موسوعة الإمام الخوئی جلد 3

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان قراردادی : عروه‌الوثقی . شرح

عنوان و نام پديدآور : التنقیح في شرح‌العروة الوثقی/ [محمدکاظم‌بن عبدالعظیم یزدی]؛ تقریرا لابحاث ابوالقاسم الموسوی الخوئی؛ تالیف علی الغروی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثار‌الامام‌الخوئی (قدس‌سره)؛ [بی‌جا]: التوحید للنشر، 1418ق.= 1998م.= 1377 -

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه الامام الخوئی.

شابک : ج.1 964-6084-03-6 : ؛ ج. 2، چاپ دوم 964-6084-10-9 : ؛ ج.٬3چاپ سوم 964-6084-05-2 : ؛ ج.٬4 چاپ سوم ‌964-6084-04-4 : ؛ ج. 5، چاپ سوم 964-6084-08- 7 : ؛ ج.6 964-6084-17-6 : ؛ ج.7 964-6084-19-2 : ؛ ج.8 964-6084-18-4 : ؛ ج.9 964-6084-21-4 : ؛ ج.10 964-6084-20-6 :

يادداشت : عربی.

يادداشت : ج.1 - 10(چاپ سوم: 1428ق.= 2007م.= 1386 ).

يادداشت : ج. 1، 7 ، 9 ، 10 کتاب حاضر توسط موسسه احیاء آثار‌الامام‌الخوئی (قدس‌سره) منتشر شده است.

یادداشت : کتابنامه..

مندرجات : ج. 1. التقلید.- ج. 2، 4 ، 6 ، 7 و 9. الطهاره

موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

شناسه افزوده : غروی، علی، 1280 - 1376.

شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمد کاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی. شرح

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP183/5/ی‌4ع‌4021373 1377

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : م‌78-8589

اطلاعات رکورد کتابشناسی : فهرست قبلی

المؤلف: الشيخ علي الغروي

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه

المطبعة: توحيد

الطبعة: 0

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 0 ه.ق

ISBN (ردمك): 964-6084-05-2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ

اشارة

التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی

التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی

تقرير الإبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره

«1317 - 1413 ه»

الطهارة

تأليف آية اللّه الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي قدس سره

طبعة منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء الثالث

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+

تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م

المطبعة: نينوي

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

2 - 05 - 6084 - 964 : ISBN

Email:info@alkhoei.net

www.alkhoei.com

www.alkhoei.net

الصورة

-7-3

الخامس : الدم من كل ما له نفس سائلة إنساناً أو غيره ، كبيراً أو صغيراً (1).


نجاسة الدّم

(1) نجاسة الدم من المسائل المتسالم عليها عند المسلمين في الجملة ، بل قيل إنها من ضروريات الدين ، ولم يخالف فيها أحد من الفريقين وإن وقع الكلام في بعض خصوصياته كما يأتي عليها الكلام. وليس الوجه في نجاسته قوله عزّ من قائل ( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ) (1).

وذلك أما أوّلاً : فلعدم رجوع الضمير في قوله « فإنّه » إلى كل واحد مما تقدّمه ، وإنما يرجع إلى خصوص الأخير ، أعني لحم الخنزير.

وأمّا ثانياً : فلأن الرجس ليس معناه هو النجس وإنما معناه الخبيث والدني المعبّر عنه في الفارسية ب- « پليد » لصحة إطلاقه على الأفعال الدنيئة كما في قوله تعالى ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) (2). فإنّ الميسر من الأفعال ولا معنى لنجاسة الفعل. بل الدليل على نجاسته في الجملة هو التسالم القطعي والنصوص الواردة في المسألة كما تأتي ، فالتكلّم في أصل نجاسته ممّا لا حاجة إليه. وحيث إنّ أكثر نصوص المسألة قد وردت في موارد خاصّة كما


1) الأنعام 6 : 145.

2) المائدة 5 : 90.

في الدم الخارج عند حك البدن (1)وقلع السن (2)ونتف لحم الجرح (3)ودم القروح والجروح (4)ودم الحيض (5)ودم الرّعاف (6). وغير ذلك من الموارد الخاصة ، فالمهم أن يتكلّم في أنه هل يوجد في شي‌ء من أدلة نجاسته ما يقتضي بعمومه نجاسة كل دم على الإطلاق حتى يتمسك به عند الشك في بعض أفراده ومصاديقه ، ويحتاج الحكم بطهارته إلى دليل مخرج عنه ، أو أن الحكم بنجاسته يختص بالموارد المتقدمة وغيرها ممّا نصّ على نجاسته؟

والأوّل هو الصحيح ويمكن أن يستدل عليه بوجهين :

أحدهما : ارتكاز نجاسته في أذهان المسلمين على وجه الإطلاق من غير اختصاصه بعصر دون عصر ، لتحققه حتى في عصرهم علیهم السلام والخلاف وإن


1) كما ورد في رواية مثنى بن عبد السلام عن الصادق علیه السلام قال « قلت له : إنّي حككت جلدي فخرج منه دم ، فقال : إن اجتمع قدر حمصة فاغسله وإلاّ فلا » الوسائل 3 : 430 / أبواب النجاسات ب 20 ح 5.

2) علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام « عن الرجل يتحرك بعض أسنانه وهو في الصلاة هل ينزعه؟ قال : إن كان لا يدميه فلينزعه وإن كان يدميه فلينصرف. وعن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح له أن يقطع الثالول وهو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه؟ قال : إن لم يتخوّف أن يسيل الدم فلا بأس وإن تخوّف أن الدم يسيل فلا يفعله » الوسائل 7 : 284 / أبواب قواطع الصلاة ب 27 ح 1 ،

3) علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام « عن الرجل يتحرك بعض أسنانه وهو في الصلاة هل ينزعه؟ قال : إن كان لا يدميه فلينزعه وإن كان يدميه فلينصرف. وعن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح له أن يقطع الثالول وهو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه؟ قال : إن لم يتخوّف أن يسيل الدم فلا بأس وإن تخوّف أن الدم يسيل فلا يفعله » الوسائل 7 : 284 / أبواب قواطع الصلاة ب 27 ح 1 ،

4) سماعة بن مهران عن الصادق علیه السلام قال : « إذا كان بالرجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم » الوسائل 3 : 435 / أبواب النجاسات ب 22 ح 7.

5) أبو بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام أو أبي جعفر علیه السلام قال : « لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض فإن قليله وكثيره في الثوب إن رآه أو لم يره سواء » الوسائل 3 : 432 / أبواب النجاسات ب 21 ح 1. وعن سورة بن كليب عن أبي عبد اللّه علیه السلام « عن المرأة الحائض أتغسل ثيابها التي لبستها في طمثها؟ قال : تغسل ما أصاب ثيابها من الدم » الوسائل 3 : 449 / أبواب النجاسات ب 28 ح 1.

6) محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال : « سألته عن الرجل يأخذه الرعاف والقي‌ء في الصلاة كيف يصنع؟ قال : ينفتل فيغسل أنفه ... » الوسائل 7 : 238 / أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 4.

وقع بين أصحابنا في بعض خصوصيات المسألة إلاّ أن نجاسته في الجملة لعلها كانت مفروغاً عنها عند الرواة ، ولذا تراهم يسألون في رواياتهم عن أحكامه من غير تقييده بشي‌ء ولا تخصيصه بخصوصية ، وكذا أجوبتهم علیهم السلام فإنهم لم يقيدوا الحكم بنجاسته بفرد دون فرد ، وهذا كما في صحيحة ابن بزيع قال : « كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا علیه السلام عن البئر تكون في المنزل للوضوء فتقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة كالبعرة ونحوها ما الذي يطهّرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقّع علیه السلام بخطه في كتابي : ينزح منها دلاء » (1)وموثقة (2)أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه ، وإن هو علم قبل أن يصلّي فنسي وصلّى فيه فعليه الإعادة » (3)وغيرهما من الأخبار.

والأمر بالنزح في صحيحة ابن بزيع وإن كان استحبابياً لا محالة إلاّ أن السؤال عن تأثير مطلق الدم في البئر مستند إلى ارتكاز نجاسته ، إذ لو لا مغروسيتها في أذهانهم لم يكن وجه للسؤال عن حكمه ، وقد كانوا يسألونهم عن بعض مصاديقه غير الظاهرة كدم البراغيث ونحوه (4)فهذا كله يدلنا على أن نجاسة طبيعي الدم كانت مفروغاً عنها بينهم ، فان النجس لو كان هو بعض أقسامه كان عليهم التقييد في مقام السؤال وقد عرفت أنه لا عين ولا أثر منه في الأخبار المتقدِّمة.


1) الوسائل 1 : 176 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح 21.

2) هذا ولكن الصحيح أن الرواية ضعيفة لأن في سندها ابن سنان ، والظاهر أنه محمد بن سنان الزاهري بقرينة رواية الحسين بن سعيد عنه ، ولا أقل من تردده بين محمد بن سنان وبين عبد اللّه ابن سنان. والمظنون وإن كان وثاقة الرجل وقد كنّا نعتمد على رواياته سابقاً إلاّ أن الجزم بها في نهاية الإشكال ، ومن هنا بنينا أخيراً على عدم وثاقته فلا يمكن الركون على رواياته حينئذ.

3) الوسائل 3 : 476 / أبواب النجاسات ب 40 ح 7.

4) ففي صحيحة الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة فيه؟ قال : لا ، وإن كثر » الوسائل 3 : 431 / أبواب النجاسات ب 20 ح 7 ، وص 436 ب 23 ح 4.

وثانيهما : إطلاق موثقة عمّار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سئل عما تشرب منه الحمامة؟ فقال : كل ما أُكل لحمه فتوضأ من سؤره واشرب ، وعن ماء شرب منه باز ، أو صقر ، أو عقاب؟ فقال : كل شي‌ء من الطير يتوضأ مما يشرب منه ، إلاّ أن ترى في منقاره دماً ، فإن رأيت في منقاره دماً فلا توضأ منه ولا تشرب » (1)لأن الدم الواقع في كلامه علیه السلام مطلق فيستكشف من حكمه بعدم جواز الوضوء من الماء في مفروض السؤال ، نجاسة الدم على إطلاقه.

وقد يقال : الرواية غير واردة لبيان نجاسة الدم حتى يتمسك بإطلاقها ، وإنما هي مسوقة لإعطاء ضابط كلي عند الشك في نجاسة شي‌ء وطهارته وأن نجاسة المنقار ومنجسيته للماء القليل تتوقفان على العلم بوجود النجاسة فيه.

يدفعه : أنها غير واردة لإعطاء الضابطة عند الشك في نجاسة شي‌ء ، لأنّها تقتضي الحكم بطهارة الماء في مفروض السؤال حتى مع العلم بوجود الدم في منقار الطيور سابقاً من دون أن يرى حال ملاقاته للماء ، مع أن الضابط المذكور يقتضي الحكم بنجاسة الماء حينئذ للعلم بنجاسة المنقار سابقاً.

فالصحيح أن يقال : إن الرواية إما وردت لبيان عدم تنجس بدن الحيوان بالنجاسات كما هو أحد الأقوال في المسألة ومن هنا حكم علیه السلام بطهارة الماء عند عدم رؤية الدم في منقاره ولو مع العلم بوجوده سابقاً لطهارة المنقار على الفرض ، وأما مع مشاهدة الدم في منقاره فنجاسة الماء مستندة إلى عين النجس لا إلى نجاسة المنقار ، وإما أنها مسوقة لبيان طهارة بدن الحيوان بزوال العين عنه وإن كان يتنجس بالملاقاة كما هو المعروف ، وإما أنها واردة لبيان عدم اعتبار استصحاب النجاسة في الحيوانات تخصيصاً في أدلة اعتباره كما ذهب إليه بعض الأعلام.

وكيف كان فدلالة الرواية على نجاسة الدم غير قابلة للإنكار ، ولا نرى مانعاً من التمسك بإطلاقها. وليست الرواية من الكبرى المسلمة في محلها من أن الدليل إذا كان بصدد البيان من جهة ولم يكن بصدده من جهة أُخرى لا يمكن التمسك بإطلاقها إلاّ


1) الوسائل 1 : 230 / أبواب الأسآر ب 4 ح 2 ، وورد قطعة منها في الوسائل 3 : 527 أبواب النجاسات ب 82 ح 2.

من الناحية التي وردت لبيانها كما في قوله تعالى ( فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ ) (1)حيث يجوز التمسك في الحكم بجواز أكل ما يصيده الصيود وإن مات قبل دركه ، لأنه ورد لبيان أن إمساكه تذكية للصيد وكأنه استثناء من قوله تعالى ( إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ ) (2)ولا يسوغ التمسك بإطلاقه من جهة تنجسه بريق فم الكلب أو بنجاسة أُخرى حتى يحكم بجواز أكله من غير غسل لعدم كونه بصدد البيان من هذه الجهة ، وذلك لأن الموثقة سيقت لبيان نجاسة الدم على جميع المحتملات الثلاثة فيصح التمسّك بإطلاقه ، ويكفينا ذلك في الحكم بنجاسته وإن لم يكن في البين دليل آخر ، لأنّ عدم جواز التوضؤ من الماء في مفروض الرواية يكشف عن عدم طهارة الدم المشاهد في منقار الطائر.

بل يمكن أن يقال : إن الشارع جعل الدم في منقاره أمارة كاشفة عن أنه من الدماء النجسة وإلاّ لم يكن وجه للحكم بعدم جواز التوضؤ من الماء ، لأن الدم على قسمين : طاهر ونجس فمن أين علمنا أن الدم في منقار الطائر من القسم النجس ، وحيث إن الشبهة موضوعية فلا بدّ من الحكم بطهارته ، إلاّ أن الشارع جعل وجوده في منقاره أمارة على نجاسته ولو من باب الغلبة ، لأن جوارح الطيور كثيرة الانس بالجيف.

والمتحصِّل أنّ الموثقة تقتضي الحكم بنجاسة الدم مطلقاً ، سواء كان من الدم المسفوح أم من المتخلف في الذبيحة وسواء كان مما له نفس سائلة أم كان من غيره إلاّ أن يقوم دليل على طهارته وخروجه عن إطلاق الموثقة كما يأتي في الدم المتخلف في الذبيحة ودم ما لا نفس له.

ودعوى : أن الرواية تختص بدم الميتة لأنه الذي يتلوث به منقار الطيور الجارحة دون غيره ، غير مسموعة لأنا وإن سلّمنا غلبة ذلك إلاّ أن اختصاصه مسلّم العدم لجواز أن يتلوّث بدم مثل السمك أو غيره مما لا نفس له أو بدم المتخلف في الذبيحة أو الصيد الذي أمسكه الصيود. فالموثقة باقية على إطلاقها ، ولا يمكن حملها على صورة العلم بمنشإ الدم المشاهد في منقار الطيور والحكم بنجاسته فيما إذا علم أنه مما له نفس سائلة أو من الدم المسفوح لأنه حمل لها على مورد نادر ، إذ الغالب عدم العلم بمنشأه


1) المائدة 5 : 4.

2) المائدة 5 : 3.

قليلاً كان الدم أو كثيراً (1)


وكيف كان فلا مناقشة في شمولها لمطلق الدماء إلاّ أنها مختصة بدم الحيوان ، لأنه الذي يتلوث به منقار الطيور ولا تشمل الدم النازل من السماء آية كما في زمان موسى علیه السلام أو الموجود تحت الأحجار عند قتل سيد الشهداء علیه السلام . هذا على أن للمناقشة الصغروية في مثله مجالاً واسعاً ، لاحتمال أن يكون الدم إسماً لخصوص المائع الأحمر المتكوّن في خصوص الحيوان دون ما خرج من الشجر أو نزل من السماء ونحوهما ، فإطلاق الدم على مثلهما إطلاق مسامحي للمشابهة في اللون.

(1) لأنّ مقتضى الوجهين المتقدمين هو الحكم بنجاسة كل ما صدق عليه أنه دم ، وخالف في ذلك الشيخ (1)وجماعة وذهبوا إلى عدم نجاسة الدم القليل الذي لا يدركه الطرف ، نظراً إلى صحيحة علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام قال : « سألته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعاً صغاراً فأصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال : إن لم يكن شيئاً يستبين في الماء فلا بأس وإن كان شيئاً بيناً فلا تتوضأ منه ... » (2).

ويندفع بأن الصحيحة لا دلالة لها على طهارة ما لا يدركه الطرف من الدم ، لعدم فرض إصابة الدم لماء الإناء وإنما فرض فيها إصابته للإناء ، ومن هنا حكم علیه السلام بعدم البأس بالماء وقد قدّمنا تفصيل الجواب عن هذه الصحيحة في بحث انفعال الماء القليل ، فراجع (3).

ثم إن في المقام خلافاً ثانياً وهو عدم نجاسة ما دون الحمصة من الدم ذهب إليه الصدوق (4)قدس سره ولعلّه استند في ذلك إلى رواية الفقه الرضوي : « وإن كان الدم حمصة فلا بأس بأن لا تغسله إلاّ أن يكون الدم دم الحيض فاغسل ثوبك منه


1) الاستبصار 1 : 23 ذيل الحديث 57.

2) الوسائل 1 : 150 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 1.

3) شرح العروة 2 : 144.

4) الفقيه 1 : 42 / 165.

وأمّا دم ما لا نفس له فطاهر ، كبيراً كان أو صغيراً كالسمك والبق والبرغوث (1)


ومن البول والمني قلّ أو كثر وأعد منه صلاتك علمت به أو لم تعلم » (2)فإن عبارة الصدوق في الفقيه كما في الحدائق (3)موافقة لعبارة الفقه الرضوي بل هي هي بعينها إلاّ في مقدار يسير. نعم ، في عبارة الفقيه : وإن كان الدم دون حمّصة ، وقد سقطت كلمة « دون » من عبارة الفقه الرضوي. كما يحتمل استناده إلى رواية مثنى بن عبد السلام المتقدِّمة (4)إلاّ أن ما ذهب إليه مما لا يمكن المساعدة عليه لضعف الروايتين ، بل وعدم ثبوت كون الفقه الرضوي رواية فضلاً عن اعتباره ، ولعل مراده قدس سره هو العفو عما دون الحمصة من الدم في الصلاة لا طهارته.

بقي في المسألة خلاف ثالث وهو عدم نجاسة دون الدرهم من الدم والبول وغيرهما من الأعيان النجسة غير دم الحيض والمني ، ذهب إليه ابن الجنيد (5)ولعلّه كما قيل اعتمد في نفي نجاسة ما دون الدرهم من الدم على الأخبار الواردة في العفو عنه في الصلاة وقاس عليه سائر النجاسات ، ولا بعد في عمله بالقياس لأنّ فتاواه كثيرة المطابقة لفتاوى العامة. وكيف كان فإن أراد من ذلك عدم نجاسة ما دون الدرهم من النجس فهو دعوى من غير دليل ومقتضى إطلاقات أدلة النجاسات عدم الفرق بين كونها أقل من مقدار الدرهم وكونها أكثر ، وإن أراد العفو عما دونه فهو مختص بالدم ولا يتم في غيره من النجاسات.

(1) كما هو المشهور وعن الشيخ في المبسوط (6)والجمل (7)وغيره (7) في غيرهما


1) فقه الرضا : 95.

2) الحدائق 5 : 44.

3) في ص 1.

4) المختلف 1 : 317 المسألة 233.

5) المبسوط 1 : 35.

6) الجمل والعقود : 170 - 171.

7) المراسم : 55.

ما يوهم نجاسته وثبوت العفو عنه.

وقد استدلّ للمشهور بوجوه :

الأوّل : الإجماع على طهارة الدم مما لا نفس له ، ويدفعه : أن الإجماع على تقدير تحقّقه ليس بإجماع تعبّدي ، لاحتمال استنادهم في ذلك إلى قوله تعالى : « إلاّ أن يكون دماً مسفوحاً » (1)بدعوى عدم شموله لدم ما لا نفس له ودلالته على طهارته ، وإن كان قد عرفت عدم دلالته على نجاسة الدم المسفوح فكيف بالاستدلال بها على طهارة غيره ، أو استنادهم إلى أحد الوجوه الآتية في الاستدلال.

الثاني : ما عن أمير المؤمنين علیه السلام من أنه كان لا يرى بأساً بدم ما لم يذك يكون في الثوب فيصلي فيه الرجل ، يعني دم السمك وقد رواه في الوسائل عن السكوني ، ونقل أنّ الشيخ رواه بإسناده عن النوفلي (2). ويردّه : أنه على تقدير تمامية سنده فإنما يدل على ثبوت العفو عن دم السمك في الصلاة وكلامنا في طهارته لا في ثبوت العفو عنه.

الثالث : الأخبار الواردة في نفي البأس عن دم البق والبرغوث ، منها : ما رواه عبد اللّه بن أبي يعفور قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : ما تقول في دم البراغيث؟ قال : ليس به بأس ، قلت : إنه كثير ويتفاحش ، قال : وإن كثر ... » (3). ومنها : مكاتبة محمد بن ريان قال : « كتبت إلى الرجل علیه السلام : هل يجري دم البق مجرى دم البراغيث؟ وهل يجوز لأحد أن يقيس بدم البق على البراغيث فيصلي فيه ، وأن يقيس على نحو هذا فيعمل به؟ فوقّع علیه السلام : يجوز الصلاة والطهر أفضل » (4)ومنها غير ذلك من الأخبار.

والجواب عن ذلك : أن هذه الأخبار إنما وردت في خصوص البق والبرغوث ولا مسوّغ للتعدِّي عن موردها ، ثم لو تعدّينا فإنما نتعدّى إلى مثل الذباب والزنبور وغيرهما مما لا لحم له لا إلى مثل السمك الكبير والحيّة ونحوهما ، ولم يرد دليل على


1) الأنعام 6 : 145 ، ونصّها ( إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً ) .

2) الوسائل 3 : 436 / أبواب النجاسات ب 23 ح 3.

3) الوسائل 3 : 436 / أبواب النجاسات ب 23 ح 3.

4) الوسائل 3 : 436 / أبواب النجاسات ب 23 ح 3.

وكذا ما كان من غير الحيوان كالموجود تحت الأحجار عند قتل سيد الشهداء ( أرواحنا فداه ) (1) ويستثنى من دم الحيوان ، المتخلف في الذبيحة بعد خروج المتعارف (2)


عدم نجاسة الدم مما لا نفس له بهذا العنوان ، وعليه فلا مناص من الحكم بنجاسة الدم مطلقاً ولو كان مما لا نفس له كما يقتضيه عموم أدلة نجاسته على ما قدمناه وبنينا عليه. نعم ، من يرى عدم تمامية العموم في المسألة له أن يرجع إلى قاعدة الطهارة فيما لا نفس له ، اللّهمّ إلاّ أن نعتمد على ما استدللنا به على طهارة بول ما لا نفس له أعني موثقة (1)حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه علیه السلام قال : « لا يفسد الماء إلاّ ما كانت له نفس سائلة » (2)وغيرها مما ورد بمضمونها حيث أخذنا بإطلاقها وقلنا أنها تقتضي عدم نجاسة الماء بدمه وبوله وميتته وغيرها مما ينجس الماء إذا كان من الحيوانات التي لها نفس سائلة ، ولكنّا لم نرَ من الفقهاء من استدل بها على طهارة بوله ودمه.

(1) قدّمنا وجهه آنفاً.

(2) المسألة متسالم عليها بين الأصحاب ولم يقع في ذلك خلاف وإنما الكلام في مدركها.


1) ولا يخفى أن في سندها أحمد بن محمد عن أبيه ، والظاهر أنه أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد ، وهو وإن كان من مشايخ الشيخ المفيد إلاّ أنه لم تثبت وثاقته بدليل ، وكونه شيخ إجازة لا دلالة له على الوثاقة بوجه ، فالوجه في كون الرواية موثقة أن في سندها محمد بن أحمد بن يحيى ، وللشيخ قدس سره إليه طرق متعددة وهي وإن لم تكن صحيحة بأسرها ، إلاّ أن في صحة بعضها غنى وكفاية ، وذلك لأن الرواية إما أن تكون من كتاب الراوي أو من نفسه ، وعلى كلا التقديرين يحكم بصحة رواية الشيخ عن محمد بن أحمد لتصريحه في الفهرست بأن له إلى جميع كتب محمد بن أحمد ورواياته طرقاً متعدِّدة [ الفهرست : 144 ] وقد عرفت صحة بعضها ، وإذا صحّ السند إلى محمد ابن أحمد بن يحيى صح بأسره لوثاقة الرواة الواقعة بينه وبين الإمام علیه السلام وبهذا الطريق الذي أبديناه أخيراً يمكنك تصحيح جملة من الروايات التي تقدمت في تضاعيف الكتاب أو لم تتقدم.

2) الوسائل 3 : 464 / أبواب النجاسات ب 35 ح 2.

وما استدلّ به على طهارة الدم المتخلف أُمور :

الأوّل : الإجماع ، وقد مرّ غير مرّة أن الإجماع إنما يعتمد عليه فيما إذا كان تعبدياً كاشفاً عن رأيه علیه السلام وليس الأمر كذلك في المقام للاطمئنان ولا أقل من احتمال أن يكون مدرك المجمعين أحد الوجوه الآتية في الاستدلال.

الثاني : أن لحم كل ذبيحة يشتمل على مقدار من الدم ولو مع المبالغة في غسله وقد حكم بحلية أكله شرعاً مع ما فيها من الدم ، وهي أخص من الطهارة ، لأنّ حلية الأكل من طواري الأشياء الطاهرة لعدم جواز أكل النجس شرعاً ، فهذا يدلّنا على طهارة الدم المتخلف في الذبيحة. وهذا الوجه إنما يتم فيما يتبع اللحم من الأجزاء الدموية المستهلكة في ضمنه ولذا يحل أكله ، والأمر فيه كما أُفيد ونزيد عليه أن موضع الذبح لا يمكن تخليصه من الدم عادة ، بل ترى أن الدم يتقاطر منه إذا عصر وإن غسل متعدِّداً ، ومعه حكم الشارع بطهارته بعد غسله وهذا كاشف عن طهارة الدم المتخلف في المذبح وغيره من أجزاء الذبيحة ، إلاّ أنه لا يتم في الأجزاء الدموية المستقلة في الوجود كما يوجد في بطن الذبيحة أو في قلبها أو في سائر أجزائها بحيث إذا شق سال منه دم كثير فإنها غير محللة الأكل شرعاً ، فهذا الوجه لا يقتضي طهارة الدم المتخلف مطلقاً.

الثالث : وهو الوجه الصحيح ، استقرار سيرة المتشرعة المتصلة بزمان المعصومين علیهم السلام على عدم الاجتناب عما يتخلف في الذبيحة من الدم كان تابعاً للحمها أم لم يكن ، مع كثرة ابتلائهم بالذبائح من الإبل والغنم والبقر ، ولا سيما في الصحاري والقفار الخالية عن الماء فإنهم غير ملتزمين بتطهير لحمها وما يلاقيه من أثوابهم وأبدانهم ، بل ولا يمكن تطهيره بتجريده من الدم إلاّ يجعله في الماء مدة ثم غسله وعصره ونحو ذلك مما نقطع بعدم لزومه شرعاً ، ومع هذا لو كان الدم المتخلف في الذبيحة نجساً لبان وذاع ، وبهذه السيرة نخرج عن عموم ما دل على نجاسة الدم ، ولولاها لم نتمكن من الحكم بطهارة الدم المتخلف بوجه لعموم نجاسته. نعم ، بناء على عدم نجاسة مطلق الدم لعدم تمامية العموم لا مانع من التمسك بقاعدة الطهارة في الحكم بطهارة الدم المتخلف.

سواء كان في العروق أو في اللّحم أو في القلب أو في الكبد فإنّه طاهر (1).

نعم ، إذا رجع دم المذبح إلى الجوف لرد النفس ، أو لكون رأس الذبيحة في علو كان نجساً (2)


(1) هل الحكم بالطهارة يختص بالمتخلف في الأجزاء المحللة أكلها أو أنه يعم المتخلف فيما يحرم أكله أيضاً كالطحال والنخاع ونحوهما من الحيوانات المحللة؟

يختلف هذا باختلاف الوجوه المتقدمة في المسألة ، فإن كان مدرك الحكم بطهارة الدم المتخلف هو الإجماع ، فلا مناص من الاقتصار في الحكم بالطهارة بما يتخلف في الأجزاء المحللة دون الأعضاء المحرمة في الذبيحة لأنه دليل لبي يقتصر فيه على مورد اليقين ، بل ولا علم بانعقاد الإجماع على طهارة المتخلف في الأعضاء المحرّمة أصلاً مع وجود المخالف في المسألة ، فإذا لم يثبت المخصص فلا محالة يرجع إلى عموم العام. اللّهمّ إلاّ أن يقال بعدم ثبوت العموم فان المرجع على هذا إنما هو قاعدة الطهارة في المتخلف في العضو المحرّم أكله ، وكذلك الحال فيما إذا كان مدركه هو الوجه الثاني ، لعدم حلية أكل مثل الطحال حتى يدعى أن الحلية أخص من الطهارة بالتقريب المتقدم.

وأما إذا اعتمدنا في ذلك على الوجه الأخير أعني السيرة المتشرعية الجارية على عدم لزوم الاجتناب عن الدم المتخلف في الذبيحة فلا بد من الالتزام بطهارته مطلقاً ، بلا فرق في ذلك بين الدم المتخلف في الأعضاء المحللة وبين المتخلف في الأعضاء المحرّمة ، لأنّ السيرة قائمة على طهارته في كلا الموردين.

(2) لا إشكال في نجاسة الدم الداخل إلى جوف الذبيحة بعد خروجه عن المذبح ، للأدلّة المتقدمة التي دلّت على نجاسته مطلقاً ، كما لا إشكال في نجاسة ما أصابه ذلك الدم من لحم ودم وعرق وغيرها مما يلاقيه في جوف الذبيحة ، هذا فيما إذا رجع الدم إلى جوف الذبيحة بنفسه أو لرد النفس بعد خروجه عن مذبحها ، وأما فرض رجوع الدم إلى جوفها قبل خروجه عن المذبح بأن رجع إليه بعد وصوله إلى منتهى الأوداج فالظاهر أنه فرض أمر مستحيل ، وذلك لأنّ الذبح إنما يتحقق بقطع أوداج أربعة أحدها : الحلقوم وهو مجرى الطعام ومدخله. وثانيها : مجرى النفس. وثالثها ورابعها :

عرقان من اليمين واليسار يسميان بالوريد وهما مجرى الدم فاذا قطع الوريد فلا محالة يخرج الدم من مفصله فكيف يرجع إلى الجوف قبل خروجه عنه ، ولا يمكن للنفس أن يجذب الدم من الوريد الذي هو مجرى الدم ، نعم يجذبه من مجرى النفس إلاّ أنه بعد خروج الدم من الوريد ولا يمكنه ذلك قبل خروجه.

ثم إن هناك صورة أُخرى وهي عدم خروج الدم من الذبيحة أصلاً ، وهذا قد ينشأ من الخوف العارض على الحيوان وانجماد الدم بسببه ، وأُخرى يحصل بوضع اليد على مقطع الذبيحة وسد الطريق ، وثالثة يتحقق بالنار ، فان وضعها على المقطع يوجب التيامه وبه ينسد الطريق من دون أن يرجع الدم إلى الداخل كما في الصورة المتقدمة فهل يحكم بطهارته حينئذ؟ الصحيح أنه محكوم بالنجاسة بل الذبيحة ميتة محرّمة والوجه في ذلك أن التذكية تتحقق بأمرين أعني خروج الدم وتحرك الذبيحة ، لأنه مقتضى الجمع بين ما دلّ على اشتراط التذكية بخروج الدم فحسب (1)وما دلّ على اعتبار تحرك الذبيحة في تحققها (2)وحيث إن مفروض المسألة عدم خروج الدم من الذبيحة فلا يمكن الحكم بتذكيته.

ثم إنه إذا اكتفينا في تحقق التذكية بمجرد الحركة أو قلنا بكفاية كل واحد من الأمرين كما ذهب إليه بعضهم فلا إشكال في جواز أكل الذبيحة ، لوقوع التذكية عليها على الفرض ، ولا يمكن الحكم بطهارة دمها ، لأن الدليل على طهارة الدم المتخلف منحصر بالسيرة المتشرعية ، ولم نتحقق سيرتهم على عدم الاجتناب من دم الذبيحة في مفروض المسألة لندرة الابتلاء به ومعها لا طريق إلى إحراز السيرة بوجه. هذا كله في صورة العلم بالحال وأن الدم الموجود من المتخلف في الذبيحة أو مما دخل إلى الجوف بعد الخروج ، وأما إذا شككنا في ذلك ولم نحرز أنه من المتخلف أو من غيره


1) ففي ما رواه زيد الشحام : « إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس » الوسائل 24 : 25 / أبواب الذبائح ب 12 ح 3.

2) عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « في كتاب علي علیه السلام إذا طرفت العين أو ركضت الرجل أو تحرك الذنب فكل منه فقد أدركت ذكاته » إلى غير ذلك من الأخبار المروية في الوسائل 24 : 23 / أبواب الذبائح ب 11 ح 6 وغيره.

ويشترط في طهارة المتخلف أن يكون مما يؤكل لحمه على الأحوط ، فالمتخلف من غير المأكول نجس على الأحوط (1).

[184] مسألة 1 : العَلَقة المستحيلة من المني نجسة ، من إنسان كان أو من غيره ، حتى العلقة في البيض ، والأحوط الاجتناب عن النقطة من الدم الذي يوجد في البيض (2).


فيأتي حكمه عند ما يتعرض له الماتن إن شاء اللّه (1).

(1) أمّا إذا كان مدرك الحكم بطهارة الدم المتخلف في الذبيحة هو الإجماع فلأنه دليل لبي ولا بد من الاقتصار فيه على المورد المتيقن وهو الدم المتخلف في الحيوانات المحللة ، وأما إذا كان مدركه هو الوجه الثاني فلوضوح اختصاصه بما إذا كانت الذبيحة محللة الأكل وهو مفقود في الحيوانات المحرمة. وأما إذا اعتمدنا في ذلك على الوجه الأخير أعني السيرة المتشرعية فالسر في عدم الحكم بطهارة الدم المتخلف في الحيوانات المحرمة إنما هو قلة الابتلاء بذبح ما لا يؤكل لحمه كالسباع ولا يمكن معها إحراز سيرتهم بوجه ، فلا مناص من الحكم بنجاسة الدم المتخلف في غير الحيوانات المحللة للعموم وإن كان الذوق يقتضي إلحاق الحيوانات المحرمة بالمحللة طهارة ونجاسة ولكن الدليل لا يساعد عليه ، إلاّ أن نمنع العموم فإنه لا مانع حينئذ من الرجوع إلى قاعدة الطهارة في الدم المتخلف في الحيوانات المحرمة ، لأن المتيقن إنما هو نجاسة الدم المسفوح أعني الخارج بالذبح ، وغيره مشكوك النجاسة ومقتضى قاعدة الطهارة طهارته.

(2) ما أفاده قدس سره في الموارد الثلاثة إنما يتم عند من يرى تمامية العموم لأنّ اللاّزم حينئذ أن يحكم بنجاسة كل ما صدق عليه أنه دم سواء أكان من أجزاء الحيوان أم لم يكن ، وأما إذا ناقشنا في العموم ولم نحكم بنجاسة مطلق الدم فلا مناص من الاقتصار على المقدار المتيقن منه وهو الدم المسفوح الذي يعدّ من أجزاء الحيوان


1) في ص 19.

لكن إذا كانت في الصفار وعليه جلدة رقيقة لا ينجس معه البياض (1)إلاّ إذا تمزّقت الجلدة.

[185] مسألة 2 : المتخلف في الذبيحة وإن كان طاهراً لكنه حرام


أو الإنسان ، وأما العلقة التي لا تعد من أجزائهما لاستقلالها وهما ظرف لتكونها فللتردّد في الحكم بنجاستها كما عن الأردبيلي (2)والشهيد (3)وكاشف اللثام (4)قدس سرهم مجال واسع ، بل جزم صاحب الحدائق بطهارتها (5)، وعليه فان تمّ الإجماع على أن المتكون في الحيوان كأجزائه فهو وإلاّ فلا بد من الحكم بطهارة العلقة في مثل الحيوان والإنسان.

ثم إنّه لو بنينا على التعدي إلى المتكون في جوفهما وقلنا بنجاسته فنطالب الدليل على التعدِّي إلى ما لا يعدّ جزءاً منهما ولا هو متكون فيهما كالعلقة في البيض ، فلو تعدينا إلى كل ما هو مبدأ نشوء حيوان أو آدمي وقلنا بنجاسة العلقة في البيض أيضاً فلنا أن نطالب الدليل على التعدي إلى ما لا يعد جزءاً من الحيوان أو الإنسان ولا يتكون فيهما ولا هو مبدأ نشوء للحيوان أو الآدمي كالنقطة من الدم الموجودة في صفار البيض لعدم كونها مبدءاً لنشو شي‌ء.

(1) لأن الجلدة مانعة من سراية النجاسة إلى البياض ، وكذلك الحال فيما إذا كانت النقطة على الغطاء الرقيق الذي هو محيط بالصفار ، فان النقطة بعد أخذها منه يبقى كل من الصفار والبياض على طهارتهما ، لعدم ملاقاتهما مع الدم.

(2) أشار بذلك إلى خلاف صاحب الحدائق قدس سره حيث ذهب إلى عدم


1) بل لا ينجس الصفار أيضاً إذا احتمل في طرفه أيضاً وجود جلدة رقيقة.

2) مجمع الفائدة والبرهان 1 : 315.

3) الذكرى : 13.

4) كشف اللثام 1 : 420.

5) الحدائق 5 : 51.

حرمة الدم المتخلف مطلقاً ناسباً عدم الخلاف في حليته إلى الأصحاب (1)واستدلّ عليه بوجوه منها : قوله عزّ من قائل ( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً ... ) (2)بدعوى أنه يقتضي حلية أكل الدم المتخلف في الذبيحة.

ومنها : الأخبار الواردة في عد محرمات الذبيحة ولم تذكر الدم من محرماتها ، ثم استضعف دلالتها. والوجه في استضعافه أن الأخبار المذكورة غير واردة في مقام حصر المحرمات كي تدل على حلية غير ما عدّ فيها من المحرمات وإنما وردت لبيان حرمة الأُمور المذكورة فيها فحسب ، ومعه يمكن أن يكون في الذبيحة محرم آخر كيف وقد دلّ قوله تعالى ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ... ) (3)كبعض الروايات (4)على أن الدم من جملة المحرمات. ومن هذا يظهر أن نسبة عدم الخلاف في حلية أكل الدم المتخلف إلى الأصحاب غير واقعة في محلها ، لأنه مع دلالة الآية المباركة والأخبار على حرمة أكله مطلقاً كيف يمكنهم الذهاب إلى حليته. ودعوى أن الحرمة مختصة بالدم المسفوح تحتاج إلى دليل وهو مفقود على الفرض.

وأما الوجه الأول من استدلاله ففيه : أنه لم يبين كيفية استدلالة بالآية المباركة وكلامه في تقريب دلالتها مجمل ، فان كان نظره إلى أن الآية المباركة دالة على حصر المحرمات فيما ذكر فيها من الأُمور كما هو مقتضى كلمة « إلاّ » الواقعة بعد النفي ولم يعد منها الدم المتخلف ، فيدفعه : أن الحصر في الآية المباركة لا يمكن أن يكون حقيقياً لاستلزامه تخصيص الأكثر المستهجن ، لوضوح أن المحرّمات غير منحصرة في تلك الأُمور فإن منها السباع ومنها المسوخ ومنها أموال الناس بغير إذنهم ومنها غير ذلك


1) الحدائق 5 : 45.

2) الأنعام 6 : 145.

3) المائدة 5 : 3.

4) الوسائل 24 : 99 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 1 ح 1 ، 3.

مما يحرم أكله شرعاً ، فلا محيص من تأويله إما بحمله على الحصر الإضافي بدعوى أن المحرمات بالإضافة إلى ما جعلته العرب محرّماً على أنفسها في ذلك العصر منحصرة في تلك الأُمور ، وإما بحمله على زمان نزول الآية المباركة وانحصار المحرمات فيها في ذلك الزمان للتدرج في بيان الأحكام ، وعلى أيّ حال لا يستفاد من الآية المباركة حلية أكل الدم المتخلف بوجه.

وإن كان نظره قدس سره إلى توصيف الدم في الآية المباركة بكونه مسفوحاً وأن مفهوم الوصف يقتضي حلية غير المسفوح منه فيتوجه عليه : أنّا وإن التزمنا بمفهوم الوصف أخيراً إلاّ أن مفهومه على ما شرحناه في محله أن الحكم لم يترتب على طبيعة الموضوع أينما سرت لاستلزام ذلك لغوية التوصيف إلاّ فيما إذا كان له فائدة ظاهرة فيستفاد منه أن الحكم مترتب على حصة خاصة منها ، مثلاً إذا ورد أكرم الرجل العادل ، يدل توصيف الرجل بالعدالة على أن طبيعية على إطلاقه غير واجب الإكرام وإلاّ لم يكن وجه لتقييده بالعدالة بل إنما يجب إكرام حصة خاصة منه وهو الرجل المتصف بالعدل ، ولكن لا دلالة له على أن فاقد الوصف أعني المتصف بصفة أُخرى غير محكوم بذلك الحكم ولو بسبب وصف آخر (1)وعلى الجملة أن التوصيف وإن كان ظاهراً في الاحتراز إلاّ أنه لا يدل على نفي الحكم عن غير موصوفه ، فالآية لا دلالة لها على عدم حرمة الدم غير المسفوح ، ويشهد بذلك أن صاحب الحدائق قدس سره لا يرى طهارة غير المسفوح من الدماء كالدم الخارج عند حك البدن والخارج من الجروح ودم الحيض وغيرها مما لا يصدق عليه عنوان المسفوح. بل يمكن أن يقال : إن المسفوح بمعنى المراق فكل دم تجاوز عن محله فهو مسفوح ومراق ولا اختصاص له بالدم الخارج بالذبح ، فاذا شق بطن الذبيحة فسال منه الدم فهو دم مسفوح ومراق فيحرم أكله ، وينحصر غير المسفوح بما يتبع اللحم ويعد جزءاً منه هذا كله مضافاً إلى دلالة الآية المتقدمة وبعض الأخبار على حرمة مطلق الدم.


1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 133.

إلاّ ما كان في اللّحم مما يعد جزءاً منه (1).

[186] مسألة 3 : الدم الأبيض إذا فرض العلم بكونه دماً نجس (2) كما في خبر فصد العسكري ( صلوات اللّه عليه ) (3) وكذا إذا صب عليه دواء غيّر لونه إلى البياض.

[187] مسألة 4 : الدم الذي قد يوجد في اللّبن عند الحلب نجس ومنجس للّبن (4).

[188] مسألة 5 : الجنين الذي يخرج من بطن المذبوح ويكون ذكاته بذكاة أُمّه تمام دمه طاهر ولكنّه لا يخلو عن إشكال (1)(5).


(1) بأن كان تابعاً للحم وإن لم يكن مستهلكاً في ضمنه بحيث لو عصر قطرت منه قطرات من الدم كما هو الحال في الكبد غالباً لأن الدم فيه أكثر ، والوجه في ذلك كما قدمناه هو السيرة المتشرعية ، وعدم إمكان تخليص اللحم من الدم إلاّ ببعض المعالجات المعلوم عدم لزومه في الشرع كما مر.

(2) لأنه بعد العلم بكونه دماً وعدم انقلابه شيئاً آخر لا مناص من الحكم بحرمته ونجاسته ، لأنهما مترتبان على طبيعي الدم وإن زال عنه لونه بدواء أو بغيره ، فان اللون لا مدخلية له في نجاسته وحرمته.

(3) ورد في بعض الأخبار أنه علیه السلام فصد وخرج منه دم أبيض كأنه الملح (2)وفي بعضها الآخر : فخرج مثل اللبن الحليب ... (3).

(4) لما مرّ من عموم نجاسة الدم ، بل يمكن أن يقال : إنه من الدم المسفوح بالتقريب المتقدِّم ولا نعيد.

(5) تبع الماتن قدس سره في حكمه هذا ثم الاستشكال فيه صاحب الجواهر


1) والأحوط لزوماً الاجتناب عنه.

2) كما رواه في الوسائل 17 : 108 / أبواب ما يكتسب به ب 10 ح 1.

3) الخرائج والجرائح 1 : 423 ح 3.

[189] مسألة 6 : الصيد الذي ذكاته بآلة الصيد في طهارة ما تخلف فيه بعد خروج روحه إشكال (1)وإن كان لا يخلو عن وجه (1). وأما ما خرج منه فلا إشكال في نجاسته (2).

[190] مسألة 7 : الدم المشكوك في كونه من الحيوان (3) أو لا محكوم


( قدس سره ) فإنه أيضاً بعد أن نفى البعد من إلحاق ما حكم الشارع بتذكيته بذكاة أُمه والحكم بطهارة تمام دمه استشكل فيه (2)والإشكال في محله لأن مدرك طهارة الدم المتخلف منحصر في السيرة كما عرفت ، والمتيقن من موارد قيامها إنما هو طهارة الدم المتخلف في الحيوان بعد ذبحه وخروج المقدار المتعارف من دمه. وأما تمام دم الجنين بعد ذبح امه فقيام السيرة على طهارته غير معلوم فلا مناص من الحكم بنجاسته بمقتضى عموم ما دلّ على نجاسة الدم ، اللّهُمَّ إلاّ أن يذبح ثانياً. نعم ، بناء على عدم تمامية العموم المذكور يمكن الحكم بطهارة تمام دم الجنين بقاعدة الطهارة إلاّ أنه فرض أمر غير واقع لتمامية العموم.

(1) لا إشكال في طهارة الدم المتخلف فيما صاده الكلب المعلّم أو صيد بآلة الصيد لعين ما قدّمناه في طهارة الدم المتخلف في الذبيحة من قيام السيرة القطعية على طهارته ، فإن المتشرعة يعاملون مع الدم المتخلف في كل من الصيد والذبيحة معاملة الطهارة ولا يجتنبون عنه ، ولم يسمع إلى الآن أحد ذبح ما صاده من الحيوانات ذبحاً شرعياً ليخرج منه المقدار المتعارف من الدم ولم يردع الشارع عن عملهم هذا ، وبذلك نخرج عن عموم ما دلّ على نجاسة الدم مطلقاً.

(2) لعموم ما دلّ على نجاسة الدم ، ولأنه من الدم المسفوح كما مر.

(3) بأن علمنا بكون مائع دماً وشككنا في أنه دم حيوان أو غيره ، لاحتمال كونه آية نازلة من السماء أو مما كان يوجد تحت الأحجار عند قتل سيد الشهداء ( أرواحنا فداه ).


1) (*) وهو الأظهر.

2) الجواهر 5 : 365.

بالطهارة (1) كما أن الشي‌ء الأحمر الذي يشك في أنه دم أم لا كذلك (2) وكذا إذا علم أنه من الحيوان الفلاني ولكن لا يعلم أنه مما له نفس أم لا كدم الحية والتمساح (3) وكذا إذا لم يعلم أنه دم شاة أو سمك (4) فإذا رأى في ثوبه دماً لا يدري أنه منه أو من البق أو البرغوث يحكم بالطهارة. وأما الدم المتخلف في الذبيحة إذا شكّ (5) في أنّه من القسم الطاهر أو النجس فالظاهر الحكم بنجاسته عملاً


(1) إمّا لاستصحاب عدم كونه من الحيوان على نحو استصحاب العدم الأزلي أو لأصالة الطهارة ، وقد ذكرنا سابقاً أن عموم ما دلّ على نجاسة الدم مختص بدم الحيوان ولا يشمل غيره.

(2) لأصالة الطهارة أو لاستصحاب عدم كونه دماً على نحو العدم الأزلي ، ولا يعارضه أصالة عدم كونه شيئاً آخر لعدم ترتب أثر عليها.

(3) بأن يكون الشك في نجاسة دمه ناشئاً عن الشك في نفسه ، كما إذا شك في أنه مما له نفس سائلة أو لا نفس له ، ولا إشكال في الحكم بطهارته إما لأصالة الطهارة أو لأصالة عدم كون الحيوان مما له نفس سائلة.

(4) بأن يكون الشك في نجاسة الدم ناشئاً عن الجهل بحاله وأنه من الشاة أو من السمك مثلاً مع العلم بحالهما ، وأن أحدهما المعيّن ذو نفس سائلة دون الآخر ، فيحكم بطهارته لأصالة الطهارة أو لأصالة عدم كونه من الشاة.

(5) الشك في ذلك إما من ناحية الشك في رجوع الدم الخارج إلى جوف الذبيحة لرد النفس ، وإما من ناحية الشك في خروج المقدار المتعارف من الدم بالذبح لاحتمال كون رأسه على علو.

أمّا إذا شككنا في نجاسته من ناحية رجوع الدم فلا إشكال في الحكم بطهارته وهذا لا لأصالة عدم رد النفس كما اعتمد عليها الماتن قدس سره لوضوح أنه ليس بحكم شرعي ولا هو موضوع له ، واستصحابه مما لا يترتب عليه أثر إلاّ على القول بالأُصول المثبتة ، لأن استصحاب عدم رد النفس وعدم الرجوع لا يثبت أن الباقي من

الدم المتخلف الطاهر إلاّ بالتلازم العقلي ، بل الوجه في ذلك هو استصحاب بقاء الدم المشكوك فيه في الجوف وعدم خروجه إلى الخارج حين الذبح فيحكم بطهارته وطهارة ما لاقاه من الدم المتخلف ، وعلى تقدير الإغماض فيرجع إلى استصحاب الطهارة أو إلى أصالة الطهارة.

وقد يتوهّم أنّ الدم المتخلف المردد بين القسم الطاهر والنجس بما أنه مسبوق بالنجاسة للعلم بنجاسته حال كونه في عروق الحيوان في حياته فإذا شككنا في طروّ الطهارة عليه نستصحب بقاءه على نجاسته.

ويدفعه : أنه لا دليل على نجاسة الدم حال كونه في العروق ، وإنما يحكم بنجاسته بعد خروجه عنها ، على أنه لو صح ذلك كان ما ذكرناه من الاستصحاب حاكماً على استصحاب النجاسة.

وقد يقال : إن الأصل في الدماء هو النجاسة فكل دم شك في طهارته ونجاسته يبنى على نجاسته ، وذلك لموثقة عمّار « في ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب؟ فقال : كل شي‌ء من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلاّ أن ترى في منقاره دماً فإن رأيت في منقاره دماً فلا تتوضأ منه ولا تشرب » (1)لأن ظاهرها نجاسة الدم وإن احتمل أنه من الدم الطاهر.

وأما ما يتوهم من أن إطلاق الموثقة يعارضه إطلاق ذيلها حيث رواها الشيخ قدس سره مذيّلة بقوله : « وسئل عن ماء شربت منه الدجاجة ، قال : إن كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم يشرب وإن لم يعلم أن في منقارها قذراً توضأ منه واشرب (2)، لأنه صريح في اختصاص المنع عن التوضؤ بالماء المذكور بصورة العلم بوجود القذر في منقار الدجاجة ، فيدور الأمر بين رفع اليد عن صدر الرواية وحمله على صورة العلم بنجاسة ما في منقار الطيور من الدم وبين رفع اليد من إطلاق ذيلها وتقييده بغير الدم من القذارات ، وحيث إنه لا قرينة على أحد التصرفين فتصبح


1) الوسائل 1 : 230 / أبواب الأسآر ب 4 ح 2 ، 3 : 528 / أبواب النجاسات ب 82 ح 2.

2) الإستبصار 1 : 25 / 64 ، الوسائل 1 : 231 / أبواب الأسآر ب 4 ح 3.

الرواية مجملة ويرجع في غير صورة العلم بنجاسة الدم الموجود في منقار الطيور إلى أصالة الطهارة.

فيندفع بقيام القرينة على تعيّن الأخذ بإطلاق صدر الموثقة وهي ما أشرنا إليه آنفاً من أن تخصيصها بصورة العلم حمل للرواية على المورد النادر ، لأن العلم بنجاسة ما في منقار الطيور قليل الاتفاق غايته وعليه فالأصل في الدماء هو النجاسة.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الدعوى المتقدمة إلاّ أنه مما لا يمكن المساعدة عليه ، لأن صدر الموثقة وإن دلّ على أن الأصل الأولي هو النجاسة في الدماء إلاّ أنه في خصوص موردها وهو منقار الطيور لا في جميع الموارد ، وسرّه أن الموثقة قد دلت بإطلاقها على نجاسة كل دم في نفسه ، وقد خرجنا عن هذا الإطلاق بما دلّ على طهارة بعض الدماء ومنه ما تخلف في الذبيحة بعد الذبح ، كما دلت بإطلاقها على عدم جواز الشرب أو الوضوء من الماء الذي شرب منه الطير وفي منقاره دم وإن احتمل أنه من الدم الطاهر ، فاذا شك في دم أنه من المتخلف أو من غيره لم يمكن التمسك بإطلاقها ، لأنه من التمسك بالمطلق في الشبهات المصداقية وهو ممنوع كما قررناه في محلّه.

وأمّا إذا شكّ في نجاسة ما في منقار الطير من الدم فلا مانع فيه من التمسّك بإطلاقها والحكم بنجاسته ، لما مرّ من أن تخصيصها بصورة العلم غير ممكن لاستلزامه حمل الرواية على المورد النادر ، فكأن الشارع جعل الغلبة أمارة على النجاسة في مورد الموثقة تقديماً للظاهر على الأصل ، لأنّ الغالب في جوارح الطيور مساورة الجيف وعليه فلا أصل لأصالة النجاسة في غير مورد الموثقة ، فلو شككنا في طهارة دم ونجاسته فلا مناص من الحكم بطهارته بمقتضى قاعدة الطهارة. وأمّا إذا شككنا في نجاسته من ناحية عدم خروج المقدار المتعارف من الدم بالذبح فلا مناص من الحكم بنجاسته لاستصحاب عدم خروجه كذلك ، فان مدرك طهارة الدم المتخلف إنما هو السيرة ولا ريب في ثبوتها فيما أحرز خروج المقدار المتعارف من الدم ، وأمّا ثبوتها عند الشك في ذلك فغير محرز ومعه يرجع إلى عموم ما دلّ على نجاسة الدم.

بالاستصحاب وإن كان لا يخلو عن إشكال (1). ويحتمل التفصيل بين ما إذا كان الشك من جهة احتمال رد النفس فيحكم بالطهارة لأصالة عدم الرد ، وبين ما كان لأجل احتمال كون رأسه على علوّ فيحكم بالنجاسة ، عملاً بأصالة عدم خروج المقدار المتعارف.

[191] مسألة 8 : إذا خرج من الجرح أو الدّمل شي‌ء أصفر يشك في أنه دم أم لا محكوم بالطهارة وكذا إذا شك من جهة الظلمة أنه دم أم قيح (1) ولا يجب عليه الاستعلام (2).

[192] مسألة 9 : إذا حك جسده فخرجت رطوبة يشك في أنها دم أو ماء أصفر يحكم عليها بالطهارة (3).

[193] مسألة 10 : الماء الأصفر الذي ينجمد على الجرح عند البرء طاهر (4) إلاّ إذا علم كونه دماً أو مخلوطاً به ، فإنه نجس (5) إلاّ إذا استحال جلداً (6).

[194] مسألة 11 : الدم المراق في الأمراق حال غليانها نجس منجّس وإن


(1) لأصالة الطهارة أو لاستصحاب عدم كونه دماً ، وكذا الحال فيما إذا شك من جهة الظلمة أنّه دم أم قيح.

(2) لعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية وإن أمكن بسهولة.

(3) لأصالة الطهارة أو أصالة عدم كونه دماً ، لأنّ الأصل يجري في الأعدام الأزلية كما يجري في غيرها.

(4) إمّا للأصل الموضوعي وهو أصالة عدم كونه دماً ، أو لأصالة الطهارة.

(5) وإن كان منجمداً لأنّ الانجماد ليس من أحد المطهرات.

(6) فيحكم بطهارته لتبدّل الموضوع بالاستحالة كما يأتي في محلّه.


1) (*) أظهره الحكم بالنجاسة فيما إذا كان الشك ناشئاً من الشك في خروج الدم بالمقدار المعتاد.

كان قليلاً مستهلكاً ، والقول بطهارته بالنار لرواية ضعيفة ، ضعيف (1).


(1) هذه المسألة أجنبية عما نحن بصدده وهو نجاسة الدم ، وكان من حقها أن تؤخر إلى بحث المطهرات ويتكلم هناك في أن النار هل هي مطهرة للدم كما ذهب إليه بعض الأصحاب ، ولكنّا نتعرض لها في المقام على وجه الاختصار تبعاً للماتن قدس سره فقد ادعى بعضهم أن النار من جملة المطهرات ، وما يمكن أن يستدل به على مطهريتها جملة من الأخبار :

منها : مرسلة ابن أبي عمير عن الصادق علیه السلام « في عجين عجن وخبز ثم علم أنّ الماء كانت فيه ميتة ، قال : لا بأس ، أكلت النار ما فيه » (1).

وفيه أوّلاً : أن الرواية مرسلة ، ودعوى أن مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده مندفعة بما مرّ غير مرّة من أنّه لا اعتبار بالمراسيل مطلقاً كان مرسلها ابن أبي عمير ونظراءه أم غيره.

وثانياً : أنّ الظاهر من جوابه علیه السلام « لا بأس أكلت النار ما فيه » أن السؤال في الرواية لم يكن عن مطهرية النار وعدمها وإلاّ لكان المتعين أن يجيب علیه السلام بأن النار مطهرة أو ليست بمطهرة كما أجاب بذلك في صحيحة الحسن بن محبوب قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصّص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب إليَّ بخطّه : أنّ الماء والنار قد طهّراه » (2)، بل الظاهر أنّ السؤال فيها إنما هو عن حلية الخبز وحرمته نظراً إلى اشتمال ماء العجين على الأجزاء الدقيقة من الميتة لأنه المناسب لقوله : « لا بأس أكلت النار ما فيه » وعلى هذا لا مناص من حمل الميتة على ميتة ما لا نفس له لطهارتها.

ومنها : ما عن أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن زبير عن جده قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن البئر تقع فيها الفأرة أو غيرها من الدواب فتموت فيعجن من مائها


1) الوسائل 1 : 175 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح 18.

2) الوسائل 3 : 527 / أبواب النجاسات ب 81 ح 1.

أ يؤكل ذلك الخبز؟ قال : إذا أصابته النار فلا بأس بأكله » (1)، وهذه الرواية مضافاً إلى ضعف سندها ولو من جهة أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن زبير حيث إن الرجل لم يوجد له ذكر في الرجال بل قد نص بجهالته فليراجع (2)قاصرة الدلالة على المقصود ، لأنّ الاستدلال بها على مطهرية النار يتوقف على القول بانفعال ماء البئر بملاقاة النجس ، وقد قدمنا في محله أن ماء البئر معتصم بمادته واستدللنا على ذلك بعدة من الأخبار فلتكن منها هذه الرواية ، وعليه فالغرض من نفي البأس عن أكله معلقاً بإصابة النار للخبز إنما هو دفع الاستقذار المتوهم في الماء نظراً إلى ملاقاته الميتة. فكأنّ إصابة النار تذهب بالتوهّم المذكور.

ومنها : ما رواه الكليني والشيخ عن زكريا بن آدم قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير ، قال : يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلب ، واللّحم اغسله وكله ، قلت : فإنه قطر فيه الدم ، قال : الدم تأكله النار إن شاء اللّه ... » (3)وفيها مع ضعف سندها بابن المبارك أن قوله : « الدم تأكله النار » إنما يناسب السؤال عن حلية أكل الدم الواقع في المرق ، ومن هنا أجاب علیه السلام عن حكم الدم ولم يجب عن طهارة المرق ونجاسته ، إذ لو كان السؤال عن طهارته بالنار وعدمها لكان المتعين أن يجيب بأن النار مطهّرة أو ليست بمطهّرة كما قدّمناه في الجواب عن الرواية الأُولى ، ومعه لا مناص من حمل الدم على الدم الطاهر وانّه وإن كان يحرم أكله ، إلاّ أنه لا مانع من أكل المرق واللحم إذا انعدم الدم الموجود فيهما بالنار أو استهلك في ضمنهما. وكيف كان فلا دلالة للرواية على أن الدم الواقع في المرق كان من القسم النجس ولا على مطهرية النار بوجه.

ومنها : ما عن سعيد الأعرج قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن قدر فيها


1) الوسائل 1 : 175 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح 17.

2) راجع تنقيح المقال 1 : 88.

3) الكافي 6 : 422 ح 1. التهذيب 1 : 279 / 3. الوسائل 3 : 470 / أبواب النجاسات ب 38 ح 8.

[195] مسألة 12 : إذا غرز إبرة أو أدخل سكيناً في بدنه أو بدن حيوان ، فان لم يعلم ملاقاته للدم في الباطن فطاهر (1)وإن علم ملاقاته ، لكنه خرج نظيفاً فالأحوط الاجتناب عنه (1) (2).


جزور وقع فيها قدر أوقية من دم أيؤكل؟ قال : نعم فان النار تأكل الدم » (2).

ومنها : ما عن علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال : « سألته عن قدر فيها ألف رطل ماء يطبخ فيها لحم وقع فيها أوقية دم هل يصلح أكله؟ فقال : إذا طبخ فكل فلا بأس » (3).

ويتوجّه على هاتين الروايتين ما أوردناه على الأخبار المتقدِّمة من أنّ السؤال والجواب فيهما ناظران إلى حلية الدم المذكور وحرمته لا إلى طهارة الدم بالنار. ومع الإغماض عن ذلك كله وفرض أن الأخبار المتقدمة ناظرة إلى كل من النجاسة والحرمة تقع المعارضة بينها وبين ما دلّ على عدم جواز التوضؤ بالماء الذي قطرت فيه قطرة من الدم مطلقاً سواء طبخ أم لم يطبخ ، وهو صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال : « وسألته عن رجل رعف وهو يتوضأ فتقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال : لا » (4)فتتعارضان في الدم المطبوخ وبعد تساقطهما يرجع إلى استصحاب نجاسة الماء قبل طبخ الدم. نعم ، هذا إنما يتم على مسلك من يرى جريان الاستصحاب في الأحكام ، وأما على مسلكنا من عدم جريانه في الأحكام الكلية الإلهية فلا مناص من الرجوع إلى قاعدة الطهارة بعد تساقطهما. والذي يسهل الخطب عدم تمامية الأخبار المتقدمة كما مر.

(1) لأصالة عدم الملاقاة للدم.

(2) ولعلّ وجهه شمول ما دلّ على نجاسة الدم للدم الداخلي وقد عرفت منعه وأنه


1) وإن كان الأظهر طهارته كما مرّ.

2) الوسائل 24 : 197 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 44 ح 2 ، 3.

3) الوسائل 24 : 197 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 44 ح 2 ، 3.

4) الوسائل 1 : 151 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 1 ، وص 161 ب 13 ح 1.

[196] مسألة 13 : إذا استهلك الدم الخارج من بين الأسنان في ماء الفم فالظاهر طهارته بل جواز بلعه (1). نعم ، لو دخل من الخارج دم في الفم فاستهلك فالأحوط الاجتناب عنه (1)(2) والأولى غسل الفم بالمضمضة أو نحوها.

[197] مسألة 14 : الدم المنجمد تحت الأظفار أو تحت الجلد من البدن إن لم يستحل وصدق عليه الدم نجس ، فلو انخرق الجلد ووصل الماء إليه تنجس ،


لا دليل على نجاسته فلا إشكال في طهارة الإبرة أو السكين في مفروض المسألة ، بل الحال كذلك ولو قلنا بنجاسة الدم وهو في الباطن ، فان المقام حينئذ من موارد ما إذا كان الملاقي من النجاسات الداخلية الباطنية ولا دليل على نجاسة الملاقي حينئذ كما قدّمنا تفصيله في مثل شيشة الاحتقان (2)، فليراجع.

(1) لما ذكرناه في المسألة الاولى من أحكام البول والغائط من أنه لا دليل على نجاسة الدم والبول وغيرهما من النجاسات في الجوف فلا يحكم بنجاسة ماء الفم بملاقاة الدم الخارج من بين الأسنان. نعم ، يحرم أكل الدم وإن لم يحكم بنجاسته لكنّه إذا استهلك كما هو المفروض لم يبق ما يقتضي حرمة البلع لانتفاء موضوعها.

(2) وكأنّه قدس سره يريد بذلك التفرقة بين النجاسة الداخلية والخارجية بالحكم بطهارة ماء الفم بملاقاة الأُولى دون الثانية إلاّ أن التفصيل بينهما في غير محله لما ذكرناه في المسألة الاولى من أحكام البول والغائط من أنه لا دليل على تنجس الأجزاء الداخلية بملاقاة شي‌ء من النجاسات الداخلية والخارجية ، ويدلُّ عليه ما رواه عبد الحميد بن أبي الديلم قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : رجل يشرب الخمر فيبصق فأصاب ثوبي من بصاقه؟ قال : ليس بشي‌ء » (3).


1) (*) لا بأس بتركه.

2) في المسألة [161].

3) الوسائل 3 : 473 / أبواب النجاسات ب 39 ح 1.

ويشكل معه الوضوء أو الغسل ، فيجب إخراجه إن لم يكن حرج (1) ومعه يجب أن يجعل عليه شيئاً مثل الجبيرة فيتوضأ أو يغتسل (1)(2) . هذا إذا علم أنّه دم منجمد ، وإن احتمل كونه لحماً صار كالدم من جهة الرض كما يكون كذلك غالباً (2)(3) فهو طاهر.

السادس والسابع : الكلب والخنزير البريان (4).


(1) لوضوح أن الانجماد ليس من أحد المطهرات. نعم ، إذا لم يعلم أنه دم أو كان ولكنه استحال لحماً فلا إشكال في طهارته للاستحالة.

(2) بل يجب عليه التيمم حينئذ كما يأتي في محلّه (3).

(3) بل الغالب أن السواد المترائى تحت الجلد إنما هو من جهة انجماد الدم تحته وكونه من اللحم المرضوض نادر جدّاً.

(4) أما الكلب فلا إشكال في نجاسته عند الإمامية في الجملة ، والأخبار في نجاسته مستفيضة بل متواترة وقد دلّت عليها بالسنة مختلفة ففي بعضها : « إن الكلب رجس نجس » (4)وفي آخر : « ان اللّه لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب » (5)وفي ثالث : « لا واللّه إنّه نجس لا واللّه إنه نجس » (6)وفي رابع : « إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة


1) (*) فيه إشكال ، والأظهر أن وظيفته التيمم ، ولا يكون المقام من موارد الوضوء أو الغسل مع الجبيرة كما يأتي.

2) (**) كون الغالب كذلك غير معلوم.

3) في المجلد السادس من شرح العروة في أحكام الجبائر.

4) كما في صحيحة أبي العباس المروية في الوسائل 1 : 226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 4 وكذا في 3 : 413 / أبواب النجاسات ب 11 ح 1 ، 415 ب 12 ح 2 ، 516 ب 70 ح 1.

5) كما ورد في موثقة ابن أبي يعفور المروية في الوسائل 1 : 220 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 5.

6) كما في رواية معاوية بن شريح المروية في الوسائل 1 : 226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 6 وكذا في 3 : 416 / أبواب النجاسات ب 12 ح 6.

فاغسله » (1)وفي خامس : « سألته عن الكلب يشرب من الإناء قال : اغسل الإناء » (2)إلى غير ذلك من النصوص.

وفي قبالها ما يدل بظاهره على طهارة الكلب ولأجله قد يتوهم حمل الأخبار المتقدِّمة على التنزّه والاستحباب منها : صحيحة ابن مسكان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه والسنور أو شرب منه جمل أو دابّة أو غير ذلك أيتوضّأ منه أو يغتسل؟ قال : نعم إلاّ أن تجد غيره فتنزّه عنه » (3)وقد حملها الشيخ (4)على ما إذا كان الماء بالغاً قدر كر مستشهداً له برواية أبي بصير عن الصادق علیه السلام في حديث « ولا تشرب من سؤر الكلب إلاّ أن يكون حوضاً كبيراً يستقى منه » (5)ونفى المحقق الهمداني قدس سره البعد عن حملها عليه ، لقوة احتمال ورودها في مياه الغدران التي تزيد عن الكر غالباً (6).

والتحقيق أنّه لا مناص من تقييد إطلاق صحيحة ابن مسكان بما دلّ على انفعال الماء القليل بملاقاة الكلب التي منها رواية أبي بصير المتقدمة وذلك لأن النسبة بينهما هي العموم المطلق ، فإن الصحيحة دلت على طهارة الماء الذي باشره الكلب مطلقاً قليلاً كان أم كثير ، والأخبار المتقدمة قد دلت على انفعال الماء القليل بملاقاة الكلب وعليه فمقتضى الصناعة العلمية وقانون الإطلاق والتقييد حمل الصحيحة على ما إذا كان الماء بالغاً قدر كر فهو جمع دلالي وليس من الجمع التبرّعي في شي‌ء كما يظهر من كلام الشيخ وغيره.


1) ورد في صحيحة أبي العباس المروية في الوسائل 1 : 225 / أبواب الأسآر ب 1 ح 1 وكذا في 3 : 414 / أبواب النجاسات ب 12 ح 1.

2) ورد في صحيحة محمد بن مسلم المروية في الوسائل 1 : 225 / أبواب الأسآر ب 1 ح 2 ، 227 ب 2 ح 3.

3) الوسائل 1 : 228 / أبواب الأسآر ب 2 ح 6.

4) راجع التهذيب 1 : 226 / ذيل الحديث 649.

5) الوسائل 1 : 226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 7.

6) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 544 السطر 36.

ثم لو سلمنا أنّ الصحيحة واردة في خصوص القليل فغاية ما يستفاد منها عدم انفعال الماء القليل بالملاقاة ، وهي إذن من الأدلة الدالة على اعتصام الماء القليل وقد عرفت الجواب عنها في محلّها (1)، ولا تنافي بينها وبين الأخبار الدالة على نجاسة الكلب بوجه.

هذا وقد نسب إلى الصدوق قدس سره القول بطهارة كلب الصيد حيث حكي عنه : أنّ من أصاب ثوبه كلب جاف فعليه أن يرشه بالماء ، وإن كان رطباً فعليه أن يغسله ، وإن كان كلب صيد فان كان جافاً فليس عليه شي‌ء وإن كان رطباً فعليه أن يرشه بالماء (2).

وتدفعه النصوص المتقدِّمة الظاهرة في نجاسة الكلب على وجه الإطلاق مضافاً إلى حسنة محمد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الكلب السلوقي قال : إذا مسسته فاغسل يدك » (3)فإنّها ظاهرة في نجاسة الكلب السلوقي بخصوصه.

هذا كلّه في الكلب ، وأما الخنزير فنجاسته أيضاً مورد التسالم بين الأصحاب ، وتدل عليها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى علیه السلام قال : « سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به؟ قال : إن كان دخل في صلاته فليمض ، وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه ، إلاّ ان يكون فيه أثر فيغسله ، قال : وسألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال : يغسل سبع مرات » (4)وغيرها من الأخبار. وأما ما في بعض الروايات مما ظاهره طهارة شعر الخنزير أو جلده فيأتي الجواب عنه عن قريب إن شاء اللّه.


1) راجع شرح العروة 2 : 120.

2) راجع الجواهر 5 : 367.

3) الوسائل 1 : 274 / أبواب نواقض الوضوء ب 11 ح 1 ، وكذا في 3 : 416 / أبواب النجاسات ب 12 ح 9.

4) الوسائل 3 : 417 / أبواب النجاسات ب 13 ح 1 ، وورد قطعة منها في 1 : 225 / أبواب الأسآر ب 1 ح 2.

دون البحري منهما (1)


(1) قد ذهب المشهور إلى طهارة الكلب والخنزير البحريين وخالفهم في ذلك الحلي قدس سره والتزم بنجاسة البحري منهما أيضاً بدعوى صدق عنوانهما على البحريين كالبريين (1)، إلاّ أن ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح وذلك لأن الكلب والخنزير البحريين إن كانا خارجين عن حقيقتهما واقعاً ، وقد سمّيا بهما لمشابهتهما للبريين في بعض الجهات والآثار كما هو الظاهر ، لوضوح أن البحر لا يوجد فيه ما يكون كلباً أو خنزيراً حقيقة ، فلو وجد فإنما يوجد فيه ما هو من أقسام السمك ، وقد يعبّر عنه بأحد أسماء الحيوانات البرية لمجرد مشابهته إياها في رأسه أو بدنه أو في غيرهما من أجزائه وآثاره ، ومنه إنسان البحر كما يقولون أو بقر البحر كما شاهدناه ، فإنه من الأسماك من غير أن يكون بقراً حقيقة وإنما سمي به لضخامته وكبر رأسه ، ومن هذا الباب إطلاق الأسد على العنكبوت حيث يقال له أسد الذباب ، لأنه يفترس الذباب كما يفترس الأسد سائر الحيوانات ، وكذا إطلاقه على التمساح فيقال : إنه أسد البحر لأنّه أشجع الحيوانات البحرية كما أنّ الأسد كذلك في البر ، فلا إشكال في طهارتهما لأنّهما من الأسماك وخارجان عن الكلب والخنزير حقيقة ، وإنما سمّيا بهما مجازاً فلا موجب للحكم بنجاستهما بوجه.

وأما إذا قلنا إنهما من الكلب والخنزير حقيقة ، ولكن البحري منهما طبيعة أُخرى مغايرة لطبيعة الكلب أو الخنزير البريين ، بأن يكون لفظ الكلب أو الخنزير مشتركاً لفظياً بين البحري والبري منهما حتى يكون إطلاقه على كل منهما حقيقة ، فأيضاً

لا يمكننا الحكم بنجاستهما وذلك لأنا وإن صححنا استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى واحد في محلّه (2)إلاّ أنه يتوقف على قيام قرينة تدل على ذلك لا محالة ، وبما أنه لم تقم قرينة على إرادة ذلك من الكلب والخنزير الواردين في أدلة نجاستهما فلا يمكننا الحكم بإرادة الأعم من البريين والبحريين فيختص الحكم بالأولين ، للقطع بإرادتهما


1) السرائر 2 : 220.

2) محاضرات في أُصول الفقه 1 : 208.

وكذا رطوباتهما وأجزاؤهما ، وإن كانت ممّا لا تحلّه الحياة كالشعر والعظم ونحوهما (1).


على كل حال هذا.

ثم لو تنزلنا وقلنا إن الكلب والخنزير البحريين من طبيعة البري منهما ، وهما من حقيقة واحدة وطبيعة فأرده ولا فرق بينهما إلاّ في أن أحدهما برئ والآخر بحري فأيضاً لا موجب للحكم بنجاسة البحريّ منهما لا لانصراف أدلة نجاسة الكلب والخنزير إلى خصوص البرِّي منهما كما ادعاه جماعة من الأصحاب فإن عهدة إثبات هذه الدعوى على مدعيها ، بل لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال : « سأل أبا عبد اللّه علیه السلام رجل وأنا عنده عن جلود الخزّ؟ فقال : ليس بها بأس ، فقال الرجل : جعلت فداك إنها علاجي ( في بلادي ) وإنما هي كلاب تخرج من الماء ، فقال أبو عبد اللّه علیه السلام : إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء؟ فقال الرجل : لا ، فقال : ليس به بأس » (1)لأنّها نفت البأس عن جلود ما يسمّى بكلب الماء ، وهي وإن وردت في خصوص كلب الماء إلاّ أن سؤاله علیه السلام عن أنه هل تعيش خارجة من الماء ونفيه البأس بعد ذلك كالصريح في أنّ العلّة في الحكم بالطهارة كون الحيوان مما لا يعيش خارجاً عن الماء ، وبذلك تشمل الصحيحة كلاًّ من الكلب والخنزير البحريين فيحكم بطهارتهما كما في المتن.

(1) للأدلة المتقدمة الدالة على نجاسة الكلب والخنزير بجميع أجزائهما وإن كانت مما لا تحله الحياة ، ولا خلاف في المسألة إلاّ عن السيد المرتضى وجدّه قدس سرهما حيث ذهبا إلى طهارة ما لا تحله الحياة من أجزائهما (2). والسيد قدس سره وإن لم يستدل على مرامه بشي‌ء من الأخبار إلاّ أنه ادعى أن ما لا تحله الحياة كالشعر والعظم ونحوهما لا يكون من أجزاء الحيوان الحي ، ثم أيّد كلامه بدعوى إجماع الأصحاب عليه.


1) الوسائل 4 : 362 / أبواب لباس المصلي ب 10 ح 1.

2) الناصريات : 218.

ولا يخفى فساد ما ذهب إليه وذلك لمنافاته لإطلاقات أدلة نجاسة الكلب والخنزير حيث دلت على نجاستهما بما لهما من الأجزاء من غير فرق في ذلك بين ما تحله الحياة وما لا تحله الحياة ، ودعوى الإجماع على طهارة ما لا تحله الحياة من أجزائهما جزافية ، بل الإجماع منعقد على خلافه ، وإنكار أن ما لا تحله الحياة جزء من الحيوان مكابرة ، كيف وهو معدود من أجزائه عند العرف والشرع واللغة.

وأما ما نسب إليه من الاستدلال على ذلك بأن ما لا تحله الحياة من أجزائهما نظير شعر الميتة وعظمها وغيرهما مما لا تحله الحياة فيدفعه : أنه قياس والعمل بالقياس منهي عنه في الشريعة المقدسة. هذا على أنه قياس مع الفارق ، لوضوح أن نجاسة الكلب والخنزير نجاسة ذاتية وغير مستندة إلى موتهما ونجاسة الميتة عرضية مستندة إلى الموت مع الحكم بطهارتها قبله ، والموت إنما يعرض الأجزاء التي تحلها الحياة دون ما لا تحله ، ومعه لا وجه لنجاسة ما لا تحله الحياة من أجزاء الميتة ، فما ذهب إليه علم الهدى وجده مما لا دليل عليه.

نعم ، هناك جملة من الأخبار لا تخلو عن الإشعار بطهارة شعر الخنزير وجلده وكان ينبغي له قدس سره أن يستدل بها على مسلكه.

منها : صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال : لا بأس » (1)والجواب عن ذلك أنه لا دلالة لها على طهارة شعر الخنزير بوجه لعدم فرض العلم بملاقاته لماء الدلو أوّلاً ، لجواز أن يتخلل بينه وبين الدلو حبل طاهر ، ولعل السؤال في الرواية من جهة احتمال حرمة الاستقاء للوضوء بحبل من شعر الخنزير لاحتمال حرمة الانتفاع بشعره شرعاً ، وبما أن الوضوء أمر عبادي فيكون الاستقاء له بما هو مبغوض للشارع موجباً لحرمته ، فنفيه علیه السلام البأس راجع إلى نفي حرمة الانتفاع به لا إلى نفي نجاسة الماء.

وثانياً : أنّ الرواية على تقدير دلالتها فإنما تدل على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة


1) الوسائل 1 : 170 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح 2.

النجس ، فهي إذن من أدلة القول باعتصام الماء القليل ولا دلالة لها على عدم نجاسة شعر الخنزير بوجه ، وعليه فالأخبار الدالة على نجاسته بلا معارض.

ومنها : رواية أُخرى لزرارة قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن جلد الخنزير يجعل دلواً يستقى به الماء؟ قال : لا بأس » (1)ويرد على الاستدلال بها أن ظاهرها السؤال عن حكم الانتفاع بجلد الخنزير ، وغاية ما يستفاد منها أن الانتفاع به بالاستقاء أمر غير محرم شرعاً كما إذا كان الاستقاء للدواب ولا دلالة لها على طهارة جلده بوجه ، ويحتمل أن يكون السؤال عن انفعال ماء البئر بملاقاة جلد الخنزير النجس ، فنفيه علیه السلام البأس يرجع إلى عدم انفعال مائها لا إلى طهارة جلد الخنزير ، ومع الإغضاء عن ذلك كله وفرض أن السؤال فيها إنما هو عن حكم الماء القليل وجواز استعماله فيما يشترط فيه الطهارة أيضاً لا مجال للاستدلال بها في المقام ، لأنّ الرواية حينئذ من أدلة عدم انفعال الماء القليل وقد تقدم الجواب عنها في بحث المياه (2).

ومنها : خبر الحسين بن زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث قال « قلت له : شعر الخنزير يعمل حبلاً ويستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ منها؟ فقال : لا بأس به » (3)ولا يمكن الاستدلال بهذه الرواية أيضاً لأنّ ظاهرها بقرينة تأنيث الضمير والتوصيف بكلمة « التي » ، عدم البأس بالشرب والتوضؤ من البئر المذكورة في الحديث فهي ناظرة إلى عدم انفعال ماء البئر بملاقاة النجس وأجنبية عن الدلالة على طهارة شعر الخنزير رأساً. على أن الرواية ضعيفة لعدم توثيق الحسين بن زرارة في الرجال ، حيث إنّ مجرّد دعاء الإمام علیه السلام في حقّه (4)لا يدل على وثاقته.


1) الوسائل 1 : 175 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح 16.

2) لاحظ شرح العروة 2 : 120.

3) الوسائل 1 : 171 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح 3 ، وكذا في 24 : 180 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 33 ح 4.

4) رجال الكشي : 139 / 221.

ولو اجتمع أحدهما مع الآخر أو مع آخر فتولد منهما ولد ، فان صدق عليه اسم أحدهما تبعه (1) وإن صدق عليه اسم أحد الحيوانات الأُخر ، أو كان مما ليس له مثل في الخارج ، كان طاهراً (2)


هذا وقد أثبت صاحب الحدائق والمحقق الهمداني قدس سرهما رواية أُخرى في المقام وأسندها في الحدائق إلى الحسين بن زياد وعبّر عنها بالموثقة (1)، وأسندها في مصباح الفقيه إلى الحسين بن زرارة عن الصادق علیه السلام قال : « قلت له : جلد الخنزير يجعل دلواً يستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ منها؟ قال : لا بأس » (2). ولم نعثر نحن على هذه الرواية بعد ما فحصنا عنها في جوامع الأخبار واللّه العالم بحقائق الأُمور.

والمتحصل أن الكلب والخنزير محكومان بالنجاسة بجميع أجزائهما الأعم مما تحله الحياة وما لا تحله لما مر. مضافاً إلى أن الغالب في الأخبار الواردة في نجاستهما إنما هو السؤال عن مسهما أو إصابتهما باليد والثوب ، ومن الظاهر أن اليد والثوب إنما يصب شعرهما عادة لا على بشرتهما لإحاطته ببدنهما ، والشعر مما لا تحله الحياة وقد دلت على نجاسته فيما إذا أصابته اليد أو الثوب مع الرطوبة.

(1) لصدق أنه كلب أو خنزير.

(2) لأن النجاسة وغيرها من الأحكام إنما ترتبت على ما صدق عليه عنوان الكلب أو الخنزير خارجاً ، فما لم يصدق عليه عنوان أحدهما لا دليل على نجاسته سواء أصدق عنوان حيوان آخر طاهر عليه أم لم يصدق ، هذا.

والصحيح أن يقال : إن المتولد منهما إذا كان ملفقاً من الكلب والخنزير ، بأن كان رأسه رأس أحدهما وبدنه بدن الآخر ، أو كان رجله رجل أحدهما ويده يد الآخر كما شاهدنا ذلك في الحيوان المتولد من الكلب والذئب ، فلا مناص من الحكم بنجاسته


1) الحدائق 5 : 207.

2) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 545 السطر 4.

وإن كان الأحوط الاجتناب (1)عن المتولد منهما إذا لم يصدق عليه اسم أحد الحيوانات الطاهرة (1)


بلا فرق في ذلك بين صدق عنوان أحدهما عليه وعدمه ، وذلك لأن مقتضى الفهم العرفي أن المتركب من عدّة أُمور محرمة أو نجسة أيضاً محرم أو نجس وإن لم يصدق عليه شي‌ء من عناوين أجزائه ، مثلاً إذا فرضنا أن خمسة من الأجزاء المحرمة أو النجسة مزجنا بعضها ببعض ودققناها على وجه تحصل منها معجون لا يصدق عليه شي‌ء من عناوين تلك الأجزاء المحرمة أو النجسة فلا يشك العرف في الحكم بنجاسته وحرمته ، كما أنه يفهم من أدلة حرمة استعمال آنية الذهب والفضّة حرمة استعمال الآنية المصوغة منهما معاً وإن لم يطلق عليها عنوان الإناء من الذهب أو الفضة وهذا ظاهر.

وأما إذا لم يكن المتولد منهما ملفقاً من الكلب والخنزير ولم يتبع أحدهما في الاسم فلا بد من الحكم بطهارته ، لما مرّ من أن النجاسة وغيرها من الأحكام مترتبة على عنوان الكلب والخنزير ومع انتفائهما ينتفي الحكم بنجاسته سواء صدق عنوان حيوان آخر طاهر عليه أم لم يصدق ، فان الحيوانات طاهرة بأجمعها إلاّ ما دلّ الدليل على نجاسته وهو مفقود في المقام ، اللّهُمَّ إلاّ أن يتبع أحدهما في الاسم ، فإنه محكوم بالنجاسة حينئذ لصدق أنه كلب أو خنزير وإطلاق ما دلّ على نجاستهما ، كما هو الحال في المتولد من غيرهما كالمتولد من الفرس والحمار ، فإنّه إن تبع أحدهما في الاسم حكم عليه بأحكام متبوعه وأما التبعية في الحكم مطلقاً فلم يقم عليها دليل.

(1) وعن الشهيدين في الذكرى والروض الحكم بنجاسة المتولد من النجسين وإن باينهما في الاسم (2). ولا يمكن المساعدة عليه وذلك لأن الوجه في ذلك إن كان تبعية الولد لأبويه فيدفعه أنّه لا ملازمة بين نجاسة الأبوين ونجاسة ولدهما ، لما عرفت من عدم قيام الدليل على التبعية مطلقاً ، وإن كان الوجه فيه هو استصحاب نجاسة الولد


1) بل الأظهر ذلك فيما إذا عدّ المتولد ملفّقاً منهما عرفاً.

2) الذكرى : 14 ، الروض 1 : 163.

المتيقنة حال كونه علقة لكونها دماً والدم نجس ، كما اعتمد عليه بعضهم في الحكم بنجاسة أولاد الكفار وبه حكم بنجاسة ولد الكافر وإن لم يكن كافراً ، فهذا الوجه لو تم فكما يجري في المتولد من النجسين كذلك يجري فيما إذا كان أحد أبويه نجساً دون الآخر ، وذلك للعلم بنجاسته حال كونه علقة ، بل يكون كتأسيس أصل كلي في جميع الحيوانات فيحكم بنجاسة كل حيوان لسبقه بالنجاسة حال كونه علقة إلاّ ما خرج بالدليل. إلاّ أنه غير تام وذلك أمّا أوّلاً : فلعدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهيّة في نفسه على ما مرّ منّا غير مرّة ، وأمّا ثانياً : فلعدم بقاء موضوعه ، لأنّ ما علمنا بنجاسته إنما هو الدم وما نشك في نجاسته هو الحيوان وأحدهما غير الآخر ومعه لا مجرى للاستصحاب بوجه.

هذا كله إذا أُريد به استصحاب نجاسته المتيقنة حال كونه دماً ، وأما إذا أُريد به استصحاب نجاسته المتيقنة حال كونه مضغة بدعوى أن المضغة تابعة لُامّها ومعدودة من أجزائها والمفروض نجاسة أُمّه بما لها من الأجزاء ، فحيث إنّه مقطوع النجاسة سابقاً ونشك في بقائها وارتفاعها بعد تولده فالأصل يقتضي الحكم ببقائه على نجاسته ففيه أوّلاً : أنّه لو تم لجرى في المتولِّد من الام النجس أيضاً وإن كان أبوه طاهراً. وثانياً : أنّه من استصحاب الحكم الكلي وقد عرفت عدم جريانه في الأحكام الكلية الإلهيّة.

وثالثاً : أنّ المضغة غير تابعة لُامّها ولا هي معدودة من أجزائها ، وإنما هي موجودة بوجود مستقل متكوِّنة في جوف أُمّها ، فجوفها محل للمضغة لا أنّها من أجزاء أُمّها. نعم ، لو كانت المضغة وهي المتشكلة بشكل الحيوان قبل أن تلج فيها الروح صورة كلب أو خنزير لحكمنا بنجاستها لكونها كلباً أو خنزيراً لا من جهة عدّها من أجزاء أُمّها إلاّ أنه خلاف مفروض الكلام ، فان الكلام إنما هو فيما إذا كانت المضغة بصورة غيرهما من الحيوانات ومعه لا وجه للحكم بنجاستها. ونجاسة المضغة عندنا وإن كانت مستندة إلى كونها جيفة إلاّ أنها إنما تصدق على المضغة فيما إذا انفصلت من أُمها فما دامت في جوفها لا تطلق عليها الجيفة بوجه.

فالمتحصل أن المضغة لم تثبت نجاستها حتى يحكم على المتولد من الكلب والخنزير

بل الأحوط الاجتناب عن المتولد من أحدهما مع طاهر إذا لم يصدق عليه اسم ذلك الطاهر ، فلو نزى كلب على شاة أو خروف على كلبة ، ولم يصدق على المتولد منهما اسم الشاة ، فالأحوط الاجتناب عنه وإن لم يصدق عليه اسم الكلب (1).

الثامن الكافر بأقسامه


بالنجاسة باستصحابها فلا وجه للحكم بنجاسته. نعم ، لا بأس بالاحتياط استحباباً ولو من جهة وجود القائل بنجاسته.

(1) قد ظهر الحال فيه مما ذكرناه آنفاً فلا نعيد.

(2) المعروف بين أصحابنا من المتقدمين والمتأخرين نجاسة الكافر بجميع أصنافه بل ادعي عليها الإجماع ، وثبوتها في الجملة مما لا ينبغي الإشكال فيه ، وذهب بعض المتقدِّمين إلى طهارة بعض أصنافه وتبعه على ذلك جماعة من متأخِّري المتأخِّرين. وتوضيح الكلام في هذا المقام أنه لا إشكال ولا شك في نجاسة المشركين بل نجاستهم من الضروريات عند الشيعة ولا نعهد فيها مخالفاً من الأصحاب. نعم ، ذهب العامّة إلى طهارتهم (1)ولم يلتزم منهم بنجاسة المشرك إلاّ القليل (2)

ونقل عن صاحب الكشاف عن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير. وعن الحسن : من صافح مشركاً توضأ وقال هذا قول الهادي من أئمة الزيدية. ونسب القول بالنجاسة في فتح الباري ج 1 ص 269 إلى أهل الظاهر. وممن صرح بالنجاسة ابن حزم في المحلى ج 1 ص 129 130 وتعجب عن القول بطهارة المشركين قائلاً : ولا عجب في الدنيا أعجب ممن يقول فيمن نصّ اللّه تعالى أنهم نجس : إنهم طاهرون ثم يقول في المني الذي لم يأت قط بنجاسته نص : إنه نجس ويكفي من هذا القول سماعه ونحمد اللّه على السلامة.

وكذا لا خلاف في نجاسة

1) اتّفق فقهاؤهم على طهارة أبدان المشركين كما في التفسير الكبير 16 : 24 ، وفي المغني ج 1 ص 49 أنّ الآدمي طاهر وسؤره طاهر سواء كان مسلماً أو كافراً عند عامة أهل العلم. وفي البدائع ج 1 ص 63 سؤر الطاهر المتفق على طهارته سؤر الآدمي بكل حال مسلماً كان أو مشركاً .. وبه صرح ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق ج 1 ص 126. وقال الشربيني الشافعي في اقناعه ج 1 ص 26 الحيوان كلّه طاهر العين حال حياته إلاّ الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما. ويقرب منه عبارة الغزالي في الوجيز ج 1 ص 6 وبه قال ابن حجر في فتح الباري شرح البخاري ج 1 ص 269 والعيني في عمدة القارئ ج 2 ص 60 وكذا في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 11. فليراجع.

2) ذهب إلى نجاسة المشرك الفخر في تفسيره ج 16 ص 24 حيث قال : اعلم أن ظاهر القرآن ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) يدلّ على كونهم أنجاساً فلا يرجع إلاّ بدليل منفصل. ثم نقل وجوهاً في تأويل الآية المباركة وعقّبها بقوله : اعلم أن كل هذه الوجوه عدول عن الظاهر بغير دليل.

الناصب بل هو أنجس من المشرك على بعض الوجوه ، ففي موثقة ابن أبي يعفور « فانّ اللّه تبارك وتعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب ، والناصب لنا أهل البيت لأنجس منه » (1).

كما أنه ينبغي الجزم بنجاسة غير المشرك من الكفار فيما إذا التزم بما هو أسوأ وأشد من الشرك في العبادة كإنكار وجود الصانع رأساً ، لأن المشركين غير منكرين لوجوده سبحانه وإنما يعبدون الأصنام والآلهة ليقربوهم إلى اللّه زلفى ، ويعتقدون أن الموت والحياة والرزق والمرض وغيرها من الأُمور الراجعة إلى العباد بيد هؤلاء الشفعاء ومن البديهي أن إنكار وجوده تعالى أسوأ من ذلك وأشد فهو أولى بالحكم بالنجاسة من المشرك بالضرورة.

وأمّا غير هذه الفرق الثلاث من أصناف الكفار كأهل الكتاب فقد وقع الخلاف في طهارتهم وهي التي نتكلّم عنها في المقام ، فقد يستدل على نجاسة الكافر بجميع أصنافه بقوله عزّ من قائل ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا ) (2)بتقريب أن اللّه سبحانه حكم بنجاسة المشركين وفرّع عليها حرمة قربهم من المسجد الحرام ، وذلك لأن النجس بفتح الجيم وكسره بمعنى النجاسة المصطلح عليها عند المتشرعة ، فإنّه المرتكز في أذهانهم وبهذا نستكشف أن النجس في زمان نزول الآية المباركة أيضاً كان بهذا المعنى المصطلح عليه ، لأن هذا المعنى هو الذي وصل إلى كل لاحق من سابقه حتى وصل إلى زماننا هذا ، وبما أن أهل الكتاب قسم


1) الوسائل 1 : 220 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 5.

2) التوبة 9 : 28.

من المشركين لقوله تعالى حكاية عن اليهود والنصارى ( وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ) ( ... سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ) (1)فتدل الآية المباركة على نجاسة أهل الكتاب كالمشركين.

وقد أُجيب عن ذلك بأُمور ونوقش فيها بوجوه لا يهمنا التعرض لها ولا لما أورد عليها من المناقشات ، بل الصحيح في الجواب عن ذلك أن يقال : إن النجس عند المتشرعة وإن كان بالمعنى المصطلح عليه إلاّ أنه لم يثبت كونه بهذا المعنى في الآية المباركة ، لجواز أن لا تثبت النجاسة بهذا المعنى الاصطلاحي على شي‌ء من الأعيان النجسة في زمان نزول الآية أصلاً ، وذلك للتدرّج في بيان الأحكام ، بل الظاهر أنه في الآية المباركة بالمعنى اللغوي وهو القذارة وأي قذارة أعظم وأشد من قذارة الشرك. وهذا المعنى هو المناسب للمنع عن قربهم من المسجد الحرام ، حيث إن النجس بالمعنى المصطلح عليه لا مانع من دخوله المسجد الحرام فيما إذا لم يستلزم هتكه فلا حرمة في دخول الكفار والمشركين المسجد من جهة نجاستهم بهذا المعنى ، وهذا بخلاف النجس بمعنى القذر لأن القذارة الكفرية مبغوضة عند اللّه سبحانه والكافر عدو اللّه وهو يعبد غيره فكيف يرضى صاحب البيت بدخول عدوّه بيته ، بل وكيف يناسب دخول الكافر بيتاً يعبد فيه صاحبه وهو يعبد غيره ، هذا كلّه أوّلاً.

وثانياً : أن الشرك له مراتب متعددة لا يخلو منها غير المعصومين وقليل من المؤمنين ومعه كيف يمكن الحكم بنجاسة المشرك بما له من المراتب المتعددة؟ فإن لازمه الحكم بنجاسة المسلم المرائي في عمله ، حيث إنّ الرياء في العمل من الشرك وهذا كما ترى لا يمكن الالتزام به فلا مناص من أن يراد بالمشرك مرتبة خاصة منه وهي ما يقابل أهل الكتاب.

وثالثاً : أنّ ظاهر الآيات الواردة في بيان أحكام الكفر والشرك ومنها هذه الآية أنّ لكل من المشرك وأهل الكتاب أحكاماً تخصّه ، مثلاً لا يجوز للمشرك السكنى في بلاد المسلمين ويجب عليه الخروج منها ، وأما أهل الكتاب فلا بأس أن يسكنوا في


1) التوبة 9 : 30 - 31.

بلادهم مع الالتزام بأحكام الجزية والتبعية للمسلمين فحكمهم حكم المسلمين وغير ذلك مما يفترق فيه المشرك عن أهل الكتاب ، ومنه تبرّيه سبحانه من المشركين دون أهل الكتاب ، ومعه كيف يمكن أن يقال إن المراد من المشركين في الآية أعم من أهل الكتاب ، فان ظاهرها أن المشرك في مقابل أهل الكتاب.

فالإنصاف أن الآية لا دلالة لها على نجاسة المشركين فضلاً عن دلالتها على نجاسة أهل الكتاب ، إلاّ أنك عرفت أن نجاسة المشركين مورد التسالم القطعي بين أصحابنا قلنا بدلالة الآية أم لم نقل ، كما أن نجاسة الناصب ومنكري الصانع مما لا خلاف فيه وعليه فلا بد من التكلم في نجاسة غير هذه الأصناف الثلاثة من الكفار.

ويقع الكلام أولاً في نجاسة أهل الكتاب ثم نعقبه بالتكلم في نجاسة بقية الأصناف فنقول : المشهور بين المتقدِّمين والمتأخِّرين نجاسة أهل الكتاب بل لعلّها تعدّ عندهم من الأُمور الواضحة ، حتى أنّ بعضهم على ما في مصباح الفقيه ألحق المسألة بالبديهيات التي رأى التكلّم فيها تضييعاً للعمر العزيز (1)وخالفهم في ذلك بعض المتقدِّمين وجملة من محقِّقي المتأخِّرين حيث ذهبوا إلى طهارة أهل الكتاب. والمتبع دلالة الأخبار فلننقل أوّلاً الأخبار المستدل بها على نجاسة أهل الكتاب ثم نعقبها بذكر الأخبار الواردة في طهارتهم ليرى أيهما أرجح في مقام المعارضة.

فمنها : حسنة سعيد الأعرج « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن سؤر اليهودي والنصراني ، فقال : لا » (2)ولا إشكال في سندها كما أن دلالتها تامّة ، لأنّ ظاهر السؤال من سؤرهم نظير السؤال عن سؤر بقية الحيوانات إنما هو السؤال عن حكم التصرف فيه بأنحاء التصرّفات ، وقد صرّح بالسؤال عن أكله وشربه في رواية الصدوق (3)فراجع.

ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم قال : « سألت أبا جعفر علیه السلام عن آنية


1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 558 السطر 26.

2) الوسائل 1 : 229 / أبواب الأسآر ب 3 ح 1 ، وكذا في 3 : 421 / أبواب النجاسات ب 14 ح 8.

3) الوسائل 24 : 210 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 54 ح 1.

أهل الذمّة والمجوس ، فقال : لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون ، ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر » (1)وهذه الرواية صحيحة سنداً إلاّ أنها قاصرة الدلالة على المدعى فان دلالتها على طهارة أهل الكتاب أظهر من دلالتها على نجاستهم ، وذلك لأنّ الحكم بنجاستهم يستلزم الحكم بالتجنب عن جميع الأواني المضافة إليهم حتى الآنية التي يشربون فيها الماء ، ولا وجه معه لتقييد الآنية بما يشربون فيه الخمر ولا لتقييد طعامهم بما يطبخونه ، فمن تقييد الآنية والطعام بما عرفت يظهر عدم نجاسة أهل الكتاب. والنهي عن الأكل في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر مستند إلى نجاسة الآنية بملاقاتها الخمر ، وأما النهي عن أكل طعامهم المطبوخ فيحتمل فيه وجهان :

أحدهما : أن أهل الكتاب يأكلون لحم الخنزير وشحمه والمطبوخ من الطعام لا يخلو عن اللحم والشحم عادة ، فطعامهم المطبوخ لا يعرى عن لحم الخنزير وشحمه.

وثانيهما : أن آنيتهم من قدر وغيره يتنجس بمثل طبخ لحم الخنزير أو وضع شي‌ء آخر من النجاسات فيها لعدم اجتنابهم عن النجاسات ، ومن الظاهر أنها بعد ما تنجست لا يرد عليها غسل مطهر على الوجه الشرعي لأنهم في تنظيفها يكتفون بمجرد إزالة قذارتها وهي لا تكفي في طهارتها شرعاً ، وعليه يتنجس ما طبخ فيها بملاقاتها ومن هنا نهى علیه السلام عن أكل طعامهم الذي يطبخونه. ويمكن أن يكون هناك وجه آخر لنهيه علیه السلام ونحن لا ندركه.

ومنها : حسنة الكاهلي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن قوم مسلمين يأكلون وحضرهم رجل مجوسي أيدعونه إلى طعامهم؟ فقال : أما أنا فلا أؤاكل المجوسي ، وأكره أن أحرّم عليكم شيئاً تصنعون في بلادكم » (2)ولا يخفى عدم دلالتها على نجاسة المجوس ، وهو علیه السلام إنما ترك المؤاكلة معه لعلوّ مقامه ، وعدم


1) الوسائل 3 : 518 / أبواب النجاسات ب 72 ح 2 ، وص 419 ب 14 ح 1 ، وكذا في 24 : 210 / أبواب الأطعمة المحرّمة ب 54 ح 3.

2) الوسائل 3 : 419 / أبواب النجاسات ب 14 ح 2.

مناسبة الاشتراك مع المعاند لشريعة الإسلام لإمام المسلمين فتركه المؤاكلة من جهة الكراهة والتنزه.

ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر علیه السلام « في رجل صافح رجلاً مجوسياً ، فقال : يغسل يده ولا يتوضأ » (1)بدعوى أن الأمر بغسل اليد ظاهر في نجاسة المجوسي ، إلاّ أنّ الصحيح عدم دلالتها على المدعى ، فانّ الرواية لا بد فيها من أحد أمرين :

أحدهما : تقييد المصافحة بما إذا كانت يد المجوسي رطبة ، لوضوح أنّ ملاقاة اليابس غير مؤثرة في نجاسة ملاقية لقوله علیه السلام : « كل شي‌ء يابس زكي » (2).

وثانيهما : حمل الأمر بغسل اليد على الاستحباب من دون تقييد إطلاق المصافحة بحالة الرطوبة ، كما التزم بذلك بعضهم وذهب إلى استحباب غسل اليد بعد مصافحة أهل الكتاب ، ولا أولوية للأمر الأول على الثاني بل الأمر بالعكس بقرينة ما ورد في رواية القلانسي قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : ألقى الذمي فيصافحني ، قال : امسحها بالتراب وبالحائط ، قلت : فالناصب؟ قال : اغسلها » (3)ولعلّ ذلك إشارة إلى انحطاط أهل الكتاب أو من جهة التنزه عن النجاسة المعنوية أو النجاسة الظاهرية المتوهمة. هذا على أن الغالب في المصافحات يبوسة اليد فحمل الرواية على صورة رطوبتها حمل لها على مورد نادر ، فلا مناص من حملها على الاستحباب بهاتين القرينتين.

ومنها : ما رواه أبو بصير عن أحدهما علیهماالسلام « في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني ، قال : من وراء الثوب ، فان صافحك بيده فاغسل يدك » (4)ودلالتها على استحباب غسل اليد بعد مصافحة أهل الكتاب أظهر من سابقتها ، لأن الأمر بغسل يده لو كان مستنداً إلى نجاستهم لم يكن وجه للأمر بمصافحتهم من وراء


1) الوسائل 3 : 419 / أبواب النجاسات ب 14 ح 3.

2) الوسائل 1 : 351 / أبواب أحكام الخلوة ب 31 ح 5.

3) الوسائل 3 : 420 / أبواب النجاسات ب 14 ح 5.

4) الوسائل 3 : 420 / أبواب النجاسات ب 14 ح 5.

الثياب ، وذلك لاستلزامها نجاسة الثياب فيلزمه علیه السلام الأمر بغسل الثياب إذا كانت المصافحة من ورائها وبغسل اليد إذا كانت لا من ورائها.

ومنها : ما عن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى علیه السلام قال : « سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة ، وأرقد معه على فراش واحد ، وأصافحه ، قال : لا » (1)ونظيرها رواية هارون بن خارجة قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : إني أُخالط المجوس فآكل من طعامهم؟ فقال : لا » (2)ولا دلالة فيهما على نجاسة المجوس إذ لم تفرض الرطوبة في شي‌ء من الروايتين ، ولا بد من حمل النهي عن المؤاكلة والمراقدة معهم على التنزه لئلاّ يخالطهم المسلمون ، لوضوح أن الرقود معهم على فراش واحد لا يقتضي نجاسة لباس المسلم أو بدنه حيث لا رطوبة في البين ، وكذا الأكل معهم في قصعة واحدة لعدم انحصار الطعام بالرطب.

ومنها : صحيحة أُخرى لعلي بن جعفر عن أخيه علیه السلام « عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام؟ قال : إذا علم أنه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام ، إلاّ أن يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل » الحديث (3)وهي صحيحة سنداً ودلالتها أيضاً لا بأس بها ، لأنّ الأمر باغتساله بغير ماء الحمام لو كان مستنداً إلى تنجس بدن النصراني بشي‌ء من المني أو غيره كما قد يتفق لم يكن هذا مخصوصاً به لأن بدن المسلم أيضاً قد يتنجس بملاقاة شي‌ء من الأعيان النجسة فما وجه تخصيصه النصراني بالذكر ، فمن هنا يظهر أن أمره علیه السلام هذا مستند إلى نجاسة النصراني ذاتاً.

ومنها : ما ورد في ذيل الصحيحة المتقدمة من قوله : « سألته عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضأ منه للصلاة؟ قال : لا إلاّ أن يضطر إليه » وعن الشيخ أنه حمل الاضطرار على التقيّة (4)وأنه لا مانع من التوضؤ بالماء المذكور تقية.


1) الوسائل 3 : 420 / أبواب النجاسات ب 14 ح 9.

2) الوسائل 3 : 420 / أبواب النجاسات ب 14 ح 9.

3) الوسائل 3 : 420 / أبواب النجاسات ب 14 ح 9.

4) نقل عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة : 349 ، باب النجاسات باب نجاسة الكافر السطر 2.

ولا يخفى بعده لأنه خلاف ظاهر الرواية ، بل الصحيح أنه بمعنى عدم التمكن من ماء آخر غير ما باشره اليهودي أو النصراني ، ومعنى الرواية حينئذ أنه إذا وجد ماء غيره فلا يتوضأ مما باشره أهل الكتاب وأما إذا انحصر الماء به ولم يتمكن من غيره فلا مانع من أن يتوضأ مما باشره أهل الكتاب ، وعلى هذا فلا دلالة لها على نجاستهم وإلاّ لم يفرق الحال في تنجس الماء وعدم جواز التوضؤ به بين صورتي الاضطرار وعدمه فلا يستفاد منها غير استحباب التجنب عما باشره أهل الكتاب.

ومنها : صحيحة ثالثة له عن أخيه علیه السلام قال : « سألته عن فراش اليهودي والنصراني ينام عليه؟ قال : لا بأس ، ولا يصلِّى في ثيابهما ، وقال : لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة ، ولا يقعده على فراشه ولا مسجده ولا يصافحه ، قال : وسألته عن رجل اشترى ثوباً من السوق للبس لا يدري لمن كان هل تصلح الصلاة فيه؟ قال : إن اشتراه من مسلم فليصل فيه ، وإن اشتراه من نصراني فلا يصلِّي فيه حتى يغسله » (1)ولا دلالة لها أيضاً على نجاسة أهل الكتاب حيث لم تفرض الرطوبة فيما لاقاه المجوسي أو النصراني ، على أن الصلاة في الثوب المستعار أو المأخوذ من أهل الكتاب صحيحة على ما يأتي عن قريب ، ومعه تنزل الرواية على كراهة الأُمور المذكورة فيها.

هذا تمام الكلام في الأخبار المستدل بها على نجاسة أهل الكتاب وقد عرفت المناقشة في أكثرها ، ولكن في دلالة بعضها على المدعى غنى وكفاية بحيث لو كنّا وهذه الأخبار لقلنا بنجاسة أهل الكتاب لا محالة.

إلاّ أن في قبالها عدة روايات معتبرة فيها صحاح وغير صحاح دلت بصراحتها على طهارتهم وإليك نصها :

فمنها : صحيحة العيص بن القاسم قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن مؤاكلة اليهود والنصراني والمجوسي ، فقال : إذا كان من طعامك وتوضأ فلا بأس » (2)


1) الوسائل 3 : 421 / أبواب النجاسات ب 14 ح 10.

2) الوسائل 3 : 497 أبواب النجاسات ب 54 ح 1 ، وكذا في 24 : 208 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 53 ح 1.

ومفهومها عدم جواز مؤاكلتهم إذا كان من طعامهم أو لم يتوضؤوا ، ومن ذلك يظهر أنّ المنع حينئذ مستند إلى نجاسة طعامهم أو نجاسة أبدانهم العرضية الحاصلة من ملاقاة شي‌ء من الأعيان النجسة كلحم الخنزير وغيره ، إذ الطعام في كلامه علیه السلام لا يمكن أن يراد به الجامد منه كالتمر والخبز ونحوهما لأن كل يابس زكي ، وإنما أُريد منه الرطب وهو الطعام المطبوخ غالباً ، وقد تقدّم النهي عن أكل طعامهم المطبوخ في بعض الأخبار ووجّهناه بأحد وجهين فراجع. وكيف كان ، فالصحيحة بصراحتها دلت على طهارة أهل الكتاب بالذات وجواز المؤاكلة معهم في طعام المسلمين إذا توضؤوا إذ لولا طهارتهم لم يكن وجه لجواز مؤاكلتهم سواء توضؤوا أم لم يتوضؤوا ، وعليه فيكون المنع عن المؤاكلة من طعامهم مستنداً إلى نجاستهم العرضية لا محالة.

ومنها : ما رواه زكريا بن إبراهيم قال : « دخلت على أبي عبد اللّه علیه السلام فقلت : إني رجل من أهل الكتاب وإني أسلمت وبقي أهلي كلهم على النصرانية وأنا معهم في بيت واحد لم أفارقهم بعد فآكل من طعامهم؟ فقال لي : يأكلون الخنزير؟ فقلت : لا ، ولكنهم يشربون الخمر ، فقال لي : كل معهم واشرب » (1)وهي صريحة الدلالة على طهارتهم بالذات وأن المانع عن مؤاكلتهم ليس إلاّ ابتلاءهم بالنجاسة العرضية الناشئة من أكل لحم الخنزير وغيره ، فاذا لم يأكلوه فلا مانع عن مؤاكلتهم وأما ابتلاؤهم بشرب الخمر فعدم منعه عن المؤاكلة فلعله من جهة أن السائل لم يكن يبتلي بالآنية التي يشربون فيها الخمر ، وأن شارب الخمر لا ينجس في الغالب غير شفتيه وهما تغسلان كل يوم ولا أقل من مرة واحدة فترتفع نجاستهما فلا يكون ابتلاؤهم بشرب الخمر مانعاً من مؤاكلتهم ، أو أن هذه الرواية كغيرها من الأخبار الدالة على طهارة الخمر فلا بد من طرحها أو تأويلها من هذه الجهة بما دلّ على نجاسة الخمر.

ومنها : صحيحة إسماعيل بن جابر قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال : لا تأكله ثم سكت هنيئة ثم قال : لا تأكله ثم سكت


1) الوسائل 24 : 211 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 54 ح 5.

هنيئة ثم قال : لا تأكله ، ولا تتركه تقول إنّه حرام ولكن تتركه تتنزه عنه ، إن في آنيتهم الخمر ، ولحم الخنزير » (1)ودلالتها على طهارة أهل الكتاب وكراهة مؤاكلتهم ظاهرة.

ومنها : ما رواه عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو إناء غيره إذا شرب منه على أنه يهودي؟ فقال : نعم فقلت : من ذلك الماء الذي يشرب منه؟ قال : نعم » (2)ودلالتها على المدعى واضحة ، إذ لولا طهارتهم لتنجس ماء الكوز والإناء بشربهم ولم يجز منه الوضوء.

ومنها : صحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال « قلت للرضا علیه السلام : الخياط أو القصّار يكون يهودياً أو نصرانياً وأنت تعلم أنه يبول ولا يتوضأ ما تقول في عمله؟ قال : لا بأس » (3)وهذه الرواية وإن أمكن حملها بالإضافة إلى الخياط على صورة عدم العلم بملاقاة يده الثوب رطباً إلاّ أنّها بالإضافة إلى القصّار مما لا يجري فيه هذا الاحتمال لأنه يغسل الثوب بيده ، وحيث إنه علیه السلام نفى البأس عن عمله فتستفاد منه طهارة أهل الكتاب وعدم تنجس الثوب بملاقاتهم رطباً.

ومنها : صحيحته الثانية « قلت للرضا علیه السلام : الجارية النصرانية تخدمك وأنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة ، قال : لا بأس ، تغسل يديها » (4)وهي كالصريح في المدعى ، وذلك لأن السؤال في تلك الرواية يحتمل أن يكون قضية خارجية بأن كانت عنده علیه السلام جارية نصرانية تخدمه وقد سأله الراوي عن حكم استخدامها ، وعليه فيكون قوله علیه السلام : « لا بأس تغسل يديها » جملة خبرية ، ومعناها عدم البأس بخدمتها لطهارة يديها وارتفاع نجاستها العرضية بالغسل. ولكن يبعّد هذا الاحتمال أن السائل من كبراء الرواة ولا يكاد يحتمل في حقه أن يسأله علیه السلام عن فعله ، فان اعتبار فعل الإمام كاعتبار قوله


1) الوسائل 24 : 210 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 54 ح 4.

2) الوسائل 1 : 229 / أبواب الأسآر ب 3 ح 3.

3) التهذيب 6 : 385 ح 1142 وعنه في الوافي 6 : 209 ح 25.

4) الوسائل 3 : 422 / أبواب النجاسات ب 14 ح 11.

مما لا يخفى على مثله ، فهل يحتمل في حقّه أن يسأله علیه السلام عن حكم استخدام الجارية النصرانية بعد قوله : يجوز استخدام الجارية النصرانية ، فكذلك الحال بعد فعله علیه السلام .

ويحتمل أن يكون السؤال فيها على نحو القضية الحقيقية كما هو الأظهر ، لأنّ السؤال يقع على أنحاء مختلفة فتارة يسأل عن الغائب بقوله : الرجل يفعل كذا ، وأُخرى يفرض السائل نفسه مبتلى بالواقعة من غير أن يكون مبتلى بها حقيقة كقوله : إنِّي أُصلِّي وأشك في كذا وكذا ، وثالثة : يفرض المسئول عنه مبتلى بالواقعة كقوله : إذا صلّيت وشككت في كذا ، كل ذلك على سبيل الفرض والتقدير وعليه فقوله علیه السلام « تغسل يديها » جملة إنشائية وتدل على وجوب غسل اليد على الجارية ، وعلى كلا التقديرين الرواية تدل على طهارة أهل الكتاب وأنه لا مانع من استخدامهم إلاّ نجاستهم العرضية المرتفعة بالغسل.

ومنها : ما ورد في ذيل صحيحة على بن جعفر المتقدِّمة (1)حينما سأل أخاه علیه السلام عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء من قوله : « لا إلاّ أن يضطر إليه » فإن حمل الاضطرار في الرواية على التقيّة كما عن الشيخ (2)قدس سره بعيد ، وقد قدّمنا أنه بمعنى عدم وجدان ماء غيره ، وبذلك تكون الرواية ظاهرة في طهارة اليهود والنصارى وعدم نجاسة الماء بملاقاتهما وإلاّ لم يفرق الحال بين صورتي وجدان ماء آخر وعدمه. ومنها غير ذلك من الأخبار التي يستفاد منها طهارة أهل الكتاب ، وهي كما عرفت تامة سنداً وصريحة دلالة وبعد ذلك لا بد من ملاحظة المعارضة بينها وبين الأخبار الواردة في نجاستهم فنقول :

مقتضى الجمع العرفي بين الطائفتين حمل أخبار النجاسة على الكراهة ، لأنّ الطائفة الثانية صريحة أو كالصريحة في طهارتهم والطائفة الاولى ظاهرة في نجاسة أهل الكتاب ، لأنّ العمدة في تلك الطائفة موثقة سعيد الأعرج أو حسنته المشتملة على


1) في ص 43.

2) نقل عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة : 349 ، باب النجاسات باب نجاسة الكافر السطر 2.

قوله علیه السلام « لا » وصحيحة علي بن جعفر المتضمنة لقوله علیه السلام « فيغسله ثم يغتسل » وهما كما ترى ظاهرتان في النجاسة وقابلتان للحمل على الاستحباب والكراهة ، وأما الطائفة الثانية التي منها صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة فهي كالصريح في أن النهي عن مؤاكلة أهل الكتاب تنزيهي وليست بحرام فتدل على طهارتهم بالصراحة ، ومعه لا مناص من رفع اليد عن ظاهر الطائفة الأُولى بصراحة الثانية كما جرى على ذلك ديدن الفقهاء 5 في جميع الأبواب الفقهية عند تعارض النص والظاهر.

ومن هنا ذهب صاحب المدارك (1)والسبزواري (2)قدس سرهما إلى ذلك ، وحملا الطائفة الأُولى على الكراهة واستحباب التنزه ، إلاّ أن معظم الأصحاب لم يرتضوا بهذا الجمع بل طرحوا أخبار الطهارة على كثرتها وعملوا على طبق الطائفة الثانية ، والمستند لهم في ذلك على ما في الحدائق (3)أمران :

أحدهما : دعوى أن أخبار الطهارة مخالفة للكتاب لقوله عزّ من قائل ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ... ) (4)وأخبار النجاسة موافقة له ، وقد بينا في محلّه انّ موافقة الكتاب من المرجحات. ويدفعه : ما تقدمت الإشارة إليه سابقاً من منع دلالة الآية المباركة على نجاسة المشركين فضلاً عن نجاسة أهل الكتاب ، وقد بينا الوجه في ذلك بما لا مزيد عليه ، فراجع.

وثانيهما : أنّ أخبار النجاسة مخالفة للعامة لأن معظم المخالفين لولا كلّهم يعتقدون طهارة أهل الكتاب (5)وقد ورد في روايات أئمتنا علیهم السلام الأمر بأخذ ما يخالف مذهب المخالفين من المتعارضين (6)ومقتضى ذلك الأخذ بما دلّ على نجاسة


1) المدارك 2 : 294 - 298.

2) ذخيرة المعاد : 150.

3) الحدائق 5 : 162 172.

4) التوبة 9 : 28.

5) قدّمنا شطراً من كلماتهم في هذه المسألة في ص 37 ، فليراجع.

6) الوسائل 27 : 106 أبواب صفات القاضي ب 9 ح 1 ، 19 ، 25 ، وغيرها.

أهل الكتاب وحمل أخبار الطهارة على التقية. ولقد تعجب في الحدائق من صاحب المدارك والسبزواري قدس سرهما وحمل عليهما حملة شديدة وذكر في ضمن ما ذكره استنكاراً عليهما ما هذا نصه :

فعدولهم عما مهّده أئمتهم إلى ما أحدثوه بعقولهم حمل الظاهر على النص واتخذوه قاعدة كلية في جميع أبواب الفقه بآرائهم من غير دليل عليه من سنة ولا كتاب جرأة واضحة لذوي الألباب ، وليت شعري لمن وضع الأئمة علیهم السلام هذه القواعد المستفيضة إلى أن قال : وهل وضعت لغير هذه الشريعة أو أن المخاطب بها غير العلماء الشيعة ما هذا إلاّ عجب عجاب من هؤلاء الفضلاء الأطياب انتهى (1).

ولا يخفى أن رواياتنا وإن تضمنت الأمر بعرض الأخبار الواردة على مذهب المخالفين والأخذ بما يخالفه ، إلاّ أنه يختص بصورة المعارضة ، وأين التعارض بين قوله علیه السلام « لا » في أخبار النجاسة وبين تصريحه علیه السلام بالكراهة والتنزيه في نصوص الطهارة؟ فهل ترى من نفسك أنهما متعارضان؟ فإذا لم تكن هناك معارضة فلما ذا تطرح نصوص الطهارة على كثرتها؟ ولم يعرض صاحب المدارك والسبزواري ومن حذى حذوهما عن قول أئمتهم وإنما لم يعملوا بأخبار النجاسة لعدم معارضتها مع الطائفة الدالة على الطهارة كما عرفت ، وحمل الظاهر على النص أمر دارج عند الفقهاء وعنده ( قدس اللّه أسرارهم ) في جميع أبواب الفقه. وليت شعري ماذا كان يصنع صاحب الحدائق قدس سره في كتابه لولا ذلك في موارد حمل الظاهر على النص على كثرتها.

هذا كلّه على أن حمل أخبار الطهارة على تضافرها على التقيّة بعيد في نفسه وذلك لأن التقية إما أن تكون في مقام حكمه علیه السلام بجواز مؤاكلة أهل الكتاب وإما أن تكون في مقام العمل بأن يكون مرادهم علیهم السلام معاملة السائلين وغيرهم معاملة الطهارة مع أهل الكتاب ، وكلاهما بعيد غايته. أما حملها على التقية في


1) الحدائق 5 : 173.

مقام الحكم فلبعد أن يكون عندهم علیهم السلام في جميع محافلهم في هذه الأخبار على كثرتها من يتّقون لأجله ويخافون منه في حكمهم بنجاسة أهل الكتاب. وأما حملها على التقيّة في مقام العمل فلأنه أبعد ، إذ كيف يأمر الإمام علیه السلام بمعاملة الطهارة معهم بمخالطتهم ومساورتهم ومؤاكلتهم من غير أن يأمرهم بغسل أيديهم وألبستهم بعد المراجعة إلى منازلهم وتمكنهم من العمل على طبق الحكم الواقعي لئلاّ يبطل وضوؤهم وصلاتهم وغيرهما من أعمالهم المتوقفة على الطهور.

وعلى الجملة أن القاعدة تقتضي العمل بأخبار الطهارة وحمل أخبار النجاسة على الكراهة واستحباب التنزه عنهم ، كما أن في نفس الأخبار الواردة في المقام دلالة واضحة على ارتكاز طهارة أهل الكتاب في أذهان المتشرعة في زمانهم علیهم السلام وإنما كانوا يسألونهم عن حكم مؤاكلتهم أو غيرها لأنهم مظنة النجاسة العرضية ، فمن هذه الأخبار صحيحتا إبراهيم بن أبي محمود المتقدِّمتان (1)المشتملتان على قوله : « وأنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة » وقوله : « وأنت تعلم أنه يبول ولا يتوضأ » لأن أهل الكتاب لو لم تكن طهارتهم مرتكزة في أذهان المتشرعة لم يكن حاجة إلى إضافة الجملتين المتقدمتين في السؤال ، لأن نجاستهم الذاتية تكفي في السؤال عن حكم استخدامهم وعملهم من غير حاجة إلى إضافة ابتلائهم بالنجاسة العرضية.

ومنها : صحيحة معاوية بن عمّار قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم أخباث « إجناب » وهم يشربون الخمر ، قال : نعم ... » الحديث (2)فإنّ إضافة قوله : « وهم إجناب وهم يشربون الخمر » شاهدة على ارتكاز طهارتهم في ذهن السائل وإنما سأله عما يعملونه لكونهم مظنة للنجاسة العرضية وإلاّ لم تكن حاجة إلى إضافته كما هو واضح. نعم ، في بعض النسخ « وهم أخباث » إلاّ أنه غلط ولا يناسبه قوله « وهم يشربون الخمر » بخلاف الجنابة بجامع


1) في ص 46.

2) الوسائل 3 : 518 / أبواب النجاسات ب 73 ح 1.

النجاسة العرضية كما لعله ظاهر.

ومنها : صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : « سأل أبي أبا عبد اللّه علیه السلام وأنا حاضر : إنِّي أُعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ثم يرده عليَّ ، فأغسله قبل أن أُصلي فيه؟ فقال أبو عبد اللّه علیه السلام : صلّ فيه ولا تغسله من أجل ذلك ، فإنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجّسه ، فلا بأس أن تصلِّي فيه حتى تستيقن أنه نجّسه » (1)ولو لا ارتكاز طهارة الذمي في ذهن السائل لم يزد على سؤاله : وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ، بل ناسب أن يقول : ولعلّه عرق بدنه أو لاقته يده وهي رطبة.

ومنها : ما عن الاحتجاج عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري أنه كتب إلى صاحب الزمان ( عجل اللّه فرجه الشريف ) « عندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة وينسجون لنا ثياباً ، فهل تجوز الصلاة فيها من قبل أن تغسل؟ فكتب إليه في الجواب : لا بأس بالصلاة فيها » (2).

ومنها : ما عن أبي جميلة عن أبي عبد اللّه علیه السلام « أنه سأله عن ثوب المجوسي ألبسه وأُصلي فيه؟ قال : نعم ، قلت : يشربون الخمر؟ قال : نعم ، نحن نشتري الثياب السابرية فنلبسها ولا نغسلها » (3). وتقريب الاستدلال بها قد ظهر مما قدمناه في الأخبار المتقدمة. وبذلك ظهر أن طهارة أهل الكتاب كانت ارتكازية عند الرواة إلى آخر عصر الأئمة علیهم السلام وإنما كانوا يسألونهم عما يعمله أهل الكتاب أو يساوره من أجل كونهم مظنة النجاسة العرضية ، ومن هنا يشكل الإفتاء على طبق أخبار النجاسة إلاّ أن الحكم على طبق روايات الطهارة أشكل ، لأن معظم الأصحاب من المتقدِّمين والمتأخِّرين على نجاسة أهل الكتاب ، فالاحتياط اللزومي مما لا مناص عنه في المقام.

ثم إنّه إذا بنينا على نجاسة أهل الكتاب بمقتضى الأخبار المتقدمة وتسالم الأصحاب


1) الوسائل 3 : 521 / أبواب النجاسات ب 74 ح 1.

2) الوسائل 3 : 520 / أبواب النجاسات ب 73 ح 7.

3) الوسائل 3 : 520 / أبواب النجاسات ب 73 ح 7.

حتى المرتد بقسميه واليهود والنصارى والمجوس (1) ، وكذا رطوباته وأجزاؤه سواء كانت مما تحله الحياة أو لا (1)


فهي إنما تختص باليهود والنصارى والمجوس ، ويحتاج الحكم بالنجاسة في بقية أصناف الكفّار كمنكر الضروري من المسلمين إلى دليل وهو مفقود. وأما المرتد فان صدق عليه أحد عناوين أهل الكتاب كما إذا ارتد بتنصره أو بتهوده أو بتمجسه فحكمه حكمهم ، فإذا قلنا بنجاستهم فلا مناص من الحكم بنجاسته لأنه يهودي أو نصراني أو مجوسي بلا فرق في ذلك بين كونه مسلماً من الابتداء وبين كونه كافراً ثم أسلم ، وأما إذا لم يصدق عليه شي‌ء من عناوين أهل الكتاب فهو وإن كان محكوماً بالكفر لا محالة إلاّ أن الحكم بنجاسته ما لم يكن مشركاً أو منكراً للصانع يحتاج إلى دليل وهو مفقود ، فإنّ الأدلة المتقدِّمة على تقدير تماميتها مختصّة بأهل الكتاب والمفروض عدم كونه منهم ، ومع ذلك فلا بدّ من الاحتياط لذهاب المشهور إلى نجاسة الكافر على الإطلاق.

(1) إذا بنينا على نجاسة أهل الكتاب أو غيرهم من الفرق المحكومة بكفرهم فهل نلحقهم في ذلك بالميتة فنفصّل بين ما تحلها الحياة من أجزائهم وبين ما لا تحلها الحياة بالحكم بنجاسة الأُولى دون الثانية ، أو نلحقهم بالكلب والخنزير فنحكم بنجاسة جميع أجزائهم حتى ما لا تحلّه الحياة؟ الظاهر هو الأوّل وذلك لقصور ما يقتضي نجاستهم ، لأنا لو سلمنا دلالة الأخبار المتقدمة على نجاسة أهل الكتاب فإنما استفدناها من دلالة تلك الأخبار على نجاسة أسآرهم ولا يستكشف بذلك إلاّ نجاسة خصوص الجزء الملاقي منهم للطعام أو الشراب ، وبما أنّا نستعهد في الشريعة المقدسة الحكم بنجاسة بعض الأعيان وطهارة بعضها كما هو الحال في الميتة من الحيوانات الطاهرة فنحتمل أن يكون الكافر أيضاً من هذا القبيل ، ومعه لا يمكننا الحكم بنجاسة أجزائه التي لا تحلّها الحياة ، ولم يرد في شي‌ء من الأدلة نجاسة اليهودي مثلاً


1) الحكم بنجاسة أهل الكتاب مبني على الاحتياط ، وكذا الحال في المرتد إذا لم يدخل في عنوان المشرك أو الملحد.

والمراد بالكافر من كان منكراً للُالوهية أو التوحيد أو الرسالة (1)، أو ضرورياً من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضرورياً ، بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة ، والأحوط الاجتناب عن منكر الضروري مطلقاً ، وإن لم يكن ملتفتاً إلى كونه ضرورياً . (1)


بعنوانه حتى نتمسك بإطلاقه لإثبات نجاسة جميع أجزائه ، فلم يبق إلاّ دلالة الأخبار على نجاسة الكافر في الجملة ، إذ لا ملازمة بين نجاسة سؤره ونجاسة جميع أجزائه ، لأنّ النجاسة حكم شرعي تعبدي تتبع دليلها ، فلا يمكن الحكم بنجاسة ما لا تحله الحياة من أجزائهم لعدم قيام الدليل عليها ، إلاّ أن تحقّق الشهرة الفتوائية بذهاب الأصحاب إلى نجاستهم على وجه الإطلاق يمنعنا عن الحكم بطهارة ما لا تحلّه الحياة من أجزاء أهل الكتاب.

(1) قد اعتبر في الشريعة المقدسة أُمور على وجه الموضوعية في تحقّق الإسلام بمعنى أن إنكارها أو الجهل بها يقتضي الحكم بكفر جاهلها أو منكرها وإن لم يستحق بذلك العقاب لاستناد جهله إلى قصوره وكونه من المستضعفين.

فمنها : الاعتراف بوجوده ( جلت عظمته ) ووحدانيته في قبال الشرك ، وتدل على اعتبار ذلك جملة من الآيات والروايات وهي من الكثرة بمكان.

ومنها : الاعتراف بنبوة النبي ورسالته صلی اللّه علیه و آله وهو أيضاً مدلول جملة وافية من الأخبار والآيات ، منها قوله عزّ من قائل ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ) (2).

ومنها : الاعتراف بالمعاد وإن أهمله فقهاؤنا 5 إلاّ أنّا لا نرى لإهمال اعتباره وجهاً ، كيف وقد قرن الايمان به بالايمان باللّه سبحانه في غير واحد من الموارد


1) أو المعاد.

2) البقرة 2 : 23 ، 24.

على ما ببالي كما في قوله عزّ من قائل ( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) (1)، وقوله ( إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) (2)وقوله ( مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) (3)وقوله ( مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) (4)إلى غير ذلك من الآيات ، ولا مناص معها من اعتبار الإقرار بالمعاد على وجه الموضوعية في تحقق الإسلام.

وهل هناك أمر آخر يعتبر الاعتراف به في تحقق الإسلام على وجه الموضوعية ويكون إنكاره سبباً للكفر بنفسه؟

فيه خلاف بين الأعلام فنسب في مفتاح الكرامة إلى ظاهر الأصحاب أن إنكار الضروري سبب مستقل للكفر بنفسه (5)، وذهب جمع من المحقِّقين إلى أن إنكار الضروري إنما يوجب الكفر والارتداد فيما إذا استلزم تكذيب النبي صلی اللّه علیه و آله وإنكار رسالته ، كما إذا علم بثبوت حكم ضروري في الشريعة المقدسة وأن النبي صلی اللّه علیه و آله أتى به جزماً ومع الوصف أنكره ونفاه ، لأنه في الحقيقة تكذيب للنبي صلی اللّه علیه و آله وإنكار لرسالته ، وهذا بخلاف ما إذا لم يستلزم إنكاره شيئاً من ذلك كما إذا أنكر ضرورياً معتقداً عدم ثبوته في الشريعة المقدّسة وأنّه مما لم يأت به النبي صلی اللّه علیه و آله إلاّ أنه كان ثابتاً فيها واقعاً بل كان من جملة الواضحات فإن إنكاره لا يرجع حينئذ إلى إنكار رسالة النبيّ ، فإذا سُئل أحد في أوائل إسلامه عن الربا فأنكر حرمته بزعم أنه كسائر المعاملات الشرعية فلا يكون ذلك موجباً لكفره وارتداده ، وإن كانت حرمة الربا من المسلّمات في الشريعة المقدّسة ، لعدم رجوع إنكارها إلى تكذيب النبي صلی اللّه علیه و آله أو إنكار رسالته.


1) النساء 4 : 59.

2) البقرة 2 : 228.

3) البقرة 2 : 232.

4) البقرة 2 : 177.

5) مفتاح الكرامة 1 : 143.

ومما ذكرناه يظهر أن الحكم بكفر منكر الضروري عند استلزامه لتكذيب النبي صلی اللّه علیه و آله لا تختص بالأحكام الضرورية ، لأن إنكار أي حكم في الشريعة المقدسة إذا كان طريقاً إلى إنكار النبوة أو غيرها من الأُمور المعتبرة في تحقق الإسلام على وجه الموضوعية فلا محالة يقتضي الحكم بكفر منكره وارتداده.

هذا وعن شيخنا الأنصاري قدس سره التفصيل في الحكم بارتداد منكر الضروري بين المقصّر وغيره بالحكم بالارتداد في الأول لإطلاق الفتاوى والنصوص دون غيره ، إذ لا دليل على سببية إنكاره للارتداد وعدم مبغوضية العمل وحرمته في حقّه ، وما لم يكن بمبغوض في الشريعة المقدّسة يبعد أن يكون موجباً لارتداد فاعله وكفره (1).

وإذا عرفت ذلك فنقول : استدل القائل بارتداد منكر الضروري مطلقاً بعدة من الأخبار وهي على طوائف ثلاث : الأُولى : صحيحة بريد العجلي (2)وغيرها مما أُخذ في موضوع الحكم بالكفر أدنى ما يكون به العبد مشركاً كما إذا قال للنواة إنّها حصاة أو للحصاة إنها نواة ثم دان به. الثانية : صحيحة الكناني (3)وغيرها مما أُخذ في موضوع الحكم بالكفر الجحد بالفريضة. والثالثة : صحيحة عبد اللّه بن سنان (4)وغيرها مما دلّ على أن من ارتكب كبيرة من الكبائر وزعم أنها حلال أخرجه ذلك عن الإسلام. وهذه الطائفة بإطلاقها تدل على أن من زعم الحرام حلالاً خرج بذلك


1) كتاب الطهارة : 354 ، باب النجاسات ( حكم منكر الضرورة من الدين ) السطر 27.

2) المروية في الكافي 2 : 397 / 1. وروى عنه في الوافي 4 : 199 / 1815. ثم إنّ هذه الرواية والرواية الثالثة وإن عبّر عنهما بالصحيحة في كلام المحقق الهمداني [ مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 566 السطر 10 ، 21 ] وغيره إلاّ أن في سنديهما محمد بن عيسى عن يونس ، وفي نفس محمد بن عيسى كلام كما أن في خصوص روايته عن يونس كلام آخر إلاّ أن الصحيح وثاقة الرجل واعتبار رواياته مطلقاً ولو كانت عن يونس ويأتي تفصيل الاستدلال على وثاقته عند الكلام على الحيض.

3) المرويتان في الوسائل 1 : 34 / أبواب مقدمة العبادات ب 2 ح 13 ، 10 ثم إن عدّ رواية الكناني صحيحة كما في كلام المحقق الهمداني وغيره مبني على أن محمد بن الفضيل الواقع في سندها هو محمد بن القاسم بن الفضيل بن يسار الثقة ، وفيه كلام فليراجع مظانّه.

4) المرويتان في الوسائل 1 : 34 / أبواب مقدمة العبادات ب 2 ح 13 ، 10 ثم إن عدّ رواية الكناني صحيحة كما في كلام المحقق الهمداني وغيره مبني على أن محمد بن الفضيل الواقع في سندها هو محمد بن القاسم بن الفضيل بن يسار الثقة ، وفيه كلام فليراجع مظانّه.

عن الإسلام ، سواء أكان عالماً بحرمته أم لم يكن بل وسواء كانت الحرمة ضرورية أم غير ضرورية.

أمّا الطائفة الأُولى فقد أسلفنا الجواب عنها سابقاً وقلنا إن للشرك مراتب متعدّدة وهو غير مستلزم للكفر بجميع مراتبه وإلاّ لزم الحكم بكفر المرائي في عبادته بطريق أولى ، لأن الرياء شرك كما نطقت به الأخبار (1)بل هو أعظم من أن يقال للحصاة إنها نواة أو بالعكس ، مع أنّا لا نقول بكفره لأنّ الشرك الموجب للكفر إنما هو خصوص الشرك في الألوهية. وعليه فلا يمكن في المقام الاستدلال بشي‌ء من الأخبار المتضمنة للشرك.

وأمّا الطائفة الثانية فالظاهر أنها أيضاً كسابقتها لأن ظاهر الجحد هو الإنكار مع العلم بالحال كما في قوله عزّ من قائل ( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ) (2)وقد عرفت أن إنكار أيّ حكم من الأحكام الثابتة في الشريعة المقدسة مع العلم به يستلزمه تكذيب النبي صلی اللّه علیه و آله وإنكار رسالته سواء كان الحكم ضرورياً أم لم يكن ، ولا ريب أنه يوجب الكفر والارتداد فهو خارج عن محل الكلام ، إذ الكلام إنما هو في أن إنكار الضروري بما أنه كذلك هل يستلزم الكفر والارتداد أو أنه لا يوجب الكفر إلاّ مع العلم بثبوته في الشريعة المقدسة المستلزم لإنكار رسالة الرسول صلی اللّه علیه و آله .

وأمّا الطائفة الثالثة وهي العمدة في المقام فعلى تقدير تماميتها لا مناص من الحكم بكفر منكر الضروري مطلقاً وإن لم يكن عن علم بالحكم. وقد يورد على دلالتها كما في كلام شيخنا الهمداني (3)وغيره بأن الصحيحة بإطلاقها تشمل الأحكام الضرورية وغيرها ، ومقتضى ذلك هو الحكم بكفر كل من ارتكب كبيرة وزعم أنها حلال ، وهو مما لا يمكن الالتزام به ، كيف ولازمه أن يكفّر كل مجتهد المجتهد الآخر فيما إذا اعتقد حلية ما يرى الأوّل حرمته وارتكبه ، كما إذا بنى أحدهما على حرمة التصوير


1) الوسائل 1 : 67 / أبواب مقدمة العبادات ب 11 ح 11 ، 13 ، 16 وب 12 ح 2 ، 4 ، 6.

2) النمل 27 : 14.

3) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 566 السطر 24.

مثلاً ورأى الثاني إباحته وارتكبه حيث يصح أن يقال حينئذ إن المجتهد الثاني ارتكب كبيرة وزعم أنها حلال ، وكذا الحال فيما إذا بنى على صحّة النِّكاح بالفارسية وعقد بها ورأى الآخر بطلانه فإنه حينئذ ارتكب كبيرة وزعم أنها حلال حيث حلّل ما قد حرّمه الشارع واقعاً ، فالأخذ بإطلاق الصحيحة غير ممكن فلا مناص من تقييدها بأحد أمرين :

فامّا أن نقيدها بالضروري بأن يكون ارتكاب الكبيرة موجباً للارتداد في خصوص ما إذا كان الحكم ضرورياً ، وإمّا أن نقيدها بالعلم بأن يقال : إن ارتكاب الكبيرة والبناء على حليتها مع العلم بأنها محرمة يوجب الكفر دون ما إذا لم تكن حرمتها معلومة ، وحيث إن الرواية غير مقيدة بشي‌ء وترجيح أحد التقييدين على الآخر من غير مرجح ، فلا محالة تصبح الرواية في حكم المجمل وتسقط عن الاعتبار بل يمكن أن يقال : التقييد بالعلم أرجح من تقييدها بالضروري لأنّه المناسب للفظة الجحود الواردة في الطائفة الثانية كما مرّ.

كذا نوقش في دلالة الصحيحة إلاّ أن المناقشة غير واردة لعدم دوران الأمر بين التقييدين المتقدمين ، بل المتعين أن يتمسك بإطلاقها ويحكم بكفر مرتكب الكبيرة إذا زعم أنها محللة بلا فرق في ذلك بين الأحكام الضرورية وغيرها ولا بين موارد العلم بالحكم وعدمه.

ثم إن الالتزام بالكفر والارتداد إذا لم يصح في بعض هذه الأقسام أخرجناه عن إطلاقها ويبقى غيره مشمولاً للرواية لا محالة ، ولا نرى مانعاً من الالتزام بالارتداد في شي‌ء من الأقسام المتقدمة بمقتضى إطلاق الصحيحة إلاّ في صورة واحدة وهي ما إذا كان ارتكاب الكبيرة وزعم أنها حلال مستنداً إلى الجهل عن قصور كما في المجتهدين والمقلدين ، حيث إن اجتهاد المجتهد إذا أدى إلى إباحة حرام واقعي فلا محالة يستند ارتكابه لذلك الحرام إلى قصوره لأنه الذي أدى إليه اجتهاده وكذا الكلام في مقلديه فلا يمكن الالتزام بالكفر في مثلهما وإن ارتكبا الكبيرة بزعم أنها حلال ، كيف وقد يكون المجتهد المخطئ من الأوتاد الأتقياء فالالتزام بالارتداد حينئذ غير ممكن ، وأما في غيره من الصور فلا مانع من التمسك بإطلاق الصحيحة والحكم بكفر مرتكب

الكبيرة مطلقاً فلا دوران بين الأمرين المتقدِّمين.

فالصحيح في الجواب عنها أن يقال : إنّ الكفر المترتب على ارتكاب الكبيرة بزعم حليتها ليس هو الكفر المقابل للإسلام الذي هو المقصود بالبحث في المقام ، وذلك لأنّ للكفر مراتب عديدة.

منها : ما يقابل الإسلام ويحكم عليه بنجاسته وهدر دمه وماله وعرضه وعدم جواز مناكحته وتوريثه من المسلم ، وقد دلت الروايات الكثيرة على أن العبرة في معاملة الإسلام بالشهادتين اللتين عليهما أكثر الناس كما تأتي في محلِّها.

ومنها : ما يقابل الايمان ويحكم بطهارته واحترام دمه وماله وعرضه كما يجوز مناكحته وتوريثه إلاّ أن اللّه سبحانه يعامل معه معاملة الكفر في الآخرة ، وقد كنّا سمّينا هذه الطائفة في بعض أبحاثنا بمسلم الدنيا وكافر الآخرة.

ومنها : ما يقابل المطيع لأنه كثيراً ما يطلق الكفر على العصيان ويقال : إن العاصي كافر ، وقد ورد في تفسير قوله عزّ من قائل ( إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً ) (1)ما مضمونه أنّ الشاكر هو المطيع والكفور العاصي (2)وورد في بعض الروايات أن المؤمن لا يزني ولا يكذب ، فقيل إنّه كيف هذا مع أنّا نرى أنّ المؤمن يزني ويكذب فأجابوا علیهم السلام بأنّ الايمان يخرج عن قلوبهم حال عصيانهم ويعود إليهم بعده فلا يصدر منهم الكذب مثلاً حال كونهم مؤمنين (3)وعلى الجملة أن ارتكاب المعصية ليس بأقوى من إنكار الولاية لأنّها من أهم ما بني عليه الإسلام كما في الخبر (4)وقد عقد لبطلان العبادة بدونها باباً في الوسائل ، فإذا لم يوجب إنكارها


1) الإنسان 76 : 3.

2) روى زرارة عن حمران بن أعين قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ ( إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً ) ؟ قال : إمّا آخذ فهو شاكر وإمّا تارك فهو كافر » ونظيرها غيرها من الأخبار المروية في الوسائل 1 : 31 / أبواب مقدّمة العبادات ب 2 ح 5.

3) كما ورد في عدّة من الأخبار المروية في الكافي 2 : 280 / 11 ، 282 / 16 ، 285 / 21 ، 22.

4) ورد في جملة من الروايات المروية في الوسائل 1 : 13 / أبواب مقدمة العبادات ب 1.

وولد الكافر يتبعه في النجاسة (1)(1)


الحكم بالنجاسة والارتداد فكيف يكون ارتكاب المعصية موجباً لهما؟

فالموضوع للآثار المتقدِّمة من الطهارة واحترام المال والدم وغيرهما إنما هو الاعتراف بالوحدانية والرسالة والمعاد وليس هناك شي‌ء آخر دخيلاً في تحقّق الإسلام وترتب آثاره المذكورة. نعم ، يمكن أن يكون له دخالة في تحقّق الايمان ، وهذا القسم الأخير هو المراد بالكفر في الرواية وهو بمعنى المعصية في قبال الطاعة وليس في مقابل الإسلام فلا يكون مثله موجباً للكفر والنجاسة وغيرهما من الآثار.

(1) لا يتوقّف البحث عن نجاسة ولد الكافر وطهارته على القول بنجاسة أهل الكتاب ، بل البحث يجري حتى على القول بطهارتهم لأن الكلام حينئذ يقع في من يتولد من المشرك ، فانّ موضوع بحثنا هذا من تولد من شخصين محكومين بالنجاسة سواء أكانا من أهل الكتاب أم من غيرهم. نعم ، على تقدير القول بنجاستهم فأولادهم أيضاً يكون داخلاً في محل الكلام كأولاد سائر المحكومين بالنجاسة.

