ghaemiyeh.com
المؤلف: الشيخ محمّد باقر الإيرواني
الناشر: دار الفقه للطباعة والنشر
الطبعة: 5
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1432 ه-.ق
ISBN (ردمك): 964-499-039-0
المكتبة الإسلامية
دروس تمهيدية في القواعد الفقهية
الجزء الثاني
بقلم: باقر الإيرواني
محرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
دروس تمهيدية في القواعد الفقهية
مؤسسة الفقه للطباعة والنشر
دروس تمهيدية
في القواعد الفقيه
الجز ء الثاني
بقلم: باقر الإيرواني
دار الفقه للطباعة والنشر
اسم الكتاب: دروس تمهيدية في القواعد الفقهية / الجزء 2
المؤلف: باقر الإيرواني
الطبعة: الخامسة - 1432 ه.ق - 1390 ه.ش
عدد المطبوع: 1200 نسخة
المطبعة:
السعر:
شابك:... (دوره دو جلدی)
ISBN 964-91559-2-9 (2 VOL.SET)
شابك: 2-039-499-964 (جلد 2)
ISBN 964-499-039-2 (VOL.2)
ص.ب: 3663 - 37185 - تلفن: 7734873 - 251 - 98+
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على اشرف الخلق محمد وعلى اهل بيته الطيبين الطاهرين.
1 - مضمون القاعدة
2 - مدرك القاعدة
3 - عموم القاعدة لما لا تعين له واقعا
4 - عموم القاعدة لغير باب التنازع والقضاء
5 - القرعة أصل أو أمارة
6 - اختصاص القرعة بالامام
7 - القرعة رخصة أو عزيمة
8 - مورد القرعة
9 - كيفية القرعة
10 - الاستخارة بين نصوص أهل البيت عليهم السلام والمتشرّعة
11 - تطبيقات لقاعدة القرعة
من القواعد التي تعرّض لها الأعلام في الاصول تارة والفقه اخرى قاعدة القرعة، فالشيخ النراقي في كتابه عوائد الأيّام (1)تعرّض للقاعدة المذكورة ضمن نقاط وبحث مسهب. وجاء بعده تلميذه الشيخ الأعظم في الرسائل (2)فتعرّض لها في أواخر مبحث الاستصحاب بشكل مختصر وضمن ثلاثة أسطر تحت عنوان ان الاستصحاب إذا اجتمع مع القرعة فأيّهما المقدّم. وتبعه على ذلك بقية الاصوليين فتعرّضوا لها من الزاوية المذكورة وبشكل مختصر في الموضع المذكور.
هذا في الاصول.
وأمّا في الفقه فتعرّضوا لها في مناسبات مختلفة وبشكل عابر من قبيل ان العبد الذي يجوز له الزواج بأربع اماء بالعقد الدائم لو كان عنده
أربع اماء وصار حرّا فعليه طلاق ثنتين اما بتعيين ذلك من خلال اختياره - على احتمال - أو من خلال القرعة على احتمال آخر. وحينما ابرز احتمال مرجعية القرعة أخذوا بالبحث العابر عنها ومن الزاوية التي يهمهم التعرّض لها في المسألة المذكورة. امّا البحث بشكل متكامل أو شبه متكامل فلم نعثر عليه في الكتب الفقهية والاصولية.
وروايات القرعة تذكر في كتب الحديث في أبواب متعدّدة وبمناسبات مختلفة. وحاول الحر العاملي ان يجمع شطرا كبيرا منها في كتاب القضاء في الباب (12) من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى. هذا بالنسبة الى القرعة.
وامّا بالنسبة الى الاستخارة فهي - كما سنوضّح - مصداق من مصاديق القرعة أو قريبة من ذلك. وليس لها تعرض في الكتب الاصولية وانّما تذكر في الكتب الفقهية في كتاب الصلاة عند البحث عن أقسام الصلاة المستحبة التي منها صلاة الاستخارة.
وقد ذكر الحر العاملي الأحاديث المرتبطة بذلك في كتاب الصلاة في المورد المذكور.
وعلى أي حال يقع البحث عن القاعدة المذكورة ضمن النقاط التالية : -
1 - مضمون القاعدة.
2 - مدرك القاعدة.
3 - عموم القاعدة لما لا تعين له واقعا.
4 - عموم القاعدة لغير باب التنازع والقضاء.
5 - القرعة أصل أو أمارة.
6 - اختصاص القرعة بالامام.
7 - القرعة رخصة أو عزيمة.
8 - مورد القرعة.
9 - كيفية القرعة.
10 - الاستخارة بين نصوص أهل البيت عليهم السلام والمتشرّعة.
11 - تطبيقات لقاعدة القرعة.
لعل مضمون القاعدة واضح ، وهو ان الواقع إذا أشكل في مورد ولم يمكن تشخيصه من خلال أمارة أو أصل فيمكن المصير في تعيينه إلى الاقتراع وذلك بكتابة قطع متعددة وسحب واحدة منها.
قد يستدل على حجية القرعة بالكتاب العزيز تارة وبالسنّة الشريفة ثانية وبسيرة العقلاء ثالثة.
اما الاجماع فهو وان ادعي إلاّ ان ثبوته بنحو يكشف عن موافقة المعصوم عليه السلام قابل للتأمّل بعد احتمال الاستناد إلى المدارك الثلاثة المتقدّمة.
وعليه فالمهمّ هو المدارك الثلاثة المتقدّمة.
امّا الكتاب الكريم فقد استدل منه بآيتين :
الاولى : قوله تعالى : ( وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ
الْمَشْحُونِ * فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) (1).
وقد ورد ان يونس لما لم يجبه قومه إلاّ بالتكذيب والرد دعا عليهم بالعذاب وأوعدهم بنزوله عليهم وخرج من بينهم الى ساحل البحر وإذا بسفينة مشحونة فركب فيها ولم تتمكن السفينة من مواصلة سيرها اما لاعتراض الحوت لها وعدم اندفاعه الا بالقاء واحد لها لتلتقمه أو لزيادة وزنها الذي تحتاج معه الى القاء أحد الركّاب منها. ثمّ تمّ الاتفاق على الاقتراع وخرجت القرعة باسم يونس وكان بذلك من المدحضين ، أي المغلوبين. وذلك ممّا يدلّل على حجيّة القرعة.
وقد يعترض على الاستدلال المذكور بالاعتراضين التاليين :
أ - ان الآية الكريمة تنقل قصّة وقعت في زمن غابر اشتملت على الاقتراع ، وذلك لا يدلّ على امضاء ما وقع فيها من أحداث حتى في تلك الشريعة فضلا عن شريعتنا.
وفيه : ان الآية الكريمة صريحة في اشتراك يونس - الذي هو نبي معصوم - في عملية المساهمة. مضافا الى ان السكوت عن تأنيب الفعل يستفاد منه الامضاء.
ب - ان الحكم المذكور لعلّه خاص بالشريعة السابقة ولا دليل على امضائه في شريعتنا.
وفيه : مضافا الى دلالة السكوت المتقدّمة يمكن التمسّك باستصحاب حكم الشريعة السابقة وعدم نسخه.
اذن الاعتراضان المذكوران غير تامّين.
1) الصافات : 139 - 141.
الثانية : قوله تعالى : ( وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) (1)فانّه ورد في الأخبار ان «حنة» و «اشياع» كانتا اختين تزوجت الاولى بعمران أحد زعماء بني اسرائيل ولم تنجب أولادا فدعت اللّه سبحانه ان يرزقها مولودا فاستجاب دعاءها وأوحى سبحانه إلى عمران انّه سيهبه ولدا يشفي المرضى الذين لا يمكن علاجهم ويحيي الموتى بإذن اللّه. وحينما حملت حنة ظنّت انّه ذلك المولود فنذرته محرّرا لخدمة بيت المقدس. وحينما وضعته انثى ( قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ... وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ) (2)وحينما حملتها إلى بيت المقدس أخذ علماء بني إسرائيل بالتنافس في الفوز بتربيتها لكونها من اسرة آل عمران المعروفة واتفقوا على الاقتراع وألقوا أقلامهم - أي السهام أو الأقلام التي كانوا يكتبون بها الكتاب المقدّس - في النهر وغطس جميعها الا قلم زكريا فإنّه طفا ، وذلك ممّا يدل على حجيّة القرعة.
والاعتراضان السابقان يردان هنا أيضا. والجواب هو الجواب.
والصحيح في الاعتراض على الآيتين الكريمتين ان يقال : انهما لا تدلاّن على حجيّة القرعة بمعنى كونها المرجع المتعين من قبل الشرع المقدّس بحيث لا يمكن الحياد عنه إلى غيره عند تمشكل الأمر بل لعل ذلك من باب تسالم الخصوم على الرجوع لها والأخذ بمضمونها نظير ما إذا تمّ الاتفاق على الأخذ بحكم شريف العشيرة أو ما يشبه ذلك. ان هذا محتمل في الآيتين ، ومعه لا يمكن التمسّك بهما لإثبات حجية القرعة
وكونها المرجع الشرعي المتعيّن عند تمشكل الأمر.
وممّا يؤكد ما أشرنا إليه من الاعتراض ان الآية الكريمة عبّرت بالادحاض حيث قالت ( فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) ، ومثل هذا التعبير لا يتناسب والأخذ بوظيفة شرعية عينت من قبل الشرع للسير على طبقها عند تمشكل الأمر بخلاف ما إذا فرضنا ان الأخذ بها كان من باب تباني الخصوم عليها فان مثله لا حزازة فيه.
هذا مضافا الى انها حتى لو دلّت على حجّية القرعة وتعينها من قبل الشارع كمرجع عند تمشكل الأمر فهي خاصة بموردها وليس لها اطلاق تدل بواسطته على مرجعية القرعة في غير موردها.
وعليه فالاستدلال بالآيتين الكريمتين على المطلوب غير ممكن.
واما السنّة الشريفة فيمكن ان يدعى بلا مبالغة تواتر الأخبار الدالّة على حجيّة القرعة، بيد ان تواترها معنوي لا لفظي.
ويمكن تصنيفها إلى أخبار عامّة وأخبار خاصّة.
اما الأخبار العامّة فيمكن ان نمثّل لها بصحيحة محمّد بن حكيم : «سألت أبا الحسن عليه السلام عن شيء فقال لي : كلّ مجهول ففيه القرعة. قلت له : ان القرعة تخطئ وتصيب. قال : كل ما حكم اللّه به فليس بمخطئ» (1).
ودلالتها على العموم واضحة فانه وان لم يحدّد فيها المقصود من كلمة «شيء» ومن المحتمل اختصاصه بمورد معين الا ان ذلك لا يمنع من استفادة العموم منها فان العبرة بعموم الجواب ولا يضر بذلك اختصاص السؤال بمورد معين.
1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب كيفية الحكم حديث 11.
واما ما ورد على لسان الفقهاء من ان القرعة لكل أمر مشكل أو مشتبه فليس عليه رواية صحيحة. أجل في دعائم الإسلام قال : عن أمير المؤمنين وأبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهم السلام : انّهم أوجبوا الحكم بالقرعة فيما اشكل (1).
ولكن الرواية المذكورة ضعيفة السند ولا أقل من جهة الإرسال.
واما صحيحة محمّد بن حكيم فقد عبّر عنها في كلمات الاعلام بالرواية الذي هو مصطلح عادة للرواية الضعيفة ، إلاّ انّه يمكن تصحيحها ، فانّها بطريق الشيخ الطوسي وان كانت ضعيفة ب «علي بن عثمان» لعدم ورود توثيق في حقّه إلاّ انّها بطريق الشيخ الصدوق صحيحة.
أجل يمكن التأمّل في محمّد بن حكيم نفسه باعتبار ان الشيخ والنجاشي وان ذكراه ولكنّهما لم يوثقاه.
الا انّه يمكن توثيقه من خلال ما نقله الكشي بطريق صحيح عن حماد : «كان أبو الحسن عليه السلام يأمر محمّد بن حكيم ان يجالس أهل المدينة في مسجد رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم وان يكلّمهم ويخاصمهم حتى كلّمهم في صاحب القبر فكان إذا انصرف إليه قال له : ما قلت لهم وما قالوا لك ويرضى بذلك منه» (2)فإنّه ليس من المناسب للإمام عليه السلام ان يأمر شخصا بتمثيل المذهب الجعفري والتحدّث عن لسانه الا إذا كان له وثوق كامل به.
واما الأخبار الخاصة فهي كثيرة تذكر كمثال لذلك صحيحة ابراهيم
بن عمر عن أبي عبد اللّه عليه السلام «رجل قال : أوّل مملوك أملكه فهو حر فورث ثلاثة قال:يقرع بينهم فمن أصابه القرعة اعتق. قال : والقرعة سنّة» (1).
هذا وبالامكان عدّها من الاخبار العامة بقرينة التعبير في الذيل : «والقرعة سنة».
واما السيرة العقلائية فلا اشكال في انعقادها على العمل بالقرعة في الامور المشكلة والأمثلة في حياتنا الاجتماعية اليوم كثيرة فيقرع بين الطلاب في المدارس إذا زاد عددهم عن الحدّ المقرّر للقبول وبين من تقدّم بطلب الحج إذا زاد العدد ، وهكذا في أمثلة اخرى.
وهذه السيرة حيث لا نحتمل حدوثها جديدا ولم يرد عنها ردع بل ورد ما يدل على الامضاء - من قبيل جملة «والقرعة سنة» في الصحيحة السابقة - فتكون حجّة.
الشيء المجهول تارة يكون متعيّنا واقعا ومبهما ظاهرا ، واخرى لا يكون له تعين حتى واقعا.
فمن اعتق عبدا معيّنا من عبيده ثم اشتبه عليه بعد ذلك فهو من النحو الأول بينما لو اعتق من البداية عبدا غير معيّن من عبيده فهو من النحو الثاني.
والقدر المتيقن من أدلّة حجية القرعة ما إذا كان الشيء متعينا واقعا وطرأ عليه الابهام ظاهرا.
1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب كيفية الحكم حديث 2.
اما إذا كان الشيء مبهما واقعا أيضا فقد وقع الخلاف بين الاعلام في شمول عموم أدلّة حجية القرعة له. فالشيخ العراقي مثلا في نهاية الأفكار (1)استدل على عدم الشمول بالقصور في المقتضي بتقريب ان عنوان «المجهول» الوارد في أدلّة حجية القرعة لا يصدق عرفا إلاّ على ما هو متعيّن واقعا واشتبه وخفي ظاهرا واثباتا.
وزاد في المستمسك ان بعض الأحاديث الشريفة وان ورد فيما لا تعين له واقعا الا انّه خاص بمورده ولا عموم له ، فصحيحة ابراهيم السابقة مثلا وان كان موردها ذلك الا انّها خاصة بموردها وهو حرية أول مملوك ولا يمكن استفادة التعميم منها (2).
ومن الغريب انّهم في الموارد الاخرى يستعينون بضم مقدّمة خارجية وهي عدم القول بالفصل بينما في المقام لم يجروا على سيرتهم المذكورة.
والمناسب الحكم بالتعميم ، فان السيرة العقلائية لها عموم من هذه الناحية ، والأمثلة المتقدّمة التي ذكرناها للسيرة العقلائية هي ذات واقع غير متعيّن في نفسه ، بل ان في نصوص أهل البيت عليهم السلام ما يدل على التعميم ، فصحيحة ابراهيم المتقدّمة مثلا وان كانت واردة في عتق أوّل مملوك وتختص بذلك الا ان ذيلها المعبر فيه «والقرعة سنّة» يفهم منه التعميم وعدم الخصوصية لموردها.
ومن الملفت للنظر اختلاف رأي السيد الخوئي قدسسره فبينما اختار في
مصباح الاصول الاختصاص اختار في مباني العروة الوثقى التعميم فلاحظ (1).
المورد المشكل الذي يراد فيه الرجوع الى القرعة تارة يكون مشتملا على التنازع ويحتاج في رفعه إلى القضاء الشرعي واخرى لا يكون كذلك.
فمثلا إذا اختلف شخصان في طفل كلّ منهما يدّعي انّه ولده وأقام البيّنة على ذلك أو اختلفا في دار كل منهما يدّعيها ولا يدله عليها رجعنا إلى القرعة لرفع الخصومة والنزاع وكان ذلك مثالا للأول. اما إذا فرض في مثال الطفل ان كل واحد من الشخصين لا يقول هو ولدي بل يقول لا أدري هو ولدي أو لا مع علمهما بأنّه لا يعدوهما وهو ابن احدهما جزما كان ذلك مثالا للثاني.
والقدر المتقين من دليل حجية القرعة هو المورد الأوّل الذي فيه نزاع وخصومة وانما الكلام في عمومه للمورد الثاني.
وقد يفهم من تمسك الفقهاء في موارد مختلفة من باب القضاء بالقرعة اختصاصها بذلك وعدم حجيتها في غيره.
والصحيح هو التعميم فان بناء العقلاء لا يختص بذلك وهكذا صحيح محمد بن حكيم المتقدّم الذي ورد فيه : «كل مجهول ففيه القرعة» مطلق من هذه الناحية. بل ان صحيح ابراهيم بن عمر المتقدّم
1) مصباح الاصول 3 : 343 ، مباني العروة الوثقى 1 : 189.
الوارد في حرية أوّل مملوك يملكه يختص بحالة عدم النزاع والخصومة وناظر للمورد المذكور،وتعبير الامام عليه السلام في الذيل «القرعة سنة» يدل على حجية القرعة فيما شابه المورد المذكور من الموارد التي ليس فيها نزاع ولا يختص به.
نحن نعرف الفارق بين الأمارة والأصل فان ما جعله الشارع حجّة من جهة قوّة كاشفيته هو امارة والا فهو أصل. وقد وقع الخلاف في القرعة وانها أمارة أو أصل. وكأن بعض الأخبار يوحي بكونها أمارة ففي صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام عن النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم : «... ليس من قوم تقارعوا ثمّ فوّضوا أمرهم الى اللّه إلاّ خرج سهم المق» (1)فانّه قد يستفاد منها كاشفيتها الظنّية بل القطعية عن الواقع.
وهذا البحث لا نرى له ثمرة مهمّة فان القرعة حتى لو كانت امارة لا تتقدّم على غيرها امارة كان أو أصلا بل جميع القواعد الاخرى من امارات واصول تتقدّم على القرعة باعتبار ان موضوع حجية القرعة هو الأمر المجهول ومع وجود قاعدة شرعية تحدّد الموقف الشرعي لا تبقى جهالة في المورد ليرجع الى القرعة.
أجل يمكن ظهور الثمرة بناء على حجيّة الامارة في لوازمها غير الشرعية - كما هو رأي المشهور من أعلام الاصوليين - فان القرعة لو كانت امارة ودلّت على شيء كانت حجّة في لوازمها غير الشرعية
1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب كيفية الحكم حديث 6.
بخلاف ما لو كانت أصلا.
والمناسب كون القرعة أصلا فان السيرة لو لاحظناها وجدنا ان العقلاء يأخذون بالقرعة لا من باب كاشفيتها بل من باب انّها الموقف العملي الأخير لحلّ المشكلة حيث لا حلّ غيره.
واما الصحيحة السابقة فلا دلالة لها على الأمارية إذ هي لا تدلّ على ان جعل الشارع الحجية لها ناشئ من كاشفيتها بل لعل المقصود انّها أصل ولم تعتبر الحجية لها من جهة الكشف غايته ان المتقارعين إذا أجروا القرعة وتوكلوا على اللّه سبحانه فهو من جهة انّهم أوكلوا أمرهم إليه يقرّر لها اصابة الواقع نظير من يدخل في عملية اصلاح بين طرفين طالبا بذلك رضا اللّه عزّ وجلّ فإنّه يسدّده ويجعل كلامه مؤثّرا ومواقفه مصيبة للواقع.
والصحيحة نفسها تدلّ على ان تقدير اصابة الواقع لها مختص بحالة تفويض الأمر الى اللّه سبحانه ، وهل يحتمل التفصيل وان القرعة امارة في حالة تفويض الأمر الى اللّه عزّ وجلّ وأصل في غير الحالة المذكورة!
هناك كلام في ان القرعة هل هي من الوظائف الخاصة بالامام عليه السلام بحيث لا تحق لغيره أو تعمّ نوّابه المجتهدين أو تعمّ غيرهما أيضا؟ اختار الشيخ النراقي في عوائده (1)كونها
1) عوائد الأيّام : 228.
وظيفة للإمام عليه السلام ونوّابه.
والمناسب التفصيل بين ما اذا كان هناك نزاع يحتاج حلّه الى قضاء الحاكم الشرعي وبين ما اذا لم يكن ذلك ، ففي الأوّل تكون وظيفة للحاكم كسائر ما يستعين به الحاكم في باب القضاء من البيّنة والقسم وفي الثاني لا يكون وظيفة له.
والوجه فيما ذكرناه : ان حلّ الخصومة بما انّه مطلوب شرعا ولا يحتمل اختصاص مطلوبيته بزمان حضور الامام عليه السلام فلا معنى معه لاحتمال كونها وظيفة خاصة بالامام عليه السلام بل ينبغي ثبوت ذلك لحكام الشرع أيضا كسائر ما يستعان به لحلّ النزاع.
واما إذا لم يكن هناك نزاع فلا موجب للاختصاص بالامام عليه السلام ولا بنوّابه وتكفينا عمومات حجية القرعة من بناء العقلاء واطلاق القرعة سنة وانّها لكل أمر مجهول.
أجل ورد في مرسلة حمّاد عمّن ذكره عن أحدهما عليهما السّلام : «القرعة لا تكون إلاّ للإمام» (1)وفي رواية يونس : «رجل كان له عدّة مماليك فقال : أيّكم علّمني آية من كتاب اللّه فهو حرّ فعلّمه واحد منهم ثم مات المولى ولم يدر أيّهم الذي علّمه انّه قال: يستخرج بالقرعة. قال : ولا يستخرجه إلاّ الامام لأنّ له على القرعة كلاما ودعاء لا يعلمه غيره» (2).
الا ان المرسلة مضافا الى ضعف سندها بالارسال يمكن ان تكون ناظرة الى باب النزاع والخصومة وانّه مع وجوده تكون عملية
الاقتراع خاصة به ، انّها ناظرة الى ذلك والا فهل يحتمل عدم حجية القرعة في مثل زماننا وابقاء الخصومة والنزاع على ما هما عليه؟!
واما رواية يونس فمضافا الى ضعف سندها باسماعيل بن مرار الذي لم يرد في حقّه توثيق الا بناء على وثاقة جميع رجال كامل الزيارات ، ومضافا الى كون الرواية مقطوعة بمعنى ان المسؤول هو يونس دون الامام عليه السلام يمكن ان يقال بظهورها في الاستحباب بقرينة التعليل المذكور فيها فان الدعاء ليس لازما عند الاقتراع جزما ، ولو كان لازما يلزم اختصاص القرعة بزمان حضور الامام عليه السلام وهو أمر غير محتمل كما تقدّم.
وقع البحث في ان عملية الاقتراع في موارد تمشكل الأمر لازمة بحيث ليس للمكلف الحياد عنها أو جائزة يمكنه تركها. وبكلمة اخرى :هل عملية الاقتراع رخصة أو عزيمة؟
ولعل السبب الباعث على ذلك ان أدلّة مشروعية القرعة لا يفهم منها الالزام والحتمية فقولهم عليهم السلام : «القرعة سنّة» أو «ليس من قوم تقارعوا ثم فوّضوا أمرهم الى اللّه إلاّ خرج سهم المحق» لا يستفاد منه إلاّ الرجحان والمشروعية لا أكثر.
والتساؤل السابق يأتي نفسه في نتيجة القرعة ، فلو تقارع الطرفان وعينت القرعة إحدى النتيجتين فهل يتحتم الأخذ بذلك؟
والمناسب في الجواب عن كلا التساؤلين ان يفصّل بين ما إذا كان اتخاذ القرار على طبق القرعة لازما - كما إذا تنازع شخصان في طفل
كل منهما يدّعي أنّه ولده أو كالمولود الذي ليس له فرج الذكور ولا فرج الاناث - فيكون الأخذ بها وبنتيجتها لازما وإلاّ فلا. هذا هو المناسب.
وليس من المناسب التفصيل بين وجود واقع مجهول يراد تعيينه - كمثال الطفل المتنازع فيه - فيكون الأخذ بالقرعة وبنتيجتها لازما وبين ما إذا لم يكن واقع مجهول - كمن قال أوّل عبد أملكه حر - فلا لزوم.
والوجه في وهن ما ذكر : ان الواقع قد يكون له تعين مجهول وبالرغم من ذلك لا يكون الأخذ بالقرعة لازما كالدار التي اختلف في ملكيتها شخصان وتصالحا على تقسيمها نصفين أو تنازل أحدهما للآخر عنها.
وقد لا يكون تعين للواقع وبالرغم من ذلك يلزم الأخذ بالقرعة ، كما لو نذر المكلّف اكرام أوّل داخل عليه فدخل عليه ثلاثة وهو لا يستطيع اكرام أكثر من واحد فان الأخذ بالقرعة لازم عليه بالرغم من عدم تعين الواقع.
والمورد الذي تجري فيه القرعة هو كل موضوع فقد القواعد الشرعية القابلة لتعيين الحال فيه ، فانّا لو أخذنا سيرة العقلاء بنظر الاعتبار وجدنا ان العقلاء انّما يتمسكون بالقرعة في خصوص المورد المذكور ، ولا أقل هي دليل لبي يقتصر فيه على القدر المتيقن وهو ما ذكرناه. ولو أخذنا النصوص بنظر الاعتبار وجدناها تحدّد موضوع
القرعة بالمجهول وهو لا يصدق مع امكان تعيين الحال من خلال قاعدة شرعية.
وبهذا يتّضح ان الشبهات الحكمية لا يمكن تطبيق القرعة فيها ، فلو شككنا في حرمة التدخين أو نحو ذلك فلا يمكن الرجوع إليها لأنّه في مورد الشبهات الحكمية لا بدّ من وجود قاعدة تحدّد الموقف امّا بالبراءة فيما إذا كان الشك في أصل التكليف أو بالاحتياط فيما إذا كان الشك في المكلّف به أو بالتخيير فيما إذا كان الدوران بين المحذورين أو بالاستصحاب فيما إذا كان الشك في بقاء الحالة السابقة.
وهكذا لا تجري القرعة في الشبهة الموضوعية التي يمكن تحديد الحال فيها من خلال قاعدة شرعية ، كما لو شككنا في ان الدار المتنازع فيها هي لزيد أو لعمرو وكان أحدهما صاحب يد أو بيّنة.
وعليه فينحصر مورد القرعة بالشبهات الموضوعية الفاقدة للقاعدة التي يمكن تحديد الموقف من خلالها ، كما لو اختلف شخصان في دار ولكل منهما بيّنة بلا يد.
وبهذا تتضح عدّة امور :
أ - التأمّل في صحّة ما ذكره الشيخ العراقي في نهاية الأفكار (1)من ان القرعة انّما لا تجري في الشبهات الحكمية من جهة ظهور عنوان المجهول والمشتبه في كونه وصفا لذات الشيء المردّد بين الأشياء وليس وصفا لحكمه ، ومن الواضح ان الاشتباه في موارد الشبهات الحكمية ليس في ذات الشيء بل في حكمه ، فنحن نعلم مثلا ان هذا لحم
1) نهاية الأفكار 4 : 105.
الأرنب وانّما نشك في حكمه وانّه يحرم أكله أو يحل.
ووجه التأمّل : ان تحديد الاشتباه بخصوص ما ذكر أوّل الكلام وعهدته عليه.
وكان بامكانه التمسك لإخراج الشبهات الحكمية عن دليل القرعة بما ذكرناه من عدم صدق عنوان المجهول بعد امكان الاستعانة بقاعدة من القواعد الشرعية.
ب - ان الاستصحاب وغيره من القواعد والاصول متقدّم على القرعة بالورود ، بمعنى انّها بجريانها ترفع عنوان المجهول الذي هو موضوع حجيّة القرعة.
ج - ورد في كلمات غير واحد من الاصوليين ان دليل القرعة لا يمكن التمسّك بعمومه في مورد إلاّ بعد الانجبار بعمل الأصحاب وذلك من جهة كثرة التخصيصات الطارئة عليه ، وحيث ان كثرة التخصيص أمر مستهجن فيكشف ذلك عن كون الموضوع لحجية القرعة معنى خاصا لا يلزم منه كثرة التخصيص ، وبما ان ذلك المعنى الخاص مجهول لنا فنبقى غير قادرين على التمسّك بعموم دليل القرعة.
قال الشيخ الأعظم في الرسائل : «ذكر في محله ان أدلّة القرعة لا يعمل بها بدون جبر عمومها بعمل الأصحاب أو جماعة منهم» (1).
ووجه النظر : ان محذور التخصيص الكثير غير وارد بعد اختصاص موضوع القرعة بالمجهول الذي لا يصدق مع امكان تطبيق أي قاعدة من القواعد الشرعية فان المورد المذكور نادر وقليل ولا يلزم
1) الرسائل الطبع القديم : 423.
من التزام القرعة فيه أي محذور.
ورد في بعض الروايات كيفيات خاصّة للقرعة وقراءة دعاء خاص عندها ، ففي صحيحة الفضيل بن يسار : «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن مولود ليس له ما للرجال ولا له ما للنساء. قال : يقرع عليه الامام أو المقرع يكتب على سهم عبد اللّه وعلى سهم أمة اللّه ثم يقول الامام أو المقرع : اللّهمّ أنت اللّه لا إله إلاّ أنت عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. بيّن لنا أمر هذا المولود حتى يورث ما فرضت له في الكتاب. ثم يطرح السهمان في سهام مبهمة ثم تجال السهام على ما خرج ورث عليه» (1).
الا ان الذي يقرأ النصوص يفهم ان الغرض لا يتعلّق بكيفية خاصة كما وان الدعاء ليس أمرا لازما. أجل الدعاء وسيلة مهمّة للتسديد والوصول الى الهدف في حياة المؤمن خصوصا في هذا المجال وبه يتحقق استمداد العاجز من القادر على كلّ شيء ف «ليس من قوم تقارعوا ثم فوّضوا أمرهم إلى اللّه إلاّ خرج سهم المحق».
من الجدير في البداية تعرّف معنى الاستخارة في اللغة ثم في نصوص أهل البيت عليهم السلام.
1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب ميراث الخنثى حديث 2.
الاستخارة لغة تعني طلب الخيرة (1). واستخير اللّه أي : أطلب من اللّه الخير (2).
واما النصوص فقد وردت الاستخارة فيها في معنيين :
الأوّل : المعنى اللغوي المتقدّم نفسه. وقد دلّت على ذلك عدّة روايات. وبعضها دل على رجحان ان يكون ذلك بعد صلاة ركعتين ، ففي صحيحة عمرو بن حريث : «قال أبو عبد اللّه عليه السلام : صلّ ركعتين واستغفر اللّه فو اللّه ما استخار اللّه مسلم إلاّ خار له البتة» (3).
وهذه نكتة مهمة في باب الآداب الاسلامية ، فالمؤمن متى ما أقدم على عمل كدرس أو تدريس أو زواج أو شراء دار أو ما شاكل ذلك طلب من اللّه سبحانه ان يقدّر له الخير والصلاح فيه ليكون بذلك لائقا ومعدا لمدّ يد المعونة إليه.
وفي حديث الصدوق باسناده عن هارون بن خارجة عن أبي عبد اللّه عليه السلام : «إذا أراد أحدكم أمرا فلا يشاور فيه أحدا من الناس حتى يبدأ فيشاور اللّه تبارك وتعالى. قال: قلت : جعلت فداك وما مشاورة اللّه؟ قال : تبتدأ فتستخير اللّه فيه أوّلا ثم تشاور فيه فانّه إذا بدأ باللّه أجرى له الخيرة على لسان من يشاء من الخلق» (4)
وسند الشيخ الصدوق الى هارون وان كان ضعيفا ب «محمّد بن علي الكوفي» المعروف بالصيرفي وبأبي سمينة لكنها صحيحة بطريق البرقي.
.ومن الراجح للمؤمن ان يكرّر الاستخارة - بمعنى طلب الخيرة -
خصوصا في الامور المهمّة ، ففي حديث ناجية عن أبي عبد اللّه عليه السلام : «كان إذا أراد شراء العبد أو الدابة أو الحاجة الخفيفة أو الشيء اليسير استخار اللّه فيه سبع مرّات فاذا كان أمرا جسيما استخار اللّه مائة مرّة» (1)
والرواية ضعيفة بناجية نفسه لعدم ثبوت وثاقته.
.الثاني : الاستخارة بمعنى طلب المشورة من اللّه سبحانه ، فالمؤمن إذا أقدم على عمل معين وهو لا يعرف ان فيه مصلحة أو لا يستشير اللّه عزّ وجلّ ليتعرّف من خلال ذلك وجود المصلحة وعدمها.
اما كيف تتحقق الاستشارة من اللّه سبحانه؟ ذلك اما من خلال الرقاع أو المصحف الشريف أو بالقبض على مقدار من خرز المسبحة وما شاكل ذلك.
وقد ورد في غالب الطرق المذكورة روايات تتسم بشكل عام بضعف السند. ويمكن مراجعة تلك الروايات في كتاب وسائل الشيعة (2).
وقد قام صاحب الجواهر والحدائق (3)باستعراض مجموعة من تلك الطرق بل وألّف السيّد رضي الدين بن طاوس رسالة خاصّة في هذا المجال سمّاها برسالة الاستخارات.
ونلفت النظر الى ان مسألة الاستخارة لم تختص بها معاجم الحديث الشيعية بل وردت في معاجم حديث العامة أيضا ، ففي كنز
العمّال عن النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم : «إذا هممت بأمر فاستخر ربّك فيه سبع مرّات ثم انظر الى الذي يسبق إلى قلبك فان الخير فيه» (1).
