام الوجه ، وهو تعبير غير مألوف ، فلو كان الواجب مسح تمام الوجه لما عبر عنه في الأخبار المذكورة بالجبين أو الجبينين. فالقول بوجوب المسح لتمام الوجه ساقط قطعا.
وقد تحصل من استعراض الألفاظ الواردة في الأخبار أنّ الثابت هو لفظ الوجه والجبين أو الجبينين. ولا يمكن تقييد الأخبار المشتملة على الوجه بما اشتمل على
الجبين أو الجبينين (1)، وذلك لعدم صحّة إطلاق الجبين بمعناه الجنسي الشامل للواحد والاثنين وإرادة الوجه ، وذلك لأنّ الوجه إنّما يطلق عليه الوجه لأنّه ممّا يواجه به الإنسان ، والجبين الواحد ليس ممّا يواجه به. فإطلاق الجبين وإرادة الوجه كإطلاق الاذن وإرادة الوجه ليس صحيحاً لعدم كونها ممّا يواجه به ، هذا.
على أنّ الأخبار قد اشتملت على أنّهم مسحوا وجوههم بالأيدي والأكف أو أمروا بذلك ، ولا يمكن مسح الجبين الواحد بالكف ، لأنّ الجبين اسم لموضع خاص وهو لا يمسح عند مسح الوجه بتمامه نعم يمكن مسحه ثانياً ، إلاّ أنّ المسح المأمور به في الأخبار هو المسحة الواحدة والمسح مرّة واحدة ، والجبين في مسح الوجه مرّة لا يقع ممسوحاً بوجه.
وأمّا الجبينان فهما وإن أمكن مسحهما بالكفين عند المسح مرّة واحدة إلاّ أنّهما لا يطلق عليهما الوجه أيضاً ، لعدم كونهما ممّا يواجه به الإنسان. فاحتمال تقييد الأخبار المشتملة على الوجه (2)أو الجبينين ساقط.
والّذي ينبغي أن يقال في المقام : إنّ الأخبار الواردة في مسح الجبين أو الجبينين إنّما وردت لبيان حدّ الوجه الّذي يجب مسحه عرضاً ، لأنّ الوجه لا يجب مسحه بحسب الطول بالتمام ، لصحيحة زرارة الدالّة على أنّ المقدار الّذي كان يجب غسله في الوضوء ليس بلازم المسح في التيمّم وإنّما اللاّزم في مسح التيمّم هو مسح بعض الوجه (3)هذا بحسب الطول. وأمّا بحسب العرض فتدلّنا روايات الجبين والجبينين على أنّ الوجه الواجب غسله بحسب العرض في الوضوء يجب أن يمسح في التيمّم ، وبهذا يظهر أنّ المقدار الممسوح في التيمّم هو الجبينان والمقدار المتوسط بينهما أيضاً ، إذ لولاه لم يصدق الوجه.
ويعتبر كون المسح بمجموع الكفين (1)على المجموع فلا يكفي المسح ببعض كل من اليدين ولا مسح بعض الجبهة والجبينين ، نعم يجزئ التوزيع فلا يجب المسح بكل من اليدين على تمام أجزاء الممسوح.
ولكي يصدق الوجه تحقيقاً لا بدّ من إدخال ما بين الجبينين في الممسوح. إذن عملنا بكل من الطائفتين ويكون المقدار الممسوح هو الوجه والجبينين.
وهل يدخل الحاجبان في الممسوح أو لا؟ مقتضى سكوت الأخبار الواردة في مقام البيان عن التعرّض للحاجبين عدم لزوم مسحهما وكفاية المسح للجبينين وما بينهما ، لما تقدّم من كفاية المسح ببعض الوجه طولاً ، وإن كان الأحوط مسح الحاجبين أيضاً.
نعم لا ينفك مسح الحاجبين عادة عن مسح الجبينين وما بينهما باليدين إلاّ أنّهما خارجان عن المقدار الممسوح شرعاً.
وتظهر الثمرة فيما لو كان حاجب على الحاجبين بحيث لم يمكن مسحهما فانّ التيمّم حينئذ بمسح الجبينين وما بينهما كافٍ في صحّته ، وأمّا بناءً على دخولهما في الممسوح فلا بدّ من رفع الحاجب عن الحاجبين للزوم مسحهما حينئذ ، هذا كلّه في الممسوح.
وأمّا الماسح فالصحيح لزوم المسح بجميع الكفين واليدين بحكم المناسبة والإطلاق.
أمّا المناسبة فلأجل الأمر الوارد في الأخبار بضرب الكفّين أو اليدين على الأرض (2)والمراد منهما جميع الكفين ، لأن ضربهما على الأرض يقتضي الاستيعاب. وهذه المناسبة تقتضي أن يكون المراد بالماسح جميع الكفين ، فانّ الكفين اللّتين يجب ضربهما على الأرض في التيمّم هما اللّتان يجب المسح بهما على الوجه والجبينين.
وأمّا الإطلاق فلأن قوله عليهالسلام : « فضرب بيده على البساط فمسح بهما
وجهه » كما في صحيح الكاهلي (1)أو قوله عليهالسلام : « ثمّ مسح بها جبينه » كما في صحيحة زرارة (2)وغيرهما من الأخبار مطلق ، ومقتضى الإطلاق المسح بمطلق اليد والكف لا ببعضها.
نعم لا يلزم أن يمسح بكل من أجزاء الماسح جزءاً من الممسوح ، وذلك لأن سعة مجموع الكفين المنضمتين أكثر من سعة الجبينين وما بينهما فيقع بعض أجزاء الكفين خارجاً عن الممسوح لا محالة. كما لا يكفي المسح ببعض الكفين كما لو مسح جبينيه بنصف كل كف من كفيه ، بل لا بدّ أن يكون المسح بحيث يصدق عليه عرفاً أنّه مسح بالكفين على الجبينين وما بينهما ، وهذا إنّما يصدق بمسحهما بجميع كفيه وإن كان مقدار من الكفين خارجاً عن الممسوح. فالمدار على الصدق العرفي لا التدقيق في مسح الجبينين بالكفين مع اعتبار الاستيعاب في الماسح كما مرّ ، هذا.
وقد يقال بكفاية المسح ببعض الكف ، وذلك لما ورد في صحيحة زرارة الّتي رواها الصدوق في الفقيه أنّه عليهالسلام مسح جبينه ( جبينيه ) بأصابعه (3)ولكن الظاهر أنّ الصحيحة لا تدل على خلاف ما يستفاد من غيرها من الأخبار المتقدمة ، بل هي تدل أيضاً على إرادة المسح بتمام الكف ، وذلك لأنّ الظاهر من الأصابع هو الأصابع الخمسة أعني مجموعها ، وحيث إنّ الخنصر (4)وهي الإصبع الأُولى وقعت أسفل من الأصابع الأُخرى فلازم المسح بجميع الأصابع هو المسح بمجموع الكف ، فإنّه لو وقع المسح بالأصابع الأربعة لم يكن المسح بمجموع الأصابع.
إذن فالصحيحة كغيرها تدلّنا على اعتبار الاستيعاب في الماسح ، نعم في الممسوح لا يعتبر إلاّ الاستيعاب العرفي لا الدقي.
الثّالث : مسح تمام ظاهر الكف اليمنى بباطن اليسرى ثمّ مسح تمام ظاهر اليسرى بباطن اليمنى (1)من الزند إلى أطراف الأصابع (1).
(1) المعروف بين الأصحاب أنّ المقدار المعتبر مسحه من اليدين في التيمّم هو الزند إلى أطراف الأصابع.
وفي قبال ذلك أقوال :
منها : ما نسب إلى علي بن بابويه (2)وابنه في المجالس (3)من لزوم مسح اليدين من المرفقين إلى رؤوس الأصابع ، وكأنّه لا فرق بين الوضوء والتيمّم إلاّ في المسح على الرأس والرجلين ، وإلاّ فأي عضو يجب غسله في الوضوء يجب المسح عليه في التيمّم.
ومنها : ما اختاره الصدوق في الفقيه في التيمّم بدلاً عن الجنابة من وجوب المسح من فوق الزند والكف قليلاً إلى رؤوس الأصابع (4).
ومنها : ما نسبه في الحدائق إلى ابن إدريس أنّه نقل عن بعض الأصحاب القول بوجوب المسح على اليدين من أُصول الأصابع إلى رؤوسها (5)، أعني موضع القطع في السرقة ، هذا.
وقد استدلّ لما ذهب إليه علي بن بابويه وابنه في المجالس بجملة من الروايات :
منها : صحيحة محمّد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن التيمّم
فضرب بكفيه الأرض ثمّ مسح بهما وجهه ثمّ ضرب بشماله الأرض فمسح بها مرفقه إلى أطراف الأصابع واحدة على ظهرها وواحدة على بطنها ... » (1).
ومنها : صحيحة ليث المرادي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « في التيمّم قال : تضرب بكفيك على الأرض مرّتين ، ثمّ تنفضهما وتمسح بهما وجهك وذراعيك » (2).
ومنها : موثقة سماعة قال : « سألته كيف التيمّم؟ فوضع يده على الأرض فمسح بها وجهه وذراعيه إلى المرفقين » (3).
كما استدلّ لما ذهب إليه الصدوق بصحيحتي أبي أيّوب الخزاز وداود بن النعمان الواردتين في قضية عمار حيث ورد فيهما أنّه عليهالسلام مسح فوق الكف قليلاً (4).
وما نسبه ابن إدريس إلى بعض أصحابنا يدل عليه ما رواه حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : أنّه سُئل عن التيمّم فتلا هذه الآية ( وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) وقال ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) قال : فامسح على كفيك من حيث موضع القطع ، وقال ( وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) (5).
والصحيح هو ما ذهب إليه المشهور في المقام. ويدلُّ عليه أمران :
أحدهما : جميع الأخبار الواردة في كيفيّة التيمّم المشتملة على أنّهم مسحوا كفيهم أو أمروا بمسح الكفين (6). وتقريب الاستدلال بها من وجهين :
أحدهما : أنّ اليد وإن كان لها إطلاقات متعددة ، فقد تطلق بمعنى أُصول الأصابع إلى أطرافها كما في آية السرقة ، وأُخرى : تطلق على الزند إلى أطراف الأصابع كما في آية التيمّم على ما يأتي بيانه ، وثالثة : على المرفق إلى أطراف الأصابع كما في آية الوضوء ، ورابعة : على المنكب إلى رؤوس الأصابع كما هو الشائع. إلاّ أنّ الكف ليست كذلك وإنّما لها معنى واحد وهو الزند إلى أطراف الأصابع. فتدلّنا الأخبار المذكورة على أنّهم مسحوا من الزند إلى رؤوس الأصابع أو أنّهم أمروا بمسح ذلك.
الوجه الثّاني : أن بعض تلك الأخبار اشتملت على أنّهم مسحوا بالكف اليمنى على اليسرى وباليسرى على اليمنى أو بإحداهما على الأُخرى ، ومن الظاهر أنّ المسح لا يكون إلاّ بالكف بالمعنى المتقدّم ولا يكون بالذراع فإنّه أمر غير معهود. حتّى أنّ الصدوق ووالده لا يرون المسح بالذراع ، فإذا كان الماسح هو الكف وما دون الزند كان الممسوح أيضاً كذلك ، لأنّ الكف في كل من الماسح والممسوح بمعنى واحد.
الثّاني ممّا استدلّ به على مسلك المشهور هو جملة من الأخبار المعتبرة :
منها : صحيحتا أبي أيّوب الخزاز وداود بن النعمان (1)المتقدمتان ، لدلالتهما على أنّ الذراعين ليسا بلازمي المسح كما يراه علي بن بابويه وابنه في المجالس ، فإنّه عليهالسلام مسح يديه فوق الكف قليلاً ، ولم يمسح ذراعيه.
وأظهر منهما صحيحة زرارة قال : « سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول ، وذكر التيمّم وما صنع عمار ، فوضع أبو جعفر عليهالسلام كفيه على الأرض ثمّ مسح وجهه وكفيه ولم يمسح الذراعين بشيء » (2)لصراحتها في خلاف ما ذهب إليه ابن بابويه في المجالس وما اختاره الصدوق في الفقيه.
ثمّ إن ما استدلّ به على مذهب ابن بابويه لا يمكن الاعتماد عليه في مقابل تلك
الأخبار الدالّة على مسلك المشهور ، وإنّما الكلام في أنّه يحمل على الاستحباب أو لا بدّ من حمله على التقيّة.
وقد تكلّمنا فيما سبق على نظائر المقام ، ولعله أشرنا إليه في أخبار البئر (1)وقلنا : إنّ التردّد بين الحمل على الاستحباب أو على التقية إنّما هو فيما إذا اشتملت الطائفتان على الحكم المولوي ، فإنّه إذا قدمنا إحداهما أمكن التردد في أُخراهما بين الأمرين حينئذ فيجمع بينهما بالجمع العرفي ويحمل الآخر على الاستحباب بأن يجعل أحدهما قرينة على إرادة الترخيص من الآخر ، ومعه يكون دليلاً على الاستحباب وهو جمع عرفي.
وأمّا إذا لم يكن شيء من الطائفتين مشتملاً على الحكم المولوي مثل المقام ، حيث إنّ السؤال في الطائفتين إنّما هو عن كيفيّة التيمّم وليستا مشتملتين على الحكم المولوي فهما متعارضتان بالتباين ، لأن إحدى الكيفيتين تغاير الكيفيّة الأُخرى كما هو واضح ولا معنى لحمل إحداهما على الاستحباب ، ولا يكون ذلك من الجمع العرفي في شيء.
إذن لا بدّ من الرّجوع إلى المرجحات. وما دلّ على مسلك المشهور موافق للكتاب ومخالف للعامّة (2)والطائفة الأُخرى مخالفة للكتاب وموافقة للعامّة. ومع هذين المرجحين لا بدّ من الأخذ بما دلّ على مسلك المشهور وإن كان مرتبة الترجيح بمخالفة العامّة متأخرة عن الترجيح بموافقة الكتاب.
ثمّ إن كون الطائفة الثّانية موافقة للعامّة ظاهر ، لذهابهم إلى لزوم المسح من المرفقين إلى أطراف الأصابع.
وأمّا مخالفتها الكتاب فلأنّ الآية المباركة دلّت على لزوم المسح في التيمّم بالوجوه والأيدي حيث قال عزّ من قائل ( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) (3)بعطف أيديكم على وجوهكم وقراءته مجروراً كما في وجوهكم ، إذ لو كان معطوفاً على مجموع الجار والمجرور للزم قراءته منصوباً ( وَأَيْدِيكُمْ ) بالفتح.
وكما أنّ لفظة الباء الجارة في ( بِوُجُوهِكُمْ ) دلّتنا على إرادة بعض الوجه وعدم لزوم مسح تمام الوجه في التيمّم ، كذلك تدلّنا على إرادة البعض في ( أَيْدِيَكُمْ ) فنستفيد منها أنّ اليد اللاّزم غسلها في الوضوء لا يعتبر مسحها بتمامها في التيمّم بل يكفي مسح بعضها. فما دلّ على لزوم مسح جميع اليد من المرفقين إلى الأصابع يكون على خلاف الآية المباركة. هذا كلّه فيما ذهب إليه علي بن بابويه وابنه في المجالس.
وأمّا ما ذهب إليه الصدوق في الفقيه من اعتبار المسح فوق الكف بقليل مستدلاًّ عليه بالصحيحتين المتقدمتين (1)فلا يمكن المساعدة عليه ، لأنّهما إنّما اشتملتا على حكاية فعل ، والفعل لا لسان له ليدل على أنّه على وجه الوجوب ، بل لا بدّ من أن يكون على وجه المقدمة العلميّة ، لدلالة ما قدّمناه من الأخبار على كفاية المسح من الزند إلى أطراف الأصابع.
وتظهر الثمرة فيما إذا كان فوق الزند حاجب عن المسح فإنّه يمنع عن صحّة التيمّم على مسلك الصدوق ولا يضر على مسلك المشهور كما أوضحناه في مسح الحاجبين.
وأمّا ما نسبه ابن إدريس إلى بعض الأصحاب ففيه : أنّه لا ملازمة بين كون اليد في آية السرقة بمعنى أُصول الأصابع إلى أطرافها وبين أن تكون الكف في المقام بهذا المعنى. على أنّ المقتضي له قاصر في نفسه ، لأنّ المرسلة لا يمكن الاعتماد عليها في نفسها لتقع المعارضة بينها وبين ما استدللنا به على مسلك المشهور.
بقي الكلام في أنّ مسح الزند إلى أطراف الأصابع هل يعتبر أن يكون بباطن الكف أو يجوز أن يكون بظاهرها ، كما أنّ الممسوح من الزند إلى أطراف الأصابع هل هو
1) وهما صحيحتا أبي أيّوب الخزّاز وداود بن النعمان ، وقد تقدّمت الفقرة المرتبطة منهما بالمقام في ص 272.
ويجب من باب المقدمة إدخال شيء من الأطراف ، وليس ما بين الأصابع من الظاهر (1) فلا يجب مسحها ، إذ المراد به ما يماسه ظاهر بشرة الماسح ، بل الظاهر عدم اعتبار التعميق والتدقيق فيه ، بل المناط صدق مسح التمام عرفا.
ظاهره أم يجوز أن يمسح الباطن.
والصحيح هو اعتبار أن يكون الماسح باطن الكف لا ظاهرها ، كما أنّ الممسوح يعتبر أن يكون ظاهر الكف لا باطنها ، وذلك للأخبار البيانية الواردة في كيفيّة التيمّم حيث اشتملت على أن أنّهم أمروا أو أنّهم مسحوا كل واحدة من الكفين على الأُخرى ، وهذا يدلّنا على أنّ المسح إنّما يعتبر أن يكون بباطن الكف كما أنّ الممسوح يلزم أن يكون ظاهرها ، لأنّه المتعارف في المسح.
فلو كان الماسح ظاهر الكف والممسوح باطنها لُاوضح ذلك في الأخبار ، لوجوب التنبيه على كل ما لم تجر العادة عليه ، نظير ما بيّناه في مسح الوجه (1)حيث قلنا إنّ مسحه يعتبر أن يكون بباطن الكف لا بظاهرها ، لعين ما ذكرناه في المقام.
ويدلّنا على اعتبار كون الممسوح ظاهر الكف صريحاً حسنة الكاهلي ، حيث ورد فيها أنّه عليهالسلام : « ضرب بيده على البساط فمسح بهما وجهه ثمّ مسح كفيه إحداهما على ظهر الأُخرى » (2).
(1) أمّا المقدار المتصل من الأصابع بالأُخرى ممّا بين الأصابع عند ضمها فلا إشكال في عدم وجوب مسحه ، لأنّه من الباطن ولا يجب مسح الباطن كما مرّ.
وأمّا المقدار الظاهر المشاهد منه ممّا بين الأصابع الّذي لم يتّصل بالإصبع الأُخرى
وأمّا شرائطه فهي أيضاً أُمور :
الأوّل : النيّة مقارنة لضرب اليدين على الوجه الّذي مرّ في الوضوء (1).
فلأنّه ليس من الظاهر ولا من الباطن ولأنه ممّا لا يقع عليه المسح عادة عند المسح باليد الأُخرى ، فلو كان مسح ذلك المقدار لازماً أيضاً وهو على خلاف ما يقتضيه طبع المسح للزم التنبيه عليه في الأخبار مع أنّه لم يرد ذلك في شيء من الروايات.
(1) الأوّل ممّا يعتبر في التيمّم : النيّة.
يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين :
الأوّل : في أصل اعتبار النيّة في التيمّم.
والثّاني : في مبدئها وأنّ النيّة تعتبر فيها المقارنة مع الضرب أو المقارنة مع مسح الوجه.
المقام الأوّل : لا ينبغي الشبهة في أنّ التيمّم كالوضوء والغسل تعتبر فيه النيّة وليس هذا لأجل أنّ التيمّم بدل عن الوضوء وحيث إنّه ممّا تعتبر فيه فلا بدّ أن تكون معتبرة في بدله أيضاً ، وذلك لعدم التلازم بين كون المبدل منه معتبراً فيه النيّة وكون بدله كذلك ، ولم يقم عليه دليل شرعي أو برهان عقلي ، بل قد وقع خلافه في الصوم فان بدله لمن لا يتمكّن منه إطعام ثلاثة أشخاص أو مساكين من دون أن تعتبر النيّة في الإطعام.
بل لأجل أنّ التيمّم طهور ، والطهور جزء من الصلاة تنزيلاً ، لما ورد من أنّ الصلاة ثلاثة أثلاث : ثلث الطهور (1)، وبما أنّ الصلاة تعتبر فيها النيّة جزماً كذلك الحال فيما هو جزؤها تنزيلاً.
1) الوسائل 1 : 366 / أبواب الوضوء ب 1 ح 8.
المقام الثّاني : قد يقال : إنّ النيّة تعتبر مقارنة لمسح الوجه لأنّه أوّل التيمّم ، وضرب اليدين شرط فيه. ويدلُّ عليه ما رواه زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال « قلت : رجل دخل الأجمة ... إلى أن قال : إن خاف على نفسه من سبع أو غيره وخاف فوات الوقت فليتيمم يضرب بيده على اللّبد أو البَرْذَعة ويتيمّم ويصلِّي » (1)فانّ التيمّم قد تكرّر فيها حيث قال : « فليتيمم يضرب بيده على اللبد أو البرذعة ويتيمّم ويصلِّي ».
وظاهره أنّ المراد به هو ما أُريد من التيمّم في الأمر به بقوله « فليتيمم » ، ومنه يظهر أنّ التيمّم إنّما يتحقّق بعد ضرب اليد على ما يصح التيمّم به ولا يتحقق من حين الضرب.
والإنصاف أنّ الرواية لا تخلو عن الدلالة ولا أقل من الإشعار بأنّ التيمّم إنّما هو بعد ضرب اليد على ما يتيمّم به وهو مسح الوجه.
إلاّ أنّها ضعيفة السند بأحمد بن هلال الّذي نسب إليه النصب تارة والغلو اخرى وقد استظهر شيخنا الأنصاري قدسسره من ذلك أنّ الرجل لم يكن له دين أصلاً (2)لأنّ البعد بين المذهبين كبعد المشرقين ، فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه.
إذن يقع الكلام في أن كون التيمّم يبدأ من الضرب بأي دليل. ويمكن الاستدلال عليه بالأخبار البيانية الواردة لتعليم التيمّم وكيفيّته ، فإنّهم في ذلك المقام بعد سؤالهم عن التيمّم ضربوا أيديهم على الأرض ومسحوا بها وجوههم وأيديهم ، كقوله في حسنة الكاهلي : « سألته عن التيمّم فضرب بيده ... إلخ » (3)فانّ الظاهر منه أنّ التيمّم يبدأ ويشرع من الضرب ، وهكذا غيرها من الأخبار البيانيّة.
بل لو ناقشنا في دلالة تلك الأخبار على المدّعى تكفينا صحيحة إسماعيل بن همام الكندي عن الرضا عليهالسلام وأحمد بن محمّد في سندها هو ابن عيسى قال : « التيمّم ضربة للوجه وضربة للكفين » (4).
حيث حملت الضربة على التيمّم ، وهي تدلّنا على أنّ الضربة أو الوضع داخل في التيمّم وهي أوّل التيمّم. إذن لا بدّ أن تكون نيّة التيمّم مقارنة للضربة.
وتظهر الثمرة فيما لو بدا له في التيمّم بعد ضرب يده على الأرض ، فإنّه على ما ذكره ذلك القائل ينوي التيمّم مقارناً لمسح وجهه وهو صحيح ، وأمّا بناءً على ما ذكرناه فلا بدّ من أن يضرب يده على الأرض ثانياً وينوي مقارناً للضرب.
وأمّا الآية المباركة وهي قوله عزّ من قائل ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) (1)فقالوا : إنّها لا دلالة لها على أنّ التيمّم يبدأ من الضرب لعدم اشتمالها عليه بل هي مشتملة على الأمر بالمسح.
ويدفعه : أنّ الآية وإن لم تدل على أنّ الضرب من التيمّم إلاّ أنّها لا تدل على خلافه ، بل يستفاد منها كون الضرب من التيمّم بقرينة قوله تعالى ( مِنْهُ ) أي من التراب أو الأرض ، فإن معناه هو الأمر بالمسح بما ينشأ من الأرض بضرب اليد أو بوضعها عليها فيكون الضرب أو الوضع داخلاً في التيمّم لا محالة ، هذا.
وقد يقال : إن اشتراط إباحة التراب في التيمّم يقتضي أن يكون الضرب داخلاً في التيمّم ، فان حمله على التكليف المحض بعيد.
ويدفعه : أنّ الصلاة مشروطة بالطهور وهو بمعنى الماء والتراب ، ويعتبر أن يكون استعمالهما استعمالاً جائزاً شرعاً بلا فرق في ذلك بين أن يكون ضرب اليد على التراب في التيمّم جزءاً أو شرطاً ، وذلك لأن ذات القيد وإن كان خارجاً إلاّ أنّ التقيد به جزء للمأمور به حينئذ ، ولا يمكن أن يكون قيد المأمور به مبغوضاً ، لأنّ المبغوض لا يمكن أن يكون مقرباً. فلا دلالة ولا إشعار في اشتراط إباحة التراب في التيمّم على كون الضرب داخلاً في التيمّم.
ذكرنا أنّه وقع الكلام في أنّ الضرب جزء للتيمم أو أنّه مقدمة له وابتداؤه مسح
1) المائدة 5 : 6.
الوجه ، وقد استظهرنا من الأخبار البيانيّة أنّ الضرب جزء لا أنّه مقدمة ، واستشهدنا له أيضاً بما ورد في صحيحة إسماعيل بن همام الكندي عن الرضا عليهالسلام قال : « التيمّم ضربة للوجه وضربة للكفين » لأنّها حملت الضربة على نفس التيمّم وقلنا إنّها تدلّنا على أنّ الضرب جزء منه.
ولا نريد بذلك بيان أنّ التيمّم ضربة فقط ، كيف وليست الضربة تيمماً بلا ريب وإنّما المقصود أنّ الضرب بانضمام بقية الأُمور المعتبرة فيه من مسح الوجه والكفين والنيّة تيمّم ، فحمل التيمّم على الضرب (1)من أجل أنّ المركب عين أجزائه ، هذا.
وقد يعارض ذلك بما ورد في موثقة سماعة في رجل مرّت به جنازة وهو على غير وضوء كيف يصنع؟ قال : يضرب بيديه على حائط اللّبن فليتيمم به (2)حيث دلّت على أن ضرب اليدين على الأرض خارج عن التيمّم ومقدمة له ، والتيمّم إنّما يتحقق بعده.
إلاّ أنّ الصحيح عدم دلالة الموثقة على ذلك ، لأنّها ناظرة إلى اعتبار الضرب في التيمّم وأنّه يكفي الضرب على الحائط ، وإنّما قال « يضرب ... فليتيمم به » باعتبار ما قدّمناه من أنّه إذا ضرب يديه على الأرض لا يكون هذا الضرب تيمماً قطعاً بل الضرب بضميمة غيره ممّا يعتبر فيه يكون تيمماً ، فكأنه عليهالسلام قال : يضرب بيده ويأتي ببقية الأُمور فيتحقق به التيمّم.
وإطلاق « فليتيمم » بعد الشروع فيه بالضرب إطلاق عادي صحيح ، وهو نظير ما لو قلنا بأنّه يكبِّر ويصلِّي ، فان معناه أنّه بعد ما كبر يأتي ببقية أجزاء الصلاة أيضاً ويكون ما أتى به صلاة ، لا أنّ التكبير خارج عن الصلاة ، وهذا ظاهر. إذن لا تكون الموثقة معارضة للصحيحة المتقدمة فتبقى دلالتها على أنّ الضرب جزء من التيمّم سليمة عن المعارض.
ولا يعتبر فيها قصد رفع الحدث بل ولا الاستباحة (1).
الثّاني : المباشرة حال الاختيار (2).
(1) يأتي التكلم على أنّ التيمّم هل هو كالوضوء رافع للحدث كما هو مقتضى ما دلّ على أن ربّ الماء والصعيد واحد (1)، أو أنّه مبيح للدخول معه في الصلاة تخصيصاً لما دلّ على أنّه « لا صلاة إلاّ بطهور » (2)فيجوز في حق المتيمم؟
إلاّ أنّه لا يعتبر في صحّته قصد شيء من ذلك ، لأنّ ذلك كلّه حكم من الأحكام المترتبة على التيمّم ، وليس هو إلاّ ضربه ومسحة ، فإذا أتى بهما ناوياً به القربة فقد تحقق المأمور به وحصل الامتثال ، سواء أكان التيمّم رافعاً كما هو الصحيح الموافق لما دلّ على أن ربّ الماء والصعيد واحد أم كان مبيحاً ، لعدم اعتبار نيّة الأحكام المترتبة على التيمّم في صحّته.
(2) وذلك لأنّه يقتضيه الأخبار البيانيّة الواردة في كيفيّة التيمّم ، حيث دلّت على أنّهم ضربوا أيديهم على الأرض ومسحوا بها وجوههم وأيديهم فقد تصدوا له بالمباشرة.
ثمّ لو ناقشنا في ذلك نظراً إلى أنّ الأخبار المذكورة إنّما وردت لبيان الكيفيّة المعتبرة في التيمّم لا لبيان من يصدر منه التيمّم فلا دلالة لها على اعتبار المباشرة ، كفانا في الاستدلال على ذلك إطلاقات الأمر بالمسح في الآية المباركة وفي الأخبار الآمرة بضرب اليدين على الأرض والمسح بهما على الوجه واليدين ، وذلك لأن مقتضى
إطلاقهما أنّ المكلّف لا بدّ أن يصدر منه ضرب اليدين والمسح سواء صدر ذلك من غيره أم لم يصدر.
على أنّا لو شككنا في ذلك ولم يمكننا استفادة اعتبار المباشرة من الآية والأخبار فمقتضى قاعدة الاشتغال عدم سقوط التكليف بالتيمّم عن المكلّف إذا يممه غيره ، لأنّه مكلّف بالتيمّم قطعاً فلو شكّ في سقوطه بتصدي الغير لتيممه فقاعدة الاشتغال تقتضي البراءة اليقينية الحاصلة بالتصدي للتيمم بالمباشرة.
نعم شرطية المباشرة تختص بحالة الاختيار ولا تعتبر في صحّة التيمّم عند العجز وعدم التمكّن. والوجه في ذلك أحد أمرين :
أحدهما : ما قدمناه من أن ما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال (1)ذو حكومة على جميع أدلّة الأجزاء والشرائط في الصلاة ، ومن جملة الشرائط في الصلاة هو الطهور ، وقد دلّتنا الآية والأخبار على أنّ المباشرة معتبرة في الطهور ، ومع العجز عن المباشرة فمقتضى إطلاق الشرطية سقوط الأمر بالصلاة عن المكلّف ، إلاّ أنّ ما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال يدلّنا على أنّ المكلّف مأمور بالصلاة حينئذ ولا صلاة إلاّ بطهور.
ومقتضى ذلك سقوط قيد المباشرة في التيمّم ويستكشف أنّ اشتراط المباشرة مختص بحال التمكّن والاختيار ، وبهذا الدليل سنستدل على جملة من الفروع الآتية إن شاء اللّه تعالى.
وثانيهما : رواية ابن أبي عمير عن محمّد بن مسكين وغيره عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قيل له : إنّ فلاناً أصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات ، فقال : قتلوه ألا سألوا؟ ألا يمموه؟ إنّ شفاء العي السؤال » (2)فإنّها تدلّنا على أنّ العاجز عن التيمّم ييممه غيره ، فالمباشرة ساقطة عند العجز.
إلاّ أنّ الكلام في سندها لأنّها إلى ابن أبي عمير حسنة ، وهو يروي عن محمّد بن مسكين ، وهذا ضعيف.
هذا بناءً على نسخة الكافي (1)والوسائل في طبعته الأخيرة ، إلاّ أنّ الموجود في التهذيب (2)والوافي (3)والوسائل في طبعه الأمير البهادري ( سكين ) بدل ( مسكين ) وهو موثق.
وذكر الأردبيلي في جامع الرواة أن نسخة الكافي مغلوطة على الظاهر ، والصحيح سكين ، لأن من يروي عنه ابن ابي عمير هو محمّد بن سكين لا مسكين ، حتّى أنّ الموارد الّتي نقل فيها أنّ ابن أبي عمير روى فيها عن ابن مسكين كلّها مروية عن ابن سكين أيضاً (4).
وفي الحدائق نقلها عن الكافي عن محمّد بن سكين لا مسكين (5)ولو كان نقلها عن نسخة الكافي لكان هذا شهادة على كون نسخة الكافي محمّد بن مسكين غلطاً.
وبهذا كلّه يطمأن أنّ الصحيح هو ابن سكين لا ابن مسكين ، فإنّ القرائن المذكورة تفيد اطمئنان النفس بصحّة نسخة التهذيب والوافي والوسائل بطبعته السابقة.
والعجب أنّ الطبعة الأخيرة من الوسائل مع أنّها مبنية على التصحيح لم تصحح في المقام ، ولا أُشير إلى أن ( مسكين ) نسخة ، فالرواية معتبرة وقابلة للاعتماد عليها.
الثّالث : الموالاة (1) وإن كان بدلاً عن الغسل (2) والمناط فيها عدم الفصل المخل بهيئته عرفاً بحيث تمحو صورته.
(1) لم يرد اعتبار الموالاة في دليل لفظي في المقام. والإجماع المدّعى في المقام منقول لا يمكن الاعتماد عليه ، نعم مقتضى الارتكاز المتشرعي أنّ للعبادات المركبة هيئة وصورة بحيث لو لم يؤت بأجزائها متوالية بأن تخلل بينها فصل طويل ولم يصدق عليها أنّها عمل واحد بطلت ، فلو أتى بجزء منها في وقت ثمّ بجزئه الآخر في وقت آخر بعد فصل طويل لم يصدق أن ما أتى به صلاة أو وضوء أو تيمّم أو غيرها.
وبهذا اعتبرنا التوالي في الصلاة ، وإلاّ لم يقم دليل لفظي على اعتبارها بين أجزائها فإن مقتضى الارتكاز أنّه لو كبّر وقرأ الفاتحة ثمّ اشتغل بفعل آخر ، وبعد مدّة ضمّ إليهما الركوع ، وبعد فصل أتى بالسجود بطلت صلاته ولم يصدق على عمله الصلاة.
واعتبار التوالي في أجزاء الجزء الواحد أوضح ، كما لو قرأ بعض الفاتحة ثمّ بعد مدّة قرأ النصف الآخر. واعتبار الموالاة بين أجزاء الكلمة الواحدة أوضح وأظهر ، كما لو قال : ما ، وبعد فصل قال : لك يوم الدين ، فإنّه لا يطلقون عليه عنوان الفاتحة.
وعلى هذا تعتبر الموالاة في أجزاء التيمّم كبقية العبادات ، نعم علمنا في الغسل من الخارج عدم اعتبار الموالاة في أجزائه ، وهو أمر آخر مستند إلى دليله.
(2) وهل يفرق في اعتبار الموالاة في أجزاء التيمّم بين التيمّم الّذي هو بدل عن الغسل وبين التيمّم البديل عن الوضوء ، بأن يقال بعدم اعتبارها في الأوّل دون الثّاني لأن مبدله في الأوّل وهو الغسل لا يعتبر فيه الموالاة؟
الصحيح عدم الفرق في اعتبارها بين أن يكون بديلاً عن الغسل أو بديلاً عن الوضوء ، لأن اشتراط الموالاة فيه ليس مستنداً إلى اشتراطها في مبدله ليفرق فيه بين ما هو بدل عن الغسل وما هو بدل عن الوضوء ، وإنّما اعتبارها من جهة الارتكاز
الرّابع : الترتيب على الوجه المذكور (1).
المقتضي لاعتبارها بين أجزاء العبادات المركبة بحيث لو وقع بينها فصل طويل بنحو لا تعد الأجزاء عملاً واحداً بطلت. فلا فرق في اعتبارها بين أقسام التيمّم.
(1) أمّا اعتبار أن يكون مسح الوجه بعد الضرب فهو ممّا لا إشكال فيه ، وتقتضيه الآية المباركة والأخبار الواردة في المقام ، فلو مسح وجهه ثمّ ضربهما على الأرض لم يكفِ ذلك ، لقوله تعالى ( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) (1)فلا بدّ أن يكون المسح بالتراب.
وكذلك تقتضيه الروايات (2)بل قد عبّر في بعضها بكلمة « ثمّ » الدالّة على الترتيب.
ودعوى : أنّ التيمّم فعل تدريجي ، ولا بدّ في الفعل التدريجي من ترتيب على كل حال ، ووقوع بعضه بعد بعض لا يدل على اعتبار الترتيب بين أجزائه. مندفعة بأنّها قد وردت لبيان الكيفيّة المعتبرة في التيمّم ، وما صدر عنهم ( عليهم الصّلاة والسّلام ) في ذلك المقام ظاهره أنّه معتبر في صحّة التيمّم ، وقد حكي ذلك في بعضها عن النّبي صلىاللّهعليهوآله (3)وعبّر فيه بكلمة « ثمّ » أيضاً ، فلا موقع لإنكار دلالتها على الترتيب ، وهذا ظاهر.
وأمّا اعتبار الترتيب بين اليدين ومسح اليمنى قبل اليسرى فلم يدل عليه دليل ، لأنّ الأخبار البيانية كلّها مشتملة على أنّهم مسحوا كفيهم إحداهما على الأُخرى ، وأمّا أنّه يعتبر الترتيب في مسح اليدين فهو ممّا لم يدل عليه شيء من تلك الأخبار.
نعم ورد في صحيحة محمّد بن مسلم التصريح بالترتيب في مسح اليدين وأنّ التيمّم
الخامس : الابتداء بالأعلى (1)ومنه إلى الأسفل في الجبهة واليدين (1).
التيمّم كالوضوء إلاّ في مسح الرأس والرجلين (2)، إلاّ أنّها محمولة على التقية كما قدّمناه (3).
وورد في موثقة زرارة المروية عن السرائر عن نوادر البزنطي أنّه مسح اليسرى على اليمنى واليمنى على اليسرى (4)، إلاّ أنّه خالٍ عن الدلالة على الترتيب ، وإنّما اشتمل على أنّه مسح كلا من اليدين بالأُخرى. ومن الواضح أنّه أمر تدريجي لا بدّ من أن يقدم بيان أحدهما على الآخر ، فلا يستفاد منه اعتبار الترتيب في مسح اليدين.
وورد ذلك أيضاً في الفقه الرضوي (5)بعنوان ( أروي ) ، وقد سبق غير مرّة أنّه لم يثبت كونه رواية فضلاً عن اعتبارها.
وأمّا دعوى الإجماع على اعتبار الترتيب بينهما فهي مندفعة بأنّه إجماع منقول لا يمكننا الاعتماد عليه ، على أن كلمات القدماء غير مشتملة على هذا الترتيب ، فقد عبر الصدوق في المقنع (6)والهداية (7)بما ورد في الروايات من أنّه يضرب بيديه الأرض ثمّ يمسح بهما وجهه ويديه ، من دون أن يتعرّض لبيان الترتيب بين اليدين وكذلك سلار (8)، نعم اعتبره بعضهم ، ومعه لا يمكن دعوى الإجماع في هذه المسألة.
(1) هذا هو المعروف بين الأصحاب ، وقد استدلّ عليه تارة بأنّ التيمّم بدل عن
الوضوء ، فكما يبدأ بالوضوء من الأعلى إلى الأسفل فكذلك الحال في بدله يجب البدء من الأعلى إلى الأسفل.
ويدفعه : عدم الدليل على أن جميع الأحكام المترتبة على المبدل لا بدّ من أن تترتب وتجري على البدل ، لأنّ المبدل شيء والبدل شيء آخر. على أنّه لو تمّ فإنّما يتم في التيمّم الّذي هو بدل عن الوضوء ولا يجري فيما هو بدل عن الغسل ، إذ لا يعتبر فيه البدء من الأعلى إلى الأسفل.
وأُخرى بالأخبار البيانية الدالّة على أنّهم عليهمالسلام مسحوا بأيديهم على وجوههم وأيديهم ، فان مقتضى عدم تعرّضهم لجواز النكس في المسح هو اعتبار كون المسح من الأعلى إلى الأسفل ، لأنّه المتعارف في المسح دون النكس ، فلو جاز غيره أو وجب للزم عليهم عليهمالسلام التنبيه والدلالة عليه ، نظير ما استدللنا به على اعتبار كون المسح بباطن الماسح على ظاهر الممسوح.
وقد أُجيب عن ذلك بأنّ الأخبار البيانية إنّما اشتملت على حكاية فعل صدر من الإمام ، ولا دلالة له على الوجوب ، لأنّ الفعل لا بدّ أن يقع على أحد الوجهين لا محالة ، ومن هنا لو مسح من الأعلى إلى الأسفل ثمّ بيّن أنّ ذلك غير واجب ويجوز النكس في المسح لم يكن فعله معارضاً لقوله ، ولا وجه له سوى أنّ الفعل لا يدل على الوجوب. فلا يمكننا استفادة الوجوب من مسحهم عليهمالسلام في الأخبار البيانية بناءً على صحّة التقريب المتقدم في دلالته على الوجوب.
وفيه : أنّ الفعل إنّما لا يدل على الوجوب فيما إذا لم يصدر في مقام البيان والجواب عن وجوبه ، كما إذا ورد أنّ الإمام تيمّم أو توضأ قائماً أو قاعداً ، فانّ ذلك لا يدل على اعتبار القيام أو القعود في شيء منهما كما أُفيد ، إذ الوضوء لا بدّ أن يقع منه إمّا قائماً وإمّا قاعداً لا محالة.
وأمّا لو سئلوا عن كيفيّة شيء كالتيمم في المقام وأنّهم عليهمالسلام عملوا عملاً في الجواب عن السؤال فيدل ذلك لا محالة على اعتبار ما فعلوا في ذلك الشيء
المسئول عنه ، كيف وهم في مقام البيان والجواب عن الكيفيّة المعتبرة في التيمّم.
وأمّا ما قيل من أنّه لو صرّح بعد المسح من الأعلى إلى الأسفل بأنّه ليس واجباً فلا يكون تعارض بين قوله وفعله عليهالسلام فهو من الغرابة بمكان ، وذلك لأنّ الاستفادة من الفعل إنّما هي بالدلالة ، وهي لا تكون أقوى من الصراحة ، إذ مع التصريح بخلاف الظهور لا يبقى للفعل دلالة على الوجوب ، والتصريح بيان لعدم إرادة الظاهر منه.
وكذلك الحال في المطلق الّذي ظاهره الشمول والسريان ، فإنّه لو صرّح بعدم إرادة السريان منه لم يكن بينهما مناقضة أصلاً ، لأنّه قرينة وتصريح بعدم إرادة الظاهر منه بل وكذلك الحال فيما لو صرّح بشيء وصرّح أيضاً بما أراده منه لم يكن بينهما مناقضة إذا عدّ قرينة على المراد.
فالصحيح في الجواب أن يقال : إن مسح الوجه واليدين يتصوّر على وجوه : فقد يمسحان من الأعلى إلى الأسفل ، وأُخرى من الأسفل إلى الأعلى ، وثالثة من اليمين إلى اليسار ورابعة من اليسار إلى اليمين.
وليس المسح من الأعلى إلى الأسفل أمراً عاديا دون غيره ليجب بيان غيره على تقدير عدم وجوب المسح من الأعلى إلى الأسفل. إذن لا دلالة للأخبار البيانية على اعتبار المسح من الأعلى إلى الأسفل.
وقد يستدل على ذلك بما ورد في الفقه الرضوي من أنّه يمسح من منبت الشعر إلى طرف الأنف (1).
وفيه : أنّه لم يثبت كونه رواية فضلاً عن اعتبارها ، على أنّه إنّما يدل على اعتبار البدء من الأعلى إلى الأسفل في الوجه ، ولا تعرض له إلى اعتبار ذلك في اليدين ومعه نحتاج في تتميم ذلك إلى التمسّك بالإجماع ، وهو لو تمّ لاستدللنا به على اعتباره من
1) المستدرك 2 : 535 / أبواب التيمّم ب 9 ح 1 ، فقه الرضا : 88 ، فيه « مقام الشعر » بدل « منبت الشعر ».
السّادس : عدم الحائل بين الماسح والممسوح (1).
السّابع : طهارة الماسح والممسوح (1)حال الاختيار (2).
الابتداء من دون احتياج إلى الفقه الرضوي ، وهو غير تام ، نعم المشهور ذلك كما مرّ.
إذن اعتبار ذلك في التيمّم مبني على الاحتياط لذهاب المشهور إليه من دون إمكان تتميمه بدليل.
(1) لأنّ المسح عبارة عن مسّ الماسح ومروره على الممسوح ، ومع وجود الحائل لا تتحقق المماسة الّتي هي المحققة للمسح.
ومن هنا يظهر أن عدّ ذلك من الشرائط مبني على التسامح ، لأنّه محقق الموضوع والمسح ، لا أنّه شيء زائد على حقيقته وهو شرط في صحّته ، بل لولاه لم يتحقق المسح والموضوع أصلاً ، فإطلاق الشرط عليه مبني على ضرب من التسامح ، وهو نظير ما إذا قيل : يشترط في الوضوء غسلتان ومسحتان ، وهذا ظاهر.
(2) قد يستدل على اعتبارها في التيمّم بأنّها معتبرة في الوضوء.
وفيه : أوّلاً : أنّه لا ملازمة بين المقامين.
وثانياً : قد بيّنا في محلِّه أن طهارة المحل في الوضوء لا دليل على اعتبارها إلاّ من جهة تنجس الماء به بناءً على تنجيس المتنجس (2)، ولا بدّ أن يكون الماء والتراب طاهرين ، لأنّهما طهور ، والطهور هو الّذي يكون طاهراً في نفسه ومطهراً لغيره.
[1119] مسألة 1 : إذا بقي من الممسوح ما لم يمسح عليه ولو كان جزءاً يسيراً بطل (1) عمداً كان أو سهواً أو جهلاً ، لكن قد مرّ أنّه لا يلزم المداقة والتعميق.
[1120] مسألة 2 : إذا كان في محل المسح لحم زائد يجب مسحه أيضاً (2)
فاعتبار طهارة المحل في الوضوء مبتنية على أنّ المتنجس ينجس كما هو المعروف بحيث لو لم يكن المحل موجباً لنجاسة الماء لم يكن عندنا دليل على اعتبار الطّهارة في المحل.