ثم إن البحث عن نجاسة ولد الكافر لا ينافي تسالمهم على أن حكم ولد الكافر حكمه من حيث جواز الأسر والاسترقاق ، وذلك لأن هناك أمرين : أحدهما : تبعية ولد الكافر لوالديه من حيث النجاسة وعدمها وهذا هو محل الكلام في المقام. وثانيهما : تبعية ولد الكافر له من حيث جواز الأسر والاسترقاق ، وهذا هو الذي تسالم عليه الأصحاب وقد ثبتت بالسيرة القطعية في حروب المسلمين ، حيث إنّهم كما كانوا يأسرون البالغين ويسترقّونهم من الكفّار كذلك كانوا يأسرون أولادهم وأطفالهم فالتسالم على أحدهما لا ينافي النزاع في الآخر.

ثم إنّ ولد الكافر ينبغي أن يخرج عن محل الكلام فيما إذا كان عاقلاً رشيداً معتقداً بغير مذهب الإسلام كالتهود والتنصر ونحوهما وإن كان غير بالغ شرعاً ، لأنّ نجاسته مسلمة ومما لا إشكال فيه وذلك لأنّه حينئذ يهودي أو نصراني حقيقة ، وعدم تكليفه


1) هذا فيما إذا كان مميّزاً ومظهراً للكفر ، وإلاّ فالحكم بنجاسته مبني على الاحتياط.

وكونه غير معاقب بشي‌ء من أفعاله لا ينافي تهوده أو تنصره ، كيف وقد يكون غير البالغ مشيِّداً لأركان الكفر والضلال ومروجاً لهما بتبليغه كما ربّما يشاهد في بعض الأطفال غير البالغين فضلاً عن أن يكون هو بنفسه كافراً ، وعليه فيتمحض محل الكلام فيما إذا كان ولد الكافر رضيعاً أو بعد الفطام وقبل كونه مميزاً بحيث كان تكلمه تبعاً لوالديه متلقياً كل ما القي إليه على نهج تكلم الطيور المعلمة هذا.

وقد استدلّ على نجاسته بوجوه : الأوّل : أنّه كأبويه كافر حقيقة بدعوى أنّ الكفر أمر عدمي وهو عدم الإسلام في محل قابل له ، والمفروض أنّ الولد ليس بمسلم كما أنّه محل قابل للإسلام وقد مرّ أن مجرد عدم الإسلام في المحل القابل له عبارة عن الكفر. وفيه : أن الكفر وإن كان أمراً عدميا إلاّ أن ظاهر الأخبار أنه ليس مطلق عدم الإسلام كفراً بل الكفر عدم خاص وهو العدم المبرز في الخارج بشي‌ء ، فما دام لم يظهر العدم من أحد لم يحكم بكفره ، فالإظهار معتبر في تحقّق الكفر كما أنه يعتبر في تحقّق الإسلام ، وحيث إن الولد لم يظهر منه شي‌ء منهما فلا يمكن الحكم بكفره ولا بإسلامه.

الثاني : الاستصحاب بتقريب أن الولد حينما كان في بطن امه علقة كان محكوماً بنجاسته لكونه دماً فنستصحب نجاسته السابقة عند الشك في طهارته. ويرده أولاً : أن النجاسة حال كونه علقة موضوعها هو الدم وقد انقلب إنساناً فالموضوع غير باق وثانياً : أن الاستصحاب لا يثبت به الحكم الشرعي الكلي على ما بيناه في محله.

الثالث : الروايات كصحيحة عبد اللّه بن سنان (1)ورواية وهب بن وهب (2)وما ورد (3)في تفسير قوله عزّ من قائل ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) (4)حيث دلّت بأجمعها على أن أولاد الكفار كالكفار وأنهم يدخلون مداخل آبائهم في النار ، كما أن أولاد المسلمين يدخلون مداخل آبائهم في الجنة ، لأن اللّه أعلم بما كانوا عاملين به على تقدير حياتهم.


1) الفقيه 3 : 317 ح 1544.

2) الفقيه 3 : 317 ح 1543.

3) الكافي 3 : 248 / 2.

4) الطور 52 : 21.

إلاّ إذا أسلم بعد البلوغ أو قبله مع فرض كونه عاقلاً مميزاً ، وكان إسلامه عن بصيرة (1)على الأقوى (1)


هذا ، ولا يخفى أن هذه الأخبار مخالفة للقواعد المسلمة عند العدلية ، حيث إنّ مجرّد علمه تعالى بايمان أحد أو كفره لو كان يكفي في صحة عقابه أو في ترتب الثواب عليه لم تكن حاجة إلى خلقه بوجه ، بل كان يدخله في النار أو في الجنان من غير أن يخلقه أوّلاً ثم يميته لعلمه تعالى بما كان يعمله على تقدير حياته إلاّ أنه سبحانه خلق الخلق ليتم عليهم الحجة ويتميز المطيع من العاصي ولئلاّ يكون للناس على اللّه حجة ، ومعه كيف يمكن تعذيب ولد الكافر ما دام لم يعص اللّه خارجاً. فهذه الأخبار غير قابلة للاستدلال بها في المقام ولا مناص من تأويلها.

هذا على أنها على تقدير تمامية دلالتها وصحتها بحسب السند كما في صحيحة عبد اللّه بن سنان إنما تدل على أن اللّه سبحانه يعامل معهم معاملة الكفر في النشأة الآخرة ، وأين هذا مما نحن فيه من الحكم بنجاستهم وكفرهم في هذه النشأة ، ولم تثبت أية ملازمة بينهما ، وعليه فلا دليل على نجاسة ولد الكافر سوى الإجماع والتسالم القطعيين المنقولين عن أصحابنا ، فكما أن أصل نجاسة أهل الكتاب إنما ثبت بإجماعهم فكذلك نجاسة أولادهم ، إلاّ أن هذا الإجماع إن تم وحصل لنا منه القطع أو الاطمئنان على أنهم كانوا في زمان الأئمة يعاملون مع ولد الكافر معاملة الكفر والنجاسة فهو وإلاّ فللتوقف والمناقشة في نجاسة ولد الكافر مجال واسع. هذا كله فيما إذا كان ولد الكافر ولداً شرعياً لأبويه ولو في مذهبهما.

(1) إذا أقر ولد الكافر بالإسلام وأجرى الشهادتين على لسانه فلا محالة يحكم بطهارته وإسلامه لإطلاق ما دلّ على تحقق الإسلام بالإقرار بالشهادتين ، كما يحكم بتهوّده أو تنصّره إذا اعترف بهما على نفسه من غير فرق في ذلك بين البالغ وغير البالغ ، وعدم كونه مكلّفاً شرعاً لا يقتضي عدم إسلامه بعد اعترافه به واعتقاده


1) (*) بل مطلقاً.

بصحّته كما ذكرناه عند اعترافه بالتهوّد والتنصّر ونحوهما ، ومعه لا مسوغ للحكم بنجاسته لأنه إمّا من جهة صدق التنصر أو التهود عليه وهو مقطوع العدم في مفروض الكلام لوضوح عدم صدقهما مع اعتقاده بخلافهما واعترافه بالإسلام ، وإما من جهة الإجماع المدعى على نجاسة ولد الكافر وهو أيضاً لا يشمل المقام لاختصاصه بالولد المتولد من شخصين كافرين من غير أن يعتقد بالإسلام.

بقي الكلام فيما هو الفارق بين الكفر والإسلام ، هل المدار في الحكم بإسلام أحد هو اعتقاده القلبي الباطني أو أن المناط في حصوله إظهاره الإسلام في الخارج أو يعتبر في حصوله كلا الأمرين؟

الصحيح أن يفصّل بين من حكم بإسلامه من الابتداء لتولده من مسلمين أو من مسلم وكافر وبين من حكم بكفره من الابتداء وأراد أن يدخل في الإسلام بعد ذلك أما الأول فالتحقيق عدم اعتبار شي‌ء من الأمرين المتقدِّمين في إسلامه ، وإنما هو محكوم بالطهارة وبالإسلام ما دام لم يظهر الكفر. ويدلُّ على ذلك مضافاً إلى السيرة القطعية المتصلة بزمانهم علیهم السلام حيث إنّه لم يسمع إلزامهم أحداً من المسلمين بالإقرار بالشهادتين حين بلوغه. نعم ، إذا جحد وأنكر شيئاً من الأحكام الإسلامية مع العلم بثبوته يحكمون بكفره وارتداده كما أسلفناه في البحث عن حصول الكفر بإنكار الضروري ، جملة من الروايات الواردة في المقام بمضامين مختلفة.

منها : ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام ، قال : « لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا » (1)حيث رتب الكفر في المسلمين على الجحود لأنهم المراد بالعباد بقرينة قوله علیه السلام « لم يكفروا » ، لبداهة أنه لا معنى للجملة المذكورة بالإضافة إلى الكفّار ، وعليه فما دام المسلم لم يجحد بشي‌ء من الأحكام الإسلامية فهو محكوم بالطهارة والإسلام.

ومنها : ما عن محمّد بن مسلم ، قال : « كنت عند أبي عبد اللّه علیه السلام جالساً عن يساره وزرارة عن يمينه فدخل عليه أبو بصير فقال : يا أبا عبد اللّه ما تقول فيمن


1) الوسائل 1 : 32 / أبواب مقدمة العبادات ب 2 ح 8.

شكّ في اللّه؟ فقال : كافر يا أبا محمّد ، قال : فشك في رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : كافر ، ثم التفت إلى زرارة فقال : إنما يكفر إذا جحد » (1)ومنها غير ذلك من الأخبار التي تدل على عدم اعتبار شي‌ء من الأمرين المتقدمين في إسلام من حكم بإسلامه من الابتداء.

وأمّا من حكم بكفره كذلك فالحكم بطهارته يتوقف على أن يظهر الإسلام بالإقرار بالشهادتين وإن كان إقراراً صورياً ولم يكن معتقداً به حقيقة وقلباً ، ويدلُّ عليه مضافاً إلى السيرة المتحققة فإن النبي صلی اللّه علیه و آله كان يكتفي في إسلام الكفرة بمجرّد إجرائهم الشهادتين باللِّسان مع القطع بعدم كونهم بأجمعهم معتقدين بالإسلام حقيقة ، وإلى قوله عزّ من قائل ( وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) (2)وقوله ( وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (3)حيث إنّه سبحانه أخبر في الآية الأُولى عن كذب المنافقين في اعترافهم برسالته صلی اللّه علیه و آله واعترض في الثانية على دعواهم الايمان ومع ذلك كلّه كان صلی اللّه علیه و آله يعامل معهم معاملة الطهارة والإسلام ، أضف إلى ذلك أنّ بعض الصحابة لم يؤمنوا باللّه طرفة عين وإنما كانوا يظهرون الشهادتين باللسان وهو صلی اللّه علیه و آله مع علمه بحالهم لم يحكم بنجاستهم ولا بكفرهم ، ما ورد في غير واحد من الأخبار من أن الإسلام ليس إلاّ عبارة عن الإقرار بالشهادتين (4)كما نطق بذلك أيضاً بعض ما ورد من غير طرقنا ، ففي صحيح البخاري عن النبيّ صلی اللّه علیه و آله « إنِّي أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه كي يصون بذلك دماؤهم وأموالهم منِّي » (5).


1) الوسائل 28 : 356 / أبواب حدّ المرتد ب 10 ح 56.

2) المنافقون 63 : 1.

3) الحجرات 49 : 14.

4) لاحظ الوسائل 1 : 15 / أبواب مقدمة العبادات ب 1 ح 4 ، 9 ، 17 وغيرها من روايات الباب.

5) صحيح البخاري 1 : 13 عن ابن عمر « أن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وسلم ) قال : أمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأن محمداً رسول اللّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على اللّه ». وأخرجه مسلم في الجزء الأول ص 53 وفي كنز العمال 1 : 23 بكيفيات مختلفة.

ولا فرق في نجاسته بين كونه من حلال أو من الزّنا (1) ولو في مذهبه ،


وعلى الجملة أنّ احترام الدماء والأموال وغيرهما من الآثار مترتب على إظهار الشهادتين ولا يعتبر في ترتبها الاعتقاد بالإسلام قلباً وحقيقة. نعم ، إنما يعتبر العقد القلبي في الايمان ، ومع فقده يعامل اللّه سبحانه معه معاملة الكفر في الآخرة وهو الذي نصطلح عليه بمسلم الدنيا وكافر الآخرة. فالذي تحصل أن المدار في الإسلام إنما هو على إجراء الشهادتين باللسان دون العقد القلبي ولا هما معاً.

(1) قد تقدّم الكلام في ولد الكافر فيما إذا كان ولداً شرعياً لأبويه ، وأمّا إذا كان الولد عن زنا ولو في مذهبهما فهل يحكم بنجاسته بناء على نجاسة ولد الكافر الحلال؟ فقد يتردد في الحكم بنجاسته نظراً إلى أنّ المراد بالولد إنّ كان هو الولد الشرعي لوالديه فلا يمكننا الحكم بنجاسة ولدهما عن زنا لأنّه ليس بولد شرعي للزاني ولا للزانية ، وإن أُريد منه الولد لغة فهو كما يشمل الولد الحلال كذلك يشمل الولد الحرام حيث إنّه نشأ من ماء أحدهما وتربى في بطن الآخر فلا مناص من الحكم بنجاسته.

هذا والصحيح أن ولد الزّنا أيضاً ولد لهما شرعاً ولغة وعرفاً ، فانّ الولد ليس له اصطلاح حادث في الشرع وإنما هو على معناه اللغوي ، ولم يرد في شي‌ء من روايتنا نفي ولدية ولد الزّنا. نعم ، إنما ثبت انتفاء التوارث بينهما فلا يرثانه كما لا يرثهما وهو لا ينافي ولديته ، كيف وقد ثبت انتفاء التوارث بين الولد ووالديه في غير واحد من المقامات من غير استلزامه نفي الولدية بوجه ، كما في من قتل أباه أو كان الولد كافراً أورقاً حيث لا توارث حينئذ من غير أن يكون ذلك موجباً لسلب ولديته. وأمّا قوله علیه السلام « الولد للفراش وللعاهر الحجر » (1)فهو إنّما ورد في مقام الشك في أن الولد من الزوج أو الزّنا وقد دلّ على أنّه يعطى للفراش وللعاهر الحجر ، ولا دلالة له


1) الوسائل 21 : 173 / أبواب نكاح العبيد والإماء ب 58 ح 2 ، 3 ، 4 ، 7.

ولو كان أحد الأبوين مسلماً فالولد تابع له إذا لم يكن عن زنا (1) بل مطلقاً على وجه مطابق لأصل الطهارة (2).

[198] مسألة 1 : الأقوى طهارة ولد الزّنا من المسلمين ، سواء كان من طرف أو طرفين ، بل وإن كان أحد الأبوين مسلماً كما مرّ (3).


على نفي ولدية ولد الزّنا بوجه ، وذلك فان الولد ليس إلاّ بمعنى تكوّنه من ماء أحدهما وتربّيه في بطن الآخر وهو متحقق في ولد الزّنا أيضاً كما مر ، وعليه فلا مناص من الحكم بنجاسة ولد الكافر الحرام إذا قلنا بنجاسة ولد الكافر عند كونه حلالاً في مذهبه ، هذا كله فيما إذا كان أبواه كافرين.

(1) إذا حصل الولد عن زنا بين مسلم وكافرة ولم يكن العمل ممنوعاً عنه في مذهبها أو كانت جاهلة بالحال إلاّ أنه كان محرماً في مذهب الإسلام فهل يحكم بنجاسته؟ الصحيح أن يحكم بطهارته ، لأنّ الولدية بمعنى التوارث وإن كانت ثابتة بينه وبين امّه كما أنه ولد لأبيه على ما بيناه إلاّ أن المقتضي لنجاسته قاصر ، حيث إن الدليل على نجاسة ولد الكافر منحصر بالإجماع وهو مختص بالمتولد من كافرين ولا يشمل المتولد من مسلم وكافرة ، وعليه فمقتضى قاعدة الطهارة طهارته. ومن هذا يظهر الحال في صورة العكس كما إذا زنى كافر بمسلمة ، وذلك لاختصاص دليل النجاسة بصورة كون الولد متولداً من كافرين ، فإذا كان أحدهما مسلماً فلا مقتضي للحكم بنجاسته سواء أكان الولد ولداً شرعياً لهما أو لأحدهما أم كان من الزّنا.

(2) قد عرفت الوجه في ذلك آنفاً.

(3) نسب إلى علم الهدى (1)والحلِّي (2)والصّدوق (3)قدس سرهم القول بكفر


1) نقله عنه في المختلف 1 : 65 ، وانظر الإنتصار : 544.

2) السرائر 1 : 357 ، 2 : 122 ، 353 ، 526.

3) ذهب الصدوق إلى عدم جواز الوضوء بسؤر ولد الزّنا كالمشرك وغيره ، فانظر الهداية : 14 ، الفقيه : 1 : 8 ذيل الحديث 11.

ولد الزّنا من المسلمين ونجاسته ، وذهب المشهور إلى طهارته وإسلامه. واستدل على نجاسته بأُمور :

منها : ما ورد في رواية عبد اللّه بن أبي يعفور من أن ولد الزّنا لا يطهر إلى سبعة آباء (1). ويدفعه أن الرواية ناظرة إلى بيان الخباثة المعنوية المتكونة في ولد الزّنا وأن آثارها لا تزول عنه إلى سبعة آباء ولا نظر لها إلى الطهارة المبحوث عنها في المقام ويدلُّ على ذلك أن المتولد من ولد الزّنا ممن لا كلام عندهم أي عند السيد وقرينيه في طهارته فضلاً عن طهارته إلى سبعة آباء.

ومنها : مرسلة الوشّاء « أنّه كره علیه السلام سؤر ولد الزّنا واليهودي والنصراني والمشرك وكل من خالف الإسلام ، وكان أشدّ ذلك عنده سؤر الناصب » (2). وفيه : أنه لا دلالة في كراهة سؤر ولد الزّنا على نجاسته ولعل الكراهة مستندة إلى خباثته المعنوية كما مر.

ومنها : الأخبار الناهية عن الاغتسال من البئر التي تجتمع فيها غسالة ماء الحمام معلّلاً بأنّ فيها غسالة ولد الزّنا أو بأنّه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزّنا (3). والجواب عنها أنّ النهي في تلك الروايات مستند إلى القذارة العرفية المتوهّمة ولا دلالة لها على نجاسة ولد الزّنا ، وذكره مقارناً للنصارى واليهود لا يقتضي نجاسته ، إذ النهي بالإضافة إليهم أيضاً مستند إلى الاستقذار العرفي كما أُشير إليه في بعض الروايات حيث قيل لأبي الحسن علیه السلام « إنّ أهل المدينة يقولون : إنّ فيه أي في ماء الحمام شفاء من العين ، فقال : كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام والزّاني والناصب الذي هو شرّهما وكل من خلق اللّه ثم يكون فيه شفاء من العين » (4)بمعنى أنّه ماء متقذر فكيف يكون فيه شفاء من العين. ويدلُّ على ما ذكرناه أيضاً أن ولد


1) الوسائل 1 : 219 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 4.

2) الوسائل 1 : 229 / أبواب الأسآر ب 3 ح 2.

3) الوسائل 1 : 219 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 1 ، 2 ، 4.

4) وهي رواية محمد بن علي بن جعفر عن أبي الحسن الرضا علیه السلام المروية في الوسائل 1 : 219 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 2.

[199] مسألة 2 : لا إشكال في نجاسة الغُلاة (1)(1)


الزّنا قد قورن في بعض الروايات بالجنب والزّاني (2)مع أنهما ممن لا إشكال في طهارته كما هو ظاهر.

ومنها : موثقة زرارة قال : « سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول : لا خير في ولد الزّنا ولا في بشره ، ولا في شعره ، ولا في لحمه ، ولا في دمه ولا في شي‌ء منه يعني ولد الزّنا » (3).

ومنها : حسنة محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال : « لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية أحب إليَّ من ولد الزّنا ... » (4)وعدم دلالتهما على نجاسة ولد الزّنا أظهر من أن يخفى ، فان كون لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية خيراً من ولد الزّنا لا يقتضي نجاسته وإنما هو من جهة خباثته وتأثيرها في لبنها كما أن نفي الخير عنه لا يلازم النجاسة.

فالصحيح أن ولد الزّنا مسلم ومحكوم بطهارته لقاعدة الطهارة كما ذهب إليه المشهور ، من غير فرق في ذلك بين أن يكون الولد من مسلمين وبين أن يكون من مسلم وغير مسلم.

(1) الغُلاة على طوائف : فمنهم من يعتقد الربوبيّة لأمير المؤمنين أو أحد الأئمة الطاهرين علیهم السلام فيعتقد بأنّه الرب الجليل وأنه الإله المجسّم الذي نزل إلى الأرض ، وهذه النسبة لو صحّت وثبت اعتقادهم بذلك فلا إشكال في نجاستهم وكفرهم لأنّه إنكار لُالوهيته سبحانه ، لبداهة أنه لا فرق في إنكارها بين دعوى


1) (*) بل خصوص من يعتقد الربوبية لأمير المؤمنين علیه السلام أو لأحد من بقية الأئمة الأطهار علیهم السلام .

2) كما في روايتي حمزة بن أحمد ومحمد بن علي بن جعفر المرويتين في الوسائل 1 : 219 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 1 ، 2.

3) ثواب الأعمال 313 ح 9 وعنه في البحار 5 : 285 ح 6.

4) الوسائل 21 : 462 / أبواب أحكام الأولاد ب 75 ح 2.

ثبوتها لزيد أو للأصنام وبين دعوى ثبوتها لأمير المؤمنين علیه السلام لاشتراكهما في إنكار الوهيته تعالى وهو من أحد الأسباب الموجبة للكفر.

ومنهم من ينسب إليه الاعتراف بالوهيته سبحانه إلاّ أنّه يعتقد أنّ الأُمور الراجعة إلى التشريع والتكوين كلها بيد أمير المؤمنين أو أحدهم علیهم السلام ، فيرى أنّه المحيي والمميت وأنّه الخالق والرازق وأنّه الذي أيّد الأنبياء السالفين سرّاً وأيّد النبيّ الأكرم صلی اللّه علیه و آله جهراً. واعتقادهم هذا وإن كان باطلاً واقعاً وعلى خلاف الواقع حقاً ، حيث إنّ الكتاب العزيز يدل على أن الأُمور الراجعة إلى التكوين والتشريع كلّها بيد اللّه سبحانه ، إلاّ أنّه ليس مما له موضوعية في الحكم بكفر الملتزم به. نعم ، الاعتقاد بذلك عقيدة التفويض لأنّ معناه أنّ اللّه سبحانه كبعض السلاطين والملوك قد عزل نفسه عما يرجع إلى تدبير مملكته وفوّض الأُمور الراجعة إليها إلى أحد وزرائه ، وهذا كثيراً ما يتراءى في الأشعار المنظومة بالعربية أو الفارسية ، حيث ترى أن الشاعر يسند إلى أمير المؤمنين علیه السلام بعضاً من هذه الأُمور.

وعليه فهذا الاعتقاد إنكار للضروري ، فإنّ الأُمور الراجعة إلى التكوين والتشريع مختصّة بذات الواجب تعالى ، فيبتني كفر هذه الطائفة على ما قدّمناه من أن إنكار الضروري هل يستتبع الكفر مطلقاً أو أنه إنما يوجب الكفر فيما إذا رجع إلى تكذيب النبيّ صلی اللّه علیه و آله كما إذا كان عالماً بأن ما ينكره ثبت بالضرورة من الدين؟ فنحكم بكفرهم على الأوّل وأمّا على الثاني فنفصّل بين من اعتقد بذلك لشبهة حصلت له بسبب ما ورد في بعض الأدعية وغيرها مما ظاهره أنهم علیهم السلام مفوضون في تلك الأُمور من غير أن يعلم باختصاصها لله سبحانه ، وبين من اعتقد بذلك مع العلم بأنّ ما يعتقده مما ثبت خلافه بالضرورة من الدين بالحكم بكفره في الصورة الثانية دون الاولى.

ومنهم من لا يعتقد بربوبية أمير المؤمنين علیه السلام ولا بتفويض الأُمور إليه وإنما يعتقد أنه علیه السلام وغيره من الأئمة الطاهرين ولاة الأمر وأنهم عاملون لله سبحانه وأنهم أكرم المخلوقين عنده فينسب إليهم الرزق والخلق ونحوهما ، لا بمعنى إسنادها إليهم علیهم السلام حقيقة لأنه يعتقد أن العامل فيها حقيقة هو اللّه ، بل

والخوارج (1)(1) والنّواصب (2)


كإسناد الموت إلى ملك الموت والمطر إلى ملك المطر والإحياء إلى عيسى علیه السلام كما ورد في الكتاب العزيز ( وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللّهِ ) (2)وغيرها مما هو من إسناد فعل من أفعال اللّه سبحانه إلى العاملين له بضرب من الاسناد. ومثل هذا الاعتقاد غير مستتبع للكفر ولا هو إنكار للضروري ، فعدّ هذا القسم من أقسام الغلوّ نظير ما نقل عن الصدوق قدس سره عن شيخه ابن الوليد : أن نفي السهو عن النبي صلی اللّه علیه و آله أول درجة الغلو (3). والغلو بهذا المعنى الأخير مما لا محذور فيه بل لا مناص عن الالتزام به في الجملة.

(1) إن أُريد بالخوارج الطائفة المعروفة ( خذلهم اللّه ) وهم المعتقدون بكفر أمير المؤمنين علیه السلام والمتقربون إلى اللّه ببغضه ومخالفته ومحاربته فلا إشكال في كفرهم ونجاستهم ، لأنّه مرتبة عالية من النصب الذي هو بمعنى نصب العداوة لأمير المؤمنين وأولاده المعصومين علیهم السلام فحكمهم حكم النصّاب ، ويأتي أن الناصب محكوم بكفره ونجاسته.

وإن أُريد منهم مَن خرج على إمام عصره من غير نصب العداوة له ولا استحلال لمحاربته بل يعتقد إمامته ويحبه ، إلاّ أنه لغلبة شقوته ومشتهيات نفسه من الجاه والمقام ارتكب ما يراه مبغوضاً لله سبحانه فخرج على إمام عصره ، فهو وإن كان في الحقيقة أشد من الكفر والإلحاد إلاّ أنه غير مستتبع للنجاسة المصطلحة ، لأنّه لم ينكر الأُلوهية ولا النبوة ولا المعاد ولا أنكر أمراً ثبت من الدين بالضرورة.

(2) وهم الفرقة الملعونة التي تنصب العداوة وتظهر البغضاء لأهل البيت علیهم السلام كمعاوية ويزيد ( لعنهما اللّه ) ولا شبهة في نجاستهم وكفرهم ، وهذا لا للأخبار الواردة في كفر المخالفين كما تأتي جملة منها عن قريب ، لأنّ الكفر فيها إنما هو في مقابل


1) (*) على الأحوط لزوماً إذا لم يكونوا من النصّاب.

2) آل عمران 3 : 49.

3) الفقيه 1 : 235.

الايمان ولم يرد منه ما يقابل الإسلام ، بل لما رواه ابن أبي يعفور في الموثق عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث قال : « وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام ، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت وهو شرّهم فان اللّه تبارك وتعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب وإن الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه » (1)حيث إن ظاهرها إرادة النجاسة الظاهرية الطارئة على أعضاء الناصب لنصبه وكفره ، وهذا من غير فرق بين خروجه على الامام علیه السلام وعدمه ، لأنّ مجرّد نصب العداوة وإعلانها على أئمة الهدى علیهم السلام كاف في الحكم بكفره ونجاسته وقد كان جملة من المقاتلين مع الحسين علیه السلام من النصّاب وإنما أقدموا على محاربته من أجل نصبهم العداوة لأمير المؤمنين وأولاده.

ثم إن كون الناصب أنجس من الكلب لعله من جهة أن الناصب نجس من جهتين وهما جهتا ظاهره وباطنه ، لأن الناصب محكوم بالنجاسة الظاهرية لنصبه كما أنه نجس من حيث باطنه وروحه ، وهذا بخلاف الكلب لأن النجاسة فيه من ناحية ظاهره فحسب.

ودعوى : أن الحكم بنجاسة الناصب بعيد لكثرة النصب في دولة بني أُمية ومساورة الأئمة علیهم السلام وأصحابهم مع النّصاب ، حيث كانوا يدخلون بيوتهم كما أنهم كانوا يدخلون على الأئمة علیهم السلام ومع ذلك لم يرد شي‌ء من رواياتنا ما يدل على لزوم التجنب عن مساورتهم ولا أن الأئمة اجتنبوا عنهم بأنفسهم ، فهذا كاشف قطعي عن عدم نجاسة الناصب لأنّه لولا ذلك لأشاروا علیهم السلام بذلك وبيّنوا نجاسة الناصب ولو لأصحابهم ، وقد عرفت أنّه لا عين ولا أثر منه في شي‌ء من رواياتنا.

مدفوعة : بما نبّه عليه شيخنا الأنصاري قدس سره وحاصله : أنّ انتشار أغلب الأحكام إنما كان في عصر الصادقين علیهماالسلام فمن الجائز أن يكون كفر النواصب أيضاً منتشراً في عصرهما علیهماالسلام ، فمخالطة أصحاب الأئمة معهم في


1) المروية في الوسائل 1 : 220 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 5.

وأمّا المجسِّمة (1)


دولة بني أُميّة إنما كانت من جهة عدم علمهم بنجاسة الناصب في ذلك الزمان (1)وتوضيحه :

أنّ النواصب إنما كثروا من عهد معاوية إلى عصر العباسيين لأنّ الناس مجبولون على دين ملوكهم والمرءوس يتقرّب إلى رئيسه بما يحبّه الرئيس ، وكان معاوية يسب أمير المؤمنين علیه السلام علناً ويعلن عداوته له جهراً ولأجله كثر النواصب في زمانه إلى عصر العباسيين. ولا يبعد أنهم علیهم السلام لم يبيّنوا نجاسة الناصب في ذلك العصر مراعاة لعدم تضيق الأمر على شيعتهم ، فانّ نجاسة الناصب كانت توقعهم في حرج شديد لكثرة مساورتهم ومخالطتهم معه أو من جهة مراعاة الخوف والتقية فإنهم كانوا جماعة كثيرين ، ومن هنا أخّروا بيانها إلى عصر العباسيين حيث إنهم كانوا يوالون الأئمة علیهم السلام ظاهراً ولا سيما المأمون ولم ينصب العداوة لأهل البيت إلاّ قليل. وما ذكرناه هو السر في عدم اجتناب أصحابهم عن الناصب ، وأمّا الأئمة بأنفسهم فلم يظهر عدم تجنبهم عنهم بوجه ، ومعه لا مسوغ لرد ما ورد من الرواية في نجاستهم بمجرّد استبعاد كفره وأنّ الناصب لو كان نجساً لبيّنها الأئمة علیهم السلام لأصحابهم وخواصهم.

(1) وهم على طائفتين : فإنّ منهم من يدعي أن اللّه سبحانه جسم حقيقة كغيره من الأجسام وله يد ورجل إلاّ أنه خالق لغيره وموجد لسائر الأجسام ، فالقائل بهذا القول إن التزم بلازمه من الحدوث والحاجة إلى الحيّز والمكان ونفي القدمة ، فلا إشكال في الحكم بكفره ونجاسته لأنه إنكار لوجوده سبحانه حقيقة. وأما إذا لم يلتزم بذلك بل اعتقد بقدمه تعالى وأنكر الحاجة فلا دليل على كفره ونجاسته وإن كان اعتقاده هذا باطلاً ومما لا أساس له.

ومنهم من يدّعي أنه تعالى جسم ولكن لا كسائر الأجسام كما ورد أنه شي‌ء


1) كتاب الطهارة : 351 ، باب النجاسات ( حكم المخالف ) السطر 22.

والمجبِّرة (1)


لا كالأشياء (1)فهو قديم غير محتاج ، ومثل هذا الاعتقاد لا يستتبع الكفر والنجاسة وأمّا استلزامه الكفر من أجل أنه إنكار للضروري حيث إنّ عدم تجسّمه من الضروري فهو يبتني على الخلاف المتقدم من أن إنكار الضروري هل يستلزم الكفر مطلقاً أو أنه إنما يوجب الكفر فيما إذا كان المنكر عالماً بالحال ، بحيث كان إنكاره مستلزماً لتكذيب النبيّ صلی اللّه علیه و آله .

هذا ، والعجب من صدر المتألهين حيث ذهب إلى هذا القول في شرحه على الكافي وقال ما ملخّصه : إنّه لا مانع من التزام أنه سبحانه جسم إلهي ، فانّ للجسم أقساماً فمنها : جسم مادي وهو كالأجسام الخارجية المشتملة على المادّة لا محالة. ومنها : جسم مثالي وهو الصورة الحاصلة للإنسان من الأجسام الخارجية وهي جسم لا مادّة لها. ومنها : جسم عقلي وهو الكلِّي المتحقق في الذهن وهو أيضاً مما لا مادّة له بل وعدم اشتماله عليها أظهر من سابقه. ومنها : جسم إلهي وهو فوق الأجسام بأقسامها وعدم حاجته إلى المادّة أظهر من عدم الحاجة إليها في الجسم العقلي ، ومنها : غير ذلك من الأقسام ، ولقد صرّح بأن المقسم لهذه الأقسام الأربعة هو الجسم الذي له أبعاد ثلاثة من العمق والطول والعرض (2). وليت شعري أن ما فيه هذه الأبعاد وكان عمقه غير طوله وهما غير عرضه كيف لا يشتمل على مادة ولا يكون متركباً حتى يكون هو الواجب سبحانه. نعم ، عرفت أن الالتزام بهذه العقيدة الباطلة غير مستتبع لشي‌ء من الكفر والنجاسة ، كيف وأكثر المسلمين لقصور باعهم يعتقدون أنّ اللّه سبحانه جسم جالس على عرشه ومن ثمة يتوجهون نحوه توجه جسم إلى جسم مثله لا على نحو التوجه القلبي.

(1) القائلون بالجبر إن التزموا بتوالي عقيدتهم من إبطال التكاليف والثواب


1) ورد مضمونه في الكافي 1 : 81 ذيل الحديث 5.

2) شرح أُصول الكافي : 273.

والعقاب بل وإسناد الظلم إلى اللّه تعالى ، لأنه لازم إسناد الأفعال الصادرة عن المكلفين إليه سبحانه ونفي قدرتهم عنها نظير حركة يد المرتعش فلا تأمل في كفرهم ونجاستهم لأنه إبطال للنبوات والتكاليف. وأما إذا لم يلتزموا بها كما لا يلتزمون حيث اعترفوا بالتكاليف والعقاب والثواب بدعوى أنهما لكسب العبد وإن كان فعله خارجاً عن تحت قدرته واختياره واستشهدوا عليه بجملة من الآيات كقوله عزّ من قائل ( وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها ) (1)وقوله ( لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) (2)وقوله ( لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ ) (3)وقوله ( كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ) (4)إلى غير ذلك من الآيات ، فلا يحكم بكفرهم فانّ مجرّد اعتقاد الجبر غير موجب له ولا سيّما بملاحظة ما ورد من أنّ الإسلام هو الاعتراف بالشهادتين (5)اللّتين عليهما أكثر الناس ، لأنّ لازمه الحكم بطهارة المجبِّرة وإسلامهم لاعترافهم بالشهادتين ، مضافاً إلى استبعاد نجاستهم وكفرهم على كثرتهم ، حيث إنّ القائل بذلك القول هو الأشاعرة وهم أكثر من غيرهم من العامّة. نعم ، عقيدة الجبر من العقائد الباطلة في نفسها.

وأمّا المفوِّضة فحالهم حال المجبِّرة فإنهم إذا التزموا بما يلزم مذهبهم من إعطاء السلطان للعبد في قبال سلطانه تعالى فلا مناص من الحكم بكفرهم ونجاستهم لأنه شرك لا محالة ، وأما إذا لم يلتزموا بلوازم اعتقادهم كما هو الواقع حيث إنهم أرادوا بذلك الفرار عما يلزم المجبّرة من اسناد الظلم إلى اللّه سبحانه ، لوضوح أنّ العقاب على ما لا يتمكّن منه العبد ظلم قبيح وإن وقعوا في محذور آخر أشدّ من حيث لا يشعرون وهو إيجاد الشريك لله تعالى في سلطانه ، فلا يستلزم اعتقادهم هذا شيئاً من النجاسة والكفر.


1) الأنعام 6 : 164.

2) البقرة 2 : 286.

3) البقرة 2 : 134.

4) الطور 52 : 21.

5) الوسائل 1 : 19 / أبواب مقدمة العبادات ب 1 ح 13 ، 15 ، 33.

والقائلون بوحدة الوجود من الصّوفيّة إذا التزموا بأحكام الإسلام فالأقوى عدم نجاستهم إلاّ مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد (1).


وأمّا ما ورد في بعض الروايات من أن القائل بالتفويض مشرك (1)فقد ظهر جوابه مما ذكرناه سابقاً من أن للشرك مراتب عديدة وهو غير مستتبع للكفر على إطلاقه كيف ولا إشكال في إسلام المرائي في عبادته مع أن الرياء شرك باللّه سبحانه ، فالشرك المستلزم للكفر إنما هو الإشراك في ذاته تعالى أو في عبادته لأنه المقدار المتيقن من قوله تعالى ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) (2)على تقدير دلالته على نجاسة المشرك ، لأن هؤلاء المشركين لم يكونوا إلاّ عبدة الأصنام والأوثان ، فالذي يعبد غير اللّه تعالى أو يشرك في ذاته هو المحكوم بكفره دون مطلق المشرك.

ثم إنّ القول بالجبر والقول بالتفويض لما كانا في طرفي النقيض وكان يلزم على كل منهما محذور فقد نفاهما الأئمة الهداة ( عليهم صلوات اللّه الملك المتعال ) وأثبتوا الأمر بين الأمرين قائلاً : « بأنه لا جبر ولا تفويض بل منزلة بينهما » (3)فان في الفعل إسنادين : إسناد إلى اللّه سبحانه وهو إسناد الإفاضة والاقدار دون إسناد الفعل إلى فاعله وإسناد إلى فاعله إسناد العمل إلى عامله. وقد ذكرنا شيخنا الأُستاذ قدس سره أن في هذه الأخبار الشريفة المثبتة للمنزلة بين المنزلتين لدلالة واضحة على ولايتهم ( صلوات اللّه عليهم أجمعين ) حيث إن الالتفات إلى هذه الدقيقة التي يتحفظ فيها على كلتا الجهتين عدالة اللّه وسلطانه لا يكون إلاّ عن منشإ إلهي (4)ولنعم ما أفاده.

(1) القائل بوحدة الوجود إن أراد أن الوجود حقيقة واحدة ولا تعدد في حقيقته وأنه كما يطلق على الواجب كذلك يطلق على الممكن ، فهما موجودان وحقيقة الوجود فيهما واحدة والاختلاف إنما هو بحسب المرتبة ، لأن الوجود الواجبي في أعلى مراتب


1) الوسائل 28 : 340 / أبواب حدّ المرتد ب 10 ح 4.

2) التوبة 9 : 28.

3) الكافي 1 : 159 ح 10 ، 13.

4) أجود التقريرات 1 : 93.

القوّة والتمام والوجود الممكني في أنزل مراتب الضعف والنقصان وإن كان كلاهما موجوداً حقيقة وأحدهما خالق للآخر وموجد له ، فهذا في الحقيقة قول بكثرة الوجود والموجود معاً نعم حقيقة الوجود واحدة ، فهو مما لا يستلزم الكفر والنجاسة بوجه بل هو مذهب أكثر الفلاسفة بل مما اعتقده المسلمون وأهل الكتاب ومطابق لظواهر الآيات والأدعية ، فترى أنّه علیه السلام يقول : « أنت الخالق وأنا المخلوق وأنت الرب وأنا المربوب » (1)وغير ذلك من التعابير الدالة على أن هناك موجودين متعدِّدين أحدهما موجد وخالق للآخر ، ويعبّر عن ذلك في الاصطلاح بالتوحيد العامِّي.

وإن أراد من وحدة الوجود ما يقابل الأول وهو أن يقول بوحدة الوجود والموجود حقيقة وأنه ليس هناك في الحقيقة إلاّ موجود واحد ولكن له تطورات متكثرة واعتبارات مختلفة ، لأنه في الخالق خالق وفي المخلوق مخلوق كما أنه في السماء سماء وفي الأرض أرض وهكذا ، وهذا هو الذي يقال له توحيد خاص الخاص وهذا القول نسبه صدر المتألهين إلى بعض الجهلة من المتصوفين ، وحكى عن بعضهم أنه قال : ليس في جبتي سوى اللّه ، وأنكر نسبته إلى أكابر الصوفية ورؤسائهم (2)، وإنكاره هذا هو الذي يساعده الاعتبار فان العاقل كيف يصدر منه هذا الكلام وكيف يلتزم بوحدة الخالق ومخلوقه ويدعي اختلافهما بحسب الاعتبار.

وكيف كان فلا إشكال في أن الالتزام بذلك كفر صريح وزندقة ظاهرة ، لأنه إنكار للواجب والنبيّ صلی اللّه علیه و آله حيث لا امتياز للخالق عن المخلوق حينئذ إلاّ بالاعتبار ، وكذا النبيّ صلی اللّه علیه و آله وأبو جهل مثلاً متّحدان في الحقيقة على هذا الأساس وإنما يختلفان بحسب الاعتبار.

وأمّا إذا أراد القائل بوحدة الوجود أن الوجود واحد حقيقة ولا كثرة فيه من جهة وإنما الموجود متعدِّد ، ولكنه فرق بيّن بين موجودية الوجود وبين موجودية غيره من الماهيّات الممكنة ، لأنّ إطلاق الموجود على الوجود من جهة أنّه نفس مبدأ الاشتقاق


1) كما في دعاء يستشير مفاتيح الجنان : 78.

2) لاحظ الأسفار 1 : 71.

وأمّا إطلاقه على الماهيات الممكنة فإنما هو من جهة كونها منتسبة إلى الموجود الحقيقي الذي هو الوجود لا من أجل أنها نفس مبدأ الاشتقاق ولا من جهة قيام الوجود بها حيث إن للمشتق إطلاقات فقد يحمل على الذات من جهة قيام المبدأ به كما في زيد عالم أو ضارب لأنّه بمعنى مَن قام به العلم أو الضرب ، وأُخرى يحمل عليه لأنّه نفس مبدأ الاشتقاق كما عرفته في الوجود والموجود ، وثالثة من جهة إضافته إلى المبدأ نحو إضافة وهذا كما في اللاّبن والتامر لضرورة عدم قيام اللبن والتمر ببائعهما إلاّ أنّ البائع لما كان مسنداً ومضافاً إليهما نحو إضافة وهو كونه بائعاً لهما ، صح إطلاق اللاّبن والتامر على بائع التمر واللّبن ، وإطلاق الموجود على الماهيات الممكنة من هذا القبيل ، لأنه بمعنى أنها منتسبة ومضافة إلى اللّه سبحانه بإضافة يعبّر عنها بالإضافة الإشراقية فالموجود بالوجود الانتسابي متعدِّد والموجود الاستقلالي الذي هو الوجود واحد.

وهذا القول منسوب إلى أذواق المتألهين ، فكأن القائل به بلغ أعلى مراتب التأله حيث حصر الوجود بالواجب سبحانه ، ويسمّى هذا توحيداً خاصياً. ولقد اختار ذلك بعض الأكابر ممن عاصرناهم وأصرّ عليه غاية الإصرار مستشهداً بجملة وافرة من الآيات والأخبار حيث إنّه تعالى قد أُطلق عليه الموجود في بعض الأدعية (1)وهذا المدعى وإن كان أمراً باطلاً في نفسه لابتنائه على أصالة الماهيّة على ما تحقّق في محلّه وهي فاسدة لأنّ الأصيل هو الوجود إلاّ انه غير مستتبع لشي‌ء من الكفر والنجاسة والفسق.

بقي هناك احتمال آخر وهو ما إذا أراد القائل بوحدة الوجود وحدة الوجود والموجود في عين كثرتهما فيلتزم بوحدة الوجود والموجود وأنه الواجب سبحانه إلاّ أن الكثرات ظهورات نوره وشؤونات ذاته ، وكل منها نعت من نعوته ولمعة من لمعات صفاته ويسمّى ذلك عند الاصطلاح بتوحيد أخصّ الخواص ، وهذا هو الذي حقّقه صدر المتألهين ونسبه إلى الأولياء والعرفاء من عظماء أهل الكشف واليقين قائلاً : بأن


1) وقفنا عليه في دعائي المجير والحزين المنقولين في مفاتيح المحدث القمي ص 81 وهامش 148.

[200] مسألة 3 : غير الاثني عشريّة من فِرَق الشّيعة إذا لم يكونوا ناصبين ومعادين لسائر الأئمة ولا سابّين لهم (1)طاهرون (1)


الآن حصحص الحق واضمحلّت الكثرة الوهمية وارتفعت أغاليط الأوهام (2)، إلاّ أنّه لم يظهر لنا إلى الآن حقيقة ما يريدونه من هذا الكلام. وكيف كان فالقائل بوحدة الوجود بهذا المعنى الأخير أيضاً غير محكوم بكفره ولا بنجاسته ما دام لم يلتزم بتوال فاسدة من إنكار الواجب أو الرسالة أو المعاد.

(1) قد وقع الكلام في نجاسة الفرق المخالفة للشيعة الاثني عشرية وطهارتهم. وحاصل الكلام في ذلك أن إنكار الولاية لجميع الأئمة علیهم السلام أو لبعضهم هل هو كإنكار الرسالة يستتبع الكفر والنجاسة؟ أو أن إنكار الولاية إنما يوجب الخروج عن الايمان مع الحكم بإسلامه وطهارته؟ فالمعروف المشهور بين المسلمين طهارة أهل الخلاف وغيرهم من الفرق المخالفة للشيعة الاثني عشرية ، ولكن صاحب الحدائق قدس سره نسب إلى المشهور بين المتقدِّمين وإلى السيد المرتضى وغيره الحكم بكفر أهل الخلاف ونجاستهم وبنى عليه واختاره ، كما أنه بنى على نجاسة جميع من خرج عن الشيعة الاثني عشرية من الفرق (3).

وما يمكن أن يستدل به على نجاسة المخالفين وجوه ثلاثة : الأول : ما ورد في الروايات الكثيرة البالغة حد الاستفاضة من أن المخالف لهم علیهم السلام كافر (4)وقد ورد في الزيارة الجامعة : « ومن وحّده قبل عنكم » (5)فإنه ينتج بعكس النقيض


1) (*) إيجاب السب للكفر إنما هو لاستلزامه النصب.

2) لاحظ الأسفار 1 : 71.

3) الحدائق 5 : 175.

4) ففي بعضها « إن اللّه جعل علياً علماً بينه وبين خلقه ليس بينه وبينهم علم غيره ، فمن تبعه كان مؤمناً ومن جحده كان كافراً ومن شك فيه كان مشركاً. وفي آخر « علي باب هدى من خالفه كان كافراً ومن أنكره دخل النار » إلى غير ذلك من الأخبار فإن شئت فراجع الوسائل 28 : 343 / أبواب حد المرتد ب 10 ح 13 ، 14 وغيرهما.

5) البلد الأمين للكفعمي : 302.

أن من لم يقبل منهم فهو غير موحّد لله سبحانه فلا محالة يحكم بكفره. والأخبار الواردة بهذا المضمون وإن كانت من الكثرة بمكان إلاّ أنه لا دلالة لها على نجاسة المخالفين ، إذ المراد فيها بالكفر ليس هو الكفر في مقابل الإسلام وإنما هو في مقابل الايمان كما أشرنا إليه سابقاً ، أو أنه بمعنى الكفر الباطني وذلك لما ورد في غير واحد من الروايات من أن المناط في الإسلام وحقن الدماء والتوارث وجواز النكاح إنما هو شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأن محمداً رسوله ، وهي التي عليها أكثر الناس (1)وعليه فلا يعتبر في الإسلام غير الشهادتين ، فلا مناص معه عن الحكم بإسلام أهل الخلاف وحمل الكفر في الاخبار المتقدِّمة على الكفر الواقعي وإن كانوا محكومين بالإسلام ظاهراً ، أو على الكفر في مقابل الايمان ، إلاّ أن الأوّل أظهر إذ الإسلام بني على الولاية وقد ورد في جملة من الأخبار أن الإسلام بني على خمس وعدّ منها الولاية (2)ولم يناد أحد بشي‌ء منها كما نودي بالولاية ، كما هو مضمون بعض الروايات (3)فبانتفاء الولاية ينتفي الإسلام واقعاً ، إلاّ أن منكر الولاية إذا أجرى الشهادتين على لسانه يحكم بإسلامه ظاهراً لأجل الأخبار المتقدِّمة.

هذا كلّه مضافاً إلى السيرة القطعية الجارية على طهارة أهل الخلاف ، حيث إنّ المتشرِّعين في زمان الأئمة علیهم السلام وكذلك الأئمة بأنفسهم كانوا يشترون منهم اللّحم ويرون حلية ذبائحهم ويباشرونهم ، وبالجملة كانوا يعاملون معهم معاملة


1) منها ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال « قلت له : أخبرني عن الإسلام والإيمان أنهما مختلفان؟ فقال : إنّ الايمان يشارك الإسلام والإسلام لا يشارك الايمان ، فقلت : فصفهما لي ، فقال : الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ اللّه والتصديق برسول اللّه صلی اللّه علیه و آله به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس » وفي بعضها « إن الإسلام ما ظهر من قولٍ أو فعل وهو الذي عليه جماعة الناس من الفِرق كلها وبه حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح » الكافي 2 : 25 / 1 ، 5 وغيرهما من الأخبار.

2) الوسائل 1 : 13 / أبواب مقدمة العبادات في أكثر أحاديث ب 1.

3) اشتمل على ذلك جملة من الأحاديث وقد أورد روايتين منهما في الوسائل 1 : 18 / أبواب مقدمة العبادات ب 1 ح 10 ، 1 مقطعاً وهما روايتا أبي حمزة والفضيل.

الطهارة والإسلام من غير أن يرد عنهم ردع.

الثاني : ما ورد في جملة من الروايات من أن المخالف ناصب (1)وفي بعضها : « أن الناصب ليس من نصب لنا أهل البيت ، لأنك لا تجد أحداً يقول : أنا أُبغض محمّداً وآل محمّد ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وأنكم من شيعتنا » (2).

والجواب عن ذلك أن غاية ما يمكن استفادته من هذه الأخبار أن كل مخالف للأئمة علیهم السلام ناصبي إلاّ أن ذلك لا يكفي في الحكم بنجاسة أهل الخلاف ، حيث لا دليل على نجاسة كل ناصب ، فان النصب إنما يوجب النجاسة فيما إذا كان لهم علیهم السلام وأما النصب لشيعتهم فان كان منشؤه حبّ الشيعة لأمير المؤمنين وأولاده علیهم السلام ولذلك نصب لهم وأبغضهم فهو عين النصب للأئمة علیهم السلام لأنه إعلان لعداوتهم ببغض من يحبهم ، وأما إذا كان منشؤه عدم متابعتهم لمن يرونه خليفة للنبي صلی اللّه علیه و آله من غير أن يستند إلى حبهم لأهل البيت علیهم السلام بل هو بنفسه يظهر الحب لعلي وأولاده علیهم السلام فهذا نصب للشيعة دون الأئمة علیهم السلام إلاّ أن النصب للشيعة لا يستتبع النجاسة بوجه ، لما تقدّم من الأخبار والسيرة القطعية القائمة على طهارة المخالفين ، فالنصب المقتضي للنجاسة إنما هو خصوص النصب للأئمة علیهم السلام .

الثالث : أن أهل الخلاف منكرون لما ثبت بالضرورة من الدين وهو ولاية أمير المؤمنين علیه السلام حيث بيّنها لهم النبي صلی اللّه علیه و آله وأمرهم بقبولها ومتابعتها وهم منكرون لولايته علیه السلام وقد مرّ أن إنكار الضروري يستلزم الكفر والنجاسة.

وهذا الوجه وجيه بالإضافة إلى من علم بذلك وأنكره ، ولا يتم بالإضافة إلى جميع أهل الخلاف ، لأن الضروري من الولاية إنما هي الولاية بمعنى الحب والولاء


1) كمكاتبة محمد بن علي بن عيسى وغيرها من الأخبار المروية في الوسائل 9 : 490 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 14.

2) الوسائل 9 : 486 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 3.

وأمّا مع النّصب أو السّبّ للأئمة الّذين لا يعتقدون بإمامتهم فهم مثل سائر النّواصب (1).


وهم غير منكرين لها بهذا المعنى ، بل قد يظهرون حبّهم لأهل البيت علیهم السلام وأمّا الولاية بمعنى الخلافة فهي ليست بضرورية بوجه وإنما هي مسألة نظرية ، وقد فسّروها بمعنى الحب والولاء ولو تقليداً لآبائهم وعلمائهم ، وإنكارهم للولاية بمعنى الخلافة مستند إلى الشبهة كما عرفت ، وقد أسلفنا أنّ إنكار الضروري إنما يستتبع الكفر والنجاسة فيما إذا كان مستلزماً لتكذيب النبي صلی اللّه علیه و آله كما إذا كان عالماً بأن ما ينكره مما ثبت من الدين بالضرورة وهذا لم يتحقّق في حق أهل الخلاف ، لعدم ثبوت الخلافة عندهم بالضرورة لأهل البيت علیهم السلام نعم ، الولاية بمعنى الخلافة من ضروريات المذهب لا من ضروريات الدين.

هذا كلّه بالإضافة إلى أهل الخلاف. ومنه يظهر الحال في سائر الفرق المخالفين للشيعة الاثني عشريّة من الزيدية والكيسانية والإسماعيلية وغيرهم ، حيث إن حكمهم حكم أهل الخلاف لضرورة أنه لا فرق في إنكار الولاية بين إنكارها ونفيها عن الأئمة علیهم السلام بأجمعهم وبين إثباتها لبعضهم ونفيها عن الآخرين علیهم السلام كيف وقد ورد أن من أنكر واحداً منهم فقد أنكر جميعهم علیهم السلام (1)وقد عرفت أن نفي الولاية عنهم بأجمعهم غير مستلزم للكفر والنجاسة فضلاً عن نفيها عن بعض دون بعض.

فالصحيح الحكم بطهارة جميع المخالفين للشيعة الاثني عشرية وإسلامهم ظاهراً بلا فرق في ذلك بين أهل الخلاف وبين غيرهم وإن كان جميعهم في الحقيقة كافرين ، وهم الذين سمّيناهم بمسلم الدنيا وكافر الآخرة.

(1) أمّا مع النصب فلما تقدّم تفصيله ، وأما مع السب فلأجل أنه لا إشكال في نجاسة الساب لأحدهم علیهم السلام فيما إذا نشأ سبّه عن نصبه لأهل البيت علیهم السلام لأنّ السب حينئذ بعينه نصب وإعلان للعداوة والبغضاء في حقِّهم ( عليهم


1) ورد نحوه في الوسائل 28 : 348 / أبواب حدّ المرتد ب 10 ح 29 ، الكافي 1 : 373 ح 8.

[201] مسألة 4 : مَن شكّ في إسلامه وكفره طاهر ، وإن لم يجر عليه سائر أحكام الإسلام (1).


السلام ) وقد مرّ أنّ الناصب نجس ، وأمّا إذا لم يكن سبّه لأجل النصب كما إذا كان موالياً للأئمة ومحبّاً لهم إلاّ أنّه سبّهم لداع من الدواعي ففي استلزام ذلك الحكم بنجاسته إشكال ، حيث إن الساب لهم علیهم السلام وإن كان يقتل بلا كلام إلاّ أن جواز قتله غير مستتبع لنجاسته ، فإنه كم من مورد حكم فيه بقتل شخص من غير أن يحكم بنجاسته كما في مرتكب الكبيرة ، حيث إنه يقتل في المرة الثالثة أو الرابعة ولا يحكم بنجاسته ، فمقتضى القاعدة طهارة الساب في هذه الصورة وإن كان بحسب الواقع أبغض من الكفّار.

(1) إذا شككنا في إسلام أحد وكفره فتارة نعلم حالته السابقة من الإسلام أو الكفر ولا ينبغي الإشكال حينئذ في جريان استصحاب إسلامه أو كفره ، وبه نرتب عليه آثارهما كالحكم بطهارته وإرثه وجواز مناكحته ووجوب دفنه وغيرها من الآثار المترتبة على إسلامه أو الحكم بنجاسته وغيرها من الآثار المترتبة على كفره ، وهذا كما إذا علمنا بتولده من مسلمين أو من مسلم وغير مسلم فإنه حينئذ ممن نعلم بإسلامه لأجل التبعية لوالديه أو لأشرفهما ، وقد ذكرنا أن الكفر في مثله يتوقف على جحوده وإنكاره فاذا شككنا في جحوده فلا مناص من الحكم بإسلامه بالاستصحاب. وكذا الحال في من علمنا بتولده من كافرين لأن نجاسته متيقنة حينئذ من أجل تبعيّته لوالديه ، وقد عرفت أن الإسلام في مثله يتوقف على أن يعترف بالوحدانية والنبوّة ، فإذا شككنا في أنه اعترف بهما أم لم يعترف فلا بد من استصحاب كفره والحكم بترتب آثاره عليه.

وأُخرى نجهل بحالته السابقة ونشك في إسلامه وكفره بالفعل ، ومقتضى القاعدة في هذه الصورة طهارته من دون أن نرتب عليه إسلامه ولا شيئاً من آثاره كوجوب دفنه وجواز مناكحته ، والوجه في ذلك أن تقابل الكفر والإسلام وإن كان من تقابل العدم والملكة ، والأعدام والملكات من قبيل الأُمور العدمية ، إلاّ أنها ليست عدماً

التاسع : الخمر (1)(1)


مطلقاً بل عدم خاص. وبعبارة أوضح أن العدم والملكة ليس مركباً من أمرين أحدهما العدم وثانيهما الملكة كما يعطي ذلك ظاهر التعبير حتى يمكن إحراز المركب منهما بضم الوجدان إلى الأصل بأن يقال في العمى مثلاً إن الملكة وقابليته للإبصار محرزة بالوجدان لأنه إنسان ، وعدم البصر يثبت باستصحابه على نحو العدم الأزلي فإذا ضممنا أحدهما إلى الآخر فيثبت عدم البصر عمن من شأنه الإبصار ، وكذلك الكلام في من يشك في أن له لحية أو أنه أقرع أو غير ذلك مما هو من الأعدام والملكات.

بل الصحيح أنّ الأعدام والملكات إعدام خاصّة ومن قبيل البسائط ، ولا يسعنا التعبير عنها إلاّ بالعدم والملكة لا أن تعبيرنا هذا من جهة أنها مركبة ، وعليه فلا يمكننا إحرازها بضم الوجدان إلى الأصل إذ لا حالة سابقة للإعدام الخاصة ، فلا يصح أن يقال في المقام إن القابلية محرزة بالوجدان لأن من يشك في كفره وإسلامه بالغ عاقل فاذا أثبتنا عدم إسلامه بالاستصحاب لأنه أمر حادث مسبوق بالعدم فبضم الوجدان إلى الأصل نحرز كلا جزئي الموضوع المركب للحكم بالكفر ، وذلك لما مرّ من أنّ الكفر عدم خاص وإذ لا حالة سابقة فلا يجري فيه الاستصحاب ، كما أنّ استصحاب عدم الإسلام غير جار حيث لا أثر عملي له شرعاً ، فاستصحاب عدم الإسلام لإثبات الكفر كاستصحاب عدم الإبصار لإثبات العمى من أظهر أنحاء الأُصول المثبتة ، ومعه لا يمكننا الحكم بكفر من نشك في إسلامه وكفره كما لا يمكننا أن نرتب عليه شيئاً من الآثار المترتبة على الإسلام. نعم ، يحكم بطهارته بمقتضى قاعدة الطهارة للشك في طهارته ونجاسته ، بل ولعلّه أعني الحكم بطهارته مما لا خلاف فيه كما أشرنا إليه سابقا (2).

(1) نجاسة الخمر هي المعروفة بين أصحابنا المتقدِّمين والمتأخِّرين ، ولم ينقل


1) ويلحق به النبيذ المسكر ، وأمّا الحكم بالنجاسة في غيره فهو مبني على الاحتياط ، وأما المسكر الذي لم يتعارف شربه كالاسپرتو فالظاهر طهارته مطلقا.

2) مرّت الإشارة إليه في شرح العروة 2 : 470 ذيل المسألة [181].

الخلاف في ذلك إلاّ من جماعة من المتقدِّمين كالصدوق (1)ووالده في الرسالة (2)والجعفي (3)والعماني (4)وجملة من المتأخِّرين كالأردبيلي (5)وغيره حيث ذهبوا إلى طهارتها ، واختلافهم في ذلك إنما نشأ من اختلاف الروايات التي هي العمدة في المقام وذلك للقطع بعدم تحقّق الإجماع على نجاسة الخمر بعد ذهاب مثل الصدوق والأردبيلي وغيرهما من الأكابر إلى طهارتها ، كما أن الكتاب العزيز لا دلالة له على نجاستها حيث إن الرجس في قوله عزّ من قائل ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) (6)ليس بمعنى النجس بوجه ، لوضوح أنه لا معنى لنجاسة بقية الأُمور المذكورة في الآية المباركة ، فإنّ منها الميسر وهو من الأفعال ولا يتّصف الفعل بالنجاسة أبداً ، بل الرجس معناه القبيح المعبّر عنه في الفارسية ب- « پليد وزشت ».

وعليه فالمهم هو الأخبار ، ولقد ورد نجاسة الخمر في عدّة كثيرة من الروايات ، ففي جملة منها ورد الأمر بغسل الثوب إذا أصابته خمر أو نبيذ (7)وفي بعضها أمر بإراقة ما قطرت فيه قطرة من خمر (8)وفي ثالث : لا واللّه ولا تقطر قطرة منه ( أي من المسكر ) في حب إلاّ أُهريق ذلك الحب (9)وفي رابع غير ذلك مما ورد في الأخبار الكثيرة البالغة حدّ الاستفاضة ، بل يمكن دعوى القطع بصدور بعضها عن الأئمة علیهم السلام فلا مجال للمناقشة فيها بحسب السند ، كما أن دلالتها وظهورها في نجاسة الخمر مما


1) الفقيه 1 : 43.

2) نقله في المستمسك 1 : 399.

3) نقله عنه في الذكرى : 13 السطر 27.

4) نقله عنه في المعتبر 1 : 422.

5) مجمع الفائدة والبرهان 1 : 310.

6) المائدة 5 : 90.

7) الوسائل 3 : 468 / أبواب النجاسات ب 38 وفيها عدة روايات تدل على المطلب.

8) كما في رواية زكريا بن آدم المروية في الوسائل 3 : 470 / أبواب النجاسات ب 38 ح 8.

9) كما في رواية عمر بن حنظلة المروية في الوسائل 25 : 341 / أبواب الأشربة المحرمة ب 18 ح 1.

لا كلام فيه.

وفي قبالها روايات كثيرة فيها صحاح وموثقات وقد دلّت على طهارة الخمر بصراحتها وهي من حيث العدد أكثر من الأخبار الواردة في نجاستها ، ودعوى العلم بصدور جملة منها عن الأئمة علیهم السلام أيضاً غير بعيدة ، كما أنها من حيث الدلالة صريحة أو كالصريح ، حيث نفوا علیهم السلام البأس عن الصلاة في ثوب أصابه خمر معللاً في بعضها بأنّ الثوب لا يسكر (1)فكأنّ مبغوضية الخمر إنما هي في إسكارها المتحقق بشربها ، وأما عينها كما إذا أصاب منها الثوب مثلاً فمما لا بأس به.

وهاتان الطائفتان متعارضتان متقابلتان فلا بد من علاجهما بالمرجحات وهي تنحصر في موافقة الكتاب ومخالفة العامة على ما قدمناه في محله (2)وكلا المرجحين مفقود في المقام ، أمّا موافقة الكتاب فلما مرّ من أنه ليس في الكتاب العزيز ما يدل على نجاسة الخمر أو طهارتها ، وأمّا مخالفة العامّة فلأنّ كلاًّ من الطائفتين موافقة للعامّة من جهة ومخالفة لهم من جهة ، فإن العامة على ما نسب إليهم وهو الصحيح ملتزمون بنجاستها (3)وعليه فروايات الطهارة متقدمة لمخالفتها مع العامة ، إلاّ أن ربيعة الرأي


1) كما في مصححة الحسن بن أبي سارة المروية في الوسائل 3 : 471 / أبواب النجاسات ب 38 ح 10.

2) مصباح الأُصول 3 : 414.

3) في المغني لابن قدامة الحنبلي ج 10 ص 337 الخمر نجسة في قول عامة أهل العلم وفي أحكام القرآن للقاضي ابن العربي المالكي ج 2 ص 656 نفى الخلاف في نجاستها بين الناس إلاّ ما يؤثر عن ربيعة أنها محرمة وهي طاهرة كالحرير عند مالك محرم مع انه طاهر. وفي الميزان للشعراني ج 1 ص 105 ادعى الإجماع على نجاستها عن غير داود حيث حكى عنه القول بطهارتها مع تحريمها. وفي فتح الباري لابن حجر العسقلاني ج 4 ص 425 انّ جمهور العلماء على ان العلة في منع بيع الميتة والخمر والخنزير النجاسة. وممن صرح بنجاستها ابن حزم في المحلى ج 1 ص 191 والنووي في المنهاج ص 15 ووافقه ابن حجر في تحفة المحتاج ج 1 ص 122 ومنهم الغزالي في الوجيز 1 ص 6 وإحياء العلوم ج 1 ص 153. والفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 15 والشيرازي في المذهب ج 1 ص 53 والعيني الحنفي في عمدة القارئ ج 5 ص 606 والكاساني الحنفي في بدائع الصنائع ج 5 ص 113. نعم ، قال النووي في المجموع ج 2 ص 563 انه لا يظهر من الآية دلالة ظاهرة على نجاسة الخمر إلى أن قال : وأقرب ما يقال فيها ما ذكره الغزالي من أنه يحكم بنجاستها تغليظاً وزجراً قياساً على الكلب وما ولغ فيه.

الذي هو من أحد حكّامهم وقضاتهم المعاصرين لأبي عبد اللّه علیه السلام ممن يرى طهارتها.

على أنّا مهما شككنا في شي‌ء فلا نشك في أن امراءهم وسلاطينهم كانوا يشربون الخمر ولا يجتنبونه ، وعليه فأخبار الطهارة موافقة للعامة عملاً فتتقدم أخبار النجاسة عليها. وعلى الجملة أن أخبار النجاسة مخالفة للعامة من حيث عملهم كما أن أخبار الطهارة مخالفة لهم من حيث حكمهم.

فاذن لا يمكننا علاج المعارضة بشي‌ء من المرجحين ، فلو كنّا نحن ومقتضى الصناعة العلمية لحكمنا بطهارة الخمر لا محالة ، وذلك لأنّا إن نفينا المعارضة بين الطائفتين نظراً إلى أن إحداهما صريحة في مدلولها والأُخرى ظاهرة ، فمقتضى الجمع العرفي بينهما تقديم روايات الطهارة على أخبار النجاسة لصراحتها في طهارة الخمر ونفي البأس عن الصلاة في ثوب أصابته خمر بحمل أخبار النجاسة على الاستحباب لكونها ظاهرة في نجاستها كما في أمره علیه السلام بغسل الثوب الذي أصابته خمر أو إهراق المائع الذي قطرت فيه قطرة منها ، فنرفع اليد عن ظهورها في الإرشاد إلى نجاسة الخمر بصراحة أخبار الطهارة في طهارتها فتحمل على الاستحباب لا محالة فلا مناص من الحكم بطهارة الخمر.

وإن أثبتنا التعارض بينهما وقلنا إن المقام ليس من موارد الجمع العرفي بين المتعارضين لما حررناه في محله من أن مورد الجمع العرفي بحمل الظاهر من المتقابلين على نصهما ، إنما هو ما إذا كان المتعارضان على نحو إذا ألقيناهما على أهل العرف لم يتحيروا بينهما بل رأوا أحدهما قرينة على التصرف في الآخر ، وليس الأمر كذلك في المقام ، لأنّ أمره علیه السلام بالإراقة والإهراق إذا انضمّ إليه نفيه ( علیه السلام )

البأس عن الصلاة في ثوب أصابته خمر وأُلقيا على أهل العرف لتحيروا بينهما لا محالة ولا يرون أحدهما قرينة على التصرف في الآخر بوجه ، فأيضاً لا بد من الحكم بطهارة الخمر لأن الطائفتين متعارضتان ولا مرجّح لإحداهما على الأُخرى ، ومقتضى القاعدة هو التساقط والرجوع إلى قاعدة الطهارة وهي تقتضي الحكم بطهارة الخمر كما مرّ.

ولكن هذا كلّه بمقتضى الصناعة العلمية مع قطع النظر عن صحيحة علي بن مهزيار قال : « قرأت في كتاب عبد اللّه بن محمد إلى أبي الحسن علیه السلام جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه علیهماالسلام في الخمر يصيب ثوب الرجل أنهما قالا : لا بأس بأن تصلِّي فيه إنّما حرم شربها. وروى عن ( غير ) زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام أنه قال : إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله إن عرفت موضعه ، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه ، وإن صليت فيه فأعد صلاتك. فأعلمني ما آخذ به ، فوقّع علیه السلام بخطّه وقرأته : خذ بقول أبي عبد اللّه علیه السلام » (1)وأمّا مع هذه الصحيحة فالأمر بالعكس ولا مناص من الحكم بنجاسة الخمر ، وذلك لأنّ الصحيحة ناظرة إلى الطائفتين ومبينة لما يجب الأخذ به منهما فهي في الحقيقة من أدلّة الترجيح وراجعة إلى باب التعادل والترجيح ، وغاية الأمر أنها مرجحة في خصوص هاتين المتعارضتين فلا مناص عن الأخذ بمضمونها وهي دالّة على لزوم الأخذ بقول أبي عبد اللّه علیه السلام وهو الرواية الدالة على نجاسة الخمر وعدم جواز الصلاة فيما أصابه دون رواية الطهارة ، لأنها قول الباقر والصادق علیهماالسلام معاً وغير متمحضة في أن تكون قول الصادق علیه السلام وحده.

هذا على أن الرواية الدالة على طهارة الخمر أيضاً لو كانت مرادة من قول أبي عبد اللّه علیه السلام لكان هذا موجباً لتحير السائل في الجواب ، ولوجب عليه إعادة السؤال ثانياً لتوضيح مراده وأنّ قول الصادق علیه السلام أيّة رواية ، فإنّ له علیه السلام حينئذ قولين متعارضين ، وحيث إن السائل لم يقع في الحيرة ولا أنه أعاد سؤاله فيستكشف منه أنه علیه السلام أراد خصوص الرواية الدالة على نجاسة


1) الوسائل 3 : 468 / أبواب النجاسات ب 38 ح 2.

الخمر لأنها المتمحضة في أن تكون قوله علیه السلام كما مرّ.

وبهذا المضمون رواية أُخرى عن خيران الخادم ، قال : « كتبتُ إلى الرجل علیه السلام أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلّى فيه أم لا؟ فإنّ أصحابنا قد اختلفوا فيه فقال بعضهم : صلّ فيه ، فانّ اللّه إنما حرّم شربها ، وقال بعضهم : لا تصلّ فيه ، فكتب علیه السلام لا تصلّ فيه فإنّه رجس » الحديث (1)إلاّ أنها إنما تصلح أن تكون مؤيدة للمدعى وغير صالحة للمرجحية بوجه ، لعدم كونها ناظرة إلى الطائفتين وعدم ذكر شي‌ء منهما في الرواية ، نعم يمكن إرجاعها إلى الصحيحة نظراً إلى أنّ اختلاف أصحابنا إنما نشأ من اختلاف الطائفتين فكأنه علیه السلام حكم بترجيح أخبار النجاسة على معارضاتها ، إلاّ أنّ الرواية مع ذلك غير قابلة للاستدلال بها ، فان في سندها سهل بن زياد والأمر في سهل ليس بسهل لعدم ثبوت وثاقته في الرجال.

والذي تحصّل عما ذكرناه في المقام أنّ الاحتمالات في المسألة أربعة :

أحدها : تقديم أخبار النجاسة على أخبار الطهارة من جهة الصحيحة المتقدِّمة. وقد عرفت أن هذا الاحتمال هو المتعين المختار.

وثانيها : تقديم أخبار الطهارة على روايات النجاسة من جهة الجمع العرفي المقتضي لحمل الظاهر منهما على النص أو الأظهر ، وحمل الأوامر الواردة في غسل ما يصيبه الخمر على التنزه والاستحباب.

وثالثها : تقديم أخبار الطهارة على أخبار النجاسة بمخالفتها للعامة بعد عدم إمكان الجمع العرفي بينهما.

ورابعها : التوقف لتعارض الطائفتين وتكافئهما فان كل واحدة منهما مخالفة للعامّة من جهة وموافقة لهم من جهة ، فأخبار الطهارة موافقة لهم عملاً ومخالفة لهم بحسب الحكم والفتوى ، كما أن روايات النجاسة موافقة معهم بحسب الحكم ومخالفة لهم عملاً فلا ترجيح في البين فيتساقطان ولا بد من التوقف حينئذ. هذه هي الوجوه المحتملة في المقام ولكنها غير الوجه الأول منها تندفع بصحيحة علي بن مهزيار ، حيث إن


1) الوسائل 3 : 469 / أبواب النجاسات ب 38 ح 4.

بل كل مسكر مائع بالأصالة (1)


القاعدة وإن اقتضت الأخذ بأحد هذه المحتملات إلاّ أن الصحيحة منعتنا عن الجري على طبق القاعدة ودلتنا على وجوب الأخذ بروايات النجاسة وتقديمها على أخبار الطهارة لما عرفت من حكومتها على كلتا الطائفتين.

ودعوى أنّ الصحيحة لموافقتها مع العامة بحسب الحكم أيضاً محمولة على التقيّة فهي غير صالحة للمرجحية بوجه ، مندفعة بأنّ مقتضى الأصل الأولي صدور الرواية بداعي بيان الحكم الواقعي ، ولا مسوّغ لرفع اليد عن ذلك إلاّ بقرينة كما إذا كانت الرواية معارضة برواية أُخرى تخالف العامّة ، وحيث إن الصحيحة غير معارضة بشي‌ء فلا موجب لحملها على التقية لأنه بلا مقتض.

هذا ، ثم إن الصحيحة قرينة على حمل أخبار الطهارة على التقية وذلك لأنها لم تنف صدور الحكم بطهارة الخمر عن الصادقين علیهماالسلام وإنما دلت على لزوم الأخذ بما دلّ على نجاستها فبذلك لا بد من حمل أخبار الطهارة على التقية ، فلعلها صدرت موافقة لعمل أُمراء العامة وحكّامهم وسلاطينهم لبعد اجتنابهم عن الخمر كما مرّ ، فاذا سقطت أخبار الطهارة عن الاعتبار فلا محالة تبقى أخبار النجاسة من غير معارض بشي‌ء.

(1) لا ريب ولا إشكال في أن المسكرات المائعة بالأصالة ملحقة بالخمر من حيث حرمة شربها ، لما ورد في جملة من الأخبار من أن اللّه لم يحرّم الخمر لاسمها ولكن حرمها لعاقبتها (1)مضافاً إلى غيرها من الأخبار الواردة في حرمة مطلق المسكر (2)وإنما الكلام كلّه في أنها ملحقة بها من حيث نجاستها أيضاً أو أنها محكومة بالطهارة فقد يقال بنجاستها كالخمر ويستدل عليها بوجوه :

الأوّل : الإجماع المنعقد على الملازمة بين حرمة شربها ونجاستها. ولا يخفى ما فيه


1) الوسائل 25 : 342 / أبواب الأشربة المحرمة ب 19 ح 1 3.

2) الوسائل 25 : 325 / أبواب الأشربة المحرمة ب 15 ح 1 30.

لأنّ الإجماع على نجاسة نفس الخمر غير ثابت لما مرّ من ذهاب جماعة إلى طهارتها فما ظنك بنجاسة المسكر على إطلاقه. ودعوى أنّ الإجماع المدعى إجماع تقديري ومعناه أن القائل بطهارة الخمر كالأردبيلي ومن تقدمه أو لحقه لو كان يقول بنجاستها لقال بنجاسة المسكرات المائعة على إطلاقها ، مندفعة بأنها رجم بالغيب ، فمن أين علمنا بأنهم لو كانوا قائلين بنجاسة الخمر لالتزموا بنجاسة جميع المسكرات المائعة. هذا على أنّا لو سلمنا قيام إجماع فعلي على نجاسة المسكرات لم نكن نعتمد عليه لأنه ليس إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن قول المعصوم علیه السلام حيث إنّا نحتمل استنادهم في ذلك إلى الأخبار الآتية فكيف بالإجماع التقديري فهذه الدعوى ساقطة.

الثاني : الأخبار الآمرة بإهراق ماء الحب الذي قطرت فيه قطرة من المسكر كما في رواية عمر بن حنظلة « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام ، ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره؟ فقال : لا واللّه ولا قطرة قطرت في حب إلاّ أُهريق ذلك الحب » (1)والناهية عن الصلاة في ثوب أصابه مسكر كما في موثقة عمّار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « لا تصل في بيت فيه خمر ولا مسكر لأن الملائكة لا تدخله ، ولا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى تغسله » (2)وصحيحة علي بن مهزيار المتقدِّمة (3)الآمرة بالأخذ بما ورد في نجاسة النبيذ المسكر فان هذه الأخبار دلتنا على نجاسة جميع المسكرات بإطلاقها وإن لم تكن خمراً.

والجواب عن ذلك : أن رواية عمر بن حنظلة ضعيفة لعدم توثيقه في الرجال وإن عبّر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات. نعم ، له رواية أُخرى (4)قد تلقاها الأصحاب بالقبول وعنونوها في بحث التعادل والترجيح ومن ثمة سميت بمقبولة عمر بن حنظلة ، إلاّ أن قبول رواية منه في مورد مما لا دلالة له على قبول جميع رواياته بعد ما لم ينص الأصحاب في حقه بجرح ولا تعديل ، اللّهُمَّ إلاّ أن يستدل على وثاقته برواية يزيد بن


1) الوسائل 25 : 341 أبواب الأشربة المحرمة ب 18 ح 1.

2) الوسائل 3 : 470 / أبواب النجاسات ب 38 ح 7.

3) في ص 86.

4) الوسائل 27 : 106 أبواب صفات القاضي ب 9 ح 1.

خليفة ، قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت فقال أبو عبد اللّه علیه السلام : إذن لا يكذب علينا ... » (1)لأنه توثيق له منه علیه السلام ، ولكنّه أيضاً مما لا يمكن المساعدة عليه لأن الرواية بنفسها ضعيفة فلا يعتمد عليها في شي‌ء (2).

والصحيحة إنما دلت على نجاسة خصوص النبيذ المسكر ، لأنّ للنبيذ قسمين : مسكر حرام وغير مسكر حلال وقد دلت الصحيحة على نجاسة خصوص المسكر منه ، ولا دلالة لها على المدعى وهو نجاسة كل مسكر وإن لم يتعارف شربه. وأما موثقة عمّار فهي وإن كانت موثقة بحسب السند إلاّ أنها معارضة كما يأتي تفصيله ومعها لا يمكن الاستدلال بها بوجه. ونحن إنما حكمنا بنجاسة الخمر بصحيحة علي ابن مهزيار ولم نعتمد فيه على هذه الموثقة وغيرها مما ورد في نجاستها لابتلائها بالمعارض كما مر.

هذا وقد يقال : إن الأخبار الواردة في نجاسة الخمر متقدمة على الأخبار الواردة في طهارتها ولو من جهة الصحيحة المتقدمة ، وقد قدمنا أن أخبار الطهارة محمولة على التقية بقرينة الصحيحة المذكورة ، وعليه فأخبار النجاسة التي منها موثقة عمّار مما لا معارض له فلا مناص من العمل على طبقها ، وقد دلت الموثقة على نجاسة المسكر مطلقاً وإن لم يتعارف شربه كما في المادة الألكلية المعروفة بالاسپرتو.

ويدفع ذلك أمران : أحدهما : أن المسكر ينصرف إلى المسكرات المتعارف شربها وأما ما لم يتعارف شربه بين الناس أو لم يمكن شربه أصلاً وإن كان يوجب الإسكار على تقدير شربه فهو أمر خارج عن إطلاق المسكر في الموثقة ، ولا سيما بلحاظ عدم تحققه في زمان تحريم الخمر والمسكر لأنه إنما وجد في الأعصار المتأخرة ، فدعوى انصراف المسكر عن مثله ليست بمستبعدة. وقد ادعى بعض المعاصرين في هامش تقريره لبحث شيخنا الأُستاذ قدس سره أن ما ورد في المنع عن بيع الخمر والمسكر


1) الوسائل 4 : 133 أبواب المواقيت ب 5 ح 6.

2) وذلك لأنّ يزيد بن خليفة واقفي ولم تثبت وثاقته ، على أنّ في سندها محمّد بن عيسى عن يونس وهو مورد الكلام في الرجال.

من الروايات منصرفة عن المادة المعروفة بالألكل وأن المطلقات إنما تشمل المسكرات المتعارفة التي هي قابلة للشرب دون ما لم يتعارف شربه.

وثانيهما : أن الموثقة معارضة فإن الأخبار الواردة في الخمر والمسكر على طوائف أربع : الأُولى والثانية : ما دلّ على نجاسة الخمر وما دلّ على طهارتها. الثالثة : ما ورد في طهارة المسكر مطلقاً وهو موثقة ابن بكير قال : « سأل رجل أبا عبد اللّه علیه السلام وأنا عنده عن المسكر والنبيذ يصيب الثوب ، قال : لا بأس » (1). الرابعة : ما ورد في نجاسة مطلق المسكر كما في موثقة عمّار والصحيحة المتقدِّمة ، وقد أسلفنا أن ما دلّ منها على نجاسة الخمر متقدمة على معارضتها للصحيحة المتقدِّمة ، وأمّا ما دلّ على نجاسة مطلق المسكر وطهارته فهما متعارضان ولا مرجّح لأحدهما على الآخر ، لأن فتوى العامّة وعملهم في مثل المسكر غير المتعارف شربه غير ظاهرين فالترجيح بمخالفة العامّة غير ممكن ولا مناص معه من الحكم بتساقطهما والرجوع إلى قاعدة الطهارة ، وهي تقتضي الحكم بطهارة كل مسكر لا يطلق عليه الخمر عرفاً.

الثالث : ما ذكره صاحب الحدائق قدس سره (2)من أن الخمر ليست اسماً لخصوص مائع خاص بل يعمه وجميع المسكرات لأنها حقيقة شرعية في الأعم ، فإن الخمر ما يخامر العقل كان هو المائع المخصوص أو غيره مما يوجب الإسكار ، وقد ورد في تفسير الآية المباركة ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ... ) (3)أنّ كل مسكر خمر (4). ويتوجّه عليه أن الوجه في تسمية الخمر خمراً وإن كان هو ما نقله عن بعض أهل اللّغة من أنه يخامر العقل ويخالطه (5)إلاّ أنه لم يدلّنا دليل على أن كل ما يخامر العقل خمر أو نجس


1) الوسائل 3 : 471 / أبواب النجاسات ب 38 ح 11.

2) الحدائق 5 : 112.

3) المائدة 5 : 90.

4) علي بن إبراهيم في تفسيره [ تفسير القمي 1 : 180 ] عن أبي الجارود عن أبي جعفر علیه السلام في قوله تعالى ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ) الآية. « أما الخمر فكل مسكر من الشراب إذا أخمر فهو خمر ... » المروية في الوسائل 25 : 280 / أبواب الأشربة المحرمة ب 1 ح 5.

5) الحدائق 5 : 115.

لأنّ البنج أيضاً يخامر العقل إلاّ أنه ليس بخمر ولا أنه نجس. وأما ما ورد في تفسير الآية المباركة فهو مما لا دلالة له على نجاسة الخمر حتى يدل على نجاسة كل مسكر وإنما يدل على أن الخمر رجس يجب الاجتناب عنه ، ولا نخصِّص هذا بالخمر بل نلتزم أنّ كل مسكر رجس.

الرابع : الأخبار الواردة في نجاسة النبيذ المسكر ، وهي جملة من الروايات وقد عطف النبيذ المسكر في بعضها على الخمر (1)فيستكشف من ذلك أن النجاسة تعم الخمر وغيرها من المسكرات ، مضافاً إلى ما ورد من أن للخمر أقساماً وأنها لا تختص بما صنع من عصير العنب كما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : الخمر من خمسة : العصير من الكرم ، والنقيع من الزبيب ، والبتع من العسل ، والمرز من الشعير ، والنبيذ من التمر » (2). وعليه فلا فرق في النجاسة بين الخمر وبين غيرها من المسكرات.

والجواب عن ذلك : أنّ الروايات المشتملة على عطف النبيذ المسكر على الخمر إنما دلّت على حرمة النبيذ أو على نجاسته ، إمّا من جهة أنه أمر خارج عن حقيقة الخمر ولكنه أيضاً محكوم بحرمته ونجاسته كما لعلّه الصحيح حيث إنّ مجرّد إلقاء مقدار من التمر في ماء ومضي مقدار من الزمان على ذلك لا يكفي في صيرورة الماء خمراً لأنها تحتاج إلى صنعة خاصة ، فلو كان ذلك كافياً في صنعها لتمكن كل شارب من إيجادها وصنعها في بيته ولم يكن لغلاء ثمنها وجه ، فالنبيذ خارج عن الخمر حقيقة إلاّ أن الدليل دلّ على حرمته ونجاسته. وإما من جهة أنه خمر في الحقيقة وإنما خصّوه بالذكر من بين أفرادها من باب التعرض لبيان الفرد الخفي لخفاء كونه منها ، وعلى أي حال لا دلالة لها على أن كل مسكر نجس.

وأمّا ما دلّ على أن للخمر أقساماً متعددة فهو أيضاً كسابقه مما لا دلالة له على نجاسة كل مسكر ، وإنما يدل على تعدّد مصاديق الخمر وعدم انحصارها بما يصنع من


1) الوسائل 3 : 468 / أبواب النجاسات ب 38 ذيل الحديث 2 ، 3 ، 8.

2) الوسائل 25 : 280 / أبواب الأشربة المحرمة ب 1 ح 3.

العصير العنبي ، وهذا أمر لا ننكره بوجه ونسلّم النجاسة في كل ما صدق عليه عنوان الخمر خارجاً ، كيف ولعل الخمر من العنب لم يكن له وجود في زمان نزول الآية المباركة أصلاً ولا في زمانه صلی اللّه علیه و آله وإنما كان المتعارف غيرها من أفرادها. وعلى الجملة لا إشكال في نجاسة كل ما صدق عليه أنه خمر خارجاً وإنما كلامنا في نجاسة المسكر الذي لا يصدق عليه أنه خمر ، وقد عرفت أنه لا دلالة في شي‌ء من الأخبار المتقدمة على نجاسته.

الخامس : الأخبار الواردة في أن كل مسكر خمر وكل خمر حرام (1). والجواب عنها أن الأخبار المستدل بها مضافاً إلى ضعف أسنادها قاصرة الدلالة على هذا المدعى لأن الظاهر المستفاد من قران قوله : « كل خمر حرام » لقوله « كل مسكر خمر » أن التشبيه والتنزيل إنما هما بلحاظ الحرمة فحسب لا أن المسكر منزّل منزلة الخمر في جميع آثاره وأحكامه. ولقد أنتج ما تلوناه عليك في المقام أن المادة المعروفة بالألكل والإسپرتو التي يتخذونها من الأخشاب وغيرها لا يمكن الحكم بنجاستها ، حيث لا يصدق عليها عنوان الخمر عرفاً وإن كانت مسكرة كما قيل وأما المتخذة من الخمر المعبّر عنها ب- ( جوهر الخمر ) التي تتحصل بتبخيرها وأخذ عرقها فهي أيضاً كسابقتها غير محكومة بالنجاسة بوجه ، لما قدمناه في محله من أن التبخير يوجب الاستحالة وهي تقتضي الطهارة كما في بخار البول وغيره من الأعيان النجسة (2)وعليه فإذا أُخذ بخار الخمر ولم يلاقه شي‌ء من الأعيان النجسة فمقتضى القاعدة الحكم بطهارته ، لأنّ الألكل لا يسمّى عندهم خمراً كما أنه ليس بخمر حقيقة لفرض استحالته وإن كان مسكراً على تقدير شربه. هذا كلّه على طبق القاعدة إلاّ أن الإجماع التقديري المتقدِّم في صدر المسألة وانعقاد الشهرة الفتوائية على نجاسة جميع المسكرات أوقفنا عن الحكم بطهارة غير الخمر من المسكرات التي يتعارف شربها وألزمنا


1) كما في رواية عطاء بن ياسر عن أبي جعفر علیه السلام قال : « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : كلّ مسكر حرام وكل مسكر خمر ». إلى غير ذلك من الأخبار المروية في الوسائل 25 : 336 / أبواب الأشربة المحرمة ب 15 ح 5 وغيرها.

2) في المسألة [365].

وإن صار جامداً بالعرض (1) لا الجامد (2) كالبنج ، وإن صار مائعاً بالعرض.


بالاحتياط اللاّزم في المقام.

(1) لا إشكال في أن الخمر أو المسكر على تقدير القول بنجاسته إذا جفت وانعدمت بتبدلها هواءً لا يحكم بنجاستها لارتفاع موضوعها. نعم ، الآنية الملاقية لهما قبل انعدامهما متنجسة فلا بدّ من غسلها ثلاث مرّات كما يأتي في محلّه (1). هذا فيما إذا انعدمت الخمر ولم تبق لها مادة بعد صيرورتها هواء ، وأما إذا جفت وصارت كالربّ لأجل ما فيها من المواد أو انجمدت كما ينجمد الماء على تقدير تحقّق الانجماد في مثل الخمر والألكل ونحوهما فلا ينبغي التردد في نجاسة الجامد منها ، لوضوح أن الجفاف والانجماد ليسا من المطهرات ، وقد كانت المادة جزءاً من الخمر أو المسكر قبل جفافهما وكانت محكومة بالنجاسة حينئذ ولم يرد عليها مطهر شرعي فيحكم بنجاستها لا محالة. نعم ، يمكن أن يزول عنها إسكارها لأنه من خواص المواد الألكلية الموجودة في الخمر وهي سريعة الفناء وتنقلب هواء في أسرع الزمان إلاّ أن ذلك لا يوجب الحكم بطهارة المادة اليابسة ، لما عرفت من أنها كانت جزءاً من الخمر قبل الجفاف ولم يرد عليها مطهر بعد الجفاف. هذا كلّه في المسكر المائع بالأصالة الذي صار جامداً بالعرض.

(2) بالأصالة وإن انقلب مائعاً بالعرض ، وهل يحكم بنجاسته؟ بعد الفراغ عن حرمته لقوله علیه السلام : « إن اللّه سبحانه لم يحرِّم الخمر لاسمها ولكن حرّمها لعاقبتها ... » كما تقدّم (2)وغيره من الأخبار الواردة في حرمة المسكر على إطلاقه ، فإن اعتمدنا في الحكم بنجاسة المسكر المائع بالأصالة على الإجماع المدعى في المسألة ، فمن الظاهر أنه لا إجماع على النجاسة في المسكرات الجامدة بالأصالة فلا يمكن الحكم بنجاسة الجوامد من المسكرات. كما أنه إذا قلنا بنجاسة المسكرات المائعة من جهة أنها


1) في المسألة [314].

2) في ص 88.

[202] مسألة 1 : ألحقَ المشهور بالخمر العصير العنبي إذا غلى قبل أن يذهب ثلثاه وهو الأحوط وإن كان الأقوى طهارته (1).


خمر حقيقة لأنها اسم وحقيقة شرعية لكل ما يخامر العقل ويستره كما ادعاه صاحب الحدائق قدس سره (1)، فأيضاً لا سبيل إلى الحكم بنجاسة المسكر الجامد للقطع الوجداني بعدم كونه خمراً ، لأنها على تقدير كونها اسماً لكل مسكر لا لمسكر خاص فإنما تختص بالمسكرات المشروبة دون المأكولة ، فانّ البنج لا تطلق عليه الخمر أبداً.

وأمّا إذا بنينا على نجاسة المسكر المائع بقوله علیه السلام « كلّ مسكر حرام » و « كلّ مسكر خمر » (2)فهل يمكننا الحكم بنجاسة المسكر الجامد بدعوى أنه خمر تنزيلية؟ الصحيح : لا ، وذلك أمّا أوّلاً فلأجل ضعف سندها كما مرّ ، وأمّا ثانياً فلأجل أنّ التنزيل إن تمّ ولم نناقش فيه بما مرّ فإنما يتم فيما يناسب التنزيل والتشبيه والذي يناسب أن ينزّل منزلة الخمر إنما هو المسكرات المائعة دون الجوامد لبعد تنزيل الجامد منزلة المائع ، فهل ترى من نفسك أن لبس لباس إذا فرضناه موجباً للإسكار يصحّ أن يقال إنّ اللبس خمر؟ هذا كلّه على أنّ المسألة اتفاقيّة ولم يذهب أحد إلى نجاسة المسكر الجامد.

(1) العصير على ثلاثة أقسام : العنبي والتمري والزبيبي.

أما العصير العنبي ففي نجاسته بالغليان قبل أن يذهب ثلثاه قولان معروفان في الأعصار المتأخرة أحدهما : أنه ملحق بالخمر

من حيث نجاسته وحرمته ، وذهاب الثلثين مطهّر ومحلل له. وثانيهما : أنه ملحق بالخمر من حيث حرمته فحسب فذهاب ثلثيه محلل فقط. هذا وعن المستند أن المشهور بين الطبقة الثالثة يعني طبقة متأخري المتأخرين الطهارة ، والمعروف بين الطبقة الثانية أي المتأخِّرين النجاسة (3).


1) تقدّم في ص 91.

2) الوسائل 25 : 326 / أبواب الأشربة المحرمة ب 15 ح 5.

3) مستند الشيعة 1 : 214.

وأمّا الطبقة الأُولى وهم المتقدِّمون فالمصرح منهم بالنجاسة أما قليل أو معدوم ، وعليه فدعوى الإجماع على نجاسة العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه ساقطة ، كيف ولم يتحقق الإجماع على نجاسة الخمر فما ظنك بنجاسة العصير ، لما عرفته من الخلاف فيها بين الطبقات. ومما يؤيد ذلك بل يدل عليه أن صاحبي الوافي (1)والوسائل (2)لم ينقلا روايات العصير في باب النجاسات وإنما أورداها في باب الأشربة المحرمة ، فلو كان العصير العنبي كالخمر من أحد النجاسات لنقلا رواياته في بابها كما نقلا أخبار الخمر كذلك ، ولم يكن لترك نقلها في باب النجاسات وجه صحيح.

وأمّا الاستدلال على نجاسته بما استدل به على نجاسة المسكر ففيه مضافاً إلى عدم استلزام الغليان الإسكار ، ما قدّمناه من عدم تماميته في نفسه وعدم ثبوت نجاسة كل مسكر كما مرّ. نعم ، لا كلام في حرمة شرب العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه إلاّ أنها أجنبية عما نحن بصدده في المقام. وما ورد في بعض الروايات من أنه لا خير في العصير إن طبخ حتى يذهب ثلثاه وبقي منه ثلث واحد (3)لا دلالة له على نجاسته بوجه لأن خيره شربه فاذا غلى يصح أن يقال إنه لا خير فيه حتى يذهب ثلثاه لحرمة شربه قبل ذهابهما ، وذلك لوضوح أن الخير فيه لا يحتمل أن يكون هو استعماله في رفع الحدث أو الخبث ولو قلنا بطهارته لأنه ليس بماء ، فنفي الخير عنه نفي للأثر المرغوب منه وهو الشرب وقد عرفت صحته. ومن المضحك الغريب الاستدلال على نجاسة العصير بعد غليانه بما ورد في جملة من الأخبار من منازعة آدم وحواء ونوح علیهم السلام مع الشيطان ( لعنه اللّه تعالى ) في عنب غرسه آدم وما غرسه نوح علیه السلام وأن الثلثين له والثلث لآدم أو نوح (4)فالسنّة جرت على ذلك ، أو


1) الوافي 20 : 651.

2) الوسائل 25 : 279 / أبواب الأشربة المحرمة ب 1 ح 1 ، 3 وغيرهما.

3) كما في روايتي أبي بصير ومحمد بن الهيثم المرويتين في الوسائل 25 : 285 / أبواب الأشربة المحرمة ب 2 ح 6 ، 7.

4) الوسائل 25 : 282 / أبواب الأشربة المحرمة ب 2 ح 2 ، 4 وغيرهما.

بما ورد من أن الخمر يصنع من عدة أُمور منها العصير من الكرم (1)وذلك لأنها أجنبية عن الدلالة على نجاسة العصير رأساً.

وعليه فالمهم في الاستدلال على نجاسته موثقة معاوية بن عمّار المروية عن الكافي والتهذيب ، قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يعني به الشيعة يأتيني بالبختج ويقول : قد طبخ على الثلث ، وأنا أعرف أنه يشربه على النصف أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال : خمر لا تشربه ، قلت : فرجل من غير أهل المعرفة يشربه على الثلث ، ولا يستحله على النصف يخبرنا أن عنده بختجاً قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه؟ قال : نعم » (2)حيث دلتنا هذه الموثقة على عدم الاعتناء بقول ذي اليد وإخباره عن ذهاب ثلثي العصير وأن المناط في سماع قوله اعتقاده وعمله ، فان كان معتقداً بجواز شربه على النصف وكان عمله أيضاً شربه عليه فلا يعتد باخباره ، وأما إذا اعتقد جوازه على الثلث كما أن عمله كان شربه على الثلث فيعتمد على إخباره. كما دلتنا على أن العصير العنبي بعد غليانه وقبل أن يذهب ثلثاه خمر تنزيلية فيترتب عليه ما كان يترتب عليها من أحكامها وآثارها التي منها نجاستها ، لأنّ البختج على ما فسروه بمعنى « پخته » فالمراد منه هو العصير العنبي المطبوخ.

هذا وقد نوقش في الاستدلال بها من وجوه :

الأوّل : أنّ البختج لم يثبت أنه بمعنى مطلق العصير المطبوخ وإن فسّره به جمع منهم المحدِّث الكاشاني قدس سره (3)بل الظاهر أنه عصير مطبوخ خاص وهو الذي يسمّى عندنا بالربّ كما في كلام المحقق الهمداني قدس سره (4)ومن المحتمل القوي أن يكون هذا القسم مسكراً قبل استكمال طبخه ، وعليه فغاية ما تقتضيه هذه الموثقة


1) الوسائل 25 : 279 / أبواب الأشربة المحرمة ب 1 ح 1 ، 3.

2) الكافي 6 : 421 / 7 ، التهذيب 9 : 122 / 526 ، الوسائل 25 : 293 / أبواب الأشربة المحرمة ب 7 ح 4.

3) الوافي 20 : 654.

4) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 551 السطر 35.

تنزيل خصوص هذا القسم من العصير منزلة الخمر بجامع إسكارهما ، ولا نضايق نحن من الالتزام بنجاسة القسم المسكر منه للموثقة ، وأما مطلق العصير العنبي المطبوخ وإن لم يكن مسكراً فلا دلالة لها على نجاسته بوجه.

ويدفعه : أن تفسير البختج بالقسم المسكر من العصير المطبوخ مخالف صريح لما حكم به علیه السلام في ذيل الموثقة من طهارته وجواز شربه إذا كان المخبر ممن يعتقد حرمة شربه على النصف وكان عمله جارياً على الشرب بعد ذهاب الثلثين. والوجه في المخالفة أن البختج لو كان هو القسم المسكر من العصير لم يكن وجه لحكمه علیه السلام بطهارته وجواز شربه عند اخبار من يعتبر قوله بذهاب الثلثين ، لأن ذهابهما وإن كان مطهّراً للعصير لو قلنا بنجاسته أو محللاً له إلاّ أنه لا يكون مطهراً للمسكر أبداً لأنه محكوم بنجاسته وحرمة شربه ذهب ثلثاه أم لم يذهبا ، فمن هذا نستكشف أن البختج ليس بمعنى القسم المسكر من العصير ، وإنما معناه مطلق العصير المطبوخ كما فسّره به جماعة. وظني وإن كان لا يغني من الحق شيئاً أن البختج معرّب « پختك » والكاف في الفارسية علامة التصغير فمعنى « پختك » حينئذ ما طبخ طبخاً غير تام وهو الذي لم يذهب ثلثاه ، ثم أُبدل الكاف بالجيم كما هو العادة في تعريب الألفاظ الأجنبية ، فإن أواخرها إذا كانت مشتملة على لفظة كاف تتبدل بالجيم كما في البنفسج الذي هو معرّب « بنفشك » ، فالنتيجة أن البختج بمعنى العصير المطبوخ فهذه المناقشة غير واردة.

الثاني : أنّ الرواية على ما رواه الكليني قدس سره غير مشتملة على لفظة « خمر » بعد قوله فقال ، وإنما تشتمل على قوله علیه السلام لا تشربه ، وعليه فلا دلالة لها على نجاسة العصير وإنما تدل على حرمة شربه فحسب. نعم ، نقلها الشيخ قدس سره في تهذيبه مشتملة على لفظة خمر فالرواية هكذا : فقال : خمر لا تشربه ، وإن لم ينقل هذه اللّفظة في شي‌ء من الوافي والوسائل مع إسنادهما الرواية إلى الشيخ أيضاً.

ومن هنا تعجب في الحدائق من صاحبي الوافي والوسائل حيث نقلا الرواية عن

الكليني غير مشتملة على لفظة خمر ونسباها إلى الشيخ أيضاً مع أن رواية الشيخ مشتملة عليها (1)، فعلى هذا فالرواية وإن دلت على نجاسة العصير قبل ذهاب ثلثيه إلاّ أن رواية الشيخ معارضة برواية الكليني ، وأصالة عدم الزيادة وإن كانت تتقدم على أصالة عدم النقيصة لبناء العقلاء على العمل بالزيادة ، لأن أصالة عدم الغفلة في طرف الزيادة أقوى عن أصالة عدم الغفلة في طرف النقيصة فإن الإنسان قد ينسى فينقص لفظة أو لفظتين مثلاً ، وأما أنه ينسى فيضيف على الرواية كلمة أو كلمتين فهو من البعد بمكان ، ومقتضى هذا تقديم رواية الشيخ على رواية الكليني قدس سرهما إلاّ أن أضبطية الكليني في نقل الحديث تمنعنا عن ذلك ، لأن الشيخ قدس سره كما شاهدناه في بعض الموارد ونقله غير واحد قد ينقص أو يزيد ، ومعه أصالة عدم الغفلة في رواية الكليني لا يعارضها أصالة عدمها في رواية الشيخ فتتقدم رواية الكافي على رواية التهذيب وبه يثبت عدم اشتمال الرواية على لفظة خمر ، أو أنّ الروايتين تتعارضان ومعه لا مناص من الرجوع إلى قاعدة الطهارة في العصير قبل ذهاب ثلثيه.

هذا على أن أصالة عدم الزيادة إنما تتقدم على أصالة عدم النقيصة فيما إذا كان ناقلها ساكتاً وغير ناف للزيادة ، وهذا كما إذا دلت إحدى الروايتين على استحباب شي‌ء يوم الجمعة من دون أن تنفى استحبابه في غيره مثلاً ودلت الأُخرى على استحبابه يوم الجمعة وليلتها فحينئذ يؤخذ بالزيادة لبناء العقلاء كما مر ، وأما إذا كان ناقل النقيصة نافياً للزيادة كما أن راوي الزيادة مثبت لها كما هو الحال في المقام لأن الناقل بنقله النقيصة ينفي اشتمال الرواية على الزيادة فلا وجه لتقديم المثبت على النافي فهما متعارضتان ، فلا بد من المراجعة إلى قاعدة الطهارة وهي تقتضي الحكم بطهارة العصير حينئذ.

هذا كلّه بناءً على أن رواية الشيخ في تهذيبه مشتملة على زيادة لفظة « خمر » ، وأمّا إذا بنينا على عدم اشتمالها على الزيادة نظراً إلى أن صاحبي الوافي والوسائل من مهرة فن الحديث ومن أهل الخبرة والتضلع فيه ، ومعه إذا نقلا الرواية عن الشيخ في تهذيبه


1) الحدائق 5 : 124.

غير مشتملة على لفظة خمر فلا محالة يكون ذلك كاشفاً عن أن الكتاب المذكور غير مشتمل عليها وإن اشتمل عليها بعض نسخه ، فلا يرد عليهما ما أورده صاحب الحدائق قدس سره من اشتباههما في نقل الحديث ، وقد ذكرنا في محلّه أن التعارض من جهة اختلاف النسخ خارج عن موضوع تعارض الروايتين لأنه من اشتباه الحجة بلا حجة كما أشرنا إليه في بحث التعادل والترجيح (1)حيث إنّا إنما نعتمد على رواية الكافي أو الوسائل أو غيرهما للقطع بأن الأول للكليني والثاني للحر العاملي وهما ثقتان ورواياتهما حجة معتبرة ، فاذا اشتبهت النسخ واختلفت فنشك في أن ما رواه المخبر الثقة هل هو هذه النسخة أو تلك فهو من اشتباه الحجّة بلا حجّة الموجب لسقوط الرواية عن الاعتبار ، فالأخذ برواية الكليني أوضح ، إذ لم تثبت رواية الشيخ لا مع الزيادة ولا بدونها لسقوطها عن الاعتبار من جهة اشتباه الحجة بلا حجة ، ومعه تبقى رواية الكليني من غير معارض وقد مرّ أنها غير مشتملة على لفظة خمر فلا دلالة لها على نجاسة العصير قبل ذهاب ثلثيه وإنما تستفاد منها حرمته فحسب هذا.

والصحيح اشتباه الوافي والوسائل في نقلهما ، فان الظاهر أن التهذيب مشتمل على الزيادة لكثرة نقلها عن الشيخ في تهذيبه وهي تكشف عن أن أكثر نسخ الكتاب مشتمل على الزيادة ، فلو كانت عندهما نسخة غير مشتملة عليها فهي نسخة غير دارجة ولا معروفة ، فلا بد من أن ينبّها على أن النقيصة من جهة النسخة غير المعروفة الموجودة عندهما ، فحيث لم ينبّها على ذلك بوجه فدلنا هذا على اشتمال النسخة الموجودة عندهما أيضاً على الزيادة المذكورة وإنما تركا نقلها اشتباهاً برواية الكليني قدس سره ، وعليه فالروايتان متعارضتان ولا مناص من الحكم بتساقطهما والرجوع إلى قاعدة الطهارة وهي تقتضي الحكم بطهارة العصير حينئذ.

الثالث : أن تنزيل شي‌ء منزلة شي‌ء آخر قد يكون على وجه الإطلاق ومن جميع الجهات والآثار ففي مثله يترتب على المنزّل جميع ما كان يترتب على المنزل عليه من


1) مصباح الأُصول 3 : 422.

أحكامه وآثاره ، كما إذا ورد : العصير خمر فلا تشربه أو قال : لا تشرب العصير لأنه خمر ، لأنّ لفظة « فاء » ظاهرة في التفريع وتدل على أن حرمة الشرب من الأُمور المتفرعة على تنزيل العصير منزلة الخمر مطلقاً ، وكذلك الحال في المثال الثاني لأنه كالتنصيص بأن النهي عن شربه مستند إلى أنه منزّل منزلة الخمر شرعاً ، وبذلك يحكم بنجاسة العصير لأنها من أحد الآثار المترتبة على الخمر.

وقد يكون التنزيل بلحاظ بعض الجهات والآثار ولا يكون ثابتاً على وجه الإطلاق كما هو الحال في المقام ، لأن قوله علیه السلام « خمر لا تشربه » إنما يدل على أن العصير منزّل منزلة الخمر من حيث حرمته فحسب ، ولا دلالة له على تنزيله منزلة الخمر من جميع الجهات والآثار وذلك لعدم اشتماله على لفظة « فاء » الظاهرة في التفريع ، حيث إن جملة « لا تشربه » وقوله « خمر » بمجموعهما صفة للعصير أو من قبيل الخبر بعد الخبر أو أنها نهي ، وعلى أي حال لا دلالة له على التفريع حتى يحكم على العصير بكل من النجاسة والحرمة وغيرهما من الآثار المترتبة على الخمر.

فتحصّل أنّ الصحيح هو القول الثاني ، ولا دليل على نجاسة العصير بالغليان كما هو القول الآخر.

هذا وقد يفصّل في المسألة بين ما إذا كان غليان العصير مستنداً إلى النار فيحكم بحرمته ويكون ذهاب ثلثيه محللاً حينئذ ، وبين ما إذا استند إلى نفسه أو إلى حرارة الهواء أو الشمس فيحكم بنجاسته إلاّ أن ذهاب الثلثين حينئذ لا يرفع نجاسته ، لأنّ حاله حال الخمر فلا يطهّره إلاّ تخليله. وهذا التفصيل نسب من القدماء إلى ابن حمزة في الوسيلة (1)واختاره شيخنا شيخ الشريعة الأصفهاني قدس سره في رسالته إفاضة القدير التي صنفها في حكم العصير ، وقد نسبه إلى جماعة منهم ابن إدريس (2)والشيخ الطوسي في بعض كلماته (3).


1) الوسيلة : 365.

2) السرائر 3 : 130.

3) النهاية : 591.

واستدلّ عليه تارة بما يرجع حاصله إلى المنع الصغروي ، حيث ذكر أنّ العصير العنبي إذا نش وغلى بنفسه ولو بمعونة أمر خارجي غير منفرد في الاقتضاء كالشمس وحرارة الهواء ونحوهما كما إذا مضت عليه مدّة لا محالة يصير مسكراً ، لأنه ببقائه مدة من الزمان يلقى الزبد وتحدث فيه حموضة وهي التي يعبّر عنها في الفارسية ب- « ترشيدن » فبه ينقلب مسكراً حقيقياً ، وهو إذن من أحد أفراد الخمر والمسكر ولا إشكال في نجاسة الخمر كما مر. والتكلم في الصغريات وإن كان خارجاً عن الأبحاث العلمية إلاّ أن ما أفاده قدس سره لو تمّ وثبت اقتضى التفصيل في المسألة من دون حاجة إلى إقامة الدليل والبرهان عليه ، لأن ما قدمناه من الأدلة على نجاسة الخمر يكفينا في الحكم بنجاسة العصير إذا غلى من قبل نفسه لأنه فرد من أفراد الخمر حينئذ ، إلاّ أنه لم يثبت عندنا أن العصير إذا غلى بنفسه ينقلب خمراً مسكراً كما لم يدع ذلك أهل خبرته وهم المخلِّلون وصنّاع الخل والدبس ، بل المتحقق الثابت خلافه ، فانّ صنع الخمر وإيجادها لو كان بتلك السهولة لم يتحمّل العقلاء المشقّة في تحصيلها من تهيئة المقدّمات والمئونات وبذل الأموال الطائلة في مقابلها ، بل يأخذ كل أحد مقداراً من العصير ثم يجعله في مكان فاذا مضت عليه مدّة ينقلب خمراً مسكراً. نعم ، ربما ينقلب العصير الذي وضع لأجل تخليله خمراً ، إلاّ أنه أمر قد يتّفق من قبل نفسه وقد لا يتّفق.

وأُخرى منع عن كبرى نجاسة مطلق العصير بالغليان ، وعمدة ما اعتمد عليه في ذلك أمران :

أحدهما : دعوى أن كل رواية مشتملة على لفظة الغليان من الأخبار الواردة في حرمة العصير إنما دلت على أنه لا خير في العصير إذا غلى أو لا تشربه إذا غلى أو غيرهما من المضامين الواردة في الروايات ، إلاّ أن الحرمة أو النجاسة على تقدير القول بها غير مغياة في تلك الأخبار بذهاب الثلثين أبداً ، وعليه فلا دلالة في شي‌ء منها على أن الحكم الثابت على العصير بعد غليانه يرتفع بذهاب ثلثيه بل ليس من ذلك في الروايات عين ولا أثر ، كما أن كل رواية اشتملت على التحديد بذهاب الثلثين فهي مختصّة بالعصير المطبوخ أو ما يساوقه كالبختج والطلا ، والجامع ما يغلي بالنار.

فهذه الأخبار قد دلّتنا على أنّ العصير المطبوخ الذي يستند غليانه إلى النار دون مطلق العصير المغلي إذا ذهب عنه ثلثاه وبقي ثلثه فلا بأس به ، ولا دلالة في شي‌ء منها على عدم البأس في مطلق العصير المغلي إذا ذهب عنه ثلثاه ، فمن ذلك يظهر أن ذهاب الثلثين محلل للعصير الذي استند غليانه إلى الطبخ بالنار ولا نجاسة فيه أبداً وأمّا ما استند غليانه إلى نفسه ولو بمعونة أمر خارجي غير منفرد في الاقتضاء كالشمس وحرارة الهواء فذهاب الثلثين فيه لا يكون موجباً لحليته ولا مزيلاً لنجاسته ، فبذلك نبني على أن العصير إذا غلى بنفسه فهو نجس محرّم شربه ولا يرتفع شي‌ء من نجاسته وحرمته إلاّ بانقلابه خلا كما هو الحال في الخمر ، وسرّه أنّ الغليان في الطائفة الاولى من الروايات وهي الأخبار المشتملة على حرمة العصير أو نجاسته بغليانه لم يذكر له سبب ، وكلّ وصف لشي‌ء لم يذكر استناده إلى سبب فالظاهر أنه مما يقتضيه نفس ذلك الشي‌ء بمادّته.

وعليه فالروايات ظاهرة في أنّ الغليان المنتسب إلى نفس مادة العصير ولو بمعونة أمر خارجي هو الذي يقتضي نجاسته دون الغليان المنتسب إلى النار ، وبهذا صحّ التفصيل المتقدم ذكره ، ومعه لا وجه لما عن المحقق الهمداني وغيره من عدم استناد ذلك إلى دليل ، حيث ذكر المحقِّق المذكور بعد نقله التفصيل المتقدِّم ذكره عن ابن حمزة في الوسيلة أنه لم يعلم مستنده (1).

ودعوى : أنّ هذه النكتة في الروايات ذكر السبب وعدمه قضيّة اتفاقية لا يناط بها الحكم الشرعي كما عن بعض معاصريه مندفعة بأنّ النكات والدقائق التي أعملها الأئمة علیهم السلام في كلماتهم مما لا مناص من أخذها كما يجب الأخذ بأصلها (2). هذه خلاصة ما أفاده قدس سره في الأمر الأول من استدلاله بعد ضم بعض كلماته ببعض وزيادة منّا لتوضيح المراد.

ولكن لا يمكننا المساعدة على هذه الدعوى بوجه ، لأنها مما لا أصل له حيث إنّ


1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 552 السطر 31.

2) إفاضة القدير : 16 35.

الأخبار المشتملة على لفظة الغليان مما دلّ على حرمة العصير أو نجاسته وإن لم يغي فيها الحكم بذهاب الثلثين ، إلاّ أن عدم ذكر السبب للغليان لا يقتضي استناده إلى نفس العصير ، لأنه دعوى لا شاهد لها من العرف ولا من كلمات أهل اللّغة ، كيف فان عدم ذكر السبب يقتضي الإطلاق من حيث أسبابه فلا يفرق بين استناده إلى نفسه أو إلى النار أو غيرهما ، فالمراد بالغليان في حسنة حماد عن أبي عبد اللّه علیه السلام « لا يحرم العصير حتى يغلي » (1)وفي خبره الآخر : « تشرب ما لم يغل فاذا غلى فلا تشربه » (2)أعم من الغليان بالنار والغليان بنفسه ، فلا يكون عدم ذكر السبب موجباً لتقييد الغليان بخصوص ما يستند إلى نفسه ، فإذا ورد أن الرجل إذا مات ينتقل ماله إلى وارثه ، فلا يحمله أحد على إرادة خصوص موته المستند إلى نفسه ، بل يعمّه وما إذا كان مستنداً إلى غيره من قتل أو غرق أو غيرهما من الأسباب الخارجية.

هذا كله على أن الغليان لا يعقل أن يستند إلى نفس العصير ، فإنّه لو صُبّ في ظرف كالإناء وجُعل في ثلاجة أو غيرها مما لا تؤثر فيه حرارة خارجية فلا محالة يبقى مدّة من الزمان ولا يحدث فيه الغليان أبداً ، وعليه فالغليان غير مسبب عن نفس العصير بل دائماً مستند إلى أمر خارجي من نار أو حرارة الهواء أو الشمس ، ومعه لا وجه لحمل الغليان في الطائفة الأُولى على الغليان بنفسه حتى ينتج أن الحاصل بسببه لا يرتفع حكمه بذهاب ثلثي العصير.

نعم يبقى له سؤال وهو أنه هب أن الغليان في الروايات المذكورة مطلق ولا يختص بالغليان بنفسه إلاّ أنه لم يدلنا دليل على أن ذهاب الثلثين في مطلق العصير يقتضي طهارته ويرفع حرمته ، لما قدمناه من أن الطائفة الثانية المشتملة على ذهاب الثلثين مختصة بالعصير المطبوخ بالنار أو ما يساوقه ، فذهابهما إنما يكون غاية لارتفاع الحرمة أو النجاسة في خصوص ما غلى بالنار ، وأما في غيره فلا دليل على ارتفاع حكمه بذهابهما فلا بدّ من التمسك حينئذ بعدم القول بالفصل والملازمة بين ما غلى بالنار وما غلى بغيرها وهي بعد لم تثبت.


1) الوسائل 25 : 287 / أبواب الأشربة المحرمة ب 3 ح 1 ، 3.

2) الوسائل 25 : 287 / أبواب الأشربة المحرمة ب 3 ح 1 ، 3.

وهذا السؤال وإن كان له وجه إلاّ أنه يندفع بأن الطائفة الثانية وإن اختصت بالمطبوخ كما ادعاه إلاّ أن بينها صحيحة عبد اللّه بن سنان أو حسنته ، قال : « ذكر أبو عبد اللّه علیه السلام أنّ العصير إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فهو حلال » (1)والعصير فيها مطلق وتدلّنا هذه الصحيحة على أنّ ذهاب الثلثين رافع لحرمة مطلق العصير سواء غلى بنفسه ونشّ أوّلاً ثم أغلي بالنار وذهب ثلثاه أم لم يغل قبل غليانه بالنار ، هذا بل قيل إن الغالب في العصير الموجود في دكاكين المخللين وصنّاع الخل والدبس هو الأول ، لأن العصير عندهم كثير ولا يتمكنون من جعله دبساً دفعة ومن هنا يبقى العصير في دكاكينهم مدة ويحصل له النشيش من قبل نفسه ثم يغلي بالنار ويذهب ثلثاه. فالمتحصل أن ذهاب الثلثين مطلقاً يرفع الحرمة الثابتة على العصير غلى بنفسه أم غلى بالنار.

ثانيهما : صحيحة ابن سنان أو حسنته عن أبي عبد اللّه علیه السلام ، قال : « كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه » (2)حيث إنه رتّب الحرمة المغياة بذهاب الثلثين على العصير الذي أصابته النار ، فيستفاد منها أن ما لم تصبه النار من العصير كما إذا غلى بسبب أمر آخر لا ترتفع حرمته بذهاب ثلثيه وإلاّ فما فائدة تقييده العصير بما أصابته النار؟

ودعوى أنّ القيد توضيحي ، خلاف ظاهر التقييد لأنّ القيود محمولة على الاحتراز فيما إذا لم يؤت بها لفائدة أُخرى كما في قوله عزّ من قائل ( وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ ) (3)حيث إن الإتيان بالقيد من جهة الإشارة إلى حكمة الحكم بحرمة الربائب لا أنّ حرمتها مختصّة بما إذا كانت في الحجور ، وعليه لا مناص من التفصيل في حلية العصير بذهاب ثلثيه بين صورة غليانه بنفسه وصورة غليانه بسبب أمر آخر ، لأنّ الغاية لحرمة العصير المغلي بنفسه تنحصر بتخليله هذا.


1) الوسائل 25 : 277 / أبواب الأشربة المباحة ب 32 ح 2 ، 288 أبواب الأشربة المحرمة ب 5 ح 1.

2) الوسائل 25 : 282 / أبواب الأشربة المحرمة ب 2 ح 1.

3) النساء 4 : 23.

ويتوجّه عليه أن الأصل في القيود وإن كان هو الاحتراز وقد بيّنا في مبحث المفاهيم أن الوصف كالشرط ذات مفهوم إلاّ أن مفهومه أن الطبيعة على إطلاقها غير مقتضية للحكم والأثر وإنما المقتضي لهما حصة خاصة من الطبيعي ، ولا دلالة له على أن الحكم الثابت لتلك الحصة غير ثابت لحصة أُخرى من الطبيعة (1)، مثلاً إذا ورد أكرم الرجل العالم يدلنا تقييد الرجل بأن يكون عالماً على أن طبيعي الرجولية غير مقتض لوجوب إكرامها ، بل الذي ثبت له وجوب الإكرام حصة خاصة وهي الرجل المتصف بالعلم ، لأنه لو كان ثابتاً لطبيعي الرجل على إطلاقه كان تقييده بالعالم من اللغو الظاهر ، إلاّ أنه لا يدل على أن الرجل العادل أو غيره من الحصص غير متصف بهذا الحكم ، حيث لا دلالة في الوصف على كونه علة منحصرة للوجوب في المثال ومعه يمكن أن تكون العدالة أو الشيخوخة أو غيرهما من القيود كالعلم علّة لوجوب الإكرام مثلاً.

وعليه يدلّنا تقييد العصير في الرواية « بما أصابته النار » أن ارتفاع الحرمة بذهاب الثلثين غير مترتِّب على طبيعي العصير وإلاّ كان تقييده لغواً ظاهراً وإنما يترتّب على حصّة خاصّة منه وهو الذي تصيبه النار ، إلاّ أنه لا يدلّنا بوجه على عدم ارتفاع الحرمة بذهاب الثلثين في غيره من الحصص المتصورة للعصير كالمغلي بنفسه أو بحرارة الشمس أو الهواء ، لما عرفت من أن الوصف لا ظهور له في العلية المنحصرة ، ومعه يمكن أن يكون الغليان بنفسه كالغليان بالنار علة للحرمة المغياة بذهاب الثلثين هذا.

على أنّا لو سلمنا ظهور الرواية في إرادة خصوص الغليان بالنار وفرضنا أنها كالصريح في أن الغليان بالنار هو الذي يقتضي الحرمة المغياة بذهاب الثلثين دون الغليان بغيرها من الأسباب ، فغاية ذلك أن نفصّل في حرمة العصير بين ما إذا غلى بنفسه فلا ترتفع حرمته إلاّ بتخليله وما إذا غلى بالنار فترتفع حرمته بذهاب ثلثيه ، وأين هذا من التفصيل في نجاسة العصير؟ حيث لم يدلنا أي دليل على أن العصير إذا غلى بنفسه ينجس حتى يحكم بعدم ارتفاعها بذهاب ثلثيه. فالصحيح هو الذي


1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 133.

قدّمناه عن المحقق الهمداني قدس سره من أن التفصيل في نجاسة العصير بين غليانه بالنار وغليانه بغيرها مما لم يعلم مستنده (1)، فان ما أفاده شيخ الشريعة قدس سره لو تمّ فإنما يقتضي التفصيل في حرمة العصير دون نجاسته هذا.

وقد يستدلّ على هذا التفصيل برواية الفقه الرضوي « فإن نش من غير أن تصيبه النار فدعه حتى يصير خلاًّ من ذاته » (2)فإنّه كالصريح في أنّ الغليان من قبل نفس العصير مولد لحرمته وكذا لنجاسته وأنهما لا يرتفعان إلاّ بتخليله ، إلاّ أنّا ذكرنا غير مرّة أن الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلاً عن أن تكون حجّة.

وقد يستدلّ برواية عمّار بن موسى الساباطي ، قال : « وصف لي أبو عبد اللّه علیه السلام المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالاً فقال : تأخذ ربعاً من زبيب وتنقيه ثم تصب عليه اثني عشر رطلاً من ماء ، ثم تنقعه ليلة فاذا كان أيام الصيف وخشيت أن ينش جعلته في تنور سخن قليلاً حتى لا ينش ثم تنزع الماء منه كلّه إذا أصبحت ، ثم تصب عليه من الماء بقدر ما يغمره ، ثم تغليه حتى تذهب حلاوته إلى أن قال : فلا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث » الحديث (3)بتقريب أن قوله : « وخشيت أن ينش ظاهره » أن العصير مع النشيش من قبل نفسه لا يقبل الطهارة والحلية بإذهاب ثلثيه ، فالخشية إنما هي من صيرورته خارجاً عن قابلية الانتفاع به بذهاب الثلثين لأجل غليانه من قبل نفسه ، فالنش في قبال غليانه بالنار الذي يحلله ذهاب الثلثين.

والكلام في هذا الاستدلال تارة يقع في فقه الحديث ، وأُخرى في الاستدلال به على المدعى.

أما فقه الحديث فقد وقع الكلام في المراد من أمره علیه السلام بجعل العصير في تنور سخن قليلاً خوفاً من نشيشه من قبل نفسه ، مع أن جعله في مكان حارّ معد لنشيشه لا أنه مانع عنه.


1) تقدّم في ص 103.

2) فقه الرضا : 280.

3) الوسائل 25 : 289 / أبواب الأشربة المحرمة ب 5 ح 2.

ذكر شيخنا شيخ الشريعة قدس سره أن المراد بذلك جعل العصير في التنور السخن لأجل أن يغلي بالنار حتى لا ينش من قبل نفسه. ويبعّده أوّلاً : أن جعله في التنور السخن قليلاً لا يوجب غليانه لقلة مكثه فيه. وثانياً : أن مراده علیه السلام لو كان غليانه بالنار لعبّر عنه بعبارة أخصر كقوله فأغله ، ولم يكن يحتاج إلى قوله : « جعلته في تنور سخن قليلاً » على طوله. وثالثاً : أن ظاهر الرواية أنه علیه السلام يريد أن يتحفّظ على العصير من نشيشه من دون أن يغلي ، فما وجّه به الرواية مما لا يمكن المساعدة عليه.

والصحيح في وجه ذلك أن يقال : إن العصير أو غيره من الأشربة أو الأطعمة القابلة لأن يطرأ عليها الضياع والحموضة إذا أصابته الحرارة بكم خاص منع عن فسادها ، ولما طرأت عليها الحموضة بوجه فلا يسقط عن قابلية الانتفاع بها بأكلها أو بشربها ، فلو جعلت طعاماً على النار مثلاً في درجة معينة من الحرارة ترى أنه يبقى أياماً بحيث لو كان بقي على حاله من غير حرارة لفسد من ساعته أو بعد ساعات قلائل كما في الصيف. وقد ذكر المستكشفون العصريون في وجه ذلك أن الفساد إنما يطرأ على الطعام أو الشراب من جهة الميكروبات الداخلة عليهما التي تتكون في الجو والهواء ، بحيث لو ابقي ذلك الطعام أو الشراب على الحرارة في درجة معينة أعني درجة الستين وماتت المكروبات الطارئة عليهما بتلك الحرارة لم يطرأ عليهما الحموضة والفساد من غير أن يصل إلى درجة الغليان ، لأنّ الحرارة إنما تولد الغليان في درجة المائة. هذا على أن ما ادعيناه وعرفته مما أثبتته التجربة وهي أقوى شاهد عليه سواء قلنا بمقالة العصريين أم أنكرنا وجود المكروب من رأس ، وعليه فغرضه علیه السلام من الأمر بجعل العصير في تنور سخن إنما هو التحفظ من أن تعرضه الحموضة والفساد لمكان حرارة التنور من غير أن يبلغ درجة الغليان ، هذا كلّه في فقه الحديث.

وأمّا الاستدلال به على التفصيل المدعى ففيه أوّلاً : أنّ الرواية ضعيفة بحسب السند ، لأنّ الراوي عن علي بن الحسن في السند لم يعلم أنه محمّد بن يحيى أو أنه رجل ومحمّد بن يحيى يروي عن ذلك الرجل ، وحيث إن الرجل مجهول فتصبح الرواية

نعم ، لا إشكال في حرمته سواء غلى بالنار أو بالشمس أو بنفسه ، وإذا ذهب ثلثاه صار حلالاً سواء كان بالنار أو بالشمس (1)أو بالهواء (1)


بذلك مرسلة وإن عبر عنها بالموثقة في كلمات بعضهم.

وثانياً : أن قوله علیه السلام : « وخشيت أن ينش » لم يظهر أنه من جهة احتمال صيرورته محرماً على نحو لا تزول عنه بذهاب ثلثيه ، لجواز أن تكون خشيته من جهة احتمال طرو الحموضة والنشيش على العصير وهما يمنعان عن طبخه على الكيفية الخاصة التي بيّنها علیه السلام حتى يفيد لعلاج بعض الأوجاع والأمراض مع إمكان إبقائه مدة من الزمان ، فالاستدلال بالرواية غير تام.

والصحيح هو الذي ذهب إليه المشهور من أنه لا فرق في زوال حرمة العصير وكذا في نجاسته على تقدير القول بها بين غليانه بالنار وغليانه بنفسه بعد ذهاب الثلثين.

(1) استدل على ذلك بالإطلاق ، وليت شعري ما المراد من ذلك وأي إطلاق في روايات المسألة حتى يتمسّك به في المقام ، كيف فإن الأخبار المشتملة على حلية العصير بذهاب الثلثين إنما وردت في خصوص ذهابهما بالنار ، فيكفينا في المقام عدم الدليل على حلية العصير بذهاب ثلثيه بمثل الشمس والهواء ، وكذا طهارته إذا قلنا بنجاسته بالغليان ، هذا على أن بعضها ذات مفهوم ومقتضى مفهومه عدم ارتفاع حرمة العصير بذهاب ثلثيه بمثل الشمس والهواء ، وإليك موثقة أبي بصير : « إن طبخ حتى يذهب منه اثنان ويبقى واحد فهو حلال » (2)فان مفهومها أنه إذا لم يطبخ بالنار ليذهب ثلثاه فلا يحل.

بل يمكن استفادة ما ذكرناه من الأخبار الواردة في حكمة تحريم الثلثين المشتملة


1) (*) في كفاية ذهاب الثلثين بغير النار إشكال ، بل الظاهر عدمها ، نعم ، إذا استند ذهاب الثلثين إلى النار وإلى حرارتها الباقية بعد إنزال القدر عنها مثلاً كفى.

2) الوسائل 25 : 285 / أبواب الأشربة المحرّمة ب 2 ح 6.

على منازعة الشيطان وآدم علیه السلام وتحاكمهما إلى روح القدس ، حيث ورد في بعضها أنّ روح القدس أخذ ضغثاً من النار فرمى به على القضيبين والعنب في أغصانهما حتى ظن آدم أنه لم يبق منه وظن إبليس مثل ذلك ، قال : فدخلت النار حيث دخلت وذهب منهما ثلثاهما وبقي الثلث ، فقال الروح أما ما ذهب منهما فحظ إبليس وما بقي فلك يا آدم (1)، لأن ظاهرها أن المحلل للثلث الباقي إنما هو ذهاب الثلثين بالنار.

وكيف كان ، فلا نرى إطلاقاً في شي‌ء من الأخبار. نعم ، ورد في بعض أخبار المسألة أنّ العصير إذا طبخ حتى يذهب منه ثلاثة دوانيق ونصف ثم ترك حتى برد فقد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه (2)، وقد دلت على أن ذهاب ثلثي العصير المعتبر في حليته لا يعتبر أن يكون حال غليانه بالنار بل لو ذهب منه مقدار كثلاثة دوانيق ونصف وهو على النار وذهب نصف الدانق منه بعد رفعه عنها كفى ذلك في حليته لأنّ مجموع الذاهب حينئذ أربعة دوانيق ، ثلاثة ونصف حال كونه على النار ونصف الدانق بعد أخذه منها لتصاعده بالبخار وهما ثلثان والباقي ثلث واحد وهو دانقان ، ولكن لا دلالة لها على كفاية ذهاب نصف الدانق الباقي في حلية العصير بمثل الشمس والهواء. والوجه فيه أنّ ذهاب نصف الدانق بعد أخذه من النار أيضاً مستند إلى غليانه بسببها ، لأنّ النار أغلته وأحدثت فيه الحرارة الموجبة لتصاعد المقدار الباقي منه بالبخار بعد أخذه من النار ، فلا يستفاد منها أن ذهاب نصف الدانق يكفي في حلية العصير ولو كان مستنداً إلى غير النار. على أنّا لو سلمنا دلالتها على كفاية ذهابه ولو بغير النار فإنما نلتزم بذلك في خصوص مورد الرواية وهو نصف الدانق فحسب ، وأما ذهاب مجموع الثلثين بغير النار فلم يدل على كفايته دليل. فالصحيح الاقتصار في الحكم بحلية العصير بعد غليانه بذهاب ثلثيه بالنار.


1) هذا مضمون ما رواه في الوسائل 25 : 282 / أبواب الأشربة المحرمة ب 2 ح 2 وهي رواية أبي الربيع الشامي.

2) رواه عبد اللّه بن سنان في الوسائل 25 : 291 / أبواب الأشربة المحرمة ب 5 ح 7.

بل الأقوى (1)حرمته بمجرد النشيش (1) وإن لم يصل إلى حد الغليان


(1) النشيش كما قيل هو الصوت الحادث في الماء أو في غيره قبل أخذه بالغليان وهو في بعض الأواني أوضح وأشد من بعضها الآخر وفي السماور أظهر. وهل يكفي ذلك في الحكم بحرمة العصير وكذا في نجاسته على تقدير القول بها أو أن موضوعيهما الغليان؟

ذهب الماتن إلى الأول وتبعه عليه غيره ، ولعله اعتمد في ذلك على موثقة ذريح « سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام يقول : إذا نش العصير أو غلى حرم » (2)حيث عطف الغليان فيها على النشيش وظاهر العطف هو التغاير والاثنينية. هذا ولكنها معارضة بحسنة حماد عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « لا يحرم العصير حتى يغلي » (3)وغيرها من الأخبار الواردة في عدم حرمة العصير قبل أن يغلي ، فإنها ظاهرة في عدم العبرة بالنشيش الحاصل قبل الغليان غالباً ، ومع المعارضة كيف يمكن الاعتماد على موثقة ذريح. على أن لازمها أن يكون اعتبار الغليان وعطفه على النشيش لغواً ظاهراً ، لأنه مسبوق بالنشيش دائماً ، فلا مناص معه من حمل النشيش في الموثقة على معنى آخر كنشيشه بنفسه أو حمل الغليان فيها على موارد يتحقق فيها الغليان من دون أن يسبقه النشيش ، كما إذا وضع مقدار قليل من العصير على نار حادة كثيرة فإنها تولد الغليان فيه دفعة ، ولا سيما إذا كانت حرارة الإناء المصبوب فيه العصير بالغة درجة حرارة النار ، فان العصير حينئذ يغلي من وقته من غير سبقه بالنشيش.

وكيف ما كان ، فالاستدلال بالموثقة مبني على أن تكون الرواية كما رواها في الوسائل والوافي بعطف الغليان على النشيش بلفظه « أو » لكنها لم تثبت كذلك ، لأنّ شيخنا شيخ الشريعة الأصفهاني قدس سره نقل عن النسخ المصحّحة من الكافي عطف أحدهما على الآخر بالواو ، وأن العصير إذا نش وغلى حرم (4)، وعليه فلا تنافي


1) (*) بل الأحوط.

2) الوسائل 25 : 287 / أبواب الأشربة المحرمة ب 3 ح 4 ، 1.

3) الوسائل 25 : 287 / أبواب الأشربة المحرمة ب 3 ح 4 ، 1.

4) إفاضة القدير : 4.

بين اعتبار كل من الغليان والنشيش الذي هو صوته في ارتفاع حلية العصير ، وبما أنه ( قدس اللّه سره ) ثقة أمين وقد روى عطف أحدهما على الآخر بالواو فلا مناص من الأخذ بروايته لاعتبارها وحجيتها ، وبه يرتفع التنافي عن نفس الموثقة كما ترتفع المعارضة بينها وبين حسنة حماد المتقدمة ونظائرها.

ثم إذا أخذنا برواية الوافي والوسائل وهي عطف أحدهما على الآخر بلفظه « أو » فلا بد في رفع المعارضة أن يقال : إن النشيش لم يثبت أنه أمر مغاير مع الغليان بل هو هو بعينه على ما في أقرب الموارد حيث فسّر النشيش بالغليان وقال : نش النبيذ : غلى (1). وأما تفسيره بصوت الغليان كما عن القاموس (2)وغيره فالظاهر إرادة أنه صوت نفس الغليان لا الصوت السابق عليه ، وعليه فهما بمعنى واحد ، وبهذا المعنى استعمل النشيش في رواية عمّار (3)الواردة في كيفية طبخ العصير حيث قال : « وخشيت أن ينش » فانّ معناه خشيت أن يغلي ، وليس معناه الصوت المتقدِّم على غليانه لأنه لا وجه للخشية منه.

وهذا الذي ذكرناه وإن كان يرفع المعارضة بين الموثقة والحسنة إلاّ أنه لا يكفي في رفع التنافي عن نفس الموثقة ، لأنه لا معنى لعطف الشي‌ء على نفسه والقول بأنه إذا غلى العصير أو غلى حرم ، فلا بد في رفعه من بيان ثانوي وهو أن يقال : إن النشيش وإن كان بمعنى الغليان كما مر إلاّ أنه ليس بمعنى مطلق الغليان ، وإنما معناه غليان خاص وهو غليان العصير بنفسه أو أنه مما ينصرف إليه لفظه ، فالغليان بالنار لا يطلق عليه النشيش ولم يرَ استعماله بهذا المعنى في شي‌ء من الأخبار ، لأنّ الغليان كما في خبر حمّاد هو القلب أعني تصاعد الأجزاء المتنازلة وتنازل الأجزاء المتصاعدة ، وهو إنما يتحقّق بالنار ولا يتأتّى في الغليان بنفسه ، وعليه فالنشيش أمر والغليان أمر آخر ، ومعه لا يبقى أي تناف في الموثقة فكأنه علیه السلام قال : إن غلى العصير بنفسه أو


1) أقرب الموارد 2 : 1301.

2) القاموس المحيط 2 : 290.

3) المتقدِّمة في ص 107.

ولا فرق بين العصير ونفس العنب ، فاذا غلى نفس العنب من غير أن يعصر كان حراماً (1)(1)


غلى بالنار حرم ، وعليه فموضوع الحكم بالحرمة أحد الغليانين المتقدِّمين ، وأما النشيش بمعنى الصوت الحادث قبل غليان الماء أو غيره فهو مما لا يوجب الحرمة بوجه ، وإن كان الأحوط التجنب عنه من حين نشيشه.

(1) قد مر أن الموضوع للحكم بحرمة العصير إنما هو غليانه بنفسه أعني النشيش أو غليانه بالنار ، فهل هذا يختص بما إذا استخرجنا ماء العنب بعصره أو أنه يعم ما إذا خرج ماؤه من غير عصر كما إذا خرج عنه بالفوران في جوف العنب أو من جهة كثرة مائه فخرج عن قشره بالضغطة الشديدة ثم اغلي؟

لا ينبغي التردّد في أنّ العرف لا يستفيد من أدلّة حرمة العصير على تقدير غليانه خصوصية لعصره ولا يفهم مدخلية ذلك في حرمته بالغليان ، ولا سيما بملاحظة ما ورد في حكمة حرمة العصير من منازعة آدم علیه السلام وإبليس وإذهاب روح القدس ثلثي ماء العنب بالنار (2)، حيث إن المستفاد منها أن الميزان في الحكم بحلية ماء العنب إنما هو ذهاب ثلثيه بالنار ، بلا فرق في ذلك بين خروج مائه بالعصر وبين خروجه بغيره ، وعليه لا فرق في الحكم بحرمة العصير بالغليان بين استخراج ماء العنب بعصره وبين خروجه عنه بغير عصر ، للقطع بعدم مدخلية العصر بحسب الفهم العرفي في حرمته ، هذا كلّه إذا خرج عنه ماؤه.

وأما إذا غلى ماء العنب في جوفه بحرارة الهواء أو الشمس ونحوهما من دون استخراجه من العنب بوجه فهل يحكم بحرمته ونجاسته على القول بنجاسة العصير بالغليان؟ الظاهر أن هذه المسألة فرضية خيالية لأنها تبتني على فرض أمر غير واقع أبداً ، حيث إن العنب ليس كالقربة وغيرها من الأوعية مشتملاً على مقدار من الماء


1) (*) على الأحوط.

2) المتقدمة في ص 110.

وأمّا التمر والزبيب وعصيرهما (1) فالأقوى عدم حرمتهما أيضاً بالغليان وإن كان الأحوط الاجتناب عنهما أكلاً ، بل من حيث النجاسة أيضاً (2).


حتى يمكن غليانه في جوفه ، بل العنب على ما شاهدنا جميع أقسامه نظير الخيار والبطِّيخ والرقِّي مشتمل على لحم فيه رطوبة وكلما وردت عليه ضغطة خرج منه ماؤه وبقيت سفالته. نعم ، الماء الخارج من العنب أكثر مما يمكن استخراجه من الخيار وكيف كان ، فلا ماء في جوف العنب حتى يغلي ، وقد مرّ أنّ الغليان هو القلب وتصاعد النازل وتنازل الصاعد ، وكيف يتصور هذا في مثل العنب والبطيخ والخيار وغيرها مما لا يشتمل على الماء في جوفه.

ثم على تقدير إمكان ذلك ووقوعه في الخارج بفرض أمر غير واقع فهل يحكم بحرمته قبل أن يذهب ثلثاه؟ التحقيق أنه لا وجه للحكم بحرمته ، لأن ما دلّ على حرمة العصير العنبي بعد غليانه إنما دلّ على حرمة مائه الذي خرج منه بعصره أو بغير عصر ، وأما ماء العنب في جوفه فحرمته تحتاج إلى دليل ، ولم يدلنا دليل على أن ماء العنب إذا غلى في جوفه حرم حتى يذهب ثلثاه.

(1) المصطلح عليهما بالنبيذ ، فيقال : نبيذ الزبيب أو التمر ولا سيما في الأخير ، كما أن المصطلح عليه في ماء العنب هو العصير كذا ذكره صاحب الحدائق قدس سره (1).

(2) إذا نبذ الزبيب أو التمر في ماء وأكسبه حلاوة ثم غلى ذلك الماء بسبب فهل يحكم بحرمته ونجاسته أو أنه محكوم بالطهارة والحل؟

أمّا النجاسة فظاهرهم الاتفاق على عدمها بعد بطلان التفصيل المتقدِّم (2)عن ابن حمزة في الوسيلة الذي اختاره شيخنا شيخ الشريعة قدس سره ، حيث ذهب إلى نجاسة العصير فيما إذا غلى بنفسه وعدم ارتفاعها إلاّ بانقلابه خلاً بلا فرق في ذلك بين العصير العنبي وعصيري التمر والزبيب. وقد ذكر في الحدائق أني لم أقف على قائل


1) الحدائق 5 : 125.

2) في ص 101.

بنجاسة العصير الزبيبي ، ونقل التصريح بذلك عن الفاضل السبزواري قدس سره (1). وكيف كان ، فالظاهر عدم الخلاف في طهارة النبيذ أو لو كان هناك خلاف في نجاسة العصير الزبيبي فهو خلاف جزئي غير معتد به.

وأمّا حرمته فقد وقع الكلام فيها بينهم وذهب بعضهم إلى حرمته ، ونسب ذلك إلى جملة من متأخِّري المتأخِّرين والمشهور حليته. ولنتكلّم أوّلاً في حكم النبيذ الزبيبي ثم نتبعه بالتكلّم في النبيذ التمري إن شاء اللّه. فنقول : الذي يمكن أن يستدل به لحرمة النبيذ الزبيبي بل لنجاسته أمران : أحدهما : الاستصحاب التعليقي بتقريب أن الزبيب حينما كان رطباً وعنباً كان عصيره إذا غلى يحرم فاذا جففته الشمس أو الهواء وشككنا في بقائه على حالته السابقة وعدمه فمقتضى الاستصحاب أنه الآن كما كان ، فيحكم بحرمة مائه على تقدير غليانه بل بنجاسته أيضاً إذا قلنا بنجاسة العصير العنبي.

وترد على هذا الاستصحاب المناقشة من جهات : الاولى : أن الاستصحاب دائماً كما مرّ غير مرّة مبتلى بالمعارض في الأحكام الكلية الإلهيّة ، فلا مورد للاستصحاب في الأحكام المنجّزة فضلاً عن الأحكام المعلقة. الثانية : أنه لا أصل للاستصحاب التعليقي أساساً ، وهذا لا لأن كل شرط يرجع إلى الموضوع كما أن كل موضوع يرجع إلى الشرط في القضايا الحقيقية حتى يدعى أن رجوع الشرط إلى الموضوع أمر دقي فلسفي ، والمدار في جريان الاستصحاب إنما هو على المفاهيم العرفية المستفادة من القضايا الشرعية ولا إشكال في أن الشرط بمفهومه العرفي المستفاد من الخطاب يغاير الموضوع ، وحيث إن الموضوع باق بالنظر العرفي فلا مانع من جريان الاستصحاب في حكمه وإن لم يتحقّق شرطه أعني الغليان وذلك لأنّ هذه الدعوى وإن كانت صحيحة في نفسها على ما برهن عليها شيخنا الأُستاذ قدس سره في محلّه (2).

إلاّ أن الوجه في إنكارنا ومنع شيخنا الأُستاذ قدس سره عن الاستصحابات


1) الحدائق 5 : 125 ، ذخيرة المعاد : 155 السطر 3.

2) أجود التقريرات 2 : 412.