وفي مستدرك الحاكم عن رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم : «من سعادة ابن آدم استخارته الى اللّه، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة اللّه» (2).
الا انها كما ترى ناظرة الى الاستخارة بالمعنى الأوّل.
وبعد هذه اللمحة الموجزة عن الاستخارة نطرح تساؤلات ثلاثة :
كيف نثبت اعتبار الاستخارة بشكلها المتداول اليوم بين المؤمنين؟
يمكن الاستعانة بالطريقين التاليين :
1 - التمسك بروايات القرعة ، ففي صحيحة محمد بن حكيم : «كل مجهول ففيه القرعة» (3)، فانّها باطلاقها تشمل كل مجهول بما فيه المورد الذي يقدم عليه المؤمن ويشك في وجود المصلحة وعدمها.
وقد تقدّم ان القرعة لا تنحصر بكيفية معينة بل يمكن ان تتحقق من خلال المسبحة وغيرها.
بل ان روايات القرعة الاخرى الناظرة الى حالة وجود التنازع من قبيل صحيحة أبي بصير : «... ليس من قوم تقارعوا ثم فوّضوا أمرهم الى اللّه إلاّ خرج سهم المحق» (4)يمكن التمسك بها بعد الغاء خصوصية
النزاع ، فانّه يمكن ان يفهم منها ان تمام النكتة تمكن في وجود حق مجهول يراد تعرّفه ، وبتفويض الأمر الى اللّه سبحانه يمكن الوصول الى ذلك الحق المجهول - وهو وجود المصلحة وعدمها في المقام - من خلال الاقتراع الذي له أنحاء متعددة من جملتها الاستعانة بالمسبحة.
2 - نحن لسنا بحاجة في اثبات مشروعية الاستخارة بأشكالها المتداولة اليوم إلى قيام دليل خاص بل تكفينا أدلّة الحث الشديد على الدعاء والتي تجعل منه عبادة بأسمى معانيها ( وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ) (1)اذ من الواضح ان الذي يقبض المسبحة ونحوها من وسائل الاستخارة يأخذ بالدعاء والالحاح على اللّه سبحانه في تشخيص واقع الأمر المجهول عليه ، وأي محذور في ان يطلب المؤمن أثناء دعائه تشخيص الواقع المجهول له من خلال المسبحة وغيرها؟
ان المسألة ما دامت مسألة دعاء فهي لا تحتاج بعد ذلك الى دليل خاص يدل على المشروعية وتكفي أدلّة مشروعية الدعاء ورجحانه.
كما ان المسألة بعد هذا لا تبقى منحصرة بالمسبحة وبطريقة خاصة بل من حق المؤمن الاستعانة بأي وسيلة شاء - سواء كانت هي المسبحة أو القرآن الكريم أو الرقاع الخاصة أو أي وسيلة اخرى - ما دام هو يدعو اللّه سبحانه ويطلب منه من خلال تلك الوسيلة الخاصة تشخيص الواقع المجهول له.
وأيضا ما دامت القضية ترجع الى كونها مصداقا من مصاديق
1) غافر : 60.
الدعاء فمن الراجح اختيار الوقت المناسب والمكان المناسب والالحاح عليه سبحانه في اراءة الطريق من خلال المسبحة أو غيرها من الوسائل.
والأجدر بالمؤمن ان يجمع بين كلا معنيي الاستخارة ، فاذا أراد الاقدام على قضية معينة وكان شاكّا في سلامة نتائجها استخار بالمعنى الثاني من خلال المسبحة أو غيرها فاذا تشخص له الموقف الذي يلزمه اتخاذه استخار اللّه سبحانه بالمعنى الأوّل بمعنى طلب تقدير الخير والموفقية في الموقف الذي صمم على اتخاذه.
وينبغي الالتفات الى ان من أحسن وسائل الاستخارة بالمعنى الثاني وأقواها ان يدعو اللّه عزّ وجلّ أوّلا بتقدير الموفقية والخير فيما سوف يتخذه من موقف ويدعو منضما الى ذلك بأن يلهم سبحانه قلبه بما هو سداد فيفكر ويهتدي في تفكيره الى ذلك أو يسترشد بعض اخوانه فيوفقون في ارشاده الى ذلك.
ان هذا الطريق كما هو عقلائي في نفسه ويدخل تحت مصداقية الدعاء قد دلّت عليه بعض الروايات ، ففي رواية هارون السابقة :«... تبتدأ فتستخير اللّه فيه أوّلا ثم تشاور فيه فانه إذا بدأ باللّه أجرى له الخيرة على لسان من يشاء من الخلق» (1).
وفي حديث الامام الصادق عليه السلام : «إذا عرضت لأحدكم حاجة فليستشر اللّه ربّه فان أشار عليه اتبع وان لم يشر عليه توقف. قال : قلت : يا سيدي كيف أعلم ذلك؟ قال: يسجد عقيب المكتوبة ويقول : اللّهمّ
1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب صلاة الاستخارة حديث 2.
خر لي مائة مرّة ثم يتوسّل بنا ويصلّي علينا ويستشفع بنا ثم تنظر ما يلهمك تفعله فهو الذي أشار عليك به» (1).
وينبغي ان لا يغيب علينا ان الاستخارة بالمعنى الثاني بعد دخولها في مصداقية الدعاء فمن المناسب الاقتصار فيها على الحدود العقلائية للدعاء ، فكما لا يليق للعاقل ان يدعو بنزول مائدة عليه من السماء بل اللائق ان يدعو بالموفقية في سعيه وطلبه للرزق كذلك من المناسب اقتصاره في الاستخارة بالمعنى الثاني على مثل ذلك فيستخير عند تحيره وعدم معرفته بالمصلحة وعدم وجود من يمكنه الاستعانة به في مقام الاستشارة.
وإذا قيل : بناء على ادخال الاستخارة بالمعنى الثاني في مصداقية الدعاء ينبغي الحكم باستحبابها كما يحكم باستحباب الدعاء.
كان الجواب : ان الطلب من اللّه سبحانه بأن يرزق عبده أموالا وأولادا دعاء جزما فاذا حكم باستحباب مثله فليحكم باستحباب الاستخارة بالمعنى الثاني أيضا واذا لم يحكم باستحباب مثل ذاك لم يحكم باستحباب الاستخارة أيضا.
هل من الصحيح ايكال أمر الاستخارة الى شخص ثان وعدم تصدي صاحب القضية نفسه لها كما هو المتداول بين المتشرعة من المؤمنين يومنا هذا؟ أجاب صاحب الجواهر عن ذلك بأولوية استخارة المؤمن نفسه لنفسه لخلو النصوص من الاشارة الى فكرة النيابة بل
1) المصدر السابق باب 4 حديث 3.
لعل الأصل يقتضي عدم مشروعية ذلك لأنّها من المستحبات المشتملة على التضرّع والدعاء ممّا لا يجري الاستنابة فيه وان تعارف في زماننا هذا بل وما تقدّمه بين العلماء فضلا عن العوام الاستنابة في ذلك (1).
هذا والمناسب الجزم بجواز ذلك لأنّ القضية ما دامت ترجع الى مصداقية الدعاء فما أجدر ان يكون الدعاء للمؤمن بلسان لم يرتكب به ذنبا فيدعو المؤمن لأخيه المؤمن من خلال المسبحة أو غيرها بارشاده الى طريق الصواب والموفقية.
بل لعل الأجدر من زاوية هو النيابة حيث توحي بأن الشخص لا يرى لنفسه اللياقة في التحدث وطلب الحاجة من اللّه سبحانه. وقد جرت العادة في ان طالب الحاجة من السلطان العظيم لا يتقدّم إليه بنفسه بل بواسطة شفيع. وهو سبحانه وان كان كما ورد في الدعاء : «الحمد لله الذي اناديه كلّما شئت لحاجتي وأخلو به حيث شئت لسري بغير شفيع فيقضي لي حاجتي» الا ان تقديم الشفيع أكثر تأدّبا واحتراما.
وبعد هذا البيان لإثبات جواز الاستنابة في الاستخارة لا نبقى بحاجة الى ما ذكره البعض من التمسك بأدلّة رجحان قضاء حاجة المؤمن بتقريب ان المؤمن إذا طلب من أخيه الاستخارة له فمن باب رجحان اجابة دعوته تشرع الاستخارة له.
قد يعترض على مشروعية الاستخارة بالنهي عن الاستقسام
1) جواهر الكلام 12 : 175.
بالأزلام في قوله تعالى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ ... ) (1)حيث قيل ان المراد به النهي عمّا كان متداولا زمن الجاهلية من الضرب بالسهام لاستعلام الخير والشر في الأفعال وتمييز النافع من الضار، فمن يريد سفرا أو زواجا أو ما شاكل ذلك يضرب بالسهام لتشخيص ما فيه الخير فيعمل به، والاستخارة المتداولة يومنا هذا من خلال الرقاع أو غيرها لتمييز ما فيه المصلحة عمّا ليس فيه ليست إلاّ كالاستقسام بالأزلام المنهي عنه.
ومن الغريب تسليم المحقّق الأردبيلي في كتابه زبدة البيان بهذا الاعتراض وحكمه بحرمة بعض أقسام الاستخارة المشابهة للاستقسام بالأزلام (2).
وهكذا قد يعترض على مشروعية الاستخارة بالنهي عن التفؤل بالقرآن الكريم الوارد في رواية الشيخ الكليني عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمّد بن عيسى عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه عليه السلام : «لا تتفأل بالقرآن» (3).
هكذا قد يعترض على الاستخارة.
ويمكن مناقشة الاعتراض الأوّل بأن المقصود بالاستقسام بالأزلام هو الميسر الذي قيل عنه بأنّه عبارة عن شراء جزور
وتقسيمها الى عشرة أقسام سبعة ذات نصيب وثلاثة بلا نصيب ويكتب ذلك على سهام عشرة ، ومن خرج له أحد السهام السبعة دفعت له حصّة من الجزور بلا ثمن مقابل ، ومن خرج له أحد السهام الثلاثة تكفّل بدفع ثلث قيمة الجزور من دون ان يحصل على شيء من اللحم.
ان المقصود من الاستقسام بالأزلام هو ما ذكر دون التفسير المتقدّم بقرينة سياق الآية فان جميع ما ذكر فيها هو من أقسام اللحوم المحرّمة.
هذا مضافا الى ان انطباق جملة «وان تستقسموا بالأزلام» على المعنى الثاني الذي ذكرناه واضح وليس فيه أي عناية لأنّه تطلب قسمة الجزور من خلال الأزلام وبواسطتها ، وهذا بخلافه على المعنى الأوّل فانه وان كانت فيه استعانة بالأزلام ولكن ليس فيه استقسام ولا قسمة ولا طلب للأقسام.
ثم انّه لو تنزلنا عن كلتا هاتين القرينتين فيكفينا الشك واحتمال ارادة المعنى الثاني لأننا أثبتنا فيما سبق مشروعية الاستخارة بواسطة أدلّة مشروعية القرعة وأدلّة مشروعية الدعاء ، وبعد ثبوت المقتضي للمشروعية يشك في وجود المانع والمعارض ، وحيث انّه مجمل وذو احتمالين فلا يمكن التمسّك به وتبقى أدلّة المشروعية بلا معارض.
كما ويمكن مناقشة الاعتراض الثاني بأن الرواية الناهية عن التفؤل بالقرآن الكريم مضافا الى ضعف سندها بالارسال لا بدّ من حملها على النهي عن التفؤل بمعنى محاولة تعرّف الحوادث المستقبلية من سرور وخيرات من دون تعميم للاستخارة بمعنى محاولة تعرّف
وجود مصلحة أو مفسدة في ايقاع فعل معين بقرينة رواية اليسع القمي التي تحث على الاستخارة بالقرآن الكريم بلسان : «وافتتح المصحف فانظر الى أوّل ما ترى فيه فخذ به إن شاء اللّه» (1).
رفض ابن إدريس بعض أقسام الاستخارة واقتصر على الاستخارة ذات الصلاة والدعاء بعدها. واستند في ذلك الى ان رواة بقيّة الأقسام فطحية لا يعتمد على روايتهم(2).
ووافقه على ذلك المحقق الحلّي قائلا : «اما الرقاع فيتضمن افعل ولا تفعل وفي خبره الشذوذ فلا عبرة بها» (3).
وقد اتضح لنا من خلال ما تقدّم اننا في غنى عن خبر صحيح لإثبات كل نوع من أنواع الاستخارة بعد كونها جميعا من مصاديق الدعاء والتوجه الى اللّه سبحانه في جعل الرقاع ونحوها وسيلة لتعرّف وجدان الفعل الذي يراد الاقدام عليه للمصلحة أو المفسدة.
1 - إذا اختلط مال شخص بمال آخر فما هو الحكم؟
2 - شخص عقد على امرأة معينة ثم حصل له التردّد فيها بين ثنتين فما هو الحكم؟
3 - الامارة مقدّمة على الأصل إلاّ في مورد واحد. ولما ذا؟
4 - قطيع من الغنم تحقق وطء واحد منها من دون امكان تشخيصه فما هو حكمه؟
5 - لو علم المكلف بأنّه نذر شيئا ولا يدري ما هو فما هو حكمه؟
6 - إذا علم بنجاسة أحد انائين فلما ذا لا يستعان بالقرعة لتشخيصه؟
7 - إذا وجد شخص مقتول وادّعى اثنان ان كل واحد منهما هو القاتل وهكذا لو تحقّقت سرقة وادّعاها اثنان فما هو الحكم؟
8 - إذا كان لدينا اناءان احدهما نجس والآخر طاهر وعلمنا بوقوع نجاسة في أحدهما فهل يمكن تطبيق قاعدة القرعة؟ ولما ذا؟
1 - مضمون القاعدة
2 - مدرك القاعدة
3 - عموم القاعدة للشك في النجاسة الذاتية
4 - عموم القاعدة لمورد استصحاب النجاسة
5 - شمول القاعدة لموارد الشبهة الحكمية
6 - قاعدة الطهارة حكم ظاهري أو واقعي
7 - شرطية الطهارة أو مانعية النجاسة
8 - تطبيقات
من القواعد المسلمة التي لم يقع فيها خلاف في الجملة قاعدة الطهارة ، ولئن كان هناك تشكيك فهو في سعتها وحدودها لا في أصلها.
ولم يبحثها الاعلام بشكل تفصيلي ومستقل بل يمرون عليها مرّ الكرام.
فمثلا السيد اليزدي في العروة الوثقى بعد ان أنهى استعراض النجاسات ذكر في المسألة الثانية ما نصّه : «كل مشكوك طاهر سواء كانت الشبهة لاحتمال كونه من الأعيان النجسة أو لاحتمال تنجسه مع كونه من الأعيان الطاهرة» واكتفى الاعلام في مقام التعليق بأن قاعدة الطهارة مسلمة لموثقة عمّار وغيرها من دون فرق بين أقسام الشبهة ، والحال ان صاحب الحدائق في المقدّمة الحادية عشرة أشار الى وجود خلاف في الشبهة الحكمية كما سيأتي إن شاء اللّه توضيحه.
واذا كان للفقه قواعد تدور عليها رحاه فمن تلك قاعدة الطهارة.
والكلام عنها يقع ضمن النقاط التالية :
1 - مضمون القاعدة.
2 - مدرك القاعدة.
3 - عموم القاعدة للشك في النجاسة الذاتية.
4 - عموم القاعدة لمورد استصحاب النجاسة.
5 - شمول القاعدة لموارد الشبهة الحكمية.
6 - قاعدة الطهارة حكم ظاهري أو واقعي.
7 - شرطية الطهارة أو مانعية النجاسة.
8 - تطبيقات.
ان مضمون القاعدة واضح ، وهو الحكم بطهارة كل شيء يشك في طهارته وتحتمل نجاسته بنحو الحكم الظاهري المغيى بالعلم بالنجاسة ، فمتى ما تحقق العلم بالنجاسة ارتفع الحكم بالطهارة ومتى لم يتحقق لم يرتفع وكان باقيا.
إذن ليس المقصود الحكم على الأشياء بالطهارة في مرحلة الواقع بل الحكم عليها بذلك في مرحلة الظاهر ، أي ما دام لا يعلم بالطهارة والنجاسة واقعا ، ومتى ما علم اما بالطهارة واقعا أو بالنجاسة واقعا كان المدار على ذلك العلم دون قاعدة الطهارة.
يمكن الاستدلال على القاعدة المذكورة بأمور أربعة :
1 - التمسك بموثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السلام : «كلّ شيء نظيف
حتى تعلم انّه قذر ، فاذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك» (1).
ودلالتها واضحة. وهي أهم ما يمكن التمسّك به.
2 - التمسّك ببعض الروايات الخاصة التي قد يتصيد من مجموعها القاعدة الكلية.
من قبيل معتبرة حمّاد بن عثمان : «الماء كلّه طاهر حتى يعلم انّه قذر» (2).
وموثقة حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام : «ما ابالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم» (3)، فان قوله : «إذا لم أعلم» يدل على كفاية الشك وعدم العلم في الحكم بالطهارة ، وهذا ليس الا عبارة اخرى عن مضمون قاعدة الطهارة.
وصحيحة علي بن جعفر : «سألته عن الفأرة والدجاجة والحمام وأشباهها تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أيغسل؟ قال : ان كان استبان من أثره شيء فاغلسه وإلاّ فلا بأس» (4)، فان الحكم بعدم وجوب الغسل عند عدم الاستبانة لا وجه له إلاّ الاستناد الى قاعدة الطهارة.
وفي موثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السلام : «رجل يجد في انائه فأرة وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا أو اغتسل منه أو غسل ثيابه وقد كانت الفأرة متسلخة فقال : ان كان رآها في الاناء قبل ان يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الاناء فعليه ان يغسل ثيابه
ويغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلاة ، وان كان انّما رآها بعد ما فرغ من ذلك وفعله فلا يمس من ذلك الماء شيئا وليس عليه شيء لأنّه لا يعلم متى سقطت فيه. ثم قال : لعلّه ان يكون انّما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها» (1)فان ابراز احتمال السقوط تلك الساعة انّما ينفع بناء على تمامية قاعدة الطهارة. إلى غير ذلك من الروايات الخاصة.
والاستدلال بالروايات الخاصّة المذكورة على قاعدة الطهارة يتم بشرطين : الغاء خصوصية المورد بتنقيح المناط وإلاّ بقيت خاصة بموردها ، وانحصار المستند في الحكم بالطهارة بقاعدة الطهارة وعدم وجود مدرك آخر كاستصحاب الطهارة.
ولئن تم الشرط الأوّل فالثاني غير تام لاحتمال أن يكون حكم الامام عليه السلام بالطهارة في رواية «الماء كلّه طاهر حتّى ...» مستندا الى استصحاب طهارة الماء الثابتة في بداية تولده. وان يكون عدم مبالاة أمير المؤمنين عليه السلام في الرواية الثانية مستندا الى استصحاب الطهارة الثابتة قبل احتمال اصابة البول. وان يكون عدم لزوم الغسل عند عدم استبانة شيء من الأثر في الثوب مستندا الى استصحاب طهارة الثوب أو عدم اصابة النجاسة له (2)
والوجه في عدم المعارضة : أنّ الغرض من استصحاب بقاء النجاسة في رجل الحيوان ان كان مجرّد إثبات بقاء النجاسة في رجل الحيوان ولو لم تكن مصيبة للثوب فذلك لغو وبلا فائدة ، وان كان الغرض من ذلك إثبات تحقّق اصابة النجاسة للثوب فذلك لا يتمّ إلاّ بناء على حجيّة الأصل المثبت ، إذ لا دليل شرعي يدلّ على أنّ النجاسة إذا كانت باقية في رجل الحيوان فهي مصيبة للثوب وانّما ذلك ثابت بالملازمة العادية.
. وان يكون عدم غسل الثياب في موثقةعمّار مستندا الى استصحاب طهارة الماء ما دام لم يتيقّن بوقوع الفأرة فيه من البداية.
ثم انّه لو تنزلنا وسلّمنا بتمامية الشرطين المتقدّمين ومن ثمّ تسليم امكان اقتناص قاعدة الطهارة من الموارد المذكورة فيمكن أن يقال ان المستفاد من الموارد المذكورة ثبوت قاعدة الطهارة في الجملة ولا يمكن استفادة التعميم لموارد الشك في الطهارة بنحو الشبهة الحكمية أو لموارد الشك في النجاسة الذاتية ، وهذا بخلافه على المستند الأوّل فانّه يمكن التمسك باطلاقه.
3 - التمسك بدعوى ان عادة الشارع قد جرت على بيان النجاسات ولم تجر على بيان الامور الطاهرة ، فهو يقول : هذا نجس أو ذاك نجس ، ولا يقول : هذا طاهر أو ذاك طاهر فان بيان الامور الطاهرة غير ممكن لعدم انحصارها بخلاف الامور النجسة.
ونظير هذا ما قيل في باب اصالة البراءة من ان عادة الشارع قد جرت على بيان المحرمات دون المباحات ، فمن عدم بيانه لحرمة شيء يفهم كونه مباحا ، وهكذا الحال في المقام.
بل ان الشك في النجاسة يرجع أحيانا إلى الشك في الحرمة - كما لو اريد أكل شيء مشكوك النجاسة - فيجري أصل البراءة بلا حاجة الى اجراء أصل الطهارة.
وإذا اريد الصلاة أو الطواف في الشيء المشكوك أمكن اجراء البراءة عن تقيد الصلاة الواجبة والطواف الواجب بعدم لبس المشكوك ،
كما هو الحال في لبس ما يشك في كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، فكما تجري البراءة عن تقيد الصلاة أو الطواف بعدمه - باعتبار ان المانعية انحلالية بعدد افراد المانع ، والصلاة مقيّدة بعدم كل واحد من الموانع ، والشك في نجاسة المشكوك شك في حدوث مانع جديد ومن ثمّ شك في حدوث تقييد جديد ، وأصل البراءة يقتضي عدمه - كذلك تجري في المقام.
هذا هو المدرك الثالث.
وهو وان كان وجيها ولكنّه خاص بما إذا كان الشك في الطهارة بنحو الشبهة الحكمية بأن شك في ان العصير العنبي إذا غلى هل حكم الشارع عليه بالنجاسة أو لا ، والأرنب هل حكم الشارع عليه بالنجاسة أو لا ، وهكذا ، ولا يتم في الشبهات الموضوعية ، كما لو شك في ان هذا الثوب طاهر أو نجس وذاك الماء طاهر أو نجس ، وهكذا.
4 - التمسك بالاستصحاب بأن يقال ان النجاسة نشك في جعلها للشيء المشكوك ، ومقتضى الأصل عدم جعلها.
وهذا الطريق ينفع في الموارد التي تكون النجاسة فيها مانعا دون الموارد التي تكون فيها الطهارة شرطا فانّه بالأصل يمكن نفي مانعية النجاسة ولا يمكن اثبات شرطية الطهارة.
هذه مدارك أربعة لإثبات قاعدة الطهارة ، والمهم منها كما عرفنا هو الأوّل.
واما التسالم فلا يمكن الاستناد إليه لاحتمال مدركيته بل يجزم بذلك.
عرفنا ان المدرك المهم لقاعدة الطهارة هو موثقة عمار. والموثقة المذكورة طويلة ولم تذكر في الوسائل مجموعة بل ذكرت مقطّعة في أبواب مختلفة وانما ذكرت مجموعة في التهذيب (1)وذكر في آخرها الجملة المتقدّمة : «كلّ شيء نظيف ...».
وذكرت قطعة منها في الاستبصار (2)من دون أن تشتمل على الجملة المتقدّمة.
كما ذكرت قطعة منها في الكافي (3)من دون أن تشتمل على ما ذكر.
وذكرت بشكل مرسل في الفقيه (4)من دون أن تشتمل على ما ذكر أيضا.
اذن ما يشتمل على الجملة المذكورة ليس إلاّ التهذيب. واذا لا حظنا سند الرواية فيه وجدناه بالشكل التالي : محمّد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه عليه السلام.
ولا مشكلة في رجال السند بل كلّهم ثقات ما خلا أحمد بن يحيى المتوسط بين محمد بن أحمد بن يحيى وأحمد بن الحسن فانه لم
يعرف من هو. ويوجد بهذا الاسم أشخاص بعضهم ثقة وبعضهم ليس كذلك.
وهذا الشخص «أحمد بن يحيى» موجود في سند التهذيب فقط ولا يوجد في سند الاستبصار والكافي. ولكن ذلك غير مجد بعد عدم وجود الجملة المطلوبة فيهما.
ويمكن التغلب على المشكلة المذكورة بأن السند المذكور - محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمّار - قد تكرّر من الشيخ في التهذيب والاستبصار عشرات المرّات (1)وفي الكل ذكر من دون توسط أحمد بن يحيى بين محمد بن أحمد بن يحيى وأحمد بن الحسن وانّما ذكر متوسطا فقط في هذا المورد لا غير ، وهذا ممّا يحصّل الاطمئنان بأن ذكره قد حصل اشتباها.
وبهذا البيان نفسه يمكن التغلب على المشكلة لو قيل بأن جامع أحاديث الشيعة قد أشار الى ان بعض نسخ التهذيب قد ذكر فيها الشخص المتوسط باسم «محمد بن يحيى» بدل «أحمد بن يحيى» ، ومحمد بن يحيى هو المعاذي شيخ محمد بن أحمد بن يحيى ، وهو ممّن لم يوثق بل قد استثني من رجال نوادر الحكمة.
1) كما في الجزء الأوّل من التهذيب حديث رقم 1011 ، 1352 ، 1373 ، والتهذيب ، الجزء الثاني حديث 1421 ، 1466 ، 1548 ، والتهذيب ، الجزء الثالث حديث 460 ، 470 ، 701 ، 788 ، 834 ، 836 ، 872 ، ... ويدعم ذلك أيضا ان سند الاستبصار والكافي لا يشتمل على الشخص المتوسط المذكور.
ان الجواب عن ذلك : ان محمد بن يحيى وان كان شيخا لمحمد بن أحمد ويروي عنه إلاّ انّه يمكن حصول الاطمئنان بأن ذكره هنا قد حصل اشتباها لنفس ما ذكر سابقا خصوصا وانا لو رجعنا الى الموارد التي يروي فيها محمد بن أحمد عن محمد بن يحيى لوجدنا ان محمد بن يحيى لا يروي عن أحمد بن الحسن بل كل مورد ذكر فيه أحمد بن الحسن فهو متصل بمحمد بن أحمد بن يحيى من دون توسط شخص بينهما.
النجاسة المشكوكة تكون عارضة تارة وذاتية اخرى. فاذا شككنا في تنجس الماء أو الثوب أو البدن وما شاكل ذلك بملاقاة البول ونحوه كان ذلك شكّا في النجاسة العارضة ، اما إذا شككنا في نجاسة الحديد أو الخمر أو الكافر وما شاكل ذلك كان ذلك شكّا في النجاسة الذاتية إذ شكنا في النجاسة لم يحصل من جهة احتمال طرو نجاسة عارضة بل لاحتمال كون الشيء نجسا في نفسه.
ولم يطرح في الكلمات تشكيك في عموم القاعدة لكلا النحوين إلاّ انّه قد يشكك في شمولها للشك في النجاسة الذاتية ويبرز احتمال اختصاصها بالشك في النجاسة العارضة بتقريب ان من المحتمل كون كلمة «قذر» فعلا ماضيا ، والمعنى : كل شيء نظيف حتى تعلم انّه تقذر ، وبناء عليه تختص القاعدة بالأشياء التي يحتمل طرو القذارة عليها بعد ان لم تكن قذرة في نفسها.
ويكفي مجرد ابراز هذا الاحتمال لصيرورة الرواية مجملة
وسقوطها عن قابلية الاستدلال بها في موارد الشك في النجاسة الذاتية.
وفيه : ان المقابلة لكلمة «نظيف» تستدعي أن تكون كلمة «قذر» اسما لا فعلا، بمعنى ان المتكلم لو كان يقصد الفعلية احتاج ذلك الى تحريك للحروف بشكل ملفت للسامع - قذر - بحيث لو كان ذلك ثابتا حقّا لنقله الراوي لنا تحفّظا منه على نقل كل ما هو ملفت للسامع.
حالة المشكوك سابقا تارة يفرض هي الطهارة ويشك في عروض النجاسة عليه بعد ذلك ، واخرى يفرض العكس ، بأن تكون حالته السابقة هي النجاسة ثم يشك في عروض الطهارة عليه ، وثالثة يفترض الجهل بالحالة السابقة.
اما الحالة الاولى والثالثة فهما القدر المتيقن من مورد قاعدة الطهارة. واما الحالة الثانية - والتي هي مورد لاستصحاب النجاسة - فقد يشك في شمول القاعدة لها ، كما لو فرض ان الماء المتغيّر بالنجاسة زال تغيّره من قبل نفسه ، أو فرض ان ثوبنا المتنجس شككنا قد غسل وطهّر أو لا.
ومنشأ التشكيك ما أشرنا اليه في البحث السابق ، فان من المحتمل كون كلمة «قذر» فعلا ، أي كل شيء طاهر حتى تعلم انه قد تقذر ، وواضح انه في مقامنا حيث يعلم ان الشيء قد تقذر سابقا فيلزم أن لا يكون محكوما عليه بالطهارة.
والجواب : ما أشرنا إليه سابقا.
وقد تقول : ما هي الثمرة لهذا البحث بعد عدم امكان التمسّك
بقاعدة الطهارة عند كون الحالة السابقة هي النجاسة باعتبار ان استصحاب النجاسة مانع بالاتفاق من التمسك بقاعدة الطهارة؟
وفيه : ان الثمرة تظهر فيما اذا لم يمكن جريان الاستصحاب من جهة المعارضة ، كما لو فرض ان الشيء قد طرأت عليه سابقا حالتان الطهارة والنجاسة ولا يميّز المتقدّم عن المتأخّر فان الاستصحاب حيث لا يمكن جريانه للمعارضة فيبقى المجال مفتوحا لقاعدة الطهارة فتجري بناء على شمولها لموارد النجاسة المعلومة سابقا وإلاّ فلا.
ثم انّه قد يقال بأن قاعدة الطهارة لو كانت تشمل موارد اليقين بالنجاسة سابقا فلما ذا علل الامام عليه السلام في صحيحة عبد اللّه بن سنان - الواردة فيمن أعار ثوبه الذمي وهو يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير - عدم وجوب تطهير الثوب عند استرجاعه بقوله : «انّك أعرته إيّاه وهو طاهر ولم تستيقن انّه نجسه» (1)، ان التعليل بكون الحالة السابقة هي الطهارة لا داعي له بعد جريان قاعدة الطهارة في موارد النجاسة السابقة بل المناسب التعليل بأنك ما دمت تشك في نجاسته بالفعل فاحكم بطهارته بلا حاجة الى ملاحظة حالته السابقة لأن في ملاحظتها اعمالا لعناية زائدة لا حاجة اليها.
وهكذا الكلام يأتي في صحيحة زرارة الثانية المذكورة في باب الاستصحاب حيث ان الامام عليه السلام علل عدم وجوب اعادة الصلاة في حق من ظن اصابة النجاسة لثوبه قبل الصلاة ثم رآها بعد الصلاة بقوله : «لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت وليس ينبغي لك أن
1) وسائل الشيعة باب 74 من أبواب النجاسات حديث 1.
تنقض اليقين بالشك أبدا» (1)فان اصالة الطهارة لو كانت تجري مع كون الحالة السابقة هي النجاسة فلا وجه لأخذ اليقين بالطهارة السابقة بعين الاعتبار.
وفيه : ان أقصى ما يدل عليه العدول الى الاستصحاب انّه مع وجود حالة سابقة معلومة لا تصل النوبة الى قاعدة الطهارة ، ولعل ذلك ليس من جهة عدم وجود المقتضي لها بل من جهة وجود الحاكم وهو الاستصحاب.
الشك في الطهارة والنجاسة تارة يكون بنحو الشبهة الحكمية - بمعنى كون الشك متعلقا بالحكم الشرعي الكلي كما اذا شك في تنجس الماء المضاف البالغ كرا أو اكرارا بملاقاة النجاسة له بمقدار رأس الابرة - واخرى بنحو الشبهة الموضوعية ، بمعنى كون الشك متعلّقا بالموضوع والحكم الجزئي ، كما لو حكمنا بتنجس المضاف بملاقاة النجاسة القليلة له ولكن شككنا في تحقق الملاقاة وعدمها.
وقد نقل في المقدّمة الحادية عشرة من المقدّمات المذكورة في بداية الحدائق ان الأمين الأسترآبادي في فوائده المدنية قد اختار عدم جريان القاعدة إذا كان الشك بنحو الشبهة الحكمية ومال الشيخ يوسف نفسه الى ذلك.
واستدل له بان المتيقن من الموثقة ان احتمال اصابة النجاسة
1) وسائل الشيعة باب 42 حديث 2.
للشيء الطاهر لا يعتنى له دفعا للوساوس الشيطانية والشكوك النفسانية ، وامّا تطبيقها في حالات الجهل بالحكم الشرعي فلا يخلو من الاشكال والجرأة (1).
وفيه : ان اطلاق الموثقة حجة تنتفي معه الجرأة والاشكال.
المعروف لدى الأصحاب ان قاعدة الطهارة تثبت طهارة ظاهرية عند الشك. هذا ولكن صاحب الحدائق اختار كون الطهارة واقعية لا ظاهرية (2)، بمعنى ان من لا يعلم بكون الشيء نجسا واقعا فهو طاهر في حقّه واقعا لا ظاهرا فقط.
ويترتب على ذلك ان من تناول النجس وهو لا يعلم بنجاسته ثم اطلع على ذلك فلا يلزمه تطهير فمه وملابسه وبدنه لأن ذلك النجس محكوم بالطهارة واقعا فترة عدم العلم.