وحيث إنّ المفروض في المقام طهارة التراب وعدم تنجسه بنجاسة الماسح أو الممسوح فلا دليل على اعتبار الطّهارة فيهما ، ثمّ بعد ما تيمّم إن كان متمكّناً من تطهيرهما يطهرهما ، وإلاّ يصلِّي مع نجاستهما لعدم تمكّنه من تطهيرهما.
(1) لأنّه مقتضى ما قدّمناه من اعتبار الاستيعاب في المسح ، ومع الإخلال به لا بدّ من الحكم ببطلانه ، نعم قد لا تعتبر المداقة العقلية في الاستيعاب ، فان ما بين الأصابع في كل من الماسح والممسوح لا يقع ماسحاً ولا ممسوحاً ، ومعه يحكم بصحّة التيمّم فإنّه لا يعتبر أن يكون كل جزء من الماسح يمس كل جزء من الممسوح كما مرّ ، بل اللاّزم هو الاستيعاب العرفي على ما تقدّم بيانه (1).
(2) لأنّه من توابع اليد أو الوجه عرفاً ، ونظيره الإصبع الزائدة في بعض الأيدي فإنّه يجب مسحها لكونها معدودة من توابع اليد.
1) في ص 270 ، 276.
وإذا كانت يد زائدة فالحكم فيها كما مرّ في الوضوء (1).
(1) ذكر في بحث الوضوء (1)أنّه إن كانت له يد زائدة دون المرفق وجب غسلها كاللحم الزائد ، وإن كانت فوقه فان علم زيادتها لا يجب غسلها ويكفيه غسل اليد الأصليّة وإن لم يعلم الزائدة من الأصلية وجب غسلهما.
والوجه فيما أفاده : أنّ اليد الزائدة لو كانت دون المرفق فلا بدّ من غسلها لكونها من توابع اليد ، وما دون المرفق إلى الأصابع لا بدّ من غسله في الوضوء. وإن كانت فوقه فان كانت أصلية بأن تكون كالأُخرى مورداً للاستعمال في الحوائج وجب غسلها لما دلّ على وجوب غسل اليد في الوضوء ، وإن كانت زائدة فلا يجب لأنّ الواجب غسل اليد لا الشيء الزائد عليها ، وإذا لم يعلم الأصلية من الزائدة وجب غسلهما من باب المقدمة العلميّة.
وفي المقام إذا كانت اليد الزائدة فوق الزند فحكمها حكم الزائدة في الوضوء ، فان كانت أصليّة يجب مسحها ، لما دلّ على وجوب مسح اليد من الزند إلى أطراف الأصابع ، وإن كانت زائدة فلا يجب لعدم وجوب مسح العضو الزائد ، وعند الاشتباه يجب مسحهما من باب المقدمة العلميّة.
وإذا كانت اليد الزائدة دون الزند فيمكن التفرقة بين التيمّم والوضوء ، فانّ الوجه في وجوب غسل الزائدة عند كونها دون المرفق هو ما دلّ على وجوب غسل ما دون المرفق إلى أطراف الأصابع ، وفي بعض الأخبار أنّه عليهالسلام لم يدع شيئاً إلاّ وغسله (2)ومقتضاه وجوب غسل الزائدة في الوضوء لأنّه شيء دون المرفق.
وأمّا في التيمّم فليس لنا دليل يدل على وجوب مسح ما دون الزند إلى أطراف الأصابع ، وإنّما دلّ الدليل على وجوب مسح الكف ، واليد الزائدة ليست بكف حتّى يجب مسحها وإنّما هي شيء زائد لا وجه لمسحها.
[1121] مسألة 3 : إذا كان على محل المسح شعر يكفي المسح عليه (1) وإن كان في الجبهة بأن يكون منبته فيها ، وأمّا إذا كان واقعاً عليها من الرأس فيجب رفعه لأنّه من الحائل.
[1122] مسألة 4 : إذا كان على الماسح أو الممسوح جبيرة يكفي المسح بها أو عليها (2).
(1) لأنّه من توابع الوجه واليدين ، وأنّه مقتضى السكوت عنه في الأخبار البيانيّة حيث إنّ الغالب بل لا توجد يد أو جبهة لم ينبت عليها شعر إلاّ نادراً ، ومعه لو كان الشعر النابت عليهما مانعاً عن صحّة التيمّم لبين في الأخبار ووجب التنبيه عليه.
نعم لو كان وقع عليهما شعر آخر غير ما هو النابت عليهما كما لو وقع شعر الرأس على الجبهة لزم رفعه ليتحقق موضوع المسح ، لأنّه حائل بين الماسح والممسوح ، وأمّا الشعر النابت على الموضعين فلا مانع من إيقاع المسح عليه كالبشرة.
(2) هذا هو المعروف بين الأصحاب ، بل ادعي عليه الاتفاق في كلماتهم ، إلاّ أنّه لا يمكن الاستدلال على ذلك بالإجماع لعدم تماميته ، ولا بقاعدة الميسور لأنّها كما مرّ مراراً ممّا لا يمكن الاعتماد عليها.
وأمّا رواية عبد الأعلى مولى آل سام قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال : يعرف هذا وأشباهه من كتاب اللّه عزّ وجلّ ، قال اللّه تعالى ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) امسح عليه » (1)فهي غير صالحة للاستدلال بها سنداً ودلالة.
1) الوسائل 1 : 464 / أبواب الوضوء ب 39 ح 5.
أمّا من حيث السند فلأن عبد الأعلى لم تثبت وثاقته.
وأمّا من حيث الدلالة فلأجل أن نفي الحرج إنّما ينفي وجوب مسح البشرة ، ولا يقتضي وجوب المسح على المرارة. ومعنى قوله عليهالسلام : « يعرف هذا وأشباهه من كتاب اللّه » أن نفي وجوب غسل البشرة أو مسحها أو غيرهما من الأحكام الحرجية يستفاد من كتاب اللّه ، لا أنّه يثبت وجوب شيء آخر.
نعم هناك روايتان رواهما صاحب الوسائل في أحكام الجبائر من دون اختصاصهما بالغسل أو الوضوء.
إحداهما : رواية كليب الأسدي قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل إذا كان كسيراً كيف يصنع بالصلاة؟ قال : إن كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره وليصل » (1).
ولا بأس بدلالتها على المدّعى ، لأن قوله عليهالسلام : « إن كان يتخوف على نفسه » يعم ما إذا كان خوفه من جهة مسحه على البشرة بحيث لو مسحها ورفع جبيرته تضرر به ، وقد حكم عليهالسلام بلزوم المسح على الجبيرة حينئذ. إلاّ أنّها ضعيفة من حيث السند لأنّ كليباً الأسدي لم يوثق في الرّجال.
وثانيتهما : حسنة الوشاء قال : « سألت أبا الحسن يعني الرضا عليهالسلام كما صرّح به الصدوق عن الدواء إذا كان على يدي الرجل أيجزئه أن يمسح على طلي الدواء؟ فقال : نعم يجزئه أن يمسح عليه » (2)، وهي من حيث السند حسنة بالوشاء.
إلاّ أنّ الصدوق قدسسره رواها بعين هذا السند عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام قال : « سألته عن الدواء يكون على يد الرجل أيجزئه أن يمسح في الوضوء على الدواء المطلي عليه؟ فقال : نعم يمسح عليه ويجزئه » (3)وهي كما ترى مقيّدة
بالمسح في الوضوء ولا تعم المسح في التيمّم.
ومن البعيد أن تكون هاتان روايتين رواهما كل من سعد بن عبد اللّه وأحمد بن محمّد بن عيسى والحسن بن علي الوشاء ، ومنه يظهر أنّ رواية الشيخ (1)سقطت منها كلمة « في الوضوء » ومعه لا يمكن الاستدلال بهما على المدّعى.
نعم لا بأس بالاستدلال على ذلك بالأخبار الواردة في الكسير المجنب أو الّذي به قرح أو جراحة وتصيبه الجنابة ، حيث دلّت على أنّه لا يغتسل ويتيمّم. حيث إنّ الكسر والقرح غالباً يكون على الرأس والجبهة واليدين ، ولا أقل من أنّه متعارف عادة لو لم يكن غالبياً ، وقد أمر الإمام عليهالسلام في مثله بالتيمّم من دون أن يأمر برفع الجبائر عن الكسير ونحوه.
ثمّ لو لم تتم دلالة الأخبار على ذلك يكفينا في ذلك ما قدّمناه من أن ما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال (2)حاكم على أدلّة الأجزاء والشرائط المعتبرة في الصلاة ومقدّماتها من الوضوء والغسل والتيمّم ، فإنّه يوجب اختصاص تلك الأجزاء والشرائط بحال الاختيار ، لأنّه دلّ على أنّ المكلّف عند عدم التمكّن من تلك الشرائط والأجزاء مأمور بالصلاة ، وحيث أنّها مشروطة بالطهور فلا بدّ أن يأتي بالطهور بالمقدار الّذي يتمكّن منه.
نعم لا حكومة له على اشتراط الطهور في الصلاة ، وليس هذا من جهة التخصيص بل لأنّه مع فقد الطهور لا يتحقق موضوع للصلاة ، وفي المقام لمّا لم يتمكّن المكلّف من المسح في التيمّم على نفس البشرة أو لم يتمكّن من المسح بها وجب عليه أن يتيمّم بالمسح على الجبيرة أو بالمسح بالجبيرة.
[1123] مسألة 5 : إذا خالف الترتيب بطل (1) وإن كان لجهل أو نسيان.
[1124] مسألة 6 : يجوز الاستنابة عند عدم إمكان المباشرة (2) فيضرب النائب بيد المنوب عنه ويمسح بها وجهه ويديه (3)
(1) لأنّه مقتضى ما قدّمناه (1)من اعتبار الترتيب في مسح الوجه واليدين.
(2) لما مرّ (2)من أنّ اعتبار المباشرة يختص بحال الاختيار.
(3) لا أنّ النائب يضرب بيدي نفسه على الأرض ليمسح بهما وجه المنوب عنه ويديه ، لأنّ التيمّم فعل نفس العاجز فلا بدّ من صدوره عنه.
مضافاً إلى صحيحة ابن سكين المتقدمة الدالّة على أنّ المجدور ونحوه ييممه غيره (3)فان معنى « يمموه » إيجاد التيمّم فيه وإحداثه به.
إذن لا بدّ أن يكون المنوب عنه هو الّذي يقع فيه التيمّم ويحدث به كما هو مقتضى الإطلاق ، وهذا لا يتحقق إلاّ بضرب النائب يدي المنوب عنه على الأرض لا بضرب النائب يدي نفسه ، فانّ التيمّم حينئذ لا يتحقق في المنوب عنه ، لأنّه متقوم بضرب اليد ومسحها ، وقد استفدنا من الصحيحة لزوم حدوثه في العاجز ، نعم لمّا لم يمكنه إحداثه بالمباشرة ساغ له أن يحدثه بواسطة النائب.
ومن هنا يظهر الفرق بين التيمّم والوضوء والغسل ، لأنّ التيمّم كما مرّ ضرب ومسح ، وهما لا يتحققان إلاّ بيد المتيمم المحدث ، إذ لو صدرا بيد الغير لم يتحقق التيمّم في المنوب عنه.
وإن لم يمكن الضرب بيده (1)فيضرب بيده نفسه (1).
[1125] مسألة 7 : إذا كان باطن اليدين نجساً وجب تطهيره إن أمكن (2)وإلاّ سقط اعتبار طهارته ، ولا ينتقل إلى الظاهر إلاّ إذا كانت نجاسته مسرية (3)
وهذا بخلاف الغسل أو الوضوء ، لأنّ اللاّزم فيهما غسل البشرة ، ولا يعتبر فيه كونه بيد المنوب عنه ، بل لو كان بيد النائب يصدق أيضاً أنّ المنوب عنه قد توضأ أو اغتسل ، إلاّ في مسح الرأس والرجلين فإنّه إنّما يتقوّم بيد المنوب عنه نفسه ، كالضرب والمسح في التيمّم.
(1) لما تقدّم من أنّ قوله عليهالسلام : « ولا تدع الصلاة بحال » (4)حاكم على جميع أدلّة الأجزاء والشرائط المعتبرة في الصلاة أو مقدماتها ، وهو يوجب اختصاصها بحال الاختيار ، وحيث إنّ العاجز مكلّف بالصلاة ولا صلاة إلاّ بطهور وهو غير متمكّن من الماء يتعيّن عليه الصلاة بالتراب ، وحيث إنّ المقدار المتمكّن منه للعاجز من التيمّم وقوع المسح على وجهه ويديه بالتراب من دون تمكّنه من ضرب يديه على الأرض أو وضعهما عليها وجب على النائب أن يضرب بيدي نفسه على الأرض ويمسح بهما وجه العاجز ويديه.
(2) تقدّمت هذه المسألة سابقاً (5)إلاّ أنّه قدسسره زاد عليها في المقام أنّ
إلى ما يتيمّم به ولم يمكن تجفيفه.
النجاسة إذا لم يمكن إزالتها وكانت مسرية لا يمكن تجفيفها انتقل الأمر إلى ظاهر اليدين.
وتوضيح القول في ذلك : أنّا قدمنا أنّ الطهور الّذي تتوقف الصلاة عليه بمعنى الماء والتراب ، وهو ممّا لا بدّ أن يكون طاهراً لأنّه بمعنى ما يتطهر به ، وعليه :
إن قلنا بكفاية كون التراب طاهراً في نفسه قبل ضرب اليد عليه وإن كان يتنجس التراب بالضرب عليه ، لأنّه يصدق عليه أنّه صعيد طيب قد قصدناه كما هو معنى قوله تعالى ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (1)فلا موجب للانتقال إلى ظاهر اليدين ، بل يجب عليه أن يضرب بباطن يديه على الأرض وإن كان التراب يتنجس بضرب اليدين عليه.
وأمّا لو قلنا بلزوم كونه طاهراً حتّى بعد الضرب عليه وبما أنّه يتنجس بمجرّد ضرب اليد عليه فلا بدّ من الانتقال إلى ظاهر اليدين ، لما تقدّم من أن اعتبار الضرب بالباطن مختص بحال الاختيار والتمكّن.
ومقتضى الاحتياط هو الجمع بين التيمّم بضرب الباطن على الأرض وضرب الظاهر عليه ، لأنّه مقتضى العلم الإجمالي باعتبار الطّهارة في التراب المتيمم به إمّا مطلقاً وإمّا قبل وقوع الضرب عليه ، بل لو كان التراب منحصراً بواحد لا بدّ من تقديم الضرب بظاهر اليدين على الضرب بباطنهما ، لأنّه لو عكس تنجس التراب ولم ينفع التيمّم به حينئذ بضرب الظاهر عليه.
1) النِّساء 4 : 43 ، المائدة 5 : 6.
[1126] مسألة 8 : الأقطع بإحدى اليدين يكتفي بضرب الأُخرى ومسح الجبهة بها ثمّ مسح ظهرها بالأرض (1) والأحوط الاستنابة (1)لليد المقطوعة فيضرب بيده الموجودة مع يد واحدة للنائب ويمسح بهما جبهته ويمسح النائب ظهر يده الموجودة ، والأحوط مسح ظهرها على الأرض أيضاً.
(1) والوجه فيما ذكره : أنّا قد استفدنا من الآية المباركة والأخبار أنّ التيمّم يعتبر فيه مسح الوجه واليدين من الأرض لا بالأرض ، فإذا فرضنا أنّ المكلّف أقطع بإحدى اليدين فهو وإن كان يمكنه مسح الوجه والجبهة من الأرض ، لأنّه يضرب بيده الموجودة على الأرض فيمسح بها وجهه ، إذ يشمله قوله تعالى ( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) فإنّه وإن كان جمعاً وخطاباً للجميع إلاّ أنّه من باب مقابلة الجمع بالجمع ، أي يمسح كل مكلّف وجه نفسه ويده ، إذ ليس له وجوه وأيدي ، وهذا كما ترى شامل لمقطوع اليد الواحدة أيضاً.
إلاّ أنّ الأقطع لا يتمكّن من مسح اليدين من الأرض ، لأنّه إنّما يمكن لواجد اليدين فيضرب بهما على الأرض ويمسح بكل منهما على الأُخرى ، ومع فرض انعدام إحداهما لا يمكنه مسحهما من الأرض وإنّما يمكنه مسح إحداهما بالأرض بأن يمسح يده الموجودة على الأرض.
وكذلك يحتمل أن يتعيّن عليه التيمّم بالذراع من اليد المقطوعة بأن يضربها على الأرض ويمسح بها وعليها ، بأن يقوم الذراع مقام الكف ، فإنّه لا يحتمل أن يكون غيره من الأعضاء مقدماً عليه ، فلا تصل النوبة إلى الاستنابة ، كما لم يحتملوا ذلك في الوضوء حيث اكتفوا في الأقطع بغسل اليد الموجودة.
كما يحتمل الانتقال إلى الاستنابة في اليد المقطوعة بإلغاء قيد المباشرة.
1) (*) بل الأحوط الجمع بينهما وبين التيمّم بالذراع من اليد المقطوعة.
وأمّا أقطع اليدين فيمسح بجبهته على الأرض ، والأحوط مع الإمكان الجمع بينه وبين ضرب ذراعيه والمسح بهما وعليهما (1).
إذن يدور الأمر بين إلغاء اعتبار كون المسح من الأرض ليكتفى بمسح اليد الموجودة على الأرض على نحوٍ قد عرفت مع (1)وجوب التيمّم بذراع اليد المقطوعة وبين إلغاء قيد المباشرة لينتقل الأمر إلى الاستنابة.
ومقتضى العلم الإجمالي هو الجمع بين الأمرين (2)بأن يضرب اليد الموجودة على الأرض ويمسح ظهرها على الأرض ويستنيب شخصاً ليضرب إحدى يديه مع يده الموجودة على الأرض ويمسح بهما وجهه ويده كما في المتن ويتيمّم بذراع اليد المقطوعة مع اليد الموجودة.
(1) وأمّا في أقطع اليدين فحينئذ لا تشمله الآية المباركة ، إذ لا يد له ليمسح بها وجهه ويديه. كما لا يحتمل فيه الاستنابة قطعاً ، لأنّ معناها أن يتيمّم غيره بدلاً عنه وهذا ممّا لا معنى له.
بل يتعيّن في حقّه أن يضرب ذراعيه على الأرض ويمسح بهما وعليهما ، وذلك لعدم احتمال تقدم غيرهما من الأعضاء عليهما في التيمّم ، ويمسح بجبهته أيضاً على الأرض لاحتمال سقوط اعتبار أن يكون المسح من الأرض ولزوم كون المسح بالأرض في العضو الموجود.
والوجه فيما ذكرناه : أنّ المكلّف في الصورتين لا يحتمل سقوط الصلاة عنه وعدم كونه مأموراً بها طيلة حياته لأنّه أقطع اليدين ، ومع العلم بوجوبها في حقّه مع اشتراطها بالطهور فمقتضى الجمع بين ما دلّت عليه الآية المباركة والأخبار من اعتبار قيد المباشرة وكون المسح من الأرض لا بالأرض هو ما قدّمناه في الاحتياط.
[1127] مسألة 9 : إذا كان على الباطن نجاسة لها جرم يعد حائلاً (1) ولم يمكن إزالتها فالأحوط الجمع بين الضرب به والمسح به والضرب بالظاهر والمسح به (2).
[1128] مسألة 10 : الخاتم حائل فيجب نزعه حال التيمّم (3).
[1129] مسألة 11 : لا يجب تعيين المبدل منه مع اتحاد ما عليه (4) وأمّا مع التعدّد كالحائض والنفساء مثلاً (5)
ثمّ إن ما ذكرناه في الاستدلال في فرعي الأقطع لا يتوقف على ما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال (1)، وذلك لقيام الضرورة والقطع بأنّ الأقطع مأمور بالصلاة وليس هو بحيث لا تجب عليه الصلاة طيلة حياته.
(1) أو غيرها ممّا يكون حائلاً مثل القير.
(2) لأنّ مقتضى الأدلّة هو اعتبار كون المسح بالباطن واعتبار الاستيعاب فيه والجمع بينهما غير ممكن في المقام ، فيدور الأمر بين سقوط اعتبار الاستيعاب فيضرب بباطن يده المشتملة على الحائل وسقوط اعتبار الباطن ليضرب بظاهر يده ، ومقتضى العلم الإجمالي أن يجمع بينهما كما ذكره في المتن.
(3) وهو من الظهور بمكان ، وإنّما تعرض قدسسره له تنبيهاً للعوام.
(4) لأنّ المفروض أنّ الواجب في حقّه متعيّن فالتيمّم لا يقع إلاّ بدلاً عنه بلا حاجة إلى التعيين.
(5) لعدم التداخل في التيمّم وإن ثبت ذلك في الغسل ، وكذا المستحاضة الّتي يجب عليها الغسل والوضوء.
1) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.
فيجب تعيينه ولو بالإجمال (1).
[1130] مسألة 12 : مع اتحاد الغاية لا يجب تعيينها (2) ومع التعدّد يجوز قصد الجميع ويجوز قصد ما في الذمّة ، كما يجوز قصد واحدة منها فيجزئ عن الجميع (3).
(1) فانّ الواجب حقائق متعددة مختلفة ، ولا تعين لما يأتي به بدلاً عنه عند عدم قصد التعيين لا واقعاً ولا ظاهراً فيبطل ولا بدّ معه من الإعادة.
وتوضيحه : أنّه عند عدم تعيين المبدل منه لا يمكن أن يقع التيمّم بدلاً عن الجميع لعدم التداخل فيه كما عرفت ، ولا يقع بدلاً عن بعض دون بعض ، لأنّه من دون ترجيح وتعيين فيقع باطلاً لا محالة.
وقد يختلف أثر المبدل منه كما لو وجب عليه غسل الجنابة ووجب عليه الوضوء لسبب من أسبابه ، فلو تيمّم بدلاً عن الوضوء لم يجز له ما يجوز لغير الجنب من دخول المساجد ومسّ القرآن وغيرهما ، وهذا بخلاف ما لو تيمّم بدلاً عن الغسل.
وكيف كان ، فمع التعدّد لا بدّ من تعيين المبدل منه ولو إجمالاً كما لو قصد ما وجب عليه أوّلاً.
(2) لأنّها متعيّنة واقعا.
(3) قد يقال : ما معنى قصد ما في الذمّة في مقابل قصد غاية معيّنة من الغايات وقصد الجميع؟ لأنّ المكلّف إمّا أن يقصد جميع غاياته وإمّا أن يقصد بعضاً معيّناً فأي معنىً لما في الذمّة غيرهما ليقصده المكلّف في مقام الامتثال؟
والجواب : أنّ المراد بقصد ما في الذمّة هو قصد الجامع بين الغايات مع إلغاء الخصوصيات الفرديّة ، فقد لا يدري المكلّف بأنّه يأتي بأية غاية من غاياته.
[1131] مسألة 13 : إذا قصد غاية فتبيّن عدمها بطل (1) وإن تبيّن غيرها صحّ له إذا كان الاشتباه في التطبيق (2) وبطل إن كان على وجه التقييد (1)(3).
إذن يصح أن يقال : إنّه قد يقصد غاية معيّنة وأُخرى يقصد الجميع وثالثة يقصد الجامع بينها من دون قصد شيء من خصوصياتها ، وعلى جميع التقادير يحكم عليه بالطّهارة ولو فيما إذا قصد غاية معيّنة ، ومعه يسوغ له الدخول في كل عمل مشروط بالطّهارة ، لأنّه متطهر على الفرض.
(1) كما إذا تيمّم لصلاة الظهر وانكشف كونه قبل الوقت بطل ، أو انكشف أنّه صلاّها وليس هناك أية غاية أُخرى من غاياته. والوجه في بطلانه هو عدم المشرع له.
(2) بأن يقصد به الأمر الفعلي ، غاية الأمر أنّه كان يتخيّل أنّه من جهة غاية كذا وانكشف أنّ الغاية كانت شيئاً ثانياً غير ما كان يتخيّله.
(3) قد سبق القول في هذه المسألة (2)وقلنا : أنّ عبادية الطهارات الثلاثة لم تنشأ من أمرها الغيري وإنّما نشأت من محبوبيتها بذاتها وكونها مستحبّاً نفسيّاً ، فإذا أتى بها مضافة إلى اللّه سبحانه نحو إضافة صحّت ، سواء كان قد أتى بها بقصد كونها مقدمة لغاية معيّنة على نحو التقييد بأن كان بحيث لو علم بعدم تلك الغاية لم يأت بها أو أتى بها [ لا ] على وجه التقييد. فقصد التقييد وعدمه لا أثر له في المقام وأمثاله ، بل لا بدّ من الحكم بالصحّة في كلتا الصورتين.
[1132] مسألة 14 : إذا اعتقد كونه محدثاً بالأصغر فقصد البدلية عن الوضوء فتبيّن كونه محدثاً بالأكبر فإن كان على وجه التقييد بطل (1) وإن كان من باب الاشتباه في التطبيق (1)أو قصد ما في الذمّة صحّ ، وكذا إذا اعتقد كونه جنباً فبان عدمه وأنّه ماسّ للميّت مثلاً (2).
[1133] مسألة 15 : في مسح الجبهة واليدين يجب إمرار الماسح على الممسوح فلا يكفي جرّ الممسوح تحت الماسح (3) ، نعم لا تضر الحركة اليسيرة في الممسوح إذا صدق كونه ممسوحا.
(1) لأن ما قصده من الغاية لم يكن ، وما هو موجود لم يقصد ، ومعه لا بدّ من الحكم ببطلانه ، وهذا بخلاف ما لو أتى به بقصد أمره الفعلي متخيّلاً أنّه محدث بالأصغر فبان كونه محدثاً بالأكبر.
وهذا نظير ما إذا أتى بصلاة أربع ركعات قاصداً بها الظهر فبان أنّه قد صلاّها ، فانّ المأتي به حينئذ لا يقع عصراً بل يحكم ببطلانه ، بخلاف ما إذا أتى بها بقصد ما في الذمّة أو بقصد أمرها الفعلي متخيّلاً أنّه الأمر بالظهر فبان أنّه مأمور بالعصر فإنّه يقع عصراً لا محالة. فالتفصيل بين صورة التقييد وبين قصد الأمر الفعلي صحيح حينئذ (2).
(2) يأتي تفصيل الكلام في ذلك في المسألة 26 من مسائل أحكام التيمّم إن شاء اللّه تعالى فراجعه.
(3) اعتمد في ذلك على الأخبار البيانيّة وغيرها ممّا دلّ على أنّهم مسحوا بأيديهم
وجوههم وأيديهم. وقد ذكرنا في مبحث الوضوء (1)أنّ للمسح في لغة العرب معنيين :
أحدهما : إزالة الأثر. ويعبّر عن آلة الإزالة بالماسح ، فإذا كانت اليد قذرة فازيلت بمنديل أو بالحائط يقال : إنّه مسح يده بالحائط أو بالمنديل ، ومعناه أن ما دخلته « الباء » قد أزال الأثر عن اليد مثلاً. ولا يفرق في هذا بين إمرار الماسح على الممسوح وبين إمرار الممسوح وجرة من تحت الماسح ، فانّ المنديل ماسح على كل حال ، سواء أوقفنا اليد وأمررنا المنديل عليه أم أمررنا اليد على المنديل.
وقد احتملنا هناك أن يكون قوله سبحانه ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ) من هذا القبيل ، أي يكون الرأس آلة وموجباً لزوال الرطوبة الموجودة في الأصابع. وقد دلّت الأخبار على أنّه لا بدّ أن تكون فيها رطوبة تمسح بالرأس والرجل.
ولا يفرق في هذا كما تقدم بين أن يمر الماسح على الممسوح أو العكس ، وإنّما قلنا في الوضوء باعتبار مرور اليد على الرأس والرجلين لأجل الروايات.
وثانيهما : المسح (2)، وهو إمرار اليد ، ومنه قولهم : مسحت يدي على رأس اليتيم. وفي هذا يعتبر مرور الماسح على الممسوح ، لأنّه بمعنى الإمرار ، فلو أوقفنا اليد وأمررنا رأس اليتيم تحتها انعكس الأمر فكان الماسح الرأس لا اليد.
وفي المقام الأمر كذلك ، لأنّ الأمر بالمسح في التيمّم ليس لأجل إزالة الأثر من اليد لا سيما لو قلنا بوجوب النفض ، فإنّه لا يبقى معه شيء من التراب ليزال بالمسح ، فيتعيّن أن يكون المسح في المقام بمعنى الإمرار ، ومعه لا بدّ من إمرار اليد على الوجه والكفين ولا يكفي جرّ الممسوح من تحت الماسح.
[1134] مسألة 16 : إذا رفع يده في أثناء المسح ثمّ وضعها بلا فصل وأتمّ فالظاهر كفايته (1) وإن كان الأحوط الإعادة.
[1135] مسألة 17 : إذا لم يعلم أنّه محدث بالأصغر أو الأكبر وعلم بأحدهما إجمالاً يكفيه تيمّم واحد بقصد ما في الذمّة (2).
[1136] مسألة 18 : المشهور على أنّه يكفي فيما هو بدل عن الوضوء ضربة واحدة للوجه واليدين ويجب التعدّد فيما هو بدل عن الغسل ، والأقوى كفاية الواحدة فيما هو بدل الغسل أيضاً وإن كان الأحوط ما ذكروه ، وأحوط منه التعدّد في بدل الوضوء أيضاً (3).
(1) وذلك لإطلاقات الأخبار (1)ومسحهم عليهمالسلام في الأخبار البيانيّة (2)وإن كان متّصلاً إلاّ أن فعلهم ذلك لا يدل على الوجوب لا سيما بملاحظة عدم الاهتمام ببيان اعتبار الاتصال في الأخبار ولو بالحكاية عن أنّهم مسحوا من غير فصل.
(2) لما تقدّم من أنّه يكفي في التعيين تعيين المبدل عنه بالإجمال كقصد ما في الذمّة ولو مع العلم بأنّه محدث بالأصغر أو الأكبر فضلاً عمّا إذا لم يعلم به.
(3) الظاهر أنّ الأقوال في المسألة أربعة :
الأوّل : التفصيل بين التيمّم البدل عن الوضوء وبين الّذي هو بدل عن الغسل فيكفي في الأوّل ضربة واحدة للوجه واليدين ، وفي الثّاني تعتبر ضربتان : ضربة قبل
مسح الوجه وأُخرى قبل مسح اليدين بعد مسح الوجه. ذهب إليه المحقق (1)والشيخ في مبسوطه ونهايته (2)والمفيد في المقنعة (3)وجمع آخرون ، بل نسب إلى أكثر المتأخرين.
الثّاني : كفاية الضربة الواحدة مطلقاً سواء كان التيمّم بدلاً عن الغسل أم كان بدلاً عن الوضوء. وقد ذهب إليه جمع كالمرتضى (4)وابن الجنيد (5)وابن أبي عقيل (6)وجمع من متأخري المتأخرين.
الثّالث : اعتبار الضربتين في التيمّم مطلقاً. وهو منسوب إلى جماعة من المتقدمين.
الرّابع : ما نسب إلى علي بن بابويه من اعتبار ضربات ثلاث في التيمّم بلا فرق بين ما هو بدل عن الوضوء وما هو بدل عن الغسل (7).
أمّا القول الأخير فقد استدلّ عليه بصحيحة محمّد بن مسلم المتقدمة قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن التيمّم فضرب بكفيه الأرض ثمّ مسح بهما وجهه ، ثمّ ضرب بشماله الأرض فمسح بها مرفقه إلى أطراف الأصابع واحدة على ظهرها وواحدة على بطنها ، ثمّ ضرب بيمينه الأرض ثمّ صنع بشماله كما صنع بيمينه ... » (8). حيث دلّت على أنّ التيمّم ثلاث ضربات.
وفيه : ما قدّمناه (9)من أنّها محمولة على التقية ، إذ لا يجب في التيمّم المسح من المرفق كما مرّ ، على أنّها مخالفة لجميع الأخبار الواردة في التيمم لدلالتها على أنّه ضربة أو
ضربتان ، فهي رواية شاذّة ومخالفة للسنّة القطعيّة فلا مناص من طرحها. فهذا القول ساقط.
وأمّا القول الأوّل الّذي ذهب إليه المحقق والطوسي وغيرهما من التفصيل بين التيمّم البدل عن الغسل وما هو بدل عن الوضوء فهو ممّا لا يمكن الالتزام به أيضاً حيث لا دليل عليه ، وإن استدلّ عليه الشيخ الطوسي قدسسره (1)بما حاصله : أنّ الأخبار على طائفتين :
إحداهما : تدل على أنّ التيمّم ضربة واحدة. ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين ما هو بدل عن الغسل وما هو بدل عن الوضوء.
وثانيتهما : تدل على أنّه ضربتان. ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين البدل عن الغسل والبدل عن الوضوء. إلاّ أنّا نأخذ بالقدر المتيقن من كل منهما ونرفع به اليد عن ظاهر الأُخرى.
وحيث إنّ القدر المتيقن من الطائفة الثّانية هو اعتبار الضربتين فيما هو بدل عن الغسل ، إذ لا يحتمل أن تكون الضربتان معتبرتين فيما هو بدل عن الوضوء دون الغسل ، فنأخذ به ونرفع اليد لأجله عن إطلاق الطائفة الدالّة على أنّه ضربة واحدة بحملها على ما هو بدل عن الوضوء.
كما أنّ القدر المتيقن من الطائفة الأُولى اعتبار الضربة الواحدة فيما هو بدل عن الوضوء ، لأنّا لا نحتمل عكسه ، فنأخذ به ونرفع اليد عن إطلاق الطائفة الثّانية بحملها على ما هو بدل عن الغسل.
وقد صنع الشيخ قدسسره نظير ذلك في الجمع بين ما دلّ على أن « ثمن العذرة سحت » (2)وبين ما دلّ على أنّه « لا بأس ببيع العذرة » (3)بحمل الاولى على عذرة
الإنسان وحمل الثّانية على عذرة غيره بعين البيان المتقدم (1).
ولا يمكن الاعتماد على ما ذكره بوجه ، وذلك :
أمّا أوّلاً : فلأن وجود القدر المتيقن من الخارج لا يقلب الرواية عن ظاهرها وعليه فهما متعارضتان لا بدّ من علاجهما. وحمل إحداهما على ما هو بدل عن الغسل والأُخرى على ما هو بدل عن الوضوء ليس بجمع عرفي بينهما.
وأمّا ثانياً : فلأن في المقام روايتين تدلاّن على أنّ التيمّم في كل من الغسل والوضوء على ترتيب واحد.
إحداهما : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال « قلت له : كيف التيمّم؟ قال : هو ضرب واحد للوضوء والغسل من الجنابة تضرب بيديك مرّتين ... » (2). فان معناها أنّ التيمّم قسم واحد للوضوء والغسل ، وفي كليهما تضرب بيديك.
ودعوى : أن معنى الرواية هو أنّ التيمّم ضرب واحد للوضوء ، وأمّا الغسل فلا بدّ فيه من ضرب اليد على الأرض مرّتين. مندفعة : بأنّه خلاف الظاهر جدّاً ، لأن « تضرب ... » لا يمكن حمله على الغسل.
وثانيتهما : موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سألته عن التيمّم عن الوضوء والجنابة ومن الحيض للنساء سواء؟ فقال : نعم » (3)وهي أصرح من سابقتها. وهما تدلاّن على بطلان التفصيل بين التيمّم البدل عن الوضوء وما هو بدل عن الغسل.
وثالثاً : لأنّ التفصيل بذلك لا يمكن الالتزام به في نفسه ، لأنّ الأخبار البيانية الدالّة على أنّ التيمّم ضربة واحدة قد ورد أكثرها في قضيّة عمار (4)وهو إنّما كان مأموراً
بالغسل من الجنابة على ما صرّح به في الأخبار ، ومعه كيف يمكن حملها على التيمّم البدل عن الوضوء.
وقد يقال : إنّ الجمع بين الطائفتين بما ذكره الشيخ قدسسره إنّما هو للشاهد الّذي نقله العلاّمة (1)عن الشيخ من أنّه روي عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « إنّ التيمّم من الوضوء مرّة واحدة ومن الجنابة مرّتان » (2)، وهي شاهدة الجمع بين الطائفتين.
ويندفع بأنّ الرواية ليس لها وجود ، ولعل أوّل من تنبه له صاحب المنتقى (3)، وقد ذكر أنّه اجتهاد من الشيخ وأنّ العلاّمة ظنّ من عبارته أنّه رواية ، حيث إنّ الشيخ بعد ما نقل الأخبار وما استدلّ به على التفصيل المذكور بما ذكرناه من الجمع بين الطائفتين قال : على أنّا أوردنا خبرين مفسرين لهذه الأخبار ، أحدهما عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام والآخر عن ابن أُذينة عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنّ التيمّم من الوضوء مرّة واحدة ومن الجنابة مرّتان (4).
وقوله : أوردنا ، كالصريح في أنّه يشير إلى الأخبار الّتي نقلها قبل ذلك ، وليس في الأخبار ما يدل على التفصيل المذكور ، فقوله : إنّ التيمّم من الوضوء مرّة واحدة ... نتيجة ما فهمه عن نقل الأخبار والجمع بينها.
على أنّا لو سلّمنا وجود تلك الرواية فهي تدل على تفصيل آخر لم يقل به أحد من الأصحاب ، حيث إنّها تدل على أنّ التيمّم بدلاً عن الوضوء مرّة واحدة وعن الغسل مرّتان ، أي يجب في البدل عن الوضوء التيمّم مرّة وفي البدل عن الغسل تيممان ، ولم يقل بهذا فقيه.
وإنّما التزموا بوحدة التيمّم في كليهما ، واختلفوا في اعتبار الضربة الواحدة فيه أو اعتبار الضربتين أو اعتبار التفصيل. فهذا القول الأوّل الّذي يتضمن التفصيل المشهور ممّا لا يمكن الاعتماد عليه.
إذن يدور الأمر بين القول بكفاية الضربة الواحدة مطلقاً فيما هو بدل عن الوضوء والغسل وبين القول بلزوم تعدّد الضربة مطلقاً.
والصحيح هو الأوّل وهو الاجتزاء بالضربة الواحدة مطلقاً ، وذلك لأن ما استدلّ به على اعتبار تعدّد الضربة قاصر عن إثبات ذلك المدّعى في نفسه ، على أنّه لو تمّ في الدلالة عليه لا يقاوم معارضة الأدلّة الدالّة على كفاية الضربة الواحدة.
والكلام يقع في مقامين :
المقام الأوّل : في قصور الأخبار المستدل بها على التعدّد عن إثبات مدّعى القائلين بالتعدّد ، وذلك لأنّه من تلك الأخبار :
صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال : « سألته عن التيمّم فقال : مرّتين مرّتين للوجه واليدين » (1)، فانّ قوله عليهالسلام : « مرّتين مرّتين » لا يمكن حمله على كونه صادراً عنه عليهالسلام بأن تدل على اعتبار الضرب في التيمّم أربع مرّات ، لأنّه ممّا لم يقل به أحد من أصحابنا ، فلا مناص من حمله على أن لفظة « مرّتين » الاولى من الراوي بأن يقال : مراده أنّه عليهالسلام قال مرّتين : التيمّم مرّتين للوجه واليدين. ولأجل الدلالة على أنّه قال كذلك مرّتين أضاف الراوي كلمة « مرّتين » ثانية.
فتدلّنا الصحيحة على اعتبار التعدّد في التيمّم ، إلاّ أنّه لا دلالة لها على أنّ المراد هو التعدّد على الكيفيّة الّتي يدعيها القائل به بأن يعتبر في التيمّم ضربة قبل مسح الوجه وضربة اخرى قبل مسح اليدين بعد مسح الوجه ، لأن مقتضى إطلاقها جواز إيقاع الضربتين قبل مسح الوجه. فلا دلالة لها بوجه على لزوم كون إحدى الضربتين قبل مسح الوجه والأُخرى بعده قبل مسح اليدين.
1) الوسائل 3 : 361 / أبواب التيمّم ب 12 ح 1.
ومنها : صحيحة إسماعيل بن همام الكندي عن الرضا عليهالسلام قال : « التيمّم ضربة للوجه وضربة للكفين » (1)وهي أصرح رواية يمكن الاستدلال بها على التعدّد.
إلاّ أنّها أيضاً كسابقتها في قصور الدلالة على مراد المدعي للتعدّد ، إذ لا دلالة لها على أن إحدى الضربتين تقع قبل مسح الوجه والثّانية تقع قبل مسح اليدين بعد مسح الوجه ، لاحتمال إرادة وقوعهما قبل مسح الوجه ، بل مقتضى إطلاقها ذلك.
كما أن مقتضى بعض الأخبار الواردة في التعدّد أن تكون الضربتان قبل مسح الوجه ، وذلك كما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال « قلت له : كيف التيمّم؟ قال : هو ضرب واحد للوضوء والغسل من الجنابة ، تضرب بيديك مرّتين ثمّ تنفضهما نفضة للوجه ومرّة لليدين » (2)لدلالتها على أنّ الضربتين لا بدّ أن تقعا قبل مسح الوجه لمكان لفظة « ثمّ ».
وصحيحة ليث المرادي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « في التيمّم ، قال : تضرب بكفيك على الأرض مرّتين ثمّ تنفضهما وتمسح بهما وجهك وذراعيك » (3)وذلك لمكان لفظة « ثمّ » أيضاً.
إذن ليس هناك رواية تدل على مدّعى القائل بالتعدّد إلاّ صحيحة محمّد بن مسلم المتقدمة (4)الّتي حملناها على التقية ، حيث صرّحت باعتبار ضربات ثلاثة في التيمّم : واحدة للوجه وثانية لليد اليمنى وثالثة لليد اليسرى. ولا يمكن الاعتماد عليها على ما مرّ. هذا كلّه في المقام الأوّل.
المقام الثّاني : في أنّ الأخبار المستدل بها على اعتبار التعدّد بناءً على دلالتها على هذا المدّعى لا تقاوم الأخبار الدالّة على كفاية الضربة الواحدة في التيمّم ، وأنّها لا بدّ أن تحمل على الاستحباب وإن لم يكن قائل باستحباب التعدّد قبل مسح الوجه أيضاً.
والسر في ذلك : أنّ الأخبار البيانيّة على كثرتها لم يذكر فيها أنّهم عليهمالسلام ضربوا كفيهم على الأرض مرّتين ، وحيث إنّها في مقام البيان فيستكشف منها أنّ المعتبر في التيمّم هو الضربة الواحدة دون الضربتين ، فلو كانوا عليهمالسلام ضربوا مرّتين لنقلته الرواة إلينا كما نقلت إلينا الأخبار البيانيّة.
ودعوى : أنّها إنّما وردت لبيان الماسح والممسوح وأنّه لا يلزم مسح تمام البدن بدلاً عن غسله ، مندفعة بأن جملة منها وردت في قضيّة عمار لبيان ما يعتبر في التيمّم وتعليمه إيّاه فكيف يمكن أن يدعى أنّها ليست في مقام البيان؟ حيث إنّ عماراً لم يكن يعلم بكيفيّة التيمّم ، فلو لم يكن صلىاللّهعليهوآله بصدد بيان كيفيّته وما يعتبر فيه لم يكن هذا مفيداً في حقّه وكان حاله بعده كحاله قبله. فلا يمكن دعوى أنّها ليست بصدد البيان ، بل قد ورد في مقام تعليمه وبيان أنّه لا يجب التمرغ في التراب ما هو كالصريح في عدم اعتبار التعدّد في التيمّم.
وهذه صحيحة زرارة قال « قال أبو جعفر عليهالسلام قال : قال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله ذات يوم لعمار في سفر له : يا عمار بلغنا أنّك أجنبت فكيف صنعت؟ قال : تمرّغت يا رسول اللّه في التراب ، قال فقال له : كذلك يتمرغ الحمار ، أفلا صنعت كذا ، ثمّ أهوى بيديه إلى الأرض فوضعهما على الصعيد ثمّ مسح جبينه ( جبينيه ) بأصابعه وكفيه إحداهما بالأُخرى ، ثمّ لم يعد ذلك » (1).
فان قوله : « لم يعد ذلك » كالصريح في أنّه ضرب يديه على الأرض مرّة واحدة من دون إعادتها ، هذا.
وقد ذكر صاحب الجواهر قدسسره أنّ قوله عليهالسلام : « ثمّ لم يعد ذلك » يحتمل فيه أمران :
أحدهما : ما قدّمناه من أنّه عليهالسلام ضرب يديه على الأرض مرّة واحدة من دون أن يكرّرها ويعيدها.
1) الوسائل 3 : 360 / أبواب التيمّم ب 11 ح 8.
والأولى أن يضرب بيديه ويمسح بهما جبهته ويديه ثمّ يضرب مرّة أُخرى ويمسح بها يديه. وربما يقال : غاية الاحتياط أن يضرب مع ذلك مرّة أُخرى يده اليسرى ويمسح بها ظهر اليمنى ثمّ يضرب اليمنى ويمسح بها ظهر اليسرى.
وثانيهما : أنّه لم يَعدُ أي لم يتجاوز في المسح ولم يمسح زائداً على جبينه وكفيه وعليه فالرواية تصبح مجملة (1). ولعله أخذ ذلك من المحدث الكاشاني حيث إنّه ذكر هذين الاحتمالين بعد نقل الصحيحة (2)هذا.
ولكن الظاهر هو الأوّل ، وذلك لوجود لفظة « ثمّ » ، لأنّه لو كان بمعنى لم يتجاوز ولم يَعدُ كان ذلك متّصلاً بمسحه أي لم يتجاوز في مسحه ، فلا معنى فيه للتأخير المدلول عليه بلفظة « ثمّ » ، فوجودها موجب لظهور الرواية في أنّه لم يُعد أي لم يكرّر الضرب.
ثمّ لو فرضنا أنّ الرواية كانت صريحة في الثّاني أي لم يَعدُ ولم يتجاوز لم يكن مناص أيضاً من حمله على أنّه لم يتجاوز في ضرب اليدين أيضاً ، لمكان لفظة « ثمّ » وأنّه بعد ما مسح كفيه لم يُعِد الضرب. فالرواية كالصريحة فيما ذكرناه.
إذن لا بدّ من الالتزام بكفاية الضربة الواحدة في التيمّم على الإطلاق وحمل ما دلّ على التعدّد على الاستحباب أو التقيّة.
نعم الأحوط أن يكرّر الضرب مرّتين كما في الأخبار. وأحوط منه أن يتيمّم مرّتين : بالضربة الواحدة يتيمّم مرّة ، ويتيمّم اخرى بضربتين قبل مسح الوجه. كما يحصل الاحتياط بما ذكره الماتن من أنّه يضرب يديه مرّة واحدة ويمسح وجهه ويديه ثمّ يضرب مرّة أُخرى ويمسح بها يديه.