التعليقية من أساسها إنما هو ما قررناه في المباحث الأُصولية ، من أن الأحكام الشرعية لها مرحلتان : مرحلة الجعل ومرحلة المجعول ، والشك في المرحلة الاولى أعني الشك في بقاء جعلها وارتفاعه لا يتحقق إلاّ بالشك في نسخها ، فاذا شككنا في نسخ حكم وبقائه فعلى المسلك المشهور يجري الاستصحاب في بقائه وعدم نسخه ولا يجري على مسلكنا لما حققناه في محله. وأما الشك في الأحكام في المرحلة الثانية وهي مرحلة المجعول فلا يمكن أن يتحقق إلاّ بعد فعليتها بتحقق موضوعاتها في الخارج بما لها من القيود ، فاذا وجد موضوع حكم وقيوده وشككنا في بقائه وارتفاعه بعد فعليته فأيضاً لا كلام في جريان الاستصحاب في بقائه بناء على القول بجريانه في الأحكام الكلية الإلهيّة ولا معنى للشك في بقاء الحكم الشرعي وعدمه في غير هاتين المرحلتين ، وحيث إن الشك في حرمة العصير الزبيبي على تقدير الغليان لم ينشأ عن الشك في نسخها للقطع ببقاء جعلها في الشريعة المقدسة فلا مجرى فيها للاستصحاب بحسب مرحلة الجعل لعدم الشك على الفرض. كما أن الشك في حرمته ليس من الشك في بقاء الحكم بعد فعليته فان العصير العنبي لم يتحقق في الخارج في أي زمان حتى يغلي ويتصف بالحرمة الفعلية ويشك في بقائها فلا يجري الاستصحاب فيها بحسب مرحلة المجعول أيضاً ، وعليه فليس لنا حكم شرعي في هذه الموارد حتى نستصحبه عند الشك في بقائه. نعم ، الذي لنا علم بوجوده بعد ما تحقّق العنب في الخارج وقبل أن يغلي إنما هو الملازمة العقلية بين حرمته وغليانه ، لأنه بعد العلم بتحقّق أحد جزئي الموضوع للحكم بحرمة العصير يتحقق العلم بالملازمة بين حرمته ووجود جزئه الآخر فيقال : إنه بحيث إذا غلى يحرم ، إلاّ أنه حكم عقلي غير قابل للتعبّد ببقائه بالاستصحاب.

الثالثة : هب أنّا بنينا على جريان الاستصحاب في جميع الأحكام الكلية منجّزها ومعلّقها إلاّ أن الأخبار الواردة في المقام كلها أثبتت الحرمة ، وكذا النجاسة على القول بها على عنوان العصير المتخذ من العنب ولم يترتّبا على نفس العنب ولا على أمر آخر ، وظاهر أن الزبيب ليس بعصير حتى يقال إذا شككنا في بقاء حكمه لجفافه وصيرورته زبيباً نستصحب بقاءه ، لأنّ مغايرة العصير والزبيب مما لا يكاد يخفى على

أحد ، كما أن النبيذ أعني الماء الذي نبذ فيه شي‌ء من الزبيب واكتسب حلاوته كذلك ، لأنه ماء الفرات أو بئر أو مطر وإنما جاور الزبيب مقداراً من الزمان واكتسب حلاوته ولا يصدق عليه العصير العنبي أبداً ، ومع التعدد وارتفاع الموضوع المترتب عليه الحكم والأثر لا مجال لإجراء الاستصحاب بوجه.

نعم ، لو كان العنب بنفسه موضوعاً للحكم بحرمته أو بنجاسته لحكمنا بجريان استصحابهما عند صيرورة العنب زبيباً ، لأن الجفاف والرطوبة تعدان من الحالات الطارئة على الموضوع لا من مقوماته ، فلا نضايق من القول باستصحاب الأحكام

المترتبة على نفس العنب عند تبدله بالزبيب كاستصحاب ملكيته ونحوها. فالمتحصل أن الاستصحاب التعليقي مما لا أصل له.

وثانيهما : الروايات حيث استدلّ لحرمة العصير الزبيبي بجملة من الأخبار : منها : رواية زيد النرسي في أصله ، قال : « سئل أبو عبد اللّه علیه السلام عن الزبيب يدق ويلقى في القدر ثم يصب عليه الماء ويوقد تحته ، فقال : لا تأكله حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث ، فان النار قد أصابته ، قلت : فالزبيب كما هو في القدر ويصب عليه الماء ثم يطبخ ويصفى عنه الماء؟ فقال : كذلك هو سواء ، إذا أدّت الحلاوة إلى الماء فصار حلواً بمنزلة العصير ثم نش من غير أن تصيبه النار فقدم حرم ، وكذلك إذا أصابته النار فأغلاه فقد فسد » (1)حيث دلت على حرمة العصير الزبيبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه. وقد جعلها شيخنا شيخ الشريعة قدس سره مؤيدة لما ذهب إليه من التفصيل المتقدم نقله عند الكلام على نجاسة العصير العنبي ، وذلك لتصريحها بأنه إذا نش من غير أن تصيبه النار فقد حرم. وأما إذا غلى بالنار فيفسد حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه وحيث إنها لم تقيد الحرمة فيما إذا غلى بنفسه بشي‌ء وقد قيّدتها بعدم ذهاب الثلثين فيما إذا غلى بالنار فيستفاد منها أنّ الحرمة في الصورة الاولى لا ترتفع إلاّ بالانقلاب. وأما إطلاق ذيلها أعني قوله : « وكذلك إذا أصابته النار فأغلاه فقد فسد » من غير أن تقيّد فساده بشي‌ء فهو من جهة وضوح حكمه وغايته في صدر الرواية (2).


1) المستدرك 17 : 38 / أبواب الأشربة المحرمة ب 2 ح 1.

2) إفاضة القدير : 23.

هذا ولقد جاءت الرواية في جملة من كتب فقهائنا كالجواهر (1)والحدائق (2)ومصباح الفقيه (3)، وطهارة شيخنا الأنصاري (4)قدس سره وغيرها على كيفية أُخرى حيث رووا عن الصادق علیه السلام « في الزبيب يدق ويلقى في القدر ويصب عليه الماء ، فقال : حرام حتى يذهب الثلثان ( إلاّ أن يذهب ثلثاه ) قلت : الزبيب كما هو يلقى في القدر ، قال : هو كذلك سواء ، إذا أدت الحلاوة إلى الماء فقد فسد ، كلّما غلى بنفسه أو بالماء أو بالنار فقد حرم حتى يذهب ثلثاه ( إلاّ أن يذهب ثلثاه ) » وقد أُسندت الرواية في جملة منها إلى كل من زيد الزراد وزيد النرسي ، كما أن الرواية تختلف عن سابقتها من وجوه عمدتها اشتمال الرواية الثانية على التسوية بين قسمي الغليان أعني الغليان بالنار والغليان بنفسه لدلالتها على أن الحرمة في كلا القسمين مغياة بذهاب الثلثين ، وعليها لا يبقى لتأييد شيخنا شيخ الشريعة قدس سره على تفصيله بهذه الرواية مجال.

هذا إلاّ أن العلاّمة المجلسي في أطعمة البحار (5)وشيخنا النوري في مستدركة (6)نقلا الرواية كما نقلناه أوّلاً وصرّح في المستدرك بوقوع التحريف والتصحيف في الرواية (7)وقوّاه شيخنا شيخ الشريعة في رسالته وقال : إنّ أوّل من وقع في تلك الورطة الموحشة هو الشيخ سليمان الماخوري البحراني وتبعه من تبعه من غير مراجعة إلى أصل زيد النرسي. كما أنّ الرواية مختصة بزيد المذكور وليس في أصل زيد الزراد منها عين ولا أثر ، فإسنادها إليه خطأ (8).


1) الجواهر 6 : 34.

2) الحدائق 5 : 158.

3) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 553 السطر 24.

4) كتاب الطهارة : 362 باب النجاسات ( حكم الزبيب إذا غلى ) السطر 32.

5) البحار 66 : 506 ح 8.

6) تقدّم في ص 117.

7) المستدرك 17 : 38 / أبواب الأشربة المحرمة ب 2 ذيل الحديث 1.

8) إفاضة القدير : 24.

وكيف كان ، فقد استدل بها على حرمة العصير الزبيبي عند غليانه قبل أن يذهب ثلثاه. والصحيح أن الرواية غير صالحة للاستدلال بها على هذا المدعى ولا لأن يؤتى بها مؤيدة للتفصيل المتقدم نقله ، وذلك لضعف سندها فان زيداً النرسي لم يوثّقه أرباب الرجال ولم ينصّوا في حقه بقدح ولا بمدح. على أنّا لو أغمضنا عن ذلك وبنينا على جواز الاعتماد على روايته نظراً إلى أن الراوي عن زيد النرسي هو ابن أبي عمير وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه ، فأيضاً لا يمكننا الاعتماد على روايته هذه ، إذ لم تثبت صحة أصله وكتابه الذي أسندوا الرواية إليه ، لأنّ الصدوق وشيخه محمّد بن الحسن بن الوليد قد ضعّفا هذا الكتاب وقالا : إنّه موضوع وضعه محمّد بن موسى الهمداني (1).

والمجلسي قدس سره إنما رواها عن نسخة عتيقة وجدها بخط الشيخ منصور بن الحسن الآبي (2)، ولم يصله الكتاب بإسناد متصل صحيح ، ولم ينقل طريقه إلينا على تقدير أن الكتاب وصله بإسناد معتبر ، فلا ندري أن الواسطة أيّ شخص ولعله وضّاع أو مجهول ، وأما الأخبار المروية في غير تلك النسخة كتفسير علي بن إبراهيم القمي وكامل الزيارة وعدّة الداعي وغيرها عن زيد النرسي بواسطة ابن أبي عمير ، فلا يدل وجدانها في تلك النسخة على أنها كتاب زيد المذكور واصلة ، وذلك لأنّا نحتمل أن تكون النسخة موضوعة وإنما أدرج فيها هذه الأخبار المنقولة في غيرها تثبيتاً للمدعى وإيهاماً على أنها كتاب زيد واصلة.

وعلى الجملة أنّا لا نقطع ولا نطمئن بأن النسخة المذكورة كتاب زيد كما نطمئن بأن الكافي للكليني والتهذيب للشيخ والوسائل للحر العاملي ( قدس اللّه أسرارهم ) ، والذي يؤيد ذلك أنّ شيخنا الحر العاملي لم ينقل عن تلك النسخة في وسائله مع أنها كانت موجودة عنده بخطه على ما اعترف به شيخنا شيخ الشريعة قدس سره ، بل ذكر على ما ببالي أنّ النسخة التي كانت عنده منقولة عن خط شيخنا الحرّ العاملي


1) الفهرست للشيخ : 71 نقلاً عن فهرست الصدوق.

2) البحار 1 : 43.

بواسطة (1)وليس ذلك إلاّ من جهة عدم صحّة إسناد النسخة إلى زيد أو عدم ثبوته. وبعد هذا كلّه لا يبقى للرواية المذكورة وثوق ولا اعتبار فلا يمكننا الاعتماد عليها في شي‌ء من المقامات.

ومنها : رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى أبي الحسن علیه السلام ، قال : « سألته عن الزبيب هل يصلح أن يطبخ حتى يخرج طعمه ثم يؤخذ الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ثم يرفع فيشرب منه السنة؟ فقال : لا بأس به » (2)حيث نفت البأس عن العصير الزبيبي فيما إذا ذهب عنه ثلثاه ولم تنف البأس عنه قبل ذهابهما. وفيه : أن نفيه علیه السلام البأس عن العصير الزبيبي عند ذهاب ثلثيه لم يظهر أنه من أجل حرمته قبل ذهابهما ونجاسته فلا بأس بشربه بعده لحليته وطهارته ، أو أنه مستند إلى أمر آخر مع الحكم بحلية العصير وطهارته قبل ذهاب الثلثين وبعده وهو أن العصير لو بقي سنة من غير إذهاب ثلثيه نش من قبل نفسه وحرم فلا يمكن إبقاؤه للشرب منه سنة إلاّ أن يذهب ثلثاه. نعم ، لا بأس بإبقائه سنة بعد ذهابهما فلا دلالة لها على حرمته قبل ذهابهما ولا على نجاسته ، وهذا الاحتمال من القوة بمكان.

وظنِّي أنّ العصير بجميع أقسامه يشتمل على المادة الألكلية التي هي الموجبة للإسكار على تقدير نضجه ومع الغليان إلى أن يذهب ثلثاه ترتفع عنه المادة المسببة للإسكار فلا يعرضه النشيش وإن بقي سنة أو سنتين أو أكثر ولا ينقلب مسكراً بإبقائه ، ومن هنا ترى أن الدبس في بعض البيوت والدكاكين يبقى سنة بل سنتين من غير أن يعرضه النشيش ، وهذا بخلاف ما إذا لم يذهب ثلثاه لأنه إذا بقي مدّة ووصلت حرارته إلى مرتبة نضج المادة الألكلية فلا محالة ينش وبه يسقط عن قابلية الانتفاع به ، ولعله السر في نفيه علیه السلام البأس في الرواية عن إبقاء العصير إلى سنة إذا ذهب عنه ثلثاه ، ومع هذا الاحتمال كيف يمكن الاستدلال بها على حرمة


1) إفاضة القدير : 24.

2) الوسائل 25 : 295 / أبواب الأشربة المحرمة ب 8 ح 2.

عصير الزبيب إذا غلى قبل ذهاب ثلثيه.

ومنها : موثقة عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سئل عن الزبيب كيف يحل طبخه حتى يشرب حلالاً؟ قال : تأخذ ربعاً من زبيب فتنقيه ثم تطرح عليه اثني عشر رطلاً من ماء ثم تنقيه ليلة ، فاذا كان من غد نزعت سلافته ثم تصب عليه من الماء بقدر ما يغمره ثم تغليه بالنار غلية ، ثم تنزع ماءه فتصبه على الأوّل ثم تطرحه في إناء واحد ، ثم توقد تحته النار حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه وتحته النار ... » (1).

ومنها : روايته الأُخرى المتقدِّمة (2)، والظاهر وحدة الروايتين وإنما وقع الاختلاف في نقلها ، ويكشف عن ذلك اتحاد رواتهما إلى عمرو بن سعيد ، فانّ من البعيد أن يسأل شخص واحد عن مسألة واحدة مرّتين ويرويهما كذلك. وكيف كان ، لا مجال للاستدلال بهما على حرمة عصير الزبيب بعد غليانه ، للقطع بعدم مدخلية مجموع القيود الواردة فيهما في حليته بحيث تنتفي إذا انتفى بعض تلك القيود التي منها قوله علیه السلام « فروّقه » أي صفّه فلا يستفاد منهما حرمة العصير بمجرد غليانه ، ولعل السر فيما اعتبره من القيود التي منها ذهاب الثلثين هو أن لا يطرأ الفساد على العصير بنشيشه بعد ما مضى عليه زمان الذي يوجب حرمته وسقوطه عن القابلية للانتفاع به ، كما أُشير إلى ذلك في ذيل الرواية بقوله علیه السلام « فإن أحببت أن يطول مكثه عندك فروّقه » (3).

ويؤيِّده ما ورد في رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي من قوله : « وهو شراب طيِّب لا يتغيّر إذا بقي إن شاء اللّه » (4). نعم جاءت حرمة النبيذ الذي فيه القعوة أو العكر في جملة من الأخبار (5)إلاّ أنها أيضاً لا تدل على حرمته بمجرّد الغليان ، حيث إنّ القعوة


1) الوسائل 25 : 290 / أبواب الأشربة المحرمة ب 5 ح 3.

2) في ص 107.

3) الوسائل 25 : 289 / أبواب الأشربة المحرمة ب 5 ح 2.

4) الوسائل 25 : 291 / أبواب الأشربة المحرمة ب 5 ح 4.

5) الوسائل 25 : 353 / أبواب الأشربة المحرمة ب 24 ح 1 ، 3 ، 5 ، 6.

• كما في نفس تلك الروايات وكذلك العكر عبارة عن ثفل التمر يضرب به الإناء حتى يهدر النبيذ فيغلي أو أنها حب يؤتى به من البصرة فيلقى في النبيذ حتى يغلي وإن لم يظهر أنه أي حب فلعل الوجه في نهيه عما كان مشتملاً على القعوة من النبيذ إنما هو صيرورته مسكراً بسببها بحيث لولا ما فيه من القعوة والعكر لم يكن يتحقق فيه صفة الإسكار بوجه ، فهما مادتان للمسكر في الحقيقة كما أن مادة الجبن كذلك حيث إنه لولاها لم يوجد الجبن.

ويدلّنا على ذلك ما ورد في بعض الروايات : « شه شه تلك الخمرة المنتنة » بعد قول السائل : إنّا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك (1)، وعليه فلا مجال للاستدلال بهذه الأخبار على حرمة النبيذ بعد غليانه فيما إذا لم يوجب الإسكار.

هذا وقد يستدل في المقام بحسنة عبد اللّه بن سنان « كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه » (2)نظراً إلى أن عموم قوله « كل عصير ... » شامل لعصير الزبيب أيضاً فإذا أصابته النار فلا محالة يحكم بحرمته. ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من المناقشة.

أمّا أوّلاً : فلأن الظاهر المنسبق إلى الأذهان من لفظة العصير بحسب العرف واللغة إنما هو الرطوبة المتكونة فيما يعصر من الأشياء كالبرتقال والعنب ونحوهما فيما إذا استخرجت بعصره ، فيقال هذا المائع عصير العنب أو البرتقال وهكذا. نعم ، ذكر صاحب الحدائق أنّ العصير اسم مختص بماء العنب ولا يعم غيره (3). ولعلّ مراده أن العصير الوارد في روايات المسألة مختص بماء العنب ، وأمّا بحسب اللّغة فقد عرفت أنه اسم للماء المتحصل من مثل البرتقال وغيره مما هو مشتمل على رطوبة متكوِّنة في جوفه ، ومن الظاهر أن الزبيب غير مشتمل على رطوبة متكونة في جوفه حتى تستخرج بعصره ويصدق عليها عنوان العصير ، ومجرّد صبّ الماء عليه خارجاً


1) الوسائل 1 : 203 أبواب الماء المضاف ب 2 ح 2.

2) المتقدِّمة في ص 105.

3) الحدائق 5 : 125.

لا يصحّح إطلاق العصير عليه فانّ له اسماً آخر ، فتارة يعبّر عنه بالنبيذ باعتبار ما نبذ من الزبيب في الماء وأُخرى بالمريس باعتبار دلكه وثالثة بالنقيع باعتبار تصفيته وأما عنوان العصير فلا يطلق عليه أبداً.

وأمّا ثانياً : فلأن الاستدلال بعموم الحديث في المقام مستلزم لتخصيص الأكثر المستهجن فيلزم أن يقال : كل عصير أصابته النار فقد حرم إلاّ عصير البرتقال واللّيمون والرمّان والبطِّيخ وعصير كل شي‌ء سوى عصيري العنب والزّبيب وهو من الاستهجان بمكان ، فلا مناص من حمل الحسنة على معنى آخر لا يلزمه هذا المحذور وبما أنّ المراد بالعصير في الرواية لم يظهر أنه أيّ فرد وأنه خصوص العصير العنبي أو الأعم منه ومن عصير الزبيب ، ولم يمكن إرادة جميع أفراده ومصاديقه فلا يمكننا الحكم بشمولها للمقام.

وعليه فالصحيح أن العصير الزبيبي مطلقاً لا نجاسة ولا حرمة فيه سواء غلى أم لم يغل ، إلاّ أن الاحتياط بالاجتناب عن شربه إذا غلى قبل ذهاب ثلثيه حسن على كل حال.

وأمّا العصير التمري فالحلية فيه كطهارته أظهر ، حيث لم ترد نجاسته ولا حرمته في شي‌ء من الأخبار سوى ما تقدّم من مثل قوله علیه السلام : « كلّ عصير أصابته النار ... » وما ورد في حرمة النبيذ الذي فيه القعوة أو العكر وغيره مما سردناه في عصير الزبيب ، كما أسلفنا هناك الجواب عنها بأجمعها وقلنا إنه لا دلالة لها على حرمة العصير إلاّ أن يكون مسكراً لنشه بنفسه.

هذا مضافاً إلى جملة من الروايات الواردة في دوران الحرمة مدار وصف الإسكار وأحسنها صحيحتان : إحداهما صحيحة معاوية بن وهب ، قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : إنّ رجلاً من بني عمِّي وهو من صلحاء مواليك يأمرني أن أسألك عن النبيذ وأصفه لك ، فقال : أنا أصف لك ، قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : كلّ مسكر حرام ... » (1)وثانيتهما صحيحة صفوان الجمّال ، قال : « كنت مبتلى بالنبيذ معجباً


1) الوسائل 25 : 337 / أبواب الأشربة المحرمة ب 17 ح 1.

[203] مسألة 2 : إذا صار العصير دبساً (1) بعد الغليان قبل أن يذهب ثلثاه فالأحوط حرمته ، وإن كان لحليته وجه (1)، وعلى هذا فاذا استلزم ذهاب ثلثيه احتراقه ، فالأولى أن يصب عليه مقدار من الماء ،


به فقلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : أصف لك النبيذ؟ فقال : بل أنا أصفه لك ، قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : كل مسكر حرام » (2)وفي بعض الأخبار بعد ما سألوه صلی اللّه علیه و آله عن النبيذ وأطالوا في وصفه : « يا هذا قد أكثرت عليَّ أفيسكر؟ قال : نعم ، قال : كل مسكر حرام » (3)إلى غير ذلك من الأخبار. فالمتحصل ان العصير زبيبياً كان أم تمرياً طاهر محلل قبل غليانه وبعده ما دام غير مسكر ، وإنما يحرم شربه إذا كان موجباً للإسكار وإن كان الأحوط الاجتناب.

(1) لكثرة مادته الحلوية فهل يحكم بحليته وطهارته إذا قلنا بنجاسة العصير العنبي حينئذ أو أنه باق على حرمته ونجاسته ولا رافع لهما سوى ذهاب الثلثين المفروض عدمه في المقام؟

الوجوه المحتملة في إثبات حليته ثلاثة : الأوّل : أن الحرمة إنما كانت معلقة في الأخبار المتقدِّمة على شرب العصير كقوله علیه السلام : « تشرب ما لم يغل فاذا غلا فلا تشربه » (4)فموضوع الحرمة هو المشروب ، فاذا فرضنا أنه صار مأكولاً كالدبس مثلاً فقد ارتفع موضوع الحرمة وتبدل أمراً آخر لا يتحقق فيه شرب العصير فلا محالة يحكم بحليته. هذه الدعوى وإن كانت جارية في بعض الروايات كما عرفت إلاّ أنها لا تتأتى في أكثرها ، لأنّ الموضوع للحرمة فيها نفس العصير كما في حسنة عبد اللّه ابن سنان المتقدِّمة (5)ومن الظاهر أنّ إطلاقها يشمل ما إذا صار العصير دبساً حيث


1) (*) لكنه ضعيف لا يلتفت إليه.

2) الوسائل 25 337 / أبواب الأشربة المحرمة ب 17 ح 3.

3) الوسائل 25 : 356 / أبواب الأشربة المحرمة ب 24 ح 6.

4) وهو خبر حماد المتقدِّم نقله في ص 104.

5) في ص 105 ، 122.

دلّت على أن كل عصير أصابته النار فقد حرم سواء أصار دبساً بعد ذلك أم لم يصر.

الثاني : أن الغاية المقصودة من ذهاب الثلثين متحققة عند صيرورة العصير دبساً ومع حصول الغاية والغرض بذلك لا وجه للحكم بحرمته. ولا يخفى أن هذه الدعوى جزافية بحتة ، إذ من أخبرنا بما هو الغاية المقصودة من ذهاب الثلثين في العصير حتى نرى أنها حاصلة في المقام عند صيرورته دبساً أو غير حاصلة.

الثالث : ما عن الشهيد الثاني قدس سره من أن العصير إذا صار دبساً فقد انقلب من حال إلى حال ، والانقلاب من أحد موجبات الطهارة والحل كما في انقلاب الخمر والعصير خلاً (1). وفيه : أن الانقلاب غير الاستحالة والاستهلاك ، إذ الاستحالة عبارة عن انعدام شي‌ء ووجود شي‌ء آخر عقلاً وعرفاً وإما بحسب العرف فقط ، ومن هنا لا يصح أن يطلق المطهّر على الاستحالة إلاّ على وجه المسامحة ، لأنّ ما هو الموضوع للحكم بالنجاسة قد زال وأما ما وجد فهو موضوع جديد ، فارتفاع النجاسة وغيرها من أحكامه مستند إلى ارتفاعه بنفسه وانعدامه بصورته ، لأن شيئية الشي‌ء إنما هي بصورته النوعية ، والاستحالة هي انعدام صورة نوعية ووجود صورة أُخرى عقلاً وعُرفاً وإمّا بالنظر العرفي فحسب ، لوضوح أن الصور النوعية العُرفية هي الموضوع للأحكام الشرعية في أدلّتها ومع ارتفاع موضوع الحكم وانعدامه لا موضوع ليطرأ عليه حكمه. وأما القدر المشترك بين الصورتين النوعيتين المعبّر عنه بالهيولى عند الفلاسفة فلا حكم له في الشريعة المقدسة لاشتراكه بين موجودات العالم بأسرها ، مثلاً إذا استحال كلب ملحاً أو الخشبة المتنجسة رماداً ترتفع عنهما نجاستهما لانعدام موضوعها ، لأنّ الموجود غير المنعدم على الفرض ، وهذا بخلاف الانقلاب لأنه عبارة عن تبدل وصف بوصف آخر كتبدل الحنطة خبزاً من دون تبدل في الصور النوعية بوجه ، حيث إن الخبز والدقيق عين الحنطة وإنما الاختلاف في الأوصاف ، ولم يدلّنا دليل على أن الانقلاب موجب للطهارة أو الحلية. نعم ، خرجنا عن ذلك في خصوص الانقلاب خلاًّ بالنص ولا يمكننا التعدِّي عن مورده إلى غيره ، ومن هنا إذا


1) راجع الروضة البهيّة 1 : 67.

فإذا ذهب ثلثاه حل بلا إشكال.

[204] مسألة 3 : يجوز أكل الزبيب والكشمش والتمر في الأمراق والطبيخ وإن غلت ، فيجوز أكلها بأيّ كيفية كانت على الأقوى (1).


تنجّس العصير بسبب آخر غير غليانه بأن قطرت عليه قطرة بول أو غيره ثم انقلب دبساً مثلاً فلا نظن أن يلتزم الشهيد قدس سره بطهارته بدعوى الانقلاب ، وعليه فالصحيح أن الحرمة الطارئة على العصير بغليانه لا ترتفع إلاّ بذهاب ثلثيه ، فاذا فرضنا أنه انقلب دبساً لشدة حلاوته كما يتفق في بعض البلاد فلا مناص من الحكم بحرمته إلاّ أن يصب عليه مقدار من الماء فيغلي ، فإذا ذهب ثلثاه نحكم بحليته حيث لا يفرق في ارتفاع الحرمة بذهاب الثلثين بين غليان العصير في نفسه وبين غليانه بالماء الخارجي المصبوب عليه ، فاذا فرضنا أنّ العصير عشرة كيلوات وقد أغلي وصار دبساً بعد ذهاب نصفه بالغليان ، فلا مانع من أن يصب عليه الماء بمقدار خمسة كيلوات أُخر حتى إذا غلى وذهب منه نصفه وهو خمسة كيلوات يحكم بحلِّيّته ، لأن الباقي ثلث المجموع المركب من الماء والعصير.

(1) إذا طبخ الزبيب أو التمر في المرق أو غيره فحرمته على تقدير الغليان وعدمها مبتنيان على ما قدمناه في المسألة السابقة ، فإن قلنا بعدم حرمة العصير زبيبياً كان أم تمرياً كما قلنا به فلا ينبغي الإشكال في جواز أكلهما في الطبيخ والأمراق غلى بالماء أو الدهن أم لم يغل ، وأما إذا قلنا بحرمة عصيرهما إلحاقاً له بالعصير العنبي في المرق أو في غيره فلا كلام أيضاً في حلية أكلهما. وقد قدّمنا أنّ الغليان هو القلب وهو تنازل الأجزاء وتصاعدها ، وذكرنا أنه لا يتحقق في غير المائعات كالعنب والتمر والزبيب. وأمّا إذا فرض غليانهما ولو بالماء أو الدهن وفرضنا صدق عنوان العصير ولو مع المقدار القليل مما حولهما من الدهن والمرق فأيضاً لا نلتزم بحرمة أكلهما في الأغذية وذلك لأنّ المحرم حينئذ إنما هو المقدار القليل الذي في حولهما إلاّ أنه لما كان مستهلكاً في بقية المرق والطبيخ جاز أكله لانعدام موضوع الحرمة عرفاً ، فحاله حال الدم المتخلِّف في اللّحم حيث إنه طاهر محرم أكله ولكنّه إذا طُبخ مع اللّحم واستهلك في ضمنه يحكم بجواز أكله بالاستهلاك.

العاشر : الفقّاع (1)


هذا كلّه فيما إذا قلنا بطهارة عصيري التمر والزبيب ، وأما إذا قلنا بنجاستهما إلحاقاً لهما بالعصير العنبي عند القائلين بنجاسته فلا مانع أيضاً من أكلهما في الأغذية والأطعمة إذا لم يعرض عليهما الغليان ، وأما إذا غليا فيحكم بنجاسة ما حولهما ولو بمقدار قليل ، ومع تنجس شي‌ء من المرق يتنجس الجميع فلا محالة يحرم أكلهما مع المرق والطّبيخ ، ولا ينفع حينئذ استهلاك ذلك المقدار النجس القليل في بقية أجزاء الطبيخ لأنه ينجّس البقية بمجرد ملاقاتها ، نظير ما إذا أصابته قطرة دم أو بول لأنها ينجّس جميع المرق وشبهه وإن كانت مستهلكة في ضمن المرق.

فتحصّل أن المسألة تبتني على المسألة المتقدِّمة ، وحيث إنّا نفينا هناك حرمة عصيري التمر والزبيب فضلاً عن نجاستهما فلا نرى مانعاً من أكلهما في الطبيخ والمرق وكذلك الحال في العنب ، لأنّا وإن قلنا بحرمة عصيره إلاّ أنّا أنكرنا نجاسته ، وقد عرفت أنّ الحرمة غير مانعة عن جواز أكله في الأطعمة والأمراق ما دام لم تطرأ عليه صفة الإسكار فيما إذا كان بمقدار يستهلك في بقية الطبيخ والمرق.

(1) لا إشكال في نجاسة الفقاع في الشريعة المقدّسة كحرمته ، بل الظاهر أنها اتفاقيّة بين أصحابنا القائلين بنجاسة الخمر ، وتدلّ على نجاسته الأخبار المستفيضة منها : مكاتبة ابن فضال ، قال : « كتبتُ إلى أبي الحسن علیه السلام أسأله عن الفقّاع فقال : هو الخمر وفيه حد شارب الخمر » (1). ومنها : موثقة عمّار قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الفقّاع فقال : هو خمر » (2)إلى غير ذلك من الأخبار ، حيث اشتملت على أنّ الفقّاع خمر وورد في بعضها أنه خمر مجهول (3)، وهذا إما لأجل أنّ الفقّاع خمر حقيقة وإن كان إسكاره ضعيفاً بحيث لا يسكر إلاّ بشرب مقدار كثير منه وعن بعض أهل الخبرة والاطلاع أن المادة الألكلية التي تدور عليها رحى الإسكار


1) الوسائل 25 : 360 / أبواب الأشربة المحرمة ب 27 ح 2 ، 4.

2) الوسائل 25 : 360 / أبواب الأشربة المحرمة ب 27 ح 2 ، 4.

3) كما في موثقة ابن فضال ورواية أبي جميلة المرويتين في الوسائل 25 : 361 / أبواب الأشربة المحرّمة ب 27 ح 11 ، 8.

وهو شراب متّخذ من الشعير على وجه مخصوص ، ويقال : إن فيه سكراً خفيّاً وإذا كان متخذاً من غير الشعير فلا حرمة ولا نجاسة إلاّ إذا كان مسكراً (1).


في العرق بأقسامه إنما هي بنسبة الواحد إلى اثنين فنصفه الآخر خليط ومزيج ، وأما في الخمر بأقسامها فهي بنسبة الواحد إلى خمس ، وفي الفقّاع بنسبة الواحد إلى خمسين ، وحيث إنه خمر حقيقية حكم بنجاسته وحرمته ، ويدلُّ عليه قوله علیه السلام : انه خمر مجهول كما مرّ وقوله : إنه خمرة استصغرها الناس (1)وإما من جهة أنّ الفقّاع وإن لم يكن خمراً حقيقية إلاّ أن الشارع نزّله منزلة الخمر في جميع ما كان يترتّب عليها من أحكامها فهو تنزيل موضوعي. وكيف كان ، فلا إشكال في أنّ حكمه حكم الخمر بعينها ، وإنما الكلام في تعيين موضوعه وتحقيق أن الفقّاع أي شي‌ء وإليه أشار الماتن بقوله : وهو شراب متخذ من الشعير.

(1) وقع الكلام بينهم في أن الفقاع ما هو ، فذهب بعضهم إلى أنه شراب يتّخذ من ماء الشعير ، وعن آخر أن الفقّاع وإن كان بحسب القديم والغالب يتّخذ من ماء الشعير إلاّ أنه الآن قد يتّخذ من الزبيب ، وقيل : إن إطلاقه على الأعم لعله اصطلاح حدث في خصوص الشام. وعليه فلا بدّ من النظر إلى أن ما نحكم بنجاسته وحرمته هل هو خصوص ما اتخذ من ماء الشعير أو أن كل شي‌ء صدق عليه أنه فقّاع محكوم بنجاسته وحرمته وإن اتّخذ من غيره؟

الصحيح الاقتصار في الحكم بهما على خصوص ما اتخذ من ماء الشعير ، وذلك لأنهم بعد اتفاقهم على أن الشراب المتخذ من ماء الشعير فقّاع حقيقة اختلفوا في أن المتخذ من غيره أيضاً كذلك أو أنه خارج عن حقيقته فهو من الاختلاف في سعة الموضوع وضيقه ، ولا مناص معه من الاكتفاء بالمقدار المتيقن وهو المتخذ من ماء الشعير كما هو الحال في جميع الموارد التي يدور فيها الأمر بين الأقل والأكثر ، وذلك للشك في أن المتّخذ من غيره أيضاً من الفقّاع حقيقة أو أن المراد به في زمانهم ( عليهم


1) الوسائل 25 : 365 / أبواب الأشربة المحرمة ب 28 ح 1.

[205] مسألة 4 : ماء الشعير الذي يستعمله الأطباء في معالجاتهم ليس من الفقاع فهو طاهر حلال (1).


السلام ) وبلدهم إنما هو خصوص المتخذ من ماء الشعير ، حيث إن إطلاقه على الأعم في غير زمانهم أو في غير بلادهم كالشام مما لا يكاد يجدي في الحكم بحرمته ونجاسته ، إذ المدار فيهما على ما يطلق عليه الفقاع في عصرهم وبلدهم وحيث إنه مشكوك السعة والضيق فيرجع في غير المورد المتيقن إلى أصالة الطهارة والحل.

فالمتحصّل أن المائع إذا كان مسكراً فلا إشكال في حرمته كما يحكم بنجاسته إن تمّ ما استدل به على نجاسة مطلق المسكر وأما إذا لم يكن مسكراً فالحكم بنجاسته وحرمته يحتاج إلى دليل وهو إنما قام عليهما في الشراب المتخذ من الشعير ، فيرجع في المتخذ من غيره إلى مقتضى الأُصول.

بقي الكلام في شي‌ء وهو أنه هل تتوقّف نجاسة الفقّاع وحرمته على غليانه ونشيشه أو يكفي فيهما مجرّد صدق عنوانه كما هو مقتضى إطلاق الفتاوى وأغلب النصوص؟ فقد يقال بالأول وأن حكمهم بحرمة الفقاع ونجاسته على الإطلاق إنما هو بملاحظة أن الغليان والنشيش معتبران في تحقق مفهومه ، لأن الفقاع من فقاعة ، فلا يكون فقاعاً حقيقة إلاّ إذا نش وارتفع في رأسه الزبد ، وهذا هو الصحيح لصحيحة محمّد بن أبي عمير عن مرازم ، قال : « كان يعمل لأبي الحسن علیه السلام الفقاع في منزله ، قال ابن أبي عمير : ولم يعمل فقاع يغلي » (1)حيث دلّت على أن المحرّم من الفقّاع هو الذي يغلي وينش ، وإلاّ لم يكن وجه لعمله في منزل أبي الحسن علیه السلام وتفسير ابن أبي عمير بأنه لم يعمل فقّاع يغلي.

(1) وذلك لأن ما يستعمله الأطباء في معالجاتهم إنما هو الماء الذي يلقى على الشعير ثم يطبخ معه ويؤخذ عنه ثانياً فيشرب ولا دليل على حرمته ونجاسته ، إذ الفقاع وإن أُطلق عليه ماء الشعير إلاّ أنه ليس كل ما صدق عليه ماء الشعير محكوماً


1) الوسائل 25 : 381 / أبواب الأشربة المحرمة ب 39 ح 1.

الحادي عشر : عرق الجنب من الحرام (1)(1)


بنجاسته وحرمته ، وإنما المحرّم والنجس منه هو الذي يطبخونه على كيفية مخصوصة يعرفها أهله.

(1) وقع الخلاف في نجاسة عرق الجنب من الحرام وطهارته ، فعن الصدوقين (2)والشيخين (3)وغيرهم القول بنجاسته ، بل عن الأمالي : أن من دين الإمامية الإقرار بنجاسته (4)، وظاهره أن النجاسة إجماعية عندنا ، وعن الحلِّي قدس سره دعوى الإجماع على طهارته وأن من قال بنجاسته في كتاب رجع عنه في كتاب آخر (5).

واستدلّ للقول بنجاسته بأُمور :

الأوّل : ما نقله المجلسي في البحار من كتاب المناقب لابن شهرآشوب نقلاً عن كتاب المعتمد في الأُصول ، قال ، قال علي بن مهزيار : وردتُ العسكر وأنا شاك في الإمامة فرأيت السلطان قد خرج إلى الصيد في يوم من الربيع إلاّ أنه صائف والناس عليهم ثياب الصيف وعلى أبي الحسن علیه السلام لبادة وعلى فرسه تجفاف لبود وقد عقد ذنب فرسه والناس يتعجّبون عنه ويقولون : ألا ترون إلى هذا المدني وما قد فعل بنفسه؟ فقلتُ في نفسي لو كان هذا إماماً ما فعل هذا ، فلما خرج الناس إلى الصحراء لم يلبثوا إلاّ أن ارتفعت سحابة عظيمة هطلت فلم يبق أحد إلاّ ابتل حتى غرق بالمطر وعاد علیه السلام وهو سالم من جميعه ، فقلتُ في نفسي يوشك أن يكون هو الامام ، ثم قلت أُريد أن أسأل عن الجنب إذا عرق في الثوب فقلتُ في نفسي


1) (*) في نجاسته إشكال بل منر. ومنه يظهر الحال في الفروع الآتية ، نعم الأولى ترك الصلاة فيه فيما إذا كانت الحرمة ذاتية.

2) نقل الصدوق في المقنع : 43 44 عن والده حرمة الصلاة فيه وبه قال الصدوق في الفقيه 1 : 40 ذيل الحديث 153.

3) المقنعة : 71 ، النهاية : 53.

4) أمالي الصدوق : 746 مجلس 93.

5) السرائر 1 : 181.

فقلت في نفسي إن كشف وجهه فهو الامام فلمّا قرب منِّي كشف وجهه ثم قال : إن كان عرق الجنب في الثوب وجنابته من حرام لا يجوز الصلاة فيه ، وإن كانت جنابته من حلال فلا بأس ، فلم يبق في نفسي بعد ذلك شبهة (1).

الثاني : ما رواه إدريس بن داود أو يزداد الكفرثوثي أنه كان يقول بالوقف فدخل سر من رأى في عهد أبي الحسن علیه السلام فأراد أن يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أيصلّى فيه؟ فبينما هو قائم في طاق باب الانتظار إذ حرّكه أبو الحسن علیه السلام بمقرعة وقال مبتدئاً : إن كان من حلال فصلّ فيه ، وإن كان من حرام فلا تصلّ فيه (2).

الثالث : رواية الفقه الرضوي « إن عرقت في ثوبك وأنت جنب وكانت الجنابة من الحلال فتجوز الصلاة فيه وإن كانت حراماً فلا تجوز الصلاة فيه حتى يغسل » (3)وهذه الرواية وإن كانت بحسب الدلالة ظاهرة ، حيث إنّه علیه السلام جعل الحكم بعدم جواز الصلاة فيما أصابه عرق الجنب من الحرام مغياً بغسله ولم يجعل غايته الزوال وتوضيحه : أن الثوب الذي أصابه عرق الجنب لم يسقط عن قابلية الصلاة فيه إلى الأبد بضرورة الفقه بل بالضرورة الارتكازية ، فيرتفع المنع عن الصلاة في مثله بأحد أمرين لا محالة ، فإن المنع إذا كان مستنداً إلى نجاسة عرق الجنب من الحرام فيرتفع بغسله ، وإن كان مستنداً إلى مانعية العرق عن الصلاة في نفسه ولو مع القول بطهارته نظير أجزاء ما لا يؤكل لحمه حيث إنها مانعة عن الصلاة وإن كانت طاهرة كما في بصاق الهرّة مثلاً فترتفع مانعيته بزواله كإزالته بالنفط أو البانزين أو بغيرهما إلاّ أنه علیه السلام لمّا جعل منعه عن الصلاة فيه مغياً بغسله ولم يجعل غايته الزوال كشف ذلك عن نجاسة عرق الجنب من الحرام ، إلاّ أنها لا تتم بحسب السند ، فان الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلاً عن أن تكون معتبرة.


1) البحار 50 : 173 174 ، المناقب 4 : 413 - 414.

2) الوسائل 3 : 447 / أبواب النجاسات ب 27 ح 12.

3) فقه الرضا : 84.

وأما الرواية الأُولى والثانية فهما أيضاً ضعيفتان ، أما بحسب السند فلأنّ حال إسنادهما غير واضح حيث لم يذكر السند فيهما بتمامه. ودعوى انجبارهما بشهرة الفتوى بمضمونهما بين القدماء ، مدفوعة صغرى وكبرى ، أما بحسب الكبرى فلما مرّ غير مرّة من أن الشهرة لا يمكن أن تكون جابرة لضعف الرواية كما أن إعراضهم عن رواية لا يكون كاسراً لاعتبارها ، وأما بحسب الصغرى فلما قدّمنا نقله عن الحلي قدس سره وهو من الأعلام المحقِّقين من أن من ذهب إلى نجاسة عرق الجنب من الحرام في كتاب ذهب إلى طهارته في كتاب آخر (1).

فالمشهور حينئذ هو طهارة العرق دون نجاسته فكيف يتوهّم أنهم اعتمدوا في الحكم بنجاسته إلى هاتين الروايتين. على أنّ اشتهار الفتوى بنجاسته لو سلم أيضاً لا يكاد يجدي في المقام ، لأنّ الشهرة التي يدعى أنها جابرة أو كاسرة إنما هي الشهرة في مقابل النادر لا الشهرة في مقابل شهرة اخرى مثلها كما في المقام.

وأما بحسب الدلالة فلأنّ الروايتين إنما تدلاّن على المنع من الصلاة في ثوب أصابه عرق الجنب من الحرام ولا دلالة له على نجاسته لأنه لازم أعم للنجاسة كما مر ، ومما يبعّد نجاسة عرق الجنب من الحرام أو مانعيّته عن الصلاة أنّ السؤال في الأخبار المتقدِّمة إنما هو عن عرق الجنب ولم يقع السؤال عن عرق الجنب من الحرام ، وهذا كاشف عن عدم معهوديّة نجاسته إلى زمان العسكري علیه السلام ، والتفصيل في نجاسته أو مانعيّته بين كون الجنابة من الحلال وبين كونها من الحرام إنما صدر منه علیه السلام مع أن من البعيد أن تخفى نجاسته أو مانعيّته عند المسلمين إلى عصر العسكري علیه السلام لكثرة ابتلائهم به في تلك الأزمنة ، لكثرة الفجرة من السلاطين والأُمراء وبالأخص إذا عممنا الحرام إلى الحرام بالعرض كوطء الزوجة أيام حيضها أو في نهار شهر رمضان.

كيف وقد ورد في جملة من الأخبار عدم البأس بعرق الجنب وأن الثوب والعرق لا يجنبان (2)، فلو كان عرق الجنب من الحرام نجساً أو مانعاً عن الصلاة لورد ما يدلّنا


1) تقدّم في ص 130.

2) الوسائل 3 : 445 / أبواب النجاسات ب 27 ح 1 ، 3 ، 5 ، 6 ، 9.

على نجاسته أو مانعيته إلى زمان العسكري علیه السلام فمن هذا كله يظهر أنه لا مناص من حمل الأخبار المانعة على التنزه والكراهة لاستقذار عرق الجنب من الحرام ، وبهذا المقدار أيضاً تثبت كرامته علیه السلام وإعجازه حيث أجاب عما في ضمير السائل من غير أن يسبقه بالسؤال.

بقي الكلام في مرسلة الشيخ قدس سره في مبسوطه حيث قال في محكي كلامه : وإن كانت الجنابة من حرام وجب غسل ما عرق فيه على ما رواه بعض أصحابنا (1). فالكلام في أن ما رواه ذلك البعض أي رواية ، والظاهر أنه أراد بذلك رواية علي بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن علیه السلام قال : « لا تغتسل من غسالة ماء الحمّام ، فإنه يغتسل فيه من الزنا ، ويغتسل فيه ولد الزنا ، والناصب لنا أهل البيت وهو شرّهم » (2)وذلك لأنه إن كانت هناك رواية أُخرى دالة على نجاسة عرق الجنب من الحرام لنقلها نفس الشيخ في كتابي الأخبار أو نقلها لا محالة في شي‌ء من كتبه المعدّة للاستدلال كالمبسوط وغيره ، ولم ينقل شيئاً يدل على ذلك في كتبه فتعيّن أن يكون مراده تلك الرواية المتقدِّمة ، إلاّ أنها غير قابلة للاعتماد لضعف سندها ، فانّ علي بن الحكم إنما رواها عن رجل وهو مجهول ، ومعه تدخل الرواية في المراسيل ولا يمكن أن نعتمد عليها في مقام الاستدلال.

وأضف إلى ذلك ، المناقشة في دلالتها حيث إنها إنما تقتضي نجاسة بدن الزاني وولد الزنا وقد قدّمنا طهارة ولد الزنا كما لا إشكال في طهارة بدن الزاني ، وإنما الكلام في نجاسة عرقه ولا دلالة لها على نجاسة عرقه بوجه ، على أنها معارضة بما دلّ على طهارة الزاني وولد الزنا. نعم ، لا إشكال في نجاسة الناصب كما أسلفنا في محلِّه (3)فتحصّل أنه لم ترد رواية معتبرة في عرق الجنب من الحرام حتى يستدلّ بها على


1) المبسوط 1 : 91 ما نصّه : « ان كانت الجنابة عن حرام روى أصحابنا انه لا تجوز الصلاة فيه ».

2) الوسائل 1 : 219 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 3 ، وكذا في 3 : 448 / أبواب النجاسات ب 27 ح 13.

3) في ص 69.

سواء خرج حين الجماع أو بعده (1) من الرجل أو المرأة ، سواء كان من زنا أو غيره ، كوطء البهيمة أو الاستمناء أو نحوهما مما حرمته ذاتية ، بل الأقوى ذلك في وطء الحائض والجماع في يوم الصوم الواجب المعيّن أو في الظهار قبل التكفير (2).


نجاسته. وقد بيّنا في كتاب الصلاة أن الشيخ قدس سره كثيراً ما يسند الرواية إلى أصحابنا اجتهاداً منه قدس سره في دلالة رواية وحسبان دلالتها على المدعى مع أنها محل منع أو خلاف.

وبالجملة أن الأخبار المتقدمة التي استدل بها على النجاسة في المقام ضعيفة وغير قابلة للاعتماد عليها في الاستدلال. ثم إنه لو قلنا بانجبار ضعفها من جهة شهرة الفتوى بمضامينها عند القدماء فغاية ما يستفاد منها عدم جواز الصلاة فيما أصابه عرق الجنب من الحرام ، وقد عرفت أنه غير ملازم للحكم بنجاسته لاحتمال كونه مانعاً مستقلا عن الصلاة كما هو الحال في أجزاء ما لا يؤكل لحمه.

(1) لأن الجنابة إنما تتحقق بالتقاء الختانين وحيث إنها من الحرام فيصدق أنه جنب من الحرام ، فاذا بنينا على نجاسة عرقه بمقتضى الأخبار المتقدمة فلا مناص من الحكم بنجاسته حين التقائهما وبعده بلا فرق في ذلك بين خروج المني وعدمه ، لأن النجاسة مترتِّبة على عنوان الجنابة وهي غير متوقِّفة على الإنزال في الجماع. وأما العرق قبل الجماع والالتقاء فلا إشكال في طهارته لعدم تحقّق موضوع النجاسة وهو الجنابة من الحرام فعدم نجاسته سالبة بانتفاء موضوعها ، فما في بعض الكلمات من أن العرق قبل الجماع محكوم بطهارته لخروجه عن الإطلاق من سهو القلم حيث لا موضوع حتى يخرج عن الإطلاق.

(2) تبتني هذه المسألة على أن المراد بالحلال والحرام في روايتي علي بن مهزيار وإدريس بن داود المتقدمتين هل هو الحلية والحرمة الفعليتين سواء كانتا ذاتيتين أم عرضيتين ، مثلاً إذا أُكره أحد على الزنا أو اضطر إليه فكان حلالاً فعلياً في حقه لم يحكم بنجاسة عرقه وإن كان محرّماً ذاتياً في نفسه ، كما أنه إذا جامع زوجته وهي حائض أو في يوم الصوم الواجب المعيّن بحيث كان الوطء محرّماً فعلياً في حقِّه حكم

[206] مسألة 1 : العَرَق الخارج منه حال الاغتسال قبل تمامه نجس وعلى هذا فليغتسل في الماء البارد ، وإن لم يتمكن فليرتمس في الماء الحار ، وينوي الغسل


بنجاسة عرقه وإن كان حلالاً ذاتياً في نفسه.

أو المراد منهما هو الحلية والحرمة الذاتيتان ، أعني بهما ما كان طريقه منسداً في نفسه وما كان الطريق إليه مفتوحاً كذلك وإن طرأه ما يوجب حليته أو حرمته ، ففي الصورة الاولى من المثال المتقدم يحكم بنجاسة عرقه لأنه جماع انسد الطريق إليه في نفسه في الشريعة المقدسة وإن طرأ عليه الإكراه أو الاضطرار أو غيرهما مما يوجب حلِّيّته الفعلية ، كما أنه في الصورة الثانية يحكم بطهارة عرقه لأنه جماع لم ينسد الطريق إليه وإن لم يتحقق شرطه بالفعل كعدم حيض الزوجة فلا يطلق عليه الجنب عن الحرام ، بل تصدّق الحليلة على الزوجة حينئذ فيقال إنه حليلة الابن ، كما في قوله عزّ من قائل ( وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ ) (1)فللابن وطيها؟

فعلى الأوّل لا بد من الحكم بنجاسة عرق الجنب في جميع موارد الحرمة الفعلية ذاتية كانت أم عرضية ، وعلى الثاني يقتصر في الحكم بنجاسة عرق الجنب بما إذا كانت الجنابة محرمة ذاتية فحسب. ولا يبعد دعوى انصراف الحلال والحرام إلى الحرمة والحلية الذاتيتين ، حيث إن ظاهر قوله علیه السلام « إذا كان عرق الجنب وجنابته من حرام لا يجوز الصلاة فيه ، وإن كانت جنابته من حلال فلا بأس » أن تكون الجنابة بعنوان أنها جنابة محرّمة ، أو كانت بما هي كذلك محللة ، فإذا كانت الجنابة بما أنها جنابة محللة لم يحكم بنجاسة عرق الجنب ، لأنّ الجنابة في موارد الحرمة العرضية بما أنها جنابة محللة وإنما حكم بحرمتها بعناوين زائدة على ذواتها فلا يكون مثلها مستلزماً لنجاسة عرق الجنب. نعم ، إذا أُكره على الزنا أو اضطر إليه حكم بنجاسة عرقه ، لأنّ الجنابة حينئذ بما أنها جنابة محرمة وإن كانت محلّلة بعنوان طارئ آخر.


1) النساء 4 : 23.

حال الخروج ، أو يحرّك (1)بدنه تحت الماء بقصد الغسل (1).

[207] مسألة 2 : إذا أجنب من حرام ثم من حلال ، أو من حلال ثم من حرام ،


(1) إذا اغتسل المجنب من الحرام في الماء البارد فلا إشكال في صحة غسله فيحكم بطهارة عرقه بعد غسله ، وأما إذا اغتسل والماء حار فيشكل الحكم بصحة غسله إذا عرق بدنه في أثنائه ، لأنّ الجنابة لا ترتفع إلاّ بتمام الغسل ، ومن هنا لا يجوز له مسّ كتابة القرآن ولا دخول المسجد ولا غير ذلك من الأحكام المترتبة على الجنابة فيما إذا غسل بعض أعضائه ولم يغسل الجميع ، فاذا عرق بدنه وهو في أثناء غسله وقلنا بنجاسة عرق الجنب من الحرام فلا محالة يتنجس بدنه بذلك ولا يصح الغسل مع نجاسة البدن. وتوضيحه : أنه إذا قلنا بكفاية ارتماسة واحدة أو صبة كذلك في غَسله وغُسله ، بأن يطهر بدنه بتلك الارتماسة وينوي بها الاغتسال حتى تحصل طهارة بدنه عن الخبث وطهارته الحدثية في زمان واحد ، لأن الطهارة البدنية وإن لم تكن متقدمة على غسله زماناً إلاّ أن تقدمها الرتبي كاف في صحة غسله فلا يكون عرقه في أثناء غسله مانعاً عن صحته ، وذلك لأنه يرتمس في الماء دفعة واحدة أو يصب الماء على بدنه وينوي به غسل الجنابة فإنه كما يطهر بدنه عن الخبث حينئذ كذلك تزول عنه جنابته ، ولا يضره اتحادهما زماناً لأنّ الطهارة الخبثية متقدِّمة على غسله رتبة والتقدم الرتبي كاف في صحّة الغسل كما مرّ.

وأما إذا اعتبرنا في صحته تقدم الطهارة الخبثية بحسب الزمان فلا يتمكن الجنب من الحرام من الغسل إذا عرق بدنه في أثنائه لتنجس بدنه قبل إتمام غسله ، وقد ذكر الماتن في تصحيح ذلك أنه يرتمس في الماء حينئذ وبه يطهر بدنه وينوي غسل الجنابة حال خروجه أو يحرّك بدنه تحت الماء بقصد الغسل ، فيكون دخوله في الماء مطهّراً لبدنه كما أن خروجه أو تحريك بدنه تحت الماء اغتسال من الجنابة.

وما أفاده قدس سره يبتني على القول بكفاية الارتماس بحسب البقاء في صحّة الغسل وعدم اعتبار إحداثه ، لأن إحداث الارتماس حينئذ وإن لم يكن كافياً في ارتفاع


1) يأتي ما فيهما من الإشكال في صحة الغسل.

فالظاهر نجاسة عرقه أيضاً خصوصاً في الصورة الأُولى (1).


جنابته لنجاسة بدنه حال الارتماس ، إلاّ أنه إذا طهر بدنه بذلك ونوى الغسل بتحريك بدنه تحت الماء أو بخروجه كفى ذلك في غسله ، لاستمرار ارتماسه وبقائه ما دام غير خارج عن الماء وقد فرضنا أن الارتماس بقاء كاف في صحة غسله. وأما إذا قلنا أن الاغتسال إنما يصح بأحد أمرين : وهما صبّ الماء على البدن أو الارتماس في الماء ارتماسة واحدة كما في الخبر (1)ولا يتحقّق شي‌ء منهما بالارتماس بقاءً ، لأنه بعد ارتماسه لم يصب الماء على بدنه ، كما أنه لم يرتمس ارتماسة ، لأن ظاهر إسناد الفعل إلى فاعله إنما هو إيجاده وإحداثه إلاّ أن تقوم قرينة على إرادة الأعم ، وعليه فالاغتسال بالارتماس بقاء محل إشكال في نفسه ولو مع قطع النظر عن نجاسة عرق الجنب من الحرام ، فالغسل في الماء الحار غير ممكن في حقه لابتلائه بنجاسة البدن كما عرفت.

(1) الجنابة الواردة في الروايتين المتقدمتين إن أُخذت في موضوع الحكم بالنجاسة بما هي جنابة إذا كانت عن حرام ، وفي موضوع الحكم بالطهارة إذا كانت عن حلال أو أُخذت كذلك في موضوع الحكم بالمانعية عن الصلاة ، فلا ينبغي الإشكال حينئذ في أنّ العبرة بالوجود الأوّل ، فإن كان من حرام حكم بنجاسة عرقه وإلاّ حكم بطهارته وذلك لأجل أنه لا معنى للجنابة بعد الجنابة ، وأنّ الجنب لا يجنب ثانياً ، والمعلول يستند إلى أسبق علله ، فالجنابة تستند إلى العمل الحرام السابق وأما العمل الثاني فهو غير مسبب للجنابة بوجه. وأما إذا قلنا إن الجنابة في الروايتين إنما أُخذت في موضوع الحكمين المتقدمين بما هي عنوان مشير إلى سببها وموجبها لا بما هي جنابة فكأنهما دلّتا على أن سبب الجنابة إذا كان محرّماً يحكم بنجاسة عرق الجنب وبمانعيته في الصلاة وإن كان سببها محلّلاً فلا يحكم بشي‌ء منهما فلا كلام حينئذ في أنه صدر منه سببان وفعلان أحدهما محرم والآخر حلال ، فيحكم بنجاسة عرقه ومانعيته من الصلاة سواء في ذلك تقدّم الحرام وتأخّره.

وقد يتوهّم حينئذ أنّ جملتي الرواية متعارضتان ، لأن مقتضى إحدى الجملتين


1) الوسائل 2 : 230 / أبواب الجنابة ب 26 ح 5.

[208] مسألة 3 : المجنب من حرام إذا تيمّم لعدم التمكّن من الغسل فالظاهر عدم نجاسة عرقه (1)وإن كان الأحوط الاجتناب عنه ما لم يغتسل ، وإذا وجد الماء ولم يغتسل بعد فعرقه نجس لبطلان تيمّمه بالوجدان (1).


طهارة عرقه في مفروض المسألة ، لأنه أتى بسبب جنابة وهو حلال ومقتضاه طهارة عرق الجنب وعدم مانعيته عن الصلاة ، كما أن مقتضى الجملة الثانية نجاسته ومانعيته لأنه أتى بسبب جنابة وهو حرام وهو يقتضي نجاسة العرق ومانعيته ، ولأجل ذلك تتعارضان فتسقطان فلا يبقى دليل على نجاسة عرق الجنب ولا على مانعيته عن الصلاة في مفروض الكلام ، فان مقتضى قاعدة الطهارة طهارة عرقه كما أن الأصل عدم مانعيته عن الصلاة ، إلاّ أنّ هذه الدعوى بمكان من الفساد ، وذلك لأنّ الجنابة من الحرام أعني السبب المحرم وإن كانت مقتضية للنجاسة والمانعية عن الصلاة إلاّ أنّ الجنابة من الحلال أعني السبب الحلال ليست مقتضية للطهارة ولا لصحّة الصلاة وإنما يحكم بالطهارة وعدم المانعية لعدم المقتضي للحكم بالنجاسة أو المانعية ، ومن الظاهر أنه لا تصادم بين المقتضي للنجاسة والمانعية وهو السبب الحرام وبين اللاّبدية مقتضي وهو السبب الحلال وبما أنه أوجد السبب المحرم فهو يقتضي نجاسة العرق ومانعيّته من غير معارضة شي‌ء ، وهو نظير قولنا إنّ بول ما لا يؤكل لحمه يوجب النجاسة ويمنع عن الصلاة وبول ما يؤكل لحمه لا يوجبهما ، فإذا أصاب الثوب كلاهما فهل يتوهم أحد أن فيه سببين أحدهما يقتضي النجاسة والمانعية والآخر يقتضي الطهارة وعدم المانعية فيتعارضان ويرجع إلى قاعدة الطهارة وأصالة عدم مانعية البول حينئذ؟ وذلك لوضوح أن بول ما يؤكل لحمه إنما يحكم بطهارته وعدم مانعيته لعدم المقتضي لا من جهة مقتض للطهارة أو جواز الصلاة معه ، ومن الظاهر أنه لا تنافي بين المقتضي واللاّمقتضي وبين ما يضر وما لا يضر.

(1) لا إشكال ولا كلام في أن المتيمم متطهر ، لقوله عزّ من قائل في آية التيمم


1) (*) الظاهر أنّ حكمه حكم العرق قبل التيمّم.

( ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) (1)فإنّ مسح الوجه أو الرأس بالأرض والتراب كان من الأُمور المستصعبة في تلك الأزمنة لأنه نهاية الذل وغاية الخضوع ، فبيّن سبحانه أنه لا يريد بأمره هذا أن يجعلهم في مشقة وحرج وإنما أراد أن يطهِّرهم ، فقد أُطلقت الطهارة على التيمم كما ترى ، وفي الرواية « إنّ التيمّم أحد الطّهورين » (2)ولو لا كونه طهارة لزم التخصيص فيما دلّ على اشتراط الطهارة في الصلاة لصحة صلاة المتيمم وهو غير متطهر وهو آب عن التخصيص ، فكون التيمم طهوراً مما لا إشكال فيه.

وإنما الكلام في أن الطهارة الحاصلة بالتيمم رافعة للجنابة حقيقة إلى زمان التمكن من الماء وتعود الجنابة بعده ، وهذا لا بمعنى أن التمكن من أسباب الجنابة لانحصار سببها بالوطء والإنزال ، بل بمعنى أن رافعية التيمم للجنابة موقتة بوقت ومحدودة من الابتداء بحد وهو زمان عدم التمكن من الماء واستعماله ، وعليه فيترتب على التيمم كل ما كان يترتب على الطهارة المائية من جواز الدخول معها في الصلاة ومس كتابة القرآن وغيرهما من الآثار ، أو أن الطهارة الحاصلة بالتيمم مبيحة للدخول في الصلاة فحسب لا بمعنى أن التيمم ليس بطهور بل بمعنى أنه طهور غير الطهارة المائية ، فلنا طهارتان : المائية والترابية وهما طهارة واجد الماء وطهارة الفاقد له ، والطهارة الثانية إنما يترتب عليها إباحة الدخول في الصلاة معها وإباحة كل ما هو مشروط بالطهارة فهو مع جنابته شرعاً وواقعاً حكم عليه بجواز الدخول في الصلاة مثلاً لا أنه خرج من الجنابة كما إذا اغتسل.

والثاني هو المتعيِّن ، وذلك لأنه لا يكاد يستفاد من أدلّة كفاية التيمم بدلاً من الغسل أن التيمم رافع للجنابة حقيقة ، لأن أدلة التيمم إنما دلت على كفايته وبدليته في المطهرية فلا يمكننا الحكم بأنه كالطهارة المائية يرفع الجنابة حقيقة ، فيتعين أن يكون التيمم مبيحاً. وتبتني عليهما فروع : منها : ما إذا تيمم بدلاً عن الغسل ثم أحدث


1) المائدة 5 : 6.

2) الوسائل 3 : 381 / أبواب التيمم ب 21 ح 1 ، ب 23 ح 5.

[209] مسألة 4 : الصبي غير البالغ إذا أجنب من حرام ففي نجاسة عرقه إشكال ، والأحوط أمره بالغسل إذ يصح منه قبل البلوغ على الأقوى (1).


بالأصغر بأن نام أو بال فهل يجب أن يتوضأ حينئذ لصلواته أو لا بدّ من التيمم؟ فعلى القول بأن التيمم رافع يجب عليه الوضوء لأنه كمن اغتسل ونام ، وعلى القول بأنه مبيح يجب التيمم عليه لأنه جنب ، وإنما حكم الشارع بإباحة دخوله في الصلاة لتيممه وهو قد انتقض بنومه ، فهو بالفعل جنب غير واجد للماء فيجب أن يتيمم لصلاته.

ومنها : ما إذا لم نتمكّن من تغسيل الميت لمانع فيه فيمّمناه ، فلو مسّه أحد بعد ذلك لا يجب عليه الغسل بمسه بناء على أن التيمم رافع للحدث حقيقة ويجب عليه ذلك بناء على أنه مبيح ، لأن الميت محدث بحدث الموت وإنما أُبيح دفنه بتيممه فحسب.

ومنها : ما نحن فيه ، لأنّ التيمم إذا كان رافعاً للجنابة حقيقة فنحكم بطهارة عرقه لأنه ليس جنباً من الحرام ، وأما بناء على أنه مبيح كما هو المختار فعرقه محكوم بالنجاسة لأنه جنب من الحرام وإنما التيمم أوجب إباحة دخوله في الصلاة.

ومنها : غير ذلك من الفروع التي يأتي تفصيلها كتفصيل الكلام في أن التيمم رافع أو مبيح في مبحث التيمم إن شاء اللّه فانتظره.

(1) يقع الكلام في هذه المسألة من جهتين : إحداهما في أن عرق الصبي المجنب من الحرام هل هو كعرق البالغ المجنب محكوم بنجاسته أو أنه محكوم بالطهارة على خلاف المجنب من الحرام من البالغين؟ وثانيتهما : أنه إذا قلنا بنجاسة عرقه فهل يصح منه غسل الجنابة حتى يرتفع به نجاسة عرقه ومانعيته من الصلاة أو أن الغسل منه لا يقع صحيحاً ، فلا رافع لنجاسة عرقه ولا لمانعيته عن الصلاة. ولنسمّ الجهة الأُولى بالبحث عن المقتضي والجهة الثانية بالبحث عن الرافع.

أمّا الجهة الأُولى : فالحكم بنجاسة عرق الصبي إذا أجنب من الحرام والحكم بطهارته يبتنيان على أن المراد من لفظة الحرام الواردة في الروايتين المتقدمتين هل هو الحرام الفعلي الذي يستحق فاعله العقاب بفعله ، بمعنى أن ما أُخذ في موضوع الحكم بنجاسة العرق ومانعيّته هو الحرام بما أنه حرام فلعنوان الحرام دخالة في ترتّب حكمه ،

أو أن المراد بها ذات العمل بمعنى أن الحرام أُخذ مشيراً إلى الذوات من اللواط والزنا والاستمناء ونحوها وإن لم يكن فاعلها مستحقاً للعقاب بفعلها ، حيث إن المحرم مبغوض ولا يرضى الشارع بفعله أبداً وإن لم يستحق فاعله العقاب ، ومن هنا يوبّخ الصبي إذا ارتكب شيئاً من المحرمات مع عدم كونها محرمة في حقه بالفعل.

فعلى الأول لا يحكم بنجاسة عرق الصبي لعدم حرمة العمل الصادر منه بالفعل بحيث يستحق العقاب بفعله ، لأدلة رفع القلم عن الصبي فالجنابة غير متحققة بالإضافة إليه ، وعلى الثاني لا بد من الحكم بنجاسة عرقه إذا أجنب من الحرام لأنه عمل مبغوض ولا يرضى الشارع بفعله وإن لم يكن فاعله وهو الصبي مستحقاً للعقاب.

والظاهر أن الأوّل هو المتعين الصحيح ، لأن ظاهر أخذ الحرام موضوعاً للحكمين المتقدِّمين أن لعنوان الحرام مدخلية في ترتبهما وأنه أُخذ في موضوعهما بما أنه حرام فحمله على أنه أُخذ مشيراً إلى أمر آخر هو الموضوع في الحقيقة أعني ذات العمل خلاف الظاهر ولا يصار إليه إلاّ بقيام قرينة تدل عليه ، ومعه لا مناص من حمل الحرام على الحرام الفعلي الذي يستحق فاعله العقاب.

ويؤيد ذلك أن الوطء بالشبهة مع أنه عمل مبغوض في ذاته لم يلتزموا فيه بنجاسة عرق الواطئ أو بمانعيّته في الصلاة ، ولا وجه له إلاّ عدم كون الوطء بالشبهة محرّماً فعلياً في حق فاعله ، وكذلك الغافل ونحوه. فالمتحصل أن العمل إذا لم يكن محرّماً فعلياً بالإضافة إلى فاعله إما لأجل أنه لا حرمة بحسب الواقع أصلاً كما في مثل الصبي وإما لعدم كون الحرمة فعلية وإن كانت متحقِّقة في نفسها كما في حق الواطي بالشّبهة فلا يمكن الالتزام بنجاسة عرقه ولا بمانعيته في الصلاة.

وأمّا الجهة الثانية : أعني صحة الغسل من الصبي وفساده بعد الفراغ عن نجاسة عرقه فملخص الكلام فيها : أن المسألة من صغريات الكبرى المعروفة وهي مشروعية عبادات الصبي وعدمها ، وتفصيل الكلام في تحقيقها يأتي في بحث الصلاة

إن شاء اللّه (1)، ونشير إلى إجماله هنا توضيحاً للمراد فنقول : مشروعية عبادات الصبي هي المعروفة عندهم ، وعن غير واحد الاستدلال عليها بإطلاقات أدلّة التكليف كالأوامر المتعلِّقة بالصلاة أو الصوم أو غيرهما ، حيث إنّ إطلاق هذه الخطابات يشمل الصبيان وقد رفع عنهم الإلزام بما دلّ على رفع القلم عن الصبي فلا محالة تبقى محبوبية العمل بحالها وهي كافية في صحّته.

ولكن الاستدلال بذلك عليل بل لعلّه أمر واضح الفساد وذلك أما أوّلاً ، فلأنّ التكاليف الشرعية أُمور غير قابلة للتجزية والتقسيم إلى إلزام ومحبوبية حتى يبقى أحدهما عند ارتفاع الآخر ، نظير ما ذكروه في محله من أنه إذا نسخ الوجوب بقي الجواز ، لأنها بسائط بحتة صادرة عن الشارع ، فاذا فرضنا أن هذا الأمر الواحد البسيط قد رفعه الشارع عن الصبي فلا يبقى هناك شي‌ء يدل على محبوبية العمل في نفسه.

وأمّا ثانياً : فلما بيّناه في محله من أن الأحكام الإلزامية من الوجوب والتحريم مما لا تناله يد الجعل والتشريع ، لأن ما هو مجعول للشارع إنما هو الاعتبار أعني اعتباره شيئاً على ذمة المكلفين وهو ملزوم لتلك الأحكام الإلزامية ، وأما الأحكام الإلزامية بنفسها فهي أحكام عقلية يدركها العقل بعد اعتبار الشارع وجعله ، لأنه إذا اعتبر العمل على ذمة المكلفين ولم يرخّصهم في تركه فلا محالة يدرك العقل لابدية ذلك العمل واستحقاق المكلف العقاب على مخالفته. فتحصّل : أن الإلزام من المدركات العقلية ومجعول الشارع أمر آخر وعليه فلا معنى لرفع الإلزام بالحديث لأنه ليس من المجعولات الشرعية كما عرفت ، فلا مناص من أن يتعلّق الرفع بالاعتبار الذي عرفت أنه فعل الشارع ومجعوله ، فإذا فرضنا أنّ الشارع رفع اعتباره في حق الصبي فمن أين يستفاد محبوبية العمل بالإضافة إليه؟ فهذا الاستدلال ساقط.

وأحسن ما يستدل به على مشروعية عبادات الصبي إنما هو الأمر الوارد بأمر


1) في المسألة [1811].

الثاني عشر : عرق الإبل الجلاّلة (1)بل مطلق الحيوان الجلاّل على الأحوط (1).


الصبيان بالصلاة وغيرها من العبادات (2)، لما قدّمناه في الأُصول من أنّ الأمر بالأمر بالشي‌ء أمر بذلك الشي‌ء حقيقة ، وحيث إن الشارع أمر أولياء الصبيان بأمر أطفالهم بالصلاة مثلاً فيثبت بذلك أمر الشارع بالصلاة بالإضافة إلى الصبيان وهو يدل على محبوبية عبادات الصبي التي منها غسله. والنتيجة أنه لا مانع من ارتفاع نجاسة عرق الصبي المجنب من الحرام أو مانعيته بغسله.

(1) لم يقع خلاف في طهارة العرق في غير الإبل من الحيوانات الجلاّلة عدا ما يحكى عن نزهة ابن سعيد (3)وهو شاذ لا يعبأ به في مقابلة الأصحاب ، وأما عرق الإبل الجلالة فعن جملة من المتقدمين القول بنجاسته ، بل قيل إنه الأشهر بين القدماء وذلك لحسنة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه علیه السلام ، قال : « لا تشرب من ألبان الإبل الجلاّلة ، وإن أصابك شي‌ء من عرقها فاغسله » (4).

وصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه علیه السلام ، قال : « لا تأكل اللحوم الجلاّلة ، وإن أصابك من عرقها شي‌ء فاغسله » (5)واللاّم في « الجلاّلة » في الصحيحة إن حملناها على العهد والإشارة إلى الإبل الجلاّلة فهي والحسنة متطابقتان فيختص نجاسة العرق بخصوص الجلالة من الإبل ، وأما إذا أبقيناها على إطلاقها لتشمل الجلال من غير الإبل أيضاً كما يرومه القائل بنجاسة العرق في مطلق الجلاّل بحملها على النجس فهو وإن كان يقتضي الحكم بنجاسة العرق في مطلق الجلال إلاّ أنه خلاف التسالم على طهارة عرق الجلاّل من غير الإبل. وكيف كان ، فقد استدلّ بهاتين الروايتين على نجاسة عرق الإبل الجلاّلة ، بل استدلّ بالثانية على نجاسة عرق مطلق


1) (*) الظاهر عدم نجاسته ، لكن لا تجوز الصلاة في عرق الحيوان الجلال مطلقاً.

2) كما في حسنة الحلبي المروية في الوسائل 4 : 19 / أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 5 ، 8.

3) نزهة الناظر : 19.

4) الوسائل 3 : 423 / أبواب النجاسات ب 15 ح 2 ، 1.

5) الوسائل 3 : 423 / أبواب النجاسات ب 15 ح 2 ، 1.

الجلاّل ، لأن الأمر بغسله ظاهر في الإرشاد إلى نجاسته كما مرّ في نظائره ، منها قوله علیه السلام : « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (1).

ولكن الصحيح عدم نجاسة العرق من الإبل الجلالة فضلاً عن غيرها ، بيان ذلك : أن الأمر بغسل الثوب أو البدن ونحوهما مما أصابه البول أو العرق وإن كان ظاهراً في نجاسة البول أو العرق ولا سيما إذا كان بلفظة من كما في قوله علیه السلام : « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » لأنها ظاهرة في أن الأمر بغسل الثوب أو البدن إنما هو من جهة الأثر الحاصل من إصابة البول ، وليس ذلك الأثر إلاّ نجاسته ، وكذلك الحال فيما إذا أمر بغسل نفس البول أو العرق كما في الحسنة والصحيحة المتقدِّمتين حيث قال علیه السلام « اغسله » أي ذلك العرق ، فإنه أيضاً ظاهر في الإرشاد إلى نجاسة العرق وإن كان في الظهور دون القسم السابق ، إلاّ أن هذا إنما هو فيما إذا لم يكن في الرواية قرينة أو ما يحتمل قرينيته على خلاف هذا الظهور وهي ثابتة في الروايتين لأنه علیه السلام نهى عن شرب ألبان الإبل الجلالة في الحسنة أولاً ثم فرّع عليه الأمر بغسل عرقها ، كما أنه في الصحيحة نهى عن أكل لحوم الجلالة ثم فرّع عليه الأمر بغسل عرقها ، وسبق الأمر بغسله بالنهي عن شرب الألبان أو أكل اللحوم قرينة أو أنه صالح للقرينية على أن وجوب غسل العرق مستند إلى صيرورة الجلال من الإبل وغيرها محرّم الأكل عرضاً ولا تجوز الصلاة في شي‌ء من أجزاء ما لا يؤكل لحمه : روثه ولبنه وعرقه وغيرها ، كانت حرمته ذاتية أم عرضية بالجلل أو بوطء الآدمي أو بشرب الشاة من لبن خنزيرة ، ولأجل ذلك فرّع عليه الأمر بغسل عرقه حتى يزول ولا يمنع عن الصلاة وإن كان محكوماً بالطهارة في نفسه كما هو الحال في ريق فم الهرة أو غيرها من الحيوانات الطاهرة مما لا يؤكل لحمه.

وعلى الجملة أن الأمر بغسل عرق الجلال في الروايتين إما ظاهر فيما ذكرناه أو أنه محتمل له ومعه لا يبقى للاستدلال بهما على نجاسة العرق مجال. ثم إن تخصيص العرق


1) الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2.

بالذكر دون بقية أجزائها ورطوباتها إنما هو لكثرة الابتلاء به فان عرقها يصيب ثوب راكبها وبدنه لا محالة.

ثم إنّ الوجه في التعدي عن المحرمات الذاتية إلى المحرم بالعرض إنما هو إطلاق الأدلّة الدالّة على بطلان الصلاة فيما حرّم اللّه أكله من غير تقييده بالمحرّم بالذات ، وغير ذلك مما يستفاد منه عموم المنع لكل من المحرمات الذاتية والعرضية ، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله. والغرض مجرد التنبيه على أن التعدي إلى المحرمات العرضية من المسائل الخلافية وليس من الأُمور المتسالم عليها بينهم ، وإنما نحن بنينا على التسوية بين الذاتي والعرضي ، ولقد بنى شيخنا الأُستاذ قدس سره في رسالة اللباس المشكوك فيه على اختصاص المانعية بالمحرم الذاتي ، وأفاد أن الجلل لا يوجب اندراج الحيوان المتصف به في عنوان ما لا يؤكل لحمه ولا في عنوان حرام أكله (1)إلاّ أنه في تعليقته المباركة بنى على تعميم المانعية للجلل أيضاً ، وهما كلامان متناقضان والتفصيل موكول إلى محله.

وكيف كان ، فلا دليل على نجاسة عرق الإبل الجلاّلة فضلاً عن غيرها ، ومن هنا كتبنا في التعليقة : أن الظاهر طهارة العرق من الإبل الجلاّلة ولكن لا تصح فيه الصلاة. فعلى هذا لا موجب لحمل اللاّم في الصحيحة على العهد والإشارة حتى تطابق الحسنة ولئلاّ يكون إطلاقها على خلاف المتسالم عليه ، بل نبقيها على إطلاقها وهو يقتضي بطلان الصلاة في عرق مطلق الجلال من دون تخصيص ذلك بالإبل ، وقد عرفت أنها لا تدلّ على نجاسته حتى يكون على خلاف المتسالَم عليه ، هذا على أنه لا عهد في الصحيحة حتى تحمل عليه اللاّم. والذي تلخص أن الأمر بغسل العرق من الإبل الجلالة أو من مطلق الجلال وإن سلمنا أنه إرشاد وليس أمراً مولوياً لبداهة أن غسل العرق ليس من الواجبات النفسية في الشريعة المقدّسة إلاّ أنه إرشاد إلى مانعيته لا إلى نجاسته.


1) رسالة في اللباس المشكوك فيه : 240.

[210] مسألة 1 : الأحوط الاجتناب عن الثعلب والأرنب والوزغ والعقرب والفأر ، بل مطلق المسوخات وإن كان الأقوى طهارة الجميع (1).


(1) ذهب بعض المتقدِّمين إلى نجاسة الثعلب والأرنب والوزغ والفأرة ، وآخر إلى نجاسة الثعلب والأرنب ، وعن ثالث نجاسة الوزغ ، وعن بعض كتب الشيخ نجاسة مطلق المسوخ (1)، وعن بعضها الآخر نجاسة كل ما لا يؤكل لحمه (2).

والصحيح طهارة الجميع كما ستتضح. أما الثعلب والأرنب فقد ورد في نجاستهما مرسلة يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه علیه السلام ، قال : « سألته هل يحل أن يمس الثعلب والأرنب أو شيئاً من السباع حياً أو ميتاً؟ قال : لا يضره ولكن يغسل يده » (3)إلاّ أنها ضعيفة ولا يمكن أن يعتمد عليها في الحكم بنجاسة الأرنب والثعلب لإرسالها ، كما لا مجال لدعوى انجبارها بعمل الأصحاب إذ الشهرة على خلافها.

وأما الفأرة فقد دلت على نجاستها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى علیه السلام قال : « سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب أيصلّى فيها؟ قال : اغسل ما رأيت من أثرها وما لم تره نضحه بالماء » (4)وهي معارضة بصحيحته الأُخرى عن أخيه موسى علیه السلام قال : « سألته عن العظاية والحية والوزغ تقع في الماء فلا تموت أيتوضأ منه للصلاة؟ قال : لا بأس به ، وسألته عن فأرة وقعت في حب دهن وأُخرجت قبل أن تموت أيبيعه من مسلم؟ قال : نعم ويدهن به » (5)وصحيحة سعيد الأعرج قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الفأرة والكلب تقع في السمن والزيت ثم تخرج منه حيّة فقال : لا بأس بأكله » (6)وما رواه في


1) الخلاف 3 : 183 184 م 306 ما نصه : « القرد لا يجوز بيعه لأنه مسخ نجس ».

2) النهاية : 52 ، المبسوط 1 : 37.

3) الوسائل 3 : 462 / أبواب النجاسات ب 34 ح 3.

4) الوسائل 3 : 460 / أبواب النجاسات ب 33 ح 2.

5) الوسائل 3 : 460 / أبواب النجاسات ب 33 ح 1.

6) الوسائل 24 : 198 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 45 ح 1.

قرب الاسناد عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه علیه السلام « أن علياً علیه السلام قال : لا بأس بسؤر الفأرة أن يشرب منه ويتوضأ » (1)فان هذه الروايات الثلاث مطبقة على طهارة الفأرة ، ومعها لا مناص من حمل ما دلّ على نجاستها على استحباب الاجتناب عنها أو على كراهة تركه.

وأما الوزغة ففي صحيحة معاوية بن عمّار قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الفأرة والوزغة تقع في البئر ، قال : ينزح منها ثلاث دلاء » (2)وظاهرها وإن كان يقتضي نجاسة الوزغة إلاّ أنها أيضاً معارضة بصحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة المشتملة على طهارة الوزغ والعظاية والحيّة إذا وقعت في الماء ولم تَمُت ، ومع المعارضة لا يعتمد عليها في شي‌ء.

وأما العقرب ففي موثقة أبي بصير عن أبي جعفر علیه السلام قال : « سألته عن الخنفساء تقع في الماء أيتوضأ به؟ قال : نعم ، لا بأس به ، قلت : فالعقرب؟ قال : أرقه » (3)وفي ذيل موثقة سماعة : « وإن كان عقرباً فأرق الماء وتوضأ من ماء غيره » (4)وظاهرهما نجاسة العقرب كما ترى ، وفي مقابلهما رواية هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد اللّه علیه السلام ، قال : « سألته عن الفأرة والعقرب وأشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيّاً هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ به؟ قال : يسكب منه ثلاث مرات ، وقليله وكثيره بمنزلة واحدة ، ثم يشرب منه ويتوضأ منه غير الوزغ فإنّه لا ينتفع بما يقع فيه » (5)إلاّ أنها ضعيفة فلا يمكن أن يعارض بها الموثقة ومن هنا يشكل الحكم بطهارة العقرب. والذي يسهل الخطب أن الموثقة قاصرة الدلالة على نجاسته ، لأنها إنما اشتملت على الأمر بإراقة الماء الذي وقع فيه العقرب ولا دلالة له على نجاسته ، ولعلّه من جهة ما فيه من السم فقد أمر بإراقة الماء دفعاً لاحتمال تسممه. هذا ويبعّد القول بنجاسة العقرب أن ميتته لا توجب نجاسة الماء لأنه مما لا نفس له ، والماء إنما


1) الوسائل 1 : 241 / أبواب الأسآر ب 9 ح 8 ، قرب الإسناد : 150 ح 542.

2) الوسائل 1 : 187 / أبواب الماء المطلق ب 19 ح 2.

3) الوسائل 1 : 240 / أبواب الأسآر ب 9 ح 5 ، 6.

4) الوسائل 1 : 240 / أبواب الأسآر ب 9 ح 5 ، 6.

5) الوسائل 1 : 240 / أبواب الأسآر ب 9 ح 4.

[211] مسألة 2 : كل مشكوك طاهر (1) سواء كانت الشبهة لاحتمال كونه من الأعيان النجسة أو لاحتمال تنجسه مع كونه من الأعيان الطاهرة. والقول بأنّ الدم المشكوك كونه من القسم الطاهر أو النجس محكوم بالنجاسة ضعيف (1)


يفسد بما له نفس سائلة ، ومعه كيف يوجب نجاسة الماء وهو حي.

وعلى الجملة أن الأخبار الواردة في نجاسة الحيوانات المذكورة معارضة ومعها إما أن نأخذ بمعارضاتها لأنها أقوى وإما أن نحكم بتساقطهما والرجوع إلى أصالة الطهارة وهي تقضي بطهارة الجميع ، هذا بل يمكن استفادة طهارتها من صحيحة البقباق قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن فضل الهرّة والشاة والبقرة والإبل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئاً إلاّ سألته عنه ، فقال : لا بأس به ، حتى انتهيت إلى الكلب فقال : رجس نجس ... » (2)حيث تدلّنا على طهارة جميع الحيوانات سوى الكلب ، مع أن أكثرها مما حرّم اللّه أكله ومن المسوخ. هذا كله في طهارة بدن الحيوانات المذكورة ، وأما بولها وروثها فقد تقدّم أنهما محكومان بالنجاسة من كل حيوان محرّم أكله.

(1) طهارة ما يشك في طهارته ونجاسته من الوضوح بمكان ولم يقع فيها خلاف لا في الشبهات الموضوعية ولا في الشبهات الحكمية. ومن جملة أدلتها قوله علیه السلام في موثقة عمّار : « كل شي‌ء نظيف حتى تعلم أنه قذر ، فاذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك » (3)وهذا الحكم ثابت ما دام لم يكن هناك أصل موضوعي يقتضي نجاسة المشكوك فيه.

(2) قد أسلفنا أنه لا فرق بين الدم وغيره من النجاسات فعند الشك في أنه من القسم الطاهر أو النجس يحكم بطهارته ، إلاّ في مورد خاص وهو ما إذا كان الدم


1) (*) هذا في غير الدم المرئي في منقار جوارح الطيور.

2) الوسائل 1 : 226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 4 وكذا في 3 : 413 / أبواب النجاسات ب 11 ح 1.

3) الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 4.

نعم ، يستثني مما ذكرنا الرطوبة الخارجة بعد البول قبل الاستبراء بالخرطات ، أو بعد خروج المني قبل الاستبراء بالبول فإنها مع الشك محكومة بالنجاسة (1).

[212] مسألة 3 : الأقوى طهارة غسالة الحمّام (2)


مشاهداً في منقار الجوارح من الطيور لأنّ الأصل حينئذ أن يكون نجساً ، وذلك لقوله علیه السلام في موثقة عمّار بعد السؤال عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب : « كل شي‌ء من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلاّ أن ترى في منقاره دماً ، فإن رأيت في منقار دماً فلا توضأ منه ولا تشرب » (1)حيث دلّت على نجاسة الدم حينئذ مع الشك بحسب الغالب في أنه من القسم الطاهر أو النجس ، حيث يحتمل أن يكون من دم السمك أو المتخلف في الذبيحة كما يحتمل أن يكون من دم الميتة ، فإنّ العلم بكونه من القسم النجس قليل الاتفاق ، ومع هذا كله حكم علیه السلام بنجاسته ، فالأصل في الدم المشاهد في منقار الجوارح هو النجاسة ، ولو من جهة جعل الشارع الغلبة أمارة على أن الدم من القسم النجس كما أوضحناه في مبحث نجاسة الدم.

(1) يأتي الكلام في الرطوبة الخارجة بعد البول أو المني عند التكلم في الاستبراء ونبيّن هناك أن الشارع حكم فيها بوجوب الغسل أو الوضوء فيما إذا خرجت قبل الاستبراء بالبول أو الخرطات ولو من جهة تقديم الظاهر على الأصل ، إلاّ أن الأخبار الواردة في ذلك لم تدل على أن البلل المشتبه بعد البول وقبل الاستبراء بول أو أن الخارج بعد المني وقبل الاستبراء مني ، وإنما دلت على أن البلل المشتبه ناقض للوضوء أو الغسل ، ومن هنا قد يتوقف في الحكم بنجاسة البلل المشتبه لعدم دلالة الدليل على نجاسته. وتفصيل الكلام في دلالة الأخبار على نجاسة البلل المشتبه وعدمها يأتي في مسألة الاستبراء إن شاء اللّه.

(2) وقع الخلاف في طهارة غسالة الحمّام ونجاستها ، فمنهم من قال بنجاستها وإن كانت مشكوكة الطهارة في نفسها وأنها ملحقة بالبللين المشتبهين ومستثناة عمّا


1) الوسائل 1 : 230 / أبواب الأسآر ب 4 ح 2.

حكمنا بطهارته مما يشك في نجاسته تقديماً للظاهر على الأصل ، وقال جمع بطهارتها وأن حال غسالة الحمّام حال بقية الأُمور التي يشك في طهارتها ونجاستها لقوله علیه السلام : « كلّ شي‌ء نظيف ... ». وليعلم أن محل البحث والكلام إنما هو صورة الشك في طهارة الغسالة ونجاستها ، وأما مع العلم بحكمها كما قد يتفق في الحمّامات المعمولة في البيوت ، حيث يحصل العلم في بعض الموارد بملاقاتها مع العين النجسة أو بعدم ملاقاتها فهي خارجة عن محل البحث وهو ظاهر.

وقد استدلّ للقول بنجاستها بجملة من الأخبار الواردة في المنع عن الاغتسال بماء الحمّام أو بغسالته (1)لأنه سواء أُريد من الاغتسال في تلك الروايات معناه المصطلح عليه الذي هو في مقابل الوضوء أم أُريد به معناه اللغوي أعني إزالة الوسخ لا وجه للنهي عنه إلاّ نجاستها. هذا ولا يخفى أن تلك الروايات لا دلالة لها على نجاسة الغسالة بوجه ، لأن النهي فيها معلّل بعلل غير مناسبة لنجاسة الغسالة ، ففي بعضها : « فإنه يغتسل فيه من الزّنا ويغتسل فيه ولد الزّنا والناصب لنا أهل البيت وهو شرّهم » ، وفي آخر « إن فيها تجتمع غسالة اليهودي والنصارى والمجوسي والناصب لنا أهل البيت وهو شرّهم » وغيرهما من العلل ، ومن الظاهر أن بدن الجنب مطلقاً وكذا ولد الزنا والجنب من الحرام كلّها محكوم بطهارته. نعم ، وقع الكلام في نجاسة عرق الجنب من الحرام وقد مرّ أنّ الحق طهارته ، كما أنّ نجاسة اليهود والنصارى ليست متسالماً عليها في الشريعة المقدّسة ، وما هذا شأنه كيف يصلح أن يعلل به نجاسة غسالة الحمّام.

على أنها قد عللت في بعض أخبارها بأن ولد الزنا لا يطهر إلى سبعة آباء ، وهذه قرينة قطعية على أنّ النهي عن الاغتسال في غسالة الحمّام غير مستند إلى نجاستها بالمعنى المصطلح عليه ، لعدم نجاسة ولد الزّنا في نفسه فضلاً عن أبنائه إلى سبعة أبطن والناصب لأهل البيت علیهم السلام وإن قلنا بنجاسته إلاّ أنه ليس بهذه الرواية لما عرفت ما فيها من القصور ، فانّ غير الناصب ممّن ذكر معه في الرواية إما نقطع


1) الوسائل 1 : 218 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 1 5.

بطهارته أو أن نجاسته وقعت محلا للخلاف ، وإنما حكمنا بنجاسة الناصب لما ورد في موثقة ابن أبي يعفور من « أن اللّه تبارك وتعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب وأن الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه » (1).

وعلى الجملة أنّ هذه الأخبار مما لا إشعار فيه بنجاسة الغسالة فضلاً عن أن تدلّ عليها ، ومن هنا لا بد من حملها على استحباب التنزه عن الغسالة لتقذرها بالقذارة المعنوية لأنها مسّت اليهودي والنصارى والجنب وولد الزنا وغيرهم ممن لا تخلو من القذارة معنى ، هذا بل ورد النهي عن الاغتسال بما قد اغتسل فيه وإن كان المغتسل في غاية النظافة والورع ، حيث ورد : « من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومنّ إلاّ نفسه » (2).

ومما يدلنا على أن النهي عن الاغتسال في غسالة الحمّام تنزيهي صحيحة محمد بن مسلم ، قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : الحمّام يغتسل فيه الجنب وغيره اغتسل من مائه؟ قال : نعم لا بأس أن يغتسل منه الجنب ، ولقد اغتسلت فيه وجئت فغسلت رجلي وما غسلتهما إلاّ بما لزق بهما من التراب » (3)وصحيحته الثانية قال : « رأيت أبا جعفر علیه السلام جائياً من الحمّام وبينه وبين داره قذر فقال : لولا ما بيني وبين داري ما غسلت رجلي ، ولا يجنب ( ولا يخبث ) ماء الحمّام » (4)وموثقة زرارة « رأيت أبا جعفر علیه السلام يخرج من الحمّام فيمضي كما هو ، لا يغسل رجليه حتى يصلِّي » (5)فانّ هذه الأخبار دلّتنا على طهارة غسالة الحمّام لأنه علیه السلام لم يغسل رجليه مع القطع باصابتهما الغسالة ، إما لأنه علیه السلام بنفسه قد اغتسل في الحمّام كما هو مقتضى الصحيحة الأُولى فاصابة الغسالة برجليه علیه السلام واضحة ، وإما لأن رجليه وقعتا على أرض الحمّام يقيناً كما أن الغسالة أصابت الأرض قطعاً فقد أصابتهما


1) الوسائل 1 : 220 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 5 ، 2.

2) الوسائل 1 : 220 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 5 ، 2.

3) الوسائل 1 : 211 / أبواب الماء المضاف ب 9 ح 3.

4) الوسائل 1 : 149 / أبواب الماء المطلق ب 7 ح 3 وفي بعض النسخ ( ما غسلت رجلي ولا نحيت ( ولا تجنبت ) ماء الحمّام ).

5) الوسائل 1 : 211 / أبواب الماء المضاف 9 : 2.

الغسالة بواسطة أرض الحمّام لا محالة ، فلو كانت الغسالة متنجِّسة لغسل علیه السلام رجليه لتنجسهما مع أنه لم يغسلهما إلاّ لما لزقهما من التراب ، ولا بدّ معه من حمل الأخبار المانعة على التنزه والكراهة.

هذا ثم لو سلمنا نجاسة الغسالة فإنما نسلّمها في الحمّامات التي يدخلها اليهود والنصارى والناصب وغيرهم ممن سمِّي في الروايات كما كان هو الحال في الحمّامات الدارجة في عصرهم علیهم السلام ، فان الحماميين كانوا من أهل السنّة وكان يدخلها السلاطين والأُمراء واليهود والنصارى والناصب ، فهب أنّا حكمنا بنجاسة الغسالة في مثلها إلاّ أن التعدي عن مورد الروايات إلى غيرها من الحمّامات التي نعلم بعدم دخول اليهود والنصارى والناصب فيها كحمّاماتنا أو نشك في دخولهم دونه خرط القتاد ، فكيف يمكن الحكم حينئذ بنجاسة الغسالة على وجه الإطلاق. فالإنصاف أنّ غسالة الحمّام لا دليل على نجاستها.

وهم ودفع : أمّا الوهم فهو أنّ من البعيد جدّاً بل ولا يحتمل عادة طهارة الغسالة في الحمّامات المتعارفة ، فإن من يريد الاغتسال في الحمّام لم تجر العادة على أن يطهّر بدنه من الخبث خارجاً ثم يدخله لمجرّد الاغتسال ، بل إنما يدخله مع نجاسة بدنه فيكون الماء الملاقي لبدنه متنجساً وبه تكون الغسالة التي هي مجمع تلك المياه المتنجسة متنجسة ، لقلّتها أو لو كانت كثيرة أيضاً يحكم بنجاستها لما قدمناه من أن تتميم القليل كراً بالمتنجِّس غير كاف في الاعتصام ، وبئر الغسالة إنما تتمم كراً بالمياه المتنجِّسة ومعه كيف صحّ للإمام علیه السلام أن يغتسل فيها أو لا يغسل رجليه إلاّ لأجل ما لزقهما من التراب.

وأمّا الدفع فهو أن الحمّامات الموجودة في عصرهم إنما كانت عبارة عن عدّة حياض صغار كما هي كذلك في حمّاماتنا اليوم وكانت تتصل تلك الحياض بماء الخزانة بشي‌ء كانبوب ومزملة ولو من خشب وبها كانت المادة تتصل بالحياض وتوجب طهارتها ، كما أنها تطهِّر أرض الحمّام بجريانها عليه إلى أن يصل إلى بئر الغسالة فتوجب طهارة البئر أيضاً ، لأنها ماء مطهّر عاصم فتطهر البئر بوصولها ، ومن

وإن ظنّ نجاستها (1) لكن الأحوط الاجتناب عنها.

[213] مسألة 4 : يستحب رش الماء (2) إذا أراد أن يصلي في معابد اليهود والنصارى مع الشك (3) في نجاستها ، وإن كانت محكومة بالطهارة.

[214] مسألة 5 : في الشك في الطهارة والنجاسة لا يجب الفحص ، بل يبنى على الطهارة إذا لم يكن مسبوقاً بالنجاسة ، ولو أمكن حصول العلم بالحال في الحال (4).


هنا ورد في روايات ماء الحمّام أنه معتصم بمادته وحكمنا بطهارة الغسالة واغتسل فيها الامام علیه السلام ولم يغسل رجله من جهة تنجسها ، بل لأجل ما لزقها من التراب قائلاً : « إن ماء الحمّام لا يجنب أو لا يخبث ».

(1) لعدم الدليل على اعتباره فحكمه حكم الشك في نجاستها.

(2) للنصوص الواردة في استحباب رش الماء عند الصلاة في البيَع والكنائس أو في بيوت المجوس كما في النصوص (1)، بل وكذلك بيوت النصارى واليهود لعدم اختصاص الحكم بمعابدهم.

(3) قد قيد الماتن وبعضهم الحكم باستحباب الرش بما إذا شك في نجاسة معابدهم ، فلا استحباب عند العلم بطهارتها لعلمه بنزول المطر على سطح دارهم أو علم بتجدد بنائها من قبل بنّاء مسلم ، ولكن النصوص خالية من التقييد بصورة الشك في نجاستها ، ومقتضى إطلاقها أن الرش مستحب ولو مع العلم بطهارتها ، وهو نوع تنزه عن اليهود والنصارى والمجوس بفعل ما يشعر به وإلاّ فليس رشه رافعاً لاحتمال نجاستها ، كيف فان الرش يقتضي سراية النجاسة إلى المواضع الطاهرة منها على تقدير نجاستها.

(4) الشبهة قد تكون حكمية كما إذا شككنا في نجاسة الخمر أو المسكر أو عرق الجنب من الحرام أو عرق الجلال ونحوها مما وقع الشك في نجاسته وطهارته ، ولا


1) الوسائل 5 : 138 / أبواب مكان المصلي ب 13 ح 2 ، 4 ، ب 14 ح 1 3.

فصل : [ في طرق ثبوت النجاسة ]

طريق ثبوت النجاسة أو التنجّس ، العلم الوجداني (1)


إشكال حينئذ في وجوب الفحص والنظر وأنه ليس للمجتهد أن يفتي بطهارة شي‌ء أو بنجاسته إلاّ بعد الفحص واليأس عن الظفر بالدليل ، وذلك لأن أدلة اعتبار قاعدة الطهارة وغيرها من الأُصول وإن كانت مطلقة إلاّ أن مقتضى الأدلة العقلية والنقلية المذكورتين في محلهما عدم جريانها قبل الفحص عن الدليل ، فبهما نقيِّد إطلاقاتها بما بعد الفحص عن الدليل ، إلاّ أنّ هذه الصورة غير مرادة للماتن قطعاً.

وقد تكون الشبهة موضوعية كما إذا علمنا بالحكم وشككنا في الموضوع الخارجي ولم ندر مثلاً أنّ الدم المشاهد من القسم الطاهر أو النجس أو أن المائع المعيّن ماء أو بول أو أنه متنجس أو غير متنجس ، ففي جميع ذلك تجري أصالة الطهارة وغيرها من الأُصول من غير اعتبار الفحص في جريانها وإن أمكن تحصيل العلم بسهولة كما إذا توقّف على مجرّد النظر وفتح العين وذلك لإطلاق أدلة اعتبارها وعدم ما يدل على تقييدها بما بعد الفحص من عقل ولا نقل ، مضافاً إلى ما ورد في بعض الروايات من قوله علیه السلام : « ما أُبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم » (1)لدلالته على عدم توقّف جريان أصالة الطهارة على الفحص في الشبهات الموضوعية.

فصل

(1) لما حقّقناه في بحث الأُصول من أنّ العلم حجّة بذاته ، والرّدع عن العمل على طبقه أمر غير معقول كما أشرنا إليه في مباحث المياه.


1) الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 5.

أو البيِّنة العادلة (1) وفي كفاية العدل الواحد إشكال (1)فلا يترك مراعاة الاحتياط (2).


(1) لإطلاق دليل حجيتها إلاّ فيما دلّ الدليل على عدم اعتبار البيِّنة فيه كما في الزّنا لأنه لا يثبت بالبيِّنة بمعنى شهادة عدلين بل يعتبر في ثبوته شهادة أربعة عدول ، وكذلك ثبوت الهلال على قول. وتوضيح الكلام في المقام : أنّ البيِّنة لا يراد منها في موارد استعمالاتها في الكتاب والسنّة إلاّ مطلق ما به البيان وما يثبت به الشي‌ء كما هو معناها لغة ، لأنّ البيِّنة بمعنى شهادة عدلين اصطلاح جديد حدث بين الفقهاء ، فالبيِّنة في مثل قوله عزّ من قائل ( إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ) (2)( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ ) (3)وغيرهما ليست بمعناها المصطلح عليه قطعاً ، وإنما استعملت بمعناها اللغوي أعني ما به البيان والدليل ، كما أن المراد بها في قوله صلی اللّه علیه و آله : « إنما أقضي بينكم بالبيِّنات والايمان » (4)مطلق الدليل ، وكأنه صلی اللّه علیه و آله : أراد أن ينبِّه على أنّ حكمه في موارد الدعاوي والمرافعات وكذا حكم أوصيائه ليس هو الحكم النفس الأمري الواقعي ، لأنّ ذلك كان مختصّاً ببعض الأنبياء ، وإنما حكمه حكم ظاهري على طبق اليمين والدليل.

ثم إن النبي صلی اللّه علیه و آله في موارد القضاء لمّا طبق البيِّنة بهذا المعنى اللغوي على شهادة عدلين فاستكشفنا بذلك اعتبار شهادتهما وأنها مصداق الدليل والبيِّنة ، وهذا بإطلاقه يقتضي اعتبار البيِّنة بمعنى شهادة العدلين في جميع مواردها إلاّ فيما قام الدليل على عدم اعتبارها فيه كما مر ، وعلى ذلك لا شبهة في ثبوت النجاسة بشهادة عدلين حيث لم يرد دليل يمنع عن اعتبارها في النجاسة كما منعه في الزّنا.

(2) لا اعتبار بخبر العدل الواحد في الدعاوي والترافع حيث لم يطبق صلی اللّه علیه و آله البيِّنة فيهما إلاّ على شهادة عدلين ، كما لا اعتبار به في مثل الزنا لأنه


1) (*) الأظهر ثبوت النجاسة بقول العدل الواحد بل مطلق الثقة.

2) الأنعام 6 : 57.

3) النحل 16 : 43 44.

4) الوسائل 27 : 232 / أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 2 ح 1.

إنما يثبت بشهادة أربعة عدول. وإنما الكلام في اعتباره في غير هذين الموردين ، فهل خبر العدل الواحد تثبت به الموضوعات الخارجية على وجه الإطلاق حتى يمنع من اعتباره دليل أو لا اعتبار بخبره في ثبوتها وإن كان معتبراً في بعض الموارد الخاصة؟

التحقيق أن خبر العدل الواحد كالبينة يعتبر في الموضوعات الخارجية كما يعتبر في الأحكام ، والوجه فيه أن عمدة الدليل على حجية خبر العدل في الأحكام إنما هي السيرة العقلائية القائمة على الأخذ بأقوال الموثقين فيما يرجع إلى معاشهم ومعادهم ، وقد أمضاها الشارع بعدم الرّدع عنها ، ومن الظاهر عدم اختصاص سيرتهم هذه بباب دون باب ، لأنّ حال الموضوعات الخارجية والأحكام عندهم على حد سواء ، وقد جرت سيرتهم على الركون والاعتماد على أخبار الثقات في جميع ما يرجع إلى معاشهم ومعادهم ، وبها يثبت اعتبار خبره في الموضوعات التي منها بولية مائع أو تنجسه ونحوهما.

ويؤيده ما ورد من النهي عن إعلام المصلي بنجاسة ثوبه بقوله علیه السلام : « لا يؤذنه حتى ينصرف » (1)نظراً إلى أنّ إخبار العدل الواحد لو لم يكن معتبراً في مثلها لم يكن لمنعه عن أخبار المصلِّي بنجاسة ثوبه وجه صحيح ، ونظيرها ما ورد في توبيخ من أخبر المغتسل بعدم إحاطة الماء جميع بدنه حيث قال علیه السلام : « ما كان عليك لو سكت » (2)ولا وجه له إلاّ ثبوت المخبر به باخبار العدل الواحد.

وقد يقال كما قيل إنّ رواية مسعدة بن صدقة رادعة عن السيرة العقلائية في الموضوعات الخارجية ، وذلك لأنه علیه السلام بعد ما حكم في الرواية بحلِّية الأشياء المشكوك فيها قال : « والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين أو تقوم به البيِّنة » (3)حيث حصر المثبت في الموضوعات الخارجية بالعلم والبيِّنة ، ومنه يظهر أنّ خبر العدل الواحد لا اعتبار به في الموضوع الخارجي.

ويندفع ذلك مع الغض عن ضعف سندها بمسعدة أنّ البيِّنة في الرواية لم يرد


1) الوسائل 3 : 487 / أبواب النجاسات ب 47 ح 1 ، 2.

2) الوسائل 3 : 487 / أبواب النجاسات ب 47 ح 1 ، 2.

3) الوسائل 17 : 89 / أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4.

وتثبت أيضاً بقول صاحب اليد بملك أو إجارة أو إعارة أو أمانة ، بل أو غصب (1).


منها معناها المصطلح عليه لأنه كما عرفت اصطلاح حديث ، بل المراد بها على ما قدمناه آنفاً وسابقاً في بحث المياه هو الدليل وما به البيان ، ويدلُّ عليه مضافاً إلى أنه معناها لغة أن المثبت في الموضوعات الخارجية غير منحصر بالعلم والبيِّنة المصطلح عليها ، لأنها كما تثبت بهما كذلك تثبت بالاستصحاب وحكم الحاكم والإقرار ، وعليه فمعنى الرواية أن الأشياء كلها على هذا حتى يظهر حكمها بنفسه بحيث لو لاحظتها رأيت حرمتها أو نجاستها مثلاً كما هو الحال في موارد العلم الوجداني ، أو يظهر من الخارج بالدليل كما في موارد البينة المصطلح عليها وخبر العدل الواحد وحكم الحاكم والاستصحاب وإقرار المقر فالرواية لا تكون رادعة عن السيرة أبداً. ولأجل هذه المناقشة استشكل الماتن في كفاية خبر العدل الواحد واحتاط ولا بأس بمراعاته.

(1) بعد البناء على ثبوت النجاسة بإخبار الثقة لا يبقى مجال للبحث عن ثبوتها باخبار ذي اليد إذا كان ثقة فلا بدّ حينئذ من فرض الكلام فيما إذا لم يعلم وثاقته فنقول : لا إشكال في اعتبار إخباره عما بيده سواء أكان مالكاً لعينه أم لمنفعته أو للانتفاع أو لم يكن مالكاً له أصلاً كما إذا غصبه ، وهذا للسيرة العقلائية حيث جرت من لدن آدم علیه السلام إلى زماننا ، هذا على أنّ من أخبر عما هو تحت سلطانه أو عن شؤونه وكيفياته يعتمد على إخباره ويعامل معه معاملة العلم بالحال ، ولعلّه من جهة أنّ من استولى على شي‌ء فهو أدرى بما في يده وأعرف بكيفيّاته ، ومن جملة شؤون الشي‌ء وكيفيّاته نجاسته وطهارته ، ولم يرد ردع عنها في الشريعة المقدّسة فبذلك يثبت اعتبار قوله وإخباره.

ونزيده توضيحاً أن لنا علماً تفصيلياً بنجاسة أشياء كثيرة من الذبائح وأيدي المسلمين والفرش والثياب والأواني وغيرها ولو حين غسلها ، ولا علم لنا بعد ذلك بطروّ مطهر عليها بوجه ، فلولا اعتبار قول صاحب اليد وإخباره عن طهارتها لكان استصحاب النجاسة حاكماً بنجاستها ولم يمكننا إثبات طهارتها بوجه وهو مما يوقعنا في عسر وحرج فيلزم اختلال النظام ، وإنما خرجنا عن استصحاب النجاسة بإخبار

صاحب اليد ، وبه صار الحكم بطهارتها من نقض اليقين باليقين وخرج عن كونه نقضاً لليقين بالشك ، وليس ذلك إلاّ من جهة قيام السيرة على اعتباره ، ومعه لا يفرق بين إخباره عن طهارته وبين إخباره عن نجاسته أو غيرهما من شؤونه وكيفياته.

هذا مضافاً إلى الأخبار الواردة في بيع الأدهان المتنجسة الآمرة باعلام المشتري بنجاستها حتى يستصبح بها (1)، لأن إعلام المشتري وإن وقع الخلاف في أنه واجب نفسي أو شرطي إلاّ أنه لا إشكال في وجوبه على كل حال ، ومنه يستكشف اعتبار قول صاحب اليد وإخباره عن نجاسة المبيع بحيث لو أخبر بها وجب على المشتري أن يستصبح به أو يجعله صابوناً ، وما ورد فيمن أعار رجلاً ثوباً فصلى فيه وهو لا يصلِّي فيه قال : لا يعلمه ، قال ، قلت : فإن أعلمه؟ قال : يعيد (2)حيث إن ظاهر قوله « وهو لا يصلِّي فيه » أنه لا يصلِّي فيه لنجاسته وإن احتمل أن يكون له وجه آخر وعليه فالرواية تدل على اعتبار إخبار المعير عن نجاسة الثوب المستعار بحيث لو أخبر بها وجب على المستعير أن يعيد صلاته.

هذا ويستفاد من بعض النصوص الواردة في العصير العنبي أن إخبار من بيده العصير عن ذهاب الثلثين إنما يعتبر فيما إذا ظهر صدقه من القرائن والأمارات الخارجية ، كما إذا كان ممن يشربه على الثلث ولا يستحل شربه على النصف ، أو كان العصير حلواً يخضب الإناء لغلظته على ما تدل عليه موثقة معاوية بن عمّار (3)وصحيحة معاوية بن وهب (4)، ومقتضى هذه النصوص عدم جواز الاعتماد على قول صاحب اليد في خصوص العصير تخصيصاً للسيرة في مورد النصوص. هذا وقد قدّمنا بعض الكلام في هذه المباحث في مبحث المياه (5)فليراجع.


1) الوسائل 17 : 98 / أبواب ما يكتسب به ب 6 ح 4.

2) الوسائل 3 : 488 / أبواب النجاسات ب 47 ح 3.

3) الوسائل 25 : 393 / أبواب الأشربة المحرمة ب 7 ح 4.

4) الوسائل 25 : 293 / أبواب الأشربة المحرمة ب 7 ح 3.

5) تقدّم في المسألة [132].

ولا اعتبار بمطلق الظن وإن كان قويّاً (1) فالدهن واللّبن والجبن المأخوذ من أهل البوادي محكوم بالطهارة وإن حصل الظن بنجاستها ، بل قد يقال بعدم رجحان الاحتياط (2) بالاجتناب عنها ، بل قد يكره ، أو يحرم إذا كان (1)في معرض حصول الوسواس.


(1) لعلّه أراد بالظن القوي الظن غير البالغ مرتبة الاطمئنان المعبّر عنه بالعلم العادي العقلائي الذي يكون احتمال خلافه موهوماً غايته ولا يعتني به العقلاء ، وإلاّ فهو حجة عقلائية يعتمد عليه العقلاء في جميع أُمورهم ولم يردع عن عملهم هذا في الشريعة المقدسة ، ومعه لا مانع من الحكم بثبوت النجاسة به كما يثبت به غيرها من الأُمور. نعم ، الظن غير البالغ مرتبة الاطمئنان الذي يعتني العقلاء باحتمال خلافه كما إذا كان تسعين في المائة وتسعاً في العشرة لم يثبت حجيته فلا بدّ في مورده من الرجوع إلى استصحاب الطهارة التي هي الحالة السابقة في المتنجسات ، أو إلى أصالة الطهارة إذا شك في مورد أنه من الأعيان النجسة أو غيرها لعموم أدلّتهما ، فإنّ المراد بالشك الذي أُخذ في موضوع الأُصول أعم من الظن غير المعتبر كما حرّر في محلِّه.

(2) عدم رجحان الاحتياط أو مرجوحيّته بما أنه احتياط أمر غير معقول ، لأنه عبارة عن التحفّظ على الأمر الواقعي المحتمل لئلاّ يقع في مفسدته أو تفوت عنه مصلحته ، وكيف يتصوّر المرجوحية في مثله وإلاّ فما فائدة التحفظ على المطلوب الواقعي؟ نعم ، قد يلازم الاحتياط عنوان آخر مرجوح أو حرام وبه يقع التزاحم بينهما فيقدم الأقوى منهما بحسب الملاك ، فقد يوجب ذلك مرجوحية الاحتياط بل حرمته إلاّ أنه لا يختص بالاحتياط في باب النجاسات بل ولا يختص بالاحتياط أصلاً فإنّ العناوين الأوّلية طراً قد يطرؤها العناوين الثانوية فتزاحمها. والعنوان الثانوي الذي نتصوّره في الاحتياط بحيث يوجب مرجوحيته على الأغلب هو الوسواس ، فانّ غيره قد يوجب مرجوحيته لا بحسب الغالب أو الأغلب ، وهذا كما إذا كان عنده ماء


1) (*) في إطلاقه إشكال بل منع.

يشك في طهارته ونجاسته فان الاحتياط بعدم التوضؤ منه إنما يحسن فيما إذا كان عنده ماء آخر ، وأما إذا كان الماء منحصراً به فان الاحتياط حينئذ بعدم التوضؤ منه مما لا إشكال في حرمته ومرجوحيّته ، لعدم مشروعية التيمّم مع التمكّن من التوضؤ بماء محكوم بالطهارة شرعاً. وأما الوسواس فهو مما لا كلام في مرجوحيته لأنه مخل للنظام وموجب لتضييع الأوقات الغالية على ما شاهدناه بالعيان وإنما الكلام في أمرين آخرين :

أحدهما : في أن الجري العملي على طبق الوسوسة محرّم شرعي أو لا حرمة له؟ مثلاً إذا توضأ ثم توضأ وهكذا أو صلّى ثم صلّى فهل نحكم بفسقه وسقوطه بذلك عن العدالة؟ فيما إذا التفت إلى وسوسته الذي هو مرتبة ضعيفة من الوسواس دون ما إذا لم يلتفت إليها واعتقد صحّة عمله وبطلان عمل غيره وهو مرتبة عالية من الوسواس فإنه لا يحكم عليه بشي‌ء لغفلته.

وثانيهما : أن الاحتياط المستلزم لتعقب الوسواس محرم أو لا حرمة له؟ أما الجري على طبق الوسوسة فالظاهر عدم حرمته بعنوان الوسوسة وإن التزم بعضهم بحرمته. نعم ، قد يتّصف بالحرمة بعنوان آخر ككونه سبباً لنقض الصلاة وهو محرّم على المشهور أو لاستلزامه تأخير الصلاة عن وقتها أو لتفويت واجب آخر كالإنفاق على من يجب عليه إنفاقه أو لاستلزامه اختلال النظام أو الهلاكة ونحوهما ، إلاّ أنها عناوين طارئة محرمة في حد أنفسها من غير ناحية الوسواس ، والكلام في أنّ الوسواس بما هو كذلك إذا لم يستلزمه شي‌ء من العناوين المحرّمة محرّم أو لا حرمة فيه.

نعم ، ورد في بعض الروايات النهي عن تعويد الشيطان نقض الصلاة (1)وفي صحيحة عبد اللّه بن سنان « ذكرت لأبي عبد اللّه علیه السلام رجلاً مبتلى بالوضوء والصلاة ، وقلت : هو رجل عاقل ، فقال أبو عبد اللّه علیه السلام : وأي عقل له وهو يطيع الشيطان؟ فقلت له : وكيف يطيع الشيطان؟ فقال : سله هذا الذي يأتيه من أي


1) الوسائل 8 : 228 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 2.

[215] مسألة 1 : لا اعتبار بعلم الوسواسي (1)في الطهارة والنجاسة (1).


شي‌ء هو فإنه يقول لك من عمل الشيطان » (2)إلاّ أن شيئاً من ذلك لا يقتضي حرمة الوسواس ، وذلك فإن النهي عن التعويد إرشاد إلى عدم ارتكاب نقض الصلاة لأنه مرجوح ، وقد ذهب المشهور إلى حرمته والتزم بعضهم بكراهته وليس تحريماً مولوياً وقد علّل ذلك في بعض الروايات بأن الخبيث إذا خولف وعصي لم يعد (3).

وكيف كان ، فلا تستفاد من الرواية حرمة الوسواس وكذا صحيحة ابن سنان ، وذلك لأنّا نسلم أن الوسواس بل مجرد الشك والتردد من الشيطان ونعترف بأن الوسواسي يطيعه ، إلاّ أنه لا دليل على حرمة إطاعة الشيطان في جميع الموارد ، إذ الإنسان قد يقدم على مكروه أو مباح ولا إشكال في أنه من الشيطان ، لأنّ المؤمن حقيقة الذي هو أعز من الكبريت الأحمر لا يضيع وقته الثمين بالاشتغال بالمكروه أو المباح ، كيف وقد حكي عن بعضهم أنه لم يرتكب طيلة حياته مباحاً فضلاً عن المكروه ، فارتكاب غير محبوبه تعالى إطاعة للشيطان مع حليته فليكن الوسواس أيضاً من هذا القبيل.

فالمتحصل : أنه لا دليل على حرمة الوسواس في نفسه ، اللّهُمَّ إلاّ أن يستلزم عنواناً محرماً كما إذا استلزم تأخير الصلاة عن وقتها وهو الذي يتفق في حق الوسواسي غالباً وقد حكي عن بعض المبتلين بالوسواس أنه أتى نهراً عظيماً للاغتسال قبل أن تطلع الشمس بساعة وفرغ من اغتساله والشمس قد غربت ، ولا إشكال في حرمة ذلك ، ونظيره ما إذا أدى إلى اختلال النظام أو إلى هلاكة نفسه وغيرهما من الأُمور المحرمة. وأما الاحتياط المتعقب بالوسواس فقد ظهر حاله مما بيّناه آنفاً ، فانّ ذا المقدمة وهو الوسواس غير محرّم في نفسه فضلاً عن حرمة مقدمته.

(1) يقع الكلام في ذلك من جهات : الجهة الأُولى : هل يجب على الوسواسي


1) (*) بمعنى أنه لا يجب عليه تحصيل العلم بالطهارة ولا يعتمد على إخباره بالنجاسة.

2) الوسائل 1 : 63 / أبواب مقدّمة العبادات ب 10 ح 1.

3) الوسائل 8 : 228 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 2 ..

تحصيل العلم بالواقع في مقام الامتثال أو أن له أن يكتفي بالشك والاحتمال في فراغ ذمّته؟

لا ينبغي الإشكال في أنّ الوسواسي يجوز أن يكتفي في امتثاله بالشك ولا يجب عليه تحصيل العلم بالفراغ ، وذلك لأنّ شكّه خارج عن الشكوك المتعارفة عند العقلاء فلا يشمل مثله الشك الذي أُخذ في موضوع الأُصول فلا يجري في حقه الاستصحاب ولا غيره ، ولا مناص معه من أن يمتثل على النمط المتعارف عند العقلاء ، ولا يضرّه الشك في صحة ما أتى به على النحو المتعارف ، وذلك للأخبار الواردة في من كثر سهوه (1)حيث دلّت على أنه يكتفى بالشك والاحتمال ولا يجب عليه تحصيل العلم بإتيان المأمور به ، لأنه إذا ثبت ذلك عند كثرة الشك فيثبت مع الوسواس الذي هو أشدّ من كثرة الشك بالأولوية القطعية.

الجهة الثانية : إذا شهد الوسواسي بنجاسة شي‌ء وأخبر بها فهل يعتمد على إخباره وشهادته أو لا اعتبار بهما لاستنادهما إلى علمه واعتقاده وهو في ذلك قطاع لأنّ علمه إنما يحصل من الأسباب التي لا يحصل لغيره منها ظن بل ولا احتمال؟

المتعين هو الثاني للعلم بأن إخباره وشهادته مستندان إلى وسوسته أو إلى سبب لا يفيد غيره ظنا ولا احتمالاً. وقد نقل عن بعض المقلّدين انه كان يتوضأ وهو على سطح دار فاعتقد أنّ قطرة من ماء الوضوء قد طفرت من الأرض وصعد الهواء بها إلى أن وقعت على رقبته وصار هذا سبباً لزوال وسوسته حيث تنبه أنه من الشيطان إذ كيف يطفر الماء من الأرض ويصعد إلى أن تقع على رقبته.

وعن بعض المتقدمين أنه كان يعتقد نجاسة جميع المساجد الكائنة في النجف من جهة انفعال الماء القليل بملاقاة الآلات والأدوات المستعملة في البناء ، وأعجب من الجميع ما حكى عن وسواسي عامي أنه كان يحلق لحيته مقدمة لوصول الماء إلى بشرته لاعتقاد أن اللحية ولو خفيفها مانعة عن وصول الماء إلى البشرة ، ومن البديهي أن الاخبار المستند إلى تلك الاعتقادات السخيفة الخيالية مما لا مساغ للاعتماد عليه.


1) الوسائل 8 : 227 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 1 6.

[216] مسألة 2 : العلم الإجمالي كالتفصيلي فاذا علم بنجاسة أحد الشيئين يجب الاجتناب عنهما (1) ، إلاّ إذا لم يكن أحدهما محلاًّ لابتلائه (2) فلا يجب الاجتناب عمّا هو محل الابتلاء أيضاً.


الجهة الثالثة : إذا اعتقد الوسواسي بطلان عمله من صلاته أو وضوئه ونحوهما لعلمه بطرو حدث يقطعه أو يمنع عنه فهل يحكم ببطلان عمله لعلمه هذا أو لا يعتمد على علمه؟ الصحيح أن علمه هذا حجة في حقه ولا مناص من الحكم ببطلان عمله وذلك لأنّ التصرّف في حجية علمه وردعه عن العمل على طبقه غير معقول ، وأما التصرّف في متعلق قطعه بأن يقال إنّ الحدث إنما يبطل الصلاة إذا علم من غير طريق الوسوسة دون ما إذا علم بطريقها فهو وإن كان خدعة حسنة حتى يرتدع الوسواسي عن عمله ، إلاّ أن المانعية أو الشرطية بحسب الواقع ومقام الثبوت غير مقيدتين بما إذا أحرزهما المكلف بطريق متعارف ، حيث لم يدل دليل على تقييد إطلاقات المانعية أو الشرطية بذلك ، ولا نحتمل انعقاد إجماع تعبدي على اختصاص المانعية أو الشرطية بما إذا أحرزتا بطريق متعارف ، لأنّ المسألة غير معنونة في كلماتهم ولا طريق معه إلى تحصيل إجماعهم. ودعوى أنه ليس بحدث وإنما هو أمر تخيله الوسواسي حدثاً ، إنما تفيد في مقام الخديعة للارتداع ولا تنفع في تقييد المانعيّة أو الشرطية بوجه. فالصحيح بطلان عمله في مفروض المسألة على تقدير مطابقة علمه الواقع وأما ما ورد من النهي عن تعويد الخبيث وأنّ الوسوسة من الشيطان وأنّ من أطاعه لا عقل له فإنما ورد في صورة الشك في البطلان ومن هنا نهي عن نقض الصلاة ، فإن النقض أمر اختياري للمكلف حينئذ ، وكذلك الحال في متابعة الشيطان لأنّ موردها الشك كما عرفت وكلامنا إنما هو في صورة العلم ببطلان العمل فهو منتقض في نفسه ولا معنى للنهي عن نقضه.

(1) قد أسلفنا تفصيل الكلام في ذلك في مباحث القطع باشكالاته ونقوضه وأجوبتها.

(2) القول بانحلال العلم الإجمالي بخروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء وإن

[217] مسألة 3 : لا يعتبر في البيِّنة حصول الظن بصدقها (1) نعم يعتبر عدم معارضتها بمثلها (2).


كان مشهوراً عند المتأخِّرين عن شيخنا الأنصاري قدس سره بل لم نجد قائلاً بخلافه ، إلاّ أنه كما ذكرناه في الأُصول (1)مما لا أساس له ، فانّ الخروج عن محل الابتلاء وعدمه سيان في تنجيز العلم الإجمالي ، إلاّ أن يكون خروجه عنه من جهة عدم قدرة المكلف عليه عقلاً ، كما إذا علم إجمالاً بوقوع قطرة دم على يده أو على جناح طائر قد طار ، فان الاجتناب عن الطرف الآخر غير لازم حينئذ ، والوجه فيما ذكرناه من عدم التفرقة بين خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء وعدمه ، هو أنّ العلم الإجمالي ليس بنفسه علة في تنجيز متعلقه وإنما تنجيزه مستند إلى تساقط الأُصول في أطرافه بالمعارضة ، فان فرضنا أن بعضها مما لا يتمكن منه المكلف عقلاً فلا يبقى مانع عن جريان الأُصول في بعض أطرافه الأُخر لعدم معارضتها بشي‌ء ، لأن الأصل لا يجري في الطرف الخارج عن القدرة والاختيار. وأما إذا كانت الأطراف مقدورة له عقلاً ولو بواسطة أو وسائط فمجرد خروج بعضها عن محل الابتلاء بالفعل مع التمكن منه عقلاً غير مستلزم لانحلال العلم الإجمالي بوجه ، لأنّ جريان الأُصول في كلا الطرفين مستلزم للترخيص في المخالفة القطعية ، وجريانها في أحدهما دون الآخر من غير مرجح وهو معنى التساقط بالمعارضة ، وبهذا يكون العلم الإجمالي منجزاً حيث لا بد من الاحتياط في كل واحد من الأطراف دفعاً لاحتمال العقاب.

(1) لعدم ابتناء اعتبارها على إفادتها الظن بمضمونها ، ولا على عدم قيام الظن بخلافها ، فانّ مقتضى دليل الاعتبار حجية البينة على وجه الإطلاق ، أفادت الظن أم لم تفد ظن بخلافها أم لم يظن.

(2) لأنّ دليل اعتبار البيِّنة لا يمكن أن يشمل كلا المتعارضين لاستحالة التعبّد بالضدّين أو النقيضين ولا أحدهما المعين لأنه بلا مرجح ، ولا لأحدهما لا بعينه لأنه ليس فرداً آخر غيرهما فلا بد من التساقط والرجوع إلى أمر آخر.


1) مصباح الأُصول 2 : 393.

[218] مسألة 4 : لا يعتبر في البيِّنة (1)ذكر مستند الشهادة (1)


(1) والصحيح التفصيل بين ما إذا لم يكن بين الشاهدين أي البيِّنة والمشهود عنده خلاف في شي‌ء من النجاسات والمتنجسات اجتهاداً أو تقليداً فلا يعتبر ذكر مستند الشهادة ، وبين ما إذا كان بينهما خلاف في شي‌ء منهما كما إذا رأى الشاهد نجاسة الخمر أو نجاسة العصير أو منجسية المتنجس دون المشهود عنده فيعتبر ذكر المستند حينئذ ، وتوضيح ذلك :

أنّ الشاهد أعني البيِّنة إذا أخبر عن نجاسة شي‌ء وذكر مستندها أيضاً ولكنّا علمنا بخطأه وعدم صحة مستندها ، كما إذا أخبر عن نجاسة الماء لأجل إخباره عن أنه لاقى الدم ، وقد علمنا بعدم ملاقاته له وأن ما لاقى الماء كان طاهراً ، فلا إشكال في سقوطه عن الاعتبار وعدم حجية شهادته ، فإنّ إخباره عن السبب بالمطابقة وإن دلّ على نجاسة الماء بالالتزام إلاّ أنه لا اعتبار بالدلالة الالتزامية بعد سقوط الدلالة المطابقية عن الاعتبار للعلم بخطأه ، فالنجاسة الناشئة من ملاقاة الدم منتفية يقيناً والنجاسة المسببة عن شي‌ء آخر لم تحك عنها الشهادة بالمطابقة ولا بالالتزام. وإلى هذا أشار الماتن بقوله : نعم لو ذكرا مستندها وعلم عدم صحّته لم يحكم بالنجاسة.

وأمّا إذا أخبر بنجاسة شي‌ء ولم يذكر مستندها فهو منحل واقعاً إلى أمرين وإن كان الشاهد غير ملتفت إليهما : أحدهما : الإخبار عن الكبرى المجعولة في الشريعة المقدّسة على نحو القضايا الحقيقية وهي نجاسة البول أو المني أو غيرهما من الأعيان النجسة ومنجسيته لما يلاقيه خارجاً. وثانيهما : الإخبار عن أن تلك الكبرى المجعولة قد انطبقت على موردها ومصداقها وأن صغراها تحققت في الخارج بمعنى أن البول أو المني مثلاً لاقى الماء أو الثوب خارجاً.

أمّا أوّلهما : فلا اعتبار للبينة في مثله ، فإن الحكاية والإخبار عن الأحكام المجعولة في الشريعة المقدّسة وظيفة الرواة حيث ينقلونها حتى يأخذ عنهم الفقيه ، أو وظيفة


1) (*) إلاّ إذا كان بين البينة ومن قامت عنده خلاف في سبب النجاسة.

المفتي والفقيه حيث يفتي بوجوب شي‌ء أو حرمته حتى يتبعه مقلِّدوه ، وأمّا البيِّنة فليس لها أن تخبر عن الأحكام الكلية بوجه.

وأمّا ثانيهما : فهو وإن كان إخباراً عن الموضوع الخارجي أعني ملاقاة النجس للماء مثلاً ، فلا مناص من أن تتبع فيه البينة وإن كان مدلولاً التزامياً لها ، إلاّ أن البينة إنما تحكي عن ملاقاة الماء للنجس بالالتزام فيما إذا لم يكن بين الشاهد والمشهود عنده خلاف في الأسباب المؤثرة في التنجيس ، كما إذا كان أحدهما مقلداً للآخر أو كانا مقلدين لثالث أو مجتهدين متطابقين في الرأي والنظر وقد بنيا على نجاسة الخمر أو العصير أو على منجسية المتنجس وهكذا ، ولعلّ توافقهما في ذلك هو الأغلب ، لأنّ استقلال الشاهد البيِّنة بما لا يراه المشهود عنده مؤثراً في التنجيس قليل الاتفاق.

وكيف كان ، فإذا لم يكن بينهما خلاف في ذلك فأخبار الشاهد عن نجاسة شي‌ء إخبار التزامي عن ملاقاته النجس أو المتنجس ، لأنه لا معنى للمعلول من غير علة وهو إذا لم يعلم بسبب النجاسة على تفصيله فلا أقل من أنه عالم به على الإجمال لعلمه بأنه لاقى بولاً أو عصيراً أو غيرهما من النجاسات والمتنجسات ، وبما أنه إخبار عن الموضوع الخارجي فلا محالة تتبع فيه البينة ، لأن الأخبار الالتزامي كالإخبار المطابقي حجّة ومانع عن جريان الأصل العملي وهو ظاهر.

وأمّا إذا كان بينهما خلاف في ذلك كما إذا رأى الشاهد البينة نجاسة الخمر أو العصير أو منجسية المتنجس دون المشهود عنده ، وقد أخبره بنجاسة الماء من غير ذكر مستندها واحتملنا استناده في ذلك إلى ما لا يراه المشهود عنده نجساً ، فلا يكون إخباره هذا إخباراً عن ملاقاة الماء مع النجس بالالتزام. نعم ، يدل بالدلالة الالتزامية على تحقّق طبيعي الملاقاة وجامعها المردد بين المؤثر بنظر المشهود عنده وغير المؤثر وظاهر أن الأثر لم يترتب على طبيعيها وإنما هو مترتب على بعض أفراده ، ولم يخبر الشاهد عن تحقق الملاقاة المؤثرة لا بالمطابقة وهو ظاهر ولا بالالتزام.

وبالجملة أن الألفاظ إنما وضعت للدلالة على ما أراد المتكلِّم تفهيمه ، ولا دلالة في كلام الشاهد على أنه قصد تفهيم حصول الملاقاة المؤثرة بنظر المشهود عنده أو

غيرها ، فنحن بعد في شك في ملاقاة الماء للبول أو غيره من المنجسات فأي مانع معه من الرجوع إلى استصحاب عدم حصول الملاقاة المؤثرة كملاقاته البول أو المني أو غيرهما ، وهذا الاستصحاب جار من غير معارض ، فانّ استصحاب عدم حصول الملاقاة غير المؤثرة مما لا أثر له ، وحيث لم تقم البينة على حصول الملاقاة المؤثرة فلا مانع من الرجوع إلى الأصل. نعم ، لو كانت للبينة دلالة على حصولها ولو بالالتزام كما إذا لم يكن بينهما خلاف في الأسباب المؤثرة في التنجيس لكانت حاكمة على الاستصحاب المذكور لا محالة لأنها حينئذ تزيل الشك عن حصول الملاقاة المؤثرة بالتعبد. فما ذهب إليه العلاّمة قدس سره من أن الشاهد لا يعتنى بشهادته إذا شهد بالنجاسة ولم يذكر السبب لجواز اعتماده على ما لا يعتمد عليه المشهود عنده (1)هو الصحيح.

ودعوى استقرار سيرة العقلاء على قبول شهادته وعدم فحصهم وسؤالهم عن مستندها ، عهدتها على مدّعيها لأنه لم تثبت عندنا سيرة على ذلك ، وقد عرفت أن إخباره عن الحكم المجعول في الشريعة المقدّسة أعني نجاسة ملاقي الماء على نحو القضية الحقيقية غير معتبر ، وإخبارها عن حصول الملاقاة في الخارج وإن كان معتبراً إلاّ أن ما يثبت به إنما هو حصول طبيعي الملاقاة لا الملاقاة المؤثرة بنظر المشهود عنده ، والمدار في ثبوت النجاسة بالبينة إنما هو على إخبارها عن سبب تام السببية عنده لا ما هو سبب عند الشاهد ، إذ لا يترتّب عليه أثر عند المشهود عنده ، ومن هنا ذكر الماتن في المسألة الآتية أن الشاهد إذا أخبر بما لا سببية له في نجاسة الملاقي عنده إلاّ أنه سبب مؤثر فيها بنظر المشهود عنده تثبت به نجاسة الملاقي لا محالة.

فتحصّل أنّ البيِّنة إذا أخبرت عن النجاسة ولم يذكر مستندها فلا يعتمد على شهادتها عند اختلافهما في الأسباب. هذا كلّه في هذه المسألة ، ومما ذكرناه في المقام يظهر الحال في المسائل الآتية فليلاحظ.


1) التذكرة 1 : 93.

نعم لو ذكرا مستندها ، وعلم عدم صحته لم يحكم بالنجاسة.

[219] مسألة 5 : إذا لم يشهدا بالنجاسة بل بموجبها كفى (1) وإن لم يكن موجباً عندهما أو عند أحدهما ، فلو قالا : إن هذا الثوب لاقى عرق المجنب من حرام ، أو ماء الغسالة كفى عند من يقول بنجاستهما وإن لم يكن مذهبهما النجاسة.

[220] مسألة 6 : إذا شهدا بالنجاسة واختلف مستندهما كفى في ثبوتها (2)


(1) لما ظهر مما أسلفناه في الفرع السابق من أنّ المدار في ثبوت النجاسة بالبينة إنما هو على إخبارها عن سبب تام السببية بنظر المشهود عنده ، فان معه لا يبقى مجال لاستصحاب عدم ملاقاة النجس للأمارة الحاكمة عليه ، والأمر في المقام كذلك ، ولا عبرة بعدم كون المشهود به سبباً للنجاسة عند الشاهد.

(2) قد فصّل الماتن قدس سره في المسألة بين ما إذا نفى كل منهما قول الآخر وما إذا أخبر من غير أن ينفي الآخر ، فحكم بالنجاسة في الصورة الثانية واستشكل فيها في الصورة الأُولى. والتحقيق : أن المشهود به بالبينة لا مناص من أن يكون واقعة واحدة شخصية كانت أم كلية ، حيث لا يعتبر في البينة أن يكون المشهود به واقعة شخصية ، لأن البينة إذا شهدت على أن المالك قد باع داره من زيد بخصوصه فالمشهود به واقعة شخصية فيثبت بشهادتهما أن المالك باع داره من فلان ، كما إذا شهدت على أنه باع داره من أحد شخصين : عمرو وبكر من غير تعيين يثبت أيضاً بشهادتها أن المالك باع داره من أحدهما ، مع أن المشهود به واقعة كلية أعني البيع من أحدهما المحتمل انطباقه على هذا وذاك ، نظير المتعلق في موارد العلم الإجمالي كما إذا علمنا ببيعه من أحدهما ، فكما أنّ متعلق العلم حينئذ هو البيع الكلي المتخصِّص بإحدى الخصوصيتين القابل انطباقه على البيع من عمرو أو من بكر فكذلك الحال عند قيام البيِّنة على بيع المالك من أحدهما.

وكيف كان ، فالمعتبر في البينة إنما هو وحدة الواقعة المشهود بها كلية كانت أم شخصية. وأما إذا أخبر أحد الشاهدين عن أن المالك باع داره من زيد مثلاً وأخبر الآخر عن بيعها من شخص آخر ، فلا تكون الواقعة المشهود بها واحدة بل واقعتان

وإن لم تثبت الخصوصية ، كما إذا قال أحدهما : إن هذا الشي‌ء لاقى البول وقال الآخر : إنه لاقي الدم. فيحكم بنجاسته (1)، لكن لا تثبت النجاسة البولية ولا الدمية ، بل القدر المشترك بينهما. لكن هذا إذا لم ينف كل منهما قول الآخر بأن اتفقا على أصل النجاسة. وأما إذا نفاه كما إذا قال أحدهما : إنه لاقى البول وقال الآخر : لا بل لاقى الدم ففي الحكم بالنجاسة إشكال (2).


قد أخبر كل منهما عن واقعة ، فهي خارجة عن كونها مشهوداً بها بالبيِّنة فتدخل في شهادة العدل الواحد ولا يثبت بشهادته بيع المالك في موارد المرافعة. وأما الجامع المنتزع من كلتا الشهادتين أعني بيعه من أحدهما فهو مدلول التزامي للشهادتين والدلالة الالتزامية تتبع الدلالة المطابقية حدوثاً وحجية ، فإذا فرضنا سقوط الشهادتين عن الحجية في مدلولهما المطابقي لأنه من شهادة العدل الواحد فلا مجال لاعتبارهما في مدلولهما الالتزامي. وإذا تحقّقت ذلك فنقول :

إنّ الشاهدين في المقام قد يخبر كل منهما عن ملاقاة الإناء للبول مثلاً وهي قضية شخصية وبما أن المشهود به واقعة واحدة فتثبت بشهادتهما نجاسة الملاقي لا محالة وأُخرى يخبران عن ملاقاة الإناء لأحد نجسين من غير تعيينه كالبول أو المني ، وهي قضية كلية وحيث إنّ المشهود بها واقعة واحدة كسابقه أيضاً يحكم بنجاسة ملاقي النجس وهو الإناء ، وثالثة يخبر أحدهما عن أن الإناء لاقى البول مثلاً ، ويخبر الآخر عن ملاقاته الدم ولا يمكننا حينئذ الحكم بنجاسة الملاقي لتعدد الواقعة المشهود بها فان كل واحد من الشاهدين قد شهد بما لم يشهد به الآخر فهي خارجة عن الشهادة بالبينة. نعم ، هي من شهادة العدل الواحد ولا تثبت بها النجاسة بناء على عدم اعتبار خبر العدل الواحد في الموضوعات وأما الجامع الانتزاعي أعني عنوان


1) (*) فيه إشكال بناء على ما تقدم منه قدس سره من الإشكال في ثبوت النجاسة بخبر العدل الواحد ، نعم بناء على ما اخترناه من ثبوتها به يثبت به الخصوصية أيضاً.

2) (**) الأظهر عدم ثبوتها.

ملاقاته لأحدهما فلم تشهد عليه البيِّنة على الفرض. نعم ، هو مدلول التزامي للشهادتين وقد عرفت أنّ الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية حدوثاً وحجية ومع سقوط الشهادتين عن الحجية في مدلولهما المطابقي لا يبقى مجال لحجيتهما في مدلولهما الالتزامي.

ولا فرق في ذلك بين ما إذا نفى كل منهما قول الآخر وما إذا شهد بملاقاة الإناء للبول من غير أن ينفي ما شهد به الآخر وهو ملاقاته للدم في المثال ، وذلك لأنّا إن بنينا على حجية الدلالة الالتزامية وإن سقطت الدلالة المطابقية عن الاعتبار فلا محيص من أن نلتزم بثبوت النجاسة في كلتا الصورتين لدلالة الشهادتين على ملاقاة الإناء لأحدهما بالالتزام نفى كل منهما الآخر أم لم ينفه ، ومن هنا التزم صاحب الكفاية قدس سره في مبحث التعادل والترجيح أن الدليلين المتعارضين ينفيان الثالث بالدلالة الالتزامية مع سقوطهما عن الاعتبار في مدلولهما المطابقي بالمعارضة لنفي كل منهما الآخر فالتنافي بينهما غير مانع عن حجية المدلول الالتزامي حينئذ (1). وأما إذا بنينا على أن الدلالة الالتزامية تتبع الدلالة المطابقية حدوثاً وحجية كما هو الصحيح فلا يمكننا الحكم بنجاسة الملاقي في شي‌ء من الصورتين لسقوط الدلالة المطابقية عن الحجية وبه تسقط الدلالة الالتزامية أيضاً عن الاعتبار ، فنفي أحدهما الآخر وعدمه سيان فلا تثبت بهما نجاسة الملاقي ، هذا كله مجمل القول في المسألة.

وأما تفصيله : فهو أن المشهود به قد يكون موجوداً واحداً شخصياً في كلتا الشهادتين إلاّ أنهما يختلفان في عوارضه وطوارئه أو يختلفان في صنفه أو في نوعه مع التحفظ على وحدة الموجود المشهود به ، وأُخرى يكون المشهود به وجودين مختلفين قد شهد كل من الشاهدين بكل منهما مع اختلافهما في عوارضهما أو في صنفهما أو في نوعهما وهذه صور اختلاف الشاهدين.

أما إذا كان المشهود به موجوداً واحداً شخصياً واختلف الشاهدان في عوارضه كما إذا شهد كل منهما على أن قطرة بول وقعت في الإناء وادّعى أحدهما أنها وقعت فيه


1) كفاية الأُصول : 439.

ليلاً وقال الآخر وقعت فيه نهاراً ، وهما متفقان على أنّ ما شاهده أحدهما هو الذي شاهده الآخر بعينه ، أو أخبرا عن مجي‌ء زيد واختلفا في زمانه ، ونحوهما مما كان المشهود به للشاهدين موجوداً واحداً ، فلا إشكال في ثبوت النجاسة بشهادتهما ، ولا يضرّها اختلافهما في عوارض المشهود به لأن العوارض والطوارئ مما لا مدخلية له في شي‌ء من الأحكام الشرعية وموضوعاتها ، فإن النجاسة مثلاً حكم ثبت على ما لاقته عين نجسة كانت ملاقاتهما في الليل أم في النهار.

وكذلك الحال فيما إذا كان المشهود به موجوداً واحداً إلاّ أن الشاهدين اختلفا في صنفه ، كما إذا شهدا على وقوع ميتة مشخصة في ماء قليل واتفقا على أن ما شاهده أحدهما هو الذي شاهده الآخر ولكنهما اختلفا في أنها ميتة هرة أو شاة أو ادعى أحدهما أن الميتة رجل الشاة وقال الآخر بل كانت يد الشاة ، أو شهدا على وقوع قطرة من دم الرعاف في الإناء واختلفا في أنه من هذا أو من ذاك لأنّ المشهود به موجود واحد فلا مناص من الحكم بنجاسة الماء بشهادتهما ، واختلافهما في صنفه كاختلافهما في عوارضه غير مانع عن اعتبار الشهادتين ، لأنّ الخصوصيات الصنفية غير دخيلة في نجاسة الميتة أو الدم ونحوهما ، حيث إن الميتة مما له نفس سائلة تقتضي نجاسة ملاقيها كانت ميتة هرة أم شاة وهكذا.