واستدل قدسسره على ذلك بلزوم العسر والحرج ومخالفة ظواهر الأخبار لو كان المجهول نجسا واقعا. هذا مضافا الى التمسك بظاهر قوله عليه السلام : «فاذا علمت فقد قذر» الدال على ان القذارة تثبت عند العلم بها.
وكان من المناسب ان يتمسّك بظاهر قوله عليه السلام : «كل شيء نظيف» فان كل وصف اخذ في القضية يحمل على إرادة الواقع منه دون الظاهر ، خصوصا ان المقابلة في المقام تستدعي ذلك أيضا فان وصف
القذر حيث يراد به القذر واقعا فالمناسب ان يراد من وصف النظيف ذلك أيضا.
وفيه :
أ - ان الموثقة قالت : «حتى تعلم انّه قذر» ، وهذا يدل على ان الشيء قذر واقعا والعلم يتعلّق بما هو قذر واقعا ، واذا كان الشيء قذرا واقعا فكيف يحكم عليه بكونه نظيفا واقعا ، انه تناقض واضح.
أجل لو كانت كلمة «قذر» ملحوظة بنحو المرآتية الى الأعيان النجسة - بأن كان المقصود منها الاشارة الى البول والمني مثلا - لم يتحقّق بذلك تناقض ولكن حمل الوصف المذكور على ذلك خلاف الظاهر ، خصوصا ان كلمة «نظيف» لم يقصد منها المرآتية فمن المناسب ان لا يقصد ذلك من كلمة «قذر» أيضا.
ب - ان لازم كون الحكم بالطهارة واقعيا ان الدم مثلا طاهر واقعا في حق شخص وهو الشاك ونجس واقعا في حق آخر وهو العالم ، والتفكيك الواقعي المذكور خلاف ما هو المرتكز لدى المتشرعة.
ج - ان الموثقة قالت بعد ذلك «وما لم تعلم فليس عليك شيء» ولم تقل : وما لم تعلم فليس بقذر ، وهذا ممّا يدل على ان القذارة قد تكون ثابتة واقعا ولكنّها ليست منجزة على المكلف ما دام لا يعلم بها.
د - ان للرأي المذكور لازما لا يمكن الالتزام به ، وهو ان قطرة بول لو أصابت ماء قليلا مثلا ولم نعلم بالاصابة حين تحققها بل بعد فترة فلا يحكم عليه بالتنجس لا قبل الالتفات الى الاصابة ولا بعد ذلك.
اما عدم التنجس قبل الالتفات فلأجل ان قطرة البول آنذاك طاهرة واقعا فلا تكون موجبة للتنجس.
واما عدم التنجس بعد ذلك فلأنّه بعد الالتفات لا تتحقق اصابة جديدة للبول ، بل ان الاصابة قبل ذلك كانت اصابة للطاهر الواقعي وبعد ذلك لا اصابة جديدة لتوجب التنجس ، ومن ثمّ يلزم جواز شرب ذلك الماء وغسل الثياب المتنجسة به حتى بعد الالتفات.
هناك كلام في ان الامور المشروطة بالطهارة كالصلاة وغيرها هل تكون الطهارة فيها شرطا أو ان النجاسة مانع؟
ربما يظهر من السيّد الخوئي في مصباح الاصول (1)عند بحثه عن دلالة الصحيحة الثانية لزرارة على حجية الاستصحاب عدم الثمرة في النزاع المذكور.
وربما يوجّه ذلك بأن اصالة الطهارة بناء على تماميتها تثبت الطهارة إذا كانت شرطا وتنفي النجاسة إذا كانت مانعا ، ومعه فلا ثمرة من هذه الناحية.
وفيه : ان بالامكان تصور الثمرة في موارد تقدّمت الاشارة الى بعضها. فمثلا في موارد الشك في النجاسة الذاتية إذا قلنا بعدم شمول قاعدة الطهارة لمثلها فباستصحاب عدم تشريع النجاسة يمكن نفي المانع وهو النجاسة ومن ثمّ تجوز الصلاة مع الشيء المشكوك ويجوز تناوله ، بينما بناء على شرطية الطهارة لا يمكن احراز الشرط بالاستصحاب ومن ثمّ لا تجوز الصلاة معه ولا تناوله فان استصحاب
1) 3 : 55.
العدم ينفي تشريع الطهارة ولا يثبتها.
واذا سألت : أي واحد من الاحتمالين هو الصحيح فهل الطهارة شرط أو النجاسة مانعة؟ كان الجواب : ان تحقيق ذلك يقع على ذمّة الفقه عند البحث عن شرطية الطهارة في الصلاة أو جواز التناول.
1 - كيف يمكن توجيه جواز تناول الأدوية المستوردة من بلاد الكفّار؟
2 - هل يجوز تناول الحليب ومشتقاته إذا استورد من بلاد الكفار؟ وما الفرق بينه وبين اللحوم التي لا يجوز تناولها؟
3 - يسأل بعض من يذهب الى البلاد الكافرة عن ان مقاعد السيارات أيّام الشتاء تكون مبللة فهل يحكم بتنجسها؟
4 - قد يذهب الشخص الى المرافق لقضاء الحاجة ويجد الماء واقفا على الأرض فما حكم ذلك الماء؟
5 - إذا شك في اعتبار تعدد الغسل في الثوب المتنجس أو شك في اعتبار العصر فعند غسله مرّة أو بدون عصر سوف يشك في حصول الطهارة له فهل يمكن التمسك آنذاك بقاعدة الطهارة؟
6 - إذا كان عندنا اناءان علمنا بوقوع النجاسة في احدهما فتارة يفترض ان الحالة السابقة في كليهما مجهولة واخرى يفرض كونها معلومة وثالثة يفترض كونها معلومة في احدهما مجهولة في الآخر.
والسؤال هل يمكن التمسّك بقاعدة الطهارة في الحالات المذكورة؟
1 - مضمون القاعدة
2 - قاعدتا الالزام والامضاء
3 - مدرك القاعدة
4 - اباحة أو صحة واقعية
5 - عموم القاعدة لسائر ذوي الأديان
6 - مصاديق لقاعدة الالزام
7 - تطبيقات
قاعدة الالزام هي من القواعد التي لم يتعرّض لها في الفقه ولا في الاصول ببحث مستقل ، بل ولا توجد اشارة لها سوى في بعض التفريعات المذكورة في مسائل الطلاق والميراث.
أجل قد نقرأ في تراجم بعض الاعلام كتابة بحث خاص عنها ، ولكنّه مع الأسف لم يخرج الى عالم الطبع وبقي حبرا على ورق.
وإذا كانت هناك إشارة مستقلة لها قد برزت إلى عالم الطبع فهي في الكتب المعدّة لبحث القواعد الفقهية لا غير.
والقاعدة المذكورة وان لم تكن من القواعد المهمّة التي يحتاج إليها الفقيه في مواطن متعدّدة بل في مواطن نادرة ومعدودة كما سوف نلاحظ ولكن الاطلاع عليها وبحثها ضروري.
والبحث عنها يقع ضمن النقاط التالية :
1 - مضمون القاعدة.
2 - قاعدتا الالزام والامضاء.
3 - مدرك القاعدة.
4 - اباحة أو صحة واقعية.
5 - عموم القاعدة لسائر ذوي الأديان.
6 - مصاديق لقاعدة الالزام.
7 - تطبيقات.
يقصد بالقاعدة المذكورة ان غير الشيعي إذا قام بفعل معين يعتقد بصحته - أو كان له معتقد لا يرتبط بالفعل كما ستأتي أمثلة ذلك إن شاء اللّه تعالى - وكان الشيعي لا يعتقد بصحته فله الحق في ترتيب الآثار التي هي في صالحه بالرغم من عدم اعتقاده بصحته الزاما للطرف المقابل بما يقتضيه اعتقاده.
فالزواج مثلا بلا اشهاد عادلين صحيح عندنا وباطل عندهم - حيث انّهم يشترطون الاشهاد في الزواج ولا يشترطونه في الطلاق على العكس منّا تماما - فلو فرض ان عاميّا تزوج بلا اشهاد فهو باطل في معتقده وصحيح في معتقدنا ، وما دام باطلا في معتقده فلنا الزامه بذلك وترتيب آثار البطلان عليه التي منها جواز التزوج بتلك المرأة.
وهكذا الطلاق بلا اشهاد صحيح عندهم وباطل عندنا ، فلو طلّق غير الامامي زوجته فالطلاق وان كان باطلا بنظرنا وهي بعد باقية زوجة له إلاّ انّه من باب الزامه بمعتقده يصح لنا الزواج بتلك التي طلقها بلا اشهاد.
والطلاق ثلاثا بلفظ «أنت طالق ثلاثا» باطل عندنا وصحيح
عندهم ، فلو طلّق العامي زوجته كذلك صحّ منّا الزواج بها الزاما لهم بذلك.
وهكذا الحال في أمثلة اخرى تأتي الإشارة إليها إن شاء اللّه تعالى.
ونلفت النظر الى ان قاعدة الالزام هذه تغاير قاعدة امضاء ما لدى كل ذوي دين من احكام وقوانين ، وتلك القاعدة غير هذه.
فالكتابي إذا تزوج على طبق ما لديهم من قوانين حكم بصحّة ذلك الزواج ولم يحق لنا التزوّج بزوجته وتعاملنا معها معاملة ذات البعل. وليس ذلك لقاعدة الالزام بل لقاعدة الامضاء.
وهكذا إذا طلّق الكتابي زوجته على طبق ما لديهم من قوانين امضي الطلاق وحكمنا بجواز زواجها من كتابي آخر لو تحاكموا إلينا.
والفرق بين القاعدتين هو انّه في قاعدة الالزام يفترض ان الامامي يطبق القاعدة لينتفع من تطبيقها وليكون ذلك في صالحه بخلاف ذلك في قاعدة الامضاء فان نتيجة تطبيقها ليست في صالحه.
فغير الامامي إذا تزوج بغير الامامية بزواج هو باطل عندنا وصحيح عندهم فليس بالامكان تطبيق قاعدة الالزام بل لا بدّ من تطبيق قاعدة الامضاء ، ويلزم من ذلك الحكم بصحّة الزواج ومن ثمّ لا يجوز للإمامي التزوج بها. وهي نتيجة في غير صالحه.
بينما لو فرض في المثال المذكور نفسه ان الزواج المجرى كان باطلا عندهم وصحيحا عندنا فبالامكان تطبيق قاعدة الالزام وتزوج
الامامي بتلك المرأة. وهي نتيجة في صالحه.
ذكر الحرّ العاملي مجموعتين من الروايات التي تصلح أن تشكّل مدركا للقاعدة احداهما : في باب الطلاق ، وثانيتهما : في باب الارث. وهي وان كانت متعددة إلاّ ان ما يدل منها على القاعدة الكليّة هو كما يلي :
1 - ما رواه الشيخ الطوسي بسنده الى الحسن بن محمد بن سماعة عن عبد اللّه بن جبلة عن غير واحد عن علي بن أبي حمزة انّه سأل أبا الحسن عليه السلام : «المطلقة على غير السنّة (1)أيتزوّجها الرجل؟ فقال : الزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم وتزوجوهنّ فلا بأس بذلك» (2).
2 - روى الصدوق عن محمّد بن علي ماجيلويه عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن جعفر بن محمّد الأشعري عن أبيه عن الرضا عليه السلام : «من كان يدين بدين قوم لزمته أحكامهم» (3).
ولربما يفهم من هذه الرواية النظر الى القاعدة الثانية ، أي امضاء ما لدى كل ذوي دين من قوانين.
3 - روى محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن اذينة عن عبد اللّه بن محرز قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : «رجل ترك ابنته واخته لأبيه وأمّه فقال : المال كلّه لابنته وليس للأخت
من الأب والامّ شيء. فقلت : فانا قد احتجنا الى هذا والميت رجل من هؤلاء الناس واخته مؤمنة عارفة قال : فخذ لها النصف خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنتهم وقضاياهم. قال ابن اذينة : فذكرت ذلك لزرارة فقال : ان على ما جاء به ابن محرز لنورا» (1). وهذه تدل على ثبوت حق المقاصة النوعية وانه ما دام هم يأخذون منكم فأنتم خذوا منهم بالمقابل أيضا.
4 - ما رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضال عن السندي بن محمد البزاز عن العلاء بن رزين القلاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام : «سألته عن الأحكام قال: تجوز على أهل كل ذوي دين ما يستحلون» (2). أي ان كل ما يرونه حلالا وصحيحا يكون ممضيا عليهم.
ولا بد من الوقفة القصيرة عند اسناد الروايات المذكورة.
اما الرواية الاولى ففيها مشكلتان : الارسال عن غير واحد ، وعلي بن أبي حمزة البطائني.
اما المشكلة الاولى فيمكن التغلّب عليها بناء على ان التعبير المذكور يدل على ثلاثة فما زاد واجتماع العدد المذكور على الكذب في نقل مثل الحكم المذكور بعيد جدّا ويحصل الاطمئنان بعدمه.
واما البطائني فهو الرجل المشهور بالوقف. وقد ذكره الشيخ والنجاشي بدون توثيق بل روى الكشي عن ابن فضال انّه كذّاب
ملعون. وفي مورد آخر : كذاب متهم (1).
وروي عن الامام الرضا عليه السلامان البطائني بعد موته أقعد في قبره فسئل عن الأئمة عليهم السلام فاخبر بأسمائهم حتى انتهى إليّ فسئل فوقف فضرب على رأسه ضربة امتلأ قبره نارا (2)
هذا الا ان بالامكان توثيقه بالبيان التالي : ان البطائني كان وكيلا للإمام الكاظم عليه السلام في حفظ أمواله وأمينا عليها. والانسان العاقل لا يقدم على جعل شخص أمينا على أمواله إلاّ إذا كان لديه في أعلى درجات الوثاقة. ولو كان غير ثقة في مجال الأحاديث فقط فليس من المناسب للإمام عليه السلام الركون الى مثله وجعله أمينا على أمواله.
اذن الانحراف الذي حصل يلزم أن يكون قد تجدد بعد الوثاقة الكاملة. ولازم ذلك أن تكون الروايات المنقولة عنه قد نقلت عنه قبل انحرافه إذ مثل هذا الانحراف العظيم يحقّق سببا لنفرة الخط المعتدل عنه ، فنقل الثقات عنه كاشف عن حصول ذلك قبل انحرافه.
وممّا يؤكّد وثاقته الثقات عنه ممّن قيل عنه انّه لا يروي الاّ عن ثقة كابن أبي عمير وصفوان. وقد نقل الشيخ في العدة عمل الطائفة برواياته إذا لم يكن لها معارض.
واما انّه كذّاب متهم أو ملعون فيمكن حمله على فكرة الوقف التي حصلت منه وخيانته في الأموال المودعة لديه من قبل الامام الكاظم عليه السلام.
واما الرواية الثانية فتصحيح سندها صعب فان ماجيلويه وان
أمكن توثيقه من خلال شيخوخة الاجازة الا ان جعفر بن محمد الأشعري ووالده مجهولان.
واما الرواية الثالثة فقد يشكل في سندها من ناحية عبد اللّه بن محرز فانه لم يوثق الا ان تعبير زرارة بان على رواية عبد اللّه بن محرز نورا يمكن أن يسهّل الأمر من هذه الناحية.
واما الرواية الرابعة فهي صحيحة السند.
اذا طلّق غير الشيعي زوجته بدون اشهاد فطلاقه صحيح في نظره ويجوز للشيعي ترتيب آثار الطلاق الصحيح عليه وذلك بالتزوج بها. والسؤال : لو فرض ان غير الشيعي استبصر فهل تعود بذلك زوجيته السابقة أو لا؟
ومن الطبيعي يختص السؤال بحالة ما اذا لم تتزوج المطلقة ، واما لو تزوجت فلا يحتمل عود الزوجية باستبصاره إذ المفروض ان الزواج الثاني صحيح ، ولازم صحته زوال الزوجيّة الاولى ، ومع زوالها فعودها يحتاج الى عقد جديد.
وانما الكلام فيما اذا لم تتزوج المطلقة حتى استبصر زوجها فاذا استبصر فهل يحق له الرجوع اليها بدون عقد جديد؟ وأوضح من ذلك ما إذا فرضنا ان الزوجة استبصرت أيضا.
وقد طرح هذا كسؤال على السيد الحكيم قدسسره أيّام حياته فأجاب
بأنّها باقية زوجة له (1)بينما أجاب الشيخ حسين الحلي بالنفي (2). وقد نسب الأوّل الى الشيخ حسن صاحب أنوار الفقاهة أيضا (3).
ومنشأ الاختلاف في الجواب يرجع الى الاختلاف فيما هو المستفاد من الروايات فهل المستفاد منها ان الطلاق الفاقد للشرائط باطل غايته ان الشيعي يباح له ترتيب آثار الصحة أو ان المستفاد منها صحة الطلاق واقعا ما دام صاحبه يعتقد بصحته فكأن الاعتقاد بالصحة يقلب الواقع من البطلان الى الصحة كالاضطرار الذي يقلب الحرام الى مباح واقعا.
والمناسب هو الأوّل فان مقتضى أدلّة شرطية الاشهاد في الطلاق ان الطلاق بلا اشهاد باطل ، وهذا من دون فرق بين كون الطلاق صادرا من امامي أو من غيره.
اذن مقتضى القاعدة الأولية بطلان الطلاق بلا اشهاد حتى في حقّ غير الامامي ، والخروج عن مقتضى القاعدة المذكورة يحتاج الى دليل.
واذا كان ذلك الدليل مجملا ويحتمل أن يكون المراد منه صحة الطلاق بلا اشهاد من غير الامامي واقعا وان يكون المراد منه مجرّد ترتيب آثار الصحة من دون أن يكون صحيحا واقعا فلا بدّ من التمسك بمقتضى القاعدة المذكورة.
وباتضاح هذا نرجع الى روايات قاعدة الالزام لنلاحظ هل تدل على الصحة الواقعية أو على مجرّد ترتيب آثار الصحة.
اما الرواية الاولى فأقصى ما تدل عليه هو حق الالزام وترتيب آثار الصحة إذ كلمة الالزام يفهم منها عرفا ان الطلاق باطل واقعا ولكنّه يجوز ترتيب آثار الصحة عليه الزاما. له ، ان هذا هو معنى «الزمه» عرفا.
ومع التنزل عن هذا الظهور فلا أقل من اجمال الرواية وكونها ذات احتمالين : الصحة واقعا ومجرّد ترتيب آثار الصحة. ومع اجمال الرواية يلزم الرجوع الى مقتضى القاعدة القاضي بالبطلان واقعا.
وهكذا الحال في الرواية الثالثة إذ الوارد فيها «خذوا منهم كما يأخذون منكم» ، وتعبير «خذوا منهم» يرادف تعبير «الزموهم» ولا فرق بينهما فيأتي فيه ما ذكرناه في الرواية الاولى.
واما الرواية الثانية فقد توحي بالصحة الواقعية حيث قالت :«... لزمته أحكامهم» ولزوم الأحكام غير الالزام بها ولذلك قلنا يحتمل كون المقصود منها قاعدة الامضاء دون قاعدة الالزام. ولكنها مضافا الى ضعف سندها يحتمل كون المقصود من اللزوم الالزام فانّه لا حزازة عرفا في استعمال «لزمته أحكامهم» بمعنى الزموهم بأحكامهم.
ومع وجود كلا الاحتمالين في الرواية تعود مجملة ، وبذلك يلزم الرجوع الى مقتضى القاعدة القاضي ببطلان الطلاق.
واما الرواية الرابعة فقد توحي بالصحة الواقعية أيضا لأنّها عبّرت بكلمة «تجوز» ، أي ان ما يرونه حلالا يمضي عليهم ، وظاهر المضي المضي واقعا وكون الطلاق ماضيا وصحيحا واقعا.
ولكن من المحتمل كون المقصود الحلية للغير عليه لا له على الغير ، أي ان الطلاق ماض عليه وملزم به لا انه ماض له واقعا ، ومع كون الرواية ذات احتمالين يتعين التمسك بمقتضى القاعدة.
واذا قيل : إذا لم يكن الطلاق صحيحا واقعا فكيف يجوز للشيعي الزواج بالمرأة التي لم يتحقق طلاق الزوج لها؟ وهل يجوز الزواج بذات البعل!
كان الجواب : ان من المحتمل ان الشيعي متى ما تزوج تحقق الطلاق من حين وقوعه وكان التزوج كاشفا عن ذلك.
هذا مضافا الى ان عدم جواز التزوج بذات البعل ليس من الأحكام العقلية حتى لا تقبل التخصيص بل هو حكم شرعي قابل للاختصاص بغير موارد الالزام.
وبنفس هذا نجيب عن مثل موثق عبد الرحمن البصري عن أبي عبد اللّه عليه السلام : «قلت له : امرأة طلّقت على غير السنّة. فقال : تتزوج هذه المرأة ، لا تترك بغير زوج» (1). فان الأمر بتزوج المرأة قد يوحي بصحة الطلاق الواقع على غير السنّة. ولكن الجواب عنه ما تقدّم من التمسك بفكرة الانكشاف أو التخصيص.
وهل تعم القاعدة سائر ذوي الأديان؟ فلو فرض ان الكتابي طلّق زوجته طلاقا فاقدا للشروط عندنا فهل يجوز لنا الزواج بها؟ نعم لوجهين :
1 - ان المسلم من غير الشيعة إذا كان يلزم بذلك فبالاولى الزام غير المسلم.
1) وسائل الشيعة باب 30 من أبواب مقدّمات الطلاق حديث 3.
2 - ان صحيحة محمّد بن مسلم قالت : «يجوز على أهل كل ذوي دين ما يستحلون» ، وهذا يعمّ الجميع.
1 - لا يرى الامامية اعتبار الاشهاد في النكاح. وبعض العامة وافق الامامية في ذلك ، وكثير منهم ذهب الى فساده ، وبعض منهم ذهب الى فساده على تقدير عدم الاعلان عنه ، فالمدار عنده على الاعلان وعدمه لا على الاشهاد وعدمه.
وعلى هذا فلو تزوّج رجل من العامة الذين يعتقدون بفساد العقد بدون اشهاد بامرأة من دون اشهاد فمن السائغ للإمامي الزواج بها تطبيقا لقاعدة الالزام حيث يرى الزوج فساد العقد بدون اشهاد.
2 - لا يرى العامة جواز الجمع بين العمة وابنة أخيها وهكذا بين الخالة وابنة اختها بل متى ما تقارن العقدان فسدا معا ومتى ما تقدّم أحدهما بطل المتأخّر.
واما الامامية فترى ان ادخال العمة والخالة عليهما لا محذور فيه ويصح العقدان ، واما ادخال بنت الاخ والاخت على العمة والخالة فلا يصح إلاّ برضا العمة والخالة.
وعلى هذا فلو تزوج العامي بالعمة أو الخالة على بنت الأخ أو الاخت أو بالعكس أو تقارنا جاز للإمامي الزواج بالعمة والخالة بدون شرط وهكذا جاز له الزواج ببنت الأخ أو الاخت بشرط اذن العمة والخالة لو كان عقدهما - العمة والخالة - متقدّما ، كل ذلك لقاعدة الالزام.
3 - المطلقة إذا كانت يائسة أو صغيرة لا تجب عليها العدّة مع
الدخول بها لدى الامامية بينما تجب عند العامة.
وعلى هذا فلو كانت الزوجة شيعية أو تشيّعت (1)فلها حق المطالبة بالنفقة أيّام العدّة باعتقادهم.
واذا كان الزوج شيعيا والزوجة المطلقة من غير الشيعة فله الحق في الرجوع إليها الزاما لها بالعدّة وبأحكامها التي منها جواز الرجوع إليها فيها.
4 - يرى الامامية ان التركة اذا فضل منها شيء عن السهام المقررة المفروضة ردّ الفاضل على ذوي السهام بينما العامة ترى رده على عصبة الميت (2)كالأخ أو الاخت أو العم.
وهذا معنى بطلان التعصيب لدى الامامية ، أي يرد الفاضل على ذوي السهام.
وعلى هذا فلو خلّف الميت أخا وبنتا فعلى رأي الامامية يدفع النصف الى البنت بالفريضة والباقي يرد عليها ، واما على رأي العامة فيدفع النصف الباقي الى الاخ.
ويترتب على هذا ان الأخ إذا كان من الامامية والبنت من غيرهم أخذ الأخ الباقي بمقتضى قاعدة الالزام.
وهكذا لو ترك الميت بنتا وعمّا فانّه لو كان العم إماميّا والبنت ليست كذلك جاز له أخذ النصف بالتعصيب طبقا لقاعدة الالزام.
1) والتقييد في منهاج الصالحين للسيّد الخوئي 1 : 424 بما اذا تشيّعت لا نعرف له وجها.
2) قال في مجمع البحرين : عصبة الرجل بالتحريك جمع عاصب ككفرة جمع كافر ، وهم بنوه وقرابته لأبيه. والجمع «العصاب». قال الجوهري : وانما سمّوا عصبة لأنّهم عصبوا به ، أي أحاطوا به ، فالأب طرف ، والابن طرف والأخ جانب والعم جانب.
5 - في باب ارث الزوجة يرى الامامية انها ترث من الأموال المنقولة ، واما الأموال غير المنقولة - وهي الأرض وما ثبت عليها من بناء وأشجار - فلا ترث من الأرض شيئا وترث ممّا ثبتت عليها من قيمته دون عينه. هذا رأي الامامية. واما العامة فيرون انها ترث من جميع التركة بدون تفصيل.
وعلى هذا فلو كانت الزوجة من الشيعة بينما بقية الورثة من غيرهم فلها أخذ الربع أو الثمن من جميع التركة بقاعدة الالزام.
1 - اذا تزوج الامامي بامرأة من العامة بدون اشهاد أثناء العقد فما هو الحكم اتجاه نفقتها وارثها لو مات زوجها أو أحد أولادها؟
2 - اذا فرض العكس بأن تزوجت الامامية بغير الامامي بدون اشهاد فما هي الأحكام المترتبة بمقتضى قاعدة الالزام؟
3 - إذا كان الزوج اماميا وله زوجة من العامة وطلّقها ثلاثا في مجلس واحد الذي هو باطل عندنا فهناك أحكام تثبت بمقتضى قاعدة الالزام وأحكام تثبت بقطع النظر عنها. أوضح كلا القسمين من الأحكام.
4 - الامامي إذا تزوج بامرأة عامية بدون اشهاد فهل يجوز له الزواج باختها تطبيقا لقاعدة الالزام؟
5 - اذا طلّق غير الامامي زوجته التي ليست هي بامامية أيضا فتارة نفترض ان شخصا ثالثا غير امامي أراد الزواج بها واخرى نفترض ان الثالث امامي. ففي الحالة الاولى يجوز زواج الثالث طبقا لأي قاعدة؟ وهكذا في الحالة الثانية يجوز زواج الثالث طبقا لأي قاعدة؟
6 - إذا تزوج غير الامامي بغير الامامية بعقد نفترضه تارة صحيحا عندهم واخرى باطلا. وفي الحالة الاولى لا يجوز للإمامي الزواج بتلك المرأة بينما في الحالة الثانية يجوز ذلك. اوضح وجه الفرق.
7 - هناك أشياء لا يجوز بيعها لحرمة أكلها كالسمك الجري مثلا ، ولكن حيث يستحلها غير الامامي فهل يمكن الحكم بجواز بيعها عليه تطبيقا لقاعدة الالزام؟
1 - مضمون القاعدة
2 - مدرك القاعدة
3 - يد المسلم
4 - السوق امارة
5 - تحليل نكتة امارية السوق
6 - لا فرق بين فرق المسلمين
7 - مصنوع أرض الإسلام
8 - تطبيقات
قاعدة سوق المسلمين من القواعد المهمّة التي ينتفع بها كثيرا في مجال تعايش المسلمين بعضهم مع البعض الآخر. فمن دون حجية القاعدة المذكورة لا يمكن شراء اللحم من الأسواق والأكل منها لاحتمال عدم تذكيتها.
ويشير الفقهاء عادة إلى هذه القاعدة عند بحثهم عن النجاسات فان احدها هو الميتة التي يراد بها كل حيوان زهقت روحه بدون تذكية شرعية. وبهذه المناسبة يذكرون مسألة اخرى وهي ان الحيوان الذي يشك في تذكيته محكوم بحرمة تناول لحمه إلاّ إذا اخذ من سوق المسلمين فإنّه محكوم بالحل. وبهذه المناسبة أيضا يأخذون بالبحث عن القاعدة المذكورة بشكل مختصر ومن بعض الجوانب.
ونمنهج البحث عنها ضمن النقاط التالية :
1 - مضمون القاعدة.
2 - مدرك القاعدة.
3 - يد المسلم.
4 - السوق امارة.
5 - تحليل نكتة امارية السوق.
6 - لا فرق بين فرق المسلمين.
7 - مصنوع أرض الإسلام.
8 - تطبيقات.
يقصد من القاعدة المذكورة الحكم بامارية السوق على التذكية ، فان الحيوان إذا لم يذك لم يجز تناول لحمه ولا الصلاة مع جلده ، واذا شك في تذكيته حكم عليه بعدمها تمسّكا باستصحاب عدمها فان الحيوان حالة حياته لم يكن مذكى فاذا شك في حصولها له عند زهاق روحه استصحب ذلك العدم. وهذا الاستصحاب حجّة ويحكم على الحيوان بعدم التذكية ومن ثمّ بعدم جواز تناول لحمه ولا الصلاة في جلده بل وفي رأي المشهور يحكم بنجاسته وتنجس اليد والملابس باصابتها له مع الرطوبة.
وهذا الاستصحاب محكّم ولا يجوز تجاوزه إلاّ إذا كان ذلك مأخوذا من سوق المسلمين فانه محكوم بالتذكية ومن ثمّ بحلية تناول اللحم وجواز الصلاة مع الجلد والطهارة.
اذن امارية سوق المسلمين تختص بهذا المجال وهو اثبات التذكية ، واما اثبات الملكية والطهارة فذلك أجنبي عن امارية السوق ، فلو فرض ان شخصا أراد شراء شيء من سوق المسلمين وهو لا يدري
ان ذلك الشيء ملك للبائع أو لا ، أو شك في طهارته وعدمها فليس له جعل السوق امارة على الملكية أو الطهارة بل الملكية تثبت بقاعدة اليد ولو لم تكن يد مسلمة ، والطهارة تثبت بقاعدة الطهارة ولو لم تكن اليد مسلمة أيضا.
يمكن الاستدلال على القاعدة المذكورة بالوجوه الثلاثة التالية :
الأوّل : التمسك بسيرة المتشرّعة ، فاننا نذهب الى السوق ونشتري اللحم ونتعامل معه معاملة المذكى بالرغم من ان القصاب الذي نشتري منه ذلك لا نجزم بتذكيته للحيوان بل نحتمل اما انّه لم يذكه رأسا أو ذكّاه لا على الوجه الشرعي المضبوط ، ومن تحرّج عن الشراء والأكل عدّ منحرفا عن الاتجاه العام الذي يسير عليه المسلمون قاطبة.
وهذه السيرة لا نحتمل كونها متجددة وحاصلة في العصر المتأخّر ، كيف وهل يحتمل ان المسلمين في عصر الأئمة عليهم السلام لم يكونوا ليشتروا اللحم من السوق ، أو هل يحتمل انهم كانوا يجزمون بأن جميع القصابين في ذلك العهد يجرون التذكية على وجهها الشرعي المضبوط من دون احتمال تخلّف أحدهم عن ذلك؟!
واذا سلمنا بانعقاد هذه السيرة فلا نحتاج الى اثبات حجيتها بفكرة الامضاء من خلال عدم الردع - كما نكون بحاجة الى ذلك في السيرة العقلائية - بل هي حجة بدون ذلك لأن افتراض كونها سيرة متشرّعة نفسه يستبطن افتراض كونها متلقاة من الشرع المقدّس وإلاّ لم تكن سيرة متشرعة.
الثاني : ان لازم عدم حجية سوق المسلمين اختلال النظام إذ يلزم ان يذبح كل فرد مسلم الحيوان لنفسه ولا يجوز له شراء اللحم من السوق والأكل منه لأن احتمال عدم التذكية ما دام موجودا فبالاستصحاب يثبت عدم تذكية الحيوان المشكوك ومن ثمّ عدم جواز تناوله.
الثالث : التمسك بالروايات. وقد وردت في هذا المجال عدّة روايات نذكر المهم منها:
أ - صحيحة فضيل وزرارة ومحمد بن مسلم حيث سألوا أبا جعفر عليه السلام عن شراء اللّحوم من الأسواق ولا يدرى ما صنع القصّابون فقال : «كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين ولا تسأل عنه» (1).
والرواية واضحة الدلالة وصحيحة السند حيث يرويها الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن اذينة عن فضيل وزرارة ومحمّد بن مسلم. والكل ثقات.
ب - موثقة إسحاق بن عمّار عن العبد الصالح عليه السلام : «لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الإسلام. قلت : فان كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال : إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس» (2).
والدلالة والسند جيّدان فان الشيخ الطوسي يرويها بسنده الى سعد عن ايوب بن نوح عن عبد اللّه بن المغيرة عن اسحاق. والكل ثقات. وطريق الشيخ الى سعد صحيح أيضا.
ج - صحيحة البزنطي : «سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري
جبّة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية أيصلّي فيها؟ فقال : نعم ليس عليكم المسألة ، ان أبا جعفر عليه السلام كان يقول : ان الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم ، ان الدين أوسع من ذلك» (1).
وهي تدل على ذم السؤال والفحص حذرا من ايقاع المؤمن نفسه في المشقة. وهي صحيحة السند أيضا لأن الشيخ يرويها بسنده الصحيح إلى ابن محبوب عن أحمد بن محمد (2)عن البزنطي. والكل ثقات.
واذا قيل : ان الرواية مضمرة ولعل المسؤول ليس هو الامام عليه السلام.