[1137] مسألة 19 : إذا شكّ في بعض أجزاء التيمّم بعد الفراغ منه لم يعتن به (1)(1) وبنى على الصحّة ، وكذا إذا شكّ في شرط من شروطه.
(1) فيما إذا لم يكن شكّه في الإتيان بالجزء الأخير ، كما لو شكّ في أنّه أتى بجزء من أجزاء التيمّم أو كان واجداً لشرط من شرائطه فيبني على صحّة تيممه ، لما دلّ على أنّه : كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك فامضه كما هو (2).
وأمّا إذا شكّ في الإتيان بالجزء الأخير من التيمّم أي مسح يده اليسرى فهو ليس بمورد لقاعدة الفراغ ، لعدم إحراز الفراغ عنه لاحتمال أنّه بعدُ في أثنائه ولم يأت بالجزء الأخير.
ودعوى : أنّ الفراغ المعتبر في القاعدة هو الفراغ البنائي بأن يبني المكلّف على أنّه فرغ من عمله ، ممّا لا شاهد عليه في شيء من الروايات ، بل يعتبر في جريان القاعدة المضي والفراغ حقيقة ، ولا يتحقق هذا مع الشك في الإتيان بالجزء الأخير ، نعم لو شكّ في ذلك بعد فوات الموالاة لا بأس بالتمسّك بقاعدة الفراغ لمضي محل التيمّم حينئذ ، إذ يصح أن يقال : إنّه ممّا قد مضى وتجاوز عن محلِّه.
وكذلك الحال فيما إذا شكّ فيه بعد دخوله في شيء آخر مترتب على التيمّم ، فإنّه يحرز به التجاوز عن المحل فتجري فيه القاعدة. فالمحقق للفراغ والتجاوز أحد أمرين : الأوّل : فوات الموالاة. الثّاني : الدخول في شيء آخر مترتب على التيمّم.
وإذا شكّ في أثنائه قبل الفراغ في جزء أو شرط (1) فإن كان بعد تجاوز محلّه بنى على الصحّة ، وإن كان قبله أتى به وما بعده ، من غير فرق بين أن يكون بدلاً عن الوضوء أو الغسل ، لكن الأحوط الاعتناء به مطلقاً وإن جاز محلِّه أو كان بعد الفراغ ما لم يقم عن مكانه أو لم ينتقل إلى حالة اخرى على ما مرّ في الوضوء خصوصاً فيما هو بدل عنه.
(1) فان لم يتجاوز عن محلِّه ولم يدخل في الجزء الآخر أتى بما يشك في الإتيان به لعدم جريان القاعدة فيه بوجه. وأمّا إذا تجاوز عن محل المشكوك ودخل في جزء آخر فهل تجري فيه قاعدة التجاوز ويحكم بعدم الاعتناء بشكّه أو لا تجري؟
فيه كلام قد تعرّضنا له في محلِّه (1)وقلنا : إنّه قد يمنع عن جريان القاعدة في الطهارات الثلاث نظراً إلى أنّ الطّهارة أمر واحد بسيط لا معنى للشك في أثنائه والتجاوز عن بعض أجزائه ، لأنّه إمّا موجود وإمّا معدوم ، ولا تركب فيه ، وإنّما الشك في محصلها وسببها فلا بدّ من الاعتناء بالشك في أثناء تلكم الأفعال المحصلة للطهارة ، وعليه فلا تجري القاعدة بطبعها في شيء من الطهارات الثلاث من دون حاجة إلى التخصيص في أدلّتها.
وأجبنا عن ذلك : أنّ الوضوء والغسل والتيمّم اسم لنفس تلكم الأفعال ، وهي مركبة قد يشك في الإتيان بجزء منها بعد الدخول في جزء آخر منها فلا مانع من جريان القاعدة فيها في طبعها ، ومن هنا أجريناها في الغسل عند الشك في أثنائه ، وإنّما لا نلتزم بجريانها في الشك في أثناء الوضوء للتخصيص من جهة الأخبار الدالّة عليه (2)، لا لأنّه ليس بمورد للقاعدة.
[1138] مسألة 20 : إذا علم بعد الفراغ ترك جزء يكفيه العود إليه والإتيان به وبما بعده مع عدم فوت الموالاة ومع فوتها وجب الاستئناف (1). وإن تذكر بعد الصلاة وجب إعادتها أو قضاؤها (2) ، وكذا إذا ترك شرطاً مطلقاً ما عدا الإباحة في الماء أو التراب (1)(3) فلا تجب إلاّ مع العلم والعمد كما مرّ.
وعليه فلو شكّ في أثناء التيمّم ، في جزء منه بعد الدخول في جزء آخر جرت فيه القاعدة ، وبها يحكم بصحّة التيمّم ، من دون فرق في ذلك بين أن يكون التيمّم بدلاً عن الوضوء أو بدلاً عن الغسل ، وذلك لأنّ التيمّم عبادة في نفسه ، وهو أمر قابل للشك في أثنائه فتجري فيه القاعدة ، إذ لم يقم دليل على تخصيصها إلاّ في الوضوء.
ولا دليل على أنّ حكم البدل هو حكم مبدله فبما أنّ الوضوء لا تجري فيه القاعدة فلا تجري في التيمّم أيضاً ، نعم الأحوط الاعتناء بالشك في أثنائه ولا سيما فيما هو بدل عن الوضوء.
(1) للإخلال بالهيئة الاتصاليّة المعتبرة في العبادات المركّبة.
(2) للعلم بفوات الطهور ، ولا صلاة إلاّ بطهور ، وحينئذ يقطع المكلّف ببطلانها.
(3) نظراً إلى أنّ الإباحة شرط ذكرى ، ومع عدم العلم والعمد يسوغ التصرّف في الماء أو التراب وإن كانا للغير فيصح وضوءه وغسله وتيممه.
وفيه : أنّ ذلك وإن كان مشهوراً عندهم حيث جعلوا المقام من موارد اجتماع الأمر والنهي ، وذكروا أنّه مع سقوط النهي للجهل أو لغيره لا مانع من الإتيان بالمجمع ووقوعه صحيحاً ، لأنّه مأمور به وقد ارتفع عنه المانع والمزاحم الّذي هو النهي.
إلاّ أنّا ذكرنا في مبحث الوضوء والغسل (2)أنّ الإباحة شرط واقعي أيضاً ، لأنّ
[1139] مسألة 1 : لا يجوز التيمّم للصلاة قبل دخول وقتها (1) وإن كان بعنوان التهيؤ
الحرمة وإن لم تكن متنجزة في موارد الجهل على المكلّف إلاّ أنّها موجودة واقعاً وهو أمر مبغوض ، والحرمة الواقعية كافية في تخصيص دليل الوجوب ، لأنّ الحرام لا يعقل كونه مصداقاً للمأمور به.
فالمقام من موارد النهي عن العبادة لاتحاد متعلق الأمر والنهي فيه ، وليس من موارد اجتماع الأمر والنهي الّتي يكون المأمور به فيها مغايراً للمنهي عنه إلاّ أنّ المكلّف لا يتمكّن من امتثالهما ، والفرق بين المقامين ظاهر ، فإذا ظهر أنّ الماء أو التراب لم يكن حلالاً بطل تيممه أو وضوءه ووجب عليه إعادة صلاته أو قضاؤها.
نعم إذا كان ناسياً للغصبية صحّ وضوءه وغسله وتيممه ، لأنّ النسيان يرفع الحرمة والمبغوضية الواقعيّة ، ولكون العمل مع النسيان صادراً على وجه مباح ، وما يأتي به مع النسيان يقع مصداقاً للمأمور به من غير نقص ، إلاّ أن يكون الناسي هو الغاصب بعينه ، لأنّه وإن كانت الحرمة مرتفعة عنه أيضاً إلاّ أنّه يصدر العمل منه مبغوضاً ويعاقب عليه ، لأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.
فصل في أحكام التيمّم
(1) هذا هو المعروف عند الأصحاب. وتفصيل الكلام فيه :
أنّه قد يقع الكلام في من وجب عليه الغسل أو الوضوء قبل الوقت بسبب ونحو من الأنحاء من الالتزام بالواجب المعلّق أو غيره على ما أسلفناه في بحوث مقدّمة
الواجب والمقدّمات المفوتة (1)، وذلك كالغسل ليلة شهر رمضان قبل الفجر لئلاّ يبقى على الجنابة عند طلوع الفجر ، فحيث إنّه لا يتمكّن من الطّهارة المائيّة جاز في حقّه التيمّم وإن كان قبل الوقت ، لعين ما دلّ على وجوب الطّهارة المائيّة في حقّه إمّا بالالتزام بالواجب المعلّق أو بغيره من الوجوه. وليس كلام المشهور في أنّ التيمّم لا يجوز قبل الوقت ناظراً إلى تلك الصورة ، أعني ما إذا وجبت عليه الطّهارة قبل الوقت.
ومن هذه الكبرى ما إذا كان عند المكلّف ماء يفي بغسله أو وضوئه قبل الوقت إلاّ أنّه لو لم يتوضأ أو يغتسل قبل الوقت وأراق الماء لم يتمكّن من الطّهارة المائيّة ولا الترابيّة بعد الوقت ، فإنّه في هذه الصورة يجب عليه التوضؤ أو الاغتسال قبل الوقت. أو لو كان على طهارة وجب عليه إبقاؤها وحرم عليه نقضها بالحدث قبل الوقت لأنّه لو لم يأت بهما قبل الوقت لفوّت الملاك الموجود في الصلاة بالاختيار ، لأنّه لا صلاة إلاّ بطهور ، وتفويت الملاك قبيح عند العقل كقبح عصيان التكليف المحكّم.
نعم لو كان على نحو لو فوّت الماء قبل الوقت لم يتمكّن من الوضوء أو الغسل بعد الوقت ولكنّه يتمكّن من الطّهارة الترابيّة لم يجب عليه الوضوء أو الاغتسال قبل الوقت ، كما أنّه لو كان على طهارة جاز له أن ينقضها بالحدث قبل الوقت ، لأنّه متمكّن من تحصيل الملاك الملزم في الصلاة بالتيمّم لأنّه كالماء وقائم مقامه. فهذه المسألة أيضاً من صغريات تلك الكبرى.
وكيف كان ، لا إشكال في وجوب التيمّم فيما إذا كانت الطّهارة واجبة على المكلّف قبل الوقت ، اللّهمّ إلاّ أن نقول إنّ التيمّم مبيح للصلاة لا أنّه رافع للحدث فلا يجب التيمّم على المكلّف في المثال على هذا المبنى ، لأنّه لا يرفع حدثه كي يكون متطهراً بسببه ويدرك الفجر متطهراً ، بل يبقى على الحدث بعد التيمّم وإنّما يباح له الدخول في الصلاة ، ولا دليل على أنّه يباح بالتيمّم الصوم أيضاً ، فهو فاقد الطّهارة حينئذ
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 355 ، وغيرها.
ومضطر في بقائه على الجنابة عند الفجر فلا تجب عليه الكفّارة لاضطراره.
وهذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّه رافع للحدث فإنّه واجب على المكلّف حينئذ ، لأنّه مأمور بالطّهارة وترك البقاء على الجنابة عند طلوع الفجر ، فإنّه لو بقي عليها بالاختيار لوجبت عليه كما هو محرر في محلِّه ، فيجب عليه أن يرفع حدثه بالتيمّم لعجزه عن الماء.
ولعلّه إلى ذلك ينظر المانعون عن مشروعية التيمّم قبل دخول الوقت حتّى في مفروض المثال.
بل يمكن أن يقال : إنّ التيمّم بناءً على أنّه رافع للحدث لا يكون مشروعاً في المقام أيضاً ، لأنّه ليس برافع للجنابة ، بل المتيمم جنب حقيقة وإنّما يرتفع بالتيمّم حدثه ومن هنا يجب عليه الاغتسال بعد تمكّنه من الماء ، والدليل دلّ على أنّ البقاء على الجنابة موجب لبطلان الصوم أو للكفارة ، والمتيمم جنب فهو على كلا القولين مضطر إلى البقاء على الجنابة فلا تجب الكفارة عليه ولا يشرع في حقّه التيمّم أيضاً.
إلاّ أنّ الصحيح أنّه على القول بكونه رافعاً لا شبهة في مشروعية التيمّم قبل الوقت في الصورة المذكورة ، وذلك لأن ظاهر الأدلّة أنّ الجنابة بما أنّها حدث لا يجوز البقاء عليها ، وهي بهذا الوصف مانع عن الدخول في الصلاة أو غيرها لا بوصف كونها جنابة ، فإذا ارتفعت الجنابة بما أنّها حدث صحّ صومه وجاز له كلّ ما هو جائز للمتطهر وغير المحدث ، والمفروض أنّ المكلّف محدث فيجب عليه التيمّم قبل الوقت لئلاّ يبقى على الحدث عند الفجر بالاختيار ، وإلاّ لوجبت عليه الكفارة وبطل صومه كما يأتي تفصيل هذا البحث عند التكلم في أنّ التيمّم رافع أو مبيح (1).
وأُخرى يقع الكلام فيما إذا لم تجب الطّهارة قبل الوقت عليه وهو بحيث يحتمل تمكّنه من الماء بعد دخول الوقت وقبل أن ينقضي.
وفي هذه الصورة إن قلنا بعدم جواز التيمّم أوّل الوقت لمن احتمل تمكّنه من الماء
1) في ص 397.
نعم لو تيمّم بقصد غاية أُخرى واجبة أو مندوبة يجوز الصلاة به بعد دخول وقتها ، كأن يتيمّم لصلاة القضاء (1)أو للنافلة إذا كان وظيفته التيمّم.
إلى آخر الوقت فلا مناص من الالتزام بعدم جوازه قبل الوقت بطريق أولى.
وإن قلنا بجوازه أوّل الوقت ولو مع احتمال طروء التمكّن من الماء آخر الوقت أو فرضنا الكلام في من علم بعدم تمكّنه إلى آخر الوقت فهل يجوز له التيمّم قبل دخول الوقت أو لا يجوز؟ قد يقال بالجواز بدعوى أنّه حينئذ مقتضى القاعدة ، فالقول بعدم جوازه يحتاج إلى دليل.
والتحقيق : عدم مشروعية التيمّم قبل الوقت ، إذ ليست هناك قاعدة تقتضي الجواز لنحتاج في الخروج عنها إلى إقامة الدليل عليه.
وسره : أنّا قد استفدنا من الآية المباركة والأخبار أنّ التيمّم إنّما يسوغ في ظرف الحاجة إليه لأجل الصلاة أو سائر الغايات ، لأنّه معنى قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... ) (2)فإنّه إذا احتاج إلى الطّهارة ولم تمكنه الطّهارة المائيّة فيقوم التيمّم مقامها فان ربّ الماء وربّ الصعيد واحد ، وأمّا قبل دخول الوقت في مفروض الكلام فلا حاجة للمكلّف إلى الطّهارة بوجه حتّى تقوم الطّهارة الترابيّة مقام الطّهارة المائيّة ويسوغ التيمّم.
وهذا الوجه وإن كان جارياً في الغسل والوضوء أيضاً ، لقوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... ) (3)أو قوله تعالى ( حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) (4)وكذا دلّت عليه الأخبار ، إلاّ أنّ الوضوء والغسل عبادتان ومستحبان في ذاتهما فلا مانع من الإتيان بهما بداعي محبوبيتهما حتّى قبل الوقت ، بل التزم بعضهم بالوجوب النفسي في غسل الجنابة كما
تقدّم في فروعه (1).
وتوضيحه : أنّه لا إشكال في استحباب الغسل وكونه عبادة في نفسه غير مؤقتة بل هناك قول بوجوبه النفسي كما قدّمناه وعليه لا فرق في محبوبيته واستحبابه قبل الوقت وبعده فللمكلّف أن يأتي به قبل الوقت أيضاً.
وأمّا الوضوء فهو إن كان مثل الغسل عبادة غير موقتة في نفسه كما استظهرناه في محلِّه وقلنا إنّ محبوبيته غير مؤقتة (2)فهو كالغسل يجوز الإتيان به قبل الوقت أيضاً. وأمّا لو لم يثبت ما ذكرناه وكانت محبوبيته متوقفة على دخول وقت الصلاة فلا مانع من الإتيان به قبل الوقت تهيؤاً للصلاة في أوّل وقتها. وتدل عليه السيرة المتشرعية حيث جرت سيرتهم على التهيؤ والوضوء قبل الوقت للتمكّن من إقامة الجماعة في أوّل الوقت.
وهذه السيرة لم تقم في التيمّم بأن يتيمموا للتهيؤ للصلاة ، ومن هنا لم يجز الإتيان بالتيمّم قبل الوقت بوجه.
نعم لو أتى بالتيمّم قبل الوقت لغاية من غاياته المشروعة له كالتيمم لصلاة القضاء في الموارد الّتي يجوز فيها التيمّم للقضاء دون ما لا يجوز كما يأتي تفصيله في محلِّه (3)فلو تيمّم ثمّ دخل وقت الصلاة لم يجب عليه أن يتيمّم ثانياً لأجل فريضة الوقت ، فإنّه متطهر ولا يجب التيمّم على المتطهّر ، بل له الشروع في الفريضة بتيممه السابق الّذي وقع صحيحاً حسب الفرض.
ثمّ إنّ التيمّم كالوضوء والغسل في كونه عبادة مستحبّة في ذاتها ، ومن هنا قلنا إنّ عبادية الطّهارات الثلاث ومحبوبيتها ناشئة من استحبابها الذاتي ولم تنشأ من الأمر الغيري المتعلق بها على القول بالوجوب الغيري فضلاً عمّا لو لم نلتزم به. إلاّ أنّ الكلام
[1140] مسألة 2 : إذا تيمّم بعد دخول وقت فريضة أو نافلة يجوز إتيان الصلوات الّتي لم يدخل وقتها بعد دخوله (1) ما لم يحدث أو يجد ماءً ، فلو تيمّم لصلاة الصبح يجوز أن يصلِّي به الظهر ، وكذا إذا تيمّم لغاية أُخرى غير الصلاة.
في تعيين ظرف استحبابه النفسي وهل يستحب في كل وقت.
قد دلّتنا الأخبار (1)والآية المباركة (2)على أن محبوبيته واستحبابه الذاتي بعد الوقت لا قبله ، وهذا لا يبتني على القول بالواجب المعلق. وسواء قلنا به أم لم نقل به فلا يمكننا الحكم بجواز التيمّم قبل الوقت ، لأنّ القول بالواجب المعلق لا يقتضي أن يكون ظرف الاستحباب في التيمّم قبل الوقت. فما ذهب إليه المشهور من عدم مشروعيته قبل الوقت هو الصحيح.
(1) ولا يجب عليه أن يتيمّم لكل واحدة من الصلوات تيمماً على حدة ، بل يكفي تيممه مرّة واحدة لجميع الغايات المترتبة عليه ما لم يحدث أو يجد الماء ، لأنّهما ناقضان للتيمم.
والوجه في ذلك : ما أشرنا إليه من أنّ المكلّف بعد ما صار متطهراً بتيمم مشروع لا يجب عليه تحصيل الطّهارة ثانياً ، لأنّ التيمّم وظيفة غير المتطهر ، وهو متطهر فله أن يأتي بتيممه باقي الصلوات الّتي دخل وقتها ، وكذلك بالإضافة إلى ما لم يأت وقته فإنّه لا يجب عليه أن يتيمّم لأجله ، لأنّه تطهر حسب الفرض ، هذا.
مضافاً إلى التسالم بين الأصحاب على ذلك ، وادعي عليه الإجماع والاتفاق. وتدل عليه جملة من الروايات الصحيحة كصحيحة زرارة ، قال « قلت لأبي جعفر عليهالسلام : يصلِّي الرجل بتيمم واحد صلاة اللّيل والنهار كلّها؟ فقال : نعم ، ما لم يحدث
أو يصب ماء » (1).
وصحيحة حماد بن عثمان قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل لا يجد الماء يتيمّم لكل صلاة؟ فقال : لا ، هو بمنزلة الماء » (2)ودلالتها على المدّعى أظهر من سابقتها ، لاختصاص الاولى بعدم وجوب تجديد التيمم لصلوات اللّيل والنهار ، ودلالة الأخيرة على عدم وجوب تجديده لكل صلاة ، يومية كانت أو غيرها ، فريضة أو نافلة.
وقد ورد في بعض الأخبار أنّ الصعيد يكفيك عشر سنين (3)وإن فسرناها سابقاً بمعنى آخر.
وبإزاء هذه الأخبار صحيحة أبي همام عن الرضا عليهالسلام قال : « يتيمّم لكل صلاة حتّى يوجد الماء » (4)فان ظاهرها أن كل واحدة من الصلوات يحتاج إلى تيمّم ولا يكفي التيمّم الواحد لأكثر من صلاة واحدة.
وفيه : أنّ الصحيحة ليست بصدد بيان من يجب عليه التيمّم ومن لا يجب في حقّه ذلك ، وإنّما هي بصدد بيان أنّ التيمّم كالوضوء يجوز أن يؤتى به أي صلاة يريدها المكلّف من فريضة أو نافلة أداءً أو قضاءً حتّى يوجد الماء ، وأمّا أنّه واجب لأي شخص ومشروع في حق أي مكلّف فليست الرواية بصدد بيانه.
نعم رواية السكوني ظاهرة الدلالة على عدم جواز الإتيان بالتيمّم الواحد زائداً على صلاة واحدة ونافلتها ، حيث روى عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه عليهمالسلام قال : « لا يتمتع بالتيمّم إلاّ صلاة واحدة ونافلتها » (5).
إلاّ أنّها ضعيفة السند بمحمّد بن سعيد بن غزوان لأنّه لم يوثق ، وعليه لا يمكن الحكم بوجوب تجديد التيمّم لكل صلاة ، إلاّ أنّه أمر لا مانع من الالتزام باستحبابه
[1141] مسألة 3 : الأقوى جواز التيمّم في سعة الوقت وإن احتمل ارتفاع العذر في آخره بل أو ظنّ به نعم مع العلم بالارتفاع يجب الصبر ، لكن التأخير إلى آخر الوقت مع احتمال الرفع أحوط وإن كان موهوماً ، نعم مع العلم بعدمه وبقاء العذر لا إشكال في جواز التقديم (1).
بناءً على التسامح في أدلّة السنن.
فالمتحصل : أن ما ادّعي عليه الإجماع من كفاية التيمّم الواحد لجميع الغايات المترتبة على الطّهارة ممّا دخل وقته وما لم يدخل من دون حاجة إلى تكراره لكل صلاة وغاية هو الصحيح.
(1) شرع قدسسره في بيان حكم البدار ، وصوره ثلاثة :
الأُولى : ما إذا علم المكلّف بأنّه يتمكّن من استعمال الماء قبل انقضاء الوقت وإن كان عاجزاً عنه بالفعل.
الثّانية : ما إذا احتمل طروء التمكّن له في الأثناء إلى آخر الوقت وإن كان يحتمل عدمه وبقاء عجزه أيضاً.
الثّالثة : ما إذا علم ببقاء عذره إلى آخر الوقت وعدم ارتفاعه في الأثناء.
المعروف والمشهور فيها عدم جواز البدار ووجوب التأخير إلى أن يتمكّن من الماء.
وقد يقال بجوازه حينئذ تمسّكاً بعموم أدلّة بدلية التراب عن الماء فان ربّ الصعيد وربّ الماء واحد (1)، وبما أنّ المكلّف لا يتمكّن من الماء بالفعل يسوغ له أن يتيمّم ويصلِّي ثمّ إذا وجد الماء لم تجب عليه إعادتها ، لما يأتي من الأخبار الدالّة على أن من
1) الوسائل 3 : 385 / أبواب التيمّم ب 23 ، 370 / ب 14 ح 13 ، 15 ، 17.
صلّى بالتيمّم لا تجب عليه إعادتها إذا وجد الماء في الوقت.
إلاّ أن ذلك ضعيف غايته ، لأنّا أسلفنا أنّ الفقدان المسوغ للتيمم هو الفقدان بالإضافة إلى المأمور به ، والمأمور به هو الطبيعي الجامع بين الأفراد العرضية والطولية الواقعة بين المبدأ والمنتهى ، والخصوصيات الفردية خارجة عمّا تعلق به الأمر.
ومن الظاهر أنّ المكلّف متمكّن من الماء بالنسبة إلى الطبيعي ، لعلمه بأنّه متمكّن من استعماله قبل انقضاء وقته ، نعم هو فاقد للماء بالنسبة إلى بعض الأفراد كالفرد الّذي يريد أن يأتي به في أوّل الوقت ، إلاّ أنّ الفقدان بالنسبة إلى الأفراد وغير المأمور به غير مسوغ للتيمم بوجه ، وإلاّ فلو كان في السرداب مثلاً جاز له أن يتيمّم ويصلِّي لأنّه بالنسبة إلى الفرد الواقع في السرداب فاقد للماء وإن كان واجداً له بالنسبة إلى غيره.
وممّا يدل على ما ذكرناه الأخبار الآمرة بطلب الماء (1)فانّ الفقدان بالنسبة إلى فردٍ ما إذا كان كافياً لم يجب الطلب في جواز التيمّم ، بل جاز التيمّم من دون طلب أيضاً. فهذا الوجه ساقط ، ولا يجوز البدار في هذه الصورة بوجه.
الصورة الثّانية (2):
والمعروف فيها بين المتقدمين أو بينهم وبين المتأخرين هو عدم الجواز ، إلاّ أنّه قد يلتزم بجوازه تمسّكاً بعموم أدلّة البدلية ، وبعد ما وجد الماء لا تجب الإعادة ، لإطلاق ما دلّ على أن من صلّى بتيمم لا تجب عليه الإعادة فيما إذا وجد الماء في أثناء الوقت.
لكن الجواب عنه قد ظهر ممّا ذكرناه في الصورة الأُولى ، لأن أدلّة البدلية إنّما تدل على مشروعية التيمّم لمن لم يتمكّن من استعمال الماء بالإضافة إلى المأمور به وهو الطبيعي الجامع بين الأفراد الواقعة بين المبدأ والمنتهى ، وهذا مشكوك الانطباق في
المقام ، لاحتمال أن يكون المكلّف متمكّناً من استعمال الماء إلى آخر الوقت كما يحتمل عدمه فهو شبهة مصداقية للعمومات ، ولا يمكن التمسّك بها في الشبهة المصداقية.
نعم يمكن إحراز بقاء عذره وعدم تمكّنه من الماء إلى آخر الوقت بالاستصحاب ، إلاّ أنّه حكم ظاهري لو تمكّن من الماء بعده ينكشف عدم مطابقته للواقع وعدم كونه مأموراً بالتيمّم من الابتداء فتجب عليه الإعادة لا محالة ، فالتمسك بإطلاق دليل البدلية في غير محلِّه.
وعلى الجملة : إذا احتمل المكلّف وجدان الماء إلى آخر الوقت فهل يشرع له التيمّم أوّل الوقت أو يجب عليه التأخير؟ المعروف هو عدم جواز البدار كما سبق ، بل ادّعي عليه الإجماع في كلماتهم. وذهب جماعة إلى جواز البدار.
وقد يفصّل في المسألة بين صورة رجاء الوجدان فلا يجوز البدار وبين صورة اليأس أو الاطمئنان بعدم وجدان الماء إلى آخر الوقت فيجوز البدار.
ومنشأ الاختلاف بينهم هو اختلاف الأخبار ، وذلك لأنّه ورد في جملة من الروايات وفيها الصحاح أنّ المكلّف إذا تيمّم فصلّى ثمّ وجد الماء في الوقت لم يعد صلاته ، وفي بعضها عبّر بالإجزاء وأنّه قد أجزأته صلاته الّتي صلّى (1).
وهذه الأخبار وإن كانت مبتلاة بالمعارض حيث ورد في قبالها أنّه يتوضأ أو يغتسل ويعيد صلاته ، ولكن يمكن الجمع بينهما بحمل ما دلّ على عدم الإجزاء ووجوب الإعادة على الاستحباب ، إذ الطائفة الأُولى صريحة في الإجزاء ، وإذا ورد في قبالها الأمر بالإعادة فلا يبعد حمل الأمر على الاستحباب ، لأنّه مقتضى الجمع العرفي بين ما دلّ على الإجزاء وما دلّ على الأمر بالإعادة.
وعلى أي حال تدلّنا كلتا الطائفتين على مشروعية التيمّم في أوّل الوقت قطعاً لدلالتهما على أنّ الصلاة المأتي بها بذلك التيمّم إمّا مشروطة بعدم وجدان الماء بعدها إلى آخر الوقت أو هي صحيحة وغير مشروطة بذلك ، فتيممه في أوّل الوقت صحيح
1) الوسائل 3 : 366 / أبواب التيمّم ب 14.
فتحصل : أنّه إمّا عالم ببقاء العذر إلى آخر الوقت أو عالم بارتفاعه قبل الآخر أو محتمل للأمرين ، فيجوز المبادرة مع العلم بالبقاء ، ويجب التأخير مع العلم بالارتفاع ، ومع الاحتمال الأقوى جواز المبادرة خصوصاً مع الظن بالبقاء ، والأحوط التأخير (1)خصوصاً مع الظن بالارتفاع.
ومشروع وليس من المحرمات الإلهيّة ولا سيما بملاحظة قوله عليهالسلام في بعضها : « أمّا أنا فكنت فاعلاً » (2)لدلالتها على أنّه عليهالسلام كان يتيمّم في أوّل الوقت.
وهذا هو المقصود من مشروعية التيمّم أوّل الوقت عند احتمال وجدانه الماء قبل انقضاء الوقت أو عند اليأس عنه ، وأمّا أنّ الصلاة المأتية بالتيمّم صحيحة وغير مشروطة بعدم الوجدان إلى انقضاء الوقت أو هي مشروطة به فهو بحث آخر نتكلّم فيه إن شاء اللّه تعالى.
فمقتضى هذه الأخبار جواز البدار في مفروض الكلام.
وقد ورد في جملة أُخرى من الروايات المعتبرة أنّ المكلّف يجب أن يؤخر تيممه إلى آخر الوقت فإنّه إذا فاته الماء لم يفته التراب (3)، ومقتضاها عدم جواز البدار حينئذ ، وهي معارضة مع الطائفة المتقدمة ولا بدّ من العلاج بينهما فنقول :
إنّ الطائفة الأُولى إنّما دلّت على جواز التيمّم في أوّل الوقت بالالتزام ، وإلاّ فهي ناظرة إلى بيان أنّ الصلاة المأتي بها بالتيمّم مشروطة بعدم وجدان الماء إلى آخر الوقت أو هي غير مشروطة به ، فلا إطلاق لها بالإضافة إلى جواز التيمّم في أوّل الوقت.
نعم يستفاد منها جوازه ومشروعيّته في الجملة لا مطلقاً ، لعدم كون الأخبار بصدد البيان من تلك الناحية ، بل تدل على صحّة الصلاة أو عدمها في فرض الإتيان بالتيمّم
الصحيح ، وأمّا أنّه في أي مورد يكون صحيحاً ومشروعاً فهي ساكتة عن بيانه.
وبعبارة أُخرى : أنّها فرضت التيمّم صحيحاً ودلّت على أنّه متى ما صلّى بالتيمّم الصحيح ثمّ وجد ماءً أعادها.
وأمّا الطائفة الثّانية فهي قد سيقت للدلالة على وجوب تأخير التيمّم ، وحيث إنّ هذه الطائفة ظاهرة فيما إذا احتمل وجدان الماء بعد ذلك قبل انقضاء الوقت لاشتمالها على أنّه إن كان فاته الماء فلن تفوته الأرض فتكون مختصّة بصورة احتمال إصابة الماء وعدمها.
ومنها : صحيحة زرارة أو حسنته المتقدمة عن أحدهما عليهماالسلام قال : « إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام الوقت ، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت » (1)وهي الّتي قدّمنا (2)أن لها طرقاً بعضها صحيح وفيه : « فليطلب » وفي غير المعتبر منها : « فليمسك » ، ولا بدّ من الأخذ بما هو معتبر « فليطلب ».
وهي كما ترى ظاهرة في صورة احتمال الوجدان ، وإلاّ لا معنى للطلب والفحص. وعليه فتحمل هذه الطائفة على صورة احتمال وجدان الماء إلى آخر الوقت ، والطائفة الاولى على صورة اليأس عن وجدان الماء إلى آخر الوقت.
ودعوى : أن صورة الاطمئنان واليأس عن وجدان الماء قبل انقضاء الوقت ثمّ وجدانه ليكون القطع على خلاف الواقع فرد نادر ، ولا يمكن حمل المطلق على الفرد النادر.
مندفعة بأنّ الصورة المذكورة وإن كانت نادرة ، وليس هذا كالقطع بعدم التمكّن من الاستعمال إلى انتهاء الوقت ، لأنّه يوجد كثيراً كما في المريض والكسير ونحوهما ممّن يقطع بعدم برئه إلى أسبوع أو أقل أو أكثر ، وأمّا القطع بعدم وجدان الماء ثمّ وجدانه بعدها كما هو محمل الطائفة الأُولى فهو نادر وأقل وجوداً من صورة الاحتمال. إلاّ أنّا
ذكرنا أنّ الطائفة الأُولى ليست مطلقة من هذه الجهة ليكون هذا حملاً للمطلق على الفرد النادر ، بل إنّما استفيد منها أنّ التيمّم في أوّل الوقت مشروع في الجملة ، وليكن هذا هو صورة القطع بعدم الوجدان ثمّ الوجدان بعده ، ومعه لا بأس بهذا الحمل جمعاً بين الطائفتين ، هذا.
على أنّا لو سلمنا إطلاق الطائفة الأُولى حتّى من هذه الجهة وأنّها بصدد بيان أنّ التيمّم مشروع في أوّل الوقت مطلقاً لم يكن فيما ذكرناه من الحمل بأس أيضاً ، وذلك لأنّ النسبة بينها وبين الطائفة الثّانية عموم مطلق ، لدلالة الثّانية على عدم مشروعيّته عند احتمال وجدان الماء إلى آخر الوقت.
وبه يظهر أن مورد الطائفة الأُولى هي صورة القطع بعدم الوجدان ثمّ وجدان الماء بعد ذلك فهي مطلقة قليلة الأفراد ، ولا مانع من كون المطلق نادر الأفراد أو قليلها كما لو ورد أن ذا الرأسين حكمه كذا وكذا ، مع أنّه لا يوجد إلاّ نادراً ، وهذا غير حمل المطلق على الفرد النادر المستهجن.
على أن موردها ليس بنادر كما ادعي ، بل لها موردان :
أحدهما : ما إذا قطع بعدم الوجدان ثمّ وجدانه قبل انقضاء الوقت.
وثانيهما : ما إذا خاف فوت الوقت فتيمّم وصلّى ثمّ انكشف بقاء الوقت ، لأنّ الأخبار الدالّة على أنّه لا يعيد صلاته أو يعيدها شاملة لهذه الصورة أيضاً ، حيث إنّا لو قلنا بوجوب تأخير التيمّم لا يراد منه التأخير العقلي على نحو يكون « ميم » السلام عليكم مقارناً للغروب ، بل المراد هو أن تكون الصلاة في آخر الوقت عرفاً.
مثلاً إذا آخر التيمّم بحيث خاف فوات الوقت فتيمّم وصلّى ثمّ ظهر أنّ الوقت باقٍ بمقدار ربع ساعة مثلاً صحّ تيممه بمقتضى الأخبار المتقدمة ، لأنّه أخّر تيممه عرفاً. فتبيّن أنّ للطائفة الأُولى موردين :
أحدهما : صورة القطع بعدم الوجدان ثمّ وجدانه.
وثانيهما : صورة اعتقاد الفوت أو خوفه وظهور بقاء الوقت. فلا يكون حمل
الأخبار عليهما من الحمل على الفرد النادر المستهجن.
والمتحصل من ذلك هو التفصيل في الصورة المذكورة بين احتمال وجدان الماء قبل انقضاء الوقت وبين القطع بعدم وجدانه ثمّ يجد الماء ، بأن يقال بالجواز في الثّاني وبعدم الجواز في الأوّل ، لما قدّمناه من أنّ الطائفة الأُولى ليست بصدد البيان من جهة التيمّم وإنّما تدل على صحّة الصلاة الواقعة بالتيمّم المفروض صحّته أو عدمها ، وأمّا أنّ التيمّم صحيح في أي صورة فلا تعرّض لها في تلكم الأخبار ، فلتحمل على صورة القطع واليأس من وجدان الماء ، والطائفة الثّانية تحمل على صورة رجاء الوجدان كما هو موردها ، هذا.
وقد يقال : إنّما يتم هذا في غير صحيحة الحلبي ، وأمّا هي فلا مجال لإنكار إطلاقها من جهة التيمّم ، حيث روى علي الحلبي « أنّه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل إذا أجنب ولم يجد الماء ، قال : يتيمّم بالصعيد فإذا وجد الماء فليغتسل ولا يعيد الصلاة » (1)لأنّها بصدد بيان أنّه يتيمّم حينئذ وبعد ما وجد الماء يغتسل ولكن لا يعيد صلاته فلا مانع من التمسّك بإطلاقها ، فلا مجال لحملها على صورة القطع أو اليأس عن وجدان الماء.
وفيه : أنّ الاستدلال بالصحيحة ليس في محلِّه ، وذلك من جهتين :
إحداهما : أنّ المفروض فيها أنّ المكلّف لم يجد الماء فتيمّم ، وهذا إنّما يكون فيما إذا قطع بعدم وجدان الماء أو اليأس عن وجدانه حتّى انقضاء الوقت ، وإلاّ فعدم الوجدان في ساعة أو بالنسبة إلى فرد ليس مصححاً للتيمم بوجه ، لما سبق وعرفت من أنّ المسوغ للتيمم عدم وجدان الماء بالنسبة إلى الطبيعي المأمور به وهو الجامع بين المبدأ والمنتهى لا الأفراد ، وإلاّ جاز التيمّم في حق كل شخص ، لصدق عدم وجدان الماء بالنسبة إلى الفرد الّذي يريد أن يوقعه في الدار أو السرداب ولا ماء عنده هناك.
وثانيتهما : لم يفرض في الرواية أنّه وجد الماء في أثناء الوقت ، بل دلّت على أنّه
1) الوسائل 3 : 366 / أبواب التيمّم ب 14 ح 1.
إذا وجد الماء اغتسل ولم يعد صلاته ، فلتحمل على صورة وجدانه بعد الوقت كما لو آخر تيممه وصلّى في آخر الوقت ثمّ وجد الماء بعد الوقت ، ولا إشكال في أن مثله لا تجب عليه الإعادة أي القضاء كما اشتملت عليه الأخبار الدالّة على عدم وجوب الإعادة فيما إذا وجد الماء بعد الوقت.
إذن ما ذكرناه في الجمع بين الروايتين هو الصحيح.
وقد يقال : إنّ الأخبار الواردة في أن من صلّى بتيمم لم يعد صلاته إذا وجد الماء في أثناء الوقت لا يعارضها شيء لتحمل على صورة القطع بعدم وجدان الماء كما صنعتم لأنّ الطائفة الثّانية الدالّة على أنّه يؤخر التيمّم إلى آخر الوقت لا تشتمل إلاّ على الإرشاد.
وذلك لأنّه لا إشكال في أنّ الصلاة مع الطّهارة المائيّة أفضل منها مع الطّهارة الترابيّة ، وقد أرشدت هذه الأخبار إلى ذلك بقوله عليهالسلام : « فإن فاتك الماء فلن تفوتك الأرض » (1).
ومعناه أنّه يؤخر تيممه إلى آخر الوقت حتّى لو وجد الماء في الأثناء يصلِّي مع الطّهارة المائيّة فلا يفوته أفضل الأفراد ، ولو لم يجد الماء فيصلّي مع التيمّم وهي كالصلاة معه في أوّل الوقت فلا يفوته شيء من الفضيلة ، بخلاف ما لو صلّى بتيمم في أوّل الوقت لأنّه لا يتمكّن من الصلاة مع الطّهارة المائيّة بعد ذلك فتفوته الفضيلة. فهذه الأخبار وردت إرشاداً فلا تعارض الطائفة الأُولى الدالّة على جواز الإتيان بالتيمّم في أوّل الوقت.
ويرد على ذلك :
أوّلاً : أن حمل الأمر على الإرشاد خلاف الظاهر في نفسه.
وثانياً : أنّ التيمّم في أوّل الوقت والصلاة لدرك مصلحته أمر مستحب ، وهو أفضل من الصلاة مع الطّهارة المائيّة في آخر الوقت كما يستفاد ذلك من قوله ( عليه
1) الوسائل 3 : 384 / أبواب التيمّم ب 22 ح 1 ، 3 ، 4.
السلام ) : « أمّا أنا فكنت فاعلاً ، إنّي كنت أتوضأ وأُعيد » (1)وقد دلّت الطائفة الأُولى على أنّه لو صلّى بتيمم ثمّ وجد الماء لم يعد صلاته وإن قلنا باستحباب الإعادة أيضاً جمعاً بين الأخبار.
إذن لا معنى للإرشاد في المقام ، لعدم فضيلة تأخير الصلاة عن أوّل وقتها وإيقاعها آخر الوقت لترشد الأخبار إليه ، فإنّما يتم الإرشاد لو كانت الصلاة في آخر الوقت أرجح ، وقد عرفت خلافه.
وثالثاً : لا تنحصر الأخبار بما اشتمل منها على التعليل بقوله : « فان فاته الماء فلن يفوته الصعيد » (2)بل نتمسك بغير المشتمل مثل حسنة زرارة المتقدمة « إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت ، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل آخر الوقت » (3)وأين الإرشاد في هذه المعتبرة؟ هذا.
وربما يقال : إنّ الجمع بين الطائفتين المتقدمتين بحمل الاولى على صورة اليأس والقطع بعدم وجدان الماء وحمل الثّانية على صورة الرجاء والاحتمال إنّما يتم مع قطع النظر عن رواية محمّد بن حمران عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قلت له : رجل تيمّم ثمّ دخل في الصلاة وقد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ، ثمّ يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة ، قال : يمضي في الصلاة ، واعلم أنّه ليس ينبغي لأحد أن يتيمّم إلاّ في آخر الوقت » (4).
لدلالتها على استحباب إيقاع التيمّم في آخر الوقت لقوله عليهالسلام : « ليس ينبغي » الّذي يعني لا يناسب ، ومعه تكون الرواية شاهدة جمع بين الطائفتين المتقدمتين ويحمل ما دلّ على تأخير التيمّم إلى آخر الوقت على الاستحباب.
[1142] مسألة 4 : إذا تيمّم لصلاة سابقة وصلّى ولم ينتقض تيممه حتّى دخل وقت صلاة أُخرى يجوز الإتيان بها (1)في أوّل وقتها وإن احتمل زوال العذر في آخر الوقت على المختار ، بل وعلى القول بوجوب التأخير في الصلاة الأُولى عند بعضهم (1).
ويدفعه : أنّ الرواية غير قابلة الاعتماد عليها ، لأن محمّد بن حمران (2)مردد بين ابن أعين الّذي له كتاب يروي عن الصادق عليهالسلام وهو لم يوثق ، وبين ابن النهدي الّذي له كتاب أيضاً يروي عن الصادق عليهالسلام وهو موثق ، ولكل منهما رواة ولم يظهر أن محمّد بن سماعة يروي عن أيّهما.
على أن دلالتها على الاستحباب قابلة للمناقشة ، لأنّا ذكرنا أن معنى « لا ينبغي » لا يتمكّن ولا يتيسر ، مثل قوله تعالى ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) (3)وغيره من موارد استعمالاته ، وليس هو بمعنى لا يناسب.
ومن الظاهر أنّ المراد منها عدم التمكّن أو التيسر التشريعي لا التكويني ، فهو يدل على الحرمة وعدم الجواز ، ولا أقل من دلالته على عدم الرجحان الجامع بين الحرمة والكراهة كما ذكره صاحب الحدائق قدسسره (4). فلا يتم الاستدلال بها على استحباب التأخير بوجه.
(1) ما ذكرناه واخترناه من التفصيل بين الآيس والقاطع بعدم وجدان الماء حتّى
لكن الأحوط التأخير في الصلاة الثّانية أيضاً وإن لم يكن مثل الاحتياط السابق ، بل أمره أسهل ، نعم لو علم بزوال العذر يجب التأخير كما في الصلاة السابقة.
ينقضي الوقت فيجوز له الصلاة بتيمم في أوّل الوقت ، وبين المحتمل الّذي يرجو وجدان الماء قبل انتهاء الوقت فلا يجوز البدار إلى التيمّم والصلاة أوّل الوقت إنّما هو بالإضافة إلى المحدث الّذي يريد أن يتيمّم ويصلِّي بعد دخول الوقت.
وهل يسري الحكم بعدم جواز البدار إلى المكلّف الّذي تيمّم قبل الوقت بتيمم صحيح لغاية من غاياته كما لو تيمّم لقراءة القرآن أو لصلاة الظهرين ثمّ دخل وقت العشاءين وهو متطهر ، فهل له أن يصلِّي العشاءين في أوّل الوقت بذاك التيمّم أو يجب عليه التأخير فيكون حكمه حكم التيمّم بعد الوقت لأجل الصلاة؟
ذكر المحقق الهمداني قدسسره أنّ المنع مختص بالتيمّم بعد الوقت لغاية الصلاة الحاضرة ، وأمّا لو تيمّم بتيمم صحيح قبل الوقت بل بعد الوقت لغير الصلاة من غاياته فلا مانع من أن يصلِّي به لأنّه متطهر (1).
ولعل ذلك من جهة التمسّك بإطلاق ما دلّ على أنّ المتيمم لو صلّى ثمّ وجد الماء في أثناء الوقت لم يعد صلاته ، فإطلاقها يشمل ما إذا كان المكلّف متطهراً قبل الوقت أو بعده لأجل غاية أُخرى.
وذكر الماتن قدسسره أنّه يجوز له أن يأتي بالصلاة في أوّل وقتها ، ولكن الأحوط التأخير وإن لم يكن مثل الاحتياط السابق ، بل أمره أسهل.
والوجه في ذلك : أنّ الأخبار الآمرة بتأخير التيمّم موردها المكلّف المحدث الّذي يريد التيمّم لأجل الصلاة وقد أُمر بتأخير تيممه ، وهذا هو المأمور به في حقّه. وأمّا تأخير الصلاة إلى آخر الوقت فهو أمر طبيعي قهري عند تأخير التيمّم لا أنّه بنفسه مأمور به ، وعليه لا تشمل هذه الأخبار المتطهر قبل الوقت أو بعده لأجل غاية
1) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 483 السطر 5.