وأما إذا كان المشهود به موجوداً واحداً إلاّ أنهما اختلفا في نوعه ، كما إذا اتفقا على أن قطرة نجس قد وقعت في الإناء إلاّ أنهما اختلفا فقال أحدهما إنها كانت قطرة بول وشهد الآخر بأنها كانت قطرة دم ، فالصحيح أن النجاسة لا تثبت بشهادتهما حينئذ وذلك لتعدد المشهود به ، حيث شهد أحدهما بوقوع قطرة دم في الإناء وشهد الآخر بوقوع قطرة بول فيه وهما أمران متعددان ، وإن كان الواقع في الإناء موجوداً واحداً فهاتان الشهادتان تدخلان في شهادة العدل الواحد وهي خارجة عن البينة. وأما العنوان الانتزاعي أعني وقوع أحدهما في الإناء فقد عرفت أنه ليس بمشهود به للبينة بالمطابقة وإنما هو مدلول التزامي للشهادتين ، وقد مرّ أن الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية حدوثاً وحجية ، ومع عدم اعتبار الشهادتين في مدلولهما المطابقي لا يبقى مجال لحجيتهما في مدلولهما الالتزامي بلا فرق في ذلك بين نفي أحدهما الآخر

وعدمه ، هذا بل الشهادتان مع فرض وحدة المشهود به متنافيتان دائماً لاستحالة كون الموجود الواحد بولاً ودماً فأحدهما ينفي الآخر لا محالة ، وعليه فلا يمكن الحكم بثبوت النجاسة في مفروض المسألة حتى إذا قلنا بكفاية شهادة العدل الواحد في الموضوعات الخارجية ، وذلك لأنهما شهادتان متعارضتان وقد مرّ أن التعارض مانع عن شمول دليل الاعتبار للمتعارضين ، هذا كله مع وحدة المشهود به.

وأما إذا كان المشهود به موجودين مختلفين ، كما إذا شهد أحدهما على أن الهرّة بالت في الإناء بعد صلاة المغرب وشهد الآخر بأنها بالت فيه بعد طلوع الشمس ، وهذا لا بمعنى أن ما رأى أحدهما هو الذي رآه الآخر وإنما يختلفان في زمانه حتى يرجع إلى الصورة الاولى من صور وحدة المشهود به ، بل إن هناك أمرين متعددين والمشهود به لأحدهما غير المشهود به للآخر ، فقد ظهر مما ذكرناه في الصور المتقدمة أن البينة لا تثبت نجاسة الملاقي حينئذ لتعدد المشهود به فتدخل الشهادتان بذلك تحت شهادة العدل الواحد ، وأما الجامع الانتزاعي فقد عرفت حكمه فلا نعيد.

وكذلك الحال فيما إذا كان المشهود به أمرين متعدِّدين مع اختلاف الشاهدين في صنفهما أو في نوعهما ، والأوّل كما إذا شهد أحدهما بوقوع قطرة دم من رعافه في الإناء وشهد الآخر بوقوع قطرة دم من المذبوح فيه. والثاني كما إذا شهد أحدهما بوقوع قطرة بول فيه ، وشهد الآخر ، بوقوع قطرة دم فيه لا مع اتفاقهما على أن ما وقع فيه قطرة واحدة وأن ما رأى أحدهما هو الذي رآه الآخر كما في الصورة الأخيرة من صور وحدة المشهود به ، بل هما متفقان على تعدد القطرة وأن المشهود به لأحدهما غير المشهود به للآخر ، فالمدار في استكشاف وحدة المشهود به وتعدّده في هذه الصورة إنما هو على العنوان الذي تقع الشهادة بذلك العنوان ، ففي الصورة المتقدّمة وقعت الشهادة على وقوع قطرة نجس في الإناء إلاّ أن أحدهما يدعي أنها قطرة دم والآخر يدّعي أنها قطرة بول ، وأما في هذه الصورة فإحدى الشهادتين إنما وقعت على وقوع قطرة بول فيه والشهادة الأُخرى وقعت على وقوع قطرة دم فيه فالمشهود به في إحدى الشهادتين غير المشهود به في الثانية. وكيف كان ، فلا يترتّب على شهادة البيِّنة أثر مع تعدّد المشهود به.

[221] مسألة 7 : الشهادة بالإجمال كافية أيضاً كما إذا قالا : أحد هذين نجس. فيجب الاجتناب عنهما (1). وأما لو شهد أحدهما بالإجمال والآخر بالتعيين كما إذا قال أحدهما : أحد هذين نجس وقال الآخر : هذا معيناً نجس ففي المسألة وجوه (1)، وجوب الاجتناب عنهما ، ووجوبه عن المعين فقط ، وعدم الوجوب أصلا (2).


ثم إنّ الفرق بين هذه الصورة وبين صورة اختلاف الشاهدين في نوع المشهود به مع فرض وحدته هو أنّا لو قلنا بكفاية إخبار العدل الواحد في الموضوعات الخارجية نلتزم بنجاسة الملاقي في المقام ، لتعدد المشهود به وعدم نفي كل منهما الآخر فهما شهادتان غير متعارضتين لا بدّ من أتباعهما ، وهذا بخلاف صورة اختلافهما في نوع المشهود به مع اتحاده لما عرفت من أن الشهادتين مع فرض وحدة المشهود به متعارضتان دائماً ، فانّ كلاًّ منهما ينفي الآخر إذ يستحيل أن يكون شي‌ء واحد بولاً ودما.

(1) لما عرفت من أن شهادة البينة على نجاسة أحد شيئين غير المعين كشهادتها على نجاسة المعين منهما ، فتثبت نجاسة الإناء بشهادتها لوحدة الواقعة المشهود بها نعم لا تثبت بها الخصوصية كما هو واضح.

(2) فان اختلفا في سبب النجاسة كما أنهما مختلفان في الإجمال والتعيين بأن شهد أحدهما بأن قطرة بول أصابت أحد الإناءين من غير تعيينه وشهد الآخر بأن قطرة دم لاقت أحدهما المعين ، فلا إشكال في عدم اعتبار البيِّنة حينئذ لما مرّ وعرفت من أن المشهود به إذا كان واحداً شخصياً معيناً عندهما لا يحكم باعتبار البيِّنة فيما إذا اختلف الشاهدان في سبب النجاسة ومستندها فضلاً عما إذا كان المشهود به مختلفاً فيه من حيث الإجمال والتعيين. وأما إذا اتفقا على ذلك وأن النجس الواقع في الإناء قطرة


1) (*) أوجهها أوسطها بناء على ثبوت النجاسة باخبار العدل الواحد ، وإلاّ فالوجه الأخير هو الأوجه.

بول مثلاً ولكنهما اختلفا من حيث خصوصياتها فأخبر أحدهما عن أنها وقعت في أحد الإناءين لا على التعيين وشهد الآخر بوقوعها في أحدهما المعين ففيه وجوه واحتمالات :

فقد يُقال بوجوب الاجتناب عن المعيّن فحسب ، لأنّ وجوب الاجتناب عنه مشهود به لكلتا الشهادتين حيث شهد به أحدهما تفصيلاً وشهد به الآخر على وجه الإجمال ، فإن لازم وقوع النجاسة في أحدهما غير المعين وجوب الاجتناب عن كلا الطرفين فالمعين قد شهد كلاهما بوجوب الاجتناب عنه ، نعم ، لا يثبت بذلك نجاسته حتى يحكم بنجاسة ملاقيه وإنما يجب الاجتناب عنه فحسب ، وهذا بخلاف الطرف الآخر فان وجوب الاجتناب عنه مشهود به لأحدهما وليس بمشهود به لمن أخبر عن وقوع النجاسة في المعين منهما ، فيجب الاجتناب عن المعيّن دون الآخر.

والجواب عن ذلك : أنّ نجاسة المعين منهما وإن كانت مشهوداً بها لأحدهما إلاّ أن شهادة الآخر بنجاسة أحدهما على نحو الإجمال لا تثبت وجوب الاجتناب عن المعيّن ، وذلك لأن النجاسة الإجمالية غير ثابتة بالبينة وإنما شهد بها العدل الواحد ومع عدم ثبوت النجاسة الإجمالية لا يثبت وجوب الاجتناب عن كلا الطرفين ، لأنها إذا سقطت عن الاعتبار في مدلولها المطابقي فلا مجال لاعتبارها في مدلولها الالتزامي وهو وجوب الاجتناب عن المعين منهما.

فتحصّل أن وجوب الاجتناب عن المعيّن ليس بمشهود به لكلا الشاهدين بل لأحدهما ، وحيث إنه من شهادة العدل الواحد فلا يترتب على شهادته أثر بناء على عدم اعتبار شهادته في الموضوعات الخارجية. وإن شئت قلت : إن وجوب الاجتناب عن طرفي العلم الإجمالي حكم عقلي لا يثبت بالشهادة لأنه يتبع موضوعه فإذا تحقّق حكمَ العقل على طبقه دون ما إذا لم يتحقّق موضوع ، فلا محيص من أن تتعلّق الشهادة بالنجاسة ، ولم تتعلّق شهادة بنجاسة المعين من كليهما وإنما شهد بها أحدهما فلا أثر لشي‌ء من الشهادتين.

وقد يقال بوجوب الاجتناب عن كليهما ، حيث إن أحدهما قد شهد بنجاسة ما هو

[222] مسألة 8 : لو شهد أحدهما بنجاسة الشي‌ء فعلاً والآخر بنجاسته سابقاً مع الجهل بحاله فعلاً فالظاهر وجوب الاجتناب وكذا إذا شهدا معاً بالنجاسة السابقة لجريان الاستصحاب (1).


الجامع بين الإناءين وهو عنوان أحدهما وشهد الآخر أيضاً بنجاسة ذلك الجامع لكن متخصصاً بخصوصية معينة ، فشهادته بنجاسة المعين شهادة بنجاسة الجامع مع زيادة وهي الشهادة بالخصوصية ، وحيث إنه من شهادة العدل الواحد فلا تثبت بها الخصوصية فيكون الجامع مشهوداً به لكليهما فلا مناص من الاجتناب عن كلا الطرفين. ويدفعه : أن الشهادة بفرد خاص غير منحلة إلى شهادتين بأن تكون شهادة بالجامع وشهادة بالخصوصية وإنما هي شهادة واحدة بخصوص الجامع المتخصص فالشهادة في المقام إنما تعلّقت بأحدهما المعيّن وهي شهادة به بخصوصه مباينة مع الشهادة المتعلِّقة بالجامع ، حيث إن الثانية شهادة بنجاسة شي‌ء مردد والأولى شهادة بما هو متميِّز في نفسه. وبالجملة أن أحدهما شهد بأمر كلِّي والآخر شهد بأمر خاص ولا جامع بينهما فلا تثبت النجاسة بشي‌ء من الشهادتين لأنهما خبران عن أمرين متغايرين ، وحيث إن الشهادتين لم تتعلقا بشي‌ء واحد فلا تثبت النجاسة في شي‌ء منهما بالشهادتين.

وعليه فالصحيح عدم لزوم الاجتناب عن شي‌ء من الطرفين. نعم ، لو قلنا بثبوت النجاسة بخبر العدل الواحد كما قلنا به لا مناص من الاجتناب عن خصوص المعين منهما ، لأنّ في البين خبرين تعلق أحدهما بنجاسة الجامع ولازمه الاحتياط ، لأنه علم إجمالي تعبّدي وتعلق ثانيهما بنجاسة واحد معين وهو أيضاً علم تعبدي بنجاسته فالمعيّن معلوم النجاسة يقيناً والطرف الآخر مشكوك فيه فلا مانع من الرجوع فيه إلى الأصل ، لأنه غير معارض بالأصل في المعين للعلم التفصيلي بنجاسته بالتعبد وهو يقتضي الانحلال.

(1) لا كلام في أنهما إذا شهدا بنجاسة شي‌ء فعلاً تثبت نجاسته بشهادتهما على تفصيل قد تقدّم ، كما أنهما إذا شهدا بنجاسة شي‌ء سابقاً يترتب عليهما الأثر وهو

الحكم بنجاسته فعلاً بالاستصحاب ، لما قدّمنا في محله من أن الأمارة إذا قامت على طهارة ما علمنا بنجاسته بالوجدان سابقاً كما أنه يمنع عن جريان استصحاب النجاسة فيه لأنه من نقض اليقين باليقين ، كذلك إذا قامت على نجاسة شي‌ء أو طهارته حدوثاً لأنها علم تعبدي فلا يجوز نقضه بالشك فيستصحب حكمها ، لبداهة أنه لا فرق في اليقين السابق بين الوجداني والتعبدي فإنّ إطلاق اليقين يشملهما ، فإذا أخبرت البيِّنة عن نجاسته سابقاً فلا مانع من استصحابها لأنها يقين تعبدي.

وإنّما الكلام فيما إذا اختلفت شهادتهما فشهد أحدهما بنجاسته فعلاً والآخر بنجاسته سابقاً ، فان كانت الواقعة المشهود بها متعددة كما إذا أخبر أحدهما عن أن قطرة من دم الرعاف أصابت الإناء آخر الليل وأخبر الآخر عن إصابة نجس آخر للإناء أوّل الليل فلا تثبت النجاسة حينئذ بشهادتهما فيما إذا كانا متحدين من حيث الزمان فضلاً عما إذا كانا مختلفين زماناً ، بناء على عدم ثبوت النجاسة باخبار العدل الواحد. ولعل هذه الصورة غير مرادة للماتن قدس سره . وأما إذا كانت الواقعة واحدة كما إذا شهدا بوقوع ميتة حيوان معين في الإناء إلاّ أنهما اختلفا في زمانه وادعى أحدهما أنها وقعت في أول الليل وقال الآخر وقعت فيه آخره فاتفقا من جهة واختلفا من جهة فلا مانع من الحكم بثبوت النجاسة بشهادتهما لوحدة الواقعة المشهود بها ، وكونها أول الليل وآخره مما لا دخالة له في نجاسة الإناء ، نعم إنما تثبت بهما النجاسة الجامعة بين الزمانين من غير تعيين أحدهما.

ثم إنّ هناك صوراً : الاولى : ما إذا علمنا أن ذلك الإناء الذي قامت البينة على نجاسته أوّل اللّيل أو آخره لم يطرأ عليه مطهّر لا في أوّل اللّيل ولا في آخره ، ولا ينبغي الاشكال أن الإناء مثلاً يجب الاجتناب عنه حينئذ ، لأن النجاسة سواء وقعت فيها أول اللّيل أو في آخره باقية بحالها بلا حاجة معه إلى استصحاب النجاسة للعلم الوجداني ببقاء النجاسة الجامعة بين الزمانين ، ونظيره ما إذا شهدت البينة بنجاسة شي‌ء في زمان معين كأول الليل في المثال وقد علمنا بعدم طرو مطهّر عليه إلى آخر اللّيل ، لأنّا لا نحتاج في الحكم بنجاسته آخر اللّيل إلى استصحابها للعلم الوجداني ببقائها.

الثانية : ما إذا علمنا بطرو مطهّر عليه في زمان كمنتصف اللّيل في المثال إلاّ أنّا شككنا في نجاسته للشك في زمان حصولها حيث لا ندري أن النجاسة الكلية بحسب الزمان الثابتة بالبينة هل كانت متحقِّقة في أوّل اللّيل فارتفعت أو أنها كانت متحقِّقة في آخره فهي باقية ، ولا مانع حينئذ من استصحاب النجاسة الجامعة بين ما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع لأنه من القسم الثاني من استصحاب الكلي وهو جار في نفسه ، إلاّ أنه معارض باستصحاب بقاء الطهارة الطارئة على الإناء في منتصف الليل في المثال ، حيث نشك في بقائها من جهة احتمال وقوع النجاسة في آخر اللّيل فيستصحب طهارتها ، وحيث إنه معارض باستصحاب النجاسة فيتساقطان فيرجع إلى قاعدة الطهارة في المشهود به.

الثالثة : ما إذا شككنا في أن الإناء هل طرأ عليه مطهر في أحد الزمانين أم لم يطرأ. ويجري في هذه الصورة استصحاب النجاسة الكلية بحسب الزمان ، لأنّا كنّا على يقين من حدوثها بالبينة وإن لم ندر زمانها وهو من استصحاب القسم الثاني من الكلي ، إذ قد أوضحنا في محلّه أن الجامع لا يلزم أن يكون جامعاً لفردين أو الأفراد ، بل إذا كان جامعاً بين زمانين في فرد واحد أيضاً يجري فيه الاستصحاب الكلي فليراجع.

ودعوى أنه من استصحاب الفرد المردد مدفوعة بما ذكرناه في محلِّه من أنّ الفرد المردّد مما لا معنى له فهو من استصحاب الكلي بين حالتين أو حالات وإن كان أمراً جزئياً في نفسه. وبالجملة إذا شككنا في المقام في ارتفاع النجاسة الجامعة بحسب الزمان لاحتمال طرو مطهّر على الإناء ولو بآن بعد تحقق النجاسة فلا مانع من استصحابها ، ومرجع استصحاب الأحكام الجزئية إلى استصحاب الموضوع الخارجي كما بيّناه في محلِّه فمرجع استصحاب نجاسة الإناء إلى استصحاب عدم طرو رافعها.

هذا كله بناء على عدم ثبوت الموضوعات الخارجية بغير البينة ، وأما إذا اكتفينا في ثبوتها بخبر العدل الواحد فلا مناص من الحكم بنجاسة المشهود به فعلاً في جميع الصور المتقدمة لقيام خبر العدل على نجاسة الإناء بالفعل ، ولا ينافيه الخبر الآخر الحاكي عن نجاسته في الزمان السابق كما هو الظاهر ، اللّهمّ إلاّ أن تقع بينهما المعارضة من ناحية وحدة الواقعة المشهود بها ، حيث يستحيل أن تقع في زمانين مختلفين ومعه

[223] مسألة 9 : لو قال أحدهما : إنه نجس وقال الآخر : إنه كان نجساً والآن طاهر ، فالظاهر عدم الكفاية (1)وعدم الحكم بالنجاسة (1)


ينفي كل منهما الآخر فيتعارضان ويتساقطان فيرجع إلى قاعدة الطهارة.

(1) الفرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدمة أن الشاهد بالنجاسة السابقة في تلك المسألة كان جاهلاً بحكم الإناء فعلاً ، وأما في هذه المسألة فله شهادتان : إحداهما أنه كان نجساً سابقاً ، وثانيتهما أنه طاهر بالفعل ، كما أن الشاهد الآخر يشهد بنجاسته الفعلية ، فإن قلنا بكفاية شهادة العدل الواحد في الموضوعات الخارجية تتعارض الشهادتان ، لإخبار أحدهما عن نجاسته الفعلية وإخبار الآخر عن طهارته كذلك ويحكم بتساقطهما والرجوع إلى استصحاب النجاسة السابقة الثابتة بشهادة العدل الواحد المخبر عن طهارتها بالفعل لأنه غير معارض بشي‌ء ، أو إلى قاعدة الطهارة فيما إذا أخبر الشاهد بنجاسته الفعلية عن طهارتها السابقة ، لأن الواقعة واحدة وكل منهما ينفي الآخر فيتعارضان ويتساقطان ويرجع إلى قاعدة الطهارة لا محالة.

وأمّا إذا قلنا بعدم اعتبار خبر العدل الواحد في الموضوعات الخارجية ، فإن كان المشهود به متعدِّداً كما إذا أخبر أحدهما عن نجاسة الإناء بالفعل بملاقاته البول وأخبر الآخر عن أنه كان متنجساً بملاقاته الدم أوّل الليل وقد طهّره في منتصفه فهو طاهر بالفعل فلا تثبت نجاسته بالشهادتين لتعدّد المشهود به ، فحال هذه المسألة حال المسألة المتقدِّمة عند تعدّد المشهود به. وأما إذا كانت الواقعة المشهود بها واحدة كما إذا أخبرت البيِّنة عن قطرة دم معينة وقعت في الإناء واختلفا في زمانه ، فقال أحدهما أنها وقعت فيه سابقاً وقال الآخر إنها وقعت فيه فعلاً فلا مانع من الحكم بثبوت النجاسة الجامعة من حيث الزمان بشهادتهما وقد مرّ أنّ الاختلاف في الزمان غير قادح في صحة الشهادة ، فحال هذه المسألة حال المسألة المتقدِّمة حيث إنّ


1) بل الظاهر الكفاية بناء على ثبوت النجاسة بخبر العدل الواحد ، فإنه حينئذ تكون الشهادتان متعارضتين بالنسبة إلى الحالة الفعلية ، وأما الشهادة بالنسبة إلى النجاسة السابقة فلا معارض لها ، فيجري استصحاب بقائها.

[224] مسألة 10 : إذا أخبرت الزوجة أو الخادمة أو المملوكة بنجاسة ما في يدها من ثياب الزّوج أو ظروف البيت كفى في الحكم بالنجاسة ، وكذا إذا أخبرت المربِّية للطفل أو المجنون بنجاسته أو نجاسة ثيابه ، بل وكذا لو أخبر المولى (1)بنجاسة بدن العبد أو الجارية أو ثوبهما مع كونهما عنده أو في بيته (1).

[225] مسألة 11 : إذا كان الشي‌ء بيد شخصين كالشريكين يسمع قول كل منهما في نجاسته (2) نعم لو قال أحدهما : إنه طاهر وقال الآخر : إنّه نجس ، تساقطا


دعوى أحدهما الطهارة الفعلية كالعدم ، لأنه إخبار عدل واحد والمفروض عدم ثبوت الطهارة به فهي هي بعينها.

(1) قد مرّ وعرفت أن اعتبار قول صاحب اليد عما هو تحت سلطانه واستيلائه أو عن كيفياته وأطواره إنما ثبت بالسيرة القطعية العقلائية ، ولا إشكال في تحققها في الموارد التي ذكرها الماتن قدس سره عدا الأخير ، وذلك لأن السيد وإن كان مستولياً على عبده أو جاريته وهما تحت يده وسلطانه إلاّ أن حجية قول صاحب اليد لم تثبت بدليل لفظي يمكن التمسك بإطلاقه حتى في مثل السيد وعبده ، وإنما مدركها السيرة القطعية والمتيقن منها هو ما إذا لم يكن لما في اليد إرادة مستقلّة من ثياب وظروف ونحوهما مما لا يتصرف بإرادة منه واختيار وإنما يتصرف فيه صاحب اليد وأما إخباره عن نجاسة أمر مستقل في وجوده وإرادته بحيث له أن يفعل ما يشاء ويزاول النجاسات والمطهرات كما في العبد والأمة فلم تثبت سيرة من العقلاء على اعتبار قول صاحب اليد في مثله ، نعم ثياب العبد وغيره مما هو مملوك لسيده وتحت يده ولا إرادة مستقلة له مما يعتبر قول صاحب اليد فيه كما مرّ.

(2) لأنّ السيرة العقلائية لا يفرق فيها بين ما إذا كانت اليد مستقلّة وما إذا كانت غير مستقلّة ، كما إذا اشترى شخصان ملكاً أو استأجراه أو وهبه لهما واهب أو أباحه المالك لهما ، والحكم في جميع ذلك على حد سواء.


1) (*) فيه إشكال بل منر. نعم إذا كان ثوبهما مملوكاً للمولى أو في حكمه قبل إخباره بنجاسته.

كما أن البيِّنة تسقط مع التعارض (1) ، ومع معارضتها بقول صاحب اليد تقدم عليه (2).

[226] مسألة 12 : لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين أن يكون فاسقاً أو عادلاً ، بل مسلماً أو كافراً (3).

[227] مسألة 13 : في اعتبار قول صاحب اليد إذا كان صبياً إشكال وإن كان لا يبعد إذا كان مراهقاً (4).


(1) كما عرفت وجهه مما ذكرناه آنفاً وسابقاً في بحث المياه (1).

(2) قدّمنا وجهه في مبحث المياه عند التكلم في طرق ثبوت النجاسة (2)ولا نعيد.

(3) لأنّ عدالة صاحب اليد وفسقه وكذلك إسلامه وكفره على حد سواء بالإضافة إلى السيرة العقلائية ، لأنها قائمة على قبول قوله مطلقاً من غير فرق بين إسلامه وكفره ولا بين فسقه وعدالته. وأما ما ورد من عدم قبول قول الكافر بل الفاسق في الإخبار عن طهارة شي‌ء مما بيده بعد نجاسته لاعتبار الإسلام بل الورع والعدالة فيه كما في نصوص البختج (3)فهو أجنبي عما نحن بصدده ، إذ الكلام إنما هو في ثبوت النجاسة بقول صاحب اليد وقد عرفت أنها تثبت باخباره بمقتضى السيرة العقلائية. وأما اعتبار قوله في ثبوت الطهارة وعدمه فيأتي التعرض له عند التكلم على موجبات الطهارة وأسبابها إن شاء اللّه (4).

(4) لا فرق في اعتبار قول صاحب اليد بين بلوغه وعدمه ، بل يعتمد عليه حتى إذا كان صبياً إلاّ أنه كان بحيث يميّز النجس عن غيره ، وذلك بمقتضى سيرة العقلاء ، إذ رب صبي أعقل من الرجال وأفهم من غيره ، وإنما فرّق الشارع بينهما من حيث التكاليف وهو أمر آخر.


1) في المسألة [130].

2) في المسألة [130].

3) الوسائل 25 : 294 / أبواب الأشربة المحرمة ب 7 ح 6 ، 7.

4) بعد المسألة [392] ( فصل في طرق ثبوت التطهير ).

[228] مسألة 14 : لا يعتبر في قبول قول صاحب اليد أن يكون قبل الاستعمال (1)- كما قد يُقال فلو توضأ شخص بماء مثلاً وبعده أخبر ذو اليد بنجاسته يحكم ببطلان وضوئه ، وكذا لا يعتبر أن يكون ذلك حين كونه في يده فلو أخبر بعد خروجه عن يده بنجاسته حين كان في يده ، يحكم عليه بالنجاسة (1)في ذلك الزمان ، ومع الشك في زوالها تستصحب (2).


(1) قد سبق أن ذكرنا أن اعتبار قول صاحب اليد مدركه السيرة العقلائية الممضاة في الشريعة المقدسة بعدم الردع عنها ، ولا يفرق فيها بين أن يكون إخباره عما في يده قبل استعماله وبين أن يكون بعد استعماله ، فلو توضأ أحد بماء أو اغتسل به ثم أخبر مالكه أو من بيده عن نجاسته حكم بنجاسته وبطل وضوؤه وغسله. وقد يرتفع الموضوع وينعدم باستعماله ومعه لا معنى للحكم بنجاسته أو طهارته. نعم ، تظهر ثمرة اعتبار قوله في الحكم ببطلان وضوء المتوضي أو غسل المغتسل ، وهذا كما إذا كان الماء قليلاً بحيث انعدم باستعماله في الغسل أو الوضوء ، وقد لا ينعدم كما إذا كان الماء كثيراً واغتسل فيه بالارتماس أو توضأ به.

وثالثة لا يترتب ثمرة على انكشاف نجاسة الشي‌ء المستعمل باخبار صاحب اليد كما إذا صلّى في ثوب أحد ثم أخبر من بيده عن نجاسته ، فإنّ إخباره هذا مما لا يترتّب ثمرة عليه ، لأنّ مانعية النجاسة عن الصلاة إنما هي منوطة بإحرازها وإن كانت منسية في حال العمل ، ولا مانعية للنجاسة المجهولة بوجه فلا معنى لاعتبار قول ذي اليد وعدمه حينئذ. وأما إذا ترتب على إخباره بعد الاستعمال أثر كما في المثال المتقدم لأنّ طهارة الماء في الغسل والوضوء شرط واقعي فإذا انكشفت نجاسته بعدهما فيحكم ببطلانهما لا محالة ، لأن السيرة كما عرفت لا يفرق فيها بين سبق إخباره الاستعمال وبين تأخره عنه.

(2) إذا خرجت العين عن ملك مالكها أو عن استيلاء من بيده ثم أخبر عن أنها


1) (*) على الأحوط ولا يبعد أن لا يحكم عليه بها ، نعم إذا كان ثقة تثبت النجاسة باخباره على الأظهر.

كانت نجسة حال كونها تحت سلطانه وسيطرته ، فهل يعتمد على قوله نظراً إلى أن المخبر به إنما هو نجاسة العين التي كانت مملوكة له أو تحت استيلائه أو لا يعتمد عليه لأنّ المخبر لا يصدق عليه صاحب اليد حال إخباره؟

فيه وجهان ، ثانيهما صحيحهما وذلك لأن مدرك اعتبار قوله هو السيرة العقلائية كما عرفت ، ولم تحرز سيرتهم على قبول قوله في أمثال المقام ، ويكفي في عدم حجيته مجرّد الشك في سيرتهم ، حيث إنّا نحتمل أن تكون سيرة العقلاء هي مدرك القاعدة المعروفة من أن من ملك شيئاً ملك الإقرار به كما أفاده المحقق الهمداني (1)قدس سره وبه يستكشف أن اعتبار قول ذي اليد يدور مدار ملكه واستيلائه ومع انتفائهما لا ينفذ قوله ولا يعتمد عليه.

هذا وقد يدعى قيام السيرة على قبول خبره في المقام وبالأخص فيما إذا كان إخباره قريباً من زمان استيلائه ، كما إذا باع ثوباً من أحد وبعد تسليمه إليه أخبر عن نجاسته. ولا يمكن المساعدة على هذا المدعى ، لأن سيرة العقلاء وإن جرت على قبول إخبار البائع عن نجاسة المبيع إلاّ أن المستكشف بذلك ليس هو اعتبار قول ذي اليد بعد انقطاع سلطنته ويده وإنما المستكشف هو اعتبار خبر الموثق في الموضوعات الخارجية كما هو معتبر في الأحكام ، والذي يدلنا على ذلك أن البائع في مفروض المثال لا يعتمد على إخباره عن نجاسة المبيع فيما إذا لم تثبت وثاقته عند المشتري لاحتمال أن البائع يريد أن يصل بذلك إلى غرضه وهو فسخ المعاملة حيث يبدي للمشتري نجاسته حتى يرغب عن تملكه وإبقائه ، ومع هذا الاحتمال لا يعتمد على إخباره عند العقلاء. وأظهر من ذلك ما لو باع المالك ما بيده ولما أتلف ثمنه أخبر المشتري بأنه كان مغصوباً أو وقفاً فهل يعتمد على دعواه هذه؟ نعم ، لو ادعى شيئاً من ذلك قبل أن يبيعه اعتبر قوله لأنه من إقرار العقلاء على أنفسهم ، فالإنصاف أن قول صاحب اليد لم يثبت اعتباره في أمثال المقام.


1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 610 السطر 14.

فصل : [ في كيفية تنجّس المتنجسات ]

يشترط (1) في تنجس الملاقي للنجس أو المتنجس أن يكون فيهما


فصل

في كيفية تنجّس المتنجسات

(1) وذلك للارتكاز حيث لا يرى العرف نجاسة ملاقي النجس أو المتنجس وتأثره من شي‌ء منهما مع الجفاف. وأما الأخبار الواردة في نجاسة ملاقي النجس أو المتنجس من غير تقييدها بما إذا كان فيهما أو في أحدهما رطوبة مسرية ، فقد ورد بعضها في مثل ملاقي البول أو الماء المتنجس ونحوهما مما فيه الميعان ، والرطوبة في مثله مفروغ عنها لا محالة ، وهذا كما في الأخبار الآمرة بغسل ما أصابه البول (1)وموثقة عمّار الآمرة بغسل كل ما لاقاه الماء المتنجس (2)وورد بعضها الآخر فيما لا رطوبة مسرية فيه من غير أن تقيد نجاسة الملاقي بما إذا كانت في أحد المتلاقيين أو في كليهما رطوبة مسرية وهذا كما في صحيحة محمّد بن مسلم (3)وحسنته (4)الآمرتين بغسل المكان الذي أصابه الكلب أو بغسل اليد إذا مسسته ، إلاّ أنه لا مناص من رفع اليد عن إطلاقها بالارتكاز ، لأنّ ملاقاة اليابس مع مثله مما لا أثر له عند العرف ، ومن هنا حملنا ما ورد في خصوص الميتة من الأمر بغسل ما أصابته مطلقاً من غير تقييده بما إذا كان في أحد المتلاقيين أو في كليهما رطوبة مسرية (5)على الاستحباب ، وقلنا إنّ ملاقاتها مع الجفاف غير مؤثرة في نجاسة الملاقي.


1) الوسائل 3 : 395 / أبواب النجاسات ب 1 ح 1 7.

2) الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1.

3) الوسائل 3 : 416 / أبواب النجاسات ب 12 ح 9.

4) الوسائل 3 : 416 / أبواب النجاسات ب 12 ح 9.

5) الوسائل 3 : 461 / أبواب النجاسات ب 34 ح 1 ، 2 ، 3 وغيرها.

أو في أحدهما رطوبة مسرية فاذا كانا جافين لم ينجس ، وإن كان ملاقياً للميتة. لكن الأحوط غسل ملاقي ميت الإنسان قبل الغسل وإن كانا جافين ، وكذا لا ينجس إذا كان فيهما أو في أحدهما رطوبة غير مسرية (1). ثم إن كان الملاقي للنجس أو المتنجس مائعاً


وأما وجوب الغسل بملاقاة ميت الآدمي بعد برده وقبل تغسيله ولو مع الجفاف فهو أمر آخر ، لأن الكلام إنما هو في تأثير ملاقاة النجس مع الجفاف من حيث الخبث لا من ناحية الحدث. والوجه في هذا كله هو الارتكاز ، وما ورد من تعليل عدم نجاسة ملاقي النجس بأنه يابس كما في حسنة محمد بن مسلم في حديث « أنّ أبا جعفر علیه السلام وطئ على عذرة يابسة فأصاب ثوبه ، فلما أخبره قال : أليس هي يابسة؟ قال : بلى ، فقال : لا بأس » (1). وموثقة عبد اللّه بن بكير قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط ، قال : كل شي‌ء يابس زكي » (2).

هذا كلّه مضافاً إلى أن الأوامر المطلقة الواردة بغسل ما أصابه النجس (3)ظاهرة في أنفسها في اعتبار الرطوبة في أحد الملاقيين ، فان الغسل عبارة عن إزالة الأثر ، والأثر إنما يتحقق بملاقاة النجس مع الرطوبة المسرية حيث لا تأثير في الملاقاة مع الجفاف فهذه الأخبار أيضاً شاهدة على أن الرطوبة المسرية معتبرة في نجاسة ملاقي النجس أو المتنجس. فالمتحصل أن اعتبار الرطوبة في تأثير النجاسات مما لا إشكال فيه.

(1) إن الرطوبة بإطلاقها غير كافية في الحكم بنجاسة الملاقي وتأثره من النجس بل يعتبر أن تكون مسرية بالارتكاز بأن ينتقل بعض الأجزاء المائية في النجس إلى


1) الوسائل 3 : 444 / أبواب النجاسات ب 26 ح 14.

2) الوسائل 1 : 351 / أبواب أحكام الخلوة ب 31 ح 5. ثم إن الرواية وإن عبّر عنها بالموثقة في كلماتهم إلاّ أن في سندها محمد بن خالد والظاهر أنه محمد بن خالد الأشعري الذي لم تذكر وثاقته في الرجال.

3) كما في الروايتين المتقدمتين عن محمد بن مسلم [ في ص 183 ] وغيرهما من الأخبار.

تنجس كله كالماء القليل المطلق ، والمضاف مطلقاً ، والدهن المائع ونحوه من المائعات (1).


ملاقيه ، فالرطوبة التي لا تعد ماء بالنظر العرفي كما في رطوبة الطحين والملح الموضوعين على مكان رطب من سرداب ونحوه إذا كانت مكتسبة من الماء النجس غير كافية في الحكم بنجاسة الملاقي ، وذلك لأن الرطوبة وإن كانت بالنظر العقلي هي الأجزاء الدقيقة المائية غير القابلة للابصار كما الحال في البخار لأنه أيضاً أجزاء صغار من الماء يتصاعد بالحرارة إلى الهواء من غير أن تشاهد فيه الأجزاء المائية فالرطوبة جوهر وماء وليست عرضاً بوجه ، وإلاّ استحال انتقالها من شي‌ء إلى شي‌ء لاستحالة انتقال العرض كما هو ظاهر إلاّ أنها تعد بالنظر العرفي عرضاً ولا تعد ماء عندهم ، ومن هنا لا يحكم بنجاسة الرطوبة لأنها عرض ، فهي لا تقبل النجاسة كما لا تؤثر في نجاسة الملاقي لأنها أمر آخر وراء الماء المتنجس ، ولأجل هذا حكمنا بطهارة الثوب الذي صبغ بالدم النجس بعد غسله وإن كان لونه باقياً في الثوب وكذا في الحناء المتنجس ، لأن الألوان بحسب الدقة وإن كانت من الجواهر كالدم والحناء ونحوهما وغاية الأمر أنها أجزاء صغار غير قابلة للمشاهدة بالأبصار ، إذ لو كانت من الأعراض حقيقة استحال فيها الانتقال مع أن انتقالها من مثل الدم والحناء إلى ملاقيهما مما لا خفاء فيه إلاّ أنها بالنظر العرفي من الأعراض ، فهي ليست دماً ولا حناء ولا غيرهما من الأعيان النجسة أو المتنجسة فلا تتنجس في أنفسها كما لا تؤثر في ملاقيها.

(1) قد يكون ملاقي النجس أو المتنجس مائعاً وقد يكون جامداً ، والمائع إما ماء وإما غيره من زيت ودهن وأمثالهما ، كما أنّ الماء مطلق أو مضاف. أما الماء المطلق فلا كلام في انفعاله بملاقاة النجس أو المتنجس إذا لم يكن بالغاً قدر كر وإن لم تكن النجاسة ملاقية لجميع أجزائه ، حيث إن إصابة النجس لجزء من أجزائه كافية في تنجس الجميع ، فإذا لاقى طرفه الشرقي نجساً فيحكم بنجاسة طرفه الغربي أيضاً لأنه ماء واحد أصابته النجاسة. ومن هذا يظهر الحال في غير الماء من المائعات كالأدهان

والزيوت ، لأن حكمها حكم الماء القليل كما مرّ في محله. أما الماء المضاف فهو أيضاً يتنجس بأجمعه عند ملاقاة جزء منه نجساً سواء كان قليلاً أم كثيراً ، لأن الكرية إنما هي عاصمة في الماء دون المضاف وقد تقدم كل ذلك في محله.

أما الملاقي الجامد كالثوب والأرض ونحوهما مع الرطوبة المسرية في كل من المتلاقيين أو في أحدهما فالنجاسة فيه مختصة بموضع الملاقاة منه دون جميع أجزائه ، لأنّ الجامد إما أن يكون غير الموضع الملاقي منه جافاً ، وإما أن يكون مرطوباً بالرطوبة المسرية. أما مع جفاف غير موضع الملاقاة منه فلا كلام في عدم تنجس الجميع بنجاسة جزئه ، وهذا مضافاً إلى أنه المطابق للقاعدة لأن النجس لم يلاق تمامه ، مورد للنصوص منها : صحيحة زرارة « تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها » (1).

وأمّا إذا كان بقيّة أجزائه رطباً برطوبة غير مسرية ، فلظهور أن الملاقاة مع النجس مختصة بموضع منه فلا موجب لتنجس الجميع وإن كانت فيه رطوبة ، إلاّ أنّ الرطوبة غير المسرية في حكم الجفاف حيث إنها غير معدودة من الجواهر ، والعرض لا يتنجّس كما أنه لا ينجّس لعدم كون العرض ماءً ولا غيره من النجاسات والمتنجسات ، وهذا كله ظاهر.

وإنما الكلام فيما إذا كان الملاقي الجامد رطباً برطوبة مسرية كالأرض الممطورة بعد انقطاع المطر فهل يحكم بنجاسة الجميع إذا لاقى جزء منه النجس نظراً إلى اتصال أجزائه ورطوبتها ، فاذا تنجس جزء منه يتنجس جزؤه المتصل به بملاقاته وهو يلاقي الجزء الثالث المتصل به فينجسه وهكذا إلى أن تنتهي أجزاؤه ، أو أن المتنجس إنما هو خصوص الموضع الملاقي منه للنجس دون بقية أجزائه وإن كانت مشتملة على رطوبة مسرية؟ الثاني هو الصحيح لأن الظاهر أن الاتصال بما أنه كذلك لا يكفي في الحكم بالنجاسة لعدم كونه موضوعاً لها ، إذ الموضوع المترتب عليه التنجس هو الإصابة


1) الوسائل 3 : 402 / أبواب النجاسات ب 7 ح 2.

نعم ، لا ينجس العالي بملاقاة السافل إذا كان جارياً من العالي (1) ، بل لا ينجس


والملاقاة ، وإصابة النجس وملاقاته مختصتان بجزء من الجامد وغير متحققتين في الجميع ، ولم يقم دليل على أن الاتصال يوجب النجاسة. نعم ، لو انفصل جزء من ذلك الجامد ثم اتصل بالموضع المتنجس منه يحكم بنجاسة ذلك الجزء لصدق إصابة النجس وملاقاته بالاتصال ، كما إذا أخذنا مقداراً من الطين ثم ألقيناه على الموضع المتنجس منه ، لصدق أنه لاقى نجساً وأصابه. ففرق واضح بين الاتصال قبل تنجس موضع من الجسم وبين الاتصال بعد تنجسه ، والفارق هو الصدق العرفي فإن الملاقاة والإصابة تصدقان في الثاني دون الأوّل ، هذا.

بل يمكن دعوى القطع بعدم تنجس تمام الجسم الجامد بتنجس بعضه ، وذلك لاستلزامه الحكم بنجاسة جميع البلد بسطوحه ودوره وأرضه إذا كانت مبتلّة بالمطر مثلاً وقد بال أحد في جانب من البلد وهو مقطوع العدم ، فالاتصال غير كاف في الحكم بنجاسة الجسم ، وقد خرجنا عن ذلك في الماء والدهن ونحوهما من المائعات للدليل ، حيث قلنا بانفعال جميع أجزائها إذا أصابت النجاسة طرفاً منها لأن الاتصال مساوق للوحدة وهو ماء أو مائع واحد لاقاه نجس فيتنجس لا محالة.

(1) بمعنى أن ما ذكرناه من الحكم بنجاسة جميع الماء القليل بملاقاة جزء منه نجساً يختص بما إذا كان واقفاً ، وأما إذا كان جارياً من الأعلى إلى الأسفل وكان النجس أسفلهما فلا يحكم بنجاسة السطح العالي بملاقاته ، فلو صبّ ماء من الإبريق على يد الكافر مثلاً لا يحكم بنجاسة الماء الموجود في الإبريق بتنجس السافل منه حيث لاقى يد الكافر هذا.

بل ذكرنا في مبحث المياه أن المناط والاعتبار إنما هما بخروج الماء بقوّة ودفع ولا يعتبر في عدم انفعال الماء أن يكون عالياً ، بل لو كان أسفل من الماء المتنجِّس أيضاً لا يحكم بنجاسته إذا خرج بقوّة ودفع وهذا كما في الفوّارات ، لأنّ تنجّس العالي في مثلها غير مستلزم لتنجس أسفله حيث إنّ القوة والدفع توجبان التعدّد عرفاً. ولا يفرق في ذلك بين الماء وغيره من المائعات ، وقد تقدّم هذا كلّه سابقاً وإنما أشرنا إليه في المقام تبعاً للماتن قدس سره .

السافل بملاقاة العالي إذا كان جارياً من السافل كالفوّارة ، من غير فرق في ذلك بين الماء وغيره من المائعات. وإن كان الملاقي جامداً اختصت النجاسة بموضع الملاقاة سواء كان يابساً كالثوب اليابس إذا لاقت النجاسة جزءاً منه ، أو رطباً كما في الثوب المرطوب أو الأرض المرطوبة ، فإنه إذا وصلت النجاسة إلى جزء من الأرض أو الثوب لا يتنجّس ما يتّصل به وإن كان فيه رطوبة مسرية ، بل النجاسة مختصة بموضع الملاقاة ، ومن هذا القبيل الدهن والدبس الجامدان ، نعم لو انفصل ذلك الجزء المجاور ثم اتصل تنجس موضع الملاقاة منه ، فالاتصال قبل الملاقاة لا يؤثر في النجاسة والسراية بخلاف الاتصال بعد الملاقاة. وعلى ما ذكر فالبطِّيخ والخيار ونحوهما مما فيه رطوبة مسرية إذا لاقت النجاسة جزءاً منها لا تتنجس البقيّة ، بل يكفي غسل موضع الملاقاة إلاّ إذا انفصل بعد الملاقاة ثم اتصل.

[229] مسألة 1 : إذا شك في رطوبة أحد المتلاقيين ، أو علم وجودها وشك في سرايتها لم يحكم بالنجاسة (1) وأما إذا علم سبق وجود المسرية وشك في بقائها فالأحوط الاجتناب وإن كان الحكم بعدم النجاسة لا يخلو عن وجه (1)(2).


(1) إذا شككنا في ملاقاة شي‌ء للنجس أو علمنا بملاقاتهما وشككنا في وجود الرطوبة فيهما أو في أحدهما أو علمنا بها أيضاً وشككنا في كونها مسرية ففي جميع ذلك يحكم بطهارته ، لعدم العلم بتحقّق الموضوع للحكم بالنجاسة ومع الشك قاعدة الطهارة محكّمة.

(2) يبتني جريان الاستصحاب في بقاء الرطوبة المسرية لإثبات نجاسة الملاقي على تحقيق أنّ الموضوع في الحكم بنجاسته ما هو؟ فان قلنا أنّ موضوعه السراية كما قدّمناه آنفاً وقلنا إنّ اعتبارها هو الأظهر لأنه الذي يقتضيه الارتكاز العرفي وما أسبقنا ذكر قدس سرهما من الأخبار فلا يمكننا استصحاب بقاء الرطوبة لإثبات سرايتها إلى الملاقي إلاّ على القول بالأُصول المثبتة ، وحيث إن السراية غير ثابتة فلا يمكننا الحكم بنجاسة الملاقي بالاستصحاب.


1) (*) هذا الوجه هو الأظهر.

[230] مسألة 2 : الذباب الواقع على النجس الرطب إذا وقع على ثوب أو بدن شخص ، وإن كان فيهما رطوبة مسرية لا يحكم بنجاسته إذا لم يعلم مصاحبته لعين النجس ، ومجرد وقوعه لا يستلزم نجاسة رجله لاحتمال كونها مما لا تقبلها (1)، وعلى فرضه فزوال العين يكفي (2)في طهارة الحيوانات (1).


وأمّا إذا قلنا إن موضوع الحكم بنجاسته عبارة عن ملاقاته مع النجس أو المتنجس حال رطوبتهما أو رطوبة أحدهما فلا مانع من استصحاب بقاء الرطوبة حينئذ ، فإنّ ملاقاتهما محرزة بالوجدان فإذا أثبتنا رطوبتهما أو رطوبة أحدهما بالاستصحاب فلا محالة يتحقّق الموضوع للحكم بنجاسة الملاقي. وأما إذا شككنا في ذلك ولم ندر أن الموضوع في الحكم بنجاسته هو السراية أو الملاقاة مع رطوبة أحدهما ، فأيضاً لا مجال لإجراء الاستصحاب في المقام للشك في أن بقاء الرطوبة يترتّب عليه أثر أو لا أثر له ، ولا مناص معه من الرجوع إلى قاعدة الطهارة وهي تقتضي الحكم بطهارة الملاقي في مفروض المسألة. وقد ظهر من ذلك أن الاحتياط في كلام الماتن استحبابي ، وأن الوجه في قوله : « إن الحكم بعدم النجاسة لا يخلو عن وجه » هو الأظهر الوجيه كما أشرنا إليه في تعليقاتنا على المتن.

(1) قد حكم قدس سره بطهارة ما لاقاه الذباب ونحوه من الحيوانات الملاقية مع النجس الرطب بقاعدة الطهارة ، لاحتمال أن لا يتأثر بدن الحيوان بالنجاسة ولا يقبل الرطوبة من النجس كما قيل بذلك في الزئبق ونحوه ، أو من جهة أن زوال عين النجس مطهّر لبدنه كما يأتي في محلِّه (3). وتفصيل الكلام في المقام : أنه لا ينبغي التأمل في أن زوال العين عن بدن الحيوان كاف في الحكم بطهارته من غير حاجة في ذلك إلى عروض أي مطهّر عليه ، وذلك لأن أكثر الحيوانات بل جميعها مما نعلم بنجاسته ولو حين ولادته بدم النفاس ، ومع القطع بعدم طرو أي مطهّر عليه ولا سيما في


1) (*) هذا الاحتمال خلاف الوجدان.

2) (**) لا تبعد كفاية احتمال الزوال أيضاً لإطلاق النص.

3) المسألة [385] ( العاشر من المطهرات ).

الصحاري والقفار لقلة الماء وعزّته يعامل معه معاملة الأعيان الطاهرة بعد زوال العين عنه ، فطهارة بدن الحيوان بعد زوال العين مما لا ريب فيه.

ثم إن الشك في تنجس ما وقع عليه مثل الذباب في مفروض المسألة من ثوب أو بدن ونحوهما ، قد يكون مستنداً إلى الشك في السراية من جهة الشك في رطوبة الجسم الملاقي أو الشك في بقاء الرطوبة النجسة في رجل الذباب مثلاً ، حيث علمنا بوقوعه على النجس الرطب وقد كانت رجله مشتملة على عين النجس ورطوبتها يقيناً ، إلاّ أنّا نشك في بقائها فيما إذا طار عن العين النجسة ووقع على الثوب أو البدن الجاف أو الرطب بغير رطوبة مسرية ، ففي مثل ذلك لا يحكم بنجاسة ما وقع عليه الذباب مثلاً باستصحاب بقاء الرطوبة ، لما عرفت من أنه لا يثبت سراية النجاسة إلى الملاقي إلاّ على القول بالأصل المثبت. ولا يفرق في ذلك بين القول بتنجس بدن الحيوان وطهارته بزوال العين عنه وبين القول بعدم تنجسه من الابتداء.

وقد يستند إلى الشك في بقاء العين النجسة أو المتنجسة في رجل الذباب مثلاً مع العلم برطوبة الشي‌ء الذي وقع عليه الذباب كالماء أو الثوب أو البدن الرطبين ونحوها مما نعلم أن فيه رطوبة مسرية ، ويفصّل في هذه الصورة بين ما إذا قلنا بتنجس بدن الحيوان وطهارته بزوال العين عنه ، وبين ما إذا قلنا بعدم تنجسه من الابتداء ، فإنه على الأوّل قد علمنا بنجاسة رجل الذباب في المثال وقد فرضنا أنه لاقاه ماء أو ثوب فيه رطوبة مسرية بالوجدان فلا مناص معه من الحكم بنجاستهما ، ومجرّد الشك في زوال النجاسة عنه لا يوجب الحكم بطهارة الملاقي بل يحكم ببقائها وعدم زوال النجاسة عن الحيوان بالاستصحاب. وأما على الثاني فلا يمكننا الحكم بنجاسة ملاقي بدن الحيوان ، لعدم نجاسة بدنه على الفرض. وأما اشتماله على عين النجس فهو وإن كان قطعياً في زمان إلاّ أن استصحاب بقائها على بدنه إلى حين ملاقاته الماء أو الثوب لا يثبت أنه لاقى النجس للشك في أنه لاقى رجل الذباب أو لاقى العين النجسة الموجودة على رجله ، فالتعبد ببقاء العين على رجله لا يثبت ملاقاة الماء أو الثوب مع النجس إلاّ على القول بالأصل المثبت.

وبعبارة واضحة الموضوع المعلوم في الخارج وهو ملاقاة الماء لرجل الذباب مثلاً

لا أثر له ، إذ المفروض أن بدن الحيوان لا ينجس ، وما هو موضوع الأثر وهو ملاقاة الماء مع العين الملاقية لرجل الذباب لم يحرز إلاّ على القول بالأصل المثبت ، فإذن لا يحكم بنجاسة الماء.

والتفصيل بذلك هو الذي ذهب إليه المشهور وهو الوجه المؤيد المنصور ، إلاّ أنه قد يقال بعدم نجاسة ملاقي الحيوان مطلقاً ولو على القول بتنجس بدنه وذلك لعدم جريان الاستصحاب في الحيوان نفسه ، لأن زوال العين مطهّر للحيوان على الفرض فنجاسة بدنه إنما هي ما دام لم تزل عنه عين النجس ، فلو حكمنا بنجاسة ملاقي الحيوان حينئذ مع الشك في بقاء العين وزوالها فهو من جهة استصحاب بقاء العين النجسة وعدم زوالها عن بدنه ، ولكن الاستصحاب غير جار لأنّ الأُصول العملية التي منها الاستصحاب يعتبر في جريانها أن يترتب عليها أثر عملي كما هو مقتضى كونها أصلاً عملياً ولا أثر لنجاسة بدن الحيوان في المقام ، لأن الملاقي إنما يلاقي العين النجسة قبل أن يلاقي الحيوان بزمان فالأثر الذي هو نجاسة الملاقي مستند إلى ملاقاة نفس العين النجسة لا إلى ملاقاة عضو الحيوان ليستصحب نجاسته.

ولا يخفى فساده وذلك لأن هذا القائل إن أراد أن الحكم بالنجاسة في ظرف اليقين ببقاء العين لا أثر له فإن نجاسة الملاقي يستند إلى ملاقاة العين لا إلى ملاقاة المحل فيردّه : أن للنجاسة أحكاماً أُخر غير نجاسة الملاقي فلا مانع من الحكم بها من جهة تلك الآثار ، ومع ذلك لا مانع من الاستصحاب والحكم بنجاسة الملاقي بقاءً ، ولا يعتبر في جريان الاستصحاب أن يكون الأثر أثراً للمتيقن حدوثاً بل يكفي أن يكون أثراً له بقاءً. وإن أراد أن الاستصحاب لا يترتب عليه الحكم بنجاسة الملاقي ، فإن العين إذا كانت باقية فنجاسة الملاقي مستندة إلى ملاقاتها ، وإن لم تكن باقية فالمحل طاهر ولا أثر لملاقاته فبالنتيجة نعلم وجداناً بعدم تنجس الملاقي بملاقاة المحل فكيف يمكن الحكم به بالتعبد ببقاء نجاسة المحل ، فيرد عليه : أن الحكم بنجاسة الملاقي ليس مسبباً ومعلولاً للملاقاة ونجاسة الملاقي بأن يكون حكماً شرعيّاً مترشحاً من موضوع خارجي أو من حكم شرعي آخر ، فإن الأحكام الشرعية كلّها اعتبارات خاصّة لا تنشأ إلاّ من إرادة من بيده الاعتبار ويستحيل أن تنشأ من أمر تكويني أو من اعتبار

تشريعي ، وعليه فالحكم بنجاسة الملاقي إنما يترتب على الملاقاة الخارجية وعلى نجاسة ما لاقاه ترتّب الحكم على موضوعه لا ترتّب المعلول على علّته ، ومعه لا يضر بالاستصحاب العلم بنجاسة الملاقي قبل أن يلاقي ما حكم بنجاسته بالتعبد على تقدير نجاسته واقعاً ، وذلك كما إذا علمنا بطهارة جسم بعينه وبنجاسة جسم آخر كذلك ثم علمنا إجمالاً بعدم بقائهما على ما كانا عليه فاما أن الجسم الطاهر قد تنجس أو أن النجس قد طهر فإنه حينئذ لا إشكال في جريان الاستصحاب في كل منهما فيحكم بطهارة ما كان طاهراً وبنجاسة ما كان نجساً ، ثم إذا لاقى الجسم المحكوم بطهارته ما حكم بنجاسته فلا ينبغي الشك في الحكم بنجاسته ، مع أنّا نعلم أنه لم يتنجس من قِبَل هذه الملاقاة إذ المفروض أنّا نعلم أنه إما كان نجساً قبل الملاقاة أو أن ما لاقاه طاهر ، وليس ذلك إلاّ من جهة ما ذكرناه من أنه لا تأثير ولا تأثر في الأحكام الشرعية وإنما هي اعتبارات شرعية تترتب على الأُمور الخارجية ترتب الأحكام على موضوعاتها لا ترتّب المعاليل على عللها.

فالمتحصل : أنّ ما ذهب إليه المشهور من التفصيل بين المسلكين والحكم بجريان استصحاب النجاسة على الأول هو الصحيح. هذا كله حسبما تقتضيه القاعدة في نفسها إلاّ أنّا لا نقول باستصحاب النجاسة على كلا المسلكين نظراً إلى النصوص الواردة في المسألة وهي كثيرة : منها ما ورد من نفي البأس عن التوضؤ أو الشرب مما شرب منه باز أو صقر أو نحوهما من جوارح الطيور فيما إذا لم ير في منقارها دم (1). ومنها : ما ورد من نفي البأس عن الصلاة في ثوب وقع عليه الدود من الكنيف إلاّ أن يرى فيه أثر (2). ومنها غير ذلك من الأخبار ، حيث إن موردها بعينه ما نحن بصدده للقطع بنجاسة الدود قبل خروجه من الكنيف إلاّ أنه علیه السلام حكم بطهارته ما دام لم ير فيها عين النجس فالحكم بنجاسته منوط برؤية العين فيه ، وأما مع الشك في بقائها على الحيوان وعدمه فلا بدّ من الحكم بطهارته ، لأنّ الاستصحاب إنما يقوم مقام العلم بما أنه علم كاشف ولا يقوم مقام الرؤية التي هي بمعنى العلم الوجداني


1) كموثقة عمّار المرويّة في الوسائل 1 : 230 / أبواب الأسآر ب 4 ح 2 ، 4.

2) وهو صحيحة علي بن جعفر المرويّة في الوسائل 3 : 526 / أبواب النجاسات ب 80 ح 1.

حيث إنه الظاهر منها بعد القطع بعدم مدخلية خصوص الرؤية في الحكم بنجاسته ، إذ لو علم بها علماً وجدانياً ولو من غير طريق الرؤية كما إذا علم بها باللّمس في اللّيل المظلم أيضاً يحكم بنجاسته ، وحيث إنه قد أُخذ في موضوع الحكم بما أنه صفة وجدانية فلا يقوم الاستصحاب مقامه ، ومعه لا بد من الحكم بطهارة الحيوان عند الشك في بقاء العين على بدنه وزوالها عنه بلا فرق في ذلك بين القول بعدم تنجس الحيوان من الابتداء وبين القول بتنجسه وطهارته بزوال العين عنه.

هذا ، ثم لو تنزلنا عن ذلك وقلنا أن الرؤية كناية عن العلم الكاشف سواء كان وجدانياً أم تعبدياً ، أو عملنا بما ورد في بعضها من قوله علیه السلام : « وإن لم تعلم أن في منقارها قذراً توضأ منه واشرب » (1)وقلنا إنّ المراد بالعلم فيها أعم من الوجداني والتعبّدي كما في قوله علیه السلام : « كل شي‌ء نظيف حتى تعلم ... » (2)وقوله علیه السلام : « كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف ... » (3)فلا مناص من الحكم بنجاسة ملاقي الحيوان بالاستصحاب لأنه يقوم مقام العلم الطريقي وبه يثبت بقاء النجاسة على بدنه بلا فرق في ذلك بين المسلكين ، فان استصحابها لا يكون مثبتاً حينئذ على القول بعدم تنجس بدن الحيوان ، وذلك لأنه إنما يكون مثبتاً فيما إذا اعتبرنا في موضوع الحكم بنجاسة الملاقي ملاقاته للعين النجسة كما هو الحال مع قطع النظر عن الأخبار ، وأما إذا قلنا إن الموضوع في الحكم بنجاسة الملاقي إنما هو ملاقاته لعضو من أعضاء الحيوان كالمنقار لأنه مقتضى الروايات المتقدِّمة ، حيث دلّت على نجاسة ما لاقاه منقار الجوارح أو غيرها مشروطاً بما إذا علمت أن في منقارها قذراً ، فلا يكون الاستصحاب مثبتاً بوجه لإحراز ما هو الموضوع بنجاسة الملاقي وهو ملاقاة المنقار مثلاً بالوجدان كما أن شرطه وهو وجود النجاسة فيه محرز بالاستصحاب. هذا ولكن الأظهر أنّ الرؤية بمعنى خصوص العلم الوجداني ومعه لا يترتّب على استصحاب بقاء النجاسة أثر على كلا المسلكين.


1) الوسائل 1 : 231 / أبواب الأسآر ب 4 ح 3.

2) كما في موثقة عمّار المروية في الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 4.

3) الوسائل 25 : 118 / أبواب الأطعمة المباحة ب 61 ح 1.

[231] مسألة 3 : إذا وقع بعر الفأر في الدهن أو الدبس الجامدين يكفي إلقاؤه وإلقاء ما حوله ولا يجب الاجتناب عن البقية ، وكذا إذا مشى الكلب على الطين ، فإنه لا يحكم بنجاسة غير موضع رجله إلاّ إذا كان وحلا (1).


(1) قد تقدّم منه قدس سره ومنّا اعتبار السراية في الحكم بنجاسة ملاقي النجس أو المتنجِّس ، وذكرنا أنه لا بد فيه من وجود الرطوبة المسرية في كليهما أو في أحدهما وأما الرطوبة المعدودة من الأعراض بالنظر العرفي فهي غير كافية في الحكم المذكور أبداً ، كما ذكرنا أن تنجس جزء من أجزاء غير المائعات لا يوجب سراية النجاسة إلى أجزائها الأُخر ولو مع الرطوبة المسرية. وإنما أعاده الماتن في المقام نظراً إلى النصوص الواردة في بعض الفروع ، وقد وردت فيما بأيدينا من المسألة عدّة نصوص ربما تبلغ ثلاث عشرة رواية ، وقد فصّل في بعضها بين الذوبان والجمود كما في حسنة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : « إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه فان كان جامداً فألقها وما يليها وكل ما بقي وإن كان ذائباً فلا تأكله واستصبح به والزيت مثل ذلك » (1)وفي بعضها التفصيل بين الزيت وغيره من السمن والعسل كما في رواية إسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سأله سعيد الأعرج السمّان وأنا حاضر عن الزيت والسمن والعسل تقع فيه الفأرة فتموت كيف يصنع به؟ قال : أما الزيت فلا تبعه إلاّ لمن تبين له فيبتاع للسراج ، وأما الأكل فلا ، وأما السمن فان كان ذائباً فهو كذلك وإن كان جامداً والفأرة في أعلاه فيؤخذ ما تحتها وما حولها ثم لا بأس به ، والعسل كذلك إن كان جامداً » (2).

والسر في تفصيلها بين الزيت وغيره أن الزيت كالماء ينصرف عند إطلاقه إلى معناه الحقيقي وهو خصوص الزيت المتخذ من الزيتون ، وإنما يحمل على غيره فيما إذا قيد بقيد كما إذا قيل زيت اللوز أو زيت الجوز وهكذا ، كما هو الحال في الماء بعينه فإنه


1) الوسائل 24 : 194 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 43 ح 2 ، وكذا في 17 : 97 / أبواب ما يكتسب به ب 6 ح 1.

2) الوسائل 17 : 98 / أبواب ما يكتسب به ب 6 ح 5.

ينصرف إلى إرادة الماء المطلق إلاّ أن يقيد بقيد كماء الرمّان أو البطيخ ونحوهما. والزيت المستحصل من الزيتون لا ينجمد في الصيف والشتاء وإن كان يرق في الصيف أكثر منه في الشتاء ، ومن هنا دلّت الرواية على نجاسته بموت الفأرة فيه من غير تفصيل ، وفصّلت في السمن والعسل بين ذوبانهما وعدمه.

وفي ثالث التفصيل بين الصيف والشتاء كما في صحيحة الحلبي ، قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الفأرة والدابة تقع في الطعام والشراب فتموت فيه ، فقال : إن كان سمناً أو عسلاً أو زيتاً فإنه ربما يكون بعض هذا ، فان كان الشتاء فانزع ما حوله وكله وإن كان الصيف فارفعه حتى تسرج به ، وإن كان برداً فاطرح الذي كان عليه ولا تترك طعامك من أجل دابّة ماتت عليه » (1)وقد أسندها شيخنا الأنصاري قدس سره إلى سعيد الأعرج (2)وهو اشتباه من قلمه الشريف كما نبهنا عليه في بحث المكاسب (3). والمراد بالصيف والشتاء فيها إنما هو التفصيل بين الذوبان والانجماد وذلك للقرينة الخارجية والداخلية : أما الخارجية فهي ظهور أن المائعات تنجمد في الشتاء كما تذوب في الصيف ، وأما القرينة الداخلية فهي قوله علیه السلام : « فانزع ما حوله » لوضوح أن النزع لا يمكن إلاّ فيما له صلابة وانجماد فمن ذلك يظهر أن مراده علیه السلام هو التفصيل بين الذوبان والانجماد. وأما ما في ذيلها أعني قوله علیه السلام : « وإن كان برداً فاطرح الذي كان عليه » فلعله تأكيد لما أمر به في صدرها بقوله علیه السلام : « فان كان الشتاء فانزع ما حوله » ويبعّده أنه تكرار في الكلام وهو من الاستهجان بمكان. والصحيح كما في بعض النسخ هو الثرد بمعنى القطعات المبللة من الخبز بماء القدر أو غيره ، فهذه الجملة حينئذ من متفرعات ما ذكره في صدرها بقوله علیه السلام : « فان كان الشتاء فانزع ما حوله » وذلك لأنّ تنجس قطعة من القطعات المبللة بالمرق مثلاً لا يوجب تنجس الجميع


1) الوسائل 24 : 195 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 43 ح 3.

2) المكاسب : 1 : 66.

3) مصباح الفقاهة 1 : 146.

والمناط في الجمود والميعان أنه لو أُخِذَ منه شي‌ء فان بقي مكانه خالياً حين الأخذ وإن امتلأ بعد ذلك فهو جامد ، وإن لم يبق خالياً أصلاً فهو مائع (1).

[232] مسألة 4 : إذا لاقت النجاسة جزءاً من البدن المتعرق لا يسري (2) إلى سائر إجزائه إلاّ مع جريان العرق.

[233] مسألة 5 : إذا وضع إبريق مملوء ماء على الأرض النجسة وكان في أسفله ثقب يخرج منه الماء ، فان كان لا يقف تحته بل ينفذ في الأرض أو يجري


لخروجه من الميعان إلى الانجماد بإلقاء القطعات فيه ، بل إنما يؤخذ عنه تلك القطعة المتنجسة بخصوصها ويؤكل الباقي.

وكيف كان ، فقد دلتنا هذه الأخبار على أن المائع إذا جمد ووقع فيه شي‌ء من النجاسات أو المتنجسات فيؤخذ منه ما حول النجس دون بقية أجزائه ، وكذلك الحال في الجوامد بالأصالة كالأرض الرطبة إذا مشى عليها الكلب مثلاً فإنه لا ينجس منه إلاّ خصوص موضع الملاقاة وهو موضع قدم الكلب لا جميعه ولو مع الرطوبة المسرية ، اللّهمّ إلاّ أن يدخل في المائعات كما إذا كان وحلاً فانّ وقوع النجاسة فيه يوجب تنجس الجميع كما هو الحال في جميع المائعات على ما قدّمناه سابقاً لدلالة الأخبار ، بل لولاها أيضاً كنّا نلتزم به لأنه المرتكز العرفي في أذهاننا.

(1) ليس المراد بالجامد ما بلغت صلابته صلابة الحجر لأنه لا يتّفق في العسل والسمن المذكورين في الروايات ، بل المراد به كما هو المتفاهم العرفي عند إطلاقه هو ما لا يسري أجزاؤه ولا تميل إلى المكان الخالي منه بسرعة بأخذ مقدار من أجزائه وإن مالت إليه وتساوت سطوحه شيئاً فشيئاً ، ويقابله المائع وهو الذي إذا أُخذ منه شي‌ء مالت أجزاؤه إلى المكان الخالي منه بسرعة.

(2) لما تقدّم من أن الجوامد لا تسري نجاسة جزء منها إلى جميع أجزائها ولو مع الرطوبة المسرية ، اللّهمّ إلاّ أن يسيل العرق من الموضع المتنجس ، لأنه يوجب نجاسة كل ما أصابه.

عليها فلا يتنجّس ما في الإبريق من الماء(1) ، وإن وقف الماء بحيث يصدق اتحاده مع ما في الإبريق بسبب الثقب تنجّس (1)وهكذا الكوز والكأس والحب ونحوها.

[234] مسألة 6 : إذا خرج من أنفه نخاعة غليظة وكان عليها نقطة من الدم لم يحكم بنجاسة ما عدا محله من سائر أجزائها فاذا شك في ملاقاة تلك النقطة لظاهر الأنف لا يجب غسله ، وكذا الحال في البلغم الخارج من الحلق (2).

[235] مسألة 7 : الثوب أو الفرش الملطّخ بالتراب النجس يكفيه نفضه ولا يجب غسله ولا يضر احتمال بقاء شي‌ء منه بعد العلم بزوال القدر المتيقن (3).


(1) لما مر من أن القوة والدفع يوجبان تعدد الماء عرفاً ، فإذا كان الماء الخارج من الثقب جارياً على وجه الأرض أو نافذاً فيها كما في الأراضي الرخوة أو الرملية فيكون خروجه من الثقب بقوّة ودفع مانعاً عن سراية النجاسة من الماء الخارج إلى داخل الكوز أو الإبريق ، لأنهما ماءان متعدِّدان بالنظر العرفي ونجاسة أحدهما غير مستلزمة لنجاسة الآخر. وأما إذا لم يكن الماء الخارج جارياً على وجه الأرض ولا نافذاً فيها بل كان مجتمعاً حول الإبريق أو الكوز ، فلا مناص من الحكم بتنجس الماء الموجود فيهما وذلك لسقوط الماء الخارج حينئذ من القوة والدفع ، وحيث إن الماءين متحدان لاتصالهما بالثقب فتسري نجاسة أحدهما إلى الآخر لا محالة. ولعل ما ذكرناه هو مراد الماتن قدس سره من قوله : « وإن وقف الماء ». وذلك لوضوح أن وقوف الماء الخارج من الكوز أو الإبريق في مكان آخر بعيد عنهما غير مستلزم لتنجس الماء في داخلهما ، لأنّ الماء الخارج لا يسقط بذلك عن القوة والدفع.

(2) لما بيّناه في المسائل المتقدِّمة فليراجع.

(3) قد أسبقنا أن من شرائط تنجس ملاقي النجس أن تكون فيهما أو في أحدهما رطوبة مسرية ، وعلى هذا إذا أصابت الفرش أو الثوب أجزاء ترابية متنجسة أو أجزاء العذرة اليابسة ولم تكن في شي‌ء من المتلاقيين رطوبة مسرية لم يحكم بنجاسة


1) (*) تقدّم أنّ العبرة في الانفعال وعدمه بالدفع وعدمه.

الملاقي كالثوب والفرش ونحوهما فلا يجب غسله. نعم ، لا بد من نفضه وإخراج الأجزاء النجسة أو المتنجسة الموجودة فيه. وهذا الذي أفاده قدس سره مضافاً إلى أنه مقتضى القاعدة على ما طبقناها آنفاً مما دلّ عليه النص الصحيح ، فروى علي ابن جعفر في كتابه عن أخيه علیه السلام « عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة فتهب الريح فتسفي عليه من العذرة فيصيب ثوبه ورأسه ، يصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال : نعم ينفضه ويصلي فلا بأس » (1).

هذا وينبغي أن ننبِّه على أمرين : أحدهما : أنه لو قلنا بجواز حمل النجس في الصلاة لقلنا بجواز الصلاة في الثوب المتلطخ بأجزاء العذرة اليابسة من غير حاجة إلى نفضه لو لا الصحيحة المتقدِّمة لأن الثوب غير متنجس على الفرض وإنما هو حامل للأجزاء النجسة ، وقد بيّنا أن حمل النجس غير مانع عن الصلاة إلاّ أن الصحيحة دلتنا على عدم جواز الصلاة في مثله وأن حمل النجس بتلك الكيفية مانع عنها وكأنه من الصلاة في النجس ولا مناص من الأخذ بظاهرها وهو اعتبار النفض في الصلاة في مثل الثوب المتلطخ بأجزاء العذرة ونحوها ومانعية حمل النجس في الصلاة ، إلاّ أنه لا بدّ من الاقتصار في ذلك على موردها وهو حمل النجس بالكيفية الواردة في الصحيحة.

وثانيهما : أن الشك في بقاء الأجزاء النجسة أو المتنجسة في الثوب مثلاً بعد نفضه يتصوّر على وجهين : أحدهما : أن يشك في مقدار الأجزاء النجسة أو المتنجسة الطارية عليه ، وهل هي المقدار الخارج منه بنفضه أو أنها أكثر من المقدار الخارج وبقي مقدار منها في الثوب ، ففي هذه الصورة لا يمكن الرجوع إلى استصحاب بقائها لأن الزائد مشكوك التحقّق من الابتداء فيكون الاستصحاب معه من القسم الثالث من الكلي وقد برهنا في محله على عدم جريان الاستصحاب فيه. وثانيهما : ما إذا علمنا بطرو مقدار معيّن من الأجزاء النجسة على الثوب ونفرضه مثقالين مثلاً وبعد نفضه نشك في خروج ذلك المقدار المعلوم العروض وعدمه للشك في أن الخارج بمقدار مثقالين أو أقل ، وهل يجري استصحاب بقاء المقدار المعلوم من الأجزاء النجسة أو


1) الوسائل 3 : 443 / أبواب النجاسات ب 26 ح 12.

[236] مسألة 8 : لا يكفي مجرد الميعان في التنجس ، بل يعتبر أن يكون مما يقبل التأثر وبعبارة اخرى يعتبر وجود الرطوبة في أحد المتلاقيين ، فالزئبق إذا وُضِعَ في ظرف نجس لا رطوبة له لا يتنجّس وإن كان مائعاً ، وكذا إذا اذيب الذهب أو غيره من الفلزات في بوتقة نجسة أو صب بعد الذوب في ظرف نجس لا يتنجّس إلاّ مع رطوبة الظرف أو وصول رطوبة نجسة إليه من الخارج (1).


المتنجِّسة في الثوب؟

فيه تفصيل وذلك لأن الأثر المترتب على وجود تلك الأجزاء في الثوب مثلاً أمران : أحدهما : الحكم بنجاسة ملاقي الثوب ونحوه إذا كان رطباً كاليد الرطبة أو الماء القليل كما إذا ألقينا الثوب في حبّ من الماء. وثانيهما : بطلان الصلاة فيه لأنه حامل للنجس وحمله بتلك الكيفية مبطل لها. أما بالإضافة إلى الأمر الأوّل فلا يمكن استصحاب بقاء الأجزاء النجسة في الثوب لأجل الحكم بنجاسة ملاقيه الرطب وذلك لأن المقدار المتيقن إنما هو ملاقاة الثوب للماء مثلاً ، وهي غير موجبة للحكم بنجاسة الماء لعدم نجاسة الثوب على الفرض ، وإنما الموجب للحكم بنجاسة الماء هو ملاقاة الأجزاء النجسة الطارئة على الثوب ، إلاّ أن استصحاب بقائها لا يثبت أنها لاقت الماء إلاّ على القول بالأصل المثبت ، فالاستصحاب بالإضافة إلى هذا الأثر غير جار سواء أدرجناه تحت القسم الثالث من الكلي أم تحت غيره. وأما بالإضافة إلى الأثر الثاني فلا مانع من استصحاب بقاء الأجزاء النجسة في الثوب لأن المفروض ان الثوب الحامل للنجاسة بتلك الكيفية محكوم ببطلان الصلاة فيه ، فاذا شككنا في بقائه على وصفه يجري استصحاب بقائه على الأوصاف السابقة وبه يحكم ببطلان الصلاة الواقعة فيه.

(1) قد عرفت أن المائع إذا لاقى نجساً يحكم بنجاسته لأنه مرطوب برطوبة مسرية ، ومعها لا حاجة إلى اعتبار رطوبة النجس في نجاسة ملاقية إلاّ أن هذا يختص بالمائع الرطب ، وأما المائع الجاف الذي لا يؤثر في ملاقيه كما لا يتأثر منه كالزئبق ونحوه فملاقاته النجس أو المتنجس اليابس لا يقتضي نجاسته وإن كان مائعاً ، كما إذا وضعناه على ظرف يابس متنجس فإنه لا يتأثر بذلك ولا ينتقل شي‌ء من أجزائه إلى

[237] مسألة 9 : المتنجِّس لا يتنجّس ثانياً ولو بنجاسة أُخرى ، لكن إذا اختلف حكمهما يرتب كلاهما فلو كان لملاقي البول حكم ولملاقي العذرة حكم آخر يجب ترتيبهما معاً ، ولذا لو لاقى الثوب دمٌ ثم لاقاه البول يجب غسله مرّتين ، وإن لم يتنجس بالبول بعد تنجسه بالدم وقلنا بكفاية المرة في الدم. وكذا إذا كان في إناء ماء نجس ثم ولغ فيه الكلب يجب تعفيره وإن لم يتنجّس بالولوغ. ويحتمل أن يكون للنجاسة مراتب في الشدّة والضعف ، وعليه فيكون كل منهما مؤثراً ولا إشكال (1).


الظرف ، فحكم المائعات اليابسة حكم الجوامد اليابسة ، ونظيره الفلزات المذابة كالذهب والفضّة والنحاس ونحوها لأنها إذا صُبّت في ظرف نجس كالبوتقة النجسة لا يحكم بتنجسها لأنها مائع جاف لا يؤثر في الأشياء اليابسة ولا يتأثر منها ، ومع عدم السراية والرطوبة لا يحكم بنجاستها. نعم ، إذا فرضنا أن الزئبق أو الفلز المذاب لاقى نجساً أو متنجِّساً وهو رطب ، كالدهن المتنجس المصبوب في البوتقة كما يستعمل في الصياغة فإنه يحكم بتنجّس الزئبق أو الفلز لتأثرهما من النجس أو المتنجِّس الرطبين.

ثم إنّها إذا تنجست فقد نقطع أن النجاسة إنما أثّرت في سطحها الظاهر فقط فحينئذ إذا غسلنا سطحها طهرت كغيرها من المتنجسات ، وقد نعلم أن النجاسة أثّرت في جميع أجزاء الفلز الداخلية منها والخارجية لتصاعدها وتنازلها حال إذابتها فإنه قد تسري النجاسة بذلك إلى الجميع فيشكل تطهيرها حينئذ ، لعدم إمكان إيصال المطّهر إلى كل واحد من الأجزاء الظاهرية والداخلية فلا مناص من أن تبقى على نجاستها إلى الأبد. وعلى الجملة أن الفلز حال ذوبانه إذا أمكن أن يتنجس بمثل الدهن أو البول ونحوهما يخرج بذلك عن قابلية الطهارة إلى الأبد ، وأظهر من ذلك ما لو تنجّس الفلز أوّلاً ثم اذيب ، لأنّ الذوبان في مثله يوجب سراية النجاسة إلى باطنه وبه يسقط عن قابلية الطهارة كما عرفت.

(1) الكلام في هذه المسألة في أن الاشكال الذي كان يرد على كلامه إذا أنكرنا

تعدّد المراتب للنجاسة بحسب الشدة والضعف ، ولا يرد عليه إذا قلنا به أي شي‌ء؟ وليعلم قبل ذلك أن البحث عن أصالة عدم التداخل أجنبي عن مسألتنا هذه بتاتاً وذلك لأن البحث عن عدم التداخل يختص بما إذا كانت الأوامر مولوية ولكل واحد منها شرط أو موضوع ، كما إذا ورد : إن ظاهرت فكفّر وإن أفطرت فكفر ، فيقال حينئذ إن ظاهر كل شرط أنه سبب مستقل في استتباعه الحكم المترتب عليه ، وحيث إنّ الشي‌ء الواحد لا معنى للبعث نحوه ببعثين فلا مناص من تقييد متعلق كل من الأمرين بفرد دون فرد آخر ويقال إن ظاهرت يجب عليك فرد من الكفارة وإن أفطرت يجب عليك فرد آخر منها ، وأما إذا كانت الأوامر إرشادية فلا شرط ولا حكم فيها حتى يقال إنّ ظاهر كل من الشرطين أنه سبب مستقل يستدعي حكماً باستقلاله ، ولاستحالة البعث إلى شي‌ء واحد مرّتين لا بدّ من تقييد متعلقهما بفرد غير الفرد الآخر ، وهذا لوضوح أنه لا بعث في الإرشاد ، والقول بعدم التداخل نتيجة استحالة البعث نحو الشي‌ء مرتين ، إذ الإرشاد في الحقيقة كالاخبار ولا مانع من حكاية شي‌ء واحد مرتين ، وهذا كما في قوله علیه السلام : « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (1)لأنه إرشاد إلى أمرين : أحدهما : نجاسة أبوال ما لا يؤكل لحمه ونجاسة ملاقيها. وثانيهما : عدم ارتفاع نجاستها بغير الغسل ، فلو فرضنا أن مثله ورد في نجس آخر كما إذا ورد اغسل ثوبك من الدم مثلاً فإنه أيضاً يكون إرشاداً إلى الأمرين المتقدِّمين ، ففي موارد اجتماعهما كما إذا أصاب كل منهما الثوب أمران إرشاديان إلى نجاسة ملاقي كل من النجسين ولا محذور في اجتماعهما ، حيث لا بعث كي لا يجتمع اثنان منه في مورد واحد ، وإنما حالهما حال الحكاية كما عرفت ، وما أشبههما بالإخبار عن التقذر بالقذارة الخارجية ، كما إذا ورد نظِّف ثوبك من وساخة التراب وورد نظِّف ثوبك من وساخة الرماد ، فهل يتوهّم أحد أنّ الثوب المشتمل على كلتا الوساختين لا بدّ من تنظيفه مرّتين ولا يكفي تنظيفه مرّة واحدة ، فالمتحصل أنّ المسألة أجنبية عن أصالة عدم التداخل بالكلية.


1) كما في حسنة عبد اللّه بن سنان المروية في الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2.

[238] مسألة 10 : إذا تنجّس الثوب مثلاً بالدم مما يكفي فيه غسله مرّة وشكّ في ملاقاته للبول أيضاً مما يحتاج إلى التعدّد ، يكتفى فيه بالمرّة ويبنى على


وإذا تحقّقت ذلك فلنرجع إلى ما كنّا بصدده فنقول : الاشكال المتوجِّه على كلام الماتن قدس سره هو أنه بنى في صدر المسألة على أنّ المتنجِّس لا يتنجس ثانياً وأن الشي‌ء الواحد لا يقبل النجاسة مرّتين فكأن النجاسة الثانية لم تطرأ على الشي‌ء من الابتداء ، فمع فرض أنه لم يلاق غير نجاسة واحدة كالدم مثلاً كيف يترتّب عليه أثر كلتا النجاستين إذا اختلف حكمهما ، لأنّ مفروضنا أنّ النجاسة الثانية كأنها لم تطرأ حقيقة فما الموجب للحكم بترتيب آثارها؟ وهذه المناقشة كما ترى إنما ترد إذا بنينا على أنّ المتنجس لا يتنجّس ثانياً وأن النجاسة الثانية كالعدم حقيقة ، وأما إذا بنينا على أنّ لها مراتب بحسب الشدة والضعف وأنه لا مانع من الحكم بتنجّس المتنجِّس ثانياً بأن تكون إحدى النجاستين ضعيفة والأُخرى شديدة ، فلا يبقى للمناقشة مجال حيث لا بد حينئذ من ترتيب أثر كلتا النجاستين ، وهذا الاشكال هو الذي نفاه بقوله : « ولا إشكال » على تقدير القول بأن للنجاسة مراتب في الشدّة والضعف.

ثم لا ينبغي التأمّل في أنّ النجاسة سواء كانت مختلفة بحسب المرتبة أم لم تكن ، وسواء قلنا إنّ المتنجِّس ينجس أو لا ينجس إذا طرأت على شي‌ء واحد مرتين أو مرّات متعدِّدة اتّحد نوعها أم تعدّد لا يجب غسله إلاّ مرّة واحدة ، اللّهُمَّ إلاّ أن يكون لإحداهما أثر زائد كوجوب غسلها مرتين أو التعفير فإنه لا بدّ من ترتيب ذلك الأثر حينئذ وذلك لإطلاق دليله ، لأن مقتضى إطلاق ما دلّ على وجوب غسل البول مرّتين عدم الفرق في وجوبهما بين كونه مسبوقاً بنجاسة أُخرى أو لم يكن ، وكذلك الحال فيما دلّ على لزوم تعفير ما ولغ فيه الكلب لإطلاقه من حيث تحقق نجاسة أُخرى معه وعدمه ، وهذا هو السر في لزوم ترتيب الأثر الزائد حتى على القول بعدم تنجّس المتنجِّس ثانيا.

عدم ملاقاته للبول (1). وكذا إذا علم نجاسة إناء وشك في أنه ولغ فيه الكلب أيضاً أم لا ، لا يجب فيه التعفير ويبني على عدم تحقق الولوغ. نعم ، لو علم تنجسه إما بالبول أو الدم ، أو إما بالولوغ أو بغيره يجب إجراء حكم الأشد (1)(2)


(1) وذلك للاستصحاب ، لأنه بعد الغسل مرّة وإن كان يشك في ارتفاع النجاسة كما إذا كانت دموية وبقائها كما إذا كانت بولية ، فالفرد المعلوم المتحقق مردّد بين ما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع ، إلاّ أنه لا مجال لاستصحاب الكلِّي الجامع بينهما حتى يحكم ببقاء النجاسة بعد الغسل مرة واحدة ، وإن قلنا بجريان الاستصحاب في القسم الثاني من الكلي في محله ، وذلك لأنه إنما يجري فيما إذا لم يكن هناك أصل حاكم عليه وهو موجود في المقام ، وهذا للقطع بعدم عروض النجاسة البولية على الثوب في زمان فاذا شككنا في طروها وعدمه فمقتضى الأصل أن نجاسته باقية بحالها ولم تزد عليها نجاسة ثانية حتى يجب غسلها مرتين ، وبهذا الاستصحاب نبني على كفاية الغسل مرة واحدة في المسألة.

وبعبارة اخرى : الاستصحاب إنما يجري في القسم الثاني من الكلي فيما إذا كان الفرد الحادث من الابتداء مردداً بين الباقي والمرتفع ، وأما إذا علمنا بحدوث فرد معيّن ثم شككنا في تبدل ذلك الفرد الحادث بفرد آخر أو في طروّه مع بقاء الفرد الأوّل بحاله فلا تأمّل في أن الاستصحاب يقتضي الحكم بعدم تبدّل الفرد الحادث بغيره وعدم طرو شي‌ء زائد عليه ، وهو نظير ما يأتي في محلِّه من أن المكلف إذا كان محدثاً بالأصغر ثم شك في أنه هل أجنب ، يحكم بعدم طروء الحدث الأكبر حينئذ ويبني على أن حدثه هو الأصغر فيرتفع بالوضوء ، ولا يجري استصحاب بقاء الحدث الجامع بين ما علمنا بارتفاعه وما نعلم ببقائه (2).

(2) لاستصحاب بقاء النجاسة حتى يقطع بارتفاعها وهو من القسم الثاني من استصحاب الكلِّي إلاّ أنه يبتني على أمرين : أحدهما : القول بجريان الاستصحاب في


1) (*) لا تبعد كفاية إجراء حكم الأخف.

2) راجع المسألة [458].

من التعدّد في البول والتعفير في الولوغ.

[239] مسألة 11 : الأقوى أنّ المتنجِّس منجس (1)كالنجس (1)


الأحكام كما هو المعروف بينهم. وثانيهما : منع جريان الأصل في الأعدام الأزلية. وأما على مسلكنا من جريان الاستصحاب في العدم الأزلي فلا وجه لوجوب الغسل ثانياً أو التعفير وغيره كما هو الحال في المسألة المتقدِّمة ، وذلك لأنّا قد استفدنا من الأدلّة الواردة في تطهير المتنجسات أن طبيعي النجس يكفي في إزالته الغسل مرة ، فلا حاجة إلى الغسل المتعدِّد ولا إلى التعفير إلاّ فيما خرج بالدليل كما في البول والولوغ ونحوهما.

وعليه فنقول : الذي علمنا بحدوثه إنما هو طبيعي النجاسة الذي يكفي في إزالته الغسل مرة واحدة ، ولا ندري هل تحققت معه الخصوصية البولية أو الولوغية أم لم تتحقّق ، والأصل عدم تحقّق الخصوصية البولية ولا غيرها ، فاذا ضممنا ذلك إلى علمنا بحدوثه بالوجدان فينتج لا محالة أن الثوب متنجس بنجاسة ليست ببول ولا مستندة إلى الولوغ ، وقد عرفت أن كل نجاسة لم تكن بولاً أو ولوغية مثلاً يكتفى فيها بالغسل مرّة.

(1) قد وقع الكلام في أن المتنجس كالنجس منجّس لما لاقاه مطلقاً ولو بألف واسطة أو أن تنجيسه يختص بما إذا كان بلا واسطة ، فالمتنجس مع الواسطة غير منجس؟ أو أن المنجسية من الأحكام الثابتة على النجاسات العينية ولا يأتي في النجس بالعرض مطلقاً؟

لا ينبغي الإشكال في أن النجاسات العينية منجّسة لملاقياتها وموجبة للسراية بحيث لا تزول النجاسة الحاصلة بملاقاتها إلاّ بغسلها بالماء ، وإن ذهب المحدث الكاشاني قدس سره إلى عدم الحاجة في تطهير المتنجس إلى غسله بالماء ، وكفاية


1) (*) هذا في المتنجس الأوّل ، وأما المتنجس الثاني فإن لاقى الماء أو مائعاً آخر فلا إشكال في نجاسته به ونجاسته ما يلاقيه ، وهكذا كل ما لاقى ملاقيه من المائعات ، وأما غير المائع مما يلاقي المتنجس الثاني فضلاً عن ملاقي ملاقيه ففي نجاسته إشكال وإن كان الاجتناب أحوط.

مجرّد زوال العين في طهارته ولو بغير الماء إلاّ فيما دلّ الدليل على اعتبار غسله به (1)إلاّ أنّا أبطلنا ما ذهب إليه في محلِّه (2)وقلنا أنّ ملاقاة الأعيان النجسة بالرطوبة موجبة للسراية ، واستشهدنا عليه بما ورد في موثقة عمّار من قوله علیه السلام : « يغسل كل ما أصابه ذلك الماء » (3)أي الماء المتنجس بموت الفأرة فيه ، لأنه كاشف قطعي عن سراية النجاسة إلى ملاقي النجس وملاقي ملاقيه ، ومن هنا أمر بغسل كل ما أصابه ، فإن الغسل كما مرّ عبارة عن إزالة الأثر المتحقق في المغسول ، فلولا سراية النجاسة إليه بملاقاة النجس لم يكن معنى للأمر بإزالة الأثر حيث لا أثر بعد زوال العين حتى يغسل ويزال ولعله ظاهر.

وإنما الكلام في المتنجسات والمشهور بين المتأخرين أنها كالأعيان النجسة منجّسة مطلقاً ، واستدل لهم على ذلك بأُمور :

الأوّل : أن منجسية المتنجس أمر ظاهر يعرفه المتشرعة وجميع المسلمين من عوامهم وعلمائهم من غير اختصاصه بطائفة دون طائفة ، وعليه فمنجسية المتنجس أمر ضروري لا خلاف فيه بين المسلمين. ويدفعه : أنه إن أُريد بذلك أن تنجيس المتنجس نظير وجوب الصلاة وحرمة الخمر وغيرهما من الأحكام التي ثبتت من الدين بالضرورة المستتبع إنكارها إنكار النبوة والموجبة للحكم بكفر منكرها ففساده مما لا يحتاج إلى البيان ، لأن تنجيس المتنجس أمر نظري ولا تلازم بين إنكاره وإنكار النبوة بوجه فكيف يمكن قياسه بسائر الأحكام الضرورية من الدين.

وإن أُريد أنه أمر واضح معروف لدى المتشرعة وإن لم يصل مرتبة الضرورة الموجبة لكفر منكرها ، ففيه : أنه وإن كان معروفاً عندهم إلاّ أن ذلك لا يكشف عن ثبوته في الشريعة المقدسة ، لعدم إحراز اتصال الحكم بزمانهم علیهم السلام ، لأنّ أيّ حكم إذا أفتى به المقلَّدون في عصر واتبعهم مقلِّدوهم برهة من الزمان فلا محالة


1) مفاتيح الشرائع 1 : 75.

2) شرح العروة 2 : 25.

3) الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1.

يكون معروفاً عندهم ومغروساً في أذهانهم بحيث يزعمون أنه ضروري في الشريعة المقدّسة ، مع أنه أمر قد حدث في عصر متأخر عن عصرهم علیهم السلام . وبالجملة أن الحكم إذا لم يحرز اتصاله بزمان الأئمة علیهم السلام لا يستكشف باشتهاره أنه ثابت في الشريعة أبدا.

الثاني : أن تنجيس المتنجس إجماعي حيث أفتوا بذلك خلفاً عن سلف وعصراً بعد عصر ولم ينكر ذلك أحد. والجواب عنه أولاً : أن دعوى الإجماع في المسألة إنما تتم لو قلنا بحجيته بقاعدة اللطف كما اعتمد عليها الشيخ قدس سره فان الحكم بتنجيس المتنجس قد وقع الاتفاق عليه في عصر مثلاً ولم يظهر خلافه الإمام علیه السلام في ذلك العصر فمنه يستكشف أنه مرضي عنده ، ولكنّا قد أبطلنا هذه القاعدة في محله وذكرنا أنها على تقدير تماميتها في نفسها لا يمكن أن تكون مدركاً لحجية الإجماع بوجه (1). على أن إظهاره الخلاف مما لا يكاد أن يترتب عليه ثمرة ، لأنه إن ظهر وعرّف نفسه وأظهر الخلاف فهو وإن كان موجباً لاتباع قوله علیه السلام إلاّ أنه خلاف ما قدّره اللّه سبحانه حيث عيّن وقتاً لظهوره لا يتقدّم عليه ولا يتأخّر عنه وأما إذا أظهر الخلاف من غير أن يظهر ويعرّف نفسه فأيّ أثر يترتّب على خلافه حينئذ ، لأنه لم يعرف بالعلم حالئذ فضلاً عن إمامته.

وأما على طريقة المتأخِّرين في حجية الإجماع أعني الحدس بقوله علیه السلام من إجماع المجمعين فلا يتم دعوى الإجماع في المسألة ، فإنه كيف يستكشف مقالة الإمام علیه السلام من فتوى الأصحاب في المسألة مع ذهاب الحلي ونظرائه إلى عدم تنجيس المتنجسات ، بل ظاهر كلامه أن عدم تنجيس المتنجس كان من الأُمور المسلّمة في ذلك الزمان حيث يظهر من محكي كلامه أن المنجّسية من آثار عين النجس ، والمتنجسات الخالية منها نجاسات حكميات (2). وكيف كان ، إنّ الاتفاق على حكم في زمان لا يوجب العلم بمقالة الإمام علیه السلام .


1) مصباح الأُصول 2 : 138.

2) راجع السرائر 1 : 179.

وثانياً : أنّ دعوى الإجماع في المسألة لو تمت فإنما تتم في حق المتأخِّرين ، وأما علماؤنا المتقدمون فلا تعرض في شي‌ء من كلماتهم إلى تلك المسألة ، ولم يفت أحد منهم بتنجيس المتنجس مع كثرة الابتلاء به في اليوم والليلة وفي القرى والبلدان ، ومعه كيف تتم دعوى الإجماع على تنجيس المتنجسات ، ومن هنا ذكر المرحوم الآقا رضا الأصفهاني قدس سره في رسالة وجهها إلى العلاّمة البلاغي قدس سره ما مضمونه : أنّا لم نجد أحداً من المتقدمين يفتي بتنجيس المتنجس فضلاً عن أن يكون مورداً لإجماعهم ، فلئن ظفرتم على فتوى بذلك من المتقدمين فلتخبروا بها وإلاّ لبدلنا ما في منظومة الطباطبائي قدس سره :

والحكم بالتنجيس إجماع السلف *** وشذ من خالفهم من الخلف

وقلنا :

والحكم بالتنجيس إحداث الخلف *** ولم نجد قائله من السلف(1)

وشذّ من خالف ممن قد خلف *** والقول بالتنجيس إجماع السلف

وعليه فلا يمكننا الاعتماد على الإجماعات المنقولة في المسألة ولو على تقدير القول باعتبار الإجماع المنقول في نفسه وذلك للقطع بعدم تحقّق الإجماع من المتقدمين. أضف إلى ذلك كلّه أنّ الإجماع على تقدير تحققه ليس من الإجماع التعبّدي في شي‌ء ، لأنّا نحتمل استنادهم في ذلك إلى الأخبار أو غيرها من الوجوه المستدل بها في المقام.

الثالث : الأخبار فمنها : الأخبار الواردة في وجوب غسل الإناء الذي شرب منه الكلب أو الخنزير (2)بتقريب أن العادة تقتضي أن يكون شربهما في الإناء من غير ملاقاتهما له ، ولا سيما في الكلب حيث إنه إنما يلغ بطرف لسانه مما في الإناء ولا يصيب فمه الإناء عادة ، فلولا أن الماء المتنجس منجّس لما لاقاه وهو الإناء لم يكن وجه للأمر


1) الدرّة النجفية : 51 جاء هكذا :

2) الوسائل 1 : 225 / أبواب الأسآر ب 1 ح 2 ، 3 ، 4 وكذا في 3 : 415 / أبواب النجاسات ب 12 ح 2 ، 3.

بغسله أو تعفيره. ومنها : ما عن العيص بن القاسم ، قال « سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء ، فقال : إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه » (1)لما مرّ من أنه لو لم يكن الماء المتنجس بالبول أو القذر منجّساً لما أصابه لم يكن لأمره علیه السلام بغسله وجه صحيح.

ومنها : رواية معلى بن خنيس ، قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء ، أمر عليه حافياً؟ فقال : أليس وراءه شي‌ء جاف؟ قلت : بلى ، قال : فلا بأس إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً » (2)فانّ الماء المتنجس بملاقاة الخنزير لو لم يكن منجساً للأرض لم تكن حاجة إلى سؤاله علیه السلام عن وجود شي‌ء جاف وراءه ، فان رجله طاهرة حينئذ ولم تتنجّس بشي‌ء كان هناك شي‌ء جاف أم لم يكن. ومنها : موثقة عمّار « أنه سأل أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل يجد في إنائه فأرة وقد توضأ من ذلك الإناء مراراً أو اغتسل منه أو غسل ثيابه وقد كانت الفأرة متسلخة ، فقال : إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ... » (3)حيث أمر بغسل كل ما لاقاه الماء المتنجس بميتة الفأرة ولو لا أن المتنجس منجس لم يكن وجه لأمره هذا. ومنها غير ذلك من الأخبار.

ولا يخفى أن هذه الأخبار أجنبية عما هو محل البحث والكلام ، لأن مدعي عدم تنجيس المتنجس إنما يدعي ذلك فيما إذا جف المتنجس وزالت عنه عين النجس ثم لاقى بعد ذلك شيئاً رطباً ، وأما المائع المتنجس أو المتنجس الجامد الرطب قبل أن يجف فلم يقل أحد بعدم منجسيته من المتقدمين والمتأخرين ، ولعلّها مما يلتزم به الكل كما


1) الوسائل 1 : 215 / أبواب الماء المضاف ب 9 ح 14.

2) الوسائل 3 : 458 / أبواب النجاسات ب 32 ح 3.

3) الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1.

ربما يلوح من محكي كلام الحلِّي (1)قدس سره ، وهذه الأخبار المستدل بها إنما وردت في المائع المتنجس فهي خارجة عما نحن بصدده. نعم ، إذا كان مدعى القائل بعدم منجسية المتنجس عدم تنجيسه ولو في تلك الصورة لكانت الأخبار المتقدمة حجة عليه في المتنجس المائع أو الرطب ، هذا.

وقد يستدل للمشهور بموثقة عمّار الساباطي ، قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن البارية يبل قصبها بماء قذر ، هل تجوز الصلاة عليها؟ فقال : إذا جفّت فلا بأس بالصلاة عليها » (2)حيث دلت على عدم جواز الصلاة على البارية فيما إذا كانت رطبة ، ولا وجه له سوى أنها منجسة لما أصابها من بدن المصلي أو ثيابه. إلاّ أن الاستدلال بها في غير محله ، لأن الجفاف فيها إن حمل على الجفاف بإصابة الشمس فحسب كما حمله على ذلك جماعة واستدلوا بها على مطهِّرية الشمس للحصر والبواري ، وحملوا الصلاة عليها على إرادة السجود على البارية لكونها من النبات ومما يصح السجود عليه فهي أجنبية عن تنجيس المتنجس وعدمه ، لأنّ معناها حينئذ أن القصب المبلل بماء قذر إذا جف بالشمس طهر فلا مانع معه من أن يسجد عليه ، وأما إذا كان رطباً أو جف بغير الشمس فهو باق على نجاسته فلا يجوز السجود عليه لاعتبار الطهارة فيما يسجد عليه.

وأما إذا حمل على مطلق الجفاف كما هو الصحيح ، حيث إن الموثقة لم تقيد الجفاف بإصابة الشمس ، ومن هنا استشكلنا في الاستدلال بها على مطهرية الشمس للحصر والبواري وحملنا الصلاة فيها على إرادة الصلاة فوق البارية لا على السجود عليها وإن كان قد يسجد عليها إذا صلّى فوقها ، إلاّ أن الرواية ناظرة إلى حكم ما إذا صلّى فوقها سجد عليها أم لم يسجد ، فمعنى الرواية أن القصب المبلل بالماء القذر لا مانع من أن يصلى فوقه إذا يبس لعدم سراية النجاسة منه إلى بدن المصلي أو ثيابه ، ولا يجوز الصلاة فوقه إذا لم يجف لسراية النجاسة لما أصابها ، وعليه أيضاً تخرج الموثقة عما نحن


1) تقدّم في ص 206.

2) الوسائل 3 : 454 / أبواب النجاسات ب 30 ح 5.

بصدده فيكون حالها حال الأخبار المتقدمة ، لما عرف من أن منجسية المائع المتنجس أو المتنجس الجامد الرطب مما لا خلاف فيه ، ولا دلالة للموثقة على أن المتنجس إذا جف ثم لاقى شيئاً رطباً ينجسه أو لا ينجسه.

فاذن العمدة في تنجيس المتنجس بعد جفافه وقبله عدّة روايات وردت في الأمر بغسل الأواني الملاقية للخمر أو الخنزير أو الكلب أو موت الجرذ فيها أو غير ذلك من النجاسات ، المتضمنة لوجوب غسلها من إصابة الخنزير أو موت الجرذ سبع مرّات (1)ومن إصابة الخمر وسائر النجاسات ثلاثاً (2)ولوجوب تعفيرها من جهة ولوغ الكلب (3)، وذلك لأن الأواني غير قابلة للأكل ولا للبس في الصلاة ولا لأن يسجد عليها حتى يتوهّم أن الأمر بغسلها مستند إلى شي‌ء من ذلك ، وعليه فلو قلنا إنّ المتنجس بعد جفافه غير منجّس لأصبح الأمر بغسل الأواني على كثرته وما فيه من الاهتمام والتشديد في تطهيرها لغواً ظاهراً ، حيث لا مانع من إبقائها بحالها واستعمالها من غير غسل لأنها غير مؤثرة في تنجيس ما أصابها ، فهذا كاشف قطعي عن أن الأمر بغسل الأواني إرشاد إلى أنها منجّسة لما يلاقيها برطوبة.

ومن الغريب في المقام ما صدر عن المحقق الهمداني قدس سره حيث أجاب عن تلك الروايات بأنّ غاية ما يستفاد من الأمر بغسل الأواني ونحوها إنما هو حرمة استعمالها ومبغوضيته حال كونها قذرة ، ولا دلالة لها على أنها منجّسة ومؤثرة في نجاسة ما فيها بوجه ، فالأمر بغسل الأواني مقدّمة لارتفاع المتنجس وحرمته لا أنه إرشاد إلى منجسيتها (4). والوجه في غرابته : أن من الواضح أن استعمال الإناء المتنجس والأكل فيه إذا لم يؤثر في نجاسة ما فيه من الطعام والشراب مما لا مبغوضية فيه ولا أنه حرام بضرورة الفقه ، فيتعيّن أن يكون الأمر بغسله إرشاداً إلى تنجيسه لما


1) الوسائل 3 : 417 / أبواب النجاسات ب 13 ح 1 ، وفي ص 497 ب 53 ح 1.

2) الوسائل 3 : 494 / أبواب النجاسات ب 51 ح 1 ، ب 53 ح 1.

3) الوسائل 3 : 516 / أبواب النجاسات ب 70 ح 1 وكذا في 1 : 225 / أبواب الأسآر ب 1 ح 2.

4) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 578 السطر 11.

يلاقيه ، وليس الأكل في الأواني المتنجسة كالأكل في أواني الذهب والفضة ، حيث إن الأكل والشرب فيهما مبغوضان في نفسهما للنصوص المانعة عن استعمالهما ، وهذا بخلاف الأكل في الأواني المتنجسة لأنه لم يدل دليل على مبغوضيته ما لم تكن نجاستها مؤثرة في نجاسة ما فيها من الطعام والشراب.

ودعوى أنّ الأمر بغسلها إنما هو لاهتمام الشارع بالتحفظ والاجتناب عن النجاسات العينية المتخلفة آثارها في الأواني المتقذرة ، وليس إرشاداً إلى كونها منجسة لملاقياتها ، مدفوعة بأن هذا إنما يتم احتماله في المتنجس ببعض النجاسات كالميتة والخمر ولا يتطرّق في جميع الأواني المتنجسة كالمتنجس بالماء القذر ، حيث إنه إذا جف لم يبق منه عين ولا أثر.

ونظير الأخبار المتقدمة ما ورد من عدم البأس بجعل الخل في الدن المتنجس بالخمر إذا غسل (1)لأن البأس المتصور في جعل الخل في الدن المتنجس على تقدير عدم غسله ليس إلاّ سراية النجاسة منه إلى ملاقيه ، حيث إنّ الأكل في الدن غير معهود فلا يتوهم أن البأس من جهة حرمة الأكل فيه ، بدعوى أنّ الأكل في الإناء المتنجس مبغوض في نفسه وإن لم يكن مؤثراً في نجاسة ما فيه من الطعام والشراب فالغسل مقدّمة لحلِّية الأكل فيه ، لوضوح أن ما في الدن إنما يؤكل بعد إخراجه عنه ووضعه في إناء آخر ، فالبأس فيه قبل غسله ليس إلاّ من جهة كونه منجساً لما أصابه.

وتؤكِّد الأخبار المتقدمة الأخبار الآمرة بغسل الفراش ونحوه المشتملة على بيان كيفيته (2)، وذلك لأنّ الفراش ونظائره لا يستعمل في شي‌ء مما يعتبر فيه الطهارة من الأكل أو اللبس في الصلاة ، فلا وجه للأمر بغسلهما إلاّ الإرشاد إلى أنهما منجسان لما أصابهما.


1) كما في موثقة عمّار المروية في الوسائل 3 : 494 / أبواب النجاسات ب 51 ح 1 وكذا في 25 : 368 / أبواب الأشربة المحرمة ب 30 ح 1 ، 6.

2) الوسائل 3 : 400 / أبواب النجاسات ب 5 ح 1 3.

وأوضح من الجميع الأخبار الناهية عن التوضؤ والشرب من الماء القليل الذي لاقته يد قذرة ، وفي بعضها الأمر بإراقته ، ولا وجه لذلك إلاّ انفعال الماء القليل بملاقاة اليد المتنجسة وسقوطه بذلك عن قابلية الانتفاع به فيما يشترط فيه الطهارة ، فإن ادّخاره لأن يسقى به البستان ونحوه أمر غير مألوف ، وهي عدة روايات فيها الصحيح والموثق فمنها : صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر ، قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن الرجل يدخل يده في الإناء وهي قذرة ، قال : يكفئ الإناء » (1)أي يقلبه. والقذر بمعنى النجس يستعمل في قبال النظيف. ومنها : موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إذا أصاب الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس إذا لم يكن أصاب يده شي‌ء من المني » (2)فان مفهومها أن يده إذا أصابها شي‌ء من المني ففي إدخالها الإناء بأس ، وبهذا المفهوم صرّح في موثقته الأُخرى قال : « سألته عن رجل يمس الطست أو الركوة ثم يدخل يده في الإناء قبل أن يفرغ على كفيه؟ قال : يهريق من الماء ثلاث جفنات وإن لم يفعل فلا بأس ، وإن كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به إن لم يكن أصاب يده شي‌ء من المني ، وإن كان أصاب يده فأدخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفيه فليهرق الماء كلّه » (3).

ومنها : ما في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام قال : « سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع أيغتسل منه للجنابة أو يتوضأ للصلاة؟ إلى أن قال علیه السلام : إن كانت يده نظيفة فليأخذ كفاً من الماء بيد واحدة » الحديث (4). ومنها غير ذلك من الأخبار ، حيث إنّ إطلاقها يقتضي نجاسة الماء القليل الذي لاقته اليد المتنجسة كانت فيها عين النجس أم لم تكن لأنها قذرة ومتنجسة على كل حال. والإنصاف أن دلالة هذه الأخبار على تنجيس المتنجس في غاية الظهور والوضوح.


1) الوسائل 1 : 153 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 7 ، 9 ، 10.

2) الوسائل 1 : 153 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 7 ، 9 ، 10.

3) الوسائل 1 : 153 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 7 ، 9 ، 10.

4) الوسائل 1 : 216 / أبواب الماء المضاف ب 10 ح 1.

والعجب من صاحب الكفاية وغيره ممن تأخر عنه ومنهم المرحوم الآقا رضا الأصفهاني 5 حيث ذكروا أن تنجيس المتنجس مما لم يرد في شي‌ء من الروايات. وكيف كان ، فهذه الأخبار بإطلاقها يكفي في الحكم بتنجيس المتنجس كما عرفت.

إلاّ أن الكلام كله في أن تنجيس المتنجس هل يختص بالمتنجس بلا واسطة أعني ما تنجس بالعين النجسة من غير واسطة ، أو أنه يعمّه والمتنجس بالمتنجس وهكذا ولو إلى ألف واسطة؟ حيث إن الأخبار المتقدمة بحسب الغالب واردة في المتنجس بلا واسطة كما في الأواني والفرش ونحوهما ، وأما المتنجس بالمتنجس ومع الواسطة فلم يدل على تنجيسه شي‌ء فيحتاج تعميم الحكم له إلى إقامة الدليل.

فقد يقال بالتعميم ويستدل عليه بصحيحة البقباق ، قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن فضل الهرّة والشّاة والبقرة والإبل إلى أن قال فلم أترك شيئاً إلاّ سألته عنه ، فقال : لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب فقال : رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء واغسله بالتراب أوّل مرّة ثم بالماء » (1)بتقريب أنها دلّت على أنّ المناط في تنجّس الماء وعدم جواز استعماله في الشرب أو الوضوء إنما هو ملاقاته النجس ، والنجس كما يشمل الأعيان النجسة كذلك يشمل المتنجسات ، وحيث إن قوله علیه السلام « رجس نجس » بمنزلة كبرى كلية للصغرى المذكورة في كلامه أعني ملاقاة الماء للنجس وكالعلة للحكم بعدم جواز شربه أو التوضؤ منه ، فلا محالة يتعدى من الكلب في الصحيحة إلى كل نجس أو متنجس ، لأنّ العلّة تعمّم الحكم كما أنها قد تخصّصه وكأنه قال : هذا ماء لاقى نجساً وكل ما لاقى النجس لا يتوضأ به ولا يجوز شربه ، وهذا يأتي فيما إذا لاقى الماء مثلاً بالمتنجس فيقال : إنه لاقى نجساً وكل ما لاقى النجس لا يجوز شربه ولا التوضؤ به ، وهكذا تتشكل صغرى وكبرى في جميع ملاقيات النجس والمتنجس سواء كان مع الواسطة أم بدونها ونتيجته الحكم بتنجيس المتنجس ولو بألف واسطة.


1) الوسائل 1 : 226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 4.

ويؤيد ذلك برواية معاوية بن شريح ، قال : « سأل عذافر أبا عبد اللّه علیه السلام وأنا عنده عن سؤر السنور والشاة والبقرة والبعير والحمار والفرس والبغل والسباع يشرب منه أو يتوضأ منه؟ فقال : نعم ، اشرب منه وتوضأ منه ، قال قلت له : الكلب؟ قال : لا ، قلت : أليس هو سبع؟ قال : لا واللّه إنه نجس ، لا واللّه إنه نجس » (1)حيث إن ظاهرها أنّ العلّة في الحكم بعدم جواز الشرب والتوضؤ من سؤر الكلب إنما هي نجاسة ما باشره ولاقاه فيتعدّى من الكلب إلى كل ما هو نجس أو متنجس هذا.

ولا يخفى أن إطلاق النجس على المتنجّس وإن كان أمراً شائعاً لأنه أعم من الأعيان النجسة والمتنجسة ويصحّ أن يقال : إنّ ثوبي نجس ، إلاّ أن كلمة الرجس لم يعهد استعمالها في شي‌ء من المتنجسات ، بل لا يكاد أن يصح ، فهل ترى صحة إطلاقها على مؤمن ورع إذا تنجس بدنه بشي‌ء؟ وذلك لأن الرجس بمعنى « پليد » وهو ما بلغ أعلى مراتب الخباثة والقذارة فلا يصح إطلاقه على المتنجس بوجه.

على أنه لا قرينة في الصحيحة على أن قوله علیه السلام « رجس نجس » تعليل للحكم بعدم جواز التوضؤ أو الشرب منه ، بل فيها قرينة على عدم إرادة التعليل منه وهي قوله علیه السلام : « واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء » ، فان لازم حمله على التعليل والتعدِّي عن مورد الصحيحة إلى غيره الحكم بوجوب التعفير في ملاقي جميع الأعيان النجسة والمتنجسة. مع أنه مختص بولوغ الكلب ولا يأتي في غيره من النجاسات فضلاً عن المتنجسات. وأما الرواية فهي ضعيفة بمعاوية ، على أنها قاصرة الدلالة على المدّعى ، لأنّ قوله علیه السلام « لا واللّه إنه نجس » لم يرد تعليلاً للحكم المتقدِّم عليه وإنما ورد دفعاً لما توهمه السائل من أن الكلب من السباع التي حكم علیه السلام بطهارة سؤرها ، فقد دفعه بأن الكلب ليس من تلك السباع ، فهو في الحقيقة كالإخبار دون التعليل ، فهذا الاستدلال ساقط.

والصحيح أن يستدل على تنجيس المتنجس ولو مع الواسطة بالأخبار الواردة


1) الوسائل 1 : 226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 6.

في عدم جواز التوضؤ بالماء القليل الذي أصابته يد قذرة ، وقد تقدمت الإشارة إليها آنفاً ، ومن جملتها : حسنة زرارة الواردة في الوضوءات البيانية حيث اشتملت على حكاية الإمام علیه السلام عن وضوء النبي صلی اللّه علیه و آله وأنه دعا بقعب فيه شي‌ء من الماء ، وبعد ما حسر عن ذراعيه وغمس فيه كفه اليمنى قال : « هكذا إذا كانت الكف طاهرة » (1)فانّ مفهومها أن الكف إذا لم تكن طاهرة فلا يجوز التوضؤ بإدخالها في الماء القليل ، ولا وجه لمنعه إلاّ انفعال الماء القليل بملاقاة اليد المتنجسة ومقتضى إطلاقها أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون الكف متنجسة بلا واسطة وبين ما إذا تنجّست مع الواسطة ، كما إذا تنجست يده بالمتنجس بلا واسطة ثم أدخلها في الماء القليل ، فان المتنجس بلا واسطة قد عرفت منجسيته فبملاقاته تكون الكف قذرة ، فاذا أدخلها في الإناء فيصح أن يقال : إن الماء لاقته كف غير طاهرة فتؤثر في انفعاله ولا يجوز شربه ولا التوضؤ به ، ثم ننقل الكلام إلى ما أصابه ذلك الماء المتنجس بواسطتين ونقول : إنه مما أصابه ما ليس بطاهر فينجس ولا يجوز التوضؤ به ولا شربه وهكذا.

والمناقشة في دلالتها بأن منعه علیه السلام عن التوضؤ من الماء في مفروض المسألة غير ظاهر الاستناد إلى تنجيس المتنجس ، وذلك لاحتمال استناده إلى عدم جواز الغسل والتوضؤ من الماء المستعمل في رفع الخبث كما هو الحال في المستعمل في رفع الحدث الأكبر مع الحكم بطهارته في نفسه ، فان الماء يصدق عليه عنوان المستعمل بمجرّد إدخال اليد فيه ، وقد دلّت رواية ابن سنان على أن الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يتوضأ منه وأشباهه (2)، ولما ذكرناه بنوا على عدم جواز التوضؤ بماء الاستنجاء مع القول بطهارته ، فهذه الأخبار مجملة وغير قابلة للاستدلال بها على منجسية المتنجسات مطلقاً كما ناقشنا بذلك في بحث انفعال الماء القليل.


1) الوسائل 1 : 387 / أبواب الوضوء ب 15 ح 2.

2) الوسائل 1 : 215 / أبواب الماء المضاف ب 9 ح 13.

مندفعة بوجوه : الأوّل : أن الظاهر المتفاهم من الصحيحة وغيرها أن منعهم عن التوضؤ بذلك الماء مستند إلى منجسية اليد المتنجسة ولو من جهة بنائهم على تنجيس المتنجس في الجملة ولا يكاد يستفاد منها حسب المتفاهم العرفي أن المنع من جهة كون الماء من المستعمل في إزالة الخبث ، فاحتمال ذلك على خلاف ظواهر الأخبار.

الثاني : أن المتنجس الملاقي مع الماء من اليد ونحوها على ثلاثة أقسام : فإن المتنجس قد يكون متحملاً لشي‌ء من الأجزاء النجسة من البول والدم ونحوهما ، وقد يتنجّس بعين النجس إلاّ أنه لا يتحمّل شيئاً من أجزائها لإزالتها عنه بخرقة أو بشي‌ء آخر ، وثالثة يتنجس بالمتنجس كاليد المتنجسة بملاقاة الإناء المتنجس فان المتنجس بلا واسطة منجس كما مرّ. أما القسمان الأولان فلا نزاع في تنجيسهما الماء القليل لأنهما من المتنجس بلا واسطة أو حامل للأجزاء النجسة ، فالمنع عن التوضؤ يستند إلى سراية النجاسة من النجس إلى الماء ، وأما القسم الثالث فالمنع عن استعماله أيضاً يستند إلى سراية النجاسة إليه إذا قلنا بمنجسية المتنجس ولو مع الواسطة ، ويستند إلى كونه من الماء المستعمل في إزالة الخبث إذا منعنا عن تنجيس المتنجس مع الواسطة ، إلاّ أن حمل الرواية على خصوص قسم واحد من أقسام المتنجس الملاقي للماء خلاف الظاهر فلا يصار إليه.

الثالث : أن المنع عن استعمال الماء القليل في مفروض الكلام لو كان مستنداً إلى أنه من الماء المستعمل في رفع الخبث لم يكن للأمر بإراقته في بعض الأخبار المانعة وجه صحيح ، لأنه باق على طهارته ولا مانع من استعماله في الشرب وتطهير البدن ونحوهما وإن لم يصح منه الوضوء. فالإنصاف أن دلالة الأخبار على منجسية المتنجس ولو مع الواسطة غير قابلة للمناقشة ، وما ناقشنا به في دلالتها على ذلك في بحث انفعال الماء القليل مما لا يمكن المساعدة عليه.

إلاّ أنّا مع هذا كلّه بحاجة في تتميم هذا المدعى من التشبث بذيل الإجماع وعدم القول بالفصل ، لأن مورد الأخبار إنما هو الماء وهو الذي لا يفرق فيه بين المتنجس

بلا واسطة والمتنجس معها ، والتعدي عنه إلى الجوامد لا يتم إلاّ بالإجماع وعدم القول بالفصل بين الماء وغيره ، لأنّا نحتمل أن يكون تأثير المتنجس في الماء مطلقاً من أجل لطافته وتأثره بما لا يتأثر به غيره ، ومن هنا اهتم الشارع بحفظه ونظافته ، وورد أن من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومنّ إلاّ نفسه (1)أو أمر بالاجتناب عنه إذا لاقاه المتنجس ولو مع الواسطة ، وليس هذا إلاّ لاهتمام الشارع بنظافة الماء وتحفظه عليه ، ومع هذا الاحتمال لا مسوّغ للتعدي عن الماء إلى غيره ، فلو تعدينا فنتعدى إلى بقية المائعات لأن حكمها حكم الماء ، وأما الجوامد فلا.

على أن السراية المعتبرة في نجاسة الملاقي أمر ارتكازي ولا إشكال في عدم تحققها عند تعدد الواسطة وكثرتها ، مثلاً إذا لاقى شي‌ء نجساً رطباً فلا محالة تسري نجاسته إلى ملاقيه بالارتكاز وإذا لاقى ذلك المتنجس شيئاً ثالثاً فهب أنّا التزمنا بتحقق السراية منه إلى الثالث أيضاً بالارتكاز ، إلاّ أن الثالث إذا لاقى شيئاً رابعاً وهكذا إلى التاسع والعاشر فتنقطع السراية بالارتكاز ، ومن هنا لا يسعنا التعدي من الماء إلى الجوامد بوجه. ولو لا مخافة الإجماع المدعى والشهرة المتحققة على تنجيس المتنجس مطلقاً لاقتصرنا في الحكم بتنجيس المتنجس على خصوص الماء أو المائعات ، ولذا استشكلنا في تعاليقنا على المتن في تنجيس المتنجس على إطلاقه لما عرفت من عدم دلالة الدليل على منجسية المتنجس في غير الماء والمائعات مع الواسطة ، ومعه فالحكم بمنجسيته على إطلاقه مبني على الاحتياط.

بقي الكلام في أدلّة القول بعدم منجسية المتنجس على إطلاقه. وقد استدل عليه بأُمور : منها : أن الحكم بمنجسية المتنجسات والأمر بالاجتناب عن ملاقياتها لغو لا يصدر عن الحكيم ، فإنه حكم غير قابل للامتثال. وتقريب ذلك كما في كلام المحقق الهمداني قدس سره بزيادة منّا : أن القول بتنجيس المتنجس مطلقاً يستلزم العلم القطعي بنجاسة جميع الدور والبقاع بل وجميع أهل البلد والبلاد ونجاسة ما في أيدي المسلمين وأسواقهم ، وذلك فإن النجاسة مسرية ولا يمكن قياسها بالطهارة ، لأنّ


1) الوسائل 1 : 219 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 2.

الطاهر إذا لاقى جسماً آخر لا تسري طهارته إليه ولو مع الرطوبة المسرية ، وهذا بخلاف النجاسة فإنها موجبة لسراية النجس من أحد المتلاقيين إلى الآخر (1)، وعليه فإذا فرضنا أن إناء أو أواني متعدِّدة قد وضعت في مكان يساورها أشخاص مختلفة فيباشرها الصغير والكبير والرجال والنساء والمبالين لأُمور دينهم وغير المبالين كما في الحباب الموضوعة في الصحن الشريف سابقاً فنقطع بالضرورة بنجاسة تلك الآنية أو الأواني للقطع بملاقاتها مع المتنجس من يد أو شفة ونحوهما ، كما هو الشاهد المحسوس في أوقات الكثرة والازدحام كأيام الزيارات ونحوها فان من لاحظ كيفية حركات النساء والصبيان وسكناتهم وعدم اجتنابهم عن النجاسات فضلاً عن المتنجسات لم يحتج في الإذعان بذلك إلى أزيد مما سردناه ، فاذا جزمنا في أوقات الازدحام بنجاسة الإناء أو الأواني المتعددة لعلمنا بنجاسة جميع من باشره ، إذ يتنجس بذلك بدنه وثيابه فاذا مضى على ذلك زمن غير طويل لأوجب تنجس داره ، وبما أنه يخالط الناس ويساورهم فتسري النجاسة إلى جميع البلاد بمرور الدهور والأيام كما لا يخفى وجهه على من ابتلى بنجاسة في واقعة وغفل عن تطهيرها إلاّ بعد أن خالط الناس.

وكذلك الحال في أدوات البنائين وآلاتهم حيث لا يزالون يستعملونها في جميع البقاع والأمكنة مع القطع بنجاسة بعضها بالبول أو بإصابة متنجس كالكنيف لوضوح أن الدور والبقاع لا يطرأ عليها مطهر ، كما أن عادتهم لم تجر على غسل أدواتهم وتطهيرها بعد استعمالها في الكنيف فبذلك تتنجس جميع أبنية البلاد. وكذلك الحال في المقاهي والمطاعم حيث يدخلهما كل وارد وخارج وهو يوجب القطع بنجاسة الأواني المستعملة فيهما للقطع بأن بعض الواردين عليهما نجس أو في حكمه كما في اليهود والنصارى وفسقة المسلمين وغير المبالين منهم بالنجاسة ، حيث يدخلونهما ويشربون فيها الماء والشاي مع نجاسة أيديهم أو شفاههم وهذا يوجب القطع بسراية النجاسة إلى جميع البلاد.


1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 579 السطر 9.

والإنصاف أن ما أفاده من استلزام القول بمنجسية المتنجس على وجه الإطلاق القطع بنجاسة أكثر الأشياء والأشخاص بل الجميع متين غايته ، ولا سيما في أمثال بغداد وطهران ونحوهما من بلاد الإسلام المحتوية على المسلم والكافر بأقسامهما ، إذ الأماكن الاجتماعية في أمثالهما كالمقاهي لا تنفك عن القطع بإصابة نجس أو متنجس لها ، فلو كان المتنجس منجّساً لاستلزم ذلك القطع بنجاسة جميع ما في العالم ، والأمر بالاجتناب عن الجميع أمر غير قابل للامتثال ، فبه يصبح الحكم بمنجسية المتنجس والأمر بالاجتناب عنه لغواً ظاهراً. ودعوى عدم حصول القطع بملاقاة النجس أو المتنجس في أمثال الأواني الموضوعة في الأماكن العامة عهدتها على مدعيها.

بل ذكر المحقق الهمداني قدس سره في طي كلامه : « أن من زعم أن هذه الأسباب غير مؤثرة في حصول القطع لكل أحد بابتلائه في طول عمره بنجاسة موجبة لتنجس ما في بيته من الأثاث مع إذعانه بأن إجماع العلماء على حكم يوجب القطع بمقالة المعصوم علیه السلام لكونه سبباً عاديا لذلك ، فلا أراه إلاّ مقلداً محضاً لا يقوى على استنتاج المطالب من المبادي المحسوسة فضلاً عن أن يكون من أهل الاستدلال (1). فإنكار حصول العلم بالنجاسة خلاف الوجدان.

والجواب عن ذلك : أنّ هذه المناقشة أنما ترد فيما إذا قلنا بتنجيس المتنجس على وجه الإطلاق ، وأما إذا اكتفينا بمنجسية المتنجس بلا واسطة في كل من الجوامد والمائعات دون المتنجس مع واسطة أو واسطتين أو أكثر ، أو قلنا بتنجيس المتنجس من غير واسطة والمتنجس معها في خصوص المائعات دون غيرها من الجوامد ، فأين يلزم العلم بنجاسة جميع ما في العالم من الأشخاص والأبنية والأثاث ، لانقطاع الحكم بالمنجسية في المتنجس مع الواسطة ، وقد أشرنا أنّا لا نلتزم بمنجسية المتنجس في غير الواسطة الاولى في الجوامد بوجه ، إلاّ أنّا لا نحكم بعدم منجسيته مخافة الإجماع المدعى على تنجيس المتنجس مطلقاً والوقوع في خلاف الشهرة المتحققة في المسألة.

ومما ذكرناه في الجواب عن ذلك ظهر الجواب عن الأمر الثاني من استدلالهم ، وهو


1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 579 السطر 18.

دعوى استقرار سيرة المتشرعة على عدم الاجتناب عن مثل الأواني الموضوعة في أماكن الاجتماع أو عن الدور والأبنية والبقاع أو عن الأواني المستعملة في المقاهي وأمثالها ، حيث يعاملون معها معاملة الأشياء الطاهرة بحيث لو تعدى أحد عن الطريقة المتعارفة عندهم بأن اجتنب عن مثل هذه الأُمور معللاً بأن من عمّر الأبنية مثلاً استعمل في عمّارتها الآلات التي لا زال يستعملها في عمّارة الأماكن المتنجسة من غير أن يطهّرها ، أو اجتنب عن مساورة شخص معتذراً بأنه يساور أشخاصاً لا يزالون يدخلون المقاهي والمطاعم ويساورون الكفار ، يطعنه جميع المتشرعة بالوسواس.

ودعوى أن عدم اجتنابهم عن الأشياء المتقدم ذكرها إنما هو مسبب عن العسر والحرج في الاجتناب عنها وغير ناش عن طهارتها ، مندفعة بأن المراد بالعسر والحرج إن كان هو الشخصي منهما ففيه : أنه قد لا يكون الاجتناب عن تلك الأُمور عسراً في حق بعضهم لعدم كونها مورداً لابتلائه كما إذا كان مثرياً متمكناً من تحصيل لوازم الاعاشة من الخبز والجبن واللبن في بيته فلا يكون الاجتناب عنها حرجياً في حقه ، ولازمه الحكم بنجاستها بالإضافة إليه ، مع أن سيرتهم لم تجر على الحكم بنجاستها ولو بالإضافة إلى شخص دون شخص.

وإن أُريد منهما العسر والحرج النوعيان بدعوى أنّ الاجتناب عن الأشياء المذكورة وأمثالها لما كان موجباً للعسر والحرج على أغلب الناس وأكثرهم ، فقد أوجب ذلك الحكم بارتفاع النجاسة ووجوب الاجتناب عن الجميع وإن لم يكن حرجياً في حق بعض ، ففيه : أن ذلك كرّ على ما فر منه لأنه عين الالتزام بعدم تنجيس المتنجسات ، إذ الماء مثلاً إذا جاز شربه وصحّ استعماله في الغسل والوضوء وغيرهما مما يشترط فيه الطهارة وكذا غير الماء من المتنجسات فما ثمرة الحكم بنجاسته؟

وقد ظهر الجواب عن ذلك بما سردناه في الجواب عن الوجه السابق ، وذلك لأن سيرة المتشرعة إنما يتم الاستدلال بها إذا كان المدعى منجسية المتنجس مع الواسطة

وبدونها ، وأما إذا اقتصرنا على خصوص المتنجس بلا واسطة على التفصيل المتقدم تقريبه فلا موقع للاستدلال بها بوجه ، لأن قيام السيرة على عدم الاجتناب في ملاقي المتنجس بلا واسطة مقطوع العدم ، وإنما المتيقن قيامها على عدم الاجتناب عن ملاقي المتنجس مع الواسطة.

الوجه الثالث : الأخبار ، وقد استدلوا بجملة منها على عدم منجسية المتنجس ولنتعرض إلى أهمها فمنها : موثقة حنان بن سدير ، قال : « سمعت رجلاً سأل أبا عبد اللّه علیه السلام فقال : إني ربما بلت فلا أقدر على الماء ويشتد ذلك عليَّ؟ فقال : إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك ، فان وجدت شيئاً فقل هذا من ذاك » (1)بتقريب أن المتنجس لو كان منجساً لما أصابه كان مسح موضع البول المتنجس به بالريق ونحوه موجباً لاتساع النجاسة وزيادتها لا موجباً لطهارته ، فمنه يظهر أن المتنجس غير منجس لما أصابه. وفيه : أن تقريب الاستدلال بالموثقة إنما هو بأحد وجهين :

أحدهما : أن يكون وجه الاشتداد على السائل خروج البلل منه بعد بوله وتمسحه وقبل استبرائه ، فإنه يحتمل أن يكون بولاً حينئذ وهو يوجب تنجس ثوبه بل بدنه وانتقاض طهارته لأنه من البلل الخارج قبل الاستبراء وبه يقع في الشدة لا محالة فعلّمه علیه السلام طريقاً يتردد بسببه في أن الرطوبة من البلل أو من غيره ، وهو أن يمسح موضع البول من ذكره بريقه حتى إذا وجد رطوبة يقول إنها من ريقه لا من البلل الخارج منه بعد بوله ، فعلى هذا تدل الموثقة على عدم تنجيس المتنجس أعني موضع البول المتنجس به.

ولكن يبعّد ذلك أمران : أحدهما : أنه علیه السلام إنما أمره بأن يمسح ذكره بريقه ولم يأمره بمسح موضع البول من ذكره فلا وجه لتقييده بموضع البول أبداً. وثانيهما : أن المتنجس إذا لم يكن منجساً فلما ذا لم يعلّم السائل طريقة الاستبراء التي توصله إلى القطع بعدم كون الرطوبة بولاً منجساً وناقضاً لطهارته ، لأنه إذا بال واستبرأ فلا محالة يحكم بطهارة البلل الخارج منه بعد ذلك ، لأن البلل بعد الاستبراء محكوم بطهارته في


1) الوسائل 1 : 284 / أبواب نواقض الوضوء ب 13 ح 7.

نفسه ولا ينجّسه ملاقاة موضع البول المتنجس به لعدم تنجيس المتنجس على الفرض ، ومعه لم تكن حاجة إلى تعليم طريقة لا تفيده القطع بطهارته. هذا على أن الاشتداد لو كان مستنداً إلى خروج البلل بعد بوله لم يفرق الحال في الاشتداد بين قدرته على الماء وعدمها ، لأن البلل قبل الاستبراء محتمل البولية وناقض للطهارة سواء تمكن من الماء وغسل موضع البول به أم لا ، وإنما يحكم بطهارته فيما إذا خرج بعد الاستبراء ومعه ما معنى قوله : فلا أقدر على الماء.

وثانيهما : أن يكون الاشتداد عليه مستنداً إلى خروج البلل بعد بوله واستبرائه كما قد يتّفق فإنه أيضاً يوجب الضيق والاشتداد ، لأن البلل متنجس بملاقاة موضع البول حينئذ لعدم طهارته فإنه مسحه ولم يغسله ، والإمام علیه السلام أراد أن يعلّمه طريق التخلص عن ذلك فأمره بأن يمسح ذكره بريقه حتى يتردد فيما يجده من الرطوبة في أنها من البلل الخارج عن موضع البول ليكون متنجساً به ، أو أنها من ريق فمه ولم يخرج عن موضع البول كي يحكم بطهارته ، ومع الشك في نجاسته يحكم بطهارته بقاعدة الطهارة.

وعليه فالموثقة تقتضي منجسية المتنجس وتدل على أن الرطوبة لو كانت من البلل الخارج عن موضع البول حكم بنجاستها لملاقاتها المتنجس وهو موضع البول ، وإنما لا يحكم بنجاستها فيما إذا مسح ذكره بريقه حتى يتردد في أن الرطوبة من ريقه أو مما خرج عن المحل المتنجس ، فلا دلالة لها على عدم تنجيس المتنجس بوجه. وهذا الاحتمال هو الذي يقتضيه ظاهر الموثقة ، وعلى تقدير التنزل وعدم كونها ظاهرة في ذلك فلا أقل من احتماله ومعه تصبح مجملة وتسقط عن الاعتبار.

ومنها : صحيحة حكم بن حكيم ابن أخي خلاد أنه سأل أبا عبد اللّه علیه السلام فقال له : « أبول فلا أُصيب الماء وقد أصاب يدي شي‌ء من البول فأمسحه بالحائط والتراب ثم تعرق يدي فأمسح ( فأمس ) به وجهي أو بعض جسدي ، أو يصيب ثوبي قال : لا بأس به » (1)لأنها نفت البأس عن مسح الوجه أو بعض جسده أو إصابة ثوبه


1) الوسائل 3 : 401 / أبواب النجاسات ب 6 ح 1.

باليد المتنجسة الرطبة وهو معنى عدم تنجيس المتنجس. وفيه : أن السائل لم يفرض في كلامه أن مسح وجهه أو بعض جسده كان بالموضع المتنجس من يده ، لأن المتنجس إنما هو موضع معيّن أو غير معين منها ولم تجر العادة على مسح الوجه أو غيره بجميع أجزاء اليد ، كما أن العرق لا يحيط بتمامها عادة وإنما تتعرق الناحية التي أصابها شي‌ء من البول مثلاً ، فان كانت تلك الناحية معينة في يده وعلمنا أنها قد لاقت وجهه أو بعض جسده وشككنا في أن الملاقي هل كان هو الموضع المتنجس منها أو غيره من المواضع الطاهرة فالأصل أن الموضع المتنجس لم يلاق الوجه أو بعض جسده ، وأما إذا كانت الناحية التي أصابها شي‌ء من البول غير معينة فتكون اليد من الشبهة المحصورة للعلم بنجاسة بعض مواضعها وقد بيّنا في محله أن ملاقي أحد أطراف الشبهة محكوم بالطهارة (1).

ومنها : رواية سماعة قال « قلت لأبي الحسن موسى علیه السلام : إنِّي أبول ثم أتمسّح بالأحجار فيجي‌ء مني البلل ما يفسد سراويلي؟ قال : ليس به بأس » (2)لأنّ نفيها البأس عن البلل مع العلم بملاقاته الموضع المتنجس بالبول لا يستقيم إلاّ على القول بعدم تنجيس المتنجس ، هذا. ولا يخفى أنّ الرواية لا بدّ من تقييدها بما إذا كان البلل قد خرج بعد استبرائه ، وذلك لما دلّ على نجاسة البلل إذا خرج قبله فلا بدّ من تقييدها بذلك ، بل عن النسخة المطبوعة من التهذيب أنها مقيدة بالاستبراء في نفسها فكأنه قال فيجي‌ء مني البلل بعد استبرائي ما يفسد سراويلي (3)هذا.

ثم إن الرواية غير صالحة للاعتماد عليها في مقام الاستدلال وذلك أما أوّلاً : فلأن في سندها الحكم بن مسكين وهو ممن لم ينص الأصحاب على مدحه ووثاقته ، نعم ذهب الشهيد قدس سره إلى اعتبار رواياته حيث عمل بها معللاً بأنه لم يرد طعن


1) مصباح الأُصول 2 : 410.

2) الوسائل 1 : 283 / أبواب نواقض الوضوء ب 13 ح 4.

3) التهذيب 1 : 51 / 150.

في حقه (1)واعترضه الشهيد الثاني قدس سره بأن مجرد عدم الجرح لا يكفي في الاعتماد على رواية الرجل بل يعتبر توثيقه ومدحه (2)، وهو كما لم يرد طعن في حقه كذلك لم يرد مدحه وتوثيقه ومن هنا ذهب السبزواري وصاحب المدارك 0 إلى تضعيفه. وكذلك الحال في الهيثم ابن أبي مسروق النهدي وهو الذي روى عن الحكم حيث لم تثبت وثاقته ولم يرد في حقه غير أنه فاضل وأنه قريب الأمر فليراجع.

وأمّا ثانياً : فلأنها قاصرة عن إثبات المدعى ، لأنه لم يظهر من الرواية أن نفيه علیه السلام البأس ناظر إلى عدم تنجيس المتنجس وأن محل البول المتنجس به لا يتنجس به البلل الخارج منه لتكون الرواية مثبتة للمدعى ، لاحتمال أنها ناظرة إلى طهارة محل البول بالتمسح بشي‌ء كما هو كذلك في موضع الغائط ، فكأنه علیه السلام سئل عن أن محل البول يطهر بالتمسح حتى لا يتنجس به البلل الخارج منه أو لا يطهر بغير الغسل ، فالبلل الخارج منه متنجس به لا محالة ، فأجاب عنه بقوله : « ليس به بأس » ومعناه أن المحل يطهر بالتمسح ولا يتنجس البلل الخارج منه بسببه ، ومعه تحمل الرواية على التقية لموافقتها لمذهب العامة كما هو الحال في غيرها من الأخبار الواردة بهذا المضمون ، بل إنّ هذا الاحتمال هو الظاهر البادي للنظر من الرواية ، وعلى تقدير التنزل فهي مجملة لاحتمالها لكلا الأمرين المتقدمين ومعه لا يمكن الاعتماد عليها في شي‌ء.

وأما ما ربما يحتمل من حمل الرواية على صورة خروج البلل من غير أن يصيب مخرج البول المتنجس به ، كما إذا خرج مستقيماً وأصاب السراويل أو غيره فهو بعيد غايته ، لأنه يصيب المخرج عادة ولا سيما إذا خرج بالفتور.

ومنها : صحيحة العيص قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء ، فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه ، قال : يغسل ذكره


1) نقلهما المجلسي في روضة المتقين 14 : 63.

2) نقلهما المجلسي في روضة المتقين 14 : 63.

وفخذيه. وسألته عمّن مسح ذكره بيده ثم عرقت يده فأصابه ثوبه يغسل ثوبه؟ قال : لا » (1)حيث نفت لزوم غسل ثوبه مع ملاقاته اليد المتنجسة بمسح ذكره.

ويدفعه أوّلاً : أن الرواية لم يفرض في ذيلها مسح موضع البول من الذكر بيده حتى تتنجس به يده ولعلّه مسح غير ذلك المحل ، إلاّ أنه توهّم أن مسح الذكر يوجب نجاسة اليد كما أنه ينقض الوضوء عند أكثر المخالفين (2).

وثانياً : أنه لو سلمنا أن ذيل الصحيحة مطلق لعدم استفصاله بين مسح موضع البول ومسح غيره من مواضع الذكر وترك الاستفصال دليل العموم ، وأن مقتضى إطلاقه عدم تنجيس المتنجس ، فلا مناص من تقييد إطلاقها بما دلّ على منجسية المتنجس ، ومنه صدر الصحيحة حيث دلت على وجوب غسل ذكره وفخذيه عند عرقها ، لوضوح أنه لا وجه له إلاّ تنجسها بالعرق المتنجس بموضع البول من ذكره فصدرها وغيره مما دلّ على منجسية المتنجس قرينة على حمل إطلاق الذيل على التمسح بغير موضع البول من ذكره.

وأما احتمال أن العرق لعله كان موجوداً حال بوله في ذكره فقد أصابه البول ونجّسه ثم أصاب ذلك العرق المتنجس فخذه وذكره أو غيرهما ، وأن الصحيحة خارجة حينئذ عما نحن بصدده ، لما تقدّم من أن المائعات المتنجسة مما لا كلام في تنجيسها لملاقياتها ، وإنما الكلام في المتنجسات التي زالت عنها عين النجس وجفت ثم أصابها شي‌ء رطب ، فهو من البعد بمكان ، حيث إن عرق الذكر بحيث أن يصيبه البول عند خروجه أمر غير معهود ، وعلى تقدير تحققه فلا ريب في ندرته ولا مساغ معه لحمل الصحيحة عليه.


1) ورد صدرها في الوسائل 1 : 350 / أبواب أحكام الخلوة ب 31 ح 2 وكذا في 3 : 441 / أبواب النجاسات ب 26 ح 1 وذيلها في 3 : 401 / أبواب النجاسات ب 6 ح 2.

2) الأم 1 : 19 ، المجموع 2 : 41 ، مقدّمات ابن رشد 1 : 69 ، المبسوط للسرخسي 1 : 66 المحلّى 1 : 237 ، بداية المجتهد 1 : 39 ، الوجيز 1 : 16 فتح العزيز 2 : 37 38 المغني لابن قدامة 1 : 202 ، الشرح الكبير 1 : 216.

وثالثاً : أنّ الصحيحة لو سلّمنا أن ظاهرها مسح خصوص موضع البول من ذكره بقرينة مقابله أعني قوله : « فمسح ذكره بحجر » لأنه بمعنى مسح خصوص موضع البول بالحجر ، لما أمكننا الاعتماد عليها ، فيما نحن فيه ، إذ لا دلالة لها على أن ما أصاب ثوبه إنما هو خصوص الموضع المتنجس من يده ، لاحتمال أن يكون ما أصابه هو الموضع غير المتنجس منها ، لإطلاق الرواية وعدم تقييدها بشي‌ء ، وعليه فان كان الموضع المتنجس من يده معيناً فيشك في أنه هل أصاب ثوبه أم لم يصبه فالأصل عدم إصابته وإذا كان الموضع المتنجس غير معين فيكون الثوب من ملاقي أحد أطراف الشبهة وملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة محكوم بالطهارة على ما حقّقناه في محلِّه (1). وبعبارة اخرى : أنّ الرواية كما عرفتها مشتبهة الوجه والمراد ، حيث لم تقم قرينة على أنّ الوجه في نفيها الغسل بقوله : « لا » هو عدم تنجيس المتنجس ، أو أنّ وجهه أنّ الثوب لاقى أحد أطراف الشبهة المحصورة وهو محكوم بالطهارة كما مر. وكيف كان فهذه الرواية غير قابلة للاعتماد عليها.

ومنها : رواية حفص الأعور (2)حيث دلّت على أن الدنّ المتنجس بالخمر إذا جف فلا بأس بجعل الخل فيه. ويدفعها أن تجفيف الدّن من الخمر ثم جعل الخل فيه إنما وقع في كلام السائل ، حيث لم يرد في كلامه علیه السلام غير قوله : « نعم » وهو كما يحتمل أن يراد به جعل الخل في دنّ الخمر بعد تجفيفه من دون غسله وهو معنى الاستدلال بها على عدم تنجيس المتنجس كذلك يحتمل أن يراد به جعل الخل فيه بعد غسله فدلالتها إنما هو بالإطلاق ، ولكن لا مناص من تقييدها بما بعد الغسل ، لموثقة عمّار المتقدِّمة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الدنّ يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خل أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال : إذا غسل فلا بأس » (3).. حيث وردت في تلك المسألة بعينها ودلت على عدم البأس بجعل الخل في الدنّ المتنجس


1) مصباح الأُصول 2 : 410.

2) الوسائل 3 : 495 / أبواب النجاسات ب 51 ح 2.

3) الوسائل 3 : 494 / أبواب النجاسات ب 51 ح 1 وتقدّمت الإشارة إليها في ص 211.

بالخمر مقيداً بما إذا كان بعد غسله.

هذا ، ثم إنّ الرواية على تقدير صراحتها في إرادة كفاية الجفاف من دون غسل أيضاً لا يمكننا الاعتماد عليها في المقام ، وذلك لإجمالها حيث إنها وإن احتمل أن يكون الوجه في قوله علیه السلام فيها « نعم » هو عدم منجسية المتنجس ، إلاّ أن من المحتمل أن تكون ناظرة إلى طهارة الخمر كغيرها من الأخبار الواردة في طهارتها وعليه فقوله « نعم » مستند إلى عدم نجاسة الدنّ في نفسه لطهارة ما أصابه من الخمر وإن حرم شربها ، لأنها إذا جفت حينئذ ولم يبق فيه شي‌ء من أجزائها فلا مانع من أن يجعل فيه الخل أو شي‌ء آخر من المائعات. ويقرّب هذا الاحتمال أن لراوي هذا الحديث رواية أُخرى أيضاً تقتضي طهارة الخمر في نفسها ، قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : إني آخذ الركوة فيقال إنه إذا جعل فيها الخمر وغسلت ثم جعل فيها البختج كان أطيب له ، فنأخذ الركوة فنجعل فيها الخمر فنخضخضه ثم نصبه فنجعل فيها البختج ، قال : لا بأس به » (1).