قلنا : ان البزنطي حيث انّه من أجلّة الأصحاب الذين لا يليق بهم الرواية عن غير الامام عليه السلام فيتعيّن أن يكون المسؤول هو الامام عليه السلام.
هذا مضافا الى امكان تطبيق البيان العام الذي ذكرناه سابقا لحجية جميع المضمرات(3).
وهناك روايات اخرى في هذا المجال يمكن ملاحظتها في الباب (50) من أبواب النجاسات في كتاب وسائل الشيعة.
اللحم تارة نأخذه من سوق المسلمين ، وهذا كما عرفنا محكوم بالتذكية ، واخرى نأخذه من يد شخص مسلم بهدية أو شراء من دون أن يمرّ ذلك الأخذ بسوق المسلمين ، كما لو أخذناه
منه في البلاد الكافرة.
وهل يد المسلم كسوق المسلمين امارة على التذكية؟
اننا لو رجعنا الى الروايات نجدها تعبّر بكلمة السوق إلاّ انّه بالرغم من ذلك يمكن الحكم بالايجاب باعتبار ان الامارية التي ثبتت لسوق المسلمين لا نحتمل اعتبارها له بما هو بناء خاص يشتمل على محلات معدودة وانما اعتبرت له من جهة كونه المحل الذي يضم المسلمين والكاشف عن كون اليد المأخوذ منها يدا مسلمة.
اذن الامارة على التذكية - في ضوء هذا - هي يد المسلم دون السوق نفسها وانما السوق امارة على الامارة.
من يقرأ الروايات السابقة يفهم منها بوضوح ان السوق ليس امارة تعبدا ولا لنكتة عقلائية بل هو امارة لنكتة عقلائية وهي كاشفيته عن كون البائع مسلما ، وكاشفية يده عن كونها تطبق الشرائط الشرعية للتذكية بدقة وبالكامل.
وكلتا الكاشفتين تستند الى نكتة الغلبة ، فانّه لما كان الغالب في السوق تواجد المسلمين فيه فوجود المحل في السوق يكشف عن كون صاحبه مسلما ، ولما كان الغالب على المسلمين التحفّظ على الشروط الشرعية للتذكية فالأخذ من اليد المحكوم بإسلامها يكشف عن تحقق الشروط.
اذن السوق يكشف عن كون اليد المأخوذ منها يدا مسلمة لأجل الغلبة ، والأخذ من اليد المسلمة يكشف عن تحقّق الشروط الشرعية
لأجل الغلبة أيضا.
ويتفرّع على كون حجية السوق من الناحية المذكورة وليس لنكتة تعبدية الامور التالية:
أ - ان السوق لا يكون امارة على التذكية إلاّ إذا كان الطابع العام على أصحاب السوق الإسلام بحيث كان الكل أو الأغلب من المسلمين.
اما إذا كان الكل أو الأغلب من غير المسلمين فلا يكون امارة.
والوجه في ذلك واضح - بالرغم من اطلاق كلمة السوق في صحيحة البزنطي - فان السوق بما هو سوق وبقطع النظر عن كونه سوق المسلمين لا يحتمل اماريته على التذكية.
وبقطع النظر عن ذلك يمكن أن نستفيد اعتبار غلبة المسلمين من خلال التصريح بالتقييد المذكور في الرواية الاولى والثانية.
ب - ويترتب على ذلك أيضا ان السوق الإسلامي إذا كان يستورد بعض الأحزمة والأحذية المصنوعة من جلود الحيوانات من بعض الدول الكافرة مع الجزم بعدم مبالاة المسلم المستورد بقضية التذكية بل تمام همّه تحصيل الأرباح لا غير فلا يجوز شراؤها استنادا إلى امارية السوق لأنّ السوق لا امارية له بعد ضعف المبالاة بتعاليم الإسلام أو انعدامها.
ج - ويترتب على ذلك أيضا ان السوق الاسلامي لو كنّا نجزم باشتمال بعض المحلاّت فيه على لحوم غير مذكاة وليس بامكاننا تشخيص ذلك المحل عن غيره فلا بدّ من هجر الشراء من تلك المحلات لسقوط السوق عن الامارية بعد العلم باشتماله على غير المذكى فان السوق امارة عند الشك في التذكية لا عند الجزم بعدمها.
وبتسليم سقوط السوق عن الامارية فيما يجزم بعدم تذكيته نقول : ان بقاء السوق على الحجية والامارية بلحاظ جميع المحلات باطل للعلم بسقوطه عن الحجية بلحاظ بعضها وهو ما يجزم باشتماله على غير المذكى ، وبقاؤه على الامارية بلحاظ بعض دون آخر ترجيح بلا مرجح فيلزم سقوطه عن الاعتبار بلحاظ أي فرد من المحلات.
هذا ما تقتضيه القاعدة.
بيد انّه قد يستفاد من موثقة إسحاق بن عمار المتقدّمة كفاية غلبة المسلمين في الحكم بالحلية إذ ورد فيها : «لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الإسلام. قلت: فان كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال : إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس».
د - ويترتب على ذلك أيضا ان يد المسلم انّما تكون امارة على التذكية فيما لو كان يتعامل مع ما هو تحت يده التعامل الخاص بالمذكى كعرض الجلود للبيع أو لبسها في الصلاة أو مسّها برطوبة وما شاكل ذلك ، اما إذا لم يكن له هذا التعامل ، كما إذا احتمل ان احتفاظه باللحم لأجل الالقاء في المزبلة أو الاحراق فلا تكون يده حجّة لفقدان الامارية في مثل الحالة المذكورة.
من الواضح ان سوق المسلمين بما هو سوق المسلمين وبقطع النظر عن ضم نكتة اخرى لا عبرة به.
وبكلمة اخرى : لا نحتمل ان حجية سوق المسلمين قضية تعبدية بشكل بحت وإلاّ يلزم ان اللحم المشكوك تذكيته إذا كان بيد الكافر فهو
محرم ولكن بمجرّد أن يدفعه الكافر الى المسلم - غير المبالي بتعاليم الشريعة الاسلامية - يصير حلالا ، فعملية النقل من هذه اليد إلى تلك توجب الحلية بالرغم من الجزم بعدم تحقيق اليد الثانية المسلمة عن قضية التذكية.
وعلى هذا الأساس لا بدّ من وجود نكتة عقلائية على أساسها تثبت الحجية لسوق المسلمين. وفي تلك النكتة العقلائية احتمالات ثلاثة :
أ - ان يكون ذلك لما أشرنا إليه سابقا من ان تواجد المسلمين في السوق لما كان هو الطابع العام كان ذلك كاشفا عن كون يد البائع يدا مسلمة ، واليد المسلمة بدورها ولأجل الغلبة تكشف عن تحقق شروط التذكية.
والسوق على هذا الأساس يكون امارة على الامارة.
ب - ان يكون السوق كاشفا ابتداء عن تذكية الحيوان - بلا توسط الكاشفية عن اليد المسلمة - باعتبار ان الغالب فيما يتداول في سوق المسلمين كونه مذبوحا على الطريقة الاسلامية.
والثمرة بين هاتين النكتتين تظهر فيما لو كان صاحب أحد المحلات في سوق المسلمين كافرا ، فانه على النكتة الاولى لا يمكن الحكم بتذكية اللحم المشترى منه لأنّ السوق امارة على اسلام الذابح حالة الشك في كونه مسلما والمفروض الجزم بكفره بينما على النكتة الثانية يمكن الحكم بالتذكية لأنّ السوق بحكم غلبة تواجد المذكى فيه يكشف عن تذكية اللحم المشكوك الموجود فيه حتى ولو كان بيد الكافر.
ج - أن يكون السوق كاشفا عن مرور مشكوك التذكية بيد المسلم من خلال البيع ونحوه ، والانتقال إلى يد الكافر - ان كان - قد تم من خلال المرور باليد المسلمة لأن الكافر ما دام أحد الأفراد في السوق المسلمة فلا بدّ ان يكون وصول الدجاج ونحوه إلى يده قد تمّ من خلال الانتقال إليه من المذابح المسلمة.
فالسوق المسلمة على هذا كاشفة بنحو الاجمال عن وجود يد مسلمة قد مرّ الحيوان بها ، وتلك اليد المسلمة المعلومة بنحو الاجمال هي الامارة على تحقق التذكية.
والسوق على هذه النكتة امارة على الامارة كما هو الحال على النكتة الاولى ولا فرق بينهما من هذه الناحية.
والثمرة بينهما تظهر فيما لو كان البائع في السوق المسلمة كافرا ولكن كنّا نحتمل ان اللحم الموجود عنده قد مرّ باليد المسلمة فإنّه على النكتة الاولى لا يحكم بالتذكية لأنّ حجية السوق - بناء عليها - باعتبار كاشفيته عن اسلام البائع والمفروض في المقام الجزم بعدم اسلامه، بينما على النكتة الثالثة يحكم بالتذكية لكاشفية السوق عن مرور الحيوان باليد المسلمة.
ويبقى بعد هذا الفرق بين النكتتين الأخيرتين واضحا إذ في مثال البائع الكافر يحكم بكون اللحم المأخوذ منه مذكى على النكتة الثانية حتى ولو علم بعدم سبق يد المسلم عليه بينما على النكتة الثالثة لا يحكم بذلك إلاّ مع احتمال سبق ذلك.
وبعد هذا الاستعراض لنكتة امارية سوق المسلمين يمكن الحكم بترجيح النكتة الاولى اما لأنّها هي المفهومة عرفا من خلال قراءة
النصوص أو لأنّه بعد اجمالها وعدم تعين الاولى ينبغي الاقتصار على القدر المتيقن وهو الاولى لأنّه بناء عليها يلزم اعتبار كون البائع مسلما ولا يكون السوق حجّة في صورة العلم بعدم إسلام البائع بخلافه على الأخيرتين ، ومقتضى الاقتصار في مخالفة استصحاب عدم التذكية على المقدار المتيقن هو عدم الحكم بالتذكية إلاّ مع اسلام البائع.
وهل الحكم بامارية سوق المسلمين على التذكية يختص بما إذا كان مسلمو السوق من الامامية؟ كلا ، بل يعمّ ما إذا كانوا من الفرق الاخرى - بالرغم من ذهاب كلّهم أو جلّهم إلى القول بطهارة جلد الميتة بالدبغ وحلية ذبائح أهل الكتاب - وذلك لوجهين :
أ - اطلاق النصوص وعدم تقييد كلمة «المسلمين» فيها بفرقة دون اخرى.
ب - ان الطابع العام على سوق المسلمين عصر صدور النصوص احتواؤها على الطوائف الاخرى غير الامامية ، وتخصيصها بهم دون غيرهم يلزم منه تخصيص الأكثر الذي هو مستهجن عرفا.
اذن ذهاب الفرق الاخرى من غير الامامية الى القول بطهارة جلد الميتة بالدبغ أو بحلية ذبائح أهل الكتاب لا يمنع من امارية سوق المسلمين للوجهين المتقدّمين خلافا لما ينسب الى العلاّمة الحلّي من عدم الحكم بالامارية.
وقد يستشهد له - العلاّمة الحلي - برواية أبي بصير قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن الصلاة في الفراء فقال : كان علي بن الحسين عليه السلام
رجلا صردا (1)لا يدفئه فراء الحجاز لأنّ دباغها بالقرظ (2)فكان يبعث الى العراق فيؤتى ممّا قبلكم بالفرو فيلبسه فاذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي يليه فكان يسأل عن ذلك فقال : ان أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة ويزعمون ان دباغه ذكاته» (3).
ورواية عبد الرحمن بن الحجاج قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : «اني أدخل سوق المسلمين أعني هذا الخلق الذين يدعون الإسلام فاشتري منهم الفراء للتجارة فأقول لصاحبها : أليس هي ذكية؟ فيقول : بلى فهل يصلح لي أن أبيعها على انّها ذكية؟ فقال : لا ، ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول قد شرط لي الذي اشتريتها منه انّها ذكية. قلت : وما أفسد ذلك؟ قال : استحلال أهل العراق للميتة وزعموا ان دباغ جلد الميتة ذكاته ثم لم يرضوا ان يكذبوا في ذلك إلاّ على رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم » (4).
ولكن يرد الاولى ضعفها الدلالي - باعتبار ان القاء الامام عليه السلام للفرو فعل وهو مجمل إذ لعل ذلك صدر منه من باب الرجحان دون اللزوم - والسندي لاشتمال الطريق على جملة من المجاهيل كما يتضح من خلال المراجعة (5).
ويرد الثانية ضعفها الدلالي أيضا - لأن أقصى ما تدل عليه عدم
1) الصرد بفتح الصاد وكسر الراء : من يجد البرد سريعا.
2) القرظ بالتحريك : ورق السلم يدبغ به الأديم.
3) وسائل الشيعة باب 61 من أبواب لباس المصلي حديث 2.
4) المصدر السابق باب 61 من أبواب النجاسات حديث 4.
5) فان الكليني رواها عن شيخه علي بن محمد عن عبد اللّه بن إسحاق العلوي عن الحسن بن علي عن محمد بن سليمان الديلمي عن عيثم بن أسلم النجاشي عن أبي بصير. فان الكل مجاهيل ما عدا علي بن محمد وأبي بصير.
جواز الشهادة والتعهد بكون المشكوك مذكى ولا تدل على الحكم عليه بعدم كونه مذكى - والسندي (1).
قد يعيش المسلم أحيانا في بلاد كافرة ويجد الأحزمة أو الأحذية المصنوعة من الجلود في أسواقها ، ان أمثال تلك محكوم عليها بمقتضى استصحاب عدم التذكية بكونها غير مذكاة ومن ثمّ بنجاستها - على رأي المشهور - وتنجس الرجل عند ملاقاتها لها مع الرطوبة.
بيد انّه نستثني من ذلك ما إذا كان قد كتب على الجلد بأنّه قد صنع في تركيا مثلا التي هي من البلدان الاسلامية ، انّه في مثل هذه الحالة إذا لم يحصل الاطمئنان الكامل بصدق الكتابة وحقانيتها فلا يجوز الاتكال عليها ، واما إذا حصل ذلك جاز الاتكال عليها والحكم بالتذكية ومن ثمّ الطهارة إذ يثبت بذلك كونه مصنوعا في أرض الإسلام ، وهو كاف في الحكم بالتذكية ولا يتوقف الحكم بها على الأخذ من سوق المسلمين.
والمستند في ذلك موثقة إسحاق بن عمار المتقدّمة عند بيان مدرك القاعدة إذ ورد فيها : «لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الإسلام ...» فانّها تدل على المدعى بوضوح.
والمتحصل من مجموع كل هذا العرض : ان الجلد أو اللحم الذي
1) لأن الشيخ الطوسي رواها بسنده عن الحسن بن علي عن محمد بن عبد اللّه بن هلال عن عبد الرحمن بن الحجاج. ومحمد بن عبد اللّه بن هلال مجهول.
يشك في تذكيته محكوم بعدم التذكية استنادا الى استصحاب عدم التذكية. وهذا الاستصحاب لا يجوز تجاوزه إلاّ إذا قامت امارة شرعية على خلافه. والامارة ذات أفراد ثلاثة: سوق المسلمين ، ويد المسلم ، والصنع في أرض الإسلام.
1 - تباع الجلود - كالأحزمة والأحذية - في محلات البلدان الكافرة.
ونحن تارة نطمئن بسبق يد المسلم عليها واخرى نظن بذلك وثالثة نحتمل ذلك. ما هو الحكم في الحالات الثلاث المذكورة؟
2 - ما حكم الأسماك التي تباع في أسواق البلاد الكافرة أو معلبات السمك التي تجلب منها وتباع في أسواق البلاد الاسلامية؟
3 - المسلمون في لندن كثيرون في هذه الفترة فهل يجوز الاستناد بعد هذا إلى أسواقها والحكم بالتذكية؟
4 - إذا كان بلد يشتمل على سوقين أحدهما مسلم والآخر ليس كذلك ولم نميّز هذا عن ذاك فهل يجوز الشراء من أحدهما؟
5 - اشترينا أحزمة من بلاد اسلامية ولكن لا ندري هي مصنوعة فيها أو مستوردة من بلاد كافرة فما هو الحكم في مثل ذلك؟
6 - بعض البلاد المسلمة يباع في مطاعمها الدجاج المستورد من البلاد الكافرة هل يجوز لنا التناول منه؟
7 - بلاد كافرة فيها سوق كبير صاحب أحد المحلات فيه مسلم - وهو المحل الوحيد الذي صاحبه مسلم - وهو يبيع اللحوم فهل يجوز لنا الشراء منه؟ وما هي القاعدة التي نستند إليها في الجواز ان حكمنا به؟
8 - شخص له محل في شارع معين وليس في السوق ولا ندري هو مسلم أو لا ، والطابع العام على البلاد الإسلام. ما حكم شراء اللحوم منه ولأي قاعدة؟
9 - الاجبان أو الزبدة أو الحليب التي تباع في سوق البلاد الكافرة هل يجوز شراؤها وتناولها؟ ولما ذا؟
10 - تباع معلبات الباذنجان وغيرها في أسواق البلاد الكافرة هل يجوز تناولها؟
11 - إذا اشترينا طعاما من البلاد الكافرة وهو يشتمل على مادة لا ندري هي من قسم اللحوم أو لا هل يجوز تناوله؟ ولما ذا؟
12 - يوجد في بعض الدول الكافرة سوق للمسلمين ولكن المسيطر عليه وصاحب القوّة والنفوذ هم أشخاص من اليهود فهل يحكم بالتذكية على المشترى من ذلك السوق؟
1 - مضمون القاعدة
2 - مدرك القاعدة
3 - المحتملات في قاعدة السلطنة
4 - حدود قاعدة السلطنة
5 - التسلّط على الحقوق
6 - التسلّط على النفس والأعضاء
7 - السلطنة والضرر
8 - تطبيقات
من القواعد المسلمة لدى الفقهاء والتي يذكرونها عادة في باب المعاملات قاعدة السلطنة ولكنّهم كعادتهم في بقية القواعد يكتفون بمجرّد الإشارة إليها والمرور عليها بلا بحث مستقل.
ففي مسألة ان المعاطاة تفيد الملك دون الاباحة ذكر الشيخ الأعظم في المكاسب ان من الوجوه التي قد يستدل بها على ذلك قاعدة الناس مسلّطون على أموالهم. وهكذا أشار الى امكان الاستدلال بها في مسألة ان الأصل في الملك عند الشك في كونه جائزا أو لازما هو اللزوم.
وهناك موضع آخر يشار فيه الى القاعدة المذكورة وهو مسألة لا ضرر عند بحثهم عن حدودها وتفاصيلها ، فان أحد الأبحاث هناك مسألة تعارض قاعدة لا ضرر مع قاعدة السلطنة ، كما لو أراد شخص أن يحدث حماما في داره ولكنّه كان موجبا لتضرّر جاره ، فان قاعدة لا ضرر تنفي جواز الاضرار بالجار بينما قاعدة السلطنة تقضي بجواز
ذلك وان لزم تضرّر الجار لأنّ ذلك مقتضى سلطنة المالك على ملكه ، وعند التعارض المذكور ما ذا يكون الموقف؟
ولكنهم في هذا الموضع وسابقه يكتفون بالاشارة الى قاعدة السلطنة من دون بيان مدركها وحدودها وما يرتبط بها من أبحاث.
وحديثنا عن القاعدة المذكورة يقع ضمن النقاط التالية :
1 - مضمون القاعدة.
2 - مدرك القاعدة.
3 - المحتملات في قاعدة السلطنة.
4 - حدود قاعدة السلطنة.
5 - التسلّط على الحقوق.
6 - التسلّط على النفس والأعضاء.
7 - السلطنة والضرر.
8 - تطبيقات.
يقصد بقاعدة السلطنة ان كل مالك لشيء هو مسلّط على التصرّف فيه بما يشاء ضمن الحدود الشرعية ، فله الحق في بيعه واهدائه وايجاره وأكله إلى غير ذلك من التصرّفات التي لم يثبت من الشريعة صدور منع عنها.
هذا هو المقصود من قاعدة السلطنة. وليس المقصود منها ان المالك لشيء لا يحق لغيره التصرّف فيه بدون رضاه وطيب نفسه فان ذلك ليس تمام المقصود من قاعدة السلطنة بل المقصود منها أوسع
من ذلك وهو ان المالك لشيء له حق التصرّف فيه بأي شكل شاء ، ولازم ذلك ان الغير لا يحق له التصرف فيه بدون رضاه.
المدرك المهم للقاعدة المذكورة أمران :
أ - السيرة بكلا قسميها : سيرة العقلاء وسيرة المتشرّعة.
امّا سيرة العقلاء فمن الواضح انعقادها على ذلك بحيث لو منع أحدهم من التصرف في ماله لهبّ العقلاء منددين بالمنع ورافضين لذلك التضييق للسلطنة. بل ان حكمهم بسلطنة كل انسان على ما يملكه يكاد يكون من البديهيات الأولية عندهم.
وحيث ان السيرة المذكورة لا نحتمل حدوثها بعد عصر المعصوم عليه السلام ، كما ولا نحتمل الردع عنها فيثبت بذلك امضاؤها.
واما سيرة المتشرعة فانعقادها بينهم وبشكل متصل بزمن المعصوم عليه السلام أمر لا يقبل التشكيك.
وحيث انها سيرة متشرعة بما هم متشرعة فيكفي نفس افتراض ذلك لحجيتها بلا حاجة إلى افتراض فكرة الامضاء المستكشفة بعدم الردع - على خلاف سيرة العقلاء حيث تحتاج إلى ذلك - لأنّ نفس افتراض كونها سيرة متشرعة يستبطن تلقيها يدا بيد من المعصوم عليه السلام.
ب - النصوص الدالة على ان الانسان ما دام حيّا فله الحق في أن يصنع بماله ما شاء من قبيل موثقة سماعة : «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن عطية الوالد لولده فقال : اما إذا كان صحيحا فهو ماله يصنع به ما شاء ،
واما في مرضه فلا يصلح» (1)، فان ظاهر «يصنع به ما شاء» ان له الحق في كلّ تصرّف شاء بلا اختصاص لذلك بالعطية.
هذا هو الدليل على قاعدة السلطنة.
وقد يستدل على ذلك أيضا بالإجماع أو بالحديث المشهور «الناس مسلّطون على أموالهم» أو بالنصوص الدالّة على عدم جواز التصرّف في أموال الآخرين بدون رضاهم.
من قبيل قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) (2)، فانّه يدل على اعتبار التراضي في صحّة التجارة فلا تصح التجارة بأموال شخص بدون رضاه.
ومن قبيل قوله تعالى : ( وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) (3)، فانّه يدل على عدم جواز أكل مهور النساء بلا طيب أنفسهن.
ومن قبيل الحديث المشهور : «لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ عن طيب نفسه» (4).
هذا والكل قابل للتأمّل.
امّا الاجماع فلأنّه بعد انعقاد السيرة العقلائية فمن المحتمل قريبا استناد المجمعين الى السيرة المذكورة وليس ذلك لوصول الحكم لهم
من الامام عليه السلام يدا بيد.
وامّا الحديث المشهور فهو ضعيف السند لأنّه لم يروه إلاّ الشيخ المجلسي في بحاره (1)عن عوالي اللآلي. وإذا رجعنا الى المصدر الأصلي وجدنا ابن أبي جمهور الاحسائي صاحب العوالي يروي الحديث في مواضع أربعة : تارة عن بعض كتب الأصحاب واخرى عن بعض كتب الشهيد وثالثة عن الفاضل المقداد ورابعة عن ابن فهد الحلي (2).
والواسطة بين المنقول عنه والامام عليه السلام حيث انّها مجهولة فتسقط الرواية عن الاعتبار.
وقد روي الحديث في كتبنا الفقهية الاستدلالية ولكن بشكل مرسل أيضا فقد رواه العلاّمة الحلّي في المختلف (3)والتذكرة (4)والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان (5)والشهيد الثاني في مسالك الافهام (6)وفخر المحققين في إيضاح الفوائد (7).
وهو في جميع الموارد المذكورة روي بشكل مرسل عن النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم .
وعليه فالحديث ضعيف السند لإرساله ، ولا طريق لتصحيحه
سوى دعوى انجباره اما بالشهرة الروائية أو بالشهرة الفتوائية ، ولكن ذلك قابل للتأمّل.
اما انجباره بالشهرة الروائية فباعتبار عدم تحقّق الشهرة المذكورة لأنّها انّما تتحقق بشهرة نقل الرواية في كتب الحديث وذلك لم يتحقق لأنّها لم تنقل في شيء من كتب الحديث سوى عوالي اللآلي الذي هو معروف بالضعف لنقل الأحاديث فيه بشكل مرسل.
واما انجباره بالشهرة الفتوائية فباعتبار ان ذلك موقوف على عمل الطبقة المتقدّمة من اعلامنا به ولا يكفي اشتهار العمل به بين الطبقة المتأخرة كالعلاّمة الحلي ومن بعده فان الكاشف عن حقانية الرواية وصدورها هو عمل الطبقة المتقدّمة المقاربة لعصر صدور النص ولا يكفي عمل الطبقة المتأخرة.
وامّا النصوص الدالّة على اعتبار الرضا في جواز التصرف في أموال الآخرين فهي أجنبية عن المقام أو غير وافية بالمطلوب إذ أقصى ما تدل عليه ان غير المالك لا يجوز له التصرف في املاك غيره إلاّ برضاه ولا تدل على ان المالك يحق له التصرّف في ملكه بأي نحو شاء.
والخلاصة : ان مهم المستند على قاعدة السلطنة هو السيرة والنصوص الدالّة على ان الإنسان ما دام حيّا له الحق أن يصنع بماله ما شاء.
في المراد من قاعدة «الناس مسلّطون على أموالهم» عدّة احتمالات :
أ - ان يكون المقصود اثبات السلطنة للمالك بشكل مطلق بما في ذلك السلطنة على أسباب النقل والانتقال كالبيع والاجارة والهبة و... بل بما في ذلك تفاصيل أسباب النقل ، فكل مالك مسلّط مثلا على بيع ماله بالعربية وبغيرها وبالقول وبالمعاطاة وبالماضوية وبغيرها و... وهكذا بالنسبة الى الهبة والاجارة و....
وعلى أساس هذا الاحتمال يمكن التمسّك بالقاعدة المذكورة لإثبات صحة البيع بالمعاطاة وبغير العربية وبغير الماضوية و....
ولربما يظهر هذا الاحتمال من صاحب الجواهر حيث استدل على شرعية المعاطاة المقصود بها الاباحة بعموم سلطنة الناس على أموالهم (1).
ب - ان يكون المقصود اثبات السلطنة على أسباب النقل والانتقال من دون نظر إلى تفاصيلها ، فالمالك له حق بيع ماله واجارته وهبته و... وليس لها نظر إلى تفاصيل الأسباب ، فهي لا تدل على السلطنة على البيع بالمعاطاة أو بغير العربية أو بغير الماضوية وانّما تدل على السلطنة على أصل البيع وعلى أصل الاجارة وعلى أصل الهبة لا أكثر.
وهذا الاحتمال هو المختار للشيخ الأعظم حيث ذكر في مبحث المعاطاة عند الاستدلال على شرعيتها وافادتها الملك ما نصّه : «واما قوله صلی اللّه عليه وآله وسلم : ان الناس مسلّطون على أموالهم فلا دلالة فيه على المدعى لأنّ عمومه باعتبار أنواع السلطنة فهو انّما يجدي فيما إذا شك في ان هذا النوع من السلطنة ثابتة للمالك وماضية شرعا في حقّه أم لا ،
1) جواهر الكلام 22 : 218.
اما إذا قطعنا بأن سلطنة خاصة كتمليك ماله للغير نافذة في حقّه وماضية شرعا لكن شك في ان هذا التمليك الخاص هل يحصل بمجرّد التعاطي مع القصد أم لا بدّ من القول الدال عليه فلا يجوز الاستدلال على سببية المعاطاة في الشريعة للتمليك بعموم تسلّط الناس على أموالهم» (1).
ج - ان يكون المقصود نفي الحجر عن كل تصرف مشروع ، فالحديث لا يدل على شرعية البيع والسلطنة عليها ولا على شرعية الاجارة والسلطنة عليها ولا على ... وانّما يدل على ان البيع مثلا إذا كان مشروعا بقطع النظر عن حديث السلطنة فصدوره من المالك لا يتوقف على كسب الاجازة من الغير ، فالزوجة إذا أرادت هبة بعض أموالها أو بيعها فلا يتوقف ذلك على موافقة الزوج مثلا. وهكذا الحال بالنسبة الى غير البيع.
فالحديث على هذا يدلّ على ان كل سبب ثبتت مشروعيته في نفسه فالمالك غير محجور عليه ولا يتوقف صحته على موافقة الآخرين ، اما ما هي الأسباب المشروعة فذلك ساكت عنه ولا يمكن من خلاله اثبات مشروعية هذا السبب وذاك عند الشك.
وهذا الاحتمال هو ظاهر الآخوند الخراساني في حاشيته على المكاسب (2).
د - ان يكون المقصود اثبات السلطنة بلحاظ التصرّفات غير الناقلة فيجوز للمالك ان يخيط ثوبه المملوك له ويجوز له أيضا ان
يضعه في هذا المكان أو ذاك وغير ذلك من التصرّفات غير الناقلة. واما بيعه وهبته ونحو ذلك من الأسباب الناقلة فلا يدل على شرعيتها ، فان عنوان «ماله» والاضافة الخاصة المذكورة لا بدّ من انحفاظها بعد ذلك ، فمثل البيع والهبة لا يدل الحديث على شرعيتهما لأنه بذلك يزول عنوان «ماله» والحديث لا ينظر إلى حيثية ازالة المال عن الملك بل إلى كل تصرّف بعد انحفاظ الاضافة الخاصة.
وهذا الاحتمال هو ظاهر الشيخ الايرواني في حاشية المكاسب (1).
هذه احتمالات أربعة في مفاد قاعدة السلطنة.
ولا معنى للنظر الى لفظ القاعدة وان الظاهر منه أي واحد من الاحتمالات المذكورة فان ذلك وجيه لو كان سند القاعدة باللفظ المذكور تامّا وصادرا من المعصوم عليه السلام ، اما بعد عدم تمامية السند وكون المدرك السيرة العقلائية والروايات الدالّة على ان الإنسان ما دام صحيحا له الحق ان يصنع بماله ما شاء فلا بدّ من ملاحظة ذلك دون لفظ حديث السلطنة.
اما السيرة فالقدر المتيقن انعقادها على الاحتمال الثالث وان المالك ليس بمحجور عليه في التصرف في ملكه ولا تتوقف صحة تصرّفه على كسب موافقة الآخرين بعد ان كان السبب قد ثبتت شرعيته في نفسه. ان هذا ممّا يجزم بانعقاد السيرة عليه بخلاف الاحتمالين الأولين فإنّه لا جزم بانعقادها عليهما. وينبغي الاقتصار على القدر المتيقن وهو الاحتمال الثالث عند الدوران بينه وبين الأولين.
1) حاشية المكاسب للشيخ الايرواني 1 : 77.
واما الاحتمال الرابع فيجزم بعدم تقيد السيرة به. وهل يحتمل عدم انعقاد السيرة على جواز بيع المالك ملكه أو اهدائه.
واما المدرك الثاني فلا يبعد نظره إلى الاحتمال الثالث أيضا - أو لا أقل هو القدر المتيقن عند اجمال النص - ، أي ان كل مالك لشيء له الحق ان يصنع به ما شاء ما دام صحيحا بلا حاجة إلى كسب الاجازة من غيره كأولاده وغيرهم.
لم تمض الشريعة الاسلامية قاعدة السلطنة على اطلاقها بل أجرت عليها بعض التعديلات بنحو التخصيص أو التخصص ، ونذكر لذلك بعض الأمثلة :
أ - موارد التبذير والاسراف ، فمن حق كل انسان أن يتصرّف في أمواله ما دام لم يصل تصرّفه حدّ الاسراف والتبذير وإلاّ منع لقوله تعالى : ( وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ ) (1).
وعلى هذا فليس من حق المالك لشيء اتلافه بإلقائه في البحر أو احراقه بالنار وما شاكل ذلك من التصرّفات التي يصدق عليها عنوان السرف والتبذير ، ومثل المورد المذكور خارج عن قاعدة السلطنة بالتخصيص.
ب - موارد الضرائب المالية ، فليس من حق المالك لأموال تتعلّق بها ضريبة الزكاة أو الخمس التصرّف فيها قبل اخراج
1) الاسراء : 26 - 27.
الضريبة المتعلقة بها.
وهذا يرجع اما الى تخصيص قانون السلطنة ، بمعنى ان المالك للأموال المتعلق بها الضريبة هو مالك لها جميعا ولكنه ممنوع من التصرّف فيها قبل اخراج الضريبة ، أو إلى التخصص ، بمعنى ان المالك للأموال المتعلق بها الضريبة ليس هو مالكا لمجموعها بل هو مالك لما عدا مقدار الضريبة ، فمقدار الضريبة ليس مملوكا له بل هو مملوك لأربابها ، وذلك المقدار حيث انّه مشاع فيكون المالك ممنوعا من التصرّف باعتبار ان المال المشترك لا يجوز التصرف فيه إلاّ بموافقة جميع الملاك.
ج - موارد صرف المال في المجال المحرم ، فليس من حق المالك أن يشتري بأمواله خمرا أو بعض آلات اللّهو والفساد أو بعض كتب الضلال أو اقراضه وبيعه بشكل ربوي وما شاكل ذلك ، فان قانون السلطنة قد طرأ عليه التخصيص في المجالات المذكورة.