أُخرى فله أن يصلِّي بطهارته.
وكذلك الطائفة الدالّة على أن من صلّى بتيمم لا يعيد صلاته ، لأنّها ظاهرة الاختصاص بمن كان محدثاً فتيمّم بعد الوقت وصلّى ، فلا تشمل التطهير قبل الوقت أو بعده لأجل غير الصلاة من الغايات ، فالمورد خارج عن كلتا الطائفتين ، وبما أنّه متطهر وقد صلّى بطهارة فيحكم بصحّتها ، هذا.
والأمر وإن كان كما ذكرناه ، فانّ الواجب تأخيره هو التيمّم دون الصلاة ، وتأخيرها طبعي لا أنّه مورد للأمر ، إلاّ أنّه يوجد من الأخبار الدالّة على أن من صلّى بتيمم لم يعد صلاته ما يشمل المقام ، وهو روايتان صحيحتان :
إحداهما : صحيحة زرارة قال « قلت لأبي جعفر عليهالسلام : فإن أصاب الماء وقد صلّى بتيمم وهو في وقت؟ قال : تمّت صلاته ولا إعادة عليه » (1).
وثانيتهما : صحيحة العيص قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يأتي الماء وهو جنب وقد صلّى ، قال : يغتسل ولا يعيد الصلاة » (2).
فان قوله في الصحيحة الأُولى : « صلّى بتيمم » يشمل بإطلاقه ما إذا كان بتيمم قبل الوقت أو بعده لأجل غاية أُخرى. وكذا قوله في الثّانية : « وقد صلّى » أي صلّى بتيمم لوضوح أنّ الصلاة من دونه لا تحتاج إلى السؤال عن إعادتها ، فدلّتا بإطلاقهما على أن من صلّى بتيمم قبل الوقت أو بعده لأجل غاية أُخرى تمّت صلاته ولا يعيدها.
نعم خرجنا عن إطلاقهما بالنسبة إلى من صلّى بتيمم بعد الوقت لأجل الصلاة الحاضرة إذا كان يرجو ويحتمل وجدان الماء قبل انقضاء الوقت فيبقى غيره تحت إطلاقهما.
إلاّ أن دلالتهما على عدم وجوب الإعادة على من صلّى أوّل الوقت بالتيمّم السابق أو اللاّحق المأتي به لأجل سائر الغايات بالإطلاق لا أنّه موردهما.
وبإزائهما صحيحة زرارة أو حسنته المتقدّمة من الطائفة الّتي تشمل بإطلاقها المقام ، حيث ورد فيها : « إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت ، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت ... » (1)، فإنّها شاملة للمقام من جهتين :
إحداهما : قوله : « وليصل في آخر الوقت » لدلالته على أن تأخير الصلاة كتأخير التيمّم مأمور به في حقّ المتيمم لا أن تأخيرها أمر طبعي والمأمور به هو تأخير التيمّم وحسب حتّى لا تشمل المقام.
إذ لو كان الأمر كذلك لتمت الجملة بقوله : « فليتيمم في آخر الوقت » أو « إذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم » ولم تكن أية حاجة إلى قوله : « وليصل في آخر الوقت » فيصبح ذكرها لغواً لا ثمرة فيه ، فهذا يدلّنا على وجوب تأخير الصلاة على المتيمم سواء كان محدثاً فتيمّم للصلاة بعد الوقت أو كان متطهراً قبل الوقت أو تيمّم بعد الوقت لكن لأجل غاية أُخرى ، فتشمل المقام بإطلاقها.
ثانيتهما : قوله في صدرها : « إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت ، فإذا خاف ... » فإنّه شامل للمتطهر قبل الوقت أيضاً ، لأنّه وإن كان متيمماً ومتطهراً على الفرض إلاّ أن مقتضى صدر الرواية أنّه مأمور بطلب الماء إلى أن يخاف فوت الوقت.
إذن تقع المعارضة بين هذه الرواية وبين الروايتين المتقدمتين ، وحيث إن تعارضهما بالإطلاق فيتساقطان فنبقى نحن ومقتضى القاعدة والأصل الجاري في المقام ، وهو يقتضي جواز الإتيان بالصلاة في أوّل وقتها إذا كان متطهراً قبل الوقت أو بعده لأجل غاية أُخرى.
وليس هذا لأجل استصحاب طهارته السابقة ، إذ لا شك لنا في بقائها ، فإن دخول الوقت ليس من نواقض التيمّم وإنّما الناقض له وجدان الماء أو الحدث ، بل لاستصحاب عدم وجدانه الماء حتّى آخر الوقت بناء على جريانه في الأُمور الاستقبالية كما هو الصحيح ، فإنّه ببركته يدخل في كبرى من يقطع بعدم وجدان الماء
1) الوسائل 3 : 366 / أبواب التيمّم ب 14 ح 3.
[1143] مسألة 5 : المراد بآخر الوقت الّذي يجب التأخير إليه أو يكون أحوط الآخرُ العرفي فلا تجب المداقة فيه (1) ولا الصبر إلى زمان لا يبقى الوقت إلاّ بقدر الواجبات ، فيجوز التيمّم والإتيان بالصلاة مشتملة على المستحبّات أيضاً بل لا ينافي إتيان بعض المقدمات القريبة بعد الإتيان بالتيمّم قبل الشروع في الصلاة بمعنى إبقاء الوقت بهذا المقدار (2).
إلى آخر الوقت ويسوغ له أن يقدم الصلاة بتيمم ، إلاّ أنّه حكم ظاهري ، فلو وجد الماء أثناء الوقت بعد ذلك ينكشف كونه واجداً للماء فصلاته بالتيمّم باطلة لا بدّ من إعادتها ، وهذا بخلاف المتيمم بعد الوقت لأجل الصلاة فيما إذا كان آيساً وقاطعاً وجداناً بعدم الوجدان فمقتضى الأخبار عدم وجوب الإعادة في حقّه وأن ما أتى به بتيمم مجزي في حقّه.
ثمّ إنّ قوله عليهالسلام : « فليتيمم وليصل آخر الوقت » لا دلالة له على أنّ المتيمم قبل الوقت يجب عليه أن يتيمّم أيضاً في آخر الوقت ولا يكتفي بتيممه السابق كما قد يتوهم ، وذلك لوضوح أنّ الأمر بتيممه في آخر الوقت من جهة الغالب ، حيث إن بقاء التيمّم إلى آخر الوقت من غير أن ينتقض ولا سيما إذا كان قبل الوقت بكثير أمر غير متعارف ، بل العادة جارية على انتقاضه وعدم بقائه من أوّل الصبح مثلاً إلى آخر وقت العصر ، لا أنّ التيمّم السابق لا يكتفى به بعد الوقت.
(1) لأنّه أمر حرجي بل متعذر في حق المكلّف كما قدّمناه (1).
(2) فليس المراد بآخر الوقت آخره الّذي لا يسع إلاّ الصلاة المشتملة على الأجزاء والشرائط الواجبة ، بل الأخبار منصرفة إلى إرادة الصلاة العادية المتعارفة كالصلاة بأذان وإقامة وغيرهما من الأُمور المستحبّة فيها ، هذا.
1) في ص 329.
ثمّ إن ما ذكرناه في المقام من المضايقة إنّما هو بالنسبة إلى من لا يجد الماء حقيقة وأمّا من كان واجداً للماء ولكنّه لا يتمكّن من استعمال الماء شرعاً فهل يجري ما ذكرناه فيه أو أنّه يجوز أن يأتي بالتيمّم والصلاة في أوّل الوقت؟
نقل في الحدائق الإجماع عن الشهيد في الروض (1)على المضايقة ووجوب التأخير على غير المتمكّن من الاستعمال شرعاً ، ثمّ أخذ في المناقشة في دعواه الإجماع حيث قال بعد نقله كلام الروض : وفيه ما لا يخفى ، فإنّه قد طعن في هذه الإجماعات في شرحه على الشرائع في غير موضع ، فاستسلامه هنا والاعتماد عليه مجازفة محضة (2)هذا.
ولكن الصحيح أن ما ذكره الشهيد هو الصحيح ، والإجماع المدعى ليس إجماعاً تعبّدياً ليستشكل فيه بما ذكره في الحدائق ، بل الظاهر أنّه إجماع على القاعدة ، وذلك لما قدّمناه من أنّ المستفاد من الآية المباركة بقرينة ذكر المرضى أنّ المراد من عدم الوجدان هو عدم التمكّن من استعمال الماء ، وكذلك الحال في الأخبار.
وعليه فالأخبار المتقدمة الواردة في أن من صلّى بتيمم ثمّ وجد الماء لم يعد صلاته والأخبار الواردة في أنّ المكلّف إذا لم يجد ماءً وأراد التيمّم لا بدّ من أن يؤخره إلى آخر الوقت ، وكذا الصحيحة أو الحسنة المتقدمة المشتملة على أنّ المسافر إذا لم يجد الماء (3)تشمل غير المتمكّن من الاستعمال شرعاً.
فان عدم الوجدان فيها بمعنى أعم من عدم الوجدان حقيقة أو عدم التمكّن من استعماله شرعاً ، فالمريض الّذي لا يتمكّن من استعمال الماء شرعاً لا بدّ من أن يؤخر تيممه ويصلِّي في آخر الوقت سواء كان تيممه قبل الوقت أم بعده لغاية أُخرى غير الصلاة كما قدّمناه ، هذا.
[1144] مسألة 6 : يجوز التيمّم لصلاة القضاء والإتيان بها معه (1)ولا يجب التأخير إلى زوال العذر ، نعم مع العلم بزواله عمّا قريب يشكل الإتيان بها قبله (1)
ثمّ لو فرضنا أنّ الأخبار المتقدمة مختصّة بعدم الوجدان تكويناً إلاّ أنّ ذلك إنّما يمنع عمّا ذكرناه فيما إذا كانت المواسعة على طبق القاعدة وخرجنا عنها في حق غير الواجد تكويناً بالأخبار المتقدمة ، لكنا أسمعناك أنّ المضايقة على طبق القاعدة ، لأنّ التيمّم إنّما يسوغ لمن لم يتمكّن من الإتيان بالطبيعي المأمور به بالطّهارة المائيّة ، ومع فرض تمكّن المكلّف من الماء ولو آخر الوقت لا يجوز له التيمّم والصلاة إلاّ ظاهراً كما قدّمنا (2)فالمضايقة على طبق القاعدة ، ولو قلنا بالمواسعة في مورد فهو محتاج إلى دليل ، وحيث لا دليل على جواز المواسعة في غير المتمكّن من الماء شرعاً فمقتضى القاعدة فيه هو المضايقة كما أسفلنا.
وما ذكرناه من المضايقة والمواسعة يأتي فيما لو قلنا بأنّه لو دخل في الصلاة متيمماً فوجد الماء في أثنائه أنّه يمضي ويتم صلاته أو يقطعها فيصلّي مع الماء ، إذ يأتي فيه كلا القولين ، بمعنى أنّه لا يلزم أحد القولين في المقام ، إذ المراد بآخر الوقت ليس هو آخره الحقيقي بل يعم ما إذا شرع فيها ثمّ قطع صلاته وتوضأ فصلّى.
(1) الأخبار المتقدمة (3)كلّها مختصّة بالأداء والإتيان بالصلاة في وقتها ، ولا نص في القضاء إلاّ أنّ الكلام فيه هو عين الكلام في الأداء.
وتوضيحه : أنّ المكلّف مأمور بالقضاء كما هو مأمور بالأداء ، وهو قد يعلم بارتفاع عذره قبل أن يموت ، فانّ القضاء موسع ، وقد يحتمل ارتفاعه وبقاءه ، وثالثة يطمئن ببقائه مع يأسه من زواله.
وكذا يجوز للنوافل الموقتة حتّى في سعة وقتها بشرط عدم العلم بزوال العذر إلى آخره (1).
أمّا الصورة الاولى : فلا إشكال في عدم جواز تيممه لأجل القضاء ، لأنّ المعتبر في الفقدان إنّما هو فقدان الماء بالنسبة إلى طبيعي المأمور به لا بالنسبة إلى فرد من أفراده ، وهو وإن كان فاقداً للماء في الزمان الّذي يريد الإتيان بالقضاء فيه إلاّ أنّه غير مسوغ له بوجه ، لتمكّنه من الإتيان بالقضاء المأمور به مع الطّهارة المائيّة على الفرض ولو في غير هذا الزمان فلا بدّ من التأخير إلى زوال العذر.
وأمّا الصورة الثّانية : وهي صورة رجاء الارتفاع فلا يمكن التمسّك فيها بالعمومات الدالّة على أن ربّ الماء وربّ الصعيد واحد وغيره من أدلّة البدليّة (1)وذلك لأنّ المقام شبهة مصداقية له ، لاحتمال ارتفاع العذر وتمكّنه واقعاً من الإتيان بالقضاء مع الطّهارة المائيّة وإن كان لا يعلم به.
نعم لا مانع من استصحاب بقاء العذر وعدم ارتفاعه إلى آخر زمان يتمكّن فيه من القضاء ، وبه يدخل في موضوع فاقد الماء بالنسبة إلى الطبيعي المأمور به ، إلاّ أنّه حكم ظاهري ، فلو تمكّن من الماء بعد ذلك وجب عليه الوضوء أو الاغتسال والقضاء ولا يكون ما أتى به مجزياً في حقّه ، فلا يفيد الاستصحاب إلاّ بالنسبة إلى الحكم التكليفي وهو جواز الإتيان بالقضاء مع التيمّم وحسب.
وأمّا الصورة الثّالثة : فلا شبهة فيها في جواز الإتيان بالقضاء مع التيمّم ، لأنّ المفروض اطمئنانه بعدم ارتفاع عذره إلى انقضاء الوقت.
(1) ظهر الحال فيها ممّا ذكرناه في القضاء ، وتأتي فيها الصور الثلاثة المتقدِّمة فإنّها مأمور بها وإن كان أمرها ندبيّاً.
1) الوسائل 3 : 370 / أبواب التيمم ب 14 ح 13 ، 15 ، 17 ، 385 / ب 23.
[1145] مسألة 7 : إذا اعتقد عدم سعة الوقت فتيمّم وصلّى ثمّ بان السعة (1) فعلى المختار صحّت صلاته ويحتاط بالإعادة ، وعلى القول بوجوب التأخير تجب الإعادة.
وأمّا النوافل غير المؤقتة فالصحيح جواز التيمّم لأجلها مطلقاً ، لأنّها مأمور بها في كل وقت كالصلاة والصوم ، فإذا لم يتمكّن من الصلاة في وقت مع الوضوء فله الإتيان بها مع التيمّم سواء علم بارتفاع عذره بعد ذلك أم علم ببقائه أم لم يعلم.
ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرناه بين طول المدّة وقصرها كما لو علم بارتفاع عذره بعد ساعة مثلاً ، نعم عدم التمكّن من الماء في المقدّمات القريبة للوضوء أو الغسل كالمشي إلى الماء أو تسخينه وكذا عدم التمكّن منه في زمان الاغتسال لا يسوغ التيمّم ، لعدم صدق الفقدان بسببه ، بل يصدق عليه التمكّن من الاستعمال كما هو ظاهر.
(1) فصّل فيه بين القول بالمواسعة فتصح صلاته ولا يجب إعادتها وبين القول بالمضايقة فيجب إعادتها ، لأن اعتقاد الضيق إنّما يسبب حكماً ظاهرياً بجواز الإتيان بها مع التيمّم ولا يكون مجزئاً عن المأمور به الواقعي الّذي هو الصلاة آخر الوقت.
ودعوى : أنّ صحيحة أو حسنة زرارة المشتملة على أنّه إذا خاف فوت الوقت فليتيمم وليصل (1)تقتضي جواز الإتيان بها مع التيمّم في مفروض الكلام لاعتقاده الضيق وعدم سعة الوقت ، وتقتضي إجزاءها. مدفوعة بأنّها إنّما تدل على أن خوف الفوت من جهة ضيق الوقت مسوغ للتيمم أعني الخوف الناشئ عن ضيق الوقت لا مطلق الخوف ولو كان مستنداً إلى اعتقاد الضيق أو غيره ، لأن مورد الرواية هو خوف الفوت لأجل ضيق الوقت ، فلو خاف فوت الوقت مع أنّه ضيق جاز له التيمّم
1) الوسائل 3 : 366 / أبواب التيمّم ب 14 ح 3.
وهذا غير الفوت لأجل اعتقاد الضيق فإنّه شيء آخر.
وفي بعض الحواشي (1)وجوب الإعادة مطلقاً وعلى كلا المسلكين. ولم نفهم وجهه إذ أنّ القول بالمواسعة أي جواز إيقاع الصلاة بالتيمّم في أوّل الوقت والحكم بوجوب الإعادة فيما لو أتى بها في أوّل وقتها وسعته مع اعتقاده الضيق لا يلتئمان ، لأنّه من أحد مصاديق المواسعة بزيادة اعتقاد الضيق.
ولعل وجهه تخيل أنّ المقام نظير ما إذا أتى بالتيمّم باعتقاد ضيق الوقت عن الوضوء ثمّ بان أنّ الوقت موسع للوضوء والصلاة معاً فالتيمّم باطل حينئذ ، وهذا بخلاف المقام الّذي يفرض فيه المكلّف فاقداً للماء في نفسه فإنّه لو تخيّل ضيق الوقت وأتى به ثمّ انكشف الوقت فإنّه على القول بالمواسعة لا إشكال في صحّته ، هذا.
رجوع عمّا (2)سبق ببيان ما هو محل الكلام
اعلم أنّ هناك مسألتين :
إحداهما : ما إذا اعتقد المكلّف ضيق الوقت عن الوضوء أو الاغتسال مع وجدانه الماء من دون عذر وقد تيمّم ثمّ بان سعة الوقت.
وقد ذكرنا أنّ الوظيفة عند ضيق الوقت هي التيمّم ، لأنّ المراد من الفقدان والوجدان هو الفقدان والوجدان بالنسبة إلى الصلاة ، وبما أنّ المكلّف فاقد للماء بالنسبة إلى الصلاة حينئذ وإن كان واجداً للماء بالنسبة إلى غيرها جاز له أن يتيمّم ويصلِّي ، وإن كان هناك قول بالخلاف وعدم كون ضيق الوقت مسوغاً للتيمم (3).
وفي مثله إذا اعتقد ضيق الوقت وكان الوقت موسعاً لاستعمال الماء واقعاً فلا يكون التيمّم المأتي به مجزئاً قطعاً ، لأنّه ينكشف به عدم كون التيمّم مأموراً به إلاّ خيالاً وإلاّ فهو مأمور في الواقع بالطّهارة المائية.
[1146] مسألة 8 : لا تجب إعادة الصلاة الّتي صلاّها بالتيمّم الصحيح بعد زوال العذر لا في الوقت (1)ولا في خارجه مطلقاً (1).
ولا تجري في هذه المسألة المواسعة أو المضايقة ، إذ لا معنى فيها للقول بجواز الإتيان بالتيمّم في أوّل الوقت أو في آخره أو في أثنائه ، وهو ظاهر.
ثانيتهما : ما إذا كان المكلّف غير واجد للماء حقيقة أو لعذر ، وهذه هي مسألتنا. وقد ذكرنا أنّه لا يسوغ له البدار والإتيان بالتيمّم في أوّل الوقت ، بل يجب عليه الصبر إلى آخر الوقت فان لم يجد الماء تيمّم وصلّى في آخره ، وهذا هو المعبر عنه بالمواسعة والمضايقة.
وهذه المسألة مغايرة للمسألة السابقة كما ترى ، فانّ المكلّف واجد للماء هناك بخلاف مسألتنا هذه.
فإذا قلنا فيها بالمواسعة كما هو مختار المصنف قدسسره فمعناه أنّ للمكلّف أن يأتي بالتيمّم والصلاة في أوّل الوقت كما يجوز له في آخره. فلا يفرق في صحّته بين أن يعتقد السعة أو الضيق ، فإنّه نظير ما إذا أتى بصلاة الظهر معتقداً سعة الوقت أو ضيقه فإنّه لا يكاد يكون فارقاً في صحّتها. إذن لا بدّ من الالتزام بصحّة التيمّم على القول بالمواسعة فيما إذا أتى به معتقداً ضيق الوقت فبان سعته.
نعم بناءً على ما اخترناه من القول بالمضايقة لا بدّ من الحكم ببطلان التيمّم ، لعدم كونه مأموراً به حينئذ وإنّما اعتقد المكلّف كونه مأموراً به.
(1) ليس المدار في المسألة على الإتيان بالصلاة مع التيمّم [ الصحيح ] ، بل المدار على الإتيان بالصلاة الصحيحة مع التيمّم ، وذلك لأنّه قد يكون التيمّم صحيحاً ويحكم
1) (*) الظاهر وجوب الإعادة إلاّ إذا كان عذره عدم وجدان الماء فارتفع بوجدانه فعندئذ لا تجب الإعادة.
ببطلان الصلاة المأتي بها بذاك التيمّم ، كما لو تيمّم قبل الوقت لغاية من غاياته أو بعد الوقت لغير الصلاة من غاياته ، فالتيمّم صحيح في الصورتين لكن لو صلّى به في أوّل الوقت حكمنا ببطلانها كما قدّمناه (1)، لوجوب التأخير إلى آخر الوقت. إذن المدار على الإتيان بالصلاة الصحيحة مع التيمّم.
وكان اللاّزم على المصنف أن يقول : إذا صلّى صلاة صحيحة بتيمم ، لا كما صنعه في المتن.
وهل تجب إعادتها أو قضاؤها بعد زوال العذر أو لا تجب؟
يقع الكلام فيه في مقامين :
أحدهما : في وجوب قضائها إذا زال العذر خارج الوقت وعدمه.
ثانيهما : في وجوب إعادتها إذا زال العذر في الوقت وعدمه.
لا يجب قضاء ما أتى به من الصلوات الصحيحة بالتيمّم إذا زال عذره بعد الوقت وذلك بالكتاب والسنّة والأصل.
أمّا الكتاب فلقوله تعالى ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (2)لأنّه دلّ على تقسيم المكلّفين إلى قسمين : قسم وظيفته الطّهارة المائية وقسم وظيفته التيمّم بالصعيد ، وإن كانت الوظيفتان طوليتين لا عرضيتين.
فإذا أتى فاقد الماء بما هو وظيفته من الصلاة بالتيمّم لم يكن وجه لقضائها أبداً ، كما أنّ واجد الماء لو أتى بوظيفته من الصلاة بالطّهارة المائية لم يكن موجب لقضائها لأنّه أتى بواجبه. ومن هنا قلنا بعدم جواز تفويته الماء بعد الوقت وعدم جواز إبطاله طهارته بعد دخول الوقت.
وأمّا الأخبار فلدلالتها على عدم وجوب القضاء في محل الكلام صريحاً ، وإليك
بعضها :
منها : حسنة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال : « إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت ، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه » (1).
ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أجنب فتيمّم بالصعيد وصلّى ثمّ وجد الماء ، قال : لا يعيد ، إنّ ربّ الماء ربّ الصعيد فقد فعل أحد الطهورين » (2)، وهي أصرح رواية في المقام.
ومنها : صحيحة يعقوب بن يقطين الآتية (3).
ومنها : ما عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن أبي ذر رضياللّهعنه : « أنّه أتى النّبي صلىاللّهعليهوآله فقال : يا رسول اللّه هلكت ، جامعت على غير ماء ، قال : فأمر النّبي صلىاللّهعليهوآله بمحمل فاستترت به ، وبماء فاغتسلت أنا وهي ، ثمّ قال : يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين » (4).
وهي مروية بطريقين : في أحدهما محمّد بن سعيد بن غزوان وهو غير موثق ، وفي ثانيهما أحمد بن محمّد عن أبيه ، وهو ابن الحسن بن الوليد على الظاهر ، وليس هو العطّار ، لقوله بعد ذلك : عن محمّد بن يحيى. ولا معنى له لو كان الأوّلان هو أحمد بن محمّد بن يحيى وأباه. وأحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد لم تثبت وثاقته كابن العطّار.
نعم في هامش الوسائل الجديدة السند الثّاني في التهذيب والاستبصار هكذا : أحمد بن محمّد عن أبيه عن سعد. فيحتمل أن يكون أحمد هو ابن العطّار (5).
1) الوسائل 3 : 366 / أبواب التيمّم ب 14 ح 3.
2) الوسائل 3 : 370 / أبواب التيمّم ب 14 ح 15.
3) في المقام الثّاني.
4) الوسائل 3 : 369 / أبواب التيمّم ب 14 ح 12.
5) وأن « عن محمّد بن يحيى » في الوسائل مصحف « محمّد بن يحيى » وعلى أي حال فالتردّد لا يضر باعتبار السند ، لأنّ للشيخ قدسسره [ في الفهرست : 75 / 306 ] طريقاً معتبراً إلى جميع كتب وروايات سعد بن عبد اللّه. راجع المعجم 9 : 79.
والمتحصل : أنّ القضاء ليس واجباً في المقام حسبما تدل عليه الأخبار.
وأمّا الأصل فلأنا لو فرضنا أنّ الكتاب والسنّة غير موجودين لم نقل بوجوب القضاء أيضاً ، لأنّه بأمر جديد ، وموضوعه الفوت وهو غير محرز في المقام ، ومع الشك فإنّ الأصل يقتضي عدم الفوت وعدم وجوب القضاء على المكلّف.
وقد تقدّم الكلام فيه (1)مفصّلاً. وقد استظهرنا من الأخبار أن من كان راجياً زوال عذره أو وجدانه الماء قبل انقضاء الوقت وجب عليه التأخير ، ولو أتى به في أوّل الوقت ثمّ وجد الماء أو ارتفع عذره في أثنائه كشف ذلك عن عدم كونه مأموراً بالتيمّم من الابتداء ، لأنّ المدار على الفقدان بالنسبة إلى الطبيعي ، وهو بالنسبة إليه واجد للماء فلا بدّ من أن يعيد طهارته وصلاته.
وأمّا من كان آيساً أو عالماً بعدم وجدانه الماء وعدم ارتفاع عذره فيجوز له البدار والإتيان بالتيمّم والصلاة في أوّل الوقت ، بحيث لو وجد الماء بعد ذلك أو ارتفع عذره في أثناء الوقت لم يجب عليه إعادتها حسبما دلّت عليه الأخبار المتقدمة.
نعم هناك خبران قد يقال بدلالتهما على وجوب الإعادة في الوقت فيما إذا ارتفع عذره في الأثناء :
أحدهما : صحيحة يعقوب بن يقطين قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل تيمّم فصلّى فأصاب بعد صلاته ماءً أيتوضأ ويعيد صلاته أم تجوز صلاته؟ قال : إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت توضأ وأعاد ، فان مضى الوقت فلا إعادة عليه (2).
إلاّ أنّ الأمر ليس كما يقال ، فان مفروض كلامنا ما إذا أتى المكلّف بصلاة صحيحة ثمّ ارتفع عذره أو وجد الماء ، وهذا إنّما يكون في موردين :
أحدهما : ما إذا صلّى في آخر الوقت وارتفع عذره بعد الوقت ، وهذا وظيفة من احتمل الوجدان إلى آخر الوقت. ولا إشكال في عدم وجوب القضاء عليه كما مرّ.
وثانيهما : من أيس أو اطمأن بعدم وجدانه الماء أو ارتفاع عذره إلى آخر الوقت فأتى بالتيمّم والصلاة في أوّل الوقت ثمّ ارتفع عذره أو وجد الماء.
والصحيحة مطلقة وليست واردة في وجوب الإعادة في خصوص الصورة الثّانية فلتحمل بمقتضى ما دلّ على عدم وجوب الإعادة عند اليأس على صورة ما إذا لم يأت بصلاة صحيحة ، كما لو كان محتملاً لوجدان الماء أو كان عالماً به ومعه أتى بالتيمّم في أوّل الوقت وصلّى. أو تحمل على الاستحباب في صورة ما إذا أتى بصلاة صحيحة ثمّ ارتفع عذره أو وجد الماء ، هذا.
ولكن الصحيح حملها على الاستحباب وحسب ، ولا مجال لحملها على صورة الإتيان بها مع العلم بالوجدان أو رجائه ، وذلك لأن مفروض الصحيحة أنّ الرجل صلّى صلاته صحيحة ، وإنّما سأل عن لزوم إعادتها وعدمه ، بحيث لولا وجوب الإعادة كانت صلاته تامّة.
وهذا بمقتضى ما دلّ على أنّ التيمّم والإتيان بالصلاة أوّل الوقت إنّما هو في صورة اليأس عن وجدان الماء إلى آخر الوقت لا بدّ أن تحمل على تلك الصورة وهي ما إذا كان آيساً من الوجدان وحيث قلنا في تلك الصورة بعدم وجوب الإعادة بمقتضى الأخبار المذكورة فلا مناص من حمل هذه الصحيحة على الاستحباب ، ولا يمكن حملها على صورة الإتيان بالصلاة فاسدة.
ثانيهما : موثقة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « في رجل تيمّم فصلّى ثمّ أصاب الماء ، فقال : أمّا أنا فكنت فاعلاً ، إنّي كنت أتوضأ وأُعيد » (1).
1) الوسائل 3 : 368 / أبواب التيمّم ب 14 ح 10.
نعم الأحوط استحباباً إعادتها في موارد :
أحدها : من تعمّد الجنابة مع كونه خائفاً من استعمال الماء فإنّه يتيمّم ويصلِّي (1)
وذكر صاحب الوسائل أنّ هذه الرواية واضحة الدلالة على الاستحباب.
والأمر كما أفاده قدسسره لقوله عليهالسلام : « أمّا أنا فكنت فاعلاً » وهي حكاية فعل منه عليهالسلام فهو أمر كان يفعله ولا يجب على غيره ، بل لا بدّ من الحمل على الاستحباب على تقدير ظهورها في الوجوب في مقابل الأخبار المتقدمة الدالّة على عدم وجوب الإعادة حينئذ.
وهناك رواية أُخرى دالّة على وجوب الإعادة أيضاً وهي صحيحة عبد اللّه بن سنان الّتي رواها الصدوق (1)بإسناده عنه ، وإسناده إليه صحيح. قال : « إنّه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل تصيبه الجنابة في اللّيلة الباردة فيخاف على نفسه التلف إن اغتسل ، فقال : يتيمّم ويصلِّي فإذا أمن البرد اغتسل وأعاد الصلاة » (2).
والجواب عن ذلك : أنّ الصحيحة واردة في خصوص من أصابته الجنابة ، وقد دلّت على وجوب الإعادة عليه عند ارتفاع عذره. إلاّ أنّا نبيّن في التعليقة الآتية أنّها معارضة بغيرها ممّا دلّ بصراحته على أن من أصابته الجنابة لا يعيد صلاته ، وحيث إنّها نص في مدلولها ودلالة الصحيحة هذه بالظهور فلا بدّ من رفع اليد بها عن ظهورها وحملها على الاستحباب بعد تقيدها بما إذا أتى بالتيمّم آيساً من ارتفاع عذره إلى آخر الوقت بمقتضى الأخبار المتقدمة.
(1) ذهب جماعة قليلون إلى أن متعمد الجنابة لو تيمّم وصلّى ثمّ وجد الماء وارتفع عذره وجب عليه إعادة الصلاة. واستدلّ عليه بالصحيحة المتقدمة في التعليقة السابقة عن ابن سنان ، حيث دلّت على أن من أصابته جنابة وتيمّم لخوفه من التلف لو
اغتسل ثمّ ارتفع عذره وجب عليه إعادة الصلاة.
وهذه الرواية وإن رويت بطرق متعددة فإنّها مروية بطريق الكليني (1)وطريق الشيخ (2)إلاّ أنّ الأوّل مرسل والثّاني مردد ، لأنّه عن عبد اللّه بن سنان أو غيره ، أو هي مرسلة على روايته الأُخرى عن الكليني (3).
فالاستدلال برواية الصدوق بسنده إلى عبد اللّه بن سنان ، وهو صحيح.
إلاّ أنّ الصحيحة لا دلالة فيها على أن ذلك وظيفة من تعمّد الجنابة ، لأن قوله : « تصيبه الجنابة » أعم من العمدية وغير العمدية كالاحتلام لو لم ندع ظهورها في غير العمدية ، لأن ظاهرها أنّ الجنابة تصيب الشخص لا أنّه يحدثها. فهي تدل على أنّ الجنب أعم من المتعمد وغيره لو ارتفع عذره وجبت عليه الإعادة.
إلاّ أن في مقابلها عدّة صحاح تنص على عدم وجوب الإعادة على الجنب المتعمّد وغيره.
منها : حسنة أو صحيحة الحلبي قال : « سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : إذا لم يجد الرجل طهوراً وكان جنباً فليتمسح من الأرض وليصل ، فإذا وجد ماءً فليغتسل وقد أجزأته صلاته الّتي صلّى » (4).
ومنها : صحيحة عبد اللّه بن سنان بعين مضمون الصحيحة المتقدمة (5).
وأصرح منها صحيحة محمّد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أجنب فتيمّم بالصعيد وصلّى ثمّ وجد الماء ، قال : لا يعيد ، إنّ ربّ الماء ربّ الصعيد ، فقد فعل أحد الطهورين » (6)فان تعليلها هذا ممّا لا يختص بالمتعمّد وغيره.
ومنها : صحيحة الحلبي « أنّه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل إذا أجنب
لكن الأحوط إعادتها بعد زوال العذر ولو في خارج الوقت (1).
الثّاني : من تيمّم لصلاة الجمعة (1)عند خوف فوتها لأجل الزحام ومنعه (2).
ولم يجد الماء ، قال : يتيمّم بالصعيد ، فإذا وجد الماء فليغتسل ولا يعيد الصلاة » (2).
وحيث إن تلك الصحاح صريحة الدلالة على عدم وجوب الإعادة وتلك الصحيحة المتقدِّمة ظاهرة في وجوب الإعادة فنرفع اليد عن ظهورها بنص تلكم الصحاح فنحمل الصحيحة على استحباب الإعادة في الوقت بعد تقييد هذه الصحاح بما إذا أتى بالتيمّم آيساً من ارتفاع عذره في الوقت بمقتضى الأخبار المتقدمة.
(1) لا استحباب في الإعادة خارج الوقت ، لصحيحة يعقوب بن يقطين « ... فان مضى الوقت فلا إعادة عليه » (3).
(2) وذلك لموثقة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهمالسلام : « أنّه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج عن المسجد من كثرة الناس ، قال : يتيمّم ويصلِّي معهم ويعيد إذا انصرف » (4).
وموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام عن أبيه عن علي عليهماالسلام : « أنّه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة فأحدث أو ذكر أنّه على غير وضوء ولا يستطيع الخروج من كثرة الزحام ، قال : يتيمّم ويصلِّي معهم ويعيد إذا هو انصرف » (5).
1) (*) الظاهر وجوب الإعادة في هذا الفرض.
2) الوسائل 3 : 366 / أبواب التيمّم ب 14 ح 1.
3) الوسائل 3 : 368 / أبواب التيمّم ب 14 ح 8.
4) الوسائل 3 : 371 / أبواب التيمّم ب 15 ح 1.
5) الوسائل 3 : 371 / أبواب التيمّم ب 15 ح 2. المراد بأبي جعفر الواقع في سند الرواية هو أحمد بن محمّد بن عيسى عن أبيه محمّد بن عيسى ، وهو وجه القميين وشيخ الأشاعرة ، وهذا يدل على حسنة فلا مانع من الاعتماد على روايته ، وإن لم يوثقه إلاّ بعض المتأخرين كالشهيد كما حكاه عنه الشهيد الثّاني في الرعاية في علم الدراية : 371 ونحن لا نعتمد على توثيقاتهم.
حملاً للأمر بالإعادة فيهما على الاستحباب ، إذ لا تجب على المكلّف في كل يوم إلاّ خمس صلوات لا ست صلوات فتكون إعادة الظهر مستحبّة لا محالة ، والمراد بها إعادتها ظهراً ، لأنّه لا معنى لإعادة صلاة الجمعة في غير وقتها ، هذا.
ولا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّ الوارد في الروايتين إن كان هو صلاة الجمعة كان لما ذكروا من استحباب الإعادة في مفروض الكلام وجه ، بناءً على أن إقامة الجمعة واجب تعييني أو أنّها واجب تخييري ويجب الحضور لها إذا نودي لصلاتها يوم الجمعة كما استظهرناه وقوّيناه لأنّه الموافق لما هو ظاهر الآية الكريمة ، فيمكن أن يقال على هذا : بما أنّ المكلّف كان مأموراً بإقامة صلاة الجمعة أو بحضورها ولم يتمكّن من الطّهارة المائية للزحام فيتيمم ويأتي بما هو وظيفته ثمّ يستحب له أن يعيدها ظهراً بمقتضى الأمر بالإعادة في الروايتين.
إلاّ أنّ المذكور فيهما ليس هو صلاة الجمعة ، بل المذكور فيهما يوم الجمعة ويوم عرفة ، ومن الواضح أنّه لا صلاة جمعة يوم عرفة. فلا يمكن حمل الروايتين على إرادة صلاة الجمعة ، بل لا بدّ من حملها على إرادة صلاة الجماعة ، وحيث إنّها أمر مستحب فتدل الروايتان على أنّ من كان في المسجد عند إقامة صلاة الجماعة ولم يمكنه الخروج لتحصيل الطّهارة المائية فيجوز له أن يتيمّم ويصلِّي جماعة تحفظاً على فضيلة الوقت.
إلاّ أنّه من الظاهر أنّها حينئذ صورة جماعة وليست جماعة حقيقة ، لأنّه متمكّن من الماء ، فيتحفظ على ظهور الروايتين في وجوب الإعادة لعدم إتيانه بما هو وظيفته ولكنّه لمّا لم يجز له الإقدام على الصلاة أوّل وقتها عند عجزه عن الماء حينئذ أمر ( سلام اللّه عليه ) بالتيمّم والصلاة عند إقامة الجماعة للتحفظ على فضيلة الوقت مع إيجاب الإعادة عليه بعد ذلك. فلا دلالة في الروايتين على وجوب التيمّم حينئذ واستحباب الإعادة كما ادعي ، بل دلالتهما على العكس وهو استحباب التيمّم ووجوب
الثّالث : من ترك طلب الماء عمداً إلى آخر الوقت وتيمّم وصلّى ثمّ تبيّن وجود الماء في محل الطلب (1).
الإعادة كما أوضحناه.
ويؤكّد ما ذكرناه أنّ الظاهر أنّ الجماعات المنعقدة في زمان صدور الأخبار في الأماكن المفروضة لا سيما بملاحظة كثرة الناس على وجه يمنع المكلّف عن الخروج إنّما كانت للعامّة ، إذ لم يكن في تلك الأعصار جماعة للخاصّة في المساجد المعروفة ولم يكن لهم تلك الكثرة ، فيكون الأمر بالتيمّم لأجل إدراك الجماعة على ذلك مبنيّاً على التقية ومراعاة لعدم إظهار المخالفة لهم عند إقامتهم الصلاة ، ومعه كيف يمكن أن يقال : إنّ الإعادة مستحبّة؟
بل لو فرضنا أنّ الروايتين واردتان في صلاة الجمعة لم نتمكّن من الحكم باستحباب الإعادة ، لأن من يرى وجوب إقامة الجمعة أو الحضور لها إنّما يراه واجباً على من يكون واجداً للشرائط ، ولا يلتزم بوجوب الإقامة أو الحضور على من كان بدنه أو ثوبه متنجساً ليصلّي مع الثوب النجس أو عارياً أو مع البدن المتنجس ، وكذا من لا يتمكّن من الوضوء وهو خارج المسجد ، إذ لا يحتمل أن تكون إقامتها أو الحضور لها واجباً على مثله بأن يتيمّم ويدخل الصلاة.
وعليه فمن لم يكن متطهراً حال إقامتها لا يحكم عليه بوجوب إقامة الصلاة ليسوغ له التيمّم ثمّ يستحب له الإعادة. فالصحيح هو التحفظ على ظاهر الروايتين أي وجوب الإعادة في موردهما واستحباب التيمّم لدرك فضيلة الوقت كما مرّ.
(1) تعرّض قدسسره لجملة من الموارد الّتي قدّمناها سابقاً (1)، ويجمعها من فوّت المأمور به في حقّه حتّى تبدّلت وظيفته من الطّهارة المائية إلى الترابية.
1) في ص 159 ، 105 ، 98.
الرّابع : من أراق الماء الموجود عنده مع العلم أو الظن بعدم وجوده بعد ذلك وكذا لو كان على طهارة فأجنب مع العلم أو الظن بعدم وجود الماء.
الخامس : من أخّر الصلاة متعمداً إلى أن ضاق وقته فتيمّم لأجل الضيق.
[1147] مسألة 9 : إذا تيمّم لغاية من الغايات كان بحكم الطاهر ما دام باقياً لم ينتقض وبقي عذره فله أن يأتي بجميع ما يشترط فيه الطّهارة (1)
منها : من أخّر الصلاة متعمداً حتّى ضاق وقتها بحيث لم يمكنه الوضوء أو الاغتسال. وقد قدّمنا أنّ مقتضى القاعدة حينئذ سقوط الصلاة عنه ، لعدم تمكّنه من الصلاة الواجبة في حقّه وهي الصلاة مع الطّهارة المائية. إلاّ أنّا علمنا أنّ المكلّف لا تسقط عنه الصلاة بحال ، ومن ثمة وجبت عليه الصلاة مع الطّهارة الترابية وإن كان عاصياً بتفويته الصلاة مع الطّهارة المائية.
ومنها : من أراق الماء الموجود عنده مع العلم بعدم تمكّنه منه إلى آخر الوقت ، أو كان على طهارة فأحدث بالجنابة أو بغيرها مع العلم بعدم تمكّنه من الماء إلى آخر الوقت فيجب عليه الصلاة بطهارة ترابية أيضاً.
ومنها : من ترك الفحص الواجب في حقّه إلى آخر الوقت فيجب عليه أيضاً أن يتيمّم ويصلِّي إن كان الماء موجوداً في محل الطلب واقعاً. فإنّه في هذه الموارد لا مانع من إعادة الصلاة بعد التمكّن من الماء احتياطاً.
(1) هذا هو المعروف عندهم ، وخالف فيه بعضهم فذهب إلى أنّ المتيمم ليس له الدخول في المساجد أو اجتياز المسجدين أو مسّ الكتاب مستدلاًّ بقوله تعالى ( وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) (1)حيث جعل الغاية لحرمة دخول المساجد أو
1) النِّساء 4 : 43.
غيره هي الاغتسال دون التيمّم ، فلو كان التيمّم غاية أيضاً لجعلته الآية غاية أُخرى ومقتضى إطلاقها عدم كون الغاية غير الاغتسال.
والصحيح هو ما ذهب إليه المشهور في المسألة. وتوضيحه :
أنّ التيمّم إن قلنا بكونه رافعاً للجنابة كالاغتسال وإن كان رفعه مؤقتاً فإذا وجد الماء حكم بجنابته ، وليس هذا لأن وجدان الماء من أسباب الجنابة ، لانحصار سببها بالأمرين المعروفين ، بل من جهة السبب السابق على التيمّم ، وإنّما حكم بارتفاع جنابته مؤقتاً ما دام معذوراً عن الماء فلا وجه للمناقشة المذكورة ، لأنّ التيمّم كالاغتسال ، إذ كما أنّ الاغتسال غاية لارتفاع موضوع الجنابة وتبدله بغير الجنب نظير الغاية في قوله تعالى ( حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) (1)أي حتّى يتبدّل يُتمه بالبلوغ فيرتفع موضوع الصغر ، لأنّ الغاية ليست غاية لارتفاع الحكم مع بقاء الموضوع بحاله بل غاية لارتفاع موضوعه ، كذلك الحال في التيمّم ، فإنّه موجب لارتفاع موضوع الجنابة أيضاً وتبدلها بغيرها فيسوغ له دخول المساجد واجتياز المسجدين ونحوهما من الغايات المتوقفة على الطّهارة وعدم الجنابة. فالمناقشة المذكورة ليست في محلها.
وإن قلنا بكون التيمّم رافعاً للحدث لا للجنابة فان الجنب على قسمين : متطهر وغير متطهر ، والمتيمم جنب متطهر فهو غير رافع لموضوع الجنابة ، بل رافع للحدث فقط فيسوغ به كل غاية مترتبة على الطّهارة وعدم الحدث دون الآثار المترتبة على عدم الجنابة. فللمناقشة المذكورة وجه وجيه ، لأن دخول المساجد في الآية المباركة مترتب في حقّ الجنب على الاغتسال أي على عدم (2)تبدل موضوع الجنابة بغيرها.
وحيث إنّ المفروض بقاء الجنابة بحالها مع التيمّم فلا يسوغ له الدخول في المساجد حتّى يغتسل ويرتفع موضوع الجنابة ويتبدل بغيرها ، إذ المفروض أنّ التيمّم يرفع الحدث لا الجنابة.
ولعلّه لأجل ذلك استشكل العلاّمة في التيمّم للصيام (1)، لأن موضوع المفطر فيه هو البقاء على الجنابة ، وهذا لا يرتفع بالتيمّم وإن ارتفع به الحدث ، ولكن لم يرتب الحكم فيه على البقاء على الحدث ليرتفع بالتيمّم ، بل الموضوع هو البقاء على الجنابة وهي لا ترتفع بالتيمّم. ومن هنا احتطنا في الصوم وقلنا إنّ التيمّم أحوط ، ولم نقل إنّه أقوى.
ولكن يدفع هذا الاحتمال أنّ المرتكز في أذهان المتشرعة ومقتضى مناسبة الحكم والموضوع أنّ المراد بالاغتسال في الآية الكريمة هو طلب تحصيل الطّهارة ورفع الحدث لا الاغتسال بما هو اغتسال ، ولذا عبرت آية التيمّم عنه بالتطهّر ، قال عزّ من قائل ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (2)فجواز الدخول في المساجد كالدخول في الصلاة وغيرهما من الغايات مترتبة على طلب الطّهارة أي على رفع الحدث لا على ارتفاع الجنابة بما هي جنابة.
فتندفع المناقشة المذكورة ، فإنّ التيمّم تحصيل للطهارة ورافع للحدث كالاغتسال فتصح به كل غاية تصح مع الاغتسال ، فلو تيمّم المجنب كفى في صحّة صومه ، لأنّ الموضوع فيه وإن كان هو البقاء على الجنابة إلاّ أن رافعها هو الاغتسال بمعنى طلب الطّهارة ورفع الحدث ، وهذا يتحقق بالتيمّم أيضاً.