ومنها : ما رواه علي بن مهزيار قال : « كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره أنه بال في ظلمة الليل وأنه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك أنه أصابه ولم يره ، وأنه مسحه بخرقة ثم نسي أن يغسله وتمسح بدهن فمسح به كفيه ووجهه ورأسه ثم توضأ وضوء الصلاة فصلّى؟ فأجابه بجواب قرأته بخطه : أما ما توهّمت مما أصاب يدك فليس بشي‌ء إلاّ ما تحقّق ، فان حقّقت ذلك كنت حقيقاً أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها ، وما فات وقتها فلا إعادة عليك لها ، من قبل أن الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يعد الصلاة إلاّ ما كان في وقت ، وإذا كان جنباً أو صلّى على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته ، لأن الثوب خلاف الجسد ، فاعمل على ذلك إن شاء اللّه » (2)حيث إنها تكفلت ببيان أمرين :


1) الوسائل 25 : 368 / أبواب الأشربة المحرمة ب 30 ح 3.

2) الوسائل 3 : 479 / أبواب النجاسات ب 42 ح 1.

أحدهما : صغرى أن الرجل قد تنجست يده بالبول وأنه لم يغسلها ، وإنما مسحها بخرقة ثم تمسح بالدهن ومسح به كفيه ووجهه ورأسه ثم توضأ وصلّى. وثانيهما : كبرى أن من صلّى في النجس من ثوب أو بدن والتفت إلى ذلك بعد الصلاة فإنما يجب عليه إعادتها في الوقت ولا يجب قضاؤها خارج الوقت. نعم ، لو صلّى محدثاً ثم التفت إلى حدثه بعد الصلاة تجب عليه إعادتها في الوقت كما يجب قضاؤها خارج الوقت سواء أكان محدثاً بالأصغر أم كان محدثاً بالأكبر. وقد علم من تطبيق الكبرى المذكورة على موردها وصغراها أن المتنجس غير منجّس ، فإنه لولا ذلك لتعيّن الحكم ببطلان الوضوء لانفعال الماء المستعمل فيه بملاقاة يده المتنجسة ومعه تجب إعادة الصلاة التي صلاها بذلك الوضوء في وقتها ، كما يجب قضاؤها خارج الوقت مع أنه علیه السلام لم يحكم ببطلان الوضوء بل عدّ الرجل ممن صلّى بوضوء وأوجب عليه الإعادة في وقتها لانكشاف أن صلاته وقعت مع النجس في وقتها ، فصريح تطبيقه هذا أنّ المتنجس غير منجس لما أصابه.

وتوهّم أنّ الوضوء في مورد الصحيحة غير صحيح مطلقاً قلنا بمنجسية المتنجس أم قلنا بعدمه فإن طهارة المحل معتبرة في صحة الوضوء ، وحيث إن يده متنجسة في مفروض الرواية بملاقاتها البول وعدم غسلها فلا مناص من الحكم ببطلان وضوئه وصلاته التي صلاّها بهذا الوضوء ، مندفع بأن اشتراط طهارة الأعضاء في الوضوء مما لم يرد في أي دليل ، غير أنهم اعتبروها شرطاً في صحته نظراً إلى أنّ المتنجس كالنجس منجّس عندهم ، فإنّ نجاسة المحل حينئذ تقتضي سراية النجاسة إلى الماء وطهارة الماء شرط في صحة الوضوء ، فإذا أنكرنا منجسية المتنجس فلا يبقى موقع لاشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء ، لأن الماء على ذلك لا ينفعل بملاقاة العضو المتنجس ومع طهارة الماء لا مناص من الحكم بصحة الوضوء. نعم ، يبقى المحل على نجاسته ، وحيث إنه صلّى مع نجاسة بدنه فقد وجبت عليه إعادة صلاته في الوقت ولا يجب عليه قضاؤها خارج الوقت لتمامية وضوئه على الفرض.

فالإنصاف أن الصحيحة ظاهرة الدلالة على المدعى. ويؤكد ذلك أعني عدم تنجيس المتنجس تقييد الإمام علیه السلام الحكم بالإعادة بالصلوات اللّواتي

صلاّها بذلك الوضوء بعينه ، والوجه في ذلك أن بهذا القيد قد خرجت الصلاة الواقعة بغير ذلك الوضوء كما إذا توضأ ثانياً أو ثالثاً وصلّى به فلا تجب إعادتها ولا قضاؤها ولا يتم هذا إلاّ على القول بعدم تنجيس المتنجس ، لأن يده المتنجسة لو كانت منجسة لما أصابها لأوجبت تنجس الماء وجميع أعضاء الوضوء ، ولا بد معه من الحكم ببطلان صلواته مطلقاً سواء أكان صلاّها بذلك الوضوء أم بغيره ، لأن أعضاء وضوئه المتنجسة بسبب ذلك الوضوء باقية على نجاستها ولم يقع عليها أي مطهّر إلاّ أن المتنجس لما لم يكن منجّساً ولم تستلزم نجاسة يده تنجس الماء ولا أعضاء وضوئه لم يحكم ببطلان صلواته اللّواتي صلاّها بالوضوء الثاني أو الثالث وهكذا ، وذلك لطهارة بدنه وأعضاء وضوئه عند التوضؤ الثاني أو الثالث وهكذا ، أما غير يده المتنجسة بالبول فلعدم سراية النجاسة من يده إليه ، وأما يده المتنجسة فللقطع بطهارتها لأنه غسلها مرتين حيث توضأ مرّتين أو أكثر ، وهذا بخلاف الصلوات اللواتي صلاّها بذلك الوضوء بعينه لأن النجاسة البولية لا ترتفع بغسل يده مرّة واحدة ، فاذا صلّى مع نجاسة بدنه فلا محالة يحكم بوجوب إعادتها في الوقت ، فالصحيحة غير قابلة للمناقشة في دلالتها.

والصحيح في الجواب أن يقال : إن الرواية مضمرة ولا اعتبار بالمضمرات إلاّ إذا ظهر من حال السائل أنه ممن لا يسأل غير الإمام كما في زرارة ومحمّد بن مسلم وهكذا علي بن مهزيار وأضرابهم ، والكاتب فيما نحن فيه وهو سليمان بن رشيد لم يثبت أنه ممن لا يسأل غير الإمام علیه السلام حيث لا نعرفه ولا ندري من هو فلعلّه من أكابر أهل السنة وقد سأل المسألة عن أحد المفتين في مذهبه أو عن أحد فقهائهم ، وغاية ما هناك أن علي بن مهزيار ظن بطريق معتبر عنده أنه سأل الإمام علیه السلام أو اطمأن به إلاّ أنّ ظنه أو اطمئنانه غير مفيد بالإضافة إلى غيره كما لعلّه ظاهر.

ومنها : الأخبار الواردة في طهارة القطرات المنتضحة من الأرض في الإناء وهي طوائف من الاخبار فمنها : ما ورد في غسل الجنب من أنه يغتسل فينتضح من الأرض

في الإناء ، قال : لا بأس (1)حيث دلت على أن الأرض ولو كانت متنجسة غير موجبة لتنجس القطرات المنتضحة منها في الإناء هذا. ويمكن أن يقال إن الأخبار الواردة بهذا المضمون غير ناظرة إلى عدم تنجيس المتنجس وإنما سيقت لبيان أن القطرات المنتضحة من غسالة الجنابة في الإناء غير مانعة عن صحة الاغتسال بالماء الموجود فيه ، وأن حكمها ليس هو حكم الغسالة في كونها مانعة عن صحته.

ومنها : ما ورد في القطرات المنتضحة من الكنيف أو المكان الذي يبال فيه عند الاغتسال أو غيره ، قال : لا بأس به. حيث دلت بإطلاقها على طهارة القطرات المنتضحة من الكنيف وإن علمنا بنجاسة الموضع المنتضح منه الماء ، لعدم استفصالها بين العلم بنجاسة الموضع وبين العلم بطهارته أو الشك فيها وترك الاستفصال دليل العموم. وهذه الأخبار على طائفتين فإن منها ما يقتضي طهارة القطرات المنتضحة مطلقاً بلا فرق في ذلك بين صورتي جفاف الأرض ورطوبتها (2)ومنها ما دلّ على طهارتها مقيدة بما إذا كانت الأرض جافة ، وهذا كما رواه علي بن جعفر عن أخيه قال : « سألته عن الكنيف يصب فيه الماء فينضح على الثياب ما حاله؟ قال : إذا كان جافاً فلا بأس » (3)وظاهرها أن للجفاف مدخلية في الحكم بطهارة القطرات المنتضحة من الكنيف كما أن للرطوبة خصوصية في الحكم بنجاستها ، وبها يقيد إطلاق الطائفة المتقدِّمة فيختص الحكم بطهارة الماء المنتضح بما إذا كانت الأرض جافة.

ودعوى أنّ التقييد بالجفاف إنما هو من جهة ملازمته للشك في نجاسة المكان وطهارته ، كما أن رطوبة الكنيف تلازم العلم بنجاسته. مندفعة بأن الجفاف غير مستلزم للشك في نجاسة الكنيف كما أن الرطوبة غير مستلزمة للعلم بنجاسته ، إذ الجفاف قد يقترن بالشك في نجاسته وقد يقترن بالعلم بها وكذلك الرطوبة تارة تقترن بالعلم بالنجاسة وأُخرى تجتمع مع الشك فيها ، وكيف كان ، فالمستفاد من هذه الطائفة


1) الوسائل 1 : 211 / أبواب الماء المضاف ب 9 ح 1 ، 5 ، 6.

2) الوسائل 1 : 213 / أبواب الماء المضاف ب 9 ح 7.

3) الوسائل 3 : 501 / أبواب النجاسات ب 60 ح 2.

بعد تقييد مطلقها بمقيدها عدم تنجيس المتنجس الجاف للماء الوارد عليه هذا.

ولا يخفى أنها وإن دلت على طهارة القطرات المنتضحة من الأرض النجسة حال جفافها إلاّ أنه لا بد من الاقتصار فيها على موردها ، وهو الماء القليل الذي أصابه النجس من غير أن يستقر معه ولا يمكننا التعدي عنه إلى غيره ، فان الالتزام بعدم انفعال الماء القليل حينئذ أولى من الحكم بعدم تنجيس المتنجس على وجه الإطلاق فإن الحكم بعدم انفعال الماء القليل في مورد الرواية لا يستلزم سوى ارتكاب تقييد المطلّقات الواردة في انفعال الماء القليل بملاقاة النجس ، فيستثنى منها ما إذا لم يستقر القليل مع النجس ولا محذور في التقييد أبداً ، وهذا بخلاف الالتزام بعدم تنجيس المتنجسات ، لأنه مخالف للأدلة الواردة في منجسية المتنجس كالنجس هذا.

بل يمكن أن يقال : إن الحكم بعدم انفعال الماء في مفروض الكلام مما لا يستلزمه أي محذور حتى تقييد المطلقات ، وذلك لأن ما دلّ على انفعال الماء القليل بملاقاة النجس أمران : أحدهما : مفهوم ما ورد من أن الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجّسه شي‌ء (1). وثانيهما : الأخبار الواردة في موارد خاصة كالماء الذي وقعت فيه فأرة ميتة أو الإناء الذي قطرت فيه قطرة من الدم (2)وغير ذلك من الموارد المتقدمة في تضاعيف الكتاب ، ولا إطلاق في شي‌ء منهما يقتضي انفعال الماء القليل بمجرد ملاقاة النجس وإن لم يستقر معه. أما مفهوم قوله : الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي‌ء فلما حققناه في محلِّه من أنه لا إطلاق في مفهوم ذلك ولا دلالة له على أن الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه كل شي‌ء ، وإنما يقتضي بمفهومه أنه إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شي‌ء ما ، وليكن ذلك هو الأعيان النجسة بل المتنجسات أيضاً ولو كان الماء وارداً على خلاف السيد المرتضى قدس سره حيث فصّل بين الوارد والمورود (3)ولا يستفاد من مفهومه أنّ النجس أو المتنجس منجس للماء في جميع الأحوال والكيفيات وإن لم يستقر معه.


1) الوسائل 1 : 158 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1 ، 2 ، 5 ، 6.

2) الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1 وفي ص 150 ب 8 ح 1.

3) الناصريات : 215 المسألة الثالثة.

لكن لا يجري عليه جميع أحكام النجس (1) فاذا تنجس الإناء بالولوغ يجب تعفيره لكن إذا تنجس إناء آخر بملاقاة هذا الإناء ، أو صب ماء الولوغ في إناء آخر لا يجب فيه التعفير ، وإن كان الأحوط خصوصاً في الفرض الثاني. وكذا إذا تنجس الثوب بالبول وجب تعدد الغسل ، لكن إذا تنجس ثوب آخر بملاقاة هذا الثوب


وأما الروايات الخاصة فلأنه لم يرد شي‌ء منها في انفعال الماء القليل غير المستقر مع النجس ، وإنما وردت في القليل المستقر مع الميتة أو الدم ونحوهما. وعليه فلا إطلاق في شي‌ء من الدليلين حتى يشمل المقام ويكون القول بعدم انفعال القليل غير المستقر مع النجس تقييداً للمطلقات أو تخصيصاً للعمومات.

فتحصل إلى هنا : عدم تمامية شي‌ء من الأخبار المستدل بها على نفي منجسية المتنجسات مطلقاً ، فالصحيح ما ذكرناه من أن المتنجس بلا واسطة مما لا مناص من الالتزام بمنجسيته في الجوامد والمائعات وأما المتنجس مع الواسطة فأيضاً لا كلام في منجسيته في المائعات ، وأما في الجوامد فقد عرفت عدم ثبوتها بدليل وإن ذهب المشهور إلى منجسيته كالمتنجس بلا واسطة ، ولكن الإفتاء بمنجسيته مشكل ومخالفة المشهور أشكل ، ومعه يكون الحكم بمنجسية المتنجس مبنياً على الاحتياط.

(1) فالثوب إذا أصابه البول مثلاً يجب أن يغسل مرتين في الماء القليل إلاّ أنه حكم يخص بالمتنجس بالبول فحسب ، وأما المتنجس بالمتنجس به كما إذا تنجس ثوب آخر بالثوب المتنجس بالبول فلا يأتي ذلك فيه ولا يجب غسله مرّتين ، فإنه لم يصبه البول وإنما أصابه المتنجس به ، فاذا قلنا بكفاية الغسل مرة واحدة في مطلق النجاسات كما هو الصحيح وأن الزائد عنها يحتاج إلى دليل فيكتفى في تطهير الثوب المتنجس بالمتنجس بالبول بالغسل مرّة واحدة ، وأما إذا لم نقل بذلك وقلنا بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلية فلا مناص من الحكم بوجوب غسله مرّتين للشك في كفاية الغسل مرة واحدة في تطهير المتنجس بما تنجس بالبول فنستصحب نجاسته حتى نقطع بارتفاعها. وكذلك الحال فيما إذا ولغ الكلب في الإناء فان تطهيره يتوقّف على تعفيره زائداً على غسله بالماء ، إلاّ أن ذلك الإناء إذا لاقى إناءً ثانياً

فلا نحكم باعتبار التعفير في تطهيره لعدم ولوغ الكلب فيه ولعل هذا مما لا خفاء فيه.

وإنما الكلام كله فيما إذا ولغ الكلب في الإناء بأن شرب من مائه من غير أن يصيب نفسه ثم أفرغنا ماءه في إناء آخر ، فان التعفير لا إشكال في اعتباره في تطهير الإناء الأول لولوغ الكلب فيه ، وهل يجب أيضاً ذلك في الإناء الثاني أو الثالث وهكذا لاشتراكه مع الأول فيما هو العلة في تنجيسه وهو شرب الكلب من الماء المظروف فيه من غير أن يصيب نفسه ، فان ذلك الماء بعينه موجود في الإناء الثاني أو الثالث فيجب تعفيره ، أو أن اعتباره مختص بالأول فحسب؟ فقد قوّى وجوب ذلك بعضهم في الإناء الثاني وما زاد ، واحتاط الماتن قدس سره في المسألة بعد ذهابه إلى عدم وجوب التعفير حينئذ.

أما الاحتياط الاستحبابي في تعفيره فلا إشكال في حسنه ، وأما القوة فهي مما لا وجه له ، وذلك لأن من لاحظ صحيحة البقباق التي هي المدرك في الحكم باعتبار التعفير في الولوغ فلا يتأمل في الحكم باختصاصه بالإناء الأوّل ، قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن فضل الهرة والشاة والبقرة والإبل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئاً إلاّ سألته عنه؟ فقال : لا بأس به ، حتى انتهيت إلى الكلب فقال : رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء ، واغسله بالتراب أوّل مرة ثم بالماء » (1)ومرجع الضمير في قوله واغسله غير مذكور في الصحيحة وإنما استفدناه من القرينة الخارجية ، وهي أن الكلام إنما هو في التوضؤ بسؤر الكلب وفضل مائه ومن البديهي أن السؤر وفضل الكلب أو غيره لا بد من أن يكون في إناء وإلاّ فلا معنى لصبه ، فالذي أمره علیه السلام بغسله بالتراب ثم بالماء هو الإناء الذي شرب منه الكلب لا محالة ، ومن الظاهر أن الإناء الذي شرب منه الكلب وبقي فيه فضله وسؤره إنما هو الإناء الأول دون الثاني والثالث وغيرهما ، حيث إنهما ليسا بإناء شرب منه الكلب وهو ظاهر ، فبهذا اختص وجوب التعفير بالإناء الأوّل فحسب.


1) الوسائل 1 : 226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 4.

لا يجب فيه التعدّد ، وكذا إذا تنجّس شي‌ء بغسالة البول بناء على نجاسة الغسالة لا يجب فيه التعدّد.

[240] مسألة 12 : قد مرّ أنه يشترط في تنجس الشي‌ء بالملاقاة تأثره فعلى هذا لو فرض جسم لا يتأثّر (1)بالرطوبة أصلاً ، كما إذا دهن على نحو إذا غمس في الماء لا يتبلل أصلاً يمكن أن يقال إنه لا يتنجّس بالملاقاة ولو مع الرطوبة المسرية ، ويحتمل أن يكون رجل الزنبور والذباب والبق من هذا القبيل (1).


ودعوى أنّ الثاني والثالث متّحدان مع الأوّل في المناط ، تحتاج إلى علم الغيب بملاكات الأحكام ومن أين لنا ذلك ، إذ من الجائز أن يكون الملاك متحققاً في خصوص الإناء الأول دون غيره. نعم ، إذا قلنا بما يحكى عن العصريين من أن ولوغ الكلب يوجب انتقال الميكروبات إلى ما ولغ فيه ، فلا مناص من الحكم باتحاد الإناء الثاني والثالث مع الأوّل ، لأنّ الميكروبات المنتقلة إلى الإناء الأوّل بعينها منتقلة إلى الثاني أو غيره ، فان الماء الذي ولغ فيه الكلب هو الموجود في الجميع ، إلاّ أن النجاسة ووجوب التعفير لو كانا دائرين مدار الميكروب لزم الحكم بوجوب تعفير الثوب والبدن وغيرهما مما افرغ فيه شي‌ء من الماء الذي ولغه الكلب في الإناء الأوّل لانتقال الميكروب إليه ، ولم يقل بذلك أحد لأنّ اعتباره مختص بالآنية ، ومن المحتمل أن تنتقل الميكروبات إلى خصوص ما ولغ فيه الكلب أوّلاً ولا ينتقل شي‌ء منها إلى ملاقيه.

(1) أما كبرى ما أفاده فلما قدّمناه وعرفت من أن السراية معتبرة في تنجيس المتنجسات بالارتكاز ، فان العرف لا يرى ملاقاة النجس مؤثرة في ملاقياته مع الجفاف ، فلا مناص في تأثيرها من اعتبار السراية وهي لا تتحقق إلاّ إذا كانت في كلا المتلاقيين أو في أحدهما رطوبة مسرية ، وأما الصغريات الواقعة في كلامه فلا يمكن المساعدة على عدم تأثرها بالرطوبة بوجه ، وذلك لأن الدهن بنفسه يتأثّر بالماء ما دام فيه فكيف لا يتأثر الجسم بالرطوبة بسببه حال كونه في الماء ، واحتمال أن رجل


1) (*) لكنه مجرد فرض لا واقع له.

[241] مسألة 13 : الملاقاة في الباطن لا توجب التنجيس فالنخامة الخارجة من الأنف طاهرة وإن لاقت الدم في باطن الأنف. نعم ، لو ادخل فيه شي‌ء من الخارج ولاقى الدم في الباطن ، فالأحوط فيه الاجتناب (1)(1).

فصل : [ فصل في أحكام النجاسة ]

يشترط (2) في صحّة الصّلاة واجبة كانت أو مندوبة إزالة


الزنبور وأخويه مما لا يتأثر بالرطوبة حال كونها في الماء خلاف الوجدان كما ذكرناه في تعليقتنا على المتن.

(1) قدّمنا الكلام في ذلك في محلِّه (2)وقلنا إنّ الملاقاة لا أثر لها في الباطن وإن كان الملاقي أمراً خارجياً كما إذا دخل شي‌ء من الخارج إلى الجوف ولاقى فيه الدم أو غيره من النجاسات فليراجع.

فصل

(2) اتفقوا على اعتبار إزالة النجاسة عن البدن واللباس في صحة الصلاة وهو مما لا كلام فيه. وتدل عليه الأخبار الكثيرة المتواترة إلاّ أنها وردت في موارد خاصة من الدم والبول والمني ونحوها ، ولم ترد رواية في اعتبار إزالة النجس بعنوانه عن البدن واللباس في الصلاة كي تكون جامعة لجميع أفراد النجس ، ففي صحيحة زرارة « قلت له : أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‌ء من مني فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء ، فأصبت وحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئاً وصليت ، ثم إني ذكرت بعد


1) (*) تقدم أن الأقوى فيه الحكم بالطهارة.

2) في المسألة [161].

ذلك ، قال : تعيد الصلاة وتغسله ... » الحديث (1)وهي كما ترى تختص بالمني ودم الرعاف وغيره من الدماء ولا تشمل النجاسات بأجمعها ، نعم لو قرئ الضمير في « غيره » مرفوعاً بأن أرجعناه إلى الدم لا إلى الرعاف دلّت على مانعية مطلق النجاسات في الصلاة.

ولكن يمكن استفادة ذلك من الأخبار الواردة في جواز الصلاة في مثل التكّة والجورب والقلنسوة وغيرها من المتنجسات التي لا تتم فيها الصلاة (2)، حيث إنّ ظاهرها أنّ الأشياء التي تتم فيها الصلاة يعتبر أن تكون طاهرة وإنما لا تعتبر الطهارة فيما لا تتم فيه الصلاة ، بل يمكن استفادته مما ورد من أن الصلاة لا تعاد إلاّ من خمسة : الطهور ، والوقت ، والقبلة ، والركوع ، والسجود (3)حيث دلّ على وجوب إعادة الصلاة بالإخلال بالطهور وهو بمعنى ما يتطهّر به على ما عرفت في أول الكتاب فيعم الطهارة من الحدث والخبث. ويؤيد ذلك إرادة ما يعم الطهارتين في صحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام « لا صلاة إلاّ بطهور ، ويجزئك من الاستنجاء ثلاثة أحجار وبذلك جرت السنّة » (4)فان تذييل حكمه علیه السلام بنفي الصلاة من غير طهور بتجويزه الاستنجاء بثلاثة أحجار قرينة واضحة على أن المراد بالطهور ما يعم الطهارة من الخبث والحدث ، وعلى ذلك فالحديث يدلنا على اعتبار الطهارة من كل من الحدث والخبث في الصلاة. ولكن الصحيح هو اختصاص الطهور في الحديث بالطهارة من الحدث كما يأتي بيانه في البحث عن شمول لا تعاد لمن صلّى في النجس عن جهل قصوري (5)فانتظره.

وكيف كان ، فلا كلام في اعتبار إزالة النجاسة عن الثوب والبدن في الصلاة ، فإذا


1) الوسائل 3 : 479 / أبواب النجاسات ب 42 ح 2.

2) الوسائل 3 : 455 / أبواب النجاسات ب 31 ح 1 5.

3) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8 ، وفي 5 : 471 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 14 وغيرهما.

4) الوسائل 1 : 315 / أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 1.

5) في ص 316.

النجاسة عن البدن حتى الظفر والشعر (1) واللباس ، ساتراً كان أو غير ساتر عدا ما سيجي‌ء من مثل الجورب ونحوه مما لا تتم الصلاة فيه ، وكذا يشترط (2) في توابعها من صلاة الاحتياط وقضاء التشهد والسجدة المنسيين.


صلّى في النجس متعمداً وجبت إعادتها أو قضاؤها ولا يجب على الجاهل شي‌ء ، وأما ناسي النجاسة فحاله عند الأكثر حال العالم بها في وجوب الإعادة والقضاء ، وإن ذهب شرذمة إلى التفصيل بين الوقت وخارجه فحكموا بوجوب الإعادة دون القضاء استناداً إلى رواية علي بن مهزيار المتقدِّمة (1)، وتفصيل الكلام في هذه المسألة يأتي في محلِّه إن شاء اللّه.

(1) الطهارة كما تعتبر في بدن المصلّي وثيابه كذلك تعتبر في عوارض بدنه كشعره وظفره لأنهما أيضاً من بدنه ، ولم نقف على من فصّل في ذلك من الأصحاب ، ولعلّه قدس سره إنما تعرض له توضيحاً للكلام ، كما لا فرق في اشتراط الطهارة بين الصلوات الواجبة والمندوبة ، ولا فرق في ذلك بين الأداء والقضاء فإن أحدهما عين الآخر ولا يتفارقان إلاّ من ناحية الزمان ، فحيث إن الطهارة معتبرة في الصلاة والصلاة قضاءً أيضاً صلاة اعتبر فيها الطهارة لا محالة.

(2) هل يشترط الطهارة من الخبث في توابع الصلاة كصلاة الاحتياط ، وكذا في قضاء الأجزاء المنسية من الصلاة كما إذا نسي سجدة أو غيرها ثم تذكرها فإنه يقضيها بعد الصلاة أو نسي التشهد بناء على أن له قضاء؟

فقد يستشكل في اعتبارها في قضاء الأجزاء المنسية بأن اعتبار الطهارة إنما تختص بالصلاة ، وما يؤتى به من الأجزاء المنسية بعد الصلاة ليس بصلاة. وهذه المناقشة لعلّها تبتني على حمل القضاء فيما دلّ على قضاء الأجزاء المنسية على معناه المصطلح عليه ، وأما إذا حملناه على معناه اللغوي أعني مجرد الإتيان فلا وجه للمناقشة أبداً ، وذلك لأنّ القضاء عين الأداء ولا يفترقان إلاّ من ناحية الزمان ،


1) في ص 227.

وكذا في سجدتي السّهو على الأحوط (1)، ولا يشترط (1) فيما يتقدّمها من الأذان والإقامة والأدعية التي قبل تكبيرة الإحرام ،


والطهارة من الخبث معتبرة في الصلاة وأجزائها كالسجدة والتشهد ونحوهما ، فلا مناص معه من اعتبارها في قضاء الأجزاء المنسية أيضاً ، فإن السجدة المقضية مثلاً بعينها السجدة المعتبرة في أداء الصلاة وإنما اتي بها في غير محلها واختلف زمانها ، ومن هنا لو لم يؤت بها قضاء بطلت الصلاة حيث لم يؤت ببعض أجزائها ، فاعتبار الطهارة في قضاء الأجزاء المنسية مما لا شبهة فيه. ومن تلك الأجزاء التشهد المنسي فيعتبر الطهارة في قضائه بناء على أن له قضاء إلاّ أنه لم يثبت القضاء للتشهد كما يأتي في محلِّه (2)إن شاء اللّه.

وكذا لا ينبغي الإشكال في اعتبارها في صلاة الاحتياط وذلك لأنها أيضاً صلاة وقد اعتبرنا الطهارة في صحة الصلاة. وأما اعتبارها في سجدتي السهو فلم نقف له على دليل ، ولا سيما أنهما خارجتان عن أجزاء الصلاة ومن هنا لا تبطل بالإخلال بهما ، حيث إن إتيانهما واجب نفسي بعد الصلاة وإنما وجبتا إرغاماً للشيطان كما في الخبر (3)وكيف كان ، إنهما واجبتان نفسيتان قبل التكلم بعد الصلاة ، لا أنهما من أجزاء الصلاة كما أنهما ليستا بصلاة في نفسهما فلا وجه لاعتبار الطهارة في صحتهما.

(1) لا إشكال ولا ريب في عدم اعتبار الطهارة في الأذان لأنه أمر مستحب وخارج عن حقيقة الصلاة ، بل قد ورد الترخيص في الأذان مع الحدث (4)فما ظنّك بجوازه مع الخبث. وأما الإقامة فهي أيضاً كالأذان خارجة عن الصلاة فلا موجب لاعتبار الطهارة من الخبث في صحتهما. وأما ما ورد من أن الإقامة من الصلاة ، وأن


1) وإن كان الأظهر عدم اعتبارها فيهما.

2) في المسألة [2019].

3) راجع ما رواه معاوية بن عمّار المروي في الوسائل 8 : 250 / أبواب الخلل في الصلاة ب 32 ح 1.

4) الوسائل 5 : 391 / أبواب الأذان والإقامة ب 9 ح 1 8.

ولا فيما يتأخّرها من التعقيب (1) ويلحق باللباس على الأحوط اللحاف الذي يتغطى به المصلي مضطجعاً إيماء سواء كان متستراً به أو لا (1)، وإن كان الأقوى في صورة عدم التستر به بأن كان ساتره غيره ، عدم الاشتراط(2) .


من دخل فيها فقد دخل في الصلاة (2)فإنما ورد اهتماماً من الشارع بالإقامة وللحث عليها لا أنها حقيقة من الصلاة ، كيف وقد ورد أن الصلاة تفتتح بالتكبير وتختم بالتسليم ، أو أن الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم (3)وهي مع ورودها في مقام البيان والتحديد لم تعدّ الإقامة من الصلاة ، فلا يعتبر فيها ما كان يعتبر في الصلاة كالاستقبال وترك التكلّم والطهارة من الخبث ونحوها. نعم ، لو تكلم المقيم بعد قول قد قامت الصلاة استحبت اعادتها. هذا بالإضافة إلى الطهارة من الخبث.

وأما الطهارة من الحدث فيأتي في محلِّه (4)اعتبارها في الإقامة لا لأنها من أجزاء الصلاة بل للنهي عنها بدونها (5)وهو نهي وضعي يقتضي بطلان الإقامة من دونها كما هو الحال في القيام إذ قد ورد أنه لا يقيم إلاّ وهو قائم (6). ومما ذكرناه في الأذان والإقامة ظهر الحال في الأدعية المستحبّة قبل التكبيرة فلا نطيل.

(1) لانقضاء الصلاة وانتهائها وعدم كون الأمر المتأخر من أجزاء الصلاة.

(2) هل يشترط الطهارة فيه مطلقاً أو لا يشترط؟ أو يفصّل بين ما إذا تستّر به


1) التستر باللحاف لا يجزئ في صحة الصلاة وإن كان طاهراً ، لأنه لا يخرج بذلك عن الصلاة عارياً ، نعم إذا جعل اللحاف لباساً له أجزأه ، إلاّ أن نجاسته حينئذ توجب بطلان الصلاة بلا إشكال.

2) هذا مضمون بعض الأخبار الواردة في الوسائل 5 : 404 / أبواب الأذان والإقامة ب 13 ح 12.

3) الوسائل 6 : 11 / أبواب تكبيرة الإحرام والافتتاح ب 1 ح 10.

4) قبل المسألة [1403] ( فصل في شرائط الأذان والإقامة السابع ).

5) الوسائل 5 : 391 / أبواب الأذان والإقامة ب 9 ح 2 ، 3 ، 6 8.

6) الوسائل 5 : 402 / أبواب الأذان والإقامة ب 13 ح 5.

• كما إذا لم يكن على بدنه ساتر غيره وما إذا لم يتستر به ، بالاشتراط في الأوّل دون الأخير؟ التحقيق أن هذا التفصيل مما لا يرجع إلى محصّل معقول وإن التزم به الماتن قدس سره بل الصحيح أن يفصّل على نحو آخر كما نبينه ، وذلك لأن الساتر كما يأتي في محلِّه ساتران : أحدهما : ما يتستر به العورة عن الناظر المحترم ، ولا يعتبر في هذا القسم من الساتر أية خصوصية من الخصوصيات المفرّدة ، فإن الغرض منه ليس إلاّ المنع عن النظر وهو كما يحصل باللباس كذلك يحصل بالوحل والحشيش ، بل وبالظلمة والدخول في مثل الحب ووضع اليد أو الصوف ونحوهما على القبل والدبر ، لبداهة حصول الغرض بجميع ذلك كما لعله ظاهر. وثانيهما : الساتر المعتبر في الصلاة ويشترط فيه أن يكون من قبيل اللباس حيث ورد أن الرجل لا بد له في صلاته من ثوب واحد ولا بد للمرأة من ثوبين (1)كما يأتي تحقيقه في موضعه إن شاء اللّه ، فقد اعتبر في الصلاة أن يكون المصلي لابساً واللاّبس في مقابل العاري ، فلا تصح صلاة العريان وإن ستر عورتيه بيده أو بوحل أو ظلمة ونحوها ، لأن المصلي حال كونه متستراً بمثل الحب أو الظلمة يصح أن يقال إنه عريان ، لعدم صدق اللاّبس على المتستر بظلمة أو حب. وإذا تبينت ذلك فنقول :

إنّ المصلِّي مضطجعاً أو غيره إن كان قد لبس اللحاف بأن لفّه على بدنه بحيث صدق عرفاً أنه لبسه لبداهة أن اللبس لا يعتبر فيه كيفية معينة فقد يكون باللبس على الوجه المتعارف وقد يكون باللف كما في المئزر ونحوه فلا مناص من أن يشترط فيه الطهارة لأنه لباس ، وقد اشترطنا الطهارة في لباس المصلِّي كما مرّ بلا فرق في ذلك بين أن يكون له ساتر آخر غير اللحاف وعدمه ، لأن الطهارة لا يختص اعتبارها بالساتر فحسب فإنه يعم جميع ما يلبسه المصلي متعدداً كان أم متحداً.

وأما إذا لم يلبس اللحاف ولم يلفّه على بدنه كما إذا ألقاه على رأسه أو منكبيه على ما هو المتعارف في مثله فلا نعتبر فيه الطهارة بوجه لعدم كونه لباساً للمصلي على


1) ورد مضمونه في الوسائل 4 : 387 / أبواب لباس المصلي ب 21 ح 1 وفي ص 406 ب 28 ح 7 ، 10.

ويشترط في صحة الصلاة أيضاً إزالتها عن موضع السجود دون المواضع الأُخر فلا بأس بنجاستها إلاّ إذا كانت مسرية إلى بدنه أو لباسه (1).


الفرض ، إلاّ أنه لو صلّى معه ولم يكن له ساتر آخر بطلت صلاته لأنه صلّى عارياً فإن المصلي كما يصح أن يقال له إنه صلّى عارياً فيما إذا صلّى في بيت مسقف أو في ظلمة ونحوهما ولم يكن لابساً لشي‌ء ، كذلك إذا صلّى تحت اللحاف من دون أن يكون له لباس فيقال إنه عريان تحته فيحكم ببطلان صلاته ، وهذا بخلاف ما إذا كان له ساتر غير اللحاف لأنّ نجاسته غير مانعة عن صحة الصلاة لعدم كون اللحاف لباساً للمصلِّي ، وإنما هو من المحمول المتنجس في الصلاة ويأتي حكمه في محلِّه (1)إن شاء اللّه.

(1) هذا هو المعروف بينهم بل ادعى جملة من الأصحاب الإجماع عليه وعن أبي الصلاح اشتراط الطهارة في مواضع المساجد السبعة بأجمعها (2)، كما حكي عن السيد قدس سره اعتبارها في مطلق مكان المصلي ، سواء أكان من مواضع المساجد أو غيرها (3). والظاهر بل الواقع أن محل النزاع والكلام ومورد النفي والإثبات إنما هو النجاسة غير المتعدية لأنها إذا كانت متعدية فلا ينبغي الإشكال في بطلان الصلاة معها ، وهذا لا لأجل اشتراط الطهارة في المكان بل من جهة اشتراطها في ثوب المصلي وبدنه حيث إن النجاسة المتعدية تسري إليهما وبه تبطل صلاته.

بل عن فخر المحققين قدس سره اعتبار خلو المكان عن النجاسة المسرية من جهة اعتبار الطهارة في المكان (4). وكيف كان ، فاشتراط خلو المكان عن النجاسة المسرية موضع وفاق عندهم وإنما الاختلاف بين الفخر وغيره في أنه يعتبر ذلك بما أن الطهارة شرط في المكان ، وغيره يعتبر من جهة أن الطهارة شرط في ثوب المصلي


1) في ص 436.

2) الكافي لأبي الصلاح : 140 141.

3) حكاه في الذكرى : 150 ، مستند الشيعة 4 : 423.

4) الإيضاح 1 : 90.

وبدنه. وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا كانت النجاسة المسرية مما يعفى عنه في الصلاة كما إذا كان أقل من مقدار الدرهم من الدم ، أو كانت النجاسة مسرية إلى الجورب وغيره مما لا يتم فيه الصلاة ، فان في هذه الموارد لا بد من الحكم ببطلان الصلاة بناءً على ما ذهب إليه الفخر قدس سره من اشتراط خلو المكان عن النجاسة المسرية من جهة اعتبار الطهارة في المكان ، ويحكم بصحتها بناء على أن اعتبار عدم النجاسة المسرية في المكان من جهة اشتراط الطهارة في ثوب المصلي أو بدنه ، حيث إن نجاستهما معفو عنها على الفرض ، أو أنها إنما تسري إلى الجورب وغيره مما لا يتم فيه الصلاة والنجاسة فيه غير مانعة عن الصلاة.

إذا عرفت ذلك فالكلام تارة يقع في اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة ، وأُخرى في اعتبارها في مواضع المساجد السبعة بأجمعها ، وثالثة في اشتراطها في مطلق مكان المصلي.

أما اعتبارها في مسجد الجبهة فالظاهر أنه مما لا شبهة فيه بل هو إجماعي عندهم. وقد يتوهم الخلاف في المسألة من جماعة منهم المحقق قدس سره حيث حكي عنه أنه نقل في المعتبر عن الراوندي وصاحب الوسيلة القول بجواز السجدة على الأرض والبواري والحصر المتنجسة بالبول فيما إذا تجففت بالشمس واستجوده (1)، مع ذهابهم إلى عدم طهارة الأشياء المذكورة بذلك ، لأنّ الشمس عندهم ليست من المطهّرات لبعد طهارة المتنجس من دون ماء ، وهذا في الحقيقة ترخيص منهم في السجدة على المتنجسات. وهذا التوهّم بمكان من الفساد لأن المحقق أو غيره لا يرى جواز السجدة على المتنجس ، وإنما رخّص في السجدة على الأرض المتنجسة ونحوها من جهة ثبوت العفو عن السجود على أمثالها عند جفافها بالشمس مع الحكم ببقائها على نجاستها فانّ الشمس عندهم ليست من المطهرات ، كما التزموا بذلك في ماء الاستنجاء لأنه نجس معفوّ عند بعضهم ، ومن هنا لم يرخّصوا في السجدة على الأرض المتنجسة إذا لم تجف بالشمس.


1) المعتبر 1 : 446 ، الوسيلة : 79.

فتحصّل : أنه لا خلاف في اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة عند أصحابنا ، ويدلُّ عليه صحيحة الحسن بن محبوب عن أبي الحسن علیه السلام أنه كتب إليه يسأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب علیه السلام إليَّ بخطِّه : أنّ الماء والنار قد طهّراه (1)حيث قرّر علیه السلام السائل على اعتقاده أن النجاسة في مسجد الجبهة مانعة عن الصلاة ولم يردع عن ذلك ، وإنما رخّص في السجود على الجص نظراً إلى طهارته بالماء والنار.

هذا كله في الاستدلال بها. وأما فقه الحديث وبيان أن الجص بعد ما تنجس بملاقاة العذرة وعظام الحيوانات الميتة حيث يوقد بهما كيف يطهّره الماء والنار ، ولا سيما أن العظام تشمل المخ وأن فيه دهناً ودسومة. فقد يقال : إن المراد بالنار حرارة الشمس والمراد بالماء رطوبة الجص الحاصلة بصب الماء عليه ، لعدم إمكان التجصيص بالجص اليابس ، فمرجع الصحيحة إلى أن الجص المشتمل على الرطوبة والمتنجس بالعذرة وعظام الموتى يطهر باشراق الشمس عليه. ولا يخفى بعده لأن حمل النار على حرارة الشمس وإرادة الرطوبة من الماء تأويل لا يرضى به اللبيب. وقد يقال : إن الصحيحة غير ظاهرة الوجه إلاّ أن جهلنا بوجهها وأن الماء والنار كيف طهّرا الجص غير مضر بالاستدلال بها على اشتراط الطهارة في مسجد الجبهة ، لأن دلالتها على ذلك مما لا خفاء فيه لتقريره علیه السلام هذا.

والصحيح أنه لا هذا ولا ذاك وأنّ الماء والنار باقيان على معناهما الحقيقي وأنّ الجص طهر بهما ، وذلك لأنّ النار توجب طهارة العذرة والعظام النجستين بالاستحالة حيث تقلبهما رماداً ، ويأتي في محلِّه (2)أنّ الاستحالة من المطهرات. وأما الماء فلأن مجرّد صدق الغسل يكفي في تطهير مطلق المتنجس إلاّ ما قام الدليل على اعتبار تعدّد الغسل فيه ، ويأتي في محلِّه (3)أن الغسلة الواحدة كافية في تطهير المتنجسات ، كما


1) الوسائل 3 : 527 / أبواب النجاسات ب 81 ح 1 وكذا في 5 : 358 / أبواب ما يسجد عليه ب 10 ح 1.

2) في المسألة [362] ( الرابع : الاستحالة ).

3) في المسألة [311].

وقفت فيما سبق (1)على أن غسالة الغسلة المتعقبة بطهارة المحل طاهرة سواء خرجت عن محلها وانفصلت أم لم تنفصل ، فإنه لولا ذلك لم يمكننا تطهير الأراضي الرخوة لعدم انفصال غسالتها أبداً ، وعليه فاذا صبّ الماء على الجص المتنجس أو جعل الجص على الماء فلا محالة يحكم بطهارته وإن لم تخرج غسالته ، وبهذا يصح أن يقال : إنّ الماء والنار قد طهّراه ، كما يصح أن يسجد عليه ولا يمنع ذلك طبخه لأنّ الجص من الأرض ولا تخرج الأرض عن كونها أرضاً بطبخها ، كما أنّ اللّحم في الكباب لا يخرج عن كونه لحماً بطبخه ، فلو كان أكل اللحم محرّماً حرم أكل مطبوخه أيضاً ، فلا مانع من السجود على الأرض المطبوخة كالجص والكوز والآجر وإن منع عنه الماتن قدس سره في محلِّه (2)إلاّ أنّا كتبنا في تعليقتنا : أن الأظهر جواز السجود على النورة والجص المطبوخين أيضاً لعدم خروج الجص بالطبخ عن كونه أرضاً وكذا غيره من الأجزاء الأرضية. ودليلنا على ذلك هذه الصحيحة كما يأتي في محلِّه.

هذا كلّه في اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة. وأما اشتراطها في مواضع المساجد السبعة بأجمعها فقد حكي القول بذلك عن أبي الصلاح الحلبي كما مرّ (3)ولم يظهر لنا وجهه ، ولعلّه اعتمد في ذلك على النبوي : « جنِّبوا مساجدكم النجاسة » (4)فان المساجد جمع محلى باللاّم يعم المساجد السبعة بأجمعها. ويرد على الاستدلال به وجوه : الأوّل : أن الحديث نبوي ضعيف السند ولم يعمل المشهور على طبقه حتى يتوهّم انجباره. الثاني : أن المراد بالمساجد لم يظهر أنه المساجد السبعة في الصلاة فإنّ من المحتمل أن يراد بها بيوت اللّه المعدّة للعبادة ، ويقرِّب هذا الاحتمال بل يدل عليه أنّ هذا التعبير بعينه ورد في غيره من الأخبار وقد أُريد منها بيوت اللّه سبحانه كقوله علیه السلام « جنّبوا مساجدكم البيع والشراء والمجانين والصبيان .. » (5)ومن الظاهر


1) بعد المسألة [133] ( فصل في الماء المستعمل ).

2) في المسألة [1349].

3) في ص 241.

4) الوسائل 5 : 229 / أبواب أحكام المساجد ب 24 ح 2.

5) الوسائل 5 : 233 / أبواب أحكام المساجد ب 27 ح 1.

عدم إمكان إرادة المساجد السبعة في مثله ، فالرواية قاصرة الدلالة على المدعى.

الثالث : أنّ المراد بالمساجد لو كان هو المساجد في الصلاة فلا محالة ينصرف إلى مساجد الجبهة للانسباق والتبادر إلى الذهن من إطلاقها. وأما التعبير عن مسجد الجبهة بالجمع فهو بملاحظة أفراد المصلين كما لا يخفى ، هذا كلّه في هذا الحديث. وأما الصحيحة المتقدمة فالمستفاد منها بتقريره علیه السلام إنما هو مانعية النجاسة في مسجد الصلاة في الجملة ولا إطلاق لها بالنسبة إلى غير مسجد الجبهة. وكيف كان فلم نقف على دليل يدل على اعتبار الطهارة في مواضع المساجد السبعة بأجمعها.

وأما اشتراط الطهارة في مكان المصلي مطلقاً وهو الذي حكي القول به عن السيد المرتضى (1)قدس سره فقد استدل عليه بموثقتين : إحداهما : موثقة ابن بكير قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الشاذكونة الفراش الذي ينام عليه يصيبها الاحتلام أيصلّى عليها؟ فقال : لا » (2). وثانيتهما : موثقة عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث قال : « سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القذر ، قال : لا يصلِّي عليه ... » (3).

ويمكن أن يستدل على ذلك أيضاً بغيرهما من الأخبار منها : صحيحة زرارة وحديد بن حكيم الأزدي جميعاً قالا « قلنا لأبي عبد اللّه علیه السلام : السطح يصيبه البول أو يبال عليه يصلّى في ذلك المكان؟ فقال : إن كان تصيبه الشمس والريح وكان جافاً فلا بأس به إلاّ أن يكون يتّخذ مبالاً » (4). وقد أُخذ فيها في موضوع الحكم أمران :

جفاف الشي‌ء وإصابة الشمس عليه ، كما دلّت بمفهومها على عدم جواز الصلاة في المكان المتنجس إلاّ أن يطهر باشراق الشمس عليه. ومنها : صحيحته الأُخرى « سألت أبا جعفر علیه السلام عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلّى فيه؟ فقال : إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر » (5). لدلالتها على أن المكان الذي


1) تقدّم في ص 241.

2) الوسائل 3 : 455 / أبواب النجاسات ب 30 ح 6.

3) الوسائل 3 : 452 / أبواب النجاسات ب 29 ح 4 ، 2 ، 1.

4) الوسائل 3 : 452 / أبواب النجاسات ب 29 ح 4 ، 2 ، 1.

5) الوسائل 3 : 452 / أبواب النجاسات ب 29 ح 4 ، 2 ، 1.

يصلّى فيه إذا لم يكن طاهراً ولو باشراق الشمس عليه فلا تصح فيه الصلاة.

وقد يستدل على ذلك بما ورد « من أن النبي صلی اللّه علیه و آله نهى عن الصلاة في المجزرة ، والمزبلة ، والمقبرة ، وقاعة الطريق ، وفي الحمام ، وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت اللّه » (1)بدعوى أنه لا وجه للمنع عنها في مثل المجزرة والمزبلة والحمام إلاّ نجاستها. ويدفعه أن ظاهر النهي في الأماكن المذكورة أنها بعناوينها الأولية ككونها حماماً أو مزبلة أو مجزرة مورد للنهي عن الصلاة فيها لا بالعنوان الثانوي ككونها نجسة أو محتمل النجاسة ، والسر في ذلك النهي أن الصلاة لأجل شرافتها وكونها قربان كل تقي ومعراج المؤمن مما لا يناسب الأمكنة المذكورة لاستقذارها واستخباثها ، فلا محالة يكون النهي فيها محمولاً على الكراهة وليس الوجه فيه نجاستها ، لأن النسبة بين تلك العناوين وبين عنوان النجس عموم من وجه ، فيمكن أن تقع الصلاة في الحمام أو غيره مع التحفّظ على طهارة المكان ولو بغسله عند الصلاة.

وأما الأخبار المتقدمة فتفصيل الجواب عنها : أن موثقة ابن بكير المانعة عن الصلاة في الشاذكونة التي أصابها الاحتلام معارضة بصحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : « سألته عن الشاذكونة يكون عليها الجنابة أيصلّى عليها في المحمل؟ قال : لا بأس بالصلاة عليها » (2)وفي رواية الشيخ قال : لا بأس (3)ورواية ابن أبي عمير قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : أصلِّي على الشاذكونة وقد أصابتها الجنابة؟ فقال : لا بأس » (4)والجمع بينهما إنما هو بأحد أمرين : أحدهما : حمل قوله في الموثقة : « لا » على الكراهة بقرينة التصريح في الصحيحتين بالجواز. وثانيهما : حمل الموثقة على ما إذا كانت الشاذكونة رطبة وذلك لانقلاب النسبة بينهما وبيانه : أنّ


1) أخرجه الترمذي 2 : 178 / 346 ، ابن ماجة 1 : 246 / 746 عن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وسلم ) أنه نهى أن يصلي في سبع مواطن في المزبلة .... وعنه في تيسير الوصول 2 : 250 ، وفي كنز العمّال 7 : 339 / 19166.

2) الوسائل 3 : 454 / أبواب النجاسات ب 30 ح 3.

3) التهذيب 2 : 369 / 1537 ، الاستبصار 1 : 393 / 1499.

4) الوسائل 3 : 454 / أبواب النجاسات ب 30 ح 4.

الصحيحتين وإن كانتا ظاهرتين في الإطلاق من حيث رطوبة الشاذكونة وجفافها ، إلاّ أنه لا بد من تقييدهما بصورة الجفاف وعدم رطوبتهما للأخبار المعتبرة الدالة على اعتبار الجفاف في مكان الصلاة إذا كان نجساً كما يأتي نقلها عن قريب ، فاذا قيدنا الصحيحتين بصورة الجفاف فلا محالة تنقلب النسبة بينها وبين الموثقة من التباين إلى العموم المطلق ، لإطلاق الموثقة وشمولها لصورتي جفاف الشاذكونة ورطوبتها ، وبما أن الصحيحتين المجوزتين مختصتان بصورة الجفاف فيتقيد بهما الموثقة وتكون محمولة على صورة الرطوبة لا محالة ، هذا كله في الجواب عن الموثقة.

وأما غيرها من الأخبار الثلاثة المتقدمة فالجواب عنها أنها أيضاً كالموثقة معارضة بغير واحد من الأخبار : منها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر علیه السلام قال : « سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أيصلّى عليه؟ قال : إذا يبست فلا بأس » (1)ومنها : موثقة عمّار قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن البارية يبل قصبها بماء قذر هل تجوز الصلاة عليها؟ فقال : إذا جفت فلا بأس » (2). ومنها : ما رواه في قرب الاسناد أيضاً عن علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام قال : « سألته عن رجل مرّ بمكان قد رش فيه خمر قد شربته الأرض وبقي نداوته أيصلِّي فيه؟ قال : إن أصاب مكاناً غيره فليصل فيه وإن لم يصب فليصل ولا بأس » (3)، ومنها : صحيحة أُخرى لعلي بن جعفر حيث سأل أخاه علیه السلام عن البيت والدار لا تصيبهما الشمس ويصيبهما البول ، ويغتسل فيهما من الجنابة ، أيصلّى فيهما إذا جفا؟ قال : نعم (4)فان هذه الأخبار معارضة مع الأخبار الثلاثة المتقدِّمة لدلالتها على جواز الصلاة في الموضع النجس.

ويمكن الجمع بينهما أيضاً بأحد وجهين : أحدهما : حمل المانعة على إرادة خصوص مسجد الجبهة وأنه لا بد من خلّوه عن مطلق النجاسة يابسة كانت أم رطبة ولا


1) الوسائل 3 : 454 / أبواب النجاسات ب 30 ح 5‌

2) الوسائل 3 : 454 / أبواب النجاسات ب 30 ح 5‌

3) الوسائل 3 : 455 / أبواب النجاسات ب 30 ح 7 ، قرب الاسناد : 196 / 746.

4) الوسائل 3 : 453 / أبواب النجاسات ب 30 ح 1.

يشترط ذلك في بقية المواضع. وثانيهما : حمل المانعة على الكراهة بصراحة الأخبار المتقدِّمة في الجواز. وبذلك يظهر أنه لا وجه لاشتراط الطهارة في جميع مواضع الصلاة. نعم ، إذا كان المحل مشتملاً على نجاسة رطبة تصيب الثوب والبدن فلا محالة يكون ذلك موجباً لبطلان الصلاة إلاّ أنه خارج عن محل الكلام كما مر.

بقي الكلام في شي‌ء وهو أنّ مقتضى الأخبار المتقدِّمة عدم جواز الصلاة في الموضع المتنجس الرطب الذي يوجب سراية النجاسة إلى الثوب أو البدن ، فهل يختص ذلك بما إذا كانت النجاسة مما لم يعف عنه في الصلاة أو فيما إذا سرت إلى ثيابه التي تتم فيه الصلاة؟ أو أنها تعمه وما إذا كانت النجاسة مما يعفى عنه في الصلاة أو كانت سارية إلى مثل الجورب والقلنسوة ونحوهما مما لا تتم فيه الصلاة؟ ذهب فخر المحققين قدس سره إلى التعميم تمسّكاً بإطلاق الروايات ، وحكى عن والده الإجماع على عدم صحة الصلاة في ذي النجاسة المتعدِّية وإن كانت معفوّاً عنها في الصلاة (1). إلاّ أن الصحيح هو الاختصاص ، وذلك لأن العهد والارتكاز في اشتراط الصلاة بطهارة الثوب والبدن مانعان عن انعقاد الظهور في الإطلاق في الأخبار المتقدِّمة في اعتبار خلوّ المكان في الصلاة عن النجاسة المتعدِّية ، ويوجبان انصراف إطلاقها إلى بيان اشتراط الطهارة في ثوب المصلي وبدنه ، فاذا فرضنا أن النجاسة الكائنة في مواضع الصلاة غير مانعة عنها حتى إذا كانت في ثوبه أو في بدنه أو أنها أصابت التكة والجورب وغيرهما مما لا تتم فيه الصلاة فكيف تكون مانعة عن صحة الصلاة.

هذا ثم لو شككنا في ذلك ولم ندر أن الصلاة مقيدة بخلو موضعها عن النجاسة المتعدِّية أو أن الطهارة معتبرة في خصوص بدن المصلي وثيابه ، فأصالة البراءة عن اشتراط الطهارة في مكان الصلاة وتقييده بأن يكون خالياً عن النجاسة المتعدية محكمة ، وعليه فلا بأس بالصلاة في المواضع المتنجسة إذا كانت نجاسته مما يعفى عنه في الصلاة أو كانت سارية إلى ما لا تتم فيه الصلاة ، إذ لا إخلال حينئذ بشي‌ء من شرائطها.


1) الإيضاح 1 : 90.

[242] مسألة 1 : إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر وبعضه نجس صح (1) إذا كان الطاهر بمقدار الواجب ، فلا يضر كون البعض


(1) بعد الفراغ عن اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة وخلوّه عن مطلق النجاسة يقع الكلام في أن الطهارة شرط للسجود بمعنى أن السجود كما يشترط أن يكون واقعاً على وجه الأرض أو نباتها كذلك يشترط أن يكون واقعاً على الجسم الطاهر أو أن الطهارة من شرائط مسجد الجبهة؟ فعلى الأول إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر وبعضه نجس صحت سجدته ، إذا كان الطاهر بمقدار الواجب ولا يضرها نجاسة البعض الآخر منه ، وذلك لأنه يصدق حينئذ أنه سجد على شي‌ء طاهر حقيقة وإن كان أيضاً يصدق أنه سجد على شي‌ء نجس ، إلاّ أن السجود على النجس لا يحسب من السجدة المأمور بها لفقدان شرطها وهو الطهارة ، ولا تكون مانعة عن صحة السجود على البعض الطاهر بوجه ، وهو نظير ما إذا سجد على جسم بعضه من الأرض وبعضه من المأكول أو الملبوس فان وضع الجبهة بمقدار الواجب على الأرض كاف في تحقق المأمور به وإن كان يلزمه صدق السجدة على الملبوس أو المأكول أيضاً.

وأما إذا قلنا إن الطهارة من شرائط مسجد الجبهة فلا تكفي السجدة على محل بعضه نجس لعدم طهارة المحل ، حيث إنه شي‌ء واحد ومع نجاسة بعض أجزائه لا يتّصف بالطهارة بوجه. ويصح أن يقال إنه نجس لكفاية تنجس بعض الجسم في إطلاق النجس عليه ، لوضوح أن الثوب إذا تنجس بعضه يصح أن يقال إنه نجس ، فإذا لم يصدق أنّ المحل طاهر فلا محالة يبطل السجود عليه ، وعليه فيعتبر أن يكون مسجد الجبهة طاهراً بتمامه. ولا دلالة للصحيحة المتقدِّمة (1)الواردة في الجص التي دلت بتقريره علیه السلام على اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة على أن الطهارة شرط للسجود أو أنها من شرائط مسجد الجبهة ، لأنها إنما دلّت على أن المسجد يعتبر فيه الطهارة في الجملة في قبال كونه نجساً بتمامه كما في الجص المسئول عنه في الصحيحة لنجاسته بتمامه لأجل إيقاد العذرة والعظام عليه ، ولا نظر لها إلى ما إذا كان


1) في ص 243.

المحل بعضه طاهراً وبعضه الآخر نجساً. وعلى الجملة أنها إنما سيقت لبيان عدم جواز كون المسجد نجساً بتمامه ، ولا نظر لها إلى غير تلك الصورة بوجه.

وبذلك نجيب عن دعوى دلالة الصحيحة على مانعية مطلق النجاسة في مسجد الجبهة ، وذلك لما سبق من أنها سيقت لبيان عدم جواز السجود على مثل الجص الذي يكون متنجساً بتمامه. وكيف كان ، فلا يستفاد من الصحيحة شي‌ء من الاحتمالين. وأما إطلاق كلمات أصحابنا حيث اشترطوا الطهارة في مسجد الجبهة ولم يقيّدوا ذلك بخصوص المقدار الواجب في السجود فقد يتوهم أن ذلك يدل على اعتبار طهارة المسجد بتمامه. وفيه أنّ ذلك كالصحيحة مما لا دلالة له على أن الطهارة معتبرة في المسجد بمقدار الواجب أو في تمامه ، وسرّه أن إطلاق كلماتهم فيما نحن فيه كإطلاق كلماتهم في اشتراط وقوع السجدة على ما يصح السجود عليه أعني الأرض ونباتها من غير تقييد ذلك بخصوص المقدار الواجب في السجود ، مع أنّ الجبهة إذا وقعت على جسم بعضه مما يصح السجود عليه وبعضه مما لا يصح صحت السجدة من غير كلام فلتكن طهارة المسجد أيضاً كذلك.

فالصحيح أن الطهارة شرط للسجود ولا تعتبر الطهارة في مسجد الجبهة زائداً على المقدار الواجب ، لأن القدر المتيقن من الصحيحة المتقدمة وإطلاق كلماتهم ومعاقد إجماعاتهم المدعاة إنما هو اعتبار الطهارة في خصوص المقدار الواجب من مسجد الجبهة ولم يقم دليل على اعتبارها في المسجد بتمامه ، فلو شككنا في اعتبارها في الزائد عن المقدار الواجب كانت أصالة البراءة عن اشتراط الطهارة في الزائد عن المقدار المتيقن محكمة ، فاعتبار الطهارة كاعتبار وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه. وما أفاده في المتن مما لا غبار عليه.

ويؤكِّد ما ذكرناه بل يدل عليه أن المسجد إذا كان بطول شبر مثلاً وتنجّس أحد جوانبه بشي‌ء فلا نظن فقيهاً يفتي بعدم جواز السجدة على الجانب الطاهر منه نظراً إلى أنه شي‌ء واحد ، مع أنه لا يصدق أنه طاهر بل يصح أن يطلق عليه النجس كما مر ، وهذا أقوى شاهد على أن المعتبر في مسجد الجبهة إنما هي طهارته بالمقدار الواجب دون تمامه.

الآخر نجساً ، وإن كان الأحوط طهارة جميع ما يقع عليه. ويكفي كون السطح الظاهر من المسجد طاهراً وإن كان باطنه أو سطحه الآخر أو ما تحته نجساً ، فلو وضع التربة على محل نجس ، وكانت طاهرة ولو سطحها الظاهر صحّت صلاته (1).

[243] مسألة 2 : تجب إزالة النجاسة عن المساجد : داخلها وسقفها وسطحها (2)


(1) لأنّ المستفاد من صحيحة ابن محبوب المتقدمة ليس إلاّ اعتبار طهارة المسجد وما يلاصق منه الجبهة في الجملة ، ويكفي في صدق ذلك وتحققه طهارة خصوص السطح الظاهر من المسجد ، وأما طهارة باطنه أو سطحه الآخر فلم يقم على اعتبارها دليل.

(2) لا إشكال في وجوب إزالة النجاسة عن المساجد وحرمة تنجيسها لارتكازهما في أذهان المتشرعة ، حيث إن المساجد بيوت اللّه المعدّة لعبادته فلا تجتمع مع النجاسة ، لمكان أهميتها وعظمتها وللإجماع القطعي المنعقد في المسألة. ولا ينافي ذلك ما عن صاحب المدارك قدس سره من الميل إلى جواز تنجيسها (1)وذلك لشذوذه وإن وافقه صاحب الحدائق (2)قدس سره لأن موافقته لا تخرج المخالفة عن الشذوذ ولا يضر في الحكم لقطعيته. ومن العجيب ما عن صاحب الحدائق قدس سره حيث إنه استشهد على جواز تنجيس المساجد بموثقة (3)عمّار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الدمّل يكون بالرجل فينفجر وهو في الصلاة ، قال : يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالأرض ولا يقطع الصلاة » (4)بدعوى أن إطلاقها يشمل ما إذا كانت الصلاة في المسجد فتدل على جواز تنجيس أرض المسجد وحائطه. ويدفعه : أن الرواية إنما سيقت لبيان أن مسح المنفجر من الدمل بمثل الحائط أو الأرض ليس من الفعل الكثير القاطع للصلاة ، ولا نظر لها إلى جواز تنجيس


1) راجع المدارك 2 : 305 ، 4 : 399.

2) الحدائق 5 : 294.

3) كذا عبّر عنها في الحدائق [ 5 : 294 ] وغيره ولم يظهر لنا وجهه.

4) الوسائل 3 : 435 / أبواب النجاسات ب 22 ح 8.

المسجد أو غيره من الأمكنة بوجه ، فهل ترى صحة الاستدلال بإطلاقها على جواز تنجيس الحائط إذا كان مِلكاً لغير المصلي؟ ولا وجه له إلاّ أن الرواية غير ناظرة إلى تلك.

وكيف كان ، إنّ حرمة تنجيس المساجد ووجوب إزالة النجاسة عنها حكمان قطعيّان وأمران ارتكازيّان في أذهان المتشرِّعة. على أنه يمكن أن يستدل على وجوب الإزالة بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام قال : « سألته عن الدابة تبول فتصيب بولها المسجد أو حائطه أيصلّى فيه قبل أن يغسل؟ قال : إذا جف فلا بأس » (1)حيث دلّت على أن وجوب إزالة النجاسة عن المسجد كان مرتكزاً ومفروغاً عنه عند السائل ، وإنما تردد في وقتها حيث سأله عن أنها على الفور أو يجوز تأخيرها إلى بعد الصلاة وقد قرّره الإمام علیه السلام على هذا الارتكاز ولم يردع عن اعتقاده الوجوب. وأما سؤاله عن بول الدابة فيحتمل أن يكون مستنداً إلى احتماله نجاسة بول الدواب أو إلى اعتقادها كما دلّ عليها بعض الأخبار الواردة بطريقنا (2)وحملناه على التقيّة لموافقته العامّة حيث ذهب جملة منهم إلى نجاسة بول الدواب (3)، ومن هنا يظهر أنّ عدم حكمه علیه السلام بطهارته مستند إلى التقية وعدم إظهاره المخالفة مع المخالفين. وأما تفصيله علیه السلام بين صورتي جفاف البول ورطوبته فلعله من جهة استقذاره مع الرطوبة وإذا يبس فلا يبقى مجال لاستقذاره.

وعلى الجملة أنّ الرواية لا إشكال في سندها حيث إن صاحب الوسائل قدس سره رواها بطريقين فبطريق عبد اللّه بن الحسن تارة وهو الذي ضعّفناه في بعض أبحاثنا ، وعن كتاب علي بن جعفر اخرى وطريقه إلى كتابه صحيح ، كما أن دلالتها واضحة. نعم ، يمكن المناقشة فيها أي في دلالتها بأنّ الاستدلال بالرواية على


1) الوسائل 3 : 411 / أبواب النجاسات ب 9 ح 18.

2) الوسائل 3 : 406 / أبواب النجاسات ب 8 ح 7 وب 9 ح 1 ، 5 ، 8 ، 9 ، 11.

3) بداية المجتهد 1 : 80 ، المجموع 2 : 549 ، المبسوط للسرخسي 1 : 53 54 المحلي 1 : 168 ، بدائع الصنائع 1 : 61 ، حلية العلماء 1 : 306 روضة الطالبين 1 : 125. كما تقدّم نقل أقوالهم في شرح العروة 2 : 57.

وجوب إزالة النجاسة عن المسجد وحرمة تنجيسه إنما يصح فيما إذا كان لها ظهور عرفي في ارتكازهما ومفروغيتهما عند السائل وأن الوجه في سؤاله عن غسل بول الدابة إنما هو احتماله أو اعتقاده نجاسته ، وأما إذا لم يكن لها ظهور عرفي في انحصار وجه السؤال في ذلك وكان الاستدلال بها مبتنياً على الحدس والتخمين بأن احتملنا أن يكون لسؤاله وجه آخر فلا يمكننا الاعتماد عليها أبداً ، لأنّا كما نحتمل أن يكون الوجه في سؤاله أحد الأمرين المتقدِّمين كذلك نحتمل أن يكون سؤاله راجعاً إلى حكم ترجيح أحد الأمرين المستحبين على الآخر ، حيث إن ظاهر الصحيحة سعة الوقت للصلاة وتمكّن المكلّف من إتيانها قبل خروج وقتها مع تقديم تطهير المسجد على الصلاة ، ومن الظاهر أن المبادرة إلى الواجب الموسّع مستحبة كما أن تنظيف المسجد عن القذارة والوساخة أمر مرغوب فيه في الشريعة المقدسة ، ومن هنا تصدى للسؤال عن أنّ المستحبين أيّهما أولى بالتقديم على غيره؟ لا أنه احتمل نجاسة أبوال الدواب أو كان معتقداً بها ، لبعد ذلك في حق علي بن جعفر ونظرائه لجلالة شأنه وكثرة رواياته فلعلّه كان عالماً بطهارة بول الدواب كما دلت عليها جملة من الأخبار على ما أسلفناه في محلِّه وإنما سأل أخاه عن تقديم أحد المستحبين على الآخر ، فبذلك تصبح الصحيحة غير مبينة فلا يعتمد عليها في مقام الاستدلال.

ومما يؤيد ذلك أن بول الدواب لو كان محكوماً بالنجاسة عند السائل لم يكن يرتضي بتفصيله علیه السلام بين صورتي جفافه وعدمه ، وكان من حقه أن يعترض على الإمام ، لوضوح أن النجس واجب الإزالة عن المساجد جف أم لم يجف ، وهذا بخلاف ما إذا كان معتقداً بطهارته ، لأنّ تفصيله علیه السلام بين الصورتين حينئذ وحكمه بتقديم إزالة البول على الصلاة مع الرطوبة مستند إلى استقذاره واشتماله على الرائحة الكريهة ، ولذلك كانت إزالته أولى من المبادرة إلى الصلاة ، كما أن حكمه علیه السلام بتقديم الصلاة على الإزالة عند الجفاف مستند إلى انقطاع رائحته وعدم استقذاره ، ولذا كانت المبادرة إلى الصلاة أولى من المبادرة إلى إزالته فلا مورد للاعتراض حينئذ. فالمتحصل أن الصحيحة مجملة ولا دلالة لها على المدعى.

نعم ، يمكن الاستشهاد على ذلك بجملة من الأخبار المستفيضة الواردة في جواز اتخاذ الكنيف مسجداً بعد تنظيفه وطمه بالتراب معللاً في بعضها بأنّ التراب يطهره (1)لدلالتها على أن الأرض المتنجسة لا يجوز اتخاذها مسجداً إذا لم ينظف ولم تطم بالتراب ، فمقتضى تلك الأخبار أن المسجدية والنجاسة أمران متنافيان ولا يجتمعان فتجب إزالتها عنه كما يحرم تنجيسه.

ثم إنها إنما تقتضي وجوب إزالة النجاسة عن ظاهر المساجد فحسب ، وأما باطنها فلا تجب إزالتها عنه كما لا يحرم تنجيسه ، لعدم منافاة نجاسة الباطن مع المسجدية وإلاّ لم يكف طمّ الكنيف في جواز اتخاذه مسجداً ، لأن طمه بالتراب إنما يقطع رائحته ويمنع عن سراية نجاسته لا أنه يطهّره كما لعله ظاهر.

وهل هذا حكم تعبدي مخصوص بمورد الروايات المتقدمة أو أنه يعم غيره من الموارد أيضاً؟ ذهب صاحب الجواهر قدس سره إلى اختصاص ذلك بمورد الأخبار وهو المسجد المتخذ من الكنيف وما يشبهه فلا يجوز تنجيس الباطن في سائر المساجد كما تجب إزالة النجاسة عنه (2). وفيه : أن حرمة تنجيس باطن المسجد لم تثبت بدليل وكذا وجوب الإزالة عنه ، لأن مدركهما إن كان هو الإجماع والارتكاز فمن الظاهر أنهما مفقودان في الباطن وإنما تختصان بظاهر المساجد ، وإن كان مدركهما هو الصحيحة المتقدِّمة فهي أيضاً كذلك لأن المرتكز في ذهن السائل إنما كان وجوب الإزالة عن السطح الظاهر من المسجد لأنه الذي بالت عليه الدابة وسأل الإمام علیه السلام عن حكمه ، وأما إذا كان مدرك الحكمين هو الأخبار الواردة في جواز اتخاذ الكنيف مسجداً بعد طمّه بالتراب فلا إشكال في أنها لا تنفي جواز تنجيس البواطن في غير موردها فمقتضى الأصل جواز تنجيسها وعدم وجوب الإزالة عنها. فالصحيح أن حرمة التنجيس ووجوب الإزالة حكمان مخصوصان بظاهر المساجد وسطحها هذا.

وقد يستدلّ على أصل وجوب الإزالة بموثقة الحلبي ، قال : « نزلنا في مكان بيننا


1) الوسائل 5 : 209 / أبواب أحكام المساجد ب 11 ح 1 ، 4 ، 5.

2) الجواهر 14 : 99 100.

وبين المسجد زقاق قذر ، فدخلت على أبي عبد اللّه علیه السلام فقال : أين نزلتم؟ فقلت : نزلنا في دار فلان ، فقال : إن بينكم وبين المسجد زقاقاً قذراً ، أو قلنا له : إن بيننا وبين المسجد زقاقاً قذراً ، فقال : لا بأس إنّ الأرض تطهِّر بعضها بعضاً ... » (1)وبما رواه صاحب السرائر عن نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر عن المفضل بن عمر عن محمد الحلبي عن أبي عبد اللّه علیه السلام ، قال « قلت له : إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه فربما مررت فيه وليس عليَّ حذاء فيلصق برجلي من نداوته؟ فقال : أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت : بلى ، قال : فلا بأس إنّ الأرض تطهِّر بعضها بعضاً ... » (2)حيث دلتا على أن تنجس الرجل بملاصقة الزقاق القذر أو المتنجس بنداوة البول يمنع عن الدخول في المساجد لئلاّ يتنجّس بملاقاتها ، إلاّ أن يمشي بعد ذلك في أرض يابسة لأنّ الأرض تطهِّر بعضها بعضاً.

ويدفعه : أن ذيل الرواية الثانية أعني قوله « قلت : فأطأ على الروث الرطب ، قال : لا بأس أنا واللّه ربما وطئت عليه ثم أُصلي ولا أغسله » لقرينة واضحة على أن ما لصق برجله من النجاسات في الطريق إنما كان يمنع من ناحية الصلاة فحسب لاستلزامه نجاسة البدن لا من ناحية دخول المساجد كما لعله ظاهر.

وأُخرى يستدل عليه بقوله تعالى ( وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (3)أي المصلِّين ، حيث إنّ التطهير بمعنى إزالة النجاسة كما أنّ الأمر للوجوب ، ولا فرق بين البيت وسائر المساجد لعدم القول بالفصل. ويندفع بأنّ الأمر بالإزالة متوجِّه إلى إبراهيم الخليل ولم يثبت أن الطهارة كانت في زمانه بمعنى الطهارة المصطلح عليها في زماننا ، بل الظاهر أنها بمعناها اللغوي أعني النظافة من القذارات فالآية لو دلّت فإنما تدل على وجوب تنظيف المساجد لا على وجوب إزالة النجاسة عنها.


1) الوسائل 3 : 458 / أبواب النجاسات ب 32 ح 4.

2) الوسائل 3 : 459 / أبواب النجاسات ب 32 ح 9 ، السرائر 3 : 555.

3) الحج 22 : 26.

وطرف الداخل من جدرانها (1) بل والطرف الخارج على الأحوط (1)إلاّ أن لا يجعلها الواقف جزءاً من المسجد ، بل لو لم يجعل مكاناً


وثالثة بقوله عزّ من قائل ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) (2)وقوله صلی اللّه علیه و آله : « جنِّبوا مساجدكم النجاسة » (3)ونحن نتعرض للاستدلال بهما عند التكلّم في حرمة إدخال النجاسة في المسجد ونجيب عنهما بما يأتي في تلك المسألة فانتظره.

(1) لأنها من أجزاء المسجد.

(2) بعد الفراغ عن وجوب إزالة النجاسة عن المسجد وحرمة تنجيس داخله وسطحه الظاهر يقع الكلام في اختصاصهما بداخل المسجد وشمولهما لخارجه بحيث يحرم تنجيس حائط المسجد من الخارج وتجب إزالة النجاسة عنه ، فيما إذا لم يكن تنجيس خارجه أو ترك إزالة النجاسة عنه هتكاً وإهانة في حقه وإلاّ فلا تأمل في حرمة تنجيسه ووجوب الإزالة عنه. مقتضى إطلاق كلماتهم عدم الفرق بين داخل المسجد وخارجه كما لا فرق بين سطحه وحائطه ، وناقش بعضهم في ذلك وذهب إلى عدم حرمة تنجيس خارج المسجد إذا لم يستلزم هتكه وإهانته.

والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف مدرك الحكمين ، فان كان مدركهما الأخبار الواردة في جواز اتخاذ الكنيف مسجداً بعد طمّه فلا بد من تخصيصهما بداخل المسجد لأن مقتضى تلك الروايات أن المسجدية لا تجتمع مع نجاسة السطح الظاهر من داخل المسجد ، وأما منافاتها مع نجاسة الخارج منه فلا يكاد يستفاد منها بوجه. وكذا إذا كان مدركهما الإجماع والارتكاز لأنهما دليلان لبيان يقتصر فيهما على المقدار المتيقن وهو داخل المسجد فحسب.

نعم ، إذا اعتمدنا فيهما على صحيحة علي بن جعفر المتقدمة فلا مناص من تعميمهما


1) (*) لا بأس بتركه في غير ما إذا استلزم الهتك.

2) التوبة 9 : 28.

3) المتقدِّمة في ص 244.

مخصوصاً منها جزءاً لا يلحقه الحكم. ووجوب الإزالة فوري فلا يجوز التأخير بمقدار ينافي الفور العرفي (1). ويحرم تنجيسها أيضاً (2) بل لا يجوز إدخال عين النجاسة فيها وإن لم تكن منجسة إذا كانت موجبة لهتك حرمتها بل مطلقاً على الأحوط (1)(3).


إلى كل من داخل المسجد وخارجه ، لأن المستفاد من إطلاقها إن تنجيس المسجد حرام كما أن إزالة النجاسة عنه واجبة بلا فرق فيهما بين الداخل والخارج ، ولا سيما أن الدابة إذا بالت فإنما تبول على خارج الحائط من المسجد لعدم تعاهد بولها على داخله وهو الذي أمر علیه السلام بغسله ، ولكن المناقشة المتقدمة تمنعنا عن الاستدلال بالصحيحة ومعه ينحصر مدرك الحكمين بالإجماع والارتكاز والأخبار الواردة في اتخاذ الكنيف مسجداً بعد طمّه ، وقد عرفت عدم دلالة شي‌ء من ذلك على التعدي إلى خارج المسجد ، فالحكمان مختصان بداخله وإن كانت الإزالة عن خارجه وعدم تنجيسه هو الأحوط.

(1) لشرافة المساجد وأهميتها لأنها بيوت اللّه المعدة لعبادته ولا تناسبها النجاسة بوجه ، فترك المبادرة إلى تطهيرها خلاف الاحترام والتعظيم ، ويدلُّ عليه صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة مع الغض عن المناقشة السابقة في دلالتها حيث لم يرخّص الإمام علیه السلام تأخير إزالة بول الدابّة عن المسجد إلى الفراغ عن الصلاة.

(2) لأنّ المساجد متى ثبت وجوب الإزالة عنها بالإجماع والارتكاز وما أسلفناه من الروايات ثبتت حرمة تنجيسها للملازمة العرفية بينهما ، فان العرف يستفيد من وجوب إزالة النجاسة عن موضع حرمة تنجيسه وبالعكس.

(3) لأنّ المساجد بيوت اللّه فلا بد من تعظيمها فهتكها وخلاف تعظيمها من المحرمات ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون هتكها بسبب إدخال النجاسة فيها كما إذا جمع فيها العذرة ليحملها إلى مكان آخر ، وبين أن يكون بسبب أمر آخر كجمع الزبالة


1) (*) لا بأس بتركه.

فيها لنقلها عنها بعد ذلك ، فإنه وأشباهه هتك للمساجد عرفاً والهتك محرم كما مرّ وإنما الكلام فيما إذا لم يستلزم إدخال النجاسة في المسجد هتكه ولا تنجسه ، كما إذا جعل مقداراً من الدم أو البول في قارورة وسدّ رأسها ووضعها في جيبه حتى دخل المسجد فهل يحكم بحرمة إدخال النجاسة حينئذ؟

نسب القول بذلك إلى المشهور واستدل عليها بوجهين : أحدهما : النبوي « جنِّبوا مساجدكم النجاسة » (1)لأنّ إدخال النجاسة فيها ينافي التجنب المأمور به. ويرد عليه أوّلاً : أنّ الرواية نبويّة ضعيفة السند كما أشرنا إليه سابقاً ، ولم يعمل المشهور بها حتى يتوهم انجبار ضعفها بذلك ، لأنّ كثيراً ممن ذهب إلى حرمة إدخال النجاسة في المسجد حمل المساجد في الرواية على مسجد الجبهة. وثانياً : أن الرواية قاصرة الدلالة على المدعى لأن النجاسة لها معنيان : أحدهما : الأعيان النجسة لصحة إطلاقها عليها من باب قولنا : زيد عدل ، فيقال : النجاسات اثنتا عشرة البول والغائط وهكذا. وثانيهما : المعنى المصدري وهو الوصف القائم بالجسم. والاستدلال بها إنما يتم فيما إذا كان للرواية ظهور في إرادة المعنى الأول ليكون معناها : جنبوا مساجدكم البول والدم وغيرهما من الأعيان النجسة ، ودون إثبات ذلك خرط القتاد ، حيث لا نرى في الرواية ظهوراً عرفياً في ذلك بوجه. ومن المحتمل أن يكون النجاسة بمعناها المصدري ومعه تدل على حرمة تنجيس المساجد ، وقد مرّ أنها مما لا تردد فيه بل هو أجنبي عما نحن بصدده أعني حرمة إدخال النجاسة في المسجد فيما إذا لم يستلزم هتكه ولا تنجيسه.

وثانيهما : قوله تعالى ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) (2)لأنّ الآية المباركة فرّعت حرمة قرب المشركين من المسجد الحرام على نجاستهم ، فظاهرها أن النجس لا يجوز أن يقرب المسجد ويدخله ، فكأنه عزّ من قائل قال : المشركون نجس وكل نجس لا يدخل المسجد الحرام ، وإذا ثبت حرمة إدخال النجاسة في


1) قدّمنا مصدرها في ص 244.

2) التوبة 9 : 28.

المسجد الحرام ثبتت في جميع المساجد لعدم القول بالفصل.

ويبتني الاستدلال بهذه الآية المباركة على أن يكون المراد بالنجس في زمان نزول الآية الشريفة النجاسة بالمعنى المصطلح عليه الذي له أحكام ، كحرمة الأكل والمانعية في الصلاة وغيرهما من الآثار المترتبة عليه في الشريعة المقدسة كما كانت تستعمل بهذا المعنى في عصرهم علیهم السلام ، وأنى للمدعي بإثباته إذ لا علم لنا بثبوت النجاسة بالمعنى المصطلح عليه في ذلك الزمان ، ومن المحتمل أن لا يكون منها عين ولا أثر في زمان نزول الآية المباركة ، بل الظاهر أن المراد فيها بالنجس هو القذر المعنوي أعني قذارة الشرك كما هو المستفاد من تعليق النهي عن دخولهم المسجد بوصف أنهم مشركون ، فان فيه إشعاراً بعلية الشرك في حرمة الدخول.

على أن حمل النجس على ذلك هو الذي يساعده الاعتبار ، لأن المشرك عدوّ اللّه فلا يناسب أن يدخل المسجد الحرام لعظمته وشرافته ، ولأنه قد أسس لتوحيد اللّه وعبادته فكيف يدخله من يعبد غيره فهل يدخل المشرك بيت اللّه سبحانه وهو يعبد غيره. فالآية المباركة أجنبية الدلالة على حرمة إدخال النجاسة في المساجد. ويؤكد ذلك أن ظاهر الآية أن النجاسة هي العلة في النهي عن دخولهم المسجد الحرام فلو حملنا النجس فيها على معناه المصطلح عليه لزم الحكم بحرمة إدخال أيّ نجس في المساجد مع أن هناك جملة من النجاسات يجوز إدخالها في المساجد بضرورة الفقه والأخبار :

منها : المستحاضة وإن كان دمها سائلاً وموجباً لتلوث بدنها ، حيث يجوز لها أن تطوف بالبيت كما ورد في الأخبار المعتبرة (1). ومنها : الحائض والجنب وإن كان بدنهما مصاحباً للنجاسة ، لأن مقتضى الأخبار جواز دخولهما في المساجد مجتازين (2). ومنها : من كان على بدنه جرح أو قرح ، لأن السيرة خلفاً عن سلف قد استقرت على جواز دخوله المسجد مع اشتمال بدنه على الدم ، وكذلك الحال في من تنجس بدنه أو


1) الوسائل 13 : 462 / أبواب الطواف ب 91 ح 1 3.

2) الوسائل 2 : 205 / أبواب الجنابة ب 15 ح 2 ، 3 ، 4 ، 5 ، 6 ، 10 ، 17.

ثيابه بغير دم الجروح والقروح هذا.

ثم لو سلمنا أنّ النجس في الآية المباركة بمعناه المصطلح عليه فلا مناص من تخصيص ذلك بالمشركين ولا يسعنا التعدي عنهم إلى بقية النجاسات ، وذلك لأن قذارة الشرك أشد وآكد من سائر القذارات ، إذ الشرك يقذّر الأرواح والأجسام فهو من أعلى مصاديق النجس ، بحيث لو تجسمت النجاسة في الخارج لكانت هو الشرك بعينه ، فاذا حكمنا على تلك القذارة بحكم فكيف يسعنا التعدي عنها إلى غيرها مما هو أدون من الشرك بمراتب. وتوضيح ذلك :

أن النجس مصدر نجس فيقال : نجس ينجس نجساً وله إطلاقان : فقد يطلق ويراد منه معناه الاشتقاقي وهو بهذا المعنى يصح إطلاقه على الأعيان النجسة فيقال : البول نجس أي حامل لنجاسته فهو نجس أي قذر بمعنى الفاعل أو الصفة المشبهة ، والنجس في الآية المباركة لو كان بهذا المعنى الاشتقاقي أمكننا أن نتعدى من المشركين إلى سائر الأعيان النجسة ، وكذا المتنجسات كما هو ظاهر كلمات جماعة لصحة إطلاق النجس على المتنجس على ما يشهد له بعض الأخبار (1)وبما أن ظاهر الآية أن النهي عن دخولهم المسجد متفرع على نجاستهم فتدلنا على أن الحكم يعم كل ما صدق عليه أنه نجس.

وقد يطلق ويراد منه معناه الحدثي المصدري وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الأعيان النجسة ، فإنّ العين لا معنى لكونها حدثاً مصدرياً ، اللّهُمَّ إلاّ بضرب من العناية والمبالغة كقولهم زيد عدل ولكنه يحتاج إلى مرخص في الاستعمال ، والآية المباركة لم يظهر إرادة المعنى الاشتقاقي فيها من النجس ، بل الظاهر أنه إنما أُطلق بالمعنى الحدثي المصدري كما هو المناسب لكل مصدر وإنما صح إطلاقه على المشركين لتوغلهم في القذارة وقوة خباثتهم ونجاستهم كإطلاق العدل على زيد في المثال ، ولم يثبت أيّ مرخص في إطلاقه على بقية الأعيان النجسة ، فصح اختصاص


1) كمكاتبة سليمان بن رشيد المتقدِّمة في ص 227 حيث أطلق فيها النجس على الثوب المتنجس في قوله : إذا كان ثوبه نجساً. وكذا غيرها من الأخبار.

وأمّا إدخال المتنجس فلا بأس به ما لم يستلزم الهتك (1).

[244] مسألة 3 : وجوب إزالة النجاسة عن المساجد كفائي (2)


الآية على تقدير كون النجس فيها بمعناه المصطلح عليه بالمشركين ولا يمكننا التعدي عنهم إلى غيرهم من النجاسات فضلاً عن المتنجسات ، وإن كان تعميم المنع إلى كل منهما ظاهر جماعة. فإلى هنا تحصّل أن إدخال النجاسة في المساجد بما هو كذلك مما لم تقم على حرمته دليل اللّهمّ إلاّ أن يستلزم هتكها أو تنجيسها.

(1) قد اتضح الوجه فيه مما سردناه آنفاً.

(2) لعدم اختصاص أدلّة وجوبها بشخص دون شخص وعدم قابلية الإزالة للتكليف بها إذا قام بها بعض المكلفين. وعن الشهيد في الذكرى التفصيل بين ما إذا استند تنجيس المسجد إلى فاعل مشعر مختار فوجوب الإزالة عيني في حقه ، وبين ما إذا كان مستنداً إلى غيره فوجوب الإزالة كفائي على الجميع (1)وهذا كما إذا اقتتل في المسجد حيوانان فاقدان للشعور والاختيار فقتل أحدهما الآخر وتلوث المسجد بدمه ، أو افترست الهرة طيراً وتنجس المسجد بدمه وهكذا. وفيه : أنه إن أراد بذلك أن الإزالة عند ما استند تنجيس المسجد إلى فاعل مختار متعينة في حقه وإذا عصى واجبه وترك الإزالة تجب على غيره من المسلمين كفاية كما التزموا بذلك في مثل إنفاق الوالد على ولده الفقير أو العكس حيث إنه واجب عيني في حقه ، إلاّ أنه إذا عصى وترك واجبه يجب على عامة الناس كفاية لوجوب حفظ النفس المحترمة ، وفي صلاة الميت ودفنه وكفنه فإنها أيضاً واجبات عينية على وليه على وجه فيقوم بها بالمباشرة أو التسبيب ، فاذا خالفها تجب على غيره من المسلمين كفاية ، فهو وإن كان دعوى معقولة على ما حقّقناه في محلِّه إلاّ أنّ إثباتها يحتاج إلى دليل وهو مفقود في المقام ، لأنّ نسبة أدلة وجوب الإزالة إلى من نجّس المسجد وغيره على حد سواء.

وإن أراد به أن الأمر بالإزالة متوجه إلى الفاعل المختار ولا تكليف على غيره أزال


1) الذكرى : 157.

ولا اختصاص له بمن نجّسها أو صار سبباً ، فيجب على كل أحد.

[245] مسألة 4 : إذا رأى نجاسة في المسجد وقد دخل وقت الصلاة تجب المبادرة إلى إزالتها مقدّماً على الصلاة مع سعة وقتها (1) ومع الضيق قدّمها (2) ، ولو ترك الإزالة مع السعة واشتغل بالصلاة عصى لترك الإزالة ، لكن في بطلان صلاته إشكال ، والأقوى الصحة (3)


أم لم يزل ، وإنما تجب على المسلمين كفاية فيما إذا استند تنجيس المسجد إلى غير الفاعل المختار ، ففيه : أن الفاعل المختار قد يعصي ولا يزيل فيبقى المسجد متنجساً لعدم وجوب الإزالة على غيره من المكلفين لا كفاية ولا عيناً وهو خلاف الإجماع والارتكاز وغيرهما من الأدلة القائمة على وجوب إزالة النجاسة عن المسجد. فالصحيح أن وجوب الإزالة كفائي في كلتا الصورتين.

(1) لأنها من الواجبات المضيقة ووجوبها على الفور ، والصلاة موسّعة والموسّع لا يزاحم المضيق بوجه.

(2) لأن الصلاة أهم فإنها عمود الدين كما في الخبر (1).

(3) قالوا إن الوجه في صحتها منحصر بالترتب. وذهب صاحب الكفاية إلى إمكان تصحيح العبادة حينئذ بالملاك من غير حاجة إلى القول بالترتّب (2). أما الملاك فقد أسلفنا في محله عدم صحة تصحيح العبادة به إذ لا علم لنا بوجوده ، لوضوح أن الملاك إنما نستكشفه من الأمر المتعلق بالعبادة ومع فرض سقوط الأمر بالمزاحمة لا سبيل لنا إلى إحرازه (3)، وأما الترتّب فهو وإن كان صحيحاً في نفسه بل إن تصوره بجميع ما هو عليه من خصوصياته ومزاياه مساوق لتصديقه ، إلاّ أن مورده ما إذا كان كلا الواجبين مضيقاً كحفظ النفس المحترمة والصلاة في آخر وقتها ، وأما إذا كان


1) الوسائل 4 : 27 / أبواب أعداد الفرائض ب 6 ح 12 وب 8 ح 13.

2) كفاية الأُصول : 134.

3) محاضرات في أُصول الفقه 3 : 70.

هذا إذا أمكنه الإزالة. وأما مع عدم قدرته مطلقاً أو في ذلك الوقت فلا إشكال في صحة صلاته (1) ولا فرق في الاشكال في الصورة الأُولى بين أن يصلي في ذلك المسجد أو في مسجد آخر (1)(2) وإذا اشتغل غيره بالإزالة لا مانع من مبادرته إلى الصلاة قبل تحقّق الإزالة (3).


أحدهما أو كلاهما موسعاً فلا مجال فيه للترتب بوجه.

فالتحقيق في تصحيح الصلاة حينئذ أن يقال : إن المضيق قد وجب على المكلف بعينه ، وأما الأمر في الموسع فهو إنما تعلق بالطبيعي الجامع بين المبدأ والمنتهى ، فالفرد المزاحم من أفراده مع المضيق لم يتعلق به أمر أو وجوب وإنما هو مصداق للمأمور به لا أنه مأمور به بنفسه حتى في غير موارد التزاحم ، ومن البين أنه لا تزاحم بين الواجب وهو المضيق وبين غير الواجب وهو الفرد المزاحم من الموسع مع الواجب المضيق ، فاذا أتى المكلف بالمضيق فهو وإلاّ فقد عصى التكليف المتوجِّه إليه ، إلاّ أنه يتمكّن من إتيان ذلك الفرد المزاحم من الموسع مع المضيق بداعي الأمر المتعلق بالطبيعي الجامع الملغى عنه الخصوصيات وهذا كاف في صحة صلاته. نعم ، إذا بنينا على أن الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضده ولو نهياً غيريّاً فلا مناص من بطلان الصلاة في مفروض المسألة ، لأنها من أضداد الإزالة المأمور بها ، ولكنّا لا نقول به كما أسلفنا تفصيله في محلِّه.

(1) لوضوح أنّ النجاسة بوجودها غير مزاحمة لشي‌ء وإنما المزاحم مع الصلاة هو الأمر بإزالتها ، وإذا سقط عن المكلف لعجزه فلا موجب لبطلان صلاته.

(2) أو في مكان ثالث كما إذا صلّى في بيته ، لأن الميزان منافاة العمل للواجب المأمور به والمنافاة متحققة في جميع الصور كما هو واضح.

(3) لانصراف الأمر بالإزالة عنه بفعل غيره ، فكما له حينئذ أن ينام أو يجلس أو يشاهد عمل المزيل كذا له أن يصلي لوحدة المناط.


1) (*) أو في مكان آخر غير المسجد.

[246] مسألة 5 : إذا صلّى ثم تبين له كون المسجد نجساً كانت صلاته صحيحة وكذا إذا كان عالماً بالنجاسة ثم غفل وصلّى (1) وأما إذا


(1) إذا بنينا على أن عصيان الأمر بالإزالة مع العلم به ولو مع التمكن منها وعدم اشتغال الغير بها غير مستلزم لبطلان الصلاة وإن كان المكلف يستحق بذلك العقاب لتركه المأمور به المنجز في حقه فلا وقع للكلام على الصحة مع الغفلة أو الجهل ، وأما إذا بنينا على بطلانها حينئذ فللنزاع في الصحة مع الغفلة أو الجهل مجال فنقول : أما الغافل فلا ينبغي الإشكال في صحة صلاته لأن الغافل كالناسي لا تكليف في حقه ، إذ التكاليف بأسرها مشروطة بالقدرة على امتثالها والغافل لعدم التفاته غير متمكن من الامتثال ، ولا يمكن قياسه بالجاهل لأنه متمكن من امتثال ما جهله بالاحتياط ولا يتمكن الغافل من ذلك لعدم التفاته ، فحيث إن المكلف غير مأمور بالإزالة فلا إشكال في صحة صلاته.

وأما الجاهل كمن رأى رطوبة في المسجد ولم يدر أنها بول أو مائع طاهر ، فبنى على عدم نجاسة المسجد بأصالة الطهارة أو أصالة عدم كون الرطوبة بولاً فصلّى ، ثم انكشف أنها رطوبة بول مثلاً ، فالحكم ببطلان صلاته وصحتها يبتني على لحاظ أن الحكم ببطلانها عند العلم بوجود النجاسة ، هل هو من جهة مزاحمة الأمر بالصلاة مع الأمر بالإزالة أو أنه من جهة تنافي الحكمين واستلزام ذلك التقييد في دليل الواجب؟ لأن الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضده ، والنهي في العبادة يقتضي الفساد سواء أكان النهي نفسياً أم كان غيرياً.

فان استندنا في الحكم ببطلان الصلاة إلى التزاحم وعدم قدرة المكلف على امتثال كلا الحكمين ، وأن الأمر بالإزالة لمكان أنها أهم يسلب القدرة عن الصلاة ، ومع عدم القدرة لا تكليف بها ، والعبادة من غير أمر تقع فاسدة كما نسب إلى البهائي (1)قدس سره حيث إن الأمر بالشي‌ء وإن لم يقتض النهي عن ضده إلاّ أنه يقتضي عدم الأمر


1) نسبه إليه في كفاية الأُصول : 133 ، وانظر زبدة الأُصول : 82.

به ، فاذا كان الضد عبادة فلا محالة تقع فاسدة ، فلا مناص من الحكم بصحة صلاة الجاهل بوجود النجاسة ، لعدم فعلية الأمر بالإزالة لجهله ، ومع عدم فعلية وجوبها لا سالب لقدرة المكلف عن الصلاة فهي مقدورة له بحسب التكوين والتشريع فيشملها الإطلاقات وبه يحكم بصحتها.

وعلى الجملة لا تكاذب بين المتزاحمين بحسب مقام الجعل وإنما قيل ببطلان غير الأهم إذا كان عبادة من جهة أن الأمر بالأهم يسلب القدرة عنه ، وهذا مختص بما إذا تنجز الأمر بالأهم بالإضافة إلى المكلف ، وأما مع عدم تنجزه للجهل به فلا مانع من شمول الإطلاقات للمهم ، وبذلك صح الحكم بصحة الصلاة وتعيّن التفصيل في الحكم ببطلانها بين صورتي العلم بالنجاسة وجهلها.

وأما إذا استندنا في الحكم ببطلانها إلى تنافي الحكمين فلا بد من الحكم ببطلانها في كلتا صورتي العلم بالنجاسة وجهلها ، وذلك لأنّا إذا بنينا على أن الأمر بالإزالة يقتضي النهي عن ضدها فلا محالة يقع التعارض بين الحرمة والوجوب في الصلاة ، لأنهما أمران لا يجتمعان ولا يعقل جعلهما في مورد واحد ، فلا مناص من الأخذ بأحدهما ورفع اليد عن الآخر ، فاذا رجّحنا الحرمة لأهمية الإزالة فيستلزم ذلك تقييداً في دليل الواجب وهو تخصيص واقعي ، ولا مناص معه من الحكم ببطلان الصلاة في كلتا صورتي العلم بالنجاسة والجهل بها ، لأن الحكم بوجوب الصلاة مع فرض وجوب الإزالة وإن لم يتنجز لجهل المكلّف أمر مستحيل سواء أكان عالماً بالنجاسة أم لم يكن. ومن هنا قلنا في بحث اجتماع الأمر والنهي : إنّا إذا بنينا على الامتناع وقدّمنا جانب الحرمة فمقتضاه الالتزام بالتخصيص في دليل الواجب ، ومعه يحكم ببطلانه في كلتا صورتي العلم بالحرمة وجهلها ، ولأجله حكمنا ببطلان الوضوء بالماء المغصوب مطلقاً سواء علم المتوضي بغصبيته أم جهلها ، وقلنا : إنّ ما اشتهر من أن العبادة تقع صحيحة في باب الاجتماع عند الجهل بحرمتها كلام شعري لا أساس له على القول بالامتناع (1).


1) محاضرات في أُصول الفقه 4 : 233.

علمها أو التفت إليها في أثناء الصلاة (1) فهل يجب إتمامها ثم الإزالة ،


فذلكة الكلام : أنه على ما سلكناه آنفاً من أنه لا تزاحم ولا تعارض بين الواجبات المضيقة والموسعة فلا كلام في صحة الصلاة في كل من صورتي العلم بالنجاسة وجهلها. وأما إذا بنينا على أنهما متزاحمان ، فان قلنا بالترتب أو بإمكان تصحيح العبادة بالملاك فلا بد من الالتزام بصحة الصلاة في كلتا الصورتين ، غاية الأمر أن الأمر بالصلاة على القول بالترتب مشروط في فرض العلم بعصيان الأمر بالإزالة. وأما إذا لم نقل بالترتب ولا بإمكان تصحيح العبادة بالملاك فلا كلام في بطلان الصلاة عند العلم بوجود النجاسة ووجوب إزالتها. وأما عند الجهل بها فلا بد من التفصيل بين ما إذا كان مستند الحكم ببطلان الصلاة عند العلم بالنجاسة هو التزاحم فنحكم بصحتها عند الجهل بالنجاسة ، وبين ما إذا كان المستند هو المعارضة وتنافي الحكمين فنلتزم ببطلانها في كلتا الصورتين.

(1) للمسألة صور ثلاث :

الاولى : ما إذا علم بوجود النجاسة قبل الصلاة ثم غفل عنها فدخل في الصلاة والتفت إليها في أثنائها.

الثانية : ما إذا دخل في الصلاة من دون علمه بوجود النجاسة إلاّ أنه التفت إليها في أثناء الصلاة.

الثالثة : ما إذا طرأت النجاسة وهو في أثناء الصلاة. وفي جميع هذه الصور إن تمكن من إزالة النجاسة في أثناء صلاته من غير أن توجب الانحراف عن القبلة أو تعدّ من الفعل الكثير وجبت ، فيقطع صلاته ويزيل النجاسة ثم يتمها من حيث قطعها ، وأما إذا استلزمت الانحراف أو عدّت من الفعل الكثير ، ففي وجوب إتمام الصلاة ثم الإزالة ، أو إبطالها والمبادرة إلى الإزالة ، أو التفصيل بين الصورة الاولى فيجب قطع الصلاة لاستصحاب وجوب الإزالة الثابت قبل الصلاة ، وبين الأخيرتين فيجب إتمام الصلاة ثم الإزالة لاستصحاب وجوب إتمامها المتحقق قبل وجوب الإزالة وجوه.

ذهب الماتن قدس سره إلى وجوب إتمامها مطلقاً ، ولعل وجهه أن دليل فورية

الإزالة لا يقتضي لزوم الزائد على الفورية العرفية ، وليس على نحو يشمل المقام كما لا يشمل ما إذا طرأت النجاسة على المسجد وهو في أثناء الطعام أو غيره مما يحتاج إليه.

وتفصيل الكلام في المقام : أن فورية الإزالة ووجوب المبادرة نحوها إن كان مدركهما دليلاً لفظيّاً كما إذا قلنا بدلالة الآية المباركة والأخبار المتقدمة على وجوبها الفوري وكان مدرك وجوب إتمام الفريضة وحرمة قطعها أيضاً دليلاً لفظياً ، كما إذا استدللنا عليهما بما ورد من أن الصلاة تحريمها التكبيرة وتحليلها التسليم (1)بحمل التحريم والتحليل على الحرمة والحلية التكليفيتين ، حيث يدل حينئذ على أن الأُمور القاطعة للصلاة من الاستدبار والقهقهة ونحوهما محرمة لأن محلل الصلاة هو التسليم ، فيكون الإطلاقان متزاحمين فان كلا منهما يشمل صورة وجود الآخر وعدمه ، فيدل أحدهما على وجوب المبادرة إلى الإزالة وفوريتها سواء كان المكلف في أثناء الفريضة أم لم يكن ، ويدلُّ الآخر على حرمة قطع الفريضة مع نجاسة المسجد وعدمها ، وحيث إن المكلف لا يتمكن من امتثال كليهما كما هو مفروض المسألة فالاطلاقان متزاحمان ولا بد من الرجوع إلى قواعد باب التزاحم ، وهي تقتضي وجوب تقديم الأهم أو ما يحتمل أهميته على غيره.

هذا إذا كان أحدهما كذلك ، وإلاّ فيتخير بينهما لتساويهما من جميع الجهات. ولما لم تثبت الأهمية في المقام ولا أنها محتملة في أحدهما دون الآخر ، تخيّر المكلف بين إتمام الصلاة ثم الإزالة وبين قطعها والمبادرة إلى الإزالة ، والحكم بوجوب الإتمام حينئذ مبني على احتمال كونه أهم. ولا يفرق في ذلك بين القول بالترتب وعدمه لأن القول بالترتب بين المتساويين أيضاً ينتج التخيير. نعم ، القول بالترتب يلزمه القول بتعدد العقاب إذا تركهما معاً لأن كلا من الإزالة وإتمام الصلاة واجب مشروط بترك الآخر فهناك واجبان مشروطان تحقق شرط كل منهما بتركهما فيترتب عليه عقابان ، وهذا بخلاف ما إذا أنكرنا الترتب حيث لا تكليف حينئذ إلاّ بأحدهما مخيراً فإذا تركهما فقد


1) قدّمنا مصدرها في ص 239.

عصى تكليفاً واحداً كما هو الحال في سائر الواجبات التخييرية.

وأما إذا كان مدركهما دليلاً لبياً أعني به الإجماع ، نظراً إلى أن ما دلّ على وجوب الإزالة لا يدل على وجوبها الفوري الدقي ، غاية الأمر أن يدل على وجوب الفور العرفي ، حيث لا مجال لتوهم دلالته على جواز تأخير الإزالة إلى مرور خمسين سنة مثلاً ، فلا بد في امتثال الأمر بالإزالة من المبادرة إليها عرفاً ، والفورية العرفية لا ينافيها إتمام ما بيده من الصلاة أو إنهاء ما اشتغل به من أكل أو شرب ونحوهما مما بقي منه شي‌ء طفيف ، وعليه فلو وجبت الإزالة فوراً عقلياً فهو مستند إلى الإجماع لا محالة كما أن وجوب إتمام الصلاة إنما يثبت بالإجماع المنعقد على وجوبه وحرمة قطعها ، لأن المراد بالتحليل والتحريم في الأخبار المتقدِّمة إنما هو الحرمة والحلية الوضعيتان أعني مانعية مثل القهقهة والاستدبار ونحوهما بعد تكبيرة الإحرام وعدم مانعيتها بعد التسليمة ، فإنه لا موضوع حينئذ كي تمنع عنه تلك الأُمور فلا دلالة للروايات على حرمتها التكليفية ومن هنا ورد في بعضها : « أن الصلاة مفتاحها التكبير ، أو أنها يفتتح بالتكبير ويختم بالتسليم » (1)ومعناه أن الإتيان بشي‌ء من القواطع بعد الافتتاح يوجب انقطاع الصلاة وبطلانها. والذي يدلنا على أن المراد بالتحليل والتحريم هو الحرمة والحلية الوضعيتان ، أن المراد بهما لو كان هو الحرمة والحلية التكليفيتان لم يفرق في ذلك بين النافلة والفريضة ، لأن إطلاق الروايات كما تشمل الثانية أيضاً تشمل الاولى فالتكبيرة محرّمة في النوافل والفرائض والتسليمة محلّلة. مع أنّ النوافل غير محرّم قطعها بلا إشكال.

فعلى ما ذكرنا لو قلنا بوجوب إتمام الصلاة وحرمة قطعها فلا بد من الاستناد فيهما إلى الإجماع المدعى. إذن فالنتيجة أيضاً التخيير لأن الإجماع دليل لبي يقتصر فيه على المقدار المتيقن ، والمتيقن من وجوب إتمام الصلاة ووجوب المبادرة إلى الإزالة إنما هو غير صورة المزاحمة ، فالمبادرة إلى الإزالة إنما نعلم بوجوبها فيما إذا يكن المكلف في


1) الوسائل 6 : 10 / أبواب تكبيرة الإحرام والافتتاح ب 1 ح 7 وفيه أوّل الحديث وفي ص 415 / أبواب التسليم ب 1 ح 2.

أو إبطالها والمبادرة إلى الإزالة؟ وجهان أو وجوه ، والأقوى وجوب الإتمام (1).


أثناء الصلاة ، كما أن إتمام الفريضة إنما يجب إذا لم تكن الإزالة واجبة في حقه ، ومع فرض التزاحم لا دليل على وجوب شي‌ء من الإتمام والمبادرة إلى الإزالة ، فله أن يقطع صلاته ويشرع في الإزالة كما أن له أن يتمها ثم يزيل النجاسة. وإذا فرضنا أن فوريّة الإزالة استندت إلى دليل لفظي وكان وجوب الإتمام مستنداً إلى الإجماع ، فلا محالة تتعين عليه الإزالة وتتقدّم على وجوب إتمام الصلاة ، لأنّ إطلاق دليلها يشمل ما إذا كان المكلف في أثناء الصلاة ، ولا يزاحمه وجوب الإتمام لأن القدر المتيقن من وجوبه غير صورة الابتلاء بالمزاحم. وإذا عكسنا الفرض وكان وجوب الإتمام مستنداً إلى دليل لفظي والفورية في الإزالة ثبتت بدليل غير لفظي ، فينعكس الحكم ويجب عليه الإتمام ثم الإزالة ، لأن دليله بإطلاقه يشمل ما إذا تنجس المسجد في أثناء الصلاة ، ولا يزاحمه دليل فورية الإزالة لاختصاصه بما إذا لم يبتل المكلف بتكليف آخر هذا.

والتحقيق هو التخيير بين إتمام الصلاة ثم الإزالة وبين قطعها والمبادرة إلى الإزالة قبل إتمامها كما أشرنا إليه في تعليقتنا على المتن ، وذلك لعدم الدليل على وجوب إتمام الصلاة ، فإن الأخبار المتقدمة لا دلالة لها عليه ، والإجماع المدعى على وجوبه غير ثابت فلم يبق سوى الإجماع المنقول ولا اعتبار به عندنا ، وكذلك الحال في الفورية العقلية في الإزالة حيث لم يقم دليل على وجوبها ، فإن غاية ما يمكن استفادته من الأخبار الواردة في جواز جعل الكنيف مسجداً بعد طمّه ومن صحيحة علي بن جعفر المتقدمة إن تمت دلالتها هو الفورية العرفية غير المنافية مع إتمام ما بيده من الصلاة أو غيرها فالمكلف يتخير بين الأمرين المتقدِّمين.

ثم إن ما ذكرناه من التخيير بين الأمرين السابقين أو تقديم أحدهما على الآخر يأتي في جميع الصور الثلاث ولا اختصاص له ببعض دون بعض ، وذلك لأجل الابتلاء


1) (*) بل الأقوى هو التخيير بين الأمرين.

[247] مسألة 6 : إذا كان موضع من المسجد نجساً ، لا يجوز تنجيسه ثانياً بما يوجب تلويثه بل وكذا مع عدم التلويث إذا كانت الثانية أشدّ وأغلظ من الاولى ، وإلاّ ففي تحريمه تأمّل ، بل منع إذا لم يستلزم تنجيس ما يجاوره من الموضع الطاهر لكنّه أحوط (1).


بالمزاحم في الجميع. هذا كله من جهة الحكم التكليفي أعني وجوب إتمام ما بيده من الصلاة أو وجوب قطعها والمبادرة إلى الإزالة. وأما من ناحية حكمها الوضعي أعني صحتها إذا أتمها ولم يبادر إلى الإزالة فقد اتضح مما أسلفناه في المسألة المتقدمة ، حيث إنها صحيحة تعينت عليه المبادرة إلى الإزالة أم لم تتعين. نعم إذا قلنا بتعينها حينئذ ولكنّه تركها وأتم صلاته فقد ارتكب محرّماً وعصى بتأخيره الإزالة ، إلاّ أنّ صلاته صحيحة على كل حال.

(1) للمسألة صور :

الاولى : أن يكون تنجيس الموضع المتنجس من المسجد سبباً لسراية النجاسة إلى غير الموضع المتنجس منه وموجباً لاتساعها. ولا ينبغي الإشكال حينئذ في حرمته لأنه تنجيس للمسجد في المقدار الزائد ابتداء وهو حرام.

الثانية : ما إذا لم يوجب اتساع النجاسة إلاّ أن النجاسة الثانية كانت أشد من النجاسة السابقة في المسجد ، كما إذا كان متنجساً بالدم وهو يزول بالغسل مرة واحدة ثم نجّسه بالبول مع البناء على أنه لا يزول إلاّ بالغسل مرتين ، وهذا أيضاً محرّم لاشتماله على ما هو الملاك في الحكم بحرمة تنجيس المسجد ابتداء فكما أنه مبغوض عند الشارع كذلك الثاني ، لأن الشارع يبغض تشديد النجاسة فيه فهو إيجاد لمبغوضه في المسجد من الابتداء.

والثالثة : ما إذا لم يكن التنجيس مستلزماً لاتساع النجاسة ولا أن الثانية كانت أشد من السابقة ، إلاّ أنه أوجب تلويث المسجد تلويثاً ظاهرياً مضافاً إلى نجاسته الواقعية ، كما إذا أراد تنجيس الموضع المتنجس من المسجد بالبول مثلاً بتلويثه بالعذرة الرطبة. وهذا أيضاً كالصورتين المتقدِّمتين محكوم بحرمته لمنافاته احترام المسجد

[248] مسألة 7 : لو توقّف تطهير المسجد على حفر أرضه جاز بل وجب وكذا لو توقف على تخريب (1)شي‌ء منه ولا يجب طمّ الحفر وتعمير الخراب. نعم ، لو كان مثل الآجر مما يمكن ردّه بعد التطهير وجب (1).


وتعظيم حرمات اللّه فهو هتك محرم.

الرابعة : ما إذا كان تنجيس الموضع المتنجس غير موجب لاتساع النجاسة ولا لتشديدها ولا كان موجباً للتلويث الظاهري. والصحيح عدم الحرمة في هذه الصورة لعدم كونه تنجيساً للمسجد حقيقة ، فإنّ المتنجس لا يتنجس ثانياً كما أشرنا إليه في محلِّه (2)وقلنا إنّ النجاسة والطهارة حكمان وضعيان وحقيقتهما الاعتبار ولا معنى للاعتبار بعد الاعتبار.

(1) في المسألة جهات من الكلام : الجهة الاولى : في جواز حفر المسجد وتخريبه إذا توقّفت الإزالة الواجبة على شي‌ء منهما. ولا ينبغي التأمل في جوازهما بل وجوبهما إذا كان حفرة أو تخريبه بمقدار يسير ولم يعدّ إضراراً للمسجد ومانعاً عن الصلاة والعبادة فيه ، وذلك للمقدمية وتوقّف الإزالة المأمور بها عليه بناء على وجوب المقدمة شرعاً. وأما إذا كان بمقدار غير يسير وادي إلى الإضرار والمنع عن الصلاة في المسجد فالحكم بجوازه فضلاً عن وجوبه محل إشكال ومنع ، لتزاحم ما دلّ على وجوب الإزالة مع الأدلة الدالة على حرمة الإضرار بالمسجد ، وحرمة الإضرار لو لم تكن أقوى وأهم من وجوب الإزالة فعلى الأقل أنها محتملة الأهمية دون الوجوب فلا مسوّغ معه للحكم بجواز حفر المسجد أو تخريبه. هذا إذا كان الدليل على وجوب الإزالة هو الأخبار المتقدِّمة ، وأما إذا استندنا فيه إلى الإجماع فالخطب سهل لعدم شمول الإجماع للإزالة المستلزمة للإضرار بالمسجد.


1) (*) هذا إذا لم يكن التخريب إضراراً بالوقف وإلاّ ففي جوازه فضلاً عن الوجوب إشكال حتى فيما إذا وجد باذل لتعميره.

2) في ص 200.

الجهة الثانية : في أن حفر المسجد أو تخريبه إذا قلنا بجوازه فهل يجب طمّ الحفر وتعمير الخراب منه؟ نصّ الماتن بعدم وجوبهما وهو الحق الصريح ، وهذا لا لما قيل من أن الحفر والتخريب إنما صدرا لمصلحة المسجد وتطهيره ، والتصرف فيما يرجع إلى الغير إذا كان لمصلحة الغير لا يستتبع الضمان ، فإنه لم يثبت على كبرويته. مثلاً إذا توقف إنجاء نفس محترمة من الحرق أو الغرق على تخريب دارها ، فهو وإن كان صدر لمصلحة مالكها الغريق وإنجائه إلاّ أنه إنما لا يستتبع الضمان فيما إذا استند إلى إذن نفسه أو الحاكم أو العدول لأنه من الأُمور الحسبية التي يرضى الشارع بأمثالها ، وأما إذا لم يستند إلى شي‌ء من ذلك بل خربها أحد من قبل نفسه بداعي إنجاء مالكها فالحكم بعدم استلزامه الضمان في نهاية الإشكال.

بل الوجه فيما ذكرناه أن المسجد يمتاز عن بقية الأُمور الموقوفة بأنه تحرير وفك للأرض عن علاقة المملوكية ، فكما أن المملوك من العبيد قد يحرّر لوجه اللّه فلا يدخل بعد ذلك في ملك مالك ، كذلك المملوك من الأراضي قد يحرّر ويفك عن الملكية لوجه اللّه فلا تثبت عليها علاقة مالك أبداً ، والدليل الدال على الضمان إنما أثبته في التصرف في مال أحد وإتلافه ، وأما إتلاف ما ليس بمال لأحد فلم يدل دليل على ضمانه بالتصرف فيه. ومن هنا نفرّق بين المسجد وأدواته وآلاته من الحصر والفرش وغيرهما ، لأنها إما أن تكون ملكاً للمسلمين حيث وقفت لهم حتى ينتفعوا بها في صلاتهم وعبادتهم ، وإما أنها ملك للمسجد وموقوفة له ولا مانع من تمليك المسجد ونحوه من غير ذوي الشعور وإن كان الأول أقرب إلى الأذهان ، فإن المسجد لا يحتاج إلى شي‌ء من الآلات والأدوات وإنما يحتاج إليها المسلمون في عباداتهم وصلواتهم في المسجد. وكيف كان ، فهي مملوكة للغير على كلا الفرضين فالتصرف فيها يستتبع الضمان.

الجهة الثالثة : أن الآجر ونحوه مما يمكن رده إلى المسجد بعد تطهيره هل يجب ردّه إليه؟ حكم الماتن قدس سره بوجوبه وهو الصحيح ، وهذا لا لما ورد في بعض الأخبار من الأمر بوجوب ردّ الحصاة أو التراب المأخوذين من المسجد أو البيت

[249] مسألة 8 : إذا تنجس حصير المسجد وجب تطهيره (1)أو قطع موضع النجس منه (2)إذا كان ذلك أصلح من إخراجه وتطهيره كما هو الغالب (1).


إليه (3)حتى يقال بعدم وجوب الرد في المقام لأن إخراج الآجر مثلاً إنما كان بأمر الشارع وحكمه بوجوب تطهيره بخلاف إخراج الحصاة والتراب ، بل الوجه في ذلك أن الآجر إما أنه جزء للمسجد كما إذا جعلت الأرض وما فيها من الآجر مسجداً وإما أنه وقف للمسجد كسائر آلاته أو وقف للمسلمين ، وعلى أي حال فهو من الموقوف ويجب ردّ الوقف إلى محله ويحرم التصرف فيه في غير الجهة التي أُوقف لأجلها فإن الوقوف حسب ما يقفها أهلها ، ومن ثمة نحكم بعدم جواز التصرف في مثل الحجارة والآجر وغيرهما من أدوات المسجد بعد خرابه لعدم كونها من المباحات الأصلية ، فيجب إما أن يصرف في نفس ذلك المسجد إن أمكن وإلاّ ففي مسجد آخر لأنها وقف للمسجد فيلاحظ فيها الأقرب فالأقرب.

(1) في المسألة جهتان من الكلام : الجهة الاولى : أن المسجد إذا تنجس حصيرة أو فرشه أو غيرهما من آلاته فهل تجب إزالة النجاسة عنه كما تجب إزالتها عن نفس المسجد؟ حكي القول بذلك عن الكثير ولم ينقل فيه خلاف ، إلاّ أن الصحيح عدم وجوب الإزالة عن آلات المساجد ، وذلك لأنّا إن استندنا في الحكم بوجوب الإزالة عن المسجد إلى الإجماع المنعقد على وجوبها كما هو الصحيح فمن الظاهر عدم شموله لآلاته وأدواته ، فانّ المتيقن منه إنما هو نفس المسجد كما هو ظاهر ، وإن اعتمدنا فيه على الأخبار الواردة في جواز اتخاذ الكنيف مسجداً بعد طمّه أو إلى صحيحة علي ابن جعفر المتقدِّمة ، فهما مختصتان أيضاً بنفس المسجد ولا دلالة لهما على وجوب الإزالة عن آلاته. نعم ، لو استندنا في ذلك إلى قوله عزّ من قائل : ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ


1) (*) على الأحوط.

2) (**) فيه إشكال.

3) الوسائل 5 : 231 / أبواب أحكام المساجد ب 26 ح 1 4.

نَجَسٌ ... ) (1)أو إلى النبوي : « جنِّبوا مساجدكم النجاسة » (2)وحملنا النجس على الأعم من النجاسات والمتنجسات لدلا على وجوب إزالة النجاسة عن الحصر والفرش وغيرهما من آلات المساجد لوجوب تجنيب المساجد عنهما وعدم إدخالها فيها.

إلاّ أنك عرفت عدم تمامية الاستدلال بشي‌ء من الآية والرواية ، لأن النجس بمعناه الحدثي المصدري وقد أُطلق على المشركين لشدة خباثتهم ونجاستهم الباطنية والظاهرية ، فلا يمكن التعدي عن مثلها إلى سائر النجاسات فضلاً عن المتنجسات كما أن النبوي مخدوش بحسب الدلالة والسند. فتحصل : أنه لا دليل على وجوب إزالة النجاسة عن آلات المساجد فللمكلف أن يفرش عباءه المتنجس في المسجد ويصلي عليه ولا يجب إخراجه عن المسجد. نعم ، يحرم تنجيس أدواته لأنّ التصرّف في الوقوف في غير الجهة التي أُوقفت لأجلها محرم والحصير إنما أُوقف لأنّ يصلّى فوقه ولم يوقف لتنجيسه. نعم ، في مثل أسلاك المسجد ومنابرها وغيرها من المواضع التي لم توقف للعبادة لا دليل على حرمة تنجيسها لعدم منافاته لجهة الوقف.

الجهة الثانية : أن الحصر والفرش وغيرهما من آلات المسجد إذا دار أمرها بين إخراجها من المسجد لتطهيرها ثم إرجاعها إليه ، وبين قطع الموضع المتنجس منها من دون إخراجها وتطهيرها فهل الأرجح هو القطع أو التطهير بإخراجها أو أن الأمرين متساويان؟ الصحيح أن ذلك لا يدخل تحت ضابط كلي لأن المصلحة قد تقتضي التطهير دون القطع ، كما إذا فرضنا الفرش المتنجس من فرش قاسان فان قطع مقدار من مثله يوجب سقوطه عن المالية ، فلا إشكال في مثله في تعين التطهير بإخراجه من المسجد ثم إرجاعه إليه ، وقد ينعكس الأمر كما إذا كان الحصير المتنجس كبيراً غايته فان نقله من مكانه ثم إرجاعه إليه يذهب بقوته وينقص من عمره ، بخلاف ما إذا قطعنا مقداراً قليلاً منه كمقدار حمصة ونحوها فالمتعين في مثله القطع لا محالة. وعلى


1) التوبة 9 : 28.

2) الوسائل 5 : 229 / أبواب أحكام المساجد ب 24 ح 2.

[250] مسألة 9 : إذا توقف تطهير المسجد على تخريبه أجمع كما إذا كان الجص الذي عمّر به نجساً ، أو كان المباشر للبناء كافراً ، فان وجد متبرِّع بالتعمير بعد الخراب جاز وإلاّ فمشكل (1)(1).

[251] مسألة 10 : لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خراباً وإن لم يصلّ فيه أحد ويجب تطهيره إذا تنجّس (2).


الجملة لا بدّ من مراعاة ما هو الأصلح بحال المسجد وآلاته وهو يختلف باختلاف الموارد والحالات.

(1) كأنّ استشكاله قدس سره من جهة اختصاص الأدلة القائمة على وجوب إزالة النجاسة بما إذا كان المسجد قائماً بعينه حال تطهيره ، فإن الأدلة على هذا لا تشمل المقام إذ التطهير مساوق لانعدام موضوع المسجد على الفرض.

قلت : الأمر وإن كان كما أفاده حيث لا دليل على وجوب تطهير المسجد إذا كان مستلزماً لانعدامه ، إلاّ أن ذلك لا اختصاص له بصورة عدم وجدان المتبرِّع ، فانّ المسجد لمكان وقفه وتحريره يحتاج تخريبه إلى مرخص شرعي ، لحرمة التصرف في الوقوف في غير الجهة الموقوفة لأجلها ، ووجود المتبرع لا يكون مرخصاً في تخريب المسجد وإلاّ جاز تخريبه مع وجود المتبرع بتعميره وإن لم يكن محتاجاً إلى التطهير لعدم نجاسته. وكيف كان ، فلا مرخّص في تخريب المسجد في كلتا الصورتين ، ومن هنا أشرنا في التعليقة إلى أن صورتي وجدان المتبرع وعدمه متساويتان في الإشكال.

(2) لهذه المسألة صورتان : إحداهما : ما تعرض له الماتن في هذه المسألة وهو ما إذا كان المسجد خراباً لا يصلّى فيه لكثرة ما فيه من التراب والزبالات ، إلاّ أنه معنون بعنوان المسجد بالفعل بحيث يقال إنه مسجد خراب ولا يقال إنه كان مسجداً سابقاً وليس كذلك بالفعل.


1) (*) لا فرق في الاشكال بين وجود المتبرع وعدمه ، والأقوى كفاية تطهير الظاهر منه ولا يجب تطهير الباطن.

[252] مسألة 11 : إذا توقف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة (1) لا مانع منه (2) إن أمكن إزالته بعد ذلك كما إذا أراد تطهيره بصبِّ الماء واستلزم ما ذكر.


وثانيتهما : ما يتعرّض له في المسألة الثالثة عشرة وهي ما إذا خرب المسجد على وجه تغير عنوانه ، ولم يصدق أنه مسجد بالفعل بل قيل إنه كان مسجداً في زمان وأما الآن فهو حمام أو شارع أو حانوت.

أما الصورة الاولى : فلا ينبغي الإشكال فيها في أنّ المسجد يحرم تنجيسه ، كما تجب الإزالة عنه لعين الأدلّة المتقدِّمة القائمة على وجوب الإزالة عن المسجد وحرمة تنجيسه ، لعدم التفصيل فيها بين المساجد العامرة والخربة. وأما الصورة الثانية : فيأتي عليها الكلام عند تعرض الماتن لحكمها (1).

(1) كما إذا قلنا بنجاسة غسالة الغسلة الأُولى ، أو كان المسجد متنجساً بدم ونحوه مما يحتاج إزالته إلى دلكه فأوجب صب الماء عليه قبل إزالته نجاسة بعض المواضع الطاهرة من المسجد.

(2) والوجه فيه عدم شمول الأدلة القائمة على تنجيس المسجد للمقام ، لأن تنجيس الموضع الطاهر منه مقدمة لتطهيره وتطهير غيره من المواضع النجسة فلا دليل على حرمة تنجيسه أصلاً. على أنّا لو قلنا بحرمة التنجيس في أمثال المقام فلا محالة يقع التزاحم بين ما دلّ على حرمة تنجيس المسجد وما دلّ على وجوب تطهيره والمتعين حينئذ هو الأخذ بالأخير ، لأن الأمر يدور بين تنجيس شي‌ء من المسجد زائداً على نجاسة الموضع المتنجس منه حتى ترتفع نجاسة الجميع في مدة يسيرة ، وبين أن لا يزيد على نجاسة المسجد بشي‌ء وتبقى نجاسة الموضع المتنجس منه إلى الأبد ، ولا كلام في أن الأول هو المتعين الأرجح لأنه أقل محذوراً من الأخير.


1) في المسألة [13].

[253] مسألة 12 : إذا توقف التطهير على بذل مال وجب (1)وهل يضمن من صار سبباً للتنجس؟ وجهان لا يخلو ثانيهما من قوة (1).


(1) الكلام في هذه المسألة يقع في موردين :

أحدهما : أن الإزالة إذا توقّفت على بذل مال كقيمة الماء وأُجرة الآلات والأجير هل يجب بذله؟ لأنه مقدمة للإزالة الواجبة ومقدّمة الواجب واجبة عقلاً وشرعاً أو عقلاً فقط.

وثانيهما : أن تنجيس المسجد إذا حصل بفعل فاعل مختار فهل يكون ضامناً للمال الذي تتوقّف الإزالة على بذله؟

أمّا المورد الأوّل : فتفصيل الكلام فيه : أن المال الذي تتوقّف الإزالة على بذله إن كان من أموال نفس المسجد كاجرة الدكاكين الموقوفة لمصالحه أو كان ممن تصدى للإزالة إلاّ أنه كان بمقدار يسير لا يعدّ صرفه ضرراً ولم يكن حرجياً في حقّه فلا ينبغي الإشكال في وجوب بذله لأنه مقدّمة للإزالة المأمور بها. وأما إذا كان ضرريّاً أو موجباً للحرج فالظاهر عدم وجوب بذله ، إذ الإجماع القائم على وجوب الإزالة غير شامل لهذه الصورة فإن المتيقن منه غيرها. وأما الأخبار المستدل بها على وجوب الإزالة فهي وإن كانت مطلقة وتقتضي وجوبها حتى إذا كانت ضررية أو حرجية إلاّ أن قاعدة نفي الضرر أو الحرج تقضي بعدم وجوب الإزالة ، لأنها حاكمة على أدلّة جميع الأحكام الشرعية التي منها وجوب الإزالة ، ولا غرابة في ذلك فإنهم ذهبوا إلى أن الميت إذا لم يكن له مال يشتري به الكفن ولم يكن من تجب عليه نفقته موسراً ، لا يجب عليه ولا على غيره شراء الكفن له ، وإنما يدفن عارياً أو يكفن من سهم سبيل اللّه من الزكاة كما صرح به جماعة ، لأن الواجب الكفائي هو التكفين لا بذل الكفن ، كما أن الواجب تغسيله دون شراء الماء له ، وهذا الحكم لا دليل عليه سوى قاعدة نفي الضرر ، ومن هنا قد يستشكل في ذلك بأن التكفين أو التغسيل إذا وجب ، وجب تحصيل ما هو مقدمة له من شراء الكفن أو الماء ، لعدم حصول الواجب


1) (*) فيه إشكال فيما إذا احتاج التطهير إلى بذل مال كثير ، بل لا يجب فيما يضرّ بحاله.

إلاّ به. فاذا اقتضت القاعدة عدم وجوب شراء الكفن لميت الإنسان الذي هو أعزّ مخلوقات اللّه سبحانه ، فلا غرو أن تقتضي عدم وجوب بذل المال مقدمة للإزالة الواجبة.

وأمّا المورد الثاني : فقد قوّى الماتن فيه عدم الضمان ، والأمر كما أفاده ، ولنتكلّم أوّلاً في حكم تنجيس مال الغير حتى يظهر منه حكم المقام فنقول : إذا نجّس أحد مال غيره واحتاج تطهيره إلى بذل الأُجرة عليه فالظاهر عدم ضمانه للأُجرة ، وذلك لما ذكرناه في بحث الضمان من أن أدلة الضمان وإن كانت تشمل العين وأوصافها فاذا غصب أحد دابة مثلاً وكانت سمينة ثم عرضها الهزال وهي تحت يده ، فلا محالة يضمن النقص الحاصل في قيمتها كما هو مقتضى « على اليد ما أخذت » وغيره من أدلّة الضمان ، بلا فرق في ذلك بين وصف الصحة وغيرها من أوصاف الكمال. وعليه إذا صار تنجيس مال غيره سبباً لنقصان في قيمته كما قد يوجبه بل قد يسقطه عن المالية رأساً كما إذا نجّس ماء غيره أو لبنه ونحوهما فلا إشكال في ضمانه له حيث أتلفه على مالكه إلاّ أنّ اجرة تطهيره وإرجاعه إلى حالته السابقة مما لا دليل على ضمانه.

وقد يكون التفاوت بين اجرة التطهير ومقدار النقص الحاصل في قيمة المال مما لا يتسامح به ، وهذا كما إذا نجّس فرو غيره فإنه ينقص قيمته لا محالة بحيث لو كان يشترى طاهره بخمسة دنانير مثلاً يشترى بعد تنجسه بأربعة ، إلاّ أن اجرة تطهيره وإرجاعه إلى حالته الأولية لعلها تزيد على ثلاثة دنانير لاحتياجه إلى الدباغة وغيرها من الأعمال بعد غسله ، فالذي يضمنه من صار سبباً لتنجسه دينار واحد في المثال دون اجرة التطهير التي هي ثلاثة دنانير مثلاً ، ومن ذلك يظهر عدم ضمان اجرة التطهير في تنجيس المسجد لما عرفت من أنه لا دليل على ضمانها في تنجيس ملك الغير فضلاً عن تنجيس ما لا يدخل في ملك مالك ، والفرق بين تنجيس المسجد وغيره من الأموال إنما هو في أن المنجّس يضمن النقص الحاصل في قيمتها إذا حصل بتنجيسها ، وهذا بخلاف المسجد فان من صار سبباً لتنجسه لا يضمن النقص أيضاً لما تقدم من أن المساجد موقوفة ومعنى وقفها تحريرها فلا تقاس بسائر الوقوف التي هي ملك غير طلق ، فاذا لم تكن المساجد مملوكة لمالك فلا تشملها أدلّة الضمان

[254] مسألة 13 : إذا تغيّر عنوان المسجد بأن غصب وجعل داراً أو صار خراباً بحيث لا يمكن تعميره ولا الصلاة فيه ، وقلنا (1) بجواز


لاختصاصها بمال الغير وقد قدّمنا أن إتلاف أرض المسجد ونفسه غير موجب للضمان فما ظنك بإتلاف صفاتها الكمالية.

(1) هذا الكلام يعطي بظاهره أن القول بجواز تنجيس المسجد في مفروض المسألة وعدم وجوب تطهيره يبتنيان على القول بجواز جعل المسجد مكاناً للزرع ، بحيث لو منعنا عن ذلك لم يمكن الحكم بجواز تنجيسه وعدم وجوب الإزالة عنه. وفيه : أن القول بجواز تنجيس المسجد وعدم وجوب تطهيره في مفروض المسألة إنما يبتنيان على جريان الاستصحابين : التنجيزي والتعليقي كما يأتي تقريبهما في الحاشية الآتية وعدمه ، سواء قلنا بجواز جعل المسجد مكاناً للزرع أم لم نقل حيث إنه مسألة مستقلة لا ربط لها بالمقام ، وهي تبتني على جواز التصرفات غير المنافية للصلاة والعبادة في المسجد ، فلنا أن نمنع عن بعض التصرفات في المسجد كجعله مقهى أو ملهي لمنافاتهما المسجدية ومع ذلك نلتزم بجواز تنجيسه وعدم وجوب الإزالة عنه للمنع عن جريان الاستصحابين ، أو نلتزم بجواز جعله مكاناً للزراعة ولا نقول بجواز تنجيسه ولا بعدم وجوب الإزالة عنه لجريان الاستصحابين المذكورين فالمسألتان من واديين لا ربط لإحداهما بالأُخرى.

وهل يجوز جعل المسجد مكاناً للزرع ولو بالإجارة من الحاكم؟ قد عرفت أن هذا يبتني على جواز التصرّفات غير المنافية للصلاة والعبادة في المسجد أعني جهة وقفه والظاهر جواز ذلك للسيرة المستمرة عند المتشرعة فتراهم يدخلون المسجد فيتكلّمون فيه حول ما لا يرجع إلى دينهم أو يدخلونه للأكل والمنام أو ينزل فيه المسافر إلى غير ذلك من الأفعال التي لا تنافيها جهة وقف المسجد ، وقد مرّ أنّ المسجد محرر ومعه لا مانع من جعله مكاناً للزراعة إذا لم تكن منافية لجهة الوقف ، كما إذا كان المسجد في طريق متروك التردد بحيث لا يصلّون فيه. نعم ، لا يجوز جعله مكاناً للأفعال التي لا يناسبه عنوان المسجد كجعله ملعباً وملهى لمنافاتهما المسجدية

جعله مكاناً للزّرع ففي جواز تنجيسه وعدم وجوب تطهيره كما قيل إشكال (1)والأظهر عدم جواز الأوّل ، بل وجوب الثاني أيضاً (1).


كما لا يخفى. وأما استئجاره من الحاكم فهو مما لا مجوّز له ، حيث إن المسجد ليس ملكاً لأحد حتى يؤجره الحاكم نيابة عن مالكه ، وإنما هو محرّر وغير داخل في ملك أحد ولا معنى في مثله للإجارة وأخذ الأُجرة كما لعله ظاهر ، فلا تتوقف الأفعال غير المنافية لعنوان المسجد على استئجاره من حاكم الشرع.

(1) التحقيق جواز تنجيسه وعدم وجوب الإزالة عنه ، وهذا لا لأنّ الوقوف تخرج عن كونها وقفاً بالخراب ويبطل بغصب الغاصب إذا غيّر عنوانها كما إذا جعل المسجد داراً أو حانوتاً ونحوهما ، وذلك لوضوح أن المسجد قد خرج عن ملك مالكه بوقفه وتحريره فهو غير داخل في ملك أحد بأرضه وبأجزائه التي يشتمل عليها فلا ينقلب ملكاً لمالك بخرابه أو بغصبه فان كونه كذلك يحتاج إلى مملك لا محالة ومن ملكه ثانياً بعد تحريره! وما هو الموجب لذلك ، بل المسجد باق على تحريره حتى بعد تغييره وبنائه داراً أو حانوتاً بحيث لو استرجع من يد الغاصب لكان مسجداً محرراً فالغصب إنما أوجب زوال عنوانه لا أنه أبطل تحريره ، بل الوجه فيما ذكرناه هو الشك في سعة الموضوع وضيقه ، لأنّا لا ندري أن حرمة تنجيس المسجد ووجوب الإزالة عنه وغيرهما من أحكامه هل تترتب على ما هو المسجد بحسب الواقع وإن لم يصدق عليه عنوان المسجد لصيرورته داراً أو حانوتاً ونحوهما ، بحيث لا يقال إنه مسجد بالفعل بل يقال إنه طريق أو دار كان مسجداً في زمان ، أو أنها مترتبة على ما يصدق عليه عنوان المسجد بالفعل فما لم يصدق عليه أنه مسجد كذلك لم يحكم عليه بشي‌ء من الأحكام المتقدِّمة وإن كان باقياً على مسجديته وتحريره؟ فان ظاهر صحيحة علي ابن جعفر المتقدِّمة والأخبار الواردة في جعل البالوعة مسجداً بعد طمّها بالتراب وغيرهما مما استدل به على حرمة تنجيس المسجد ووجوب الإزالة عنه ، اختصاص


1) (*) والأظهر جواز الأول وعدم وجوب الثاني.

[255] مسألة 14 : إذا رأى الجنب نجاسة في المسجد فإن أمكنه إزالتها بدون المكث في حال المرور وجب المبادرة إليها (1)وإلاّ فالظاهر وجوب التأخير إلى ما بعد الغسل ، لكن يجب المبادرة إليه حفظاً للفورية بقدر الإمكان ، وإن لم يمكن التطهير إلاّ بالمكث جنباً فلا يبعد جوازه بل وجوبه (1) ، وكذا إذا استلزم التأخير


ذلك بما يصدق عليه المسجد بالفعل ، ومن هنا نشك في ترتبها على المسجد الذي جعل داراً أو طريقاً ، وحيث إنه لا إطلاق في تلك الأدلة حتى تشمل ما لا يصدق عليه المسجد بالفعل لأجل كونها ظاهرة في الاختصاص بالمسجد الفعلي فلا محالة تنتهي النوبة إلى الأصل العملي وهو الاستصحاب في المقام ، فمن يرى اعتباره في الأحكام الكلية بكلا قسميه من التنجيزي والتعليقي كالماتن وغيره يستصحب حرمة التنجيس المترتبة على المكان الذي كان مسجداً سابقاً وهو من استصحاب الحكم المنجز ، كما يستصحب وجوب الإزالة عنه على نحو التعليق لأنه كان لو تنجس وجب تطهيره والأصل أنه الآن كما كان.

وأما من أنكر استصحاب الأحكام المعلّقة كشيخنا الأُستاذ وغيره فيلتزم بحرمة تنجيسه لاستصحابها ، وينكر وجوب الإزالة عنه لأنه من استصحاب الحكم المعلّق ومن هنا فصّل في هامش المتن بين حرمة التنجيس ووجوب الإزالة في المسألة. وأما من لا يعترف بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلية المنجزة ولا المعلقة كما بنينا عليه في محله فلا يلتزم بشي‌ء من الحكمين المتقدمين ، ومن هنا كتبنا في تعليقتنا أن الأظهر عدم وجوب الإزالة والأحوط عدم جواز تنجيسه. وأردنا بذلك عدم المخالفة مع المشهور حيث حكموا بحرمته لأنه حكم موافق للاحتياط.

(1) لتمكّنه من امتثال كلا الحكمين ، أعني حرمة المكث في المساجد ووجوب الإزالة ، فيزيلها في حالة المرور من غير مكث.


1) (*) الحكم بجوازه فضلاً عن وجوبه لمن يحرم عليه المكث في المسجد في نفسه ممنوع جدّاً ، نعم إذا استلزمت نجاسة المسجد هتكه جاز المكث فيه مقدمةً للإزالة ، ولزم التيمّم حينئذٍ له إن أمكن.

• إلى أن يغتسل - هتك حرمته (1).

(1) إذا لم يتمكن من إزالة النجاسة في حال المرور وتزاحمت حرمة المكث مع وجوب الإزالة ، فهل تجب عليه الإزالة حينئذ أو تتقدم حرمة المكث على وجوب الإزالة أو لا بد من التفصيل في المسألة؟ التحقيق هو الأخير بيان ذلك : أن للمسألة صوراً ثلاثاً :

إحداها : ما إذا كانت حرمة المكث مزاحمة لفورية الإزالة لا لأجل وجوبها كما إذا رأى نجاسة في المسجد وهو جنب يتمكن من الاغتسال ، فإن الأمر يدور في مثله بين المبادرة إلى الإزالة وعصيان حرمة المكث بأن يدخل المسجد ويزيل النجاسة وهو جنب ، وبين أن يترك المكث جنباً ويؤخر الإزالة إلى ما بعد الغسل ، والمتعين في هذه الصورة تأخير الإزالة ، لأنّ ما دلّ على فوريتها لا تقتضي المبادرة إليها بتلك السرعة فان فورية الإزالة كما لا تنافي التراخي لتهيئة آلاتها كذلك لا تنافي تأخيرها بمقدار الاغتسال ، لأنه في الحقيقة أيضاً من مقدّماتها ، فالمتعين حينئذ أن يبادر إلى الاغتسال ثم يشتغل بالإزالة. ومعه لا يتمكن من التيمم بدلاً عن الغسل ولو بداعي غايات أُخر ، لأن مكث الجنب في المسجد بالتيمم إنما يسوغ إذا كان فاقداً للماء وعاجزاً عن الاغتسال ، وأما في أمثال المقام مما يتمكن فيه من الغسل فلا مسوّغ لمكثه في المساجد بالتيمم.

وثانيتها : ما إذا كانت حرمة المكث مزاحمة لأصل وجوب الإزالة لا لفوريتها فحسب كما إذا لم يتمكن من الاغتسال ، كما إذا كان مسافراً مثلاً وعلى طريقه مسجد فيه نجاسة وهو جنب ولا تقف القافلة حتى يغتسل فيزيل ، فإن الأمر حينئذ يدور بين الإزالة وهو جنب وبين تركها رأساً ، والصحيح وقتئذ تقديم حرمة المكث على وجوب الإزالة ، وذلك لتوقفها على أمر حرام وهو المكث ، وبذلك يدخل المقام في كبرى توقّف الواجب على مقدّمة محرّمة والضابط الكلِّي حينئذ تقديم الأهم منهما على المهم ، ولا إشكال في أنّ حرمة المكث التي ثبتت بغير واحد من الاخبار (1)وقوله


1) الوسائل 2 : 205 / أبواب الجنابة ب 15 ح 1 ، 2 ، 4 ، 5 ، 6 ، 8 ، 17.

[256] مسألة 15 : في جواز تنجيس مساجد اليهود والنصارى إشكال (1)وأمّا مساجد المسلمين فلا فرق فيها بين فِرقهم (1).


عزّ من قائل ( وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) (2)بمعونة ما ورد في تفسيره (3)بإرادة عدم التقرّب من المسجد الذي هو مكان الصلاة جنباً ، إما أنها أهم من وجوب الإزالة أو أنها محتملة الأهمية ، بخلاف الإزالة حيث لا نحتمل أهميتها ومعه لا مناص من تقديمها على وجوب الإزالة ، فلا يسوغ له الدخول في المساجد مع الجنابة وإن استلزم ذلك ترك الإزالة الواجبة.

وأما ما في المتن من عدم استبعاد جواز الإزالة حينئذ بل وجوبها ، فهو مستند إلى تساوي الحكمين أو أهمية وجوب الإزالة عند الماتن وقد عرفت خلافه. نعم ، إذا فرضنا في مورد كان وجوب الإزالة أهم فلا محالة يتقدم على مزاحمة الحرام كما يأتي في الصورة الثالثة ، على ما هو الضابط في توقف أيّ واجب على مقدمة محرمة ، مثلاً إذا توقف إنجاء المؤمن على مكث الجنب في المسجد فلا محالة يتقدم الواجب لأهميته على الحرام وبه ترتفع الحرمة عن مقدّمة الواجب.

وثالثتها : الصورة الثانية بعينها غير أن بقاء المسجد على النجاسة كان مستلزماً لهتكه ، فالتزاحم حينئذ بين حرمة المكث ووجوب الإزالة ولكن لا بما هي إزالة بل بما أن تركها مستلزم للهتك المحرم. ولا إشكال في أن الإزالة بهذا العنوان الثانوي أهم من حرمة المكث في المسجد ، لأن تركها هتك لحرمات اللّه سبحانه وهو هتك لله جلت عظمته وخلاف ما أمرنا به من تعظيم حرماته ، فهي لمكان أهميتها متقدمة على حرمة المكث ومعه إن أمكنه التيمم فيتيمّم بداعي المكث في المسجد ومن مقدّماته الطهارة من حدث الجنابة ، وبما أن التراب كالماء فيتيمم مقدمة للإزالة الواجبة ، وإذا لم يمكنه التيمم أيضاً فلا بد من أن يمكث في المسجد ويزيل نجاسته وإن كان جنبا.

(1) التحقيق أن تنجيس مساجد اليهود والنصارى وترك الإزالة عنها مما


1) (*) لا وجه للإشكال بعد عدم كونها مسجداً.

2) النساء 4 : 43.

3) الوسائل 2 : 207 / أبواب الجنابة ب 15 ح 10 ، 20.

[257] مسألة 16 : إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه جزءاً من المسجد لا يلحقه الحكم من وجوب التطهير وحرمة التنجيس (1) بل وكذا لو شكّ (1)في ذلك وإن كان الأحوط اللّحوق (2).