د - التصرّف بعد الموت بالمقدار الزائد على الثلث ، فان من حق كل إنسان ما دام حيّا أن يهب جميع أمواله أو يوقفها أو ... واما بعد موته فله الحق في أمواله بمقدار الثلث دون ما زاد ، فله الحق أن يوصي باهداء مقدار من أمواله بعد وفاته لبعض أصدقائه أو الفقراء ما دام ذلك لا يتجاوز مقدار الثلث وإلاّ توقف مضي الوصية على اجازة الورثة.
وهذا في روحه لا يرجع إلى التخصيص بل الى التخصيص ، بمعنى ان الشخص بعد وفاته لا يكون مالكا إلاّ بمقدار الثلث لا انّه مالك للمجموع ويمنع من التصرّف في المقدار الزائد على الثلث.
ه - موارد مرض الموت ، فان المشهور اختار ان المالك إذا تمرّض
بمرض الموت فليس من حقّه اهداء أمواله أو بيعها بأقل من ثمن المثل إلاّ إذا كان ذلك التصرّف في حدود الثلث.
و - موارد الشفعة ، فان لكل مالك لدار مشتركة بينه وبين غيره بيع حصّته متى ما أحب ، ولكن متى ما أراد بيعها لإنسان آخر غير الشريك فمن حق الشريك أن يعمل حق الشفعة ، بمعنى الزام المالك ببيعها عليه دون غيره.
فالمالك إذا باع حصّته بثمن معيّن فمن حق الشريك متى ما اطّلع على البيع أن يقول أعملت حق الشفعة فيأخذ بذلك الحصة التي بيعت بعد دفع الثمن الى المالك.
ي - إذا أراد المالك احداث حمّام مثلا في ملكه وكان ذلك موجبا للإضرار بجاره فإنّه ليس من حقّه ذلك ما دام الجار يتضرّر بذلك وهو لا يتضرّر بترك احداث مثل ذلك.
وهذا المورد - وهكذا سابقاه - يرجع في روحه إلى التخصيص كما هو واضح.
لا اشكال في ثبوت السلطنة للمالك على ما يملكه. وهل هناك سلطنة على الحقوق أيضا؟ فلو كان لشخص خيار المجلس فهل له سلطنة على اسقاطه؟ ولو ثبت له حق في مكان معيّن بسبب التحجير - فيما إذا كان من المباحات العامة - أو بسبب السبق إليه - فيما لو كان مسجدا - فهل له سلطنة على اسقاطه؟ والزوجة لها حق النفقة والمبيت عندها هل لها سلطنة على اسقاطه؟ والعمّة والخالة لهما الحق في أن لا
يجيزا عقد بنت الأخ والاخت هل لهما سلطنة على اسقاطه؟ والزوج له حق الزواج بالثانية والثالثة والرابعة هل له سلطنة على اسقاطه؟ إلى غير ذلك من الأمثلة.
والجواب : ان بعض الحقوق قابل لذلك ، كما في الخيار وحق النفقة والمبيت وبعضها لا يقبل ذلك كالزواج بالثانية.
ولربما يصطلح على الثاني الذي لا يقبل الاسقاط بالحكم ، فجواز الزواج بالثانية حكم شرعي وليس حقّا ليقبل الاسقاط ، وهذا كما هو الحال في شرب الماء والحليب واشباه ذلك فان لكل انسان الحق في ذلك ولكنه لا يقبل الاسقاط ، وهو لأجل ذلك يكون في الحقيقة حكما شرعيّا وليس حقّا.
وعليه فنخرج بهذه النتيجة ، وهي ان كل ما يقبل الاسقاط يكون حقّا وما لا يقبله يكون حكما شرعيا.
وبعد هذا نعود إلى التساؤل من جديد. لما ذا صارت الحقوق قابلة للإسقاط وما هي النكتة في ذلك؟ فهل ذلك لقاعدة السلطنة وان كل إنسان كما هو مسلّط على أمواله مسلّط على حقوقه؟
والجواب : انّه متى ما استظهرنا من النص الشرعي ان هذا أو ذاك حق شرعي فهذا بنفسه يستبطن افتراض قابليته للإسقاط وإلاّ لم يكن حقّا بل حكما شرعيا.
وعليه فالدليل على قابلية الحقوق للإسقاط هو نفس الدليل على تشريع الحقوق المذكورة بلا حاجة الى التماس دليل آخر من قاعدة السلطنة أو غيرها.
هل الانسان مسلّط على نفسه وأعضائه كما هو مسلّط على أمواله؟ كلا ليس مسلّطا على ذلك ، فان السلطنة المذكورة لا دليل عليها ، ويكفي عدم الدليل للحكم بانتفائها.
بل قد يقال بدلالة الدليل على نفي السلطنة المذكورة. فبالنسبة الى النفس دلّ قوله تعالى : ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (1)على نفي السلطنة عليها وان الإنسان ليس له سلطنة على نفسه بإلقائها في التهلكة من خلال الانتحار وغيره.
واما بالنسبة إلى الأعضاء - كالتبرّع بالكلية أو العين أو اليد أو الرجل - فقد يستدل على حرمة ذلك بأحد الوجوه التالية :
أ - التمسك بالسيرة العقلائية الجارية على التجنب عن كل ما يوجب الضرر. وحيث انه لم يردع عنها شرعا فتكون ممضاة.
وفيه : ان سيرة العقلاء وان جرت على ما ذكر إلاّ انّها ليست بنحو الالزام بل قد يقدمون عليه إذا كان لداع عقلائي ، كالتبرع بالكلية لمن كان بحاجة ماسة إلى ذلك.
وكيف يقال بلزوم التجنب عمّا يوجب الضرر والحال ان لازم ذلك حرمة الأكل الزائد أو الجماع الكثير أو الخروج من المكان الدافئ إلى البارد وما شاكل ذلك.
ب - التمسك بحديث نفي الضرار حيث ورد في الحديث الشريف :
1) البقرة : 195.
«لا ضرر ولا ضرار» (1)، وحيث ان إرادة النهي عن الاضرار من الفقرة الثانية «ولا ضرار» أمر قريب جدّا فيلزم الحكم بحرمة الاضرار.
وفيه : ان المنصرف إليه النهي المذكور تحريم الاضرار بالآخرين دون الاضرار بالنفس.
ج - التمسّك بما دلّ على حرمة الجناية على النفس وظلمها بتقريب ان قطع مثل اليد أو الرجل نحو ظلم لها فيحرم لقوله تعالى : ( وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (2).
وفيه : ان صدق عنوان ظلم النفس فرع حرمة مثل قطع اليد في المرحلة السابقة،والمفروض فقدان ذلك.
والتأمّل في صدق عنوان الظلم أوضح لو فرض ان الداعي للقطع كان عقلائيا كالتبرّع بالكلية للحفاظ على نفس محترمة.
د - التمسّك بما دلّ على ان علّة تحريم الخمر اضرارها - كما قال تعالى : ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) (3)- فانّه بعد ضمّ ما دل على «ان اللّه حرّم الخمر بعينها فقليلها وكثيرها حرام» (4)الى ذلك يثبت ان كل ما كان مضرّا فلا فرق بين كثيره وقليله في التحريم.
وفيه : ان هذا حكم خاص بالخمر ولا يمكن التعدّي منه إلى غيره لاحتمال وجود خصوصية فيه.
ذ - التمسك ببعض الروايات الدالة على ان علّة تحريم بعض المحرمات اضرارها ببدن الإنسان ، من قبيل رواية المفضل بن عمر : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : لم حرّم اللّه الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟ قال : ان اللّه تبارك وتعالى ... علم ما يضرّهم فنهاهم عنه وحرّمه عليهم ...» (1)بتقريب ان علّة تحريم المحرّمات إذا كان هو الاضرار بالنفس فيلزم حرمة كل ما يوجب الضرر كقطع اليد أو الرجل وإلاّ لما صلح ان يكون علّة لتحريم المحرّمات.
وفيه : ان الحديث وان دلّ على حرمة الاضرار بالنفس ولكن لم يبين ان الضرر بأي درجة يكون محرّما ، وليس له اطلاق من هذه الناحية ليتمسك به ، ولعل المحرم حصّة خاصّة من الضرر.
بل ان بعض الأحاديث يستفاد منها عدم حرمة الاضرار بالنفس كالأحاديث التي ترشد الى رجحان عدم تناول بعض الأطعمة لكونها مضرّة.
ومن خلال هذا كلّه يتضح عدم تمامية دليل على حرمة مطلق الاضرار بالنفس ليثبت من خلاله حرمة قطع الانسان بعض أعضائه.
والمناسب ان يقال : ان الاضرار بالنفس إذا كان بحدّ يعلم بمبغوضية الشارع له - كقطع الانسان يديه ورجليه مثلا - فهو محرّم ، وإذا لم يكن بالحدّ المذكور - كإخراج الدم من بعض الأعضاء أو التسبيب الى طرو الحمى - فيكون جائزا لا من باب التمسك بقاعدة السلطنة بل لأصل البراءة عن حرمة مثل ذلك.
1) وسائل الشيعة باب 1 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث 1.
اذن الاضرار بالنفس إذا لم يكن بالدرجة التي يعلم بمبغوضيتها شرعا فارتكابه جائز لا من باب سلطنة الانسان على نفسه وأعضائه ، فان السلطنة المذكورة لم تثبت ، بل لأننا ما دمنا نشك في حرمة مثل ذلك فمقتضى أصل البراءة الجواز.
قد تتعارض أحيانا قاعدة السلطنة مع قاعدة نفي الضرر فما هو الموقف في مثل ذلك؟
فمثلا إذا أراد المالك أن يحدث في ملكه حمّاما أو بالوعة وكان ذلك موجبا للإضرار بالجار فسوف تتعارض قاعدة حرمة الاضرار بالجار مع قاعدة تسلّط المالك على ملكه ، فان مقتضى قاعدة السلطنة جواز احداث المالك للحمام أو البالوعة في ملكه بينما مقتضى قاعدة نفي الضرر عدم جواز مثل ذلك. ومعه فأي من القاعدتين هو المقدّم؟
والمناسب أن يقال : تارة يفترض ان المالك لا يتضرّر من عدم احداث الحمام والبالوعة واخرى يتضرّر.
فعلى الأوّل يكون المناسب عدم جواز احداث ذلك لحرمة الاضرار بالآخرين.
ولا يعارض ذلك بقاعدة السلطنة لقصورها عن شمول مثل الحالة المذكورة فان السلطنة الثابتة للمالك بالسيرة العقلائية قاصرة عن الشمول لما إذا كان اعمال السلطنة مستلزما للإضرار بالآخرين.
وهكذا موثقة سماعة الدالة على ان المالك ما دام حيّا صحيحا فله
أن يصنع بماله ما شاء (1)قاصرة عن الشمول لمثل هذه الحالة فانّها ليست في مقام البيان من الجهة المذكورة ، فلا تريد أن تقول ان له حقا في ان يصنع بماله ما شاء وان استلزم ذلك الاضرار بالآخرين.
واما إذا فرض تضرّر المالك من عدم احداثه للحمام والبالوعة فالمورد يدخل في تعارض الضررين : ضرر المالك وضرر الجار. وفي مثله حيث لا دليل على حرمة احداث المالك لما ذكر في ملكه فلا يعود محذور في التمسّك بأصل البراءة لإثبات جواز ذلك.
1 - إذا شك في حلية لحم الأرنب وكان لإنسان أرنب فهل يمكن التمسّك بقاعدة السلطنة لإثبات جواز أكله؟
2 - إذا شك في شرطية معلومية العوضين في باب البيع فهل يمكن التمسك بقاعدة السلطنة لإثبات جواز البيع في حالة عدم معلومية العوضين؟
3 - هل يمكن التمسك بقاعدة السلطنة لإثبات ان البيع المعاطاتي مفيد للتمليك دون مجرّد الاباحة؟
4 - إذا شك في لزوم البيع المعاطاتي فهل يمكن التمسّك بقاعدة السلطنة لإثبات اللزوم؟ وبأي بيان؟
5 - من حق الإنسان أن يتناول الأطعمة المباحة. هل بامكانه اسقاط الحق المذكور بقاعدة السلطنة؟
1) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب الوصايا حديث 11.
6 - من حق الرجل الزواج بالثانية ، هل بامكانه اسقاط الحق المذكور؟ وإذا لم يمكنه ذلك فما هو الطريق لتوصل الزوجة الاولى إلى عدم تزوج زوجها بزوجة ثانية؟
7 - هل يمكن التمسك بقاعدة السلطنة لإثبات جواز طلاق الزوجة نفسها إذا اشترط لها الزوج ذلك في العقد؟ وما هي الطريقة الشرعية للتوصل إلى ذلك إذا لم يمكن التمسّك بقاعدة السلطنة؟
8 - كيف نوجّه اخراج الدم من الرأس في عزاء سيّد الشهداء عليه السلام. وهكذا الضرب على الظهر بالسلاسل الحديدية؟ وهل الجواز موقوف على اثبات سلطنة الإنسان على جوارحه؟
1 - مضمون القاعدة
2 - مدرك القاعدة
3 - الاستصحاب والقاعدة
4 - اطلاق الأدلّة الأولية والقاعدة
5 - تطبيقات
من القواعد المهمّة التي يستفيد منها الفقيه كثيرا - على تقدير تماميتها - قاعدة الميسور. فاذا تعذّر غسل الوجه في الوضوء تعيّن الاكتفاء بالباقي من دون انتقال الى التيمم ، واذا تعذّر غسل بعض المواضع في الغسل تعيّن الاكتفاء بالباقي من دون انتقال إلى التيمم أيضا ، وإذا تعذّر الامساك في تمام يوم الصوم تعيّن الاكتفاء بالباقي ، وهكذا في بقية الموارد.
وقد بحث الشيخ الأعظم في الرسائل القاعدة المذكورة في مبحث الأقل والأكثر الارتباطيين - مبحث الشك في جزئية جزء أو شرطية شرط - حيث انجر كلام الاصوليين إلى ما لو تعذّر جزء معين من أجزاء الواجب لسبب وآخر (1)فهل يلزم الاتيان ببقية الأجزاء أو لا؟
ان وجوب باقي الأجزاء وعدمه يرتبط بملاحظة ان جزئية الجزء
1) طبيعي لا بدّ من افتراض ذلك في غير الصلاة إذ الصلاة لا اشكال في عدم سقوط وجوبها بتعذّر بعض أجزائها.
المتعذّر هل هي مختصة بحالة امكان الاتيان بالجزء أو هي مطلقة؟
فعلى تقدير اختصاصها بحالة الامكان يلزم الاتيان بالباقي لأنّه يعد كاملا ولم ينقص منه شيء على التقدير المذكور ، بينما على تقدير عدم الاختصاص لا يلزم الاتيان بالباقي لأنّه ناقص ، والناقص لم يتعلّق به الوجوب وانّما تعلّق بالكامل.
ومن هنا انجر البحث إلى انّه هل يوجد أمر بالناقص بناء على كون جزئية الجزء المتعذّر مطلقة وغير خاصة بحالة التمكّن؟
وأحد الطرق التي طرحت ليثبت من خلالها الأمر بالناقص هي قاعدة الميسور. وبهذه المناسبة انجر البحث الى قاعدة الميسور.
ان الشيخ الأعظم تعرّض لقاعدة الميسور في مبحث الأقل والأكثر الارتباطيين للمناسبة المذكورة. وأخذ بقية الاصوليين يبحثون القاعدة المذكورة في المورد المذكور بالرغم من كونها أجنبية بتمام معنى الكلمة عن علم اصول الفقه.
وقد بحث القاعدة المذكورة قبل الشيخ الأعظم استاذه الشيخ النراقي في كتابه المعروف بعوائد الأيّام (1).
هذا هو منشأ البحث عن قاعدة الميسور في علم الاصول والتسلسل التاريخي لذلك.
ونمنهج الحديث عن القاعدة المذكورة ضمن النقاط التالية :
1 - مضمون القاعدة.
2 - مدرك القاعدة.
1) عوائد الأيّام (العائدة 27) : 88.
3 - الاستصحاب والقاعدة.
4 - اطلاق الأدلّة الأولية والقاعدة.
5 - تطبيقات.
يراد بالقاعدة المذكورة انّه لو كان لدينا واجب مركب من مجموعة أجزاء وتعذّر الاتيان ببعض تلك الأجزاء فمن اللازم الاتيان بالباقي فان الأجزاء الميسورة لا يسقط وجوبها بتعذّر الأجزاء التي تعسر الاتيان بها بالرغم من اقتضاء القاعدة الأولية لعدم وجوب الباقي لأن الأمر كان متعلّقا بالمركب الكامل التام ولم يتعلّق بالناقص ، فوجوب الناقص على هذا يحتاج إلى دليل خاص لأنّه مخالف للقاعدة الأولية ، وذلك الدليل الخاص هو قاعدة الميسور فانّها تثبت الأمر بالناقص وعدم سقوطه بسقوط الأمر بالكل.
ومن الطبيعي ان هذا البحث لا نحتاجه في مثل الصلاة لأنّه بتعذّر بعض أجزائها لا يسقط وجوب الباقي لقاعدة لا تسقط الصلاة بحال المستفادة من ضرورة الفقه ومن بعض الروايات الخاصّة (1).
وانما نحتاج إلى هذا البحث في غير الصلاة من الواجبات الاخرى.
وينبغي الالتفات الى ان مورد القاعدة - كما قلنا - المركب ذو الأجزاء ، اما ما وجب بنحو العموم الافرادي فلا شك في عدم سقوط
1) ورد المضمون المذكور في رواية واحدة وهي صحيحة زرارة الواردة في المستحاضة حيث قال عليه السلام : «... ثم تصلي ولا تدع الصلاة على حال فان النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم قال : الصلاة عماد دينكم» وسائل الشيعة باب 1 من أبواب الاستحاضة حديث 5.
وجوب الباقي بتعذر البعض ، فاذا تعذّر صوم بعض الأيّام في شهر رمضان لم يسقط وجوب صوم الباقي لأنّ صوم كل يوم من أيّام الشهر واجب بوجوب مستقل ، ولا مجال لتوهم سقوط الوجوب في مثله بتعذّر صوم بعض الأيّام وإلاّ كان ذلك خلف فرض الاستقلالية.
وهكذا لو وجب اكرام كل فرد من أفراد العلماء وتعذّر اكرام بعض فانّه لا يسقط وجوب اكرام الباقي لنفس النكتة المتقدّمة وبلا حاجة الى الاستعانة بقاعدة الميسور.
اذن مورد القاعدة الاجزاء الواجبة بوجوب واحد دون الافراد الواجب كل واحد منها بوجوب استقلالي.
قد يتصوّر ان القاعدة المذكورة بديهية لا تحتاج إلى دليل إذ من الواضح ان من تعذّر عليه قضاء قسم من دينه وتمكن من قضاء قسمه الآخر فلا يسقط وجوب قضاء الثاني بتعذّر الأوّل ، وهل يحتمل احتياج اثبات مثل ذلك إلى دليل؟!
بيد ان التصور المذكور خاطئ لأن ما ذكر وجيه في الافراد الواجبة بوجوبات مستقلة، وقد أشرنا الى عدم نظر القاعدة إلى ذلك بل للمركب الذي يتألف من أجزاء متعددة وجب مجموعها بوجوب واحد من دون استقلالية ، ومن الجلي ان ثبوت الوجوب للناقص بعد ما لم يكن هو المتعلّق له يحتاج إلى دليل.
والمعروف الاستدلال لها بروايات ثلاث :
ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من ان «الميسور لا يسقط بالمعسور». هكذا المشهور على الألسن إلاّ ان الوارد : «لا يترك الميسور بالمعسور» (1).
ولعل دلالة الرواية واضحة إذ هي تدل باطلاقها على ان كل ميسور بما في ذلك اجزاء المركب الواحد لا تسقط بالمعسور ولا تختص بالواجبات الاستقلالية.
وقد اشكل عليه بعدّة اشكالات :
أ - ان الرواية ناظرة إلى الافراد المتعددة الواجب كل واحد منها بوجوب مستقل لا للمركب من أجزاء متعددة التي وجبت بوجوب واحد ، والمهم اثبات نظرها الى الثاني وانه بتعذّر بعض الأجزاء لا يسقط وجوب الباقي دون الأوّل.
والوجه في كونها ناظرة الى الأوّل التعبير الوارد فيها بكلمة «يسقط» فان السقوط فرع الثبوت السابق ، فمن وجب عليه صوم شهر وتعذّر عليه صوم عشرة أيّام فالعشرون الباقية يصح أن يقال عنها لا يسقط وجوبها الثابت لها سابقا ، فان كلّ يوم قد ثبت له وجوب مستقل ، وذلك الوجوب المستقل لا يسقط بتعذر صوم العشرة ، اما الأجزاء الواجبة بوجوب واحد فلا يصح مثل التعبير المذكور فيها لأن الأجزاء الباقية لم يثبت لها الوجوب سابقا كي يقال هو لا يسقط عنها بتعذّر بعض الأجزاء.
1) عوالي اللآلي 4 : 58.
أجل كانت هي واجبة سابقا بوجوب ضمني وفي داخل وجوب المركب التام إلاّ ان ذلك قد سقط جزما عند سقوط الأمر بالكل لأنّه تابع له وفي ضمنه ، والمدعى ليس هو اثبات بقاء ذلك الوجوب الضمني فانه قد سقط ولا يحتمل بقاؤه وانما المدعى ثبوت وجوب نفسي استقلالي له ، وهذا الوجوب لم يكن ثابتا سابقا كي يحكم عليه بعدم السقوط ، وما كان ثابتا قد سقط جزما.
وهذا الاشكال قد تبنّاه السيّد الخوئي (1)وعلى أساسه ناقش دلالة الرواية. ومن قبله ناقش الشيخ النراقي بذلك (2).
والشيخ الأعظم في الرسائل (3)قد تعرّض لهذا الاشكال وأجاب عنه بجوابين كلاهما متين :
الأوّل : ان الرواية لم تقل لا يسقط حكم الميسور بسقوط حكم المعسور ليقال ان حكم الميسور الذي يراد ابقاؤه لم يكن ثابتا سابقا وما كان ثابتا قد سقط بل قالت نفس الميسور يبقى ثابتا.
الثاني : ان الوجوب الذي يراد اثباته وان لم يكن ثابتا سابقا وما كان ثابتا سابقا قد سقط جزما إلاّ ان التفرقة بين الوجوبين وان احدهما ضمني سقط جزما والآخر استقلالي لم يكن ثابتا سابقا مبتنية على الدقة وإلاّ فالنظرة العرفية ترى الوجوب واحدا وترى ان الوجوب إذا لم يثبت للباقي فالتعبير عنه بأنّه قد سقط وجيه بالرغم من انّه بحسب الدقة لم يكن ثابتا سابقا.
هاتان مناقشتان للشيخ الأعظم.
ويمكن أن نضيف إلى ذلك : ان التعبير بجملة «لا يسقط» لم يثبت ورودها في الرواية وانّما ذلك متداول على الألسن بلا مستند بل الوارد : «لا يترك الميسور بالمعسور» على ما أشرنا إلى ذلك سابقا.
ب - ما تبناه الآخوند في كفاية الاصول من احتمال نظر الرواية الى الافراد المتعددة التي وجب كل واحد منها بوجوب مستقل وليس الى المركب من أجزاء التي وجبت بوجوب واحد (1).
وفيه : ان هذا الاحتمال لا يعتنى له بعد ثبوت الاطلاق.
ج - ما ذكر في الكفاية أيضا من ان جملة «لا يسقط» لا بدّ من حملها على الرجحان دون اللزوم لأنّ الرواية شاملة للمستحبات أيضا ولا اختصاص لها بالواجبات(2).
وفيه : ان المقصود عدم سقوط الميسور بما له من الحكم فان كان مستحبا فيبقى الاستحباب وان كان وجوبا يبقى الوجوب.
ومن كل هذا اتضح ان دلالة الرواية على المطلوب تامة إلاّ ان المشكلة تبقى في سندها فانّها لم ترو إلاّ في كتاب عوالي اللئالي عن أمير المؤمنين عليه السلام بشكل مرسل. والكتاب المذكور معروف بالضعف فكيف إذا اجتمع معه الارسال.
ولا يمكن التخلّص من الضعف السندي المذكور إلاّ بما ذكره الشيخ الأعظم في الرسائل وبعض من تأخّر عنه من الانجبار باشتهار التمسّك بها بين الأصحاب.
وتمكن المناقشة بأن الشهرة انّما تكون جابرة لو كانت ثابتة بين المتقدّمين دون ما لو كانت خاصة بالمتأخرين ، فان ما يمكن أن يورث الاطمئنان بحقانية الرواية هو الشهرة بين المتقدّمين دون الشهرة بين المتأخرين ، وفي المقام لم يشتهر التمسك بالرواية بين المتقدّمين كالشيخ الكليني والصدوق والطوسي فان أول من ذكرها هو ابن أبي جمهور الاحسائي في كتاب عوالي اللآلي الذي هو من أعلام القرن التاسع ومتأخر عن العلاّمة الحلّي.
واستدل أيضا بالحديث الوارد عن النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم : «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» ، وبالحديث الوارد عن أمير المؤمنين عليه السلام : «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه».
وكلاهما ضعيف السند إذ لم يرويا إلاّ في كتاب عوالي اللآلي (1)بشكل مرسل لا مجال لدعوى الانجبار فيه على ما تقدّم.
وبعد ضعف السند لا تبقى حاجة إلى البحث عن تمامية الدلالة وعدمها.
قد يحاول اثبات وجوب الاجزاء الميسورة من خلال الاستصحاب.
وقد يبدو ان التمسّك بالاستصحاب أمر غريب لأن الوجوب السابق الذي كان ثابتا للأجزاء الميسورة - وهو وجوبها الضمني
1) عوالي اللآلي 4 : 58.
الثابت ضمن وجوب الكل - قد سقط جزما لأنّه ثابت ضمن وجوب الكل فاذا سقط سقط ما في ضمنه ، والوجوب الذي يراد اثباته - وهو الوجوب النفسي الاستقلالي - لا ثبوت له سابقا ليستصحب.
وعليه فما كان سابقا لا يمكن استصحابه وما يراد استصحابه لم يكن ثابتا سابقا.
ومن هنا كان اجراء الاستصحاب بحاجة الى توجيه.
ويمكن في هذا المجال ذكر عدّة بيانات :
أ - اجراء الاستصحاب في كلي الوجوب الجامع بين الضمني والاستقلالي ، ببيان ان الوجوب الضمني للاجزاء الميسورة كان ثابتا لها سابقا وهو وان سقط جزما إلاّ انّا نحتمل حلول الوجوب النفسي الاستقلالي محله فنستصحب الوجوب الكلي الجامع بين الوجوبين ولا نستصحب أحدهما بالخصوص ليقال : ان الوجوب الضمني سقط جزما والوجوب الاستقلالي لم يكن ثابتا سابقا ليستصحب.
وفيه : ان هذا الاستصحاب هو استصحاب الكلي من القسم الثالث وهو لا يجري.
اما انّه من القسم الثالث فلأن الفرض الجزم بارتفاع الفرد الأول من الوجوب الذي يتيقن بوجود الكلي ضمنه غايته يحتمل حدوث فرد ثان مقارنا لارتفاعه ، وذلك هو ملاك القسم الثالث من استصحاب الكلي.
واما انّه لا يجري فباعتبار ان وجود الكلي في الخارج ليس وجودا مستقلاّ وانّما هو بوجود افراده وضمنها ، وهو ما يعبر عنه بكونه موجودا بالحصص فهناك حصص من الكلي بعدد الافراد وليس
وجوده واحدا ضمن جميع الافراد.
وعليه فالحصة من كلي الوجوب الثابتة ضمن الوجوب الضمني قد ارتفعت جزما والحصة الثانية من كلي الوجوب الثابتة ضمن الوجوب الاستقلالي لم تكن ثابتة سابقا لتستصحب. ومعه فلا يجري استصحاب الكلي لعدم تمامية أركان الاستصحاب.
وانّما تتم الأركان لو فرض ان وجوده كان واحدا ضمن جميع الافراد فانّه آنذاك يقال ان ذلك الوجود الواحد للكلي كان ثابتا سابقا جزما والآن - أي بعد تعسّر بعض الاجزاء - يشك في بقائه فيستصحب بقاؤه.
إلاّ ان المبنى المذكور باطل - وان كان هو المنسوب للرجل الهمداني الذي التقى به الشيخ الرئيس في مدينة همدان - لان لازمه اتصاف الشيء الواحد بالصفات المتقابلة كالموت والحياة والبياض والسواد والعلم والجهل و....
ب - استصحاب الوجوب النفسي الاستقلالي فانه كان ثابتا قبلا جزما ويشك في ارتفاعه بتعذّر بعض الأجزاء فيستصحب بقاؤه. وبناء على هذا يكون الاستصحاب للجزئي دون الكلي.
وفيه : ان الوجوب النفسي الاستقلالي الذي كان ثابتا للمجموع قد ارتفع جزما ، والذي هو ثابت للميسور يشك في أصل حدوثه. واذا اريد ملاحظة الجامع بينهما صار الاستصحاب للكلي - دون الجزئي - وهو من القسم الثالث الذي تقدّم عدم جريانه فيه.
ج - استصحاب الوجوب الاستقلالي الثابت للصلاة فيشار الى الصلاة ويقال : سابقا كانت واجبة وهي الآن يشك في وجوبها ، فانه
بنقصان بعض الأجزاء - فيما إذا كان المتعذّر قليلا وغير مقوم لها - تبقى الصلاة هي تلك الصلاة ويصح ان يشار إليها ويقال : كانت سابقا واجبة والآن كذلك.
وهذا الوجه للاستصحاب جيّد شريطة كون المتعذّر قليلا وغير مقوم لمفهوم الصلاة ، فانه بناء على هذا يكون موضوع الصلاة باقيا عرفا وتصح الاشارة إليه وانه كان متّصفا بالوجوب الاستقلالي سابقا والآن كذلك.
هناك قضية لا بدّ من الالتفات إليها وهي ان الاستصحاب في هذه الوجوه الثلاثة لا يجري إلاّ إذا كان التعذّر قد طرأ بعد دخول وقت الواجب ، إذ بعد دخول الوقت يمكن أن يشار الى الصلاة ويقال : كانت قبل قليل واجبة والآن كذلك ، اما إذا كان التعذر قد طرأ قبل دخول الوقت فلا يجري إذ لا تمكن الاشارة الى الصلاة والحكم عليها بانها كانت واجبة قبلا ، بل حينما يدخل الوقت يشك في أصل حدوث الوجوب فيستصحب عدمه لا وجوده وبقاؤه.
وهذه الملاحظة مشتركة ولا تختص بالوجه الثالث بل تعمّ جميع الوجوه الثلاثة.
ان قاعدة الميسور لو تمّت فلا يصح التمسّك بها إلاّ بعد فقدان الاطلاق في الأدلة الأولية ، فمثلا إذا دلّ دليل وجوب الحج على ان الحج واجب مطلق ، بمعنى انه ثابت حتى في حالة تعذّر بعض الاجزاء فيلزم
الأخذ باطلاق دليل الواجب المذكور ويثبت بذلك وجوب الحج في حالة تعذر بعض الاجزاء بدون أن تصل النوبة الى قاعدة الميسور.
كما انه إذا كان لدليل جزئية الجزء المتعذر اطلاق يثبت من خلاله ان الجزئية مطلقة وثابتة حتى في حالة التعذر فالمناسب الأخذ بالاطلاق المذكور ويثبت بذلك سقوط وجوب الواجب وعدم لزوم الاتيان بالميسور بدون أن تصل النوبة الى قاعدة الميسور.
وإذا كان الاطلاق ثابتا في كل من الدليلين : دليل الواجب ودليل الجزء فالمناسب الأخذ باطلاق دليل الجزء والحكم بعدم وجوب الميسور فان دليل الجزء بمثابة المقيّد لدليل الواجب الذي هو بمثابة المطلق ، وكما ان أصل المقيّد مقدّم على المطلق بقانون الجمع بالتقييد كذلك اطلاق الدليل المقيّد مقدّم على اطلاق الدليل المطلق بنفس الملاك والنكتة.
اذن وصول النوبة إلى قاعدة الميسور يختص بحالة فقدان الاطلاق في دليل الواجب ودليل الجزء.
1 - إذا كان الغسل يضرّ المكلف فهل بالامكان تطبيق قاعدة الميسور بناء على تماميتها لإثبات وجوب اراقة الماء على الملابس بدلا من اراقته على البدن؟ وبناء على عدم تماميتها هل يمكن اجراء الاستصحاب لإثبات ذلك؟
2 - هل يمكن تخريج وضوء الجبيرة على طبق قاعدة الميسور بحيث تكفينا القاعدة المذكورة لإثبات مشروعيته بلا حاجة إلى دليل
خاص يدل على ذلك؟
3 - من كان على بعض بدنه قطعة قير لا يمكنه إزالتها فما هي الوظيفة بلحاظ غسله ووضوئه؟
4 - الميت يجب تغسيله بماء السدر أوّلا ثم بماء الكافور ثم بالماء القراح فإذا تعذّر السدر أو الكافور فما هي الوظيفة؟ وإذا كان الماء المطلق مفقودا فهل تصل النوبة الى التغسيل بالماء المضاف؟
5 - شخص لم يصم عصيانا فترة طويلة من عمره ثم رجع وتاب ولم يمكنه قضاء تلك الفترة الطويلة أو التكفير عنها فما هو حكمه؟
1 - مضمون القاعدة
2 - مدرك القاعدة
3 - حكم وضعي أو تكليفي
4 - ضمان المنافع والاعمال
5 - المثل أو القيمة وبدل الحيلولة واجرة الرد
6 - عموم القاعدة للجاهل والصغير
7 - استثناء يد الامانة والاحسان
8 - أسباب اخرى للضمان
9 - تطبيقات
هناك قواعد تداولها الفقهاء في باب الضمان بصفتها مستندات لإثباته من قبيل «من أتلف مال الغير فهو له ضامن» ، وقاعدة الغرور ، وقاعدة الاقدام على الضمان ، وقاعدة الأمر بالاتلاف.