ويؤكّد ما ذكرناه أنّ السيرة قد جرت على ترتيب تلك الغايات على التيمّم ، لأنّ الابتلاء بالتيمّم بدلاً عن غسل الجنابة من أجل المرض أو فقدان الماء أو غيرهما من المسوغات كثير في زماننا وفي الأزمنة المتقدمة ، وهم كانوا يدخلون المساجد ويقيمون فيها الصلاة ، فلو كان دخول المساجد محرماً على المتيمم الجنب لبان حكمه وذاع واشتهر.
هذا وقد ورد في بعض الأخبار (3)بل أفتى به بعضهم جواز إمامة الجنب المتيمم
إلاّ إذا كان المسوغ للتيمم مختصّاً بتلك الغاية كالتيمم لضيق الوقت فقد مرّ أنّه لا يجوز له مسّ كتابة القرآن ولا قراءة العزائم ولا الدخول في المساجد ، وكالتيمم لصلاة الميّت أو للنوم مع وجود الماء.
لغيره ، فيدلّنا هذا على أن رفع الحدث بالتيمّم كافٍ في ترتيب الآثار المترتبة على الطّهارة وغير الجنب ، وأنّه مانع عنها بما هو حدث لا بما هو جنابة.
وأمّا لو قلنا بأنّ التيمّم مبيح للدخول في الصلاة فللمناقشة المتقدمة وجه قوي وذلك لأن إباحة الدخول مع التيمّم مختصّة بالصلاة فلا يباح به الدخول في المساجد وغيره من الغايات المترتبة على الطّهارة ، فهو تخصيص في دليل اشتراط الصلاة بالطهور فلا يباح به غير الدخول في الصلاة من الغايات ، هذا.
ولكن الظاهر عدم تمامية هذه المناقشة على هذا الاحتمال أيضاً ، لأنّه إن أريد بذلك أنّ التيمّم ليس بطهارة أصلاً فيدفعه الأخبار المتطابقة على أنّه طهور ، وأنّه فَعَلَ أحد الطهورين ، وأن ربّ الماء وربّ الصعيد واحد (1). فهو طهارة بالتنزيل وإن كان بحسب النتيجة تخصيصاً فيما دلّ على اشتراط الصلاة بالطهور إلاّ أنّه بحسب اللب لا بحسب منطوق الروايات.
وإن أُريد أنّه طهارة في مورد خاص فيدفعه عموم التنزيل المستفاد من الأخبار المتقدمة ، وبعمومه يترتب عليه جميع الغايات المترتبة على الغسل والوضوء والّتي منها دخول المساجد وغيره ، وقد أشرنا إلى أن ذلك هو الّذي تقتضيه السيرة المتشرعية كما مرّ.
هذا كلّه فيما إذا لم يكن التيمّم مختصّاً بغاية ، وإلاّ لم يجز بتيممه سائر الغايات ، وإليه أشار بقوله : إلاّ إذا كان المسوغ للتيمم مختصّاً بتلك الغاية. كالتيمم للنوم مع التمكّن من الماء ، والتيمّم لصلاة الجنازة ، والتيمّم لمن منعه الزحام وهو داخل المسجد وإن
1) الوسائل 3 : 385 / أبواب التيمّم ب 23 ، 370 / ب 14 ح 13 ، 15 ، 17.
[1148] مسألة 10 : جميع غايات الوضوء والغسل غايات للتيمم أيضاً فيجب لما يجب لأجله الوضوء أو الغسل ويندب لما يندب له أحدهما ، فيصح بدلاً (1)عن الأغسال المندوبة والوضوءات المستحبّة حتّى وضوء الحائض والوضوء التجديدي مع وجود شرط صحّته من فقد الماء ونحوه (1)
كان التيمّم في مورده بدلاً عن الوضوء لا عن غسل الجنابة لفرض أنّه في المسجد وكالتيمم لضيق الوقت الّذي قدمنا (2)أنّه لا يستباح به سوى الصلاة ، فإنّها تيممات لغايات معيّنة ولا يجوز بها باقي غاياتها.
(1) هذه المسألة غير المسألة المتقدمة ، إذ الكلام هناك في أنّ التيمّم لأجل غاية صحيحة هل يكفي لسائر الغايات. والكلام هنا في تعيين الغاية الصحيحة للتيمم فنقول :
لا شبهة في جواز التيمّم لأجل الصلاة وأنّها من الغايات الصحيحة له ، وذلك لقوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (3)وكذا يستفاد ذلك من الأخبار بوضوح.
ومقتضى إطلاق الآية والأخبار عدم الفرق في ذلك بين الصلوات الواجبة والمندوبة فيصح التيمّم للنافلة بدلاً عن الغسل أو الوضوء.
وكذا لا ينبغي التردد في جوازه ومشروعيته لكل غاية متوقفة على الطّهارة من صوم وغيره ، لأنّ المستفاد من أدلّة البدلية والتنزيل أنّ التيمّم طهور عند عدم التمكّن من الماء.
فكل غاية مشروطة بالطّهارة إذا لم يتمكّن المكلّف من أن يغتسل أو يتوضأ لها يجوز أن يتيمّم لأجلها ومنها تيمّم الحائض بعد انقطاع دمها لحلية وطئها ، فله أن يتيمّم لأجل الصوم إذا لم يتمكّن من الاغتسال له ، وكذا التيمّم لأجل الخروج من المسجدين ، فإنّه منصوص وإن ناقشنا في النص من حيث السند فليراجع مبحث غسل الجنابة (1).
وأمّا التيمّم للطواف فلم يرد فيه نص ، ومن ثمة وقع فيه الكلام وأنّ التيمّم هل يسوغ لأجله فيقوم مقام الغسل أو الوضوء أو لا يسوغ.
ذهب بعضهم إلى الجواز ، ولعلّ ذلك لما هو المشتهر من أنّ الطواف بالبيت صلاة وبمقتضى دليل التنزيل وإطلاقه يترتب على الطواف جميع الآثار المترتبة على الصلاة الّتي منها جواز التيمّم لها. إلاّ أن هذه الرواية لم تثبت من طرقنا نعم رواها الشيخ قدسسره في الخلاف (2)وذيلها « إلاّ أنّ اللّه أحلّ فيه النطق ». ولكن رواها عن ابن عباس عن النّبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم فالرواية مرسلة وإنّما هي كلام مشهوري.
نعم لو كان نظر القائل بالجواز إلى جريان السيرة على التيمّم للطواف كان له وجه وجيه ، وذلك للقطع بوجود من هو معذور عن الماء باختلاف أسبابه بين الحجاج على كثرتهم في عصر النّبي صلىاللّهعليهوآله والأئمّة عليهمالسلام ، لبعد أن لا يوجد فيهم من يكون معذوراً عن الماء أصلاً ، ومعه لو لم يكن التيمّم مشروعاً للعاجز عن الماء للطواف وجب عليه أن يستنيب غيره في طوافه ، لعدم تمكّنه منه لعدم كونه على طهارة ، وهذا أمر لم تجر عليه السيرة ولا ورد في دليل ، فنستكشف منه أنّ التيمّم يقوم مقام الغسل أو الوضوء للطواف أيضاً.
وأمّا الوضوءات المستحبّة الّتي لا تكون رافعة للحدث ولا مبيحة للدخول في الصلاة كوضوء الحائض أو الوضوء التجديدي فقد ذهب الماتن إلى أنّ التيمّم يقوم
نعم ، لا يكون بدلاً عن الوضوء التهيئي كما مرّ ، كما أن كونه بدلاً عن الوضوء للكون على الطّهارة محل إشكال (1)نعم ، إتيانه برجاء المطلوبية لا مانع منه ، لكن يشكل الاكتفاء به لما يشترط فيه الطّهارة أو يستحب إتيانه مع الطّهارة.
مقامها. وقد يستدل عليه بعموم أدلّة البدلية لأنّها تقتضي قيامه مقام الوضوء مطلقاً رافعاً كان أم لا ، مبيحاً كان أو غيره.
إلاّ أنّ الصحيح عدم جواز التيمّم بدلاً عن الوضوءات غير الرافعة أو المبيحة وذلك لأنّه لا دليل لنا ليدل على بدلية التيمّم عن مطلق الوضوء ، وإنّما المستفاد من التعليل الوارد في رواية الركيّة (2)وصحيحة محمّد بن مسلم (3)وغيرهما (4)من أن ربّ الماء وربّ الصعيد واحد وأن ربّ الماء هو ربّ الأرض ونحوهما من التعبيرات هو أنّ التيمّم بدل عن الوضوء من حيث إنّه طهور لا بما أنّه وضوء وإن لم يكن طهورا.
ويدلُّ عليه قوله عليهالسلام : ربّ الماء وربّ الصعيد واحد. لأنّه لو كان ذلك بملاحظة الوضوء بما هو وضوء لم يكن وجه لتخصيص الصعيد بالذكر ، لأن ربّ الماء وربّ كل شيء واحد فلما ذا لم يقل ربّ الماء وربّ الخبز واحد؟
إذن لا بدّ أن يكون التخصيص بالذكر لجهة جامعة بينهما وهي الطهورية بمعنى أنّ اللّه الّذي أمر بالطّهارة بالتوضي أو الاغتسال هو الّذي أمر بالتيمّم بالتراب لأجل تحصيلها ، فكما أنّهما امتثال لأمر المولى سبحانه ، كذا التيمّم امتثال لأمر اللّه سبحانه ولا خصوصية في طهورية الماء.
ويكشف عن ذلك على وجه الصراحة صحيحة محمّد بن مسلم حيث عقب الجملة المتقدمة بقوله : « فقد فعل أحد الطهورين ». إذن لا وجه لتوهم كون التيمّم
بدلاً عن الوضوء في غير الطهور.
وحيث إنّ الوضوءات المستحبّة المذكورة ليست بطهور لعدم كونها مبيحة ولا رافعة فلا دليل على قيام التيمّم مقامها ، وبه يشكل الحكم بجوازه بدلاً عنها وإن صرّح الماتن بصحّته ، فتختص بدلية التيمّم بالوضوءات الرافعة للحدث حقيقة ، كما إذا بنينا على أنّ التيمّم رافع للحدث كما هو الصحيح ، أو تنزيلاً كما إذا قلنا بأنّه مبيح لأنّه منزل منزلة الطّهارة حينئذ.
وأمّا الكون على الطّهارة الّذي قوينا استحبابه وقلنا إنّ البقاء على الطّهارة أمر مستحب مرغوب فيه في الشريعة المقدّسة ، لأنّ اللّه يحب التوابين ويحب المتطهرين فلا مانع من التيمّم بدلاً عن الوضوء المذكور ، لأنّه أمر مستحب وطهارة مندوبة على ما بيّنا.
وأمّا الأغسال فلا شبهة في قيام التيمّم مقام الواجب منها ، لأنّه طهور والصعيد طهور أيضاً ، وأمّا الأغسال المستحبّة كغسل يوم الجمعة ويوم عرفة ونحوهما فهل يقوم التيمّم مقامها ويسوغ الإتيان به بدلاً عنها أم لا يسوغ؟ نقول :
إنّ هناك جهتين للأغسال المستحبّة : جهة كونها أمراً مستحبّاً في نفسه ومرغوباً فيه في الشريعة المقدّسة. ولا يقوم التيمّم مقامها من هذه الجهة ، لأنّه إنّما يقوم مقام الطهور من الوضوء والغسل على ما تقدم فهو طهور ترابي بدل عن الماء في الطهورية ، وأمّا بدليته في الاستحباب النفسي فلم تثبت بدليل.
وجهة كون هذه الأغسال مغنية عن الوضوء على ما أسلفنا من أنّ الأغسال المستحبّة تغني عن الوضوء ، بمعنى أنّها طهور يسوغ الدخول بها فيما هو مشروط بالطّهارة والوضوء ، لقوله عليهالسلام : أي وضوء أنقى من الغسل (1).
والتحقيق عدم قيام التيمّم مقام الأغسال المستحبّة حتّى من هذه الجهة ، وسره : أنّ الأمر الغيري على القول به أو تقيد الصلاة بالطّهارة في الأغسال المستحبّة
1) الوسائل 2 : 247 / أبواب الجنابة ب 34 ح 4.
[1149] مسألة 11 : التيمّم الّذي هو بدل عن غسل الجنابة حاله كحاله في الإغناء عن الوضوء (1)
تخييري لا تعييني بما أن للمكلّف أن يتوضأ أو يأتي بغسل استحبابي ، حيث إن كليهما طهور ، ولا يتعيّن عليه الإتيان بالغسل المستحب تحصيلاً للتقيد أو لما هو الواجب بالأمر الغيري ، وعليه لو تعذر على المكلّف اختيار الطهور بالغسل المستحب تعين عليه العدل الآخر وهو الوضوء ، ولا تصل النوبة إلى التيمّم لتمكّنه من الماء. فالإتيان بالتيمّم بدلاً عن الأغسال المستحبّة محل إشكال ومنع.
فالمتحصل : أنّ البدلية بناءً على القول بأنّ التيمّم رافع للحدث أو التنزيل بناءً على أنّه مبيح يختص بالوضوءات والأغسال الرافعة أو المبيحة على تفصيل قد عرفته.
(1) صور المسألة خمسة :
الاولى : أن يجب على المكلّف الوضوء وحسب ، ولا بدّ أن يكون وضوءاً واحداً إذ لا يتصوّر وجوب الوضوء زائداً على الواحد ، فانّ التعدّد إنّما يتصوّر في منشئه من بول وغائط ونوم ونحوها ، وأمّا الواجب فلا يكون إلاّ وضوءاً واحداً.
ولا ينبغي التردد في أنّ المكلّف إذا لم يتمكّن من الماء في هذه الصورة يجب عليه تيمّم واحد بدلاً عن الوضوء الواحد الواجب في حقّه ، وهذا ظاهر.
الثّانية : ما إذا وجب على المكلّف غسل واحد من دون أن يجب عليه الوضوء أصلاً. وفي هذه الصورة إذا لم يتمكّن المكلّف من الماء ليغتسل وجب عليه أن يتيمّم تيمماً واحداً بدلاً عن الغسل الواجب عليه ، ولا يجب عليه أن يتيمّم ثانياً بدلاً عن الوضوء.
وليس هذا لأنّ الغسل أو بدله يغني عن الوضوء ، بل لعدم المقتضي لوجوب
كما أنّ ما هو بدل عن سائر الأغسال يحتاج إلى الوضوء أو التيمّم بدله مثلها ، فلو تمكّن من الوضوء توضأ مع التيمّم بدلها ، وإن لم يتمكّن تيمّم تيممين أحدهما بدل عن الغسل والآخر عن الوضوء.
الوضوء أصلاً ، لأنّ المفروض عدم وجوب الوضوء عليه وإنّما الواجب في حقّه غسل واحد ، وهذا كما في الجنب.
ويدلُّ على ما ذكرناه الآية المباركة ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (1)فإنّ التفصيل في الآية قاطع للشركة ، وهي تدلّنا على أنّ الوضوء وظيفة المحدث غير الجنب ، وأمّا الجنب فوظيفته الاغتسال دون الوضوء إن تمكّن من الماء وإلاّ فوظيفته التيمّم وهو غير مأمور بالوضوء أصلاً.
الثّالثة : ما إذا وجب عليه وضوء وغسل واحد كما في المستحاضة المتوسطة على الصحيح ، أو غير غسل الجنابة من الأغسال على ما هو المعروف عندهم من أنّ غسل غير الجنابة لا يغني عن الوضوء فهل يجب عليه أن يتيمّم بتيممين عند عدم تمكّنه من الماء : تيمّم بدلاً عن الغسل وتيمّم بدلاً عن الوضوء ، أو يجب عليه تيمّم واحد؟
لا إشكال في وجوب تيممين على المكلّف حينئذ ، لأنّ المفروض أنّه مكلّف بأمرين : الوضوء والغسل ، فلو اغتسل لم يسقط عنه الوضوء فكيف إذا تيمّم بدلاً عن الغسل ، فلا يكفي تيممه هذا عن الوضوء الواجب في حقّه قطعاً فلا بدّ من أن يأتي بتيممين أحدهما بدل عن الغسل وثانيهما بدل عن الوضوء ، من غير فرق بين كون التيمّم بدلاً عن الوضوء أو الغسل وبين أن يقال بأنّ التراب بدل عن الماء ، لأن المعنى في كلا التعبيرين واحد ، لأنّه لا معنى لبدلية التراب عن الماء أو عن غيره من الأشياء لأنّهما أمران متغايران ، ولا مناص من أن تكون البدلية في أمر جامع بينهما وهو استعمالهما في الطّهارة.
1) المائدة 5 : 6.
ومعناه : أن استعمال التراب كاستعمال الماء كاف في تحقق المأمور به ، نظير ما قدّمناه (1)في معنى « إن ربّ الماء وربّ الصعيد واحد » فإنّه لا معنى له سوى أنّ الأمر واحد وبينهما جامع وهو تحصيل الطّهارة الّتي أمر اللّه سبحانه بها ، وإلاّ فربّ الموجودات بأجمعها واحد من دون اختصاص ذلك بالصعيد. إذن يكون معنى تلكم الجملة هو أنّ التيمّم بدل عن الوضوء أو الغسل ، لأن استعمال التراب هو التيمّم كما أن استعمال الماء عبارة عن الغسل أو الوضوء.
الرّابعة : ما إذا وجب على المكلّف أغسال متعددة ومنها غسل الجنابة ، كما لو مسّ الجنب ميّتاً ، أو كانت حائضاً وطهرت من حيضها ووجب الاغتسال بأغسال متعددة فهل يجب على المكلّف حينئذ إذا لم يتمكّن من الماء أن يتيمّم بتيممات بعدد الأغسال الواجبة في حقّه أو أنّه إذا تيمّم تيمماً واحداً كفى عن الجميع؟
مقتضى إطلاق الآية المباركة ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (2)إلى آخرها هو أنّ الجنب مأمور بالاغتسال مرّة واحدة سواء كان محدثاً بغير الجنابة من الأحداث الكبيرة أو الصغيرة أم لم يكن ، فيكفي الغسل في حقّه مرّة واحدة ، فهو في الحقيقة مأمور بالغسل الواحد ، فلو تيمّم بدلاً عنه كفاه وذلك بحسب إطلاق الآية والأخبار كما أن مقتضى ما استظهرناه من الآية من أن وظيفة الجنب هي الاغتسال دون الوضوء لأنّه وظيفة غير المجنب عدم وجوب التيمّم عليه بدلاً عن الوضوء أيضاً إذ لا أمر بالوضوء عليه ليجب عليه التيمّم بدلاً عنه فيكفي في حقّه تيمّم واحد لا تيممان أو أكثر.
الخامسة : ما إذا وجب أغسال متعددة غير غسل الجنابة كالحيض ومسّ الميت فهل الواجب عليه حينئذ أن يتيمّم تيمماً واحداً أو لا بدّ أن يأتي بتيممات متعددة حسب تعدّد الأغسال؟
يبتني هذا على أنّ التداخل عند اجتماع الأغسال المتعددة هل هو في الأسباب أو أنّ التداخل في المسببات؟
فان قلنا إنّ التداخل في الأسباب كما هو الأظهر بمعنى أن تلك الأسباب المتعددة لا يتسبب منها إلاّ مسبب واحد وهو الغسل الواحد وإن كثرت أسبابه ومناشئه نظير تعدّد الأسباب في الوضوء وكما أنّها لا تؤثر إلاّ مسبباً ووضوءاً واحداً كذلك الحال في الأغسال ، بحيث لو اغتسل المكلّف في مفروض الكلام غسلاً واحداً ناوياً لبعضها المعين دون الجميع أو مع الغفلة عن ثبوت غسل آخر عليه كفى ذلك في حقّه ولم يجب عليه غسل آخر بعد ذلك. فلا مناص من الاكتفاء بالتيمّم الواحد بدلاً عن المسبب الواحد الّذي على ذمّته من الأغسال.
وإن قلنا إن كل مسبب يؤثر في مسبب واحد فهناك مسببات ، لكن له الإتيان بغسل واحد ناوياً عن الجميع فإنّه يجزئ عن غيره إذا نواه ، لقوله عليهالسلام : « إذا اجتمعت عليك حقوق متعددة أجزأك عنها غسل واحد » (1)بحيث لو لم ينو الجميع لغفلته عن كونه مكلفاً بغسل آخر أو لقصده غسلاً معيّناً لم يسقط عنه إلاّ ما نواه. فلا مناص من أن يأتي بتيممات متعددة حسب تعدّد الأغسال الواجبة في حقّه ، لأنّ التداخل على خلاف الأصل ولا يمكن الالتزام به إلاّ مع الدليل ، وهو إنّما دلّ على ذلك في الأغسال ولم يقم دليل عليه في بدله الّذي هو التيمّم.
كما أنّه لو قلنا بأن كل غسل يغني عن الوضوء كما اخترناه اختص ذلك بنفس الأغسال ولم يأت في بدلها الّذي هو التيمّم ، لعدم دلالة الدليل على إغناء التيمّم الّذي هو بدل عن الغسل عن الوضوء ، وحيث إنّه مأمور بالوضوء أيضاً مع كونه محدثاً بتلك الأحداث ومن هنا لو توضأ قبل الاغتسال عنها صحّ وضوءه ولم يكن تشريعاً محرماً غاية الأمر أنّه لو لم يأت به قبلها لكان له الاجتزاء بالاغتسال فلا بدّ أن يأتي بتيمم آخر بدلاً عن الوضوء.
1) الوسائل 2 : 261 / أبواب الجنابة ب 43 ح 1.
[1150] مسألة 12 : ينتقض التيمّم بما ينتقض به الوضوء والغسل من الأحداث (1)
وهذا بخلاف الصورة الرّابعة وهي ما إذا كان المكلّف محدثاً بالجنابة لأن مقتضى الآية المباركة أن وظيفة الجنب ليست هي الوضوء بل وظيفته الاغتسال وحيث أنّها مطلقة كفى في حقّه غسل واحد وكذا تيمّم واحد ، من غير وجوب تيمّم زائد عليه بدلاً عن الوضوء أو غسل آخر.
(1) ويدلُّ عليه وجوه :
الأوّل : قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (1)فإنّه دلّ على أنّ المحدث بحدث النوم أو غيره إذا قام إلى الصلاة لا بدّ إمّا أن يتوضأ إن كان غير جنب ، وإمّا أن يغتسل إن كان جنباً وإن لم يجد ماءً فتيمّم صعيداً طيِّباً.
وهذا يصدق على المتيمم إذا أحدث ثمّ أراد الصلاة ، فهو محدث قام إلى الصلاة يجب عليه الوضوء أو الغسل إن كان واجداً للماء ، والتيمّم إن لم يجد.
الثّاني : كل ما دلّ على وجوب الوضوء أو الغسل بعد صدور أسبابهما كما دلّ على أنّ الرجل إذا نام أو بال فليتوضأ (2)أو أنّه إذا أجنب فليغتسل (3)وغير ذلك ممّا ورد في الأحداث.
لأنّها شاملة للمتيمم إذا صدر منه شيء من تلك الأسباب فمقتضاها وجوب
كما أنّه ينتقض بوجدان الماء (1)
الوضوء أو الغسل عليه ، وحيث إنّه لا يتمكّن من الماء فيجب عليه التيمّم ، ولا يمكنه الاكتفاء بتيممه السابق لانتقاضه بصدور الأسباب منه حسبما تقتضيه الأدلّة المذكورة.
الثّالث : صحيحة زرارة أو حسنته قال « قلت لأبي جعفر عليهالسلام : يصلِّي الرجل بوضوء واحد صلاة اللّيل والنهار كلّه؟ قال : نعم ، ما لم يحدث ، قلت : ويصلِّي بتيمم واحد صلاة اللّيل والنهار؟ قال : نعم ، ما لم يحدث أو يصب ماءً » (1).
وهي مرويّة بطريقين :
أحدهما حسن بابن هاشم إن لم نقل بوثاقته.
وثانيهما مشتمل على محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان. والظاهر أنّها صحيحة ، لأن محمّد بن إسماعيل وإن كان في نفسه مردداً بين أشخاص إلاّ أنّ الظاهر أنّه تلميذ الفضل الثقة ، وهو الّذي يروي عن شيخه الفضل بن شاذان كثيراً.
وقد رواها الشيخ أيضاً بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد (2)، وهو طريق صحيح وفيه غنى وكفاية سواء صحّ الطريق المتقدم أم لم يصح.
(1) وليس هذا الحكم مستنداً إلى إطلاق أدلّة الطّهارة المائية وكونها مقدمة على استصحاب بقاء الطّهارة الترابية بعد الوجدان ، فإن أدلّة الطّهارة المائية كالآية المباركة وغيرها ممّا دلّ على وجوب الوضوء أو الغسل للمتمكّن من الماء مختصّة بالمحدث وأنّه إذا قام إلى الصلاة وجب عليه أن يتوضأ أو يغتسل ، فلا تكاد تشمل المتيمم لأنّه متطهر حتّى بعد وجدان الماء.
وذلك لإطلاق أدلّة طهورية التراب لغير المتمكّن من الماء (3)لدلالتها على أنّ
التيمّم طهور وأنّه أحد الطهورين ، ومقتضى إطلاقها كونه طهوراً حتّى بعد وجدان الماء ، لعدم كونها مغياة بالوجدان.
وإطلاق أدلّة الطهوريّة (1)وارد على إطلاق أدلّة الطّهارة المائية ، لكونها موجبة لخروج المتيمم عن موضوعها وهو المحدث بالوجدان ، فلو كنّا نحن وهذه المطلقات لقلنا ببقاء الطّهارة الترابية بعد وجدان الماء وعدم انتقاضها به ، كما التزمنا والتزم المشهور بذلك في المتوضي مع الجبيرة ، حيث ذكروا أنّه لو ارتفع عذره بعد الوضوء وتمكّن من الوضوء الصحيح لم ينتقض وضوءه ، وذلك لإطلاق ما دلّ على طهورية الوضوء مع الجبيرة لذوي الأعذار (2)فإنّه وارد على إطلاق ما دلّ على وجوب الطّهارة المائية لأنّ الموضوع فيها هو المحدث.
والمقام وتلك المسألة من وادٍ واحد ، فانّ المكلّف في كلا المقامين غير متمكّن من الماء لأنّه معذور ، فلا وجه لدعوى شمول إطلاق أدلّة الطّهارة المائية للمتيمم وكونها مقتضية لوجوب الوضوء أو الغسل في حقّه وعدم جريان استصحاب بقاء الطّهارة الترابية بعد الوجدان ، لأنّ الإطلاق دليل اجتهادي يتقدم على الأصل.
بل الوجه في ذلك هو الأخبار المتضافرة الّتي أكثرها صحاح ، وقد دلّت على أن وجدان الماء ناقض للتيمم ، وهي على طوائف :
منها : ما ورد في خصوص الوضوء وأنّ المتيمم بدلاً عنه إذا وجد الماء توضأ ، مثل حسنة زرارة أو صحيحته المتقدمة عن أحدهما عليهماالسلام قال : « إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت ، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت ، فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل » (3).
ومنها : ما ورد في التيمّم بدلاً عن الغسل وأنّه إذا وجد ماءً انتقض تيممه ، وذلك مثل صحيحة عبيد اللّه بن علي الحلبي « أنّه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل
إذا أجنب ولم يجد الماء ، قال : يتيمّم بالصعيد ، فإذا وجد الماء فليغتسل ولا يعيد الصلاة » (1)ونظيرها صحيحة أو حسنة أُخرى له (2)فليراجع.
ومنها : ما هو مطلق يعم التيمّم بدلاً عن الوضوء وما هو بدل عن الغسل كما في صحيحة زرارة أو حسنته المتقدمة « قلت : ويصلِّي بتيمم واحد صلاة اللّيل والنهار؟ قال : نعم ، ما لم يحدث أو يصب ماءً ... » (3).
ومنها : ما هو مصرح بالإطلاق وذلك كما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال « قلت له : كيف التيمّم؟ قال : هو ضرب واحد للوضوء والغسل من الجنابة ... ومتى أصبت الماء فعليك الغسل إن كنت جنباً والوضوء إن لم تكن جنباً » (4).
إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة (5)الدالّة على ذلك ، واقتصرنا على الأخبار المتقدمة من باب المثال.
ويترتب على ذلك أنّ المتيمم إذا وجد الماء ولم يتوضأ أو يغتسل حتّى طرأ عليه العجز عن استعماله الماء ثانياً وجب عليه أن يتيمّم ثانياً ، وليس له الاكتفاء بتيممه السابق لانتقاضه بالوجدان.
وهذا مضافاً إلى أنّه أمر على طبق القاعدة منصوص ، فقد ورد في ذيل الصحيحة أو الحسنة المتقدمة (6)عن زرارة : « قلت : فإن أصاب الماء ورجا أن يقدر على ماءٍ آخر وظنّ أنّه يقدر عليه كلّما أراد فعسر ذلك عليه؟ قال : ينقض ذلك تيممه وعليه أن يعيد التيمّم ».
أو زوال العذر (1) ولا يجب عليه إعادة ما صلاّهُ كما مرّ (1)وإن زال العذر (2) في الوقت ، والأحوط الإعادة حينئذ بل والقضاء أيضاً في الصور الخمسة المتقدمة.
[1151] مسألة 13 : إذا وجد الماء أو زال عذره قبل الصلاة لا يصح أن يصلِّي به وإن فقد الماء أو تجدد العذر فيجب أن يتيمّم ثانياً (3) ، نعم إذا لم يسع زمان الوجدان أو زوال العذر للوضوء أو الغسل بأن فقد أو زال العذر بفصل غير كاف لهما لا يبعد عدم بطلانه وعدم وجوب تجديده ، لكن الأحوط التجديد مطلقاً (4).
(1) للأخبار المتقدمة الدالّة على بقاء الطّهارة الترابية ما لم يحدث أو يصب ماءً (2)فإن إصابة الماء الّتي جعلت غاية رافعة للطهارة الترابية إنّما هي نقيض قوله تعالى ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) (3)المفسّر بعدم التمكّن من الاستعمال.
إذن فالمراد بالإصابة هو التمكّن من استعمال الماء ، فإذا تمكّن من استعماله بارتفاع عذره بطل تيممه.
(2) كما تقدّم قريبا.
(3) لبطلان تيممه السابق بالوجدان ، فلو طرأ عليه الفقدان بعد ذلك فهو موضوع جديد ولا بدّ من أن يتيمّم بسببه ثانيا.
(4) لأنّ الإصابة الواردة في الأخبار المتقدمة إنّما هي في مقابل قوله تعالى ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) (4)وحيث إن معناه عدم التمكّن من استعمال الماء عقلاً أو شرعاً فيكون
وكذا إذا كان وجدان الماء أو زوال العذر في ضيق الوقت فإنّه لا يحتاج إلى الإعادة حينئذ للصلاة الّتي ضاق وقتها.
[1152] مسألة 14 : إذا وجد الماء في أثناء الصلاة فإن كان قبل الركوع من الركعة الأُولى بطل تيمّمه وصلاته ، وإن كان بعده لم يبطل ويتم الصلاة (1)
معنى الإصابة هو التمكّن من استعمال الماء عقلاً وشرعاً ، بأن يكون للماء وجود خارجي وتمكّن من استعماله تكويناً بأن لا يكون مريضاً لا يقدر على الحركة أو ممنوعاً عنه من قبل الظالم ونحوه ، وشرعاً بأن كان مباحاً ولم يكن استعماله في الوضوء أو الغسل مزاحماً بتكليف آخر.
فإذا أصاب الماء ولم يكن متمكّناً من استعماله تكويناً لقلّة زمان الوجدان كما لو مرّت عليه سيارة تحمل ماءً أو ظفر ببئر ماءٍ ولم يكن عنده أدوات النزح ، أو لم يكن متمكّناً من استعماله شرعاً بأن كان مغصوباً أو في آخر الوقت بحيث لا يسع الوضوء أو الغسل ونحو ذلك ، لم ينتقض تيممه لعدم تحقق الغاية الرافعة للطهارة الترابية في حقّه.
(1) قد يكون الوجدان قبل الصلاة وقد يكون بعدها وثالثة يكون في أثنائها.
لا إشكال في أنّه إذا وجده قبل الصلاة بطل تيممه ، لأنّ الوجدان ناقض له كما سبق (1).
كما لا شبهة في أنّه إذا وجده بعد الصلاة صحّت صلاته ولا تجب إعادتها مطلقاً أو على تفصيل قد قدّمناه (2)وهو ما إذا صلّى آيساً من وجدان الماء وما إذا صلّى مع احتمال إصابته وإنّما يجب أن يتوضأ أو يغتسل للصلوات المقبلة.
وإنّما الكلام فيما إذا وجد الماء في أثناء الصلاة. والمشهور هو التفصيل بين ما إذا وجده بعد الركوع فيمضي في صلاته وهي صحيحة وما إذا وجده قبل الركوع وقبل
الدخول فيه فيبطل تيممه وصلاته ، وهذا هو الّذي اختاره الماتن.
وذهب جمع كثير بل نسب إلى المشهور أنّه متى ما كبّر للافتتاح ودخل في الصلاة لم يجز له الرجوع ، فلا فرق بين وجدان الماء قبل الركوع أو بعده.
وذهب ثالث إلى استحباب القطع ما لم يركع ، وغير ذلك من الأقوال.
ومن المتسالم عليه أنّ الوجدان بعد الدخول في الركوع غير مسوغ لقطعها والرجوع إلاّ من الشاذ النادر ، حيث ذهب إلى أن وجدانه قبل إتمام الركعتين موجب للقطع والرجوع.
ومنشأ الاختلاف بينهم هو الاختلاف في كيفيّة الاستفادة من الأخبار الّتي منها صحيحة زرارة في حديث قال « قلت لأبي جعفر عليهالسلام : إن أصاب الماء وقد دخل في الصلاة ، قال : فلينصرف فليتوضأ ما لم يركع ، وإن كان قد ركع فليمض في صلاته فانّ التيمّم أحد الطهورين » (1)ودلالتها على التفصيل المتقدم ممّا لا غبار عليه.
وسندها معتبر ، حيث إن لها طرقاً ثلاثة :
أحدها : ما رواه الشيخ (2)عن المفيد عن أحمد بن محمّد عن أبيه عن الصفار ... ، وهو ضعيف بأحمد بن محمّد بن يحيى العطّار لعدم ثبوت وثاقته (3).
وثانيها : ما رواه الكليني (4)عن محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان ، وهو مورد المناقشة من جهة محمّد بن إسماعيل ، حيث قيل بتضعيفه وإن لم يكن الأمر كما قيل.
وثالثها : ما رواه الكليني (5)عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن حريز ، وهو حسن. فالرواية صحيحة بمعنى المعتبرة الأعم من الصحيحة أو الحسنة أو الموثقة في الاصطلاح.
1) الوسائل 3 : 381 / أبواب التيمّم ب 21 ح 1. وتقدم في المسألة 12 [ ص 366 ] ما له ربط في المقام من جهة سند الرواية.
2) التهذيب 1 : 200 / 580.
3) لاحظ المعجم 19 : 27 / 12005 ، فإنّه ذكر أنّ المراد من أحمد في مثل هذا السند هو أحمد ابن محمد بن الحسن بن الوليد.
4) الكافي 3 : 63 / 4.
5) الكافي 3 : 63 / 4.
ومن جملة الروايات رواية عبد اللّه بن عاصم : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل لا يجد الماء فيتيمم ويقوم في الصلاة فجاء الغلام فقال : هو ذا الماء ، فقال : إن كان لم يركع فلينصرف وليتوضأ ، وإن كان قد ركع فليمض في صلاته » (1).
ودلالتها كسابقتها ظاهرة ، وإنّما الكلام في سندها حيث إنّ لها طرقاً ثلاثة :
أوّلها : ما رواه الكليني (2)عن الحسين بن محمّد عن معلى بن محمّد عن الوشاء عن أبان بن عثمان. والحسين بن محمّد هو شيخ الكليني الثقة ويروي الكليني عنه بدون واسطة ، ولكن معلى بن محمّد لم يوثق فالسند ضعيف لأجله.
وثانيها : ما رواه الشيخ (3)بإسناده عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمّد عن أبان بن عثمان عن عبد اللّه بن عاصم. وهو ضعيف أيضاً بالقاسم بن محمّد ، لأنّه الجوهري وهو ضعيف.
وذكر ابن داود في رجاله أنّ الظاهر أنّ القاسم بن محمّد الجوهري رجلان ، فانّ الشيخ ذكره في موضعين ، فعنونه مرّة وعدّه من أصحاب الكاظم عليهالسلام وقال : إنّه واقفي ، وأُخرى في من لم يرو عنهم. إذن فهو رجلان ، إذ لا يمكن أن يكون شخص واحد من أصحاب الكاظم عليهالسلام وممّن لم يرو عنهم ، والثّاني موثق فلا بدّ من الحكم بصحّة السند في المقام ، لأنّه روى عن أبان بن عثمان وبواسطته ولم يرو عن الكاظم عليهالسلام (4).
وفيه : أنّ الشيخ ذكره في ثلاثة مواضع ، فتارة ذكره في أصحاب الصادق عليهالسلام (5)وأُخرى في أصحاب الكاظم عليهالسلام (6)وثالثة في من لم يرو
عنهم (1)، والظاهر أنّه لا تنافي بين عدّ الرجل من أصحاب إمام وممّن لم يرو عنهم ، إذ المراد من عدّه من أصحابهم أنّه ممّن صحبهم وأدركهم لا أنّه روى عنهم ، ويمكن أن يدرك شخص إماماً أو إمامين وأنّه مِن صَحْبهم أو أكثر ولا يروي عنهم من دون واسطة.
نعم ، في خصوص رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله ذكر الشيخ باب ( من روى عنه صلىاللّهعليهوآله ) لا باب ( أصحاب رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله ). إذن لا شهادة في عدّ الشيخِ الرجلَ في موضعين على تعدّده ، هذا.
على أنّا لو سلمنا تعدّده فمن أين تثبت وثاقة ثانيهما ، فإنّه لم يدلّنا دليل على وثاقته فالسند ضعيف لأجله.
ومنها (2): ما رواه الشيخ (3)بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي عن جعفر بن بشير. وهذا السند ضعيف أيضاً ، لأن إسناد الشيخ إلى محمّد بن علي بن محبوب وإن كان صحيحاً إلاّ أنّ الحسن بن الحسين اللؤلؤي لم تثبت وثاقته ، وذلك لأنّه وإن وثقه النجاشي قدسسره (4)إلاّ أنّ الشيخ ذكر في رجاله أن ابن بابويه قد ضعّفه (5). ومستند تضعيف الصدوق إيّاه هو تضعيف شيخه محمّد بن الحسن بن الوليد قدسسره وإن لم يذكره الشيخ قدسسره ، وهو الّذي ضعّف الرجل وتبعه الصدوق كما هو دأبه. وقد أيده شيخ النجاشي عباس بن سامان (6)قائلاً ما مضمونه : إنّ تضعيفه في محلِّه.
وقد تعرّض لذلك النجاشي في ترجمة محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري ، حيث ذكر بعد توثيقه : أنّه كان يروي عن الضعفاء كثيراً ومن ثمة استثنى ابن الوليد جملة من
رواياته ، وعدّها النجاشي في كتابه ومن جملتها ما رواه عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي متفرداً به (1)وهو الّذي أيّده شيخ النجاشي قدسسرهما.
فإمّا أن يتقدّم التضعيف على توثيق النجاشي لتعدّد المضعِّف ، وإمّا أن يتعارضا ، وفي النتيجة لا يثبت توثيق الرجل فلا يمكن الاعتماد على رواياته ، فما ذكره صاحب المدارك قدسسره من أنّ الرواية ضعيفة السند هو الصحيح. فالمعتمد هو الحسنة المتقدمة وحسب.
وبإزاء هاتين الروايتين [ روايتان ] :
[ إحداهما ] : رواية محمّد بن حمران عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قلت له : رجل تيمّم ثمّ دخل في الصلاة وقد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثمّ يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة ، قال : يمضي في الصلاة ، واعلم أنّه ليس ينبغي لأحد أن يتيمّم إلاّ في آخر الوقت » (2). نظراً إلى أنّها تدل على أن وجدان الماء حين الدخول في الصلاة غير موجب لانتقاض التيمّم فلا عبرة بدخوله في الركوع وعدمه.
ويقع الكلام تارة في سندها وأُخرى في دلالتها.
أمّا من حيث السند فالظاهر ضعفها ، لتردد محمّد بن سماعة بين محمّد بن سماعة بن مهران الّذي هو ضعيف ، وبين محمّد بن سماعة بن موسى وهو ثقة والد الحسن وإبراهيم وجعفر.
وقد يقال : إنّ اللّفظ ينصرف إلى من هو المعروف من المسمين به كما بيّناه مراراً وحيث إن محمّد بن سماعة بن موسى ثقة جليل فينصرف اللّفظ إليه.
1) رجال النجاشي : 348 / 939.
2) الوسائل 3 : 382 / أبواب التيمّم ب 21 ح 3. أمّا الكلام من جهة السند فقد رجع السيِّد الأُستاذ ( دام بقاؤه ) عمّا ذكره هنا في المعجم [ 17 : 144 ] فبنى على انصراف محمّد بن سماعة إلى ابن موسى الثقة ، وكذلك محمّد بن حمران إلى النهدي الثقة. راجع المعجم 17 : 48، وعلى هذا فالسند معتبر.
وفيه : أن كبرى انصراف الاسم إلى المعروف المشتهر وإن كانت صحيحة إلاّ أنّ المقام ليس من صغرياتها ، لأنّ كلا الرجلين مشتهر معروف ، والوثاقة وعدمها أجنبيان عن الاشتهار ، فانّ الوثاقة لا تستدعي الانصراف وإنّما المستتبع له هو الاشتهار ، هذا.
بل قد يقال بانصراف محمّد بن سماعة إلى ابن مهران ، نظراً إلى التصريح برواية البزنطي عن محمّد بن سماعة بن مهران كثيراً كما لا يخفى على من راجع الأخبار ، وهذا بخلاف محمّد بن سماعة بن موسى ، إذ لم يصرح برواية البزنطي عنه في الإسناد ، بل إنّما يوجد أنّه روى عن محمّد بن سماعة من دون تصريح بابن موسى ، هذا. ولا أقل من أن يكون محمّد بن سماعة مردّداً بين الثقة والضعيف كما ذكره صاحب الجواهر قدسسره (1)، وهذا كلّه من جهة محمّد بن سماعة.
وأمّا محمّد بن حمران فقد تكلمنا فيه سابقاً وحاصل الكلام فيه هو : أن محمّد بن حمران مردّد بين الثقة والضعيف.
وتوضيحه : أنّ الشيخ تعرض في رجاله ثلاث مرّات لمحمّد بن حمران ، فتارةً عنون محمّد بن حمران بن أعين وعدّه من أصحاب الصادق عليهالسلام (2).
وثانية : عنون محمّد بن حمران مولى بني فهر وعدّه أيضاً من أصحاب الصادق عليهالسلام وصرّح بأن محمّداً هذا غير محمّد بن حمران بن أعين (3).
وثالثة : عنون محمد بن حمران النهدي وعدّه أيضاً من أصحاب الصادق (4). وظاهره لو لم يكن صريحه أنّ المسمّين بمحمّد بن حمران ثلاثة أنفار وجميعهم من أصحاب الصادق عليهالسلام.
وتعرّض لمحمّد بن حمران بن أعين في فهرسته وذكر أن له كتاباً وأنّه يروي عنه محمّد بن أبي عمير وابن أبي نجران (5).
وتعرّض النجاشي في كتابه إلى محمّد بن حمران النهدي ووثقه ، وذكر أنّ له كتاباً ويروي عنه علي بن أسباط (1).
ولو لا تعرّض الشيخ في رجاله للرجل مرّتين وكل في مقابل الآخر الّذي هو كالنصّ في التعدد لجزمنا باتحاد الرجلين ، وذلك لأن للنهدي كتاباً يروي عنه علي بن أسباط على ما صرّح به النجاشي فلا وجه لعدم تعرّض الشيخ له في فهرسته ، لأنه وضعه لذكر فهرست الكتب وأصحابها ، ومن هذا يظن أنّهما شخص واحد غاية الأمر أنّ الشيخ عنونه باسم أبيه وعنونه النجاشي بلقبه.
كما أنّ النجاشي لم يتعرّض لابن أعين مع أن تأليفه متأخّر عن الفهرست ، لأنّه ناظر في كتابه إلى الفهرست ويعترض على الشيخ وإن لم يصرّح باسم الكتاب ، وقد ترجم النجاشي الشيخ وذكر في تعداد كتبه كتاب الفهرست (2). ومع كون الفهرست بين يديه وتصريح الشيخ بأنّ له كتاباً يروي عنه محمّد بن أبي عمير وابن أبي نجران وهما كالمروي عنه من المعروفين المشهورين بين الرواة ولم يتعرّض النجاشي لابن أعين فيظن به أنّ الرجل واحد يعبر عنه بابن أعين تارة ويعبر عنه بالنهدي أي بلقبه اخرى ، ومن ثمة تعرّض الشيخ لأحد العنوانين وتعرّض النجاشي للآخر وسكت كل منهما عن الآخر.
إلاّ أنّ الجزم بذلك ليس ممكناً ، لتصريح الشيخ بالتعدد على ما بيّناه. إذن فهو متعدد وأحدهما ثقة وهو النهدي والآخر لم يوثق وهو ابن أعين ، فيتردّد محمّد بن حمران الموجود في الرواية بين الثقة والضعيف فلا يمكن الاعتماد عليها. ولا وجه لحملها على النهدي الثقة ، لأنّ الوثاقة لا توجب الانصراف ، وإنّما الموجب له هو الاشتهار وإن كان الراوي ضعيفاً. وكل من الرجل (3)والراوي عنهما معروف مشهور لو لم ندع أن ابن أعين وراوييه ابن أبي عمير وابن أبي نجران أشهر وأعرف.
نعم لو قلنا إن ابن أبي عمير لا يروي إلاّ عن ثقة وأثبتنا ذلك حكمنا باعتبار
الرواية ، ولا يترتب أثر على تردد الراوي بين النهدي وابن أعين ، لاعتبار الرواية على كلا التقديرين. إلاّ أنّا أنكرنا هذا المبنى كما سبق مراراً ، ومعه لا يمكننا الاعتماد على الرواية ، هذا كلّه بالنسبة إلى محمّد بن حمران. هذا تمام الكلام في سند الرواية.
لو أغمضنا النظر عن المناقشة السندية وبنينا على أن محمّد بن سماعة هو ابن موسى الثقة ، وأن محمّد بن حمران هو النهدي الثقة فلا يمكننا الاستدلال بالرواية ، لعدم دلالتها على المدّعى.