لا إشكال في جوازه ، وذلك فان وجوب الإزالة وحرمة التنجيس من الأحكام المختصّة بمساجد المسلمين ولا دليل على شي‌ء منهما في مساجد غيرهم. أما الإجماع المستدل به عليهما فلوضوح عدم تحققه في الكنائس والبِيَع. وأما الأخبار التي أهمها روايات جعل البالوعة مسجداً فلاختصاصها بمساجد المسلمين ومعه لا مقتضي لاسراء أحكامها إلى معابد اليهود والنصارى وغيرهم. على أنّا نقطع نجاسة معابدهم حيث يشربون فيها الخمور ولعل بعضهم يتقرب بذلك إلى اللّه ولا أقل من أنهم يشربون فيها الماء أو غيره من المائعات فيصيب معابدهم عادة ، ولازم القول بوجوب الإزالة عن معابدهم أن المسلمين في أمثال بغداد وبيروت مكلفون بتطهير معابد هؤلاء وهو لا يخلو من الغرابة كما لا يخفى. نعم ، لا إشكال في وجوب الإزالة وحرمة التنجيس في المساجد التي كانت سابقاً معابد للنصارى واليهود لا لأنها معابدهم بل لأنها مساجد المسلمين بالفعل.

(1) إذ لا موضوع ليترتب عليه حكمه ولا مانع من عدم جعل ساحة المسجد أو جدرانه أو سقفه أو تحته من المسجد ، إذ الوقوف حسب ما يقفها أهلها فيختص المسجد بما جعله الواقف مسجداً ، وغاية الأمر أن غير المسجد يتصل بالمسجد حينذاك والاتصال لا يقتضي سراية حكم أحدهما إلى الآخر.

(2) إذا شك في أن الساحة من المسجد أو غيره لا مانع من إجراء البراءة عن وجوب تطهيرها وحرمة تنجيسها ، لأنه من الشبهات الموضوعية التحريمية أو الوجوبية وهي مما اتفق المحدّثون والأُصوليون على جريان البراءة فيه. نعم ، لا إشكال في حسن الاحتياط عقلاً وشرعاً. هذا إذا لم تكن هناك أمارة على أن المشكوك فيه


1) (*) هذا إذا لم يستكشف من ظاهر الحال أو من أمارة أُخرى جزئيتها له.

[258] مسألة 17 : إذا علم إجمالاً بنجاسة أحد المسجدين أو أحد المكانين من مسجد وجب تطهيرهما (1).

[259] مسألة 18 : لا فرق بين كون المسجد عامّاً أو خاصّاً (1)(2) وأمّا المكان الذي أعدّه للصّلاة في داره فلا يلحقه الحكم (3).


من المسجد ، وأما مع وجود الأمارة عليه ولو كانت هي شاهد الحال وجريان يد المسلمين عليه بما أنه مسجد فلا محالة يحكم عليه بالمسجدية. ولو لا كفاية أمثالهما من الأمارات في ذلك لم يمكننا إثبات المسجدية في أكثر المساجد إذ من أين يعلم أنه مسجد مع عدم العلم بكيفية وقف الواقف.

(1) للعلم الإجمالي بوجوب الإزالة المردد تعلقه بأحد المسجدين أو المكانين ومعه لا بد من الاحتياط وتطهير كليهما ، فانّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية.

(2) ما أفاده الماتن قدس سره من عدم التفرقة بين قسمي المسجد وإن كان متيناً على تقدير صحّة تقسيم المساجد إلى عام وخاص وذلك لإطلاق الدليل وتحقق الموضوع في كليهما ، إلاّ أن تقسيمه المساجد إلى ذينك القسمين مما لا يمكن المساعدة عليه ، لأنه إنما يصح فيما إذا كانت المساجد ملكاً للمسلمين ، فإنه بناء على ذلك لا مانع من تمليك المسجد لطائفة دون طائفة كمسجد الشيعة أو السنة أو الطلاب أو غير ذلك من الأصناف على ما هو الحال في الحسينيات ، وأما بناء على ما هو الصحيح من أن وقف المساجد تحريرها وصيرورتها ملكاً لله سبحانه أعني رفع المالك العلقة المالكية عنها لوجه اللّه فلا معنى لاختصاصها بطائفة دون طائفة ، فإن الجميع محررة ومملوكة لله والناس في ملكه سبحانه شرع سواء ، فتقسيم المساجد إلى عام وخاص محل إشكال وكلام.

(3) لوضوح أن الأدلة إنما أثبتت الحكمين وجوب الإزالة وحرمة التنجيس على بيوت اللّه المعدة للعبادة المحررة عن علاقة أي مالك من الملاك ، فلا تشمل المكان


1) (*) صحة اعتبار الخصوصية في المسجد لا تخلو من إشكال.

[260] مسألة 19 : هل يجب إعلام الغير إذا لم يتمكّن من الإزالة؟ الظاهر العدم (1)إذا كان مما لا يوجب الهتك وإلاّ فهو الأحوط (1).


الذي يستحب إعداده للصلاة لعدم كونه محرراً. على أنه ورد في بعض الأخبار أن المصلّى ومكان الصلاة يجوز أن يجعل كنيفاً (2)، فلو كان حكمه حكم المسجد لم يجز تبديله فضلاً عن أن يجعل كنيفاً.

(1) لا ينبغي الإشكال في أن نجاسة المسجد إذا استلزمت هتكه لزم إزالتها على كل حال ، فان كان متمكناً من إزالتها بنفسه يتصدى لها بالمباشرة ومع العجز يُعلم غيره بالحال حتى يزيلها. والوجه في وجوب إعلام الغير حينئذ هو العلم بعدم رضى الشارع بهتك المسجد كعلمنا بعدم رضاه بقتل النفس المحترمة أو غرقها ، ولذا وجب إنقاذها بالمباشرة إن أمكنت وبالتسبيب باعلام غيره إذا عجز عنه بالمباشرة. وما ذكرناه أمر واضح لا خفاء فيه ، وعليه فلا وجه لتردد الماتن فيه وحكمه بوجوب الاعلام احتياطاً ، وإنما الاشكال فيما إذا لم تستلزم نجاسة المسجد هتكه ولا هتك غيره من حرمات اللّه سبحانه ، كما إذا مسح يده المتنجسة بالماء المتنجس على جانب من المسجد ولم يتمكن هو من إزالتها فهل يجب عليه إعلام غيره بالحال أو أن المقام كسائر الموارد التي لا يجب فيها الاعلام؟ وقد ورد في بعض الأخبار أنه علیه السلام كان يغتسل من الجنابة فقيل له قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء فقال له ما عليك لو سكت .. (3).

ذهب الماتن قدس سره إلى عدم وجوب الاعلام ، ولكن الصحيح وجوب ذلك


1) (*) فيه إشكال بل منر. وأما في فرض الهتك فلا إشكال في وجوبه.

2) محمد بن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر صاحب الرضا علیه السلام قال : « سألته عن رجل كان له مسجد في بعض بيوته أو داره هل يصلح له أن يجعله كنيفاً؟ قال : لا بأس » الوسائل 5 : 209 / أبواب أحكام المساجد ب 10 ح 4 ، وغيرها من الأخبار المروية في هذا الباب.

3) الوسائل 2 : 259 / أبواب الجنابة ب 41 ح 1.

وبيانه يتوقف على التكلم فيما هو الضابط الكلي في نظائر المقام فنقول : إن المحتمل في أمثال المقام بحسب مرحلة الثبوت أمران ، لأنّ الغرض الداعي إلى إيجاب العمل لا يخلو إمّا أن يكون قائماً بالعمل الصادر من نفس المكلف بالمباشرة ، ولا فائدة حينئذ في إعلامه الغير لأنّ العمل الصادر من غيره غير محصل للغرض ، حيث إنه إنما يقوم بالعمل الصادر منه بالمباشرة وهو مباين مع العمل الصادر من غيره ، وإما أن يكون الغرض قائماً بالطبيعي الجامع بين العمل الصادر منه أو من غيره ، وفي هذه الصورة إذا تمكن المكلف من تحصيل ذلك الغرض الملزم بمباشرة نفسه وجب لأن التكليف متوجه إليه ومع العجز عنه يجب أن يحصّل غرض المولى بتسبيبه وإعلامه الغير لأن الغرض الملزم لا يرضى المولى بفواته بحال.

وأما بحسب مرحلة الإثبات فالاحتمالات ثلاثة ، لأنه إما أن يعلم أن المورد من القسم الأوّل ، وإما أن يعلم أنه من القسم الثاني ، وإما أن يشك في ذلك. فان علم أنه من القسم الأوّل فلا يجب إعلام الغير به عند عجز المكلف عن إصداره بالمباشرة. وإذا علم أنه من القسم الثاني يجب على المكلف إعلام غيره تحصيلاً للغرض الذي لا يرضى المولى بفواته بحال.

وأما إذا شك في أنه من القسم الأول أو الثاني بأن لم يكن للكلام ظهور في أحدهما وقد ذكرنا في محله أن ظهور الأمر يقتضي المباشرة فأصالة البراءة عن وجوب الإعلام محكّمة. هذا كله في كبرى المسألة ، وأمّا ما نحن فيه فهو من قبيل القسم الثاني وذلك لضرورة أن إزالة النجاسة عن المسجد كما تتحقق بالمباشرة كذلك تتحقق بالتسبيب بايكالها إلى الغير ، كما إذا أمر عبده بإزالتها أو استأجر أحداً لذلك فان الغرض إنما هو تطهير المسجد ولو كان ذلك بفعل مجنون أو صبي ، وليس الغرض الملزم قائماً بالعمل المباشري ، وإنما يقوم بطبيعي الإزالة وقد عرفت أنّ المكلف في مثله إذا تمكّن من إصدار العمل المأمور به بنفسه يجب أن يتصدى له بالمباشرة ، وإذا عجز عن ذلك فلا بد من إعلامه الغير تحصيلاً للغرض الملزم.

ثم إنّ محتملات الاعلام أيضاً ثلاثة ، وذلك لأنّ المكلّف تارة يعلم أنّ الغير

[261] مسألة 20 : المشاهد المشرّفة كالمساجد في حرمة التنجيس بل وجوب الإزالة إذا كان تركها هتكاً ، بل مطلقاً على الأحوط. لكن الأقوى عدم وجوبها مع عدمه (1).


لا يتحرك بإعلامه ولا يحصل به غرض المولى ، إما لأنه غير مبال بالدين أو لأن إخبار الثقة غير معتبر عنده في الموضوع الخارجي ، أو لأنه لا يعلم بوثاقة المخبر ولا يجب عليه الفحص في الشبهات الموضوعية. وأُخرى يعلم أن الغير يعتني بإعلامه وبه يحصل غرض المولى يقيناً. وثالثة يشك في ذلك ولا يدري أن إعلامه هذا محصّل للغرض أو غير محصل له. وهذه محتملات ثلاثة ، فعلى الأول لا معنى لا يجاب الاعلام بوجه لأنه مما لا يترتّب عليه غرض في نفسه ، وإنما الاعلام طريق إلى تحصيل الغرض الداعي إلى إيجاب المأمور به ، فإذا علمنا أنه لا يوصل إلى ذلك فلا وجه لإيجابه ، ومن هذا يظهر وجوبه على ثاني الاحتمالات إذ به يتوصّل إلى تحصيل الغرض الذي لا يرضى المولى بفواته ، وأما على الاحتمال الثالث فهل يجب الإعلام لقاعدة الاشتغال أو لا يجب للبراءة عن وجوبه؟

الأوّل هو الصحيح لما حقّقناه في بحث البراءة من أن العقل كما يحكم بوجوب التحفّظ على إطاعة أوامر المولى كذلك يحكم بوجوب التحفظ على أغراضه ، فإذا علم بوجود الغرض وشك في القدرة على تحصيله لزمه التصدي له حتى يحصّله أو يظهر عجزه ، ففي المقام حيث علم المكلف بالغرض الملزم في الإزالة وأن المولى لا يرضى بتركه على كل حال لزمه التصدي إلى تحصيله ، وذلك لعلمه بفوات الغرض على تقدير تركه وإنما يشك فيما هو السبب للتفويت ولا يدري أنه مستند إلى فعله أعني تركه الإعلام أو أنه مستند إلى عدم اعتناء الغير بإعلامه ، وحيث إنه لم يحرز استناد الفوت إلى غيره وجب المحافظة على غرض المولى بالإعلام ، وما ذكرناه جار في جميع موارد الشك من جهة الشك في القدرة.

(1) ألحق جماعة من الأعلام بالمساجد ، المشاهد والضرائح المقدسة في وجوب

إزالة النجاسة عنها وحرمة تنجيسها. وألحقها بها الماتن قدس سره في حرمة التنجيس دون وجوب الإزالة عنها ، ومن ثمة وقع الكلام في أن حرمة التنجيس ووجوب الإزالة حكمان متلازمان ولا ينفك أحدهما عن الآخر أو لا تلازم بينهما؟ وتوضيح الكلام في ذلك يقع في مسائل ثلاث :

الاولى : ما إذا كان تنجيس المشاهد وترك تطهيرها موجبين لهتكها ، ولا إشكال في هذه الصورة في أنها كالمساجد يحرم تنجيسها وتجب الإزالة عنها ، لأن المشاهد كالصفا والمروة من شعائر اللّه ، ولا إشكال في أن هتك الشعائر حرام وهو مناف لتعظيم حرمات اللّه سبحانه.

الثانية : ما إذا لم يكن تنجيسها أو ترك الإزالة عنها موجباً للهتك ، ويقع الكلام في هذه المسألة من جهتين : إحداهما : جهة تنجيسها وأنه محرّم أو لا حرمة فيه. ثانيتهما : جهة تطهيرها وأن إزالة النجاسة عن المشاهد المشرّفة واجبة أو غير واجبة ، ليظهر أن الحكمين متلازمان أو لا تلازم بينهما.

أمّا الجهة الأُولى : فالتحقيق أن تنجيس المشاهد المشرفة محرّم في الشريعة المقدّسة من غير أن يكون ذلك من جهة تبعيتها للمساجد ، فانّا لو لم نلتزم بحرمة تنجيس المسجد وآلاته أيضاً كنّا نلتزم بحرمة تنجيس المشاهد المشرّفة ، وذلك لأنها بما تشتمل عليه من آلاتها وأسبابها إما أن تكون ملكاً للإمام علیه السلام قد وقفت لأن يزار فيها ، وإما أن تكون ملكاً للمسلمين قد وقفت لأن يكون مزاراً لهم ، ولوحظ في وقفها نظافتها وطهارتها والوقوف حسبما يقفها أهلها فالتصرف فيها في غير الجهة الموقوفة لأجلها محرّم شرعاً ، ومن الواضح أن المشاهد وآلاتها إنما وقفت لأن يزار فيها الإمام علیه السلام وتنجيسها ينافي جهة وقفها. نعم ، التنجيس فيما لا تنافي نجاسته جهة الوقف مما لا محذور فيه وذلك كالخانات الموقوفة للزوار والمسافرين في مسيرهم ، حيث لم تلاحظ في وقفها جهة الطهارة بوجه.

ومن هذا ظهر أن حرمة التنجيس في المشاهد المشرّفة على القاعدة ولا نحتاج في إثباتها إلى دليل ، وهذا بخلاف المساجد لأنها محررة وغير داخلة في ملك مالك ، فهي

ولا فرق فيها بين الضرائح وما عليها من الثياب وسائر مواضعها إلاّ في التأكد وعدمه (1).


مملوكة لله سبحانه فلا بدّ في الحكم بحرمة التصرف والتنجيس فيها من إقامة الدليل عليها ، فان تمت أدلّة حرمة تنجيسها فهو ، وأما إذا لم يتم فمقتضى القاعدة أن يلتزم بجواز تنجيسها إذ التصرف فيما لا مالك له غير اللّه سبحانه حلال.

أمّا الجهة الثانية : أعني جهة تطهيرها وهي المسألة الثالثة من المسائل الثلاث فالظاهر عدم وجوب الإزالة عن المشاهد المشرفة إذا لم يكن بقاؤها على نجاستها مستلزماً للهتك وذلك لعدم الدليل عليه. ودعوى أن ترك الإزالة ينافي تعظيم شعائر اللّه سبحانه وتعظيمها من الواجبات وقد قال عزّ من قائل ( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (1)يدفها أوّلاً : أن تعظيم الشعائر على إطلاقها لا دليل على وجوبه ، كيف وقد جرت السيرة على خلاف ذلك بين المتشرعة. نعم ، نلتزم بوجوبه فيما دلّ الدليل عليه ولا دليل عليه في المقام. وثانياً : أن التعظيم لا يمكن الالتزام بوجوبه بما له من المراتب ، كما إذا رأينا في الرواق الشريف شيئاً من القذارات الصورية كما في أيام الزيارات فان إزالتها مرتبة من تعظيم الشعائر والالتزام بوجوبه كما ترى وعليه فالحكم بوجوب الإزالة في المشاهد المشرّفة قول من غير دليل. فتحصل : أنه لا تلازم بين حرمة التنجيس ووجوب الإزالة وأن التفكيك بينهما أمر ممكن يتبع فيه دلالة الدليل.

(1) وذلك لأنها وقوف ولا مسوغ للتصرف فيها في غير الجهة الموقوفة لأجلها. نعم ، تختلف الحرمة فيها من حيث التأكد وعدمه باختلاف مواردها ، فان التحريم في الرواق الشريف آكد منه في الطارمة ، وهو في الحرم المطهر آكد منه في الرواق ، كما أن الحرمة في الضريح المبارك آكد منها في الحرم وهي في نفس القبر الشريف آكد من الجميع.


1) الحج 22 : 32.

[262] مسألة 21 : تجب الإزالة عن ورق المصحف الشريف وخطه بل عن جلده وغلافه مع الهتك (1)كما أنّه معه يحرم مسّ خطّه أو ورقه بالعضو المتنجس وإن كان متطهراً من الحدث ، وأما إذا كان أحد هذه بقصد الإهانة فلا إشكال في حرمته (1).


(1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهتين : إحداهما : ما إذا كان تنجيس الورق أو ترك الإزالة عنه موجباً للهتك ، ولا إشكال حينئذ في حرمتهما لأن المصحف من أعظم الكتب السماوية وهو المتكفل لسعادة البشر في النشأتين وهتكه هتك اللّه جلت عظمته ، ولا يختص هذا بتنجيسه فان هتك المصحف محرّم بأيّ وجه اتفق ، كما إذا بصق عليه ولا سيما إذا كان بالاخلاط الخارجة من الصدر أو النازلة من الرأس فإنه محرم وإزالته واجبة ، بل البصاق عليه أشد مهانة من تنجيسه بمثل اليد الرطبة المتنجسة بماء متنجس ونحوه. وعلى الجملة أن هتك المصحف مبغوض وقد يستلزم الكفر والارتداد كما إذا هتكه بما أنه كتاب اللّه المنزل على الرسول صلی اللّه علیه و آله .

وثانيتهما : ما إذا لم يكن تنجيس الورق وترك تطهيره موجباً للهتك ، كما إذا أراد قراءة الكتاب فأخذ الورق بيده وهي متنجسة فهل يحكم بحرمة ذلك ووجوب الإزالة عنه؟ ظاهر الماتن العدم حيث خص الحكم بوجوب الإزالة بصورة الهتك ، والوجه فيه أنه لا دليل حينئذ على حرمة تنجيسه ووجوب الإزالة عنه ، فان الكلام فيما إذا لم يكن المصحف ملكاً لغيره أو وقفاً ، والإفتاء بحرمة التنجيس ووجوب الإزالة حينئذ بلا دليل. هذا ولكن الجزم بجواز التنجيس وترك الإزالة أيضاً مشكل فلا مناص من الاحتياط اللاّزم في المقام.


1) (*) المصحف أو غيره ممّا ثبت احترامه في الشريعة المقدّسة لا ريب في حرمة هتكه مطلقاً ، بل لا يبعد أن يكون بعض مراتبه موجباً للكفر ، وأمّا الأحكام المذكورة في ضمن المسائل الآتية فهي بإطلاقها عند عدم تحقق الهتك مبنية على الاحتياط.

هذا كلّه في ورق المصحف ، ومنه يظهر الحال في جلده وغلافه فان الكلام فيهما هو الكلام في ورقه ، لأن الجلد والغلاف قد اكتسبا الشرافة والحرمة باضافتهما إلى الكتاب نظير الخشبة والحديد والفضة والذهب حيث صارت متبركة بإضافتها إلى أحد الأئمة علیهم السلام . وأما خط المصحف فعن شيخنا الأنصاري قدس سره الاستدلال على وجوب إزالة النجاسة عنه بفحوى حرمة مسّ المحدث له (1). وفيه : أن الأحكام الشرعية مما لا سبيل إلى العلم بملاكاتها فمن المحتمل أن يكون لحرمة مسّ المحدث ملاك يخصّها ، ولا يكون ذلك الملاك موجوداً في مس غيره وإن كان موجباً لتنجيس الخط أو غيره فلا تلازم بينهما. على أن الأولوية والفحوى في كلامه بدعوى أنه إذا حرم مسّ المحدث الخطوط من دون أن تتأثر بذلك ، فإنّ الحدث لا يسري من المحدث إلى غيره فلا محالة يحرم تنجيسها بالأولوية القطعية ، حيث إنه يؤثر في الخطوط وينجسها لو تمت فإنما تتم بالإضافة إلى حرمة التنجيس فحسب ، وأما وجوب الإزالة فلا ربط له بحرمة مس المحدث بوجه ، والاستدلال على وجوبها بفحوى حرمة مس المحدث الكتاب من غرائب الكلام.

ثم إنّ قوله عزّ من قائل ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) (2)لا يستفاد منه حكم المسألة فضلاً أن يدل عليه بالأولوية ، وذلك أما أولاً : فلأن المطهر غير المتطهر حيث إن الثاني ظاهر في من تطهر من الحدث بالوضوء أو الغسل أو من الخبث بغسله ، وأما المطهر فهو عبارة عمن طهره اللّه سبحانه من الزلل والخطأ وأذهب عنه كل رجس ، والمذكور في الآية المباركة هو المطهر دون المتطهر ففيها إشارة إلى قوله سبحانه ( إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (3)فمعنى الآية على هذا أن مس الكتاب الذي هو كناية عن دركه بما له من البواطن لا يتيسّر لغير الأئمة المطهّرين فانّ غير من طهّره اللّه سبحانه لا يصل من الكتاب إلاّ إلى ظواهره. فالآية المباركة


1) كتاب الطهارة : 369 ( باب وجوب إزالة النجاسة عن المسجد ) السطر 30.

2) الواقعة 56 : 79.

3) الأحزاب 33 : 33.

[263] مسألة 22 : يحرم كتابة القرآن بالمركّب النجس ولو كتب جهلاً أو عمداً وجب محوه ، كما أنه إذا تنجس خطّه ولم يمكن تطهيره يجب محوه (1).

[264] مسألة 23 : لا يجوز إعطاؤه بيد الكافر وإن كان في يده يجب أخذه منه (2).


أجنبية عمّا نحن بصدده.

وأما ما في بعض الروايات من استشهاده علیه السلام بهذه الآية المباركة على حرمة مس المحدث كتابة المصحف (1)ففيه مضافاً إلى ضعف الرواية أنه خلاف ظاهر الآية المباركة فلا يمكن المصير إليه ، إلاّ أنه علیه السلام لما طبّقها على ذلك علمنا أنه أيضاً من البواطن التي لا يعرفها غيرهم علیهم السلام فلولا تطبيقه علیه السلام لما أمكن الاستدلال بها على حرمة مس المحدث الكتاب على تقدير صحّة سندها لأنها على خلاف ظاهر الآية كما مر ، فلا مناص من الاقتصار على موردها ولا مسوّغ للتعدِّي عنه إلى غيره.

وأما ثانياً : فلأن الآية على تقدير تسليم دلالتها فإنما تدل على حرمة تنجيس الخطوط ولا دلالة لها على وجوب الإزالة ، لوضوح أنه لا يستفاد من حرمة المس بالأولوية. فتحصل أنه لا دليل على حرمة تنجيس الكتاب ولا على وجوب الإزالة عنه ، وبما أن الجزم بالجواز أيضاً مشكل فلا مناص من الاحتياط اللاّزم ومقتضاه عدم جواز تنجيس جلد الكتاب ولا ورقه ولا خطوطه.

(1) حكم هذه المسألة يظهر من سابقتها.

(2) إن كان نظره قدس سره من ذلك إلى أن إعطاء المصحف بيد الكافر معرض لتنجيسه ، فان الكافر نجس فإذا أُعطي بيده فلا محالة يمسه وينجّسه ، ومس النجس كتابة المصحف حرام فإعطاؤه بيده إعانة على الحرام كما أن المصحف لو كان بيده يجب أخذه منه دفعاً للمنكر ورفعاً له ، فيدفعه : أن الإعانة على الحرام لم تتحقق صغراها في


1) الوسائل 1 : 384 / أبواب الوضوء ب 12 ح 3.

المقام ، لإمكان إعطاء المصحف بيد الكافر من غير أن يستلزم ذلك مسه وتنجيسه فلم يعلم أن إعطاءه بيده إعانة على الحرام.

على أنّا لو سلمنا تحقق صغرى الإعانة وقلنا إن إعطاء المصحف بيده مستلزم لتنجيسه ، لم يمكننا الحكم بوجوب أخذه منه من جهة دفع المنكر أو رفعه ، لأن كبرى وجوب النهي عن المنكر غير ثابتة بالإضافة إلى الكفار الموجودين في بلاد المسلمين حتى بناء على أنهم مكلفون بالفروع ، وذلك لأنهم يعيشون في بلاد المسلمين على حريتهم ويعامل معهم بأحكامهم وقوانينهم ولا يعامل معهم معاملة المسلمين بأحكامهم ، فإذا علمنا أن أحداً منهم يشرب الخمر في داره لم يجز لنا ردعه دفعاً له لعدم كونه منكراً في مذهبه. وعليه فلا يجوز أخذ المصحف من يد الكافر دفعاً لمسّه وتنجيسه لأن تنجيس المصحف ليس بمنكر على مذهبه.

وثالثاً : أن المصحف لو وجب أخذه من يد الكافر بهذا المناط لوجب أن يؤخذ منه غيره من الكتب السماوية كالتوراة وغيرها ، لاشتمالها على أسماء اللّه وأسماء الأنبياء بل وعلى أحكامه سبحانه لعدم كونها مفتعلة بأسرها فلو بقيت عنده لمسّها ونجّسها وهو حرام. نعم ، لو كان نظره قدس سره إلى صورة أُخرى وهي ما إذا كان إعطاء المصحف بيد الكافر أو بقاؤه عنده مستلزماً لهتكه ومهانته فما أفاده صحيح ، لأنه لا إشكال حينئذ في حرمة إعطائه بيد الكافر ولا كلام في وجوب أخذه منه لئلاّ يلزم هتك حرمات اللّه سبحانه التي من أعظمها الكتاب ، إلاّ أنّ ذلك مما لا يختصّ بالكتاب كما لا يختصّ بتنجيسه ، فانّ هتك الكتاب غير منحصر بتنجيسه كما أن الحرام لا يختصّ بهتك الكتاب ، فانّ هتك أي حرمة من الحرمات كذلك ، نظير التربة الحسينية على ما يأتي عليها الكلام إن شاء اللّه.

ثم إنّ كتب الأحاديث حكمها حكم الكتاب ، فيحرم إعطاؤها بيد الكافر ويجب أخذها منه إذا لزم منهما هتكها دون ما إذا لم يلزم منهما ذلك ، كيف وقد حكي أن أكثر اليهود والنصارى إنما أسلموا بمطالعة نهج البلاغة ، ومعه كيف يسوغ الحكم بحرمة إعطائها بيد الكافر أو بوجوب أخذه منه.

[265] مسألة 24 : يحرم وضع القرآن على العين النّجسة كما أنه يجب رفعها عنه إذا وضعت عليه وإن كانت يابسة (1).

[266] مسألة 25 : تجب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية (2) بل عن تربة الرسول وسائر الأئمة ( صلوات اللّه عليهم ) المأخوذة من قبورهم ويحرم تنجيسها. ولا فرق في التربة الحسينية بين المأخوذة من القبر الشريف أو من الخارج إذا وضعت عليه بقصد التبرّك والاستشفاء ، وكذا السبحة والتربة المأخوذة بقصد التبرك لأجل الصلاة.

[267] مسألة 26 : إذا وقع ورق القرآن أو غيره من المحترمات في بيت الخلاء أو بالوعته وجب إخراجه ولو بأُجرة وإن لم يمكن فالأحوط (1)والأولى سدّ بابه وترك التخلِّي فيه إلى أن يضمحل (3).


(1) لعلّ ما أفاده قدس سره من جهة أن وضع المصحف على الأعيان النجسة هتك لحرمته ومناف لتعظيمه المأمور به ، كما إذا وضع على العذرة العياذ باللّه ولا إشكال في أنّ هتكه حرام. وأما إذا كان وضعه على العين النجسة غير موجب لانتهاك حرمته كما إذا وضعناه مع الألبسة في صندوق صنع من جلد الميتة فلا وجه لحرمته لأنه لا يعدّ هتكاً للكتاب. وعلى الجملة أن غير تنجيس الكتاب لم تثبت حرمته إلاّ أن يستلزم هتكه ، وأما إذا كان وضعه على النجس موجباً لتنجيسه فقد عرفت أنه مورد للاحتياط الوجوبي فحرمته غير مستندة إلى استلزامه الهتك والإهانة.

(2) هذا فيما إذا لزم من تنجيسها أو ترك الإزالة هتك التربة الشريفة ، وإلاّ فيجري فيه الكلام المتقدِّم ، ولا فرق في ذلك بين أقسام الترب لوحدة الملاك.

(3) التحقيق أن ذلك واجب لا محيد عنه لا أنه أولى وأحوط ، وذلك لأن المناط في الحكم بوجوب الإزالة وحرمة التنجيس ليس هو مجرد تنجيس التربة أو الكتاب أو غيرهما من المحترمات ليحكم بجواز إلقاء النجاسة عليها إذا كانت متنجسة قبل ذلك


1) (*) بل الأظهر ذلك.

[268] مسألة 27 : تنجيس مصحف الغير موجب (1)لضمان نقصه الحاصل بتطهيره (1).


بدعوى أنّ المتنجس لا يتنجس ثانياً ، بل هناك أمر آخر أيضاً يقتضي الحكمين المتقدِّمين وهو لزوم الهتك والمهانة من تنجيسها ولا يفرق في ذلك بين طهارة المحترم ونجاسته ، فانّ التربة أو الورق بعد ما تنجست بوقوعها في البالوعة إذا أُلقيت عليها النجاسة يعد ذلك هتكاً لحرمتها ، وكلما تكرر الإلقاء تعدد الهتك والمهانة ، وكل فرد من الإهانة والهتك حرام في نفسه ، وعليه فلو أمكن إخراجها من البالوعة وجب ولو ببذل الأُجرة عليه إلاّ أن يكون عسراً أو ضرريّاً ، ومع عدم التمكن من إخراجها فلا محيد من سدّ البالوعة إلى أن تضمحل.

(1) إنّ مقتضى قاعدة الضمان باليد أو الإتلاف ضمان الأوصاف التي لها دخل في مالية المال نظير إتلاف العين بنفسها فإذا أتلفه أو وضع يده على المال وتلف الوصف تحت يده فيضمنه لا محالة ، ولا فرق في ذلك بين وصف الصحة وغيره من أوصاف الكمال. وبذلك يظهر أن تنجيس مصحف الغير موجب لضمان النقص الحاصل في قيمته بتنجيسه إلاّ أن عبارة الماتن « تنجيس مصحف الغير موجب لضمان نقصه الحاصل بتطهيره » غير وافية بما ذكرناه ، فإنّ بين النقص الحاصل بتطهير المصحف وبين النقص الحاصل في قيمته بتنجيسه عموماً من وجه ، وتوضيحه :

أن مرادنا بالكتاب ليس هو خصوص تمامه لأن بعض المصحف أيضاً كتاب ، كما أنّا لم نرد منه خصوص ما يكتب بالحبر على الأوراق الذي يزول بتطهيره ، بل المراد بالكتاب ما يعم الكتابة على الورق والنقش على الفرش والبساط ونحوها ، وعليه فقد يكون تطهير الكتاب متوقفاً على بذل الأُجرة عليه من دون أن تنقص قيمته بذلك بل قيمته قبل غسله وتطهيره وبعده على حد سواء ، وهذا كما إذا كان الكتاب منقوشاً على فرش كبير ، فانّ تطهيره يتوقّف على بذل الأُجرة عليه إلاّ أن قيمة الفرش باقية


1) (*) فيه إشكال بل منر. نعم يضمن نقص القيمة بنجاسته.

بحالها ولا يطرأ عليها نقص بتطهيره. وأُخرى ينعكس الأمر فلا يتوقف تطهير الكتاب على بذل الأُجرة عليه إلاّ أن قيمته تنقص بتطهيره ، كما إذا كان مكتوباً على الورق بالحبر المذهّب أو المفضّض على نحو يزول بوصول الماء إليه ، فإن قيمة مثله تنقص عما كانت عليه قبل تطهيره ولكن غسل الورق لسهولته لا يحتاج إلى بذل الأُجرة عليه ولا سيما إذا كان الماء قريباً.

وثالثة : يتوقّف تطهيره على بذل الأُجرة عليه كما أن قيمته تنقص بذلك. وهناك صورة أُخرى وهي أن يلزم النقص في قيمة الكتاب بنفس تنجيسه مع قطع النظر عن غسله وتطهيره ، بأن يكون للكتاب الطاهر قيمة وللكتاب المتنجس قيمة أُخرى إلاّ أنها أقل من قيمة الطاهر في السوق لقلة الراغب في المصحف المتنجس لاحتياجه إلى غسله وهو ينقص قيمة الكتاب وإذا كان الأمر كذلك فالمنجّس بتنجيسه مصحف الغير قد أتلف وصفاً من أوصافه الكمالية وهو كونه طاهراً وبه نقصت قيمته الفعلية عما كان يبذل بإزائه لولا نجاسته.

أمّا الأُجرة التي يتوقّف عليها تطهير الكتاب فلا يحكم بضمانها على من نجّسه ، فإنّ الضمان في أمثال المقام أعني غير المعاملات والديون إنما يثبت بأحد أمرين : الإتلاف والاستيلاء على مال الغير المعبّر عنه بضمان اليد ، ولم يتحقق في مقامنا هذا شي‌ء منهما لأنّ المنجّس لم يستول على مصحف الغير بتنجيسه كما أنه لم يتلفه على مالكه ، وأما لزوم إعطاء الأُجرة على التطهير فهو إنما يستند إلى حكم الشارع بوجوب إزالة النجاسة دون من نجّس المصحف. نعم ، المنجّس قد أوجد الموضوع ولم يقم دليل على أن إيجاد الموضوع الذي يسبب حكم الشارع بإتلاف المباشر ماله بالاختيار موجب للضمان. ومن هنا لو ألقى الظالم حراً في البالوعة أو حبسه في داره وقفلها عليه فوجد بذلك الموضوع لوجوب حفظ النفس المحترمة على المكلفين ، واحتاج إنقاذها إلى صرف مقدار من المال في سبيله لم يكن ضمانه على حابسه ، لعدم استناد الإتلاف إلاّ إلى من باشر الإنقاذ بالاختيار.

ونظيره ما إذا تزوّج المعسر وولد أولاداً وهو عاجز عن نفقتها فإنه أوجد بذلك

[269] مسألة 28 : وجوب تطهير المصحف كفائي لا يختصّ بمن نجّسه (1)


موضوع وجوب الإنفاق وحفظ النفس المحترمة على المكلفين ، ولا يحكم عليه بضمان ما ينفقه الناس على أولاده. وأما النقص الحاصل في قيمة الكتاب بتطهيره فضمانه أيضاً غير متوجه إلى من نجّسه لما عرف من أن للضمان سببين ولم يتحقق شي‌ء منهما على الفرض. نعم ، لو كان المنجّس هو الذي باشر تطهيره لأمكن الحكم بضمانه لاستناد النقص إلى عمله لأنه إنما حصل بفعل المزيل لا بتنجيس الكتاب.

وعلى الجملة المنجّس إذا لم يباشر الإزالة بنفسه لا يحكم بضمانه للنقص الحاصل بتطهيره ، وعليه فينحصر ضمان المنجّس للنقص الطارئ على الكتاب بما إذا استند نقصان القيمة إلى مجرّد التنجيس مع قطع النظر عن تطهيره ، فان مقتضى قاعدة الضمان بالإتلاف ضمان المنجّس حينئذ حيث إنه أتلف وصفاً من أوصاف الكتاب بتنجيسه أعني طهارته الدخيلة في ماليته ، وقد مرّ أن الضمان بالإتلاف أو اليد لا يفرق فيه بين وصف الصحة وغيره من الأوصاف الكمالية التي لها دخل في مالية المال. والنسبة بين النقص الحاصل في هذه الصورة والنقص في الصورتين المتقدمتين عموم من وجه ، لأن النقص الحاصل بتنجيس الكتاب قد يكون أكثر من النقص الحاصل بتطهيره أو الأُجرة المبذولة لغسله ، وأُخرى يكون أقل منهما ، وثالثة يتساويان.

هذا كلّه فيما إذا كان المصحف للغير. وأما إذا كان المصحف ملكاً لمن نجّسه إلاّ أنه للعجز أو العصيان لم يباشر الإزالة ووجب تطهيره على غيره وتوقّف ذلك على صرف المال في سبيله ، فيأتي عليه الكلام في الحاشية الآتية ونبيّن هناك أن المالك المنجّس لا يضمن ما يصرفه المزيل في سبيل تطهير الكتاب.

(1) نظير وجوب الإزالة عن المسجد ، لعدم اختصاص أدلته بشخص دون شخص فلا فرق في ذلك بين مالك المصحف وغيره. وقد يقال باختصاص وجوب الإزالة بمن نجّسه كما قدّمناه عن بعضهم في الإزالة عن المسجد ويدفعه : ما أجبنا به هناك من أنّ القائل بالاختصاص إن أراد اختصاص وجوب الإزالة بالمنجّس بحيث لو عصى أو نسي سقط وجوبها عن بقية المكلفين ، ففيه أن ذلك لا يرجع إلى محصّل ولا يمكن

ولو استلزم صرف المال وجب (1)، ولا يضمنه من نجّسه (1) إذا لم يكن


الالتزام بجواز بقاء المصحف على نجاسته ، وإنّ أراد من ذلك أن الأمر بإزالة النجاسة إنما يتوجه على من نجّسه أوّلاً ثم لو عصى ولم يزل وجبت إزالته على غيره فهو وإن كان أمراً ممكناً ومعقولاً بحسب مقام الثبوت ، إلاّ أنه عادم الدليل بحسب مقام الإثبات. فالصحيح عدم اختصاص الحكم بمنجّس الكتاب بل هو واجب كفائي يعمه وغيره.

(1) إذا كان مزيل النجاسة عن المصحف غير من نجّسه واستلزمت إزالتها صرف المال في سبيلها ، فهل يضمنه من نجّسه لأنه السبب في بذل المزيل أو أن ضمانه على المزيل؟ الصحيح عدم ضمان المنجس للمال ، وذلك لأن التسبيب على قسمين :

فان المباشر قد يصدر منه العمل لا بالإرادة والاختيار أو لو كانت له إرادة فهي مغلوبة في جنب إرادة السبب ، وهذا كما إذا أرسل دابته وأطلق عنانها حتى دخلت مزرعة شخص آخر فأتلفتها أو أتلفت شيئاً آخر ، أو أعطى سكيناً بيد صبي فأمره بذبح نائم فذبحه الصبي ، فإن الفعل في أمثال ذلك وإن كان يصدر من فاعله بإرادته إلاّ أنها مغلوبة في جنب إرادة السبب ، فان المباشر حينئذ يعدّ آلة للسبب ، فالسبب في هذه الصورة أقوى من المباشر ومن هنا يقتص من السبب دون مباشرة ، فإن الفعل يسند إليه على وجه الحقيقة لا إلى واسطته ، فحقيقة يقال : إنه قتل أو أتلف ، غاية الأمر أن الفعل صدر منه لا من دون واسطة بل معها ، فكما أنه ليس له أن يعتذر عند قتله بالمباشرة بأنه لم يقتله وإنما قتله السكين مثلاً ، فكذلك في هذه الصورة فإن الدابة أو الصبي كالآلة لفعله. والضمان في الإتلاف بهذه الكيفية مما لا إشكال فيه.

وقد يصدر الفعل من المباشر بالإرادة التامة وبالاختيار وإنما السبب يأمره بذلك العمل أو يشير إليه ، كصديق يشير إلى صديقه بقتل عدوّ له فيرتكبه الصديق المباشر بإرادته واختياره. ولا يسند الفعل في هذه الصورة إلى الآمر والسبب إلاّ بنسبة


1) (*) هذا إذا لم يكن ضرريّاً.

لغيره (1)(1) وإن صار هو السبب للتكليف بصرف المال ، وكذا لو ألقاه في البالوعة ، فانّ مئونة الإخراج الواجب على كلّ أحد ليس عليه ، لأنّ الضّرر إنما جاء من قبل التكليف الشرعي ، ويحتمل ضمان المسبّب كما قيل بل قيل باختصاص الوجوب به ، ويجبره الحاكم عليه لو امتنع ، أو يستأجر آخر ، ولكن يأخذ الأُجرة منه.


تجوزية لا حقيقية ، ومن هنا لا يقتص من آمره بل من مباشرة. وأوضح من ذلك ما إذا لم يأمره السبب ولا أشار إليه وإنما أوجد الداعي لفعل المباشر بإرادته ، كما إذا كان للسبب أنصار وعشيرة بحيث لو خاصم أحداً ونازعه لقتلته عشيرته من دون حاجة إلى أمره وإشارته ، فمثله إذا نازع أحداً مع الالتفات إلى أن عشيرته لبالمرصاد فقتلته عشيرته ، لا يمكن إسناد القتل إلى ذلك المنازع إلاّ على وجه المجاز فان القاتل في الحقيقة هو العشيرة والأعوان. نعم ، إن منازعة مثله مع الالتفات إلى الحال محرّم من جهة أنها من إيجاد الداعي إلى الحرام وهو حرام.

وعلى ذلك لا وجه للضمان في مفروض الكلام ، حيث إنّ الضمان له سببان فيما نحن فيه أحدهما : الاستيلاء على مال الغير المعبّر عنه باليد. وثانيهما : الإتلاف ، وكلاهما مفقود في المقام. أما اليد فانتفاؤها من الوضوح بمكان ، وأما الإتلاف فلما مرّ من أن المزيل إنما بذل المال في سبيل تطهير المصحف بالإرادة والاختيار ولا يسند الإتلاف معه إلاّ إلى المباشر لا إلى السبب الذي هو المنجّس. نعم ، السبب أوجد الداعي للمزيل المسلم إلى الإتلاف حيث نجّس المصحف وقد عرفت أن إيجاد الداعي للمباشر ليس من التسبيب الموجب للضمان.

(1) ظاهر العبارة وإن كان يعطي في بدو النظر اختصاص عدم ضمان المال المصروف بما إذا كان المصحف ملكاً للمنجّس ، وهذا لا يستقيم فإنه بناء على أن السبب لا ضمان له كما هو الصحيح على ما عرفت لا يفرق بين ما إذا كان المصحف


1) (*) بل ولو كان لغيره ، نعم يضمن النقص الحاصل من جهة تنجيسه كما تقدّم.

[270] مسألة 29 : إذا كان المصحف للغير ففي جواز تطهيره بغير إذنه إشكال إلاّ إذا كان تركه هتكاً ولم يمكن الاستئذان منه فإنّه حينئذ لا يبعد وجوبه (1)(1).


ملكاً للمنجّس وما إذا كان لم يكن ، كما أنه بناء على ضمانه لا يفرق بينهما. نعم ، إنما يفترق حكم المالك عن غيره بالنسبة إلى ضمان النقص الحاصل بالتطهير ، فإنه لا موجب لثبوته في حق المالك إذ لا معنى لضمانه مال نفسه.

ولكن التأمل الصادق يعطي أن الماتن لا نظر له إلى ذلك وإنما يريد نفي الضمان مطلقاً فيما إذا كان المصحف ملكاً للمنجّس ، وذلك من جهة أنه قدس سره قد حكم في المسألة السابقة بضمان المنجّس النقص الحاصل بالتطهير فيما إذا كان المصحف لغير من نجّسه ، وهذا الضمان لم يكن يحتمل ثبوته في حق المالك المنجّس لما عرفت ، ولكن كان يتوهم في حقّه ضمان آخر وهو ضمانه للمال المصروف في سبيل تطهيره فنفاه بقوله ولا يضمنه من نجسة إذا لم يكن لغيره ، فهو لا يريد بذلك ثبوت هذا الضمان فيما إذا كان المصحف لغير المنجّس ، بل إن تخصيصه الحكم بما إذا لم يكن المصحف لغيره من جهة أنّ الضمان المتوهم في حق المالك المنجّس ليس إلاّ هذا القسم من الضمان.

(1) بقاء المصحف على نجاسته إما أن يكون هتكاً للمصحف وإما أن لا يكون وعلى كلا التقديرين إما أن يكون الاستئذان من مالك المصحف ممكناً وإما أن لا يكون ، وعلى تقدير إمكانه إما أن يكون المالك بحيث لو استأذن منه أذن أو أزال النجاسة بنفسه وإما أن لا يكون كذلك فلا يأذن لتطهيره ولا أنه يزيلها بنفسه لعدم مبالاته بالدين أو عدم ثبوت النجاسة عنده باخبار المخبر. فان كان بقاء المصحف على نجاسته هتكاً لحرمته ، فإن أمكن الاستئذان من مالكه وكان يأذن على تقدير الاستئذان منه أو أزالها بنفسه فلا إشكال في عدم جواز تطهيره قبل أن يأذن المالك وذلك لحرمة التصرف في مال الغير من دون إذنه ، ولا تزاحم بين وجوب الإزالة


1) (*) الظاهر انّه لا إشكال في الوجوب إذا كان الترك هتكاً كما هو المفروض.

وحرمة التصرّف في مال الغير فان امتثالهما أمر ممكن فيجب العمل بكليهما ، وهو إنما يتحقّق بالاستئذان من المالك والإزالة بعد إذنه.

هذا فيما إذا لم يتخلّل بين الاستئذان وإذن المالك مدة معتد بها بحيث يلزم من بقاء المصحف على نجاسته في تلك المدّة مهانته وهتكه ، وأما إذا كان الاستئذان غير ممكن أو أمكن إلاّ أن بقاء المصحف على النجاسة في المدة المتخللة بين الاذن والاستئذان كان موجباً لهتكه ، فلا محالة يقع التزاحم بين حرمة التصرف في مال الغير من غير إذنه وبين وجوب إزالة النجاسة عن الكتاب ، وحيث إن وجوب الإزالة أهم في هذه الصورة لأنّ المصحف أعظم الكتب السماوية ومتكفل لسعادة البشر وهو الأساس للدين الحنيف ولا يرضى الشارع بانتهاكه ، فنستكشف بذلك إذنه في تطهيره ، ومع إذن المالك الحقيقي في التصرّف في مال أحد لا يعبأ بإذن المالك المجازي وعدمه.

ونظيره ما إذا أذن المالك في تطهير المصحف ولم يرض بذلك مالك الماء ، فلا بدّ حينئذ من التصرف في الماء باستعماله في تطهير الكتاب ، لاستكشاف إذن المالك الحقيقي حيث إن تركه يستلزم انتهاك حرمة الكتاب. وأما إذا لم يكن بقاء الكتاب على النجاسة موجباً لهتكه كما إذا كان متنجساً بمثل الماء المتنجس مثلاً فان كان الاستئذان ممكناً حينئذ وكان المالك بحيث يأذن لو استأذن فلا كلام في حرمة الإزالة قبل إذن المالك لإمكان امتثال كلا الحكمين. وليست الإزالة بأولى في هذه الصورة منها في صورة استلزام تركها الهتك ، وقد عرفت عدم جواز الإزالة حينئذ من دون إذن المالك. وإذا لم يمكن الاستئذان من المالك أو أمكن إلاّ أن المالك بحيث لا يأذن لو استأذن يقع التزاحم بين حرمة التصرف في مال الغير من دون إذنه ووجوب الإزالة ولم يثبت أن الثاني أقوى بحسب الملاك بل الأول هو الأقوى ولا أقل من أنه محتمل الأهمية دون الآخر فيتقدم على وجوب الإزالة ، وذلك لأن التصرف في مال أحد يتوقف على إذنه أو على إذن المالك الحقيقي وكلاهما مفقود في المقام. نعم ، لا بأس بإرشاد المالك وقتئذ من باب الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر ، بل ولا مانع عن ضربه وإجباره على تطهير المصحف إذا أمكن وأما التصرّف في ماله من دون إذنه فلا.

[271] مسألة 30 : يجب إزالة النجاسة عن المأكول وعن ظروف الأكل والشرب إذا استلزم استعمالها تنجّس المأكول والمشروب (1).

[272] مسألة 31 : الأحوط ترك الانتفاع بالأعيان النّجسة (2) خصوصاً


ثم إنّ ما ذكرناه آنفاً من وجوب تطهير المصحف ولو من غير إذن مالكه إذا كان بقاؤه على نجاسته موجباً لانتهاك حرمات اللّه سبحانه ، إنما يختص بجواز التصرف فحسب ، فلزوم الهتك من بقاء المصحف على النجاسة إنما يرفع الحرمة التكليفية عن التصرّف في مصحف الغير من دون إذنه ، وأما الأحكام الوضعية المترتبة على التصرف فيه كضمان النقص الحاصل بتطهيره فلا يرتفع بذلك حيث لا تزاحم بين الحكم بضمان المباشر للنقص وعدم جواز هتك الكتاب أعني ترك تطهيره.

(1) وجوب الإزالة عن المأكول والمشروب وإن لم يكن خلافياً عندهم ، إلاّ أن وجوبها شرطي وليست بواجب نفسي ، لوضوح أن غسل المأكول عند تنجسه إذا لم يرد أكله ليس بواجب في الشريعة المقدسة ، وإنما يجب إذا أُريد أكله ، وكذلك الحال في ظروف الأكل والشرب ، وذلك لأنه لا دليل عليه عدا حرمة أكل المتنجس وشربه المستفادة مما ورد في مثل اللحم المتنجس وأنه يغسل ويؤكل (1)، وما ورد في مثل المياه وغيرها من المائعات المتنجسة وأنها تهراق ولا ينتفع بها فيما يشترط فيه الطهارة (2)وما ورد في السمن والزيت ونحوهما من أنها إذا تنجست لا يجوز استعمالها فيما يعتبر فيه الطهارة (3)وغير ذلك من المتنجسات. وعليه فيكون تطهير الأواني أو المأكول والمشروب واجباً شرطياً كما مر.

(2) ذكرنا في بحث المكاسب المحرمة أن مقتضى القاعدة الأولية جواز الانتفاع


1) الوسائل 24 : 196 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 44 ح 1.

2) الوسائل 1 : 151 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 2 ، 10 ، 14 ، وكذا في 24 : 196 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 44 ح 1.

3) الوسائل 17 : 97 / أبواب ما يكتسب به ب 6 ح 1 6.

الميتة ، بل والمتنجسة إذا لم تقبل التطهير إلاّ ما جرت السيرة عليه من الانتفاع بالعذرات وغيرها للتسميد والاستصباح بالدهن المتنجِّس. لكن الأقوى جواز الانتفاع بالجميع حتى الميتة مطلقاً في غير ما يشترط فيه الطهارة. نعم ، لا يجوز


بالأعيان النّجسة فيما لا يشترط فيه الطهارة فضلاً عن المتنجسات كبل الثوب أو الحناء وتنظيف البدن والألبسة عن القذارات حتى يتطهّرا بعد ذلك بالماء الطاهر وغيرهما ، وذلك لأنه لم يرد دليل على المنع عن ذلك إلاّ في رواية تحف العقول حيث دلّت على المنع عن جميع التقلبات في النجس الشامل للذاتي والعرضي (1)ولكنّا ذكرنا هناك أن الرواية غير قابلة للاعتماد عليها فلا دليل على حرمة الانتفاع بالأعيان النجسة فضلاً عن المتنجسة. نعم ، ورد المنع عن الانتفاع ببعض الأعيان النجسة كما في الخمر والمسكر حيث نهي عن الانتفاع بهما في غير صورة الضرورة (2)وفي بعض الأخبار أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لما نزل تحريم الخمر خرج وقعد في المسجد ثم دعا بآنيتهم التي كانوا ينبذون فيها فأكفاها كلها (3)إلاّ أن النهي عن ذلك غير مستند إلى نجاسة الخمر حيث لم ينه عنها بعنوان أنها نجسة ، بل لو كانت الخمر طاهرة أيضاً كنّا نلتزم بحرمة انتفاعاتها للنص. فالمتحصل أن مقتضى القاعدة جواز الانتفاع بالأعيان النجسة والمتنجسة في غير موارد دلالة الدليل على حرمته.


1) حيث قال : « أو شي‌ء من وجوه النجس ، فهذا كله حرام ومحرم لأن ذلك كله منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلب فيه ، فجميع تقلبه في ذلك حرام » الوسائل 17 : 84 / أبواب ما يكتسب به ب 2 ح 1 ، تحف العقول : 333.

2) الوسائل 25 : 349 / أبواب الأشربة المحرمة ب 21 ح 1 5 ، ب 34 ح 1 ، 2 ، 4 ، 5 ، والوجه في دلالتها على المدعى : أن الانتفاع بالخمر والمسكر لو لم يكن محرماً لم يكن للمنع عن الاكتحال بهما ولا لتحريم الخمر وحفظها وغرسها وعصرها ولا لغير ذلك مما ذكر في الروايات وجه صحيح لعدم حرمة جميع منافعها على الفرض ، فيستكشف بذلك أن الانتفاع بهما على إطلاقه محرّم في الشريعة المقدسة.

3) رواها علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبي الجارود كما في الوسائل 25 : 281 / أبواب الأشربة المحرمة ب 1 ح 5.

بيعها للاستعمال المحرّم وفي بعضها لا يجوز بيعه مطلقاً كالميتة والعذرات (1)(1).


(1) إنّ مقتضى القاعدة جواز بيع النجاسات والمتنجسات وضعاً وتكليفاً على ما تقتضيه إطلاقات أدلّة البيع وصحته ولم يثبت تقييدها بغير النجس أو المتنجس. وأما الشهرة والإجماعات المنقولة ورواية تحف العقول المستدل بها على عدم جواز بيعهما بحسب الوضع أو التكليف ، فقد ذكرنا في محلِّه أنها ضعيفة ولا مسوّغ للاعتماد عليها لعدم حجية الشهرة ولا الإجماعات المنقولة ولا رواية التحف (2). هذا كله بحسب القاعدة وأمّا بحسب الأخبار فلا بد من النظر إلى أن الأعيان النجسة أيّها ممنوع بيعها فنقول : دلّت جملة من الأخبار على أن الخمر قد ألغى الشارع ماليّتها ومنع عن بيعها وشرائها ، لا بما أنها نجسة بل لأجل مبغوضيتها وفسادها (3)بحيث لو أتلفها أحد لم يحكم بضمانه إلاّ إذا كانت الخمر لأهل الذمّة ، كما أنّ الأخبار وردت في النهي عن بيع الكلب بما له من الأقسام سوى الصيود ، وفي بعضها أنّ ثمنه سحت (4)، وكذا ورد النهي عن بيع الخنزير والميتة في غير واحد من الأخبار (5)وهذه الموارد هي التي نلتزم بحرمة البيع فيها.

وأمّا غيرها من الأعيان النجسة فلم يثبت المنع عن بيعها حتى العذرة ، لأنّ الأخبار الواردة في حرمة بيعها وأن ثمنها سحت ضعيفة السند ، على أنها معارضة بما دلّ على عدم البأس بثمن العذرة (6)، وعليه فلا وجه لما صنعه الماتن قدس سره حيث عطف العذرة على الميتة. وأما بيع النجاسات أو المتنجسات بقصد استعمالها في


1) (*) لا يبعد جواز بيع العذرة للانتفاع بها منفعة محلّلة ، نعم الكلب غير الصيود وكذا الخنزير والخمر والميتة لا يجوز بيعها بحال.

2) مصباح الفقاهة 1 : 174.

3) الوسائل 17 : 224 / أبواب ما يكتسب به ب 55 ح 3 7.

4) الوسائل 17 : 118 / أبواب ما يكتسب به ب 14 ح 1 8.

5) الوسائل 17 : 93 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 5 ، 8 ، 9.

6) الوسائل 17 : 175 / أبواب ما يكتسب به ب 40 ح 2 ، 3.

الحرام فان اشترط استعمالها في الجهة المحرمة في ضمن المعاملة والبيع فلا إشكال في فساد الشرط لأنه على خلاف الكتاب والسنة ، وهل يبطل العقد أيضاً بذلك؟ يبتني هذا على القول بإفساد الشرط الفاسد وعدمه وقد قدّمنا الكلام في تلك المسألة في محلِّها (1)ولا نعيد.

وأمّا إذا لم يشترط في ضمن عقد البيع ولكنّا علمنا من الخارج أن المشتري سوف يصرفه في الجهة المحرمة باختياره وإرادته فلا يبطل بذلك البيع ، حيث لا دليل عليه كما لا دليل على حرمته التكليفية وإن كان بيعها مقدمة لارتكاب المشتري الحرام وذلك لأن البائع إنما باعه أمراً يمكن الانتفاع به في كلتا الجهتين أعني الجهة المحللة والمحرّمة ، والمشتري إنما صرفه في الجهة المحرمة بسوء اختياره وإرادته ، وهو نظير بيع السكين ممن نعلم أنه يجرح به أحداً أو يذبح به شاة غيره عدواناً أو يرتكب به أمراً محرماً آخر ما عدا قتل النفس المحترمة ومقدماته ولا إشكال في جوازه.

هذا بل قد صرح أئمتنا ( عليهم أفضل السلام ) في جملة من رواياتهم بجواز بيع التمر ممن يعلم أنه يصنعه خمراً (2)، وقد أسندوا ذلك إلى أنفسهم في بعضها (3)، وبيّنا في محلِّه أنّ إيجاد المقدّمة المشتركة بين الجهة المحللة والمحرمة لو حرم في الشريعة المقدسة لحرمت جملة كثيرة من الأُمور التي نقطع بحليتها كإجارة الدار مثلاً ، فان لازم ذلك الالتزام بحرمتها مطلقاً للعلم العادي بأن المستأجر يرتكب أمراً محرّماً في الدار ولو بسبّ زوجته أو بكذبه أو بشربه الخمر إلى غير ذلك من المحرّمات مع وضوح جواز إجارة الدار ممن يشرب الخمر وغيره ، وكسوق السيارة أو السفينة ونحوهما للعلم الإجمالي بأنّ بعض ركّابها قصد الفعل الحرام من السعاية أو الظلم أو القمار أو غيرها من المحرمات ولا سيما في بعض البلاد كطهران وبغداد.


1) مصباح الفقاهة 7 : 351.

2) الوسائل 17 : 230 / أبواب ما يكتسب به ب 59 ح 5.

3) كما في رواية أبي كهمس وصحيحة رفاعة المرويتين في الوسائل 17 : 230 / أبواب ما يكتسب به ب 59 ح 6 ، 8.

[273] مسألة 32 : كما يحرم الأكل والشرب للشي‌ء النجس كذا يحرم التسبيب لأكل الغير أو شربه وكذا التسبّب لاستعماله (1)


(1) التسبيب إلى أكل النجس أو شربه قد يكون مع علم المباشر وإرادته واختياره ، والتسبيب حينئذ مما لا إشكال في جوازه إلاّ من جهة كونه إعانة على الإثم والحرام. وفي حرمة الإعانة على الحرام وعدمها بحث طويل تعرضنا له في محله (2). وهذه الصورة خارجة عن محط كلام الماتن قدس سره حيث إن ظاهره إرادة التسبيب الذي لا يتخلّل بينه وبين فعل المباشر إرادة واختيار ، كما إذا أضاف أحداً وقدّم له طعاماً متنجساً فأكل الضيف النجس لا بإرادته واختياره لجهله بالحال. وعليه فيقع الكلام في التسبيب إلى أكل النجس أو شربه مع عدم صدور الفعل من المباشر بإرادته وعدم تخلل الاختيار بين التسبيب والفعل الصادر من المباشر ، وهل هو حرام أو لا حرمة فيه؟ ثم إنه إذا لم يسبب لأكل النجس أو شربه إلاّ أنه كان عالماً بنجاسة شي‌ء وحرمته ورأى الغير قد عزم على أكله أو شربه جاهلاً بالحال فهل يجب عليه إعلامه؟

إذا كان الحكم الواقعي مما لا يترتّب عليه أثر بالإضافة إلى المباشر الجاهل وكان وجوده وعدمه على حد سواء ، فلا إشكال في عدم حرمة التسبيب حينئذ ولا في عدم وجوب الاعلام ، وهذا كما إذا قدّم لمن أراد الصلاة ثوباً متنجساً فلبسه وصلّى فيه وهو جاهل بنجاسته ، أو رأى أحداً يصلِّي في الثوب المتنجس جاهلاً بنجاسته فإنه لا يجب عليه إعلام المصلِّي بنجاسة ثوبه ، ولا يحرم عليه أن يقدّم الثوب المتنجس إلى من يريد الصلاة فيه ، حيث لا يترتب على نجاسة ثوب المصلي وطهارته أثر إذا كان جاهلاً بالحال ، وصلاته في الثوب المتنجس حينئذ لا تنقص عن الصلاة في الثوب الطاهر بل هما على حد سواء ، وهو نظير ما إذا رأى في ثوب المصلي دماً أقل من الدرهم حيث


1) (*) لا بأس به إذا كان الشرط أعمّ من الطهارة الواقعية والظاهرية ، كما في اشتراط الصلاة بطهارة الثوب والبدن.

2) مصباح الفقاهة 1 : 230.

لا ريب في عدم وجوب الاعلام به ، لأنه لا أثر لوجود الدم المذكور وعدمه حتى مع علم المصلِّي به فضلاً عن جهله ، وكذا لا إشكال في جواز التسبيب إلى الصلاة في مثله.

وعلى الجملة أن جواز التسبيب وعدم وجوب الاعلام في هذه الصورة على القاعدة. مضافاً إلى الموثقة الواردة في من أعار رجلاً ثوباً فصلّى فيه وهو لا يصلي فيه (1)حيث دلت على أن الثوب المستعار لا يجب الاعلام بنجاسته للمستعير. والوجه فيه أن صلاة الجاهل في الثوب المتنجس مما لا منقصة له بل هي كصلاته في الثوب الطاهر من غير نقص ، ومن هنا جاز للمعير أن يأتم بالمستعير في صلاته في الثوب المتنجس. ولا يبتني هذا على ما اشتهر من النزاع في أن المدار في الصحة على الصحّة الواقعية أو الصحّة عند الإمام ، لأن ذلك إنما يختص بما إذا كان للواقع أثر مترتّب عليه كما في الجنابة والحدث الأصغر ونحوهما.

فالمتحصل إلى هنا أن الحكم الواقعي إذا كان ذكريا ومشروطاً بالعلم والالتفات لا يجب فيه الاعلام للجاهل كما لا يحرم التسبيب في مثله ، ولعل هذا مما لا ينبغي الإشكال فيه. وإنما الكلام فيما إذا كان للحكم الواقعي أثر يترتب عليه في نفسه من حيث صحة العمل وبطلانه ومحبوبيته ومبغوضيته وإن كان المباشر معذوراً ظاهراً لجهله ، وهذا كشرب الخمر أو النجس أو أكل الميتة ونحوها فان شرب الخمر مثلاً مبغوض عند اللّه واقعاً وإن كان شاربها معذوراً لجهله ، فهل يحرم التسبيب في مثله ويجب فيه الاعلام ، فلا يجوز تقديم الخمر إلى الضيف ليشربها جاهلاً بأنها خمر أو لا يحرم التسبيب ولا يجب فيه الإعلام ، أو يفصّل بينهما بالحكم بحرمة التسبيب وعدم وجوب الاعلام؟

وجوه صحيحها الأخير وذلك لعدم قيام الدليل على وجوب الاعلام في أمثال المقام ، حيث لا تنطبق عليه كبرى وجوب النهي عن المنكر لجهل المباشر وعدم صدور الفعل منه منكراً ولا وجوب تبليغ الأحكام الشرعية وإرشاد الجاهلين لأنه


1) كما في موثقة ابن بكير المروية في الوسائل 3 : 488 / أبواب النجاسات ب 47 ح 3.

عالم بالحكم وإنما جهل مورده أو اعتقد طهارته ، ومعه لا يمكن الحكم بوجوب إعلامه بل يمكن الحكم بحرمته فيما إذا لزم منه إلقاء الجاهل في العسر والحرج أو كان موجباً لايذائه. وأما التسبيب إلى أكل النجس أو شربه فالتحقيق حرمته ، وذلك لأن المستفاد من إطلاقات أدلة المحرّمات الموجّهة إلى المكلفين حسب المتفاهم العرفي ، أن انتساب الأفعال المحرّمة إلى موجديها مبغوض مطلقاً سواء كانت النسبة مباشرية أم تسبيبية مثلاً إذا نهى المولى عن الدخول عليه بأن قال لا يدخل عليَّ أحد لغرض له في ذلك فيستفاد منه أن انتساب الدخول إليه وإيجاده مبغوض مطلقاً سواء صدر ذلك على وجه المباشرة أو على وجه التسبيب كما إذا أدخل عليه أحداً بتغريره ، فالانتساب التسبيبي كالمباشري مفوت للغرض والتفويت الحرام.

هذا كلّه مضافاً إلى ما ورد من الأمر باعلام المشتري بنجاسة الزيوت المتنجسة حتى يستصبح بها ، ولا يستعملها فيما يشترط فيه الطهارة حيث قال : « بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به » (1)فان الاستصباح بالزيت المتنجس ليس بواجب ولا راجح ، فالأمر به في الأخبار المشار إليها إرشاد إلى أنه لا بد وأن يصرف في الجهة المحللة لئلا ينتفع به في المنفعة المحرمة ، لأن للدهن النجس فائدتين : محللة ومحرمة ، فاذا لم يبيّن نجاسته للمشتري فمن الجائز أن يصرفه في الجهة المحرّمة أعني أكله وهو تسبيب من البائع إلى إصدار مبغوض الشارع من المشتري الجاهل بالحال ، فالأمر باعلام نجاسة الدهن للمشتري يدلّنا على حرمة التسبيب إلى الحرام.

ودعوى اختصاص ذلك بالنجاسات ، فإنّ الأخبار إنما دلّت على وجوب الإعلام بنجاسة الزيوت فلا يستفاد منها حرمة التسبيب إلى مطلق المبغوض الواقعي كما في التسبيب إلى أكل الميتة الطاهرة من الجري والمارماهي ونحوهما ، حيث إن أكلها محرّم من دون أن تكون نجسة ، مدفوعة بأنّ المستفاد من إطلاق حرمة الميتة وغيرها من المحرّمات حسب المتفاهم العرفي أنّ مطلق انتساب فعلها إلى المكلف مبغوض


1) ورد ذلك فيما رواه معاوية بن وهب وبمضمونه روايات أُخر مروية في الوسائل 17 : 98 / أبواب ما يكتسب به ب 6 ح 4 وغيره.

حرام ، سواء أكانت النسبة مباشرية أم تسبيبية كما عرفت ، وهذا لا يفرق فيه بين النجس والحرام. فتحصّل أن التسبيب إلى الفعل الحرام فيما إذا كان للواقع أثر مترتب عليه في نفسه حرام.

وبهذا يندفع ما ربما يقال من أن وجود الأمر المحرم إذا كان مبغوضاً من الجميع فكما أنه يقتضي حرمة التسبيب إلى إيجاده كذلك يقتضي وجوب الاعلام به بل يقتضي وجوب الردع عنه ، لأن تركه يؤدي إلى إيجاد المباشر للأمر المبغوض الواقعي فهو مفوّت للغرض والتفويت حرام ، ومعه لا وجه للحكم بحرمة التسبيب دون الحكم بوجوب الاعلام. والوجه في الاندفاع : أنّا لم نستند في الحكم بحرمة التسبيب إلى مبغوضية الفعل في نفسه حتى يورد عليه بتلك المناقشة ، وإنما استندنا فيه إلى ما يستفاد من إطلاق أدلّة المحرّمات حسب المتفاهم العرفي ، لما مرّ من أن العرف يستفيد منها مبغوضية انتساب العمل إلى فاعله بلا تفرقة في ذلك بين الانتساب التسبيبي والمباشري. وهذا مما لا يقتضي الحكم بوجوب الاعلام لأن العمل إذا صدر من موجده بالإرادة والاختيار من دون استناده إلى تسبيب العالم بحرمته فلا انتساب له إلى العالم بوجه ، وقد مرّ أن المحرم هو الانتساب دون مطلق الوجود ، ومع انتفاء الانتساب المباشري والتسبيبي لا موجب لوجوب ردع الفاعل المباشر عن عمله.

نعم ، قد نلتزم بوجوب الاعلام أيضاً وهو كما في الموارد الخطيرة التي علمنا من الشارع الاهتمام بها وعدم رضاه بتحقق العمل فيها بوجه أعني موارد النفوس والاعراض ، مثلاً إذا رأينا أحداً حمل بسيفه على مؤمن ليقتله بحسبان كفره وارتداده يجب علينا ردعه وإعلامه بالحال ، وإن كان العمل على تقدير صدوره من مباشرة غير موجب لاستحقاق العقاب لمعذورية الفاعل حسب عقيدته ، إلاّ أن الشارع لا يرضى بقتل المؤمن بوجه. وكذا الحال إذا رأينا صبياً يقتل مسلماً وجب ردعه لما مرّ إلاّ أن وجوب الردع في أمثال ذلك من باب أنه بنفسه مصداق لحفظ النفس المحترمة لا من جهة وجوب الاعلام بالحرام. وكذلك الحال فيما إذا عقد رجل على امرأة نعلم أنها أُخته من الرضاعة حيث يجب علينا ردعه ، وإن لم يكن العمل منه أو منهما صادراً على جهة التحريم لجهلهما واعتمادهما على أصالة عدم العلاقة المحرمة بينهما ، بل

فيما يشترط فيه الطهارة ، فلو باع أو أعار شيئاً نجساً قابلاً للتطهير يجب الاعلام بنجاسته ، وأما إذا لم يكن هو السبب في استعماله بأن رأى أن ما يأكله شخص أو يشربه أو يصلِّي فيه نجس ، فلا يجب إعلامه.

[274] مسألة 33 : لا يجوز سقي المسكرات للأطفال بل يجب ردعهم (1) وكذا سائر الأعيان النجسة إذا كانت مضرة لهم (2) بل


ويترتّب عليه جميع آثار النِّكاح الصحيح لأنه من الوطء بالشبهة ، ولكن العمل بنفسه بما أنه مبغوض وغير مرضي عند الشارع وجب على العالم بذلك الاعلام والردع. ومن ذلك أيضاً منع الصبي عن اللواط أو الزنا وعن شرب المسكرات إلى غير ذلك من الموارد التي نعلم فيها باهتمام الشارع بشي‌ء وعدم رضاه بوقوعه في الخارج بوجه. هذه هي الموارد التي نلتزم فيها بوجوب الاعلام ، وأما في غيرها فلم يقم دليل على وجوب الردع والإعلام وإن كان التسبيب إليه محرماً.

هذا كله في التسبيب إلى المكلفين ، وهل التسبيب إلى المجانين والصبيان أيضاً كذلك لإطلاق أدلّة المحرّمات كما مرّ تقريبه أو لا مانع من التسبيب إلى غير المكلفين؟ الصحيح هو الثاني ، وذلك لأن الشارع كما أنه حرم المحرمات في حق المكلفين كذلك أباحها في حق جماعة آخرين من الصبيان والمجانين ، فالفعل إنما يصدر من غير المكلف على وجه مباح ومن الظاهر أن التسبيب إلى المباح مباح. نعم ، فيما إذا علم الاهتمام من الشارع وأنه لا يرضى بوقوعه كيف ما اتفق يحرم التسبيب بلا إشكال ومن هنا ورد المنع عن سقي المسكر للأطفال (1).

(1) قد ظهر الحال في هذه المسألة مما قدّمناه في سابقتها ، وقد عرفت أن سقي المسكرات للأطفال حرام إلاّ أن ذلك مستند إلى الأخبار والعلم بعدم رضا الشارع بشربها كيف ما اتفق ، وليس من أجل حرمة التسبيب بالإضافة إلى الصبيان.

(2) وذلك لحرمة الإضرار بالمؤمنين ومن في حكمهم أعني أطفالهم ، فإذا فرضنا أن


1) الوسائل 25 : 307 / أبواب الأشربة المحرمة ب 10 ح 1 ، 2 ، 3 ، 6.

العين النجسة مضرة لهم كما في شرب الأبوال لأنها على ما يقولون من السموم فلا محالة يكون التسبيب إلى شربها أو أكلها إضراراً بهم وهو حرام ، فالتسبيب حينئذ إلى شرب الأعيان النجسة أو أكلها مما لا ينبغي الإشكال في حرمته بلا فرق في ذلك بين الولي وغيره من المسلمين.

وأما الردع والإعلام فأيضاً لا كلام في وجوبهما على الولي ، لأنه مأمور بالتحفظ على الصبي مما يرجع إلى نفسه وماله ، فيجب عليه ردع من يتولى أمره عن شرب العين النجسة وأكلها ، وأما بالإضافة إلى غير الولي فإن كان الضرر المستند إلى شرب النجس أو أكله بالغاً إلى الموت والهلاك أو كان المورد مما اهتم الشارع بعدم تحققه في الخارج كما عرفته في شرب المسكرات فلا إشكال أيضاً في وجوب الردع ، إلاّ أن ذلك وسابقه غير مختصين بالنجاسات لأن الإضرار بالمؤمن ومن في حكمه حرام مطلقاً ، كما أن الردع عما يوجب القتل والهلاك أو ما اهتم الشارع بعدم تحققه في الخارج من الوظائف الواجبة في جميع الموارد ، مثلاً يجب ردع الصبي عن السباحة في المياه التي لو وردها غرق أو عن أكل الطعام المباح الذي لو أكله هلك.

وأما إذا لم يكن الضرر بتلك المرتبة ، كما إذا كان أكل النجس أو شربه مؤدياً إلى وجع الرأس أو حمى يوم ونحوه ولم يكن العمل مما اهتم الشارع بعدم تحققه ، فلم يقم دليل على وجوب الردع والإعلام بالإضافة إلى غير الولي ، لأنّ مجرّد علمه بترتّب ضرر طفيف على شرب الصبي النجس أو أكله لا يوجب الردع في حقه ، وإنما يدخل ذلك في عنوان الإرشاد ولا دليل على وجوبه ، ومعه يكون الردع مجرّد إحسان ولا إشكال في حسنه عقلاً وشرعاً. وإنما يجب على الولي لا لأجل وجوب الردع والإعلام بل لوجوب حفظ الأطفال على الأولياء.

هذا كله فيما إذا كان شرب النجس أو أكله مضراً للأطفال ، وأما إذا لم يكن ضرر في أكله وشربه فلا موجب لحرمة التسبيب حينئذ ، لما عرفت من عدم دلالة الدليل على حرمته في غير المكلفين وإنما استفدنا حرمته بالإضافة إلى المكلفين من إطلاق أدلّة المحرّمات. وأما غير المكلفين من المجانين والصبيان فحيث لا تشمله المطلقات فلا محالة يصدر الفعل منه على الوجه المباح ولا يحرم التسبيب إلى المباح فضلاً عن أن

مطلقاً (1). وأما المتنجِّسات فان كان التنجّس من جهة كون أيديهم نجسة (1) فالظاهر عدم البأس به ، وإن كان من جهة تنجس سابق ، فالأقوى جواز التسبب لأكلهم ، وإن كان الأحوط تركه. وأما ردعهم عن الأكل أو الشرب مع عدم التسبب فلا يجب من غير إشكال.

[275] مسألة 34 : إذا كان موضع من بيته أو فرشه نجساً فورد عليه ضيف وباشره بالرطوبة المسرية ففي وجوب إعلامه إشكال (2)


يجب فيه الردع والإعلام.

(1) بان استندت النجاسة إلى أنفسهم كما هو الغالب والدليل على جواز التسبب وعدم وجوب الردع والإعلام حينئذ إنما هو السيرة القطعية المستمرة بين المسلمين. وأما إذا لم تستند النجاسة إلى أنفسهم كالماء المتنجس بسبب آخر ، فقد أفتى الماتن بعدم وجوب الردع حينئذ وهو الصحيح ، إذ لا دليل على حرمة التسبب بالإضافة إلى غير المكلفين لعدم صدور الفعل منهم على الوجه الحرام كما لا دليل على وجوب الإعلام حينئذ ، وإن احتاط الماتن بترك التسبب استحباباً.

(2) عدم وجوب الردع والإعلام في المسألة مما لا إشكال فيه لعدم الدليل على وجوبهما ، وإنما ثبتت حرمة التسبيب بالإضافة إلى المكلفين ، وعليه فيدور الحكم مدار صدق التسبب وعدمه وليس له ضابط كلي بل يختلف باختلاف الموارد ، مثلاً إذا مدّ الضيف يده الرطبة لأن يأخذ ثيابه فأصابت الحائط المتنجس لا يصح اسناد تنجيس يده إلى المضيّف بالتسبيب لأنه إنما صدر من الضيف ولا تسبب في البين ، والإعلام لا دليل على وجوبه ، وأما إذا وضع المضيّف المنديل المتنجس في الموضع المعدّ للتنشّف ولما غسل الضيف يده تنشّف بذلك المنديل النجس ، فلا محالة يستند تنجس يده إلى المالك المضيّف لأنه الذي وضع المنديل في المحل المعدّ للاستعمال ، فيجب عليه الردع والإعلام لأن سكوته تسبيب إلى النجاسة.


1) (*) الظاهر أنّ حكمها حكم المتنجسات.

وإن كان أحوط ، بل لا يخلو عن قوّة (1). وكذا إذا أحضر عنده طعاماً ثم علم بنجاسته (1) بل وكذا إذا كان الطعام للغير وجماعة مشغولون بالأكل فرأى واحد منهم فيه نجاسة ، وإن كان عدم الوجوب في هذه الصورة لا يخلو عن قوّة (2) لعدم كونه سبباً لأكل الغير بخلاف الصورة السابقة.

[276] مسألة 35 : إذا استعار ظرفاً أو فرشاً أو غيرهما من جاره فتنجس عنده هل يجب عليه إعلامه عند الرد؟ فيه إشكال (3) والأحوط الاعلام بل لا يخلو عن قوّة إذا كان مما يستعمله المالك فيما يشترط فيه الطهارة.


(1) لا شبهة في وجوب الردع حينئذ لأن سكوته تسبيب إلى أكل النجس بحسب البقاء وإن لم يكن كذلك حدوثاً ، إلاّ أن حرمة الانتساب التسبيبي بعد ما استفدناها من إطلاق الدليل لا يفرق فيها العقل بين التسبيب بحسب الحدوث والتسبيب بحسب البقاء ، وبهذا تفترق هذه الصورة عن الصورة الآتية.

(2) لعدم استناد أكل النجس إلى من علم منهم بنجاسة الطعام ، حيث إنه مستند إلى من قدّمه أو إلى أنفسهم إذا لم يقدّمه شخص آخر لهم فلا يترتب على سكوته التسبيب إلى أكل النجس.

(3) قد ظهر الحال في هذه المسألة مما قدمه الماتن قدس سره وقدمناه في المسائل السالفة ، إلاّ أنه أراد بالتعرض لها الإشارة إلى أن حرمة التسبيب إلى الحرام غير مختصة بمالك العين لأنه كما يحرم عليه كذلك يحرم على مالك المنفعة كما في الإجارة أو الانتفاع كما في العارية ، أو على من أُبيح له التصرف من دون أن يكون مالكاً لشي‌ء من العين والمنفعة والانتفاع ، وعلى من استولى على المال غصباً ، وذلك لأن المال إذا تنجس عند هؤلاء ثم أرادوا إرجاعه إلى مالكه أو غيره ولم يبينوا نجاسته كان سكوتهم تسبيباً منهم إلى أكل النجس أو شربه وهو حرام.


1) (*) هذا إذا كانت المباشرة بتسبيب منه وإلاّ لم يجب إعلامه.

فصل : [ في الصّلاة في النّجس ]

إذا صلّى في النجس فان كان عن علم وعمد بطلت صلاته (1)


فصل

إذا صلّى في النّجس

(1) مرّ أن الصلاة يشترط فيها طهارة البدن والثياب إلاّ فيما استثني من طرف النجاسات كالدم الأقل من الدرهم أو من طرف المتنجس كما لا تتم فيه الصلاة. ويدلُّ عليه مضافاً إلى أن المسألة ضرورية ومما لا خلاف فيه ، الأخبار المتضافرة التي ستمر عليك في التكلّم على جهات المسألة إن شاء اللّه ، وعليه فالكلام إنما يقع في خصوصيات المسألة وجهاتها ولا نتكلم عن أصل اشتراط الصلاة بطهارة الثوب والبدن لعدم الخلاف فيه فنقول :

الصلاة في النجس قد يكون عن علم وعمد وقد لا يكون كذلك ، وعلى الثاني قد تستند صلاته في النجس إلى جهله وقد تستند إلى نسيانه ، وكل من الجهل والنسيان إما أن يتعلّق بموضوع النجس كما إذا لم يدر أن المائع الواقع على ثوبه أو بدنه بول مثلاً أو علم به ثم نسيه وإما أن يتعلق بحكمه بأن لم يدر أن بول ما لا يؤكل لحمه نجس أو يعلم حكمه ثم نسيه ، وإما أن يتعلق بالاشتراط كما يأتي تمثيله. وهذه الصورة في الحقيقة ترجع إلى الجهل بأصل الحكم أو نسيانه.

أما إذا صلّى في النجس عن علم وعمد فلا ينبغي الارتياب في بطلان صلاته لأنّ هذه الصورة هي القدر المتيقن مما دلّ على بطلان الصلاة في النجس ، ويمكن استفادته من منطوق بعض النصوص ومفهوم بعضها الآخر وهذا كما في حسنة عبد اللّه بن سنان قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم؟ قال : إن كان قد علم أنه أصاب ثوبه جنابة أو دم قبل أن يصلي ثم صلّى فيه ولم يغسله فعليه أن

وكذا إذا كان عن جهل (1)بالنجاسة من حيث الحكم بأن لم يعلم أنّ الشي‌ء الفلاني مثل عرق الجنب من الحرام نجس ، أو عن جهل بشرطية الطهارة للصلاة (1).


يعيد ما صلّى ... » (2)ومصححة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال : إن كان لم يعلم فلا يعيد » (3)على أنه يمكن أن يستدل عليه بفحوى ما ورد في بطلان صلاة الناسي في النجس كما تأتي عن قريب ، حيث إن العلم بالنجس متقدماً على الصلاة إذا كان مانعاً عن صحتها فالعلم به مقارناً للصلاة يمنع عن صحتها بطريق أولى.

(1) إذا صلّى في النجس جاهلاً بالحكم أو بالاشتراط فله صورتان : لأن الجهل قد يكون عذراً للمكلف حال جهله كما في الجاهل القاصر ، ومن أظهر مصاديقه المخطئ من المجتهدين ، حيث إن المجتهد إذا فحص عن الدليل على نجاسة بول الخشاشيف مثلاً ولم يظفر بما يدله على طهارته أو نجاسته فبنى على طهارته لقاعدة الطهارة وصلّى في الثوب الذي أصابه بول الخشاف زمناً طويلاً أو قصيراً ثم بعد ذلك ظفر على دليل نجاسته ، أو أنه بنى على عدم اشتراط خلوّ البدن والثياب من الدم الأقل من مقدار الدرهم ولو كان مما لا يؤكل لحمه أو من الميتة ، أو بنى على عدم اشتراط الصلاة بطهارة المحمول فيها ولو كان مما يتم فيه الصلاة اعتماداً في ذلك على أصالة البراءة عن الاشتراط ، ثم وقف على دليله فبنى على اشتراط الصلاة بطهارة المحمول المتنجس إذا كان ثوباً يتم فيه الصلاة ، وعلى اشتراط خلو البدن والثياب عن الدم الأقل من مقدار الدرهم إذا كان من الميتة أو مما لا يؤكل لحمه ، نظراً إلى أن ما دلّ على استثناء الدم الأقل إنما استثناه عن مانعية النجاسة في الصلاة ، وأما المانعية من سائر الجهات ولو من جهة أنه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه أو من الميتة حيث إنهما مانعتان مستقلتان زائداً على مانعية النجاسة فلم يقم دليل على استثنائه فهو جاهل بالحكم


1) (*) إذا كان الجاهل معذوراً لاجتهاد أو تقليد فالظاهر عدم بطلان الصلاة.

2) الوسائل 3 : 475 / أبواب النجاسات ب 40 ح 5.

3) الوسائل 3 : 475 / أبواب النجاسات ب 40 ح 5.

الواقعي أو بالاشتراط ، إلاّ أن جهله هذا معذّر له لأنه جهل قصوري ، فإنه فحص وعجز عن الوصول إلى الواقع واعتمد على الأُصول المقررة للجاهلين.

وقد لا يكون الجهل عذراً للمكلف لاستناده إلى تقصيره عن السؤال أو عدم فحصة عن الدليل ويعبّر عنه بالجاهل المقصّر. أما إذا صلّى في النجس عن جهل تقصيري غير عذر فالصحيح أن صلاته باطلة وتلزمه إعادتها في الوقت أو خارجه وذلك لأنه مقتضى إطلاق ما دلّ على بطلان الصلاة مع النجس ولا يمنع عن ذلك حديث لا تعاد (1)بناء على اختصاصه بالطهارة الحدثية ، لأن الحديث بإطلاقه وإن كان يشمل المقصّر في نفسه لعدم كون النجاسة الخبثية من الخمسة المستثناة في الحديث ، إلاّ أن هناك مانعاً عن شموله له وهو لزوم تخصيص أدلة المانعية بمن صلّى في النجس عن علم وعمد لما يأتي من عدم شمولها الناسي والجاهل القاصر ، لحديث لا تعاد وهو من التخصيص بالفرد النادر بل غير المتحقق ، حيث إن المكلف إذا علم بنجاسة النجس والتفت إلى اشتراط الصلاة بعدمها في الثوب والبدن لم يعقل أن يقدم على الصلاة فيه إلاّ إذا أراد اللعب والعبث ، كيف ولا يتمشى منه قصد التقرب لعلمه بعدم تعلق الأمر بالصلاة في النجس وعدم كفايتها في مقام الامتثال إلاّ على نحو التشريع الحرام هذا.

ويمكن أن يقال بعدم شمول الحديث للجاهل المقصّر في نفسه مع قطع النظر عن المحذور المتقدم آنفاً وذلك لأن الجاهل المقصر على قسمين : لأنه قد يحتمل بطلان عمله كما يحتمل صحته ومع ذلك لا يسأل عن حكمه وكيفياته ، بل يأتي بالعمل بداعي أنه إن طابق المأمور به الواقعي فهو وإلاّ فهو غير قاصد للامتثال رأساً لعدم مبالاته بالدين ، وقد يكون الجاهل غافلاً عن اعتبار الطهارة في ثوبه وبدنه فلا يشك في صحة عمله بل يأتي بالصلاة في النجس كما يصلي العالم بصحتها.

أما الجاهل المردد في صحة عمله وفساده فلا شك في عدم شمول الحديث له ، لأنّ


1) وهو ما رواه الصدوق بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر علیه السلام أنه قال « لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة : الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود » الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8 وكذا في 5 : 471 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 14.

الحديث - حسب المتفاهم العرفي إنما ينظر إلى حكم العمل بعد وجوده وأنه هل تجب إعادته أو لا تجب ، وهذا إنما يتصوّر فيما إذا كان المكلف غير متردد في صحة عمله حال الامتثال ، وأما إذا كان عالماً ببطلان عمله حال الإتيان به وجداناً أو بحكم العقل ، كما في المقام لاستقلاله على أن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية وأنه لليس للمكلف أن يكتفي بما يشك في صحته ، فهو خارج عن مدلول الحديث حسبما يستفيده العرف من مثله ، فمقتضى أدلة بطلان الصلاة في النجس هو الحكم ببطلان صلاة الجاهل المقصر إذا كان متردداً في صحة عمله وفساده حال العمل. هذا مضافاً إلى أن المسألة لا خلاف فيها بل الحكم بالبطلان حينئذ من ضروريات الفقه.

وأما الجاهل المقصّر الذي لا يتردد في صحة عمله حال اشتغاله فهو وإن كان يشمله الحديث في نفسه ، إلاّ أن قيام الإجماع اليقيني على بطلان عمل الجاهل المقصّر في غير الموردين المشهورين في كلماتهم ، أعني التمام في موضع القصر والإجهار في موضع الإخفات وعكسه يمنعنا عن الحكم بعدم وجوب الإعادة عليه.

ثم إن الحكم بوجوب الإعادة على الجاهل المقصّر لا ينافي استحالة تكليف الغافل بشي‌ء ، لأن توجيه الخطاب إلى الغافل وإن كان غير صحيح إلاّ أن مفروض المسألة أن غفلة الجاهل إنما هي ما دام اشتغاله بعمله ، لأنه يشك في صحته وفساده بعد الفراغ ، وبما أنه التفت إلى عمله في أثناء الوقت ولم يحرز فراغ ذمته عما وجب عليه لزمه الخروج عن عهدة ما اشتغلت به ذمته. واستحالة تكليفه بالواقع حال غفلته لا تقتضي الحكم بكون ما أتى به مجزئ ، لأنّ الإجزاء يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه في المقام ، وحيث إنه لم يأت بالواجب الواقعي وجبت عليه إعادته. وأما إذا انكشف الحال في خارج الوقت فهو وإن لم يكن مكلفاً بالصلاة مع الطهارة في الوقت لفرض غفلته في مجموع الوقت ، إلاّ أنه مع ذلك يجب القضاء عليه لأنه يدور مدار صدق الفوت سواء كان هناك تكليف أو لم يكن كما في النائم ونحوه. والمتلخص أن الجاهل المقصر بكلا قسميه خارج عن مدلول الحديث.

وأما إذا صلّى في النجس عن جهل قصوري معذّر فالتحقيق أنه مشمول لحديث لا تعاد ، وبه يخرج عما تقتضيه أدلة بطلان الصلاة في النجس. والذي يمكن أن يكون

مانعاً عن شموله الجاهل القاصر أو قيل بمانعيته أُمور ثلاثة :

الأوّل : ما عن شيخنا الأُستاذ قدس سره من أن حديث لا تعاد إنما ينفي الإعادة عن كل مورد قابل لها في نفسه ، بحيث لولا ذلك الحديث لحكم بوجوب الإعادة فيه إلاّ أنّ الشارع رفع الإلزام عنها امتناناً على المكلّفين (1)، ومن البديهي أن الأمر بالإعادة إنما يتصوّر فيما إذا لم يكن هناك أمر بإتيان المركّب نفسه كما في الناسي ونحوه حيث لا يجب عليه الإتيان بما نسيه ، ففي مثله لا مانع من الحكم بوجوب الإعادة عليه لولا ذلك الحديث. وأما إذا بقي المكلّف على حاله من تكليفه وأمره بالمركب الواقعي فلا معنى في مثله للأمر بالإعادة لأنه مأمور بإتيان نفس المأمور به ، وحيث إن الجاهل القاصر مكلف بنفس الواقع ولم يسقط عنه الأمر بالعمل فلا معنى لأمره بالإعادة ، فإذا لم يكن المورد قابلاً لإيجاب الإعادة لم يكن قابلاً لنفيها عنه. وعليه فالحديث إنما يختص بالناسي ونحوه دون العامد والجاهل مقصراً كان أم قاصراً ، ومعه لا بد من الرجوع إلى المطلقات المانعة عن الصلاة في النجس وهي تقتضي وجوب الإعادة في حقهم.

والجواب عن ذلك : أنّ الجاهل وإن كان مكلّفاً بالإتيان بالمركّب واقعاً ، إلاّ أنه محدود بما إذا أمكنه التدارك ولم يتجاوز عن محلِّه ، وأما إذا تجاوز عن محلِّه فأيّ مانع من الأمر بالإعادة عليه ، مثلاً إذا كان بانياً على عدم وجوب السورة في الصلاة إلاّ أنه علم بالوجوب وهو في أثناء الصلاة فبنى على وجوبها فإنه إن كان لم يدخل في الركوع فهو مكلف بإتيان نفس المأمور به أعني السورة في المثال ولا مجال معه لإيجاب الإعادة في حقه ، وأما إذا علم به بعد الركوع فلا يمكنه تداركها لتجاوزه عن محلها وحينئذ إما أن تبطل صلاته فتجب عليه إعادتها ، وأما أن تصح فلا تجب إعادتها. وبهذا ظهر أن الجاهل بعد ما لم يتمكن من تدارك العمل قابل لإيجاب الإعادة في حقه ونفيها كما هو الحال في الناسي بعينه.

الثاني : أنّا وإن كنّا نلتزم بحكومة الحديث على أدلة الأجزاء والشرائط لأنه ناظر


1) كتاب الصلاة 2 : 194.

إليها ومبيّن لمقدار دلالتها ، حيث دلّ على أن الإخلال بشي‌ء منهما إذا لم يكن عن علم أو جهل تقصيري لا يقتضي البطلان ، إلاّ أنه لا يمكن أن يكون حاكماً على حسنة عبد اللّه بن سنان المتقدِّمة (1)التي دلّت على وجوب الإعادة في من علم بإصابة الجنابة أو الدم ثوبه قبل الصلاة ثم صلّى فيه وذلك لوحدة لسانهما ، لأنّ لسان الحسنة إثبات الإعادة بقوله : « فعليه أن يعيد » كما أن لسان الحديث نفي الإعادة بقوله « لا تعاد » فمورد النفي والإثبات واحد كما أن لسان يعيد ولا تعاد لسانان متنافيان ، فهما من المتعارضين والنسبة بينهما إما هي العموم المطلق نظراً إلى أن الحديث ينفي الإعادة مطلقاً والحسنة تثبتها في خصوص العالم بموضوع النجاسة قبل الصلاة ، فتخصص الحديث ولأجلها يحكم بوجوب الإعادة على الجاهل القاصر لعلمه بموضوع النجاسة وإنما لا يعلم حكمها أو لا يعلم الاشتراط ، وإما أنّ النسبة هي العموم من وجه لاختصاص الحديث بغير العالم المتعمد فالحديث يقتضي وجوب الإعادة في من علم بموضوع النجاسة وحكمها والحسنة لا تعارضه ، كما أن الحسنة تنفي الإعادة بمفهومها ممن جهل بموضوع النجاسة وحكمها والحديث لا يعارضها ، وإنما يتعارضان في من علم بموضوع النجاسة وجهل بحكمها لأن الحسنة تثبت الإعادة فيه والحديث ينفيها ومع المعارضة والتساقط لا بد من الرجوع إلى إطلاقات أدلة المانعية وهي تقتضي بطلان الصلاة في النجس ووجوب الإعادة فيما نحن فيه.

والجواب عن ذلك : أن وزان الحسنة وزان غيرها من أدلة الأجزاء والشرائط والحديث كما أنه حاكم على تلك الأدلة كذلك له الحكومة على الحسنة ، والوجه فيه ما ذكرناه غير مرة من أن الأمر بالإعادة إرشاد إلى الجزئية أو الشرطية أو المانعية ، كما أن نفيها إرشاد وحكاية عن عدم الجزئية والشرطية والمانعية ، وليست الأوامر الواردة في بيان الأجزاء والشرائط ظاهرة في الأمر المولوي ، وعليه فالأمر بالإعادة في الحسنة إرشاد إلى شرطية طهارة الثوب والبدن ، أو إلى مانعية نجاستهما في الصلاة كما هو الحال في غيرها مما دلّ على جزئية شي‌ء أو شرطيته ، إما بالأمر بالإعادة


1) في ص 315.

بتركهما أو بالتصريح باعتبارهما في المأمور به ، والحديث حاكم على أدلتهما وذلك لأنه قد فرض أن للصلاة أجزاء وشرائط ثم بيّن أن ترك غير الخمسة المذكورة فيه غير موجب لبطلان الصلاة وإعادتها إذا لم يكن عن علم أو جهل تقصيري ومن هنا يتقدّم على أدلّتهما ، ولا يفرق في ذلك بين دلالة الدليل على الجزئية أو الشرطية بالمطابقة وبين دلالته عليهما بالالتزام كما هو الحال في الحسنة ، لأن إثباتها الإعادة عند وقوع الصلاة في النجس يدلنا بالالتزام على شرطية الطهارة في الثوب والبدن للصلاة ، فالحديث بذلك ينفي اعتبار الطهارة بالإضافة إلى الجاهل القاصر ، ومجرد وحدة لسان الحسنة والحديث لا تجعلهما من المتعارضين بعد عدم كون الأمر بالإعادة مولوياً وجوبياً ، والنسبة إنما تلاحظ بين المتنافيين ولا تنافي بين الحاكم ومحكومه.

الثالث : أنّ الطهور الذي هو من الخمسة المعادة منها الصلاة إما أن يكون أعم من الطهارة الحدثية والخبثية ، وإما أن يكون مجملاً لا يدرى أنه يختص بالطهارة الحدثية أو يعم الخبثية أيضاً ، وعلى كلا الفرضين لا يمكن التمسك به في الحكم بعدم وجوب الإعادة على الجاهل. أما بناء على أنه أعم فلأجل أن صلاة الجاهل فاقدة لطهارة الثوب أو البدن والإخلال بالطهارة الخبثية مما تعاد منه الصلاة. وأما بناء على إجماله فلأجل كفاية الإجمال في الحكم بوجوب الإعادة على الجاهل بالحكم أو بالاشتراط ، وذلك لأن إجمال المخصص المتصل كالطهور يسرى إلى العام كقوله « لا تعاد » ويسقطه عن الحجية في مورد الإجمال ، ومعه لا دليل على عدم وجوب الإعادة في مفروض الكلام. ومقتضى إطلاقات مانعيّة النجاسة في الثوب والبدن بطلان صلاة الجاهل القاصر ووجوب الإعادة عليه.

وهذا الوجه وإن كان أمتن الوجوه التي قيل أو يمكن أن يقال في المقام إلاّ أنه أيضاً مما لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّ الطهور حسبما ذكرناه في أوائل الكتاب من أنه بمعنى ما يتطهر به نظير الوقود والفطور والسحور وغيرهما مما هو بمعنى ما يحصل به المبدأ ، وقد يستعمل بمعنى آخر أيضاً وإن كان أعم حيث إن ما يحصل به الطهارة وهو الماء والتراب غير مقيد بطهارة دون طهارة وبالحدثية دون الخبثية ، إلاّ أن في الحديث قرينة تدلنا على أن المراد بالطهور خصوص ما يتطهر به من الحدث فلا

تشمل الطهارة الخبثية بوجه. بيان تلك القرينة : أن ذيل الحديث دلّنا على عدم ركنية غير الخمسة في الصلاة ، حيث بيّن أن القراءة والتشهّد والتكبير سنّة (1)ثم إنّ الخمسة المذكورة في الحديث هي بعينها الخمسة التي ذكرها اللّه سبحانه في الكتاب وقد أشار إلى الركوع بقوله عزّ من قائل ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ ) (2)وفي قوله ( يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ ) (3)وفي غيرهما من الآيات. وأشار إلى السجود بقوله ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ) (4)وفي قوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ) (5)وفي قوله ( يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي ) (6)وغيرها من الآيات.

وإلى القبلة أشار بقوله ( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (7)وبقوله ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (8)وغيرهما. وأشار إلى الوقت بقوله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) (9)وإلى اعتبار الطهارة الحدثية من الغسل والوضوء والتيمم أشار بقوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ


1) الوسائل 5 : 471 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 14.

2) البقرة 2 : 43.

3) آل عمران 3 : 43.

4) الحجر 15 : 98.

5) الحج 22 : 77.

6) آل عمران 3 : 43.

7) البقرة 2 : 144.

8) البقرة 2 : 149.

9) الإسراء 17 : 78.

وأما إذا كان جاهلاً بالموضوع (1) بأن لم يعلم أن ثوبه أو بدنه لاقى


لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ... ) (1).

وبذلك يظهر أن الحديث إنما يشير إلى تلك الخمسة التي ذكرها اللّه سبحانه في الكتاب ، والذي ذكره سبحانه إنما هو خصوص الطهارة من الحدث أعني الغسل والوضوء والتيمم وليس من الطهارة الخبثية ذكر في الكتاب ، فاذا ضممنا إلى ذلك ما استفدناه من ذيل الحديث ، فلا محالة ينتج أن الطهور في الحديث إنما هو بمعنى ما يتطهر به من الحدث ، وأما الطهارة من الخبث فليست من الأركان التي تبطل الصلاة بالإخلال بها مطلقاً كما هو الحال في الخمسة المذكورة في الحديث. ولعل ما ذكرناه هو الوجه فيما سلكه المشهور من أصحابنا حيث خصوا الحديث بالطهارة من الحدث مع عمومه في نفسه.

ومما يدلنا على أن الطهارة من الخبث ليست كالطهارة الحدثية من مقومات الصلاة حتى تبطل بفواتها ، أنه لا إشكال في صحة الصلاة الواقعة في النجس في بعض الموارد ولو مع العلم به كموارد الاضطرار وعدم التمكن من استعمال الماء ، وكذلك الأخبار الواردة في صحة الصلاة في النجس في الشبهات الموضوعية كما نوافيك عن قريب حيث إنها لو كانت مقومة للصلاة كالخمسة المذكورة في الحديث لم يكن للحكم بصحة الصلاة مع الإخلال بها وجه صحيح. وكيف كان ، فما ذكرناه من القرينة مؤيداً بما فهمه المشهور من الحديث كاف في إثبات المدعى ، وعليه فالحديث يعم الجاهل القاصر والناسي كليهما وتخصيصه بالناسي تخصيص بلا وجه.

(1) ما سردناه في الحاشية المتقدمة إنما هو في الجهل بالنجاسة من حيث الحكم والاشتراط ، وأما إذا صلّى في النجس جاهلاً بموضوعه مع احتماله النجاسة أو الغفلة عنها ثم علم بالنجاسة بعد الصلاة ، فقد نسب إلى بعضهم القول بوجوب الإعادة حينئذ في الوقت وخارجه ولم يسم قائله. وعن المشهور عدم وجوب الإعادة مطلقاً


1) المائدة 5 : 6.

وعن المبسوط والنهاية في باب المياه (1)والنافع (2)والقواعد (3)وغيرها التفصيل بين الوقت وخارجه فيعيد في الوقت دون خارجه وهناك تفصيل آخر احتمله الشهيد في ذكراه بل مال إليه في الدروس (4)وقوّاه في الحدائق وادعى أنه ظاهر الشيخين والصدوق (5)وهو التفصيل بين من شك في طهارة ثوبه أو بدنه ولم يتفحص عنها قبل الصلاة وبين غيره فيعيد في الأول دون غيره.

والصحيح ما هو المشهور بينهم من صحة صلاته وعدم وجوب الإعادة لا في الوقت ولا في خارجه ، وذلك لا لما ذكره بعضهم من أن الشرطية والجزئية إنما تنشآن من الأوامر الواردة بغسل الثوب أو البدن أو النواهي الواردة عن الصلاة في النجس ومن الظاهر أن الأوامر والنواهي إنما تتحققان في فرض العلم ولا يثبتان في حق الجاهل. والوجه في عدم اعتمادنا عليه أن منشأ الشرطية والجزئية وإن كان هو الأوامر الغيريّة المتعلِّقة بغسل الثوب والبدن أو النواهي الغيرية المتعلقة بالصلاة في النجس إلاّ أنها أوامر أو نواهي إرشادية والإرشاد كالحكاية والاخبار ، فكما أنهما تعمّان العالمين والجاهلين كذلك الإرشاد الذي وزانه وزانهما لإطلاقه ، ولا وجه لمقايسة الأوامر الغيرية الإرشادية بالأوامر النفسية التي لا تثبت في حق غير العالمين هذا. على أن هذا الكلام لو تم فإنما يتم في موارد الخطأ والنسيان والجهل المركب ونحوها لا بالإضافة إلى الجاهل البسيط ، إذ لا مانع من شمول الأوامر والنواهي للجاهل غاية الأمر أنها لا تكون منجّزة في حقه ، وكم فرق بين الثبوت والتنجز. هذا مضافاً إلى دلالة الأخبار وقيام الإجماع والضرورة على أن الأحكام الشرعية مشتركة بين العالمين والجاهلين.

بل الوجه فيما ذكرناه دلالة حديث لا تعاد على عدم وجوب الإعادة ، لما عرفت


1) المبسوط 1 : 38 ، النهاية : 8.

2) المختصر النافع : 19.

3) قواعد الأحكام 1 : 194.

4) الذكرى : 17 السطر 17 ، الدروس 1 : 127.

5) الحدائق 5 : 415 ، 417.

من أن الطهور في الحديث بمعنى ما يتطهّر به من الحدث فالطهارة من الخبث مما لا تعاد منه الصلاة. ويدلُّ عليه أيضاً جملة من الصحاح : منها : صحيحة العيص بن القاسم قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل صلّى في ثوب رجل أياماً ثم إن صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلِّي فيه ، قال : لا يعيد شيئاً من صلاته » (1)ومنها : مصححة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب ، أيعيد صلاته؟ قال : إن كان لم يعلم فلا يعيد » (2). ومنها : صحيحتا زرارة ومحمد بن مسلم الآتيتان. ومنها غير ذلك من الأخبار حيث تدل على نفي وجوب الإعادة فضلاً عن القضاء ، بل لعل الصحيحة صريحة في نفي وجوبه ومن هنا لم يستشكلوا في الحكم بعدم وجوب القضاء.

وأما من فصّل بين الوقت وخارجه فقد اعتمد على روايتين : إحداهما : صحيحة وهب بن عبد ربه عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم بها صاحبه فيصلي فيه ثم يعلم بعد ذلك ، قال : يعيد إذا لم يكن علم » (3)وثانيتهما : موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن رجل صلّى وفي ثوبه بول أو جنابة ، فقال : علم به أو لم يعلم فعليه إعادة الصلاة إذا علم » (4)بدعوى أن هاتين الروايتين وإن دلتا على وجوب الإعادة مطلقاً فالنسبة بينهما وبين الصحاح النافية للإعادة مطلقاً نسبة التباين ، إلاّ أن القاعدة تقتضي تخصيصهما أوّلاً بما هو صريح في عدم وجوب الإعادة خارج الوقت ، لأن النسبة بينهما وبينه بالإضافة إلى الإعادة في خارج الوقت نسبة النص أو الأظهر إلى الظاهر ، وبعد ذلك تنقلب النسبة بينهما وبين الطائفة النافية إلى العموم المطلق ، حيث إنهما تقتضيان وجوب الإعادة في الوقت والطائفة النافية تنفي وجوبها في الوقت وخارجه ، فلا مناص من الجمع بينهما بحمل الطائفة النافية على إرادة الإعادة خارج الوقت وحمل الروايتين الآمرتين بالإعادة على الإعادة في الوقت هذا.

ويرد على هذا الجمع أوّلاً : أن صحيحة وهب وإن كانت تامة سنداً إلاّ أنها


1) الوسائل 3 : 475 / أبواب النجاسات ب 40 ح 9.

2) الوسائل 3 : 475 / أبواب النجاسات ب 40 ح 9.

3) الوسائل 3 : 475 / أبواب النجاسات ب 40 ح 9.

4) الوسائل 3 : 475 / أبواب النجاسات ب 40 ح 9.

مشوّشة المتن جدّاً ، وذلك لأنها علّقت وجوب الإعادة على ما إذا لم يكن علم ، ومقتضى مفهومها عدم وجوب الإعادة فيما إذا علم ، ولا يمكن إسناد الحكم بوجوب الإعادة على الجاهل وعدم وجوبها على العالم بالنجاسة إلى الإمام علیه السلام حيث إن العالم أولى بوجوب الإعادة من الجاهل بالارتكاز. نعم ، لو كانت العبارة : « حتى إذا علم » أو « ولو إذا علم » لكانت الصحيحة ظاهرة في المدعى إلاّ أن الأمر ليس كذلك ، وهذا مما يوجب الظن القوي بل الاطمئنان على وجود سقط في الرواية ، ولعل الساقط كلمة « لا » قبل كلمة يعيد (1)فيكون مدلولها عدم وجوب الإعادة إذا لم يكن علم ، أو يحمل قوله : « يعيد » على كونه استفهاماً إنكارياً وكأنه قال : هل يعيد إذا لم يكن علم؟ ومعناه أيضاً يرجع إلى نفي وجوب الإعادة على الجاهل ، وبهذا الاحتمال وذاك تصبح الصحيحة مجملة ولا يمكننا الاعتماد عليها أبداً.

وكذلك الحال في الموثقة لاضطراب متنها ، فانّ قوله : « فعليه إعادة الصلاة إذا علم » يحتمل أمرين ومعنيين أحدهما : أن يكون معناه أن الإعادة يشترط فيها العلم بوقوع الصلاة في النجس وحيث إنه علم بذلك بعد الصلاة فلا محالة وجبت عليه إعادتها ، وعلى ذلك فهذه الجملة مسوقة لبيان حكم عقلي أعني اشتراط العلم في تنجز التكليف ، والشرطية مسوقة لبيان التسوية والتعميم في الإعادة بين الصورتين المذكورتين في قوله : « علم به أو لم يعلم » فتجب فيهما الإعادة لعلمه بوجود الخلل في صلاته. وثانيهما : أن يكون معناه أن الإعادة تختص بما إذا علم بالنجاسة دون ما إذا لم يعلم بها ، وعليه فهو شارح للتفصيل المتقدم عليه في قوله : « علم به أو لم يعلم » وقرينة على أن قوله ذلك تشقيق لا تفصيل ، وحاصله : أن الإمام علیه السلام لما شقق الموضوع وبيّن أنه قد يكون عالماً بنجاسة ثوبه وقد لا يكون ، فرّع عليه الحكم بالإعادة إذا علم مشعراً بعدم وجوبها إذا لم يعلم وأن الحكم بالإعادة لا يعم كلا الشقين ، وحيث لا قرينة على تعيين أحد المحتملين فلا محالة تصبح الموثقة كالصحيحة


1) لا يخفى ان الرواية مشتملة على كلمة ( لا ) وفقاً لبعض نسخ التهذيبين كما في الطبعة الأخيرة من التهذيب 2 : 360 / 1491 ، والاستبصار 1 : 181 / 635 وما استظهرناه ونقلنا عنه في المتن موافق مع النسخة التي روى عنها الوافي 6 : 164 / 4009 والوسائل.

مجملة.

وثانياً : أنّ حمل الأخبار النافية للإعادة على نفيها خارج الوقت مما لا يتحمّله جميعها ، فدونك صحيحة زرارة حيث ورد فيها : « فان ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر فيه شيئاً ثم صليت فرأيت فيه؟ قال : تغسله ولا تعيد الصلاة قلت : لم ذلك؟ قال : لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شكّكت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً » (1)لأنها كما ترى علّلت عدم وجوب الإعادة بالاستصحاب ، فلو كان عدم وجوبها مستنداً إلى خروج وقت الصلاة لكان المتعين أن يعلل بذلك لا بالاستصحاب المشترك بين الوقت وخارجه ، وذلك فان استصحاب طهارته إنما يناسب أن تكون علّة لجواز دخوله في الصلاة وهو شاك في طهارة ثوبه ولا يناسب أن يكون علّة لعدم وجوب الإعادة في مفروض المسألة ، لما بيّناه في محلِّه من أن الأحكام الظاهرية لا تقتضي الإجزاء وبذلك نستفيد من الصحيحة أنّ الطهارة التي هي شرط الصلاة أعم من الظاهرية والواقعية ، فمع إحرازها يحكم بصحة الصلاة ولا تجب إعادتها في الوقت ولا في خارجه لكونها واجدة لشرطها ومعه كيف يصح حملها على إرادة الإعادة في الوقت دون خارجه. فالروايتان الآمرتان بالإعادة في الوقت على تقدير تماميتهما تعارضان الصحيحة كما تعارضان صحيحة محمد بن مسلم ورواية أبي بصير الآتيتين. فالصحيح حمل الروايتين على استحباب الإعادة في الوقت والحكم بعدم وجوبها لا فيه ولا في خارجه. ولعله لأجلهما احتاط الماتن بالإعادة في الوقت.

وأما التفصيل بين من شك في طهارة ثوبه أو بدنه ولم يتفحص عنها قبل الصلاة وبين غيره بالحكم بالإعادة في الأول دون غيره ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون دخوله في الصلاة مستنداً إلى أصالة عدم نجاسة ثوبه أو بدنه وبين أن يكون مستنداً إلى غفلته ، فقد استدل له بجملة من الأخبار : منها : صحيحة زرارة المتقدمة حيث ورد فيها : « فان ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر فيه شيئاً ثم صليت


1) الوسائل 3 : 477 / أبواب النجاسات ب 41 ح 1.

فرأيت فيه ، قال : تغسله ولا تعيد الصلاة » الحديث (1)حيث رتب الحكم بعدم الإعادة على ما إذا نظر المكلف وفحص عن نجاسة ثوبه ولم ير شيئاً قبل الصلاة.

وفيه : أن فرض النظر والفحص عن النجاسة قبلها إنما ورد في سؤال الراوي لا في جواب الإمام علیه السلام ولم يعلّق الحكم في كلامه على الفحص قبل الصلاة. على أن الصحيحة فيها جملتان صريحتان في عدم اعتبار الفحص والنظر في عدم وجوب الإعادة : إحداهما : قوله : « لا ولكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك » بعد ما سأله زرارة بقوله : فهل عليَّ إن شككت في أنه أصابه شي‌ء أن أنظر فيه؟ حيث إنها تنفي وجوب الفحص والنظر وتدل على أن فائدتهما منحصرة بزوال الوسوسة والتردد الذي هو أمر تكويني ، فلو كانت لهما فائدة شرعية كعدم وجوب الإعادة بعد الالتفات لم تكن الثمرة منحصرة بذهاب الوسوسة ولكان الأولى بل المتعين التعليل بتلك الفائدة الشرعية. وثانيتهما : قوله : « لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً » حيث علل عدم وجوب الإعادة بأنه كان مورداً للاستصحاب الذي مرجعه إلى أن شرط الصلاة أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية وهو متحقق في مورد السؤال بلا فرق في ذلك بين الفحص والنظر قبل الصلاة وعدمهما.

ومنها : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « ذكر المني فشدّده فجعله أشد من البول ، ثم قال : إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة ، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك فكذا البول » (2)حيث رتبت الحكم بعدم الإعادة على نظره في الثوب قبل الصلاة وهي تقتضي بمفهومها وجوب الإعادة إذا رأى المني أو البول في ثوبه بعد الصلاة ولم يكن نظر فيه قبلها.

وفيه : أن سوق العبارة وظاهرها أن المناط في الإعادة وعدمها إنما هو رؤية


1) الوسائل 3 : 477 / أبواب النجاسات ب 41 ح 1.

2) الوسائل 3 : 478 / أبواب النجاسات ب 41 ح 2 ، 3.

النجاسة أي العلم بها وعدمها قبل الصلاة أو بعد ما دخل فيها ، فاذا لم يعلم بها قبل الصلاة ولا في أثنائها صحت صلاته ولا تجب إعادتها ، وإن رأى النجاسة وعلم بها قبل الصلاة أو في أثنائها وجبت إعادتها ، فلا مدخلية للنظر في ذلك بوجه وإنما عبّر عن العلم بالنجاسة ورؤيتها بالنظر في قوله : « وإن أنت نظرت » من جهة أنهما إنما يحصلان بالنظر على الأغلب.

ومنها : رواية ميمون الصيقل عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال « قلت له : رجل أصابته جنابة بالليل فاغتسل فلما أصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة ، فقال : الحمد لله الذي لم يدع شيئاً إلاّ وله حد ، إن كان حين قام نظر فلم ير شيئاً فلا إعادة عليه ، وإن كان حين قام لم ينظر فعليه الإعادة » (1)وبمضمونها مرسلة الفقيه حيث قال : « وقد روى في المني أنه إن كان الرجل حيث قام نظر وطلب فلم يجد شيئاً فلا شي‌ء عليه فان كان لم ينظر ولم يطلب فعليه أن يغسله ويعيد صلاته » (2)ومن المحتمل القوي أن تكون المرسلة إشارة إلى رواية الصيقل فهما رواية واحدة ، ودلالتها على المدعى غير قابلة للمناقشة إلاّ انها ضعيفة السند لجهالة ميمون الصيقل. وفي هامش الوسائل عن الكافي المطبوع منصور الصيقل (3)بدلاً عن ميمون الصيقل. وصرح في تنقيح المقال بأن إبدال ميمون الصيقل بالمنصور اشتباه (4). ولعله من جهة أن الراوي عن ابن جبلة عن سيف تارة وعن سعد اخرى إنما هو ميمون لا منصور. ولكن الخطب سهل لجهالة منصور الصيقل كميمون فلا يجدي تحقيق أن الراوي هذا أو ذاك.

على أنّ الرواية لو أغمضنا عن سندها أيضاً لا تنهض حجّة في مقابل الأخبار الدالّة على عدم الفرق بين الفحص والنظر قبل الصلاة وعدمه. منها : صحيحة زرارة المتقدِّمة على التقريب الذي أسلفناه آنفاً. ومنها : صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام قال : « سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دماً وهو يصلي ، قال :


1) الوسائل 3 : 478 / أبواب النجاسات ب 41 ح 2 ، 3.

2) الوسائل 3 : 478 / أبواب النجاسات ب 41 ح 4 ، الفقيه 1 : 42 ح 167.

3) الوسائل 3 : 478 هامش 1 من الحديث 3.

4) تنقيح المقال 3 : 265.

البول مثلاً فان لم يلتفت أصلاً أو التفت بعد الفراغ من الصلاة صحّت صلاته ولا يجب عليه القضاء ، بل ولا الإعادة في الوقت ، وإن كان أحوط. وإن التفت في أثناء الصلاة فإن علم سبقها وأن بعض صلاته وقع مع النّجاسة ، بطلت مع سعة الوقت


لا يؤذنه حتى ينصرف » (1)لصراحتها في أنه لا أثر للعلم الحاصل من إعلام المخبر بنجاسة الثوب بعد الصلاة ، وإنما الأثر وهو وجوب الإعادة يترتب على العلم بالنجاسة حال الصلاة أو قبلها ، بلا فرق في ذلك بين الفحص قبل الصلاة وعدمه ولا بين كون العلم بالنجاسة في الوقت وبين كونه خارج الوقت ، لأن المناط الوحيد في وجوب الإعادة هو العلم بنجاسة الثوب أو البدن قبل الصلاة.

ومنها : موثقة (2)أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في رجل صلّى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم به؟ قال : عليه أن يبتدئ الصلاة ، قال : وسألته عن رجل يصلي وفي ثوبه جنابة أو دم حتى فرغ من صلاته ثم علم؟ قال : مضت صلاته ولا شي‌ء عليه » فان التقابل بين العلم بالنجاسة في أثناء الصلاة والحكم بوجوب الإعادة حينئذ ، وبين العلم بالنجاسة بعد الفراغ والحكم بعدم وجوب الإعادة ، صريح في أن المدار في وجوب الإعادة وعدمه إنما هو العلم بنجاسة الثوب أو البدن قبل الصلاة أو في أثنائها والعلم بها بعد الفراغ ، بلا فرق في ذلك بين الفحص قبل الصلاة وعدمه ولا بين داخل الوقت وخارجه.

فالمتلخص أن المكلف إذا جهل نجاسة ثوبه أو بدنه وصلّى والتفت إليها بعد الفراغ لا تجب عليه الإعادة في الوقت ولا في خارجه ، نظر وفحص قبلها أم لم يفحص. نعم ، إذا علم بنجاسته في الوقت فالأحوط إعادة الصلاة ولا سيما إذا لم يفحص عن النجاسة قبل الصلاة.


1) الوسائل 3 : 474 / أبواب النجاسات ب 40 ح 1.

2) كذا عبّر عنها في بعض الكلمات وفي سندها محمد بن عيسى عن يونس فراجع الوسائل 3 : 474 / أبواب النجاسات ب 40 ح 2.

للإعادة ، وإن كان الأحوط الإتمام ثم الإعادة ، ومع ضيق الوقت (1)إن أمكن التطهير أو التبديل وهو في الصلاة من غير لزوم المنافي فليفعل ذلك ويتم وكانت صحيحة ، وإن لم يمكن أتمها وكانت صحيحة ، وإن علم حدوثها في الأثناء مع عدم إتيان شي‌ء من أجزائها مع النّجاسة ، أو علم بها وشكّ في أنها كانت سابقاً أو حدثت فعلاً ، فمع سعة الوقت وإمكان التطهير أو التبديل يتمها بعدهما ، ومع عدم الإمكان يستأنف ومع ضيق الوقت يتمها مع النجاسة ولا شي‌ء عليه (1).


(1) لهذه المسألة صور :

الاولى : ما إذا التفت إلى نجاسة ثوبه أو بدنه في أثناء الصلاة وعلم أو احتمل طروها في الآن الذي التفت إلى نجاسة ثوبه مثلاً ، في ذلك الآن لا قبل الصلاة ولا فيما تقدمه من أجزائها.

الثانية : الصورة مع العلم بطرو النجاسة في الأجزاء السابقة على الآن الملتفت فيه إليها.

الثالثة : الصورة مع العلم بطروها قبل شروعه في الصلاة. والمشهور بين أصحابنا في جميع ذلك كما حكي أنه إن تمكّن من إزالة النجاسة وتطهير بدنه أو ثوبه ولو بإلقائه وتبديله من غير إخلال بشرائط الصلاة وجبت إزالتها فيتم صلاته ولا شي‌ء عليه ، وأما إذا لم يتمكّن من إزالة النجاسة ولو بإلقاء الثوب أو تبديله لعدم ثوب طاهر عنده أو لأن تحصيله يستلزم إبطال الصلاة ، فلا محالة يبطلها ويزيل النجاسة ثم يستأنف الصلاة.

أمّا الصورة الاولى : فلا إشكال فيها في صحة الصلاة مع التمكن من إزالة النجاسة في أثنائها ، وذلك للنصوص المتضافرة التي فيها الصحاح وغيرها الواردة في من رعف في أثناء الصلاة ، حيث دلت على عدم بطلانها بذلك فيما إذا تمكن من إزالته من


1) (*) بأن لا يتمكّن من إدراك الصلاة في ثوب طاهر ولو بركعة.

دون استلزامه التكلم كما في بعضها (1)أو استدبار القبلة كما في بعضها الآخر (2). والظاهر أنهما من باب المثال والجامع أن لا تكون إزالة النجاسة مستلزمة لشي‌ء من منافيات الصلاة. وكيف كان ، فقد دلّتنا هذه الأخبار على أن حدوث النجاسة في أثناء الصلاة لا يبطلها فيما إذا أمكنت إزالتها ، وذلك لأن الأجزاء السابقة على الآن الذي طرأت فيه النجاسة وقعت مع الطهارة بالعلم أو باستصحاب عدم طروها إلى آن الالتفات ، والأجزاء الآتية أيضاً واجدة للطهارة لأن المفروض أنه يزيل النجاسة الطارئة في أثنائها ، وأما الآن الحادث فيه النجاسة فهو وإن كان قد وقع من غير طهارة إلاّ أن الأخبار الواردة في الرعاف صريحة في أن النجاسة في الآنات المتخللة بين أجزاء الصلاة غير مانعة عن صحتها ، ومن جملة تلك الأخبار صحيحة زرارة المتقدمة حيث ورد فيها : « وإن لم تشك ثم رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لأنك لا تدري لعله شي‌ء أوقع عليك ، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك أبداً » (3)إذ المراد برؤية الدم رطباً هو عدم العلم بطروّه قبل الصلاة وإلاّ فالعادة تقضي بيبوسته. وقوله علیه السلام : « لعله شي‌ء أوقع عليك » كالصريح في أن طرو النجاسة في أثناء الصلاة غير موجبة لبطلانها ، بلا فرق في ذلك بين العلم بحدوثها في أثناء الصلاة وبين الشك في ذلك ، لأن مقتضى الصحيحة أن الطهارة المعتبرة في الصلاة أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية ، فاذا احتمل طروّها قبل الصلاة فله أن يستصحب عدم حدوثها إلى آن الالتفات ، وبه تحرز الطهارة الظاهرية التي هي شرط الصلاة ، فما ذهب إليه المشهور في هذه الصورة هو الصحيح.

وأمّا الصورة الثالثة : وهي ما إذا علم بالنجاسة في أثناء الصلاة مع العلم بطروها قبل الصلاة فقد عرفت أن المشهور صحّة صلاته إذا تمكّن من إزالة النجاسة في


1) راجع صحيحة محمد بن مسلم وغيرها من الأخبار في الوسائل 7 : 238 / أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 4 ، 6 ، 9.

2) راجع صحيحة عمر بن أذينة وما رواه الحميري عن علي بن جعفر في الوسائل 7 : 238 / أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 3 ، 18.

3) الوسائل 3 : 482 / أبواب النجاسات ب 44 ح 1.

أثنائها ، وقد يستدل على ذلك بفحوى الأخبار الواردة في صحة الصلاة الواقعة مع النجاسة المجهولة ، لأن الصلاة الواقعة في النجس بتمامها إذا كانت صحيحة فالصلاة الواقعة في النجس ببعضها صحيحة بالأولوية القطعية. وأما الأجزاء المتأخرة عن آن الالتفات فهي واجدة لشرطها ، لأن المفروض أن المكلف يزيل النجاسة في أثناء الصلاة ، وأما الآنات المتخللة فقد مرّ أن النجاسة فيها غير مانعة عن صحة الصلاة.

وبذلك يظهر الحال في الصورة الثانية لأن الأولوية القطعية أيضاً تقتضي فيها الحكم بصحة الصلاة كما عرفت تقريبها.

وهذا الذي أُفيد وإن كان صحيحاً في نفسه إلاّ أن الأخبار الواردة في المسألة مطبقة على بطلان الصلاة في مفروض الكلام :

منها : صحيحة زرارة المتقدمة حيث قال : « لأنك لا تدري لعله شي‌ء أوقع عليك » فإنه يدل على أن الصلاة إنما يحكم بصحتها مع رؤية النجس فيما إذا احتمل طرو النجاسة في أثنائها ، وأما مع العلم بطروها قبل الصلاة فلا.

ومنها : صحيحة محمد بن مسلم المتقدِّمة الواردة في الرجل يرى في ثوب أخيه دماً وهو يصلي؟ قال : لا يؤذنه حتى ينصرف (1)لدلالتها على أن العلم بالنجاسة الحاصل باعلام الغير في أثناء الصلاة يوجب البطلان.

ومنها : صحيحته الأُخرى عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « ذكر المني فشدّده فجعله أشد من البول ، ثم قال : إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة ، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك ، فكذلك البول » (2)فقد دلّت على بطلان الصلاة في النجاسة الواقعة قبلها ، لأن ذكر المني قرينة على حدوثه قبل الصلاة لبعد ملاقاته الثوب في أثنائها.

ومنها : ما عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في رجل صلّى في ثوب


1) الوسائل 3 : 474 / أبواب النجاسات ب 40 ح 1 وقد تقدّمت في ص 329.

2) الوسائل 3 : 478 / أبواب النجاسات ب 41 ح 2 وقد تقدّمت في ص 328.

فيه جنابة ركعتين ثم علم به؟ قال : عليه أن يبتدئ الصلاة .. » (1)وهذه الأخبار تقتضي الحكم ببطلان الصلاة في الصورة الثالثة ولا تبقي مجالاً للأولوية القطعية بوجه.

ثم إنّ الأخبار الواردة في الرعاف لا دلالة لها على صحة الصلاة في الصورة الثالثة وإنما يستفاد منها عدم بطلانها بحدوث النجاسة في أثنائها ، فالاستشهاد بها على صحّة الصلاة في الصورة الثالثة في غير محلّه. وما ذكرناه في المقام من الحكم ببطلان الصلاة لا ينافي كون الطهارة الظاهرية مجزئة في إحراز شرط الصلاة ، لأنه من الجائز أن تكون الطهارة الظاهرية مجزئة في خصوص ما إذا كانت الصلاة واقعة في النجس بأجمعها دون ما إذا وقع شي‌ء منها في النجس بأن انكشف في أثناء الصلاة ، فإنّ ذلك أمر ممكن لا استحالة فيه. هذا كله في الاستدلال على ما ذهب إليه المشهور بالأولوية.

وقد يستدل لهم بجملة من الأخبار : منها : موثقة داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في الرجل يصلِّي فأبصر في ثوبه دماً؟ قال : يتم » (2)ولا يحتاج تقريب الاستدلال بها إلى مزيد بيان.

والصحيح عدم دلالتها على صحة الصلاة في مفروض الكلام وذلك فان للرواية إطلاقاً من نواح ثلاث :

الاولى : من جهة أمره علیه السلام بإتمام الصلاة حيث إنه مطلق يشمل صورة التمكّن من إزالة الدم بغسله أو إلقاء ثوبه أو تبديله وصورة العجز عن ذلك ، كما أنه على الصورة الأُولى يشمل ما إذا أزاله وما إذا لم يزله.

الثانية : إطلاقها من جهة كون الدم بمقدار يعفى عنه في الصلاة وما إذا لم يكن وكونه مما يعفى عنه في نفسه وما إذا لم يكن كما إذا كان من الدماء الثلاثة أو من دم غير المأكول.

الثالثة : إطلاقها من جهة وقوع الدم المرئي في ثوب المصلي قبل الصلاة وما إذا وقع


1) الوسائل 3 : 474 / أبواب النجاسات ب 40 ح 2 وقد تقدّمت في ص 330.

2) الوسائل 3 : 430 / أبواب النجاسات ب 20 ح 3 ، ب 44 ح 2.

فيه في أثنائها.

أما إطلاقها من الناحية الأُولى فهو مقطوع الخلاف ولا مناص من تقييده ، للإجماع القطعي وغيره من الأدلة القائمة على بطلان الصلاة في النجس عن علم وعمد فكيف يمكن الحكم بصحّة صلاته مع العلم بنجاسة ثوبه وعدم إزالته مع التمكن منها.

وأمّا إطلاقها من الناحية الثانية فهو أيضاً كسابقه قابل التقييد ، حيث يمكن أن نحمله على خصوص ما يعفى عنه في الصلاة كما حكي عن الشيخ (1)ومع تقييد الرواية بذلك لا نضايق عن إبقائها على إطلاقها من الناحية الأُولى ، إذ لا مانع من الحكم بصحّة الصلاة وإتمامها مع الدم المعفو عنه في الثوب أو البدن ، إلاّ أن الرواية على ذلك غير قابلة للاستدلال بها على مذهب المشهور كما لعله واضح.

وأمّا إطلاقها من الناحية الثالثة فهو كإطلاقها من الناحيتين السابقتين يقبل التقييد بما إذا حدث الدم المشاهد في أثناء الصلاة ، وذلك بقرينة ما تقدم من الأخبار الواردة في بطلان الصلاة الواقعة في النجس السابق عليها. وعلى الجملة أن الرواية غير واردة في خصوص النجاسة السابقة على الصلاة وإنما تشمله بإطلاقها ، ومعه يقيد بالأخبار المتقدمة المصرّحة ببطلان الصلاة الواقعة في النجس السابق عليها فلا معارضة بينهما.

ومنها : ما عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إن رأيت في ثوبك دماً وأنت تصلي ولم تكن رأيته قبل ذلك فأتم صلاتك ، فاذا انصرفت فاغسله قال : وإن كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله ثم رأيته بعد وأنت في صلاتك فانصرف فاغسله وأعد صلاتك » (2)لا إشكال في سندها لأن ابن إدريس نقلها من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن عبد اللّه بن سنان (3). وإنما الكلام في دلالتها ولا إطلاق لها من ناحية الدم حتى يشمل ما يعفى وما لا يعفى عنه في الصلاة ، بل تختص بالأخير بقرينة أمره علیه السلام بالانصراف وإعادة الصلاة على تقدير رؤيته قبل


1) التهذيب 1 : 423 ذيل الحديث 1344.

2) الوسائل 3 : 483 / أبواب النجاسات ب 44 ح 3.

3) السرائر 3 : 592.

الصلاة. ولا وجه لهما على تقدير كون الدم معفواً عنه في الصلاة ، بل يحرم الانصراف عنها حينئذ على ما هو المشهور من حرمة إبطال الصلاة ، إلاّ أنها مطلقة من ناحية شمولها الدم الحادث في أثناء الصلاة وما حدث منه قبلها ، فهذه الرواية كسابقتها إنما تشمل المقام بالإطلاق فنقيدها بما إذا حدث في أثناء الصلاة بالأخبار المتقدِّمة المصرّحة ببطلانها في النجس السابق على الصلاة. كما أنها مطلقة من ناحية شمولها صورة عدم إزالة النجاسة مع التمكن منها ، فلا بد من تقييدها بما إذا أزالها أو بغير ذلك بقرينة الإجماع وسائر الأدلة القائمة على بطلان الصلاة في النجس عن علم وعمد.

ومنها : حسنة محمد بن مسلم قال « قلت له : الدم يكون في الثوب عليَّ وأنا في الصلاة؟ قال : إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصلّ في غيره ، وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم ، وما كان أقل من ذلك فليس بشي‌ء رأيته قبل أو لم تره ، وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه » (1)ومورد الاستشهاد منها قوله علیه السلام « إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره » لدلالته على عدم بطلان الصلاة بالعلم بالنجاسة في أثنائها ولو كانت النجاسة سابقة على الصلاة.

ولا يخفى أنّ محتملات الرواية ثلاثة : الأوّل : أن يكون الموضوع في الرواية وموردها الدم الذي يعفى عنه في الصلاة ، بأن يكون القيد وهو قوله : « ما لم يزد على مقدار الدراهم » راجعاً إلى كلتا الجملتين الشرطيتين أعني قوله : « إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره » وقوله : « إن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك » فيقيد كل منهما بما إذا كان الدم أقل من الدرهم كما هو أحد المحتملات في الاستثناء المتعقب لجملتين أو أكثر ، إذ المراد به مطلق القيود لا خصوص الاستثناء كما لعله ظاهر. فمورد الرواية خصوص الدم المعفو عنه في الصلاة ، ومعه لا بدّ من حمل الأمر بطرح الثوب في الجملة الأُولى على مجرّد الاستحباب بقرينة


1) الوسائل 3 : 431 / أبواب النجاسات ب 20 ح 6.

ما ورد في عدم بطلان الصلاة في الدم الأقل من الدرهم وبه صرح في ذيل الرواية بقوله : « وما كان أقل من ذلك فليس بشي‌ء » لأنه كغيره من الأدلة الواردة في عدم بطلان الصلاة في الدم الأقل من الدرهم ، وعلى هذا الاحتمال الرواية أجنبية عن الدلالة على مسلك المشهور ، لأن البحث إنما هو في العلم بالنجاسة المانعة عن الصلاة دون ما لا يضر بصحتها.

الثاني : أن يكون موضوعها الدم الجامع بين ما يعفى وما لا يعفى عنه في الصلاة ، كما إذا أرجعنا القيد إلى خصوص الشرطية الأخيرة وهي قوله : « وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك » كما هو الحال في سائر القيود على ما قدمناه في البحث عن الاستثناء المتعقب للجمل المتعددة (1). وعلى هذا الاحتمال الجملة الأُولى تدل بإطلاقها على لزوم إزالة النجاسة في أثناء الصلاة والمضي فيها ، لكنّا علمنا بعدم وجوب إزالة الدم المعفو عنه فتختص الرواية بغيره فتدل على مسلك المشهور وأن الدم الكثير إذا علم به في أثناء الصلاة تجب إزالته حال الصلاة وإتمامها بلا فرق في ذلك بين وقوعه قبل الصلاة وبين وقوعه في أثنائها.

والجواب عن ذلك : أنّ الرواية مطلقة فوجب تقييدها بالأخبار المتقدِّمة الدالّة على بطلان الصلاة في النجاسة السابقة عليها فبذلك يحمل الدم على الدم الحادث في أثنائها. وبما ذكرناه يظهر الجواب عن الاستدلال بالرواية بناء على أن يكون المراد من كلمة الدم خصوص الدم الكثير وهو الاحتمال الثالث ، بل هو المتعين على رواية الشيخ قدس سره حيث نقلها عن الكليني قدس سره بإضافة لفظة « واو » قبل قوله : « ما لم يزد على مقدار الدرهم » وإسقاط قوله : « وما كان أقل » فجاءت الرواية هكذا : « ولا إعادة عليك. وما لم يزد على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشي‌ء .. » (2).

هذا ولكن الظاهر عدم ثبوت رواية الشيخ قدس سره ، وذلك لأن الجملة الثانية « وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك » بناء على رواية


1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 304.

2) التهذيب 1 : 254 ح 736.

الشيخ مطلقة ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في المضي على الصلاة بين صورة التمكّن من إزالة النجاسة ولو بإلقاء ثوبه وبين صورة العجز عن إزالتها ، وهو على خلاف الإجماع وغيره من الأدلة القائمة على بطلان الصلاة في النجس متعمداً. وليس الأمر كذلك على رواية الكليني قدس سره حيث إن الجملة الثانية مقيدة بما إذا كان الدم أقل من الدرهم على كل حال سواء أرجعناه إلى الجملة السابقة أيضاً أم خصصناه بالأخيرة ، وهذا يدلنا على وقوع الاشتباه فيما نقله الشيخ قدس سره ، فالصحيح ما نقله في الوسائل عن الكليني (1). على أنّ رواية الشيخ في الاستبصار (2)موافقة لنسخة الكافي من هذه الجهة ، والكليني قدس سره أضبط.

فالمتحصِّل : أنّ مقتضى الأخبار المتقدِّمة أنّ الصلاة في الصورة الثالثة باطلة ويجب استئنافها مع الطهارة بتبديل الثوب أو بغسله. هذا كله في سعة الوقت وتمكن المكلف من إيقاع الصلاة وإعادتها مع الطهارة في الوقت ، بلا فرق في ذلك بين تمكنه من إتيانها بتمامها في الوقت وبين عدم تمكنه إلاّ من إيقاع ركعة واحدة مع الطهارة قبل انقضائه وإتيان الباقي خارج الوقت ، وذلك لما ورد من أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (3)وهذه الأخبار وإن كان أكثرها ضعيفة إلاّ أن اعتبار بعضها (4)كاف في إثبات المرام ، فبعموم التنزيل الذي نطقت به جملة من الأخبار نحكم بوقوع الصلاة في الوقت أداءً وإن لم يقع منها في الوقت سوى ركعة واحدة.

وأمّا إذا لم يسع الوقت لإعادتها بتمامها ولا بركعة منها مع الطهارة في الوقت ، فان بنينا على مقالة المشهور من وجوب الإتيان بالصلاة عارياً فيما إذا لم يتمكّن من الثوب الطاهر تجب إعادتها في الوقت عارياً بتمامها أو بركعة منها لتمكّنه منها عارياً وإنما


1) الوسائل 3 : 431 / أبواب النجاسات ب 20 ح 6.

2) الاستبصار 1 : 175 ح 609.

3) الوسائل 4 : 218 / أبواب المواقيت ب 30 ح 4.

4) كموثقة عمّار عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث قال : « فان صلّى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم وقد جازت صلاته » المروية في الوسائل 4 : 217 / أبواب المواقيت ب 30 ح 1.

الوقت لا يسع لإعادتها مع الثوب الطاهر ، وأما إذا بنينا على ما بنى عليه جماعة وقوّيناه في محلِّه (1)من وجوب الصلاة في الثوب النجس عند عدم التمكّن من الثوب الطاهر فلا موجب لاستئناف الصلاة بل يتمها في ثوبه المتنجس ، والسر في ذلك أن الأخبار المتقدِّمة كصحيحتي زرارة ومحمد بن مسلم وغيرهما مما دلّ على بطلان الصلاة الواقعة في النجس السابق عليها واستئنافها تنصرف إلى صورة التمكّن من إعادتها في وقتها مع طهارة الثوب أو البدن ، وأما مع العجز عن ذلك لضيق الوقت فلا معنى للحكم ببطلانها واستئنافها ، لأنه لو استأنفها أيضاً يصلِّي في الثوب النجس فالمستأنفة كالمبتدأة ، والأخبار المتقدمة غير شاملة لصورة العجز عن إيقاع الصلاة في وقتها مع الطهارة ، ومعه يرجع إلى ما تقتضيه القاعدة وقد بيّنا في أوائل المسألة أن مقتضى القاعدة صحة الصلاة في النجس مع الجهل. وعليه فالصلاة في الصورة الثالثة محكومة بالصحة فيما إذا لم يسع الوقت لإعادتها في الوقت مع الطهارة كما حكم به في المتن هذا كله في الصورة الثالثة.

وأمّا الصورة الثانية : وهي ما إذا انكشف وقوع النجاسة على ثوبه أو بدنه بعد دخوله في الصلاة وقبل الالتفات إليها بأن علم وقوع جملة من الأجزاء المتقدمة في النجس ، فهل تلتحق بالصورة الأُولى فيحكم بصحة الصلاة ووجوب الإزالة في أثنائها ، أو تلتحق بالصورة الثالثة فيحكم ببطلانها واستئنافها مع الطهارة؟

ظاهر عبارة الماتن التحاقها بالثالثة ، حيث إن الصورتين مندمجتان في قوله : « فان علم سبقها وأنّ بعض صلاته وقع مع النجاسة » وحكم فيهما ببطلان الصلاة عند سعة الوقت للإعادة ، ولعل الوجه فيه أن العبرة في الحكم ببطلان الصلاة ووجوب الإعادة عند الماتن قدس سره إنما هي بوقوع بعض الصلاة مع النجس بلا تفرقة بين كون الأجزاء المتقدمة على زمان الالتفات واقعة في النجس بتمامها وبين ما إذا كانت واقعة فيه ببعضها ، إلاّ أن ظاهر الأصحاب التحاقها بما إذا علم بحدوث النجاسة في أثناء الصلاة من دون أن يقع شي‌ء من الأجزاء السابقة مع النجس ، وقد عرفت صحّة


1) في ص 364.

وأمّا إذا كان ناسياً فالأقوى وجوب الإعادة أو القضاء (1)


الصلاة حينئذ ، وكيف كان المتبع هو الدليل.

والظاهر صحة الصلاة في هذه الصورة كما هو ظاهر الأصحاب ، وذلك لأنّ حسنة محمد بن مسلم وموثقة داود بن سرحان وغيرهما من الأخبار المتقدِّمة (1)تقتضي صحة الصلاة في النجس في جميع الصور الثلاث حيث دلت على أن من علم بنجاسة ثوبه في أثناء صلاته يتم ، ولم تفصّل بين ما إذا كانت النجاسة واقعة في أثنائها أو حادثة بعد شروعه في الصلاة وقبل الالتفات وبين ما إذا كانت سابقة عليها ، وإنما خرجنا عن إطلاقها في الصورة الثالثة وهي ما إذا علم بوقوع الصلاة في النجاسة السابقة عليها بالأخبار المصرحة ببطلانها ، وأما الصورة الأُولى والثانية أعني ما إذا كانت النجاسة حادثة في أثناء الصلاة وما إذا كانت طارئة بعد شروعه في الصلاة وقبل الانكشاف فهما باقيتان تحت إطلاقاتها.

هذا على أن التعليل الوارد في صحيحة زرارة المتقدِّمة (2)« ولعلّه شي‌ء أوقع عليك ... » يشمل الصورة الثانية أيضاً ، لأنّ معناه أن النجاسة المرئية لعلّها شي‌ء أوقع عليك وأنت تصلي ، لا وأنت في زمان الانكشاف أعني الآنات المتخللة التي التفت فيها إلى النجس ولم تقيد الوقوع بما إذا كان في ذلك الزمان ، فإن العبرة بعدم سبق النجاسة على الصلاة وقعت بعد الشروع فيها أم في زمان الالتفات.

(1) إذا علم بنجاسة ثوبه أو بدنه قبل الصلاة وتساهل إلى أن نسيها وصلّى والتفت إليها بعد الصلاة تجب عليه الإعادة في الوقت وخارجه على الأشهر بل المشهور. وعن الشيخ في استبصاره (3)والفاضل في بعض كتبه (4)وجوب الإعادة في الوقت دون خارجه ، بل نسب إلى المشهور بين المتأخرين. وعن بعضهم القول بعدم وجوب


1) في ص 334.

2) في ص 332.

3) الاستبصار 1 : 184 ذيل الحديث 642.

4) تحرير الأحكام 1 : 25 السطر 27.

الإعادة في الوقت ولا في خارجه إلحاقاً له بجاهل النجاسة ، ذهب الشيخ قدس سره إلى ذلك في بعض أقواله (1)واستحسنه المحقق في المعتبر (2)وجزم به صاحب المدارك (3)قدس سره كما حكي.

وقد يتوهّم أنّ هذا هو مقتضى القاعدة ، إما لأجل أن الناسي غير مكلف بما نسيه لاستحالة تكليف الغافل بشي‌ء ، وحيث إنه لا يتمكن إلاّ من الصلاة في النجس فتركه الطهارة مستند إلى اضطراره ، والإتيان بالمأمور به الاضطراري مجز عن التكليف الواقعي على ما حقق في محله (4). وإما من جهة أن النسيان من التسعة المرفوعة عن أمة النبي صلی اللّه علیه و آله ومعنى رفعه أن الناسي غير مكلف بالصلاة المقيدة بالجزء أو الشرط المنسيين ، فمانعية النجاسة أو شرطية الطهارة مرتفعة عنه فلا بد من الحكم بصحة صلاته وعدم وجوب الإعادة عليه مطلقاً.

ولا يخفى فساده ، وذلك لأنّ الاضطرار على ما أسلفناه في محلِّه إنما يرفع الأمر بالواجب المركّب من الجزء أو الشرط المضطر إلى تركه وسائر الأجزاء والشروط فالصلاة مع الطهارة غير مأمور بها في حقه ، وأما أن الأمر تعلق بغير الجزء أو الشرط المضطر إلى تركه وهو الصلاة الفاقدة للطهارة في المقام فهو يحتاج إلى دليل وحديث الرفع لا يتكفل ذلك لأنه إنما ينفي التكليف وليس من شأنه الإثبات (5).