ومن جملة تلك القواعد بل من أهمّها قاعدة على اليد التي هي من القواعد المشهورة ويتداول ذكرها في مبحث الغصب ومبحث المقبوض بالعقد الفاسد ومبحث تعاقب الأيدي وعند التعرض لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.
ففي مبحث الغصب يتعرّض الى ان الغاصب وكل من تعاقبت يده على المغصوب ضامن له لقاعدة على اليد.
وعلى المنوال المذكور يتعرض لها في مبحث المقبوض بالعقد الفاسد باعتبار انّه باق على ملك مالكه السابق فكل من تعاقبت يده عليه يكون ضامنا له لقاعدة على اليد.
وفي قاعدة ما يضمن ... يتعرّض إلى قاعدة على اليد بصفتها مدركا لها.
وقد تكرّر من الشيخ الأعظم قدسسره في مكاسبه الاشارة إليها في بعض الأبحاث المذكورة، ولكننا لا نقرأ في الكتاب المذكور ولا غيره من الكتب الفقهية أو الاصولية بحثا مستقلاّ ومتكاملا عنها بالرغم من شدّة الحاجة إليها وكثرة التمسّك بها. أجل تعرض لها الشيخ النراقي في عوائده (1)ببحث مختصر لا يشفي الغليل.
ونمنهج الحديث عنها ضمن النقاط التالية :
1 - مضمون القاعدة.
2 - مدرك القاعدة.
3 - حكم وضعي أو تكليفي.
4 - ضمان المنافع والاعمال.
5 - المثل أو القيمة وبدل الحيلولة واجرة الرد.
6 - عموم القاعدة للجاهل والصغير.
7 - استثناء يد الامانة والاحسان.
8 - أسباب اخرى للضمان.
9 - تطبيقات.
يقصد من قاعدة على اليد ان كل من استولى على مال غيره ووقع
1) عوائد الأيّام : 108.
تحت يده كان ضامنا له وان لم يتلف أو تلف عند غيره.
فاذا ركب شخص سيارة غيره من دون كسب موافقته كان ضامنا لها وملزما بإرجاعها إليه سالمة. فاذا تعيّب بعض أجهزتها أو سرقت منه ولو مع تحفظه الكامل عليها أو حدث زلزال فتلفت أو ... كان ضامنا لها في كل الحالات المذكورة.
وطبيعي في حالة اتلافها عن قصد وتعمّد يكون الضمان ثابتا لها بالاولى ولكن لا من باب القاعدة المذكورة بل لقاعدة اخرى يصطلح عليها قاعدة الاتلاف ، أي ان من أتلف مال الغير فهو له ضامن.
اذن دائرة قاعدة على اليد تنحصر بما اذا لم يفرض تحقّق الاتلاف من قبل المستولي على العين عن قصد وتعمّد وإلاّ كان مدرك الضمان قاعدة الاتلاف دونها.
كما ينبغي الالتفات الى انّه في حالة تعاقب الأيدي على العين تكون كل واحدة منها ضامنة لقاعدة على اليد ، ومن حق المالك الرجوع على كل واحدة منها وان كان التلف متحققا عند غيرها. فلو فرض ان الأيدي المتعاقبة كانت ثلاثا وتحقق التلف عند الثالثة فمن حق المالك الرجوع على الاولى أو الثانية أيضا فضلا عن الثالثة لتحقق الضمان باليد في حق كل واحدة منها.
كما انه في حالة بقاء العين سالمة عند الأول يكون ملزما بارجاعها وعليه كامل نفقات الارجاع لقاعدة على اليد.
وبهذا كلّه اتضح الفارق بين قاعدة على اليد وقاعدة الاتلاف.
يبقى علينا أن نستوضح الفارق بين قاعدة على اليد وقاعدة اليد التي تقدّمت الاشارة إليها في أبحاث سابقة.
ان الفارق هو انّه في قاعدة اليد لا يراد اثبات الضمان بل يراد اثبات امارية اليد على الملكية وان من كانت له يد على شيء فذلك امارة على كونه مالكا له ، وهذا بخلافه في قاعدة على اليد فانه يراد اثبات ان المستولي على مال غيره هو ضامن له.
وعليه توجد لدينا قواعد ثلاث : قاعدة على اليد وقاعدة اليد وقاعدة الاتلاف ، وقد اتضح الفارق بين كل واحدة والاخرى.
المدرك المعروف للقاعدة المذكورة هو الحديث المشهور عن النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم : «على اليد ما أخذت حتى تؤدي».
وليس للحديث المذكور أثر في معاجمنا الحديثية المعروفة. وأوّل من سجّله هو الاحسائي في عواليه (1)، ومن ثم نقله عنه المحدّث النوري في مستدركه (2).
أجل هو ممّا يستشهد به فقهاؤنا كثيرا في كتبهم الفقهية الاستدلالية. وأوّل من وجدناه يتمسّك به الشيخ الطوسي في خلافه (3)ثم تابعه على ذلك من تأخّر عنه.
والظاهر ان المصدر الأصلي للحديث هو المعاجم الحديثية للجمهور فقد رواه كثير منهم كأحمد بن حنبل في مسنده والحاكم في مستدركه وابن ماجه في سننه والبيهقي في سننه والترمذي في
صحيحه وابي داود السجستاني في سننه (1)وغيرهم.
والكل رواه بسند ينتهي الى الحسن عن سمرة عن النبيّ صلی اللّه عليه وآله وسلم .
والمقصود من الحسن هو الحسن البصري المعروف بالعداء لأمير المؤمنين عليه السلام ، فابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة ينقل :كان الحسن البصري يبغض عليّا عليه السلام ويذمّه ومن المخذلين عن نصرته وقد أنكر على أمير المؤمنين عليه السلام إراقته الدماء الكثيرة فقال له : أو ساءك ذلك؟ قال : نعم ، فقال أبو الحسن عليه السلام : لا زلت مسوءا ، فما رؤي الحسن البصري بعد هذا إلاّ مهموما عابسا إلى أن مات (2).
واما سمرة بن جندب فهو عامل زياد على البصرة المعروف بالشقاء والوقوف في وجه النبيّ صلی اللّه عليه وآله وسلم في قصة العذق والأنصاري المشتملة على قضية «لا ضرر ولا ضرار» حيث قال له النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم اترك هذا العذق ولك بدله عذق في الجنّة الدال على ضمان النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم لأمرين : دخوله الجنة وحصوله على عذق فيها ولكنه لشقائه أبى حتى ضمان النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم له دخول الجنّة.
وهو الخارج لحرب الامام الحسين عليه السلام والمتنازل أمام دراهم معاوية مقابل ادّعاء نزول بعض آيات الوعيد في حقّ أمير المؤمنين عليه السلام وبعض آيات الوعد في حق ابن ملجم لعنه اللّه تعالى.
واضافة الى هذا يوجد تشكيك في أصل سماع الحسن من سمرة
فقيل لم يسمع منه غير حديث واحد وهو حديث العقيقة.
وبعد كون سند الحديث بهذه المنزلة لا يبقى إلاّ أن يقال بانجبار ضعفه بالشهرة كما قال الشيخ النراقي : «ان اشتهارها بين الأصحاب وتداولها في كتبهم وتلقيهم لها بالقبول واستدلالهم بها في موارد غير عديدة يجبر ضعفها ويكفي عن مئونة البحث في سندها» (1).
بيد انّه أشرنا عند البحث عن قاعدة السلطنة ان المقصود من الشهرة ان كان هو الروائية فهي غير محققة لعدم تواجد الرواية في المعاجم الحديثية ، وان كان هو الفتوائية فهي جابرة لو كانت بين القدماء - حيث انّهم الطبقة المقاربة لعصر صدور النصوص - ولا يكفي تحققها بين المتأخرين فقط. والشهرة في المقام هي بين المتأخرين فقط لأنّه لم يستند الى الرواية من المتقدّمين سوى الشيخ قدسسره ، والمقدار المذكور لا يحقق شهرة الفتوى على طبق الرواية بين المتقدمين.
بل ان عمل الشيخ في الخلاف برواية لا يكشف عن صحتها حتى في نظر الشيخ لاحتمال ان يكون تمسكه بها من باب الزام العامة برواياتهم وقواعدهم لان كتاب الخلاف مؤلف لبيان موارد الخلاف بين الشيعة وغيرهم.
هذا مضافا الى احتمال أن يكون استناد من استند اليها لا لأجل الوثوق بصدورها بل لكون مضمونها مضمونا عقلائيا مسلّما لا يحتاج الى رواية صحيحة.
وعليه فالتمسك لإثبات القاعدة بالحديث المذكور أمر قابل للتأمل.
1) عوائد الأيام : 109.
والمناسب الاستدلال عليها بالسيرة العقلائية فانّها انعقدت على ان كل من استولى على مال غيره فهو ضامن له.
ونحن وان سلمنا بمضمون الحديث السابق من خلال السيرة إلاّ ان الثمرة تظهر في بعض تعابير الحديث التي قد يستفاد منها بعض الأحكام بخلافه بناء على السيرة فان تلك الأحكام قد لا يمكن اثباتها كما سيتضح ذلك خلال ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.
وهل يمكن الاستدلال على القاعدة بما دلّ على احترام أموال المسلم من قبيل صحيحة الحلبي ومحمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السلام : «هل تجوز شهادة أهل ملة من غير أهل ملتهم؟ قال : نعم ، إذا لم يوجد من أهل ملّتهم جازت شهادة غيرهم انّه لا يصلح ذهاب حق أحد» (1)، فان التعليل في الذيل يدل على الاحترام المطلوب اثباته.
ومن قبيل صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام : «سباب المؤمن فسوق ... وحرمة ماله كحرمة دمه» (2).
ومن قبيل صحيحة ابي اسامة زيد الشحام عن أبي عبد اللّه عليه السلام : «ان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم وقف بمنى حتى قضى مناسكها في حجّة الوداع ... فقال : أي يوم أعظم حرمة؟ فقالوا : هذا اليوم ، فقال : فأي شهر أعظم حرمة؟ فقالوا : هذا الشهر ، قال : فأي بلد أعظم حرمة؟ قالوا : هذا البلد ، قال : فان دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم
هذا في بلدكم هذا الى يوم تلقونه فيسألكم عن أعمالكم ، ألا هل بلغت؟ قالوا : نعم ، قال : اللّهمّ اشهد ، ألا من كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه ولا تظلموا أنفسكم ولا ترجعوا بعدي كفّارا» (1).
والاستدلال بذلك قابل للتأمّل ، إذ الحديث الأوّل والثاني يدلان على ان المال لو تلف فلا بدّ من ضمانه ولا يمكن تحقق التلف بدون ضمان لأنّه يلزم ذهاب الحق هدرا وهو مناف لحرمة مال المؤمن ، وهذا المقدار أضيق بكثير من المضمون الذي يراد اثباته بقاعدة اليد ، فان المراد اثباته بها تحقق الضمان بمجرّد وضع اليد وان لم يتحقق تلف أو تحقق عند انسان آخر.
والحديث الثالث ناظر الى الحكم التكليفي وان التصرف لا يجوز بدون طيب نفس صاحب المال وليس ناظرا الى الحكم الوضعي ، وهو الضمان.
وعليه فالمدرك منحصر بالسيرة العقلائية الممضية بسبب عدم الردع. ولا بدّ في كل مورد من ملاحظة حدود السيرة لا حدود الحديث وألفاظه.
لا اشكال في ان المراد من اليد في القاعدة الكناية عن الاستيلاء وان من استولى على شيء فهو عليه الى ان يتحقق منه الردّ الكامل.
1) وسائل الشيعة باب 1 من أبواب القصاص في النفس حديث 3.
وانّما عبّر باليد لأنّها الوسيلة عادة لتحقق الاستيلاء.
والمهم تحقيق المقصود من التعبير ب «على اليد» فما المقصود من كونه عليها؟ فهل المقصود الاشارة بذلك الى الحكم التكليفي أو الى الحكم الوضعي؟
ظاهر الشيخ النراقي في عوائد الايام احتمال كون المقصود هو الحكم التكليفي ، أي على اليد حفظ ما أخذت إلى زمان ادائه ، ومعه فلا يكون الحديث ناظرا الى الحكم الوضعي ، وهو الضمان.
وكأن الشيخ الأعظم قدسسره في مبحث المقبوض بالعقد الفاسد ناظر الى ذلك حينما ذكر ان الحمل على إرادة الحكم التكليفي وجيه لو كانت النسبة الى فعل من أفعال المكلف بأن قيل هكذا : على اليد حفظ ما أخذته ، انّه في مثل ذلك يتولّد ظهور في ارادة الحكم التكليفي ، بخلاف ما لو كانت النسبة إلى نفس المال - كما هو الحال في الحديث - فان الكلام يكون ظاهرا آنذاك في إرادة الضمان ، فحينما يقال : عليك دينار فالمراد : انّك ضامن ومشغول الذمّة بدينار (1).
هذا ما أفاده الشيخ الأعظم قدسسره.
والمناسب ان يقال : بعد ان حصرنا المدرك بالسيرة العقلائية فليس لنا الا الرجوع اليها، وهي تقتضي الضمان لا مجرّد الحكم التكليفي ، فمن استولى على سيارة غيره مثلا ودفعها إلى ثان جاز لدى العقلاء رجوع صاحبها الى الأوّل ومطالبته بها.
1) كتاب المكاسب : 180 ، منشورات دار الحكمة.
وقع البحث في ان قاعدة على اليد هل تشمل المنافع والاعمال أو لا؟ فمثلا لو استولى شخص على سيارة غيره بدون اذنه وأرجعها بعد يوم دون حدوث أي نقصان فيها ولكنه انتفع منها بركوبها في مسافة قصيرة فهل يمكن التمسك بقاعدة على اليد لإثبات ضمان المنفعة في الفترة المذكورة؟
ويصطلح على مثل المنفعة المذكورة بالمنفعة المستوفاة في مقابل ابقاء السيارة بلا انتفاع منها طيلة الفترة.
ويصطلح على المنافع التي يمر الزمن دون استفادة منها بالمنافع غير المستوفاة.
وقد وقع البحث في ان قاعدة على اليد هل تدل على ضمان المنافع المستوفاة وغير المستوفاة أو لا؟
وهكذا الكلام بالنسبة إلى الأعمال ، فلو فرض ان شخصا قدّم قطعة قماش إلى خيّاط فخاطها ثم انكشف انّها ليست له وقد اشتبه في تقديمها إلى الخيّاط. ان الاجارة في مثل ذلك فاسدة ، ولكن هل يمكن اثبات ضمان عمل الخيّاط بقاعدة على اليد؟
استشكل في شمول القاعدة لمثل ذلك اما لأنّ عنوان الأخذ لا يصدق إلاّ بالنسبة الى الاعيان دون المنافع والاعمال أو لأن الذيل المذكور في القاعدة هو «حتى تؤدي» ، والاداء حيث لا يمكن تحققه بالنسبة الى غير الاعيان فتختص القاعدة بها.
ونعود هنا من جديد لنقول : ان المناسب الرجوع الى السيرة
العقلائية دون القاعدة بألفاظها الخاصة لضعف سند الحديث. وإذا رجعنا الى السيرة فلا يبعد قضاؤها بالضمان في المنافع لأنها مال فوّت على صاحبه. وهكذا في الأعمال باعتبار تحقق الأمر بعمل الخياطة ، والأمر بالعمل بنفسه موجب من موجبات الضمان في نظر العقلاء كما ستأتي الإشارة إليه.
لا اشكال في ان العين المأخوذة من الغير بدون كسب موافقته يلزم ردّها كاملة إليه. ولو تلفت فبناء على قاعدة على اليد وقاعدة لا يصلح ذهاب حق أحد هدرا لزوم ضمان التالف. وهل يلزم الضمان بالمثل أو بالقيمة؟
قد يقال المناسب لقاعدة على اليد ضمان المثل فان تعذّر فالقيمة.
ثم انّه على تقدير تعذر المثل فهل المدار على قيمة العين يوم الاستيلاء عليها أو يوم تعذر المثل أو يوم المطالبة أو يوم الدفع والاداء؟
قد يقال : المناسب لقاعدة على اليد كون المدار على قيمة يوم الاداء لأن العين بالاستيلاء عليها بدون اذن تكون بنفسها ثابتة في الذمّة حتى مع تعذر المثل ، فان القاعدة تقول : على اليد ما أخذت ، أي ان نفس ما أخذته ثابت في الذمّة وتنشغل به الى ان تؤديه فهو باق في الذمة حتى بعد تعذر المثل ولا ينتقل الى القيمة إذ لا موجب لذلك فان مقتضى اطلاق على اليد ما أخذت بقاء ما استولي عليه في ذمّة المستولي حتى بعد تلفه بل وحتى بعد تعذّر المثل ، أجل عند تلف العين
وتعذر مثلها لا بدّ من الانتقال الى القيمة آنذاك لأنّها البديل الممكن فتثبت قيمة المثل حين المطالبة وارادة الدفع.
كما ان هناك سؤالا آخر ، وهو ان العين لو كانت موجودة وليست بتالفة ولكن تعذر الوصول اليها كالخاتم الذي يقع في البحر فهل يلزم ضمان بدل الحيلولة ، بمعنى ان المستولي على الخاتم بلا اذن صاحبه هل يلزمه دفع خاتم مماثل للسابق كبديل عن الحيلولة الحاصلة في فترة يوم أو يومين إلى ان يخرجه الغواصون؟
وبكلمة اخرى : نفترض ان العين لم يتحقق تلفها وبالامكان ردّها بعد يوم أو يومين فهل يلزم دفع البديل في الفترة المذكورة؟
ولربما يستدل بقاعدة على اليد على ضمان بدل الحيلولة.
وهناك تساؤل ثالث أو رابع وهو ان العين إذا كانت موجودة وبالامكان ردّها ولكن كان ردّها يحتاج الى اجور فهل الاجور على المستولي بلا اذن؟
قد يقال : نعم هي عليه لقاعدة على اليد.
وبالجملة : ان قاعدة على اليد قد يتمسك بها لإثبات وجوب المثل مع وجوده أو القيمة مع عدمه. وهكذا قد يتمسك بها لإثبات وجوب بدل الحيلولة واجور الردّ.
هذا والمناسب في ضوء ما ذكرناه الرجوع إلى السيرة العقلائية وهي تقتضي وجوب المثل مع امكانه والقيمة مع عدمه. ولا يبعد انها تقتضي اعتبار قيمة يوم الدفع وتقتضي أيضا تعلّق الاجور بالمستولي على العين.
واما بدل الحيلولة ففي اقتضائها لذلك تأمل ، ومع الشك يرجع الى البراءة.
بعد وضوح ضمان من وضع يده على مال الغير إذا كان عالما بالغا قد يتساءل عن الضمان لو كان جاهلا بكونه مال الغير أو كان غير بالغ فهل يكون ضامنا أيضا أو لا؟
قد يجاب بأن الأحكام حيث تختص بالعالم البالغ فمن المناسب عدم استقرار الضمان في المقام.
وما ذكر قابل للتأمّل لأن الحكم بالضمان حكم وضعي وهو لا مانع من شموله للجاهل والصغير وانما الذي لا يشملهما هو الحكم التكليفي بالخصوص.
وعليه فوجوب الرد مثلا لا يشمل غير البالغ بخلاف الضمان لو تحقق التلف عنده فانه لا محذور في شموله له ، غايته يكون المكلف بالدفع من أموال الصبي هو وليه.
وهكذا الحال فيمن وضع يده على مال الغير وهو جاهل بذلك متخيلا انّه ملكه فانّه ضامن له لو تلف عنده بل ولو لم يتلف أيضا ، كل ذلك للسيرة العقلائية وليس لحديث على اليد لعدم تمامية سنده.
ان كل من استولى على مال غيره كان ضامنا له اما لحديث على اليد أو للسيرة العقلائية. ويستثنى من ذلك نحوان من اليد :
يد الأمانة ويد الاحسان.
اما يد الأمانة فلا اشكال في عدم ضمانها حتى مع تحقق التلف عندها ، وذلك اما لأن السيرة العقلائية التي هي المدرك لضمان اليد ضيقة من الأول ومحدودة من البداية بحدود اليد غير الامانية ، فان العقلاء إذا ائتمنوا شخصا وأودعوا عنده مالا وتلف لديه فلا يحكمون عليه بالضمان إلاّ إذا فرّط وتعدى.
أو للروايات الخاصة القاضية بأن يد الأمانة لا تكون ضامنة إلاّ مع التعدي والتفريط كما في صحيحة مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السّلام : «انّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم قال : ليس لك ان تتهم من قد ائتمنته ...» (1).
والصحيحة المذكورة تدل بوضوح على الضمان مع تحقق التعدي والتفريط.
ثم ان الأمانة تارة تكون مالكية واخرى شرعية.
والمراد بالاولى الأمانة التي يقوم بها مالك الشيء نفسه ، وبالثانية الأمانة التي يقوم بها الشارع من قبل المالك ، كما هو الحال في اللقطة ، فان الشارع ما دام قد جوّز التقاط الشيء الضائع فلازم ذلك جعله الملتقط أمينا على الشيء ومن ثمّ تكون أمانته من قبل الشارع امانة شرعية.
والأمين في كلتا الحالتين لا يكون ضامنا ما دام لم يفرط.
هذا كلّه في يد الامانة.
1) وسائل الشيعة باب 4 من أحكام الوديعة حديث 10.
واما يد الاحسان فهي ليست ضامنة أيضا لقوله تعالى : ( ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ) (1).
أجل يد الاحسان هي في واقعها مصداق من مصاديق يد الامانة وليست شيئا مغايرا لها. وذكرها بالخصوص لأجل اشارة الآية الكريمة لها بالخصوص.
والذي ينبغي الالتفات إليه ان اليد لا يصدق عليها كونها محسنة إلاّ إذا كان التصرف مأذونا به من قبل المالك ، فمن اودع عنده مال وأخذ يتاجر به لغرض تحصيل الأرباح للمالك من دون ان يأذن المالك بذلك وخسر في تجارته يكون ضامنا بالرغم من كون غرضه الاحسان لصاحب المال ، وليس ذلك إلاّ لعدم صدق عنوان الاحسان بعد عدم اذن المالك.
ثم انّه بعد استثناء يد الامانة والاحسان يبقى تحت القاعدة كل يد لم تكن من أحد القسمين حتى وان لم تكن يد غصب كاليد التي تستولي على شيء جهلا بكونه لغيرها.
وبذلك يتضح عدم اختصاص الضمان باليد العدوانية ، بل قد يصطلح على كل يد غير امانية باليد العدوانية.
للضمان أسباب متعددة كانت من جملتها اليد. وهناك أسباب اخرى له يجدر الالتفات إليها من جملتها :
1) التوبة : 91.
أ - الاتلاف ، فان من أتلف مال غيره فهو له ضامن حتى لو لم يكن صاحب يد عليه ،كمن رمى زجاجة الغير بحصاة وكسرها فإنّه ضامن لها لإتلافها وليس لليد لعدم تحققها.
والمستند في ذلك ليس حديث «من أتلف مال الغير فهو له ضامن» فان ذلك لم يثبت كونه حديثا حتى على سبيل الارسال بل المستند المهم لذلك السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع.
ب - الأمر بالعمل ، فان من أمر غيره بعمل معيّن ولم يتبانيا على التبرع فهو ضامن متى ما قام الغير بالعمل ، فلو فرض ان شخصا قال للبنّاء : ابن داري أو قال للحمّال:احمل متاعي الى البيت أو قال للخيّاط : خط ثوبي أو قال للطبيب : عالج ولدي المريض وما شاكل ذلك كان ذلك موجبا لضمان الآمر حتى ولو لم تتحقق اجارة ونحوها.
والمستند في ذلك هو السيرة العقلائية أيضا الممضاة بعدم الردع.
وهذا السبب للضمان قد لا نجد له اشارة في كلمات الاعلام خصوصا المتقدّمين منهم ولكن الأمر كما ذكرنا للسيرة العقلائية.
ج - الاقدام على الضمان. وقد نقل الشيخ الأعظم في المكاسب هذا السبب للضمان كتوجيه لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفساده ، فالبيع إذا كان صحيحا فيه ضمان ، بمعنى انّه لو تلف المبيع عند المشتري يكون تلفه من كيسه ولا حقّ له في الرجوع على البائع حتى ولو لم يكن التلف عن تفريط ، وكذلك الحال لو اتضح فساد البيع لسبب وآخر فان تلف المبيع يكون على المشتري ولو لم يكن عن تفريط. ولكن لما ذا ذلك والحال ان المبيع مع افتراض فساد البيع ليس ملكا للمشتري ليكون تلفه منه بل هو ملك البائع؟
ان سبب ذلك على ما ذكر الشهيد الثاني في المسالك (1)والشيخ الطوسي في المبسوط (2)هو التمسك بقاعدة الاقدام على الضمان.
هذا ولكن القاعدة المذكورة على ما أشار إليه الشيخ الأعظم : «مطلب يحتاج الى دليل» (3). والسيرة العقلائية لم يثبت انعقادها على الضمان بمجرّد الاقدام من دون تحقق الاتلاف أو اليد أو الأمر بالعمل.
د - الغرور ، بمعنى ان من غرّ غيره وأوقعه في الضمان يكون هو الضامن ويستقر عليه. فلو فرض ان شخصا قدّم طعاما إلى غيره موحيا له انّه ملكه وقد أباح له أكله فاذا أكله واتضح بعد ذلك انّه لغير من قدّمه فمن حقّ المالك الرجوع على الآكل لقاعدة الاتلاف ولكن الآكل بدوره له الحق في الرجوع على من قدّمه له لقاعدة الغرور.
ويأتي البحث عن هذه القاعدة بشكل مستقل إن شاء اللّه تعالى.
ه - التسبيب لخسارة الغير. ويأتي التحدّث عن ذلك ضمن قاعدة الغرور.
1 - لو دفعت قطعة قماش الى خيّاط فتجاوز الحد المقرّر له اشتباها وتحقق منه تلف القماش بمعنى نقصان قيمته فهل يكون ضامنا بعد الالتفات الى كون يده يد أمانة؟
2 - شخص دفع الى غيره خمسا باعتقاد انّه متعلّق بذمّته ثم
اتضح اشتباهه وعدم تعلّقه بذمّته. وفي مثل ذلك تارة نفترض بقاء الخمس واخرى نفترض تلفه ، وعلى كلا التقديرين تارة نفترض علم المدفوع إليه بواقع الحال واخرى نفترض جهله. ما هو الحكم من حيث الضمان في الحالات المذكورة؟
3 - إذا دخل شخص بيته فرأى فيه طعاما فأكله باعتقاد انّه راجع إليه ثم اتضح انّه لغيره فهل يكون ضامنا ولماذا؟
4 - شخص دفعت إليه أموال كأجور لعبادات استيجارية وسرقت منه بعد ان وضعها في بيته ، على من تكون الخسارة؟
5 - شخص تعلّق بذمّته الخمس وفرزه في مال معين ، وفي الطريق سرق منه قبل ايصاله الى مصرفه أو يفرض انّه دفعه لشخص ثقة ليوصله الى مصرفه وفرض سرقته من ذلك الثقة فعلى من الخسارة في الحالتين المذكورتين؟
6 - إذا غصب شخص شيئا من غيره وانتقل ذلك الشيء الى شخص ثان ، من هو الضامن في الحالة المذكورة؟
7 - لو فتح شخص باب دار غيره ودخل سارق وأخذ ما فيها ، على من يكون الضمان؟
8 - لو غصب شخص أرضا وزرع فيها حبّا فلمن يكون الناتج وما ذا يستحق صاحب الأرض.
9 - إذا كان لشخص دين على آخر وامتنع من ادائه وصرف في سبيل تحصيله مقدارا من المال فعلى من تكون خسارة ذلك المقدار؟
10 - إذا دفع الغاصب الشيء الذي غصبه لشخص ثان ، وهذا الثاني دفعه بدوره الى الشخص الأوّل الغاصب فالمالك يرجع على من؟
1 - مضمون القاعدة
2 - مدرك القاعدة
3 - قاعدة التسبيب
4 - اعتبار الجهل في صحة التمسك بالقاعدة
5 - تطبيقات
من القواعد التي يشار إليها في الفقه ويتمسك بها بصفتها مدركا للضمان في موارد محدودة وقليلة قاعدة الغرور والتي قد يعبّر عنها أيضا بقاعدة المغرور يرجع على من غرّه ، فيشار إليها في باب النكاح في مسألة ما لو زوّج شخص امة غيره من شخص آخر جاهلا بكونها لغيره وأولدها طفلا ، فان الزوج يضمن لمولى الامة لأجل الدخول بها عشر قيمتها ان كانت بكرا ونصف العشر ان كانت ثيبا ، كما يضمن قيمة الولد ، ويرجع الزوج بكلتا الغرامتين اللتين غرمهما للمولى على ذلك الشخص الغار لقاعدة الغرور (1).
كما يشار إليها في باب الغصب في مسألة ما لو قدم الغاصب الطعام المغصوب لغيره موحيا له انّه ملكه ، فان المالك إذا رجع على الآكل لقاعدة الاتلاف أو على اليد رجع هو بدوره على
1) العروة الوثقى ، كتاب النكاح ، فصل نكاح العبيد والاماء ، مسألة : 20.
الغاصب لقاعدة الغرور (1).
ان قاعدة الغرور ذكرت في هذين الموردين وما شاكلهما من دون اشارة إلى تفاصيلها وما يرتبط بها من أبحاث.
ولو تمّت القاعدة المذكورة مدركا حصلنا على سبب آخر للضمان مضافا الى أسبابه الاخرى وهي : اليد ، الاتلاف ، الأمر بالعمل ، والاقدام على الضمان في رأي ، والتسبيب لخسارة الآخرين.
بيد انها محل اختلاف بين الفقهاء فمنهم من قبلها كسبب من أسباب الضمان ومنهم من رفض ذلك.
ونمنهج الحديث حول القاعدة ضمن النقاط التالية :
1 - مضمون القاعدة.
2 - مدرك القاعدة.
3 - قاعدة التسبيب.
4 - اعتبار الجهل في صحة التمسك بالقاعدة.
5 - تطبيقات.
يقصد بالغرور الخديعة. يقال غرّه غرورا بمعنى خدعه خدعة.
وينبغي عدم الخلط بين الغرور والغرر ، فالأوّل يراد به الخديعة بينما الثاني يراد به كل جهالة تشتمل عليها المعاملة.
والمقصود من القاعدة - على هذا - ان كل من خدع غيره وأوقعه
1) جواهر الكلام 37 : 145.
في الخسارة ضمن تلك الخسارة ، فالغاصب إذا قدّم الطعام المغصوب لغيره ضمن ذلك الغير الآكل قيمة الطعام لصاحبه لقاعدة على اليد أو الاتلاف ولكنه بدوره يرجع على الغاصب الغار لقاعدة الغرور.
ولا ينبغي ان نفهم من هذا ان قاعدة الغرور ترادف القاعدة الثانية المعروفة بقاعدة التسبيب إلى الضمان ، كلا ان القاعدتين وان التقتا في كثير من مواردهما إلاّ انّهما قد يفترقان في بعض الموارد الاخرى ، كما لو فرض ان الطبيب وصف للمريض علاجا خاصّا اشتباها وتضرّر بذلك المريض ، انّه في مثل ذلك لا يمكن التمسّك بقاعدة الغرور لأن الطبيب ما دام مشتبها فلا يصدق عليه عنوان الغار ولكنّه سبّب الخسارة والضرر على المريض فتشمله قاعدة التسبيب ويحكم بضمانه لأجلها - بناء على تماميتها - دون قاعدة الغرور.
وهكذا لو فرض ان انسانا نجّس مسجدا أو المصحف الشريف واحتاج التطهير الى بذل اجرة معينة ، ان تلك الاجرة يجب بذلها على من يتمكن منها. والسبب في خسارتها هو ذلك الشخص المنجّس ، فبناء على تمامية قاعدة التسبيب وكون المثال مصداقا لها يلزم ضمانه لأجلها وليس لقاعدة الغرور.
وهكذا لو فرض ان انسانا نجّس فرش الغير واحتاج تطهيره الى اجرة معينة ، فان ضمانها لو ثبت على المنجس فهو لقاعدة التسبيب وليس لقاعدة الغرور.
وهكذا لو فرض ان تاجرا استورد بضاعة معينة بمقدار كبير أوجب خسارة بقية التجار الذين لديهم تلك البضاعة ، ان ضمان الخسارة المذكورة لو ثبت فهو لقاعدة التسبيب دون قاعدة الغرور.
وبهذا ننتهي إلى ان قاعدة التسبيب قد تصدق من دون قاعدة الغرور ، والعكس ليس بصحيح ، فان قاعدة الغرور لا تنفك عن قاعدة التسبيب عادة ، فالنسبة بينهما على هذا هي العموم والخصوص المطلق.
ودعوى ان بالامكان صدق قاعدة الغرور دون قاعدة التسبيب ، كما لو مدح شخص امرأة فتزوجها آخر اغترارا بالمدح ، فانه في مثل ذلك لا تصدق قاعدة التسبيب لأن المادح لم يصدر منه التزويج بينما تصدق قاعدة الغرور ، ومعه تكون النسبة هي العموم من وجه.
مدفوعة : بان نفس المدح نحو تسبيب عرفا لزواج الآخر
أهم ما يمكن التمسك به للقاعدة وجهان :
التمسك بالسيرة العقلائية بدعوى انها منعقدة على ضمان الغار ، وحيث انه لم يرد ردع عنها شرعا فتكون ممضاة.
ودعوى السيرة مقبولة في الجملة وليس في جميع موارد القاعدة.
انها مقبولة في مثل الغاصب الذي قدّم الطعام المغصوب للغير وأكله ايحاء بأنه ملكه أو في مثل من ركب سيارة باعتقاد انها سيارته التي يضعها في مكانها المقرّر وإذا بها سيارة شخص آخر وضعت مكان الأوّل عن قصد وعمد.