وذلك لأنّها إنّما تدل على عدم الاعتبار بما قبل الركوع وما بعده بمقتضى إطلاقها لدلالتها على أنّه إذا وجد الماء وهو داخل في الصلاة مضى في صلاته سواء كان ذلك قبل الركوع أم بعده ، فنقيدها بصحيحة زرارة أو حسنته المتقدمة الدالّة على التفصيل بين ما إذا وجد الماء قبل الدخول في الركوع وما إذا وجده بعده (1)فإنّه مقتضى قانون الإطلاق والتقييد.
وقد يقال بأنّ الرواية صريحة في أن وجدان الماء قبل الركوع لا يوجب انتقاض التيمّم لا أنّها تدل عليه بالإطلاق فهما متعارضتان ، ولا بدّ معه من حمل الحسنة أو الصحيح على الاستحباب إذا وجد الماء قبل الركوع ، وذلك لتصريح الراوي بأنّه وجد الماء حين يدخل في الصلاة أي حين شروعه فيها.
إلاّ أنّ هذا التوهم باطل ، لأنّ المراد به هو كون الرجل داخلاً في الصلاة ولا يراد به حال الشروع والدخول ، فان معنى « حين يدخل » حين كونه داخلاً في الصلاة وذلك لئلاّ يناقضه قول السائل قبل هذا : « رجل تيمّم ثمّ دخل في الصلاة وقد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثمّ يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة ». لأنّه فرض أنّه دخل في الصلاة وبعد دخوله فيها ، وذلك لمكان « ثمّ » ، فمعنى « يؤتى بالماء ... » أي يؤتى به حال كونه داخلاً في الصلاة ، فلو حمل ذلك على حال الشروع والدخول لكان مناقضاً لقوله : « ثمّ دخل في الصلاة ».
1) الوسائل 3 : 381 / أبواب التيمّم ب 21 ح 1 ، وقد تقدّمت في ص 371.
هذه هي إحدى الروايتين اللّتين استدلّ بهما على أنّ المتيمِّم إذا دخل في الصلاة ثمّ وجد الماء لم تنتقض طهارته سواء كان ذلك قبل الركوع أم بعده ، ولأجلهما حملوا الصحيحة أو الحسنة المتقدمة الدالّة على الانتقاض إذا وجد الماء قبل الركوع على استحباب نقض الصلاة ثمّ الشروع فيها مع الوضوء.
وثانيتهما : صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم أنّهما قالا لأبي جعفر عليهالسلام : « في رجل لم يصب الماء وحضرت الصلاة فتيمّم وصلّى ركعتين ثمّ أصاب الماء أينقض الركعتين أو يقطعهما ويتوضأ ثمّ يصلِّي؟ قال : لا ، ولكنّه يمضي في صلاته فيتمها ولا ينقضها ، لمكان أنّه دخلها وهو على طهر بتيمم » (1).
وذلك لأنّها وإن وردت في من أصاب الماء بعد الركعتين إلاّ أنّ العلّة المذكورة في ذيلها تعمم الحكم لما إذا دخل في الصلاة ثمّ وجد الماء قبل الركوع ، لدلالتها على أنّ المدار في وجوب المضي في الصلاة إنّما هو الدخول فيها عن طهر بتيمم ، وحيث إنّها علّة غير قابلة للتخصيص ، فلا بدّ من حمل الحسنة المتقدمة الدالّة على الانتقاض فيما إذا وجد الماء قبل الركوع على الاستحباب كما قدّمنا ، هكذا ذكروا في وجه الاستدلال بها.
ولا كلام في سند الرواية ، لأنّ الصدوق رواها عن زرارة ومحمّد بن مسلم (2)وطريقه صحيح (3)، نعم طريق الشيخ قدسسره (4)ضعيف بأحمد بن محمّد بن الحسن ابن الوليد لعدم ثبوت وثاقته (5).
وإنّما الكلام في دلالتها. والظاهر أنّها قابلة للتقييد أيضاً ، لأن علل الأحكام الشرعية لا تزيد على نفس الأحكام بل هي هي ، غاية الأمر أنّها حكم كبروي ، ومرجع
التعليل في الرواية ومعناه : أن من دخل في الصلاة عن طهر بتيمم لم تنتقض صلاته بوجدان الماء بعده ، وهو بمثابته.
ولا شبهة في أن مثله قابل للتقييد ، وليست العلل الشرعية كالعلل العقلية غير قابلة للتخصيص ، فانّ الدور إذا قام البرهان على استحالته لم يمكن تخصيصه بوقت دون وقت كالليل مثلاً ، فان حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد. وأمّا العلل الشرعية فتخصيصها أو تقييدها بمكان من الإمكان.
وليعلم أنّ المراد من أنّ التعليل غير قابل للتخصيص أنّه آبٍ عنه إذا القي على العرف لا أن تخصيصه غير ممكن ولا كلام في إبائه عن التقييد فلاحظ.
والنقض بالتعليل الوارد في الاستصحاب غير تام ، إذ لا كلام في إمكانه كما مرّ. على أن محل الكلام فيما إذا علّل حكم في مورد وورد في ذلك المورد بخصوصه ما يتوهم تخصيصه ، لا أن يرد حكم في مورد آخر قد يجتمعان ويخصص أحدهما. مع أنّه يمكن أن يقال فيه بالتقدّم بنحو الحكومة.
وقد وقع نظيره كثيراً ، مثل التعليل الوارد في صحاح ثلاث لزرارة وردت في الاستصحاب كقوله عليهالسلام : « لأنّك كنت على يقين من وضوئك ، ولا تنقض اليقين بالشك أبداً » (1)على اختلاف ألفاظه باختلاف الصحاح. مع أنّا خصّصناه بقاعدتي الفراغ والتجاوز فيما إذا شكّ بعد الصلاة أو في أثنائها.
وبالجملة : إنّ قوله عليهالسلام : « لمكان أنّه دخلها وهو على طهر بتيمم » بمثابة أن يقال : من دخل في صلاته بطهر عن تيمّم لم تنتقض صلاته بوجدان الماء بعده. وهو حكم قابل للتقييد ، ومقتضى قانون الإطلاق والتقييد هو تقييد إطلاق تلكم الصحيحة بحسنة زرارة المتقدِّمة (2)الدالّة على أنّ الداخل في الصلاة بطهر عن تيمّم إذا وجد الماء قبل الركوع انتقضت طهارته وصلاته.
لكن الأحوط مع سعة الوقت الإتمام والإعادة مع الوضوء.
ولا فرق في التفصيل المذكور بين الفريضة والنافلة على الأقوى (1).
إذن ما ذهب إليه المشهور من التفصيل بين وجدانه الماء قبل الركوع ووجدانه بعده هو الصحيح.
نعم الاحتياط يقتضي إتمام الصلاة وإعادتها مع الوضوء كما في المتن ، وذلك لورود روايتين ضعيفتين دلّتا على أن وجدان الماء بعد الركوع موجب للانتقاض ، ولأجل الخروج عن الخلاف في المسألة.
وإحدى الروايتين لزرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « سألته عن رجل صلّى ركعة على تيمّم ثمّ جاء رجل ومعه قربتان من ماء ، قال : يقطع الصلاة ويتوضأ ثمّ يبني على واحدة » (1)أي يشرع من حيث قطعها.
ودلالتها على وجوب التوضي وانتقاض التيمّم بوجدان الماء حتّى بعد الركوع ظاهرة ، لكن السند ضعيف بعلي بن السندي.
وثانيتهما : رواية الحسن الصيقل قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : رجل تيمّم ثمّ قام يصلِّي فمرّ به نهر وقد صلّى ركعة ، قال : فليغتسل وليستقبل الصلاة ، قلت : إنّه قد صلّى صلاته كلّها ، قال : لا يعيد » (2).
ودلالتها ظاهرة كسابقتها ، لكن سندها ضعيف بموسى بن سعدان الّذي ضعّفوه (3)والمثنى المردد بين الثقة والضعيف ، والحسن الصيقل لعدم ثبوت وثاقته.
(1) هل التفصيل المتقدم خاص بالفريضة وأنّها الّتي دلّت الحسنة على عدم
وإن كان الاحتياط بالإعادة في الفريضة آكد من النافلة (!).
[1153] مسألة 15 : لا يلحق بالصلاة غيرها إذا وجد الماء في أثنائها بل تبطل مطلقاً وإن كان قبل الجزء الأخير منها ، فلو وجد في أثناء الطواف ولو في الشوط الأخير بطل (1)(2)
انتقاض التيمّم فيها بوجدان الماء بعد الركوع ، وأمّا النافلة فتبقى تحت المطلقات المتقدمة الدالّة على أن وجدان الماء ناقض للتيمم حيث لم يرد تخصيصها بالنافلة ، أو أنّ الحكم يعمّ النوافل؟.
الصحيح شمول الحكم للنوافل فلا فرق بينها وبين الفرائض ، وذلك لإطلاق الحسنة المتقدمة حيث سئل فيها عن الرجل يصلِّي بتيمم واحد صلاة اللّيل والنهار وأنّه لو أصاب الماء وقد دخل في الصلاة هل ينتقض تيمّمه أم لا ينتقض (2)؟ وهو كما ترى يشمل النافلة. ودعوى الانصراف إلى الفريضة لا شاهد عليها بوجه.
(1) وفي جملة من النسخ : وإن كان الاحتياط في النافلة آكد. والوجه فيه ظاهر لأنّ النافلة مضافاً إلى اشتراكها مع الفريضة في الخلاف وهو القول بعدم انتقاض التيمّم بوجدان الماء حتّى قبل الركوع ، وفي كونها مشمولة للروايتين الضعيفتين الدالّتين على أن وجدانه ناقض للتيمم حتّى بعد الركوع تختص بشبهة أُخرى هي شبهة اختصاص المخصص بالفرائض وبقاء النافلة تحت المطلقات الدالّة على انتقاض التيمّم بوجدان الماء.
(2) ما ذكره قدسسره هو الّذي تقتضيه القاعدة ، لدلالة الأدلّة على أنّ التيمّم
ينتقض بوجدان الماء الّذي مقتضاها أنّ المتيمِّم لو وجده قبل الفراغ من العمل المشروط بالطّهارة ولو بجزء بطل تيمّمه ووجب عليه استئنافه مع الوضوء أو الاغتسال ، وأدلّة عدم البطلان بوجدان الماء بعد الركوع خاصّة بالصلاة ولا تأتي في الطواف ونحوه.
إلاّ أن مقتضى الأدلّة الواردة في الطواف وأنّ الطائف لو أحدث في أثنائه يفصّل بين ما إذا صدر منه الحدث غير الاختياري قبل الشوط الرّابع استأنف طوافه من الابتداء ، وبين ما لو أحدث بعده فيحصّل الطّهارة ويشرع من حيث قطع (1)هو التفصيل في المقام أيضاً ، لدلالة الأدلّة على انتقاض التيمّم عند وجدان الماء وكونه محدثاً بعد وجدانه ، ومعه لو وجده قبل الشوط الرّابع استأنف طوافه ولو وجده بعده توضأ أو اغتسل واستأنف الأشواط من حيث قطعها.
ولعلّ الماتن قدسسره إنّما أفتى بما تقتضيه القاعدة ، وإلاّ فبالنظر إلى ما ذكرناه لا مناص من التفصيل.
ثمّ إن محل الكلام في الطائف المتيمِّم الّذي يجد الماء أثناء طوافه ما إذا كان متيمماً بتيمم صحيح كما لو تيمّم بدلاً عن الغسل أو الوضوء ، أي لغير الطواف من الغايات كالصلاة إذا تيمّم لأجلها وصلّى لعدم وجدانه الماء في وقت الصلاة ثمّ بعد انقضاء وقتها أراد أن يطوف فوجد الماء أثناء طوافه ، لما مرّ من أنّ المتيمِّم لغاية يباح له الدخول في جميع الغايات المترتبة عليه إلاّ بالتيمّم لضيق الوقت ، لأنّه حينئذ فاقد للماء بالإضافة إلى الصلاة وحسب ، وهو واجد للماء حال التيمّم بالإضافة إلى غير الصلاة فلا يسوغ له الدخول في غيرها من الغايات.
وهذه الصورة هي الّتي قلنا إنّه لا يبعد التفصيل فيها بين ما إذا وجد الماء بعد التجاوز عن نصفه المتحقق بإتمام الشوط الرابع ومن هنا عبّروا بإتمام الشوط الرابع وبالتجاوز عن نصفه فيجب عليه أن يتوضأ أو يغتسل ويتم طوافه من حيث قطع
1) الوسائل 13 : 378 / أبواب الطواف ب 40.
وبين ما إذا وجده قبل إتمام النصف والشوط الرّابع فيجب عليه استئناف أشواطه والإتيان بها مع الطّهارة المائية.
وأمّا إذا لم يكن متيمِّماً بتيمّم صحيح كما لو تيمّم للطواف ثمّ وجد الماء في أثنائه فلا إشكال في وجوب الاستئناف عليه من الابتداء مطلقاً سواء وجده قبل النصف أم بعده ، وذلك لأنّ الطواف موسع بل غير مؤقت بوقت ، فالتيمّم لأجله إنّما يسوغ فيما لو لم يجد الماء مطلقاً ، وأمّا لو انكشف عدم كونه فاقداً للماء بل كان متمكّناً منه واقعاً فينكشف بذلك أنّ التيمّم لم يكن مشروعاً في حقّه ولم يكن طوافه بصحيح.
ثمّ إنّ الدليل على ذلك عدّة من الروايات وإن ذكر صاحب الوسائل في هذا الباب (1)رواية واحدة مرسلة إلاّ أنّه أرشد إلى غيرها بما تقدّم ويأتي ، ومن جملتها ما ورد في المرأة إذا فاجأها الحيض أثناء طوافها ففصل بين إتمام الشوط الرّابع والتجاوز عن نصفه فحكم عليها بأن تغتسل بعد طهرها وتبدأ من حيث قطع ، وأمّا إذا كان قبل النصف بطلت أشواطها فتستأنف الطواف من الابتداء بعد غسلها من الحيض (2)وحيث إن روايته صحيحة وواردة في الحيض والحكم فيها على خلاف مقتضى القاعدة خصوا ذلك بالحدث غير الاختياري ، وقلنا في محلِّه : أنّه الأحوط (3). وقد عبّر في الرواية بقوله : حاضت أو اغتسلت (4)أو طمثت ونحوها ممّا يرجع إلى مفاجاة الحيض غير الاختيارية.
وحيث إن وجدان الماء أيضاً ناقض للتيمم فلا يبعد إلحاقه بالأحداث غير الاختيارية ، لأنّ الصحيحة وإن وردت في الحيض إلاّ أنّه إذا جاز إتمام الأشواط فيه مع أنّ الفصل في الحيض طويل فان أقلّه ثلاثة أيّام وقد يطول إلى عشرة أيّام جاز ذلك في غيره من الأحداث بطريق أولى.
وكذا لو وجد في أثناء صلاة الميّت بمقدار غسله بعد أن يُمّم لفقد الماء فيجب الغسل وإعادة الصلاة (1) بل وكذا لو وجد قبل تمام الدفن.
[1154] مسألة 16 : إذا كان واجداً للماء وتيمّم لعذر آخر من استعماله فزال عذره في أثناء الصلاة هل يلحق بوجدان الماء في التفصيل المذكور؟ إشكال (1)فلا يترك الاحتياط بالإتمام والإعادة إذا كان بعد الركوع من الركعة الأُولى (2).
(1) ما أفاده قدسسره وإن كان صحيحاً لما قدّمناه من أنّ الأمر بتيمم الميت إنّما هو في فرض عدم وجدان الماء إلى آخر وقت يمكن الانتظار إليه ، فلو وجد الماء بعد ما يمّم الميت وقبل أن يدفن كشف ذلك عن عدم مشروعية تيمّمه ، لأنّه كان مبنياً على تخيّل عدم الماء ، ولا أثر للتخيل فلا بدّ من أن يغسّل ويصلّى عليه.
إلاّ أنّه أجنبي عمّا نحن فيه بالكلية ، لأنّ الكلام في أنّ المصلّي المتيمِّم هل تنتقض صلاته ويجب إعادتها إذا وجد الماء بعد الدخول فيها أو لا؟ والمصلّي في المقام لم يكن متيمماً ، إذ لا يشترط الطهور في الصلاة على الميت وإنّما ييمّم الميت بدلاً عن تغسيله ووجوب تغسيله عند وجدان الماء عقيب التيمّم أجنبي عمّا نحن بصدده.
ويمكن أن يقال : إنّ الكلام في انتقاض التيمّم عند وجدان الماء في المصلِّي بعد الدخول في الصلاة ، وفي الميت قبل أن يدفن وعدم الانتقاض ، وحيث إن أدلّة عدم الانتقاض مختصّة بالصلاة فلا يمكن الحكم بعدمه في الميت.
(2) إذا زال العذر غير فقدان الماء قبل الركوع فلا إشكال في وجوب الإعادة من الابتداء وهو ظاهر.
1) (*) الظاهر عدم الإلحاق بوجدان الماء.
نعم لو كان زوال العذر في أثناء الصلاة في ضيق الوقت أتمها (1)
وأمّا إذا كان بعد الركوع فقد استشكل قدسسره في إلحاق ارتفاع بقيّة الأعذار المسوغة للتيمم بوجدان الماء ، ولعله من جهة أنّ الحكم بعدم البطلان إذا وجد الماء بعد الركوع حكم على خلاف القاعدة ، فإنّها تقتضي البطلان مطلقاً ، وإنّما خرجنا عنها في خصوص وجدان الماء بعد الركوع بالنصوص ويبقى ارتفاع بقية الأعذار مشمولاً للقاعدة.
ولكن الصحيح هو الإلحاق وذلك :
أمّا أوّلاً : لما قدّمناه من أنّ المراد من وجدان الماء وفقدانه هو التمكّن من استعماله الأعم من التمكّن العقلي والشرعي وعدمه. ومن هنا قلنا إنّ المراد بإصابة الماء في الأخبار هو التمكّن من استعماله في مقابل عدم الوجدان في الآية المباركة الّذي هو بمعنى عدم التمكّن من استعمال الماء.
وأمّا ثانياً : وهو العمدة ، فلأجل التعليل الوارد في الصحيحة المتقدمة لزرارة وهو قوله عليهالسلام : « لمكان أنّه دخلها وهو على طهر بتيمم » (1).
وقد قدمنا أنّه حكم كبروي ، ومقتضى كليته أن كل من دخل في صلاته متطهراً بتيمم يمضي في صلاته ولا أثر لارتفاع العذر في أثنائها ، نعم خرجنا عن إطلاقه فيما إذا ارتفع العذر قبل الركوع بالأخبار المتقدمة ، وأمّا بعده فمقتضى التعليل عدم الفرق بين وجدان الماء وارتفاع غيره من الأعذار.
(1) إذ لا أثر لارتفاع العذر في وقت لا يسع الوضوء أو الاغتسال مع الصلاة ، فإنّه في الحقيقة معذور عن الطّهارة المائية ووظيفته التيمّم وهو متيمم على الفرض.
1) الوسائل 3 : 382 / أبواب التيمّم ب 21 ح 4. وقد تقدّمت في ص 378.
وكذا لو لم يف زمان زوال العذر للوضوء بأن تجدد العذر بلا فصل فإنّ الظاهر عدم بطلانه (1) وإن كان الأحوط الإعادة.
[1155] مسألة 17 : إذا وجد الماء في أثناء الصلاة بعد الركوع ثمّ فقد في أثنائها أيضاً أو بعد الفراغ منها بلا فصل هل يكفي ذلك التيمّم لصلاة أُخرى أو لا؟ فيه تفصيل : فإمّا أن يكون زمان الوجدان وافياً للوضوء أو الغسل على تقدير عدم كونه في الصلاة أو لا ، فعلى الثّاني الظاهر عدم بطلان ذلك التيمّم بالنسبة إلى الصلاة الأُخرى أيضاً (2) ، وأمّا على الأوّل فالأحوط عدم الاكتفاء به بل تجديده لها (3) لأنّ القدر المعلوم من عدم بطلان التيمّم إذا كان الوجدان بعد الركوع إنّما هو بالنسبة إلى الصلاة الّتي هو مشغول بها لا مطلقا.
(1) كما إذا ارتفع العذر دقيقة واحدة ثمّ عاد ، وذلك لعين ما استدللنا به في سابقه فإنّه غير متمكّن من الطّهارة المائية على الفرض ووظيفته التيمّم وهو متيمم على الفرض.
(2) والوجه فيه واضح ، فان مفروض الكلام عدم تمكّن المكلّف من الطّهارة المائية لعدم سعة زمان الوجدان للغسل أو الوضوء ، وهو في الحقيقة لم يجد ماءً أو لم يرتفع عذره.
وقد قدّمنا أنّ المراد من وجدان الماء وإصابته هو التمكّن من استعماله ، وهو غير متمكّن منه على الفرض فوظيفته حينئذ هي التيمّم لا الطّهارة المائية ، وبما أنّه متيمم ويسوغ له إتمام الصلاة الّتي بيده كذلك يسوغ له الدخول في غيرها من الصلوات بذاك التيمّم.
(3) علّله بأن مقتضى القاعدة وجوب الطّهارة المائية عليه ، لأنّه واجد للماء ومتمكّن من استعماله فتشمله إطلاقات أدلّة وجوب الغسل أو الوضوء ، وإنّما ثبت
بالدليل الخارجي جواز إتمام ما بيده من الصلاة والمضي فيها بتلك الطّهارة الترابية الّتي حصّلها قبل الصلاة ، وأمّا أنّه يجوز أن يشرع في غيرها من الصلوات فلم يقم عليه دليل ، ومن هنا يجب عليه تجديد الطّهارة المائية لغيرها من الصلوات.
وما أفاده قدسسره هو الصحيح فيما إذا كانت الصلاة نافلة يجوز قطعها أو كانت فريضة وقلنا بجواز قطعها ، وذلك لأن المكلّف واجد للماء حينئذ ومتمكّن من الطّهارة المائية ، غاية الأمر أنّه ثبت بمقتضى الحسنة المتقدِّمة أو غيرها جواز المضي فيما بيده من الصلاة وعدم بطلانها بوجدان الماء بعد الركوع (1)وأمّا بالإضافة إلى غيرها فقد انتقض تيمّمه بمقتضى ما دلّ على أن وجدان الماء ناقض له ، فلا يجوز له الدخول في غيرها من الصلوات.
نعم إذا قلنا بحرمة قطع الفريضة ووجد الماء في أثنائها ثمّ فقده أو وجده (2)أو بعدها في زمان قليل لا يسع الطّهارة المائية فلا إشكال في بقاء تيمّمه ، لعدم تمكّنه من الماء شرعاً لحرمة قطع الفريضة على الفرض ، فله الدخول في غيرها من الصلوات.
ولا يفرق الحال فيما ذكرناه من انتقاض التيمّم بوجدان الماء في أثناء الصلاة بالإضافة إلى بقية الصلوات فيما إذا جاز قطعها بين أن يكون التيمّم مبيحاً للدخول في الصلاة وبين أن يكون رافعاً ، وعلى الثاني لا فرق بين كون التيمّم طهارة حقيقية في ظرف الفقدان وبين كونه رافعاً للحدث فقط مع بقاء الجنابة أو غيرها بحالها.
وذلك لأنّ الطّهارة ليست من الأُمور الحقيقية والواقعية الّتي لا يختلف حالها بالإضافة إلى الأشخاص والحالات ، وإنّما هي أمر شرعي اعتباري يمكن أن تكون معتبرة بالإضافة إلى ما بيد المكلّف من الصلاة وأن لا تكون معتبرة بالإضافة إلى غيره ، لأنّها تدور مدار الاعتبار. وقد تقدّم في بعض الروايات أنّه إذا وجد الماء ثمّ فقده وجب تحصيل الطّهارة بالإضافة إلى الصلوات الآتية (3).
[1156] مسألة 18 : في جواز مس كتابة القرآن وقراءة العزائم حال الاشتغال بالصلاة الّتي وجد الماء فيها بعد الركوع إشكال (1) لما مرّ من أنّ القدر المتيقن من بقاء التيمّم وصحّته إنّما هو بالنسبة إلى تلك الصلاة ، نعم لو قلنا بصحّته إلى تمام الصلاة مطلقاً كما قاله بعضهم جاز المسّ وقراءة العزائم ما دام في تلك الصلاة وممّا ذكرنا ظهر الإشكال في جواز العدول من تلك الصلاة إلى الفائتة الّتي هي مترتبة عليها (2) لاحتمال عدم بقاء التيمّم بالنسبة إليها.
كما تقدّم أنّ التيمّم لضيق الوقت إنّما تجوز به الصلاة الّتي ضاق وقتها وحسب لا غيرها من الغايات ، لأنّه فاقد الماء بالنسبة إليها وواجد له بالإضافة إلى باقي الغايات كما مرّ (1).
(1) ظهر الحال في بقية الغايات المترتبة على التيمّم من بياناته في الفرع المتقدم وذلك لأنّ المكلّف إذا وجد الماء في أثناء النافلة أو الفريضة بناءً على جواز قطعها فقد انتقض تيمّمه لكونه متمكّناً من الماء ، فليس له الدخول في صلاة أُخرى ولا في غيرها من الغايات المشروطة بالطّهارة لعدم كونه واجداً للطهارة ، وإنّما يجوز له المضي فيما بيده من الصلاة وحسب.
وأمّا إذا وجده في أثناء الفريضة وقلنا بحرمة قطعها فتيممه باقٍ بحاله ، لعدم طروء التمكّن من الماء على الفرض فيجوز له الدخول في صلاة أُخرى أو غيرها من غاياته.
(2) نظراً إلى أن ما ثبت بالحسنة (2)أو غيرها إنّما هو جواز المضي فيما بيده من
[1157] مسألة 19 : إذا كان وجدان الماء في أثناء الصلاة بعد الحكم الشرعي بالركوع كما لو كان في السجود وشكّ في أنّه ركع أم لا ، حيث إنّه محكوم بأنّه ركع فهل هو كالوجدان بعد الركوع الوجداني أم لا؟ إشكال (1)فالاحتياط بالإتمام والإعادة لا يترك (1).
الصلاة ، وأمّا جواز العدول منها إلى غيرها فلم يثبت بدليل ، ومعه يحتمل انتقاض التيمّم بالنسبة إلى المعدول إليها فيشمله ما دلّ على انتقاض التيمّم بالوجدان واعتبار الطّهارة المائية في الصلاة ، هذا.
والصحيح أنّه لا إشكال في جواز العدول ، وذلك لأنّه مترتب على الصلاة الصحيحة ، وقد ثبت بمقتضى الحسنة المتقدمة صحّة الصلاة الّتي بيده ، وقد رتّب الشارع على صحّتها جواز العدول منها إلى غيرها.
فلو دخل في العصر سهواً ووجد الماء بعد الركوع ثمّ فقده فيجوز له العدول إلى الظهر ، لكونها صلاة صحيحة بيده فيجوز العدول منها إلى غيرها ممّا هو سابق على العصر في الترتيب. وكذلك الحال فيما لو أراد العدول إلى فائتة من صلاتها بأن يعدل من الظهر إلى الفجر ، لعين الدليل الّذي عرفت.
نعم بناءً على ما يأتي من أنّ القضاء لا يجوز أن يؤتى به مع التيمّم فيما لو كان هناك رجاء التمكّن من الماء لا يجوز له العدول إلى الفائتة. إلاّ أنّه لأجل عدم جواز الإتيان به مع رجاء التمكّن من الماء حتّى فيما إذا لم يجد الماء فعلاً ، وليس لأجل ما ذكره الماتن قدسسره فان مفروض الكلام ما إذا جوزنا الإتيان بالفائتة مع التيمّم.
(1) لا إشكال في المسألة فيما إذا قامت أمارة شرعية على الإتيان بالركوع ، لأنّها
1) (*) أظهره أنّه بحكم الركوع الوجداني.
[1158] مسألة 20 : الحكم بالصحّة في صورة الوجدان بعد الركوع ليس منوطاً بحرمة قطع الصلاة فمع جواز القطع أيضاً كذلك ما لم يقطع (1) ، بل يمكن أن يقال في صورة وجوب القطع أيضاً إذا عصى ولم يقطع الصحّة باقية (1)بناءً على الأقوى من عدم بطلان الصلاة مع وجوب القطع إذا تركه وأتمّ الصلاة (2).
تحكي عن الواقع. وهل الأمر كذلك فيما لو أثبتناه بقاعدة التجاوز أم لا؟
الصحيح أنّ الأمر كذلك ، لما بيّناه في محلِّه (2)من أنّ القاعدة ناظرة إلى الواقع في ظرف الشك ، لقوله عليهالسلام : « بلى قد ركع » (3)وليس البناء على تحقق الركوع مجرّد وظيفة فعلية.
(1) لما مرّ من أنّه مستند إلى النص ، ومن هنا قلنا بجريانه في النوافل مع جواز قطعها. فحرمة القطع وعدمها أجنبيان عمّا نحن بصدده.
(2) ما أفاده قدسسره في غاية الإشكال ، لأنّا وإن كنّا نلتزم بالترتب وأنّه إذا أمر المولى بالأهم وعصاه المكلّف وكان للمهم إطلاق وجب عليه المهم ولا وجه لسقوطه بالمرّة وإنّما يسقط إطلاقه وحسب ، والأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه. إلاّ أن ذلك فيما إذا كان للمهم إطلاق يشمل صورة عصيان الأمر بالأهم ، وليس الأمر كذلك في المقام ، لأنّ الأمر بالمضي فيما بيده من الصلاة وإن لم يكن أمراً وجوبياً إلاّ أنّه ظاهر فيما إذا كانت وظيفته الفعلية هي المضي وكان أمراً جائزاً.
وأين هذا ممّا إذا كان القطع واجباً عليه كما هو المفروض ، فان وظيفته الفعلية حينئذ هي القطع لا المضي ، وبهذا تكون الحسنة منصرفة عمّا إذا وجب القطع على
[1159] مسألة 21 : المجنب المتيمِّم بدل الغسل إذا وجد ماءً بقدر كفاية الوضوء فقط لا يبطل تيمّمه (1) وأمّا الحائض ونحوها ممّن تيمّم تيمّمين (2) إذا وجد بقدر الوضوء بطل تيمّمه الّذي هو بدل عنه ، وإذا وجد ما يكفي للغسل ولم يمكن صرفه في الوضوء بطل تيمّمه الّذي هو بدل عن الغسل وبقي تيمّمه الّذي هو بدل عن الوضوء ، من حيث إنّه حينئذ يتعيّن صرف ذلك الماء في الغسل فليس مأمور بالوضوء.
المكلّف في مورد ، ومع عدم كون المهم مطلقاً وشاملاً لصورة العصيان للأهم لا يبقى مجال للترتب.
(1) لأنّه إنّما يتيمّم تيمماً واحداً بدلاً عن الغسل والوضوء ، إذ لا يجب الوضوء مع غسل الجنابة ، فلا يبطل تيمّمه هذا إلاّ إذا وجد ماء يكفي لغسله. فوجدانه ما يكفي الوضوء دون الغسل لا يضر بتيمّمه البدل عن غسل الجنابة المغني عن الوضوء ، بل يبقى تيمّمه بحاله لعدم تمكّنه معه من الغسل فلا ينتقض بمثله.
(2) والجامع غير غسل الجنابة من الأغسال الرافعة للأحداث الكبيرة كغسل مسّ الميت والحيض ونحوهما.
وتفصيل الكلام في هذه الأغسال : أنّ المكلّف المأمور بشيء من تلكم الأغسال إذا تيمّم بدلاً عن الغسل فان قلنا بأنّه كغسل الجنابة يغني عن الوضوء فلا يجب عليه إلاّ تيمّم واحد بدلاً عن الغسل والوضوء ، فلو وجد ماء يكفي لوضوئه دون غسله لم ينتقض تيمّمه ، لعدم تمكّنه من الغسل فتيمّمه بدلاً عنه باقٍ بحاله ، والمفروض إغناؤه عن الوضوء.
وإذا وجد ما يكفي لأحدهما وأمكن صرفه في كل منهما بطل كلا التيممين (1) ويحتمل عدم بطلان ما هو بدل (1)عن الوضوء من حيث إنّه حينئذ يتعيّن صرف ذلك الماء في الغسل فليس مأموراً بالوضوء ، لكن الأقوى بطلانهما.
وهذا في غير غسل الاستحاضة المتوسطة الّذي هو لا يغني عن الوضوء من دون كلام كما تقدم غير مرّة.
وأمّا إذا قلنا بعدم إغنائه عن الوضوء فيجب عليه تيممان أحدهما بدل عن الغسل والثّاني بدل عن الوضوء ، فلو وجد ماءً يكفي لوضوئه بطل تيمّمه الّذي هو بدل الوضوء لتمكّنه من الماء بالنسبة إليه ، ويبقى تيمّمه الّذي هو بدل الغسل بحاله ، فلو فقد الماء بعد ذلك لم يجب عليه التيمّم بدلاً عن الغسل وإنّما يجب عليه تيمّم واحد بدلاً عن الوضوء.
وإذا فرضنا وجدانه ماءً يكفي لغسله فقط ولم يمكن صرفه في الوضوء لمانع تكويني أو شرعي كعدم رضا المالك بصرفه في غير الاغتسال ، بطل تيمّمه الّذي هو بدل الغسل ، وبقي تيمّمه الّذي هو بدل عن الوضوء بحاله لعدم تمكّنه من الماء بالنسبة إليه فلو فقد الماء بعد ذلك لا يجب عليه إلاّ تيمّم واحد بدل عن الغسل دون الوضوء ، لبقاء التيمّم البدل عن الوضوء بحاله.
(1) إذا وجد ذلك هل يبطل كلا التيممين أو يبطل تيمّمه البدل عن الغسل؟ فيه احتمالان ، فقد احتمل الماتن قدسسره ثانيهما ابتداءً ثمّ قوّى أوّلهما.
والصحيح فيما فرضه الماتن قدسسره من تعين صرف الماء حينئذ في الاغتسال هو الحكم ببطلان التيمّم البدل عن الغسل ، وذلك لأنّ المكلّف وإن كان في نفسه
1) (*) هذا الاحتمال قوي في غير الاستحاضة المتوسطة.
متمكّناً من صرف الماء في كل من الغسل والوضوء إلاّ أنّ الشارع عيّن صرفه في الغسل ، فالمكلّف لا يتمكّن من الماء إلاّ بالنسبة إلى الغسل فينتقض تيمّمه بدلاً عن الغسل ، ويبقى تيمّمه بدلاً عن الوضوء بحاله ، فلو فقد الماء بعد ذلك لم يجب عليه إلاّ تيمّم واحد بدلاً عن الغسل. فما أفاده الماتن قدسسره من بطلان كلا التيممين حينئذ لا نعرف له وجهاً محصلاً.
نعم يمكن المناقشة فيما فرضه من تعين صرف الماء في الاغتسال ، وذلك لأنّه مبني على دخول المقام تحت كبرى التزاحم ، بأن يكون الأمر بالغسل والأمر بالوضوء متزاحمين حينئذ لعدم تمكّن المكلّف من امتثالهما معاً ، وبما أنّ الغسل معلوم الأهمية أو محتملها على الأقل فيتقدّم على الوضوء ، لما سبق غير مرّة من أن احتمال الأهميّة مرجح في باب التزاحم.
وعلى هذا المبنى يتعيّن صرف الماء في الغسل ، ومع وجدانه ما يكفي لأحدهما ينتقض تيمّمه بدلاً عن الغسل دون الوضوء. ولا يبقى لما قوّاه الماتن على هذا المبنى من بطلان كلا التيممين مجال.
إلاّ أنّا قدمنا أنّ المقام وأمثاله خارج عن باب التزاحم وإنّما هو من باب التعارض ، لأنّ التزاحم إنّما يتصور بين تكليفين استقلاليين ، وأمّا بين تكليفين ضمنيين كما في الأجزاء والشرائط أو الشرط والجزء فلا معنى للتزاحم فيهما ، لأنّ المكلّف بعجزه عن أحد الجزأين أو الشرطين يسقط عنه الأمر بالمركب لتعذره فلا أمر ضمني في شيء منهما.
نعم لمّا علمنا أنّ الصلاة لا تسقط بحال علمنا أنّ المكلّف لا بدّ له من الإتيان بها مع أحد الجزأين أو الشرطين وأنّها واجبة عليه ، فالتكليف إنّما جعل على الصلاة مقيّدة بأحدهما أو مشتملة على أحدهما ، ولا يمكن جعله مقيدة أو مشتملة على هذا وذاك فهما متعارضان.
ولأجل التعارض يسقط إطلاق دليل كل واحد منهما ، كما دلّ على وجوب الغسل عند تمكّنه من الماء وما دلّ على وجوب الوضوء عند تمكّنه منه ، لعدم إمكان شمولهما
[1160] مسألة 22 : إذا وجد جماعة متيممون ماءً مباحاً لا يكفي إلاّ لأحدهم بطل تيممهم أجمع (1)إذا كان في سعة الوقت ، وإن كان في ضيقه بقي تيمّم الجميع (1)
للمقام فيسقطان ، ونرجع إلى مقتضى الأصل العملي وهو البراءة عن خصوصية أحدهما فينتج تخيير المكلّف بين الأمرين ، فيجوز للمكلّف أن يصلِّي مع الغسل دون الوضوء ويجوز له العكس.
وحيث إنّه متمكّن من كل منهما في نفسه ولا ترجيح لأحدهما على الآخر فيبطل كلا تيمميه ، لأن بطلان أحدهما من دون بطلان الآخر ترجيح من دون مرجح.
وهذا وإن كان موافقاً في النتيجة لما أفاده الماتن قدسسره من تقوية بطلان كلا التيممين إلاّ أنّه مبني على كون المقام من باب التعارض الّذي لا تكون الأهميّة أو احتمالها مرجحاً فيه ، وأمّا على المبنى الّذي أشار إليه الماتن من فرض تعين صرف الماء في الاغتسال وجعله من باب التزاحم فلا وجه لما أفاده كما عرفت.
(1) للمسألة صور :
فإنّه قد يفرض أن بعضهم جنب والواجب عليه الاغتسال ولا يكفي الماء للغسل أو أن المالك لا يرضى بصرفه في الاغتسال ، ومعه لا وجه لبطلان تيمّمه البدل عن الغسل ، وإنّما يبطل تيمّم من تيمّم بدلاً عن الوضوء لتمكّنه من الماء من دون مزاحم.
وقد يفرض فيما إذا كان كل منهم متيمماً بدلاً عن الوضوء إلاّ أن الوقت ضيق لا يسع الوضوء ، أو لا يسع الغسل فيما إذا كانوا متيممين بدلاً عن الغسل ، فلا ينتقض تيممهم جميعاً لعدم تمكّنهم من الماء.
1) (*) هذا فيما إذا لم يقع التزاحم عليه بينهم ، وإلاّ لم يبطل تيمّم المغلوب ، ومع عدم الغلبة لم يبطل تيممهم أجمع.
وكذا إذا كان الماء المفروض للغير وأذن للكل في استعماله ، وأمّا إن أذن للبعض دون الآخرين بطل تيمّم ذلك البعض فقط ، كما أنّه إذا كان الماء المباح كافياً للبعض دون الآخر لكونه جنباً ولم يكن بقدر الغسل لم يبطل تيمّم ذلك البعض.
وثالثة : يفرض الكلام في سعة الوقت للغسل أو الوضوء والماء واف لكل منهما أو أن المالك أذن لهم جميعاً. وهذا هو محل البحث في المقام.
وقد ذهب الماتن إلى بطلان تيممهم أجمع ، ولعله لأن ترجيح بعضهم على بعض من دون مرجح ، وكل منهم متمكِّن من الوضوء أو الغسل في نفسه فيبطل تيمّم الجميع.
ولكن الصحيح هو التفصيل في المقام بين ما إذا فرضنا أن كلا من هؤلاء لو سبق إلى الوضوء أو الغسل لم يزاحمه الآخر بوجه فيحكم حينئذ ببطلان تيمّم الجميع ، لأن كلا من تلك الجماعة واجد للماء ومتمكّن من استعماله حسب الفرض ، والحكم ببطلان تيمّم بعضهم دون بعض من غير مرجح.
وبين ما إذا فرضنا أن كلا منهم لو سبق إليهما زاحمه الآخر في ذلك لأن كلا منهم يريد الغسل أو الوضوء ، فإنّه في هذه الصورة.
إمّا أن يتساوى الجميع من حيث القوّة والضعف بحيث لا يغلب واحد منهم الآخر فيبقى حينئذ تيمّم الجميع بحاله ، لكشف ذلك عن عدم تمكّنهم من الماء ، لأنّه مزاحم مع الآخر من دون تمكّنه من الغلبة.
وإمّا أن يكون واحد منهم غالباً على الآخر ويكون الآخر مغلوباً فينتقض حينئذ تيمّم الغالب ويبقى تيمّم المغلوب بحاله ، لأنّ الغالب متمكّن من الوضوء أو الاغتسال دون المغلوب فلا وجه لانتقاض تيمّمه ، فان مجرد وجدان الماء لا يوجب الانتقاض بل المدار على التمكّن من الاستعمال.
وممّا ذكرناه في هذه الصورة يظهر حكم ما لو سبق بعضهم زاحمه الآخر ولكن بعضهم لو سبق لم يزاحمه الآخرون ، وإن لم يتعرض له ( مد ظلّه ).
[1161] مسألة 23 : المحدث بالأكبر غير الجنابة إذا وجد ماءً لا يكفي إلاّ لواحد من الوضوء أو الغسل قدم الغسل وتيمّم بدلاً عن الوضوء (1)، وإن لم يكف إلاّ للوضوء فقط توضأ وتيمّم بدل الغسل (1).
[1162] مسألة 24 : لا يبطل التيمّم الّذي هو بدل عن الغسل من جنابة أو غيرها بالحدث الأصغر (2) (2)
(1) ظهر الحال في هذه المسألة ممّا بيّناه في المسألة المتقدمة فلا نعيد.
(2) إذا تيمّم المحدث بحدث أكبر لعدم تمكّنه من الاغتسال ثمّ أحدث بالأصغر فهل يجب عليه أن يتوضأ كما هو الحال فيما إذا كان قد اغتسل عن الحدث الأكبر ثمّ أحدث بالأصغر ، أو يجب عليه أن يتيمّم بدلاً عن غسل الجنابة أو غيرها من الأحداث؟
قد أصبحت هذه المسألة محلا للكلام بين الأصحاب ، وقد بنوا هذه المسألة على أنّ التيمّم رافع أو مبيح.
وعلى القول بالإباحة لا بدّ من التيمّم ، لأنّه محدث بالجنابة مثلاً وقد أُبيح له الدخول في الصلاة فإذا صار محدثاً بالأصغر لم يجز ولم يبح له الدخول فيها حتّى يغتسل أو يتيمّم.
وعلى القول بالرفع فالمتيمم مثل المغتسل ليس بمحدث ولا جنب لارتفاعهما بتيممه ، ومن الواضح أن غير الجنب والمحدث لو أحدث بالأصغر فوظيفته الوضوء دون التيمّم.
وقال المشهور إنّ التيمّم مبيح. ومن هنا التزموا في المقام بوجوب التيمّم بعد الحدث الأصغر.
فما دام عذره عن الغسل باقياً تيمّمه بمنزلته ، فإن كان عنده ماءً بقدر الوضوء توضأ وإلاّ تيمّم بدلاً عنه ، وإذا ارتفع عذره عن الغسل اغتسل ، فإن كان عن جنابة لا حاجة معه إلى الوضوء ، وإلاّ توضأ أيضاً (1)هذا ولكن الأحوط إعادة التيمّم أيضاً ، فإن كان عنده من الماء بقدر الوضوء تيمّم بدلاً عن الغسل وتوضأ وإن لم يكن تيمّم مرّتين مرّة عن الغسل ومرّة عن الوضوء ، هذا إن كان غير غسل الجنابة وإلاّ يكفيه مع عدم الماء للوضوء تيمّم واحد بقصد ما في الذمّة.
والإنصاف أن كون التيمّم مبيحاً أو رافعاً لم ينقح في كلماتهم ، وذلك لأنّ المراد من الإباحة إن كان هو أنّ المتيمِّم باقٍ على حدثه وجنابته إلاّ أن أدلّة التيمّم مخصّصة لما دلّ على اشتراط الطهور في الصلاة ، وبها جاز للمتيمم الدخول في الصلاة من دون طهارة فهو مقطوع الفساد.
وذلك لأن أدلّة بدلية التيمّم تدلّنا على أنّ التيمّم أو التراب طهور ، وأن ربّ الصعيد وربّ الماء واحد (2)، وأنّ المكلّف قد دخل في صلاته بطهر عن تيمّم (3)، بل يمكن دعوى تواتر الأخبار على أنّ التيمّم طهور كما أنّ الماء طهور.
فهذا الاحتمال لا يظن القول به من أحد فضلاً عن أن ينسب إلى المشهور.
وأمّا المراد من الرفع فهو إن كان هو أنّ التيمّم كالغسل يرفع الحدث والجنابة فلازمه أن يكون وجدان الماء الّذي ينقض به التيمّم من أحد أسباب الجنابة فتكون أسبابها ثلاثة : الجماع ، وخروج المني ، ووجدان الماء. مع أنّه من البديهي أن وجدان الماء ليس سبباً للجنابة أو غيرها من الأحداث وإنّما هو ناقض للتيمم ، والمكلّف جنب بسببه السابق على تيمّمه.
فلا وقع للبحث عن الرفع والإباحة بهذين المعنيين وليسا قابلين للبحث والكلام.
والّذي ينبغي أن يتكلّم عنه هو أنّ التيمّم هل هو رافع للجنابة رفعاً مؤقتاً أي في الزمان المتخلّل بين التيمّم ووجدان الماء ، أو هو غير رافع لها حتّى مؤقتاً وإنّما هو طهور ، فالجنب المتيمِّم باقٍ على جنابته إلاّ أنّه متطهر ، فالجنب على قسمين : متطهر وغير متطهر.
وهذا أمر معقول قابل لأن يبحث عنه ويتكلم فيه ، وذلك لأنّ الحدث من أحكام الجنابة يمكن أن يرتفع في مورد بدليل ، ولأنّ الجنابة أمر عرفي أمضاه الشارع ، وهي منتزعة من أمرين : الجماع ونزول المني وعدم الاغتسال. والشخص الواجد للأمرين قد يتيمّم ويتطهر وقد لا يتيمّم ولا يتطهر.