هذا فيما إذا فرض أن النسيان قد استوعب الوقت ، وأما إذا فرض الالتفات في الوقت بأن كان المنسي الطهارة في خصوص ما أتى به فأيضاً لا مجال للتمسك بعموم الحديث ، وذلك مضافاً إلى ما قدمناه من أن حديث الرفع لا يثبت الأمر بغير الجزء أو الشرط المضطر إلى تركه ، أن حديث رفع الخطأ والنسيان غير جار في أمثال المقام ، فانّ النسيان إنما تعلّق بفرد من أفراد الواجب الكلي أو بجزئه وشرطه والأمر إنما يتعلّق


1) نقله العلاّمة في التذكرة 2 : 490.

2) المعتبر 1 : 441.

3) المدارك 2 : 348.

4) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 232.

5) مصباح الأُصول 2 : 462.

بالطبيعي الجامع بين أفراده ومصاديقه ، فلم يتعلق النسيان بما تعلق به الأمر بل المنسي أمر والمأمور به أمر آخر ، فما تعلّق به النسيان لم يتعلّق به الأمر وما تعلّق به الأمر وهو الجامع لم يتعلّق به النسيان ، فكيف يرتفع الأمر عن الطبيعي الجامع بنسيان فرده أو نسيان جزء ذلك الفرد أو شرطه ، ففي المقام النسيان إنما تعلّق بنجاسة الثوب أو البدن في فرد من أفراد الصلاة والأمر متعلِّق بجامع الأفراد الواقعة بين المبدأ والمنتهى فلا يمكن التمسّك بالحديث في رفع الأمر عن الصلاة المشروطة بالطهارة.

نعم ، لا مانع من التمسك بحديث لا تعاد في الحكم بعدم وجوب الإعادة والقضاء في المقام ، لما عرفت من أن الطهور في الحديث يختص بالطهارة من الحدث فالطهارة من الخبث مما لا تعاد منه الصلاة ، إلاّ أنّ النوبة لا تصل إلى التمسك بلا تعاد لوجود النصوص المتضافرة الواردة في أنّ ناسي النجاسة يعيد صلاته عقوبة لنسيانه وتساهله في غسلها ، وإليك بعضها :

منها : حسنة محمد بن مسلم المتقدِّمة (1)، حيث ورد فيها « وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصلّيت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صلّيت فيه ». ومنها : مصححة الجعفي عن أبي جعفر علیه السلام قال : « في الدم يكون في الثوب إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة ، وإن كان أكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسل حتى صلّى فليعد صلاته ، وإن لم يكن رآه حتى صلّى فلا يعيد الصلاة » (2). ومنها : موثقة سماعة قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يرى في ثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلِّي؟ قال : يعيد صلاته كي يهتم بالشي‌ء إذا كان في ثوبه ، عقوبة لنسيانه ، قلت : فكيف يصنع من لم يعلم؟ أيعيد حين يرفعه؟ قال : لا ولكن يستأنف » (3).

ومنها : صحيحة زرارة المتقدمة قال فيها « قلت له : أصاب ثوبي دم رعاف أو


1) في ص 336.

2) الوسائل 3 : 430 / أبواب النجاسات ب 20 ح 2.

3) الوسائل 3 : 480 أبواب النجاسات ب 42 ح 5 ، 2.

غيره أو شي‌ء من مني فعلّمت أثره إلى أن أُصيب له الماء ، فأصبت وحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئاً وصليت ، ثم إني ذكرت بعد ذلك ، قال : تعيد الصلاة وتغسله » (1). ومنها : صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور في حديث قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ، ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي ، ثم يذكر بعد ما صلّى أيعيد صلاته؟ قال : يغسله ولا يعيد صلاته إلاّ أن يكون مقدار الدرهم مجتمعاً فيغسله ويعيد الصلاة » (2)إلى غير ذلك من الأخبار. وبأزائها صحيحة العلاء عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشي‌ء ينجسه فينسى أن يغسله فيصلِّي فيه ثم يذكر أنه لم يكن غسله ، أيعيد الصلاة؟ قال : لا يعيد قد مضت الصلاة وكتبت له » (3)حيث تدلّ على صحّة صلاة الناسي وعدم وجوب إعادتها فهما متعارضتان.

وقد يتوهّم أنّ الجمع بينها وبين النصوص المثبتة للإعادة يقتضي حمل تلك النصوص على استحباب الإعادة بدعوى أنها ظاهرة في وجوب الإعادة والصحيحة صريحة في نفيها فبصراحتها يرفع اليد عن ظاهر النصوص المتقدمة وتحمل على استحباب الإعادة لناسي النجاسة.

وفيه : أن رفع اليد عن ظهور أحد الدليلين المتعارضين بصراحة الآخر إنما هو في الدليلين المتكفلين للتكليف المولوي ، كما إذا دلّ أحدهما على وجوب الدعاء حين كذا ودلّ الآخر على النهي عن الدعاء في ذلك الوقت فبصراحة كل منهما يرفع اليد عن ظاهر الآخر ، وأما في الدليلين الارشاديين فلا وجه لهذا الجمع بوجه ، حيث إنهما متعارضان ، لإرشاد أحدهما إلى فساد الصلاة عند نسيان النجاسة وإرشاد الآخر إلى صحتها ، فحالهما حال الجملتين الخبريتين إذا أخبرت إحداهما عن فساد شي‌ء والأُخرى عن صحّته. فالإنصاف أنهما متعارضتان هذا ، على أن قوله علیه السلام :


1) الوسائل 3 : 480 / أبواب النجاسات ب 42 ح 5 ، 2.

2) الوسائل 3 : 430 / أبواب النجاسات ب 20 ح 1.

3) الوسائل 3 : 480 / أبواب النجاسات ب 42 ح 3.

« يعيد صلاته كي يهتم بالشي‌ء إذا كان في ثوبه ، عقوبة لنسيانه » غير قابل الحمل على استحباب الإعادة فإن العقوبة لا تناسب الاستحباب ، بل التفصيل في بعض الأخبار المتقدِّمة بين الجاهل والناسي أظهر قرينة على وجوب الإعادة عليه ، إذ لو استحبت الإعادة في حقه لما كان هناك فرق بينه وبين الجاهل ، لأن الجاهل أيضاً تستحب الإعادة في حقه كما تقدم في صحيحة وهب بن عبد ربه وموثقة أبي بصير حيث حملناهما على استحباب الإعادة عليه.

فالصحيح في علاج المعارضة أن يقال : إن النصوص الآمرة بالإعادة من الروايات المشهورة المعروفة ، وصحيحة العلاء النافية لوجوب الإعادة رواية شاذة نادرة كما شهد بذلك الشيخ في تهذيبه (1)، فبذلك تسقط الصحيحة عن الاعتبار لأنّ الرواية النادرة لا تعارض المشهورة بوجه ، وهذا لا لأنّ الشهرة من المرجحات حتى يقال إنه لا دليل على الترجيح بها فإن المرفوعة ضعيفة غايته ، وكذلك المقبولة لأن عمر بن حنظلة لم تثبت وثاقته وما دلّ على أنه لا يكذب علينا ضعيف ، بل من جهة أن الشهرة إذا بلغت تلك المرتبة في المقام كان معارض المشهور مما خالف السنة وقد أُمرنا بطرح ما خالف السنة أو الكتاب.

وعلى تقدير التنزّل عن ذلك أيضاً لا يمكننا الاعتماد على الصحيحة ، لأنّ العلاّمة في التذكرة نسب القول بعدم وجوب الإعادة في المسألة إلى أحمد (2)ونسبه الشيخ قدس سره إلى جملة معظمة من علمائهم كالأوزاعي والشافعي في القديم وأبي حنيفة وقال : روي ذلك عن ابن عمر (3)فالصحيحة إذن موافقة للعامّة (4)ومخالفة العامّة من


1) أوردها الشيخ في تهذيبه 1 : 424 / 1345 تارة ، وأُخرى في 2 : 360 / 1492 وعقّبها هناك بقوله : فإنه خبر شاذ لا يعارض به الأخبار التي ذكرناها ها هنا وفيما مضى من كتاب الطهارة.

2) التذكرة 2 : 490.

3) الخلاف 1 : 479 ذيل مسألة 221.

4) قال ابن قدامة الحنبلي في المغني 1 : 751 الصحيح أن مسألة الجهل بالنجاسة ونسيانها واحدة فكما في الجهل يعذر ففي النسيان أولى لورود النص بالعفو. وفي شرح الزرقاني ( فقه مالك ) ج 1 ص 165 : الطهارة من الخبث شرط في الصحة في حال الذكر والقدرة على المشهور ابتداءً ودواماً. وفي الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 16 بعد نقله عن المالكية قولين في إزالة النجاسة قال : فان صلّى بالنجاسة ناسياً أو عاجزاً عن إزالتها فصلاته صحيحة على القولين.

المرجّحات ، وبذلك تحمل الصحيحة على التقية ويتعين العمل على طبق النصوص الآمرة بإعادة الصلاة عند نسيان نجاسة الثوب أو البدن.

وبما ذكرناه في الجواب عن صحيحة العلاء يظهر الحال في الأخبار المستفيضة النافية لوجوب الإعادة عمن نسي الاستنجاء وذلك كموثقة عمّار ، قال : « سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام يقول : لو أن رجلاً نسي أن يستنجي من الغائط حتى يصلي لم يعد الصلاة » (1)وغيرها من الأخبار الواردة بمضمونها. وذلك لأنّا لا نحتمل أن يكون للنجاسة الناشئة عن الاستنجاء خصوصية في الحكم بعدم وجوب الإعادة. فحال هذه حال صحيحة العلاء فلا يمكن أن يعارض بها الأخبار المتقدمة الدالة على وجوب الإعادة عند نسيان النجاسة لاشتهارها ومخالفتها للعامة كما مر هذا.

على أنها معارضة في خصوص موردها وهو ناسي الاستنجاء بغير واحد من الأخبار : منها : صحيحة عمرو بن أبي نصر قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : أبول وأتوضأ وأنسى استنجائي ثم أذكر بعد ما صليت؟ قال : اغسل ذكرك وأعد صلاتك ولا تعد وضوءك » (2). ومنها غير ذلك من الأخبار الآمرة بإعادة الصلاة عند نسيان الاستنجاء.

فالمتحصل أن وجوب الإعادة في المسألة مما لا إشكال فيه بل لعله المتسالم عليه عند الأقدمين ، وإنما الخلاف بينهم في وجوب القضاء وعدمه. نعم ، نسب إلى الشيخ قدس سره القول بعدم وجوب الإعادة (3)إلاّ أن النسبة غير ثابتة وقد أنكرها


1) الوسائل 1 : 318 / أبواب النجاسات ب 10 ح 3.

2) الوسائل 1 : 294 / أبواب نواقض الوضوء ب 18 ح 3.

3) نسب إليه العلاّمة في التذكرة 2 : 490.

بعضهم حيث قال : فما عن الشيخ في بعض أقواله من القول بعدم الإعادة مطلقاً ضعيف جدّاً ، مع أنه غير ثابت عنه بل الثابت خلافه (1). هذا ومما يبعّد تلك النسبة ما قدمنا نقله من تصريح الشيخ بشذوذ صحيحة العلاء ومعه كيف يعتمد عليها في الحكم بعدم وجوب الإعادة في المسألة. وأما الأخبار النافية للإعادة عمّن نسي الاستنجاء فقد عرفت أنها معارضة في نفس موردها ، مضافاً إلى معارضتها مع الأخبار الآمرة بالإعادة على ناسي النجاسة فلا دليل يعتمد الشيخ عليه في الحكم بعدم وجوب الإعادة في المسألة.

وأمّا القضاء فقد تقدم أن المشهور عدم الفرق في وجوب الإعادة بين الوقت وخارجه. وعن جماعة عدم وجوبها في خارجه ، ولعل الوجه فيه أن المتيقن مما دلّ على عدم وجوب الإعادة على ناسي النجاسة إنما هو عدم وجوبها خارج الوقت ، كما أن المتيقن مما دلّ على وجوبها إنما هو وجوبها في الوقت فنرفع اليد عن ظاهر كل من الطائفتين بنص الطائفة الأُخرى ، لأنه مقتضى الجمع العرفي بين المتعارضين ، والنتيجة وجوب الإعادة في الوقت وعدم وجوبها في خارجه كما جمع بعضهم بذلك بين الأخبار الواردة في بطلان بيع العذرة وأن ثمنها سحت ، وبين الأخبار الواردة في صحته وأنه لا بأس بثمن العذرة (2)بدعوى أن المتيقن من العذرة في الأخبار المانعة عذرة ما لا يؤكل لحمه والمتيقن منها في الأخبار المجوّزة عذرة ما يؤكل لحمه ، والجمع العرفي بينهما يقتضي حمل الظاهر من كل منهما على نصّ الآخر ونتيجته جواز بيع العذرة مما يؤكل لحمه وعدم جوازه مما لا يؤكل لحمه.

ويدفعه : أنّ الجمع بذلك جمع تبرعي صرف وليس من الجمع العرفي في شي‌ء ، لأنه إنما يصح فيما إذا كان هناك لفظان كان أحدهما ظاهراً في شي‌ء والآخر في شي‌ء آخر فيكون النص من كل منهما قرينة على إرادة خلاف الظاهر من الآخر ، وأما مع الاتحاد في اللّفظ والدلالة في كلتا الطائفتين فلا مساغ لذلك ، حيث إن المتبع هو الظهور


1) الجواهر 6 : 217.

2) الوسائل 17 : 175 / أبواب ما يكتسب به ب 40 ح 2 ، 3.

والمفروض أنهما ظاهرتان في شي‌ء واحد لوحدة اللفظ والدلالة وإنما تختلفان في الحكم ، فهما من المتعارضين ولا يأتي فيهما الجمع العرفي بحمل إحداهما على شي‌ء والأُخرى على شي‌ء آخر ، وعليه فالصحيح ما سلكه المشهور من أن الإعادة لا فرق في وجوبها بين الوقت وخارجه لإطلاقات الأخبار المتقدمة هذا.

على أنّ حسنة محمد بن مسلم المتقدِّمة (1)صريحة الدلالة على وجوب القضاء في المسألة حيث ورد في ذيلها « وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه » فان ظاهر « صلاة كثيرة » هي الفرائض الكثيرة دون النوافل المتعددة وقد دلت على وجوب إعادتها عند تذكر النجاسة بعد مضي وقتها. ونظيرها رواية علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام قال : « سألته عن الرجل احتجم فأصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع؟ قال : إن كان رآه فلم يغسله فليقض جميع ما فاته على قدر ما كان يصلي ولا ينقص منه شي‌ء وإن كان رآه وقد صلّى فليعتد بتلك الصلاة ثم ليغسله » (2)هذا.

وربما يستدل على التفصيل بين الوقت وخارجه بما عن علي بن مهزيار قال : « كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره أنه بال في ظلمة الليل وأنه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك أنه أصابه ولم يره ، وأنه مسحه بخرقة ثم نسي أن يغسله وتمسح بدهن فمسح به كفيه ووجهه ورأسه ثم توضأ وضوء الصلاة فصلّى؟ فأجابه بجواب قرأته بخطِّه : أما ما توهّمت مما أصاب يدك فليس بشي‌ء إلاّ ما تحقّق ، فان حقّقت ذلك كنت حقيقاً أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها ، وما فات وقتها فلا إعادة عليك لها من قِبَل أن الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يعد الصلاة إلاّ ما كان في وقت ، وإذا كان جنباً أو صلّى على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته ، لأن الثوب خلاف الجسد ، فاعمل على ذلك إن شاء اللّه » (3)فإنها كما ترى صريحة في التفصيل بين الوقت وخارجه لقوله ( عليه


1) في ص 336.

2) الوسائل 3 : 477 / أبواب النجاسات ب 40 ح 10.

3) الوسائل 3 : 479 / أبواب النجاسات ب 42 ح 1.

السلام ) : « إن الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يعد الصلاة إلاّ ما كان في وقت » ومعناه أنه لا يعيد الصلاة في غير وقتها.

وقد نوقش في الاستدلال بهذه الرواية باضطراب متنها وإجمال عبائرها ، وقد شهد باجمالها المحدث الكاشاني قدس سره حيث حكي عنه : أن الرواية يشبه أن يكون قد وقع فيه غلط من النسّاخ ، ومع إجمال الرواية لا يمكن أن تنهض حجّة لإثبات حكم شرعي (1).

ولا يخفى ما في هذه المناقشة أما أولاً : فلأجل أن إجمال جملة من جملات الرواية واضطراب بعضها من حيث الدلالة لا يكاد يسري إلى جملاتها الصريحة بوجه ، فالقاعدة أن يؤخذ بصريحها وتطرح مجملاتها ومتشابهاتها ، وقوله : « لم يعد الصلاة إلاّ ما كان في وقت » لا نرى فيه أي إجمال أو اضطراب فلا إجمال في دلالته. وأما ثانياً : فلما قدّمناه في بحث تنجيس المتنجس من أن الرواية غير مجملة ولا أنها مضطربة المتن في شي‌ء (2). نعم ، هي من جملة الأدلة القائمة على عدم تنجيس المتنجس وبذلك يرتفع الاضطراب المتوهم عن الحديث ، فان الوجه في قوله : « أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه » إنما هو نجاسة بدنه أعني كفه ، لا بطلان وضوئه فإنه بناء على عدم تنجيس المتنجس محكوم بصحته ، حيث إن كفه المتنجسة التي يبست بالتمسح بالخرقة لا تنجس ما يلاقيها من الماء أو غيره ومع طهارة الماء يحكم بصحة الوضوء وإن كان بعض أعضائه وهو كفه متنجساً ، حيث لا دليل على اعتبار طهارة الأعضاء في الوضوء إلاّ من جهة عدم سراية النجاسة إلى الماء ، ومع البناء على عدم تنجيس المتنجس يبقى ماء الوضوء وسائر أعضائه على طهارته ، فنجاسة الكف لا تكون مانعة عن صحّة الوضوء ، فبطلان الصلوات حينئذ مستند إلى نجاسة بدنه وكفّه ، والمكلف حينما توضأ وإن كان غسلها لا محالة إلاّ أن النجاسة المفروضة في الرواية لما كانت هي نجاسة البول وهي تحتاج إلى غسلها مرتين بالماء القليل لم يكف


1) الوافي 6 : 153.

2) تقدّم في ص 228.

مطلقاً سواء تذكر بعد الصلاة أو في أثنائها (1)


غسل كفه مرة واحدة في طهارتها ، فلو كان قد اكتفى بالوضوء مرة واحدة بطلت صلاته لنجاسة بدنه وهو المراد بقوله : « تعيد الصلوات اللّواتي كنت صليتهنّ بذلك الوضوء بعينه » نعم ، إذا توضأ مرة ثانية ولم يكتف بذلك الوضوء بعينه طهرت كفه المتنجسة لتعدد غسلها فلا تبطل صلواته اللواتي صلاّهن بغير الوضوء الأول.

وعلى الجملة لا تشويش في الرواية ولا اضطراب في متنها غير أنها مبتنية على عدم تنجيس المتنجس فلا مانع من الاستدلال بها من هذه الجهة. نعم ، الرواية مخدوشة السند بسليمان بن رشيد حيث لم يظهر أنه من هو ولم يعلم حاله ولعله قاض من قضاة الجمهور ومن أحد حكّامهم ، ومثله إنما ينقل عن أئمة مذهبه لا عن أئمتنا علیهم السلام فلم يثبت أن الرواية منقولة عنهم علیهم السلام ومعه كيف يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال. نعم ، إدراج الرواية في أخبارنا المدرجة في الجوامع المعتبرة قد يؤثر الظن بصدورها عن المعصومين علیهم السلام إلاّ أنه مجرد ظن والظن لا يغني من الحق شيئاً ، فالصحيح ما سلكه المشهور في المقام من أن الناسي لا فرق في وجوب الإعادة في حقّه بين الوقت وخارجه.

(1) بفحوى الأخبار المتقدِّمة الآمرة بالإعادة على الجاهل إذا التفت إلى نجاسة ثوبه أو بدنه في أثناء الصلاة ، حيث إنها تدل على وجوب الإعادة عند نسيان النجاسة والالتفات إليها في أثناء الصلاة بالأولوية ، لأن النسيان هو الجهل بعينه بزيادة السبق بالعلم ، فالبطلان مع النسيان أولى منه مع الجهل هذا. على أن المسألة منصوصة كما في صحيحة ابن سنان المتقدِّمة (1)المروية عن كتاب المشيخة لابن محبوب حيث ورد فيها « وإن كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله ثم رأيته بعد وأنت في صلاتك فانصرف فاغسله وأعد صلاتك » وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى علیه السلام قال : « سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته أنه لم يستنج من الخلاء ، قال : ينصرف


1) في ص 335.

أمكن التطهير أو التبديل أم لا (1).

[277] مسألة 1 : ناسي الحكم تكليفاً أو وضعاً كجاهله في وجوب الإعادة والقضاء (1)(2).

[278] مسألة 2 : لو غسل ثوبه النجس وعلم بطهارته ثم صلّى فيه ، وبعد ذلك تبيّن له بقاء نجاسته (3) فالظاهر أنه من باب الجهل بالموضوع


ويستنجي من الخلاء ويعيد الصلاة .. » (2).

(1) لإطلاقات الأخبار الدالة على أن ناسي النجاسة يعيد صلاته.

(2) لا إشكال في أن ناسي الحكم كجاهله ، فإن الناسي هو الجاهل بعينه إذ لا واسطة بين العالم والجاهل ، حيث إن المكلف إما أن ينكشف لديه الشي‌ء وإما أن لا ينكشف ، الثاني هو الجاهل والناسي أيضاً كذلك لعدم انكشاف الحكم لديه إما لتقصيره وإما لقصوره ، فكون الناسي داخلاً في موضوع الجاهل مما لا شبهة فيه ، وإنما الكلام في أن حكمه أيضاً حكم الجاهل أو أن له حكماً يخص به؟ وبما أنه ظهر مما تقدم أنه لا مانع من شمول حديث لا تعاد للجاهل غير الناسي فضلاً عن الجاهل الناسي فالأقرب صحة صلاته ، إلاّ أن الحكم بالصحة يختص بما إذا كان الناسي معذوراً كما كان هذا هو الحال في الجاهل غير الناسي.

(3) فهل مثله يلحق بناسي موضوع النجس لسبق علمه به وإن كان جاهلاً في حال الصلاة أو يلحق بجاهله؟ الثاني هو الصحيح ، وذلك لأنّ المستفاد من صحيحة زرارة المتقدِّمة (3)وما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلّى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه ، وإن علم قبل أن يصلِّي فنسي وصلّى فيه فعليه الإعادة » (4)أن المناط في صحة الصلاة إنما هو عدم تنجز


1) (*) هذا فيما إذا لم يكن معذوراً وإلاّ فلا تجب الإعادة فضلاً عن القضاء.

2) الوسائل 1 : 315 / أبواب النجاسات ب 9 ح 2 ، ب 10 ح 4.

3) في ص 327.

4) الوسائل 3 : 476 / أبواب النجاسات ب 40 ح 7.

فلا يجب عليه الإعادة والقضاء. وكذا لو شك في نجاسته ثم تبيّن بعد الصلاة أنه كان نجساً (1) وكذا لو علم بنجاسته فأخبره الوكيل في تطهيره بطهارته أو شهدت


النجاسة حالها ، كما هو مقتضى قوله : « فصلّى فيه وهو لا يعلم » ولم يقل : لم يعلم ، فكل من صلّى في النجس وهو غير عالم به ولم تتنجز النجاسة في حقه يحكم بصحة صلاته وإنما يستثني من ذلك خصوص من نسي موضوع النجاسة ، وبما أن من غسل ثوبه واعتقد طهارته غير عالم بنجاسة ثوبه ولم تتنجز نجاسته عليه في حال الصلاة ولا يصدق عليه عنوان الناسي قطعاً فلا محالة يحكم بصحة صلاته ، هذا.

على أنّ المسألة منصوصة لحسنة ميسر قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله فأُصلي فيه فاذن هو يابس؟ قال : أعد صلاتك ، أما إنك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شي‌ء » (1)حيث صرّحت بأنك لو غسلت ثوبك وصلّيت فيه ثم ظهر عدم زوال النجاسة عنه لم تجب إعادتها وحيث لا معارض لها فلا مناص من العمل على طبقها. وأما الأمر بالإعادة على تقدير أن غسله غيره كما في صدرها فهو في الحقيقة تخصيص في الأدلة المتقدمة النافية للإعادة عن الجاهل بموضوع النجس ، ومرجعه إلى الردع عن العمل بأصالة الصحة الجارية في عمل الغير بحسب البقاء وبعد انكشاف الخلاف ، لا بحسب الحدوث والابتداء وإلاّ لم يجز له الشروع في الصلاة فيه ، ولا دلالة في الرواية على عدم جواز الشروع بل فيها دلالة على الجواز. وعلى الجملة أن صدر الحسنة إما أن يحمل على ما ذكرناه من عدم جواز الاعتماد على أصالة الصحّة في عمل الغير بعد انكشاف الخلاف ، وإما أن يحمل على استحباب إعادة الصلاة وغسل الثوب حينئذ.

(1) ما أفاده قدس سره من الحكم بصحّة الصلاة في مفروض المسألة وإلحاقه بصورة الجهل بموضوع النجس وإن كان كما أفاده ، لما تقدّم من أنّ المناط في الحكم بصحّة الصلاة في النجس عدم تنجّز النجاسة حال الصلاة ، بل قدّمنا سابقاً أن


1) الوسائل 3 : 428 / أبواب النجاسات ب 18 ح 1.

البيِّنة بتطهيره ثم تبيّن الخلاف (1).


الفحص غير لازم في مثلها فما ظنك بوجوب الإعادة حينئذ ، إلاّ أنه لم يكن محتاجاً إلى البيان لأنه بعينه من الجهل بموضوع النجس ولم يقع إشكال في صحة الصلاة معه وهو بعينه مورد صحيحة زرارة المتقدمة « فإن ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر فيه شيئاً ثم صلّيت فرأيت فيه ، قال : تغسله ولا تعيد الصلاة » (1).

(1) وذلك لما تقدم من أن المناط في عدم وجوب الإعادة جهل المصلي بنجاسة ثوبه أو بدنه حال الصلاة وعدم تنجزها عليه وهو متحقق في المقام ، لعدم تنجز النجاسة الواقعية بقيام البينة أو غيرها من الأمارات على خلافها فلا كلام في صحّة صلاته ، وإنما المناقشة في ثبوت الطهارة باخبار الوكيل ، فإن الوكالة المعتبرة التي هي من العقود مختصة بالأُمور الاعتبارية التي منها العقود والإيقاعات ، وأما الأُمور التكوينية كالأكل والغسل والتطهير ونحوها فغير قابلة للوكالة ، لأن أكل الوكيل مثلاً لا يكون أكلاً لموكله كما يكون بيعه بيعاً له حقيقة. نعم ، التوكيل بحسب اللّغة يعم الأُمور التكوينية وغيرها فيقال : أوكل أمره إلى كذا ، اللّهُمَّ إنّا نتوكّل عليك في أُمورنا. فهو بمعنى الإيكال والإحالة وخارج عن الوكالة الشرعية ولا يترتّب عليه آثارها ، وعليه فان كان الغاسل موثقاً وقلنا باعتبار خبر الثقة في الموضوعات الخارجية ، فلا محالة يكون إخباره عن طهارة الثوب معتبراً فلا إشكال في ثبوتها باخباره ، ولكن ذلك لا يختص بالوكيل. وأما إذا أنكرنا اعتباره في الموضوع الخارجي فلا يترتّب على إخبار الوكيل أثر ولا تثبت به طهارة الثوب إلاّ من باب العمل بأصالة الصحّة في عمل الوكيل ، ولكنّك عرفت أنّ أصالة الصحة في عمل الغير غير مجزئة ولا معتبرة بعد انكشاف الخلاف على ما استفدناه من حسنة ميسر المتقدمة ، فلا يترتّب عليها سوى جواز الدخول في الصلاة فيما علم بنجاسته سابقاً وأخبر الوكيل بغسله وتطهيره.


1) الوسائل 3 : 477 / أبواب النجاسات ب 41 ح 1. وقد تقدّمت في ص 327.

وكذا لو وقعت قطرة بول أو دم مثلاً وشك في أنها وقعت على ثوبه أو على الأرض ثم تبيّن أنها وقعت على ثوبه ، وكذا لو رأى في بدنه أو ثوبه دماً ، وقطع بأنه دم البق أو دم القروح المعفو ، أو أنه أقل من الدرهم ، أو نحو ذلك ، ثم تبيّن أنه مما لا يجوز الصلاة فيه ، وكذا لو شك في شي‌ء (1)من ذلك ثم تبيّن أنه مما لا يجوز ، فجميع هذه من الجهل بالنجاسة لا يجب فيها الإعادة أو القضاء (1).


(1) مقتضى صحيحة زرارة كما مر أن المناط في بطلان الصلاة في النجس علم المصلي بنجاسة ثوبه أو بدنه وتنجزها عليه حال الصلاة ، فإذا لم يكن عالماً بنجاستهما ولم تتنجز النجاسة في حقه فلا محالة يحكم بصحة صلاته وعدم وجوب الإعادة عليه وذلك لأنها عللت الحكم بعدم وجوب الإعادة بقوله : « لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت .... » وهو كالصريح في أن المانع عن صحة الصلاة في النجس إنما هو تنجز النجاسة على المصلي حال الصلاة ، فمع عدم علمه وعدم تنجزها عليه لا يحكم ببطلان صلاته ولا بوجوب الإعادة عليه ، وقد خرجنا عن هذا الضابط في خصوص ناسي النجس بالنصوص المتقدمة القائمة على بطلان صلاته مع عدم تنجز النجاسة عليه لنسيانه وعذره ، وذلك عقوبة لتساهله ونسيانه حتى يحتفظ بطهارة ثوبه وبدنه.

وعلى هذا الضابط تتفرع فروع : منها ما تقدم. ومنها : ما إذا وقعت قطرة بول أو دم مثلاً وشك في أنها هل وقعت على ثوبه أو على الأرض ، ثم تبينت إنها واقعة على ثوبه. ومنها : الفرعان المذكوران بعد ذلك فإن النجاسة غير منجزة في جميعها ، ومعه يحكم بصحة صلاته وعدم وجوب الإعادة في حقه ، فان المفروض عدم انطباق عنوان الناسي عليه.

ثم إن ما أفاده الماتن في هذه المسألة من أن المصلي إذا شك في أن الدم من المعفو أو من غيره فصلّى ثم تبيّن أنه مما لا يجوز لم تجب عليه الإعادة ، لا ينافي ما يأتي منه قدس سره من البناء على عدم العفو فيما إذا شك في أن الدم من الجروح أو القروح أو


1) (*) هذا فيما إذا جاز الصلاة فيه مع التردد.

[279] مسألة 3 : لو علم بنجاسة شي‌ء فنسي ولاقاه بالرطوبة ، وصلّى ثم تذكر أنه كان نجساً وأن يده تنجست بملاقاته (1)فالظاهر أنه أيضاً من باب الجهل بالموضوع لا النسيان ، لأنه لم يعلم نجاسة يده سابقاً والنسيان إنما هو في نجاسة شي‌ء آخر غير ما صلّى فيه. نعم ، لو توضأ أو اغتسل قبل تطهير يده وصلّى كانت باطلة (1) من جهة بطلان وضوئه أو غسله.


من غيرهما ، أو شك في أنه بقدر الدرهم أو أقل حيث احتاط فيهما احتياطاً لزومياً وبنى على عدم العفو في كلا الموردين. والوجه في عدم منافاتهما أن كلامه قدس سره في المقام مبني على القول بجواز الدخول في الصلاة مع الشك في أن الدم من المعفو أو من غيره ، وهذا لا يضره الحكم بعدم العفو فيما إذا لم نبن على جواز الدخول في الصلاة مع الشك في أنّ الدم من المعفو كما يأتي عن قريب (2). وبعبارة واضحة : أنّ البحث في المقام متمحض في لزوم الإعادة وعدمه من ناحية أن المقام داخل في صغرى الجهل بالنجاسة أو غير داخل فيها ، والبحث في المسألتين المذكورتين إنما هو في جواز الدخول في الصلاة مع الشك في أن الدم من المعفو أو من غيره ، فعلى تقدير البناء على جوازه لا محذور في الحكم بعدم وجوب الإعادة في المقام لجهل المكلف بالنجاسة وعدم صدق عنوان الناسي عليه.

(1) بأن تكون النجاسة منسية من جهة ومجهولة من جهة ، فإن نجاسة ثوبه أو بدنه إذا كان هو الملاقي للنجس مجهولة ولا يعلم بها المصلي من الابتداء ، ونجاسة الملاقي كالإناء الذي لاقته يده أو ثوبه وهو السبب في نجاستهما منسية لعلمه بنجاسته سابقاً ، فهل يحكم ببطلان الصلاة في مثلها؟

الصحيح لا ، لعدم تنجّز النجاسة على المصلِّي حال الصلاة لجهله بنجاسة يده أو ثوبه ، وأما نجاسة الإناء الذي هو السبب في نجاستهما فهي وإن كانت منسية إلاّ أن


1) (*) هذا فيما إذا لم يطهر العضو المتنجس بنفس الوضوء أو الغسل.

2) في ص 422.

[280] مسألة 4 : إذا انحصر ثوبه في نجس فان لم يمكن نزعه حال الصلاة لبرد أو نحوه صلّى فيه (1)


ما دلّ على أن نسيان النجاسة موجب لبطلان الصلاة الواقعة في النجس إنما دلّ على بطلانها فيما إذا نسي نجاسة بدنه أو ثوبه الذي صلّى فيه ، وما صلّى فيه المكلف في مفروض المسألة ليس بمنسي النجاسة وهو يده أو ثوبه وإنما هو مجهول النجاسة وما نسيت نجاسته هو السبب ولا اعتبار بنسيان نجاسته ، فما نسيت نجاسته لم تقع فيه الصلاة وما وقعت فيه الصلاة لم تنس نجاسته فصلاته صحيحة.

نعم ، لو كان ملاقي الإناء النجس مثلاً عضواً من أعضاء الغسل أو الوضوء ، فتوضأ أو اغتسل قبل تطهير ذلك العضو المتنجس يحكم ببطلان الصلاة حينئذ ، ولكنه لا من جهة مانعية النجاسة المجهولة عن الصلاة بل من جهة بطلان وضوئه أو غسله ، بناء على اشتراط طهارة محل الغسل أو الوضوء في صحتهما على خلاف في ذلك يأتي في محلِّه (1)إلاّ أنه خارج عن مورد البحث والنزاع ، إذ الكلام إنما هو في مانعية نجاسة الثوب والبدن في الصلاة لا في بطلانها ببطلان الغسل أو الوضوء ، حيث إن بطلان الصلاة ببطلانهما مما لا إشكال فيه حتى مع الجهل بنجاسة منشأ نجاسة اليد أو غيرها من أعضائهما ، كما إذا لم يعلم بنجاسة الإناء أصلاً ولاقته يده فتوضأ وصلّى وعلم بنجاسته بعد الصلاة.

(1) لأنه المقدار المتيقن من الأخبار الآمرة بالصلاة في الثوب المتنجس كما يأتي في المسألة الآتية ، فإن إطلاقها وإن كان يشمل غير صورة الاضطرار إلى لبس المتنجس ونلتزم فيها أيضاً بالجواز ، إلاّ أن المقدار المتيقن منها صورة الاضطرار إلى لبسه. مضافاً إلى الضرورة والإجماع وغيرهما مما دلّ على أن الصلاة لا تسقط بحال ، وأن المكلف معذور فيما هو خارج عن قدرته واللّه سبحانه أولى بالعذر في مثله ، وأنه بلاء ابتلي به كما في روايات السلس والبطن (2)وهذا هو الوجه في وجوب الصلاة في الثوب


1) ذيل المسألة [539] ( فصل في شرائط الوضوء. الثاني ).

2) راجع حسنة منصور وموثقة سماعة المرويتين في الوسائل 1 : 297 / أبواب نواقض الوضوء ب 19 ح 1. وص 266 ب 7 ح 9.

ولا يجب عليه الإعادة أو القضاء (1)


المتنجس عند الاضطرار ، وليس الوجه فيه عدم شمول أدلة مانعية النجس في الصلاة لصورة الاضطرار ، حيث إنها مطلقة تشمل صورة الاضطرار وغيرها في أنفسها.

(1) أما القضاء فلا ينبغي الإشكال في عدم وجوبه في مفروض المسألة ، لأن موضوعه فوات الواجب في وقته ولم يتحقق الفوت في المسألة ، لأنه مأمور بالصلاة في الثوب المتنجس وقد أتى بها في وقتها مشتملة على أجزائها وشرائطها ، حيث إن المانعية قد سقطت في حال الاضطرار ، إذ الأمر بالصلاة في الثوب المتنجس ومانعية النجاسة عن الصلاة حتى في حال الاضطرار أمران لا يجتمعان ، وعليه فلم يفت عنه الواجب في ظرفه حتى يجب قضاؤه.

وأمّا الإعادة في الوقت فالمعروف بينهم عدم وجوبها ، وعن الشيخ قدس سره في بعض كتبه وجوب الإعادة (1)، ونقل عن ابن الجنيد أن من ليس معه إلاّ ثوب واحد نجس يصلي فيه ويعيد في الوقت إذا وجد غيره ، ولو أعاد إذا خرج الوقت كان أحب إليَّ (2)، وعن المدارك (3)والرياض نسبة القول بوجوب الإعادة إلى جماعة (4).

وقد استدل لهم بموثقة عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه علیه السلام « أنه سئل عن رجل ليس عليه إلاّ ثوب ولا تحل الصلاة فيه ، وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال : يتيمّم ويصلِّي فإذا أصاب ماء غسله وأعاد الصلاة » (5)وهي على طبق القاعدة لما قدمناه عند التكلّم على الإجزاء من أن الإتيان بالمأمور به الاضطراري إنما يجزئ إذا كان الاضطرار مستوعباً للوقت بتمامه ، وأما إذا كان الاضطرار في بعض الوقت


1) النهاية : 55 ، المبسوط 1 : 91.

2) نقله في الحدائق 5 : 350 عن المختصر.

3) المدارك 2 : 362.

4) رياض المسائل 2 : 408.

5) الوسائل 3 : 485 / أبواب النجاسات ب 45 ح 8.

دون بعضه فلا يتحقق معه الاضطرار إلى ترك الواجب ، حيث إنّ الأمر إنما يتعلق بالطبيعي الجامع بين أفراده العرضية والطولية ، ومع التمكّن من إيجاده في ضمن أيّ فرد مشتمل على شرائطه وأجزائه لا يتحقّق الاضطرار إلى ترك المأمور به ، فهو من الاضطرار إلى ترك فرد من أفراد الواجب لا إلى ترك المأمور به ، والفرق بينهما من الوضوح بمكان.

نعم ، إذا اعتقد بقاء اضطراره أو استصحب بقاءه إلى آخر الوقت جاز له البدار ، إلاّ أنه لا يجزئ عن المأمور به الواقعي فيما إذا ارتفع عذره في أثناء وقت الواجب كما عرفت. فما تضمّنته الموثقة هو الذي تقتضيه القاعدة ، فسواء كانت هناك رواية أم لم تكن لا مناص من الالتزام بمضمونها ، فوجود الموثقة وعدمها سيان ، إلاّ أنّا مع ذلك لا نلتزم بوجوب الإعادة في المقام وذلك لحديث لا تعاد ، حيث دلّ على أن الطهارة الخبثية لا تعاد منها الصلاة ، وقد مرّ أن الحديث يشمل الناسي والجاهل كليهما والمكلف في المقام حيث إنه جاهل باشتراط الطهارة الخبثية في صلاته فإنه بادر إلى الصلاة في ثوبه المتنجس بالاستصحاب أو باعتقاد بقاء عذره إلى آخر الوقت فهو لا يعلم باشتراط الطهارة في صلاته فلا تجب عليه إعادتها بالحديث. وأما الموثقة فهي أجنبية عما نحن فيه حيث إن موردها تيمم المكلف للصلاة بدلاً عن الجنابة أو الوضوء مع عدم اضطراره إليه واقعاً لفرض أنه وجد الماء قبل انقضاء وقت الصلاة ، وقد عرفت أن مقتضى القاعدة فيه بطلان الصلاة ووجوب الإعادة بعد ارتفاع الاضطرار ، ولا دليل على أن ما أتى به مجزئ عن المأمور به ، وحديث لا تعاد لا ينفي الإعادة من الإخلال بالطهارة من الحدث حيث إنها مما تعاد منه الصلاة ، وهذا بخلاف المقام لعدم الإخلال فيه إلاّ بالطهارة من الخبث وهي مما لا تعاد منه الصلاة. وعلى الجملة أن الفارق بين المقام وبين مورد الموثقة قيام الدليل على الإجزاء فيما نحن فيه وهو حديث لا تعاد بخلاف مورد الموثقة كما عرفت.

بقي شي‌ء : وهو أن الموثقة إنما وردت في من تيمم ولم يكن فاقداً للماء في تمام وقت الصلاة وإنما كان فاقداً له في بعضه ، وهذا هو الذي قلنا إن القاعدة تقضي فيه بوجوب الإعادة وبطلان الصلاة ، لأن المدار في صحة التيمم على الفقدان في تمام الوقت دون بعضه ، بل قلنا لا مسوّغ فيه للبدار إلاّ أن يستند إلى ترخيص ظاهري أو تخيلي وهما

وإن تمكّن من نزعه ففي وجوب الصلاة فيه أو عارياً أو التخيير وجوه (1) الأقوى الأوّل ، والأحوط تكرار الصلاة.


غير مفيدين للاجزاء على تقدير ارتفاع الاضطرار قبل خروج وقت الصلاة ، ولأجل هذا كانت الإعادة فيه على طبق القاعدة.

وهناك مسألة أُخرى نلتزم فيها باستحباب الإعادة وعدم وجوبها ولعله المعروف بينهم ، وهي ما إذا تيمم لصلاة سابقة وصلّى ولم ينتقض تيممه حتى دخل وقت فريضة أُخرى وأتى بها بتيمّمه السابق ، وبعد ذلك وجد الماء في أثناء وقت الفريضة الأُخرى ، إلاّ أنها غير المسألة المبحوث عنها في المقام ، إذ المفروض في تلك المسألة أن المكلف على الطهارة حقيقة لفقدانه الماء في تمام وقت الفريضة المتقدمة ، وطهارته وإن كانت ترابية إلاّ أنها باقية بحالها حين إتيان الفريضة الأخيرة ، لوضوح أن دخول وقت الفريضة لا يكون ناقضاً للطهارة بوجه ، ومع إتيانه الفريضة متطهِّراً حقيقة لا وجه لوجوب الإعادة عليه. نعم ، لا مانع من استحبابها كما يأتي في محلِّه (1)وأين هذا من مفروض الرواية ، فإن المصلي في موردها لم يكن فاقداً للماء في مجموع وقت الصلاة فلم تنعقد له طهارة من الابتداء ، ومعه لا وجه لحمل الأمر بالإعادة في الرواية على الاستحباب.

(1) بل أقوال أشهرها وجوب الصلاة عارياً ، ودونه القول بالتخيير بينها وبين الصلاة في الثوب المتنجس ، ودونهما القول بوجوب الصلاة في الثوب المتنجس خاصّة. ومنشأ اختلاف الأقوال هو اختلاف الأخبار الواردة في المسألة فقد ورد في جملة من الأخبار الصحاح الأمر بالصلاة في الثوب المتنجس ، وهي وإن لم تبلغ من الكثرة مرتبة التواتر إلاّ أن دعوى القطع بصدور بعضها عنهم علیهم السلام غير بعيدة :

منها : صحيحة الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره ( آخر ) قال : يصلي فيه فاذا وجد الماء غسله » (2)ومنها :


1) لاحظ المسألة [1142].

2) الوسائل 3 : 484 / أبواب النجاسات ب 45 ح 1.

صحيحته الأُخرى « أنه سأل أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول لا يقدر على غسله؟ قال : يصلي فيه » (1).

ومنها : صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه « أنه سأل أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يجنب في ثوبه ليس معه غيره ولا يقدر على غسله ، قال : يصلِّي فيه » (2). ومنها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى علیه السلام قال : « سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوباً نصفه دم أو كله دم ، يصلِّي فيه أو يصلِّي عرياناً؟ قال : إن وجد ماء غسله ، وإن لم يجد ماء صلّى فيه ولم يصل عرياناً » (3). ومنها : غير ذلك من الأخبار.

وبأزائها جملة من الأخبار دلت على وجوب الصلاة عارياً منها : مضمرة سماعة قال : « سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض وليس عليه إلاّ ثوب واحد وأجنب فيه وليس عنده ماء كيف يصنع؟ قال : يتيمم ويصلي عرياناً قاعداً يومي إيماء » (4). ومنها : مضمرته الأُخرى قال : « سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض فأجنب وليس عليه إلاّ ثوب فأجنب فيه وليس يجد الماء؟ قال : يتيمم ويصلي عرياناً قائماً يومي إيماء » (5). ومنها : رواية محمد بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة وليس عليه إلاّ ثوب واحد وأصاب ثوبه مني؟ قال : يتيمم ويطرح ثوبه ويجلس مجتمعاً فيصلي ويومي إيماء » (6). ومنها غير ذلك من الأخبار.

هذه هي الأخبار الواردة في المسألة ، فمن الأصحاب من رجح الطائفة السابقة على الثانية ، لاشتمالها على المرجح الداخلي أعني صحتها وكونها أكثر عدداً من الثانية


1) الوسائل 3 : 484 / أبواب النجاسات ب 45 ح 3.

2) الوسائل 3 : 484 / أبواب النجاسات ب 45 ح 4.

3) الوسائل 3 : 484 / أبواب النجاسات ب 45 ح 5.

4) الوسائل 3 : 486 / أبواب النجاسات ب 46 ح 1.

5) الوسائل 3 : 486 / أبواب النجاسات ب 46 ح 3.

6) الوسائل 3 : 486 / أبواب النجاسات ب 46 ح 4.

ومنهم من عكس الأمر لاشتمال الطائفة الثانية على المرجح الخارجي أعني عمل المشهور على طبقها ، ومنهم جمع ثالث قد أخذوا بكل واحدة من الطائفتين لما فيهما من المرجحات ، ومن هنا ذهبوا إلى التخيير بين الصلاة عارياً وبين الإتيان بها في الثوب المتنجس.

وذهب صاحب المدارك إلى عدم المعارضة بين الطائفتين ، لأن الطائفة الأُولى صحاح بخلاف الثانية ولا اعتبار بغير الصحيحة ولو كان موثقة (1). وما ذكره قدس سره متين على ما سلكه من عدم حجية غير ما يرويه الإمامي العدل أو الثقة ، وأما بناء على ما هو الصحيح المعمول به من كون الموثقة كالصحيحة في الاعتبار فلا وجه لما أفاده ، لأن الطائفتين حينئذ على حد سواء ولا يكون وصف الصحة مرجحاً أبداً ومعه لا مزيّة في البين والطائفتان متعارضتان.

والذي يوهن الطائفة الثانية أن روايتي سماعة مضمرتان ، وليس سماعة في الجلالة والاعتبار كمحمد بن مسلم وزرارة وأضرابهما حتى لا يحتمل سؤاله عن غير الإمام ، ولعلّه سأل غيره ولو ممن رآه أهلاً للسؤال ، ومن المحتمل أن يكون قد سأل شخصين آخرين غير الإمام علیه السلام . ويؤكده اختلاف الروايتين في الجواب حيث ورد في إحداهما : « إنه يصلِّي قاعداً » ودلت الأُخرى على أنه يصلي قائماً ، ومعه كيف يمكن الجزم بأن المسئول في الروايتين هو الإمام علیه السلام . فالروايتان ساقطتان عن الاعتبار.

وأما رواية الحلبي ففي سندها محمد بن عبد الحميد ، وأبوه عبد الحميد وإن كان موثقاً وقد ورد في صحيحة إسماعيل بن بزيع : « إذا كان القيّم به مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس » (2)إلاّ أن ابنه الواقع في سلسلة الحديث وهو محمد لم تثبت وثاقته ، فان كل من وثقه من علماء الرجال قد تبع النجاشي في توثيقه ، ولكن العبارة المحكية عنه غير وافية في توثيق الرجل ، حيث قال في محكي كلامه : « محمد بن


1) راجع المدارك 2 : 360 361.

2) الوسائل 17 : 363 / أبواب عقد البيع وشروطه ب 16 ح 2.

عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسى علیه السلام وكان ثقة من أصحابنا الكوفيين » (1). وهذه العبارة وإن صدرت منه عند ترجمة محمد بن عبد الحميد إلاّ أن ظاهر الضمير في قوله « كان ثقة » أنه راجع إلى أبيه وهو عبد الحميد لا إلى ابنه ، ولو لم يكن الضمير ظاهراً في ذلك فلا أقل من إجماله فلا يثبت بذلك وثاقة الرجل ، وبهذا تسقط الرواية عن الاعتبار وتبقى الصحاح المتقدمة الدالة على وجوب الصلاة في الثوب المتنجس من غير معارض ، هذا.

ثم لو سلّمنا المعارضة بين الطائفتين فقد يتوهم أن هناك شاهد جمع بين الطائفتين وهو رواية محمد الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره؟ قال : يصلي فيه إذا اضطرّ إليه » (2)بدعوى أنها تقتضي حمل الصحاح المتقدمة على صورة الاضطرار إلى لبس الثوب المتنجس ، وحمل الطائفة المانعة على صورة التمكن من نزعه.

وهذا الجمع وإن كان لا بأس به صورة إلاّ أنه بحسب الواقع لا يرجع إلى محصل صحيح أمّا أوّلاً : فلأن الرواية ضعيفة من جهة القاسم بن محمد. وأمّا ثانياً : فلأنه لم يثبت أنّ الاضطرار في الرواية أُريد به الاضطرار إلى لبس المتنجس ، لاحتمال أن يراد به الاضطرار إلى الصلاة في الثوب لما قد ارتكز في أذهان المتشرعة من عدم جواز إيقاع الصلاة من دون ثوب ، فهو مضطر إلى الصلاة فيه لوجوبها كذلك بالارتكاز فاضطراره مستند إلى وجوب الصلاة لا أنه مضطر إلى لبسه ، وبما أنه لم يفرض في الرواية عدم تمكن المكلّف من الغسل ، فلا محالة يتمكن من الصلاة في الثوب الطاهر بغسله ولا يكون مضطراً إلى إيقاع الصلاة في الثوب المتنجس.

وأمّا ثالثاً : فلأن الاضطرار لو سلمنا أنه بمعنى الاضطرار إلى لبس المتنجس لا يمكننا حمل الصحاح المتقدمة على صورة الاضطرار ، لأن فيها روايتين صريحتين في عدم إرادتها ، إحداهما : صحيحة علي بن جعفر قال : « سألته عن رجل عريان


1) رجال النجاشي : 339 / 906.

2) الوسائل 3 : 485 / أبواب النجاسات ب 45 ح 7.

وحضرت الصلاة ... إلى أن قال يصلِّي عرياناً » لأنها صريحة في عدم اضطرار الرجل إلى لبس الثوب المتنجس ، وثانيتهما : صحيحة الحلبي سأل أبا عبد اللّه عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول لا يقدر على غسله لأنها فرضت أن الرجل غير قادر على غسله فلا بد من قدرته على نزعه وإلاّ لكان الأولى والأنسب أن يقول : ولا يقدر على نزعه ، فهي أيضاً صريحة في عدم الاضطرار إلى لبس المتنجس وإن كانت في الصراحة دون الصحيحة المتقدمة. ونظيرها صحيحة عبد الرحمن فليراجع.

وأمّا ما عن الشيخ قدس سره من الجمع بين الطائفتين بحمل الصلاة في الصحاح المتقدِّمة على صلاة الجنائز (1)، وحمل الدم في صحيحة علي بن جعفر على الدم المعفو عنه (2)فيدفعه : أنه على خلاف ظواهر الصحاح فلا موجب للمصير إليه وعليه فالطائفتان متعارضتان ، بل من أظهر موارد المعارضة فلا مناص من علاجها. وقد مر أن للطائفة الأُولى مرجحاً داخلياً وهو صحتها وكونها أكثر عدداً ، وللثانية مرجحاً خارجياً وهو عمل الأصحاب على طبقها إلاّ أنهما غير صالحين للمرجحية. أما عمل الأصحاب على طبق الرواية فلوضوح أن عملهم ليس من مرجحات المتعارضين على ما قرّرناه في محلِّه (3)ولا سيما في المقام حيث إنهم كما عملوا بالطائفة الثانية كذلك عملوا بالطائفة المتقدمة ، غاية الأمر أن العامل بالثانية أكثر من العامل بالسابقة. وأما صحة الرواية وأكثريتها عدداً فلأن الطائفة الثانية بعد البناء على اعتبارها حجة معتبرة فهي والطائفة السابقة متساويتان فلا اعتبار بوصف الصحة ولا بكثرة أحدهما عدداً.

فالصحيح في وجه المعالجة أن يقال : إن لكل من الطائفتين نصاً وظهوراً ، ومقتضى الجمع العرفي بينهما أن نرفع اليد عن ظاهر كل منهما بنص الأُخرى على ما هو الضابط الكلي في علاج المعارضة بين الدليلين ، حيث يقدم ما هو أقوى دلالة على الآخر فالأظهر يتقدّم على الظاهر والنص يتقدّم على الأظهر وهذا جمع عرفي لا تصل معه


1) التهذيب 2 : 224 ذيل الحديث 885.

2) التهذيب 2 : 224 ذيل الحديث 886.

3) مصباح الأُصول 3 : 412.

النوبة إلى الترجيح ، وحيث إنّ الطائفة الثانية صريحة في جواز الصلاة عارياً وظاهرة في تعينها ، فإنّ الإطلاق في صيغ الأمر والجملات الخبرية وسكوت المتكلم عن ذكر العدل في مقام البيان يقتضي التعيين ، والطائفة المتقدمة صريحة في جواز الصلاة في الثوب المتنجس وظاهرة في تعينها ، فنرفع اليد عن ظهور كل منهما بنص الأُخرى لا محالة والنتيجة هي التخيير ، وأنّ المكلّف لا بدّ من أن يأتي بأحدهما فاما أن يصلي في الثوب المتنجس وإما أن يصلي عارياً كما ذهب إليه جمع من المحققين.

وربما يورد على الجمع بينهما بذلك بما ذكره شيخنا الأُستاذ قدس سره في مبحث الترتب والواجب التخييري ، من أن الضدين اللذين لا ثالث لهما يستحيل أن يجعل التخيير بينهما (1)لأنه بمعنى طلب أحدهما الراجع إلى طلب الجامع بينهما ، وهذا في موارد المتناقضين والضدين لا ثالث لهما حاصل بطبعه ، إذ المكلف يأتي بأحدهما في نفسه فلا حاجة إلى طلبه لأنه من تحصيل الحاصل المحال ، ولأجل ذلك منع عن الترتب في مثلها ، فان المكلف عند تركه لأحدهما يأتي بالآخر بطبعه فلا مجال للأمر به حينئذ لأنه من تحصيل الحاصل كما عرفت. ويطبّق ذلك على ما نحن فيه بأنّ الصلاة عارياً والصلاة في الثوب المتنجس ضدّان لا ثالث لهما ، حيث إنّ الأخبار في المسألة بعد الفراغ عن وجوب أصل الصلاة وأنه لا بدّ أن يصلِّي لا محالة اختلفت في قيدها ، فدلّت طائفة على أنها مقيّدة بالإتيان بها عارياً ودلّت الأُخرى على أنها مقيّدة بالإتيان بها متستِّراً بالثوب المتنجس ، ومن الظاهر أنّ المصلِّي في مفروض المسألة إما أن يصلِّي عارياً وإما أن يصلي متستراً بالنجس ولا ثالث لهما فالتخيير بينهما أمر غير معقول.

ولكن الصحيح أن التخيير بينهما معقول لا محذور فيه ، وذلك لأن التخيير المدعى ليس هو التخيير بين إتيان الصلاة عارياً أو متستراً ، بل المراد تخيير المكلّف بين أن يصلِّي عارياً مع الإيماء في ركوعه وسجوده قائماً أو قاعداً ، وبين أن يصلِّي في الثوب المتنجس مع الركوع والسجود التامّين الصحيحين ، حيث إنه إذا صلّى عارياً يتعيّن أن


1) لاحظ فوائد الأُصول 2 : 372 ، 3 : 444.

[281] مسألة 5 : إذا كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما يكرّر الصلاة (1)


يومي في ركوعه وسجوده ، وإذا صلّى متستراً يتعين أن يركع ويسجد بحيث لو صلّى في الثوب المتنجس مع الإيماء في ركوعه أو سجوده أو صلّى عارياً مع الركوع والسجود بطلت صلاته. ومن الواضح أن الصلاة عارياً مومياً في الركوع والسجود والصلاة في الثوب المتنجس مع الركوع والسجود التأمين ضدان لهما ثالث ، حيث له أن يصلِّي عارياً من غير إيماء في ركوعه وسجوده أو في الثوب المتنجس مؤمياً فيهما ومعه لا محذور في الحكم بالتخيير بوجه. نعم ، الأحوط الأولى أن يصلي في الثوب المتنجس لأن الواجب وإن كان تخييرياً حسبما قدمناه من الدليل بناء على تعارض الطائفتين إلاّ أن الأمر بحسب الواقع دائر بين التعيين والتخيير ، إذ الصلاة في الثوب المتنجس تجزئ يقيناً ، لأنها إما متعينة لرجحان أدلتها أو أنها عِدل الواجب التخييري ، وهذا بخلاف الصلاة عارياً لاحتمال أن يكون المتعين وقتئذ هو الصلاة في الثوب المتنجس كما مرّ ، هذا.

بل يستفاد من صحيحة علي بن جعفر المتقدمة أفضلية الصلاة في الثوب المتنجس حيث ورد فيها « صلّى فيه ولم يصل عرياناً » وظاهره مرجوحية الصلاة عارياً ونفي مشروعيتها ، فاذا رفعنا اليد عن ظهورها في نفي المشروعية بما دلّ على مشروعيتها عارياً بقيت مرجوحيتها بحالها ، هذا كله فيما إذا كان له ثوب واحد متنجس.

(1) إذا تمكن المكلف من غسل أحدهما يغسله ويصلي فيه وبه يقطع بفراغ ذمته لأن ما غسله إما كان طاهراً من الابتداء وإما كان نجساً فطهّره بغسله ، وأما إذا لم يتمكّن من غسل شي‌ء منهما فهل يجب عليه أن يكرر الصلاة في المشتبهين كما هو المعروف بينهم أو يصلي عرياناً كما عن ابني إدريس وسعيد؟ والكلام في ذلك تارة من جهة مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن الدليل وأُخرى من جهة النص الوارد في المسألة.

أمّا الجهة الاولى : فلا ينبغي الإشكال في أن مقتضى العلم الإجمالي بوجوب الصلاة في أحدهما الإتيان بها في كل واحد من الثوبين تحصيلاً لليقين بفراغ ذمته

والعلم بنجاسة أحدهما غير المعيّن غير مانع عن الحكم بصحة الصلاة الواقعة في الثوب الطاهر منهما ، لعدم الإخلال حينئذ بشي‌ء مما اعتبر في صحة الصلاة شرعاً أو عقلاً ، حيث إن العبادة كما مرّ غير مرّة لا يعتبر في صحتها إلاّ أن يؤتى بها مضافة إلى اللّه سبحانه نحو إضافة ، ولا كلام في أن المكلف إذا صلّى في أحدهما برجاء أنها المأمور بها في حقه ثم صلّى في الآخر كذلك قطع بأنه أتى بصلاة مضافة إلى اللّه جلّ شأنه ، فإن ما أتى به من الصلاتين أما طاعة أو انقياد ، ولا يعتبر في صحتها القطع بطهارة ثوبه أو بدنه على سبيل الجزم واليقين حين اشتغاله بها ، بل الطهارة الواقعية والإتيان بها برجاء كونها واقعة في الثوب الطاهر تكفي في صحتها.

فتحصّل أنّ الاحتياط بتكرار الصلاة في الثوبين المشتبهين غير مخل بقصد التقرب المعتبر في العبادات زائداً على ذواتها. وأما قصد الوجه فلا إخلال به أيضاً بناء على اعتباره وذلك لأن المصلي متمكن من أن يأتي بالمأمور به المردد بينهما بقصد الوجه وصفاً أو غاية ، بأن يأتي بالصلاة المأمور بها بوصف كونها واجبة في حقه أو لوجوبها. نعم ، التكرار إنما يخل بالتمييز إلاّ أنه مما لم يقم على وجوبه دليل عقلي ولا سمعي ، بل الدليل قائم على عدم وجوبه لأنه مما يبتلي به الناس مرات متعددة في كل يوم ، فلو كان مثله واجباً لوجب عليهم علیهم السلام البيان ، ولو كانوا بيّنوا وجوبه لوصل إلينا متواتراً أو شبهه ، فعدم الدليل في مثله دليل على عدم الوجوب هذا.

ثم لو سلمنا وجوبه فلا إشكال في أنه ليس في عرض سائر الأجزاء والشرائط وإنما اعتباره في طولها ، حيث يجب الإتيان بالأجزاء والشرائط متميزة عن غيرها فاذا دار الأمر في مثله بين إلغائه وبين الإخلال بسائر الأجزاء والشرائط تعين إلغاؤه فإنه إنما يجب إذا تمكن المكلف من إتيان العمل بأجزائه وشرائطه فعند ذلك يجب أن يؤتى بها متميزة ، دون ما إذا لم يتمكن من إتيان العمل كذلك فإنه لا معنى حينئذ للقول بوجوب الإتيان به متميزاً فلا محالة يسقط اعتباره ، فلا يدور الأمر في شي‌ء من الموارد بين ترك جزء أو شرط وبين الإتيان بالعمل متميزاً والأمر في المقام أيضاً كذلك ، فلا يجب الإتيان بالصلاة عارياً لأجل التحفظ على اعتبار التمييز في أجزاء

الصلاة وشرائطها. فعلى ذلك لا مجال فيما نحن فيه لدعوى ابني إدريس (1)وسعيد (2)تعيّن الصلاة عارياً نظراً إلى أنّ تكرارها يوجب الإخلال ببعض القيود المعتبرة في المأمور به.

هذا كلّه إذا قلنا إن حرمة الصلاة في المتنجس تشريعية كما هو الصحيح لأن النهي الوارد عن الصلاة فيه إرشاد إلى مانعية النجس وليس نهياً مولوياً ، وعليه فالصلاة في الثوب أو البدن المتنجسين إنما يحرم إذا أتى بها المكلف بقصد أمرها ومضيفاً لها إلى اللّه لأنه تشريع محرم ، والتشريع لا يتحقق باتيانهما رجاء ومن باب الاحتياط. وأما إذا بنينا على أن الصلاة في النجس محرمة بالذات نظير سائر المحرمات المولوية فهل يجب أن يكرر الصلاة تحصيلاً لموافقة الأمر بالصلاة في الثوب الطاهر وإن استلزم المخالفة القطعية للنهي عن الصلاة في الثوب المتنجس أو تجب عليه الصلاة عرياناً تحصيلاً لموافقة النهي عن الصلاة في النجس وإن استلزم العلم بمخالفة الأمر بالصلاة في الثوب الطاهر أو يصلِّي في أحد المشتبهين مخيراً لأنه موافقة احتمالية من جهة ومخالفة احتمالية من جهة؟

يمكن أن يقال : للمكلف علمان إجماليان في المقام : أحدهما العلم بطهارة أحد الثوبين وثانيهما العلم بنجاسة أحدهما ، والموافقة القطعية للعلم الإجمالي بطهارة أحدهما يتوقف على تكرار الصلاة فيهما ، كما أن الموافقة القطعية للعلم الإجمالي بنجاسة أحدهما تتوقف على أن لا يصلِّي في شي‌ء من المشتبهين ، وحيث إن المكلّف غير متمكِّن من إحراز الموافقة القطعية لكليهما فلا محالة تقع المزاحمة بين التكليفين في مقام الامتثال وحينئذ لا بدّ من العمل بما هو الأهم منهما إن كان وإلاّ يتخيّر بينهما لا محالة ، فإذا فرضنا أن حرمة الصلاة في النجس أهم بحيث لم يرض الشارع بمخالفتها ولو على نحو الاحتمال يتعين القول بوجوب الصلاة عارياً تحصيلاً لموافقة النهي عن الصلاة في النجس ، وهو وإن استلزم العلم بمخالفة الأمر بالصلاة في الثوب الطاهر إلاّ


1) السرائر 1 : 184 185.

2) الجامع للشرائع : 24.

أنّ أهمية الحرمة توجب سقوط اشتراط الصلاة بطهارة اللباس فتجب الصلاة عارياً ولا يجوز تكرارها في المشتبهين لاستلزامه مخالفة النهي عن الصلاة في النجس ، ولا يصلِّي في أحدهما مخيراً لئلا تلزم المخالفة الاحتمالية لعدم رضا الشارع بمخالفة الحرمة ولو على نحو الاحتمال. وإذا فرض أن وجوب الصلاة في الثوب الطاهر أهم فلا بد من تكرارها في المشتبهين تحصيلاً للموافقة القطعية للأمر بالصلاة في الثوب الطاهر وليس له أن يصلي عارياً لاستلزامه المخالفة للواجب الأهم ، ولا أن يصلي في أحدهما دون الآخر للزوم المخالفة الاحتمالية ولا يرضى الشارع بمخالفة الواجب ولو على نحو الاحتمال. وأما إذا لم تحرز أهمية أحدهما عن الآخر وكان الحكمان متساويين من جميع الجهات فلا بد من الحكم بالتخيير بينهما هذا.

ولكن الصحيح أن الواجب لو قلنا بحرمة الصلاة في النجس ذاتاً هو الصلاة عارياً دون تكرارها ولا الصلاة في أحد المشتبهين ، وذلك للعلم الخارجي بأن الأجزاء والشرائط المعتبرة في الصلاة لا تزاحم شيئاً من المحرمات والواجبات ، حيث إن لها مراتب متعددة ومع العجز عما هو الواجب في حق المكلف المختار يتنزل إلى ما دونه من المراتب النازلة ، وسرّه أن القدرة المعتبرة في الأجزاء والقيود قدرة شرعية ، فمع توقف إحراز شي‌ء منهما على ترك الواجب أو مخالفة الحرام يسقط عن الوجوب لعدم تمكن المكلف منه شرعاً ، فيتنزل إلى الصلاة فاقدة الشرط أو الجزء فلا مساغ لارتكاب المحرم أو ترك الواجب مقدمة لإتيان شي‌ء من القيود المعتبرة في الصلاة ومن هنا لو علمنا بغصبية أحد الثوبين أو بكونه حريراً لا يمكن الحكم بوجوب الصلاة في كليهما لتحصيل الموافقة القطعية للأمر بالصلاة ، كما لا يمكن الحكم بالتخيير بينهما ، وعليه ففي المقام لا مساغ للحكم بوجوب الصلاة في كلا المشتبهين تحصيلاً لليقين بإتيان الصلاة في الثوب الطاهر ، بل تسقط شرطية التستر حينئذ وتصل النوبة إلى المرتبة الدانية وهي الصلاة فاقدة للتستر هذا.

وإن شئت قلت : إن القدرة المعتبرة في الصلاة في الثوب الطاهر شرعية ، والقدرة المأخوذة في ترك المحرم كالصلاة في النجس عقلية ، وعند تزاحم التكليفين المشروط أحدهما بالقدرة الشرعية يتقدّم ما هو المشروط بالقدرة العقلية على غيره

وإن لم يتمكّن إلاّ من صلاة واحدة يصلِّي في أحدهما ، لا عارياً (1)


كما حرّرناه في محلِّه (1)هذا.

والذي يسهّل الخطب أن المبنى فاسد من أساسه ولا موجب للقول بحرمة الصلاة في النجس ذاتاً. هذا كله في الجهة الأُولى.

وأمّا الجهة الثانية ففي حسنة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن علیه السلام « أنه كتب إليه يسأله عن الرجل معه ثوبان فأصاب أحدهما بول ولم يدر أيّهما هو وحضرت الصلاة وخاف فوتها وليس عنده ماء كيف يصنع؟ قال : يصلِّي فيهما جميعاً » (2)وقد مر أن تكرار الصلاة في المشتبهين هو المطابق للقاعدة ، فما ذهب إليه ابنا إدريس وسعيد من وجوب الصلاة عارياً عند اشتباه الثوب الطاهر بغيره اجتهاد في مقابل النص الصريح. ولعل صاحب السرائر إنما ترك العمل على طبق الحسنة من جهة عدم اعتبار الخبر الواحد عنده كما هو أصله ومسلكه. وأما مرسلة الشيخ قدس سره : « روي أنه يتركهما ويصلِّي عرياناً » (3)فهي ضعيفة بإرسالها ولم يعمل المشهور على طبقها حتى يتوهّم انجبار ضعفها بعملهم ، فاذن لا يمكننا الاعتماد عليها بوجه ، هذا كله فيما إذا تمكن من تكرار الصلاة في المشتبهين.

(1) إذا لم يتمكّن إلاّ من صلاة واحدة لضيق الوقت أو لغيره من الأعذار فهل يصلي في أحدهما أو يصلِّي عارياً أو يتخيّر بينهما؟ فان قلنا بوجوب الصلاة في الثوب النجس عند دوران الأمر بين الصلاة فيه والصلاة عارياً كما قلنا به ، حسبما استفدناه من الأخبار الواردة في تلك المسألة من أن شرطية التستر أقوى من مانعية النجاسة في الصلاة ، فلا بدّ في المقام من الحكم بوجوب الصلاة في أحد المشتبهين ، لأن شرطية التستر إذا كانت أهم من مانعية النجس ومتقدمة عليها عند العلم به فتتقدم عليها عند الشك في النجاسة بالأولوية القطعية ، لوضوح أن الصلاة إذا وجبت مع العلم بمقارنتها


1) مصباح الأُصول 3 : 358.

2) التهذيب 2 : 225 ح 887. الفقيه 1 : 161 ح 757.

3) المبسوط 1 : 39.

لوجود ما هو مانع في طبعه فلا محالة تكون واجبة عند احتمال مقارنتها له بطريق أولى.

وإن شئت قلت : إن تقديم الصلاة في الثوب النجس على الصلاة عارياً إنما هو من جهة أهمية الركوع والسجود عند الشارع من شرطية طهارة الثوب في الصلاة حسبما يستفاد من الأخبار لما مرّ من أنه إذا صلّى عارياً يومي في ركوعه وسجوده ، فاذا اقتضت أهمية الركوع والسجود تعين الصلاة في الثوب المعلوم نجاسته فتقتضي أهميتهما وجوبها في الثوب المحتمل نجاسته بالأولوية القطعية كما مرّ.

وأما إن قلنا في تلك المسألة بوجوب الصلاة عارياً فهل يجب القول به فيما نحن فيه أو لا بد في المقام من الحكم بوجوب الصلاة في أحد المشتبهين؟ الظاهر أنه لا علاقة بين المسألتين لأنّا لو قلنا هناك بوجوب الصلاة عارياً فإنما نلتزم به للنصوص ، وهي إنما وردت في مورد دوران الأمر بين الصلاة عارياً والصلاة في الثوب المعلوم نجاسته ولا مسوغ للتعدِّي عن موردها إلى ما إذا كان الثوب مشكوك النجاسة ، وذلك للفرق بين الصورتين حيث إن المكلف في مورد النصوص غير متمكن من الصلاة في الثوب الطاهر لانحصار ثوبه بما يعلم بنجاسته ، وأما من كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما فهو متمكن من الإتيان بالصلاة في الثوب الطاهر يقيناً لطهارة أحد المشتبهين على الفرض ، وغاية الأمر لا يتمكن من تمييزه وتشخيص أن الصلاة الواقعة في الثوب الطاهر أيّ منهما.

فالمتعين أن يصلِّي في أحد المشتبهين فيما نحن فيه ولا يمكنه الصلاة عارياً لأنه يوجب القطع بكونها فاقدة لشرطها ، وهذا بخلاف الصلاة في أحد المشتبهين لأنّ غاية ما يترتّب عليها احتمال اقترانها بالنجاسة ، ومع دوران الأمر بين الموافقة الاحتمالية والمخالفة القطعية لا إشكال في أن الاولى أولى ، وهي متقدمة على المخالفة القطعية عند العقل لاستقلاله بعدم جواز المخالفة القطعية مع التمكن من الموافقة الاحتمالية ولا يرى المكلّف مخيّراً بينهما ، فالمتيقن هو الصلاة في أحد المشتبهين مع سعة الوقت وضيقه. نعم لو كنّا اعتمدنا في تلك المسألة على أن مانعية النجاسة أهم من شرطية التستر في الصلاة لأمكن التعدي إلى ما نحن فيه إلاّ أن الأمر ليس كذلك كما عرفت.

والأحوط القضاء (1)خارج الوقت في الآخر أيضاً إن أمكن وإلاّ عارياً (1).


(1) ما سردناه في المسألة المتقدِّمة إنما هو بالإضافة إلى وظيفة المكلّف في الوقت وهل يجب عليه القضاء خارج الوقت لعدم إحراز امتثال الواجب في وقته ، لجواز أن يكون ما أتى به من الصلاة واقعة في الثوب النجس ومن هنا احتاط الماتن بالقضاء خارج الوقت في الثوب الآخر إن أمكن وإلاّ فعارياً أو لا يجب؟ التحقيق عدم وجوبه وذلك لأنّ القضاء إنما هو بأمر جديد ، وموضوعه فوت الفريضة في وقتها ولم يتحقّق هذا في المقام ، فانّ الواجب على المكلّف في ظرفه لم يكن سوى الإتيان بالصلاة في أحد المشتبهين ، لاستقلال العقل بلزوم الموافقة الاحتمالية والتنزّل إلى الامتثال الإجمالي عند عدم التمكن من الموافقة القطعية للمأمور به ، وحيث إن المكلف أتى به في ظرفه فنقطع بعدم فوت الواجب عنه في وقته. نعم ، لو كان وجوب القضاء متفرعاً على ترك الواجب الواقعي ثبت ذلك بالاستصحاب أو بغيره من المنجّزات ولا محالة لزم الحكم بوجوب القضاء في المسألة ، ولكن الأمر ليس كذلك.

هذا ولو شككنا في ذلك ولم ندر في النتيجة أن الفوت يصدق مع الإتيان بما هو الواجب في وقته أو لا يصدق نحكم بعدم وجوب القضاء أيضاً لأنه مورد للبراءة وهو ظاهر.

ثم إنه بناء على القول بوجوب القضاء في المسألة فلا إشكال في أن القضاء في الثوب الآخر يولد القطع بإتيان الصلاة في الثوب الطاهر في الوقت أو في خارجه للقطع بطهارة أحدهما ، وأما القضاء عارياً فلم نقف له على وجه صحيح ، حيث إن وجوب القضاء ليس على الفور والمضايقة وإنما هو واجب موسع ، ومعه كان الواجب على المكلف أن يصبر إلى أن يتمكن من الصلاة في الثوب الطاهر ولو بعد سنين متمادية ، فلا وجه للحكم حينئذ بوجوب الصلاة عليه عارياً. اللّهمّ إلاّ أن نقول


1) (*) وإن كان الأظهر عدم وجوبه في الفرض ، وعلى تقدير وجوبه لا تصل النوبة إلى الصلاة عارياً إلاّ مع لزوم التعجيل في القضاء.

[282] مسألة 6 : إذا كان عنده مع الثوبين المشتبهين ثوب طاهر لا يجوز (1)أن يصلِّي فيهما بالتكرار. بل يصلي فيه (1). نعم ، لو كان له غرض عقلائي في عدم الصلاة فيه لا بأس بها فيهما مكرّراً (2).


بالمضايقة والفور في وجوب القضاء حيث يتعيّن القضاء حينئذ عارياً إن لم يتمكّن من الصلاة في الثوب الآخر.

(1) تبتني هذه المسألة على القول بعدم جواز الاحتياط مع التمكّن من الامتثال التفصيلي عند استلزامه التكرار ، وعمدة الوجه في ذلك أن الاحتياط يوجب الإخلال بالجزم بالنيّة المعتبرة حال العمل لعدم علم المكلف عند الاحتياط بأن ما يأتي به امتثال للتكليف المتوجه إليه وأنه مما ينطبق عليه المأمور به ، ولكنّا أسلفنا في محلِّه (2)أن العبادة لا تمتاز عن غيرها إلاّ باعتبار إتيانها مضافة إلى المولى سبحانه نحو إضافة ، وأما الجزم بالنية فلم يقم على اعتباره في العبادات دليل. نعم الاحتياط إنما يخل بالتمييز إلاّ أنه أيضاً كسابقه مما لا دليل عليه ، وبما أن المكلف يأتي بكلتا الصلاتين مضافة بهما إلى اللّه فلا مناص من الحكم بصحة الصلاة والالتزام بأن الامتثال الإجمالي كالتفصيلي مطلقا.

(2) العبادة إنما يعتبر في صحتها أن يؤتى بها بداع قربي إلهي ، وأما خصوصياتها الفردية من حيث الزمان والمكان وغيرهما فهي موكولة إلى اختيار المكلفين وللمكلف أن يختار أية خصوصية يريدها بلا فرق في ذلك بين استناد اختياره الخصوصيات الفردية إلى داع عقلائي وعدمه ، كما إذا اختار الصلاة في مكان مشمس بلا داع عقلائي في نظره فان صلاته محكومة بالصحة حيث أتى بها بقصد القربة والامتثال ، هذا بحسب خصوصيات الأفراد العرضية أو الطولية. وكذلك الحال في المقام فإنّ العبادة بعد ما كانت صادرة بداعي القربة فلا محالة يحكم بصحتها ، سواء


1) (*) على الأحوط ، والأظهر جوازها فيهما.

2) في مصباح الأُصول 2 : 83.

[283] مسألة 7 : إذا كان أطراف الشبهة ثلاثة يكفي تكرار الصلاة في اثنين سواء علم بنجاسة واحد وبطهارة الاثنين ، أو علم بنجاسة واحد وشك في نجاسة الآخرين ، أو في نجاسة أحدهما ، لأن الزائد على المعلوم محكوم بالطهارة ، وإن لم يكن مميزاً ، وإن علم في الفرض بنجاسة الاثنين يجب التكرار بإتيان الثلاث ، وإن علم بنجاسة الاثنين في أربع يكفي الثلاث والمعيار كما تقدّم سابقاً التكرار إلى حد يعلم وقوع أحدها في الطاهر (1).

[284] مسألة 8 : إذا كان كل من بدنه وثوبه نجساً ، ولم يكن له من الماء إلاّ ما يكفي أحدهما فلا يبعد التخيير والأحوط تطهير البدن (2)


أكان اختياره الامتثال الإجمالي أو التفصيلي بداع عقلائي أم لم يكن. وعلى الجملة لا يعتبر في صحة الصلاة في الثوبين المشتبهين أن يكون اختيار هذا النوع من الامتثال مستنداً إلى داع عقلائي ، بل اللاّزم أن يكون أصل العبادة بداع إلهي والخصوصيات الفردية موكولة إلى اختيار المكلفين.

(1) والضابط أن يزيد عدد المأتي به على عدد المعلوم بالإجمال بواحد ، فإنه بذلك يقطع بإتيان الصلاة في الثوب الطاهر أو بغيره مما يعتبر في صحتها من أجزاء الصلاة وشرائطها.

(2) لعلّ الوجه في احتياطه قدس سره بتطهير البدن والصلاة في الثوب المتنجس أن الثوب خارج عن المصلي ومغاير معه ، وهذا بخلاف بدنه لأنه عضوه بل هو هو بعينه لتركبه منه ومن غيره من أعضائه ، ومع هذه الخصوصية يحتمل وجوب إزالة النجاسة عن البدن بخصوصه فالأحوط اختيارها ، هذا من جهة الحكم التكليفي. وأما من جهة الحكم الوضعي فمع عدم التمكن من التكرار كان الأحوط أن يغسل الثوب إذ معه يقطع بصحة الصلاة ، وأما إذا غسل البدن فمعه يحتمل الصلاة عارياً بحسب الواقع وإن كان الأقوى عدم وجوبها كما مرّ فلا يحصل الجزم بصحة الصلاة في الثوب المتنجس.

ثم إنّ هذه المسألة وغيرها مما يذكره الماتن في المقام وما يتعرض له في بحث الصلاة من دوران الأمر بين الإتيان بجزء أو جزء آخر أو بين شرط وشرط آخر أو عدم مانع وعدم مانع آخر أو بين شرط وجزء وهكذا ، كلها من واد واحد وهي عند المشهور بأجمعها من باب التزاحم ، لوجوب كل واحد من الأمرين في نفسه وعدم تمكن المكلف من امتثالهما معاً بحيث لو قدر عليهما وجبا في حقه وللعجز عن امتثالهما وقعت المزاحمة بينهما ، ومن هنا رجعوا في تمييز ما هو المتعين منهما إلى مرجحات باب التزاحم كالترجيح بالأهمية واحتمالها وبالأسبقية بالوجود.

إلاّ أنّ الصحيح أنّ الموارد المذكورة خارجة عن كبرى التزاحم ومندرجة في التعارض. بيان ذلك : أنّ الميزان في تعارض الدليلين تكاذبهما وتنافيهما في مقام الجعل والتشريع مع قطع النظر عن مرحلة الفعلية والامتثال ، بأن يستحيل جعلهما وتشريعهما لاستلزامه التعبد بالضدين أو النقيضين في مورد واحد كما دلّ على وجوب القصر في من سافر أربعة فراسخ ولم يرد الرجوع ليومه وما دلّ على وجوب التمام فيه ، وذلك للقطع بعدم وجوب صلاة واحدة في يوم واحد قصراً وإتماماً ، وكما دلّ على إباحة شي‌ء وما دلّ على وجوبه أو على عدم إباحته ، فإن تشريع مثلهما مستلزم للجمع بين الضدين أو النقيضين والتعبد بهما أمر غير معقول ، فصدق كل منهما يدل على كذب الآخر ولو بالالتزام. وهذا هو الميزان الكلي في تعارض الدليلين بلا فرق في ذلك بين القول بتبعيّة الأحكام الشرعية للمصالح والمفاسد في متعلقاتها أو في جعلها كما التزم به العدلية والقول بعدم تبعيتها لهما ، لأنّا قلنا بذلك أم لم نقل يستحيل الجمع بين الضدّين أو النقيضين بحسب الجعل والتشريع ، فما عن صاحب الكفاية قدس سره من أن ميزان التعارض أن لا يكون لكلا الحكمين مقتض وملاك بل كان المقتضي لأحدهما (1)فما لا وجه له ، لما مر من أن القول بوجود الملاك في الأحكام وعدمه أجنبيان عن بابي المعارضة والمزاحمة ، بل المدار في التعارض عدم إمكان الجمع بين الحكمين في مرحلة الجعل والتشريع كما مرّ ، هذا.


1) كفاية الأُصول : 155.

على أنّ العلم بالملاك وأنه واحد أو متعدد يحتاج إلى علم الغيب المختص بأهله وليس لنا إلى إحرازه سبيل ، إلاّ أن يستكشف وجوده من الأحكام نفسها ، ومعه كيف يمكن إحراز أنه واحد أو متعدد مع الكلام في تعدد الحكم ووحدته.

أما المتزاحمان فلا مانع من جعل كل منهما على نحو القضية الحقيقية ، فإن الأحكام الشرعية مشروطة بالقدرة عقلاً أو من جهة اقتضاء نفس الخطاب ذلك من غير أن يكون للقضية نظر إلى ثبوت موضوعها وهو القادر وعدمه ، فأي مانع معه من أن يجعل على ذمّة المكلّف وجوب الصلاة في وقت معين إذا قدر عليها ويجعل على ذمته أيضاً وجوب الإزالة أو غيرها على تقدير القدرة عليها ، حيث لا تكاذب بين الجعلين بوجه ولا ينفي أحدهما الآخر أبداً ، بل لا مانع من أن تتكفلهما آيتان صريحتان من الكتاب أو غيره من الأدلة مقطوعة الدلالة والسند ، ولا يقال حينئذ إن الكتاب اشتمل على حكمين متكاذبين.

نعم التنافي بين المتزاحمين إنما هو في مقام الفعلية والامتثال ، لعجز المكلف عن امتثال كلا التكليفين في زمان واحد ، حيث إنّ له قدرة واحدة فأمّا أن يعملها في هذا أو يعملها في ذاك ، فالأخذ بأحد الحكمين في المتزاحمين يقتضي ارتفاع موضوع الحكم الآخر وشرطه ، لأنه إذا صرف قدرته في أحدهما فلا قدرة له لامتثال التكليف الآخر ، وهذا بخلاف الأخذ بأحد المتعارضين لأن الأخذ بأحدهما يقتضي عدم ثبوت الحكم الآخر ، حيث يدل على عدم صدوره لتكاذبهما بحسب مرحلة الجعل والتشريع مع بقاء موضوعه بحاله.

إذا عرفت ما هو الميزان في كل من التعارض والتزاحم فنقول : التزاحم على ما بيّناه في بحث الترتب وغيره إنما يتحقق بين تكليفين استقلاليين لا يتمكن المكلف من الجمع بينهما في الامتثال ، ومقتضى القاعدة حينئذ عدم وجوب امتثالهما معاً ، وأما امتثال أحدهما فحيث إنه متمكن منه فيجب عليه ، إذ لا موجب لسقوط التكليف عن كليهما. نعم ، لا بدّ في تشخيص أن ما يجب امتثاله أيّ من المتزاحمين من مراجعة المرجحات المقرّرة في محلِّها ، بلا فرق في ذلك بين كونهما وجوبيين أو تحريميين أو

بالاختلاف. وأما إذا كان التكليف واحداً متعلقاً بعمل ذي أجزاء وشروط وجودية أو عدمية ، ودار الأمر فيه بين ترك جزء أو جزء آخر أو بين شرط وشرط آخر أو الإتيان بمانع أو بمانع آخر ، فلا تأتي فيه كبرى التزاحم بل هو في مثله أمر غير معقول وذلك فان المركب من جزء وشرط فعل واحد ارتباطي ، بمعنى أن ما دلّ على وجوب كل واحد من الأجزاء والشرائط إرشاد إلى جزئية الجزء أو شرطية الشرط ومعناهما أنّ الركوع مثلاً واجب مقيداً بما إذا تعقبه السجود وهما واجبان مقيدان بتعقب الجزء الثالث ، وجمعها واجب مقيد بتعقبه بالجزء الرابع وهكذا إلى آخر الأجزاء والشرائط ومعه إذا لم يتمكّن المكلّف من جزئين أو شرطين منها معاً سقط عنه الأمر المتعلق بالمركّب لتعذر جزئه أو شرطه ، فان التكليف ارتباطي ووجوب كل من الأجزاء والشرائط مقيد بوجود الآخر كما مرّ.

نعم الدليل القطعي قام في خصوص الصلاة على وجوب الإتيان بما تمكن المكلف من أجزائها وشرائطها ، وأنه إذا تعذرت منها مرتبة تعينت مرتبة اخرى من مراتبها وذلك للإجماع القطعي والقاعدة المتصيدة من أن الصلاة لا تسقط بحال المستفادة مما ورد في المستحاضة من أنها لا تدع الصلاة على حال (1)للقطع بعدم خصوصية للمستحاضة في ذلك ، إلاّ أنه تكليف جديد وهذا الأمر الجديد إما أنه تعلق بالأجزاء المقيّدة بالاستقبال مثلاً أو بالمقيّدة بالاستقرار والطمأنينة ، فيما إذا دار أمر المكلف بين الصلاة إلى القبلة فاقدة للاستقرار وبين الصلاة معه إلى غير القبلة ، للقطع بعدم وجوبهما معاً فوجوب كل منهما يكذّب وجوب الآخر ، وهذا هو التعارض كما عرفت فلا بد حينئذ من ملاحظة أدلّة ذينك الجزئين أو الشرطين فان كان دليل أحدهما لفظياً دون الآخر فيتقدّم ما كان دليله كذلك على غيره بإطلاقه ، فإنّ الأدلّة اللبية يقتصر فيها على المقدار المتيقن.

وإذا كان كلاهما لفظياً وكانت دلالة أحدهما بالعموم ودلالة الآخر بالإطلاق فما كانت دلالته بالعموم يتقدّم على ما دلالته بالإطلاق ، لأنّ العموم يصلح أن يكون


1) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.

قرينة وبياناً للمطلق دون العكس. وإذا كانا متساويين من تلك الجهة فيتساقطان ويتخيّر المكلّف بينهما بمقتضى العلم الإجمالي بوجوب أحدهما ، واندفاع احتمال التعين في أحدهما بالبراءة كما هو الحال في موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير. ولا مساغ حينئذ للترجيح بالأهمية إذ الشك فيما هو المجعول الواقعي سواء أكان هو الأهم أم غيره ، ومن هنا ربما تتعارض الإباحة مع الوجوب مع أنه أهم من الإباحة يقيناً.

ثم إنّا لو أغمضنا عن ذلك وبنينا على أن المدار في التعارض وحدة الملاك والمقتضي وعدم اشتمال كلا المتعارضين عليهما ، أيضاً لا تندرج المسألة في كبرى التزاحم وذلك لأن الصور المحتملة في مقام الثبوت ثلاث لا رابع لها ، إذ الجزءان أو الشرطان اللذان دار الأمر بينهما إما أن لا يكون في شي‌ء منهما الملاك ، وإما أن يكون الملاك لكل منهما بحيث لو أتى بالصلاة فاقدة لشي‌ء منهما بطلت ، وإما أن يكون الملاك لأحدهما دون الآخر.

أما الصورة الأُولى فلازمها الحكم بصحة الصلاة الفاقدة لذينك الجزأين أو الشرطين معاً ، إذ لا ملاك ولا مدخلية لهما في الصلاة وهذا خلاف علمنا الإجمالي بوجوبها مقيّدة بهذا أو بذاك. وأما الصورة الثانية فلازمها سقوط الأمر بالصلاة لمدخلية كل من الجزأين أو الشرطين في صحتها بحيث إذا وقعت فاقدة لأحدهما بطلت ، وبما أن المكلف عاجز عن إتيانهما معاً فيسقط عنه الأمر بالصلاة. وهذا أيضاً على خلاف العلم الإجمالي بوجوبها مقيدة بأحدهما ، ومع بطلان القسمين السابقين تتعين الصورة الثالثة وهي أن يكون المقتضي لأحدهما دون الآخر وهو الميزان في تعارض الدليلين عند صاحب الكفاية (1)قدس سره فعلى مسلكنا ومسلكه لا بد من اندراج المسألة تحت كبرى التعارض. وهذا بخلاف التزاحم بين التكليفين الاستقلاليين ، إذ لا مانع من اشتمال كل منهما على الملاك وبما أن المكلف غير متمكن من امتثالهما فيسقط التكليف عن أحدهما ويبقى الآخر بحاله.


1) كفاية الأُصول : 155.

والمتحصل أن في تلك المسائل لا سبيل للرجوع إلى مرجحات باب التزاحم. والعجب كلّه عن شيخنا الأُستاذ قدس سره حيث ذهب في تلك المسائل إلى الترجيح بتلك المرجحات ولم يدرجها في كبرى التعارض (1)مع أنه ( قدس اللّه سره ) هو الذي أوضح الفرق بين الكبريين معترضاً على القول بأن الأصل عند الشك في الدليلين المتنافيين هو التعارض أو التزاحم بأنه يشبه القول بأن الأصل في الأشياء هل هي الطهارة أو البطلان في البيع الفضولي (2)، فكما لا ربط ولا جامع بين أصالة الطهارة وبطلان البيع الفضولي كذلك لا جامع بين كبرى التعارض والتزاحم. وله قدس سره حاشيتان في مسألة ما إذا دار أمر المكلف بين مكانين في أحدهما قادر على القيام ولكن لا يتمكن من الركوع والسجود إلاّ مومئاً ، وفي الآخر لا يتمكّن من القيام إلاّ أنه يتمكن منهما جالساً ولم يسع الوقت للجمع بينهما بالتكرار ، قدّم في إحدى الحاشيتين الركوع والسجود جالساً على القيام مومئاً فيهما (3)، وعكس الأمر في الحاشية الثانية فقدّم الصلاة مع القيام مومئاً في ركوعها وسجودها على الصلاة مع الركوع والسجود جالساً حيث قال : « الأحوط أن يختار الأول » (4)وقد نظر في إحداهما إلى الترجيح بالأهمية لوضوح أهمية الركوع والسجود من القيام ، ونظر في الثانية إلى الترجيح بالأسبقية في الزمان والوجود. ولم يكن شي‌ء من ذلك مترقباً منه قدس سره . وتعرض الماتن قدس سره للمسألة في بابي القيام والمكان من بحث الصلاة وذهب في كلا الموردين إلى التخيير بينهما (5).

وعلى الجملة أن إدراج تلك المسائل تحت كبرى المتزاحمين انحراف عن جادّة الصّواب ، بل الصحيح أنها من كبرى التعارض ولا بد فيها من الترجيح بما مر. وما ذكرناه في المقام باب تنفتح منه الأبواب فاغتنمه.


1) كتاب الصلاة 2 : 70.

2) أجود التقريرات 2 : 505.

3) العروة الوثقى مع حاشية المحقق النائيني 1 : 278 السادس.

4) العروة الوثقى مع حاشية المحقق النائيني 1 : 309.

5) في المسألة [1477] ، [1345].

وإن كانت نجاسة أحدهما أكثر (1)


(1) النهي عن الطبيعة يتصور على وجهين : فإن المفسدة قد تكون قائمة بصرف الوجود كما أن المصلحة قد تكون كذلك بحيث لو وجد فرد من الطبيعة عصياناً أو اضطراراً ونحوهما تحققت المفسدة في الخارج وفات الغرض الداعي إلى النهي ويعبّر عنه بإرادة خلو صفحة الوجود عن المنهي عنه وفي مثله إذا وجد فرد من أفراد الطبيعة سقط عنها النهي ، ولا يكون في الفرد الثاني والثالث وغيرهما أيّ مفسدة ولا يكون مورداً للنهي ، كما إذا نهى السيد عبيده عن أن يدخل عليه أحد لغرض له في ذلك لا يتحصل إلاّ بخلو داره عن الغير فإنه إذا ورد عليه أحد عصياناً أو غفلة ونحوهما فات غرضه وحصلت المفسدة في الدخول ، فلا مانع من أن يدخل عليه شخص آخر بعد ذلك إذ لا نهي ولا مفسدة.

وقد تكون المفسدة قائمة بمطلق الوجود فيكون النهي حينئذ انحلالياً لا محالة ، وهو وإن كان في مقام الجعل والإنشاء نهياً واحداً إلاّ أنه في الحقيقة ينحل إلى نواهي متعددة لقيام المفسدة بكل واحد واحد من الوجودات والأفراد ، فاذا وجد فرد من الطبيعة لعصيان أو اضطرار فلا يترتب عليه إلاّ سقوط نهيه وتحقق المفسدة القائمة بوجوده ، ولا يحصل به الترخيص في بقية الأفراد لأنها باقية على مبغوضيتها واشتمالها على المفسدة الداعية إلى النهي عن إيجادها ، لأنّ المفسدة القائمة بكل فرد من أفراد الطبيعة تغاير المفسدة القائمة بالفرد الآخر ، وهذا كما في الكذب فإن المفسدة فيه قائمة بمطلق الوجود فاذا ارتكبه في مورد لا يرتفع به النهي عن بقية أفراد الكذب وهذا ظاهر.

وهذا القسم الأخير هو الذي يستفاد من النهي بحسب المتفاهم العرفي فحمله على القسم الأول يحتاج إلى قرينة تقتضيه. فاذا كان هذا حال النواهي النفسية الاستقلالية فلتكن النواهي الضمنية الإرشادية أيضاً كذلك ، فقد يتعلّق النهي فيها بالطبيعة على نحو صرف الوجود ، وإذا وجد فرد من أفرادها سقطت المانعية والحرمة عن الجميع فلا مانع من إيجاد غيره من الأفراد ، وقد يتعلق بالطبيعة على نحو مطلق الوجود

أو أشدّ (1)لا يبعد ترجيحه ().


فيكون النهي انحلالياً ولا يسقط النهي والمانعية بإيجاد فرد من أفرادها بالعصيان أو الاضطرار ، وقد مرّ أن الثاني هو الذي يقتضيه المتفاهم العرفي من النهي والقسم الأول يحتاج إلى دلالة الدليل عليه.

فاذا اضطر المكلف إلى لبس الثوب المتنجس في صلاته فليس له لبس ثوب متنجس آخر بدعوى أن مانعية النجس سقطت بالاضطرار ، وذلك لأن المانعية قائمة بكل فرد من أفراد النجس ولا تسقط عن بقية الأفراد بسقوطها عن فرد للاضطرار إليه ، فلو أتى بفرد آخر زائداً على ما اضطر إليه بطلت صلاته ، وكذلك الحال فيما إذا كان كل من ثوبه وبدنه متنجساً فإنه مع تمكنه من تطهير أحدهما لا يجوز له الصلاة فيهما بل تجب إزالة النجاسة عما يمكنه تطهيره. وكذا إذا كانت نجاسة أحدهما أكثر من نجاسة الآخر يتعين عليه إزالة الأكثر ، لأن الاضطرار إنما هو إلى الصلاة في المتنجس الجامع بين ثوبه وبدنه ولا اضطرار له إلى الصلاة في خصوص ما كانت نجاسته أكثر فإن له أن يكتفي بما كانت نجاسته أقل ، فلو اختار الصلاة فيما نجاسته أكثر بطلت لعدم ارتفاع المانعية عن النجاسة الكثيرة بالاضطرار إلى ما هو الجامع بين القليلة والكثيرة. نعم إذا تمكّن من إزالة النجاسة بمقدار معيّن عن أحدهما كالدرهمين ، يتخيّر بين إزالة النجاسة بمقدارهما عن ثوبه أو بدنه أو بالاختلاف بأن يزيل مقدار درهم من بدنه ومقدار درهم من ثوبه ولعلّه ظاهر.

(1) كما إذا تنجس أحدهما بالدم والآخر بشي‌ء من المتنجسات ، أو تنجس أحدهما بالبول والآخر بالدم ، والبول أشد نجاسة من الدم ، وهل يتعين عليه إزالة الأشد والصلاة في غيره أو يتخير بينهما؟

الثاني هو الصحيح لأنه لا أثر لأشدية النجاسة في المنع عن الصلاة ، لأن المانعية مترتبة على طبيعي النجس ، فخفيفه كشديده وهما في المانعية على حد سواء وإن كان


1) () بل هو الأظهر عند كون أحدهما أكثر.

[285] مسألة 9 : إذا تنجس موضعان من بدنه أو لباسه ، ولم يمكن إزالتهما فلا يسقط الوجوب ويتخيّر (1) إلاّ مع الدوران بين الأقل والأكثر (2) أو بين الأخفّ والأشدّ (3) أو بين متّحد العنوان ومُتعدِّده (4) فيتعيّن الثاني في الجميع (1)


أحدهما أشدّ وجوداً من غيره ، وهذا نظير ما إذا دار أمر المصلِّي بين أن يتكلّم في صلاته قوياً أو يتكلّم ضعيفاً ، حيث يتخيّر بينهما لأنّ قوّة الصوت وضعفه مما لا أثر له من حيث مانعية التكلم أو قاطعيته ، هذا بناء على أن المورد من باب التعارض كما هو الصحيح وأما بناء على أنه من كبرى التزاحم فلا إشكال في أن الأشدية مرجحة ، حيث لا يمكننا دعوى الجزم بتساوي الشديد والخفيف في المانعية عن الصلاة بل نحتمل أن يكون الشديد متعين الإزالة ، واحتمال الأهمية من مرجحات باب التزاحم.

(1) ظهر الوجه في ذلك مما بيّناه آنفاً وقلنا إنّ النهي انحلالي ، والاضطرار إلى فرد من الطبيعة المنهي عنها لا يستتبع سقوط النهي عن بقية الأفراد ، وعليه فيتخيّر بين إزالة هذا الفرد وإزالة الفرد الآخر.

(2) لما مرّ من أن الاضطرار إلى الصلاة في النجس الجامع بين القليل والكثير غير مسوغ لاختيار الفرد الكثير لعدم اضطراره إليه ، فلو صلّى فيه مع الاختيار بطلت صلاته.

(3) في تعيّن الأشدّ إشكال ومنع ، لأنّ الأشدّ كالأخفّ من حيث المانعية في الصلاة وهما من تلك الجهة على حد سواء إلاّ بناء على إدراج المسألة في كبرى التزاحم ، فان احتمال الأهمية في الأشدّ من المرجحات حينئذ.

(4) لاتحاد العنوان وتعدّده موردان : أحدهما : تعدّد العنوان واتحاده من حيث المانعية في الصلاة ، كما إذا أصاب موضعاً من بدنه دم الآدمي أو دم الحيوان المحلل وأصاب موضعاً آخر دم الهرّة أو غيرها مما لا يؤكل لحمه ، فانّ في الأوّل عنواناً واحداً من المانعية وهو عنوان النجاسة ، وفي الثاني عنوانين : أحدهما عنوان النجاسة


1) (*) على الأحوط الأولى في الدوران بين الأخفّ والأشدّ.

بل إذا كان موضع النجس واحداً وأمكن تطهير بعضه لا يسقط الميسور (1) بل إذا لم يمكن التطهير لكن أمكن إزالة العين وجبت (1)(2)


وثانيهما عنوان كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، فان كل واحد منهما عنوان مستقل في المنع عن الصلاة حتى لو فرضنا طهارة دم الهرّة أو غيرها مما لا يؤكل لحمه ، كما إذا ذبحت وقلنا بطهارة الدم المتخلِّف فيما لا يؤكل لحمه على خلاف في ذلك مرّ في محلِّه (2).

وثانيهما : تعدد العنوان واتحاده من حيث النجاسة فحسب ، كما إذا أصاب موضعاً من بدنه دم وأصاب موضعاً آخر دم وبول ، فإن الأول متنجس بعنوان واحد والثاني بعنوانين. فان كان نظر الماتن قدس سره إلى الاتحاد والتعدّد بالمعنى الأوّل فما أفاده متين ، لأنّ الاضطرار إلى الصلاة في النجس الجامع بين ما له عنوان واحد وما له عنوانان لا يستلزمه سقوط النهي والمانعية عن الآخر لعدم الاضطرار إليه ، فلو صلّى فيه مع الاختيار بطلت صلاته. وأما إذا كان نظره إلى الاتحاد والتعدد بالمعنى الأخير فالصحيح هو التخيير فيه بناء على ما قدّمناه من أن المورد من صغريات باب التعارض ، لأنّ المانعية لم تترتب على عنوان الدم أو البول ونحوهما وإنما ترتبت على عنوان النجس ، والنجس نجس استند إلى أمر واحد أو إلى أُمور متعددة فلا فرق بين متحد العنوان ومتعدِّده من هذه الجهة. نعم ، بناء على أن المقام من صغريات التزاحم كان متعدد العنوان متعين الإزالة لاحتمال كونها أهم.

(1) اتضح الوجه في ذلك مما بيّناه في الحواشي المتقدمة ، فإن المانعية انحلالية والمكلف غير مضطر إلى الصلاة فيما لم يطهر بعضه لتمكنه من غسل نصف الموضع النجس مثلاً ، فيتعين غسل المقدار المتمكن منه بحيث لو صلّى فيه من دون تطهير بعضه بطلت صلاته.

(2) فان قلنا إنّ حمل النجس مانع مستقل في الصلاة كما أن نجاسة البدن والثوب


1) (*) على الأحوط الأولى.

2) في ص 13.

بل إذا كانت محتاجة إلى تعدّد الغسل وتمكّن من غسلة واحدة فالأحوط عدم تركها (1)(1) لأنها توجب خفة النجاسة إلاّ أن يستلزم خلاف الاحتياط من جهة أُخرى ، بأن استلزم وصول الغسالة إلى المحل الطاهر (2)


مانعة فلا ينبغي الشك في وجوب إزالة العين حينئذ ، لأنه مضطر إلى الصلاة في النجس ، وبه سقطت مانعية النجاسة في حقه ولا اضطرار له إلى حمل النجس حتى ترتفع مانعية الحمل أيضاً. وأما إذا قلنا بعدم مانعية حمل النجس في الصلاة كما هو غير بعيد فعلى ما سلكناه من إدراج المورد تحت كبرى التعارض لا يفرق في الحكم بصحة الصلاة حينئذ بين إزالة العين وعدمها لأنه مضطر إلى الصلاة في النجس ، وحمل النجاسة لا أثر له على الفرض ، وأما بناء على درج المسألة في كبرى التزاحم فبما أنّا نحتمل أن تكون الصلاة في النجس من دون عين النجاسة أهم منها معها ، فلا محالة يتعيّن إزالة العين لاحتمال الأهمية.

(1) فعلى ما سلكناه من أن هذه المسائل بأجمعها من صغريات كبرى التعارض لا يفرق في الحكم بصحة الصلاة حينئذ بين غسل المتنجس مرّة وعدمه ، لأنّ المانعية مترتبة على عنوان النجس ولا فرق في المانعية بين الشديدة والخفيفة. وأما بناء على أنها من باب التزاحم فحيث يحتمل أن تكون الصلاة في النجس الأخف أهم منها في الأشد ، فلا مناص من غسل المتنجس مرة واحدة ليحصل بذلك تخفيف في نجاسته.

(2) لما ذكرناه في محلِّه (2)من أنّ غير الغسالة التي يتعقبها طهارة المحل ماء قليل محكوم بالنجاسة لملاقاته المحل ، كما أنه منجّس لكل ما لاقاه سواء انفصل عن المحل أم لم ينفصل ، فاذا استلزم الغسل مرّة في النجاسة المحتاجة إلى تعدد الغسل وصول الغسالة إلى شي‌ء من المواضع الطاهرة لم يجز غسله لعدم جواز تكثير النجاسة وإضافتها. ودعوى أنّ الغسالة إنما يحكم بنجاستها بعد الانفصال ، وأما ما دامت في المحل فهي طاهرة ولا يوجب مرورها على المواضع الطاهرة ازدياد النجاسة وتكثيرها


1) (*) لا بأس بتركه.

2) شرح العروة 2 : 310.

[286] مسألة 10 : إذا كان عنده مقدار من الماء لا يكفي إلاّ لرفع الحدث أو لرفع الخبث من الثوب أو البدن تعين رفع الخبث (1)ويتيمم بدلاً عن الوضوء أو الغسل ، والأولى أن يستعمل في إزالة الخبث أولاً ثم التيمم ليتحقق عدم الوجدان حينه.


مندفعة بأنّ الغسالة لو كانت طاهرة ما دامت في المحل فما هو الموجب في نجاستها بعد الانفصال ، وهل الانفصال من المنجسات في الشريعة المقدسة ، وقد أوضحنا الكلام في ذلك في محله بما لا مزيد عليه فليراجع.

(1) لأن الغسل والوضوء يشترط في وجوبهما التمكن من استعمال الماء شرعاً ، فان المراد من عدم الوجدان في الآية المباركة ليس هو عدم الوجدان واقعاً ، وإنما المراد به عدم التمكن من استعماله ولو شرعاً بقرينة ذكر المريض ، حيث إن الغالب فيه عدم التمكن من استعمال الماء لا عدم وجدانه حقيقة. نعم ، لو كان اكتفي في الآية المباركة بذكر المسافر أمكن حمل عدم الوجدان على حقيقته لأن المسافر في الصحاري قد لا يجد الماء حقيقة. وإطلاق ما دلّ على وجوب غسل الثوب أو البدن يقتضي وجوبه ولو مع عدم كفاية الماء للغسل والوضوء ، وهذا معجّز مولوي ولا يتمكن المكلف معه من استعماله في الوضوء أو الغسل ، وبما أن الطهارة لها بدل فتنتقل وظيفته إلى التيمم وبذلك يتمكّن من تحصيل الطهارة من الخبث والحدث ، وهذا بخلاف ما إذا صرف الماء في الطهارة من الحدث فإنه لا بدّ أن يصلِّي حينئذ فاقداً للطهارة من الخبث حيث لا بدل لها.

وذكر شيخنا الأُستاذ قدس سره في بحث الترتب أن المشروط بالقدرة العقلية يتقدم على ما اشترطت القدرة فيه شرعاً (2)وبما أن القدرة المأخوذة في الوضوء شرعية بخلاف الأمر بغسل الثوب أو البدن لأنه مشروط بالقدرة العقلية ، فلا محالة


1) (*) على الأحوط الأولى ، ولو تمكن من جمع غسالة الوضوء أو الغسل في إناء ونحوه ورفع الخبث به تعيّن ذلك.

2) أجود التقريرات 1 : 272.

يتعيّن رفع الخبث في مفروض المسألة والتيمم بدلاً عن الغسل أو الوضوء هذا.

والصحيح أن المكلف مخيّر بينهما لأن المسألة مندرجة في باب التعارض ، فلو كنّا نحن والأمر بالوضوء وغسل الثوب أو البدن المتنجسين لقلنا بسقوط الأمر عن الصلاة لعجز المكلف من الصلاة بقيودها وشرائطها ، إلاّ أنّ الدليل قام على أنّ الصلاة لا تسقط بحال ، وعلمنا أن لها مراتب ، فمع عدم التمكن من الصلاة مع الطهارة المائية ينتقل إلى الصلاة مع الطهارة الترابية ، كما أن مع عدم التمكن من الصلاة مع طهارة الثوب أو البدن ينتقل الأمر إلى الصلاة عارياً أو في البدن والثوب المتنجسين ، وعليه فلنا علم إجمالي بوجوب الصلاة مع الوضوء في الثوب والبدن المتنجسين أو الصلاة مع التيمم في البدن والثوب الطاهرين فالأمر دائر بينهما ، واحتمال التعين في كل منهما مندفع بالبراءة فيتخيّر المكلف بينهما.

نعم ، إذا تمكن من الجمع بينهما بأن يجمع الماء المستعمل في الغسل أو الوضوء ثم يستعمله في رفع الخبث وجب إلاّ أن ذلك خارج عما نحن فيه لكفاية الماء حينئذ لكل من رفع الحدث والخبث.

هذا كلّه بناء على أن المقام من موارد المعارضة ، ولو تنزلنا على ذلك وبنينا على أنه من موارد التزاحم فالأمر أيضاً كذلك ، لأنّ الأمر بالطهارة المائية وإن كان قد اشترطت فيها القدرة شرعاً ، وهب أنّ المشروط بالقدرة العقلية متقدم على ما اشترطت فيه القدرة شرعاً ، إلاّ أنّ الأمر بتطهير الثوب والبدن كالأمر بالطهارة من الحدث اشترطت فيه القدرة شرعاً ، فإنّ الأمر بالطهارة من الحدث أو الخبث ليس من الأوامر النفسية ، ولا أن الطهارتين من الواجبات الاستقلالية ، وإنما الأمر بهما إرشاد إلى اشتراطهما في الصلاة ، وكما أنّ الصلاة المشروطة بالوضوء لها بدل وهو الصلاة مع التيمم ، كذلك الصلاة المشروطة بطهارة الثوب والبدن فان بدلها الصلاة عارياً أو في الثوب والبدن المتنجسين ، والقدرة في كل منهما شرط شرعي. نعم ، لا بدل للشرط في نفسه أعني طهارة الثوب والبدن إلاّ أن الأمر بالشرط لما لم يكن أمراً نفسياً وكان إرشاداً إلى تقييد المشروط به كان المعتبر لحاظ نفس المشروط وأن له بدلاً أو لا بدل له لأنه الواجب النفسي دون شرطه. واحتمال الأهمية في الصلاة

[287] مسألة 11 : إذا صلّى مع النجاسة اضطراراً لا يجب عليه الإعادة (1)(1) بعد التمكّن من التطهير. نعم ، لو حصل التمكّن في أثناء الصلاة


متوضئاً مع الثوب أو البدن المتنجسين وإن كان موجوداً لا محالة ، إلاّ أنه لا يقتضي الترجيح في غير المتزاحمين المشروطين بالقدرة العقلية ، وذلك لأنّ الخطاب فيهما لما كان مطلقاً كان استكشاف اشتمالهما على الملاك حتى حال تزاحمهما من إطلاق الخطابين بمكان من الوضوح ، وحيث إنهما واجبان فيكون احتمال الأهمية في أحدهما مرجحاً له.

وهذا بخلاف المشروطين بالقدرة الشرعية وذلك لأنه لا إطلاق في خطابهما حتى يشمل صورة تزاحمهما لتقييد كل منهما بالقدرة عليه ، فلا مجال فيهما لاستكشاف اشتمالهما على الملاك ، بل المقتضي والملاك إنما هو لأحدهما ، إذ لا قدرة إلاّ لأحدهما ولا ندري أن ما يحتمل أهميته هو المشتمل على الملاك أو غيره فلم يثبت وجوب ما يحتمل أهميته وملاكه حتى يتقدّم على غيره. نعم ، على تقدير وجوبه وملاكه نعلم بأهميته ولكن من أخبرنا بوجوبه واشتماله على الملاك ، ومن الجائز أن يكون الواجب والمشتمل على الملاك هو ما لا يحتمل أهميته.

والنتيجة أن المكلف يتخيّر بين تحصيل الطهارة من الحدث وبين تحصيل الطهارة من الخبث. نعم ، الأحوط أن يستعمل الماء في تطهير بدنه أو ثوبه إذ به يحصل القطع بالفراغ ، إما لأجل أنه المتعين حينئذ كما ذكروه وإما لأنه أحد عدلي الواجب التخييري ، كما أن الأحوط أن يستعمله في إزالة الخبث أوّلاً ثم يتيمم حتى يصدق عليه فاقد الماء حال تيممه.

(1) للمسألة صور :

الاولى : أن يعتقد تمكنه من الصلاة مع طهارة الثوب والبدن إلى آخر الوقت.

الثانية : أن يعتقد عدم تمكنه منها إلى آخر الوقت.


1) (*) ولا سيما إذا كان الاضطرار لأجل التقية ، وكذا الحال في المسألة الآتية.

الثالثة : أن يشك في ارتفاع اضطراره إلى آخر الوقت وعدمه إلاّ أنه شرع في صلاته باستصحاب بقاء اضطراره إلى آخر الوقت.

أمّا الصورة الاولى فلا شبهة فيها في وجوب الإعادة لأن الأمر إنما تعلق بالطبيعة الواقعة بين المبدأ والمنتهى ، والمكلف لم يضطر إلى إيقاع تلك الطبيعة في الثوب أو البدن المتنجسين ، وإنما اضطر إلى إتيان فرد من أفرادها مع النجس فلم يتعلق الاضطرار بترك المأمور به ، ومعه لا موجب لتوهم إجزاء ما أتى به عن الوظيفة الواقعية بوجه بل لا مسوّغ معه للبدار لاعتقاده التمكن من المأمور به إلى آخر الوقت. وهذه الصورة خارجة عن محط كلام الماتن قدس سره .

وأمّا الصورة الثانية والثالثة فهما محل البحث في المقام وقد وقع الكلام فيهما في أنه إذا دخل في الصلاة باعتقاد عدم ارتفاع اضطراره إلى آخر الوقت أو باستصحاب بقائه ثم انكشف تمكنه من الصلاة المأمور بها في وقتها فهل تجب عليه الإعادة أو لا تجب؟ قد يكون الاضطرار إلى الصلاة مع النجاسة مستنداً إلى التقية ، ولا ينبغي الإشكال حينئذ في عدم وجوب الإعادة بعد التمكّن من التطهير ، لأن المأتي به تقية كالمأمور به الواقعي على ما يأتي في محلِّه (1). وقد يستند الاضطرار إلى أمر آخر كعدم وجدانه الماء مثلاً ، والصحيح حينئذ أيضاً عدم وجوب الإعادة لحديث لا تعاد ، لما مرّ من أن مقتضاه عدم وجوب الإعادة على من صلّى في النجس للاضطرار معتقداً عدم تمكنه من المأمور به إلى آخر الوقت حيث إنه من مصاديق الجاهل بالاشتراط ، والمراد بالطهور في الحديث هو الطهارة من الحدث ، فلا عموم فيها يشمل الطهارة من الخبث ولا أنها مجملة للقرينة المتقدِّمة فراجع.

نعم ، القاعدة تقتضي وجوب الإعادة في المسألة حيث إنها تقتضي عدم كفاية الإتيان بالمأمور به الظاهري فضلاً عن المأمور به التخيلي عن المأمور به الواقعي ، وإلى ذلك نظرنا في الطبعة الاولى من تعليقاتنا حيث استظهرنا وجوب الإعادة في المسألة ولكن مقتضى حديث لا تعاد عدم الإعادة كما مرّ.


1) ذيل المسألة [527].

استأنف في سعة الوقت (1) والأحوط الإتمام والإعادة.

[288] مسألة 12 : إذا اضطر إلى السجود على محل نجس (2) لا يجب إعادتها بعد التمكّن من الطاهر.


(1) لأنّ الصلاة بأسرها عمل واحد لم يقع في حال الاضطرار وإنما أتى ببعضه في النجس مع التمكن من تطهير ثوبه أو بدنه.

(2) أو اضطرّ إلى السجدة على ما لا يصح السجود عليه أو على السجدة في موضع مرتفع عن موضع قدميه أربع أصابع ، والكلام في هذه المسألة بعينه الكلام في المسألة السابقة فإن القاعدة تقتضي وجوب الإعادة ومقتضى حديث لا تعاد عدمها كما مرّ.

وقد يقال : إنّ مستند اعتبار الطهارة فيما يسجد عليه إنما هو الإجماع والمتيقن منه ما إذا تمكّن المكلّف من السجود على المحل الطاهر حال الصلاة لأنه الميزان في الاختيار والاضطرار وحيث إن المكلف غير متمكن من السجدة على المحل الطاهر فلا يشمله ما دلّ على اعتبار الطهارة فيما يسجد عليه. وحاصله أن مدرك اعتبار الطهارة فيما يسجد عليه قاصر الشمول للمسألة ، فصحة الصلاة وعدم وجوب إعادتها حينئذ على طبق القاعدة بحيث لو قلنا بوجوب الإعادة في المسألة السابقة أيضاً لا نلتزم بوجوبها في المقام.

وهذا المدعى يتوقف على ثبوت أمرين : أحدهما : أن يكون مدرك اعتبار الطهارة في محل السجود منحصراً بالإجماع المدعى. وثانيهما : أن لا يكون لمعقد الإجماع إطلاق يشمل كلتا حالتي الاضطرار والاختيار حال الصلاة. ولم يثبت شي‌ء منهما ، أما عدم انحصار الدليل بالإجماع المدعى فلصحيحة الحسن بن محبوب ، قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب إليَّ بخطه : إن الماء والنار قد طهّراه » (1)فإنها كما أسلفناه


1) الوسائل 3 : 527 / أبواب النجاسات ب 81 ح 1. وكذا في 5 : 358 / أبواب ما يسجد عليه ب 10 ح 1.

[289] مسألة 13 : إذا سجد على الموضع النجس جهلاً أو نسياناً لا يجب عليه الإعادة وإن كانت أحوط (1)(1).


في بعض المباحث المتقدمة يقتضي اعتبار الطهارة فيما يسجد عليه لكشفها عن مفروغية اعتبار الطهارة فيه عند السائل وارتكازه في ذهنه ، وقد قرّره علیه السلام على هذا الاعتقاد والارتكاز ، حيث أجابه بأن النار والماء قد طهّراه ، فمدرك اعتبار الطهارة فيما يسجد عليه غير منحصر بالإجماع.

وأما إطلاق معقد إجماعهم فلأن وزان اشتراط الطهارة فيما يسجد عليه وزان اشتراطها في الثوب والبدن ، فكما أن الثاني مطلق يشمل كلتا حالتي الاختيار والاضطرار فكذلك الحال في سابقه فإطلاق اشتراطهم يعم كلتا الصورتين قطعاً. والسر في دعوى القطع بالإطلاق أنّا لا نحتمل فقيهاً بل ولا متفقهاً يفتي بجواز السجدة على المحل النجس بمجرد عدم تمكن المصلي من السجدة على المحل الطاهر حال الصلاة مع القطع بتمكنه منها بعد الصلاة ، وليس هذا إلاّ لأجل أن اشتراط الطهارة فيما يسجد عليه يعم حالتي الاختيار والاضطرار حال الصلاة. وعلى الجملة حال هذه المسألة حال المسألة المتقدمة بعينها. على أن لنا أن نعكس الأمر بأن نلتزم بعدم وجوب الإعادة في المسألة المتقدمة لحديث لا تعاد ، ونلتزم بوجوبها في هذه المسألة ، حيث إنه سجد على المحل النجس ولم يأت بالمأمور به ، ونمنع عن التمسّك بالحديث بدعوى أنه يقتضي وجوب الإعادة ، إذ الإخلال بالسجود مما يعاد منه الصلاة ، وتفصيل الكلام في ذلك واندفاع هذه الشبهة يأتي في الحاشية الآتية.

(1) السجدة على المحل النجس أو على ما لا تصح السجدة عليه كالمأكول أو على الموضع المرتفع عن موضع القدم بأربع أصابع قد تكون في سجدة واحدة دون كلتيهما ، سواء أكانت في ركعة واحدة أو في ركعتين أو في الجميع بأن سجد في جميع ركعاته مرّة


1) (*) إذا كان السجود على الموضع النجس في سجدة واحدة من ركعة أو أكثر فالاحتياط بالإعادة ضعيف جدّاً.

على المحل الطاهر وأُخرى على النجس مثلاً ، وقد تكون في كلتا السجدتين.

أمّا في السجدة الواحدة فلا يحتمل فيها وجوب الإعادة ، فإن غاية ما يتوهم أن اعتبار الطهارة في المسجد يقتضي أن تكون السجدة على المحل النجس كعدمها فكأنه لم يأت بالسجدة الواحدة في ركعة أو في جميع الركعات ، ومع ذلك فهو غير موجب لبطلان الصلاة لأنه ليس بأزيد من عدم الإتيان بها نسياناً ، فإن الصلاة لا تبطل بترك السجدة الواحدة إذا لم يكن عن عمد واختيار ، وذلك تخصيص في حديث لا تعاد حيث إنه يقتضي الإعادة بالإخلال بالسجدة الواحدة.

وأما الصورة الثانية فالتحقيق أيضاً عدم وجوب الإعادة فيها لحديث لا تعاد ، بيان ذلك : أن السجود والركوع وغيرهما من الألفاظ المستعملة في الأخبار مما لم يتصرّف فيه الشارع بوجه وإنما هي على معناها اللغوي. نعم ، تصرف فيما أمر به بإضافة شرط أو شرطين وهكذا ، ومن هنا لا يجوز للمكلّف السجود في الصلاة على ما لا تصح السجدة عليه بدعوى أنه ليس من السجدة الزائدة في المكتوبة ، لعدم كونها مشتملة على قيودها وشرائطها ، وليس ذلك إلاّ من جهة أن المراد بالسجدة إنما هو معناها لغة كما هو المراد منها عند إطلاقها ، فإذا عرفت ذلك فنقول :

إنّ ظاهر الحديث إرادة ذات السجدة من لفظة السجود لأنه معناها اللغوي لا السجود المأمور به المشتمل على جميع قيوده وأجزائه ، فمقتضى الحديث وجوب الإعادة بالإخلال بذات السجود بأن لم يأت به أصلاً ، وأما إذا أتى به فاقداً لبعض ما يعتبر في صحته فلا يشمله الحديث ولا يوجب الإعادة من جهته ، وحيث إنه أتى بذات السجدة وأوجد معناها لغة وإنما أخل بالمأمور به من جهة الجهل أو النسيان في مفروض المسألة فأيّ مانع من الحكم بعدم وجوب الإعادة فيها بمقتضى الحديث ، فلا يكون وقوعه في النجس جهلاً أو نسياناً موجباً لإعادتها.

وقد يقال : إن لازم هذا الكلام عدم وجوب إعادة السجدة إذا علم بوقوعها على الموضع النجس بعد ما رفع رأسه من سجدته وإن كان متمكناً من السجدة على المحل الطاهر.

فصل : فيما يعفى عنه في الصلاة

اشارة

وهو أُمور : الأوّل : دم الجروح والقروح ما لم تبرأ (1)


ويندفع : بأنه يشترط في التمسك بحديث لا تعاد كون الفائت مما لا يمكن تداركه بأن لم يتمكن من تصحيح الصلاة إلاّ بإعادتها ، وفي مفروض المثال يمكن أن يتدارك السجدة لعدم فوت محلها ، ونظيره ما لو علم بوقوع كلتا السجدتين على الموضع النجس أو على ما لا تصح السجدة عليه بعد ما رفع رأسه من السجدة الثانية مع التمكن من السجدة على المحل الطاهر ، إلاّ أنه تصحح السجدة الأُولى بالحديث لمضي محلها وعدم كونها قابلة للتدارك ويأتي بالسجدة الأخيرة ثانياً لبقاء محلها. وعلى الجملة لا مانع من نفي وجوب الإعادة في مفروض المسألة بحديث لا تعاد. وبهذا ظهر أن نسيان النجاسة في الثوب أو البدن وإن كان موجباً لبطلان الصلاة إلاّ أن حكم نسيان النجاسة في محل السجود حكم الجهل بالنجاسة هناك.

فصل

فيما يعفى عنه في الصلاة

(1) العفو في الصلاة عن دم القروح والجروح في الجملة مما لا خلاف فيه ، وإنما اختلفت كلماتهم في اعتبار المشقّة والسيلان بأن لا يكون فترة تتيسر فيها الصلاة من دونه في موضوع حكمهم بالعفو ، فعن ظاهر الصدوق (1)وصريح جملة من المتأخِّرين عدم اعتبار شي‌ء منهما. وفي كلمات جماعة منهم المحقق (2)قدس سره اعتبارهما معاً ، وعليه فالعفو عن الدمين في الصلاة لا يحتاج إلى رواية لأنه مقتضى


1) الفقيه 1 : 43 / ذيل الحديث 167.

2) المعتبر 1 : 429.

قاعدة نفي العسر والحرج نظير صاحب السلس والبطن ، فكما أن القاعدة تقتضي عدم اعتبار الطهارة في حقهما من غير حاجة إلى رواية فكذلك الحال في المقام وإن كان يمكن التفرقة بين المسألتين ، نظراً إلى أن مقتضى القاعدة الأولية سقوط الصلاة عن صاحب السلس والبطن لعدم تمكنهما من الطهارة ولا صلاة إلاّ بطهور ، كما التزموا بذلك في فاقد الطهورين ، فلولا الأخبار الواردة في المسألة لالتزمنا بعدم تكليفهما بالصلاة ، وهذا بخلاف ما نحن فيه لأن المكلف واجد فيه للطهارة من الحدث فلا مقتضي لسقوط الصلاة في حقه ، وغاية الأمر أن ثوبه أو بدنه متنجس وحيث إن في تطهيره مشقّة وعسراً فنحكم بسقوط اشتراط الطهارة من الخبث في صلاته من غير حاجة إلى رواية كما مرّ ، بل ولا يختص ذلك بدم القروح والجروح لوضوح أن النجاسات بأجمعها كذلك ويرتفع الأمر بغسلها عند المشقّة والحرج ، فأية خصوصية لدم القروح والجروح وما المقتضي لتخصيصه بالذكر في المسألة؟

ومن هنا لا بدّ من التصرّف في كلماتهم ولو بحمل المشقّة الظاهرة في الفعلية على المشقّة النوعية ، فإنّ القاعدة تختص بالمشقة الشخصية ولا تعم النوعية ، وبهذا يحصل نوع خصوصية للدمين حيث إن المشقة النوعية توجب رفع مانعيتهما في الصلاة. وهل الأمر كذلك وأن المشقّة توجب الحكم بالعفو عنهما؟ يأتي عليها الكلام بعد تحقيق المسألة إن شاء اللّه. فالمتبع هو الأخبار فلا بد من ملاحظتها لنرى أنها هل تدل على اعتبار السيلان والمشقّة الفعلية في العفو عن دم القروح والجروح ، أو أنها إنما تدل على أنهما ما لم تبرءا يعفى عنهما في الصلاة سواء أسال دمهما أم لم يسل ، فالمعتبر أن لا ينقطع الدم لبرئهما؟

والأخبار في المسألة مستفيضة منها : موثقة أبي بصير قال : « دخلت على أبي جعفر علیه السلام وهو يصلي فقال لي قائدي : إن في ثوبه دماً ، فلما انصرف قلت له : إن قائدي أخبرني أن بثوبك دماً ، فقال لي : إن بي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ » (1)وهي كما ترى مطلقة من ناحية السيلان وعدمه ، فإن الغاية في ارتفاع العفو


1) الوسائل 3 : 433 / أبواب النجاسات ب 22 ح 1.

فيها إنما هي البرء لا انقطاع السيلان ، كما أن إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين كون الإزالة ذات مشقة وعدم كونها كذلك.

ومنها : صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام قال : « سألته عن الرجل يخرج به القروح فلا تزال تدمي كيف يصلِّي؟ فقال : يصلي وإن كانت الدماء تسيل » (1)فقد دلّت على أنّ دم القروح إذا سال لا يمنع عن الصلاة فكيف بما إذا لم يسل ، ومعناه أنّ السيلان وعدمه على حد سواء ، كما أنها مطلقة من ناحية كون الإزالة حرجية وما إذا لم تكن.

ومنها : الصحيح عن ليث المرادي قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : الرجل تكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوة دماً وقيحاً ، وثيابه بمنزلة جلده؟ فقال : يصلي في ثيابه ولا شي‌ء عليه ولا يغسلها » (2)وإطلاقها من جهتي السيلان وعدمه ولزوم المشقّة وعدم لزومها مما لا يكاد يخفى.

ومنها : موثقة (3)عمّار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الدمل يكون بالرجل فينفجر وهو في الصلاة ، قال : يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالأرض ولا يقطع الصلاة » (4)وهي كسابقتها ظاهرة الإطلاق من الجهتين المذكورتين ، بل الظاهر المستفاد منها أن الحكم بالعفو أمده البرء ، إذ ما لم يبرأ يصدق أنه رجل به الدمل أو غيره من القروح والجروح ، فيكون العفو ملغى بانقطاع الدم وعدم سيلانه المستند إلى البرء ، لا مجرد عدم السيلان مع بقاء الجرح بحاله.

وأما الأخبار المستدل بها على اعتبار المشقة والسيلان فمنها : مرسلة سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إذا كان بالرجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم » (5)حيث جعلت الغاية للعفو وعدم


1) الوسائل 3 : 434 / أبواب النجاسات ب 22 ح 4.

2) الوسائل 3 : 434 / أبواب النجاسات ب 22 ح 5.

3) كذا عبّروا عنها في كلماتهم مع أن في سندها علي بن خالد فراجع.

4) الوسائل 3 : 435 / أبواب النجاسات ب 22 ح 8.

5) الوسائل 3 : 435 / أبواب النجاسات ب 22 ح 7.

وجوب الإزالة انقطاع الدم ووقوفه عن السيلان ، كما أن مفهوم صدرها أن الجرح إذا لم يكن سائلاً لا عفو عنه ويجب غسله.

وفيه أوّلاً : أنّ الرواية ضعيفة بإرسالها ، لأنّ ابن أبي عمير نقلها عن بعض أصحابنا ولا ندري أنه ثقة ، ولعلّه من غير الثقة الذي علمنا برواية ابن أبي عمير عن مثله ولو في بعض الموارد ، فما في بعض العبائر من التعبير عنها بالموثقة مما لا وجه له.

وثانياً : الرواية لا مفهوم لصدرها حيث لم يقل : الجرح إذا سال فلا يغسله ، ليكون مفهومه أنه إذا لم يسل يغسله ولا عفو عنه وإنما قال : « إذا كان بالرجل جرح سائل » ومفهومه إذا لم يكن بالرجل جرح سائل فهو من السالبة بانتفاء موضوعها. نعم ، لو دلّ فإنما يدل عليه مفهوم القيد ، ونحن وإن قلنا بمفهوم الوصف في محله إلاّ أنه إذا لم يكن لإتيانه فائدة بحيث لولا دلالته على مدخلية الوصف في الحكم المترتب على موصوفه أصبح لغواً ظاهراً ، وليس الأمر في المقام كذلك لأنه إنما اتي لفائدة التمهيد والمقدمة لاصابة الدم الثوب التي هي المقصودة بالإفادة في قوله : « فأصاب ثوبه ... » أي سال حتى أصاب ثوبه ، فإنه لو لم يسل لم يصب الثوب طبعاً ، ولا دلالة معه للمفهوم كما أسلفناه في محله.

وثالثاً : المراد بالانقطاع في ذيلها هو الانقطاع المساوق للبرء فهو عطف توضيح وبيان لقوله حتى يبرأ ، ولم يرد منه الانقطاع المؤقّت بسدّ طريقه بشي‌ء بحيث لو ارتفع لسال ، فإن الغاية إذا كانت هي انقطاعه مع بقاء الجرح بحاله لم يكن لذكر البرء قبل ذلك معنى صحيح ، فان المدار حينئذ على مجرد الانقطاع ولو من غير برء فما معنى ذكر البرء قبله ، فالرواية مطلقة من جهتي المشقة والسيلان ولا دلالة لها على اعتبارهما بوجه.

ومنها : مضمرة سماعة قال : « سألته عن الرجل به الجرح والقرح فلا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه ، قال : يصلي ولا يغسل ثوبه كل يوم إلاّ مرة ، فإنه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة » (1)فان الغسل كل ساعة إنما يكون مع السيلان وعدم الفترة في


1) الوسائل 3 : 433 / أبواب النجاسات ب 22 ح 2.

البين ، إذ معها لا حاجة إلى الغسل كل ساعة.

ويدفعه : أوّلاً : أنّ الرواية مضمرة إذ لم يثبت أن سماعة لا يروي عن غير الإمام علیه السلام . وثانياً : ليس عدم الاستطاعة من الغسل كل ساعة علة للعفو وإلاّ لوجب القول بعدم العفو عمن استطاع من غسل ثوبه كذلك ، وللزم حمل موثقة أبي بصير المتقدمة على عدم تمكن الإمام من غسل ثوبه كل ساعة ولا يمكن الالتزام بذلك. على أن غسل الثوب والبدن إنما هو مقدمة للصلاة ولا تجب الصلاة كل ساعة لتجب تحصيل مقدمتها كذلك ، فلا معنى له إلاّ أن يكون حكمة لما دلّت عليه الرواية من عدم وجوب غسل الثوب في كل يوم إلاّ مرّة واحدة ، وقد أتى بها تقريباً للأذهان فمعناه أن المكلف لا يتمكن من غسل ثوبه في كل ساعة من ساعات وجوب الصلاة ، فإذا كان الجرح أو القرح يدميان كل أربع ساعات مثلاً مرة واحدة يصدق أن يقال إنه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة من ساعات الصلاة أو إصابة الدم ، وأين هذا من اعتبار استمرار السيلان في العفو كاعتباره في الحائض ، فلا دلالة للرواية على اعتبار السيلان.

نعم يمكن أن يستدل بها على اعتبار المشقة في العفو لقوله علیه السلام « فإنه لا يستطيع أن يغسل ... » ويدفعه أن الإمام علیه السلام إنما ذكر ذلك لأجل أنه مفروض السؤال ، فإن سماعة إنما سأله عمن به جرح أو قرح لا يستطيع أن يغسله ويربطه ، فكأنه ( سلام اللّه عليه ) قال : وحيث إن مفروض المسألة عدم تمكن الرجل من الغسل فلا يغسله إلاّ مرة في كل يوم ، لا لأجل اعتباره في العفو. نعم ظاهرها وجوب الغسل مرة في كل يوم وهو أمر آخر يأتي عليه الكلام عن قريب ، حيث وقع الكلام في أنه واجب أو مستحب فلو قوينا استحبابه يزداد ضعف ما توهم من دلالتها على اعتبار المشقة في العفو لدلالتها على عدم وجوب الغسل مطلقاً مع التمكن وعدمه.

ومنها : موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي

فقال : دعه فلا يضرّك أن لا تغسله » (1)بدعوى دلالتها على اعتبار السيلان في العفو. وفيه : أن سيلان الدم إنما ورد في كلام السائل ولم يؤخذ في موضوع الحكم في كلامه علیه السلام .

ومنها : صحيحة محمد بن مسلم المروية في السرائر عن كتاب البزنطي قال « قال : إنّ صاحب القرحة التي لا يستطيع صاحبها ربطها ولا حبس دمها يصلي ولا يغسل ثوبه في اليوم أكثر من مرّة » (2)فإنّ عدم التمكّن من حبس الدم لا يكون إلاّ باستمرار سيلانه ، ولا يضرّها الإضمار لأنّ محمد بن مسلم لا يروي عن غيرهم علیهم السلام .

والجواب عنها : أن عدم التمكّن من حبس الدم يصدق على من به جرح يدمي في كل أربع ساعات مثلاً وهو لا يتمكن من حبسه ، وأين هذا من اعتبار استمرار السيلان كما في الحائض ، فلا دلالة للرواية على المدعى. وأما دلالتها على وجوب الغسل مرّة في كل يوم فيأتي عليه الكلام بعيد ذلك.

فالنتيجة : أن دم القروح والجروح يمتاز عن بقية النجاسات بالعفو عنه في الصلاة سال أم لم يسل ، وكانت في إزالته أو في تبديل الثوب المتنجس به مشقة أم لم تكن كثيراً كان أم قليلاً.

ثم إنّ مقتضى صحيحة محمد بن مسلم المروية عن المستطرفات ومضمرة سماعة المتقدِّمتين أن الجريح والقريح يغسلان ثوبهما مرّة في كل يوم ، ولم يلتزم بذلك الأصحاب. نعم مال إليه في الحدائق معترفاً بعدم ذهابهم إليه (3). والحق معهم وذلك لا لأنّ إعراضهم عن الرواية يسقطها عن الاعتبار ، لما مرّ غير مرّة من أنّ إعراضهم عن رواية لا يكون كاسراً لاعتبارها ، بل من جهة أنّ المسألة كثيرة الابتلاء وقلّ موضع لم يكن هناك مبتلى بالقروح والجروح ، والحكم في مثلها لو كان لذاع واشتهر


1) الوسائل 3 : 435 أبواب النجاسات ب 22 ح 6.

2) السرائر 3 : 558.

3) الحدائق 5 : 304.

في الثوب أو البدن قليلاً كان أو كثيراً ، أمكن الإزالة أو التبديل بلا مشقّة أم لا (1). نعم يعتبر أن يكون مما فيه مشقة نوعية (2) فان كان مما لا مشقّة في تطهيره أو تبديله على نوع الناس فالأحوط إزالته أو تبديل الثوب ، وكذا يعتبر أن يكون


ونفس عدم الاشتهار حينئذ يدل على عدمه ، كما هو الحال في مسألة وجوب الإقامة في الصلاة لأنها مما يبتلى به مرات في كل يوم فكيف لا يشتهر وجوبها لو كانت واجبة ومن هنا رفعنا اليد عما ظاهره وجوب الإقامة وحملناه على الاستحباب. هذا أوّلاً.

وثانياً : لو سلمنا أن المسألة ليست كثيرة الابتلاء فالأمر في الروايتين يدور بين حملهما على الوجوب حتى نقيد بهما المطلقات ، وبين حملهما على الندب ليسلم المطلقات عن القيد والمتعين هو الأخير ، لأنّ بعض المطلقات يأبى عن التقييد بذلك كما في موثقة أبي بصير « ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ » وقوله في مرسلة سماعة : « لا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم ». وإباؤهما عن التقييد بالغسل مرّة في كل يوم غير خفي فلا مناص من أن تحملا على استحباب الغسل مرّة في كل يوم.

(1) كل ذلك للإطلاق كما شرحناه في الحاشية المتقدمة بعض الشرح.

(2) الوجه في ذلك وفيما تعرض له بقوله : « وكذا يعتبر أن يكون الجرح مما يعتد به وله ثبات واستقرار » أن الروايات المتقدمة موردها ذلك ، فإن موثقة أبي بصير إنما وردت في دماميل كانت على بدنه علیه السلام والمشقة النوعية في تطهيرها أمر جلي وإن لم تكن فيه مشقة شخصية ، كما إذا تمكن الجريح من تطهير ثوبه بسهولة لحرارة الهواء أو تمكنه من تبديل ثوبه ، كما أنّ الدماميل ليست من الجروح الطفيفة سريعة الزوال. وكذلك الحال في موثقة عبد الرحمن وروايتي سماعة وعمّار فليلاحظ. ومع كون موردها مما فيه مشقة نوعية ودوام لا يمكننا التعدي عنه إلى غيره ، فالجروح الطفيفة التي لا ثبات لها ولا فيها مشقة نوعية تبقى مشمولة لإطلاق ما دلّ على مانعية النجس في الصلاة في غير المقدار الأقل من مقدار الدرهم.

الجرح مما يعتد به وله ثبات واستقرار فالجروح الجزئية يجب تطهير دمها (1) ، ولا يجب فيما يعفى عنه منعه عن التنجيس (2) نعم يجب شدّه (1)إذا كان في موضع يتعارف شدّه (3) ، ولا يختص العفو


(1) لما قدّمناه في الحاشية السابقة لا للانصراف.

(2) لإطلاقات الأخبار وعدم اشتمالها على لزوم منعه عن التنجيس مع أنها واردة في مقام البيان ، فلاحظ صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة حيث ترى أنها مع كونها مسوقة لبيان وظيفة المصلي الذي به قروح لا تزال تدمي غير مشتملة على الأمر بمنعها عن التنجيس ، وكذلك غيرها من الأخبار.

(3) لم يظهر الفرق بين الشد والمنع لأن الشد من أحد طرق المنع عن التنجيس ، فما استدل به على أن ما يعفى عنه في الصلاة لا يجب منعه عن التنجيس هو الدليل على عدم وجوب الشد أيضاً ، فإن الأخبار الواردة في المسألة مع أنها في مقام البيان غير مشتملة على وجوبه. وأما ما في موثقة عبد الرحمن من سؤاله عن الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم ... فلا دلالة له على وجوب ربط الجرح وشده ، لأنه إنما ورد في كلام السائل دون الإمام علیه السلام وكذلك مضمرة سماعة « فلا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه » لأنه قضية في واقعة وقعت في كلام السائل ، فليست في شي‌ء من الروايتين أية دلالة على وجوب الشدّ والربط.

نعم ورد في صحيحة محمد بن مسلم المروية عن البزنطي : « أن صاحب القرحة التي لا يستطيع صاحبها ربطها ولا حبس دمها يصلي ولا يغسل ... » وقد أُخذ في موضوع العفو عدم التمكّن من ربط القرحة وشدّها في كلامه علیه السلام وقد ذكرنا في محله أن الأصل في القيود أن تكون احترازية ولازمه أن تكون للقيود مدخلية في الحكم إذا لم يؤت بها لإفادة أمر آخر ، وعليه فالصحيحة تدل على وجوب الإزالة وعدم العفو عند القدرة على ربط الجرح وشدّه.


1) فيه تأمل بل منع.

بما في محل الجرح ، فلو تعدى عن البدن إلى اللباس أو إلى أطراف المحل كان معفواً (1) لكن بالمقدار المتعارف في مثل ذلك الجرح ويختلف ذلك باختلافها من حيث الكبر والصغر ، ومن حيث المحل ، فقد يكون في محل لازمه بحسب المتعارف التعدِّي إلى الأطراف كثيراً أو في محل لا يمكن شدّه ، فالمناط المتعارف بحسب ذلك الجرح (2).


ولكن الصحيح أن الصحيحة لا يمكن الاعتماد عليها كما لم يعتمد عليها الماتن قدس سره وإلاّ للزم الحكم بوجوب منعه عن التنجيس أيضاً لأنه الغاية المترتبة على الشد ، والسر في ذلك ما تقدم من أن مسألة دم القروح والجروح كثيرة الابتلاء ، والحكم في مثلها لو كان لشاع ولم تنحصر روايته بواحدة أو اثنتين ، فنفس عدم اشتهاره يفيد القطع بعدمه. ولم ينقل وجوبه إلاّ عن بعضهم بل عن الشيخ قدس سره الإجماع على عدم وجوب عصب الجرح ومنعه عن التنجيس (1)وهذا يوجب سقوط الصحيحة عن الاعتبار فلا مناص من تأويلها ولو بحمل القيد على وروده تمهيداً لبيان إصابة الدم الثوب. وهذا غير مسألة سقوط الرواية عن الاعتبار بالاعراض كما لعله ظاهر.

(1) لإطلاقات الأخبار وصراحة بعضها كقوله في موثقة أبي بصير : « ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ ».

(2) فلو تعدى الدم من القرحة الواقعة في بدنه إلى رأسه مثلاً فلا عفو عنه لعدم دلالة الأخبار عليه ، ففي موثقة أبي بصير « ولست أغسل ثوبي ... » والثوب متعارف الإصابة في مثل الدماميل الكائنة في البدن ولا تعرض لها إلى أن الدم لو كان أصاب رأسه مثلاً لم يكن يغسله. نعم ورد في رواية عمّار عن أبي عبد اللّه علیه السلام أنه سأله عن الدمل يكون بالرجل فينفجر وهو في الصلاة؟ قال : يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالأرض ولا يقطع الصلاة (2)واستدل بها في الحدائق على جواز تعدية دم


1) راجع الخلاف 1 : 252 المسألة 225.

2) الوسائل 3 : 435 / أبواب النجاسات ب 22 ح 8 ، وتقدّمت في ص 392.