وليست مقبولة فيما إذا قال شخص لآخر : ان التجارة الفلانية مربحة فتاجر بها وإذا الأمر بالعكس ، أو فرض ان شخصا عنده بضاعة
معينة بكمية كبيرة لم يفصح عنها وأوهم الآخرين عدم وجود تلك البضاعة عنده فلما استورد الآخرون تلك البضاعة إذا به يعرضها في السوق ، الأمر الذي يوجب خسارة ذلك المستورد ، انه في المثالين المذكورين ولا أقل الثاني لا يحكم العقلاء بضمان الغار.
وعليه فليس بامكاننا ان نستفيد من السيرة العقلائية الضمان بشكل مطلق في موارد الغرور بل يختلف ذلك باختلاف الموارد.
التمسك بالأحاديث العامة والخاصة.
اما الحديث العام فهو ما اشتهر بلسان «المغرور يرجع على من غرّه». وقد نسب بعض الفقهاء ذلك الى النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم ، كما في جواهر الكلام وحاشية الارشاد ومستمسك العروة الوثقى وغيرها (1).
بيد انه باللسان المذكور لا توجد رواية منسوبة الى النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم حتى في معاجم الحديث للعامة فضلا عن الخاصة. أجل يوجد بألسنة اخرى منسوبا الى غير النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم كما سيتضح.
وعليه فدعوى انجبار ضعف سند الحديث بعمل الأصحاب كما يتراءى من المستمسك وغيره ضعيفة باعتبار ان الجملة المذكورة لم يثبت كونها حديثا ليتم انجبارها بناء على تمامية كبرى الانجبار واحراز الصغرى وان الأصحاب استندوا إلى ما ذكر وهو معتمدهم في مقام الفتوى ، وهذا غير ثابت أيضا.
نعم ورد ما يقرب من مضمون الجملة السابقة منسوبا الى أمير
1) جواهر الكلام 37 : 145. وقد نقل في هامش الجواهر ذلك عن حاشية الارشاد للمحقق الثاني. مستمسك العروة الوثقى 14 : 350.
المؤمنين عليه السلام ، فالبيهقي في سننه نقل عن الشافعي عن علي عليه السلام : في المغرور يرجع بالمهر على من غرّه (1).
بيد ان الحديث المذكور على تقدير تمامية سنده خاص بخصوص المهر ولا يعمّ غيره.
واما الأحاديث الخاصة فكثيرة. والمهم منها :
1 - صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السلام : «امرأة شهد عندها شاهدان بأن زوجها مات فتزوجت ثم جاء زوجها الأوّل. قال : لها المهر بما استحل من فرجها الأخير، ويضرب الشاهدان الحد ، ويضمنان المهر بما غرّا الرجل ، ثم تعتد وترجع الى زوجها الأوّل» (2)، بتقريب ان الباء في جملة «بما غرّا الرجل» سببية ، أي : يضمنان بسبب انّهما غرّا الرجل فيتمسك بعموم التعليل ويثبت بذلك ان مطلق الغرور يوجب الضمان.
وهي تامّة السند أيضا ، فان كلاّ من الصدوق والشيخ رواها بطريقه الخاص. وكلا الطريقين ولا أقل طريق الصدوق تام ، إذ رواها بسنده إلى إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السلام.
وطريق الصدوق الى إبراهيم صحيح على ما في المشيخة. وإبراهيم وأبو بصير من ثقات أصحابنا.
أجل يبقى ان صاحب الوسائل روى جملة «بما غرّا» بعنوان نسخة ، ولكن إذا رجعنا إلى المصدر الأصلي ، وهو الفقيه والتهذيب رأيناها ثابتة في كليهما فلا مشكلة من هذه الناحية.
2 - ما رواه رفاعة بن موسى : «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام ... عن البرصاء ، فقال : قضى أمير المؤمنين عليه السلام في امرأة زوّجها وليّها وهي برصاء ان لها المهر بما استحل من فرجها وان المهر على الذي زوّجها ، وانّما صار عليه المهر لأنّه دلسها ...» (1).
ودلالتها واضحة ، فانّها تدل بعموم التعليل على ان كل مدلس - الذي هو تعبير آخر عن الغار - ضامن.
إلاّ ان سندها يشتمل على سهل الذي وقع محلاّ للكلام. ولكنها تصلح على أي حال لدعم الصحيحة الاولى.
3 - ما رواه إسماعيل بن جابر : «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل نظر الى امرأة فأعجبته فسأل عنها فقيل : هي ابنة فلان ، فأتى أباها فقال : زوجني ابنتك فزوّجه غيرها فولدت منه فعلم بها بعد انها غير ابنته وانّها امة. قال : ترد الوليدة على مواليها ، والولد للرجل ، وعلى الذي زوّجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غرّ الرجل وخدعه» (2).
ودلالتها واضحة. إلاّ ان سندها يشتمل على محمّد بن سنان الذي وقع محلاّ للكلام أيضا. ولكنها تصلح للدعم كما تقدّم.
وبهذا يتّضح ان ثبوت الضمان بقاعدة الغرور أمر صحيح.
ويتضح أيضا ان مناقشة السيّد الخوئي قدسسره للقاعدة باعتبار ان المدرك المهم لها هو رواية إسماعيل ورفاعة ، وكلتاهما ضعيفة السند (3)قابلة للتأمّل.
ووجه التأمّل : ان صحيحة أبي بصير تام الدلالة والسند فلا يضر بعد ذلك ضعف الروايتين.
على ان اتفاق روايات ثلاث - بل أكثر - وبلسان متقارب على مطلب واحد قد يورث للفقيه الاطمئنان بحقانية المطلب.
ويتضح بهذا أيضا ان التمسك بالإجماع لإثبات القاعدة أمر غير وجيه لأن حجيته هي باعتبار كاشفيته عن رأي المعصوم عليه السلام يدا بيد ، ومع احتمال المدرك له - وهو السيرة والروايات - لا يمكن الجزم بكاشفيته عن رأي المعصوم عليه السلام.
هناك قاعدة باسم قاعدة التسبيب - ويعبّر عنها على لسان القدماء بقاعدة السبب أقوى من المباشر - وقع الكلام في حجيتها. ومضمونها ان شخصا لو سبب لثان الوقوع في خسارة فهو ضامن لتلك الخسارة.
مثال ذلك : ما لو نجّس شخص قطعة فرش لغيره وكانت طهارتها أمرا ضروريا واحتاج التطهير إلى اجرة معينة ، فبناء على تمامية قاعدة التسبيب يلزم المنجس ضمان تلك الاجرة كما ويلزمه ضمان النقص الطارئ على العين بسبب التطهير لو فرض نقصان قيمتها بذلك.
هذا ولكن السيّد الخوئي قدسسره رفض الضمان بتقريب ان سبب الضمان منحصر بأمرين : الاتلاف واليد ، وكلاهما غير متحقق ، إذ بالتنجيس لم يتحقق اتلاف قطعة الفرش ولا الاستيلاء عليها ليلزم ضمان اجرة التطهير أو قيمة النقص الطارئ.
هذا لو لم يفرض ان قيمة الفرش قد نقصت بالتنجيس نفسه ، اما إذا نقصت بالتنجيس نفسه وقبل ان يغسل ثبت الضمان لقاعدة الاتلاف حيث تم اتلاف وصف كمالي من أوصاف الفرش بعملية التنجيس نفسها.
وبالجملة : إذا لم تنقص قيمة الفرش بالتنجيس نفسه واحتاج تطهيره الى اجرة أو فرض نقصان القيمة على تقدير التطهير فلا ضمان لتلك الاجرة ولا لذاك النقصان لعدم صدق اليد ولا الاتلاف ، وسبب الضمان لا يعدو أحد هذين الأمرين اما اليد أو الاتلاف.
ثم أضاف قدسسره قائلا :
وامّا التسبيب فهو ليس سببا مستقلاّ للضمان في مقابل السببين المذكورين بل هو يوجب الضمان لو صدق عنوان المتلف على السبب.
وعليه فينبغي التفصيل في موارد التسبيب بين ما إذا صدق على السبب انه متلف وبين ما إذا لم يصدق عليه ذلك ، ففي الأوّل يضمن لقاعدة الاتلاف دونه في الثاني.
مثال صدق ذلك : ما لو أرسل شخص دابته واتلفت زرع الغير أو أعطى شخص سكينا بيد صبي وأمره بضرب شخص ، فانه يصدق على الشخص المذكور عنوان المتلف وينسب إليه اتلاف زرع الغير وجرح الشخص ، باعتبار ان المباشر اما لا إرادة له أو ذو إرادة ضعيفة بحيث يعدّ آلة بيد السبب ، وينسب العرف بنحو الحقيقة الاتلاف إليه لا إلى المباشر.
ومثال عدم صدق ذلك : ما لو توسطت في البين الارادة التامة للمباشر ، كما لو أمر شخص شخصا آخر كبيرا باتلاف زرع الغير أو
جرحه وقام بتنفيذ ذلك. ان الاتلاف في مثل ذلك ينسب الى المباشر - باعتبار توسط إرادته التامّة - وليس إلى السبب. هذا ما أفاده قدسسره في هذا المقام (1).
وهناك مسألة ثانية بحثها الفقهاء ترتبط بالمسألة المتقدّمة ، وهي ان زيدا لو نجّس المصحف الشريف أو المسجد - اللذين يجب تطهيرهما فورا - واحتاج تطهيرهما إلى بذل اجرة معينة فهل يختص ضمانها بزيد أو يعم كل فرد مسلم؟
انه بناء على تمامية قاعدة التسبيب يمكن الحكم بضمان زيد للأجرة ، بتقريب ان زيدا صار بفعله سببا لخسارة الآخرين قيمة التطهير ، فاذا تصدّى بعض الناس للتطهير جاز له الرجوع عليه للقاعدة المذكورة.
بل ويمكن الحكم بضمانه للخسارة حتى بناء على انكار قاعدة التسبيب وحصر سبب الضمان بالاتلاف واليد ، بتقريب ان الآخر المتصدي للتطهير وان تصدّى بإرادته إلاّ انّه لما كان ملزما من قبل الشارع بالتطهير فإرادته تصبح إرادة مغلوبة وفي حكم العدم ، وبذلك يسند الاتلاف عرفا الى السبب ويكون استقرار الضمان عليه دون غيره.
ولا ينقض على ذلك بما ذكره السيّد الخوئي قدسسره من ان لازم ذلك ان المعسر لو تزوج وأولد أطفالا وهو عاجز عن القيام بنفقتهم وفرض ان المسلمين قاموا بالانفاق عليهم من باب وجوب حفظ النفس
1) التنقيح 2 : 323.
المحترمة على كل مسلم ، ان لازم ذلك ضمان ذلك المعسر المتزوّج بما ينفقه الناس على أطفاله ، والحال ان ذلك لا يمكن التزامه (1).
وهكذا لا ينقض بما لو فرض ان شخصا ابرأ شخصا آخر من دين مانع من الاستطاعة فترتب على ذلك تحقق عنوان الاستطاعة للحج في حقّه ووجوبه عليه ، فبناء على عدّ الإرادة المغلوبة بحكم العدم يلزم ضمان المبرأ لنفقات الحج ، وهو بعيد أيضا.
ان هذين النقضين وأمثالهما قابلان للدفع ، باعتبار ان العرف يفهم من حكم الشارع بجواز زواج المعسر وابراء المديون عدم كونهما ضامنين. وهذه الدلالة الالتزامية العرفية هي المانع من الحكم بالضمان ، وهذا بخلافه في مثال تنجيس المسجد أو المصحف الشريف فإنّه لا توجد مثل هذه الدلالة.
وعلى أي حال ان قاعدة التسبيب لها نتائج تظهر في الأمثلة المذكورة وغيرها ، وقد أنكرها بعض الأعلام بدعوى عدم تمامية دليل عليها ، ومن ثمّ أنكر الثمرات المترتبة عليها في الأمثلة السابقة ، كضمان قيمة تطهير الفرش وقيمة النقص الطارئ بسبب التطهير واجور تطهير المسجد والمصحف.
إلاّ ان من القريب جدّا دعوى انعقاد السيرة العقلائية عليها والحكم بضمان المسبب لخسارة الآخرين فيما إذا كان تسبيبه تسبيبا غير مأذون به شرعا. وحيث ان السيرة المذكورة لم يثبت ردع عنها فتكون ممضاة.
1) التنقيح 2 : 321.
قد يفرض ان الشخص الغار عالم بما يترتب على فعله من الخديعة ووقوع الغير في الخسارة وقد يكون جاهلا بذلك. وهكذا الحال بالنسبة إلى الشخص المغرور قد يفرض جهله بواقع الحال وقد يفرض علمه.
فان فرض علم الغار وجهل المغرور فذلك هو القدر المتيقن من قاعدة الغرور.
واما إذا فرض علم المغرور فلا اشكال في انتفاء عنوان الغرور سواء كان الطرف الآخر عالما أو جاهلا.
واما إذا كانا جاهلين معا فقد ادعى البعض صدق عنوان الغرور ، بدعوى ان عناوين الأفعال ليست متقومة بقصد تلك العناوين ، فمن قام أو قعد يصدق عليه عنوان القائم أو القاعد وان لم يكن قاصدا لذلك بل كان غافلا ، فمن قدّم طعام الغير إلى آخر يصدق عليه انّه غار ولو لم يكن ملتفتا لكونه طعام الغير بل معتقدا بكونه طعام نفسه (1).
وهناك من قال بأن عنوان الغرور لا يصدق مع جهل الغار بيد ان قاعدة الغرور تشمل مثل ذلك ملاكا وان لم تشمله عنوانا (2).
وكلتا الدعويين كما ترى.
اما الاولى فلتقوّم صدق الغرور عرفا بعلم الغار وجهل المغرور.
واما الثانية فلأن ملاك الضمان في باب الغرور ليس إلاّ التسبيب
للخسارة ، ومعه فان تمّت قاعدة التسبيب كانت هي بنفسها دليلا على الضمان ، وان لم تتم وأنكرنا انعقاد السيرة العقلائية عليها فلا معنى للحكم بالضمان من باب صدق قاعدة الغرور ملاكا لأن ملاكها بقطع النظر عن صدق عنوان الغرور ليس سببا للضمان حسب الفرض.
وعليه فالمناسب في حالة جهلهما معا عدم التمسك بقاعدة الغرور لإثبات الضمان بل بقواعد اخرى ، كقاعدة الاتلاف أو اليد أو التسبيب حسب اختلاف الموارد.
1 - إذا دفع شخص للخيّاط قطعة قماش وقال له : ان كانت تكفي قميصا فقصّها فلما قصّها اتضح العكس فهل يضمن؟
2 - شخص أراد الزواج ومدح له ثان أخلاق امرأة معينة فلما تزوجها ظهر له سوء أخلاقها فهل يكون المادح غارّا ويلزمه ضمان المهر؟
3 - الطبيب إذا عالج المريض وأخطأ في علاجه فتارة يفرض انّه يعالج المريض مباشرة باجراء عملية له واخرى يصف له الدواء ويسبب له بعض المضاعفات فهل يكون ضامنا في الحالتين المذكورتين؟ وما هو التوجيه الفني لذلك؟
4 - الختّان إذا أخطأ وسبّب ضررا للمختون فهل يكون ضامنا ولما ذا؟
5 - إذا مدح البائع سلعته فلما اشتراها المشتري اتضح له الخلاف وسبّب ذلك له بعض الخسائر فهل يضمن البائع ذلك ولما ذا؟
6 - شخص قدّم طعاما للغير باعتقاد انّه له ثم اتضح انّه لغيره فهل يكونان ضامنين؟ ولما ذا؟
7 - شخص دعي لمأدبة فاصطحب معه شخصا آخر فهل يكون ضامنا لما أكله الآخر؟
8 - إذا قال شخص لآخر توجد في معرض الكتاب كتب تباع بسعر زهيد فسافر إليه فلم يجد الأمر كما أخبر فهل يجوز تغريمه اجور السفر؟
9 - شخص له قطعة فرش فرشها في الشارع الذي تمرّ به السيارات لينزل منها ما التصق بها من تراب فمرت سيارة مثقلة بالحديد فشقت قطعة الفرش فهل يكون صاحب السيارة ضامنا؟
1 - مضمون القاعدتين
2 - قاعدة واحدة أو قاعدتان
3 - مدرك القاعدتين
4 - استثناءات من قاعدة قبول الاقرار
5 - الاقرار بالدلالة الالتزامية
6 - التفكيك في الاقرار الواحد
7 - اختصاص القبول بموارد السلطنة الفعلية
8 - تطبيقات
هناك قاعدتان تداول ذكرهما على لسان الاعلام في باب الاقرار والمسائل المرتبطة بذلك احداهما باسم «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» ، وثانيتهما باسم «من ملك شيئا ملك الاقرار به».
اما القاعدة الاولى فهي الأصل الأساسي الذي تعتمد عليه مسائل كتاب الاقرار ، فانا لو ألقينا نظرة على تلك المسائل لرأيناها بشكل عام تعتمد على قاعدة «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز».
واما القاعدة الثانية فنادرا ما تذكر على لسان الفقهاء ، فنجد ذكرها في كلمات الشيخ الطوسي قدسسره في مسألة العبد المأذون في التجارة ، فقد ذكر ان العبد المذكور لو أقرّ بمال يتعلّق بالتجارة بأن قال مثلا هذا يستحق عليّ ثمن المبيع في هذا البيع وأمثال ذلك قبل اقراره لأن من ملك شيئا ملك الاقرار به (1).
1) رسالة من ملك شيئا ملك الاقرار به الملحقة بآخر المكاسب للشيخ الأنصاري.
وبقي ذكرها مستمرا على لسان من جاء بعد الشيخ من الفقهاء ، فقد أشار إليها المحقّق الحلّي في الشرائع في مسألة العبد المأذون أيضا.
وأشار لها الشهيد الأوّل في قواعده بعنوان «كل من قدر على إنشاء شيء قدر على الاقرار به» (1).
وحينما وصل الأمر الى الشيخ الأعظم الأنصاري نراه قد ألّف رسالة في القاعدة المذكورة ذكر في مقدّمتها : «اشتهر على ألسنة الفقهاء من زمان الشيخ قدسسره إلى زماننا قضية كليّة يذكرونها في مقام الاستدلال بها على ما يتفرّع عليها كأنها بنفسها دليل معتبر أو مضمون دليل معتبر ، وهي ان من ملك شيئا ملك الاقرار به ...» (2).
ويبدو ان هناك كلاما في ان القاعدتين المذكورتين هل هما قاعدة واحدة أو ان الاولى مستند للثانية أو هما متباينتان ولا ربط لإحداهما بالاخرى غايته قد تلتقيان في بعض الموارد. وسيتضح إن شاء اللّه تعالى ان الاحتمال الثالث هو الصحيح.
والذي نريد ان نفهمه من هذا الخلاف ان قلّة التعرض لقاعدة من ملك صار سببا لأن ينتابها شيء من الغموض ومن ثمّ صار سببا لتوهم انّها والاولى قاعدة واحدة أو ان الاولى مدرك للثانية.
ونمنهج الحديث حول القاعدتين ضمن النقاط التالية :
1 - مضمون القاعدتين.
2 - قاعدة واحدة أو قاعدتان.
3 - مدرك القاعدتين.
4 - استثناءات من قاعدة قبول الاقرار.
5 - الاقرار بالدلالة الالتزامية.
6 - التفكيك في الاقرار الواحد.
7 - اختصاص القبول بموارد السلطنة الفعلية.
8 - تطبيقات.
المقصود من قاعدة «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» ان كل عاقل إذا اعترف بشيء هو في غير صالحه كان ملزما باعترافه ، فلو اعترف بأن الدار التي اسكن فيها ليست هي لي بل لزيد اخذ باعترافه وكان ملزما به.
وهكذا لو قال : اني لم أدفع المهر لزوجتي وهو بعد في ذمّتي كان ذلك منه اعترافا على نفسه وكان ملزما به.
اما إذا قال : الدار التي يسكن فيها زيد ليست هي له بل قد غصبها منّي لم يكن ذلك منه مقبولا بل احتيج في تصديقه إلى اثبات بالبينة لأنّه ليس اعترافا على نفسه بل هو ادّعاء في صالح نفسه ونفعها ، والادّعاء المقبول هو ما كان في ضرر المدعي ولم يكن في صالحه لا ما كان في صالحه.
ومنه يتضح ان كلمة «على» المذكورة على لسان القاعدة يراد بها الاشارة الى حيثية كون الادّعاء في ضرر المدّعي ، فهو عليه وليس له.
كما اتضح ان المقصود من كلمة «جائز» الواردة على لسان
القاعدة هو الجواز بمعنى النفوذ والالزام وليس بمعنى الاباحة ، فالاقرار على النفس جائز يراد به ان الاقرار على النفس نافذ وتكون ملزمة به.
هذا بالنسبة الى القاعدة المذكورة.
واما قاعدة «من ملك شيئا ملك الاقرار به» فالمقصود منها ان كل من كان من حقّه القيام بتصرف معيّن فمتى ما أخبر عن تحقق ذلك التصرف قبل اخباره من دون مطالبة باثبات ذلك ، فلو اخبر الزوج الذي من حقّه طلاق زوجته متى ما شاء : انّي طلقت زوجتي قبل منه الاخبار المذكور وحكم بتحقق طلاق الزوجة بلا ان يطالب باثبات ما اخبر عنه من خلال البينة.
وهكذا الحال لو أوكلنا تصرّفا معينا إلى شخص فقلنا لأحد أصدقائنا : أنت وكيلي في شراء الدار الفلانية فجاء بعد فترة مخبرا باني اشتريتها بسعر كذا قبل منه ذلك بلا ان يطالب بالاثبات.
ومن هذا يتجلى ان المقصود من جملة : «ملك شيئا» السلطنة على التصرف المعين. كما وان المقصود من جملة : «ملك الاقرار به» نفوذ الاخبار عن تحقق ذلك التصرف المعين بلا مطالبة بالحجة على تحققه.
واتضح أيضا من خلال كل ما ذكرناه ان معنى كلمة الاقرار في القاعدة الاولى والقاعدة الثانية متغاير ، ففي القاعدة الاولى يراد منها الاعتراف في غير صالح النفس بينما في القاعدة الثانية يراد منها الاخبار عن تحقق التصرّف المعيّن.
من خلال ما ذكرناه في معنى القاعدتين يتضح ان القاعدتين
لا ترجعان إلى قاعدة واحدة بل لكل واحدة معنى يغاير المعنى المقصود من الثانية.
وبعد المغايرة بينهما لا وجه أيضا لدعوى ان قاعدة اقرار العقلاء هي مستند لقاعدة من ملك.
ان هاتين الدعويين قد نقلهما الشيخ الأنصاري عن بعض (1). وقد اتضح التأمل في كل منهما.
والمناسب ان يقال : إن القاعدتين متغايرتان مفهوما بيد انّهما قد يلتقيان موردا.
فاذا اخبر شخص بانّي قد أوقفت داري على الفقراء أو اوصيت بها إليهم قبل منه وكان ذلك موردا لكلتا القاعدتين.
وإذا قال : اني سرقت أو قتلت فلانا كان ذلك موردا لقاعدة اقرار العقلاء ولم يكن موردا لقاعدة من ملك لأن السارق والقاتل ليسا مسلّطين على القتل والسرقة.
واذا اخبر الوكيل عن شخص في بيع داره بتحقق بيعها قبل ذلك منه لقاعدة من ملك دون قاعدة اقرار العقلاء لأن الاخبار المذكور من الوكيل ليس اخبارا على نفسه بل هو اخبار عن قضية ترتبط بغيره.
وعليه فالنسبة بين القاعدتين من حيث المورد هي العموم من وجه.
1) رسالة من ملك شيئا ملك الاقرار به الملحقة بآخر المكاسب.
بالنسبة إلى قاعدة «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» قد يستدل عليها بالأدلة الأربعة.
اما الكتاب الكريم فلقوله تعالى : ( أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا ) (1)، وقوله : ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) (2)، وقوله : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) (3)، وقوله : ( كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) (4).
واما السنّة الشريفة فيكفي الحديث المشهور عن النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم : «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (5).
واما العقل فباعتبار ان العاقل لا يكذب على نفسه بما يضرّه فاذا أقرّ على نفسه حصل القطع بصدق المضمون المقرّ به.
واما الاجماع فواضح إذ لا مخالف في المسألة.
والكل كما ترى.
اما الآيات الكريمة فلأن المهم منها هو الآية الأخيرة - وإلاّ فما قبلها أجنبي عن المقام - وهي تدل على ان الانسان يجب ان يشهد بالحق ولو كان ذلك في غير صالح نفسه ، وغاية ما يقتضيه هذا ان ما ثبت كونه
حقّا تلزم الشهادة به ، وبالالتزام العرفي تدل على وجوب قبوله ، ولا تدل على انه لو شهد شخص على نفسه بشيء واحتملنا كونه مشتبها يلزم قبول ذلك أيضا.
وبكلمة اخرى : هي تدل على ان الحق إذا شهد به يلزم قبوله ، وهذا أمر مسلّم غير قابل للشك وإلاّ لم يكن الحق حقّا ، ولا تدل على ان كل ما شهد به ما دام هو على النفس يلزم قبوله حتى ولو لم يحرز كونه حقّا.
وامّا الحديث المشهور فهو كما قال صاحب الوسائل رواه جملة من علمائنا في كتبهم الاستدلالية من دون ان يعرف له مستند غير ذلك (1).
أجل رواه الاحسائي في كتابه عوالي اللآلي ناسبا له للنبي صلی اللّه عليه وآله وسلم (2)، والكتاب المذكور ليس موردا للاعتماد.
واما شهرة العمل به - على تقدير كونه حديثا - فهي لو تمّت كبرى وصغرى فلا يمكن التعويل عليها في المقام لاحتمال ان استنادهم إليه ليس لثبوت حجيته لديهم كحديث بل لأن مضمونه مضمون عقلائي لا يحتاج إلى رواية.
واما حكم العقل فهو غير ثابت بعد احتمال اشتباه المقرّ في اقراره. على انه لا ينفع في موارد تراجع المقر وادّعائه الخطأ في اقراره.
واما الاجماع فلأنّه محتمل المدرك - بل جزمي المدرك - لاحتمال استناد المجمعين إلى المدارك السابقة ، وهو انّما يكون حجّة من باب كاشفيته يدا بيد عن موافقة المعصوم عليه السلام ، ومع احتمال المدرك لا يجزم بكاشفيته المذكورة لاحتمال استناد المجمعين إلى المدرك - ومعه يجب
تقييم المدرك في نفسه بقطع النظر عن دعوى الاجماع - وليس الى المعصوم عليه السلام.
والمناسب ان يتمسك لتوجيه حجية الاقرار على النفس بالسيرة العقلائية المنعقدة على قبول الاقرار المذكور والزام المقرّ به حتى مع تراجعه ، وحيث انه لم يردع عنها فيستكشف امضاؤها.
هذا كلّه بالنسبة إلى مدرك قاعدة اقرار العقلاء.
واما قاعدة من ملك شيئا فقد ملك الاقرار به فقد يستدل عليها بما يلي :
1 - ما ذكره الشيخ العراقي من ان السلطنة على ايقاع الشيء واقعا تلازم السلطنة على اثباته والاخبار عنه ، فالمسلط على بيع داره مثلا مسلّط على اثبات ذلك بالاخبار عن تحققه (1).
وفيه : ان الملازمة المذكورة ليست ثابتة عقلا - لإمكان التفكيك في نظر العقل - ولا شرعا.
أجل غاية ما يمكن ادعاؤه هو الملازمة العقلائية ، بمعنى ان العقلاء يرون ان الشخص إذا كان من حقّه ثبوتا بيع داره فمن حقّه اثبات ذلك من خلال الاخبار عنه.
وهذا شيء له وجاهة ولكنّه بالتالي يرجع الى التمسّك بالسيرة العقلائية وليس إلى الملازمة المذكورة.
2 - التمسك بما دلّ على عدم جواز اتهام الامين ، كما في صحيحة مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهما السّلام : «ان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم
1) القواعد الفقهية للسيد البجنوردي 1 : 7.
قال : ليس لك ان تتّهم من قد ائتمنته ...» (1).
وفيه : ان ما ذكر يتم في مثل الوكيل الذي قد ائتمنه الموكل على القيام بتصرف معين ولا يتم في مثل الزوج إذا أخبر عن طلاق زوجته.
3 - التمسك بالسيرة العقلائية الجارية على ان الوكيل إذا أوكل إليه بيع دار أو طلاق زوجة وما شاكل ذلك ثم جاء بعد فترة وأخبر بتحقق ذلك قبل منه. وهكذا إذا أخبر الزوج بطلاق زوجته أو صاحب الدار ببيعها أو وقفها أو هبتها قبل ذلك منه بلا مطالبة بالبيّنة. وهكذا الحال في كل من كان من حقه ايقاع تصرّف معين فانّه يقبل منه اخباره عن تحققه.
وفيه : ان السيرة المذكورة وان كانت مسلمة في الجملة إلاّ انّها لا تدل على المطلوب، فان القبول في باب الوكالة يحتمل ان يكون اما من باب ان الوكيل تفترض وثاقته عادة وإلاّ لما اوكل إليه الأمر ومن ثمّ يكون القبول من باب حجية خبر الثقة ، أو من باب انّه قد ائتمن ، وليس لك ان تتهم من قد ائتمنته كما ورد في الصحيحة السابقة.
وهكذا الحال في اخبار الشخص عن طلاق زوجته أو الوصية بماله فانّه يقبل منه اما لوثاقته أو لكون المورد من موارد الاقرار على النفس.
ومن ثمّ لا يمكن ان نخرج بنتيجة كليّة ، وهي ان كل من ملك شيئا ملك الاقرار به ، فان السيرة العقلائية لو تمّت - ولم نحتمل استناد العقلاء إلى قواعد اخرى - فهي خاصة بموارد خاصة ولا يمكن التعميم
1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب الوديعة حديث 10.
إلاّ بمقدار ما انعقدت عليه السيرة.
4 - وقد يتمسك بالإجماع المنعقد على التمسك بالقاعدة. قال الشيخ الأنصاري: «الانصاف ان القضية المذكورة في الجملة اجماعية ، بمعنى انه ما من أحد من الأصحاب ممّن وصل إلينا كلامهم إلاّ وقد عمل بها في بعض الموارد بحيث يعلم انّه لا مستند سواها» (1).
وفيه : انه محتمل المدرك - لاحتمال استناد المجمعين الى السيرة أو غيرها من المدارك المتقدّمة - بل ان أصل تحققه غير محرز ، فان أول من تمسك بالقاعدة في حدود علمنا هو الشيخ الطوسي ولا يعلم بتمسك من قبله بها.
والنتيجة التي نخرج بها هي ان ثبوت القاعدة المذكورة بنحو القضية الموجبة الكلية أمر غير ثابت بل لا بدّ من الاقتصار على المتيقن من السيرة العقلائية.
تقدّم ان قاعدة اقرار العقلاء على أنفسهم جائز هي من القواعد التي انعقدت عليها سيرة العقلاء بيد انه يستثنى من ذلك بعض الموارد ، كموارد الاتهام ، كما لو فرض ان شخصا أقرّ بكونه سارقا واحتملنا ان غرضه من وراء ذلك قطع يده ومن ثمّ اعفاؤه عن الخدمة العسكرية ، ان الاقرار في مثل ذلك لا يكون نافذا لأن مدرك حجيته على ما تقدّم هو السيرة العقلائية ، وهي خاصة بموارد عدم الاتهام.
1) رسالة من ملك الملحقة بآخر المكاسب.
كما ويستثنى من ذلك باب الزنا فان من أقرّ على نفسه بالزنا لا يحكم عليه به بل لا بدّ من اقراره بذلك أربع مرّات للروايات الخاصة في المجال المذكور.
تارة يكون الاقرار بالدلالة المطابقية ، كأن يقول شخص : الدار التي أسكنها هي لزيد ، واخرى يكون بالدلالة الالتزامية ، كأن يقول الشخص. الدار التي أسكنها اشتريتها من زيد ، فان ذلك يتضمن الاعتراف بكونها لزيد غايته يدّعي انتقالها منه إليه فيكون كلامه المذكور من الناحية الاولى حجّة عليه وملزما به.
وهكذا لو قال أحد المتخاصمين للآخر في مال معين : بعنيه ، فانه يستبطن الاعتراف بكونه للآخر فيكون ملزما بذلك.
والوجه في الالزام بالاقرار التضمني في الحالات المذكورة هو السيرة العقلائية التي هي المدرك لحجية الاقرار فانها لا تفرق بين وجوه الاقرار.
إذا ادّعى شخص ان المرأة الفلانية هي زوجتي فهذه الدعوى تستبطن من ناحية الاعتراف بوجوب الانفاق عليها وبحرمة التزوّج باختها وامّها وبنتها وبحرمة التزوّج بزوجة اخرى اضافة إليها لو كانت رابعة. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى يتضمن الادّعاء المذكور وجوب تمكين نفسها منه وجواز النظر إليها وبحرمة الزواج بزوج آخر
غيره وما شاكل ذلك.
واللوازم المذكورة من الناحية الاولى تعدّ اقرارا من الشخص على نفسه بينما هي من الناحية الثانية تعدّ اقرارا منه لنفسه وليس على نفسه.
وعليه يكون الشخص المذكور ملزما باللوازم المذكوره من الناحية الاولى لقاعدة «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» بينما لا يكون له الحق في تطبيقها من الناحية الثانية لعدم وجود المثبت لها ، فان المثبت ليس إلاّ قاعدة الاقرار ، وهي تختص بما يتضمن الاقرار على النفس دون ما يتضمن الاقرار للنفس.