فالجنب على قسمين : متطهر وغير متطهر. وقد قال سبحانه في ذيل آية التيمّم ( ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) (1)فهو كالصريح في أنّ التيمّم مطهر ، وكذلك غيره من الأخبار المتقدمة ، فإنّ المتيمِّم ممّن خرج منه المني ولم يغتسل كما أن غير المتيمِّم كذلك أيضاً ، فلا منافاة بين الجنابة والطّهارة ، فانّ الرافع للجنابة إنّما هو الغسل وحسب دون التيمّم.
ولعلّه إليه أشار قوله سبحانه ( وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) (2)أي لا ترتفع الجنابة إلاّ بالاغتسال وتبقى الجنابة عند التيمّم.
كما أنّ الجنابة أمر اعتباري لا مانع من ارتفاعه في الوسط مع بقائه في الأوّل والأخير ، وهو مستند إلى سببه السابق ، بأن يكون المكلّف جنباً باعتبار ملامسته النِّساء أو خروج المني ، ثمّ يرتفع ذلك الاعتبار عند تيمّم المكلّف إلى زمان وجدان
الماء ، ثمّ بعد وجدانه يعتبر جنباً بالسبب السابق وهو ملامسته أو إمناؤه بمعنى أنّه يمكن أن يكون اعتبار [ ارتفاع ] الجنابة محدوداً بحد وزمان ويكون قبله وبعده مستنداً إلى سببه السابق ، فيكون التيمّم رافعاً للجنابة حقيقة رفعاً مؤقتاً من دون أن يكون وجدان الماء سبباً للجنابة.
نعم هذا غير معقول في الأُمور التكوينية والحقيقية ، لأنّ المعلول إذا ارتفع احتاج حدوثه وعوده بعد ذلك إلى علّة جديدة ، ولا يعقل أن تكون علّته السابقة موجودة ويرتفع معلولها في الوسط ويعود في الأخير.
وما ذكرناه في المقام له نظائر كثيرة منها : ما إذا استأجر شخص داراً إلى سنة فإنّه يملك منفعتها بسبب عقد الإجارة إلى آخر السنة ، ثمّ آجرها في الوسط من شخص آخر فان منافعها تخرج عن ملكه في الأثناء وبعد شهرين مثلاً تعود إلى ملكه بعين السبب السابق وهو عقد الإجارة فهو سبب للملكية في الأوّل والأخير مع ارتفاعها في الوسط حقيقة.
فهذان الاحتمالان يقبلان البحث والنزاع ، وتبتني عليهما المسألة الّتي بأيدينا.
وذلك لأنّا لو قلنا بأنّ التيمّم رافع للجنابة حقيقة رفعاً مؤقتاً فالمكلّف ليس بجنب حقيقة ، وغير الجنب والمحدث لو أحدث بحدث أصغر وجب عليه الوضوء ، وهو ظاهر.
ولو قلنا بأنّه يبقى جنباً لكنّه متطهر وجب عليه التيمّم ثانياً ، لزوال طهارته بالحدث الأصغر ، وهذا ما ذهب إليه المشهور.
والصحيح هو الثّاني وأن وظيفة المكلّف في مفروض الكلام هو التيمّم دون الوضوء ، وذلك :
أمّا من حيث الأصل العملي فلأنا لو قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية نستصحب بقاء جنابة المكلّف بعد تيمّمه ، وذلك لكونه جنباً قبل التيمّم يقيناً ، فلو شككنا في بقائه على جنابته بعد التيمّم نستصحب جنابته فيجب عليه التيمّم ثانياً إذا أحدث بالأصغر.
ولو لم نقل بجريان الاستصحاب فيها كما هو المختار فمقتضى العلم الإجمالي هو وجوب الجمع بين التيمّم والوضوء ، وذلك لأنّه إن كان باقياً على جنابته بعد التيمّم فوظيفته التيمّم ثانياً ، وإن كانت جنابته مرتفعة به فوظيفته الوضوء ، فلا مناص من أن يجمع بينهما عملاً بالعلم الإجمالي.
وأمّا من حيث الأدلّة الاجتهادية فمقتضى إطلاق الكتاب والسنّة وجوب التيمّم على المكلّف في مفروض المسألة ، وذلك لأن قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (1)يفيدنا أنّ المحدث بالأصغر إذا أراد الصلاة فإن كان في طبعه ونفسه مكلفاً بالوضوء ولم يجد ماءً تيمّم ولو وجده توضأ ، كما أنّ المكلّف بحسب طبعه ونفسه بالغسل إن وجد ماءً اغتسل وإن لم يجد ماءً تيمّم.
ومن البديهي أنّ المكلّف في مفروض الكلام في طبعه مكلّف بالاغتسال ، وحيث إنّه محدث بالأصغر وقد قام إلى الصلاة ولم يجد ماءً وجب أن يتيمّم بمقتضى إطلاق الآية الكريمة.
وكذا ما ورد في الأخبار من أنّ المكلّف المجنب إذا وجد ماءً لا يكفي لغسله وجب أن يتيمّم لا أن يتوضأ (2)، فإنّها تدلّنا على أن من كانت وظيفته الاغتسال ولم يجد ماءً وجب عليه التيمّم. والمكلّف مأمور بالاغتسال في المقام ولكنّه لم يجد الماء فوجب عليه أن يتيمّم لا محالة.
وملخّص الاستدلال بالكتاب : أنّه سبحانه عنون « لمس النِّساء » فقال ( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ... ) وهذا العنوان كعنوان الجنابة باقٍ بعد التيمّم أيضاً ، حيث يصدق في المقام أنّه رجل لامس النِّساء ولم يجد ماءً فيجب أن يتيمّم بعد الحدث الأصغر.
بل يمكن الاستدلال في المقام بكل ما دلّ على أن فاقد الماء من المحدث بالجنابة أو بغيرها يتيمّم ، حيث إن إطلاقه يشمل المقام ، لما قررناه من أنّ الجنابة لا ترتفع إلاّ بالغسل وتبقى مع التيمّم لأنّه مطهر فقط ، والجنابة أمر انتزاعي كما تقدم ، وحيث إنّه محدث ولا يجد الماء وجب عليه أن يتيمّم.
ويضاف إلى ذلك الأخبار الدالّة على أنّ المتيمِّم باق على جنابته وأنّ التيمّم طهور وحسب ، وليس رافعاً للجنابة ، وإليك بعضها :
منها : صحيحة جميل بن دراج قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : إمام قوم أصابته جنابة في السفر وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل أيتوضأ بعضهم ويصلِّي بهم؟ قال : لا ، ولكن يتيمّم الجنب ويصلِّي بهم ، فانّ اللّه جعل التراب طهوراً » (1).
ومنها : موثقة عبد اللّه بن بكير قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أجنب ثمّ تيمّم فأمّنا ونحن طهور ، فقال : لا بأس به » (2).
ومنها : موثقته الأُخرى عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قلت له : رجل أمّ قوماً وهو جنب وقد تيمّم وهم على طهور ، فقال لا بأس » (3).
ومنها : صحيحة ابن المغيرة (4)الّتي هي مثلها ، لأنّها مروية بإسناد الشيخ إلى محمّد بن علي بن محبوب (5)، وله طريق صحيح إليه وإن كان له طريقان آخران إلى الرجل ، وهما ضعيفان بأبي المفضل وابن بطة وبأحمد بن محمّد بن يحيى.
إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في أنّ الإمامة لا يشترط فيها الاغتسال ، بل لو تيمّم كفى في صحّة صلاته.
والوجه في دلالتها على المدّعى أنّها دلّت على أنّ الجنب بالفعل لا من كان جنباً
سابقاً ، لأن ظاهر التوصيف هو التلبس الفعلي يتيمّم ويصلِّي جماعة ، فهو مع كونه جنباً متيمم ومتطهر حيث قال : « يتيمّم الجنب ويصلِّي بهم » أي يصلِّي الجنب بهم فدلّتنا على أنّ التيمّم غير رافع للجنابة وإنّما هو موجب للطهارة مع بقاء المكلّف على جنابته.
ثمّ لو أغمضنا عن تلكم الروايات ففي الكتاب والسنّة غنى وكفاية ، بالإضافة إلى ما تقدم من أنّ الجنابة عنوان يبقى مع التيمّم كما عرفت.
والمتحصل : أنّ المكلّف في مفروض المسألة يتيمّم وإن كان ضم الوضوء إليه أحوط هذا كلّه في حدث الجنابة.
وأمّا المحدث بسائر الأحداث كحدث الحيض والنفاس ومسّ الميت ونحوها إذا تيمّم بدلاً عن الغسل ثمّ أحدث بالأصغر فلا ينبغي الإشكال في وجوب الوضوء عليه ، للإطلاقات الدالّة على وجوب الطّهارة المائية عند الحدث ، وذلك لعدم الدليل على إغناء التيمّم البدل عن الغسل في غير الجنابة عن الوضوء وإن قلنا بالإغناء في الأغسال ، فلو لم يتمكّن من الماء للوضوء تيمّم بدلاً عن الوضوء.
وأمّا التيمّم الّذي أتى به بدلاً عن الغسل فهل يبطل بإحداثه بحدث أصغر ليجب عليه التيمّم ثانياً بدلاً عن الغسل ، أو أنّه لا يبطل؟
لا يأتي فيه ما ذكرناه في حدث الجنابة ، لأنّه ليس له عنوان ينطبق على المكلّف بعد تيمّمه إذا أحدث كعنوان ملامسة النِّساء أو الجنابة كما قدمناه ، وليس هو مورداً للتمسك بالإطلاقات كما في الجنابة.
إلاّ أن حكم التيمّم بدلاً عن سائر الأحداث حكم التيمّم بدلاً عن غسل الجنابة وذلك لأن موثقة سماعة الّتي رواها في الوسائل في الباب الأوّل من الجنابة (1)المشتملة على جميع أسباب الغسل تدلّنا على أنّ الغسل من تلك الأحداث كالحيض والنفاس ومسّ الميت والجنابة إنّما هو شرط لصحّة الصلوات الآتية ، فالأغسال واجبة وجوباً
1) الوسائل 2 : 273 / ح 3.
شرطياً لا نفسياً وهو ظاهر.
ومقتضى تلك الموثقة أنّ المحدث بحدث من تلك الأحداث ما دام لم يغتسل لم تقع صلواته الّتي بعد (1)الغسل صحيحة ، فلو كنّا نحن وهذه الموثقة لقلنا بسقوط الصلاة عن المحدث بحدث منها إذا لم يجد ماءً يغتسل به ، لعدم تمكّنه من شرط الصلاة الّذي هو الاغتسال قبلها ، ولكن الأدلّة الدالّة على بدلية التراب عن الماء تدلّنا على أنّ الفاقد للماء مأمور بالتيمّم بدلاً عن الغسل فنحكم بها بوجوب الصلاة عليه وصحّتها إذا وقعت بعد تيمّمه.
إلاّ أن تلك الأدلّة ليس لها إطلاق يشمل ما لو أحدث المكلّف بالأصغر بعد التيمّم وذلك للدليل الدال على أن بدلية التراب محدودة بعدم إحداثه وعدم إصابته الماء حيث قال : « ما لم يحدث أو يصب ماءً » فعلمنا من ذلك أنّ البدلية وما دلّ على جواز إيقاع الصلوات النهارية واللّيلية بتيمم واحد إنّما هما إذا لم يحدث المكلّف ولم يصب ماءً ، وأمّا بعد ما يحدث فأين أدلّة البدلية والإطلاقات حتّى نتمسّك بها بعد الحدث.
إذن لا بدّ إمّا أن يغتسل حتّى تصح منه الصلوات المتأخرة عنه أو يتيمّم بدلاً عنه إذا لم يجد ماءً ، فيجب عليه أن يتيمّم بدلاً عن الغسل ويتوضأ أو يتيمّم تيمماً آخر بدلاً عن الوضوء.
والّذي يدلّنا على ذلك مضافاً إلى ما تقدم صحيحة أبي همام عن الرضا عليهالسلام قال : « يتيمّم لكل صلاة حتّى يوجد الماء » (2)فان مقتضاها وجوب التيمّم على الفاقد لكل صلاة ، وقد خرجنا عنها فيما إذا لم يحدث بالحدث الأصغر بما دلّنا على جواز إيقاع صلوات اللّيل والنهار أو غيرهما بتيمم واحد ما لم يحدث أو يصب ماءً (3)، وتبقى صورة إحداثه بالأصغر مشمولة للصحيحة وهي تقتضي وجوب التيمّم للصلوات الآتية.
[1163] مسألة 25 : حكم التداخل الّذي مرّ سابقاً في الأغسال يجري في التيمّم أيضاً فلو كان هناك أسباب عديدة للغسل يكفي تيمّم واحد عن الجميع وحينئذٍ فإن كان من جملتها الجنابة لم يحتج إلى الوضوء أو التيمّم بدلاً عنه ، وإلاّ وجب الوضوء (1)أو تيمّم آخر بدلاً عنه (1).
(1) إذا فرضنا أن على المكلّف أغسالاً متعددة ولم يتمكّن من الاغتسال فهل يجب عليه أن يتيمّم تيمماً واحداً بدلاً عن الجميع أو يجب عليه التيمّم متعدداً؟
قد يقال بالتداخل في التيمّم نظراً إلى أنّه بدل عن الغسل ، ومقتضى إطلاق أدلّة البدلية أن يكون التيمّم كالمبدل منه في جميع الأحكام والآثار الّتي منها التداخل ، كما أنّه لو كان اغتسل لم يجب عليه إلاّ غسل واحد كذلك لو أتى ببدله الّذي هو التيمّم.
وفيه : أن مقتضى الفهم العرفي من أدلّة البدلية هو أنّ التراب بدل عن الماء في الطّهارة وحسب وأنّه يقوم مقامه في جواز الصلاة به ، لأنّه المستفاد ممّا دلّ على أن ربّ الماء وربّ الصعيد واحد (2)وقوله عليهالسلام : « ولا تدخل البئر ولا تفسد على القوم ماءهم ، لأن ربّ الماء هو ربّ التراب » (3)إلى غير ذلك من المضامين ، فلا إطلاق في أدلّة البدلية كي تدل على قيام التيمّم مقام الماء في جميع آثاره وأحكامه.
والّذي يدلّنا على أنّ الأحكام المترتبة على المبدل منه لا تترتب بأجمعها على بدله أنّا استظهرنا من الروايات أنّ الغسل يغني عن الوضوء ، ولا نعهد فقيهاً التزم بذلك في التيمّم البدل عن غير غسل الجنابة من الأغسال كما إذا وجب عليه غسل المس ولم يجد ماءً فتيمّم ، فإنّه لم يقل أحد بعدم وجوب الوضوء عليه حينئذ.
والّذي يمكن أن يقال هنا : إنّ الأغسال كما قدّمنا (1)حقائق وطبائع متعددة وإن كانت متحدة صورة ، وذلك لقوله عليهالسلام : « إذا اجتمعت عليك حقوق » (2).
ولا إشكال في عدم تعددها من حيث الغايات ، فالغسل لأجل الصلاة أو الطواف أو مس كتابة القرآن أو غيرها واحد لا تعدّد فيه ، إلاّ أنّه يتعدد من ناحية الأسباب فالغسل من الجنابة مغاير للغسل من الحيض ، وهما مغايران للغسل من مسّ الميت وهكذا.
فان كان بين الأغسال الواجبة على المكلّف غسل الجنابة فمقتضى إطلاق الآية المباركة وجوب تيمّم واحد عليه سواء كان عليه غسل آخر أم لم يكن وذلك لقوله تعالى ( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (3)على التقريب المتقدم في محلِّه (4)، لدلالته على أنّ الجنب يجب عليه التيمّم إن لم يجد ماءً ومقتضى إطلاقه عدم الفرق في ذلك بين أن يكون عليه غسل آخر أو لم يكن.
وإن لم يكن بينها غسل الجنابة فإن قلنا بأنّ المكلّف إذا وجب عليه أغسال متعددة وأتى بواحد منها ولو مع الغفلة عن غيره وعدم قصده وقع عن الكل وسقطت عن ذمّته لقوله عليهالسلام : « إذا اجتمعت عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد » (5)فلا مناص من الالتزام بالتداخل في بدله أيضاً.
وذلك لأن معنى ذلك أنّ الأغسال الواجبة عليه حينئذ لا تقع مطلوبة منه في الخارج سوى غسل واحد ، فالمتعدد غير مطلوب في الخارج وإنّما الواجب الّذي يقع مطلوباً في الخارج غسل واحد وهو مجزئ عن غيره.
ومن الواضح أنّ الغسل الواحد يكون بدله أيضاً واحداً فلا يجب عليه إلاّ تيمّم واحد ، فانّ التداخل في الأغسال على طبق القاعدة حينئذ ، أي لم يجب عليه من
[1164] مسألة 26 : إذا تيمّم بدلاً عن أغسال عديدة فتبين عدم بعضها صحّ بالنسبة إلى الباقي وأمّا لو قصد معيناً فتبين أن الواقع غيره فصحّته مبنية على أن يكون من باب الاشتباه في التطبيق (1)لا التقييد (2) كما مرّ نظائره مرارا.
الابتداء إلاّ غسل واحد فبدله أيضاً واحد ، لا أنّ المطلوب منه في الخارج هو التعدّد والدليل الخارجي دلّ على التداخل في الغسل ليدعى اختصاصه بالغسل فلا يأتي في بدله.
وأمّا لو قلنا بما ذهب إليه جماعة ومنهم الماتن قدسسره من أنّ التداخل والإجزاء إنّما هو في صورة قصد الجميع ، ومع عدم قصد الجميع لا يوجب الغسل الواحد الإجزاء عن غير المقصود بالنية فيقع غيره في الخارج على صفة المطلوبية وأنّه معنى قوله : « إذا اجتمعت عليك حقوقك أجزأك عنها غسل واحد » أي فيما إذا قصد الجميع ، فلا وجه للتداخل في التيمّم.
وذلك لأنّ المفروض أنّ المتعدِّد يقع في الخارج على صفة المطلوبية إذا لم يقصد الجميع ، إلاّ أنّ الدليل قام على جواز الاكتفاء بواحد منها عند قصد الجميع. فالتداخل على خلاف القاعدة ولا بدّ من الاقتصار فيه على مورد الدليل وهو الغسل ، وليس عندنا دليل على ترتب ذلك على بدله الّذي هو التيمّم.
والّذي يسهل الخطب أنا لم نلتزم بذلك في مبحث التداخل حيث قلنا : إنّ الإتيان بالغسل الواحد يجزئ عن الجميع وإن لم يقصد الجميع (2).
(1) لأنّه قصد المأمور به وأتى به في الخارج ، غاية الأمر أنّه ضمّ إليه غير المأمور به أيضاً ، وهو لا يضر بصحّة المأتي به.
(2) بأن يأتي بالتيمّم المقيّد بكونه بدلاً عن الجنابة وانكشف أن ما على ذمّته غسل
[1165] مسألة 27 : إذا اجتمع جنب وميت ومحدث بالأصغر (1)
المس لا الجنابة ، وذلك نظراً إلى أن ما أتى به وقصده غير الواقع وما هو الواقع غير مقصود ، هذا.
ولكن ظهر ممّا بيّناه في المقام وفي بحث تداخل الأغسال خروج المقام عن باب الخطأ في التطبيق (1)، لأن مورده ما إذا أتى بذات المأمور به في الخارج واشتبه في خصوصياته وكيفياته ، وهذا كما إذا كانت الصلاة مستحبة في حقّه فأتى بها بقصد وجوبها أو بالعكس ، فإنّه اشتباه في التطبيق.
وأمّا إذا كان المأتي به مغايراً لما هو المأمور به فهو من باب الخطأ في أصل المأمور به واشتباهه بغير المأمور به لا أنّه خطأ في التطبيق ، وهذا كما لو كان مديوناً لواحد فأعطاه لغيره فإنّه لا يكون مجزئاً بوجه ، لعدم كونه إتياناً للمأمور به.
ومن ذلك الأداء والقضاء والنافلة والفريضة والظهر والعصر وغيرها ، فإذا دخل في الصلاة قاصداً بها الظهر ثمّ انكشف إتيانه بها قبل ذلك وأنّ الواجب عليه هو العصر ، أو أنّه أتى بركعتين ناوياً بها نافلة الفجر ثمّ ظهر إتيانه بها وأن اللاّزم هو إتيانه بفريضة الفجر فان صلاته لا تقع عصراً ولا فجراً في المثالين ، لأنّهما حقيقتان متباينتان ، لقوله عليهالسلام : « إلاّ أن هذه قبل هذه » (2)وكذلك الأمر في النافلة والفريضة والأداء والقضاء.
والأمر في المقام كذلك ، لأنّ الأغسال حقائق متباينة مختلفة ، والتيمّم بدلاً عن غسل الحيض لا يقع بدلاً عن غسل المس ، وليس هذا من باب الاشتباه في التطبيق ، بل من باب الخطأ والاشتباه في تخيل غير المأمور به مأموراً به ، وهذا ظاهر.
(1) قد يقال بتقديم الجنب وتيمّم المحدث بالحدث الأصغر والميت ، وقد يقال بالتخيير.
وكان هناك ماء لا يكفي إلاّ لأحدهم فإن كان مملوكاً لأحدهم تعيّن صرفه لنفسه وكذا إن كان للغير وأذن لواحد منهم ، وأمّا إن كان مباحاً أو كان للغير وأذن للكل فيتعيّن للجنب (1)فيغتسل وييمم الميت ويتيمّم المحدث بالأصغر أيضا.
والكلام يقع في المقام تارة فيما تقتضيه القاعدة عند ملاحظة النسبة بين الجنب والميت ، وملاحظتها بين الميت والمحدث بالأصغر ، وملاحظتها بين الجنب والمحدث بالأصغر. وأُخرى فيما تقتضيه النصوص الواردة في المسألة.
المقام الأوّل : إذا دار الأمر بين الجنب والميت فلا يخلو الحال إمّا أن يكون الماء ملكاً للجنب أو الميت أو يكون مقدار منه للميت أو يكون مملوكاً لثالث ، وعلى التقدير الأخير إمّا أن يرخص المالك في التصرف به للجنب خاصّة أو للميت فقط أو يبيح التصرف فيه مطلقاً. وإمّا أن يكون الماء مباحاً من المباحات الأصلية الأوّلية.
أمّا إذا كان الماء مملوكاً للجنب فلا إشكال في تعين الغسل عليه ، لتمكّنه من الماء في الاغتسال. وقد قدّمنا في محلِّه أنّه لا يجب على المكلّفين بذل الماء وإنّما الواجب عليهم العمل وحسب (2)، وحيث إنّه لا ماء لتغسيل الميت به وجب عليهم أن ييمموه.
وإذا كان الماء مملوكاً للميت وجب تغسيل الميت به ، ويجب على الجنب أن يتيمّم لعدم تمكّنه من الماء والاغتسال.
وإذا كان الماء مشتركاً بينهما فان تمكّن الجنب من شراء حصّة الميت من وليّه أو وصيّه أو قيّمه أو تُمكن من العكس وجب ، لتمكّنه من تحصيل الماء للغسل الواجب ووجب على الآخر أن يتيمّم أو ييمم. وإذا لم يُتمكّن من أحدهما فلا يجب الغسل على الجنب ولا تغسيل الميت ، لعدم التمكّن من الماء الوافي للاغتسال أو التغسيل فينتقل الأمر إلى التيمّم في كليهما.
وإذا كان الماء مملوكاً لثالث فلم يأذن بالتصرف فيه لأحدهما فلا كلام في وجوب
التيمّم على الجنب والميت ، وإذا أذن للجنب خاصّة وجب عليه الاغتسال أو أذن للميت وجب تغسيله به ويتيمّم الجنب.
وإذا أذن للجنب أن يتصرّف فيه كيف شاء أو كان الماء مباحاً أوّلياً فيقع التزاحم حينئذ بين وجوب غسل الجنابة على المكلّف وبين وجوب تغسيل الميت ، لأنّه واجب عليه أيضاً وجوباً كفائياً ، وحيث لا مرجح لأحدهما على الآخر من الأهميّة أو احتمالها فمقتضى القاعدة أن يكون المكلّف مخيراً بين الأمرين.
وعين هذا البيان يأتي عند ملاحظة النسبة بين الميت والمحدث بالحدث الأصغر.
وأمّا إذا دار الأمر بين الجنب والمحدث بالحدث الأصغر فهو مثل سابقيه إلاّ أن المالك إذا أذن لهما في التصرف أو كان الماء مباحاً أوّلياً لم يقع بينهما تزاحم ، إذ لا معنى للتزاحم بين التكليفين المتوجهين إلى المكلّفين ، بل يجب التسابق حينئذ فمن سبق إلى أخذه فهو له ويتمكّن من الماء فيجب عليه الاغتسال أو الوضوء ، وأمّا إيثاره الآخر على نفسه فهو وإن كان يظهر القول به من المحقق الهمداني قدسسره (1)إلاّ أنّه أمر لا وجه له ، فإنّه بعد تمكّنه من الماء ووجوب الوضوء عليه لا مسوغ لإيثاره الآخر على نفسه وإن كان الآخر جنباً ومأموراً بالاغتسال ، فيتيمم لا محالة.
وإذا تساووا في الأخذ لم تجب الطّهارة المائية على الجنب ولا على المحدث بالحدث الأصغر ، لعدم تمكّنهما من الماء ، هذا ما تقتضيه القاعدة.
وأمّا المقام الثّاني : فقد استدلّ القائل بتقدم الجنب وتيمّم الميت والمحدث بالحدث الأصغر وجوباً أو استحباباً بصحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران : « أنّه سأل أبا الحسن موسى بن جعفر عليهالسلام عن ثلاثة نفر كانوا في سفر أحدهم جنب والثّاني ميت والثالث على غير وضوء ، وحضرت الصلاة ومعهم من الماء قدر ما يكفي أحدهم من يأخذ الماء وكيف يصنعون؟ قال : يغتسل الجنب ويدفن الميت بتيمم ويتيمّم الّذي هو على غير وضوء ، لأن غسل الجنابة فريضة وغسل الميت سنّة والتيمّم للآخر جائز » (2).
وروى محمّد بن الحسن بإسناده إلى الصفار عن محمّد بن عيسى عن عبد الرحمن ابن أبي نجران عن رجل حدّثه قال : سألت أبا الحسن الرضا عليهالسلام وذكر نحوه. غير أنّه قال : ويدفن الميت. ولم يشتمل على لفظة « بتيمم » (1). وقد ذكروا أن هذه الرواية صحيحة السند ونص في المدعى.
والكلام يقع في مقامين : في سند الرواية ، وفي دلالتها.
وقد تلقى الأصحاب هذه الرواية بالصحّة ، وعبّر عنها كل من عثرنا على كلامه بالصحيحة. إلاّ أن للمناقشة فيها مجالاً واسعاً ، وذلك لأن الصدوق رواها بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي نجران (2)، وله طريقان صحيحان إليه :
أحدهما : عن محمّد بن الحسن عن الصفار عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن ابن أبي نجران (3).
وثانيهما : عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن محمّد بن عيسى عنه (4). وقد رواها عن ابن أبي نجران أنّه سأل أبا الحسن موسى بن جعفر عليهماالسلام.
ورواها الشيخ بإسناده عن الصفار الّذي وقع في طريق الصدوق ، ونقل الرواية المتقدِّمة عن الصفار مع الواسطة.
وللشيخ طريق صحيح إلى الصفار (5)وهو رواها عن ابن أبي نجران أنّه قال : حدثني رجل قال : « سألت أبا الحسن الرضا عليهالسلام ... ».
وحيث إنّا لا نحتمل تعدد الرواية لاتحاد ألفاظهما بتمامها سوى اشتمال إحداهما على لفظة « بتيمم » بعد قوله : « ويدفن الميت » دون الأُخرى ، وهذا لا يستوجب الحكم بتعدّد الرواية.
كما أنّ الراوي فيهما هو الصفار عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن ابن أبي نجران بناءً على وجود السقط في نسخة الشيخ ، حيث رواها بإسناده عن الصفار عن محمّد بن عيسى لا عن أحمد بن محمّد بن عيسى.
ومن البعيد جدّاً أن يروي ابن أبي نجران هذه الرواية لأحمد ثمّ هو للصفار تارةً بقوله : « سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهالسلام » (1)وأُخرى بقوله : « حدّثني رجل أنّه سأل أبا الحسن الرضا عليهالسلام » (2)بل من المطمأن به أنّهما رواية واحدة نقلها ابن أبي نجران للراوي عنه بكيفية واحدة مرددة في أنّها مسندة أو مرسلة ، فبهذا تسقط الرواية عن الاعتبار لا محالة.
ويدلُّ على ذلك أنّ الشيخ والصدوق قدسسرهما صرحا أن ما يرويانه عن أرباب الكتب والمصنفات إنّما يرويانه عن كتبهم لا عن أصحابها بالمشافهة ، فيتعين بذلك اتحاد الرواية ، إذ لا نحتمل أن يروي الصفار في كتابه هذه الرواية مرّتين ، مسندة تارة ومرسلة اخرى ، بل الرواية واحدة رويت بكيفية واحدة لم تعلم أنّها هي المسندة أو المرسلة. إذن تسقط الرواية عن الاعتبار كما مرّ.
ويؤيد ما ذكرناه : أنّ المذكور في الاستبصار (3)والتهذيب (4)وكذا في الوافي (5)إنّما هو أبو الحسن عليهالسلام فقط ، وإنّما زيد عليه الرضا عليهالسلام في الوسائل ولعلّه من جهة تعدد النسخ واختلافها ، وأبو الحسن إذا أُطلق فهو منصرف إلى موسى ابن جعفر عليهالسلام وأي معنى لنقل رواية عنه مسندة ومرسلة.
على أن ابن أبي نجران من أجلاء الرواة وهو كثير الرواية جدّاً ، وقد عبّر عنه النجاشي بقوله : ثقة ثقة (6). وأكثر هذه الروايات إنّما هو بطريق عاصم ، الراوي لكتاب محمّد بن قيس.
وقد ذكروا في ترجمته أنّه من أصحاب الرضا عليهالسلام ، ولم يثبت دركه موسى ابن جعفر عليهالسلام ، ولم نعثر على روايته عنه عليهالسلام بعد الفحص والاستقراء ، نعم له رواية عن الجواد عليهالسلام رواها في أُصول الكافي 1 : 82 ، 88 على اختلاف الطبعتين كما أنّ له رواية عن أبي الحسن عليهالسلام في الجزء الأوّل (1)إلاّ أنّ المراد به الرضا عليهالسلام لأنّه كان من أصحابه ، فعلى هذا تنحصر روايته عن موسى بن جعفر بهذه الرواية الواحدة مع كثرة روايته جدّاً.
وهذا يؤكّد الإرسال وأنّ الصحيح هو نسخة الشيخ وأنّ المراد بأبي الحسن هو موسى بن جعفر عليهالسلام وقد رواها عنه بواسطة ، وسقطت تلك الواسطة في كلام الصدوق ، فيحمل كلامه قدسسره على هذا النحو لا محالة ، هذا.
ويدلُّ على اتحاد الرواية أنّه لا وجه لنقل الرواية مرسلة عن الإمام المتأخر مع كونه راوياً لها مسندة عن الإمام المتقدم عليه ، نعم لو كان الأمر منعكساً بأن كان الإرسال فيما يرويه عن الإمام السابق والإسناد عن الإمام المتأخّر لم يكن التعدّد ببعيد.
وكيف كان ، فمن المطمأن به كونها رواية واحدة نقلت بكيفية واحدة بل وعن إمام واحد ، ووقع الاشتباه في الإسناد إلى الرضا عليهالسلام من جهة التعبير بأبي الحسن ، الظاهر في الكاظم عليهالسلام عند الإطلاق ، وحيث إنّها مردّدة بين الإرسال والإسناد لا يمكننا الاستدلال بها بوجه.
على (2)أن رواية الصدوق في نفسها ممّا لا يمكننا العمل على طبقها ، وذلك لأنّ الماء المفروض فيها لا يمكن أن يكون ملكاً للجنب ، وإلاّ فلا وجه للتوقف في تقديمه على الميت وغيره كما تقدّم ولا ينبغي السؤال عنه بوجه ، فلا بدّ من فرض الماء مشتركاً بينهم ، ومعه كيف ساغ للمحدث بالحدث الأصغر المتمكّن من الوضوء أن يعطي ماءه
للجنب ويتيمّم ، فهل يجوز ذلك في غير مورد الرواية حتّى يجوز فيه؟ لوضوح أنّه مأمور بالوضوء ولا يسوغ له التيمّم بوجه ، هذا.
على أن مفروض الرواية كاد أن يلحق بالمعميات ، لأن فرض اجتماع جنب وميت ومحدث بالأصغر في مورد واحد مع اشتراك الماء بينهم لا يزيد عن حاجة أحدهم أمر لا يكاد يتحقق في الخارج ، لأن غسل الميت مركب من أغسال ثلاثة ، فكيف يمكن فرض الماء وافياً بتلك الأغسال الثلاثة ولا يزيد عنها ولو بكف واحدة يكفي للوضوء فإنّه لا يحتاج إلى أزيد من غرفة واحدة من الماء؟ ففرضه على نحو الدقة بحيث لا يزيد على الأغسال بغرفة ليس له تحقق في الخارج ، بل هو من المعميات فدلالتها مخدوشة أيضاً.
هذا على أن غسالة الوضوء ممّا لا إشكال عندنا في طهارتها وجواز استعمالها في رفع الخبث والحدث ، ولا مانع من جمعها في إناءٍ ثمّ يغتسل الجنب بها أو يغسل الميت بها ، هذا كلّه.
على أنّها معارضة بصحيحة أُخرى عن أبي بصير يأتي التكلم عليها ، حيث دلّت على عكس ما اشتملت عليه الرواية المتقدمة ، لأنّها رجّحت الوضوء وأمرت الجنب بالتيمّم. فرواية ابن أبي نجران ممّا لا يسعنا الاعتماد عليها بوجه.
ولم يتضح لنا معنى قوله عليهالسلام : « لأن غسل الجنابة فريضة وغسل الميت سنّة والتيمّم للآخر جائز » فإنّ المراد من جواز التيمّم للآخر إن كان هو المشروعية فهو كذلك في الجنب أيضاً ، لأنّه يتيمّم عند فقدانه الماء.
ثمّ إنّ الوضوء مثل الغسل في كونه فريضة ، لاستنادهما إلى نص الكتاب ، نعم غسل الميت سنّة. إذن فما المرجح لغسل الجنابة على الوضوء؟ وعليه لا يمكن حمل ذلك على التعليل ولا بدّ من حمله على التعبّد المحض.
ومن جملة الروايات : ما رواه أبو بصير قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن قوم كانوا في سفر فأصاب بعضهم جنابة وليس معهم من الماء إلاّ ما يكفي الجنب لغسله ، يتوضؤون هم هو أفضل أو يعطون الجنب فيغتسل وهم لا يتوضؤون؟ فقال : يتوضؤون هم ويتيمّم الجنب » (1)وهي على عكس الرواية السابقة.
والظاهر أن سندها صحيح ، لأن وهيب بن حفص وإن كان مردّداً بين الثقة والضعيف إلاّ أنّ الظاهر كونه الثقة في سند الرواية ، لشهادة النجاشي على أنّ الراوي لكتاب وهيب بن حفص هو محمّد بن الحسين (2)مثل ما في هذا السند.
هذا على أنّ الظاهر أن ( وهيب ) شخص واحد ، لا أنّه متعدد أحدهما موثق وثانيهما ضعيف ، وذلك لأن منشأ توهم التعدد أنّ النجاشي عنون وهيب بن حفص الجريري ووثقه وقال فيه : إن له كتباً ، وعدّ جملة منها وقال : يرويها عنه محمّد بن الحسين ، فقال النجاشي : أو النخاس ، ذكره سعد (3)أي سعد بن عبد اللّه الأشعري فتوهّم من هذه العبارة أنّ النخاس غير الجريري ، وأنّ النجاشي قد وثق الجريري دون النخاس.
ولكن الصحيح أنّ الأمر ليس كما توهم ، بل مراد النجاشي من قوله : ذكره سعد أن توصيف وهيب بن حفص بالنخاس مذكور في كلام سعد لا أنّه شخص آخر ذكره سعد. فهو رجل واحد قد يذكر موصوفاً بالنخاس كما ورد في كلام سعد بن عبد اللّه وقد يذكر من دون توصيفه بالنخاس.
ويدلُّ على ذلك أنّ الشيخ ذكر في فهرسته وهيباً ووصفه بالنخاس (4)ولم يذكر
غيره. ووجه دلالته : أنّه من البعيد غايته بل لا معنى لتعرضه إلى غير الموثق مع ترك التعرّض للموثق الّذي هو صاحب الكتب والمؤلفات.
كما أنّ الشيخ لم يتعرّض في رجاله إلاّ إلى وهيب بن حفص الجريري (1)وذكر أنّ الراوي عنه سعد بن عبد اللّه ومحمّد بن الحسين ولم يتعرّض لغيره ، فلو كان هناك شخص ثانٍ مسمّى بهذا الاسم لذكره ، فان كتابه موضوع لذكر الرواة وعدّ الرجال ولا وجه لتركه.
ودعوى أنّ الشيخ لعله لم يقف على وهيب النخاس ولذا لم يتعرّض له في كتاب رجاله ، مدفوعة بأنّ الشيخ بنفسه روى في التهذيب رواية عن وهيب الموصوف بالنخاس (2)فهو عالم به ، ولو كان شخصاً ثانياً غير وهيب المطلق لذكره.
فتحصّل : أنّ كلام الشيخ قدسسره في فهرسته وفي رجاله قرينتان على وحدة الرجل فقد يطلق الاسم وقد يقيّد بالنخاس.
ويؤيده أنّ المسمّى بهذا الاسم وهيب قليل غايته ولعلّه لا يتجاوز ثلاثة أشخاص ، فإذا قيّد الاسم بابن حفص تضيق وصار أقل ، ومع ملاحظة كونه في طبقة واحدة مع غيره المسمّى بهذا الاسم يبعد جدّاً كونه متعدداً ، فالظاهر أنّ الرجل واحد وهو موثق. فالرواية صحيحة وقد دلّت على ترجيح الوضوء وتيمّم المجنب.
ومن جملة الروايات : ما رواه الحسن التفليسي قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن ميت وجنب اجتمعا ومعهما ماء يكفي أحدهما أيّهما يغتسل؟ قال : إذا اجتمعت سنّة وفريضة بُدئ بالفرض » (3).
ومفروضها وإن كان أمراً متصوراً وقد يتحقق خارجاً ، لأن غسل الجنابة يحتاج
إلى ماء زائد ليس بمقدار ما يحتاجه الوضوء وقد لا يكون مجموع الماء وافياً لكل من غسل الجنابة وغسل الميت ، إلاّ أن ضعف سندها لا يبقي مجالاً للتكلم في دلالتها فان الحسن التفليسي لم يوثق إلاّ بناءً على اتحاده مع الحسن بن النضر الأرمني كما احتمل ويأتي الكلام عليه في الرواية الآتية إن شاء اللّه.
ومنها : ما رواه الحسين بن النضر الأرمني قال : « سألت أبا الحسن الرضا عليهالسلام عن القوم يكونون في السفر فيموت منهم ميت ومعهم جنب ومعهم ماء قليل قدر ما يكفي أحدهما ، أيّهما يبدأ به؟ قال : يغتسل الجنب ويدفن الميت ، لأنّ هذا فريضة وهذا سنّة » (1).
وهي ضعيفة سنداً أيضاً ، لأنّ الحسين بن النضر الأرمني لم يوثق ، نعم قد يحتمل أنّه الحسن بن النضر لا الحسين ، وأنّه هو الحسن التفليسي بقرينة اتحاد الروايتين مضموناً وكون تفليس مركز الأرامنة.
وفيه : أنّا لو سلمنا اتحادهما لا يمكن الاعتماد على الرواية أيضاً ، لعدم ثبوت وثاقة الحسن بن النضر الأرمني ، نعم ذكر الكشي أنّ الحسن بن النضر من دون توصيفه بالأرمني كان من أجلاء أصحابنا ومن أصحاب العسكري عليهالسلام (2)لكن لم يثبت كون مقصوده هو هذا الحسن الواقع في سند الرواية ، لأنّه من أصحاب الصادق عليهالسلام ، وإن أمكن بقاؤه حياً إلى زمن العسكري عليهالسلام ، إلاّ أن ثبوت اتحادهما يتوقف على الدليل وهو مفقود.
ومنها : رواية محمّد بن علي عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قلت له : الميت والجنب يتفقان في مكان لا يكون فيه الماء إلاّ بقدر ما يكتفي به أحدهما ، أيّهما أولى أن يجعل الماء له؟ قال : يتيمّم الجنب ويغسّل الميت بالماء » (3).
[1166] مسألة 28 : إذا نذر نافلة مطلقة أو موقتة في زمان معيّن ولم يتمكّن من الوضوء في ذلك الزمان تيمّم بدلاً عنه وصلّى وأمّا إذا نذر مطلقاً لا مقيداً بزمان معيّن فالظاهر وجوب الصبر (1)إلى زمان إمكان الوضوء (1).
وهي ضعيفة بالإرسال ، ومحمولة على صورة ما إذا كان لشخص ماء يريد بذله لمن يحتاج إليه فهل الأولى أن يبذله للجنب أو يبذله للميت ، وقد دلّت على رجحان بذله للميت.
والمتحصل : أنّ الأخبار ضعيفة ، ولا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة في المقام حسب بياننا له في المقام الأوّل (2).
(1) إذا نذر صلاة نافلة هل يجوز له الإتيان بها مع التيمّم أو لا؟
قد تكون النافلة موقتة كما لو نذر الإتيان بنافلة اللّيل في ليلة كذا ولم يتمكّن من الماء في تلك اللّيلة. ولا إشكال في هذه الصورة في جواز التيمّم لأجلها ، لأنّ التراب بدل الماء عند العجز عنه من دون فرق في ذلك بين الفريضة والنافلة.
وقد تكون النافلة غير موقتة أو موقتة بوقت وسيع كما لو نذر أن يصلِّي نافلة إلى شهر. وفي هذه الصورة قد يتيمّم لأجل الإتيان بالنافلة لعدم تمكّنه من الماء في الوقت الّذي يريد الإتيان بها لمرض ونحوه ، كما لو تيمّم بعد طلوع الشمس وقبل الزوال حيث لا غاية للتيمم حينئذ سوى الإتيان بالنافلة.
ولا إشكال في بطلان التيمّم وعدم جواز الإتيان بالنافلة بهذا التيمّم ، لأنّه وإن كان بدلاً عن الماء إلاّ أنّه بدل عند العجز عن الطّهارة المائية لا مطلقاً ، والمكلّف
بالإضافة إلى ما تعلق به نذره وهو إتيان النافلة في ظرف شهر واحد متمكّن من الماء ، وهو إنّما لا يتمكّن من الماء في هذا اليوم أو في هذا الأُسبوع ، لا أنّه عاجز عنه إلى تمام الشهر ونهايته ، والوجوب قد تعلق بالطبيعي الجامع. وأمّا بالإضافة إلى الحصّة الخاصّة منه وهي الفرد الّذي يريد إتيانه فهو غير متمكّن من الماء ، إلاّ أنّه لم يتعلّق به الأمر ، إذ المأمور به هو الطبيعي دون الحصّة.
وقد يكون المكلّف متيمماً لغاية مسوغة له كما لو عجز عن الطّهارة المائية لصلاة الفجر فتيمّم لأجلها ثمّ بعد ذلك أراد الإتيان بالنافلة فهل يحكم بصحّتها ، لأنّه كان متطهراً على الفرض وطهارته طهارة صحيحة فلا مانع من الإتيان بطهارته بكل ما هو مشروط بها ومنه النافلة المنذورة أو لا يجوز؟
قد يحتمل جواز الإتيان بالنافلة حينئذ ، لما عرفت من أنّ المكلّف متطهر.
إلاّ أنّ التحقيق عدمه ، وذلك لما أوضحناه في مسألة التيمّم لضيق الوقت (1)أن وجدان الماء وفقدانه أمران إضافيان نسبيان ، فقد يكون المكلّف فاقداً للماء بالنسبة إلى غاية كصلاة الفريضة الّتي ضاق وقتها وهو واجد له بالنسبة إلى غاية أُخرى كقراءة القرآن ودخول المسجد وغيرهما ، أو يكون واجداً بالنسبة إلى الوضوء وفاقداً بالنسبة إلى الغسل.
وعليه فالمكلّف في المقام وإن كان فاقداً للماء بالنسبة إلى صلاة الفجر لفرض عدم تمكّنه منه في وقتها إلاّ أنّه واجد للماء بالنسبة إلى النافلة لسعة وقتها مثلاً وارتفاع المانع عن الماء قبل انقضاء وقتها ، فلا يجوز معه الإتيان بالنافلة به ، لما تقدّم من عدم جواز البدار مع العلم بارتفاع العذر إلى آخر الوقت (2). هذا كلّه لو علم بارتفاع عذره قبل انقضاء وقت النافلة.
وأمّا لو شكّ في ارتفاعه في آخر الوقت أو عدم ارتفاعه أو اطمأن بعدم ارتفاعه فلا شبهة في جواز البدار والإتيان بالنافلة بذاك التيمّم الصحيح ، لأنّ الاطمئنان حجّة شرعية ، أو لاستصحاب البقاء وعدم ارتفاع العذر. وقد تقدم أنّ البدار مع اليأس عن ارتفاع العذر ممّا لا إشكال في جوازه (1).
إلاّ أنّه إنّما يجزئ فيما إذا لم يرتفع العذر إلى آخر الوقت ، وأمّا لو ارتفع بعد ذلك فلا بدّ من الإعادة ، لأنّ الأمر الظاهري كما في صورة الشك والاعتماد على الاستصحاب أو الأمر الخيالي كما في صورة الاطمئنان بعدم الارتفاع لا يجزئ عن الأمر الواقعي.
أنّا قدّمنا سابقاً أنّ المستفاد من الآية المباركة والأخبار أنّ مشروعية التيمم إنما هي في صورة فقد الماء ، فالمأمور بالتيمم إنّما هو الفاقد ، فلو كنّا نحن وهذه الأدلّة لمنعنا عن البدار وأوجبنا الصبر والانتظار إلى آخر الوقت ليظهر أنّه فاقد للماء حتى يتيمم أو هو واجد حتى يتوضأ.
وقد خرجنا عن ذلك بمقتضى الأخبار الواردة في جواز البدار (2)حيث جوّزته على التفصيل المتقدِّم من دلالتها على الجواز مطلقاً أو في صورة اليأس عن الوجدان على الكلام بين الأصحاب (3).
فلو تيمم في موارد مشروعية البدار ثم بعد ذلك وجد الماء لم تجب عليه الإعادة بمقتضى الأخبار الدالّة على عدم إعادة الصلاة المأتي بها مع التيمم الصحيح.