[290] مسألة 1 : كما يعفى عن دم الجروح ، كذا يعفى عن القيح المتنجس الخارج معه (1) والدواء المتنجس الموضوع عليه ، والعرق المتّصل به في المتعارف (2) أما الرطوبة الخارجية إذا وصلت إليه وتعدّت


القروح والجروح إلى سائر أجزاء البدن والثوب بالاختيار ، حيث دلت على جواز مسح الدم بيده فضلاً عما إذا تعدى إليها بنفسه ، بلا فرق في ذلك بين متعارف الإصابة وغيره (1). ويدفعه : أن الرواية لا دلالة لها على جواز التنجيس بالاختيار ولا على العفو عما لم يتعارف إصابة الدم له. أما عدم دلالتها على جواز التنجيس بالاختيار فلأنها إنما دلت على جواز تنجيس اليد في حال الصلاة وهو حال الاضطرار ، فان مسح الدم بثوبه ينجس الثوب فلا محيص من أن يمسحه بيده لأنه المتعارف في مسح دم القروح والجروح ، والتعدي عن موردها يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه. وأما عدم دلالتها على العفو عما لا تصيبه القروح عادة ، فلأنها لم تدل إلاّ على مسح الدم بيده وهي مما يتعارف إصابته بدم القروح. فالمتحصل أن دم القروح والجروح فيما لم يتعارف إصابته غير مشمول لأدلة العفو إلاّ إذا كان أقل من مقدار الدرهم كما ستعرف.

(1) كما في صحيحة ليث وموثقة عبد الرحمن المتقدِّمتين (2)بل نلتزم بذلك وإن لم يكن هناك نص ، لأن دم القروح والجروح يلازم القيح غالباً ولا تجد جرحاً سال دمه من دون قيح إلاّ نادراً ولا سيما في الدماميل ، فما دلّ على العفو عن دم الجروح والقروح دلّ على العفو عن القيح المتنجس بالالتزام ، ولا فرق بين الدم والقيح إلاّ في أن الدم نجس معفو عنه في الصلاة والقيح متنجس معفو عنه ، فلو خصّصنا الأخبار المتقدِّمة بالدم غير المقترن بالقيح للزم حملها على المورد النادر وهو ركيك.

(2) لعين ما قدمناه آنفاً لتلازمه مع الجروح والقروح ، وحملهما على ما لا دواء عليه حمل على مورد نادر. ومنه يظهر الحال في العرق المتصل بهما الجاري على


1) راجع الحدائق 5 : 305.

2) في ص 392 ، 394.

إلى الأطراف (1) فالعفو عنها مشكل فيجب غسلها إذا لم يكن فيه حرج.

[291] مسألة 2 : إذا تلوثت يده في مقام العلاج يجب غسلها ولا عفو كما أنه كذلك إذا كان الجرح مما لا يتعدى ، فتلوثت أطرافه بالمسح عليها بيده ، أو بالخرقة الملوثتين على خلاف المتعارف (2).

[292] مسألة 3 : يعفى عن دم البواسير (3) خارجة كانت أو داخلة وكذا كل قرح أو جرح باطني خرج دمه إلى الظاهر.


المواضع الطاهرة لأنه أيضاً أمر غالب الوجود معهما ولا سيما في البلاد الحارة ، فما دلّ على العفو عن نجاستهما يقتضي العفو عن نجاسة العرق المتصل بهما أيضاً بالملازمة.

(1) كما إذا وقعت قطرة من الماء عند شربه على الجرح وسرت منه إلى المواضع الطاهرة فهل يعفى عنها في الصلاة؟ فقد يتوهّم أنّ الدم إذا كان بنفسه معفوّاً عنه في الصلاة فالرطوبة المتنجسة بسببه أيضاً يعفى عنها في الصلاة ، لأنّ الفرع لا يزيد على أصله ، ويندفع بأن هذه القاعدة ونظائرها مما لا يمكن الاعتماد عليه في الأحكام الشرعية ، فإنها قواعد استحسانية لا تنهض حجة في مقابل أدلة مانعية النجاسة فإنها مطلقة ، ولا بد في الخروج عنها من إقامة الدليل ولا دليل على العفو عن الرطوبة المتنجسة بدم القروح والجروح.

(2) ظهر حكم هذه المسألة مما قدمناه في الحواشي المتقدمة.

(3) لأنها علة وقروح باطنية في أطراف المقعدة قد تنفجر وتسيل دمها ، في مقابل النواسير التي هي قروح خارجية حوالي المقعدة أو غيرها ، ودم القروح والجروح معفو عنه في الصلاة بلا فرق في ذلك بين الداخلية والخارجية ، فان المدار على صدق أنّ الرجل به جرح أو قرح ولا إشكال في صدق ذلك في البواسير حقيقة ، لصحّة أن يقال أن للمبسور قرحة فلا وجه لتخصيص الجرح بالخارجي. نعم يمكن أن يقال بعدم العفو في بعض القروح الداخلية كما في جرح الكبد والحلق والصدر أعاذنا اللّه منه ومن نظائره وذلك لأن الدم الخارج منه وإن كان يصدق أنه دم القرحة أو الجرح حقيقة إلاّ أن العفو إنما ثبت لخصوص الدم الذي يصيب الثوب أو البدن عادة ولا يعفى

[293] مسألة 4 : لا يعفى عن دم الرعاف ولا يكون من الجروح (1).

[294] مسألة 5 : يستحب لصاحب القروح والجروح أن يغسل ثوبه من دمهما كلّ يوم مرّة (2).

[295] مسألة 6 : إذا شك في دم أنه من الجروح أو القروح أم لا ، فالأحوط عدم العفو عنه (1)(3).


عما لم تتعارف إصابته البدن والثوب ، والدم الخارج من الجروح المذكورة مما لا يصيبهما عادة.

(1) لدلالة غير واحد من الأخبار على عدم جواز الصلاة معه (2)ولعلّ الوجه فيه : أنّ دم الرعاف يستند إلى الحرارة الناشئة من الهواء أو أكل شي‌ء وشربه ولأجلها تتفجّر العروق ، وهو وإن كان يصدق عليه الجرح حقيقة إلاّ أنه يندمل بساعته ولا استقرار له وقد مرّ اشتراطهما في العفو عن دم القروح والجروح. وأما إذا استند دم الرعاف إلى قرحة داخلية وكان لها ثبات ودوام فالأمر أيضاً كما عرفت وهو غير مشمول للأخبار المتقدِّمة ، لأن العفو إنما ثبت في الدم الذي يصيب الثوب أو البدن عادة ، والدم الخارج من الأنف بسبب القرحة الداخلية ليس كذلك ، لمكان تقدّم الأنف على سائر أجزاء البدن فهو عند خروجه لا يصيب شيئاً منهما بطبعه.

(2) عرفت تفصيل الكلام في ذلك مما قدمناه فلا نعيد.

(3) لا شبهة في أنّ الحكم بالمانعية وعدمها أي العفو موضوعهما الدم المتحقق خارجاً ، فانّ غير الخارج لا يكون مانعاً ولا يقال إنه من دم القروح والجروح أو من غيرهما ولو قلنا بنجاسته ، فإذا رأينا في الخارج دماً وشككنا في أنه من القروح والجروح حتى لا يكون مانعاً أو من غيرهما ليكون مانعاً لم يمكننا استصحاب كونه


1) (*) بل الأظهر ذلك.

2) الوسائل 1 : 264 / أبواب نواقض الوضوء ب 7 ح 1 ، 2 ، 5 وكذا في المجلد 3 : 479 / أبواب النجاسات ب 42 ح 2 وكذا في المجلد 7 : 238 أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 1 ، 4 ، 6.

[296] مسألة 7 : إذا كانت القروح أو الجروح المتعددة متقاربة ، بحيث تعد جرحاً واحداً عرفاً (1) جرى عليه حكم الواحد فلو برأ بعضها لم يجب غسله ، بل معفو عنه حتى يبرأ الجميع ، وإن كانت متباعدة لا يصدق عليها الوحدة العرفية فلكلٍ حكم نفسه ، فلو برأ البعض وجب غسله ولا يعفى عنه إلى أن يبرأ الجميع (2).


من غيرهما لعدم الحالة السابقة وهو ظاهر. نعم بناءً على مسلكنا من جريان الأصل في الأعدام الأزلية لا مانع من استصحاب عدم كونه من الجروح والقروح ، لأنه قبل وجوده لم يكن منتسباً إليهما قطعاً فاذا وجدت الذات وشككنا في أن الاتصاف والانتساب إلى القروح والجروح هل تحققا معها أم لم يتحقّقا فنستصحب عدم حدوث الاتصاف والانتساب ، فهو دم بالوجدان وليس بدم القروح والجروح بالاستصحاب فبضم أحدهما إلى الآخر يحرز دخوله تحت العموم أعني عموم ما دلّ على مانعية النجس أو إطلاقه ، لوضوح أن الباقي تحت العموم غير معنون بشي‌ء سوى عنوان عدم كونه دم الجروح والقروح. ولعل الوجه في احتياط الماتن قدس سره عدم جزمه بجريان الأصل في الأعدام الأزلية.

(1) وإن كانت له شعب.

(2) فاذا كان جرح في يده وآخر في رجله مثلاً فبرأ أحدهما فلا محالة يرتفع عنه العفو لبرئه ، ولا يحكم باستمراره إلى أن يبرأ الثاني لتعدّدهما فانّ كلاًّ منهما جرح مستقل له حكمه.

وقد يقال باستمرار العفو إلى أن يبرأ الجميع لموثقة أبي بصير المتقدِّمة (1)حيث ورد فيها « إن بي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ » بدعوى دلالتها على العفو عن الجميع حتى يبرأ الجميع. وللمناقشة في ذلك مجال واسع وذلك أمّا أوّلاً : فلأنها حكاية فعل من الإمام علیه السلام في قضية شخصية ولا إطلاق للافعال ، ولعلّ عدم غسله الثوب من جهة أن دماميله كانت تعد بالنظر العرفي قرحة واحدة ذات


1) في ص 391.

الثاني ممّا يعفى عنه في الصلاة : الدم الأقل من الدرهم (1)


شعب. نعم لو كان سأل عن رجل به دماميل وأجابه بأنه لا يغسل ثوبه إلى أن يبرأ لأمكن الاستدلال بترك تفصيلها ، ولكن الأمر ليس كذلك كما مرّ لأنها حكاية فعل في واقعة.

وأمّا ثانياً : فلأنها معارضة بمرسلة سماعة المتقدِّمة (1)« إذا كان بالرجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم » بناء على ما هو المعروف عندهم من أن مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده ، حيث تدل على أن العفو في كل جرح سائل ملغى ببرئه فاذا حصل ارتفع سواء برأ الجرح الآخر أم لم يبرأ ، والتعارض بين الروايتين بالإطلاق فيتساقطان ويرجع إلى عموم ما دلّ على مانعية النجس في الصلاة.

(1) لا إشكال ولا خلاف في ثبوت العفو عما دون الدرهم من الدم كما لا شبهة في وجوب إزالة ما زاد عنه ، وإنما الخلاف فيما إذا كان بقدره بلا زيادة ونقصان وإن كان إحراز أن الدم بقدر الدرهم غير خال عن الصعوبة بل هو نادر التحقق جدّاً ، كما إذا ألقينا درهماً على الدم ثم وضعناه على الثوب أو البدن فتنجس بقدره فهل يعمه العفو أو يختص بما إذا كان أقل منه؟ قد اختلفت كلماتهم في ذلك كما أن الأخبار مختلفة ، فمنها ما هو مجمل من تلك الناحية ومنها ما ظاهره العفو عنه كما ادعي ، ومنها ما يقتضي وجوب إزالته ومانعيته وإليك بعضها :

منها : مصححة الجعفي عن أبي جعفر علیه السلام قال : « في الدم يكون في الثوب إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة ، وإن كان أكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسل حتى صلّى فليعد صلاته ، وإن لم يكن رآه حتى صلّى فلا يعيد الصلاة » (2)وهي إما أن تكون مهملة لعدم تعرضها للمسألة أعني ما إذا كان الدم بقدر الدرهم لأنها قليلة الاتفاق والتكلم فيها مجرد بحث علمي ، وإنما تعرضت لما إذا كان أقل من


1) في ص 392.

2) الوسائل 3 : 430 / أبواب النجاسات ب 20 ح 2.

قدر الدرهم أو زاد عليه ، ففيما إذا كان الدم بقدره يرجع إلى عموم ما دلّ على مانعية النجس في الصلاة. وإما أن تكون مجملة لأن مفهوم الشرطية الاولى في الرواية أن الصلاة تجب إعادتها إذا لم يكن الدم أقل من مقدار الدرهم سواء أكان بقدره أم كان زائداً عليه ، كما أن مفهوم الشرطية الثانية أعني قوله : « وإن كان أكثر من قدر الدرهم ... » عدم وجوب الإعادة إذا لم يكن الدم بأكثر من مقدار الدرهم سواء أكان أقل منه أم كان مساوياً معه ، فالجملتان متعارضتان في الدم بقدر الدرهم ، وحيث إن تعارضهما بالإطلاق فيحكم بتساقطهما والرجوع إلى عموم مانعية النجس في الصلاة.

ومنها : حسنة محمد بن مسلم قال « قلت له : الدم يكون في الثوب عليَّ وأنا في الصلاة ، قال : إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصلّ في غيره ، وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم وما كان أقل من ذلك فليس بشي‌ء رأيته قبل أو لم تره. وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيّعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه » (1)وقد قدّم في هذه الرواية بيان مانعية ما زاد عن الدرهم على بيان العفو عن الأقل منه على عكس الرواية المتقدمة ، ويأتي فيها أيضاً الاحتمالان المتقدمان فإنها إما أن تكون مهملة فيما هو بقدر الدرهم وإما أن تكون مجملة ، لعين ما قدمناه في الرواية السابقة وبعد تساقطهما بالمعارضة يرجع إلى عموم مانعية النجس ، فان ذكر أحد الأمرين مقدماً على الآخر لا تكون قرينة على المتأخر منهما. اللّهمّ إلاّ أن يقال : المراد بالزائد على مقدار الدرهم في قوله : « ما لم يزد على مقدار الدرهم » هو مقدار الدرهم فما زاد كما احتمله صاحب الجواهر (2)قدس سره لمعهودية إطلاق الزائد على شي‌ء من المقادير وإرادة ذلك المقدار وما فوقه كما في قوله عزّ من قائل ( فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ) (3).

هذا والذي يسهّل الخطب أن في المقام رواية ثالثة تقتضي مانعية ما كان بقدر الدرهم من الدم وهي قرينة على الروايتين المتقدمتين ، ومعها لا بد من الحكم بوجوب


1) الوسائل 3 : 431 / أبواب النجاسات ب 20 ح 6.

2) الجواهر 6 : 111.

3) النساء 4 : 11.

سواء كان في البدن أو اللباس (1)


إزالة الدم بقدر الدرهم سواء أكانت الروايتان ظاهرتين أم مجملتين وهي صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور في حديث قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ، ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي ثم يذكر بعد ما صلّى أيعيد صلاته؟ قال : يغسله ولا يعيد صلاته إلاّ أن يكون مقدار الدرهم مجتمعاً فيغسله ويعيد الصلاة » (1).

(1) النجس في الصلاة إذا سلبت عنه مانعيته لا يكون مانعاً عنها مطلقاً سواء أكان في الثوب أم في البدن. وأما اشتمال الأخبار على الثوب دون البدن فلعل السر فيه غلبة إصابة الدم للثوب ، لأنّ البدن مستور به غالباً فما يصيب الإنسان يصيب ثوبه دون بدنه ، حيث لا يصيبه غير دم القروح والجروح إلاّ نادراً ، هذا. على أن الظاهر عدم الخلاف في مشاركة الثوب والبدن في العفو.

وأما رواية مثنى بن عبد السلام عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال « قلت له : إني حككت جلدي فخرج منه دم ، فقال : إن اجتمع قدر حمصة فاغسله وإلاّ فلا » (2)فهي وإن كانت تقتضي التفصيل بين الثوب والبدن بأن يكون العفو في الثوب محدوداً بما دون الدرهم كما دلّت عليه الأخبار المتقدِّمة ، وفي البدن محدوداً بما دون الحمّصة حسبما يقتضيه هذا الخبر ، إلاّ أنّ الصحيح عدم الفرق بين الثوب والبدن ، فإنّ الرواية غير قابلة للاعتماد عليها سنداً ودلالة.

أما بحسب السند فلأجل مثنى بن عبد السلام حيث لم تثبت وثاقته. وأما بحسب الدلالة فلأن ظاهرها طهارة ما دون الحمصة من الدم دون العفو عنه مع نجاسته ، إذ الأمر بغسل شي‌ء إرشاد إلى نجاسته كما أن نفي وجوبه إرشاد إلى طهارته كما مر غير مرة ، فالرواية تدل على نجاسة ما زاد عن مقدار الحمصة وطهارة ما دونها ، وهذا مما لم ينسب إلى أحد من أصحابنا عدا الصدوق ، وقد تقدّم نقله والجواب عنه في التكلّم


1) الوسائل 3 : 430 / أبواب النجاسات ب 20 ح 1.

2) الوسائل 3 : 430 / أبواب النجاسات ب 20 ح 5.

من نفسه أو غيره (1) عدا الدماء الثلاثة (1)من الحيض والنفاس والاستحاضة (2)


على نجاسة الدم (2). فالرواية متروكة فلا يبقى معه لتوهّم انجبارها بعملهم مجال.

(1) فصّل صاحب الحدائق قدس سره بين دم نفس المصلِّي وغيره ، فألحق دم الغير بدم الحيض في عدم العفو عن قليله وكثيره قائلاً ، ولم أقف على من تنبه ونبّه على هذا الكلام إلاّ الأمين الأسترآبادي فإنه ذكره واختاره (3). واستند في ذلك إلى مرفوعة البرقي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال « قال : دمك أنظف من دم غيرك ، إذا كان في ثوبك شبه النضح من دمك فلا بأس ، وإن كان دم غيرك قليلاً أو كثيراً فاغسله » (4)ولكن الصحيح ما ذهب إليه الماتن وغيره من عدم الفرق في العفو عما دون الدرهم بين دم نفسه وغيره ، فإن الرواية المستدل بها على التفصيل المدعى وإن كانت لا بأس بدلالتها إلاّ أنها ضعيفة بحسب السند لكونها مرفوعة ، ولم يعمل بها الأصحاب 5 كما يظهر من كلام صاحب الحدائق قدس سره حتى يتوهم انجبارها بعملهم.

(2) لرواية أبي بصير « لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض فإن قليله وكثيره في الثوب إن رآه أو لم يره سواء » (5)هذا بالإضافة إلى دم الحيض. وأما دم النفاس والاستحاضة لأجل أن دم النفاس حيض محتبس يخرج بعد الولادة والاستحاضة مشتقة من الحيض فحكمها حكمه.

هذا والصحيح عدم الفرق في العفو عما دون الدرهم بين الدماء الثلاثة وغيرها وذلك أما بالإضافة إلى دم النفاس فلأنّا لو سلمنا أنه حيض محتبس وكان ذلك وارداً


1) على الأحوط في الاستحاضة بل في النفاس والحيض أيضاً.

2) في ص 16.

3) الحدائق 5 : 328.

4) الوسائل 3 : 432 / أبواب النجاسات ب 21 ح 2.

5) الوسائل 3 : 432 / أبواب النجاسات ب 21 ح 1. ثم إن في الكافي 3 : 405 / 3 بدل ( لا تبصره ) لم تبصره.

في رواية معتبرة لم يمكننا إسراء حكم الحيض إليه ، لأنّ المانعية على تقدير القول بها إنما ثبتت على الحيض غير المحتبس ، والمحتبس موضوع آخر يحتاج إسراء الحكم إليه إلى دلالة الدليل ولا دليل عليه. وأما بالإضافة إلى دم الاستحاضة فلأنه ودم الحيض وإن كانا مشتركين في بعض أحكامهما إلاّ أنهما دمان وموضوعان متغايران يخرجان من عرقين ومكانين مختلفين كما في الخبر (1)فلا وجه لاشتراكهما من جميع الجهات والأحكام ، ومن هنا ذكر صاحب الحدائق قدس سره أن استثناء دمي الاستحاضة والنفاس إلحاقاً لهما بدم الحيض للوجهين المتقدمين أو غيرهما مما ذكروه في وجهه لا يخرج عن القياس (2).

وأما بالإضافة إلى دم الحيض فلأن الرواية وإن كانت دلالتها غير قابلة للإنكار إلاّ أن سندها مورد للمناقشة من جهتين : إحداهما : أن الرواية مقطوعة وغير مسندة إلى الإمام علیه السلام وإنما هو كلام من أبي بصير حيث قال : « لا تعاد .. » وقد أُجيب عن ذلك بأن ذكرها في الكتب المعتبرة أعني التهذيب والكافي يأبى عن ذلك ، لبعد أن ينقل الشيخ أو الكليني قدس سرهما كلام غيره علیه السلام . ويدفعه : أن غاية ما يستفاد من نقلهما أن الرواية صادرة عنهم علیهم السلام حسب اعتقادهما ، وأما أن الأمر كذلك في الواقع فلا. والصحيح في الجواب عن هذه المناقشة أن يقال : إنها وإن رويت مقطوعة وغير مسندة إليه علیه السلام في بعض نسخ التهذيب (3)إلاّ أنها مرويّة في الكافي (4)وفي بعض النسخ الأُخر من التهذيب (5)مسندة إلى أبي جعفر وأبي عبد اللّه علیهماالسلام ومن هنا نقلها في الوسائل كذلك (6)فليراجع.

وثانيتهما : أن في سند الرواية أبا سعيد المكاري ولم يرد توثيق في حقه ، بل له


1) لاحظ الوسائل 2 : 275 أبواب الحيض ب 3 ح 1.

2) الحدائق 5 : 328.

3) التهذيب 1 : 257 / 745.

4) الكافي 3 : 405 / 3.

5) التهذيب 1 : 257 / 745.

6) الوسائل 3 : 432 / أبواب النجاسات ب 21 ح 1.

أو من نجس العين (1)


مكالمة مع الرضا علیه السلام لو صحت وثبتت لدلت على أنه كان مكارياً حقيقة حيث لم يكن يعتقد بإمامته وأساء معه الأدب في كلامه ، ودعا الرضا علیه السلام عليه بقوله : « أطفأ اللّه نور قلبك وأدخل اللّه الفقر بيتك » وابتلي بالفقر والبلاء بعد خروجه من عنده (1)نعم ابنه الحسين أو الحسن ممن وثّقه النجاشي (2)وغيره. وعلى الجملة الرواية ضعيفة ولا يمكن الاعتماد عليها في شي‌ء ، إلاّ أن استثناء دم الحيض عما عفي عنه في الصلاة هو المشهور بينهم حيث ذهبوا إلى أن قليله وكثيره مانع عن الصلاة ، وأنكروا نقل خلاف في المسألة بل قالوا إنها إجماعية ، وعليه فان قلنا بانجبار ضعف الرواية بعملهم فلا مانع من القول باعتبارها ، وأما بناء على ما سلكناه من أن عمل المشهور أو أعراضهم لا يكون جابراً أو كاسراً فلا يمكننا استثناء دم الحيض لأجلها. وأما الإجماع المدعى فنحن لو لم نجزم بعدم تحقق إجماع تعبدي فلا أقل من أن لا نجزم بتحققه ، إذ من المحتمل أن لا يصل إليهم الحكم يداً بيد ويعتمدوا في ذلك على الرواية المتقدمة ، ومعه يكون استثناء دم الحيض مبنياً على الاحتياط.

(1) يمكن أن يعلّل ذلك بوجهين : أحدهما : أنّ الأدلّة المتقدِّمة إنما دلّت على العفو من حيث مانعيّة نجاسة الدم لا من حيث مانعيّة شي‌ء آخر ككونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه. ويدفعه : أن نجس العين لا يلزم أن يكون دائماً مما لا يؤكل لحمه فانّ من أفراده المشرك بل اليهود والنصارى بناء على نجاسة أهل الكتاب فإنهم من أفراد نجس العين حقيقة وليسوا مما لا يؤكل لحمه ، لما يأتي في محلِّه من أن ذلك العنوان غير شامل للآدمي ومن هنا تصح الصلاة في شعره أو غيره من أجزائه الطاهرة ولا سيما إذا كان من نفس المصلي ، فتعليل مانعية نجس العين بكونه مما لا يؤكل لحمه عليل.

وثانيهما : أن أدلة العفو إنما دلت على العفو عن النجاسة الدموية لا عن النجاسة


1) تنقيح المقال 3 : 287.

2) رجال النجاشي : 38 / 78 وفيه الحسين.

الأُخرى ، وحيث إن الدم من العين النجسة فنجاسته من جهتين من جهة أنه دم ومن جهة أنه من نجس العين ولا تشمل أدلة العفو غير النجاسة الدموية.

وهذا الوجه هو الصحيح وتوضيحه : أن محتملات الأخبار الواردة في العفو عما دون الدرهم من الدم ثلاثة : لأنها إما أن تدل على العفو عن النجاسة الدموية فحسب ، فلا تشمل حينئذ دم نجس العين كالمشرك واليهودي بناء على نجاسة أهل الكتاب لأنّ نجاسته من جهتين من جهة أنه دم ومن جهة أنه من نجس العين ، وقد فرضنا أن الأدلّة إنما دلّت على العفو عن النجاسة الدموية لا عن النجاسة من جهة أُخرى. وإما أن تدل على العفو عن نجاسة الدم وإن كانت نجاسته من جهتين فتشمل حينئذ دم نجس العين كالمشرك وغيره إلاّ أنها غير شاملة لدم ما لا يؤكل لحمه لأنّ فيه جهة أُخرى من المانعية غير مانعية النجس كما لا يخفى. وإما أن تدل على العفو عن مانعية الدم الأقل من مقدار الدرهم مطلقاً فتشمل الأخبار حينئذ كل دم أقل من الدرهم ولو كان مما لا يؤكل لحمه. والمقدار المتيقن من تلك المحتملات هو الأوّل وعليه لا دلالة لها على العفو عن دم نجس العين فضلاً عما لا يؤكل لحمه.

وإن شئت قلت : إنّ نجاسة دم نجس العين وإن كانت نجاسة واحدة إلاّ أنها من جهتين كما مر ، ودليل العفو لم يدل على أزيد من العفو عن نجاسة الدم بما هو فلا يعم ما إذا كان الدم من نجس العين لأنّ نجاسته من جهتين. ويؤكد ذلك أنّ أدلّة العفو المتقدِّمة إنما يستفاد منها عدم مانعيّة الدم الأقل من الدرهم ولم تدلّ على أن فيه اقتضاء للجواز ، فكيف يمكن معه أن يلتزم بمانعيّة بصاق المشرك أو اليهودي مثلاً بناء على نجاسته وإن كان قليلاً ولا يلتزم بمانعية دمه.

ثم لو أغمضنا عن ذلك كلّه وبنينا على أن أدلة العفو تشمل دم نجس العين كغيره فالنسبة بينها وبين ما دلّ على المنع عن الصلاة في ثوب اليهودي والنصراني (1)عموم من وجه ، حيث إنها تدلّ على بطلان الصلاة فيما تنجس من ثيابهما ولو بدمهما ، وهذه الأدلّة تقتضي جواز الصلاة في الدم الأقل ولو كان من اليهودي أو غيره من الأعيان


1) الوسائل 3 : 421 / أبواب النجاسات ب 14 ح 10.

أو الميتة (1) بل أو غير المأكول (2)


النجسة فتتعارضان في الدم الأقل إذا كان من نجس العين وتتساقطان ، والمرجع حينئذ هو المطلقات وهي تقتضي بطلان الصلاة في دم نجس العين ولو كان أقل من الدرهم.

(1) قد ظهر الحال في دم الميتة مما قدّمناه في دم نجس العين فلا نعيد.

(2) لأن أجزاء ما لا يؤكل لحمه مانعة مستقلّة بنفسها سواء أمكنت الصلاة فيها أم لم تمكن كما في لبنه وروثه ، لموثقة ابن بكير قال : « سأل زرارة أبا عبد اللّه علیه السلام عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر ، فأخرج كتاباً زعم أنه إملاء رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أن الصلاة في وبر كل شي‌ء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شي‌ء منه فاسدة لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل اللّه أكله ... » (1)وأدلّة العفو كما عرفت إنما تدل على العفو عن مانعية الدم فحسب ولم تدل على العفو عن مانعية ما لا يؤكل لحمه أو غيره فمقتضى الموثقة بطلان الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه ولو بحملها ، وأدلّة العفو لا تقتضي العفو عن غير النجاسة الدموية ، ولا معارضة بين المقتضي واللاّمقتضي.

فان قلت : إنّ أدلّة العفو كما مرّت مطلقة تشمل دم المأكول وغيره فلا وجه لتخصيصها بما يؤكل لحمه. قلت : على تقدير تسليم الإطلاق فيها أنها معارضة بموثقة ابن بكير ، والنسبة بينهما هي العموم من وجه ، فإن الموثقة دلت على مانعية ما لا يؤكل لحمه كان دماً أم غيره ، وأدلة العفو دلت على العفو عما دون الدرهم من الدم سواء أكان مما يؤكل لحمه أم مما لا يؤكل لحمه ، وفي النتيجة لا بدّ من الحكم ببطلان الصلاة في دم ما لا يؤكل لحمه إما لتقديم الموثقة على أدلة العفو لقوة دلالتها حيث إنها بالعموم ودلالة الأدلة بالإطلاق ، وإما للحكم بتساقطهما بالمعارضة والرجوع إلى أدلّة مانعيّة النجس في الصلاة.

هذا وللشيخ المحقق الهمداني قدس سره كلام في المقام وحاصله عدم دلالة


1) الوسائل 4 : 345 / أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1.

الموثقة على إرادة الدم من كل شي‌ء ، بدعوى أن سياق الرواية يشهد بأن المراد بعموم كل شي‌ء هو الأشياء التي يكون المنع من الصلاة فيها ناشئاً من حرمة الأكل ، بحيث لو كان حلال الأكل لكانت الصلاة فيها جائزة ، فمثل الدم والمني خارج عما أُريد بهذا العام لأن الحيوان لو كان محلل الأكل أيضاً لم تكن الصلاة في دمه أو منيه جائزة لنجاستهما ، فاذا لم يكن الدم ونحوه مشمولاً لعموم المنع من الابتداء بقيت أدلة العفو غير معارضة بشي‌ء (1)هذا.

وما أفاده قدس سره ينبغي أن يعد من غرائب الكلام ، وذلك لأن للدم جهتين مانعتين عن الصلاة : إحداهما : نجاسته ومنجسيته للثوب والبدن. وثانيتهما : كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، ولا يفرق في المانعية من الجهة الأُولى بين كون الدم مما يؤكل لحمه وكونه من غيره. وهذا بخلاف المانعية من الجهة الثانية لاختصاصها بما لا يؤكل لحمه ، كما أن المانعية من الجهة الثانية لا تتوقف على تحقق المانعية من الجهة الأُولى ومن هنا لو فرضنا الدم من غير المأكول طاهراً كما إذا ذبح وقلنا بطهارة الدم المتخلف في الذبيحة مما لا يؤكل لحمه أيضاً كان استصحابه في الصلاة مانعاً عن صحتها وإن لم يكن نجساً ولا مانع من الصلاة فيها من ناحية الطهارة إذا استصحبناه في الصلاة على نحو لم يلاق الثوب أو البدن فإنه أيضاً يوجب البطلان ، وليس ذلك إلاّ من جهة أن ما لا يؤكل لحمه مانع باستقلاله سواء أكان نجساً أم لم يكن. وهل يسوغ القول بمانعية الأجزاء الطاهرة مما لا يؤكل لحمه كالوبر والشعر حيث تصح فيهما الصلاة على تقدير حلية حيوانهما دون أجزائه النجسة؟ فإنه أمر غير محتمل بالوجدان ، كيف وقد دلّت الموثقة على مانعيّة ما لا يؤكل لحمه بجميع أجزائه النجسة والطاهرة. بل قد صرحت ببطلان الصلاة في روثة مع أن حال الروث حال الدم بعينه ، فمع شمول الموثقة له يقع التعارض بينها وبين أدلة العفو. والنتيجة عدم جواز الصلاة في دم غير المأكول كما مر. وكان الأولى على ما ذكرناه أن لا يعقّب الماتن استثنائه الدم مما لا يؤكل لحمه بقوله « على الأحوط » لأنه يوهم أن استثناء بقية المذكورات في كلامه أعني دم نجس


1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 594 السطر 18.

مما عدا الإنسان (1) على الأحوط ، بل لا يخلو عن قوة ، وإذا كان متفرِّقاً في البدن أو اللِّباس أو فيهما وكان المجموع بقدر الدرهم ، فالأحوط عدم العفو (1)(2).


العين والميتة مما لا شبهة فيه بخلاف استثنائه الدم مما لا يؤكل لحمه فإنه أمر غير مسلم مع أنك عرفت أن استثناءه مما لا تردّد فيه ، بل إنه أولى بالاستثناء كما لا يخفى وجهه.

(1) يأتي الوجه في استثناء ذلك في محله إن شاء اللّه.

(2) ذكرنا أن الدم بقدر الدرهم فما زاد تجب إزالته ولا عفو عنه ، وهذا إذا كان له وجود واحد مما لا خلاف فيه ، وأما إذا كان مقدار الدرهم أو الزائد عليه متفرقاً في وجودات متعدِّدة فقد وقع الخلاف في وجوب إزالته وعدمه ، فذهب جماعة إلى أن العبرة بكل واحد من وجوداته فاذا بلغ مقدار الدرهم فما زاد باستقلاله تجب إزالته وتحكم بمانعيته. وقال جماعة آخرون إنّ المانعية ووجوب الإزالة حكمان مترتبان على ذات الدم وطبيعيه ، والاجتماع والافتراق من حالاتها ، فاذا بلغ مجموع الوجودات المتفرقة مقدار الدرهم وما زاد وجبت إزالته وهو مانع عن الصلاة.

ومنشأ الخلاف هو اختلاف الاستظهار والاستفادة من الأخبار ، فقد يستظهر منها أن العبرة بالاجتماع الفعلي دون التقديري بمعنى أن الدم المجتمع بالفعل إذا كان بمقدار الدرهم وجبت إزالته ، وأما الدم غير المجتمع كذلك فهو مما لا عبرة به ولا تجب إزالته ولو كان أكثر من مقدار الدرهم على تقدير الاجتماع. وقد يستظهر أن العبرة بكون ذات الدم بمقدار الدرهم فما زاد ولو على تقدير الاجتماع ، فالتقديري كالفعلي كاف في المانعية ووجوب الإزالة. وكيف كان المتبع هو الأخبار فلا بد من النظر إلى الروايات الواردة في المقام لنرى أن المستفاد منها أي شي‌ء :

فمنها : صحيحة الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة فيه؟ قال : لا ، وإن كثر فلا بأس أيضاً


1) (*) بل الأظهر ذلك.

بشبهه من الرعاف ينضحه ولا يغسله » (1)لدلالتها على أن دم الرعاف إذا كان نقطاً وشبيهاً بدم البراغيث لم يمنع من الصلاة سواء أكانت النقط على تقدير اجتماعها بمقدار الدرهم فما زاد أم لم تكن ، ومقتضاها أن العبرة بكون الدم بمقدار درهم فما زاد مجتمعاً وأما المتفرق منه فهو ليس بمانع ولا تجب إزالته ولو كان على تقدير الاجتماع بقدر الدرهم فما زاد.

والجواب عن ذلك أن الرواية غير شاملة لما إذا كانت النقط بالغة بمقدار الدرهم على تقدير الاجتماع ، وذلك لأن دم البرغوث في الثياب لا يكون على الأغلب المتعارف بمقدار الدرهم على تقدير اجتماعه ، فالمشبه به أعني دم الرعاف أيضاً لا بدّ أن يكون كذلك ، حيث دلت الصحيحة على العفو عما يشابه دم البراغيث فهي منصرفة عن صورة بلوغ دم البراغيث أو الرعاف إلى حد الدرهم ولو على تقدير الاجتماع ، هذا.

ثم لو سلّمنا عدم انصرافها وقلنا بشمولها لما إذا كانت النقط بمقدار الدرهم على تقدير الاجتماع ، فهي معارضة بحسنة محمد بن مسلم قال « قلت له : الدم يكون في الثوب عليَّ وأنا في الصلاة ، قال : إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصلّ في غيره وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم ، وما كان أقل من ذلك فليس بشي‌ء رأيته قبل أو لم تره ، وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيّعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه » (2)فان مقتضى إطلاقها وجوب الإعادة إذا كان الدم أكثر من مقدار الدرهم مجتمعاً أم متفرقاً ، والتعارض بينهما بالإطلاق ومقتضى القاعدة سقوطهما والرجوع إلى عموم الفوق وهو عموم ما دلّ على مانعية النجس في الصلاة ، إذ المقدار المتيقن الخروج منه هو الدم الأقل من الدرهم وأما الزائد على ذلك متفرقاً فهو مشكوك الخروج فتشمله العمومات كما مرّ.


1) الوسائل 3 : 431 / أبواب النجاسات ب 20 ح 7.

2) الوسائل 3 : 431 / أبواب النجاسات ب 20 ح 6.

ثم إن في المقام روايتين استدل بهما على كلا الطرفين : إحداهما : مرسلة جميل عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه علیهماالسلام أنهما قالا : « لا بأس أن يصلي الرجل في الثوب وفيه الدم متفرقاً شبه النضح ، وإن كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعاً قدر الدرهم » (1)ولكنها لإرسالها ضعيفة غير قابلة للاستدلال بها. وثانيتهما : صحيحة ابن أبي يعفور في حديث قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ، ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلِّي ، ثم يذكر بعد ما صلّى ، أيعيد صلاته؟ قال : يغسله ولا يعيد صلاته ، إلاّ أن يكون مقدار الدرهم مجتمعاً فيغسله ويعيد الصلاة » (2)فالدم الذي تجب إزالته هو ما كان قدر الدرهم مجتمعاً أو ما كان مجتمعاً قدر الدرهم كما في الروايتين.

والمحتملات في هذه الجملة : « إلاّ أن يكون مقدار الدرهم مجتمعاً » أربعة :

الأوّل : أن يكون قدر الدرهم إسماً ليكون ومجتمعاً خبره.

الثاني : أن يكون مقدار الدرهم خبراً ليكون واسمها الدم المحذوف في الكلام ومجتمعاً خبر بعد خبر ، والمعنى حينئذ إلاّ أن يكون الدم قدر الدرهم ويكون مجتمعاً ، والنتيجة في هاتين الصورتين واحدة وهي دلالتها على أن المانع يعتبر فيه أمران : أحدهما أن يكون الدم بقدر الدرهم. وثانيهما أن يكون مجتمعاً ، فالدم المشتمل على هاتين الصفتين تجب إزالته ، فلا تترتب المانعية على الدم الذي ليس بقدر الدرهم وإن كان مجتمعاً أو ما كان بقدره ولم يكن مجتمعاً فالدم المتفرق لا عبرة به ولو كان بقدر الدرهم.

الثالث : أن يكون قدر الدرهم خبراً ليكون ومجتمعاً حالاً وهذا له صورتان : إحداهما : أن يكون مجتمعاً حالاً من الدم الذي هو اسم ليكون ، والمعنى حينئذ إلاّ أن يكون الدم مقدار الدرهم حال كونه أي الدم مجتمعاً ونتيجتها عدم العبرة بالدم المتفرق وإن كان بقدر الدرهم كما في الصورتين السابقتين. وثانيتهما : أن يكون مجتمعاً


1) الوسائل 3 : 430 / أبواب النجاسات ب 20 ح 4.

2) الوسائل 3 : 430 / أبواب النجاسات ب 20 ح 1.

حالاً من مقدار الدرهم الذي هو خبر ليكون ، والمعنى حينئذ ولا يعيد صلاته إلاّ أن يكون الدم مقدار الدرهم حال كونه مجتمعاً فتدل على أن بلوغ نقط الدم مقدار الدرهم على فرض اجتماعها مانع عن الصلاة وتجب إزالته. وعليه لا يعتبر الاجتماع الفعلي في المانعية ، لأن السائل قد فرض الدم نقطاً وتوصيف قدر الدرهم حينئذ بالاجتماع إنما يكون بمعنى الفرض والتقدير ومعناه أن الدم إذا كان بمقدار الدرهم على تقدير اجتماع النقط المنتشرة منه وجبت إزالته وهو مانع عن الصلاة.

وهذا الاحتمال هو المتعين الصحيح دون الاحتمالات الثلاثة المتقدمة ، وذلك لأنها تستلزم أن يكون الاستثناء الواقع في كلامه علیه السلام منقطعاً ، لأن الدم في مورد الصحيحة إنما هو النقط المنتشرة ولا يتحقق فيها الاجتماع بالفعل ، فلا بد أن نفرضه في غير مورد السؤال أي في غير الدم النقط وهو معنى كون الاستثناء منقطعاً ، وحيث إنه خلاف ظاهر الاستثناء فلا يصار إليه ويتعيّن الأخذ بالمحتمل الأخير. وعليه فالصحيحة تدل على أنّ النقط المنتشرة في الثوب إذا كانت بمقدار الدرهم على تقدير اجتماعها وجبت إزالتها وأن المانع لا يعتبر فيه الاجتماع بالفعل ، هذا.

ثم لو تنزّلنا عن ذلك وقلنا بعدم ظهور الصحيحة فيما ذكرناه فلا أقل من أنه محتمل كغيره وهو يوجب إجمال الرواية ويسقطها عن الاعتبار ، ولا بد معه من الرجوع إلى عموم مانعية النجس ، وذلك لما حرّرناه في محلِّه من أنّ المخصّص إذا دار أمره بين الأقل والأكثر فإنما يتبع في المقدار المتيقن منه وهو الأقل ويرجع في الأكثر المشكوك فيه إلى العام.

وتوضيحه : أن الروايات الواردة في مانعية النجاسة بين ما ورد في النجاسة السابقة على الصلاة ودلت على وجوب غسلها وإعادة الصلاة منها ، وبين ما ورد في انكشاف النجاسة في أثنائها ودلّت على إتمام الصلاة وعدم وجوب إعادتها كموثقة داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في الرجل يصلي فأبصر في ثوبه دماً ، قال : يتم » (1)بحيث لو كنّا نحن وهذه الموثقة لقلنا بعدم وجوب الإعادة مطلقاً عند انكشاف


1) الوسائل 3 : 483 / أبواب النجاسات ب 44 ح 2.

النجاسة في أثناء الصلاة إلاّ أن صحيحة زرارة (1)دلتنا على أن من علم بنجاسة سابقة في أثناء الصلاة يقطع صلاته وهي باطلة إلاّ أن يحتمل طروها في أثنائها فإنه يقطع صلاته ويغسله ثم يبني عليها ، وحيث إن الصحيحة أخص من الموثقة فلا محالة تخصصها ومعه يحكم بوجوب إزالة النجاسة السابقة على الصلاة فإنها مانعة عن صحتها. ثم إنه ورد على هذا المخصص مخصص آخر وهو أدلة العفو عما دون الدرهم من الدم لدلالتها على عدم بطلان الصلاة فيه ولو كان سابقاً على الصلاة وصلّى فيه متعمداً ، وهذا هو القدر المتيقن من التخصيص في صحيحة زرارة وغيرها مما دلّ على مانعية النجاسة السابقة على الصلاة ، وبهذا المقدار تخرج عن عموم أدلة المانعية أو إطلاقها. وأما الدم الزائد على مقدار الدرهم أو ما هو بقدره متفرقاً فخروجه عنها غير معلوم وعموم أدلة المانعية أو إطلاقها محكّم فيه.

فتحصل إلى هنا أنه لا فرق فيما هو بقدر الدرهم فما زاد بين كونه مجتمعاً وكونه متفرقاً ، هذا إذا كان الدم في الثوب ، وكذلك الحال فيما إذا كان في البدن لما مر من عدم الفرق بين الثوب والبدن. وعدم ذكر البدن في الأخبار من جهة أن الغالب إصابة الدم الثوب لأنه مستور به ، وعليه لو فرضنا أن في ثوبه وبدنه دماً لا يبلغ كل منهما مقدار الدرهم بنفسه إلاّ أنهما على تقدير اجتماعهما يبلغان مقدار الدرهم فما زاد فلا محالة تجب إزالته وهو مانع عن الصلاة.

بقي شي‌ء وهو أن للمصلي إذا كان أثواب متعددة كما هو المتعارف في الأعصار المتأخرة ، وكان الدم في كل واحد منها أقل من مقدار الدرهم إلاّ أن مجموعة بقدره فما زاد فهل تجب إزالته وهو مانع من الصلاة؟ التحقيق لا ، وذلك لأن الأخبار الواردة في المسألة إنما موردها الثوب وقد دلت على أن الدم الكائن فيه إذا كان بمقدار الدرهم فما زاد مجتمعاً بالفعل أو بالتقدير وجبت إزالته ، كما أنه إذا كان أقل من ذلك يعفى عنه في الصلاة ، فإذا فرضنا أن الدم في كل واحد من الأثواب أقل من مقدار الدرهم فهو موضوع مستقل للعفو وتشمله أدلته إذ يصدق أنه ثوب والدم الكائن فيه أقل من


1) الوسائل 3 : 482 / أبواب النجاسات ب 44 ح 1.

والمناط سعة الدرهم (1) لا وزنه ، وحدّه سعة أخمص الراحة ، ولما


الدرهم ، وكذلك الحال في الثوب الثاني والثالث وهكذا ، فان مقتضى إطلاق الروايات عدم الفرق في العفو بين تعدد الثوب ووحدته ، ولا دليل على أن مجموع ما في الأثواب المتعدِّدة إذا كان بقدر الدرهم يكون مانعاً عن الصلاة. ولا يقاس المقام بالمسألة المتقدِّمة ، فإن الثوب الواحد إذا كان فيه شبه النضح والنقط وكان مجموعها بقدر الدرهم يصح أن يقال إنه ثوب والدم الكائن فيه بقدر الدرهم وهو مانع عن الصلاة ، وكذا إذا كان مجموع ما في البدن والثوب بقدر الدرهم لأن حكمهما واحد. وهذا بخلاف المقام لتعدد الثياب وكون كل واحد منها مشمولاً لأدلة العفو في نفسه ، فافهم ذلك واغتنمه.

(1) لأنه الموافق للفهم العرفي من مثله ، ولا يكاد يستفاد من قوله : « إلاّ أن يكون بمقدار الدرهم ... » أن يكون الدم بمقدار وزن الدرهم ليعتبر وزنه ووزن الدم الكائن في الثوب ليرى أنهما متساويان أو مختلفان ، مع ما في وزن الدم وهو في الثوب من الصعوبة والإعضال.

ثم إن الدراهم المتعارفة في زمان الصادقين علیهماالسلام وافياً كانت أم بغلياً كانت مختلفة من حيث السعة والضيق ، حيث إنها كالقِرانات العجمية الدارجة إلى قريب عصرنا إنما كانت تضرب بالآلات اليدويّة لا بالمكائن والأدوات الدقيقة ، ومن الواضح أنّ الآلة اليدوية لا انضباط لها لتكون الدراهم على ميزان واحد ، ومن هنا كانت دائرتها تختلف بحسب الضيق والسعة وقد شاهدنا هذا الاختلاف في القِرانات العجمية المضروبة قبيل عصرنا ببلدة همدان أو خراسان. وعليه فلا بدّ من تشخيص أنّ الميزان سعة أي درهم فنقول :

الدراهم إذا كانت مختلفة من حيث السعة والضيق فلا يمكن أن تكون العبرة بأجمعها ، فإن لازمه الحكم بالعفو عن مقدار خاص باعتبار أنه أقل من مقدار بعض الدراهم ، والحكم بعدمه باعتبار أنه يزيد على مقدار بعضها الآخر ، فإذن لا بدّ من أن تكون العبرة ببعضها دون غيره ، وحيث إنه لم تقم قرينة على إرادة أكثرها سعة ولا

على متوسطها فلا مناص من الاقتصار على أقلها سعة من الأفراد المتعارفة الدارجة في عصر الصادقين علیهماالسلام على ما تقتضيه القاعدة عند دوران المخصص المجمل بين الأقل والأكثر. وعليه فيقع الكلام في تحديد الدراهم المتعارفة وتميزها عن غيرها ، ولم يرد تحديد الدرهم في شي‌ء من الروايات ، والمعروف بينهم أن المراد بالدرهم المعفوّ عما دونه هو البغلي ، وعن المتقدِّمين تفسيره بالوافي. ومن البعيد جدّاً أن يعبِّروا عن شي‌ء واحد بتعبيرين مختلفين.

ثم إنّ كلماتهم قد اختلفت في تحديد سعة ذلك الدرهم المفسّر بالبغلي أو الوافي ، فقد نسب إلى أكثر العبائر تحديدها بأخمص الراحة وهو أكثر التحديدات المذكورة في المقام ، وعن الإسكافي تحديدها بسعة العقد الأعلى من الإبهام (1)من غير تعرّض لكونه البغلي أو غيره. وعن بعضهم تحديدها بعقد الوسطى. وعن رابع تحديدها بعقد السبابة وهو أقل التحديدات المتقدِّمة. أما تحديدها بأخمص الراحة فلا مستند له في كلماتهم سوى ما عن ابن إدريس في سرائره من أنه شاهد درهماً من الدراهم التي كانت تجدها الحَفَرة في بلدة قديمة يقال لها بغل قريبة من بابل تقرب سعته من سعة أخمص الراحة (2).

وفيه أوّلاً : أن ابن إدريس إنما شهد على أنّ سعة الدرهم البغلي قريبة من سعة أخمص الراحة لا أن سعته بمقدار سعتها ، فهو في الحقيقة شهد على نقصان سعة الدرهم عن المقدار المدعى ، ولازم الاعتماد على شهادته تحديد الدرهم البغلي بما ينقص عن سعة أخمص الراحة بشي‌ء لا تحديده بسعتها.

وثانياً : أن شهادته قدس سره غير مسموعة ، فإنّ الشهادة يعتبر فيها تعدّد الشاهد ولا يكتفى فيها بالواحد ، وباب الشهادة غير باب النقل والرواية كما لا يخفى. على أن الدرهم البغلي مورد الخلاف من حيث نسبته ، فان ابن إدريس نسبه إلى المكان حيث قال : وهو أي الدرهم البغلي منسوب إلى مدينة قديمة يقال لها بغل.


1) المختلف 1 : 317 المسألة 233.

2) السرائر 1 : 177.

حدّه بعضهم بسعة عقد الإبهام من اليد وآخر بعقد الوسطى وآخر بعقد السبابة فالأحوط (1)الاقتصار على الأقل وهو الأخير.

[297] مسألة 1 : إذا تفشي من أحد طرفي الثوب إلى الآخر فدم واحد (1)


وعن آخر نسبته إلى ابن أبي البغل. وعن ثالث أنه منسوب إلى رأس البغل ، ومع هذا الاختلاف كيف يعتمد على شهادته ، فهذا التحديد لا مثبت له ، وكذلك التحديدات الأُخر لعدم قيام الدليل على شي‌ء منها.

وتوهّم أنّ المراد بالدرهم هو الدرهم على نحو القضية الحقيقية بأن يكتفى بكل ما صدق عليه عنوان الدرهم في أي زمان كان ولو كانت سعته أكثر من سعة الدراهم الموجودة في زمانهم علیهم السلام مندفع بأنه محض احتمال لا مثبت له ، فان الظاهر من الدرهم في رواياته هو الدرهم المتعارف في عصرهم ، وحيث لم يرد تحديد سعتها في شي‌ء من رواياتهم فمقتضى القاعدة الاقتصار على أقل التحديدات المتقدمة وهو تحديد سعته بسعة عقد السبابة لأنه المقدار المتيقن في البين ، ويرجع فيما زاد على هذا المقدار إلى عموم ما دلّ على مانعية النجس في الصلاة كما هو الحال في غير المقام عند إجمال المخصص لدورانه بين الأقل والأكثر.

ثم إنّا لو ظفرنا بدرهم وأحرزنا أنه كان موجوداً في زمانهم علیهم السلام أيضاً لم يمكننا الاعتماد على سعته ، إذ من المحتمل القريب لو لم ندع الجزم به كما مر اختلاف الدراهم الموجودة في زمانهم بحسب الضيق والسعة ، ومعه كيف يعلم أن ما ظفرنا به هو المراد بالدرهم الواقع في رواياتهم ، ولعل سعته أقل أو أكثر من سعة الدراهم المقصودة في الروايات. كما أن تعيين أوزان الدراهم مما لا ثمرة له إذ المدار على سعة الدرهم لا على وزنه كما عرفت ، وقد يكون الدرهم أوسع من غيره وهو أقل وزناً من ذلك ، فلا أثر لتحقيق أن الدرهم ستة دوانيق أو أقل أو أكثر.

(1) لا شبهة في وحدته حينئذ ، إذ الدم ليس من الأعراض الخارجية وإنما هو من


1) لا يترك.

والمناط في ملاحظة الدرهم أوسع الطرفين (1). نعم لو كان الثوب طبقات فتفشى من طبقة إلى أُخرى فالظاهر التعدد (2) وإن كانتا من قبيل الظهارة والبطانة ، كما أنه لو وصل إلى الطرف الآخر دم آخر لا بالتفشي ، يحكم عليه بالتعدد (1)وإن لم يكن طبقتين (3).


الجواهر وله أبعاد ثلاثة من العمق والطّول والعرض ، فدائماً له سطح داخلي فقد يُرى من الجانب الآخر وقد لا يُرى.

(1) لصدق أنه دم بقدر الدرهم فما زاد فتجب إزالته وإن كان في الطرف الآخر أقل منه.

(2) لأنّ التعدّد في الوجود يمنع عن وحدة الدمين ولو كان الثوب واحداً ، كما إذا أصاب الدم الظهارة وتفشى إلى البطانة وكان مجموعهما بمقدار الدرهم فما زاد فإنه مانع عن الصلاة وتجب إزالته لأجلها بناء على عدم اعتبار الاجتماع الفعلي في الحكم بوجوب الإزالة كما هو الصحيح.

(3) لا يتم الحكم بالتعدد في مثله على إطلاقه ، وذلك لأن الدم في كل من الطرفين قد يتصل بالدم الكائن في الطرف الآخر وقد يبقى بينهما فاصل ولا يتصلان لثخانة الثوب أو لكونه مانعاً من السراية والتفشي كما في النايلون الدارج في زماننا. أما المتصلان فهما دم واحد بالنظر العرفي كالمتفشي من جانب إلى جانب آخر ، بل هما متحدان بالنظر الدقيق الفلسفي لأن الاتصال مساوق للوحدة فلا وجه في مثله لضم أحدهما إلى الآخر وملاحظة بلوغ مجموعهما مقدار الدرهم فإنه دم واحد ، فاذا كان في أحد الجانبين بمقدار الدرهم فهو وإلاّ تشمله أدلة العفو لا محالة. وأما غير المتصلين فهما دمان متعددان فينضم أحدهما إلى الآخر ويلاحظ بلوغ مجموعهما مقدار الدرهم وعدمه.


1) (*) بشرط أن لا يتصل أحد الدمين بالآخر ، وإلاّ فالحكم بالتعدد لا يخلو من إشكال.

[298] مسألة 2 : الدم الأقل إذا وصل إليه رطوبة من الخارج فصار المجموع بقدر الدرهم أو أزيد لا إشكال في عدم العفو عنه (1) وإن لم يبلغ الدرهم (2) فان لم يتنجّس بها شي‌ء من المحل بأن لم تتعد عن محل الدم فالظاهر بقاء العفو ، وإن تعدّى عنه ولكن لم يكن المجموع بقدر الدرهم ففيه إشكال والأحوط عدم العفو (1)(3).


(1) لأنّ أدلّة العفو إنما دلت على جواز الصلاة مع النجاسة الدموية الأقل من مقدار الدرهم ، وأما ما كانت بقدره فما زاد فهو خارج عن أدلّة العفو ومقتضى عموم مانعية النجس وجوب إزالته للصلاة.

(2) للمسألة صورتان : إحداهما : ما إذا وصلت الرطوبة إلى المحل المتنجس من الثوب بالدم وكانت باقية معه حال الصلاة. وثانيتهما : ما إذا وصلت الرطوبة إليه إلاّ أنها ارتفعت حال الصلاة باشراق الشمس ونحوه. ولا مانع من الحكم بصحة الصلاة في كلتا الصورتين ، وذلك أما من ناحية الدم فلأنه أقل من مقدار الدرهم ولم تزد نجاسته عما كانت عليه : إذ المفروض أن الرطوبة إنما وقعت على نفس الموضع المشتمل على الدم ولم يتفش إلى غيره ، نظير ما إذا وقع دم آخر على ذلك المورد المشتمل على الدم ولم يتجاوز عنه إلى غيره حيث لا يتنجس الموضع بذلك زائداً على نجاسته السابقة. وأما من قبل الرطوبة المتنجسة فلجواز حمل النجس في الصلاة كما يأتي في محلِّه (2)إن شاء اللّه ، هذا فيما إذا كانت الرطوبة باقية حال الصلاة كما في الصورة الأُولى على الفرض. وأما إذا ارتفعت باليبوسة كما في الصورة الثانية فالأمر أوضح حيث لا تبقى حينئذ سوى نجاسة الدم لارتفاع الرطوبة المتنجسة بيبوستها.

(3) ما ذكرناه في الحاشية السابقة إنما هو إذا لم تتعد الرطوبة عن المحل المتنجس بالدم ، وأما إذا تجاوزت ولم يكن المجموع بقدر الدرهم فالصحيح وجوب إزالتها وعدم


1) (*) بل الأظهر ذلك.

2) في ص 436.

[299] مسألة 3 : إذا علم كون الدم أقل من الدرهم ، وشك في أنه من المستثنيات أم لا ، يبنى على العفو (1). وأمّا إذا شك في أنه بقدر


صحة الصلاة حينئذ ، إذ لا تشمله أدلة العفو لأنها كما مر إنما تدل على العفو عما دون الدرهم من الدم. وأما النجاسة الأُخرى غيره فلا دلالة لها على العفو عنها أبداً. ودعوى أن نجاسة الرطوبة ناشئة من الدم والفرع لا يزيد على أصله ، مندفعة بأن الأحكام الشرعية تعبدية ولا سبيل فيها للرجوع إلى القواعد الاستحسانية بوجه ، ومن المحتمل أن تكون للمتنجس بالدم خصوصية تقتضي بطلان الصلاة فيه فكيف يمكن معه مقايسته بالدم.

(1) لا يبتني حكمه بالعفو في المسألة على جواز التمسك بعموم ما دلّ على العفو عما دون الدرهم من الدم ، نظراً إلى أنه عام وقد خرج عنه دم الحيض وغيره من المستثنيات فاذا شككنا في مورد أنه من الأفراد الخارجة أو مما بقي تحت العموم فنرجع إلى العام ، بل يمكن الحكم بالعفو على القول بعدم الجواز أيضاً كما هو الصحيح وذلك لما هو الأظهر من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية ، لأن الدم قبل أن يتحقق في الخارج كنّا عالمين من عدمه ومن عدم اتصافه بالحيض ، فاذا علمنا تبدله بالوجود وشككنا في أن اتصافه أيضاً وجد معه أم لم يوجد فنبني على عدم تحققه بالاستصحاب ، لأن الاتصاف أمر حادث مسبوق بالعدم والأصل بقاؤه بحاله ، فهو دم أقل من مقدار الدرهم بالوجدان وليس بدم الحيض مثلاً بالاستصحاب ، فبه يحرز دخوله تحت العموم ومقتضاه العفو عن كل دم أقل من مقدار الدرهم ، هذا.

ثم لو بنينا على عدم جريان الأصل في الأعدام الأزلية فقد يقال والقائل هو المحقق الهمداني قدس سره باستصحاب جواز الصلاة في الثوب لأنّ الصلاة فيه قبل أن يطرأ عليه الدم المردد بين كونه مما عفي عنه وما لم يعف عنه كانت جائزة يقيناً والأصل أن الثوب كما كان عليه (1).


1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 596 السطر 15.

وفيه أنه لا مجال للأصل في المقام سواء قلنا بجريان الأصل الموضوعي أم بعدمه. أما مع جريانه وهو استصحاب العدم الأزلي فلوضوح أنه لا مجال للأصل الحكمي معه لأنه حاكم عليه. وأما مع عدم جريانه فلأن جواز الصلاة في الثوب قبل أن يطرأ عليه الدم المردد إنما كان مستنداً إلى طهارته وهي قد ارتفعت لتنجس الثوب على الفرض ، ولا حالة سابقة لجواز الصلاة في الثوب المتنجس حتى نستصحبها.

والعجب منه قدس سره حيث لم يقتصر على ذلك وأضاف إليه أنه لو لم تكن له حالة سابقة معلومة أو منع من استصحابها مانع كما لو كان من أطراف الشبهة المحصورة وجبت إزالته لقاعدة الاشتغال.

ويندفع أن في أمثال المقام من الشبهات الموضوعية لا مجال للرجوع إلى قاعدة الاشتغال وإنما يرجع فيها إلى البراءة باعتراف منه قدس سره في البحث عن الصلاة في اللباس المشكوك فيه (1). والسر في ذلك أن المانعية كالمحرّمات النفسية انحلالية فتنحل إلى موانع متعدِّدة بتعدّد أفراد موضوعها ، والمانع هو ما يتقيّد المأمور به بعدمه فإذا شككنا في أنّ الصلاة هل تقيد بأن لا تقع في الدم المردّد بين كونه مما عفي عنه أو من دم الحيض ونحوه كان مقتضى البراءة عدم تقيّدها بأن لا تقع في المشكوك فيه ، ومعه لا بدّ من الحكم بصحة الصلاة فيه.

وبعبارة اخرى أن المورد قد جمع بين الشبهة الموضوعية ودوران الأمر بين الأقل والأكثر وفيه جهتان ، وذلك للعلم بتقييد الصلاة بعدة قيود عدمية كالعلم بتقييدها بأن لا تقع في البول والمني وغيرهما ونشك في أنها زائداً على ذلك هل تقيّدت بأن لا تقع في الدم المشكوك فيه ، فيرجع إلى البراءة عن الزائد كما هو الحال في غيره من موارد دوران الأمر بين الأقل والأكثر. فالمتحصل أن المرجع في المسألة هو البراءة إذا بنينا على عدم جريان الأصل في الأعدام الأزلية نعم لو كان المشكوك فيه من أطراف العلم الإجمالي لم تجر فيه أصالة البراءة للمعارضة.


1) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 128 السطر 9.

الدرهم أو أقل فالأحوط عدم العفو (1)(1)


(1) وهذا لا لعموم ما دلّ على مانعية النجس في الصلاة لأنه من التمسك بالعام في الشبهات المصداقية ، للعلم بتخصيصه والتردد في أن المشكوك فيه هل ينطبق عليه عنوان المخصص أو لا ينطبق ، بل العفو وعدمه في مورد الكلام يبتنيان على ملاحظة أن الدم الذي تجب إزالته وهو مانع عن الصلاة مقيد بعنوان وجودي أعني كونه بمقدار الدرهم وما زاد ، أو أنه مقيد بعنوان عدمي أعني عدم كونه أقل من مقدار الدرهم. فعلى الأول يجري استصحاب عدم كون الدم بقدر الدرهم فما زاد وذلك لاستصحاب العدم الأزلي ، حيث إن الدم قبل أن يتحقق في الخارج كنّا قاطعين من عدمه وعدم اتصافه بمقدار الدرهم فما زاد فاذا علمنا بوجوده وشككنا في تحقق اتصافه معه فالأصل عدم تحقق الاتصاف ، فهو دم بالوجدان وليس بمقدار الدرهم بالاستصحاب فيدخل بذلك تحت العموم ويعفى عنه في الصلاة. وأما على الثاني فمقتضى الاستصحاب الجاري في العدم الأزلي عدم اتصافه بالقلّة ، حيث إنه قبل وجوده كنّا عالمين من عدمه وعدم اتصافه بالقلة فاذا شككنا في تحققه بعد العلم بذاته نبني على عدمه بالاستصحاب ، وبضم الوجدان إلى الأصل نحرز دخوله تحت العموم ومانعيته فتجب إزالته.

والأخبار الواردة في المقام (2)وإن كانت مختلفة حيث يستفاد من بعضها أن المانع هو الدم بمقدار الدرهم فما زاد كما في رواية الجعفي « وإن كان أكثر من قدر الدرهم » وصحيحة ابن أبي يعفور « إلاّ أن يكون مقدار الدرهم ». ويستفاد من بعضها الآخر أن المانع هو الدم الذي لا يكون أقل من قدر الدرهم كما في حسنة محمد بن مسلم « وما كان أقل من ذلك فليس بشي‌ء » ورواية الجعفي في قوله : « إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة » فإنّ ظاهرهما أنّ المانع ما لا يكون أقل من قدر الدرهم إلاّ أن


1) بل هو الأظهر.

2) المتقدِّمة في ص 403.

إلاّ أن يكون مسبوقاً بالأقلية وشك في زيادته (1).

[300] مسألة 4 : المتنجس بالدم ليس كالدم في العفو عنه إذا كان أقل من الدرهم (2)


مقتضى كلماتهم هو الأخير حيث ذكروا : أن ما دون الدرهم يعفى عنه ... فاستثنوا الدم الأقل من قدر الدرهم عن مانعية النجس ، وعليه فيكون المانع هو الدم المقيد بأن لا يكون أقل من ذلك وهو وصف عدمي ، وهذا غير بعيد ، بل يمكن استظهاره من الأخبار أيضاً نظراً إلى أنها وردت تخصيصاً لعموم مانعية النجاسة أو تقييداً لإطلاقها بالدم الأقل من مقدار الدرهم ، فإذا كان الخارج هو الدم الأقل فلا محالة يكون المانع هو ما لا يكون أقل من ذلك المقدار ، والاستظهار موكول إلى نظر الفقيه فكلما استظهر أن الدم المانع عن الصلاة مقيد بقيد عدمي فلا محالة يمكن إحراز ذلك القيد باستصحاب العدم الأزلي ويحكم على الدم المشكوك فيه بوجوب الإزالة وعدم العفو كما في المتن ، وإذا استظهر أنه مقيد بقيد وجودي فلا يمكن إحرازه بالاستصحاب بل هو يجري في عدمه ويحكم على الدم المشكوك فيه بالعفو وعدم وجوب إزالته. وأما إذا شك في ذلك ولم يستظهر أنه مقيد بهذا أو بذاك فلا يبقى للأصل الموضوعي مجال وتصل النوبة إلى البراءة عن تقيد الصلاة بعدم وقوعها في الدم المشكوك فيه ، وبها يثبت العفو ، وفي النتيجة لا يتحصّل فرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدِّمة.

(1) كما إذا كان الدم يطرأ على الثوب بالتقطير فإنّ القطرة الأُولى حينئذ أقل من مقدار الدرهم قطعاً ، فاذا زيدت عليه قطرات وشككنا في أنها بلغت مقدار الدرهم أم لم يبلغه يجري استصحاب كونه أقل من الدرهم أو عدم زيادته.

(2) لاختصاص الأدلة بالدم. نعم قد يقال : المتنجس بالدم إنما تستند نجاسته إليه فاذا لم يكن الدم مقتضياً لبطلان الصلاة فكيف يقتضيه المتنجس به فان الفرع لا يزيد على أصله. وفيه : أن ذلك قاعدة استحسانية ولا سبيل للرجوع إليها في الأحكام التعبّدية كما مرّ عن قريب.

[301] مسألة 5 : الدم الأقل إذا أُزيل عينه فالظاهر بقاء حكمه (1).


(1) وهذا لا لاستصحاب العفو عنه ليرد أنه من الاستصحاب التعليقي. أو يقال إن المورد من موارد الرجوع إلى العام أعني مانعية النجس في الصلاة لا الاستصحاب مع أن المناقشة في الاستصحاب بأنه من الاستصحاب التعليقي ساقطة ، لأنّا لا نريد به أن الثوب كان بحيث لو صلّى فيه أحد قبل زوال العين عنه لوقعت صلاته صحيحة وأنه الآن كما كان ، وإنما المراد به استصحاب عدم مانعية النجاسة الكائنة في الثوب أو عدم مانعية الثوب حال كون العين موجودة عليه ، فان الصلاة لم تكن مقيّدة بعدم وقوعها في ذلك الثوب قبل زوال العين عنه والأصل أنه الآن كما كان ، ولا تعليق في المانعية أو عدمها بل الحكم بالعفو لوجهين آخرين :

أحدهما : الأولوية القطعية لدى العرف فإنه لا يكاد يشك في أن الدم مع بقاء عينه إذا لم يكن مانعاً عن الصلاة فلا يكون مانعاً عنها بعد زوال عينه بطريق أولى. والسر في ذلك أنّ أدلّة العفو عما دون الدرهم من الدم مما لا دلالة لها حسب المتفاهم العرفي على شرطية وجود الدم في الحكم بصحة الصلاة ، فإنها وردت تخصيصاً في أدلة المانعية فتدل على عدم مانعية الدم الأقل لا على شرطية وجوده ، فاذن الأولوية القطعية ثابتة.

وثانيهما : إطلاقات أدلة العفو ، لأنها تقتضي صحة الصلاة في الدم الأقل مطلقاً سواء أكانت العين باقية أم كانت زائلة ، وذلك فان روايات العفو على قسمين : فمنها ما فرض أن الثوب مشتمل على وجود الدم حال الصلاة وهذا القسم خارج عن مورد الاستدلال في المقام ، ومنها ما فرض اشتمال الثوب على الدم بمدّة قبل الصلاة حتى أنه نسيه فصلّى فيه كما في صحيحة ابن أبي يعفور (1)« عن الرجل يكون في ثوبه نقط الدم فينسى أن يغسله فيصلي ... » وهذا القسم هو الذي نستدل به في المسألة ، حيث إن الصحيحة فرضت وجود النقط في الثوب قبل الصلاة ، ولم يستفصل الإمام ( عليه


1) المتقدِّمة في ص 405.

[302] مسألة 6 : الدم الأقل إذا وقع عليه دم آخر أقل ولم يتعدّ عنه أو تعدّى وكان المجموع أقل ، لم يزل حكم العفو عنه (1).

[303] مسألة 7 : الدم الغليظ الذي سعته أقل ، عفو وإن كان بحيث لو كان رقيقاً صار بقدره أو أكثر (2).

[304] مسألة 8 : إذا وقعت نجاسة أُخرى كقطرة من البول مثلاً على الدم الأقل بحيث لم تتعد عنه إلى المحل الطاهر ، ولم يصل إلى الثوب أيضاً ، هل يبقى العفو أم لا؟ إشكال فلا يترك الاحتياط (1)(3)


السلام ) في الجواب بين بقاء العين حال الصلاة وعدمه ، وترك الاستفصال دليل العموم. على أن مقتضى الطبع زوال العين باستمرار الزمان ولو ببعضها ، بل ظاهر الصحيحة زوالها بأجمعها لظهورها في أنّ النقط إنما كانت في ثوبه بمدّة قبل الصلاة حتى نسيها ، ومع الأولوية والإطلاق لا يبقى مجال للاستصحاب.

(1) لإطلاقات الأخبار حيث دلت على العفو عما دون الدرهم من الدم مطلقاً سواء أصابه مرّة أو مرّتين.

(2) لأن المدار في كون الدم بقدر الدرهم فما زاد على كونه بهذا المقدار بالفعل ، وأما كونه كذلك بالتقدير وأنه لو كان رقيقاً لكان بقدره أو أكثر فغير كاف في الحكم بالمانعية.

(3) للمسألة صور : الاولى : ما إذا وقعت قطرة من البول مثلاً على غير المحل المتنجس بالدم. ولا إشكال حينئذ في ارتفاع العفو عن الصلاة فيه لأنه يختص بالنجاسة الدموية ولم يثبت في غيرها من النجاسات. الثانية : ما إذا وقعت على نفس الموضع المتنجس من الثوب بالدم ولم يتعد عنه فهل يثبت العفو حينئذ نظراً إلى أن الموضع المتنجس منه لا يتنجس بالبول ثانياً ، نعم يترتب عليه الزائد عن الآثار المترتبة على الدم كغسله مرّتين بالماء القليل مثلاً فهو متنجس بالدم فحسب ، أو لا عفو عنه؟ التحقيق عدم العفو عن مثله لإطلاق ما دلّ على وجوب إزالة النجس


1) (*) لا بأس بتركه.

الثالث مما يعفى عنه : ما لا تتم فيه الصلاة (1) من الملابس كالقلنسوة والعرقچين والتكة والجورب والنعل والخاتم والخلخال ونحوها ، بشرط أن لا يكون من الميتة (2)


عن الثوب والبدن ، حيث إنها شاملة للبول في مفروض المسألة وإن لم يكن مؤثراً في تنجيس ما وقع عليه لتنجسه في نفسه.

الثالثة : ما إذا وقعت على نفس الدم الأقل ولم يصل إلى الثوب ولها صورتان : إحداهما : ما إذا يبست القطرة الواقعة حال الصلاة. ولا مانع فيها من الحكم بصحة الصلاة لعدم تنجس الثوب بالبول لأنه إنما وقع على الدم والنجس لا يتنجس ثانياً ، كما لا عين للبول الواقع لارتفاعه ويبوسته ، فليس الثوب حينئذ إلاّ متنجساً بالدم الأقل وهو معفو عنه في الصلاة. وثانيتهما : ما إذا كانت القطرة الواقعة باقية حال الصلاة. والحكم بصحة الصلاة أو بطلانها وقتئذ يبتنيان على جواز حمل النجس في الصلاة وعدمه ، وحيث إنّ التحقيق جوازه فلا بدّ من الحكم بصحة الصلاة في مفروض المسألة. هذا إذا قلنا بعدم تنجس الدم بالبول ، وأما إذا قلنا بتنجسه فصحة الصلاة في كلتا الصورتين أعني صورتي يبوسة البول وعدمها تبتني على جواز حمل النجس ، لأنّ النجاسة الدموية وإن كانت مورداً للعفو إلاّ أن نجاسة البول باقية بحالها ولم يعف عنها في الصلاة.

(1) العفو في الصلاة عما لا تتم فيه الصلاة في الجملة مما لا خلاف فيه ، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد من الأصحاب ، كما وردت في ذلك جملة من الأخبار عمدتها موثقة زرارة عن أحدهما علیهماالسلام قال : « كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشي‌ء مثل القلنسوة والتكة والجورب » (1).

(2) لأن موثقة زرارة كما ترى واردة فيما لا تتم فيه الصلاة إذا كان متنجساً بشي‌ء من النجاسات أو المتنجسات كما لعله صريح قوله : « لا بأس بأن يكون عليه الشي‌ء »


1) الوسائل 3 : 456 / أبواب النجاسات ب 31 ح 1.

وقد صرّح بذلك أيضاً في خبره قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : إنّ قلنسوتي وقعت في بول فأخذتها فوضعتها على رأسي ثم صلّيت ، فقال : لا بأس » (1)فالموثقة تختص بما إذا كان ما لا تتم فيه الصلاة نجساً بالعرض ولا تشمل ما إذا كان نجساً بالذات لكونه ميتة فلا محالة تشمله عموم المنع عن الصلاة في النجس.

نعم هناك روايتان تدلان في نفسهما على عدم الفرق في العفو عما لا تتم الصلاة فيه بين النجس الذاتي والعرضي إحداهما : رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه مثل التكة الإبريسم والقلنسوة والخف والزنار يكون في السراويل ويصلي فيه » (2)وذلك لاشتمالها على ما لم تشتمل عليه الموثقة المتقدمة كالتكة الإبريسم والخف والزنار ، وهي بإطلاقها تعم ما إذا كانت الأُمور المذكورة فيها نجسة بالعرض وما إذا كانت نجسة بالذات ، بل هي بأمثلتها ظاهرة في أنه علیه السلام بصدد بيان أن الموانع المقررة للصلاة مختصة بما تتم فيه فلا تكون مانعة فيما لا تتم فيه الصلاة فلا عبرة بكونه من الإبريسم أو الميتة أو غيرهما.

وثانيتهما : موثقة إسماعيل بن الفضل قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن لباس الجلود والخفاف والنعال والصلاة فيها إذا لم تكن من أرض المصلين ، فقال : أما النعال والخفاف فلا بأس بهما » (3)لعدم استفصالها بين ما إذا كانت الخفاف والنعال نجسة بالعرض وما إذا كانت نجسة بالذات وترك الاستفصال دليل العموم ، بل يأتي أنها صريحة في جواز الصلاة فيما لا تتم فيه الصلاة المأخوذ من أرض غير المصلين المحكوم بعدم تذكيته بمقتضى الاستصحاب فلا يختص الاستثناء بما إذا كان ما لا تتم فيه الصلاة نجساً بالعرض.

ولكن في قبالها صحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه ( عليه


1) الوسائل 3 : 456 / أبواب النجاسات ب 31 ح 3.

2) الوسائل 4 : 376 / أبواب لباس المصلي ب 14 ح 2.

3) الوسائل 4 : 427 / أبواب لباس المصلي ب 38 ح 3.

السلام ) في الميتة قال : « لا تصل في شي‌ء منه ولا في شسع » (1)والذي يروي عنه ابن أبي عمير وإن كان غير مذكور في السند إلاّ أنه ينقلها عن غير واحد ، ومثله خارج عن المراسيل حيث إن ظاهره أن الرواية كانت مشهورة وثابتة عنده من غير خلاف ومن هنا ينقلها نقل المسلّمات. وصحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا علیه السلام قال : « سألته عن الخفاف يأتي السوق فيشتري الخف لا يدري أذكي هو أم لا ، ما تقول في الصلاة فيه وهو لا يدري أيصلي فيه؟ قال : نعم ، أنا أشتري الخف من السوق ويصنع لي وأصلي فيه وليس عليكم المسألة » (2)حيث تدل على أنه لو سأل عنه وظهر أنه من الميتة لم يجز له الصلاة فيه ، إذ لو جازت الصلاة فيه حتى مع ظهور كونه من الميتة لم يكن لردعه علیه السلام عن المسألة وجه صحيح.

والتعارض بين هاتين الروايتين مع الروايتين السابقتين وإن كان ظاهراً في بادئ النظر إلاّ أنه لا تعارض بينهما حقيقة ، وذلك أما بالإضافة إلى خبر الحلبي فلأنه ضعيف السند بأحمد بن هلال لأنه مرمي بالغلو تارة وبالنصب اخرى ولا يمكن الاعتماد على رواياته كما أسلفناه في بعض المباحث المتقدمة. على أنّا لو أغمضنا عن سنده فدلالته على جواز الصلاة فيما لا تتم فيه الصلاة من الميتة بالإطلاق ولا تعارض بينه وبين الروايتين ، بل مقتضى قانون الإطلاق والتقييد أن يقيد الخبر بصحيحة ابن أبي عمير الناهية عن الصلاة في الميتة ولا في شسع وغيرها مما هو بمضمونها وبهذا تختص الرواية بما لا تتم فيه الصلاة من غير الميتة.

وأما بالإضافة إلى موثقة إسماعيل بن الفضل فلا كلام فيها بحسب السند. وأما بحسب الدلالة فقد يقال : إنها كالرواية السابقة إنما دلت على جواز الصلاة فيما لا تتم الصلاة فيه من الميتة بترك استفصالها وإطلاقها ، ومقتضى قانون الإطلاق والتقييد أن نرفع اليد عن إطلاقها بصحيحتي ابن أبي عمير والبزنطي المتقدِّمتين.

ويبعّده أوّلاً : أنّ السائل قد خص سؤاله بلباس الجلود والخفاف والنعال فلو كان


1) الوسائل 4 : 343 / أبواب لباس المصلي ب 1 ح 2 ، ب 14 ح 6.

2) الوسائل 3 : 492 / أبواب النجاسات ب 50 ح 6.

أراد منها النجس بالعرض لم يكن وجه لتخصيصه السؤال بها لوضوح عدم انحصار المتنجس بالمذكورات ، وهذه قرينة على أن سؤاله إنما كان من جهة نجاستها بالذات أو من جهة عدم تذكيتها لأنها كانت في أرض غير المصلين أي المسلمين والأصل في الجلود عدم التذكية فلا تصح فيها الصلاة إلاّ أن تقوم أمارة على التذكية من يد المسلمين وسوقهم أو غيرهما من الأمارات.

وثانياً : أن الإمام علیه السلام رخّص الصلاة في النعال والخفاف ولم يرخّصها في الجلود ، فلو كان الوجه في ترخيصه هو اشتمال النعال والخفاف على النجاسة العرضية لم يكن فرق بينهما وبين لباس الجلود ، وذلك لأن السائل غير عالم بنجاستها العرضية على الفرض ومع الشك في نجاستها يبني على طهارتها بقاعدة الطهارة من دون تفصيل في ذلك بين لباس الجلود والنعال والخفاف ، فتفصيله علیه السلام بينهما أوضح قرينة على أن السؤال إنما كان من جهة الحكم بعدم تذكية النعال والخفاف بمقتضى أصالة عدم التذكية ، فيستفاد من الموثقة أن الميتة إنما تكون مانعة فيما تتم فيه الصلاة دون ما لا تتم فيه. وبما ذكرناه في المقام تكون الموثقة كالصريح ولا تكون دلالتها بالإطلاق حتى يقيد بالصحيحة المتقدمة.

فالصحيح أن يقال : إن الصحيحة والموثقة تختلفان مورداً ولا يرد النفي والإثبات فيهما على محل واحد ومعه لا تعارض بينهما حقيقة. بيان ذلك : أن الميتة كما مرّ غير مرّة هو ما استند موته إلى سبب غير شرعي فهو عنوان وجودي وما لم يذك عنوان عدمي ، وهما وإن كانا متلازمين في الخارج إلاّ أنها مختلفان بحسب المفهوم والعنوان ولاختلافهما كذلك فكّكنا بين آثارهما وأحكامهما وقلنا إن النجاسة مترتبة على الميتة دون ما لم يذك فلا يثبت نجاسة اللحم أو الجلد أو غيرهما باستصحاب عدم تذكيته نعم هما مشتركان في بعض أحكامهما كحرمة الأكل وبطلان الصلاة. واختلاف الأحكام الشرعية باختلاف العناوين غير عزيز ولو كان مصداقها شيئاً واحداً. وقد بيّنا في الكلام على العفو عما دون الدرهم من الدم أن الأثر يختلف باختلاف كون الدم المانع مقيداً بالقيد الوجودي وكونه مقيداً بالقيد العدمي ، مع أن مصداقهما شي‌ء واحد.

فعلى ذلك لا معارضة بين الصحيحة والموثقة لأن الموثقة إنما سيقت بظاهرها لبيان

ولا من أجزاء نجس العين كالكلب وأخويه (1).


جواز الصلاة فيما شك في تذكيته إذا لم تتم فيه الصلاة فلا تنافي عدم جوازها فيما أُحرز أنه ميتة وغير مذكى وتوضيحه : أن غير المذكى وإن كان قد أُخذ بعنوانه في موضوع الحكم بعدم جواز الصلاة فيه إلاّ أن ذلك فيما تتم فيه الصلاة ، فمع الشك في التذكية يجري استصحاب عدمها وبه يحكم ببطلان الصلاة فيه بلا حاجة إلى إثبات أنه ميتة وأما ما لا تتم فيه الصلاة فلم يؤخذ في موضوع الحكم بعدم جواز الصلاة فيه إلاّ كونه ميتة دون عنوان عدم التذكية ، فإن أحرزنا في مورد أنه ميتة ولم تقع عليه التذكية فيحكم ببطلان الصلاة فيه بمقتضى هذه الصحيحة ، وأما مع الشك في ذلك فلا مانع من الحكم بصحة الصلاة فيه كما هو مفاد الموثقة ، لأن استصحاب عدم التذكية لا يثبت به عنوان الميتة وإن كان مصداقهما حقيقة شيئاً واحداً.

ثم لو أبيت إلاّ عن إطلاق الموثقة وشمولها لما علم كونه ميتة وما شك فيه فلا مناص من تقييدها بهذه الصحيحة الدالة على عدم جواز الصلاة فيما علم كونه ميتة فلا يبقى بذلك تعارض بين الروايتين هذا ، فلو أبيت إلاّ عن اتحاد الميتة وغير المذكى وبنيت على تعارض الروايتين فإن أمكن حمل الصحيحة المانعة عن الصلاة في الميتة على الكراهة فيما لا تتم فيه الصلاة من الميتة فهو ، وأما إذا استبعدنا ذلك فالروايتان متعارضتان ومقتضى القاعدة هو التساقط والرجوع إلى عموم ما دلّ على المنع عن الصلاة في النجس إذ لم يرد عليه تخصيص أو تقييد. والنتيجة إذن ما ذهب إليه الماتن قدس سره من اختصاص العفو فيما لا تتم فيه الصلاة بالنجاسة العرضية وعدم شموله للنجس بالذات ، لا تقييد الموثقة بالصحيحة أو بغيرها مما هو بمضمونها لأنه أمر لا موجب له كانت الروايتان متعارضتين أم لم تكن.

(1) قد يُقال باستثناء ما كان من نجس العين عن العفو عما لا تتم فيه الصلاة معللاً بأنه ميتة لأن نجس العين غير قابل للتذكية ، وقد مر أن الصلاة في الميتة باطلة بمقتضى صحيحة ابن أبي عمير المتقدمة. وهذا الاستدلال من الفساد بمكان ، وذلك لعدم اختصاص الكلام بأجزاء الميتة بل البحث فيما يعم الميتة وغيرها ، كما إذا صنع

قلنسوة من شعر الكلب وهو حي أو من شعر خنزير أو مشرك كذلك فإنه من أجزاء نجس العين وليس من الميتة في شي‌ء لأنه من الحي ، بل لو فرضنا أن الحيوان قد مات أيضاً لا يكون شعره من الميتة لما قدّمناه سابقاً من أن الموت إنما يعرض على ما تحلّه الحياة فإذا انقضت حياته يقال إنه ميتة ، وأما ما لا تحلّه الحياة فهو لا يتصف بالموت بوجه فلا تعرضه نجاسته وإن كان نجساً بالذات ، فكونه مانعاً عن الصلاة إنما هو لكونه مما لا يؤكل لحمه ومن النجاسات الذاتية لا لأجل كونه ميتة ، فتعليل عدم جواز الصلاة في أجزاء نجس العين بأنه ميتة تعليل عليل.

فلا مناص من مراجعة الأخبار لنرى أنها تدل على العفو عما لا تتم فيه الصلاة ولو كان من أجزاء نجس العين أو لا تدل؟ وقد مرّ أن عمدة الأخبار الواردة في المسألة موثقة زرارة وهي إنما دلت على العفو عن النجاسة العرضية لقوله علیه السلام : « فلا بأس بأن يكون عليه الشي‌ء » ولا دلالة لها على العفو عن النجاسة الذاتية فيما لا تتم فيه الصلاة ، فعموم مانعية النجس في الصلاة محكّم وهو يقضي ببطلان الصلاة في أجزاء نجس العين ولو كان مما لا تتم فيه الصلاة هذا.

على أن الكلب والخنزير مما لا يؤكل لحمه وهو بنفسه جهة مستقلة في المانعية عن الصلاة على ما نطقت به موثقة ابن بكير المتقدِّمة (1)ومن هنا ظهر أنّ موثقة زرارة ولو كانت شاملة لكل من النجاسة الذاتية والعرضية كما إذا كانت الرواية هكذا : كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون نجساً أيضاً لم يكن الاعتماد عليها ، لمعارضتها بموثقة ابن بكير ، وحيث إن دلالة الثانية بالعموم لاشتمالها على أداة العموم في قوله : « في كل شي‌ء منه » فلا محالة تتقدم على موثقة زرارة لأن دلالتها بالإطلاق ، أو لو كانت دلالتها أيضاً بالعموم كما هو كذلك لاشتمالها على قوله « كل ما كان » فلا محالة يتساقطان فيرجع إلى عموم ما دلّ على المنع عن الصلاة في النجس ولا تصل النوبة معها إلى البراءة بوجه.

بقي شي‌ء وهو أن الموثقة كما أنها ناظرة إلى عموم مانعية النجس في الصلاة حيث


1) في ص 410.

والمناط عدم إمكان الستر بلا علاج ، فان تعمم أو تحزم بمثل الدستمال مما لا يستر العورة بلا علاج ، لكن يمكن الستر به بشدة بحبل أو بجعله خرقاً لا مانع من الصلاة فيه. وأما مثل العمامة الملفوفة التي تستر العورة إذا فلّت فلا يكون معفواً إلاّ إذا خيطت بعد اللّف بحيث تصير مثل القلنسوة (1).


فرضت أن للصلاة مانعاً وهو النجاسة ودلّت على عدم البأس بها فيما لا تتم فيه الصلاة فهل لها نظر إلى أدلّة سائر الموانع أيضاً كما لا يؤكل لحمه والإبريسم بأن تدل على أن الموانع المقررة للصلاة إنما هي في غير ما لا تتم فيه؟

الصحيح أنه لا نظر لها إلى غير مانعية النجس ، لأنها وإن كانت مطلقة أو عامّة إلاّ أن ذيلها وهو قوله : « فلا بأس بأن يكون عليه الشي‌ء » يخصصها أو يقيدها بالمانعية من جهة النجاسة وذلك لأن ما يوجب بأساً في الثوب إنما هو نجاسته لأنها توجب سقوطه عن قابلية الصلاة فيه ، وهذا بخلاف أجزاء ما لا يؤكل لحمه كما إذا كان على الثوب وبَر منه مثلاً فإنه لا يقال إن الثوب مما لا يصح الصلاة فيه بل هو مما تصح فيه الصلاة حتى مع وجود الوبر عليه ، وإنما الوبر بنفسه مما لا تصح الصلاة فيه ، فاذا عرفت ذلك فنقول : الموثقة اشتملت على أن كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشي‌ء ، وهذا التعبير واللسان لا يناسبهما سوى إرادة النجاسة من الشي‌ء ، لأن اشتمال الثوب على غير النجاسة من موانع الصلاة غير مولد للبأس فيه بخلاف النجاسة كما مر.

(1) صرّح الصدوق في محكي كلامه بجواز الصلاة في العمامة المتنجسة معلّلاً بأنه مما لا تتم فيه الصلاة ونقله عن أبيه (1)ومستنده في ذلك إما رواية الفقه الرضوي : « إن أصاب قلنسوتك أو عمامتك أو التكة أو الجورب أو الخف مني أو بول أو دم أو غائط


1) نقله العلاّمة عنهما في المختلف 1 : 327 المسألة 243. قاله الصدوق في الفقيه 1 : 42 ذيل الحديث 167، المقنع : 14 ، الهداية : 15.

فلا بأس بالصلاة فيه وذلك أن الصلاة لا تتم في شي‌ء من هذه وحده » (1)وإما موثقة زرارة (2)وغيرها مما اشتمل على أن ما لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس أن يكون عليه الشي‌ء مثل القلنسوة والتكة والجورب.

أمّا رواية الفقه الرضوي فهي ضعيفة سنداً ودلالة. أما بحسب السند فواضح بل لم يثبت كونها رواية فضلاً عن أن تكون حجة شرعية. وأما بحسب الدلالة فلأن العمامة مما تتم فيه الصلاة وحده ، ولعل المراد بها في الرواية هو العمامة الصغيرة التي لا يمكن التستر بها لصغرها أو لخياطتها على نحو صارت كالقلنسوة. ويؤيده التعليل في ذيلها بقوله : « وذلك أن الصلاة لا تتم في شي‌ء من هذه وحده » مع وضوح أن العمامة المتعارفة مما تتم فيه الصلاة.

وأمّا موثقة زرارة وما هو بمضمونها فهي أيضاً قاصرة الدلالة على المدعى ، لأنّ موضوعها الثوب المتنجس وقد دلت على أن نجاسته إنما تكون مانعة فيما إذا تمت الصلاة فيه دون ما لا تتم فيه ، ومن الظاهر أن العمامة المتعارفة في حد ذاتها ثوب تجوز فيه الصلاة سواء لفت على الرأس ليصدق عليه العمامة أم لم تلف بل شد على الوسط ليصدق عليه اسم الإزار والمئزر. وعلى الجملة أن الفل والفك لا يخرجان العمامة عن موضوع اللباس ، وبهذا تفترق عن التكة والجورب ونحوهما حيث لا تتم فيهما الصلاة إلاّ بالعلاج بالخياطة أو غيرها مما يخرجهما عن عنوان التكة والجورب ، إلاّ أن تخاط العمامة على وجه لو انفلت خرجت عما كانت عليه قبل فلها فإنها حينئذ كالقلنسوة وغيرها مما لا تتم فيه الصلاة إلاّ بخروجه عن الموضوع ، نعم العمامة الصغيرة التي لا يمكن التستر بها في الصلاة يعفى عن نجاستها العرضية لا محالة.

ثم إن الظاهر المنصرف إليه مما ورد في الروايات من جواز الصلاة فيما لا تتم فيه الصلاة إنما هو ما لا تتم فيه الصلاة لصغره وعدم كونه قابلاً للتستر به ، وأما ما لا تتم فيه الصلاة لأجل أمر آخر ككونه رقيقاً حاكياً عما تحته فهو خارج عن منصرف


1) فقه الرضا : 95.

2) المتقدِّمة في ص 428.

الرابع : المحمول المتنجس الذي لا تتم فيه الصلاة مثل السكين والدرهم والدينار ونحوها (1).


الروايات ولا يشمله العفو بوجه. ثم إن هذا كله فيما إذا كان ما لا تتم فيه الصلاة ملبوساً للمصلي فإنه مورد العفو كما مرّ ، وأما إذا لم يكن ملبوساً له وإنما حمله المصلِّي في صلاته فيأتي تحقيق الحال فيه في الحاشية الآتية فلاحظ.

(1) والوجه في استثنائه أن المستفاد من الأخبار الواردة في موارد مختلفة أن الصلاة في النجس غير جائزة وإن كانت هذه الجملة غير واردة في الروايات مؤيداً برواية موسى بن أكيل عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في الحديد أنه حلية أهل النار إلى أن قال : لا تجوز الصلاة في شي‌ء من الحديد فإنه نجس ممسوخ » (1)فإن النهي عن ذلك وإن كان محمولاً على الكراهة لما يأتي في محله من جواز الصلاة في الحديد واختصاص المنع بما كان نجساً بالفعل ، إلاّ أن تعليلها المنع بأنه نجس يدل على أن عدم جواز الصلاة في النجس كبرى كلية غير مختصة بمورد دون مورد.

وكيف كان ، فلا إشكال في أن الصلاة في النجس باطلة ، وإنما الكلام فيما ينطبق عليه هذا العنوان أعني عنوان الصلاة في النجس ، فكل مورد صدق ذلك يحكم ببطلان الصلاة فيه. مع أن الصلاة في النجس لا معنى له بظاهره ، إذ الصلاة نظير الأكل والشرب فعل من أفعال المكلفين وللأفعال ظرفان : ظرف زمان وظرف مكان فيصح أن يقال : أكل زيد في يوم كذا أو في مكان كذا أو صلّى في زمان أو مكان كذا ، وليست النجاسة في الثوب والبدن ظرف مكان للصلاة ولا ظرف زمان ، كما أنها ليست ظرفاً لسائر الأفعال ، فكما لا يصح أن يقال زيد أكل في النجس أو شرب فيه إذا كان ثوبه نجساً فكذلك لا يصح أن يقال زيد صلّى في النجس في تلك الحال ، فإسناد الظرفية إلى النجس في أمثال المقام غير صحيح على وجه الحقيقة ، نعم لا بأس بإسنادها إليه على وجه العناية والمجاز فيما إذا كان الفاعل لابساً للنجس بأن يكون الفاعل مظروفاً


1) الوسائل 4 : 419 / أبواب لباس المصلي ب 32 ح 6.

والنجس ظرفاً له ، فان مثله من العلاقات المصححة لإسناد الظرفية إلى النجس باعتبار أن النجس ظرف للفاعل وإن لم يكن ظرفاً لفعله ، نعم هو ظرف لفعله بواسطة الفاعل بالعناية والمجاز فيقال زيد صلّى أو أكل في النجس مجازاً بمعنى أنه صلّى أو أكل وهو في النجس.

وأمّا إذا لم يكن النجس ظرفاً للمصلي كما أنه ليس بظرف للصلاة وإنما كان موجوداً عنده ومعه كما إذا كان في جيبه فإسناد الظرفية إلى النجس لا يمكن أن يكون إسناداً حقيقياً وهو ظاهر ولا إسناداً مجازياً حيث لا علاقة مرخّصة له فكما لا يصح أن يقال : زيد أكل في النجس إذا كان في جيبه ، كذلك لا يصح أن يقال زيد صلّى في النجس والحال هذه.

نعم قد ورد في بعض الأخبار جواز الصلاة في السيف ما لم تر فيه دماً (1)، كما ورد في موثقة ابن بكير : « أن الصلاة في وبر كل شي‌ء حرام أكله ، فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شي‌ء منه فاسدة » (2)مع أن السيف والبول والروث والألبان مما لا يؤكل لحمه أُمور مقارنة للصلاة لا أنها ظرف لها ولا للفاعل ، وقد عرفت أن إسناد الظرفية حينئذ إلى النجس لا يمكن أن يكون حقيقياً ولا إسناداً مجازياً إذ لا علاقة مصححة للتجوز في الإسناد.

ودعوى أن العلاقة المصححة للإسناد في مثله هي أن الوبر والشعر ونحوهما من أجزاء ما لا يؤكل لحمه إنما يقع على ثوب المصلي فيكون ظرفاً للوبر وكأنه جزء من الثوب ، مما لا يرجع إلى محصل وذلك أمّا أوّلاً : فلأن غاية ما هناك أن يكون الثوب ظرفاً لمظروفين : الوبر والصلاة ، وأية علاقة مصححة لإسناد الظرفية في أحد المظروفين إلى المظروف الآخر بأن يكون أحدهما ظرفاً للآخر مع أنهما مظروفان لثالث.

وأما ثانياً : فلأن الوبر أو غيره من أجزاء ما لا يؤكل لحمه لا يلزم أن يقع على


1) الوسائل 4 : 458 / أبواب لباس المصلي ب 57 ح 2.

2) الوسائل 4 : 345 / أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1.

الثوب دائماً ، بل قد يقع على البدن كما إذا قطرت عليه قطرة من لبنه أو بوله أو وقع عليه شي‌ء من وبره أو صنع من عظمه فصاً لخاتمه وهو في يده ومعه كيف تسند الظرفية إلى تلك الأجزاء مع عدم كونها ظرفاً للفاعل ولا لفعله فلا محيد في أمثال ذلك من رفع اليد عن ظهور كلمة « في » في الظرفية وحملها على معنى « مع » والمقارنة ، وهذا لقيام القرينة على إرادة خلاف ظاهرها وهي عدم إمكان إبقائها على ظاهرها ، كما في رواية السيف وموثقة ابن بكير. وأما إذا لم تقم قرينة على ذلك لإمكان إبقائها على ظاهرها وحملها على ما إذا كان ملبوساً للمصلي فلا مقتضي لرفع اليد عن ظهور لفظة « في » في الظرفية ، فيكون معنى الصلاة في النجس كون النجس ظرفاً لها ، وهذا لا يتحقّق إلاّ بلبسه ، وأمّا إذا لم يلبسه المصلي وإنما كان المتنجس محمولاً عليه في الصلاة فلا يصدق الصلاة في النجس عليه ، ولا قرينة على إرادة المعية من كلمة « في » فالمقتضي لبطلان الصلاة مع المحمول المتنجس قاصر في نفسه ، ولم يكن ذلك داخلاً فيما دلّ على بطلان الصلاة في النجس لنحتاج إلى المخصص.

هذا على أنه يمكن أن يستدل على جواز حمل النجس في الصلاة بموثقة زرارة المتقدمة المشتملة على أن كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشي‌ء ، فإن موضوعها وإن كان هو الملبوس وقد دلت على أنه قسمان : قسم تتم فيه الصلاة وقسم لا تتم فيه فلا تشمل لمثل السكين المتنجس وغيره مما لا يكون من الملبوس حقيقة ، إلاّ أنها نفت البأس عن الملبوس إذا كان مما لا تتم فيه الصلاة ، ولم تقيد ذلك بلبسه بالفعل في الصلاة ولم يقل لا بأس بلبسه ، وإطلاق نفيها البأس عن الصلاة في المتنجس الذي من شأنه اللبس يشمل ما إذا كان ما لا تتم فيه الصلاة ملبوساً بالفعل في الصلاة وما إذا كان محمولاً فيها ، لأنه ملبوس لُبس أو حُمل فإطلاق الموثقة يدل على جواز حمل المتنجس الذي من شأنه أن يكون ملبوساً في الصلاة ، وبالقطع بعدم الفرق بين مثل القلنسوة والتكة مما من شأنه اللبس وبين مثل السكين المتنجس نتعدّى إلى المحمولات المتنجسة التي ليست من شأنها اللبس ، وذلك فان الملبوس المتنجس إذا لم يكن حمله مانعاً عن الصلاة فحمل غير الملبوس لا يكون مانعاً عنها بالأولوية.

وأما إذا كان مما تتم فيه الصلاة كما إذا جعل ثوبه المتنجس في جيبه مثلاً ففيه إشكال (1)(1) والأحوط الاجتناب ، وكذا إذا كان من الأعيان النجسة كالميتة والدم وشعر الكلب والخنزير ، فان الأحوط اجتناب (2)حملها في الصلاة (2).


ويؤيده مرسلة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام أنه قال : « كل ما كان على الإنسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلي فيه وإن كان فيه قذر ، مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل والخفين وما أشبه ذلك » (3)حيث نفت البأس عن كل متنجس كان مع المصلي مما لا تجوز فيه الصلاة وحده.

(1) مقتضى ما سردناه في الحاشية المتقدمة من قصور الأدلة المانعة عن الصلاة في النجس عن حمله هو الجواز ، نعم لا يمكن الاستدلال عليه بإطلاق الموثقة لاختصاصها بما لا تتم فيه الصلاة ، ولكن العمدة قصور الأدلة المانعة وعدم شمولها للمحمول المتنجس. فبهذا يظهر أنه لا مانع من حمل المتنجس في الصلاة مطلقاً ملبوساً كان أم غيره ، وعلى الأوّل كان مما تتم فيه الصلاة أم مما لا تتم. هذا كلّه فيما إذا كان المحمول متنجساً ولم يكن فيه جهة المنع سوى نجاسته ، وأما إذا كانت فيه جهة أُخرى من المانعية كاشتماله على شي‌ء من أجزاء ما لا يؤكل لحمه من شعر كلب أو خنزير أو جلدهما وغيره ، فلا ينبغي الإشكال في بطلان الصلاة معه لعدم جواز الصلاة في شي‌ء من أجزاء ما لا يؤكل لحمه.

(2) كما إذا جعل مقداراً من البول أو الغائط أو غيرهما من الأعيان النجسة في قارورة وحملها في الصلاة فهل يحكم ببطلان الصلاة حينئذ؟ الظاهر أن حمل العين النجسة كحمل المتنجس غير موجب لبطلان الصلاة إذ لا يصدق الصلاة في النجس بحملها ، إلاّ أنّ هناك عدّة أخبار استدل بها على عدم جواز حمل العين النجسة في


1) (*) أظهره الجواز.

2) (**) لا بأس بتركه في غير الميتة وشعر الكلب والخنزير وسائر أجزائهما ، وأما فيها فالأظهر وجوب الاجتناب عن حملها في الصلاة.

3) الوسائل 3 : 457 / أبواب النجاسات ب 31 ح 5.

الصلاة.

منها : ما في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام قال : « سألته عن الرجل يمرّ بالمكان فيه العذرة فتهب الريح فتسفي عليه من العذرة فيصيب ثوبه ورأسه يصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال : نعم ينفضه ويصلي فلا بأس » (1)بدعوى دلالتها على المنع عن الصلاة مع حمل أجزاء العذرة في الثوب إلاّ أن ينفضه. وفيه : أن الرواية أجنبية عما نحن فيه ، لأن الكلام في حمل العين النجسة في الصلاة لا في الصلاة في النجس ، ومورد الرواية هو الثاني لأن العذرة إذا وقعت على الثوب سواء نفذت في سطحه الداخل أم لم تنفذ فيه يعد جزءاً من الثوب ، ومعه تصدق الصلاة في النجس كما إذا كان متنجساً.

ومنها : ما رواه الصدوق في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه في حديث قال : « سألته عن الرجل يصلي ومعه دبة من جلد الحمار أو بغل ، قال : لا يصلح أن يصلِّي وهي معه إلاّ أن يتخوّف عليها ذهابها فلا بأس أن يصلِّي وهي معه ... » (2)وروى الشيخ بإسناده مثل ذلك باختلاف يسير ، حيث ورد فيه « سألته عن الرجل صلّى ومعه دبة من جلد حمار وعليه نعل من جلد حمار هل تجزئه صلاته أو عليه إعادة؟ قال : لا يصلح له أن يصلي وهي معه ... » (3)وكيف كان ، فقد ادعي دلالة الرواية على عدم جواز الصلاة مع حمل الدبّة المتخذة من الميتة.

ويرد على الاستدلال بها وجوه الأوّل : أن كلمة « لا يصلح » غير ظاهرة في المنع التحريمي وإنما ظاهرها الكراهة ، ومعه تدل على مرتبة من المرجوحية في حمل الدبة المذكورة في الصلاة. الثاني : أنها غير مشتملة على ذكر الميتة ، وإنما سئل فيها عن الدبة المتخذة من جلد الحمار ، ولعله لما كان اشتهر في تلك الأزمنة من نجاسة أبوال الحمير


1) الوسائل 3 : 443 / أبواب النجاسات ب 26 ح 12.

2) الوسائل 4 : 461 / أبواب لباس المصلي ب 60 ح 2 ، الفقيه 1 : 164 ح 775.

3) الوسائل 4 : 462 / أبواب لباس المصلي ب 60 ح 4 ، التهذيب 2 : 374 ذيل الحديث 1553.

والبغال وحرمة لحمهما حتى التزم بذلك معظم العامة على ما قدّمنا نقله (1)وحرمة أكل لحمهما توجب المنع عن الصلاة في أجزائهما. فإذا ظهر أن أبوالهما طاهرة وأنهما محلل الأكل فيلزمه جواز الصلاة في أجزائهما ومنها جلدهما.

نعم وردت الرواية في طهارة شيخنا الأنصاري قدس سره مشتملة على كلمة « ميت » بعد لفظة « حمار » من دون ذكر الراوي والمروي عنه حيث ورد فيها « عن الرجل يصلي ومعه دبّة من جلد حمار ميت ، قال : لا يصلح أن يصلِّي » (2)إلاّ أنه محمول على الاشتباه ، لأنّ الرواية إنما وردت بطرق ثلاثة : أحدها طريق الصدوق ، وثانيها طريق الشيخ ، وثالثها طريق الحميري ولم يرد لفظة « ميت » في شي‌ء من تلك الطرق.

الثالث : هب أنّ الرواية مشتملة على تلك اللّفظة كما نقله شيخنا الأنصاري قدس سره إلاّ أن غاية ما تدلّ عليه أنّ حمل الميتة في الصلاة كحمل أجزاء ما لا يؤكل لحمه مانع عن الصلاة ، وأين هذا من المدعى وهو عدم جواز حمل الأعيان النجسة مطلقاً لأنّ الرواية إنما وردت في خصوص الميتة فنلتزم بها في موردها والتعدي عنها إلى سائر الأعيان النجسة يحتاج إلى دليل ، ولعله لأجل اهتمام الشارع بالميتة ، ومن هنا ورد المنع عن الصلاة في الميتة ولو في شسع.

ومنها : ما في الصحيح عن عبد اللّه بن جعفر قال : « كتبت إليه يعني أبا محمد علیه السلام يجوز للرجل أن يصلي ومعه فأرة المسك؟ فكتب : لا بأس به إذا كان ذكيا » (3)وظاهره أن الضمير راجع إلى الفأرة لا إلى المسك لأنها المسئول عنها ، فتدل بمفهومها على أن الفأرة إذا لم تكن ذكيا ففي الصلاة معها بأس. وفيه أن هذه الرواية كسابقتها لا دلالة لها على المدعى ، وإنما تقتضي عدم جواز حمل الميتة أو غير المذكى في الصلاة ولا يستفاد منها عدم جواز حمل مطلق العين النجسة.

فالمتحصل أن حمل النجس والمتنجس في الصلاة جائز ولا تبطل به الصلاة.


1) شرح العروة 2 : 57.

2) كتاب الطهارة : 369 باب النجاسات ، حكم المسوخ السطر 9.

3) الوسائل 4 : 433 / أبواب لباس المصلي ب 41 ح 2.

[305] مسألة : الخيط المتنجس الذي خيط به الجرح يعد من المحمول بخلاف ما خيط به الثوب والقياطين والزرور والسفائف ، فإنها تعد من أجزاء اللباس لا عفو عن نجاستها (1).


ويستثنى منه موردان أحدهما : ما إذا كان المحمول مضافاً إلى نجاسته من أجزاء ما لا يؤكل لحمه. وثانيهما : ما إذا كان ميتة وغير مذكى ، إلاّ في خصوص الخف والنعل وأمثالهما إذا شك في تذكيته بمقتضى موثقة إسماعيل بن الفضل المتقدمة.

(1) وذلك لأن الخيط لا يعد جزءاً من البدن فإنه مركّب من عدّة أجزاء مردّدة بين ما تحله الحياة الحيوانية كاللحم والجلد وما تحله الحياة النباتية كالشعر والعظم وليس الخيط مندرجاً في أحدهما ، فلا مناص من أن يكون من المحمول الخارجي ، وهذا بخلاف الخيط الذي يخاط به الثوب فإنه يعد من أجزائه حيث إن له خيوطاً أولية وخيوطاً ثانوية تربط القِطَع بعضها ببعض. نعم إن هناك أُموراً أُخر من المحمول حقيقة وبالتدقيق الفلسفي إلاّ أنها لا تعدّ منه لدى العرف ، وهذا كما إذا أكل المصلِّي نجساً عصياناً أو نسياناً لأنه في جوفه محمول حقيقة ولا يعدّ من أجزاء بدنه إلاّ أنه غير معدود من المحمول بالنظر العرفي ، فلو قلنا بعدم جواز حمل النجس في الصلاة لم نقل ببطلان الصلاة في مفروض المثال ، كما لا نحكم ببطلانها إذا أكل المصلِّي شيئاً مما لا يؤكل لحمه لعدم صدق عنوان الصلاة في النجس أو فيما لا يؤكل لحمه كما لا يقال أنه صلّى مع النجس أو مع ما لا يؤكل لحمه ، فلا يجب عليه القي‌ء وإخراج ما في جوفه من النجس أو ما لا يؤكل لحمه مقدمة للصلاة. وإن استشكل في ذلك بعض من عاصرناه عند ما أكل المصلِّي أو غيره مالاً مغصوباً فأوجب عليه القي‌ء والإخراج نظراً إلى أن كونه في بطنه تصرف في مال الغير واستيلاء عليه والتصرّف في مال الغير محرم ، فمقدّمة لردِّه إلى مالكه لا بدّ من القي‌ء والإخراج. وفيه ما لا يخفى ، لأنّ المغصوب المأكول وإن لم يكن تالفاً حقيقة إلاّ أنه تالف لدى العرف ، ومع التلف لا معنى للتصرّف فيه حتى يحكم بحرمته ووجوب رده إلى مالكه ، فلا يكلّف الغاصب على القي‌ء وإخراج مال الغير عن جوفه.

الخامس : ثوب المربِّية (1)للصّبي (1)


(1) مدركهم في هذا الاستثناء إما هو الإجماع كما ربما يظهر من صاحب الحدائق قدس سره حيث قال : المشهور بين الأصحاب من غير خلاف العفو (2)... وإن توقّف فيه الأردبيلي (3)وصاحب المعالِم (4)والمدارك (5)والذخيرة (6)كما حكي وإما رواية أبي حفص عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سئل عن امرأة ليس لها إلاّ قميص واحد ولها مولود فيبول عليها كيف تصنع؟ قال : تغسل القميص في اليوم مرّة » (7)فان استندوا في ذلك إلى الإجماع المدعى ، ففيه أنه معلوم المدرك لأنهم اعتمدوا في ذلك على الرواية المتقدمة على ما يظهر من كلماتهم ولا أقل من احتماله ومعه لا يكون الإجماع تعبدياً كاشفاً عن قوله علیه السلام .

وأما الرواية فيرد على الاستدلال بها أنها ضعيفة السند من وجوه : وذلك أما أوّلاً : فلأنّ في سندها محمد بن يحيى المعاذي الذي لم تثبت وثاقته ، بل ضعّفه بعضهم فليراجع (8). وأما ثانياً : فلأن في سندها محمد بن خالد وهو مردد بين الطيالسي والأصم وكلاهما لم يوثق في الرجال. وأما ثالثاً : فلاشتمال طريقها على أبي حفص وهو إما مشترك بين الثقة وغيره أو أن المراد به أبو حفص الكلبي غير الثقة.

ودعوى انجبارها بعملهم على طبقها ، مندفعة بأن عملهم بالرواية وإن كان غير قابل للمناقشة فلا كلام في صغرى ذلك ، إلاّ أن المناقشة في كبرى انجبار الرواية


1) (*) الأحوط الاقتصار في العفو في المربية وغيرها على موارد الحرج الشخصي وبذلك يظهر الحال في الفروع الآتية.

2) الحدائق 5 : 345.

3) مجمع الفائدة والبرهان 1 : 339.

4) راجع الحدائق 5 : 345.

5) المدارك 2 : 355.

6) ذخيرة المعاد : 165 السطر 9.

7) الوسائل 3 : 399 / أبواب النجاسات ب 4 ح 1.

8) جامع الرواة نقلاً عن خلاصة العلاّمة 2 : 217.

امّاً كانت أو غيرها ، متبرِّعة أو مستأجرة (1) ذكراً كان الصبي أو أُنثى وإن كان


بعملهم كما مرّ غير مرّة لا تُبقي مجالاً لدعوى الانجبار ، لأن عملهم إنما يجبرها فيما إذا أوجد وثوقاً شخصياً بالرواية وهذا مما لا يحصل من عملهم بوجه لأنه مختلف الوجه والجهة ، فبعضهم يعمل على طبق الرواية لأجل دعوى القطع بصحة الأخبار المدوّنة في الكتب الأربعة فهو في الحقيقة عامل بقطعه لا بالرواية كما هو ظاهر. وبعضهم يعمل على طبقها لحسبان أن العدالة عبارة عن إظهار الإسلام وعدم ظهور الفسق ، فكل من أظهر الإسلام ولم يظهر منه فسق فهو عادل. وثالث يفتي على طبق الرواية لأن مضمونها مورد لإجماعهم أو للشهرة المحققة لعدم حجية الخبر الواحد عنده ومع اختلاف الجهة لا يحصل وثوق شخصي من عملهم. وقد أسلفنا في محله أن اعتبار أية رواية إما أن يكون من جهة كونها موثقة في نفسها ، وإما أن يكون من جهة الوثوق الشخصي الحاصل بها خارجاً ولم يتحقق شي‌ء منهما في المقام.

ومن ذلك ظهر أن تأمل الأردبيلي وتابعيه في المسألة هو الحقيق ، ومن ثمة كتبنا في التعليقة : أن الأحوط الاقتصار في العفو على موارد الحرج الشخصي. ثم لو بنينا على اعتبار الرواية ولو لانجبارها بعمل الأصحاب فحيث إنها تشتمل على قيود فلا بد من التكلم على كل واحد منها بخصوصه حسبما يشير إليه الماتن قدس سره .

(1) التي وردت في الرواية هي كلمة « امرأة » ولكنهم عبّروا عنها بالمربية وجعلوا مدار العفو تربية المولود وكونه في حجرها بلا فرق في ذلك بين كون المربية هي الأُم وبين غيرها ، ولكن في التعدِّي عن الام إلى غيرها إشكال ومنع لأنّ الرواية قيدت المرأة بأنّ يكون لها الولد حيث قال : « ولها مولود ».

ودعوى أن اللاّم للاختصاص ويكفي في ثبوته كونها مربية للولد ، مندفعة بأن اللاّم في اللغة وإن صحّ استعمالها في مطلق الاختصاص ومنه اختصاص التربية كما ذكرنا ، إلاّ أنها في الرواية لم يظهر كونها لمطلق الاختصاص بل الظاهر أنها للاختصاص المطلق ، وهذا انما يختص بالأُم لأنها ولدت المولود ، فلا مناص من الاكتفاء بالمقدار المتيقن وهو الام المربية والتعدي عنها إلى مطلق المربية يحتاج إلى

الأحوط الاقتصار على الذكر (1) فنجاسته معفوة بشرط غسله في كلّ يوم مرّة مخيّرة بين ساعاته ، وإن كان الأولى غسله آخر النهار لتصلِّي الظّهرين والعشاءين مع الطهارة أو مع خفّة النجاسة (2) وإن لم يغسل كل يوم مرّة


دليل ، بل لا يمكننا التعدي إلى جدة الولد لأن ظاهر قوله : « لها مولود » أنه متولد منها ولا يصدق ذلك على الجدّة. نعم لو كان عبّر بالولد شملها ، إذ يصح أن يقال : إن لها ولداً باعتبار أن الولد لابنها أو بنتها ولكن الوارد هو المولود وكم فرق بين التعبيرين فاذا لم تشمل الرواية الجدّة فما ظنك بالأجنبية المربية.

(1) الذي اشتملت عليه الرواية هو المولود فإن أُريد منه طبيعية فلا محالة تشمل الأُنثى والذكر ، إلاّ أن الظاهر أنه في مقابل المولودة فلا يعم الحكم لغير الذكر. ثم لو لم تكن الرواية ظاهرة في ذلك وشككنا في شمولها للأُنثى وعدمه لا بد من الاقتصار على المقدار المتيقن منها وهو المولود الذكر ، لأن العفو على خلاف القاعدة والعمومات.

(2) دلّت الرواية على أن المرأة تغسل القميص في اليوم مرة ، ولا كلام في أن غسل الثوب والقميص ليس بواجب نفسي على المربية وإنما هو للإرشاد إلى شرطية الطهارة في حقِّها ، بل الكلام في أن الطهارة هل هي شرط لجميع صلواتها اليومية أو شرط لواحدة منها مخيراً؟ وعلى الأول هل يجب أن تغسله قبل صلاة صبحها لتكون من قبيل الشرط المتقدم على الجميع أو بعد جميع صلواتها لتكون من الشرط المتأخر عن الجميع ، أو أن لها أن تأتي به بين الصلوات ليكون شرطاً متقدماً على الصلوات الباقية ومن قبيل الشرط المتأخِّر بالإضافة إلى الصلوات السابقة عليه؟

مقتضى النظر إلى الرواية المتقدمة ولحاظ الأدلة المانعة عن الصلاة في النجس ، أن الطهارة شرط لصلاة واحدة من صلواتها مخيراً ، وليست شرطاً للجميع على نحو الشرط المتقدم ولا على نحو الشرط المتأخر ، فإن الرواية ناظرة إلى أدلة اشتراط الطهارة في الصلاة وقد دلت على إلغاء اشتراطها عن صلوات المربية إلاّ مرة في كل يوم ، ولا مقتضي لتقييد ذلك بما قبل صلاة الفجر لأنه على خلاف إطلاق الرواية ولا مقيد لها. على أن الغسل لو كان مقيداً بذلك لكان المناسب أن يقول : تغسل قميصها

فالصلوات الواقعة فيه مع النجاسة باطلة (1)


عند طلوع الفجر أو قبل صلاته. كما أن الطهارة شرط مقارن للصلاة وليست من الشروط المتأخرة ولا من المتقدمة ، ولا يحتمل أن يجب على المرأة غسل ثوبها أوّل الصبح تحصيلاً لشرط صلاة ظهرها مع العلم بأنه يتنجس قبل أن تأتي بها بزمان أو يجب عليها غسله أوّل الزوال تحصيلاً لمقدّمة صلاة الفجر مع العلم بأنها وقعت في الثوب المتنجس.

وعليه فليست الطهارة شرطاً للجميع على نحو الشرط المتقدِّم ولا على نحو الشرط المتأخِّر ، فإنّ مجرّد الغسل لا أثر له ولا أنه واجب باستقلاله وإنما الواجب تحصيل الطهارة للصلاة. فالرواية إنما تدل على أن الغسل أي طهارة الثوب شرط في صلاة واحدة مخيراً على نحو الشرط المقارن. ومن هنا لو تمكنت من الجمع بين صلاتين أو أكثر من فرائضها بالطهارة وجب ، لأن الرواية لا دلالة لها على ترخيص الصلاة في النجس مع الاختيار ، فاذا علمت بأنها لو أخرت صلاتها الثانية تنجس ثوبها ولم تتمكن من إيقاعها مع الطهارة ، فلا مناص من أن تأتي بها بعد ما بيدها من الصلاة ، ولا يستفاد الترخيص من الرواية في تأخيرها بوجه ، فإن التفرقة بين الصلاتين ليست بواجبة يقيناً ولا موجب لرفع اليد عن اشتراط طهارة الثوب في الصلاة لأجل أمر غير واجب.

(1) بل الباطلة هي الأخيرة ، لأنّ الغسل إنما وجب في واحدة من صلواتها مخيراً فإذا تركته في صلواتها السابقة يتعيّن عليها في الأخيرة لا محالة ، كما هو الحال في جميع الواجبات التخييريّة حيث يتعيّن في العدل الأخيرة عند تعذّر غيره من الأفراد أو تركه. وأما بطلان الصلوات الواقعة مع النجاسة كما في المتن فهو مبني على جعل الغسل والطهارة شرطاً متأخِّراً للصلوات وقد عرفت بطلانه.

بقي الكلام فيما هو المراد باليوم الوارد في الرواية ، فهل المراد به أعم من ليلته أو المراد به خصوص النهار؟ لا يبعد الالتزام بأنه أعم ، نظراً إلى أن الغسل شرط لواحدة من الصلوات الليلية والنهارية ، فانّ الغرض الإتيان بإحداها مع الطهارة كان ذلك في

ويشترط انحصار ثوبها في واحد (1) أو احتياجها إلى لبس جميع ما عندها وإن كان


اليوم أو الليل ، وإنما قيدت الرواية باليوم من جهة غلبة وقوع الغسل فيه لا لأجل عدم إرادة الأعم منه هذا ، ولكن لقائل أن يقول : الرواية إنما اشتملت على اليوم وشموله لليل غير معلوم ، ولم يدلنا دليل على إرادة الأعم منه ، ولا مناص معه من الاقتصار على المقدار المتيقن من اليوم وهو خصوص النهار كما هو الحال في بقية القيود الواردة في الرواية هذا.

والصحيح أن الغسل لا يجب أن يقع في النهار ولا اختصاص له في ذلك ، وهذا لإطلاق الرواية حيث إنها تشمل بإطلاقها لما إذا غسلت المرأة قميصها في آخر ساعة من النهار ، لأنه من الغسل في اليوم حقيقة ولا شبهة في جواز إيقاع صلاة المغرب بذلك الغسل إذا لم تتفق إصابة البول لثوبها إلى زمان إيقاعها ، فإذا جاز ذلك بإطلاق الرواية جاز أن تصلي المغرب بغسل قميصها في الليل بطريق أولى. فالصحيح عدم اختصاص الغسل بالنهار ، كما أن غسل القميص في اليوم الثاني وما بعده لا يعتبر وقوعه في الزمان الذي وقع فيه في اليوم السابق عليه ، بل لها أن تؤخره في اليوم الثاني عن ذلك الوقت أو تقدمه عليه ، لما مرّ من أن الغسل شرط لواحدة من صلواتها سواء أكان في الوقت السابق أم في غيره.

(1) أما إذا كان متعدِّداً فان احتاجت إلى لبس الجميع فهو في حكم قميص واحد لأن معنى قوله : « ليس لها إلاّ قميص واحد » حسب المتفاهم العرفي أنه ليس لها قميص آخر تتمكّن من إتيان الصلاة فيه ، فاذا فرضنا عدم تمكّنها من تبديل ثوبها لاحتياجها إلى لبس الجميع فكأنه ليس لها إلاّ قميص واحد. وكذلك الحال إذا كان لها ثوب آخر لا تحتاج إلى لبسه إلاّ أنه لا تتمكّن من إيقاع الصلاة فيه لأنه رقيق أو نجس أو من غير المأكول أو غير ذلك مما لا تتمكن من الصلاة فيه ، لأنها حينئذ غير متمكِّنة من إتيان الصلاة في ثوب آخر. وأما إذا كان لها أثواب متعدِّدة تتمكّن من إيقاع الصلاة فيها فلا محالة يتعين عليها تبديل ثوبها ، وهي خارجة عن موضوع العفو في الرواية حيث إنّ لها قميصاً آخر تتمكّن من الصلاة فيه.

متعدِّداً. ولا فرق في العفو بين أن تكون متمكنة من تحصيل الثوب الطاهر بشراء أو استئجار أو استعارة أم لا وإن كان الأحوط الاقتصار على صورة عدم التمكّن (1).

[306] مسألة 1 : إلحاق بدنها بالثوب في العفو عن نجاسته محل إشكال (2) وإن كان لا يخلو عن وجه.

[307] مسألة 2 : في إلحاق المربي بالمربية إشكال (3)


(1) مقتضى المناسبة بين الحكم وموضوعه اختصاص العفو بما إذا لم تتمكن المرأة من تحصيل قميص آخر بشراء أو استئجار أو غيرهما ، حيث إنها تقتضي استناد العفو في الرواية إلى الحرج في غسل الثوب على المربية ولو نوعاً ، ومع فرض تمكنها من الاستئجار أو الشراء لا حرج عليها في إيقاع صلاتها في ثوب طاهر. ولكن الصحيح أن الرواية مطلقة تشمل صورة تمكن المربية من الاستئجار والشراء ونحوهما وصورة عجزها عن ذلك ، فإنها تدل على أن العفو إنما ثبت للمرأة التي ليس لها إلاّ قميص واحد بالفعل سواء أكانت متمكنة من تحصيل ثوب آخر بشراء أو استئجار أم لم تكن متمكنة من ذلك فالمدار على وحدة القميص بالفعل ، بل تقييد العفو في الرواية بصورة عدم تمكّنها من تحصيل ثوب طاهر تقييد لها بمورد نادر ، لأنّ المربية لو سلّمنا عدم تمكّنها من شراء أو استئجار فباب الاستعارة مفتوح لكل شخص ، وفرض امرأة غير متمكِّنة من تحصيل ثوب آخر ولو بالعارية فرض أمر نادر. كما أن تقييده بما إذا لم تتمكّن المرأة من الصلاة في ساتر آخر ولو في غير القميص بناء على كفاية مطلق الساتر في الصلاة كذلك لأن الغالب تمكنها من الساتر الطاهر غير القميص.

(2) لأنّ الرواية إنّما دلّت على العفو عن نجاسة القميص ولم تدل على عدم مانعية نجاسة البدن في المربية ، ومقتضى إطلاق أدلّة المنع عن الصلاة في النجس وجوب إزالته عن بدنها فإلحاقه بالثوب بلا وجه.

(3) الوارد في الرواية كما قدمناه هو المرأة ، وقد تعدى بعضهم إلى الرجل إذا كان مربياً بدعوى أنّ العلّة الموجبة للعفو في المرأة المشقة والحرج وهي بعينها متحققة في

وكذا من تواتر بوله (1).


الرجل بلا نقص. ويدفعه : أن ذلك لا يوجب سوى الظن بالاشتراك ، ولا يعتمد على الظن في الأحكام. ودعوى أن الأحكام الشرعية مشتركة بين الجميع ، إنما تفيد فيما إذا لم نحتمل خصوصية في طائفة دون طائفة مع أنّا نحتملها في النساء بالوجدان ، ولم تثبت كلية للاشتراك في الأحكام ، فكم من أحكام مختصة بالرجال دون النساء أو العكس فليكن منها المقام ، وعليه فمقتضى إطلاق ما دلّ على مانعيّة النجس في الصلاة وجوب الإزالة على الرجل في جميع صلواته إلاّ أن يستلزم حرجاً شخصياً في حقه.

بقي الكلام في جهتين : إحداهما : أن الحكم الوارد في الرواية هل يختص بمن له مولود واحد أو يعمه ومن له مولود متعدد؟ المتعين هو الثاني لأنّ كلمة « مولود » وإن كانت نكرة إلاّ أن المراد بها الطبيعي الشامل للواحد والمتعدِّد ، لوضوح أن السائل لا نظر له إلى صورة الوحدة والتعدد بحيث لو كان لها مولودان في حجرها لم يسأل عن حكمها. ثانيتهما : هل الحكم خاص بما إذا تنجس ثوب المرأة بالبول أو يعم ما إذا كان متنجساً بالغائط؟ الرواية إنما نصت على خصوص البول ولا دليل على التعدي عنه إلى الغائط. ودعوى أنهما متلازمان ومن هنا قد يكنّى عنهما بالبول ، مندفعة بأن الأمر بالعكس ، فانّ انفكاك البول عن الغائط هو الغالب ولا سيما في الأطفال ، فلعلّ كثرة ابتلاء المرأة ببول الصبي هي الموجبة لتخصيص العفو به دون الغائط.

(1) ذهب جماعة كما حكي إلى إلحاق من كثر بوله وتواتر بالمربية في العفو وعدم لزوم غسله الثوب إلاّ مرة في كل يوم ، مستنداً في حكمهم هذا تارة إلى الحرج والمشقة. وهو استدلال صحيح ولكنه خاص بموارد تحقق العسر والحرج ولا يقتضي العفو مطلقاً فالدليل أخص من المدعى.

وأُخرى إلى رواية عبد الرحيم القصير قال : « كتبت إلى أبي الحسن علیه السلام في الخصي يبول فيلقى من ذلك شدة ، ويرى البلل بعد البلل ، قال : يتوضأ وينتضح في النهار مرّة واحدة » (1)ورواها الكليني بإسناده عن سعدان بن عبد الرحمن قال : كتبت


1) الوسائل 1 : 285 / أبواب نواقض الوضوء ب 13 ح 8.

إلى أبي الحسن علیه السلام وذكر مثله (1). وكذلك الصدوق إلاّ أنه رواها مرسلاً عن أبي الحسن موسى بن جعفر علیه السلام وقال : « ثم ينضح ثوبه » (2)ففي المسألة روايتان ، فانّ المرسلة ليست رواية مستقلّة وإنما هي إشارة إلى إحدى الروايتين المتقدِّمتين.

وهذا الاستدلال أيضاً غير تام ، لأن الروايتين ضعيفتان بحسب الدلالة والسند. أمّا بحسب الدلالة فلأنّ وجوب الغسل مرة في كل يوم لا عين منه ولا أثر في الروايتين ، ومن المحتمل القريب أن تكون الروايتان ناظرتين إلى عدم وجوب الوضوء عليه ، وذلك بإبداء المانع عن العلم بخروج البول منه ، حيث إنه إنما كان يلقى الشدة من أجل رؤيته البلل بعد البلل ، فانّ قوله : « ويرى البلل بعد البلل » تفصيل للإجمال المتقدم عليه في قوله : « فيلقى من ذلك شدّة » فاذا انتضح بدنه أو ثوبه فلا يحرز أن البلل الذي يراه بول أو غيره لاحتمال أنه من النضح ، كما ورد نظيره في بعض الروايات في من بال ولم يقدر على الماء واشتد ذلك عليه فقال علیه السلام : « إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك ، فان وجدت شيئاً فقل هذا من ذاك » (3).

هذا على أن المراد منهما لو كان نفي وجوب الغسل على الخصي إلاّ مرة في كلّ يوم لم يكن لذكر الوضوء فيهما وجه ، فقوله علیه السلام : « يتوضأ وينتضح » قرينتان على أنّ المراد في الروايتين عدم إيجاب الوضوء عليه ثانياً بإبداء المانع عن العلم بخروج سببه. ومع الغض عن جميع ذلك إن النضح لم يقل أحد بكونه غسلاً مطهِّراً عن البول أو غيره من النجاسات وحمله على الغسل بعيد.

وأمّا بحسب السند فلجهالة سعدان بن عبد الرحمن الواقع في طريق الكليني لعدم ذكره في الرجال ، وعدم توثيق سعدان بن مسلم وعبد الرحيم القصير الواقعين في طريق الشيخ (4)قدس سره ودعوى استفادة توثيقهما من رواية صفوان وابن أبي


1) الكافي 3 : 20 ح 6.

2) الفقيه 1 : 43 ح 168.

3) الوسائل 1 : 284 / أبواب نواقض الوضوء ب 13 ح 7.

4) التهذيب 1 : 353 ح 1051.

السادس : يعفى عن كلِّ نجاسة في البدن أو الثوب في حال الاضطرار (1).


عمير عن سعدان ، ورواية ابن أبي عمير وغيره عن عبد الرحيم في موارد أُخر عهدتها على مدعيها ، لأنّ نقل ابن أبي عمير ونظرائه كما ذكرناه غير مرّة لا يوجب وثاقة الضعيف. ولعلّه لأجل ما ذكرناه في تضعيف الروايتين ذكر المحقِّق الهمداني قدس سره بعد نقله الرواية أنها ضعيفة السند متروكة الظاهر منافية للقواعد الشرعية المقرّرة في باب النجاسات فيجب رد علمها إلى أهله (1).

فتحصل أن إلحاق من تواتر بوله بالمربية خال عن الوجه فلا عفو عنه إلاّ أن يكون الغسل حرجياً في حقه.

(1) ظهر مجمل القول في ذلك مما بيّناه في فروع الصلاة في النجس فليراجع.

« والحمد لله ربّ العالمين وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين »

تنبيه

جرت العادة في الكتاب على نقل اللباب المتحصل من كلمات الأصحاب 5 عند ما دعت الحاجة إلى نقلها إلاّ في بعض الموارد وربما نقلناها مشروحة موضحة أو ملخّصة ولو بغير ألفاظها أو زدنا عليها شيئاً من لوازماتها روماً لاتضاح صحّتها أو سقمها.


1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 625 السطر 34.

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

الطّهارة

نجاسة الدم... 1 - 26

دليل نجاسة الدم... 1

لا فرق في نجاسة الدم بين قليله وكثيره خلافاً للشيخ والصدوق وابن الجنيد... 6

طهارة دم مالا نفس له خلافاً للشيخ وغيره... 7

دم غير الحيوان المتخلّف في الذبيحة... 9

نجاسة العلقة المستحيلة من المني... 13

نجاسة الدم المتواجد في البيض... 13

حُرمة الدم المتخلِّف في الذبيحة وإن كان طاهرا... 14

نجاسة الدم المتواجد في اللبن... 17

حكم دم الجنين بعد ذبح أُمه... 17

حكم دم المتخلف في الصيد... 18

حكم الدم المشكوك... 18

طهارة الماء الأصفر المنجمد على الجرح عند البرء... 22

حكم الدم المراق في الأمراق... 22

الملاقاة للنجس في الداخل... 25

طهارة دم الأسنان إذا استهلك في ماء الفم... 26

الدم المنجمد تحت الأظفار أو الجلد... 26

نجاسة الكلب والخنزير... 27 - 36

الأخبار الدالة على نجاسة الكلب... 27

الأخبار المتوهم دلالتها على طهارة الكلب... 28

نسبة طهارة كلب الصيد إلى الصدوق... 29

أخبار نجاسة الخنزير... 29

طهارة الكلب والخنزير البحريين... 30

نجاسة أجزاء الكلب والخنزير... 31

حكم الحيوان المتولد من الكلب والخنزير... 34

نجاسة الكافر... 37 - 81

نجاسة المشرك خلافا للعامة... 37

دليل نجاسة الكتابي... 44

نجاسة أجزاء الكافر التي تحلها الحياة... 52

المراد بالكافر... 53

الاستدلال على ارتداد منكر الضروري مطلقا... 55

حكم ولد الكافر... 59

المدار في الحكم بالإسلام... 62

طهارة ولد الزنا من المسلمين... 65

نجاسة الغلاة... 67

نجاسة النواصب والخوارج... 69

حكم المجسمة... 71

حكم المجبرة والمفوضة... 72

حكم القائلين بوحدة الوجود... 74

طهارة فرق الشيعة... 77

طهارة من شك في إسلامه... 81

نجاسة الخمر... 82 - 126

أدلة نجاسة الخمر وطهارتها... 83

نجاسة كل مسكر مائع... 88

حكم العصير العنبي إذا غلى... 95

التفصيل بين ما إذا كان غليان العصير مستندا إلى النار وبين ما إذا استند إلى نفسه 101

حلية العصير بذهاب الثلثين... 109

هل يحرم العصير بمجرد النشيش؟... 111

حكم العنب إذا غلى... 113

حكم التمر والزبيب وعصيرهما بعد الغليان... 114

حكم العصير إذا صار دبسا بعد الغليان... 124

جواز أكل الزبيب والكشمش والتمر في الأمراق وإن غلت... 126

نجاسة الفقاع... 127 - 129

دليل نجاسة الفقاع... 127

حقيقة الفقاع... 128

طهارة ماء الشعير... 129

نجاسة عرق الجنب من حرام... 130 - 142

دليل نجاسة العرق من الحرام... 130

حكم عرق الجنب في وطء الحائض والجماع مع الصوم... 134

حكم العرق الخارج من الجنب حال الغسل... 135

إذا جنب من حرام ثم من حلال أو من حلال ثم من حرام... 136

ارتفاع نجاسة عرق الجنب من حرام إذا تيمم... 138

حكم عرق الصبي المجنب من حرام... 140

نجاسة من عرق الجلّال... 143 - 145

طهارة الثعلب والأرنب والوزغ والعقرب ومطلق المسوخ... 146

كل مشكوك طاهر ، وضعف القول بنجاسة الدم المشكوك... 148

الخلاف في طهارة غسالة ماء الحمام... 149

استحباب رش الماء لمن أراد الصلاة في معابد اليهود والنصارى... 153

عدم وجوب الفحص عن النجاسة في الشبهات الموضوعية... 153

فصل في طرق ثبوت النجاسة... 154 - 182

ثبوت النجاسة بالعلم الوجداني... 154

ثبوت النجاسة بالبينة العادلة... 155

ثبوت النجاسة بخبر الواحد... 155

ثبوت النجاسة بقول ذي اليد... 157

عدم ثبوت النجاسة بمطلق الظن... 159

حكم الاحتياط في الطهارة والنجاسة خصوصا إذا أدى إلى الوسواس... 159

عدم اعتبار علم الوسواس في الطهارة والنجاسة... 161

ثبون النجاسة بالعلم الإجمالي... 163

لا يعتبر في البينة حصول الظن بصدقها... 164

لا يعتبر في البينة ذكر مستند الشهادة... 165

ثبوت النجاسة بالشهادة بموجبها وإن لم يكن موجبا للنجاسة عند الشاهدين... 168

إذا شهدا بالنجاسة واختلف مستندهما... 168

الشهادة الإجمالية بالنجاسة... 173

إذا شهد أحدهما بنجاسة شيء فعلا والآخر بنجاسته سابقا... 175

إذا شهد أحدهما أنه نجس والآخر أنه كان نجسا... 178

إخبار الزوجة والخادمة والمملوكة بنجاسة ما في يدهم... 179

إذا كان الشيء بيد شخصين كالشريكين يسمع قول كل منهما في نجاسته... 179

اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة وإن كان كافرا... 180

اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة وإن كان صبيا... 180

لا يعتبر في قبول قول صاحب اليد بالنجاسة أن يكون قبل الاستعمال... 181

كيفية تنجس المتنجسات... 183 - 234

اشتراط الرطوبة في الحكم بالنجاسة... 183

عدم نجاسة العالي بملاقاة السافل للنجاسة إذا كان جاريا من العالي... 187

الشك في رطوبة أحد المتلاقيين أو في السراية... 188

هل يتنجس الحيوان وعلى تقديره فهل يطهر بزوال العين؟... 189

فروع في المقام... 194

المتنجس لا يتنجس ثانيا ولو بنجاسة أخرى... 200

أدلة منجسية المتنجس ونقل الخلاف فيه... 204

الكلام في تنجيس المتنجس مع الواسطة... 213

أدلة القول بعدم منجسية المتنجس مطلقا... 217

الأخبار التي استدل بها على عدم منجسية المتنجس... 221

عدم جريان جميع أحكام النجس على المتنجس... 232

حكم تنجس رجل الزنبور والذباب وكل مالا يتأثر بالرطوبة... 234

فصل في تنجس المسجد والمصحف والطعام... 235 - 314

اشتراط طهارة البدن واللباس في صحة الصلاة... 235

اشتراط الطهارة من الخبث في صلاة الاحتياط وقضاء الجزء المنسيّ... 237

عدم اعتبار الطهارة في الأذان وغيره مما يتقدم على الصلاة... 238

هل يلحق اللحاف باللباس في اعتبار الطهارة في الصلاة... 239

اشتراط طهارة المسجد في الصلاة... 241

حكاية اعتبار طهارة مواضع المساجد السبعة عن الحلبي... 244

الكلام في عمومية المنع عن الصلاة في الموضع النجس الرطب... 248

إذا وضع جبهته على موضع بعضه طاهر وبعضه نجس... 249

وجوب إزالة النجاسة خلالا لبعض... 251

جواز تنجيس باطن المسجد وعدم وجوب إزالة النجاسة عنه... 254

هل تجب إزالة النجاسة عن خارج المسجد؟... 256

فورية وجوب إزالة النجاسة عن المسجد... 257

حرمة إدخال النجاسة في المسجد... 257

وجوب إزالة النجاسة عن المساجد كفائي... 261

إذا رأى نجاسة في المسجد وقد دخل وقت الصلاة... 262

إذا صلى ثم تبين كون المسجد نجسا... 264

العلم بنجاسة المسجد أثناء الصلاة... 266

إذا كان موضع من المسجد نجسا لا يجوز تنجيسه ثانيا... 270

توقف تطهير المسجد على حفره... 271

تنجس حصير المسجد... 273

توقف تطهير المسجد على تخريبه... 275

حرمة تنجيس المسجد الخراب... 275

توقف تطهير المسجد على تنجيس المواضع الطاهرة منه... 276

توقف تطهير المسجد على بذل الأجرة... 277

تنجيس المسجد الذي تغير عنوانه... 279

حكم ما إذا رأى الجنب نجاسة في المسجد... 281

تنجيس معابد اليهود والنصارى... 283

حكم تطهير ما علم اجمالا بكونه مسجدا... 284

عدم الفرق في وجوب الإزالة بين المسجد العام والخاص... 285

وجوب إعلام الغير بنجاسة المسجد لمن لم يتمكن من الإزالة... 286

حرمة تنجيس المشاهد... 288

وجوب إزالة النجاسة عن المصحف... 291

كتابة القرآن بالمركب النجس... 293

إعطاء المصحف للكافر... 293

تنجيس التربة الحسينية... 295

حكم تنجيس مصحف الغير... 296

وجوب تطهير المصحف كفائي... 298

حكم تطهير مصحف الغير... 301

إزالة النجاسة عن الطعام وظروفه... 303

الانتفاع بالعين النجس والمتنجس... 303

بيع النجس والمتنجس... 305

التسبيب في أكل النجس وشربه... 307

سقي المسكر للطفل... 311

بعض فروع الإعلام بالنجاسة... 313

فصل : الصلاة في النجس... 315 - 390

الصلاة في النجس مع الجهل بالحكم أو بالاشتراط... 316

الصلاة في النجس مع الجهل بالموضوع... 323

الالتفات إلى النجاسة في أثناء الصلاة... 331

الصلاة في النجس ناسيا... 340

عدم الفرق في وجوب الإعادة والقضاء على الناسي بين التذكر بعد الصلاة أو فيها 349

الصلاة في النجس مع نسيان الحكم... 350

بعض فروع الصلاة في النجس... 350

انحصار ثوب المصلي في النجس... 355

دوران الأمر بين الصلاة عاريا أو في النجس... 358

حكم من كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما... 364

دوران الأمر بين تطهير البدن أو اللباس... 372

بيان الفارق بين التعارض والتزاحم... 373

دوران الأمر بين التطهير من الحدث أو الخبث... 383

الصلاة في النجس اضطرارا... 385

الاضطرار إلى السجدة على النجس... 387

السجود على النجس جهلا أو نسيانا... 388

فصل : فيما يعفى عنه في الصلاة... 390 - 451

1 - العفو عن دم الجروح والقروح... 390

الخلاف في اعتبار المشقة والسيلان في العفو عن دم الجروح والقروح نقل الروايات الدالة على العفو 391

عدم وجوب غسل الثوب في كل يوم للجريح والقريح... 395

اعتبار المشقة النوعية في العفو عن دم الجرح والقرح... 396

هل يجب شد القروح المعفو عنها... 397

حكم تعدي دم القروح والجروح... 398

العفو عن القيح الخارج مع الدم... 399

العفو عن دم البواسير... 400

عدم العفو عن دم الرعاف... 401

الشك في دم أنه من الجروح والقروح... 401

حكم الجروح والقروح المتعددة المتقاربة والمتباعدة... 402

2 - العفو عن الدم الأقل من الدرهم في الصلاة... 403

الخلاف في العفو عن الدم بمقدار الدرهم... 403

عدم الفرق في العفو بين كونه دم نفس المصلي وغيره... 406

اشتراط عدم كون الدم من الدماء الثلاثة... 406

اشتراط كون الدم المعفو عنه من نجس العين... 408

اشتراط عدم كون الدم المعفو عن الميتة ومن غير المأكول لحمه... 410

حكم ما إذا كان الدم بمقدار الدرهم متفرقا في البدن واللباس... 412

حكم الأثواب المتعددة إذا كان في كل واحد منها أقل من مقدار الدرهم... 416

المناط في العفو سعة الدرهم لا وزنه... 417

تحديد سعة الدرهم... 417

حكم الدم المتفشي... 419

حكم ما إذا شك في الدم الأقل من الدرهم أنه من المستثنيات أم لا... 422

إذا شك في دم أنه بقدر الدرهم أو أقل... 424

عدم العفو عن المتنجس بالدم... 425

العفو عن الدم الأقل من الدرهم إذا أزيل عينه... 426

3 - العفو عما لا تتم في الصلاة... 428

يشترط في العفو عما لا تتم فيه الصلاة عدم كونه من أجزاء نجس العين... 432

4 - العفو عن المحمول المتنجس في الصلاة... 436

5 - العفو عن ثوب المربية للصبي... 443

هل يفرق في المربية بين الأم وغيرها وبين المتبرعة والمستأجرة... 444

اشتراط غسل ثوب المربية في كل يوم مرة واحدة... 445

اشتراط انحصار ثوب المربية في واحد... 447

عدم الفرق في العفو عن ثوب المربية بين تمكنها من تحصيل ثوب آخر أو لا... 448

الاشكال في إلحاق المربي بالمربية... 448

هل يلحق من تواتر بوله بالمربية؟... 449

6 - العفو عن النجاسة في البدن والثوب حال الاضطرار... 451

الصورة

465-3

الصورة

466-3