والمستند في التفكيك المذكور هو السيرة العقلائية المنعقدة على التمسك بالقاعدة فانّها تفكك بين الآثار بالشكل الذي ذكرناه.
أجل يمكن ان يقال بالنسبة الى الانفاق بعدم الزامه به لأنّه ثابت في مقابل تمكين الزوج من نفسها فاذا لم يحصل التمكين لم يجب عليه الانفاق.
ومن هذا القبيل أيضا ما لو قال شخص : زيد له عليّ ألف دينار كثمن للدار التي اشتريتها منه ، فان هذا الكلام يتضمن ادعاءين : ادّعاء اشتغال ذمّته لزيد بألف دينار وادّعاء عدم ملكية زيد للدار بالفعل ، وهو من الناحية الاولى اقرار على النفس فيقبل ويلزم بدفع ألف دينار بينما من الناحية الثانية ليس هو اقرارا على النفس بل للنفس فلا يكون حجّة.
ويمكن ان يقال بأن زيدا ما دام لا يلزم بتسليم الدار إلى المدّعي فلا يكون المدّعي بدوره ملزما بتسليم الثمن بل له حق الامتناع من باب المقاصة.
لو فرض انّا قبلنا القاعدة الثانية ، أي قاعدة من ملك وسلمنا انعقاد السيرة العقلائية عليها فلا بدّ من تخصيصها بموارد تحقق السلطنة فعلا ، فلو فرض ان الزوج بعد انتهاء عدّة زوجته ادّعى اني رجعت قبل انتهائها لم يقبل ذلك منه لأنّه في هذه الحالة ليس مسلّطا فعلا على الرجوع ليقبل منه اخباره عن تحققه قبلا. والسيرة العقلائية ان لم يجزم بعدم انعقادها على القبول في هذه الحالة فلا أقل من الشك ، وينبغي الاقتصار على القدر المتيقن في موارد الدليل اللبي كما هو واضح.
وهكذا الحال بالنسبة الى الوكيل في بيع الدار مثلا فانه إذا اخبر بعد عزله عن الوكالة ببيعه للدار قبل العزل لم يقبل منه ذلك لما تقدّم نفسه.
1 - إذا ادّعى المسلم انّه أعطى الذمام للكافر فهل يمكن الحكم بلزوم تصديقه؟ ولماذا؟
2 - إذا أقرّ شخص بكون شيء معيّن بيده ملكا لزيد ثم عقّبه بكونه ملكا لعمرو فما هو الموقف في الحالة المذكورة؟
3 - لو قال شخص لفلان عليّ مال ولم يشخّص ذلك المال فما هو موقف الحاكم في الحالة المذكورة؟
4 - لو قال شخص فلان يستحق عليّ درهما ثم تراجع عن اقراره
وادّعى كونه مخطئا أو فسّره بما يخالف الظاهر فما هو الموقف في الحالة المذكورة؟
5 - لو دخلنا بيت شخص وقال : هذا المكان نجس فهل نصدّقه ولما ذا؟ وإذا قال : هذا طاهر فهل نصدّقه ولما ذا؟
6 - إذا كان شخص يسكن دارا وادّعاها شخصان فتارة يكذبهما ويقول : هي لي ، واخرى يصدق احدهما ، وثالثة يقول : ليست هي لي من دون ان يقول هي لهما ، ورابعة يقول : هي لهما ، فما هو الموقف في الحالات المذكورة؟
7 - إذا قال شخص قد وهبت داري لزيد سابقا فلأي قاعدة يقبل قوله المذكور؟
8 - إذا قال شخص داري بعتها لزيد بألف دينار مثلا وقال زيد : نعم يستحق عليّ الشخص المذكور ألف دينار مقابل الدار صدّقا في ذلك ، ولكن هل يحتاج في تصديقهما إلى بيّنة أو يمين ولماذا؟
9 - إذا رأينا رجلا وامرأة في خلوة وادّعيا الزوجية بينهما فهل يصدّقان ولما ذا؟
10 - إذا قال شخص : هذا الكتاب الذي بيدي هو لزيد وقال : زيد ليس هو لي فما هو الحكم في هذه الحالة؟
1 - مضمون القاعدة
2 - مدرك القاعدة
3 - ألفاظ حديث الفراش ومعناه
4 - بم يتحقق الفراش
5 - مصاديق متعددة للفراش
6 - الدوران بين الفراشين
7 - القيافة وقاعدة الفراش
8 - أبو حنيفة وبعض آرائه
9 - تطبيقات
من القواعد المشهورة التي تسالم عليها جميع المسلمين قاعدة الفراش المستندة للحديث المشهور عن النبيّ صلی اللّه عليه وآله وسلم : «الولد للفراش وللعاهر الحجر».
ويشار إلى القاعدة المذكورة عادة في موردين : باب النكاح وباب اللعان.
اما باب النكاح فيذكر فيه ان الزوجة إذا تحقق منها الزنا أو وطء الشبهة فالولد المتكوّن بعد ذلك يبقى ملحقا بالزوج ولا يجوز نفيه عنه لقاعدة الفراش.
واما باب اللعان فيذكر فيه ان من ولد له ولد وكان يشك في نسبته إليه فلا يجوز له نفيه عنه لقاعدة الفراش ولكن لو جزم بأنّه ليس منه باعتبار انّه لم يواقعها طيلة الفترة فيلزمه نفيه عنه لئلاّ يلتحق بنسبه ما ليس منه ، ولكن لا يحكم الحاكم بالانتفاء عنه ظاهرا إلاّ بعد اللعان ، بأن يقول أمام الحاكم : أشهد باللّه اني لمن الصادقين فيما قلت
من نفي ولدها ، مكررا ذلك أربع مرّات ، ثم يقول بعد ذلك مرّة واحدة : لعنة اللّه عليّ إن كنت من الكاذبين.
وإذا تمّت صورة اللعان هذه حكم بانتفاء الولد عن الزوج ظاهرا ، ولا يتحقق بينهما بعد ذلك توارث وتنفسخ الزوجية ويزول الفراش.
هذا كلّه لو أمكن التحاق الولد به تطبيقا لقاعدة الفراش ، اما إذا لم يمكن الالتحاق به - كما لو فرض ان الزوج كان في مكان والزوجة في مكان آخر وثبت لدى الحاكم عدم تحقق شيء بينهما سوى العقد - تحقق الانتفاء بدعواه بلا حاجة إلى لعان.
انه في هذين الموردين تذكر قاعدة الفراش ويتمسك بها ولكن كما هي العادة لا يشار إلى تفاصيلها وحدودها.
ونمنهج الحديث حولها ضمن النقاط التالية :
1 - مضمون القاعدة.
2 - مدرك القاعد.
3 - ألفاظ حديث الفراش ومعناه.
4 - بم يتحقق الفراش؟
5 - مصاديق متعددة للفراش.
6 - الدوران بين الفراشين.
7 - القيافة وقاعدة الفراش.
8 - أبو حنيفة وبعض آرائه.
9 - تطبيقات.
يقصد بالقاعدة المذكورة ان الزوجة متى ما اولدت ولدا ولم يجزم بانتفائه عن الزوج فهو ملحق به ولا يحق له نفيه عنه لمجرّد عدم مشابهته له أو لغير ذلك من الأسباب. فكما ان الزوج لا يحق له نفي الولد عنه في صورة الجزم بكونه ولده كذلك لا يحق له ذلك حالة الشك واحتمال انّه ولده.
وبهذا يتّضح ان قاعدة الفراش هي كسائر القواعد المقررة حالة الشك ، فكما ان قاعدة الطهارة تتضمن الحكم بالطهارة على كل شيء حالة الشك في طهارته كذلك قاعدة الفراش تحكم بالحاق الولد بالزوج حالة الشك في انتسابه له.
ولا ينبغي ان يفهم من القاعدة المذكورة الحكم بالحاق الولد بالزوج حتى في حالة عدم امكان الالتحاق به - كما إذا فرض تحقق العقد فقط وغياب الزوج عن الزوجة غيابا كاملا أو فرض ولادة الطفل قبل مضي فترة أقل الحمل أو بعد مضي أقصى فترة الحمل - كما ينسب ذلك إلى أبي حنيفة على ما سيأتي بل المقصود الحكم بذلك حالة الشك وامكان الانتساب.
تستند القاعدة المذكورة الى الحديث المشهور عن النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم : «الولد للفراش وللعاهر الحجر». والحديث المذكور متفق بيننا وبين العامة على روايته عنه صلی اللّه عليه وآله وسلم .
وقد روي عندنا في نصوص متعدّدة ، كصحيحة سعيد الأعرج عن أبي عبد اللّه : «سألته عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد لمن يكون الولد؟ قال : للذي عنده لقول رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجر» (1).
والمقصود من قوله عليه السلام : «للذي عنده» : المولى المالك للجارية ، كما نبّه على ذلك الفيض الكاشاني في كتابه الوافي (2).
وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السلام : «ايّما رجل وقع على وليدة قوم حراما ثم اشتراها فادّعى ولدها فانه لا يورث منه شيء ، فان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر ...» (3).
هذه بعض الأمثلة في رواياتنا.
واما في أحاديث العامة فقد روى مسلم بسنده إلى عائشة : «اختصم سعد بن أبي وقّاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد : هذا يا رسول اللّه ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إليّ انّه ابنه ، انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة : هذا أخي يا رسول اللّه ولد على فراش أبي من وليدته ، فنظر رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم إلى شبهه فرأى شبها بيّنا بعتبة فقال : هو لك يا عبد ، الولد للفراش وللعاهر الحجر ...» (4).
وقد نقل أحمد بن حنبل في مسنده عن عبادة بن الصامت قسما
كبيرا من أقضية النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم ، حيث قال ما نصّه : «ان من قضاء رسول اللّه ان المعدن جبار والبئر جبار والعجماء جرحها جبار ... الى ان قال : وقضى ان الولد للفراش وللعاهر الحجر ...» (1).
ونصوصهم التي تنقل قاعدة الفراش كثيرة. وما ذكرناه مثال لها.
وقصّة الطعن على معاوية على القائه الحديث المذكور في سلّة المهملات مشهورة ، فان مطاعن الشخص المذكور وان كان يصعب حصرها إلاّ ان أشهرها أربعة : حربه لأمير المؤمنين عليه السلام ، وقتله حجرا الذي هو من خيار أصحاب النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم ، واستخلافه ولده من بعده ، واستلحاقه زيادا بأبي سفيان هاجرا بذلك حكم النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم بكون الولد للفراش وللعاهر الحجر (2).
ولا يراد بهذا الحكم أن زيادا ولد زنا ليقال كيف اذن نصّبه أمير المؤمنين عليه السلام فترة خلافته أميرا على بعض بلاد الإسلام الأمر الذي يستلزم امامته لجماعة المسلمين في صلاتهم التي لا تجوز لولد الزنا ، كلا لا يراد الحكم بأنّه ولد زنا ولا يمكن الحاقه بأبي سفيان ما دام ولد زنا وانّما يراد ان يقال ان مقتضى قاعدة الفراش الحاقه بوالده وزوج امّه لأنّه صاحب الفراش دون من زنا بها كأبي سفيان فان ذلك خلاف القاعدة المذكورة.
وبالجملة : الحديث المذكور يقطع بصدوره عن النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم ولا حاجة للبحث عن سنده وان كان تامّا أيضا اتفاقا.
هذا هو المدرك للقاعدة المذكورة.
واما الاجماع فلا يمكن التمسك به بعد كونه مستندا للحديث المذكور كما هو واضح.
تطلق كلمة «الفراش» بالكسر على المرأة باعتبار ان الرجل يفترشها ولكن المقصود منها في الحديث صاحب الفراش ، وهو الزوج أو المولى.
والعاهر هو الزاني من العهر بمعنى الزنا.
والمقصود من ثبوت الحجر للعاهر الكناية عن الخيبة وعدم ثبوت شيء له ، فان العرب تقول : فلان له التراب أو الحجر تقصد بذلك الكناية عن خيبته وعدم ثبوت شيء له.
وربما يحتمل كون المقصود الكناية عن الرجم وانه في حالة الزنا والشك في انتساب الولد يلحق بصاحب الفراش والزاني يرجم بالحجارة.
إلاّ ان المعنى الأوّل أرجح باعتبار ان حكم الزاني ليس هو الرجم بالحجارة دائما بل يختص ذلك بما إذا كان محصنا ، واما غير المحصن فحكمه الجلد.
لا اشكال في كون المقصود من الفراش هو الزوج ، ولكن بم يتحقق كونه فراشا ومتى يصدق ذلك؟ فهل يكفي في تحقق ذلك مجرّد
تحقق العقد أو يلزم تحقق الدخول؟
ان في ذلك احتمالات :
أ - تحققه بمجرّد العقد وان لم يتحقق بعده الدخول ، فنفس العقد بمجرده كاف في تحقق عنوان الفراش ويوجب الحاق الولد بالزوج.
وربما ينسب ذلك الى أبي حنيفة ، فقد ذكر العيني في عمدة القارئ الذي هو شرح لصحيح البخاري : شذّ أبو حنيفة فيما إذا عقد شخص على امرأة وطلّقها عقيب النكاح من غير امكان الوطء فاتت بولد لستّة أشهر من وقت العقد حيث ألحقه بالزوج. وهذا خلاف ما جرت به عادة اللّه من ان الولد انّما يكون من ماء الرجل والمرأة(1).
ب - تحقّقه بالعقد وامكان الوطء. وربما ينسب ذلك إلى الشافعي واحمد.
ج - تحققه بالعقد والدخول بالفعل. وينسب ذلك الى مذهب ابن تيمية (2).
هذا والأنسب ان يقال : ان المدار في تحقّق الفراش على العقد وامكان تحقّق الحمل من الزوج ، فلو فرض ان الزوج لم يدخل بزوجته ولكنه أراق منيّه على فرجها كفى ذلك في تحقق الفراش والحاق الولد به.
والوجه في ذلك : ان كلمة الفراش وان كان يراد بها الزوج ، ومقتضى اطلاق الحديث كفاية تحقق العقد في الالحاق بالزوج كما هو المنسوب إلى أبي حنيفة إلاّ ان من الواضح ان القاعدة المذكورة قاعدة
شرّعت في حالات الشك في الانتساب ، إذ مع الجزم بالانتساب الى الزوج فلا معنى لأن يعبّدنا الشارع بالالحاق به لأنّه تعبّد بما هو معلوم بالوجدان ، وهكذا لا معنى للتعبّد مع الجزم بعدم امكان الالتحاق بالزوج - لكونه في حبس أو مكان بعيد لا يمكن ان يصل معه إليها - إذ لا يمكن التعبّد بما يجزم ببطلانه ، فانّه تعبّد مرفوض عقلا وعقلائيا فيتعيّن بذلك كون المقصود التعبّد بالالحاق بالزوج في الحالات التي يمكن فيها الانتساب إليه ، ومن الواضح أن إمكان الالتحاق بالزوج لا يكفي فيه مجرّد العقد كما لا يلزم فيه تحقق الدخول بل يكفي امكان حصول التلقيح من ماء الرجل ولو مع الجزم بعدم تحقّق الدخول.
لا اشكال في تحقق الفراش بالعقد الدائم ، وذلك هو القدر المتيقن منه. ولكن ليس ذلك هو المحقق الوحيد له بل يتحقق أيضا بالعقد المنقطع وبالملك ، فان عنوان الفراش يصدق في الحالتين المذكورتين حقيقة.
هذا مضافا الى صحيحة سعيد الأعرج المتقدّمة حيث دلّت على ان الجارية المملوكة لمولاها إذا وطئها اثنان في طهر وحملت كان الطفل لمولاها التي هي عنده.
وهل يكفي في تحقق الفراش تحليل المولى جاريته لشخص فترة؟ نعم ذلك وجيه باعتبار ان التحليل سبب لحلية الجارية كالعقد والملك ولا فرق بينهما ، فكما يتحقق الفراش ويصدق بهما كذلك يتحقق بالتحليل.
وقد تسأل عن وطء الشبهة هل يكفي في تحقق عنوان الفراش؟
والجواب : تارة يفرض ان المرأة لها زوج ووطئها فترة الزوجية شخص آخر شبهة ، واخرى يفترض عدم وجود زوج لها ووطئها شخصان أحدهما شبهة والآخر بالزنا.
اما في الحالة الاولى فالولد ملحق بالزوج دون الواطئ شبهة لأن عنوان الفراش صادق على الزوج دون الواطئ شبهة.
وإذا قيل : ان حديث الولد للفراش يريد الحاق الولد بالزوج في الحالات التي يكون فيها أمر الولد مرددا بين كونه متولّدا من الزوج أو متولّدا من الزنا وليس بناظر لحالة دوران أمره بين كونه من الزوج أو من الواطئ شبهة.
والقرينة على نظر الحديث لما ذكر تعبيره في الجملة الثانية بجملة «وللعاهر الحجر»، فان المراد من العاهر خصوص الزاني ولا يعمّ الواطئ بالشبهة.
قلنا : هذا صحيح ولكن المفهوم من الحديث ان الولد متى ما أمكن الحاقه بالفراش يلزم الحاقه به سواء كان المقابل هو احتمال التولد من الزاني أو احتمال تولده من الواطئ بالشبهة ولا يفهم العرف الخصوصية لكون الاحتمال المقابل هو التولد من الزنا.
واما في الحالة الثانية فيمكن ان يقال بلزوم الاقتراع لتشخيص انتساب الولد لان احتمال تولده من كل منهما موجود ، وعنوان الفراش لا يصدق على أحدهما.
نعم إذا فرض صدق عنوان الفراش على الواطئ شبهة الحق به ، كما لو فرض ان امرأة كان لها زوج فترة سنوات وبعد ذلك اتضح انّه
اخوها من الرضاع فلا يبعد صدق عنوان الفراش عليه ويكون الولد ملحقا به عند زنا شخص بتلك المرأة.
إذا فرض ان امرأة طلّقها زوجها الأول وتزوجت بآخر بعد انتهاء العدة وولدت طفلا بعد زواجها بالثاني فهل يلحق الطفل بزوجها الأوّل أو بزوجها الثاني؟ ان لذلك أربع صور:
الاولى : ان يفترض امكان الحاقه بالأول ولا يمكن الحاقه بالثاني ، كما إذا كانت ولادتها لأقل من ستة أشهر من حين وطء الثاني مع عدم تجاوز أقصى فترة الحمل من حين وطء الأول.
انه في مثل ذلك يلزم الحاقه بالأول لفرض عدم امكان الحاقه بغيره ويستكشف بطلان نكاح الثاني لوقوعه في العدة إذ تكون المرأة المذكورة حاملا من الأوّل حين تزوّجها بالثاني ، وعدّة الحامل تنقضي بالولادة ومن ثمّ يكون تزوجها بالثاني زواجا في العدة ، والعقد على ذات العدّة مع الدخول موجب لحرمتها المؤبدة ولو مع الجهل.
الثانية : ان لا يمكن الحاقه بالأوّل بينما يمكن الحاقه بالثاني عكس الصورة السابقة ، كما إذا فرض ان الولادة تحققت بعد مضي أقصى فترة الحمل من حين وطء الأوّل ، بينما يفترض الفترة من حين وطء الثاني ليست أقل من فترة أقل الحمل ولا أكثر من فترة أقصى الحمل.
وفي مثل ذلك يتعيّن الالحاق بالثاني بعد عدم امكان الالحاق بالاول.
الثالثة : ان لا يمكن الحاقه باحدهما ، كما إذا كانت الفترة بين الولادة ووطء الأول أزيد من فترة أقصى الحمل وبينها وبين وطء الثاني أنقص من فترة أقل الحمل.
وفي مثل ذلك يكون منتفيا عنهما معا لعدم امكان الحاقه بهما.
ولكن ذلك لا يعني كونه من زنا لاحتمال دخول المني فيها بشكل آخر وهي لا تدري فتكون هي امّا له بلا أب.
الرابعة : ان يفترض امكان الحاقه بهما. وفي مثله يكون المناسب سقوط القاعدة في حقهما للمعارضة.
إلاّ انّه قد يقال بالالحاق بالثاني لأن ظاهر جملة «الولد للفراش» كونه تابعا للفراش الفعلي ، وحيث ان الفراش الفعلي هو الثاني فيلزم الالحاق به.
وفيه : ان الظهور المذكور مسلّم إلاّ ان المدار في فعلية الفراش على فعليته حين تحقق الوطء لا حين تحقق الولادة ، ومن الواضح انه في زمان وطء الأوّل كان هو الفراش الفعلي وفي زمان وطء الثاني كان هو الفراش الفعلي.
وعليه فالالحاق بالثاني من هذه الجهة مشكل.
والأنسب التمسك لذلك بموثق أبي العباس قال : «إذا جاءت بولد لستة أشهر فهو للأخير وان كان لأقل من ستة أشهر فهو للأوّل» (1).
1) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب أحكام الأولاد حديث 12.
القيافة تعني ملاحظة وجوه الشبه بين اثنين في اليد أو الرجل ونحوهما ليحكم بأن هذا ابن ذاك أو أخوه مثلا.
والمشهور بين الفقهاء حرمتها فيما إذا قصد ترتيب أحكام النسب بعد ملاحظة وجوه الشبه.
ويكفي لإثبات حرمتها ان العمل على طبقها يستلزم طرح قاعدة الفراش التي جعلها الشارع الميزان الوحيد في الحكم بالنسب عند الشك.
هذا ولكن توجد روايات قد يفهم منها جواز القيافة نذكر منها روايتين :
الاولى : ما ورد في قصة استسلام الامام الرضا عليه السلام للقافة في قضية ولده الامام الجواد عليه السلام ، فقد روى الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه وعلي بن محمد القاساني جميعا عن زكريا بن يحيى بن النعمان الصيرفي قال : «سمعت علي بن جعفر يحدّث الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين فقال : واللّه لقد نصر اللّه أبا الحسن الرضا عليه السلام فقال له الحسن : إي واللّه جعلت فداك لقد بغى عليه اخوته فقال علي بن جعفر : اي واللّه ونحن عمومته بغينا عليه ، فقال له الحسن : جعلت فداك كيف صنعتم فاني لم أحضركم؟ قال : قال له اخوته ونحن أيضا : ما كان فينا امام قطّ حائل اللون ؛ فقال لهم الرضا عليه السلام : هو ابني ، قالوا : فان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم قد قضى بالقافة فبيننا وبينك القافة ، قال : ابعثوا أنتم اليهم فامّا أنا فلا ولا تعلموهم لما دعوتموهم ولتكونوا في بيوتكم. فلما جاؤوا
أقعدونا في البستان واصطفّ عمومته واخوته واخواته وأخذوا الرضا عليه السلام وألبسوه جبّة صوف وقلنسوة منها ووضعوا على عنقه مسحاة وقالوا له : ادخل البستان كأنّك تعمل فيه ، ثم جاؤوا بأبي جعفر عليه السلام فقالوا : ألحقوا هذا الغلام بأبيه فقالوا : ليس له هاهنا أب ولكن هذا عمّ أبيه وهذا عمّ أبيه وهذا عمّه وهذه عمّته وان يكن له هاهنا أب فهو صاحب البستان فان قدميه وقدميه واحدة فلما رجع أبو الحسن عليه السلام قالوا : هذا أبوه ...» (1).
ولأجل هذا الخبر خالف صاحب الحدائق المشهور في مسألة القيافة واختار جوازها باعتبار انّه عليه السلام أجابهم إلى ما سألوا ولو كان ذلك محرّما لما أجابهم إلى ذلك ، وكيف يجيب عليه السلام الى محرم ، مضافا الى انّهم نقلوا عن رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم قضاءه بالقافة وهو عليه السلام لم يكذّبهم بل قررهم على ذلك (2).
الثانية : ما روي في كتب العامة مكرّرا عن عائشة : «ان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم دخل عليّ مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال : ألم تري ان مجزّزا نظر آنفا الى زيد بن حارثة واسامة بن زيد فقال : ان بعض هذه الأقدام لمن بعض» (3).
وكأن الوجه في التشكيك في نسبة اسامة إلى زيد ان زيدا أبيض اللون بينما اسامة شديد السواد لأنّ امه أم أيمن كانت حبشية سوداء.
واسترّ النبيّ صلی اللّه عليه وآله وسلم لأنّ شهادة مجزز القائف الذي كان يجزّ ناصية الاسراء في الجاهلية - ومن هنا سمّي بمجزّز - أزالت ذلك.
والسرور المذكور وركونه صلی اللّه عليه وآله وسلم الى شهادة القائف يدل على جواز القيافة والاستناد إليها.
وكلتا الروايتين كما ترى.
اما الاولى فلأنّها ضعيفة بزكريا الصيرفي الراوي لها فانّه مجهول الحال. ومضمونها لا يمكن قبوله إذ كيف يحتمل وصول المستوى بأعمام الامام عليه السلام واخوته الى حدّ لا وازع لهم من ابراز مخدراتهم - بنات النبوّة والامامة - أمام القائف ناظرا في أرجلهن.
وكيف يحتمل ذلك في حق علي بن جعفر الذي كان يقدّس مقام الامامة إلى حدّ بعيد ، فقد روى الكليني بسنده إلى محمّد بن الحسن بن عمار : «كنت عند علي بن جعفر بن محمّد جالسا بالمدينة وكنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما يسمع من أخيه - يعني أبا الحسن عليه السلام - إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام المسجد - مسجد الرسول صلی اللّه عليه وآله وسلم - فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولا رداء فقبّل يده وعظّمه فقال له أبو جعفر عليه السلام:يا عم اجلس رحمك اللّه فقال :يا سيدي كيف أجلس وأنت قائم ، فلما رجع علي بن جعفر الى مجلسه جعل أصحابه يوبّخونه ويقولون : أنت عمّ أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل ، فقال : اسكتوا إذا كان اللّه عزّ وجلّ - وقبض على لحيته - لم يؤهّل هذه الشيبة وأهّل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه انكر فضله! نعوذ باللّه ممّا
تقولون بل أنا له عبد» (1).
واما الرواية الثانية فلو ثبت صحّة سندها وفرض نزول تحريم القيافة تلك الفترة فيمكن ان يقال : ان سرور النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم كان للنتائج التي توصّل اليها مجزز ، وهي نفي التشكيك عن نسب اسامة وذلك ليس فيه أي دلالة على امضاء القيافة وفعل القائف.
عرفنا فيما سبق ان قاعدة الفراش شرعت أمارة حالة الشك في الانتساب ولم تشرّع لإثبات الانتساب الى الزوج تعبّدا حتى مع الجزم بعدم الانتساب إليه.
هذا ولكن المنسوب الى أبي حنيفة ان حيثية الفراش تتحقق بمجرّد العقد ولو لم يتحقق دخول وأنتج ذلك نتائج غريبة التزم بها وبنى عليها اشار الى بعضها ابن قدامة في المغني منها:
أ - إذا غاب الزوج غيبة طويلة وبلغ الزوجة خبر وفاته فاعتدت ثم تزوّجت بآخر وجاءت منه بأولاد ثم جاء زوجها الأول فالعقد الثاني باطل ويلحق الأولاد بالأول لأنّه صاحب الفراش.
ب - لو تزوج مشرقي بمغربية ولم يجتمعا أصلا وجاءت بولد لستة أشهر من حين العقد الحق بالزوج حتى لو طلّقها عقيب العقد بلا فاصل.
ج - لو تزوج رجلان اختين وزفت كل واحدة الى زوج الاخرى
1) اصول الكافي 1 : 322.
اشتباها ووطئ كلّ منهما من زفّت إليه وحملت فالولد للزوج الأصلي تطبيقا لقاعدة الفراش(1).
والانتهاء الى مثل هذه النتائج ليس بغريب بعد ما نقل ابن حزم في المحلى : من عجائب الدنيا ابطال أبي حنيفة الحج بوطء الرجل امرأته ناسيا لإحرامه وقد صح ان اللّه تعالى لا يؤاخذ بالنسيان ثم لا يبطل الحج بتعهد القصد إلى ان يلوط في احرامه أو يلاط به، فهل في الفضائح والقبائح أكثر من هذه المعصية وأعجب شيء دعواهم الاجماع عليه (2).
وفتواه في عدم لزوم قتل اللائط متأوّلا في ذلك الأحاديث الدالّة على لزوم قتل الفاعل والمفعول به بحملها على المستحل أو على أمر سياسي قد تناقلتها كتب علماء الحنفية (3).
1 - امرأة متزوجة زنا بها شخص وولدت طفلا يشابه الزاني تماما واجريت الفحوصات وتحاليل الدم فلوحظ الشبه الكامل في الدم وغيره بين الزاني والطفل فبمن يلحق؟
2 - امرأة لها زوج لا ينجب زرّقت بحيامن شخص آخر وحملت بمن يلحق الطفل؟
3 - شخص لم يجامع زوجته من القبل وزرّقت لها حيامن شخص آخر أو زنا بها آخر وحملت بمن يلحق الحمل؟
4 - شخص كان يجامع زوجته عازلا عنها المني أو كان يستعمل الكيس أو تتناول هي الاقراص وحملت فلمن الحمل بعد افتراض ان شخصا زنا بها أو وطئها شبهة؟
5 - شخص أجرى لنفسه عملية جراحية منعته بعد ذلك من الانجاب فلو حملت زوجته بعد ذلك - بعد فرض زنا شخص آخر بها - فبمن يلحق الطفل؟
6 - إذا وطئ شخصان بالشبهة امرأة فولدت فبمن يلحق الطفل؟
تمّ بتوفيق اللّه سبحانه مراجعة كتابنا المذكور في مدينة قم المقدّسة يوم 26 / ذي الحجّة / 1417 ه. ونسأله تعالى أن يتقبّل ذلك منّا بلطفه وكرمه انّه الجواد الكريم.
باقر الايرواني
قاعدة القرعة والاستخارة... 9
1 - مضمون القاعدة... 13
2 - مدرك القاعدة... 13
3 - عموم القاعدة لما لا تعين له واقعا... 18
4 - عموم القاعدة لغير باب التنازع والقضاء... 20
5 - القرعة أصل أو أمارة... 21
6 - اختصاص القرعة بالامام... 22
7 - القرعة رخصة أو عزيمة... 24
8 - مورد القرعة... 25
9 - كيفية القرعة... 28
10 - الاستخارة بين نصوص أهل البيت : والمتشرّعة... 28
11 - تطبيقات لقاعدة القرعة... 38
قاعدة الطهارة... 41
1 - مضمون القاعدة... 44
2 - مدرك القاعدة... 44
3 - عموم القاعدة للشك في النجاسة الذاتية... 51
4 - عموم القاعدة لمورد استصحاب النجاسة... 52
5 - شمول القاعدة لموارد الشبهة الحكمية... 54
6 - قاعدة الطهارة حكم ظاهري أو واقعي... 55
7 - شرطية الطهارة ومانعية النجاسة... 57
8 - تطبيقات... 58
قاعدة الالزام... 59
1 - مضمون القاعدة... 62
2 - قاعدتا الالزام والامضاء... 63
3 - مدرك القاعدة... 64
4 - اباحة أو صحّة واقعية... 67
5 - عموم القاعدة لسائر ذوي الأديان... 70
6 - مصاديق لقاعدة الالزام... 71
7 - تطبيقات... 73
قاعدة سوق المسلمين... 75
1 - مضمون القاعدة... 78
2 - مدرك القاعدة... 79
3 - يد المسلم... 81
4 - السوق امارة... 82
5 - تحليل نكتة امارية السوق... 84
6 - لا فرق بين فرق المسلمين... 87
7 - مصنوع أرض الإسلام... 89
8 - تطبيقات... 90
قاعدة السلطنة... 93
1 - مضمون القاعدة... 96
2 - مدرك القاعدة... 97
3 - المحتملات في قاعدة السلطنة... 100
4 - حدود قاعدة السلطنة... 104
5 - التسلّط على الحقوق... 106
6 - التسلّط على النفس والأعضاء... 108
7 - السلطنة والضرر... 111
8 - تطبيقات... 112
قاعدة الميسور... 115
1 - مضمون القاعدة... 119
2 - مدرك القاعدة... 120
3 - الاستصحاب والقاعدة... 124
4 - اطلاق الأدلّة الأوّلية والقاعدة... 127
5 - تطبيقات... 128
قاعدة على اليد... 131
1 - مضمون القاعدة... 134
2 - مدرك القاعدة... 136
3 - حكم وضعي أو تكليفي... 140
4 - ضمان المنافع والاعمال... 142
5 - المثل أو القيمة وبدل الحيلولة واجرة الرد... 143
6 - عموم القاعدة للجاهل والصغير... 145
7 - استثناء يد الامانة والاحسان... 145
8 - أسباب اخرى للضمان... 147
9 - تطبيقات... 149
قاعدة الغرور... 151
1 - مضمون القاعدة... 154
2 - مدرك القاعدة... 156
3 - قاعدة التسبيب... 160
4 - اعتبار الجهل في صحة التمسك بالقاعدة... 164
5 - تطبيقات... 165
قاعدتا الاقرار... 167
1 - مضمون القاعدتين... 171
2 - قاعدة واحدة أو قاعدتان... 172
3 - مدرك القاعدة... 174
4 - استثناءات من قاعدة قبول الاقرار... 178
5 - الاقرار بالدلالة الالتزامية... 179
6 - التفكيك في الاقرار الواحد... 179
7 - اختصاص القبول بموارد السلطنة الفعلية... 181
8 - تطبيقات... 181
قاعدة الفراش... 183
1 - مضمون القاعدة... 187
2 - مدرك القاعدة... 187
3 - ألفاظ حديث الفراش ومعناه... 190
4 - بم يتحقق الفراش... 190
5 - مصاديق متعددة للفراش... 192
6 - الدوران بين الفراشين... 194
7 - القيافة وقاعدة الفراش... 196
8 - أبو حنيفة وبعض آرائه... 199
9 - تطبيقات... 200