إلاّ أنّ تلك الأخبار بين ظاهر وصريح في الاختصاص بالصلوات اليومية ، وقد اشتمل بعضها على أنه إذا خاف فوت الوقت ... ، ومن المعلوم أنّ الوقت إنّما هو متحقِّق في الصلوات اليومية لا في غيرها. إذن لا دليل على جواز البدار وعدم وجوب الإعادة فيما لو أتى بالصلاة المنذورة بالتيمم بداراً لليأس عن الظّفر بالماء أو
[1167] مسألة 29 : لا يجوز الاستئجار لصلاة الميت ممّن وظيفته التيمّم مع وجود من يقدر على الوضوء بل لو استأجر من كان قادراً ثمّ عجز عنه يشكل جواز الإتيان بالعمل المستأجر عليه مع التيمّم ، فعليه التأخير إلى التمكّن مع سعة الوقت ، بل مع ضيقه أيضاً يشكل كفايته فلا يترك مراعاة الاحتياط (1).
لاستصحاب عدم ارتفاع العذر إلى آخر الوقت ، بل لا بدّ من الإعادة في الصورتين كما قدّمناه.
ولا مجال للتشبّث في جواز البدار في الصلاة المنذورة واليومية وغيرهما بالمطلقات الدالّة على أن ربّ الماء وربّ الصعيد واحد (1)، وذلك لأنّها إنّما تدل على كفاية التيمّم المشروع في الدخول في الصلاة أو غيرها ممّا هو مشروط بالطّهارة ، لأن معناه أنّ الآمر بالطّهارة المائية هو الّذي أمر بالطّهارة الترابية ، وقد فرضنا أنّها إنّما تجوز للنافلة (2)ولا تكون مشروعة لواجد الماء لتكون بدلاً عن الطّهارة المائية.
فلا إطلاق لها لتشمل الواجد أيضاً ، وإنّما هي تدلّنا على أنّ التيمّم كالوضوء في موردهما ، فكما أنّ الوضوء لازم على الواجد ولا يشرع في حقّ الفاقد ، كذلك التيمّم مشروع للفاقد ولا يشرع في حق الواجد بوجه ، ولا دلالة لها على البدلية في موارد عدم مشروعيته بوجه.
(1) هذه المسألة تبتني على أمرين :
أحدهما : ما قدّمناه في محلِّه (3)من أن امتثال الأمر المتوجِّه إلى شخص غير معقول من الآخرين ، إذ لا يعقل أن يأتي المكلّف بالعمل الواجب على غيره بقصد الامتثال.
وذكرنا أنّ الأجير في العبادات إنّما يمتثل الأمر المتوجه إلى نفسه لا الأمر المتوجه
إلى المنوب عنه ، حيث إن تفريغ ذمّة الأخ المؤمن من الديون من الأُمور المستحبّة على المكلّفين ولا سيما إذا كان من أقربائه ، وهذا أمر متوجه إلى المؤمنين الّذين منهم النائب ، لا أنّه متوجه إلى المنوب عنه ، وإذا آجر المؤمن نفسه للعبادات الواجبة على الغير تبدل هذا الأمر الاستحبابي بالوجوبي وصار تفريغ ذمّة المنوب عنه واجباً عليه بعد أن كان مستحبّاً في حقّه.
وبهذا دفعنا الإشكال في الاستئجار للعبادات من أنّ الأمر الناشئ من الإجارة أمر توصلي لم يؤخذ فيه قصد القربة بوجه.
وحاصل الجواب : أنّ العبادية إنّما هي مستندة إلى أمر سابق على الأمر الإجاري وقد كان مستحبّاً في نفسه وانقلب إلى الوجوب بعد الإجارة.
وثانيهما : ما قدمناه في الصلاة عن الميت من أنّها واجبة على المكلّفين وجوباً كفائياً (1)، فالأمر متوجه إلى الطبيعي دون الأشخاص ، ومن هنا لو لم يتمكّن أحد من الطّهارة المائية لعذر لم تصح منه الصلاة ، لأنّ الأمر متوجه إلى الطبيعي وهو متمكّن من الطّهارة المائية ، نظير ما لو عجز عن القيام فلا تصح منه الصلاة ، لوجود من يتمكّن من القيام ، والمأمور هو الطبيعي دون الأشخاص.
نعم إذا فرضنا أنّه لم يوجد هناك من يصلِّي مع الطّهارة المائية لا لأجل عدم كون الماء ميسوراً لهم ، بل لأنّهم لا يصلّون باختيارهم ولو للعصيان صحّ للعاجز عن الماء أو عن القيام أن يتصدّى للصلاة عن الميت.
وعلى هذا نقول في المقام : إن تفريغ ذمّة الميت عمّا اشتغلت به أمر مستحب عبادي في نفسه ، وهو متوجه إلى طبيعي المكلّفين يسقط عن ذمّتهم بقيام أحدهم به ، وقد عرفت أنّ هذا الأمر المستحب هو الّذي تعلّق به الوجوب عند الاستئجار.
وعليه إذا فرضنا أن أحداً لا يتمكّن من الوضوء لم يصح استئجاره للصلاة عن الميت ، لأن المأمور هو الطبيعي وهو واجد للماء وغير فاقد له لينتقل الأمر إلى بدله وخصوص الفرد ليس بمأمور على الفرض.
كما أنّه إذا طرأ العجز عن الطّهارة المائية بعد استئجاره وجب عليه تأخير الصلاة
1) المناسب : مستحبّة ... استحباباً كفائيّاً.
[1168] مسألة 30 : المجنب المتيمِّم إذا وجد الماء في المسجد وتوقف غسله على دخوله والمكث فيه لا يبطل تيمّمه (1)بالنسبة إلى حرمة المكث وإن بطل بالنسبة إلى الغايات الأُخر ، فلا يجوز له قراءة العزائم ولا مسّ كتابة القرآن ، كما أنّه لو كان جنباً وكان الماء منحصراً في المسجد ولم يمكن أخذه إلاّ بالمكث وجب أن يتيمّم للدخول والأخذ كما مرّ سابقاً ، ولا يستباح له بهذا التيمّم إلاّ المكث فلا يجوز له المسّ وقراءة العزائم (1).
[1169] مسألة 31 : قد مرّ سابقاً أنّه لو كان عنده من الماء ما يكفي لأحد الأمرين من رفع الخبث عن ثوبه أو بدنه ورفع الحدث قدّم رفع (2)الخبث وتيمّم للحدث ، لكن هذا إذا لم يمكن صرف الماء في الغسل أو الوضوء وجمع الغسالة في إناء نظيف لرفع الخبث ، وإلاّ تعين ذلك ، وكذا الحال في مسألة اجتماع الجنب والميت والمحدث بالأصغر ، بل في سائر الدورانات (3).
إلى زمان التمكّن من الماء ، بل لو لم يتمكّن من التأخير لضيق الوقت أو لعلمه بعدم ارتفاع عذره إلى آخر الوقت كشف ذلك عن بطلان إجارته في المقدار الّذي لم يتمكّن من إتيانها مع الوضوء.
كل ذلك لما عرفت من أنّ المأمور بالعمل هو الطبيعي وهو متمكّن من الطّهارة المائية ، فلا يصح العمل من الفرد العاجز عن بعض شرائطه ، اللّهمّ إلاّ أن لا يوجد من الطبيعي فرد يقوم بهذا العمل فيجوز حينئذ استئجار الفاقد للماء باعتبار أنّ الطبيعي فاقد له أو أن غيره لا يقوم بذلك العمل.
(1) قدّمنا الكلام في هذه المسألة (3)فليلاحظ.
(2) قدّمنا الكلام في هذه المسألة (4)أيضاً كما يأتي.
[1170] مسألة 32 : إذا علم قبل الوقت أنّه لو آخر التيمّم إلى ما بعد دخوله لا يتمكّن من تحصيل ما يتيمّم به فالأحوط أن يتيمّم قبل الوقت (1)لغاية أُخرى غير الصلاة في الوقت ويبقي تيمّمه إلى ما بعد الدخول فيصلِّي به ، كما أنّ الأمر كذلك بالنسبة إلى الوضوء (2)إذا أمكنه قبل الوقت وعلم بعدم تمكّنه بعده فيتوضأ على الأحوط لغاية أُخرى أو للكون على الطّهارة (1).
[1171] مسألة 33 : يجب التيمّم لمسّ كتابة القرآن إن وجب كما أنّه يستحب إذا كان مستحبّاً ، ولكن لا يشرع إذا كان مباحاً ، نعم له أن يتيمّم لغاية أُخرى ثمّ يمسح المسح المباح (2).
(1) هذه المسألة (3)والمسألتان اللّتان قبلها قد تكلمنا فيها سابقاً فلا نعيد.
وقد ذكرنا في المسألة الأُولى أنّه لا يجوز التيمّم لأجل المكث في المسجد في مفروض المسألة.
وذكرنا في المسألة الثّانية أنّه لا وجه لتقديم الطّهارة من الخبث على الطّهارة من الحدث ، نعم أضاف في المقام أنّ الحكم بتقديم رفع الخبث إنّما هو فيما إذا لم يمكن صرف الماء في الغسل أو الوضوء وجمع الغسالة في إناء نظيف لرفع الخبث ، وإلاّ تعين ذلك.
وكذلك الحال في المسألة الثالثة الّتي فرضت اجتماع الجنب والميت والمحدث بالحدث الأصغر ، بل في سائر الدورانات ، والأمر كما أفاده.
(2) قد ذكرنا غير مرّة أن عبادية الطهارات الثلاثة لم تنشأ عن الأمر الغيري المتعلق بها الناشئ عن الأمر النفسي بما يتوقف عليها ، وذلك :
أمّا أوّلاً : فلعدم وجوب المقدمة وعدم كونها مأمور بها بالأمر الغيري على ما فصّلناه في محلِّه (1).
وأمّا ثانياً : فلأنه على تقدير الالتزام بوجوب المقدمة فهو أمر توصلي لا يعتبر فيه قصد الأمر والامتثال.
بل العبادية في الطهارات نشأت عن الأمر الاستحبابي النفسي الثابت عليها في أنفسها ، لأنّها أُمور راجحة ومندوب إليها في الشريعة المقدّسة ، فالعبادية مأخوذة فيها سابقاً على أمرها الغيري ، فهي عبادات جعلت مقدمة لغاياتها ، فلا يفرق في استحبابها ومشروعيتها بين أن تكون غاياتها واجبة أو مستحبّة أو مباحة.
نعم العبادية لا تتوقف على قصد الأمر وحسب ، بل تتحقق بالإتيان بالعمل وإضافته إلى اللّه سبحانه نحو إضافة ، وعليه إذا كانت الغاية واجبة أو مستحبّة كفى في صحّة الطهارات الثلاثة وعباديتها الإتيان بها بعنوان كونها مقدمة للأمر الراجح أي لأجل التوصّل بها إلى أمر محبوب فإنّه نحو إضافة إلى اللّه وموجب لأن تكون عبادة مقربة إلى اللّه سبحانه ، وهذا يختص بما إذا كانت الغاية واجبة أو مستحبّة ، ولا يتحقق فيما إذا كانت الغاية مباحة.
ولعلّ نظر الماتن قدسسره إلى ذلك ، وهو ما إذا أتى بالطهارات بعنوان كونها مقدمة من دون قصد غاية أُخرى من غاياتها ، فلو كان نظره الشريف إلى ذلك صحّ التفصيل بين ما إذا كانت الغاية واجبة أو مستحبّة وبين ما إذا كانت مباحة.
وعلى هذا يمكن أن يقال بصحّة الطهارات وعباديتها إذا كانت غايتها مباحة حتّى إذا أتى بها بعنوان كونها مقدمة ، وذلك لأنّ الإتيان بها مقدمة للمباح ليس بمعنى كونها مقدمة لذات المباح ، فإنّه في ذاته لا يتوقف على التيمّم أو غيره ، بل المراد الإتيان بها مقدمة للمباح بما أنّه مباح ، ومن الظاهر أن المس المباح إنّما هو المس حال الطّهارة فإنّ المس في غير حال الطّهارة محرم ، فيرجع الإتيان بها مقدمة للمباح بوصف كونه
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 434.
مباحاً إلى الإتيان بها مقدمة لارتكاب غير المحرم وفراراً عن المبغوض المحرم وهو المس حال الحدث ، وهذا أمر راجح أيضاً ومقرب ونحو من الإضافة إلى الآمر سبحانه وهو كافٍ في صحّتها وعباديتها.
إذن لا فرق في عبادية الطهارات بين كون غاياتها مثل المس واجبة أو مستحبّة أو مباحة ، هذا.
وقد يقال (1): أن إتيان الطهارات الثلاثة مقدّمة للمس الواجب أو المستحب لا يوجب صحّتها وكونها عبادة ، وذلك لأنّها ليست مقدمة للمس الواجب أو المستحب أو الجائز ، ونعبِّر عنها بالجواز بالمعنى الأعم.
بل الطّهارة مقدمة لجواز المس بالمعنى الأعم إذ لولا كونها لم يكن المس جائزاً فلو أتى بها مقدمة للمس الجائز لم تصح إذ لا مقدمية لها للمس ، بل لا بدّ من الإتيان بها لغاية أُخرى من غاياتها حتّى يكون متطهراً فيجوز له مس الكتاب العزيز حينئذ.
ويرده : أوّلاً : أنّ المستفاد من الأدلّة أن للمس قسمين وحصّتين : إمّا جائز بالمعنى الأعم أو غير جائز ، والطّهارة مقدمة للحصّة الجائزة ، فتكون الطّهارة قيداً للجائز ومقدمة له لا أنّها قيد للجواز ، فلا مانع من الإتيان بالطّهارة لكونها مقدمة للحصّة الجائزة من المس.
وثانياً : أن كون الطّهارة مقدمة للجواز دون الجائز أمر غير معقول في نفسه لأنّ الطهارات إذا كانت قيداً للوجوب أو الاستحباب أو الجواز لم يكن وجوب قبلها ، وإذا لم تكن الطّهارة واجبة فيجوز للمكلّف تركها ، إذ لا يجب عليه إيجاد ما هو مقدمة للتكليف ، فأي داع للمكلّف لإتيانه بها؟
فجعل الطّهارة قيداً ومقدمة للوجوب أي الجواز بالمعنى الأعم يفضي إلى عدم وجوب الطّهارة ، ومع عدمها لا يجب المس ، وهذا خلف لأنّ المفروض أنّ المس واجب.
1) والقائل هو السيد الحكيم (رحمه اللّه) في المستمسك 4 : 490.
[1172] مسألة 34 : إذا وصل شعر الرأس إلى الجبهة فإن كان زائداً على المتعارف وجب رفعه للتيمم ومسح البشرة (1). وإن كان على المتعارف لا يبعد
ودعوى : أنّ الطّهارة وإن لم تكن مقدمة للواجب لأنّها مقدمة للوجوب فلا تكون واجبة من تلك الناحية إلاّ أنّها واجبة الإتيان عقلاً ، لأنّها مقدّمة لتحصيل الغرض الملزم في المس الواجب ، وكما أنّ الإتيان بالمقدمة لازم لتحصيل الواجب كذلك هو لازم لتحصيل الغرض.
مندفعة بأنّا إذا أنكرنا وجوب المس لكون الوجوب متوقفاً على الطهارات ، فانّ الطهارات مقدمة للوجوب لا الواجب ، فمن أين نستكشف كونه ذا ملاك وغرض حتّى يجب علينا تحصيلها؟
على أنّا لو سلمنا أنّ المس ذو ملاك وغرض كفى ذلك في عبادية الطهارات إذا أتى بها توصلاً إلى غرض المولى وما فيه الملاك ، لأنّ الإتيان بالمقدمة بما هي مقدّمة أي للتوصّل بها إلى الواجب كما أنّه كافٍ في عباديتها وكونها مقربة لأنّه نحو إضافة إلى اللّه سبحانه كذلك الإتيان بها مقدمة للغرض اللاّزم تحصيله جهة مقربة ومحسنة ، وهي نحو إضافة إلى اللّه وكافية في عبادية الطهارات.
فلا حاجة إلى إتيانها بغاية أُخرى كما يرومه المدعي ، ومعه تكون الطّهارة قيداً للمس الجائز وهو ما فيه الغرض لا قيداً للجواز كما لعله ظاهر.
فالمتحصل : أنّ الإتيان بالطهارات بداعي أمرها النفسي أو بداعي كونها مقدّمة يوجب عباديتها إذا كانت الغاية واجبة أو مستحبّة ، وكذلك الحال إذا كانت الغاية مباحة كما مرّ ، من دون حاجة إلى إتيانها بغاية أُخرى كما يروم المدعي.
(1) إذا كان الشعر متدلياً على الجبهة والوجه ، كما في النِّساء وبعض الرجال فيجب رفعه للتيمم ، والوجه فيه هو ما قدّمناه من أنّ التيمّم يعتبر فيه مسح الجبهة
كفاية مسح ظاهره عن البشرة (1) والأحوط مسح كليهما.
الّتي عبرت الأخبار عنها بالوجه أو الجبين أو الجبينين (1)على ما تقدّم تفصيله (2)وإن لم يرد لفظ الجبهة في شيء منها.
وقد عرفت أنّ الواجب صدق مسح الجبهة عرفاً ، ومع كون الشعر زائداً على المتعارف ومتدلياً على الجبينين لا يتحقق المسح المأمور به وهو ظاهر.
(1) كما إذا لم يحلق رأسه عشرين يوماً أو شهراً أو أقل أو أكثر. وما أفاده قدسسره من كفاية مسح ظاهره حينئذ هو الصحيح.
وذلك لأنّ المراد بالوجه الواجب مسحه هو ما يواجه به الإنسان ، ولا إشكال في أنّ المقدار المتعارف من الشعر الواصل إلى الجبهة ممّا يواجه به الإنسان ، فيكفي مسح ظاهره عن مسح نفس البشرة.
هذا على أنّا لو لم نتمكّن من استفادة كفاية المسح على المقدار المتعارف من الشعر المتدلي على الجبهة من النصوص كفانا في ذلك السيرة المستمرة المتصلة بزمان المعصومين عليهمالسلام ، لأن اشتمال الجبهة على المقدار المتعارف من شعر الرأس ولا سيما في أهل البوادي والقرى الّذين قد لا يحلقون رؤوسهم شهرين أو شهوراً هو أمر متعارف عادي ، فلو كان رفعه لازماً لوجب التنبيه عليه في الأخبار ، ولم ترد فيه إشارة إلى ذلك ، نعم الأحوط أن يمسح كليهما كما ذكره الماتن.
[1173] مسألة 35 : إذا شكّ في وجود حاجب في بعض مواضع التيمّم حاله حال الوضوء والغسل في وجوب الفحص حتّى يحصل اليقين (1) أو الظن بالعدم (1)(2).
[1174] مسألة 36 : في الموارد الّتي يجب عليه التيمّم بدلاً عن الغسل وعن الوضوء كالحائض والنفساء وماسّ الميت الأحوط تيمّم ثالث بقصد الاستباحة من غير نظر إلى بدليته عن الوضوء أو الغسل بأن يكون بدلاً عنهما ، لاحتمال كون المطلوب (2)تيمماً واحداً من باب التداخل (3) ولو عين أحدهما في التيمّم الأوّل وقصد بالثاني ما في الذمّة أغنى عن الثالث.
(1) لما تقدم من أن استصحاب عدم الحاجب لا يترتب عليه غسل البشرة أو مسحها إلاّ على القول بالأصل المثبت (3)، فلا بدّ من تحصيل الحجّة على عدم الحاجب حينئذ حتّى يقطع بصحّة طهارته.
(2) تقدم في بحث الوضوء أنّ الظن بالعدم غير قابل للاعتماد عليه ، لعدم حجيته في الشريعة المقدّسة ، فلا مناص من تحصيل الحجّة الشرعية على عدمه من القطع الوجداني أو الاطمئنان الّذي هو حجّة عقلائية (4).
(3) ولا يخفى ما في هذا الاحتمال من الضعف ، إذ التداخل ممّا تدفعه إطلاقات
[1175] مسألة 37 : إذا كان بعض أعضائه منقوشاً باسم الجلالة أو غيره من أسمائه تعالى أو آية من القرآن فالأحوط محوه حذراً من وجوده على بدنه في حال الجنابة أو غيرها من الأحداث لمناط حرمة (1)المسّ على المحدث ، وإن لم يمكن محوه أو قلنا بعدم وجوبه فيحرم إمرار اليد عليه حال الوضوء أو الغسل بل يجب إجراء الماء عليه من غير مس أو الغسل ارتماساً أو لف خرقة بيده والمس بها ، وإذا فرض عدم إمكان الوضوء أو الغسل إلاّ بمسه فيدور الأمر (2)بين سقوط حرمة المس أو سقوط وجوب المائية والانتقال إلى التيمّم.
الأدلّة ، لأنّ المفروض أنّه مكلّف بالوضوء وإن كان لو قدم عليه الغسل قلنا باغنائه عنه إلاّ أنّه مأمور بالوضوء قبل الاغتسال ، بحيث لو تمكّن من الماء وجب عليه الوضوء وإن لم يتمكّن منه في الغسل ووجب عليه التيمّم بدلاً عنه.
فمقتضى إطلاق الأدلّة (3)إذا لم يتمكّن من الماء وجوب التيمّم عليه بدلاً عن الوضوء ، كما أنّه مأمور بالاغتسال وإذا لم يتمكّن من الماء فإطلاق الأدلّة من الآية (4)والأخبار (5)يقتضي وجوب تيمّم آخر عليه بدلاً عن الغسل.
فالتداخل على خلاف الإطلاق فلا موجب للتيمم الثالث إلاّ على وجه الاحتياط الاستحبابي.
1) (*) في إحراز المناط في المقام إشكال.
2) (**) لا يدور الأمر فيما ذكر بل الظاهر وجوب الطّهارة المائية مع الاستنابة ، نعم إذا لم يتمكّن من الاستنابة يصح الدوران المذكور ، لكن الظاهر عدم سقوط حرمة المس فينتقل الأمر إلى التيمّم إذا لم يكن النقش في مواضعه ، وإلاّ تعيّنت الطّهارة المائية.
3) الوسائل 3 : 341 / أبواب التيمّم ب 1 ، 2 ، 3 وغيرها.
4) النِّساء 4 : 43 ، المائدة 5 : 6.
5) الوسائل 3 : 358 / أبواب التيمّم ب 11 ، 14 ، 16 ، وغيرها.
والظاهر سقوط حرمة المس ، بل ينبغي القطع به إذا كان في محل التيمّم ، لأنّ الأمر حينئذ دائر بين ترك الصلاة وارتكاب المس ، ومن المعلوم أهميّة وجوب الصلاة فيتوضأ أو يغتسل في الفرض الأوّل وإن استلزم المس ، لكن الأحوط مع ذلك الجبيرة أيضاً بوضع شيء عليه والمسح عليه باليد المبللة ، وأحوط من ذلك أن يجمع بين ما ذكر والاستنابة أيضاً بأن يستنيب متطهراً يباشر غسل هذا الموضع ، بل وأن يتيمّم مع ذلك أيضاً إن لم يكن في مواضع التيمّم (1).
(1) تعرّض قدسسره في هذه المسألة إلى جهات :
الجهة الاولى : أن من كان على بعض أعضائه نقش لفظ الجلالة أو غيره ممّا يحرم مسّه على المحدث وجب عليه محوه ، لأنّه وإن كان لا يصدق عليه المس الحرام ، لأنّ المماسة تستدعي تعدّد الماس والممسوس وتغايرهما ، ومع الاتحاد كما إذا كانت اللّفظة من عوارض الماس لم يصدق المس بوجه. إلاّ أن مناط حرمة المس وملاكها كالمعية والاقتران أو غيرهما متحقق معه فلا بدّ من محوها.
وفيه : أنّ المتّبع إنّما هو ظواهر الأدلّة (1)وهي إنّما تقتضي حرمة المس غير المتحقق في المقام ، ولا عبرة بالمناطات المستكشفة الظنيّة بوجه.
الجهة الثّانية : أنّ المحو إذا لم يكن ميسوراً للمكلّف أو قلنا بعدم وجوبه وأراد المكلّف أن يغتسل أو يتوضأ حرم عليه مسّها وإمرار اليد عليها حالهما ، بل يتعيّن عليه أن يُجري الماء عليها بالصب والارتماس أو لفّ خرقة بيده والمس بها وغير ذلك ممّا لا يتحقق به المس ، لأنّه محدث ، ولا يجب عليه مسّها.
الجهة الثّالثة : إذا لم يمكن الغسل أو الوضوء إلاّ بمسّها فقد قسمها قدسسره إلى صورتين :
1) الوسائل 2 : 214 / أبواب الجنابة ب 18.
الاولى : ما إذا كانت اللّفظة على مواضع التيمّم بحيث لا مناص له من مسّها اغتسل أو توضأ أو تيمّم.
الثّانية : ما إذا كانت اللّفظة المنقوشة على غير مواضعه كما لو كانت فوق الزند بحيث لا يقع عليها المس لو تيمّم.
ذكر الماتن قدسسره فيها أنّ الأمر لا ينتقل إلى التيمّم ، لأنّ الغرض منه أن لا يقع المس على اللّفظة ، فإذا فرضنا أنّه واقع عليها لا محالة فلا موجب للانتقال إليه بل ذكر أن حرمة المس ساقطة حينئذ فيتعيّن عليه أن يتوضأ أو يغتسل وإن استلزم ذلك المس.
وما أفاده قدسسره من عدم انتقال الأمر إلى التيمّم وإن كان صحيحاً ، لأنّ المقصد منه هو الفرار عن المس ومع كونه في المس مثل الوضوء فلا مسوغ له ، إلاّ أن ما أفاده من سقوط حرمة المس حينئذ وتعين الغسل أو الوضوء عليه ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، بل الصحيح وجوب الاستنابة حينئذ ، لأنّ المباشرة في الطهارات إنّما هي معتبرة في حال التمكّن منها لا مطلقاً ، وحرمة المس كافية في المانعية وسلب قدرة المكلّف عن المباشرة شرعاً.
نعم الأحوط حينئذ هو الجمع بين الاستنابة والغسل أو الوضوء بالمباشرة بعد التسبيب ، لأنّ المس فيهما متأخراً عن الطّهارة التسبيبية جائز قطعاً إمّا لأن وظيفته الاستنابة وقد حصلها فهو متطهر ، والمس بعدها يقع في حال الطّهارة دون الحدث وإمّا لأن وظيفته الغسل أو الوضوء بالمباشرة لسقوط حرمة المس حينئذ.
وهي ما لو كان اسم الجلالة أو آيات الكتاب في غير مواضع التيمّم. فقد يحتمل فيها وجوب التيمّم ليكون متطهراً حتّى يغتسل أو يتوضأ بعد ذلك ، لعدم تمكّنه منهما من دون تيمّم ، لأنّهما يستلزمان المس المحرم فيتيمم لأجل الطّهارة حتّى يتمكّن به منهما.
وقد ذكروا نظيره في الجنب إذا كان اغتساله مستلزماً للمكث في المساجد أو الاجتياز من المسجدين فيما كان الماء في المسجدين أو المساجد ، حيث قالوا : إنّه يتيمّم لدخول المسجد أو المكث فيه فيكون متطهراً وبعد ذلك يدخل المسجدين أو يمكث في المساجد لكي يغتسل.
ويدفعه : ما ذكرناه هناك من عدم جواز التيمّم حينئذ لاستلزام جوازه الدور (1)وكذلك الأمر في المقام ، لأنّ التيمّم إنّما يكون مشروعاً فيما إذا كان المكلّف مأموراً بالغسل أو الوضوء ، مع المس بالمباشرة ليقال إنّه إذا لم يتمكّن من الماء يتيمّم بدلاً عن الطّهارة المائية ، فلو توقّف جواز الطّهارة المائية على مشروعية التيمّم لدار.
إذن لا يشرع له التيمّم حينئذ ولا سيما مع كونه واجداً للماء في نفسه وإن لم يكن واجداً له بالنسبة إليهما. فهذا الاحتمال ساقط.
ثمّ إنّ المسألة تدور بين احتمالات ثلاثة :
أحدها : أن تكون هذه المسألة ملحقة بتلك المسألة ، فنقول بأنّه يتيمّم للصلاة لفقدانه الماء وعدم تمكّنه من الطّهارة المائية لاستلزامها المس الحرام ، كما قلنا به في تلك المسألة.
ثانيها : أن يقال بوجوب الغسل والوضوء في حقّه وسقوط الحرمة عن المس كما ذهب إليه الماتن قدسسره.
ثالثها : أن تجب عليه الاستنابة فيغتسل أو يتوضأ من دون مباشرة.
ومقتضى الاحتياط في المسألة هو الجمع بين تلكم الوجوه ، بأن يتيمّم أوّلاً ثمّ يتوضأ أو يغتسل بالتسبيب ثمّ يغتسل أو يتوضأ بالمباشرة ، لأنّه يستلزم القطع بإباحة الصلاة في حقّه ، لأنّه إمّا مأمور بالطّهارة الترابية لعدم تمكّنه من الماء لاستلزامه المس الحرام وقد أتى بالتيمّم ، وإمّا هو مأمور بالطّهارة المائية مع سقوط قيد المباشرة أو بقيدها وقد أتى بهما.
1) شرح العروة 6 : 342.
وإذا كان ممّن وظيفته التيمّم وكان في بعض مواضعه وأراد الاحتياط جمع بين مسحه بنفسه والجبيرة والاستنابة ، لكن الأقوى كما عرفت كفاية مسحه وسقوط حرمة المس حينئذ.
تمّ كتاب الطّهارة
إلاّ أنّ الأقوى على ما ظهر ممّا قدّمناه تعين الاستنابة عليه ، لأنّ المباشرة إنّما هي معتبرة في حال التمكّن منها ، وكفى بحرمة المس أن تكون مانعة عن المباشرة ، إذ بها تكون المباشرة ممتنعة شرعاً ، والممتنع شرعاً كالممتنع عقلاً ، فتسقط شرطية المباشرة فيجب عليه الاغتسال والتوضي بالاستنابة.
وهكذا الكلام في كل مورد دار الأمر فيه بين التيمّم والطّهارة المائية مع التسبيب.
والسر فيه : أنّ مقتضى ما دلّ على حرمة المسّ على المحدث (1)ثبوت الحرمة على نحو الإطلاق ، إذ لا مخصص لها في المقام كي نلتزم بعدم حرمة المس حينئذ ، ومع ثبوت الحرمة لا يتمكّن المكلّف من الطّهارة المائية بالمباشرة ، وبهذا يظهر عدم وصول النوبة إلى التيمّم لتمكّن المكلّف من الطّهارة المائية مع الاستنابة فيتعيّن عليه ذلك حينئذ ، ولا يبقى لاحتمال وجوب التيمّم في حقّه مجال ، كالمسألة المتقدمة فيما إذا كان الماء في المسجد وكان المكلّف جنباً ويستلزم اغتساله المكث في المسجد.
ولا يبقى لاحتمال سقوط الحرمة عن مسّ المحدث مجال كما ذهب إليه الماتن قدسسره ، هذا كلّه إذا كانت الاستنابة مقدورة له.
وإذا لم تمكنه الاستنابة أو كانت حرجاً عليه في مورد فلا شبهة في انتقال الأمر إلى التيمّم ، لأنّ حرمة المس ثابتة على وجه الإطلاق ، ولا مخصص لها في المقام ، ومعها تمتنع عليه الطّهارة المائية بالمباشرة أو الاستنابة فينتقل أمره إلى التيمّم لا محالة.
1) الوسائل 1 : 383 / أبواب الوضوء ب 12 ، 2 : 214 / أبواب الجنابة ب 18.
هذا تمام الكلام في كتاب الطّهارة.
ولله الحمد أوّلاً وآخراً وصلّى اللّه على محمّد وعترته الطاهرين ، وقد آل الأمر بنا إلى هنا يوم الأربعاء 18 شعبان 1384 في زاوية المدرسة الخليلية الكبرى في النجف الأشرف على مشرفها آلاف التحيّة والثناء.
فهرس الموضوعات
الطهارة
فصل : في الأغسال المندوبة... 1
الأغسال الزمانية... 1
استحباب غسل الجمعة... 1
الأخبار الواردة في غسل الجمعة... 3
مبدأ وقت غسل الجمعة... 9
منتهى وقت غسل الجمعة... 10
ثمرة النزاع في كون الغسل بعد زوال الجمعة أداء أو قضاء... 13
قضاء غسل الجمعة ليلة السبت... 16
مشروعية قضائه يوم السبت وإن تعمد تركه يوم الجمعة... 19
تقديم غسل الجمعة يوم الجمعة... 23
ما هو المسوغ لتقديم الغسل يوم الخميس؟... 24
إعادة الغسل يوم الجمعة لمن قدمه عليها... 25
اشتراط إذن المولى في غسل العبد... 27
انكشاف التمكن من الغسل يوم الجمعة أثناء الغسل لمن قدمه... 29
قضاء الغسل لمن نذر الإتيان به فتركه... 30
الاغتسال قبل يوم الخميس بتخيل الجمعة... 31
الاغتسال يوم الجمعة بتخيل الجمعة... 32
الاغتسال يوم الجمعة بتخيل السبت ناويا القضاء... 33
هل تجب إعادة الغسل إذا انتقض بعده... 34
مشروعية غسل الجمعة من الحائض والجنب ونحوهما... 34
التيمم بدل الغسل لغير المتمكن منه... 35
الأغسال ليالي شهر رمضان... 36
الغسل يومي العيدين... 41
غسل يوم الغدير... 46
غسل يوم المباهلة... 48
هل يستحب الغسل في أي وقت أريد؟... 50
الأغسال الزمانية لا تقضى إلا ااستثني... 52
فصل : في الأغسال المكانية... 53
فصل : في الأغسال الفعلية... 57
القسم الأول : ما يستحب لأجل فعل يراد الاتيان به... 57
غسل الإحرام... 57
غسل الطواف... 58
القسم الثاني : ما يستحب لأجل فعل أُتي به... 61
غسل من فرط في صلاة الكسوفين مع احتراق القرص... 63
إجزاء الأغسال المستحبة عن الوضوء... 65
تداخل الأغسال وكفاية غسل واحد... 66
فصل : في التيمم... 67
الاستدلال بالآية الشريفة على مشروعية التيمم... 67
الاستدلال بالآية على سببية المرض والسفر للتيمم وإن تمكن من الماء... 69
الجواب عن الاستدلال المذكور... 70
مسوغات التيمم... 75
الأول : عدم وجدان ما يكفي للطهارة المائية... 75
وجوب الفحص عن الماء... 76
الأخبار المستدل بها على وجوب الفحص... 80
بيان المراد من الوجوب... 83
مقدار الفحص الواجب... 85
حكم الأرض إذا اختلفت جهاتها سهولة وحزونة... 90
سقوط الطلب لو أخبر الثقة بعدم الماء... 91
كفاية الفحص قبل دخول الوقت... 94
المناط في السهم والرمي والرامي... 96
سقوط وجوب الطلب في ضيق الوقت... 97
حكم الصلاة لو ترك الطلب عمدا حتى ضاق الوقت... 98
حكم الصلاة لو ترك الطلب فتين وجوده... 100
حكم الصلاة لو طلب فلم يتبين ثم يجده في محل الطلب... 101
اعتقاد ضيق الوقت فتنكشف سعته بعد الصلاة... 102
اعتقاد عدم الماء في المقدار اللازم فحصه ثم يتبين وجوده... 104
إراقة الماء بعد الوقت مع العلم بعدم التمكن من ماء آخر... 105
إراقة الماء قبل الوقت مع العلم بعدم وجدانه بعده... 107
الثاني : عدم التمكن من الماء الموجود لعجز ونحوه... 108
وجوب بذل المال لتحصيل الماء... 109
الثالث : الخوف من استعمال الماء على نفسه أو أحد أعضائه... 111
حكم الوضوء إذا تحمل الضرر... 114
إذا تحمل المكلف الضرر فتوضأ أو اغتسل... 114
إذا تحمل الحرج فتوضأ أو اغتسل... 115
التيمم أو الوضوء باعتقاد الضرر أو عدمه فينكشف الخلاف... 119
الإجناب عمدا مع العلم بعدم التمكن من الماء... 124
إبطال الوضوء بعد دخول الوقت بمقاربة أهله... 129
الرابع : الحرج في تحصيل الماء أو استعماله... 130
الخامس : الخوف على نفسه أو غيره من العطش لو توضأ به... 131
الأقسام المتصورة في النفس التي يخاف تلفها بالعطش لو توضأ بالماء... 134
جواز التيمم لو كان عنده ماء طاهر وآخر نجس يرفع عطشه... 137
استعمال الماء الطاهر للوضوء وإبقاء النجس لرفع عطش الغير... 138
حكم الإعانة على الإثم... 139
السادس : إذا زاحم الطهارة المائية واجب أهم... 141
تقديم الطهارة الخبثية على الحديثية لو لم يكف الماء إلا لإحداهما... 143
الوضوء أو الغسل في مورد وجوب صرف الماء لرفع الخبث... 146
دوران الأمر بين صرف الماء للوضوء أو إزالة بعض الخبث... 148
الدوران بين ترك الصلاة لو شرب الماء - لفقد التراب أيضا - وبين شرب النجس 151
الدوران بين تحصيل الماء أو الساتر... 151
الدوران بين تحصيل الماء أو القبلة... 152
السابع : ضيق الوقت عن استعمال الماء... 153
تأخير الواجد للماء صلاته إلى أن يضيق الوقت... 159
الشك في ضيق الوقت وسعته... 161
العلم بضيق الوقت والشك في كفايته لتحصيل الطهارة المائية والصلاة... 162
ضيق الوقت عن تحصيل الماء بنحو يستلزم خروجه ولو في بعض الصلاة... 165
المأمور بالتيمم لضيق الوقت إذا خالف فتوضأ... 166
التيمم لضيق الوقت لا يبيح إلا الصلاة التي ضاق وقتها... 169
حكم الوضوء مع كونه حرجيا أو مزاحما لواجب أهم... 170
التيمم لضيق الوقت لا يبيح غاية أخرى حتى حال الصلاة... 173
التيمم لضيق الوقت عن المستحبات المؤقتة... 174
التوضؤ مع ضيق الوقت باعتقاد سعته... 176
التيمم مع سعة الوقت باعتقاد ضيقه... 177
المسوغ الثامن : العجز عن استعمال الماء لمانع شرعي... 179
تيمم الجنب لدخول المسجد وأخذ الماء عنه لو انحصر وجوده فيه... 180
تيمم واجد الماء لصلاة الميت... 183
تيمم واجد الماء لأجل النوم... 185
هل يجب تتميم الماء بخلطه بالمضاف لو لم يكف الماء؟... 186
فصل : في بيان ما يصح التيمم به... 187
مقتضى القاعدة عند الشك في جواز التيمم بغير التراب... 188
مقتضى الأدلة اللفظية... 189
دليل السيد المرتضى على اختصاص التيمم بالتراب... 189
الاستدلال بالآية المباركة على اختصاص التيمم بالتراب... 191
الاستدلال بالأخبار على اختصاص التيمم بالتراب... 193
الأخبار الدالة على جواز التيمم بمطلق وجه الأرض... 200
حكم التيمم بالطين والجص والنورة بعد الإحراق... 201
حكم التيمم بالمعادن ونحوها مما خرج عن اسم الأرض... 205
حكم التيمم بالغبار... 207
حكم التيمم بالطين... 208
هل يجوز التيمم بالثلج لو فقد الغبار والطين؟... 209
وظيفة فاقد الطهورين... 215
تعين الطهارة المائية لو أمكن إذابة الثلج... 219
حكم التيمم على الحائط... 221
وجوب إزالة ما لصق باليد من الطين عند التيمم... 222
حكم التيمم بالتراب الممزوج بغيره... 223
لزوم إيجاد الماء لو تمكن منه... 225
وجوب شراء ما يتيمم به لو كان فاقدا له... 225
حكم التيمم بالأرض الندية... 227
المناط في الطين وبيان حكم صورة الشك فيه... 228
فصل : في شرائط ما يتيمم به... 230
اشتراط طهارة ما يتيمم به... 230
اشتراط إباحة ما يتيمم به ومكان التيمم وفضائه... 231
حكم التيمم في حالة الجهل بالغصبية أو نسيانها... 232
التيمم بالتراب الموضوع في آنية الذهب والفضة... 233
الوظيفة عند اشتباه التراب المباح بالمغصوب... 234
العلم الإجمالي بغصبية الماء أو التراب... 238
العلم الإجمالي بنجاسة الماء أو التراب... 239
العلم الإجمالي بكون الماء أو التراب مضافا... 240
التيمم بما يشك في كونه ترابا أو غيره... 241
حكم المضطر إلى البقاء في المغصوب... 244
حكم التيمم إذا لم يكف التراب لضرب الكفين معا... 246
هل يعتبر فيما يتيمم به أن يكون مما يعلق باليد؟... 248
فصل : في كيفية التيمم... 256
الأمور المعتبرة في التيمم... 256
الأول : ضرب باطن اليدين... 256
حكم ما لو تمكن من ضرب إحداهما ووضع الأخرى... 261
حكم ما لو عجز من الضرب بباطن إحدى اليدين... 262
الثاني : مسح الجبهة والجبينين... 264
اعتبار مسح الجبهة والجبينين بمجموع الكفين... 269
الثالث : مسح ظاهر الكفين بباطنهما مع تقديم اليمنى... 270
الأقوال في مسح اليدين... 271
اعتبار كون الممسوح ظاهر الكف والمساح باطنه... 275
شرائط التيمم... 277
الأول : النية... 277
جزئية ضرب اليدين وعدم كونه شرطا... 278
عدم اعتبار قصد الرفع في التيمم... 281
الثاني : المباشرة... 282
اختصاص شرطية المباشرة بحال الاختيار... 282
الثالث : الموالاة بين أفعاله... 284
الرابع : الترتيب... 285
الخامس : الابتداء بالأعلى في المسح... 286
السادس : عدم الحائل بين الماسح والممسوح... 289
السابع : طهارة الماسح والممسوح... 289
حكم اللحم الزائد في محل المسح... 290
حكم الجبيرة على الماسح والممسوح... 292
الاستنابة في التيمم عند العجز عن المباشرة... 295
حكم ما لو كان باطن اليدين نجسا... 296
وظيفة مقطوع إحدى اليدين... 298
وظيفة مقطوع اليدين... 299
تعيين المبدل عنه ولو إجمالا عند تعدد التيمم... 300
كفاية قصد ما في الذمة من الغايات... 301
حكم ما لو قصد غاية فينكشف عدمها أو غيرها... 302
شرطية إمرار الماسح على الممسوح... 303
كفاية ضربة واحدة للتيمم بدلا عن الوضوء والغسل... 305
الشك في الفراغ من التيمم... 314
الشك في أثناء التيمم... 315
حكم التيمم لو لم ترك جزء منه بعد الفراغ... 316
فصل : في أحكام التيمم... 317
وجوب التيمم قبل الوقت على الصائم ومن لا يتمكن منه بعد الدخول... 317
التيمم قبل الوقت لمن احتمل تمكنه من الماء بعد الدخول... 320
استحباب التيمم نفسا... 321
جواز الصلاة بالتيمم لصلاة خرج وقتها ما لم يحدث أو يجد ماء... 322
البدار إلى التيمم وصوره... 324
البدار إلى الصلاة بتيمم سابق لصلاة خرج وقتها... 333
المراد من آخر الوقت في موارد وجوب تأخير التيمم والصلاة... 337
حكم البدار للتيمم والصلاة لمن لا يتمكن من الماء شرعا... 338
التيمم لقضاء الصلاة... 339
التيمم لإتيان النافلة... 340
تيمم فاقد الماء باعتقاد ضيق الوقت خطأ... 341
تيمم الواجد باعتقاد الضيق خطأ... 342
هل تجب إعادة ما صلاه بالتيمم لو زال العذر؟... 343
موارد استحباب إعادة الصلاة لو زال العذر... 348
المتيمم لغاية بحكم الطاهر مع بقاء العذر ما لم ينتقض... 353
غايات الوضوء والغس غايات للتيمم أيضا... 357
التيمم بدل الوضوء المستحب غير الرافع والمبيح... 358
التيمم بدل الأغسال المستحبة... 360
إغناء التيمم بدل الغسل عن الوضوء... 361
نواقض التيمم... 365
الأول : الحدث... 365
الثاني : وجدان الماء... 366
الثالث : زوال العذر... 369
وجدان الماء أثناء الصلاة... 370
مساواة النافلة للفريضة في الحكم المتقدم... 380
وجدان الماء أثناء غير الصلاة من العبادات... 381
وجدان الماء أثناء الصلاة عن الميت الميمم... 384
زوال عذر المتيمم الواجد للماء أثناء الصلاة... 384
وجدان الماء أثناء الصلاة ثم فقده في الأثناء أو بعدها بلا فصل... 386
العدول إلى صلاة فائتة لمن وجد الماء في الأثناء... 388
وجدان الماء أثناء السجود لمن شك في الركوع... 389
وجه الحكم بصحة الصلاة عند وجدان الماء في أثنائها... 390
وجدان المتيمم تيممين ما يكفي للغسل فقط... 391
وجدان المتيمم تيممين ما يكفي للغسل أو الوضوء فقط... 392
المتيممون إذا وجدوا ماءا يكفي أحدهم فقط... 394
انتقاض التيمم بدل غسل الجنابة بالحدث الأصغر... 396
هل التيمم رافع للحدث أو مبيح للعبادة؟... 397
انتقاض التيمم بدل الغسل - غير الجنابة - بالحدث الأصغر... 402
التداخل في التيممات... 404
التيمم بدلا عن غسل معين لمن عليه عدة أغسال فينكشف عدمه... 406
حكم اجتماع جنب وميت ومحدث بالأصغر إذا لم يكف الماء إلى لأحدهم... 407
التيمم لصلاة منذورة... 417
حكم التنفل بتيمم لصلاة سابقة... 418
نيابة من وظيفته التيمم عن الميت... 420
التيمم لأجل مس كتابه القرآن... 423
وجوب إزالة الحاجب عن مواضع التيمم... 426
الاحتياط بإتيان تيمم ثالث في موارد الحدث الأكبر غير الجنابة... 428
هل يجب محو لفظ الجلالة ونحوه مما نقش على أحد أعضاء البدن؟... 429
كيفية الوضوء والغسل إذا تعذر المحو... 429
حكم تعذر الطهارة المائية إلا بمس المنقوش إذا كان في مواضع التيمم... 430
حكم تعذر الطهارة المائية إلا بمس المنقوش إذا كان في غير مواضع التيمم... 431
الصورة